← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

دراسات في الشريعة والعقيدة الاستدلال العلمي في العقيدة الإسلامية خميس بن عاشور [*] يعتقد الكثير ممن يُحسبون على الثقافة أن العقائد الدينية كلها «دوغمائية» أي مؤكدة من غير دليل؛ وإن كان ذلك ينطبق على كثير من الأديان الوضعية أو السماوية المحرفة فإن العقيدة الإسلامية بعيدة كل البعد عن هذه التهمة، ولذا لا نخال الحاكمين بهذه المقالة قرؤوا كتاب الله بتدبر، أو درسوا شيئاً مما يعوَّل عليه من فنون الإسلام وعلومه وعلى رأس ذلك علوم السنة النبوية الشريفة؛ لأننا في دوائر العلوم الإسلامية نجد أن الإجماع منعقد على أن العلم قبل القول والعمل؛ وذلك أن الاعتقاد هو تصور جازم سواء طابق الواقع أو خالفه، وسواء كان ذلك الاعتقاد صحيحاً أو خاطئاً على مقتضى أحكام العقول أو النقول، بينما العلم هو اعتقاد الشيء على ما به مع شرط مطابقة الواقع؛ ولذلك فإننا نجزم بما لا مجال للريب فيه أن العقيدة الإسلامية هي عِلْم أولاً وقبل كل شيء؛ لأنه لا مكان في الإسلام لاعتقادٍ لا يؤسس على دليل علمي سواء كان عقلياً صريحاً أو نقلياً صحيحاً . قال - تعالى -: [وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً] (الإسراء: ٣٦) ، وقوله - تعالى -: [فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ] (محمد: ١٩) . وهؤلاء الزاعمون من أهل الثقافة المنحرفة لا يعيرون أي اهتمام لأبسط الأبجديات الإسلامية، وكأنهم لا يعلمون أنه من أول ما نزل من القرآن الكريم الدعوة إلى وجوب القراءة؛ فقد قال - تعالى -: [اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ] (العلق: ١) ، والقراءة هي أول مدارج العلم والمعرفة، وفضل العلم في الإسلام لا يضاهيه أي فضل؛ وقد وجه الإسلام أتباعه إلى الاستزادة منه فقال - تعالى -: [وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً] (طه: ١١٤) . وعن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العَالِم ليستغفر له مَن في السماوات ومَن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُورِّثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورَّثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» [١] . وجاء في كتاب العلم من صحيح البخاري ﵀ باب: العلم قبل القول والعمل، وقال جل ذكره: [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ] (فاطر: ٢٨) ، وقال سبحانه: [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ] (الزمر: ٩) . إن من أساسيات المنهج العلمي الملاحظة والافتراض، ثم التجربة والاستنتاج؛ ولقد نعى القرآن الكريم على الكفار عدم استعمالهم لوسائل الإدراك التي يتحقق بها هذا المنهج العلمي الذي يقود حتماً إلى الحقيقة الإيمانية، قال - تعالى -: [وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ] (الأعراف: ١٧٩) . ولقد حفلت آيُ القرآن الكريم بتطبيقات كثيرة لهذا المنهج العلمي؛ فهذا إبراهيم الخليل ﵇ رأى قومه يعبدون الكواكب ويشركونها مع الله فأراد أن يقنعهم ويستدل لهم على بطلان ما هم عليه من الاعتقاد، فاستعمل المنهج العلمي الذي يحقق تلك الغاية النبيلة فافترض، ثم جرَّب، ثم استنتج النتيجة المطلوبة وهي بطلان الشرك أمام حقيقة التوحيد السامية. قال - تعالى -: [وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي] (الأنعام: ٧٥-٧٦) إلى قوله - تعالى -: [فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] (الأنعام: ٧٨-٧٩) . فقد كانت التجربة والاستنتاج هي الوسيلة الدافعة التي أظهرت أن هذه المخلوقات السماوية لا يجوز لها عقلاً أن تكون أرباباً وآلهة معبودة من دون الله ؛ لأنها تختفي وتزول، وهي خاضعة لنواميس الكون التي خلقها الله عز وجل لحفظ الكائنات حتى تؤدي دورها الذي من أجله وُجدَت، وحتى تتحقق حكمة الله في خلقها. فاعتقاد التوحيد في قصة إبراهيم مع قومه أساسه علمي راسخ، ودليله ظاهر لا مجال فيه للشبهات والريب؛ ولكن قومه «الدوغمائيين» وأمام حجة إبراهيم الدافعة تعنتوا واستعملوا العنف والقوة الظالمة لرد الحق الذي جاءهم به قال تعالى: [فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّار] (العنكبوت: ٢٤) ، وكذلك كان ردهم عندما ألزمهم الحجة الباهرة على بطلان عبادة الأصنام بقوله: [قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوَهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ] (الأنبياء: ٦٣) . وأمام انقطاع حجتهم: [قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ] (الأنبياء: ٦٨) ، وفي قصة موسى مع سحرة فرعون عندما هزمهم الله ونصر نبيه ﵇: [قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ العَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ] (الشعراء: ٤٧-٤٨) . واعتقاد هؤلاء السحرة بعد توبتهم وعلمهم بالإيمان الصحيح كان مؤسساً على منهج علمي أكيد؛ وذلك أنهم كانوا أعلم الناس في مملكة فرعون بالسحر، وعندما رأوا معجزة موسى علموا أن ذلك لا يمت بصلة لجنس السحر الذي علموه، فانقدح في رُوعهم نور الإيمان عن علم ودليل وتوفيق من الله . ولذلك يرد كثيراً في القرآن الكريم اقتران العلم بالإيمان، واقتران الذين يعلمون بالذين يؤمنون. قال تعالى: [وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ البَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] (الروم: ٥٦) . وقال سبحانه: [وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (الحج: ٥٤) . وقال سبحانه: [لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ] (النساء: ١٦٢) . وقال سبحانه: [يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ] (المجادلة: ١١) . وفي قوله تعالى: [وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ] (الزخرف: ٦١) . وردت قراءة أخرى: (وَإِنَّهُ لَعلَمٌ لِّلسَّاعَةِ) ، أي أمارة، وقد فرق الأصوليون بين الدليل والأمارة من حيث إفادة اليقين أو الظن، ولكن المقصود هنا أن مادة العلم في القرآن العربي المبين تدور حول الدليل والأمارة؛ حيث ذهب المحققون من أهل الأصول أنه لا فرق بين الدليل والأمارة من حيث إفادة اليقين أو الظن [٢] ، وهذا ما يعني أن الإيمان في الإسلام علم سواء كان عن استدلال ونظر أو عن اعتقاد فطري؛ لأن كل ذلك مطابق للواقع وموافق لنصوص الكتاب والسنة التي تصحح الإيمان الفطري وتحث كذلك على الاستدلال والنظر العقليين لزيادة اليقين وترسيخ العقيدة، والآيات في ذلك كثيرة من مثل قوله تعالى: [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (العنكبوت: ٢٠) . وقوله: [أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ] (ق: ٦) . وقد ذهب بعض المحققين إلى أن معرفة الدلائل العقلية قد تجب في حق من تساورهم الظنون وتراودهم الشكوك؛ وذلك من أجل أن يُدعِّموا قاعدة الإيمان عندهم؛ فلا يلقوا ربهم إلا بقلب سليم خالٍ من الشُّبَه المهلكة [٣] . والإيمان بالنبوة والرسالة أساسه صدق الرسول؛ وهذا الصدق قد يُعرف بأوصاف معينة، وقد يكون عن طريق المعجزة؛ فكثير من الناس دخلوا في دين الله أفواجاً عن طريق ما عرفوه من صفات الرسول صلى الله عيه وسلم الحميدة، وشرف ما يدعوهم إليه من المكارم؛ ومن ذلك ما قاله جعفر بن أبي طالب للنجاشي: إن الله بعث لهم رسولاً يعرفون نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعاهم إلى التوحيد وترك الشرك، وأمرهم بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهاهم عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرهم بالصلاة والزكاة والصيام. قال جعفر بن أبي طالب: «فصدَّقنا وآمنا به، واتبعنا ما جاء به من الله» [٤] . وأساس العقائد الدينية هو الإيمان بما جاءت به الرسل؛ وصدقُ الرسول صلى الله عيه وسلم ثبت ضرورةً؛ فكان كل ما أخبر به صدق؛ لأن الصدق لا يولّد إلا صدقاً وهذا استنتاج علمي. وخلاصة القول أن العلم الذي سبيله الاستدلال العقلي أو النقلي هو منهج العقيدة الإسلامية، وهذا ما أثبتته نصوص الكتاب والسنة، وأن «الدوغمائيين» الحقيقيين هم الذين يوظفون الجهل والتدليس لتحقيق أغراضهم في الصد عن سبيل الله، ولكن إذا كان الصراع بين العلم والجهل، والعالم والجاهل فلا ريب أن النصر سيكون حليف العالم؛ فكيف بمن هو أعلم؟ ولا أعلَمَ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عيه وسلم.

стр. 3782

دراسات في الشريعة والعقيدة حاجتنا إلى أصول الفقه هيثم بن جواد الحداد haitham١٢٣٤@hotmail.com أصول الفقه هو ذلك العلم الذي نستنبط بواسطته الأحكام الشرعية الفرعية من نصوص القرآن والسنة [١] ؛ وعلى هذا فإن علم أصول الفقه عبارة عن مجموعة من القواعد والضوابط التي تحكم استنباط الأحكام الشرعية من نصوص الكتاب والسنة. والدارس لهذا العلم بناءاً على ذلك سيتناول ثلاثة أقسام رئيسة: أدلة الاستنباط، وهي أصالة القرآن والسنة والإجماع وما يتعلق بها، ثم يدرس الأحكام التي كلف الله بها العباد (الأحكام الشرعية) ، وهي الوجوب والاستحباب والإباحة، والكراهة والحظر، مع دراسة الأحكام الوضعية مثل الشرط والسبب والمانع والعلة، والقسم الثالث: قواعد استنباط هذه الأحكام من تلك الأدلة، مثل كيف نستنبط الوجوب من النصوص؟ وإذا عدم النص فماذا نفعل؟ ويلحق بهذه الأقسام قسم رابع هو حال الناظر في هذه الأدلة، وحال المستفتي والاجتهاد وما يتعلق به. جاء في كتاب (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون) : «والداعي إلى وضعه: أنهم نظروا في تفاصيل الأحكام والأدلة وعمومها فوجدوا الأدلة راجعة إلى الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ووجدوا الأحكام راجعة إلى الوجوب والندب والإباحة والكراهة والحرمة، وتأملوا في كيفية الاستدلال بتلك الأدلة على تلك الأحكام إجمالاً من غير نظر إلى تفاصيلها إلا على سبيل التمثيل، فحصل لهم قضايا كلية متعلقة بكيفية الاستدلال بتلك الأدلة على الأحكام إجمالاً، وبيان طرقه وشرائطه، ليتوصل بكل من تلك القضايا إلى استنباط كثير من الأحكام الجزئية من أدلتها التفصيلية، فضبطوها ودوَّنوها وأضافوا إليها من اللواحق، وسمَّوا العلم المتعلق بها أصول الفقه، وأول من صنف فيه الإمام الشافعي ﵁» [٢] . وبمجرد تأمل هذه التعريفات لأصول الفقه والمسائل التي تدرس في هذا الفن تظهر أهمية هذا العلم واضحة جلية لكل من له أدنى اهتمام بعلوم الشريعة. لكننا مع ذلك سنحاول إبراز مزيد من فوائد هذا العلم وثمراته، وتسليط الأضواء على حاجتنا المعاصرة إليه. فائدة أصول الفقه وحاجتنا إليه: أولاً: أصول الفقه أداة للفهم للسليم: فالله أنزل القرآن ومعه السنة هدايةً للبشرية جمعاء، أنزلهما وفيهما جميع ما يُصلح أمور الناس في الدنيا والآخرة. وكفل الله لنا حفظ نصوص الوحيين؛ فها هي تتلى على مسامع الأمة صباحَ مساءَ، ومع ذلك فقد ضلَّت طوائف كثيرة من الناس، وأسباب الضلال كثيرة من أهمها الخطأ في فهم نصوص هذين الوحيين. فلا تقتصر الهداية على مجرد التلقي من هذين الوحيين، إذا لم يكن التلقي مضبوطاً بضوابط الفهم الصحيح. هذه طائفة تمسكت بحديث صحيح هو قوله ﷺ : «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» [٣] ، أو قوله صلى الله عيه وسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول حرَّم الله عليه النار» [٤] ، وما في معناه من أحاديث، واقتصرت عليها وأهملت ما سواها، فجعلت الإيمان مجرد اعتقاد لا يجاوز القلب [٥] وإن اقترف صاحبه ما اقترف من الكبائر والآثام، فسوَّغت للناس من حيث تدري أو لا تدري التساهل بالمعصية، والتمرد على أمر الله، فضلَّت وأضلَّت، ونتج عن هذه العقيدة شر مستطير. فلم يكن باب الخطأ الذي وَلَجَته هذه الطائفة، العمل بحديث مكذوب، أو مقولة محرفة من كتب أهل الكتاب. لا، وإنما حصل لها الانحراف من طريقة فهمها لنصوص الوحي، وقُل مثل ذلك في كثير ممن زاغت أبصارهم عن تناول الشريعة بالطريقة الصحيحة المنضبطة. وعليه؛ فإن الفهم السليم الذي يحفظ من الزيغ والانحراف لا بد أن يعتمد على أصلين عظيمين: أولهما: التلقي من نصوص الوحيين وما دلاَّ عليه، لا شيء سوى ذلك. ثانيهما: فَهْم هذه النصوص فهماً سليماً وفق القواعد المقررة عند أهل العلم. وأصول الفقه كما تقدم وسيلة لاستنباط أحكام الشريعة؛ فهي جزء بل هي أهم جزء في فهم نصوص الوحيين. ففي طيّات هذا العلم نجد كمّاً هائلاً من قواعد الاستنباط والفهم والجمع. فلو عملت تلك الطائفة التي ضلَّت في فهم قول النبي صلى الله عيه وسلم: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» [٦] بهذه القواعد، لكان يتوجب عليها أن تجمع بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى. قال النووي: «وهذا لا بد من تأويله لما جاء في ظواهر كثيرة من عذاب بعض العصاة؛ فلا بد من تأويل هذا لئلا تتناقض نصوص الشريعة، وفي قوله صلى الله عيه وسلم: (وهو يعلم) إشارة إلى الرد على من قال من غلاة المرجئة: إن مُظهِر الشهادتين يدخل الجنة وإن لم يعتقد ذلك بقوله، وقد قيد ذلك في حديث آخر بقوله صلى الله عيه وسلم: (وهو غير شاك فيهما) [٧] . لو نظرت هذه الطائفة في قواعد الاستنباط القاضية بأن من النصوص ما هو عام ومنها ما هو خاص، وأنه لا بد من الجمع بينهما، وأن العام قد يُحمل على الخاص، لنَأَت بها هذه القواعد عن هذا الفهم المنحرف لذلك النص. ففي أصول الفقه نجد حديثاً عن العام والخاص والمطلق والمقيد وكيفية الجمع بينها، وفيها حديث عن الناسخ والمنسوخ، وفي أصول الفقه بيان لدلالة أفعال النبي صلى الله عيه وسلم ومكانتها من التشريع، وفيه بيان لمعاني الأدوات والحروف اللغوية من وجهة النظر التشريعية، وفيه كذلك بيان لأسباب النزول، ونجد فيه كذلك قسماً خاصاً بالسُّنة يتناول أقسامها وحجيتها ومنزلتها من القرآن. كل هذه قواعد تُعين على فهم نصوص الوحيين فهماً سليماً، فلا تقتصر وظيفة هذه القواعد - وأمثالها كثير - على استنباط الأحكام الفقهية، بل تتجاوزها إلى جميع ما يتعلق بفهم الوحيين، سواء من ناحية علوم التوحيد والعقيدة، أو علم التفسير، أو غيرها. ولذا فإنك تجد في علوم القرآن مثلاً مباحث كاملة مستقلة تتحدث عن أسباب النزول ودلالاتها، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، وما هذه إلا موضوعات رئيسة من علم أصول الفقه. إن إهمال قواعد الفهم والاستدلال والاستنباط، أو إلغاء العمل بالأصل الثاني من أصول الاستدلال المشار إليها آنفاً ساق على الأمة أنواعاً من البلايا والمحن لا يعلم مداها إلا الله، وما المنهج المنحرف الذي تبنته الخوارج إلا نتاج لهذا الانحراف. انظر إليهم في مناظرتهم لابن عباس يحتجون بنص صريح من كتاب الله بوصفه أحد الأسباب التي دعتهم للخروج على علي بن أبي طالب ﵁ حين سألهم: ماذا تنقمون عليه؟ فأجابوا بقولهم:» حكّم الرجال في دين الله «، والله يقول: [إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ] (يوسف: ٤٠) . وما زالت الأمة إلى عصرنا الحاضر تعاني من ظهور صور متعددة لمنهج الخوارج وإن اختلفت عنه في الأسماء، وما ظواهر الغلو في التكفير، وما يقابلها من تميع وإرجاء إلا أشكال متعددة لمنهج منحرف واحد، متمثل في إهمال فهم النصوص الشرعية وفق القواعد المقررة، والتي يمثل علم أصول الفقه جزءاً كبيراً منها. وليس من نافلة القول أن نقول إن العلماء قد تنبهوا قديماً إلى خطورة إهمال النظر في دلالة النصوص وفقه معانيها بحجة الاقتصار على العمل بظواهر نصوص القرآن والسنة، قال ابن المديني:» التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم « [٨] كما قال أبو عاصم النبيل: » الرئاسة في الحديث بلا دراية رئاسة نذالة « [٩] وهذا ابن عبد البر يقول بعد أن ذكر باباً في ذكر مَن ذمّ الإكثار من الحديث دون التفهم والتفقه قال:» وأما طلب الحديث على ما يطلبه كثير من أهل عصرنا اليوم دون تفقه فيه ولا تدبر لمعانيه فمكروه عند جماعة من أهل العلم « [١٠] . أما ما ورد في الحث على الاشتغال بالحديث، وذم الرأي، فذلك محمول على الرأي المجرد الذي لا يعتمد ولا ينظر في الأدلة البتة، وهذا لا شك في ذمه. وعليه؛ فإن كل فائدة تنتج عن اتباع المنهج الصحيح في النظر والاستدلال يصح أن تكون من فوائد أصول الفقه. فلا يخفى عليك بعد ذلك أن تعلم أنّ أول فائدة لأصول الفقه وأهمها أنه يمثل الجزء الأكبر من المنهج الصحيح في النظر والاستدلال.. ثانياً: أصول الفقه طريق للعبادة الصحيحة: وهذا واضح جداً من التعريف. قال الآمدي:» وأما غاية علم الأصول فالوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية التي هي مناط السعادة الدنيوية والأخروية « [١١] ،» فإن المجتهد متى كان عالماً بأحوال الأدلة الكلية مثل علمه بأن الأمر للوجوب، إذا لم تقم قرينة على خلاف ذلك، وأن النهي للتحريم، ما لم تقم قرينة على الكراهة، استطاع أن يستنبط وجوب الصلاة من قوله تعالى: [وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ] (البقرة: ٤٣) وتحريم الزنا من قوله تعالى: [وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى] (الإسراء: ٣٢) فيقول: [وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ] (البقرة: ٤٣) أمر، والأمر للوجوب، فأقيموا الصلاة للوجوب، [وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى] (الإسراء: ٣٢) نهي، والنهي للتحريم، فلا تقربوا الزنا للتحريم؛ فالمقدمة الأولى في الدليلين يعلمها من اللغة، والمقدمة الثانية في كل منهما يعلمها من الأصول، ولولا معرفته لأصول الفقه ما استطاع أن يستنبط هذين الحكمين؛ فأصول الفقه جعلته قادراً على استنباط هذين الحكمين من دليليهما، ومثل ذلك يقال في غيرهما من الأصول « [١٢] . وقد يقول قائل: لكن هذا للعلماء المجتهدين. فيقال جواباً على ذلك: ليس هذا بصحيح؛ بل إن من أصول الفقه ما يمكن أن يتعلمه كثير من طلبة العلم وأفراد الصحوة الإسلامية، بل إن كل من له أهلية التعلم قادر على أخذ طرف من هذا العلم، حتى يفهم ولو بشكل إجمالي كيف جاءت الأحكام التي يعمل بها؛ ولهذا أثر كبير على عبادة الإنسان؛ ف» شتان بين من يأتي بالعبادة تقليداً لإمامه بمعقوله، وبين من يأتي بها وقد ثلج صدره عن الله ورسوله، وهذا لا يحصل إلا بالاجتهاد، والناس في حضيض عن ذلك، إلا من تغلغل في أصول الفقه، وكرع من مناهله الصافية، وادَّرع ملابسه الضافية، وسبَحَ في بحره، وربح من مكنون دُرِّه « [١٣] . وهاتان الفائدتان هما أُسُّ فوائد هذا العلم، وعليهما تقوم كثير من الفوائد الأخرى؛ ولهذا فقد نص كثير من العلماء على أن أصول الفقه من أشرف العلوم [١٤] ، بل قال عنه العلاَّمة ابن خلدون وهو من علماء الاجتماع والتأريخ:» اعلم أن علم أصول الفقه من أعظم العلوم الشرعية، وأجلِّها قدراً، وأكثرها فائدة « [١٥] . وتأمل كلام الغزالي حيث يقول:» وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل؛ فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل، فلا هو تصرُّفٌ بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على محض التقليد الذي لا يشهد العقل له بالتأييد والتسديد ... « [١٦] . ثالثاً: أصول الفقه ميزان عدل: فأصول الفقه ميزان توزن به كثير من الآراء المتصلة بالمسائل الشرعية، مقبولها من مردودها، وصحيحها من ضعيفها وراجحها من مرجوحها، فنعرف ماذا نأخذ وماذا نترك وما الذي ندين الله به؟ ولا يقتصر أثره على تمييز الصحيح من المردود، بل يتجاوز ذلك إلى تمكيننا من معرفة درجات المردود نفسه؛ فبه نميِّز بين ما يُردُّ كليّة من الأقوال والآراء وبين ما له وجهة من النظر، بين الاجتهاد المردود بالكلية وبين الاجتهاد المقبول والمردود. وعليه؛ فإننا سنتمكن من المفاضلة الصحيحة المبنية على أسس شرعية بين المخالفين، ومن ثمّ الموقف الشرعي الصحيح الذي ينبغي أن يتخذ تجاه كل طائفة؛ فمن يكون اجتهاده معتبرًا ليس كمن يكون رأيه مردوداً بالكلية. إنّ المساواة بين المخالفين - وإن اشتركوا في المخالفة - ليس من الشرع والعدل في شيء، ولقد تباينت مواقف الإسلاميين من هذا المبدأ؛ فطائفة ضيقت دائرة الخلاف المعتبر إلى حد أصبحت معه تعتبر أن كل قول يخالف ما سارت عليه قول ساقط مردود، بل ربما وصَمَتْ صاحبه بالضلال والابتداع والخروج عن الصراط المستقيم، ومن ثَمَّ وقفت منه موقف المبغض المتبرئ المعادي. ثم ما لبث ذلك المبدأ حتى أصبح مِعْولاً يهدم بنيان ما كان متماسكاً من بنيان هذه الصحوة، وأحدث فيها شروخاً عميقة، فزاد من فرقة المسلمين، وزاد من التناحر بين جماعات الصحوة، وهو نتيجة تلقائية لعدم وضوح الميزان الذي ينبغي أن توزن به الأقوال وقائلوها.. وفي مقابل من ضيَّق دائرة الخلاف ظهر من وسَّعها عن حجمها المطلوب حتى أوغل في التسامح مع جميع الأقوال المخالفة، بل ربما أظهر تسامحاً ومودة مع أعداء الله من اليهود والنصارى وغيرهم ظناً منه أن هذا المسلك يوحِّد صف المسلمين، ويقوي شوكتهم، فأخطأ الطريق، ومن أخطأ الطريق فلا بد أن يخطئ الوجهة. لقد جرّ هذا المسلك المنحرف على المسلمين أفراداً وجماعات مصائب عقدية واجتماعية بل وسياسية، ولقد انتهى الأمر بهؤلاء إلى أنهم أخضعوا الدين لأهوائهم ومصالحهم بحجة المصلحة. ومن فوائد هذا الميزان أنه يتيح لنا المقدرة على التمييز بين أصول الدين وفروعه ومراتب كلٍّ منها، وهذا مهم جداً؛ فإن العالِم، أو طالب العلم إذا أتقن استخدام هذا الميزان فإنه قد حاز ملكة مهمة لا يستغني عنها الناظر في فقه الموازنات والأولويات، فالموازنات الصحيحة لا بد أن تكون مبنية على معرفة مراتب أحكام الشريعة: مراتب المصالح، ومراتب المفاسد. وكذا فإن هذا الميزان يعين صاحبه على الإلمام الجيد بنظرية الضرورة وما يترتب عليها من أحكام فقهية متعددة وصور شتى ولا سيما في عصرنا الحاضر، وما من شك أن هذه النظرية وأمثالها أضحت من أهم القواعد التي تبنى عليها الاجتهادات الفقهية المعاصرة. لقد وقع خلط كبير في هذه القواعد والضوابط، وما ذلك إلا لفساد منهج الاستدلال بالكلية أو حدوث خلل فيه. فمثلاً: ظهرت بعض الدعاوى المعاصرة لإباحة الفائدة الربوية البنكية بحُجة أن هذا التعامل أصبح من ضرورات العصر، وفي بلاد الغرب تساهَل كثير من المفتين في بعض القضايا التي تعرض للمسلمين هناك بحُجة الضرورة، ولمَّا تتحقق فيها شروط الضرورة؛ فربما أجازوا الجمع بين الصلوات مطلقاً بدون عذر، وأجازوا كثيرًا من المعاملات الربوية، وتساهلوا في كثير من المواقف مع النصارى ممتطين إلى ما يريدون صهوة الضرورة والمصلحة ليعبروا بها إلى ما يريدون من أحكام الشريعة، وأخذ هذه النظرية كثير من العامة واستخدموها حجة بحسن نية للتحلل من أحكام الشريعة. فمن الذي يضع حدود الضرورة والمصلحة ومعالمهما وضوابطهما وشروطهما [١٧] ؟ رابعاً: أصول الفقه أداة الاتباع: نخطئ كثيرًا حينما نَقْصر فائدة أصول الفقه على العلماء وأهل الاجتهاد؛ فإذا كنا نطالب الناس باتباع الدليل، لا سيما طلبة العلم منهم، وننهاهم عن التقليد واتباع أقوال الرجال، فأنَّى لهم العمل بالدليل إذا لم تكن لديهم الآلة التي تمكنهم من فهم هذا الدليل؟ لعلِّي لا أبعد القول في أن مطالبة الناس وطلبة العلم باتباع الدليل مع عدم قرن ذلك بضرورة اتباع المنهج السليم في فهم النص هو الذي أفرز الظواهر المَرَضيّة التي تحدثنا عنها سابقاً، وكيف نطالب الناس باتباع الدليل وكثير منهم في كثير من المسائل يجهل كيفية فهم الدليل؟ وعليه؛ فحتى نكون معتدلين في مطالبتنا باتباع الدليل وترك التقليد لا بد أن نقرن هذه المطالبة بضرورة التنبيه على الأخذ بآلة الفهم الصحيح، فتكون دعوتنا بذلك متكاملة واضحة المعالم. » وقصارى القول في هذه القضية: أن كل من اشتغل بالفقه الإسلامي لا بد له من معرفة هذه الأصول؛ لأنها تُكوِّن العقل السليم المنتج، ولذلك كانت دراسته بعد أن كملت قواعده واشتغل العلماء بتدريس العلوم الإسلامية، تسير جنباً إلى جنب مع دراسة الفقه من غير تفرقة بينهما إلا في ترتيب سِنيِّ الدراسة « [١٨] . خامساً: أصول الفقه أداة لتمييز السُّنَّة من البدعة: من الأخطاء التي وقع فيها كثير من الإسلاميين في هذه الأيام لا سيما الشباب منهم، اعتقادهم أنّ كل حديث ثبتت صحته فظاهره سنة وما يخالفه بدعة، وقد أوقعهم هذا الاعتقاد الخاطئ في مخالفة سنن صريحة أخرى متفق عليها، وما لبثوا أن أصبحوا بذلك فرقاً وأحزاباً يبدِّع بعضها بعضاً؛ وواقع شباب الصحوة في كثير من البلدان يشهد بهذا. ومما ترتب على هذا أن اعتمد أصحاب هذا الفهم الخاطئ مبدأهم هذا قاعدة لمبدأ آخر لكنّه أشد منه خطورة ألا وهو وَصْم كل من لم يعمل بالسنن التي ظنوها سنناً بمخالفته للسنة، أو تفريطه في السنة، ثم تبديعه وتفسيقه، ولا تسل بعد ذلك عن آثار هذه الفتنة! إنّنا حينما نُحذِّر من هذا المنهج الغالي في فهم النصوص فإننا في المقابل نُحذِّر كل الحذر من الطرف المقابل ألا وهو إهمال النص والاعتماد على العقل، وهو منهج المدرسة العقلية التي تمثلت في المعتزلة قديماً، وتتمثل في بعض أفراخهم من العصرانيين حديثاً. لقد شارك هؤلاء بجناية مقابلة؛ حيث ردُّوا كثيرًا من الأحكام الشرعية بحُجة مناقضتها للعقل؛ فبعضهم ردّ حديث الذبابة، وضاق عقل بعضهم أن يفهم كيف جعل الشارع دية المرأة على النصف من دية الرجل؟ وكيف يكون الإنسان ولو كافرًا مملوكاً لإنسان آخر يبيعه ويشتريه؟ وكيف يقاتل غير المسلمين من نصارى وغيرهم، إذا لم يدخلوا تحت لواء الإسلام؟ إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية القائمة منذ عهد التشريع إلى قُبَيْل زماننا هذا؛ حيث تسلط أولئك على رقاب النصوص بالنقض بحجة معارضتها للعقل. إن جناية الفريقين ربيبة إهمال ضوابط الفهم والاستدلال المتمثل جزؤها الأكبر في أصول الفقه. سادساً: والعامة يحتاجون أصول الفقه: نعم، العامة يحتاجون أصول الفقه! أليس من مباحث أصول الفقه: الفتوى وآدابها، والمفتي والمستفتي وما يتعلق بهما من أحكام؟ ومن هو المستفتي؟ أليس العامي؟ ألا يجب أن يعرف كيف يسأل ومن يسأل؟ ! ألسنا نلحظ خللاً كبيراً في هذا الجانب؛ فالعامة لا يعرفون من هذه الأحكام شيئاً؛ فلذلك لا يعرفون كيف يسألون، ومن يسألون؟ فللفتوى يسألون كل من تصدَّر حتى ولو لم يُشتهر بالفقه والفتوى؛ فنشاهد كثيراً من العامة يتجهون بأسئلتهم إلى كل من يحلو لهم، إما لجمال صوته في قراءة القرآن، أو لحسن أدائه لخطبة الجمعة، أو لاشتهاره بالتسهيل على الناس. ثمّ إذا استفتوا أحداً ذهبوا إلى آخر يستفتونه في المسألة نفسها، فإذا أجابهم بغير ما أجاب الأول وقعوا في حيرة، فذهبوا إلى ثالث يحكم بين سابقيه، ثم يقعون في دوامة. أليس من مباحث أصول الفقه: الاجتهاد، والمسائل الاجتهادية، وموقف المسلم منها؟ ألا يحتاج العامي أن يعرف ماذا يفعل في مسألة قال له أحدهم إنها حلال، وقال له الآخر: بل حرام، بِمَ يأخذ ومن يتبع؟ ! كل هذا مفصل في أصول الفقه. قد يقول قائل: دع العامي يتعلم أولاً ما يهم دينه، فإذا أتقن ذلك فلينتقل إلى أصول الفقه! ولهذا القائل نقول: أصول الفقه من الدين، ولا سيما المباحث التي ذكرناها، ثم ألا يحسن بالمتعلم أن يتعلم أولاً كيف يتعلم، وممن يتعلم؟ نعم! لا نقول للعامة: اذهبوا فاقرؤوا رسالة الشافعي في أصول الفقه، ولا روضة الناظر لابن قدامة، ولا مختصر ابن الحاجب.... ولا غيرها، ولكن نقول لأهل العلم والخطباء والدعاة: ادرسوا هذه المسائل، وقربوها للناس وعلموها لهم. لقد أدى إهمال الدعاة لهذه الجوانب العلمية إلى بروز مشكلات كثيرة متعلقة بالاجتهاد والمسائل الخلافية، وما الفوضى الفقهية التي نعيشها هذه الأيام إلا من إفرازات هذه المشكلة. فوائد متفرقة لعلم أصول الفقه: - منها أنه يعين على معرفة مراتب العلماء وطلبة العلم والمشتغلين به: المقلد منهم الذي يحفظ الأقوال مجردة، من ذلك العالم الذي استنبط واستدل، فليس الأول كالثاني، وهذا مهم، فلا شك أن قول المستدل ليس كقول غيره ممن اكتفى بالتقليد، ولم يعرف مأخذ الدليل ووجه الدلالة. وعليه فإننا سنتمكن من إنزال أهل العلم منازلهم اللائقة بهم فيما نأخذ عنهم، كل حسب تخصصه، فليس المحدِّث كالفقيه، والعكس صحيح، وليس اللغوي والمؤرخ كالمحدِّث وهكذا، فهل يصح أن نسأل اللغوي عن صحة حديث، والمحدِّث عن مسألة أصولية.. وهكذا؟ وهذا طبعاً إذا لم تتنوع معارف المشتغل بالعلم ويبرز فيها، وهو قليل في هذه الأزمنة. إن عدم تقديرنا لهذا الأمر، ووجود الرؤية الضبابية حول هذا الأمر جعلنا نزج بالمحدِّث الذي لا يحسن الفقه والأصول في حلبة الفقه بل في أشد المسائل الفقهية وُعُورةً، وأصبح كل من اشتهر بصرف النظر عما اشتهر فيه مفتياً، بل عالماً علاَّمة يُسأل عن كل فن؛ فالواعظ يُسأل عن الأصول، والمفكر يُستفتى، والأديب يُسأل عن صحة حديث، والفقيه عن اللغة.. وهكذا، وقد يغتر المسؤول بكثرة سائليه؛ فيظن من حيث لا يشعر أنه أهل للجواب في هذا الفن، فيقتحم المخاطر فيهلك ويُهلك. نسأل الله العافية. ثم تجاوز الأمر هذه المحنة إلى أخرى أشد منها، فأصبح هذا المسؤول عند أصحابه ومحبيه، أو لنقل مقلديه، حاكماً على كثير من القضايا والنوازل، حتى لو لم يمتَّ إليها بصلة، أو ليس له بها أدنى اطلاع، بل تجاوزت أهليته للحكم عند بعض الناس إلى أهليته للحكم على غيره من المشتغلين بالعلم، فأصبح الإمام الذي على قوله يسيرون، وبهديه يهتدون، القول قوله، والحكم حكمه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. إنّ من إنزال أهل العلم منزلتهم أن نعرف تخصصاتهم، وماذا يجيدون وماذا يحسنون، وليس في هذا انتقاص ولا ازدراء. ليس كل من أُطلق عليه عالم هو عالم حقيقةً؛ فكثير من المشتغلين بالعلم في هذا الزمان لا تصدق عليهم هذه الكلمة ألبتة، وهل من اقتصر على معرفة أقوال الفقهاء وعلى مذهب واحد أيضاً، ولم يعرف الأدلة ولا مآخذها وكيفية استنباط الأحكام منها، يُدعى عالماً ... ؟ وقُل مثل هذا في من اقتصر على جملة من الأحاديث واشتغل بالمصطلح والتخريج والتحقيق. إن اندراس العلم في هذه الأزمنة هو الذي أوصلنا إلى هذه المرحلة، ولم يكن هذا ليحدث لو أُنزل كل صاحب علم منزلته بناءاً على ما يُحسن، والله الهادي إلى الصواب. - ومنها أهميته في الردّ على المخالفين لأهل السنة والجماعة؛ فأصول الفقه تعيننا على الرد على كل من أخطأ التعامل الصحيح مع النصّ، سواء كان من عقلانيي العصر الحديث، أو من أهل الجمود الظاهري. وفي ما تقدم بيان واضح على ذلك. - ومنها أنه يعين الإنسان على سرعة الفهم والحفظ؛ لأنه بتمكنه من أصول الفقه يتمكن من معرفة أصول المسائل وما بنيت عليه، ثم يستطيع أن يُلحق المسائل المتشابهة بعضها ببعض، ولا شك أن هذا من أقوى أسباب سرعة الفهم والحفظ. - ومنها أنه يورث الإنسان الدقة في التعبير، سواء كان كتابيًا أو شفهيًا، فيتوخى الدقة في اختيار الألفاظ وبناء التراكيب، ويرتب النتائج على المقدمات ترتيباً سليماً، ثم ينظم الأفكار في سلسلة مترابطة مُحكمة الصياغة قوية البناء. - ومنها أنه يورث الإنسان الطريق الصحيح للحوار والجدل، وجودة المناظرة، وقوة الحجة؛ فلا تطول المناظرة بلا داع كما يحدث في كثير من المناظرات اليوم. - ومنه أنه يعين الإنسان على اتساع الصدر للمخالف الذي بنى خلافه على دليل يُعتد به، وقبول رأيه، وعدم اعتداده برأي نفسه؛ فإدراكه لوجود الاختلاف في هذه المسألة، وقوة دليل المخالف يجعله منفتح الذهن، متسع الصدر للرأي المخالف في المسائل الاجتهادية، مرن التعامل من غير تساهل محرَّم ولا تعصب مذموم. نسأل الله أن يرزقنا الفقه في دينه، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه إنه سميع عليم، والصلاة والسلام على سيد الأنام خير ولد عدنان وآله وصحبه وسلم.

стр. 3783

دراسات في الشريعة والعقيدة الختان من الإسلام وحق من حقوق الإنسان أبو أنس ميمون باريش [*] لم أكن لأُنفق وقتاً قل أو كثر للكتابة في موضوع حَسَم فيه الشرع سلفاً لو أن القضايا الشرعية لا يتكلم فيها إلا من له إلمام بأصول الشرع: ضبطاً لمصادره، وإحاطة بنصوصه، وتفقهاً لاجتهادات مجتهديه، لكن والأمر ليس كذلك أجدني أحياناً مضطراً لأقول كلمتي في بعض القضايا التي تطلعنا عليها بعض المؤلفات المعاصرة، أو وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة على السواء؛ ومن أمثلتها القضية التي أثارتها في صفحة قضايا ساخنة جريدة الأحداث المغربية مشكورة، في إطار الحوار الذي أجرته مع أحد الباحثين المدرسين لمادة القانون بسويسرا، والمتخصصين في العلاقة بين الدين والقانون. وقد دار الحوار حول موضوع: «ختان الأطفال» وهو منشور بتاريخ ٢٧ ٢٨ ذو القعدة ١٤٢٠هـ الموافق ٤ ٥ مارس عام ٢٠٠٠م، تحت عنوان: «ختان الأطفال عادة تمسُّ الحق في سلامة الأبدان، وإلغاؤه جزء من تحرير الإنسان» . ما أروعه من عنوان لما فيه من السجع والبيان لولا ما فيه من الزور والبهتان ؛ إذ هو عبارة عن صورة مصغرة عن المقال المنشور، والمقال صورة مصغرة عن كتاب ألفه الباحث نفسه في الموضوع ذاته، ومن خلال العنوان تتضح جلياً أهداف صاحب المقال ومقاصده ومراميه وطبيعة دعوته، واللبيب تكفيه الإشارة. وبكل وضوح فإن الباحث المذكور يدعو بصراحة وثقة في النفس لا نظير لها إلى محاربة عملية الختان والقضاء عليها، ولم يقف به الأمر عند هذا الحد، بل امتد به إلى درجة التدليس والاختلاق على الأديان السماوية بما في ذلك الدين الإسلامي؛ إذ الباحث يدَّعي أنه قضى ست سنوات من الدراسة والبحث والتنقيب والتفتيش والتقميش انتهت به إلى تأليف كتابه المطبوع المتداول: «ختان الذكور والإناث في الديانات السماوية الثلاث» أعلن فيه مسروراً نتيجة بحثه التي أعرب عنها أيضاً في الحوار الذي أجري معه، وإليك مضمونه مختصراً ومركَّزاً، مع المحافظة على عبارته في الغالب الأعم. فبعد أن حاول الباحث يائساً أن يبين أن عملية الختان هي عادة ضارة ومخالفة لحقوق الإنسان من حيث إنها عنف واضطهاد، وتعدٍّ على سلامة الأبدان عمد إلى نفي الطابع الشرعي لهذه العملية الجراحية مدعياً أنها عرف يهودي سيئ نقله من أسلم من اليهود وفرضوه على المجتمع الإسلامي فرضاً؛ هذا مع تأكيده على أن القرآن الكريم لم يذكر الختان بتاتاً ولا نص عليه، وأنه على خلاف ذلك ينص على كمال الخلقة، ويدعو إلى احترام الأبدان ثم يقول: «وعلى هذا الأساس فسكوت القرآن عن الختان ليس عبثاً؛ فالختان بوصفه تعدياً على سلامة جسد الإنسان يعتبر خرقاً للمفهوم الفلسفي للقرآن بأن الخلق كامل» . ثم بعد محاولته اليائسة هذه لنفي الشرعية القرآنية على الختان يحاول يائساً كذلك نفي الشرعية السنِّية عنه فيقول: «وهناك المصدر الثاني للشريعة الإسلامية وهي السنة؛ فبعد تمحيصي لكل النصوص التي صدرت في ختان الذكور يمكن القول: إن كل هذه النصوص ضعيفة، وكل الأحاديث التي وردت في ختان الذكور مختلقة، وما روي منها أكثره عن الرواة اليهود، إلى درجة أنَّ ختان النبي صلى الله عليه وسلم غير معروف؛ فهناك أربع روايات متضاربة تماماً بخصوص ختان النبي صلى الله عيه وسلم، وأكثر الظن أنه لم يختن» اهـ. والذي يظهر من هذه النقول وهي غيض من فيض أن كلام الباحث يفتقر إلى أدنى مستوى من العلمية والمصداقية، بل أغلب ما فيه عبارة عن تمويه وتدليس وتزوير وبهتان ما أنزل الله به من سلطان، ولا يقوم عليه دليل ولا برهان، ولا سيما أن الباحث يستعمل عبارات الجزم والدقة واليقين، ويدَّعي اعتماد المنهج الاستقرائي في أرقى مظاهره وهو الاستقراء التام للنصوص الشرعية، وهو يعلم أن الاستقراء التام لا يدَّعيه عاقل حتى في العلوم الدقيقة المجردة. وإليك أخي القارئ بياناً لمكانة الباحث العلمية، وكشفاً عن جهله التام بالأديان السماوية؛ وذلك باستقرائه الناقص للنصوص القرآنية الكريمة وللأحاديث النبوية الصحيحة والحسنة، ولأقوال علماء الأمة، ولما تقتضيه العادة والفطرة في عملية الختان. مشروعية الختان من القرآن الكريم: الأمر الذي لا يختلف فيه عاقلان أن القرآن الكريم لم ينص تنصيصاً على جميع جزئيات الشرع؛ بل ذكر بعضها بصيغة الإبهام، وبعضها الآخر بالإطلاق، وبعضها بالعموم تاركاً المجال واسعاً للسنة النبوية الشريفة لتبيين المجمل وتقييد المطلق وتخصيص العام؛ فلا نجد في القرآن الكريم ذِكراً لعدد ركعات الصبح أو الظهر أو العصر أو غيرها، ولا نجد ذكراً لنصاب المال الذي تجب فيه الزكاة ولا لمقدار ما يجب في المال منها، إلا أن السنَّة فصَّلت ذلك تفصيلاً سواء كان ذلك بالخدمات المذكورة آنفاً، أو بإضافة أحكام جديدة باعتبار أنها وحي يوحى بلغة صاحب الشرع الذي لا ينطق عن الهوى. ولكن كان من منهج السلف الصالح في مناظراتهم مع من أنكر مشروعية أمر لعدم وروده في القرآن الكريم تنصيصاً، أن يقيموا عليه الدليل بنص من النصوص القرآنية الداعية إلى ضرورة اتباع محمد صلى الله عيه وسلم والاقتداء به في أفعاله وأقواله وتقريراته. ومن أمثلة ذلك: ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود عن عبد الله بن مسعود قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلِّجات للحسن المغيِّرات خلق الله. فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن فأتته، فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله؟ ! فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسولُ الله صلى الله عيه وسلم؟ ! وهو في كتاب الله. فقالت المرأة، لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته! ! فقال: لئن كنت قرأته لقد وجدته! قال الله تعالى: [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا] (الحشر: ٧) [١] . هذا إذن هو المنهج الذي كان الصحابة خاصة والسلف الصالح عامة يسلكونه مع منكري الأحكام الشرعية غير المذكورة لفظاً في القرآن الكريم، وهو المنهج نفسه الذي سنسلكه مع كل من أنكر تنصيص القرآن على عملية الختان، فنقول له: لو قرأت فعلاً القرآن قراءة تأمل وتدبر وإمعان وإنصاف لوجدت فيه ذكراً صريحاً للختان وما في معناه من مظاهر الفطرة التي فطر الناس عليها وكانت في المرسلين أوْكد، والدعوة إلى الاقتداء بهم دعوة صريحة إلى الأخذ بها، وبيان ذلك في الآتي: أ - القرآن يدعو إلى اتباع ملة إبراهيم ﵇ ومن ملته الاختتان. والنصوص الداعية إلى ذلك كثيرة أذكر بعضاً منها: - قوله تعالى: [ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ] (النحل: ١٢٣) . - قوله : [وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ] (البقرة: ١٣٠) . ومن مظاهر ملة إبراهيم الاختتان؛ إذ ورد في نصوص شرعية عدة أن إبراهيم هو أول من اختتن من البشرية، ومن ملته التي يجب اتباعه فيها الاختتان، وقد ثبت في الصحيحين وعند الإمام أحمد عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم:» اختتن إبراهيم ﵇ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم « [٢] . وإبراهيم ﵇ لم يكن ليختتن من تلقاء نفسه مع ما يسببه الاختتان من المشقة لكبار السن لو أن الأمر لم يكن أمراً إلهياً؛ وهذا ما يرشد إليه ما رواه أبو يعلى من طريق علي بن أبي رباح قال:» أُمِرَ إبراهيم بالختان، فاختتن بقدوم (وهي آلة النجارة) فاشتد عليه، فأوحى الله إليه أن عجلت قبل أن نأمرك بآلته. فقال: «يا رب! كرهت أن أؤخر أُمرك» [٣] فالختان إذن مظهر من مظاهر الملة التي أمر إبراهيم الخليل بإظهارها والتي أمرنا باتباعه فيها، والأمر يفيد حكماً شرعياً يقتضي الامتثال. يقول العلاَّمة الفقيه أبو العباس القرطبي: «قلت: قد تقدم أن إبراهيم أول من اختتن، وأن ذلك لم يزل سُنَّة عامة معمولاً بها في ذريته وأهل الأديان المنتمين إلى دينه، وهو حكم التوراة على بني إسرائيل كلهم» [٤] وإذا كان إبراهيم الخليل قد أُمِرَ بالختان، وإذا كان المسلمون قد أُمِروا باتباع ملة إبراهيم، فإن ضرورة البرهان تقتضي أن المسلمين مأمورون بالختان، والأمر يقتضي الوجوب «؛ إذ الملة هي الفطرة وهي الدين؛ ومحال أن يأمر الله سبحانه باتباع إبراهيم في مجرد الكلمة دون الأعمال وخصال الفطرة؛ وإنما أمر بمتابعته في توحيده وأقواله وأفعاله، وهو ﵇ اختتن امتثالاً لأمر ربه الذي أمره وابتلاه به، فوفَّاه كما أمر؛ فإن لم نفعل كما فعل لم نكن متبعين له» [٥] . ب - القرآن يحث على ضرورة الاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عيه وسلم، ومن سنته الختان: النصوص المرشدة إلى ذلك كثيرة جداً؛ باعتبار أن سنة محمد صلى الله عيه وسلم تمثل جزءاً من الوحي مكملاً للقرآن وخادماً له، وسأكتفي في هذا المقام بالنصوص الآتية: ١ - قوله تعالى: [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ] (الحشر: ٧) . ٢ - قوله : [قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الكَافِرِينَ] (آل عمران: ٣١-٣٢) . ٣ - قوله جل شأنه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً] (النساء: ٥٩) . هذه النصوص وغيرها كثير تنص على أن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم من محبة الله تعالى، وأن طاعته من طاعة الله تعالى، وأن اتباع سنته أمر واجب على المكلف، وفي القرآن الكريم نصوص أخرى تحث آمرة على ضرورة الاحتكام إليه صلى الله عيه وسلم في كل شيء تنازع فيه المكلفون سواء كان من أصول الشريعة أو من فروعها، وذلك بعرضه على ما جاء به من الوحي قرآناً وسنة، وهذا الحث طبعاً لا يستجيب له إلا من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً وبالقرآن دستوراً ومنهجاً، وبمحمد صلى الله عيه وسلم نبياً ورسولاً وقاضياً وحكماً، والرسول صلى الله عيه وسلم نفسه، فيما ثبت عنه بسند صحيح رغَّب في ذلك وأكده بقوله: «عليكم بسنتي» [٦] ولم يقف به الأمر عند هذا الحد، وإنما تبرأ من كل راغب عن سنته معرض عنها؛ حيث قال كما ورد في الصحيحين وغيرهما من كتب السنن: «من رغب عن سنتي فليس مني» [٧] . واعلم أن من سنة نبينا ﵊ الختان سواء تعلق الأمر بسنته الفعلية أم القولية أم التقريرية. أما بخصوص الأولى فعلى خلاف ما يدعيه المدعي من تضارب الروايات فيه؛ فالذي ترشد إليه هذه الروايات بغض النظر عن درجتها في الصحة أو الضعف أن التضارب لم يحصل في إثبات ختانه أو نفيه، وإنما وقع في بيان طبيعة ختانه: هل ولد مختوناً؟ أم ختنه جبريل ﵇ يوم شق صدره؟ أم أن جده عبد المطلب هو الذي تولى الأمر؟ وإلا فإن ختانه أمر مسلَّم به في جميع الروايات [٨] . ويلحق بهذا أيضاً ما تذكره بعض الروايات الحديثية من أن الرسول صلى الله عيه وسلم قد تولى هذه العملية في حياته، ومن ذلك حديث جابر ﵁ أنه قال: «عق رسول الله صلى الله عيه وسلم عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام» [٩] . هذا بخصوص سنته الفعلية. أما بخصوص سنته القولية؛ فإن أحاديث نبوية عدة فيها أقوال الرسول صلى الله عيه وسلم خرجت مخرج الأمر بالختان أو المدح لفاعله أو الذم لتاركه، وأما التقريرية فمن الصحابة من خَتن أو خُتن ولم ينكر عليه الصلاة والسلام ذلك، فكان هذا بمثابة تقريره للختان [١٠] . مشروعية الختان من السنة النبوية الشريفة: وإن كان المحاور قد ادَّعى أنه لم يجد نصاً صحيحاً في سنة رسول الله صلى الله عيه وسلم، يشرع فيه الختان؛ فإن النصوص الصحيحة والحسنة مما يتضمنه هذا المبحث يفيد خلاف ذلك تماماً فمن ذلك: - ما روى البخاري ومسلم وغيرهما من أهل السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عيه وسلم قال: «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الآباط» [١١] . وتأملاً في هذا الحديث الصحيح وهو في أعلى مراتب الصحة يقول ابن القيم ﵀: «فجعل الختان رأس خصال الفطرة، وإنما كانت هذه الخصال من الفطرة؛ لأن الفطرة هي الحنيفية ملة إبراهيم، وهذه الخصال أُمِرَ بها إبراهيم وهي الكلمات التي ابتلاه ربه بهن» [١٢] . - حديث أبي أيوب الأنصاري بسند حسن أن النبي صلى الله عيه وسلم قال: «أربع من سنن المرسلين: الختان، والتعطر، والسواك، والنكاح» [١٣] . - أخرج الإمام أحمد والإمام أبو داود بسند حسن عن غثيم بن كليب عن أبيه عن جده «قال للنبي صلى الله عيه وسلم: (أسلمتُ) . قال له النبي صلى الله عيه وسلم:» ألقِ عنك شعر الكفر، واختتن « [١٤] . - حديث عائشة وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين أن النبي صلى الله عيه وسلم قال:» إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل « [١٥] . وهذا حديث صحيح يفيد وجوب الغسل إذا التقى الختانان في الجماع، وأراد بالختانين الموضع الذي قطعت منه القلفة أو الغرلة بالنسبة إلى ذكر الغلام في إطار الإعذار، والجلدة التي كعرف الديك بالنسبة إلى فرج الجارية في إطار الخفض. والدليل على ذلك ما قاله ابن منظور مادة ختن:» ختن الغلام والجارية يَخْتِنُهما ويَخْتُنُهما خَتْناً، والاسم الختان والختانة. والختان موضع الختن من الذكر وموضع القطع من نواة الجارية. قال أبو منصور: هو موضع القطع من الذكر والأنثى ومنه الحديث: (إذا التقى) ... « [١٦] . - حديث ابن عباس ﵁ قال:» سبعة من السنة في الصبي يوم السابع: يسمى، ويختتن، ويماط عنه الأذى، ويثقب أذنه، ويعق عنه، ويحلق رأسه، ويلطخ بدم عقيقته، ويتصدق بوزن شعره في رأسه ذهباً أو فضة « [١٧] . فهذه كما تلاحظ نصوص حديثية في التنصيص على الختان إن وجوباً أو سنة، وهي من قبيل ما روي عن رسول الله صلى الله عيه وسلم بطرق صحيحة أو حسنة، وكلها في مستوى واحد من الاحتجاج إذا لم يحصل التعارض. أقوال العلماء في مشروعية الختان: لم أجد بعد البحث والتقصي في حدود طاقتي ومبلغ علمي أحداً من العلماء قد قال بعدم مشروعية الختان سواء تعلق الأمر بعلماء السلف أم بعلماء الخلف، وأقل ما يمكن أن يذكر هنا أن علماءنا قد اختلفوا في مشروعيته بين قائل بوجوبه، وقائل بسنيته. فأما القائلون بوجوبه فهم: الشعبي وربيعة والأوزاعي ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك والشافعي وأحمد والبيهقي. وأما الذين قالوا بسنيته فهم: الإمام الحسن البصري والإمام أبو حنيفة وبعض الحنابلة. والقائلون بالسنية منهم مَن شدد وأكد على ذلك باعتبار أن السنة هي الطريقة المتبعة وجوباً، والشرع الذي يأثم بتركه من حيث إنها تقع بين الفرض والندب. وإليك أقوال بعض علماء السلف في شأن الختان [١٨] : قال ابن عباس: » الأقلف لا تقبل له صلاة، ولا تؤكل ذبيحته، ولا تجوز له شهادة «قال البيهقي بعد أن ساق هذه الفتوى:» وهذا يدل على أنه يوجبه «. وقال عكرمة: لا تأكل ذبيحة الأقلف، وقيل له: أله حج؟ قال: لا. قال الإمام مالك: من لم يختتن لم تجز إمامته، ولم تُقبل شهادته. وقال الخطابي:» أما الختان فإنه وإن كان مذكوراً في جملة السنن؛ فإنه عند كثير من العلماء على الوجوب؛ وذلك أنه شعار الدين «. وقال ابن القيم:» الختان عَلَم الحنفية، وشعار الإسلام، ورأس الفطرة، وعنوان الملة « [١٩] . هذه بعض أقوال علماء السلف في مشروعية الختان وإليك أيضاً بعض فتاوى الخلف المعاصرين الذين عايشوا حقوق الإنسان عموماً وحقوق الطفل خصوصاً، وهم ممن ينادي بها ويدافع عنها متى ما وجد إلى ذلك سبيلاً، وهي كالآتي: - سئل فضيلة الشيخ عبد الله جبرين: ما حُكم الختان للمسلم الجديد؟ فأجاب جزاه الله خيراً: ورد الأمر بالختان، وأنه من سنن الفطرة، وشُرع لإتمام الطهارة في حق الرجل؛ فلذلك نرى أنه واجب لقوله صلى الله عيه وسلم:» ألق عنك شعر الكفر واختتن «، وظاهر الأمر الوجوب، لكن إذا خيف أن يكون منفراً عن الإسلام جاز لهم تأخيره وإخبارهم بحكمه بعدما يثبت في الإسلام ويحبه» [٢٠] . - وسئل فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي عن الختان عامة؟ فأجاب حفظه الله: «أما الختان للنساء، فأعدله الختان الخفيف، وأما الختان للذكور فهو من شعائر الإسلام، ولا يجوز تركه، وتركه كترك الأذان وغيره من شعائر الدين» [٢١] . الدليل العقلي على مشروعية الختان: كل الدلائل العقلية من عادة وطبيعة وتجربة وغيرها تؤكد أن السلامة الصحية في الختان أوكد لا في عكسه. وقد تتبع العلماء من فقهاء ومتخصصين وأطباء ذلك، فانتهى بهم الأمر إلى التنصيص على ما يأتي: أ - أن الأقلف أي الذي لم يختتن في حكم من به سلس البول أو غيره لاحتباس البول في القلفة؛ إذ إن «الأقلف مُعرَّض لفساد طهارته وصلاته؛ فإن القلفة تستر الذكر كله فيصيبها البول، ولا يمكن الاستجمار لها، فصحة الطهارة والصلاة موقوفة على الختان» [٢٢] . ب - الختان يساهم في تحقيق التوازن الجنسي عند بني آدم. يقول ابن القيم: «هذا مع ما في الختان من الطهارة، والنظافة، والتزيين، وتحسين الخلقة، وتعديل الشهوة التي إذا أفرطت ألحقت الإنسان بالحيوانات، وإذا عدمت بالكلية ألحقته بالجمادات؛ فالختان يعدلها» [٢٣] . إضافة إلى ما سبق أو تأكيداً له ذكر الأطباء فوائد صحية جمَّة للختان؛ أكتفي هنا بما ساقه الدكتور صبري القباني في كتابه: «حياتنا الجنسية» ، ومن ذلك: ١ - بقطع القلفة يتخلص المرء من المفرزات الدهنية، ويتخلص من السيلان الشحمي المقزز للنفس، ويحال دون التفسخ والإنتان. ٢ - بقطع القلفة يتخلص المرء من خطر انحباس الحشفة أثناء التمدد. ٣ - يقلل الختان إمكان الإصابة بالسرطان؛ وقد ثبت أن هذا السرطان كثير الحدوث في الأشخاص المتضيقة قلفتهم؛ بيد أنه نادر جداً في الشعوب التي توجب عليهم شرائعهم الختان. ٤ - إذا شرعنا في ختان الطفل أمكننا تجنيبه الإصابة بسلس البول الليلي. ٥ - يخفف الختان من كثرة استعمال العادة السرية لدى البالغين « [٢٤] . وفي حوار علمي أجريته مع فضيلة الأستاذ الدكتور صلاح الهسكوري [٢٥] ، وهو المتخصص في أمراض الأطفال بمدينة مراكش. أكد لي حفظه الله أن الختان خير كله بالنسبة لصحة الطفل البدنية والنفسية؛ شريطة أن يتم وفق شروط معينة، وبأدوات متميزة، وفي ظروف مناسبة؛ لوقاية الطفل من كل مكروه إن عاجلاً أو آجلاً، ثم ذكر أن الطفل في أمريكا يختتن يوم ولادته، وهذه المبادرة دليل على أهمية الختان الصحية. وهذه المفاهيم نفسها أكدها فضيلة الأستاذ الدكتور محمد توفيق جسوس وهو متخصص أيضاً في علاج أمراض الأطفال بمراكش، ثم أضاف حقيقة طبية مفادها أن الأقلف أي غير المختتن قد يتسبب لزوجته في مرض سرطان الرحم. ولولا ما تقتضيه السرعة الإعلامية للرد على ما أثاره صاحب النظرية الفاسدة من مغالطات لجمعت عشرات الأقوال لأطباء مرموقين يشهد لهم بالسبق في ميدانهم بهذه المدينة المباركة كلها في صميم الدحض لطروحاته اللاعلمية والتقويض لها، فلنحترم التخصص. وأخيراً: لا بد من الإشارة هنا إلى حقيقة هي من الأهمية بمكان، ومضمونها أن وسطية الإسلام ويسره وما يرومه من جلب المصلحة ودرء المفسدة كل ذلك يرخص للمكلف بإسقاط فرضية الختان إذا خيف التلف أو الضرر، لا سيما إذا كان الطفل أو المسن الذي أسلم بعد الشيخوخة ضعيفاً لا يقوى على احتماله.

стр. 3784

تأملات دعوية الدعوة بين الاحتساب والاكتساب (١ - ٢) محمد بن عبد الله الدويش www. dweesh. com لقد أمر الشرع بطلب الرزق المباح وعدَّه عبادة، ونهى عن سؤال الناس وتكففهم؛ فعن المقدام ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبيَّ الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده» [١] . والدعوة إلى الله ﵎ تحتاج إلى المال لنصرتها وهي اليوم أحوج ما تكون إلى ما يغنيها عن سؤال التبرعات من الناس وكثرة التطواف عليهم، ولذا يأتي الحديث كثيراً عن الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله ، وعن بذل المال ابتغاء وجه الله. فهذه نصوص تحثُّ على طلب قدر من الدنيا، وثمة نصوص تنهى عن التعلق بالدنيا وتذمها. والمسلم يأخذ بالنصوص جميعاً، وينظر إليها بمنظار واحد؛ إذ النظر إلى جانب واحد من النصوص يؤدي بصاحبه إلى سوء فهم للشريعة. وثمة أخطاء في تعامل بعض الدعاة مع الدنيا نتيجة تغليب جانب على آخر، وفي هذه المقالة بعض الإشارات حول جانب إهمال القدر المشروع من طلب الدنيا: * إهمال الاكتساب المشروع، واعتباره انشغالاً عن العلم والدعوة، وعيش الشاب في معاناة وضيق، أو استمراره في الاعتماد على والديه، ولهم أسوة حسنة في النبي ﷺ الذي كان يعمل ويكتسب ليأكل من عمل يده؛ فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم» فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعم! كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» [٢] . * يهمل بعض الشباب اختيار العمل الذي يوفر له دخلاً يتناسب مع احتياجاته، ويختار عملاً دون المتاح له من الأعمال التي تسد حاجته الحقيقية، ثم يصبح بعد ذلك عالة يتكفف الناس، وقد يلجأ إلى سؤالهم الصدقات لإتمام الزواج أو سداد الديون إلى غير ذلك. * إهمال المربين هذا الجانب في إعداد الشباب؛ فمع تضاؤل كثير من فرص العمل اليوم لا بد من الاعتناء بتربية الشباب على المسؤولية، وتعويدهم على الاستغناء عن الناس، وهو أمر كان النبي ﷺ يربي عليه أصحابه، ومن ذلك ما ورد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لأن يأخذ أحدكم حبله، ثم يغدو أحسبه قال إلى الجبل فيحتطب فيبيع فيأكل ويتصدق خير له من أن يسأل الناس» [٣] ولئن كان الاحتطاب وسيلة طلب الرزق في عصر مضى ففي هذا العصر ثمة وسائل وأساليب أخرى [٤] . * العمل في المؤسسات الدعوية أصبح اليوم مصدر دخل لطائفة من الشباب، وهذا من خير ما ينشغل به المرء حين تصلح نيته، لكن لا يسوغ أن تضاع حقوق هؤلاء باسم دعوتهم إلى الاحتساب، ومن حقهم أن يعيشوا عيشة كريمة كما يعيش غيرهم. * هناك فئة من الشباب الصالحين ممن لهم مشاركة في الأعمال الدعوية يعانون من ضيق ذات اليد، ويتحمل بعضهم قدراً من الديون، فجدير بأصحاب القلوب الرحيمة من الدعاة إلى الله ، وجدير بالمؤسسات والجمعيات الإسلامية أن تعنى بأمثال هؤلاء؛ بل لو تعاون إخوانهم وأقرانهم وشعروا بمسؤوليتهم تجاههم لحلُّوا كثيراً من مشكلاتهم، ولهم أسوة حسنة في الأنصار الذين آوَوْا إخوانهم المهاجرين، وقاسموهم ثمارهم وأموالهم، بل طلق بعضهم بعض نسائه لصاحبه، ويكفي ثناء القرآن عليهم في قوله تعالى: [وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] (الحشر: ٩) . * ضعف اعتناء كثير من المؤسسات الدعوية بتنمية الموارد المالية، وضعف إدارتها لما هو متاح لها من ذلك، ولقد كان للمال أثر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في دخول طائفة من الناس في الإسلام؛ فكيف بهذا العصر الذي هو عصر الاقتصاد والمال.

