نص شعري
رسالة إلى منظمة المؤتمر الإسلامي
د. محمد بن ظافر الشهري
أيُّهذا المؤتَمَرْ
أيها الحُلْم الجميل
أنا لن أطلب منك «المستحيل»
علّمَتْني كلُّ دوراتك أن أقنع بالشيء القليل
عمقت فيَّ لقاءاتُكَ أخلاقَ القناعة
وانضباطَ النفسِ والبالَ الطويلْ
كلّ ما نَمّيْتَه فيّ فمِن هذا القبيلْ
آهِ.. لو أنكَ حيّدتَ الشعارات وسوّدتَ الدليل
أيها الحلم لك الشكر الجزيلْ
نحن لم ننس قراراتك جيلاً بعد جيلْ
فقراراتك لا تُنسى ولا تخفى
و «هل يخفى القمر؟ !»
أيهذا المؤتمرْ
أنا لا أطمع في صدق أبي بكر
ولا عدل عمرْ
بل ولا في شعر حسان بن ثابتْ
إنما أطلب أن تبقى الثوابت
أتمنى..
أن أرى جهدكَ في دفع السفينة
وأرى قلبك في أم القرى أو في المدينة
وأرى كفك تمتد إلى القدس السجينة
وعلى رأسكَ تاجاً من أحاديث صحاحٍ وسُوَر
أيهذا المؤتمر
لا تحلّنَّ النزاعات
ولا تُنْهِ الخلافاتِ
ولا تطوِ المسافاتِ
ولا تلغِ جوازات السفر
جئتُ يا «عبد المعينْ»
ومرادي..
أن يسير الشرعُ مرفوع الجبين
في ديار المسلمينْ
ويجوزَ الدهرُ أيامَ التَّتَر
أيهذا المؤتمر!
أنا لا أطمع أن تقنع لي راعي البقر
أن في الغرب تماسيحَ
وفي الشرق بشرْ
لا تعنِّف عَبَدَ الطاغوتِ أو أهل الكتابْ
يوم أن ذقنا على أيديهمُ شتى العذابْ
لا تهزّنكَ صرخاتُ الثكالى
وعويلُ الحرة المفزع بعد الاغتصابْ
أنا لن أمعن في هذا العتابْ
كل ما أطلب أن تشعر يوماً بالخطرْ
أيهذا المؤتمر
خذ من الحكمة ما شئتَ وما شئتَ فَذَرْ
فعلى وجهكَ لا تظهرُ آثارُ الكِبَرْ
أنتَ والله في أعيننا أصغر من «طفل الحَجَرْ»
أيهذا المؤتمر
أيها الحلم الجميلْ
أنا لن أطلب منك «المستحيلْ»
علمتني كل دوراتك أن أقنع بالشيء القليلْ
عمقت فيّ لقاءاتُك أخلاقَ القناعة
وانضباطَ النفسِ.. والبالَ الطويلْ
أيها الحلم لك الشكر الجزيلْ
فأنا أدركُ أن الخيرَ خيرٌ.. وبأن الشرّ شرّ
وبأن الجِدَّ جِدٌّ.. وبأن المؤتمرْ
مؤتمرْ!
стр. 3712
حوار
حوار مع الدكتور محمد الراوي
أجرى الحوار: وائل عبد الغني
ضيفنا في سطور
* يعمل حالياً عضواً في مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر بعد عمر
بارك الله فيه جاوز السبعين.
* تخرج في كلية أصول الدين جامعة الأزهر.
* خدم القرآن الكريم أستاذاً وخطيباً وإذاعياً.
* عمل قرابة ربع قرن أستاذاً ثم رئيساً لقسم التفسير بجامعة الإمام محمد بن
سعود بالرياض.
من مؤلفاته:
* الدعوة الإسلامية دعوة عالمية.
* كلمة الحق في القرآن الكريم موردها.. دلالتها.
* حديث القرآن عن القرآن.
* الرضا.
* الإنسان في القرآن.
البيان: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فأهلاً برجل
نحسبه من أهل القرآن ولا نزكيه على الله، ومرحباً بمن عَمُر عُمُرُه بالقرآن على
صفحات مجلتكم.. مجلة البيان.
فضيلةَ الدكتور! بما أنكم من المتخصصين في القرآن وعلم التفسير؛ فهل لنا
أن نسأل عن درس التفسير: لماذا لم يعد له رونقه وحضوره على الساحة الإسلامية
العامة كما كان من قبل؛ حيث حرك الدعوات وسيَّر الحركات، كدروس ابن
الجوزي وابن تيمية قديماً وابن باديس حديثاً؟
* من رحمة الله بالأمة الإسلامية أن حفظ هذا الكتاب، وهو القرآن وتكفل
بحفظه، ولم يدع حفظه لأحد من خلقه كما قال تعالى: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا
لَهُ لَحَافِظُونَ] (الحجر: ٩) .
من تدبر القرآن وكأنه نزل الآن فلا يحتاج إلى تكلف في فهمه ولا عسر ولا
مشقة، متى تفتحت له القلوب واستعدت النفوس، وتهيأ الجو المناسب لتوجيه الأمة
إلى العمل بكتاب الله؛ لأن التفسير الحقيقي للقرآن هو نفس القرآن؛ فالقرآن يفسر
بعضه بعضاً، والبيان إنما يكون من رسول الله ﷺ ، بما ثبت عنه
قولاً وعملاً وإقراراً.
إذا نظرنا للمسألة من هذه الناحية بالذات أدركنا أن هذا البريق لا يمكن أبداً أن
يضعف في يوم من الأيام، أما إذا كان التوجه للقرآن لأسباب شتى غير العمل به،
فهنا يمكن أن يردَّ ما قلت، أما عندما يراد العمل به فسيكون في متناول الجميع بلا
عسر ولا حرج ولا مشقة ولا تكلف؛ فالأمر كله مرتبط بالقرآن نفسه، ولا يمكن
أن يتبدل مع الزمان أو يغيب، كما قال تعالى: [قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ
مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ
بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (المائدة: ١٥-١٦) . وقال: [إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] (ق: ٣٧) فهو نور وهداية
لمن فتح ملكاته واتبع سبيل ربه، والأمر لا يتوقف في هذا على المفسِّر وحده.
البيان: إذن كيف ترون الأمر؟ لأن هناك مشكلة بلا شك في عدم تمحور
الناس حول كتاب الله تعالى كما كانوا من قبل، وأحسب أن درس التفسير ذا القبول
العام يمكن أن يعيد الناس إلى الجادة؛ فلماذا اندرس إذن؟
* صدقني المشكلة ليست في درس التفسير بقدر ما هي مشكلة الناس! الناس
اتخذوا هذا القرآن مهجوراً؛ وهذا القرآن لا يمكن أبداً أن يعطي من اتخذه مهجوراً،
ولا أعني بالهجر مجرد قول المشركين: [لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ
تَغْلِبُونَ] (فصلت: ٢٦) .
وإنما هجره بالبعد عن تحكيمه واتباعه كما يجب أن يكون، واتباع الأهواء؛
فتدبر معي قوله تعالى: [فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ
أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ]
(القصص: ٥٠) .
هذا هو شأن القرآن نزل ليُتدبر وليعمل به، ومتى غاب التدبر والعمل يصبح
الكلام عن القرآن كلام تعالم وبحوث تُملأ بها الأدراج وتؤخذ عليها الشهادات،
فيصبح الناس في وادٍ والقرآن في وادٍ آخر.
البيان: ولكن المشكلة كما تقولون فيمن يبلِّغ هذا القرآن؟
القرآن في ذاته بلاغ، ومن فضل الله أنه يتلى على الناس صباح مساء حتى
من إذاعات الأعداء، ولكن المشكلة في الهجر؛ هجر الاتباع وهجر العمل به،
الحفَّاظ يملؤون الآفاق، وكليات القرآن وأقسام التفسير وعلوم القرآن كثيرة، لكن
القرآن نزل ليحكم سلوك الناس وروابطهم وأعمالهم؛ فهل يسمح له بذلك؟
البيان: لكن هناك حلقة أو حلقات مفقودة في ربط الناس بالقرآن، وأحسب
أن درس التفسير بمقوماته الناجحة والتي نسأل عنها يمكن أن يلعب دوراً كبيراً قد
لعبه من قبل في هذا الباب؟
* درس التفسير ليس هو كل شيء بعدما أصبحت الوسائل الآن أمام نظر
الناس متعددة ومتنوعة في جميع الاتجاهات.
والمشكلة التي ينبغي أن تُبحث هي: كيف نجعل هذه الوسائل على اختلافها
خادمة لرسالة القرآن في جعله موجهاً لحياة الناس؟ هذا لا يتوقف على التفسير
وحده في ظل الوسائل العصرية المتعددة والمتشابكة التي تحتاج إلى تفكير
موضوعي في كيفية الإفادة منها؛ وللأسف فإن هذه الوسائل أصبحت تشوش علينا
أكثر من كونها تخدمنا.
بالأمس كان الرجل يجلس على شاطئ الأطلسي غرباً وخليفة المسلمين في
الشرق والرابط بينهما هو القرآن، واليوم لدينا وسائل اتصال على تنوعها من
إذاعات موجهة وقنوات فضائية، لكنها فرغت من مضمونها فكان البون شاسعاً.
القرآن وحده كافٍ لو سمحنا له أن يطرق القلوب وأن يؤدي رسالته فينا، ولا يكون
نصيبه منا هو تشييع الموتى وإقامة الجنائز والإشعار بالتبرك، وإذا صُرِفَ القرآن
عن غايته فماذا يفيد الذي يدرسه؟
البيان: وكيف يمكن للأمة أن تستفيد من القرآن وهي في وضعها وحالها كما
ترون؟
لا يمكن أن تستفيد الأمة بالقرآن إلا إذا راجعت موقفها منه، وبحثت كيف
استفاد أصحاب رسول الله ﷺ منه؟ كيف عملوا به؟ كيف كان
هو وسيلة الاتصال مع ما بعدت به الديار؟
الأمر يحتاج لأمة تتضامن لتعمل وتأخذ بالأسباب، ولا يصلح الأمر إلا
بأسباب الصلاح التي جعلها الله كذلك، والله تعالى جعل لكل شيء سبباً فلا نضع
سبباً مكان آخر.
ومن أولى الأسباب في أداء رسالة القرآن فينا أن نصحح أمر الإنسان، وأن
نعلم أنه هو الأصل في أي نهضة أو حضارة أو تصحيح؛ فالإنسان الصالح تصلح
به الأمور الفاسدة، والإنسان الفاسد تفسد به الأمور الصالحة.
والقرآن لم ينزل إلا من أجل الإنسان والمحافظة عليه في سلوكياته وروابطه
وعمله واعتقاده، وفي علمه ومعرفته بحكمة خلقه وغاية وجوده، إذا نجحنا في أن
نعيد الفرد ليتربى على القرآن وينهل منه كما نهل الصحابة رضوان الله عليهم إذ
كانوا يتعلمون الآيات عشراً عشراً يدرسونها ويحفظونها ويعملون بها، فأخذوا
القرآن فهماً وقولاً وعملاً.
أقول إذا نجحنا في هذا نكون قد نجحنا بتوفيق الله في تقديم المثل الحي الذي
يشار إليه، فيقال هذا نبت القرآن، ونكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح.
البيان: ولكن القرآن يحتاج إلى موقِّف يفسر للناس معانيه؟
* في رأيي الأهم هو المنهجية التي يتعامل بها الناس مع القرآن. نعم! دور
المفسر مهم في بيان الدلالة، ولكن لو نظرت إلى آيات القرآن لوجدت أن أغلبها لا
تحتاج إلى بيان الدلالة لو وُجِدت القلوب المقبلة المتفتحة، وهذه هي معجزة القرآن:
أنه ميسر ليس فيه تعقيد.
اقرأ معي قول الله تعالى: [اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ
العَالَمِينَ] (غافر: ٦٤) .
هل ترى كلمة واحدة تحتاج إلى تفسير؟ خاصة وأنت ترى دلالتها في الواقع:
الأرض قرار وأنت تمشي عليها وتأكل منها، وتنبت منها، وتدفن فيها.
البيان: لأهل القرآن المشتغلين العاملين به حلاوة وروح قلَّ أن تجدها في
غيرهم؛ فما السر في ذلك؟
السر هو العقيدة الحية التي يتربى عليها المرء وهو يعايش القرآن، والقرآن
كله كتاب عقيدة من أوله حتى آخره مدنيه ومكيه.
لكن العقيدة حين يعالجها القرآن تجد فيها حياة وحركة تكاد ألاَّ تنفصل عن
حياة الناس، ولو تدبرنا القرآن لوجدناه يوجه مظاهر الكون التي نراها كلها إلى
الاعتقاد. انظر على سبيل المثال كيف ربط الحر وهي ظاهرة كثيراً ما يعاني منها
الإنسان بحقيقة أخرى هي النار؛ وهذا توجيه دائم متكرر في القرآن؛ فحين قال
قائل في غزوة تبوك: [لاَ تَنفِرُوا فِي الحَرِّ] (التوبة: ٨١) .
جاء الربط مباشرة بالعقيدة: [قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَراًّ] (التوبة: ٨١)
لتظل هذه الظاهرة تذكِّر دائماً بالنار التي ينبغي أن يظل اتقاؤها وازعاً في حياة
الناس وإن شغلتهم الشواغل.
وقوله تعالى: [وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ
اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي المُوتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]
(فصلت: ٣٩) كم يتكرر هذا المشهد أمام الإنسان يرى الماء أمامه ينبت به
الزرع، لكن القرآن ينقل هذه الصورة ليحقق اعتقاداً إن غاب عن المجتمع غاب
معه السلام الحقيقي والأمن الحقيقي؛ وهي قضية البعث؛ ولذلك تجد في أكثر من
آية: [كَذَلِكَ النُّشُورُ] (فاطر: ٩) إلى [إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتَى]
(الروم: ٥٠) .
استخدم حركات الكون أمامك ليربطك بالله: [يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي
ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ] (النور: ٤٤) .
حقائق وجود الإنسان خذ منها قوله تعالى: [كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن
رَّآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى] (العلق: ٦-٨) انظر كيف جعل: [إِنَّ
إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى] (العلق: ٨) كافة لطغيان الإنسان.
انظر حين يأخذك في رحلة في سورة الأنعام أو في الروم أو في غافر تجده
يأخذك في الرحلة ثم يقول: [ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ]
(الأنعام: ١٠٢) ومن قبلها يريك الحبة كيف تنبت ويجعلك تشاهدها:
[إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى] (الأنعام: ٩٥) ثم يريك الليل والنهار:
[فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً] (الأنعام: ٩٦) .
يريك النجوم، يريك نزول الماء وإنبات الزرع وتنوع النابت منه وبعد ذلك
كله يقول: [ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ] (الأنعام: ١٠٢) الذي خلق وقدر وأوجد: [ذَلِكُمُ
اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ]
(الأنعام: ١٠٢) . ربط بين أن الأمر والخلق له وحده وبين توحيده بالطاعة
والعبادة: [أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ] (الأعراف: ٥٤) .
هذه المعايشة ربما غابت عن غير أهل القرآن في زحمة همومهم، وربما زاد
منها تعلق النفوس بأسباب الحياة الحديثة (التكنولوجيا والمادة) مع أن الله خلق
المادة وأوجد العقل، هذا الحضور نحن محتاجون إليه في كليات حياتنا وجزئياتها،
وهو ما يجده الإنسان في القرآن دون كتب العقيدة؛ فكتب العقيدة مع ما أدته من
دور مشكور في حفظ عقائد الإسلام وتصفيتها من الشوائب إلا أنها قدمت العقيدة
بأسلوب لا يخلو من جفاف؛ فهي قد قدمت العقيدة لكنها لم تقدم روحها العملية
الموجودة في القرآن، وهذه معجزة من معجزاته.
البيان: لكن القرآن عقيدة، وشريعة، وسلوك؛ والقرآن اهتم بها ثلاثتها؟
* العقيدة تمثل روح القرآن كله؛ وما كان للشريعة والسلوك أن ينتظما دون
عقيدة، والقرآن سواء مكيه ومدنيه اهتما بالعقيدة، وما يقال من أن المكي اهتم
بالعقيدة والمدني اهتم بالتشريع هو من باب التقريب لا من باب التحقيق؛ لأني لا
أرى آية في القرآن تخلو من العقيدة.
وأضرب لما قلت بمثل قضية الخطبة، انظر كيف ينتظم أمرها بالعقيدة:
يقول الله تعالى: [وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي
أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِراًّ إِلاَّ أَن تَقُولُوا قَوْلاً مَّعْرُوفاً
وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ
فَاحْذَرُوهُ] (البقرة: ٢٣٥) والآية في سورة البقرة وهي مدنية، وما كان أمر
الخطبة يتزن في النفوس لولا اللمسة الأخيرة: [وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ
فَاحْذَرُوهُ] (البقرة: ٢٣٥) هذه اللمسة جعلت التشريع أمامك يتزن ظاهراً وباطناً.
أعود فأكرر: هذه العقيدة الحية المبثوثة في آيات الله وفي آيات القرآن في
تشريعه في أحكامه وآدابه هي التي تكسو المتبع للقرآن بثوبها والله تعالى قد أمر
نبيه ﷺ أن يصرح بما أمره الله به حيث أمره بأمور ثلاثة هي:
[إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ
المُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ القُرْآنَ] (النمل: ٩١-٩٢) وتلاوة القرآن مع قرينتيها هي
من أعظم أسباب الهداية.
البيان: لكن مثل هذه الحقائق: مَنِ الذي يجليها للناس؟ أليس هو المفسِّر؟
* طلبة العلم موجودون بوفرة ونحسبهم صادقين؛ لكن التوجه الذي أسرت
فيه الأمة بغارة لا نظير لها في تشابكها، في الأرض والهواء والماء وفي الكلمات
وفي المعاني، هذه الهجمة الشرسة دون سابقة دخلت غرف النوم وغزت صميم
الأسرة وتكوين المجتمع. أنا لست متشائماً؛ لأن القرآن باق، وأعني بالقرآن
القرآن والسنة؛ لأن الله تكفل بحفظهما، ولكن الإنسانية التي أعرضت عن القرآن
ستدفع الثمن غالياً جداً لهذا الانحراف الكلي؛ لأن مدنية العصر مع اعترافنا بما فيها
من إيجابيات قد خاطبت في الإنسان شهوته وأهملت فطرته.
البشرى ماثلة أمامي في آيتين من القرآن:
الأولى: قوله تعالى: [وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ]
(محمد: ٣٨)
والثانية: قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ
يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ] (المائدة: ٥٤) .
فتربة القرآن خصبة ولاَّدة للأجيال.
والأمة الإسلامية على الرغم من الحصار فما زالت روح الإيمان تسري فيها؛
نعم! هي مليئة بالمشاكل؛ لكن مشاكل غيرها أكثر، فمشاكلنا ببساطة يمكن توجيه
الشعوب فيها في ساعات حاسمة تأتي فيتوجه الكل إلى الله، لا ننكر أن ثيابنا من
نسجنا، وأن ما نزل بنا من أنفسنا فينبغي ألا نلقي اللوم على غيرنا، والمخرج مما
نحن فيه هو القرآن.. القرآن كما علمه النبي ﷺ وتعلمه أصحابه
﵃.
البيان: هذا يجعلنا نسأل عن الجانب الأكاديمي: كيف نوظفه في خدمة
القرآن؛ فهو بالرغم من توسعه أفقياً فإنه لم يَرْقَ بنفس المستوى رأسياً؟
* المشكلة هنا في فلسفة التعليم عندنا، وارتباط التلقي فيها بالحفظ دون الفهم
وقدح الأذهان، والحفظ هنا ارتبط بعلة أخرى هي أن غايته نيل الدرجات
والشهادات، فأصبح العلم الأكاديمي نظرياً جامداً بعيداً عن مشاكل الأمة.
والقرآن علم وعمل هكذا وعاه السلف؛ ولهذا أرى أن الأسلوب العملي «العلم
للعمل» هو الأسلوب الناجح بإذن الله.
التطبيق العملي لآيات القرآن، والبحث عن الحلول للمشاكل اليومية للأمة
ينبغي أن يكون شغل الأكاديميين الشاغل. كان أصحاب النبي ﷺ
يقرؤون آيات الجهاد مثلاً ثم يرون التطبيق العملي للآيات مباشرة فكأنما عُجِنوا بماء
القرآن.
وإذا كانت الأمة الإسلامية غارقة اليوم في المشاكل والهموم فلماذا لا يوجه
الباحثون كل هذه المشاكل لبحثها من القرآن لنيل الدرجات العلمية؟ وفكرة المشروع
التي يطبقها الغرب ونادى بها البعض هي فكرة جديرة بالتطبيق في هذا المجال.
أما الدراسة التي تتم داخل حجرات مغلقة، والتي تفصل الطالب عن واقعه فهذه لا
تفيد كثيراً.
البيان: هناك قضية مهمة تقابل الناس اليوم في تعاملهم مع القرآن، وهي أن
كثيراً من الألفاظ قد فُرِّغت من مضمونها أو حُرفت عن معناها كما أشرتم، مثل
لفظ: السلام أو العلم أو الجهاد، في ظل واقع متراكم؛ ألا ترون أن هذا يؤثر على
التعامل المباشر مع القرآن؟
* الإقبال على القرآن ذاته يصحح كثيراً من المفاهيم، وإن كان الأمر يحتاج
جهداً دؤوباً من العلماء وطلبة العلم في ربط هذه الألفاظ بمعانيها القرآنية ونشرها
بين الناس. من المؤسف جداً أن كثيراً من كلمات الإسلام طُمست في حياة الناس!
وظلم هذه الكلمات جعلنا لا نحسن التصرف في كثير من الأمور. من هذه الكلمات
على سبيل المثال: الجهاد؛ مفهوم الجهاد وحده يستوجب عشرات اللقاءات من مثل
هذا اللقاء لكشف الخلط الذي حدث فيه؛ فهو أكبر من أن يوصف؛ لأن الجهاد الذي
أمر به الإسلام مصلحة لجميع المخلوقات، والمخلوقات جميعاً مصلحتها في أن
تكون كلمة الله هي العليا؛ لأنه عبارة عن دفع شر وإقامة خير في مجمله، لذلك من
الظلم البين أن يتبع العالم (إسرائيل) حين تلصق لفظ الإرهاب كما هي عادتها في
التحريف والتزييف بالمفهوم الشرعي للجهاد.
لا شك، فإن هذا الخلط يستوجب على الأمة هبَّة تستجلي فيها مفاهيمها بعيداً
عن التلقي من غير القرآن.
البيان: قلتم منذ قليل: إن الله تعالى قد جعل لكل شيء سبباً؛ وقضية السببية
من القضايا المهمة في واقع المسلمين اليوم، ألا ترى أنها قد ظُلمت بين التواكل
الذي ظلم به الإسلام وبين ردة مادية تُنزِل الغيب منزلة المعدوم؟
* لا بد للأسباب أن تكون مرتبطة بأمر راسخ هو العقيدة، وعقيدتنا هي
الأصل في تكويننا، هذه القضية قد جلاَّها القرآن أيما تجلية، وحياتنا مليئة
بالمواقف التي تحتاج لأن توزن بميزان القرآن.
والقرآن يضفي على الأسباب سَمْتَه، ويطلق الإنسان من أسرها حين يعلِّمه
أن الأخذ بالأسباب طاعة والتفريط فيها معصية، ويضبط هذا بجعل الركون إليها
من دون الله مضيعة ومفسدة، وقد ضرب القرآن كثيراً من الأمثلة لذلك مثل قوله
تعالى: [وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ] (الشعراء: ٨٠) ، فالتداوي سبب مأمور به
لكن الركون إلى الطبيب أو الدواء في طلب الشفاء شرك وظلم قد نهانا الله تعالى
عنه.
ومرتبة أعلى من هذا أن الله تعالى قد جعل أسباباً تفضي إلى طاعته تعالى
وهي لم تكن أسباباً إلا أن الله جعلها كذلك ليدلنا على قدرته، وكون أنه مسبب هذه
الأسباب؛ فأمر الله تعالى لنبيه موسى ﵊ أن يضرب بعصاه
البحر، وهو أمر عجيب في النتيجة التي يوصل إليها؛ لأن العادة تقتضي أن
ضرب الماء بالعصا يطاير الماء في وجه الضارب؛ فهذه سبب لتلك، ولكن حين
يسبب الله السبب ويأمر به يكون الأخذ به طاعة وفلاحاً وإن بدا بادي الرأي غير
ذلك.
وضرب المثل بالعصا لقوم موسى المغرِقين في المادية هو رد لهم ولأمثالهم
عن غلوهم في المادة ليتقرر في النفوس حقيقة أن الله تعالى [لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ]
(الأعراف: ٥٤) وهي حقيقة يجب أن تستقر داخل نفس كل مسلم.
стр. 3713
المسلمون والعالم
وجاؤوا بسحر عظيم! !
الدلالات الإعلامية في انتفاضة القدس
حسن قطامش
دخل أحد الجنود الصرب على أم بوسنية مسلمة في مطبخها، وكانت تعد
طعام الغداء، ففتح إناء الطعام الساخن، وسألها: ألا يوجد في طعامكم هذا لحم؟
فأجابته بالنفي، فبادر الجندي الصربي بوضع قطع من اللحم في ذلك الوعاء وهو
على النار.. كان هذا اللحم هو أشلاء ابن هذه المرأة، الذي قُطِّعت أوصاله أمام
عينيها! !
حادثة بشعة قرأناها في الصحف.. لم نرها، ولم تصورها عدسة مصور، لا
ثابتة ولا متحركة حتى تتحرك معها القلوب عطفاً وشفقة.
صور أخرى عُرضت في أحد المواقع الإسلامية الإندونيسية عن المجازر
البشعة التي ارتكبت في حق مسلمي جزر الملوك، رأيتها، ورآها كثير من الناس،
في هذا الموقع، وفي أماكن أخرى، جرائم تقشعر لها الأبدان، رؤوس مفصولة
عن الأجساد، أطراف ممزقة، بطون مبقورة ومحشوة بالأحجار، عُلِّق الأطفال
على الأشجار وهم أحياء، واستُخدِمُوا أهدافاً للتدريب عليها بالخناجر والبنادق،
وكان يُرفع بعضهم إلى الهواء ويتلقاهم النصارى على أسنة رماحهم التي تخترق
الأجساد الغضة.
هذا واقع حقيقي، ونشر في عدد من المطبوعات العربية، ونشرت بعض
المجلات تحذيراً لأصحاب القلوب الضعيفة من أن في الداخل صوراً مروعة! !
وجاءت انتفاضة الأقصى الأخيرة لتحمل في طياتها مجازر جديدة للمسلمين،
ولتضيف أرقاماً منهم إلى قوائم سبقتهم في ذات الطريق.
وجاء مقتل الطفل محمد الدُّرة ليزيد من آلامنا الكثيرة، كان أول إحساس
انتابني عندما شاهدت صورة الحادثة الأليمة أنني تخيلت نفسي مكان ذلك الأب،
وماذا عساي أن يكون شعوري في هذا الموقف، ولَكَم هو ألمي وعجزي؟ !
لم يكن مشهد قتل محمد الدُّرة بأشد بشاعة مما ذكرت عن تلك الأم البوسنية،
ولا يقارن بما حدث لأطفال جزر الملوك المسلمين بحال.
ولم يكن محمد الطفل الفلسطيني الوحيد أو الأول الذي قتل على يد يهود، بل
سبقه آلاف.. بنفس الرصاص.. من نفس البندقية.. من نفس العدو.. في نفس
البلد.. فلماذا فعل مشهد موته ما فعل، وهو مجرد طفل كغيره من أبناء الأرض
المباركة؟
ما الذي جعل صورته تصل إلى كل بيت، واسمه يردد على كل الألسن؟ وما
الذي جعلني أكتب هذه الأسطر عنه، وسبقني مئات سطروا المقالات والقصائد
حول موته؟ ما الذي صنع من موت طفلنا هذه القصة الكبيرة التي ألهبت الحماس،
وأججت الصدور حقداً وغيظاً؟
إنهم السَّحَرة [١] ! ! السحرة الجدد، سحرة الصورة المتحركة، والبث المباشر،
والإعلام الحي، وأكاد أجزم أن هذه الجريمة البشعة كانت ستلحق بأخواتها في
سجل النسيان المرير، لولا هذا التكرار، والنكء المستمر للجرح الأليم.
لقد كان للإعلام بلا شك دور رئيس في أحداث انتفاضة الأقصى، كما له
الدور ذاته في جوانب أخرى من حياتنا، إيجابية وسلبية، إلا أنه في هذه الأحداث
ظهرت دلائل هامة من خلاله، أظهرها هو، فكان منها ما يحسب له ومنها ما
يحسب عليه، أو ظهرت بتأثيره وبصدى الفاعلية المؤثرة التي صاحبته في تلك
الأحداث، فكان لا بد من قراءة لهذه الدلالات بإيجاز.
ولا أحسب أنني أذهب بعيداً إن قلت إن حجم التغطية الإعلامية لأحداث
الأقصى كان العامل الأكبر في تفاعل الجماهير المسلمة في كل مكان، وهو ما أدى
بدفع القمة العربية إلى الانعقاد في القاهرة، نزولاً على ضغط الشارع وغضبه
ومحاولة لإسكاته بالطبع ولم يكن هذا الغضب إلا صدى لهذه الحملة الإعلامية.
ولذلك من غير المستبعد أبداً أن يلعن بعض من الناس المصور الفلسطيني الذي قام
بتصوير المشهد، كما لُعنت القناة الفرنسية وأخواتها بسبب ما جرَّته تلك المشاهد
مما تلاها.
كانت الدلالات كثيرة ولها مغازٍ هامة، منها:
١ - كانت أهم النقاط الإيجابية التي ظهرت هي مدى وضوح العداوة
والبغضاء في قلوب الجماهير المسلمة لليهود، وإدراك أن الصراع معهم صراع
ديني، وأن تلك الحملات التي ما فتئت تحرض على التعايش السلمي مع اليهود،
وتَقبُّل الدولة الصهيونية كجارة يجب أن تُعطى حقوق الجيران التي حث عليها
الشرع! ! لم تؤثر في الأمة المسلمة بالحجم الذي يوازي ثقل هذه الحملات وثقل
المنافحين عنها والمحركين لها.
٢ - أثبتت الجماهير المسلمة وبالرغم من عدم التوجيه المباشر لها أن الأمة
ما زالت حية، بل تنبض بالحيوية في كافة فئاتها، أرتنا الأحداث نماذج تنحني لها
هامات الرجال وقمم الجبال، لم يحتج الأمر لديهم لإظهار مشاعرهم وصدق إيمانهم
إلى فلسفة أو تنظير أو كثير تفكير أو تعمق واستعراض واستقراء للواقع وتحولاته
أو موازنات أو غير ذلك، سمعنا عن أطفال يغتسلون قبل نزول الميدان المفتوح في
كل فلسطين يرجون الشهادة، سمعنا عن أطفال قطعوا القفار رغبة في نصرة
إخوانهم المسلمين، وقرأت ذلك الحوار الذي أجري مع الطفل أحمد شعراوي
(١٣ عاماً) بعدما أعادته السلطات المصرية من حدود مدينة رفح إلى والده، وقد
سأله المحاور: ألم تفكر في أمك وأبيك، أختك، أهلك، والقلق على غيابك؟
أجاب وانظروا الإجابة من طفل قال: لو فكرت في ذلك فلن أقدر على فعل شيء،
هناك أشياء أكبر لا بد أن نحبها أكثر من أنفسنا وأهلنا، أكثر من أي شيء.
وسأله المحاور: هل أنت سعيد بما فعلت؟ أجاب: كنت سأبقى سعيداً جداً لو
نجحت ودخلت فلسطين واستشهدت هناك! ! وقد سأله والده: كيف ستصنع في
مراجعة المواد التي تأخرت فيها؟ فأجابه: الذي يذهب للجهاد لا يرجع مرة
أخرى! ! وسمعنا بالأمهات اللواتي يباركن خطوات فلذات أكبادهن نحو الموت
والشهادة، وعن الشباب، فحدِّث ولا حرج، رأينا في الأمة كلها الحياة. رأينا
الأيدي البيضاء التي تصدقت من مالها، وجاءت بذهبها وفضتها طيبة نفوسها في
سبيل نصرة إخوانهم في الدين، كانت صورة التبرعات من أجلى صور صدق
الولاء مع المسلمين، ودليل حياة في القلوب.
٣ - القناعة التي ظهرت لدى تلك الجماهير من أن الحل الأمثل لهذه القضية
إن لم يكن الوحيد هو الحل الإسلامي، الجهاد في سبيل الله؛ حيث ترسخت القناعة
بإخفاق كافة الحلول إلا هذا الحل، وقد أخبرني مَنْ شاهد إحدى المحطات الفضائية
أن إحدى المذيعات سألت فتاة متبرجة عن رأيها في القمة العربية الأخيرة، وهل
ستحل الأزمة الحالية؟ فأجابت: لن تقدم القمة أي حلول! ! ومن وجهة نظري أن
تعطوا (حماس) مالاً وسلاحاً وستقوم هي باللازم! !
قناعة وإن كان يشوبها بعض القصور والبراءة إلا أنها تحمل في طياتها
استقراراً لمفاهيم جديرة بالإشادة والتحفيز.
بل أصبحت هذه القناعة أكثر رسوخاً لدى أعداء الإسلاميين، وأنهم أهل
للأخطار الكبيرة، وإلا فما مغزى إطلاق عرفات لبعض أفراد حماس مهدداً بهم
إسرائيل، ثم عاد بعدما أعاد النظر وتعقل واعتقلهم مرة أخرى؟ !
حتى يهود أعادت تلك الأحداث هذه القناعة لديهم وأكدها الجنرال (داني
روتشيلد) مدير قسم الأبحاث السابق في جهاز الاستخبارات العسكرية حين قال:
«ويل لدولة إسرائيل إذا سمحت للأصوليين أن يكونوا بمثابة الجبهة التي تتطلع
إليها الجماهير العربية» ، أما المستشرق والباحث في شؤون الحركات الإسلامية
في مركز ديان للأبحاث (د. إيلي ريخس) فقال بصراحة: «كل نجاح
للإسلاميين يمثل خسارتين في آن معاً؛ فمرة لأن الخوض في مواجهة ذات طابع
ديني ويقودها متدينون مسلمون صعبة لنا، ومرة أخرى؛ لأن نجاح الحركات
الإسلامية يعني إفلاس الأنظمة العربية في نظر الجمهور العربي؛ وهذا أمر لا
يقل خطورة عن الأول؛ لأننا يجب أن نكون معنيين بأن تكون الأنظمة الحاكمة مقنعة
لجمهورها» ! !
ازدياد تلك القناعة لدى فئات عدة، لا بد أن يزيد قناعة الإسلاميين أنفسهم
بصحة قضاياهم ومنهجهم وطريقهم الذي يسلكونه طلباً لرضى الرب الكريم.
٤ - لم يفلح الاستفراد الإسرائيلي بفلسطين بعد اتفاقية السلام مع عرفات في
عزل الشعوب المسلمة عن قضيتهم الكبرى؛ ففي الوقت الذي استراحت فيه دول
من حمل همِّ القضية، وأن لفلسطين رئيساً يحميها، وتخلت تلك الدول عما كانت
تسميه دعماً سياسياً للقضية بصورة مباشرة، واكتفت بالبروتوكولات الباردة من
شجب وإدانة وتأييد على صفحات الجرائد الرسمية، لم يحمل هذا الشعوب على
التخلي عن قضية فلسطين، وأثبتت الأحداث أنها ما زالت في بؤبؤ العين وعين
القلب.
ومن هنا فقد زاد اتساع الهوة بين الشعوب والحكومات، وإن كانت الشعوب
على حالها الراهن لا تستطيع تغييراً كبيراً في الأحداث لقلة حيلتها وهوانها على
الحكومات، إلا أن الحنق والغضب والازدراء ازداد في النفوس، والقناعة بعدم
أهليتها لتحقيق مطالب الأمة أصبحت يقيناً، وهو أمر إيجابي للغاية؛ فلم تعد
الشعوب تقنع بامتصاص غضبها بمؤتمرات قمة أو غيرها.
ولقد كان الموقف الشعبي من القمة الأخيرة ونتائجها في غاية الوضوح، بل
كان واضحاً قبل انعقادها؛ فمن خلال استبيان أجري في أحد المواقع على شبكة
الإنترنت أفاد ٨٨% من المشاركين أن القمة لن تسفر إلا عن الإدانة والشجب.
ولا يدفعنا هذا الموقف من الجماهير المسلمة إلى الوقوع في الوهم الجماهيري،
وأنها قادرة بمفردها على التغيير بغير توجيه واستفادة قصوى من طاقاتها بحسب
ضوابط واضحة؛ فهي تقاد ولا تقود، ولا يدفعنا ذلك كذلك إلى إغفال دورها وثمين
حياة قلوبها مع قضايا الأمة.
كما شاركت الجماهير فئات من الناس يعدون من سقط متاعهم، كالفنانين
والراقصين، تفاعلوا مع القضية وتظاهروا واعتصموا وغنوا ورقصوا من أجل
القضية! ! يجب ألاَّ ينسينا هذا التفاعل حقيقتهم، وأن يوضعوا في الحجم الحقيقي
لهم، وإن كان الملمح هنا أنه حتى أولئك تأثروا وتفاعلوا.
٥ - أسقطت هذه الأحداث ورقة التوت الأخيرة التي كان يستتر بها دعاة
السلام والداعون له والمنظرون لثقافته؛ فها هي المذابح تقع الآن تحت غصن
الزيتون الذي يرفعونه، وأظهرت أن غصنهم الملعون يسقى بدم الأبرار، وأن
ثماره بنادق وصواريخ تحرق القلوب والأجساد، وتخرب الديار، ورغم ذلك،
ورغم القناعة التي ترسخت لدى قطاع عريض من الناس، عامتهم وخاصتهم
بإخفاق ما يسمى مسيرة السلام إلا أن بعض أولئك لا يزالون يدافعون عن إسرائيل
ويراهنون على طاولة المفاوضات ويقبضون على شفاههم استنكاراً لفكرة الجهاد.
أحد أولئك التطبيعيين حتى النخاع وهو المسمى (علي سالم) يقول في ذروة
الأحداث الأخيرة: «إن إسرائيل تضم الملايين من دعاة السلام، ولكنكم في العالم
العربي ترون أن الحق في جانبكم فقط وأن الآخرين هم الجناة، نحن نعيش حالة
حرب في عقولنا فقط، ونرفض الاستماع إلى أصوات السلام داخل إسرائيل، إن
من العبث تصور أن إسرائيل وحدها المخطئة، لقد رأيت صورة محمد الدُّرة،
ورأيت أيضاً الجنود الإسرائيليين الثلاثة وهم يذبحون وتحرق جثثهم لماذا تتجاهلون
ذلك أيضاً، لقد انتصر اتجاه العنف في النهاية! !» .
ومن نفس جماعة كوبنهاجن يخرج آخر، وهو ناشر وكاتب يدعى (أمين
المهدي) ليزايد على قرينه في السوء ويقول: «نعم، ما يجري (من الفلسطينيين)
عودة لسيطرة الفاشية وإحراج قوى السلام في إسرائيل؛ فحركات السلام كانت
في الحكم! ! وكانت تضغط في اتجاه إقرار السلام، لكن ما جرى عصف بكل
شيء، فحتى المظاهرات التي خرجت في الشوارع العربية لم تكن إلا تمهيداً لهذه
الفاشية، والمقاومة التي تقوم بها حماس هي أيضاً قسم من هذه الفاشية وليست في
صالح الشعب الفلسطيني، أنا أتحدث لمصلحة الشعب الفلسطيني، وهذا الشعب
عليه إدراك أن من يهتف بالقدس عربية أو إسلامية، لا يريدون الخير للشعب
الفلسطيني؛ لأن القدس فلسطينية، لا عربية ولا إسلامية! !» [٢] .
ويبدي أحدهم أسفه الشديد، ويثير التعاطف مع اليهود؛ حيث إن قطاعات
مهمة وواعية بين الإسرائيليين واليهود عالمياً يؤمنون بمنهج اللاعنف، وما زال
الجميع منهم يعملون ضمن جماعة «السلم الآن» وغيرها من المنظمات اليسارية
الإسرائيلية، وكثيراً ما يشعر هؤلاء بالحرج والحيرة عندما يجدون الفلسطينيين
يضربون إخوانهم الإسرائيليين بالحجارة أو الرصاص أو العمليات الانتحارية [٣] .
ونسوق لهذا التعيس خبر رفض المسؤولين في حركة «السلم الآن»
الإسرائيلية تنظيم أية مظاهرات تأييداً لعملية السلام؛ فقد قال إميرام جولد بلوم أحد
قادة الحركة: «إننا نشعر بالإحباط؛ لأن إسرائيل قامت بخطوة كبيرة نحو السلام
والفلسطينيين ولكن لم يحذُ الفلسطينيون حذوها، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي
إيهود باراك قدم للفلسطينيين تنازلات في قمة كامب ديفيد لم تحدث من قبل،
وخاصة في شأن القدس! ! لا يمكننا الدعوة حالياً إلى تنظيم مظاهرات تأييداً للسلام
إذا كان الفلسطينيون غير مستعدين لذلك» .
لا أحسب أن هذا الكلام من هذا اليهودي يختلف في شيء منه عن ذلك
المحسوب على المسلمين، أرأيتم كيف كانت الأحداث في بعض جوانبها إيجابية
برغم دمويتها؟ فما انكشف ستر أولئك مثلما انكشف مع تلك الأحداث.
٦ - كان من أجلى ثمرات هذه التغطية الإعلامية، هو إثبات مدى القدرة
الفائقة لجهاز الإعلام في تشكيل رأي عام حول قضية بعينها، سلباً أو إيجاباً،
وعلى سبيل المثال فقد طلبت دولة موريتانيا من سفير لإحدى الدول لديها وقف
تكرار مشاهد الانتفاضة الفلسطينية في القناة الفضائية الخاصة ببلده، خوفاً من
غضبة الشارع الموريتاني الذي سوف يتفاعل مع هذه المشاهد! !
وبرغم أن هذه الماكينة الإعلامية العملاقة تتحرك من خلال سياسات مرسومة
حسب التوجه لأصحابها أو القائمين عليها إلا أنه بالإمكان استغلالها في خدمة قضايا
الأمة بشكل جيد.
ولم يكن للإعلام العربي فضل في السبق ببث حادثة مقتل الدُّرة، بل كان
تابعاً للإعلام الفرنسي، ولولا الحياء من الاتهام بالتخاذل لغض الطرف عن ذلك،
فتسابقت القنوات في رصد القضية ومتابعتها مجاراة للأحداث، كما تابعت في
الوقت ذاته مباريات كرة القدم وغيرها مما يُتابع، نعم! هذا واقع الإعلام العربي،
لكن بالإمكان استغلاله بصورة أكثر فاعلية كتلك التي حدثت مع انتفاضة القدس،
وإن كانت قضية فلسطين لها خصوصيتها باعتبارين:
- باعتبار العداوة المتأصلة في النفوس المؤمنة تجاه اليهود على مر التاريخ
الإسلامي، والتي تربت عليها أجيال الأمة إلى اليوم.
- وباعتبار أن اليهود السبب الرئيس والمباشر في مأساة فلسطين المعاصرة؛
فكانت القضية واضحة تماماً لدى الجماهير، وبرغم هذا فيمكن الاستفادة من هذه
الماكينة الضخمة التي اخترقت العالم أجمع في خدمة قضايا المسلمين.
وقد كان لعدد من المجلات الإسلامية حضور مشكور متميز، إلا أن هناك
وسائل أكثر تأثيراً ما زالت بحاجة إلى تفعيل واستغلال.
وإن كان وضوح القضية لدى الشعوب ساعد على تفاعلها؛ فإن ذلك لا بد أن
يلفت انتباهنا إلى ضرورة الطرح الصحيح لقضايا الأمة الأخرى وترسيخ القناعة
بصحتها وأهميتها حتى يؤتي زرعنا أُكله. ولقناعة دولة الكيان اليهودية بخطورة
الإعلام وقيمته فقد قامت بحملة إعلامية مضادة عقب تلك الحملات التي أظهرت
مشهد الطفل الدُّرة، فقد كشف السفير الإيطالي (سرجو فنتو) مندوب إيطاليا الدائم
في الأمم المتحدة أن إسرائيل قامت بالتضحية بالجنود الثلاثة الذين قتلوا في رام الله
حتى تستعيد التعاطف العالمي، وأكد السفير الإيطالي أن الحكومة الإسرائيلية
أرسلت جنودها الثلاثة إلى رام الله بدون مسوِّغ وحدهم وسط الانتفاضة الغاضبة
ليلقوا مصيرهم المحتوم، وهي تعلم هذا المصير، وأرسلت شبكات التلفزيون
لتسجيل الحدث الذي من شأنه أن يحقق توازناً دعائياً لإسرائيل أمام الرأي العام
العالمي [٤] .
وأكد السفير أنها تمثيلية درامية قدمت فيها إسرائيل الجنود قرباناً لدعايتها ضد
العرب.
وبالفعل استغلت إسرائيل هذا الحدث إعلامياً من خلال السيطرة اليهودية على
شبكات الإعلام العالمية، وقد أدلى أحد المصورين البريطانيين وقد حضر مقتل
الجنود بدلوه في هذه المسرحية الإعلامية حين قال: لقد صورت الكثير من المشاهد
العنيفة في العالم خصوصاً في الكونغو وكوسوفا، لكن ما شهدته هناك كان أسوأ ما
رأيته في حياتي.
كانت دولة الكيان مقتنعة بأن ما تأتي به صورة تذهب به أخرى، ولهذا فقد
صنعوا صورهم، كما صنعوا مآسينا.
٧ - أكدت الأحداث مدى بغض المسلمين لراعي الغنم، راعي حمامات
السلام؛ حيث كان التأييد لدولة الكيان أعمى من العمى، هذا ما أكدته الأحداث،
ولم يكن جديداً؛ كان الجديد هو ما نحن بصدده، فكما صنع الإعلام لدينا القناعات
السابقة وكانت له دلالات واضحة التأثير، في جلها إيجابية، كانت الصورة مغايرة
على الجانب الأمريكي، كانت الصورة لدى العالم في غاية الوضوح لا تحتاج إلى
تأويل، أو مزيد شرح وتفسير، أقوى جيوش الشرق الأوسط في مواجهة شعب
أعزل من كل سلاح مادي إلا الحجارة، مئات القتلى في مقابل قليل من قليل من
الجرحى، أشد الناس ظلماً وضيماً لا يستطيع أن ينحرف أو يجور أمام هذه المشاهد،
ولكن الإعلام الأمريكي كان أكثر من ظالم وأكثر من جائر، لقد حمل هذا الإعلام
الناس على لوم الضحية، والشفقة على الجاني، ولنأخذ مثالاً واحداً من هذا الجور
الإعلامي، من هذا السحر الذي صُنع في دولة بحجم الولايات المتحدة، صورة
أخرى غير التي لدينا، جريدة نيويورك تايمز، أهم الصحف الأمريكية كتبت في
افتتاحيتها عقب زيارة شارون للمسجد الأقصى، وحملت عنوان: (مواجهة دموية
في الشرق الأوسط) تقول: «بالأمس هاجم بعض الفلسطينيين الغاضبين
والمتطرفين القوات الإسرائيلية والمدنيين في أنحاء القدس، والضفة الغربية
وقطاع غزة والمناطق الإسرائيلية المأهولة بالسكان العرب، بالحجارة والقنابل النارية
والرصاص! ! وقد رد الجيش الإسرائيلي مستخدماً الأسلحة والصواريخ المضادة
للدروع» ! ! وحمَّلت الصحيفة السلطة الفلسطينية المسؤولية؛ لأن معظم هذا
العنف قام به الفلسطينيون، وتفهمت الصحيفة تصرفات باراك الذي يتحتم عليه أن
يدافع وبقوة عن حياة الجنود الإسرائيليين والمدنيين من هجمات الفلسطينيين، وقس
على ذلك ما شئت من الصحف.
وفي الوقت الذي كانت وسائل الإعلام في الشرق تتناقل صور القتلى
والجرحى الفلسطينيين، كانت شبكات الإعلام الأمريكية مثل الـ C. N. N.
تعيد وتزيد من عرض صور بعض اليهود وهم يهربون من جانب حائط البراق
خشية أن تصيبهم الحجارة الفلسطينية، ولا تخلو هذه الصور من تعليقات ذات
مغزى.
ولو تتبعنا ما قام به الإعلام الأمريكي فلن نقف إلا على ظلم وجور وغبن
وخداع، وما شئت أن تضيف إلى قائمة الباطل فأضف.
لقد صنع الإعلام لدينا أحداثاً ورسخ قناعات، وكانت له دلالات هامة تحتاج
إلى تأمل أكثر.. فلنتأمل.
стр. 3714
المسلمون والعالم
نحو تفعيل أفضل لانتفاضة الأقصى
د. يوسف الصغير
لم يحر قلمي مثلما حار عند كتابة هذه الخواطر؛ لأنها تقتضي التخلص من
كثير من الرواسب العالقة في الذهن والمتمكنة من السلوك.
لقد كان دخول شارون إلى ساحة المسجد الأقصى هو الخطوة ما قبل الأخيرة
في خطوات بناء الهيكل، وكان المتابع للأحداث يصاب بالأسى ويحس بالعجز؛
فقد وصلت الأمور إلى أن نقطة الخلاف الأساسية ليست شرعية وجود دولة اليهود
في فلسطين، ولا حق اللاجئين بالعودة، ولا حقيقة شكل دولة فلسطين الموعودة
ومضمونها؛ بل ولا اسم عاصمة كل كيان وحدوده؛ فكل هذه الأمور تم تجاوزها
وحلها أو تجاهلها، ولكن بقيت القشة التي قصمت ظهر البعير ألا وهي أنه إذا
سلَّمت السلطة القدس لليهود وجعلوها عاصمة لهم وسموها أورشليم؛ فماذا سيكون
وضع المسجد الأقصى وقبة الصخرة؟ إن هذه القضية لم يستطع عرفات تجاوزها،
وكان الإعلام يركز على الخلاف حول هذه النقطة مما يعني ضمناً أن اتفاقاً ما قد
تم التوصل إليه حول بقية القضايا، وكانت مناورة السلطة في إظهار التمسك بحق
السيادة على الحرم من أجل جس النبض في مدى تقبُّل التنازل عن بقية القضايا.
والحقيقة أن موقف الناس ومنهم الدعاة لا يتعدى الحوقلة وبعض المقالات
والكتب التي توضح رأي المسلمين فيما يجري؛ ولكن لم تبرز أي مواقف عملية،
ولا أعْدُو الحقيقة عندما أؤكد أن عامة الناس لا يحسون بما يجري؛ بينما ساسة
اليهود وخدمهم في الإدارة الأمريكية ينتظرون على أحرِّ من الجمر إقدام عرفات
على التوقيع على آخر التنازلات.
نعم! لقد كانوا ينتظرون انتحار القضية، وعندما لم تستطع الضحية الانتحار
قام شارون بمحاولة قتل القضية وإثبات السيادة على آخر جزء متنازع عليه مع
السلطة، لقد كان اليهود مستعدين لاحتمال قيام مظاهرات واحتجاجات تستمر لعدة
أيام، ويتم قمعها بعد عدة أيام، ويسدل الستار على القضية أيضاً بعد أيام، ثم تبدأ
المرحلة الأولى من مراحل بناء الهيكل ألا وهي تدمير المسجد.
لقد بدأت الأحداث كما توقعوا: مظاهراتٍ، وقتلاً للعُزل، ومحاولات تنسيق
مع السلطة لإيقاف الاحتجاجات. ولكن حدث ما لم يكن بالحسبان، لقد كان محمد
الدُّرة عائداً مع والده من سوق للسيارات المستعملة عندما وقعا في منطقة يقوم فيها
جنود يهود بالتسلي بقتل رماة الحجارة، وكان اليهود من القرب بحيث يسمعون
صراخ الطفل المرعوب مع صياح الوالد يطلب منهم عدم إطلاق النار عليهم؛ فهما
أعزلان حتى من الحجارة، وبالطبع لم يزد ذلك اليهود إلا غياً وإجراماً فاستمروا
بإطلاق النار حتى خمد الطفل وأصيب أبوه؛ بل تم قتل سائق أول سيارة إسعاف
تأتي لإخلائهما. إن هذا حدث عادي ومتكرر، وكل واحد من المئة والستين الذين
وقعوا ضحية الأحداث له قصة مشابهة، ولكن الفرق أن الله قدَّر أن أحد المصورين
الفلسطينيين قد وقع مثلهما في مصيدة النيران، واختبأ بقربهما وقام بتصوير
مأساتهما وإرسالها إلى وكالة الأنباء الفرنسية التي قامت ببثها؛ وهنا حصل ما لم
يكن بالحسبان: لقد كانت المشاهد مؤثرة بشكل أجبر كثيراً من وسائل الإعلام على
عدم تجاهلها طويلاً.
وفي العالم الإسلامي كانت الصور مؤثرة بحيث أخرجت الناس إلى الشوارع
تعبيراً عن مساندتهم إخوانهم في فلسطين، وللاحتجاج على المجازر التي يرتكبها
اليهود، ودفعت هذه المشاهد القضية إلى الواجهة، وبدأت القنوات في التنافس على
المشاهدين عن طريق طرح قضية فلسطين من جديد.
وإذا كان شعار الانتفاضة هو: (لا إله إلا الله، والدعوة إلى الجهاد وطلب
الشهادة) ، فإن هذا انعكس على نبض الشارع، وبدأتَ تسمع كلمة الجهاد من جديد
وأنها السبيل الوحيد لاستعادة الحقوق بعد أن نجح العدو في جعل الجهاد مرادفاً
للإرهاب حتى في وسائل الإعلام في العالم الإسلامي.
لقد اتضح لكل ذي لب أن الإعلام كان له أكبر الأثر في إبراز القضية من
جديد، وأن التغطية الإعلامية أساسية في تفاعل الناس مع أحداث الانتفاضة، بل
عامل أساسي في توجيه الرأي العام والحكومات، وتفوقت القنوات العربية لأول
مرة في متابعة الحدث، وبرز مراسلون متميزون لا يقلون مهنياً عن المراسلين
الغربيين، بل يفوقونهم في توضيح الحقائق وتصوير الحدث كما هو.
لقد كان الإعلام غائباً تماماً عن أحداث الفلبين وإندونيسيا وكشمير والجزائر
والبوسنة وكوسوفا، نعم! لقد كانت وجهة النظر الإسلامية غائبة والتغطية من
المسلمين لها غائبة؛ فأين التحقيقات الصحفية الميدانية؟ وأين البرامج الوثائقية
الجيدة عما جرى للمسلمين ويجري في الفلبين؟
وهل قضيتهم تختصر في اختطاف مجموعة من الرهائن الغربيين؟ بل ماذا
يجري في إندونيسيا، وماذا حل بالمسلمين في جزر الملوك من مجازر وإبادة؟
إن الذين يتجاهلون إبادة المسلمين في هذه الجزر هم الذين يسارعون إلى
تصوير جماهير المسلمين المقهورين هناك الذين يحملون السيوف ويدعون للجهاد
في جزر الملوك نصرة لإخوانهم، يصورون ذلك على أنها محاولة لإبادة النصارى،
ويطالبون بفرض الحماية الغربية!
أين الإعلام الصادق عما يجري في الجزائر من مجازر رهيبة؟ هل قام أحد
بإبراز الحقيقة؟ وأنا هنا أجزم أنه لو كان الجاني الحقيقي هم المسلمين لتسابقت
الأجهزة الإعلامية الصليبية لتسليط الضوء عليه ولكن..! !
أما كشمير أفلا يكفي عجز ٦٠٠ ألف جندي هندي عن السيطرة على المنطقة
لإثبات أن وجود الهند مرفوض شعبياً؟
إن الإعلام الغربي يمارس التعتيم الشامل على أحداث الشيشان إلا ما ندر،
ولم يكسر هذا الحصار إلا تنبه المجاهدين لأهمية مواقع الإنترنت واستخدامها
بنجاح.
إن الذي أريد أن أخلص إليه أن غياب التوجه الإسلامي عن الإعلام،
وتقصيرهم في هذا الجانب أمر يجب تداركه بصورة عاجلة، وهو يحتاج إلى
استنفار عام لتدارك النقص في هذا الجانب؛ لأن الصراع يلعب فيه الإعلام دوراً
حيوياً، ولا يخفى أن أدوات اليهود في السيطرة تعتمد على الاقتصاد والإعلام.
إننا بحاجة إلى العمل الجاد في أوساط العلماء وطلبة العلم وأهل الخير من
أجل بيان أهمية هذا الثغر ووجوب سده.
كما أن هناك كثيراً من المشاريع العاجلة التي تحتاج لتضافر الجهود، ومن
أهمها:
- إنشاء عدد من مؤسسات الإنتاج الإعلامي المسموع والمقروء والمشاهد.
إن هذه المشاريع ضرورية جداً لتدريب الإعلاميين، وكذلك من أجل سد النقص
الشديد في المواد الإعلامية.
إن الربحية ممكنة في هذه المشاريع؛ ولكن أرى أن نجاحها في رسالتها
يقتضي أن تكون مؤسسات لا تسعى للربح.
- تشجيع الشباب الملتزم على الدخول في التخصصات الإعلامية والأدبية
بنيِّة الدعوة إلى الله وتبليغ رسالة الإسلام.
- التعاون مع الصحف ووكالات الأنباء العاملة ومحاولة إيصال الحقيقة.
- إن إنشاء وكالة أنباء إسلامية لكسر احتكار الأخبار هو ضرورة ملحة وأمل
ينبغي العمل على تحقيقه.
- الاستفادة من ثورة الاتصالات في الدعوة إلى الله لمواجهة الكيد، والعمل
على وقف الهجمة التغريبية الشرسة.
قد تبدو الاقتراحات خيالية لبعضنا؛ ولكن الأمر ليس كذلك.
إننا إذا أردنا أن نخرج من الأزمة التي نعيشها فيجب أن نكون جادين في
استثمار الهبَّات العاطفية التي تمر فيها الأمة والعمل على تفعيلها في أعمال مستمرة.
إن التعاطف مع الحدث يخبو ما لم يتم استثماره في عمل منتج، وإن الكثير من
الفرص قد ضاعت بسبب الاعتماد على العواطف فقط في التعامل مع الناس.
إن أهم استثمار ممكن للعواطف الحالية هو ثورة إعلامية إسلامية ملتزمة
تكون رائدة في نشر الإسلام والذب عنه، وإذا لم نقم بذلك فإن الله قد تكفَّل بحفظ
هذا الدين، وكما قال الرسول ﷺ : «إن الله ليؤيد هذا الدين
بالرجل الفاجر» [١] وقال تعالى: [وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا
أَمْثَالَكُمْ] (محمد: ٣٨) .
فأين نحن من هذا الثغر الذي لم يُسدَّ بعد؟
стр. 3715
المسلمون والعالم
مستقبل الصراع مع اليهود
ومسؤولية الإعلام العربي والإسلامي
عبد القادر فؤاد
إن تعجب، فمن صراخ بعض وسائل الإعلام العربي وضجيجها وحديثها
المتهالك قبل الانتفاضة عن السلام، وحتميته وفوائده وتفرده بين الحلول بأن يكون
خياراً استراتيجياً؛ وكأن الأمر قد اختصرته شريعة هيئة الأمم ومجلس أمنها إلى
صراع بين فئتين مؤمنتين شغب بينهما إبليس بتحريشه، فتنادى العقلاء وأهل
الرأي لوضع حدٍّ لهذا الصراع.
إذن ما هو السبب في جعجعة الإعلام العربي باختلاف أشكاله في حديثه عن
السلام؟ وأين هو من كل حقائق القرآن والسنة النبوية، وما اشتملت عليه من حشد
هائل لأحداث الصراع؟ وأين الإعلام من الصفحات الدامية عبر التاريخ؟ .. هل
نسي الإعلام ما فعله ابن سبأ وما قام به من فتنة في صدر الإسلام، أم تراه نسي ما
فعله اليهود وعملاؤهم من الماسون في القضاء على الدولة العثمانية، أم قد عميت
عيناه عن حروب إسرائيل للمسلمين على أرض فلسطين وخارجها خلال الخمسين
عاماً الماضية؟ ! إن إعلاماً بلا ذاكرة كإعلام بلا عقيدة أو هوية. وإعلام هذا حاله؛
هل يرجى منه استشراف المستقبل، وصياغة استراتيجية محددة المعالم لمخاطبة
العقل العربي والإسلامي في ظل التهريج الإعلامي الدولي؟ !
