قضايا دعوية
من آفات التساهل الدَّعْوي
أسيد بن عبد الرحمن الأثري
لقد طلع علينا في العقود الأخيرة فئامٌ وفرقٌ تمارس تساهلاً دعوياً عجيباً،
وهزالاً إصلاحياً فريداً، وتماوتاً في الخير لا يمتّ للحزم بصلة؛ حيث يأخذ نمطية
الدعة والسهولة، والراحة والليونة، والضعف والنعومة. قد صدع شامخاً باللين
والتيسير، وتسوّد متعاظماً بالبسمة والتبشير، وانبرى جاهداً بالتسلية والتحبيب،
جعلوا الوسائل غايات، والمقدمات خاتمات، والتوطئات مقاصد ساميات. لم يفرّقوا
بين مدخل ومقصد، وأصل وفرع، وجبل وتلّ، وذكر وأنثى؛ فلقد خلطوا الفروع
بالأصول، والوسائل بالمقاصد، والأبناء بالآباء، فضاعت الحرمات، وهانت
الأصول، واختلطت المفاهيم، وأضحت الدعوة (مزاداً) يؤمه غير فقيه، ويقصده
غير متقن، ويقوده غير متمكن: جميع الفئات الجاهلة والناشئة والفاترة والهازلة،
دون قيود أو شروط أو التزامات.
وهؤلاء يسلكون مع المدعوين لطيف الوسائل وخفيفها، وسهلها ولينها، وهي
تتمثل في ضروب واسعة من الترويح والتسلية والتلهية نحو: النشيد المشهد اللعبة
الطرفة حتى غلبت على معاني الدعوة الجادة، وأساسيات الإصلاح المتميز من همة
عالية، وحزمٍ متوقد، وصبرٍ شامخ، وتضحيةٍ جبّارة.
ولا ارتياب أن مثل هذا المسلك إجحاف بالدعوة، وإقصاء في فهم حقيقتها
واتجاهاتها وأهدافها، وجناية على قطوفها وثمراتها وبركاتها. وهؤلاء ينتشرون في
مجامع الشباب والمراكز والمخيمات التربوية التي تقصدها جموع غفيرة من الشباب
والناشئة الذين يحملون فكرها وثقافتها.
وربما تذرع هؤلاء بوجود طوائف غير سوية تحتاج ذاك المسلك لتحقيق
التآلف والتجاذب والتضامن والتأثير والتحبيب، والعلم ثقيل حجمه، عظيم كاهله
على هؤلاء، ومراعاتهم في الدعوة مقصدٌ مهم، لاحتوائهم والتأثير فيهم. والواعي
وهو يرى حتمية بروز العلم وضرورته وغلبته في دعوة هؤلاء وغيرهم، ويرى
أن تجريد الدعوة من العلم والهدى والجد والحزم خطأ محض، وفكرة شاذة - هذا
الواعي لا يختلف مع هؤلاء في أنه ينبغي مراعاة حال المدعوين في الدعوة
والنصحية، بل عندنا أصول شرعية، تعزّز ذلك وتعضّده، منها قول - علي
﵁: «حدّثوا النّاس بما يعرفون؛ أتريدون أن يُكَذَّبَ الله
ورسوله؟» [١] .
وقول ابن مسعود ﵁: «ما أنت محدث قوماً حديثاً لا تبلغهُ
عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» [٢] .
واللين والرفق مقامان ممدوحان في الشريعة، والنصوص فيها كثيرة وفيرة،
ولهما حدود وقيود تحفظ قدرهما وعدم التجني والتلاعب بمعانيهما؛ لأن إدراجَ
التساهل والتلاين والخضوع وسائر وسائل الترويح تحت اللين باستدامة وإطلاق
مسلكٌ مطروح مردود؛ وظهور المغالطة فيه أعظم من أن نقف لكشفها وبيانها
والتحذير منها.
والذي ينبغي تبيينه، ويُتأكد توضيحه هو أننا لا نعلم دليلاً يقصر الدعوة على
صنوف اللعب واللهو والترفيه إلى مدد سحيقة وآماد بعيدة يحملها جيل عن جيل،
وطائفة عن أخرى. وأيضاً لم نقف على طريقة للأنبياء والدعاة والهداة والصالحين
في ذلك. ومن كان عنده فضل علم فليدلنا عليه ونكون له من الشاكرين. بل الذي
يعتقده المصلحون الواعون أن هذا الدين عظيم جليل، وبناؤه متين، وأساسه قويٌّ
رصين كما قال تعالى: [ق وَالْقُرْآنِ المَجِيدِ] (ق: ١) .
وقال تعالى: [إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً] (المزمل: ٥) . وهو مع ذلك
كله سهل في أحكامه وشرائعه، لا يأمر بشدّة ولا بإجحاف أو ظلم أو انحراف، بل
يفيض رحمة وحناناً وسلاماً ونوراً على حامليه والقائمين تحت لوائه وسمائه.
ومباحاته تُساس بالأدب، وتُصان بالمروءة، وتُحفظ من كل ألوان السفه
والتكدير والإضاعة.
وجعل من شروط الدعوة إليه وأساسياتها: الرفق، واللين، والسماحة، ولم
يُقصر الدين كله على ذلك، هذا إذا علمت أن الرفق واللين عند من سلف غير ما
نحن بصدده، وهو عند المتلاينين يعني الترويح والتنفيس إلى أجل غير محدود
ووقت غير معلوم، واستخدام وسائل في ذلك لا تخلو من شبه وتحامل وانحراف
ومناكر؛ وفي بعضها التحريم ظاهر؛ فتخرج جيلاً عاطفياً متماوتاً، ألِفَ الدعة
والراحة، والليونة والدعابة لا يحمل همّ دينه وأمته والأمانة التي في عنقه؛ فلا
يطيق الحياة الجادة، ولا يحتمل التربية السامية؛ إذ يسأم من العلم، ويملّ الحزم،
ويخاف داعي الجهاد، ويفر من المسؤولية، ويُهزَم بالخوف مسيرة شهر.
إن هؤلاء ينظرون للعلم الشرعي (نظرة تآمرية) تتجسد في أنّه صعب شديد،
لا يلائم أكثر الطبقات ولا يحتملون نوعه ومادته. ولا يملكون أدوات استماعه
والنظر فيه، ولا امتلاك الفائدة منها؛ فمثلاً هم يعتقدون أن العلم عقيدة وتوحيد،
والعلم شروط الصلاة، وشروط النكاح والبيع، وتخريج الأحاديث والأسانيد
وأشباهها، وأغفلوا جوانب واسعة في العلم، جراء هذه النظرة الشانئة. والله
المستعان.
لذا فإنهم يرون إقصاءه وعزله عن أكثر المؤسسات الدعوية، وتبقى الدعوة
تساق في إطار التلاين والهزال الموصوف سلفاً.
وإننا نقول لهؤلاء: إن مثل هذا التصور جناية فادحة تعكس الصورة التي
يعيشها هؤلاء عقلاً ودعوة وثقافة، وينبغي أن يعلم هؤلاء أن العلم الشرعي يأخذ
صوراً شتى ويتنوع إلى فنون عديدة، يمكن أن يستفاد من جوانب عديدة في دعوة
هؤلاء، تحقق اللين الشرعي الصحيح لا التلاين السيئ الجديد.
فعلى سبيل المثال سوق الآيات الكريمات بأصوات حسنة خاشعة،
والأحاديث النبوية الشريفة المسوقة في جانب الوعظ والرقائق. وعندنا قصص
تربوية ومواقف بطولية قد زخرت بها كتب الفضائل والمغازي والمناقب، كما
في الصحيحين والسنن الأربعة، يمكن سوقها وعرضها لهؤلاء بديلاً نفيساً بهيجاً
عن الغثاء الهزلي والركام السقيم الذي تعج به هذه المؤسسات والمحطات؛ وفي ذلك
من الفوائد للمدعوين ما لا يخفى، ومنها:
١ - عرض دعوة جادة، مبنية على أصول شرعية صحيحة.
٢ - ربطهم بالعلم الشرعي المفيد.
٣ - تجسيد معاني الجد والتضحية والعلاء في حياتهم.
٤ - توثيق صلتهم بتراثهم المجيد، وما يجب عليهم تجاهه.
٥ - تحقيق الصفاء الدعوي المنشود.
٦ - إلغاء جوانب السفه والترويح المبالغ فيها.
وإني لأعتقد أن قصة من السيرة النبوية تشع بمعاني النور والعلم والصبر
والبسالة، أو آثاراً لإمام أو عالم من كتب التراجم والسير لهي خير من كثير من
التشويش والتزوير المخترع المصنوع.
ويستطيع المشرفون الأمناء إذا امتلكوا (الثقافة الشرعية) و (السعة الفكرية)
أن يسهلوا كثيراً من أبواب العلم ومسائله وقضاياه، ويمكنهم الإفادة في جوانب
الاعتقاد والفقه بأساليب تربوية ميسرة يغشاها الرفق السديد، واللين الصحيح،
واليسر المحمود.
أما أن يتعمد هؤلاء قصر مؤسساتهم وتنظيماتهم على جوانب الترفيه والمرح
دون حساب أو مراجعة وتصحيح، فهذا مما لا يسوغ شرعاً ولا عقلاً ولا أدباً؛
فكيف يستجيز أقوام دعوة بهذا (الوصف المحقق) الذي يصل فيها جانب المرح
إلى ٩٠%؟ ! !
كيف يحمدون دعوة نابذت العلم، وأهدرت الفائدة، وحطّمت الجد والعزة
والمصابرة؟ ! !
إن هؤلاء ما هُدوا لأحسن الطرق، ولا أصابوا قصد السبيل.
ولَكُم أن تتصوروا برنامجاً دعوياً يمكث سنين طوالاً على هذا المسلك مع
طبقة غزيرة من الشباب - تبحث عما ينفعها ويهديها ويشبع رغباتها - ما هو حالهم؛
وكيف تكون نهايتهم ومصيرهم؟ ! ! ثم يُراد منهم بعد ذلك العمل للدين، ورفع
رايته، والتضحية من أجله والثبات عليه!
ثم إن حصلت استجابة صار تلاميذ الأمس شيوخ اليوم، ومضوا على طريقة
مربيهم ومعلميهم حذو القذة بالقذة.
إن هذا المسلك المحدَث الغريب ذريعة لتغييب الدعوة عن العلم وتجهيل
المدعوين، وإيقاعهم في متاهات الجهل والشُّبه والتخلف، فينشأ هذا الجيل وقد حيل
بينهم وبين التعلق بحياة الجادين البارزين، وذوي الهمم الصامدين الذين عزت بهم
الدعوة الإسلامية وكبرت مجالاتها، واتسعت آفاقها.
قال - تعالى -: [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] (النحل: ١٢٥) .
قال ابن كثير ﵀: «يقول - تعالى - آمراً رسوله محمداً صلى
الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة» .
قال ابن جرير: «وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة، والموعظة الحسنة،
أي بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس، وذكرهم بها ليحذروا بأس الله -
تعالى -، وقوله: [وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] (النحل: ١٢٥) أي من احتاج
منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب
كقوله - تعالى -: [وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ
ظَلَمُوا مِنْهُمْ] (العنكبوت: ٤٦) .
كيف تصح دعوة وتربية وهي خالية من العلم والرشاد، ومجردة من العلو
والحزم، وقائمة على اللهو والتسلية إلى مدى لا ينتهي بدعوى اللين والرفق
والحكمة؟ والله المستعان.
وأستطيع أن ألخص هُزال هذا المنهج وضعفه في الأمور الآتية:
أولاً: أنه منهج محدث مخترع، ليس له حظ من الأثر ولا النظر ولا الخبرة
والتجربة.
ثانياً: مجانبته لدعوات الرسل والأنبياء والمصلحين، فلا يعرف له سالف من
أهل العلم والفقه والأثر الذين حفظ التاريخ سِيَرهم وأخبارهم.
ثالثاً: أنه سبيل لفصل الدعوة عن العلم وتجريدها من الوعي والفقه والهدى؛
فتصبح مظاناً للجهل والتيه والتذبذب.
رابعاً: أنه تغييب لحياة العلم الوارفة، وآفاقه النيرة البهية؛ وفي هذا تقليل
لشأن العلم لا يخفى.
خامساً: أنه قضاء على أصول التربية الجادة، وإضعاف لأركانها ومناهجها.
سادساً: يثمر جيلاً مترفاً استروح نعومة العيش وليونة العمل؛ فلا يحتمل
بعدها أدنى قوة ولا جهاد أو مثابرة.
سابعاً: الواقع يشهد بفساد ثمراته وتكدر منابعه؛ إذ قد أسهم في قلب صورة
الدعوة الصحيحة ونال من مواهبها وطاقاتها، وأكسبها ضعفاً متيناً، وفتوراً رخواً
هزيلاً، والله المستعان.
ثامناً: فيه قلب لمعنى اللين الشرعي الصحيح، وإدراج ما لا يصح منه،
واستغلاله لمقاصد غير جادة.
تاسعاً: التلطخ بمخالفات شديدة وحمل شبهات أقل أحكامها الكراهة.
عاشراً: أنه يعالج خلاف الهَدْي النبوي السديد.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 3747
قراءة في كتاب
لماذا يجب على النصرانية أن تتغير أو تندثر
اسم الكتاب:
(Why Christianity Must Change or Die)
المؤلف: (John Shelby Spong) .
عرض وتحليل: د. ممدوح نور الدين [*]
الناشر: (Harpersan Francisco) .
تاريخ النشر: ١٩٩٨م.
حجم الكتاب: ٢٥٧ صفحة من الحجم المتوسط.
مؤلف الكتاب كاتب أمريكي تقلَّد عدة مناصب في الكنائس الأمريكية حتى
أصبح أحد الأساقِفَة اللامعين؛ له عدة مؤلفات أشهرها: «إنقاذ الكنيسة من
الأصولية» ، ويتميز طرح الكاتب بالجراءة فيما يعتقد أنه إصلاح للكنيسة في
عقائدها ومناهجها وأفعالها.
يقدم المؤلف نفسه على أنه كاتبٌ مؤمن، ويحاول التركيز على هذا المعنى
بصورة واضحة توحي للقارئ أنه يحاول أن يدفع عن نفسه شبهة قد علقت في
أذهان الناس عنه. كما يفخر المؤلف بأنه قد اشتهر عنه في أوساط المؤلفين
والأساقفة ولعه بالجدل، وحبه للمناظرات، وجسارته في طرح الأفكار الغريبة التي
تتجاوز حدود الدين وتطلق العنان للعقل المتحرر من قواعد الدين؛ ومع ذلك فقد بلغ
منصب أسقف في الكنيسة الأمريكية، وما زال يفضل أن يُعرف عنه أنه يتصف
بصفة الإيمان.
يبدأ المؤلف كتابه بهجوم شرس على المؤسسات النصرانية وعلى رأسها
الكنيسة، ويتهمها بالجمود الفكري وعدم الانفتاح والتخوف من مناقشة عقائدها
البالية، ويوجه هجمته الأولى إلى عقائد النصارى واحدة تلو الأخرى، فيهاجم
اعتقادهم بأن الإله الذي يعتقده النصارى ذكر وليس أنثى. فيرى في هذا أنه زيغ
محض قد استخدم مسوغاً لاستعباد النساء عبر آلاف السنين؛ بيد أن المؤلف لم
يحدد موقفه من هذا الاعتقاد الذي أنكره.
ثم ينتقل المؤلف إلى التشكيك في قدرة الله بأنه ليس قديراً على كل شيء،
ويرى أنه لو كان قادراً على كل شيء لاستطاع علاج الأمراض الفتاكة كالسرطان
والطاعون، كما أنه يرى أن هذه الأمراض ليست مصائب من الله يبتلي بها الناس،
بل إنها نتيجة مباشرة لمشكلات عضوية مادية ملموسة!
والمؤلف يحاول جاهداً أن يظهر أنه يلتزم الموضوعية في طرحه قدر الإمكان
أثناء انتقاده لعقائد النصرانية؛ لكنه لا يستطيع أن يلتزم طويلاً بهذا المنهج. فيذكر
المؤلف أنه قد كتب «تحرير الأناجيل» عام ١٩٩٦م؛ حيث ذكر فيه أن مؤلفي
الأناجيل وهم (متَّى وبطرس ويوحنا ولوقا) لم يكن أحد منهم من الذين عاصروا
المسيح أو التقوه، بل إنهم لم يعتمدوا على ذاكرة حواريي المسيح، وأن هذه
الأناجيل مبنية على مصادر يهودية؛ فكيف يرى أتباعها أنها صحيحة؟
وبغضِّ النظر عن صحة الانتقادات التي وجهها المؤلف إلى عقائد النصرانية
إلا أنه لم ينجح في الوصول إلى الحقيقة التي يزعم أنه ينشدها. بل كان جل همه
أن يشكك الناس في عقائد النصارى المنحرفة، بل تجاوز الحد إلى التشكيك في
قدرة الله [سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ] (الصافات: ١٥٩) .
فالكاتب يرى أن عالم الطب اليوم ليس له علاقة البتة بقدرة الله، وأن هذا
الأمر خارج عن ملكوت الله وسلطانه! فالفيروسات والبكتيريا والأورام التي يتعامل
معها الطب لا علاقة لها بقدرة الله! وكذلك الأدوية والعقاقير فإنها من نتاج العقل
البشري ولا دخل لله بها، ثم يزعم أن الذي يعتقد أن الله هو مسبب هذه الأمراض
ليس إلا مجرد إنسان تغلب عليه السذاجة! وهنا يلحظ القارئ أثر الحياة المادية
على منهج مؤلف الكتاب الذي أصبح لا يرى إلا من خلال الماديات والمحسوسات،
وينكر الغيبيات، بل يتهم الذين يؤمنون بها بأنهم رجعيون ومتخلفون! كما تظهر
عليه النزعة التجديدية في الدين.
وفي موضع آخر من كتابه يناقش قضية ألوهية عيسى ابن مريم ﵇
ويتهكم قائلاً: «إذا كان عيسى هو ابن الله الوحيد، فليس أحد آخر من البشر من
أبنائه؟» ويفسر هذا الاعتقاد بأن مصدره أساطير الأولين التي سيطرت على
عقول الناس قروناً طويلة، ويبدو أن الكاتب لم يستطع أن ينفك عن دينه الذي
يؤمن بأن اليهود هم أبناء الله وأحباؤه، لذلك يستغرب عدم وجود مكان لليهود إذا
كان عيسى هو ابن الله الوحيد!
ويطلق المؤلف عنان قلمه ليطعن أيضاً في عذرية مريم أم المسيح ﵇
فيقول: إن جميع قصص النساء التي أنجبن أولاداً وهن عذارى إنما هي من وحي
الخيال وليس لها أساس علمي بما في ذلك قصة مريم أم المسيح ﵇، ويؤكد
وجهة نظره مستنداً إلى علم الأحياء الذي يحتم وجود البويضة في رحم الأم.
ويستنتج من ذلك ضرورة حدوث تلقيح بين روح الإله وبين بويضة الأم، وإذا كان
ذلك كذلك فإن مريم أم عيسى ﵇ تعد شريكاً لله في خلق عيسى ﵇
إذ إنها في مقام الزوجة! ! [وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَخَّذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً]
(الجن: ٣) ولا شك أن مرد هذا التفكير لدى المؤلف يرجع إلى عدة عوامل هي:
١ - عدم إيمان المؤلف بالغيب.
٢ - تصوره السطحي عن الله خالق الكون كله.
٣ - التشويه الموجود في عقائد اليهود والنصارى عن الله من أثر تحريف
كتبهم.
٤ - أثر المذهب المادي والمذهب العقلاني في حياة هؤلاء القساوسة
والأساقفة الذين نهجوا منهج الملحدين.
٥ - إيمان الكاتب بمذهب التجديد في الدين والسعي لنشره سعياً حثيثاً.
ثم ينتقل المؤلف إلى مرحلة أخرى هي مرحلة التنظير والتأصيل، فيشجع
القراء على الخروج على الكنيسة بأسلوب عصري فيقول: «إن ما أطلبه من
المؤمنين من أهل دينه العصرانيين أن يعترفوا بأن الكلمات والمعاني التي وردت
في المصادر الإنجيلية في العصور الغابرة ليست في حقيقتها إلا كلمات خاوية لا
معنى لها؛ إذ إننا أصبحنا نرى الحقيقة في عصرنا هذا بصورة مختلفة» .
وكلما وجد المؤلف فرصة سانحة تحدث عن كيف أنه يعيش في عزلة عندما
يتعامل مع نصوص الإنجيل، فيشعر أن المعاني الموجودة فيه لا يقبلها عقل
الإنسان المتحضر (وكأن الحضارة في عصرنا هذا سبب في إدراك زيغ الماضي)
ويستمر الكاتب في خلطه بين الحق والباطل؛ فهو يرى خطأ بعض عقائد النصارى
لكنه لا يصحح هذا الباطل بالحق؛ وإنما يصححه بباطل آخر اسمه: العصرانية،
ومن ثم فهو ينتقل من ضلال إلى ضلال آخر، ومن ظلمة إلى أخرى.
وقد نالت الخصومة بين العلماء والكنيسة في القرن الخامس عشر نصيباً من
الكتاب؛ فقد تناولها الكاتب تناولاً معتدلاً نسبياً، فذكر أنه عندما رفضت الكنيسة
معطيات العلم الذي أتى به جاليليو إذ أثبت أن الأرض تدول حول الشمس ثارت
ثائرة القساوسة وأهل الإنجيل في ذلك الوقت، ثم ذكر كيف اعترف الفاتيكان في
٢٨/١٢/١٩٩١م أن العالم جاليليو كان على صواب، وأن الكنيسة والإنجيل كانا
على باطل في تصورهما للكون ومكانة الإنسان فيه.
وهنا تجدر الإشارة إلى تفسير المسلمين لهذا الأمر؛ فإن الإنجيل قد حُرِّفَ كما
أشار القرآن الكريم إلى هذا، وأن علماء الكنيسة لم يبذلوا جهداً في التحقق من هذا
التحريف؛ بل قبلوه دون تمحيص؛ ولو كان الإنجيل غير محرف لما وجد الناس
فيه اختلافاً كبيراً، وهو ما يراه مؤلف الكتاب وغيره من المؤلفين، ولما تعارض
مع حقيقة علمية قط؛ فإن خالق الكون هو الله الخبير العليم.
ويسترسل المؤلف في انتقاده لعقائد النصارى واحدة تلو الأخرى، فيعرض
إلى قضية صلب المسيح والحلول والخطيئة الأولى، لكنه عندما ينتقد هذه العقائد
ينتقدها من منطلق الهوى المحض؛ فهو يرى حقيقة الخلل في هذه العقائد؛ لكنه
عندما يعمد إلى تفسيرها يستخدم هواه فيقع في مشكلات أكبر.
والكتاب بصفة عامة خليط بين الحق والباطل؛ فهو ينتقد أخطاء النصارى
التي نجمت عن تحريف الإنجيل وهذا حق، لكنه يبني هذا النقد على هواه وعلى
مفهوم العصرانية المادية، وهذا باطل [**] .
في الفصل الثاني عشر من الكتاب يضع المؤلف تصوراً جديداً للصورة التي
يجب أن تكون عليها كنيسة المستقبل، وقد بنى تصوره على فلسفته وهواه وعلى
معطيات العلم الحديث وعلى مفهوم العصرنة، واقترح مفهوماً جديداً للعبادة تصور
فيه عدم وجود معبود، ولقد بلغ بخيال المؤلف أن يعتقد أن العبادة يمكن أن تتم دون
وجود معبود؛ لأن المعبود في زعمه وَهْمٌ قد سيطر على أذهان الكنيسة في العصور
الوسطى.
أما في الفصل الثالث عشر فإن المؤلف قد أعلن في تصريح دون تلميح بأن
«عهد الإيمان قد مضى وأدبر» ! (هكذا) إذ صار الناس لا يحتاجون إلى
المعتقدات الإيمانية في العصر الحديث حسب زعمه وبذلك فقد سلك المؤلف سبل
الفلاسفة الملحدين، فأنكر وجود الجنة والنار إنكاراً مطلقاً، وزعم أن هذا المعتقد
إنما هو أسطورة قد حشت أذهان الناس في الماضي الغابر لكن عهدها قد ولى
وانصرف.
وفي خاتمة الكتاب يرى المؤلف أنه على يقين من أن صورة الدين عامة
والنصرانية خاصة ستتبلور خلال ١٠٠ عام تبلوراً صحيحاً في أذهان الناس عندما
تندثر الخرافات. ولم ينس المؤلف في نهاية المطاف أن يذكِّر القراء بأنه مؤمن بالله
بالرغم من كل ما ذكره من تشكيك، ثم اختتم كتابه بتحية اليهود (شالوم) ومعناها
السلام.
من خلال صفحات الكتاب كشف المؤلف بوضوح عن غايته من هذا الكتاب
وهي التحرر المطلق من قيود الدين؛ فقد صرح بإيمانه بضرورة منح اللوطيين
والشواذ جنسياً الحرية المطلقة في ممارسة ما يرونه في طبيعة علاقتهم الجنسية مع
الآخرين.
ولا شك أن الكتاب صورة من صور تجسيد الانحراف الفكري والخواء
الروحي والضلال المبين الذي يصيب كل من تنكَّب عن الصراط السوي، وكذلك
فإن هؤلاء القساوسة والأساقفة يتحملون وزراً عظيماً في تضليل أتباعهم الذين ليست
لديهم القدرة على فهم الحقائق، ولذلك فهم يتبعون أهواءهم التي هوت بهم في
مكان سحيق لا يستطيعون الخروج منه؛ ومن ثَمَّ يأتي الدور الذي يمكن أن يلعبه
علماء المسلمين ودعاته في إظهار العقيدة الصحيحة وتقديمها بالأساليب المناسبة
للعقلية الغربية التي تنكبت عن صراط ربها سعياً لإنقاذ البشرية من ضلالها المبين.
وجدير بالذكر أن هذا الكتاب لم يواجه أية معارضة من قِبَل الكنيسة ولا علماء
النصارى ولا عوامهم، ويرجع هذا إلى عدة أسباب منها:
أولاً: ضعف تأثير الدين في حياة الناس الذين صاروا لا يعبؤون بما يسمعون
ويقرؤون.
ثانياً: انغماس الغربيين في الحياة المادية انغماساً يشغلهم عن عظائم الأمور.
ثالثاً: مهارة المؤلف في طرح أسلوبه التشكيكي ونسبته إلى غيره من الناس
حتى لا يكون مستمسَكاً عليه، وفي الوقت ذاته لا ينفي عن نفسه صفة الإيمان مما
يجعل السذج من القراء يجهلون حقيقة موقفه.
رابعاً: سكوت علماء النصارى عن مثل هذه الأطروحات يؤكد أن بعضهم
يؤمن بما في الإنجيل من تحريف وتزييف.
خامساً: إن فتح الباب على مصراعيه أمام الملاحدة وأفكار الفلاسفة لن يقف
عند حدود النصرانية بل قد يتعداها إلى غيرها.
سادساً: إن علماء المسلمين يجب أن يكون لهم دور فاعل في الرد على
هجمات هؤلاء الفلاسفة الذين يهاجمون رب العالمين ليلاً ونهاراً.
تعقيب:
لا شك أن الكتاب تجسيد لمفهوم العصرانية في الدين التي تعني أن الاعتقاد
بأن التقدم العلمي والحضارة المعاصرة يستلزم إعادة تأويل التعاليم الدينية التقليدية
على ضوء المفاهيم الفلسفية والعلمية السائدة، والمتأمل في منهج الكاتب يدرك كيف
أن العصرانيين العرب قد أخذوا منهجه نفسه في مهاجمة الإسلام لكن بدرجة أقل
وضوحاً من الكاتب الذي يعيش بين أناس لا يرون للخالق مكاناً بينهم ولا حتى في
كتاباتهم؛ بيد أن العصرانيين العرب لا يجدون في القرآن ولا في محمد صلى الله
عليه وسلم ولا في سنته ما يمكنهم من ذلك، فيلجؤون إلى مهاجمة التراث عامة؛
ولا يقدرون أمام الملأ أن يجهروا بما يبطنون حتى لا ينفضحوا أمام أهليهم وذويهم
ومن في الأرض جميعاً؛ فما زال ثوب الحياء يمنعهم من ذلك؛ ولكن إلى متى
سيصبرون؟ !
стр. 3748
نص شعري
اجتماع سري لمجلس الخوف بين الحيوانات عام ٢٠٠٠م
رياض عقيل بونمي
قال الأسد الأعور الأمريكي:
ها هو العام على الغاب أتى ... ما أُريكم فيه إلا ما أرى
إن عيني قد أبتْ إلا ترى ... كل أرض فيها أمري قد سرى
واعلموا بغضي لإسلام بدا ... وعلى هذا اجتمعنا ها هنا
قال الخنزير النصراني: سيدي!
قد سرى التنصير خفَّاق الخطا ... باسْمِ إطعام المساكين فشا
سترى (إفريقيا) يوماً بها ... مرتعاً أحوى لتبشير الورى
مثلما ذقنا دماء (البوسَنا) ... فَلِ (كُوسُوفا) عذابٌ لو عتا
قال الكلب اليهودي:
أيها الليث المُفدّى عندنا ... أنت مولاي وبأسي والندى
مُنْيتي: النيل أراه جارياً ... تحت عيني وفراتٌ في الحمى
وانعزالي مفرداً حتى متى؟ ... فُكَّ أسري حتى أسقيهم لظى
قال الدبُّ الروسي:
أنا صارعتُ الرزايا والشتا ... ءَ على الشيشان لاقيتُ الأذى
فأعينوني بقرضٍ هبةً ... إن بالقوقاز داءً كالدُّجى
قال النمر البريطاني والفهد الفرنسي والقرد الصيني:
بارك الربُّ عليكم فأبيدوا ... كل (ضادٍ) لا نجونا إن نجا
الشاة العربية تسمع الحوار فقالت لأولادها الثلاثة:
قد سمعتم كيدهم كيف انجلى ... ما عليكم لو نؤاخيهم غدا
علَّ قلب الوحش يحنو ربَّما ... يحفظ الأولاد من ذئب (القطا)
قال الولد الأكبر (وهو تيس أجلح) :
أنا أرضيه وآتي وَكره ... أطلب السلم وإمحاءِ العِدا
لستُ أبغي غير عيش ناعمٍ ... وأماناً وسلاماً وكفى
قال الولد الأوسط (وهو عنزة سمينة)
أُمّيَ النجلاء رأيي من أخي ... نحن لا نخشى احتلالاً أو ردى
إن في التطبيع ربحاً ومُنى ... وانطلاقاً نحو آفاقِ العُلا
قال الولد الأصغر (وهو جَدْي أملح أقرن)
ما أرى من إخوتي غير الخنا ... والرزايا مُحدقاتٍ والهوى
ما أرى (أماه) إلا قتلنا ... من وحوشٍ ضاريات بالضحى
فاتبعوني واذْكروا من قال قبـ ... ـل: نصحتُ القوم منعرج اللِّوا
стр. 3749
نص شعري
ستشرق شمس
فتحي الجندي
متى نسمع: الصبح القتيل تنفّسْ؟ ... وحتام نحيا في أتُون مُرَجَّسْ؟
أيا أمة الإسلام قلبي ممزقٌ ... فدينك - لولا الله - قد كاد يُدرس
فمنك غثاءٌ يصدعُ القلب بالأسى ... وألفُ قطيعٍ تائهٍ يتحسس
وألف عميل أدرجوا في صفوفنا ... وجيش كلابٍ للعدا يتجسس
نهارك مصلوبٌ على باب مسجد ... وبدرك مخسوف وليلك عسعس
إذا ذُبح (الألبان) : خزيٌ مروّع ... وإن قُتل (الشيشان) : رأسٌ منكّس
جيوشك حُمْلانٌ إذا جاءت الوغى ... ولكن علينا ذئبُ غدرٍ عملّس [١]
وزارات (عدْل) يلعنُ اللهُ عدلها ... تُشيّد (سجناً) ، والتقي المحض يحبس
ويُقتل (عبد الله) والهالك الذي ... تلطخ بالإلحاد يحمى ويحرس
ويُعتمد (الإرهاب) ستراً لحلفهم ... وأقسم إن الحلفَ حلفٌ مُدنّس
يريدون طمس الحق بالقهر ويحهم ... وما علموا أن الضلال سيطمس
وزارات إعلام تدور مع الخنا ... تواصل تخديراً بزورٍ مُلبّس
فجورٌ وإلحادٌ وهزْءٌ بديننا ... يشاع ويحمى بينما الحق يدهس
وكلّ غراب للرذيلة مطلقٌ ... ويُتحفه الوالي بحزب مؤسس
وكل حقير قائدٌ ومحنّكٌ ... حكيمٌ، عظيمٌ، مُقْدم وعنبس [٢]
وعولمة الأشرار تسعى لخنقنا ... بكف عميل فارغ العقل مفلس
تكالبت الأعداء من كل ملة ... وقام لهم من بيننا من يلبس
شيوخ وأوباش طغوا وتمشيخوا ... فتُمتهن الآياتُ والحق يُعكس
رويبضة الإرجاء باضوا وفرخوا ... يعيثون شراً بالكتاب المقدَّس
وأعجب من شيخ عميلٍ مُدجّنٍ ... ينافح عن إجرامهم ويوسوس
سيظهر دين الله في الأرض كلها ... وكل ضلالات الهوى سوف تخرس
أيا أمة ضاعت بهجر كتابها ... وأطلقت الأوغاد والحق يطمس
لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كُلاها، وحتى سامها كل مفلس
ولكن برغم الليل والويل والأسى ... ستشرق شمس، والضلال سيكنس
стр. 3750
نص شعري
يا بني صهيون
فواز بن عبد العزيز اللعبون
كلُّنا أبدَى لهُ شَجَبَهْ ... لَمْ نُمَتِّعْهُ بما سَلَبَهْ
الشعاراتُ ارْتَمَتْ حُمَماً ... والقوافي فيهِ مُلتهِبَةْ
ما تَركنا الحرف محتبساً ... مُذْ تركنا القدسَ مُغتصَبَةْ
كلُّ ثرثارٍ نضا فمَهُ ... شاهراً في جمعِهِمْ خُطَبَهْ
شعبُنا ما كفَّ عن لغة ... لم يُطَرِّزْ وَشْيُها أَدَبَهْ
هَبَّ يستبقي كرامتَهُ ... فانبْرَى باللوحِ والقَصَبَةْ
هل حَجبنا الضيْمَ عن شَرَف ... والسيوفُ الحُمْرُ مُحتجِبَةْ؟
يا بني صهيونَ معذرة ... قومُنا يومَ الوَغَى كَتَبَةْ
ألفُ مليون ولا أحدٌ ... سَلَّ في ميدانِكُمْ خَشَبَةْ
ما أَمنتُمْ غيرَ حاضرِنا ... واسْألوا التاريخَ والحَسَبَةْ
حاضرٌ يبكي على زَمَن ... أيُّ خَطْبٍ يا تُرَى نَكَبَهْ؟
رُبَّ وا مُسْتَسْلِماهُ عَلَتْ ... تَندُبُ الماضي ومَن نَدَبَهْ
ضاعتِ الآمالُ.. وا عَجباً ... للذي يُبدي لنا عَجَبَهْ
اجْتماعاتٌ ولا أَثَرٌ ... واتِّفاقاتٌ ولا غَلَبَةْ
ذاكَ يُلقي الشَّجْبَ مُنتقِداً ... صولةَ الباغي وما ارْتَكَبَهْ
وابنُ مَعْدٍ في ضلالتِهِ ... يلعنُ الأوغادَ والكَذَبَةْ
وابنُ عمرٍو خلفَ غايتِنا ... يَجتني من عارِها ذَهَبَهْ
وابنُ شدَّادٍ إذن رَفعوا ... رايةً ولاَّهُمُ عَقِبَهْ
والفتى الطائيُّ ما بَرِحَتْ ... كفُّه تزهو بما وَهَبَهْ
بينَما صهيونُ ماضيةٌ ... لا تَرَى في دربِها عَقَبَةْ
يا بني الإسلامِ ويْحَكُمُ ... ضعفُكُمْ لم أكتشِفْ سَبَبَهْ
لو أَرقنا دمعَ خيبتِنا ... فوقَهُمْ ما جاوزوا لَجَبَهْ
لو نَفخنا في جموعِهِمُ ... مُعلِناً إعصارُنا غَضَبَهْ
ما رأينا فيهمُ وقحاً ... رافعاً مِن بعدِها ذَنَبَهْ
ما عزائي يا بني أهلي ... غيرَ أن الحالَ مُنقلِبَةْ
في الغَدِ الآتي سيَحصدُهُمْ ... مِن بَنِينا معشرٌ وَثَبَةْ
دورةُ الأيامِ ما اكْتمَلَتْ ... والأماني بَعْدُ مُرتقَبَةْ
стр. 3751
نص شعري
طيَّب المولى ثراك
علي بن جبريل أمين
إلى كل داعية على منهاج النبوة.. ينطلق مستمداً دعوته من دستور الأمة..
جاعلاً شعاره: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ
اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] (يوسف: ١٠٨) .
أيُّ داعٍ هو ذاكم طلَّق الدنيا هناكْ!
بل رماها بالرزايا طالباً منها الفكاكْ
مسرعاً في الدرب يمضي بين شدٍّ وانفكاك
يستحث الخطو.. يسري.. لا يبالي بالشراك
من كتاب الله يبني مجده، رغم الشباك!
* * * *
أيها الداعي تقدم وانطلق مهما اعتراك
انطلق نحو المعالي (سدَّد المولى خطاك)
خذ كتاب الله واقدُم واقتبس منه سناك
كن على الدنيا أميراً.. وارمها دوماً وراك!
واجعل الأخرى مراداً نحوها وجّه خُطاك
طأْ على الأرذال واصعد وابق شهماً في عُلاك!
أيها الداعي تذكّر أن ربي قد حباك
قد حباك الله علماً ذا ضياء.. واصطفاك
قد ورثت المجد فاهنأ بالهدى، طابت يداك
قد ورثت الأنبيا فالخير حقاً قد حواك
أنت قد أُعطيت حظاً.. إن ربي قد رعاك
فلتكن في الناس تدعو أسمِع الدنيا نداك
وابتعد عن كل قولٍ يُستقى منه العراك!
كن على منهاج حق كي تلاقيه هناك
عندها فاسعد إذا ما (طيبَ المولى ثراك!)
стр. 3752
إصدارات
تتوالى الإصدارات الحديثة حاملة بين طياتها الجديد في عالم الدراسات
الإسلامية، والفكرية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها. ورغبةً منَّا في إطلاع
قراء - البيان - على ما يتيسر لنا من هذه المطبوعات الجديدة التي نرى فيها الفائدة
لقارئها ... سيكون لنا - بإذن الله - وقفات مع بعض تلك الإصدارات بين عدد
وآخر، والله الموفق.
* قبل الكارثة (نذير ونفير) ، الأستاذ عبد العزيز مصطفى كامل،
الناشر (المنتدى الإسلامي) ١٤٢١هـ.
وهو صرخة إيمانية، ونداء عاجل لكل المسلمين للتحذير مما يحاك من
الصهيونية العالمية ضد الأرض المقدسة في فلسطين أمام صمت العالم وعجز
المسلمين، وهو النداء الحار الذي سبق أن أطلقه المؤلف منذ ١٥ عاماً تحت عنوان:
(قبل أن يهدم الأقصى) ، وحذر فيه من تداعيات ما يسمى بـ (أزمة الشرق
الأوسط) وآثارها الخطيرة فيما آلت إليه الأمور من استسلام مهين وجبروت
وعنجهية، وبمتابعة دقيقة من المؤلف لتطورات هذه الأزمة، واستمرار اليهود في
مخططهم، والصمت حياله يضيف أموراً كثيرة في هذا الباب من أهمها:
١ - العداء المعاصر هو العداء القديم.
٢ - بيت المقدس قبل الرسالة الخاتمة.
٣ - بيت المقدس في ظل الإسلام.
٤ - أهل الكتاب والبعد الاعتقادي للصراع.
٥ - المتآمرون وأبعاد المؤامرة.
ويؤكد في الخاتمة أن الجهاد واجب تكليفي شرعي روحي ديني لا يحل للمسلم
أن يتخلف عنه إذا قامت شروطه ووجدت مسوغاته، وأنه لا حل مع اليهود
وغطرستهم سوى الجهاد وإعداد العدة له.
فهل من إعذار إلى الله - تعالى - بقول أو عمل لوقف قطار المؤامرة قبل أن
يهدم الأقصى؟
* مبدأ الرفق في التعامل مع المتعلمين من منظور التربية الإسلامية،
تأليف الأستاذ: صالح بن سليمان البقعاوي، الناشر دار ابن الجوزي،
١٤٢١هـ / ٢٠٠٠م.
البحث رسالة للباحث نال بها درجة الماجستير من جامعة أم القرى تناول فيها
أهمية هذا المبدأ وآثاره الإيجابية في التلقي، فشرع الباحث في بيان إطار الدراسة
وأهميتها وأهدافها ومنهجها، ثم بيان الرفق في ضوء القرآن الكريم، ثم بيان هذا
الخلق الكريم في السنة النبوية ومضامينها التربوية ذاكراً نماذج من التطبيقات
التربوية لمبدأ الرفق في سيرة المصطفى ﷺ ، وكيف استفاد
المعلمون المسلمون من سلفنا الصالح من هذا المبدأ في تعاملهم مع المتعلمين،
ومظاهر رفق المعلم بالمتعلمين عند المربين المعاصرين، وأنهى الباحث دراسته
بخاتمة لمَّ فيها أطراف الموضوع، وأنهاه بتوجيهات قيمة لترسيخ هذا المبدأ في
واقعنا التربوي المعاصر، وهو بحث قيم في بابه.
* حقيقة المقاومة (حزب الله رؤية مغايرة) ، الناشر دار الصفوة،
للأستاذ: عبد المنعم شفيق، الطبعة الأولى ١٤٢١هـ / ٢٠٠٠م.
الكتاب قراءة في أوراق الحركة السياسية الشيعية في لبنان للأستاذ عبد المنعم
شفيق الذي سبق أن أمد المكتبة الإسلامية بعدد من الدراسات الفكرية، من أشهرها:
(ويل للعرب: مغزى التقارب الإيراني مع الغرب، والعرب) .
وهذا الكتاب رؤية تتبَّع فيها الكاتب هذه الحركة مجيباً عن أسئلة شتى حولها؛
فتحدث عن مسيرة تلك الحركة السياسية في لبنان منذ نهاية القرن التاسع عشر
الميلادي عارضاً بدايات (موسى الصدر) وانتقاله من إيران إلى لبنان، وحركة
المحرومين، وحركة أمل، وبدايات الشيخ محمد حسين فضل الله، ودوره في
توطيد الأقدام الشيعية في لبنان، ثم يفصِّل بدايات حزب الله ومنهاجه وتحالفاته مع
إيران وسوريا، والتطورات التي حدثت في المنهج العلمي والحركي لذلك الحزب،
وأثر التغيرات الدولية على الحزب، ويختم بحثه بالنجاح العسكري للحزب
وحقيقته. والكتاب رؤية مغايرة ومختلفة لجل ما كتب حول موضوعه؛ وقد استند
الباحث إلى العديد من الدراسات والأبحاث المختصة للعديد من الباحثين من شتى
الاتجاهات، وتابع مسيرة هذا الحزب حسبما نشرته الصحف والمجلات، وبكل
تواضع يختم المؤلف كتابه بأنه محاولة لدراسة هذه الحركة، وتساءل في الخاتمة:
ماذا يمكن أن نستفيد من خطواتها؟ الكتاب يثير تساؤلات وحوارات؛ إلا أنك
ستخرج بفوائد شتى من جراء ما تضمنه البحث من محاور وآراء، وهو جهد مهما
اختلف القارئ معه فإنه لا يملك إلا أن يثني على ما فيه من جهد ودراسة وتحليل.
* المسلمون والعولمة، الدكتور يوسف القرضاوي، ١٤٢١هـ /
٢٠٠٠م، الناشر: دار التوزيع والنشر الإسلامية في بورسعيد.
العولمة مهما اختلف الباحثون في تحليلها وتعريفها إلا أن المدقق في أهدافها
وغاياتها لا يشك في أنها اسم جديد (لاستعمار جديد) خلع أرديته القديمة واستبدل
أساليبه البالية ليمارس عهداً جديداً من الهيمنة على العالم، في كل النواحي السياسية
والعسكرية والاقتصادية والثقافية، وأي دولة تحاول التمرد أو الخروج عن هذا
التيار ستواجه بالتهديد والحصار، وربما بالضرب العسكري المباشر بدعاوى ليس
أقلها الإرهاب وتهديد السلم العالمي، والمؤلف تحدث عن هذا الموضوع في أربعة
أبواب تناول فيها: ماذا تعني العولمة؟ والفرق بين العولمة والعالمية وتأكيد أنها
استعمار جديد. والباب الثاني: وقفات مع عولمة السياسة والاقتصاد والثقافة والدين.
والباب الثالث: تطرق فيه للعولمة والمستقبل، وما كتب في بحثين مشهورين هما
(نهاية التاريخ) ، (صدام الحضارات) . والباب الرابع: المواقف من العولمة:
ما بين رفض تام أو أخذ تام أو وسطية؛ وهو الحري بنا أن نأخذ به، وهو أن
نستفيد من إيجابياتها ونتجنب سلبياتها متحصنين يإيماننا معتزين بأنفسنا عاملين بكل
ما نستطيع لتطوير قدراتنا وتحسين إمكاناتنا؛ حتى يكون يومنا خيراً من أمسنا،
وغدنا خيراً من يومنا.
* منارات في الطريق، للأستاذ عبد العزيز ناصر الجليل، الناشر دار
طيبة ١٤٢١هـ / ٢٠٠٠م.
وهو مقالات في الدعوة والتربية تجمع بين بساطة الأسلوب ودقة التحليل
لكثير من المسائل الدعوية والتربوية استقاها الكاتب من قراءاته لكثير من كتب
السلف والمحدثين قد لا تخفى على الدعاة، إلا أن المرء قد يغفل عنها وعن العمل
بمقتضاها بسبب تداخل الأعمال وتأثير الواقع وضغطه؛ ولهذا سلط المؤلف
الأضواء عليها تذكيراً وتبياناً، ومن أهم المواضيع التي تطرق لها الكتاب:
(ضعف التأصيل وتأصيل الضعف) ، (خطر الهوى والتعصب على الدعاة وطلبة
العلم) و (فتنة مسايرة الواقع) ، و (المداراة لا المداهنة) ، (أسباب النصر
وأصول التمكين) ، (الفهم الصحيح للورع والزهد) ، وغيرها من المسائل العلمية
التي يواجهها المسلم في خضم الحياة ويلزم أن يسير وفقها على منهاج صحيح،
وهذا ما تجده في هذه المنارات العلمية والوقفات الدعوية.
* الموسوعة الميسرة للتاريخ الإسلامي، مجلدان كبيران، الطبعة
الثانية ١٤٢١هـ/ ٢٠٠٠م، إعداد فريق البحوث والدراسات (ندا) ،
الناشر مكتبة علاء الدين بالقاهرة.
التاريخ حقاً ذاكرة الأمة به تعي ماضيها وتفسر حاضرها وتستشرف مستقبلها،
ولما كانت موسوعات التاريخ ضخمة ومن الصعوبة بمكان استقراؤها جاء هذا
الكتاب ليجمع التاريخ الإسلامي منذ عهد الخلفاء الراشدين وحتى العصر الحديث
بأسلوب سهل، وعرض مختصر متضمناً كل ما ينبغي أن يعرفه المسلم من أحداث
التاريخ الإسلامي، وختم الكتاب بملاحق عن العطاء الحضاري للمسلمين والفرق
الإسلامية والمذاهب والمنظمات التي تعمل ضد الإسلام، وآخر الملاحق الدروس
والعبر التي يستفيد منها القارئ من خلال قراءاته للتاريخ.
* الآثار المحتملة لمنظمة التجارة العالمية على التجارة الخارجية والدول
النامية، تأليف الأستاذ: فضل علي مثنى، الناشر مكتبة مدبولي، عام
٢٠٠٠م.
الكتاب رسالة ماجستير تناول فيها الباحث بالدراسة والتحليل فكرة قيام وإنشاء
منظمة التجارة العالمية وإرهاصاتها الأولى منذ مؤتمر هافانا ١٩٤٧م مروراً
بجولات المفاوضات التي عقدتها (الجات) حتى جولة أورجواي
(١٩٨٦م ١٩٩٤ م) ، كما تطرق المؤلف للهيكل التنظيمي للمنظمة، وآلية عملها
والعضوية فيها، وعملية الانضمام إليها والانسحاب منها، وطرق حل المنازعات،
ومسائل أخرى تتصل بعمل المنظمة ونشاطها وقضايا تحرير التجارة في كافة
المجالات، وأثر كل ذلك على الدول النامية بوجه خاص وعلى اليمن بوجه أخص؛
حيث تناول الباحث ذلك في ثنايا بحثه من عام ١٩٨٠م / ١٩٩٠م موضحاً الآثار
المحتملة للمنظمة على التجارة الخارجية اليمنية.
وخلص في نهاية بحثه إلى عدد من النتائج المستخلصة من الدراسة، وإلى
عدد من التوصيات التي تساعد بلاده على مواجهة المستجدات في ظل النظام
التجاري الدولي الجديد الذي يرسيه قيام هذه المنظمة العالمية.
стр. 3753
الإسلام لعصرنا
مفهوم العقل
أ. د. جعفر شيخ إدريس
العقل جزء من الشرع؛ فكما أنه لا عقل كاملاً بلا شرع، فكذلك لا شرع
كاملاً بلا عقل، والشرع هو كل ما ورد في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله
عليه وسلم.
فما العقل؟
كان السلف يقولون: إن العقل عقلان: غريزي، ومكتسب. فالغريزي هو
ما نسميه بالمقدرات العقلية مِن فَهمْ، وإدراك، وفقه، واتساق في الكلام، وحسن
تصرف إلى آخر ما سنبينه بعد إن شاء الله. هذا العقل الغريزي هو موضوع مقالنا.
العقل الغريزي هذا هو مناط التكليف؛ فمن لا عقل له لا يكلف، ومن فقد
بعض مقدراته العقلية؛ فإنما يُكلف بحسب ما بقي له منها.
والذي أعطي عقلاً ثم ألغاه فلم يستعمله الاستعمال الصحيح، ولم يلتزم بمبادئه
لا يفقه الدين، فلا يؤمن به، لكنه يحاسب على عدم فقهه؛ لأنه كان نتيجة لتعطيله
الاختياري لعقله [وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ
لاَ يَعْقِلُونَ] (يونس: ١٠٠) .
فلا غرو أن جعل الله عقاب الذين لا يعقلون هذا هو نفسه عقاب الذين لا
يؤمنون: [فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ
صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاًّ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ
يُؤْمِنُونَ] (الأنعام: ١٢٥) ، الرجس في أصله اللغوي هو النتن، فكأن الآيتين
الكريمتين تدلان على أن نقاء القلب لا يتأتى إلا بنور العقل ونور الشرع.
وللعقل في القرآن معان بحسب نوع المعقول أعني نوع الشيء المراد عقله
وفهمه من هذه المعاني:
١ - فهم الكلام: [أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ
كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] (البقرة: ٧٥) . [إِنَّا
أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] (يوسف: ٢) . فبين أن السبب في جعله
عربياً هو أن يفهمه ويعقله أولئك المتحدثون بهذه اللغة.
٢ - عدم التناقض في القول: [يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا
أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ] (آل عمران: ٦٥) ، فالذي
يقول: إن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً كأنه يقول: إن إبراهيم كان سابقاً في
وجوده لليهودية والنصرانية لكنه كان أيضاً لاحقاً لهما. وهذا كقوله - تعالى -:
[وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ
الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ
كَثِيراً وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ]
(الأنعام: ٩١) هذا الكلام موجه لليهود الذين يزعمون أنهم يؤمنون بنبوة موسى؛
فكأن الآية الكريمة تقول لهم: إن من التناقض أن تقولوا: إن الله أنزل التوراة على
موسى، ثم تقولوا: ما أنزل الله على بشر من شيء.
٣ - فهم الحجج والبراهين: [ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا
مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ
كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ] (الروم: ٢٨) ، [قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ
عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ] (يونس: ١٦) .
٤ - موافقة القول للعمل: [أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ
تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ] (البقرة: ٤٤) ، ولذلك قال النبي الصالح: [قَالَ يَا
قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ
إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ
تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ] (هود: ٨٨) . لكن تصحيح هذا التناقض إنما يكون بجعل
العمل موافقاً للقول الصحيح لا العكس؛ فالذم في هذه الآية منصب على نسيانهم
لأنفسهم لا لأمرهم بالبر؛ لأن الأمر بالبر شيء حسن، ولا يغير من حسنه كون
الداعي إليه لا يلتزم به. وقد يأمر الإنسان به بإخلاص وإن لم يعمل به. فالذي
يأمر أولاده بعدم التدخين أو عدم شرب الخمر مثلاً، مع فعله لذلك، خير من الذي
يأمرهم بالتأسي به في فعله، بل خير من الذي لا يأمرهم ولا ينهاهم.
٥ - اختيار النافع وترك الضار سواء كان مادياً أو معنوياً: [وَمَا الحَيَاةُ
الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ] (الأنعام: ٣٢) ،
[لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ] (الأنبياء: ١٠) .
٦ - التضحية بالمصلحة القليلة العاجلة من أجل مصلحة كبيرة آجلة:
[وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى
أَفَلاَ تَعْقِلُونَ] (القصص: ٦٠) ، ويؤيد هذا آيات أخرى لم يرد فيها ذكر
العقل، منها قوله - تعالى -: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ
الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ] (التوبة: ٣٨) .
٧ - استخلاص العبر الصحيحة من الحوادث: [وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً
لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ] (العنكبوت: ٣٥) ، يشير هنا إلى قرى قوم لوط
التي قال عنها في آية أخرى مبيناً عدم إدراك الكفار لمغزاها بسبب إنكارهم للبعث:
[وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القَرْيَةِ الَتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لاَ
يَرْجُونَ نُشُوراً] (الفرقان: ٤٠) .
٨ - استخلاص العبر مما جرى في التاريخ: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ
رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ القُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ] (يوسف: ١٠٩) .
٩ - فَهْم دلالات الآيات الكونية: [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ
الَليْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ
مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ
وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ] (البقرة: ١٦٤) ،
[وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ
لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ] (النحل: ١٢) .
١٠ - حسن معاملة الناس ولا سيما الأنبياء: [إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ
الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ] (الحجرات: ٤) .
هذه كلها مقدرات عقلية زود الله - تعالى - بها الناس أجمعين؛ فهم جميعاً
يقرون بها، ويرون من عدم العقل ترك الالتزام بها؛ لكن ما كلهم يلتزم في الواقع
بها. ولذلك يكفي أن ينبه من خرقها إلى أنه أتى بفعل غير عقلي كما رأينا ذلك في
آيات القرآن السابقة.
لكن ينبغي أن ننبه إلى أن بيان القرآن للمسائل العقلية وإقراره لها ليس
محصوراً في الآيات التي ذكرت فيها كلمة العقل، فهنالك آيات تذكر فيها كلمات
أخرى تشير إلى المقدرات العقلية بذلك المعنى العام الذي ذكرناه، بل إنه يبدو أن
كل سؤال استنكاري في القرآن يدل على أن المسؤول عنه أمر بدهي ما ينبغي لذي
عقل أن يماري فيه.
بل إن القرآن الكريم مليء بالآيات التي يمكن أن يتخذها المسلم موازين عقلية.
ولعل هذه هي المرادة بالمعنى الثاني لمفهوم العقل، أعني كونه علوماً يهتدي بها
الإنسان.
стр. 3754
وقفات
مع الناس في حاجاتهم
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
لبث النبي ﷺ في مكة ثلاثة عشر عاماً يحذر الناس من
الشرك، ويدعوهم إلى التوحيد، ويربي المؤمنين عليه. ولكنَّ العجيب اللافت
للنظر أنَّ ذلك الأمر العظيم لم يصرف النبي ﷺ عن العناية بحقوق
الناس الدنيوية، وحاجات المستضعفين؛ ففي العهد المكي تنزل عليه قول الله -
تعالى -: [وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوَهُمْ
أَو وَزَنُوَهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلاَ يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ
النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ] (المطففين: ١-٦) . وقوله - تعالى -: [إِنَّهُ كَانَ لاَ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ] (الحاقة: ٣٣-٣٤) .
وقوله - تعالى -: [أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ * وَلاَ
يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ] (الماعون: ١-٣) ، ونحوها من الآيات كثيرة جداً،
ومثلها كذلك الأحاديث النبوية التي تواترت في الحث على السعي في قضاء حاجات
الناس وتفريج كرباتهم؛ فمن ذلك قول النبي ﷺ : «المسلم أخو
المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن
فرَّج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات القيامة، ومن ستر مسلماً ستره
الله يوم القيامة» [١] . وعن أنس ﵁ عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» . وأحسبه
قال: «كالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر» [٢] .