стр. 3785

قضايا دعوية نحو أخلاقيات أمثل للاختلاف عبد العزيز بن محمد الوهيبي الاختلاف حقيقة لا مناص منها للنوع البشري ما دام البشر غير مكتملين، أي ما داموا قد خُلقوا من طبيعة غير طبيعة الملائكة، وهم كذلك، وسيظلون كذلك ما بقوا على ظهر هذه البسيطة؛ ولذلك فليس المطلوب إزالة الخلاف أو إلغاءه؛ فذلك غير ممكن، وإنما المطلوب فقط التقليل من دائرته والتعايش السويّ السليم معه. في المجتمعات المطمئنة الواثقة من نفسها يكون الاختلاف أقل خطراً، والتعاطي معه أقل توتراً؛ وقد قمت من ناحيتي بإعداد بحث حول اختلاف الصحابة، وأصدُقُكم القول: لقد دُهشت من هذا الاتساع الكبير من الاختلاف الذي كان بينهم، والذي حفظته لنا كتب السنة والتاريخ والتفسير؛ لكن دهشتي كانت أعظم من الأخلاقيات العالية التي كانت سائدة بينهم رغم هذا الاختلاف؛ فإنّ أحدهم مثلاً لا يبذل أي جهد كي يَقْسر الآخرين على قناعاته أو يُلزمهم بما يراه صواباً. كما أنّ أحدهم لا يمكن أن يشكك في مقاصد الآخر أو يطعن في مقاصده ونواياه، كما أن الجدال بينهم لا يستمر ويتشعب حتى يتحول إلى خصومة ولدد؛ بل يكتفي كل من الأطراف ببيان وجهة نظره حتى يظن أنها قد ظهرت للآخر ظهوراً كافياً؛ ثم لا عليه بعد ذلك قَبِلها الآخر أو ردها، والأمر في ذلك سيَّان، لا يشعر كما يفعل كثيرون الآن بأن من لم يقبل قوله رقيق الدين أو ضعيف العقل، فضلاً عن أن يعتبره معادياً له، أو ناظراً إليه نظرة ازدراء واحتقار، وكأنه يقول له: ومن أنت حتى أدع رأيي لرأيك..؟ ! وهو فوق ذلك لا يتخذ أي موقف عدائي، أو خصومة أو مقاطعة لأخيه لمجرد اختلافه معه؛ إنه يعطيه كامل الحق في الموافقة أو المخالفة، كما يعطيه كل الوقت الذي يحتاجه لكي يقلِّب النظر ويعيد التأمل في الحجج والآراء التي سمعها، ثم لا يبالي بعد ذلك: هل اقتنع بقول صاحبه أو بقي على رأيه؟ لأن قول صاحبه وحججه لا تكفي لتغيير ما كان عليه من قول ورأي. تلك كانت حالهم؛ حيث لا يحتاج المرء إلى كثير جهد كي يعرف ذلك من تاريخهم. وفي كتاب «الإجابة عما استدركته عائشة على الصحابة» للزركشي مصداق ما أقول، وهو كتاب حاشد مهم جمع فيه صاحبه رحمه الله تعالى نماذج كثيرة من الاختلافات بين أصحاب النبي ﷺ ، وظهر فيه سمو أدب اختلافهم العلمي، ومنه يظهر سرّ نجاحهم وسيادتهم وقدرتهم على تغيير الشعوب وتربيتها وتقديمهم النموذج الراقي للإنسان المسلم، وللأمة المسلمة المتماسكة المتحابة المتآلفة، وبذلك دخلت الأمم بفضل الله تعالى ثم بفضل النموذج الراقي للجماعة المتحابة المتماسكة دخلوا في دين الله أفواجاً؛ كيف لا؟ وهم نتاج للتربية النبوية الكريمة التي علمهم فيها النبي صلى الله عليه وسلم القيم العليا؛ حيث كان يقول لهم ﷺ : «إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال» [١] وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً؛ فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» [٢] . وعلى النقيض من ذلك أعرف بعض الدعاة الذين لا همَّ لهم إلا تسقُّط أخبار إخوانهم. حتى إن أحدهم ليفرح بالخطيئة يجدها على أخيه، ويسارع في نشرها كأن ليس لهم من عمل إلا ذاك ناسياً قول الله ﵎: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ] (الحجرات: ١٢) . وإن تعجب فعجب أن أقواماً من هؤلاء يزعمون أن دافعهم الغيرة على الدين والذب عن حياض الشريعة والعقيدة؛ فإذا تكشفت لك حاله ظهر لك أن هذا الدافع من أضعف دوافعه وأبعدها عن الحقيقة، بل الكثير من هؤلاء دفعه حسده وغيرته وعجزه وضعفه عن أن ينفع الناس؛ فما كان منه إلا أن شُغِلَ بالعاملين المنجزين يضع العقبات في طريقهم، ويثير حولهم الزوابع والشبهات كي يصد الناس عنهم [وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ] (النور: ٤٠) ، وإني لأعرف باحثاً من الفضلاء درس مسألة من تلك المسائل الاجتهادية التي يعاملها بعض الناس بشيء من التقديس كأنما هي واحدة من قواطع الدين وثوابته التي لا يجوز الخروج فيها عن الشائع والمألوف من القول في هذا الوقت، فلقيه بعض أنصاف المتعلمين أو أرباعهم وانتحى به جانباً وعاتبه قائلاً: كيف تبحث هذه المسألة التي لم يبحثها فلان من أهل العلم؟ فأجابه صاحبنا: ولكن هذا العالم قد بحثها. فأجابه المتعالم: مسألة بحثها فلان لماذا تبحثها؟ ! ! أيُّ غيرة على الدين، أو ذبٍّ عن الشريعة ذاك الذي لا يتورع صاحبه عن الاختلاق والكذب والتلفيق وسوء التأويل كي يصل لمراده ... ؟ ! ! أيُّ صدق في التوجه ذاك الذي يدفع صاحبه إلى أن يُلزم الناس باجتهاده هو، ووجهة نظره في القضايا المثارة، ويطلب منهم أن يَلجُوا من ثقب الإبرة الذي وََلجَه، وإلا فما هم على شيء؟ ! هل راجع هؤلاء وأمثالهم مقاصدهم وأهدافهم، وأعادوا النظر في مراداتهم وشهوات أنفسهم فتساءلوا صادقين: ألِلهِ ولدينه غضبنا، أم لقولنا وآرائنا؟ ! هل أعطينا للقضايا المشابهة نفس الاهتمام والغيرة، أو نحن نغار في مسائل دون غيرها لمجرد روابط عاطفية أو نفسية تربطنا بها، وثمة ما هو أخطر منها وأكثر حيوية وضرورة ووضوحاً، ومع ذلك لا نحرك لها ساكناً..؟ ! ! إنني أعتقد جازماً بأن بعض المراجعة والنقد الذاتي سوف تعيد الكثير من القضايا إلى حجمها الحقيقي بعيداً عن المبالغة أو التهميش. حدثني بعض الباحثين من طلبة العلم أنه كان ينوي كتابة مقدمة بحثية لكتابه يشير فيها إلى أن الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم أن يبينوه للناس ولا يكتمونه؛ يلزمه أن يقول كلمة الحق لا يجامل فيها طائفة ولا أهل مذهب أو محلة، لا يحركه في ذلك إلا الإخلاص في الاستجابة لله وللرسول، وأن يقول ما أدى إليه بحثه العلمي ولا يخاف في الله لومة لائم، لكن بعض أصحابه نهاه أن يفعل كي لا يغضب منه أقوام أو يسيئوا فهمه، فقلت له: أيها الأخ الفاضل! تخيل لو أن ابن تيمية أو ابن عبد الوهاب أو غيرهم من المجددين والمصلحين فعلوا ما تفعلون من تحفظات وتخوفات أترى بقي لهم ذكر، أم عُرف لهم مزيد فضل على أقوامهم؟ ! وعندما قال ورقة بن نوفل للنبي ﷺ : «لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي» [٣] فإنما قال ذلك وهو يستقرئ التاريخ مصداقاً لقول الله ﵎: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُواًّ مِّنَ المُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً] (الفرقان: ٣١) . وذاك الذي لقيه الأنبياء يلقاه ورثتهم من بعدهم، كما قال لقمان لابنه وهو يعظه: [يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ] (لقمان: ١٧) . كأنه رأى أنه لا يقوم قائم بمهمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا ويصيبه بعض ما أصابهم، وفي التاريخ قديمه وجديده خير شاهد. إننا أيها الأخ الحبيب! ونحن نعلِّم الناس العلم؛ فإنما نعلمهم مفردات العلم التي قد يختلف فيها الناس ويتفاوتون، ولكننا كذلك نعلمهم المنهج الصحيح في الطاعة لله ورسوله، والطريقة السديدة للوصول إلى الحق الصراح من الكتاب والسنّة كي يسعدوا بثمارهما، وينعموا بعطائهما، وهذا المنهج وسداده واستقامته أهم من نتائج العلم التفصيلية؛ فتلك قد تُنسى، وقد يُختلف حولها، ولكن الذي يبقى ولا ينسى إنما هو المنهج السديد، والطريق القاصد، ولذلك فلا تتلجلج في بيان الحق والذب عنه مهما كانت التكاليف. نعم! تلطف إلى الناس كي يقبلوه، ولكن حذار، ثم حذار من أن تبدل فيه أو تعدل كي لا يرفضوه؛ فإنما أنت وأدوية الكتاب والسنة كالطبيب يصف الدواء ولا يغيره من أجل أنهم لا يستسيغونه [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ] (آل عمران: ١٨٧) . هذا واجبكم فلا تترددوا فيه، وهذا وإنني على يقين أن كثيراً مما يصيب الدعوة والدعاة من كلالة وعجز، أو مما يصيبهم من بلاء ومحنة وتسلط للأعداء؛ فإنما هو من مثل هذه الذنوب: [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ] (آل عمران: ١٦٥) . وربما ظهر لك أن هذه المسألة من مسائل العلم العملية التي تتفاوت فيها الاجتهادات، أو هي من مسائل الوسائل التي أذن لنا الشرع فيها بالتعدد والاختلاف، وليست هي كذلك إنما هي من مسائل أصول الدين ومبانيه الكبار؛ إذ هي من إجابة السؤالين الكبيرين اللذين تُسأل عنهما الأمم يوم القيامة. [وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ] (القصص: ٦٢) . [وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ] (القصص: ٦٥) . [وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ] (فصلت: ٤٧) . عسى الله أن يرزقنا الثبات عند مزلة الأقدام، ويغفر لنا؛ وهو الغفور الرحيم.

стр. 3786

نص شعري عذراً فلسطين أحمد بن عطية الزهراني عذراً فلسطينُ إذ لم نحمل القُضُبا ... ولم نَقُد نحوك المَهرية النجبا عذراً فإن سيوف القوم قد صدئت ... وخيلهم لم تعد تستمرئُ التعبا عذراً فإن السيوف اليوم وا أسفاً ... تخالها العين في أغمادها حطبا عذراً؛ فإن عتاق الخيل مُنْهَكَةٌ ... قد أورثتها سياط الغاصب الوصبا عذراً فلسطينُ! إن الذلَّ قيَّدنا ... فكيف نُبقي عليكِ الدُّرَّ والذهبا؟ عذراً؛ فذا الدُّرُّ يُشْوَى خلف والده ... بنار باراك لا يدري لها سببا عذراً؛ فذا طفلكم يشكو فجيعته ... فلم يجد بيننا أمّاً له وأبا عذراً فقومكِ قد ماتت شهامتهُمْ ... وثلَّم الذلُّ منهم صارماً عضبا رأوكِ في الأسر فاحمرّت عيونهُمُ ... لذاك، وانتفخت أوداجهم غضبا يستنكرون وما يُغنيكِ ما فعلوا ... ويشجبون وما تدرين مَن شجبا وا حسرتاه على الأقصى يدنّسُهُ ... قردٌ ويهتزُّ في ساحاته طربا قد كان فيما مضى عِزاً فوا كبدي ... أضحى أسيراً رهين القيد مُغتصَباً كأنه لم يكن مسرى الرسول ولم ... يُصلِّ فيه يؤمُّ الصفوةَ النُجُبا كأنه ما أتى الفاروق يُعتقه ... يوماً، وما وطئت أقدامه النَقَبا كأنه لم يُؤذِّن للصلاة به ... بلال يوماً، ففاض الدمع منسكبا كأنما الأرض قد أخفت معالمهم ... ومزّقت ما حَوَوْا من عزَّة إرَبا لهفي على القدس كم جاس الظلوم بها ... وكم تقاسي صروف الدهر والنُوَبا تعيث فيها اليهود الغُتم مفسدةً ... وتزرع الشرَّ والإرهاب والشغبا يستأسد القرد فيها بعد خِسَّته ... ويرفع الهامة الخنزير مغتصبا كم أشعلوا نارهم فيها وكم هدموا ... من منزلٍ، وأهانوا والداً حَدِبا وكم أسالوا دموع المؤمنات ضحىً ... وكم ظلوم بغى، أو غاصب غصبا وكم أداروا كؤوس الموت مترَعةً ... فأيتموا طفلة أو شرَّدوا عزَبَا صبراً فما اسودَّ مِن ذا الليل جانبه ... إلا ليُؤْذن أن الفجر قد قَرُبا إنِ استضاء بنار الحرب جمعهُمُ ... فعن قليل سيغشى جمعنا اللهبا لن نستكين ولن نرضى بها بدلاً ... غداً نردُّ أذان الحق والسلبا غداً نعيد فلسطين التي عُهِدَت ... من قَبلِ خمسين عاماً دوحةً ورُبى غداً نعيد لها التكبير تسمعه ... أُذْن الدُّنى، ونعيد الفقه والأدبا غداً نعيد لها الزيتون نغرسه ... غرساً ونزرع فيها التين والعنبا غداً سنقلع منها كُلَّ غرقدةٍ ... ونضرب الهام كيما نقطع الصخَبَا

стр. 3787

الإسلام لعصرنا فصل الدين عن الدولة أ. د. جعفر شيخ إدريس رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة أصبحت قضية فصل الدين عن الدولة، أو ما يسميه الغربيون فصل الدولة عن الكنيسة، من القضايا المسلَّم بها في الفكر الغربي السياسي، ومن ثم في الفكر السياسي العالمي الدائر في فلك الحضارة الغربية. ودعاة فصل الدين عن الدولة قد يعترفون بأن هذا أمر حدث لظروف تاريخية خاصة بالحضارة الغربية، وبالديانة النصرانية؛ لكنهم مع ذلك يرون أنه أصبح أمراً لازماً لكل دولة حديثة، ويسوِّغون هذا بأن الأساس في الدولة الحديثة هو المواطنة، وما دام المواطنون في الدولة الواحدة لا ينتمون في الغالب إلى دين واحد، بل تتقاسمهم أديان متعددة، وقد يكون بعضهم ملحداً لا يؤمن بدين؛ ففي التزام الدولة بدين واحد من هذه الأديان افتئات على حقوق المواطنين المنتمين إلى الأديان الأخرى أو المنكرين لها كلها لأنه: - يفرض عليهم ديناً لا يؤمنون به. - ويحرمهم من ممارسة الدين الذي اختاروه إما كله أو بعضه. - ويحرمهم من حقهم في شغل بعض الوظائف الكبيرة كرئاسة الدولة، وقد يكون سبباً لخلافات ونزاعات عميقة تفقد الدولة معها الاستقرار اللازم لتطورها. ويرون لذلك أن تكون الدولة دولة علمانية محايدة لا تلتزم بالدين ولا تحاربه ولا تنكره، بل تترك أمره للمواطنين يختارون ما شاؤوا من عقائد، ويلتزمون بما يريدون من قِيَم، ويمارسون ما يروق لهم من عبادات. هذه الصورة للعلمانية التي حرصت على أن أجعلها براقة كأشد ما يريد المدافعون عنها أن تكون، تنطوي على افتراضات هي أبعد ما تكون عن الحقيقة. ومن ذلك: أولاً: أنها تفترض أن العلمانية يمكن أن تكون محايدة بالنسبة لكل الأديان؛ لكنها لا تكون كذلك إلا إذا كان مجال الدين مختلفاً عن مجال الدولة، أي إذا كان الدين والدولة يعيشان في منطقتين مستقلتين لا تماسَّ بينهما، وأن دعاة الدولة الدينية يقحمون الدين في مجال غير مجاله، ولذلك يضرون به وبالدولة. فهل هذا الافتراض صحيح؟ إنه لا يكون صحيحاً إلا إذا كان الدين محصوراً بطبعه في بعض المعتقدات وبعض الشعائر التعبدية، وبعض أنواع السلوك الشخصي الذي لا علاقة له بالجماعة، ولا يدخل لذلك في مجال الدولة، لكن الواقع أن هذا الوصف لا ينطبق على أي من الأديان الكبيرة المشهورة: اليهودية والنصرانية والإسلام؛ فما منها إلا وله حكم في العلاقات بين الجنسين، وفي العلاقات الأسرية، والاجتماعية، وفيما يحل أكله وشربه، وما يحرم، وهكذا. وكلها أمور تدخل بالضرورة في مجال الدولة. كيف حل الغربيون هذا الإشكال؟ حلوه بنوع من المساومة: فهم قد أخذوا بعض القيم النصرانية وجعلوها قوانين للدولة، وهم يجعلون اعتباراً كبيراً لقيمهم الدينية في سياستهم الخارجية، ولا سيما في معاملة الإسلام. لكنهم في الجانب الآخر تركوا أشياء من دينهم، وساعدهم على ذلك تاريخهم المليء بتحريف الدين إما في نصوصه أو في تأويله، ثم جاءت في العصور الأخيرة حركات فكرية تحررية أذاعت القول بأن ما يسمى بالكتاب المقدس ليس كلام الله تعالى، وأنه من كتابة بشر عاديين تأثروا بالجو الثقافي في المرحلة التاريخية التي عاشوا فيها، ولذلك فإن ما قرره هذا الكتاب في مسائل مثل الشذوذ الجنسي ينبغي ألا ينظر إليها إلا على أنها قيم مجتمعات سابقة. هذا كلام لا يقوله السياسيون والحكام فحسب، وإنما يقوله كثير من رجال الدين، والمختصين بدراسته، لكن حتى هؤلاء المتحررون يشعر الكثيرون منهم الآن أن العلمانية لم تعد محايدة بين الأديان، بل صارت هي نفسها ديناً يدافع عنه أصحابه ويحاربون به النصرانية، وأذكر أن أحدهم قال لي في أحد المؤتمرات ناصحاً: لا تُخدَعوا كما خُدِعنا، فتظنوا أن العلمانية موقف محايد؛ بل هي الآن دين، أو كما قال ذاك الناصح. فكيف تُحَل هذه المشكلة بالنسبة لأناس كالمسلمين يرون أن القرآن كلام الله تعالى لم يأته الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن ما صح من سنة رسول الله ﷺ هو أيضاً وحي الله؟ وكيف إذا كان دينهم لا يقتصر على ما ذكرنا من أمور تدخل في نطاق الدولة، بل يتعداها إلى أخرى هي من أخص خصائص الدولة؟ ماذا يفعل هؤلاء؟ لا خيار لهم بين الحكم بما أنزل الله ورفض العلمانية، أو الحكم بالعلمانية والكفر بما أنزل الله تعالى. إن أكثر ما يتعلل به دعاة العلمانية في بلادنا هو اختلاف الأديان في البلد الواحد. يقولون: بأي حق تفرض على أناس ديناً غير دينهم، وقِيَماً ليست قيماً لهم؟ ماذا إذا لم يكن في البلد إلا مسلمون، أو كان غير المسلمين أفراداً قلائل؟ لماذا يفصل هؤلاء بين دينهم ودولتهم؟ وحتى لو كان المنتسبون إلى غير الإسلام من أصحاب الديانات الأخرى يمثلون نسباً كثيرة، فإن العلمانية ليست هي الحل العادل؛ لأن أصحاب هذه الديانات إما أن يكونوا في السياسة علمانيين، وإما أن يكونوا ممن يريد للدولة أن تستمسك بعقائده وقيمه وتدافع عنها. فإذا كان من الفريق الأول يكون المسلمون قد تنازلوا عن دينهم بينما هو لم يتنازل عن شيء؛ لأن العلمانية هي مبدؤه سواء كان هنالك مسلمون أو لم يكن. أذكر أنني قلت ذات مرة لبعض الجنوبيين المثقفين عندنا في السودان: إنكم لا تعترضون على الحكم إذا كان اشتراكياً كما كان الحال في أوائل حكم الرئيس نميري، ولا تعترضون عليه إذا أقر الرأسمالية أو الليبرالية؛ لأنكم تعتقدون أن الدين لا دخل له بهذه المسائل، فلماذا إذن تعترضون على الحكم الإسلامي؟ إن الإسلام لا يفرض عليكم ديناً بالمعنى الذي حصرتم الدين فيه، أعني العبادات والأحوال الشخصية، فلماذا لا تعاملون جانبه السياسي معاملتكم للاشتراكية والرأسمالية؛ لأنه يعطيكم أكثر مما تعطيكم إياه العلمانية؟ يقول أنصار العلمانية في الغرب وفي البلاد الإسلامية: إن هذا قد يكون صحيحاً؛ لكنكم في الحكم الإسلامي تفرقون بين الناس بسبب دينهم، فتمنعون غير المسلم من أن يكون رأس دولة، وأقول لهم دائماً: ولكن العلمانية هي الأخرى تفعل ما نفعل. إنها تشترط على الإنسان أن يكون علمانياً لكي يكون رأس دولة، تشترط عليه أن يؤدي القسم للولاء لدستور يفصل الدين عن الدولة، أي أنها تشترط على المسلم أن يعلن كفره بجزء من دينه. وإذا فعل هذا عن اعتقاد كان كافراً خارجاً عن الإسلام، وإذن فكما أن الإسلام يشترط في رأس الدولة المسلمة أن يكون دائناً بدين الإسلام؛ فإن العلمانية تشترط في رئيس دولتها أن يكون دائناً بدينها، فما الفرق؟ يقولون: لكن العلمانية ليست ديناً. ونقول هذا في مفهومكم أنتم. أما في لغتنا العربية، وديننا الإسلامي، فإن كل ما يلتزم به الإنسان من عادات وتقاليد، ومن باب أوْلى من قيم وعقائد، هو دينه، سواء كان مبنياً على إيمان بالله أو كفر به. ألم تسمع قول الشاعر العربي عن ناقته: إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين تقول إذا شددت لها وضيني ... أهذا دينه أبداً وديني؟ أكل الدهر حل وارتحال؟ ... أما ... أما يقيني؟ فإذا كان دوام الحل والارتحال ديناً فما بالك باعتياد معتقدات وقيم وسلوك؟ ألم يقل الله تعالى عن سيدنا يوسف: [مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ المَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ] (يوسف: ٧٦) . يعني ما نسميه نحن الآن بقانونه؟ العلمانية ليست إذن حلاً لبلد يكون فيه المسلمون أغلبية، بل ولا حتى أقلية معتبرة؛ إذ إن ما تطلبه العلمانية من المسلمين إنما هو التخلي عن دينهم من أجل دين العلمانيين.

стр. 3788

وقفات نحن والغرب أحمد بن عبد الرحمن الصويان علاقة الأمة الإسلامية بالحضارة الغربية المعاصرة لها جذور تاريخية عريقة ممتدة منذ فجر الإسلام، وقد أخذ الصراع بين الأمتين في هذا العصر مناحي ومجالات متعددة. وتواجه الأمة الإسلامية تحدياً حضارياً وعقدياً كبيراً؛ فالحضارة الغربية امتدت بأذرعها المختلفة ساعية لابتلاع الأمم والحضارات الأخرى، وتدمير كافة البنى الثقافية والفكرية والاجتماعية، وانطلقت بطوفان جارف من التغريب يتخطف كافة الشعوب والأمم التي أصبح كثير منها يركع إثر انهيار مقاومته الفكرية..! ولكن هل استطعنا أن نفهم الغرب حقاً وندرك كيف يفكر؟ ! وكيف ينظر إلينا؟ وهل استطعنا أن نفهم الواقع الغربي فهماً حقيقياً، ونحلل مواطن القوة والضعف فيه؟ ! إن الشجب والذم المطلق هو الأسلوب الوحيد والدائم عند طائفة من الناس في فهم الغرب والتفاهم معه؛ فهم لا ينظرون إلى الواقع الغربي مثلاً إلا من خلال التصدع الاجتماعي وغياب دور الأسرة، وانتشار المخدرات، والشذوذ والإيدز والأمراض الجنسية! وحتى في هذا الجانب ربما تطغى السطحية في تلمُّس السلبيات والأمراض التي يعاني منها الغرب؛ فقد يغفل الكثيرون عن الطبقية الاقتصادية الضاربة بأطنابها في أعماق الغرب، والتي ولَّدت الظلم الاجتماعي، واستغلال الرأسماليين لحقوق العامة والطبقات المستضعفة، وقد يغفل الكثيرون عن الديون الهائلة التي تُثقل كاهل الخزانة الأمريكية والبالغة أكثر من ثلاثة تريليونات دولار. كما يغفل بعضنا عن التنافر العرقي الذي يطغى على التركيبة السكانية في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، وينذر بانفجار يصدِّع أركانها. ويغفل آخرون عن الهُلامية الديمقراطية التي يغلِّف الغرب بها نفسه بأغلفة برَّاقة، وفي داخلها من التصدُّع ما الله به عليم؛ فصُنَّاع الرأي وأباطرة الإعلام هم الذين يشكِّلون العقول، ويصنعون القناعات والمواقف، ويوجهون الرأي العام من حيث يشعر أو لا يشعر ... إلى أمثلة كثيرة من الأمراض الغربية التي تنخر بناءه الحضاري من الداخل. وفي المقابل فإن الاغترار والإعجاب المطلق هو الأسلوب الوحيد عند طائفة أخرى من الناس في فَهْم الغرب ودراسة حضارته؛ فهُم لا يرون في الغرب إلا تقدُّمَه التقني والتجريبي في كافة العلوم التطبيقية، ويغفلون عن جوانب أخرى إيجابية تستحق الرصد والمتابعة لاستثمارها والاستفادة منها، مثل: تأسيس قواعده الحضارية من حيث الجملة على أسس علمية بعيدة عن المحاباة أو المجاملة، والتزامه بالعقلية المؤسسية التي لا ترتبط ارتباطاً تاماً بالأفراد؛ بل تعتمد على الأنظمة والسياسات العامة، ومثل: سيادة الدستور والقانون بغضِّ النظر عن صحة ذلك القانون أو الدستور على كافة الجوانب الحياتية، والتزام كافة الطبقات السياسية والفكرية والاجتماعية به، ومثل: الالتزام بالقواعد الإدارية والأصول التنظيمية التي تحكم كافة المناشط الحياتية ... إلى جوانب أخرى عديدة من جوانب التقدم والتفوق. وهذان الأسلوبان السطحيان المتباينان سيؤديان حتماً إلى خلل وقصور واضطراب في الفهم؛ لأن كلتا الطائفتين ستبقيان مطوقتين بهذه الرؤية الجزئية المحدودة. إن فهم الواقع الغربي ورؤيته برؤية عميقة ناضجة من الداخل باب رئيس من أبواب المواجهة القادمة معه، بل من أبواب التغيير في واقعنا إذا أخذنا في الاعتبار تأثر كثير من المتنفذين في بلادنا الإسلامية بالغرب. ولن نستطيع مدافعة الغرب ومنازلته ثم اختراقه ما لم نقرأ واقعه قراءة شاملة ودقيقة وأمينة، وما لم نتعرف عليه التعرف الصحيح الذي يضع الأمور في نصابها وحجمها الصحيح؛ وإنه لمن الخطر البالغ أن ننظر إلى الواقع الغربي ببدائية تفتقر إلى أيسر الأسس العلمية في المواجهة والمدافعة، ونحن نقرأ قول الله تعالى: [وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ] (الأنعام: ٥٥) . وإصلاح الوضع الداخلي للأمة الإسلامية لن يكون بمعزل عن تفهُّم الواقع العالمي بكل أبعاده؛ فقد تداخلت الحضارات، وتشابكت الأمم، وأصبحنا نعيش وضعاً كونياً جديداً لم يمر مثله على الناس في العقود الماضية. وتفهُّم الواقع الغربي خصوصاً، والواقع العالمي عموماً لن يحيط به رجل واحد من خلال زيارة عابرة لبعض الدول، بل يتطلب رصداً دقيقا لمنطلقات الغرب وأهدافه والمؤثرات عليه، ويتطلب رصداً لتطور كافة الوقائع والمتغيرات، وهذا بالطبع لن يكون إلا من خلال جهود متكاملة لعدد من المهتمين والمتخصصين، للتحليل والدراسة واستشراف آفاق المستقبل، وتوظيف شبكات الاتصال والمعلومات في تحقيق المصالح الإسلامية. إننا في حاجة إلى مراكز علمية متخصصة في هذا الشأن، لكن المشكلة أن كثيراً من الناس حتى من بعض النخب الدعوية ربما لا تحفل بمثل هذا العمل؛ لأنهم تعوَّدوا على العناية بالنشاط العاطفي، والتقليل من شأن النشاط الفكري، وغلَّبوا النظر إلى النتائج العاجلة القريبة على النتائج الآجلة البعيدة؛ على الرغم من التلازم الوثيق بين الأمرين.

стр. 3789

ملفات العلمانية في العالم الإسلامي.. تساقط الأوراق (١ - ٣) كلام خارج الظل هي شجرة غريبة، جلبوها من أحراش الغرب الفكرية، وغرسوها في تربة ليست بتربتها.. لم تنبت كما أرادوا، فراحوا يعملون في أشجار هذه التربة تقطيعاً وتحريقاً؛ لاستنبات الشجرة الغريبة.. قالوا: إن هذه الشجرة لا تنبت وسط أشجار من غير فصيلتها، حرثوا الأرض لها، اقتلعوا كل ما عداها، ثم راحوا يجففون المنابع عن كل ما سواها؛ لتوفير التربة المناسبة والمناخ الملائم.. شجرة مدللة محمية! .. وعَدُونا بقطف ثمارها عندما تينع باسقة، ووعَدُونا بالراحة في ظل رخائها، ووعدُونا بالتمتع بشمس الحرية وبالتنعم بنور العلم اللذين حُرمنا منهما عندما حجبتها الأشجار المقتلَعة.. هكذا وعدُونا وهكذا زعموا! . استوت الشجرة الغريبة الغربية وأينعت، فإذا بنا نطعم ثمارها حنظلاً، وإذا بظل رخائها يُتخم بطوننا فقرًا وفسادًا، وإذا بشمس حريتها تُلهب ظهورنا قمعاً وقهرًا، وإذا بنور علمها يغشى بصيرتنا وهمًا وسرابًا..! . قالوا: صبراً! فلا بد من دفع ضريبة التقدم، ولا بد من تحمل مشاق الطريق.. فمَن زرع حصد، ومَن جدَّ وجد.. صَبَرْنا وصَبَرنا وتحملنا، نعم.. هم حصدوا وهم وحدهم وجدوا، أما نحن فوجدنا أنفسنا نجلس في العراء لنشاهد تساقط أوراق شجرتهم غير مأسوف عليها.. عندها قالوا: إن ما ذقتموه ليس حنظلاً؛ بل هو شهد مصفَّى، والعيب في ذائقتكم، وإن تساقُط أوراق الشجرة ليس علامة مرض واحتضار، بل علامة صحة وتجديد، والعيب في بصيرتكم.. عليكم بتجرع المزيد..! تلكم هذه قصة العلمانية في بلادنا.. فحتى متى المخادعة؟ وإلى متى نستمرئ الدجل؟ متى نقتلع هذه الشجرة من أرضنا المباركة ونتخلص من سمومها وحنظلها؟ إلى الذين ما زالوا يشكُّون في هذه المخادعة، ويترددون تجاه هذا الدجل، ويتحيرون في الموقف من العلمانية والعلمانيين.. نقدم هذا الملف: ليس تصيُّداً لأوراقهم المتساقطة؛ فتساقط الأوراق لم يبق من شجرتهم الخبيثة إلا عصا هراوة.. وليس جمعاً لكل حصاد العلمانية، فحنظلهم علا وطمَّ.. وهذا الملف للعلمانية أقل من جرد حساب لكامل التجربة العلمانية، وأكثر من مجرد هجاء لها؛ فهو يكشف نقطة من بحر.. عفواً: نقطة في مستنقع.. مستنقع آسن تُرفع على حدوده لافتة تقول: ممنوع دخول الطهر والمتطهرين.. محمية محظورة!

стр. 3790

ملفات العلمانية في العالم الإسلامي.. تساقط الأوراق (١ - ٣) العلمانية التاريخ والفكرة د. عوض محمد القرني [*] يتردد كثيراً في وسائل الإعلام والمنتديات وعلى المنابر مصطلح «العلمانية» ، والقليل من الناس من غير المتخصصين مَنْ لديه معلومات دقيقة، أو مفاهيم محددة واضحة عن العلمانية، ولعلِّي في هذه الكتابة أُسهم في بيان هذه الجوانب عن العلمانية وتوضيحها وكشفها؛ مع الاعتراف بصعوبة ذلك في الكتابة الصحفية، لما تستدعيه من الاختصار والإيجاز، ولما عوَّدت الصحافة الناس عليه من البساطة والخطابية؛ وعدم التوثيق العلمي الأكاديمي المتعارف عليه في الجامعات. أصل العلمانية ترجمة للكلمة الإنجليزية: (Secularism) ، وهي من العِلْم؛ فتكون بكسر العين، أو من العَالَم فتكون بفتح العين، وهي ترجمة غير أمينة ولا دقيقة ولا صحيحة؛ لأن الترجمة الحقيقية للكلمة الإنجليزية هي «لا دينية، أو لا غيبية، أو الدنيوية، أو لا مقدس» ، لكن المسوّقين الأُوَل لمبدأ العلمانية في بلاد الإسلام علموا أنهم لو ترجموها الترجمة الحقيقية لما قبلها الناس، ولردُّوها ونفروا منها، فدلَّسوها تحت كلمة (العلمانية) لإيهام الناس أنها من العلم، ونحن في عصر العلم، أو أنها المبدأ العالمي السائد والمتفق عليه بين الأمم والشعوب غير المنحاز لأمة أو ثقافة. وكان أول من طرح هذا المصطلح في الساحة الثقافية العربية نصارى بلاد الشام في القرن التاسع عشر، وكان أول من طرح هذا المصطلح حسب علمي «إلياس بقطور» نصراني لبناني، في معجم أعده (عربي/ فرنسي) ، ثم طرحه بَعدُ «البستاني» في معجميه اللذين ألَّفهما. العلمانية بضاعة غربية: لقد نشأت العلمانية في الغرب نشأة طبيعية نتيجة لظروف ومعطيات تاريخية: دينية واجتماعية وسياسية وعلمية واقتصادية خلال قرون من التدرج والنمو الطبيعي، والتجريب والتكامل، حتى وصلت إلى صورتها التي هي عليها اليوم، وأهم هذه الظروف والمعطيات التي برزت وأنضجت التجربة العلمانية في الغرب هي: ١ - طبيعة الديانة النصرانية: ومبادئها الأساسية التي تقوم على الفصل بين الدين والدنيا، أو بين الكنيسة والدولة ونظم الحياة المختلفة؛ فهي ديانة روحية شعائرية لا شأن لها بنظم الحياة وشؤون الحكم والمجتمع؛ يعبر عن ذلك الشعار النصراني الشهير: «دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر» ، ولهذا فإن النصارى أمماً وشعوباً حين يندفعون للبحث عن تنظيم أمور حياتهم في العلمانية أو غيرها لا يشعرون بأي حرج من ناحية دينهم ومعتقدهم؛ بل إن طبيعة دينهم تدفعهم لهذا الأمر؛ ولذلك فإن نشأة العلمانية وانتشارها وسيادتها في المجتمعات الغربية أمر طبيعي. ٢ - الصراع الذي نشأ بين الكنيسة والكشوف العلمية في جوانب الحياة المختلفة: فعلى الرغم من أن الديانة النصرانية ديانة روحية صرفة؛ إلا أن المؤسسة الكنسية تبنت بعض النظريات العلمية القديمة في بعض العلوم، ثم بمرور الزمن جعلتها جزءاً من الدين يُحكَم على كل من يخالفها بالردة والمروق والهرطقة، وحين تطورت العلوم الطبيعية تبين أن الكثير من تلك النظريات كان خاطئاً وخلاف الصواب والحقيقة، وانبرت الكنيسة تدافع عن تلك الأخطاء باعتبارها الدين، واشتعلت الحرب، وسقط ضحايا التزمُّت الخرافي والتعصب الأعمى غير المسوّغ من علماء الطبيعة ما بين مقتول ومحروق ومشنوق، ومارست الكنيسة أقصى درجات القمع الفكري والبدني على معارضيها بزعمها، وجنت الكنيسة على الدين حين صوَّرته للناس دين الخرافة والدجل والكذب بسبب إصرارها على أن تنسب إليه ما هو منه براء. وحين تكشفت للناس الحقائق وقامت البراهين القاطعة على صحة أقوال أهل العلم انحازوا للحقيقة ونبذوا الكنيسة ودينها، أو على الأصح ردُّوا الديانة النصرانية المحرفة إلى أصلها وطبيعتها وحقيقتها، لا شأن لها بالعلم والحياة والنظم والكشوف، فكان ذلك دفعة جديدة لسيادة العلمانية تدعمها الكشوف العلمية والعقول المفكرة. ٣ - ظهور حركات اجتماعية فكرية سياسية: وقد أدى انتصار العلم في النهاية إلى ثورة علمية وكشوف جغرافية، فكان أن قامت في الغرب حركة اجتماعية فكرية سياسية شاملة نفضت غبار الماضي، وثارت على كل قديم، واحتدمت نيران الصراع بين القوى الاجتماعية والسياسية الجديدة والقوى القديمة التي يمثلها الإقطاع وطبقات النبلاء، وانحازت الكنيسة أيضاً للقوى القديمة، بينما كانت القوى الجديدة تطالب بالحريات والمساواة، وترفع شعار حقوق الإنسان، ويدعمها العلم وحقائقه، وتطور الحياة وسننها، فالتفَّت الشعوب والجماهير حول القوى الجديدة الداعية إلى التقدم الاجتماعي والتطور الفكري والسياسي، وكان يدعم هذا التوجه ما عاشته الشعوب من ظلم واستغلال بشع في ظل الإقطاع والكنيسة، وكانت العلمانية اللادينية هي اللافتة والراية التي اجتمعت القوى الجديدة تحتها، وبانتصار هذه القوى انتصرت العلمانية، واندحرت الديانة النصرانية، وأخذت القوى الجديدة تبشر بعصر جديد يسعد فيه الإنسان، وتحل جميع مشكلاته، ويعم السلام والرفاهية والإخاء جميع الشعوب، وهو ما لم يتحقق إلا بعضه كما سنرى بعد قليل. نتائج العلمانية في الغرب: حين تحرر الإنسان الغربي من سيطرة الكنيسة والإقطاع تحرر من سيطرة الخرافة والدجل والظلم، ورافق ذلك بزوغ فجر التقدم الصناعي والثورة العلمية التقنية، وحين أخذت الشعوب الغربية بالنهج العلماني الجديد في إطار المستجدات العلمية والاجتماعية والفكرية والسياسية الجديدة كانت نتائج ذلك: ١ - التقدم العلمي الهائل: إذ إن العقل الغربي الذي كان أسير الأساطير تاريخياً، والخرافة دينياً وعلمياً، تحرر من ذلك كله وانطلق يبحث ويجرب ويفكر ويستقصي، فأبدع في هذا المجال بما لم تعرفه البشرية في تاريخها، وقدم الغرب للإنسانية من نتائج علمه ثورة صناعية هائلة غيرت وجه الأرض، وطبيعة علاقة الإنسان بالبيئة المادية من حوله. ٢ - الرخاء الاقتصادي الواسع الذي أصبحت تعيشه الشعوب الغربية ولم تحرمه شعوب العالم الأخرى: إذ إن منجزات العلم وُظفت في العديد من جوانبها لرفاهية الإنسان في ضرورياته من غذاء وكساء وعلاج وسكن وخدمات، بل تجاوز كثير من الشعوب توفير الضروريات إلى التوسع في الكماليات بصورة متميزة لم تعرف لها البشرية مثيلاً في الجملة وبصورة عامة. ٣ - الاستقرار السياسي: واستبعاد صور العنف وأشكاله في التعبير عن الآراء والتوجهات السياسية، وترسيخ آليات وأخلاقيات وقوانين وأعراف للحوار أو الصراع السياسي، وتوفير ضمانات للحريات السياسية، وعدم الاضطهاد، وتنظيم العلاقة بين الشعوب وحكامها؛ فكان هذا النهج السياسي في آلياته ووسائله وأساليبه لا في فلسفته ومحتواه الفكري أمناً وسلاماً على الشعوب الغربية بعد عصور الدماء والتطاحن والثورات، وأصبح مثالاً يُحتذى من كافة شعوب الأرض، ويسعى الجميع لاستيراده وتطبيقه باعتباره نهاية التاريخ، وغاية التطور، وسقف الحضارة الذي لا يمكن تجاوزه. ٤ - احترام حقوق الإنسان وحرياته: وبالذات الإنسان الغربي، وبالمفهوم الغربي أيضاً للحقوق والحريات؛ حيث أصبح زعيم أكبر دولة في العالم وأقواها يُحقق معه، ويُحاكم كأي فرد مهما ضعف وتضاءل من شعبه، وبحيث أصبحت السيادة للقانون، ودَور السلطة هو حماية القانون وتنفيذه، وخدمة الأمة وحمايتها، والنزول على رأيها ورغبتها، مع الأخذ في الاعتبار أن المفاهيم الغربية عن حقوق الإنسان والحريات ليست هي المفاهيم الصحيحة، ولا الأولى والأجدى لحياة الإنسان، بسبب منطلقاتها المادية الإلحادية الإباحية، لكنها بلا شك تحتوي على قدر لا بأس به من قيم العدل والمساواة والإنصاف بمعايير القوانين الوضعية. ٥ - انتشار الإلحاد بجميع صوره وأشكاله في حياة الغربيين: نتيجة لهزيمة الكنيسة والدين في مواجهة العلمانية، مما أدى لتحييد الدين عن شؤون الحياة العامة، واقتصاره على الجانب الفردي الاختياري في حياة الإنسان، ولأول مرة في تاريخ البشرية تقوم دول وأنظمة ومعسكرات عالمية تتبنى الإلحاد في أشد صوره غلواً وتطرفاً ومادية، وتصادم فطرة الإنسان، وتصادر ضرورات العقل في الإيمان ومستلزماته تحت شعار تقديس العقل، وإنما هو تسفيه العقل والعياذ بالله. ٦ - السيطرة الغربية على شعوب العالم الأخرى، واستعمارها، واستعبادها، واستغلال خيراتها، والتنافس بين الدول الغربية في ذلك مما تسبب في قيام حربين عالميتين ذهب ضحيتهما عشرات الملايين من البشر، وما زال التهديد قائماً بحرب ثالثة قد تكون سبباً في دمار الأرض، والقضاء على الحضارة البشرية، ومنجزاتها عبر التاريخ. فالغرب نتيجة للثورة العلمية، والقوة الاقتصادية، والكشوف الجغرافية، وتراجع المد الإسلامي في الأندلس وغيرها، أخذت أساطيله تمخر عباب البحار والمحيطات، وتتسابق للاستيلاء على الممالك والأقاليم، وتقاسمت العالم، ونهبت ثرواته، واستغلت شعوبه، وصادرت عقائده، وتجاهلت خصائص كل أمة وقيمها وثقافتها، وقامت حروب التحرر والمقاومة للاستعمار، وسالت دماء الشعوب أنهاراً، وتم في النهاية جلاء القوى العسكرية الاستعمارية من أغلب بقاع العالم، ولكن بعد أن فرض الغرب رؤيته وأفكاره وأيديولوجيته، وربَّى على ذلك النخب الفكرية والسياسية في شعوب ما سُمي بالعالم الثالث، وسلمها زمام الأمر من بعده، فواصلت حمل راية العلمانية، وتطرفت في تطبيقها بالحديد والنار كما سنرى فيما يأتي من حديث. ٧ - العجز عن حل المعضلة الإنسانية التاريخية في غرس اليقين والطمأنينة في نفس الإنسان، والإجابة عن تساؤلاته الكبرى المصيرية الملازمة له عبر تاريخه عن حقيقة وجوده وبيان ماهيته، ورسالته، ودوره ووظيفته، وإلى أين مآله ومصيره ونهايته؟ هذا الأمر الذي كان محور اهتمام المذاهب والفلسفات والمبادئ والنظريات، وموضوع الملل والنحل والرسالات السماوية هو ما بشرت به العلمانية في بداياتها من أنها بالعلم ستصل فيه إلى الإجابات الشافية الكافية، وأنه لا مشكلة للإنسان بعد اليوم. ولكن ها نحن بعد أن عاشت الحضارة الغربية قرابة ثلاثة قرون في ظل العلمانية نرى الإنسان الغربي يعيش مأزقاً نفسياً روحياً فكرياً وجودياً أشد عمقاً وتأزماً من مأزقه حين بشرت العلمانية بحل معضلته، على الرغم من التقدم المادي والرفاه المعيشي الذي يعيشه هذه الأيام، وصدق القائل سبحانه: [وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً] (طه: ١٢٤) . وسائل وطرائق انتقال العلمانية من الغرب للشرق: لقد بزغ نجم العلمانية وعلا شأنه في الغرب في ظل الظروف التي أشرنا إليها، وقد صاحب ظهورها في الغرب انحطاط وتخلف وهزائم في الشرق، مما أتاح للغرب أن يتسلم زمام قيادة ركب الحضارة البشرية بما أبدعه من علم وحضارة، وما بذله من جهد وتضحية، فكان أمراً طبيعياً أن يسعى الغرب لسيادة نموذجه الحضاري الذي يعيشه، وأن يسوقه بين أمم الأرض؛ لأنه بضاعته التي لا يملك غيرها، ولأنه أيضاً الضمانة الكبرى لبقاء الأمم الأخرى تدور في فلك التبعية له، وتكدح في سبيل مدنيته وازدهار حضارته. وكان تسويق الغرب للعلمانية في الشرق الإسلامي من خلال الوسائل والطرق الآتية: ١ - من خلال الاحتلال العسكري الاستعماري: فقد وفدت العلمانية إلى الشرق في ظلال الحراب العسكرية، وعبر فوهات مدافع البوارج البحرية، ولئن كانت العلمانية في الغرب نتاج ظروف ومعطيات محلية متدرجة عبر أزمنة متطاولة، فقد ظهرت في الشرق وافداً أجنبياً متكامل الرؤى والأيديولوجيات والبرامج، يطبق تحت تهديد السلاح وبالقسر والإكراه كمن يصرُّ على استنبات نبتات القطب الجليدي في المناطق الاستوائية، وفي هذا من المصادمة لسنن الله في الحياة ما يقطع بإخفاق التجربة قبل تطبيقها؛ لأن الظروف التي نشأت فيها العلمانية وتكامل مفهومها عبر السنين تختلف اختلافاً جذرياً عن ظروف البلدان التي جُلبت إليها جاهزة متكاملة في الجوانب الدينية والأخلاقية والاجتماعية والتاريخية والحضارية؛ فالشرط الحضاري الاجتماعي التاريخي الذي أدى إلى نجاح العلمانية في الغرب مفقود في الشرق، بل في الشرق نقيضه تماماً وأعني بالشرق هنا الشرق الإسلامي ولذلك فلا عجب إن كانت النتائج مختلفة تماماً كما سنرى. وحين نشأت الدولة العربية الحديثة كانت عالة على الغربيين الذين كانوا حاضرين من خلال الهيمنة الغربية في المنطقة، ومن خلال المستشارين الغربيين، أو من درسوا في الغرب واعتنقوا العلمانية؛ فكانت العلمانية في أحسن الأحوال أحد المكونات الرئيسية للإدارة في مرحلة تأسيسها، وهكذا بُذرت بذور العلمانية على المستوى الرسمي قبل جلاء جيوش الاستعمار عن البلاد التي ابتليت بها. ٢ - من خلال البعثات العلمية التي ذهبت من الشرق إلى الغرب لطلب العلم والتقدم، فعاد الكثير منها بالعلمانية لا بالعلم، ذهبوا لدراسة الفيزياء والأحياء والكيمياء والجيولوجيا والفلك والرياضيات فعادوا بالأدب واللغات والاقتصاد والسياسة والعلوم الاجتماعية والنفسية، بل بدراسة الأديان وبالذات الدين الإسلامي في الجامعات الغربية، ولك أن تتصور حال شاب مراهق يحمل الشهادة الثانوية ويُلقى به بين أساطين الفكر العلماني الغربي على اختلاف مدارسه، بعد أن يكون قد سقط إلى شحمة أذنيه في حمأة الإباحية والتحلل الأخلاقي، وما أوجده كل ذلك لديه من صدمة نفسية واضطراب فكري ليعود بعد عقد من السنين بأعلى الألقاب الأكاديمية، وفي أهم المراكز العلمية، بل القيادية في وسط أمة أصبح ينظر إليها بازدراء، وإلى تاريخها بريبة واحتقار، وإلى قيمها ومعتقداتها وأخلاقها في أحسن الأحوال بشفقة ورثاء؛ إنه لن يكون بالضرورة إلا وكيلاً تجارياً لمن علَّموه وثقَّفوه ومدَّنوه، وهو لا يملك غير ذلك، ولئن كان هذا التوصيف للبعثات الدراسية ليس عاماً فإنه الأغلب وبالذات في أوائل عصر البعثات، وما «طه حسين» و «رفاعة الطهطاوي» إلا أمثلة خجلى أمام غيرهم من الأمثلة الصارخة الفاقعة اللون مثل «زكي نجيب محمود» و «محمود أمين العالم» و «فؤاد زكريا» و «عبد الرحمن بدوي» وغيرهم الكثير، ولئن كان هذا الدور للبعثات العلمية تم ابتداءاً من خلال الابتعاث لعواصم الغرب فإن الحواضر العربية الكبرى مثل «القاهرة بغداد دمشق» أصبحت بعد ذلك من مراكز التصدير العلماني للبلاد العربية الأخرى من خلال جامعاتها وتنظيماتها وأحزابها وبالذات لدول الجزيرة العربية. وقلَّ من يسلم من تلك اللوثات الفكرية العلمانية، حتى أصبح في داخل الأمة طابور خامس، وجهته غير وجهتها، وقبلته غير قبلتها، وإنهم لأكبر مشكلة تواجه الأمة لفترة من الزمن ليست بالقليلة. ٣ - من خلال البعثات التبشيرية: فالمنظمات التبشيرية النصرانية التي جابت العالم الإسلامي شرقاً وغرباً من شتى الفرق والمذاهب النصرانية جعلت هدفها الأول زعزعة ثقة المسلمين بدينهم، وإخراجهم منه، وتشكيكهم فيه، حتى وإن لم يعتنقوا النصرانية، وليس أجدى من العلمانية وسيلة لهذا الغرض، والأمر ليس من باب التخمين والافتراض؛ بل نطقت بهذا أفواههم، وخطَّته أقلامهم، وإن شئت فارجع إلى كتاب: «الغارة على العالم الإسلامي» مثلاً ليتبين لك ذلك، وهؤلاء المبشرون إما من الغربيين مثل «زويمر» و «دنلوب» ، وإما من نصارى العرب مثل «أديب إسحاق» و «شبلي شميل» و «سلامة موسى» و «جرجي زيدان» وأضرابهم، ومنهم من كان يعلن هويته التبشيرية ويمارس علمنة أبناء المسلمين «كزويمر» ، ومنهم من كان يعلن علمانيته فقط، ويبذل جهده في ذلك ك «سلامة موسى» و «شبلي شميل» . ٤ - من خلال المدارس والجامعات الأجنبية: ففي أواخر الدولة العثمانية وحين سيطر الماسونيون العلمانيون على مقاليد الأمر سُمح للبعثات التبشيرية والسفارات الغربية بإنشاء المدارس والكليات، وانتشرت في بلاد الشام والأناضول انتشار النار في الهشيم، وخرَّجت أجيالاً من أبناء المسلمين وبناتهم أصبحوا بعد ذلك قادة الفكر والثقافة، ودعاة التحرر والانحلال، ومن الأمثلة على ذلك الجامعة الأمريكية في بيروت، والتي في أحضانها نشأ العديد من الحركات والجمعيات العلمانية، وقد سرت العدوى بعد ذلك إلى الكثير من الجامعات والمؤسسات التعليمية الرسمية في العديد من البلاد العربية والإسلامية، وقد قام خريجو هذه المدارس والجامعات بممارسة الدور نفسه حين عادوا لبلدانهم أو ابتعثوا للتدريس في بعض البلدان الأخرى. وإن المتابع لما ينشر من مذكرات بعض العلمانيين في البلاد التي لم تبتلَ بهذه المدارس ليتبين له بجلاء ووضوح الدَور الكبير الذي قام به العلمانيون العرب من الذين استقدموا للتدريس في تربية طلابهم وإقناعهم بالعلمانية، سواء من خلال التنظيمات الحزبية أو من خلال البناء الفكري الثقافي لأولئك الطلاب. ٥ - من خلال الجمعيات والمنظمات والأحزاب العلمانية التي انتشرت في الأقطار العربية والإسلامية، ما بين يسارية وليبرالية وقومية وأممية وسياسية واجتماعية وثقافية وأدبية، بجميع الألوان والأطياف، وفي جميع البلدان؛ حيث إن النخب الثقافية في غالب الأحيان كانوا إما من خريجي الجامعات الغربية أو الجامعات السائرة على النهج ذاته في الشرق، وبعد أن تكاثروا في المجتمع عمدوا إلى إنشاء الأحزاب القومية أو الشيوعية أو الليبرالية، وجميعها تتفق في الطرح العلماني، وكذلك أقاموا الجمعيات الأدبية والمنظمات الإقليمية أو المهنية، وقد تختلف هذه التجمعات في أي شيء إلا في تبني العلمانية، والسعي لعلمنة الأمة كلٌ من زاوية اهتمامه، والجانب الذي يعمل من خلاله. ومن الأمور اللافتة للنظر أن أشهر الأحزاب العلمانية القومية العربية إنما أسسها نصارى بعضهم ليسوا من أصول عربية! أمثال «ميشيل عفلق» و «أنطون سعادة» و «جورج حبش» ، والكثرة الساحقة من الأحزاب الشيوعية العلمانية إنما أسسها يهود مليونيرات أمثال «كوريل» . ٦ - من خلال البعثات الدبلوماسية: سواء كانت بعثات للدول الغربية في الشرق، أو للدول الشرقية في الغرب؛ فقد أصبحت في الأعم الأغلب جسوراً تمر من خلالها علمانية الغرب الأقوى إلى الشرق الأضعف من خلال الاقتداء، ومن خلال المنح الدراسية وحلقات البحث العلمي، والتواصل الاجتماعي، والمناسبات والحفلات، ومن خلال الضغوط الدبلوماسية والابتزاز الاقتصادي، وليس بسرٍّ أن بعض سفارات الدول الكبرى أكثر أهمية وسلطة من القصر الرئاسي، أو مجلس الوزراء في تلك الدول الضعيفة التابعة! ٧ - من خلال وسائل الإعلام المختلفة: من مسموعة أو مرئية أو مقروءة؛ لأن هذه الوسائل كانت من الناحية الشكلية من منتجات الحضارة الغربية صحافة أو إذاعة أو تلفزة فاستقبلها الشرق واستقبل معها فلسفتها ومضمون رسالتها، وكان الرواد في تسويق هذه الوسائل وتشغيلها والاستفادة منها إما من النصارى أو العلمانيين من أبناء المسلمين، فكان لها الدور الأكبر في الوصول لجميع طبقات الأمة، ونشر مبادئ العلمانية وأفكارها وقيمها، وبالذات من خلال الفن، وفي الجانب الاجتماعي بصورة أكبر. هكذا سرت العلمانية في كيان الأمة، ووصلت إلى جميع طبقاتها قبل أن يصلها الدواء والغذاء والتعليم في كثير من الأحيان، فكان كما يقول المثل: «ضغث على إبالة» ، ولو كانت الأمة حين تلقت هذا المنتج العصري تعيش في مرحلة قوة وشموخ وأصالة لوظفت هذه الوسائل الإعلامية توظيفاً آخر يتفق مع رسالتها وقيمها وحضارتها وتاريخها وأصالتها. ٨ - من خلال التأليف والنشر: في فنون شتى من العلوم وبالأخص في الأدب والفكر؛ فقد جاءت العلمانية وافدة في كثير من الأحيان تحت شعارات المدارس الأدبية المختلفة، متدثرة بدعوى رداء التجديد والحداثة، معلنة الإقصاء والإلغاء والنبذ والإبعاد لكل قديم في الشكل والمضمون، وفي الأسلوب والمحتوى، ومثل ذلك في الدراسات الفكرية المختلفة في علوم الاجتماع والنفس، والعلوم الإنسانية المختلفة؛ حيث قدمت لنا نتاج كبار ملاحدة الغرب وعلمانييه على أنه الحق المطلق، بل العلم الأوحد ولا علم سواه في هذه الفنون، وتجاوز الأمر التأليف والنشر إلى الكثير من الكليات والجامعات والأقسام العلمية التي تنسب لأمتنا اسماً، ولغيرها حقيقة، وإن كان الأمر في أقسام العلوم الأخرى من طب وهندسة ورياضيات وفيزياء وكيمياء وأمثالها يختلف كثيراً ولله الحمد والمنة، وهي الأقسام أيضاً التي توجه لها أبناء الأمة الأصلاء ممن لم يتلوثوا بلوثات العلمانية، فحاولوا أن ينقلوا للأمة ما يمكن أن تستفيد منه من منجزات التقدم الغربي مع الحفاظ على هويتها وأصالتها وقيمها. ٩ - من خلال الشركات الغربية الكبرى التي وفدت لبلاد المسلمين مستثمرة في الجانب الاقتصادي؛ لكنها لم تستطع أن تتخلى عن توجهاتها الفكرية، وقيمها وأنماط حياتها الاجتماعية؛ وهذا أمر طبيعي، فكانت من خلال ما جلبته من قيادات إدارية وعمالة فنية احتكت بالشعوب الإسلامية سبباً مهماً في نشر الفكر العلماني وقيمه الاجتماعية، وانعكاساته الأخلاقية والسلوكية، ولعل من المفارقات الجديرة بالتأمل أن بعض البلدان التي كان يعمل فيها بعض الشركات الغربية الكبرى من أمريكية وبريطانية لم تبتلَ بالتنظيمات اليسارية، ولم تنشأ إلا في هذه الشركات في أوج اشتعال الصراع بين المعسكر الشيوعي والمعسكر الغربي. بعض ملامح العلمانية الوافدة: لقد أصبح حَمَلَةُ العلمانية الوافدة في بلاد الشرق بعد مائة عام من وفودها تياراً واسعاً متنفذاً غالباً على نخبة الأمة وخاصتها في الميادين المختلفة، من فكرية واجتماعية وسياسية واقتصادية، وكان يتقاسم هذا التيار الواسع في الجملة اتجاهان: أ - الاتجاه اليساري الراديكالي الثوري: ويمثله في الجملة أحزاب وحركات وثورات ابتليت بها المنطقة ردحاً من الزمن، فشتَّتت شمل الأمة ومزقت صفوفها، وجرّت عليها الهزائم والدمار والفقر وكل بلاء، وكانت وجهة هؤلاء الاتحاد السوفييتي قبل سقوطه، سواء كانوا شيوعيين أمميين، أو قوميين عنصريين. ب - الاتجاه الليبرالي ذو الوجهة الغربية لأمريكا ومن دار في فلكها من دول الغرب: وهؤلاء يمثلهم أحزاب وشخصيات قد جنوا على الأمة بما أشاعوه من الإباحية، والتحلل، والتفسخ، والسقوط الأخلاقي، والعداء لدين الأمة وتاريخها. وللاتجاهين ملامح متميزة أهمها: ١ - مواجهة التراث الإسلامي: إما برفضه بالكلية واعتباره من مخلفات عصور الظلام والانحطاط والتخلف كما عند غلاة العلمانية أو بإعادة قراءته قراءة عصرية كما يزعمون لتوظيفه توظيفاً علمانياً من خلال تأويله على خلاف ما يقتضيه سياقه التاريخي من قواعد شرعية، ولغة عربية، وأعراف اجتماعية، ولم ينجُ من غارتهم تلك حتى القرآن والسنة، إما بدعوى بشرية الوحي، أو بدعوى أنه نزل لجيل خاص أو لأمة خاصة، أو بدعوى أنه مبادئ أخلاقية عامة، أو مواعظ ورقائق روحية لا شأن لها بتنظيم الحياة، ولا بيان العلم وحقائقه، ولعل من الأمثلة الصارخة للرافضين للتراث، والمتجاوزين له «أدونيس» ، و «محمود درويش» ، و «البياتي» ، و «جابر عصفور» ، ومن لفَّ لفَّهم وشايعهم، وهم كُثر لا كثَّرهم الله. أما الذين يسعون لإعادة قراءته وتأويله وتوظيفه فمن أشهرهم: «حسن حنفي» ، و «محمد أركون» ، و «محمد عابد الجابري» ، و «حسين أحمد أمين» ، ومن على شاكلتهم، ولم ينج من أذاهم شيء من هذا التراث في جميع جوانبه. ٢ - اتهام التاريخ الإسلامي: بأنه تاريخ دموي استعماري عنصري غير حضاري، وتفسيره تفسيراً مادياً، بإسقاط نظريات تفسير التاريخ الغربية العلمانية على أحداثه، وقراءته قراءة انتقائية غير نزيهة ولا موضوعية، لتدعيم الرؤى والأفكار السوداء المسبقة حيال هذا التاريخ، وتجاهل ما فيه من صفحات مضيئة مشرقة، والخلط المتعمد بين الممارسة البشرية والمنهج الإسلامي الرباني، ومحاولة إبراز الحركات الباطنية والأحداث الشاذة النشاز وتضخيمها، والإشادة بها، والثناء عليها، على اعتبار أنها حركات التحرر والتقدم والمساواة، والثورة على الظلم مثل: «ثورة الزنج» ، و «ثورة القرامطة» . ومثل تلك الحركات الفكرية الشاذة، والبعيدة عن الإسلام الحق، وتكريس أنها من الإسلام، بل هي الإسلام، مثل القول بوحدة الوجود، والاعتزال وما شابه ذلك من أمور تؤدي في نهاية الأمر إلى تشويه الصورة المضيئة للتاريخ الإسلامي لدى ناشئة الأمة وأجيالها المتعاقبة. ٣ - السعي الدؤوب لإزالة مصادر المعرفة والعلم الراسخة في وجدان المسلم، والمسيِّرة والمؤطرة للفكر والفهم الإسلامي في تاريخه كله أو زعزتها، من خلال استبعاد الوحي مصدراً للمعرفة والعلم، أو تهميشه على الأقل وجعله تابعاً لغيره من المصادر كالعقل والحس، وما هذا إلا أثر من آثار الإنكار العلماني للغيب، والسخرية من الإيمان بالغيب، واعتباره في أحسن الأحوال جزءاً من الأساطير والخرافات والحكايات الشعبية، والترويج لما يسمى بالعقلانية والواقعية والإنسانية، وجعل ذلك هو البديل الموازي للإيمان في مفهومه الشرعي الأصيل، وكسر الحواجز النفسية بين الإيمان والكفر؛ ليعيش الجميع تحت مظلة العلمانية في عصر العولمة، وفي كتابات «محمد عابد الجابري» ، و «حسن حنفي» ، و «حسين مروة» ، و «العروي» ، وأمثالهم الأدلة على هذا الأمر. ٤ - خلخلة القيم الخلقية الراسخة في المجتمع الإسلامي، والمسيِّرة للعلاقات الاجتماعية القائمة على معاني الأخوة والإيثار، والطهر والعفاف، وحفظ العهود، وطلب الأجر، وأحاسيس الجسد الواحد، واستبدالهم بها قيم الصراع، والاستغلال والنفع، وأحاسيس قانون الغاب والافتراس، والتحلل والإباحية، من خلال الدراسات الاجتماعية والنفسية، والأعمال الأدبية والسينمائية والتلفزيونية، مما هزّ المجتمع الشرقي من أساسه، ونشَرَ فيه من الجرائم والصراع ما لم يعهده أو يعرفه في تاريخه، ولعل رواية «وليمة لأعشاب البحر» السيئة الذكر من أحدث الأمثلة على ذلك، والقائمة الطويلة من إنتاج «محمد شكري» ، و «الطاهر بن جلون» ، و «الطاهر وطار» ، و «تركي الحمد» ، وغيرهم الكثير تتزاحم لتؤدي دورها في هدم الأساس الخلقي الذي قام عليه المجتمع، واستبداله بأسس أخرى. ٥ - رفع مصطلح الحداثة لافتة فلسفية اصطلاحية بديلة لشعار التوحيد: والحداثة بوصفها مصطلحاً فكرياً ذا دلالات محددة هذه الحداثة تقوم على مادية الحياة، وهدم القيم والثوابت، ونشر الانحلال والإباحية، وأنسنة الإله، وتلويث المقدسات، وجعل ذلك إطاراً فكرياً للأعمال الأدبية، والدراسات الاجتماعية، مما أوقع الأمة في أسوأ صور التخريب الفكري الثقافي. ٦ - استبعاد مقولة: (الغزو الفكري) من ميادين الفكر والثقافة، واستبدالها بمقولة: (حوار الثقافات) ، مع أن الواقع يؤكد أن الغزو الفكري حقيقة تاريخية قائمة لا يمكن إنكارها كإحدى مظاهر سُنّة التدافع التي فطر الله عليها الحياة، وأن ذلك لا يمنع الحوار؛ لكنها سياسة التخدير والخداع والتضليل التي يتبعها التيار العلماني، ليسهل تحت ستارها ترويج مبادئ الفكر العلماني بعد أن تفقد الأمة مناعتها وينام حراس ثغورها، وتتسلل في أجزائها جراثيم الغزو العلماني القاتل وفيروساته. ٧ - وَصْم الإسلام بالأصولية والتطرف وممارسة الإرهاب الفكري عبر غوغائية ديماجوجية إعلامية غير شريفة، ولا أخلاقية، لتخويف الناس من الالتزام بالإسلام، والاستماع لدعاته، وعلى الرغم من وقوع الأخطاء وأحياناً الفظيعة من بعض المنتمين أو المدَّعين للإسلام، إلا أنها نقطة في بحر التطرف والإرهاب العلماني الذي يُمارس على شعوب بأكملها، وعبر عقود من السنين؛ لكنه عدم المصداقية، والكيل بمكيالين، والتعامي عن الأصولية النصرانية واليهودية الموغلة في الظلامية والعنصرية والتخلف. ٨ - تمييع قضية الحِلِّ والحُرمة: في المعاملات والأخلاق، والفكر والسياسة، وإحلال مفهوم اللذة والمنفعة والربح المادي محلها، واستخدام هذه المفاهيم في تحليل المواقف والأحداث، ودراسة المشاريع والبرامج، أي فك الارتباط بين الدنيا والآخرة في وجدان الإنسان وفكره وعقله، ومن هنا ترى التخبط الواضح في كثير من جوانب الحياة الذي يعجب له من نوَّر الله قلبه بالإيمان، ولكن أكثرهم لا يعلمون. ٩ - دق طبول العولمة واعتبارها القدر المحتوم الذي لا مفر منه ولا خلاص إلا به: دون التمييز بين المقبول والمرفوض على مقتضى المعايير الشرعية؛ بل إنهم ليصرحون بأن أي شيء في حياتنا يجب أن يكون محل التساؤل دون التفريق بين الثوابت والمتغيرات مما يؤدي إلى تحويل بلاد المشرق إلى سوق استهلاكية لمنتجات الحضارة الغربية، والتوسل لذلك بذرائعية نفعية محضة لا يسيِّرها غير أهواء الدنيا وشهواتها. ١٠ - الاستهزاء والسخرية والتشكيك: في وجه أي محاولة لأسلمة بعض جوانب الحياة المختلفة المعاصرة في الاقتصاد والإعلام والقوانين، ولعل الهجوم المستمر على المملكة العربية السعودية بسبب احتكامها للشريعة في الحدود والجنايات من هذا المنطلق، وإن مرَّروا هجومهم وحقدهم تحت دعاوى حقوق الإنسان وحرياته، ونسوا أو تناسوا الشعوب التي تسحق وتدمر وتقتل وتغتصب بعشرات الآلاف، دون أن نسمع صوتاً واحداً من هذه الأصوات النشاز يبكي لها ويدافع عنها، لا لشيء إلا أن الجهات التي تقوم بانتهاك تلك الحقوق، وتدمير تلك الشعوب أنظمة علمانية تدور في فلك المصالح الغربية. ١١ - الترويج للمظاهر الاجتماعية الغربية: وبخاصة في الفن، والرياضة، والطبابة، وشركات الطيران، والأزياء، والعطور، والحفلات الرسمية، وقضية المرأة، ولئن كانت هذه شكليات ومظاهر لكنها تعبر عن قيم خلقية، ومنطلقات عقائدية، وفلسفة خاصة للحياة، من هنا كان الاهتمام العلماني المبالغ فيه بموضوع المرأة، والسعي لنزع حجابها، وإخراجها للحياة العامة، وتعطيل دورها الذي لا يمكن أن يقوم به غيرها في تربية الأسرة ورعاية الأطفال، وهكذا العلمانيون يفلسفون الحياة: يُعطَّل مئات الآلاف من الرجال عن العمل لتعمل المرأة، وتُستقدم مئات الآلاف من العاملات في المنازل لتسدَّ مكان المرأة في رعاية الأطفال والقيام بشؤون المنزل، ولئن كانت بعض الأعمال النسائية يجب أن تناط بالمرأة، فما المسوغ لمزاحمتها للرجل في كل موقع؟ ! ١٢ - الاهتمام الشديد والترويج الدائم للنظريات العلمانية الغربية: في الاجتماع والأدب، وتقديم أصحابها في وسائل الإعلام، بل وفي الكليات والجامعات على أنهم رواد العلم، وأساطين الفكر، وعظماء الأدب، وما أسماء «دارون» ، و «فرويد» ، و «دوركايم» ، ولا «الألسنية» و «البنيوية» و «السريالية» ، وغير هذا الكثير مما لا يجهله المهتم بهذا الشأن، حتى إن بعض هذا قد يتجاوزه علمانيو الغرب، ولكن صداه ما زال يتردد في عالم الأتباع في الشرق، وكأننا نحتاج لعقود من الزمن ليفقه أبناؤنا عن أساتذتهم هذه المراجعات.