في خضم أحداث العنف اليهودي وما قام به يهود من قتل للأطفال الأبرياء
فضلاً عن الكبار تفاجئك بعض وسائل الإعلام العربي بالحديث المغرق في التفاؤل
عن جهود القادة المجتمعين في سبيل وحدة الصف العربي. وحُقَّ لكل مسلم أن
يسأل: هل افترقوا بعد اتحاد حتى يتحدوا من جديد؟ وهل اتفقت وجهات نظرهم
المتباعدة جداً (!) على أمر أدهى مما يسمى زوراً وبهتاناً مشروع السلام،
ومحاربة التطرف واجتثاثه وتجفيف منابعه؟ نعم! إنهم متفقون كل الاتفاق وإن
اختلفت الأدوار باختلاف الجغرافيا، وما على القارئ أو المستمع لشيء من جرعات
التخدير تلك سوى الربط بين التصريحات المدوية والتهديدات الصريحة والمبطنة
ضد يهود، وبين الصورة الجماعية بعد المؤتمر وقد علت الوجوه ابتسامات مشرقة
رغم إرهاق الاجتماعات وعنائها (!) ثم لينظر القارئ والسامع، ولينتظر تنفيذ
شيء مما صُرِّح به. لينظر في الواقع: هل تحركت جيوش؟ هل بدأ تنفيذ مخطط
للتواصل مع تلك الجموع المجاهدة داخل فلسطين بدلاً من تركها نهباً للرافضة
الباطنيين؟ لن يتعب القارئ ولا السامع في الوصول إلى قناعة هي أشد ثباتاً من
الجبال الراسيات من أن الأمر تحصيل حاصل لقرارات قرأها أحدهم قبل انعقاد
المؤتمر الذي نجم عنه توحيد الصف ولمّ الشمل (!) .
حقيقة الصراع:
إن الإشكالية التي يعاني منها عقل المسلم وقلبه على السواء ناشئة من هذا
الاختزال العفوي أو المتعمد من بعض وسائل الإعلام لحقيقة الصراع وأبعاده، فلا
يكاد يصحو المسلم على حقيقة الصراع وجذوره إلاّ في ظل كارثة جديدة أو ما
يسمّى إعلامياً: «الانتفاضة» ، «موجة العنف» ... إلخ.
وجُلّ ما يأتي من الطرح الأصيل لحقيقة الصراع، إنما هو من الخطباء
والمنابر الإعلامية الإسلامية الملتزمة، ومن خلال مساهمات بعض الإعلاميين
الصادقين في منابر إعلامية غير إسلامية أو محسوبة على المسلمين، ثم لا يلبث أن
يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل هذه الحادثة أو تلك من تصوير للصراع على أنه
صراع على الأرض: على حدود معاهدة التقسيم عام ١٩٤٨م، أو حدود هدنة عام
١٩٦٧م، أو تنفيذ مبادرات السلام الهزيل.
وأخيراً وليس آخراً تنفيذ قرارات أوسلو ومدريد وما بعدها، وهذا الانكماش
في تصوير نوع الصراع من صراع عقدي إلى صراع على الأرض، يقابله
انكماش آخر في ساحة الصراع؛ حيث الراية عِمِّية مقابل الراية اليهودية؛ حيث
تردد وسائل الإعلام المختلفة المحلي منها والعالمي: «الصراع العربي الإسرائيلي»
رغم ما يحمله المصطلح من تناقض بارز؛ حيث أحد طرفي الصراع «ديني»
والآخر «قومي عرقي» ! !
إن المعركة كما يقول الأستاذ سيد قطب: «معركة عقيدة، إنها ليست معركة
الأرض ولا الغلة ولا المراكز العسكرية ولا هذه الرايات المزيفة كلها. إنهم
يزيفونها علينا لغرض في نفوسهم دفين؛ ليخدعونا عن حقيقة المعركة وطبيعتها،
فإذا نحن خدعنا بخدعتهم لنا فلا نلومن إلا أنفسنا ونحن نبعد عن توجيه الله لنبيه
ﷺ ولأمته وهو سبحانه أصدق القائلين: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ
اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) .
كما أنها معركة متعددة الجبهات وليست مقتصرة على ساحة القتال العسكرية؛
حيث يدرك اليهود أنهم جميعاً لن يتمكنوا من قتل (١٨٠) مليون كبش ناهيك عن
(١٨٠) مليون عربي، ناهيك عن (١٠٠٠) مليون مسلم؛ فإن ساحة الصراع
والحرب تمتد إلى عالم الاقتصاد والسياسة والعقيدة والفكر والتراث، وبكل ما
أوتوه من قوة.
إن الفارق بين عقلية الذي يفكر في السلام وقد تخلّى عن العقيدة والسلاح،
وبين عقل من يحارب ليستريح ويستريح ليحارب فارق كبيرٌ جداً، كالفارق بين
رسالة رئيس منظمة التحرير الطويلة إلى رئيس وزراء إسرائيل عام ١٩٩٣م،
ورد رئيس الوزراء الإسرائيلي المقتضب، مع فوارق ظاهرية وجوهرية.
مستقبل الصراع:
مما سبق يتضح لنا أن اليهود وحلفاءهم سيصطدمون بالمسلمين في المنطقة،
وستجري حروب على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية،
وما هذه التيارات السياسية والاقتصادية العالمية المتتالية في القرن الميلادي الأخير
رغم قصر المدة إلا موجات تتناوب مع الخيار العسكري لمواجهة المد الإسلامي
ومحاولة القضاء عليه، وما تخدع كلمات دهاقنة السياسة الغربية المموهة إلا ذوي
العقول المشلولة والأفئدة السقيمة، [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ]
(الأنفال: ٣٠) .
إن حقائق القرآن والسنة وشواهد التاريخ وتداعيات الواقع لتدل بما لا يدع
مجالاً للشك أن الصراع مع اليهود قائم ودائم ومستمر إلى قيام الساعة، ولن
يستطيع دهاقنة السياسة والاقتصاد تعطيل هذه النصوص القاطعة ولا السنن الربانية
الجارية، وبلا مبالغة هم أعرف بذلك من كثير من جهلاء المسلمين؛ حيث صرّحوا
أن الجولات السياسية ما هي إلا محطات استراحة يحققون من خلالها ما لم تحققه
الآلية العسكرية. يقول مناحيم بيجن في كتابه (التمرد) :» لن يكون هناك سلام
مع العرب ما دمنا لم نحرر وطننا بأكمله حتى لو وقَّعنا مع العرب معاهدة الصلح.
إن الأسلحة العبرية هي التي ستقرر حدود الدولة العبرية، ولا يمكن أن نشتري
السلام من أعدائنا بالمفاوضات. فهناك نوع واحد من السلام يمكن أن يشترى هو
سلام القبور «! كما يقول كارتر:» إن دولة إسرائيل أولاً وقبل كل شيء عودة
إلى الأرض التوراتية التي أُخرج منها اليهود منذ مئات السنين. إن إنشاء إسرائيل
هو إنجاز للنبوءة التوراتية وجوهره «.
دور الإعلام والإعلاميين:
إذا علمنا كل ذلك وغيره مما لم يتسع المقام لذكره، رأينا كم هي التبعة الملقاة
على المنابر الإعلامية المختلفة، كما يتجلّى لنا جسامة المسؤولية الملقاة على كل من
تولى أمراً في هذه المنابر الإعلامية أو ساهم فيها.
إن معركة السلاح لا بد أن يسبقها إعادة صياغة لهذا الكيان بكل جزئياته؛
لتستعيد الأمة هويتها صافية من كل شائبة تسربت إليها من خلال وسائل الغزو
الإعلامي العالمي، أو من خلال العملاء أو الجهلاء الذين غرسوا في عقول
المسلمين الهزيمة النفسية وأصّلوها من خلال التبعية الفكرية والأدبية. وهذه
المسؤولية رغم ضخامتها يمكن للإعلامي المسلم أن يمارسها ولو مجزأة، ومن
خلال الوسائل المتاحة لا سيما في عصر الإنترنت وما تتيحه من انتشار لا يحتاج
معه إلى جواز لعبور الحدود والسدود التي بدأت تتهاوى بصورة أو بأخرى.
هذا بالنسبة للإعلامي المسلم.
أمّا الأجهزة الإعلامية فهي مطالبة بما هو أكبر من ذلك، إنها مطالبة ببرنامج
عمل متكامل، لعل من أبرز معالمه:
١ - عدم قطع الحديث عن عداء اليهود للأمة، حتى بعد إخراج آخر يهودي
من الأراضي المقدسة.
٢ - توظيف الأحداث في تربية الأمة، ولنا في القرآن شواهد كثيرة، وكيف
أن الخطاب القرآني كان يستغل الحدث الواحد كتحويل القبلة لإبراز هذا العداء
الظاهر والمستتر.
٣ - استعراض التاريخ القديم للصراع منذ زمن النبي ﷺ ،
وتجلية دور العقيدة السليمة في حسم النزاع لصالح المعسكر الإسلامي.
٤ - توظيف طاقات الأمة المسلمة عربيها وأعجميها؛ لإعادة كتابة فصول
التاريخ المعاصر الذي تعاني كثير من طبقات الأمة من تجهيلها به وتشويه معالمه
على أيدي القوميين والعلمانيين، بسبب محاولاتهم المستميتة لستر عوار نكساتهم
وهزائمهم المتلاحقة.
٥ - استخراج الدروس والعبر من أحداث ١٩٤٨م، ١٩٦٧م، ١٩٧٣م،
١٩٨٢م، وما تلا ذلك من اعتداءات اليهود وحلفائهم وتوظيفها لبث الوعي العقدي
والتاريخي والسياسي في أفراد الأمة المسلمة رجالاً ونساءاً.
٦ - ألاَّ تنسينا كارثة فلسطين ما يجري في أندونيسيا والشيشان ... وغيرها
من البلدان المسلمة، فالأمة الإسلامية أمة واحدة إذا اشتكى منها عضو تداعى له
سائر الجسد بالحمى والسهر.
ختاماً:
إن أطفالاً وشباباً يصنعون بحجارتهم ما لم تصنعه الجيوش والمدافع في زمن
الذل والانكسار حريّ بهم أن يحققوا انتصارات كاسحة إن شاء الله تعالى؛ إذا
توفرت لعقولهم وقلوبهم التربية العقدية، والإعداد اللازم في ظل إعلام ملتزم.
[وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) .
стр. 3716
المسلمون والعالم
حمَّى سنة ٢٠٠٠.. عود على بدء
الألفية الثالثة وتفاعلاتها الخطرة
عبد العزيز كامل
تابع القراء على صفحات (البيان) الغراء، السلسلة التي نشرتها المجلة على
مدى ثمانية أشهر بعنوان (حُمَّى سنة ٢٠٠٠) وكانت السلسلة تهدف إلى الكشف
عن تفاعلات متوقعة مع بدء الألفية الميلادية الجديدة، تقف وراءها عقائد وأساطير
وأحلام وأوهام تنطلق من قناعات دينية يهودية ونصرانية، تدعو إلى الاستعداد
لأحداث اقتراب الزمان من نهايته، مع ابتداء الألف الجديد وفي سنواته الأولى.
وقد أسهبت الحلقات في عرض مظاهر هذا الانشغال الديني المتأثر بالعقيدة
الألفية التي جاءت الإشارة إليها أولاً في العهد القديم (التوراة) ثم أشار إليها العهد
الجديد (الإنجيل) ، وهي العقيدة التي يؤمن أهل الكتاب بمقتضاها أن من واجبهم
أن يهيئوا للتفرد بالسيطرة على العالم؛ كمقدمة لا بد منها للاستعداد لمقدَم المسيح
المخلِّص الذي سيأتي ليحكم هذا العالم في الألف الأخيرة من عمر الدنيا، فيكون هذا
هو العصر الذهبي للبشرية.
لقد ترتب على التأثر بتلك العقيدة أحداث ومخططات ظلت تتابع منذ أواخر
القرن الثامن عشر للميلاد، وطوال القرن التاسع عشر ثم طوال القرن العشرين؛
حيث كان النصارى، وبخاصة البروتستانت، يدفعون باليهود نحو التحرك للسيطرة
على الأرض المقدسة التي ستشهد في اعتقادهم أكبر أحداث فصول التاريخ الأخيرة.
حاولت في هذه الحلقات رصد الخلفيات التاريخية الماضية والتداعيات الحاضرة
والتوقعات المستقبلة لهذه القناعات الدينية عند أهل الكتاب، وخاصة تلك المرتبطة
بحلول العام ٢٠٠٠ للميلاد الذي جعلوه موعداً فيما يبدو لتدشين خطوات تأسيسية في
المخططات الكبيرة المستقبلية في منطقتنا العربية الإسلامية.
أما وقد آذن العام ٢٠٠٠م بالأفول، فمن حق القارئ علينا أن نطلعه على
خلاصة التفاعلات الحُمِّية الألفية التي وقعت منذ بداية العام ٢٠٠٠م وحتى كتابة
هذه السطور [١] ، وهي تفاعلات تبرهن مع غيرها، على أن العقائد الدينية الغيبية
لدى أهل الأديان لا تزال تمثل عامل دفع قوي يحرك الأحداث في عصرنا هذا،
عصر المادة وتقنياتها والفتنة بها.
نحن لا نريد هنا بداهة أن نثبِّت دعاوى الذين كفروا من أهل الكتاب في أن
الزمان يسير لصالحهم وفق رؤى كتبهم «المقدسة» ، ولكن نريد لفت الانتباه، أو
تكرار لفت الانتباه إلى أن أساطيرهم المستمدة من كتبهم بعد التحريف تتحرك إلى
عالم الواقع ودنيا الحقيقة، لا تبعاً لما يقولون إنه (نبوءات) ولكن طبقاً لما يرتبون
من خطوات ومخططات تقوم على تنفيذها قوى عاتية، تشق طريقها في ساحات
خاوية وميادين فارغة من كل أثر مؤثر في التصدي أو التحدي.
إن هذه القوى التي تتحرك بتلك البرامج الدينية المستقبلية في أرضنا
الإسلامية لا تستنكف عن الإعلان عن ولائها الديني الكفري الصريح، وعن سعيها
العنيد العنيف لفرضه بعد عرضه على جماهير الأمم المشغولة بصغائر الأمور.
لقد بدا أمام كل بصير أن هناك حزمة من الأحداث والتفاعلات المتجانسة في
طبيعتها يحاول الكتابيون أن يفتتحوا بها هذا القرن الميلادي ليثبتوا للعالم أن هذا
قرن (نهاية التاريخ) ، وكنت قد أشرت إلى أبرز موضوعاتها السياسية الدينية في
الحلقات الآنفة الذكر. والآن أعرض لأهم المستجدات المتعلقة بمشاريع تأجيج
الصراع الديني في المنطقة.
أولاً: الحرب السابعة: أوشكت على البدء.. أم بدأت بالفعل؟ !
انطلاقاً من مسلَّمة أن اليهود هواة حرب لا دعاة سلام كما دلت نصوص
الوحي، وتطبيقاً لهذه المسلَّمة على تاريخنا المعاصر، فقد كان متعيناً على أي
مراقب مدرك لهذه الحقيقة أن يفهم أن مسرحية السلام لن تستمر إلى آخرها، وأن
اليهود سوف يسدلون الستار عليها في الوقت الذي يريدون، ومن الفصل الذي
يحددون، وفي ضوء لجوء اليهود إلى افتعال حرب في كل عقد لتقليم أظافر العرب
وكسر شوكتهم وهو ما أسماه إسحاق شامير: (سياسة قلع الأسنان) [٢] فقد كان
المرجح أن يُقبل اليهود على افتعال حرب جديدة هي (الحرب السابعة) على
التوالي، بترتيب العقود بدءاً من الأربعينيات الميلادية (التي أعلنت فيها دولة
اليهود) ، وإلى هذا العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. فهذا هو العقد السابع،
فهل تقوم فيه الحرب السابعة؟
لقد كانت هناك مرجحات لإشعال تلك الحرب في بدايات الألفية الثالثة: وعلى
رأسها اغتنام اليهود لفرصة هذه الفترة المفصلية في التاريخ، لتأجيج مشاعر
النصارى الدينية في العالم لصالحهم، باعتبار أن رأس الألفية، مناسبة دينية
نصرانية تربط بعمق بين مستقبل اليهودية ومستقبل النصرانية، على أساس أن
اليهود أداة قدرية لتحقيق ما أسموه: (خطة الإله لعودة المسيح) ، فإذا ما كانت تلك
الحرب قائمة على خلفية أحداث اعتقادية، فإن ذلك قمين بأن يلهب العواطف الدينية
لدى شعوب العالم النصراني، ويوحد مشاعرها خلف دعاوى اليهود الزاعمة بأنهم
محور أحداث ما يستقبل من الزمان.
والأمر الثاني من المرجحات: هو استغلال اليهود لتلك الأجواء بعد توفيرها
لضمان أكبر قدر من الدعم الغربي للوقوف أمام غضبة العالم الإسلامي، إذا ما
أقبلوا على تنفيذ المشروع التآمري الكبير: (هدم الأقصى وبناء الهيكل) ، أو
محاولة تمرير خطة التنفيذ وسط زحمة الأحداث، لكي لا تبدو عملاً مستقلاً مفرداً
ومقصوداً.
والأمر الثالث من المرجحات لإقبال اليهود على إيقاد تلك الحرب: قطع شوط
جديد على طريق المشروع القديم (إسرائيل الكبرى) ، ذلك المشروع الذي ما كان
لليهود أن يصروا عليه لولا استخفاف العرب به وادعاء بعضهم استحالة تحقيقه،
بدعوى عدم قدرة ذلك الشعب الإسرائيلي الضئيل، على السيطرة على تلك البقعة
المترامية من النيل إلى الفرات، ولسنا هنا بصدد تفنيد أسس هذا الاستخفاف العربي
(العقلاني) ولكن فقط نذكر بأن اليهود سواء في (إسرائيل) أو في أمريكا لا
يقصدون السيطرة العمرانية الجغرافية البشرية، ولكن: الهيمنة السياسية
والاقتصادية والعسكرية، أو بتعبير آخر: (إدارة المنطقة) وهو ما يتطور بانتظام
على أرض الواقع منذ أن بدأ الصراع.
- ومن المرجحات رابعاً: ما أشار إليه بعض خبراء الاستراتيجية، من
ترجيح احتمال نشوب حرب في المنطقة بسبب نقص موارد المياه [٣] ؛ فاليهود
يضيفون بهذا سبباً آخر من الأسباب التي تجعلهم (مضطرين) إلى الكشف عن
أنيابهم المستترة خلف أقنعة السلام.
وفي ظل استمرار موجة الجفاف التي تعم أكثر مناطق الشرق الأوسط، والتي
استمرت عامي ١٩٩٨، ١٩٩٩م [٤] ، وتبدو مستمرة هذه العام أيضاً كما توقع
الخبراء والله أعلم فإن دولة اليهود التي تحصل على ٩٠% من المياه من موارد
جاراتها العربية، قد يستبد بها النزق الممزوج بالجبروت لمحاولة الاستحواذ على
نسب إضافية من الـ (١٠%) ، المتبقية لدول الجوار المسالم. ونحن نعلم أن من
أبرز أسباب الاختلاف في عملية السلام على المسار السوري الإسرائيلي مسألة
السيادة على المنطقة المحيطة ببحيرة طبرية؛ حيث يطمع اليهود أن يضمنوا
السيطرة على هذا المورد المائي الهام.
- أما المرجح الخامس: فهو الإصرار اليهودي النصراني المشترك على
استراتيجية الإخضاع التي تمارس بإصرار منذ زمان ضد أمة الإسلام بعامة
والعرب بخاصة ودول «الطوق» أو المواجهة المحيطة بـ (إسرائيل) بشكل
أخص.. وهي الاستراتيجية التي أطلق عليها شامير: (استراتيجية قلع الأسنان)
كما سبقت الإشارة إليها.
- وهناك مرجح سادس، وهو: أن الساحة العربية كما لمح أو صرَّح أكثر
قادة العرب في مؤتمر القمة الأخيرة، غير مستعدة للحرب الآن! ! كأن اليهود
سيقبلون هذا الاعتذار العربي لتأجيل وقت الحرب إن كانوا قد قرروها بالفعل!
وهل يطلب عاقل من اليهود إذا ما أرادوا أن يشعلوا ناراً للحرب أن ينتظروا
استعداد العرب لها؟ ! إنها ستكون بنظر اليهود فرصة ذهبية أخرى تقدمها إليهم
العلمانية العربية الفاشلة على طبق من فضة! حيث أعطوا اليهود هدنة مجانية
استمرت أكثر من عشرين سنة لكي يتمكنوا من تغيير خارطة الواقع بحسب تفاصيل
المتوقع، ولكي يتأكدوا من أن البقعة المباركة قد باعها أصحابها بثمن بخس سفارات
ومكاتب معدودة، ترفرف عليها أعلام نجمة داود في فضاء يضج بالصمت ...
صمت سلام القبور!
هذه هي أبرز المرجحات.
أما الذرائع، فلا تسل اليهود عن ذريعة.. إن جعبتهم ملأى بالذرائع
المزروعة كالألغام في كل مكان، ولكني أرى فيما يُسمى (حزب الله) ، وما يُدعى
من بطولاته المستوردة أو المصنعة محلياً ذريعة جاهزة أو يجري تجهيزها لإجراء
عملية إخضاع جديدة تقر بها أعين الشانئين المبغضين لهذه الأمة المسلمة من يهود
القلب أو يهود القالب، ولا نحتاج هنا إلى تعديد احتمالات التصعيد أو
(سيناريوهات) التنفيذ التي يمكن أن تترتب على اختيار هذه الذريعة أو تلك،
ولكن دعونا ننتظر لنرى ما ستسفر عنه التداعيات المحتملة أو المرتب لها من
وراء تفجير (انتفاضة الأقصى) في هذا التوقيت المريب..! هل يضربون
سوريا؟ ! احتمال وارد. هل يثنُّون بلبنان أو بالفلسطينيين في لبنان؟ أمر
محتمل.. هل يصعِّدون الموقف ويوسِّعون الدائرة؟ أمر غير مستبعد! هل
يضربون بتركيز أشد في الداخل الفلسطيني لإيجاد واقع جديد لمرحلة جديدة؟ أم
هل يُضرِبون عن كل هذا ويعدلون إلى أسلوب آخر؟ ! كل الاحتمالات يمكن
توقعها إلا توقع أن يقلع اليهود عن ديدن الإفساد، وخلق التخريب الذي أشار
إليه القرآن: [كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ
فَسَاداً وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ] (المائدة: ٦٤) .
إن هناك شواهد كثيرة تدل على أن اليهود يُعِدُّون في هذه الآونة لإشعال حرب
جديدة؛ فمن تجميد لعملية السلام، إلى تهديدل سوريا ولبنان، إلى تجديد لأسلحة
المستوطنين، إلى اتجاه للتكتل بين الحزب الحاكم والأحزاب اليمينية الدينية
المتطرفة، إلى استدراج أو توظيف لـ (بطولات) (حزب الله) ، إلى مزيد من
إراقة دماء الفلسطينيين العزل، إلى اتجاه متزايد لعزل القدس ومنع المصلين من
الوصول للمسجد الأقصى.
كل هذه أعواد ثقاب من شأن الواحد منها فقط أن يضرم ناراً تشتعل بها
المنطقة كلها، ولكن هل يطفئها الله هذه المرة أيضاً؟ إنه على ذلك قدير، ولكن
مقاديره سبحانه تجري حسب حكمته لا حسب شهواتنا [وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ
وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ] (محمد: ٤) .
ولكن هل هناك بوادر عملية، أو خطوات تنفيذية بدأها اليهود بالفعل على
طريق الحرب؟ ! هم يقولون كما صرح (شاؤول موفاز) رئيس هيئة الأركان
الإسرائيلي في (٢٨ رجب ١٤٢١هـ ٢٥ أكتوبر ٢٠٠٠م) : «بأن الجيش
الإسرائيلي يعيش حرباً بدأت بالفعل، وقد تستمر لمدة عام» ! وقد كرر هذا الكلام
في (٣ شعبان ١٤٢١هـ ٣١ أكتوبر ٢٠٠٠م) .
هذا من الجانب الإسرائيلي، أما من الجانب الفلسطيني فلا نظن أن الحالة
التي يعيشها الشعب هناك منذ اندلعت أحداث الأقصى يمكن أن توصف بوصف أقل
من وصف الحرب، بل إن الحروب المعتادة تجري أحداثها في الغالب على جبهات
القتال بين جيوش معدة لوظيفة القتال، أما الحرب التي يصطلي الفلسطينيون
بويلاتها اليوم فهي بدع في الحروب، إنها حرب الطفولة المعزولة، في زمن غياب
الرجولة المسؤولة. وإلى أن تعود هذه الرجولة إلى مسؤوليتها، فهل هذه الحرب
الدائرة الآن هي بواكير حرب أكبر، أم مقدمات حرب أكبر، أم جس نبض، أم
(بروفة) لحرب أكبر؟ هذا ما ستسفر عنه أحداث الأيام والأشهر القليلة المقبلة،
ولكنها على أية حال البداية العملية الحقيقية للحروب الدينية المستقبلية التي ينبغي
أن نعد لها أجيالنا.
ثانياً: القدس.. أهذا هو الحل النهائي؟
كان العام ٢٠٠٠م، هو عام الحل النهائي حسبما قررت الدولة اليهودية وهو
عام الحسم النهائي كما وعدت السلطة الفلسطينية حيث توعد عرفات بإعلان الدولة
الفلسطينية فيها، على أن تكون عاصمتها القدس. لقد كان على رأس المسائل
المؤجلة لعام ٢٠٠٠م ضمن مفاوضات (الحل النهائي) قضية القدس التي تأتي في
مقدمة الموضوعات التي جرت دحرجتها منذ مؤتمر مدريد عام ١٩٩١م، حتى العام
٢٠٠٠م، بحجة إعطائها فرصة كافية للدراسة والتشاور. وكان معها من القضايا:
مسائل اللاجئون، الحدود، والمستوطنات والمياه، والدولة، وقد حشرت هذه
القضايا كلها ليتم الانتهاء منها في المباحثات الغامضة التي عرفت بـ (كامب ديفيد
الثانية) ، وقد تفاعلت الأحداث بعد هذا المؤتمر الذي أعلن عن تحطمه على صخرة
بيت المقدس؛ وكأنها رسالة أُريد لها أن تصدر في شكل توصية ضمنية عن
المؤتمر، مضمونها: أنه لا حل نهائياً لقضية القدس إلا بما يدبر اليهود ويخطط
النصارى، ولهذا فقد تتابعت التفاعلات المتنوعة عن مفاوضات الحل النهائي في
كامب ديفيد وكان من أبرزها كما لا يزال الناس يذكرون: توعد بيل كلينتون أن
يقدم موعد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وهو الإجراء الذي من شأنه أن يجر
أكثر دول العالم إلى التتابع في هذا النقل، حيث يضع هذا العرب والمسلمين أمام
أمر دولي واقع، وكان هذا التوعد الأمريكي رداً على تهديد ياسر عرفات بإعلان
الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، وهو الإعلان الذي ظهر أن الأمريكيين لا
يقلون عن الإسرائيليين معارضة له؛ فهم وإن أظهروا في بعض الأحيان موافقتهم
على مبدأ إعلان الدولة الفلسطينية بشرط تجريدها من مقومات الدولة، إلا أنهم لم
يقبلوا في لحظة من اللحظات أن تكون القدس عاصمة لها، وهذا ما جعل (كلينتون)
يخرج عن تحفظاته المصطنعة، وحياده الكاذب، ويعلن أن السلطة الفلسطينية
تعرِّض نفسها لسحب الاعتراف بها، ومنع المساعدات عنها إن هي أعلنت عن قيام
هذه الدولة بتلك الصيغة التي يرددها عرفات بشكل دائم، أي أن تكون القدس
عاصمتها.
ومما شهده العام ٢٠٠٠م أيضاً فيما يتعلق بأمر القدس أن عرفات اضطر بعد
ضغوط من الدول (الصديقة والشقيقة) إلى تأجيل هذا الإعلان الذي كان مقرراً في
١٣ سبتمبر ٢٠٠٠م إلى أجل غير مسمى. وهو تأجيل يدل على أن الأطراف
المعنية تدرك تماماً أن الحل النهائي لمصير القدس له صيغة واحدة مقبولة لدى
(الشرعية الدولية) ومن يقومون عليها في العالم (الحر) ، وهي صيغة أن تكون
القدس عاصمة أبدية موحدة لدولة اليهود.
ومن التداعيات المتعلقة بمصير القدس ما قرره يهوذا باراك من العزم على
تنفيذ مشروع الفصل بين العرب والفلسطينيين، وهو الفصل الذي من شأنه أن
يجعل من المناطق الفلسطينية وعلى رأسها القدس الشرقية مناطق حصار يفرض
ويرفع عنها حسبما تقضيه الظروف الإسرائيلية.
وقد شهدت الفترة التي أعقبت (كامب ديفيد) مناورات للتعمية على ما يراد
للقدس أخذت شكل مشروعات معروضة للنقاش بشأنها من جديد، ومنها مشروع
التدويل: أي جعلها مدينة دولية مفتوحة، أو عاصمة للعالم كما اقترحت بعض
القيادات الفلسطينية أو يتم تقاسم السيادة عليها بشرط ألا يأخذ الفلسطينيون منها إلا
اسمها، بعد أن يخلع ذلك الاسم على مدينة (أبو ديس) ، كما اقترح أن تُسند
السيادة (المؤقتة) على القدس إلى الأمم المتحدة.
ولكن وفي حمأة هذا التنافس في اختراع صيغ تخرج القدس من إطار السيادة
الإسلامية التي رفضت رفضاً باتاً إذا بباراك وشارون يقلبان الطاولة، ويعلنان
بلعلعلة الرصاص في سماء الأقصى، وبلغة السحل في شوارع القدس؛ أن هناك
حلاً واحداً لمصير القدس وهو تفريغها من كل من يقول لا إله إلا الله، وقد أبان
اليهود خلال أحداث انتفاضة القدس أن أهل القدس مستثنون من الانتفاض، وكأن
الإسرائيليين يقولون: فلينتفض الفلسطينيون في أرجاء فلسطين، أما القدس التي
يتجمعون في أيام الجمع في أقصاها للذود عنه وعنها، فلا بد من التحكم فيمن
يدخلها ومن لا يدخلها، إن هذا يعني أنهم يقدرون على جعل القدس مدينة معزولة
عن الفلسطينيين والعرب، بل عن المسلمين والعالم في الوقت الذي يريدون. وقد
أثبتت الأحداث أنه لا اختلاف بين كل الفرقاء في داخل الكيان اليهودي حول مصير
القدس، وهذا ما أعلنه الرئيس الإسرائيلي الجديد (موشيه كتساف) بعد حلف
اليمين الدستورية في (١/٨/٢٠٠٠م) حيث قال: «إن القدس الموحدة تحت
السيادة الإسرائيلية، لن تكون محل اختلاف بين الإسرائيليين، ولن ينقسموا بشأنها
إلى معسكرين» ، وقد صادق الكنيست الإسرائيلي في اليوم نفسه على قانون
أساسي (يعادل قوة الدستور) ينص على أن القدس بشطريها هي عاصمة إسرائيل
الموحدة الأبدية، وهذا يعني أن أي حزب أو حكومة أو شخص أو جهة تدعو إلى
غير هذا، تكون خارجة على الدستور.
ثالثاً: المسجد الأقصى: هزة يهودية ... وصحوة إسلامية:
بعد الهزة التي أحدثها اقتحام (وليس زيارة) شارون للمسجد الأقصى مع
المئات من حراسة المدججين بالسلاح من طلائع الدجال، بعد هذه الهزة انقدحت
شرارة الانتفاضة من بؤرة المركز في القضية المركزية؛ فقد أحدث الاقتحام ما كان
يتوقعه أو ينتظره شارون ومن ورائه باراك؛ حيث تزلزلت الأرض المقدسة،
وتداعت لزلزالها بقية بلدان المسلمين، وقد ظهر كما لم يظهر من قبل أن الانتفاضة
هذه المرة لها وللتداعيات حولها طابع خاص؛ فهي في ملامحها الأولية تأخذ صورة
انتفاضة إسلامية، لا وطنية ولا قومية، يمكن لها إذا أُحسن توجيهها أن تكون بداية
لتصحيح المسيرة التي اعتراها الاعوجاج في المراحل السابقة من الصراع.
وتسلسل الأحداث بعد بدء الانتفاضة في ٢٨ جمادى الثانية من عام ١٤٢١هـ
الموافق ٢٥ سبتمبر (أيلول) من عام ٢٠٠٠م، لا يزال مستمراً، ولكن المخطط
اليهودي النصراني الإجرامي الرامي إلى هدم المسجد الأقصى، يلقي بظلاله القاتمة
على تلك الأحداث التي ضبطت برامجها فيما يظهر على تواقيت الفعل المستفز،
ورد الفعل المنتظر. فماذا كان يُنتظر من المسلمين في فلسطين أن يفعلوا وهم
يرون نجساً من الأنجاس يدنس بأقدامه الساحات الطاهرة [٥] ؟ وماذا كان ينتظر
منهم وهم يشاهدون الدماء تسيل رداً على الاحتجاج؟ وماذا كان ينتظر وهم يرون
الدبابات تنضم إلى المصفحات، والرشاشات تساندها الطائرات؟ ! إنها ردود
الأفعال التلقائية المنتظرة لكي يبنى عليها ما بعدها.
ها هو العام ٢٠٠٠م تفتعل فيه الأحداث الجسام، ليؤكد بنو إسرائيل لبني
إسحاق أن عصر التحام الأمة الضالة مع الأمة الغضبية قد بدأ، وأن مسيرتهما
المشتركة لإنجاز ما تبقى من أشراط العلو الكبير تمضي بانتظام، وأن ذكرى ذلك
العام الميلادي التي لا يعترف اليهود بصاحبها، تمثل علامة فارقة في التاريخ،
ولهذا فلا ينبغي أن يكون عاماً ككل الأعوام في نظرهم.
رابعاً: الهيكل الثالث: حجر الأساس (الرسمي) يسبق كل الأحجار:
شهد هذا العام ما لم يسبق حدوثه على صعيد المسعى الخبيث لبناء الهيكل
الكفري الشركي المنسوب زوراً لسليمان ﵇ [٦] أما هذا الحدث فهو صدور
إذن رسمي من الدولة العبرية لجماعة أمناء الهيكل اليهودية الأمريكية بإرساء حجر
الأساس إيذاناً بمرحلة البدء في التنفيذ (في ١٥/١٠/ ٢٠٠٠م) ، ومن الغريب هنا
أن زعيم الجماعة (غورشون سلمون) قال للصحفيين في تلك المناسبة: «إن
مشروع البناء سيحتاج إلى مدة سنة كاملة للانتهاء منه» ، ووجه الغرابة في ذلك أن
رئيس هيئة الأركان الإسرائيليي (شاؤول موفاز) صرح بعد ذلك بأيام قليلة أن
الحرب التي اعتبرها قد بدأت قد تستمر لمدة عام! فهل يبقى اليهود على أوار
الحرب مع الفلسطينيين وغيرهم حتى ينجزوا مشروعهم المشؤوم؟ !
أمر آخر لافت، يتعلق بالهيكل الثالث وما يُعَدُّ له؛ فالبقرة الحمراء التي أعلن
عن ظهورها عام ١٩٩٦م، يبدو أن اليهود قد استبدلوها بأخرى (موديل ٢٠٠٠)
فقد أُعلن في شهر أغسطس من عام ٢٠٠٠م عن ظهور بقرة أخرى مطابقة
للمواصفات (أمريكية هذه المرة) في ولاية تكساس، وقالت صحيفة يدعوت
أحرونوت في عددها الصادر في (١٦/٩/٢٠٠٠م) : «إن البقرة الجديدة ستنقل
إلى القدس قريباً» .
وهنا أذكِّر بأن موضوع البقرة المنتظرة ليس قصة فكاهية يتندر بها اليهود في
مجالسهم بل هي عقيدة وشريعة لازمة عندهم، تتعلق بتطهير شعب يوقن بأنه
متلبس بالنجاسات منذ ألفي عام، ولن يتطهر منها إلا برماد تلك البقرة، ولذلك
يطلقون على عملية إحراقها قبالة الهيكل لتطهير الشعب اليهودي بها: (الشريعة
الأبدية) كما نصت على ذلك توراتهم.
خامساً: البصمات الألفية على السياسة الدولية:
بدت هذه المظاهر في أشكال متعددة أراد أصحابها فيما يظهر ألا يمر العام
٢٠٠٠م، دون بصمات يتركها محفورة في ذاكرة التاريخ؛ بحيث تظل مرتبطة
بتلك الذكرى النصرانية في الأصل التي تحولت إلى تقويم دولي. شهدت سنة
٢٠٠٠م أكبر هجمة تبشيرية في عقر ديار المسلمين؛ إذ أتيحت لرأس النصرانية
الكاثوليكية (بولس السادس) أن يقيم على أراضي المسلمين قداسات مفتوحة وعلى
الهواء، وذلك في زيارته للمنطقة التي شملت فلسطين والأردن ومصر في شهر
مارس ٢٠٠٠م، وكان مقرراً أن يزور العراق وسوريا أيضاً، إلا أنه أجَّل زيارة
سوريا، وألغى زيارته للعراق تجنباً للسخط والاحتجاج الأمريكي. لقد كانت تلك
الزيارة (الألفية) ذات معانٍ وإيحاءات متعددة، تترك انطباعاً بأن نصارى
الكاثوليك الذين يتحدث باسمهم (البابا) قد بدؤوا يجدُّون في السير على الدرب الذي
سبقهم إليه نصارى البروتستانت، للاقتراب من اليهود، والتحول الكبير إلى ما
يخدم أهدافهم في منطقتنا الإسلامية، وكان على رأس هذه الخطوات في ذلك،
إشعار رأس الكنيسة الكاثوليكية اليهود، بأنه لا مانع لدى النصرانية الكاثوليكية من
اتخاذ القدس عاصمة لهم (مؤقتاً) ، وقد ظهر ذلك من خلال زيارة بابا الفاتيكان
للقدس، وإقراره الضمني بكونها عاصمة لدولة (إسرائيل) بعد حضوره للعديد من
المناسبات واللقاءات التي ألقى اليهود فيها على أسماعه عبارة (القدس هي العاصمة
الموحدة الأبدية لدولة إسرائيل) دون أن يصدر عنه ما يدل على تحفظ أو اعتراض.
وكان من اللافت أيضاً أن يشهد العام ٢٠٠٠م عودة إلى الحديث عن الطرح
النصراني للحل النهائي لقضية القدس، وهو أن تصبح القدس (عاصمة العالم) ،
وهو الطرح الذي أصبح أكثر الصيغ قبولاً على المستوى الدولي بعد أن تعارضت
الصيغ المعروضة من الجانب الفلسطيني العربي، والجانب الإسرائيلي الأمريكي.
أما على الجانب السياسي المدفوع دينياً، فقد شهدت الولايات المتحدة
الأمريكية ولأول مرة في تاريخها معركة انتخابية، كانت المزايدة على الموقف من
القدس ونقل السفارة الأمريكية إليها إحدى الورقات الكبرى للتنافس على كسب
أصوات اليهود، لا بل إن استرضاء اليهود قد بلغ حد أن يُعيِّن الحزب الديمقراطي
نائباً يهودياً أرثوذكسياً متديناً لمرشحه للرئاسة الأمريكية وهو السيناتور (جوزيف
ليبرمان) ، وهذا يعني أن نسبة من الشعب الأمريكي لا تقل عن نسبة من صوتوا
لآل جور تقبل أن يكون الرئيس الأمريكي يهودياً قلباً وقالباً. وهذا تحول في غاية
الخطورة، يدل على المدى الذي وصلت إليه قوى اليمين الديني النصراني
الصهيوني السائرة بإصرار في طريق تسلم زمام السلطة في القطب الوحيد في
الأرض؛ فهل تشهد الألفية الجديدة في مراحلها الأولى صراعاً تنافسياً بين النجوم
الخماسية والنجوم السداسية على العلم الأمريكي؟ أم ستصبح أمريكا القرن الحادي
والعشرين هي ولايات متحدة إسرائيلية؟ !
لقد ترادفت تلك التفاعلات، والألف الثالث للميلاد لم يبدأ بعد.. فالعام ٢٠٠٠ م
قد حل (خطأً) محل العام ٢٠٠١م الذي يمثل العام الأول في ذلك القرن، فهل
تستمر التخاريف العلمية والعملية لبداية الألفية لعام آخر.. الله أعلم!
стр. 3717
المسلمون والعالم
معالم في قضيتنا الكبرى.. فلسطين
د. سليمان بن حمد العودة
مهما تحدث الناسُ عن اليهود، ووصفوا طباعهم ونفسياتهم فلن يبلغوا مبلغ
القرآن في ذلك، وكفى أن يستيقن المسلمُ شدةَ عداوتهم وهو يقرأ قوله تعالى:
[لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا] (المائدة: ٨٢) ، وأن
يعلم نوعية سعيهم في الأرض من قوله تعالى: [وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً]
(المائدة: ٦٤) أجل إنهم ملعونون على لسان أنبيائهم بما عصوا وكانوا يعتدون،
وقساةُ قلوب بشهادة الذي خلقهم وهو العليم الخبير: [فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ
وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً] (المائدة: ١٣) ، وهم أسرع الناس للإثم والعدوان بشهادة
القرآن على أكثرهم: [وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ
السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (المائدة: ٦٢) .
والحديث هنا ليس وصفاً لليهود أو استجماعاً للنصوص التي تكشف طبائعهم
ومواقفهم وخبثهم؛ فذلك له حديث خاص وإنما يتركز حديث اليوم على قضيتنا
الكبرى مع اليهود بمعالمها وأبعادها وطبيعة الصراع فيها لا سيما ونحن نسمع ونرى
هذه الأيام أحداثاً دامية واعتداءً صارخاً على المسلمين، ومحاولات تتكرر للعبث
بمقدساتهم، واستفزازاً أهوج لمشاعرهم، وما الحوادث التي تدور رحاها الآن في
فلسطين وراح ضحيتها عددٌ من القتلى ومئات من الجرحى إلا حلقة في هذا
المسلسل الإجرامي الحقود.
وحتى ندرك حجم القضية ونعلم طبيعة المعركة مع اليهود نورد سؤالاً ثم
نجيب عليه أو على بعضه.. والسؤال يقول: ما هي أبرز المعالم في قضيتنا
الكبرى مع اليهود؟
والجواب:
١ - ليست قضيتنا مع اليهود قضية أرض مجردة يمكن أن نتقاسم فيها النفوذ
وأن نتعايش بسلام: كلا؛ فالقضية قضية مقدسات إسلامية، وحقوق مغتصبة،
قضية حق يمثله الإسلام والمسلمون تُطمس هويته ويُشرد أبناؤه، وباطل تمثله
اليهودية المحرفة، وينتصر له اليهود المغضوب عليهم والنصارى الضالون قضيتنا
لها بُعدها العقدي ولها امتدادها التاريخي.
٢ - وليست قضية فلسطين بمقدساتها وتاريخها قضية العرب وحدهم كما يريد
الغرب ومن سار في ركابه أن يُشيعوه: بل هي قضية كل مسلم على وجه البسيطة
يؤمن بالدين الحق ويستشعر عداوة اليهود والنصارى للمسلمين، وينتمي لهذه
المقدسات.
٣ - والقضية كذلك ليست حقاً خاصاً لمسلمي اليوم يتصرفون فيها كيفما
شاؤوا، ويتنازلون إذا اتفقوا: كلا.. بل هي ميراث وأمانة.. ميراث عن الآباء
وأمانة لا بد من تسليمها للأبناء؛ فقد فتحها أسلافنا بدمائهم، وحرروها بصدق
عقيدتهم وجهادهم، ولا يحق لنا أن نهدر هذه الجهود حين غاب المحررون، كما لا
يسوغ لنا أن نحجر على مسلمي الغد فنكبلهم بمعاهدات سلام هزيلة، ونبيع حقنا
وحقهم بأبخس الأثمان.
٤ - ما هي اللغة التي تفهمها إسرائيل ويحتاجها العرب والمسلمون؟ إنها لغة
القوة، وبهذه القوة استسلم اليهود عبر التاريخ؛ وإذا تجاوزنا تاريخهم قبل الإسلام،
ووقفنا عند تاريخهم في المدينة مع محمد ﷺ والمسلمين رأينا كيف
كان غدرهم ونقضهم للعهود، ورأينا محمداً ﷺ يتعامل معهم
بالحصار والإجلاء، بل وتقديم طوائف منهم لتحصد رؤوسهم ويساقون إلى الموت
وهم ينظرون، وكيف لا يكون ذلك وقد نقضوا العهود، وألَّبوا الأعداء، ودلُّوا
المشركين على عورات المسلمين في أُحُد، ثم كانت غزوة الخندق ومجيء الأحزاب
بتخطيطهم مع مشركي قريش؛ وآخر طائفة منهم تماسكت على العهد خوفاً من
المسلمين حتى إذا لاحت لهم الفرصة غدرت بنو قريظة في أشد الظروف وأحلكها
على المسلمين؛ وتلك التي قال الله عنها: [إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ
وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ
المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً] (الأحزاب: ١٠-١١) .
ذلك نموذج لغدر اليهود في زمن النبوة، وذلك أسلوب نبوي للتعامل معهم،
وهدي المرسلين صالحٌ للاعتبار والاقتداء في كل زمان ومكان.
٥ - ما مفهوم إسرائيل للسلام، وما هدفُها من إشاعة مفاهيم السلام؟ إننا
نخادعُ أنفسنا حين نعتقد أن إسرائيل جادةٌ في تحقيق السلام؛ والواقع يشهد بإفلاس
المسرحيات الهزيلة للسلام، ومن كامب ديفيد بمراحله المختلفة وأدواره المكشوفة،
إلى مدريد أو غيرها من محطات السلام استَسمن المخدوعون بالسلام ورماً، فإذا
الجبلُ يلد فأراً، وإذا الانتقام يعقب السلام ومدادُه لم يجف بعد، فتتحدثُ الديانة
المجنزَرة باسم السلام الذي تريده (يهود) وينطق الرشاس، وتحوم الطائرات
المروحية، وترمى الطلقات المطاطية وغيرها بشكل عشوائي لتصيب الأطفال
والنساء والشيوخ.. وتكون هذه وتكون هذه؛ وتلك لغة السلام المعبرة في ذهن
إخوان القردة والخنازير؟ !
وَمَن صنع مسرحية السلام؟
موقف إسرائيل من السلام ليس على ظاهره؛ بل دافعها للسلام إظهارُ نفسها
للعالم بصورة الإيجابية المحبة للسلام وذلك لتستقطب الاستثمارات وتفتح الأسواق
الخارجية؛ تعزيزاً لاقتصادها. أو هي باختصار كما يقول أحدُ اليهود [١] وهو
شاهد من أهلها: «ليست (عملية السلام) سوى حملة علاقات عامة لترويج
إسرائيل» [٢] .
٦- وقفة إشادة وتقدير لأطفال الحجارة الفلسطينيين الذين أرعبوا اليهود: لكن
السؤال المهم: هل بلغت أمة المليار حداً من الضعف حتى أنابت عنها في قتال
الأعداء أطفالاً لا يملكون إلا الحجارة يقاتلون بها اليهود ويرهبون بها مَنْ وراء
اليهود؟
وفي المقابل فإن أمة مدججة بالقوة وتعد ترسانة للسلاح النووي وغيره يرهبها
أطفال عزل من السلاح؛ ليست خليقة بالبقاء ولا قادرة على الصمود والتحدي حين
يتوفر المجاهدون الصادقون، عجَّل الله وجودهم.
٧ - الغرب ومنظمات الجهاد والأصولية: ومن هنا يُعلم سر تخوف الغرب
واليهود من تنظيمات الجهاد وصيحات المجاهدين وما يسمونهم بالأصولية،
ومحاولاتهم تشويه صورتهم ووصف المجاهدين بالإرهابيين؛ ذلك لأنهم يدركون أن
هؤلاء عدوُّهم الحقيقي، وهؤلاء هم خطرهم المستقبلي يصرحون بذلك في كتبهم
ولا يكتمونه، يقول الرئيس الأمريكي (نيكسون) : «إن صراع العرب ضد
اليهود يتطور إلى نزاع بين الأصوليين الإسلاميين من جانب وإسرائيل والدول
العربية المعتدلة من جانب آخر» [٣] .
ومن جانب آخر يعلنون بكل صراحة ويقولون في ملتقياتهم العامة: على
روسيا وأمريكا أن تعقدا تعاوناً لضرب الأصولية الإسلامية.
ويقولون كذلك: «علينا نحن الأمريكان والروس تناسي خلافاتنا والتحالف
معاً لضرب الإسلام» [٤] فهل يا تُرى يستفيق المغفلون الذين يرددون ما تردده
الدوائر اليهودية والنصرانية في الغرب والشرق عن إخوانهم المسلمين؟ وهل ندعم
الجهاد الحق وهو ذروة سنام الإسلام ليكون الفيصل بيننا وبين أعدائنا، وهو أقصر
الطرق وأنفعها لاسترداد حقوقنا وتحرير مقدساتنا؛ «وما ترك قومٌ الجهاد في سبيل
الله إلا ذلوا» .
يا للخيبة والعار حين يُسارع ممثلو الفلسطينيين لاستجداء الآخرين في صفقات
السلام الهزيل وهم المُعتدى عليهم في الوقت الذي يرفض فيه زعماء إسرائيل
حضور هذه الملتقيات وهم المجرمون المعتدون؟
لا بد من تحقيق الولاء للمؤمنين والبراءة من المشركين، وفي كتابنا العزيز:
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن
يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم
مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ
أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ] (المائدة: ٥١-٥٢) .
٨ - بين الحماس الشعبي والتَّراخي السياسي يبرز مَعْلَمٌ من معالم الموقف في
قضيتنا الكبرى: فالمتأمل في الأحداث الجارية مع اليهود في فلسطين يلاحظ حماساً
وعاطفةً إسلامية تنفذ في قلوب الشعوب العربية والإسلامية منددة باليهود، ليس فقط
في حدود فلسطين بل وخارجها، ومن أطفال الحجارة إلى المنظمات الجهادية إلى
المظاهرات الطلابية. وفي أرض الكنانة (مصر) نموذج لهذا الحماس الإسلامي
تجاه المقدسات وتجاه الدماء الإسلامية، وفي مقابل ذلك هناك فتور وتراخ في
الموقف السياسي ممن يملكون القرار، ولا يزالون يحملون حقائبهم للمفاوضات
الخاسرة على الرغم من النكسات المريعة والصلف اليهودي المثير، ولا تزال
الشعوب العربية والمسلمة تتطلع إلى قرار جماعي وموقف بطولي يضع حداً لعنف
اليهود وينهي مرحلة الذل والاستسلام.
٩ - ضعف الإعلام العربي والإسلامي في خدمة قضية فلسطين: نلاحظ
ضعفاً في إعلامنا العربي والإسلامي تجاه قضية فلسطين الكبرى، وللإعلام دورُه
في إذكاءِ حماس الشعوب، بل وفي الضغط لاتخاذ مواقف جادة مع بني صهيون ,
وماذا يصنع الإعلام الغربي واليهودي لو أن طفلاً يهودياً قتله المسلمون؟ فكيف
بمجموعة من الأبطال والرجال والنساء يُقتلون؟ وكيف والعبث بالمقدسات
والاستفزاز في الزيارات ديدن اليهود؟ والمأساة هي التغفيل من قبل الإعلام إلا
عواطف مجردة تخرج عند الحدث ثم لا تلبث أن تخبو وكأن شيئاً لم يكن.
أما الإعلام الكافر فمعروف بتحيزه وخدمته لقضايا فكره والدفاع عن أبناء
جنسه وملته، وهو غير ملوم في ألاَّ نخدم قضايا المسلمين، ولكن الملوم إعلام
العرب والمسلمين؟ على أن أمر القضية الكبرى ليس مسؤولية الإعلاميين وحدهم،
بل ورجال الفكر وأساتذة الجامعات؛ وذلك بإثراء القضية بأحاديثهم وبحوثهم
ومقالاتهم وكتبهم؛ فأين هؤلاء جميعاً من قضيتهم وبكل نزاهة وتجرد وصدق
وإخلاص؟
١٠ - الهيئات والمنظمات الإسلامية والقضية: إن سؤالاً وجيهاً يطرح نفسه:
كم في العالم العربي والإسلامي من هيئة ومنظمة إسلامية، وأين دورها وما أثر
هذا الدور في خدمة القضية؟ وهل يقارن أثرها وجرأتها بالمنظمات والهيئات
الغربية؟ أم أصيبت بنوع من الإحباط لكثرة رزايا المسلمين، سواء كان هذا أو
غيره من الأسباب فلا يُسوَّغ صمتها في بيان الموقف الإسلامي بعيداً عن أي
مؤثراتٍ أخرى، ولا يعفيها من المسؤولية إن جاء صوتها متأخراً وهزيلاً؟ وأي
هيئة أو منظمة إسلامية لا يعنيها شأن المقدسات ولا تستنكر نزيف الدماء المسلمة،
ولا تندد بظلم الطغاة والمجرمين فماذا تُقِرُّ، وماذا تستنكر؟
وللحق أن يُقال: إن ثمة هيئات ومنظمات إسلامية تستنكر؛ لكن الحديث عن
الأعم والأغلب، وهو دون المستوى المطلوب في حجمه وفاعليته!
١١ - بين خسارتين: لا شك أن سقوط عددٍ من القتلى والجرحى في أرض
فلسطين خسارة للفلسطينيين والمسلمين، ولا شك أن إرهاب الآمنين من المسلمين
في الأراضي المحتلة يُسيء للفلسطينيين وعموم المسلمين، ولكن الخسارة تصبح
أعظم لو سار قطارُ السلام واستثمره اليهود والنصارى لصالحهم ضد المسلمين، فتمَّ
التطبيع، وصدَّرت إسرائيل أفكارها وعقائدها، وروجت للمخدرات، وانتشر
الفساد الخلقي، وراج سوق البغايا. إن حُمق اليهود واستفزازهم أشعل فتيل العداوة
ضدهم وذكَّر المسلمين بأهدافهم ومخططاتهم، واستيقن من لم يستيقن من المسلمين
بعدم جدوى عمليات السلام وضرورة الاستعداد للمواجهة مع اليهود مستقبلاً، وهذه
وتلك إيجابيات للأحداث [فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً]
(النساء: ١٩) .
١٢ - تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى: تلك حقيقة قرآنية تكشف عن تنازع
اليهود واختلافهم فيما بينهم وهم كذلك في القديم والحديث، وينبغي أن يدرك
المسلمون هذا الخلل عند اليهود، ويستفيدوا منه لصالح قضيتهم، ولئن ظهر للناس
اليوم أن اليهود متفقون ومتماسكون في فلسطين فليس الأمر كذلك؛ بل تشير
الدراسات إلى عددٍ من المشاكل التي تُقلق مضاجعهم؛ فهم أحزاب متناحرون،
ووصل الأمر إلى قتل المتطرف منهم للمعتدل في نظرهم وإن كانوا في نظرنا
متطرفين، والهجرة المعاكسة والخروج من فلسطين لدى بعض اليهود بسبب عدم
توفر الأمن لليهود يقلق الإسرائيليين، كما يقلقهم عدم استجابة السكان اليهود لدعوى
تكثير النسل، ولا سيما أنهم اكتشفوا أنه مقابل كل شهيد فلسطيني يُولد عشراتٌ من
الفلسطينيين، وهكذا الطبقية المقيتة تزعج اليهود، ولو أن المسلمين صدقوا في
جهادهم لاكتشفوا كثيراً من طباعهم وعناصر الضعف فيهم.
وأقف ويقف غيري متسائلاً: وماذا ستتمخض عنه هذه المشاعر العربية
والإسلامية الغاضبة تجاه ما يصنعه اليهود اليوم في أرض المقدسات؟ ولئن قيل
إنها ستنتهي عند حدود الشجب والاستنكار كما حدث في مجزرة الخليل ومذبحة
صبرا وشاتيلا وسواها من أحداث دامية ارتكبها اليهود، وهي مسطورة في
تاريخهم الأسود؛ فهناك من يقول: إنها وإن كانت كذلك في المنظور القريب، فإنها
على المدى البعيد ستشكل هذه المآسي أرضية تنبت العزة والكرامة لدى الشعوب
العربية والمسلمة، وستكون سلاحاً يُقاتل به اليهود، وسينشأ في هذه المحاضن
الصعبة أطفال يرضعون كره اليهود ومن شايعهم مع حليب أمهاتهم، وسيكونون
رجال المستقبل يقاتلون وهم صادقون، ويصبرون حتى ينتصروا.
ولكنها مأساة بحق مسلمي اليوم حين يلوذون بالصمت وهم يرون الحقد
اليهودي يتزايد، والدعم الغربي لدولة الصهاينة يتفاقم، والهيئات والمنظمات الدولية
تتفرج، بل ربما تتلذذ بمشاهدة المسرحيات وهي تُنفذ وهم خلف الستار.
أجل لا يسوغ لأمة ولدت أطفالاً يقاومون بالحجارة أن تظل تتفرج على هؤلاء
الأطفال وهم يقضون نحبهم كما يتفرج غيرهم دون أن ينصروا مظلوماً أو يردعوا
ظالماً؛ وماذا سيكون موقف الحكومات الإسلامية التي تورطت بعلاقات واتفاقات
اقتصادية أو ثقافية أو عسكرية أو نحوها مع إسرائيل وهي تفعل اليوم ما تفعل
بأبناء فلسطين ومقدسات المسلمين وإخوانهم المسلمين؟ ! إنها مأساة حين يتفرج
أبناء الملل الأخرى على ما يحصل لأبناء المسلمين ولسان حالهم يقول: أين أهل
هؤلاء؟ أين أبناء ملتهم؟ أليس دينهم يقول لهم: [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]
(الحجرات: ١٠) أليس بينهم من يقول لهم: «انصر أخاك ظالماً أو
مظلوماً» [٥] ، فأين حقوق الأخوة؟ وأين وسائل النصرة؟
البعد الديني في القضية الكبرى:
قضيتنا في فلسطين وحربنا لليهود لها بُعدٌ ديني ليس فقط عندنا معاشرَ
المسلمين، بل وعند اليهود والنصارى، ولكن الفرق أن لنا وعداً حقاً ولهم وعدٌ
مفترى، أما وعدنا الحق فأساسه الكتاب المحفوظ وبشارات المصطفى صلى الله
عليه وسلم بقتل اليهود وبمساعدة الشجر والحجر على قتلهم..... إلا الغرقد فإنه من
شجر اليهود، وأحاديث نزول المسيح ﵇ في آخر الزمان، وأنه سيقتل
اليهود والنصارى ويحكم بالإسلام، وما ورد أن بلاد الشام ستكون معقلاً للمسلمين،
ومنها يقاتلون الروم، إلى غير ذلك من وعودٍ صادقة تؤكد أهمية بلاد الشام
للمسلمين ومنها فلسطين، وما سيكون فيها من ملاحم بينهم وبين أعدائهم هذا كله
فضلاً عن تعلُّق المسلمين بالمقدسات هناك وشعورهم بضرورة حمايتها من الخطر
اليهودي والنصراني.
أما الوعد المفترى لليهود فيقوم على نصوص محرفة في التوراة يقول أحدها
كما في الإصحاح الخامس عشر: «يقول الرب تعالى عما يقولون لنسلك (يعني
يعقوب) أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات» .
وفي الإصحاح السابع والعشرين تتمة ذلك: «يُستعبد لك شعوب، وتسجد لك
قبائل، ليكن لاعنوك ملعونين ومباركوك مباركين» ، ومن هنا قال ابن جوريون
(رئيس أول حكومة يهودية) : «تستمد الصهيونية وجودها وحيويتها من مصدرين:
مصدر عميق عاطفي دائم، وهو مستقل عن الزمان والمكان، وهو قديم قدم
الشعب اليهودي ذاته وهو: الوعد الإلهي والأمل بالعودة ... » والملاحظ أن هذا
البعد الديني لا ينفرد به اليهود بل يشاركهم فيه النصارى، ولا يقتصر الأمر فيه
على بني صهيون بل يصرح به ساسة الأمريكان، يقول كارتر: «لقد آمن سبعة
رؤساء أمريكيين وجسدوا هذا الإيمان بأن علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع
إسرائيل هي أكثر من علاقة خاصة، بل هي علاقة فريدة؛ لأنها متجذرة في ضمير
الشعب الأمريكي نفسه وأخلاقه ودينه ومعتقداته، لقد شكَّل إسرائيل والولايات
المتحدة الأمريكية مهاجرون طليعيون، ونحن نتقاسم ميراث التوراة» [٦] .