إنَّ أولويات الدعوة والتغيير في هذه الأمة كثيرة جداً، والحكمة الشرعية
تقتضي البدء بالأوُلى فالأوْلى، ولكن هذا لا يعني إلغاء العناية بالحاجات الدعوية
والاجتماعية المفضولة؛ فالأمور تقدر بقدرها، والفقه الناضج هو الفقه الذي يوائم
بين تلك الحاجات بتوازن تام.
ومن ذلك السعي الحثيث لكفالة ضروريات الناس وتوفير حاجياتهم التعليمية
والاجتماعية والصحية.. ونحوها؛ فهي من الطرق الرئيسة للتأثير على نفوسهم
وتأليف قلوبهم. قال الشاعر:
أحسن إلى الناس تستعبدْ قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسانَ إحسان
وقد التفت إلى هذا الأمر في عصرنا فرق كثيرة من أهل الضلال، منهم:
١ - الشيوعيون الذين طالبوا بحقوق العمال والطبقات الكادحة - زعموا! -،
وأصبحت شعاراتهم البراقة - في يوم من الأيام - تكتسح صفوف المستضعفين
والبسطاء..!
٢ - المنصّرون الذين استغلوا ثالوث الفقر والمرض والجهل الذي يضرب
بجِرانه في أنحاء المعمورة لترويج باطلهم.
ونحن الدعاة أوْلى الناس بهذا الأمر، فمن الخطأ الجسيم الذي قد يرتكبه بعض
الدعاة أن يتغافلوا عن مشكلات جمهور الأمة، وأن يهمشوا قضايا رجل الشارع
العادي واحتياجاته اليومية؛ فليس من فضول البرامج الدعوية أن تُؤسس الجمعيات
الخيرية التي ترعى العجزة والأرامل والأيتام، وليس من العبث أن نسعى في
حاجات الفقراء والمستضعفين والمرضى، وليس من الفقه والسياسة الشرعية أن
نتعامى عن التصدع النفسي والاجتماعي الذي ينخر في ديار المسلمين، وليس من
المروءة أن نقصر الجهد في مواساة المنكوبين، وإغاثة الملهوفين. قال رسول الله
ﷺ : «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد؛
إذا اشتكى عضواً تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [٣] .
وإنك لتعجب أشد العجب من أن بعض الدعاة يدع كثيراً من الهموم العامة
للأمة، ولا يلقي لها بالاً، ويترك العلمانيين وأدعياء الوطنية يَلْغون فيها،
ويتشدقون بأطروحاتهم. ألا تتيح لنا ثقافتنا الإسلامية وأوْلوياتنا الدعوية أن نطرح
قضايا التنمية والنهضة، ونعالج مشكلات البطالة، وتعلو لنا يد جادة تدعو إلى
العدل الاجتماعي، ويكون لنا صوت مؤثر ورائد في انتشال الأمة من حمأة التخلف
والانحطاط الحضاري..؟ ! !
لقد رأيت لبعض فضلاء المفكرين الإسلاميين أطروحات فكرية تزري ببعض
الأعمال الاجتماعية والإصلاحية، وتهوِّن من شأن المؤسسات الخيرية، ويزعم أن
ذلك يستهلك طاقات الدعاة ويشتت جهودهم، ويبعدهم عن الهدف الحقيقي، والتغيير
الشامل لمسار الأمة..!
وهذا صحيح بلا شك إذا كانت تلك الأعمال الاجتماعية هي البرامج
الإصلاحية الوحيدة التي نقدمها للناس، ولكنها حلقة مهمة من حلقات النهضة الشاملة
للأمة إذا كانت تقدم في رؤية علمية واضحة المعالم ضمن سلسلة من الإنجازات
التي تأتلف مع بعضها، وتتكامل في رسالتها، وتخرج من مشكاة واحدة يتمم
بعضها بعضاً؛ فمنا من يعتني بالإصلاح الاجتماعي، وآخر يتخصص بالإصلاح
التربوي، وثالث يتصدر للإصلاح الفكري، ورابع للإصلاح السياسي.. وهكذا.
وأحسب أن من أبرز جوانب التحدي الذي تواجهه الصحوة الإسلامية هو
الدخول المتوازن لكافة شرائح المجتمع وطبقاته؛ فالطرح الإصلاحي النخبوي وحده
يبقى محدود التأثير منغلقاً في قاعات الدرس وبطون الكتب، والطرح الجماهيري
وحده يبقى ضعيف التأثير لا يستوعب إمكانات الأمة وقدراتها، ولا يحسن توظيفها
واستثمارها. وأما المواءمة بين الأمرين فهو التجديد الذي يحيي الأمة ويسلك بها
في سبيل النهضة والتغيير المنشود.
стр. 3755
قضية للمناقشة
عوائق في طريق المراجعات
(١ - ٢)
محمد مصطفى المقرئ
أحسنت مجلة «البيان» إذ أفردت لقضية المراجعات حلقات للمناقشة نرجو أن
تطول، كما نرجو للموضوع أن يلقى اهتماماً يكافئ حجمه، وإيجابية تضعه موضع
التمثل والتطبيق.
ففي تقديري أننا لم تُمْسِ حاجتنا للمراجعة - أمة وأفراداً وجماعات - مثل
حاجتنا إليها اليوم، وإذا كانت الحركة الإسلامية تمثل طليعة الأمة ونواة التغيير
فيها.. فهي الأحوج للمراجعة باعتبارها القدوة، ولما يناط بها من مهمة تغييرية
إسلامية عظيمة.
وإذ نتفق على أن هذه المشاركات المحدودة عبر مجلة أو أكثر لن توفِّي مسألة
المراجعات حقها؛ فحسبنا منها تفتيح نوافذ تطل على مجالاتها الرحيبة؛ فهي دعوة
نطرح من خلالها رؤوس أقلام وحسب، ويبقى على العلماء العاملين والدعاة
المربين توفيتها حقها من التنظير والتجذير واستنبات الثمار [وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ
نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ] (الأعراف: ٥٨) .
وقد اخترت أن تكون مشاركتي المتواضعة في جانب لا بد من تذليله أولاً؛
ذلك إن شئنا أن تأخذ المراجعة موقعها اللائق من خارطتنا التربوية، وتصير عملاً
إصلاحياً قيد التطبيق، وهذا الجانب أسلِّط من خلاله الضوء على عوائق أراها
معرقلة لهذه المهمة الصعبة، ومؤخرة للإصلاح المنشود.
المعوق الأول: إحسان الظن بالنفس.
المرء منا يلحظ عيوب غيره، ويغفل عن عيوب نفسه؛ فيحسن الظن بها،
ويخالها خيِّرة صفية، وما يدري أن في ذلك هلاكه! !
وكذلك تُستدرَج الجماعات والأمم؛ فحين يتسرب إلى نفوسنا هذا النوع من
الوثوق المغرِّر، والطمأنينة الخادعة فإننا نتواكل على صلاح موهوم، ونركن إلى
استقامة منتحلة! ! نرى أننا وافينا بلوغ الكمال أو كدنا، ولا حاجة بنا إلى إصلاح،
بل لا حاجة بنا إلى التفتيش عن نقص أو عيب؛ فهذا أمر مستبعد، أو هو لا يَرِدُ
على خواطرنا أصلاً! !
لما أصيب الصحابة ﵃ يوم أحد نزل قول الله - تعالى -:
[أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ]
(آل عمران: ١٦٥) فأنى لجماعة أو جيل بعد خير القرون أن تخلو من نقص
وقصور؟
لقد كان مَن هُم خير منا على العكس مما نحن فيه من إحسان الظن بأنفسنا؛
فكانوا يمقتون أنفسهم في جنب الله - تعالى -؛ حتى لا يرى أحدهم نفسه إلا شراً
من المسلمين أجمعين.
روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء ﵁ قال: «لا يفقه الرجل
كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد
مقتا» [١] .
وقال مطرِّف - في دعائه بعرفة -: «اللهم لا تردَّ الناس لأجلي» [٢] .
وقال بكر بن عبد الله المزني: «لما نظرتُ إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غُفِرَ
لهم لولا أني كنت فيهم» [٣] .
وقال أيوب السختياني: «إذا ذُكِرَ الصالحون كنت عنهم بمعزل» [٤] .
ولما احتُضر سفيان الثوري دخل عليه أبو الأشهب، وحماد بن سلمة، فقال
له حماد: «يا أبا عبد الله! أليس قد أمنتَ مما كنت تخافه، وتَقدِم على من ترجوه،
وهو أرحم الراحمين؟ فقال: يا أبا سلمة! أتطمع لمثلي أن ينجو من النار؟ قال:
إي والله! إني لأرجو لك ذلك» [٥] .
وذُكر عن مسلم بن سعيد الواسطي قال: أخبرني حماد بن جعفر بن زيد أن
أباه أخبره قال: «خرجنا في غزاة إلى كابل، وفي الجيش صلة بن أشيم، فنزل
الناس عند العتمة، فصلوا، ثم اضطجع (صلة) ، فقلت: لأرمقن عمله، فالتمس
غفلة الناس، حتى إذا قُلْتُ: هدأت العيون، وثب فدخل غيضة قريبة منا، فدخلت
على إثره، فتوضأ، ثم قام يصلي، وجاء أسد حتى دنا منه، فصعدت شجرة،
فتراه التفت أو عدَّه جرواً؟ ! فلما سجد قلت: الآن يفترسه، فجلس، ثم سلم، ثم
قال: أيها السبع! اطلب الرزق من مكان آخر. فولَّى وإنَّ له لزئيراً، أقول:
تصدع الجبال منه. قال: فما زال كذلك يصلي حتى كان عند الصبح جلس، فحمد
الله - تعالى - بمحامد لم أسمع بمثلها، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من
النار، ومثلي يصغر أن يجترئ أن يسألك الجنة. قال: ثم رجع وأصبح كأنه بات
على الحشايا (يعني حيث ينامون كأنه لم يستيقظ) ، وأصبحت وبي من الفزع
شيء الله به عالم» [٦] .
وقال يونس بن عبيد: «إني لأعد مائة خصلة من خصال الخير، ما أعلم أن
في نفسي منها واحدة» [٧] .
وروى الإمام أحمد عن مسروق قال: «دخل عبد الرحمن على أم سلمة -
﵂ فقالت: سمعت النبي ﷺ يقول:» إن من
أصحابي لَمَنْ لا يراني بعد أن أموت أبداً «فخرج عبد الرحمن من عندها مذعوراً،
حتى دخل على عمر ﵁ فقال له: اسمع ما تقول أمك! فقام عمر -
﵁ حتى أتاها، فدخل عليها فسألها، ثم قال: أنشدك الله، أمنهم
أنا؟ قالت: لا، ولن أبرئ بعدك أحدا» [٨] .
قال العلاَّمة ابن قيم الجوزية: «ومقت النفس في ذات الله من صفات
الصدِّيقين، ويدنو العبد به من الله - تعالى - في لحظة واحدة أضعاف ما يدنو
بالعمل» [٩] .
إن المسافة بين إحسان الظن بالنفس وبين مقتها في ذات الله - تعالى - هي
كالمسافة بين الكبر والتواضع، بين الدعوى والحقيقة، بين الكذب والصدق، بين
العلم والجهل.. ويخطئ من يحسب أن مقته لنفسه إهدار لمكانته، فيدع ذلك بدعوى
اتقاء تجرؤ السفهاء، مع أن مقتها لا يكون بالضرورة جهرة بين الناس.
إننا مع الأسف لا نطرق مسألة المراجعات إلا وتذهب أذهاننا إلى غيرنا؛
فكل الناس يحتاجها إلا (أنا.. جماعتي.. منهجنا! !) .
المعوق الثاني: الإعجاب بالعمل:
إذا نسي الناس عظمة المنعم جل وعلا، وتغافلوا عن عظيم نعمه استكثروا
أعمالهم، وأعجبتهم هيئاتها! !
قال مسروق: «كفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعمله» [١٠] .
فمن الذي يوفق لعمل الصالحات ويهدي إليها ويعين عليها؟ [وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ
اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ] (النور: ٤٠) .
يقول أحدنا لنفسه: ولكن جهدي في تزكية نفسي هو الذي جلب توفيق ربي! !
فليجب هو نفسه: [وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً
وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ] (النور: ٢١) فهو محض فضل الله تعالى لا غير.
فتقول النفس: ما زكيت دون كثير غيرك إلا لما في قلبك من محبة الله ومحبة
طاعته! ! فليقل هو لها: [وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ
إِلَيْكُمُ الكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً]
(الحجرات: ٧-٨) .
ولربما يعجب أحدنا بملكاته، وعلو مهاراته، وتفننه وإتقانه، وعلمه
وعرفانه.. وإن هي إلا أرزاق مقسومة من الله لعباده؛ فإن يكن لنا في تحصيلها جهد
فالعون منه - تعالى - وحده، ولا ريب أن في الخلق من يفوقنا فيها [وَفَوْقَ كُلِّ
ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ] (يوسف: ٧٦) وما يأمن امرؤ نعمة أنعمها الله عليه أن تسلب،
لا سيما إن رآها حاصلة منه إليه.
أين تبلغ بنا هذه الأعمال - إن قبلت - بغير رحمة الله وفضله؟ والنبي
المصطفى ﷺ يقول: «لن يُدخِلَ أحداً منكم عمله الجنة»
قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه بفضل
ورحمة» [١١] .
إن المرء إذا لم يتجرد من الحول والقوة عند شروعه في عمله، ويلقي أحماله
على توفيق ربه؛ ويستجلب المدد والعون من رحمته وفضله؛ إذا لم يكن ذلك كذلك؛
رأى نفسه هي الصانعة المبدعة، وعندئذ يوكَل إليها، وإذا وُكِلَ العبد إلى نفسه
فقد وكل إلى عجز وضيعة، وفقر وفاقة، وهو ما كان يستعيذ منه رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وبأعظم أسماء الله - جل وعلا -: «يا حي يا قيوم، برحمتك
أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا إلى أحد من
خلقك» [١٢] .
لقد كان الدرس يوم حنين عظيماً، العظة فيه لنا نحن؛ فجيل الصحابة
استوعب الدرس وفهمه، وورثنا منه العبرة والعظة، وهم خير القرون قدوة
ومثلاً.. [وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ
بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ] (التوبة: ٢٥) .
وترانا نتيه بالجماهيرية والكثرة، ونفاخر بالسبق والقدم، ونزهو بتميز
المنهج وتفرده، مع كوننا بهذا وبغيره لم نزل نعاني الاستضعاف والهوان [فَلَمْ تُغْنِ
عَنكُمْ شَيْئاً] (التوبة: ٢٥) .
وثَمَّ أمور تزكي نيران العجب وتغذيها:
منها: الاعتداد بالنفس، ومشاهدة فضلها وملاحظة عطائها، وهو لون
من عدم إنكار الذات، والتنكر لفضل الله - تعالى -، ونسيان فضل
الغير.. [فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى] (النجم: ٣٢) ، [وَلَوْلا
فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن
يَشَاءُ] (النور: ٢١) ، [وَلاَ تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ] (البقرة: ٢٣٧) ، [وَلاَ
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] (المائدة: ٨) .
ومنها: تحقير عمل الغير، وغمط فضله، والتقليل من شأنه، وهو - لعمر
الله - الكبر الذي حذر منه النبي ﷺ : «الكبر بطر الحق، وغمط
الناس» [١٣] ، وهو هضم لحق من حقوق الأخوة في الدين ف «المسلم أخو المسلم
لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره» [١٤] .
ومنها: مغالاة الأتباع، ومدحهم لطوائفهم، وإطراؤهم لمشايخهم، وثناؤهم
عليهم في وجوههم؛ ولَذاك انتهاك صارخ للنهي الشرعي؛ حيث يقول صلى الله
عليه وسلم: «انثروا في وجوه المداحين التراب» [١٥] ؛ ذلك أن المرء إذا مُدِحَ
في وجهه دخله العجب، وإذا دخله العجب هلك، لقول رسول الله: «ثلاث
مهلكات..» ، وذكر: «فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء
بنفسه..» [١٦] .
وفي حديث آخر: «.... حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا
مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه؛ فعليك بخاصة نفسك» [١٧] .
وهذه الخصال الأربع بينها ارتباط وصلة، وكذلك شأن أمراض القلوب،
تخالها كأنها شبكة فيروسية، أو كأنها ميكروب انشطاري؛ فغالباً ما تجد الشح
واتباع الهوى وإيثار الدنيا والعجب مجتمعة كلها في حالة مرضية واحدة، وقد يعافى
المرء من تلك الثلاثة الأُوَل، إلا إعجاب كل ذي رأي برأيه؛ فهي أشدها، وهي
التي منها المعاناة عند الخلاف.
قال علي ﵁: «الإعجاب آفة الألباب» ، وعن أبي
الدرداء ﵁: «علامة الجهل ثلاثة: العُجب، وكثرة المنطق فيما
لا يعنيه، وأن ينهى عن شيء ويأتيه» ، وعن مسروق: «كفى بالمرء علماً أن
يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعمله» ، قال أبو عمر ابن عبد البر:
«إنما أعرفه بعمله» [١٨] .
المعوق الثالث: تقديس المقدمين والمغالاة فيهم:
وهو ما نهينا عنه حتى في حق أكمل الخلق وأحبهم إلينا: رسول الله صلى
الله عليه وسلم القائل فيما صح عنه: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح
ابن مريم؛ إنما أنا عبد؛ فقولوا: عبد الله ورسوله» [١٩] ، وترانا نستنكف أن
نذكر بغير ألقاب تضاف إلى أسمائنا؛ فالفضيلة والسماحة والمشيخة والأستاذية
وغيرها.. لها في آذاننا رنين محبوب مرغوب! ! في حين ندرج أسماء الصحب
الكرام ﵃ بغير ألقاب..؛ فنقول: أبو بكر، وعمر، وعثمان،
وعلي، وسعد، وسعيد....، ولا نرضى للمعظم فينا أن يدرج اسمه غير مضاف
إلى (الإمام.. العلاَّمة.. الشيخ..) وربما يُجمَع له ذلك كله وغيره! !
وإن تعجب فعجب: أن تقابل هذه المغالاة في المقدمين فينا بتفريط يضع من
قدر المقدمين في غيرنا ممن هم من ذوي الفضل والسبق والعلم أيضاً! ! إذن هي
العصبية المقيتة، والموالاة حمية [حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ] (الفتح: ٢٦) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومما يتعلق بهذا الباب: أن يعلم أن الرجل
العظيم في العلم والدين، من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم إلى يوم القيامة، أهل
البيت وغيرهم، قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقروناً بالظن، ونوع من الهوى
الخفي، فيحصل بذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه، وإن كان من أولياء الله المتقين.
ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين: طائفة تعظمه فتريد تصويب ذلك
الفعل واتباعه عليه. وطائفة تذمه فتجعل ذلك قادحاً في ولايته وتقواه، بل في بره
وكونه من أهل الجنة، بل في إيمانه حتى تخرجه من الإيمان! !
وكلا الطرفين فاسد: الخوارج، والروافض، وغيرهم من أهل الأهواء،
دخل عليهم الداخل من هذا، ومن سلك طريق الاعتدال عظَّم من يستحق التعظيم
وأحبه ووالاه، وأعطى الحق حقه، فيعظِّم الحق ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل
الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيحمد ويذم، ويثاب ويعاقب، ويحب من وجه
ويبغض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة، والجماعة خلافاً للخوارج،
والمعتزلة , ومن وافقهم» [٢٠] .
المعوق الرابع: الجهل والهوى:
الجهل ظلمة لا تلغي وجود المعارف، ولكن تحول دوننا ودون رؤيتها، وآلة
الرؤية كائنة ميسورة، ولكن لا بد لها من شعاع ضوء يعكس عليها صور المعارف
وماهياتها.. وذلك هو العلم. فالعلم: هو النور، والجهل ضده. والهوى: ظلمة
تحرمك الرؤية؛ وإن ملكت آلة الإبصار.. فكأن نور العلم أضعف من أن يخترق
حجاب الهوى، فهو معه غير نافع لآلتك.. [أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ
اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ
اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ] (الجاثية: ٢٣) .
قال الحافظ ابن قيم الجوزية: «فالنفس تهوى ما يضرها ولا ينفعها، لجهلها
بمضرته لها تارة، ولفساد قصدها تارة، ولمجموعهما تارة، وقد ذم الله - تعالى -
في كتابه من أجاب داعي الجهل والظلم، فقال: [فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا
يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ
الظَّالِمِينَ] (القصص: ٥٠) ، وقال: [إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ
وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهُدَى] (النجم: ٢٣) ، فأصل كل خير: هو العلم والعدل،
وأصل كل شر: هو الجهل والظلم» [٢١] .
والجهل: ليس جهل الحرام، والحلال، وحسب، بل من أعظم الجهل:
جهل المرء بنفسه، وبأدوائها، وبما يجب عليه في تزكيتها، وإصلاحها، ومجاهدة
ميولها، ومغالبة هواها، وفي الأثر: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما
جئت به» [٢٢] .
والمرء عدو ما يجهله، ويأبى الهوى على صاحبه أن يوقفه أحد على أخطائه،
ولا حتى أن يقف عليها هو بنفسه، يكره أن يخطَّأ في أعين أتباعه، فيهرب من
مكاشفة نفسه، ويفر منها إليها، ولو رزق هذا التوفيق لفر منها إلى ربه.. [وَأَمَّا
مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى]
(النازعات: ٤٠-٤١) .
قال العلاَّمة ابن القيم: «والإنسان خلق في الأصل ظلوماً جهولاً، ولا ينفك
عن الجهل والظلم إلا بأن يعلمه الله ما ينفعه، ويلهمه رشده؛ فمن أراد به الخير
علمه ما ينفعه، فخرج به عن الجهل، ونفعه بما علمه، فخرج به عن الظلم،
ومتى لم يرد به خيراً أبقاه على أصل الخلقة، كما في المسند من حديث عبد الله بن
عمرو عن النبي ﷺ قال:» إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى
عليهم من نوره؛ فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل « [٢٣] .
وقد جمع النبي ﷺ بين العلم والعدل في سؤاله الله - جل
وعلا -:» اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شرور أنفسنا « [٢٤] ؛ فالرشد هو العلم بما
ينفع، وشرور النفس هو ظلمها، وهو اتباع الهوى.
وفي الحِلْم والإسلام للمرء وازع ... وفي ترك أهواء الفؤاد المتيم
بصائر رشد للفتى مستبينة ... وأخلاق صدق علمها بالتعلم
المعوق الخامس: الإرهاب الفكري:
يبدو لي أن أجواء القهر والاستبداد والظلم التي تعيشها أكثر بلداننا قد أصابتنا
بلوثتها، فصرنا نعاني من الإرهاب الفكري حتى فيما بيننا نحن الإسلاميين! !
فأنت دائماً متهم بالإفراط أو التفريط؛ ذلك بعدما صارت الوسطية أمراً نسبياً يقيسه
كل من جهته، وعلى أساس من مقرراته هو.. فإذا كتبت في الاعتقاد: فأنت
متزمت وهَّابي، أو مبتدع حشوي، وإذا كتبت في الإيمان: فأنت خارجي أزرقي،
أو مرجئي جهمي، وإذا كتبت في المنهج: فأنت سلفي متعصب، أو خلفي متسيب،
وهكذا..! !
وما أسهل أن تطالك أحكام جاهزة، شبه عسكرية واستثنائية، ولكن من لون
آخر تعلوه مسحة شرعية، ليس في الحقيقة ولكن في إهاب يبدو كذلك؛ فتُخلَع
عليك ألقاب من نحو: منافق، مبتدع، مرجف، مداهن، خارجي، مرجئ،
مخرف، صوفي....! !
فإذا كنت واحداً من هؤلاء ولا بد فأبشر بألوان من التشهير والتعيير والتنفير
والذم والحض على الكراهية.... فما يدَعونك إلا وسيرتك جثة هامدة ينأى عنها
أتباعهم قابضين على أنوفهم، يريدون ليوهموا الناس أنها كريهة! !
يعلم المراجِع لنفسه أنه متجه نحو هذا الكمين، فيتردد ألف مرة، يُحب أن
يراجع فيقدم، ثم يتراجع.. ينمق العبارات، ويدبج الصياغات، يريد أن يكون
لوقع تراجعه أخف الوطء على نفوس هؤلاء المتحفزين، وبينما هو يهم بالتراجع
مجرد همٍّ، تنهمر فوق رأسه اتهامات بالانحراف المنهجي، وعدم الثبات على الحق،
والفتنة في الدين، والتخاذل والنكوص، ونكث العهود! !
ألا فلا تتردد وقد عزمت؛ فإنه متى بان لك خطأ لم يحل لك أن تتوانى أو
تسوِّف في التراجع عنه، [فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الحَقِّ المُبِينِ]
(النمل: ٧٩) ، وثق أن رضا الناس غاية لا تدرك. قال ﷺ :
» من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مُؤْنَة الناس، ومن التمس رضا الناس
بسخط الله وكله الله إلى الناس « [٢٥] .
المعوق السادس: خشية شماتة المخالف:
من المؤسف أننا لا نفرق بين النصيحة والتعيير، وفي الحديث:» من عيَّر
أخاه بذنب لم يمت حتى يفعله « [٢٦] ، وللحافظ ابن رجب الحنبلي مصنف مفرد
لهذه المسألة وحدها، موسوم بـ:» الفرق بين النصيحة والتعيير «، فما أن
يرجع مخالف عن خطأ كان عليه إلا وتنهمر عليه عبارات التبكيت والتأنيب
والتقريع.. ألم ننصح لك؟ ألم نبين لك خطأ ما درجت عليه؟ هل أدركت الآن
أننا كنا على حق؟ ألم نقل لك إن منهجنا هو المنهج؟ ! ! وتدبج المقالات،
وترصف الأسطر الطوال، تحقر من شأن المتراجع وتزدريه، وتنعى عليه منهاجه
كله، بل يظهرون الشماتة فيه، أنه قد أقر على نفسه بالخطأ، واعترف بما كان فيه
من مخالفة، ولو يدري هؤلاء لعلموا أن ما يشنعون به عليه من الإقرار بالخطأ
والتراجع عنه: فضيلة ومنقبة تذكر له لا عليه، ولعلهم هم أعجز من أن يرجعوا
عن خطأ هُم عليه كذلك، وربما كان خطؤهم أشنع من خطئه، وعلى كل فقد تراجع
هو، فأين هم من أخطائهم؟ وفي التحذير النبوي البليغ:» لا تظهر الشماتة
بأخيك فيرحمه الله ويبتليك « [٢٧] .
فلماذا يشمت الشامتون؟
أليس التزام الحق هو مطلب كل صادق؟ فلِمَ إذن نرى الشامتين يتخذون من
تراجع المخالف فرصة لمهاجمته، بل وللمزايدة عليه، وإظهار منهجهم على حساب
التحقير من منهاجه؟ ! أوَ ننسى أن الكثير منا وممن نحب ونقرب، وممن نعظم
ونوقر؛ قد هداهم الله من هنات وهنات، وزلات وزلات؟ فليسمع هؤلاء وأولئك
لقول الله - تعالى -: [كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ] (النساء: ٩٤) .
فيا أيها العازم على الرجوع إلى الحق: امض لما عزمت؛ فإنها والله فضيلة
تجعلك فوق من يحقرونك [وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً]
(الأحزاب: ٤٨) .
المعوق السابع: توهم فتنة الأتباع إن طالعوا المخالفة:
يلقي الشيطان في روع أحدنا: أن اعترافنا بالخطأ، وإقرارنا بما كنا عليه من
المخالفة سوف يفتن الأتباع، ويصدهم عن التمسك بالمنهج، وربما ينفرهم عن
الطريق كله..
أفتريد يا هذا أن تكون جذوة نار تحترق لتضيء للناس الطريق؟ وقد دلَّك الله
كيف تضيء لهم من الحق مصباحاً، فتهتدي ويهتدون تبعاً، وتنجو وينجون
جميعاً.. [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ
وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] (يوسف: ١٠٨) .
إن الرجوع إلى الحق ولزومه حيث كان: هو الدرس العظيم الذي يجب أن
نعلِّمه أتباعنا، ومن كان فيه خير فسيلزم التصويب، وليس في لزوم الحق فتنة،
وإنما تكون الفتنة بالنكوص المنهجي عن ثوابت الحق، والتنكر لما أثبته الدليل من
غير حجة شرعية، ففرق بين الرجوع إلى الحق والتراجع عنه، والخلط بين
المفهومين هو سبب هذا الغلط.
المعوق الثامن: بطر الحق وغمط الناس:
إنه الكبر.. وبذلك فسره النبي ﷺ :» الكبر بطر الحق،
وغمط الناس « [٢٨] ، هذا من جوامع كلمه ﷺ ، ولله دره، بأبي
هو وأمي؛ فالبطر للحق والغمط للخلق: بينهما وشيجة وصلة؛ إذ قد يحمل المرء
على المكابرة في الحق والتنكر له وردِّه؛ أنه جاءه ممن يراه دونه! ! كما أن بطر
الحق يشتمل على نسيان فضل الغير وهضم حسناته.
والمرء إذا تسرب إلى نفسه الكبر منعه ذلك من طلب التصويب، وحال بينه
وبين الحرص على التصحيح؛ فأنَّى للمتكبر الذي يحسب نفسه فوق الناس أجمعين،
وأكمل من أقلَّته الأرضون؛ أن يرى به حاجة للمراجعة، فضلاً عن مظنة تلبُّسه
بخطأ، أو تعثره بكبوة؟ ! وفي جامع الترمذي عن سلمة بن الأكوع - رضي الله
عنه - قال: قال رسول الله ﷺ :» لا يزال الرجل يذهب بنفسه
حتى يكتب في الجبارين، فيصيبه ما أصابهم « [٢٩] .
ثم إنه قد ينبه إلى غلط عنده، بل وقد يستشعر خللاً مَّا في عمله، ولا يقدم
أبداً على مراجعته، لئلا يصير هو ومخالفه في عموم الخطأ سواءاً، ومثل هذا إن
قدر له الوقوف على خطئه كره أن يقر به وإن استيقنته نفسه! ! وهذا من أكبر
بواعث المراء المذموم والجدال بالباطل.
فيا طالب الآخرة: هلمَّ إلى مراغمة نفسك، وضع من تعاليها؛ فذلك سبيلك
إلى المراجعة، وقنطرتك إلى حسن العاقبة [تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ
يُرِيدُونَ عُلُواًّ فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] (القصص: ٨٣) .
المعوق التاسع: الخطأ في مفهوم الثبات على الحق:
الحق قديم لا يبطله شيء، والثبات عليه واجب حقيقة: بالاستقامة عليه،
وحكماً: بالرجوع إليه، كلما وقع انحراف عنه، قال - تعالى -: [فَاسْتَقِمْ كَمَا
أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] (هود: ١١٢) ، فرحى
الإسلام دائرة، ونحن مأمورون أن ندور معها حيث دارت، وهذه المناهج
والتجارب التي هي اجتهادات بشرية: تصيب وتخطئ، وتصلح وتفسد، لسنا
مطالبين بالتمسك بها على كل حال؛ بل المتجرد في طلب الحق لا يتردد في تجاوز
منهجه إلى ما فيه تصويب له، وتكميل لنقصه، وإصلاح لعيبه، أما أن يكون
التمسك بالرأي الأول، أو المذهب الأقدم، أو المنهج الذي أقرته الطائفة واتبعت
عليه؛ هو الثبات المطلوب: فتلك مغالطة كبيرة؛ وإلا كان مذهب الإمام أبي حنيفة
النعمان هو الأوْلى بالاتباع مما تبعه من مذاهب، بل لما جاز أصلاً إحداث مذهب
بعده، وأحج من ذلك: أن الأئمة لم يذهبوا إلى حرمة الخروج على اجتهاداتهم، ولم
يمنع فقهاؤنا من إحداث اجتهادات مخالفة للمذاهب الأربعة المقررة عند الأمة.
وقد نقل الحافظ ابن عبد البر ما يربو على عشرين أثراً في» جامع بيان
العلم « [٣٠] في اختلافات جرت بين الصحابة، أو بين التابعين كذلك، ثم قال -
﵀:» هذا كثير في كتب العلماء، وكذلك اختلاف أصحاب رسول الله
ﷺ ، والتابعين ومن بعدهم من الخالفين، وما رد فيه بعضهم على
بعض لا يكاد أن يحيط به كتاب، فضلاً عن أن يجمع في باب، وفيما ذكرنا منه
دليل على ما عنه سكتنا، وفي رجوع أصحاب رسول الله ﷺ
بعضهم إلى بعض، وردِّ بعضهم على بعض: دليل واضح على أن اختلافهم
عندهم خطأ وصواب؛ ولولا ذلك لكان يقول كل واحد منهم: جائز ما قلتَ أنت،
وجائز ما قلتُ أنا، وكل نجمٌ يهتدى به، فلا علينا شيء من اختلافنا « [٣١] .
ثم ذكر ابن عبد البر ﵀ آثاراً أخرى في رجوع الصحابة بعضهم
إلى آراء بعض.
وتراثنا العلمي غني مكتنز بروائع من التصويبات والردود التي تداولها
علماؤنا سجالاً بينهم.. ومن أمثلة ذلك:
١ - الرد على أبي حنيفة، لأبي بكر بن أبي شيبة - رحمهما الله تعالى -،
وذلك ضمن كتابه المصنف.
٢ - الرد على محمد بن الحسن الشيباني، للإمام الشافعي، رحمهما الله
تعالى.
٣ - الرد على سِيَر الأوزاعي، لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم، رحمهما
الله تعالى.
٤ - بيان خطأ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه، لأبي
محمد بن حاتم الرازي، رحمهما الله تعالى.
٥ - بيان الوهم والإيهام الواقعيْن في كتاب الأحكام لعبد الحق الإشبيلي، لابن
القطان، كما نقد النقد الحافظ الذهبي، ﵏ أجمعين» [٣٢] .
فإذا أخطأ هؤلاء ورد عليهم أفلا يخطئ أمثالنا؟
ولكنك إذا رددت على مخطئ - فيما تعتقد - قوله أو مذهبه؛ قوبل ردك
بالغضب، والعداوة، وإعلان الحرب، والدعوة إلى النزال! ! وفي أحسن الأحوال:
تدعى إلى الاعتذار وطلب المسامحة! !
قال ابن قتيبة الدينوري: «وقد كنا زماناً نعتذر من الجهل، فقد صرنا الآن
نحتاج إلى الاعتذار من العلم، وكنا نؤمل شكر الناس بالتنبيه والدلالة، فصرنا
نرضى بالسلامة، وليس هذا بعجيب مع انقلاب الأحوال، ولا ينكر مع تغير
الزمان، وفي الله خلف وهو المستعان» [٣٣] .
والأحج من جميع ما سبق: «أن أصحاب رسول الله ﷺ
ورضي الله عنهم -، وهم قادة الأنام، ومعادن العلم، وينابيع الحكمة، وأوْلى
البشر بكل فضيلة، وأقربهم من التوفيق والعصمة: ليس منهم أحد قال برأيه في
الفقه إلا وفي قوله ما يأخذ به قوم، وفيه ما يرغب عنه آخرون» [٣٤] اهـ.
стр. 3756
المسلمون والعالم
الولايات «غير المتحدة» الأمريكية
معالم على طريق السقوط
عبد العزيز كامل
عندما سقط الاتحاد السوفييتي السابق لم يكن أحد يتوقع أن يحدث ذلك بمثل
هذه السرعة. صحيح أن سقوطه كان محتماً ولو بعد حين بحكم النظر في دورات
التاريخ ومصائر الأمم المسيَّرة حسب السنن الإلهية، إلا أن النظر البشري للمحللين
والمراقبين تقاصر عن استشراف الموعد المحتوم الذي كان أقرب مما يظنون.
نحن اليوم أمام حالة مشابهة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث تتتابع
الشواهد الدالة على أن تلك (الإمبراطورية) الآخذة في الصعود الأحادي، إنما هي
في الوقت ذاته تقترب جداً من أعلى درجات السلَّم التي تسلم كل درجة منها إلى ما
بعدها حتى لا يعود بعد ذلك مجال إلا للعودة؛ فالذي يرقى مرتقىً أياً كان في هذه
الدنيا، لا بد أن ينزل منه ولو بعد حين. فالنزول حتمي وفق سنن الله لكل ما علا
في الأرض، وهذا ما أخبر عنه النبي ﷺ عندما قال: «حق على
الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه» [١] . والإشكال هنا ليس في حتمية النزول،
ولكن في كيفيته؛ فقد يكون سقوطاً مدوياً سريعاً، وقد يكون هبوطاً تدريجياً بطيئاً،
وقد يكون دحرجة وانحطاطاً يدق الأعناق ويحطم العظام.
الولايات المتحدة ستسقط حتماً - إن شاء الله -؛ فكهذا تقول السُنن، وهكذا
تنبئ الأحداث، وهكذا تقول وقائع السياسات التي تنتهجها الولايات المتحدة في
العقود الأخيرة؛ حيث نراها تسلك الدرب نفسه الذي سارت عليه ثم خرجت به
إمبراطوريات سابقة من خارطة المجد والعلياء.
قد يقول قائل: وأين أنت من الكلمة المشهورة: «دولة الظلم ساعة، ودولة
العدل إلى قيام الساعة» ؟ ! [٢] وأين نحن من كلام ابن تيمية ﵀
وغيره أن الله يؤيد الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ويعاقب الدولة الظالمة ولو كانت
مسلمة؟ أليست الولايات المتحدة مثالاً لإقامة العدل بين رعاياها؟ أوَ ليس النظام
الأمريكي هو النظام الأمثل في عالم اليوم لضمان حقوق الإنسان، وعدالة القضاء،
ونزاهة التمثيل والشراكة الشعبية في الحكم؟ !
نقول: نعم! قد يكون أكثر هذا صحيحاً عن العدالة الأمريكية الداخلية، ولكن
أين العدالة الأمريكية الخارجية؟ ! إن العدل قيمة لا تقبل التجزئة؛ فمن العدل أن
يُلتزم العدل في كل شيء.
أما عدالة الأمريكيين (الظالمة) خارج الولايات المتحدة فإن أكثر من يُصْلَى
بنارها هم العرب والمسلمون الذين يتبرع الأمريكيون ببغضهم ومضاعفة الكراهية
لهم، حتى إن استطلاعاً أجراه معهد (جالوب) للإحصاء أثبت أن أكثر شعوب
الأرض التي يكرهها الأمريكيون هم الباكستانيون والعراقيون والصينيون! ! إننا
نفهم أن يكره الأمريكيون العراقيين لارتباط العراق في ذاكرتهم الجمعية بصدَّام،
ونفهم أن يكرهوا الصينيين؛ لأن الصينيين في اعتقادهم الديني هم قوم يأجوج
ومأجوج، أما غير المفهوم فهو بغضهم للباكستانيين؛ مع أن الشعب الباكستاني
معروف بأنه شعب مسالم! ! وعلى أية حال فنحن لا نعرف شعوباً أبغض إلى
الأمريكان من الشعوب العربية بعامة والإسلامية بخاصة؛ ودليل ذلك أن الكونجرس
الأمريكي الصادق في تمثيله لإرادة الشعب الأمريكي ورغباته، والذي ينوب عنه
في كل ما يتخذ من مواقف؛ قد درج منذ عقود طويلة على انتهاج سياسة عدائية
تجاه العرب والمسلمين، وكانت المساندة البلهاء، والمحبة العمياء للدولة اليهودية -
تاريخياً - هي التعبير الواضح عن (عدالة) نواب الشعب الأمريكي وشيوخه تجاه
أهم قضية تهم المسلمين وهي القضية الفلسطينية.
وهذه بعض بطاقات المحبة الأمريكية لقضيتنا العربية والإسلامية:
- في عام ١٩٥١م أقر الكونجرس أول مساعدة لـ (إسرائيل) ، وكانت
بمبلغ ٦٥ مليون دولار لاستيعاب الناجين من المحرقة النازية، ولتوطين المهاجرين
اليهود، وقد أدت هذه (المساعدة) إلى زيادة عدد اليهود في الأرض المغتصبة في
ثلاث سنوات من ٦٥٠ ألفاً إلى مليون و ٢٥٠ ألف نسمة.
- وفي عام ١٩٥٥م طالب عدد كبير من أعضاء الكونجرس - تبلغ نسبتهم
ثلث الأعضاء - الرئيس الأسبق (أيزنهاور) أن ترفع أمريكا الحظر عن بيع
الأسلحة لـ (إسرائيل) .
- وفي عام ١٩٦٥م، أعد أعضاء الكونجرس الأمريكي تشريعاً يتصدى
للمقاطعة العربية لـ (إسرائيل) .
- وفي عام ١٩٧٠م عارض ٦٠ عضواً في مجلس الشيوخ، و ٢٨٠ عضواً
في مجلس النواب مبادرة (روجرز) وزير الخارجية الأمريكية الأسبق التي كانت
تدعو لبدء مفاوضات سلام بين العرب و (إسرائيل) .
- وفي عام ١٩٧٣م، صوَّت ٧١ عضواً في مجلس الشيوخ، و ٢٩٦ عضواً
في مجلس النواب لإعطاء دولة اليهود منحة طارئة بمبلغ ٢. ٣ مليار لمواجهة
أعباء حرب أكتوبر.
- وفي أواخر السبعينيات صوَّت ٧٦ عضواً في مجلس الكونجرس، و ٢٨٨
في مجلس النواب لحرمان الاتحاد السوفييتي السابق من أي أفضلية تجارية مع
الولايات المتحدة ما لم يسمح بهجرة اليهود السوفييت إلى (إسرائيل) ، وقد أثمر
هذا الضغط على الاتحاد السوفييتي ما أريد منه، فبلغ عدد المهاجرين منذ ذلك
الوقت وحتى الآن أكثر من مليون مهاجر.
- وفي عام ١٩٨٠م صوَّت الكونجرس لإعطاء (إسرائيل) مساعدات
وقروضاً بمبلغ ٩. ٤ مليار دولار، إضافة إلى ثلاثة مليارات من الدولارات على
سبيل أنها هبة مقطوعة.
- وفي عام ١٩٨٣م، وبعد أن صدرت مذكرة التفاهم الأمريكي التي اعتبرت
(إسرائيل) حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة - دعا الكونجرس إلى توسيع نطاق
هذه المذكرة لتشمل الاشتراك مع الإسرائيليين في تصنيع الصواريخ المضادة
للصواريخ.
- وفي عام ١٩٨٥م صوَّت الكونجرس بغالبية ساحقة على اتفاق (التجارة
الحرة) بين الولايات المتحدة و (إسرائيل) ، وكان هذا أول اتفاق من نوعه بين
أمريكا وبلد آخر.
- وفي عام ١٩٨٧م، رفض الكونجرس الأمريكي قرار الجمعية العامة للأمم
المتحدة الداعي إلى اعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية، وفي العام نفسه
أصدر الكونجرس قراراً بتخصيص اعتمادات مالية لـ (إسرائيل) لكي تطور
صاروخاً إسرائيلياً خاصاً بها، وهو الصاروخ (آرو) ، بالتعاون مع الولايات
المتحدة.
- وفي عام ١٩٩١م، وافق الكونجرس الأمريكي علي إعطاء إسرائيل ٦٦٠
مليون دولار معونة طارئة؛ لمواجهة خطر الصواريخ العراقية التي أطلقت عليها
أثناء حرب الخليج.
- وفي عام ١٩٩٢م، وافق الكونجرس على الطلب الذي كان قد تقدم به
رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق (إسحاق شامير) لإعطاء (إسرائيل) ضمانات
قروض بمبلغ عشرة مليار دولار لإسكان ٦٠٠ ألف مهاجر يهودي وإثيوبي تدفقوا
على (إسرائيل) بعد تفكك الاتحاد السوفييتي.
- وفي عام ١٩٩٣م، استجابت الإدارة الأمريكية لضغوط من الكونجرس
لتأسيس لجنة ثنائية بين أمريكا و (إسرائيل) لتطوير القاعدة التكنولوجية في القرن
الحادي والعشرين.
- وفي عام ١٩٩٥م، أصدر الكونجرس مشروع قانون بنقل السفارة
الأمريكية من تل أبيب إلى القدس في موعد أقصاه مايو ١٩٩٩م إلا إذا اقتضت
مصلحة الأمن القومي الأمريكي [٣] تأجيله، وهو الموعد الذي كان مضروباً لانتهاء
الفترة الانتقالية لعملية السلام على المسار الفلسطيني الإسرائيلي بموجب اتفاقية
أوسلو.
- في عام ١٩٩٦م، وبعد عقد المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب [٤] في شرم
الشيخ أصدر الكونجرس قراراً بإعطاء (إسرائيل) مبلغ مليون دولار مقدمة
لمساعدات في برنامج إسرائيل: (الإرهاب في الشرق الأوسط) .
- وفي عام ١٩٩٨م، احتفل الكونجرس الأمريكي رسمياً بمناسبة مرور
خمسين عاماً على إنشاء دولة (إسرائيل) .
- وفي عام ١٩٩٩م، جدد الكونجرس الأمريكي التأكيد على القرار الملزم
للرئيس الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية إلى (القدس) بدلاً من (تل أبيب) .
- وفي سبتمبر ٢٠٠٠م أعلن في الولايات المتحدة أن الكونجرس يعد مشروع
قانون ضد اعتراف الحكومة بدولة فلسطينية.
- وفي أكتوبر ٢٠٠٠م حمَّل أعضاء الكونجرس الفلسطينيين مسؤولية
(العنف) الذي اندلع بعد (زيارة) شارون للمسجد الأقصى.
قد يقال إن هذه المواقف مجرد تعبير عن (صداقة) تربط بين شعبين تصل
بينهما وشائج الآصرة الدينية المستمرة تقليدياً وتاريخياً أحدهما من الشعب الضال
المحتار، والآخر وهو شعب المغضوب عليهم «المختار» ، ولا علاقة لهذه
الروابط الحميمية بالمشاعر العدائية تجاه العرب والمسلمين!
وهنا تأتي الحقائق من الجهة الأخرى، لتثبت أن الأمر ليس مجرد تعامل
أمريكي (نزيه) مع الصديقة (إسرائيل) ، بقدر ما هو انعكاس لروح العداوة
العميقة ضد الشعوب العربية والإسلامية، وإنه الظلم المركب الذي ترتكبه دولة
العدالة والحرية و ... وحقوق الإنسان، ضد العدالة والحرية وحقوق الإنسان، وإلا؛
فماذا يعني سكوت الأمريكيين، حكومة وشعباً على هلاك ستمائة ألف طفل عراقي
من جراء الحصار الظالم المستمر منذ عشر سنوات؟ وماذا يعني إقرار الأمريكيين
وإصرار حكوماتهم على فرض العقوبات الاقتصادية على ثماني دول، منها ست
إسلامية وعربية تشملها تلك العقوبات وهي: أفغانستان، والسودان، والعراق،
وليبيا، وأخيراً باكستان، وإيران!
إن تلك العقوبات لا تتضرر منها الحكومات - كما هو معروف - بقدر ما
تتضرر منها الشعوب، ومما يبعث على الاشمئزاز أن تكون الحجة الأمريكية
الجاهزة لتسويغ ذلك الظلم الواقع على الشعوب أن حكوماتها تشجع على
(الإرهاب) ؛ أما دولة المسالمة والسماحة (إسرائيل) فلم تشفع لها مذابح دير
ياسين، ولا صابرا وشاتيلا، ولا قانا، ولا غيرها في أن تُدرَج ولو لحظة في
قائمة الدول الراعية للإرهاب! بل لم يُدِنْها عند الأمريكيين (الأحرار) تشريد
أربعة ملايين فلسطيني خارج فلسطين، وإذلال ثلاثة ملايين داخلها.
لكل ما سبق - وغيره كثير - نقول: نعم! ستسقط إمبراطورية الظلم التي
أسست من أول يوم على الظلم الذي أوقعه مؤسسوها على الشعوب التي أبادها
الأنجلو ساكسون، وضنوا عليها بمجرد حق الحياة في القارة الأمريكية منذ قرنين
ونصف!
ولكن.. أتسقط أمريكا في قاع التفكك كما سقط الاتحاد السوفييتي إلى غير
بديل قوي، أم تتحول إلى كيان آخر بعد سقوطها تحت قيادة اليهود؟ كِلا الأمرين
وارد، ولكن الاحتمال الثاني أقرب، ولقد أبانت تداعيات الانتخابات الأمريكية
الأخيرة أن اليهود يتهيؤون لهذه المرحلة، مرحلة تسلم السلطة في أمريكا.
إن من المقولات الدارجة بين الناس أن: «من أعان ظالماً سُلِّط عليه» ،
ولقد تسبب اليهود في الولايات المتحدة في تمريغ كرامة أمريكا - إن كان لها
كرامة - في الوحل؛ فبعد أن تفرج العالم على الفضائح المتلفزة للرجل الأول في
أمريكا (بيل كلينتون) على مدى الأعوام السابقة؛ بسبب العاهرة اليهودية (مونيكا
لوينسكي) ، ها هو ذا العالم يقف مشدوهاً وهو يتفرج أسبوعاً بعد أسبوع إلى ما
يقارب الشهر [٥] على ديمقراطية الأمريكيين (المثالية) التي تحولت إلى أمثولة
تترنح آيلة للسقوط بعد أن كثرت الاتهامات بين الحزبين الرئيسيين بالتزوير
والخداع والسرقات الانتخابية التي لم تحسم التهم فيها إلا عن طريق القضاء. فلأول
مرة منذ الحرب الأهلية الأمريكية عام (١٨٦١ - ١٨٦٥م) [٦] ، ينقسم الشعب
الأمريكي هذا الانقسام الحاد ليس بسبب العبيد هذه المرة؛ ولكن بسبب الأسياد أو
الرؤساء، ولأول مرة يتحدث كثير من المحللين والمراقبين بجدية عن احتمالات
تعرض الولايات المتحدة لأزمات دستورية حقيقية، وربما نزاعات أهلية أو
انقسامات شعبية تهدد وحدة الولايات المتحدة حاضراً أو مستقبلاً.
لقد انطلقت تلك الأزمة التي ستكون علامة فارقة في التاريخ الأمريكي من
بقعة صغيرة جداً من الدولة الأمريكية الكبيرة جداً، إنها إقليم (بالم بيتش) الواقع
في ولاية فلوريدا، ذلك الإقليم الذي تسكنه غالبية يهودية من المسنين الأثرياء، وقد
قلب هذا الإقليم الطاولة في وجه المرشح الجمهوري (جورج بوش) الابن،
انتصاراً لـ (ألبرت أرنولد جور) المرشح الديمقراطي، أو بالأدق لصالح
السيناتور (جوزيف ليبرمان) ، هذا (اليوسف) غير الصدِّيق، الذي أراد اليهود
أن يجعلوه على خزائن الأرض في أعظم دولة على الأرض.
إن المعركة التي أدارها (آل جور) بعناد ضد منافسه (بوش) هي في أحد
وجوهها معركة لاستشراف مستقبل قيادة اليهود للولايات المتحدة، وإمكانية أن
يتسلل يهوديٌّ - حاضراً أو مستقبلاً - إلى منصب الزعامة لأكبر قوة في العالم.
لقد أثبتت تلك المعركة - بغض النظر عن نتيجتها - أن نصف الشعب الأمريكي لم
يستنكف عن التصويت الحر، والاختيار (الواعي) ليهودي أرثوذكسي متدين لكي
يكون رئيساً محتملاً للولايات المتحدة إذا ما غاب (آل جور) أو غُيِّب. ولم يجد
الأمريكيون النصارى غضاضة في أن يكون الرجل المتباهي دائماً بيهوديته وتدينه
رئيساً لدولتهم. إن وصول الأمريكيين إلى هذه المرحلة من المهانة الدينية أمام من
يعدونهم (قتلة المسيح) لم يأت مصادفة ولا دفعة واحدة، وإنما سُيِّروا فيه ضمن
مسلسل التخدير الديني الذي يقوم عليه دجالو (الصهيونية والمسيحية) الذين يرون
في اليهود رغم كل جرائمهم أمة جديرة بالسيادة وبالقيادة ما داموا سيصبحون
يوماً من أتباع المسيح. مرت وجوه يهودية كثيرة على أخطر كراسي
المسؤولية الأمريكية في وزارات الدفاع والخارجية والأمن القومي والزراعة
وغيرها في عهد كلينتون، حتى إذا ما أنس الأمريكيون بوجوه يهودية قبيحة مثل
وجوه كوهين، وأولبرايت وصمويل برجل، ودينيس روس، وغيرهم، أطل
عليهم وجه آخر أقبح، ولكنهم لم يلحظوا قبحه، ولم يستغربوا قدومه وتقديمه لنفسه
بأنه نائب المنقذ، الجاهز دوماً ليكون هو المنقذ إذا ما غاب من أنابه أو غُيِّب. إذن
نجحت التجربة، وجربت (البروفة) سواء كان فارق الأصوات بين بوش وآل
جور خمسمائة أو خمسين ألفاً؛ فالمهم أن الأمريكيين قد قبلوا بقدوم الزعامة اليهودية
الخالصة، وما على اليهود إلا أن يستعدوا من الآن لتسلم الزمام.
لم ينس ليبرمان - وهو يحارب بصحبة آل جور لركوب كرسي الزعامة
الأمريكية - أن يرسل رسالة جوهرية للزعامة الإسرائيلية وللشعب الإسرائيلي
أيضاً، يذكِّرهم فيها أنه على العهد (القديم طبعاً) ؛ فقد تعهد في إحدى خطبه
الانتخابية في (٢٦/٩/٢٠٠٠م) بأنه سيدعم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس حال
استقرار الأوضاع الأمريكية بعد ظهور نتائج الانتخابات، وقال: «أنا وآل جور
نعتقد أن القدس هي عاصمة إسرائيل، ويتوجب نقل السفارة الأمريكية إليها،
ونأمل أن يتحقق هذا قريباً، كجزء من اتفاقية سلام نهائية بين إسرائيل
والفلسطينيين» .
إن تجربة (آل جور - ليبرمان) قابلة للتكرار؛ فما دام المال اليهودي الذي
تشترى به الأصوات؛ بل تشترى به المناصب موجوداً فسيظل يهود أمريكا ويهود
(إسرائيل) ويهود العالم يحلمون بسقوط أمريكا.. سقوطها في أيديهم. لكن لا بد
قبل ذلك من الفراغ من تبديد وحدة أمريكا وتحويلها من ولايات متحدة خلفها
زعاماتها النصرانية، إلى ولايات غير متحدة لتنقض عليها وسط فوضى الاختلاف
زعامة يهودية تلمودية توراتية، متسنمة ظهر (الفيل) الجمهوري الكسول، أو
(الحمار) الديمقراطي الغبي، وليتواصل إلى منتهى التاريخ ذلك التحالف غير
المقدس وغير المنطقي بين أمتَي الغواية لإغواء بقية البشر.
حقاً «إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى» [٧] .
стр. 3757
المسلمون والعالم
الانتخابات الأمريكية وأثرها في التغيير
حسن الرشيدي
مع احتدام الصراع بين فرسي سباق الرئاسة الأمريكية برز السؤال الأكثر
إلحاحاً: هل هناك تغيير سوف تشهده السياسة الأمريكية وتوجهاتها؛ خاصة بالنسبة
للسياسة الخارجية وما يتعلق منها بالشرق الأوسط؟
للإجابة على هذا السؤال يجب الإحاطة بكل العوامل التي من الممكن أن تؤثر
في التوجهات السياسية الأمريكية، وهي في نظرنا عاملان: طبيعة الرئاسة
الأمريكية نفسها ومكانتها داخل مؤسسات صنع القرار في أمريكا، والعامل الآخر
الاتجاهات التي تشكل الفكر السياسي الأمريكي.
الرئيس الأمريكي ودوره في صناعة القرار السياسي الأمريكي:
تعتبر مؤسسة الرئاسة واحدة من ضمن عدة مؤسسات تتحكم في صناعة
القرار السياسي الأمريكي؛ فهناك المؤسسات الدستورية (الرئاسة، والكونجرس،
والجهاز القضائي) ، كما توجد أيضاً الأجهزة التنفيذية (كالجهاز الإداري، ومجلس
الأمن القومي، ووكالة المخابرات الأمريكية ووزارة الدفاع، والجهاز الدبلوماسي) ،
والمجموعة الثالثة التي تتحكم في القرار السياسي الأمريكي: هي الهيئات
والجماعات المؤثرة (الأحزاب السياسية والجماعات الضاغطة، والمؤسسات
الاقتصادية، ووسائل الإعلام، والاتصال، والجامعات، ومراكز البحوث) .
ويتحدد وضع الرئيس داخل النظام الأمريكي من عدة أمور منها التشريعي،
والتاريخي، والواقع الأمريكي نفسه:
* فالدستور الأمريكي يجعل من الرئيس المؤسسة الوحيدة التي تتمتع بجميع
سلطات الحكومة، وهو وحده الذي يملك سلطة حق التقرير منطلقاً من قول
(إبراهام لنكولن) الذي أعلن به قراره عندما لاحظ مخالفة وزرائه السبعة له:
«إن سبعة في هذا المجلس يقولون: لا. وإن واحداً (يعني بها نفسه) يقول: نعم.