стр. 3791

ملفات العلمانية في العالم الإسلامي.. تساقط الأوراق (١ - ٣) جذور العلمانية والتغريب في العالم الإسلامي خالد أبو الفتوح abulfutoh@hotmail.com تُعد العلمانية (فصل الدين عن الحياة) أحد الانحرافات الكبرى التي أصابت الأمة الإسلامية؛ إذ إنها حملت في طياتها مجموعة من التشوهات والمفاسد التي مسَّت أو تغلغلت بدرجات متفاوتة في تصورات أفراد هذه الأمة وقيمهم، أو نشاطاتهم وعلاقاتهم، أو نُظُمهم ومؤسساتهم. ومن المعروف في دراسة أحوال المجتمعات وتحولاتها أنه من غير الممكن الوقوف على نقطة محددة (زمنية أو فكرية) في مجتمع ما والإشارة إليها على أنها نقطة التحوُّل العمراني (الحضاري) هبوطاً أو صعوداً في هذا المجتمع؛ فهذه النقطة قد تكون (محطة) في منحدر الهبوط أو سُلَّم الارتقاء، ولكنها لا تكون منعزلة أو منبتَّة الصلة بغيرها من الأفكار والأحداث والشخصيات الأخرى التي تكوِّن (المحطات) الأخرى في مسيرة هذا المجتمع. ومن هذا المنطلق فإننا لا نستطيع دراسة نشأة العلمانية في العالم الإسلامي من غير البحث في الحامل الذي جاء بها (التغريب) ، ومن غير البحث في الخلفيات والعوامل الثانوية التي ساعدت على هذه النشأة، وبعد ذلك يمكننا تتبع شبكة التطورات التي انتهت إلى ما نحن فيه. نظرة من بعيد: يمكن القول: إن العلمانية إحدى الصور الفجة لانفصال السلطان عن القرآن الذي أخبر به النبي ﷺ : « ... ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان؛ فلا تفارقوا الكتاب ... » [١] ، وقد بدأ هذا الانفصال التدريجي بشكل خافت بعد الخلافة الراشدة إثر انفصال أهل العلم والتقوى عن أهل السلطان والغلبة؛ حيث تغيرت معايير اختيار أصحاب السلطان، وإن بقي أهل العلم يمثلون مرجعية للأمَّة وفي كثير من الأحيان لأهل السلطان أنفسهم، ولكن هذا الانفصال لم يكن في مبدأ أمره انفصالاً عن الأفكار والتصورات والعلاقات والتشريعات الإسلامية بقدر ما كان انفصالاً بين (جهاز) التفكير و (جهاز) التنفيذ، وإن قُدِّر وحدث انحراف ما في التنفيذ فإنه كان يقع في دائرة الاجتهاد الخطأ أو الهوى والمعصية، ولكن لم يتعد إلى دائرة التصورات والأفكار وتغييرها بغية إيجاد مسوِّغ وتشريع لهذا الانحراف والتعدي كما هو حادث في العلمانية، أقول ذلك على الرغم من وجود بعض الفتاوى التي كانت تصدر أحياناً من علماء السلطان لإيجاد مسوِّغ لمعاصيهم وتفلتهم من الأحكام الشرعية، ولكن المدقق يمكنه أن يرى أن هذه الفتاوى لم تكن أكثر من استخدام سيئ وبمهارة لأصول شرعية يُسلِّم المجتمع بمرجعيتها. غير أننا لا نعدم أيضاً في بواكير (التراث الفكري الإسلامي) بعض الجذور العميقة لتصورات ومفاهيم منحرفة عن الإسلام الصحيح ساهمت إلى حد كبير في إخصاب الأرضية الفكرية التي عملت عليها العلمانية. فمن ذلك: الأثر الذي تركته الفلسفة اليونانية والفارسية والهندية على فكر بعض الفرق وخاصة المعتزلة؛ حيث شاع عندهم تقديم العقل على النقل عند توهم تعارضهما، حتى عدُّوا ذلك أصلاً من أصول الاستدلال، فكانوا ينكرون ما يستطيعون من الأحاديث النبوية التي تتعارض مع المعقول بحسب تصورهم لهذا المعقول بدعوى عدم ثبوتها أو عدم حجيتها لكونها أحاديث آحاد لا تفيد اليقين، وهذه الفكرة في أحد جوانبها من شأنها تضييق نطاق النصوص الشرعية وما يستنبط منها لحساب توسيع مجال عمل العقل الذي أخذ يحتل مكانة النصوص في منهجية الاستدلال. كما أخذوا يؤولون الآيات القرآنية تأويلاً أياً كان بُعْده ليوافق أصولهم ومعارفهم العقلية التي عدُّوها يقينية، فكان استخدام هذا الأصل بقدر ما يُعلي من قيمة العقل البشري بقدر ما يحط من قوة الإيمان بالغيب وصفاء التسليم للشريعة. ومن ذلك أيضاً: الأثر الذي تركه الفكر الإرجائي على تصور كثير من المسلمين لحقيقة الإيمان؛ فقد ابتدع المرجئة القول بخروج الأعمال من حقيقة الإيمان؛ وعليه: بات يُكتفى في الإيمان بتصديق وقول على اختلافٍ بينهم، ومن ثم: كثرت الأعمال التي لا تنسب إلى الإيمان، وهي تشمل الحياة كلها، وبتعبير آخر: اتسعت المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها العصيان والتبديل والانحراف بأمان تاركاً الإيمان قابعاً في زاوية ضيقة تسمى القول، ثم تحول هذا القول على يد المرجئة الجدد إلى مجرد ألفاظ خالية من مدلولاتها ومعانيها. ومما زاد من أثر آراء المرجئة على حياة الأمة: اندثار المرجئة الفرقة، وبقاؤها بل وانتشارها أفكاراً وآراءاً. ثم كان للصوفية نصيب من هذا الإخصاب: إذ تعانق مع الفكر الإرجائي انحراف مفهومي (العبادة) و (القضاء والقدر) عند المتصوفة؛ حيث تحوَّل مفهوم الزهد الإيجابي الذي كان عليه السلف على يد المتصوفة إلى سلوك انسحابي أخذ شكل التفرغ (للعبادة) في مسجد أو زاوية أو خلوة أو حتى كهف، وأما من انصرف إلى معالجة شؤون الدنيا فقد كان ينظر إليه عند هؤلاء على أنه انصرف عن العبادة، وكما رأينا اضطراب العلاقة بين العقل والنقل عند المعتزلة الذي تطور لاحقاً عند (التنويريين) إلى اضطراب في العلاقة بين العلم والدين، نجد هنا على يد المتصوفة علاقة متنافرة غريبة بين الدين والدنيا، أو بين الآخرة والدنيا، فمن أراد الدين والآخرة فله المسجد لا شأن له بالدنيا، فلمن تترك هذه الدنيا؟ ! ... يتصدى لها أهل الفساد والانحراف، ولا يكون ذلك مستهجناً، كما لا يكون مستغرباً أن يُنظِّموا هذه الدنيا بمنأى عن الدين الذي ترك في خلوات العبادة وحلقات الفقه، وفي قول أو شعائر يؤديها الفرد المسلم، بل يتم التسليم بذلك الانحراف على أنه قضاء وقدر. أضف إلى ذلك: أن ما روَّجه الصوفية عن الفَرْق بين الحقيقة والشريعة كان بابًا واسعاً للانسلاخ من الشرع والتفلت من الدين تحت مظلة ادِّعاء (الولاية) ، وقد كان هذا المفهوم مطية لتأويلات عديدة غير منضبطة بأصول شرعية أو لغوية أو عقلية. ومن العوامل الفكرية التي ساهمت في إخصاب الأرضية التي قامت عليها العلمانية: الفصل الحاد بين (العبادات) و (المعاملات) الذي اقتضته (الأصول الفنية) للمنهجية العلمية التي قامت عليها الكتب الفقهية المتأخرة. وكذلك بعض الآراء الأصولية الفقهية الشاذة أو الاستخدام السيئ لبعض الأصول والقواعد الفقهية، فلقد ناقش الفقهاء مسألة (نسخ القياس والإجماع للقرآن والسنة) وردُّوها [٢] ، ولكن إثارتها من بعض العلماء وإن كانوا قلة يدل على استعداد فكري مبكر لتطويع الشريعة. كما ساهم في ذلك: الانحراف عن ضوابط بعض الأصول والقواعد الفقهية، مثل: الخروج بالاستحسان والمصالح المرسلة من كونها المصالح الشرعية إلى المصالح التي يرتئيها المتنفذون حسب عقولهم وأهوائهم [٣] ، ومثل الانحراف بنظرية العرف أو قاعدة (العادة محكَّمة) ليكون العرف والعادة هما الأصل الذي يُقدَّم على ما سواه. ومن هذه العوامل: إغلاق باب الاجتهاد منذ أواخر القرن الرابع الهجري، هذا الإغلاق وإن كان دافعه حُسن النية حتى لا يدَّعي في دين الله من ليس أهلاً للنظر والاجتهاد، إلا أننا نلاحظ أن آثاره كانت عظيمة؛ فهو وإن كان فيه نوع من إعلاء لقدر عقول علماء السلف واجتهاداتهم، إلا أن فيه أيضاً نوعاً من الحَجْر على الكتاب والسنَّة، وتقليص المعاني والحكم المستنبطة منهما بما لا يتجاوز ما قاله هؤلاء العلماء الأجلاء، كما أن فيه أيضاً تصوراً خاطئاً عن طبيعة تطور الحياة الإنسانية؛ فمن منعوا الاجتهاد المطلق تصوروا أن من سبقهم من العلماء افترضوا وتخيلوا كل ما يمكن وقوعه من حوادث في حياة البشر ووضعوا لها الحلول والفتاوى الشرعية، وهذا وذاك أدى إلى مرضين خطيرين في الحياة الفكرية والفقهية لدى المسلمين، هما: التقليد وما يتبعه من تعصب، والجمود وما يتبعه من انغلاق وتحجر. وفي عصر الدولة العثمانية عندما تطورت الحياة أكثر كانت الحاجة ملحة لإعادة فتح باب الاجتهاد، ولكن العلماء رفضوا ذلك ولم يُقدِّموا في الوقت نفسه الحلول البديلة أو يُبدوا الاستعداد لتهيئة من يكونون أهلاً لهذا الاجتهاد، عندها استغل رواد العلمانية الأوائل ومن يريدون الكيد بالأمة الفرصة وتقدموا هم بالبديل: التغريب والعلمانية. حرث الأرض الهامدة: لم يُفتح باب الاجتهاد، بل انكسر ليلج منه كل مدَّعٍ وصاحب هوى باسم (التجديد والإصلاح) . ولا شك أن مجرد وجود هذه العوامل والمؤثرات كان لا يعني حتمية نشوء العلمانية في العالم الإسلامي؛ ذلك أن في الإسلام ذاته وفي العالم الإسلامي في مجمله من القيم الأخرى الأصيلة والقوى المعادلة لهذه العوامل والمؤثرات ما يبطل أو يضعف أثر هذه العوامل، ولكن الحقيقة أيضاً أن هذه العوامل والمؤثرات شكلت عندما انتشرت وتعاظمت حالة يمكن أن نطلق عليها: (القابلية للعلمنة) ، شبيهة بتلك (القابلية للخضوع) التي قصدها الشيخ عبد الحميد بن باديس، والمفكر مالك بن نبي، والتي أطلقوا عليها: القابلية للاستعمار، إضافة إلى أن هذه العوامل مثلت ثغوراً نفذ منها العلمانيون إلى البناء الفكري الإسلامي. وعلى ذلك: فإن هذه العوامل والمؤثرات رغم وجودها في مسيرة الأمة، إلا أنها لم تكن عناصر فاعلة إلا في القرنين الأخيرين؛ ذلك لأن العوامل المساعدة المنشطة التي تحث هذه العناصر على التفاعل لم تكن متوفرة بشكل كافٍ قبل ذلك، ومن أبرز هذه العوامل المساعدة: الهزيمة النفسية لدى المسلمين، وتوجه الغرب إلى الغزو الفكري مع (أو بدلاً من) الغزو العسكري الذي ثبت إخفاقه وحده عبر حروب صليبية طويلة. ولكن كيف أثيرت هذه العوامل؟ يرى بعض الباحثين أن الشرارة الأولى لهذا التوجه الغربي الصليبي (الغزو بالفكر والقيم) اتقدت في ذهن لويس التاسع (١٢١٤م - ١٢٧٠م/٦١١هـ - ٦٦٩ هـ) ملك فرنسا وقائد آخر حملتين صليبيتين كبيرتين على العالم الإسلامي؛ فحينما هُزم في الحملة الصليبية السابعة، وأُسر بالمنصورة سنة ١٢٥٠م (٦٤٨هـ) [٤] ، أتيحت له فرصة التأمل والتدبر، فوضع مخططاً من أربعة محاور لغزو جديد (سلمي) للعالم الإسلامي [٥] . وقد نشط هذا المخطط مجدداً بدءاً من عام (١٠٨٢ هـ = ١٦٧١م) على يد الملك لويس الرابع عشر بواسطة وزيره الشهير (كولبير) الذي كلف بعض المعتمدين في الشرق بالبحث عن المخطوطات العربية [٦] . يقول الدكتور محمود المقداد: «وقد تلقن الفرنسيون هذا الدرس القاسي باشتراكهم مع الأوروبيين الآخرين في هذه الحروب، وخلاصة هذا الدرس أن (الحملات المسيحية الأولى إلى الأرض المقدسة، وإلى مصر جاءت من غير خطة مدروسة جيداً، ومن غير معرفة شيء عن أخلاق الشعوب التي ذهبوا لقتالها أو عن تسليحها) » ، ثم يقول: «وهكذا حاول الفرنسيون أن يتعرفوا أخلاق العرب والشرقيين وعاداتهم وتقاليدهم وما لهم من معارف وثقافات ... ولهذا اتجه الغربيون عامة والفرنسيون خاصة إلى جمع أعداد من المخطوطات ... وقد جُنِّد لهذا الغرض رهبان ومبشرون وتجار وجواسيس ودبلوماسيون وسفراء في العالم العربي والإسلامي ورحَّالة وسواح ومستعربون، كُلِّفوا خصيصاً بهذا العمل» [٧] . ففي أرض مصر إذن بدأ المخطط يدور في رأس لويس التاسع ملك فرنسا، وبعد أكثر من ٥٠٠ عام، وعلى ثغر الإسكندرية من أرض مصر أيضاً نزل القائد الفرنسي نابليون بونابرت يُنفِّذ الحملة الفرنسية (علمانية العقل صليبية القلب) على العالم الإسلامي سنة (١٢١٣هـ/١٧٩٨م) . لم تستغرق هذه الحملة عسكرياً أكثر من ثلاث سنوات، ولكنها خلفت وراءها زلزالاً كبيراً كانت أعدت له عدته، وكانت أحوال المسلمين مهيأة له؛ وأهم ملامح هذا الزلزال ما يلي: أولاً: أنها ابتدئت بالتلبيس بادعاء تحلي نابليون وجنوده بحُلَّة الإسلام والمبادئ والأهداف السامية؛ فقد كان أول منشور لنابليون متصدراً بما يلي: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه» ، وفيه أيضاً: «يا أيها المصريون، قد قيل لكم إنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم؛ فذلك كذب صريح فلا تصدقوه، وقولوا للمفترين: إنني ما قَدِمْت إليكم إلا لأخلِّص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله وأحترم نبيه والقرآن العظيم، وقولوا أيضاً لهم: إن جميع الناس متساوون عند الله، وإن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو (العقل) و (الفضائل) و (العلوم) فقط (! !) ... أيها المشايخ والقضاة والأئمة ... قولوا لأمتكم إن الفرنساوية هم أيضاً مسلمون مخلصون، وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى وخرَّبوا كرسي البابا ... » [٨] . لقد كان هذا الأسلوب خطاً ثابتاً في سياسة نابليون أينما حل؛ فقد كان يحرص في مثل هذه المسائل أن يستعمل دواءً من جنس الداء! ، ولما كان نابليون يُشخِّص داء الشعب المصري في تدينه؛ حيث إن «الأفكار الدينية كانت على الدوام مسيطرة على الشعب المصري في شتى العصور» ... كان دواء هذا الداء عند نابليون هو استخدام «لقاح ضد الدين» ، فسياسة نابليون كانت قائمة على (ترويض) الدين لا مقاومته [٩] ، وهذه السياسة ذات أبعاد خطيرة، وسيكون لها أثرها الذي لا يستهان به في آلية إدخال العلمانية والتغريب إلى العالم الإسلامي. ولكنا نشير هنا إلى الثغرة التي حاول نابليون ورجال حملته استغلالها لاختراق الفكر والشعور الإسلامي، ألا وهي الفكر الإرجائي؛ إذ يبدو أن نابليون وقواده وخاصة ساعده الأيمن (فينتور دي بارادي) الذي قضى أربعين سنة يتجول في العالم الإسلامي قبل أن يلتحق بالحملة [١٠] كانوا يدركون جيداً تأثير الفكر الإرجائي على مشاعر المسلمين ومواقفهم؛ ولذا: كانوا يستغلون رصيد انفصال القول (أو الشعارات) عن العمل بمهارة واطمئنان، وقد كانوا أيضاً امتداداً لهذه السياسة حريصين على إنفاذ الحج وإقامة الموالد! وإظهار البهجة بأعياد المسلمين واحترام شعائرهم. ثانياً: بدء تنحية الشريعة وإحلال بعض التنظيمات والدواوين (مجالس الشورى) مكانها، وقد أسندوا معظم الدواوين إلى أناس غير علماء بالشريعة، بل إن بعضها كان يرأسه نصارى؛ فمن ذلك ما يحكيه الجبرتي: «شرعوا في ترتيب ديوان آخر وسمَّوْه محكمة القضايا، وكتبوا في شأن ذلك طوماراً [أي: وثيقة] وشرطوا فيه شروطاً ورتبوا فيه ستة أنفار من النصارى القبط، وستة أنفار من تجار (!) المسلمين، وجعلوا قاضيه الكبير ملطي القبطي ... وفوضوا إليهم القضايا في أمور التجار والعامة والمواريث والدعاوى، وجعلوا لذلك الديوان قواعد وأركاناً من البدع السيئة ... » [١١] ، بل وصل الأمر إلى حد مناقشة النصارى الأقباط والفرنج للمشايخ في مدى صلاحية أحكام شرعية منصوص عليها في القرآن ومقارنتها بقوانينهم [١٢] . ثالثاً: التوجه إلى تهميش القوى الإسلامية المناهضة للتبعية للغرب وتنحيتها، الذي تطور بعد ذلك إلى محاربة تلك القوى، كما وضح التوجه إلى تدجين بعض المشايخ واستمالة أصحاب النفوذ والتأثير بشد وثاق متين بينهم وبين الغرب وإدخالهم في نطاق التبعية لفرنسا، ومن الحوادث ذات الدلالة على ذلك: محاولة نابليون تقليد شيخ الأزهر باعتباره رئيساً للديوان وشاحاً يحمل ألوان علم فرنسا ورَفْض شيخ الأزهر لذلك ... [١٣] . ومنذ ذلك الحين يحرصون على ألا يرقى الرئاسة إلا من يضع على صدره وسام الرضى الغربي! . رابعاً: في مقابل ذلك: ظهر التوجه الواضح إلى إبراز دور النصارى والأقليات الدينية الأخرى وإعلاء قدرهم وإشراكهم في مراكز التأثير واتخاذ القرار بصورة ملحوظة، وأحداث الحملة الفرنسية زاخرة بالدلالة على ذلك [١٤] . خامساً: كما أشاعوا الفجور والتحلل الأخلاقي بواسطة نسائهم وبغاياهم، وشجعوا الفسقة وضعاف النفوس من المسلمين على الخوض فيه والتبجح به، وكان واضحاً حرصهم على إخراج المرأة المسلمة من إطارها المعتاد [١٥] . سادساً: تدشين عهد النبش في الحضارات القديمة السابقة على الإسلام، وإثارة النعرات الوطنية وروح الفخر بهذا الماضي الوثني، مع عد المسلمين ضمن الغزاة لمصر؛ فمن ذلك قولهم في أحد المنشورات الموجهة إلى الشعب المصري: « ... وإن العلوم والصنائع والقراءة والكتابة التي يعرفها الناس في الدنيا أُخذت عن أجداد أهل مصر الأُوَل، ولكون قطر مصر بهذه الصفات طمعت الأمم في تملكه، فملكه أهل بابل وملكه اليونانيون والعرب والترك الآن ... » [١٦] ، وهذا أحد أسباب بذل جهودهم المعروفة في التنقيب عن الآثار الفرعونية وإبرازها والاهتمام بها، ومن ضمن هذه الجهود تأسيس معهد الآثار الفرعونية. سابعاً: ظهور الحملة الفرنسية بمظهر الدولة الحديثة من تنظيمات إدارية وعسكرية وعمران مدني، بل بمظهر الحرص على الرحمة والعدل بين الناس في بعض الأحيان، تلك المظاهر التي بَعُد عهد المسلمين بها في عهود تخلفهم وانحطاطهم، ففوجئوا بها تأتيهم على يد (الكفار) [١٧] . ثامناً: وفي مقابل ذلك: وضح استعراض الحملة لقوتها العسكرية وقدرتها العلمية؛ وذلك من خلال مظاهر البطش والتنكيل وإحراق القرى والبيوت وإذلال المسلمين الذي كان أبرز أحداثه اقتحامهم الأزهر بخيولهم وسكرهم وتغوُّطهم فيه، كما كانوا يتعمدون إظهار الفارق العلمي بينهم وبين المسلمين، وذلك بإجراء بعض التجارب الكيميائية والفيزيائية التي كان المسلمون يومها يحارون في تفسيرها [١٨] . تاسعاً: حاول نابليون إيجاد قاعدة دعائية له ولمبادئه العلمانية التغريبية بإرسال (بعثات) إجبارية لبعض الأشخاص؛ ليشكلوا بعد عودتهم تياراً يدعو إلى التغريب ويغير من تقاليد البلاد وعاداتها، كما عمل على غزو المسلمين اجتماعياً باستخدام (الفن) والتمثيل، وقد ذكر ذلك صراحة في رسالة بعث بها بعد رحيله من مصر إلى خليفته كليبر، يقول في ختامها: «ستظهر السفن الحربية الفرنسية بلا ريب هذا الشتاء أمام الإسكندرية أو البرلُّس أو دمياط، يجب أن تبني برجاً في البرلس. اجتهد في جمع (٥٠٠) أو (٦٠٠) شخص من المماليك، حتى متى لاحت السفن الفرنسية تقبض عليهم في القاهرة أو الأرياف وتسفِّرهم إلى فرنسا، وإذا لم تجد عدداً كافياً من المماليك فاستعض عنهم برهائن من العرب أو مشايخ البلدان، فإذا ما وصل هؤلاء إلى فرنسا يُحجزون مدة سنة أو سنتين، يشاهدون في أثنائها عظمة الأمة (الفرنسية) ويعتادون على تقاليدنا ولغتنا، ولمَّا يعودون إلى مصر يكون لنا منهم حزب يضم إليه غيرهم. كنتَ قد طلبتَ مراراً جوقة تمثيلية، وسأهتم اهتماماً خاصاً بإرسالها لك؛ لأنها ضرورية للجيش، وللبدء في تغيير تقاليد البلاد!» [١٩] ، ولكن يبدو أن مقتل كليبر على يد سليمان الحلبي وما تلاه من أحداث حال دون تنفيذ هذا المسعى. هذه هي أهم ملامح الحملة الفرنسية على قلب العالم الإسلامي (مصر والشام) ، وقد ظلت هذه الملامح نفسها هي ملامح الحملات العلمانية (المحلية!) اللاحقة، ونلاحظ في نتائج هذه الملامح أنها ولَّدت الآثار المطلوبة لقيام العوامل المساعدة بدورها التفاعلي، فإذا كان الغزو الفكري المنظم لم يظهر بصورة كاملة، فإن الحملة حققت نجاحاً ملحوظاً في الغزو النفسي والاجتماعي للمسلمين، وهو ما أدى إلى هزيمة نفسية أمام الغرب لدى كثير من المسلمين، ومن ثم استعدادهم للتلقي عن هذا المنتصر (حضارياً) ، فالحملة الفرنسية أطلقت قبل رحيلها رصاصة العلمانية والتغريب التي أصابت عقل الأمة بعد حين من هذا الرحيل، أو بعبارة أخرى: قلَّبت الأرض الهامدة وأثارتها حتى تهيأت لغرس البذور الفكرية الأولى للعلمانية والتغريب، وقد تولى من جاء بعد الحملة مهمة غرس هذه البذور ورعايتها ثم قطف ثمارها. غرس البذور: لم ترحل الحملة الفرنسية عن مصر مكتفية بتقليب الأرض الاجتماعية الإسلامية الهامدة، بل خلّفت وراءها بذوراً ملقَّحة فكرياً يمكن استنباتها في هذه الأرض، ويعد الشيخ حسن العطار (١١٩٠١٢٥٠هـ/١٧٧٦ ١٨٣٤م) نموذجاً لهذه الشريحة من المتأثرين فكرياً بالحملة، فقد اندمج إلى حد كبير في علوم الحملة الفرنسية وكثيراً ما تغزل في أشعاره بأصدقائه منهم، كما إنه نقل عنهم علومهم، وفي الوقت نفسه تولى تعليمهم اللغة العربية، وهو الذي أطلق قولته الشهيرة: «إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها» [٢٠] لذا: يعده العلمانيون المعاصرون «رائداً من رواد النهضة؛ حيث تتلمذ على يديه جيل من الرواد كرفاعة الطهطاوي، ومحمد عياد الطنطاوي» [٢١] . غير أن هذه البذور ما كانت لتنبت بغير رعاية لها، وهذا ما كان؛ فبعد خروج الحملة الفرنسية من مصر استطاع الجندي الألباني تاجر الدخان سابقاً محمد علي (١٧٦٩م ١٨٤٩م/ ١١٨٣هـ ١٢٦٥هـ) الوثوب إلى رأس السلطة في مصر، وبعد أن اطمأن الحاكم الجديد إلى قوته ضرب العلماء بعضهم ببعض، وتخلص من خصومه المماليك (القوى الرجعية!) في مذبحة شهيرة سنة (١٢٢٦ هـ /١٨١١م) . وبعد أن قضى على القوى المناوئة له في الداخل والقوى المهددة له في الخارج تفرد بالحكم وتفرغ (للإصلاح) و (التحديث) ، وهما الاسمان اللذان استخدما مطية للعلمنة والتغريب! ونقف هنا لنلاحظ: * أن تفوق أوروبا الحربي والصناعي ورغبة الشرق الإسلامي وخاصة مصر وتركيا في اللحاق بهذه القوة وهذا التقدم.. كان دائماً وراء انفتاح كثير من بلاد المسلمين على الغرب ونظمه، بل وقيمه ومبادئه، وهذا ما دعا الإصلاحيين إلى استقدام الخبراء والمدرسين من أوروبا وابتعاث الطلاب المسلمين إليها، ولكن هؤلاء (المصلحين) لم ينتبهوا أو ربما لم يكترثوا إلى أن من العبث كما يقول المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي: «من العبث القول بأن في وسع مجتمع إقامة جيشه على النمط الغربي، وترك جوانب حياته الأخرى تجري على ما كانت عليه ... فإن الأمر لا يقتصر على جيش يقام على النمط الغربي ويدعمه العلم والصناعة والتعليم المقتبس من الغرب؛ ذلك لأن ضباط هذا الجيش أنفسهم يحصلون على أفكار لا تمت بصلة إلى مهاراتهم في فنهم، ولا سيما إذا ما ابتعثوا إلى الخارج ليحذقوا مهنتهم. ويوضح تاريخ هذه البلاد الثلاثة [مصر وتركيا وروسيا] ظاهرة عجيبة، هي: قيام جماعات من ضباط الجيش بتزعم (ثورات تحريرية) » [٢٢] . * أن البذور الأخرى المعاكسة للعلمانية والتغريب بدأت تغرس أيضاً في العالم الإسلامي في هذا الوقت المبكر، وإن لم تتضح هذه الهوية أو يلتفت إليها، فقضاء الدولة العثمانية عن طريق محمد علي، القوة العلمانية الصاعدة على الواقع الذي انبثق من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يقض على الدعوة نفسها؛ فصحيح أن دعوة الشيخ لم تكن من القوة أو الكبر بحيث تحتوي الأمة كلها احتواءً شاملاً، أو توقف انهيار الدولة العثمانية وتعيد الصعود بمدها، أو تواجه القوة العلمانية الصاعدة وتقضي عليها، إلا أنها أيضاً لم تكن من الضعف والصغر بحيث يقضى عليها بدون أن يبقى لها أثر على العالم الإسلامي وحركته الفكرية، بل لعل في القضاء عليها سياسياً في هذا الطور أدى إلى عدم الانتباه إلى انتشار ما تدعو إليه في أنحاء كثير من العالم الإسلامي. لقد كان الأثر المباشر الواضح لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو محاربة البدع والخرافات والأوهام والقضاء على شرك القبور والأضرحة، ولكنها أيضاً أصَّلت وجوب رد الأمر كله إلى الكتاب والسنة وهو ما يناقض فصل الدين عن الحياة الذي هو جوهر العلمانية، إضافة إلى أنها رسخت مفهوم الولاء والبراء على أساس الدين والعقيدة، وهو ما يناقض مفهوم الوطنية والقومية العلمانيين. نعود إلى بذور العلمانية: لم يكتف الغارسون باستيراد بذور علمانية أوروبية صرفة، بل دأبوا على تصنيع بذور هجين من العالم الإسلامي نفسه، واستخدموا في هذا التصنيع كافة أساليب الهندسة الفكرية. فقد شرع محمد علي أيضاً في تنفيذ ما طلبه نابليون من خليفته كليبر ولم يمتد به الأجل لتنفيذه، ولكن محمد علي استطاع تنفيذه بصورة أدق وأخطر مما اقترحه نابليون نفسه، فقد انتقى بعض الشباب المختارين بعناية ثم أرسلهم في بعثات إلى أوروبا وخاصة فرنسا؛ ليكونوا في باريس تحت إشراف أحد أعضاء المعهد العلمي الذي أسسه نابليون في مصر من قبل، ويدعى: جومار. وعندما فتح محمد علي ودعاة النهضة المدارس والمعاهد وأرسلت البعوث إلى أوروبا بهدف اللحاق بنهضتها.. كان بدهياً أن تُمَد هذه المدارس «بالأساتذة الأوروبيين أو بالمتعلمين في أوروبا، ورغبوا بطبيعة الحال في أن يدرِّبوا أساتذة من عندهم، وبهذا أوسعوا المجال للمؤثرات التي كانوا يرجون تجنبها وزادوا في قوتها، فليس هناك طالب ذكي يقضي ثلاث أو أربع سنين في عاصمة أوروبية مختلطاً بأهلها كل يوم وقارئاً ما يكتبون خيره وشره من غير أن يشرب في نفسه شيئاً أكثر من قشور المدنية الغربية، ثم عاد الطلبة أفراداً وبعوثاً، لا بدراسات فنية بحسب، ولكن بجراثيم الأفكار السياسية، بل بجراثيم العادات الاجتماعية أحياناً، مما كان متضارباً مع تقاليدهم الموروثة، وقد كان الأثر في مجموعه ضعيفاً في الجيل الأول، ولكنه تضاعف في الجيل الثاني، وظل يتضاعف باطراد» [٢٣] . كان من أبرز المتأثرين في هذه البعثات والمؤثرين في غيرهم: الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي الذي ذهب إلى باريس بترشيح من أستاذه الشيخ حسن العطار سنة (١٢٤١هـ/١٨٢٦م) مع بعثة كبرى ليقيم الصلاة في أعضائها، فكان سبَّاقاً إلى قراءة كتب آباء الثورة الفرنسية! كجان روسو ودومونتسكيو وفولتير، كما نهل من كبار المستشرقين الفرنسيين وعاين الحياة الفرنسية (بحلوها ومرها) . وبعد رجوعه إلى مصر أثَّر الطهطاوي في الحركة الفكرية لدى قطاعات كثيرة من مثقفي الشعب المصري، بل نستطيع القول: إن القسم الأكبر من المصريين الذين دخلوا المدارس الحديثة بين عامي (١٨٣١م و١٨٨٠م) (١٢٤٦ هـ ١٢٩٧هـ) هم من تلاميذ رفاعة المباشرين أو غير المباشرين عن طريق من تخرجوا على يديه، هذا إذا لم نأخذ في حسابنا قراءه خارج هذه الحلقة، ولا شك أنهم كانوا كثيرين [٢٤] . وإضافة إلى كونه أول الداعين إلى (تحرير المرأة) وإلى استعمال العامية لغة للكتابة والتصنيف، ساهم الطهطاوي في تحبيذ بزوغ وعي وطني مصري بمفهوم تغريبي، ف «كان هو الأول في تمييز (الوطن) عن (الأمة الإسلامية) ... وها هو كل شيء يبدو في صورة جديدة: لقد بدَّد ابن طهطا ظلمات القرون الوسطى التي غمرت الجماعة الإسلامية واستعاد جذوره الفرعونية ... » [٢٥] . وهكذا لم يرحل الطهطاوي عن الدنيا عام ١٨٧٣م (١٢٩٠هـ) إلا وقد ترك مصر واقعة في شَرَك العلمانية والتغريب: ففي مجال التعليم: عمل محمد علي على (إصلاح) التعليم بما يخدم أهدافه (الإصلاحية) والتوسعية، فنحَّى الأزهر جانباً، وشرع في تأسيس المدارس النظامية والمعاهد المتخصصة التي يقوم عليها أوروبيون. وفي مقابل تهميش الثقافة الإسلامية وتنحية الأزهر عن مكانته في قيادة العملية التعليمية والجور على أوقافه التي كانت تكفل له الكفاية والاستقلال المادي، وفي موازاة لعمل البعثات التعليمية الخارجية.. توسع التعليم الذي أسسه محمد علي، وانتشرت مدارسه وخاصة في عهد الخديوي إسماعيل. وفي الوقت نفسه: فتح المجال لمدارس الأقباط ومدارس الإرساليات (التبشيرية) ، بل كانت بعض هذه المدارس تتلقى الدعم المادي من الخديوي نفسه أحياناً [٢٦] ، «وعلى الرغم من أن فرنسا كانت تسودها روح الإلحاد فإنها شجعت رجال الدين الذين ينشرون الثقافة الفرنسية في الخارج، وأرسلت البعثات (العلمانية) إلى مصر، فأسست عدداً من المدارس» [٢٧] ، فكان الهدف الظاهر لهذه البعثات نَشْر الدين الكاثوليكي، ولكنها عملت على خدمة الاستعمار الفرنسي والتمكين لنفوذ فرنسا الفكري والأدبي في مصر [٢٨] هذا في مجال التعليم. أما في مجال القضاء والتشريع: ف «مع بناء الدولة الحديثة في مصر، سعى محمد علي لتقليص نفوذ القضاء الشرعي، حتى يحقق هدفه في التحديث، عن طريق استيراد المدنية الغربية والتقرب للقوانين الأوروبية من ناحية، والعمل على تخفيف سيطرة الدولة العثمانية التي ارتبط بها القضاء الشرعي من ناحية أخرى» [٢٩] . تركيا [٣٠] : في هذه المرحلة الزمنية نفسها (١٨٣٠ ١٨٨١م) خرج من سلطان الدولة العثمانية بعض البلدان؛ مما عمق إحساس الدولة العثمانية بالانكسار والهزيمة، ودفعها إلى إجراء مزيد من (الإصلاحات) في الجيش ونظم الحكم، ولكن الدولة كانت تهوي في الحقيقة إلى هاوية التبعية والتغريب بتشجيع الغرب؛ فقد زود السفير الإنجليزي (ستراتفورد كاننج) بتعليمات من وزير خارجيته اللورد (إبردين) خلال سفارته الثانية لدى الباب العالي عام ١٨٤٢م (١٢٥٨ هـ) لتأييد الإصلاحات الحكيمة التي درست دراسة جيدة «مما يوفر لحكومة السلطان الاستقرار والثبات اللازمين لها» [٣١] ، وهذا السفير نفسه كان يعتقد أن «الإمبراطورية التركية تحث الخطا نحو تفككها بصورة واضحة، والفرصة الوحيدة التي تمكنها من البقاء متماسكة لأي فترة زمنية أطول يتيحها لها تقربها من حضارة العالم المسيحي» [٣٢] . وفي هذا الإطار وبذريعة (الإصلاح) صدرت (التنظيمات) ، «وقد استندت حركة (التنظيمات) إلى مرسومين سلطانيين صدرا خلال عهد السلطان عبد المجيد.. أولهما في عام ١٨٣٩م (خط شريف همايوني) ، المشهور بـ (منشور كُلْخانة) الذي وضعه [الصدر الأعظم] مصطفى رشيد باشا تلميذ المستشرق [الفرنسي] سلفستر دي ساس، ووزير الخارجية [محمد أمين عالي باشا] في مطلع عهد عبد المجيد. وقد كفلت [هذه] (التنظيمات) مساواة المسلمين والذميين من الرعايا العثمانيين أمام القانون، مقابل الحفاظ على كيان الدولة العثمانية بعد أن هددها محمد علي [في الفترة] (١٨٣٩ ١٨٤١م) بموجب معاهدة لندن. وثانيهما في عام ١٨٥٦م (خط شريف همايوني) الذي عرف بـ (منشور التنظيمات الخيرية) ، وقد صدر عقب حرب القرم (١٨٥٤-١٨٥٦م) .. فكان ثمن هذه الهزيمة أيضاً منشور التنظيمات الخيرية الذي أكد كسابقه المساواة في ذلك بالضرائب (إلغاء الجزية) وتمثيل الطوائف غير الإسلامية بمجالس محلية وفي مجلس القضاء الأعلى» [٣٣] . وقد كان وراء هذه التنظيمات رشيد باشا الصدر الأعظم للسلطان الشاب عبد المجيد، أكبر شخصية ماسونية في وقته، ومن ثم: احتضن الماسونيين العثمانيين، ووجه أجهزة الدولة نحو التمسك بتمثل أوروبا والبعد عن التوجه الإسلامي. وفي عام (١٢٨٢هـ/١٨٦٥م) وفي ظل الحماية التي وفَّرها مدحت باشا (تلميذ رشيد باشا) للتيار التغريبي قامت مجموعة صغيرة (٦ أفراد) من العناصر العثمانية ذوي الميول الليبرالية بعقد اجتماع سري اتفق فيه على تأسيس (جمعية شباب العثمانيين) [٣٤] على غرار جمعية إيطالية أقرب إلى الماسونية العسكرية، هي جمعية الكاربوناري (إيطاليا الفتاة) ، وقد أطلق الأوروبيون على (جمعية شباب العثمانيين) اسم: (تركيا الفتاة) ، وكان من أبرز أعضائها: الشاعر نامق كمال، وضياء باشا، وآية الله بك، وإبراهيم شناسي، وقد اصطبغ نشاطها في البداية بالصبغة الأدبية الثقافية، باعتبارها حركة تهدف إلى الدعوة لإصلاح الدولة العثمانية من منظور غربي علماني، وتجلت أهدافها في أربعة مبادئ: الحرية الفردية، وقيام النظام الدستوري، والقضاء على الإقطاع، والتحرر من السيطرة الأجنبية. وقد تلاقت أفكار هذه الجمعية مع أفكار دعاة (الإصلاح) المتنفذين في الحكم وعلى رأسهم مدحت باشا فكوَّنوا تياراً قوياً يرى أن الإصلاح الذي يجب أن يسود الدولة العثمانية هو الحكم الديموقراطي على نمط الحكم في إنجلترا وفرنسا، ومظهر هذا الحكم هو الدستور وإنشاء المجالس النيابية، واستطاع هذا التيار التحكم في السلطان عبد العزيز ودفعه إلى هذا السبيل، فتابع (الإصلاحات) السابقة. بلاد الشام [٣٥] : أما في الشام التي كانت خاضعة آنذاك للدولة العثمانية فقد نشطت الإرساليات التنصيرية الأجنبية فيها، ومدت جسوراً من التواصل والتعاون مع نصارى المنطقة منذ حُكم إبراهيم باشا بن محمد علي أثناء احتلاله للشام. وبعد عهد التنظيمات في الدولة العثمانية بدأ التغلغل الصليبي يزداد في الشام مستفيداً من الامتيازات والتسهيلات الجديدة، ومستغلاً إمكاناته المالية والبشرية الهائلة وغطاء حماية الدول الأوروبية؛ حيث كانت كل من هذه الدول تدَّعي حماية الأقلية النصرانية التابعة لمذهبها (فرنسا للكاثوليك، وروسيا للأرثوذكس، وأمريكا وإنجلترا للبروتستانت) ، وتنفذ من خلال ذلك مخططاتها التغريبية والاستعمارية التي كان هدفها العلمانية والتغريب ووسيلتها الثقافة والتعليم. ففي عام (١٢٦٣هـ/١٨٤٧م) تشكلت تحت رعاية الإرساليات (التبشيرية) الأمريكية (جمعية العلوم والفنون) ، ومن مؤسسيها بطرس البستاني وناصيف اليازجي وكانا ماسونيين على صلة بهذه الإرساليات الأمريكية وضمت أيضاً بعض (المبشرين) الأمريكيين من هذه الإرسالية، مثل: فان دايك، وإيلي سميث، وكان هدفها: نشر العلوم الغربية والدعاية لدول أوروبا! ولكن لم ينضم إلى هذه الجمعية خلال عامين سوى خمسين عضواً كلهم من نصارى الشام، وتعد هذه الجمعية البذرة الأولى للقومية العربية العلمانية. وفي عام (١٢٧٣هـ/١٨٥٧م) وهي السنة التالية لصدور منشور التنظيمات الخيرية العثماني الذي ساوى بين أصحاب جميع الديانات في الولايات العثمانية حدث تطور مهم على النشاط التغريبي العلماني في الشام؛ فعلى إثر حل الجمعية السابقة مع صنوتها الكاثولكية (الجمعية الشرقية) تكونت بدلاً منهما جمعية أكبر باسم: (الجمعية العلمية السورية) ، كانت غاياتها ووسائلها وقانونها وأنظمتها كلها على غرار جمعية العلوم والفنون أيضاً، ولكنها ضمت لأول مرة بين أعضائها الخمسين والمئة: دروزاً، ومسلمين، إضافة إلى النصارى من جميع الطوائف، كان يجمعهم اهتمامهم بتقدم البلاد على أساس (الوحدة الوطنية) ، كما أن جميع أعضائها كانوا من العرب، ولذا: أصبح الرباط الذي يؤلف بينهم هو اعتزازهم بالتراث العربي. ولم تأت سنة (١٢٧٥هـ/١٨٥٨م) إلا وكانت الإرسالية الأمريكية قد افتتحت أكثرمن ثلاثين مدرسة ودار طباعة تنشر مبادئها وثقافتها من خلالها. وفي عام (١٢٧٦هـ/١٨٦٠م) حدثت فتنة كبرى بين الموارنة والدروز أَوقَفت إلى حين تصاعد المد القومي وحفزت في الوقت نفسه جهود الداعين إليه، وبعد هذه الفتنة أصدر بطرس البستاني صحيفة سياسية أسبوعية باسم (نفير سوريا) ، «ودعا فيها إلى الاتحاد والتعاون بين أبناء الطوائف المختلفة، وإلى ضرورة فصل الدين عن الدولة، وإحلال الشعور القومي العربي مكان التعصب الطائفي» [٣٦] . وفي عام (١٢٨١هـ/١٨٦٢م) حدث تطور آخر مهم؛ إذ افتتحت (الكلية السورية الإنجيلية) في بيروت، التي عرفت فيما بعد باسم: (الجامعة الأمريكية) لتكون بديلاً محلياً عن البعثات الخارجية التي كانت لا تؤتي الثمار المطلوبة، ولتلعب دوراً كبيراً في مجريات الأحداث فيما بعد، حيث كانت معقلاً من معاقل الحركة القومية العلمانية وموئلاً ضم الداعين إلى العلمانية والتغريب في الشام. وفي سنة ١٨٦٣م (١٢٨٢ هـ) أنشأ بطرس البستاني (المدرسة الوطنية) على أساس وطني لا ديني. ثم في سنة (١٢٨٥هـ/١٨٦٨م) نالت الجمعية العلمية السورية اعتراف الحكومة بها، وفسحت المجال للاشتراك فيها حتى ضمت أعضاءً كثيرين بارزين من الذين كانوا يقطنون خارج البلاد، وخاصة في إستانبول والقاهرة، وتحسنت الصلات بين بعض الساسة من أوروبا وأعضاء فيها، وفي هذه الجمعية ظهر أول صوت يدعو بوضوح وصراحة لحركة القومية العربية، وذلك عندما ألقى إبراهيم بن ناصيف اليازجي على ثمانية من أعضائها قصيدة اتخذت صورة النشيد الوطني، وَرَد فيها تحريض للعرب على الثورة على الترك، وفخر بأمجاد العرب وأدبهم، وقد ذاعت هذه القصيدة ذيوعاً واسعاً. وفي سنة ١٨٧٠م (١٢٨٧هـ) أصدر بطرس البستاني صحيفة (الجنان) وهي صحيفة سياسية أدبية دعا فيها إلى أن ازدهار الشرق يقوم على «الحكم الصالح الذي لا يمكن أن يقوم إلا بفضل اشتراك الجميع فيه، وفصل الدين عن السياسة، وقبل كل شيء: إقامة العدل والاتحاد بين أبناء الأديان المختلفة، وتقوية الشعور الوطني الموحد بين جميع المواطنين العثمانيين» [٣٧] ، وقد جعل شعار صحيفته: (حب الوطن من الإيمان) ، وهو شعار لم يكن يعرفه العالم العربي حتى ذلك الزمن، وهكذا بات الطريق مفتوحاً أمام الجيل الأول من دعاة الوطنية الذين ينادون صراحة بأن الولاء الديني لا يصلح أساساً للحياة السياسية. وفي سنة ١٨٧٥م (١٢٩٢هـ) أسَّس خمسة شبان تلقوا العلم في الكلية السورية الإنجيلية في بيروت وهم جميعاً نصارى من مريدي اليازجي والبستاني، ومن أبرزهم: إبراهيم اليازجي والدكتور فارس نمر [٣٨] أسَّسوا جمعية سرية قامت على أساس قومي هي (جمعية بيروت) «، وهي تعد أول حزب سياسي في هذه البلاد، فعادت العثمانيين وسمَّت دولتهم باسم تركيا، وكان من أهم مبادئها: فصل الدين عن الدولة واعتبار الجنس العربي هو الأساس، والغريب من تلك الجمعية اتهامها الدولة العثمانية باغتصاب الخلافة الإسلامية من العرب والتفريط في الدين، مع العلم أن أعضاءها المؤسسين ليسوا بمسلمين كما ذكر سابقاً، وأن من انضم إليها لاحقاً كان قومياً علمانياً، بل إن كاهناً كاثوليكياً كان يدعو في جريدته (النحلة) في الفترة نفسها إلى» الإصلاح الديني [الإسلامي] بلهجة العربي القومي، وهاجم عبد الحميد واصفاً إياه (بمغتصب لقب الخليفة) « [٣٩] . وإضافة إلى الاهتمام بالتعليم وتكوين الجمعيات السرية والعلنية، نشط نصارى الشام في نشر أفكارهم المتمثلة في العلمانية والقومية العربية عن طريق إصدار الصحف والمجلات التي كانت الوسيلة الإعلامية العامة الوحيدة آنذاك. ولكن لم يكن النصارى وحدهم الدعاة إلى هذه الأفكار الجديدة في الشام، بل كان هناك بعض (علماء المسلمين) الذين تأثروا بهذه الدعوة، وعلى رأس هؤلاء برز في هذه المرحلة: عبد الرحمن الكواكبي (١٢٦٥١٣٢٠هـ/١٨٤٨ ١٩٠٢م) الذي أخذ على عاتقه الدعوة إلى (الوحدة الوطنية) وفصل الدين عن الدولة، فكان كما يقول حفيده سعد زغلول الكواكبي عنه:» أول رائد لفلسفة العلمانية مجاهراً بها بين المسلمين « [٤٠] . الجزائر [٤١] : يعد الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة (١٢٤٦هـ/١٨٣٠م) ، نقطة تحول كبرى في تاريخ المنطقة، وقد كان لهذا الاحتلال عوامل دينية وعمرانية (حضارية) لا تخفى، عبَّر عن هذا بورمون قائد الحملة على الجزائر عندما أقام صلاة الشكر احتفالاً بالنصر، وبعث للملك الفرنسي وصفاً لهذا الاحتفال قال في نهايته: » مولاي! لقد فتحت بهذا العمل باباً للمسيحية على شاطئ إفريقيا، ورجاؤنا أن يكون هذا العمل بداية لازدهار الحضارة التي اندثرت في تلك البلاد «، ولم يُخف المؤرخون المحدثون هذه الحقيقة، فوصف إدوارد يور المؤرخ الفرنسي المعروف حادث الاستيلاء على الجزائر بأنه:» كان أول إسفين دُقَّ في ظهر الإسلام « [٤٢] . وفي هذه الفترة المبكرة وبعد أن استقرت أقدامهم عمل الاحتلال الفرنسي على مصادرة الأوقاف وإغلاق مراكز التعليم بالمساجد والكتاتيب، وإذا ما سمحوا بالتعليم ورخصوا بالكتاتيب على قلة ذلك» فمن شروط الترخيص ألا يُدرَّس تفسير القرآن، أو تاريخ الجزائر ... « [٤٣] . وفي القضاء انتزع الفرنسيون تدريجياً اختصاصات المحاكم الشرعية وحولوها إلى محاكمهم المدنية. كما عمل (جنرالات الجيش الفرنسي) وسياسيوه بالتعاون مع (رجال الدين المسيحي) على استنبات بذور تغريبية جزائرية النسب وفرنسية الولاء، فاستمالوا في هذه المرحلة المبكرة بعض مشايخ الطرق الصوفية ورجال الزوايا والأعيان وأشباه الفقهاء ممن أنابهم الاحتلال عنه، فشرع الاحتلال ينظم لهم الرحلات إلى فرنسا، وربما أقدم على تسريب الفتيات الفرنسيات زوجات لبعضهم مؤثِّرات وجاسوسات، فتحولت بعض هذه الزوايا وأصحابها إلى بؤر لترويج التغريب وتشويه الدين ومسالمة الاستعمار معتبرة إياه (قضاءً وقدراً) ؛ حيث أفتى بعضهم بقبول الاحتلال كقدر. أما من جهة المقاومة: فقد بايعت بعض القبائل عام ١٨٣٢م (١٢٤٨هـ) الأمير عبد القادر على الأساس الديني (للجهاد ضد الكفار) فاتخذ لقب أمير المؤمنين ودعا القبائل لطاعته بدافع الدين، وأطلق على الأراضي المحتلة اسم (دار الكفر) وعلى البلاد التابعة له (دار الإسلام) . ولكن في الوقت نفسه استعان عبد القادر بالأوروبيين من مختلف الجنسيات لتدريب الجيش ولإقامة مصانع للذخيرة، وقرّب بعضهم، وقد اشتهر من بين هؤلاء المستشرق الفرنسي (!) ليون روش الذي اتخذه الأمير مستشاراً له بعد أن اعتنق الإسلام، فأقام عنده نحو أربع سنوات، وعندما انقطع الصلح بين الأمير وجيش الاحتلال سنة ١٨٣٩م (١٢٥٥هـ) رفض روش اتِّباع الأمير في استئناف القتال، واعترف له بأنه تظاهر باعتناق الإسلام، ومع ذلك فقد أخلى سبيله، ثم تبين بعد ذلك أنه كان جاسوساً. ويقدم لنا الأمير عبد القادر الجزائري نموذجاً واضحاً لأثر العوامل المساعدة التي ذكرناها سابقاً (كالهزيمة النفسية وانحراف مفهوم القضاء والقدر، إضافة إلى البعثات والرحلات المنظمة والمقصودة) في التحول نحو القبول والميل تجاه التغريب والعلمنة، فهذا الأمير الذي قضى من عمره خمسة عشر عاماً في (جهاد الكفار) حدث له تحول كبير بعد ذلك؛ فبعد هزيمته العسكرية في آخر سنة ١٨٤٧م (١٢٦٣هـ) التي أعقبها إيقافه للقتال ثم غدر الفرنسيين به وأسره وترحيله إلى فرنسا.. أطلقه نابليون الثالث من الأسر» وأمر بنقله إلى (بروسة) من أملاك الدولة العثمانية، وأثناء مروره بباريس قدم تعهداً كتابياً بألا يفعل شيئاً ضد فرنسا. ومنذ ذلك الوقت أصبح يسوده شعور بالعرفان بالجميل نحو نابليون ونحو فرنسا بصفة عامة! حتى إنه طلب الاشتراك في الاقتراع على الإمبراطورية في نوفمبر ١٨٥٢م [١٢٦٩هـ] (لأن الأخوَّة تجعلنا مواطنين فرنسيين!) .. كذلك ساد الأمير شعور بالتفاوت الحضاري وتفوق قوة فرنسا المادية، وأصبح مقتنعاً (بأن الله هو الذي أراد هزيمة المسلمين لأنهم انحرفوا عن دينهم، وعليهم أن يقبلوا بالمصير الذي انتهوا إليه) .. بل إنه أظهر في مناسبات كثيرة تعاونه مع فرنسا، كما اشتهر بإنقاذه للمسيحيين في أحداث سنة (١٢٧٦هـ/١٨٦٠م) بدمشق « [٤٤] ، ولا غرابة في ذلك إذا عرفنا أن الأمير عبد القادر كان راسخ القدم في التصوف [٤٥] ، كما أنه شايع الماسونية بعد انتقاله إلى سورية [٤٦] .

стр. 3792

ملفات العلمانية في العالم الإسلامي.. تساقط الأوراق (١ - ٣) الليبرالية العربية.. هدم «النص» والسقوط في التبعية ..! محمود سلطان الخطاب الليبرالي العربي، منذ كان غضاً أي وهو يحاول أن يعبر عن نفسه في عالم الفكر والمعرفة وحتى الآن ظل محصوراً داخل نطاق ضيق لا يتخطى حدود خطاب «إطراء وإعجاب» بالمنظومة الفكرية والحضارية الغربية، ولم يستطع أن يتجاوز تلك الحدود ليشيد قاعدة فكرية واجتماعية تكون بمثابة «شريحة» مناضلة تقود التغيير بمعناه الشامل، أي أنه لم ينتظم في حركة تملك مشروعاً أو رؤية نجد بالفعل أثر آلياتها في المجتمع، ولكنه خط لنفسه حدوداً، وأرسى أبنية فكرية هي أقرب إلى الترف والدعة منها إلى الجدية المتوخاة في مثل هذا الموقف، وظل حبيساً داخلها! ! فكان مجرد صوت مخنوق جلُّ همِّه وحَسْب تمجيد الآخر «المتقدم» ، ومقت حاضره «المتخلف» وماضيه أيضاً..! وغاب عنه حقيقة أن الأزمة الخانقة التي تفترس الفكر (الليبرالي العلماني) العربي، ولا تزال، ومن ثم موضوعه (أي الواقع العربي) ترجع في المقام الأول إلى «التخندق» داخل نسق أيديولوجي مغلق عبَّر عن نفسه من خلال الثقة إلى مرتبة القداسة في النزعة المتطرفة نحو «النمذجة» واقتفاء أثر الآخر: «في حلوه ومره، خيره وشره» كما عبَّر عنها طه حسين وأقرها أقرانه الليبراليون المتطرفون أمثال شبلي شميل، وفرح أنطون، وسلامة موسى، وأحمد لطفي السيد، وإسماعيل مظهر، وقاسم أمين وغيرهم. بل إن الأمر اتخذ أبعاداً أكثر جرأة مع أول تنظير فكري مصاغ بعقلية أزهرية تحاول علمنة الإسلام، وتأويل «النص القرآني» أو قسره كي يوازي في مضامينه ومحتواه النص المسيحي الشائع: «دع ما لقيصر لقيصر، ودع ما لله لله» تلك القضية التي فجرها القاضي الأزهري الشيخ «علي عبد الرازق» في كتابه: «الإسلام وأصول الحكم» [١] والذي لا يزال حتى الآن يعد الإطار المرجعي الذي يستند إليه العلمانيون المعاصرون في مواجهة التيار الصاعد الداعي إلى أسلمة الدولة العلمانية العربية المعاصرة. ففي إطار منطق «اقتفاء الأثر» السقيم الذي أصَّل له طه حسين في كتابه: «مستقبل الثقافة في مصر» ظل المجتمع العربي على مدى العقود السبعة الماضية انظر المثقف الليبرالي العربي بناءاً يستند إلى قاعدة لبنتها الأساسية «النص» ؛ ومن ثم شُغلت هذه الثلة المثقفة بمهمة تكاد تكون هي الوحيدة التي حشدوا من أجلها آلياتهم المستوردة من كل حدب وصوب: وهي كيفية تقويض «النص» والماضي العربي الذي أفرز هذا «النص» ؛ إذ إن بتقويضه وفق هذا التصور وفي ظل هيمنة الفكر الاستشراقي سينهار الصرح الاجتماعي العربي «التقليدي» برمَّته..! معتقدين أن ذلك يمهد لهم السبيل نحو بناء عالم جديد مستحدث وإلحاقه ثقافياً وحضارياً بالغرب! ولئن كان التراث (أو الماضي) جملةً ظل مرفوضاً في الخطاب الليبرالي العربي فإن تهافت هذا الخطاب وانزلاقه إلى الانفصام الكامل عن الموضوعية وعن الواقع أيضاً وتحوُّله إلى دوغمائية مغلقة، لم يكن في رفض التراث في حد ذاته ولا في مسعاه إلى تقويض الأطر المرجعية التي تؤسس التراث وتشكله؛ إذ إن هذا المنحى لم يتبلور في شكل موقف إزاء الماضي عامة بغض النظر عن هويته عربياً كان أم غير عربي، ولكن المشكلة في أن الماضي عند المثقف الليبرالي ظل مرفوضاً ومطلوباً في آن واحد؛ ومعيار المفاضلة عنده هو هوية هذا التراث ومصدره، فهو يدَّعي على حد تعبير «سلامة موسى» أنه يريد «تخريج الرجل العصري» ، وأن الطريق الذي يراه إلى ذلك، هو طرد القدماء «! ولكن أي قدماء؟ ! إنهم القدماء العرب واستبدالهم بفريق آخر من القدماء الغربيين! ! بحيث يحل فرويد وفوكو وفولتير وروسو ونوتسيكو، محل الشافعي وابن حنبل وابن رشد وسيبويه والأصمعي! ! لعل الدافع الأساس والرئيس لنزوع الليبرالي العربي نحو القطيعة مع تراثه وماضيه قد تأسس على الطريقة التي اعتمدها وهو يُعيد قراءتها من جديد، وهي طريقة تعوزها الحيدة والمنطق في آن؛ إذ إنه كان يقرأ التاريخ والثقافة العربية و» أوروبا «المتقدمة في رأسه، أي إنه قاس» الماضي «العربي على» حاضر «العالم الغربي المتقدم الآن، وهو خلل معياري كانت نتيجته الطبيعية والمترتبة عليه هو الحكم الظالم بجمود التراث أو تخلفه أو أي مرادف آخر لهما! ! فهو يدَّعي أن ماضينا» متخلف «. ولكن ألم يسأل نفسه: متخلف بالنسبة لمن؟ ! أبالنسبة إلى الحاضر العربي الآن، أم بالنسبة إلى المنظومات الحضارية الأخرى التي عاصرت ماضينا نفسه؟ ! أم بالنسبة إلى الحضارة الغربية المعاصرة؟ ! إن» الأخير «هو الذي كان مهيمناً على عقل الليبرالي العربي، وهو ما جعله يطلق وصف» التخلف «على تراثه بالكامل! ! بالإضافة إلى أن انتصار أوروبا عسكرياً وكذلك تفوقها التقني على معظم دول العالم الإسلامي منذ أواخر القرن الثامن عشر وإلى ما بعد الحرب العالمية الثانية زاد من حالة الانبهار بما تفرزه» أوروبا «المنتصرة» من قيم ومفاهيم ونظريات ومدارس فكرية وفلسفية؛ مما رفعها بمضي الوقت، في نظر المثقف الليبرالي، والأكثر انبهاراً بها إلى مرتبة الحضارة «النموذج» التي تتحدث دائماً من موقع المصداقية، وتملك من وجهة نظره مشروعية الحكم على «المهزومين» ! ومن ثم نظر المثقف الليبرالي العربي إلى حاضره وماضيه من خلال نظرة أوروبا إليهما! ولا يخفى على أحد نظرة الاحتقار والازدراء التي كان ولا يزال ينظر بها إلينا العالم الغربي. وفي ظل هذه الهيمنة الاستعلائية للنموذج الحضاري الغربي أثير هذا السؤال: «لماذا تأخرنا، وتقدم غيرنا؟ !» . وفي غياب الوعي بالأسباب الحقيقية للتحديث اختار المثقف الليبرالي العربي الطريق الأسهل: وهو التقليد والتشبه بالغالب المنتصر، ويبدو أنها كانت حالة اختلط فيها «الوعي» بـ «اللاوعي» مدفوعة بروح الإعجاب بالغالب المنتصر، والمؤدية إلى التبعية الكاملة له والتبرؤ من كل ما يتعلق بالذات «العربية الإسلامية» من خصوصية، وهوية واستقلال تاريخي، وأكثر تجسيداً لما صاغه ابن خلدون بـ «أن المغلوب يتبع الغالب في الملبس والمذهب» [٢] ، ألم يقل أحد الليبراليين العرب بأن أوروبا المنتصرة: «هي المرشد الأول والقبلة التي يجب أن نحج إليها» ؟ [٣] ، ألم يقل سلامة موسى: «فلنولِّ وجهنا شطر أوروبا.. ونجعل فلسفتنا وفق فلسفتها ونؤلف عائلاتنا على غرار عائلاتها» ؟ [٤] أوَ لم يقل فرح أنطون: «يجب أن تكون مدارسنا كالمدارس الفرنسوية معزولة عن الدين عزلاً قطعياً» ؟ [٥] . هكذا كان حال المثقف الليبرالي العربي كما يصفه الباحث الليبرالي السوري هاشم صالح: «كالفلاح الفقير الذي يقف خجلاً بنفسه أمام الغني الموثر، يقف مثقفنا العربي أمام نظيره الغربي، وهو يكاد يتهم نفسه ويعتذر عن شكله غير اللائق و (لغته غير الحضارية) ، و (دينه المتخلف) ويستحسن المثقف الغربي منه هذا الموقف ويساعده على الغوص فيه أكثر فأكثر حتى ليكاد يلعن نفسه أو يخرج من جلده لكي يصبح حضارياً أو حداثياً مقبولاً!» [٦] . هذا الموقف ربما نلتمس العذر لأصحابه، وخاصة هؤلاء الذين عاشوا مناخ «الصدمة» التي أفقدت العقل العربي اتزانه في بدايات القرن الماضي حين أذهلته المنظومة الحضارية الغربية بتفوقها الهائل وديناميتها السريعة وهو ما أدى إلى سقوط المثقف العربي دون أن يدري إلى التبعية، ولكن بعد ذلك كان الوقت كافياً لالتقاط الأنفاس، وإعمال الفكر والنظر لاحتواء الصدمة، وانبثاق فكر ليبرالي جديد متحرر من تأثيرها، وغير ملتفت إلى فكر «التبعية» السابق عليه، والذي يمكن أن نقول إنه صيغ في إطار خصوصيته التاريخية؛ ولكن ما حدث هو إنتاج وإعادة إنتاج الفكر السابق (فكر القطيعة مع الهوية العربية الإسلامية) ، والوقوف عنده، دون تقديم جديد يستحق الاهتمام به، فما نقرؤه الآن هو النص نفسه الذي كتبه طه حسين، وسلامة موسى، وشبلي شميل، وفرح أنطون، وغيرهم، ولكن منسوباً لأسماء جديدة دخلت عالم الفكر حديثاً. فنحن حين نقرأ لأدونيس قوله بأن «الحداثة هي ظاهرة تتمثل في تجاوز القديم العربي لتصهره في قديم أشمل يوناني، مسيحي، كوني» [٧] وحين نقرأ لفرج فودة قوله: «إن هوية مصر فرعونية، قبطية، إسلامية، متوسطية» [٨] حينذاك نجد أنفسنا أمام الفكرة نفسها والنص نفسه الذي كتبه طه حسين من قبل في «مستقبل الثقافة في مصر» ! وكذلك حين نقرأ لـ «هشام ترابي» قوله بأن «التراث الذي ينبغي دراسته والحفاظ على إنجازاته هو التراث الذي صنعته الأجيال الثلاثة أو الأربعة الماضية» [٩] فإننا نجده النص ذاته الذي كتبه من قبل سلامة موسى حين قال إن هدفه من النهضة: «هو تخريج الرجل العربي العصري الذي لا يرجع تاريخه إلى أكثر من خمسمائة سنة فقط» [١٠] . إن هذا الموقف يحمل دلالات عدة تطرح إمكانية وصفه بالجمود أو الركود أو الإفلاس الفكري، غير أن هذه النتيجة ربما تنفيها احتمالات أخرى؛ إذ إنها يمكن أن تكون إعلاناً عن إغلاق باب «الاجتهاد الليبرالي» ، ورفضاً لإعادة تجديد الرؤى حول وظيفة التراث في النهضة المنشودة على أساس أن «الحكم» السابق بإقصائه من قبل السلف الليبرالي أصبح عند المثقف الليبرالي العربي المعاصر القول الفصل، أما ظاهرة اجترار الفكرة نفسها بصورة أو بأخرى في وقتنا الراهن؛ فربما تكون على سبيل التأكيد والثبات على الموقف. وفي رأينا أن كل هذه الاحتمالات ليس لها إلا معنى واحد وهي الدوغمائية الرافضة للحوار ليس مع الطرح الإسلامي السائد والمتنامي الآن؛ ولكن مع الواقع العربي الذي يرفض تغريب قيمه وتزييف ذاكرته الجماعية. والنتيجة كانت جلية وواضحة، وهي أن المجتمع العربي وبعد مرور مائتي عام من عمر العربي الحديث لا يتجه نحو «العلمنة» ولا نحو «الحداثة» المستندة في مضامينها ومحتواها إلى الإطار المرجعي القيمي الغربي، ولا يعتمد النمط الرأسمالي الليبرالي، ولم يتخذه نمطاً أمثل للفرد والدولة والمجتمع، ولم تستطع «الاشتراكية» المدججة بالسلطة وبزعامات «كاريزمية» في عقدي الخمسينيات والستينيات أن تجد لنفسها موطئ قدم من المحيط إلى الخليج؛ ولكنه أي المجتمع العربي يتجه نحو إحياء تراثه والتمسك أكثر بمرجعيته الدينية متمثلة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، متحدياً ما يحيط به من ترتيبات وتحولات دولية تحاول إيهامه بأن العالم كله يتجه نحو «الليبرالية» !