ويقول الأصولي النصراني (مايك إيفانز) وهو صديق الرئيس (بوش)
وصاحب علاقات حميمة معه يقول: «إن تخلي إسرائيل عن الضفة الغربية سوف
يجر الدمار على إسرائيل وعلى الولايات المتحدة الأمريكية من بعدها، ولو تخلت
إسرائيل عن الضفة الغربية وأعادتها للفلسطينيين فإن هذا يعني تكذيباً بوعد الله في
التوراة، وهذا سيؤدي إلى إهلاك إسرائيل، وهلاك أمريكا من بعدها إذا رأتها
تخالف كتاب الله وتقرها على ذلك» [٧] .
ومن هنا يلتقي اليهود والنصارى على هذا الوعد المفترى، ويتكئون على
البعد الديني في سياستهم مع المسلمين؛ فهل يفقه المسلمون هذا؟ بل وهل يدركون
تخطيط اليهود والنصارى وخطواتهم في إيجاد إسرائيل أصلاً، ذلكم بُعْدٌ آخر يمكن
أن نسميه: (أساس المشكلة) فكيف وجدت وقامت إسرائيل؟ إنها ربيبة الغرب،
خاض من أجلها الحروب وعقد لها الاتفاقات والتزم لها بالوعود؛ ودونكم هذا
التحليل للحروب الكونية فتأملوه وانظروا في آثاره؛ فالحرب العالمية الأولى كان
من آثارها بل من أغراضها تقسيم الدولة العثمانية، والقضاء على الخلافة الإسلامية،
وإعلان حق اليهود في تأسيس دولتهم رغم أنف عبد الحميد (البطل) الذي رفض
عروضهم المغرية، وتأسيس دولة عظمى على العقيدة اليهودية الشيوعية، وحينها
دخل الجنرال اللَّنبي أرض الشام وركز الراية قائلاً: «الآن انتهت الحروب
الصليبية» ، وأصدر الإنجيلي المتعصب (بلفور) وعده المشؤوم بإنشاء وطن
قومي لليهود.
أما الحرب العالمية الثانية فكان من أغراضها ونتائجها القضاء على النازية
منافسة الصهيونية، وإعلاء شأن الحكومة اليهودية الخفية (الشيوعية) ، وإعلان
ميلاد إسرائيل.
أما الحدث الثالث فهو الوفاق الدولي (اليهودي والنصراني) حيث تقرر
انتهاء دور العقيدة الشيوعية، ليعود اليهود والنصارى عصا غليظة وأداة لتهشيم
رأس العدو المشترك (المسلمين) ويفتح الباب لهجرة أكبر تجمُّع يهودي في العالم
بعد أمريكا، وليصبح جيش الدفاع الإسرائيلي بوليس المنطقة كلها، وتبعاً لذلك فلا
بد من إجهاض أية محاولة عربية وإسلامية للحصول على السلاح النووي أو بديله
المحدود الكيميائي، والعمل على تمزيق الأمة، ومن هنا جاء سيناريو حرب الخليج
ليقضي على قوة العرب وليقضي معه على تجمع العرب ووحدة المسلمين، ولا
تزال التهديدات الغربية لباكستان المسلمة جارية، وكأن العرب والمسلمين سفهاء لا
بد من الحَجْر عليهم ومنعهم من صناعة أسلحة نووية أو حيازتها، والهدف حماية
اليهود والنصارى من الخطر المستقبلي؛ فهل نفقه اللعبة؟ وهل ننطلق في قضيتنا
من البعد الديني والتخطيط المستقبلي، أم أن ذلك حلٌّ لأصحاب الديانات المحرفة
حرام على أصحاب الدين الحق؟ !
سقوط الشعارات الخادعة
إن وعينا معاشرَ المسلمين بهذا التاريخ ومعرفتنا بهذه المسرحيات يجعلنا لا
ننخدع بالشعارات البراقة التي يروجها ويصدرها الغرب لنا، بل إن رؤيتنا للواقع
السيئ اليوم يكشف لنا زيف هذه الشعارات الوافدة كالعنف والتطرف والأصولية،
وما يسمى بحقوق الإنسان.
فماذا يقول الغرب عامة وأمريكا على وجه الخصوص وهي تتبنى فكراً عالمياً
ضد التطرف والعنف؟ ماذا تقول وهي ترى، والعالم من حولها يتابع عنف
إسرائيل وتطرفها واستهانتها بأبسط حقوق الإنسان؟ أم أن هذه المصطلحات لازمة
للمسلمين فقط؟ ، فيقال: العنف الإسلامي، والتطرف الإسلامي، والأصولية
الإسلامية ... وهكذا تقوم الدنيا ولا تقعد على من يسمونهم بالإرهابيين المسلمين
حين يدافعون عن حقوقهم، بينما يُغض الطرف عن الصهاينة وهم يعتدون على
غيرهم، ويندد بالأصولية الإسلامية حين يعود المسلمون إلى دينهم ويرفضون
التبعية للأمم الكافرة؟ وهكذا تقصر حقوق الإنسان على اليهودي والنصراني وإن
كانوا في ميزان الحق مغضوباً عليهم وضالين.
إنها شعارات مكشوفة من قبل لمن نور الله قلوبهم بالوعي والإيمان؛ وأحداث
اليوم تزيد في كشفها لمن في قلبه مرض أو على عينيه غشاوة.
إن واقع اليوم نكسة على العلمانيين والليبراليين أدعياء العلمنة ودهاقنة
العلمانيين، وضربةٌ على الليبراليين الغربيين الذين ما فتئوا يقتاتون مما يوضع في
أفواههم من الغرب؛ فهل يستسيغون اليوم هذا الطعم المرَّ النكد؟ أم يتجرعونه ولا
يكادون يسيغونه، لا كثَّرهم الله في الأمة إن ظلوا على غيهم!
صيحات أطلقناها ونشيد حفظناه:
سبق أن أطلقنا: «ادفع ريالاً تنقذ عربياً» فماذا نقول اليوم، والأقصى
برمته ومن فيه من المسلمين يتعرض للخطر، بل ويطال التهديد الإسرائيلي دولاً
مجاورة أخرى؟
وما رَجْع الصدى لنشيد حفظناه وردَّدناه أطفالاً وكباراً، وبه استصرخ الشاعر
عواطفنا حين قال:
أخي جاوز الظالمون المدى ... فحق الجهاد وحق الفدى
وليسوا بغير صليل السيوف ... يجيبون صوتاً لنا أو صدى
ثم ردد مع الشاعر الآخر قوله:
وتُردُّ بالدم بقعةٌ أخذت به ... ويموت دون عرينه الضرغام
انحياز الأمم وحرب المستقبل:
لقد أصبح واضحاً أكثر من ذي قبل انحيازُ الأمم حسب معتقداتها وفكرها
ومصالحها، فلم تُظهر الدول النصرانية والشيوعية امتعاضاً يُذكر لما يصنعه اليهود
بالمسلمين.
بل انسحبت أمريكا وامتنعت عن التصويت لإدانة (إسرائيل) مع أنها راعيةُ
السلام المزعوم، والمناديةُ بعالم لا عنف فيه ولا حرب؛ فماذا يعني ذلك؟ وجاء
قرار مجلس الأمن بشكل عام بارداً وضعيفاً. وحري بالأمة المسلمة أن ينحاز
بعضها إلى بعض، وتردم الخلافات الفرعية بين أبنائها لمواجهة الأمتين اليهودية
والنصرانية؛ فحرب المستقبل ليست صراعاً على النفوذ فحسب بل هي حرب
وجود، حرب عقائد وإن سُيِّست، والمعركة القادمة لن تكون نزاعاً بين الفلسطينيين
أو حتى العرب مع إسرائيل، بل هي حرب بين المسلمين وأعدائهم من اليهود
والنصارى، فلينتبه المسلمون لهذا، وليستعدوا للمعركة بما استطاعوا من قوة
ليرهبوا عدو الله وعدوهم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: [قَاتِلُوَهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ
وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى
مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] (التوبة: ١٤-١٥) .
ثمن الانتفاضة:
لقد نجح الفلسطينيون في التعبير عن مشاعرهم، وأثبتوا لأنفسهم وللعالم أنهم
لن يستسلموا لبني صهيون وإن لم تكن قوتهم مكافئة أو مقاربة لقوة عدوهم، وصدق
المسلمون في صدق مشاعرهم ومؤازرتهم لإخوانهم، وجددوا أمام العالم حرصهم
وانتماءهم لعقيدتهم ومقدساتهم، ولكن هذه الانتفاضة التي راح ضحيتها عدد من
أبناء فلسطين قتلى وجرحى، وما نتج عنها من ألم وشكوى، وهذه الانتفاضة
والمشاعر الإسلامية المعبرة، ما ثمنها؟ لا سيما أنه يُراد لها أن تنتهي هذه الأيام؛
أفتنتهي بحلول بسيطة ومكاسب محدودة لا تساوي نزيف الدماء ولا تأوهات
الجرحى ولا صيحات المسلمين هنا وهنا؟ !
وحين يرقب المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها نتائج مؤتمر القمة فهل
كان هدف المؤتمرين امتصاص الغضبة وسحب الغليان، والرضى بالبيانات
المجردة.. أم أنهم كان ينبغي أن يتجاوزوا ذلك ويكونوا عند أو فوق تطلعات
شعوبهم؟ فما عاد العهد مع اليهود، ولا الوعود مع بني صهيون تجدي فتيلاً لا بد
من المطالبة بحلول عملية والانتهاء إلى قرارات جادة تكفي ثمناً لهذه الانتفاضة،
وتتجاوب مع هذه العواطف الجياشة، وعلى المسلمين جميعاً ألا يفتُروا ما دام الفتيل
أشعل حتى يضيء الحق في أرضنا ويُجلى اليهود عن مقدساتنا.
القضية أمانة وليست للمزايدة:
نعم إن قضية فلسطين مسؤولية إسلامية لا تقبل المزايدة! وسيحتفظ التاريخ
بسجلات مواقف البطولة المعاصرة كما حفظ البطولات والمواقف السابقة،
وسيسجل في مقابل ذلك كل موقف متخاذل، وكل مزايدة على هذه القضية العالمية
المشروعة، وعلى العرب والمسلمين شعوباً وحكومات أن يختاروا نوعية المداد
وطبيعة الموقف الذي يسجلونه ويتخذونه لقضية فلسطين، وما يخفى اليوم يظهر
غداً، وما يظل غائباً عن أعين البشر فسينكشف يوم التلاق.
إن العالم بملله وأديانه يسخر بالمتزيدين، ويرفض المتاجرة بقضايا الآخرين،
ولا تزال الشخصيات الإسلامية ذات الموقف الإسلامي البطولي من قضية فلسطين
لا يزالون يُذكَرون بخير وهم محل الحفاوة والتقدير، ليس من المسلمين فحسب بل
ومن غيرهم، وذكرى هؤلاء محفورة في أذهان المسلمين، وستظل كذلك
وسينضاف إليها من سار على نهجهم فنصح لنفسه ولأمته وأخلص لقضيته ودافع
عن مقدسات المسلمين.
جذوة الإيمان وإحباط الأعداء:
وعلى الرغم من سياسات تغريب الأمة المسلمة ومحاولة طمس هويتها
واستخدام العولمة للتغريب إلا أن الواقع أثبت بقاء جذوة الإيمان في تكوين المسلمين،
وما تزال العواطف والمشاعر الإسلامية مختزنة إذا ما استُجيشت جاشت؛ وهذه
وتلك تمثل رصيداً للأمة يمكن أن تستثمره في الوقت المناسب، وتؤكد هذه
الانتفاضة أن تعبئة الأمة ليست بالأمر العسير ولا المستحيل ولا يحتاج لمزيد وقت،
وحين يتوفر القادة الذين يصدقون مع الأمة ويأخذون بأيدي أبنائها فسيجدون من
يسير خلف رايتهم ويشد من أزرهم.
وهكذا تبقى أمة الإسلام أمة فيها خير، يتجدد الإيمان في نفوسها كلما تعاظم
الأعداء واشتدت الحاجة وادلهمَّ الظلام، وهذا كله محبطٌ للأعداء، ومشعر لهم
بإفلاس وسائلهم في الإفساد، ومؤشرٌ إلى أن النصر في النهاية لهم.
استدامة الشعور ويقظة المشاعر:
ينبغي ألاَّ نضيِّع هذا الرصيد من المشاعر بتفريغه في ساعات المحنة ثم تغيب
القضية عن أذهاننا؛ بل إن من أبرز مكاسب هذه الانتفاضة أن تظل قضية فلسطين
حُلماً ماثلاً في أذهاننا، وأن تظل المقدسات الإسلامية هدفاً مهماً نسعى جاهدين
لتخليصها ممن غضب الله عليهم ولعنهم، وأن يستمر دعمنا لإخواننا في فلسطين
بأموالنا وعواطفنا وأنفسنا حتى يرفع الظلم عنهم ويُجلى العدو من أرضهم؛ ذلك
درس مهم، وذلك تحدٍ يواجه المسلمين في المستقبل؛ فهل يستمرون في حماسهم
لقضيتهم حتى يقضي الله بينهم وبين عدوهم؟ ذلك ما نرجو ونأمل.
стр. 3718
المسلمون والعالم
مقترحات للتفاعل الإيجابي مع قضية فلسطين
نبيل أبو صالح
أحداث الأسابيع السابقة في فلسطين أججت مشاعر قطاع كبير من شعوب
العالم الإسلامي، فخرجت المظاهرات والمسيرات المؤيدة للانتفاضة، والغاضبة
من ممارسات اليهود وأعوانهم، وواكبت الأحداثَ كثيرٌ من الفضائيات، وقامت
بتغطية شاملة لها، وعقدت الحوارات والندوات والمقابلات المختلفة، وأتيح لكثير
من المشاركين التعبير عن آرائهم ومشاعرهم، وقامت حملات لجمع التبرعات؛
فجمع من خلالها عشرات الملايين من الدولارات، ثم عقد لقاء القمة، فلم يشف
الغليل ولم يكن متوقعاً له ذلك فسبَّب ذلك إحباطاً عند شرائح عريضة من الجماهير،
ترى إخوانها يُقتلون ويقصفون ولا حول ولا قوة لهم في نصرتهم.
وأمام فقدان كل بارقة أمل في الخروج من الأزمة عند أولئك الذين علَّقوا آمالاً
عريضة على لقاء القمة رجع الناس كالشياه التائهة في الليلة الشاتية يسألون: ما
الحل؟
وقبل الدخول في محاولة الجواب على هذا السؤال نذكِّر بأن الوضع الذليل
الذي وصلنا إليه ليس وليد الساعة، بل هو تراكمات لكثير من الأوضاع الخاطئة،
ونتيجة طبيعية للانحرافات الخطيرة التي استشرت في الأمة، وتحقيق للسنة
الربانية: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم
الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» [١] .
كما أن التسلط والعلو الذي بلغه اليهود لم يبلغوه بين يوم وليلة، بل عملوا
الكثير من أجله، وساندهم في ذلك أعوان الشياطين.
ومن ثم فإن تغيير هذه الأوضاع لن يتم بعصا سحرية، بل بطريق طويل
لبناء مقومات النصر والتمكين التي ضيعناها على مدى أكثر من قرن، بل ولا تزال
طائفة كبيرة من بني جلدتنا تُعمل معاولها في البقية الباقية منها.
إن اجتراء اليهود على الشعب الفلسطيني وعجز المسلمين عن نصرتهم إنما
سببه ما آلت إليه أوضاعنا بعد إقصاء حكم الشريعة. فلماذا نعالج العَرَض ونترك
المرض؟
فلا بد من معالجة أصل المرض، دون اكتفاء بالعرض.
لقد أفرزت الأحداث الأخيرة مستجدات كثيرة ومكاسب جليلة ما كانت لتوجد
لولا هذه الأحداث التي قدرها الله، وهي تحتاج من الدعاة جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً
لتوظيفها واستثمارها؛ فهي تحوي فوائد وإيجابيات لم تكن موجودة؛ بل إن منها ما
كان تحت قائمة المنع، فلم يكن للدعاة أن يطرقوه دون أن يخاطروا بأنفسهم. ومن
ذلك اقتناع جماهير المسلمين بل وغير المسلمين أن اليهود لا يريدون السلام. ومما
أفرزته الأحداث أيضاً العودة بالدعوة إلى التطبيع إلى نقطة الصفر، وتجديد
الكراهية لليهود، وفضح مواقف المتخاذلين، وزيادة القناعة بأن الجهاد هو الحل،
وتشويش العلاقات مع أمريكا، وظهور صور التفاعل الشعبي مثل الدعوة إلى
المقاطعة الاقتصادية الشعبية، وبروز الخير في شرائح من الأمة لم يكن يظن بها
ذلك، إلى جانب أن الزَخْم الجماهيري يستطيع أن يؤثر على الإعلام والمواقف
السياسية إلى حد ما. وكل هذه مكاسب جليلة تدعو إلى الاستبشار بالحدث.
أما ثمن هذه المكاسب فهو الدماء الزكية الطاهرة، والإصابات الجسيمة
لعشرات من أبطال الانتفاضة؛ وهو ثمن باهظ ولكن لا بد من تحويله إلى مكاسب
للقضية برمتها حتى لا تضيع دماء الشهداء سدىً، وهي لن تضيع على كل حال في
الآخرة؛ فلهؤلاء الأبطال أجر الشهادة، والكَلْم في سبيل الله وأعظم به من أجر لم
يكونوا ليبلغوه بغير ذلك، ولكن الاستفادة بذلك من أجل القضية التي استشهد
الشهداء من أجلها هو أعظمُ وفاءٍ وتكريم لهم، والإنسان يموت على كل حال؛
ولكن شتان بين من يموت فلا يشعر بموته أحد، ومن يموت فيحيي بموته أمواتاً.
إن الدماء الزكية التي سفكت في البوسنة وكوسوفا والشيشان وكشمير وفلسطين
وغيرها لم تذهب هباء، بل أثمرت ثماراً يانعة، فأبقت جذوة الجهاد متقدة في الأمة،
وعرفتها بأعدائها، وفضحت المنافقين، وردت كثيراً من المسلمين إلى دينهم رداً
جميلاً.
لقد جعل الله شرط نصرتنا وتمكيننا وأمننا أن نعبده لا نشرك به شيئاً، وأن
ننصره بنصرة شرعه وحين لا نقوم بالشرط حق قيامه لا يبالي الله بنا، ومجتمعات
المسلمين اليوم تعج بصور من الشرك الأكبر في الاعتقاد والعمل وتحكيم القوانين
الوضعية.
إن شعوب المسلمين حين تُحكم بغير شرع الله فتخنع، يستخف بها حكامها،
فإذا رأى أعداؤها ذلك نزع من صدورهم هيبتها، ولم يحسبوا لها أي حساب؛ فإذا
هم يعيثون فيها قتلاً وسفكاً ونهباً لا يخافون نقمة ولا ردة فعل؛ فعلى الشعوب أن
تلوم نفسها على تقصيرها في نصرة دين الله كلما مرت بهم مثل أحداث فلسطين أو
الشيشان أو البوسنة أو غيرها [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ]
(الرعد: ١١) .
وينبغي أن نذكر هنا أن التعادل في التفوق التقني بين المسلمين وأعدائهم ليس
شرطاً في النصر، فلا يخوفنا الشيطان بكثرة سلاح العدو وتنوعه وتعقُّد تقنيته
وتحكُّمه في الإعلام، ودعمه من قبل القوى الكبرى؛ فنرى أن إدراك ذلك من
المحال، وأن البون شاسع، فنؤتى من قِبَل أنفسنا.
إن الله جعل شرط النصر واحداً فقط، وهو أن ننصره. أما عن العتاد والعدة
فقال: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ] (الأنفال: ٦٠) فالتكافؤ في الإمكانات
المادية والبشرية ليس شرطاً للنصر، وشواهد التاريخ من عصر الرسول صلى الله
عليه وسلم إلى فترة قريبة أوضح من أن تذكر.
وها هنا مسألة جديرة جداً بالتأمل، وكثيراً ما تنسى في غمرة الأحداث، وهي
أن الله خلقنا ليبتلينا، والأحداث التي تمر في حياة الفرد هي مفردات هذا الابتلاء،
وسيقف كل منا بين يدي ربه للحساب، وسيسأله عن التزامه بدين الله وتطبيقه
لشرعه فيما كان في استطاعته.
ولن ينفعه أن يكون عاش في زمن عمر بن الخطاب ﵁ وهو
مفرط في دين الله، كما لن يضره أن يكون عاش في زمن هولاكو وهو مقيم على
شرع الله. بل إن أجره على التزامه بدين الله في الزمن الصعب أعظم، ولن يسألك
الله: لماذا لم تذهب إلى فلسطين لنصرة إخوانك؟ وأنت لا تجد إلى ذلك سبيلاً!
ولكنه سيسألك: لماذا لم تنكر المنكرات التي تراها حولك، على قدر طاقتك
في الإنكار؟ إن قلوب كثير من المسلمين تكاد تكون خلواً حتى من درجة الإنكار
القلبي لتحكيم القوانين الوضعية.
فلا فائدة من «النياحة» التي يمارسها كثير من أفراد المسلمين تجاه الأحداث،
وإنما عليهم أن يقوموا بعمل إيجابي يحتجون به بين يدي ربهم.
إن بلالاً كان يعذب، ويُلقى على الرمال الملتهبة عاري الظهر، ويوضع
الحجر على بطنه، والمسلمون القلائل لا يستطيعون نصره؛ لأنهم أضعف من ذلك.
وابن مسعود يجهر بالقرآن ليغيظ الكفار فينال الكفار منه ضرباً وشتماً، ولا
يتحرك لنصرته أحد، بل يوضع على رأس رسول الله ﷺ سلا
الجزور وهو ساجد، فلا يملك المسلمون حينذاك حولاً ولا قوة لدفع ذلك عنه،
ويأتي خباب بن الأرت يشتكي إلى رسول الله ﷺ من شدة ما
يلاقونه من الكفار ويستحثه أن يدعو لهم ويستنصر لهم، لا أكثر، ثم تمر السنون
والصحابة يقيمون على شرع الله، يعبدون الله لا يشركون به شيئاً، يحققون شرط
التمكين حتى هزموا المشركين شر هزيمة في بدر، ورقى ابن مسعود على صدر
أبي جهل، ثم تمر سنون أخرى فيفتح الله مكة ولا يبقى فيها كافر.
فلا بد أن نستثمر الأحداث الراهنة الاستثمار الأمثل من أجل عودة الناس إلى
دينهم بالمفهوم الشامل وهذا تتضافر عليه عدة عوامل، منها جهود المصلحين
والدعاة المنتظرة، ومنها الأحداث التي يجريها الله في الناس والكون، ويجب ألاَّ
ننسى أن بعض الأحداث أحياناً هي ثمرة سنين من الدعوة والوعظ والتعليم.
لقد كاد أن يكون الحديث عن اليهود والنصارى، والتذكير بالجهاد محرماً في
كثير من بلاد المسلمين قبل اندلاع هذه الأحداث؛ أما بعد هذه الأحداث فقد فتح
الباب على مصراعيه، بل أصبحنا نسمع من كبار المسؤولين كلاماًَ ما كنا نسمعه
من قبل، وعادت عبارات العدو الصهيوني، والأراضي المحتلة، وتحرير كامل
فلسطين، وغيرها مما غاب عن ساحات الإعلام العربي سنوات طوالاً.
إن الناس الآن مهيؤون لأن نحفر فيهم المبادئ والعقائد الإسلامية ذات الصلة
بالأحداث ومن ذلك:
أ - أن اليهود عدو أبدي أخبرنا الله بذلك في كتابه، بما لا يقبل التأويل، أو
الحصر في طائفة يهودية معينة، أو فترة زمنية محددة.
بل كل طوائف اليهود، في كل الأزمنة، عدو لنا. كيف يمكن أن يسالمنا
ويوادنا اليهود؟ أفلا يعلم الله مَن خلق؟ أفيختلف كلامه ؟
ب - أن لب الصراع عقدي، وليس صراعاً على الأرض؛ ولذلك فالقضية
إسلامية وليست عربية. العرب فيهم المرتدون وفيهم النصارى، وهؤلاء ليست لهم
مشكلة عقدية مع اليهود، ولذلك فهم وإن بدا هناك اتفاق ظاهري بيننا وبينهم في
بعض المصالح والأهداف المرحلية ليسوا شركاء لنا في صراعنا مع اليهود.
وللأسف فإن الإعلام العربي مع دوره الإيجابي في إبراز أحداث الانتفاضة
يصر على إعطائها الوجه العربي، ويحرص في كل مناسبة على التذكير بالنصارى،
والحديث عن المساجد والكنائس، وعقد ندوات لمشايخ وقسيسين، وبث أغاني
النصرانية فيروز، وهل يشارك النصارى في الانتفاضة وإلقاء الحجر؟ المسلم وإن
كان طفلاً فإنه يؤمن بالشهادة ويسعى إليها، فما الذي يحرك النصراني إلى الموت؟
إننا في الوقت الذي ندعو فيه إلى العدل والإنصاف مع النصارى والتفريق
بين المحارب وغيره، نرفض أن تميع إسلامية القضية.
ج - أن الجهاد هو الحل، هذا أمر شرعي واضح لا جدال فيه، وهو أمر
تؤكده الحادثة تلو الحادثة، والمأساة تلو المأساة.
ونحن المسلمين يعلمنا ديننا أن الصلة بيننا وبين أعدائنا تدور بين الإعراض
عنهم، أو عقد هدنة مؤقتة حين الضعف، أو جهادهم حين القوة، وعقد الذمة حين
التمكين.
والسلام الذي يرجوه أعداؤنا منا هو فقط حين يكونون أهل ذمة، يدفعون
الجزية عن يد وهم صاغرون، حينها فقط لهم منا السلام والحماية والرعاية والكفالة،
ولقد أثبت التاريخ ذلك؛ فإن أكثر عصور اليهود سلاماً وأمناً هي تلك التي كانوا
فيها تحت الحكم الإسلامي.
أما أي سلام آخر فلا حاجة لنا به ولن يقبله الله منا. والله لم يخلقنا لنعيش
بسلام، بل خلقنا لنعبده، ونجاهد في سبيله، وفي أفضل حالات التمكين للأمة
كانت المعارك دائرة في الثغور.
الدار الدنيا دار امتحان، وهي للمسلم كراكب استظل تحت شجرة ثم راح
وتركها، فلا يعنيه أن يعيش فيها بسلام أو جهاد، إنما يعنيه أن يعبد الله لا يشرك
به شيئاً.
د - إعطاء الثقة للشعوب أنها بتحركاتها وضغطها تستطيع أن تفعل شيئاً
كثيراً فعليها أن تزيد من وعيها، وحساسيتها تجاه الأخطاء والانحرافات، فتواجهها
أولاً بأول، ولا ترضى أن تمرَّر عليها القرارات والأنظمة الجائرة، بل تعبر عن
استنكارها لكل منكر بكل وسيلة شرعية للتعبير، وأن تستعد لشيء من التضحية
واحتمال الأذى مقابل ذلك؛ فالجماهير قوة فاعلة، وقد رأينا أثر غليانها على مر
التاريخ في الواقع المعاصر، ومن الأمثلة القريبة جداً غليان الشعب اليوغسلافي
وإلجائه رئيسه المجرم إلى التنحي، وقبله سلسلة من التمردات الشعبية في الاتحاد
السوفييتي وأوروبا الشرقية، أفيُظَن بأهل لا إله إلا الله أنهم أعجز من أولئك وأقل
أثراً؟ وهل القوة والبأس حكر على أولئك العلوج؟
استمرارية التفاعل:
إن أحد مشاكلنا الجسام تكمن في أننا نتفاعل مع الأحداث وهي جديدة، فإذا
قدم العهد وطال أمدها خبا أوار التفاعل معها تدريجياً حتى ينطفئ، كما أن المصيبة
التي تصيب المسلمين تنسيهم سابقاتها، وإن كانت لا تزال قائمة؛ فأحداث الأقصى
أنست الكثير كأحداث الشيشان وغيرها وهكذا، وأحد أسباب هذه الظاهرة أن
عواطف قطاع كبير من المسلمين مُسلََّمةٌ إلى الإعلام وتبع له، فيكون حجم تفاعلها
وزمنه مرتبط بحجم التغطية الإعلامية وزمنها.
وأحد الوسائل الفعالة لاستمرارية التفاعل مع الحدث هو تحويل التفاعل
الفردي العشوائي إلى فعل جماعي منظم ينشأ عنه عمل المؤسسات والجمعيات
لتلقُّف الأفكار الجيدة ورعايتها والاستمرار بها.
فقد طُرحت على سبيل المثال من خلال الأحداث فكرة المقاطعة الشعبية
للمنتجات الإسرائيلية والأمريكية. وهي فكرة جديرة بالاهتمام وقد تكون لها آثار
على المدى الطويل أبعد من الآثار الظاهرة للعيان. ومع أن ما يرجى من هذه
المقاطعة من التأثير على اقتصاد هاتين الدولتين محدود جداً؛ إذ إننا لا نطيق في
الوقت الراهن المقاطعة الكلية، لكن ما لا يدرك كله لا يترك بعضه، كما أن في
المقاطعة مصالح أخرى منها:
أ - رفع معنويات الشعوب بأنها استطاعت أن تقدم شيئاً.
ب - صورة من صور اتحاد الشعوب، تكون نموذجاً لصور أخرى من
الاتحاد.
ج - تحذير الدول الأخرى التي لا تشملها المقاطعة وحملها على أن تتخذ
سياسة منصفة تحفظ مصالحها.
د - إعطاء الثقة للشعوب أنها تستطيع أن تستغني عن الاعتماد على غيرها.
هـ - تعطي للشعب قيمة مستقلة عن قيمة حكومته في نظر الآخرين.
فيحسب العدو حساب الشعوب، ويدرك أن استحواذه على الحكومات لا يعني
استحواذه على الشعوب.
و تشجيع فرص الاستثمار المحلي أو الإسلامي على حساب الفرص التي
فقدتها الشركات المقاطعة.
ز - التذكير الضمني بمبدأ المعاداة الذي بنيت عليه هذه المقاطعة مع كل
عملية شراء، وبث هذه الروح في الأطفال والنساء والأجيال القادمة.
وربما غير ذلك مما يظهر للمتخصصين في قضايا التجارة والاقتصاد، ولكن حتى
تؤتي هذه الفكرة أكلها لا بد من تبنيها بصورة جماعية مؤسسية، ولا يكفي أن تبقى
محاولات فردية، ووسائل متناثرة بالبريد الإلكتروني هنا وهناك.
وهذا الأمر ليس خاصاً بقضية فلسطين؛ فإن المؤسسات التي تحتاجها الأمة
متنوعة، بل إن غياب الدور الإسلامي الذي كان ينبغي أن يضطلع به من نصَّبوا
أنفسهم قادة للمسلمين في أكثر البلدان يوجب على الشعوب أن تسعى لإنشاء جميع
أنواع المؤسسات الإسلامية، من المدرسة إلى البنك إلى الإعلام إلى المستشفيات.
خاتمة:
هذا بعض ما يتوجب علينا فعله؛ وإنما نفعله إنقاذاً لأنفسنا من النار، وإعداداً
للجواب حين الوقوف بين يدي الله، وإلا فإن الله ناصر دينه بنا أو بغيرنا.
وسيأتي اليوم الذي يقول فيه الحجر والشجر: «يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي
خلفي فتعال فاقتله» [٢] .
وإن غداً لناظره قريب.
стр. 3719
المسلمون والعالم
الآمال والتحديات تجاه الحكومة الصومالية الجديدة
(عوامل نجاح مبادرة الرئيس الجيبوتي في حل المعضلة الصو مالية)
محمد عبده آدم
بعد انقضاء عقد كامل تقريباً منذ الإطاحة بحكومة سياد بري في ٢٦/١/
١٩٩١م وما نجم عن ذلك من اندلاع عمليات الاقتتال الواسعة بين العشائر المتناحرة
في الصومال، واستمرار تردي الأوضاع والانقسام الوطني، وانعدام الأمن
والاستقرار؛ يعيش الصومال بدون دولة وبدون كيان وبدون سيادة؛ حيث انهارت
جميع المرافق العامة والبنية التحتية من المستشفيات والمدارس والجامعات
والوزارات والمؤسسات الخدمية الأخرى، كما نهبت وأتلفت المكتبات العامة
والوثائق الحكومية من جراء الحروب الأهلية التي أكلت الأخضر واليابس.
لماذا أخفقت مؤتمرات المصالحة السابقة؟
لقد تم عقد ١٢ مؤتمراً للمصالحة الوطنية وتشكيل حكومة مركزية للصومال
خلال عقد الفوضى، وقد تم عقد هذه المؤتمرات في كل من جيبوتي وأديس أبابا
ونيروبي والقاهرة، وكانت النتيجة لتلك المؤتمرات الإخفاق الذريع والوصول إلى
باب مسدود، بل كانت الأوضاع تتأزم بصورة أكثر بعد كل مؤتمر من هذه
المؤتمرات، ويرجع عدم نجاح هذه المؤتمرات إلى عوامل عديدة يطول شرحها؛
ولكن يمكن إجمال أهمها في النقاط الآتية:
١ - طغيان نزعة المصلحة الشخصية والقبلية على المصلحة العامة، وغياب
الحس الإسلامي والوطني؛ حيث كان المجتمعون في هذه المؤتمرات من رؤساء
الجبهات العشائرية الذين ساهموا في إسقاط الحكومة الصومالية، فيحضر كل واحد
من هؤلاء إلى قاعة المفاوضات وهو يفكر في أن يتاح له الجلوس على كرسي
الرئاسة أو ينال نصيب الأسد في توزيع التركة الصومالية. وبطبيعة الحال فإن
الكرسي الرئاسي لا يتسع لأكثر من واحد، ولذلك كان ينسحب كل من يشعر بالغبن
في توزيع التركة.
٢ - العداوات والثارات القبلية بين الفصائل المتفاوضة؛ فمن المعروف أن
هذه الاجتماعات كانت تضم رؤساء الفصائل أو أمراء الحرب الذين قادوا البلاد إلى
خوض معارك بشعة لا يتحمل وصفها العقل السليم، فكانت مفاوضاتهم عبارة عن
نقلهم من جبهات القتال؛ حيث تبادل مدافع الهاون والرشاشات إلى قاعة
الاجتماعات مما جعل المفاوضات عبارة عن مواصلة خوض المعارك الدائرة في
جبهات القتال باستثناء عدم استخدام الذخيرة الحية.
٣ - غياب دور المجتمع المدني من العلماء والمثقفين وسلاطين القبائل
والوجهاء ممن يفكر بالعقل السليم ويوازن الأمور بموازين شرعية سليمة بعيداً عن
المصالح الشخصية لشخص معين أو لفئة معينة، وإنما ينظرون إلى مصلحة البلاد
والعباد التي تهدمت وتعطلت منذ عشر سنين.
٤ - كثرة التدخلات الأجنبية: يذهب البعض إلى القول بأن الحرب الدائرة
في الصومال منذ عقد من الزمن تدار من قبل جهات خارجية، وأن دور القوى
المحلية لا يتجاوز طور التنفيذ فقط أو الضغط على الزناد مما يجعل هذه الحرب
حرباً بالوكالة، وهذه المقولة تعتبر صحيحة إلى حد كبير وإن كنا لا نبرئ
الصوماليين؛ فهم المتحملون مسؤولية تدمير بلدهم أولاً وأخيراً؛ حيث انصاعوا
لمخططات الأعداء.
ومما يلاحظ بصورة جلية أنه كلما تقاربت وجهات النظر وكادت الجهود
المبذولة أن تنجح في رأب الصدع ولمِّ الشمل فإن أيدياً خفية وجهوداً شيطانية تتدخل
في الظلام الحالك لتصطاد في الماء العكر وتشتت وتفرق ما لمته الجهود؛ فتمد
بالشحنات العسكرية هذا، والشيكات المفتوحة ذاك، والوعود الكاذبة آخر بأن
فصيله سيتوج وتسلم إليه مقاليد الحكم في البلاد. وتعتبر الحكومة الإثيوبية أكبر قوة
إقليمية تتدخل في شؤون الصومال منذ الإطاحة بالحكومة الصومالية من الجبهات
المسلحة والمدعومة من قبلها في عام ١٩٩١م [١] ؛ حيث لم يقتصر دورها فيما بعد
على الدور الراعي والداعم بل قامت بهجمات وغارات متتالية لأجزاء واسعة من
الصومال، ودمرت مراكز ومدارس ومساجد كانت تدار وتُدعم بجهود ذاتية من
بعض المخلصين وذلك مثل ما حصل في إقليم جدو.
٥ - التفاوض حول مكاسب السلطة التنفيذية وتوزيع الحقائب الوزارية بين
زعماء الفصائل المتناحرة قبل تكوين المجالس النيابية التي تعتبر المرجعية وحجر
الأساس الذي تستند إليه السلطة التنفيذية، وهو ما تنبه إليه الرئيس الجيبوتي في
مبادرته، فبدأ بتكوين مجلس الشعب الذي يُطلق عليه: السلطة التشريعية.
مبادرة الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلة:
في هذه الأثناء وحال الصومال على ما وصفنا من الفوضى والتشتت، وحيث
لا يظهر في الأفق أدنى أمل أطلق الرئيس الجيبوتي مبادرته الشهيرة في رعاية
مؤتمر للمصالحة الصومالية منسقاً مع الجهات الدولية والإقليمية، وألقى خطابه
الشهير في القمة الأممية في سبتمبر من العام الماضي التي سبقت القمة الألفية التي
انعقدت في نيويورك، وأوضح في خطابه أمام الأمم المتحدة ورسالته إلى رئيس
مجلس الأمن ضرورة تغيير رؤية العالم للمأساة الصومالية عبر الإقناع بأن
الاعتراف بأمراء الحرب أو التعامل معهم بالنظر إلى مصالحهم الذاتية الضيقة هي
التي أفسدت كافة مبادرات السلام، وتعهد بأن يبذل قصارى جهده في إنهاء المعضلة
الصومالية التي قد تتطور إلى احتمالات أسوأ قد تنعكس على العالم سلباً، وأخذ
الرئيس الجيبوتي الضوء الأخضر من المجتمع الدولي الذي لزم دور المتفرج منذ
انسحاب القوات الأمريكية في عام ١٩٩٥م، وقد دعم الرئيس الجيبوتي مبادرته
بالخطوات الآتية:
١ - أخذ ضوءاً أخضر من المجتمع الدولي في إلقائه الخطاب أمام الجمعية
العامة للأمم المتحدة، كما أشرنا في الفقرة السابقة، كما نسَّق مع المنظمات الإقليمية
ودول الجوار وخاصة منظمة (إيجاد) التي تضم دول القرن الإفريقي، بالإضافة
إلى جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي في شأن تسلم ملف المصالحة
الصومالية من الحكومة الإثيوبية التي احتكرته منذ انهيار الصومال بمباركة القوى
العالمية وخاصة الولايات المتحدة بحجة أن المشكلة لها ارتباط بالأمن والمصالح
الإثيوبية.
٢ - جعل الرئيس إسماعيل عمر جيلة ركيزة مبادرته المجتمع المدني من
المثقفين وسلاطين القبائل والوجهاء والجمعيات المحلية وغيرها من فئات المجتمع
المختلفة، وهمَّش دور أمراء الحرب، بل وجه إليهم في خطابه أمام الجمعية العامة
للأمم المتحدة إنذاراً شديد اللهجة، وذكر أن الشعب الصومالي لا يمكن أن يكون
أسيراً لشلة لا تفكر إلا في مصالحها الشخصية وأكد أن أي أمير حرب يحاول عرقلة
جهود المصالحة سوف يحاكم كمجرم حرب.
مؤتمر المصالحة والسلام الصومالي الأخير في (عرتا) بجمهورية جيبوتي:
بعد تلك الجهود الحثيثة أقام الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلة خيمة كبيرة
في مدينة (عرتا) التي تبعد عن جيبوتي العاصمة نحو ثلاثين كيلو متراً، وقد
بدأت بدايات المؤتمر في ٢ مايو (أيار) ٢٠٠٠م، وسبق المؤتمرَ الفعلي سلسلةٌ
من الخطوات أهمها:
١ - جَنَّد الرئيس الجيبوتي جميع إمكانات حكومته المادية والمعنوية لدعم
مؤتمر المصالحة الصومالي، فافتتح قناة تلفزيونية خاصة وموقعاً على الإنترنت
لنقل وقائع المؤتمر بصورة مباشرة إلى أنحاء العالم، واستدعى جميع الفرق
الإعلامية الصومالية والجيبوتية بالإضافة إلى بعض العلماء البارزين لاستثارة
الحماس الديني والوطني وتحرير الشعب من بوتقة دائرة القبيلة الضيقة؛ بالإضافة
إلى إقامة ندوات وحوارات بين المثقفين الصوماليين في كيفية الخروج من النفق
المظلم وكيف يكون شكل الحكومة المرتقبة.
٢ - أقام ملتقى يضم كلاًّ من المثقفين والأساتذة في الجامعات الخارجية
والدبلوماسيين من الوزراء والسفراء في الحكومات الصومالية السابقة لأخذ مشورتهم
ورأيهم في حل المشكلة الصومالية.
٣ - أرسل طائرات إلى المناطق الصومالية لنقل شيوخ القبائل والوجهاء
والسياسيين من كل قبيلة، وعقد اجتماعات خاصة بشيوخ القبائل وسلاطينها لتسوية
الصلح بين القبائل المختلفة قبل بدء أي خطوة أخرى، فأصدر شيوخ القبائل بياناً
يؤكدون فيه أنهم تصالحوا ونبذوا جميع الخلافات الجانبية وأنهم ينسون جراحات
الماضي لبناء مستقبل مشرق للصومال وذلك بتاريخ ١٣/٦/٢٠٠٠م.
٤ - كلف شيخ كل قبيلة أن يرشح الأعضاء الذين يشتركون في مؤتمر
المصالحة السياسي، وقدم السلاطين الأسماء المرشحة لتمثلها في طاولة المفاوضات
ضمن التشكيلة القبلية التي قسمت الصومال إلى خمسة قبائل كبيرة.
٥ - اجتمعت الوفود المختارة التي يفوق عددها ألف شخص، وافتتح المؤتمر
في طوره الثاني، وتم تشكيل لجان مختلفة من بينها لجنة صياغة الدستور ولجنة
الأمن والأمان.
٦ - تم صياغة دستور أطلق عليه: (الدستور الوطني المؤقت) ، وهو
مكون من ٣٨ بنداً يتناول كيفية تكوين مجالس وسلطات الدولة الصومالية المنهارة
من جديد، وكيفية تسيير سياستها الداخلية والخارجية.
٧- بعد إجازة الدستور تم توزيع أعضاء البرلمان المكون من ٢٤٥ عضواًَ
على القبائل الكبيرة الخمسة، وقد كانت هذه الخطوة أكبر عقبة واجهت مؤتمر
المصالحة في عرتا؛ حيث حاولت كل قبيلة وكل فرع في داخل القبيلة أن يحظى
بنصيب الأسد في البرلمان، وقد انسحبت بعض القبائل من قاعة المفاوضات
احتجاجاً على قلة حصتها في عضوية البرلمان، إلا أنه بفضل الله ثم بفضل الجهود
التي بذلها الرئيس الجيبوتي وضغط الشعب الصومالي في الداخل والخارج الذي
نسي جميع الاعتبارات الأخرى عدا استعادة كرامته وإيجاد حكومة ترعى مصالحهم
تجاوز المؤتمر هذه العقبة وجميع العثرات الأخرى. والجدير بالذكر أن البرلمان
يضم بين أعضائه ٢٥ امرأة! حيث اقترح الرئيس الجيبوتي تخصيص هذا العدد
من كراسي البرلمان للنساء، ولعله يهدف بهذه الخطوة أن تحظى مبادرته بدعم من
الغرب الذي يكرس جهوده في إظهار دور المرأة كشريكة للرجال في صنع
القرارات وإخراجها من بيتها، ووظيفتها الأساسية في تربية الأجيال [*] .
٨ - عقد البرلمان أول جلسة له في يوم الأحد بتاريخ ١٣/٥/١٤٢١هـ
الموافق ١٣/٨/٢٠٠٠م، وأدى أعضاؤه اليمين الدستورية؛ كما انتخب في اليوم
الثاني رئيس البرلمان ونوابه وبقية أعضاء مكتب رئيس البرلمان من سكرتارية
وغيرها.
٩ - اختيار رئيس الصومال: في يوم الجمعة ٢٥/٥/١٤٢١هـ الموافق
٢٥/٨/٢٠٠٠م، تم اختيار رئيس الصومال في جلسة مغلقة لأعضاء البرلمان في
ثلاث جولات متتالية بجلسة واحدة استمرت أكثر من عشر ساعات، فاز فيها
الدكتور عبدي قاسم صلاد حسن لحصوله على ١٤٥ صوتاً من بين أعضاء البرلمان
البالغ عددهم ٢٣٨ عضواً، بينما حصل منافسه عبد الله أحمد عدو على ٩٢ صوتاً.
١٠ - حفلة تنصيب الرئيس الجديد: في يوم الأحد بتاريخ ٢٧/٥/١٤٢١هـ
الموافق ٢٧/٨/٢٠٠٠م، أقيم حفل رسمي كبير على شرف الرئيس الجيبوتي
إسماعيل عمر جيلة لتنصيب الرئيس الصومالي الجديد حضر فيه رؤساء مجموعة
دول منظمة إيجاد ومن بينهم الرئيس السوداني عمر حسن البشير، ورئيس الوزراء
الإثيوبي ملس زيناوي، والرئيس الإرتيري أسياس أفورقي؛ بالإضافة إلى الرئيس
اليمني علي عبد الله صالح، وعدد من ممثلي المنظمات الدولية والإقليمية، وقد أدى
الرئيس الصومالي الجديد اليمين الدستورية بحضور هؤلاء الرؤساء والوفود
الأخرى أمام أعضاء البرلمان الصومالي.
موقف المجتمع الدولي والإقليمي من مبادرة الرئيس الجيبوتي:
لم يكن الموقف العالمي والإقليمي واضح المعالم تجاه مبادرة الرئيس الجيبوتي
وما انبثق عنها من مؤتمر المصالحة الصومالي في عرتا؛ بل يمكن القول إن موقف
العالم أجمع كان في وضع المشاهد تجاه هذا المشروع الكبير الذي يرمي إلى انتشال
الصومال من المستنقع الذي يخوض فيه منذ عشر السنوات الماضية، وهذا يتضح
من التعتيم الإعلامي الذي فرض على وقائع المؤتمر الذي يعتبر أكبر مؤتمر من
مؤتمرات المصالحة الصومالية؛ حيث اشترك فيه ما يزيد عن ألفي شخص منتخبين
من جميع شرائح المجتمع الصومالي، بخلاف المؤتمرات السابقة التي كانت تضم
فقط مجموعة من أمراء الحرب، وهذا الموقف ينطبق على المستوى الدولي
والإقليمي بما فيه البلدان الإسلامية والعربية، ولعل هذا الأمر يعود إلى بعض
الأسباب، ومن أهمها:
١ - فقدان الأمل لدى المجتمع الدولي والإقليمي وإصابته بالخيبة تجاه
مبادرات الصلح الصومالية إثر إخفاق جميع تلك المحاولات السابقة إلى جانب
الإعراض عن الملف الصومالي ورميه في سلة المهملات، والتفرغ للصراع
العربي الإسرائيلي، وتحويل العاصمة اليهودية إلى القدس المحتلة ونقل السفارة
الأمريكية إليها.
٢ - كان كثير من المحللين يرون أن السيناريو الصومالي لم ينته بعد؛
فالتحدث عن إقامة حكومة صومالية ما زال مبكراً بدليل أنه لم تقم أي محاولة جادة
سواء كانت دولية أو إقليمية في إنهاء المشكلة الصومالية التي لا تتجاوز كونها
تهارجاً بين العشائر حول مكاسب معينة باستثناء مبادرة جيبوتي الأخيرة التي
حظيت بالنجاح الكبير في غضون شهور. ويضيف هؤلاء المحللون أن هناك
مخططاً كان يرمي إلى تقسيم الصومال إلى عدة دويلات كرتونية ملحقة بإثيوبيا أو
تعيش تحت رحمتها وتدور في فلكها.
٣ - تولد شعور لدى الشارع الصومالي بأن إخوانهم العرب لم يؤدوا واجبهم
تجاه بلدهم الصومال، ولم يدعموا مبادرة الرئيس الجيبوتي كما ينبغي؛ بل تعدى
الأمر إلى أن اتهم بعض البلدان العربية أنها ضد المصالحة الصومالية في جيبوتي؛
حيث تظاهر آلاف من الصوماليين ضد الدور المصري في المصالحة الصومالية،
وقد وصل الأمر إلى إحراق المتظاهرين العلم المصري إثر اتهام السفير المصري
في مقديشو بحثِّ العديد من زعماء الفصائل ومن بينهم حسين عيديد على عدم
المشاركة في مؤتمر السلام بعرتا، ولعل التحفظ المصري ينطلق من هاجس أن
المبادرة الجيبوتية تعتبر امتداداً للمبادرة الإثيوبية التي كانت مضادة للمبادرة
المصرية في مؤتمر القاهرة الذي ضم ٢٦ من رؤساء الفصائل في ٢٢/١٢/١٩٩٧م.
وصدر عنه إعلان القاهرة الذي كان من أهم بنوده تشكيل حكومة وحدة وطنية،
إلا أن المبادرة المصرية ماتت بسبب التدخلات الإثيوبية التي استقطبت عدداً
كبيراً من رؤساء الفصائل.
وفي هذه الأثناء أطلق الرئيس الجيبوتي الذي يتمتع بعلاقات جيدة في الظاهر
مع إثيوبيا مبادرته، فتم تصنيفها على أنها مكملة للدور الإثيوبي، وكانت كثير من
القوى المحلية الصومالية قد أخذت هذا الانطباع في بداية الأمر، ولم تكن متفائلة
باعتبار أن أي مشروع له ضلع أو علاقة مع إثيوبيا لا يمكن أن يقود الصومال إلى
بر الأمان، لكن مع مرور الأيام ومع بدء المؤتمر أثبت الواقع خلاف تلك التوقعات
حيث التزمت الحكومة الإثيوبية نوعاً من التحفظ وعدم الارتياح تجاه سير الأمور
في مؤتمر عرتا؛ فهي بطبيعة الحال غير راضية عن إقامة حكومة صومالية
تمارس دورها وثقلها الإقليمي، وتفضل استمرار الصومال على ما هو عليه حتى
تستخدمه كحزام أمني ضد الحركات التحريرية في أوجادين وضد ما يسمونه
(الأصولية) في الصومال، وحتى تدخله وتغير عليه متى شاءت وتنسحب منه متى
شاءت، وحتى لا تقوم للصومال العدو التاريخي لإثيوبيا أي قائمة.
وفي مقابل ذلك ظهر بصورة جلية حسن نوايا الرئيس الجيبوتي، وأنه ما
يهدف من مبادرته وسعيه الحثيث في لمِّ شمل البيت الصومالي ورأب الصدع بين
الأشقاء الفرقاء إلا أن يستعيد الصومال دوره الإقليمي والدولي. وفوق هذا يشير
بعض المحللين إلى أن الرئيس الجيبوتي الذي يرأس دولة لا يتعدى عدد سكانها
نصف مليون نسمة يشعر بنوع من التهديد والخطورة تجاه جارتيه الإثيوبية
والإرتيرية، فعزم على هذه الخطوة الشجاعة حتى يعود التوازن الإقليمي في
المنطقة؛ وخاصة أن جيبوتي تعتبر جزءاً مكملاً للصومال ضمن ما يعرف
بالصومال الكبير الذي يأمل الصوماليون أن يروه يوماً ما وقد اتحد تحت سقف واحد،
كما أنه اعتبر هذه الخطوة نوعاً من رد الجميل عن التضحيات الغالية التي قدمها
الصومال في سبيل تحرير جيبوتي من الاستعمار الفرنسي في عام ١٩٧٧م.
الموقف الدولي والإقليمي بعد تشكيل البرلمان وانتخاب الرئيس:
ما ذكرناه في الفقرات السابقة كان قبل أن تظهر نتائج مؤتمر عرتا ولكن بعد
أن انتهى المؤتمر بنجاح، وتم تشكيل برلمان وانتخاب رئيس حظيت الحكومة
الجديدة بتأييد إقليمي ودولي، وإن كانت دون المستوى المطلوب؛ فعلى الصعيد
الدولي أصدر الاتحاد الأوروبي بياناً يحث فيه الصوماليين وقادة الفصائل على دعم
حكومتهم الجديدة، كما صرحت وزارة الخارجية الأمريكية بأنها متفائلة بنتائج
مؤتمر السلام الذي عقد في جيبوتي وتشكيل الحكومة الانتقالية للصومال بما فيها
انتخاب الرئيس، وعلى الصعيد الإقليمي؛ فقد اعترف بالحكومة الصومالية الجديدة
عدد من الدول العربية والإفريقية، كما سمح للرئيس الصومالي الجديد أن يجلس
على كرسي الصومال في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية اللذين ظلا شاغرين
طيلة السنوات العشر الماضية، ولكن يغلب على بعض تلك التأييدات لغة
الدبلوماسية والتحفظ خوفاً من تلك الدول بأن تعود الأمور إلى ما كانت عليه وخاصة
في ظل التهديدات التي يطلقها زعماء الحرب في الصومال تجاه الحكومة الجديدة.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل لدى تلك الفصائل ما يمكنها من عرقلة
جهود السلام وتعطيل الحكومة المنتخبة في الصومال؟ هذا ما سيتضح بمشيئة الله
فيما يأتي:
الموقف المحلي:
يمكن تقسيم الموقف المحلي إلى موقف الشعب الصومالي من الحكومة الجديدة،
وموقف أمراء الحرب؛ فموقف الشعب في الداخل والخارج بجميع قبائله وفئاته
وطبقاته يؤيد الحكومة الجديدة بصورة كبيرة يمكن الإطلاق عليها أنها جنونية،
ومستعد لأن يضحي في سبيل إنجاحها بالنفيس والغالي بغضِّ النظر عن المكاسب
التي تحققها كل قبيلة في ظل التشكيلة الجديدة؛ ذلك أن الشعب هو الذي تلظى بنار
الحروب الأهلية، وذاق ويلاتها، وأصبح محروماً من جميع الخدمات التعليمية
والصحية وغيرها، ونشأ جيل جديد لا يعرف الكتابة ولا القراءة وسلبت الكرامة
والسيادة الصومالية، وأغلقت الأبواب أمامهم، وبجانب هذا أدركت كل قبيلة أنها
مهما أوتيت من قوة فإنها لا تستطيع أن تنتصر وتحسم الصراع لصالحها؛ فلا
غالب ولا مغلوب في الحرب الدائرة؛ ولذلك أصبح الشعار لدى الصوماليين في
الآونة الأخيرة: (فليحكم من شاء، وإنما يهمنا إيجاد كيان وحكومة تعيد لنا الكرامة
وتفكنا من أسر أمراء الحرب) .
أما موقف أمراء الحرب فيتضح في الفقرة الآتية التي تتناول التحديات
والعقبات أمام الحكومة الجديدة.
التحديات والآمال أمام الحكومة الصومالية الجديدة:
مما لا شك فيه أن الحكومة الصومالية الجديدة تواجه عقبات كبيرة وعديدة لا
يستهان بها، كما أن هناك عوامل نجاح وفرصاً مواتية لها، وفي السياق الآتي
نتناول هاتين النقطتين بشيء من الاختصار:
أولاً: العقبات أمام الحكومة الجديدة:
١ - المعارضة الداخلية: تتمثل في رؤساء الفصائل وأمراء الحرب الذين
قاموا بإسقاط الحكومة الصومالية السابقة ولم ينجحوا في تشكيل حكومة جديدة،
وقادوا البلاد إلى الحرب الأهلية التي أكلت الأخضر واليابس، واستمرت منذ عشر
سنوات، وراح ضحيتها آلاف الأشخاص من المدنيين الأبرياء؛ ويمكن تصنيف
هؤلاء حسب مناطقهم على النحو الآتي:
* زعماء الفصائل في مقديشو: وعلى رأسهم حسين عيديد، وعثمان علي
عاتو، وحسين بود الذين لم يشتركوا في مؤتمر السلام في عرتا بل ناصبوه العداء
واعترضوا عليه بشدة؛ حيث اعتبروا أن هذا المؤتمر يعتبر تعدياً على حقوقهم
الخاصة؛ حيث إنهم الممثلون الشرعيون كما يزعمون، وشعروا منذ البداية أن
مبادرة الرئيس الجيبوتي همشت دورهم؛ حيث سمح لهم أن يشتركوا في المؤتمر
بصفة شخصية فقط، وقد ساعدهم على هذا التمرد على المؤتمر الهالة الإعلامية في
الخارج التي تعظم دور هؤلاء وخاصة حسين عيديد والتي تروج أنه بغير وجودهم
فإن المؤتمر لن يحقق أي نجاح يذكر، كما يعتقد أن الأيدي الخفية التي تنشط في
مثل هذه الأوقات تعمل على قدم وساق لاستخدام هؤلاء في إخفاق الحكومة
الصومالية الجديدة كما فعلوا في مؤتمرات السلام السابقة؛ ولكن غاب عن هؤلاء
الذين يعظمون دور أمراء الحرب ويعولون عليهم حقائق كبيرة في الساحة
الصومالية يمكن إيضاحها بما يلي:
إن هذه الفصائل وخاصة عيديد الذي يضخم دوره ليس عيديد الموجود في
بداية التسعينيات الذي كان يحظى بتأييد وظروف مواتية له، كما أن الشعب
الصومالي ليس هو ذاك الشعب الذي يجري وراء عيديد وغيره من أمراء الحرب
مثل الرعاع؛ فالأمر قد اختلف تماماً عما كان عليه في تلك الأيام؛ فعيديد (الأب)
عندما حارب حكومة على مهدي المكونة في أول مؤتمر للمصالحة الصومالية الذي
عقد في جيبوتي عام ١٩٩١م وتمكن من الحجر عليها، وعندما حارب القوات
الأمريكية وأجبرهم على الانسحاب من الصومال لم يكن يخوض هذه الحروب وحده
وبشخصه وإنما كانت قبيلته بكل أفرادها بدءاً من سلاطينها وتجارها وميليشياتها بل
ونسائها وبكل إمكانياتها تقف وراءه وقفة الرجل الواحد.
ولكن هل بقي الأمر لعيديد (الابن) كما كان لعيديد (الأب) ؟ الجواب
بالنفي التام؛ حيث إن هذه القبيلة وبكل فئاتها التي ذكرناها أصبحت تساند وتشترك
بصورة فعالة في مؤتمر المصالحة في عرتا بدليل أن الرئيس الجديد اختير من بينها،
بل الأشد من ذلك أن البقية الباقية من ميليشيات عيديد ساهمت بصورة فعالة في
الترحيب بالرئيس الجديد عبدي قاسم صلاد حسن في زيارته الأخيرة إلى مقديشو؛
ولذلك ليس هناك خيار آخر أمام حسين عيديد إلا أن ينضم إلى الحكومة الجديدة،
أما بقية أمراء الحرب فليسوا أفضل حالاً من عيديد؛ بل ينطبق عليهم الكلام الذي
قيل في عيديد؛ فالبساط سحب من تحتهم جميعاً.