إذن (نعم) تغلبت على (لا) » .
وينص الدستور على أن الرئيس هو القائد الأعلى لجيش الولايات المتحدة
وأسطولها، ورغم أن الكونجرس يتمتع بسلطة إعلان الحرب فإنه من الناحية
العملية لم يعلن الحرب إلا في خمس مناسبات؛ بينما نفذت القوات الأمريكية
وبأوامر من الرئيس عشرات العمليات العسكرية دون إعلان رسمي من الكونجرس،
وهو ما دفع الكونجرس لإصدار قرار سلطات الحرب عام ١٩٧٤م في محاولة
لكبح سلطات الرئيس في مجال إعلان الحرب، ويتضمن القرار المذكور أن يبلغ
الرئيس الكونجرس في مدى ٤٨ ساعة إذا ما أرسل قوات عسكرية إلى بلد آخر،
وأن يسحبها بعد ٦٠ يوماً إذا لم يقر الكونجرس مبادرة الرئيس.
«ولكن من الناحية العملية فإن القرار العسكري والعمليات الحربية التي
تترتب عنه تظل بيد الرئيس إلى حد كبير؛ وذلك لأن فترة الستين يوماً كافية لتنفيذ
قرار أو عمل عسكري يكون بالغ التأثير والتدبير بحكم التقدم التكنولوجي الهائل
الذي تتميز به القوات المسلحة الأمريكية، كما أن الرئيس يمتلك إمكانيات تقنية
وعملية لإقناع الكونجرس بأي قرار عسكري ينوي الإقدام عليه» .
* وتبين التجربة التاريخية لعدد من الرؤساء الأمريكيين أن التكوين
والشخصية يلعبان دوراً حاسماً في توجيه السياسة الأمريكية؛ فشخصية مثل الرئيس
(روزفلت) التي تتميز بالقوة كان لها أكبر الأثر في توجهات الإدارة الأمريكية.
وبالمقابل كان لشخصية الرئيس (جيمي كارتر) التي تتسم بالميل إلى عدم
المواجهة سواء إزاء الخارج أو مع المساعدين كان لها دور في بروز العجز في
القدرة على التعامل مع القضايا المختلفة؛ بينما أثر التكوين الديني على شخصية
الرئيس (رونالد ريجان) ؛ إذ كان يطلق عبارات وتقويمات أخلاقية على الأحداث،
وشهدت فترة رئاسته صدور عدة قرارات على مستوى داخلي وخارجي لتشجيع
النشاط الأصولي المسيحي، وكان يرفع الإنجيل خلال حملته الانتخابية.
أما من ناحية الواقع الفعلي لسلطة الرئيس؛ فهناك جدل كبير يسود أوساط
الباحثين في علوم السياسة الأمريكية؛ حيث يبرز اتجاهان:
الأول: يعتبر أن سلطة الرئيس مقيدة بكوابح الدستور التي وُضعت للحد من
نزوعه للهيمنة؛ كإجراءات المراقبة، واستقلال السلطتين التنفيذية والتشريعية.
كما أن الأجهزة السياسية التنفيذية رغم كونها تابعة رئاسياً لسلطته فهي في
الحقيقة تعمل وفق آليات تجعلها مستقلة عن إرادته إلى حد كبير بسبب تدخل
قوى ومجموعات اللوبي التي تنسج شبكة من العلاقات التحتية والخفية كالعلاقات
بين أعضاء الكونجرس ومسؤولي الأجهزة البيروقراطية، والتحالفات بين
جماعات سياسية واقتصادية كالمؤسسة العسكرية والشركات الكبرى وأجهزة
المخابرات، وهو ما حدا بالرئيس أيزنهاور في الخمسينيات للإشارة إليه عندما
تحدَّث عن وجود تحالف عسكري صناعي؛ ومما يعزز هذا الاتجاه أن الولايات
المتحدة دولة ضخمة، ومن باب الاستحالة أن يتمكن شخص من الإحاطة بقضاياها
الداخلية والخارجية والهيمنة على مقاليد قرارها السياسي، وهو ما يبرز بشكل
خاص في إشكالية التوفيق بين السياسة الخارجية والقضايا الداخلية.
الاتجاه الثاني: يعتبر أن سلطة الرئيس هي المحور الأساسي للنظام الأمريكي،
ويستند في ذلك إلى الناحية التاريخية التي ذكرناها سابقاً.
ولكن يبدو أن الرأي الأول هو الغالب بالنسبة لدارسي السياسة الأمريكية؛
حيث يؤيده الواقع الذي يبدو فيه دائماً الرئيس كحلقة ضمن إطار كبير يدور خلاله
ولا يتعداه.
الفكر السياسي الأمريكي:
هناك ثلاثة مؤثرات شكلت معاً الفكر السياسي الأمريكي؛ هذه المؤثرات
تداخلت فيما بينها وامتزجت لتخرج لنا نسيجاً متواصلاً تتوارثه الطبقة السياسية
الأمريكية عبر العقود المختلفة بعد أن شكلت ذاكرة الأمة الأمريكية.
هذه المؤثرات هي: فكر الآباء المؤسسين - التأثير البروتستانتي في
السياسة - صانعو الفكر الأمريكي.
أولاً: فكر الآباء المؤسسين:
تعتبر أمريكا دولة حديثة المنشأ؛ ورسخ لدى مؤسسيها أفكار ومبادئ استمرت
حتى الآن ترمي بظلالها في الوجدان، والفكر السياسي الأمريكي، ومن هذه
المبادئ:
مبدأ: المصلحة الذاتية المستنيرة:
وهذا المبدأ هو المفتاح والعامل المحرر لنشاط أمريكا على الساحة العالمية؛
وهو يمثل وجهة النظر للسياسة الخارجية الأمريكية من منظور المدى الطويل،
وعلى وجه التحديد؛ فلقد كانت درجة الأفضلية الممنوحة لانتصار استراتيجي
طويل المدى بالنسبة إلى ميزة عابرة مرحلية هي التي اتخذت مقياساً للاستنارة
والمصلحة القومية؛ فإذا تشبث قادة دولة بمكاسب قليلة الأهمية وفورية متغاضين
عن المصالح الأكثر جوهرية التي يمكن تحقيقها بواسطة التضحية بمكسب مرحلي؛
فإن معنى ذلك أنهم (ليسوا مستنيرين) بما فيه الكفاية، وأن معرفتهم بالأهداف
العظمى للطبقة الحاكمة في السياسة الخارجية ضئيلة، وهم لهذا يُخفقون في تطبيق
مبدأ (المصلحة المستنيرة) ، وحينما تترجم مسلَّمة (المصلحة الخاصة المستنيرة)
في السياسة الخارجية إلى لغة الاستراتيجية؛ فإنها تعني الاحتفاظ بحرية المناورة
للولايات المتحدة في أي ظرف من الظروف. ويقول جورج واشنطن مطوراً مفهوم
حرية المناورة: «لماذا نترك أرضنا لكي نقف على أرض أجنبية؟ لماذا نعرقل
سلامنا ورخاءنا بحبائل ومعاداة مصالح أوروبا ومنافساتها في مصالحها وأمزجتها
وأهوائها إذا جعلنا مصيرنا ملتحماً بأي جزء من أوروبا؟ إن سياستنا الحقة هي أن
نوجه سفينتنا بعيداً عن التحالفات الدائمة مع أي جزء من العالم الأجنبي» .
ويمضي قائلاً: «إنه يجب اعتبار أي تحالف مع دولة أجنبية مؤقتاً، أي لا تلتزم
به الولايات المتحدة إلا إذا كان هذا التحالف مفيداً لتنمية مصالحها، ولكن بمجرد أن
يصير هذا التحالف عبئاً على الولايات المتحدة ويزج بها في غمار الصراع من أجل
المصالح الأجنبية؛ فإن من الواجب تصفيته وإحلال تحالف آخر مكانه إذا كان ذلك
ضرورياً؛ حتى ولو كان ذلك مع عدو الأمس إذا دعت الحاجة إليه للدفاع عن
مصالح الولايات المتحدة الخاصة» .
مبدأ «القدر المرموق» :
أو المصير الذي سبق به القضاء، أو قضاء الله السابق.
في هذا المبدأ تتجلى العقيدة الدينية النصرانية في السياسة الأمريكية؛ حيث
تصور النموذج الأمريكي على أنه (رسالة إلهية إلى العالمين) !
لقد كان الآباء المؤسسون للولايات المتحدة شديدي التدين، وقد وجدوا
بالإضافة إلى تسويغ أفعالهم باعتبارات العقل والضرورة الاقتصادية.. إلخ أن من
الواجب التصديق على أن كل ما أنجزته الثورة الأمريكية من جانب سلطة إلهية
غير أرضية هي إرادة الخالق، وكل ذلك أدى إلى ولادة مبدأ: (القدر المرموق) .
وبما أن الجمهورية الأمريكية - أي النظام الأمريكي وفقاً لتعاليم (الآباء
المؤسسين) - أفضل ما تم إيجاده قبل هذه الجمهورية أو النظام؛ فلا بد أن تكون
في رأي هؤلاء الآباء نموذجاً ومثالاً لسائر الجنس البشري، نموذجاً على جميع
الأمم أن تقتدي به.
ويؤكد (مورجنتاو) بناءً على ذلك قائلاً: «وهنا يمتزج المفهوم التنصيري
عن العلاقة بين وضعنا الداخلي وبين سياستنا الخارجية ليشكلا شيئاً ثالثاً هو
الحملات الصليبية؛ فنحن باعتبارنا (مبشرين) برسالة التجربة الأمريكية كنا نقدم
مساعدتنا للآخرين وهم أحرار في قبولها أو رفضها. أما نحن وباعتبارنا فرساناً
طيبين فسنفرضها فرضاً على بقية العالم بالنار والسيف إذا كان ذلك ضرورياً،
وستكون الحدود العقلية لهذه الحملة الصليبية هي حدود القوة الأمريكية؛ فإن حدودها
الممكنة ستكون حدود الكرة الأرضية. لقد تحوَّل النموذج الأمريكي إلى صيغة
فكرية للخلاص الشامل ستلتزم بها الأمم ذات التفكير الصحيح طوعاً. أما الأمم
الأخرى فيجب أن تخضع لها كرهاً» .
ومن الحقائق الفعلية كما يسلم (مورجنتاو) : «أن فكرة الرسالة الأمريكية
إلى شعوب العالم الأقل حظاً، هي بكل تأكيد أيديولوجية سياسية أي هي إضفاء
طابع عقلاني وتسويغي على السياسات التي تجري ممارستها لأسباب أخرى هي
أسباب أنانية في المحل الأول» .
ويقول المؤرخ الأمريكي البارز (جوليوس وبرات) بمزيد من التخصيص:
«إن (القَدَر المرموق) أصبح تسويغاً لأي استيلاء على أرض إضافية يكون لدى
الولايات المتحدة النية والقدرة على أخذها» .
مبدأ الحرب العادلة:
هذا المبدأ نشأ عن مفهوم إشباع حاجات الشعوب الأخرى من خلال جذبها إلى
طريقة الحياة الأمريكية بقوة السلاح؛ فوفقاً لنظرية الرسالة الأمريكية يتم القيام بهذه
الأفعال لا لأي غرض آخر سوى تحرير هذه الشعوب؛ ولذلك فأي حرب - على
وجه الإطلاق - تخوضها الولايات المتحدة هي من وجهة النظر الأمريكية حرب
تحرير؛ ولذلك فهي حرب عادلة. يقول البروفيسور (روبرت تكر) من جامعة
جون هوبكنز: «يمكن اعتبار أي استعمال للعنف وأي وحشية حرباً عادلة» .
مبدأ (مونرو) :
في عام ١٨٢٣م في رسالة الرئيس (مونرو) إلى الكونجرس قال: «إنه من
الآن فصاعداً؛ فإن بلاد القارة الأمريكية لا يمكن اعتبارها موضوعاً للاستعمار من
جانب أي دولة أوروبية، ومن حقنا ألا ننظر إلى أي تدخل يستهدف إخضاعها
أوالتحكم بأي طريقة أخرى في مصيرها من جانب أي دولة أوروبية إلا في ضوء
أنه انعكاس لنوايا غير ودية تجاه الولايات المتحدة» .
كان هذا المبدأ أول بداية حقيقية عملية لتدخل أمريكا في العالم، وإن اقتصر
على قارتي أمريكا أو نصف الكرة الغربي؛ فإنه طبق المبادئ السابقة باعتبارها
نتيجة لها، وأظهر السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة عندما تنظر إلى أي جزء
من العالم وكأنها منطقة نفوذ لها.
خطاب (مسيرة الراية) :
في ١٦ سبتمبر ١٨٩٨م أُلقي خطاب ممتلئ بالحماسة في مدينة (أنديانا
بوليس) دفاعاً عن السياسة الجديدة للولايات المتحدة، وقد عرف هذا الخطاب في
التاريخ الأمريكي باسم: (مسيرة الراية) وكان مُعد هذا الخطاب هو (ألبرت
بفريدج) الذي كان مرشحاً لمجلس الشيوخ في انتخابات ذلك العام؛ وكان يعتمد
على تأييد الدوائر الصناعية والمالية ذات النفوذ، وقد أعلن: «أن مسألة التوسع
الاقتصادي أكبر من أن تكون مسألة حزبية؛ إنها مسألة أمريكية تقول: هل
سيواصل الشعب الأمريكي زحفه نحو السيادة التجارية على العالم؟ وهل سنحتل
أسواقاً جديدة لما ينتجه مزارعونا، وما تصنعه مصانعنا، وما يبيعه تجارنا؟ إننا
اليوم ننتج أكثر مما نستطيع استهلاكه، ونصنع أكثر مما نستطيع استعماله؛ ولذلك
يجب أن نجد أسواقاً جديدة لمنتجاتنا» .
لقد كان مستقبل السياسة الاقتصادية الأمريكية حيوياً بالنسبة إلى دائرة رجال
الأعمال، وفي الشهر نفسه في ذلك العام ظهر في المجلة الأمريكية الشمالية مقال
بقلم (تشارلس كونانت) في مجلة نيويورك للتجارة عنوانه: (الأساس الاقتصادي)
جاء فيه: «إن الميل الذي لا تمكن مقاومته إلى التوسع الذي يؤدي بالشجرة
النامية إلى أن تفجر أي حاجز هو الميل الذي ساق القوط والوندال والساكسون في
موجات متعاقبة لا يمكن مقاومتها للتغلب على أقاليم روما المتدهورة. هذا الميل
يبدو الآن فعالاً مرة ثانية؛ ولذلك فلا بد من منافذ جديدة لرأس المال الأمريكي،
ولفرص جديدة للمشروع الأمريكي. إن قانون المحافظة على النفس وكذلك قانون
البقاء للأصلح يدفعان شعبنا في طريق هو بلا جدال تحوُّل عن سياسة الماضي؛
ولكنه طريق لا يحيد عن أن ترسم حدوده شروط الحاضر ومتطلباته» .
استنتاج روزفلت: ...
في عام ١٩٠٤م أثرى (تيودور روزفلت) نظرية العلاقة بين الدول الأمريكية
بتفسيره الخاص لمذهب (مونرو) ، وقد عرف هذا التفسير في التاريخ
باسم: (استنتاج روزفلت) أعلن فيه: «إن تدخل الولايات المتحدة في الشؤون
الداخلية لأمريكا اللاتينية سيعتبر أمراً مسوغاً قانونياً إذا وجدت هذه البلاد نفسها
عاجزة عن القيام بحل مشكلاتها الداخلية، أو إذا قامت من جانبها بأفعال قد تؤدي
إلى تدخل الدول الأوروبية في شؤون بلدان في القارة الأمريكية، وإن أي بلد يحسن
شعبه السلوك يستطيع أن يعتمد على صداقتنا المخلصة القوية، فإذا أظهرت إحدى
الأمم أنها تعرف كيف تسلك بكفاءة ولياقة معقولتين في المسائل الاجتماعية
والسياسية، وإذا حافظت على النظام وأدت التزاماتها فهي ليست بحاجة إلى أن
تخشى تدخلاً من الولايات المتحدة. أما ارتكاب الأخطاء على نحو متكرر أو حدوث
عجز ينجم عنه تحلل لروابط المجتمع المتحضر فقد يتطلب في أمريكا كما يتطلب
في أي مكان آخر تدخلاً في النهاية تقوم به أمة متحضرة، كما يتطلب في نصف
الكرة الغربي تمسك الولايات المتحدة - مهما يكن ذلك على كره منها - بأن تلعب
دور قوة شرطة عالمية في الحالات الصارخة من ارتكاب الخطأ، أو العجز» .
هذا الاستنتاج الخطير يؤكد أن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي لها الحق
المطلق في تحديد شرعية أية أفعال معينة تصدر عن بلاد تكون للولايات المتحدة
مصلحة فيها! !
ثانيا: التأثير البروتستانتي في السياسة الأمريكية:
مع نشأة حركة الإصلاح الديني التي قادها (مارتن لوثر) في القرن السادس
عشر ضد الكنيسة الكاثوليكية في روما حدث تغيير جوهري للنصارى في موقفهم
من اليهود؛ ولذلك يصف بعضهم هذه الحركة بأنها ساهمت في بعث اليهود من
جديد. فلقد دعا (لوثر) إلى وجوب إقامة الحقيقة الدينية على أساس الفهم
الشخصي دون الخضوع لفهم رجال الدين لها، فأصبح كل بروتستانتي حراً في
دراسة الكتاب المقدس وفهمه وتفسيره؛ وفي ظل هذا الفهم ازداد الاهتمام بالعهد
القديم (التوراة) تحت شعار العودة إلى الكتاب المقدس باعتباره مصدر العقيدة
النقية، مع عدم الاعتراف بالإلهامات والتعاليم غير المكتوبة التي يتناولها الباباوات
الواحد عن الآخر والتي تعتبر مصدراً مهماً من مصادر العقيدة المسيحية، وهكذا
أصبح العهد القديم يشكل جزءًا مهمًا من مصادر العقيدة البروتستانتية وأصبح هو
المرجع الأعلى للسلوك والاعتقاد، ومصدرًا للتعاليم الخلقية والمعلومات التاريخية.
ومن المعلوم أن أغلب التوراة هي عبارة عن سجل لتاريخ بني إسرائيل في
فلسطين؛ وبذلك بدا الذهن البروتستانتي مهيأً للاعتقاد بأنه لم يكن في فلسطين إلا
الأساطير والقصص التاريخية الواردة في العهد القديم والتي منها ارتباط اليهود
بفلسطين وضرورة عودتهم إليها.
وعندما بدأ الاستيطان الأوروبي لأمريكا كان معظم المهاجرين الجدد من
البروتستانت الذين فروا من الاضطهاد الديني الذي ساد أوروبا في ذلك الوقت،
وكان هؤلاء يحملون معهم تراثهم الديني مستمداً من العهد القديم الذي أخذ يلعب
دوراً رئيساً في تشكيل الفكر الأمريكي في ذلك الوقت، ومما قوى من أهمية هذا
الدور هو ربط هؤلاء المستوطنين بين تجاربهم التي مروا بها منذ رحيلهم من
أوروبا وإنجلترا - بالذات - وبين التجارب التي مر بها اليهود القدماء عندما فروا
من ظلم فرعون إلى أرض فلسطين؛ فهم مثلهم مثل اليهود فروا من الظلم بحثاً عن
الأرض الموعودة التي تدر لبناً وعسلاً، وجابهوا الصعاب في رحلتهم عبر المحيط
كما حدث لليهود في صحراء سيناء؛ كما أنهم جُوبهوا بمقاومة السكان الأصليين كما
جُوبه اليهود بمقاومة أهل فلسطين، وعندما كانوا يعلنون الحرب على أصحاب
البلاد الأصليين كانوا يستحضرون العهد القديم؛ حيث ثمة تشابه بين تجاربهم في
حربهم مع الهنود الحمر وتجربة اليهود في حربهم ضد الفلسطينيين.
لقد عانوا من الانقسام ومن تجارب الحرب الأهلية المريرة كما حدث مع
اليهود القدماء عندما انقسمت مملكتهم إلى مملكتين: إحداهما في الشمال، والأخرى
في الجنوب. لقد كان هؤلاء المستوطنون يعلمون أن الأرض التي استولوا عليها
من سكانها الأصليين ليست أرضهم؛ كما أنهم يعلمون أن ما يقومون به من عمليات
اضطهاد وقتل وتشريد للسكان الأصليين يتنافى مع أبسط المبادئ الأخلاقية؛ فكانوا
لذلك بحاجة إلى شيء يسوِّغ لهم أفعالهم هذه، ويضفي عليها نوعاً من الشرعية
والأخلاقية ولو مزيفة، فلم يجدوا لها التسويغ إلا في العهد القديم.
فكما أن اليهود القدماء سوَّغوا احتلالهم لفلسطين بالادعاء بأنها الأرض
الموعودة التي وهبها الله لشعبه المختار كما يقولون؛ فإن هؤلاء المستوطنين فعلوا
الشيء نفسه بالادعاء بأن الله اختار العنصر الأنجلوسكسوني الأبيض لقيادة العالم.
ويكتب (هيرمان ملفيل) في بداية القرن التاسع عشر متحدثاً عن الشعب الأمريكي؛
حيث قال: «نحن - الأمريكيين - شعب خاص، شعب مختار، وإسرائيل
العصر الحاضر» .
وفي الثمانينيات من القرن العشرين تنامى التيار المسيحي المؤيد لليهود؛
خاصة بعد أن امتد نفوذه إلى عقول الملايين وجيوبهم، وامتلك شبكات تلفزيونية
وإذاعية هائلة وبتقنية متقدمة للغاية استخدم معها أساليب الاستعراض التلفزيوني فيما
أطلق عليه: (الكنيسة التلفزيونية) أو: (الديانة في الأوقات المناسبة) .
وعندما عقدت منظمة (إيباك) اليهودية مؤتمرها السياسي السنوي في
عام ١٩٨١م ألقى السيناتور (روجر جبسون) كلمة أمام المؤتمر قال فيها:
«إن من أسباب تأييدي الحيوي الذي لا يتغير لإسرائيل هو ديني المسيحي ... ،
إن المسيحيين وبخاصة الإنجيليين هم أفضل أصدقاء إسرائيل منذ
ولادتها الجديدة عام ١٩٤٨م، أعتقد أن أسباب البركة في أمريكا عبر السنين أننا
أكرمنا اليهود الذين لجؤوا إلى هذه البلاد، وبورك فينا؛ لأننا دافعنا عن إسرائيل
بانتظام، وبورك فينا؛ لأننا اعترفنا بحق إسرائيل في الأرض» .
وهذا أيضا (جيري فالويل) - زعيم منظمة الأغلبية الأخلاقية، والصديق
الشخصي لمناحيم بيجين وإسحاق شامير - يجسد الصلة المتنامية بين البروتستانتية
واليهودية حين قال في كتاب صدر له بعنوان: (جيري فالويل واليهود) : «إن
إسرائيل تحتل الآن مكان الصدارة في نبوءات الكتاب المقدس، وإني أؤمن أن عهد
الوثنيين يقصد المسلمين قد ولى بسيطرة اليهود على الأرض المقدسة في عام
١٩٦٧م، وإني على قناعة بأن معجزة إنشاء دولة إسرائيل في عام ١٩٤٨م كان
بفضل العناية الإلهية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وأن الإله وعد مراراً في العهد
القديم بأنه سيجمع الشعب اليهودي في الأرض التي وعدها إبراهيم، وأعني بها
أرض إسرائيل الآن، ولقد أوفى الإله بعهده» .
و (جيري فالويل) هذا يقوم بإنتاج برنامج ديني اسمه - ساعة من أزمان
الإنجيل - يتم إذاعته من ٣٩٢ محطة تلفزيونية، ومن حوالي ٥٠٠٠ محطة إذاعية
كل أسبوع، كما أنه يقوم بتنظيم رحلات إلى إسرائيل للمسيحيين الذين ولدوا من
جديد كما يزعم.
لقد نجح هذا التيار المسيحي في الحصول على ما يريد في أغلب الأحيان
بسبب تنظيمه وتوحيد جهوده من خلال منظمات وجمعيات منتشرة في طول أمريكا
وعرضها يزيد عددها على أكثر من ٢٥٠ منظمة وجمعية، من أبرزها منظمة
(الأغلبية الأخلاقية) ، ومؤسسات (روبرتسون) الإعلامية التي تمتلك محطة
تلفزيون الشرق الأوسط في جنوب لبنان، ومؤسسة (السفارة المسيحية الدولية) ،
ومؤسسة (المعبد) ، وجماعة (حق الدين) ، وغيرها.
ولم يقتصر الدعم الأمريكي لإسرائيل على المستوى الشعبي، بل امتد إلى
المؤسسات الصانعة للقرار السياسي وعلى رأسها مؤسسة (الرئاسة) .
فهذا الرئيس (توماس جيفرسون) واضع وثيقة استقلال أمريكا يقترح أن
يمثل رمز الولايات المتحدة الأمريكية على شكل أبناء إسرائيل تقودهم في النهار
غيمة، وفي الليل عمود من النار بدلاً من الرمز المعمول به حالياً؛ وواضح من
هذا الشكل المقترح أنه يتفق مع النص الوارد في التوراة الذي يقول: [كان الرب
يسير أمامهم نهاراً في عمود سحاب يهديهم في الطريق، وليلاً في عمود نور
ليضيء لهم] .
ولعب الرئيس (ويلسون) دوراً رئيساً في صدور وعد بلفور؛ حيث شارك
في الاتصالات التي سبقت صدور الوعد، وفي عام ١٩١٨م قال (ويلسون) :
«أعتقد أن الأمم الحليفة قد قررت وضع حجر الأساس للدولة اليهودية في
فلسطين بتأييد تام من حكومتنا وشعبنا» ، كما بعث برسالة إلى الحاخام
(ستيفان وايز) رحب فيها بالتقدم الذي أحرزته الحركة الصهيونية في الولايات
المتحدة وفي البلدان الحليفة، وكان يقول دائماً: «إن ربيب بيت القسيس
(يقصد نفسه) ينبغي أن يكون قادراً على المساعدة في إعادة الأرض المقدسة إلى
أهلها» .
لم يرافق التأييدَ الشعبيَّ الأمريكي الجارف للحركة اليهودية موقفٌ عملي
واضح للحكومة الأمريكية؛ لأنه في الفترة قبل الحرب العالمية الثانية كانت
بريطانيا تقدم كافة التسهيلات والمساعدات لليهود على أكمل وجه، ولكن (روزفلت)
رئيس أمريكا أبدى في هذه الفترة تعاطفاً مع اليهود؛ فقد اتخذ نجمة داود شعاراً
رسمياً للبريد والخوذات التي يلبسها الجنود وعلى أختام البحرية الأمريكية، وعندما
تولى (ترومان) منصب الرئاسة خلفاً لروزفلت طلب من رئيس الوزراء
البريطاني إدخال مائة ألف يهودي إلى فلسطين، وفي عام ١٩٤٦م قال ترومان:
«إن تأييد وطن قومي لليهود كان دائماً من صلب السياسة الأمريكية المنسجمة
مع نفسها» .
وكان (ترومان) هذا أول من اعترف بدولة إسرائيل بعد دقيقة من قيامها،
وتوالى بعد ذلك الدعم والمساعدات، فعلى سبيل المثال بلغت المنح التي قدمتها
أمريكا لإسرائيل - من عام ١٩٥٠م وحتى ١٩٥٩م -: (٤٠٣٥ مليون دولار،
وقروضاً بلغت ٣٦٩ مليون دولار، ومساعدات فنية بـ ٣٥ مليون دولار، وأجهزة
علمية قيمتها ١٠ ملايين دولار، واستثمارات بـ ٩٥ مليون دولار، وحصيلة بيع
السندات الإسرائيلية وصلت إلى ٣٤٧ مليون دولار) ، هذا عدا الإعفاءات من
الضرائب والرسوم التي تمنحها الحكومة الأمريكية على ما يصل من اليهود، وما
يتم جمعه عن طريق الجمعيات، والمنظمات الأمريكية المؤيدة لإسرائيل.
وبينما نلاحظ أن فترة الرئيس كنيدي كانت من الفترات النادرة التي تم فيها
ضبط السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، حيث كان يرى: «أن
الانحياز الأمريكي في الصراع العربي الإسرائيلي لا يهدد الولايات المتحدة فحسب؛
بل يهدد العالم بأسره» ، والتفسير المنطقي لهذا أن الرئيس كنيدي كان الرئيس
الكاثوليكي الوحيد في تاريخ أمريكا.
وفي عهد (جونسون) حصلت إسرائيل على صفقات كبيرة من الأسلحة
والمعدات التي مكنتها من هزيمة الجيوش العربية في عام ١٩٦٧م، وفي عام
١٩٦٨م صرح جونسون أمام جمعية (بنات برث) قائلاً: «إن بعضكم إن لم يكن
كلكم لديكم روابط عميقة بأرض إسرائيل مثلي تماماً؛ لأن إيماني المسيحي ينبع
منكم، وقصص التوراة منقوشة في ذاكرتي تماماً؛ مثل قصص الكفاح البطولي
ليهود العصر الحديث من أجل الخلاص من القهر والاضطهاد» .
لقد ساهم انتصار اليهود في حرب ١٩٦٧م في تزايد التيار البروتستانتي
المؤيد لإسرائيل باعتبار أن ما حدث على أرض فلسطين ليس سوى تحقيق لنبوءات
توراتية ولمشيئة إلهية؛ فانظر مثلاً لعناوين صحف أمريكا في هذه الفترة:
(وانتصروا في اليوم السابع) ، (حرب إسرائيل المقدسة) ، (عملية السيف
البتار) ، (داود وجوليات) (اضربي يا صهيون) .
وبالرغم من أن اليهود لم يعطوا نيكسون سوى ١٧% من أصواتهم أثناء
انتخابات الرئاسة؛ فقد كان من المتأثرين بالأفكار والنبوءات التوراتية إلى حد أن
قال: إنه مستعد أن ينتحر سياسياً أكثر من أن يستعد لإلحاق أي ضرر بإسرائيل.
وعندما وصل (كارتر) لحكم أمريكا كان أول ما صرح به هو التزامه بأمن
إسرائيل؛ ففي مؤتمر صحفي عام ١٩٧٧م، قال: «إن لنا علاقة خاصة مع
إسرائيل، وإنه من المهم للغاية أنه لا يوجد أحد في بلادنا أو في العالم أصبح يشك
في أن التزامنا الأول في الشرق الأوسط إنما هو في حماية إسرائيل في الوجود..
الوجود إلى الأبد.... والوجود بسلام؛ إنها بالفعل علاقة خاصة» .
وفي عام ١٩٧٩م فسَّر كارتر الخصوصية في هذه العلاقة؛ حيث قال:
«إن علاقة أمريكا بإسرائيل أكثر من علاقة خاصة؛ لقد كانت وما زالت علاقة فريدة
لا يمكن تقويضها؛ لأنها متأصلة في وجدان الشعب الأمريكي نفسه وفي أخلاقه
وديانته ومعتقداته» .
وفي احتفال أقامته - على شرفه - جامعة تل أبيب وضَّح هذا الأمر أكثر
بقوله: «إنه بوصفه مسيحياً مؤمناً بالله يؤمن أيضاً بأن هناك أمراً إلهياً بإنشاء
دولة اسرائيل» . لقد كان كارتر معلماً وشماساً في مدرسة الأحد، ويساهم كل
أسبوع لإيقاظ الروح الدينية في المجتمع.
أما ريجان فقد صرح بأنه كان يشعر عند الانتخابات الأمريكية بأن المسيح
يأخذ بيده، وأنه سوف ينجح ليقود معركة (الأرماجيدون) التي يعتقد أنها ستقع
خلال الجيل الحالي في منطقة الشرق الأوسط.
وحين وجه خطاباً إلى يهود أمريكا قال لهم: «حينما أتطلع إلى نبوءاتكم
القديمة في العهد القديم وإلى العلامات المنبئة بمعركة أرماجيدون - أي نهاية العالم -
أجد نفسي متسائلاً عما إذا كنا نحن الجيل الذي سيرى ذلك لاحقاً، ولا أدري إذا
كنت قد لاحظت مؤخراً أياً من هذه النبوءات، ولكن صدقني إنها تنطبق على زماننا
الذي نعيش فيه» .
وعندما جاء (كلينتون) أثرت خلفياته الدينية على موقفه من إسرائيل؛ فهو
يحكي تأثره كثيراً بموت أحد رجال الدين النصارى حيث كان هذا القس تحدث إلى
كلينتون قبل موته قائلاً: «إنه - أي القس - يأمل في أن يصبح كلينتون رئيساً
للولايات المتحدة؛ ولكن يجب عليه المحافظة على إسرائيل» ، لقد وضح التحالف
البروتستانتي اليهودي جلياً خلال محادثات كامب ديفيد الأخيرة؛ حيث ذكرت
الصحف قول كلينتون لعرفات: «إن المسيحيين في العالم كله يقدسون جبل
الهيكل» ، ويقصد به مكان المسجد الأقصى، وكان ذلك ردًا على عرفات الذي
ادعى أنه لا يستطيع التنازل عن الأقصى؛ لأنه مقدس عند المسلمين.
إن علاقة الرؤساء الأمريكيين بإسرائيل يصدق عليها قول الكاتب اليهودي
الأمريكي جون بيتي الذي قال: «إن الرؤساء الأمريكيين ومعاونيهم ينحنون أمام
اليهود كما ينحني المؤمن أمام قبر مقدس» .
أما (جورج بوش الابن) فحضر وزوجته قداساً في مدينة (جاكسونفيل) ؛
حيث حصل على تأييد علني من أحد مشاهير رجال الدين الأمريكيين ويدعى (بيلي
جراهام) ، ويقول بوش: «إن الفضل يرجع لجراهام في هدايته وإقناعه بالتمسك
بتعاليم الديانة المسيحية في عقد السبعينيات» .
وقال جور - عندما بدأ حملته - بأنه ينوي حمل قيمه الإيمانية، وحرصه
على الترابط الأسري معه إلى سدة الرئاسة.
ثالثاً: التأثير الفلسفي على السياسة الأمريكية:
لقد تبنى الأمريكيون نهجاً براجماتياً في السياسة والحياة؛ حيث الغاية والنجاح
فيها هما الحَكَم والفيصل؛ ولم تكن السياسة - من الناحية العملية وليست النظرية -
أبداً معركة بين الخير والشر، بل هي صراع مصالح والمصالح متغيرة، ولذا فإن
السياسة شأنها شأن التجارة والأعمال لا تلتزم بمبادئ ثابتة، بل تلتزم بالمصلحة؛
فجورج بوش الابن على الرغم من محافظته الشديدة فهو يحاول جاهدًا أن يستقطب
الجهات الأخرى من خلال تسمية نفسه بـ «المحافظ المتعاطف» ، وفي هذه
التسمية إشارة إلى أنه سيكون لينًا ومتعاطفًا عندما يستلزم الأمر. فمثلاً، بخصوص
موضوع زواج الشذوذ يُظهر بوش اعتراضه الشديد ورفضه القاطع لمثل هذه
المسألة، ولكنه في الوقت نفسه يُظهر «تعاطفه» عندما يُضيف قائلاً: «إن كل
إنسان لا بد أن يُعامل باحترام وكرامة» . وهكذا «يتحايل» بوش بحذق ومهارة
كي يكسب المعركة ضد خصمه آل جور؛ فهو - أولاً وأخيرًا - يرغب في الفوز.
والحقيقة الثابتة في الفكر السياسي الأمريكي أنه إذا ما اقتضت السياسة
الخارجية تعديلاً في المبدأ السياسي الداخلي؛ فإن هذا التعديل سرعان ما يتحقق؛
وهذه حقيقة عبر عنها جيفرسون قائلاً: «إن ما هو عملي يجب أن تكون له الغلبة
والسيطرة على النظرية الخالصة» .
لقد حاول كثير من الفلاسفة الأمريكيين صياغة الفكر الأمريكي وخاصة
السياسي منه، فكان أشهرهم (شارلز بيرس، ووليم جيمس، وسكينر) ، هؤلاء
الثلاثة صاغوا نظريات استمدت من المذهب البراجماتي أساساً لها، وسار عليها
أغلب صناع السياسة الأمريكية.
فبيرس يتساءل: «ما هي أهمية فكرة ما؟» ويجيب عليها: «طريقة
السلوك المتولدة عنها» أي النتائج العملية المتولدة عنها؛ فالسلوك أو المصلحة إذا
تحققت كانت الفكرة جيدة، ولكن: «كيف نمنع الناس من التفكير الخاطئ؟»
يقول بيرس: «لندع الدولة تعمل بدلاً من إرادة الفرد، ولننشئ مؤسسة هدفها أن
تضع نصب أعين الناس مذاهب صحيحة تجعلهم يرددونها دائما وأبداً ودون انقطاع،
ونلقنها للصغار، وأن تكون لها في الوقت نفسه القدرة على حظر تعليم أي مبادئ
معارضة.... ولنجعل كل أولئك الذين ينبذون الفكر الرسمي للسلطة يلزمون جانب
الصمت في هلع، ولندفع بالناس لكي يمزقوا هؤلاء أو لنجري تحريات وتحقيقات
عن طريق تفكير المشتبه فيهم؛ وإذا تبين أنهم مذنبون وآمنوا بمعتقدات محظورة
فلنوقع عليهم عقوبة ما، وإذا لم ننجح في ذلك فلنبدأ مذبحة عامة لكل من لم يفكر
على هذا النحو» ، ولنا أن نسأل: أليست هذه البضاعة الأمريكية التي استوردتها
بعض سلطات عالمنا الإسلامي لتثبيت الأفكار الأمريكية؟ !
أما (وليم جيمس) فهو في نظر الشعب الأمريكي صاحب نظرية الحرية؛
ولكن أي حرية يريدها جيمس؟ إنه يوضح أن الحرية هي الفوضى؛ فما يراه الفرد
مصلحة له فله أن يفعله، وما تراه أمة أنها مصلحتها فلها مطلق الحرية في جلبها
دون مراعاة مصالح الآخرين، وهذه المصلحة ليست رهناً بالحقوق أوالوثائق أو
وقائع التاريخ، بل هي رهن بالمنفعة، فمثلاً إذا رأت إسرائيل أن منفعتها
ومصلحتها في إنكار أي قيمة للشعب الفلسطيني؛ فإن ما تقوله صواب، وهو أيضاً
الخير.
ويجيء في الختام (سكينر) الذي تبلورت على يديه النظرية الفلسفية كاملة؛
فعند (بيرس) يمكن التحكم في سلوك الناس بجعل السلوك الذي نريده منهم عادة،
وجاء (جيمس) لينقلنا خطوة أخرى؛ حيث ذكر أن الإنسان كالحيوان عبارة عن
حزمة من العادات؛ والعادات التي يكون ثمة ميل فطري لها نحوها تسمى غرائز.
أما بعض منها مما يرجع إلى التعلم فيسمى أفعال عقل.
وأخيراً فقد وضع (سكينر) القواعد التي يمكن بها الإجابة عن سؤال: كيف
يمكن التأثير في عادات العقل للناس للتحكم في سلوكهم؟ أجاب سكينر عن ذلك بما
يسمى تكنولوجيا السلوك التي هي عنده: «أداة لتغيير الإنسان من الخارج؛ فهو
الربط بين المثوبة والعقوبة لتكوين ذخيرة سلوكية لدى الإنسان على نحو ما نرى في
التجارب على الحيوانات» ، وهذا ما يطبق بالفعل في نظام الإعلانات التي تتكرر
لترسخ اسم سلعة في الأذهان وتتحول إلى وسواس يدفع المشاهد قهراً إلى الشراء
والاقتناء، أو على ما نرى في عمليات غسيل المخ من خلال التعذيب والدعايات
المتكررة في مجال الأمن السياسي، وهي أساليب دعمتها وسائل التطور التكنولوجي
التي يطلق عليها الآن اسم: برمجة الأفكار.
هناك ما يبدو تناقضاً في الفكر بين التأثير الديني البروتستانتي، وبين هذا
الفكر الفلسفي القائم على البراجماتية، وهذا بلا شك يحدث تناقضاً وصراعاً بين
هذين النقيضين في عقلية السياسي الأمريكي، ولكن عند التأمل في القرار السياسي
الأمريكي نجد التأثير الديني يتركز في صياغة الغايات والأهداف، أما البراجماتية
فهي عند التطبيق العملي واستخدام الوسائل الموصلة لتلك الغايات.
من خلال استعراض موقع الرئاسة الأمريكي في صياغة عملية صنع القرار
السياسي، وخصائص الفكر السياسي الأمريكي، والمؤثرات التي تعمل فيه يمكن
اعتبار عدة ثوابت تتحكم في توجهات الرئيس الذي يتولى زمام الأمور في البيت
الأبيض؛ بصرف النظر عن انتماءاته لأي من الحزبين الجمهوري، أو
الديموقراطي:
* أن الرئاسة مرتبطة بمؤسسات تتحكم في عملية اتخاذ القرار في الولايات
المتحدة، وإن كانت الرئاسة لها دور كبير، ولكنها تبقى في النهاية مؤسسة ضمن
غيرها تشارك في صنع القرار السياسي الأمريكي، ولذلك يمكن إجمالاً عدم تصور
حدوث تغيير ذي أثر في مجمل السياسة الأمريكية.
* التأييد الأمريكي لإسرائيل ليس مرتبطا بتأثير اليهود في أمريكا بقدر ما هو
مرتبط بالعقيدة البروتستانتية نفسها التي يعتنقها غالبية الشعب الأمريكي؛ وعلى هذا
فإن اختيار ليبرمان اليهودي نائباً لجور لا يمكن أن نستنتج منه أن بوش سيكون أقل
انحيازاً لإسرائيل؛ فالسياسة الأمريكية في هذه المسألة بالذات يغلب عليها المفهوم
البروتستانتي، ولكن ربما يزيد التأييد المسيحي لجور نتيجة لوجود ليبرمان إلى
جواره؛ حيث المصلحة البروتستانتية المعروفة في التمكين لليهود في فلسطين.
* أن الفكر السياسي الأمريكي البراجماتي في تعامله مع شعوب العالم الثالث
لن يتغير؛ لاستناده لأسس فلسفية ذات جذور في الفكر الأمريكي؛ فهذا الفكر في
ممارساته يعتمد على المصلحة حيثما وجدت.
المراجع:
١ - النظم السياسية المعاصرة - عبد الهادي أبو طالب - دار الكتاب - الدار
البيضاء.
٢ - صناعة القرار السياسي الأمريكي - منصف السليمي - مركز الدراسات
العربي الأوروبي.
٣ - العقل الأمريكي يفكر - شوقي جلال - سينا للنشر.
٤ - تاريخ التدخلات الأمريكية المسلحة - المجلد الأول والثاني - ي.
جريجوريفتش - ترجمة سعد الفيشاوي - دار العالم الجديد - القاهرة.
٥ - الصليبيون الجدد - الحملة الثامنة - دراسة في أسباب التحيز البريطاني
لإسرائيل - يوسف العاصي الطويل - مكتبة المدبولي.
٦ - جذورالبلاء - عبد الله التل.
٧ - الولايات المتحدة وإسرائيل - برنارد ريتش - ترجمة مصطفى كمال.
٨ - القضية الفلسطينية والخطر الصهيوني - مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
٩ - قبل أن يهدم الأقصى، عبد العزيز مصطفى.
стр. 3758
المسلمون والعالم
وقفة مع الخطاب الإسرائيلي والخطاب العلماني العربي
عبد الكريم بن عبد الله بقنه
يلاحظ المتابع للساحة العربية والإسلامية أن (الخطاب الإسرائيلي) يتطابق
مع الخطاب العلماني العربي في مسألة تبدو مهمة بل هي غاية في الأهمية؛
إذ تتعلق بازدراء الجماهير الإسلامية واعتبارها جحافل من الدهماء التي
تستجيب لخطاب «التطرف» والعنف و «الأصولية» أكثر من استجابتها
للخطاب «الحضاري» و «العقلاني» الرافض للأصولية من جهة
والمنسجم مع خطاب العولمة أو «الأمركة» بتعبير أكثر دقة وتحديداً؛ حيث إن
العولمة أصبحت تعني ديكتاتورية النموذج الأمريكي وهيمنته على العالم، كما
يذهب الفرنسي (رجاء جارودي) ؛ فالخطاب الأمريكي الإسرائيلي يعتبر الجماهير
العربية لا تبدو منسجمة ومتوافقة مع منظومة السلام في الشرق الأوسط؛ فإذن لا بد
من الضرب على يديها ومن ثم ترويضها بعد ذلك لقبول خطاب «السلام» .
ففي الدول العربية على الحكومة أن تبادر إلى فرض توجهات التطبيع على
الشارع العربي، وعدم ترك هذا الشارع لمشاعره الذاتية «تلك التي تحركه في
اتجاه الرفض» ؛ فعلى النظام أن يلجم التوجهات الرافضة بالقوة بوصفها واقعاً لا
بد من القبول به تحت كل الظروف، ومن جهة أخرى على السلطة الفلسطينية مثلاً
ألاَّ تسمح بالتوجهات الرافضة والمعارضة بالتعبير عن نفسها بحرية، بل ملاحقتها
بضرب بنيتها التحتية وزج ناشطيها في المعتقلات ما دام ذلك ضرورياً لبناء وَهْم
السلام والثقة المزعومة!
ولكن هل يحدث مثل ذلك في (الجانب الإسرائيلي) ؟ بالطبع لا. فإذا تحدث
أحد المجاهدين في غزة عن الجهاد باعتباره حلاً وحيداً للتعامل مع (إسرائيل)
نجده يصبح قضية ثابتة على أجندة أحاديث كلينتون وأولبرايت، وعلى قادة
السلطة اعتقاله دون محاكمة، وذلك بصفته شخصاً خطيراً على تقدم عملية السلام.
أما عندما يطالب (حاخام كبير) بالقيام بعمليات انتحارية ضد الفلسطينيين
واستحلال دمهم، بعد استحلال أرضهم ومقدساتهم، وعندما تكون ثمة عصابات
وجمعيات علنية بعضها موجود في الولايات المتحدة تتحدث عن العنف ونسف
عملية السلام، ونسف المقدسات وبناء الهيكل وغير ذلك فإننا لا نجد أحداً يطالب
بقمع هؤلاء وفتح باب السجون لهم.
والخطاب العلماني العربي تجده - بوعي أو بغير وعي - ينحو في هذه
القضية المنحى الأمريكي الإسرائيلي ذاته؛ فهو يرى أن الجماهير العربية تملك
استعداداً وافراً للاستجابة للخطاب الأصولي «المتطرف» ، ولا تتوقف القضية
عند موضوع التعاطي مع (الشأن الإسرائيلي) ، وإنما يمتد إلى الشؤون الأخرى؛
وإلا فكيف يفسر انحياز الشارع العربي أو جزء كبير منه إلى الخطاب الإسلامي
وإدارة ظهره للخطاب العلماني «التنويري» ؟ !
الإشكالية أن الفريقين يتبنيان الدعوة إلى الديمقراطية، وهذه الأخيرة تقول
بالقبول برأي الأغلبية؛ فإذا كانت الأغلبية رافضة وتنحاز بالضرورة إلى الرافضين
الإسلاميين فما العمل؟
الطرف (الأمريكي - الإسرائيلي) في هذه الحالة لا يبدو حريصاً على القيم
الديمقراطية ما دامت القضية عندهم تعني «المصلحة العليا» لهم.
لكن ماذا يفعل الطرف التابع «الطرف العلماني» ؟ إنه يجد نفسه ينحاز إلى
المهرولين للسلام! بشيء من التأويل وقمع القوانين، بل صياغة قوانين تناسب
المرحلة أو تصادر حق الغالبية في تقرير مصيرها، ولكن من خلال صياغة قوانين
انتخابية وغير انتخابية تحجم رأي الغالبية بالإكراه.
إنها إذن عملية جر للجماهير إلى مربع «التنوير المزعوم» بالسلاسل،
والإبقاء بكل الوسائل على سيوف الناس في جهة وقلوبهم في جهة أخرى؛ غير أن
من المستحيل الوصول إلى حالة جعل سيوف الناس وقلوبهم معاً ضد الحق؛
فالجماهير قد تستكين لسلطات القمع، وقد تحمل سيفه عندما تختل موازين القوى،
غير أن قلوبها ستظل في الطرف الآخر؛ فمتى يعلم أصحاب الطرح العلماني أن
تلك معادلة مستحيلة؟
стр. 3759
المسلمون والعالم
سياسة الكيل بمكيالين
وموقف الغرب من قضايا المسلمين
د. عبد الرحمن أمين
حفل القرن الحالي بقضايا ومآسٍ كثيرة غالبها - إن لم يكن كلها - كانت تدور
على أرض المسلمين؛ فمأساة فلسطين ما زالت تتفاعل في حنايا كل مسلم ومشاعره؛
كيف لا، وهي أرض معراج نبينا محمد ﵊ وأرض
الأنبياء، وأولى القبلتين، وفيها المسجد الأقصى؛ حيث الصلاة فيه تعدل خمسمائة
صلاة؟ هذه الأرض المباركة سقطت أسيرة في أيدي اليهود الذين قال عنهم الله -
سبحانه -: [لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا]
(المائدة: ٨٢) ، فما هو موقف الغرب من هذه القضية؟ فالغرب الذي يدَّعي
الحضارة والتطور والديمقراطية والانفتاح وقف وقفة ظالمة منذ أن بدأت هذه
القضية تظهر على مسرح أحداث العصر الحديث، وبدلاً من الانتصار للحق ونصرة
المظلوم راح وبكل الوسائل يفرض سياسة الأمر الواقع على أصحاب الأرض
الحقيقيين، وينتصر لمغتصب الأرض ابتداءً من وعد بلفور المشؤوم، ومروراً
بالحروب التي دارت بين اليهود وجيرانهم من العرب، حتى آلَ الحال إلى ما هو
عليه الآن، والبقية معروفة للجميع.
الصراع مع الهندوس:
ثم برزت بعد ذلك قضايا إسلامية أخرى وفي مناطق أخرى من الأرض
الإسلامية من أبرزها قضية كشمير، وفي هذه المرة فإن الصراع ليس بين اليهود
والمسلمين، وإنما بين الهندوس والمسلمين؛ فما كان من الغرب إلا المسارعة
للوقوف بجانب عبدة البقر مع وجود الفارق الكبير بين الحضارتين؛ ولا سيما أن
أهل الغرب محسوبون على أهل الكتاب، والهندوس عبدة أوثان.
ثم طلعت علينا قضية أخرى أحداثها هذه المرة تدور في قلب أوروبا وهي
قضية البوسنة.
قضية أخرى بل مأساة؛ فما أن استطاع المسلمون الإفلات من قيد الشيوعية
الذي دام أكثر من سبعين عاماً حتى وجدوا أنفسهم أمام عالم لا يهمه سوى المصالح
المشتركة ودائماً على حساب الطرف الأضعف وهم المسلمون للأسف، ولم يقترف
مسلمو البوسنة أي ذنب سوى رغبتهم في العودة إلى دينهم واسترداد هويتهم
المسلوبة من قِبَل أعدائهم، فجاءهم الرد كالصاعقة: لا للإسلام في أوروبا ولا سيما
إذا كان هذا الإسلام بصورة دولة أو تجمُّع أو كيان؛ فأخذ الصرب الأرثوذكس على
عاتقهم مهمة تصفية شعب بأكمله وسحقه على مرأى ومسمع من أدعياء الحضارة
والتمدن في بلاد الغرب، فاستمرت خطة القتل والإبادة ثلاث سنوات ولغ فيها
الحاقدون في دماء الأبرياء العزل، ولما انتفض المسلمون ليدافعوا عن دينهم
وأعراضهم وبدؤوا يحققون الانتصارات وجد الغرب نفسه في حرج شديد؛ فهنا لا
بد أن يتدخل ليحسم الأمر قبل أن ينفلت الزمام وينقلب السحر على الساحر، فأوقفوا
الحرب؛ ولكن بعد أن ارتوت وديان البوسنة وسهولها بدماء الأبرياء من النساء
والأطفال، وبعد أن هتكت أعراض الآلاف من المسلمات وهن يندبن حظهن
وينتظرن معتصماً ليثأر لهن، ولكن أين نحن من زمان استأسد فيه الفأر ونام فيه
الأسد؟ وأين نحن ممن هان على كثيرين دينهم؛ فهان عليهم كل شيء؟ وصدق
الشاعر حينما قال:
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام
والغريب في الأمر أن طريقة الأعداء في معاملة المسلمين هي نفسها، سواء
كانت في البوسنة أو كشمير؛ فقتل الأبرياء وهتك الأعراض وارتكاب المجازر هي
السمة المشتركة للقضيتين.
جرح كوسوفا والموقف نفسه:
ثم جاءت قضية كوسوفا، وبدا الغرب هذه المرة أكثر جدية من سابقتها،
واستعمل طريقة جديدة في معاملة الصرب وهو الضرب عن بعد، ولكنه رفض أن
يتدخل على الأرض حتى أكمل الصرب مخططهم في إذلال مسلمي كوسوفا وكسر
شوكتهم بذات الطريقة التي استعملها في البوسنة، وفي نهاية المطاف قال الغرب
كلمته: لا لدولة مسلمة في كوسوفا ولا للاستقلال؛ فبقيت قضية كوسوفا كقضية
البوسنة معوَّمة ضائعة، وبالمقابل فتحت الأبواب أمام المنظمات التنصيرية لغزوها
بعد أن غزتها جيوشهم؛ فما داموا هم لا يريدون دولة مسلمة في أوروبا فلعلها تكون
دولة نصرانية وحينها يكون لكل حادث حديث.
انتصار لنصارى إندونيسيا:
وفي هذه الأثناء برزت إلى السطح قضية جديدة ولكن من نمط آخر؛
فالأرض أرض مسلمة، ولكن أبطالها هذه المرة نصارى.. إنها تيمور الشرقية
التابعة لدولة إندونيسيا المسلمة؛ فبعد أن تنازلت عنها البرتغال رجع الغرب ليطالب
بانفصالها واستقلالها عن إندونيسيا، وهنا يبرز وبكل وضوح لا مراء فيه منهاج
الكيل بمكيالين الذي يزن به الغرب أمور المسلمين؛ فهذه المرة بادر الغرب
وبسرعة متناهية فأصدر القرارات تلو القرارات لاستقلال هذه البقعة عن إندونيسيا،
وأصر على استقلال تيمور الشرقية وبأي ثمن. وللعلم فقط؛ فإن النصارى في
تيمور الشرقية كانوا طيلة الفترة السابقة يشنون حرباً منظمة ضد إندونيسيا حتى
ظفروا بمرادهم وأنشؤوا دولتهم في قلب أكبر بلد مسلم.
مأساة الشيشان وهمجية الروس:
هكذا تتوالى الأحداث وتتسارع، وفي كل مرة نسمع عن قضية جديدة: مرة
في الشرق، وأخرى في الغرب. والغريب دوماً أن الضحية هم المسلمون، فجاءت
قضية الشيشان لتتوج هذه الأحداث؛ فبعد أن طالب شعب بأكمله بالاستقلال عن
دولة متهرئة متمزقة ومتقطعة الأوصال، وحينما بدأ يحكم نفسه بنفسه وجد أن أمر
الاستقلال بعيد بُعد المشرقين في موازين الغربيين؛ فإنه لا يتناسب مع نظريتهم
القائلة: لا لدولة إسلامية في أرض أوروبا؛ ففي الوقت الذي ساعد الغرب على
إقامة دول نصرانية في بقايا الاتحاد السوفييتي وقف وقفة صارمة رافضة لأي فكرة
مبناها إقامة دولة مسلمة في إحدى بلدان القوقاز المسلم، وماذا كان موقف الغرب
الحضاري حامي حمى العدل والحرية من الحرب الأخيرة التي تشن ضد الشيشان،
وهو يذبح بالإيعاز من زعيم أرثوذكسي مخمور؟ لم يكن موقفه سوى إشارات
هزيلة باهتة تدعو إلى عدم الإكثار من استعمال الأسلحة المحرمة؛ لأنه يتنافى مع
الاتفاقيات المعقودة سابقاً! وها نحن نعيش مأساة جديدة من مآسي المسلمين، يذبح
فيها الأطفال والنساء والشيوخ ذبح النعاج ليثبت الغرب وبكل جدارة أنه أمثل من
يجيد لعب دور المتفرج في قضايا المسلمين، وأفضل من يطبق شعار الكيل
بمكيالين في حق الشعوب المسلمة. ولكني أرجع فأقول: إن هذه المواقف
سيكتبها التاريخ حتماً، والأيام دول، والله - تعالى - خالق الخلق، ومالك
الملك ومدبر الأمر هو القائل - جل وعلا -: [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ
النَّاسِ] (آل عمران: ١٤٠) فما علينا نحن المسلمين إلا التحلي بالصبر
والعودة إلى الدين، والأخذ بأسباب النصر والتمكين، والعمل بكتاب الله وسنة نبيه
الأمين ﵊ واللجوء إلى مفرج الكربات وقاضي الحاجات ربِّ العزة
والجلال؛ أما قال عنهم الله : [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ
النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) فلا ننتظر منهم إنصافاً أو إحقاقاً
لحق وإن زعموا أو تظاهروا بغير ذلك.