стр. 3793

ملفات العلمانية في العالم الإسلامي.. تساقط الأوراق (١ - ٣) القومية وأثرها المدمّر على وحدة الأمة الإسلامية كمال حبيب يذهب هذا المقال إلى أن القومية واقعة نفسية؛ بمعنى أنها ليست قاصرة على الظهور التاريخي للكلمة فقط كما عرفها الغرب، ونعني بأن القومية واقعة نفسية أي أن إحساس أمة بذاتها ووجودها ووحدة مصيرها يكون في اللحظات الحاسمة من تاريخها؛ وبهذا المعنى فإن الإسلام حين ظهر في العرب انتقل بهم إلى مرحلة الأمة التي تقوم على رسالة عالمية، وفي الواقع فإن الأمة العربية التي صنعها الإسلام رغم شعورها بالتميز والخيرية إلا أنها لم تكن تستند إلى العرف في تميزها، وإنما استندت إلى ما يمكن أن نطلق عليه: «وظيفتها الإيمانية والحضارية» فالإسلام كان هو الحدث الأهم في تاريخ العرب، وهو الذي انتقل بهم من الفراغ القبلي إلى أن يكونوا أصحاب رسالة عالمية ووظيفة حضارية، وباعتبارنا ننظر إلى «العروبة» بوصفها عملية حضارية واسعة وكبيرة تفاعل فيها المسلمون مع البلدان المفتوحة عبر آليات عديدة منها العلاقة الوثيقة بين العربية والإسلام، بل بين العرب والإسلام؛ ومن ثَمَّ كان تعريب الدواوين وإقبال الناس على تعلم العربية. وباعتبار أن «العروبة» عملية حضارية أوسع من مجرد الانتماء إلى العرق العربي، فإنها قد تمَّت بعد ظهور الإسلام؛ أي أن العروبة متأخرة في الحقيقة عن الإسلام، وأن الإسلام كان البوابة والسبب الذي انتشرت العروبة عبره. وبقراءة التاريخ الإسلامي فإن ظهور الحركة الشعوبية في العصر العباسي الأول التي استندت إلى العرق وتمجيد الحضارات السابقة على الإسلام هي التي فصلت بين العروبة والإسلام لأول مرة فيما أعلم وقد كانت الشعوبية إلى حد ما تعبيراً قومياً يستند إلى العرق في مواجهة العرب بكونه عرقاً أيضاً، وكانت الشعوبية تهدف إلى استعادة الحضارات التي قامت لهذه الشعوب قبل ظهور الإسلام بقصد منازعة الوجود الإسلامي العربي وزلزلته. ولحكمة إلهية فإن الاجتماع الإسلامي لم ينفرد به عرق معين؛ وإنما تداولته الشعوب الإسلامية الأساسية؛ فالمماليك دافعوا عن الإسلام عقب سقوط الخلافة الإسلامية في بغداد على يد التتار ١٢٥٨م ٦٥٨هـ، والبربر والأكراد كانوا جنوداً للإسلام ومنهم صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس من أدران الصليبية المجرمة، وانتصر في معركة حطين سنة ١١٨٧م، ثم جاء الأتراك السلاجقة ثم العثمانيون فبدؤوا جهادهم وفتوحاتهم في عالم جديد يتكامل مع عالم الفتوحات العربية الإسلامية، واستطاعوا الانتصار على البيزنطيين الروم وإسقاط «القسطنطينية» عاصمة العالم المسيحي في ذلك الوقت عام ١٤٥٣م على يد الشاب المسلم «محمد الفاتح» ولمَّا يبلغ عمره حينذاك خمسة وعشرين عاماً. وبمراجعة الثقافة التركية فإنها لم تكن تستند إلى العرق أو روابط الدم؛ ولذا فإن الإسلام كان وجودها وحياتها، ولم يكن العثمانيون في أي وقت يصفون أنفسهم «بالأتراك» ؛ إذ كانوا يعتبرون أن ذلك دلالة على التخلف الاجتماعي، أي أن التداول الحضاري في الإسلام لم يستند إلى العرق، وإنما استند بشكل أساس إلى رسالة الإسلام. كان الإسلام يكسر عنصر الامتناع في القبلية أو القومية؛ بحيث لا تتحول إلى عصبية ينتصر المنتسبون إليها لبني جلدتهم بالحق والباطل على السواء أما الانتصار للعصبية بالحق فأمر ممدوح قد يكون واجباً أو مندوباً وكانت القبائل تخرج تحت راياتها لتتنافس في تحقيق غايات الإسلام ورسالته، فلم يعرف الإسلام برامج القوميات المعاصرة التي تستهدف صهر الأعراق الأخرى لصالح القومية المتسلطة أو السائدة. القومية الجديدة: ظهرت القومية (Nation) باعتبارها مصطلحاً في الغرب في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وارتبط ظهورها في الغرب بالقضاء على الإقطاع وظهور الدول الحديثة كألمانيا، وإيطاليا، والمملكة المتحدة، وفرنسا وغيرها، وارتبط ظهورها بظهور الثورة الصناعية وطبقة التجار والصناع في الغرب «البرجوازية» ثم الرأسمالية، كما ارتبطت القومية بالعلمانية؛ حيث أدت التطورات التي عرفتها أوروبا منذ عصر النهضة في القرن السادس عشر إلى الفصل بين الدين والدولة؛ أي أن القومية في ظل التطورات الغربية التي صاحبتها كانت حركة توحيد وتحرر؛ لأنها وحدت الأمم الأوروبية المبعثرة والمتناثرة في دولة مركزية واحدة، فحققت هدف الوحدة، كما كانت حركة تحرير؛ لأنها خلَّصت أوروبا من تسلط الكنيسة الكاثوليكية التي فرضت التخلف على العقل الغربي، وحاولت التحكم في كل الأشياء. وفي إطار موجة التأثر في العالم الإسلامي بالأفكار الغربية ظهرت الفكرة القومية في أوائل القرن العشرين مطلباً أساسياً روجت له النخبة العلمانية في العالم الإسلامي، وكان نفوذ هذه النخبة يتعاظم مع تعاظم التفوق الغربي في المجال المادي وتراجع دولة الخلافة الإسلامية الدولة العثمانية؛ إذ إن الفكرة المهيمنة على عقول النخبة المتغربة في هذا الوقت: إنه لكي نحقق الإصلاح والتقدم في العالم الإسلامي لا بد من انتهاج خط الغرب، ونسي هؤلاء أن ما يصلح في مجتمع ويُنتج خيراً قد ينتج خبيثاً في مجتمع آخر؛ لأنه لا يوجد مجتمع واحد وإنما مجتمعات؛ ومن ثم فلكل مجتمع خط إصلاح مختلف، وكما يقول «زين نور الدين زين» في كتابه الهام: (نشوء القومية العربية) : في الغرب كانت القومية السياسية جزءاً من حركة علمنة الحضارة المسيحية، وأسفرت المعركة بين القومية والمسيحية عن انتصار القومية، أما في الشرق العربي فالإسلام لا يزال عميق الجذور؛ فلم تستطع الأفكار القومية أن تحدث ثغرة فيه؛ بل استطاع الإسلام أن يقف في وجه كل محاولة للعلمنة، والمسيحيون القلائل وإلى جانبهم قلة قليلة من المسلمين ممن كانوا يحلمون بإنشاء دولة عربية علمانية تقوم على حدود جغرافية وطنية معينة لا على أساس ديني لم يلقَوْا تشجيعاً ولا تعضيداً من قِبَل غالبية سكان البلدان الإسلامية «. بدأت الحركة القومية تعبيراً رومانسياً في أواخر القرن التاسع عشر عبر عنه أدباء ومفكرون مسيحيون من لبنان مثل» بطرس البستاني «و» أحمد فارس الشدياق «و» إبراهيم اليازجي «و» أديب إسحاق «و» شبلي شميل «وغيرهم، وكانوا جميعاً مرتبطين بالإرساليات النصرانية الغربية، وهؤلاء عملوا على إبراز تاريخ العرب قبل الإسلام وإثارة الشعور القومي العربي، وهؤلاء هم الذين فَصَلوا في العصر الحديث بين العروبة والإسلام فتابعوا فعل الشعوبية في العصر العباسي الأول، ويعترف» صليب كوراني «بذلك فيقول:» الأثر الأول للحضارة الغربية في الحياة العربية بعث القومية العربية، وقيام الحركة الاستقلالية التي تشمل العالم العربي في الوقت الحاضر، وكانت هذه الحركة نتيجة مباشرة للتعليم الغربي «. ثم بدأت الحركة القومية العربية في طور العمل السياسي ممثلة في جمعية (بيروت السرية) التي كان طلبتها من خريجي الكلية البروتستانتية، وكانوا كلهم نصارى، ثم بدأ المسلمون ينضمون إليها. وبدأت الجمعيات السرية والعلنية القومية المطالبة بإصلاح الوضع في الدولة التركية مطالبة بحق العرب في الحصول على حقوق سياسية وثقافية في إطار الدولة التركية؛ وكان التطرف القومي التركي الذي مثلته جمعية» الاتحاد والترقي الحاكمة «هو الذي أدى إلى ظهور تيار قومي عربي؛ لكنه لم يكن مطالباً بتفكيك الدولة وكما يقول زين نور الدين زين:» إن فكرة الانفصال العربي عن الدولة العثمانية لم تظهر إلا في إطار التطرف القومي للاتحاد والترقي بعد عام ١٩٠٩م «، وإبَّان الحرب العالمية الأولى، ومع انضمام تركيا إلى ألمانيا بدأت بريطانيا توظف رغبة العرب في الانفصال عن تركيا بقطع عهود على نفسها بإقامة خلافة عربية على رأسها الشريف حسين إذا هم ساعدوا الحلفاء في الحرب، وبعد مساعدة العرب المخلصة للحلفاء وحربهم تركيا وكانوا سبب هزيمتها خدعتهم بريطانيا، وقُسِّمت الدول العربية في الاتفاق المعروف باسم: (سايكس بيكو) . في كل الفترات التي ظهرت فيها القومية قبل الحرب العالمية الأولى كان للنصارى وللأيدي الغربية ولسفارات الدول الأجنبية المعادية للدولة العثمانية دور في تحريك الحركات القومية بقصد تفتيت الدولة العثمانية، ويلاحظ أن القومية في المشرق كانت ترفع راية العروبة حتى تقضي على الدولة العثمانية لصالح الإنجليز؛ حيث كانت الدول المشرقية لا تزال ضمن الدولة العثمانية؛ أما في مصر فإن الإنجليز شجَّعوا الدعوات الطائفية كالفرعونية والمصرية، ولم يسمحوا للعروبة بالظهور؛ لأنها ستكون ضد المصالح البريطانية. القومية بعد الاستقلال: الجامعة العربية هي صنع بريطانيا؛ لأنها خشيت أن تقوم رابطة قوية للعرب تهدد مصالحها؛ فعملت على إيجاد الجامعة العربية كياناً يحمل بذور فنائه في تكوينه وبنيته، وفي عام ١٩٤٨م ومع ظهور التحدي الصهيوني في فلسطين هُزمت الجيوش العربية مجتمعة، وبدأ الوعي بأهمية وجود عالم عربي موحد، لما هو مقرر دولياً من حق كل شعب في أن يكون له دولته السياسية التي تعبر عنه، ومع بزوغ دولة ما بعد الاستعمار طرح الفكر القومي مشروع الوحدة العربية استناداً إلى وجود اللغة والتاريخ والمصير المشترك، لكن الوحدة (المصرية السورية) عام ١٩٥٨م انحلت عام ١٩٦١م، ونشبت الخلافات بقوة بين حزب البعث العربي السوري وحزب البعث العربي العراقي، وعقدت اتفاقيات للعمل العربي المشترك مثل معاهدة الدفاع العربي المشترك، والتعاون الاقتصادي عام ١٩٥٠م، والوحدة الاقتصادية عام ١٩٥٧م، والاتفاقيات المنشئة للعديد من المنظمات العربية المتخصصة، والاتفاقيات المنشئة للتجمعات الإقليمية الجزئية كمجلس التعاون العربي، والإنماء المغاربي ... إلخ. ولم تستطع القومية العربية أن ترقى إلى مستوى التحديات المنوطة بأمتها فأخفقت في تحقيق الوحدة العربية، كما أخفقت في تحقيق أي مستوى من مستويات التعاون الاقتصادي فلم تحقق التنمية، كما لم تستطع أن تنجز مهمة التحرير والتحدي للهيمنة الغربية وربيبتها الكيان الصهيوني، ولم تفلح كل محاولات الوحدة حتى الجزئية، لكن النهاية الكارثية القومية كانت مع هزيمة يونيو ١٩٦٧م؛ حيث كانت الهزيمة مفاجأة للقوميين العرب، كما كانت خاتمة أفول القومية العربية، وبدأ الحديث عن وجود خلل في البنية الذاتية للمشروع القومي العربي، وبدأت النزعة القُطرية في التصاعد إلى حد أن الصراعات (العربية العربية) جعلت بعض الدول العربية تستجدي أمنها من دول غربية، وكان الغزو العراقي للكويت عام ١٩٩٠م قمة المأساة للقومية العربية وللنظام العربي الذي عرف كثيراً من الصراعات؛ لكنها لم تصل إلى حد غزو دولة من دولة لأخرى. ولم يعد العرب قادرين حتى على اجتماع القمة بوصفها آلية لحل المشاكل المستعصية لهم؛ لأن قرار هذا الاجتماع لم يعد بيدهم وإنما بيد أعدائهم. تجاوز القومية: بالطبع فإن الحركة القومية العربية كانت مقصودة من أعداء الأمة الإسلامية ببث الفكر القومي فيها لما للعرب من ثقل بالنسبة للإسلام، ثم انتشرت هذه الفكرة كانتشار النار في الهشيم في كل البلدان الإسلامية. وفي الواقع فإن الفكرة القومية التي تؤسس للرابطة على أساس العرق تؤدي إلى ظهور أفكار طبقية أقل لشعوب داخلها مثل الفرعونية والقبطية والآشورية والفينيقية وغيرها من أفكار ذات طابع تجزيئي وطائفي، ومع التحديات والهزائم التي واجهتها القومية باتخاذها حركة تستبعد الإسلام بدأ الحديث بين القوميين عن العلاقة بين العروبة والإسلام، وبدأت مراجعات واسعة عند القوميين العرب؛ حيث أصبح الإسلام بالنسبة لهم هو مادة العروبة التي لا يمكن أن تنفصل عنه، وكما يقول جميل مطر في مقاله (مستقبل العروبة) :» لم تعد القومية قادرة بظروفها الراهنة وظروف السياسة والسياسيين في العالم العربي على ملء فراغ الفكر السياسي؛ وهو الفراغ الذي تدور فيه النخب السياسية والقوى الحاكمة العربية، وتجر شعوب المنطقة بأسرها لتدور معها في هذا الفراغ المدمِّر «. ويقول محمد حسنين هيكل:» على مدى خمسين عاماً كانت قضية تحرير فلسطين فكرة ملزمة للجميع؛ فالأمَّة العربية سوف تشعر وكأنها كتلة رخوة تنجذب إلى بؤرتها بالمعتقدات الأساسية للدين، وسوف يعود مزيد من الناس إلى الهوية الأصلية للمنطقة؛ ليست هوية قومية ولا عروبية وإنما هوية إسلامية. إن الإسلام هو مركز الثقل في العالم العربي والإسلامي، ولا يمكن لأي مشروع للنهضة أن يتحقق بدونه، وكما قال الشاعر الألماني (غوته) : «من كان عليه أن يرفع حملاً ثقيلاً فإنه ينبغي عليه أن يعرف مركز الثقل» ، ومركز الثقل في المجتمع العربي هو الإسلام «. * * * المراجع: ١ - محمد محمد حسين، الإسلام والحضارة الغربية، القاهرة، دار الفرقان، د. ت. ٢ - محمد محمد حسين، الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، القاهرة، مكتبة الجماميز، ج٢، د. ت. ٣ - زين نور الدين زين، نشوء القومية العربية مع دراسة تاريخية في العلاقات العربية التركية، بيروت، دار النهار، ١٩٧٩م. ٤ - برهان غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، القاهرة، سينا للنشر، د. ت. ٥ - أحمد يوسف أحمد، مصر وتجديد المشروع القومي العربي، رؤية ذاتية، بحث مقدم إلى المؤتمر السنوي العاشر للبحوث السياسية، ديسمبر، ١٩٩٦م. ٦ - أحمد ثابت، تجديد المشروع القومي في الفكر المصري، بحث مقدم إلى المؤتمر السنوي العاشر للبحوث السياسية، ديسمبر، ١٩٦٠م. ٧ - جميل مطر، مستقبل العروبة، الهلال، يوليو ١٩٩٣م، ع ٧. ٨ - MOHAMMED H. HEIKAL , ISREAL & Palestine The Independent, sep, ١٣, ١٩٩٣. ٩ - كمال السعيد حبيب، الأقليات والممارسة السياسية في الخبرة الإسلامية، رسالة ماجستير في العلوم السياسية، ١٩٩٥م، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة. ١٠ - محمد أنيس، الدولة العثمانية والشرق العربي (١٥١٤ ١٩١٤م) ، القاهرة، الأنجلو، ١٩٨٥م. ١١ - عصمت سيف الدولة، العروبة والإسلام، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.

стр. 3794

ملفات العلمانية في العالم الإسلامي.. تساقط الأوراق (١ - ٣) كشف حساب العلمانية - العلمانية والعولمة وتأثيرهما على مقومات التنمية د. مصطفى محمود أبو بكر [*] من مظاهر التضليل ادعاء أن العولمة يقتصر مفهومها على البعد المكاني، وأنها لا تخرج عن كونها دعوة لرفع الحواجز المادية المكانية لكي تتداخل وتتفاعل العمليات والعلاقات بين المجتمعات، ومن مظاهر هذا التوجه أيضاً القول بأن العولمة هي مفهوم اقتصادي فقط يقوم على إلغاء الحواجز والقيود التي تقلل من حركة الأموال والاستثمارات والشركات بين دول العالم. والحقيقة أن إعلان المنتفعين الخارجيين أو المحليين من العولمة بأن هذه العولمة ليس لها بعد ثقافي أو قيمي أو أخلاقي ما هو إلا مجرد تكتيك مرحلي ينفُذون من خلاله إلى عقول البسطاء والعوام لتهيئتهم ذهنياً ونفسياً لقبول حتمية العولمة المعاصرة والتعايش معها. ولكن الحقيقة أن كافة التجارب العملية والنظريات العلمية، فضلاً عن الممارسات الفعلية للدول الغربية وحكوماتها وشركاتها تؤكد على استحالة أن يسود مفهوم أو اتجاه اقتصادي معين ومنها المفهوم والاتجاه الاقتصادي للعولمة المعاصرة دون أن يتم تهيئة المناخ السياسي والاجتماعي والثقافي والأخلاقي لنجاح هذا المفهوم أو الاتجاه الاقتصادي واستمراره؛ بل الأخطر من ذلك أن الأمر قد يتطلَّب استخدام التقدم العلمي والتقني والعسكري إذا تطلَّب الأمر لتوجيه الدول والحكومات وإجبارها على تهيئة مجتمعاتهم لقبول هذا المفهوم، أو الاتجاه الذي تقوم عليه العولمة المعاصرة. وأصحاب المصلحة في العولمة لا يشعرون بحرج في ممارسة تلك الضغوط؛ حيث يقومون بكل هذا تحت شعارات تحقيق «السلام الدولي» أو «التوازن العالمي» أو «الأمن القومي» أو لافتات «الشراكة» أو حماية «حقوق الملكية الفكرية» أو زعم «حماية حقوق الإنسان» أو «حماية الأقليات» أو «حقوق المرأة» أو بادعاء مقاومة «الإرهاب الدولي» أو مواجهة «التيار الأصولي» . وفي كل الأحوال لم يكن أمام أنصار العولمة المعاصرة والمستفيدين منها سوى خيارين اثنين لا ثالث لهما: إما الإعلان بأن العولمة لا دخل للدين فيها وأنه لا مجال للربط بين مفهوم العولمة ومتطلباتها وبين الدين؛ وعليه: فلا بد من إخراج الدين من مفهوم العولمة وتطبيقاتها، وبهذا الإعلان تكون العولمة هي العلمانية نفسها في حقيقتها، وهي بمثابة جسم قديم في ثوب جديد. وإما الإعلان بضرورة استبعاد الدين من دائرة الاهتمام والتأثير شأنه في ذلك شأن الشيوعية والاتجاهات الإلحادية الأخرى، على اعتبار أن الإسلام هو العدوُّ الأول والحاجز المانع أمام انتشار العولمة الدولية وسيطرتها عامة والعولمة الأمريكية خاصة، ومن ثم يحرص أصحاب العولمة المعاصرة على تدمير التصور والاتجاه الإسلامي الصحيح مستخدمين في ذلك كل السبل والوسائل التي منها: طمس المفاهيم والتصورات الإسلامية الصحيحة، وتفتيت العمل الإسلامي، وتبنِّي التيارات غير الواعية أو غير المخلصة منها بديلاً للنموذج الإسلامي الصحيح. وبناءاً عليه يتضح أن العلمانية باعتبارها ديناً هي البوابة الحقيقية التي تفتح المجتمعات الإسلامية وعقول أبنائها أمام العولمة المعاصرة. ويمكن التدليل على ذلك بالاكتفاء بالإشارة إلى موقفين: ١ - إعلان «بوش» الأب عقب حرب الخليج الثانية قيادة النظام العالمي عبر الآليات العسكرية لحفظ السلام العالمي في منطقة الشرق الأوسط الساخنة. ٢ - ظهور «كلينتون» عقب تحويل اتفاقية الجات إلى منظمة، وبعد موافقة العالم على الاتفاقية بدقائق معدودة؛ ليعلنها بصراحة واضحة أن توقيع الاتفاقية هو نتاج جهد متواصل لسنوات عديدة جاء ليعزز مكانة أمريكا في زعامة الاقتصاد العالمي وتوجيهه. العلمانية بين محدودية النظرة وغياب المنهجية: وإذا كنت أعتقد أن الانشغال الفكري المستمر بالحديث عن العلمانية والعولمة والحداثة وغيرها هدف لأصحاب هذه التوجهات؛ لكي تتجه اهتماماتنا ومجهوداتنا نحو حوارات فكرية ومناقشات متواصلة لا تنتهي إلى شيء ولا تنفع بشيء، إذا كنت أعتقد ذلك؛ إلا أنني أرى أن من الضروري إيضاح المفاهيم والمصطلحات التي نتناولها وتحديد دلالاتها، حتى يتحدد الإطار الذي نتحدث فيه حسب منظور المنهجية العلمية في الدراسة والتحليل. وبما أنه ليس من أهداف هذا المقال الذي يخاطب غير المتخصصين تناول قضيتي العلمانية والعولمة بالتفصيل، ولا تناولهما من الجانب الشرعي؛ فلذلك كله مجال آخر؛ فإني أعرض بعض التساؤلات المفتاحية والفرعية التي تساعد القارئ على فتح مجالات البحث والتأمل للوصول إلى حقيقة العلمانية الحديثة، وأقول: (الحديثة) لأني أعتقد أن العلمانية تعود بجذورها إلى قوم «شعيب» ﵇، عندما استنكروا عليه ربط الدين بالدنيا؛ حيث قال له قومه: [قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ] (هود: ٨٧) ، فَهُم أرادوا بهذا ألاَّ يكون للدين دخل في الحصول على الأموال واستثمارها وإنفاقها، ومن هنا: يتأكد أن الاتجاه بفصل الدين عن الحياة ليس ظاهرة جديدة، وإنما هو سمة دائمة من سمات الجاهلية في غالبية مراحلها وعصورها. تساؤلات مفتاحية، من الأهمية استعراضها: عادة ما تدور عدة تساؤلات في ذهن المهتمين بموضوع العلمانية سواء المتخصصون منهم أو غير المتخصصين، وتمثل هذه التساؤلات عند حصرها وترتيبها الإطار العام الذي يجب أن نتناول فيه موضوع العلمانية سواء لأغراض تحليلها أو تقييمها. ومن الأهمية أن يقف القارئ عند كل سؤال من هذه التساؤلات، وألا يقرأها كلها دفعة واحدة، ومع كل سؤال عليه أن يتدبر مضمونه ودلالاته وتوابعه: ١ - ما هو المفهوم الحقيقي للعلمانية؟ ٢ - ما هو تاريخ نشأة العلمانية؟ ٣ - من هم الذين أنشؤوا العلمانية؟ ٤ - ما هي البيئة أو الظروف التي نبتت فيها العلمانية؟ ٥ - ما هي الجهات والمنظمات والهيئات التي تبنَّت العلمانية؟ ٦ - من هم الأفراد المتحمسون للعلمانية والمدافعون عنها؟ ٧ - ما هو الهدف الحقيقي والغاية الجوهرية لتبنِّي العلمانية؟ ٨ - ما هي المجالات والأبعاد التي تمسها العلمانية عند اعتناقها؟ ٩ - هل العلمانية مجرد رؤية أو فكرة أو مبدأ، أو أنها نظام حياة متكامل مترابط؟ ١٠- ما هي المجالات أو الميادين التي تصطدم مع العلمانية وتتعارض معها وتناقضها؟ تلك هي التساؤلات العشر التي تُكوِّن الإطار العام لتناول العلمانية. وفيما يلي بعض التساؤلات الفرعية التي تساعد القارئ على إعادة قراءة التساؤلات العشر أعلاه والوقوف عند كل واحد منها: هل للعلمانية دور في بناء المجتمعات والأمم؟ هل للعلمانية دور في بناء الفرد والأسرة؟ هل للعلمانية تأثير في نظم التربية والتعليم؟ هل للعلمانية علاقة بالقيم والأخلاق؟ هل مفهوم العلمانية وتداعياتها تمس الأديان والغيبيات؟ هل العلمانية تمس رسالات الأنبياء ودعوتهم للتوحيد والعبودية لله سبحانه وتعالى؟ هل للعلمانية تداعيات على الأنظمة السياسية وعلاقة الحكومات بمواطنيهم، ووضع الأنظمة التي تحكم الشعوب؟ هل للعلمانية دور في تنظيم العلاقات الدولية بين الدول في المجتمع العالمي؟ هل للعلمانية تداعيات على قضايا الاقتصاد والاستثمار والتنمية؟ هل توجد علاقة بين العلمانية والقضايا الدولية المعاصرة؟ مثل: * اتفاقيات الجات وحرية التجارة. * العولمة والانفتاح الفكري والإعلامي. * أسلوب BOOT وقيام الشركات الكبيرة بإنشاء مشروعات البنية التحتية (الأساسية) وامتلاكها وإدارتها. ثم يبقى سؤالان لا غنى عنهما: ١ - هل للعلمانية وجود حقيقي في المجتمعات الإسلامية؟ ٢ - هل توجد علاقة بين الواقع الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية ووجود العلمانية فيها؟ في: العلمانية ... العولمة ... فقدان الهوية ... ومقومات التنمية: من المحتمل أن يتساءل القارئ بشأن مسوِّغات الربط بين المحاور الأربعة المذكورة أعلاه؟ ! ودون الدخول في مقدمات، ودون الاستناد في ذلك والتدليل عليه من نصوص القرآن والسنة يكفي أن نرجع في ذلك إلى نظريات الغرب وعلومهم في التخطيط والإدارة والسياسة، والتي من أحدثها ما يطلقون عليها: (مدخل الأنظمة) ، و (المدخل البيئي) ، وملخص هاتين النظريتين: أن العالم أو الدولة أو الأمة شأنها شأن أي منظمة يحكمها نظام متكامل مترابط متفاعل، وأن أي خلل في أي جزئية من جزئيات هذا النظام ينتج عنه حتماً خلل تراكمي يؤدي في النهاية إلى خلل عام في النظام كله، كما أن أي نظام سواء كان سياسياً أو اقتصادياً أو تقنياً يستحيل أن يحقق أهدافه إذا لم يتم تهيئة البيئة الكلية له من الناحية الاجتماعية والثقافية والقيمية والأخلاقية بما يتفق مع أهداف هذا النظام. ومعنى هذا: أن العلمانية بوصفها نظاماً أو عقيدة، والعولمة بوصفها سياسة أو نظاماً أو توجهاً، يستحيل أن تنشأ وتنمو في المجتمعات الإسلامية ما لم تكن التربة خصبة لها، وكذلك ما لم تتوفر الأساليب والأدوات المتكاملة لإحداث الإخصاب المستمر لهذه التربة لكي تصبح حاضنة مناسبة لمفاهيم العلمانية والعولمة وأفكارهما وقيمهما ومعتقداتهما. وهنا نتساءل: ما هو جوهر أخلاقيات وقيم ومعتقدات كلٍّ من العلمانية والعولمة؟ ودون الدخول في تفاصيل نكتفي فقط بالإشارة إلى التعاريف المستقرة لكل منهما: * العلمانية تعني الدنيوية أو اللادينية، وتقوم على العقل والعلم والمناهج والأدوات العقلانية التي تقف موقف التضاد مع كل ما هو دين أو عبادة أو روح، ولا يعتد بذلك (الدين، العبادة، الروح) أسساً للقيم أو الأخلاق أو التربية، ولا بد في العلمانية من استبعاد كل ذلك من السياسة والاقتصاد والاجتماع لإنشاء الحياة المعاصرة اللادينية! * والعولمة تقوم بهدم الحدود والفواصل وتوسيع فرص التجانس والتوحد بين شعوب العالم، وتهدف إلى إزالة الفوارق بين الأفراد، وتشمل مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والفن والثقافة، بما يؤدي إلى تعميق المجتمع المدني لحسم قضية الصراع الأيديولوجي بين الحضارات لتكون الهيمنة للثقافة الدولية وقيم المجتمع الدولي وأخلاقياته! ونرى أن مجرد التدقيق الموضوعي المحايد لمضمون مفهومي العلمانية والعولمة يوضحان مدى الارتباط القوي بين نشأتهما وبقائهما، وبين تمييع الهوية الإسلامية وفقدانها؛ حيث يؤدي ذلك إلى تهيئة المجتمع الإسلامي لدخول العلمانية والترحيب بالعولمة ونموها؛ لأنه مع تمييع الهوية أو فقدانها يتعمق ضعف القيم والأخلاقيات اللازمة لرفع معنويات الفرد وزيادة فعاليته وتعميق إسهاماته في أسرته ومجتمعه وأمته أو انتفاؤها؛ هذا بجانب أن غياب الهوية يعمق الصراع النفسي لدى الفرد ويشتت توجهاته، ويجعله أسيراً للفردية والانعزالية والحيرة والتوتر الذي قد يوصله إلى الهزيمة النفسية أو الانفصام الشخصي أو على الأقل التبعية الكاملة لأي فكر علماني لا ديني. وتتمثل خطورة الإفلاس في مجال الأخلاق والقيم وشيوع الانحلال بصورة تؤدي إلى الصدام الحتمي مع فطرة الإنسان، مما يؤدي في النهاية إلى إتلاف الخامة البشرية، والتي تؤدي في النهاية إلى سقوط حضارة الأمة وتعميق تبعيتها الثقافية والقيمية والأخلاقية، والتي تؤدي حتماً إلى التبعية الاقتصادية والسياسية لغيرها من الأمم العلمانية أو الرأسمالية، ويؤكد هذا المقارنة اليسيرة بين قدرة القارة الأوروبية بغيرها من حضارات دول العالم الثالث في مقاومة اتجاهات الهيمنة الأمريكية. ولذا يمكن القول: إنه لا يمكن نجاح أي مشروع تنموي أصيل وحقيقي دون الحفاظ على هوية الأمة وقيمها ومبادئها وأخلاقها، وهذا ما يتنافى مع تطبيق العلمانية والارتباط بالعولمة الغربية في عالمنا الإسلامي. مفهوم النمو الاقتصادي بين الوهم والحقيقة: فإذا استعرضنا مفهوم النمو من منظور اقتصادي علمي بحت نجد أن هذا المفهوم يشير إلى تزايد نصيب الفرد في المتوسط من الدخل الكلي للمجتمع، أي أن النمو الاقتصادي لا يتحقق بإزالة عجز زيادة الدخل أو الناتج الكلي للمجتمع، وإنما لا بد أن ينعكس على مستوى معيشة الفرد، ويتطلب تحقيق ذلك شرطين أساسيين: الشرط الأول: ارتفاع معدل نمو الدخل القومي عن معدل النمو السكاني أو معدل تزايد احتياجات السكان. الشرط الثاني: ارتفاع مستوى الدخل النقدي للفرد عن زيادة المستوى العام للأسعار (معدل التضخم) . ونستنتج من هذين الشرطين أنه قد لا يتحقق النمو الاقتصادي بالمفهوم الصحيح رغم حدوث زيادة في الدخل القومي. فالتنمية الحقيقية تتمثل في: النجاح في تحقيق التحسن الفعلي المستمر في متوسط الدخل الحقيقي لكل أفراد المجتمع بصفة عامة والفئات الفقيرة التي تمثل الأغلبية بصفة خاصة، مصاحباً للتحسن الشامل في نوعية الحياة الاجتماعية والثقافية والأخلاقية والسياسية، وذلك من خلال التغيير الشامل المتواصل لهيكل الإنتاج والدخل في المجتمع. ويتطلب تحقيق التنمية بالمفهوم ذاته استيفاء الشروط الآتية: الشرط الأول: تحقيق الارتفاع المستمر، خلال فترة طويلة من الزمن، في متوسط الدخل الحقيقي لمعظم أفراد المجتمع. الشرط الثاني: التخفيف الحقيقي من ظاهرة الفقر، من خلال إحداث تحسن حقيقي مستمر في توزيع الدخل لصالح الفئات الفقيرة، على اعتبار أن عدم تحقيق ذلك يمثل تهديداً حقيقياً لكل جهود التنمية وخاصة على الأجل الطويل. وتتضح أهمية ذلك عند مراجعة الإحصاءات الرسمية التي تمثل جزءاً ضئيلاً من الحقيقة بشأن عدد الأسر الواقعة تحت حد الفقر سواء في الدول الغنية أو الدول الفقيرة. الشرط الثالث: تكامل جوانب التنمية وترابطها لتشمل الجوانب الاجتماعية والثقافية والقيمية والأخلاقية والسياسية فضلاً عن الجانب الاقتصادي؛ فعلى سبيل المثال: لا يدخل ضمن متطلبات التنمية تبنِّي ما قد يطلق عليه معرفة أو علوم حديثة إذا ما كان يترتب عليها تخريب في القيم وتدمير في الأخلاق، وهذا يعني أنه لا بد أن ينعكس سلبياً وبقوة على جودة الحياة. الشرط الرابع: عدم كفاية تحسن مستوى الدخل الحقيقي أو النقدي للفرد للادعاء بتحقق التنمية، وإنما يتطلب إحداث التنمية الحقيقية أن يُوجَّه دخل الفرد إلى تشكيلة متوازنة نافعة من السلع والخدمات التي تحقق جودة الحياة للفرد والمجتمع، وتتضح أهمية هذا الشرط عند تناول الإحصاءات التي تشير إلى نسبة الدخول التي تُوجَّه إلى السلع الاستهلاكية أو الترفيهية فضلاً عن حجم الإنفاق على المخدرات بكافة أنواعها في المجتمعات الغنية والفقيرة على السواء. الشرط الخامس: تحقيق تحسُّن حقيقي شامل ومستمر في خدمات البنية الأساسية أو التحتية التي تمس الحاجات الضرورية لغالبية المجتمع، والتي بدونها قد تكون حياة الشعوب هابطة، وتشمل هذه الخدمات: محطات توليد الكهرباء، وحقول البترول، والطرق الرئيسة، والمطارات، ومشاريع النظافة، ومعالجة القمامة، والخدمات الصحية، ومحطات المياه والصرف الصحي.. وغيرها. ولا يقتصر التحسين الحقيقي في مجالات خدمات البنية الأساسية على مجرد زيادة عدد منشآتها أو إعادة تأهيلها، وإنما تقتضي التنمية الحقيقية تحديد الأسلوب الصحيح لتمويل هذه المنشآت وملكيتها وأسلوب تشغيلها وإدارتها، وهذا ما يؤدي إلى إلقاء ظلال الشكوك والريبة على التوجه الكاسح لدى غالبية الدول النامية إلى الاعتماد على أسلوب (BOOT) [١] في إنشاء مشروعات هذه الخدمات الأساسية وتشغليها وملكيتها. الشرط السادس: وضع الاستراتيجيات والسياسات التي تحقق العدالة المتواصلة للمنافع التي تحصل عليها الأجيال المتعاقبة، بما لا يدع المجال لجيل معين أن يتصرف في الموارد والإمكانات وكأنه المالك الوحيد لها. وتتضح أهمية هذا الشرط عند تناول قيام بعض الدول في زيادة معدل استخدامها للموارد الطبيعية وخاصة الاستراتيجية لإشباع الاحتياجات غير المحدودة للجيل الحاضر أو استجابة لضغوط الدول القوية في هذا الشأن، دون مراعاة حقوق الأجيال القادمة، أو قيام بعض الشركات الدولية بممارسة أنشطة أو تصدير مصانع تستخدم تكنولوجيات قديمة تُلوِّث البيئة وتدمرها. العلاقة المتشابكة بين العلمانية والعولمة والتنمية: تقتضي منهجية التفكير ورُشْد التصرف أن ندرك حقيقة عصرنا، وأن نتلمس الحقائق المستقرة التي نحياها ولا ينبغي أن نتجاهلها، ومن هذه الحقائق ما يلي: ١ - تنامي العلاقات العضوية بين أصحاب رأس المال على مستوى العالم، وتشابك الأهداف والمصالح، وخاصة بين كبار المستثمرين، وتعمق الروابط بينهم تحت رعاية المؤسسات والهيئات النقدية الدولية. ٢ - عدم صحة ادعاء أصحاب الأموال باقتصار أهدافهم ونشاطاتهم على الجوانب الاقتصادية وقضايا الاستثمار، وتأكد توجيه قدر كبير من خططهم وجهودهم لإعادة تشكيل البناء الثقافي والقيمي والاجتماعي والسياسي، بما يخدم إعادة تشكيل المجتمعات بصورة تحقق تنمية استثماراتهم وتعظيم عوائدها. ٣ - تنامي دور رجال الأموال وتعاظم تأثيرهم السياسي سواء في صورة وجودهم في/ أو تشكيلهم للمجالس النيابية، أو في صورة مشاركتهم القوية المؤثرة في توجيه السياسات والقرارات السيادية في الدولة بما يخدم توجهاتهم وأهدافهم الاقتصادية. ٤ - اتساع دائرة التمسك والتأييد لفكر العلمانية، وخاصة من غالبية الحكومات والعاملين في مجالات الفن والفكر والثقافة والإعلام، فضلاً عن كثير من العاملين في المؤسسات البحثية وبصفة خاصة في الدول النامية في مجالات العلوم الاجتماعية والسلوكية. ٥ - اتساع دائرة الاقتناع بحتمية العولمة وحرية التجارة وسيطرة الاقتصاد العالمي، ومن ثم: زيادة سطوة رجال الأعمال والمستثمرين، والتوسع في استخدام أسلوب (BOOT البووت) في إنشاء مشروعات البنية التحتية «الأساسية» وتشغيلها وإدارتها، والإلغاء التدريجي لدور الحكومات في هذا المجال. ٦ - وضوح قوة ثورة تكنولوجيا الاتصالات وما تمتلكه الدول الرأسمالية والشركات العالمية من أجهزة وبرامج إعلامية لها مقدرة عالية على غسل عقول الأمة ومحو ذاكرتها وتراثها، ثم إعادة ملئها بمفاهيم وقيم وأخلاقيات تطمس هوية الأفراد وتفقدهم قيمهم، وتهيئهم لكي تعيد تشكيلهم ذهنياً ونفسياً بما يخدم مصالحهم ويحقق أهدافهم. ٧ - وجود شركات دولية عملاقة تمتلك رؤوس أموال تزيد عن موازنات بعض الدول، وتسيطر على رصيد تقني كبير، وذات ولاء قوي للدولة التي نشأت فيها و/أو يوجد فيها مركزها الرئيسي، وتعطي هذه الشركات أولويات استثماراتها وخاصة الاستثمارات ذات المردود الاقتصادي المرتفع للدولة المضيفة وإلى الدول أو المناطق ذات الرضا السياسي من حكوماتها. والدليل الواضح على ذلك موقف هذه الشركات من الدول التي تدخل في خلاف سياسي مع حكوماتها (مثل إيران وكوبا) ، أو ما تفرضه هذه الشركات مع المؤسسات والهيئات المالية الدولية على الدول لضمان حماية أموالها وتعظيم مكاسبها (كوريا مصر) . ٨ - إننا نحن العرب والمسلمين نقع الآن في مؤخرة القافلة، ويتم تصنيفنا سواء وفق معايير أصحاب الفكر العلماني أو وفق معايير مؤيدي العولمة في مرتبة تقع في مؤخرة القافلة وفي موضع التبعية السياسية والاعتمادية الاقتصادية، وأنه رغم أن العالم الإسلامي يقترب تعداده من ربع سكان العالم، إلا أنه قد لا يكون له أي قدر ملموس من التأثير على النظام الاقتصادي أو السياسي العالمي. ٩ - وضوح تراجع مكانة العلماء والباحثين والمخترعين والمبتكرين، وضعف تأثيرهم في تشكيل كيان المجتمع بالدول النامية في مواجهة أصحاب الفن والإعلام والصحافة المؤيدين والمؤمنين بالعلمانية والمؤيدين للعولمة الغربية. ١٠ - استمرار الضعف المتزايد للحس الأخلاقي والقيمى في قضايا الاقتصاد والاستثمار والتجارة، سواء على المستوى الرسمي أو غير الرسمي، ويدعم هذا الضعف ضغط إعلامي تعليمي تثقيفي لتحييد الأخلاق والقيم الدينية في مجالات الحياة عموماً، وفي السياسة والاقتصاد على وجه الخصوص. العولمة ورسم السياسة الاقتصادية للدول النامية: إذا كانت العلمانية التي تعيشها بلادنا إلا من رحم الله قد ربطت سياساتها العامة والاقتصادية خاصة بالمنظومة العالمية التي تمثلها الآن العولمة المعاصرة؛ فإن من ظواهر هذه العولمة المعاصرة تدخُّل المؤسسات والهيئات المالية المقرِضَة للدول النامية في وضع السياسات التي تنظم عمل القطاع الخاص، وزيادة مساحة مشاركة رأس المال الأجنبي في الاقتصاد الوطني، وإلغاء أي ضوابط أو قيود على الواردات، وتعديل القوانين التي تحمي الصناعة الوطنية ... وغيرها من التدخلات التي تقلل الدور الوطني للحكومات، ومن ثم تأثيرها على تشكيل البناء السياسي في المجتمع، ومع تضاؤل الدور الوطني (التأثير السياسي) للحكومات في الدول النامية تزداد حاجة هذه الحكومات إلى الدعم المالي والأمني من حكومات الدول الغنية، مما يزيد حاجة الدول النامية إلى قروض ومساعدات إضافية، وبما يزيد هذا الأمر خطورة، ومع زيادة العجز في ميزان مدفوعات الدولة الفقيرة يزداد اعتماد هذه الدول على مصادر موارد غير مستقرة تتأثر بأي تغيرات أو شائعات في المجتمع المحلي أو الدولي مثل أنشطة السياحة والفن وغيرها، ويقترن بهذا انخفاض الاعتماد على المنتجات والصناعات الاستراتيجية (القمح الذرة القطن الزيوت التعدين الأجهزة.. الخ) . هذا بجانب الدور الكبير المؤثر الذي تلعبه الشركات متعددة الجنسيات في اقتصاديات الدول المقترضة، والتي لا تصبح مفاتيح السياسة الاقتصادية بيد حكوماتها أو شعوبها، وما زال ماثلاً أمامنا نموذج ما حدث في إندونيسيا وماليزيا رغم ما حققته كل منهما من نمو اقتصادي وتنمية شاملة، إلا أن نقطة الضعف الرئيسية في هذه التجربة هي ربط مقومات هذه التنمية بالتأثير الغربي في مجالات الاستثمار والتمويل ومقوماته؛ حيث رأس المال أجنبي، والشركات أجنبية، والإدارة أجنبية، والخبرات أجنبية، والتكنولوجيا أجنبية، وهذا المنحى تأخذ به حالياً عديد من بل معظم الدول العربية والإسلامية. ويكفي الإشارة إلى أن الدراسات الأولية تؤكد أن اتفاقية الجات سوف تستفيد منها أوروبا وحدها بما لا يقل عن ٣٠ مليار دولار سنوياً، واليابان بما يزيد عن ٢٢ مليار دولار سنوياً، بينما يستفيد العالم الثالث في حدود مليار دولار واحد فقط في مجال الزراعة، هذا بينما تنفرد أمريكا ودول الاتحاد السوفييتي السابق ودول أوروبا بما يزيد عن ٤٥ مليار دولار في مجال الأنسجة والخدمات. ولا يوجد استفادة تذكر لدول العالم الثالث في هذين المجالين (الأنسجة والخدمات) . ويؤكد هذا: تزامن ارتفاع حدة الحديث عن العولمة بدءاً من منتصف الثمانينيات مع ارتفاع الضغوط على حكومات الدول النامية (التي نقع في نطاقها) لتحرير التجارة العالمية وفتح الحدود أمام أسواق التمويل والتدفقات الرأسمالية، وذلك في الوقت الذي تزايدت فيه الجهود بصورة أقوى لطرح عدد من القضايا الفكرية الحساسة التي انشغلت بها وسائل الإعلام والمفكرون فضلاً عن الرأي العام، وما زالت تستهلك جهدهم في مناقشتها والاختلاف حولها، ومنها قضية العولمة ... وقد كانت محصلة هذا استفادة بعض الدول من هذه الفترة، وانتقالها من تصنيف الدول النامية إلى دول الاقتصاد المتقدم، ومن هذه الدول (إسرائيل) ؛ مع بقاء وضع بعض الدول الأخرى ضمن تصنيف الدول النامية؛ فضلاً عن زيادة نسبة السكان الذين يقعون عند/ وتحت خط الفقر بها. وتؤكد الإحصاءات الدولية الرسمية إلى أنه رغم ارتفاع مستوى الدخل وتحقق التنمية العلمية والتقنية والعسكرية في بعض الدول (منها إسرائيل التي استفادت من هدوء فترة اتفاقية السلام) ، إلا أنه قد اتسعت الفجوة بين مستويات الدخول بين الدول الغنية والدول الفقيرة، ومع وضوح ظاهرة تراجع مستويات دَخْلِ عديد من الدول الفقيرة إلى الوراء برز في المقابل تزايد السلوك الاستهلاكي والترفيهي لدى الطبقة الثرية من رجال الأعمال والسياسة في الدول الغنية والفقيرة على السواء. التوجهات العامة البديلة لاختيار سياسة التنمية: إن النظرة العامة سواء من المتخصصين أو عوام الناس إلى توجهات الدول في تحقيق التنمية يمكن أن تنتهي بإرجاع هذه التوجهات إلى واحدة من التوجهات الخمسة العامة الآتية: ١ - اتباع بعض الحكومات لنماذج وتجارب أو قيادات غير ناجحة، وتقليدها رغم وجود مؤشرات واضحة تؤكد إخفاقها، مما نتج عن جهود التنمية أخطاء فادحة ونتائج مقلقة أدت إلى زيادة تعقيد مشكلات المجتمع إلى درجة يبدو معها صعوبة وجود أمل لإحياء المجتمع بعد موات. ٢ - اتباع بعض الحكومات لسياسات ونماذج وتجارب مجتمعات أخرى حققت قدراً مقبولاً من النجاحات في مجالات التنمية، وتقليد هذه السياسات والنماذج والتجارب رغم الاختلاف الواضح بين مكونات البيئة الثقافية والاجتماعية والعلمية والسياسية وخصائصها وبين المجتمعات، مما نتج عنه عديد من مؤشرات التناقض والصراع الاجتماعي إلى درجة تصل إلى ضياع هوية المجتمع أو طمسها. ٣ - اتباع بعض الحكومات لخطوات ونماذج تنوعت مصادرها وخصائصها إلى درجة يصعب معها توصيف التوجه العام لتلك الحكومات في عملية التنمية بصورة تجعل المتخصصين فضلاً عن غير المتخصصين أو عوام الناس غير قادرين على تحديد توجهات الحكومة فيما يتعلق بخطط التنمية بصفة خاصة وتحديد هوية المجتمع بصفة عامة. ٤ - اتباع بعض الحكومات لمنهجية واضحة وسياسة معلنة تعتمد اعتماداً أساسياً على مواردها الداخلية وإمكانياتها الذاتية بصورة تتفق مع هويتها الوطنية وتعمقها، إلى درجة تعطي دلالة قوية على أن هذه المنهجية أو السياسة من صنع هذه الحكومة، وأن هذه المنهجية تنفرد بها هذه الدولة إلى الحد الذي يظهر فيها انعكاسها بصورة قوية على عقلية المواطن وسلوكه ومظهره. ٥ - اتباع بعض الحكومات لسياسة محددة وخطة واضحة، تعتمد بصورة أساسية على الاستغلال والاستفادة الخاصة من مشكلات الدول الأخرى واحتياجاتها وظروفها، إلى درجة أن تكون حريصة ويقظة دائماً لكي تستثمر مشكلات هذه الدول وأزماتها، بل تعمل على إيجاد هذه الصعوبات والمشكلات واستمرارها وتعميقها بما يخدم مصلحتها وأهدافها. وتومئ المؤشرات والظواهر العامة إلى أن غالبية الدول النامية إن لم تكن جميعها تعتمد بدرجة أساسية على واحدة أو أكثر من التوجهات الثلاثة الأولى، بينما تحرص الدول الغنية على مزيج من التوجهين الرابع والخامس بما يعظم مكاسبها على حساب الدول الأخرى. وعلى عكس الاستفادة الواضحة لبعض الدول من العولمة المعاصرة، ومن خلال التحليل المقارن بين المستهدف في خطط التنمية للدول النامية حتى عام ٢٠٠٠م والنتائج التي حققت بالفعل يتضح التأثير السلبي لعديد من المتغيرات على معدل النمو الاقتصادي في غالبية الدول النامية. وفي المؤشرات العامة الآتية ما يوضح ذلك: - ظهور التأثير القوي للمتغيرات الدولية في الأسواق العالمية، وكذلك في العلاقات والاتجاهات السياسية على معدلات النمو الفعلية في اقتصاديات الدول النامية عن المخطط. - التذبذب الواضح في مستوى استقرار أسواق المال والعملات. - تزايد معدلات الواردات بصورة واضحة بصفة عامة ومن دول جنوب وشرق آسيا بصفة خاصة نتيجة الانخفاض الكبير في أسعار منتجات هذه الدول. - تزايد معدلات الركود في الأسواق العالمية التي ساهمت في انخفاض الإيرادات السيادية. - انخفاض الإيرادات السيادية الأساسية نتيجة الأحداث الداخلية في بعض الدول النامية. - انخفاض معدلات النمو في القطاعات والأنشطة الاقتصادية الرئيسية مثل قطاعات الزراعة والنقل والتجارة والسياحة ... وغيرها. - التكرار المستمر لأزمات نقص السيولة المحلية، وتزايد الطلب على العملات الأجنبية (خاصة الدولار الأمريكي) وارتباط ذلك بارتفاع فاتورة الواردات وانخفاض الاحتياطيات للنقد الأجنبي. - استمرار ظاهرة العجز في الميزان التجاري، بجانب تزايد حجم الفجوة بين ناتج صادرات وواردات هذه الدول ودلالتها؛ مما يجعل المشكلة أكثر تعقيداً عند إعداد خطة التنمية الشاملة في الدول النامية. - تزايد حجم الواردات وقيمتها من السلع الاستثمارية والسلع الوسيطة والتي تعتمد عليها بدرجة أساسية خطط التنمية الصناعية بصفة عامة والمشروعات الجديدة بصفة خاصة. وتؤكد هذه المؤشرات وغيرها أن راسمي خطط التنمية في الدول النامية يواجهون تحديات متنوعة ومعقدة، من أجل تهيئة البيئة الاستثمارية بجوانبها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتشريعية، وخاصة مع ارتفاع مستوى حساسية اقتصاديات هذه الدول تجاه أي تغيرات سواء خارجية أو داخلية. ويرجع ذلك إلى اعتماد اقتصاديات هذه الدول بدرجة كبيرة على المعاملات المالية والرأسمالية والموارد الخدمية التي بدأت تفقد السيطرة الكاملة عليها، ولك أن تتخيل دلالة انخفاض مساحة الأرض المزروعة «قطناً» إلى ما يقرب من ٥٠% في مصر منذ الستينيات، واستبدال هذه المساحات بزراعة الكنتالوب والخيار والفراولة واللب، بزعم توفر فرص التصدير أمامها، في حين أصبحت إسرائيل من الدول التي تصدِّر القطن بكميات كبيرة متزايدة. حصاد الهشيم: تنمية شوهاء: سبق أن ذكرنا في الحلقة الماضية أن الشواهد العملية والدراسات العلمية تؤكد على أن زيادة مستوى الدخل الفردي أو القومي إن حدث لا يضمن بالضرورة تحسن مستوى الخدمات والمرافق العامة التي يستفيد منها غالبية أفراد المجتمع سواء في مجال الإسكان أو الصحة أو التعليم أو الغذاء وغيرها من ضروريات الحياة. كما تؤكد هذه الشواهد والدراسات أن زيادة الدخل لا يكون مقروناً بالضرورة بارتقاء الثقافة والقيم والأخلاق وتحقيق الأمن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعدالة وحرية الرأي وغيرها من المؤشرات الحضارية التي تنشدها المجتمعات. بل إن من الظواهر الغريبة التي تستحق الدراسة في حضارة القرون المتأخرة إذا أطلقنا عليها وصف حضارة تجاوزاً: اقتران التخلف الاجتماعي بتحقيق النمو الاقتصادي أحياناً؛ حيث تؤكد الإحصاءات الرسمية أنه رغم تحقيق بعض المجتمعات زيادة في الدخل الكلي، إلا أن هناك تزايداً في الفروق والصراعات الاجتماعية داخل هذه المجتمعات. وعليه فقد أصبح من المستقر عند معظم الأفراد وفي غالبية الدول أن تحقيق التنمية والحضارة لم يعد قاصراً على مجرد التخطيط لزيادة مستوى المعيشة المادية للأفراد، وإنما يمتد ذلك ليشمل كافة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية وغيرها من مكونات البيئة وجوانب حياة الأفراد. وأصبح من المقولات المأثورة في مجال التنمية: أن التنمية يجب أن تهدف وتتجه إلى تطوير الإنسان وتجويده هو أولاً وليس تطوير الأشياء المادية وتحديثها فقط. ومع ذلك، فإن ما نشاهده في معظم البلاد العربية والإسلامية هو أن المشاريع التنموية العلمانية في تلك البلاد أدت إلى تعميق التبعية، ووهن الإرادة الذاتية، وشيوع الاعتقاد بأن الحضارة هي سكنى الفيلات وبناء الناطحات واقتناء السيارة والدش والهاتف المحمول، وأن التقدم والرقي هو في الفن والسياحة، حتى أصبح للباطل والحرام علومه وفنونه ومؤسساته وأحزابه ... ونتج عن ذلك أن ساد الاعتقاد في غالبية الدول النامية التي نقع في نطاقها إن لم يكن جميعها، ساد الاعتقاد بحتمية اتباع الطريقة الغربية والاعتماد على الوكالات والمؤسسات الدولية والحكومات الغنية والقوية للحصول على القروض والمنح والمساعدات والهبات، وقد ازداد هذا الاعتقاد عمقاً باعتقاد آخر يقول بحتمية سلوك السبيل الغربي في التنمية، وهو الاعتقاد الذي نشأ نتيجة تلاقي أربعة محاور عند نقطة مشتركة؛ وتتمثل هذه المحاور الأربعة فيما يلي: ١ - حرص الدول الغربية عامة والغنية منها خاصة على تعميق هذا الاتجاه لاعتقادها بأن ذلك أحد أهم مقومات استمرار سيطرتها وتفردها الاقتصادي والسياسي. ٢ - تركيز غالبية الخبراء والاستشاريين المحليين والخارجيين على إبراز حتمية هذا الاتجاه، وحرصهم الشديد على تحقيق السيطرة الذهنية على صانعي القرارات في الدول النامية، حفاظاً على مصالحهم جميعاً، وهي المصالح ذات الارتباط القوي باستمرار سيطرة الدول الغربية عامة والغنية خاصة على مقومات التنمية في الدول النامية. ٣ - عمق النزعة الداخلية والتهيئة الذاتية لدى صانعي القرارات وكذلك الفئة القليلة المستفيدة من نواتج التنمية لاتباع الأسلوب الغربي في التنمية إيماناً منهم بأنه السبيل الملائم لدعم سيطرتهم ومصالحهم السياسية والاقتصادية في مواجهة أي توجهات لتحقيق التنمية الشاملة اعتماداً على الموارد والإمكانيات الذاتية، ومواجهة أي توجهات لإتاحة الفرص للتوزيع العادل لثمار التنمية. ٤ - تراكم نواتج المشكلات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لدى غالبية الأفراد، ووضوح ظاهرة الانهزام الداخلي والسلوك السلبي، وعمق الاعتقاد بعدم جدوى الاجتهادات المحلية، ومن ثم حتمية الاقتداء بالأسلوب الغربي في التنمية على اعتباره الوسيلة المعروفة لديهم والتي حققت مجتمع الرفاهية في الدول الغربية، وهذا ما تحاول أجهزة الإعلام سواء الغربية أو المحلية تعميقه في النفوس. وقد أدى هذا الاتجاه إلى تجسيد مشهد متواصل في دولنا النامية يتلخص في أن تعلن الحكومات وتُمنِّي شعوبها بأنه اقترب موعد جني ثمار جهود التنمية، وأن الخير أوشك أن يعم البلاد؛ حيث تهيأت البيئة لجذب أموال المستثمرين وتشجيع رأس المال الخاص المحلي والعربي والأجنبي، وأنه قد تم اعتماد الحكومات والهيئات الغنية للقروض والمساعدات والمنح، وأن التقارير الدولية من المؤسسات العالمية أكدت أن معدلات النمو في تزايد ومعدلات التضخم في انحسار، وأن كل المطلوب هو أن تتحمل الفئات الفقيرة وهي الغالبية مزيداً من العبء لتمويل نفقات التنمية خلال الفترة القصيرة المتبقية، وعليهم أن يتحملوا مزيداً من التضحيات في المرحلة الانتقالية والصمود أمام تبعات المنافسة الدولية، وأن على المزارعين والحرفيين والمهنيين محدودي الدخل وقليلي الحيلة أن يتذرعوا بمزيد من الصبر أمام تلك المعاناة المؤقتة، وعليهم أن يقتنعوا أن كل بلاد العالم الغنية مرت بتلك المرحلة، وأن يتخلوا عن تصورهم الخاطئ أن الأغنياء يسكنون في القصور ويأكلون التفاح حباً في ذلك! وإنما يفعلون ذلك اضطراراً حتى يتمكنوا من التفكير لهم والتخطيط لمستقبلهم! وليس المطلوب منهم (الفئات الغالبية الفقيرة) سوى انتظار تلك الفترة، وأن يعملوا بجد ويقبلوا التحديات اليوم ويعيشوا دون ملبس أو مسكن أو مأكل حتى يتمتعوا فيما بعد بنعيم جنة التنمية التي أوشكت أن تفتح أبوابها على أيدي حكوماتهم والمستثمرين الجدد! كما أدى ذلك الاتجاه العلماني والعولمي وهذا السيناريو إلى فساد اقتصادي واجتماعي واسعين. ونستطيع إيضاح علاقة العلمانية بالعولمة وأثرهما في المجتمع وعلاقتهما بالفساد الاقتصادي والاجتماعي في الشكل الآتي: الخاتمة: بصيص من أمل، حقيبة العمل لإحياء الأمة لكي تواجه العلمانية وتؤثر في تشكيل العولمة المعاصرة: إنني لا أقول كما يقول كثيرون إن الإسلام والمسلمين يمرون الآن بمحنة قاسية، وأن الأمم أوشكت أن تمحو ذاكرة هذه الأمة وهويتها، وإنما أقول إن الأمة الإسلامية تمر هذه الآونة بمرحلة «مخاض» وما يرتبط بها من حالة عالية من التأهب والترصد فضلاً عن قسوة الألم والتوتر، وذلك في جو تأكد فيه كيد الخصوم والأعداء من جانب وحقدهم، وبدت فيه بوادر تلاشي جهل المنتسبين والمتحمسين من الأبناء من جانب آخر، بصورة تؤكد أن التمكين لهذا الدين لن يتحقق إلا بوضوح المفاهيم وتميز الصفوف والرايات بمشيئة الله، حتى يعلم الجميع أن أولئك قوم يعبدون الدنيا وأن هؤلاء قوم يسارعون إلى الآخرة. وعلى ضوء ما سبق، ووفق تقديرنا المبدئي، فإن مواجهة العلمانية وتبعاتها لن يتم إلا من خلال إحياء الأمة من جديد، وإخراجها من حالة الركون والتهميش والحياد التي تعيشها إلى حالات الحركة والتأثير والانحياز، ويمكن أن يتحقق ذلك بمشيئة الله تعالى وفق رؤية استراتيجية متكاملة وبرنامج عمل شامل يكون حقيبة عمل لإحياء الأمة؛ لكي تواجه العلمانية وتتعامل بفعالية مع العولمة المعاصرة، ويشتمل هذا التصور المبدئي على ما يلي: ١ - تصحيح المفاهيم وتعميق الإيمان الصحيح الخالص لدى الأفراد بما يبرز الهوية الإسلامية، ويحقق التوازن بين الدنيا والآخرة، ويكوِّن الأمة الوسط بين الأمم. ٢ - جعل الإنسان محور أهداف التنمية الشاملة بكافة جوانبها ومكوناتها ومحور جهودها. ٣ - احترام عقلية الإنسان وعاطفته، وتنمية الرغبة والمهارة لديه وتهيئته للإبداع والابتكار والتطوير والتحديث. ٤ - التربية الشاملة التي تغطي كافة المجالات وتمس كافة الفئات، وهي تربية ينبغي أن تكون متوازنة توجد الشخصية السوية، وينبغي أن تكون متواصلة تواكب العصر وتتفاعل مع المتغيرات، وتستجيب للضروريات والإيجابيات. ٥ - الاهتمام الكامل بالمرأة والأسرة سواء ما يتعلق بجوانب التعليم والتربية وتوفير متطلبات استقرارها؛ لتكون بمستوى الإيجابية التي تخدم أهداف التنمية الشاملة من الجوانب الاجتماعية والقيمية والأخلاقية والاقتصادية والثقافية والسياسية والأمنية. ٦ - أن يكون بُعْدَا التربية والتعليم هما أحد أهم أهداف التنمية وأحد أهم أدواتها في الوقت نفسه، لإخراج العقول ذات الخُلُق والقيم والمبدعة والمبتكرة القادرة على إيجاد قاعدة تكنولوجية أصيلة تقود عملية التنمية؛ لتخرج الأمة من التبعية والاعتمادية إلى الريادة والتأثير، فضلاً عن تقديم صور السلوك الفردي والجماعي والقومي التي تليق بالأمة الوسط من جانب، وتدعم أهداف التنمية الشاملة من جانب آخر. ٧ - تكوين تصور نظري ووضع سياسة عملية لإنشاء أجهزة إعلامية ذات صبغة إسلامية تحافظ على هوية المجتمع الإسلامي من جانب، وتعمل على تنمية الشخصية المسلمة من جانب آخر، وتدعم أهداف التنمية الشاملة من جانب ثالث بما يحقق حياة إسلامية شاملة يدركها الفرد والمجتمع المحلي، ويعترف بها العالم الخارجي ويقيم لها وزناً واعتباراً. ٨ - إنشاء قاعدة تكنولوجية وطنية حقيقية بجوانبها المادية الفنية والبشرية والإدارية، بما يوفر الأساس العلمي التقني للتنمية الشاملة ويحقق للأمة استقلالها، وينزعها من التبعية التكنولوجية والاقتصادية والسياسية. ٩ - بناء نظام سياسي يحقق العدالة ويكفلها، ويؤكد حق الأمة في اختيار ممثليها وحكوماتها، ويدعم الانتماء الوطني للأمة الإسلامية، ويحترم التعددية السياسية التي تلتزم بالشرعية الإسلامية، ويحفظ للأمة وحدتها وحضارتها وهويتها، ويهيئ المناخ الإيجابي للصفوة الرشيدة المخلصة. ١٠ - تكوين بناء اقتصادي مالي استثماري ينشأ ويدار على أساس العقيدة الصحيحة وتحقيق الحياة الكريمة لجميع أفراد المجتمع، على أن يتم مراجعة هذا البناء وتطويره على ضوء التوافق العضوي بين مقوماته وأهدافه الآتية: * حماية الأموال والمحافظة عليها باعتبارها أحد الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة للمحافظة عليها وحمايتها، شأنها في ذلك شأن الدين والنفس والعقل والعرض. * الاهتمام والرعاية المتوازنة لكل فئات المجتمع، مع منح رعاية وكفالة خاصة للفئات الضعيفة لضمان حياة آدمية كريمة لهم. * وضع معيار مركب خاص بالتنمية يلائم الأمة الإسلامية ليجمع بين جوانبه العقائدية والاقتصادية والقيمية والأخلاقية والاجتماعية والثقافية والسياسية، بما يحقق للأمة هويتها الإسلامية ومكانتها الدنيوية المتحضرة المعتبرة من الكيانات الأخرى في المجتمع الدولي. * إعطاء الأولوية للاستفادة من الموارد والإمكانيات المحلية وتعظيم الانتفاع بها، وحمايتها وتنميتها، وإيجاد ميزة تنافسية من خلالها، وزيادة الاعتماد على المكونات المحلية في التصنيع والإنتاج. * الالتزام الكامل بسياسة الإنتاج الوطني للمنتجات والسلع الاستراتيجية بصفة عامة، وما يتعلق بالأمن الغذائي والمعيشي والدفاعي بصفة خاصة. * إيجاد بيئة اقتصادية آمنة تكون مركز جذب استثماري تجاري لرأس المال الوطني والعربي والإسلامي والأجنبي على السواء، مع توفر البناء التشريعي والثقافي والأمني الذي يحقق ذلك. * تهيئة البيئة الاستثمارية لتحفيز المنشآت العائلية المفتوحة التي تحقق الربط السليم بين ملكية هذه المنشآت وإداراتها ودعمها من جانب، وإتاحة الفرص لصغار المدَّخرين والمستثمرين من جانب آخر بما يكفل الحرص على إنجاح هذه المنشآت والمحافظة عليها واستقرارها فضلاً عن تدعيم الجانب القيمي والأخلاقي المرتبطة به. * إنشاء مدن ومراكز بحثية متخصصة متكاملة تتفرغ للعمل البحثي، والتوصل إلى الابتكارات والاختراعات العلمية التي تخدم التنمية والاستقرار، ووضع السياسات والأنظمة التي تكفل الدعم والحماية لهذه المدن والمراكز البحثية، على اعتبارها محور تحدٍ استراتيجي مصيري للأمة في مواجهة التوجهات والتكتلات الدولية التي تحرص على بقاء المجتمعات والحكومات الإسلامية في حالة الانهزام والتبعية. * التعامل مع تنمية القرية والمجتمع الريفي، وكذلك الصناعات الصغيرة والمهن الحرفية بالمفهوم الحربي الاستراتيجي، على اعتبار أن مجالات التنمية هذه تمثل الصف الثاني أو الجبهة الداخلية للتنمية والاقتصاد القومي الذي يوفر للمجتمع حماية وحصانة اجتماعية واقتصادية يصعب على الكيانات الدولية اختراقها أو القضاء عليها، مما يعطى للأمة قوة حقيقية دولية من جانب، ويمد الحكومات بقوة تفاوضية مع كافة الكيانات والمؤسسات والحكومات الدولية.