*منطقة الشمال الغربي التي أطلقت على نفسها: (جمهورية أرض الصومال)
إثر إعلانها الانفصال عن بقية أجزاء الصومال من جانب واحد في ١٨/٣/١٩٩١
م والتي تتمتع باستقرار وهدوء بخلاف المناطق الجنوبية، كما أن رئيسها محمد
إبراهيم عقال نجح في تكوين إدارات وأجهزة فعالة، وتغلب على خصومه من
الناحية السياسية والعسكرية، هذه المنطقة تعارض الحكومة الجديدة بشدة لدرجة أنها
قامت بمظاهرات مضادة لمؤتمر عرتا وأشعلت النيران في العلم الصومالي، ولكن
المعتقد أن معارضتها لا يمكن أن تقف في وجه الحكومة الصومالية الجديدة لأسباب
عديدة من بينها: أن هذه المنطقة التي أطلقت على نفسها: (جمهورية أرض
الصومال) لم تحظ بأي اعتراف من المجتمع الدولي منذ إعلانها الاستقلال، كما أن
هناك قبائل عديدة داخل المنطقة أيدت وشاركت بصورة فعالة في مؤتمر المصالحة
في عرتا، ويرى بعض المحللين أن امتناع عقال عن الاشتراك في مؤتمر
المصالحة يعتبر مجرد مناورة سياسية وتكتيكاً مرحلياً؛ حيث يهدف أن يتفاوض مع
الحكومة الصومالية الجديدة على أساس شمال وجنوب انطلاقاً من فلسفة أن الشمال
كان مستعمرة بريطانية، والجنوب كان مستعمرة إيطالية، للحصول على مكاسب
سياسية كبيرة.
* منطقة الشمال الشرقي (بونتلاند) : تعتبر هذه المنطقة هي الأخرى من
المناطق التي تتمتع بهدوء واستقرار، وتنشط فيها تجارة المواشي وتصديرها إلى
بلدان الخليج العربي، واستيراد السلع. وفي ٢٣/٧/١٩٩٨م تمكنت هذه المنطقة
من إقامة بناء إداري محلي للمناطق الشمالية الشرقية برئاسة العقيد عبد الله يوسف
الذي تمكن من إقامة بعض الأجهزة الإدارية وتكوين ميليشيات بمساندة من إثيوبيا؛
حيث يتمتع بعلاقات ودية معها أكثر من أي أمير حرب آخر، ويعارض عبد الله
يوسف مؤتمر المصالحة في عرتا والحكومة المنبثقة منه بشدة؛ فقد قال في مقابلة
مع هيئة الإذاعة البريطانية بتاريخ ١٦/٧/٢٠٠٠م: «إن مؤتمر عرتا يهدد باندلاع
حروب أهلية في البلاد تستمر هذه المرة عشرين سنة قادمة وليس عشر
سنوات! !» ، واتهم أعضاء الحكومة الجديدة بأنهم أعضاء حكومة سياد بري
التي ارتكبت جرائم ضد الشعب الصومالي، كما وجه نداءً إلى محمد إبراهيم عقال
رئيس منطقة الشمال الغربي لإيجاد تعاون مشترك بين المنطقتين حتى ولو يصل هذا
التعاون إلى درجة الاندماج بين المنطقتين اللتين كان يسود بينهما التوتر طيلة
الفترات الماضية.
ومن جهة أخرى وفي ظل التنسيق بين أمراء الحرب لمواجهة خطورة
الحكومة الجديدة خوفاً من اقتلاع نفوذهم؛ فقد استقبل عبد الله يوسف خمسة من
رؤساء الفصائل على رأسهم حسين عيديد وعثمان عاتو بتاريخ ٢/٩/٢٠٠٠م،
وأصدروا بياناً مكوناً من ست نقاط يؤكدون فيها رفضهم نتائج مؤتمر عرتا وما
تمخض عنه من تكوين الحكومة الصومالية؛ والشيء الغريب في هذا البيان أنهم
ينادون بإقامة مؤتمر مصالحة جديد عن طريق رؤساء الفصائل (أمراء الحرب) ،
فهل سيختلف هذا المؤتمر الذي ينادون إليه عن مؤتمراتهم السابقة التي كانت تنتهي
بالإخفاق إثر تبادل الشتم واللعن بين أمراء الحرب؟ وما الذي جعل العقيد عبد الله
يوسف الذي كان يقول إنه لن يستقبل بعض رؤساء الفصائل مثل حسين عيديد فإذا
به يستقبلهم ويرحب بهم في عقر داره؟ إنه الشعور بالضغط الداخلي والخارجي
وتقلص دور قادة الحرب ونفوذهم في الصومال.
بقي في هذا الصدد أن نشير إلى أن موقف عبد الله يوسف أضعف بكثير من
موقف عقال؛ فغالبية الشعب في مناطق الشمال الشرقي تؤيد مؤتمر عرتا ونتائجه؛
كما أن حضور هذه المنطقة في مؤتمر عرتا كان قوياً وفعالاً رغم محاولة عبد
الله يوسف منع اشتراك الوفود وعرقلة وصولهم إلى جيبوتي؛ حيث انعقد
مؤتمر المصالحة.
٢ - تحقيق الصلح بين العشائر المختلفة، وإعادة الثقة فيما بينها، وإزالة
المظالم وإعادة الممتلكات إلى أهلها، فهذه العناصر تعتبر محكاً واختباراً لدولة
الرئيس الجديد عبدي قاسم الذي ذكر في برنامجه الانتخابي أنه يكرس جهوده لعلاج
هذه المشكلات؛ فالجراحات التي تحتاج إلى الضماد كثيرة ومتشعبة؛ فهناك العديد
من الممتلكات من البيوت السكنية والعمائر والمزارع أخذت من أيدي أصحابها
واستولت عليها ميليشيات من عشائر أخرى، كما أن بعض المناطق يشعر أهلها
أنهم محتلون من قبل ميليشيات غزتهم من مناطق بعيدة؛ وذلك مثل مدينة كسمايو
الاستراتيجية التي تعتبر بؤرة المشاكل في جنوب الصومال حيث واجهت صراعاً
مريراً حول السيطرة عليها طيلة سنوات الحرب الماضية؛ فنجاح الرئيس منوط
بكيفية علاجه لهذه المشكلات التي نجمت عن الأوضاع المأساوية التي يأكل القوي
فيها الضعيف طيلة السنوات العشر الماضية؛ حيث كان نظام الغابة هو المعمول به
في الصومال، وأعتقد أنه ليس لدى الرئيس الجديد أداة حاسمة لعلاج هذه المشكلات
بين عشية وضحاها، ولكن الأمر يتطلب تعاوناً مشتركاً من الجميع، وصبراً طويلاً
إلى أن يستعيد الصومال عافيته.
٣ - تكوين مؤسسات الدولة وإقامة البنية التحتية: عندما يأتي رئيس معين
إلى رئاسة دولةٍ ما فإنه يأتي إلى جهاز قائم متكامل بدءاً من الموظف الصغير
وانتهاءً إلى الوزير بالإضافة إلى المعدات والأجهزة والمكاتب المختلفة؛ مما يجعل
مهمة هذا الرجل سهلة وطبيعية، ولكن مهمة الرئيس الصومالي الجديد تختلف عن
هذا بكثير؛ حيث يأتي إلى حكومة لا يتوفر لها مكتب مؤثث واحد ولا سجلات ولا
أرشيف عدا تلك الأوراق التي في محفظة الرئيس من نتائج مؤتمر المصالحة في
عرتا، وكما أشرنا سابقاً فإن البنية التحتية والمرافق العامة التي تقدم الخدمات
الاجتماعية للشعب منهارة تماماً وسوف تؤسس من الصفر، ومع هذا إذا تضافرت
الجهود ونسيت آلام الماضي لبناء آمال المستقبل، وخلصت النيات فإنه يمكن
تجاوز هذه العوائق في فترة زمنية محدودة بمشيئة الله.
٤ - تغيرت تركيبة المجتمع في خلال فترة الحروب الأهلية؛ فالطبقة المدنية
من سكان المدن المتعلمين والحرفيين وغيرهم هاجروا إلى خارج الصومال وخاصة
إلى بلاد الغرب، وحل محل هؤلاء سكان الأرياف والبوادي الذين نزحوا إلى المدن
بحثاً عن مصدر المعيشة، ولما كان هؤلاء لا يجيدون أي حرفة، ولانعدام
المؤسسات الحكومية التي تستطيع أن تؤهلهم لأي عمل، فقد التحقوا بصفوف
الميليشيات القبلية وانخرطوا فيها؛ فالعقبة أمام الحكومة الجديدة هي كيف تعيد
الكوادر والعقول المهاجرة إلى البلاد لتشترك في بناء الصومال الجديد؟ وكيف
تؤهل الطبقة النازحة من الأرياف التي حلت محل أهل المدن سابقاً حتى لا يكونوا
عالة على المجتمع؟
٥ - عدم وجود جيش وجهاز شرطة يقوم بتنفيذ مهمات الحكومة الجديدة من
استتباب الأمن الداخلي والخارجي؛ حيث كان الجيش والشرطة أول مؤسستين
انهارتا في البلاد؛ فهل ترى تتمكن الحكومة الجديدة من تكوين الجيش والشرطة،
أم هي بحاجة إلى الاستعانة بقوات حفظ سلام خارجية؟ أعتقد أن بإمكان الحكومة
الجديدة تكوين هاتين القوتين في فترة وجيزة إذا توفر لها الدعم اللازم؛ وقد خطت
اللجنة التي كونها الرئيس الجديد من بعض الجنرالات بعض الخطوات الإيجابية في
هذا الصدد في مقديشو العاصمة.
٦ - الملف الصومالي الإثيوبي: تناوُلُ هذا الموضوع قد يكون سابقاً لأوانه
حيث إن الحكومة الصومالية الجديدة لا تستطيع الالتفات إلى اليمين أو اليسار عدا
ترميم الدولة الصومالية ومؤسساتها إلا أن المشكلة (الصومالية الأثيوبية) أكبر من
أن تتناسى ولا يشار إليها في مثل هذا التقرير الذي خصص لتناول العقبات أمام
الحكومة الصومالية الجديدة؛ إذ من المعروف أن الحكومة الإثيوبية هي التي
أسقطت الحكومات الصومالية السابقة من خلال الجبهات الصومالية المنطلقة
والمدعومة من قبل إثيوبيا بدءاً من العقيد عبد الله يوسف الذي يعتبر أول من خرق
الإجماع الصومالي وسن سنة اللجوء إلى إثيوبيا في إثر المحاولة الانقلابية التي قام
بها هو ومجموعة من الضباط عقب العودة من حرب أوجادين عام ١٩٧٨م،
وانتهاءً بسيلانو وعبد الرحمن تور والجنرال عيديد والعقيد أحمد عمر جيس في
بداية عقد الثمانينيات ونهايته من القرن العشرين، وقد كان هذا في عهد رئيس
إثيوبيا السابق منجستو وانطلاقاً من القومية الأمهرية. وفي حديث لمنجستو في
منفاه في زيمبابوي قال: «سيذكرني أبناء إثيوبيا بالدور الذي قمت به للقضاء على
عدو إثيوبيا التاريخي الذي كان الخطر الأكبر لوجودنا» ويقصد بذلك الصومال،
وعندما تسلمت حكومة ملس زيناوي مقاليد الحكم في إثيوبيا واصلت مسيرة العداء
والكيد للشعب الصومالي ولكن بأسلوب يختلف عن أسلوب الحكومات الإثيوبية
السابقة؛ حيث حاولت أن تقدم السم في خططها التدميرية بطبق من ذهب وكوب
من عسل في هذه المرة، فاستلمت ملف السلام الصومالي ورعت مؤتمرات السلام
في عاصمتها كرعي الذئب للغنم ولكن سرعان ما كشفت عن أنيابها فغارت على
أقاليم صومالية آمنة بحجج واهية، كما قامت بتوزيع السلاح بشكل عشوائي على
الفصائل المتحاربة في خطوة لا تهدف إلى حسم الصراع لطرف معين بقدر ما
تهدف إلى استمرار الحرب المستنزفة واستمرار حالة الفوضى وتغييب دور
الصومال الإقليمي والدولي؛ وحتى لا تتكرر المطالبة الصومالية بالأراضي
الصومالية المحتلة (أوجادين) من قِبَل إثيوبيا، وحتى لا تحظى الجبهات التي
تقاتل ضد الحكومة الإثيوبية في أوجادين بتقرير مصيرها بدعم من الحكومة
الصومالية كما كان يحصل سابقاً.
والمعروف أن القضية الأوجادينية تعتبر من أعقد القضايا في القرن الإفريقي
ولب الصراع الديني فيه؛ فهي امتداد للصراع والعداوات بين الصومال وإثيوبيا
التي تمتد جذورها إلى القرن التاسع الهجري في أيام الإمام (أحمد جري) ومَن قبله
من دول الطراز الإسلامي كإمارة الزيلع وإمارة هرر.
وهناك سؤال يطرح نفسه في هذا المجال هو: هل الحكومة الصومالية
الجديدة ستواصل سياسة الحكومات الصومالية السابقة في المطالبة بإقليم أوجادين
ودعم جبهاته التحريرية، أم تتنازل عن هذه القضية وتترك شأنها، أم تعالجها
بطرق أخرى؟ البحث في هذه المسألة سابق لأوانه كما أشرت سابقاً حتى يستعيد
الصومال كيانه وعافيته، ولكن تبقى مشكلة الشعب الصومالي في أوجادين قائمة؛
فهي أم المشكلات في القرن الإفريقي، وما لم تحل بطرق عادلة فإن الحروب
والقلاقل لا تزال تندلع في هذه المنطقة الحساسة من حين لآخر.
ثانياً: مظاهر الآمال في نجاح الحكومة الصومالية الجديدة:
ما تناولناه سابقاً يعتبر جزءاً من العقبات التي تعترض الحكومة الصومالية
الجديدة، ومع كثرة هذه العقبات إلا أن فرص النجاح لهذه الحكومة أكثر من عدم
نجاحها، وفيما يلي نشير إلى بعض تلك الفرص:
١ - ما تحظى به هذه الحكومة من تأييد شعبي واسع في الداخل والخارج؛
حيث يمكن القول إن أكثر من ٩٥% من الشعب مؤيد لهذه الحكومة؛ حيث إن
مؤتمر عرتا هو المبادرة الوحيدة التي حظيت بهذا التأييد المنقطع النظير من قبل
قوى المجتمع المختلفة من العلماء والتجار وشيوخ القبائل والمثقفين والمحاكم
الإسلامية والحركات الإسلامية والجمعيات الخيرية، ولا يعارضها إلا مجموعة من
أمراء الحرب الذين نأمل أن ينضموا إلى المسيرة السلمية واحداً تلو آخر.
٢ - تجانس الشعب الصومالي: حيث تختلف الصومال عن المجتمعات
الإفريقية لشخصيتها المتجانسة أساساً؛ فلا يوجد انقسام ديني، أو انقسامات عرقية،
أو اختلاف في اللغة أو العادات والتقاليد وحتى في المذهب الفقهي، وإن ما
يفرقهم بعد أن اتحدوا في جميع عوامل الاتحاد الأخرى هو العصبية القبلية فقط،
والقبيلة قد تستخدم للخير كما استخدمها الرسول ﷺ في غزواته
عند توزيع جيوشه على لواءات عشائرية؛ حيث هذا أدعى للثبات والإقدام على
الجهاد، وقد تستخدم القبيلة للشر كالحالة الصومالية، وهي التي حذر منها الرسول
ﷺ في أحاديث عدة.
٣ - هناك بعض التقارير تشير إلى أن المجتمع الدولي يحبذ إيجاد دولة ونظام
في الصومال وإعادته إلى حظيرة الشرعية الدولية؛ وذلك خوفاً من ظهور حركات
إرهابية وأصولية حسب تعبيرهم تسيطر على هذا الموقع المهم من القرن الإفريقي
والبوابة الجنوبية للبلدان العربية.
٤ - جميع العوامل التي ذكرنا أنها كانت سبباً في إحباط جميع المبادرات
والمؤتمرات السابقة والتي تحاشاها المؤتمر الحالي في عرتا وتجنب سلبياتها تعتبر
عوامل نجاح بالنسبة للحكومة الصومالية الجديدة.
٥ - يتوقف نجاح الحكومة الجديدة إلى حد كبير على ما ستحظى به من دعم
من المجتمع الدولي والإقليمي من الناحية السياسية والاقتصادية، ولكن إذا استعانت
بالله، ووحدت الصف الداخلي للشعب الصومالي، وأخذت بالأسباب اللازمة لذلك
فإن الحكومة الجديدة سيتحقق لها النجاح بمشيئة الله ولو لم تجد أي دعم من الخارج.
توصيات واقتراحات:
١ - أوصي الرئيس الجديد أن يتقي الله في الأمانة التي تحمَّلها والتي امتنعت
من قبولها السماوات والأرض والجبال [وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً]
(الأحزاب: ٧٢) .
٢ - كما أوصي الرئيس الجديد أن يحقق ما تعهد به في برنامجه الانتخابي
وتصريحاته السابقة في أن يطبق شريعة الله في الأرض، وألاَّ يكون مثل أولئك
الذين يستخدمون الشريعة والدين ورقة انتخابية ثم إذا تمكنوا حاربوه وذبحوا أهله
من العلماء والدعاة إلى الله وزجوا بهم في السجون. وتطبيق الشريعة الإسلامية هو
المخرج الوحيد الذي يستطيع أن ينقذ الصومال من ويلاته، والمعروف أن جميع
الأنظمة الوضعية من الرأسمالية والشيوعية الاشتراكية والقبلية كلها أثبتت إخفاقها
الذريع في الصومال، وأورثتنا ما نعاني منه الآن.
٣ - لا بد أن يحرص الرئيس الجديد على تولية الأكفأ والأصلح للوظائف
والولايات المختلفة، وأن يضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وأن يتوخى
الصالحين في اختياره لأعوانه وبطانته، وأن يكون معياره في تقديم الرجال بعضهم
على بعض اختيار القوي الأمين.
٤ - وليكن شعارك شعار خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر
الصديق ﵁ في خطبته التي يقول فيها عندما اختاره المسلمون وبايعوه
البيعة العامة: «إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وأن
أسأت فقوِّموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى
أرجع عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء
الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في
قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله؛ فإذا عصيت الله
ورسوله فلا طاعة لي عليكم» .
٥ - في مقابل ذلك أوجه نداءاً إلى أبناء الشعب الصومالي أن يتحدوا
وينضموا وراء قائدهم الجديد، وأن يعينوه في الخير، وأن ينسوا مخلفات العصر
الجاهلي، وأن يترفعوا عن أية حسابات شخصية من شأنها تعطيل مسيرة المصالحة،
وأن يرموا أمراء الحرب عن قوس واحدة حتى لا يفسدوا هذه الفرصة النادرة التي
قيضها الله للرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلة التي لا قدر الله إذا أحبطت فقد
تكون آخر فرصة للسلام في الصومال مما يجعل هذا البلد الهام في ذمة التاريخ.
وأملنا في الله كبير أن نرى الصومال قد استعاد عافيته وقُيِّض له رجال صالحون
أكفاء يطبقون شريعة الله فيه ويقودون السفينة إلى بر الأمان.
هذا وبالله التوفيق، والله من وراء القصد،
стр. 3720
مرصد الأحداث
يرصدها: حسن قطامش
qatamish١٠٠@hotmail.com
أبشر بطول سلامة يا باراك!
أكد الدكتور أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس المصري حسني مبارك،
أن القمة العربية قبل اجتماعها لن تجتمع لإعلان الحرب على (إسرائيل) ،
فالدخول في الحروب لن يؤدي إلى حل، بل سيزيد من تعقيدات العملية السلمية،
وأشار إلى أن القادة العرب في قمة ١٩٩٦م اجتمعوا على اتخاذ السلام كخيار
استراتيجي، ولن يتغير موقفهم بسبب الأحداث المأساوية التي وقعت! ! . وكان
الباز قد عقد مؤتمراً صحافياً مع المراسلين الأجانب بالقاهرة أعرب خلاله عن
اعتقاده بأن تغييراً سيطرأ على الأحداث في الأيام القليلة القادمة، ولكنه أكد على أن
الجروح الناتجة عن أحداث العنف الأخيرة ستحتاج وقتاً طويلاً لكي تندمل. وحول
إمكانية أن تنطوي قرارات القمة العربية على التلويح بالحرب، قال الباز: «إن
الحرب لا تحتمل أن تكون تلويحاً فإما إعلان حرب أو لا، وخيار الحرب سيفقدنا
التعاطف الذي كسبه الفلسطينيون والعرب جراء العنف الذي اتبعته (إسرائيل) ،
وعندئذ سيقول الإسرائيليون إن العرب كانوا يدخلون في إرهاصات حرب مما
يستوجب اتخاذها خيار العنف» . وأضاف الباز: «إن المسألة ليست مسألة توجه
نحو الحرب ولكن مخاطبة الجانب الإسرائيلي من موقع يقول لهم إن العرب لديهم
خيارات كثيرة ولديهم خطوط حمراء لا يمكن أن تتخطاها» . وأكد الباز على أن
العرب لن يقوموا بإجراءات غير محسوبة؛ كما أن توسيع نطاق العنف سيؤدي إلى
الدوران في دائرة مفرغة من العنف. وعادة عندما نواجه تراجعاً في موقف ما لا
يمكننا أن نقابله بتغيير ١٨٠ درجة، ولكن يمكننا اتخاذ إجراءات من شأنها التأثير
على الرأي العام الإسرائيلي ليفرض على حكومته اتخاذ مواقف أكثر تعقلاً.
وأضاف أنه يمكن للقمة العربية أن توجه رسالة قوية من دون استخدام الإنذارات
النهائية والتهديدات أو اتخاذ مواقف مجنونة! !
[صحيفة الشرق الأوسط، العدد: (٧٩٩٠) ]
عالم الرفاهية
المصالح الفلسطينية تختلف كثيراً عما كانت عليه قبل جيل من الزمن، فإذا
كان عرفات يوماً زعيم حركة سرية من المقاومة ينتقل خلسة من مخبأ إلى آخر في
بيروت وطرابلس الغرب وتونس، فإنه اليوم يعيش كأحد الباشاوات، عائماً على
بحر من بلايين الدولارات من المساعدات الغربية المقدمة إلى السلطة الوطنية
الفلسطينية، ومتجولاً بحرية وبذخ في كافة أرجاء العالم. وقبل انهيار عملية السلام
كان كبار أعوانه يتناولون الجمبري والنبيذ الفرنسي في مطاعم تل أبيب الفخمة،
كذلك عقد بعضهم شراكات مربحة جداً مع رجال أعمال إسرائيليين، ثم إنهم رفعوا
أعلامهم فوق أراضيهم، وأصدروا طوابعهم البريدية الخاصة، وكانوا يمرون دون
عائق عبر نقاط التفتيش ومعابر الحدود بواسطة تصاريح المرور الإسرائيلية التي
تمنح للشخصيات البارزة، حتى عندما كان مواطنوهم يساقون كالماشية من غزة
وإليها..!
[الكاتب الأمريكي مايكل هيرش، صحيفة نيوزويك العربية، العدد (٢٠) ]
حُماة اليهود
«عندما اقتحمت الحشود الغرفة استلقيت على أحد الجنود الإسرائيليين
وحاولت أن أحميه بجسدي، ولكن الناس أبعدوني عنه بقوة هائلة باتجاه الحائط» .
هكذا وصف قائد شرطة رام الله كمال الشيخ في مقابلة في صحيفة «هآرتس»
روايته حول حادثة الإعدام الميداني من غير محاكمة للجنديين الإسرائيليين فاديم
نورجيتس ويوسي براهامي اللذين قتلا في رام الله. كما وصفتها الصحيفة «.
وفي مكتبه شبه المدمر من صواريخ الجيش الإسرائيلي في وسط المدينة بجانب
الغرفة التي قتل فيها الجنديان اعتبر كمال الشيخ عملية القتل» الفشل الأكبر للسلطة
الفلسطينية «وأنها» إهانة لشرطة رام الله ولي أنا شخصياً «! ومضى قائد شرطة
رام الله يقول:» أؤكد بشكل قاطع أن أي فرد من أفراد الشرطة لم يشارك في
عملية القتل أو الضرب! ! ولو كان هناك أحد مشاركاً لكان الآن في الحجز،
وهناك ١٣ شرطياً فلسطينياً أصيبوا واحتاجوا للعلاج الطبي إبان الحدث. لم نكن
قادرين على وقف المهاجمين بعد أن اقتحموا بوابة المحطة الحديدية «. وسوغ
كمال الشيخ إحجام أفراد الشرطة عن إطلاق النار بقوله:» كان بين المهاجمين
حوالي مائة مسلح، ولو أطلق أفراد الشرطة النار لتسببت في مذبحة فظيعة «.
[صحيفة السبيل الأردنية، العدد: (٣٥٧) ]
براءة من البداية
س: هنالك بعض الإشاعات تقول إنكم على صلة بالجماعات الإسلامية
المتطرفة؛ فما حقيقة ذلك؟
ج: لست بصدد المناقشة حول عقيدتي. أي إنسان في العالم له عقيدته.
والعلاقات بين الدول لا تحكم بالعقائد، ولسنا في القرون الوسطى، وعلاقات الدول
الاقتصادية والسياسية مبنية على الواقعية. أنا مسلم، أؤمن بالله. لكنني ضد
التطرف؛ فالإسلام حسب المفهوم الصحيح هو دين الاعتدال والتسامح، فأنا من
المعتدلين وليست لي أي علاقة مع المتطرفين ولا أحب التطرف ولا أشجعه. ولا
توجد في الصومال أي قوة متطرفة، ربما هنالك أفراد لهم مزاج تطرفي.
[الرئيس الصومالي: عبدي قاسم صلاد، مجلة الوسط، العدد: (٤٥٣) ]
غربان السلام!
الشرق الأوسط معقد.. معقد: لأنه ما زال محكوماً بجنون اللامعقول الذي
يجعل الرموز والمباني أقدس من الحياة. معقد هو الشرق؛ لأنه لم يعرف قط ثقافة
السلام، أي التسامح والتسليم بالحق في الاختلاف والقدرة على وضع النفس موضع
الآخر لفهمه وتفهمه للتفاوض معه لا مع النفس. مهما تكن سيناريوهات تأجيج
الصراع، فاللوحة قاتمة، وجنون الهويات المتصارعة فاعل، والثأر ينادي الثأر،
والقادة يتنافسون في استثارة غرائز جماهيرهم، مما يجعل الحديث بلغة العقل ضرباً
من الدعابة السوداء. ومع ذلك فلا بد من إسماع صوت العقل البارد في هذا الوضع
الملتهب؛ لأن من أولويات الكاتب مساعدة قارئه على التفكير في مشاكل مجتمعه
وعصره برصانة وموضوعية. فماذا يقول صوت العقل لشعوب ونخب على شفير
الحرب؟ إذن الخيار الوحيد هو السلام الصعب والضروري في آن ليس
الفلسطينيون بأقل من الإسرائيليين حاجة للسلام، أولاً ليوجدوا كدولة، وثانياً
ليواجهوا المهام الجسام التي تنتظرهم. الوقت لا يعمل لصالحهم؛ فكل يوم يمر من
دون سلام يعقد أكثر مشاكلهم المزمنة ويطيل ليلهم وعذابهم. كل إغراء بتحويل
عملية السلام إلى عملية حرب، كما يُطالب بذلك زعماء» حماس «الذين يفكرون
خارج التاريخ، لن يقودهم إلا إلى نكبة ثانية، وكل مطالب تتعدى مطلب أن تكون
فلسطين وطناً لشعبين والقدس عاصمة لدولتين انتحار سياسي.
[العفيف الأخضر، جريدة الحياة، العدد: (١٣٧٣١) ]
فلسفة علمانية
إن الديمقراطية تستوجب التعددية الحزبية والفكرية وحرية المناقشة والتفاهم.
واستخدام الرموز الدينية في النظام الديمقراطي يلغي مبدأ المنافسة المتساوية بين
الأحزاب التي تمارس السياسة؛ لأن القواعد الدينية هي أمور يجب إطاعتها كما
هي. فلو تم استخدامها لأمور العامة؛ تلغي بطبيعة الحال حرية المناقشة والتعددية
الفكرية. هذا ما يعني نهاية الديمقراطية، وليست الديمقراطية هي المتضرر الوحيد
من هذه العملية؛ بل إن الدين أيضاً سوف يتضرر من كونه أصبح مادة مفتوحة
للنقاش، وبغاية السهولة سوف يلاحظ من لديه قليل من الاهتمام بالأمور الدولية
مدى الضرر الذي يتعرض له ديننا في بعض الدول. استطاعت تركيا بفضل
العلمانية فصل أمور الدولة عن الدين، وبذلك نجحت في حماية ديمقراطيتها من
جهة، وحماية ديننا من أي ضرر من جهة أخرى. والتاريخ التركي مملوء بالأمثلة
الخاصة بالأضرار التي ألحقها التطرف الديني بالحياة العامة عندما كان في السلطة.
لقد توصلت تركيا من تجاربها التاريخية إلى أن تقييم العلاقات الدولية من وجهة
النظر الدينية فقط لا يعطي نتيجة قوية، ولو كان عكس ذلك صحيحاً، لما انهارت
الامبراطورية العثمانية التي كانت مركزاً للخلافة في نهاية الحرب العالمية الأولى،
وهي التي رفعت راية الإسلام بعزة وشرف في ثلاث قارات؛ لذا فإن الجمهورية
التركية تنظر إلى العلاقات الدولية استناداً إلى الواقعية وإلى المصالح العليا.
[السفير التركي في الكويت، جريدة الأنباء، العدد: (٨٧٤٥) ]
أهكذا تحمون الدين؟ !
تشير وثيقة أعدت حول العلاقات العسكرية بين إسرائيل وتركيا إلى أن حجم
التعاون العسكري بين الدولتين زاد هذا العام بنسبة ٤٠% بالمقارنة بالعام الماضي،
وأن جميع الاتفاقيات العسكرية الموقعة بين الدولتين تنفذ بالكامل، ولأول مرة في
تاريخ العلاقات بين إسرائيل وتركيا ستجري القوات الجوية والبرية والبحرية
مناورات مشتركة بهدف زيادة القدرة على المناورة. وتجدر الإشارة إلى أن التعاون
العسكري بين الدولتين يشمل ثلاثة مستويات: الأول يشمل المناورات العسكرية
ومعظمها سرية وتتم بحجم ومستوى لا شبيه لها بين جيش الدفاع الإسرائيلي وبين
أي جيش في العالم، باستثناء جيش الولايات المتحدة الأمريكية في العديد من
المجالات. وأما المستوى الثاني فهو مجال الصناعات العسكرية. وأما المستوى
الثالث فهو المجال الاستراتيجي والذي يشمل أيضاً الاستعداد المشترك في مواجهة
انتشار الصواريخ البالستية والتهديدات من دول معينة وخاصة إيران والعراق.
[صحيفة هآرتس اليهودية مترجم]
في أي دولة! !
قرارات منع ارتداء الحجاب في تركيا تزداد ويتسع نطاقها يوماً بعد يوم،
فبعدما كان الحظر يقتصر على قاعات المحاضرات والمختبرات، شمل هذا العام
كامل الحرم الجامعي، والمستشفى الجامعي أيضاً والسكن الداخلي. ويجري قرار
الحظر أيضاً على المدارس والمعاهد والجامعات الخاصة ودورات تعليم اللغات.
وتمنع القرارات المحجبات من الحصول على رخصة قيادة بحجة محاربة
» الرجعية «أي التيار الإسلامي. ويدعم هذه القرارات حملات توعية نفسية
في المدارس والجامعات؛ حيث يتم جمع الطالبات في قاعات كبيرة لتحاول المديرة
أو الاختصاصية النفسية إقناع الطالبات بأن الحجاب ليس واجباً دينياً، بل عادة
قديمة وأنه من العبث أن يضيعوا مستقبلهم من أجل قطعة من القماش.
وذكرت طالبات أن كثيراً ما يصحب محاولات الإقناع هذه أسلوب التهديد
والترغيب، إذ توعد من تخلع حجابها بالمساعدة أثناء الامتحانات، وتهدد
من ترفض الانصياع للأوامر بتسليمها إلى قوات الأمن والشرطة.
[جريدة الحياة، العدد: (١٣٧٣٨) ]
معاندة! !
ربما قرر المسؤولون تغيير اسم وزارة التجارة إلى وزارة التجارة للشؤون
الدينية مسايرة مع تيار أسلمة الحياة الاجتماعية في الدولة من طب إسلامي إلى
اقتصاد إسلامي إلى نعوت مزايدات ورياء ديني تنتهي آخر الأمر إلى دولة الإسلام
السياسي. أما كفانا فتاوى دويلات الطبطبائي والبصيري والعرادة وغيرهم من
رموز الإسلام السياسي الشعبي، حتى تخرج لنا وزارة التجارة، وهي المؤسسة
الرسمية، بتقليعة الدروشة الدينية وزج الاجتهادات الفقهية المتخلفة إلى عالم التجارة
والاقتصاد فتصدر فرمانها بمنع شهادات الادخار للبنوك الوطنية بناءً على فتوى من
دائرة الإفتاء بوزارة الأوقاف؟ منذ متى أصبحنا نرهن حياتنا الاقتصادية والسياسية
لفتاوى مشايخ دائرة الأوقاف بعد فتاوى الأفراد المشرعين وجمعيات ولجان الإسلام
السياسي؟ ولماذا انتقت وزارة التجارة تحديداً» شهادات الادخار «للبنوك كي
تظهر لنا وجهها الديني، وكيف تتمسح بجلباب فقهاء وزارة الأوقاف؟ وماذا يحدث
لو قال هؤلاء الفقهاء إن الفوائد البنكية حرام. وقد قالوا هذا بالفعل، هل ستمنع
وزارة التجارة الدينية البنوك أو تحولها إلى نسخ بائسة من بيت التمويل، وليذهب
اقتصاد الدولة والقطاع الخاص وكل إنشائيات الإصلاح الاقتصادي ودعم القطاع
الخاص إلى الجحيم؟
[الكاتب الكويتي: حسن العيسى، صحيفة القبس الكويتية، العدد: (٩٨٠٨) ]
والرقيب الأعلى سبحانه! !
لست مع الرقابة بمعناها الفج والشامل، وفي الوقت نفسه مع الانفتاح وإعطاء
المُشَاهِد الحرية في أن يرى ما يريد، لكن من ناحية مقابلة ينبغي أن تضع في
اعتبارك التكوينات الخاصة بمجتمعك ومشكلاته وأوجه الصراع الموجودة فيه،
ومدى ما يمكن أن يسهم وجود هذا العمل أو ذلك فيه بالسلب، خاصة إذا لم يكن
عملاً عالي القيمة من الناحية الفنية. اختلفت مع أسامة أنور عكاشة وقلت له:
هناك أفلام لا أستطيع أن أراها مع أولادي مع أنهم كبار (! !) ، وأنا أشك في أن
أسامة يشاهد هذه الأفلام مع حفيدته، وهو مبدع عظيم معه حق في نسف الرقابة،
وأنا أتمنى ذلك، لكن إلى أن تكتمل الظروف، لا بد أن تضع مجموعة من
الاعتبارات لا القيود. موقفي أساء البعض فهمه، وهو باختصار قبول الرقابة في
الحدود التي تحقق درجة من المواءمة السياسية، دون أن يتسبب ذلك في تكبيل
حرية الإبداع. وأنا فخور بأن كل من أشرفوا على جهاز الرقابة في المجلس كانوا
متحرري الأفق، وكانت الشكوى الدائمة من أن الرقابة متساهلة، وهناك الآن
مشروع وافق عليه الوزير بإلغاء مسمى الرقابة وإنشاء جهاز جديد مستقل يكون
اسمه: الإدارة المركزية للمصنفات الفنية.
[د. جابر عصفور، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة في مصر، مجلة الأهرام
العربي، العدد (١٨٥) ]
وقذف في قلوبهم الرعب
عاد وزير إسرائيلي من أوروبا بالانطباع أن العداء المتصاعد لليهود في العالم،
منذ انفجار انتفاضة الأقصى هو الأعلى درجة منذ الحرب العالمية الثانية. وقال
وزير الشؤون اليهودية في حكومة إيهود باراك (ميخائيل ملكيئور) :» إنه بدأ
يلمس ظاهرة خطيرة لمواطنين يهود في عدة دول في الغرب يخشون من المشي
والظهور بالقبعة الدينية اليهودية، ولا يشاركون في نشاطات يهودية ويترددون في
تسجيل أولادهم في مدارس يهودية «. وأضاف:» إن هناك خوفاً حقيقياً من
اعتداءات إرهابية على اليهود وعلى المؤسسات اليهودية، وأن مئات الهجمات على
يهود وأهداف يهودية وقعت في مختلف دول العالم، من فرنسا وحتى جنوب إفريقيا
ومن أستراليا حتى كندا، بينها ٢٠٠ هجوم بالمتفجرات «، وقال:» المميز لهذه
الاعتداءات أنها لم تقتصر على مواطنين محليين من قوى اليمين المتطرف أو
اليسار المتطرف بل من مسلمين يحظون بتعاطف السكان المحليين. الأمر الذي
يؤكد أن تلك ليست ظواهر هامشية، بل نوع من التضامن مع الفلسطينيين «.
[صحيفة الشرق الأوسط، العدد: (٧٩٩٨) ]
أشد الناس عداوة
١- كشفت صحيفة هندية واسعة الانتشار وصول فريق أمني إسرائيلي إلى
القسم الذي تسيطر عليه الهند من كشمير بدعوة من وزير الداخلية الهندي لآل
كريشنا أدفاني، وقالت صحيفة» ذي تايمز أوف إنديا «الصادرة باللغة الإنجليزية
من نيودلهي:» إن الفريق «الإسرائيلي» يرأسه مسؤول كبير في مكتب رئاسة
الوزراء، ويتشكل من مسؤولين كبار في الشرطة وقيادات في الأمن والاستخبارات
العسكرية الإسرائيلية «، وأشارت الصحيفة إلى أن الفريق الأمني» الإسرائيلي «
يدرس جدوى الاحتياجات الهندية الأمنية في ولاية كشمير التي تواجه تصعيداًَ مسلحاً
من قبل المقاتلين الكشميريين.
[صحيفة السبيل الأردنية، العدد: (٣٥٢) ]
٢ - كشف زعيم حركة» لشكر طيبة «الكشميرية المقاتلة (حافظ سعيد)
أن أتباعه قتلوا ستة من رجال الكوماندوس الإسرائيليين في معارك عنيفة خاضتها
الحركة أخيراً في كشمير الخاضعة للسيادة الهندية.
وأضاف أن مجموعة من الكوماندوس الإسرائيليين وصلت إلى الهند قبل ثلاثة أشهر
تنفيذاً لاتفاق بين البلدين على مقاومة المجاهدين الكشميريين.
وحدد سعيد في لقائه ثلاثة أماكن يوجد فيها الكوماندوس الإسرائيليون وهي:
العاصمة سريناغار، ومدينتا سابور وبدغام. ووصف المهام التي يضطلع بها
الكوماندوس الإسرائيلي بأنها تدريبية وقتالية.
[صحيفة الحياة، العدد: (١٣٧١٣) ]
٣ - قالت مصادر أمنية جنوب إفريقية أن جهاز المخابرات الخارجية
الإسرائيلي (الموساد) عزز وجوده هناك أخيراً، وعين عميلين ميدانيين في مدينة
(كيب تاون) لمراقبة نشاطات الجماعات الأصولية في البلاد. وبهذه الخطوة،
يرتفع عدد العملاء الذين يعملون لصالح» الموساد «في جنوب إفريقيا إلى سبعة،
استقروا جمعيهم في بيوت» آمنة «في الضواحي الغربية لكيب تاون، ويتلقون
الدعم من خبراء مكتب جنوب إفريقيا الجديد في مقر» الموساد «بتل أبيب.
ووجد عملاء» الموساد «في جنوب إفريقيا تعاونهم مع وكالة المخابرات الوطنية
المسؤولة عن الأمن الداخلي ذا قيمة.
[صحيفة الشرق الأوسط، العدد: (٧٩٧٦) ]
في زحمة الأحداث
ذكرت الإذاعة اليوغسلافية من بلجراد أن مبعوثاً ليبياً سلم الرئيس
اليوغسلافي الجديد فويسلاف كوشتونتسا مساعدة مالية قدرها مليون دولار أمريكي
هدية من ليبيا إلى شعب صربيا. وذكرت الإذاعة أن مبعوثاً خاصاً للزعيم الليبي
العقيد معمر القذافي هو أحد كبار المسؤولين في اللجنة الشعبية للعلاقات الدولية
رمضان المانعي التقى الرئيس اليوغسلافي كوشتونتسا وسلمه شيكاً بمبلغ مليون
دولار أمريكي مساعدة إنسانية إلى شعب صربيا. ولم تذكر الإذاعة نوع المساعدة
الإنسانية التي منحتها القيادة الليبية إلى قيادة صربيا الجديدة ولا سببها.
[جريدة الرياض، العدد: (١١٨٠٦) ]
الصيادون للعقول
وافق مجلس الشيوخ الأمريكي على تشريع بزيادة ومضاعفة أعداد تأشيرات
الدخول للعاملين الأجانب المهرة في مجال الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات،
ويقضي القانون بزيادة تأشيرات الدخول المتاحة للعاملين في هذا المجال من ١٠٧
آلاف وخمسمائة تأشيرة سنوياً بموجب القانون الحالي إلى ١٩٥ ألف تأشيرة.
[صحيفة البيان، الإماراتية، العدد: (٧٤١٤) ]
والله لتفتحن روما
١ -» ليست إيطاليا بلاداً مهجورة بلا تاريخ ومن غير تقاليد عريقة، ثمة
أضداد تتنافر ويستحيل الجمع بينها، إما أن تثبت أوروبا هويتها المسيحية، وإما
أنها سائرة إلى الارتماء في حضن الإسلام، لا بد من أن نحصن أنفسنا ضد تعدد
الزيجات، والتمييز ضد المرأة، والتطرف الإسلامي. اضربوا أخماسكم بأسداس
قبل الإقدام على أي قرار أو خطوة في هذا المضمار! «
ليست هذه التصريحات خلافاً لما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى من الدرر التي
يجود بها من حين لآخر زعماء الأحزاب والحركات اليمينية المتطرفة في أوروبا،
من أمثال الفرنسي لوبان أو النمسوي هايدير أو الإيطالي أومبرتو بوسي؛ بل هي
من بنات أفكار أسقف مدينة بولونيا التي تحتضن أقدم جامعة في أوروبا. ومن
اللافت أنها تأتي إبان الاحتفالات الضخمة التي تنظمها الكنيسة الكاثوليكية لمناسبة
مرور ألفي عام على ميلاد السيد المسيح، تحت شعار الانفتاح والتآخي مع الديانات
والمعتقدات الأخرى. قال الكاردينال مضيفاً:» إن لكل دولة أن تسمح بالدخول
إلى أراضيها لمن تشاء، فليأت الأمريكيون اللاتينيون والفيليبينيون وجيراننا من
إريتريا «. التصريحات اللاهبة التي صدرت عن أسقف بولونيا لقيت أيضاً تجاوباً
معها، حتى بين كبار المسؤولين في الفاتيكان، مثل الكاردينال أنجيلو سودانو الذي
يقوم مقام وزير الخارجية، فضلاً عن استقطابها تأييداً واسعاً في أوساط المحافظين
والأحزاب اليمينية؛ فقد رأى سيلفيو برلوسكوني أنها كلمات تستحق الاهتمام
والاحترام، بينما أثنى زعماء الحلف الوطني وعصبة الشمال على شجاعة
الكاردينال، واعتبروا أن الوقت قد أزف لكسر المحرمات وتسمية الأشياء بمسمياتها،
وأن أحداً لن يتجاسر بعد اليوم على القول بأن الهجرة ظاهرة إيجابية، إشارة إلى
التصريحات التي صدرت أخيراً عن مسؤولين كبار، بينهم رئيس الحكومة ورئيس
جمعية الصناعيين، مشددة على حاجة إيطاليا إلى عشرات الآلاف من المهاجرين
سنوياً للحفاظ على وتيرة النمو الاقتصادي وعلى التوازن بين الأعمار في التركيبة
الاجتماعية. حتى الآن لم يصدر عن الفاتيكان أي تصويب أو إدانة للتصريحات
التي صدرت عن أسقف بولونيا. ولكي يضمن الكاردينال بيفي أن تصريحاته
الاستفزازية ستعقد ثمارها، ختمها بالعبارات التالية:» أنا لم أنزعج قط من فكرة
الحروب الصليبية، أعرف أن كلامي سيساء فهمه، ولكن من واجبي أن أفصح عن
شواغلي «.
[صحيفة الحياة، العدد: (١٣٧١٧) ]
٢ - نظمت» رابطة الشمال «الانفصالية في إيطاليا تظاهرات في مدينة
ميلانو احتجاجاً على الوجود الإسلامي في مقاطعة لومبارديا شمال البلاد، شاركت
فيها تنظيمات يمينية متطرفة. وتخللت التظاهرات خطابات حامية دعت إلى وقف
هجرة المسلمين إلى إيطاليا بحجة الدفاع عن» الهوية الثقافية والدينية «التي
يتهددها الاجتياح الإسلامي الذي بدأ يغزو البلاد. وشارك في إلقاء الخطابات عدد
من المسؤولين في الرابطة التي يتزعمها أومبرتو بوسي، وممثلون عن التنظيمات
الفاشية اليمينية، وعلى رأسها» الحركة الاجتماعية الإيطالية « (الفاشية الجديدة)
التي يقودها الفاشي المخضرم بينو رواتي. وتزامنت التظاهرات مع سلسلة
اعتداءات على عدد من المهاجرين العرب والمسلمين شهدتها مدن الشمال، ونفذ هذه
الاعتداءات شبان يعرفون بـ» أصحاب القمصان الخضر «تابعون للرابطة،
ووزع هؤلاء بيانات تندد بالوجود الإسلامي وتدعو إلى حملة صليبية جديدة للدفاع
عن التقاليد المسيحية الكاثوليكية. ولاقت التظاهرات والاعتداءات العرقية التي قام
بها أعضاء التنظيمات العنصرية تأييداً واسعاً في أوساط المحافظين والتحالف
اليميني الذي يقوده رئيس الوزراء السابق سيلفيو بيرلوسكوني. وفي هذا الإطار
صعدت التنظيمات اليمينية والانفصالية مساعيها للحؤول دون إكمال مشروع بناء
مسجد جديد في مدينة لودي القريبة من ميلانو رغم أن السلطات البلدية المحلية
وافقت على المشروع. وجاءت الحملة الجديدة بعد التصريحات التي أطلقها أسقف
مدينة بولونيا الكاردينال جياكيمو بيفي.
[صحيفة الحياة، العدد: (١٣٧٢٥) ]
стр. 3721
بأقلامهن
الإسرائيليات في التفسير
أمل القصيمي
علم تفسير القرآن من العلوم المهمة التي يجب على الأمة تعلمها، وهو من
أشرف العلوم الشرعية وأجلّها؛ فالشيء إنما يشرف بشرف موضوعه. وموضوع
علم التفسير كلام الله وهو أشرف الكلام وأصدقه، وهو أصل الدين ومنبع الصراط
المستقيم، وينبوع كل حكمة، وقد أوجب الله سبحانه على الأمة حفظ القرآن، كما
أوجب عليهم فهمه وتدبّر معانيه، قال تعالى: [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ
عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً] (النساء: ٨٢) ، وقال سبحانه
[كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] (ص: ٢٩) ،
وقال جل من قائل: [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] (محمد: ٢٤) .
والتفسير المعتد به عند جمهور العلماء سلفاً وخلفاً ينقسم إلى قسمين:
الأول: التفسير بالمأثور:
ويعتمد على القرآن وصحيح السنة، والمنقول عن الصحابة رضوان الله
عليهم والمنقول عن التابعين.
الثاني: التفسير بالرأي والاجتهاد: وينقسم إلى قسمين:
١ - التفسير المذموم المردود: وهو التفسير من غير تأهُّل له بالعلوم التي لا
بد للمفسر منها، أو التفسير بالهوى والاستحسان، أو التفسير المؤيد لمذهب فاسد أو
رأي باطل، وهذا اللون من التفسير كثيراً ما يشتمل على المرويات الواهية
والباطلة.
٢ - التفسير الممدوح المقبول: وهو التفسير المبني على المعرفة الكافية
بالعلوم اللغوية والشرعية والأصولية وعلم السنن والحديث، ولا يعارض نقلاً
صحيحاً ولا عقلاً سليماً، مع مراقبة الله غاية المراقبة في كل ما يقول.
ومدار حديثنا عن النوع الأول وما يتصل به وهو التفسير بالمأثور؛ فكما
علمنا أن التفسير بالمأثور يشمل التفسير بالقرآن والسنة بما صح عن النبي صلى
الله عليه وسلم؛ وليس لأحد أن يرفضه أو يتوقف بعد ثبوته، ثم تفاسير الصحابة،
ثم التابعين وهي أكثر من أن تُحصى؛ ففيها الصحيح والحسن والضعيف
والموضوع والإسرائيليات؛ فما هي الإسرائيليات؟
الإسرائيليات: «جمع إسرائيلية، نسبة إلى بني إسرائيل، وإسرائيل هو
يعقوب ﵇ وبنو إسرائيل: هم أبناء يعقوب ومن تناسلوا منهم فيما
بعد» [١] . ولفظ الإسرائيليات وإن كان يدل بظاهره على اللون اليهودي للتفسير،
وما كان للثقافة اليهودية من أثر ظاهر فيه، إلا أن المراد بهذا اللفظ عموم
اللون اليهودي واللون النصراني للتفسير وما تأثر به التفسير من الثقافتين اليهودية والنصرانية، ويُطلق لفظ الإسرائيليات من باب التغليب للجانب
اليهودي على الجانب النصراني؛ فإن الجانب اليهودي هو الذي اشتهر أمره فكثر
النقل عنه؛ وذلك لكثرة أهله، وظهور أمرهم، وشدة بالمسلمين [٢] [*] .
أقسام الإسرائيليات:
تنقسم الأخبار الإسرائيلية إلى ثلاثة أقسام.. وهي:
القسم الأول: قسم علمنا صحته لموافقته القرآن وصحيح السنة: وفيه ورد
قول الرسول ﷺ : «بلغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني
إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» [٣] . وهذا
القسم صحيح، وفيما عندنا ما يغنينا عنه، ولكن يجوز ذكره وروايته للاستشهاد به
ولإقامة الحجة عليهم من كتبهم؛ وذلك مثل ما ذُكر في صاحب موسى ﵇
وأنه الخضر كما ورد في الحديث الصحيح.
القسم الثاني: قسم علمنا كذبه؛ لأنه يعارض القرآن وصحيح السنة، وعندنا
ما يخالفه، وهذا القسم لا يصح قبوله ولا روايته؛ ومثل ذلك: ما ذكروه في
قصص الأنبياء من أخبار تطعن في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كبعض
أخبارهم في قصة يوسف، وداود، وسليمان، وكقصة الغرانيق.
القسم الثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا ولا ذاك.
فلا نؤمن به ولا نكذّبه؛ لاحتمال أن يكون حقاً فنكذّبه أو باطلاً فنصدّقه،
ويجوز حكايته لحديث النبي ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا
تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أُنزل إلينا وما أُنزل إليكم» [٤] ، وغالب هذا القسم
مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني؛ ومن هذا: أسماء أصحاب الكهف، ولون
كلبهم، وعددهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت، ونوع البضع الذي ضرب
به قتيل بني إسرائيل، إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن مما لا فائدة في
تعيينه تعود على المكلفين في دينهم ولا دنياهم [٥] .
والحق أن رواية الإسرائيلية شيء وإيرادها في التفسير شيء آخر؛ فإيرادها
في صدد تفسير آية تصديق لها وأي تصديق، ورسول الله ﷺ
يقول: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم» [٦] [٧] .
قال ابن الملك في (مبارق الأزهار) : «إنما نهى رسول الله صلى الله عليه
وسلم عن تصديقهم وتكذيبهم؛ لأنهم حرّفوا كتابهم، وما قالوه إن كان من جملة ما
غيروه فتصديقهم يكون تصديقاً بالباطل، وإن لم يكن كذلك يكون تكذيبهم تكذيباً لما
هو حق» .
مبدأ دخول الإسرائيليات في التفسير:
بدأ تعرّف المسلمين على هذه القصص في عصر الصحابة رضوان الله عليهم
حيث كان هناك عدد من التابعين كانوا من أهل الكتاب قبل دخولهم الإسلام ومن
العلماء بدينهم، فلما أسلموا كانوا كثيراً ما يُسألون عما ورد في كتبهم اليهودية
والنصرانية مما يتصل ببعض قصص القرآن [٨] ، فكان الصحابي إذا مر على قصة
من قصص القرآن يجد نفسه ميالاً إلى السؤال عن بعض ما طواه القرآن منها ولم
يتعرّض له، فلا يجد من يجيبه على سؤاله سوى هؤلاء النفر الذين دخلوا في
الإسلام، وحملوا إلى أهله ما معهم من ثقافة دينية، فألقوا إليهم ما ألقوا من الأخبار
والقصص الديني.
غير أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يسألوا أهل الكتاب عن كل شيء، ولم
يقبلوا منهم أي شيء، بل كانوا يسألون عن أشياء لا تعدو أن تكون توضيحاً للقصة
وبياناً لما أجمله القرآن منها مع توقفهم فيما يُلقى إليهم؛ فلا يحكمون عليه بصدق أو
بكذب ما دام يحتمل الأمرين امتثالاً للحديث آنف الذكر. كما أنهم لم يسألوهم عن
شيء مما يتعلق بالعقيدة أو يتصل بالأحكام اللهم إلا إذا كان على جهة الاستشهاد
والتقوية لما جاء به القرآن، كما لم يسألوهم عن الأشياء التي يشبه أن يكون السؤال
عنها نوعاً من العبث واللهو كالسؤال عن لون كلب أهل الكهف، والبعض الذي
ضُرب به القتيل من البقرة.
أمّا التابعون فقد توسعوا في الأخذ عن أهل الكتاب، فكثرت على عهدهم
الروايات الإسرائيلية في التفسير، ويرجع ذلك لكثرة من دخل من أهل الكتاب في
الإسلام، فظهرت في هذا العهد جماعة من المفسرين أرادوا أن يسدّوا هذه الثغرات
القائمة في التفسير بما هو موجود عند اليهود والنصارى، فحشوا التفسير بكثير من
القصص المتناقضة، ومن هؤلاء مقاتل بن سليمان المتوفى سنة (١٥٠هـ) ، ثم
جاء بعد عصر التابعين من عظم شغفه بالإسرائيليات وأفرط في الأخذ منها إلى
درجة جعلتهم لا يردُّون قولاً.. واستمر هذا الشغف بالإسرائيليات والولع بنقل هذه
الأخبار التي أصبح الكثير منها نوعاً من الخرافة إلى أن جاء دور التدوين للتفسير،
فوجد من المفسرين من حشوا كتبهم بهذا القصص الإسرائيلي [٩] .
سبب الاستكثار من الإسرائيليات:
لعل من المناسب إيراد مقالة ابن خلدون في مقدمته عن أسباب الاستكثار من
المرويات الإسرائيلية؛ فإنه خير من كتب في هذا الموضوع.
قال ﵀: «وقد جمع المتقدمون في ذلك يعني التفسير النقلي وأوعوا،
إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين، والمقبول والمردود؛ والسبب
في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية،
وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات،
وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنها أهل الكتاب قبلهم،
ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل
التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة
من أهل الكتاب، ومعظمهم من (حِمْيَر) ، الذين أخذوا بدين اليهودية، فلمّا أسلموا
بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلّق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها، مثل
أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم، وأمثال ذلك، وهؤلاء مثل:
» كعب الأحبار، ووهب ابن منبه، وعبد الله بن سلام «فامتلأت التفاسير من
المنقولات عنهم، وفي أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم، وليست مما
يرجع إلى الأحكام فيتحرى فيها الصحة التي يجب بها العمل، وتساهل المفسرون
في مثل ذلك، وملؤوا الكتب بهذه المنقولات، وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة
الذين يسكنون البادية ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك، إلا أنهم بَعُدَ
صيتهم، وعظمت أقدارهم، لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة، فتُلقيت
بالقبول من يومئذ» [١٠] .
ومن أسباب الإكثار من المرويات الإسرائيلية بالإضافة إلى ما ذُكر كثرة حذف
الأسانيد، وغلبة الدخيل في أواخر القرن الثالث الهجري وما بعده، حيث ألف في
التفسير خلق كثير، فاختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال من غير عزوها إلى قائلها؛
فمن ثم دخل الدخيل أكثر من ذي قبل، والتبس الصحيح بالعليل، وصار كل من
يسنح له قول يورده، ومن يخطر بباله شيء يعتمده، ثم ينقل ذلك من يجيء بعده
ظاناً أن له أصلاً غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح ومن يُرجع
إليهم في التفسير [١١] .
هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على رسوله
الأمين.
стр. 3722
قضايا ثقافية
مقاربة الحقيقة
د. عبد الكريم بكار
ركز الله جل وعلا في فطرة الإنسان حب التساؤل والتطلع إلى معرفة
المجهول. وتاريخ الإنسانية حافل بالجهود التي يحاول الناس من خلالها الخروج
من العماء و (اللاتكوّن) . والإنسان إذ يحاول التعرف على الوسط الذي يعيش فيه
يسعى إلى فهم ذاته وتيسير حركته واستثمار طاقاته، وهو في سبيل ذلك مطالب
بأن يعرف الكثير الكثير من الحقائق، وذلك لا يتم إلا بامتلاك المنهج والأدوات
الملائمة. إن مما هو مألوف أن نجد بعض الحقائق يبدي طواعية من غير حدود،
حتى إذا حاولت القبض عليه واستيعابه تأبّى على التشكل على نحو ما نجده في
المادة الهلامية. وهذا ما يخدع كثيراً من الناس؛ حيث يكون قبضهم إذا يظنون أنهم
قبضوا على ما يشبه السراب.
ولعلِّي أسلط الضوء على هذه المسألة المهمة من خلال النقاط الآتية:
١ - إدراك الإنسان للمحسوسات والمجسَّمات أسهل بكثير من إدراكه
للمعنويات والعقليات؛ فنحن نكاد لا نبذل جهداً يذكر في التعرف على لون ثوب أو
مساحة غرفة أو وزن هاتف، أما إذا تحدثنا عن شجاعة شخص أو أثر الرخاء في
حياة شعب، أو أثر اليتم في حياة طفل ومستقبله، فإننا سنختلف اختلافاً بيناً في
ذلك؛ حيث يكون التعامل مع عناصر غير ملموسة، وبعضها غامض جداً يصعب
الحدس به.
دعونا نقول: إن (الحقيقة) ليست ذات جوهر واحد، أو ذات طبقة واحدة،
وإنما هي ذات طبقات عدة، بعضها فوق بعض، وكلما صرنا للبحث في طبقة
أعمق احتجنا في إدراكها والتعامل معها إلى أسلوب جديد أو وسيلة جديدة، ووجدنا
أنفسنا على أرض هشة؛ حيث يشتد النقص في وسائل المعرفة، كما يزداد الاعتماد
على عناصر ذات طابع يكاد يكون شخصياً.
حين نرى (قلماً) فإننا نعرف سماته الظاهرة لأول وهلة؛ فإذا أردنا أن
نعرف (ثمنه) وجدنا أنفسنا بحاجة إلى درجة من الخبرة التجارية وأسعار الأقلام
في السوق؛ فإذا تجاوزنا ذلك إلى معرفة المواد التي صُنع منها القلم ومقدار كل منها
والتقنية المستخدمة فيها وجدنا أنفسنا أمام معضلة كبرى، ووجدنا أن الاقتراب من
ذلك يتطلب وجود مختبرات متطورة وتجارب كثيرة وخبرات متخصصة وراقية؛
ومع كل ذلك ففي الغالب تكون النتائج متواضعة، وإلا لأمكن اقتباس أسرار التقنية
المتقدمة بسهولة. ونحن في كل هذا نتعامل مع شيء محسوس، لكننا تجاوزنا ما
يوقفنا عليه النظر العابر إلى طبقات أعمق من الحقيقة.
٢ - في المسائل الصغيرة والمحدودة نستخدم الحواس والأخبار المتواترة
والمستفيضة، ونصل إلى أحكام قطعية أو شبه قطعية، وذلك كحكمنا بأن زيداً من
الناس موجود معنا في هذه الحجرة، وكإيماننا بوجود بلد اسمه (الصين) وشخص
مضى اسمه: حاتم الطائي أو الذهبي. ونحن لا نستخدم في إدراك هذا النوع من
الحقائق والمعارف مقدمات أو عناصر ذهنية؛ ومن هنا حصلنا على معرفة يقينية
أو شبه يقينية.