إن الأحداث سالفة الذكر وغيرها من الأحداث هزَّت وما زالت تهزُّ كيان الأمة
ووجدانها، وصارت تؤرق المخلصين منها وتقض مضاجعهم وهم يحاولون أن
يجدوا حلاً لما آل إليه حالها باحثين عن الأسباب التي أدت إلى تمكن عدوهم منهم
وإدالته عليهم بعد أن كانت الدولة لهم. ولكن علينا الأخذ بالحذر الشديد ولا سيما في
مثل هذه الظروف الصعبة من دخول الشيطان علينا محاولاً - كعادته - تثبيط
العزائم، وإضعاف الهمم، وزرع اليأس والقنوط في نفوس أبنائنا وهم يرون حال
الضعف والهوان التي تمر بنا؛ فما تمر الأمة المسلمة به الآن هو حلقة من حلقات
التاريخ الإسلامي الحافل بالأمجاد والبطولات والنصر المؤزر، ولقد مرت في
ماضي عهدها بظروف صعبة وقاسية، ما لبثت أن خرجت منها وهي أقوى عوداً
وأصلب عزيمة وأكثر تفاؤلاً بتحقيق الأمل المنشود؛ وهنا أتركك أخي القارئ مع
كلمات لإمام كان له يوماً شرف المشاركة في إيقاظ همم الأمة والخروج بها من
ظروفها الحالكة، ولنسمع ولنصغِ إلى تفسيره لمثل هذا الواقع، وكيف يجيب عن
التساؤلات التي قد تخطر ببال أحدنا لنزداد يقيناً بأن مصير الأمة بيد بارئها، وأن
أقدار الله لا محالة نازلة، وحِكَمه نافذة، والله غالب على أمره، وأن العاقبة للمتقين
ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
يقول الإمام ابن القيم ﵀: «إن ما يصيب المؤمن في هذه الدار
من إدالة عدوه عليه وغلبته له، وأذاه في بعض الأحيان أمر لازم لا بد منه وهو
كالحر الشديد والبرد الشديد والأمراض والهموم والغموم؛ فهذا أمر لازم للطبيعة
والنشأة الإنسانية في هذه الدار حتى للأطفال والبهائم لما اقتضته حكمة أحكم
الحاكمين» [١] .
فلو تجرد الخير في هذا العالم عن الشر والنفع، وعن الضر واللذة، وعن
الألم لكان ذلك عالماً غير هذا، ونشأة أخرى غير هذه النشأة، وكانت تفوت الحكمة
التي مزج لأجلها بين الخير والشر، والألم واللذة، والنافع والضار؛ وإنما يكون
تخليص هذا من هذا وتمييزه في دار أخرى غير هذه الدار؛ كما قال - تعالى -:
[لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً
فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ] (الأنفال: ٣٧) .
إن ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم وقهرهم وكسرهم لهم أحياناً فيه حكمة
عظيمة لا يعلمها على التفصيل إلا الله فمنها استخراج عبوديتهم
وذلهم لله، وانكسارهم له، وافتقارهم إليه وسؤاله نصرهم على أعدائهم، ولو كانوا
دائماً منصورين قاهرين غالبين لبطروا وأشروا، ولو كانوا دائماً مقهورين مغلوبين
منصوراً عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة ولا كانت للحق دولة.
فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن صرّفهم بين غلبهم تارة وكونهم مغلوبين
تارة، فإذا غُلبوا تضرعوا إلى ربهم وأنابوا إليه، وخضعوا له، وانكسروا له،
وتابوا إليه، وإذا غلبوا أقاموا دينه وشعائره، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر
وجاهدوا عدوه ونصروا أولياءه. ومنها أنهم لو كانوا دائماً منصورين غالبين
قاهرين لدخل معهم من ليس قصده الدين ومتابعة الرسول؛ فإنه إنما ينضاف إلى
من له الغلبة والعزة، ولو كانوا مقهورين مغلوبين لم يدخل معهم أحد، فاقتضت
الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدُّولة تارة، وعليهم تارة، فيتميز بذلك بين من يريد
الله ورسوله ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه، وقال ابن القيم أيضاً: «ومنها أن
امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم ويخلصهم، ويهذبهم كما قال الله - تعالى -
في حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أحد: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ
الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ
نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
* وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ
اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ] (آل عمران: ١٣٩-١٤٢) ، ثم قال
ابن القيم أيضاً:» ثم أخبر أنه يحب أن يتخذ منهم شهداء؛ فإن الشهادة درجة
عالية عنده ومنزلة رفيعة لا تنال إلا بالقتل في سبيله، فلولا إدالة العدو لم تحصل
درجة الشهادة التي هي من أحب الأشياء إليه وأنفعها للعبد، ثم أخبر - سبحانه -
أنه يريد تمحيص المؤمنين أي تخليصهم من ذنوبهم بالتوبة والرجوع إليه واستغفاره
من الذنوب التي أديل بها عليهم بالعدو، وأنه مع ذلك يريد أن يمحق الكافرين
ببغيهم وطغيانهم وعدوانهم إذا انتصروا. ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم ودخول
الجنة بغير جهاد ولا صبر، وإن حكمته تأبى ذلك؛ فلا يدخلونها إلا بالجهاد
والصبر، ولو كانوا دائماً منصورين غالبين لما جاهدهم أحد، ولما ابتلوا بما
يصبرون عليه من أذى أعدائهم. فهذه بعض حكمه في نصرة عدوهم عليهم وإدالته
في بعض الأحيان «.
والحمد لله رب العالمين
стр. 3760
مرصد الأحداث
يرصدها: حسن قطامش
qatamish١٠٠@hotmail.com
الصورة الخلفية للانتفاضة
على مدى ٤٠ يوماً، منذ بدايتها خلفت انتفاضة الأقصى أكثر من ٢٠٥ قتلى،
و٨ آلاف جريح؛ منهم ثلاثة آلاف يعانون من عاهات دائمة أقعدتهم عن العمل
مدى الحياة؛ نتيجة بتر أعضاء وأطراف، وتهشيم عظام؛ خاصة أن غالبية هؤلاء
من العمال الذين تتطلب طبيعة أعمالهم قدرات بدنية عالية، وهذا العدد مرجح
للتصاعد مع استمرار انتفاضة الأقصى التي يتوقع أن تتواصل لسنوات أو حتى
تحقق أهدافها بالاستقلال والانسحاب الإسرائيلي.
وخلال الأيام الماضية لوَّح رئيس وزراء إسرائيل إيهود باراك باستعداد جيشه
لقتل ما يزيد عن ألفي مواطن فلسطيني إن كان ذلك سيوقف الانتفاضة. وهذا يعني
سقوط عشرات الآلاف من الجرحى، ويعني أيضاً أن مزيداً من الأسر الفلسطينية
ستفقد مُعيليها.
تضاف إلى ذلك حالة الخنق الاقتصادي التي تفرضها سلطات الاحتلال على
مجمل الضفة الغربية وقطاع غزة حيث ينتقل منهما يومياً - قبل الانتفاضة -
حوالي ١٥٠ ألف عامل للعمل في إسرائيل، ومع هذا الحصار فقدت عشرات
الآلاف من الأسر الفلسطينية مصدر رزقها؛ فزاد ذلك من عدد العاطلين وعدد
الأسر التي باتت على حافة المجاعة، ويشكل الحصار عبئاً على الاقتصاد
الفلسطيني الضعيف أصلاً.
يقول الدكتور حسن الخريشة عضو المجلس التشريعي: «لدينا الآن في
مناطق السلطة الفلسطينية حالة يمكن تسميتها بـ» الجوع الصامت «؛ فغالبية
الأسر ترفض الحديث عن معيشتها؛ لأن المسألة ترتبط بكرامة الأسرة، وأنا
أعرف عشرات الحالات من الذين يجدون صعوبة في توفير لقمة العيش والأمور
الحياتية الأساسية، ويرفضون تلقي أي مساعدة من أي جهة رغم ظروفهم القاسية،
وهم الذين قد يحسبهم البعض أغنياء» .
وقال: «إن الوضع العام هو أن غالبية الأسر الفلسطينية - باستثناء فئة
معينة - تعيش على الكفاف، وترفض أن تفصح عن حقيقة ظروفها، ويمكن أن
نقول إنها تعيش حالة الجوع الصامت» .
ويقول الدكتور واصل أبو يوسف، عضو المجلس المركزي الفلسطيني:
«نجد في المخيمات الفلسطينية بشكل عام ظروفاً معيشية قاسية للغاية، فغالبية سكان
المخيمات هم فئات محرومة تعيش دون خط الفقر، ومصادر دخلهم غير ثابتة،
وهذا لا يعني أن الفقر والاحتياج مسألة تخص المخيمات فقط، وإنما توجد في
المدن والقرى الفلسطينية حالات كثيرة تعيش ظروفاً مأساوية» .
وأضاف الدكتور أبو يوسف: «البطالة تتزايد، فحتى الذين يعملون في
مصانع ومنشآت فلسطينية تم فصل جزء كبير منهم، بسبب توقف هذه المصانع؛
نظراً لعدم وصول المواد الخام التي تصل عادة عن طريق الموانئ الإسرائيلية، أي
أن المشكلة معقدة وتحتاج إلى حلول جذرية؛ فالأرقام تشير إلى أن المشكلة تشمل
٣٠٠ ألف عامل يعملون في إسرائيل ومناطق السلطة» .
[جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٠٢٨) ]
ومع ذلك.. تتفاوضون! !
أكد رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية السيد فاروق
القدومي أنه بعد سبع سنوات من المفاوضات لم تتراجع إسرائيل عن عمليات القتل
والعنف والإرهاب والمماطلة وتعطيل ما تم الاتفاق عليه، وأنهم مستمرون في
بناء المستوطنات ومصادرة الأراضي.
وتحدث عن خطة إسرائيلية للتحرش بالشعب الفلسطيني واستفزازه، لافتاً إلى
أن هذه الخطة يتم تنفيذها من عهد رئيس الوزراء الأسبق (إسحاق رابين) الذي
ارتكب مجزرة الخليل، ثم جاء (بنيامين نتنياهو) وافتتح النفق في الأقصى،
والآن يقوم (باراك) باستفزازنا بالسماح (لشارون) بدخول المسجد الأقصى.
وأشار إلى أنهم يريدون احتواء الضفة والقطاع وليس الخروج منها، وأن
المستوطنات تُبنى الآن بكثافة. وقال: إن رئيس وزراء إسرائيل إيهود باراك
رفض التوقيع على ورقة اقترحها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون من أجل وقف
المذابح التي ارتكبتها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. وقال: إن ما تم في شرم
الشيخ هو مذكرة تفاهم فقط من دون توقيع أي طرف من الأطراف، وهي مناشدة
للطرفين لوقف العنف. ودعا قدومي الدول العربية إلى تجميد العلاقات الدبلوماسية
مع إسرائيل، واستقطاب الرأي العام العالمي ليقوم بإجراءات ضدها في مجلس
الأمن والأمم المتحدة، وطالب الدول العربية بتعزيز تضامنها مع الشعب الفلسطيني؛
مشيراً إلى أن القيادة الفلسطينية طلبت من العرب أن تتولى الأمم المتحدة مسؤولية
حماية الشعب الفلسطيني بشكل دائم.
[جريدة الحياة، العدد: (١٣٧٤٣) ]
حصاد جهاد الشعب
أفادت مؤسسة حقوقية أن السلطات الإسرائيلية أصابت قرابة ٧٠ ألف
فلسطيني بالأعيرة النارية والمطاطية منذ اندلاع الانتفاضة الأولى في الثامن من
ديسمبر عام ١٩٨٧م وحتى ١١نوفمبر ٢٠٠٠م، من بينهم ٦٢٥٠ مواطناً أصيبوا
منذ انذلاع انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من سبتمبر ٢٠٠٠م. وقال مركز
غزة للحقوق والقانون في إحصائية حديثة: إن عدد المصابين الذين جرحوا منذ ٨
ديسمبر ١٩٨٧م، وهو اليوم الأول لاندلاع الانتفاضة الأولى، وحتى نهاية عام
١٩٨٨م بلغ ٢٢٢٥٦ مصاباً، وأنه خلال عامي ١٩٨٩م، ١٩٩٠م أصيب
١٧٢٣٠ فلسطينياً، وفي عام ١٩٩١م بلغ عدد المصابين ٩٧٠٩ فلسطينيين، وفي
١٩٩٢م بلغ عددهم ٥٨٠٦ فلسطينيين، كما سجل في عام ١٩٩٣م إصابة ٤٦٤٩
فلسطينياً. وأشار إلى أنه في عام ١٩٩٤م الذي دخلت في منتصفه السلطة الوطنية
الفلسطينية إلى قطاع غزة وأريحا سجل إصابة ١٣٦٩ فلسطينياً وأن هذا العدد
انخفض في عام ١٩٩٥م إلى ٩٨ جريحاً، وعاد ليرتفع في عام ١٩٩٦م إلى ٢٠٩٠
جريحاً؛ إذ اندلعت في سبتمبر من العام ذاته «هبة الأقصى» حينما أعلن عن
افتتاح الكيان الصهيوني نفقاً تحت المسجد الأقصى المبارك، ليعود العدد وينخفض
إلى ٢١٧ في عام ١٩٩٧م، كما سجل في عام ١٩٩٨م إصابة ٢٣٨ فلسطينياً،
انخفض في العام ١٩٩٩م إلى ٧٣ جريحاً، ليعود هذا العام ويرتفع مسجلاً ٦٢٥٠
جريحاً حتى منتصف نوفمبر ٢٠٠٠م؛ ليكون بذلك إجمالي كل المصابين
الفلسطينيين ٦٩٩٨٥ جريحاً منذ بداية الانتفاضة الأولى.
[السبيل الأردنية، العدد: (٣٦١) ]
وجهاد رجال السلطة! !
قالت صحيفة معاريف الإسرائيلية إن نحو ٥٠ شخصية كبيرة في السلطة
الفلسطينية هرَّبوا عائلاتهم إلى خارج البلاد، ونقلوا حساباتهم المصرفية إلى فروع
في دول أخرى لم تذكرها نقلاً عن حسام خضر عضو المجلس التشريعي الفلسطيني
خلال برنامج تلفزيوني يقدمه مروان كنفاني أحد كبار مستشاري عرفات. وذكر
خضر الذي يعتبر من المعارضة داخل فتح أن عرفات يعرف كل شيء عن الكبار
الذين أرسلوا نساءهم وأولادهم إلى خارج البلاد. وأضافت معاريف أنه قُدمت
لعرفات مؤخراً قائمة لعائلات مسؤولين كبار غادروا الضفة الغربية من أجل البحث
عن (حياة أفضل) في الخارج. وقالت مصادر في الضفة: «إن رجال تونس
الذين لم يخوضوا تجربة الانتفاضة الأولى غير قادرين على الصمود في وجه ضغط
النضال» .
[السبيل الأردنية، العدد: (٣٦١) ]
هل نسيتم الشيشان؟ !
منظمة «أطباء بلا حدود» ، ومنظمات إنسانية أخرى تصف الخراب الذي
خلفته الحرب في الشيشان؛ حيث يعيش الناس في أكواخ بلا ماء ولا كهرباء،
وحيث المستشفيات أو ما تبقى منها تعاني من نقص الأدوية والأدوات الطبية
الأخرى، في بلد أكثر من نصف سكانه مهجرون تتفشى بينهم الأمراض والأوبئة.
تواجه المنظمات الإنسانية العاملة في الشيشان وضعاً كارثياً: في القرى
المدمَّرة التي تفتقد إلى برامج لإعادة إعمارها، وفي أعداد الجرحى، إضافة إلى
آلاف المهجرين، ويتوج كل ذلك بانعدام الأمن.
وأفادت منظمة «أطباء بلا حدود» التي عادت إلى الشيشان في يوليو
الماضي بعد غياب استمر ثلاث سنوات أنه نظراً إلى تعدد نقاط التفتيش والحواجز،
وخوفاً من المضايقات والابتزاز أو الاعتقال، يتردد السكان - خصوصاً الشبان
منهم - في التنقل حتى من أجل تلقي عناية طبية. وأضافت: «يشجع الخطاب
الروسي اللاجئين على العودة؛ لكن ماذا يفعلون عندما يشاهدون منازلهم التي لم يبق
منها شيء؟» . وفي مناطق الوسط والجنوب حيث خلفت المعارك دماراً، لا
وجود لأي مشروع لإعادة الإعمار. فلم يبق شيء في وسط مدينة غروزني؛ حيث
أزيلت جميع المباني، وانتقل ما بين ٤٠ و ١٨٠ ألف شخص، إلى ضواحي
العاصمة؛ حيث يعيشون في سيارات أو في مبان نصف مهدمة من دون كهرباء أو
ماء، وفي كل مكان يعمد أطباء محليون إلى إقامة غرف عمليات جراحية في
الأقبية، أو نصب خيم في الحدائق، ويتلقون معدات طبية من منظمتي
«أطباء بلا حدود» ، و «أطباء العالم» ، إضافة إلى «مساعدات» طبية
روسية. وأشار عضو بالمنظمة إلى عينة مساعدات أرسلتها وزارة الصحة
إلى مستشفى غوديرميس (قوتها ٣٠٠ سرير) ؛ وهي عبارة عن كرتونة واحدة
في حين يحتاج المستشفى إلى ثلاث شاحنات.
وبالإضافة إلي هذا الوضع ازدادت نسبة الاحتياجات الطبية؛ فهناك آلاف
المرضى الذين يحتاجون إلى عمليات أو عناية، و «الدفق مستمر» من ضحايا
الحرب والمدنيين المصابين بانفجار الألغام، فضلاً عن المشاكل الصحية العادية
والعقلية، والالتهابات التنفسية، والسل الذي من المحتمل انتشار عدواه. وتعترف
«أطباء بلا حدود» أن وجود المنظمات الإنسانية «باهت» قياساًَ إلى حجم
الدمار؛ مشيرة إلى أن «المشكلة سياسية في الأساس» .
وبدوره، قال كيني غوليك - مسؤول «أطباء بلا حدود» فرع هولندا، في
اتصال هاتفي من نزران (أنغوشيا) -: «إن الكارثة الإنسانية الحقيقية هي
الطريقة التي يعامل بها المدنيون من الجرحى، والمعاملة السيئة في السجون،
والناس الذين يقتلون» . وأضاف: «قبل ستة أشهر استمر الأطباء في العمل في
الظلام والصقيع، والفارق الوحيد اليوم هو إقرارهم بفقدان الأمل» .
[جريدة الحياة، العدد: (١٣٧٤٥) ]
متى يحين.. ومتى تحنو؟ !
أعلنت مسؤولة الأمم المتحدة لشؤون تنسيق المساعدات الإنسانية (كارولاين
ماكاسكي) في موسكو لدى عودتها من مهمة أنه لم يحن الوقت بعد للمنظمة الدولية
للعمل في الشيشان لأسباب أمنية، وقالت ماكاسكي في مؤتمر صحافي: بالنظر إلى
الوضع الأمني الحالي، لا أوصي بتواجد الأمم المتحدة في الشيشان. وروت كيف
انتقلت إلى الجمهورية برفقة مسلحين من دون أن تتمكن من التحدث بحرية مع
السكان، وخلصت إلى القول: لم يحن الوقت بعد للأمم المتحدة للعمل في الشيشان
بحرية. وأشارت المسؤولة إلى أن اللاجئين الشيشان في جمهورية أنجوشيا
الحدودية غير متحمسين لفكرة العودة إلى ديارهم، وقالت ماكاسكي: إن الشعور
العام لدى اللاجئين في أنجوشيا هو أنه ليس بوسعهم العودة إلى ديارهم بسبب فقدان
الأمن والمساكن.
[جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٤٦٦) ]
تونس المنسية
روى أربعة طلاب تونسيين أن (الصفع واللكم والركل والتعليق والحرق
والصدمات الكهربائية والخنق والاغتصاب) ممارسات شبه يومية في مراكز
الشرطة والسجون التونسية. وأوضحت إيمان درويش - طالبة العلوم الاقتصادية،
خلال مؤتمر صحافي للجنة الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان في تونس،
وجمعيات للدفاع عن حقوق الإنسان في المقر الفرنسي للبرلمان الأوروبي -: أن
«التعذيب ممارسة منهجية تنطبق على الرجال والنساء كحد سواء، في النهار كما
في الليل، وهي منتشرة في إدارات الأمن الوطني في العاصمة وكل أنحاء البلاد،
ومراكز الشرطة والسجون» . وروت درويش وزملاؤها زهير عيساوي، ونور
الدين بنتيشا، ونزار شعري: كيفية «استقبال» الموقوفين في مقر إدارة الأمن
الوطني «حيث كل طابق مجهز بتقنيات خاصة وعاملين مختصين» ، وأوضحت
درويش التي أوقفت في ٤/٣/١٩٩٨م لمشاركتها في إضراب مرخص له للجامعة
حول مطالب طلابية -: أنها تعرضت بعد الضرب، وسيل الإهانات، والبصق،
وفقدانها لوعيها؛ للاغتصاب. وأضافت: «إن الهدف عادة من الاغتصاب الذي
يصوره رجال الشرطة على الفيديو هو تحطيم سمعة النساء في المجتمع التونسي» ،
وأعلنت ممثلة عن الاتحاد الدولي لرابطات الدفاع عن حقوق الإنسان أن لجنة
الدفاع عن حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة تنتظر منذ أكثر من عام الحصول
على تقرير من الحكومة التونسية حول التعذيب.
[جريدة الحياة، العدد: (١٣٧٥١) ]
صافرة إنذار ... من صفير! !
أكد البطريريك الماروني الكاردينال (نصر الله صفير) أن وجود المسيحيين
في الشرق على عتبة الألف الثالثة هو موضوع حياة أو موت بالنسبة إلى المسيحيين،
وهو موضوع بقاء أو رحيل؛ ولو أثار مثل هذا التعبير الهواجس والمخاوف.
وأضاف: «هذه هي الحقيقة - وإن كانت مُرة - إذ ليس في الإمكان
تجاهلها» . وسأل: «كيف نتجاهلها عندما نرى هذا النزف المتواصل الذي
يقتلع أبناءنا من قراهم ومدنهم ومواقعهم ليجرفهم إلى المجهول؟» . وأعطى
(صفير) مثالاً على ذلك (لبنان) الذي هاجر من أبنائه في السنوات العشر الأخيرة
مليونا لبناني، ولا يزال يغادره كل شهر ما يزيد على خمسة عشر ألف مواطن
معظمهم من الشباب حملة الشهادات العليا. وقال: «إن هذا الأمر ينسحب على
باقي بلدان هذا الشرق التي يغادرها المسيحيون خصوصاً؛ فيتناقص عددهم يوماً
بعد يوم بعدما كان هذا الشرق بأكمله مسيحياً» ، مؤكداً أن: «المسيحيين متشبثون
بهذه الأرض أياً تكن المخاطر» . كلام (صفير) جاء خلال افتتاح اجتماع
رؤساء الكنائس أعماله في الصرح البطريركي في (بكركي) تحت عنوان:
«المسيحية في الشرق على عتبة الألف الثالث» . وسأل: «هل تكون هذه
هي إرادة الله أن يفرغ الشرق المسيحي من مسيحييه، بعد أن كان كله
مسيحياً؟» .
[جريدة الحياة، العدد (١٣٧٦٨) ]
قرابين تركية لأوروبا
قالت مصادر تركية مطلعة: إن الحملة التي يقودها وزير التعليم التركي لمنع
تدريس كتب دينية في المدارس التركية قد استمرت هذا العام (٢٠٠٠م) ، حيث
تشير إحصائيات العام الماضي إلى أن عدد الكتب المحظورة التي تم جمعها من
المدارس قد وصل عددها إلى ثلاثمائة كتاب، وجميعها كتب دينية.
فقد أصدر وزير التربية والتعليم التركي «بوسطانجي أوغلو» قراراً جديداً
يحظر تدريس كتاب «الأحاديث الأربعين» في المدارس، والعمل على عدم تداوله
بها بأي شكل من الأشكال. وألغى بذلك التوصية التي كانت قد أصدرتها لجنة
التربية والتعليم بالوزارة من قبل؛ وحثت على تدريس هذا الكتاب الذي أعده الشيخ
أحمد نعيم واعتمدته وزارة الشؤون الدينية وتولت إصداره.
[مجلة الإصلاح، العدد: (٤٣٤) ]
وجه صربيا القبيح
١ - س: ليس خافياً أن صورة الصرب أصبحت سوداء عند غالبية العرب
والمسلمين بسبب أحداث البوسنة وكوسوفا، فهل لديكم توجه لسبب ذلك؟
ج: أرجو أن يثق قراء صحيفتكم، بأن الصرب طيبون، ولكن ذنبهم أنهم
واجهوا ظروفاً صعبة معلومة، وأؤكد أن من أهداف الرئيس (فويسلاف
كوستونيتشا) تصحيح صورة الصرب في أنحاء العالم، وخصوصاً عند العرب
والمسلمين الذين للصرب مصالح كثيرة متبادلة معهم، سياسية واجتماعية واقتصادية
وتاريخية.
[وزيرة الإعلام الصربية، جريدة الحياة، العدد: (١٣٧٥٠) ]
٢ - أعلن الرئيس اليوغسلافي الجديد (فويسلاف كوستونيتشا) أنه سيكون
أول رئيس صربي في التاريخ يقيم علاقات مع إسرائيل ويزورها. وقال
(كوستونيتشا) للإذاعة العبرية: «من المفارقات أن هناك دولاً بعيدة عن
بعضها جغرافياً لكنها في الوقت نفسه قريبة جداً من بعضها» . وتابع: «أعتقد
أن هذه الحالة تنطبق على يوغسلافيا، والجبل الأسود، وإسرائيل» ، وقال:
«إنه يعتزم زيارة الدولة العبرية بصفته أول رئيس يوغسلافي يزور إسرائيل منذ
إنشائها في العام ١٩٤٨م» .
[جريدة البيان الإماراتية، العدد: (١١/١١/٢٠٠٠م) ]
٣ - قال الرئيس اليوغسلافي (فويسلاف كوستونيتشا) أمام المشاركين في
قمة زغرب (الأوروبية البلقانية) : «إن الوضع في كوسوفا يمثل المشكلة الأبرز
في أوروبا، وإنه قد يتسبب بإثارة نزاعات أخرى في المنطقة» .
وأضاف: «إن كوسوفا تمثل بالطبع المشكلة الأبرز في أوروبا، وقد تتسبب
بإثارة نزاعات أخرى عديدة يُعتقد أنها هدأت، في البلقان وفي مناطق أخرى» ،
وقال: «إن كوسوفا هي المنطقة الوحيدة في العالم التي يسيطر عليها الرعب،
ويتم فيها إجلاء شعب بكامله من أرض أجداده» ؛ في إشارة إلى أعمال العنف
المناهضة للصرب في الإقليم اليوغسلافي ذي الغالبية من الألبان.
[جريدة الشرق الأوسط، العدد: ٨٠٣٣) ]
هي بدعة.. وهذه ثمراتها! !
للمرة الألف نقولها - ولن نمل من تكرارها - ما يحدث ونراه من تجاوزات
في الاحتفالات بموالد الأولياء سلوكيات لا يقبلها الإسلام ولا تقرها شريعته.
ولو أننا عدنا إلى سيرة هؤلاء الأولياء، وتدارسنا منهجهم؛ لعلمنا أنهم ما
كانوا ليقبلوا هذه الأفعال غير المعقولة التي تحدث من رواد هذه الموالد.
فالثابت أنها تتحول إلى سوق تجاري كبير: للحمص، والحلوى، والبمب،
وفتح عينك تأكل ملبن، وألعاب القمار، ويجد المتسولون الذين يفترشون مداخل
ومخارج المساجد والأضرحة سوقاً رابحة لهم. ناهيك عن الاختلاط المرفوض بين
الرجال والنساء، وقعدات الشيشة في ساحات المساجد، وبهذا فهي تخرج عن
مضمونها والهدف المنشود منها، ولا أبالغ إن قلت: إنها عدوان صريح على حرمة
مساجدنا، وآن الأوان لموقف حازم يتخذ لوقف هذا الاعتداء الصارخ. آخر هذه
الموالد التي تم الاحتفال بها مولد العارف بالله السيد أحمد البدوي بطنطا الذي استمر
أسبوعاً كاملاً. ومن بعده بدأت الاستعدادات لمولد السيدة زينب - رضي الله
عنها -، ثم مولد إبراهيم الدسوقي. وهكذا تتوالى علينا الموالد - واحداً بعد
الآخر - والآلاف من المواطنين يتركون منازلهم ومصالحهم، ويلهثون وراء هذه
الموالد من قرية إلى مدينة، وحتى العزب والكفور لا تكاد تخلو واحدة من مولد أو
ضريح. قال الشيخ عبد الشكور أحمد عيسى إمام المسجد الأحمدي: «يجب على
كل رواد المولد التخلق بأخلاق الولي الذي جئنا من أجل المشاركة في الاحتفال
بمولده؛ فقد كان متحملاً لأذى الناس، صبوراً على ما يبدر منهم، أما ما يحدث في
المولد من بعض المظاهر التي تخالف هذه الأخلاق؛ فهي ليست راجعة إلى تقصير
الولي في حق نفسه أو ربه؛ وإنما هي ذنب المقصرين فيما طلبه الإسلام منهم من
واجبات وآداب وأخلاقيات وسلوكيات حميدة يجب أن يتمسك بها
الناس» .
[جريدة عقيدتي، العدد: (٤١٥) تصدر عن مؤسسة أخبار اليوم القاهرية]
لو كان القائل إسلامياً؟ !
ما زالت الحرب احتمالاً بعيداً، لكن الحديث عن إمكانية اندلاعها يكاد ينافس
الحديث عن إمكانية «اندلاع» مفاوضات السلام مرة أخرى تحت وطأة
«تخجيل» كلينتون لعرفات.
الأنظمة لا تريد أن تحارب، وهي تعتقد أن الحرب ليست في مصلحة العرب
حالياً، ليس لأن الجيوش علاها الصدأ فحسب، ولكن لأن منطق الأنظمة يختلف
كلياً عن منطق الانتفاضة؛ بل يختلف عن منطق الشارع العربي الذي يزداد حسرة
وألماً وغضباً أمام المشهد التلفزيوني المفجع والمثير للحمية والتعاطف. لقد أحكمت
الأنظمة حماية نفسها خلال بقائها الطويل في السلطة، وفرضت نوعاً من «سلام
الرعب والردع» على المجتمعات التي تحكمها، ولم تعد تخشى غدر الجيوش
وانقلاباتها الليلية؛ فقد باتت تعددية الأجهزة الأمنية المخيفة أقوى من الأحزاب
والجيوش، بل تم تحويل هذه الجيوش من مهمة الدفاع عن الوطن إلى مهمة أمنية
بحتة؛ هي مهمة الدفاع عن الدولة والنظام. وفي موازاة هذه العلاقة الخارجية
الظاهرة والخفية، تمكنت الأنظمة المحيطة بإسرائيل من تشكيل قاعدة اجتماعية
تستند إليها، قاعدة ضيقة لكنها نافذة وقوية ومعارضة بشدة للحرب. فهناك اليوم
حلف المصلحة بين النظام (الأمني العسكري) والشرائح البورجوازية التي تدفع
لشرائح النظام ضريبة باهظة من أرباحها المتزايدة مع «الانفتاح» الاقتصادي
العشوائي. هذه المكاسب الداخلية والخارجية هي من الوفرة والثراء بحيث يصعب
التخلي عنها، وعن التنعم والتمتع بها، وخوض حرب غير مأمونة مع إسرائيل قد
تنتهي بانكسار النظام أو سقوطه.
[غسان الإمام، جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٠٢٢) ]
جهود هندوسية
بعد التقارب الهندوسي الأمريكي والهندوسي الصهيوني خلال الأشهر الماضية
جاء الدور على التقارب الهندوسي الروسي ليكمل الخطة الهندوسية في مواجهة
الإسلاميين في كشمير وغيرها فلم يتأخر الرئيس الروسي فلادمير بوتين وقام بزيارة
سريعة ومخطط لها عقب عودة رئيس الحكومة الهندوسية من أمريكا والاستقبال
الرسمي والشعبي الذي لقيه فيها.
وكان (أتال بهاري فاجباي) قد عقد عدة صفقات مهمة خلال وجوده في
أمريكا، منها المعلنة ومنها غير المعلنة.
هذا التقارب (الأمريكي الهندي) لم يعجب روسيا؛ لأن ذلك من شأنه أن
يعرقل إنجاز العديد من المشاريع الروسية في المنطقة، وبسط نفوذها في آسيا
الوسطى وجنوبها، ويجعلها معزولة عن مناطقها الاستراتيجية، ولجأت إلى عقد
عدة مشاريع شراكة، واتفاقيات عسكرية وأمنية واقتصادية بلغت نحو ١٥ مليار
دولار، ومن دون أن يعلن الجانبان؛ فإنهما قد أنشآ تحالفاً عسكرياً وأمنياً يهدف إلى
ردع الجيران، ومن بينهم الصين وباكستان، وهذا ما دفع أمريكا وباكستان إلى
إصدار بيانات تعرب عن قلقهما من هذا التعاون. وتوصل الطرفان أيضاً إلى إنشاء
لجنة لمكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الأمنية، واعتبار أفغانستان مصدر
الإرهابيين الضالعين في العمليات العسكرية بكشمير والشيشان. وتوصل كذلك
الطرفان إلى ميثاق شراكة استراتيجية بينهما تقضي بعدم انخراط أي منهما في عمل
معادي للدولة الأخرى، وعدم الانضمام إلى أي تكتل عسكري أو اقتصادي أو
محوري قد يهدد مصالح البلد الآخر. وبتعاون البلدين العسكري والأمني واستخدام
أجهزتهما الاستخباراتية لتعقب المقاتلين في الشيشان وكشمير، يحاول البلَدان القفز
على مطالب الشعب الكشميري الداعية إلى تقرير المصير التي كفلتها له الأمم
المتحدة قبل (٥٣) سنة، وعلى مطالب الاستقلاليين في الشيشان المطالبين
بحريتهم ودولتهم مثل الجمهوريات الأخرى. وكانت ألفاظ بوتين واضحة حينما
تحدث عن التطورات في كشمير؛ إذ أيد بشكل علني القبضة الحديدية الهندية في
كشمير، ودعا إلى تشكيل جبهة موحدة ضد الإرهاب، ودعا إلى التعاون مع دعاة
الانفصال في إشارة واضحة لتشجيع الهند على قمع دعاة الاستقلال في كشمير،
واستعداد بلاده لمد الهند بالمساعدات المطلوبة في سبيل ذلك.
[مجلة سياحة الأمة الكشميرية، العدد: (٣٤) ]
стр. 3761
اقتصاديات
مقومات نجاح السياسات الإصلاحية في الدول والمجتمعات
من خلال نموذج الخليفة
عمر بن عبد العزيز الإصلاحي
ياسين بن طه بن سعيد الشرجبي
يكثر الحديث في وقتنا الراهن عن تبني السياسات الإصلاحية سواء في
المجال السياسي أو الاقتصادي أو القانوني أو الثقافي أو غير ذلك، وتؤكد الأحاديث
على أهمية تبنيها، ومتابعة أنشطتها، والتغني بأدنى نجاح لها؛ وتحتل ساحتنا
الإسلامية مساحة أكبر في الدعوة إلى هذه الإصلاحات والاهتمام بتطبيقها وتنفيذ
بنودها، وترتفع أصوات سدنة النظام الدولي الجديد ناصحة - أو بالأصح آمرة -
بضرورة التغيير للأوضاع القائمة التي أصبحت تزداد سوءاً يوماً بعد يوم في كل
مجالات الحياة.
إصلاح مفسد:
إن ما يتحدث به الغربيون وصنائعهم عن الأحوال المتردية في عالمنا
الإسلامي هو جزء من كلمة حق يراد بها كل الباطل؛ فهم حينما يشيرون إلى
مساوئ الأنظمة السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها لا يبتغون من ذلك أن نعود
إلى ديننا وشرعة ربنا وتاريخ أمتنا لنصحح الأوضاع على أسسها مع الاستفادة من
معطيات العصر، بل إنهم يخططون ويمكرون ليتم التغيير وفق رؤاهم وتبعاً للحلول
التي يلزمون بها بعض ولاة المسلمين وحكوماتهم رغبة ورهبة.
إذا أردنا أن نستعرض وصفاتهم لعلاج الأوضاع السياسية فإننا نجدهم يحثون
على تبني الديمقراطية أولاً، ثم الاستسلام للعدو الصهيوني والتطبيع معه ثانياً،
ومع ذلك فمن حقنا أن نتساءل: أي ديمقراطية يريدون؟ إنها تلك الصورة التي
تمكِّن السفهاء والعملاء والأذيال من أن يتربعوا على عروش أمتنا دون أن يكون
للأمة أي فرصة للاحتجاج أو الرفض وإلا اتهمت بالعداء للديمقراطية، حتى
نموذجهم في الديمقراطية لا يجرؤون على تصديره إلينا وتطبيقه عندنا؛ لأنهم
يخشون ظهور الإسلاميين وصعودهم إلى سدة الحكم؛ وإذا حدث ما لا يتوقع في
ظل الديمقراطية الزائفة وانتصر الإسلاميون في بلد ما، فإنهم لا يخجلون من موقف
الصمت وغض الطرف عمَّا يحدث من التفاف على نتائج الديمقراطية ولا يصفونه
بالعداء لها، هذا إذا لم يكونوا هم من دبر الانقلاب وخطط للالتفاف ومصادرة
صوت الأمة.
أما الحل الذي يقضي بارتماء أمتنا في أتون الاستسلام وجحيم التطبيع مع
اليهود فإن آثاره على العقيدة والدين والمقدسات والأخلاق والعقول والاقتصاد
والثقافة وكل جوانب الحياة أصبحت معلومة من الواقع بالضرورة، وبادية واضحة
لا نحتاج فيها إلى مزيد بيان.
وإذا أردنا أن ننظر في معالجتهم لاقتصادنا وجدناها إصلاحاً لاقتصادهم
وضخاً إلى بنوكهم ورعاية لاستثماراتهم، بينما تحصد أمتنا مزيداً من الأعباء
والديون والفقر وإضاعة الثروات والانشغال بالقوت الضروري، والعديد من
المشاكل والأزمات.
وفي مجال الإصلاح القانوني والقضائي تجد أن الحل يتم بالقضاء على ما
تبقى من حكم الشريعة في جوانب الأحوال الشخصية وما شابهها، وجعل الحكم
لغير ما أنزل الله من تعاليم وقوانين الجاهلية المعاصرة.
أما في المجال الثقافي فالعلاج أن يدين الناس جميعاً بالتصورات الغربية،
وأن تصاغ عقول أمتنا الإسلامية من خلال مفردات الحضارة الغربية وتعاليمها
القائمة على الخروج على كل ما هو رباني، والسير بالبشر نحو حيوانية سافرة؛
وإن كان من ضرورة روحية واعتناق لديانة فلتكن المسيحية المتهوِّدة.
إلا أنت أمة الإسلام:
ليس غريباً أن ترى الأمم وأتباع الديانات الباطلة المنحرفة يستجيبون لداعي
الحضارة الغربية ويسيرون خلفها حذو القذة بالقذة تدخل بهم جحر الضباع وأوكار
التيه، بل المستغرب المحزن أن ترى في الركب الضال فئاماً كثيرة من المنتسبين
لدين الإسلام.
من اليسير أن نتوقع إذعاناً فخرياً لأمم الأرض تجاه القوة المادية الغربية،
وأن نتوقع خضوعاً ذليلاً منها نحو ثقافة الغرب وحضارته؛ لكنه ليس من اليسير
أن يتوقع ذلك من أمة الإسلام التي تمتلك ما لا تملكه أمةٌ غيرها من مقومات القيادة
والريادة والخيرية، ومن أسس العيش بأمن وطمأنينة ورفاه، ومن أركان الحياة
الطيبة المهتدية، ومن أسباب القوة المادية والمعنوية.
إن أمتنا تملك العقيدة الإسلامية السليمة والدين الحق والملة القويمة، وهي
تملك الإرث المجيد والتاريخ التليد، وهي تملك النظرة السوية للإنسان والكون
والحياة، وهي - بفضل الله - تملك الكثير من مقومات القوة المادية متمثلة بالتعداد
السكاني والثروات الهائلة والمواقع الاستراتيجية، بل المستقبل الواعد بالتمكين
والخلافة. لذا فإننا نربأ بأمتنا العظيمة أن تتردى في مهاوي التبعية للضالين، وأن
تهوي في سحيق البُعد عن هداية الله، ونهتف بها أن ننظر في واقعها، وأن تفكر
جدّياً في إصلاح حالها، ثم تستنفر كل جهودها لإحداث التغيير مستهدية بنور
الوحي والشريعة ومستفيدة من تاريخها المشرق.
صفحات من التاريخ:
لنقلب معاً صفحات بيضاء من ماضي أمتنا المجيد، ننظر في ثناياها إلى
واحدٍ من النماذج المتميزة في إدارة إصلاح الدول والمجتمعات، نموذج لم تُعق
القائمين عليه قلة الإيرادات ولا قصر الفترة ولا استشراء الفساد، مَثل من أمثلة
الإدارة الناجحة للأزمات الكبرى وتحقيق الإنجازات العظمى، ودرس من دروس
الإفاقة الحكيمة لاستعادة النقاء الغابر واسترجاع السداد المنسي.
إن نموذج خلافة عمر بن عبد العزيز ﵁ وإصلاحاته الشاملة
وصفه المؤرخون بأنه كان تجديداً للدين، واعتبروا أن الخليفة عمر كان مجدداً
ينطبق عليه حديث رسول الله ﷺ : «إن الله يبعث لهذه الأمة على
رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» [١] .
ومن أسباب اختيار هذا النموذج أنه حدث في فترة بعيدة نسبياً عن المرحلة
النبوية والخلافة الراشدة، وكان الفساد قد ظهر في جوانب عدة بسبب ما طرأ على
مسيرة الحكم الإسلامي من تغيير إلى الملك العضوض، وكثرة سفك الدماء وإضاعة
الأموال والتعلق بالدنيا وطغيان الشهوات، مع وجود جوانب خير متمثلة في تنمية
القدرات الإسلامية على الجهاد، وكثرة الفتوحات وتوسيع رقعة الإسلام، إضافة
إلى ذلك فإن الفترة الزمنية التي تحققت فيها نجاحات عمر لم تكن طويلة بل قصيرة
جداً بالمقارنة مع حياة الأمم والدول، فهي لم تتعدَّ السنتين والنصف، كل هذه
الميزات تجعل هذا النموذج جديراً بالدراسة والمقارنة غير الكاملة مع أوضاعنا
الراهنة.
وهدف هذا المقال استنباط المقومات والأسس التي كانت - بعد فضل الله -
من أسباب نجاح الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵁ في إدارته
للسياسات الإصلاحية إبان خلافته، والاختصاصيون مدعوون لإثراء مثل هذه
الجوانب وربط الماضي بالحاضر وترشيد مسيرة الأمة.
أما المقومات التي يمكن استنباطها واعتبارها أساساً لنجاح السياسات
الإصلاحية في المجتمعات فيمكن إيراد بعضها كما يلي:
١- خلفية الإصلاحات:
من المعلوم أن لكل سياسة إصلاحية خلفية عقائدية فكرية (أيديولوجية)
تشكل أساساً لها وتتحكم في صورة أهدافها، ووسائلها، ونوعية الأشخاص الذين
يقومون بها، وسمات العمليات الإدارية التي تمر بها من تخطيط وتنفيذ ومراقبة
ومتابعة.
والإصلاحات الإسلامية تنطلق من عقيدة القرآن والسنة، والنظرة الشاملة
للإنسان والكون والحياة، وشمولية التغيير والإصلاح، وسعة الأهداف التي تتخطى
حاجز المكان والزمان المقيد بالدنيا وحواجزها، كما تتميز بوسائلها الشرعية
الطاهرة، وصفات المتولين لتنفيذ سياستها؛ وهذا بالضبط ما يجعلها تنفرد عن
غيرها من خلال اتصالها بالله واتصافها بالربانية التي نحميها من قصور البشر
وأهوائهم وجهلهم وأخطائهم، ولا تحصر نفسها في معالجة الأسباب المادية الظاهرة
فقط؛ بل هي تعترف بالأسباب المعنوية المتمثلة في تقصير البشر في الأخذ
بالأسباب والاستقامة على أمر الله وارتكابهم للمعاصي، ثم هي لا تعترف بمعالجات
جزئية مبتورة تمسُّ جانباً دون الآخر بل تأخذ الإصلاح والدين كُلاًّ لا عِضين.
والقائمون على الإصلاحات الإسلامية الشاملة يستمدون العون من الله؛ ولذا
فهم لا يرجون إلا الله، ولا يخافون إلا الله، ولا يسعون لإرضاء أحد أو يخشون
غضب أحد إلا الله، يعبدونه ويعبِّدون الناس له، ولذا تراهم من أكثر الناس عبادة،
وأزهدهم في الدنيا، وأشدهم طلباً للآخرة، وأوفرهم نشاطاً وعملاً وسهراً وتعباً.
هكذا كان عمر بن عبد العزيز ﵁ وهكذا أعلن من أوائل أيام
خلافته: «يا أيها الناس إنه ليس بعد نبيكم نبي، وليس بعد الكتاب الذي أنزل إليكم
كتاب؛ فما أحل الله على لسان نبيه ﷺ فهو حلال إلى يوم القيامة،
وما حرم الله على لسان نبيه ﷺ فهو حرام إلى يوم القيامة. ألا
إني لست بقاض، وإنما أنا منفذ لله، ولست بمبتدع ولكني متبع، يا أيها الناس إن
أفضل العبادة أداء الفرائض واجتناب المحارم» [٢] .
بينت خطبته الخط السياسي الذي انتهجه، ولذا كان عاملاً بالشرع لا يحيد
عنه، ولم يتخذ من الوسائل ما تتعارض معه، بل اهتم بالوسائل الشرعية مثل
الزكاة في حل المشكلة الاقتصادية فأغناه الله بها، ولم يرض بأخذ الجزية ممن أعلن
إسلامه بالرغم من إلحاح بعض الولاة وتخوفهم من أن تنضب موارد الدولة إن
رفعت الجزية عن الداخلين إلى الإسلام، وقال قولته المشهورة: «إن الله بعث
محمداً داعياً ولم يبعثه جابياً» كما أنه رفع الضرائب عن الأمة وهي ما تسمى
بالمكس؛ وتحكي سيرة عمر بن عبد العزيز أنه كان من أشد الناس خوفاً من الله
وأكثرهم قياماً في الليل وبكاءاً من خشية الله، ولم يكن يخشى في الله لومة لائم،
وزهد في الدنيا بل زهد في حقه الشرعي وأخذ نفسه بالشدة وطلب الآخرة؛ وكان لا
يرتاح إلا قليلاً.
٢ - التخطيط:
كان عمر ﵁ قد شارك في إدارة شؤون الخلافة والياً
ومستشاراً، فتوفرت لديه معلومات كافية عن شؤون الدولة وأخطاء الحكام، وهذه
المعلومات الشاملة الدقيقة ساعدته على اتخاذ القرارات المناسبة، وعلى الرغم من
هذا لم يكتف بذلك، بل نقل عنه ابن عبد الحكم أنه: «احتجب عن الناس ثلاثاً لا
يدخل عليه أحد، ووجوه بني مروان وبني أمية وأشراف الجنود والعرب والقواد
ببابه ينظرون ما يخرج به عليهم منه، فجلس للناس بعد ثلاث وحملهم على شريعة
من الحق فعرفوها، فردَّ المظالم، وأحيا الكتاب والسنة» [٣] .
اختلى بنفسه ليخطط ويبني سياساته القادمة، ولم ينس أن يجعلها متدرجة
ومرحلية كما ظهر من حديثه مع ابنه عبد الملك حينما استعجله على تطبيقها [٤] .
٣ - البدء بالنفس وتقديم القدوة:
من هراء القول ومن كاذبات الأماني أن يتوقع القائمون على أمر الإصلاحات
من أفراد شعوبهم أو شيعهم استجابة صادقة وصبراً وتضحية وحماسة مندفعة في
الأخذ بالإجراءات المتخذة للقيام بالإصلاح، بينما يرون قيادتهم وريادتهم تخالف
ذلك وترفل في ثياب النعيم؛ بل التبذير والعبث بأموال الأمة، وإضاعة أقوات
رعاياهم في إشباع رغباتهم وشهواتهم.
بل إن هذا الموقف المشين ليولِّد النقمة والحقد ويدفع إلى فقدان الانتماء
وانتهاز الفرص للانتقام والعمل على عدم نجاح سياسة الولاة، ويحث على التسابق
على الكسب الحرام والسلوك الخاطئ.
إن مما يعارض العقل والعُرف لا الشرع فقط، أن يطالب كبراء الناس
صغراءهم بربط الأحزمة ووضع الحجارة على البطون والصبر على اللأواء من
جراء تبعات سياسات الإصلاح، ثم يختالون - أي الكبراء - أمام أعينهم بمظاهر
الترف والبذخ، ويسلكون سبيل السفهاء في التعامل مع مقدرات الأمة.
عمر يقدم القدوة:
أعطى عمر بن عبد العزيز ﵁ من نفسه القدوة السامقة
والأسوة الرائعة؛ فقد بدأ بنفسه وأخذها بأكثر مما هو مطلوب؛ إذ تبنى معها كل
القسوة وألزمها العنت، ونأى بها حتى عن حقوق وضروريات؛ كل ذلك لأنه علم
أنه لا يمكن أن يحدث الانقلاب في دولته ما لم يحدث انقلاباً سابقاً في نفسه يدفع
الآخرين إلى احترامه والإذعان لسياسته، وقد تجلّى هذا الأمر في عدد من المواقف
نقتطف منها ما يلي:
* لما دفن الخليفة السابق سليمان بن عبد الملك، وقام عمر قُرّبت إليه
المراكب، قال: ما هذه؟ قالوا: مراكب لم تُركب قطُّ يركبها الخليفة أول ما يلي،
فتركها وخرج يلتمس بغلته، وقال: يا مزاحم، ضمّ هذا إلى بيت مال المسلمين.
ثم فعل مثل ذلك مع السُّرادقات والحُجر التي نصبت له، ثم انصرف إلى الفراش
والوطاء الذي فرش له وجعل يدفعه برجله حتى أفضى إلى الحصير. ثم تآمر عليه
الوزراء في عرض الجواري لعلّهم يجدون منه ضعفاً أو ثغرة يستغلونها فيه، فلما
عُرضن عليه كأمثال الدُّمى سألهن عن أصلهن، وأمر بردّهن إلى أهليهن، فلما
رأوا ذلك أيسوا منه وعلموا أنه سيحمل الناس على الحق [٥] .
* دخل عليه أحد أصدقائه (عنبسة بن سعيد) يريد الحصول على مبلغ كبير
من المال كان قد أعطيه من الخليفة السابق، ولم يبق من إجراءات التسلُّم سوى
القبض بعد أن انتهت إلى ديوان الختم، فأبى عمر وبين له أن المبلغ يُغني آلافاً من
بيوت المسلمين وليس له فيه حق، فما كان من عنبسة إلا أن ألمح إلى قطيعة لعمر
أعطيه قبل خلافته؛ إذ قال: «فما بال جبل الورس؟ فقال له عمر: ذكرتني
الطعن وكنت ناسياً (مثلاً سائراً) ، يا غلام، هات ذلك القفص! فأُتي بقفص فيه
قطائع بني عبد العزيز، فقال: يا غلام اقرأ عليَّ! فكلما قرأ قطيعة قال: شقها.
حتى لم يبق في القفص شيء إلا شقه» [٦] .
فخرج صديقه بعد ذاك ليخبر من كان في الباب من بني أمية يطلبون
مصالحهم، فلما أعلمهم بذلك، قالوا: «ليس بعد هذا شيء! !» ثم طلبوا منه أن
يأذن لهم بأن يلحقوا بالبلدان (يعملون في التجارة) بعد أن يئسوا من أموال
المسلمين، فأذن لهم.
* عندما بدأ بردِّ المظالم قال: «إنه لينبغي ألاَّ أبدأ بأول من نفسي. فنظر
إلى ما في يديه من أرض أو متاع فخرج منه، حتى نظر إلى فص خاتم، فقال:
هذا مما كان الوليد بن عبد الملك أعطانيه مما جاء به من أرض المغرب، فخرج
منه» [٧] .
٤ - اختيار البطانة الصالحة:
شاء الله أن يختص ذاته بالكمال، وأراد بحكمته أن يكون لدى الإنسان مثالب
وجوانب قصور مهما بلغ من العلم والتقوى والورع والنجابة والحكمة، وهذا ما
يجعله في حاجة إلى من يشركه أمره ويشد به أزره، وأحوج الناس إلى ذلك هم
أصحاب الأمانات الكبرى والولايات العظمى، حتى الأنبياء - رضوان الله عليهم -
مع عصمتهم وتأييدهم بالوحي، احتاجوا إلى الحواريين والأصحاب والبطانة
الصالحة.
عند البخاري من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أن
رسول الله ﷺ قال: «ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من
خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف، وتحضه عليه، وبطانة تأمره
بالشر، وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله» [٨] .
وعند أبي داود بإسناد جيد من حديث عائشة قول رسول الله صلى الله عليه
وسلم: «إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق، إن نسي ذكَّره، وإن ذكر
أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكِّره، وإن
ذكر لم يعنه» [٩] .
لذا فإن القائمين على شؤون الأمة بحاجة إلى من يعينهم على حمل المسؤولية،
ومن يبصرهم السداد، ويأخذ على أيديهم عند الخطل، ويحجزهم عن الغواية
والظلم، ويقدم لهم المشورة الحكيمة؛ أما اتخاذ بطانة النفاق والسوء الذين تتقشر
أكفهم من كثرة التصفيق، وتبح أصواتهم من وفرة الحديث عن المنجزات، فإنهم لا
يزيدون الخلفاء والسلاطين إلا خبالاً، ولا يهدونهم إلا سوء السبيل، وتظل تخدعهم
بما ترتضيه نفوسهم من زخرف القول والعمل، ثم يستيقظون على خزي الدنيا
والآخرة.
اهتم عمر بن عبد العزيز ﵁ من أول يوم بتوفير البطانة
الصالحة؛ فقد ورد في سيرته أنه قال لعمرو بن مهاجر: «إذا رأيتني قد ملت عن
الحق فضع يديك في تلبابي: ثم هُزني ثم قل: يا عمر ما تصنع؟» [١٠] .
كما جاء في سيرته أنه لما استخلف قال: انظروا إلى رجلين من أفضل مَنْ
تجدون؛ فجيء برجلين، فكان إذا جلس مجلس الإمارة ألقى لهما وسادة قباله فقال
لهما: إنه مجلس شرة وفتنة، فلا يكن لكما عمل إلا النظر إليّ، فإذا رأيتما مني
شيئاً لا يوافق الحق فخوِّفاني وذكراني بالله « [١١] .
إضافة إلى ذلك فقد سخَّر الله له من أهل بيته من أعانه على تحقيق ما أراد
من إصلاح أمور المسلمين؛ فقد كانت زوجته فاطمة نعم الصابرة والمحتسبة
والمضحية، وكان ابنه عبد الملك من أكثر أهل بيته شداً لأزره وتقديماً للنصح
ودفعاً إلى الخير وموافقة له عليه، ومما يذكر في هذا المقام موقفه في أول أيام
الخلافة بعد أن أعلن أبوه عن رد المظالم، ذهب الخليفة عمر يتبوأ مقيلاً، فقال له
ابنه عبد الملك:» تقيل ولا ترد المظالم؟ قال: أي بني! قد سهرت البارحة في
أمر عمك سليمان، فإذا صليت الظهر رددت المظالم، فقال له: من أين لك أن
تعيش إلى الظهر؟ فخرج عمر، ولم يقِل، وأمر مناديه أن ينادي: ألا من كانت له
مظلمة، فليرفعها. ولابنه عبد الملك مواقف تبتغى في مظانها « [١٢] .
كما أن عمر نادى في الأمة أن تعينه على الخير، وتقدم له الآراء
والمقترحات، ووعدها على ذلك المكافأة الجزيلة؛ إذ كتب لهم:» أما بعد: فأيما
رجل قدم علينا في رد مظلمة أو أمر يصلح الله به خاصاً أو عاماً من أمر الدين فله
ما بين مائة دينار إلى ثلاثمائة دينار بقدر ما يُرى من الحسبة وبُعد الشقة، رحم الله
امرأً لم يتكاءده بُعدُ سفر، لعلّ الله يحيي به حقاً، أو يميت به باطلاً، أو يفتح من
ورائه خيراً « [١٣] .