стр. 3795

قضية للمناقشة عوائق في طريق المراجعات (٢ - ٢) محمد مصطفى المقرئ في الحلقة الأولى من هذا المقال أشار الكاتب إلى أهمية المراجعات التي ينبغي إعطاؤها دورها في مسيرة العمل الإسلامي، وما يُطلب من العلماء العاملين والدعاة المربين من تقوية هذه المسألة من حيث التنظير والتجذير واستنبات الثمار، ثم طاف بنا على أهم المعوقات ومنها إحسان الظن بالنفس وإغفال عيوبها، والإعجاب بالعمل، وتقديس المُقدَّمين والمغالاة فيهم، وعرَّج بنا ناحية الجهل والهوى، ولم يغفل الإشارة إلى الإرهاب الفكري الذي أصيب به بعضنا تأثراً بما تعانيه أكثر بلداننا، ثم توجه بنا إلى: خشية الشماتة، وتوهم فتنة الأتباع إن اعترفنا بالخطأ، وغير ذلك من المعوقات، وفي هذه الحلقة يتابع الكاتب بيان المعوقات الأخرى التي تعرقل التوجه السليم إلى مراجعات تستخلص من خلالها العبر والدروس. المعوق العاشر: استمراء الضلالة: لا ريب أن التوبة من المخالفة واجبة على الفور، ووجوبها على الفور هو لعدة معان: الأول: لمعنى ثبوت الخطاب التكليفي بالأوامر والنواهي، وبالتوبة ذاتها في حق العاصي حال عصيانه وعُقيبه، ثم على الدوام. والثاني: أنها وإن وجبت على الفور إلا أنها تُقبل ولو فعلت على التراخي، وذلك من رحمة الله جل وعلا القائل: [إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً] (النساء: ١٧) ، ولقول النبي ﷺ : «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» [١] . ولكن قوله تعالى: (مٌن قّرٌيبُ) مشعر بطلب الإسراع في فعل التوبة، ولذلك وردت الأدلة بفضيلة التعجيل بها، قال تعالى: [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ] (آل عمران: ١٣٣) ، ذلك أن التوبة وإن اتسع زمانها ليشمل حياة المكلف كلها ما لم يُصرَّ إلى سياق الموت؛ إلا أن هذه اللحظة التي نوافي فيها المنيَّة هي من الغيب المكنون المخفي عن العباد [وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ] (لقمان: ٣٤) . فلو فرض أن للعباد سعة في تأخير التوبة من الوجهة الشرعية، وهو غير مسلَّم؛ لما كان لهم سعة من جهة الزمن لجهالتهم بالمدى المتاح لقبولها؛ فلحظة الموت غيب مجهول، وقد تأتي فجأة بغير إنذار [لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَئْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ] (يونس: ٤٩) . وقوله تعالى: [فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ * فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ] (الواقعة: ٨٣-٨٧) . الثالث: أن طول الأمد في الإقامة على المخالفة: يحرم المرء نور البصيرة، ويحجب قلبه عن مولاه، ثم يشتد هذا الحجاب ويَصْفُق كلما طال تلبُّسه بالمحظور، فإذا النفس تستمرئ العصيان وتألفه، حتى لا ترى به بأساً! ! [أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ] (الحديد: ١٦) . قال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: «من سعادة المرء أن يوفق للصواب والخير، ومن شقوة المرء أن لا يزال يخطئ» ، ذكره ابن وهب في كتاب العلم من جامعه [٢] . فكل لحظة تمر على العبد وهو مقيم على المخالفة يُنكت بها في قلبه نكتة سوداء، وذلك هو الرين الذي قال الله تعالى عنه: [كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ] (المطففين: ١٤-١٥) ، أي كما حُجبت قلوبهم بالعصيان عن نور الحق في الدنيا، تحجب أبصارهم عن رؤية الله تعالى في الآخرة، جزاءاً وفاقاً، وفي بيان أثر العصيان على الجنان يقول النبي ﷺ : «تُعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً. فأي قلب أُشرِبَها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نُكتت فيه نكتة بيضاء حتى تعود القلوب على قلبين: قلب أسود مُربادّاً كالكوز مُجخِّياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أُشرِب من هواه، وقلب أبيض لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض» [٣] ، «كالكوز مجخياً» أي: مكبوباً منكوساً. قال الحافظ ابن القيم: «.. وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلاً والباطل حقاً!!» [٤] . فأنى لمن كان هذا حاله أن يراجع نفسه، ولو فرض وراجعها؛ فبغير جدوى!! المعوق الحادي عشر: الفهم الخاطئ بأن التصويب يقتضي إهدار الفضل: فكأننا مطالبون أن نقبل قول المجتهد كله؛ فلا ننكر له خطأً، ولا نرد له رأياً، وإن عري من الدليل، حتى نثبت أننا نوقره ونحفظ له فضله! ! ولا تلازم بين رد الخطأ وإهدار الفضل، ولا بين حفظ الفضل والمتابعة على المخالفة، ولكن نصون لأهل العلم مكانتهم دون أن ننزل كلامهم منزلة الوحي المعصوم، [وَلاَ تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ] (البقرة: ٢٣٧) وإذا رددنا لمقدَّم رأياً؛ فبرأي مقدَّم مثله يسنده الدليل، ولكليهما كامل التوقير. قال العلامة ابن قيم الجوزية: «ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعاً أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح، وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتَّبع فيها، ولا يجوز أن تُهدر مكانته وإمامته ومنزلته في قلوب المسلمين» [٥] . وقال أيضاً: «فلو كان كل من أخطأ أو غلط تُرِك جملةً وأهدرت محاسنه.. لفسدت العلوم والصناعات، وتعطلت معالمها» [٦] . وقال الإمام الذهبي ﵀: «.. ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعُلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه.. يغفر له الله، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك» [٧] . وقال أيضاً: «وإنما يمدح العالم بكثرة ما له من الفضائل، فلا تدفن المحاسن لورطة، ولعله رجع عنها، قد يغفر الله له لاستفراغه الوسع في طلب الحق، ولا حول ولا قوة إلا بالله» [٨] . وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «.. ومتى لم تتبين لكم المسألة لم يحل لكم الإنكار على من أفتى أو عمل حتى يتبين لكم خطؤه، بل الواجب السكوت والتوقف، فإذا تحققتم الخطأ بينتموه، ولم تهدروا جميع المحاسن لأجل مسألة أو مائة أو مئتين أخطأت فيهن، فإني لا أدعي العصمة» [٩] . فشتان شتان بين النقد والنقض.. فالنقد: بيان للخطأ كما يوجبه الشرع دون إهدار المحاسن، والنقض: هدم للعالم بحسناته وسيئاته! ! والناس اليوم في أحد أمرين اثنين أو يكادون: الأول: إذا رضوا عنك تغاضوا عن أخطائك ولو كانت مثل جبل، والثاني: إن سخطوا عليك فتَّشُوا لك عن زلة ولو كانت قدر نملة.. وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تُبدي المساويا ورحم الله الإمام الشعبي إذ يقول: «لو أصبت تسعاً وتسعين، وأخطأت واحدة.. لأخذوا الواحدة وتركوا التسع والتسعين» [١٠] . إذن: المراجعة لا تقتضي إهدار الفضل، ولو اقتضته فلا رجحان لمفسدته أمام مفسدة الإقامة على المخالفة. المعوق الثاني عشر: المراجعة لا تقتضي بالضرورة تأثيم المجتهد المخطئ أو تبديعه، وإن اقتضت تصويب خطئه وبيان غلطه على وجه التحري والإنصاف: وذلك مبني على أصول قررها أئمتنا: منها: أن الحق المطلق لا ينحصر في واحد من الأمة، وإن وجد في عمومها على الدوام. ومنها: ليس كل من اجتهد يتوصل بالضرورة إلى معرفة الحق في كل مسألة يجتهد فيها، وهو معذور فيما يخطئ فيه بل مأجور عليه، ما بذل الوسع في فعل المأمور وترك المحذور وأخذ بأسباب ذلك قدر جهده. ومنها: أن الرجل من أئمة العلم قد يجتهد في مسألة أو أكثر فلا يصيب الحق ويوافق من حيث لا يقصد أهل البدع، فلا يلزم من ذلك أن يُبدَّع، وإن وُصِفَ قوله بالبدعة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق من جهة الرسول ﷺ وأخطأ في بعض ذلك، فالله يغفر له خطأه، تحقيقاً للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا: [رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا] (البقرة: ٢٨٦) » [١١] . فإذا اجتهد الإنسان في طلب الحق من الكتاب والسنة، وأخطأ في اجتهاده فهو مغفور له بنص الآية الآنفة، وكذا إذا استفرغ العالم وُسْعه في طلب الحق من الكتاب والسنة وأخطأ في بعض مسائل الاعتقاد فإنه لا يُبدَّع ولا يهجر من أجل خطئه أو أخطائه، وإن كان يقال في قوله: قول مبتدَع. لكن لا يلزم من ذلك أن يكون مبتدِعاً، فكما أن القول الكفري لا يلزم منه أن يكون صاحبه كافراً، فكذلك لا يلزم أن يكون قائل البدعة مبتدعاً، وكما أن تكفير المعين يحتاج إلى استيفاء شروط وانتفاء موانع؛ فكذلك تبديع المعين يحتاج إلى استيفاء شروط وانتفاء موانع، وعلى هذا فلا نبدِّع أمثال الحافظ ابن حجر العسقلاني، والقاضي أبي بكر بن العربي كما يفعله بعض المتسرعين؛ لأننا علمنا من سيرتهم تحريهم للحق وحرصهم على السنة، بل يُذكر للحافظ ابن حجر انتصاره لمذهب أهل السنة في الأسماء والصفات، في مواطن عدة من كتبه، بل وذمُّه للمذهب الأشعري الذي يرميه به هؤلاء المجترئون على الأئمة؛ فمن كان من ذوي الفضل في مثل حال هذين الإمامين الجليلين: بيَّنا خطأه، وأنه وافق الفرقة الفلانية في هذه المسألة، وإن كان ليس هو منهم، ولا على منهجهم في الاعتقاد [١٢] . ويقول شيخ الإسلام أيضاً: «والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم، كحال أهل البدع» [١٣] . ويقول الإمام الذهبي: «ولو أنَّا كلما أخطأ إمام خطأً في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفوراً له، قمنا عليه وبدَّعناه، وهجرناه، لَمَا سلم معنا ابن نصر، ولا ابن مَنْده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو الهادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة» [١٤] . ويقول ﵀: «ونحب السنة وأهلها، ونحب العَالِم على ما فيه من الاتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة: بكثرة المحاسن» [١٥] . فلو ساد هذا الفهم لما رأى أحدنا غضاضة من أن يُخطَّأ شيخُه أو طائفته، ولما حنق على المصوِّب أو الناقد، رائياً إياه متهجماً مجترئاً مهدراً لمكانة الشيخ أو الطائفة. المعوق الثالث عشر: العلاقة التصادمية بين فصائل العمل الإسلامي: أما آن لنا أن نتجاوز النظرة الحزبية الضيقة في تعاملنا مع المخالف؟ أم أننا لم نبلغ بعد من النضج والرشد ما يؤهلنا للتحرك كأمَّة؟ فهذه الفصائل والجماعات إن هي إلا روافد تصُبُّ في نهر الإسلام العظيم، أو هي جداول يتدفق عبرها ماء النهر، ليتوزع بها في كل سهل وليرقى تلكم الوديان. إن هذا الإخفاق المتكرر الذي تُمنى به محاولاتنا الحزبية لإقامة الدين، ينبغي أن يكرس قناعاتنا بضرورة تحركنا كأمة، وإن أفضل هذه الفصائل وضعاً هي أضعف من أن تتصدى لقضايانا المصيرية وحدها [وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] (الأنفال: ٤٦) ، ولا يفهمن من ذلك أنني أدعو إلى تفكيك هياكل هذه الفصائل والجماعات، أو أني أطالبها بحل نفسها! ! فذلك ما لا يقوله عاقل مدرك لحتمية العمل الموحد، فضلاً عن عالم بفرضيته [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] (آل عمران: ١٠٤) . ويخطئ من يرى أن الحركة الإسلامية باعتبارها تياراً: قد أخفقت بوصفها حركة تغييرية؛ ذلك أنها إلى يوم الناس هذا لم تخض تجربة حقيقية بكل طاقاتها مجتمعة، فتقاس بها قدراتها الفعلية، بل الواقع: أننا لم نتحرك بعد إلا كفصائل مستقلة، مفتتة الجهود والإمكانات، بل ومتعارضة المسارات أحياناً. إنه من المؤسف حقاً أننا ما زلنا نواجه عوامل التغيير والتأثير كجُزُر تتقاذفها أمواج المحيط وتُطوِّح بها العواصف والأعاصير، ولم نتراص بعد كقارة متلاحمة الأجزاء، متماسكة الأطراف. فالواقع أن القطع بإخفاق الصحوة لعجز فعلي تعانيه قضاء فيه نظر! ! ولربما كان الصواب أن يقال: إنما لم تدرك الصحوة أهدافها لسببين اثنين رئيسين: الأول: هذا التمزق الذي فتَّتت جهودها كعصي مفرقة لا تستعصي على الكاسرين. والآخر: عدم تأهلها إيمانياً وتربوياً، صحوة وأمة، لحمل رسالة الإسلام العظيم إلى العالمين. وهذا شأن لا يقتضي بالضرورة الحكم على مسيرتها بالإخفاق، أو بخس ما بذلته من جهود، أو غمط ما أنجزته من أعمال.. ذلك إذا ما قيست الصحوة بالمرحلة التي تعيشها، وحجم التحدي الذي تواجهه، ودرجة النضج التي بلغتها، في مدى لا يعد في أعمار الحركات عمراً. ولكن من الإنصاف أن نقر بنجاح الصحوة على أصعدة كثيرة، نعم.. وبدرجات متفاوتة، وألا نجعل مقياس النجاح والإخفاق مقوماً على أساس من الأهداف وحدها، بل يقال: إلى أي حال كانت ستصير الأمة لو أن هذه الصحوة لم تكن قائمة؟ وعَوْداً إلى موضوعنا: لو تأملنا في أي جماعة قائمة لوجدنا فيها العديد من التقسيمات التخصصية؛ مما يدل على اقتناعها بضرورة تحقيق التكامل فيما بينها، وهذا لا ريب أصل لا غناء عنه كي تتمكن من أداء رسالتها. وبقطع النظر عن طبيعة منهجها الحركي وتوجهها الفكري؛ فالكل في هذا الأصل سواء. إذن واقعنا العملي بوصفنا جماعات قائم شاهد على حتمية التنوع التكاملي.. فلماذا لا نكون كذلك من ناحية أننا أمة أو صحوة عامة؟ ! ولماذا لا نسلِّم بإمكانية جعل العلاقة بيننا بوصفنا إسلاميين علاقة تكاملية لا تصادمية، وهذا عندي أمر لازم يقابله الواجب، لا مجرد ممكن يقابله الجواز؟ ! إن أعداء الصحوة أنفسهم أدركوا هذه الحقيقة المقررة آنفاً، وثبت لديهم أن أخفَّ صور التمسك بالدين تصَبُّ في النهاية ضد تصوراتهم وخططهم، ولأجل ذلك اعتمدوا سياسة تجفيف المنابع التي تعني طمر أي عين وإن كانت ناضبة قبل أن تتفجر وتنهمر على يدي مُنقِّب عن الخير! ! فالفسيلة الإسلامية في سياساتهم يجب أن تدهس، وإلا صارت نخلة تستعصي على القالعين [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ] (الصف: ٨) . لقد آن لنا أن ننبذ هذه العلاقة التصادمية، وأن نبحث عن صيغة للتعاون، أو على الأقل نوجد صيغة لكف الصراع، ولا سيما ونحن نعيش عصر التكتلات، تلك التي لم تجتمع على شيء اجتماعها على حرب الإسلام، والله تعالى أعلى وأكبر [شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ] (الشورى: ١٣) فليس بمثل الوحدة يواجه تكتل الباطل. ولَكَم أهدرت الفُرقة من جهود وأوقات! ولَكَم استغرقتنا المنابذات الحزبية حتى غيبت وعينا التربوي، وغمستنا في ألوان من الفتن والصراعات، ولوثتنا بأصناف شتى من آفات اللسان، بل ووصلت في بعض الأحيان إلى شهر السنان!! أيرجى مع هذه الأجواء التصادمية المسعرة أن نجد فراغاً للوقوف مع أنفسنا، والتفتيش عن مكامن الخلل فينا؟ ثم أيؤمل مع حرص كل فريق منا على تزكية ذاته، والتأكيد على أنه الأنقى منهجاً والأكمل تجربة؛ أن نقبل بفقه المراجعات، ونجعله قيد التطبيق؟ عسى.. وبقيت هاهنا نقطة: هل الخلق مستوون فيما منحهم الله تعالى من ملكات وميول؟ أو أن الله تعالى وزَّع هذه وتلك كتوزيعه الأرزاق؟ قال تعالى: [وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ] (الأنعام: ١٦٥) ، وقال: [وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ] (النساء: ٣٢) ، وقال: [نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ] (الزخرف: ٣٢) . فإذا كان الناس متفاوتين في مواهبهم، متباينين في ميولهم، فكيف تُستثمر طاقاتهم إن حُملوا على نوع واحد من العطاء، وهل يستقيم أن يهدر كل فصيل جهود طوائف من الأمة إذا لم تتجاوب مع تخصصه النشاطي: من دعوة، أو جهاد، أو تعلم، أو تبليغ، أو غير ذلك؟ ! المعوق الرابع عشر: الضغوط المتوالية التي تعانيها الصحوة الإسلامية، وسياسات الإجهاض وتجفيف المنابع التي تقوض عمليات البناء: ولا بد لإيضاح هذا المعنى من تقرير أمور عدة نتحراها فيما يلي من مطالب: المطلب الأول: البلاء في التصور الإسلامي: جزء تكويني داخل في التركيب الأصلي لمسيرة دعوة الله، وذلك كما قال جل وعلا مخاطباً أكرم الخلق عنده ﷺ : [وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَأِ المُرْسَلِينَ] (الأنعام: ٣٤) ، وقال لسائر خلقه: [أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ] (العنكبوت: ٢-٣) ، قال الحافظ ابن كثير: «ومعناه أن الله لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان، كما جاء في الحديث الصحيح:» أشد الناس بلاءاً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل، فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء « [١٦] . وقال ابن كثير: [أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ] (العنكبوت: ٤) أي لا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يتخلصون من هذه الفتنة والامتحان، فإن مِن ورائهم من العقوبة ما هو أغلظ من هذا وأطم [١٧] . وعلى هذا فمن فرَّط في فعل الواجب والتزام الشرع دفعاً للبلاء: عومل بنقيض قصده، وخاب ظنه، وكان عند الله مذموماً، ولا يغرنك زعم مدَّع أن الحكمة هي ألا تبتلى أبداً، إنما الحكمة أن تفعل الواجب ما دمت متقيداً برجحان مصلحته على مفسدته. المطلب الثاني: إذا وقع البلاء على وجه من الحكمة فهو تكوين تربوي يُفرز من المعاني الإيمانية ما يعجز التربويون عن جلبه، وهذا الأثر التربوي يحصل لكل متثبت في البلاء محتسب الأجر عليه عند الله، سواء كان مصيباً فيما جلب عليه البلاء أو مخطئاً، ولكن قد يقع بالخطأ من الفتن أضعاف ما يحصل من آثار تربوية، ونحن مطالبون من جهة الشرع باعتبار النتيجة الكلية وترجيح المصلحة العامة. ولكن حديثنا هنا عن أثر البلاء عموماً. ومن ثم فإن عمليات البناء وإن تعرضت لعمليات تقويض أو إجهاض إلا أن هذا القدر المجهض يضاف رغم ذلك إلى رصيد الأمة.. [وَأَوْرَثْنَا القَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا] (الأعراف: ١٣٧) . المطلب الثالث: يجب على المربين أن يجتهدوا في تحقيق الموازنة بين الإقدام والإحجام، حتى يكون المرء في ذلك على التوسط والاعتدال، فلا يُفْرِط في كراهية البلاء حتى يكره أسبابه الشرعية التكليفية، ولا يُفْرِط في الانضباط بمعنى المصلحة: فيندفع ويتهور، أو يجبن ويتبلد.. يقول الصحابي الجليل خباب بن الأرت:» شكونا إلى رسول الله ﷺ ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: «ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال:» قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، واللهِ ليتمن اللهُ تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون « [١٨] . المطلب الرابع: أن أعداء الله لن يخلُّوا بيننا وبين ما يكرهون [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا] (البقرة: ٢١٧) ، ولكن هناك فرص تسنح من خلال تعارض المصالح أو التقائها، والمبطلون يضطرون لبذلها، أو التغاضي عنها حرصاً على مصالحهم تلك لا محبة للصحوة طبعاً. المطلب الخامس: أنه ما من مرحلة من تاريخ الأمة، إلا وكان فيها لدعوة الله أعداء؛ فإن يكن أعداء اليوم أشدهم، فإن بقاء الأمة على أصل الإسلام رصيد عظيم يستحيل على أهل الباطل أن يبددوه؛ فهو كمحيط منساح في مشارق الأرض ومغاربها، فأنى لهم أن يجففوا منابع الخير والمددُ لا ينقطع عنها أبداً؟ . إنهم إن نجحوا في شيء فلن يتجاوزوا هدم جدران البيت وسُقُفه وبعض نوافذه وأثاثاته، ولكن ستظل القواعد والأعمدة راسخة ثابتة، ويبقى البيت دائماً في عناية المشيدين حتى يأذن الله بتمامه. قال ﷺ :» إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ... وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوِيَ لي منها « [١٩] . أما قول الشاعر: متى يبلغ البنيان يوماً تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟ فجوابي عنه: يوم يقدر البناؤون على حماية ما بنوا، ويتخلى المقهورون عن حماية من يهدم.. وذلك يحتاج إلى صبر طويل، وصياغة للأمة على نار هادئة.. وليس انطفاؤها من هدوئها، بل لا بد من أن ندارئ عنها حتى تظل موقدة، فلا نسعِّرها مع عجزنا عن أن نحوطها من ورائها، ولا نصب عليها الماء البارد فتنطفئ، وإنما نزكيها عندما تكتمل معطيات النضج وقطف الثمار. وقد عارضت البيت أعلاه بقولي: بلى يبلغ البنيان يوماً تمامه ... إذا كنت تبنيه وعزمك صارم ولست إخال هذا يكون إلا من خلال صحوة واعية حكيمة، وحركة تحشد طاقات الأمة في منظومة عمل جماعي موحد، عمل تتكامل فيه الطاقات والإبداعات ولا تتصادم، ويكون العلماء في مقدمته وعلى رأسه قواداً للسفينة، فيسيِّرونها على أساس من قواعد الشرع وأصوله، ويضبطون توجهها ومدى سيرها بحسب حال الريح واتجاهها.. حين يستقر هذا الفهم في قناعاتنا الفعلية يحق لنا عنده أن نردد: سنعود للدنيا نطب جراحها ... سنعود للتكبير والتأذين ستعود فُلْك الحق تحمل جنده ... وستنتهي للشاطئ المأمون تعيش الصحوة الإسلامية في هذا المعترك المستعر، ووسط أجواء من صراع لا تتوقف رحاه، فتدع المراجعة بدعوى أنه لا وقت للتوقف، وأنه لا مجال لإمهال المسيرة فرصة إعادة النظر، ومعاودة الترتيب، وما هكذا تورد الإبل يا سعد.. بل الصواب أن يقال: وكيف يؤمن المسير ويرشد توجه الركب دون ترتيب لما يجب فعله، وتفتيش عن خلل يعطل أو يعوق، وإدراك لمراحل الطريق، وتقدير لعواقب الأمور، واستبصار بمآلات الأعمال؟ فالمراجعة لا تقل أولوية عن السير نفسه، وإلا فهو الضرب في المفاوز خبطاً على غير هدى، [كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ] (الأنعام: ٧١) . المعوق الخامس عشر: ضغط الحياة اليومية، واستغراق المطالب الدنيوية للجهود والأوقات: هل استطعنا أن نبلغ بوعي الناس ما يجعل الإسلام عندهم على رأس أولوياتهم؟ هل تعبنا من أجل غرس محبة هذا الدين في قلوبهم، حتى يكون أحب إليهم من أموالهم، وأهليهم وأنفسهم، ومن الماء البارد؟ إننا لو أحببنا ديننا كما يجب، فسنقبل عليه بكلياتنا، ومهما كانت مطالبنا الدنيوية، ومهما تزايدت ضغوط الحياة اليومية.. سيبقى الإسلام في الحس وفي الفؤاد، يملأ علينا أذهاننا، ويسيطر على خواطرنا، ستجدنا عندئذ نتحرك به في حلنا وترحالنا، في شغلنا وفراغنا، نبيت عليه ونصبح به، نستقطع من راحتنا لنشاطه، ونأخذ من نومنا ليقظته، ومن عافيتنا لعافيته، ومن أموالنا لغناه، ومن أبنائنا لمستقبله.. [قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ] (التوبة: ٢٤) . إن انصراف المرء إلى دنياه هو في حد ذاته بلاء يستوجب وقفة مع النفس، ويستثير قلقاً على الإيمان أن يتبدد، ويستجلب خشية من سوء الخاتمة، أو كذلك ينبغي أن يفعل.. ومن الدنيا وصوارفها يحذرنا النبي ﷺ : » .. فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم « [٢٠] ، وهذا ما يريده أعداؤنا؛ إنهم يمكرون الليل والنهار لأجل أن تصبح الدنيا أكبر همنا ومبلغ علمنا؛ فيسهل عليهم استخفافنا، كما حكى الله تعالى ذلك عن طريقة رأس الطغاة الأول (فرعون) مع قومه: [فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ] (الزخرف: ٥٤) .. فكأن الطغاة به يهتدون [أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ] (الذاريات: ٥٣) . والمسؤولية الكبرى تقع على الدعاة إلى الله، أن يقللوا هم من الدنيا ويستزيدوا من العطاء للدين؛ فإن الناس نماذج تستنسخ وفق الأسوة المتبعة؛ فإن كان الأصل حائلاً باهتاً كانت النسخ أشد كلوحاً وحَوْلاً، وإلى الله الشكوى.

стр. 3796

مراجعات في السيرة والتاريخ ضوابط استخراج الدروس والفوائد التربوية من السيرة د. محمد بن صامل السلمي إن استخراج الدروس والعبر والأحكام من حوادث السيرة النبوية من أهم أهداف الدراسة لها وأعظم فوائدها؛ لكن هذا الأمر لا يستطيعه كل باحث أو قارئ للسيرة؛ لأنه يحتاج إلى مرجعية شرعية، وإلى ضوابط تضبط طريقة الاستنتاج، وبالنظر إلى مناهج الاستدلال والاستنباط عند علماء المسلمين؛ فإنه يمكن معرفة ضوابط استخراج الدروس والفوائد التربوية من خلال طريقهم في البحث والاستدلال وفقاً للخطوات الآتية: ١ - التأكد من صحة الحدث أو الواقعة التاريخية حتى يصح الاستدلال بها: وذلك أن السيرة النبوية جزء من السنة النبوية التي هي أحد مصادر الأحكام الشرعية؛ فلا بد من التثبت من صحة الحادثة. ونجد أن العلماء يسلكون في منهج التوثيق لأحداث السيرة منهج علماء الحديث النبوي، لكنهم يفرِّقون في النتيجة بين الأحداث والوقائع التي تبنى عليها أحكام شرعية واعتقادية، وبين الأحداث التي لا تؤخذ منها الأحكام مثل الفضائل، وأخبار الحضارة والعمران، فيتشددون في الأولى ويتساهلون في النوع الثاني من الأخبار، كما رُوي ذلك عن الإمام أحمد، وابن مهدي، وابن المبارك [١] ، وأمثالهم. ٢ - بذل الجهد في جمع الأخبار الواردة في الموضوع الواحد: وهذه هي الطريقة العلمية الصحيحة حيث يحيط الباحث بجميع الأخبار الواردة في الموضوع، بل يجمع الطرق والألفاظ لكل نص حتى يستطيع أن يخرج بحكم صحيح وتصور واضح، ويَعْرف المتقدم من المتأخر، والعام من الخاص، والألفاظ يفسر بعضها بعضاًَ، وبهذا يتمكن من الجمع بين النصوص والأخبار المتعارضة، أو ترجيح أحدهما على الآخر على وجه صحيح. مثال ذلك: لو احتج بعض الباحثين أنه لا يجوز الدعاء على الكفار؛ لأن الرسول ﷺ لما قال له بعض الصحابة ﵃: ادع الله على ثقيف؛ قال: «اللهم اهدِ ثقيفاً» [٢] . واحتج آخر بأنه لا يجوز الدعاء للكفار بل يدعى عليهم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف» [٣] ، فكيف العمل؟ نقول: إن الحديث الأول ضَعّف بعض أهل العلم إسناده، لكن لمعناه شاهد من حديث أبي هريرة عند مسلم قال: قدم الطفيل وأصحابه، فقالوا: يا رسول الله! إن دوساً قد كفرت وأبت، فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس. فقال: «اللهم اهد دوساً وائت بهم» [٤] . وبهذا نلجأ إلى الجمع بين الخبرين، فيقال: إنه يجوز في بعض الأحوال الدعاء للكفار الذين ترجى هدايتهم، ومن لا ترجى هدايته مع كثرة أذاه للمسلمين فيدعى عليه. ٣ - معرفة حدود العقل في نقد الأخبار: المنهج النقدي الذي اتبعه العلماء المسلمون في نقد الأحاديث والأخبار النبوية يتناول نقد السند ونقد المتن، فلم يكتفوا بالنقد الخارجي للنص (نقد السند) وإنما نظروا إلى داخل النص، وقرروا ضوابط في نقد المتون منها: سلامة النص من التناقض، وعدم مخالفته للوقائع والمعلومات التاريخية الثابتة، وانتفاء مخالفته للأصول الشرعية، وعدم اشتماله على أمر منكر أو مستحيل ... إلخ [٥] . ورغم تطبيقهم لمثل هذه المقاييس الدقيقة إلا أنهم يحترمون النصوص الثابتة سنداً، ويعرفون حدود العقل في نقد الأخبار، ويبتعدون عن المجازفات العقلية؛ فإن في أمور الشرع ما لا يستقل العقل بإدراكه؛ بل هو فوق طاقته؛ وذلك مثل البحث في كيفية الصفات الإلهية، وأمور الغيب، ودلائل النبوة ومعجزاتها؛ ولهذا يجب الوقوف عند النصوص الثابتة وعدم معارضتها بالمقولات العقلية، أو متابعة الفكر المادي والفلسفات الوضعية التي أشاعها المستشرقون ومن تأثر بهم؛ فقد أنكر بعضهم حادثة شق صدره ﷺ وهو شاب في بادية بني سعد، بينما الخبر ثابت في صحيح مسلم [٦] ، وقد أفادنا راوي الحديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي خدم رسول الله ﷺ بعد الهجرة، ودخول الرسول صلى الله عليه وسلم العقد السادس من عمره أنه رأى أثر المِخْيَطِ في صدره صلى الله عليه وسلم. وهذا نص واضح يلغي أي محاولة لتأويل النص والقول بأنه تطهير معنوي. ٤ - أحكام الدعوة خاضعة للنصوص الشرعية في الكتاب والسنة وليست خاضعة للتجارب: وهذا أمر له أهميته؛ إذ إن الوسائل وإن كانت غير محدودة لها أحكام المقاصد؛ فكل وسيلة أفضت إلى محرم أو خالفت نصاً شرعياً فإنها محرمة. مثال ذلك: لو استدل بعضهم بجواز زيارة كنائس النصارى ومشاركتهم في أعيادهم واحتفالاتهم وذلك من باب التأليف والدعوة لهم، أو إعطاء صورة حسنة عن تسامح المسلمين ونفي التشدد عنهم، وقال: هذه وسيلة مجربة ووجدت ناجحة؛ فهل هذا يكفي للاستدلال؟ وهل استدلاله صحيح؟ نقول: هذا لا يكفي في الاستدلال؛ وذلك أن تلك الوسيلة التي يقول إنها مجربة وناجحة وسيلة غير شرعية؛ لأنها أفضت إلى مخالفة نصوص شرعية تنهى عن الدخول على الكفار في أماكن عبادتهم التي يشركون فيها بالله، كما تنهى عن تهنئتهم بأعيادهم فضلاً عن مشاركتهم فيها [٧] . ٥ - ملاحظة المراحل التي مرت بها السيرة النبوية ونزول التشريع: فمن المعروف أن الأحكام والتشريعات قد نزلت على مراحل وبالتدريج حتى استقرت واكتمل التشريع، وبوفاته ﷺ انقطع الوحي وثبتت الأحكام؛ فمثلاً تحريم الخمر جاء على مراحل، أولاً: بيان أن فيها إثماً كبيراً كما قال تعالى: [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا] (البقرة: ٢١٩) ، ثم في مرحلة ثانية جاء النهي عن شربها قرب أوقات الصلوات، كما قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ] (النساء: ٤٣) ، وثالثاً: جاء الأمر بتحريمها نهائياً وفي كل وقت، كما قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (المائدة: ٩٠) . وهذا هو الحكم الثابت والمستقر، وهو تحريم الخمر وأنها من الكبائر وأمُّ الخبائث. ومن الأمثلة التي قد يطرحها بعض الناس ويجادل فيها: مسألة تغيير المنكر باليد، وأن النبي ﷺ في العهد المكي لم يغير المنكر باليد، ولم يكسر شيئاً من أصنام المشركين في مكة؛ وحيث إن الدعوة قد يأتي عليها زمان وحالة من الضعف تشبه الحالة المكية؛ ولهذا فإنه يترك تغيير المنكر بحجة مشابهة الحال للحال. نقول: إن هذا الاستدلال غير صحيح، ومعارض لنصوص شرعية مثل قوله ﷺ : «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» [٨] . فتغيير المنكر كما نص عليه الحديث هو بحسب القدرة والتمكن من التغيير، ونص أهل العلم على ضابط في ذلك وهو ألاّ يترتب على تغيير المنكر المحدد منكراً أعظم منه [٩] ؛ فليست العلة في ترك تغيير المنكر لأجل النظر إلى المرحلية ودعوى مشابهة الحال بالعهد المكي، ولكنها عدم التمكن، ومن تمكن من تغيير المنكر بضابطه الذي ذكره أهل العلم فالواجب عليه القيام بذلك. وكذلك الجهاد في سبيل الله قد جاء تشريعه على مراحل، واستقر الحكم على المرحلة الأخيرة وهي وجوب قتال الكفار كافة ابتداءاً وطلباً، ولكن هذا منوط بالقدرة عليه والتمكن منه، فلا يجوز إيقاف الجهاد وتعطيله بدعوى مشابهة الحال للعهد المكي الذي كان الجهاد فيه ممنوعاً كما قال تعالى: [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ] (النساء: ٧٧) . بل يجب على المسلمين الاستعداد وتكوين القدرة على الجهاد التي يحصل بها النكاية في العدو وحماية المسلمين من شره، وتتحقق بها أهداف الجهاد وغاياته. وبهذا يتضح الفرق بين المرحلية في التشريع وسير الدعوة في عهد النبي ﷺ ، وبين المرحلية في اكتساب القدرة والاستعداد للجهاد بما يستطاع من عُدته، ومن ثمّ البدء بالمواجهة وتغيير المنكر. ٦ - ملاحظة أن الرسول ﷺ قد اتخذ بعض المواقف، وعقد بعض المعاهدات بموجب ما أوحى الله إليه: الدارس للسيرة النبوية يجد أن الرسول ﷺ قد أُمِرَ من الله باتخاذ موقف محدد في بعض الحالات، وقد أُعْلِم ﷺ بأن مآل هذا سيكون خيراً على المسلمين في حين أن ظاهره غير ذلك، مثل قبوله صلى الله عليه وسلم بعض الشروط في صلح الحديبية التي ظاهرها الحيف على المسلمين [١٠] ؛ ولذلك أنكر بعض الصحابة القبول بها وجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستغربين ومستفسرين، فلما علموا أنه قد أُلْهِم فيها وحياً من الله رضوا، ثم تحقق بعد الصلح والانصراف من الحديبية أن هذا الأمر كان فتحاً عظيماً بتقدير الله حيث نزلت سورة الفتح وسمَّت صلح الحديبية فتحاً مبيناً، ثم صار الأمر أن تنازل المشركون عن شرطهم الظالم؛ حيث انقلب ضد مصلحتهم وجاؤوا إلى رسول الله يطلبون موافقته على ذلك [١١] . وبهذا يتضح أن قبول الرسول ﷺ لشرط قريش الجائر وغير المكافئ كان بوحي من الله، وأن الله قدر أن مآله إلى خير للمسلمين. ولكن هذا خاص برسول الله ﷺ الذي يوحى إليه، أما والي أمر المسلمين وخليفتهم فيجب عليه الاجتهاد في مصلحة المسلمين وعدم مهادنة العدو أو عقد الصلح معهم على شروط فيها ذلّ للمسلمين أو تفريط بحقوقهم وقضاياهم، أو قبول شروط فيها ضياع دينهم وعقيدتهم كما يحدث الآن في فلسطين؛ حيث إن من أسس المصالحة المقترحة نبذ الدين والاحتكام إلى القوانين الوضعية، وقيام نظام علماني يحكم المسلمين في فلسطين. ٧ - هناك أمور في السيرة النبوية وقع تحديدها قدراً واتفاقاً فلا يقاس عليها: مثال ذلك: كون الفترة المكية ثلاث عشرة سنة، وهي فترة الإعداد والتربية والصبر على الأذى وعدم المواجهة، فلا يُلتزم بالمدة في الإعداد والتربية؛ لأنها ليست شرطاً ولا مقصودة وإنما هذا يختلف بحسب الأزمنة والأمكنة والأحوال المحيطة. ومثل الاستدلال بإنزال النبي ﷺ طائفة من أصحابه الغرباء والفقراء في صُفَّة المسجد على مشروعية بناء الزوايا الصوفية. وهذا استدلال غير صحيح، والغرباء الذين نزلوا الصُّفَّةَ من أصحاب النبي ﷺ كانوا من العزَّاب والفقراء الذين لا يستطيعون تدبير سكن لهم، ولم يكن عند النبي ﷺ في أول الأمر دار ضيافة ولا نُزُل، ولذا كان إنزالهم في المسجد حلاً لمشكلة، وتوظيفاً لمكان موجود، وبياناً لبعض وظائف المسجد، وهم ليسوا منقطعين عن العمل بل يعملون إذا تيسر لهم ذلك، ويبادرون إلى الخروج في السرايا والغزوات، ويتعلمون القرآن والأحكام طيلة مكثهم في المسجد، ومجرد نزولهم الصفة لا يعطيهم فضيلة أو منزلة يتميزون بها عن بقية الصحابة؛ فليس منقبة لأحدهم أنه نزل في الصُّفَّة كما يقال في مناقب الصحابة: مهاجري، بدري، عَقَبي بايع تحت الشجرة ... إلخ من المناقب والمشاهد العظيمة مع رسول الله ﷺ . وبهذا يتضح الفرق بين الصُّفَّة النبوية ومن نزلها، وبين الزوايا الصوفية البدعية؛ في الأصل والهدف والغاية [١٢] ، وأنه لا يمكن الاستدلال بالصُّفَّة النبوية على جواز بناء الزوايا الصوفية التي تُمثِّل انحرافاً عن المنهج النبوي في التعبد والسلوك والجهاد والدعوة.

стр. 3797

حوار حوار مع فضيلة الشيخ محمد بن إسماعيل العمراني يجب على المسلم أن ينصف من نفسه.. لا أن يعتقد ثم يبحث أجرى الحوار: بشير البعداني ضيفنا في سطور القاضي محمد بن إسماعيل العمراني أقرب علماء اليمن إلى الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني. يأسرك بحديثه المسترسل السهل وبأسلوبه القصصي، زادته الأيام حكمة وخبرة في مجال الفتيا، رغب في إجراء الحوار في المكان الذي تعوَّد أن يلقي فيه درسه اليومي بمسجد الزبيري قبل صلاة الظهر؛ ولولا أن الوقت ضاق بنا لقضينا معه وقتاً أطول، ولجنينا منه فائدة أكبر، وإليكم تفاصيل الحوار. البيان: فضيلة الشيخ محمد بن إسماعيل العمراني: في البداية حبذا لو أعطيتم القارئ الكريم نبذة مختصرة عن حياتكم ومشايخكم ومؤلفاتكم؟ * ولدت عام ١٣٤٠هـ الموافق ١٩٢٢م، وقد درست الابتدائية والإعدادية في المدارس التي وجدت قبل سبعين عاماً، وحصلت فيها على شهادة من مدرسة الفليحي وأخرى من مدرسة الإصلاح، ثم بدأت بعد ذلك في دراسة علوم اللغة العربية والعلوم الشرعية كالفقه والحديث والتفسير والفرائض والنحو والصرف والمعاني والبيان وغيرها؛ وذلك على يد عدد من العلماء منهم: القاضي العلاَّمة عبد الله حُميد، والعلاَّمة أحمد بن محمد زبارة، والعلاَّمة الحسن بن علي المغربي، وعلي بن حسن المغربي، وعبد الله بن عبد الكريم الجرافي، والعلاَّمة عبد الله بن محمد السرحي، وغيرهم من علماء صنعاء الذين أجازوني جميعاً بجميع ما صح لهم: سماعاً وقراءة وإجازة عن مشايخ الإسلام ﵃ أجمعين. كما أجازني جماعة من علماء اليمن كالعلاَّمة قاسم بن إبراهيم بن أحمد، والعلاَّمة عبد القادر بن عبد الله، والعلاَّمة أحمد بن أحمد الجرافي، والعلاَّمة محمد بن محمد زبارة، والعلاَّمة عبد الواسع الواسعي مؤلف كتاب: (الدر الفريد الجامع لما تفرق من الأسانيد) ، والعلاَّمة محمد بن حسن الأهدل صاحب مدينة (المراوعة) ، والعلاَّمة محمد بن محمد السماوي، وعبد الرحمن الإمباري من علماء زبيد، والعلاَّمة منصور عبد العزيز نصر من علماء مدينة (تعز) ممن أحسن الظن بي، كما قرأت على العلاَّمة محمد بن علي السراجي، والعلاَّمة البهلولي، والعلاَّمة علي بن هرار الدبب، والقاضي العلاَّمة يحيى بن محمد الإرياني، والعلاَّمة عبد الكريم بن إبراهيم الأمير، والعلاَّمة عبد الخالق بن حسين الأمير، والعلاَّمة علي بن عبد الله الأنسي، والعلاَّمة عبد الوهاب الشماحي، والعلاَّمة أحمد بن علي الكحلاني، والقاضي أحمد بن لطف الزبيري. وأقرب سند لي إلى شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني ما أرويه عن القاضي عبد الله حُميد عن شيخه العلاَّمة علي السدمي عن شيخه جدي القاضي محمد بن محمد العمراني عن شيخه شيخ الإسلام الشوكاني جميع ما حواه ملف الشوكاني هو كتاب: (إتحاف الأكابر في مسندات الدفاتر) ، وأيضاً أقرب الأسانيد إلى الإمام الشوكاني ما أرويه عن القاضي عبد الله الجرافي عن المولى العلامة حسين بن علي العمري عن العلاَّمة إسماعيل بن محسن بن عبد الكريم بن إسحاق عن شيخ الإسلام الشوكاني بسنده المعروف في (إتحاف الأكابر) ، ولي سند قريب آخر وهو ما أرويه عن العلاَّمة قاسم بن إبراهيم بن أحمد عن القاضي العلاَّمة إسحاق المجاهد عن جدي القاضي محمد بن محمد العمراني عن شيخ الإسلام الشوكاني بسنده المعروف. وأيضاً من جملة أسانيدي القريبة إلى السيد العلاَّمة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني صاحب المؤلفات المشهورة ما يرويه جدي العمراني عن السيد العلاَّمة عبد الله بن محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني عن والده الإمام العلاَّمة البدر محمد بن إسماعيل الأمير بسنده المعروف في (إتحاف الأكابر) ، وفي غيره من الأسانيد. كما أروي عن شيخي العلاَّمة عبد الواسع بن يحيى الواسعي جميع ما تضمنه كتابه (الدر الفريد) من المقروءات والمسموعات والإجازات عن علماء اليمن وحضرموت والهند ومصر والشام وغيرهم من علماء الأقطار؛ كل ذلك قد أجازني به مشايخي، ومن جملة ما أرويه عن شيوخي المذكورين سابقاً الحديث المسلسل المروي عن معاذ بن جبل ﵁، وكذلك الأحاديث المسلسلة بالصلاة على النبي ﷺ ، وليس لي مؤلفات إلا بعض الرسائل والمجاميع؛ لكن طُبع لي كتاب تحت عنوان: (نظام القضاء في الإسلام) ، وهو محاضرات كنت قد ألقيتها في المعهد العالي للقضاء عن القضاء في العصر الجاهلي، وعصر النبوة، والخلفاء الراشدين، وتاريخ القضاء أيام الخلفاء الأمويين والعباسيين، ثم المماليك، ثم القضاء في اليمن، فقام المعهد العالي للقضاء بجمعها في هذا الكتاب. البيان: شهدت اليمن في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين حركة فكرية لا مثيل لها في البلاد الإسلامية، وكان من رواد هذه الحركة القاضي محمد بن علي الشوكاني، فما هي أبرز ملامح التجديد لدى الشوكاني؟ * في كل من القرن الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من الهجرة ظهرت في اليمن حركة علمية، وتحرر فكري، واجتهاد مطلق لم يوجد مثله في بلاد الشام أو مصر أو المغرب في ذلك العصر؛ وذلك لأن المذهب الزيدي يقرر أن كل مجتهد مصيب، وأن العالِم إذا حاز علوم الاجتهاد فعليه أن يجتهد ولا يقلد؛ لأجل هذا ظهرت حرية فكرية كان على رأسها السيد حسن الجلال مؤلف (ضوء النهار) وغيره، والعلاَّمة صالح بن مهدي المقبلي صاحب (العلم الشامخ) وغيره، ثم ظهر الشيخ العلاَّمة محمد بن إسماعيل الصنعاني بكتابيه (سبل السلام) و (منحة الغفار) وغيرهما، ثم جاء من بعده شيخ الإسلام القاضي العلاَّمة محمد ابن علي الشوكاني الذي كان في غاية من الاجتهاد ومن الاستقلال في الفكر منذ صغره؛ فقد بدأ يقرأ (شرح الأزهار) وعمره نحو أربعة عشر عاماً، وعندما كان الشيخ الذي قرأ عليه يقول: قال الشافعي كذا، قال أبو حنيفة كذا، قال الهادي كذا، يفكر في ذلك ويسأل: أيهما أصح من هذه الأقوال؟ فكان الشيخ يجيبه في كل مسألة: الذي عليه علامة حمراء يعني كلام الإمام المهدي في المذهب الزيدي هو الأصح، قال: لا يمكن أن يكون الحق معه في ألف مسألة من أول شرح الأزهار إلى آخره، فلا بد أن يخطئ مرة ويصيب أخرى، والشافعي هكذا، وكذلك أبو حنيفة، ولذا فأنا أريد أن تخبروني أين الصواب في كل مسألة؟ فقال له أبوه: نحن نعلمك المذهب الزيدي تقليداً، ولا يستطيع أحد أن يرجح في كل مسألة أي قول من الأقوال أصح؛ من أول الكتاب إلى آخره إلا العلاَّمة المجتهد. قال: هل يوجد في اليمن علاَّمة مجتهد يستطيع أن يقارن بين المذاهب، ويرجح في كل مسألة القول الصحيح عنده؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال: العلاَّمة عبد القادر بن أحمد صاحب مدينة (كوكبان) . قال الشوكاني: أريد أن أقرأ وأصبح مثل صاحب (كوكبان) ؛ حتى أعرف ما هو الراجح والمرجوح من أول مسائل شرح الأزهار إلى آخرها. قال: اقرأ علوم الآلة، وعلوم الاجتهاد، وهناك ستستطيع أن تعمل كل شيء. وفعلاً بدأ يقرأ علوم النحو والصرف، والمعاني والبيان، والأصول، وعلوم الحديث، وكتب التفسير وغيرها، ولم تمض عليه عشر سنوات حتى أصبح مجتهداً اجتهاداً مطلقاً، ولما دخل السيد العلاَّمة عبد القادر بن أحمد إلى صنعاء وزاره علماؤها ليدرسوا عنده، كان منهم الإمام الشوكاني، فدرس عنده إلى موته، وحينها كان قد بدأ يؤلف بعض مؤلفاته. البيان: هل هناك صلة بين الحركة الشوكانية في الهند والقاضي الشوكاني؟ * نعم هناك صلة قديمة بدأت بواسطة شاب هندي يسمى عبد الحق الهندي، وكان عالماً نشيطاً سافر من الهند إلى مكة والمدينة ثم إلى صنعاء وفيها أخذ عن الشوكاني بعض علومه ومؤلفاته، ودرسها عليه، وأجازه الشوكاني إجازة عامة، ولما رجع بعدها إلى الهند نشر علم الشوكاني في بلاده. ثم ظهر بعده صدِّيق حسن خان القنوجي، وكان من العلماء الأغنياء، وسبب غناه أن أحد ملوك الهند بمقاطعة (هوبار) كانت لديه بنت لا تريد الزواج إلا من رجل فقيه عالم، فزوَّجها بصدِّيق حسن، ثم من حُسن حظه أن توفي ملك هوبار، والقاعدة عندهم أن يتولى الحكم أولاده؛ ولأنه لم ينجب غير بنت واحدة، ولا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة نقلت زوجة صدِّيق المُلك إليه، وسمَّته: (الملك النواب صدِّيق حسن خان نائب الملكة) . ومن هنا استطاع أن يشتري مطبعة لأول مرة، وكانت لا توجد إلا في إستانبول والقاهرة، وعندها أرسل إلى زبيد ومكة وصنعاء من يشتري له مؤلفات الإمام الشوكاني المخطوطة كلها. ومن هنا انتشرت آراء الشوكاني، وأول ما طبعت مؤلفات الشوكاني في الهند قبل أكثر من مائة عام، حيث طبع (نيل الأوطار) و (إتحاف الأكابر في مسندات الدفاتر) وغيرهما، لذا فصدِّيق حسن خان يقول في مؤلفاته: «قال شيخي الشوكاني» ، وليس بشيخه وإنما شيخ شيخه، أو شيخه بمطالعة مؤلفاته؛ لأن الشوكاني توفي سنة ١٢٥٠هـ في صنعاء، وصدِّيق خان إذ ذاك كان طفلاً عند وفاة الشوكاني؛ حيث ولد في ١٢٤٦هـ؛ ولكن بواسطة عبد الحق الهندي أو غيره، أو بواسطة بيت الحازمي وهم سادة وعلماء في (صبيا) وكانوا يدرسون في صنعاء ويشترون مؤلفات الشوكاني وينقلونها إلى (صبيا) ثم جاءت رسل صدِّيق حسن واشتروا له الكتب بواسطة بيت الحازمي، وبواسطة القاضي محسن السبيعي أحد علماء (صبيا) . البيان: المذهب الزيدي يجهله كثيرمن أبناء العالم الإسلامي، فهل يمكنكم إعطاؤنا نبذة مختصرة عن نشأته، وظروف هذه النشأة، وأصول المذهب، وأبرز رجالاته؟ * أول من أصَّل أصول المذهب الزيدي هو زيد بن علي، ثم انقسم المذهب إلى فرعين هما: المذهب الناصري، والمذهب الهادوي. فالمذهب الناصري ذهب به الحسن الأطروش من المدينة إلى بلاد الجيل والديلم في إيران، ونشر المذهب هناك وبقي نحو ٤٠٠ عام، ثم انقرض المذهب الزيدي هناك. ويسمى المذهب الزيدي في الأصول والناصري في الفقه. أما اليمن فقد وصل الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم إلى اليمن في النصف الثاني من القرن الثالث من الهجرة. والمذهب الزيدي في العقائد يشبه المذهب المعتزلي إلا أنه يختلف معه في مسألة الإمامة، فالمعتزلة يقولون: خليفة النبي أبو بكر. والزيدي يقول: الخليفة علي بن أبي طالب، إلا أن أبا بكر وعمر وعثمان قد أدوا الواجب والمسنون وعملوا كل شيء، وسدُّوا الفراغ؛ ولذا فالمذهب الزيدي يحترم الخلفاء الثلاثة لكن لا يعترف بالإمامة إلا لعلي بن أبي طالب. ثم أصبح زيدية اليمن على مذهب الإمام الهادي. ومن جملة محاسن المذهب الزيدي أنه يفتح باب الاجتهاد لمن يريد أن يجتهد. أما في الفقه فهو مأخوذ من المذهب الحنفي، والمذهب الزيدي الهادوي لا يخرج إلا نادراً عن المذاهب الأربعة، وهو يوافق في أكثر المسائل واحداً منها ولا سيما المذهب الحنفي؛ إذ هما أخوان متقاربان. البيان: لكل مذهب من المذاهب الفقهية إيجابيات بارزة، فما أبرز إيجابيات المذهب الزيدي؟ * أنهم فتحوا باب الاجتهاد على مصراعيه من أيام الإمام الهادي إلى عصرنا هذا، وخصوصاً باب الاجتهاد المطلق، بينما بقية المذاهب الأخرى يبقى علماؤها مقيدين بالمذهب؛ فمثلاً بقي ابن حجر العسقلاني شافعي المذهب، وكذا الإمام النووي، وبقي ابن عبد البر والقرطبي مالكيين، أما علماء المذهب الزيدي فقد فتحوا باب الاجتهاد، وهذه ميزته. لقد أخرج لنا المذهب الزيدي علماء أحراراً مجتهدين، منهم، (الجلال) الذي يقول: لولا محبة قدوتي بمحمد / زاحمت رسطاليس في أبوابه فالمشكلات شواهد لي أنني / أشركت كل محقق بلعابه ومنهم المقبلي الذي قال في أول كتاب (العلم الشامخ) : «ها أنا ذاهب إلى رب سيهدين» ، يقصد: من العلماء من صار شافعياً أو زيدياً أو حنبلياً أما أنا فذاهب إلى رب سيهديني، وأعلن اجتهاده المطلق. وأخرج المذهب الزيدي أيضاً العلاَّمة المجتهد محمد بن إسماعيل الأمير مؤلف (سبل السلام) و (منحة الغفار) الذي قد برزت مؤلفاته في الأصول والحديث والفقه وغيره. فمن أهم ما يتميز به المذهب الزيدي أنه فتح باب الاجتهاد انطلاقاً من القاعدة المذكورة في أول متن (الأزهار) أن كل مجتهد مصيب. البيان: ما هي أهم الكتب المؤلفة فيه لإحالة القارئ إليها للاطلاع؟ ثم ما مدى قربه من المذاهب الأربعة؟ * سبق أن قلت إنه يتقارب كثيراً مع المذهب الحنفي ونادراً مع المذهب الحنبلي، أما الكتب المؤلفة في المذهب فهي كثيرة جداً، ومما طبع منها: كتاب (الأحكام) للإمام الهادي، و (شفاء الأوام) للأمير الحسين، وكذا متن (الأزهار) وشرحه (المنتزع المختار من الغيث المدرار) المشهور بـ (شرح الأزهار) ، و (التاج المذهب) ، و (الروض النضير) شرح مجموع زيد بن علي، و (البحر الزخار الجامع لعلماء الأمصار) ، وشرح (الفرائض) . البيان: ما مدى تأثير المذهب الجعفري على المذهب الزيدي اليوم، ومن يقود العمل في هذا الاتجاه؟ وما هي أبرز نقاط الالتقاء والافتراق بين المذهبين؟ وما هي الأهداف الخفية وراء تهميش المذهب الزيدي وطغيان المذهب الجعفري؟ * المذهب الزيدي غير المذهب الجعفري وبينهما بون شاسع؛ فالجعفري يقول مثلاً بعصمة الأئمة أما الزيدية فلا تقول بعصمتهم. الجعفري يقول بأن الأئمة اثنا عشر إماماً فقط، أحد عشر مضوا، والثاني عشر سيأتي في آخر الزمان؛ بينما الزيدي يقول بأن من كان قوياً عالماً مجتهداً صالحاً سخياً شجاعاً علوياً فاطمياً يصلح أن يكون إماماً كذلك. الجعفري يقول بنكاح المتعة بينما الزيدي لا يقول بذلك. لكن مع الأسف الشديد أن بعض الزيدية في هذا العصر خلطوا فأصبحوا يقرؤون كتب الجعفرية ويفتون بأن أهل البيت مظلومون، وكذا وكذا ... مثلما يفعل الجعفرية؛ مع أن الجعفرية لا يعترفون إلا باثني عشر إماماً ليس منهم الإمام زيد بن علي ولا الإمام الهادي. ومع أن الإمام زيد بن علي برئ منهم وسمَّاهم الرافضة، وقال لهم: اذهبوا فأنتم الرافضة. وكذلك الإمام الهادي في كتاب الأحكام كان يتبرأ منهم؛ فهذا مذهب وهذا مذهب، وبينهما فرق كبير. ومما يتميز به المذهب الزيدي: التسامح وعدم التعصب؛ فهم يقولون: «كل مسألة خلافية خرج وقتها فلا قضاء فيها» ، ففي المذهب الزيدي مثلاً إذا صلى إنسان وترك بعض الواجبات ناسياً فإنه لا يقضيها إذا انقضى الوقت؛ لأن المسألة فيها خلاف بين المذاهب، وهذا مما يدل على تسامحهم، كذلك يقولون: «لا إنكار في مختلف فيه» ، وعليه فلا يجوز الإنكار على من خالف المذهب ووافق المذهب الشافعي أو الحنفي، مما يدل على حريتهم وإنصافهم، وأيضاً يقولون: الإمام في الصلاة حاكم فصلِّ خلف الشافعي أو المالكي وصلاتك صحيحة، ولا يقولون بوجوب الصلاة خلف إمام المذهب. لكن يؤخذ على أصحاب المذهب الزيدي الانزواء، وأنهم لم يقوموا بنشر مؤلفاتهم والتعريف بها في الخارج، ولقد كان للموقع الجغرافي أثره في ضعف انتشار المذهب؛ فاليمن لا يقع بها طريق الحجاج ولا التجار ولا السياح ولا غيرهم، بخلاف بلاد المغرب ومصر والشام؛ لأجل هذا لم يكن يعرف كثير من العلماء هذا المذهب؛ إلا أنه عرف بعد ذلك في أوساط العلماء لا سيما المختصين بالفقه المقارن. البيان: ما هي الجارودية؟ وما هي علاقتها بالزيدية؟ * الزيدي إذا تعصب يُسمى جارودياً نسبة إلى المنذر بن عمر أبي الجارود؛ فهو من الذين يسبُّون الخلفاء فيسمى زيدي جارودي. البيان: كثيراً ما نسمع عن وجود خلاف بين بعض علماء الحديث وبعض علماء الفقه؛ فما قولكم في هذا؟ وكيف يمكن التغلب عليه؟ * هذا لا يكون إلا عند الجهلة والمتعصبين؛ أما العالم فلا يهمه ولا يعيبه هذا؛ فوظيفة المحدث مستقلة بنفسها والفقيه كذلك. المحدث يبحث في السند والصحة فقط، والفقيه يستنبط الأحكام الشرعية من الأحاديث النبوية الصحيحة؛ لكن المتعصبين والجهلة يسيئون فهم ذلك، وإلا فالإمام أحمد بن حنبل وهو من المحدثين كان من طلاب الشافعي وهو من الفقهاء، وكان الشافعي يقول لابن حنبل: إذا تثبَّتَّ من الحديث أنه صحيح ائتني به أستنبط منه الأحكام الشرعية. فالشافعي كان فقيهاً يستنبط الأحكام الشرعية؛ فقد كانوا متفاهمين متعاونين مثل الإمام أحمد بن حنبل، والإمام مالك وغيره كل واحد منهم يحترم الآخر، لكن جهل المتأخرين وتعصبهم أوجد بينهم سوء التفاهم والخلاف، ويمكن الرجوع في هذا الباب إلى كتاب: «أدب الطلب ومنتهى الأرب» للشوكاني وهو كما نسميه اليوم مذكرات، وهو مطبوع أكثر من مرة، وتكلم فيه بأنه يجب على الإنسان أن ينصف من نفسه، فلا يعتقد ثم يبحث؛ ولكن يبحث أولاً ثم يعتقد، ويتحلى بالإنصاف وبالاستقلال، وسيوفقه الله ويصبح من أكبر العلماء، ثم أتى بقصته من أول طلبه للعلم وقصته مع شيوخه وغيرهم. هذا ما أنصح وأوصي به كل طالب علم أن يشتري كتاب: «أدب الطلب ومنتهى الأرب» لكي يعرف كيف يقرأ العلم، وتتحرر أفكاره، ولا يتعصب على الغير. البيان: يقال إن دور العلماء اقتصر على الفتاوى في الأحكام الشخصية والاجتماعية، بل أصبح العلماء لا يفتون إلا عند الطلب! ! هل هذه حقيقة؟ أم أن هناك تعتيماً إعلامياً حول فتاوى العلماء التي تمس القضايا العامة والهامة في حياة الأمة؟ * غالب ما يُسأل عنه العلماء في الإذاعة أو التلفزيون أو المسجد يكون في مسائل الأحوال الشخصية وقضايا الأسرة ولا سيما الطلاق والرضاع والمواريث وعقود النكاح، أو في مسائل العبادات كالصلاة والصيام، وبالنسبة لي ما يسألوني إلا في الصلاة والزكاة، وأيام الحج يسألوني عن أحكام الحج، وفي رمضان عن أحكام الصيام ومسائل الزكاة، ويسألون عن الطلاق وقليل عن الرضاع والمواريث، ولا يسألوني عن القضايا العامة إلا نادراً، هذا بالنسبة لي. البيان: يذكر أنكم كنتم أول من أحيا تراث الشوكاني وقام بتدريسه في الجامع الكبير، فلماذا الشوكاني؟ وهل وجدتم مواجهة من قِبَل متعصبة المذهب؟ وكيف عالجتموها؟ * في الحقيقة أنا مجرد رجل عادي ولست أول من أحيا تراث الإمام الشوكاني ﵀؛ فقد كانت بعض كتبه ومؤلفاته تدرس في جامع اسمه جامع الفليحي، وبعض مؤلفاته كانت تدرس في البيوت، مثل كتابَيْ: «نيل الأوطار» ، و «فتح القدير» كانوا يدرسونهما في مسجد الفليحي، وهذان الكتابان يعتبران من مؤلفات الإمام الشوكاني الهادئة. أما بالنسبة لمؤلفاته الشديدة التي تناقش قضايا هامة مثل كتاب: «السيل الجرار» وكتاب: «وبل الغمام» فهذه الكتب قمت بتدريسها بنفسي؛ فإذا أردت أن تجعلني أول من أحياها فأنا أول من أحيا ودرَّس كتب الإمام الشوكاني ومؤلفاته الشديدة السابقة الذكر في المسجد؛ فلقد درَّست كتاب: «السيل الجرار» في أيام الملكية في مسجد الفليحي، ودرَّست كتاب: «وبل الغمام» ، و «السيل الجرار» بعد ذلك في مسجد الزبيري. وأذكر أنني في أيام الملكية عندما بدأت أدرِّس كتاب «الدراري المضية» وكان الطلبة في ذلك الوقت قليلين، وشى بي بعض من لا أعرفه عند السيد قاسم العزي ناظر الأوقاف، وهو يعتبر آنذاك زعيم المحافظين على المذهب الزيدي، وقد كان دائماً ما يسبب لنا المضايقات، ومن جملة ما فعله معي أنه ذات مرة توعدني وهددني بأنه سيقوم بإبلاغ الإمام أحمد يحيى حميد الدين وقد كان الإمام في تلك الأيام في مدينة تعز وأنه سيخبره بما أفعل، وأني أعارض المذهب، وأعلِّم الطلاب كذا وكذا. حينذاك قمت بكتابة خطاب إلى الإمام، ولكي أضمن وصوله إلى يد الإمام مباشرة ذهبت إلى السيد محمد بن محمد زبارة وهو من المقربين إلى الإمام؛ فقلت له: أريد منكم أن تعينوني على إيصال هذه الرسالة بجانب رسالتكم التي تصل إلى يد الإمام نفسه إن شاء الله. قال زبارة: حسناً ولكن بشرط. قلت: ما هو؟ قال: ألا يعلم أحد أني قمت بمساعدتك في إيصال هذه الرسالة، وخاصة السيد قاسم العزي؛ لأننا أصدقاء وإذا علم بالأمر فسوف يحصل بيني وبينه سوء تفاهم. قلت له: حسناً. وكنت قد كتبت إلى الإمام في رسالتي له: «إن السيد قاسم العزي يعارضني فيما أدرس من كتب الحديث للإمام البخاري، ومسلم، وسنن أبي داود، ويقول: إنكم منعتم ذلك؛ فإذا كان ما قال صحيحاً امتنعت وسأمتثل لأمر الإمام، أما إن كان هذا الكلام من ذات قاسم العزي، وأنه يتدخل في الشؤون الخاصة ما بين الإمام وطلبة العلم فهذا الأمر لا يرضيكم، والسلام عليكم ورحمة الله» . وبعد فترة أجاب الإمام على خطابي قائلاً: «عافاكم الله: لا تظن أبداً أني أمنع دراسة كتب الحديث في المساجد وأخذ العلم عن رجل عاقل فضلاً عن رجل عالم، فاستمروا على ما أنتم عليه وأقرئ وعلِّم الطلبة الأمهات الستة وغيرها، ولكن ترغيماً للشيطان وإرضاءاً للرحمن وقطعاً للسان يمكن أن تجمعوا بين الشيئين؛ فتعلِّموا الطلبة (شفاء) الأمير الحسين من كتب الزيدية، وتعلموهم البخاري ومسلم وغيرها من كتب السنة، وتسكتوا بذلك كل لسان وإنسان» ، وبالفعل وصل جواب الإمام فأرسل السيد محمد زبارة في طلبي، فذهبت إليه، فلما وصلت قال: هذا جواب الإمام، اقرأه عليَّ وأنت واقف أمامي. وبالفعل قرأت عليه جواب الإمام كاملاً وهو جالس في مكانه، وبعد أن انتهيت، قال: رجاءاً لا أريد أن يعرف أحد بهذا. ثم خرجت من عنده، وبعدها وجدت الكاتب التابع لناظر الأوقاف قاسم العزي، فأريته الخطاب وقلت: خط من هذا؟ قال: خط الإمام. قلت: إذن اقرأ المكتوب. وبعد أن انتهى من قراءته قلت: قل لناظر الأوقاف إن العمراني لديه أمر من الإمام أن أعلِّم الطلاب بلا قيد أو شرط إلا شرط واحد. فقال لي الكاتب: أعطني الخطاب. فقلت: لا أعطيكه أبداً وسيبقى معي وذلك لأنه في تلك الأيام لا يوجد ماكينة تصوير للرسائل وقلْ ما قلت لك فقط. فذهب الكاتب إلى قاسم العزي وأخبره بالأمر الذي معي من الإمام، ثم أخذ قاسم العزي عصاه التي يتوكأ عليها وذهب إلى بيت محمد زبارة غاضباً ودخل منزله، فقال لزبارة: ماذا بك يا صنو [*] محمد! تريد أن تنتشر الفوضى، قال: ما تقول يا صنو قاسم؟ قال: قد جاء العمراني وفي يده أمر من الإمام أحمد، فلا أعلم أحداً يمكن أن يوصل رسالة العمراني إلى يد الإمام سواك، وما خصمي إلا أنت يا صنو زبارة، ولن يساعده أحد غيرك. قال زبارة: أبعد عنك الأوهام والخيال يا صنو قاسم، فلقد أتى العمراني إليَّ صباح اليوم وقرأ عليَّ خطاب الإمام وأنا جالس في هذا المكان، وهو واقف أمامي حتى انتهى من خطابه. قال العزي: أخطأتُ ظننت أنه أنت. قال زبارة: يا صنو قاسم، السادة هم المساكين وأنا وأنت؛ أما القضاة فهم متعاونون فيما بينهم؛ فكل من القاضي الحلالي، والقاضي العمري صديق للعمراني، والقاضي عبد الله الشوكاني، وبيت مطهر هم أصهاره، وهؤلاء كلهم موظفون لدى الإمام، وأي واحد فيهم يمكن أن يساعد العمراني. وأذكر قصة أخرى حدثت قبل ثورة السادس والعشرين من سبتمبر (١٣٨٢ هـ ١٩٦٢م) ؛ فقد كنت أدرِّس الطلبة كتاب: «السيل الجرار» في رمضان، ومن ثم ذهب أحد الأشخاص إلى الأخ يحيى محمد عباس الذي كان في ذلك الوقت رئيس الاستئناف وقد قتل يوم الثورة فذكر له أني أدرِّس قضايا هامة، وأني ضد المذهب، وأني أدرِّس كتاب «السيل الجرار» للشوكاني، فقام يحيى عباس بإرسال رسالة إلى الإمام يشكوني فيه، وبعد فترة رأيت أحد موظفي المواصلات فقال لي: ما الذي بينك وبين يحيى عباس يا قاضي محمد؟ قلت: لا شيء. قال: لقد كتب يحيى عباس ضدك برقية إلى الإمام فما ظننت أبداً أنه سيرسل بالرسالة هذه من أجل التدريس في المسجد ولكن ظننت أنه من أجل الوظيفة التي كنت مكلفاً بها (مقام البدر) ومقام النائب؟ وكنت أقوم بعمل الأوامر وإنجاز الأعمال، فقلت: ربما لم تعجبه طريقتي في إنجاز الأعمال. أخيراً وصلت الشكوى إلى الإمام فقام الإمام وخاطب السيد عبد الله عبد الكريم وهو زوج بنته، وقال له: أخبر القاضي عبد الرحمن العمراني أن يخبر أخاه القاضي محمد العمراني أن يتجنب عمل المشاكل، وإثارة الفتن، والفوضى في صنعاء، ولولا أني أعرف العمراني وعقيدته لكنت صدقت ما قيل عنه، لكن ربما يندس بعض الأشخاص بجانب العمراني؛ فيثيرون الفتن ويكون الضحية العمراني؛ فقل لأخيك ليكن إنساناً عاقلاً. فكتب لي أخي القاضي عبد الرحمن العمراني وقال: لا بد يا أخي محمد أن تتورع وتكون عاقلاً، واعلم أنك لا تدرس إلا في رمضان، فعلِّم الطلبة بهدوء، وتجنب المشاكل. وبعد ذلك لم يأت رمضان الآخر إلا وقد قامت الثورة وانتهت المشكلة. البيان: شهدت السنوات الأخيرة تمييعاً لعقيدة الولاء والبراء مع اليهود والنصارى على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي؛ حيث قام عدد من حكومات الدول الإسلامية والعربية بتطبيع العلاقات مع (إسرائيل) ؛ فما هو قول العلماء في ذلك؟ * لا أتكلم هنا باسم العلماء؛ فكل عالم يعبر عن نفسه، ولا أنطق بدلاً عنهم، أما بالنسبة لي فأنا من الذين يعارضون وبشدة التطبيع مع اليهود، واليهود الذين يقولون إنهم يمنيون هم في الحقيقة ليسوا كذلك؛ فلقد انسلخوا انسلاخاً كاملاً وأصبحوا (إسرائيليين) . البيان: كثير من الناس يتجهون للتجارة مع أن أغلبهم لا يفقهون الأحكام الشرعية المتعلقة بذلك؛ فبماذا تنصحون هؤلاء؟ * كان تجار صنعاء قبل (٥٠ - ٦٠) سنة يمتازون بأنهم يرسلون أولادهم لطلب العلم وخاصة لدراسة الفقه وعلم الربويات خشية الوقوع في الحرام، وقد عرفت أبناءاً لبعض هؤلاء التجار يحفظون القرآن الكريم ويعرفون أحكام البيع والشراء، فلما أهمل كثير من التجار تعلم أحكام البيع والشراء واجهتهم المشاكل ووقعوا في الشبهات وربما في الحرام، ثم يذهبون فيسألون الفقهاء! ولو كان الأمر على سؤال الفقهاء وأخذ الجواب فحسب لهان الأمر ولكن بعضهم يسأل ولا يقتنع، فيسأل أكثر من فقيه ويرى أي الآراء يوافق هواه فيأخذ به، ولقد كتبت مقالة في مجلة الإرشاد، وذكرت فيها أن على العامي أن يسأل من الفقهاء من يقتنع به هو ثم يقبل الإجابة سواء بالترك أو الجواز أو التحريم أو الكراهة، وألا يعمل مناقضة بين آراء الفقهاء؛ لأن هذا لا يجوز لأنه تتبع للرخص. البيان: «كثر الحديث عن المخطوطات المتوفرة في اليمن فما مدى أهمية هذه المخطوطات؟ وهل تضيف شيئاً إلى الساحة العلمية؟ بحيث يقابل ما ينفق فيها من جهد ووقت ومال؟ وما أشهر هذه المخطوطات ومن أشهر مؤلفيها؟ * في الحقيقة أن مخطوطات اليمن قد انقرضت؛ فلقد نُقل أكثرها أيام الأتراك وأيام صدِّيق حسن، ثم أيام الحرب والخوف والجوع، ولم يبق منها إلا القليل الذي يجب أن تُحافِظ عليها دور الكتب، وأن تُشترى بأي ثمن أيُّ مخطوطات من الأُسر التي تقتني الكتب المخطوطة لحفظها والاعتناء بها. البيان: يلاحظ في اليمن كغيرها من البلاد الإسلامية عزوف الشباب عن طلب العلم الشرعي، فما هي الأسباب وكيف يمكن علاجها؟ * من أهم الأسباب أن الطالب لا يجد الوظيفة أو العمل إلا إذا كان يحمل شهادة من كلية التجارة والاقتصاد مثلاً، لكن لو أنشأت الحكومة كليات شرعية مثل كلية لأصول الدين، وكلية للعلوم الشرعية، وكلية للسنة، ودعموا هذه الشهادات بوظائف حكومية لتغير الحال.