أما إذا أردنا الاقتراب من قضية أو حقيقة ذات بنية مركبة فإن الأمر سيكون
مختلفاً جداً. وتكون البنية مركبة إذا ساهم في تشكلها عدد من الروافد المتباينة
أوالمتقاربة؛ وذلك كما إذا أردنا الوقوف على ما جرى في معركة من المعارك،
والآثار الرمزية والاجتماعية والاقتصادية التي نتجت عنها. في مثل هذه الحالة
يكون من غير الممكن فهم هذه الحقيقة أو الحقائق المركبة على نحو مباشر؛ ولا بد
من استخدام وسيط معرفي، يسميه بعض الباحثين اليوم بـ (الإشكالية) . هذه
الإشكالية مكونة من عدد من العناصر، أهمها معتقداتنا، بالإضافة إلى الخلفية
الثقافية العامة أو ما كان يسمى بـ (الأهلية) ثم المعلومات المتوفرة حول القضية
موضع البحث. فالطبيب الذي لا يؤمن بوجود (الجن) أو الذي لا يرى (الإصابة
بالعين) سوف يُبعد كل ما يتعلق بهذين الأمرين عند التشخيص والعلاج لكل
المرضى الذين يراجعونه، والذي خبرته في الاقتصاد معدومة يمكن أن يصدِّق من
يقول له: إن ثروته يمكن أن تتضاعف كل سنة مائة مرة إذا هو دفع ماله إليه.
والذي لا يعرف الاحتياطات التي تقوم بها الدول النووية نحو السلاح النووي فإنه
يمكن إذا رأى قنبلة في صحراء أن يصدِّق من يقنعه بأنها قنبلة نووية، وهكذا.
الإنسان وهو يستخدم هذا الوسيط المعرفي في استيعاب الواقع الموضوعي لا ينتهي
في أكثر الأحيان إلا إلى نتائج ظنية؛ وذلك لأن صلابة الرأي نابعة من صلابة
المقدمات التي ولَّدته. وعند النظر في خلفياتنا الثقافية ومعلوماتنا حول القضايا التي
نحاول فهمها نجد أنها كثيراً ما تكون قاصرة وقابلة للجدل والنقد؛ وهذا ما يجعل
تعاملنا مع القضايا المركبة والمعقدة منطوياً على نوع من (الاجتهاد) الذي يحتمل
الخطأ والصواب.
٣ - كثيراً ما نشكو من نقص المعلومات التي تساعدنا على فهم بعض الأمور،
وكثيراً ما نجد أنفسنا بلا حول ولا طول تجاه الوقوف على بعض الدوافع لبعض
التصرفات، أو تجاه تقدير الآثار المترتبة عليه، أو تكوين صورة جيدة عن واقعة
تاريخية معينة، وفي هذه الحالة نلجأ إلى (التفلسف) ، وليس من المبالغة القول:
إنه ما يمر على الواحد منا يوم دون أن يستخدم في كلامه وتأملاته نوعاً من التفلسف
من أجل التغلب على ما نواجهه من نقص في عتادنا المعرفي.
نحن نستخدم (التعليل) في كثير من الأحيان من أجل جعل تصرفاتنا وأقوالنا
تبدو منطقية ومنسجمة، ونستخدم (القياس) لسد الفراغات التي تركها الاستقراء
الناقص، أو حيث يكون الاستقراء التام مستحيلاً، ونستخدم (التقنين) من أجل
تسهيل التعامل مع الأفكار والأشياء والمواد. والسنن الواردة في القرآن الكريم
والسنن النبوية تهدف إلى مساعدتنا على أخذ العبر والوصول إلى مستخلصات
مركزة حول الماضي والمستقبل. حين نمارس (التحليل) فإننا نرمي إلى تفكيك
المعطيات المعقدة بغية النفاذ إلى جوهرها، وإتاحة الفرصة لأدمغتنا كي تتعامل معها
بكفاءة. وحين نتوقع حدوث بعض الأمور، ونهجس بالمستقبل فإننا نقوم بعملية
استكشاف للعلاقات بين الأسباب والمسببات، ونفعل ذلك بغية إيجاد نوع من
الاستمرارية الشعورية والظرفية، وتوفير منطقة عيش آمنة وملائمة لحركتنا.
إن كل هذه الممارسات الذهنية والمعرفية ما هي سوى طرق لترويض
الحقائق، ومناهزة استيعابها. وهي لا تعدو أن تكون ضروباً من (المقاربة) لما
نبتغيه. وهي جميعاً تعمل خارج منطقة اليقين والصواب القطعي. وفي هذه
العمليات التي أشرنا إليها يقع الكثير من المجازفة والتعسف والتجاوز. وتقدُّم الوعي
الإسلامي ولا سيما على الصعيد الشعبي ضعيف جداً في هذا الحقل؛ بل إن كثيراً من
الصفوة من ذوي الثقافة العليا يسلكون مسلك العامة في بعض الأحيان حيال التعامل
مع معطيات التفلسف والنظر العقلي. مع أن من الواضح أن (الفلسفة) لا تمنحنا
الدقة، ولا تساعدنا على التحديد، وإنما تزيد في درجة شفافيتنا، وتساعدنا
على رسم الاتجاهات والتعامل مع المسائل الكلية.
٤ - في البنية العميقة للمعرفة الإسلامية مرونة فكرية كبيرة، نحن اليوم في
أَمسّ الحاجة إلى التشبع بها وتمثلِها في عمليات الاستنباط والاختلاف والتقويم
المختلفة. ومن الملاحظ أن الفكر الحداثي الغربي يقوم اليوم على ركائز غاية في
التطرف؛ فهو شديد التأرجح بين الشك المطلق واليقين المطلق؛ بين العقلانية
المطلقة وبين جحود أي ثابت من الثوابت، وقد تأثر بهذا كثير من الرؤى
الحضارية المعاصرة في بلاد المسلمين.
أما الرؤية الإسلامية في هذا المجال، فإنها تقوم على (الوسطية) المبصرة؛
فهناك اليقين، والظن القوي والظن الضعيف، والشك القوي والشك الضعيف.
والاقتراب من الحقيقة متفاوت، كما أن التورط في الخطأ متنوع، وحين وضع
الأصوليون قواعد تفسير النصوص لاحظوا هذا المعنى بدقة متناهية؛ ولذا ذهبوا
إلى أن النص قد يكون ظني الدلالة، فيقبل آنذاك التأويل والفهم المتعدد.
ولاحظوا على سبيل المثال أن الأمر قد لا يفيد الوجوب، بل قد ينصرف عند
وجود قرينة إلى الإرشاد أو الندب أو الإباحة، كما أن النهي قد يفيد مجرد الكراهة،
وليس الحرمة. العلاقة بين المقدمات والنتائج والأسباب والمسببات في كثير من
الآداب الغربية تميل اليوم إلى (التصلب) حيث يحاول كثيرون هناك إضفاء معنى
التلازم والاطراد على الارتباط القائم بين حدث وآخر.
وقد بات كثيرون لدينا يستخدمون عبارات الجزم والتأكيد فيما تأبى طبيعته
ذلك. وقد كان من أدب علماء المسلمين أن يقولوا عقب بسط آرائهم واستنتاجاتهم:
«والله أعلم» ليشعروا القارئ باحتمالية ما ذهبوا إليه وعدم استحواذه على اليقين.
وكان من لطيف ما قرروه قولهم: «مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيرنا
خطأ يحتمل الصواب» ولو أنهم قالوا: «مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب
غيرنا صواب يحتمل الخطأ» لما أبعدوا النجعة؛ حيث يرى بعض الأصوليين أن
كل مجتهد مصيب. ومن أدب المسلم وصفاء اعتقاده أن يقول إذا تحدث عن شيء
مستقبلي: «إن شاء الله» و «بإذن الله» ليذكّر السامعين أن الأمر كله لله،
وليشعرهم بوجود علاقة لينة بين ما نراه أسباباً، وما نراه مسببات. إن كل ما
نصل إليه من مقولات وطروحات يظل أغلبياً يحتمل الكثير من الشذوذ، كما يحتمل
الوهم والغلط؛ وما ذلك إلا لأن إمكانات التجريب في عالم الفكر والشأن الإنساني
عامة محدودة ومعقدة؛ مما يجعل كل براهيننا على ما نقوله ذات وزن نسبي
ومدلولات ترجيحية، ليس أكثر. وإن من أهم سمات الرجل العقلاني أنه لا
يستمسك بآراء وأفكار ليس لديه ما يكفي من البراهين عليها.
стр. 3723
في دائرة الضوء
لماذا تحارب الشريعة الإسلامية ؟
د. محمد يحيى
تواترت في السنوات الأخيرة الهجمات من مصادر متنوعة وبأساليب وحجج
عديدة على الشريعة الإسلامية؛ بحيث أصبح لا يمر يوم دون أن نقرأ في بلد عربي
أو آخر مقالة أو نسمع حديثاً أو نشاهد إعلاناً عن كتاب يهاجم أو ينتقد الشريعة أو
يطالب بتعديلٍ أو محوٍ أو إلغاء فيها. وليست هذه مبالغة. والمسوِّغات التي تقدم
عديدة.
البعض يقول إن الشريعة الإسلامية أو بعض أحكامها كانت السبب وراء ما
يسمى كذباً بالتطرف أو الإرهاب الإسلامي أو الأصولية أو السلفية أو ما شابه ذلك
من أسماء. وهؤلاء يبنون على هذه المقدمة الفاسدة نتيجة أكثر فساداً، وهي
ضرورة تعديل وتغيير وإلغاء هذه الأحكام المزعوم أنها تروِّج للتطرف والإرهاب،
وهي أحكام لا يحددها إلا هؤلاء، ويدرجون تحتها عادة كل ما لا يروق لتوجههم
العلماني.
والبعض يهاجم الشريعة من منطلقات علمانية صريحة معلنة، لكن هؤلاء قلة
ولا توجد مشكلة معهم؛ لأنهم يعلنون جهراً وبلا خداع مفارقتهم للصف الإسلامي،
لكن الغالبية من ذلك التيار تتستر وراء شعارات براقة وجذابة؛ وذات أصل في
الوسط الفكري والشرعي الإسلامي كي تتوسل بها لتحقيق أغراضها.
وهكذا أصبح مألوفاً في السنوات الأخيرة أن نسمع ونرى طوفاناً من الدعوات
حول ضرورة الاجتهاد في الشريعة لمواكبة العصر ومتغيراته، وضرورة التحديث
والمعاصرة. ويتبحر البعض في هذه الدعاوى ليواجهنا طوفان آخر حول تطوير
الشريعة وتعديلها تحقيقاً لمقاصدها، وحول تغليب الأصول العامة على الفرعية،
والأحكام الشاملة على الجزئية، وحول إنزال الشرع على الواقع (وليس تغيير
الواقع بالشرع!) ، وحول فهم الشريعة وتفسيرها انطلاقاً من العصر، وليس من
فهم أهل العصور الغابرة وتفسيرهم، وحول الاستنارة والعقلانية (المبهمة التعريف)
في التعامل مع أحكام الشريعة.
ومؤخراً أخذنا نسمع عن الطابع «المدني» وحتى «العلماني»
و «الوضعي» للشريعة، وأنها لا تفترق عن أي نظام قانوني وضعي من حيث
أنها تترك أوسع المساحات للمشرعين كي ينطلقوا فيها لوضع ما يشاؤون من
تقنينات غير مستدلين إلا بأحكام العقل العام والمصلحة العامة كما تتحدد في كل عصر
أو في كل مكان، أو وفق كل ظروف اجتماعية وثقافية على حدة.
وكل من هذه الدعاوى يحتاج إلى المساحة الواسعة لتفنيده وتوضيح أبعاده،
لكن ما يجمع ويوحد بينها هو «مسكوت عنه» (حسب التعبيرات العلمانية
المنتشرة) عامٌّ يتعلق بالهدف الأشمل والسياق الأوسع لها. إن القضية ببساطة
والتي قلَّ أن ينتبه إليها أحد (على الأقل خشية التعرض للاتهام بأنه مؤمن
«بنظرية المؤامرة» ، وهي تهمة أصبحت تحمل معنى الجهل أو الغباء أو
الاستسهال الفكري) هي أن اليهود (وسمِّهم ما شئت باليهودية العالمية، أو
الصهيونية الدولية، أو المحافل والمنظمات السرية والعلنية التي تلف لفَّهم) لا
يريدون أن توجد في العالم أي شريعة أو نظام قانوني يمكن أن يزعم أنه إلهي
الوضع سوى شريعتهم.
هذه هي الحقيقة بلا مراء ولا لف أو دوران، وبكل تجرد.
إن أهم ما يقيم عليه اليهود شتى مزاعمهم بدءاً من أنهم شعب الله المختار،
إلى أحقيتهم بأرض فلسطين، إلى تميزهم عن سائر العالمين هو أنهم أصحاب شرع
أو قانون أنزله الله عليهم مكتوباً في الألواح من السماء مباشرة، وقام أحبارهم
بتفسيره ووضع أركانه وتفصيله.
إنهم يدَّعون تميزهم عن المسيحية بحجة عدم وجود شريعة فيها؛ بل إن
حركات «الإصلاح الديني» في المسيحية (الغربية بالذات) التي توالت منذ
القرن السادس عشر وحتى الآن، وكان في القرون الأخيرة للتيارات العلمانية
والماسونية التي يحركها اليهود الدور الأساس والفاعل فيها أسهمت إلى حد حاسم
وكبير في الإطاحة بما تبقى في المسيحية من بعض الرسوم والأحكام المحدودة جداً،
والتي كان يمكن وصفها بالشريعة.
ومن هنا لا يعود أمام اليهود من منافس في زعم الوضع الإلهي للشريعة سوى
الإسلام، ولهذا فليس من الغريب أن تتكاتف في الفترة الأخيرة ومع الهجمة العاتية
على الإسلام من جانب الغرب والصهيونية دعوات هدم الشريعة وتعطيلها، وبث
البلبلة والشكوك حولها. وليس من الغريب كذلك بل من الطبيعي والمنطقي أن تتخذ
هذه العملية أساليب الخداع والمواربة والتمويه أدوات أساسية لها، وأن تجتذب
الكثير من العملاء إلى الجهلة المخدوعين.
ليس هناك أفضل لهدم الشريعة من استخدام مصطلحات لها أصل في الشريعة
(الاجتهاد، المقاصد الشرعية، الأولويات الشرعية، الأصول والفروع، الأصل
في الأشياء الإباحة، إلخ) ثم تفريغ هذه المصطلحات من معانيها ومضامينها،
وفصلها عن سياقها وضوابطها الأصولية (شريطة أن يحدث ذلك في هدوء! وبلا
تعرض للنقد) ثم تحويلها إلى مجرد مصطلحات فكرية عامة مجردة، وأخيراً إعادة
ملئها بمضامين ومفاهيم علمانية متغربة وضعية، وإطلاقها وسط الفكر الإسلامي
لتعمل عملها في الهدم والزعزعة وهي تلبس الرداء الإسلامي القديم، وتحتفظ
بأصداء معانيها في الفقه الإسلامي بينما هي في الباطن وحسب استخدام مستعمليها
وفهمهم علمانية الجوهر.
ومع اطِّراد هذه العملية تتحول الشريعة الإسلامية (وربما بدون أن يشعر أحد)
إلى كَمٍّ من الأحكام المقلقلة والمشكوك فيها؛ بحيث يسهل التخلص منها، كما
يترسخ الفهم لها باعتبارها نظاماً وضعياً (أو «مدنياً» كما يسمونه على سبيل
التخفيف!) يتبدل ويتغير ويتكيف ويتمشى مع شتى الأنظمة ولا سيما العلمانية
الغربية بقيمها. ولن يعود من الممكن الرجوع إلى الشريعة الأصلية؛ لأن موجة
التحطيم والهدم (وكذلك تحت المسميات الجذابة نفسها) تكون قد امتدت إلى كبار
الفقهاء (هم رجال ونحن رجال!) وإلى الأصول الشرعية (الدعوة إلى أنواع من
«الفقه الجديد» ) ، وهذا هو المخطط أو الهدف اليهودي لهدم الشريعة الإسلامية
حتى لا يتبقى في العالم نظام يستطيع الزعم بأنه إلهي الوضع سوى شريعتهم التي
هي في حقيقتها أشد الأنظمة وأكثرها وضعاً وتحريفاً في التاريخ.
إن هذا التصور قد يبدو مغالياً في التخوف ومصادراً لحركة التفكير والاجتهاد
الفقهي الطبيعي التي يجب أن تحدث باستمرار لتجديد الفقه، ولكن الواقع المعاش
يدل على خطورة ما يحدث عندما نجد على سبيل المثال أن ممارسة «الاجتهاد»
أصبحت تسير في اتجاه واحد فقط هو لَيُّ عنق الشريعة الإسلامية لتصبح متمشية
مع المذاهب الوضعية العلمانية كما يتجلى في العديد من قوانين الأحوال الشخصية
التي وضعت مؤخراً (أو ما تزال تنتظر) في بعض البلدان العربية، وعندما نجد
أن غالبية الدعاة والممارسين الجدد لما يسمونه بالاجتهاد هم من العلمانيين الأقحاح
على امتداد الساحة العربية ممن لم يعرف عنهم اشتغال بالفقه الإسلامي فضلاً على
أن يحملوا هَمَّ هذا الدين.
إن القضية تتطلب وعياً ومتابعة بحقيقة ما يجري بتجاوز الظواهر ليصل إلى
الدوافع والمضامين الكامنة وراءها. ولا أشك في أن دراسة عملية علمنة الشريعة
وهز ثوابتها وخلخلة مفاهيمها ستكشف عن أن الهدف الصهيوني في الإبقاء على
شريعة واحدة فقط في العالم يزعم لها الأصل الإلهي هو الهدف الأصيل والدافع
الأول وراء هذه التحركات والدعوات.
стр. 3724
في دائرة الضوء
نظرات في العمل التطوعي
نوري بشير مبارك
العمل الخيري في بلاد الغرب يقدم الكثير والكثير لأداء هذا الدور الإنساني
في خدمة قطاعات المجتمعات الغربية؛ بينما العمل الخيري في كثير من البلدان
الإسلامية يعاني العجز والضمور؛ مع أن دوافع فعل الخير في أمتنا وديننا يفترض
أن تكون أكبر بكثير مما هو في العالم الغربي؛ لأننا حينما نفعل الخير ننتظر
الجزاء الأخروي من الله، ولكن العجب أن عملهم الخيري أكثر فاعلية منا وهذا هو
الدليل.
- البيان -
لقد بلغ إجمالي المساهمات التطوعية (نقدية وعينية) في الولايات المتحدة
الأمريكية في عام ١٩٩٧م (١٤٣. ٤٦) بليون دولار موزعة حسب مصادر
التمويل الآتي:
إن المطلع على هذه الأرقام العالية إما أنه لن يصدقها أو أنه سيتشكك فيها
على اعتبار أن واقع العمل التطوعي في البلاد الإسلامية يعاني الكثير، ولا يعتقد
المرء أنه سيصل إلى مصاف التجارب الغربية أو إنجازاتها على وجه الخصوص،
علماً بأن العالم الإسلامي يمتلك المقومات والإمكانيات التي تؤهله بأن يتخطى ما تم
ذكره. وأعني بذلك الموروث الإسلامي الحضاري الذي يقدم النماذج الكفيلة
بالنهوض بالبشرية جمعاء، والارتقاء بها لتحقيق الرفاهية والتنمية لبني البشر.
إن الأسباب المؤدية إلى هذه المساهمات أصبحت من البدهيات المعروفة ألا
وهو قانون الإعفاء الضريبي. ولكننا لسنا بصدد تحليل الأسباب والمسببات، ولكن
ما يعنينا في هذا الصدد هو الآتي:
على الجانب الحكومي والرسمي هناك أداة قد غفل عنها صناع القرار يمكن
أن تسهم بشكل فاعل في عمليات التنمية، هذه الأداة هي العمل التطوعي؛ وذلك إن
تم توظيفه بشكل عملي بعيد عن نظرة الشك والريبة التي يثيرها بعضهم خصوصاً
على الجانب الأمني للبلاد؛ فبنظرة إلى واقع المركز المالي لكثير من الدول النامية
وعلى الأخص الغنية منها (فما بال الفقيرة إذن) نجد أن هذه الدول تعاني من
تضخم في جانب المصروفات العسكرية والتسلح، هذا على حساب الجوانب
الأخرى وعلى الأخص الجوانب التنموية الاجتماعية؛ فنجد أن هناك تقليصاً في
بنود ميزانية الدولة للصرف على أنظمة التسلح، وهو ما انعكس على الجانب
التعليمي والاجتماعي على حد سواء، وأحدث تقهقراً في مستوى الفرد أدى إلى
هبوط في المستوى الاجتماعي للمجتمع كله، وهذا بطبيعة الحال زاد من فرص
بروز الأمراض الاجتماعية مثل ارتفاع في معدلات الفقر والجريمة والفساد
الأخلاقي ... إلخ.
وعلى الجانب الاقتصادي والتجاري حتى الشركات والمؤسسات التجارية لم
تستوعب الجوانب التجارية التسويقية لهذا العمل وأثره الفاعل في زيادة الربحية.
المثال الآتي قد يقرب الفكرة قليلاً: قامت شركة (IBM) للكمبيوتر بالتبرع لإحدى
المناطق التعليمية في الولايات المتحدة الأمريكية بتجهيز جميع المدارس فيها بأجهزة
الكمبيوتر الشخصية، وهذا قد ضمن للشركة عقود الصيانة وخلو الساحة من
المنافسة مع الشركات الأخرى إلى جانب السمعة والمكانة الاجتماعية في نفوس
الطلبة والأهالي والمسؤولين في تلك المقاطعة، كما حقق نوعاً من الولاء لدى كل
هذه الأطراف انعكس على نسبة في المبيعات في تلك المنطقة. إن القطاع التجاري
في معظم عالمنا الإسلامي غائب عن هذه المعاني الاجتماعية ذات الأبعاد التجارية.
أما على الجانب الاجتماعي فالحديث يطول؛ فالمؤسسات التطوعية هي
الرائدة في هذا المجال، والأمثلة كثيرة ومتعددة؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر
أطباء بلا حدود، نقابات العمال والطلبة والمحامين والأطباء إلخ، ولا يخفى على
أحد هذه الأيام دور كل هذه المؤسسات وأثرها في تغيير كثير من المواقف. إن
المتتبع للشأن الاجتماعي في كثير من الدول يجد أن المؤسسات التطوعية هي ذات
السبق في التصدي لكثير من الأمراض الاجتماعية التي باتت تؤرق الدول
والحكومات. فخذ على سبيل المثال مشكلة المخدرات وسبل علاجها، الشباب
والفراغ، الفساد الأخلاقي، محاربة بعض العادات والتقاليد القديمة السيئة، القضايا
الأسرية، الديمقراطية، حقوق الإنسان، البيئة، السلام، والكثير الكثير من
الشؤون الإنسانية الأخرى التي لا تعد ولا تحصى.
إن مؤسسات العمل التطوعي يمكن أن تلعب دور الشريك الفاعل للحكومات
في مجال التنمية الاجتماعية، وإن خاصية التحرك السريع وسرعة اتخاذ القرار
والبعد عن الروتين والبيروقراطية لَتُعَدُّ من أهم الخصائص التي تميز هذا القطاع
وتجعله المرشح الأول للقيام بالدور التنموي المطلوب، ولكن مع الأسف الشديد فإن
هذا الجانب قد تم إغفاله بشكل كبير في منظومة العالم الإسلامي لأسباب منها
المعقول، والكثير منها عبارة عن شكوك وهواجس يثيرها من لا يتفق مع توجه هذه
المؤسسات، أو لأسباب منها بعض الضغوط الدولية مثل دعم الإرهاب والتطرف.
إن الفائدة التي ستجنيها الحكومات من جراء مشاركة المنظمات التطوعية في
المجال الاجتماعي سيتيح المجال لتلك الحكومات بأن يتم تركيزها على الجوانب
المهمة الأخرى مثل أمن البلاد الداخلي والخارجي والنمو الاقتصادي والتجاري.
وما أود التركيز عليه هو أن مشاركة المواطن في مجال التنمية الاجتماعية
وذلك من خلال منظمات القطاع التطوعي أصبحت من الضروريات التي يفرضها
الواقع؛ فالدولة منفردة لا تستطيع القيام بهذه الأعباء، ولهذا فإن المشاركة
المجتمعية باتت من المسلَّمات التي تفرضها معطيات النظام العالمي الجديد الذي
ألغى مفهوم الدولة ذات الهيمنة على كل المجالات التي يجب أن تقوم بكل الواجبات.
стр. 3725
مصطلحات ومفاهيم
الجهاد
د. عثمان جمعة ضميرية
إن كلمة «الجهاد» مصطلح إسلامي، أو حقيقة شرعية ذات معنىً محدّدٍ،
يستعملها الفقهاء وسائر علماء الإسلام، كما يستعملون غيرها من الكلمات التي
تؤدي معناها أو جزءاً منه، كالقتال والحرب والغزو ... وقد واجهت فريضة الجهاد
كثيراً من الشبهات والتشويه، كما عملت دوائر كثيرة داخلية وخارجية على
إضعافها في نفوس المسلمين أو حصرها في مجال ضيِّق، ولهذا كان من الضرورة
أن نعود بالأمر إلى نصابه، وأن نزيح ما علق بهذا المصطلح من شوائب، وأن
نتعرف عليه في مصادرنا الإسلامية الأصيلة، دون أن يكون عجزنا أو ضعفنا
مسوّغاً لتحريف الكَلمِ عن مواضعه، وبالله التوفيق.
- ١ -
أصل اشتقاق هذا المصطلح هو حروف: الجيم والهاء والدال. (والجَهْد) :
أصله المشقة. ثم يحمل عليه ما يقاربه من المعاني. وقيل: هو المبالغة والغاية.
(والجُهْد) : الوسع والطاقة. وجَهَده: حمّله فوق طاقته. وقيل: هما لغتان في
الوسع والطاقة. فأما في المشقة فيقال: الجَهْد بالفتح لا غير. وقيل بالضمّ والفتح
في كلٍّ منهما، والجهاد والمجاهدة مصدران لقولك: جاهدت العدوَّ، إذا قابلتَه في
تحمُّل الجَهْد، أو بذل كلّ واحدٍ منكما جُهْده. ثم غلب استعماله في الشرع على قتال
الكفار خاصة. بينما هو في اللغة أعمُّ من هذا المعنى الفقهي [١] .
- ٢ -
وجاءت كلمة «الجهاد» في القرآن الكريم والسنة النبوية بمعانٍ أربعة:
أ - الجهاد بالنفس: وهو جهاد الكفار، بالخروج للقتال ومباشرته بالنفس،
والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة تعزّ على الحصر.
ب - الجهاد بالكلمة أو القول: ويشمل مجاهدة الكفار والمنافقين بالحجة
والبرهان والبيان، كما في قوله تعالى: [وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً]
(الفرقان: ٥٢) أي: جاهدهم بهذا القرآن.
ج - الجهاد بالعمل: ببذل الجهد في عمل الخير ليكون نفعه عائداً على
صاحبه بالاستقامة، كما في قوله تعالى: [وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا]
(العنكبوت: ٦٩) .
د - الجهاد بالمال: ويكون بإنفاق المال في السلاح والإعداد، وبإنفاقه على
غيره ممن يجاهد، قال تعالى: [وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ]
(التوبة: ٤١) .
وقد جمع النبي ﷺ أنواع الجهاد في سياق واحد فقال:
«جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» [٢] . وفسَّر الجهاد لمن سأله عنه
فقال: «أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم» [٣] .
- ٣ -
كما أن النصوص الشرعية دلَّت أيضاً على مستويات الجهاد أو مراتبه، وهي:
مجاهدة النفس، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة العدو الظاهر. وتدخل ثلاثتها في
قوله تعالى: [وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ] (الحج: ٧٨) ، وفي الحديث:
«المجاهد من جاهد نفسه في الله» [٤] . وقال تعالى: [إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ
فَاتَّخِذُوهُ عَدُواًّ] (فاطر: ٦) ، وقال: [لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ
أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ....] (النساء: ٩٥) .
- ٤ -
وفي اصطلاح الفقهاء: عرّفه بعضهم بأنه: «بذل الوسع في القتال في سبيل
الله مباشرة أو مُعاونةً بمالٍ أو رأي، أو تكثير سوادٍ أو غير ذلك» . أو هو:
«بذل الجهد في قتال الكفار» ، وعرّفه بعضهم بأنه: «الدعاءُ إلى الدين الحقِّ،
والقتالُ مع مَنْ امتنع ولم يقبلْه إما بالنفس أو بالمال» . وهي مع غيرها من
التعريفات متلاقية من حيث المعنى والنتيجة.
وقد نصَّ الفقهاء في غالبية كتبهم على أن الجهاد يطلق أيضاً كما جاء في
المعنى الشرعي بالقرآن والسنة على مجاهدة النفس والشيطان والفُسَّاق والمنافقين؛
ولكنه عند الإطلاق ينصرف إلى قتال الكفار لإعلاء كلمة الله. ولهذا قال العلاَّمة
ابن رشدٍ الجدُّ: «كلُّ من أتعب نفسه في ذات الله فقد جاهد في سبيله؛ إلا أن
الجهاد في سبيل الله إذا أُطلق فلا يقع بإطلاقه إلا على مجاهدة الكفار بالسيف حتى
يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون» [٥] .
ويحسن التأكيد مرة أخرى: أن هذا اللفظ لفظ إسلاميٌّ لم يعرف أنه ورد في
أيِّ نصٍّ جاهلي، لا بمعنى الحرب والقتال ولا بغيرهما. وهو لا يضاف إلى أي
لفظ آخر في الاستعمال الاصطلاحي؛ فليس هناك جهاد مقدس، وإنما هو الجهاد،
فضلاً عن أن يكون هناك جهاد غير مقدَّس. فالجهاد لفظ ديني خالص لا يستعمل إلا
إذا كانت الشروط الواردة في الشريعة قد استوفيت حتى تكون الحرب مشروعة؛
فعندئذ تكون جهاداً. كذلك لا يقال: جهاد مشروع؛ لأنه ليس عندنا جهاد غير
مشروع [٦] .
- ٥ -
ومما يتصل بالجهاد من مصطلحات: القتال، والحرب، والرباط، والغزو،
أما القتل فهو في الأصل إزالة الروح عن الجسد كالموت، وقد جاءت هذه الكلمة
في القرآن الكريم بمعانٍ متعددة بعضها يعني العمليات القتالية أو الحربية، ولكن في
بضع آيات فقط، ولم تأخذ صفة المصطلح العام المشتهر.
وأما الحرب فهي تعني المقاتلة والمنازلة والتباعد والبغضاء. وقد جاءت في
القرآن الكريم في ستة مواضع بمعنى الكفر، وبمعنى القتال. والرباط: جاءت في
القرآن والسنة بمعنى ملازمة الثغور والإقامة على جهاد العدو بالحرب. والغزو
أيضاً: جاءت في الحديث بمعنى قصد العدو للقتال.
وعند الموازنة بين هذه المصطلحات نجد أن الإسلام قد أعلى من مكانة الجهاد
حتى في استعماله مصطلحاً شائعاً دون غيره، ولعل ذلك بسبب ما تثيره تلك
الكلمات في النفوس وما يشوبها أحياناً من إسقاطات بخلاف كلمة الجهاد [٧] .
- ٦ -
وإذا كان الجهاد بمعناه العام الذي يشمل كلّ جهد لمجاهدة النفس والشيطان
مشروعاً منذ المرحلة المكية؛ فإن الجهاد بمعنى قتال الأعداء حتى يسلموا أو يعطوا
الجزية إنما جاء تشريعه متدرجاً تحقيقاً للحكمة الربانية في مواجهة الواقع الذي
عاصره النبي ﷺ وأصحابه بأحكام مرحلية، تواجَه كلُّ مرحلة بما
تتطلبها وبما يتفق مع قدرة المسلمين وعلاقتهم بالأعداء؛ فقد نزل الأمر بالجهاد
مرتباً متدرجاً وفق خطوات الإعداد التربوي لهذه الأمة التي حمَّلها الله تعالى
مسؤولية إبلاغ هذا الدين للعالمين. فقد بدأ نزول الوحي على النبي صلى الله عليه
وسلم، ثم أمره الله تعالى بالدعاء إلى الدين بالوعظ والمجادلة بالتي هي أحسن،
فكان القتال محظوراً قبل الهجرة، ثم أذن الله لنبيه بالهجرة إلى المدينة وتأسيس
المجتمع الجديد وأمره بالصبر والكفّ، ثم فرض القتال إذا كانت البداية من الكفار،
دفعاً لعدوانهم، وكان قبلها مباشرة مأذوناً فيه فحسب، ثم أمر الله تعالى بقتال
المشركين في بعض الأحوال والأزمنة. وأخيراً جاء الأمر بالقتال للمشركين كافة.
فكانت هذه هي المرحلة الأخيرة التي استقرَّ عليها أمر الجهاد. وصار أهل
الأرض عندئذ ثلاثة أقسام هي: مسلمٌ مؤمن بالنبي ﷺ ، ومسالم له
آمن أهل ذمة وخائف محاربٌ [٨] .
- ٧ -
وقد أجمع علماء المسلمين منذ العصور الأولى على أن الجهاد فريضة مُحْكَمَةٌ
يكفر جاحدها، وقد ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنة، والنصوص في ذلك كثيرة
متضافرة. ولكن وقع الخلاف بعد ذلك في نوع هذه الفرضية: هل هي فرض عين
على كل مكلّف، أم فرض كفاية يطلب من مجموع المكلفين القيام به، فإذا قام به
بعضهم سقط التكليف عن الباقين؟ والحال لا يخلو من أحد افتراضين:
(أحدهما) : ألاَّ يكون النفير عاماً، وفي هذه الحال يكون الجهاد فرض
كفاية يقوم به بعض المكلفين، والباقون في سعة من تركه. وتحصل الكفاية بأن
يشحن إمام المسلمين أو رئيسهم الثغور بجماعة يكافئون مَنْ بإزائهم من الكفار، أو
أن يدخل الإمام دار الكفر بنفسه أو بجيشٍ يؤمِّر عليه نائباً عنه. وذهب بعض
التابعين إلى أن الجهاد فرض عَيْنٍ مطلقاً على كل مسلم، وقال آخرون: هو فرض
عين على من يكون بجانب الكفار.
(ثانيهما) : أن يكون النفير عامّاً؛ وهنا يجب على كل قادر مستطيع؛ لأن
دفع الكفار لا يحصل إلا بهم جميعاً؛ فالقادر يباشر الجهاد بنفسه، وغير القادر على
الجهاد بنفسه يخرج لتكثير سواد المسلمين ويجاهد بماله. ونصَّ العلماء على أن
الجهاد يتعيَّن فرض عين في الأحوال الآتية:
أ - أن يهجم العدو فجأة على بلدة معيّنة من بلاد المسلمين، أو أن يحيط بها
ويدخلها، فيجب الجهاد عيناً على أهل تلك البلدة وعلى من يكون قريباً منهم إن لم
يكن بأهلها كفاية.
ب - أن يعيّن ولي الأمر قوماً يستنفرهم للجهاد، فيصبح في حقهم فرضاً
عينياً إلا مَنْ له عذر قاطع.
ج - إذا التقى الزحفان وتقابل الصفَّان: حَرُمَ على من حضر الانصرافُ
والفرار، وتعيّن عليه المقام والثبات؛ إذ قد تعيّن عليه الجهاد، إلا أن يكون متحرِّفاً
لقتال أو متحيّزاً إلى فئة.
وبهذا التفصيل الموجز يظهر حكم الجهاد في كثير من الحالات والأحوال
المعاصرة، ويظهر أيضاً تقصير المسلمين عامة وتخاذلهم عن القيام بواجبهم، وقد
ذكر العلماء أن امرأة لو سبيت بالمشرق وجب على أهل المغرب تخليصها ولو جاء
ذلك على أموال بيت مال المسلمين. كما يجدر الإشارة هنا إلى أن العلماء قالوا: لا
يأثم من عزم على الخروج للجهاد في الأحوال الواجبة ولكنه لم يخرج لعدم خروج
الناس وتكاسلهم أو قعود الحاكم عن ذلك، أو منعه من الخروج. والله أعلم [٩] .
- ٨ -
وأما غاية الجهاد فقد حدّدها الإسلام بإعلاء كلمة الله، أو في سبيل الله؛ فقال
الله تعالى: [الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ
الطَّاغُوتِ] (النساء: ٧٦) ، وقال ﵊ عندما سئل عن الرجل
يقاتل شجاعة ويقاتل حميَّة ويقاتل رياءً، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ قال: «من قاتل
لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل» [١٠] .
والأصل في ذلك: أن القاعدة الأساسية التي ينبغي أن نذكرها دائماً هي أن
الإسلام هو قاعدة الحياة البشرية، وهو ضرورة إنسانية فطرية، وبذلك أصبح
الإسلام ديناً عاماً للبشرية كلها، ختم الله به جميع الدعوات وجعله مهيمناً عليها
وناسخاً لها، فلا يقبل الله من الناس ديناً غيره، ومن حق البشرية أن تستمع لهذا
المنهج وأن تتبيّنه دون أن يقف أحد في طريقها يصدُّها عنه ويثير الشبهات حوله،
ولا بدَّ أن تُتْرك البشرية بعدها في حرية تامة لاعتناقه إذا أرادته دون إكراه، وإن لم
تفعل فهي تخضع لنظامه العام وتسالمه بعقد الذمة وأداء الجزية، وينشأ عن هذا أن
واجب الجماعة المسلمة هو تحطيم كل قوة تعترض طريق الدعوة وإبلاغها للناس
في حرية، أو تهدد حرية اعتناق العقيدة وتفتن الناس عنها؛ ليكون الدين كله لله،
بمعنى استعلاء الدين ورفع كلمة الله وتبليغها، لا بمعنى إكراه أحد على الدخول في
الدين إذْ [لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ] (البقرة: ٢٥٦) .
ومن هنا حدّد الإسلام غاية الجهاد بأن يكون في سبيل الله، دون أن يشوب
هذا المقصد غاية أخرى من حب الغلبة المجردة، أو الشهرة أو الظهور والتسلط أو
الإفساد. وبهذا يفترق الجهاد عن الحروب المعروفة اليوم التي تدفع إليها العصبية
العنصرية والمصالح المادية والقومية ونحوها [١١] .
- ٩ -
وهذه الغاية للجهاد تحدد لنا الأسباب التي يجاهد المسلم من أجلها، وهي كلها
مما ينضوي تحت شعار وكلمة «في سبيل الله» ، وهي:
أ - نشر الدعوة الإسلامية وتأمين حريتها، والتخلية بينها وبين من يريد
اعتناقها ليكون الدين كله لله. وهذا لا يعني كما تقدم الإكراه على العقيدة، فلا يجوز
الخلط بين هذا وذاك، وينبغي التفرقة بين الدخول في الإسلام: عقيدةً وإيماناً،
وبين الخضوع للإسلام بالتزام نظامه القانوني العام.
ب - الدفاع لردّ أيّ اعتداء يقع على المسلمين أو يتوقع وقوعه عليهم في
ديارهم أو نفوسهم أو أعراضهم أو أموالهم. وهي أيضاً مسألة أجمع عليها العلماء
قاطبة.
ج - حماية دار الإسلام وبلاد المسلمين وإنقاذ المستضعفين من المسلمين في
أي دولة كانوا؛ لأن بلاد المسلمين بلدة واحدة في حكم الإسلام والمسلمون جميعاً
إخوة.
د - المحافظة على العهود والمواثيق، ودرء الفتنة ومنع البغي في الداخل
والخارج [١٢] .
- ١٠ -
والجهاد في سبيل الله قد يكون دفعاً للأعداء عند هجومهم على المسلمين أو
عند الاعتداء عليهم وقد يكون ابتداءاً طلباً للأعداء وهجوماً بعد الدعوة والإنذار.
وقد ذهب بعض المعاصرين إلى أن الإسلام لا يبيح جهاد الطلب والابتداء
(الهجوم) وإنما يبيح فقط الجهاد رداً على عدوانهم على المسلمين، واحتجوا على
ذلك ببعض الآيات الكريمة التي اقتطعوها من سياقها لتعطي المعنى الذي يريدون،
وببعض النصوص التي جاءت تواجه مرحلة معينة من مراحل تشريع الجهاد،
وببعض القواعد الشرعية وأحكام القتال في منع قتل الأطفال والنساء ... وهذا كله
لا يساعد على ما ذهبوا إليه؛ فقد انعقد الإجماع على أن الجهاد عند العدوان فرض
عين، ويبقى فرض كفاية فيما عدا هذه الحالات؛ وقد أجمع العلماء على فرضية
الجهاد فرض كفاية ما لم يكن عدوان. وهذا يعني أن الجهاد مشروع في هذه
الحالات وليس ممنوعاً. كما أنه من الناحية الواقعية هناك حرب مشبوبة على
الإسلام والمسلمين من كل الأعداء بصورة من الصور؛ والأدلة على هذا كثيرة
متضافرة [١٣] .
- ١١ -
ومما يتصل بهذا: شبهة يثيرها المغرضون بهدف تشويه صورة الجهاد في
النفوس، وعند رد هذه الشبهة يصل الأمر ببعضهم إلى حدّ إسقاط فريضة الجهاد،
وهذه الشبهة هي أن الإسلام لم ينتشر إلا بالقوة والسيف. بمعنى إكراه الناس على
العقيدة.
وهذا الزعم لا يتفق مع النصوص الإسلامية كقوله تعالى: [لاَ إِكْرَاهَ فِي
الدِّينِ] (البقرة: ٢٥٦) ، وكقوله في رسم الصورة الصحيحة للدعوة: [فَذَكِّرْ
إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ] (الغاشية: ٢١) ... إلخ، كما أن العقائد لا يمكن أن يؤثِّر فيها
الإكراه. ومن حيث الواقع العملي: نجد أن الإسلام قد انتشر في كثير من أصقاع
العالم دون أن يكون هناك قوة عسكرية أو قتال. ولذلك قام عقلاء الأوروبيين
والمسيحيين يفنّدون هذه الشبهة ويردون عليها كما فعله توماس كارليل في كتابه عن
«البطولة وتقديس الأبطال» والمستشرقة الإيطالية لورا فاغليري ... وغيرهما.
أما إن كان المراد بانتشار الإسلام بالسيف: أن الجهاد له دور في فتح البلاد
وضمها إلى دار الإسلام، وإخضاع الناس لنظام الإسلام دون إكراه على العقيدة..
فهذا أمر صحيح ولا غبار عليه، وهو أمر مشروع بحكم الإسلام. والعجب أن
هؤلاء النصارى الذين يثيرون هذه الشبهة ينسون أن كتبهم تبيح التدمير والقتال
وتقول: «ما جئت لألقي على العالم سلاماً..» وأن الحروب بين النصارى
المخالفين لهم في المذهب استمرت قروناً ولا تزال حتى وقتنا هذا! ! [١٤] .
- ١٢ -
وفي ختام التعريف بهذا المصطلح الشريف لا بد من الإشارة إلى بعض الأفهام
المغلوطة من باب الموازنة والمقارنة.
* فبعض الفرق أو الاتجاهات كالصوفية جعلت الجهاد محصوراً في مجاهدة
النفس؛ إذ إنه هو الجهاد الأكبر، واستدلوا على ذلك بكلام لبعض السلف ظنوه
حديثاً نبوياً، وحتى ولو كان صحيحاً لكان معناه: أن الإنسان ينبغي أن يجاهد نفسه
ويتغلب عليها ليكون ذلك سبيلاً للتغلب على العدو الخارجي. أما مفهومهم لهذا الأثر
ولموضوع التفريق بين الجهاد الأكبر والأصغر؛ فإنه يؤدي إلى إسقاط فريضة
الجهاد وإنزالها عن مكانتها العليا في دين الإسلام.
* وأما بعض الجماعات المنحرفة عن الإسلام والخارجة عنه كالقاديانية
والبابية والبهائية فإنها أسقطت فريضة الجهاد كي تقرَّ عيون أسيادها من المستعمرين
الإنجليز وعامة الصليبيين، وفي هذا يقول القادياني: «اليوم ألغي حكم الجهاد
بالسيف، ولا جهاد بعد هذا اليوم؛ فمن يرفع بعد ذلك السلاح على الكفار ويسمي
نفسه غازياً يكون مخالفاً لرسول الله الذي أعلن قبل ثلاثة عشر قرناً بإلغاء الجهاد
في زمن المسيح الموعود ... » وإن فرقة القاديانية لا ترى الجهاد بالسيف ولا
تنتظره ولا تستحلّه.
* وأما البابية التي أسسها علي محمد الشيرازي وأعلن نفسه بأنه: (باب
المهدي) فتقول: «إن البشارة الأولى التي منحت من أم الكتاب في الظهور
الأعظم لجميع أهل العالم: محو حكم الجهاد من الكتاب» ، وقال الباب: «حُرِّم
عليكم حمل آلات الحرب» . وقال عبد البهاء عن أبيه: «محا آية السيف ونسخ
حكم الجهاد» [١٥] .
* وأما المنظمات الدولية كعُصبة الأمم وهيئة الأمم فلها موقفها من الحروب
ومنعها، ووجوب اللجوء إلى التحكيم الدولي ونشر السلام العالمي كما تزعم ومنع
الفتح وكسب الإقليم عن هذا الطريق، ونزع السلاح، وهذا كله تطويق لفريضة
الجهاد، وإخضاع العالم الإسلامي لسيطرة الدولة أو الدول الكبرى التي تمتلك هي
أضخم ترسانة أسلحة، وتمدُّ يدها هنا وهناك لبسط النفوذ وإرهاب العالم بتلك
الحجج الواهية السابقة.
* وأما في المصادر الكتابية (أهل الكتاب) فلا نجد فيها مصطلح الجهاد،
وإنما نجد عندها إحالة إلى مادة «لعب» و «ألعاب» ! ! [١٦] ، ويقسمونها إلى
قسمين: فردية إظهاراً للقوة وتمريناً للجسد، وكان اليهود لا يستنكفون عنها؛
كالركض والسعي والمقاليع أداة لرمي الحجارة والقسم الثاني: عمومية، ولم يكن
مرغوباً فيها عند العبرانيين ... وأما في واقعهم المعاصر وغير المعاصر فإنهم هم
الذين كانوا يثيرون الحروب والعداوات بين الناس، ولا يتقيدون بشيء من المبادئ
الأخلاقية في حروبهم ولم يعرفوا الرحمة فيها، إلا ما استفادوه بعد حروبهم الصليبية
من المسلمين ثم نسبوه لأنفسهم تحت اسم مبادئ الفروسية ... والواقع التاريخي
شاهد صادق على ذلك.
стр. 3726
متابعات
وقفات مع: قراءة سياسة لبيعة العقبة
د. محمد بن صامل السلمي [*]
لقد اطلعت على العدد (١٥٤) من مجلة (البيان) فوجدته حافلاً بالدراسات
والموضوعات المفيدة، وإني أشكركم وجميع إخوانكم في مجلة البيان على اهتمامكم
وحرصكم الدائم على الارتقاء بمستوى المجلة موضوعات وإخراجاً.
وفيما قرأت موضوع: «قراءة سياسية لنصوص بيعة العقبة» من إعداد
عبد الحكيم الصادق، والباحث قد بذل جهداً يشكر عليه، لكن طغت عليه
المصطلحات المعاصرة، وأسقط دلالة هذه المصطلحات على حوادث السيرة
النبوية؛ وهذا أمر فيه خطورة ومجانبة للمنهج العلمي.
يقول الباحث: «بعد رجوع النبي ﷺ من الجولة السياسية
لمدينة الطائف ... ولقائه مع ممثلي الأمم من النبيين ... قام بعد ذلك بتعديل منهج
التغيير؛ حيث اعتمد العمل من خلال مؤسسات المجتمع الجاهلي وأعمدته ... »
إلخ.
وهذا الكلام خطير جداً ليس في استخدام المصطلحات فقط، ولكن من حيث
التقرير والاستنتاج الذي حمل عليه استخدام المصطلحات المعاصرة وقياس الحال
عليها؛ فكيف يتصور أن النبي ﷺ اعتمد العمل من خلال
مؤسسات المجتمع الجاهلي؟ ! وهل يسوغ للمسلمين قياساً على هذا القول العمل من
خلال البرلمانات والمحاكم القانونية، والإعلام الكفري، والأحزاب، ... إلخ وهي
مؤسسات المجتمع الجاهلي؟ !
انظر إلى ألفاظ أخرى مثل قوله في ص ٣٠: «إقامة الجماعة السياسية
لضبط جدلية النظام والحركة» وقوله ص ٣١: «فالرسول يرى ضرورة السلطة
والتنظيم كضرورة الماء للكائن الحي» ، وهذه مبالغة، وقوله في العمود الثاني من
ص ٣١: «لقد كان رسول الله مدركاً تمام الإدراك للدور الذي تلعبه السلطة» .
وذكر في البعد السياسي لبيعة العقبة أن الهدف عند الأنصار من البيعة هو
إقامة الدولة (ص٣٣) والذي صرح به الأنصار وحرصوا عليه هو إقامة الدين
ولهم الجنة على ذلك، ولم يعدهم رسول الله ﷺ بغير الجنة،
ففرحوا وقالوا: «ربح البيع؛ لا نقيل ولا نستقيل» ، وإقامة الدولة وسيلة من
وسائل إقامة الدين.
وقد كرر هذا وقريباً منه في دوافع البيعة، فجعل من دوافعها الدافع السياسي،
وعلل ذلك بتعليلات لا أرى أنها تصل إلى درجة أن تكون دافعاً للبيعة؛ فالبيعة
للرسول ﷺ كانت مقصداً شرعياً وليست بهدف سياسي، لكن مما
صنعه الله لرسوله كما قالت عائشة ﵂ قتل كثير من زعماء الأوس
والخزرج في حرب بعاث إذ هيأ الأمر لرسول الله في المدينة؛ حيث بذهاب
الزعماء الذين يعارضون الدعوة في العادة تهيأ الأمر لأهل المدينة فقبلوا الحق
وآمنوا برسول الله ﷺ ، وما ذكره الباحث من وجود دافع عسكري
ودافع اجتماعي لبيعة العقبة غير واضح، ولا يوجد في نصوص البيعة وأخبارها ما
يدل عليه، والبيعة كانت ذات هدف ديني وتصديقاً لرسول الله ﷺ
والتزاماً بما يأمر به وينهى عنه، وبواعثها ودوافعها كذلك؛ فليس منها مساومات
واقتسام مصالح دنيوية، بل هي بيعة على الإيمان وما يوجبه عليهم، وحماية
لرسول الله ﷺ وجهاد معه بما شرع الله.
هذه ملاحظاتي على المقالة، وأرجو أن تقبلوها بصدر رحب؛ ولكم تحياتي
وتقديري.
стр. 3727
الباب المفتوح
مفهوم العبادة ومقاصدها في الإسلام
عمر إدريس الرماش
العبادة محبة وخضوع وإخلاص:
لقد خلق الله الإنسان وأوجده في هذا الكون من أجل عمارة
الأرض وعبادته وتقواه كما جاء في القرآن الكريم: [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ
لِيَعْبُدُونِ] (الذاريات: ٥٦) . وعبادة الله تستوجب الحب والخضوع، وحب الله
لا يصدق إلا باتباع أوامره واجتناب نواهيه مصداقاً لقول الحق ﵎:
[قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ]
(آل عمران: ٣١) ، وهكذا فإن العبادة الحقة تقوم على الخضوع لله وإخلاص
المحبة له وعدم الشرك به. يقول الله تعالى: [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ] (البينة: ٥) .
ويقول الرسول ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ
ما نوى» [١] . والإخلاص في العبادة هو جعلها لله وحده وترك الرياء فيها.
الإخلاص في العمل هو أداؤه متقناً بأمانة وصدق مراقبة. قال الإمام الجنيد:
«الإخلاص تصفية العمل من الكدورات» ، ومن هنا عرَّف العلماء الإخلاص
بأنه اتقان العبادة والعمل وإحسانهما كأن العابد أو العامل يرى ربه وهو يعبده، فإن
لم يكن العبد يرى ربه فإن ربه يراه. وهكذا فإن عبادة الله تحرر الإنسان من
وساطة الوسطاء مصداقاً لقوله تعالى: [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ
دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يَرْشُدُونَ] (البقرة: ١٨٦)
كما أنها تحرر الإنسان من الشكليات، وتستوجب إخلاص النية كما قال تعالى:
[وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ
وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ] (البينة: ٥) .
وكما قال رسول الله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل
امرئ ما نوى» [٢] . كما أن عبادة الله تحرر الإنسان من العنت والحرج والعسر
حسبما جاء به الإسلام مقارنة مع الأديان الأخرى؛ فلا حرج إذن ولا تكليف
فوق طاقة الإنسان مصداقاً لقوله تعالى: [لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا]
(البقرة: ٢٨٦) . وقوله تعالى: [هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ
حَرَجٍ] (الحج: ٧٨) ، وهكذا فإن بديل الوضوء بالماء التيمم، وبديل الصلاة
مع الوقوف عند العجز أن يصلي المرء قاعداً أو مضطجعاً، وكما يفطر الصائم
في المرض أو السفر، وتقصر الصلاة الرباعية في السفر من أربع إلى
ركعتين.
أنواع العبادات في الإسلام:
إن العبادة في الإسلام شاملة لكل أمور الدين والدنيا، وقد قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم في أحد أحاديثه النبوية بأن «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها
قول لا إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» [٣] وعبادة الله تتطلب النية
الصادقة والإخلاص في العمل والاستقامة. وتتمثل أنواع العبادات فيما يلي:
- عبادات يؤديها المرء بجسده كالصلاة والوضوء والطهارة والصوم.
- عبادات يؤديها المرء بماله كالزكاة والصدقات.
- عبادات بدنية ومالية كالجهاد والحج.
- عبادات هي عبارة عن أعمال بشرية عادية كالزراعة والتجارة والأعمال
الوظيفية إلا أنها يجب أن يقصد بها إرضاء الله تعالى.
- عبادات عقلية وفكرية كالتأمل في مخلوقات الله الذي يؤدي إلى تقوية
الإيمان وتعميقه واليقين في عظمة الله وقدرته. قال الله تعالى: [إِنَّ فِي خَلْقِ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ
قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا
بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] (آل عمران: ١٩٠-١٩١) .
واجب التقيد بالشرع في العبادات:
إن العبادة تتطلب التقيد بالشرع وأوامر الله ونواهيه، وعدم الوقوع في البدع
والضلالات وتحليل الحرام أو تحريم الحلال مما يؤدي إلى الشرك وإحباط العمل.
قال الله تعالى: [أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ]
(الشورى: ٢١) . وقد ذكر القرآن الكريم أن بعض أهم انحرافات الأديان كانت
بسبب الغلو في الدين والخروج عن تعاليمه والابتداع، قال تعالى: [قُلْ مَنْ حَرَّمَ
زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ] (الأعراف: ٣٢) . وقال
تعالى: [وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى
اللَّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ] (النحل: ١١٦) .
كما أن بعض المسلمين انحرفوا بالعبادة وذلك في التمسح بالأضرحة والقبور،
وإضفاء صفات القدسية على الأشخاص، وهي أمور مردودة وباطلة مصداقاً لقول
الرسول ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» [٤] .
النوافل عبادات:
إن العبادة في الإسلام تشمل الفرائض والنوافل، والنوافل هي ما زاد على
الفريضة وهي الاستزادة من التقرب إلى الله والوصول إلى محبته وإرضائه، لكن
يجب ألاَّ تكون على حساب الواجبات حتى تنال القبول عند الله والأجر الكبير.
يقول الرسول ﷺ في الحديث القدسي عن الله :
«ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما زال عبدي
يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره
الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني
أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه» [٥] .
стр. 3728
المنتدى
عندما يغيب الهدف
طاهر بن أحمد الزهراني
عندما يغيب الهدف فإنها تمر السنون الطويلة على الإنسان دون تحقيق أمر
منشود، ولا أقصد بالهدف هنا الهدف الدنيوي كصفقة تجارية أو النجاح في الدراسة
لا؛ فهذا نصيبنا منه كثير جداً، ولا تجد أحداً إلا عنده هدف أو أهداف دنيوية
يسعى وراءها، وربما لو نظرت إلى أهدافه الأخروية لم تجد شيئاً مع أنها أسهل
من بعض الأهداف الدنيئة أو الدنيوية، وأنا لا أقول لا تفكر في الدنيا، بل فكِّر،
وخذ ما يكفيك، ولكن لا تكن شغلك الشاغل الذي ينسيك أعمالك (الدينية) .
أنواع الأهداف:
١ - هدف يومي: مثل: قراءة جزء من القرآن أو سماع شريط.
٢ - هدف أسبوعي: مثل: حضور درس أسبوعي، أو صيام الإثنين
والخميس.
٣ - هدف شهري: مثل: قراءة كتاب، أو صيام الأيام البيض.
٤ - هدف سنوي: مثل: ضبط وإتقان أحد العلوم، أو قراءة كتب مطولة
(مثل: التفسير أو التاريخ أو الحديث كفتح الباري أو الحج) .
٥ - هدف عمري: رضا الله .
هذه بعض الأمثلة للأهداف، ولكل إنسان أهدافه الخاصة التي يراها.
أسباب عدم وضع الأهداف:
١ - الغفلة وعدم محاسبة النفس.
٢ - قرين السوء.
٣ - الانشغال بالأشياء التافهة الحقيرة، فيضحك على نفسه ويظن أنها أهداف
عالية وسامية.
٤ - الإفراط في الأهداف الدنيوية (حب الدنيا) .
٥ - طول الأمل.
كيف تُكوّن هدفاً؟
١ - عليك بالمحاسبة والنظر إلى نفسك.
٢ - بذكر الله، والثناء عليه، وتذكر ما أعده جل وعلا لعباده المؤمنين.
٣ - عليك بالقرين الصالح.
٤ - كن ذا همة عالية، ونفس رفيعة عن دنايا الأمور.
٥ - ابدأ في وضع الأهداف، وعليك باستشارة أهل الرأي والمشورة.
٦ - اطلب من الله أن يوفقك ويفتح لك أبواب فضله؛ فإنه جواد
كريم، وبالإجابة جدير؛ فهو القائل: [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] (غافر: ٦٠) .
إن الإنسان صاحب الأهداف المركزة هو الفائز بلا شك. قال تعالى:
[فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ] (آل عمران: ١٨٥) وقال تعالى:
[أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ] (الحشر: ٢٠) . فإذا رأى ذلك المسكين هذه
الجوائز قال: [يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً] (النساء: ٧٣) . اللهم
اجعلنا من عبادك الفائزين في الدنيا والآخرة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى
آله وصحبه وسلم.
стр. 3729
المنتدى
نحو تميز أخلاقي
خالد بن محمد الصغير
إنه شابٌّ أحبه الجميع، الكل يكن له المودة والإعزاز، لم تكد عيني تقع عليه
حتى أحسست بكثير من الارتياح والاستئناس، والطمأنينة والانشراح، وامتلأت
عيني منه بالإجلال والمحبة، وتساءلت: ما السر وراء ذلك التميز؟ لا بد أنه
يحمل مثاليةً ما، فما هي تلك المثالية؟
نعم! لقد عرفه الجميع بجميل السجايا، وحلو الصفات. إنه دائم الابتسامة،
حسن العشرة والمعاملة، سريع الاستجابة لنداء الله إذا ما صدح المؤذن للصلاة،
وأجمل أوقاته وأعذبها إذا ترنم بكتاب الله تالياً له بكل طمأنينة وخشوع، وأزكى
لحظاته إذا شرع في مناجاة الله والتقرب إليه صلاة ودعاءاً، ذكراً وتفكراَ،
طلباً للعلم وتأملاً، وهو مع ذلك كله مناصحٌ لإخوانه، ذو عمل دؤوب، لا يفتر
من بذل معروف، أو مساهمة في خير، أو طلب لفائدة، أو اغتنام لبرٍّ وفضيلة،
يسابق في الخيرات، ويشمخ لأعالي الهمهم، من نصرة لدينه، ودعوة إلى سبيل
مولاه سبحانه وبحمده. حقاً: إنه مثالٌ فريد في عالم الأخلاق، ولبنة راسخة بناءةٌ
في بنيان المجتمع، وصرح الخير، وقلعة الدين. وهو بتلك المثالية ليس نسجاً من
الخيال، ولا أسطورة من التاريخ، إننا بحاجة ماسة إلى المزيد والمزيد من تلك
اللبنات البناءة نحو تميز أخلاقي! !