٥ - اصطفاء الولاة الأكفاء:
القائمون على تنفيذ السياسات الإصلاحية هم دوماً بُعدٌ أساس في أي عملية
إصلاحية، ولا يمكن لسياسات الإصلاح أن تكون ذات شأن وأن تحقق أهدافها دون
أن تعتمد على الأكفاء، ودون أن تسند مهامها العامة والتفصيلية إلى كل ذي قوة
مكين أمين، خاصة عندما تكون المهام ذات علاقة بالمال وبأوعية الإيرادات المالية
مباشرة، وما أجمل المثل الذي حكاه الله - تعالى - لنا في سورة يوسف: [قَالَ
اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ] (يوسف: ٥٥) .
وليس المقصود أن يولَّى مَنْ ظاهره العبادة والنسك الضعيف أمام إغراء المال
والحريص على تولي الإمارة، أو العابد الزاهد الذي لا يمتلك الخبرة والدراية
والقوة اللازمة، أو القوي الذي يفتقر إلى تقوى تحجزه عن إتيان ما لا يليق، بل
المقصود القوي المكين الأمين ظاهراً وباطناً.
أعطى الخليفة عمر بن عبد العزيز هذا الجانب أهمية قصوى، وتمكن -
بفضل الله - من تأمينه من خلال العمل على أربعة محاور هي:
أ - عزل ولاة السوء.
ب - تولية الأكفاء.
ج - الاختبار ثم المراقبة.
د - إعطاؤهم ما يكفيهم.
أ - عزل ولاة السوء: كان من أوائل ما قام به عمر بن عبد العزيز أنه عزل
اثنين من ولاة السوء، وقد جاء أنه كتب كتابَيْ عزلهما بعد دفن الخليفة السابق
مباشرة، وقد بدأ بعزل أسامة بن زيد التنوخي الذي كان على خراج مصر، وأمر
بحبسه في كل جندٍ سنة نكالاً به؛ لأنه كان غاشماً ظلوماً معتدياً؛ كما عزل يزيد بن
أبي مسلم الذي كان ينفذ سياسة جور ومخالفة للحق مع إظهار التعبد والتأله [١٤] .
ب - تولية الأكفاء: كان في ذهن عمر أن خير الولاة هم العلماء الذين
يعرفون أحكام الشرع، على أنه حين لا يجد بين العلماء من يصلح للإمارة فإنه
يختار أشخاصاً نزيهين أمناء عاقلين حكماء، وكان يثق في الفقهاء؛ ويحكى أنه
كان يقول دائماً: ولُّوا الفقهاء. فإن قيل: قد وليناهم فخانوا، رُدَّ عليهم: إن خان
الفقهاء فغيرهم أخون. واعتمد في الولايات أيضاً على القضاة، ويعتقد أن القاضي
يلي الوالي في الأهمية، واختار العمال الصالحين على الخراج.
ج - الاختبار ثم المراقبة: لم يكن الخليفة عمر ينخدع مباشرة بالمظهر
الناسك للناس، فقد تعلَّم ألاَّ يفعل ذلك، ولذا كان يتخذ مبدأ الاختبار قبل الإقرار،
وقد مكنه ذلك من التخلص من بعض المتظاهرين، وقد ذكر الشيخ أبو حفص عمر
الملاء واقعة مفادها أن بلال بن أبي بردة دخل على عمر وعليه ثياب وسيماء
الصلاح، وعندما كلمه وجد فيه رجلاً راجح العقل سديد الرأي، فأراد أن يوليه
غير أنه رأى اختباره أولاً، فأوعز بذلك إلى مولاه مزاحم، فجاء مزاحم إلى الرجل
وأظهر له أنه يستطيع السعي لتوليته أحد العراقين غير أنه يريد ثمناً مقابلاً لذلك؛
فعرض الرجل مبلغاً كبيراً ينقده منه حالاً ثم يسلم الباقي عند تولي الإمارة؛ فعاد
مزاحم إلى خليفته يقول له: عدو الله لص. وأخبره الخبر، فقال عمر: والله! إن
كاد ليغرني بسجدته وعمامته، ثم حذَّر منه الولاة [١٥] .
أما المراقبة فكانت تتم من خلال الزيارات، وسؤال القادمين، وهي التي
مكنته من التخلص من بعض من اغتر بهم أولاً كما حدث من عامله على مكة عروة
بن عياض الذي شكا منه مظلوم أخذ ماله وتخويفه، فلما ثبت الأمر له أشار
بالخيزران إلى سجدته وقال له: هذه غرتني منك. ثم أنصف المظلوم [١٦] ؛ وما
حدث كذلك من أمره والي المدينة بالاقتصاد في الوقود والورق [١٧] .
د - إعطاؤهم ما يكفيهم: فقد ورد في سيرته أنه كان يعطي عماله ثلاثمائة
دينار، فلما سئل عن ذلك، قال: أردت أن أغنيهم عن الخيانة [١٨] .
٦ - الاستفادة من الخبرات السابقة:
ليس من المقبول أن يبدأ المصلحون من حيث بدأ مَنْ قبلهم، بل من حيث
انتهوا؛ إذ إن جهود سياسات الإصلاح وخبراتها ونجاحاتها تتراكم لتكون إرثاً ثرياً،
ولا يقتصر ذلك على الساحة الإسلامية، بل إن الإنجازات الإنسانية في مجال
إدارة الدول والمجتمعات تعدُّ حكمة، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها،
والكيِّس من استفاد ممن سبقوه، من أولئك الذين يشاركونه عقيدته وشريعته أولاً،
ثم من غيرهم، وفي تاريخ الإسلام إبان النبوة والخلافة الراشدة دلالات واضحات
على الاستفادة من المعرفة الإنسانية سواء من الروم أو الفرس أو غيرهم، بما لا
يتعارض مع التوجه الإيماني المتميز للمسلمين؛ وليس شرطاً أن يكون الاحتذاء
كاملاً، بل يمكن الاستفادة من التجارب السابقة جزئياً في إحدى جوانبها وتفصيلاتها
دون الجوانب الأخرى.
وفي نموذج عمر بن عبد العزيز نجد أنه ﵁ أراد الاستفادة
من نموذج مثالي قريب منه وهو نموذج جده عمر بن الخطاب ﵁؛
فقد أخرج الإمام أحمد في الزهد أنه كتب إلى سالم بن عبد الله بن عمر ما يلي:
» أما بعد فإن الله ابتلاني بما ابتلاني به من هذا الأمر من غير مشورة ولا
طلب له، ولكن كان ما قدَّر الله ، فأسأل الله الذي ابتلاني بما ابتلاني أن
يعينني عليه، فإذا جاءك كتابي هذا فابعث إليَّ بكتب عمر ابن الخطاب وقضائه
وسيرته في أهل العهد والذمة؛ فإني متبع أثره وسائر بسيرته إن أعانني الله على
ذلك، والسلام « [١٩] .
٧ - التوعية:
الجميع يذعن لأهمية العلم والفقه الراشد والوعي السديد أساساً للعمل الناجح
والتصرف السوي؛ ولذلك كثرت في تعاليم الإسلام النصوص التي تحث على طلب
العلم واكتساب الفقه واعتباره شرطاً لالتزام سبيل المسلم المؤمن المحسن، وقد
أدركت الدول المتقدمة أهمية العلم بل اعتبرته ربّاً، وأدركت كذلك أثر الإعلام
والتوعية في صياغة الرأي العام وتطبيع الناس على تقبل ما تريد تنفيذه من
سياسات، فأخذت به واحتفلت بأجهزته وسخرته أيما تسخير لإقناع شعوبها بما تبغي.
لذا كان لزاماً على ولاة الأمر القائمين على سياسات الإصلاح التمهيد لها
بالتوعية الكاملة المقنعة التي توضح الأسباب والمسوغات، وتبين النتائج والثمرات،
حتى تكون الأمة على اطلاع، وحتى تندفع للموافقة والمشاركة بعلم ووعي.
أما إجراءات تطبيق السياسات التي تصاحبها مواقف الإلزام والجبر، وتُقدَّم
فيها معلومات مضلَّلة، ومعاذير واهية، وتعتمد سلطة القمع والتخويف، فإن الواقع
يحكم عليها بالوأد أو عدم تحقيق نجاحات تذكر. لا يفوت هنا التأكيد على أن توعية
الأمة يجب أن يستند على تعريفها بدينها أولاً، ثم بمتطلبات عصرها بما لا
يتعارض مع دينها، على ألاَّ تكون هذه التوعية مقصورة على الواجبات دون
الحقوق، ولا تكون مرتبطة بظروف تجبر عليها، بل تكون سياسة دائمة نحو
تربية الأمة ورفع قدراتها لتؤدي دوراً حاضراً مؤثراً في واقع حياتها.
كان لدى الخليفة عمر بن عبد العزيز من الفقه الشرعي والعلم بأمور إدارة
الخلافة ما مكَّنه من الانتباه إلى هذا الأمر الحيوي والأخذ به؛ ولذلك اهتم بتوعية
الأمة ونشر العلم فيها، وبعث من يعلِّم الناس الإسلام في أنحاء الدولة الإسلامية،
وكان يوصي الأمراء والعامة (بحسب إمكاناته الإعلامية المتوفرة) ، وأمر بجلوس
العلماء في المساجد وإظهار العلم، وأكد على أن العلم لا يموت حتى يكون سراً.
٨ - الحزم مع المخالفين:
لا يخلو مجتمع من المارقين أصحاب القلوب المريضة والطباع الجفولة الذين
يعارضون بل ويحاربون سياسات الإصلاح إرضاءاً لرغباتهم وخوفاً على مصالحهم
الأنانية التي يرونها مقدمة على مصالح الأمة؛ وهناك عدد غير قليل من هؤلاء لا
تنفع معهم وسائل التوعية والإقناع وتقديم الأسوة الحسنة؛ فهم لا يرون الحق إلا من
خلال هواهم وأطماعهم؛ ولذا كان لا بد من اتخاذ موقف صارم مع أمثالهم وأَطْرِهم
على الحق أَطْراً، وإلزامهم سواء السبيل بوسائل التهديد والوعيد ثم العقاب الملائم.
هكذا فعل الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵁ مع أضرابهم من
الخارجين عن تنفيذ أوامره واتباع سياسته، وكان ذلك مع الأقربين قبل الأبعدين،
ومما ترويه كتب السيرة في ذلك أنه:» أتى عمر بن عبد العزيز كتابٌ من بعض
بني مروان فأغضبه، ثم قال: إن لله في بني مروان ذبحاً، وايم الله! لئن كان
الذبح على يدي ... ، فلما بلغهم ذلك كفوا، وكانوا يعلمون صرامته وأنه إن وقع في
أمرٍ مضى فيه « [٢٠] .
أما خبره مع ابن عمه (روح بن الوليد بن عبد الملك) فيقصه علينا ابن عبد
الحكم:» أن ابن عمه (روحاً) تخاصم مع بعض المسلمين من حمص في حوانيت
أقطعه إياها أبوه الوليد بن عبد الملك، فردها إليهم عمر بعد أن تحاكموا إليه، فلما
قام روح توعد خصمه الحمصي، فرجع الرجل إلى عمر وأخبره بذلك، فقال عمر
لكعب بن حامد الذي كان على حرسه: اخرج إلى روح يا كعب؛ فإن سلَّم إليه
حوانيته فذلك، وإن لم يفعل فائتني برأسه.
فأخبر روح بذلك فانخلع فؤاده، وخرج إليه كعب وقد سل من السيف شبراً،
فقال له: قم، فخلِّ له حوانيته، قال روح: نعم! نعم! فخلى له حوانيته « [٢١] .
وهكذا كان يفعل مع الولاة المخالفين، حتى قال عنه أحد الشعراء:
ينهى الولاة بحد السيف عن سرف ... كفى بذاك لهم من زاجر ناهي
٩ - إصلاح أخطاء الماضي:
لم يخدع عمر بن عبد العزيز نفسه بأن ما سبق من أخطاء يتحملها غيره،
وأنه لا يشترك في وزرها؛ وعلى ذلك فإنه لا يعد مسؤولاً عن تلافيها، بل كان
يرى أنه وليّ ذلك وصاحب المسؤولية فيه. ينقل عنه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني
في محاوراته للذين أرادوه التخلي عمَّن سبقوه وما وُلُّوا من خير أو شر، وأنه
أجابهم بقوله:» إني وجدت كتاب الله الأقدم؛ فأنا حاملٌ عليه من أتاني ممن تحت
يدي؛ فإني وجدت كثيراً ممن قبلي من الولاة عزُّوا الناس بقوتهم وسلطانهم،
وعزهم بها أتباعهم، فلما وليت أتوني بذلك، فلم يسعني إلا الرد على الضعيف من
القوي، وعلى المستضعف من الشريف « [٢٢] .
هكذا لم يشأ الخليفة عمر - بمشيئة الله - أن يبني على شفا جرف هار، بل
أراد أن يصحح الأوضاع ليبني على أساس متين من العدل والإنصاف.
يضاف إلى ما سبق: إصلاح الاختلالات الفكرية من خلال التعامل مع
الخوارج، وكذا العصبيات الجاهلية التي ظهرت، وإزالة المنكرات [٢٣] .
ثمرة السياسة الناجحة:
كان من كرم الله ومنته ثم من جراء السياسات الناجحة لعمر بن عبد العزيز -
﵁ في إدارة شؤون الدولة الإسلامية في الفترة من (٩٩هـ) إلى
(١٠١ هـ) أن تحققت نجاحات عظيمة إذا ما قورنت بقصر الفترة المتاحة
واستشراء الفساد السابق، ومن ذلك أن عطاء الدولة للأمة كان أكثر من جبايتها،
فسعدت الأمة بذلك، وزال الفقر عن فقرائها في مدة وجيزة، وأقيمت الخدمات
العامة، وفاض المال عند الولاة حتى أرسلوا يستشيرون أمير المؤمنين في كيفية
صرف المال الفائض.
ذكر ابن عبد الحكم في سيرة عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى واليه على
الكوفة يقول له:» كتبت تذكر أنه قد اجتمعت عندك أموال بعد أعطية الجند، فأعط
منهم من كان عليه دين في غير فساد، أو تزوج فلم يقدر على نقد، والسلام «.
ثم بعد أن كتب له الوالي: إنه قد بقي عندنا بعد ذلك، كتب له عمر:» أن
قوِّ أهل الذمة؛ فإنا لا نريدهم لسنة ولا لسنتين « [٢٤] .
وكان الفقراء حين يُؤتى لهم بالزكاة يقولون: قد أغنانا (كفانا) الله من فضله،
وكذلك فعل السُؤَّال، بسبب عطاياه؛ ولم يكن هذا النجاح مقصوراً على الجانب
المالي، بل تعدى إلى الجانب الأخلاقي؛ فقد صلح حال العديد من الولايات التي
كانت تشتهر بالفساد والظلم، ومن ذلك بلاد الموصل التي اشتكى واليها إلى عمر
فأرشده باتباع الشرع في إصلاحها، ففعل الوالي، فكان نتيجة ذلك ما حكاه الوالي
بنفسه قائلاً:» فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقلها سرقاً
ونقباً «.
وبلغ من نجاحه في إدارة الأمور ونشر العدل ورعايته للضعفاء من المسلمين
ولأهل الذمة أن ترحَّم عليه حتى أولئك الذين تضرروا من سياسته، بل ترحم عليه
ملوك الروم وأثنوا على سيرته، ومن ذلك ما ذكره الحافظ أبو نعيم الأصفهاني أن
رجلاً جاء إلى هشام بن عبد الملك (الخليفة اللاحق) فقال: يا أمير المؤمنين! إن
عبد الملك أقطع جدي قطيعة فأقرها الوليد وسليمان حتى إذا استخلف عمر - رحمه
الله - نزعها، فاستعاد منه هشام المقالة فكرر الترحم على عمر، فقال له: والله!
إن فيك لعجباً، إنك تذكر من أقطع جدك قطيعة ومن أقرها فلا تترحم عليهم،
وتذكر من نزعها فتترحم عليه!» [٢٥] .
كما أورد أبو نعيم: «أن عمر أرسل من يفادي أسرى المسلمين بأسارى من
الروم، فلما دخل على ملك الروم وجده جالساً على الأرض مكتئباً حزيناً، قال:
فقلت: ما شأن الملك؟ قال: وما تدري ما حدث؟ قلت: وما حدث؟ قال: مات
الرجل الصالح. قلت: من؟ قال: عمر بن عبد العزيز. قال: ثم قال ملك الروم:
لأحسب أن لو كان أحدٌ يحيي الموتى بعد عيسى ﵇ لأحياهم عمر بن عبد
العزيز [٢٦] . ثم قال: لست أعجب من الراهب أغلق بابه ورفض الدنيا وتعبد،
ولكن أتعجب ممن كانت الدنيا تحت قدميه فرفضها ثم ترهب» [٢٧] .
وشهد له الآخرون وبجلوه، كتب (أرنولد سير توماس) في كتابه: (الدعوة
إلى الإسلام) أن أحد كتاب النساطرة كان يضيف كلمات التبجيل والتقديس إلى اسم
الرسول وإلى أسماء الخلفاء الأول كلما عرض ذكرهم، ويستنزل رحمة الله على
عمر بن عبد العزيز [٢٨] .
خاتمة:
لا يسعنا في نهاية هذا التطواف الماتع في ثنايا سيرة عطرة لأحد الخلفاء
الصالحين إلا أن نستنزل شآبيب الرحمة عليهم جميعاً، ونسأل الله لولاة
أمرالمسلمين أن يهديهم الله طريق سلفهم الصالح، وأن يرزقهم العمل بشريعته.
стр. 3762
قضايا ثقافية
الازدواجية اللغوية.. والمرض الثقافي
خميس بن عاشور [*]
ما من شك في أن العلاقة بين اللغة والثقافة تكاد أن تكون عضوية أو ترادفية؛
فالثقافة هي مجموعة المعارف المكتسبة في مجالات العلم والدين والفن التي يتميز
بها المجتمع، وأما اللغة وعلى الرغم من اعتبارها وسيلة وأداة للتوصيل فهي
العنصر الأساسي في التركيبة الثقافية؛ إذ لا يعقل وجود ثقافة من غير لغة مهما
كانت صفة هذه اللغة بوصفها أداة للتوصيل والاكتساب المعرفي بالإضافة إلى أن
اللغة هي مخزن للثقافة.
وقد يبدو من الوهلة الأولى أن الازدواجية اللغوية هي تدعيم للثقافة وإثراء لها؛
وهذا من الناحية الصورية صحيح، ولكن من الوجهة الواقعية نرى أن الاختلال
الحاصل على نطاق عريض يجعل من هذه الازدواجية المزعومة أداة هدم لا بناء؛
ولا سيما في حالة عدم حصول توازن من حيث الإجادة والاتقان للُّغة الأم؛ ففي هذه
الحالة تُحدث الازدواجية صراعاً خطيراً قد يؤدي إلى الانفصام الثقافي أو الانسلاخ
الثقافي مثلما هو حاصل في بعض الأقطار المغاربية كالجزائر على الخصوص؛
حيث ينص دستورها وقوانينها على أن العربية هي اللغة الوطنية الرسمية؛ ومع
ذلك فإن اللغة الفرنسية لا تزال تحتل الصدارة على المستويين الرسمي والعرفي،
ومثل هذه الازدواجية المختلة تتسبب في إذكاء ذلك الصراع والتناقض بين القيم
الثقافية التي تتضمنها كل لغة بالضرورة؛ فنجد على سبيل المثال تعارض قيم
الحرية المسؤولة في الثقافة العربية مع قيم الإباحية والتهتك في الثقافة الفرنسية
الحديثة، وقيم الإيمان بالألوهية مع قيم الإلحاد!
إن الشخصية في علم النفس التحليلي تتكون من جانب موروث وجانب
مكتسب. وفيما يتعلق بالشخصية الجمعية وشخصية الأمم فإن الجانب الموروث هو
التراث؛ فإذا كانت اللغة الدخيلة أي الاستعمارية تعمل جاهدة على تشويه التراث
وإزاحته عن الميدان؛ فإنها بذلك تعمل على إذكاء ذلك الصراع الذي يهدف إلى
تدمير حصون المقاومة حتى يتحقق لها الانتشار والسيادة. واليوم وقد رحل
الاستعمار عسكرياً فإن الصراع الثقافي لا يزال مستعراً؛ ومن أهم مظاهره تلك
الازدواجية اللغوية المختلة، ومن ثَمَّ المرض الثقافي؛ حيث ينعدم ذلك التوازن
المطلوب الذي يعطي اللغة الأم حق السيادة في عقر دارها.
إن أشهر العلماء والمفكرين والأدباء قديماً وحديثاً كانوا يكتبون ويفكرون بلغة
واحدة رغم احتمال معرفة الكثير منهم بلغات أخرى؛ فهل عُرف «كونفشيوس»
بغير لغته الصينية؟ وهل عُرف «سقراط» و «أرسطو» و «أفلاطون» بغير
اللغة اليونانية؟ أم هل عُرف «ابن رشد» و «ابن تيمية» و «ابن خلدون»
بغير اللغة العربية؟ وفي العصور الحديثة: هل عُرف «كانط» و «ماكس فيبر»
بغير الألمانية؟ وهل عرف «ديكارت» و «روسو» بغير الفرنسية؟ أم هل
عرف «باكون» ، و «وليام جيمس» ، و «جورج أورويل» بغير اللغة
الإنجليزية؟ أما نحن في ثقافتنا المريضة بالفصام فإنه يفرض علينا أن نستوعب
لغة غيرنا وثقافته حتى وإن كنا لم نستوعب الحد الأدنى من لغتنا وثقافتنا الثرية
والأصيلة.
إن مثقفينا يحملون لواء الدفاع عن الازدواجية اللغوية والثقافية على الرغم من
عدم براءة هذه الدعوة؛ وحتى الدول التي تشجعنا على ذلك لا تؤمن بها في بلدها
مثل فرنسا؛ مع العلم أن كل الفرنسيين الذين تلقوا دراسة حكومية منتظمة يلمُّون
باللغة الإنجليزية على الأقل؛ فالازدواجية عندهم وظيفية وبذلك لا تعتبر مرضاً
ثقافياً كما هو الحال عندنا. ومع افتراض بعض المحاسن من هذه الازدواجية فإن
الترجمة كفيلة بتحقيقها على أحس وجه دون مخاطر الوقوع في المرض الثقافي أو
الانسلاخ الثقافي؛ فالترجمة كان من المفروض أن تكون هدفاً لهذه الازدواجية.
ولكن الحقيقة المؤسفة أن هؤلاء المزدوجين - ولا سيما في الدول المغاربية -
لم يحققوا ذلك الهدف، بل صاروا يكتبون ويفكرون باللغة الاستعمارية أي الفرنسية
حتى إن بعضهم اعتبر الفرنسية غنيمة حرب! ولنا أن نتساءل: كيف تكون غنيمة
حرب عند مَنْ فَقَدَ روحه؟ فالترجمة هي الوسيلة الصحيحة التي تدعم الثقافة الأم؛
وليست هذه الازدواجية المفروضة إلا مظهراً من مظاهر المرض الثقافي، والعبرة
في النتائج، والأعمال بخواتيمها؛ فقد أصبح العديد من الأدباء المغاربيين رُواداً في
الأدب الفرانكفوني المعاصر، ولذلك فإن المستفيد من ذلك هو الأدب الفرنسي
والثقافة الفرنسية. ومع ذلك فإن بعضهم قد شعر بوخز الضمير، فكان دائماً
يستحضر هذه العقدة عقدة الكتابة بغير اللغة الأم، ومنهم من آب ورجع بعد جهد
جهيد إلى أحضان لغته وثقافته العريقة في ثرائها وتنوعها؛ في حين ارتد بعض
آخر وصار يكتب باللغة الأخرى وخاصة الفرنسية التي سحرتهم بما تختزنه من
ثقافة لائيكية، هذه الثقافة التي تعتبر نادرة إن لم تكن منعدمة في الثقافة العربية.
إن الترجمة مدعوة اليوم لأن تكون العلاج الفعال للمرض الثقافي؛ وذلك عن
طريق التركيز على نقل المعارف الإنسانية والعلوم النافعة التي تخدم استراتيجيتنا
الثقافية لا أن تساهم في تعميق مرضنا الثقافي والحضاري المستشري، وفي إطار
هذه الاستراتيجية فهي مدعوة أيضاً إلى نقل ثقافتنا إلى الغير؛ لأن لها وزناً يوجب
علينا المساهمة في تطوير الفكر الإنساني والقيم البشرية وتحقيق الواجب من الدعوة
نحو الشعوب والقبائل والأمم الأخرى.
والغريب في الأمر هنا أن أُولى التراجم لصحيح البخاري لم يقم بها مسلمون،
بل قام بها رجل دين مسيحي أسلم هو «ليوبولد فايس» «محمد أسد» وأن أول
فهرسة لألفاظ الحديث النبوي الشريف في العصر الحديث قام بها جماعة من
المستشرقين الغربيين؛ وهذا دليل ساطع على قوة الثقافة العربية الإسلامية حتى في
أزمنة الانحطاط هذه التي يسمونها: عصر النهضة عصر الاستعمار والاحتكاك
المباشر بالثقافة الغربية بإيجابياتها وسلبياتها. وكلنا يتذكر تلك البعثات التي كان
الفرنسيون والألمان والإنجليز يحرصون على إرسالها إلى جامعاتهم من أبناء البلاد
المستعمَرة لتعلُّم القوانين الفرنسية والإنجليزية والآداب والفنون اللاتينية؛ فماذا
كانت النتيجة؟ لقد تعرضت هذه النخب إلى عمليات غسل مخ ثقافي، وعند
رجوعهم إلى الأوطان عملوا على تخفيف المؤونة التي أنفقها الاستعمار المباشر
بتنفيذ مقاصده وفلسفته في الميدان، ولذلك فإن أول ما عرفناه من مؤلفات مترجمة
إلى العربية هي كتب القانون والفلسفة والآداب الغربية بالإضافة إلى
كتب المستشرقين، ومَنْ من الباحثين لا يعرف كتاب «العقيدة والشريعة»
لـ «جولد زيهر» أو كتاب «تاريخ آداب اللغة العربية» لـ: «كارل
بروكلمان» أو «دائرة المعارف الإسلامية البريطانية» وما فيها من اعتداء على
المنهجية العلمية وعلى تراثنا الإسلامي العريق؟
إن أول خطوة يتحتم علينا القيام بها اليوم هي الاعتراف الرسمي بالذنب الذي
ارتكبته النخب المثقفة والنخب الحاكمة في عالمنا العربي والإسلامي؛ فهؤلاء ذهبوا
بأنظارهم بعيداً مع أن زادهم قليل قليل في رحلة الاستغراب والخراب الفكري،
فبحثوا في حقائب الغير كأنهم لصوص، واستوعبوا ما أريد لهم أن يستوعبوا،
ولبسوا ما أريد لهم أن يلبسوا من أثواب الزيغ والعقوق، وركبوا كل المراكب التي
تسخط الرحمن وترضي شياطين الفكر الغربي وساسته؛ وبعد ذلك ظنوا أنهم قد
وصلوا، ففرحوا بما عندهم من العلم، وعندما نظروا ذات مرة إلى مواطئ أقدامهم
قالوا: من نحن؟ فمنهم الذين أدركوا أنهم قد وقعوا في شراك أُجِيدَ حبكها في دوائر
الغزو الثقافي ومراكز الاستدمار الفكري، ولكنهم أدركوا بعد حين من الدهر أن
ثعالب الاستغراب أرادوا لهم أن يكونوا لقطاء مع أن نسبهم شريف.
إن الخدمات التي قدمتها هذه النخب المستغربة بثقافتها المهجَّنة لم تحظَ حتى
باعتراف أولئك الذين يفترض أن يباركوا هذه المجهودات الانسلاخية؛ فهذا زعيم
الوجودية الفرنسي «جان بول سارتر» يصف الإنتاج الأدبي لهؤلاء المهجَّنين
والمدجَّنين فكرياً بقوله: «هذه بضاعتنا ردت إلينا» وكان الأجدر أن يضيف كلمة:
«مشوهة» .
ومع ذلك لنا أن نتساءل: لماذا منحت جائزة «نوبل» للآداب لأديب مصري
كبير هو «نجيب محفوظ» سنة ١٩٨٨م، ولم تُمنح لطه حسين [**] الذي توفي
سنة ١٩٧٣م والذي يعتبر في رأي جمهور النقاد عميد الأدب العربي المعاصر؟
فهل كان الوقت لم يحن بعدُ؛ لأن العرب لم يخرجوا من طور الحضانة؟ أم أن
هناك حسابات أخرى؟ ففي سنة ١٩٥٥م كتب الشيخ «محمد الغزالي» - رحمه
الله- مع ثلاثة أزهريين تقريراً ودفعوه إلى الرئيس «جمال عبد الناصر» ذكروا
فيه أن رواية «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ التي كانت جريدة «الأهرام»
تنشرها آنذاك متسلسلة تنال من الذات الإلهية، فما كان من الرئيس إلا أن أمر
بسحب الرواية ومصادرتها وانتهت القضية.
ولكن غضب الأزهريين سجلته خلايا مؤسسة «ألفريد نوبل» واحتفظت به
إلى غاية سنة ١٩٨٨م بعد وفاة عميد الأدب العربي. لقد نال «نجيب محفوظ»
الجائزة؛ لأنه مؤلفها أولاً، ومجَّد الفراعنة ثانياً، وثالثاً: لأنه كان يدعو إلى رفع
درجة الأقباط من مرتبة الأقلية الدينية إلى مرتبة الشريك المقاسم. لقد كوفئ لأنه
ساهم في تنفيذ الخطة التفكيكية للوحدة السياسية والثقافية للأمة العربية الإسلامية؛
فقد حظي بدخول جحر الضب ولم يحظ «طه حسين» بذلك رغم استغرابه
الفرنسي؛ لأن سليقته العربية تغلبت على مرضه الثقافي.. ومع ذلك نجد أكبر
الأدباء الفرنسيين وهو «سارتر» يترفع عن استلام جائزة نوبل للآداب سنة
١٩٦٤م؛ لأن هذه «الضفدعة اليائسة» كانت ترفض نفاق الثقافة الغربية
وإنسانيتها الكاذبة أمام أعين أطفال آسيا وإفريقيا وبطونهم الجائعة عكس أخيه في
فلسفة اليأس «الوجودية» «ألبير كامو» الذي لم يستطع أن يخالف عقله وقلبه
عندما طرح سؤاله الجوهري: «هل الحياة تستحق منا أن نعيشها أم لا؟» فقد
استلم جائزة نوبل سنة ١٩٥٧م؛ إنه أراد أن يعيش؛ لأن ذلك من طبيعة «الأقدام
السود» (مصطلح يقصد به في الجزائر المستوطنين الغربيين) ولا عبرة عنده
بمن اختار الانتحار انتقاماً من هذه الجبرية الوجودية. هذا «الكامو» عندما سئل
عن رأيه في استقلال الجزائر أجاب إجابة ذكية بقوله: لو خُيرت بين الحرية وأمي
لاخترت أمي. أي فرنسا.
واليوم وفي خضم مرضنا الثقافي يطل علينا الغرب بمشروع العولمة
الاقتصادية والثقافية، وهو بذلك يريد استغلال قوته الحالية التي قد لا تدوم طويلاً
من أجل تحقيق مآربه القريبة والبعيدة معاً، وأصبحنا نسمع كثيراً عن فكرة نهاية
التاريخ والحوار بين الأديان والثقافات، وقد علمنا أن الحوار لا يكون ناجحاً إلا إذا
كان بين أطراف متكافئة، ونحن وإن كنا أقوياء فعلاً بثقافتنا العربية الإسلامية فإننا
ضعفاء إلى درجة فقدان السيادة بسلوكنا المنحرف عن الصراط المستقيم الذي هو
المقياس الوحيد لرشدنا الثقافي.
وأمام هذه العولمة الجارفة فلا نملك إلا أن نقول: لا بيعة لمكرَه، إننا نرفض
النفاق؛ لأن ذلك ليس من شيم قيمنا الثقافية، وأمام ضعفنا المفتعل فلا يمكن أن
نقابل مثل هذه الدعوات إلا بعين الريبة والشك؛ فالاستعمار العسكري بعد أن تحول
إلى استعمار اقتصادي ها هو اليوم يبدل ملابسه القذرة ليخرج إلينا في طبعة ثالثة
أنيقة في ظاهرها متوحشة في باطنها هي العولمة الشاملة؛ وهذا موضوع قد ييسر
الله معالجته لاحقاً. والله الموفق.
стр. 3763
قضايا ثقافية
من سمات كُتاب الضلالة
محمد بن عبد الله الهبدان
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى والهادي المجتبى
ومن سار على نهجه واقتفى. أما بعد:
فإن الصراع بين الحق والباطل صراع مستمر إلى قيام الساعة؛ فأعداء
الإسلام لا يزالون يتربصون بأهل الإسلام الدوائر، ويسعون في الأرض فساداً،
وكلماً نفضوا أيديهم من مكيدة بدؤوا يعدون لمكيدة أخرى، ويزداد الأمر خطورة،
ويعظم الأمر خطباً حينما يكون أولئك ممن يتسمَّوْن بأسمائنا، ويتكلمون بلغتنا، وهم
من أبناء جلدتنا، ولكنهم جندوا أنفسهم لهدم مجتمعاتهم، ونشر الفاحشة بينهم، وبذر
الشر والفساد فيما يكتبون ويطالبون، فسخروا أقلامهم لإفساد الأمة عامة والمرأة
على جهة الخصوص، فأفرزت صدورهم نفثات حقد دفين، وفاحت كتاباتهم العفنة
بمقالات نتنة، وشَرِقت صدورهم لِمَا رأوا من انتشار الصلاح في أوساط النساء،
ومحافظتهن على الحشمة والحياء، والطهر والنقاء، فلَمَّا رأوا ذلك قامت الدنيا ولم
تقعد، فأجلبوا بخيلهم ورجلهم، وأحيوا ليلهم، وشمروا عن ساعد الجد، فكتبوا
ونعقوا، فتارة يلوّحون، وتارة يصرِّحون، فلا تخلو كتاباتهم من شبهة فاسدة، أو
مطالبة فاضحة، أو دعوة حاقدة، وقد امتلأت أعمدة الصحافة في العالم الإسلامي
من أقلامهم المسمومة، وأفكارهم الموبوءة؛ ولكي تكون منهم على حذر فإني أذكر
لك أبرز سماتهم التي تكشف حقيقتهم، وإنما اقتصرت على ذكر السمات دون
الأسماء؛ لأن الأسماء تتغير وتتبدل، أما السمات فإنها ثابتة لا تتغير منذ ظهور
المنافقين وحتى قيام الساعة:
١ - أنهم يتفقون على إثارة قضية من القضايا، ويتواصون فيما بينهم على
الكتابة فيها، والمطالبة بتنفيذها، فتشعر أن الأمر قد حِيكَ بليل، وعملوا على
تنفيذه، وهذا أمر لا يخفى على صغار الناس فضلاً عن كبارهم وفضلائهم.
٢ - أنهم يجعلون لمطالباتهم ومقالاتهم عناوين براقة، وبخط بارز عظيم،
وفي الصفحة الأولى أو الأخيرة، فيغتر العامي من الموحدين بمثل هذه العناوين،
ومن طيب نفسه قد يوافقهم على رغباتهم، ويؤيدهم في توجهاتهم، وما علم
المسكين أنهم ذئاب بشرية همهم الأول تحقيق مطامعهم الشهوانية، ونزواتهم
البهيمية.
٣ - أنهم كثيراً ما يتحدثون عن قضية المرأة، وهذه القضية هي التي يراهن
عليها أعداء الإسلام عموماً، لعلمهم أن القضاء على الدين يبدأ من إفساد المرأة،
وإخراجها من حصنها الحصين، وفي هذا يقول أحدهم: «علينا أن نكسب المرأة؛
ففي أي يوم مدت إلينا أيديها فُزْنا بالحرام، وتبدد جيش المنتصرين للدين» .
وكلامهم يدور على محورين:
الأول: نزع حياء المرأة والقضاء على الحجاب الإسلامي؛ فكثيراً ما يلمزونه
في كتاباتهم شعراً ونثراً، ومن ذلك قول أحدهم: «عيشي كما تشائين، كوني كما
تريدين، انزعي الألم! ! ازرعي الأمل، حطمي القيود، اخلعي القيود، سافري
بلا حدود» .
وقول أحدهم: «تيه وأوهام وأقنعة تدار، وعلى الجميع على الجميع
الانتظار» .
والثاني: إلغاء القِوامة التي منحها الله للرجل على المرأة، والدعوة إلى
المساواة بين الجنسين في كل شيء، وهذه الدعوة الخبيثة تبدأ بالدعوة إلى استقلال
المرأة عن وليّها بحجج واهية، لتكون وليّة نفسها، ولتتمكن من التمرد على وليّها
متى أرادت.
٤ - أنهم أحياناً يستضيفون بعض العلماء لطرح بعض القضايا عليهم، ثم
تُطْرح عليهم الأسئلة وتصاغ بطريقة ماكرة حتى يجيب العالم بجواب يريدونه
فيقتطعون من جوابه ما يريدون، ويُكتب بخط واضح عريض في الصفحة الأولى:
العالم الفلاني يقول كذا..! ! فيلبسون بذلك على الناس، قاتلهم الله أنى يؤفكون.
٥ - تتبّع الرخص والآراء الشاذة والضعيفة لبعض العلماء وبثها والإشادة بها
وبأصحابها، مع تجاهل الأقوال الصائبة التي لا تخدم أفكارهم وتوجهاتهم، وقد
كتبت إحداهن مقالاً في إحدى الصحف تشيد فيه بأحد المنتسبين للعلم بسبب أنه أباح
للمرأة أن تتولى أعلى المناصب، وأن تكشف وجهها، وأباح الغناء. وصحفي آخر
كتب مقالاً يثني فيه على هذا العالم نفسه؛ لأنه تبنى المنهج العقلي في تفسير
النصوص والحكم عليها. وهكذا. نسأل الله أن يكفي المسلمين شرهم بما يشاء إنه
هو السميع العليم.
٦ - أنهم يؤيد بعضهم بعضاً، فإذا كتب أحدهم مقالة أشاد الجميع بقوة مقاله،
وجودة أفكاره، وحسن أسلوبه، وجمال عباراته، وهكذا من سلسلة المدح والثناء،
لذلك المقال، والذي لو تأمله صغار طلاب العلم لتبين له ضحالة الفكر، وسوء
الأسلوب، ولكنهم كما أخبر القرآن: [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] (المائدة: ٥١) ،
خاصة إذا كان الكاتب ممن صُنع على أيديهم، وتربى في أحضانهم فيجعلونه فُوَّهة
لهم، من خلاله يبثون سمومهم في المجتمع؛ فهي خطوات متتابعة: كاتب ناشئ،
ثم ما يلبث حتى يكون ذلك الناشئ لامعاً بسبب تأييدهم لمقالته، وفي النهاية يكون
مُنَظِّراً مثلهم.
٧ - أنهم أحياناً يتقمصون شخصيات العلماء؛ فتارة تجده من الفقهاء، وتارة
من المحدثين، وتارة تجده من علماء الأصول والتفسير، وهكذا، فتُجرى مع هذا
المتعالم مقابلة، فيتخلل تلك المناقشة أسئلة شرعية تتعلق بقضايا عقدية أو فقهية أو
اجتماعية لو طرحت على عمر ﵁ لجمع أهل بدر لها، بينما ترى
ذلك الذي صدَّر نفسه عالماً، وليس له من علوم الشريعة فتيل ولا قطمير، أطلق
للسانه العنان في التحليل والاستنباط، حتى كأنه إمام زمانه، ووحيد قرنه، وفريد
عصره؛ وهذه والله من عجائب الدهر. والله المستعان.
٨ - أنهم يُضمِّنون كتاباتهم بعض الآيات القرآنية، أو الأحاديث النبوية التي
توافق أهواءهم، وهم مع ذلك لا يميزون بين النصوص الشرعية والأمثال والحكم،
وهذه سمة بارزة في كتاباتهم. وقد أرادت إحداهن أن تستشهد بآية فعجزت عن
استحضارها مع سهولة الرجوع إلى المصحف أو المعجم، فقالت: «قال الله بما
معناه..» ! ! ، وآخر - وهو دكتور - ذكر حديثاً نبوياً متفقاً عل صحته، فقال
قبل إيراده: «وفي المثل العربي» ! ! ، وهم لا يميزون بين صحيح الحديث من
سقيمه، ولا يعرِّجون على الأدلة التي تخالف مذهبهم وتبطل آراءهم، فيسهبون
حول حديث ما، ويعيدون ويكررون، كل ذلك تغريراً بعامة الموحدين، وإعطاء
آرائهم صبغة دينية، وصورة شرعية، وهذه طريقة يهود كما قال الله - تعالى -
في القرآن: [أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ] (البقرة: ٨٥) ،
وطريقة أهل الزيغ الذين قال الله فيهم: [هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ
مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ
مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ] (آل عمران: ٧) . قال ﷺ :
«إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم» [١] .
٩ - أنهم في غالب الأحايين يستشهدون بأقوال مفكري الغرب أو الشرق،
من أمثال: (بودلير) و (بلزاك) و (سومرت موم) ، وكذا الاستشهاد بأقوال
الزنادقة والضالين من أبناء هذه الأمة من أمثال الشاعر الفلسطيني
(محمود درويش) ، والشاعر السوري (أدونيس) [٢] . فتراهم يأخذون أقوال أولئك
وكأنها نصوص من الوحي الكريم، فيبدأ أحدهم بالشرح والتفصيل، والمدح
والتبجيل، ومن ثم يطالب بترجمة تلك الأقوال ترجمة عملية في المجتمع المسلم،
بحكم أنهم قد تقدموا علينا فكرياً وصناعياً وثقافياً وغيرها من العبارات الساقطة
[كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً] (الكهف: ٥) .
١٠ - ومن علاماتهم أيضاً: أنهم يستخدمون مصطلحات موهمة، ورموزاً
غامضة، ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، كلفظ الحرية والمساواة، أو التقدم
والرقي، أو التوازن والإنصاف، أو عدم الرجعية والتخلف، والبعد عن الإرهاب
والتطرف، ونحو هاتيك العبارات، وذلك لتمرير أفكارهم الرديئة التي لا
يستطيعون المجاهرة بها، خوفاً من المجتمع، وهو أسلوب مرحلي مؤقت سرعان
ما يتخلون عنه إذا تهيأت الظروف، [يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ
أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً] (البقرة: ٩-١٠) .
١١ - أنهم يكتبون أحياناً بأسماء نسائية مستعارة ليكون التأثير أبلغ [*] ،
والصدى في النفوس أكثر، فإذا أرادوا - على سبيل المثال -: تشجيع المرأة على
ارتياد النوادي الرياضية فإن أحدهم يكتب بتأييد فريق كروي أو تحليل رياضي باسم
فتاة، أو يكتب في القصائد الشعرية التي كلها سخف وهراء، فتغتر الفتاة المسكينة
فتراسلهم في الكتابة، وهم بعد ذلك يطبلون حولها حتى تظن نفسها شاعرة العصر،
وفريدة الدهر! ! وقد فاقت بشعْرها شعراء الجاهلية والإسلام! ! وأحياناً يوظفون
بعض الأقلام النسائية الهابطة التي تحررت من أدب الحياء والحشمة والطهر
والعفاف، فتطالب وتكتب عما يشتهون ويريدون، وصدق الله - تعالى - إذ يقول:
[وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] (الأنفال: ٣٠) ، وقال -
سبحانه -: [وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ
الجِبَالُ * فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ]
(إبراهيم: ٤٦-٤٧) .
١٢ - أنهم يتحينون وجود الأحداث الكبرى في الأمة، وانشغال المصلحين
عنهم في مثل تلك الأحداث، فيستثمرون ذلك في ترويج ضلالاتهم في المجتمع.
١٣ - أنهم يشغلون الأمة بمطالبات عدة، وفي وقت واحد، ويضخمون حدثاً
معيناً دون آخر، وهو في الحقيقة ليس بشيء عندهم ولكنها التغطية الإعلامية،
والخدع الشيطانية؛ فتكتب الأمة رفضاً لهذا الأمر، وتتم الموافقة على رفضها
فتتنفس الأمة بملء صدرها فرحة لذلك، وفي أثناء تلك الفترة التي فتر الناس فيها
يتم تمرير مطالبة أخرى، ولكن بدون ضجيج ولا هالة إعلامية، فلا يشعر بها أحد،
إلا وهي على أرض الواقع.
١٤ - أنهم يُجرون دراسات واستفتاءات حول قضية ما، ومن المفترض أن
تكون الشريحة التي تطبق عليها الدراسة متكافئة حتى تكون نتائج الدراسة صحيحة،
ولكنهم يسلكون غير هذا المسلك، ولعلي أضرب لكم مثلاً على ذلك:
أُجريت دراسة عن مدى تفوق أبناء العاملات وتفوق أبناء ربات البيوت -
هذا إن صح، - فأظهرت الدراسة أن أبناء العاملات أفضل دراسياً من أبناء ربات
البيوت، لكن كان من المفترض في مثل هذه الدراسة أن تكون الشريحة التي تم
البحث فيها متكافئة في المستوى التعليمي، ولكن الواقع كان خلاف ذلك؛ فغالب
ربات البيوت التي تمت الدراسة عليهن أميات لا يعرفن القراءة والكتابة، بخلاف
الشريحة الأخرى، وهذا مما لا يشك عاقل منصف أن فيه إجحافاً وشططاً، وهوى
في النفوس؛ ولذا فإنه لا بد لأهل الإيمان أن يتنبهوا لمثل هذه الدراسات التي
تصدر عن أمثال هؤلاء.
وأحياناً يُجرون استفتاءات مع شريحة معينة توافق أهواءهم، فيشعر القارئ
أن المجتمع كله يرغب في مثل هذه القضية، ومما يدل على سذاجتهم أن جميع
إجابات المشاركين أو المشاركات تتم وفق رغباتهم! ! فيا للعجب! ألا يوجد في
الأمة مخالف؟ ألا يوجد فيها معارض؟ وهل طبائع الناس وأفكارهم متوافقة إلى
هذا الحد؟ أم أنه الدجل والخداع وتغيير الحقائق والتلبيس بها؟ قال سبحانه:
[أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلاَ
تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ] (فاطر: ٨) .
١٥ - غلبة الفكر الانهزامي عليهم، وعقدة النقص التي ركبها المستعمر
الغربي في أذهانهم، يقول أحدهم بمناسبة سقوط بوش الأب في الانتخابات
الأمريكية قبل السابقة وتولي كلينتون: «إن الأمريكيين هم الجديرون بالحضارة
والحياة منا نحن أهل الشرق» ، والسبب في نظره أننا: «أغبياء لا نفهم أو
يصعب علينا أن نفهم» [٣] .
١٦ - الاستهزاء بالنصوص الشرعية، ومحاكاتها وإقحام أجزاء منها في
كتاباتهم الغامضة التي يسمونها شعراً وإبداعاً، وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
يقول أحدهم: «خذوا زينتكم، واتبعوني، ثمة واد يهيم فيه الشعراء» .
إلى أن يقول: «أيها العشاق، أفتوني في رؤى صاحبي، رأسه وكر
للوطاويط» [٤] .
وتقول أخرى: «تمهل حبيبي، وخذ حفنة من رماد الحقول، وخذ راحتي،
نقشت فوقها آية للعذاب المبين، إلى أن تقول:» قلت اهبطي من سمائك « [٥] ،
وتقول ثالثة:» وماذا أريد، وكل الدروب، تقد قميص البراءة « [٦] .
هذا ما يتعلق بالقرآن.
أما الأحاديث فلم تسلم من سخريتهم ابتداءاً من الأسانيد، وانتهاءاً بقول النبي
ﷺ ، وإليك بعض الأمثلة:
يقول أحدهم:» حدثنا الشيخ الإمام، عن صالح بن عبد الحي عن سيد
درويش عن أبيه عن جده، قال: يأتي على هذه البلاد زمان إذا رأيتم فيه الفن «،
إلى أن قال - قبحه الله وأخزاه -:» قالها وهو ينتحب، فتغمده الله برحمته وغفر
له ذنوبه « [٧] ، فأي استهزاء بعد هذا..! ! وتقول إحداهن مستهزئة بقول النبي
ﷺ :» ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبِّ الرجل الحازم
من إحداكن « [٨] ، تقول:» يرضع الطفل من ثدي أمه حتى يشبع «، إلى أن
تقول:» وعندما يصبح رجلاً، يضع ساقاً فوق ساق في أحد مقاهي المثقفين،
ويعقد مؤتمراً صحفياً يقول فيه: إن المرأة بنصف عقل، وبنصف دين، فيصفق له
الذباب، وغرسونات المقهى « [٩] .
وبعد؛ فهذا غيض من فيض من كتاباتهم وضلالاتهم، وترهاتهم، ومع ذلك
نرى من ينخدع بهم ويصفق لهم ويثني عليهم؛ فإلى متى نصفق لأعداء أمتهم؟ ! !
١٧ - تمجيد الغربيين والثناء عليهم؛ واعتبارهم القدوة والمثل الأعلى في
كل شيء، واختيار أرق الألفاظ وأحسن العبارات للاعتذار عن مساويهم، واحتقار
الشرق وأهله.
١٨ - أنهم يأخذون بمبدأ خط الرجعة، فإذا وجدوا معارضة قوية لمقالاتهم،
قالوا:» نحن لم نقصد ما تقولون؛ ولكن أردنا كذا «، ثم يبدؤون في ليِّ الكلام
والعبارات حتى تتسق مع المخرج الذي يخرج به من المأزق الذي وقع فيه.
دورنا في درء هذا الفساد:
ما دورنا تجاه أولئك الساقطين والساقطات؟ وما واجبنا في مواجهة هذا الزَخْم
من الشبهات والضلالات التي تتكاثر يوماً بعد يوم؟ إن دورنا يكمن في أمور:
أولاً: الحذر من هؤلاء الكتّاب وما يدعون إليه من أفكار مضللة، وعدم الثقة
بهم.
ثانياً: رصد كتابات أولئك الدخلاء والرد عليهم من قِبَل أهل العلم
والاختصاص.
ثالثاً: تحذير الناس من كتاباتهم ومقالاتهم، وفضح مؤامراتهم حتى لا ينخدع
فيهم عامة المسلمين.
رابعاً: مراسلة أولئك الكُتاب وتحذيرهم بالتي هي أحسن من مغبة هذا
الطريق الذي يسيرون عليه. يقول الله - تعالى - لموسى وهارون عندما أرسلهما
الله - تعالى - لفرعون الطاغية: [فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى]
(طه: ٤٤) .
خامساً: ألا تكون مواقفنا دائماً ردود أفعال فحسب؛ بل لا بد أن تهاجم
مبادئهم التي قد تمكنت، وأفكارهم التي قد رسخت، حتى يخر عليهم السقف من
فوقهم وهم لا يشعرون.
سادساً: إن من الأمراض التي نعاني منها: تهرُّب كثير من الناس من
مسؤولياتهم تجاه دينهم، والاستظلال بظلال التواكل والتسويف، حتى تعطل من
جراء ذلك خير كثير؛ ومن العجب أن هذا الخلل يقل أو ينعدم عند أهل الكفر،
فبنظرة إلى تكاتف أهل الديانات الباطلة، والمذاهب المنحرفة يرى عجباً من قوة
تكاتفهم، وشدة ترابطهم في سبيل نشر مبادئهم، مع اختلافهم المتباين في المكان
والزمان والحال، إلا أن العمل لمصلحة مبادئهم هو المحور والمرتكز الذي يؤمه
الجميع.
ولذا فليجعل كل مسلم على نفسه مسؤولية العمل للدين بكل ما يستطيع من
الوسائل والسبل؛ فإن الجهود إذا تضافرت وتكاتفت، أينعت ثمارها، وآتت أكلها.
سابعاً: على المسلم أن يحذر من دخول اليأس، والتقاعس عن القيام بما
يستطيعه، ويتأكد هذا في حق الدعاة والمصلحين؛ فعليهم أن يحذروا من دخول
اليأس إلى قلوبهم عند رؤية الباطل قد انتفش، وأن دعوتهم لم تقبل؛ فإن مهمة
الداعية هي البلاغ، والنتائج على الله - تعالى -؛ كما قال القائل:
على المرء أن يسعى إلى الخير جهده ... وليس عليه أن تتم المقاصد
يقول النبي ﷺ :» عُرِضَتْ عليّ الأمم، فرأيت النبي ومعه
الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد « [١٠] .
فإذا كانت دعوة نبي قد لا يستجيب لها أحد، فأين مقام الدعاة والمصلحين من
مقام الأنبياء؟ ! !
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 3764
في دائرة الضوء
بين التوراة كتاب الله والتوراة اليهودية المحرفة
د. صلاح عبد الفتاح الخالدي
الإيمان بكتب الله التي أنزلها على رسله ركن من أركان الإيمان الستة، ولا
يتحقق هذا الإيمان إلا بالإيمان بالكتب؛ حيث يؤمن كل مؤمن من المسلمين أن الله
أنزل كتباً على رسله، وجعل هذه الكتب نوراً وهدى للناس.
ويجب على المؤمن أن يؤمن بالكتب التي ذكرها الله في القرآن، وأخبرنا أنه
أنزلها على رسله، وهذا إيمان «تفصيلي» بالكتب.
يجب على المؤمن أن يؤمن أن الله أنزل التوراة على موسى، وأنزل الزبور
على داود، وأنزل الإنجيل على عيسى، وأنزل القرآن على محمد عليهم الصلاة
والسلام.
هما توراتان اثنتان:
من أنكر نزول التوراة على موسى ﵇ فهو كافر في حكم الإسلام،
مخلد في نار جهنم، ومن أنكر نزول الزبور على داود ﵇ فهو كافر،
ومن أنكر نزول الإنجيل على عيسى ﵇ فهو كافر.
لكن أي توراة تلك التي نؤمن بها؟ وأي زبور وإنجيل نؤمن بهما؟ إنها
ليست التوراة الموجودة الآن بين أيدي اليهود، والتي أدخلوها ضمن ما يسمونه:
«العهد القديم» ! ! وليس هو الزبور الذي جعله اليهود أحد أسفار العهد القديم،
وسموه «مزامير داود» ! ! وليس هو الإنجيل الموجود بين أيدي النصارى الآن،
والذي يسمونه: «العهد الجديد» ! ! وهو أربعة أناجيل منسوبة (للوقا وبطرس
ومتى ويوحنا) .
إذن: هما توراتان وزبوران وإنجيلان! يجب أن نؤمن بأحدهما أنه كتاب الله،
ومن أنكر ذلك فقد كفر، بينما يجب أن نؤمن أن الثاني الموجود الآن ليس كتاب
الله، وإنما هو محرف مبدل، وهو من ثم منسوخ ملغى، ومن أنكر ذلك فقد كفر!!
ولنفصل القول قليلاً في هذه المسألة المهمة.
إنزال التوراة على موسى:
أنزل الله التوراة على موسى ﵇ ألواحاً نازلة من السماء، وذلك
عندما خرج موسى ﵇ ببني إسرائيل من مصر، وبعدما أغرق الله
فرعون وجنوده؛ فلما كان موسى ﵇ مع بني إسرائيل في سيناء
واعده الله أن يأتي إلى جبل الطور، فغادر موسى ﵇ بني إسرائيل،
واستخلف عليهم أخاه هارون ﵇؛ لأنه سيغيب عنهم أربعين يوماً،
وبعد انقضاء الأربعين يوماً كلَّم الله موسى على جبل الطور تكليماً، وأنزل عليه
التوراة مكتوبة على الألواح، وأمره أن يأخذها إلى قومه بني إسرائيل، ليلتزموا
بها، وينفذوا ما فيها.
قال - تعالى -: [وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ
أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ
المُفْسِدِينَ * وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن
تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ
جَعَلَهُ دَكاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ المُؤْمِنِينَ *
قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ
الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا
بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا] (الأعراف: ١٤٢-١٤٥) .
والتوراة الربانية التي أنزلها الله على موسى ﵇ نور وهدى
وضياء ورحمة، وفرقان وحق؛ لأنها كتاب الله وشرعه وكلامه وحكمه.
من صفات التوراة في آيات القرآن:
وقد أثنت آيات القرآن على التوراة أحسن الثناء:
قال تعالى: [وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ *
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ] (الأنبياء: ٤٨-٤٩) .
التوراة في هاتين الآيتين موصوفة بأنها فرقان وضياء وذكر للعالمين، وهي
هكذا لأنها كلام الله، وكل كلام الله النازل في كتبه على رسله هو ضياء وذكر
للعالمين، سواء كان توراة أو زبوراً أو إنجيلاً أو قرآناً! !
وقال - تعالى -: [قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى
لِّلنَّاسِ] (الأنعام: ٩١) . التوراة نور وهدى للناس، والمراد بالناس هنا بنو
إسرائيل، وليس الناس جميعاً؛ لأن رسالة موسى ﵇ خاصة ببني
إسرائيل، وليست للعالمين؛ فمن المعلوم أن كل رسول كان يُبعث إلى قومه،
ورسولنا محمد ﷺ هو وحده المبعوث إلى الناس كافة.
وقال تعالى: [إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ
أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ
شُهَدَاءَ] (المائدة: ٤٤) .