стр. 3798

المسلمون والعالم الطالبان.. هل تستنقذ ثمرة الجهاد ؟ ! سعيد بن صالح المصلح الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فلعله لم تحظ قضية من الاهتمام بما حظيت به القضية الأفغانية؛ حيث إنها أول حركة جهادية معاصرة بعد حركات التحرر من الاستعمار رفعت راية الجهاد وأعادت تلك الفريضة إلى مواقع المسلمين، ودفعتهم إلى إعادة البحث والدراسة في أبواب الجهاد من كتب الفقه والحديث، ولذا فقد حظيت القضية الأفغانية بالقبول من المسلمين على مستوى العالم، فبادروا للمشاركة بالنفس والمال والإعلام وبكل الإمكانات على شكل إجماع لم يقع لقضية أخرى من قضايا المسلمين. فكم بُذلت من المهج سواء من الشعب الأفغاني الأبي الذي ضحى بأكثر من مليون ونصف المليون من الشهداء، وخمسة ملايين مهاجر، وأكثر من مليوني أرملة ويتيم ومعاق؛ أو من الأنصار الذين خرجوا بأنفسهم وأموالهم فلم يرجعوا من ذلك بشيء، سُفكت دماؤهم، وأنفقت أموالهم ابتغاء مرضاة الله والدفع عن إخوانهم المضطهدين في أفغانستان، وبعد هذه التضحيات الضخمة اندحر العدو الكافر، وطوي بساط أكبر دولة تملك ترسانة عسكرية ضخمة، ونكست أعلام السوفييت، وتفاءل المسلمون بحصول النصر والتمكين، وقيام دولة الإسلام على أرض أفغانستان. ولكن الصراع بين الأحزاب الأفغانية خيب آمال المسلمين في العالم، وأحبط طموحاتهم حتى صاروا يكرهون سماع أخبارهم، فضلاً عن تتبع ما يجري؛ فقد آلمهم صراع تلك الأحزاب فيما بينهم، فيما لا نجد تفسيراً له سوى الصراع على السلطة، وإراقة الدماء البريئة، وتدمير البقية الباقية من البنية الأفغانية، تحت ضغط حب الزعامة واتباع الأهواء. وقد شَمِت الأعداء من العلمانيين وأسيادهم بما وصل إليه الحال في أول وأكبر تجربة من أكبر التجارب الجهادية المعاصرة، وأصبحوا يشككون في أمر هذه الفريضة نعني الجهاد في سبيل الله وفي قدرة المسلمين على الحكم. ولم تكن الآثار السلبية خاصة بالقضية الأفغانية والشخصيات القائمة عليها، بل حاول العلمانيون أن يلصقوا كل ما يجري بأحكام الشريعة الغراء، واستغلوها فرصة للتنفير من الدين عموماً والجهاد بصفة خاصة، وقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد. وفي الوقت الذي يتطاحن فيه قادة الأحزاب على كابل، وقد تحالف كل منهم مع أعداء الأمس من الشيوعيين الذين لم تجف أيديهم بعدُ من دماء المسلمين، تتحقق سنة الله الماضية فيحصل الفشل نتيجة التنازع، ثم الاستبدال. [وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ] (محمد: ٣٨) . خلال أوضاع الحرب بين الأحزاب أهملت المحافظات وأصبحت نهباً للعصابات وقطاع الطرق، وأصبحت الفوضى وانعدام الأمن هي السمة السائدة، وأصبح الناس لا يأمنون على أنفسهم ولا على أموالهم ولا على أعراضهم، وارتفعت أسعار المواد الأساسية لكثرة الضرائب التي تأخذها العصابات في الطرق من التجار، والتي يدفعها في النهاية المواطن المسكين، وأصبحت الفرصة متاحة لأصحاب الشر والفساد من الشيوعيين السابقين وغيرهم من المجرمين، فأصبحوا يسرحون ويمرحون في البلاد من غير رقيب ولا حسيب، يبتزون الناس بأخذ أموالهم والعبث في أعراضهم وإتلاف نفوسهم. ولكن الله برحمته الواسعة، لم يكن ليمكِّن الأعداء من قطف ثمرة الجهاد بعد كل هذه التضحيات، وبعد كل الآمال التي عُلِّقت بهذه القضية، وما كان الله ليضيع تلك الجهود من الدماء والأموال وأنواع البذل وصور العطاء، فقيض الله تعالى بعض طلبة العلم من المجاهدين الذين اعتزلوا الفتنة وتجنبوا الصراع بين القادة، وآلمهم ما يجري على أرضهم، فتحركوا بهدف كف المعتدين وبسط الأمن، ونشر الشريعة، فرفعوا لواءاً يتكون من ثلاثة محاور: ١ - توفير الأمن والقضاء على الفساد والمفسدين. ٢ - توحيد البلاد تحت قيادة واحدة. ٣ - تحكيم الشريعة كاملة في جميع أنحاء البلاد. وهنا جاءت الطالبان التي وُلدت من رحم المعاناة، والشعب الأفغاني يترقب المُخلِّص أياً كان. جاءت الطالبان وبتوفيق من الله تعالى لتمتد كالريح في محافظات أفغانستان واحدة تلو الأخرى، أغلبها من غير قتال، ساعدها في ذلك عامل جذب من الشعب الذي وثق في هذه القوة الجديدة لتنقذه من حياة التفرق والصراع والخوف الذي أحاط به، وعامل نجاحهم في تحقيق طموح الشعب في المحافظات التي سيطر عليها، وقد كانت المحافظات تسقط بين أيديهم قبل أن يصلوا إليها، حيث كان الشعب ينتفض على حكام الولايات ويسلمها لطالبان. وامتدت الطالبان كالغيث بما يحمله من خير، وبما فيه من رعد وبرق وصواعق، فأسقطت القوة الكبيرة في المنطقة؛ وبخاصة قوات الميليشيا الشيوعية، وقوات الرافضة والإسماعيلية، وسيطرت على ٩٠% من أرض أفغانستان، وزالت الأحزاب أو كادت من على الخارطة الأفغانية. جاءت الطالبان وأمامها مجموعة كبيرة من التحديات؛ فماذا صنعت؟ وهل يمكن للطالبان أن تستنقذ ثمرة الجهاد من الضياع؟ جاءت الطالبان وأمامها مجموعة من التحديات؛ من أبرزها: * انعدام الأمن وعموم الفوضى في البلاد. * وجود قوى كثيرة متنازعة. * البنية التحتية مدمرة. * انتشار الجهل والفقر والمرض في صفوف الشعب. * تعطيل الشريعة مع كثرة الفرق والطوائف والمذاهب الفكرية المنحرفة. لقد بدأ الطالبان في مواجهة كل هذه التحديات بجدية وقوة. فبالنسبة للأمن فكل من زار أفغانستان لا يمكن إلا أن يسلم لهم بذلك، فقد استتب الأمن وعم الهدوء المناطق التي يسيطر عليها طالبان، وأصبح الناس ينتقلون في قضاء حوائجهم بكل راحة واطمئنان، مما لم تشهد أفغانستان مثله منذ عقود طويلة، وهذا ما شهد به العدو قبل الصديق. واستطاعت الطالبان القضاء على غالبية القوى الموجودة ولم تبق إلا المعارضة الشمالية المحاصرة في مناطق محدودة، والطالبان جادة في معالجتها وتطهير جيوب المقاومة من تلك المناطق، مع أن المعارضة مدعومة من الخارج. وقد أعلنت الطالبان تحكيم الشريعة في جميع شؤون الحياة، وأصدروا مجموعة من القرارات الشجاعة في قضية المرأة وحمايتها من الانحراف؛ فقد قال الملا عمر: «نحن لسنا ضد تعليم المرأة، لكننا نريد أن نضبط تعليمها بالضوابط الشرعية» ، وأصدر أهم قرار في تاريخ أفغانستان يُرجِع للمرأة كرامتها وحقوقها ويمنع ما كان سائداً من عادات مخالفة للشرع تقضي بأن المرأة إذا مات زوجها يرثها ذووه ويتزوجها أحدهم ولو كانت كارهة. وأصدر قرارات متتابعة بمنع زراعة المخدرات وإنتاجها واستعمالها في أفغانستان، التي ظلت عبر التاريخ في مقدمة البلاد المصدرة لهذه المادة الخبيثة. ولم يكتف الطالبان بالأقوال والقرارات؛ بل حوَّلوا ذلك إلى واقع يعيشه الناس، فأقاموا الشرع بينهم، وحاربوا الشرك، ومنعوا الطواف بالقبور أو تقديم القرابين لها، ووضعوا عليها سياجاً بمنع الدخول إليها، ومنعوا بعض البدع، وحاربوا بعض صور الشعوذة، وخصصوا وزارة كاملة للحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطهروا أجهزة الدولة من الشيوعيين، وقضوا على أوكار الفساد ودور السينما، وبيوت الدعارة وحانات الخمور، ووضعوا برنامجاً لإصلاح التعليم وأسلمة المناهج. ويقومون الآن بمحاولة ترميم البنية التحتية وإصلاحها، وتشييد الجسور وبناء السدود، وتعبيد الطرق المهمة، ورفع مستوى الخدمات الصحية، وتحسين الوضع الاقتصادي، ورفع المستوى المعيشي للفرد، كل ذلك من منطلق شرعي، بحسب ما تمليه عليهم الشريعة التي تعاهدوا على تحكيمها. عندما يحدث كل ذلك فإنه يمثل مؤشرات واضحة الدلالة على حقيقة حركة طالبان وحقيقة أهدافها وغاياتها، وعن مدى جديتها. لقد قدمت الحركة حلاً لقضية أفغانستان المستعصية، ونجحت حيث أخفق الآخرون، وثبتت حين نكصوا، ووفَّت حين خانوا، وصبرت حين جزعوا، ولم تفلح كل محاولات الإغراء والإغواء في ثنيها عن الطريق الذي رسمته لنفسها، حين يقول أميرها بملء فيه رداً على الحصار والتضييق والمساومة: «إن المبادئ الإسلامية للإمارة الإسلامية غير قابلة للتفاوض أو المساومة عليها مع أي كان» . إنهم لم يصلوا إلى هذا المستوى بكل سهولة ويسر؛ ولكنهم دفعوا الثمن غالياً ليستنقذوا ثمرة الجهاد التي أوشكت على الفوات. كم بذلوا من الدماء والأموال والجهود والمعاناة وقد صحبهم توفيق الله وإعانته؛ وإلا لم يكن لهم أن يحققوا عُشر ما حققوه بجهودهم الذاتية. قاموا بذلك كله في الوقت الذي فرض عليهم الحصار، وحل ببلادهم الجفاف واشتد في مناطق منها حتى تحولت الأنهار المتدفقة إلى بلاقع يعلوها الغبار، واشتدت عليهم الأمور في كل جانب، ولكنهم ساروا على الطريق الذي ارتضوه لا يلوون على شيء، فكان من جراء ذلك أن رُمُوا عن قوس واحدة، وبخاصة قائدة الإرهاب العالمي والعدوة الأولى للإسلام (أمريكا) فضربتها بالصواريخ، وفرضت عليها أنواعاً من الحصار والعقوبات تحت مظلة الأمم المتحدة. إن الشعب الأفغاني اليوم يدفع ضريبة جهاده، وإحيائه لهذه الفريضة الغائبة في تاريخ المسلمين المعاصر. إن الغرب الكافر وعلى رأسه أمريكا تريد لهذه التجربة الجهادية الضخمة الهزيمة، وتريد التنكيل بذلك الشعب الذي تبنَّى الجهاد وتحمَّل في سبيل الله ما تحمل ليكون عبرة للشعوب المسلمة، وإلا فلماذا الحصار للشعب الأفغاني؟ ! ألا يكفي ما حل به من ويلات وما يعيشه من معاناة؟ وهل محاصرة الشعوب وتعريضها للقتل البطيء، والتستر خلف الشرعية الدولية ومحاربة الإرهاب يُخلِّي أمريكا من المسؤولية ثم هي اليوم تقف بكل إمكاناتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية والإعلامية مع العدو اليهودي المحتل لمقدسات المسلمين الذي يقتل الأطفال وينكل بالعزل المستضعفين، ويدمِّر البيوت على أصحابها؛ فأين من يوقف أمريكا عند حدها؟ ! أين مجلس الأمن؟ ! أين الأمم المتحدة؟ ! إنه ليس غريباً أن يقوم الكفار بمحاصرة الشعوب المسلمة، ومعاداة من ينادي بتطبيق الشريعة، والضغط عليهم حتى يتخلوا عنها، لكن الغريب سكوت الشعوب المسلمة على هذا الحصار الظالم، وعدم السعي لخرقه بكافة الوسائل، ودعم المسلمين ورفع معاناتهم وإن سَخِط الكفار وأذنابهم. مهما كانت المسوغات والمعوقات فإن من المهم استكمال الجهاد ومتابعة الأمر حتى تقام دولة الإسلام على أرض الأفغان، ولا بد من تحمل المعاناة في ذلك، والوقوف مع الشعب الأفغاني الذي عانى الكثير ولا يزال يعاني مرة على يد أعدائه ومرات على يد أبنائه. واليوم وقد جاءت حكومة طالبان لتستنقذ ثمرة الجهاد وتحافظ على المكتسبات، وبدأت تطرح تطبيق الشريعة بكل قوة وثقة، والواقع يحتم إعطاءها فرصة إصلاح الأوضاع يوماً بعد يوم، وأمام هذه الهجمة الشرسة من قِبَل الكفار فإنه قد آن للشعوب المسلمة التي شاركت في الجهاد وبذلت فلذات أكبادها وحُرَّ أموالها وهمَّها وجهدها، آن لها أن تشارك في استنقاذ ثمرة الجهاد بعد أن أوشكت على الضياع، وآن لها أن تحيي الأمل بعد أن كاد يتحطم على صخرة الصراعات بين القادة. إنها دعوة لكل المخلصين أن يراجعوا مواقفهم من حكومة طالبان، ويعيدوا حساباتهم وتقييمهم للحركة، وألا يعتمدوا أقوال خصومهم. ثم هذا الشعب المسلم الذي طالت معاناته وما زالت، ألا يستحق منا التفاتة لمواساته ومداواة جراحه الغائرة، وكفكفة عبراته المهراقة. إنه لا أحد اليوم يتحدث عن الحصار الظالم على الشعب الأفغاني المسلم فضلاً عن أن يوجد من يسعى إلى كسر الحصار والوقوف مع معاناة هذا الشعب المسلم. فلنساهم في دعم الدولة المسلمة التي تسعى إلى تحكيم الشريعة كاملة على أرض الواقع، ولنقف مع هذا الشعب الأبي الذي دفع الكثير وعانى الكثير، من خلال المشاريع التالية: أولاً: دعم حكومة الطالبان من جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والإعلامية والاجتماعية. ثانياً: دعم مشروع إعادة البنية التحتية المدمّرة في الجوانب الصحية والتعليمية والزراعية والخدمية. ثالثاً: دعم المشاريع الإغاثية كحفر الآبار، وكفالة الأرامل والأيتام، وتوزيع المواد الغذائية. رابعاً: العناية بالمشاريع الموسمية كإفطار الصائم والأضاحي. إن كل مسلم يجب عليه أن يقف مع إخوانه في معاناتهم، وبخاصة وقد رُموا عن قوس واحدة، والعلماء والدعاة وأبناء الحركة الإسلامية يتعين عليهم ما لا يتعين على غيرهم؛ فليقم كل بما يستطيع؛ فإن الحجة قد قامت، ولا يسع المسلم إلا أن يؤدي حق الله عليه. «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [١] .

стр. 3799

المسلمون والعالم المسؤولية الأخلاقية الإسلامية تجاه الحصار سيان بين أن نصمت الآن أو أن ندين بعد فوات الأوان د. جاسم محمد إبراهيم لقد أدى الحصار الشامل على العراق منذ أكثر من عشر سنوات إلى قتل مئات الآلاف من الأطفال الأبرياء وكبار السن والمرضى، كما أدى إلى تخريب النُظُم الصحية والتعليمية، وتدمير نُظُم الصرف الصحي التي أدت بدورها إلى زيادة مخيفة في نسبة الأمراض المعدية، مع توقف عجلة الاقتصاد وزيادة في البطالة، وتفشي الفقر؛ فهو تدمير منظَّم مقصود للنسيج الاجتماعي للشعب العراقي. وهو كما وصفه (دينس هاليداي) المنسق السابق لبرنامج النفط مقابل الغذاء والذي استقال من منصبه احتجاجاً على بقاء الحصار، يقول: «الحصار عملية تدمير لشعب بأكمله هذه هي حقيقة بسيطة ومرعبة» . هناك جملة من الحقائق عن الحصار يجب وضعها لتقييمه وَفْق المنظومة الأخلاقية الإسلامية وهي: ١ - إن الحصار مفروض من قِبَل أعداء الأمة الإسلامية بدون أدنى شك. ٢ - الحصار لم يحقق ولا يحقق الأهداف التي وُضع من أجلها، وهي على كل حال أهداف سياسية وضعها الأعداء ضد بلد مسلم. ٣ - الحصار ألحق أضراراً ودماراً فادحاً بالمناحي النفسية والجسدية للشعب العراقي. ٤ - الحصار يستهدف الشرائح الضعيفة والفقيرة وذوي الحاجة والعجزة. ٥ - يُستخدم الحصار وسيلة لفض النزاعات الدولية بعد الدبلوماسية، وقبل استخدام القوة، والحصار فُرض على العراق قبل الدبلوماسية، وأثناء استخدام القوة وبعدها ومعها ولعشر سنين وما زال. ٦ - الحصار مرفوض من قِبَل أبناء الشعب العراقي جميعاً أفراداً وجماعات. إن هذا الحصار ليس هجوماً بربرياً على شعب بأكمله فحسب؛ بل هو اعتداء صارخ على معاني الخير والفضيلة والقيم الإيمانية، وهذا الهجوم يحدث من قادة وإدارات ودول فقدت كل صلة بنور الله، وأنَّى لبشر متحضر يعيش حياة طبيعية في رخاء ونعمة يمارس أو يتفرج على عمل في غاية القسوة والوحشية ضد النساء والأطفال والشيوخ والمرضى الذين لا حول لهم ولا قوة، وهم ليسوا طرفاً في أي استفزاز فضلاً عن أن يرتكبوا جريمة بحق أحد؟ ! إن المنظومة الأخلاقية الإسلامية التي تعلمناها، والتي تشكل بمجملها طريقة للحياة في المشاعر والأفكار والسلوك هدفها الدفاع عن معاني الخير والحق، ومحاربة سبل الشر والباطل، وهذه المنظومة الأخلاقية هي التي تجعل قتل نفس بريئة واحدة كقتلها للناس جميعاً تدين هذا الحصار الشامل دون أدنى تردد أو تحقيق. لكن كيف يمكن تسويغ صمت المؤسسة الإسلامية الرسمية وغير الرسمية على حرب إبادة جماعية بحق شعب مسلم؟ ! وكيف يمكن أن تمر هذه الظاهرة التاريخية الفريدة وغير الاعتيادية، وتسير الحياة الإسلامية سيراً اعتيادياً، ولا تتغير المشاعر والأفكار والسلوك؟ ! كيف يمكن أن نفسر هذه الظاهرة؟ أَلأن الأنانية والأنا فقط هي التي شاعت وأغلقت الإحساس والمشاعر دون إدراك بما يعانيه الآخرون، وأن الألم والأذى لا يُحس إلا إذا وقع على الأنا؟ ! إذن كيف تُبنى علاقة إنسانية والإسلام يريدها أخوية أساسها المشاركة مع الآخر الذي له نفس الحقوق والتكريم من قِبَل خالقه العظيم، وإن هذا التكريم والحق مقدسان لا يجوز المساس بهما؟ ! أم أن الكبر والاستغناء هما اللذان يعطيان الإنسان إحساساً بالقدرة على اكتشاف أسرار الكون وتسخيره، وأن يحيا وجودياً مستغنياً بنفسه عمن سواه؟ ! والله خلق الإنسان غير مكتف بذاته، عاجزاً مفتقراً لغيره في حياة أساسها الأخذ والعطاء، وإن صِفَتَي العجز وعدم الاكتفاء تضعان عبئاً أخلاقياً خطيراً تجاه الآخر عند وقوع الحاجة والعجز. أم أن القسوة ونزع الرحمة من القلوب باتت أساساً للتعامل؟! ونبي الإسلام ﷺ يُمثل التواد والتراحم بين المسلمين كالجسد إذا اشتكى عضو كان رد الفعل سهراً وانفعالاً محموماً لا يفتر حتى ثبتت معاني الطمأنينة والسلام في القلوب، وإلا فكيف يتحقق السلام تحية الإسلام في معادلة أحد طرفيها يعاني ويتألم ويموت، والآخر متخوم لاهٍ في الحياة؟! أم ليس كل الذي ذكرنا؛ لكن الضمير المؤمن الذي ليس لأحد عليه سلطان إلا الله، أُخضع لمنطق القوة والبغي والطغيان؟! لقد بيَّن الحصار خللاً عميقاً في الشخصية المسلمة في عصرنا الراهن، ونحن بحاجة ماسة وسريعة إلى إعادة النظر في طرائق التعليم والتربية في مختلف مراحلها لإعادة تشكيل المشاعر والفكر والسلوك للصغير والكبير، للمتعلم والأمي، وكافة شرائح المجتمع، حتى تحصل له استجابة إنسانية صحيحة، وإدانة واضحة عندما يواجه جريمة نكراء أو اعتداءاً أثيماً أو خطأً جسيماً. الإدانة في الدين ليس معناها منشوراً يوزع أو خطبة تلقى فيستريح الضمير وترفع عن الكاهل المسؤولية، كلا، إنها عملية إيجابية تحفز المشاعر والعقول والسلوك بصورة مستمرة يومياً إلى أن يتحقق أمران: أولهما: تحقيق العدل وإزالة الظلم، وثانيهما التأكد من عدم تكرار هذا الظلم على أي أحد مستقبلاً. ويتم تحفيز هذه المنظومة الأخلاقية الخيِّرة من خلال الزيارة لمسرح المعاناة، الكتابة، الخطابة، إصدار الفتوى، الاعتصام، الاحتجاج، مقاطعة بضائع الدول الفارضة للحصار، وأساليب إنسانية وشرعية كثيرة أخرى. إن هذا الحصار الدامي الطويل الذي ُيذكِّر بحصار شِعْب أبي طالب للعصبة المؤمنة الأولى يضع كثيراً من القيم والمبادئ التي نحملها تحت المساءلة والتحقيق؛ فعلماء الأزهر الشريف، ورابطة العالم الإسلامي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومجمع البحوث الفقهية، وقادة الجماعات الإسلامية، وعلماء الشرع الحنيف، الكتَّاب، الشعراء، المثقفون والصحفيون المسلمون مدعوون جميعاً لفحص خفايا الأنفس والضمائر، والتحقق من الأفكار ومواجهتها مواجهة شجاعة صادقة، وعرضها على المبادئ والقيم التي يحملونها ثم مقارنتها بما يحصل في هذه الجريمة. إن عدم القيام بهذا العمل واتخاذ الموقف المسؤول معناه أننا لا نحس بمعاناة ضعفاء المسلمين والأخطار المحدقة بهم؛ وعندها يصبح الأمر سيَّان: أن نصمت الآن، أو أن ندين بعد فوات الأوان. فهذه والله مأساة نحن مسؤولون عنها أمام الله، والله نسأل أن يلطف بشعب العراق، وأن يجازي كل من تسبب في حصاره ودمار مقدَّراته.

стр. 3800

المسلمون والعالم المأساة الجزائرية.. حقيقة الصراع د. جعفر الهواري لا شك أن الشعب الجزائري كان يتطلع بعد استعمار غاشم دام أكثر من ١٣٠ سنة، وبعد جهاد طويل إلى أن يعيش تحت ظل دولة مستقلة في إطار المبادئ الإسلامية تعيد له كرامته وحريته وتحفظ له عقيدته، ولكن سرعان ما تبخر هذا الحلم في الساعات الأولى من الاستقلال، والأدهى والأمرّ أنه أصبح منذ ذلك الوقت رهينة في يد نظام استبدادي علماني وعسكري هو بدوره رهينة للصراعات داخله، ولا يخفى على أحد أن الشعب الجزائري لم يؤخذ رأيه في رسم سياسات بلاده، ولم يكن بإمكانه اختيار ممثليه بكل حرية، وفُرضت عليه الاشتراكية فرضاً وادّعت السلطة أنها اختيار شعبي لا رجعة فيه. والآن فرضوا على الشعب (النظام الليبرالي) وعاد الأشخاص أنفسهم ليرددوا أنه اختيار لا رجعة فيه. وجاءت أحداث أكتوبر ١٩٨٨ [١] ليعبِّر السواد الأعظم من أبناء الشعب عن سخطهم على النظام ورغبتهم في التغيير، مما جعل النظام يلجأ إلى اعتماد دستور في ٢٣ فبراير ١٩٨٩م حيث فتح باب التعددية الحزبية والإعلامية، وخلال فترة ١٩٨٩م ١٩٩١م كانت فرصة للشعب أن يعبِّر عن توجهه السياسي العام، وطبيعة النظام الذي يريده خلال الانتخابات الحرة المحلية والتشريعية [٢] التي زكَّى فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي تتبنى المشروع الإسلامي. وكانت الانتخابات التشريعية في ٢٦ ديسمبر ١٩٩١م التي أعطت الأغلبية الساحقة فيها أصواتها للجبهة الإسلامية للإنقاذ في طريقها لتغيير طبيعة ذلك النظام الاستبدادي والقضاء على الفساد في البلاد والتخلص من التبعية، ولكن (قوى الشر) في المؤسسة العسكرية، وفي مختلف الدوائر، وبعض العواصم الغربية التي لها مصالح اقتصادية وثقافية لم تكن لترضى بهذا التغيير، فقرروا مصادرة اختيار الشعب في يناير ١٩٩٢م، وإقصاء (أو استئصال) الجبهة الإسلامية للإنقاذ وقيادتها وإطاراتها من الساحة السياسية، كما قرورا أنهم لن يسمحوا مرة أخرى بإجراء انتخابات حرة ونزيهة. طبيعة الصراع: وهنا لا بد من الإشارة إلى أن طبيعة الصراع ليست صراعاً بين سلطة ومعارضة من أجل البقاء في السلطة بعيدة عن التوجهات العقائدية والأيديولوجية، ولكي تكون عند القارئ صورة واضحة فلا بد أن نكشف القناع عن أصحاب القرار الذين يديرون شؤون البلاد في الخفاء، وهذا يرجعنا إلى ثورة التحرير (١٩٥٤ ١٩٦٢م) ، وبالضبط سنة ١٩٥٨م؛ حيث كانت السلطات الفرنسية تدرك أن الجزائر ستستقل لا محالة، فعملت (فرنسا) على أن يكون هذا الاستقلال ظاهرياً يبقي البلاد في قبضتها، وهكذا وبعد ٤ سنوات من بداية الثورة التحريرية، فجأة اكتشف بعض الضباط من أصل جزائري العاملين في صفوف الجيش الفرنسي أن بلدهم محتل من قبل الجيش الذي يعملون فيه، وأن «وطنيتهم» تملي عليهم الالتحاق بالثورة، ومنهم من لم يشعر بتلك النزعة إلا قبل أشهر قليلة من الاستقلال، وانضم معظمهم إلى ما يسمى بجيش الحدود. وبعد الاستقلال استعان الرجل القوي في النظام العقيد هواري بومدين [٣] بطلقاء الجيش الفرنسي فأسند لهم مهام في الجيش، وفي عهد الشاذلي بن جديد أسند لهم مناصب عليا في الجيش والإدارة على حساب ما يسمى بضباط جيش التحرير [٤] . لقد بدأ حلم فرنسا يتحقق عندما أسند الرئيس بن جديد أهم منصب وزاري في الدولة، وهو وزير الدفاع إلى الجنرال خالد نزار سنة ١٩٩٠م (كان ضابطاً في الجيش الفرنسي، والتحق بالثورة سنة ١٩٥٨م) ، ولقد أحاط نفسه بمجموعة من ضباط الجيش الفرنسي الذين احتكروا المناصب الهامة في الجيش كقائد الأركان، وقائد قوات الدرك، ورئيس المخابرات وغيرها، وقد تمكن من خلالها أن يصبح الرجل القوي في النظام، وأن يفرض هو وعصابته الوصاية على الجيش. هذه النواة التي تشكل السلطة الفعلية والتي لا تعرف إلا الثقافة الفرنسية والحاملة للمشروع التغريبي (اللائكي) لم تكن لتقبل كما قلنا من قبل باختيار الشعب الحر المعبر عنه في ديسمبر ١٩٩١م الذي أعطى الأغلبية الساحقة لأصحاب المشروع الإسلامي. وإن كان الجنرال نزار قد تنحى من المؤسسة العسكرية فالنواة التي تكونت من حوله لا تزال تتحكم في مركز القرار؛ فهي التي تختار رئيس البلد وتترك له مجال تسيير البلاد مع فرض بعض الوزراء، ورسم خطوط حمراء لا يمكنه تجاوزها. كما لا يفوتنا أن ننبه القارئ أنه وإن أصبح مركز القرار في يد ضباط الجيش الفرنسي فإن ما يسمى بالتيار الوطني في السلطة الذي يمثله ضباط جيش التحرير تحالَفَ مع هؤلاء لضرب التيار الإسلامي رغم أنه يتفق معه في كثير من القضايا، وهو أقرب إليه من التيار (اللائكي) الذي يمثله ضباط الجيش الفرنسي. فالصراع إذن بين مشروعين: المشروع الإسلامي الذي يمثل قناعة السواد الأعظم من أبناء الشعب الجزائري المسلم، والمشروع التغريبي اللائكي (العلماني) الذي يمثل أقلية تتحكم في المؤسسة العسكرية [٥] والإدارية والصحافة، وما دام الوضع كما هو عليه الآن فإنه من المستبعد أن يقبل أصحاب القرار بمصالحة وطنية شاملة؛ أي عودة التيار الذي تمثله الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى الساحة السياسية ولو باسم آخر، وترك الشعب يختار ممثليه بكل حرية. الحريات السياسية والإعلامية: منذ مصادرة اختيار الشعب في يناير ١٩٩٢م، وإعلان حالة الطوارئ في فبراير من السنة نفسها لا توجد حرية التعبير في البلاد. وبعبارة أدق: إن الحرية الحقيقية التي كان يتمتع بها الشعب الجزائري بجميع شرائحه ما بين بداية ١٩٨٩م ونهاية ١٩٩١م في المجال السياسي والإعلامي والاجتماعي تم إلغاؤها، فحل الانقلابيون جميع المؤسسات المنتخبة، وأغلقوا كل الصحف الحرة واحدة تلو الأخرى، ولم يُبقوا إلا على الصحافة ذات التوجه اللائكي الفرنكوفوني التي أيدت الانقلاب وحرَّضت عليه، وسمَّت نفسها دون استحياء: «الصحافة الحرة» كما أنهم حلوا الجبهة الإسلامية للإنقاذ، واعتقلوا وطاردوا إطاراتها، وضيقوا على الأحزاب التي لم تزكِّ سياستهم الانقلابية، كما أنهم حلوا عشرات الآلاف من الجمعيات الخيرية ذات الطابع الإسلامي بحجة أنها تدعم الإرهاب! ولم يسمحوا بالنشاط السياسي إلا للأحزاب التي قبلت أن تدور في فلكهم وتأتمر بأوامرهم. ومنذ الانقلاب المشؤوم شاركت «الصحافة الحرة» والأحزاب العلمانية في كبح الحريات، وتكميم الأفواه، والقمع الذي قام به الانقلابيون ضد الشرائح التي تمثل أغلبية الشعب، ولم تقف في يوم من الأيام مع المظلومين ولم تسهم في كشف الحقيقة إذا كان الضحايا محسوبين على تيارات معارضة للنظام لا سيما من أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وأما إذا وجدت «ضحية» واحدة ممن ينتمون إلى التيار اللائكي الاستئصالي فإن تلك الصحافة تقيم الدنيا ولا تقعدها. أما التعذيب الوحشي الذي يتعرض له مئات الآلاف من الجزائريين والذي يسهل لأي صحفي التأكد منه؛ فلم تشر إليه الصحافة الحرة المزعومة لا من قريب ولا من بعيد، بل عملت طيلة سنوات القمع على اتهام منظمات حقوق الإنسان الوطنية والدولية التي أشارت إلى التعذيب أنها تدعم الإرهاب. قضية المفقودين: وفيما يخص قضية المفقودين الذين يقدر عددهم بـ ١٨ ألف؛ فإن الصحافة الاستئصالية التي يروق لها أن تَصِف نفسها بالحرة، قد تعمدت تجاهل الوضع بل ذهبت إلى تبني طرح النظام بترديد موقفه القاضي بأن أغلبية المفقودين التحقوا بالجماعات المسلحة أو قُتلوا في اشتباكات مع قوات الأمن. وماذا كتبت «الصحافة الحرة» عن القابعين في السجون بدون محاكمة، وعن الذين حكم عليهم في محاكم الاستئناف التعسفية؟ لا شيء يذكر! بل عتَّمت على مئات الآلاف الذين سلبت منهم حقوقهم السياسية وطردوا من عملهم بسبب انتمائهم السياسي، ولم يكن ذنبهم إلا أنهم كانوا من أنصار الجبهة الإسلامية. وأما ما نراه من انتقاد حاد من طرف «الصحافة الحرة» لبعض رموز النظام فهذا لا يجعلها صحافة مستقلة؛ لأن الانتقاد الذي تنشره يدخل في الإطار المسموح به من قِبَل أصحاب القرار؛ فالانتقادات كلها موجهة لشخصيات معينة معرضة للذهاب (الإقالة أو الاستقالة كما حدث لزروال) في أي وقت، ولذلك فإنها مطروحة للانتقاد في المجال المسموح به، أما أصحاب القرار الحقيقيين فلا تتجرأ أية صحيفة على التعرض لهم أو الإشارة إليهم، ونحن نتحدى أي صحيفة تدعي أنها حرة أن تشير ولو من بعيد إلى هذه الشخصيات في انتقاداتها وفضحها للحقائق. بل إن مجال الحرية الذي تتحرك فيه يستخدمه أصحاب القرار لضرب من يريدون من أجل الضغط عليه أو إقالته، فلا شك أن الصحيفة التي تنتقد أي شخصية من النظام لن تقدم عليه إلا بعد التأكد من حماية المؤسسة العسكرية لها؛ فكيف يتجرأ اللائكيون أن يتكلموا على حرية الرأي والخطر الذي يهددها؛ حيث لا يوجد أصلاً مجال للحريات، وأن أغلبية الشعب محرومة من حقوقها السياسية؟ إن حرية التعبير في البلاد غابت يوم صودر اختيار الشعب في يناير ١٩٩٢م، والواقع الذي تعيشه البلاد من ظلم وفساد في جميع الميادين يكذِّب ذلك؛ إذ من المعلوم أنه لا يجتمع في دولة انتشار الحريات مع تفشي الظلم والفساد كما هو الحال في الجزائر، ولا يمكن أن نتكلم على حرية التعبير إلا بعد أن تُمكَّن جميع شرائح المجتمع من ممارسة حقوقها السياسية والمدنية، وحقها في النشاط الإعلامي دون ضغط أو إكراه. أما التعددية الموجودة في البلاد فهي تعددية غريبة؛ حيث تجد أحزاباً تصنف نفسها في صف المعارضة، وفي الوقت نفسه لا تتحرج أن تكون عضواً في الائتلاف الحكومي الذي يجمع بين أحزاب لا يجمعهم أي شيء! ! وأحزاب لها أغلبية في البرلمان (حسب الخارطة التي رسمها أصحاب القرار) ليس لها تمثيل في الطاقم الحكومي حسب وزنها في البرلمان! ! وأخرى ليس لها أي مقعد ولا يتجاوز تمثيلها مكاتبها تُسند لها وزارات! ! وشخصيات مجهولة الحال، ومشبوهة المشرب، ليس لها أي إطار حزبي تتصرف في وزارات هامة كالداخلية، ووزارة المال، والوزارة المكلفة بالخصخصة! ! وهكذا فإن التعددية الحالية جعلت الأقلية هي التي تحكم، والأغلبية مهمشة ومطاردة. ما حقيقة (الوئام الوطني) ؟ إن بو تفليقة لم يأت إلى الرئاسة عن طريق نضال سياسي طويل وانتخابات حرة ونزيهة، بل عيَّنه أصحاب القبعات في هذا المنصب عبر انتخابات يشهد الشعب الجزائري قبل غيره أنها مطعون في شرعيتها، وعلى ضوء ذلك كان ولا يزال مستبعداً جداً أن بو تفليقة جاء ليغير الوضع القائم، ويتحدى الذين جاؤوا به إلى قصر الرئاسة، وحين جعل بو تفليقة مسألة السلم أولية من أولياته؛ حيث قال خلال الحملة الانتخابية وبعد تنصيبه رئيساً للبلاد إنه سيعيد الأمن والاستقرار للبلاد، ويعمل مصالحة وطنية شاملة لا تُقصي أحداً. وظن الشعب الذي علَّق آمالاً كبيرة على الخطاب الجديد أن أصحاب القرار أعطوا الضوء الأخضر لبو تفليقة لإنهاء الأزمة السياسية عن طريق المصالحة الوطنية التي يتطلع إليها، ولكن سرعان ما تبخرت هذه الآمال، وتبين أن مسعى بو تفليقة ما هو إلا ثوب جديد للسياسة الأمنية القمعية التي اتبعها الانقلابيون منذ بداية الأزمة، وأما المصالحة التي كان (ولا يزال) يقصدها بو تفليقة فإنها تنحصر أساساً في (قانون الوئام المدني) [٦] . ويريد بو تفليقة تطبيق هذا القانون حتى على سياسيي الجبهة الإسلامية من حيث إنهم يُحرَمون من حقوقهم السياسية لمدة عشر سنوات (أو قل مدى الحياة) ، ولعل المصالحة الحقيقية التي يريدها بو تفليقة والتي يسعى جاداً لتحقيقها هي المصالحة مع الصهيونية والأقدام السوداء [٧] وإمكانية عودتهم إلى بلادهم على حد تعبير بو تفليقة! ولم يكتف بو تفليقة في تكريس السياسة السابقة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك؛ حيث يريد فرض اللائكية (العلمانية) على البلاد مستعملاً في ذلك أساليب مشبوهة؛ فهو تارة يقول: «إن اللائكية لا مكان لها في البلاد، وأنه متعاطف مع التيار الإسلامي» ، ثم يعود فيقول: «إن الإسلام السياسي يحارب بحد السيف، ومن أراد أن يتعبد فالمساجد هي لله، ومن أراد أن يسيس بقناع الإسلام لا مكان له في المجتمع الجزائري» [٨] ، وأضاف: «إننا على بينة من أمرنا؛ لأننا على أبواب أوروبا، وأن هناك شعباً جزائرياً ينظر إلى أوروبا وإلى النموذج الأوروبي كنموذج حياة، ولا ينظر إلى العهد القديم، وتمنيت لو كان إسلامنا السياسي الحديث ينظر إلى نموذج عهد الخلفاء الراشدين؛ فالإسلام هو ما حرَّمه وحلَّله الله» [٩] . ومما قاله أيضاً: «إن تسييس الدين سواء كان في الديانة المسيحية أو اليهودية أو الديانة الإسلامية هو وضع غير سليم، وكلما جرى اللجوء إلى الدين لاستعماله في السياسة وصل الأمر إلى العنف» [١٠] . وأظن أن المجال لا يتسع لسرد أقوال وأفعال بو تفليقة التي تدل دلالة واضحة أن الشخص منبهر بالثقافة الغربية والفرنسية بوجه الخصوص، ويريد فرضها على البلاد. الخاتمة: لعلنا أعطينا للقارئ نظرة قاتمة للأوضاع في البلاد قد يتصور من خلالها أن الجزائر قد سقطت في أيدي اللائكيين والمطبِّعين مع الصهيونية، وأن الشعب قد استسلم للأمر الواقع ومعه الحركة الإسلامية، ولكن هذا غير صحيح؛ فليطمئن القارئ الكريم، وليعلم أن السواد الأعظم من الشعب الجزائري لا يزال يتمسك بعقيدته وحرصه على أن يحكم شَرْع الله بلاده، كما أن الشعب بجميع شرائحه يمقت النظام الحاكم مقتاً لا مثيل له، ويعمل ما في وسعه على تغييره، ويؤمن إيماناً راسخاً أن الله لا يُصلح عمل المفسدين، وأن الله ناصر عباده الصالحين، قال الله : [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] (النور: ٥٥) .

стр. 3801

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش qatamish١٠٠@hotmail.com سيرحل.. وسنرى! ! اعتبرت المفوضة العامة لفلسطين في فرنسا (ليلى شهيد) أن الشرق الأوسط سيتعرض لموجة جارفة من التطرف إذا فقد عرفات الدعم في صفوف الشعب الفلسطيني. ورداً على سؤال لإذاعة فرنسا الدولية (I. F. R) ومجلة (الاكسبرس) الفرنسية لمعرفة ما إذا كان الفلسطينيون يقبلون بوجود إسرائيل، قالت ليلى شهيد: «نعم، كلياً؛ فالذين نزلوا إلى الشوارع لا يقولون نريد تحرير كل فلسطين من البحر إلى نهر الأردن، بل يقولون نريد تحرير دولة فلسطين المعلنة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، ولا نقبل بسنتيمتر أقل من ذلك» . وأوضحت: «لقد قبلوا كلياً بدولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل وليس محل إسرائيل» . واعتبرت أنهم وافقوا على ذلك؛ لأن ياسر عرفات أقنعهم بأن حقيقة هذه الدولة ليست على صعيد نسبة مئوية، بل رهن قدراتها الاقتصادية وعلاقاتها بجيرانها سواء كانوا عرباً أو إسرائيليين ورهن شراكتها الأوروبية المتوسطية. وأضافت المفوضة العامة: «لا يمكن العدول عن فكرة التعايش مع إسرائيل؛ فلا يمكن التخلي عن هذه الفكرة. ولكن يجب على الأوروبيين أن يفهموا أنه في حال فَقْد عرفات وسلطته الوطنية الانتخابات داخل الشعب الفلسطيني أو فقدوا دعم الناس، فسترون في فلسطين والأردن ومصر ولبنان ظهور موجة من المتطرفين إلى جانب ما رأيتم حتى الآن تكون أقوى بعشرة أضعاف وستهدد وجود إسرائيل ووجود مصالحكم (الأوروبية) في المنطقة) . [جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٤٧٣) ] حصاد الانتفاضة أعلنت السلطة الوطنية أن عدد الشهداء الفلسطينيين وصل خلال الشهرين الأولين من انتفاضة الأقصى إلى نحو ٣١٦ شهيداً، فيما بلغ عدد الجرحى خلال الفترة نفسها نحو ١٧ ألف جريح ومصاب. وقال وزير الصحة الدكتور رياض الزعنون خلال مؤتمر صحافي عقده في مقر الهيئة العامة للاستعلامات:» إن عدد الشهداء بلغ ٣١٦ شهيداً، منهم ١٥٨ شهيداً من الضفة الغربية و ٩٥ شهيداً من قطاع غزة ونحو ٥٠ شهيداً لم يتم إدراجهم ضمن قوائم الشهداء الصادرة عن وزارة الصحة، نظراً لعدم تمكن ذويهم من تسجيلهم بفعل ظروف الحصار والإغلاق وتقطيع أوصال الضفة والقطاع، ودُفن هؤلاء في مقابر قراهم وقرب أماكن سكناهم، إضافة إلى ١٣ شهيداً سقطوا داخل أراضي فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م «. وأشار إلى أن عدد الجرحى خلال الفترة نفسها بلغ ١٦٨٦٩ جريحاً، تلقى ٩٣٧٥ جريحاً منهم العلاج في مستشفيات ومراكز صحية في الضفة والقطاع، فيما تلقى نحو ٣١٩٠ جريحاً العلاج في مستشفيات ميدانية أقيمت قرب مناطق المواجهات، إضافة إلى ١٦٠٠ مصاب من فلسطينيي فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م. وأشار الزعنون إلى أن نسبة الجرحى ممن هم دون سن الثامنة عشرة، بلغت نحو ٤٠%، أما نسبة الإصابة في الرأس والعين فبلغت ١٨%، والصدر ٢٠% ومثلها في البطن، أما الأطراف فبلغت نسبة أصابتها ٤٢%. كما أشار إلى أن نحو ١٠% من المصابين سيعانون من الإعاقة؛ مما يعني أن عدد المعاقين بلغ ٩٢٠ معاقاً. [جريدة الحياة، العدد: (١٣٧٨٣) ] منطق المنهزمين لو افترضنا أن الجانبين المدني والحكومي امتنعا امتناعاً تاماً عن التعامل مع الولايات المتحدة، وفي كل مجال، بدءاً من (دجاج كنتاكي) و (همبورجر مكدونالد) و (مشروب الكوكاكولا) ، وحتى منتجات» بيل جيتس «، والمصانع الحربية الأمريكية، وهو افتراض أقرب إلى المستحيل، فلن يكون هناك تأثير كبير على الاقتصاد الأمريكي، وبالتالي السياسة الأمريكية تجاه منطقة المشرق العربي، فما بالك حين تكون سياسة المقاطعة قاصرة على قطاعات صغيرة من السكان، أي القادرين على الاستهلاك، وبلاد قليلة، وقطاعات معينة من الاقتصاد، بل على العكس من ذلك، في مثل هذه الحالة، سوف نكون نحن في النهاية من الخاسرين، حين تؤدي مثل هذه السياسة وذاك السلوك إلى عزلنا عن حركة العصر، ومنتجات هذا العصر المتعولم، والولايات المتحدة أحببناها أو كرهناها هي مركز العولمة المعاصرة، بل ربما قاطعتنا الولايات المتحدة، فيما يتعلق مثلاً بسلعنا الاستراتيجية، وهي النفط تحديداً، وحرمتنا من منتجات عصر المعلومات والاتصالات، فنكون قد جنينا على أنفسنا ونحن نريد النفع، فكون الولايات المتحدة محتاجة إلى نفطنا لا يعني عدم قدرتها الاستغناء عنه، عن طريق اللجوء إلى بدائل معينة، لكننا نحن غير قادرين في هذه اللحظة من الزمان على الاستغناء عن القمح الأمريكي مثلاً، وعلى أقل تقدير. ليس المراد هنا حقيقة هو إجهاض الأحلام، أو إحباط الآمال، بقدر ما أن المراد هو وضوح الصورة، والحصول على أكبر قدر من المعرفة؛ إذ بدون ذلك نتحول إلى» دون كيشوت «معاصر، يحارب الطواحين بسيف صقيل ربما، أو يواجه الليزر بسيف من خشب؛ فالمعرفة هي التي تحدد في المقام الأول مدى مضاء السلاح المستخدم وفاعليته؛ وإلا فإن الإحباط هو المآل. فنحن في غالبيتنا، وأرجو أن أكون من المخطئين في ذلك، أمة لا تعني ما تقول، ولا تقول ما تعني، وهذا ما يفقدها الكثير من المصداقية، والكثير من عدم احترام الذات أولاً، ومن ثم احترام الآخرين، ومن ضمنهم الولايات المتحدة. المقاطعة حل غير مجد، وسلاح غير ماض، بل قد تنقلب عواقبه علينا أنفسنا أفراداً وجماعات، بل إنه يكمن في احترامنا لأنفسنا أولاً وآخراً، فإذا أردنا أن نحقق ما» يجب «فعلينا أن نعرف أولاً طبيعة الواقع الذي نتحرك في إطاره والغاية، وعندما أقول» أنفسنا « فأنا أتحدث هنا عن الجميع: أفراداً وجماعات حكومات ومجتمعات. [تركي الحمد، جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٠٣٤) ] آسف.. يا أمريكا! ! أعرب نائب رئيس غرفة المنشآت السياحية المصرية عبد المنعم القيسوني عن أسفه» لانخفاض عائدات البيع في المطاعم الأمريكية بنسبة ٣٥% في فترة شهرين «موضحاً أنه ستكون لهذه الحركة مضاعفات على الصعيد المحلي. ونقلت عنه الصحف قوله:» إنه انخفاض مهم للغاية في قطاعات يعمل فيها ٨٠ ألف مصري برواتب يبلغ حجمها ٣٠ مليون جينه مصري سنوياً (٥. ٧ ملايين دولار تقريباً) ، وتساهم بمبلغ ٣٧٠ مليون جينه (١٠٠ مليون دولار تقريباً) لمصلحة الضرائب «. وبدوره أكد محمود جبران وهو مدير شركة تقوم بتصنيع مواد للتنظيف بترخيص من شركة (بروكتر اند كامبل) الأمريكية أن مبيعات الشركة انخفضت ما بين ٢٠ و ٢٥% بسبب لوائح المقاطعة. [صحيفة السبيل الأردنية، العدد: (٢٦٤) ] أحرص الناس على حياة كشفت صحيفة» هآرتس «الإسرائيلية أن الانهيار الحاصل في العملية السلمية بين (إسرائيل) والسلطة الفلسطينية بعث الحياة من جديد في ظاهرة رفض جنود إسرائيليين الخدمة العسكرية في المناطق الفلسطينية لأسباب ضميرية، وأشارت الصحيفة إلى أن الظاهرة آخذة في الاتساع وتعيد إلى الأذهان ظاهرة رفض الخدمة في لبنان إبان احتلاله، وفي المناطق الفلسطينية في الانتفاضة الأولى، وقد حكم على ٣٥٠ جندياً بالسجن عقاباً على رفضهم هذا. [جريدة الحياة، العدد: (١٣٧٨٥) ] اقتدوا بـ.. موسكو فيتش! ! الأسلوب الجديد الذي ابتدعه المليونير اليهودي الأمريكي (أرفنغ موسكوفيتش) هو الذي يؤسس لمرحلة جديدة من الاستيطان وتطويره في القدس، والخليل خاصة وسائر الأراضي الفلسطينية، موسكوفيتش يعيش في الولايات المتحدة ويمتلك مجموعة استثمارية في نوادي القمار أساساً، وقد اقتنع حديثاً منذ ست سنوات تقريباً بالريادة الاستيطانية في القدس وأهمية تهويدها، فبحث عن أنجع الطرق واهتدى بمعاونة الجمعيات الاستيطانية المتطرفة إلى شراء الأراضي أو امتلاكها، مهما بلغت التكلفة والاستثمار فيها ببناء وحدات سكنية لليهود. واشتهر اسمه في عام ١٩٩٧م حينما امتلك قطعة أرض في رأس العامود المطل على البلدة القديمة وقبة الصخرة بتكلفة عشرة ملايين دولار، وشرع في إقامة مشروع إسكان يضم ٢٥٠ شقة وصلت تكلفته إلى ١٥ مليون دولار، وعرض الشقق للبيع بمبلغ ١٢٠ ألف دولار للشقة الجاهزة، وهو ثلث ثمن الشقة في الأحياء اليهودية في القدس. كما أنه لا يتجاوز ثلثي ثمن الشقة في الأحياء العربية حتى تلك التي يمولها مجلس الإسكان الفلسطيني الذي يدعم إسكان الفلسطينيين في المدينة وتثبيت عروبتها. ويخصص (موسكوفيتش) مبلغ ١٠٠ مليون دولار لشراء عقارات، من بيوت وأراضٍ في القدس، وآخر صفقاته عرضه على عائلة عربية تسكن غرفة ونصف الغرفة في البلدة القديمة مبلغ مليون دولار ثمناً للبيت الذي لا يساوي في السوق العربية أكثر من عشرين إلى ثلاثين ألف دولار، بل إنه عرض مبلغاً مفتوحاً ولو وصل إلى مليار دولار ثمناً للحرم القدسي بكامله، وامتد نشاطه إلى الخليل ووصل عملاؤه تقريباً إلى كل بيت في المدينة، وخاصة البلدة القديمة يعرضون شيكات مفتوحة لبيع بيوتهم أو أجزاء منها، فأصابوا قليلاً وأخفقوا في معظم مسعاهم إلا أنهم لم يكلُّوا. وبنشاط أقل يقدم المليونير اليهودي الأمريكي والبلجيكي الجنسية (أدمون سافرا) تبرعات سخية لبناء حدائق في الأحياء اليهودية في القدس الغربية وفي الأحياء الاستيطانية الأخرى، ويخصص مبالغ أقل من (موسكوفيتش) ، قدرها عشرة ملايين لهذا الغرض. من الصعب حصر أسماء المتبرعين اليهود، خاصة أنهم يضخون أموالهم إما من خلال جمعيات كثيرة أو من خلال تمويل مشاريع خدماتية حكومية أو دينية أو غيرها كبناء مستشفيات ومرافق أخرى تحمل أسماءهم على لوحات معدنية خاصة تملأ جدران المستشفيات والمدارس ودور العبادة والحدائق ومشاريع الإسكان والمتاحف والجامعات والكليات المختلفة، وخاصة المهنية ومراكز البحث العلمي والعسكري وتطوير شبكات الإنترنت والتقنية العالية» سلكون فالي «المنتشرة في أماكن مختلفة. تلك هي بعض الأمثلة المتوافرة عن طبيعة التبرعات التي يضخها اليهود إلى إسرائيل ومستوطناتها التي تأخذ منذ حوالي العقد من الزمن شكل الاستثمار المشترك أو الحصري مما شجع المستثمرين، وتقدر نسبة الاستثمارات اليهودية من مجمل الاستثمارات الأجنبية في إسرائيل بـ ٥٢%. [مجلة المجلة، العدد: (١٠٨٦) ] جهاد المفاوضات (جبريل الرجوب) الشرطي العملاق لياسر عرفات نما وترعرع في الأراضي المحتلة ونسج خيوط شبكة من العلاقات التي حملته إلى قيادة جهاز الأمن الوقائي، وحافظ على العلاقات مع رفاقه الإسرائيليين، ولجبريل الرجوب قناة مفتوحة مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ولقد سألناه السؤال التالي: س: هناك تقرير أمريكي يتهمكم بالرغبة في مواصلة الانتفاضة حتى إعلان الدولة الفلسطينية؟ ج: إنه رأي ظالم واتهام باطل لنا؛ فالولايات المتحدة تعلم علم اليقين من المسؤول عن هذا الموقف المتدهور. وإذا كانت واشنطن تريد أن تضمن أن تظل إسرائيل جزءاً من هذه المنطقة فينبغي أن تعمل على تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، ونحن نأمل على أية حال في الوصول إلى دولتنا الفلسطينية.. عبر المفاوضات! ! [صحيفة» كورييري ديلاسيدا الإيطالية مترجم] دولة بلا عقل البرلمان التركي يبحث الآن مشروع قانون جديد يقضي بطرد الموظفين الحكوميين من ذوي الميول الدينية، وهو المشروع الذي رفض رئيس الجمهورية أحمد نجدت سيزر إصداره كمرسوم أثناء العطلة البرلمانية، معتبراً أنه يتعارض مع روح الدستور والحريات الشخصية. وينص المشروع في صيغته الحالية على فصل كل موظف حكومي «يتورط» في علاقات مع جماعات دينية أو نشاطات «رجعية» أو جماعات انفصالية، وهي إشارات مقصود بها المتدينون والأكراد، ومما أثار الدهشة أن القانون منع تحت عنوان النشاطات الرجعية عدة أمور بينها: الاستماع إلى البرامج الدينية في الإذاعة، وعدم الالتزام بارتداء ربطة عنق، وإطلاق اللحية، كما يدين كل من يعمد إلى الفصل بين النساء والرجال في مجلس الضيوف داخل بيته، وهو ما يعرف في تركيا بـ «الحرملك والسلاملك» . كذلك يعرض المشروع للمساءلة كل من ترتدي زوجته أو ابنته أو حتى شقيقته الحجاب، أو يتردد بشكل دائم على المساجد. أشارت تقارير حكومية إلى أن القانون سيؤدي في حالة صدوره إلى فصل ثلاثة آلاف شخص من وظائفهم بأجهزة الدولة، غير أن وسائل الإعلام الإسلامية تشير إلى أن المرشحين للفصل يصل عددهم إلى ٨٠ ألف شخص. هذا المسعى الذي يستهدف «استئصال» المتدينين من أجهزة الدولة يمثل حلقة في مسلسل شرير أعده العسكر بالاتفاق مع الأحزاب العلمانية، احتمى بلافتة الدفاع عن الكمالية والعلمانية، ومارس في حده الأدنى، أسوأ صور العدوان على الحريات الشخصية في بلد يشكل المسلمون ٩% من سكانه. فمِن منع الحجاب وطرد المحجبات من المدارس والجامعات إلى مطاردة الملتحين، ذلك بالإضافة إلى الحرب التي أعلنت على التعليم الديني والتي تجاوزت حدود تصفية مدارس الأئمة والخطباء، إلى عدم الاعتراف بكل الشهادات العلمية التي حصل عليها الشبان والفتيات الأتراك من أي جامعة إسلامية من مصر إلى ماليزيا. من أسف أن هذا الغلو العلماني مسكوت عليه من قِبَل منظمات حقوق الإنسان ومن جانب الجهات الأخرى المعنية بالحريات الدينية، ومعروف كيف أن كل كل تلك الأطراف تقيم الدنيا حينما تجد أن هناك شبه اضطهاد للمسيحيين في أي بلد مسلم، حتى وإن كان ذلك صادراً عن أفراد أو جماعة ولا علاقة للدولة به، ولن أتحدث عن اليهود؛ لأن هؤلاء لا يستطيع أحد أن يدوس لهم على طرف، باعتبار أن لهم دولة تذود عنهم وتتحدث باسمهم. الأكثر مدعاة للدهشة أن تلك الممارسات البائسة التي يتعرض لها المسلمون في تركيا لا تجد صدى لدى المؤسسات الإسلامية التي يفترض أنها تحرس الدين وتغار عليه؛ الأمر الذي يستصحب استنفاراً من جانبها لمواجهة أي عدوان على المسلمين؛ خصوصاً فيما يتعلق بمعتقداتهم أو التزامهم الديني، مثلما هو الحاصل في تركيا. إنني قد أفهم لماذا تسكت منظمات حقوق الإنسان وتغض الطرف عن إهانة المسلمين وإذلالهم وملاحقتهم في تركيا، لكن الذي لا أفهمه واستغربه حقاً أن تلتزم المنظمات والمؤسسات الإسلامية ذات الموقف؛ فتسكت بدورها، ولا تحرك ساكناً إزاء الإصرار على استئصال الإسلام من تركيا. [فهمي هويدي، مجلة المجلة، العدد: (١٠٨٧) ] اللعبة المملة قالت صحيفة «الفايننشال تايمز» البريطانية أن ما قيمته ملايين الدولارات من النفط العراقي الذي يباع للشركات الأمريكية يمر عبر الشركات الأوروبية وغيرها من الشركات الدولية، في ممارسة كشفت عن المستوى المزدوج الذي يسيطر على العلاقات بين بغداد وواشنطن بعد حقبة طويلة من العقوبات. وأضافت الصحيفة أن عدداً من شركات الخدمات النفطية الأمريكية مثل «هاليبورتون» و «باكر هيوز» و «شلوبرجيه» و «فلوسرف» و «فيش رورمونت» وغيرها استخدمت فروعها وشركاتها في هذا المجال، بحيث تتمكن من تجنب توتر العلاقات مع واشنطن، وتجميد علاقاتها مع حكومة الرئيس العراقي صدام حسين. وتتولى هذه الشركات تقديم عقودها إلى الأمم المتحدة عبر فروع فرنسية تضع أسماءها على العقود. وتعامل الأمم المتحدة تلك الشركات كشركات أوروبية بدلاً من طلبات من شركات أمريكية. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٠١٢) ] قلق على البوسنة الكثيرون من مقدمي المعونات، بما في ذلك الولايات المتحدة والبنك الدولي والأمم المتحدة، يقولون إنهم سيخفضون معوناتهم للبوسنة العام المقبل بنسبة تصل في بعض الجوانب إلى الثلث، فيما أعضاء الناتو يتداولون في إحداث خفوضات جديدة لعدد جنودهم البالغ الآن ٢٠ ألفاً، بعدما خُفِّض أصلاً عن رقمه الأصلي: ٣٢ ألفاً. وفي المقابل يُعبِّر بعض البوسنيين عن القلق من أن خفوضات كبيرة كهذه، في المساعدات كما في الجنود، يمكن أن تمهد الطريق مجدداً لإعادة إشعال حرب كحرب ١٩٩٢م ١٩٩٥م: تلك التي صعقت العالم ذبحاً وقصفاً للمدن والمناطق. أما مشروع إعادة الإعمار الذي فاقت كلفته حتى الآن أربعة بلايين دولار، فاتسم بالأحكام الخاطئة والفرص الضائعة والهدر المالي، ناهيك عن ضآلة الإنجازات الصلبة. فبالقياس إلى البوسنة، خطا جيرانها البلقانيون خطوات أكبر إلى الأمام، كرواتيا وصربيا أنجزتا قدراً أكبر من الإصلاح السياسي، ومن التعافي الاقتصادي في حالة كرواتيا، لا سيما مع رحيل رئيسها السابق، واليوم تبدو البوسنة أفقر من كل بلدان المنطقة ما خلا ألبانيا الشديدة الفقر ويبدو سكانها في حال من الفصل الإثني شبه الكامل؛ فاللاجئون الذين عادوا إلى مناطقهم الأصلية قليلون جداً، بينما جيوش الحرب الثلاثة لا تزال تتدرب يحدوها ويحرِّكها عداء واحدها للآخر. وفي حملة الانتخابات الأمريكية جاء إعلان المرشح جورج دبليو بوش بأنه سيعيد النظر فيما إذا انتُخب رئيساً في الالتزام الأمريكي بالبلقان أقرب إلى النذير. [مجلة الوسط، العدد: (٤٦٣) ] خذوا حذركم قالت الحكومة البريطانية إن الشرطة وأجهزة المخابرات تسعى إلى الحصول على الحق في تسجيل كل مكالمة هاتفية أو رسالة عبر البريد الإلكتروني أو اتصال من خلال شبكة الإنترنت في بريطانيا. وتريد الجهات المسؤولة عن مكافحة الجريمة وأجهزة المخابرات في بريطانيا تسجيل كل مثل هذه الاتصالات وتخزين المعلومات لمدة سبع سنوات في «مخازن بيانات» كبيرة تديرها الحكومة. وقالت متحدثة باسم وزارة الداخلية البريطانية: إن هذه الجهات «قدمت إلينا وثيقة ننظر فيها الآن لكن ينبغي التأكيد على أنه لم يتم اتخاذ أي قرار في هذا الشأن» . وأضافت المتحدثة: نعمل في تقارب كبير مع هذه المنظمات ونريد أن نضمن أن لديها الأدوات التي تحتاج إليها للتعامل مع الجريمة الخطيرة المنظمة لكن هناك مسائل مهمة أخرى مثل حقوق الإنسان ستؤخذ في الاعتبار. [جريدة الدستور الأردنية، العدد: (١١٩٧٤) ] تفكيك شرعي لإندونيسيا! ! أعلنت حكومة إندونيسيا موافقتها على تطبيق الشريعة الإسلامية في إقليم (أتشيه) استجابة لطلب الأغلبية المسلمة من سكان الإقليم. وجاء الإعلان في الوقت الذي شددت فيه الشرطة الإندونيسية الإجراءات الأمنية في الإقليم وقامت قواتها بنزع مئات من الأعلام واللافتات المطالبة بالاستقلال التي رفعت بمناسبة حلول الذكرى الرابعة والعشرين لبدء الصراع من أجل استقلال (أتشيه) . وصرح حاكم (أتشيه) ، عبد الله بوتيه بأن الرئيس الإندونيسي عبد الرحمن وحيد وافق على تطبيق الشريعة الإسلامية أثناء اجتماع عقد في العاصمة جاكرتا، ويُعتقد أن تطبيق الشريعة الإسلامية في إقليم (أتشيه) سيكون من خلال إدخال نظام البنوك الإسلامية، وإنشاء نظام تعليمي إسلامي، وفرض أنماط سلوكية محافظة. وقد أعلن وحيد عن منح مساعدات مالية للإقليم مقدارها عشرة ملايين دولار، ويذكر أن الرئيس الإندونيسي كان قد عرض إجراء استفتاء شعبي في الإقليم حول تطبيق الشريعة الإسلامية. موقع هيئة الإذاعة البريطانية www.bbcarabic.com الجزائر بين مأساتين ١ - توفر الحكومة الجزائرية منذ إلغاء المسار الانتخابي في مطلع ١٩٩٢م، حياة البذخ والترف لنحو ألفي كادر في السلطة في المنتجع الأمني الذي خصص لحمايتهم، وكلفت هذه العملية أكثر من ألف بليون دينار حسب مصدر رسمي، ولا يزال النظام الحاكم ينفق أكثر من ٦٠ بليون دينار سنوياً لضمان حماية البذخ لهؤلاء في حين تجاوز عدد الفقراء في الجزائر في نهاية السنة الماضية أكثر من ١٤ مليوناً. موقع جريدة العصر الإلكترونية www.alasr.ws ٢ - في حصيلة عن (كلفة الإرهاب) في الجزائر منذ ١٩٩٢م أوضح الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أن أكثر من ١٠٠ ألف شخص قتلوا بأيدي مجموعات مسلحة وأن أعمال العنف أدت إلى سقوط مليون ضحية جريح في حين قدرت الإضرار بـ ٢٠ مليار دولار. كما قد قتل خلال عام ٢٠٠٠م حوالي ٢٥٠٠ شخص. [جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٤٧٣) ] نهاية أمة ١ - تحدثت وزارة الصحة الروسية عن «كارثة وطنية» تتمثل في ارتفاع نسبة الوفيات، وتدهور الأوضاع الصحية في البلاد. ونظرت قيادة الوزارة في تقرير أعده فريق من العلماء برئاسة الأكاديمي (أوليغ شيبين) الذي قال: إن نسبة الوفيات في روسيا بلغت ١٤. ٧ لكل ألف نسمة؛ في مقابل نسبة ولادات لا تتجاوز ٨. ٤ لكل ألف. وإلى جانب الأسباب الاقتصادية الناجمة عن «الإصلاحات» في السنوات العشر الأخيرة، فإن الخبراء رأوا أن زيادة الوفيات على الولادات بمقدار الضعف تقريباً، تعزى إلى عقم زهاء خمسة ملايين امرأة وثلاثة ملايين رجل. ولا يوجد في روسيا التي يسكنها ١٤٧ مليون نسمة سوى ١٢ مركزاً لمعالجة العقم فيما يوجد في إسرائيل مثلاً أكثر من ١٠٠ مركز. وأكد الوزير يوري شيفتشينكو أن انتشار الأمراض والوضع الصحي المتردي يقتضي عقد اجتماع خاص لمجلس الأمن القومي لمناقشة صحة الأمة. وترزح روسيا تحت وطأة ديون كبيرة كما أنها تنفق مبالغ طائلة على الجيش خصوصاً في ظل الحرب الدائرة في الشيشان، مما لا يتيح للحكومة الالتفات إلى المشكلات الاجتماعية الناجمة عن الإصلاحات الاقتصادية التي فرضتها عليها المؤسسات المالية الدولية. [جريدة الحياة، العدد: (١٣٧٤١) ] ٢ - أبلغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قادة القوات المسلحة الروسية أن الأوضاع الحالية للجيش الروسي لا تتناسب مع الأهداف، ولا مع نطاق المهام التي تواجهه. وقال بوتين في مؤتمر صحفي عقده في موسكو: إن هناك عدداً قليلاً من القادة العسكريين ممن لديهم الخبرة الميدانية اللازمة في مناصب القيادة العليا، وإن نحو ثلث قادة الفرق يفتقرون إلى التعليم العالي. موقع هيئة الإذاعة البريطانية www.bbcarabic.com ٣ - تعتزم روسيا طلب أموال من الولايات المتحدة لإزالة أسلحتها الكيميائية رغم أنها أكدت امتلاكها القدرة على الرد على نشر المنظومة الدفاعية الأمريكية. وذكرت وكالة (إيتار تاس) للأنباء أن رئيس الوزراء الروسي ميخائيل كاسيانوف أصدر تعليمات لحكومته لبدء مفاوضات مع الولايات المتحدة بغية الحصول على أموال ستستخدم في إزالة الأسلحة الكيميائية الروسية من دون تعريض السلامة للخطر. وأوضح المصدر ذاته أن هذا التعديل سيسمح لموسكو بالحصول على أموال أمريكية خلال العام ٢٠٠١م لاستخدامها في عمليات إزالة هذه الأسلحة. ووقعت روسيا قبل ثلاث سنوات اتفاقية تحظر إنتاج الأسلحة الكيميائية واستخدامها وتطويرها؛ لكن صعوبات مالية حالت دون تطبيق التزاماتها. وتمتلك روسيا حالياً حوالي ٤٠ ألف طن من الأسلحة الكيميائية، ويفيد خبراء أنها تحتاج إلى خمسة مليارات دولار لإزالتها.