стр. 3730
المنتدى
إلى الأقصى.. إلى الأقصى
نجاح عبد القادر سرور
إلى الأقصى.. إلى الأقصى ... نرُصُّ صفوفَنا رصّا
لِنقتلَ أهلَ صهيونٍ ... ولا نُبقي لهم شخصا
إلى الأقصى.. إلى الأقصى ...
إليه نبيُّنا أسرى ... وصلى ليلةَ الإسْرا
لَسوْف نعانقُ النصرا ... ونطردُ ذلك اللّصا
إلى الأقصى.. إلى الأقصى ...
به الفاروق قد نَزَلا ... ليغرس بالتُّقَى أمَلا
فلن نرضى به بَدَلا ... ولن نرضى به نقْصا
إلى الأقصى.. إلى الأقصى ...
صلاح الدين نادانا ... سلاحي كان إيمانا
وتوحيداً وقرآنا ... به الرحمن قد وصّى
إلى الأقصى.. إلى الأقصى ...
غزلتُ حروفه قلبا ... حفظتُ مكانه قُربا
فإن له هنا حُبّا ... وفي قرآننا نصّا
إلى الأقصى.. إلى الأقصى ...
إلى المحراب يا جيشُ ... وغيرَ الله لا تخشوا
فلن يحلو لنا العيشُ ... سوى في عودة الأقصى
إلى الأقصى.. إلى الأقصى ...
فَطِيرُوا نحوه جُندا ... يَروْن دماءَهم شهْدا
هَلُمّوا مِن ذُرى صيْدا ... ومن مِصرٍ.. ومن حمِصا
إلى الأقصى.. إلى الأقصى ...
المنتدى
قوى الغوغاء وطواحين الهواء
منى السيف
في غمرة الخوض في أحداث القدس الأخيرة وملاحقة نتوءاته وتفاصيله
تنهض تساؤلات شتى عن موقف المثقف الداعي للتطبيع مع (إسرائيل) ، حيث إن
نفراً من «المناضلين» القدامى المتقاعدين يصرون على إعادة عقارب الساعة إلى
الوراء وتجنيد خبراتهم السابقة في توزيع «الوطنية» على هذا وحرمان ذاك منها،
ووصف ذاك بالأيديولوجي المنغلق والآخر بالعقائدي الجامد (!) محاولين عبثاً
البحث عن بارقة تعزز مزاعمهم التي ما زالت تخبط خبط عشواء في حقل الحراك
العربي الثقافي فتسممه وتدفعه برعونة هستيرية قلَّ نظيرها إلى الحائط الشاهق
الأصم بلا دليل ولا هادي له؛ في حين أن حسماً قاطعاً لهذا الأمر يتحقق يومياً على
أرض الواقع بمرأى ومسمع من العالم؛ بحيث يغدو التعاطي مع (إسرائيل)
والتعامل معها وفق نظريات «التطبيع» و «الأمر الواقع» مسوغاً لـ (إسرائيل)
في إزهاق المزيد من أرواح الناس لأنه «من أمن العقوبة أساء الأدب» .
والمفهوم من التطبيع (لغوياً) هو إقامة علاقة طبيعية بين شيئين أو كيانين
متوافقين ومنسجمين، على ما يشترط لذلك بداهة من تسليم كل منهما بنهج الآخر
وسياساته ومراميه؛ فكيف يكون هذا والله تعالى يقول: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ
وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) فغياب المرجعية الدينية عند
كثير من المثقفين العرب هو ما جعلهم يتخبطون في مواقفهم ويجرون الأمة إلى
أنفاق مظلمة مسدودة.
إن من ينادي بالحوار مع الكيان الصهيوني بعد كل ذلك إنما يمهد للمزيد من
الوحشية والبطش لإخواننا الفلسطينيين مع موافقته لها على الاحتلال والتهديد والقوة
والتشريد والتفكيك بل والمحو لهم.
[وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) .
стр. 3733
المنتدى
مناجاة أطلال
فهد بن علي العبودي
أرِقْتُ بِلَيْلٍ حَالِكِ الظلماتِ ... أنوحُ على مَجْدٍ هَوى وبُنَاةِ
بَكَيْتُ وهلْ يَشفي البكاءُ رفيقهُ؟ زَمَانَ العُلا والعِزِّ والوَثباتِ
أقَلِّبُ طَرْفي لا أرى غير أمَّةٍ ... تَئِنُّ، وأخْرَى في هوىً وسُبَاتِ
أنَاجِي بِلَيْلي إذ عَدِمْتُ مُنَاجِياَ ... من القومِ أطْلالاً وبَعْضَ رُفَاتِ
أُسَائِلُ أطلالَ المعالي عن العُلا ... فَتَبْكِي وتُبْكِيني مِنَ الحَسَرَاتِ
تُخَبِّرُنِي عما مَضى بتَلَهُّف ... وتُنْبئُنِي عما جَرَى بشَكَاةِ
تقولُ: هِيَ العَلْيَاءُ أمْسَتْ طُلُولُها ... تَئِنُّ، وأمْسَى أهْلُهَا بشَتَاتِ
أحِنُّ إلى أيَامِ عَمْرٍو وخالدٍ ... رعى اللهُ ما ولَّى من السَّنَواتِ
تقول: وقد ضَاقَتْ من العَيْشِ في الدُّنَى ... أسَائِلُ ربي أن تَحِينَ وَفَاتِي
رُوَيْدَكِ يا أطْلالُ كَدَّرْتِ خاطري ... وأجريتِ دَمْعِي فارتوتْ وجناتِي
وأطْرَقتِ الأطلالُ بَعْدَ سَمَاعِهَا ... حَدِيثِي، وَهَزَّتْ قَلْبَهَا كَلِمَاتِي
وَقَالَتْ: لَعَلَّ الله يَكْشِفُ كَرْبَنَا ... وَيَجْلُو ظلامَ الغَيِّ والشَّهَوَاتِ
لَعَلَّ شُمُوسَ النَّصْرِ تُشْرِقُ في غَد فَتَطْمِسُ لَيْلَ الذُّلِ والنَّكَبَاتِ
وَبَيْنَا نُنَاجي بَعْضَنَا إذ بدا لَنَا ... سَنَا الفَجْرِ أجْلَى وَحْشَةَ الظُّلُمَاتِ
فَقُلْتُ لها قَبْلَ الوَدَاعِ تفاؤلاً: ... سَتُصْبحُ حَقاً في غَدٍ رغباتي
стр. 3734
المنتدى
المسجد.. والمسرح.. وتبادل الأدوار
إبراهيم بن عبد العزيز أبا الخيل
قال لي صاحبي وهو يحاورني: أهناك فرق بين المسجد والمسرح؟ فقلت له:
وهل هناك علاقة بينهما حتى ننشد ذلك الفرق؟ وقبل أن أجيب طرح عليَّ سؤالاً
غريباً، فقال لي: وهل هناك عملية لتبادل الأدوار بينهما، يعني المسجد والمسرح؟
أثار صاحبي هذا في نفسي علامات استفهام كبيرة بإثارته أسئلة خطيرة؛ فهل
هناك حقاً علاقة بين المسجد والمسرح؟ وهل هناك أيضاً عملية لتبادل الأدوار؟
اختلفت مع صاحبي كثيراً في طرحه لمثل هذه القضية، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك
حينما تهكمت عليه بسخرية، وعزفت عن الدخول معه في حوار يتطرق لمثل ذلك،
وعلى طريقة: (ما بني على باطل فهو باطل) . ولكن ثمة شيء قد حدث
أعادني لمناقشة مثل هذا الموضوع وجعلني أرتب أوراقي وأجمع قواي وأدلي
بدلوي؛ فقد تعلمنا في تجربتنا المدرسية الأولى وذلك عندما كنا أطفالاً أن هناك
أدواراً للمسجد أرسى من خلالها دعائم التربية؛ فقوَّم ما اعوج، وأصلح ما فسد،
فلم يقتصر دوره في كونه موقعاً للصلاة؛ بل كان مدرسة للعلم ومنبراً للثقافة
وميداناً للسياسة؛ اجتمع فيه المسلمون لأداء الصلاة وقراءة القرآن، فكان موقعاً
للعبادة ومكاناً للقاء العبد مع ربه، والتقوا فيه لدراسة السيرة والتاريخ فأصبح مدرسة
للعلم ومنبراً للثقافة، واجتمع المسلمون فيه للقاء قائدهم وهو يتحدث لهم عن
الجهاد، ويرسم معهم السياسة العامة لدولتهم، فكان ميداناً للسياسة، ولم يهتم
بالغني دون الفقير، أو الكبير دون الصغير، فكانوا كلهم سواسية [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] (الحجرات: ١٣) .
أين نحن اليوم من هذا وقد همش دور المسجد ليقتصر على أداء الصلاة فقط؟
تلك هي أسئلة ما زلت أبحث لها عن إجابة.
ولأنها سُنَّة الحياة هكذا دارت عجلة الأيام، فارتفعت أقوام وانتكست أعلام،
وأصبح هناك من يربط بين المسجد والإرهاب، وبين المسرح والمحراب، فبرز
من ينادي بإتاحة الفرصة للمسرح ليأخذ دوره في هذه الحياة، ونسي أو تناسى ما
بعد الممات؛ وكأن هذه الحياة انتهت بشهادة الوفاة، أين نحن من الاستعداد للقبور،
والبعث والنشور؛ فقد رفع بعضهم رايته وحاول الوصول إلى غايته، فأنشئت
مسارح للأطفال وكأنهم في حاجتها؛ فكانت الخطوة الأولى للاختلاط.
إن ما يقدم في هذا المسرح هو أبعد ما يكون عن أسس التربية السليمة التي
كان المسجد يقوم بها، فتذكرت حينها صاحبي وعملية تبادل الأدوار، لقد تحدث
بعضهم عن المسرح أنه مدرسة لتربية النشء يتعلمون فيه العادات الأصيلة والأشياء
الجميلة، ولكن الحقيقة تقول عكس ذلك، وليس من رأى كمن سمع والتجربة خير
برهان.
إننا أحوج ما نكون وأكثر من أي وقت مضى لإحياء دور المسجد، ومنحه
الفرصة التي طال انتظارها ليعود مدرسة للعلم يتخرج منها أجيال تحمل على عاتقها
هموم الإسلام والمسلمين.
стр. 3735
المنتدى
صرخة على عتبة الدخول
عبد الله سالم الغامدي
رسالة إلى كل عيد يفكر في المجيء إلينا ...
ما عدت أعرف معنى العيد يا عيدُ ... أو عاد يطربني لحن وتغريدُ
قد كنتَ يا عيد بالأفراح تأسرنا ... واليوم يأسرنا قتل وتشريد
قد كنتَ يا عيد في أمن تقابلنا ... واليوم ساومنا في الأمن رعديد
أوطان أمتنا صارت ممزقة ... مقطوعة الوصل لا وجهٌ ولا جِيدُ
مسلوبة المال لا جند فتحرسها ... مهتوكة العرض والقناص مرصود
ممدودة الكف للأعداء تطلبهم ... عزاً وجذعهم في الشر ممدود
أواه يا عيد هذا وجه أمتنا ... قد أبدعت فيه يا عيد التجاعيد
ونحن يا عيد في ذل نعاقره ... ونشرب الكأس لا عزم وتجديد
جراح أمتنا يا عيد قد كثرت ... وعزمها من جبال الوهم مقدود
أواه يا عيد من همٍّ يقطعني ... فالقلب منصهر والجمر موقود
عذراً أيا عيد مما كنت تسمعه ... لو كنتَ تبصره ضاقت بك البيد
стр. 3736
المنتدى
ردود
* أرسل بعض الإخوة يستفسرون عن كيفية التواصل مع المجلة بالمشاركات،
ونقول لهؤلاء الإخوة الأفاضل: إن الباب مفتوح لجميع من أراد المشاركة في
جميع أبواب المجلة ما دامت الكتابة ملتزمة بمنهج أهل السنة والجماعة، مع مراعاة
القواعد العلمية في الكتابة كعزو النقول، وترقيم الآيات، وتخريج الأحاديث،
والكتابة بخط واضح وعلى وجه واحد من الورقة، وإرفاق وسيلة تواصل مع
المشارك: «عنوان بريدي بريد إلكتروني فاكس هاتف» .
* الأخ: عبد الحميد عبد العزيز المنصور: أرسل يشكر المجلة على التطوير
الأخير فيها، ويسأل عن موقع المجلة على شبكة الإنترنت، وهل صدر ملف
تعظيم الرسول ﷺ في كتاب؟ أما الموقع فيوجد موقع مؤقت الآن
على شبكة نسيج، ويُعد الآن موقع شامل لكل أنشطة المنتدى الإسلامي بما فيه مجلة
البيان، ونرجو أن يرى النور قريباً بإذن الله. أما الملف فلم يصدر حتى الآن في
كتاب، نشكر الأخ على حرصه واهتمامه جزاه الله خيراً.
* الأخ: أحمد بن سعود المزني: أرسل ملاحظة حول القصيدة التي نشرت
عن الشيخ ابن باز وعبارة: (بمناسبة مرور عام على وفاته) ، ويذكر أن هذا ليس
من هدي السلف، ونحن نوافقه على ذلك، وهو خطأ غير مقصود نسأل الله المغفرة،
كما أرسل ملاحظة حول إحدى فقرات مرصد الأحداث، والتي يأخذ عليها ذكرها
لتفاصيل الفساد في العالم الغربي، ونشكر الأخ الكريم على غيرته وتواصله، بارك
الله فيه وجزاه خيراً.
* الإخوة: د. محمد خليل جيجك، جلال راغون، محمد إكيج: نرجو
التكرم بموافاة المجلة بعناوين المراسلة الخاصة بكم، مع خالص التقدير.
* الإخوة والأخوات: د. محمد بن ظافر الشهري، د. عبد الرزاق حمود
الزهراني، د. محمد السيد البلاسي، مشبب القحطاني، حفيظ بن عجب الدوسري،
محمد شلال الحناحنة، يوسف عبد الله السالم، أحمد عطية الزهراني،
عبد الحميد سالم الجهني، مبارك عبد الله المحيميد، سليمان عز الدين سليمان،
فتحي الجندي، محمد بن أحمد الخزمري، حسين حسن عبده، سعيد يوسف
أبو عزيز، علي يحيى القحطاني، رياض عقيل بونهي، محمد علي البدوي،
صالح علي العمري، خالد الربيعة، أكرم مبارك الحضرمي، متوكل فياما،
زينب عبد الله السعود: وصلتنا مشاركاتكم، ونشكر لكم هذا التواصل الكريم،
ونفيدكم بأن مشاركاتكم مجازة للنشر، مع تمنياتنا بدوام التواصل.
* الإخوة والأخوات: عبد الله إبراهيم جراد، محمد فال بن سيدي،
عبد اللطيف الكبري الألوري، هشام محمود، عبد الله عزام المطيري، سعد
عبد الرحمن النفيسة، ماجد الحجيلي، مصطفى موسى الهوساوي، عبد الرحمن
عبد الله الشريف، علي بحري اليامي، مسعد عبده، عبد الرحمن الهادي العمري،
يوسف بن عبد الله، أحمد الحازمي، شهاب أحمد الظفيري، مشعل ركابي الظفيري،
عبد الله حسن شقبيل، أيمن إبراهيم شحاتة، عبد الله سالم الغامدي، عبد الله موسى
بيلا، محمد صالح السويد، صالح سعيد المريسي، عباس شعيب حسن،
عيسى الخماشي، إبراهيم المشني الغامدي، بلال سالم، عبد الله سليمان النفيسة،
عبد الله غزاي البراق، أبشر خليف علمي، مها آل عمرو: سعدنا بتواصلكم الكريم،
بارك الله فيكم ومشاركاتكم مجازة للنشر في المنتدى إن شاء الله.
стр. 3737
الورقة الأخيرة
هوى الخلاف أم خلاف الهوى ؟
وليد بن خالد الجهني
الخلاف سنة بشرية يعكس في حقيقته اختلاف الطبائع والنفسيات وتفاوت
المدارك والتصورات؛ ومع ذلك فإن التعامل مع السنَّة البشرية يجب أن يكون بعيداً
عن التسليم المطلق أو المواجهة المطلقة؛ فالنفس مجبولة على خصال من الشر،
كما أنها مجبولة على خصال من الخير، قال تعالى: [وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ]
(البلد: ١٠) .
والتسليم بهذه الحقيقة غير التسليم لها؛ فالتسليم لهذه الخصال بدعوى الواقعية
مهلك ولا شك، كما أن إنكارها والتعالي على فهمها في اتجاهات الآخرين وتسويغ
فعالهم هو جنوح إلى عالم الخيال أو المثال.
ويبقى بعد هذا وذاك أن المسؤولية الشرعية تقع على ما يملكه الإنسان من
التجرد لله من شوائب الهوى، وحظوظ النفس، لا على ما لا يملكه من طبيعة
التنشئة واختلاف المدارك، وفرق كبير بين الأمرين.
الخلاف رحمة باعتبار، وبلاء ونقمة باعتبارات أخرى، ويبقى وجود الهوى
أو عدمه العامل الأساس لقلبه من الرحمة إلى النقمة أو العكس؛ فانتفاء الهوى حتى
مع بقاء الخلاف يلقي بظلال الود ويزيح معاني التطرف في التعامل مع المخالف،
ويبقى الأمر في أشد الظروف في دائرة: «إخواننا بغوا علينا» كما قال علي
بن أبي طالب ﵁.
والمتأمل في ساحة العمل الإسلامي يلاحظ بوضوح أن بلايا الخلاف الواقع
ورزاياه في أحوال كثيرة ليست في ذات الخلاف الناشئ عن اختلاف المدارك
والتصورات والخلفيات بقدر ما هي في شطحات الهوى المصاحبة لهذا الخلاف التي
تخرج به عن دائرة العقل والدين! إن جمع الأمة على عقل واحد يبقى أمنية مغرقة
في الخيال، ولكن جمع الأمة على أدبيات واحدة يبقى غاية لا بد من أن تنال بإذن
الله تعالى.
والواقع المؤسف أن خلطاً واسعاً يجري بين الخلاف الذي تبقى ساحته هي
الآراء والأفكار بل والتطبيقات الفرعية القابلة للاجتهاد، وبين الاختلاف الذي لا
يقتات إلا صفاء القلوب، وسلامة الصدور، وطهارة الألسن.
فالخطاب الإسلامي يجب أن يتوجه من نبذ الخلاف إلى نبذ الهوى في الخلاف
أو خلاف الهوى، وهذا بدوره سوف يؤدي إلى توسيع دائرة المتفق عليه على
حساب دائرة المختلف فيه، ثم بعد هذا يبقى أن هناك فرقاً بين الخلاف في الآراء
والخلاف في الأداء.
فليس كل خلاف في التنظير يجب أن يتحول إلى خلاف في التطبيق؛ فساحة
التنظير أوسع من ساحة التطبيق، ومرونة الآراء أرحب من مرونة الأداء، وتبقى
قضايا التنوع والراجح والمرجوح والفاضل والمفضول، والحسن والأحسن، أيسر
من أن تترجم إلى مفاصلة عملية بين حدين متضادين! فالتطاوع في الأعمال لا
يعني التطابق في الأذهان وإلا لما نِيلَ التطاوع [١] وإن طال الزمان.
وعلى كل حال فستبقى هنالك ثوابت لا تقبل التطاوع؛ لأن التطاوع فيها نوع
من التنازل والتراجع، وليست المشكلة في خفاء هذا بقدر ما هي في التباس
الثوابت بالمتغيرات؛ فالشريحة الكبرى من الصحوة لا تعاني من التنازل عن
ثوابتها، بحجم المعاناة من المفاصلة على أمور ليست من الثوابت أو كبريات
القضايا في شيء، وفي كلٍّ شر.
ويبقى الجهل والهوى هو المحضن الخبيث لتفريخ بيض الخلاف في الأقوال
اعتداداً وغروراً وخوضاً في الأعراض وتمادياً في الإعراض، وفي الأعمال هجراً
وصدوداً وإيقافاً لعجلة الخير، ودفعاً لعجلة الشر.
وأخيراً فإن أحادية التفكير وتسطيح الأمور وإرجاع القضايا إلى بُعْدٍ واحد أمر
مرفوض ولا شك؛ ولكن يبقى أن في الأمور تبايناً، ولكل أمر ثقله، ولكل رأس
أُسَّه.
стр. 3738
شوال - ١٤٢١هـ
يناير - ٢٠٠١م
(السنة: ١٥)
стр. 3739
كلمة
المقاطعة أضعف الإيمان
العلاقة الاستراتيجية بين العدو الصهيوني وأمريكا هي علاقة لا نقول
تاريخية إنما هي علاقة مصلحية استغلها اليهود بأموالهم وإعلامهم ووصولهم لمراكز
القرار؛ مما أنتج تلك العاطفة المعروفة بين الطرفين، وأكدها ورسَّخها الصهيونيون
النصارى، أو النصارى الصهاينة الذين جعلوا من خزعبلاتهم وأساطيرهم الدينية ما
يربط بين قيام دولة يهود ونزول المسيح ﵇ وأن بناء الهيكل المزعوم
على أنقاض المسجد الأقصى هو ذروة المجد النصراني الموهوم.
لذا وجدنا التعاون الكبير بينهم ووقوف الغرب بعامة والأمريكان بصفة خاصة
في صفهم، وتأييد العدو الصهيوني في عداوته المستمرة منذ قيام دولتهم عام
١٩٤٨ م وإلى الآن، وما قامت به من مجازر ومذابح وحشية للشعب الفلسطيني
مؤخراً لم يحرك ساكناً في الجسد الغربي المتصهين بدعوى أن نصرة الصهاينة (قدر
إلهي) ! ولذلك فهم لا يفرقون بين الرجم بالحجارة من الأطفال والشباب
الفلسطيني وبين راجمات الصواريخ والقصف المدفعي والطائرات، وهدم
مقدرات الشعب الفلسطيني؛ بدعوى أن كلاً من ذلك عنف يجب أن يتوقف! !
هذه التصرفات الرعناء المعادية لأمتنا أثارت حفيظتنا وكراهيتنا للعدو
الصهيوني والمتعاطفين معه، وأن ما طرحه من أسلوب السلام ما هو إلا أكاذيب
ولعب على الذقون، وتحدث الإعلام العربي بكل صراحة في كل الدول العربية
بدون استثناء عن: لماذا تكره (أمريكا) ؟ وأرجعوا ذلك لمعاداتها لنا وتأييدها
للصهاينة؛ بدون مراعاة حتى لمصالحها مع دولنا وشعوبنا.
ونحن نقول: إن كل ذلك الانحياز يجعلنا نكره الغرب، والعدو الصهيوني،
والمتواطئين معه، والمكبلين باتفاقيات الاستسلام، ونعتقد أن واجب الولاء والبراء
يجعلنا نطالب بمقاطعة العدو وكل الشعوب المنحازة له؛ حتى يعلم أولئك قيمة أمتنا،
وقدرتها على تطويعهم بهذا الأسلوب البسيط، ولو قاطعنا أولئك مقاطعةً تامةً في
كل ما يُصدِّرونه لنا - وبخاصة أن هناك بدائل عنه - لأذعنوا لنا؛ ولكن هل نفعل؟
هذا ما يجب أن تفكر فيه الدول والشعوب بكل أطرها وفعالياتها. [وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ
المُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ] (الروم: ٤-٥) .
стр. 3740
الافتتاحية
صورتان متناقضتان تحيّران
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه،
وبعد:
فلقد نال علماء الإسلام في المجتمع الإسلامي مكانةً كبرى، وحسبهم ثناء الله
عليهم في آيات قرآنية كثيرة، منها ما دلَّ على رفيع قدرهم، وفي ذلك يقول
الله - تعالى -: [يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ]
(المجادلة: ١١) .
وأنهم أقرب الناس له - جل وعلا - معرفةً به وخشيةً له. يقول الباري -
: [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ] (فاطر: ٢٨) .
وأثنى عليهم الرسول ﷺ في كثير من الأحاديث، ومنها قوله
ﷺ : «العلماء ورثة الأنبياء» [١] ولا شك أن قيامهم برسالة
الأنبياء في الدعوة والبلاغ هو مؤهلهم لهذه المكانة؛ فقد كان ذلك السمةَ العامةَ لكل
من انتمى لهذه المهمة الجليلة في كل زمان ومكان.
فقد أدوا رسالتهم في الحياة؛ فكانوا نماذج مشرفة للعلم والفضل، والسمو على
زخارف الحياة، وبَذَل الكثير منهم النفس والنفيس في سبيل الجهر بكلمة
الحق [فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا]
(آل عمران: ١٤٦)
وسجل التاريخ لهم صوراً مشرفة كُتبت بأحرف من نور، مثل الصحابة -
﵃ وعلماء التابعين وتابعيهم بإحسان، ومثل الأئمة الأربعة، وشيخ
الإسلام ابن تيمية، والإمام النووي، والعز بن عبد السلام، وشيخ الإسلام محمد
بن عبد الوهاب، وغيرهم ﵏ جميعاً.
وفي العصر الحديث عُرف كثير من العلماء بهذا الفضل أمثال (الشيخ محمد
بن إبراهيم آل الشيخ) ، و (الشيخ عبد العزيز بن باز) ، و (الشيخ ناصر الدين
الألباني) ، و (الشيخ محمد الأمين الشنقيطي) ، و (الشيخ محمد رشيد رضا) ،
و (الشيخ عبد الحميد بن باديس) ، و (الشيخ أحمد شاكر) ، و (الشيخ محمد
حامد الفقي) ، وغيرهم كثير ممن لا يتسع المقام لذكر أسمائهم فضلاً عن ذكر
مواقفهم الجليلة.
وهذه المكانة لهم لم تأت من فراغ، وإنما كانت نتيجة لأدائهم ما كلفهم الله به
من رسالة البلاغ والنصح والإرشاد والتوجيه للأمة؛ فقد عملوا ما وسعهم الوقت
والجهد في التحذير من الأخطار المحدقة بالأمة، والتنبيه على ما يحتوشها من
تيارات إلحادية وتغريبية، والتحذير من كل ما يبعدها عن سواء السبيل.
ومما يؤسف له أننا في هذا العصر وإن لم نفقد أمثلة مشرفة لهؤلاء العلماء إلا
أن التيار الإلحادي والتغريبي والنهج العلماني السائد في كثير من البلدان الإسلامية
كان بالمرصاد للاتجاهات الإسلامية، فعمل جاهداً على تهميش العلماء وإضعاف
أدوارهم في الحياة، وسلطوا وسائل الإعلام للإساءة لهم وإظهارهم بصور مزرية،
وما ذاك إلا للكيد لهم، ومحاولة إضعاف رسالتهم، بل وصل إيذاء المنتمين
للاتجاهات الإسلامية إلى حد بعيد؛ بحيث يعاقب كل من ينتمي لأسرهم حتى
الدرجة الثالثة ظلماً وعدواناً، وللحيلولة دون وصولهم إلى مراكز التوجيه في تلك
المجتمعات؛ ووضع العراقيل في طريقهم بشكل مكشوف؛ تارة باتهامات معدة سلفاً،
وتارة بادعاء العمالة للخارج، وتارة بدعوى أنهم تيارات إرهابية متطرفة؛ وهم
نخبة متميزة في تلك المجتمعات بل من صفوة أبنائها المتخصصين في شتى الفروع
العلمية والتقنية، وكل ذلك مرفوض في شرع العلمانية والتغريب ما دام الأخيار
منتمين للتيار الإسلامي.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: لمصلحة من يُنحَّى الدعاة والعلماء
والمنتمون للاتجاهات الإسلامية عن الساحة؛ وبخاصة أنهم مشهود لهم بالعلم
والفضل والإبداع في تخصصاتهم العلمية؟
والجواب واضح حيث تتمثل تلك المصلحة التي لا يُبغى بها وجه الله في أمور
كثيرة منها:
- حرمان الأمة من هذا التيار الذي عادة ما يكون أحرص الناس على هداية
الأمة والعمل المخلص لما فيه تقدمها ونهضتها.
- محاولة تحجيم أثر الإيمان في المجتمعات الإسلامية، والعمل على فصل
الدين عن الحياة، وهذا أسلوب معروفة آثاره السلبية منذ ابتليت أمتنا الإسلامية
بتلك الحكومات العلمانية المتطرفة؛ فما حصلت أمتنا في عهودهم إلا على الهزائم
المنكرة، والتبعية المطلقة، والإخفاق الذريع في شتى مناحي الحياة.
- إثارة النزاع والخلاف بين فئات المجتمع بتصنيف أفراده إلى فئات مهمشة،
وفئات مقربة، وفئات مرضي عنها، وفئات ممقوتة؛ مما يجعل الحياة في نزاع
وشقاق دائم لا تتسنى معه نهضة حقيقية ولا تنمية مستديمة.
- ظهور ردود أفعال خطيرة من اتجاهات الغلو والانحراف العقدي حينما
يهمش الحاكمون بأمرهم الفئات الإسلامية وينحُّونها عن خدمة مجتمعاتها؛ فهم
يعملون من حيث يشعرون أو لا يشعرون في خدمة التيارات الإلحادية والمنحرفة
لتؤدي دورها في تغريب المجتمعات وتضليل أفرادها، والعمل على انحرافها عن
صراط الله المستقيم؛ بحيث لا ينجو من نتائج هذا الانحراف السيئة لا الراعي ولا
الرعية.
والغريب حقاً أننا نرى أصحاب الأديان الأخرى من يهودية ونصرانية
وهندوسية وغيرها أكثر ما يكونون تقديراً لعلمائهم والمنتمين للتيارات الدينية فيهم؛
من حيث فتح المجال لهم للعمل في كل فعاليات الحياة دون أدنى مضايقة. فدُور
أديانهم مفتوحة تؤدي رسالتها التوجيهية بغض النظر عن مدى صحتها، ورجال
الدين عندهم في مكانة سامية، ولهم تأثيرهم الملموس مما مكنهم من الوصول لشتى
المناصب الاجتماعية بل السياسية؛ حتى وصل نفر من رجال الدين عندهم إلى سدة
الحكم، وحكمت أحزاب دينية تلك الديار بأساليب ديمقراطية نزيهة تنأى عما هو
معروف في كثير من ديار الإسلام من تلاعب بالانتخابات لمصلحة الحزب الحاكم
أو المنتفعين في المجتمع.
ولا شك أن ذلك لم يأت من فراغ وإنما كان نتيجة طبيعية للمكانة المتاحة لهذه
الفئة من الناس؛ حيث لم ينلهم اضطهاد أو تهميش أو مضايقات، ولم يُستخدم
(القضاء) لتمرير الاتهامات ضدهم كما هو معروف في كثير من ديارنا، والله
المستعان.
ولعب الأدب والإعلام عندهم دوراً كبيراً ومؤثراً في إظهار رجال الدين
بصور مشرفة؛ وعلى سبيل المثال لا الحصر نجد رجل دين معروفاً هو
(مارتن لوثر) قد كُتب عن حياته وإنسانيته وإصلاحاته ما لا يقل عن ثلاثين رواية،
ومثله (كالفن) ، و (توماس الأكويني) ، وقد مُثِّلت سِيَرهم وأدوارهم الحياتية
بصورة مؤثرة يظهر فيها التبجيل والاحترام لكل من يشاهدها. ولذلك لا نستغرب أن
يكون لرجال الدين هناك أثرهم الإيجابي الملموس.
ومما يؤكد تلك المكانة لرجال الدين عندهم ما قرأناه في الأخبار مؤخراً من
صور توضح هذا التأثير في مجتمعاتهم، ومن ذلك على سبيل المثال:
- قيام الكنيسة الكاثوليكية في الفلبين بتأييد المعارضة ضد رئيس الدولة
(جوزيف أسترادا) لما أخذ عليه من مخالفات مالية معروفة، ولم يجد هذا التأييد أي
نكير من القوى الغربية.
- احتجاج الكنيسة الأرثوذكسية على الحكومة اليونانية حول رغبتها في
شطب اسم (الديانة) من بطاقة الهوية؛ لا سيما أن الكنيسة والدولة في اليونان لا
تزالان غير منفصلتين، وهذا منصوص عليه في الدستور اليوناني [٢] .
- وما أخبار رجال الدين الموارنة في لبنان عنا ببعيدة؛ فمنذ إعلان
(البطريرك صفير) دعوته لإخراج القوات السورية من لبنان لأنه يرى أنها تشكل
وصاية على لبنان أسهمت في أزماته الاقتصادية غير المسبوقة. ونقلت الصحف
ذهاب بعض الوزراء لطمأنة البطريرك وتهدئة خاطره، وأن رغبته محل الاعتبار؛
مما جعل البلدين يناقشان الموضوع، ونتج عن ذلك إعادة انتشار القوات السورية
كما هو معروف.
فهذه الأدوار لرجال الدين النصارى في العالم، وتدخلهم في شؤون دولهم لم
يعد خافياً على الجميع وهم المعروف عنهم جملتهم المشهورة: (دعوا ما لقيصر
لقيصر وما لله لله) ، لم يعد ذلك مجهولاً، وأصبح لهم كلمتهم في مجتمعاتهم؛ بينما
علماء الدين المسلمون في كثير من بلداننا مُهمَّشون. ومن بركات الحكومات
العلمانية في بلداننا نقل ذلك المقول النصراني المأثور إلى بلاد الإسلام ليعمل به
بالحديد والنار مع مخالفته للمنطلقات الشرعية الإسلامية ومنافاته للعقيدة ومناقضته
للإسلام، وهذا ما قرره كثير من العلماء عند بحثهم لهذه المسألة؛ حيث أوضحوا
مناقضة الإسلام لكثير من أعمالهم المعروفة ومنها:
١ - الاستهزاء بشيء من دين الله أو ثوابه أو عقابه؛ فذلك مناقض للإسلام.
٢ - من اعتقد أن بعض الناس يسعهم الخروج على شريعة محمد صلى الله
عليه وسلم كما وسع الخضر الخروج على شريعة موسى فهو أيضاً يناقض الإسلام.
فماذا يسمى تهميش الدين وتنحيته عن الحياة إن لم يسمَّ استهزاءاً به؟ وماذا
يسمى ترك الشريعة ونبذها والحكم بغير ما أنزل الله سوى الاستهتار بهذا الدين
ورميه في عرض الحائط؟ تلك صورتان للعلماء: عند المسلمين في عصورهم
الحديثة، وعند غير المسلمين أيضاً بين تبجيل وتخذيل وتقدير وتزوير.. فإلى الله
المشتكى.
كلمة أخيرة:
لكثير من أدبائنا وصحفيينا الذين دأبوا على الهمز واللمز بحق علماء الإسلام
ودعاته وإظهارهم بصور منكرة والافتراء عليهم بمناسبة وبغير مناسبة: نذكِّرهم
بأن أساتذتهم الذين يدعوننا دائماً للاقتداء بهم - ونعني الغربيين - هم بعكسهم تماماً
في مواقفهم من علماء مللهم؛ فلماذا لا يأخذون عنهم تقديرهم لعلمائهم وإشادتهم بهم؟
أم أن النقل لا يكون إلا فيما لا يفيد، وفيما لا يصلح؟ !
هذه هي الحقيقة، والشيء من معدنه لا يستغرب.
واللهَ نسأل للجميع الهداية والتوفيق لما يحبه ويرضاه.
стр. 3741
إشراقات قرآنية
لطائف بلاغية في آية قرآنية
محمد بن عبد العزيز الخضيري
ما من مسلم في الأرض يشهد لله بالوحدانية إلا وهو يقر إقرارًا جازمًا لا مراء
فيه بأن القرآن الكريم تنزيل من حكم حميد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه، وأنه قد بلغ الذروة من الفصاحة والبلاغة التي يتقاصر البلغاء - فضلاً عمن
سواهم - عن سبر غورها وإدراك أعماقها، وهذا الإقرار من كثير منهم قد جاء
بناءًا على خبر الصادق - كما نطقت به آي الكتاب وكلمات الرسول صلى الله عليه
وسلم - خلافًا لما كان عليه الناس في القرون الأُول حين كانوا يتذوقون تلك البلاغة
ويدركون حقيقة الإعجاز الذي أخبروا عنه.
ولكي أطلعك - أخي - على لون من ألوان بلاغة القرآن جار مجرى التمثيل
والتدليل لتنتقل بإيمانك من العلم إلى اليقين إلى عين اليقين فإني استعرض لك في
هذه المقالة بعض ما دوًّنه أئمتنا في بلاغة آية نرددها الدهر كله، لكن لفساد تذوقنا
اللغوي. وضعف تدبرنا وقلة زادنا؛ فإن ما أُدع في هذه الآية من بديع الحكمة
وعمق البلاغة لا يخطر لنا على بال فضلاً عن استرواحنا له واستلذاذنا به.
وإذا كان هذا الشأن في آية؛ فكيف يكون القول فيه بقية الآي؟
إنها قوله - تعالى -: [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] (الفاتحة: ٥) . فإليك
لطائف من بلاغتها لترى بأم عينك ما انعقد عليه قلبك.
المسألة الأولى: حكمة تقديم المعمول (إياك) :
إن تقديم المعمول [إِيَّاكَ] (الفاتحة: ٥) على عاملها [نَعْبُدُ]
(الفاتحة: ٥) نموذج رائع على بلاغة القرآن وبلوغه الذروة العليا من الفصاحة
والبيان، فلا يشق له في ميدان البلاغة غبار؛ وحق له أن يكون كذلك؛ وكيف لا،
وهو كلام رب العالمين؟
ولعلي أطلعك على صدق مقالي في هذا البحث اللطيف لترى كيف تجول أقلام
أحبار الأمة في بيان بلاغة تقديم (إياك) على عاملها فتبصر العجب، وإنما هو
عجب في الأذهان، وليس بمستبعد ولا غريب على القرآن.
وقد بين العلماء - رحمهم الله تعالى - وجوهًا كثيرة في سر التقديم أسوق
موضحًا باقة منها يتضح من خلالها ما تضمنته الآي من آيات الصدق الشاهدة على
أن هذا الكلام من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
الوجه الأول:
في التقديم إيذان بالحصر أو الاختصاص؛ فهو في قوة (لا نعبد إلا إياك،
ولا نستعين إلا بك) ، والحاكم في ذلك كما قال ابن القيم ﵀: (ذوق
العربية واستقراء موارد استعمال ذلك مقدمًا) [١] .
والحصر في الأول حقيقي؛ لأن المؤمنين الملقًّنين لهذا الحمد لا يعبدون إلا
الله، وأما في الثاني فهو حصر ادعائي إضافي كما ذكر ذلك الطاهر بن عاشور -
﵀ ومعناه هنا: لا نستعين في عظائم الأمور التي لا يستعان فيها بالناس
إلا بالله - تعالى -[٢] .
وقد زعم قوم أن التقديم هنا لا يفيد الاختصاص بل الاهتمام؛ والصحيح
خلاف ما قالوه. وسيبويه ﵀ ذكر الاهتمام ولم ينف غيره [٣] ، ولأنه
يقبح من قائل قد أعتق عشرة من الأعبد ثم قال لأحدهم: إياك أعتقت؛ فإن من
يسمعه ينكر ذلك عليه ويقول: وغيره أيضًا أعتقت: ولولا فهم الاختصاص لما قَبُح
هذا الكلام، ولا حسن إنكاره [٤] . قال ابن القيم: ولا عبرة بجدل من قلَّ فهمه وفتح
عليها باب الشك والتشكيك؛ فهؤلاء هم آفة العلوم وبليًّة الأذهان والفهوم) [٥] اهـ.
قال الشوكاني: (وتقديمه على الفعل: لقصد الاختصاص، وقيل للاهتمام والصواب
أنه لهما؛ ولا تزاحم بين المقتضيات) [٦] .
الوجه الثاني:
إفادة الاهتمام فإن عادة العرب جارية على تقديم ما القصد الأول إليه،
والاهتمام متوجه نحوه من الفاعل والمفعول؛ وإن كان في ذكر الجملة القصد أن
جميعًا فإنك تقول: بالأمير استخف الجند. وإذا كان القصد الأول ذكر من وقع به
الاستخفاف، وتقول: الأمير استخف بالجند. إذا كان مقصودك الأول هو التنبيه
على من أقدم على الاستخفاف بهم.
ولما كان القصد الأول في الآية ذكر المعبود دون الإخبار عن إيجاد عبادتهم
كان تقديم ذكره أوْلى؛ وعلى هذا قوله - تعالى -[قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ
أَيُّهَا الجَاهِلُونَ] (الزمر: ٦٤) [٧] .
ومنه أيضًا ما حُكي أن أعرابيًا سب آخر فأعرض المسبوب، فقال الساب:
إياك عني. فقال الآخر: وعنك أعرض. فانظر كيف قدم كل منهما ما قصده إليه
أول [٨] .
الوجه الثالث:
فيها أدبهم مع ربهم - جل وعلا - حيث قدموا ذكره على ذكر عبادتهم، ومنه
يؤخذ تعليمهم الأدب مع المتفضل المنعم عليهم فيقدموا ذكره في كل شأن من
شؤونهم [٩] .
الوجه الرابع:
أن الله - تعالى - قدم ذكر نفسه ليتنبه العابد من أول وهلة على أن المعبود
هو الله؛ فلا يتكاسل في التعظيم، ولا يلتفت يمينًا ولا شمالاً [١٠] .
الوجه الخامس:
وفيه التنبيه للعبد بأنه إذن ثقلت عليك الطاعات وصعبت عليك العبادات من
قيام وركوع وسجود فاذكر: [إِيَّاكَ نَعْبُدُ] (الفاتحة: ٥) لتذكرني، وتخضر في
قلبك معرفتي؛ فإذا ذكرت ذلك سهلت عليك عبادتي [١١] .
الوجه السادس:
من كان نظره في وقت النعمة إلى المنعم لا إلى النعمة؛ كان نظره في وقت
الابتلاء إلى المبتلى لا إلى البلاء فيكون في كل أحواله متعلقًا بالله، بخلاف من
يخالف ذلك، ولذا قال الله - تعالى - لأمة موسى: [اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ]
(البقرة: ٤٠) ، وقال لأمة محمد ﷺ : [فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ]
(البقرة: ١٥٢) [١٢] .
الوجه السابع:
وليلفت نظر العبد إلى أن يكون نظره إلى المعبود أولاً وبالذات، ثم إلى العبادة من
حيث إنها وصلة إليه وراحلة تفد عليه [١٣] .
الوجه الثامن:
إن الله هو الأول؛ فوجب أن يقدم ذكره ليوافق الوضع الطبع.
الوجه التاسع.
وليعرِّض بالمشركين الذين يعبدون مع الله غيره، ويستعينون بغيره، فقد
كانوا فريقين:
- فريقًا عبد غير الله على قصد التشريك، إلا أن ولعه بغير الله أنساه عبادة
الله كما عبدت الفرس النور.
- وفريقًا أشرك مع الله غيره؛ وهذا حال معظم العرب؛ فقد جعلوا الآلهة
بزعمهم وسيلة يتقربون بها إلى الله، فيجمعوا بين العبادة لهم والاستعانة بهم.
قال الطاهر بن عاشور: (وإنما قلنا: إن استفادة الرد على المشركين بطريق
التعريض؛ لأن القصر الحقيقي لا يصلح أن يكون لرد الاعتقاد إلا تعريضًا، لأن
معناه حاصل على الحقيقة كما أشار السلكوتي في حاشية التفسير) [١٤] .
وإلى هنا أوقف سباحة الفكر في أوجه تقديم المعمول على العامل في الآية،
ففي ما ذكر ذكرى لمن ادّكر.
ويحسن بي أو أورد إشكالاً ذكره الرازي في تفسيره بقوله: (إن قال قائل:
جميع ما ذكرتم قائم في قوله: [الْحَمْدُ لِلَّهِ] (الفاتحة: ٢) وقد قدم فيه ذكر
(الحمد) على ذكر (الله) .
فالجواب: إن قوله: [الْحَمْدُ] (الفاتحة: ٢) يحتمل أن يكون لله ولغيره
(أي يجوز إطلاق الحمد لغير الله) ، فإذا قلت: (لله) تفيد بأن يكون لله، أما لو قدم
(نعبد) احتمل أن يكون لله، واحتمل أن يكون لغير الله وذلك كفر: والنكتة أن
الحمد لما جاز لغير الله في ظاهر الأمر كما جاز لله؛ لا جرم حسن تقديم الحمد، أما
ها هنا فالعبادة لما لم تجز لغير الله قدم قوله: (إياك) على (نعبد)) [١٥] .
المسألة الثاني: حكمة تكرار (إياك) :
كررت (إياك) في الآية مرتين وأعيدت مع العاملين (نعبد، نستعين) ،
وكان يمكن أن يقال: لو لم تكرر لكان أخصر، ولكنا حين نعلم اللطائف في
تكرارها نقضي عجبًا من فصاحة القرآن، ولا يكون عندنا ريب في أن ورودها
مكررة مع عامليها هو الحق الذي لا يكون غيره مكانه، مع أنه قد ورد في القرآن
الاقتصار على ذكر أحد المفعولين في آيات كثيرة منها قوله - تعالى -:
[مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى] (الضحى: ٣) : أي ما قلاك، وكذلك الآيات التي
بعدها في معناها [١٦] (فآواك، فهداك، فأغناك) ، ولكن هذه الآية العظيمة [إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] (الفاتحة: ٥) لها شأن غير شأن سواها من الآيات , ونبين
حكمة ذلك فيما يلي:
أولاً: أنه لو حذفت [إِيَّاكَ] (الفاتحة: ٥) في الثاني لفاتت فائدة التقديم،
وهي قطع الاشتراك بين العاملين؛ إذ لو قال: (إياك نعبد ونستعين) لم يظهر أن
التقديم (إياك نعبد وإياك نستعين) بل قد يحتمل غيره في التقدير ك (إياك نعبد
ونستعينك) مثلا [١٧] .
ثانيًا: وكرر للتنصيص على تخصيص: (الله تعالى) بكل واحدة من العبادة
والاستعانة [١٨] .
ثالثًا: ولأنه لو لم يكرر لصح أن يعتقد أن الاستعانة تكون بغير الله - عز
وجل -[١٩] .
رابعًا: وللتنصيص على طلب العون منه بخلاف ما لو جاءت هكذا: (إياك
نعبد ونستعين) فإنه يحتمل أن يكون إخبارًا بطلب العون، أي: وليطلب العون،
من غير أن يعيّن ممن يطلب [٢٠] .
خامسًا: ولأنه ربما توهم أنه لا يتقرب إلى الله - تعالى - إلا بالجمع بينهما،
والواقع خلافه [٢١] .
سادسًا: وليكون في التكرار تعليمًا للعباد بأن يجددوا ذكر الله - تعالى - عند
كل حاجة [٢٢] .
سابعًا: وليكون في التكرار إبراز الاستلذاذ بمناجاة الله وخطابه [٢٣] .
ثامنًا: وليشعر أن حيثية تعلق العبادة به - تعالى - غير حيثية تعلق الاستعانة
منه، ولو قال: (إياك نعبد ونستعين) لتوهم أن الحيثية واحدة، والشأن ليس كذلك،
إذ لا بد في طلب الإعانة عن توسط صفة، ولا كذلك في العبادة، فلاختلاف
التعلق أعاد المفعول ليسير بها إليه [٢٤] .
تاسعًا: ولأن بين الحصرين فرقًا فالحصر في: [إِيَّاكَ نَعْبُدُ]
(الفاتحة: ٥) حقيقي كما تقدم والحصر في [إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] (الفاتحة: ٥)
ادعائي؛ فإن المسلم قد يستعين بغير الله، ولكنه لا يستعين في عظم الأمور إلا
بالله، ولا يعد الاستعانة حقيقة إلا الاستعانة بالله.
ومن المفسرين من جعل التكرار للتوكيد كما تقول: (بين زيد وبين عمر
خصومة) فتعيد (بين) ، وقد رجح هذا الواحدي في بسيطه [٢٥] .
وردّ عليه الآلوسي بأن التكرار إنما يكون توكيدًا إذا لم يكن معمولاً لفعل ثان،
(وإياك) الثاني في الآية معمول لـ (نستعين) ، مفعول له؛ فكيف يكون
تأكيدًا؟ [٢٦] .
المسألة الثالثة: سر الإتيان بنون الجمع في الفعلين:
لسائل أن يقول: إن المتكلم بالآية واحد فما معنى الإتيان بالنون المفيدة للجمع
أو التعظيم في هذا المقام؟
ونقول: قد اختلفت مشارب العلماء في الإجابة على هذا التساؤل وكل منهم
بنى على ما رآه فوائد استنبطها من مدلول الآية حسب ما يراه.
فيرى جمع أن النون للجماعة؛ فهي بذلك على حقيقتها، فكأن المصلي أخبر
عن نفسه وعن جنس العباد وهو واحد منهم لا سيما إن كان في جماعة أو كان إمامًا
لهم، فأخبر عن نفسه وعن إخوانه بالعبادة التي خلقوا لأجلها [٢٧] .
قالوا: ففيه التنبيه على أن هذه الصلاة إنما بنيت على الاجتماع؛ فينبغي ألا
تفعل إلا جماعة [٢٨] .
وفيه أيضًا إغاظة للمشركين بإعلامهم أن المسلمين صاروا في عز ومنعة [٢٩]
وقالوا فيه أيضًا: بالغ الثناء على الله لئلا تخلو مناجاتهم لربهم عن ثناء له بأنه قد
شهد له الجماعات بأنهم عبيده وطلبوا منه العون، فكان الحامد لما انتقل من الحمد
إلى المناجاة لم يغادر فرصة يقنص فيها الثناء إلا انتهزها [٣٠] .
وفيه أيضًا إيذان بقصور نفسه، وعدم لياقته للوقوف في مواقف الكبرياء
منفردًا، وعرض العبادة، واستدعاء المعونة والهداية مستقلاً، وأن ذلك، إنما
يتصور من عصابة هو من جملتهم، وجماعة هو من زمرتهم [٣١] ، فلسان حال
العبد يقول: إلهي ما بلغت عبادتي إلى حيث استحق أن أذكرها وحدها؛ لأنها
ممزوجة بجهات التقصير وأنواع التفريط؛ غير أني أخلطها بعبادات جميع العابدين
وأذكر الكل بعبارة واحدة [٣٢] .
ثم إنه لو قال: (إياك أعبد) لكان ذلك بمعنى أنا العابد؛ لكنه عندما يقول:
(إياك نعبد) كان المعنى: إني واحد من عبيدك؛ وفرق بين الأمرين، كما يرشد إليه
قوله - تعالى - حكاية عن الذبيح: [سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ]
(الصافات: ١٠٢) ، وقوله - سبحانه - حكاية عن موسى ﵇:
[سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِراً] (الكهف: ٦٩) . فصبر الذبيح لتواضعه يعدِّ نفسه
واحدا من الصابرين، ولم يصبر كليم الرحمن لإفراده نفسه مع أن كلاً منهما قد قال:
(إن شاء الله) [٣٣] .
ومع ذلك فهو يذكر نفسه مع إخوانه لينأى عن ساحة الكبر والاعتداد بالنفس،
فإنه لو قال: (إياك نعبد، أو إياك عبدت) لكان معظماً لنفسه قد ولج باب الكبرياء
وتدنس بالعجب؛ فإن هذا بمعنى: (أنا العابد) فكأنه وحيد الميدان هو الأهل لهذا
الشأن دون غيره، لكنه بقوله: (إياك نعبد) يكون متجلببًا ببُرد التواضع ولسان
حاله يقول: (لست أهلا لأن أتقدم إلى جنابك العظيم وحدي؛ بل أضم نفسي إلى
سائر عبيدك لأكون داخلاً في ضمنهم، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم) فعسى أن
أكون مقبول العبادة مجاب الدعوة [٣٤] .
ثم إنه إذا قال: (إياك نعبد) كأنه قد صار ساعيًا في إصلاح نفسه وإصلاح
مهمات إخوانه المؤمنين، وإذا فعل ذلك قضى الله مهماته [٣٥] وفيه أيضًا احتراز
من الكذب؛ فإن العبد لا يزال يذل لغير الله ويستعين به؛ فكيف يقول: (إياك أعبد
وإياك أستعين) ؟ [٣٦] .
ومن العلماء من يرى بأن النون للتعظيم؛ ووجه ذلك عندهم: أن العبد لما
أشتغل قلبه وقالبه بعبادة الله يقال له: قد عظم قدرك عند ربك؛ فقال على سبيل
التعظيم: (إياك نعبد) ليظهر للكل أن كل من كان عبدًا لله كان ملكًا في الدنيا
والآخرة.
أما إن كنت خارج الصلاة فلا تقل: (نحن) ولو كنت في ألف ألف من
العبيد.
ومن العلماء من يرى بأن النون للتواضع؛ وقد مضى شرح كونها للتواضع؛
وحيث إن النتيجة واحدة فقد ذُكرت مع قول من يرى بأنها لحقيقة الجمع، والله أعلم.
المسألة الرابعة: سر تقديم العبادة على الاستعانة:
وثَمَّ مسألة نفسية جالت فيها أفهام المفسرين، وتنوعت في تأوليها أقوالهم،
وهي برهان ساطع على اتساع اللفظ القرآني للمعاني الكثيرة بلا تعارض بينها، بل
يصدق بعضها بعضاً، ألا وهي تقديم العبادة على الاستعانة، أو تقديم (إياك نعبد)
على (إياك نستعين) .
وللعلماء في ذلك مسلكان، إليك بيانهما، والله المستعان.
المسلك الأول:
وهو أن التقديم لم يكن لشيء من الحكم المقتضية له، بل لما كان في الآية
تلازم وارتباط شديد استوى تقديم إحداهما أو تأخيره. وفي هذا يقول الطبري -
﵀: (لما كان معلوماً أن العبادة لا سبيل إليها إلا بمعونة من الله جل ثناؤه،
وكان محالاً أن يكون العبد عبداً إلا وهو معان، وأن يكون معانًا عليها إلا وهو لها
فاعل - كان سواءاً تقديم ما قدم منها على صاحبه، كما سواءاً قولك للرجل إذا
قضى حاجتك: (أحسنت إلي فقضيت حاجتي) فقدمت ذكر الإحسان على ذكر
قضاء الحاجة؛ لأنه لا يكون قاضيًا حاجتك إلا وهو إليك محسن، ولا محسنًا إليك
إلا، وهو لحاجتك قاضٍ؛ فكذلك سواء قول القائل: (اللهم إنا إياك نعبد فأعنا على
عبادتك) ، وقوله (الله أعنا على عبادتك فإنا إياك نعبد) [٣٧] .
ولذا فإن بعض من يرى هذا الرأي يستدل له بأن الواو لا تقتضي
الترتيب [٣٨] بل لمطلق الجمع عند النحاة.
المسلك الثاني:
وهو أن التقديم كل لحكمة اقتضت ذلك، وقد أسهب العلماء ﵏
في ذلك أيّما إسهاب، وجالوا في فنون القول حتى أطربوا وأغربوا وأروا غيرهم
اللطائف البيانية تناب في الآية كأنما الآية خزينة ملئت حكمًا، وسأذكر ما وقفت
عليه من ذلك، فالله المستعان، ومنه التوفيق، وعليه التكلان:
الوجه الأول:
أن تقديم العبادة على الاستعانة من باب تقديم العام على الخاص [٣٩] .
الوجه الثاني:
ولأن (إياك نعبد) متعلق بألوهية، واسمه: (الله) ، (وإياك نستعين)
متعلق بربويته، واسم: (الرب) فقدم (إياك نعبد) على (إياك نستعين) كما تقدم
اسم الله على اسم الرب في أول السورة [٤٠] .
الوجه الثالث:
ولأن العبادة المطلقة تتضمن الاستعانة من غير عكس؛ فكل عابد لله عبودية
تامة مستعين به، ولا ينعكس؛ لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به
على شهواته، فكانت العبادة أتم وأكمل [٤١] .
الوجه الرابع:
ولأن العبادة لا تكون إلا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلص وغيره؛
فتقدم ما كان الإخلاص أساسه [٤٢] .
الوجه الخامس:
ولأن العبادة حقه الذي أوجبه عليك، والاستعانة طلب العون على العبادة،
وهو بيان صدقته التي تصدق بها عليك، وأداء حقه أهم من التعرض لصدقته،
وتقديم مطلوبه أولى من تقديم مطلوب العبد [٤٣] .
الوجه السادس:
ولأن العبادة شكر نعمته عليك، والله يجب أن يشكر والإعانة فعله بك وتوفيقه
لك، فإذا التزمت عبوديته ودخلت تحت رقها أعانك عليها، فكان التزامها والدخول
تحت رقها سببًا لنيل الإعانة من الله له أعظم [٤٤] .
الوجه السابع:
ولأن [إِيَّاكَ نَعْبُدُ] (الفاتحة: ٥) له، و [إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ]
(الفاتحة:٥) به، وما له مقدم على ما به؛ لأن ما له متعلق بمحبته أكمل مما تعلق
بمشيئته؛ فإن الكون متعلق بمشيئته، والملائكة والشياطين والمؤمنون والكفار،
والطاعات والمعاصي، والمتعلق بمحبته طاعتهم وإيمانهم، فالكبار أهل مشيئته،
والمؤمنون أهل محبته، ولهذا لا يستقر في النار شيء لله أبدا، وكل ما فيها فإنه
به تعالى وبمشيئته [٤٥] .
الوجه الثامن:
ولأن (إياك نعبد) قِسْم الرب، فكان من الشطر الأول الذي هو ثناء على الله
لكونه أولى به و (إياك نستعين) قِسْم العبد فكان مع قسمه [٤٦] .
الوجه التاسع:
ولكون الأولى وسيلة للثانية فإن العبد يقر ويعترف بعبوديته لله، ويجعل هذا
الإقرار، والاعتراف وسيلة لحصول الثاني، فتقديم الوسائل سبب لحصول
المطالب [٤٧] .
الوجه العاشر:
إن قوله: (إياك نعبد) يقتضي حصول رتبة عظيمة للنفس بعبادة الله تعالى،
وذلك يورث العجب، فأردف بقوله: (وإياك نستعين) ليدل ذلك على أن تلك
الرتبة الحاصلة بسبب العبادة ما حصل من قوة العبد، بل إنما حصلت بإعانة الله،
فالمقصود من ذكر قوله: (وإياك نستعين) وإزالة العجب، وإفناء تلك النخوة
والكبر [٤٨] .
الوجه الحادي عشر:
أن في تأخير فعل الاستعانة توافق رؤوس الآي مما يضفي جمالا على النظم
القرآني [٤٩] .
الوجه الثاني عشر:
ولأن الاستعانة مركبة على كونه معبودًا للمستعين منه [٥٠] .
الوجه الثالث عشر:
أن العبادة هي المقصود الأعظم من العبد، والاستعانة وسيلة إليها، والحزم
تقديم ما هو الأهم.
الوجه الرابع عشر:
أن المصلي إذا دخل في الصلاة فكأنه يقول: شرعت في العبادة، فاستعين بك
على إتمامها؛ فلا تمنعني من إتمامها بالموت والمرض، وقلب الدواعي،
وغيرها [٥١] .
الوجه الخامس عشر:
ولأن العبادة فرض لازم على العبد؛ بينما الاستعانة تابعة للمستعان فيه في
الوجوب وعدمه [٥٢] .
الوجه السادس عشر:
أن طلب العبد الاستعانة لا بد أن يكون مسبوقًا بملاحظة فعل من أعاله وهو
العبادة ليستعينه - تعالى - في إيقاعه [٥٣] ، قلت: وهذا وجه لمن قال بأن الاستعانة
مقيدة بالعون على العبادة، وليست مطلقة؛ والصحيح الذي سنذكره فيما بعد خلافه
وهو إطلاق الاستعانة وإن كان أعظم مقاصدها العون على العبادة.
الوجه السابع عشر:
أن مقام السالكين ينتهي عند قوله: (إياك نعبد) وما بعده يطلب به العبد من
ربه التمكين؛ فالأول كله حمد وثناء وتمجيد ثم إفراد للعبادة لله؛ فناسب أن يكون
الباقي في ذلك سؤالاً وطلبًا [٥٤] .
المسألة الخامس: سر الالتفات في الآية وفائدة:
ومن القضايا التي لفتت أنظار المفسرين والبلاغيين في الآية الكريمة قضية
الالتفات، وهي من روائع ما في كلام العرب. وقبل ذكر الالتفات في الآية وذكر
فائدته نذكر مقدمة يسيرة بين يدي الموضوع في تعريف الالتفات وأضربه ليتسنى
لنا فهمه جليًا.