وأمر الله المؤمنين أن يؤمنوا بهذه التوراة الربانية الصادقة، بهذه الصفات
الإيجابية الهادية، ضمن إيمانهم بكتب الله الأخرى التي أنزلها على رسله؛ وذلك
في قوله - تعالى -: [قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ
وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ
مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] (البقرة: ١٣٦) .
هذه التوراة جعلها الله تشريعاً وهداية لبني إسرائيل، وضمنها مجموعة من
الأحكام التشريعية لهم.
وقد أخبرنا الله في القرآن عن بعض ما حرم الله على بني إسرائيل كما في
قوله - تعالى -: [وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ البَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا
عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم
بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ] (الأنعام: ١٤٦) .
وكما في قوله - تعالى - خطاباً لليهود: [وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ
دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ] (البقرة: ٨٤) .
هذه هي التوراة التي أنزلها الله على موسى ﵇، نؤمن أنها
كتاب من كتب الله، كتاب عقيدة وشريعة وأخلاق وتوجيه، كتاب نور وهدى
ورحمة وضياء وفرقان، روح وشفاء، ومن لم يؤمن بذلك فقد نقض ركناً من
أركان الإيمان كما قررنا.
الأحبار لم يحملوا التوراة فكانوا كالحمار:
لكن ماذا حصل لهذه التوراة النازلة على موسى ﵇؟
كلف الله اليهود - أحباراً وشعباً - العمل بالتوراة، والمحافظة عليها،
وأوجب عليهم حفظها وعدم تضييعها أو التفريط فيها.
قال - تعالى -: [وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم
بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] (البقرة: ٦٣) .
وقال - تعالى -: [يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ
وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ] (المائدة: ٤٤) .
ومعنى [اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ] (المائدة: ٤٤) أوجب الله على
الربانيين والأحبار حفظ كتاب الله إليهم التوراة، ونهاهم عن تضييعه والتفريط فيه؛
فالله «أوكل» إلى الأحبار حفظ التوراة، ولم يتكفل - سبحانه - بحفظ التوراة كما
تكفل بحفظ القرآن. وذلك في قوله - تعالى -: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ] (الحجر: ٩) .
فالله - تعالى - حكيم في طلبه من الأحبار حفظ التوراة، مع علمه أنهم لن
يحفظوها، وأنهم سيضيعونها ويحرفونها، وذلك ليقيم عليهم الحجة، ويُحذر
المسلمين كي لا يفعلوا فعلهم، وليس للمسلمين الانحراف الجذري الذي يصيب
أحبار اليهود قبل أن يصيب أتباعهم من الشعب! !
كلف الله اليهود حفظ التوراة فضيعوها، وحمَّلهم التوراة فلم يحملوها، ولم
ينفذوا ما فيها من أحكام وتشريعات، ولذلك شبههم الله بالحمار الذي يحمل على
ظهره أسفار الكتب، قال - تعالى -: [مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا
كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ
الظَّالِمِينَ] (الجمعة: ٥) .
الأحبار يحرفون التوراة:
لو طبق أحبار اليهود ما في التوراة، وقاموا بالتكاليف والواجبات التي فيها
لكانوا علماء ربانيين صالحين؛ ولكنهم بانحرافهم عنها صاروا «حميراً» يحملونها
بدون انتفاع بها، كما تحمل الحمير أسفار الكتب على ظهرها، مع عدم انتفاعهم
بها! !
ولم يكتف الأحبار بتضييع التوراة - وهذا بحد ذاته جريمة عظمى - وإنما
أقدموا على جريمة أعظم وأبشع، وهي «تحريف» التوراة، وإحداث التغيير
والتبديل فيها، ومزج كلام الله الذي فيها بكلامهم هم!
الأحبار إذن حرفوا التوراة، وكتبوها بأيديهم، وأدخلوا فيها كلامهم، وزعموا
أن هذا الكتاب الجديد هو كتاب الله، وأن هذا الكلام المختلط الممزوج هو كله كلام
الله! وأسموا هذا الخليط: «العهد القديم» ، وزعموا أنه هو «الكتاب المقدس»
الذي أنزله الله على موسى ﵇ وغيره من أنبيائهم!
آيات صريحة في تحريف اليهود للتوراة:
وقد أخبرنا الله في آيات القرآن عن تحريف اليهود للتوراة، وذمهم ووبخهم
وأوقع بهم غضبه ولعنته، وأعلن كفرهم وخلودهم في نار جهنم.
ومن الآيات الصريحة التي تقرر ذلك قوله - تعالى -: [أَفَتَطْمَعُونَ أَن
يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ] (البقرة: ٧٥) .
ومنها قوله - تعالى -: [فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا
مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ]
(البقرة: ٧٩) .
ومنها قوله -تعالى -: [مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ
وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَياًّ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ]
(النساء: ٤٦) .
ومنها قوله - تعالى -: [فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً
يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظاًّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ] (المائدة: ١٣) .
ومنها قوله - تعالى -: [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي
الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ
سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا
فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً]
(المائدة: ٤١) .
ومنها قوله - تعالى -: [وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ
مِنَ الكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] (آل عمران: ٧٨) .
هذه ست آيات صريحة من القرآن تقرر تحريف اليهود للتوراة؛ وهذا معناه
أن التوراة الموجودة بين أيدي اليهود محرفة أصابها الكثير من التغيير والتبديل
والتزوير، وهي المسماة الآن بأسفار العهد القديم من الكتاب المقدس.
التوفيق بين إيماننا بالتوراة الربانية وكفرنا بالتوراة المحرفة:
وهذا معناه أن «العهد القديم» الذي يؤمن به اليهود، ويزعمون أنه كلام الله،
ليس هو كلام الله، وليس هو التوراة التي أنزلها الله على موسى ﵇،
وإنما هو بعض كلام الله النازل على موسى وغيره من أنبياء بني إسرائيل -
عليهم الصلاة والسلام -، وأضاف أحبار اليهود إلى هذا البعض «الكثير» من
كلامهم وآرائهم، ومزاعمهم وأكاذيبهم وافتراءاتهم وأساطيرهم، وقالوا: هذا من
كتاب الله إلينا. وما هو من كتاب الله إليهم، وقالوا: هذا كله من عند الله. وما هو
من عند الله.
والخلاصة:
أنه كما يجب علينا أن نؤمن أن التوراة هي كتاب الله النازل على موسى -
﵇ فإنه يجب أن نؤمن أن اليهود أضاعوا هذه التوراة، وأقدموا على
تحريفها وتبديلها، ومن ثَمَّ نسخَها الله، ويجب أن نؤمن أن التوراة الموجودة الآن
بين أيدي اليهود محرفة مبدلة، وليست كلام الله، ولا كتاب الله، وأنها مليئة
بالأكاذيب، والأباطيل، وأنه لا يجوز الإيمان بها؛ لأن البديل عنها هو القرآن
الكريم، الصحيح الثابت المحفوظ، الباقي حتى قيام الساعة.
стр. 3765
في دائرة الضوء
العرافة والوساطة الروحية رحلة ما بين أثينا وباريس
معمر فوزي الخليل
مهنة عمرها آلاف السنين:
العِرافة: - بالفرنسية - OARACLE مشتقة من اللفظ اللاتيني
ORACULUM بمعنى النبوءة، والمقصود بها هنا إجابة الآلهة عن طريق
عراف أو كاهن على أسئلة السائلين فيما يتعلق بمستقبلهم كالزواج والتجارة والسفر
والحروب ... إلخ.
أما الظهور الأول الذي تشير إليه كتب التاريخ لهذه الطقوس فيعود إلى القرن
السادس قبل الميلاد من خلال الحضارة الإغريقية في أثينا التي شكلت التحول
الكيفي لمجموعة التحولات الكمية البسيطة التي سبقت نشوء هذه الحضارة في العديد
من مناطق العالم.
ولو أننا قارنا بين الظهور الأول لطقوس العرافة وطبيعة الدين المستمد من
أساطير ألفها البشر - الذي كان سائداً في تلك المرحلة - لوجدنا أكثر من خيط
متصل بينهما؛ ذلك أن الخرافات من طبيعتها التوالد المستمر، والتخيلات
(الأساطير) الساذجة للآلهة في ذلك الزمن لم تجد صعوبة في إظهار العديد من
الخرافات المرتبطة بشكل مباشر بالدين الإغريقي؛ فالإغريق كانت لهم - دينياً -
العديد من الآلهة الوظيفية المتخصصة في مجال من مجالات الحياة الاجتماعية
والدينية والمالية وحتى السياسية؛ حيث كان لديهم اعتقاد بأن هناك إلهاً للحرب
وإلهاً للسلام وآخر للزراعة، وآخر للولادة، وكذلك للموت والزواج والعذاب
والحكمة والحب والرعد ... إلخ وفي مرحلة متقدمة من هذه الأساطير كان هنالك
إيمان بأن بعض البشر كانوا آلهة مثل هرقل المولود من أب إله وأم بشرية بعد
العديد من النزاعات بين الآلهة المزعومة والتي كانت في غالبية الوقت تتحارب فيما
بينها، وعلى هذا الأساس احتاج الناس لطرق اتصالية مع هؤلاء الآلهة المزعومة
المتعددة، وطقوس خاصة لعبادة كل إله على حدة، فكان أن ظهر في المجتمع
الإغريقي وظائف هامة وأساسية، كالكهنة والعرافين.
كان دور الكهنة القيام على خدمة الآلهة في معابدهم المنتشرة بكل أرجاء البلاد،
فكانوا يقيمون طقوس العبادة والتقديس، ويقدمومن القرابين والأضحيات،
ويعلِّمون الناس كيف يعبدون هذا الإله ويتقون شر ذلك ويستفيدون من آخر، أما
دور العرافين فقد كان يقوم على الوساطة المزعومة بين بني البشر والآلهة المتعددة!
ولما كان العرَّاف بحاجة لخاصيّة مميزة له عن بقية البشر فقد ظهرت الروحانية
التمثيلية التي من المفترض أنها حالة انتقالية من التعايش مع البشر إلى التعايش مع
الإله لسؤاله والحصول على الأجوبة منه، وكان الناس يصدقون ذلك!
فقد جرت العادة بين الناس أن تكون الاستشارة الدنيوية والدينية من خلال
العرّافين والعرّافات الوسطاء الروحيين والمتمتعين بقدرة مميزة من الإله على
التعامل معهم واستشارتهم.
كان من أشهر المتنبئات عندهم عرّافة (دلفي) وهي (بثيا Pythia) التي
تروح في غيبوبة بسبب التركيز العقلي والروحي الكامل - حسب اعتقاداتهم - ثم
تنطق بأصوات مبهمة غير مفهومة، فيقوم عرّاف آخر (لديه قدرة على فك شيفرة
الرسالة السحرية) بتحويل هذه الأصوات إلى أنباء مناسبة بلغة الشعر أو النثر
يفهمها الناس، ولما كان الناس يجدون الكثير من الاختلاف بين النبوءة والحدث،
أي بين كلام العرّاف والواقع؛ فقد كانت الإجابة: بأن معنى الإجابة التنبئية غامض
ويحتمل تأويلين أو أكثر؛ ذلك لأن الآلهة لا تخطئ، فإذا حدث ولم تنطبق النبوءة
على الواقع؛ فإن ذلك يرجع إلى أن السائل لم يفهم الإجابة التنبئية على وجهها
الصحيح، وأنه تأولها بشكل خاطئ.
ولعل من الإجابات التنبئية الغامضة المشهورة - حسب اعتقاداتهم - هي
الإجابة التنبئية عن سؤال للملك (كرويسيس) ملك (ليديا) حيث كانت الإجابة:
«إذا ما عَبَرَ (كرويسيس) (نهر هلليس) فسوف يدمّر امبراطورية هائلة» ! !
وحين دمّر امبراطوريته نفسها قالوا بأن النبوءة صحيحة وأن (كرويسيس) فهم أنه
سيدمّر امبراطورية أخرى بينما المقصود هنا هي امبراطوريته هو.
ثم مع الأيام تنوعت طرق العرافة وتعددت لتساير ذوق العامة ومطالبهم
السريعة والكثيرة فظهرت طريقة الحبوب الملوّنة؛ حيث كان السائل يسحب
مجموعة حبوب ملوّنة بألوان مختلفة تعني نعم، أو لا. وهناك أساليب أخرى
للعرافة كالأصوات والأشكال والأنواع ... إلخ.
ومن عرّافي هذه الأنواع عرّافة في (بلدة دودونا) التي كانت تفسّر أصوات
حفيف أوراق شجرة البلّوط، وعرافة (مدينة إيف) بين (شعب يوربا) التي كانت
تستخدم ٢٥٦ تمثالاً صغيراً مرقمة على لوحة الرمل يقوم خبراء التنجيم بتأويلها؛
فإذا حدث خطأ فهو بسببهم لا بسبب النبوءة، وهنالك عرّافة (ديدما) ، وعرافة
معبد (كلاروس) التي طغت على الأخيرة وكان لها جوقة من المنشدين، وقد
وصلت شهرتها إلى مناطق بعيدة مثل ألمانيا ونوميدا وبريطانيا.
كما كان ينظر إلى حذاقة الغريزة الحيوانية ودقتها على أنها دليل قوة أو سر
كالذئب والدب والنسر والبوم والخفاش ... إلخ، ولم تكن الكهانة بواسطة الينابيع
والأشجار والأشياء كالماء والمرآة وغيرها أقل شيوعاً من غيرها.
ولعل من دلائل اهتمام الإغريق بالعرافة وتنوع أشكالها وأساليبها أنهم كانوا
يتفننون بتأويل الكلام، خاصة أسماء العلم، وأية كلمة تلفظ سهواً أو تسمع مصادفة
كان يمكن أخذها على محمل الإشارة الإلهية الغيبية، حتى إن سقراط نفسه كان
ينصح تلاميذه باستشارة الكهنة والعرافين حين لا يجدون جواباً عن تساؤلاتهم! !
البارابسكيولوجيا.. الوجه الآخر العصري:
على الرغم من أن العالم اليوم يتجه إلى العلوم التطبيقية والاختراعات المذهلة
التي تقفز بالإنسان العصري مسافات واسعة نحو التطور والرفاهية، فما يزال وفي
كل مكان من العالم أناس يعتقدون بقدرة السحرة والمشعوذين والعرافين على استقراء
الغيب واستحضار الأرواح وتحقيق المعجزات، شأنهم في ذلك شأن القدماء الأولين
ذوي القدرات العقلية البسيطة والساذجة، بل حتى في الدول التي تعتبر علمانية
وملحدة نجد هذا الامتداد الأعمى للعرافة والشعوذة.
ففي أمريكا مثلاً صدر كتاب منذ سنوات بعنوان: (عرّافة البيت الأبيض)
يتحدث عن العرافة التي رافقت الرئيس الأمريكي السابق (ريغان) طوال فترة
رئاسته، وقامت بدور (المستشار) الخاص بالرئيس، ويقال إن ريغان كان يثق
بها ثقة كبيرة، ويأخذ برأيها في كل أموره الخاصة والعامة، كما لم تكن الحال لدى
رؤساء الاتحاد السوفييتي السابق أفضل منها في أمريكا؛ إذ إن حياتهم لم تخل يوماً
من العرافات، من بريجينيف وصولاً إلى غورباتشوف الرئيس السوفييتي الأخير.
وفي باريس عاصمة فرنسا أكدت دراسة نشرت مرافقة لمعرض وندوة
(الطب الطبيعي وفنون التعرف على المستقبل) أن عشرة ملايين فرنسي يترددون
على العرَّافات بحثاً عن حلول لمشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، وبينت
الدراسة أن (٤٨٠٠) عرافة تتلقى طلبات الفرنسيين إما مباشرة أو عن طريق
الهاتف بينما «يتعدى عدد العرافات في فرنسا عدد الأطباء النفسيين البالغ
(٤٣٠٠) طبيب! !
وفرنسا اليوم تعتبر موطناً لما يعرف بعلم (البارابسيكيولوجيا) وعلم الفلك
(التنجيم) ! وسواها، وقد أحصي فيها حسب آخر دراسة (٥٠) ألفاً ممن يمتهنون
السحر والشعوذة بالإضافة إلى العرافين، منهم (٤٠) ألفاً مسجلون في دوائر
الضرائب.
وقد تعدّت مجالات عمل هؤلاء الوسطاء الروحيين لتشمل التكهنات بالأرقام
السرية لحسابات طغاة مثل رئيس زائير السابق (موبوتو سيسي سيكو) أو نظيره
الفلبيني (فرديناند ماركوس) . ففي المؤتمر الدولي للوسطاء الروحيين وأصحاب
البصيرة الذي عقد في جنيف قبل سنتين تقريباً وحضره (٥٠٠) منهم، قالوا إن
خزائن البنوك تنفتح أمامهم ليلقوا نظرة على ما بداخلها؛ وذلك عن طريق أوراق
اللعب والبندولات، وأحياناً عبر الحملقة في عيون الزبائن، وقد هتفت الوسيطة
الفرنسية إرلين:» أرى خزانة باتجاه لوزان، أرى بنكاً يواجه بحيرة جنيف،
يوجد في الداخل سجاد أحمر ومصرفيون قلقون «حملقت في الأفق أكثر بعينيها
الزرقاوين وأكملت:» أرى طائرة، وعلى المهبط أرى أناساً كثيرين يأتون إلى هنا
ليخرجوا نقود (موبوتو) ، أي امرأة زائيرية «، أما الوسيط الفرنسي جوليان فقد
حملق في ورق الجدران وكأنه يبحث عن الإلهام ثم هتف:» الأموال لن تجلب
السعادة للبنوك السويسرية «.
ربما استطعنا إيجاد العذر - الذي ذنبه أقبح منه - لتلك الدول بسبب الفراغ
الديني والروحي الذي يعيشه الغالبية منهم، ولكن ماذا سنقول في العالم العربي
والإسلامي الذي يتمثل هذه الصورة ويؤمن بهذه السذاجات؛ فالأمور الغيبية
الخارجة عما أخبر به الله ورسوله منها ما زالت موجودة بيننا، بل وتتطور في
العديد من الأمكنة، العرافات والدجالون هنا وهناك يجوبون القرى والمدن،
مكشوفين أحياناً، وأحياناً متسترين، يبصرون بالكف والفنجان، ويضربون بالمندل
وينجمون، ومنهم من يقنع زبائنه بلباقة وحنكة بقدرته على استحضار الأرواح
ومعالجة الأمراض المستعصية، ورغم المحاولات الهادفة التي تقوم بها بعض
وسائل الإعلام في محاربة هذه الظواهر المتخلفة، إلا أنها ما تزال تمارس في كل
مكان.
ففي مصر أحصي أكثر من (١٠٠٠) كتاب لتعليم الدجل والشعوذة، يتم
ضبطها في القاهرة وضواحيها، كتب حمراء وصفراء ... سطورها وطباعتها
الركيكة صارت أداة مشتركة لمحترفي النصب؛ لأنها - كما يبدو - أُعِدت وألِّفت
خصيصاً لمن يرغب في امتهان الجهل.
من هذه الكتب (بحر بارنوخ) ، و (السحر الأحمر) ، و (الكباريت في
إخراج العفاريت) ، و (دليل الحيران في إخراج الجان) ، والكثير من الكتب
الأخرى التي حملت عناوين بعيدة كل البعد عما يدل على السحر والشعوذة خوفاً من
الرقابة مثل كتاب (شمس المعارف الكبرى) ، و (منبع الحقائق الكونية) وهي
في حقيقتها قواميس لحرفيات وطرق التعامل مع العفاريت والسحر وتسخير البشر
والسيطرة على إرادتهم.
وتحمل لنا بعض وسائل الإعلام - وللأسف - الأنباء والأخبار عن المنجمين،
وكأنهم أبطال قوميون وشخصيات مرموقة في الدولة، وليس غريباً أن تعرض
لكتبهم الجديدة في السحر، وقدرتهم المتزايدة على المعرفة وقراءة المستقبل، ناسين
أن هؤلاء المدعين ما هم إلا أناس مثلنا، يصيبهم ما يصيبنا، ويمتهنون هذه المهنة
من أجل لقمة عيشهم كما يمتهن الممثل التمثيل والمذيع المقابلات، وأنهم لو كانوا
يتمتعون بالفعل بما يدعون لاختلفت أوضاعهم ولكانوا في حرز مما يصيب الناس
بسبب معرفتهم المسبقة للأحداث، ولاكتفوا بقوتهم وجانِّهم وعفاريتهم عن العمل
والتأليف والمقابلات.
ليس غريباً أن نسمع الآن بأن كتاب (الأبراج) لماغي فرح، والذي يصدر
كل عام في لبنان يحطم الأرقام القياسية في مبيعات الكتب لمعارض الكتب العربية،
ومثله كتاب جديد صدر منذ عام تقريباً يحمل عنوان: (فراسة السماء) ، وهذا
ربما يكون مؤشراً على أن علم البارابسيكيولوجيا سوف يدخل عالمنا العربي السعيد،
ليصبح لدينا في يوم من الأيام مؤتمر عربي للدجل والشعوذة..! !
стр. 3766
متابعات
نقد مقال قراءة في الذهنية السلفية
د. عبد الله بن صالح العلي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد:
فقد نشرت مجلة البيان في عددها (١٥٦) قضية للمناقشة بعنوان: «قراءة
في الذهنية السلفية» للكاتب الأستاذ نواف الجديمي، وقد أحسن الكاتب في اهتمامه
بالنقد الذاتي لمناشط السلفيين، فهذا النقد ومحاسبة النفس أمر متقرر شرعاً،
والحوار العلمي الجاد وسيلة من وسائل البناء والتصحيح، كما أحسنت مجلة البيان
في قبولها لهذا النقد الذي يتوجه إليها ابتداءاً.
وثمة تعقيبات على بعض ما نشره الأخ الكاتب نواف - وفقه الله للصالحات-
أسوقها على النحو الآتي:
أولاً: ذكر الكاتب أن هذه المآخذ والإشكاليات تسود غالب الاتجاهات السلفية
المعاصرة، وهذا تعميم خاطئ؛ فالكاتب لم يحدد هذه المعاصرة لا زمناً ولا مكاناً
ولا حالاً، ولا سيما أن الكاتب أشار إلى قصور استقرائه ومحدودية تجربته.
ثانياً: ذكر الكاتب الفاضل ثلاث ملحوظات رئيسة في قراءته للذهنية السلفية،
وأحسب أن هذه الملحوظات توجد بنسب متفاوتة في التيارات الإسلامية الأخرى،
وتخصيص السلفيين بها لا يخلو من نقد ومراجعة، وخاصة أنه قد يشعر القارئ بأن
الكاتب يرى بأن هذا ممَّا تفرّد به السلفيون دون غيرهم..!
ثالثاً: قرر الكاتب أن التيار السلفي دائماً ما يركز على دائرة المعلومات
ويهمل دائرة الأفكار، وأن السلفيين يهتمون بالحفظ ويهملون الفكر، وأن من حفظ
الكتب الستة فله شأن عندهم دون من تضلع في أصول الفقه.
وأحسب أنه لا يخفى على الكاتب الفاضل أهمية حفظ نصوص الوحيين، وأن
ذلك مطلوب شرعاً؛ فقد تواتر حديث رسول الله ﷺ حيث قال:
«نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها؛ فرب حامل فقه إلى من هو
أفقه منه» [١] وهذا لفظ الترمذي من حديث ابن مسعود ﵁، لا
سيما أن العرب قد خُصوا بالحفظ، وهذه الأمة موصوفة بأن إنجيلها في صدورها.
وكما قال الخليل بن أحمد ﵀:
ليس بعلم ما حوى القِمَطْرُ ... ما العلم إلا ما حواه الصدر
ولماذا يفترض الكاتب أن حفظ السلفيين للمعلومات كحفظ الحاسب؟ وهذا
قياس مع الفارق لمن له أدنى فكر وتأمل!
وها هو ابن عباس - رضي الله - عنهما وقد طُبع على الحفظ كان يكره
كتابة العلم، ومع ذلك فقد كان له من الإشراقات والفتوحات في التفسير ما لا
يحصى، كما كان صاحب مناظرات قوية مع الخوارج ونحوهم من أهل الأهواء،
فما كان هذا الحفظ إلا سبيلاً لنشر العلم و «المعلومات» الأصيلة، وإفحام
المخالفين، وحل المعضلات.
فلا إشكال في حفظ النصوص الشرعية، لكن الإشكالية أن يقتصر على الحفظ
مجرداً عن الفهم والفقه، ولو أن الكاتب عني بهذه الإشكالية، وطالب بإيجاد برامج
عملية لاستنهاض الفهم وتنمية ملكات التفكير والتجديد والإبداع لكان أليق وأنسب.
ولما هوّن الكاتب من شأن المعلومات هوّل من شأن الأفكار، وأقول للكاتب:
لماذا هذه التفرقة والانفصام بين المعلومات والأفكار؟ وهل يمكن أن تتأتى
الأفكار إلا بمعلومات، ولا سيما أن كل إنسان حارث ومفكر، كما قال صلى
الله عليه وسلم: «أصدق الأسماء حارث وهمام» ؟ [٢] . ثم ألا ترى معي
أن الأفكار المجردة عن المعلومات الراسخة تؤدي إلى الخلط والاضطراب؟!
فالمعلومات والأفكار متلازمة لا ينبغي الفصل بينها. فالمعلومات أساس
الأفكار، والأفكار ثمرة المعلومات.
ولعل مقصود الكاتب أن بعض السلفيين أهملوا كتب الفكر واشتغلوا بالكتب
الشرعية، وأحسب أن العناية بكتب الفكر كانت في مرحلة سابقة، عندما كانت
الاشتراكية والقومية ونحوها من المذاهب المادية التي تشكك في الإسلام وتطعن في
الغيبيات رائجة في حقبة زمنية ماضية حيث ظهر - ولله الحمد - من كتابات
المفكرين الإسلاميين من يذبّ عن دين الإسلام ويفنّد شبهات الخصوم، كما هو
ظاهر في كتب سيد قطب والمودودي - رحمهما الله تعالى - ومحمد قطب
ونحوهم.
فكانت كتب الفكر الإسلامي الأصيل ضرورية تجاه تلك الأفكار المنحرفة،
وكما فعل من قبل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عندما واجه تلك الأفكار
الفلسفية والكلامية والصوفية باللغة والأسلوب الذي يفهمه أولئك، فأظهر الحجة
عليهم وكشف ضلالاتهم، ومن المناسب أن نورد ما يقرر ذلك من كلامه - رحمه
الله -: «ولا ريب أن الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات، كالسلاح في
المحاربات، فإذا كان عدو المسلمين في تحصنهم وتسلحهم على صفة غير الصفة
التي كانت عليها فارس والروم، كان جهادهم بحسب ما توجبه الشريعة التي
مبناها على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع، وهو الأصلح في الدنيا
والآخرة ... إلخ» [٣] .
وأحسب أن هذه الصحوة المباركة قد ارتقت - نضجاً وعلماً - بدءاً من الكتب
الفكرية الأصيلة في تقرير الثقة بالإسلام والرد على أعداء الإسلام إلى الاشتغال
بالعلوم الشرعية في تقرير منهج السلف الصالح والرد على المبتدعة إلى غير ذلك؛
فما كان للسلفيين أن يحقروا الكتب الفكرية الإسلامية الأصيلة وهم يقررون قبول
الحق من كل شخص ولو كان كافراً، وها هو العلاَّمة ابن باز ﵀ يقرأ
كتاب (النظرية السياسية) للمودودي ﵀ مقرراً له [٤] ، وها هو العلاَّمة
الألباني ﵀ يورد كلاماً طويلاً لسيد قطب ﵀ في مقدمة كتابه
(مختصر العلو) للذهبي.
رابعاً: ادعى الكاتب أن السلفيين لا يعرفون جملة من المذاهب الفكرية
كالقومية العربية والماركسية والبعث العربي.. وأما آخر النظريات الفكرية فإن
غالب النخب السلفية لم يسمعوا بأسمائها فضلاً عن دراستها، هكذا قال الكاتب -
هداه الله -.
ويبدو أن الكاتب كان يتحدث عن هذا المأخذ وقد انقدح في ذهنه نمط محدد
من السلفيين، وليس من العدل أن يُحكم على جميع السلفيين أو غالبهم من خلال
الحكم على طائفة منسوبة إليهم، وإلا فكيف غاب عن الكاتب جهود الأستاذ محمد
رشيد رضا الإصلاحية ضد الأفكار المنحرفة؟ وأين جهود العلاَّمة عبد الرحمن
السعدي تجاه الملاحدة كما في رسالتيه: «انتصار الحق في الرد على الملاحدة»
و «الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين» ؟ بل كتبَ الشيخ
السعدي لمحمد رشيد رضا رسالة يؤكد عليه أن تُعنى مجلة المنار بالردّ على
الملحدين.
وأين إنجازات سيد ومحمد قطب في مواجهة التغريب والمذاهب المادية ومشكلات
الحضارة؟ وأين مؤلفات الدكتور محمد محمد حسين ﵀ في الرد على
المذاهب الأدبية والفكرية كما في مؤلفاته أمثال: (الاتجاهات الوطنية في الأدب
المعاصر) ، و (حصوننا مهددة من الداخل) ، و (الإسلام والحضارة الغربية) ؟
وأين مواقف العلماء تجاه الغزو التشريعي والتشكيك في تحكيم الشريعة مثل ما كتبه
الشيخ أحمد شاكر، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والعلاَّمة محمد بن إبراهيم آل
الشيخ، والشيخ عبد الرحمن الدوسري ﵏؟ [٥] .
وتأمل ما سطره العلاَّمة السعدي (ت ١٣٧٦هـ) في الرد على تلك الدعوى:
«قد عُلِمَ من قواعد الدين أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأن الوسائل
لها أحكام المقاصد ولا يخفى أنه لا يتم التحرز من أضرار الأمم الأجنبية والتوقي
لشرورها إلا بالوقوف على مقاصدهم ودرس أحوالهم وسياساتهم، وخصوصاً
السياسة الموجهة منهم للمسلمين؛ فإن السياسة الدولية قد أسست على المكر والخداع
وعدم الوفاء واستعباد الأمم الضعيفة بكل وسائل الاستعباد؛ فجهل المسلمين بها
نقص كبير وضرر خطير، ومعرفتها والوقوف على مقاصدها وغاياتها التي ترمي
إليها نفع عظيم، وفيه دفع للشر أو تخفيفه، وبه يعرف المسلمون كيف يقابلون كل
خطر» [٦] .
ولا يزال باحثو أهل السنة وعلماؤها - في هذه السنوات الأخيرة - يسطرون
الكتب والرسائل العلمية تجاه جملة من الأفكار الوافدة [٧] .
لا شك أننا - معشرَ السلفيين - نعترف بتقصير وإهمال تجاه جملة من
النوازل الفكرية المستجدة، ولا يخفى أن ثمة فرقاً بين الاعتراف بهذا التقصير وبين
أن يظن أن السلفيين إنما تركوها تديناً بهذا الترك والإهمال. وأحسب أن هذا
التقصير ليس خاصاً بالسلفيين وحدهم، بل هو مشكلة قائمة عند معظم التيارات
الإسلامية!
وأما انتقاد الكاتب السلفيين لعدم دراستهم الديمقراطية، والدراسات البنكية،
وعلم النفس..!
فأقول: وهل يتعين على السلفيين أن يدرسوا كل القضايا النازلة ولا سيما أنها
قد درسها غيرهم وبطريقة صحيحة [٨] ، والحق ضالة المؤمن؟ أم يريد الباحث أن
تؤلف مؤلفات عن موقف أهل السنة من الديمقراطية؟ وما الفرق بين هذا العنوان
وبين: موقف الإسلام من الديمقراطية؟ ولا سيما أن ثمة كتابات ومؤلفات في هذا
الصدد، وأما الدراسات البنكية والبدائل الشرعية فهي موجودة، ولكن هل ترك لنا
عقيل من دار؟
وعلى كلٍّ فيبدو أن الكاتب يحتاج إلى مراجعة لنتاج أهل السنة قبل أن يصدر
هذه الأحكام. كما أن جملة من الإشكالات الواردة جاءت كرد فعل من الكاتب تجاه
بعض الممارسات الخاطئة لفصائل من أهل السنة، كما أن بعض إشكالاته قد
عالجها بما يقابل تلك الإشكالات؛ والانحراف انحراف على كل حال، والخطأ لا
يعالج بالخطأ مثل كلامه عن عداء الكفار للمسلمين ورغبته في تحريره واقعاً دون
مجازفة، مع أن من بدهيات هذا الدين أن عداء الكفار للمسلمين أصل ثابت ومحكم،
وما قد يقع خلاف الأصل فهو لمصالح وملابسات لا تشكك في هذا الأصل.
وأما عقدة المؤامرة عند السلفيين فقد توجد مبالغة عند بعضهم، لكن هذه
«العقدة» ، لم تكن ردة فعل تجاه السذاجة وحسن الظن بالأعداء عند الكثير
من المسلمين، بل كانت حصيلة أحداث ووقائع، ومع ذلك كله فلا حاجة إلى
تهويل المؤامرة أو تهوينها.
ختاماً: ينبغي التأكيد على أن الحوار الجاد والنقد العلمي البناء مطلب مهم من
المطالب الشرعية التي يجب التأكيد عليها، والتعاون في إشاعتها، ولهذا أشكر للأخ
نواف حرصه على النقد والتصحيح، وأرجو أن يتسع صدره لنقد النقد؛ وهذا هو
حسن الظن به إن شاء الله تعالى.
نسأل الله تعالى أن يهدينا وسائر إخواننا صراطه المستقيم.
стр. 3767
متابعات
قراءة في جدارية محمد الدرة لمحمد السلام
وعلى اليهود السلاح
سليمان بن عبد العزيز الربعي
كانت صورة محمد جمال الدرّة وهو يقضي نحبه بسيل رصاص الحقد
اليهودي محتمياً بأبيه والجدار وحاوية النفايات، ناطقة بأكثر من مشهد، مؤكدة على
أكثر من معنى، منتجة لما لا يحصى من الدلالات، لقد أسمعتنا تلك الصورة -
رغم أنا وضعنا أصابعنا في آذاننا - صوت صراخه المستغيث يصدع جدار صمتنا
الطويل، وعكست على مرآتنا - رغم صقلها البديع لميع عينيه بالذعر الرهيب
يشرخ صفاء عيشنا الرغيد، واختصرت جغرافيتنا رغم فضائنا الفسيح - بتلك
المساحة التي ضاقت عن جسمه النحيل، لتبلغ القلوب منا الحناجر، فتضيق علينا
الأرض بما رحبت، وتضيق علينا أنفسنا.
كان الأب أمامَ (محمد) الضائع يتحسسه - كما تتكلم الصورة - بصدى
العويل المفزع، والتصاق الجسد بالجسد، وكان في الجدار الذي يستندان إليه حلم
الدفء بحضن الوطن المنتهك، ونصرة الأمة المغيَّبة، في حين كانت الحاوية رمزاً
لوأد الحقيقة والحلم معاً، فما هي إلا لحظات بمقاييس الزمن، الدهر كله عند محمد،
حتى دمدم الرصاص في الجسد الغضِّ، ليغفو في حضن والده موتاً، منكفئاً
بوجهه إلى الأرض، قد وضع يديه على عينيه كأنه يسترهما عن عارنا، في حين
استحال الأب إلى فسيفساء من ذهول، وما سلم الجدار؛ فكأنه الآن يريد أن ينقضّ،
وبقيت الحاوية شاهداً غير عدل! لقد كانت صورة معبِّرة بحق، وربما بأكثر مما
يحب المهرولون، تراجيدية بأكثر مما يجب بحسب شروط السلام، بل كان في
صدقها الذي لم يكن لمحمد فيه اختيار ما يدعو جمعيات الطفولة في العالم الأول
للاحتجاج على عرضها خشية تأثيرها على نفسيات الناشئة المتمدنة فتعيق فألهم
المنفتح على غد سعيد جديد! !
لقد قيل: إنها قد هزّت - لبشاعتها - مشاعر العالم! والسؤال الأدنى: وأي
صورة لأهل الأرض المباركة في يومياتهم مع يهود تحمل غير البشاعة: إزهاقاً،
واستحياءاً، إذلالاً؟ ! كما أن السؤال «الأقصى» : وأين هو ذلك العالم المهزوز
بالصورة عن حسّ الواقع لإقرار قيم الإنسانية المجردة في أبسط مظاهرها الفطرية:
دفعاً للظلم ونصرة للمظلوم على أرض الأقصى؟ وإذ يدرك المرء ارتباط النصرة
بمفهوم أعمق من مجرد عواطف آنية إن وجدت؛ إذ هو متصل بالهويات
العقدية في أخص مضامينها المشتركة، فليس القصد ألا نعي إخفاق مدنية القرن
«الجيني» في تطبيق معايير المجتمع المدني الذي تدعو إليه، والتي من أهم
بنودها: احترام الإنسان بوصفه قيمة مجردة بحقوق تبدأ ولا تنتهي! ! كما أن القصد
المراد: لفت نظر هذه الأمة إلى أن طبيعة الصراع مع يهود تتجاوز المحسوس
في مداه المهم إلى الأهم شعوراً بالهوية؛ في سبيل إعادة إنتاجها في صور
انتمائية إيجابية تسعى إلى تحقيق شروط النصر، سواء كانت شروطاً كونية
متعلقة بالاستعداد والقوة، أو شروطاً أخرى شرعية تتعلق بتجديد الصلة
بالله - تعالى - وصدق الالتجاء إليه.
فهذه الصورة التي تسابقت لبثها شبكات التلفزة لا تحكي - فقط - قصة القهر
الممنهج الذي يتعرض له الشعب المُعاني هناك صباح مساء، ولا تعكس فحسب
صورة ناجزة لهوان أمة كانت تنتصر في سالف الحقب لصيحة عفيفة لُطمت
بإحراق الأرض ومَن عليها! ! وإنما تكشف فيما هو أبعد من ذلك وأدل طرفاً من
نتائج تيهنا الطويل أكثر من نصف قرن من الزمان هي عمر قضيتنا المركزية كما
اعتدنا أن نقول، بُعداً عن مصادر التمكين، وخللاً في المناهج، وتغييباً لذاكرة
العزة التي لم تزل تلحّ علينا بحقيقة أن ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بها، وأنه ما ترك
قوم الجهاد في سبيل الله إلا ذلوا.
وحقاً؛ فأي ذلّ أمكن من هذا الواقع الذي يتفرج فيه مليار مسلم - فيما يقال-
على المسرى المحرم، ثالث المسجدين، وأولى القبلتين، وهو نهب لأرجاس
إخوان القردة، فلا يملكون من أمرهم سوى الشجب والتنديد؟ أم أي عار أخزى من
مقابلة شلالات الدم الزكي بالبيانات المجردة، وزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله
من إراقة دم مسلم؟ !
لقد قضى محمد الدرّة نحبه بثنتي عشرة سنة لم يعشها - كما هم أطفال العالم
من حوله - معطرة الأمل، وردية الحلم، وإنما هي ثنتا عشرة سنة «خريفية»
الهول «شتوية» الأنين، «صيفية» الهجير، «ربيعية» الوهم! ! فما أدري-
بعدُ - أقضى جزعاً عليها أم منها؟ ! غير أنه قضى وما زالت أمه تسترق النظر
عبر الباب تنتظره! قضى بالرصاص وما زال قلم الرصاص في مبراته، وفي
كراسه بقية من واجبات لم يتمها! قضى ولما يزل أقرانه في المدرسة ينظرون إلى
كرسيه الشاغر فيعجبون لجرأته على الغياب! ولئن غيَّبت هذه الصورة الرمز في
نفوسنا معنى التراتب المنهجي والعقلي في تناول قضايا أمتنا، فلم يعد لغير العاطفة
صوت وهو أضعف الإيمان فلا أقل من تأكيد دلائل الشرع، والعقل، والواقع على
إخفاق مشاريع «السلام» الطافحة بهوان التنازل حتى عن سلاح الموقف، وكذا
تأكيد أنه لا حل إلا بالجهاد الذي هو ذروة سنام الدين، ليقول الحجر والشجر: يا
عبد الله! هذا يهودي ورائي تعال فاقتله. لقد طال انتظارنا سيفَ خالد الذي
نستمطره في الغدو والرواح:
يا ابن الوليد ألا سيفاً تؤجره ... فكل أسيافنا قد أصبحت خشبا! !
فجاء سيف آخر صقيل، هو سيف صلاح الدين الذي عُرِضَ للبيع - حسب
إعلان - في إحدى الصحف بتاريخ ١٦/٥/١٤٢١هـ من هذا العام، فلم نحتج إلا
إلى شهرين من هذا التاريخ، كي نعرف أن له أصحاباً هم به أحفل، وهو إليهم
أنمى وأقرب، بعد أن تحاشى ثمنه «الغالي» آخرون، حيث استلمه طيب الذكر
والنشر محمود أبو هنود مؤكداً به جُبن يهود، وأنهم لا يقاتلون جميعاً إلا في قرى
محصنة أو من وراء جُدُر، بهذا السيف الذي هو سيوف يورق الأمل، ويستعيد
محمد ابتسامة شروق، ويبلغ أبناء الحجارة سنيّهم الأشد ليقيموا جدار محمد الذي
يريد أن ينقض، ويستخرجوا من تحته كنز الجهاد، والتمكين، والفتح، وهو فأل
محمد ومدلول اسمه. نعم مدلول «محمد جمال الدرّة» ؛ إذ الجهاد إرث النبوة
«المحمدية» وفي التمكين سيادة قيم الدين «الأجمل» ، وبالفتح تعود القدس
«درّة» مطهرة كما أراد الله لها أن تكون. هذه مفاهيم السلام في دين الله، فعلى
محمد سلام، وعلى اليهود السلاح.
стр. 3768
المنتدى
التنظيم في العمل الدعوي
أحمد بن محمد أشرف
العمل الدعوي مجال مفتوح، له طرق ووسائل عدة، الابتكار فيه لا مانع منه،
واستخدام بعض الطرق والوسائل التقليدية مشروع أيضاً؛ وذلك وفق ضوابط
وأصول متفق عليها من قبل الدعاة بناءاً على أسس الشريعة الإسلامية الراسخة،
ولكل داعية أسلوبه وطريقته.
لكنه من الملاحظ أن هناك آفة قد استشرت في بعض الصفوف، تلك
الصفوف التي يحرص أصحابها على الكسب الذاتي؛ فهم يحرصون على كسب
أكبر عدد من المدعوين، وهذا واقع حاصل، والآفة التي يقع فيها هؤلاء كثيراً هي
ما أسميه تجاوزاً: (الفوضى الدعوية) ؛ حيث يقوم كل واحد منهم بالتوجه إلى
شخص واحد، فيتوجهون كلهم إلى الشخص نفسه، ويبدأ كل منهم بسلوك أساليبه
وطرقه الدعوية معه، وأسباب توجههم له بهذا الشكل عديدة مثل حرصه على
المحافظة على الصلاة، أو حسن أخلاقه، أو أنه في بداية طريق الانتكاسة،
فيعملون كما سلف كل بحسب أسلوبه وطريقته، ويحرص كل منهم على أن يكون
التزامه واستقامته على يده، ويعمل على أن يضمه لمجموعته، وما إلى ذلك،
وبهذا يقومون بالهدم لا البناء، فلا يجد أحدهم غضاضة في التحذير من فلان ولو
بطريقة غير مباشرة ليكسبه هو في صفه، ولا مانع عندهم أيضاً من التصادم الذي
قد يبدو كله أو شيء منه أمام المدعو، إضافة إلى ما يحصل من هدم بسبب
الاختلاف في الطرق والوسائل الدعوية تبعاً لاختلاف وجهات النظر، وفي هذه
الحالة فإما أن يكون المدعو ذكياً ويصادمهم بعضهم ببعض، وإما أن يأخذ كلامهم
ويضرب به عرض الحائط، وإما أن يجامل الجميع فيصبح مذبذباً، وإما.. وإما..
وعندئذ يكونون كالمنبتِّ الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، حرصوا على الكسب
لحساباتهم الذاتية، فهدموا، أو جعلوا أساس البناء هشاً إن لم يهدموه.
وهذه الآفة علاجها سهل يسير، وهو أن يحرص كل من يعمل في المجال
الدعوي على نقاء النية وإخلاصها لله، إضافة إلى الوعي بأهمية العمل المنظم
المنسق، وهذا جانب مهم في العمل الدعوي، وهو أن هذا المجال يحتاج إلى تنظيم
وتنسيق وتضافر وتعاون، لئلا يحصل الهدم دون شعور، ونكون كالتي نقضت
غزلها من بعد قوة أنكاثاً.
стр. 3769
المنتدى
بناء جيل
حمود بن عبد الرحمن الصايل
لكي تقوم الأمة الإسلامية من رقدتها وتعود إلى مجدها وعزتها لا بد من بناء
جيل جديد بعد تجديد بناء جيل حالي، جيل أهدافه محددة واضحة، جيل يتجدد في
فكره وعواطفه، جيل لا يخرج بمنهجه من إطار هذا الشرع القويم، جيل يتجدد
عند كل خطأ. وهمته لا تتغير في هذه الحياة مع مرور الأيام وعند التعثر بالعقبات،
لا يعرف الرضى بالعجز ولا يقع نهبة لليأس، جيل لا ينخدع بالمظاهر ولا
بالمناصب، يعرف متى يتكلم وفي أي شيء يتكلم، وما فائدة هذا التكلم، ويعرف
متى يسكت وما فائدة سكوته وما ضرره؟ ويكون معيار سكوته هذا الدين القويم. لا
يكون خاوي الجعبة من العلوم، يعرف من أين يصعد؟ جيل يعرف كيف يتعامل
مع النصوص وإذا كان لا يعرف فإنه يتعلم، جيل يؤمن بهذه الآية حقيقة الإيمان:
[ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ] (النحل: ١٢٥) يعرف ما هو
الإيمان؟ يضع نصب عينه قوله - تعالى -: [وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ] (الأنفال: ٣٩) . جيل يوظف طاقاته كلها بلا استثناء،
باختلافها من شخص لآخر ومن جماعة عن جماعة ومن طبقة عن طبقة في خدمة
هذا الدين الشامل لجميع شؤون الحياة، لا بد لهذا الجيل باختلاف أشخاصه وطبقاته
وجنسه أن يعرف من أين يبدأ، وأي طريق يسلك؟ عندها وعندها فقط يصبح كل
فرد في هذا المجتمع له دور فاعل، عندئذٍ نعرف أخطاءنا السابقة التي نعتقد أن
بعضاً منها نفعله على صواب، في هذه الأثناء نجد أننا وضعنا بعض أخطائنا
طويلاً على شماعة اسمها الغرب. عندها نسترجع مجدنا وعزتنا بإذن الله.
стр. 3770
المنتدى
الفجر الجديد
محمد بن سعيد حجاب
في غمار هذه الفتن والمحن المتلاطمة وما يُلاقيه المسلمون من ألوان
العذاب والنكال في كل بقاع الأرض لا ترى مسلماً إلا ويذوب قلبه ويتفطر مما
يرى من تسلط الأعداء من حوله، ومما يرى من تخاذل المسلمين ونكوصهم عن
نصرة إخوانهم؛ ففي هذا العقد خصوصاً ظهرت أبشع العداوات السافرة
والحروب الضارية التي اصطلى المسلمون بنارها في كل مكان، ولك أن تنظر
إلى هؤلاء اللاجئين والمشردين لترى في وجه كل واحد منهم صفحة تقرأ في
سطورها كل معاني الفقر والفاقة والجوع والحرمان؛ فلكل مهاجر قصة، ولكل
لاجئ حكاية، ولكل أسرة ألف حكاية وحكاية.
نعم! فلقد أصبح جسدُ هذه الأمة جسداً مُثخناً بالجراح؛ فعن أي شيء أتحدث
يا أمتي؟ أأتحدث عن مستنقعات الدماء وكأنك ترى مذبحاً بشرياً؟ أم أتحدث عن
مصيبة هذه الأمة حين فارقت دينها وجهلت حدود ما أنزل الله على نبيها صلى الله
عليه وسلم؟ أم أتحدث عن مُصابها الفادح حينما حاربت دُعاة الإسلام ووصفتهم
بالتطرف والإرهاب والشطط الفكري؟ وهنا قد يتساءل سائل: ولكن أما لهذا الليل
من فجر قريب؟ فأقول: نعم فعما قريب إن شاء الله يبزغ فجر، وتعلو رايات أمتنا،
ويشهد الكون نصر دعوتنا وقيام دولتنا. قال - تعالى -: [كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا
وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] (المجادلة: ٢١) . نعم! فإن ما نراه من حولنا
يوحي بأن هناك جولة جديدة للإسلام بإذن الله يغير الله بها هذا الواقع المرير الذي
يحكم الأرض، ويستبدل به صفحة مشرقة يعيش الناس في ظلها، ولسوف تملأ
الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، والله الفعال لما يريد، وبالرغم من وجود
كثير من المعوقات إلا أن المبشرات أقوى منها وأجدر أن تكون هي صاحبة الكلمة
الأخيرة.
فنحن نرى أن الحرب التي خاضها الأعداء ضد الدعوة الإسلامية لم تكن
لتوقف هذا المد الإسلامي الذي يثبت جذوره في كل أنحاء المعمورة؛ فنحن أمة
يحركها قدر الله، ويقودها كتاب الله، ويجدد معالم طريقها رسول الله صلى الله
عليه وسلم، والمبشرات بنصر هذا الدين كثيرة تجيء في مقدمتها آيات الذكر
الحكيم، وأحاديث خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ ؛ فمن ذلك قوله
تعالى: [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ]
(غافر: ٥١) ، وقوله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون
اليهود فيقتلهم المسلمون» [١] ، وغيرها من الآيات والأحاديث الصحيحة التي تبشر
بنصرة هذا الدين، ولكن ينبغي للدعاة ألا يركنوا، وعليهم أن يتوقعوا مزيداً من
المحاربة والبطش؛ فعليهم التسلح بالإيمان، وعلى الصحوة كذلك أن تحاول كسب
قلوب الناس لمناصرة الدعوة، وأن تكون قادرة على الالتحام بالمجتمع، وعليها
أيضاً أن تكون قادرة على التفكير الإيماني. وعلى التيارات الإسلامية أن تحذر من
مغبة التشرذم والتفرق، ولتتعلم كيف تختلف دون أن تفترق وتتخاصم، وعلى
المسلمين أن يستيقظوا من سباتهم العميق، وليعملوا على تغيير ما بأنفسهم حتى
يُمكِّن الله لهم دينهم، ويُعيد إليهم دورهم السالف؛ مصداقاً لقول رسول الله صلى الله
عليه وسلم: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا
وبر إلا أدخله هذا الدين» [٢] .
стр. 3771
المنتدى
أزيزُ الحقد زاد
مبارك عبد الله المحيميد
كلمات من وحي صورة الفتى محمد جمال الدرة وهو في حضن والده.. لم
يسعفه الوقت لكتابتها..
حكاياتي حكاياتٌ ... من الألمِ.. ومأساةُ
تكدَّرتْ الحياةُ وك ... ان ملء النفس ضحكاتُ
وكان لديَّ في الآم ... ال حاجاتٌ وحاجاتُ
وجاء عليَّ يومٌ كلُّ ... هُ غضبٌ وويلاتُ
جنودٌ ها هنا صفُّوا ... وخلف الصفِّ قوَّاتُ
كلابٌ من بني صهي ... ونَ تلحقني وتفتاتُ
إلى أن صدَّني وأبي ... سدودٌ أو بناياتُ
أصيحُ:.. أبي وماذا قد ... تفيدُ اليومَ صيحاتُ
أبي:.. ويضمني فزعاً ... وملءُ الصدر آهاتُ
أزيزُ الحقدِ زادَ وسُدِّ ... دتْ فيَّ الرصاصاتُ
أرى عمري يمرُّ وخلـ ... فهُ تعدو النهاياتُ
سلامُ الزُّور تحفظهُ ... لدى الصمت القراراتُ
وتفضحهُ مجازر كُلُّ ... ها حقدٌ وثاراتُ
سلامُ الحقد معناهُ ... حروبٌ أو صراعاتُ
بَنِي قومي ألا حسٌّ ... يَهِيجُ.. ألا انْفعالاتُ
ألا خَيْلٌ تُثيرُ النق ... عَ مُورِيَةٌ مُغِيراتُ
بَنِي قومي لقد تَعِبَتْ ... من الرَّكضِ الريالاتُ
ودِينُ الله يا قومي ... أمانٌ وأماناتُ
سلام الله أبعثُهُ ... تعطِّرُهُ التحيَّاتُ
سلامٌ إنَّ موعدنَا ... بفضلِ الله جنَّاتُ
стр. 3772
المنتدى
حي على الجهاد
محمد فال بن سيدي
تَأَمَّلْ أخي هَديَ الرَّسُولِ المُعَظَّمِ ... وَلا تَكُ فِي نَهْجِ الضَّلال المذمَّمِ
أترضَىَ بأنْ تبقَى رُبُوعُ بلادنا ... أَسِيرَةَ حُكْمٍ ضَارِبٍ وَمُخَيِّمِ
يسَومُ جُمُوعَ المُسلمين مَذلَّةً ... ويُدْخِلهُمْ في الكفر بالنَّار والدَّمِ
فغابَت عَن الأوطان شِرْعةُ رَبِّنا ... ليَحْكُمَ شَرْعُ الكفر باسْم التّقدمِ
وأصبَحَ أهلُ الحق يَشكُونَ غُرْبَةً ... تَدَاعَى عَليْهِم كل وغد وَمُجْرِمِ
سَنَرْفَع عنا العَارَ بالسَيْفِ جَانباً ... ونمضي على نهج الرسول المعُظمِ
يَقُولُ لَنَا إنَّ الجِهَادَ سَبِيلُنَا ... لِعِز وإنْ حدنَا فَذل التشَرْذُمِ
عَشِقْنا رَصَاصَ العِز يشْدُو بألحُن ... تُزيلُ طغاة الأرض عن كل مسلمِ
سيَشْهد هذا الكون فجرَ خلافَةِ ... تحكم دين الهاشِميِّ المُعِلِّمِ
تُجاهدُ أَعْداءَ الإلَهِ تُذيِقُهُمْ ... لَدَى مَعْمَعَان الحَرْب كأسَ التّحطُّمِ
وَيَغْدُو كِتَاب الله نَهجاً مُحَكَّما ... وَتَحْيَا رُبوع بالعقِيدة تَحّتمِي
стр. 3773
المنتدى
المبادئ الأساسية للدعوة الإسلامية
عبد السلام سعيد كريم
بالبحث والتأمل يتجلى لنا أن الدعوة الإسلامية دعوة فطرية، ومبادئها
النظرية والعلمية تناسب كل طاقة، وليس فيها إتعاب للفكر ولا قهر للذهن ولا
إرهاق للتصور. سئل أحد الحكماء: لماذا أسلمت؟ فقال: نظرت في الإسلام فلم
أجد فيه أمراً يقول فيه: افعل، ويقول فيه العقل: لا تفعل، وكذلك لم أجد فيه أمراً
يقول فيه: لا تفعل، ويقول فيه العقل: افعل، ولكن وجدت كل ما جاء به من
أوامر ونواه يوافق العقل والشرع، أما مبادئه المحورية الأساسية فهي:
١ - الدعوة إلى عقيدة التوحيد: وهو أن يفرد الله بالربوبية والألوهية
والأسماء والصفات الواردة في القرآن والسنة النبوية من غير تمثيل أو تكييف أو
تعطيل، أو تحريف، تلك العقيدة السهلة التي لا تركيب فيها ولا تعقيد، ولا
غموض ولا إبهام، قال الله - تعالى -: [لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا]
(الأنبياء: ٢٢) .، وجميع الرسل ﵈ دعوا قومهم إلى التوحيد
الخالص كما جاء في القرآن: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ
لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ] (الأنبياء: ٢٥) .
٢ - الدعوة إلى عقيدة البعث والإيمان باليوم الآخر؛ وهي ترتبط بعقيدة
التوحيد بأوثق الروابط؛ فالإيمان بإله واحد يستجمع جميع صفات الكمال ويستلزم
الإيمان بحكمته البالغة، ومن الحكمة ألا يسوى بين مؤمن وكافر، وبرّ وفاجر،
ومحسن ومسيء؛ فلا بد من يوم تجزى فيه كل نفس بما كسبت، قال الله - تعالى-:
[أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ] (المؤمنون: ١١٥) .
٣ - الدعوة إلى الإيمان برسل الله: وبينها وبين العقيدتين السابقتين أقوى
الأواصر وأمتن الروابط، والإيمان بالرسل يقتضي الإيمان بما جاؤوا به من العقائد
والأحكام والكتب، وما جاؤوا إلا بما يصل العبد بربه ويحدد طبيعة علاقة الفرد
بالخلق، ويجلب له الهناءة في دنياه وآخرته: [وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن
قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى]
(طه: ١٣٤) .
فيجدر بالدعاة أن يشرحوا الأصول الثلاثة المتقدمة على غرار منهج السلف
الصالح في القرون المفضلة؛ أما بعد تلك العصور المشهود لها فقد نشأت أنواع من
البدع الخلافية والجدل الكلامي والأفكار المتنوعة، ولن يصلح حال آخر الأمة إلا
بما صلح به حال أولها.