стр. 3802

متابعات علم الاجتماع.. هل هو مجرد خرافة؟ اعترافات علماء الاجتماع عرض وتقويم د. رفيق يونس المصري [*] في عام ١٤٢١هـ = ٢٠٠٠م، نَشَر «المنتدى الإسلامي» كتاباً للدكتور أحمد خضر، بعنوان: «اعترافات علماء الاجتماع» ويقع الكتاب في ٣٢٢ صفحة، وهو مقسَّم إلى ٢١ فصلاً، تفصيلها يعطي القارئ فكرة عن مضامين الكتاب واتجاهاته: ١ - علم الاجتماع: شعوذة الأزمنة الحديثة. ٢ - اعترافات علماء الاجتماع في بلادنا. ٣ - علم الاجتماع: صياغة دينية لمعتوه فرنسي. ٤ - مؤشرات الارتباط بين الماسونية وعلم الاجتماع. ٥ - أين يلتقي الطهطاوي بعلم الاجتماع؟ ٦ - الهدف ليس علم الاجتماع فحسب. ٧ - علم الاجتماع غبش في التصور وتشوش في النظرية. ٨ - علم الاجتماع نزعة علمية مزيفة. ٩ - علم الاجتماع رطانة غامضة. ١٠ - علم الاجتماع كلام عامي. ١١ - علم الاجتماع بحوث سطحية وأخرى استعمارية. ١٢ - الأساس الإلحادي للنظريات المعاصرة في علم الاجتماع. ١٣ - فهم الإسلام عبر المكتبة الغربية. ١٤ - رجال الاجتماع ومهمة تفكيك الدين. ١٥ - لمن تمنح الدولة جائزتها في علم الاجتماع؟ ١٦ - المسلمون الفيبريون (نسبة إلى ماكس فيبر) نموذج آخر لمعاداة الإسلام. ١٧ - الصحوة الإسلامية ورجال الاجتماع. ١٨ - الاعتراف بفشل التحليلات الماركسية عن الصحوة الإسلامية. ١٩ - المتدينون والمرض العقلي. ٢٠ - رجال الاقتصاد وثغرة في جدار الصحوة. ٢١ - هل تحتاج بلادنا إلى علماء اجتماع؟ انتقد الكاتب على لسان غيره معظم المشتغلين بعلم الاجتماع، الذين تحولوا إلى مفكرين بأجر، يبحثون ويكتبون في حدود ما يطلب منهم ويُؤجرون عليه (ص ٢٧) . ونقل أن هناك فئات لا يستطيع المجتمع أن يعيش بدونها، كالفلاحين والعمال ورجال الإدارة والجيش، وفئات لا يستطيع أن يتقدم بدونها كالمهندسين والأطباء وخبراء التكنولوجيا والاقتصاد. أما علماء الاجتماع والأنتروبولوجيا والنفس والسياسة والإعلام فيمكن للمجتمع أن يعيش بدونهم ويتقدم (ص ٣١١) ، كما نقل الكاتب اعترافات بعض علماء الاجتماع بأن الكتب العربية في علم الاجتماع رديئة وسطحية ومترجمة ومستعارة من مجتمعات أخرى (ص ٣١٤) ، ومعقدة إما بقصد الإيحاء بجهبذة فكرية، أو وهو الغالب لعدم فهم كاتبيها لما ينقلونه من المصادر الأجنبية (ص ٣١٦) . والكاتب أحمد خضر لم أكن أعرفه قبل قراءة هذا الكتاب، مع أننا في مركب واحد؛ فهو يعمل في حقل الاجتماع، وأنا أعمل في حقل الاقتصاد، وكلانا ينطلق من الإسلام، ولكنه وصل إلى نتيجة لم أصل إليها؛ فهو قد كفر بعلم الاجتماع، بأصوله وفروعه، وأنا لم أفعل الشيء نفسه في الاقتصاد. وإني أشعر بأن الكاتب قد بذل جهداً كبيراً في جمع كتابه، وتلقُّط شواهده؛ ومع أني غير متخصص في علم الاجتماع إلا أنني أحس بأن الكاتب صادق ومحب، وبالرغم من أنني استفدت من كتابه، إلا أن شكوكاً ساورتني في أن يكون علم الاجتماع لا شيء، أو أنه مجرد شعوذات، كما يقول، وهناك من يدَّعي مثل ذلك حيال علم الاقتصاد، وينكر أن تكون هناك مشكلة ندرة، أو مشكلة اقتصادية، وليس هذا موضوعي الآن، ولكني قد كتبت ردوداً هنا وهناك على من يدَّعي هذه الدعوى، ويغالي إلى حد تكفير القائلين بالندرة. وحتى لو سلَّمنا جدلاً بصحة كل ما يقوله د. أحمد خضر، لكن لي عليه مآخذ، وهي: ١ - كنت أتمنى أن يُخرج ما عنده بالتدريج، وربما بالقطارة؛ ذلك لأن الجرعة التي قدمها جرعة قاتلة، قلَّما يخلو باحث متعمق مسلم أو غير مسلم من التعرض لما تعرض له أحمد خضر، ولكن بمقادير مدروسة، قد تأتي صحيحة، وقد تكون تعبيراً عن استراحة محارب، أما أحمد خضر فقد جاء عياره زائداً على الحد، وعلى ما يحتمله القارئ والجامعة والمجتمع. ٢ - نقل الكاتب عن كل عالم اجتماع بعض مساوئ هذا العلم، ولكنه جمع هذه المساوئ كلها، من المؤلفين كلهم، في كتاب واحد، ولشخص واحد، وهنا أذكر مرة أنني اقترحت على أحد العلماء أن يجمع في كتاب واحد فكاهاته المتناثرة في بطون كتبه الكثيرة، فأبى! ٣ - كنت أتمنى ألاَّ يكون ما كتبه حول الموضوع بهذا الحجم، وكان من المستحسن أن يكتفي بمقالة قصيرة، أو كتيب صغير، لعله يكون أكثر نفعاً وتأثيراً. إنه يقول بأن علم الاجتماع علم خلافي (ص ١١٨) ، وأرجو ألاَّ يكون هذا الحكم هو الذي صرفه عن العلم، ونفَّره منه؛ فالعلوم الاجتماعية: الاجتماع والاقتصاد، وربما الطب أيضاً، كلها خلافية، أو فيها قدر لا يستهان به من الخلاف، ونحن نلمس آثاره عندما نراجع الأطباء، ونستمع إلى أقوالهم، وهذا الخلاف موجود حتى في العلوم الشرعية؛ فإن قيل: إن العلوم الشرعية لها أصول متفق عليها، وسلَّمنا بهذا دون فحص ولا غوص في مطولات الأئمة، فإن الشرائع تختلف عن العلوم؛ إذ قد يكون فيها قليل من الاتفاق، ولكن العلوم أكثرها أو كلها ظنية، وكونها ظنية لا يعني أن علينا تركها وهجرها، حتى العلوم الشرعية تعتمد على الظن، والأنشطة الاقتصادية كذلك، ولم يكن هذا داعياً إلى هجرها، بل العكس، إن التصدي لها واجب شرعاً وعقلاً، وعلماً وعملاً. وإن متعة الباحث يجدها في الخلاف، ولا يجدها في الإجماع، وذلك لأجل الموازنة الدقيقة والعميقة بين الأدلة والحجج والبراهين، ثم محاولة الترجيح بينها، فهذه متعة علمية وعملية، شاحذة للأذهان، ومدِّربة لها على الاجتهاد، وربما نستطيع بعد ذلك أن ننقل بعض الأحكام من مجال الشك إلى مجال الظن، أو من مجال الظن إلى مجال اليقين. وأذكر أن بعض السلف كانوا يقولون: عندنا صناديق من العلم لم تفتح. فالباحث يتكبد المشقة والمتعة في اكتشاف المجهول وتنمية المعلوم، حتى إذا ما دفقت عليه المعارف والعلوم كان عليه أن يترفق بنفسه وبغيره، فيخرجها على جرعات؛ فهذا يحميه من العزلة الشعورية والاجتماعية، كما يحمي مجتمعه وإخوانه من عزلة مماثلة. إني أتمنى أن يقوم د. أحمد خضر بجمع كتاب آخر يذكر فيه أفضل علماء الاجتماع، وأحسن ما عندهم، لا أدري، ولربما يعتبر أن هذا الذي نقله هو أحسن ما عندهم! وأرجو أن ينطلق في هذا الكتاب المقترح من إسهامات ابن خلدون، وغيره من علماء المسلمين وفقهائهم ومؤرخيهم؛ فكثيرون يعتقدون حتى من الغربيين بأن ابن خلدون هو مؤسس علم الاجتماع، ولم أجد أن الكاتب قد أفرد فصلاً في كتابه لابن خلدون، ولعله يجمع في هذا الكتاب المقترح «الأشياء الصحيحة» في علم الاجتماع، التي ذكرها ناشر الكتاب في تقديمه. أحمد خضر طاقة تفكيرية وتعبيرية، ولكنه يحتاج إلى مدير ناجح لأعماله، أو إلى مُخرج حاذق؛ فإنه أنكر علم الاجتماع، وأنكر أي محاولة إسلامية لتأصيله، واستراح. لعلِّي لم أفهم ما يقوله: أحقيقة هو أم إحباط؟ ! وهل هذا الإحباط ناشئ من العلم نفسه، أم من فرص العمل المتاحة لخريجيه؟ ما أسهل أن يقول الإنسان: هذا كله حلال، أو هذا كله حرام. إن التفصيل صعب، ولكني أرجو أن يكون هو الأصوب. في الكتاب قليل من الأخطاء المطبعية واللغوية، منها في الصفحة الخامسة: «ضاعت سني حياتنا» ، والصواب «سنو» ، وفي الصفحة ٢٨١: «المتدينون والمرضى العقليين» ، والصواب: «العقليون» ، وفي الصفحة ٣٠٢: «قبل (....) مفاهيماً ماركسية» ، والصواب: «مفاهيم» بفتحة واحدة لا بفتحتين؛ لأنه ممنوع من الصرف؛ إذ هو على صيغة منتهى الجموع.

стр. 3803

في دائرة الضوء نحن والمجتمع المدني حقيقة هذه الدعوة.. وماذا وراءها من أهداف ؟ د. أحمد إبراهيم خضر [*] احتفل العالم العربي احتفالاً بهيجاً بما يُسمى بالمجتمع المدني. ومع كل الضجة التي أثيرت وتثار حول هذا المفهوم الجديد الذي بدأ يحتل موقعه في بلادنا؛ فإنه لا يهمنا فيه إلا مسألة واحدة وهي: العلاقة بين المجتمع المدني وسلامة البناء العقدي للمجتمع. يقتنع كثير من الناس بأن المجتمع المدني لا يخرج عن حدود هذا التعريف الذي وضعه له سعد الدين إبراهيم وهو: «مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة؛ لتحقيق مصالح أفرادها ملتزمة بقيم ومعايير الاحترام والتآخي والتسامح والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف، وتشمل تنظيمات المجتمع المدني كلاًّ من: الجمعيات والروابط والنقابات والأحزاب والأندية؛ أي: كل ما هو غير حكومي، وكل ما هو غير عائلي أو إرثي» [١] . إن هذا المفهوم في تصورنا قاصر ومخادع، ويجب علينا أن نبحث عن أصوله وجذوره في البلاد التي نشأ فيها قبل أن يستورد منها ويصاغ في بلادنا بصورة تجعله مقبولاً. «المجتمع المدني» مصطلح غامض ومتعدد المعاني، يمكن تطويعه في خدمة عدة أغراض؛ فهو مصطلح قادر على أن يجمع أي شيء بكل شيء، نشأ عبر تطور تاريخي طويل يحمل في طياته فروقاً وتناقضات هي السر في غموضه . وصفه بعض الناس بأنه حساء المتسولين، جمع أعقاب النظريات المختلفة، والحقب الزمانية المتعاقبة، وأنه تسمية جديدة لأحلام قديمة. وأكد بعض آخر أنه ذو تاريخ مشبوه نسي الناس بمرور الزمن أنه مجتمع الأرستقراطية، وأنه قد صيغ لاستبعاد طبقات شعبية معينة، لكنه يُقدم الآن بكثير من الزخرف ليعمِّي بريقُه عن كل ما عداه، وكأنه الحل السحري لجميع مشاكل المجتمع الاقتصادية والاجتماعية وغيرها [٢] . ترجع الجذور اللادينية للمفهوم في الغرب إلى (توماس هوبز) الذي رأى فيه تعبيراً عن انتقال مبدأ السيادة من السماء (الحكم بالحق الإلهي) إلى الأرض (الحكم على أساس العقد الاجتماعي) ، فأدانته جامعة أكسفورد في عام ١٦٨٣م؛ لأنه استخلص كل سلطة مدنية من أصل مجتمعي دنيوي ولم يسندها إلى الحق الإلهي، وجعل هذه السلطة كائناً اصطناعياً أي (إلهاً) من صنع البشر. ويعرَّف (العقد الاجتماعي) بأنه: «تجريد عقلاني مؤسس على الافتراض أن الفرد هو ذات مزودة بأداة حرة، وأن المجتمع عبارة عن تعاقد بين مثل هذه الذوات، وأن شرعية الدولة قائمة على هذا التعاقد وليس على الإرادة السماوية» [٣] . أكد الباحثون عن مفهوم المجتمع المدني في دوائر المعارف، أن كلمة (مدني) ترتبط بالمواطن، وأن أهم معانيها: غير إكليريكي أي غير لاهوتي، وبمعنى واضح تماماً: (غير ديني) [٤] . أما القانون الذي تسنُّه وتفسره وتطبقه سلطات المجتمع المدني فهو القانون الطبيعي أو قانون العقل. وقوانين الطبيعة عند دعاة المجتمع المدني هي قوانين العقل الأزلية. أما (الله) عندهم فهو هذا العقل الذي يسكن القانون الطبيعي [سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُواًّ كَبِيراً] (الإسراء: ٤٣) . وعمل العقل الأساسي عندهم هو التقدير والحساب الواعي لكيفية الوصول إلى أهداف، أما التزام العقل بنظام كوني للأشياء فهذا ليس من مهامه [٥] . استقبل هذا المفهوم في الغرب بالطبول والزمور، وأصبح سلعة رائجة في الصناعة الأكاديمية بعد أن اهتزت مفاهيم الاشتراكية والليبرالية والديمقراطية، وبوجه خاص بعد تحدي حركة التضامن العمالية التي ضمت ملايين العمال والمثقفين للنظام في بولندا في نهاية السبعينيات، ولهذا يتحدث الباحثون عما يسمونه بالمجتمع المدني الأول: ذلك المجتمع الذي سعت إليه النخبة الأوروبية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، والمجتمع المدني الثاني: وهو المجتمع الذي تبنته في الثمانينيات بعض القوى في بلدان أوروبا الشرقية وبخاصة في بولندا وأمريكا اللاتينية ثم العالم العربي [٦] . إن مفهوم المجتمع المدني مفهوم غربي مستورد وُلد ونشأ في ظل الصراع السياسي والاجتماعي الذي عرفه المجتمع الأوروبي منذ القرن السابع عشر، وتلازم نشوؤه مع التشكيلة الرأسمالية الغربية، مما يعني أنه مفهوم دخيل على الفكر العربي والإسلامي ولا تاريخ له في هذا الفكر، ولا زال هذا المفهوم كالجنين الذي هو في طور التكوين تختلف تفسيراته وتضطرب وتختلط ويسودها الغموض والضبابية بين المروِّجين له من المثقفين في بلادنا [٧] حتى في أشد الدول استهلاكاً له. ولم يتعرف هؤلاء المثقفون على هذا المفهوم بحد ذاته، وإنما جاء هذا التعرف عبر اهتماماتهم بالأفكار الماركسية المحدثة القادمة من المجتمعات الأوروبية التي نشط فيها هذا المفهوم بعد غفوة طويلة، خاصة بعد أن تأكد لهم عدم مصداقية المفاهيم الماركسية القديمة كالصراع الطبقي وغيرها [٨] ، وقد تبناه هؤلاء المثقفون باعتباره حجر الزاوية في كل ما يعتقدون أنه تحوُّل ديمقراطي حقيقي في البلاد العربية على حد قولهم. والغريب في الأمر أنهم حاولوا التنقيب عن تماثلات وتشابهات للمفهوم في التراث الإسلامي، فهداهم تفكيرهم إلى تصور أن الجذور الأولى لهذا المفهوم ترجع إلى ما يسمونه بـ «وثيقة المدينة» أو «الصحيفة» التي اعتبروها «دستور المدينة» التي افتتح بها النبي ﷺ إقامته في المدينة بهدف تدعيم ما يسمونه بـ «البناء الداخلي الجديد» الذي كان النبي ﷺ يضع لبناته الأولى في المدينة، وقد بلغت بهم السطحية وكراهية الشريعة أن تصوروا أن هذه الصحيفة تبين أن الإسلام ممثلاً في الرسول ﷺ قد أدار الحكم وشؤون البلاد وفق صيغ وقوانين وضعية؛ ومن ثم فإن نظام الحكم في الإسلام متروك للبشر وفقاً لحاجاتهم وظروفهم والعصر الذي يعيشون فيه [٩] . والذي نتصوره هو أن فكرة «المجتمع المدني» التي يُروَّج لها في بلادنا اليوم ليست إلا تقليعة أو موضة جديدة ظهرت في غير أوانها على حد تعبير بشارة أنشئت من أجلها مراكز أبحاث ونشرات إخبارية ودوريات علمية ومؤتمرات وندوات، تبناها مثقفون علمانيون من أصحاب التطلعات الاجتماعية والطموحات الشخصية الذين جرفتهم موضة التيار السائد (المجتمع المدني) دون تفكير في السؤال الهام: لماذا سارع المثقفون الآن إلى تبني هذا المفهوم؟ والجواب في تصورنا للأسباب الآتية: أولاً: المثقفون نخب مشتغلة بالتنافس على الوكالات؛ فكما توجد حروب على الحصول على الوكالات الأجنبية في الاقتصاد فكذلك يوجد تنافس بين النخب الثقافية على وكالات الأفكار، وبخاصة أن مؤسسات المجتمع المدني يتم تمويلها بأموال المساعدات الغربية؛ فمؤسسات المجتمع المدني تقوم بإرسال أخبار الأوضاع الداخلية للبلاد إلى الخارج، وتراقب الانتخابات في الدوائر العمالية والنقابات، كما تستفيد من تقارير هذه المؤسسات وخاصة تلك العاملة في مجالات التنمية والصحة والمرأة والأقليات في الاختراق المعرفي، أو ما تسميه (ثناء المصري) : اختراق النقاط المنعزلة البعيدة في جسد المجتمع، وإدماج البلاد في السوق الرأسمالي وتدعيم عملية التطبيع مع إسرائيل كما كشفت عن جانب من ذلك أحداث مركز ابن خلدون الأخيرة في مصر. ومما يدعم هذا الرأي أن ثقافة النخبة كما يعترف أصحابها بأنفسهم ليست واقعاً أو حقيقة صلبة إنما هي متغير معرض دائماً ليد المصالح الخفية، وحسابات النظام والقوة [١٠] . ثانياً: وجد المثقفون أنهم حينما يتحدثون عن المجتمع المدني يتحدثون عن أنفسهم وعن الطبقات الاجتماعية التي يتواصلون معها؛ لأن الإرادة الخاصة لبسطاء الناس لا تنسجم مع الرأي العام الذي يمثله هؤلاء المثقفون ويحاولون عرضه على اعتبار أنه مجتمع مدني، كما أن توافر مستوى معيشي لائق بالجماهير هو شرط لتطور مجتمع مدني كامل، وهذا الهدف مستحيل التطبيق طالما بقيت هذه الجماهير في ظروف أدنى من مستوى الفقر، مما يعني بوضوح أنها مستثناة من المجتمع المدني [١١] . ثالثاً: وهو السبب الأكثر أهمية حيث إنه يكمن في أنهم شعروا بشدة الحاجة إلى هذا المفهوم لمواجهة الخطاب الإسلامي. يقول بشارة: «إن ازدياد استخدام المثقفين العرب لمفهوم المجتمع المدني راجع إلى الحاجة لوضع أيديولوجية جديدة بيد خطاب التحديث الفاشل في الوطن العربي في مواجهة الخطاب الإسلامي، ليس الهدف إذن فهماً أفضل لآليات تطور المجتمع المدني، وإنما أداة في مكافحة المد الإسلامي» [١٢] ، ولهذا قام مثقفونا باستحضار المناقشات الدائرة في العالم الغربي منذ ثمانينيات الأزمة البولندية عن دور المجتمع المدني في مواجهة الدولة الشمولية، لعلها تفيدهم في مواجهة المد الإسلامي، ذلك المد الذي حاصر العلمانيين واضطرهم إلى الهروب إلى أنفاق القومية واليسارية، فلم تسعفهم؛ وبدلاً من الاعتراف بالإخفاق راحوا يحسمون المعركة في نفق آخر هو نفق (المجتمع المدني) . ولا زال أهل هذه الشريحة من المثقفين في بلادنا داخل هذا النفق يتمسكون بما يسميه (بشارة) بتقليعة المجتمع المدني، وهم موقنون تماماً بأن المفاهيم المرتبطة بالمجتمع المدني تصطدم تماماً مع قيم المجتمع الإسلامي. إن المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه المجتمع المدني هو الفرد الجزئي وعليه يصبح المجتمع المدني تركيبة من أعضاء مستقلين لكل منهم نظرة خاصة للأشياء ويعمل أساساً من أجل غاياته الخاصة، وينظم الإنسان حياته في المجتمع المدني ليس على الروابط العائلية وقدسية البنى الاجتماعية وإنما على المصالح الخاصة، أي على كسر علاقات التعاطف وأصل العائلة، فتكون النتيجة هي قيام مصالح جزئية متنافرة ليس بينها لغة مشتركة [١٣] . ويسوِّغ دعاة المجتمع المدني ذلك بالقول: بأن الجزئي هو نفسه الكلي وأن المصلحة الذاتية للفرد هي نفسها مبدأ مشترك يصهر الناس جميعاً في بوتقة واحدة [١٤] . ومن أهم مقومات المجتمع المدني مبدأ الحرية الفردية والمواطنة القومية، ويتضمن مفهوم المواطنة القضاء على كل الانتماءات القديمة دينية كانت أم غير ذلك، كما يتأسس على حق المواطنة حرية المعتقد، وفصل الدين عن الدولة، وحرية الرأي والتعبير مهما كان مخالفاً لانتماءات غالبية الناس العقدية؛ فعلى كل إنسان أن يسوي أموره مع (الله) بطريقته الخاصة. وفي هذا المجتمع تختفي مفاهيم الفرد المؤمن، وغير المؤمن والرجل والمرأة، والحر والعبد، وتستبدل جميعها بمفهوم الفرد المواطن [١٥] . أما العلمانية فهي مفهوم لا ينفصل كلية عن المجتمع المدني؛ بحيث يصعب الحديث جدياً عن قضايا المجتمع المدني دون تناول العلمانية ليس باعتبارها جزءاً من منظومات المفاهيم التي تشكل حقل هذا المجتمع المدني وفضاءه، بل لأنها تشكل الجذر الذي تنحدر تحته كل القضايا المرتبطة به [١٦] . ويقر العلمانيون بأن العلمانية في بلادنا لا تمتلك ولا تستهدف بناء مشروعها الخاص بقدر ما تعبر عن رفض ما يسمونه بالتصور السلفي الديني، وعن الارتباط الوثيق بين المجتمع المدني والعلمانية. يقول محمد كامل الخطيب: «فالعلمانية تبدو اليوم أكثر من أي وقت مضى سبيلاً مفتوحاً، وربما جيداً لإنقاذ المجتمع العربي من تفتته وتخلفه وربما تبعيته سواء للماضي أو للحاضر الأمريكي الأوروبي، والمجتمع المدني هو القادر على أن يكون متماسكاً وعادلاً، وفي هذا تعلن العلمانية أنها لم تخفق؛ لأن في إخفاقها الموت الحضاري وربما الوجودي لهذا المجتمع، ولأن في إخفاقها العودة إلى مجتمع الملل والطوائف» كما يرتبط مفهوم المجتمع المدني بمفهوم الديمقراطية التي لا انفصال بينها وبين العلمانية في المجتمع المدني؛ بحيث لا يمكن الدفاع عن الديمقراطية كما يقول كمال عبد اللطيف بدون الدفاع عن العلمانية، وكما يقول ناصيف نصار: «الدفاع عن الفلسفة الديمقراطية يكون دفاعاً ناقصاً أو مبتوراً إذا أسقط من الحساب قضية العلمانية» [١٧] ؛ فالديمقراطية تقوم على مبدأ السلطة التعاقدية وتقول بالاختيار العلماني. وتبين مقولة صريحة لعزيز العظمة كيف نستغل الديمقراطية لنبذ الدين يقول العظمة: «إنه لا امتلاك لأسس الديمقراطية إلا بانفكاك الفكر والحياة عن الارتهان للمطلق، والتخلي عن محاولات إدغام المستقبل بالماضي، وترجمة مبادئ ومفاهيم الحاضر المعاصر إلى لغة تنتمي إلى سياق تاريخي تام الاختلاف» [١٨] . يرى العلمانيون أن التمسك بالعقيدة (تعصب) يؤثر سلبياً على العلاقات داخل المجتمع المدني الذي يفترض التعدد والتنوع وحتى الاختلاف في مقوماته، ويقولون: «التعصب في جوهره نفي للآخر وإقصاء لرأيه وصوته، وتمركز حول العقيدة أو الأيديولوجيا والذات يمنع صاحبه من امتلاك أي تصور من الحقيقة يقع خارجه، وهو يفترض أحادية الحقيقة والانفراد بامتلاكها، كما يفترض تقديم إجابات جاهزة على الأسئلة المطروحة والإشكاليات القائمة. والتعصب بهذا المعنى يقتل الحافز للبحث والتفتيش عن إجابات جديدة أو حتى لصياغة الأسئلة القديمة بأشكال مبتكرة، أي أنه يساهم في تكريس السائد والمعروف والتقليدي، ويصادر على المختلف والمغيب والمبتكر» [١٩] . وهذه العبارات تشير بشكل أو بآخر إلى رفضهم التمسك بالعقيدة؛ لأن هذا التمسك الذي يسمونه (تعصباً) لن يسمح بأي اختراق لتصوراتهم وأفكارهم التي من شأنها التأثير على البناء العقدي للمجتمع. وكما لا تنفصل العلمانية عن الديمقراطية في المجتمع المدني فإنها لا تنفصل كذلك عن (العقلانية) ؛ فجميع هذه المفاهيم دروع مهمتها الأساسية الحيلولة دون اختراق العقيدة لبناء المجتمع المدني الجديد. وعن العقلانية وارتباطها بالمجتمع المدني ومقاومتهما للعقيدة يقول دعاة المجتمع المدني إن العقلانية هي: «تحرير العقل من المسبقات والأوهام والمطلق؛ فالعلمانية إذ تقيم سلطة العقل إنما تعلن نسبية الحقيقة وتاريخيتها وتغيرها، بل وإمكانات تجاوزها لفتح آفاق وإمكانيات للمعرفة الموضوعية عبر الانتقال من الأيديولوجيا إلى العلم ومن التبرير إلى التفسير» [٢٠] . والذي يهمنا هنا هو أن دعاة المجتمع المدني قد انتهوا إلى حقيقة هامة أوردها طيب تيزيني على لسانأبو حلاوة اعتبرها جماع القول في مسألة المجتمع المدني مؤداها: «لا يحسبن أحد أن المجتمع المدني هو الحل الناجز لكل القضايا والمشكلات التي تعيشها المجتمعات المعاصرة ومنها مجتمعنا العربي، وهو ليس مفهوماً خلاصياً أو وصفة يمكن تعاطيها وتداولها من تجاوز الراهن المأزوم إلى مستقبل، إنه بصيغة أدق: حقل للتنافس وفضاء للصراع، وميدان لعمل القوى الاجتماعية ذات المصالح والرؤى والمواقف المختلفة بل والمتناقضة» [٢١] . والسؤال الآن: إذا لم يكن في المجتمع المدني الحل الناجز لكل قضايانا ومشاكلنا التي نعيشها، ونظرنا إلى العقيدة على أنها أوهام ومسبقات وارتهان للمطلق ورفضنا ربط الحاضر بالماضي فأين يكون الحل إذن؟ وإذا كان المجتمع المدني حقلاً للتنافس والصراع، وميداناً لعمل القوى المتعارضة ذات المصالح والرؤى المتباينة، والكل يعمل فيه من أجل غاياته الخاصة ولا قدسية فيه للروابط العائلية والاجتماعية؛ فأين ومتى تتحقق وحدة المجتمع وتماسكه؟

стр. 3804

في دائرة الضوء عولمة الرأسمالية ورأسمالية العولمة أحمد عبد الدايم [*] بدأ العالم منذ فترة يشهد دعاية واسعة لفكر غربي جديد هو (العولمة) ؛ فقد بدأت رياح هذا الفكر تجتاح بلاد المسلمين؛ حيث صار الكثير من السياسيين والمفكرين يستخدمون مصطلح (العولمة) ليكون المخرج من الواقع المظلم الذي تعيشه الأمة؛ ليخرجها من انحطاطها إلى مدارج النهضة. والحقيقة أن مفهوم (العولمة) ليس مجرد شعار اقتصادي رأسمالي فحسب، ولا هو وجه من وجوه الرأسمالية المتعددة الأوجه؛ لكنه فكر رأسمالي شامل لجميع نواحي الحياة، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي وإن كان الوجه الاقتصادي أبرزها. إن المتتبع للسياسة الدولية يدرك تمام الإدراك أن أمريكا أصبحت هي المهيمن على السياسة الدولية، بتفردها في الموقف الدولي وفي إدارة مشاكل العالم وتسويتها؛ ذلك أنه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وخروج أمريكا وحلفائها منتصرين، راحت تفكر في السيطرة على العالم وتسلك مع حلفائها من الدول الغربية مسلك قائد المعسكر؛ لأنها كانت تمدهم بالمال والسلاح والمعدات أثناء الحرب، وبعد أن تذوَّق أصحاب رؤوس الأموال الأمريكان طعم الربح حين راحوا يشاركون بريطانيا اقتسام النفط في الشرق الأوسط عزمت أمريكا على أن تخرج من عزلتها التي اختطها لنفسها بموجب مبدأ مونرو؛ وحتى يتم لها ما تريد من السيطرة على العالم وطرد الدول الاستعمارية التقليدية من مناطق نفوذها في كل من آسيا وإفريقيا، ومع بروز الاتحاد السوفييتي قوة عظمى رافعاً شعار المساواة والعدل والتحرر من الاستعمار الأوروبي عند ذلك أدركت أمريكا أنها إذا سارت على الطريقة نفسها التي سارت عليها الدول الرأسمالية الأخرى فإنها ستخفق إخفاقاً ذريعاً؛ فكان لا بد من وضع الخطط والأساليب والوسائل التي تضمن لأمريكا السيطرة على العالم والانفراد به بوصفها قوة واحدة في العالم، بالإضافة إلى نشر مفاهيم وقناعات المبدأ الرأسمالي في العالم. ولذلك عمدت أمريكا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية من خلال الرئيس الأمريكي (ترومان) إلى إجراء مشاورات مع حلفائها بشأن إنشاء منظمة دولية جديدة تحل محل (عصبة الأمم) التي انهارت بعد خروج ألمانيا منها قُبيل الحرب العالمية الثانية، ولقد كان الحلفاء حريصين عقب الحرب على مشاركة الولايات المتحدة في المنظمة الدولية الجديدة بعد الدمار الكبير الذي لحق بهم وبروز الاتحاد السوفييتي ممثلاً للمبدأ الاشتراكي؛ فقد وافقت هذه الدول على إنجاز جميع الخطوات والمناقشات المتعلقة بهذه المنظمة، وتم التصويت على إنشائها في (سان فرانسيسكو) في الولايات المتحدة الأمريكية أواخر شهر نيسان من عام ١٩٤٥م بحضور خمسين دولة، وتمت تسميتها: (منظمة الأمم المتحدة) ، وتم وضع ميثاقها لحفظ السلام والأمن العالميين من أجل تطوير علاقات الصداقة بين الأمم القائمة على احترام حقوق الشعوب وتقرير المصير، وحل المشاكل الدولية، واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية له، وتفرع عن هذه الهيئة العالمية الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي وهو أهم هيئات المنظمة، ويتألف من خمسة عشر عضواً خمسة منهم دائمون وهم أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين، وتفرع عنها كذلك صندوق النقد الدولي، ومن أبرز أغراضه العمل على تحقيق الاستقرار النقدي الدولي وثبات أسعار الصرف، وجعل موارد الصندوق في متناول الدول الأعضاء بنسبة حصصها فيها لمساعدتها على تقصير أمد الاختلال في ميزان مدفوعاتها، وقد كانت طريقة إنشائه مصوغة بشكل يؤدي إلى هيمنة أمريكا على قراراته؛ فقد جعلوا الأصوات التي تتمتع بها الدول تتوقف على حصتها في الصندوق، ولما كانت حصة أمريكا هي الأكبر (٢٧. ٢%) من رأس المال فإن قراراته كانت قرارات أمريكية. كما تفرع عنها البنك الدولي للإنشاء والتعمير وأبرز أغراضه إعادة إعمار ما دمرته الحرب، ومساعدة الدول المتخلفة اقتصادياً، وتقديم القروض والضمانات لدول العالم النامي. وفي عام ١٩٤٧م أسست أمريكا مع ٢٣ دولة صناعية اتفاقية (الجات) وهي (الاتفاقية العامة على الرسوم الجمركية والتجارة) ، وتهدف إلى تحرير تجارة السلع الزراعية والصناعية والمنسوجات والخدمات وتحرير التبادلات التجارية والتدفقات المالية الناتجة عن العقود الحكومية الضخمة، ولما أخفقت (الجات) في تحقيق ما أرادته أمريكا من إنشائها لأن الاتفاقيات والتوصيات غير ملزمة للأعضاء استعاضت عنها بـ (منظمة التجارة العالمية) التي رأت النور في مراكش عام ١٩٩٤م، وبدأ العمل بها ١٩٩٥م. فكان (صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية) هذا الثالوث هو السلاح الفتاك بيد أمريكا للتفرد بالعالم، إضافة إلى ما تمتلكه من قوة عسكرية واقتصادية وتقدم تقني؛ إذ إن أول خطوة قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية هي ما أطلقه وزير خارجيتها بشأن إعمار أوروبا بعد أن دمرتها الحرب العالمية الثانية، وهو ما عرف باسم: (مشروع مارشال) ، خاصة أن ثلثي رصيد العالم من الذهب البالغ خمسة وعشرين مليار دولار من أصل (٣٨) مليار دولار موجود في أمريكا. لقد سعت أمريكا لجعل المبدأ الرأسمالي أساس العلاقات والأعراف والقوانين الدولية منذ إنشاء منظمة الأمم المتحدة؛ حيث جعلت الأعراف الرأسمالية الأساس الرئيس لميثاق هذه الممنظمة الدولية، إلا أنها لم تنجح عملياً في تحقيق هذا الهدف؛ حيث كان الاتحاد السوفييتي يقود المعسكر الشرقي على أساس المبدأ الاشتراكي، وتمكن من فرض مبدئه دولياً وعالمياً، ولقد كانت القضايا الدولية محصور بحثها بين الدول الأربع الكبرى حتى مطلع الستينيات من القرن العشرين حين التقى الرئيس الأمريكي (كِنِدي) الرئيس السوفييتي (خروتشوف) في فيينا عام ١٩٦١م واتفقا على إنهاء الحرب الباردة، واقتسام مناطق النفوذ في العالم، وإنزال بريطانيا وفرنسا عن مكانتهما الدولية، وقد عُرف ذلك بسياسة الوفاق بين العملاقين، وبذلك انتهت الحرب الباردة التي سادت العالم بعد الحرب العالمية الثانية، غير أن أمريكا كانت تريد القضاء نهائياً على روسيا الاشتراكية؛ ولذلك أعلنت حرب النجوم وسباق التسلح، واستجابت روسيا لهذا السباق وهذا الصراع إلى أن انتهى بسقوط الاتحاد السوفييتي وانهياره وتفككه، وكان طبيعياً أن تعتبر أمريكا هذا الانهيار والسقوط انتصاراً للمبدأ الرأسمالي بوصفه نظاماً وطريقة عيش، وانتصاراً سياسياً لها. وبعد انتهاء حرب الخليج الثانية وخروج القوات العراقية من الكويت وقف الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش ليعلن على العالم ولادة (النظام الدولي الجديد) ، ولم يكتف بذلك بل أراد أن يصبح المبدأ الرأسمالي مبدأً عالمياً، أي مبدأ شعوب الأرض وأممها قاطبة؛ فضلاً عن كونه أصبح المبدأ العالمي الدولي المتفرد عملياً في الموقف الدولي؛ وبذلك أعلن بوش عولمة الرأسمالية. والعولمة عبارة عن مصطلح سياسي عرَّفه بعضٌ أنه: (نظام عالمي جديد يقوم على العقل الإلكتروني، والثورة المعلوماتية القائمة على أساس المعلومات، والإبداع التقني غير المحدود دون اعتبار للأنظمة والحضارات والثقافات والقيم والحدود الجغرافية والسياسية القائمة في العالم) ، وعرَّفه آخرون أنه: (القوى التي لا يمكن السيطرة عليها للأسواق الدولية والشركات المتعددة الجنسية التي ليس لها ولاء لأية دولة أو قومية) . والحقيقة أن لفظ العولمة آتٍ من العالمية، والعالمية المقصودة هنا هي عالمية الرأسمالية أي جعل الرأسمالية مبدأ العالم وحضارته سواء سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً، ولتحقيق ذلك عمدت أمريكا إضافة إلى ما سبق إلى الأعمال الآتية: أولاً: على الصعيد السياسي: عملت أمريكا على تسويق الديمقراطية، وهي الإطار السياسي للفكر الرأسمالي، أي نظام الحكم الذي تطبقه الدول الرأسمالية والدول التي تسير على شاكلتها، وهي تعني عند معتنقيها أن يحكم الشعب نفسه بنفسه بالنظام الذي يضعه لنفسه، ولذلك دأبت على دعوة الدول إلى تطبيق الديمقراطية باعتبارها مجموعة مفاهيم عن الحياة، والدول التي لا تسير في مخططها تمارس عليها شتى الضغوط بما تملك من سيطرة سياسية وسيطرة على وسائل الإعلام العالمية بفضل الثورة التكنولوجية والمعلوماتية الهائلة التي خَطَتْها خاصة في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن المنصرم، فتلوِّح لتلك الدول متهمة إياها تارة بمساندة (الإرهاب الدولي) ، وتارة أخرى بالدكتاتورية أو عدم احترام حقوق الإنسان، وعدم احترام حقوق الأقليات، ولعل الورقة التي تستخدمها أمريكا للضغط على الصين هي عدم احترامها لحقوق الإنسان، وهي دائمة التذكير لها بحادثة (تيان آن مين) عام ١٩٨٨م، وما محاولة أسبانيا محاكمة الدكتاتور التشيلي السابق (بينوشيه) إلا رسالة إلى من هم على شاكلته من حكام العالم. ولما كانت أمريكا تريد أن تطبق الديمقراطية بوصفها مجموعة مفاهيم عن الحياة في واقع الحياة والدولة والمجتمع، وتعمل بجد كي تصبح هذه المفاهيم مقاييس وقناعات أمم العالم وخاصة الأمة الإسلامية، فقد عملت على إيجاد دول كرتونية ترفع شعار الإسلام وتدَّعي أنها تطبقه، وهي في الحقيقة لا تطبق منه إلا بعض الأحكام وبشكل مُشوَّه إلى أن جعلت الناس يضيقون ذرعاً بهم. وفي الوقت نفسه تقوم بدعم الاتجاهات العلمانية في البلاد الإسلامية سواء من خلال الأنظمة، أو من بعض من يُقدَّمون للناس على أنهم إصلاحيون؛ وفي الحقيقة هم علمانيون يعملون لإخراج الإسلام من المجتمع، ويعملون على تعميق مفاهيم الرأسمالية والحضارة الغربية في المجتمع، ويرسخونها في العلاقات كما هو حاصل اليوم في إيران وباكستان، وكما حصل من قبل في تركيا وبقية بلاد المسلمين. وكذلك تسعى أمريكا إلى تغيير هيكلة الدولة لتصبح دولة مؤسسات، وتصبح الحكومة مؤسسة صغيرة يقتصر عملها على الأعمال الدبلوماسية، وتملك جيشاً صغيراً ودوائر أمنية وهيئات استشارية تعمل جميعاً لخدمة القطاع الخاص، وإذا أرادت الحكومة أن تقوم بعمل مالي فيجب أن تتساوى مع أية مؤسسة أخرى؛ فتُعامل معاملة القطاع الخاص. وبعبارة أخرى أن تصبح الحكومة إحدى مؤسسات الدولة المتخصصة ومهمتها الحكم بشكل رئيسي؛ فهي تحكم ولا تملك وأما بقية المؤسسات فهي تملك ولا تحكم. ثانياً: على الصعيد الاقتصادي: أما اقتصادياً فقد وضعت الخطط والأساليب وبدأت بتنفيذها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى استطاعت أخيراً أن تُحكِم قبضتها على العالم وتصرِّف أموره وتحل مشكلاته بالطريقة التي تتناسب مع خططها الاقتصادية وهي حرية التجارة وحرية السوق، وجعل العالم سوقاً حرة للمنتجات الأمريكية. وحتى تضمن انفتاح الأسواق العالمية أمام تجارتها وصادراتها عملت على تطويق تحركات شركائها الرأسماليين الأوروبيين (السوق الأوروبية المشتركة) ببناء تكتلات وتجمعات تجارية جديدة وإحياء الاتفاقيات القديمة وتنشيطها، فأوجدت اتفاقية (النافتا) وهي اتفاقية بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك، ثم عمدت إلى إيجاد اتفاقية (الإيباك) وهي اتفاقية ظهرت إلى الوجود سنة ١٩٨٩م، وهي تضم سبع عشرة دولة في عضويتها موزعة على ثلاث قارات، وهذه الدول هي: الولايات المتحدة، كندا، المكسيك، أستراليا، نيوزيلندة، الصين، اليابان، هونج كونج، غينيا الجديدة، تايوان، بروناي، ماليزيا، إندونيسيا، سنغافورة، الفلبين، كوريا الجنوبية، تايلاند، وهذه المنظمة الاقتصادية الدولية تدمج في عضويتها تكتلين اقتصاديين كبيرين هما: منظمة (النافتا) لدول أمريكا الشمالية و (الآسيان) لدول جنوب شرق آسيا التي تأسست عام ١٩٦٧م وتضم ست دول هي: ماليزيا، إندونيسيا، بروناي، الفلبين، تايلاند، وسنغافورة، وتمثل الإيباك في دولها نحو ٤٠% من التجارة العالمية، هذا بالإضافة إلى الدول الصناعية السبع الكبرى وروسيا التي أضيفت إليها عام ١٩٩٨م، وهي أمريكا وكندا واليابان وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا؛ حيث اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية من نادي هذه الدول الغنية أداة لصنع القرارات الاقتصادية والمالية والتجارية الدولية. ولقد ظلت اتفاقية الجات (الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة الجمركية) هي المرجعية للتجارة الدولية، وكانت تلتزم بها جميع دول العالم تقريباً؛ ولكون هذه الاتفاقية تقتصر على تنظيم العلاقات الاقتصادية والتجارية الداخلية فإن أمريكا وجدتها غير كافية لتحقيق أغراضها، فعملت على إيجاد اتفاقية بديلة لها على هيئة منظمة سمَّتها: «منظمة التجارة العالمية» أُعلن عن تأسيسها في المغرب عام ١٩٩٤م، وبدأت العمل الفعلي بداية عام ١٩٩٥م، وقد أضافت إلى اتفاقية الجات التي ركزت على المنتجات الصناعية المنتجات الزراعية، والخدمات، وحقوق الملكية الفكرية، والأهم من ذلك أن المنظمة تضمنت مجلساً تحكيمياً للنظر في الشكاوى والخلافات بين الدول الأعضاء وعددها ١٣٥ دولة، وإصدار قرارات ملزمة في وقت كانت (توصيات) الجات غير ملزمة. ومع هذه المنظمة صارت أسواق العالم أو الدول التي انضمت تحت لوائها مفتوحة أمام المستثمر الأمريكي، ولعل ما أعلنه الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون بتاريخ ٨/٣/٢٠٠٠م عن تقديمه مشروعاً إلى الكونجرس بمنح الصين امتيازات تجارية دائمة في السوق الأمريكية، وطلب الموافقة على هذا المشروع لضمان استفادة الشركات الأمريكية من اتفاق التجارة الذي سيفتح سوق الصين الواسعة (١. ٣ مليار) أمام الشركات الأمريكية، وأمريكا دائمة الحث للصين للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وحالياً تفاوض الصين الدول الأعضاء في المنظمة من أجل الانضمام إليها. وقد عقد المؤتمر العاشر للأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) في العاصمة التايلاندية بانكوك في الفترة ما بين ١٢ ١٨ شباط (فبراير) الماضي بمشاركة (٣٠٠٠) ثلاثة آلاف مندوب عن أكثر من ١٩٠ دولة، أما الأهداف التي عمل على تحقيقها فهي تتلخص في دفع الدول الفقيرة للحاق بركب العولمة من خلال الالتزام بمنظمة التجارة العالمية وخرج المؤتمر بوثيقتين: الأولى عبارة عن برنامج عمل للسنوات الأربع القادمة، وهي تضع أرضية مشتركة٠ بين أعضاء (الأونكتاد) وعددها ١٩٠ دولة بشأن العولمة والتجارة وكيفية دمج الدول الثماني والأربعين الأكثر فقراً في عجلة الاقتصاد الرأسمالي العالمي. والوثيقة الثانية كانت بشأن التجارة الحرة والتكامل الاقتصادي العالمي بوصفهما طريقاً لموازنة التنمية والوصول إلى اتفاق أكثر عدلاً بالنسبة للدول الفقيرة. والدول التي لا يمكن السيطرة عليها من خلال منظمة التجارة العالمية فإن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي جاهزان للتدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة؛ لأن الدول النامية تأخذ القروض وتعجز عن سدادها، سواء القرض الأصلي أو الفوائد المركبة، فإنها تطلب من تجمُّع الدول الدائنة المسمى بـ (نادي باريس) وتجمُّع البنوك الدائنة المسمى بـ (نادي لندن) جدولة الديون وأخذ قروض جديدة لتنشيط اقتصادها، ولذلك يطلب منها ناديا باريس ولندن أن تحضر تزكية من صندوق النقد الدولي بما يشبه شهادة (حسن سلوك) بأن هذه الدولة تنتهج سلوكاً اقتصادياً سليماً. ولكنها للحصول على ذلك يشترط الصندوق عليها تنفيذ برنامج إصلاحي مكون عادة من تخفيض قيمة العملة، وإلغاء الدعم الأساسي للسلع الأساسية والضرورية، وتخفيض التوظيف الحكومي، وإصلاح النظام الضريبي، وتخفيض الإنفاق الحكومي، وزيادة أسعار الطاقة والخدمات العامة والسلع بشكل عام، وزيادة أسعار الفائدة لتكثير الادخارات وجلب رؤوس الأموال، وتحرير التجارة الخارجية من القيود أو تخفيفها، كما تطلب خصخصة المشاريع العامة وتحويلها إلى القطاع الخاص بحجة ضعف إدارة القطاع العام وسوء إنتاجيته وفساد القائمين على إدارته كما يحدث في الأردن من خصخصة ٤٠% من أسهم الاتصالات الأردنية، والمباحثات جارية لخصخصة شركات الفوسفات والأسمنت والبوتاس والملكية الأردنية إضافة إلى وزارة الإعلام؛ حيث سيصار إلى إلغائها. والأمر الخطير هنا أنه إذا فتحت أسواق بلد ما وسارت أموره حسب سياسات السوق وحرية التجارة من وجهة نظر الرأسمالية فحتماً ستكون الغلبة في النهاية للمستثمر الأجنبي وللشركات المتعددة الجنسية؛ بحيث تسيطر هذه الشركات على الاقتصاد سيطرة تامة، ويكفي أن نعلم أن ٣٧ ألف شركة عملاقة تسيطر على معظم الاقتصاد العالمي من بينها مائة واثنتان وسبعون شركة تسيطر على خمس دول هي أمريكا واليابان وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، وتقوم الحكومات بمساعدة هذه الشركات على اختراق الاقتصاد العالمي والسيطرة عليه، حيث ارتفعت المبيعات فيما بين عامي (١٩٨٢م ١٩٩٢م) من ٣٠٠٠ مليار دولار إلى ٥٩٠٠ مليار دولار. ولأن النظرة الرأسمالية هي في حقيقتها نظرة فردية فإن الفقر المدقع سيعم أرجاء أية دولة من دول العالم النامي بما فيها بلاد المسلمين، وستكون الشعوب هي الضحايا التي سوف تعاني باستمرار لاتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، وباعتبار أمريكا نموذج العولمة تقول الإحصاءات إنه بين عامي (١٩٧٩م ١٩٩٠م) انخفضت دخول ٢٠% من أفقر عائلات أمريكا بنسبة ٢٠%، بينما ارتفعت دخول ٢٠% من أغنى عائلات أمريكا بنسبة ٣٠%، وتقول الإحصاءات أيضاً إنه في عام ١٩٩٨م كان في أمريكا ١٧٠ ملياردير مقابل ١٣ ملياردير عام ١٩٨٢م، ويقول أحد هذه التقارير إن ثروة (بيل جيتس) وحده مؤسس شركة ميكرو سوفت للكمبيوتر بلغت في وقت من الأوقات ما يعادل صافي ثروات ١٠٦ ملايين مواطن أمريكي أي ثلث السكان تقريباً. ثالثاً: على الصعيد الاجتماعي: أما اجتماعياً فإن أمريكا تعمل بجدٍّ لفرض نمط الحياة الغربية على العالم، ولذلك اتخذت من مؤتمرات المرأة والسكان والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقيات حماية البيئة والتنمية المستدامة، أسلوباً مباشراً لفرض مفاهيمها حول الأسرة والزواج وحقوق المرأة وحقوق الطفل والعلاقات الجنسية والإجهاض والشذوذ وكل ما يتصل بالناحية الاجتماعية في الحياة، وأطلقت من خلالها الدعوات لدول العالم من أجل رفع تحفظاتها على توقيع اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل واتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وهما وثيقتان خطيرتان تهددان استقرار الأسرة ومستقبلها في العالم أجمع، وتتوالى الاجتماعات في نيويورك من أجل التأكد من مدى وفاء الدول والمنظمات غير الحكومية والقطاعات الخاصة بالتزاماتها بمقررات هذه المؤتمرات والاتفاقيات. وكمثال واضح على كيفية استخدام أمريكا لهذه المؤتمرات وفقاً للأهداف الأمريكية فإنها في أبحاث السكان والمرأة والتنمية تنطلق من فكرة الانفجار السكاني؛ حيث تنظر في بحوث التنمية إلى دَوْر ربة البيت على أنه دور استهلاكي أكثر منه إنتاجي، ولذلك يبحث القائمون على هذه البحوث عن تشريعات تسهِّل عمل المرأة، ويركزون على تغيير نظرة المجتمع إلى المرأة، وإيجاد نظرة جديدة وأنماط سلوكية جديدة في حياة الأسرة، ثم ينتقلون إلى وجوب أن تكون زيادة عدد السكان أقل من التنمية الاقتصادية، ويعملون لتحقيق ذلك من خلال مؤتمري السكان والمرأة في محاولة للوصول إلى قرارات بشأن تأخير سن الزواج، والسماح بتعاطي الجنس بغير قيود، وتقليل الإنجاب بالتوفير المجاني لوسائل منع الحمل. كما أكدت الوثيقة التي انبثقت عن مؤتمر (بكين) على حرية الإنسان في تغيير جنسه، وعلى حق الفتاة أو المرأة بالتمتع بحياة جنسية آمنة مع من تريد وفي أي سن تريد، وفي الخامس من شهر حزيران الماضي (٢٠٠٠م) عقد في نيويورك مؤتمر لتقييم التقدم المنجز في تطبيق مقررات مؤتمر المرأة الثالث الذي عقد في نيروبي عام ١٩٨٥م ومراجعته، ولعل ما قامت وتقوم به الحكومة الأردنية والمصرية والمغربية والكويتية وغيرها من الحكومات في البلاد الإسلامية في هذا المجال يدل دلالة قطعية على السير الفعلي الذي تنفذه الدول النامية من مقررات المؤتمرات والاتفاقيات سابقة الذكر من منظور أنها استحقاق لسياسة العولمة التي يفرضها الغرب الكافر بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية. ففي الأردن على سبيل المثال تم تغيير قوانين المالكين والمستأجرين، وقانون العمل، والخدمة المدنية، وتعليمات الأحوال الشخصية، وجوازات السفر، والسماح للجنسين بالاختلاط في المسابح، كما تم إدخال مفهوم النوع الاجتماعي (الجندر) في خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعامي (١٩٩٩م ٢٠٠٠م) ، والقاضي بعدم تخصيص فصل خاص بالمرأة، ودمج قضاياها ضمن فصول الخطة وقطاعاتها المختلفة ضماناً لتكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في كافة المجالات، وما تقوم به المنظمات الحكومية أو غير الحكومية بشأن إلغاء المادة ٣٤٠ من قانون العقوبات، ومراكز تحديد النسل وتنظيم الأسرة، وشرطة الأسرة والخط الساخن للشكوى على ذوي الأمر اللذيْن أُنشئا مؤخراً؛ كل ذلك إنما يدل على طبيعة التغييرات الاجتماعية التي تريد الولايات المتحدة فرضها على العالم ومنه البلاد الإسلامية باعتبار ذلك نتيجة واستحقاقاً لعولمة المبدأ الذي تقوم عليه. فإذا نظرنا إلى العولمة باعتبارها غزواً فكرياً ومواجهة حضارية بل فرضاً لنمط من العيش فإن آثاره المدمرة لا تزال كامنة في الشعوب التي تعيشه وتحياه، ولا يزال المشرِّعون الذين شرَّعوا أفكاره وأحكامه مشغولين في تشريع الأفكار والأحكام التي تُرقِّع ما أحدثه هذا النمط من العيش من مآس للبشرية، ومن شرور ترزح تحتها الشعوب التي تعتنقه وتطبقه في حياتها ولا تملك منه فكاكاً بعد أن أصبح لهذا النمط في بلادهم من العراقة ما يجعل الانفكاك منه أمراً في غاية الصعوبة. وغني عن القول أن مواجهتها ومواجهة ما يتساقط منها من أفكار ومشاعر وأنماط سلوكية خصوصاً في ظل وسائل الاتصالات الحديثة وإمكانياتها الضخمة لا يكون إلا إذا أدركت الأمة خطورتها عليها وعلى دينها وعلى مستقبل أجيالها من بعدها، وأدركت في الوقت نفسه كيفية مواجهتها، ووثقت بنفسها ثقة لا حد لها، ليس لتخليص نفسها فحسب من هذه الشرور، بل لإنقاذ العالم كله وتخليصه من هذا المبدأ الخطر على الإنسان والمهدد بقاءه على الأرض بالفناء. ولا شك أن المخلصين الواعين من أبناء هذه الأمة وهم المبصرون طريق الخلاص وطريق الانعتاق من قبضة الكفر هم المعوَّل عليهم في شق الطريق وهداية الجموع المؤمنة لتسير معهم في اجتثاث هذه الحضارة النتنة من جذورها، وتخليص العالم من آثارها المدمرة التي لا تزال تعاني منها البشرية حتى اليوم.

стр. 3805

قضايا ثقافية بين الثقافة والعرف جمال سلطان يمثل مصطلح (الثقافة) واحداً من أشهر المصطلحات التي عرفها الفكر الإنساني في تاريخه المعاصر؛ وذلك على الرغم من أنه مصطلح حديث نسبياً، ولم يعرفه الفكر القديم بتلك الدلالات التي حملها في القرن الميلادي الأخير، وعلى الرغم من ذلك فإن معظم من كتبوا عن هذا المصطلح وتاريخه أجمعوا على صعوبة وضع تعريف واضح ومحدد له، وهذه هي آفة المصطلحات المعاصرة بشكل عام، وربما كان الأمر فيه قُصد قصداً؛ حيث تفعل مساحات التطاوع والغموض في المصطلح فعلها الكبير في إمكانيات توجيه المصطلحات إلى غير ما وِجهة، وبحيث يكون لها عند كل فريق معنى، وبطبيعة الحال يكون من يملك الإمكانيات التسويقية والإعلامية الأكثر هو الأكثر قدرة على تسويق المعنى الذي يريد والإيحاءات التي يرغب. ومن أجل ذلك حذَّرتُ وحذَّر كثير من الناصحين في (الفكر الإسلامي) من خطورة التسليم بالمصطلحات الوافدة، وخطورة أن نخلي لها في خطابنا الدعوي مكاناً أو ركناً، والأخطر أن نستبدلها بمصطلحاتنا التراثية والعلمية الأصيلة التي ضُبطت وحُررت واختُبرت على مر القرون حتى ضبطت لنا معالم الشريعة وعالمنا الفكري الإسلامي. ولا يمكن التساهل في هذا السياق وفق مقولة: «لا مُشاحَّة في المصطلح» ؛ إذ إن هذه وإن كانت كلمة حق إلا أنها توضع في غير مكانها وتاريخها وسياقها، بل إن أصل النزاع الحضاري الآن إنما مفتاحه ومدخله هو المصطلح؛ فكيف لا تكون فيه مشاحة ومنازعة؟ ! وبعيداً عن هذا الاستطراد الضروري نعود إلى مصطلح (الثقافة) فنجد أنه حمل أكثر من معنى وأكثر من دلالة؛ فهناك من وَجَّهه وجهة المعرفة والعلم؛ فكانت الثقافة عنده أن تعلم شيئاً عن كل شيء؛ بحيث تكون لك رؤية موسوعية ولو سطحية عن مختلف الأفكار والآراء والعلوم والمعارف والفنون والآداب ونحو ذلك، وهناك من جعلها دلالة نخبوية بمعنى أن المثقف هو من استجمع بعضاً من قيم وخصوصيات فكرية وفنية رفيعة في المجتمع، وهناك من جعلها دلالة على مجمل القيم العامة في المجتمع والسلوك الإنساني فيه، وهي تلك القيم الحاضنة للنمو الاجتماعي وتواصل الأجيال وفق أذواق معينة ومفاهيم إنسانية وأخلاقية معينة، وهذا هو الأكثر قبولاً في أوساط دارسي المصطلح، وهو الألصق بالاشتقاق اللغوي للمصطلح في كثير من اللغات الأوروبية المعاصرة، حيث تشتق الثقافة من مادة الحرث والنماء (CULTUER) ، وفي تقديري أن هذا هو التوجيه الأكثر دقة، والأكثر قرباً وضبطاً لمصطلح الثقافة، وهو الأكثر قرباً من الإطار الإسلامي كذلك؛ لأنه يعطي دلالة أقرب إلى مفهوم (العرف) [١] في السياق الإسلامي، ومن المعروف أن (العرف) معتبر لدى الجمهور من الأصوليين، بوصفه مصدراً من مصادر التشريع، له حجيته وإلزاميته في بعض القضايا والأحكام، وقد خرَّج بعضهم على ذلك قاعدة: «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً» ، ولعل هذا الربط بين دلالة مصطلح الثقافة ومصطلح العرف إن صح وجاز؛ يعطي ثقافة المجتمع موقعاً شديد الحساسية والخطورة في الوعي الإسلامي المعاصر، ويكشف الغطاء عن محاولات التزوير والتخدير التي تمارس ضد العقل الإسلامي لحرمانه من ممارسة واجبه المشروع في حماية ثقافته من عمليات الاختراق الأجنبي المتنوعة؛ حيث شاعت في العقود الأخيرة الكتابات التي تهزأ من الحديث عن (الغزو الثقافي) ، والأخرى التي تنفي وجود شيء اسمه (الغزو الثقافي) ، وتحاول أن تربط ذلك بالتشدد أو التطرف الديني أو العنصرية القومية أو ما شابه ذلك من اتهامات وتلويحات، يحدث ذلك على الرغم مما تحمله لنا التقارير والأخبار من حالات سخط واستنفار في دوائر المثقفين والأجهزة الرسمية في بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا ضد ما يسمونه «الغزو الثقافي الأمريكي» ؛ وذلك من خلال المسلسلات والأفلام والمطاعم الأمريكية وغيرها التي تصبغ المجتمع بصبغة غريبة وطارئة، وتمزق العرف العام في المجتمع وتشوه الأجيال الجديدة، وهذا كله صحيح بالنسبة لفرنسا، ولكنه أكثر صحة وخطراً بالنسبة لنا نحن المسلمين؛ وذلك أن أواصر القربى بين الثقافتين الأمريكية والفرنسية أكثر من أن تحصى، فإذا كان الفرنسيون يفزعون من الغزو الثقافي الأمريكي، وهم على هذا الوجه من القربى؛ فكيف بنا ونحن على النقيض من الثقافة الأمريكية قيماً وأخلاقاً ونظام حياة وسلوكاً أسرياً وديناً وحضارة؟ ! إن (الثقافة) أو (العرف) إن شئنا الدقة هو البوتقة التي تنصهر فيها فعاليات البشر في المجتمع، وهي ماء الحياة فيه؛ لأنها تمنح الناس الحساسية الإنسانية تجاه الذوق الاجتماعي وتجاه محددات (العيب) ، و (الجائز وغير الجائز) من السلوك. إن الناس قد ينسون الأصل الشرعي لحرمة الفعل أو عيبه أو نكرته، ولكنه يبقى في وعيهم أن هذا عيب أو حرام أو منكر. وعندما يقع التشتت والتمزق في الوعي الثقافي يتبعه التمزق في النسيج الاجتماعي، والتمرد على القيم والتقاليد الحافظة لتَواصُل المجتمع ونقائه ومجمل أخلاقه؛ ولذا فلا غرو في أن الغزو الثقافي يؤثر جوهرياً في الأصل العام في الإسلام ألا وهو «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ؛ وذلك أن (المعروف والمنكر) رغم أنهما ينبعان من الأصل الديني مباشرة إلا أنهما في غالب السلوك الاجتماعي وعي ثقافي عند العامة بشكل أساس، وعرف عام تغلغل في نسيج المجتمع، وعندما يضعف إلمام الناس بالشريعة وعلومها وحججها يبقى هذا العرف الاجتماعي أو «الثقافة» التي تصبغ نسيج المجتمع وعفويته تبقى هي الحافظة لمعنى المنكر والمعروف. صحيح أن بعضاً من الخلط والانحراف يقع، وهذا أمر محتوم، ولكن يبقى أن النسيج العام للمجتمع يعرف المعروف وينكر المنكر. ولعل القرآن الكريم قد ضرب لنا مثلاً واضحاً في خطورة التخريب الثقافي الذي يصل إلى حد الانقلاب في العرف العام في المجتمع من خلال قصة «قوم لوط» ومقولتهم العجيبة: [أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ] (النمل: ٥٦) ، ولعلنا نرى الآن في بعض الدول الأوروبية كيف أن العرف قد انتكس بالفطرة الإنسانية إلى قريب من هذا الدمار الذي حدث مع قوم لوط في أخلاق الناس وفوضى السلوك الاجتماعي، وينبغي أن نتذكر جيداً أن هذه الانتكاسات لم تأت عبر خطب أو بيانات أو إقناعات مباشرة أو منطق مفترض، وإنما أتت عبر عمليات التآكل المستمرة في القيم والأعراف، والتي تؤدي مع الوقت إلى اختراق «ثقافة المجتمع» وإفقادها مناعتها وحصانتها، وبذلك تخرج أجيال جديدة متمردة ومفرغة من كل قيمة أو وعي رشيد؛ فإن استمر هذا التفريغ انتهى الأمر إلى انتكاسة الفطرة بكاملها، أو أن يقيض الله للمجتمع من يوقف هذا الانهيار ويجدد عهد الناس بالقيم والدين منبع العرف في المجتمع الإسلامي والبوتقة التي تنصهر فيها كل فعاليات المجتمع المسلم على مر التاريخ لتتحول إلى وعي ثقافي عام يطبع نسيج المجتمع بطابعه، بل يصبح هو نسيج المجتمع ولُحْمته. ويبقى أن نشير إلى باب آخر من أبواب الغزو الثقافي ينبغي التحذير منه في هذا السياق، ألا هو الحديث الشيق الطريف عن «العالم الذي أصبح قرية واحدة» ، وهي المقولة التي تنسرب الآن في المقالات والكتابات حتى الإسلامية منها مع الأسف غير منتبهة إلى أنها مزلق يُستغل لتخدير الوعي الإسلامي وشله عن المقاومة للغزو الثقافي، بل لإصابته باليأس أصلاً باعتبار أن الطوفان التغريبي قدر مقدور، ولأن العالم أصبح قرية واحدة؛ فكيف نستطيع أن نتحوط منه ونتحصن ثقافياً وقيمياً؟ ! ورغم أننا في هذا العالم الذي أصبح قرية واحدة نجد في أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا العديد من حالات مصادرة الكتب أو المحاكمات على أفكار نشرت، وحظر برامج تلفزيونية أو حتى حجب مواقع على الإنترنت، وهذا يعني أن العالم لم يكن قرية واحدة ولن يكون، صحيح أن قدرات التواصل مع ما يدور في العالم أصبحت أكثر وأوفر، ولكن تبقى هناك حواجز مهمة وخنادق يمثلها قوة العرف في المجتمع وحيويته الثقافية بما في ذلك حضور الدين حياً وفاعلاً في ضمير أجياله الجديدة.

стр. 3806

مصطلحات ومفاهيم التنوير د. محمد يحيى مصطلح «التنوير» هو النموذج الأشهر أو (الكلاسيكي) في هذه الفترة لأسلوب عهدناه في عملية التعاطي مع الغرب ومفاهيمه الفكرية ومصطلحاته، ألا وهو انتزاع المفاهيم والأفكار والمصطلحات من بيئتها الثقافية وسياقها التاريخي والحضاري المخصوص الذي نبتت فيه ويحدد دلالاتها، ثم زراعتها تعسفاً في بيئة ثقافية وسياق اجتماعي وعقيدي مغاير لها إن لم يكن مناقضاً. والحق أن كشف هذا الأسلوب في النقل قد يكون أكثر أهمية في تصوري من محاولة وضع التعريفات لمصطلح التنوير أو غيره؛ لأننا سنظل ندور في حلقة مفرغة من التعريف، ثم إعادة التعريف إلى ما لا نهاية إن لم ندرك السياق الأوسع الذي تجري فيه التعريفات، وكيف يتحكم هذا السياق في تعريف المصطلحات ورسم ظلالها ودلالاتها، وتحديد مضامينها الخاصة والدقيقة والمتغيرة وتغيير هذه المضامين، وتحديد النظرة السلبية أو الإيجابية لتلك المفاهيم؟ والأسلوب الذي أعني هو أن الفكرة أو المفهوم الذي هو ابن البيئة التاريخية والثقافية في الغرب، والمتمثل في رد فعل لأوضاعها وتجاربها الخاصة يعد في فكر الفلاسفة المدققين عندهم اصطلاحاً خاصاً ونسبياً تقتصر انطباقيته على أوضاعهم. غير أن الناقلين عندنا من أوساط العلمانيين والمتغربين يأخذون الفكرة والمفهوم والمصطلح الغربي المنشأ ليحوِّلوه أولاً إلى كيان مطلق عالمي الصلاحية والانطباق، ثم يفرضونه ثانياً على السياق الإسلامي الحضاري، ويزيحون به ويطردون مفاهيم وأفكاراً ومصطلحات إسلامية هي بنت العقيدة والتاريخ والأمة بعد أن يصِمُوها بالنسبية والتاريخية والمحدودية. وهكذا تنعكس الأمور في لعبة فكرية تُدهش من وقاحتها وانكشافها؛ فالمتغير والنسبي والتاريخي عند الغرب (لأنه نابع من خصوصيات حضارتهم، ومنزرع وسط أوضاعها، وردُّ فعل على تطوراتها) يصبح هو المطلق والعام والثابت عندنا بعد أن تُنزع من بيئتنا الثقافية والحضارية مفاهيم وأفكار ومصطلحات (منها المطلق والثابت) بعد وَسْمِها بعدم الصلاحية، وبأنها نسبية تاريخية متغيرة. إنها عملية غريبة تختلط فيها المبادئ، ويحلو اللعب بتغيير النسبي إلى المطلق والعكس بالعكس لمجرد زرع الفكر الغربي داخل الوسط الإسلامي، وطرد الإسلام، من بين أهله وعشيرته، ومصطلح «التنوير» كما قلت هو أحد النماذج الكبرى لهذه العملية. فالتنوير مصطلح يطلق في الفكر الغربي على مجموعة واسعة من الكتابات ظهرت بدءاً من أواسط القرن الثامن عشر الميلادي وإلى نهايته في أوساط الفلاسفة والمفكرين في فرنسا أساساً، ثم إلى درجة أقل في بريطانيا وألمانيا. وهذه الأفكار ظهرت وسط بيئة متشابكة من ردود الأفعال على الحكومات والطبقات المستبدة (الملَكية) في تلك الحقبة، وعلى الأفكار الكنسية المصاحبة لها والمعضدة لها، كما ظهرت متأثرة بنضوج الفكر العقلاني (كما أسموه) الراجع بجذوره إلى عصر النهضة الأوروبية والمزدهر في القرنين السابع عشر والثامن عشر كذلك. وظهرت تلك الأفكار على أعتاب التغيرات الكبرى التي حدثت في أوروبا (ومهدت لها) في القرن التاسع عشر فيما عرف بعصر العلم، وعصر الثورة الصناعية، وعصر صعود الطبقة البورجوازية، وعصر الثورات الكبرى (الأمريكية والفرنسية) ، وعصر الفكر الحر، وعصر المذاهب الفلسفية الرئيسية (الهيجلية والماركسية) ، وتحدد مضمون الكم الفكري المؤسس لحركة التنوير في الأساس بالموقف من الدين وفكره (وهو هنا المسيحية) كما رسم الفكر العقلاني الإنساني السابق على حركة التنوير والمصاحب لها، ولهذا اتسم فكر التنوير بعداء شديد ورفض للدين مسوَّغ بالعقلانية التي ترفض الغيبيات، وتجمع بين الدين وبين الخرافة والخزعبلات في وعاء واحد. وفكر التنوير يرفض أن تكون الكنيسة وسيطاً بين الإله والبشر، كما يرفض عقائدها المعروفة، ويرفض كتابها المقدس بعد عرضه على مقياس العقل النقدي المادي التشككي النزعة وعلى معيار علم التاريخ المادي النزعة. ويستخدم فكر التنوير مفهوم العقل بمعنى التوجه المادي والتشككي على وجه الخصوص ليوجه النقد إلى الدين (المسيحية) والكنيسة ومؤسسات الحكم والطبقية في الغرب في ذلك الوقت. كما يُستخدم ليدخل مفاهيم جديدة تحل محل العقائد المرفوضة؛ مثل مفهوم (الإنسانية) ككيان عام و (الإنسان) ككيان مطلق يحدد وحده معايير حياته وقيمها وأهدافها انطلاقاً من إعمال العقل (بمفهومه كحس عام مطلق موضوعي) في شتى شؤون الحياة، وهكذا تتحدد وترتسم الملامح والمحددات والمفاهيم الكبرى لفكر التنوير، وهي إعلاء شأن العقل بمفهومين هما: العقل المادي والتشككي من ناحية، والمطلق العام الموضوعي المشترك بين البشر من ناحية أخرى باعتباره وحده (لا الدين ولا الوحي ولا الكتاب المقدس ولا الكنيسة التي أسقطها النقد الموضوعي العقلي) مناط الهداية والتوجيه والسلوك، ورسم القيم والأهداف العامة في الحياة لذلك الكائن العام وهو الإنسان أو الإنسانية الذي أصبح وحده (وليس الإله) معيار كل شيء وواضع القيم والأهداف؛ بل هو هدف كل نشاط ومقصده، ومع العقل والإنسان تصبح الدنيا هي المحور الأساس لكل نشاط وعمل، بل تصبح هي الوجود الوحيد ولا وجود غيره (الآخرة مثلاً) . هذا اختصار شديد لمجمل فكر التنوير، ركَّزنا فيه على جانب الموقف من الدين وهو الجانب الرئيسي فيه كما أنه الجانب الأكبر في دعوى التنوير التي بدأ بعض العلمانيين والتغريبيين في العالم الإسلامي في الترويج لها في الفترة الأخيرة. والواقع أننا عندما نسمع في هذه الآونة الحديث المتكرر عن ضرورة وضع كل عقائد الإسلام وشريعته وكتابه وتاريخه على محك ما يسمى بالعقل (وهو في الحقيقة عقل خاص يتعلق بأصحاب الدعاوى وحدهم) نلمح فيه بسرعة الكلام الذي كان يتردد في أوروبا في القرن الثامن عشر عن المسيحية وكنيستها وكتابها بدون تغير يذكر، وهكذا تطير بجرَّة قلم كل الفروق العقدية والتاريخية والزمنية والسياقية لنجد أن كلاماً قيل في دنيا أخرى يُجلب ليكرر تقريباً في عالم مختلف وبدون مراعاة لكل عوامل النسبية والتاريخية والتغير والسياقية والبيئية والخصوصية التي يقول الغربيون وأتباعهم عندنا إنه يجب مراعاتها في مثل هذه الأمور، بل يدَّعون أنهم يراعونها طيلة الوقت عندما يضربون عرض الحائط بالكثير من الأحكام التشريعية الإسلامية تحت شعارات مراعاة العصر والاجتهاد وما أشبه. ومن هنا فالتنوير السائر هو في حقيقته ليس تنويراً على الإطلاق بل محاكاة وتقليداً وجموداً على أفكار غربية سقطت حتى من سياقها التاريخي والثقافي الخاص إلى حد أننا أصبحنا اليوم نقرأ لقلة من مفكري الغرب تنعي هذا السقوط، وتدعو عبثاً لإعادة إحياء التنوير؛ وهيهات. وفوق هذا فالتنوير الذي يُروِّج له بعض الناس الآن ليس تنويراً بالمفهوم الذي قد يتبادر إلى الذهن من نشر للعلم والفكر والتأمل العقلي، بل هو لا يعدو كما قلنا إطلاق شعارات عامة غامضة موجهة كلها ضد الدين (الإسلام) ، في إطار خطة لا تنويرية ولا عقلية ولا علمية بل سياسية محضة، هي ما اصطُلح على تسميته بسياسة مكافحة التطرف والإرهاب المزعومَين والمنسوبَين إلى الحركات الإسلامية وإلى دعاة الإسلام. وإذا كان من صدق في نية الحديث عن التنوير فكان يجب أن يكون كذلك عن الإسلام، وفي إطاره وخدمة لدعوته.