قال علماء البلاغة: (والالتفات من أجلِّ علوم البلاغة، وهو أمير جنودها
والواسطة في قلائدها، وعقودها، وسمي بذلك آخذًا من التفات الإنسان يمينًا وشمالاً،
فتارة يُقبل بوجهه، وتارة كذا، وتارة كذا، وهكذا حال هذا النوع من علم
المعاني) [٥٥] ، وأبو الفتح بن جني يسمي الالتفات: (شجاعة العربية) كأنه
عني أنه دليل حدة ذهن البليغ وتمكنه من تصريف الشجاع في مجال الوغي بالكر
والفر) [٥٦] .
ومعناه في مصطلح علماء البلاغة: العدول من أسلوب في الكلام إلى أسلوب
آخر مخالف للأول [٥٧] .
وحكمته هي - كما قال الزمخشري - أنه إنما يكون إيقاظًا للسامع من الغفلة
وتطريبًا له بنقله من خطاب إلى خطاب آخر، فإن السامع ربما ملّ من أسلوب
فينقله إلى أسلوب آخر، تنشيطًا له في الاستماع، واستمالة له في الإصغاء إلى ما
يقول له، وقد يكون له غير ما ذكره الزمخشري من الحكم التي يقتضيها سياق
الكلام [٥٨] .
وأما أضربه: فهي ثلاثة:
الضرب الأول:
ما يرجع إلى الغيبة والخطاب والتكلم، ومنه ما في سورة الفاتحة؛ حيث
رجع من الغيبة في قوله: [الْحَمْدُ لِلَّهِ] (الفاتحة: ٢) إلى الخطاب في قوله:
[إِيَّاكَ] (الفاتحة: ٥) ثم رجع إلى الغيبة في قوله: [غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ]
(الفاتحة: ٧) .
الضرب الثاني:
مختص بالأفعال وهو الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، أو عن
الماضي إلى الأمر؛ وفي هذا رجوع من الإخبار إلى الإنشاء.
مثال للأول: [إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ]
(هود: ٥٤) .
ومثال الثاني: [قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ]
(الأعراف: ٢٩) .
الضرب الثالث:
مختص بالأفعال، وهو الرجوع من الماضي إلى المضارع أو العكس.
مثال الأول: [وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ] (فاطر: ٩) .
فقال [أَرْسَلَ] (فاطر: ٩) ثم قال: [فَتُثِيرُ] (فاطر: ٩) ثم رجع إلى
الماضي [فَسُقْنَاهُ] (فاطر: ٩) [٥٩] .
ومثال الثاني: [وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي
الأَرْضِ] (النمل: ٨٧) .
ونعود بعد هذه التقدمة إلى ما استأثر به هذا المقام الجليل في الآية من النكت
الرائعة الدالة على تخصيص العبادة والاستعانة به تعالى، ولو جرى الكلام على
أصله لقال: (إياه نعبد) فعدل عن ضمير الغائب إلى ضمي المخاطب لنكتة
(الالتفات) . قال أبو حيان: (ونظير هذا أن تذكر شخصًا متصفًا بأوصاف جليلة
مخبرًا عنها إخبار الغائب ويكون ذلك الشخص حاضرًا معك، فتقول له: إياك
أقصد، فيكون في هذا الخطاب من التلطف على بلوغ المقصود ما لا يكون في لفظ
(إياه) [٦٠] .
هذا وقد صارت حكمة الالتفات معترك ألباب أولي التفسير فاختلفت وجهات
نظرهم في توجيهه، وليس بين كثير منها تعارض، بل يصح أن يكون بعضها مع
آخريات منها مرادًا، وها أنا أسوق ما ذكروه، وأنقل إليك ما كتبوه:
الأول: أن العبد لما ذكر لله نعوت الجلال وصفات الكمال التي أوجبت له -
تعالى - أكمل تميز، وأتم ظهور؛ بحيث تبدل جفاء الغيبة بجلاء الحضور،
فاستدعى ذلك استعمال صيغة الخطاب والإيذان بأن حق التالي بعدما تأمل فيما سلف
من تفرده - تعالى - وكماله وجلاله أن ينتقل من عالم الغيبة إلى عالم الشهود حتى
كأنه واقف لدى مولاه ماثلا بين يديه وهو يدعو بالخضوع والإخبات، ويقرع
بالضراعة باب المناجاة بـ (إياك نعبد وإياك نستعين) [٦١] .
الثاني: أن المصلي كان أجنبيًا عند الشروع في الصلاة؛ فلما أثنى على الله
بأنواع المحامد كأن الله قال له: حمدتني وأثنيت علي ومجدتني، فنِعْم العبد أنت قد
رفعنا الحجاب فتكلم بالخطاب [٦٢] .
الثالث: أنه من أول السورة إلى هذه الآيات ثناء، والثناء في الغيبة أولى،
ومن البداية إلى النهاية دعاء، والدعاء في الحضور أولى، وأحسن السؤال ما وقع
على سبيل المشافهة، ألا ترى أن الأنبياء ﵈ لما سألوا ربهم شافهوه
بالسؤال [٦٣] ؟
الرابع: أن الحمد لما كان لا يتفاوت غيبة وحضورًا، بل هو مع ملاحظة
الغيبة أدخل وأتم، وكانت العبادة إنما يستحقها الحاضر الذي لا يغيب كما حكى الله -
سبحانه - عن إبراهيم: [فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ] (الأنعام: ٧٦) لا
جرم، عبَّر عن الحق بطريق الغيبة، وعنها بطريق الخطاب، إعطاءاً لكل منهما
ما يليق به النسق المستطاب [٦٤] .
الخامس: أنه لما لم يكن في الحمد مزيد كلفة بخلاف العبادة فإن خطبها عظيم،
ومن دأب المحب تحمل المشاق العظيمة في حضور المحبوب، قرن - سبحانه -
العبادة بما يشعر بحضوره ليأتي بها العابد خالية من الكلال، عارية من الفتور
والملال، مقرونة بكمال النشاط لتمام الانبساط.
بهذا - أخي القارئ - نأتي على نهاية ما تيسر لنا جمعه وعرضه من
اللطائف البلاغية، والنكات اللغوية في هذه الآية القرآنية سائلين المولى - جل
وعلا - أن ينفعنا به جميعاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 3742
دراسات في الشريعة والعقيدة
أحكام اللُّقَطَة
رأفت الحامد
أولاً: تعريف اللقطة:
اللقطة في اللغة: من اللقط، واللَّقْط - بسكون القاف - أخذ الشيء، ومنه
قوله - تعالى -: [فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ] (القصص: ٨) .
شرعاً: مال محترم، غير محرز، لا يعرف الواجد مستحقه.
توضيح التعريف: «مال محترم» : هو المال المعصوم الذي لا يجوز لأحد
التصرف فيه بغير إذن صاحبه [١] .
- ويخرج بقيد «غير محرز» الأموال المحفوظة في مواضع مصونة.
- ويخرج بقيد «لا يعرف الواجد مستحقه» ما عُرف مستحقه، وما ليس له
مستحق من الأموال العامة المباحة التي هي لآخذها.
ثانياً: أركان اللقطة؛ وهي ثلاثة:
١ - اللقط.
٢ - الملتقط.
٣ - الملقوط [٢] .
الركن الأول: اللقط:
وهو وضع اليد على الملقوط، وفيه معنى الأمانة والولاية ابتداءاً، ومعنى
الاكتساب والتملك انتهاءً.
حكم اللقط:
مذهب الحنفية والشافعية هو استحباب اللقط، وعند المالكية [٣] والحنابلة هو
كراهة اللقط. وقد يكون اللقط دائراً على الأحكام التكليفية الخمسة [٤] :
١ - اللقط الواجب: إذا خيف على المال الضائع التلف، وتعين اللقط طريقاً
لحفظها.
٢ - اللقط المندوب: عند عدم خوف التلف عليها، ووثوق الملتقط بنفسه
وقدرته على التعريف.
٣ - اللقط المحرم: عندما يأخذ الملتقط المال الضائع لا لحفظه ورده إلى
صاحبه بل لتملكه.
٤ - اللقط المكروه: وذلك في حق من يشك في أمانة نفسه.
٥ - اللقط المباح: إذا استوى الترك واللقط.
قال الحافظ ابن حجر: «ومن ثم كان الأرجح من مذاهب العلماء أن ذلك
يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال؛ فمتى رجَح أخذها فوجب أو استحب، ومتى
رجَح تركها حرم أو كره وإلا فهو جائز» [٥] .
الإشهاد على الالتقاط:
يجب الإشهاد على الالتقاط؛ بأن يُشْهِدَ الملتقطُ عليه رجلاً عدلاً واحداً فأكثر
لحديث عياض بن حمار مرفوعاً: «من وجد لقطة فليُشهِدْ ذا عدل في لفظ
(ذوي عدل) لا يكتم ولا يُغيِّب، فإن وجد صاحبها فليردها عليه؛ وإلا فهو مال الله
يؤتيه من يشاء» [٦] .
والوجوب مذهب الظاهرية [٧] وقول عند الشافعي، وإليه ذهب
الشوكاني [٨] والصنعاني [٩] ، وذهب الحنابلة [١٠] والمالكية - وقول عن
الشافعي [١١]- إلى استحباب الإشهاد احتياطاً.
وسبب الوجوب: أنه يمتنع به من الخيانة، وأنه قد يموت فجأة فتصير اللقطة
من تركته فتفوت على مالكها.
كيفية الإشهاد: فيه طريقتان:
الأولى: يُشهِد أنه وجد لقطة ولا يُعلِم بالعِفاص ولا غيره لئلا يتوصل بذلك
الكاذب إلى أخذها.
الثانية: يُشهد على صفاتها كلها حتى إذا مات لم يتصرف فيها الوارث.
وأشار بعض الشافعية إلى التوسط بين الوجهين، فقالوا: لا يستوعب
الصفات ولكن يذكر بعضها. قال النووي: «وهو الأصح» [١٢] .
- ما تقدم في حكم الالتقاط والإشهاد إنما في غير التقاط الحيوان من الجمادات
وما يشبهها.
التقاط الحيوان:
ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى القول بعدم التقاط
الحيوان للنهي الوارد في حديث زيد بن خالد، وحمل بعضهم النهي على من التقطها
ليتملكها لا ليحفظها فيجوز له، وهو قول للشافعية [١٣] ، وأما الحنفية فقد جعلوا
الحيوان كغيره في حكم الالتقاط.
والصحيح أنه لا يجوز لقط الإبل لما ورد مرفوعاً من حديث زيد بن الحارث:
«ما لك ولها؟ ! معها حذاؤها وسقاؤها: ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يجدها
ربها» [١٤] ، وهو كما سبق؛ فإن الجمهور قاسوا على الإبل كل حيوان يقوى على
الامتناع من صغار السباع [١٥] ، ويقوى على ورود الماء، وذهبوا إلى جواز التقاط
الإبل من قِبَل الإمام أو نائبه عند الضرورة كحالة الخوف عليها من الهلاك، أو
النهب في أوقات اضطراب الأمن، وإن كان الملتقط من العامة لزمه تسليمها للإمام.
أما ضالة الغنم فيجوز التقاطها لما ورد في حديث زيد بن خالد صريحاً:
«خذها؛ فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب» [١٦] ، وقاس عليها الجمهور
ما يشبهها في الضعف واحتمال الضياع [١٧] .
التقاط لقطة الحاج:
جاء في الشرع ما يدل على النهي عن لقطة الحاج، أي التقاط ما ضاع من
الحاج أو ما ضاع في مكة المكرمة لحديث أبي هريرة مرفوعاً: « ... ولا يلتقط
ساقطتها - أي مكة - إلا منشد» [١٨] . ولحديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن
رسول الله ﷺ : «نهى عن لقطة الحاج» [١٩] [٢٠] ، وحمل
الفقهاء هذا النهي عن التقاطها للتملك لا للتعريف كما هو نص الحديث، وهذا
مذهب الظاهرية [٢١] ، ورواية عن الشافعي [٢٢] ، ورواية عن أحمد [٢٣] واختارها
الشوكاني [٢٤] . وذهب الحنفية [٢٥] ، والشافعي في أحد قوليه، وأحمد في رواية
عنه [٢٦] إلى أنه لا فرق بين لقطة الحرم وغيره.
والصحيح أن هذا الحكم من خصوصيات بلد الله الحرام.
الركن الثاني: «الملتقط» :
وهو من له أهلية الاكتساب أو الاحتفاظ. قال النووي في صفته: «أن يكون
حراً، مسلماً، مكلفاً، أمينا» [٢٧] ، ومن أهل العلم من أجاز التقاط الذمي؛ لأنه
من أهل الاكتساب، فهو كالمسلم [٢٨] .
وكذلك الصغير والمجنون والسفيه، فإذا التقط واحد منهم مالاً ضائعاً ثبتت يده
عليه؛ لأنه اكتساب فيصح منه، كالاصطياد والاحتطاب، ولكن يختلف ناقص
الأهلية كالمجنون والصغير في أن وليه ينزع اللقطة منه ويتولى حفظها وتعريفها،
هذا عند الشافعية [٢٩] والحنابلة [٣٠] ، فأما الحنفية فيصح عندهم التقاط الصبي ولا
يصح التقاط المجنون [٣١] .
تعدد الملتقط:
١ - لو التقط اثنان مالاً ضائعاً، ثم ترك أحدهما حقه منه للآخر لم يسقط
حقه [٣٢] .
٢ - لو أقام كلاهما البينة على أنه هو الملتقط وحده ولا تاريخ في البينتين،
تبقى اللقطة لمن هي بيده؛ لأنه صاحب اليد عليها.
٣ - لو أمر إنسان آخر بالتقاط شيءٍ رآه فالتقطه فهو للآمر إن قصد ذلك
الملتقط، وإن قصد أنها له وللآمر فلهما [٣٣] .
٤ - إن رأياها معاً فبادر أحدهما فأخذها، أو رآها أحدهما فأعلم بها صاحبه
فأخذها فهي لآخذها؛ لأن استحقاق اللقطة بالأخذ لا بالرؤية كالاصطياد [٣٤] .
الركن الثالث: «الملقوط» :
وهو المال المحترم شرعاً الذي لا يعرف الملتقط مالكه، وهو إما حيوان
ويسمى «ضالة» أو غير حيوان ويسمى «لقطة» ، أما المال المباح فلا يصير
لقطة؛ لأنه ليس له مالك.
ذكر ما يشتبه في كونه لقطة أو مملوكاً لا يعرف مالكه:
١ - إذا أخذ ثياب غيره أو متاعه أو حذاءه قصداً أو سهواً وترك غيره؛ فهل
يعتبر المتروك لقطة عند المأخوذة ثيابه أم لا؟ الجواب: إن لم يتعمد الأخذ
فالمتروك لقطة، وإن تعمد الأخذ جاز للمأخوذة ثيابه بيع المتروك، واستيفاء حقه
منه، ومن أهم علامات تعمد الأخذ أن يكون المأخوذ أفضل من المتروك. ولو كان
المتروك خيراً من المأخوذ أو مثله دل ذلك على السهو والغفلة؛ فهو بمنزلة الضائع
تجري عليه أحكام اللقطة [٣٥] .
٢ - ومن ترك مختاراً دابة بمهلكة فأخذها إنسان فأطعمها وسقاها وخلصها من
الهلاك فهي له؛ لأنها كالمال المباح؛ لِمَا أخرجه أبو داود بسند حسن عن رجال من
أصحاب النبي ﷺ مرفوعاً: «من وجد دابة قد عجز عنها أهلها
أن يعلفوها، فسيبوها فأخذها فأحياها فهي له» [٣٦] . وهذا مذهب الحنابلة [٣٧] ،
وقال مالك والشافعي وابن المنذر: هي لمالكها، والآخر متبرع [٣٨] .
فإذا تحققت الأركان الثلاثة السابقة فعليه:
أولاً: معرفة اللقطة:
أمر النبي ﷺ في حديث زيد بن خالد بمعرفة اللقطة، فقال:
«اعرف عِفاصها ووِكاءها» .
والوِكاء: هو الخيط الذي يربط به، والعِفاص: هو الوعاء الذي تكون فيه
النفقة [٣٩] .
والغرض معرفة الآلات التي تحفظ النفقة [٤٠] .
يلحق بذلك كل ما يلزم لمعرفة اللقطة ويبين أوصافها مثل جنسها ونوعها
وقدرها وما تتميز به، وكل هذا لمعرفة صدق أوصافها إذا ادُّعي ملكيتها [٤١] ، وقال
الحافظ: «اختلف في هذه المعرفة على قولين للعلماء أظهرهما الوجوب لظاهر
الأمر» [٤٢] .
وعند التعريف باللقطة يستحب بعض أهل العلم كتابة أوصافها خوف النسيان،
هذا قول الإمام أحمد والنووي [٤٣] .
وجوب تعريف اللقطة:
معنى التعريف: إشاعة الخبر في الناس حتى يمكن وصول علمها إلى
صاحبها.
صورة تعريف اللقطة: بأن يذكر للناس عينها ولا يبين أوصافها بل يذكرها
بوصف عام، وأجاز الحنابلة [٤٤] ذكر جنسها من ذهب أو فضة، وقال الشافعية:
يفصل ذكر أوصافها، ويحرم استيعابها، والأوْلى الأخذ بالاحتياط، والإيغال في
الإبهام.
ويؤخذ وجوب التعريف من قوله ﷺ : «عرفها سنة» وقد
قال بهذا الجمهور [٤٥] .
وقد ورد في السنة ما يدل على تحريم أخذ اللقطة بنية التملك وعدم التعريف؛
فمن ذلكم ما رواه مسلم عن زيد بين خالد مرفوعاً: «من آوى ضالة فهو ضال ما
لم يعرِّفها» [٤٦] . وعن الجارود مرفوعاً: «ضالة المسلم حرق النار» [٤٧] .
ويستثنى من هذا الوجوب ما يلي:
١ - ما يعلم أن مالكه لا يطلبه، كقشر الرمان أو النوى، ونحو ذلك مما
يرميه الناس، ولكنه إذا وجده في يد الملتقط فله أن يأخذه؛ لأن إلقاءه يفيد إباحة
الانتفاع به من ملتقطه، ولا يفيد التمليك، وملك المبيح لا يزول بالإباحة، وإن كان
للمباح له الانتفاع به [٤٨] ، وعند الحنابلة يملكه الملتقط؛ لأن صاحبه تخلى عنه.
٢ - اللقطة التافهة: إذا كانت مما يؤكل، ويتسارع إليها الفساد كالتمرة،
ونحوها لحديث أنس أن النبي ﷺ مر بتمرة في الطريق فقال:
«لولا أني أخاف أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها» [٤٩] ، فظاهر الحديث يدل
على عدم اشتراط التعريف، وهذا مذهب الحنابلة والشافعية [٥٠] .
٣ - اللقطة اليسيرة: إذا لم تكن مما يؤكل، فهذه لا يجب تعريفها عند
المالكية والحنابلة، وهو مما لا تتبعه همة أوساط الناس لما رواه أبو داود عن جابر
قال: «رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا، والسوط، والحبل،
وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به» [٥١] ، ولكن يرد عليه ما رواه أحمد من حديث
يعلى بن مرة مرفوعاً: «من التقط لقطة يسيرة حبلاً أو درهماً أو شبه ذلك فليعرِّفها
ثلاثة أيام؛ فإن كان فوق ذلك فليعرفه ستة أيام» [٥٢] ، وزاد الطبراني: «فإن
جاء صاحبها، وإلا فليتصدق بها» . قال الشوكاني: «وفي إسناده عمر بن عبد
الله بن يعلى، وقد صرح جماعة بضعفه؛ فإذا صح هذا الحديث حمل على الذي
قبله؛ فيكون تعريف اللقطة اليسيرة ثلاثة أيام حملاً للمطلق على المقيد [٥٣] .
قال النووي:» أما الشيء الحقير فيجب تعريفه زمناً يظن أن فاقده لا يطلبه
في العادة أكثر من ذلك الزمان « [٥٤] .
٤- إذا خشي الملتقط من الاستيلاء على لقطته ظلماً من قِبَل ذي سلطان جائر
لم يجز له التعريف، وتكون أمانة عنده، وهذا قول عند الشافعية [٥٥] .
مدة التعريف:
الأصل في مدة التعريف سنة كاملة، وهو ما دل عليه حديث خالد بن زيد في
قوله ﷺ :» عرفها سنة «متفق عليه، وهذا محل إجماع، قال
ابن قدامة:» لا نعلم فيه خلافاً « [٥٦] .
ويستثنى من هذا الأصل ما يلي:
١ - إذا كانت اللقطة يسيرة فيعرفها ثلاثة أيام أو زمناً يظن بعده أن فاقدها لا
يطلبها.
٢ - ما يخشى فساده إذا كان كثيراً أو يسيراً كالفاكهة والخضروات فإنه
يعرِّفها مدة لا يخشى فيها عليه الفساد، وهذا قول الحنفية والحنابلة.
زمن التعريف:
يكون التعريف في الأوقات المناسبة - كالنهار مثلاً - ويتكرر بالقدر الذي
يحصل به مقصود التعريف حتى يمكن وصول خبرها إلى صاحبها [٥٧] .
قال ابن الهُمام:» واعلم أن الأمر بتعريفها سنة يقتضي تكرار التعريف عرفاً
وعادة، وإن ظرفية السنة للتعريف يصدق بوقوعه مرة واحدة، ولكن يجب حمله
على المعتاد من أنه يفعله وقتاً بعد وقت، ويكرر ذلك كلما وجد مظنة « [٥٨] .
الفورية في التعريف:
الراجح في التعريف أنه واجب على الفور، ولا يجوز تأخيره عن زمن
تطلب فيه اللقطة عادة، وهذا يختلف باختلاف مقدارها [٥٩] .
مكان التعريف:
يجري التعريف في الأماكن التي يظن فيها بلوغ خبرها إلى صاحبها، وأوْلى
هذه الأماكن مكان التقاطها [٦٠] ، ويعرف في:
- مجامع الناس كالأسواق، وأبواب المساجد [٦١] ، الصحف، الإعلانات
الكبيرة المعلقة، الإذاعة.
من يتولى التعريف:
يتولى أمر التعريف الملتقط، أو نائبه [٦٢] ، ويشترط أن يكون عاقلاً، فلا
يصح تعريف السفيه عند الشافعية إنما يجب على وليه [٦٣] ، ولا يعتد بتعريف
الفاسق؛ لأنه يخون، وكذلك لا يعتد بتعريف الصبي غير المميز، والمجنون،
ويتولى ذلك وليهما، ويعتد بتعريف الصبي المميز [٦٤] .
مؤنة التعريف:
يتحمل الملتقط مؤنة التعريف عند الحنفية والحنابلة [٦٥] ، وعند المالكية
يتحملها صاحب اللقطة [٦٦] ، وعند الشافعية لا يتحملها الملتقط إن كان قصده حفظها
لصاحبها، ويجعلها القاضي من بيت المال قرضاً أو يبيع قسماً منها لنفقة تعريفها.
وإن كان التقطها لتعريفها ثم تملكها إن لم يظهر صاحبها فمؤنة التعريف تكون على
الملتقط، وإذا كان الملتقط صبياً أو مجنوناً فيعرفها الولي، ولكنه لا يدفع مؤنة
التعريف من مال الصبي والمجنون؛ إنما يرفع الأمر إلى القاضي ليبيع قسماً من
اللقطة أو ليقترض على حساب مالك اللقطة، ومالَ صاحب» الإنصاف «الحنبلي
إلى قول الشافعية [٦٧] .
مسألة: إذا قام الملتقط بالتعريف؛ فيتصور أحد حالين:
- أن يأتي صاحبها ويطالب بها أثناء مدة التعريف، أو أن تنتهي مدة
التعريف ولا يطالب بها أحد.
ففي الحالة الأولى: يجب دفع اللقطة إلى من يذكر أوصافها ولا يشترط إقامة
البينة، ولا اليمين لوجوب الدفع لقوله؛ لظاهر الحديث. قال ﵊:
» فإن جاءك أحد يخبرك بعددها، ووعائها، ووكائها فادفعها إليه «رواه البخاري
عن أبي بن كعب، ومسلم عن سلمة بن كهيل، واللفظ له [٦٨] ، ولا يضمن الملتقط
إذا ظهر مستحق للقطة، ولهذا المستحق الرجوع إلى الواصف الآخذ فقط، وهذا
ظاهر مذهب الحنابلة والمالكية وأهل الظاهر، وهو الراجح، وعند الحنفية
والشافعية لا بد من البينة [٦٩] .
وأما الحالة الثانية: تدخل اللقطة في ملك الملتقط عند تمام مدة التعريف غنياً
كان أو فقيراً، وتورث عنه؛ فإن جاء صاحب اللقطة ضمنها له إن كان حياً أو
ضمنه له الورثة إن كان الملتقط ميتاً، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة [٧٠] ،
واستدلوا بما رواه زيد بن خالد مرفوعاً:» فإن لم تعرف فاستنفقها «، وفي لفظ:
» وإلا فهي كسبيل مالك «، وفي لفظ:» فشأنك بها «، وفي لفظ:» فاستمتع
بها «، وفي لفظ:» فاخلطها بمالك «، والمعنى واحد. قال الحافظ:» الأمر
للإباحة؛ فتكفي النية للتملك وهو الأرجح دليلاً « [٧١] .
وذهبت المالكية إلى أن الملتقط إذا كان فقيراً فإن له أن يأكل، وإن كان غنياً
فإنه يتصدق بها، ويجوز أكلها بعد الحوْل [٧٢] ، وذهبت الحنفية إلى أن الملتقط إذا
كان فقيراً فإنه يملكها، وإن كان غنياً فإنه يتصدق بها ولا يأكلها [٧٣] ، قلت:
الراجح قول الشافعية والحنابلة لقوة ما استدلوا به، والله أعلم، ونسبة العلم إليه
أسلم.
ضمان اللقطة:
تعتبر اللقطة أمانة، أو مضمونة بيد ملتقطها حسب نيته.
١ - فإن كان قد التقطها بنية حفظها وردها لصاحبها فهي أمانة فلا يضمنها
إلا بالتعدي والتقصير [٧٤] .
٢ - وإن كان قد التقطها بنية أخذها لنفسه وعدم ردها إلى صاحبها فهي
مضمونة عنده؛ لأنها بحكم المغصوب، وهذا قول الجمهور [٧٥] ، وتعرف نية
الملتقط عند أبي حنيفة وأبي يوسف بالتصديق والإشهاد [٧٦] .
فإذا هلكت اللقطة وجاء صاحبها، وصدق الملتقط بأنه أخذها للحفظ والرد فلا
ضمان عليه لثبوت أمانته بهذا التصديق، وإن كذبه المالك وكان الملتقط قد أشهد
على التقاطه فلا ضمان عليه لظهور أمانته بالإشهاد، وإن لم يكن قد أشهد فتثبت
أمانته بيمينه؛ لأن القول قول الأمين مع اليمين، وهذا قول أبي يوسف، والمالكية،
والشافعية، والحنابلة.
٣- وإذا التقطها بنية الحفظ والرد ثم رد اللقطة إلى مكانها الذي أخذها منه؛
فلا ضمان عليه عند الحنفية [٧٧] والمالكية، وعند الشافعية والحنابلة [٧٨] يضمن؛
لأنها صارت أمانة في يده فلزمه حفظها [٧٩] ، ورُد عليهم بأنه قد يأخذها على ظن
قدرته على حفظها فتبين له عجزه فردها، أو يكون أخذها ليعرف صفاتها ثم يرشد
صاحبها إلى مكانها.
أحكام الضالة:
اعلم أخي الكريم أن وصف الضالة لا يقع إلا على الحيوان، وما سواه يقال
له لقطة [٨٠] . وضالة الحيوان على نوعين:
النوع الأول: ضالة الإبل، وما يشبهها.
النوع الثاني: ضالة الغنم، وما يشبهها.
فأما النوع الأول: وهو ضالة الإبل، وما يشبهها فوصفها كما يلي:
١ - أن تصل بنفسها إلى المرعى والماء.
٢ - أن تمتنع على صغار السباع، إما: بقوة جسمها كالبقر والخيل، أو
ببعد أثرها لسرعة عَدْوِها كالظباء والأرنب، أو بجناحها لسرعة طيرانها كالحمام،
أو بنابها كالكلاب والفهود.
فهذا النوع لا يجوز التقاطه؛ لأنه يقوم بحفظ نفسه [٨١] .
مسائل تتعلق بهذا النوع:
١ - سبق أنه لا يجوز لقط الإبل وما في معناها، وهذا قول الجمهور،
وحكمة النهي عن التقاط الإبل:» أن بقاءها حيث فقدت أقرب إلى وجدان مالكها
لها من تطلُّبه لها في رحال الناس « [٨٢] ، وقال بعضهم:» لاستغنائها عن الحافظ
والمتفقد « [٨٣] .
٢ - لولي الأمر أو نائبه أخذ ضوال الإبل، وما يشبهها في الامتناع من
صغار السباع، على وجه الحفظ لصاحبها، ولا يلزمه تعريفها [٨٤] .
٣ - على ولي الأمر أن يجعل لها حمى ترعى فيه حتى يأتي صاحبها، وإذا
رأى أن المصلحة في بيعها وحفظ ثمنها لصاحبها جاز له ذلك [٨٥] .
٤ - ولو التقطها غير الإمام لم يجز له ذلك، ويكون ضامناً لها ولا يبرأ إلا
بردها إلى صاحبها، وإذا ردها إلى مكانها لا يبرأ ولا يمتلكها بعد مضي سنة إذا لم
يحضر مالكها [٨٦] .
٥ - وعلى مدعي ملكيتها إقامة البينة، ولا يكتفى منه بالوصف؛ لأنها كانت
ظاهرة بين الناس.
وأما النوع الثاني: وهو ضالة الغنم وما يشبهها؛ فوصفها كما يلي:
١ - أن يعجز عن الوصول إلى الماء والمرعى.
٢ - ألاَّ يمتنع من صغار السباع فلا يدفع عن نفسه افتراس الأذى، كصغار
الإبل وهي الفصلان، وصغار البقر وهي العجول، وصغار الخيل وهي الأفلاء،
والدجاج والأوز [٨٧] .
مسائل تتعلق بهذا النوع:
١ - سبق أنه يجوز التقاط ضالة الغنم، وما في معناه، وحكمة أخذ ضالة
الغنم: هي خوف الضياع عليها إن لم يلتقطها أحد، وفي ذلك إتلاف لماليتها على
مالكها [٨٨] .
٢ - يخير ملتقط الغنم بين ثلاثة أمور:
أ - أكلها، وعليه قيمتها إذا ظهر صاحبها، وهذا قول المذاهب الأربعة [٨٩] ،
إلا أن الإمام مالكاً أجاز الأكل، ومنع القيمة على الملتقط، والصحيح الأول [٩٠] .
ب - بيعها وحفظ ثمنها حتى يظهر صاحبها بعد معرفة أوصافها [٩١] .
ج - حفظها لصاحبها، والإنفاق عليها دون أن يتملكها، وتكون النفقة من قِبَل
الملتقط، على جهة التطوع عند الشافعية والحنابلة، وفي رواية أخرى عن
مالك [٩٢] .
٣ - وإذا تلفت ضالة الغنم فعلى الملتقط الضمان، وهذا قول الجمهور [٩٣] ،
وعند الشافعية لا ضمان على الملتقط؛ لأن يده يد أمانة [٩٤] ، وعند الحنابلة
التفصيل: فإن فرط فعليه الضمان، وإلا فلا [٩٥] وهو الأظهر.
٤ - يجب تعريف ضالة الغنم سنة كاملة عند الجمهور، وقال مالك: لا
تعريف في ضالة الغنم [٩٦] . قال ابن قدامة:» ولنا أنها لقطة لها خطر؛ فوجب
تعريفها كالمطعوم الكثير، وإنما ترك ذكر تعريفها؛ لأنه ذكرها بعد بيانه التعريف
فيما سواها، فاستغنى بذلك عن ذكره فيها، ولا يلزم من جواز التصرف فيها في
الحول سقوط التعريف كالمطعوم [٩٧] .
نماء الضالة:
ينقسم نماء الضالة إلى قسمين:
الأول: نماء متصل بالضالة كسمنها، وهذا يكون لمالكها إذا استردها.
الثاني: نماء منفصل عن الضالة كنسلها، وفي هذه الحالة ينظر إن حدث قبل
التملك فهي للمالك، وإذا كان النماء بعد التملك فهو للملتقط؛ لأنه نماء حصل في
ملكه فيكون له [٩٨] [*] .
стр. 3743
دراسات في الشريعة والعقيدة
دمعة على حب النبي ﷺ
نظرات متأملة للواقع في حب النبي ﷺ
(٢ - ٢)
عبد الله الخضيري
في الحلقة السابقة أومأ الكاتب إلى أن الحب أسمى العلاقات وأرقها، ليقف بنا
على المستوى الذي يبلغه محب الرسول ﷺ ، وما يلاقيه هذا الحب
في أيامنا هذه من إهدار من قبل وسائل الإعلام، وقد قدَّم لنا في تلك الحلقة صوراً
من حب المسلمين وتقديرهم لنبيهم ﷺ ، وما كان يفعله علماؤهم إذا
ذكر النبي ﷺ عندهم أو حدثوا عنه في دروسهم؛ فقد ذكر عن
مالك ﵀ أنه كان إذا ذكر النبي ﷺ يتغير لونه وينحني،
ومن ذلك أيضاً ما روي عن عبد الله بن مهدي أنه كان إذا قرأ حديث رسول الله
ﷺ أمر الحاضرين بالسكوت، فلا يتحدث أحد، ولا يُبرى قلم،
وغير ذلك من المواقف والمشاهد.
- البيان -
ومن صور الجفاء الممض الذي طبقه الكثيرون - من غير استشعار للجفاء -
هجر السنن المكانية؛ وشواهد هذا الجفاء في حياتنا كثيرة؛ فترى من الناس من
يحج كل عام ويعتمر في السنة أكثر من مرة، ومع ذلك تمر عليه سنوات كثيرة لم
يعرِّج فيها على المدينة النبوية إلا أقل من أصابع اليد الواحدة، وقد يعتب بعضهم
على أهل الآفاق أو الوافدين الذين لا يقدمون الديار المقدسة في العمر إلا مرة،
ويأتون المدينة فيصلون فيها ويغتنمون أوقاتهم، وترى من أولئك الآفاقيين حرصاً لا
تكاد تجد بعضه عند سكان الجزيرة، بل يعتصر الإنسان أسى على أننا في هذه
الديار، وقلَّ منْ يهتم بالزيارة، وقد يزورها لكن على عجل وخوف من فوات
مصالح يظنها كذلك، وإن زارها فلا اهتمام بالسنن والشعائر، وهذا لعله من
النسيان والانشغال بغير السنن والبعد عن قراءة السيرة النبوية؛ فإن الإنسان بحمد
الله يجد من الأمن والأنس والطمأنينة القلبية في المدينة النبوية ما لا يجده في غيرها
إلا مكة:
ويا حبها زدني جوىً كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدكِ الحشرُ
وصلتكِ حتى قيل: لا يعرف القِلى ... وزرتكِ حتى قيل: ليس له صبر
وإني لتعروني لذكراكِ هزة ... كما انتفض العصفورُ بلَّله القَطرُ
هل الوجد إلا أن قلبي لو دنا ... من الجمر قيد الرمح لاحترق الجمرُ
«وجديرٌ لِمَواطن عُمِّرت بالوحي والتنزيل، وتردَّد بها جبريل وميكائيل،
وعرجت منها الملائكة والروح، وضجت عرصاتها بالتقديس والتسبيح، واشتملت
تربتها على جسد سيد البشر ﷺ ، وانتشر عنها من دين الله وسنة
رسول ﷺ مدارس آيات، ومساجد، وصلوات، ومشاهد الفضائل
والخيرات، ومعاهد البراهين والمعجزات، ومواقف سيد المرسلين صلى الله عليه
وسلم، ومتبوّأ خاتم النبيين ﷺ » [١] أن يُعتنى بها، وأن تحل في
القلوب وتخالط بشاشتها، وأن يكون في زيارتها ما يحدو إلى اتباع السنة وتعظيم
نبي الأمة ﷺ .
ومن السنن في المدينة: الصلاة في المسجد النبوي، وهي صلاة مضاعفة،
كما قال ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما
سواه إلا المسجد الحرام» [٢] .
ومن السنن المكانية الصلاة في مسجد قباء، وقد قال النبي صلى الله عليه
وسلم فيما رواه أُسيد بن ظُهير: «صلاة في مسجد قباء كعمرة» [٣] .
وعن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت: سمعت أبي يقول: «لأن أصلي
في مسجد قباء ركعتين أحبُّ إليَّ من أن آتي بيت المقدس مرتين، ولو يعلمون ما
في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل» . قال الحافظ في الفتح: «إسناده صحيح» [٤] .
وهو محمول على عدم شد الرحال له خلا المسجد النبوي؛ فقد قال صلى الله
عليه وسلم: «لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا،
والمسجد الأقصى» [٥] . «فيستحب السفر إلى مسجده» [٦] .
ومما نسي في المدينة من السنن المكانية الصلاة في الروضة الشريفة، وهي
من رياض الجنة التي ينبغي التنعم فيها والاعتناء بها؛ إذ هي من أماكن نزول
الرحمة وحصول السعادة وأسبابها [٧] . وقد بين ذلك ﷺ بقوله:
«ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» [٨] .
قال ابن حجر - بعد أن ذكر الأقوال في المراد بمعنى الروضة -: «والخبر
مسوق لمزيد شرف تلك البقعة على غيرها» [٩] .
ولكن المحروم من حرم الخير وصدف عن طريقه:
يا راحلين إلى البيت العتيق لقد ... سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عذر وعن قدر ... ومن أقام على عذر فقد راحا
ويلحق بزيارة المدينة النبوية زيارة قبر النبي ﷺ والسلام
عليه وعلى صاحبيه، ﵄. وهل يسلم على النبي ﷺ
كلما دخل المسجد [١٠] ممن كان من أهل الآفاق؟ مسألة فيها خلاف [١١] ؛ لكن
شرف الزيارة والسلام والصلاة مما أجمع عليها المسلمون، وأن يزور قبور البقيع
من الصحابة، وقبور الشهداء، وقبر حمزة ﵁؛ لأن النبي صلى الله
عليه وسلم كان يزورهم ويدعو لهم، ولعموم الأحاديث في زيارة القبور [١٢] ؛ وأن
يدعو لهم، وأن يستشعر فضائلهم، ومناقبهم، وجهادهم، وأن يلين قلبه ويتذكر
الآخرة لعل الله أن ينصر به دينه كما نصره بهم، وأن يجمعه بهم مع النبيين
والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، والله المستعان [١٣] .
والسنن المكانية لا تختص بالمدينة فقط، بل في غيرها، مثل مكة كالصلاة
داخل «الحِجْر» لأنه من الكعبة، أو خلف المقام، أو ما يتعلق بالبقعة في غيرهما
من الأرض مما هو مشروعٌ التعبد فيه مكاناً.
ومن الجفاء مع النبي ﷺ علمياً وتربوياً عدم معرفة
الخصائص والمعجزات التي خص الله بها نبيه محمداً ﷺ ، وهذا
مما ينبغي أن يتفطن له المتعلمون قبل غيرهم، وينبغي مراعاة الفروق بين
الخصائص والشمائل والمعجزات والكرامات، وأن الكرامات هي ما يبارك الله في
أصله مثل تكثير الطعام والاستسقاء، أو ما يحدثه الله -من الخوارق
التي يعجز عنها الإنس، والجن؛ فيهيئها الله لعباده من غير قاعدة سابقة [١٤] ، ولا
تكون الكرامات إلا لمن استقام ظاهراً وباطناً على الطريق المستقيم، وقد تجري
لغيرهم لكن ليس على الدوام. أما المعجزات فلا تكون إلا للأنبياء للاستدلال بها
والتحدي، وهي على الدوام على بابها في التعجيز، وليست من جنس الخوارق [١٥] .
وأما الخصائص فهي الأحكام التي خص الله بها نبيه ﷺ مثل
الجمع بين أكثر من أربع زوجات، والقتال في الحرم المكي. والشمائل هي:
الأخلاق الكريمة التي كانت محور حياة النبي ﷺ كالعفو والصفح
والرحمة ولين الجانب.
ويزدادُ الجفاءُ سوءاً حين يبتعد المرء عن الجادة والشرع إلى سلوك الابتداع
في الدين ومشابهة حالة المخلِّطين من تعظيم مشايخ الطرق ورفعهم فوق منزلة
الأنبياء بما معهم من الأحوال الشيطانية والخوارق الوهمية، أو الغلو في الأولياء
الذين يُظَن أنهم كذلك، وإطراؤهم في حياتهم وتقديسهم بعد مماتهم، ودعاؤهم من
دون الله، والنذر لهم وذبح القرابين باسمهم، والطواف حول قبورهم أو البناء عليها،
وهذا هو الشرك الذي بُعِثَ النبي ﷺ لإزالته وهدمه وإقامة
صرح التوحيد مكانه في الأرض وفي القلوب، فأقام الله دينه، ونصر عبده، وأعز
جنده المؤمنين، وأقرَّ الله أعينهم بإزالة علائم الشرك وأوثان الجاهلية حين كان
النبي ﷺ يطعنها ويحطمها بيده وهو يقول: [جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ
البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً] (الإسراء: ٨١) ، [جَاءَ الحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ البَاطِلُ
وَمَا يُعِيدُ] (سبأ: ٤٩) [١٦] . وقد قال الله - تعالى -: [قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي
وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ]
(الأنعام: ١٦٢-١٦٣) .
ولا يخفى على عاقل مهتد عقله بنور الشريعة أن الطواف حول القبور
والأضرحة، والعكوف عندها وسؤال الموتى قضاء الحاجات، وشفاء المرضى،
أو سؤال الله بهم، أو بجاههم مما أُحدِثَ في الدين، وأن الطواف الشرعي لا يكون
إلا حول الكعبة، وأن النفع والضر والشفاعة لله وحده، كما في القرآن والسنة
والإجماع، وقد أبلغ ﷺ الوحي الذي نزل عليه من السماء في
سورة الجن مستجيباً لما أُمِرَ به: [قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَراًّ وَلاَ رَشَداً * قُلْ إِنِّي
لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً * إِلاَّ بَلاغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ]
(الجن: ٢١-٢٣) ؛ وهو من هو ﷺ ؛ فكيف بغيره؟ ! ! وهذا
هو الفرقان الذي يتميز به أهل الإيمان عن غيرهم، فكل من صرف تعظيماً
للمخلوقين فإنما ينتقص من عِظَمِ الخالق ﵎، وكل تذلل للمخلوقين فهو
ضعف وجهل، وهذا باب من الذل لا يخفى.
ومن الجفاء الذي يؤذي النبي ﷺ ويخالف هديه ودعوته، بل
يخالف الأصل الذي أرسله الله به وهو التوحيد من هذا الجفاء: الغلو في النبي
ﷺ ورفعه فوق منزلة النبوة وإشراكه في علم الغيب، أو سؤاله
من دون الله، أو الإقسام به، وقد خاف النبي ﷺ وقوع ذلك فقال
في مرض موته: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، ولكن قولوا: عبد
الله ورسوله» [١٧] .
ومعلوم أن النصارى تعبد مع الله عيسى ويسمونه: (الابن) ، تعالى
الله عما يقولون علواً كبيراً. ودعاء النبي ﷺ من دون الله عبادة له،
والعبادة لا تصرف إلا لله وحده، وكذلك حذر النبي ﷺ أن يتخذ
قبره عيداً ومزاراً؛ حيث قال: «لا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليّ؛ فإن
صلاتكم تبلغني حيث كنتم» [١٨] .
ويبلغ الحد في التنفير من الغلو في ذاته ﷺ أن لعن الذين
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فقال ﷺ : «لعن الله اليهود
والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» [١٩] ، يحذر ما صنعوا.
ولما همَّ طائفة من الناس بالغلو فيه فقالوا: أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا
وابن خيرنا. قال لهم ﷺ : «قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا
يستهوينكم الشيطان» [٢٠] . ويلحق بالغلو فيه ﷺ الحلف والإقسام
به، فإنه من التعظيم الذي لا يصرف إلا لله وحده، وقد قال ﷺ :
«من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» [٢١] .
ومجموع الأحاديث في هذا الباب ميزان عدل لا ينبغي الزيادة عليها ولا
النقص منها، وكل متجرد للحق يجد بغيته في تلك النصوص، والله وحده هو
الموفق.
ومن الجفاء أيضاً ترك الصلاة عليه ﷺ لفظاً أو خطّاً إذا مرّ
ذكره وهذا قد يحدث في بعض مجالسنا؛ فلا تسمع مصلياً عليه ﷺ ؛
فضلاً عن أن تسمع مذكِّراً بالصلاة والسلام عليه، وهذا على حد سواء في
المجتمعات والأفراد؛ وأي بخل أقسى من هذا البخل؟ وبهذا الجفاء يقع الإنسان في
أمورٍ لا تنفعه في آخرته ولا في دنياه، ومنها:
١- دعاء النبي ﷺ بقوله: «رَغِمَ أنفُ رجلٍ ذُكِرْتُ عنده
فلم يصلِّ عليّ» [٢٢] .
٢- إدراك صفة البُخل التي أطلقها النبي ﷺ ، حين قال:
«البخيل: من ذُكِرت عنده فلم يصلِّ عليَّ» [٢٣] .
٣- فوات الصلاة المضاعفة من الله عليه: إذا لم يصلِّ على النبي صلى الله
عليه وسلم وآله وسلم؛ فقد قال ﷺ : «من صلى عليّ صلاة
صلى الله عليه بها عشراً» [٢٤] .
٤- ومنها فوات الصلاة من الله والملائكة لتركه الذكر النبوي، قال - تعالى-:
[هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ]
(الأحزاب: ٤٣) .
(فهذه الصلاة منه ﵎ ومن الملائكة، إنما هي سبب الإخراج
لهم من الظلمات إلى النور، وإذا حصلت لهم الصلاة من الله ﵎
وملائكته وأُخرجوا من الظلمات إلى النور، فأي خير لم يحصل لهم؟ ! ! وأي شر
لم يندفع عنهم؟ ! فيا حسرة الغافلين عن ربهم! ماذا حُرموا من خيره وفضله؟
وبالله التوفيق) [٢٥] . كما أن في تركها وحشة القلب وفزعه لبعده عن الذكر؛ إذ
كلما أكثر المرء من الذكر ازدادت الطمأنينة في قلبه، كما قال تعالى: [الَّذِينَ
آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ] (الرعد: ٢٨) .
٥- فوات أثر الصلاة على النبي ﷺ على من لم يصلِّ عليه،
كتفريج الهموم وغفران الذنوب. وفي حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه
وسلم عند ذكره خلاف ليس هذا مكان بسطه [٢٦] .
لكن من كان أحب إليك من نفسك وأهلك ومالك فكيف أنت عند ذكره؟ أو
كيف أنت في الثناء عليه؟ والدعاء له؟
خيالك في ذهني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي؛ فأين تغيب؟
ورحم الله الشافعي؛ إذ يقول: «يُكرَه للرجل أن يقول: قال رسول الله،
ولكن: يقول رسول الله ﵌؛ تعظيماً لرسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم» [٢٧] .
ومن الجفاء ما يتقمصه الكثيرون على اختلاف في النيات، وتنوعٍ في صور
الجفاء يجمعها عدم معرفة قدر الصحابة ومنازلهم وفضائلهم وهم الجيل الأغر حظ
النبي ﷺ من الأجيال، وهو حظهم من الأنبياء، لهم شرف
الصحبة كما لهم نور الرؤية، ولذا تزخر كتب السنة المطهرة بأحاديث الفضائل
والتعديل للأفراد وللعموم، للمهاجرين والأنصار، وما حظنا منها إلا الفخر بذلك
الجيل الأشم، وفي آيات التنزيل الثناء والتفضيل، ومنها قوله تعالى: [وَالسَّابِقُونَ
الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا
عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ]
(التوبة: ١٠٠) ، [لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي
سَاعَةِ العُسْرَةِ] (التوبة: ١١٧) ، [إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ
فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ
أَجْراً عَظِيماً] (الفتح: ١٠) ، وفي آية أخرى يقول تعالى: [مِنَ المُؤْمِنِينَ
رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا
تَبْدِيلاً] (الأحزاب: ٢٣) .
وكيف بمن ترك ماله وولده بل وخاطر بنفسه ليهاجر الهجرتين إلى الحبشة أو
يهاجر إلى المدينة مخلفاً حياة العز الظاهر في مكة؟ أَيُشَكُّ بعدُ في إيمانه وصدقه
وإخلاصه؟
وقد ألمح الله - تعالى - إلى من خالف جماعة المسلمين وشذ عنهم وترك ما
جاء به الرسول ﷺ أو أشار به أو ألمح إليه أو ما أقامه صلى الله
عليه وسلم مقامه فقال - تعالى -: [وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً]
(النساء: ١١٥) .
وأما ما وقع بينهم من الخلاف فهم بشر ليسوا بمعصومين، ومَن نحن حتى
ننصب أنفسنا حكاماً ومعدِّلين لهم؛ فلتسلم ألسنتنا كما تسلم قلوبنا، وهذا هو المذهب
الأسلم والأحكم، ثم إن «القدر الذي ينكر من فعلهم قليل نزرٌ مغمورٌ في جنب
فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة
والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة،
وما منَّ الله عليهم به من الفضائل، علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان
ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها
على الله» [٢٨] .
كما ينبغي أن يعلم أن جمهور الصحابة، وجمهور أفاضلهم لم يدخلوا في فتنة،
وقد ثبت بإسناد قال عنه ابن تيمية: «إنه من أصح إسناد على وجه الأرض» ،
عن محمد بن سيرين قال: «هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم عشرة آلاف، فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين» [٢٩] . ولعل
حسنة من أحدهم تعدل آلاف الحسنات من غيرهم، كما في النص الآتي قريباً،
ولعل العاقل البصير المتجرد للحق وللحق وحده أن يدرك أن الله لا
يختار لصحبة نبيه وملازمته من كان مفسداً للدين مُبغضاً للنبي ﷺ ؟
وقد سُئل النصارى فقيل لهم: مَنْ أفضلُ أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب عيسى.
وسئلت طائفة ممن تنتسب للمسلمين: مَنْ شرُّ أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد
ﷺ ! ! وطائفتان إحداهما لمزت مريم ﵍ بالزنا،
والأخرى لمزت عائشة ﵂ وأرضاها بالزنا؛ فتأمل - رحمك الله -
كيف يجتمع الهوى والضلال في تلك الطائفتين! ! وقد قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي؛ فإن أحدكم لو أنفق مثل أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مُدّ
أحدهم ولا نصيفه» [٣٠] .
ولك أن تنظر في الذب عن الصحابة حينما دخل عائذ بن عمرو على عبيد الله
بن زياد كما روى مسلم فقال: «إني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
» إن شر الرعاء الحُطَمة؛ فإياك أن تكون منهم «، فقال: اجلس فإنما أنت من
نخالة أصحاب محمد ﷺ . قال: وهل كان لهم أو فيهم نخالة، إنما
كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم» [٣١] . وصدق ﵁ وأرضاه -:
أجد الملامة في هواك لذيذةً ... حباً لذكرك فليلمني اللوَّمُ
ويأتي في النهاية ما قد يكون السبب في التزام الجفاء والتقنع به وهو
الحساسية المفرطة من بعض المنتسبين إلى السنة والجماعة حيال كل ما يتصل
بتعظيم النبي ﷺ وتقديره وتعظيم أهل بيته الصالحين، سواء عند
ذكره أو ذكرهم أو القصد إلى ذكره أو ذكرهم، خشية التشبه ببعض الطوائف،
وهذا قصد في غير محله، وهذا التعظيم للنبي ﷺ لا يُقصد به
الخروج عن التعظيم الشرعي الوارد في الكتاب والسنة، ولا الاحتفال بالموالد، ولا
التواجد عند السماع، أو التلذذ بالمدائح وحدها، وضابط ذلك التعظيم ما كان عليه
النبي ﷺ وأصحابه، ومعرفة المحب الصادق من غيره في الاتباع،
ومن إذا ذكرت له هدي رسول الله ﷺ امتثله، وانتهى عما أحدثه
في الدين، ومن إذا ذكرت له السُّنَّة تركها واتبع هواه.
وقد يحتاج هذا الكلام - أعني الحساسية المفرطة - إلى توضيح بالمثال؛ فلا
زلت أذكر أحد أهل العلم ممن له حضور في الساحة الدعوية، وكان كثير الصلاة
والسلام على النبي ﷺ في دروسه ومحاضراته وأشعاره، فكان
يُنتقد من بعض المتعلمين بسبب ذلك؟ ! وأين هم من حديث أُبَيُّ بن كعب - رضي
الله عنه -: «أجعل لك صلاتي كلها» [٣٢] ، وقد يقول بعضهم: إن الجافي ترى
عنده رقة في الدين وضعفاً في اليقين، بخلاف المحب الصادق؛ فإن عنده رقة
للدين وقوة في اليقين. وماذا يضير الإنسان إذا كان مقتدياً بالسنة المطهرة أن
يُصَنَّف أي تصنيف؟ أيُلام المحب على محبة النبي ﷺ ؟ ! ! أي
شرف هذا الشرف؟ وأي عز هذا العز؟
ولئن نطقتُ بحبهم فلي في الصالحين قبلي سلف وقدوة:
لا بد للعاشق من وقفة ... ما بين سلوان وبين غرام
وعندها ينقل أقدامه ... إما إلى خلف وإما أمام
وليمتثل القارئ الكريم بهذا العنوان الجميل لحياة المحب الصادق:
ومن عجب أني أحن إليهم ... وأسأل شوقاً عنهم وهمُ معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي
والزم - رعاك الله - الحقَّ، وإن كنت وحدك؛ فلا بد من أُنْسٍ وإن طال
الطريق وكثر قُطّاعه، والله وحده هو الهادي.
стр. 3744
تأملات دعوية
يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا
محمد بن عبد الله الدويش
لقد ذم الله ﵎ طائفة من الناس بأن علمهم بعيد عن علم الآخرة
النافع لهم، بل نفى عنهم العلم فقال - تعالى -: [وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ
غَافِلُونَ] (الروم: ٦-٧) .
وأخبر النبي ﷺ عن حال فئة ممن يبغضهم الله ﵎
بقوله: «إن الله يبغض كل جعظري جوَّاظ، سخَّاب في الأسواق، جيفة بالليل
حمار بالنهار، عالم بالدنيا جاهل بالآخرة» [١] .
حين تستمع إلى ما يدور في كثير من مجالس المسلمين اليوم تجد طائفة ممن
ينطبق عليهم هذا الوصف؛ فحين يأخذون بالحديث عن أمر من أمور الدنيا فهم
يملكون رصيداً من المعلومات، وربما يتحدثون بالأرقام الدقيقة عن كثير من
الظواهر، وحين تنقص أحدهم معلومة، أو يخطئ فيها يصحح له ذلك طائفة من
أصحابه.
لكنك تجد الشخص نفسه يجهل حكماً بدهياً من أحكام الطهارة أو الصلاة أو
الزكاة أو الصيام، وكثيراً ما يترتب على هذا الحكم الذي يجهله صحة العبادة
وبطلانها.
إنه يحفظ من أسماء الساسة ويعي من أخبارهم - وكثير منهم ممن لا يدين
بالإسلام - أضعاف ما يعيه من أخبار أصحاب النبي ﷺ وسلف
الأمة الصالح وسيرهم!
والأدهى من ذلك أن هؤلاء يحظون بالاحترام والتقدير من عامة المسلمين،
ويعدونهم من أهل الوعي والفكر والرأي.
أفلا يصدق على أمثال هؤلاء أنهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ويغفلون عن
الآخرة؟
إن انتشار الوعي بين المسلمين أمر مطلوب، والجهل مذموم في الفطر
السليمة والعقول المستقيمة قبل أن يرد ذمه في الشرع، ومعرفة المسلمين لما يدور
في واقعهم وما يجري حولهم مطلب له أهميته، لكن الاعتراض ينصبُّ على سيطرة
هذه الأمور على الناس وجهلهم بأمر الآخرة، بل استهانتهم بما يؤدي إليها ويدل
عليها، واعتبارهم أن العلم بها من شؤون الوعاظ الذين يحتاج الناس إليهم أحياناً
بشرط ألا يطول حديثهم، ولا يتجاوز نطاق الوعظ والإرشاد. أما أهل الفكر
والرأي فلهم شأن آخر، ولغة أخرى في الحديث والتفكير.
إننا بحاجة إلى أن نحيي علوم الآخرة وما يدل على الله ﵎
من العلم النافع، ومن وسائل ذلك:
* الاهتمام بهذه العلوم النافعة، وإعطاؤها منزلتها اللائقة.
* أن نسعى لاستثمار المجالس العامة بالحديث عما يفيد الناس من هذه العلوم،
بدلاً من استطراد الناس في الحديث فيما لا يغني ولا يفيد.
* الاعتناء بربط الظواهر الاجتماعية والإنسانية بالسنن الربانية والقواعد
الشرعية، واستثمار حديث الناس في ذلك بالتأكيد على هذه المعاني؛ فحين
يتحدثون عن صور من الترف والثراء، نعقِّب على ذلك ببيان منزلة الدنيا من
الآخرة وضآلة متاعها، ونبين عاقبة الترف وأثره على الناس، وحين يجري
الحديث حول مشكلة اجتماعية أو كارثة ومصيبة فيجدر أن نعلق على ذلك ببيان
أسباب هذه الظواهر وتفسيرها من خلال السنن الربانية.... وهكذا.
* لا بد من التفكير بتسهيل العلوم الشرعية وتقديمها للناس، وبخاصة العلوم
الضرورية التي تتوقف عليها صحة عباداتهم ومعاملاتهم، ولا بد من استثمار
منتجات التقنية المعاصرة، وتقدم وسائل الاتصالات ونقل المعلومات.
стр. 3745
دراسات تربوية
نظرات في التربية الحديثة
إبراهيم داود
ما زلنا نسمع ونرى من يتحمّس للتربية الحديثة، ويتحدّث عنها وكأنها البلسم
الشافي للعلل والمشكلات التي عانت وتعاني منها نُظم التربية والتعليم في بلاد
المسلمين، فما التربية الحديثة؟ وهل يجوز لنا أن نتحمّس لها وندعو إليها وهي
تربية غربية في منطلقاتها وأهدافها ومناهجها وبرامجها؟ نحاول من خلال هذه
النظرات أن نتبيّن الإجابة عن هذين السؤالين.
معلوم أن التربية الغربية ظلت متأثرة بالفلسفة إلى أن انطلقت بروح جديدة من
الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث أسس (شتانلي هول) أول معمل لعلم النفس
سنة ١٨٨٧م [١] ، وكانت مناهج التربية الغربية القديمة تعكس طبيعة مجتمعها القديم
بطبقيته وقسوته، حتى إنّ (أرسطو) كان يرى أن تشرف الحكومة على التربية
إشرافاً صارماً، وأن تتخلص من الأطفال الضعاف والمشوّهين [٢] . ويرى كثير من
الباحثين أن آراء الفرنسي (جان جاك روسو) هي التي بشّرت بميلاد التربية
الحديثة، ويتحدّث عنه كثير من تربويينا المعاصرين بإعجاب شديد، ومنهم من
يسميه: (شيخ المربّين وحامي لواء التربية الحديثة) ويزعم هؤلاء أن رجال
تاريخ التربية كادوا يتفقون على أن (روسو) هو (رسول التربية) في العصور
الحديثة! [٣] .