стр. 3774
المنتدى
شيشان البطولة والصمود
أيمن إبراهيم شحاتة
الدين يأسى وصرح الكفر يزدان ... وأبحر الشعر أتراح وأحزان
بينا نذيع على الأسماع شقوتنا ... جاءت إلينا تحث السير شيشان
جاءت إلينا وقالت عند رؤيتنا: ... أفيكم اليوم أبطال وشجعان؟
ألا ترون صمودي؟ قلت: نشهده ... لكننا اليوم في الأحزان إخوان
أبطال (شامل) باتوا فخر أمتنا ... ومجد دولتنا يبنيه (أصلان)
(خطاب) يحمي حمى الأوطان مصطبراً ... أجناد ربك في الآفاق أعوان
رأيت في عينها شكوى مخبأة ... وطرفها في شعاب الأرض حيران
قالت: وأنتم، فقلت: اليوم عزتنا ... بعد الضياع لها في النفس سلوان
من بعد ما كمموا أفواهنا وسرى ... فينا الهوان وجفن الشرق وسنان
قالت: محال! ففكوا القيد وانطلقوا ... من قبل أن تصطلي بالنار أوطان
стр. 3775
المنتدى
التمرد
زاهر بن محمد الشهري
ما أجمل أن ترتبط الحياة بخالقها! ! وما أروع أن تهفو القلوب إلى
بارئها! ! وما أبدع أن ينتظم الوجود كحبات اللؤلؤ في عقد يطبق حقيقة [إِنِ الحُكْمُ
إِلاَّ لِلَّهِ] (يوسف: ٤٠) في السياسة والحكم.. وفي الاقتصاد.. وفي العلاقات
الاجتماعية.. وفي كل صغيرة وكبيرة لتكون حتمية النتيجة [إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ
يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] (الأعراف: ١٢٨) .
فإلى دعاة التحرر من الدِّين والقيم والأخلاق، وإلى أصحاب الفكر المستنير
زعموا وهل تمارس الخفافيش عملها في رابعة النهار وفي وضح الشمس؟ !
مثل النهار يزيد أبصار الورى ... نوراً ويعمي أعين الخفاش
أو كما قال الآخر:
خفافيش أعماها النهار بضوئه ... ووافقها قطع من الليل مظلم
فإلى هؤلاء وهؤلاء نقول: عودوا إلى جُحوركم، ودعوا الخلق للخالق [أَلاَ
لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ] (الأعراف: ٥٤) فقد كُشفت أستاركم وهُتكت عوراتكم،
وفُضح الفكر المستميت المنهزم تحت ضربات الواقع [فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا
مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ] (الرعد: ١٧) .
أحطنا بهم حتى إذا ما تيقنوا ... بما قد رأوا مالوا جميعاً إلى السلم
ولكن لا سلم حتى تُكسر الأقلام المفسدة، ويكفَّ كل متمردٍ عن «التمرد» .
стр. 3776
المنتدى
ردود
* الأخ: صالح بن محمد باشاقيب: أرسل يقول: إنني أتابع مجلة البيان من
أول عدد صدر ولله الحمد، وكنت أرى فيها المنهج الوسط (الاعتدال) ، ولكني
من خمس سنين أو أكثر ألاحظ أن هذا المنهج تلاشى، وبعدت عنه المجلة كثيراً،
فأطلب منكم إعادة النظر في الاعتدال، والعدل.. العدل.. العدل، وجزاكم الله
خيراً.
ومجلة البيان تقدر رأيك، ولكن نتمنى أن تذكر ملحوظاتك حتى نستفيد منها؛
فنحن لا نبرئ أنفسنا من الخطأ، ونسعد بالتقويم والمناصحة.
* الإخوة: الذين أرسلوا مشاركات عن شهر رمضان، نشكر لك تواصلكم
الكريم، ونفيدكم بأن المشاركات جاءت متأخرة، فلم نتمكن من نشر المناسب منها.
آملين دوام التواصل.
* الأخت: أم صهيب من الرياض: أرسلت تطلب كتابة بعض القضايا التي
تتعلق بالأرض المباركة فلسطين ونشكر الأخت على تواصلها مع مجلة البيان،
ويمكنها مراجعة الكتاب الذي صدر مؤخراً عن المنتدى الإسلامي بعنوان: قبل
الكارثة.. نذير ونفير.
* الأخ: سعود بن سليمان اليوسف: قصيدتك «نغم في أذن الصمت»
مجازة للنشر، مع رجاء أن تقوم باختيار عشرين بيتاً فقط، حسب المساحة
المخصصة للنشر، وجزاكم الله خيراً.
* الإخوة: خميس بن عاشور، عبد الله بن شبيب الدوسري، رياض بن
عقيل بونمي، فيصل عبد العزيز المخايطة، محمد عبد العزيز المبرد، ياسر
جياكتا، ممدوح القديري، سليمان عز الدين سليمان، عبد الخالق القحطاني، طلال
الجابري، عثمان بن عطية المزمومي: نشكر لكم مشاركاتكم الطيبة، ونفيدكم بأنها
مجازة للنشر، آملين دوام التواصل.
* الإخوة: أحمد عزيز كنعان، عبد الله موسى بيلا، محمد إبراهيم العلوي:
وصلتنا مشاركاتكم، جزاكم الله خيراً، ونفيدكم بأنها ستعد للنشر في المنتدى بإذن
الله.
стр. 3777
الورقة الأخيرة
دعوة إلى وقف العلم
د. محمد بن صامل السلمي [*]
إن أشرف ما تنفق فيه الأموال نشر العلم وتعليمه للناس، وأشرف العلوم علم
الشريعة، وأعلاها كتاب الله ووحيه القرآن الكريم، وقد نبّه النبي صلى الله عليه
وسلم إلى أهمية تعلم كتاب الله وتعليمه فقال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» [١] .
وإن من رحمة الله بعباده ولطفه بهم أن هيأ لهم أسباباً ووسائل تجعل أجورهم
وحسناتهم مستمرة ولا تنقطع بعد وفاتهم ومفارقتهم الحياة الدنيا.
وإن مما ينتفع به المسلم بعد وفاته أموراً منها [٢] :
١ - دعاء إخوانه المسلمين له إذا توفرت فيه شروط القبول.
٢ - قضاء الدَّين عنه من أي مسلم كان ولياً له أم غير ولي.
٣ - ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة؛ فإن للوالد مثل أجر الولد
دون أن ينقص من أجره شيء.
٤ - ما يعمله الولد الصالح من الدعاء والصدقات عن والديه. ويدل على ذلك
أحاديث من أشهرها:
أ - حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا
من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» [٣] .
ب - حديث عائشة ﵂ في الصحيحين: «أن رجلاً أتى النبي
ﷺ فقال: يا رسول الله! إن أمي افتُلتت نفسها - أي ماتت فجأة -
ولم توصِ، وأظنها لو تكلمَتْ تصدقَتْ؛ فهل لها أجر إن تصدقتُ عنها؟ قال:
نعم!» [٤] .
ج - حديث ابن عباس ﵄ في صحيح البخاري: «أن
سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب عنها فقال: يا رسول الله! إن أمي توفيت
وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدقتُ به عنها؟ قال: نعم! قال: فإني
أشهدك أن حائطي المِخْرَاف صدقة عليها» [٥] .
قال ابن المبارك: ليس في الصدقة اختلاف. كما حكى ابن تيمية الاتفاق على
ذلك [٦] .
٥ - ما خلفه بعده من آثار صالحة وصدقات جارية لقوله - تعالى -:
[إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي
إِمَامٍ مُّبِينٍ] (يس: ١٢) .
قال الحافظ ابن كثير [٧] قوله: [وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا] (يس: ١٢) أي من
الأعمال. وفي قوله: [وَآثَارَهُمْ] (يس: ١٢) قولان:
أحدهما: نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها من
بعدهم فنجزيهم على ذلك أيضاً، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. قال: وهذا القول
هو اختيار الإمام البغوي.
القول الثاني: أن المراد بذلك خُطَاهم إلى الطاعة أو المعصية. ثم قال: وهذا
القول لا تنافي بينه وبين الأول؛ بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأوْلى
والأحرى؛ فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب؛ فلأن تكتب التي فيها قدوة بهم من خيرٍ
أو شرٍ بطريق الأوْلى.
وقال العلاَّمة عبد الرحمن بن سعدي: «قوله: [وَآثَارَهُمْ] (يس: ١٢)
هي آثار الخير، وآثار الشر التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد
وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم. فكل خيرٍ عمل به
أحد من الناس بسبب علم العبد، وتعليمه أو نصحه، أو أمره بالمعروف، أو نهيه
عن المنكر، أو علم أودعه عند المتعلمين، أو في كتب يُنْتَفعُ بها في حياته وبعد
موته، أو عمل خيراً، من صلاة أو زكاة، أو صدقة، أو إحسان، فاقتدى به غيره،
أو عمل مسجداً، أو محلاً من المحال التي يرتفق بها الناس، وما أشبه ذلك؛
فإنها من آثاره التي تكتب له، وكذلك عمل الشر.
ولهذا من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن
سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من
أوزارهم شيئاً.
وهذا الموضع يبين لك علو مرتبة الدعوة إلى الله، والهداية إلى سبيله بكل
وسيلة وطريق موصل إلى ذلك. ونزول درجة الداعي إلى الشر الإمام فيه، وأنه
أسفل الخليقة وأشدهم جرماً وأعظمهم إثماً» [٨] اهـ.
ويدل على هذا أيضاً عدد من الأحاديث منها:
أ - قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ قال:
«إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: إلا من صدقة جارية، أو
علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» [٩] .
ب - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً عَلّمه
ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورّثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل
بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه بعد
موته» [١٠] .
قوله في الحديث الأول: «أو علم ينتفع به» دليل على فضيلة وقف العلم
والترغيب في ذلك. ووقف العلم يكون بتأليف الكتب ونشرها بين الناس، وإيقافها
في المكتبات العامة والمساجد والمدارس والأماكن التي ينتفع بها، كما يكون بتعليم
العلم ونشره وإيداعه عند طلابه الذين يحفظونه ويبلغونه لغيرهم.
كما أن وقف العلم قد يكون من غير العالم؛ وهذا من سعة فضل الله على
عباده؛ إذ يستطيع غير العالم مشاركة العالم في وقف العلم واستمرار أجره، وذلك
بالنفقة على شراء كتب العلم النافعة وطباعتها وتوزيعها على المحتاجين لها، ووقفها
على المكتبات والمدارس الخيرية بدليل قوله ﷺ في حديث ابن
ماجه: «ومصحفاً ورّثه» فإن المصحف ليس من تأليفه، وإنما ورّثه بالإنفاق
على طباعته أو شرائه ثم يجعله وقفاً، وهكذا كتب العلم إذا أنفق على طباعتها
ووقفها؛ فإنه يشارك العالم في نشر العلم، وكذا الإنفاق على المعلمين والمتعلمين
وتجهيز أماكن التعليم، وأدواته ووسائله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإن إعانة المسلمين بأنفسهم وأموالهم على
تعلم القرآن وقراءته وتعليمه من أفضل الأعمال» [١١] .
أخي المسلم: إن مشاركتك في نشر العلم وإيجاد الأوقاف الثابتة للإنفاق على
تعلم القرآن والعلوم الشرعية من أعظم الوسائل لاستمرار عملك وحسناتك سنيناً
ودهوراً بعد وفاتك، وهي من أعظم البر لوالديك، وأقاربك، وأصدقائك، فاحرص
على نفع نفسك ونفع إخوانك المسلمين، بنشر الشريط الإسلامي، والكتب النافعة،
ودعم حلقات تحفيظ القرآن الكريم والتعاون في ذلك مع أهل الخير والفضل، والله
الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 3778
ذو القعدة - ١٤٢١هـ
فبراير - ٢٠٠١م
(السنة: ١٥)
стр. 3779
كلمة صغيرة
رسالة من الحاخام الأكبر
منذ أن بدأ الصراع مع اليهود والنخب العلمانية المتنفذة سياسياً وفكرياً
وإعلامياً تسعى لطمس معالم الصراع الحقيقية، وتغييب وعي جماهير الناس.
وإذا كانت انتفاضة الأقصى أحيت من جديد شعلة الجهاد في سبيل الله،
ورفعت لواء المواجهة الجادة مع اليهود؛ إلا أن لؤم التطبيع العلماني ما زال كامناً
في بعض النفوس المريضة؛ فقد ذكرت وكالات الأنباء أن الاتصالات بين الأجهزة
الأمنية الفلسطينية والحكومة اليهودية لم تنقطع على الإطلاق حتى في ظل الجبروت
اليهودي والقصف العشوائي على الأراضي الفلسطينية، بل زادت حدتها للسيطرة
على الانتفاضة ووأدها، أو تغيير مسارها وقطف ثمارها.
ولمَّا أُعلن عن هذه الاتصالات في وسائل الإعلام اليهودية صرَّح زعماء
السلطة بأن اللقاءات مع اليهود لم تصل إلى حد المفاوضات وإنما هي في مرحلة
المشاورات! وكأن جراحات الأمة ودماءها لا قيمة لها على الإطلاق، ولا تستحق
ولو قليلاً من الحياء..! !
لقد حدد (مردخاي إلياهو) الحاخام الشرقي الأكبر لـ (إسرائيل) حقيقة
الصراع، فقال في خطاب له أمام عدد من الدارسين في الدينية العسكرية
على وشك الالتحاق بالجيش اليهودي: (لنا أعداء كثيرون وهناك من
يتربص بنا وينتظر الفرصة للانقضاض علينا، وهؤلاء بإمكاننا عبر الإجراءات
العسكرية أن نواجههم. لكن ما لا نستطيع مواجهته هو ذلك الكتاب الذي يسمونه
القرآن، هذا عدوُّنا الأوحد، هذا العدو لا تستطيع وسائلنا العسكرية المباشرة
مواجهته!) .
ثم يتساءل قائلاً: (كيف يمكن أن يكون هناك سلام في الوقت الذي يقدس فيه
المسلمون العرب كتاباً يتحدث عنا بكل هذه السلبية؟ ! على قادة الدولة عندنا أن
يبلِّغوا قادة الأنظمة الحاكمة في الدول العربية أن يختاروا بين السلام معنا أو
القرآن! !) .
هذه هي حقيقة المعركة التي يتربى عليها الجيش اليهودي.. ألا فلتنكسر كل
الأقلام الهزيلة التي ما زالت تزين السلام الموهوم بزينة كالحة.. ولتسكت كل
الأصوات النشاز التي تريد أن تخدع الأمة وتبعدها عن حياضها الكريمة ومنابعها
العذبة الأصيلة، وإن دماء الصالحين لن تثمر بإذن الله إلا نفوساً أبيَّة لن ترضى
الدنية في دينها.
стр. 3780
الافتتاحية
رسالة مفتوحة إلى المجاهدين في الأرض المقدسة
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه،
وبعد:
فقد أذن الله لجهادكم أن يكون حقاً وواجباً، وشاء سبحانه أن يجعل أرضكم
ميداناً لأكبر ساحات جريان سُنَّة التدافع بين الحق والباطل، وفي القرآن آية أنتم
أهلها ما دمتم أنصاراً لدين الله. قال تعالى: [أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ
اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا
اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ
وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ
عَزِيزٌ] (الحج: ٣٩- ٤٠) .
ولذلك فإننا ننطلق من عموميات هذه الآية المباركة لنرسل إليكم هذه الرسالة
الأخوية النابعة من رغبة خالصة في التناصح والتذاكر؛ فالمؤمن مرآة أخيه.
أيها المجاهدون: نقرر بادئ ذي بدء أمام الجميع حقيقة لا مراء فيها، وهي
أنه لا مجال لأحد في المزايدة على جهادكم المبارك وأنتم تقدمون من العطاء أعلاه
ومن البذل أغلاه، كيف لا وأنتم تبذلون ما لا بَذْلَ بعده، وهو الروح، وتجودون
بما لا أثمن منه وهو الدم؟
إلا أن فرض التناصح الواجب بين المسلمين خاصتهم وعامتهم، يحتم علينا
أن نشارككم المشورة في كيفية توجيه هذا الجهاد الذي تشرعون في رفع أعلامه في
الأرض المقدسة نحو غاياته الأسمى، وبما يليق بأكبر قضايا المسلمين في هذا
العصر؛ ذلك أن الجهاد عبادة وفريضة دينية تحكمها شرائع وتضبطها شعائر،
وتحفُّها أحكام؛ فجهادكم ليس كمثل (كفاح) الثوريين أو (نضال) اللادينيين الذين
لا يلتزمون شريعة ولا يثبتون على مبدأ.
وقبل أن نَشْرَع فيما نحن بصدده من تناصح وتذاكر، نريد أن نسجل اغتباطنا
أيها المجاهدون برباطكم الأغر على رُبَى الأقصى، وثرى المقدسات في الأرض
المباركة، وهنيئاً لكم بشرى رسول الله بقيام طائفة ظاهرة على الحق في أرضكم،
يقاتلون عليه في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس لا يضرهم من خالفهم ولا من
خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، وهنيئاً لكم انتدابكم للوقوف في وجه أشد
الناس عداوة للذين آمنوا، وهنيئاً لكم انتصابكم لمهمة النيابة عن الأمة كلها في الذود
عن حرمات أرض الأنبياء، من لدن إبراهيم إمام الموحدين ﵇ إلى محمد
خاتم النبيين ﷺ ، هنيئاً لكم أنكم أهل الأرض التي جعلها الله في
رباط إلى يوم القيامة، وهنيئاً لكم أن تلك الأرض ستشهد عودة آخر خلافة على
منهاج النبوة، وستكونون بإذن الله أنتم أو أبناؤكم أو أحفادكم طلائع الممهدين
لسلطانها حتى يتحقق قول الله تعالى: [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] (الصف: ٩) . ولكن هذا الشرف
كله، وذلك الفضل كله مشروط أيها المجاهدون بتحقق أوصاف الطائفة المنصورة
فيكم شيباً وشباباً، رجالاً ونساءً، تلك الطائفة التي اختُصر وصفها في الحديث
الشريف في كلمات قليلة هي: «ما أنا عليه وأصحابي» [١] .
يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم:
أيها المجاهدون: قدَرُكم - وهو قدْركم أيضاً - إن شاء الله - أن تكونوا أهل
هذه الأرض التي لم يبارك الله لكم فيها فقط، بل بارك فيها للعالمين، كما نص
القرآن، ولهذا فهي لكم خاصة، ولأهل الإيمان عامة؛ لأن صك وراثتها مشروط
بالتقوى [إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ]
(الأعراف: ١٢٨) .
إن قانون الوراثة هذا قد جاء على لسان نبي الله موسى الذي أُرسل لبني
إسرائيل، ولهذا فإن بني إسرائيل لم يكن لهم حظ في وراثة هذه الأرض في أي
زمان من الأزمنة إلا بهذا الشرط، شرط الإيمان والتقوى، فلما فقدوا هذا الشرط لم
يكن لهم إلا توارث اللعنة والغضب، ولم تعد الأرض المقدسة هي الأرض التي
كتب الله لهم، بل إنها الأرض التي كتب الله لكم، ولكل الموحدين الحائزين صفة
المتقين. لقد كانت دعوة موسى ﵇ لقومه بدخول الأرض المقدسة مقرونة
باتباع هدي الأنبياء والتميز بالتوحيد عن بقية الأمم كما حكى القرآن: [وَإِذْ قَالَ
مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَآتَاكُم
مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّنَ العَالَمِينَ] (المائدة: ٢٠) ، ثم قال لهم: [يَا قَوْمِ ادْخُلُوا
الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ]
(المائدة: ٢١) ، فوَعْد الحيازة حق إلهي أُعطي لبني إسرائيل لما كانوا على الدين
الصحيح، وليس حقاً تاريخياً ولا جغرافياً ولا قانونياً ولا عنصرياً.
إنهم يحدثونكم عن (الحق التاريخي) في وراثة الأرض، ويحدثونكم عن
قرارات الأمم المتحدة ومقررات الشرعية الدولية، وضمانات راعيي عملية السلام،
ولكنا نحدثكم عن الوعد الشرعي الحق الذي سيظل قائماً ما دمتم على الحق قائمين،
وما دمتم دونه مقاتلين وتحت رايته وحده مجاهدين؛ فهذا وصفكم في خبر الصادق
المصدوق صلى الله عيه وسلم: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب
دمشق وما حوله وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم من خذلهم،
ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة» [٢] .
ولهذا نقول لكم بقول الله - تعالى -: [يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَتِي
كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ] (المائدة: ٢١) .
من أخبار المنقلبين:
لقد رأيتم أيها المجاهدون كيف ارتد أقوام من بني جلدتنا على أدبارهم فانقلبوا
خاسرين، كيف تقلبوا في درجات التعالي بالباطل، ثم انحطوا في دركات الحيدة
عن الحق؛ لا لشيء إلا لأنهم استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، عندما رفعوا
كل الرايات إلا راية الإسلام الصادق، وصادقوا كل المعسكرات إلا معسكر الإيمان
الثابت، إنهم وقفوا وافتخروا بكل نسبة إلا النسبة للدين الحق، فها هو إعلام
السلطة يخاطب الفلسطينيين بوصف (الكنعانيين) ولا يخجل عرفات أن يكرر في
كثير من المحافل قوله: (نحن شعب الجبارين المذكورين في القرآن) ! وكأنه
يقول لليهود: أنتم أتباع الأنبياء، ونحن الجبارون الوثنيون الذين قاتلهم الأنبياء في
الأرض المقدسة!
إنهم وثقوا بكل وعود الأعداء وأمانيهم، ولم يثقوا بوعد الله الذي أجراه على
ألسنة الأنبياء: [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ
الصَّالِحُونَ] (الأنبياء: ١٠٥) . فلنكن نحن على ثقة بهذا الوعد، وليتحقق فينا
وفيكم وصف العبودية والصلاح.
إن صلاحكم أيها المجاهدون وعبوديتكم يكمن في إصلاح مسيرتكم وتقويم
مناهجكم، فقوِّموها وراجعوها ولا تسأموا من مراجعتها؛ لتكون كاملة التطابق مع
المنهاج الشامل المتكامل الذي جعله الله عدة للنصر، وسبيلاً للتمكين؛ فو الله لن
يكون نصر إلا بذلك [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ] (الحج: ٤٠) ، ووالله ما أُتينا
من قَبْل، ولن نؤتى من بَعْد إلا بالتفريط في نصرة الله بنصرة دينه ومنهاجه
وشرعه [إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ] (آل عمران: ١٦٠) .
إن هذه الآيات تحكي لنا ولكم باختصار أسرار الخذلان والذل والانكسار الذي
عانت وتعاني منه الأمة في فلسطين وغيرها؛ فلن ينصرنا أحد إذا خذَلَنا الله، ولن
تستطيع أمم الأرض ولو اجتمعت أن تعيد لكم حقاً أو تحقق لكم نصراً إلا بإرادة الله
وحده.
غطاء الحماية الدولية، أم مظلة الحماية الإلهية؟
إنهم يتسوَّلون لكم الآن ولأهلنا في الأرض المغتصبة (الحماية الدولية) ،
ناسين أن هناك حماية إلهية قد ضمنها الله لكم وللأمة كلها من كيد يهود وغيرهم.
قال تعالى: [لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ]
(آل عمران: ١١١) ولكن ما الذي جرى؟ ولماذا لم تعد تظلنا هذه الحماية
الإلهية؟ ! إن الخطاب موجه إلى المؤمنين الذين ينصرون دين الله؛ فهل حققنا
وصف الإيمان وقمنا بواجب النصرة؟ قال تعالى: [وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا
الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِياًّ وَلاَ نَصِيراً] (الفتح: ٢٢) قال ابن كثير في تفسيرها:
«يقول الله مبشراً لعباده المؤمنين بأنه لو ناجزهم المشركون لنصر الله
رسوله وعباده المؤمنين عليهم، ولانهزم جيش الكفار فاراً مُدْبِراً لا يجدون ولياً ولا
نصيراً؛ لأنهم محاربون لله ولرسوله ولحزبه المؤمنين، ثم قال ﵎:
[سُنَّةَ اللَّهِ الَتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً] (الفتح: ٢٣) . أي
هذه سنة الله وعادته في خلقه: ما تقابل الكفر والإيمان في موطن فَيْصَلٍ إلا نصر
الله الإيمان على الكفر، فرفع الحق ووضع الباطل» [٣] . فما بال جيوشنا قد
أدمنت تولية الأدبار أمام الكفار؟ ! أليس هذا أمراً جديراً بأن يجعلنا نخاف على
أنفسنا، بل نخاف على إيماننا؟ إن أحداً لن يفهم هذا الخطاب أيها المجاهدون إلا
أنتم؛ فكونوا طليعة شعبكم في العودة الصادقة إلى منهاج النصر والتمكين الخالي
من شوائب المخالفة والعصيان والابتداع في الدين. وتلك لعمرُ الحق مسؤولية
جسيمةٌ جسيمةٌ جسيمةٌ لا بد أن تتصدوا للقيام بأعبائها مهما كلف الأمر من وقت
وجهد وإلا ... فلا خروج لنا أو لكم من ذاك التيه المضروب على الأمَّة كلها في
مسيرة صراعها.
حذارِ من المبتدعة والابتداع!
إذا كانت القوة والعزة نتيجة مباشرة لنصرة الدين، فإن الضعف والذلة من
ثمرات الانحراف والابتداع في الدين، نعم! فهكذا أخبر من بيده الخلق والأمر
سبحانه عن المبتدعين الأوائل قال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ
مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ] (الأعراف: ١٥٢) .
قال أبو قلابة: «هي والله لكل مفترٍ إلى يوم القيامة» ، وقال سفيان بن
عيينة: «كل صاحب بدعة ذليل» [٤] . نقول هذا بمناسبة ما طيَّرته وكالات
الأنباء عن تشيُّع عدد من قادة الحركة الإسلامية في فلسطين (احتجاجاً) على
الموقف المتخاذل لكثير من الهيئات والجماعات والدول المنتسبة لأهل السُّنَّة حيال ما
يحدث للفلسطينيين وعدم مبادرتهم إلى اتخاذ مواقف قوية في نصرتهم كما يفعل
الشيعة، إننا نقول: مهلاً يا أنصار دين الله في الأرض المقدسة! مهلاً يا أحفاد
الصحابة الذين روَّوْا بيت المقدس بدمائهم؛ فليس بنهج مبغضي الصحابة يُعاد فتح
القدس. إنهم يخدعونكم بادعائهم محبة أهل البيت، في حين أنهم يلعنون سيدة أهل
البيت أم المؤمنين عائشة ﵂! إنهم يراودونكم عن السنَّة ببدعتهم،
ويزايدون عليكم بدعاوى بطولاتهم وفدائياتهم! ! مع أن جهادكم أنقى وأتقى وأبقى؛
فأين جهاد عزِّ الدين القسام، والشيخ أمين الحسيني، وأحمد ياسين، ويحيى
عياش، وغيرهم كثير؟ أين تضحيات هؤلاء الشرفاء من شهدائكم وجرحاكم
ومجاهديكم، أين ذلك كله وغيره كثير من مغامرات حفنة من روافض الشام الذين
ما سقط بيت المقدس بيد الصليبيين إلا في عهد أسلافهم العُبيديين، وما اجتاح التتار
ديار المسلمين إلا بدعوة وإطماع من أجدادهم العلقميين؟
إنهم يدعونكم إلى الاقتداء والتأسي بمسلك من يدعونه (حزب الله) الذي
قالوا إنه أول من حقق نصراً حاسماً على دولة اليهود في تاريخ الصراع
العربي الإسرائيلي! مع أن هذا الحزب كما هو معلوم للجميع يعمل لحسابه وحساب
طائفته فقط، وهذا ما صرَّح به كبير القوم هناك عندما قال: «لا علاقة لما نقوم به
ضد إسرائيل بالفلسطينيين أو الانتفاضة» (مهدي شمس الدين، الشرق الأوسط،
١٠/ ١٢/٢٠٠٠م) ، وهم ما فتئوا يرددون ويكررون أن حركتهم ستنصرف إلى
العمل السياسي بمجرد الإفراج عن الأسرى اللبنانيين الشيعة طبعاً وبعد تحرير
مزارع (شبعا) في جنوب لبنان، ذلك الجنوب الذين يريدونه مُنطَلَقاً لمدٍّ رافضي
آخر في المنطقة، ولكنه عربي هذه المرة. وعندما سئل أمين حزبهم عن نية
مجموعته في تقديم العون العسكري للانتفاضة رد بلا تقيَّة: «العون العسكري
ليس وارداً، ولكننا نساند الانتفاضة مساندة معنوية» !
إننا نرجو ألاَّ يُفرط بعض قادتكم أيها المجاهدون في حسن الظن في هؤلاء
القوم الذين يرون في أهل السنة أعداءهم التاريخيين، وليس بين أيدينا ما يدل على
كل حال على أن موقفهم هذا قد تغير أو هو قابل للتغير.
أهل السنة هم فئتكم المتحيزون إليكم:
إذا كان أهل الزيغ يراودونكم على السنَّة فإن أهل الانحراف يراودونكم على
الإسلام نفسه، فيريدون لشعبكم أن يظل في غياهب الظلمات العلمانية منقسماً إلى
فصائل متخالفة يعمل كل منها لحساب راية من الرايات العِمِّية؛ والعجيب أن هؤلاء
لا يعترفون بأهل السنة منكم ولو كفصيل من الفصائل التي لها حرية الحركة
والمشاركة؛ ولكنهم يجعلون منكم فقط الفصيل المنبوذ المطارد دائماً؛ ولهذا نقول:
أنتم أولياؤنا دونهم، نعم أيها المجاهدون! إن فصائل أهل السنة الصادقين في أنحاء
العالم هم فئتكم، وأنصاركم، وهم العمق الذي يمتد في أرجاء المعمورة دعماً
لقضيتكم؛ لأنها القضية الأولى عند كل صادق في انتمائه للكتاب والسنة، أما
الوثوق بأصحاب الرايات العلمانية من أحزاب الثوريين والشيوعيين والقوميين
والبعثيين وغيرهم فإنهم هم الذين جلبوا على قضيتكم المصائب، وتسببوا في فضِّ
الناس من حولها، بعد أن نزعوا رداء القداسة الدينية والصبغة الإسلامية عنها.
لقد تجاوبت الأمة كلها مع انتفاضتكم، وتدفقت التبرعات المالية بسخاء
وعفوية لدعمها وضمان استمرارها، ولكن هناك عقبة وحيدة وقفت دون وصول
عون إخوانكم إليكم، إنها عقبة (عدم الثقة) ، نعم! عدم الثقة في القيادات التي
برهنت دائماً على أنها أدنى من مستوى الشبهات، وما نادي القمار في (أريحا)
الذي تكلف ملايين الدولارات، إلا أحد الشواهد على سوء توظيف أموال الدعم
العربي والإسلامي لقضيتكم.
إن هؤلاء العلمانيين على اختلاف ألوانهم كانوا ولا يزالون لعنة على القضية
ولعبة في أيدي أعدائها، يستعملونهم في العبث بمصائر شعوب المنطقة ومقدراتها،
وقد آن الأوان لأن تتحقق المفاصلة بين دعاة الحق وأدعيائه، بين أولياء الدين
وأعدائه؛ وقد أثبتت تداعيات الأحداث الأخيرة، وما قبلها أن أمثال هؤلاء لا
يمثلون أي هاجس لدى الأعداء الظاهرين، إنما الخطر كل الخطر على اليهود
وأوليائهم يأتي من قِبَلكم ومن قِبَل أمثالكم من المقاتلين في سبيل الله لا في سبيل
الطاغوت.
أيها المجاهدون: سيقولون لكم: إن دعوتكم هذه ستفرق الشعب، وستقضي
على (الوحدة الوطنية) التي تجمع بين المسلمين والنصارى والإسرائيليين العرب.
فقولوا لهم: إن القضية الإسلامية تحتاج إلى وحدة إسلامية، وهي نفسها التي
ستؤدي إلى وحدة أهل الوطن تحت راية واحدة، لا رايات متخالفة.
الرهانات الخاسرة:
كان العلمانيون دائماً يُراهنون على مرِّ العقود الماضية على الشرق الشيوعي
تارة وعلى الغرب الصليبي أخرى، والآن وقد دالت دولة الشيوعية، ولم يبق في
الشرق والغرب إلا الدول الصليبية، فإنهم يريدون من شعوبنا أن تضع ثقتها فيهم
وفي خيوط العنكبوت التي يتعلقون بها؛ فمرة يتعلقون بأهداب المجموعة الأوروبية،
ومرة بأطراف ثوب الدولة الروسية، ومرة بحبال الأسرة الدولية في المنظمة
العالمية، فإذا لم يجدوا فائدة هنا أو هناك انقلبوا إلى أحضان الراعي الأمريكي الذي
يُسلِّم رقابهم في كل مرة إلى الدولة اليهودية.
إن هذا التقلب وذاك التخبط وارد ومنتظر من هؤلاء العلمانيين الذين
يتحركون دائماً بلا ثوابت، بل بلا مبادئ، أما ما لم يكن وارداً ولا منتظراً فهو
رهان بعض الإسلاميين من الفلسطينيين وغيرهم على الأحصنة الخاسرة مرة
أخرى، ولعل أبرز ذلك انصياع بعضهم لأوهام الرعود الصدامية الخادعة والوعود
البعثية الكاذبة التي لم تستطع تحرير جزء من شمال العراق حتى تُنصِّب نفسها
الآن لتحرير كل فلسطين! !
إن ستة ملايين متطوع تحت رايات البعث العربي القومي في العراق لن تغير
في موازين القضية شيئاً، بل إن هذه الستة، ولو وضعت أمامها ستة أصفار أخرى
فإنها لن تغير من سنن الله شيئاً؛ فسنن الله التي لن تتبدل تقول عن أقوام أصلحوا
الظاهر ولم يصلحوا الباطن: [لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا
خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ] (التوبة: ٤٧) .
ونحن على يقين أن انتصار الأمة على أعدائها في بيت المقدس وما حوله
شرف لا يستحقه صدَّام ولا أتباعه ولا أمثاله إلا أن يتوبوا؛ ومشكلتنا مع هؤلاء أننا
لم نسمع عنهم توبة معلنة، بل لا زالت راياتهم المرفوعة علمانية صريحة.
أيها المجاهدون: إن قوى الشر تجتمع ضد انتفاضتكم الباسلة تريد إجهاضها
وفض الناس من حولها، كما حدث في الانتفاضات السابقة، ونقول: سواء
استمرت هذه الانتفاضة أو أُوقفت بمكر المكَّارين، فإن الذي لا نبغي أن يتوقف أبداً
هو زخم الجهاد وروحه الوثابة التي ينبغي أن تسابق (قطارات السلام) المتهالكة
على الخضوع ومشروعات الاستسلام المتسابقة للركوع؛ فلا استسلام لليهود ما دام
دين الحق باقياً.
ولهذا نقول لكم صادقين: إن شرف انتصار أمة الإسلام لن يكون إلا على
أيدي جند الإسلام [وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ *
وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ] (الصافات: ١٧١-١٧٣) فكونوا إخواننا المجاهدين
طلائع جند الإسلام ونحن وراءكم، والأمَّة كلها وراءكم، والله حسبنا وحسبكم،
وهو سبحانه نعم المولى ونعم النصير. وإلى لقاء في رسائل قادمة.
стр. 3781
دراسات في الشريعة والعقيدة
الاستدلال العلمي في العقيدة الإسلامية
خميس بن عاشور [*]
يعتقد الكثير ممن يُحسبون على الثقافة أن العقائد الدينية كلها «دوغمائية»
أي مؤكدة من غير دليل؛ وإن كان ذلك ينطبق على كثير من الأديان الوضعية أو
السماوية المحرفة فإن العقيدة الإسلامية بعيدة كل البعد عن هذه التهمة، ولذا لا نخال
الحاكمين بهذه المقالة قرؤوا كتاب الله بتدبر، أو درسوا شيئاً مما يعوَّل
عليه من فنون الإسلام وعلومه وعلى رأس ذلك علوم السنة النبوية الشريفة؛ لأننا
في دوائر العلوم الإسلامية نجد أن الإجماع منعقد على أن العلم قبل القول والعمل؛
وذلك أن الاعتقاد هو تصور جازم سواء طابق الواقع أو خالفه، وسواء كان ذلك
الاعتقاد صحيحاً أو خاطئاً على مقتضى أحكام العقول أو النقول، بينما العلم هو
اعتقاد الشيء على ما به مع شرط مطابقة الواقع؛ ولذلك فإننا نجزم بما لا مجال
للريب فيه أن العقيدة الإسلامية هي عِلْم أولاً وقبل كل شيء؛ لأنه لا مكان في
الإسلام لاعتقادٍ لا يؤسس على دليل علمي سواء كان عقلياً صريحاً أو نقلياً صحيحاً
. قال - تعالى -: [وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ
أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً] (الإسراء: ٣٦) ، وقوله - تعالى -: [فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ
إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ] (محمد: ١٩) .
وهؤلاء الزاعمون من أهل الثقافة المنحرفة لا يعيرون أي اهتمام لأبسط
الأبجديات الإسلامية، وكأنهم لا يعلمون أنه من أول ما نزل من القرآن الكريم
الدعوة إلى وجوب القراءة؛ فقد قال - تعالى -: [اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]
(العلق: ١) ، والقراءة هي أول مدارج العلم والمعرفة، وفضل العلم في الإسلام لا
يضاهيه أي فضل؛ وقد وجه الإسلام أتباعه إلى الاستزادة منه فقال - تعالى -:
[وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً] (طه: ١١٤) . وعن أبي الدرداء ﵁ أن
النبي ﷺ قال: «من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً
من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن
العَالِم ليستغفر له مَن في السماوات ومَن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن
فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء
ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُورِّثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورَّثوا العلم فمن أخذ به
أخذ بحظ وافر» [١] .
وجاء في كتاب العلم من صحيح البخاري ﵀ باب: العلم قبل القول
والعمل، وقال جل ذكره: [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ] (فاطر: ٢٨) ،
وقال سبحانه: [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ] (الزمر: ٩) .
إن من أساسيات المنهج العلمي الملاحظة والافتراض، ثم التجربة والاستنتاج؛
ولقد نعى القرآن الكريم على الكفار عدم استعمالهم لوسائل الإدراك التي يتحقق بها
هذا المنهج العلمي الذي يقود حتماً إلى الحقيقة الإيمانية، قال - تعالى -: [وَلَقَدْ
ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ
بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ]
(الأعراف: ١٧٩) .
ولقد حفلت آيُ القرآن الكريم بتطبيقات كثيرة لهذا المنهج العلمي؛ فهذا
إبراهيم الخليل ﵇ رأى قومه يعبدون الكواكب ويشركونها مع الله
فأراد أن يقنعهم ويستدل لهم على بطلان ما هم عليه من الاعتقاد، فاستعمل المنهج
العلمي الذي يحقق تلك الغاية النبيلة فافترض، ثم جرَّب، ثم استنتج النتيجة
المطلوبة وهي بطلان الشرك أمام حقيقة التوحيد السامية. قال - تعالى -:
[وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ
عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي] (الأنعام: ٧٥-٧٦) إلى قوله - تعالى -:
[فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] (الأنعام: ٧٨-٧٩) .
فقد كانت التجربة والاستنتاج هي الوسيلة الدافعة التي أظهرت أن
هذه المخلوقات السماوية لا يجوز لها عقلاً أن تكون أرباباً وآلهة معبودة من دون الله
؛ لأنها تختفي وتزول، وهي خاضعة لنواميس الكون التي خلقها الله عز
وجل لحفظ الكائنات حتى تؤدي دورها الذي من أجله وُجدَت، وحتى تتحقق حكمة الله
في خلقها. فاعتقاد التوحيد في قصة إبراهيم مع قومه أساسه علمي راسخ،
ودليله ظاهر لا مجال فيه للشبهات والريب؛ ولكن قومه «الدوغمائيين» وأمام
حجة إبراهيم الدافعة تعنتوا واستعملوا العنف والقوة الظالمة لرد الحق الذي جاءهم به
قال تعالى: [فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ
النَّار] (العنكبوت: ٢٤) ، وكذلك كان ردهم عندما ألزمهم الحجة الباهرة على بطلان
عبادة الأصنام بقوله: [قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوَهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ]
(الأنبياء: ٦٣) .
وأمام انقطاع حجتهم: [قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ]
(الأنبياء: ٦٨) ، وفي قصة موسى مع سحرة فرعون عندما هزمهم الله ونصر
نبيه ﵇: [قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ العَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ]
(الشعراء: ٤٧-٤٨) . واعتقاد هؤلاء السحرة بعد توبتهم وعلمهم بالإيمان
الصحيح كان مؤسساً على منهج علمي أكيد؛ وذلك أنهم كانوا أعلم الناس في
مملكة فرعون بالسحر، وعندما رأوا معجزة موسى علموا أن ذلك لا يمت بصلة
لجنس السحر الذي علموه، فانقدح في رُوعهم نور الإيمان عن علم ودليل وتوفيق
من الله . ولذلك يرد كثيراً في القرآن الكريم اقتران العلم بالإيمان،
واقتران الذين يعلمون بالذين يؤمنون. قال تعالى: [وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ
وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ البَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لاَ
تَعْلَمُونَ] (الروم: ٥٦) . وقال سبحانه: [وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن
رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ
مُّسْتَقِيمٍ] (الحج: ٥٤) . وقال سبحانه: [لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ
وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ] (النساء: ١٦٢) . وقال
سبحانه: [يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرٌ] (المجادلة: ١١) .
وفي قوله تعالى: [وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ
مُّسْتَقِيمٌ] (الزخرف: ٦١) . وردت قراءة أخرى: (وَإِنَّهُ لَعلَمٌ لِّلسَّاعَةِ) ، أي
أمارة، وقد فرق الأصوليون بين الدليل والأمارة من حيث إفادة اليقين أو الظن،
ولكن المقصود هنا أن مادة العلم في القرآن العربي المبين تدور حول الدليل
والأمارة؛ حيث ذهب المحققون من أهل الأصول أنه لا فرق بين الدليل والأمارة
من حيث إفادة اليقين أو الظن [٢] ، وهذا ما يعني أن الإيمان في الإسلام علم سواء
كان عن استدلال ونظر أو عن اعتقاد فطري؛ لأن كل ذلك مطابق للواقع وموافق
لنصوص الكتاب والسنة التي تصحح الإيمان الفطري وتحث كذلك على الاستدلال
والنظر العقليين لزيادة اليقين وترسيخ العقيدة، والآيات في ذلك كثيرة من مثل قوله
تعالى: [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ
إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (العنكبوت: ٢٠) . وقوله: [أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى
السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ] (ق: ٦) . وقد ذهب
بعض المحققين إلى أن معرفة الدلائل العقلية قد تجب في حق من تساورهم
الظنون وتراودهم الشكوك؛ وذلك من أجل أن يُدعِّموا قاعدة الإيمان عندهم؛
فلا يلقوا ربهم إلا بقلب سليم خالٍ من الشُّبَه المهلكة [٣] .
والإيمان بالنبوة والرسالة أساسه صدق الرسول؛ وهذا الصدق قد يُعرف
بأوصاف معينة، وقد يكون عن طريق المعجزة؛ فكثير من الناس دخلوا في دين
الله أفواجاً عن طريق ما عرفوه من صفات الرسول صلى الله عيه وسلم الحميدة،
وشرف ما يدعوهم إليه من المكارم؛ ومن ذلك ما قاله جعفر بن أبي طالب للنجاشي:
إن الله بعث لهم رسولاً يعرفون نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعاهم إلى التوحيد
وترك الشرك، وأمرهم بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار
والكف عن المحارم والدماء، ونهاهم عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم
وقذف المحصنات، وأمرهم بالصلاة والزكاة والصيام. قال جعفر بن أبي طالب:
«فصدَّقنا وآمنا به، واتبعنا ما جاء به من الله» [٤] .
وأساس العقائد الدينية هو الإيمان بما جاءت به الرسل؛ وصدقُ الرسول
صلى الله عيه وسلم ثبت ضرورةً؛ فكان كل ما أخبر به صدق؛ لأن الصدق لا
يولّد إلا صدقاً وهذا استنتاج علمي.
وخلاصة القول أن العلم الذي سبيله الاستدلال العقلي أو النقلي هو منهج
العقيدة الإسلامية، وهذا ما أثبتته نصوص الكتاب والسنة، وأن «الدوغمائيين»
الحقيقيين هم الذين يوظفون الجهل والتدليس لتحقيق أغراضهم في الصد عن سبيل
الله، ولكن إذا كان الصراع بين العلم والجهل، والعالم والجاهل فلا ريب أن النصر
سيكون حليف العالم؛ فكيف بمن هو أعلم؟ ولا أعلَمَ من كتاب الله وسنة رسوله
صلى الله عيه وسلم.
стр. 3782
دراسات في الشريعة والعقيدة
حاجتنا إلى أصول الفقه
هيثم بن جواد الحداد
haitham١٢٣٤@hotmail.com
أصول الفقه هو ذلك العلم الذي نستنبط بواسطته الأحكام الشرعية الفرعية من
نصوص القرآن والسنة [١] ؛ وعلى هذا فإن علم أصول الفقه عبارة عن مجموعة
من القواعد والضوابط التي تحكم استنباط الأحكام الشرعية من نصوص الكتاب
والسنة.
والدارس لهذا العلم بناءاً على ذلك سيتناول ثلاثة أقسام رئيسة: أدلة الاستنباط،
وهي أصالة القرآن والسنة والإجماع وما يتعلق بها، ثم يدرس الأحكام التي كلف
الله بها العباد (الأحكام الشرعية) ، وهي الوجوب والاستحباب والإباحة، والكراهة
والحظر، مع دراسة الأحكام الوضعية مثل الشرط والسبب والمانع والعلة، والقسم
الثالث: قواعد استنباط هذه الأحكام من تلك الأدلة، مثل كيف نستنبط الوجوب من
النصوص؟ وإذا عدم النص فماذا نفعل؟
ويلحق بهذه الأقسام قسم رابع هو حال الناظر في هذه الأدلة، وحال المستفتي
والاجتهاد وما يتعلق به.
جاء في كتاب (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون) : «والداعي إلى
وضعه: أنهم نظروا في تفاصيل الأحكام والأدلة وعمومها فوجدوا الأدلة راجعة إلى
الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ووجدوا الأحكام راجعة إلى الوجوب والندب
والإباحة والكراهة والحرمة، وتأملوا في كيفية الاستدلال بتلك الأدلة على تلك
الأحكام إجمالاً من غير نظر إلى تفاصيلها إلا على سبيل التمثيل، فحصل لهم
قضايا كلية متعلقة بكيفية الاستدلال بتلك الأدلة على الأحكام إجمالاً، وبيان طرقه
وشرائطه، ليتوصل بكل من تلك القضايا إلى استنباط كثير من الأحكام الجزئية من
أدلتها التفصيلية، فضبطوها ودوَّنوها وأضافوا إليها من اللواحق، وسمَّوا العلم
المتعلق بها أصول الفقه، وأول من صنف فيه الإمام الشافعي ﵁» [٢] .
وبمجرد تأمل هذه التعريفات لأصول الفقه والمسائل التي تدرس في هذا الفن
تظهر أهمية هذا العلم واضحة جلية لكل من له أدنى اهتمام بعلوم الشريعة.
لكننا مع ذلك سنحاول إبراز مزيد من فوائد هذا العلم وثمراته، وتسليط
الأضواء على حاجتنا المعاصرة إليه.
فائدة أصول الفقه وحاجتنا إليه:
أولاً: أصول الفقه أداة للفهم للسليم:
فالله أنزل القرآن ومعه السنة هدايةً للبشرية جمعاء، أنزلهما وفيهما جميع ما
يُصلح أمور الناس في الدنيا والآخرة.
وكفل الله لنا حفظ نصوص الوحيين؛ فها هي تتلى على مسامع الأمة صباحَ
مساءَ، ومع ذلك فقد ضلَّت طوائف كثيرة من الناس، وأسباب الضلال كثيرة من
أهمها الخطأ في فهم نصوص هذين الوحيين.
فلا تقتصر الهداية على مجرد التلقي من هذين الوحيين، إذا لم يكن التلقي
مضبوطاً بضوابط الفهم الصحيح.
هذه طائفة تمسكت بحديث صحيح هو قوله ﷺ : «من مات
وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» [٣] ، أو قوله صلى الله عيه وسلم: «من
شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول حرَّم الله عليه النار» [٤] ، وما في معناه
من أحاديث، واقتصرت عليها وأهملت ما سواها، فجعلت الإيمان مجرد اعتقاد لا
يجاوز القلب [٥] وإن اقترف صاحبه ما اقترف من الكبائر والآثام، فسوَّغت للناس
من حيث تدري أو لا تدري التساهل بالمعصية، والتمرد على أمر الله، فضلَّت
وأضلَّت، ونتج عن هذه العقيدة شر مستطير.
فلم يكن باب الخطأ الذي وَلَجَته هذه الطائفة، العمل بحديث مكذوب، أو
مقولة محرفة من كتب أهل الكتاب.
لا، وإنما حصل لها الانحراف من طريقة فهمها لنصوص الوحي، وقُل مثل
ذلك في كثير ممن زاغت أبصارهم عن تناول الشريعة بالطريقة الصحيحة
المنضبطة.
وعليه؛ فإن الفهم السليم الذي يحفظ من الزيغ والانحراف لا بد أن يعتمد على
أصلين عظيمين:
أولهما: التلقي من نصوص الوحيين وما دلاَّ عليه، لا شيء سوى ذلك.
ثانيهما: فَهْم هذه النصوص فهماً سليماً وفق القواعد المقررة عند أهل العلم.
وأصول الفقه كما تقدم وسيلة لاستنباط أحكام الشريعة؛ فهي جزء بل هي أهم
جزء في فهم نصوص الوحيين.
ففي طيّات هذا العلم نجد كمّاً هائلاً من قواعد الاستنباط والفهم والجمع.
فلو عملت تلك الطائفة التي ضلَّت في فهم قول النبي صلى الله عيه وسلم:
«من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» [٦] بهذه القواعد، لكان يتوجب
عليها أن تجمع بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى. قال النووي: «وهذا لا بد
من تأويله لما جاء في ظواهر كثيرة من عذاب بعض العصاة؛ فلا بد من تأويل هذا
لئلا تتناقض نصوص الشريعة، وفي قوله صلى الله عيه وسلم: (وهو يعلم)
إشارة إلى الرد على من قال من غلاة المرجئة: إن مُظهِر الشهادتين يدخل الجنة
وإن لم يعتقد ذلك بقوله، وقد قيد ذلك في حديث آخر بقوله صلى الله عيه وسلم:
(وهو غير شاك فيهما) [٧] .
لو نظرت هذه الطائفة في قواعد الاستنباط القاضية بأن من النصوص ما هو
عام ومنها ما هو خاص، وأنه لا بد من الجمع بينهما، وأن العام قد يُحمل على
الخاص، لنَأَت بها هذه القواعد عن هذا الفهم المنحرف لذلك النص.
ففي أصول الفقه نجد حديثاً عن العام والخاص والمطلق والمقيد وكيفية الجمع
بينها، وفيها حديث عن الناسخ والمنسوخ، وفي أصول الفقه بيان لدلالة أفعال
النبي صلى الله عيه وسلم ومكانتها من التشريع، وفيه بيان لمعاني الأدوات
والحروف اللغوية من وجهة النظر التشريعية، وفيه كذلك بيان لأسباب النزول،
ونجد فيه كذلك قسماً خاصاً بالسُّنة يتناول أقسامها وحجيتها ومنزلتها من القرآن.
كل هذه قواعد تُعين على فهم نصوص الوحيين فهماً سليماً، فلا تقتصر
وظيفة هذه القواعد - وأمثالها كثير - على استنباط الأحكام الفقهية، بل تتجاوزها
إلى جميع ما يتعلق بفهم الوحيين، سواء من ناحية علوم التوحيد والعقيدة، أو علم
التفسير، أو غيرها.
ولذا فإنك تجد في علوم القرآن مثلاً مباحث كاملة مستقلة تتحدث عن أسباب
النزول ودلالاتها، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، وما هذه إلا موضوعات
رئيسة من علم أصول الفقه.
إن إهمال قواعد الفهم والاستدلال والاستنباط، أو إلغاء العمل بالأصل الثاني
من أصول الاستدلال المشار إليها آنفاً ساق على الأمة أنواعاً من البلايا والمحن
لا يعلم مداها إلا الله، وما المنهج المنحرف الذي تبنته الخوارج إلا نتاج لهذا
الانحراف.
انظر إليهم في مناظرتهم لابن عباس يحتجون بنص صريح من كتاب الله
بوصفه أحد الأسباب التي دعتهم للخروج على علي بن أبي طالب ﵁
حين سألهم: ماذا تنقمون عليه؟ فأجابوا بقولهم:» حكّم الرجال في دين الله «،
والله يقول: [إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ] (يوسف: ٤٠) .
وما زالت الأمة إلى عصرنا الحاضر تعاني من ظهور صور متعددة لمنهج
الخوارج وإن اختلفت عنه في الأسماء، وما ظواهر الغلو في التكفير، وما يقابلها
من تميع وإرجاء إلا أشكال متعددة لمنهج منحرف واحد، متمثل في إهمال فهم
النصوص الشرعية وفق القواعد المقررة، والتي يمثل علم أصول الفقه جزءاً كبيراً
منها.
وليس من نافلة القول أن نقول إن العلماء قد تنبهوا قديماً إلى خطورة
إهمال النظر في دلالة النصوص وفقه معانيها بحجة الاقتصار على العمل
بظواهر نصوص القرآن والسنة، قال ابن المديني:» التفقه في معاني الحديث
نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم « [٨] كما قال أبو عاصم النبيل:
» الرئاسة في الحديث بلا دراية رئاسة نذالة « [٩] وهذا ابن عبد البر يقول بعد أن
ذكر باباً في ذكر مَن ذمّ الإكثار من الحديث دون التفهم والتفقه قال:» وأما طلب
الحديث على ما يطلبه كثير من أهل عصرنا اليوم دون تفقه فيه ولا تدبر لمعانيه
فمكروه عند جماعة من أهل العلم « [١٠] .
أما ما ورد في الحث على الاشتغال بالحديث، وذم الرأي، فذلك محمول على
الرأي المجرد الذي لا يعتمد ولا ينظر في الأدلة البتة، وهذا لا شك في ذمه.
وعليه؛ فإن كل فائدة تنتج عن اتباع المنهج الصحيح في النظر والاستدلال
يصح أن تكون من فوائد أصول الفقه.
فلا يخفى عليك بعد ذلك أن تعلم أنّ أول فائدة لأصول الفقه وأهمها أنه يمثل
الجزء الأكبر من المنهج الصحيح في النظر والاستدلال..
ثانياً: أصول الفقه طريق للعبادة الصحيحة:
وهذا واضح جداً من التعريف. قال الآمدي:» وأما غاية علم الأصول
فالوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية التي هي مناط السعادة الدنيوية
والأخروية « [١١] ،» فإن المجتهد متى كان عالماً بأحوال الأدلة الكلية مثل علمه
بأن الأمر للوجوب، إذا لم تقم قرينة على خلاف ذلك، وأن النهي للتحريم، ما لم
تقم قرينة على الكراهة، استطاع أن يستنبط وجوب الصلاة من قوله تعالى:
[وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ] (البقرة: ٤٣) وتحريم الزنا من قوله تعالى: [وَلاَ تَقْرَبُوا
الزِّنَى] (الإسراء: ٣٢) فيقول: [وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ] (البقرة: ٤٣) أمر،
والأمر للوجوب، فأقيموا الصلاة للوجوب، [وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى] (الإسراء: ٣٢)
نهي، والنهي للتحريم، فلا تقربوا الزنا للتحريم؛ فالمقدمة الأولى في الدليلين يعلمها
من اللغة، والمقدمة الثانية في كل منهما يعلمها من الأصول، ولولا معرفته
لأصول الفقه ما استطاع أن يستنبط هذين الحكمين؛ فأصول الفقه جعلته قادراً
على استنباط هذين الحكمين من دليليهما، ومثل ذلك يقال في غيرهما من
الأصول « [١٢] .
وقد يقول قائل: لكن هذا للعلماء المجتهدين. فيقال جواباً على ذلك: ليس
هذا بصحيح؛ بل إن من أصول الفقه ما يمكن أن يتعلمه كثير من طلبة العلم وأفراد
الصحوة الإسلامية، بل إن كل من له أهلية التعلم قادر على أخذ طرف من هذا
العلم، حتى يفهم ولو بشكل إجمالي كيف جاءت الأحكام التي يعمل بها؛ ولهذا أثر
كبير على عبادة الإنسان؛ ف» شتان بين من يأتي بالعبادة تقليداً لإمامه بمعقوله،
وبين من يأتي بها وقد ثلج صدره عن الله ورسوله، وهذا لا يحصل إلا بالاجتهاد،
والناس في حضيض عن ذلك، إلا من تغلغل في أصول الفقه، وكرع من مناهله
الصافية، وادَّرع ملابسه الضافية، وسبَحَ في بحره، وربح من مكنون دُرِّه « [١٣] .