стр. 3807

بأقلامهن وماذا تريد المرأة من نفسها ؟ ! رزان بنت سعد آل يحيى إن المرأة وأنا واحدة من هذا الجنس تقرع قلبها قبضة الاضطراب والخوف وهي ترى الحرب الضروس تطحن أخوات لها كُنَّ من السرعة حينما سقطن في شراكها، ويتزايد نبض فؤادها بتزايد الطروحات التي تنادي بسفور المرأة واسترجالها واقتحامها ميادين الشقاء تحت شعارات شتى براقة اللفظ ضخمة والمعنى، سقيمة المقصد بعيدة المرمى. وفي الوقت الذي لم يألُ دعاة تغريب المرأة جهداً في النيل من ثوابت الأمة والسعي لنخر قيمها وتهشيم مُثُلها وفق خطط مرسومة، في الوقت نفسه كان ما لدى كثير من النساء من الأهداف والطموحات والقناعات السامية القدر الضئيل! ! إنه من المؤسف ألا يكون لامرأة حازت مستوى تعليمياً جيداً أهداف واضحة. المرأة المعاصرة (في الجملة) ليست مشكلتها في ماهية الأهداف فحسب، بل في وضوح تلك الأهداف، إنه من الندرة بمكان من يمتلكن أهدافاً واضحة، وإذا كان فلا يوجد في بعض المجتمعات من يعمل لهدف واضح إلا نسبة ٣%، والذين يكتبون أهدافهم أقل من ١%، فما نسبة النساء من بينهم؟ ! إن الضبابية التي غشت نظرة المرأة في أهدافها شتَّتت فكرها وشتَّتت رؤاها؛ ولكنها لا تدري ما السعادة التي تحن إليها؟ ولا أين مظان الأنس وراحة الصدر اللذين ترومهما؟ هي تتطلع للتميز ولو كان عن طريق موضة ساذجة أو صرخة مبتدعة، ومرة تستشرف الكمال الذي لم تتحدد معالمه لديها بعد. فماذا تريد المرأة من نفسها؟ ! لا أظن شيئاً أخطر على الإنسان من نفسه؛ فهو إنما يؤتى من قِبَلها بتفريطه في معالي الأمور تارة، وازوراره عن المبادرات تارة، وفتوره عن العمل تارة، وامتطائه للسلبية تارة، وتحقيره للعظائم، وتضخيمه للصغائر، وركونه للأحلام والتخيلات تارات أخرى. لم أرد بهذا الطرح كشف عيوبنا معشر نساء المسلمين ولا تعميم الحكم على بعض الأخوات من جنسي؛ لكني أخاف على أخواتي أن يصيبهن ما أصابني عند قراءة ملف (ماذا يريدون من المرأة؟) الذي نشرته مشكورة مجلة البيان؛ فقد بدأ يداخلني وأنا أقرأ هذا العنوان وأتملى ما كُتب فيه أن ما أصاب بعض النساء من انحراف في السلوك وضعف في الاهتمامات ما كان سببه الخطوات (المقننة) التي حاكتها أصابع لفيف من المستغربين من العلمانيين واليساريين والشهوانيين فقط، دون تحميل المرأة ذاتها مسؤولية ما كان وما سيكون، ودون محاولة إلقاء الضوء على جهودنا الدعوية القاصرة؛ إذ كدنا ننسى مع موجة (اتهام الآخر) أن ما قدمناه للمرأة في ميزان الأعمال الناجحة ضئيل للغاية؛ ولذلك رغبت في التنبيه على أن المرأة نفسها بسبب أنها قد تجهل الغاية التي خُلقت من أجلها، والطبيعة التي فُطرت عليها، والمقاصد السامية التي رُسمت لها بسبب ذلك: لم تدر ماذا يراد منها ولا ماذا يراد لها، ولا ماذا تريد هي من نفسها؟ ! فحيناً تنتابها رغبة جامحة لأمر ما فتنسى عقلها، أو تفيض عاطفتها بشيء يعصف بضده فتعيش أمواجاً متلاطمة تظن أنها تفتت الصخر، وإنما هي جعجعة بلا طحن. ولم يكن هذا الذي تعيشه المرأة إفرازاً فطرياً بحتاً، أو نشاطاً تغريبياً فجاً، أو تعمية إعلامية فنية؛ إنما كان نتيجة حتمية لواقع العمل الدعوي النسائي، وصورة عكسية للجهود الفاترة في صفوف الفتيات، وهذا فيما أظن لا يتحمله الرجال وحدهم؛ فإن ما قدمه الرجال ويقدمونه لن يؤثر في النساء بالدرجة الفعلية ما لم يكن فيهن من يترجم الأفكار إلى اللغة التي تفهمها المرأة، ويلامس عاطفتها ويفهم نفسيتها وفق القواعد الشرعية المعتبرة. وهذه طائفة من العناصر أرى أن في إشهارها مشاركةً في رسم مشروع استدراك بناء المرأة؛ حيث تمر المرأة بصعوبات في الدعوة والتربية ما أيسر تخطيها على من وفقها الله. ومن أهم هذه الصعوبات: ١ - أن تجربة المرأة في الدعوة إلى الله وفق الأساليب المعاصرة جديدة تفتقر إلى التعرف على التجارب السابقة؛ ونظراً لأن كثيراً منها تجارب لم يتحدد الحكم الشرعي فيها بعد، أو كانت تجارب رجالية؛ فإن تواصل المرأة مع الرجل من غير محارمها يتعرض لحساسيات شرعية جديرة بالبحث عن علاج. ٢ - وحينما تكون المحاضن التربوية التي تقوم على العناية بالمرأة نادرة يتضح مدى حجم المعاناة التي تعانيها الداعية أو من تحمل همَّ الإصلاح. ٣ - يزيد المعاناة قلة الوسائل الإعلامية ذات الطابع المحافظ التي تعنى بالمرأة باعتبارها ذات رسالة وهدف ساميين. ٤ - ورابع الصعوبات أن المرأة ذات طبيعة خاصة؛ فالأصل في حقها القرار في البيت، واشتغالها بمصالح المنزل والزوج والأولاد، وقد يضاف إلى ذلك انشغالها بأعباء الوظيفة المناسبة لها ولفطرتها. ٥ - يزيد الأمر سوءاً تعلق نفوس بعض النسوة بالموضة وتتبُّعهن لها، أو تَطلُّع بعضهن إلى مجاراة بعض أخواتهن في شكليات لا ترقى أن تزاحم قناعات يُفترض رسوخها. ٦ - من الصعوبات أيضاً حساسية بعض الداعيات المفرطة من النقد، وغلبة الحياء والخجل. ٧ - الشعور باليأس في مقابلة السيل الهادر من الغزو الموجه، وتعدد صور الانحراف السافر. ٨ - عدم استشعار حجم التغريب الموجه؛ بعدم الاطلاع على وسائله ومخرجاته. ٩ - قلة المعين والناصر والموجِّه، وبخاصة أقرب الناس لها كالزوج أو الأب أو الأخ. هذا وإن من العوامل المؤثرة في تصحيح الوضع الراهن ما يلي: ١ - إيجاد معهد لتخريج الداعيات تتولاه وزارات الشؤون الإسلامية [*] أو رئاسة تعليم البنات، أو المؤسسات الخيرية ذات الاهتمام بالمرأة وشؤون الأسرة. ٢ - تطوير الدور النسائية لتحفيظ القرآن الكريم، وتعميمها في شتى بلاد المسلمين، وتوسيع دائرة المستفيدات منها، وتصحيح مفهوم قصرها على حفظ القرآن الكريم دون التأثر به والتدريب على العمل بما فيه، وخدمتها إعلامياً، وإقناع الناس بأثرها على بناتهم. ٣ - أهمية قيام مراكز الدعوة بتخصيص قسم مميز يهتم بالمرأة وقضاياها، ولا يكون مجرد مكتب للخادمات ونساء الجاليات! ! ويراعى في إعداده وتصميمه الأحكام الشرعية، والجوانب التي تهتم بها المرأة. ٤ - كفالة الداعيات أسوة بالدعاة، وتوفير البديل عن الوظائف الرسمية، لتحقيق التفرغ. ٥ - إبراز جهود العاملات في حقل الشؤون الدعوية والتربوية التي تشارك في توجيه الداعيات والمبتدئات منهن، وتعمل على فتح آفاقهن عن طريق الهاتف، والهاتف المجاني. ٦ - تكثيف البرامج الترغيبية في مشاركة المرأة في الدعوة. ٧ - تكثيف المدارس الصيفية للطالبات التي يتولى الإشراف عليها نخبة من أهل العلم والدين. ٨ - على مراكز التسجيلات الإسلامية توفير الإصدارات السمعية والمرئية الدعوية والتربوية الموجهة للمرأة والأسرة والعناية بها بشكل يرغب في اقتنائها. ٩ - الاهتمام بالفتيات في المرحلة العمرية (١٥ ٢٥) ؛ فالمرحلة العمرية التي يمررن فيها منعطف خطر. ١٠ - إصدار مجلات إسلامية، واستكتاب النساء بأسمائهن الصريحة فما دام أن ما يكتبنه خيراً فلماذا يُتحفظ على الأسماء بلا مسوِّغ. ١١ - العمل على تطوير قدرات النساء متوسطات المحافظة وعاليات المحافظة للوصول إلى درجة الداعيات الفاعلات. إلى غير ذلك من المقترحات التي من شأنها تعريف المرأة بماذا تريد من نفسها؟ فتعمل على رسم أهدافها وإيضاحها لها، وتنتفع بها في توسيع مداركها وترقية اهتماماتها، ويصبح لديها من الإيمان بالمنهج الذي فطرها الله عليه ما يبعثر الأطروحات العلمانية، ويكشف عوارها، ويفضح مغالطة المتأثرين بها، والله أعلم وأحكم وهو الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 3808

الباب المفتوح هل الإيمان هو التصديق الخبري د. محمد جلال [الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ] (يونس: ٦٣-٦٤) التصديق الخبري [١] وحده لا يكفي لإعطاء صفة الإيمان؛ فما كذّب إبليس وما كذّب فرعون وما كذبت قريش كلها [فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ] (الأنعام: ٣٣) . فليس عامة الكفار مكذبين؛ وإن كان هناك من الكفر ما هو تكذيب، وهذا بابٌ له مظنته [٢] ؛ لكني أريد أن أوضح معنى التصديق الخبري، وكيف أنه لا يُثبِتُ إيماناً وحده، وحتى يتضح ذلك أقول: إن العمل أي عمل الذي يقوم به الإنسان يمر بثلاث مراحل هي: أ - مرحلة المعرفة الخبرية: وتسمى في مصطلح علماء العقيدة: «قول القلب» . ب - مرحلة الإرادة والتفاعل بالوجدان: وتسمى في مصطلح علماء العقيدة: «عمل القلب» . ج - مرحلة العمل الحركي: وتسمى في مصطلح علماء العقيدة: «عمل الجوارح» . فمثلاً: لو أن إنساناً قُرّبَ منه إناء فيه «زيْتٌ» يغلي «هذه معرفة خبرية» فماذا سيحدث؟ يتولد في القلب خوفٌ من الاقتراب من هذا الإناء ورغبة في البعد عنه «عمل القلب» ، ثم إنه لا يقرب هذا الإناء أبداً ما استطاع «عمل الجوارح» . ومثال ذلك كثيرٌ لمن يتتبعه؛ فمثلاً لو أن أحداً علم أن أمامه في الطريق وحش كاسر أو ثعبانٌ ماكر لا يقدر هو عليه، فهذه معرفة خبرية تنشئ في القلب رهبة من الأذى ورغبة في حصول السلامة «عمل القلب» ، ثم بعد ذلك يبتعد عن هذا الطريق «عمل الجوارح» . وهكذا الإيمان يأتي إلى الإنسان معرفةً خبرية بحتة أولاً، ثم تقابل بالتصديق أو بالتكذيب. ثم بعد هذا التصديق الخبري يحدث أحد أمرين: الأول: يقوى هذا التصديق في القلب ويعمل على إحداث رغبة في حصول المحبوب ورهبة من حصول المكروه، وهذه الرهبة وتلك الرغبة هي من أعمال القلوب. ودعني أسأل سؤالاً حتى يزداد الأمر وضوحاً: ما عمل القلب؟ أو ماذا نعني بعمل القلب؟ عمل القلب: هو ما تنشئه المعرفة الخبرية في ذات القلب. فمعرفة أن الله هو القادر - معرفة خبرية - تنشئ في القلب الاعتماد على الله «التوكل» . ومعرفة أن الله عالم الغيب والشهادة تنشئ «الحياء» . ومعرفة أن الله مجيب الدعاء تنشئ في القلب التعلق بالله «الرجاء» وهكذا. وعمل القلب ذاته يختلف قوةً وضعفاً من شخص لآخر، ويختلف عند الشخص الواحد من حالٍ إلى حال؛ ولعل هذا ما قال عنه ابن مسعود رضي الله عنه «إن للقلوب إقبالاً وإدباراً؛ فخذوها وقت إقبالها، ودعوها وقت إدبارها» ، وهو هو ما وصفه حنظلة ﵁ أنه نفاق ووافقه عليه الصدِّيق رضي الله عنهما. ثم إن عمل القلب مصاحب تماماً لعمل الجوارح [٣] وجوداً وعدماً، قوةً وضعفاً؛ اللهم إلا في حالة الإكراه فيستقل عمل القلب بالوجود دون عمل الجوارح. الثاني: يقابل التصديقَ الخبري مانعٌ يحول دون تحوله إلى تصديق باعث مُولِّد لعمل القلب الذي يستلزم عمل الجوارح إلا في حالة الإكراه، وهذا المانع قد يكون استكباراً كما هو حال إبليس لعنه الله، كما قال تعالى: [فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ] (ص: ٧٣-٧٤) ، وقد يكون المانع حبَّ الآباء والأجداد وتقديس الأعراف والتقاليد؛ وخير شاهد على ذلك حال أبي طالب عمِّ رسول الله ﷺ ، وقد يكون المانع شهوة تمنع الانقياد، وقد يكون خوفاً من أذى قد يلحق المرء إذا التزم منهج الله - رغم اقتناعه به تماماً -. فهذه الموانع تحصر المعرفة، وتقف بها عند حد المعرفة الخبرية فقط.

стр. 3809

الباب المفتوح الأيادي الآثمة محمد بن عبد العزيز المُبْرَد سَرَّكم قتلُ محمّد..! ! وتغنَّى حقدُكم والحقدُ أسود.. واسترحتم وأَمِنتم من أذى طفلٍ من الحَوْل مجرّد..! زمْجَرت آلاتُكم من حوله في كلِّ مَرصَد.. ليس يُغْني عنه أنْ لاذَ بأحضَان أبيه وتلبَّد.. واتقاكم بيديه.! ! يدفعُ الموتَ المؤكَّد.. صاح منكم صائحُ القتلِ.. وأرْغى ثم أَزْبَد.. كلُّكم سارَ إليه.. وَجَّه الموتَ إلى الطفل وسدَّد.. فتهاوى الطِّفل في حضنِ أبيه وتمدَّد..! ! مَشهدٌ يَسري إلى العالم عنكم.. أيُّ مشهد..؟ ! منظرُ الإرهاب فيه قامَ.. والحقُد تجسَّد.. أتُراهُ أدركَ الثأرَ الذي قامَ وبالقاتل ندَّد؟ ! ! أتُراهُ نكأَ القومَ الذي هَبَّ إلى الشِّعر وأَنشَد؟ ! يا يهودَ الغدرِ والتاريخُ يحكي عن مخَازيكمْ ويشهد.. كلكم يُعْشِيه نورُ الحقِّ.. يخشى من محمَّد.! ! * * * سَرَّكم قتلُ محمّد..! ! واسترحتم وأَمِنتم من أذى طفلٍ من الحَوْل مُجرَّد! ! دمُ هذا الطفلِ فينا.. يتوقَّد.. يبعثُ الثأرَ ويحدوهُ إلى يومٍ مُؤكَّد.. فقريباً.. نملأ الأرض عليكم بمحمَّد.. فقريباً.. نملأ الأرضَ عليكم بمحمَّد.. إنها بُشرى محمَّد.. فابحثوا في أرضنا عن بعض أشجار وغرقد..

стр. 3810

المنتدى أين المشتاقون ؟ ! ! أم الحارث السهلي في طريق طويل مليء بالعقبات والصعاب يسير ذلك الركب الميمون يحدوه الشوق إلى جنات عدن عند مليك مقتدر.. طريق كم فيه من البشائر والآمال، وكم فيه من التضحيات الجسام.. فها هي جموع الدعاة المخلصين والمشتاقين تمضي بكل ثقة وعزم وإصرار لإحقاق الحق ورفع راية التوحيد. ولله درّ ذلك المشتاق الذي جرى في دمه حب الدعوة فأبى إلاّ أن يضحِّي بوقته ونومه وراحته وماله من أجل دين الله. لقد أعتقوا أرواحهم وباعوها رخيصة لله بأغلى الأثمان ولسان حالهم يقول: «اللهم خذ من أرواحنا ودمائنا وحياتنا وأوقاتنا حتى ترضى.. من أجل نصرة دينك وإعلاء كلمتك وإقامة شرعك» . فكيف يهنأ لك بال أخي الكريم وأنت ترى تلك الأرقام المذهلة والقصص المفجعة لقساوسة ومبشرين ضحُّوا بالغالي والنفيس من أجل باطلهم، وأنفقوا الأموال الطائلة لنشر فسادهم ثم اسأل نفسك: أليس الأَوْلَى أن نكون نحن المضحِّين ومن أوائل المتقدمين؟ ! ! وفي المقابل وأنت ترى أولئك الشجعان من الدعاة المخلصين وهم يصنعون قوس النصر لأمتهم المجيدة، ويعدّون العدة لخوض غمار المعركة الحاسمة على أمل الوصول للوعد الحق، تُحلِّق أرواحهم وتسمو في عبادة سامية وأجواء إيمانية رائعة من قيام، وصيام، وذكر، وجهاد، وبر، وصلة، وإغاثة، ودعوة تدفعهم لمواصلة الطريق والثبات عليه، ألا تحب أن تكون معهم وتصطف في صفوفهم؟ ! ! وأنت هُنا في عيش رغيد وأمانٍ خادعة وشعارات براقة لا يحرك فيك ساكناً واقع إخوانك المسلمين سواء الآمنون منهم أو المضطهدون وهم يصطرخون: هل من مغيث؟ ! لقد شرفك الله بالتوحيد؛ فلِمَ لا ترفع لواءه وتبلغه لغيرك وتشكر نعمة الله عليك؟ فكم هم أولئك الذين يتعطشون لنور الإسلام ولشرائعه وأحكامه العظام؛ ولكن من سيوصله إليهم سواك أنت يا فتى الإسلام ويا فتاة الإسلام؟ فإذا تقاعسنا ورضينا بالواقع المرِّ فمن ينقذ العالم من الظلم والجور؟ ومن ينشر العدل والسلام؟ واعلم يا رعاك الله! أن قانون الغاب الذي يسود العالم لا بد له من زوال فلا يحزنك الواقع، وشمّر للمستقبل، وحطِّم قيود المستحيل، وألغ من قاموسك الكسل والتواني؛ فالأمل بحاجة إلى سواعد فتية وعزائم قوية لتقود العالم وتعود لها الريادة؛ فهل نحن فاعلون ذلك؟ ! يقول الإمام الجُنيد رحمه الله تعالى: «هَبْ أنك لا تخاف، ويحك.. ألا تشتاق» . فنقول للداعية: هَبْ أنك لا تريد العمل للدعوة، ويحك ألا تشتاق؟ فأين أشواق المؤمن للجهاد؟ وإنني على يقين بأنك مشتاق إلى السير في ذلك الطريق؛ فابدأ الآن وامضِ في طريقٍ غير موحشة!

стр. 3811

المنتدى ليس في الإمكان أحسن مما كان إمام الطيّب ليس في الإمكان أحسن مما كان هذه الفكرة التي عششت ثم باضت وأفرخت في عقول الأجيال المعاصرة من المسلمين، بل في عقول النُخَب التي تتقدم الركب بوصفها قيادات فكرية؛ فهم يهرعون دوماً إلى الماضي، وكم هو جميل أن نهرع إلى بؤر الإشراق في تاريخنا، نستجديها الهدى، ونستلهمها العبر، ومن ثم نحملها مشاعل نستضيء بها في ديجور الحياة المدلهم، ولكن أن نهرع إلى الماضي مسكناً لآلامنا، وضماداً لجراحنا. نتغنى بمُلكنا لكسرى وقيصر في الماضي العريق، ونذهل عن أننا في أَسْرهم في وقتنا الحاضر السحيق، نفخر بيوم كنا، ونغض الطرف عما آل إليه أمرنا، فيتلاشى عن آفاقنا الغد، وبين أيدينا كلام الله الأزلي الأبدي، يحثنا على الإعداد والاستعداد للغد: [وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ] (الحشر: ١٨) . نعم إنه الغد الأبدي؛ حيث الناس فريقان: شقي وسعيد، [فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ] (الشورى: ٧) وذلك المآل الأبدي رهين بما تقدمه للغد القريب الفاني؛ فهنا العطاء، وهناك الجزاء، والنجاء مناط بسلامة القلوب، والإحسان في كل شيء، وفي الإمكان كثير من الحُسن إذا ما أحسنَّا القصد والسعي ومن ثم الظن [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ] (البقرة: ١٩٥) .

стр. 3812

المنتدى نداء من الشيشان محمد بن عبد العزيز الفوزان حل البلاءُ بإخوان لنا ظُلموا ... سقاهمُ من عذاب الروس ساقيها القتلُ والطردُ والتشريدُ حظُّهُمُُ ... شيشانةُ الدين نادت من يُلبيها الروسُ قد جاء في حقد وغطرسةٍ ... مدجَّجاً بسلاح في نواحيها فعاثَ في الأرضِ عُدْواناً ومفسدةً ... ومجلس الأمن بالعدوان يُفتيها الطائراتُ بنار الروس تمطرنا ... والأرض في بطنها الألغامَ تخفيها وأمطرونا صورايخاً تدمرنا ... وزلزلوا الأرض وانهدت رواسيها أمَا بكم رحمةٌ مما يحل بنا ... شيشاننا دُمِّرت زالت مبانيها؟ أنا صغيرٌ وبالرشاشِ أفزعني ... والقتلَ شاهدتُهُ بالعين أشقيها ذقتُ المشيبَ وعمري اليومَ أربعةٌ ... من السنين التي زادت مآسيها أختي بها مرض والأم في فزع ... ترجو الشفاء لها من حُرقة فيها أماهُ أماهُ يا أماهُ يا أملي ... أماهُ من مُهجتي حقاً أناديها ماذا تقولون للمولى إذا اجتمعت ... كل الخصوم أمام الحق باريها؟

стр. 3813

المنتدى قد لا نصل بدرية محمد دوي المدافع قد علا في القرية، لا يُسمع إلا هو، بعد لحظات بدأت صرخات الأطفال والنساء تعلو، دخان الصواريخ قد غطَّى سماء القرية، أصبحت سوداء مظلمة، الكل بدأ يخرج ولكن أين يهرب؟ بعد لحظات بدأ الكل يسمع صوت الرشاشات إنهم الوحوش الضارية يدخلون القرية الوادعة، الكل يفر ويخرج، قبل أن يبدؤوا بالخروج أمرهم القائد بالاستسلام ثم سمح لهم أن يخرجوا رافعي أيديهم ما عدا واحداً كان يحمل ابنته، رشقوه برصاصهم، سقط في بركة من الدم هو وابنته، وقفت على جثته امرأة عجوز ونظرت إليه نظرة رحمة وشفقة ... صفعها القائد وقال لها بلهجة غليظة: أتريدين أن أُلحقكِ به؟ ! سارت العجوز والدموع تنهمر من عينيها مع الجموع المتدفقة من القرية في قافلة؛ إلا أن الصبيَّة سلافة وأمها تأخرتا؛ لقد كانت منشغلة بجمع ملابسها وابنتها، حملت الأم ابنتها بسرعة وفي اليد الأخرى متاعها ... بدأت الصبية تبكي ويعلو نشيجها: أمي! دميتي.. ألعابي. الأم: لا وقت لدينا إنهم كلاب ضارية، خرجت الأم لتلحق بالقافلة لكنها أبعدت ولا ترى إلا ظلالهم، عادت منكسرة الخاطر بدأت تتمتم لابنتها: ذهبوا ونحن هنا، ولكننا سوف نسير قبل حلول الظلام بساعة. ذهبت الأم وابنتها إلى غرفة صبيتها بدأت تنظر وتجول بناظريها في محتويات الغرفة، الطفلة: ماما! هذه دميتي وهذه علبة التلوين! سقطت من عيني الأم دموع الحزن على براءة طفلتها، حملت الطفلة الكرسي المتهالك وأسندته إلى الحائط أحضرت اللوحة، مدَّتها إلى والدتها، سقطت دموعها على اللوحة؛ كادت الدموع أن تتلف اللوحة البسيطة! في أثناء ذلك دخل أحد الوحوش صرخ في وجه الأم: أما زلتم هنا! أشار إليها بالرشاش، توسلت رمت نفسها على قدميه: لا تفعلها. نظر إليها نظرة ذئب إلى فريسته: أمامك ١٥ دقيقة فإن لم تخرجي جعلتكِ كخروف الجزار. وأخذ ذلك الوغد يقهقه كالسكران. حملت ملابسها، مدَّت الصبية يدها إلى الدمية لكي تحملها وبيدها الأخرى اللوحة، نزعها الوحش، رمى بها الحائط، تكسَّرت، بكت الصبية، حملتها أمها وهربت، سارت بين أزقِّة القرية حتى خرجت، نظرت إليها وهي تقول: قد لا أعود يا قريتي! لا تحملي هَمِّي فإني في نعيم. بدأت تسير تحث الخُطى لكنها تعبت، اكفهرت السماء، بدأ صوت الرعد، بدأت تمطر، جلست الأم برهة لكي تستريح واصلت السير، بدأت قطع من الثلج تسقط، وحلَّ الظلام، واصلت السير سقطت البنت: أمي! لقد تعبت، هل الطريق طويل؟ نظرت الأم نظرة بعيدة لعلها ترى جبالاً يوجد بها كهف لتنام فيه؛ لكنها لم تر شيئاً، أخرجت الملابس وفرشتها على الأرض، ضمَّت جسدها بعضه إلى بعض، ضمَّت إليها ابنتها وغطت بباقي الثياب جسدها، بدأت ابنتها تشكو من الجوع: أمي! أريد حليباً وفطيرة. الأم: حينما نصل يا ابنتي إلى القرية المجاورة. البنت: ومتى نصل إلى القرية المجاورة؟ الأم: قد لا نصل قد لا نصل. ضمَّت ابنتها إليها بقوة وغطَّت في سبات عميق، وغطَّت زخَّات الثلج جسديهما بندائف منه عديدة.

стр. 3814

المنتدى ما للحر إلا القواضب عمار عبد الحق البذيخي أَبِيتُ وفي الأحشاء جمرٌ يُقلّبُ ... وأُصبح والأحزان بالقلب تلعبُ عجبتُ لحال الدهر فينا وحالنا ... إذا شئت قول الحق والله أعجبُ أرى القوم في الهيجاء عوجٌ رماحهم ... وفلّتْ لهم من غير ضربٍ قواضبُ لنا في كتاب الهون ألفا صحيفةٍ ... وليس لنا في العزّ سطرٌ مخضَّبُ وتكتب فوق الأرض عنا دماؤهم ... حقيقتنا أنّا نقول ونكذبُ فيا فتية القوقاز لله درُّكم ... هتكتم لنا ما كان بالزور يُحجبُ بنيتم صروح المجد من كل جبهةٍ ... دعاها لكأس الموت سهم مصوَّبُ فَبِتُّمْ على القوقاز تصحو عيونكم ... من الشوق.. والأشواق للنوم تسلبُ وبات عليها الروس تصحو عيونهم ... من الخوف لا يدرون كيف المغيّبُ فتاكم يقوم الليل يحمي لواءه ... وقام فتاهم فيه يلهو ويلعبُ وهذا خطيب الروس كأسُ وعاهرٌ ... وفيكم صهيل الخيل لا غير يخطبُ فسيروا فما للعزّ إلا على القنا ... مكانٌ وما للحرِّ إلا القواضبُ

стр. 3815

المنتدى ردود * تنبيه هام: نرجو من الإخوة الذين يرغبون في مراسلة المجلة أن تتضمن رسائلهم وسيلة اتصال مثل «عنوان بريدي، بريد إلكتروني، فاكس، هاتف» حتى نتمكن من الرد على رسائلهم والتواصل معهم. * الأخت: أم عبد الله: من مكة: أرسلت تقترح معالجة قضية كيفية حماية الأسرة من أخطار الإعلام، ونشكر الأخت على تواصلها الكريم، واقتراحها نضعه أمام الإخوة الكتاب للإدلاء بدلوهم. * الأخ: علي بن منصور دوح: أرسل يقترح زيادة الاهتمام بالقضايا الدعوية، والمجلة تشكر الأخ على هذا التواصل وهذا الاقتراح، والمجلة لا تدخر وسعاً في سبيل السعي إلى ذلك. * الإخوة: عادل بن مسعد الحسيكي، د. محمد أحمد الدغش، محمود محمد دبش، شريف قاسم: نشكر لكم تكرمكم بالتواصل مع مجلتكم، ونفيدكم بأن مشاركاتكم مجازة للنشر. * الإخوة: نزار منصور أسعد، خالد السحري، علي بحري اليامي، أحمد طه، زياد عابد، خالد عبد الله الهديب: جزاكم الله خيراً على التواصل الكريم مع المجلة، ومشاركاتكم ستعد للنشر في المنتدى. * الإخوة: د. محمد عبد العزيز السعود، خالد السحري، مصطفى عوض الله بشارة، ممدوح أحمد محمود، سعيد أبو زيد، شجاع عبده دغالي، علي بن سليمان الدبيخي، أسعد بن الخطاب، عبد الباري أحمد العطار، إبراهيم حماد، ماجد بن سليمان، محمد العامري، منصور الزغيبي، عبد الرحمن بن عبد العزيز المنصور، محمد سالم الجابري، سليمان بن عبد العزيز العنقري: نرجو التكرم بموافاة المجلة بعناوينكم للتواصل معكم. وجزاكم الله خيراً على تواصلكم مع مجلتكم.

стр. 3816

الورقة الأخيرة صحافة للمرأة د. مالك الأحمد [*] «إلى الذين يؤمنون أن في نفس المرأة قوة تُميت جراثيم الفساد، وأن في يدها سلاحاً يمزق غياهب الاستبداد، وأن في فمها عزاءاً يخفف وطأة الشقاء البشري ... أُقدِّم مجلتي لا كضريبة تثقل بها عواتقهم بل تقدمة إلى من يليق بهم الإكرام، وتناط بهم الآمال، وهم مُخيَّرون في قبولها ورفضها ... ولقد رأيت من الضرورة أن أجعل المباحث التي تتناولها المجلة ثلاثة أقسام: أولها: باب الأدب والتاريخ. وثانيها: لاقتطاف ما غزرت مواده وتعددت فوائده من الشؤون البيتية، وكيفية تمريض الأطفال والعناية بهم. وثالثها: للفكاهات ... » . هذه افتتاحية العدد الأول من مجلة (العروس) الصادرة عام ١٩١٠م، وهي أول مجلة نسائية في بلاد الشام، صاحبتها ماري عجمي (نصرانية) ، عالجت فيها مشاكل المرأة والأسرة والطفل، واستمرت في الصدور ١٥ سنة، وفي الفترة نفسها صدرت مجلة الحسناء من بيروت ١٩٠٩م لصاحبها جرجي نقولا (نصراني) . وتوالت المجلات النسائية في بلاد الشام بعد ذلك تباعاً؛ فصدرت مجلة (المرأة) عام ١٩٣٠م في حماة و (الشبكة) عام ١٩٥٥م في بيروت، ثم انتشرت بعد ذلك المجلات النسائية وتعددت أسماؤها. أما في مصر فصدرت مجلة (حواء) عن دار الهلال في بداية القرن العشرين وما زالت مستمرة في الصدور. والناظر لواقع صحافة المرأة في ذلك الزمن المبكر قبل نصف قرن وما يزيد يرى تغلغل العنصر النصراني في الإنشاء والإدارة والتحرير، كما يلاحظ طرح قضايا مصادِمَة تماماً لواقع المجتمع الإسلامي في ذلك الحين وإن كان بطريقة غير مباشرة. والغريب أن قضايا المرأة بالفهم الغربي طُرحت منذ وقت مبكر في العالم الإسلامي؛ فمثلاً كانت قضية الصحافة السورية عام ١٩٢٤م هي الحجاب والسفور، وكانت الصحف بين مؤيد ومعارض، وكان هذا الموضوع أيضاً مدخلاً لقضية حقوق المرأة في التعليم والانتخاب والعمل، والأمر مشابه في الصحافة المصرية، بل كان الأمر أصرح وأقوى نظراً للفساد الاجتماعي الذي بدأ في أوساط المتعلمين، فضلاً عن أثر اليهود والنصارى المتنفذين في البلد. ويلاحظ أن صحافة المرأة في وقت مبكر في العالم الإسلامي بل في وقت كان التعليم في أضيق نطاق في وسط الرجال بَلْهَ النساء؛ لكن الكيد الماكر يعلم أن حرف فكر المرأة أسهل خصوصاً لمن يستخدم الخطاب العاطفي معها. ولئن بدأت صحافة المرأة محافِظَةً إلى حد ما في خطابها ومتوارية في أساليبها لكنها الآن مع وسائل الطباعة الملونة والجميلة قفزت قفزات ضخمة، ودخلت بيوتاً كثيرة، حتى أصبح خطابها لا يراعي تقاليد ولا يستحي من دين؛ فالدعوة للعهر والفجور أصبح عادياً، والصورة سُخِّرت لإسقاط الحياء عن المرأة المحافِظَة. فهلاَّ من بديل يؤدي دوراً في وسط هذا الخضم، بل بدائل كثيرة ومتنوعة للنساء والفتيات، للصغار والكبار! آمل ذلك مع المبشرات التي نراها، ونسأل الله لها الثبات والاستمرار.

стр. 3817

ذو الحجة - ١٤٢١هـ مارس - ٢٠٠١م (السنة: ١٥)

стр. 3818

كلمة صغيرة النائحون على الرذيلة مشهد درامي هزلي صاخب يطل علينا من حين لآخر من الساحة الثقافية العلمانية كلما انتهكت (حرمة) الرذيلة أو وطئ طرفها (الطاهر) ، متقنعة في هذا المشهد بقناع حرية الفكر والإبداع، وقد تكرر هذا المشهد كثيراً، ومؤخراً رأيناه في الجزائر والأردن ومصر والكويت واليمن وبنجلاديش. ولكن مفارقة ذات دلالة حدثت في النائحة الأخيرة التي أقامها نادبو حرية الإبداع والفكر في آخر مآتمهم الثقافية، هذه المفارقة هي أن الطرف الآخر المراد إرهابه والضغط عليه لم يكن متعصباً ولا متطرفاً، بل إنه متهم من الإسلاميين بنشر الثقافة العلمانية المتفلتة والدفاع عنها في مصر، ولكن لم يشفع له ذلك الاتهام للإفلات من إرهاب الوصاة على الفكر والثقافة وتهديداتهم، فبمجرد أن انحاز وزير الثقافة مرة إلى بعض قيم المجتمع وثوابته وأصوله، وحاسب مسؤولاً يحق له إدارياً محاسبته على نشر روايات ثلاث تجاوزت (قلة الأدب) فيها الحد الذي لا يمكن السكوت عليه، ثارت ثائرة النائحين، فاستقالوا وقاطعوا وهددوا وتوعدوا وعلا صياحهم من الربط بين ظلام الرجعيين وظلم السلطويين وتحالفهم ضد التقدمية والتنوير، ثم تداعت وسائل الإعلام لنصرة إخوانهم (المضطهدين) ، فأفردت الصفحات لإقامة المنائح والبكائيات على الثقافة والإبداع، بل دخل الإنترنت على الخط فتطوع أحد المواقع بنشر الروايات الثلاث كاملة نكاية بخانقي حرية الفكر ومعوقي حركة الإبداع. أي تقدمية وأي تنوير يريدون؟ وما هو مفهوم الحرية وحدودها عندهم؟ ومن جعلهم أوصياء على الإبداع والفكر؟ ولماذا إيهام العامة بتأثير الندب والصياح بأنهم وحدهم المثقفون، وأنهم وحدهم المتحدثون باسم الثقافة؟ وأين هي حرية الفكر والإبداع التي يزعمونها عندما يتعلق هذا الفكر والإبداع برؤى مخالفة لرؤيتهم؟ لماذا لا يدافعون - إذا كانوا صادقين في دعواهم - عن حق الإسلاميين (مثلاً) في التعبير عن فكرهم ونشر إبداعهم، بدلاً من العمل على مصادرة هذا الحق من خلال مراكزهم بزعم أنها ثقافة ظلامية رجعية؟ هل هناك إرهاب فكري وعنف معنوي أكثر من هذا الذي يمارسه (المثقفون) العلمانيون عندما تُمَسُّ الرذيلة ويُدعى إلى الفضيلة؟ ألا ترون أن شأن المثقفين العلمانيين مع الإسلام ودعاته كما يقول المثل: رمتني بدائها وانسلت؟

стр. 3819

الافتتاحية الحج والأمل الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه، وبعد: فنحن نعيش في عصر وصلت فيه أمتنا المسلمة إلى حالة من التخلف والفرقة لم تعرفها من قبل، وقد طال هذا التخلف الدعائمَ الأساسية التي قامت عليها الأمة، والأركان التي ارتكزت عليها في سابق تكونها، بدءاً بجانب الإيمان وقضية الهوية؛ حيث أصبحت الأمة في الجملة في وقتنا الراهن متَّشحة بهويات غيرها من الأمم، ففقدت نتيجة ذلك جوهر عقيدتها، وتحلَّت بأخلاق أعدائها وسلوكهم حتى وصل الحال بطائفة كبيرة من أبناء الأمة إلى التباهي بالتحلي بمنطلقات وأخلاق وسلوك الأمم الأخرى، والتفاخر بالمبادرة إلى تطبيق ذلك في واقع حياتهم وسيرهم على منوالها. أضف إلى ذلك وجود برود ظاهر في انتساب جل الأفراد إلى الأمة، وضعف بيِّن في اعتزازهم بها وثقتهم بإمكانية نهوضها نتيجة الانبهار برقي (الآخر) المادي وتقدمه المعرفي وضخامة الفجوة بين أمتنا وبينه في هذا الأمر. وليس هذا فحسب؛ إذ نُحِّيت الشريعة عمداً عن التطبيق والحكم في الغالب الأعم، وتم تقزيم مفهوم الدين، والقيام بالفصل بينه وبين جوانب الحياة المختلفة بدرجات متفاوتة. كما تم صياغة العقائد الزائفة والمفاهيم المغلوطة والشرائع المشوهة بصورة بهية وأساليب جذابة مخادعة تساعد على تمريرها وتقبُّل العامة لها، بالإضافة إلى القيام بفلسفة الدين وعرضه بهيئة تقر الأمر الواقع، وتعطي له شرعية حتى صار الصواب في كثير من الأحيان انحرافاً والانحراف صواباً. وتم في جل الأماكن إقصاء العلماء الصادقين والدعاة المخلصين عن مؤسسات التوجيه الفاعل وأماكن صنع القرار والتأثير في صياغته، وتجفيف منابع الخير، والكيد الشديد للدعوة والدعاة، ومحاربة ذلك بشتى سبل الحرب المعنوية والمادية وأقساها. ولم تؤتَ الأمة في هويتها فقط بل كان من أبرز مقومات تخلفها فقدان كثير من أبنائها الإخلاص لها، وتصدَّر جل شؤونها صنائع الأعداء من أبنائها، فتعمقت لذلك التبعية وكثرت حالات تقلبها في أحضان الشرق والغرب بحسب اختلاف الظروف وتبدل موازين القوى. وأخطر ما في الأمر أن أصبح آخر ما يفكر به جلُّ الملأ في أمتنا - إن كانوا يفكرون - هو المحافظة على هوية الأمة وتحقيق مصالحها نتيجة فساد الطويَّة وتسابق القوم في إرضاء أسيادهم: نشراً لأفكارهم وممارسة لسلوكياتهم وخدمة لمصالحهم؛ طمعاً في استمرار التصدُّر ونيل المزيد من المآرب. ومن الإنصاف إثبات وجود طائفة تحمل هوية الأمة، وتمتلك إخلاصاً لها واعتزازاً بالانتساب إليها، وثقة بقدرتها على النهوض من كبوتها وتجاوز تخلفها متى استمسكت بدينها وأخذت بسنن الله تعالى في النصر والتمكين، ولكن الذي يعيب جلَّ أفراد هذه الطائفة أحد أمرين: الأول: احتقار الذات وعدم ثقة الفرد بقدراته بصورة جعلت منه غاية في السلبية؛ مما أفقده الحماس الدافع لعمل ما يفيد الأمة ويكون سبباً في رقيها وتجاوز كبوتها. الثاني: عدم قدرة كثير من المتحمسين لنهوض الأمة على تحويل حماسهم والأفكار التي تختلج في صدورهم إلى أعمال مثمرة نتيجة ضعف المعرفة بمقومات النهوض، أو عدم امتلاك المهارات اللازمة لتحقيقها. وأياً كانت طبيعة الاختلاف بين فصائل هذه الطائفة وموقف الشرع منها؛ فإن المؤدى واحد في مجال حديثنا وهو عدم قيام الجميع بالشيء المأمول منهم لرقي الأمة ونهضتها. وباختصار: فأمتنا بعد أن هجرت دينها وابتعدت عن هدي ربها نراها قانعة بالقبوع في ذيل الأمم، وما من جانب من جوانب الحياة تأملتَهُ إلا رأيتَ أن تخلفها فيه قد بلغ الغاية أو قاربها. هذا عن الانحطاط والتخلف، أما الفرقة فلا يُعرف عصر من العصور بلغ فيه الرابط الشرعي بين أفراد الأمة وشعوبها ما بلغه الآن من التفكك والضعف. ومع المعرفة الأكيدة بأن السبب الرئيسي لذلك التمزق يعود إلى الأمة نفسها مصداقاً لقوله : [قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ] (آل عمران: ١٦٥) ، إلا أنه لا يمكن الراصد للوضع بحال إغفال المكر الكُبَّار والدور الضخم لأعداء الأمة وصنائعهم داخلها في ذلك، والذين مزقوا الأمة تحت رايات القومية بصورها المختلفة في تارات، وتحت رايات الشعارات الإقليمية الضيقة (الوطنية) في تارات أخرى، حتى إنه لم يعد يوجد ذكر للرابط الشرعي بين أفراد الأمة في جل الأوقات إلا في بعض الخطب والبيانات السياسية التي تستلزم ذلك. وأنكى ما في الأمر أن التشرذم قد جاوز الملأ والعامة إلى العلماء والدعاة أنفسهم، وأصبح المتأمل في واقع الصحوة يشاهد داء التعصب، والولاء والبراء من منظور حزبي لا شرعي. وأزمة الثقة، وسوء الظن، وتتبع الزلات تموج في أوساط الأفراد والمؤسسات والجماعات الدعوية موج البحر. في ظل هذا الظلام الدامس والواقع المفزع للتوحيد والوحدة والانقياد للشرع في حياة الأمة يأتي الحج بما يحمل في طياته من توحيد نقي وعبودية حقة؛ بدءاً من التلبية التي يجيب فيها الحاج نداء ربه ويعلن إفراده - سبحانه - وحده دون سواه بالألوهية، ومروراً ببقية الشعائر التي يتقصد فيها الحاج مخالفة المشركين والسير على هدي إمام المرسلين محمد ﷺ ، وما يتضمنه من صور مشرقة ومعالم وضَّاءة للوحدة؛ إذ الرب المقصود واحد، والدين واحد، والرسول المتبوع واحد، والزمان واحد، والمكان واحد، واللباس واحد، والشعائر والأحكام واحدة، ولا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى. زد على ذلك ما يشتمل عليه من استسلام تام وخضوع شامل في القصد والهيئة والزمان والمكان وأداء الشعائر.. يأتي الحج بهذه الهيئة ليكون بمثابة أمل يطل ونور يسطع على كل غيور بأن الأمة لا تزال حية تحمل في طياتها مقومات البقاء وإمكانات النهوض والوحدة، وإن اعتورها من العاهات وأصابها من الأمراض الفتاكة الشيء الكثير، مما يرجى أن يكون في ذلك دافعاً قوياً لكل مخلص لأمته معتز بهويتها مشفق على واقعها للتركيز على هذا النور الخافت في بحر الظلمات بدلاً من التيهان في تأمل الظلمة، والقيام بالمحافظة عليه ورعايته حتى يقوى على مدافعة الظلام ومن ثم إزاحته أو تقليل مساحته؛ لأن الاستمرار في التباكي دون القيام بعمل مثمر لن يزيد الظلام إلا انتشاراً ولا النور إلا إخفاتاً. ولعل مما يدفع لذلك أن الحج جهاد وبذل وعمل بنوعيه القلبي والبدني ونهوض الأمة واجتماع كلمتها وانقيادها لكتاب ربها وسنة نبيها ﷺ لن يكون إلا بجهاد وبذل وعمل بنوعيه أيضاً. وغير خفي التحول الضخم الذي أحدثه الحج في نفوس كثير من الوجهاء وذوي الشأن في كثير من البقاع عبر التاريخ؛ مما حدا بهم إلى الدعوة إلى الخير بدلاً من مواجهته والوقوف حجر عثرة في سبيله. ولعل من التباشير الجالبة للأمل ما هو ملحوظ من عود كثير من العلماء والدعاة بعد الحج إلى بلدانهم وهم أشد حماساً لدعوتهم، وأكثر استعداداً للبذل والتضحية في سبيل تمكينها، وما هو مشاهد من تأثير الحج على قطاع كبير من الحجيج ودفعه إياهم إلى تغيير حياتهم نحو الأفضل بمفارقة ما لديهم من عقائد مغلوطة وسلوكيات منحرفة وتقصير في طاعة الله ، وليس هذا فحسب؛ إذ يتجاوز بعضهم أمر الاستقامة إلى الدعوة فيقوم بدور إصلاحي في مجتمعه يدعو فيه إلى الحق مناصراً أهله، ويقارع الباطل مجابهاً حملته. وبعد هذا: فيا ترى من يكون له شرف السبق في نهضة الأمة واجتماع كلمتها؟ ! ويا ترى من يحمل الراية ويقول: أنا لها؟ ! وفَّق الله الجميع للخير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3820

إشراقات قرآنية سورة العصر فوائد ودروس عبد العزيز بن عبد الله الصالح تمهيد: إن الله إنما أنزل القرآن لأخذ العبرة والعظة منه؛ حيث قال: [فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ] (الحشر: ٢) وأمر سبحانه بتدبر كتابه والتأمل في معانيه فقال: [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] (محمد: ٢٤) . وكلما كانت قراءة القرآن عن تدبر وتعقل كان وقعها في النفس أكبر، وكان لها أثر في سلوك الإنسان، ولهذا لمَّا سئلت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله ﷺ قالت: «كان خلقه القرآن» [١] ؛ ذلك أنه كان يتمثل القرآن منهجاً لحياته قراءةً وتدبراً وتطبيقاً، وهناك بعض الآثار عن السلف الصالح يوصون فيها بتدبر القرآن وأخذ العظة والعبرة منه. قال ابن مسعود ﵁: «لا تهذُّوا القرآن هذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن همُّ أحدكم آخر السورة» . قال علي بن أبي طالب: «لا خير في قراءة لا تدبر معها» . وقال ابن مسعود: «إن أحدكم ليقرأ القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط حرفاً وقد أسقط العمل به» . من هذا المنطلق ومحبةً في المساهمة في هذا الجانب أضع بين يديك هذا المبحث تحت عنوان: (سورة العصر: فوائد ودروس) ، وقد وقع الاختيار على هذه السورة؛ لأنها تمثل منهجاً كاملاً للحياة الإسلامية سواء الفرد أو المجتمع. أهمية السورة: لقد علم سلفنا الصالح ما لهذه السورة من الأهمية البالغة حتى كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر ثمًَّ يسلِّم أحدهما على الآخر، وقال الشافعي: «لو لم ينزل غير هذه السورة لكفت الناس» . ومن تأمل في هذه السورة وجد فيها مقومات المجتمع المتكامل الذي قوامه الفضائل المثلى والقيم الفضلى [٢] . ابتدأ الله سبحانه هذه السورة بقوله: [وَالْعَصْرِ] (العصر: ١) . وهو الدهر كله أقسم الله به لما فيه من العجائب: أمة تذهب وأمة تأتي، وقدر ينفذ وآية تظهر وهو لا يتغير، ليل يعقبه نهار، ونهار يطرده ليل، فهو في نفسه عجيب. وهو في نفسه آية سواء في ماضيه لا يعلم متى كان، أو في حاضره لا يعلم كيف ينقضي، أو في مستقبله « [٣] ومن هنا نعلم أهمية الوقت في الحياة وعظمته؛ لأن الله سبحانه عظيم ولا يقسم إلا بما هو عظيم. وقيل: أقسم الله بصلاة العصر لفضلها؛ لأنها الصلاة الوسطى عند الجمهور. وفي الحديث:» من فاتته العصر فكأنما وُتِرَ أهله وماله « [٤] وخُصَّت بالفضل؛ لأن التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار واشتغالهم بمعايشهم» [٥] قال ابن جرير الطبري: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن ربنا أقسم بالعصر و (العصرُ) اسم للدهر، وهو العشي والليل والنهار، ولم يخصص مما شمله هذا الاسم معنى دون معنى؛ فكل ما لزمه هذا الاسم فداخل فيما أقسم به جل ثناؤه» [٦] تأملات في معاني السورة: ومن تأمل في هذه السورة وجد أنها تقرر حقيقة ضخمة وهي: «أنه على امتداد الزمان في جميع الأعصار، وامتداد الإنسان في جميع الأدهار، ليس هناك إلا منهج واحد رابح، وطريق واحد ناجٍ هو ذلك المنهج الذي ترسم السورة حدوده، وهو هذا الطريق الذي تصف السورة معالمه، وكل ما وراء ذلك ضياع وخسار» [٧] [ِإنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ] (العصر: ٢) لفظ الإنسان وإن كان مفرداً فإن (أل) فيه جعلته للجنس. والخسر: قيل: هو الغبن، وقيل: النقص، وقيل: العقوبة، وقيل: الهلكة، والكل متقارب. ولم يُبيِّن هنا نوع الخسران في أي شيء؟ بل أطلق ليعمَّ، وجاء بحرف الظرفية ليُشعر أن الإنسان مستغرق في الخسران وهو محيط به من كل جهة [٨] . وهذه الآية هي جواب القسم. والخسر والخسران: النقصان وذهاب رأس المال. والمعنى: إن كل إنسان في المتاجر والمساعي وصرف الأعمار في أعمال الدنيا لفي نقص وضلال عن الحق حتى يموت [٩] . «والخسار مراتب متعددة متفاوتة: فقد يكون خساراً مطلقاً كحال من خسر الدنيا والآخرة، وفاته النعيم واستحق الجحيم. وقد يكون خاسراً من بعض الوجوه دون بعض، ولهذا عمَّم الخسار لكل إنسان إلا من اتصف بأربع صفات» [١٠] وسيأتي ذكرها. [إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ] (العصر: ٣) فإنهم في تجارة لن تبور؛ حيث باعوا الفاني الخسيس واشتروا الباقي النفيس، واستبدلوا الباقيات الصالحات بالغاديات الرائحات؛ فيا لها من صفقة ما أربحها، ومنفعة جامعة للخير ما أوضحها! ! [١١] . وقد ورد في هذه الآيات الصفات المنجية من الخسران وهي: ١ - الإيمان بما أمر الله به، ولا يكون الإيمان بدون العلم؛ فهو فرع عنه ولا يتم إلا به. ٢ - والعمل الصالح: وهذا شامل لأفعال الخير كلها الظاهرة والباطنة المتعلقة بحقوق الله وحقوق عباده الواجبة والمستحبة. ٣- والتواصي بالحق الذي هو الإيمان والعمل الصالح أي: يوصي بعضهم بعضاً بذلك، ويحثُّه عليه، ويرغِّبه فيه. ٤ - التواصي بالصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة. فبالأمرين الأوَّلين يكمِّل العبد نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمِّل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة يكون العبد قد سلم من الخسار وفاز بالربح العظيم [١٢] . وعن مجاهد: [إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ] (العصر: ٣) يقول: إلا الذين صدَّقوا الله، ووحَّدوه، وأقروا له بالوحدانية والطاعة، وعملوا الصالحات : وأدُّوا ما لزمهم من فرائضه، واجتنبوا ما نهاهم عنه من معاصيه. واستُثني الذين آمنوا من الإنسان؛ لأن الإنسان بمعنى الجمع لا بمعنى الواحد [١٣] . إن الإيمان هو أصل الحياة الكبير الذي ينبثق منه كل فرع من فروع الخير وتتعلق به كل ثمرة من ثماره؛ وإلا فهو فرع مقطوع من شجرته صائر إلى ذبول وجفاف، وإلا فهي ثمرة شيطانية وليس لها امتداد أو دوام، وهو المحور الذي تُشَدُّ إليه جميع خيوط الحياة الرفيعة، وإلا فهي مفلتة لا تمسك بشيء، ذاهبة بدداً مع الأهواء والنزوات. هو المنهج الذي يضم شتات الأعمال ويردها إلى نظام تتناسق معه وتتعاون، وتسلك في طريق واحد، وفي حركة واحدة، لها دافع معلوم ولها هدف مرسوم. والعمل الصالح هو الثمرة الطبيعية للإيمان، والحركة الذاتية التي تبدأ في ذات اللحظة التي تستقر فيها حقيقة الإيمان في القلب؛ فللإيمان حقيقة إيجابية متحركة، ما أن تستقر في الضمير حتى تسعى بذاتها إلى تحقيق ذاتها في الخارج في صورة عمل صالح، هذا هو الإيمان الإسلامي الذي لا يمكن أن يظل خامداً لا يتحرك، كامناً لا يتبدَّى في صورة حسِّية خارج ذات المؤمن، فإن لم يتحرك هذه الحركة الطبيعية فهو مزيف أو ميت شأنه شأن الزهرة لا تمسك أريجها فهو ينبعث منها انبعاثاً طبيعياً وإلا فهو غير موجود! ومن هنا قيمة الإيمان: إنه حركة وعمل وبناء وتعمير يتجه إلى الله، إنه ليس انكماشاً وسلبية وانزواءاً في مكنونات الضمير، وليس مجرد النوايا الطبيعية التي لا تتمثل في حركة، وهذه طبيعة الإسلام البارزة التي تجعل منه قوة بناء كبرى في صميم الحياة [١٤] . قوله: [وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (العصر: ٣) عن قتادة وعن الحسن: [وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ] (العصر: ٣) : كتاب الله. [وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (العصر: ٣) طاعة الله [١٥] . ويعتبر التواصي بالحق من الخاص بعد العام؛ لأنه داخل في عموم الصالحات، وقد جاءت آيات في القرآن تدل على أن الوصية بالحق تشمل الشريعة كلها أصولها وفروعها، ماضيها وحاضرها، من ذلك ما وصَّى الله به الأنبياء عموماً من نوح وإبراهيم ﵉ ومن بعدهم في قوله تعالى: [شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ] (الشورى: ١٣) . وقد كانت هذه الوصية عمل الرسل لأممهم من بعدهم. ويأتي عقبها قوله: [وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (العصر: ٣) . بمثابة التثبيت على هذا الصراط المستقيم؛ إذ الصبر لازم على عمل الطاعات كما هو لازم لترك المنكرات [١٦] . وفي جعل التواصي بالصبر قريناً للتواصي بالحق دليل على عظيم قَدْره، وفخامة شرفه، ومزيد ثواب الصابرين على ما يحق الصبر عليه [إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] (البقرة: ١٥٣) ، وأيضاً التواصي بالصبر مما يندرج تحت التواصي بالحق؛ فإفراده بالذكر وتخصيصه بالنص عليه من أعظم الأدلة الدالة على إنافته على خصال الحق، ومزيد شرفه عليها، وارتفاع طبقته عنها [١٧] . والتواصي بالحق ضرورة؛ فالنهوض بالحق عسير والمعوقات عن الحق كثيرة: هوى النفس، ومنطق المصلحة، وتصورات البيئة، وطغيان الطغاة، وظلم الظلمة، وجور الجائرين. والتواصي تذكير وتشجيع وإشعار بالقربى في الهدف والغاية، والأخوة في العبء والأمانة؛ فهو مضاعفة لمجموع الاتجاهات الفردية؛ إذ تتفاعل معاً فتتضاعف؛ تتضاعف بإحساس كل حارس للحق أن معه غيره يوصيه ويشجعه ويقف معه ويحبه ولا يخذله، وهذا الدين وهو الحق لا يقوم إلا في حراسة جماعة متعاونة متواصية متكافلة متضامنة على هذا المثال. والتواصي بالصبر كذلك ضرورة؛ فالقيام على الإيمان والعمل الصالح وحراسة الحق والعدل من أعسر ما يواجهه الفرد والجماعة ولا بد من الصبر، لا بد من الصبر على جهاد النفس وجهاد الغير والصبر على الأذى والمشقة والصبر على تبجح الباطل وتنفُّج الشرّ، والصبر على طول الطريق وبطء المراحل وانطماس المعالم وبُعد النهاية! والتواصي بالصبر يضاعف المقدرة بما يبعثه من إحساس بوحدة الهدف ووحدة المتجه، وتساند الجميع وتزوُّدهم بالحب والعزم والإصرار إلى آخر ما يثيره من معاني الجماعة التي لا تعيش حقيقة الإسلام إلا في جوِّها، ولا تبرز إلا من خلالها وإلا فهو الخسران والضياع [١٨] . الدروس والفوائد: ١- اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلُّم أربع مسائل: الأولى: العلم وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. الثانية: العمل به. الثالثة: الدعوة إليه. الرابعة: الصبر على الأذى فيه؛ والدليل قوله تعالى: [وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (العصر: ١-٣) . قال الشافعي: «لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم» [١٩] . ٢ - قوله: [وَالْعَصْرِ] (العصر: ١) هذا إقسام منه جل وعلا بالدهر وهو الوقت والعمر، وقد أقسم الله به لعظمته، وبيَّن بعده أن الإنسان في خسر؛ وذلك في استغلال هذا الوقت، ثم استثنى بعد ذلك أهل الإيمان والعمل الصالح؛ لأنهم عرفوا قيمة الوقت فاستغلوه أحسن استغلال. ٣ - أقسم سبحانه بالعصر وهو الدهر: لما فيه من العبر من جهة مرور الليل والنهار على تقدير الأدوار وتعاقب الظلام والضياء؛ فإن في ذلك دلالة بيِّنة على الصانع وعلى توحيده [٢٠] . ٤ - إن الإنسان إذا عُمِّر في الدنيا وهرم لفي نقص وضعف وتراجع إلا المؤمنين؛ فإنهم تكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم [٢١] ، ولعل هذا يشهد له الحديث الذي يرويه أبو موسى الأشعري؛ حيث قال: سمعت رسول الله ﷺ غير مرة ولا مرتين يقول: «إذا كان العبد يعمل عملاً صالحاً فشغله عنه مرض أو سفر كتب له كصالح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم» [٢٢] . ٥ - الخسران جاء في هذه الآية مجملاً، وقد بينته آيات أخر في كتاب الله. أما الخسران بالكفر فكما في قوله تعالى: [لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ] (الزمر: ٦٥) وأما الخسران بترك العمل فكما في قوله تعالى: [وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ] (المؤمنون: ١٠٣) وأما التواصي بترك التواصي بالحق فليس بعد الحق إلا الضلال، والحق هو الإسلام بكامله، وقد قال تعالى: [وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] (آل عمران: ٨٥) وأما الخسران بترك التواصي بالصبر والوقوع في الهلع والفزع فكما قال تعالى: [وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ] (الحج: ١١) [٢٣] . ٦ - الإيمان لغة التصديق. وشرعاً: الاعتقاد الجازم بأركان الإيمان الست في حديث جبريل ﵇ مع الرسول ﷺ لما سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، [وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ] (العصر: ٣) : العطف يقتضي المغايرة. ولذا قال بعض الناس: إن الأعمال ليست داخلة في تعريف الإيمان. ومقالاتهم معروفة. والصحيح: أن الإيمان اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح؛ فالعمل داخل فيه، ويزيد وينقص؛ فمجرد الاعتقاد لا ينفع صاحبه كما كان يعتقد عمُّ النبي ﷺ صحة رسالته، ولكنه لم يقل كلمة يُحاجُّ له صلى الله عليه وسلم بها، وكذلك لو اعتقد ونطق بالشهادتين ولم يعمل كان مناقضاً لقوله [٢٤] . ٧ - لا يعتبر العمل صالحاً حتى تتوفر فيه ثلاثة شروط: ١ - موافقة العمل لكتاب الله. ٢ - إخلاص النية لله. ٣ - كونه صادراً من مؤمن بالله [٢٥] . ٨ - استدل بعض المعتزلة بما في هذه السورة على أن مرتكب الكبيرة مخلَّد في النار؛ لأنه لم يستثن فيها عن الخسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. إلخ. وأجيبَ عنه: بأنه لا دلالة في ذلك على أكثر من كون غير المستثنى في [خُسْرٍ] (العصر: ٢) ، وأما على كونه مخلداً في النار فلا، كيف والخسر عامٌّ؛ فهو إما بالخلود إن مات كافراً، وإما بدخول النار إن مات عاصياً ولم يُغفر له، وإما بفوات الدرجات العاليات إن غُفر له. وهو جواب حسن [٢٦] . ٩ - قوله: [وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (العصر: ٣) جاء الحث على التواصي بالرحمة أيضاً مع الصبر في قوله تعالى: [ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ] (البلد: ١٧) [. وبهذه الوصايا الثلاث: بالتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، والتواصي بالرحمة تكتمل مقومات المجتمع المتكامل قوام الفضائل المثلى والقيم الفضلى؛ لأن بالتواصي بالحق: إقامة الحق والاستقامة على الطريق المستقيم، وبالتواصي بالصبر يستطيعون مواصلة سيرهم على هذا الصراط ويتخطون كل عقبات تواجههم، وبالتواصي بالمرحمة: يكونون مرتبطين كالجسد الواحد؛ وتلك أعطيات لم يعطِها إلا القرآن وهذه السورة الموجزة] ٢٧ [. ١٠ - وفي السورة الإشارة إلى أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن من يقوم به غالباً يتعرض لأذى الناس؛ فلزمهم التواصي بالصبر كما قال لقمان لابنه يوصيه:] يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [ (لقمان: ١٧) ] ٢٨ [. ١١ - وسنذكر هنا بعض المسائل المنتقاة من كتاب: (أضواء البيان للشيخ محمد الشنقيطي) فأما التي تتعلق بموضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمنها: المسألة الأولى: «اعلم أن كلاً من الآمر والمأمور يجب عليه اتباع الحق المأمور به، وقد دلَّت السنة الصحيحة على أن من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله أنه حمارٌ من حمر جهنم يجر أمعاءه فيها» . وقد دلَّ القرآن العظيم على أن المأمور المعرض عن التذكرة حمارٌ أيضاً. أما السنة المذكورة فقوله ﷺ : «يُجاء بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان! ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ ! فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه» ] ٢٩ [. واعلم أن التحقيق أن هذا الوعيد الشديد الذي ذكرنا من اندلاق الأمعاء في النار ليس على الأمر بالمعروف وإنما على ارتكابه المنكر عالماً بذلك. المسألة الثانية: يشترط في الآمر بالمعروف أن يكون له علم يعلم به أن ما يأمر به معروف، وأن ما ينهى عنه منكر؛ لأنه إن كان جاهلاً بذلك فقد يأمر بما ليس معروفاً وينهى عما ليس بمنكر، ولا سيما في هذا الزمن الذي عمّ فيه الجهل وصار فيه الحق منكراً والمنكر معروفاً والله تعالى يقول:] قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [ (يوسف: ١٠٨) فدلَّ على أن الداعية لا بد أن يكون على بصيرة، وتكون دعوته بالحكمة وحسن الأسلوب واللطافة مع إيضاح الحق؛ لقوله تعالى:] ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ [ (النحل: ١٢٥) المسألة الثالثة: الأمر بالمعروف له ثلاث حكم: الأولى: إقامة حجة الله على خلقه كما قال تعالى:] رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ (النساء: ١٦٥) . الثانية: خروج الآمر من عهدة التكليف بالأمر بالمعروف كما قال تعالى في صالحي القوم الذين اعتدى بعضهم في السبت:] قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ [ (الأعراف: ١٦٤) وقال تعالى:] فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [ (الذاريات: ٥٤) فدل على أنه لو لم يخرج من العهدة لكان ملوماً. الثالثة: رجاء النفع للمأمور كما قال تعالى:] قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [ (الأعراف: ١٦٤) ، وقال:] وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ [ (الذاريات: ٥٥) .] ٣٠ [ ١٢ - قد بيَّن الله أن الناس أقسام ثلاثة إزاء دعوة الرسل: ١ - قوم آمنوا وقالوا: ربنا الله، واستقاموا على ذلك بالعمل الصالح. ٢ - قوم ارتفعت همتهم إلى دعوة غيرهم، وهم أحسن قولاً بلا شك. ٣ - قوم عادوا الدعاة وأساؤوا إليهم. قال تعالى:] إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ [ (فصلت: ٣٠) إلى قوله:] وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ * وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [ (فصلت: ٣٣-٣٤) ] ٣١ [. يقول سيد قطب ﵀: «وننظر اليوم من خلال هذا الدستور الذي يرسمه القرآن لحياة الفئة الرابحة الناجية من الخسران؛ فيهولنا أن نرى الخسر يحيق بالبشرية في كل مكان على ظهر الأرض بلا استثناء، يهولنا هذا الضياع الذي تعانيه البشرية في الدنيا قبل الآخرة، هذا والمسلمون هم أبعد أهل الأرض عن هذا الخير وأشدهم إعراضاً عن المنهج الإلهي الذي اختاره الله لهم» إلى أن قال: «ذلك شأن الربح والخسر في هذه الأرض، وهو على عظمته إذا قيس بشأن الآخرة صغير، وهناك هناك الربح الحق والخسر الحق، هناك في الأمد الطويل وفي الحياة الباقية وفي عالم الحقيقة هناك الربح والخسر: ربح الجنة والرضوان، أو خسر الجنة والرضوان، هناك حيث يبلغ الإنسان أقصى الكمال المقدر له أو يرتكس فتهدر آدميته وينتهي إلى أن يكون حجراً في القيمة ودون الحجر في المرابحة. ومن ثم كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر، ثم يسلم أحدهما على الآخر] ٣٢ [.
следующие страницы →