المذهب الطبيعي:
يُعدّ (روسو) رائد (المذهب الطبيعي) وواضع أصوله؛ ومن أصول ذلك
المذهب أنّ الفرد هو شعار التربية، وأنّ التعبير عن الذات هو الهدف النهائي لها؛
وبنى الطبيعيون على هذا أنّ التربية القويمة لا تتحقق إلا بإطلاق الحرية التامة
للأطفال، وأنّ من مقتضيات الحرية أن يكون التعليم مختلطاً، وأن يُسْمح بالرقص
والسباحة والتعري ومناقشة مسائل الجنس بلا تحفظ، أما المشكلات الجنسية فترجع
أسبابها بزعمهم إلى رغبة الآباء الذين يريدون حمل أبنائهم على مبادئ الدين وقواعد
الأخلاق! والصواب بزعمهم أيضاًَ أن تكون تربية الطفل بين سن الخامسة والثالثة
عشرة سلبية، لا يُعلَّم فيها الطفل شيئاً ولا يُربّى خلالها أيّ تربية، بل يُترك
للطبيعة، محاطاً بأجهزة وأدوات من شأنها أن تُوسِّع مداركه. ويؤمن الطبيعيون
بأنّ التربية هي عملية إعداد للحاضر لا للمستقبل، ومن الخطأ عندهم أن يُضَحّى
بالحاضر المتيقَّن في سبيل مستقبل مظنون [٤] .
ولا يخفى خطأ هذه الآراء (الطبيعية) وضلالها، ومخالفتها للفطرة السليمة؛
فكون التربية إعداداً للحاضر لا للمستقبل لا معنى له؛ لأنّ الحاضر والمستقبل
متصلان اتصال الليل بالنهار، ولأنّ التربية عملية اجتماعية، والأفراد لا يعيشون
أشتاتاً كنبتات بريّة في صحراء، فإنّ أمكن جدلاً إعداد الطفل للحاضر بوصفه
الشخصي لم يتأتَّ ذلك بوصفه الاجتماعي، وإلا كانت العملية التربوية نفسها عبثاً
لا طائل تحته.
ولا معنى - كذلك - لإطلاق الحرية التامة للأطفال ما داموا يجمعهم مكان
واحد وزمان واحد، وإنما يُتَصَوّر إطلاق الحرية التامة لطفل واحد، أو لأطفال
مبعثرين قد تقطّعت بينهم الأسباب! ولا معنى لانتهاء حرية الفرد عندما تبدأ حرية
الآخرين إلا انتفاء الحرية المطلقة التي يدّعيها أو يدعو إليها الطبيعيون، والحرية
المطلقة إنْ وجدت عاقبتها تحويل المجتمع برمّته إلى بؤر فساد وإفساد.
والقول بأن التربية المقصودة هي إفساد لطبيعة الطفل الخيّرة.. تحكّمٌ بلا دليل،
وإذا كان الصغار كما تفترض المدرسة الطبيعية ملائكة فلِمَ لا يحافظ خريجو
المدرسة الطبيعية على نقائهم؟ ولِمَ لا يكونون هم المؤثرين فيمن سواهم من الناس؛
إذ هم كبار راشدون؟ ! بل الصواب كما قال (المناوي) في شرح حديث الفطرة
الذي رواه البخاري [٥] : « ... أنّ الإنسان مفطور على التهيّؤ للإسلام بقوة، ولكن
لا بد من تعلُّمه بالفعل؛ فمن قدَّر الله كونه من أهل السعادة قيّض الله له مَن يعلّمه
سبيل الهدى فصار مهذّباً بالفعل، ومن خذله وأشقاه سبَّب له مَنْ يغيّر فطرته ويثني
عزيمته» [٦] .
واكتساب المعرفة ليس رهناً باتباع أسلوب التعلم كما يزعم الطبيعيون، وإلا
فمتى يكتسب كل طفل بذاته ذلك الكمّ التراكمي الهائل من المعارف والخبرات التي
جمعتها البشرية عبر العصور؟ ! أما إطلاق الحريات للغرائز الجنسية، والأخذ
بالتعليم المختلط، وإباحة التعري لمن شاء من الطلبة والطالبات فلا ريب أن ذلك
هو - عينه - المتسبب في إنتاج المشكلات وترويجها، ولا يمكن أن تكون مبادئ
الدين وقواعد الأخلاق هي المتسببة فيه، لا، حتى ولو كان الدين مُحَرَّفاً كدين
الغربيين، والأخلاق منحرفة كأخلاقهم!
ومعلوم أن الغريزة الجنسية لا تثور من تلقاء نفسها، بل لا بد لها من مثير
يثيرها؛ فكان القصد إلى إثارتها سَفَهاً وضلال رأي، وقد تواترت الأدلة، وأثبتت
الوقائع أنّ عاقبة ذلك لا تكون إلا الفتنة والفساد الكبير، وانظر تَرَ أن أكبر نسبة من
الأطباء النفسيين في العالم متجمّعون في (هوليود) مدينة صناعة السينما الأمريكية
والإباحة الجنسية، وأن السويد صاحبة قصب السبق في الحرية الجنسية هي أكثر
دول العالم اكتظاظاً بالمشكلات الناشئة من تلك الحرية، وأن دائرة هذه المشكلات قد
اتسعت فيها لتشمل الزنا بالبنات والأخوات والأمهات.. وكانت الاحصاءات قد
أحصت في أوائل الخمسينيات من هذا القرن في إنجلترا وحدها أكثر من نصف
مليون طفل من أبناء الزنا؛ فكم أصبح العدد في إنجلترا وأخواتها الأوروبيات، وقد
أصبحن على أعتاب القرن الحادي والعشرين؟ !
حقيقة المذهب المثالي:
أمّا «المذهب المثالي» من مذاهب التربية الغربية فهو في حقيقته صدى
لفلسفة أفلاطون، وتعبير عن نظريته المسماة بـ «المثل» ، ومؤدى هذه النظرية
أن ثمة عالمين اثنين: عالماً حسياً يتألف من «الأجسام» ، وعالماً معقولاً يتألف
من المجردات التي هي «المُثُل» . وبناء على ذلك قال الغربيون: إن الإنسان
يعيش في عالمين: عالم مادي متغيّر، وعالم روحاني خالد، وهذا الأخير هو عالم
المثل العليا التي تشكل الهدف الأسمى للتربية والحياة. وهكذا رأى الغربيون في
الإنسان جانبيْن: جانباً روحياً سامياً، وجانباً جسدياً تحكمه النوازع الدنيا والشهوات،
وهذان الجانبان كالخطين المتوازيين يتجاوران ولا يلتقيان، ويتناقضان ولا
يتكاملان، وهو ما أدى إلى قيام سلطتين في بلاد الغرب: سلطة روحية تشرف
عليها الكنيسة، وسلطة زمنية قوامها حكم الواقع مفصولاً عن الدين، وترتّب على
ذلك الاعتقاد بأن الإنسان أوْلى بالدرس من العالم الخارجي، وأن العلوم الإنسانية
أهم من العلوم الطبيعية.
على أنّ دراسة الغربيين للإنسان - سواء قُدِّمت أم أُخّرت - في ظل عقيدتهم
القائمة على فصل الدين عن الحياة لا تأتي بخير؛ لأن المقدمات الخاطئة لا تقود
إلى نتائج صحيحة؛ ولذا لم تستطع الدراسات الغربية في مجال النفس والتربية
والاجتماع الرقي إلى مستوى العلم، وإن سُمّيت باسم العلم، وهو ما يؤكده إخفاق
الغربيين في وقف التدهور السلوكي الذي يُنذر المجتمعات الغربية بأوخم العواقب.
والنظرة المثالية الغربية بما ترتب عليها من فصل بين الدين والحياة خاطئة
ومدمرة، وهي - كما يقول (علي عزت بيجوفيتش) رئيس جمهورية البوسنة
والهرسك في كتابه المعروف: (الإسلام بين الشرق والغرب) [٧]- هي المسؤولة
عن إخفاق الأيديولوجيات الكبرى في العالم؛ فهذه النظرة هي التي شطرت العالم
شطرين متصادمين بين مادية ملحدة، وكاثوليكية مغرقة في الأسرار، والصواب
أنها «وحدة ثنائية القطب، تضم القضيتين المتصادمتين في العقل الغربي ألا وهما:
الروح والمادة، السماوي والأرضي، الإنساني والحيواني، الدين والدنيا. وهذان
المتناقضان يوجدان معاً وجود تفاعل وتزاوج وتكامل.. كما تتفاعل ذرات
الأوكسجين مع ذرات الإيدروجين لتنتج الماء الذي يشرب منه الإنسان والحيوان
والنبات» [٨] .
وقد نبّه بيجوفيتش على أن طبيعة العقل الأوروبي (أحادي النظرة) كانت
سبباً في عجزه عن فهم حقيقة الإسلام؛ ولذا أنكر الغربيون الإسلام لسببين
متعارضين؛ فقد أنكره الماديون منهم بوصفه اتجاهاً يمينياً أي دين غيبيات، بينما
أنكره المتدينون لأنهم رأوا فيه اتجاهاً يسارياً أي حركة اجتماعية سياسية [٩] .
ولا تغني عن المذهب المثالي دعواه أنه إنما يريد - من خلال التربية - أن
يحيط الطفل بالمثل العليا؛ لأنه لا يدري ما المثل العليا على وجه التحديد. يقول
سير برسي نن: «نستطيع أن نحكم بأنه لا يمكن أن يكون هناك غرض عام
للتربية ما دام هذا الغرض يحقق مُثُلاً عليا؛ لأن هذه المثل تتعدد بتعدد
الأفراد» [١٠] .
المذهب البراجماتي:
وأمّا «المذهب النفعي الذرائعي» المعروف باسم البراجماتية أو البراجماسية
فقد ارتبط باسم (جون ديوي) [١١] أشهر التربويين المعاصرين، وهذا المذهب ذو
صبغة عملية تجريبية لا يبدو فيها أي أثر للقيم أو الأخلاق.
هدف التربية في نظر (ديوي) هو النمو، والهدف - بزعمه - جزء لا
يتجزأ من عملية النمو، وليس أمراً خارجياً تتجه إليه خبرة المتعلم، فلا هدف
لعملية النمو إلا المزيد من النمو؛ ولذا أنكر (ديوي) أي هدف نهائي وقال:
«الفكرة القائلة بأن النمو والتقدم يرميان إلى هدف نهائي لا يتغيّر ولا يتبدل هي آخر
أمراض العقل البشري في انتقاله من نظرة جامدة إلى الحياة إلى نظرة مُفْعمة
بالحركة» [١٢] ومعنى هذا أن النمو والتربية والحياة هي مسميات لاسم واحد في
نظر (ديوي) !
ولا ريب أن «التسليم بوجود أهداف ثابتة يزود القائمين على التربية بمعايير
ثابتة وصادقة يستعينون بها للحكم على مدى تقدم التلاميذ في عملية التعلم، أما
القول بأن الأهداف جزء من عملية النمو ذاتها فإنه يزيد من حيرة المربين؛ فاللص
الذي يكتسب المزيد من المهارات في السلب والنهب ينمو في هذا المجال؛ فهل
تعتبر اللصوصية عملية تربوية هادفة؟ ! وإذا سلمنا جدلاً بصحة ما ذهب إليه فإن
السؤال الذي يظلّ قائماً هو: ما هي المعايير التي نستعين بها للحكم على نمو إنسان
نمواً شاملاً؟ ومتى يكون النمو مرغوباً فيه، ومتى لا يكون كذلك؟ [١٣] .
وطريقة التدريس في هذا المذهب هي طريقة المشروع التي تُنسب إلى
الأمريكي (كلباترك) تلميذ (جون ديوي) . والمشروع يأخذ شكلاً فردياً أو جمعياً،
وفي المشروع الجمعي يتعاون الأطفال لحل مشكلةٍ ما بتقسيم العمل بينهم.
ولـ (هيلين باركهرست) طريقة أخرى تسمّى طريقة (دالتن) ، وتقوم هذه
الطريقة على ثلاثة أسس هي: الحرية، والتعاون، وتحمل المسؤولية؛ وبمقتضى
هذه الطريقة يتمتع التلميذ بكامل حريته بعد أن يتفق على إنجاز قدر معين من
المقرر في مدة معينة، يستعين أثناءها بالمدرس متى شاء.
وقد قيل في الكلام عن مساوئ طريقة المشروع إنها سائبة ومتميعة وتجرّ
التلاميذ إلى دراسات متشعبة لا حصر لها، وإنها تكلّف كثيراً من الوقت والمال،
وتحتاج إلى مدرسين مدرّبين تدريباً خاصاً، وتنتج معلومات مفككة يصعب معها
وضع المناهج والأطر التعليمية. كما قيل في طريقة (دالتن) إنها تجانب الحكمة
إذ تحمِّل التلاميذ منذ الصغر مسؤولية إنجاز المقرر، وإنّ بينهم من الفروق الفردية
ما قد يُزكي روح الحسد والبغضاء، ولا سيما أنّ هذه الطريقة توازن بين التلاميذ
عن طريق الرسوم البيانية، ثم إن من التلاميذ مَنْ لا يميل بطبعه إلى العمل، ومن
شأن هذه الطريقة أن تشجّع هؤلاء على التمادي في الكسل، والتلاميذ عموماً
مضطرون في حياتهم الواقعية إلى مواجهة ما لا اختيار لهم؛ بالإضافة إلى أن هذه
الطريقة كغيرها من الطرق الحديثة تحتاج إلى مدرس موسوعي ليس من اليسير
إعداده [١٤] .
طريقة التعليم المبرمج:
وفي أمريكا طريقة حديثة تسمّى: (التعليم المبرمج) وهي طريقة ينتفي فيها
دور المدرس؛ إذ يتعامل الطالب مع آلة رُكّبت فيها أسئلة متدرجة في صعوبتها،
ويجيب الطالب على الأسئلة بوضع الإجابة على الآلة نفسها، والإجابة الصحيحة
هي التي تضمن استمرار دورة الآلة، وربما استخدم الكتاب المبرمج في هذه
الطريقة مكان الآلة، وفي الكتاب توجد المادة العلمية، مع سؤال يتعلق بها وفراغ
يُفترض وضع الإجابة فيه، وفي الصفحة التالية يوجد الجواب الصحيح، وما على
الطالب إلا أن يقارن إجابته بالإجابة الصحيحة [١٥] .
ولا شك أن للطريقة الحديثة التي اتبعها الغرب جوانب إيجابية أثّرت في
نهضته وتقدمه، ولكن منطلقات تلك الطريقة وأهدافها دائرة قطعاً في مجال الخطأ
والخطيئة، ونظرة منصفة واعية تكفي للدلالة على أنّ ما حققه الغرب كان في
حقيقته وبالاً عليه وعلى العالم أجمع، وحَسْبُ الغربيين أنهم إنما: [يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا
مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ] (الروم: ٧) . والغفلة عن الآخرة
تجعل كل مقاييس الغافلين تختلّ، وتؤرجح في أكفهم ميزان القيم؛ فلا يملكون
تصور الحياة، وأحداثها، وقيمها تصوراً صحيحاً، ويظل علمهم بها ظاهراً،
سطحياً، ناقصاً» [١٦] .
ومن المؤكد أن من شأن أسلوب التعلم الذي يُتيح للطلبة فرص التفكير
والابتكار أن يخرّج علماء مبدعين ومفكرين بارزين، ولكن من الغفلة والسذاجة ردّ
الفضل فيما وصل إليه الغرب من تقدم علمي إلى تربيته الحديثة، مع التسليم بأنها
ساهمت - من خلال جوانبها الإيجابية في إحداث هذا التقدم.
إنّ من المحقق أن وراء ما وصل إليه الغرب من تقدم علمي عوامل تاريخية
وموضوعية كثيرة ومتداخلة، ومن المحقق أيضاً أنّ الأمور لا تُقاس وما ينبغي لها
بأعداد من يتخرج من العلماء والمخترعين فقط، ولا بمقدار القدرة المادية التي
يهيئها الخريجون لأمتهم، وليس من الصواب أن تُوزن الأمور مفصولة عن الغايات،
ولا أن ينظر إلى بعض النتائج ويُغض النظر عن بعضها الآخر، وإلا فإنّ من
الممكن أن يُقال: إنّ التربية الحديثة قد خرّجت - في الوقت نفسه - أعداداً لا
تُحصى من المجرمين والشاذين والمرضى النفسيين والمصابين بالإيدز ومروّجي
المخدرات والمدمنين عليها، وحسب النفعية - وهي روح التربية الحديثة - أنها
تدور بأصحابها حيث دارت، ولا تقيم وزناً لدين أو خلق، وتُضعف - وقد تُميت-
الالتزام الخلقي مما يجرّ على الفرد والمجتمع شروراً مدمّرة. والمنفعة - مهما مسّت
الحاجة إليها - لا ينبغي أن تكون الغرض النهائي للتربية والتعليم، وكثيراً ما يكون
الناس قادرين على تحقيق المنافع دون أن يدرسوا في المدارس والجامعات.
لماذا التربية الحديثة تفسد المجتمع؟
إن إقامة بناء التربية الحديثة على أسس إلحادية أو علمانية قد أفسد التربية
والمجتمع جميعاً؛ فالتربية لا يمكن أن تكون صالحة ومصلحة إلا في إطار غايتها
العظمى وهي تحقيق العبودية لله تعالى، ومن ذا الذي يستطيع أن ينكر أنّ التربية
النفعية قد ميّعت مفهوم الحق في أنظار الغربيين وربطته بمرادات حكوماتهم؟ !
إنّ العلاقة بين التربية الغربية من جهة وبين الفلسفة وعلم النفس من جهة
أخرى قد أورثتها كثيراً من الخلل والتناقض والاضطراب، وأكّدت القطيعة بينها
وبين الدين، بل جعلتها عدوة للدين تحاربه بسبب أو بدون سبب، ونسفت أساساً
عظيماً من أسس التربية الصحيحة وهو أساس التعليم بالقدوة.
والتربية الحديثة لم تحترم أنوثة المرأة، بل دفعتها إلى مخالطة الرجل
ومنافسته، حتى ظهر الانحراف الجنسي وتفشى الشذوذ، وفي الوقت الذي أهدرت
فيه هذه التربية كرامة المرأة دفعت بالغانيات والمومسات والساقطات إلى بؤر
الضوء ومراكز الشهرة [١٧] .
أما الذين فتنتهم - وما زالت تفتنهم - حضارة الغرب وتربيته فلا بد من
تذكيرهم بحقائق ثابتة لا تجوز الغفلة عنها ساعة من ليل أو نهار، ومن أهمها:
١ - أن الغاية من خلق الإنسان في هذه الأرض هي عبادة الله - تعالى -
على الوجه الذي أراده سبحانه، ولا سبيل إلى بلوغ هذه الغاية إلا بالتربية الإسلامية.
٢ - أن حكم الوسائل في الإسلام كحكم الغايات لا بد أن تكون مشروعة، بل
النيات لا بد أن تكون خالصة لله ، وإلا حبطت الأعمال وإن كانت مفيدة
نافعة في ظاهر الأمر؛ ولذا قال ﵊: «إنما الأعمال
بالنيات» [١٨] .
٣ - أن من شأن المسلم ألا يغترّ بما قد يغرّ ويُغري من مظاهر القوة ما دامت
ظالمة لا تهتدي بنور الله تعالى؛ فلو تعيّنت التربية الغربية سبيلاً وحيداً لقوة
المسلمين (وهذا مستحيل) لما جاز للمسلمين أن يأخذوا بها؛ لأن في الإسلام ما
يغني عنها ويفوقها؛ فكيف إذا كانت تلك التربية لا تُفضي بالمسلمين إلا إلى مزيد
من التخلف والهوان؟ !
٤ - أن من قِصَرِ النظر نسبةَ الفضل فيما حققه الغرب من تقدم علمي إلى
طبيعة التربية الغربية، ولم تسلم تلك التربية من نقد الغربيين أنفسهم ومن إدخال
الإصلاحات عليها والتعديلات، وما تمتاز به التربية الغربية من اهتمام بالتعليم
وإعداد للمعلمين وتوفير للإمكانات، ومن الحرص على المتابعة والمراجعة، وإتاحة
الفرص للإبداع والابتكار وتغليب الطابع العملي التطبيقي؛ كل ذلك لا يرادف
التربية الغربية الحديثة، بل يشكل بعض جوانبها، فإن كنا - نحن المسلمين -
محتاجين إلى هذه الجوانب - وإنا لكذلك - كان علينا أن نأخذ بها؛ لأنها من قبيل
الصواب الذي نحن بحاجة إليه، لا لأن الغربيين قد أخذوا به؛ وإلا أخذناه وأخذنا
غيره معه وانسلخنا من ديننا عالمين أو جاهلين.
٥ - ليست القوة دائماً دليلاً على صواب من تهيأت له أسبابها، واقرأ - إن
شئت - قول الله - تعالى -: [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ *
الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي
الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي البِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ
عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ] (الفجر: ٦-١٤) .
فاللبيب من نظر إلى العواقب، وعلم أن أعمار الأمم والعقائد كثيراً ما تكون
أطول من أعمار الأشخاص، وأن سنن الله لا تتخلّف أبداً؛ فمن لم يرَ بأم عينيه
انهيار أمم الباطل وعقائد الضلال اعتبر بما آل إليه الأوائل. قال :
[أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ
مِنْهُمْ قُوَّةً] (الروم: ٩) .
لقد كان فينا من يجادل عن عظمة الاتحاد السوفييتي، ويزعم أن شمس
سلطانه لن تغيب أبداً، وما زال العقلاء والمصلحون من أهل الغرب يؤكدون أن
حضارة أمتهم تقف على حافة الهاوية، وأن مجتمعاتهم تتحول إلى مستنقعات آسنة
تعجّ بمظاهر الشذوذ والجريمة والانحراف.
٦ - ولا يعني ذلك أبداً أن تكون القوة من نصيب الظالمين، ولا ليكون
الضعف قد كتب على المسلمين، كلاَّ؛ بل المسلمون أوْلى أن يكونوا وقد كانوا
أقوى الأمم، وكيف يؤدون شهادتهم ويبرئون ذمتهم أمام ربهم بدون قوة تهيئ لهم
أسباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ !
٧ - أن «التربية الحديثة» مصطلح غربي يكتنز في دلالته كثيراً من
عناصر رؤية الغربيّ للحياة، وأن لكل مصطلح دلالته التي وُضع لها، وإن زعم
الزاعم أنه يطلق ذلك المصطلح بدلالة مختلفة هو يريدها، والتربية الحديثة مرتبطة
بالعقيدة الغربية وتصوراتها الضالة؛ فالصواب نبذ هذه التربية، والإقبال على
التربية الإسلامية التي شرعها الله - تعالى - وبيّنها النبي ﷺ
وحققها الصحابة ﵃ والتابعون لهم بإحسان، وما يثبت فيه الخير
مما يأخذ به الغربيون وغيرهم من غير المسلمين يُقدّر بقدره من جهة، ولا يكون
الدافع إلى أخذه إلا خيريته من جهة أخرى.
٨ - أن أكثر الدعاة إلى التربية الحديثة يجهلون أو يتجاهلون عن عمد حقيقة
مشكلتنا التربوية، وأنها مظهر من مظاهر مشكلتنا الكبرى المتمثلة في الانحراف
عن منهج الله - تعالى -؛ وقراءة أكثر ما كتبه ويكتبه هؤلاء يقطع بأن دعوتهم
ليست إلا حلقة في سلسلة الافتتان بالغرب الكافر، وإلا فكيف يُفسَّر خلوّ ما يكتبونه
من أية إشارة إلى التربية الإسلامية ومصدريها العظيمين وأعلامها الأفذاذ، مع أنهم
يرددون أن (روسو) رسول التربية الحديث، و (ديوي) نبي التربية الجديد!
ألا إن الإسلام هو النظام الأمثل الذي يقي من الوقوع في المشكلات، وهو -
في الوقت نفسه - السبيل إلى معالجة المشكلات الناشئة من الانحراف عنه، وكل
محاولة للإصلاح تُغْفِل هذه الحقيقة أو تَغْفَل عنها محكوم عليها بالإخفاق؛ «فحقيق
لمن لنفسه عنده قدر وقيمة ألا يلتفت لهؤلاء، ولا يرضى لها بما لديهم، وإذا رُفع
له علم السنة النبوية شمّر إليه ولم يحبس نفسه عليهم» [١٩] .
стр. 3746
قضايا دعوية
من آفات التساهل الدَّعْوي
أسيد بن عبد الرحمن الأثري
لقد طلع علينا في العقود الأخيرة فئامٌ وفرقٌ تمارس تساهلاً دعوياً عجيباً،
وهزالاً إصلاحياً فريداً، وتماوتاً في الخير لا يمتّ للحزم بصلة؛ حيث يأخذ نمطية
الدعة والسهولة، والراحة والليونة، والضعف والنعومة. قد صدع شامخاً باللين
والتيسير، وتسوّد متعاظماً بالبسمة والتبشير، وانبرى جاهداً بالتسلية والتحبيب،
جعلوا الوسائل غايات، والمقدمات خاتمات، والتوطئات مقاصد ساميات. لم يفرّقوا
بين مدخل ومقصد، وأصل وفرع، وجبل وتلّ، وذكر وأنثى؛ فلقد خلطوا الفروع
بالأصول، والوسائل بالمقاصد، والأبناء بالآباء، فضاعت الحرمات، وهانت
الأصول، واختلطت المفاهيم، وأضحت الدعوة (مزاداً) يؤمه غير فقيه، ويقصده
غير متقن، ويقوده غير متمكن: جميع الفئات الجاهلة والناشئة والفاترة والهازلة،
دون قيود أو شروط أو التزامات.
وهؤلاء يسلكون مع المدعوين لطيف الوسائل وخفيفها، وسهلها ولينها، وهي
تتمثل في ضروب واسعة من الترويح والتسلية والتلهية نحو: النشيد المشهد اللعبة
الطرفة حتى غلبت على معاني الدعوة الجادة، وأساسيات الإصلاح المتميز من همة
عالية، وحزمٍ متوقد، وصبرٍ شامخ، وتضحيةٍ جبّارة.
ولا ارتياب أن مثل هذا المسلك إجحاف بالدعوة، وإقصاء في فهم حقيقتها
واتجاهاتها وأهدافها، وجناية على قطوفها وثمراتها وبركاتها. وهؤلاء ينتشرون في
مجامع الشباب والمراكز والمخيمات التربوية التي تقصدها جموع غفيرة من الشباب
والناشئة الذين يحملون فكرها وثقافتها.
وربما تذرع هؤلاء بوجود طوائف غير سوية تحتاج ذاك المسلك لتحقيق
التآلف والتجاذب والتضامن والتأثير والتحبيب، والعلم ثقيل حجمه، عظيم كاهله
على هؤلاء، ومراعاتهم في الدعوة مقصدٌ مهم، لاحتوائهم والتأثير فيهم. والواعي
وهو يرى حتمية بروز العلم وضرورته وغلبته في دعوة هؤلاء وغيرهم، ويرى
أن تجريد الدعوة من العلم والهدى والجد والحزم خطأ محض، وفكرة شاذة - هذا
الواعي لا يختلف مع هؤلاء في أنه ينبغي مراعاة حال المدعوين في الدعوة
والنصحية، بل عندنا أصول شرعية، تعزّز ذلك وتعضّده، منها قول - علي
﵁: «حدّثوا النّاس بما يعرفون؛ أتريدون أن يُكَذَّبَ الله
ورسوله؟» [١] .
وقول ابن مسعود ﵁: «ما أنت محدث قوماً حديثاً لا تبلغهُ
عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» [٢] .
واللين والرفق مقامان ممدوحان في الشريعة، والنصوص فيها كثيرة وفيرة،
ولهما حدود وقيود تحفظ قدرهما وعدم التجني والتلاعب بمعانيهما؛ لأن إدراجَ
التساهل والتلاين والخضوع وسائر وسائل الترويح تحت اللين باستدامة وإطلاق
مسلكٌ مطروح مردود؛ وظهور المغالطة فيه أعظم من أن نقف لكشفها وبيانها
والتحذير منها.
والذي ينبغي تبيينه، ويُتأكد توضيحه هو أننا لا نعلم دليلاً يقصر الدعوة على
صنوف اللعب واللهو والترفيه إلى مدد سحيقة وآماد بعيدة يحملها جيل عن جيل،
وطائفة عن أخرى. وأيضاً لم نقف على طريقة للأنبياء والدعاة والهداة والصالحين
في ذلك. ومن كان عنده فضل علم فليدلنا عليه ونكون له من الشاكرين. بل الذي
يعتقده المصلحون الواعون أن هذا الدين عظيم جليل، وبناؤه متين، وأساسه قويٌّ
رصين كما قال تعالى: [ق وَالْقُرْآنِ المَجِيدِ] (ق: ١) .
وقال تعالى: [إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً] (المزمل: ٥) . وهو مع ذلك
كله سهل في أحكامه وشرائعه، لا يأمر بشدّة ولا بإجحاف أو ظلم أو انحراف، بل
يفيض رحمة وحناناً وسلاماً ونوراً على حامليه والقائمين تحت لوائه وسمائه.
ومباحاته تُساس بالأدب، وتُصان بالمروءة، وتُحفظ من كل ألوان السفه
والتكدير والإضاعة.
وجعل من شروط الدعوة إليه وأساسياتها: الرفق، واللين، والسماحة، ولم
يُقصر الدين كله على ذلك، هذا إذا علمت أن الرفق واللين عند من سلف غير ما
نحن بصدده، وهو عند المتلاينين يعني الترويح والتنفيس إلى أجل غير محدود
ووقت غير معلوم، واستخدام وسائل في ذلك لا تخلو من شبه وتحامل وانحراف
ومناكر؛ وفي بعضها التحريم ظاهر؛ فتخرج جيلاً عاطفياً متماوتاً، ألِفَ الدعة
والراحة، والليونة والدعابة لا يحمل همّ دينه وأمته والأمانة التي في عنقه؛ فلا
يطيق الحياة الجادة، ولا يحتمل التربية السامية؛ إذ يسأم من العلم، ويملّ الحزم،
ويخاف داعي الجهاد، ويفر من المسؤولية، ويُهزَم بالخوف مسيرة شهر.
إن هؤلاء ينظرون للعلم الشرعي (نظرة تآمرية) تتجسد في أنّه صعب شديد،
لا يلائم أكثر الطبقات ولا يحتملون نوعه ومادته. ولا يملكون أدوات استماعه
والنظر فيه، ولا امتلاك الفائدة منها؛ فمثلاً هم يعتقدون أن العلم عقيدة وتوحيد،
والعلم شروط الصلاة، وشروط النكاح والبيع، وتخريج الأحاديث والأسانيد
وأشباهها، وأغفلوا جوانب واسعة في العلم، جراء هذه النظرة الشانئة. والله
المستعان.
لذا فإنهم يرون إقصاءه وعزله عن أكثر المؤسسات الدعوية، وتبقى الدعوة
تساق في إطار التلاين والهزال الموصوف سلفاً.
وإننا نقول لهؤلاء: إن مثل هذا التصور جناية فادحة تعكس الصورة التي
يعيشها هؤلاء عقلاً ودعوة وثقافة، وينبغي أن يعلم هؤلاء أن العلم الشرعي يأخذ
صوراً شتى ويتنوع إلى فنون عديدة، يمكن أن يستفاد من جوانب عديدة في دعوة
هؤلاء، تحقق اللين الشرعي الصحيح لا التلاين السيئ الجديد.
فعلى سبيل المثال سوق الآيات الكريمات بأصوات حسنة خاشعة،
والأحاديث النبوية الشريفة المسوقة في جانب الوعظ والرقائق. وعندنا قصص
تربوية ومواقف بطولية قد زخرت بها كتب الفضائل والمغازي والمناقب، كما
في الصحيحين والسنن الأربعة، يمكن سوقها وعرضها لهؤلاء بديلاً نفيساً بهيجاً
عن الغثاء الهزلي والركام السقيم الذي تعج به هذه المؤسسات والمحطات؛ وفي ذلك
من الفوائد للمدعوين ما لا يخفى، ومنها:
١ - عرض دعوة جادة، مبنية على أصول شرعية صحيحة.
٢ - ربطهم بالعلم الشرعي المفيد.
٣ - تجسيد معاني الجد والتضحية والعلاء في حياتهم.
٤ - توثيق صلتهم بتراثهم المجيد، وما يجب عليهم تجاهه.
٥ - تحقيق الصفاء الدعوي المنشود.
٦ - إلغاء جوانب السفه والترويح المبالغ فيها.
وإني لأعتقد أن قصة من السيرة النبوية تشع بمعاني النور والعلم والصبر
والبسالة، أو آثاراً لإمام أو عالم من كتب التراجم والسير لهي خير من كثير من
التشويش والتزوير المخترع المصنوع.
ويستطيع المشرفون الأمناء إذا امتلكوا (الثقافة الشرعية) و (السعة الفكرية)
أن يسهلوا كثيراً من أبواب العلم ومسائله وقضاياه، ويمكنهم الإفادة في جوانب
الاعتقاد والفقه بأساليب تربوية ميسرة يغشاها الرفق السديد، واللين الصحيح،
واليسر المحمود.
أما أن يتعمد هؤلاء قصر مؤسساتهم وتنظيماتهم على جوانب الترفيه والمرح
دون حساب أو مراجعة وتصحيح، فهذا مما لا يسوغ شرعاً ولا عقلاً ولا أدباً؛
فكيف يستجيز أقوام دعوة بهذا (الوصف المحقق) الذي يصل فيها جانب المرح
إلى ٩٠%؟ ! !
كيف يحمدون دعوة نابذت العلم، وأهدرت الفائدة، وحطّمت الجد والعزة
والمصابرة؟ ! !
إن هؤلاء ما هُدوا لأحسن الطرق، ولا أصابوا قصد السبيل.
ولَكُم أن تتصوروا برنامجاً دعوياً يمكث سنين طوالاً على هذا المسلك مع
طبقة غزيرة من الشباب - تبحث عما ينفعها ويهديها ويشبع رغباتها - ما هو حالهم؛
وكيف تكون نهايتهم ومصيرهم؟ ! ! ثم يُراد منهم بعد ذلك العمل للدين، ورفع
رايته، والتضحية من أجله والثبات عليه!
ثم إن حصلت استجابة صار تلاميذ الأمس شيوخ اليوم، ومضوا على طريقة
مربيهم ومعلميهم حذو القذة بالقذة.
إن هذا المسلك المحدَث الغريب ذريعة لتغييب الدعوة عن العلم وتجهيل
المدعوين، وإيقاعهم في متاهات الجهل والشُّبه والتخلف، فينشأ هذا الجيل وقد حيل
بينهم وبين التعلق بحياة الجادين البارزين، وذوي الهمم الصامدين الذين عزت بهم
الدعوة الإسلامية وكبرت مجالاتها، واتسعت آفاقها.
قال - تعالى -: [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] (النحل: ١٢٥) .
قال ابن كثير ﵀: «يقول - تعالى - آمراً رسوله محمداً صلى
الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة» .
قال ابن جرير: «وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة، والموعظة الحسنة،
أي بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس، وذكرهم بها ليحذروا بأس الله -
تعالى -، وقوله: [وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] (النحل: ١٢٥) أي من احتاج
منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب
كقوله - تعالى -: [وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ
ظَلَمُوا مِنْهُمْ] (العنكبوت: ٤٦) .
كيف تصح دعوة وتربية وهي خالية من العلم والرشاد، ومجردة من العلو
والحزم، وقائمة على اللهو والتسلية إلى مدى لا ينتهي بدعوى اللين والرفق
والحكمة؟ والله المستعان.
وأستطيع أن ألخص هُزال هذا المنهج وضعفه في الأمور الآتية:
أولاً: أنه منهج محدث مخترع، ليس له حظ من الأثر ولا النظر ولا الخبرة
والتجربة.
ثانياً: مجانبته لدعوات الرسل والأنبياء والمصلحين، فلا يعرف له سالف من
أهل العلم والفقه والأثر الذين حفظ التاريخ سِيَرهم وأخبارهم.
ثالثاً: أنه سبيل لفصل الدعوة عن العلم وتجريدها من الوعي والفقه والهدى؛
فتصبح مظاناً للجهل والتيه والتذبذب.
رابعاً: أنه تغييب لحياة العلم الوارفة، وآفاقه النيرة البهية؛ وفي هذا تقليل
لشأن العلم لا يخفى.
خامساً: أنه قضاء على أصول التربية الجادة، وإضعاف لأركانها ومناهجها.
سادساً: يثمر جيلاً مترفاً استروح نعومة العيش وليونة العمل؛ فلا يحتمل
بعدها أدنى قوة ولا جهاد أو مثابرة.
سابعاً: الواقع يشهد بفساد ثمراته وتكدر منابعه؛ إذ قد أسهم في قلب صورة
الدعوة الصحيحة ونال من مواهبها وطاقاتها، وأكسبها ضعفاً متيناً، وفتوراً رخواً
هزيلاً، والله المستعان.
ثامناً: فيه قلب لمعنى اللين الشرعي الصحيح، وإدراج ما لا يصح منه،
واستغلاله لمقاصد غير جادة.
تاسعاً: التلطخ بمخالفات شديدة وحمل شبهات أقل أحكامها الكراهة.
عاشراً: أنه يعالج خلاف الهَدْي النبوي السديد.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 3747
قراءة في كتاب
لماذا يجب على النصرانية أن تتغير أو تندثر
اسم الكتاب:
(Why Christianity Must Change or Die)
المؤلف: (John Shelby Spong) .
عرض وتحليل: د. ممدوح نور الدين [*]
الناشر: (Harpersan Francisco) .
تاريخ النشر: ١٩٩٨م.
حجم الكتاب: ٢٥٧ صفحة من الحجم المتوسط.
مؤلف الكتاب كاتب أمريكي تقلَّد عدة مناصب في الكنائس الأمريكية حتى
أصبح أحد الأساقِفَة اللامعين؛ له عدة مؤلفات أشهرها: «إنقاذ الكنيسة من
الأصولية» ، ويتميز طرح الكاتب بالجراءة فيما يعتقد أنه إصلاح للكنيسة في
عقائدها ومناهجها وأفعالها.
يقدم المؤلف نفسه على أنه كاتبٌ مؤمن، ويحاول التركيز على هذا المعنى
بصورة واضحة توحي للقارئ أنه يحاول أن يدفع عن نفسه شبهة قد علقت في
أذهان الناس عنه. كما يفخر المؤلف بأنه قد اشتهر عنه في أوساط المؤلفين
والأساقفة ولعه بالجدل، وحبه للمناظرات، وجسارته في طرح الأفكار الغريبة التي
تتجاوز حدود الدين وتطلق العنان للعقل المتحرر من قواعد الدين؛ ومع ذلك فقد بلغ
منصب أسقف في الكنيسة الأمريكية، وما زال يفضل أن يُعرف عنه أنه يتصف
بصفة الإيمان.
يبدأ المؤلف كتابه بهجوم شرس على المؤسسات النصرانية وعلى رأسها
الكنيسة، ويتهمها بالجمود الفكري وعدم الانفتاح والتخوف من مناقشة عقائدها
البالية، ويوجه هجمته الأولى إلى عقائد النصارى واحدة تلو الأخرى، فيهاجم
اعتقادهم بأن الإله الذي يعتقده النصارى ذكر وليس أنثى. فيرى في هذا أنه زيغ
محض قد استخدم مسوغاً لاستعباد النساء عبر آلاف السنين؛ بيد أن المؤلف لم
يحدد موقفه من هذا الاعتقاد الذي أنكره.
ثم ينتقل المؤلف إلى التشكيك في قدرة الله بأنه ليس قديراً على كل شيء،
ويرى أنه لو كان قادراً على كل شيء لاستطاع علاج الأمراض الفتاكة كالسرطان
والطاعون، كما أنه يرى أن هذه الأمراض ليست مصائب من الله يبتلي بها الناس،
بل إنها نتيجة مباشرة لمشكلات عضوية مادية ملموسة!
والمؤلف يحاول جاهداً أن يظهر أنه يلتزم الموضوعية في طرحه قدر الإمكان
أثناء انتقاده لعقائد النصرانية؛ لكنه لا يستطيع أن يلتزم طويلاً بهذا المنهج. فيذكر
المؤلف أنه قد كتب «تحرير الأناجيل» عام ١٩٩٦م؛ حيث ذكر فيه أن مؤلفي
الأناجيل وهم (متَّى وبطرس ويوحنا ولوقا) لم يكن أحد منهم من الذين عاصروا
المسيح أو التقوه، بل إنهم لم يعتمدوا على ذاكرة حواريي المسيح، وأن هذه
الأناجيل مبنية على مصادر يهودية؛ فكيف يرى أتباعها أنها صحيحة؟
وبغضِّ النظر عن صحة الانتقادات التي وجهها المؤلف إلى عقائد النصرانية
إلا أنه لم ينجح في الوصول إلى الحقيقة التي يزعم أنه ينشدها. بل كان جل همه
أن يشكك الناس في عقائد النصارى المنحرفة، بل تجاوز الحد إلى التشكيك في
قدرة الله [سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ] (الصافات: ١٥٩) .
فالكاتب يرى أن عالم الطب اليوم ليس له علاقة البتة بقدرة الله، وأن هذا
الأمر خارج عن ملكوت الله وسلطانه! فالفيروسات والبكتيريا والأورام التي يتعامل
معها الطب لا علاقة لها بقدرة الله! وكذلك الأدوية والعقاقير فإنها من نتاج العقل
البشري ولا دخل لله بها، ثم يزعم أن الذي يعتقد أن الله هو مسبب هذه الأمراض
ليس إلا مجرد إنسان تغلب عليه السذاجة! وهنا يلحظ القارئ أثر الحياة المادية
على منهج مؤلف الكتاب الذي أصبح لا يرى إلا من خلال الماديات والمحسوسات،
وينكر الغيبيات، بل يتهم الذين يؤمنون بها بأنهم رجعيون ومتخلفون! كما تظهر
عليه النزعة التجديدية في الدين.
وفي موضع آخر من كتابه يناقش قضية ألوهية عيسى ابن مريم ﵇
ويتهكم قائلاً: «إذا كان عيسى هو ابن الله الوحيد، فليس أحد آخر من البشر من
أبنائه؟» ويفسر هذا الاعتقاد بأن مصدره أساطير الأولين التي سيطرت على
عقول الناس قروناً طويلة، ويبدو أن الكاتب لم يستطع أن ينفك عن دينه الذي
يؤمن بأن اليهود هم أبناء الله وأحباؤه، لذلك يستغرب عدم وجود مكان لليهود إذا
كان عيسى هو ابن الله الوحيد!
ويطلق المؤلف عنان قلمه ليطعن أيضاً في عذرية مريم أم المسيح ﵇
فيقول: إن جميع قصص النساء التي أنجبن أولاداً وهن عذارى إنما هي من وحي
الخيال وليس لها أساس علمي بما في ذلك قصة مريم أم المسيح ﵇، ويؤكد
وجهة نظره مستنداً إلى علم الأحياء الذي يحتم وجود البويضة في رحم الأم.
ويستنتج من ذلك ضرورة حدوث تلقيح بين روح الإله وبين بويضة الأم، وإذا كان
ذلك كذلك فإن مريم أم عيسى ﵇ تعد شريكاً لله في خلق عيسى ﵇
إذ إنها في مقام الزوجة! ! [وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَخَّذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً]
(الجن: ٣) ولا شك أن مرد هذا التفكير لدى المؤلف يرجع إلى عدة عوامل هي:
١ - عدم إيمان المؤلف بالغيب.
٢ - تصوره السطحي عن الله خالق الكون كله.
٣ - التشويه الموجود في عقائد اليهود والنصارى عن الله من أثر تحريف
كتبهم.
٤ - أثر المذهب المادي والمذهب العقلاني في حياة هؤلاء القساوسة
والأساقفة الذين نهجوا منهج الملحدين.
٥ - إيمان الكاتب بمذهب التجديد في الدين والسعي لنشره سعياً حثيثاً.
ثم ينتقل المؤلف إلى مرحلة أخرى هي مرحلة التنظير والتأصيل، فيشجع
القراء على الخروج على الكنيسة بأسلوب عصري فيقول: «إن ما أطلبه من
المؤمنين من أهل دينه العصرانيين أن يعترفوا بأن الكلمات والمعاني التي وردت
في المصادر الإنجيلية في العصور الغابرة ليست في حقيقتها إلا كلمات خاوية لا
معنى لها؛ إذ إننا أصبحنا نرى الحقيقة في عصرنا هذا بصورة مختلفة» .
وكلما وجد المؤلف فرصة سانحة تحدث عن كيف أنه يعيش في عزلة عندما
يتعامل مع نصوص الإنجيل، فيشعر أن المعاني الموجودة فيه لا يقبلها عقل
الإنسان المتحضر (وكأن الحضارة في عصرنا هذا سبب في إدراك زيغ الماضي)
ويستمر الكاتب في خلطه بين الحق والباطل؛ فهو يرى خطأ بعض عقائد النصارى
لكنه لا يصحح هذا الباطل بالحق؛ وإنما يصححه بباطل آخر اسمه: العصرانية،
ومن ثم فهو ينتقل من ضلال إلى ضلال آخر، ومن ظلمة إلى أخرى.
وقد نالت الخصومة بين العلماء والكنيسة في القرن الخامس عشر نصيباً من
الكتاب؛ فقد تناولها الكاتب تناولاً معتدلاً نسبياً، فذكر أنه عندما رفضت الكنيسة
معطيات العلم الذي أتى به جاليليو إذ أثبت أن الأرض تدول حول الشمس ثارت
ثائرة القساوسة وأهل الإنجيل في ذلك الوقت، ثم ذكر كيف اعترف الفاتيكان في
٢٨/١٢/١٩٩١م أن العالم جاليليو كان على صواب، وأن الكنيسة والإنجيل كانا
على باطل في تصورهما للكون ومكانة الإنسان فيه.
وهنا تجدر الإشارة إلى تفسير المسلمين لهذا الأمر؛ فإن الإنجيل قد حُرِّفَ كما
أشار القرآن الكريم إلى هذا، وأن علماء الكنيسة لم يبذلوا جهداً في التحقق من هذا
التحريف؛ بل قبلوه دون تمحيص؛ ولو كان الإنجيل غير محرف لما وجد الناس
فيه اختلافاً كبيراً، وهو ما يراه مؤلف الكتاب وغيره من المؤلفين، ولما تعارض
مع حقيقة علمية قط؛ فإن خالق الكون هو الله الخبير العليم.
ويسترسل المؤلف في انتقاده لعقائد النصارى واحدة تلو الأخرى، فيعرض
إلى قضية صلب المسيح والحلول والخطيئة الأولى، لكنه عندما ينتقد هذه العقائد
ينتقدها من منطلق الهوى المحض؛ فهو يرى حقيقة الخلل في هذه العقائد؛ لكنه
عندما يعمد إلى تفسيرها يستخدم هواه فيقع في مشكلات أكبر.
والكتاب بصفة عامة خليط بين الحق والباطل؛ فهو ينتقد أخطاء النصارى
التي نجمت عن تحريف الإنجيل وهذا حق، لكنه يبني هذا النقد على هواه وعلى
مفهوم العصرانية المادية، وهذا باطل [**] .
في الفصل الثاني عشر من الكتاب يضع المؤلف تصوراً جديداً للصورة التي
يجب أن تكون عليها كنيسة المستقبل، وقد بنى تصوره على فلسفته وهواه وعلى
معطيات العلم الحديث وعلى مفهوم العصرنة، واقترح مفهوماً جديداً للعبادة تصور
فيه عدم وجود معبود، ولقد بلغ بخيال المؤلف أن يعتقد أن العبادة يمكن أن تتم دون
وجود معبود؛ لأن المعبود في زعمه وَهْمٌ قد سيطر على أذهان الكنيسة في العصور
الوسطى.
أما في الفصل الثالث عشر فإن المؤلف قد أعلن في تصريح دون تلميح بأن
«عهد الإيمان قد مضى وأدبر» ! (هكذا) إذ صار الناس لا يحتاجون إلى
المعتقدات الإيمانية في العصر الحديث حسب زعمه وبذلك فقد سلك المؤلف سبل
الفلاسفة الملحدين، فأنكر وجود الجنة والنار إنكاراً مطلقاً، وزعم أن هذا المعتقد
إنما هو أسطورة قد حشت أذهان الناس في الماضي الغابر لكن عهدها قد ولى
وانصرف.
وفي خاتمة الكتاب يرى المؤلف أنه على يقين من أن صورة الدين عامة
والنصرانية خاصة ستتبلور خلال ١٠٠ عام تبلوراً صحيحاً في أذهان الناس عندما
تندثر الخرافات. ولم ينس المؤلف في نهاية المطاف أن يذكِّر القراء بأنه مؤمن بالله
بالرغم من كل ما ذكره من تشكيك، ثم اختتم كتابه بتحية اليهود (شالوم) ومعناها
السلام.
من خلال صفحات الكتاب كشف المؤلف بوضوح عن غايته من هذا الكتاب
وهي التحرر المطلق من قيود الدين؛ فقد صرح بإيمانه بضرورة منح اللوطيين
والشواذ جنسياً الحرية المطلقة في ممارسة ما يرونه في طبيعة علاقتهم الجنسية مع
الآخرين.
ولا شك أن الكتاب صورة من صور تجسيد الانحراف الفكري والخواء
الروحي والضلال المبين الذي يصيب كل من تنكَّب عن الصراط السوي، وكذلك
فإن هؤلاء القساوسة والأساقفة يتحملون وزراً عظيماً في تضليل أتباعهم الذين ليست
لديهم القدرة على فهم الحقائق، ولذلك فهم يتبعون أهواءهم التي هوت بهم في
مكان سحيق لا يستطيعون الخروج منه؛ ومن ثَمَّ يأتي الدور الذي يمكن أن يلعبه
علماء المسلمين ودعاته في إظهار العقيدة الصحيحة وتقديمها بالأساليب المناسبة
للعقلية الغربية التي تنكبت عن صراط ربها سعياً لإنقاذ البشرية من ضلالها المبين.
وجدير بالذكر أن هذا الكتاب لم يواجه أية معارضة من قِبَل الكنيسة ولا علماء
النصارى ولا عوامهم، ويرجع هذا إلى عدة أسباب منها:
أولاً: ضعف تأثير الدين في حياة الناس الذين صاروا لا يعبؤون بما يسمعون
ويقرؤون.
ثانياً: انغماس الغربيين في الحياة المادية انغماساً يشغلهم عن عظائم الأمور.
ثالثاً: مهارة المؤلف في طرح أسلوبه التشكيكي ونسبته إلى غيره من الناس
حتى لا يكون مستمسَكاً عليه، وفي الوقت ذاته لا ينفي عن نفسه صفة الإيمان مما
يجعل السذج من القراء يجهلون حقيقة موقفه.
رابعاً: سكوت علماء النصارى عن مثل هذه الأطروحات يؤكد أن بعضهم
يؤمن بما في الإنجيل من تحريف وتزييف.
خامساً: إن فتح الباب على مصراعيه أمام الملاحدة وأفكار الفلاسفة لن يقف
عند حدود النصرانية بل قد يتعداها إلى غيرها.
سادساً: إن علماء المسلمين يجب أن يكون لهم دور فاعل في الرد على
هجمات هؤلاء الفلاسفة الذين يهاجمون رب العالمين ليلاً ونهاراً.
تعقيب:
لا شك أن الكتاب تجسيد لمفهوم العصرانية في الدين التي تعني أن الاعتقاد
بأن التقدم العلمي والحضارة المعاصرة يستلزم إعادة تأويل التعاليم الدينية التقليدية
على ضوء المفاهيم الفلسفية والعلمية السائدة، والمتأمل في منهج الكاتب يدرك كيف
أن العصرانيين العرب قد أخذوا منهجه نفسه في مهاجمة الإسلام لكن بدرجة أقل
وضوحاً من الكاتب الذي يعيش بين أناس لا يرون للخالق مكاناً بينهم ولا حتى في
كتاباتهم؛ بيد أن العصرانيين العرب لا يجدون في القرآن ولا في محمد صلى الله
عليه وسلم ولا في سنته ما يمكنهم من ذلك، فيلجؤون إلى مهاجمة التراث عامة؛
ولا يقدرون أمام الملأ أن يجهروا بما يبطنون حتى لا ينفضحوا أمام أهليهم وذويهم
ومن في الأرض جميعاً؛ فما زال ثوب الحياء يمنعهم من ذلك؛ ولكن إلى متى
سيصبرون؟ !
стр. 3748
نص شعري
اجتماع سري لمجلس الخوف بين الحيوانات عام ٢٠٠٠م
رياض عقيل بونمي
قال الأسد الأعور الأمريكي:
ها هو العام على الغاب أتى ... ما أُريكم فيه إلا ما أرى
إن عيني قد أبتْ إلا ترى ... كل أرض فيها أمري قد سرى
واعلموا بغضي لإسلام بدا ... وعلى هذا اجتمعنا ها هنا
قال الخنزير النصراني: سيدي!
قد سرى التنصير خفَّاق الخطا ... باسْمِ إطعام المساكين فشا
سترى (إفريقيا) يوماً بها ... مرتعاً أحوى لتبشير الورى
مثلما ذقنا دماء (البوسَنا) ... فَلِ (كُوسُوفا) عذابٌ لو عتا
قال الكلب اليهودي:
أيها الليث المُفدّى عندنا ... أنت مولاي وبأسي والندى
مُنْيتي: النيل أراه جارياً ... تحت عيني وفراتٌ في الحمى
وانعزالي مفرداً حتى متى؟ ... فُكَّ أسري حتى أسقيهم لظى
قال الدبُّ الروسي:
أنا صارعتُ الرزايا والشتا ... ءَ على الشيشان لاقيتُ الأذى
فأعينوني بقرضٍ هبةً ... إن بالقوقاز داءً كالدُّجى
قال النمر البريطاني والفهد الفرنسي والقرد الصيني:
بارك الربُّ عليكم فأبيدوا ... كل (ضادٍ) لا نجونا إن نجا
الشاة العربية تسمع الحوار فقالت لأولادها الثلاثة:
قد سمعتم كيدهم كيف انجلى ... ما عليكم لو نؤاخيهم غدا
علَّ قلب الوحش يحنو ربَّما ... يحفظ الأولاد من ذئب (القطا)
قال الولد الأكبر (وهو تيس أجلح) :
أنا أرضيه وآتي وَكره ... أطلب السلم وإمحاءِ العِدا
لستُ أبغي غير عيش ناعمٍ ... وأماناً وسلاماً وكفى
قال الولد الأوسط (وهو عنزة سمينة)
أُمّيَ النجلاء رأيي من أخي ... نحن لا نخشى احتلالاً أو ردى
إن في التطبيع ربحاً ومُنى ... وانطلاقاً نحو آفاقِ العُلا
قال الولد الأصغر (وهو جَدْي أملح أقرن)
ما أرى من إخوتي غير الخنا ... والرزايا مُحدقاتٍ والهوى
ما أرى (أماه) إلا قتلنا ... من وحوشٍ ضاريات بالضحى
فاتبعوني واذْكروا من قال قبـ ... ـل: نصحتُ القوم منعرج اللِّوا
стр. 3749
نص شعري
ستشرق شمس
فتحي الجندي
متى نسمع: الصبح القتيل تنفّسْ؟ ... وحتام نحيا في أتُون مُرَجَّسْ؟
أيا أمة الإسلام قلبي ممزقٌ ... فدينك - لولا الله - قد كاد يُدرس
فمنك غثاءٌ يصدعُ القلب بالأسى ... وألفُ قطيعٍ تائهٍ يتحسس
وألف عميل أدرجوا في صفوفنا ... وجيش كلابٍ للعدا يتجسس
نهارك مصلوبٌ على باب مسجد ... وبدرك مخسوف وليلك عسعس
إذا ذُبح (الألبان) : خزيٌ مروّع ... وإن قُتل (الشيشان) : رأسٌ منكّس
جيوشك حُمْلانٌ إذا جاءت الوغى ... ولكن علينا ذئبُ غدرٍ عملّس [١]
وزارات (عدْل) يلعنُ اللهُ عدلها ... تُشيّد (سجناً) ، والتقي المحض يحبس
ويُقتل (عبد الله) والهالك الذي ... تلطخ بالإلحاد يحمى ويحرس
ويُعتمد (الإرهاب) ستراً لحلفهم ... وأقسم إن الحلفَ حلفٌ مُدنّس
يريدون طمس الحق بالقهر ويحهم ... وما علموا أن الضلال سيطمس
وزارات إعلام تدور مع الخنا ... تواصل تخديراً بزورٍ مُلبّس
فجورٌ وإلحادٌ وهزْءٌ بديننا ... يشاع ويحمى بينما الحق يدهس
وكلّ غراب للرذيلة مطلقٌ ... ويُتحفه الوالي بحزب مؤسس
وكل حقير قائدٌ ومحنّكٌ ... حكيمٌ، عظيمٌ، مُقْدم وعنبس [٢]
وعولمة الأشرار تسعى لخنقنا ... بكف عميل فارغ العقل مفلس
تكالبت الأعداء من كل ملة ... وقام لهم من بيننا من يلبس
شيوخ وأوباش طغوا وتمشيخوا ... فتُمتهن الآياتُ والحق يُعكس
رويبضة الإرجاء باضوا وفرخوا ... يعيثون شراً بالكتاب المقدَّس
وأعجب من شيخ عميلٍ مُدجّنٍ ... ينافح عن إجرامهم ويوسوس
سيظهر دين الله في الأرض كلها ... وكل ضلالات الهوى سوف تخرس
أيا أمة ضاعت بهجر كتابها ... وأطلقت الأوغاد والحق يطمس
لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كُلاها، وحتى سامها كل مفلس
ولكن برغم الليل والويل والأسى ... ستشرق شمس، والضلال سيكنس
стр. 3750
نص شعري
يا بني صهيون
فواز بن عبد العزيز اللعبون
كلُّنا أبدَى لهُ شَجَبَهْ ... لَمْ نُمَتِّعْهُ بما سَلَبَهْ
الشعاراتُ ارْتَمَتْ حُمَماً ... والقوافي فيهِ مُلتهِبَةْ
ما تَركنا الحرف محتبساً ... مُذْ تركنا القدسَ مُغتصَبَةْ
كلُّ ثرثارٍ نضا فمَهُ ... شاهراً في جمعِهِمْ خُطَبَهْ
شعبُنا ما كفَّ عن لغة ... لم يُطَرِّزْ وَشْيُها أَدَبَهْ
هَبَّ يستبقي كرامتَهُ ... فانبْرَى باللوحِ والقَصَبَةْ
هل حَجبنا الضيْمَ عن شَرَف ... والسيوفُ الحُمْرُ مُحتجِبَةْ؟
يا بني صهيونَ معذرة ... قومُنا يومَ الوَغَى كَتَبَةْ
ألفُ مليون ولا أحدٌ ... سَلَّ في ميدانِكُمْ خَشَبَةْ
ما أَمنتُمْ غيرَ حاضرِنا ... واسْألوا التاريخَ والحَسَبَةْ
حاضرٌ يبكي على زَمَن ... أيُّ خَطْبٍ يا تُرَى نَكَبَهْ؟
رُبَّ وا مُسْتَسْلِماهُ عَلَتْ ... تَندُبُ الماضي ومَن نَدَبَهْ
ضاعتِ الآمالُ.. وا عَجباً ... للذي يُبدي لنا عَجَبَهْ
اجْتماعاتٌ ولا أَثَرٌ ... واتِّفاقاتٌ ولا غَلَبَةْ
ذاكَ يُلقي الشَّجْبَ مُنتقِداً ... صولةَ الباغي وما ارْتَكَبَهْ
وابنُ مَعْدٍ في ضلالتِهِ ... يلعنُ الأوغادَ والكَذَبَةْ
وابنُ عمرٍو خلفَ غايتِنا ... يَجتني من عارِها ذَهَبَهْ
وابنُ شدَّادٍ إذن رَفعوا ... رايةً ولاَّهُمُ عَقِبَهْ
والفتى الطائيُّ ما بَرِحَتْ ... كفُّه تزهو بما وَهَبَهْ
بينَما صهيونُ ماضيةٌ ... لا تَرَى في دربِها عَقَبَةْ
يا بني الإسلامِ ويْحَكُمُ ... ضعفُكُمْ لم أكتشِفْ سَبَبَهْ
لو أَرقنا دمعَ خيبتِنا ... فوقَهُمْ ما جاوزوا لَجَبَهْ
لو نَفخنا في جموعِهِمُ ... مُعلِناً إعصارُنا غَضَبَهْ
ما رأينا فيهمُ وقحاً ... رافعاً مِن بعدِها ذَنَبَهْ
ما عزائي يا بني أهلي ... غيرَ أن الحالَ مُنقلِبَةْ
في الغَدِ الآتي سيَحصدُهُمْ ... مِن بَنِينا معشرٌ وَثَبَةْ
دورةُ الأيامِ ما اكْتمَلَتْ ... والأماني بَعْدُ مُرتقَبَةْ