وهاتان الفائدتان هما أُسُّ فوائد هذا العلم، وعليهما تقوم كثير من الفوائد
الأخرى؛ ولهذا فقد نص كثير من العلماء على أن أصول الفقه من أشرف العلوم
[١٤] ، بل قال عنه العلاَّمة ابن خلدون وهو من علماء الاجتماع والتأريخ:» اعلم
أن علم أصول الفقه من أعظم العلوم الشرعية، وأجلِّها قدراً، وأكثرها فائدة « [١٥] .
وتأمل كلام الغزالي حيث يقول:» وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل
والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل؛ فإنه
يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل، فلا هو تصرُّفٌ بمحض العقول بحيث
لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على محض التقليد الذي لا يشهد العقل له
بالتأييد والتسديد ... « [١٦] .
ثالثاً: أصول الفقه ميزان عدل:
فأصول الفقه ميزان توزن به كثير من الآراء المتصلة بالمسائل الشرعية،
مقبولها من مردودها، وصحيحها من ضعيفها وراجحها من مرجوحها، فنعرف ماذا
نأخذ وماذا نترك وما الذي ندين الله به؟
ولا يقتصر أثره على تمييز الصحيح من المردود، بل يتجاوز ذلك إلى
تمكيننا من معرفة درجات المردود نفسه؛ فبه نميِّز بين ما يُردُّ كليّة من الأقوال
والآراء وبين ما له وجهة من النظر، بين الاجتهاد المردود بالكلية وبين الاجتهاد
المقبول والمردود.
وعليه؛ فإننا سنتمكن من المفاضلة الصحيحة المبنية على أسس شرعية بين
المخالفين، ومن ثمّ الموقف الشرعي الصحيح الذي ينبغي أن يتخذ تجاه كل طائفة؛
فمن يكون اجتهاده معتبرًا ليس كمن يكون رأيه مردوداً بالكلية.
إنّ المساواة بين المخالفين - وإن اشتركوا في المخالفة - ليس من الشرع
والعدل في شيء، ولقد تباينت مواقف الإسلاميين من هذا المبدأ؛ فطائفة ضيقت
دائرة الخلاف المعتبر إلى حد أصبحت معه تعتبر أن كل قول يخالف ما سارت عليه
قول ساقط مردود، بل ربما وصَمَتْ صاحبه بالضلال والابتداع والخروج عن
الصراط المستقيم، ومن ثَمَّ وقفت منه موقف المبغض المتبرئ المعادي.
ثم ما لبث ذلك المبدأ حتى أصبح مِعْولاً يهدم بنيان ما كان متماسكاً من بنيان
هذه الصحوة، وأحدث فيها شروخاً عميقة، فزاد من فرقة المسلمين، وزاد من
التناحر بين جماعات الصحوة، وهو نتيجة تلقائية لعدم وضوح الميزان الذي ينبغي
أن توزن به الأقوال وقائلوها..
وفي مقابل من ضيَّق دائرة الخلاف ظهر من وسَّعها عن حجمها المطلوب
حتى أوغل في التسامح مع جميع الأقوال المخالفة، بل ربما أظهر تسامحاً ومودة
مع أعداء الله من اليهود والنصارى وغيرهم ظناً منه أن هذا المسلك يوحِّد صف
المسلمين، ويقوي شوكتهم، فأخطأ الطريق، ومن أخطأ الطريق فلا بد أن يخطئ
الوجهة.
لقد جرّ هذا المسلك المنحرف على المسلمين أفراداً وجماعات مصائب عقدية
واجتماعية بل وسياسية، ولقد انتهى الأمر بهؤلاء إلى أنهم أخضعوا الدين لأهوائهم
ومصالحهم بحجة المصلحة.
ومن فوائد هذا الميزان أنه يتيح لنا المقدرة على التمييز بين أصول الدين
وفروعه ومراتب كلٍّ منها، وهذا مهم جداً؛ فإن العالِم، أو طالب العلم إذا أتقن
استخدام هذا الميزان فإنه قد حاز ملكة مهمة لا يستغني عنها الناظر في فقه
الموازنات والأولويات، فالموازنات الصحيحة لا بد أن تكون مبنية على معرفة
مراتب أحكام الشريعة: مراتب المصالح، ومراتب المفاسد.
وكذا فإن هذا الميزان يعين صاحبه على الإلمام الجيد بنظرية الضرورة وما
يترتب عليها من أحكام فقهية متعددة وصور شتى ولا سيما في عصرنا الحاضر،
وما من شك أن هذه النظرية وأمثالها أضحت من أهم القواعد التي تبنى عليها
الاجتهادات الفقهية المعاصرة.
لقد وقع خلط كبير في هذه القواعد والضوابط، وما ذلك إلا لفساد منهج
الاستدلال بالكلية أو حدوث خلل فيه.
فمثلاً: ظهرت بعض الدعاوى المعاصرة لإباحة الفائدة الربوية البنكية بحُجة
أن هذا التعامل أصبح من ضرورات العصر، وفي بلاد الغرب تساهَل كثير من
المفتين في بعض القضايا التي تعرض للمسلمين هناك بحُجة الضرورة، ولمَّا
تتحقق فيها شروط الضرورة؛ فربما أجازوا الجمع بين الصلوات مطلقاً بدون عذر،
وأجازوا كثيرًا من المعاملات الربوية، وتساهلوا في كثير من المواقف مع
النصارى ممتطين إلى ما يريدون صهوة الضرورة والمصلحة ليعبروا بها إلى ما
يريدون من أحكام الشريعة، وأخذ هذه النظرية كثير من العامة واستخدموها حجة
بحسن نية للتحلل من أحكام الشريعة.
فمن الذي يضع حدود الضرورة والمصلحة ومعالمهما وضوابطهما
وشروطهما [١٧] ؟
رابعاً: أصول الفقه أداة الاتباع:
نخطئ كثيرًا حينما نَقْصر فائدة أصول الفقه على العلماء وأهل الاجتهاد؛ فإذا
كنا نطالب الناس باتباع الدليل، لا سيما طلبة العلم منهم، وننهاهم عن التقليد
واتباع أقوال الرجال، فأنَّى لهم العمل بالدليل إذا لم تكن لديهم الآلة التي تمكنهم من
فهم هذا الدليل؟
لعلِّي لا أبعد القول في أن مطالبة الناس وطلبة العلم باتباع الدليل مع عدم قرن
ذلك بضرورة اتباع المنهج السليم في فهم النص هو الذي أفرز الظواهر المَرَضيّة
التي تحدثنا عنها سابقاً، وكيف نطالب الناس باتباع الدليل وكثير منهم في كثير من
المسائل يجهل كيفية فهم الدليل؟
وعليه؛ فحتى نكون معتدلين في مطالبتنا باتباع الدليل وترك التقليد لا بد أن
نقرن هذه المطالبة بضرورة التنبيه على الأخذ بآلة الفهم الصحيح، فتكون دعوتنا
بذلك متكاملة واضحة المعالم.
» وقصارى القول في هذه القضية: أن كل من اشتغل بالفقه الإسلامي لا بد
له من معرفة هذه الأصول؛ لأنها تُكوِّن العقل السليم المنتج، ولذلك كانت دراسته
بعد أن كملت قواعده واشتغل العلماء بتدريس العلوم الإسلامية، تسير جنباً إلى
جنب مع دراسة الفقه من غير تفرقة بينهما إلا في ترتيب سِنيِّ الدراسة « [١٨] .
خامساً: أصول الفقه أداة لتمييز السُّنَّة من البدعة:
من الأخطاء التي وقع فيها كثير من الإسلاميين في هذه الأيام لا سيما الشباب
منهم، اعتقادهم أنّ كل حديث ثبتت صحته فظاهره سنة وما يخالفه بدعة، وقد
أوقعهم هذا الاعتقاد الخاطئ في مخالفة سنن صريحة أخرى متفق عليها، وما لبثوا
أن أصبحوا بذلك فرقاً وأحزاباً يبدِّع بعضها بعضاً؛ وواقع شباب الصحوة في كثير
من البلدان يشهد بهذا.
ومما ترتب على هذا أن اعتمد أصحاب هذا الفهم الخاطئ مبدأهم هذا قاعدة
لمبدأ آخر لكنّه أشد منه خطورة ألا وهو وَصْم كل من لم يعمل بالسنن التي ظنوها
سنناً بمخالفته للسنة، أو تفريطه في السنة، ثم تبديعه وتفسيقه، ولا تسل بعد ذلك
عن آثار هذه الفتنة!
إنّنا حينما نُحذِّر من هذا المنهج الغالي في فهم النصوص فإننا في المقابل نُحذِّر
كل الحذر من الطرف المقابل ألا وهو إهمال النص والاعتماد على العقل، وهو
منهج المدرسة العقلية التي تمثلت في المعتزلة قديماً، وتتمثل في بعض أفراخهم من
العصرانيين حديثاً.
لقد شارك هؤلاء بجناية مقابلة؛ حيث ردُّوا كثيرًا من الأحكام الشرعية بحُجة
مناقضتها للعقل؛ فبعضهم ردّ حديث الذبابة، وضاق عقل بعضهم أن يفهم كيف
جعل الشارع دية المرأة على النصف من دية الرجل؟ وكيف يكون الإنسان ولو
كافرًا مملوكاً لإنسان آخر يبيعه ويشتريه؟ وكيف يقاتل غير المسلمين من نصارى
وغيرهم، إذا لم يدخلوا تحت لواء الإسلام؟ إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية
القائمة منذ عهد التشريع إلى قُبَيْل زماننا هذا؛ حيث تسلط أولئك على رقاب
النصوص بالنقض بحجة معارضتها للعقل.
إن جناية الفريقين ربيبة إهمال ضوابط الفهم والاستدلال المتمثل جزؤها
الأكبر في أصول الفقه.
سادساً: والعامة يحتاجون أصول الفقه:
نعم، العامة يحتاجون أصول الفقه! أليس من مباحث أصول الفقه: الفتوى
وآدابها، والمفتي والمستفتي وما يتعلق بهما من أحكام؟ ومن هو المستفتي؟ أليس
العامي؟ ألا يجب أن يعرف كيف يسأل ومن يسأل؟ !
ألسنا نلحظ خللاً كبيراً في هذا الجانب؛ فالعامة لا يعرفون من هذه الأحكام
شيئاً؛ فلذلك لا يعرفون كيف يسألون، ومن يسألون؟ فللفتوى يسألون كل من
تصدَّر حتى ولو لم يُشتهر بالفقه والفتوى؛ فنشاهد كثيراً من العامة يتجهون بأسئلتهم
إلى كل من يحلو لهم، إما لجمال صوته في قراءة القرآن، أو لحسن أدائه لخطبة
الجمعة، أو لاشتهاره بالتسهيل على الناس.
ثمّ إذا استفتوا أحداً ذهبوا إلى آخر يستفتونه في المسألة نفسها، فإذا أجابهم
بغير ما أجاب الأول وقعوا في حيرة، فذهبوا إلى ثالث يحكم بين سابقيه، ثم يقعون
في دوامة.
أليس من مباحث أصول الفقه: الاجتهاد، والمسائل الاجتهادية، وموقف
المسلم منها؟ ألا يحتاج العامي أن يعرف ماذا يفعل في مسألة قال له أحدهم إنها
حلال، وقال له الآخر: بل حرام، بِمَ يأخذ ومن يتبع؟ ! كل هذا مفصل في
أصول الفقه.
قد يقول قائل: دع العامي يتعلم أولاً ما يهم دينه، فإذا أتقن ذلك فلينتقل إلى
أصول الفقه! ولهذا القائل نقول: أصول الفقه من الدين، ولا سيما المباحث التي
ذكرناها، ثم ألا يحسن بالمتعلم أن يتعلم أولاً كيف يتعلم، وممن يتعلم؟ نعم! لا
نقول للعامة: اذهبوا فاقرؤوا رسالة الشافعي في أصول الفقه، ولا روضة الناظر
لابن قدامة، ولا مختصر ابن الحاجب.... ولا غيرها، ولكن نقول لأهل العلم
والخطباء والدعاة: ادرسوا هذه المسائل، وقربوها للناس وعلموها لهم.
لقد أدى إهمال الدعاة لهذه الجوانب العلمية إلى بروز مشكلات كثيرة متعلقة
بالاجتهاد والمسائل الخلافية، وما الفوضى الفقهية التي نعيشها هذه الأيام إلا من
إفرازات هذه المشكلة.
فوائد متفرقة لعلم أصول الفقه:
- منها أنه يعين على معرفة مراتب العلماء وطلبة العلم والمشتغلين به: المقلد
منهم الذي يحفظ الأقوال مجردة، من ذلك العالم الذي استنبط واستدل، فليس الأول
كالثاني، وهذا مهم، فلا شك أن قول المستدل ليس كقول غيره ممن اكتفى بالتقليد،
ولم يعرف مأخذ الدليل ووجه الدلالة.
وعليه فإننا سنتمكن من إنزال أهل العلم منازلهم اللائقة بهم فيما نأخذ عنهم،
كل حسب تخصصه، فليس المحدِّث كالفقيه، والعكس صحيح، وليس اللغوي
والمؤرخ كالمحدِّث وهكذا، فهل يصح أن نسأل اللغوي عن صحة حديث،
والمحدِّث عن مسألة أصولية.. وهكذا؟ وهذا طبعاً إذا لم تتنوع معارف المشتغل
بالعلم ويبرز فيها، وهو قليل في هذه الأزمنة.
إن عدم تقديرنا لهذا الأمر، ووجود الرؤية الضبابية حول هذا الأمر جعلنا
نزج بالمحدِّث الذي لا يحسن الفقه والأصول في حلبة الفقه بل في أشد المسائل
الفقهية وُعُورةً، وأصبح كل من اشتهر بصرف النظر عما اشتهر فيه مفتياً، بل
عالماً علاَّمة يُسأل عن كل فن؛ فالواعظ يُسأل عن الأصول، والمفكر يُستفتى،
والأديب يُسأل عن صحة حديث، والفقيه عن اللغة.. وهكذا، وقد يغتر المسؤول
بكثرة سائليه؛ فيظن من حيث لا يشعر أنه أهل للجواب في هذا الفن، فيقتحم
المخاطر فيهلك ويُهلك. نسأل الله العافية.
ثم تجاوز الأمر هذه المحنة إلى أخرى أشد منها، فأصبح هذا المسؤول عند
أصحابه ومحبيه، أو لنقل مقلديه، حاكماً على كثير من القضايا والنوازل، حتى لو
لم يمتَّ إليها بصلة، أو ليس له بها أدنى اطلاع، بل تجاوزت أهليته للحكم عند
بعض الناس إلى أهليته للحكم على غيره من المشتغلين بالعلم، فأصبح الإمام الذي
على قوله يسيرون، وبهديه يهتدون، القول قوله، والحكم حكمه، ولا حول ولا
قوة إلا بالله العلي العظيم.
إنّ من إنزال أهل العلم منزلتهم أن نعرف تخصصاتهم، وماذا يجيدون وماذا
يحسنون، وليس في هذا انتقاص ولا ازدراء.
ليس كل من أُطلق عليه عالم هو عالم حقيقةً؛ فكثير من المشتغلين بالعلم في
هذا الزمان لا تصدق عليهم هذه الكلمة ألبتة، وهل من اقتصر على معرفة أقوال
الفقهاء وعلى مذهب واحد أيضاً، ولم يعرف الأدلة ولا مآخذها وكيفية استنباط
الأحكام منها، يُدعى عالماً ... ؟
وقُل مثل هذا في من اقتصر على جملة من الأحاديث واشتغل بالمصطلح
والتخريج والتحقيق.
إن اندراس العلم في هذه الأزمنة هو الذي أوصلنا إلى هذه المرحلة، ولم يكن
هذا ليحدث لو أُنزل كل صاحب علم منزلته بناءاً على ما يُحسن، والله الهادي إلى
الصواب.
- ومنها أهميته في الردّ على المخالفين لأهل السنة والجماعة؛ فأصول الفقه
تعيننا على الرد على كل من أخطأ التعامل الصحيح مع النصّ، سواء كان من
عقلانيي العصر الحديث، أو من أهل الجمود الظاهري. وفي ما تقدم بيان واضح
على ذلك.
- ومنها أنه يعين الإنسان على سرعة الفهم والحفظ؛ لأنه بتمكنه من أصول
الفقه يتمكن من معرفة أصول المسائل وما بنيت عليه، ثم يستطيع أن يُلحق
المسائل المتشابهة بعضها ببعض، ولا شك أن هذا من أقوى أسباب سرعة الفهم
والحفظ.
- ومنها أنه يورث الإنسان الدقة في التعبير، سواء كان كتابيًا أو شفهيًا،
فيتوخى الدقة في اختيار الألفاظ وبناء التراكيب، ويرتب النتائج على المقدمات
ترتيباً سليماً، ثم ينظم الأفكار في سلسلة مترابطة مُحكمة الصياغة قوية البناء.
- ومنها أنه يورث الإنسان الطريق الصحيح للحوار والجدل، وجودة
المناظرة، وقوة الحجة؛ فلا تطول المناظرة بلا داع كما يحدث في كثير من
المناظرات اليوم.
- ومنه أنه يعين الإنسان على اتساع الصدر للمخالف الذي بنى خلافه على
دليل يُعتد به، وقبول رأيه، وعدم اعتداده برأي نفسه؛ فإدراكه لوجود الاختلاف
في هذه المسألة، وقوة دليل المخالف يجعله منفتح الذهن، متسع الصدر للرأي
المخالف في المسائل الاجتهادية، مرن التعامل من غير تساهل محرَّم ولا تعصب
مذموم.
نسأل الله أن يرزقنا الفقه في دينه، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا
اتباعه إنه سميع عليم، والصلاة والسلام على سيد الأنام خير ولد عدنان وآله
وصحبه وسلم.
стр. 3783
دراسات في الشريعة والعقيدة
الختان من الإسلام وحق من حقوق الإنسان
أبو أنس ميمون باريش [*]
لم أكن لأُنفق وقتاً قل أو كثر للكتابة في موضوع حَسَم فيه الشرع سلفاً لو أن
القضايا الشرعية لا يتكلم فيها إلا من له إلمام بأصول الشرع: ضبطاً لمصادره،
وإحاطة بنصوصه، وتفقهاً لاجتهادات مجتهديه، لكن والأمر ليس كذلك أجدني
أحياناً مضطراً لأقول كلمتي في بعض القضايا التي تطلعنا عليها بعض المؤلفات
المعاصرة، أو وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة على السواء؛ ومن أمثلتها
القضية التي أثارتها في صفحة قضايا ساخنة جريدة الأحداث المغربية مشكورة، في
إطار الحوار الذي أجرته مع أحد الباحثين المدرسين لمادة القانون بسويسرا،
والمتخصصين في العلاقة بين الدين والقانون.
وقد دار الحوار حول موضوع: «ختان الأطفال» وهو منشور بتاريخ ٢٧
٢٨ ذو القعدة ١٤٢٠هـ الموافق ٤ ٥ مارس عام ٢٠٠٠م، تحت عنوان: «ختان
الأطفال عادة تمسُّ الحق في سلامة الأبدان، وإلغاؤه جزء من تحرير الإنسان» .
ما أروعه من عنوان لما فيه من السجع والبيان لولا ما فيه من الزور والبهتان
؛ إذ هو عبارة عن صورة مصغرة عن المقال المنشور، والمقال صورة مصغرة
عن كتاب ألفه الباحث نفسه في الموضوع ذاته، ومن خلال العنوان تتضح جلياً
أهداف صاحب المقال ومقاصده ومراميه وطبيعة دعوته، واللبيب تكفيه الإشارة.
وبكل وضوح فإن الباحث المذكور يدعو بصراحة وثقة في النفس لا نظير لها
إلى محاربة عملية الختان والقضاء عليها، ولم يقف به الأمر عند هذا الحد، بل
امتد به إلى درجة التدليس والاختلاق على الأديان السماوية بما في ذلك الدين
الإسلامي؛ إذ الباحث يدَّعي أنه قضى ست سنوات من الدراسة والبحث والتنقيب
والتفتيش والتقميش انتهت به إلى تأليف كتابه المطبوع المتداول: «ختان الذكور
والإناث في الديانات السماوية الثلاث» أعلن فيه مسروراً نتيجة بحثه التي أعرب
عنها أيضاً في الحوار الذي أجري معه، وإليك مضمونه مختصراً ومركَّزاً، مع
المحافظة على عبارته في الغالب الأعم.
فبعد أن حاول الباحث يائساً أن يبين أن عملية الختان هي عادة ضارة ومخالفة
لحقوق الإنسان من حيث إنها عنف واضطهاد، وتعدٍّ على سلامة الأبدان عمد إلى
نفي الطابع الشرعي لهذه العملية الجراحية مدعياً أنها عرف يهودي سيئ نقله من
أسلم من اليهود وفرضوه على المجتمع الإسلامي فرضاً؛ هذا مع تأكيده على أن
القرآن الكريم لم يذكر الختان بتاتاً ولا نص عليه، وأنه على خلاف ذلك ينص على
كمال الخلقة، ويدعو إلى احترام الأبدان ثم يقول: «وعلى هذا الأساس فسكوت
القرآن عن الختان ليس عبثاً؛ فالختان بوصفه تعدياً على سلامة جسد الإنسان يعتبر
خرقاً للمفهوم الفلسفي للقرآن بأن الخلق كامل» .
ثم بعد محاولته اليائسة هذه لنفي الشرعية القرآنية على الختان يحاول يائساً
كذلك نفي الشرعية السنِّية عنه فيقول: «وهناك المصدر الثاني للشريعة الإسلامية
وهي السنة؛ فبعد تمحيصي لكل النصوص التي صدرت في ختان الذكور يمكن
القول: إن كل هذه النصوص ضعيفة، وكل الأحاديث التي وردت في ختان الذكور
مختلقة، وما روي منها أكثره عن الرواة اليهود، إلى درجة أنَّ ختان النبي صلى
الله عليه وسلم غير معروف؛ فهناك أربع روايات متضاربة تماماً بخصوص ختان
النبي صلى الله عيه وسلم، وأكثر الظن أنه لم يختن» اهـ.
والذي يظهر من هذه النقول وهي غيض من فيض أن كلام الباحث يفتقر إلى
أدنى مستوى من العلمية والمصداقية، بل أغلب ما فيه عبارة عن تمويه وتدليس
وتزوير وبهتان ما أنزل الله به من سلطان، ولا يقوم عليه دليل ولا برهان، ولا
سيما أن الباحث يستعمل عبارات الجزم والدقة واليقين، ويدَّعي اعتماد المنهج
الاستقرائي في أرقى مظاهره وهو الاستقراء التام للنصوص الشرعية، وهو يعلم
أن الاستقراء التام لا يدَّعيه عاقل حتى في العلوم الدقيقة المجردة. وإليك أخي
القارئ بياناً لمكانة الباحث العلمية، وكشفاً عن جهله التام بالأديان السماوية؛ وذلك
باستقرائه الناقص للنصوص القرآنية الكريمة وللأحاديث النبوية الصحيحة
والحسنة، ولأقوال علماء الأمة، ولما تقتضيه العادة والفطرة في عملية
الختان.
مشروعية الختان من القرآن الكريم:
الأمر الذي لا يختلف فيه عاقلان أن القرآن الكريم لم ينص تنصيصاً على
جميع جزئيات الشرع؛ بل ذكر بعضها بصيغة الإبهام، وبعضها الآخر بالإطلاق،
وبعضها بالعموم تاركاً المجال واسعاً للسنة النبوية الشريفة لتبيين المجمل وتقييد
المطلق وتخصيص العام؛ فلا نجد في القرآن الكريم ذِكراً لعدد ركعات الصبح أو
الظهر أو العصر أو غيرها، ولا نجد ذكراً لنصاب المال الذي تجب فيه الزكاة ولا
لمقدار ما يجب في المال منها، إلا أن السنَّة فصَّلت ذلك تفصيلاً سواء كان ذلك
بالخدمات المذكورة آنفاً، أو بإضافة أحكام جديدة باعتبار أنها وحي يوحى بلغة
صاحب الشرع الذي لا ينطق عن الهوى. ولكن كان من منهج السلف الصالح في
مناظراتهم مع من أنكر مشروعية أمر لعدم وروده في القرآن الكريم تنصيصاً، أن
يقيموا عليه الدليل بنص من النصوص القرآنية الداعية إلى ضرورة اتباع محمد
صلى الله عيه وسلم والاقتداء به في أفعاله وأقواله وتقريراته.
ومن أمثلة ذلك: ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود عن عبد الله بن مسعود
قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلِّجات
للحسن المغيِّرات خلق الله.
فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن فأتته،
فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات
والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله؟ ! فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن
رسولُ الله صلى الله عيه وسلم؟ ! وهو في كتاب الله. فقالت المرأة، لقد قرأت ما
بين لوحي المصحف فما وجدته! ! فقال: لئن كنت قرأته لقد وجدته! قال الله
تعالى: [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا] (الحشر: ٧) [١] .
هذا إذن هو المنهج الذي كان الصحابة خاصة والسلف الصالح عامة يسلكونه
مع منكري الأحكام الشرعية غير المذكورة لفظاً في القرآن الكريم، وهو المنهج
نفسه الذي سنسلكه مع كل من أنكر تنصيص القرآن على عملية الختان، فنقول له:
لو قرأت فعلاً القرآن قراءة تأمل وتدبر وإمعان وإنصاف لوجدت فيه ذكراً صريحاً
للختان وما في معناه من مظاهر الفطرة التي فطر الناس عليها وكانت في المرسلين
أوْكد، والدعوة إلى الاقتداء بهم دعوة صريحة إلى الأخذ بها، وبيان ذلك في الآتي:
أ - القرآن يدعو إلى اتباع ملة إبراهيم ﵇ ومن ملته الاختتان.
والنصوص الداعية إلى ذلك كثيرة أذكر بعضاً منها:
- قوله تعالى: [ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ
المُشْرِكِينَ] (النحل: ١٢٣) .
- قوله : [وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ
اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ] (البقرة: ١٣٠) .
ومن مظاهر ملة إبراهيم الاختتان؛ إذ ورد في نصوص شرعية عدة أن
إبراهيم هو أول من اختتن من البشرية، ومن ملته التي يجب اتباعه فيها الاختتان،
وقد ثبت في الصحيحين وعند الإمام أحمد عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي
هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم:» اختتن إبراهيم
﵇ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم « [٢] .
وإبراهيم ﵇ لم يكن ليختتن من تلقاء نفسه مع ما يسببه الاختتان من
المشقة لكبار السن لو أن الأمر لم يكن أمراً إلهياً؛ وهذا ما يرشد إليه ما رواه أبو
يعلى من طريق علي بن أبي رباح قال:» أُمِرَ إبراهيم بالختان، فاختتن بقدوم
(وهي آلة النجارة) فاشتد عليه، فأوحى الله إليه أن عجلت قبل أن نأمرك بآلته.
فقال: «يا رب! كرهت أن أؤخر أُمرك» [٣] فالختان إذن مظهر من مظاهر الملة
التي أمر إبراهيم الخليل بإظهارها والتي أمرنا باتباعه فيها، والأمر يفيد حكماً
شرعياً يقتضي الامتثال. يقول العلاَّمة الفقيه أبو العباس القرطبي: «قلت: قد
تقدم أن إبراهيم أول من اختتن، وأن ذلك لم يزل سُنَّة عامة معمولاً بها في ذريته
وأهل الأديان المنتمين إلى دينه، وهو حكم التوراة على بني إسرائيل كلهم» [٤]
وإذا كان إبراهيم الخليل قد أُمِرَ بالختان، وإذا كان المسلمون قد أُمِروا باتباع ملة
إبراهيم، فإن ضرورة البرهان تقتضي أن المسلمين مأمورون بالختان، والأمر
يقتضي الوجوب «؛ إذ الملة هي الفطرة وهي الدين؛ ومحال أن يأمر الله سبحانه
باتباع إبراهيم في مجرد الكلمة دون الأعمال وخصال الفطرة؛ وإنما أمر بمتابعته
في توحيده وأقواله وأفعاله، وهو ﵇ اختتن امتثالاً لأمر ربه الذي أمره
وابتلاه به، فوفَّاه كما أمر؛ فإن لم نفعل كما فعل لم نكن متبعين له» [٥] .
ب - القرآن يحث على ضرورة الاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عيه وسلم،
ومن سنته الختان:
النصوص المرشدة إلى ذلك كثيرة جداً؛ باعتبار أن سنة محمد صلى الله عيه
وسلم تمثل جزءاً من الوحي مكملاً للقرآن وخادماً له، وسأكتفي في هذا المقام
بالنصوص الآتية:
١ - قوله تعالى: [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا
اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ] (الحشر: ٧) .
٢ - قوله : [قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ
لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ
الكَافِرِينَ] (آل عمران: ٣١-٣٢) .
٣ - قوله جل شأنه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً] (النساء: ٥٩) .
هذه النصوص وغيرها كثير تنص على أن محبة رسول الله صلى الله عليه
وسلم من محبة الله تعالى، وأن طاعته من طاعة الله تعالى، وأن اتباع سنته أمر
واجب على المكلف، وفي القرآن الكريم نصوص أخرى تحث آمرة على ضرورة
الاحتكام إليه صلى الله عيه وسلم في كل شيء تنازع فيه المكلفون سواء كان من
أصول الشريعة أو من فروعها، وذلك بعرضه على ما جاء به من الوحي قرآناً
وسنة، وهذا الحث طبعاً لا يستجيب له إلا من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً
وبالقرآن دستوراً ومنهجاً، وبمحمد صلى الله عيه وسلم نبياً ورسولاً وقاضياً وحكماً،
والرسول صلى الله عيه وسلم نفسه، فيما ثبت عنه بسند صحيح رغَّب في ذلك
وأكده بقوله: «عليكم بسنتي» [٦] ولم يقف به الأمر عند هذا الحد، وإنما تبرأ من
كل راغب عن سنته معرض عنها؛ حيث قال كما ورد في الصحيحين وغيرهما من
كتب السنن: «من رغب عن سنتي فليس مني» [٧] . واعلم أن من سنة نبينا
﵊ الختان سواء تعلق الأمر بسنته الفعلية أم القولية أم التقريرية.
أما بخصوص الأولى فعلى خلاف ما يدعيه المدعي من تضارب الروايات فيه؛
فالذي ترشد إليه هذه الروايات بغض النظر عن درجتها في الصحة أو الضعف أن
التضارب لم يحصل في إثبات ختانه أو نفيه، وإنما وقع في بيان طبيعة ختانه:
هل ولد مختوناً؟ أم ختنه جبريل ﵇ يوم شق صدره؟ أم أن جده عبد
المطلب هو الذي تولى الأمر؟ وإلا فإن ختانه أمر مسلَّم به في جميع الروايات [٨] .
ويلحق بهذا أيضاً ما تذكره بعض الروايات الحديثية من أن الرسول صلى الله عيه
وسلم قد تولى هذه العملية في حياته، ومن ذلك حديث جابر ﵁ أنه قال:
«عق رسول الله صلى الله عيه وسلم عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة
أيام» [٩] .
هذا بخصوص سنته الفعلية. أما بخصوص سنته القولية؛ فإن أحاديث نبوية
عدة فيها أقوال الرسول صلى الله عيه وسلم خرجت مخرج الأمر بالختان أو المدح
لفاعله أو الذم لتاركه، وأما التقريرية فمن الصحابة من خَتن أو خُتن ولم ينكر عليه
الصلاة والسلام ذلك، فكان هذا بمثابة تقريره للختان [١٠] .
مشروعية الختان من السنة النبوية الشريفة:
وإن كان المحاور قد ادَّعى أنه لم يجد نصاً صحيحاً في سنة رسول الله صلى
الله عيه وسلم، يشرع فيه الختان؛ فإن النصوص الصحيحة والحسنة مما يتضمنه
هذا المبحث يفيد خلاف ذلك تماماً فمن ذلك:
- ما روى البخاري ومسلم وغيرهما من أهل السنن عن أبي هريرة رضي
الله عنه أن رسول الله صلى الله عيه وسلم قال: «الفطرة خمس: الختان،
والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الآباط» [١١] .
وتأملاً في هذا الحديث الصحيح وهو في أعلى مراتب الصحة يقول ابن القيم
﵀: «فجعل الختان رأس خصال الفطرة، وإنما كانت هذه الخصال من
الفطرة؛ لأن الفطرة هي الحنيفية ملة إبراهيم، وهذه الخصال أُمِرَ بها إبراهيم وهي
الكلمات التي ابتلاه ربه بهن» [١٢] .
- حديث أبي أيوب الأنصاري بسند حسن أن النبي صلى الله عيه وسلم قال:
«أربع من سنن المرسلين: الختان، والتعطر، والسواك، والنكاح» [١٣] .
- أخرج الإمام أحمد والإمام أبو داود بسند حسن عن غثيم بن كليب عن أبيه
عن جده «قال للنبي صلى الله عيه وسلم: (أسلمتُ) . قال له النبي صلى الله عيه
وسلم:» ألقِ عنك شعر الكفر، واختتن « [١٤] .
- حديث عائشة وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وغيرهم رضي
الله عنهم أجمعين أن النبي صلى الله عيه وسلم قال:» إذا التقى الختانان فقد وجب
الغسل « [١٥] .
وهذا حديث صحيح يفيد وجوب الغسل إذا التقى الختانان في الجماع، وأراد
بالختانين الموضع الذي قطعت منه القلفة أو الغرلة بالنسبة إلى ذكر الغلام في إطار
الإعذار، والجلدة التي كعرف الديك بالنسبة إلى فرج الجارية في إطار الخفض.
والدليل على ذلك ما قاله ابن منظور مادة ختن:» ختن الغلام والجارية يَخْتِنُهما
ويَخْتُنُهما خَتْناً، والاسم الختان والختانة. والختان موضع الختن من الذكر وموضع
القطع من نواة الجارية. قال أبو منصور: هو موضع القطع من الذكر والأنثى
ومنه الحديث: (إذا التقى) ... « [١٦] .
- حديث ابن عباس ﵁ قال:» سبعة من السنة في الصبي يوم
السابع: يسمى، ويختتن، ويماط عنه الأذى، ويثقب أذنه، ويعق عنه، ويحلق
رأسه، ويلطخ بدم عقيقته، ويتصدق بوزن شعره في رأسه ذهباً أو فضة « [١٧] .
فهذه كما تلاحظ نصوص حديثية في التنصيص على الختان إن وجوباً أو سنة،
وهي من قبيل ما روي عن رسول الله صلى الله عيه وسلم بطرق صحيحة أو
حسنة، وكلها في مستوى واحد من الاحتجاج إذا لم يحصل التعارض.
أقوال العلماء في مشروعية الختان:
لم أجد بعد البحث والتقصي في حدود طاقتي ومبلغ علمي أحداً من العلماء قد
قال بعدم مشروعية الختان سواء تعلق الأمر بعلماء السلف أم بعلماء الخلف، وأقل
ما يمكن أن يذكر هنا أن علماءنا قد اختلفوا في مشروعيته بين قائل بوجوبه، وقائل
بسنيته. فأما القائلون بوجوبه فهم: الشعبي وربيعة والأوزاعي ويحيى بن سعيد
الأنصاري ومالك والشافعي وأحمد والبيهقي. وأما الذين قالوا بسنيته فهم: الإمام
الحسن البصري والإمام أبو حنيفة وبعض الحنابلة. والقائلون بالسنية منهم
مَن شدد وأكد على ذلك باعتبار أن السنة هي الطريقة المتبعة وجوباً، والشرع الذي
يأثم بتركه من حيث إنها تقع بين الفرض والندب.
وإليك أقوال بعض علماء السلف في شأن الختان [١٨] : قال ابن عباس:
» الأقلف لا تقبل له صلاة، ولا تؤكل ذبيحته، ولا تجوز له شهادة «قال البيهقي
بعد أن ساق هذه الفتوى:» وهذا يدل على أنه يوجبه «.
وقال عكرمة: لا تأكل ذبيحة الأقلف، وقيل له: أله حج؟ قال: لا.
قال الإمام مالك: من لم يختتن لم تجز إمامته، ولم تُقبل شهادته.
وقال الخطابي:» أما الختان فإنه وإن كان مذكوراً في جملة السنن؛ فإنه عند كثير
من العلماء على الوجوب؛ وذلك أنه شعار الدين «.
وقال ابن القيم:» الختان عَلَم الحنفية، وشعار الإسلام، ورأس الفطرة،
وعنوان الملة « [١٩] .
هذه بعض أقوال علماء السلف في مشروعية الختان وإليك أيضاً بعض فتاوى
الخلف المعاصرين الذين عايشوا حقوق الإنسان عموماً وحقوق الطفل خصوصاً،
وهم ممن ينادي بها ويدافع عنها متى ما وجد إلى ذلك سبيلاً، وهي كالآتي:
- سئل فضيلة الشيخ عبد الله جبرين: ما حُكم الختان للمسلم الجديد؟ فأجاب
جزاه الله خيراً: ورد الأمر بالختان، وأنه من سنن الفطرة، وشُرع لإتمام الطهارة
في حق الرجل؛ فلذلك نرى أنه واجب لقوله صلى الله عيه وسلم:» ألق عنك
شعر الكفر واختتن «، وظاهر الأمر الوجوب، لكن إذا خيف أن يكون منفراً عن
الإسلام جاز لهم تأخيره وإخبارهم بحكمه بعدما يثبت في الإسلام ويحبه» [٢٠] .
- وسئل فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي عن الختان عامة؟ فأجاب حفظه
الله: «أما الختان للنساء، فأعدله الختان الخفيف، وأما الختان للذكور فهو من
شعائر الإسلام، ولا يجوز تركه، وتركه كترك الأذان وغيره من شعائر
الدين» [٢١] .
الدليل العقلي على مشروعية الختان:
كل الدلائل العقلية من عادة وطبيعة وتجربة وغيرها تؤكد أن السلامة الصحية
في الختان أوكد لا في عكسه. وقد تتبع العلماء من فقهاء ومتخصصين وأطباء ذلك،
فانتهى بهم الأمر إلى التنصيص على ما يأتي:
أ - أن الأقلف أي الذي لم يختتن في حكم من به سلس البول أو غيره
لاحتباس البول في القلفة؛ إذ إن «الأقلف مُعرَّض لفساد طهارته وصلاته؛ فإن
القلفة تستر الذكر كله فيصيبها البول، ولا يمكن الاستجمار لها، فصحة الطهارة
والصلاة موقوفة على الختان» [٢٢] .
ب - الختان يساهم في تحقيق التوازن الجنسي عند بني آدم. يقول ابن القيم:
«هذا مع ما في الختان من الطهارة، والنظافة، والتزيين، وتحسين الخلقة،
وتعديل الشهوة التي إذا أفرطت ألحقت الإنسان بالحيوانات، وإذا عدمت بالكلية
ألحقته بالجمادات؛ فالختان يعدلها» [٢٣] .
إضافة إلى ما سبق أو تأكيداً له ذكر الأطباء فوائد صحية جمَّة للختان؛ أكتفي
هنا بما ساقه الدكتور صبري القباني في كتابه: «حياتنا الجنسية» ، ومن ذلك:
١ - بقطع القلفة يتخلص المرء من المفرزات الدهنية، ويتخلص من السيلان
الشحمي المقزز للنفس، ويحال دون التفسخ والإنتان.
٢ - بقطع القلفة يتخلص المرء من خطر انحباس الحشفة أثناء التمدد.
٣ - يقلل الختان إمكان الإصابة بالسرطان؛ وقد ثبت أن هذا السرطان كثير
الحدوث في الأشخاص المتضيقة قلفتهم؛ بيد أنه نادر جداً في الشعوب التي توجب
عليهم شرائعهم الختان.
٤ - إذا شرعنا في ختان الطفل أمكننا تجنيبه الإصابة بسلس البول الليلي.
٥ - يخفف الختان من كثرة استعمال العادة السرية لدى البالغين « [٢٤] .
وفي حوار علمي أجريته مع فضيلة الأستاذ الدكتور صلاح الهسكوري [٢٥] ،
وهو المتخصص في أمراض الأطفال بمدينة مراكش. أكد لي حفظه الله أن الختان
خير كله بالنسبة لصحة الطفل البدنية والنفسية؛ شريطة أن يتم وفق شروط معينة،
وبأدوات متميزة، وفي ظروف مناسبة؛ لوقاية الطفل من كل مكروه إن عاجلاً أو
آجلاً، ثم ذكر أن الطفل في أمريكا يختتن يوم ولادته، وهذه المبادرة دليل على
أهمية الختان الصحية.
وهذه المفاهيم نفسها أكدها فضيلة الأستاذ الدكتور محمد توفيق جسوس وهو
متخصص أيضاً في علاج أمراض الأطفال بمراكش، ثم أضاف حقيقة طبية مفادها
أن الأقلف أي غير المختتن قد يتسبب لزوجته في مرض سرطان الرحم.
ولولا ما تقتضيه السرعة الإعلامية للرد على ما أثاره صاحب النظرية الفاسدة
من مغالطات لجمعت عشرات الأقوال لأطباء مرموقين يشهد لهم بالسبق في ميدانهم
بهذه المدينة المباركة كلها في صميم الدحض لطروحاته اللاعلمية والتقويض لها،
فلنحترم التخصص.
وأخيراً: لا بد من الإشارة هنا إلى حقيقة هي من الأهمية بمكان، ومضمونها
أن وسطية الإسلام ويسره وما يرومه من جلب المصلحة ودرء المفسدة كل ذلك
يرخص للمكلف بإسقاط فرضية الختان إذا خيف التلف أو الضرر، لا سيما إذا كان
الطفل أو المسن الذي أسلم بعد الشيخوخة ضعيفاً لا يقوى على احتماله.
стр. 3784
تأملات دعوية
الدعوة بين الاحتساب والاكتساب
(١ - ٢)
محمد بن عبد الله الدويش
www. dweesh. com
لقد أمر الشرع بطلب الرزق المباح وعدَّه عبادة، ونهى عن سؤال الناس
وتكففهم؛ فعن المقدام ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبيَّ الله داود عليه
السلام كان يأكل من عمل يده» [١] .
والدعوة إلى الله ﵎ تحتاج إلى المال لنصرتها وهي اليوم أحوج ما
تكون إلى ما يغنيها عن سؤال التبرعات من الناس وكثرة التطواف عليهم، ولذا
يأتي الحديث كثيراً عن الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله ، وعن بذل
المال ابتغاء وجه الله.
فهذه نصوص تحثُّ على طلب قدر من الدنيا، وثمة نصوص تنهى عن
التعلق بالدنيا وتذمها.
والمسلم يأخذ بالنصوص جميعاً، وينظر إليها بمنظار واحد؛ إذ النظر إلى
جانب واحد من النصوص يؤدي بصاحبه إلى سوء فهم للشريعة.
وثمة أخطاء في تعامل بعض الدعاة مع الدنيا نتيجة تغليب جانب على آخر،
وفي هذه المقالة بعض الإشارات حول جانب إهمال القدر المشروع من طلب الدنيا:
* إهمال الاكتساب المشروع، واعتباره انشغالاً عن العلم والدعوة، وعيش
الشاب في معاناة وضيق، أو استمراره في الاعتماد على والديه، ولهم أسوة حسنة
في النبي ﷺ الذي كان يعمل ويكتسب ليأكل من عمل يده؛ فعن
أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله نبياً
إلا رعى الغنم» فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعم! كنت أرعاها على قراريط
لأهل مكة» [٢] .
* يهمل بعض الشباب اختيار العمل الذي يوفر له دخلاً يتناسب مع احتياجاته،
ويختار عملاً دون المتاح له من الأعمال التي تسد حاجته الحقيقية، ثم يصبح بعد
ذلك عالة يتكفف الناس، وقد يلجأ إلى سؤالهم الصدقات لإتمام الزواج أو سداد
الديون إلى غير ذلك.
* إهمال المربين هذا الجانب في إعداد الشباب؛ فمع تضاؤل كثير من فرص
العمل اليوم لا بد من الاعتناء بتربية الشباب على المسؤولية، وتعويدهم على
الاستغناء عن الناس، وهو أمر كان النبي ﷺ يربي عليه أصحابه،
ومن ذلك ما ورد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ
قال: «لأن يأخذ أحدكم حبله، ثم يغدو أحسبه قال إلى الجبل فيحتطب فيبيع فيأكل
ويتصدق خير له من أن يسأل الناس» [٣] ولئن كان الاحتطاب وسيلة طلب الرزق
في عصر مضى ففي هذا العصر ثمة وسائل وأساليب أخرى [٤] .
* العمل في المؤسسات الدعوية أصبح اليوم مصدر دخل لطائفة من الشباب،
وهذا من خير ما ينشغل به المرء حين تصلح نيته، لكن لا يسوغ أن تضاع حقوق
هؤلاء باسم دعوتهم إلى الاحتساب، ومن حقهم أن يعيشوا عيشة كريمة كما يعيش
غيرهم.
* هناك فئة من الشباب الصالحين ممن لهم مشاركة في الأعمال الدعوية
يعانون من ضيق ذات اليد، ويتحمل بعضهم قدراً من الديون، فجدير بأصحاب
القلوب الرحيمة من الدعاة إلى الله ، وجدير بالمؤسسات والجمعيات
الإسلامية أن تعنى بأمثال هؤلاء؛ بل لو تعاون إخوانهم وأقرانهم وشعروا
بمسؤوليتهم تجاههم لحلُّوا كثيراً من مشكلاتهم، ولهم أسوة حسنة في الأنصار الذين
آوَوْا إخوانهم المهاجرين، وقاسموهم ثمارهم وأموالهم، بل طلق بعضهم بعض
نسائه لصاحبه، ويكفي ثناء القرآن عليهم في قوله تعالى: [وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ
وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا
وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
المُفْلِحُونَ] (الحشر: ٩) .
* ضعف اعتناء كثير من المؤسسات الدعوية بتنمية الموارد المالية، وضعف
إدارتها لما هو متاح لها من ذلك، ولقد كان للمال أثر في عهد النبي صلى الله عليه
وسلم في دخول طائفة من الناس في الإسلام؛ فكيف بهذا العصر الذي هو عصر
الاقتصاد والمال.
стр. 3785
قضايا دعوية
نحو أخلاقيات أمثل للاختلاف
عبد العزيز بن محمد الوهيبي
الاختلاف حقيقة لا مناص منها للنوع البشري ما دام البشر غير مكتملين، أي
ما داموا قد خُلقوا من طبيعة غير طبيعة الملائكة، وهم كذلك، وسيظلون كذلك ما
بقوا على ظهر هذه البسيطة؛ ولذلك فليس المطلوب إزالة الخلاف أو إلغاءه؛ فذلك
غير ممكن، وإنما المطلوب فقط التقليل من دائرته والتعايش السويّ السليم معه.
في المجتمعات المطمئنة الواثقة من نفسها يكون الاختلاف أقل خطراً،
والتعاطي معه أقل توتراً؛ وقد قمت من ناحيتي بإعداد بحث حول اختلاف الصحابة،
وأصدُقُكم القول: لقد دُهشت من هذا الاتساع الكبير من الاختلاف الذي كان بينهم،
والذي حفظته لنا كتب السنة والتاريخ والتفسير؛ لكن دهشتي كانت أعظم من
الأخلاقيات العالية التي كانت سائدة بينهم رغم هذا الاختلاف؛ فإنّ أحدهم مثلاً لا
يبذل أي جهد كي يَقْسر الآخرين على قناعاته أو يُلزمهم بما يراه صواباً.
كما أنّ أحدهم لا يمكن أن يشكك في مقاصد الآخر أو يطعن في مقاصده
ونواياه، كما أن الجدال بينهم لا يستمر ويتشعب حتى يتحول إلى خصومة ولدد؛
بل يكتفي كل من الأطراف ببيان وجهة نظره حتى يظن أنها قد ظهرت للآخر
ظهوراً كافياً؛ ثم لا عليه بعد ذلك قَبِلها الآخر أو ردها، والأمر في ذلك سيَّان، لا
يشعر كما يفعل كثيرون الآن بأن من لم يقبل قوله رقيق الدين أو ضعيف العقل،
فضلاً عن أن يعتبره معادياً له، أو ناظراً إليه نظرة ازدراء واحتقار، وكأنه يقول
له: ومن أنت حتى أدع رأيي لرأيك..؟ !
وهو فوق ذلك لا يتخذ أي موقف عدائي، أو خصومة أو مقاطعة لأخيه لمجرد
اختلافه معه؛ إنه يعطيه كامل الحق في الموافقة أو المخالفة، كما يعطيه كل الوقت
الذي يحتاجه لكي يقلِّب النظر ويعيد التأمل في الحجج والآراء التي سمعها، ثم لا
يبالي بعد ذلك: هل اقتنع بقول صاحبه أو بقي على رأيه؟ لأن قول صاحبه
وحججه لا تكفي لتغيير ما كان عليه من قول ورأي. تلك كانت حالهم؛ حيث لا
يحتاج المرء إلى كثير جهد كي يعرف ذلك من تاريخهم. وفي كتاب «الإجابة عما
استدركته عائشة على الصحابة» للزركشي مصداق ما أقول، وهو كتاب حاشد مهم
جمع فيه صاحبه رحمه الله تعالى نماذج كثيرة من الاختلافات بين أصحاب النبي
ﷺ ، وظهر فيه سمو أدب اختلافهم العلمي، ومنه يظهر سرّ
نجاحهم وسيادتهم وقدرتهم على تغيير الشعوب وتربيتها وتقديمهم النموذج الراقي
للإنسان المسلم، وللأمة المسلمة المتماسكة المتحابة المتآلفة، وبذلك دخلت الأمم
بفضل الله تعالى ثم بفضل النموذج الراقي للجماعة المتحابة المتماسكة دخلوا في دين
الله أفواجاً؛ كيف لا؟ وهم نتاج للتربية النبوية الكريمة التي علمهم فيها النبي صلى
الله عليه وسلم القيم العليا؛ حيث كان يقول لهم ﷺ : «إن الله كره
لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال» [١] وكان صلى الله عليه
وسلم يقول: «لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً؛ فإني أحب أن أخرج
إليكم وأنا سليم الصدر» [٢] .
وعلى النقيض من ذلك أعرف بعض الدعاة الذين لا همَّ لهم إلا تسقُّط أخبار
إخوانهم.
حتى إن أحدهم ليفرح بالخطيئة يجدها على أخيه، ويسارع في نشرها كأن
ليس لهم من عمل إلا ذاك ناسياً قول الله ﵎: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً
أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ]
(الحجرات: ١٢) .
وإن تعجب فعجب أن أقواماً من هؤلاء يزعمون أن دافعهم الغيرة على الدين
والذب عن حياض الشريعة والعقيدة؛ فإذا تكشفت لك حاله ظهر لك أن هذا الدافع
من أضعف دوافعه وأبعدها عن الحقيقة، بل الكثير من هؤلاء دفعه حسده وغيرته
وعجزه وضعفه عن أن ينفع الناس؛ فما كان منه إلا أن شُغِلَ بالعاملين المنجزين
يضع العقبات في طريقهم، ويثير حولهم الزوابع والشبهات كي يصد الناس عنهم
[وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ] (النور: ٤٠) ، وإني لأعرف
باحثاً من الفضلاء درس مسألة من تلك المسائل الاجتهادية التي يعاملها بعض الناس
بشيء من التقديس كأنما هي واحدة من قواطع الدين وثوابته التي لا يجوز الخروج
فيها عن الشائع والمألوف من القول في هذا الوقت، فلقيه بعض أنصاف المتعلمين
أو أرباعهم وانتحى به جانباً وعاتبه قائلاً: كيف تبحث هذه المسألة التي لم يبحثها
فلان من أهل العلم؟ فأجابه صاحبنا: ولكن هذا العالم قد بحثها. فأجابه المتعالم:
مسألة بحثها فلان لماذا تبحثها؟ ! !
أيُّ غيرة على الدين، أو ذبٍّ عن الشريعة ذاك الذي لا يتورع صاحبه عن
الاختلاق والكذب والتلفيق وسوء التأويل كي يصل لمراده ... ؟ ! !
أيُّ صدق في التوجه ذاك الذي يدفع صاحبه إلى أن يُلزم الناس باجتهاده هو،
ووجهة نظره في القضايا المثارة، ويطلب منهم أن يَلجُوا من ثقب الإبرة الذي وََلجَه،
وإلا فما هم على شيء؟ !
هل راجع هؤلاء وأمثالهم مقاصدهم وأهدافهم، وأعادوا النظر في مراداتهم
وشهوات أنفسهم فتساءلوا صادقين: ألِلهِ ولدينه غضبنا، أم لقولنا وآرائنا؟ ! هل
أعطينا للقضايا المشابهة نفس الاهتمام والغيرة، أو نحن نغار في مسائل دون
غيرها لمجرد روابط عاطفية أو نفسية تربطنا بها، وثمة ما هو أخطر منها وأكثر
حيوية وضرورة ووضوحاً، ومع ذلك لا نحرك لها ساكناً..؟ ! !
إنني أعتقد جازماً بأن بعض المراجعة والنقد الذاتي سوف تعيد الكثير من
القضايا إلى حجمها الحقيقي بعيداً عن المبالغة أو التهميش.
حدثني بعض الباحثين من طلبة العلم أنه كان ينوي كتابة مقدمة بحثية لكتابه
يشير فيها إلى أن الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم أن يبينوه للناس ولا يكتمونه؛
يلزمه أن يقول كلمة الحق لا يجامل فيها طائفة ولا أهل مذهب أو محلة، لا
يحركه في ذلك إلا الإخلاص في الاستجابة لله وللرسول، وأن يقول ما أدى إليه
بحثه العلمي ولا يخاف في الله لومة لائم، لكن بعض أصحابه نهاه أن يفعل كي لا
يغضب منه أقوام أو يسيئوا فهمه، فقلت له: أيها الأخ الفاضل! تخيل لو أن ابن
تيمية أو ابن عبد الوهاب أو غيرهم من المجددين والمصلحين فعلوا ما تفعلون من
تحفظات وتخوفات أترى بقي لهم ذكر، أم عُرف لهم مزيد فضل على أقوامهم؟ !
وعندما قال ورقة بن نوفل للنبي ﷺ : «لم يأت رجل قط بمثل ما
جئت به إلا عودي» [٣] فإنما قال ذلك وهو يستقرئ التاريخ مصداقاً لقول الله
﵎: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُواًّ مِّنَ المُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً
وَنَصِيراً] (الفرقان: ٣١) .
وذاك الذي لقيه الأنبياء يلقاه ورثتهم من بعدهم، كما قال لقمان لابنه وهو
يعظه: [يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا
أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ] (لقمان: ١٧) . كأنه رأى أنه لا يقوم قائم بمهمة
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا ويصيبه بعض ما أصابهم، وفي التاريخ قديمه
وجديده خير شاهد. إننا أيها الأخ الحبيب! ونحن نعلِّم الناس العلم؛ فإنما نعلمهم
مفردات العلم التي قد يختلف فيها الناس ويتفاوتون، ولكننا كذلك نعلمهم المنهج
الصحيح في الطاعة لله ورسوله، والطريقة السديدة للوصول إلى الحق الصراح من
الكتاب والسنّة كي يسعدوا بثمارهما، وينعموا بعطائهما، وهذا المنهج وسداده
واستقامته أهم من نتائج العلم التفصيلية؛ فتلك قد تُنسى، وقد يُختلف حولها، ولكن
الذي يبقى ولا ينسى إنما هو المنهج السديد، والطريق القاصد، ولذلك فلا تتلجلج
في بيان الحق والذب عنه مهما كانت التكاليف. نعم! تلطف إلى الناس كي يقبلوه،
ولكن حذار، ثم حذار من أن تبدل فيه أو تعدل كي لا يرفضوه؛ فإنما أنت وأدوية
الكتاب والسنة كالطبيب يصف الدواء ولا يغيره من أجل أنهم لا يستسيغونه
[وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ]
(آل عمران: ١٨٧) .
هذا واجبكم فلا تترددوا فيه، وهذا وإنني على يقين أن كثيراً مما يصيب
الدعوة والدعاة من كلالة وعجز، أو مما يصيبهم من بلاء ومحنة وتسلط للأعداء؛
فإنما هو من مثل هذه الذنوب: [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى
هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ] (آل عمران: ١٦٥) .
وربما ظهر لك أن هذه المسألة من مسائل العلم العملية التي تتفاوت فيها
الاجتهادات، أو هي من مسائل الوسائل التي أذن لنا الشرع فيها بالتعدد والاختلاف،
وليست هي كذلك إنما هي من مسائل أصول الدين ومبانيه الكبار؛ إذ هي من
إجابة السؤالين الكبيرين اللذين تُسأل عنهما الأمم يوم القيامة.
[وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ] (القصص: ٦٢) .
[وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ] (القصص: ٦٥) .
[وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ] (فصلت: ٤٧) .
عسى الله أن يرزقنا الثبات عند مزلة الأقدام، ويغفر لنا؛ وهو الغفور الرحيم.