← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

الورقة الأخيرة صحافة للمرأة د. مالك الأحمد [*] «إلى الذين يؤمنون أن في نفس المرأة قوة تُميت جراثيم الفساد، وأن في يدها سلاحاً يمزق غياهب الاستبداد، وأن في فمها عزاءاً يخفف وطأة الشقاء البشري ... أُقدِّم مجلتي لا كضريبة تثقل بها عواتقهم بل تقدمة إلى من يليق بهم الإكرام، وتناط بهم الآمال، وهم مُخيَّرون في قبولها ورفضها ... ولقد رأيت من الضرورة أن أجعل المباحث التي تتناولها المجلة ثلاثة أقسام: أولها: باب الأدب والتاريخ. وثانيها: لاقتطاف ما غزرت مواده وتعددت فوائده من الشؤون البيتية، وكيفية تمريض الأطفال والعناية بهم. وثالثها: للفكاهات ... » . هذه افتتاحية العدد الأول من مجلة (العروس) الصادرة عام ١٩١٠م، وهي أول مجلة نسائية في بلاد الشام، صاحبتها ماري عجمي (نصرانية) ، عالجت فيها مشاكل المرأة والأسرة والطفل، واستمرت في الصدور ١٥ سنة، وفي الفترة نفسها صدرت مجلة الحسناء من بيروت ١٩٠٩م لصاحبها جرجي نقولا (نصراني) . وتوالت المجلات النسائية في بلاد الشام بعد ذلك تباعاً؛ فصدرت مجلة (المرأة) عام ١٩٣٠م في حماة و (الشبكة) عام ١٩٥٥م في بيروت، ثم انتشرت بعد ذلك المجلات النسائية وتعددت أسماؤها. أما في مصر فصدرت مجلة (حواء) عن دار الهلال في بداية القرن العشرين وما زالت مستمرة في الصدور. والناظر لواقع صحافة المرأة في ذلك الزمن المبكر قبل نصف قرن وما يزيد يرى تغلغل العنصر النصراني في الإنشاء والإدارة والتحرير، كما يلاحظ طرح قضايا مصادِمَة تماماً لواقع المجتمع الإسلامي في ذلك الحين وإن كان بطريقة غير مباشرة. والغريب أن قضايا المرأة بالفهم الغربي طُرحت منذ وقت مبكر في العالم الإسلامي؛ فمثلاً كانت قضية الصحافة السورية عام ١٩٢٤م هي الحجاب والسفور، وكانت الصحف بين مؤيد ومعارض، وكان هذا الموضوع أيضاً مدخلاً لقضية حقوق المرأة في التعليم والانتخاب والعمل، والأمر مشابه في الصحافة المصرية، بل كان الأمر أصرح وأقوى نظراً للفساد الاجتماعي الذي بدأ في أوساط المتعلمين، فضلاً عن أثر اليهود والنصارى المتنفذين في البلد. ويلاحظ أن صحافة المرأة في وقت مبكر في العالم الإسلامي بل في وقت كان التعليم في أضيق نطاق في وسط الرجال بَلْهَ النساء؛ لكن الكيد الماكر يعلم أن حرف فكر المرأة أسهل خصوصاً لمن يستخدم الخطاب العاطفي معها. ولئن بدأت صحافة المرأة محافِظَةً إلى حد ما في خطابها ومتوارية في أساليبها لكنها الآن مع وسائل الطباعة الملونة والجميلة قفزت قفزات ضخمة، ودخلت بيوتاً كثيرة، حتى أصبح خطابها لا يراعي تقاليد ولا يستحي من دين؛ فالدعوة للعهر والفجور أصبح عادياً، والصورة سُخِّرت لإسقاط الحياء عن المرأة المحافِظَة. فهلاَّ من بديل يؤدي دوراً في وسط هذا الخضم، بل بدائل كثيرة ومتنوعة للنساء والفتيات، للصغار والكبار! آمل ذلك مع المبشرات التي نراها، ونسأل الله لها الثبات والاستمرار.

стр. 3817

ذو الحجة - ١٤٢١هـ مارس - ٢٠٠١م (السنة: ١٥)

стр. 3818

كلمة صغيرة النائحون على الرذيلة مشهد درامي هزلي صاخب يطل علينا من حين لآخر من الساحة الثقافية العلمانية كلما انتهكت (حرمة) الرذيلة أو وطئ طرفها (الطاهر) ، متقنعة في هذا المشهد بقناع حرية الفكر والإبداع، وقد تكرر هذا المشهد كثيراً، ومؤخراً رأيناه في الجزائر والأردن ومصر والكويت واليمن وبنجلاديش. ولكن مفارقة ذات دلالة حدثت في النائحة الأخيرة التي أقامها نادبو حرية الإبداع والفكر في آخر مآتمهم الثقافية، هذه المفارقة هي أن الطرف الآخر المراد إرهابه والضغط عليه لم يكن متعصباً ولا متطرفاً، بل إنه متهم من الإسلاميين بنشر الثقافة العلمانية المتفلتة والدفاع عنها في مصر، ولكن لم يشفع له ذلك الاتهام للإفلات من إرهاب الوصاة على الفكر والثقافة وتهديداتهم، فبمجرد أن انحاز وزير الثقافة مرة إلى بعض قيم المجتمع وثوابته وأصوله، وحاسب مسؤولاً يحق له إدارياً محاسبته على نشر روايات ثلاث تجاوزت (قلة الأدب) فيها الحد الذي لا يمكن السكوت عليه، ثارت ثائرة النائحين، فاستقالوا وقاطعوا وهددوا وتوعدوا وعلا صياحهم من الربط بين ظلام الرجعيين وظلم السلطويين وتحالفهم ضد التقدمية والتنوير، ثم تداعت وسائل الإعلام لنصرة إخوانهم (المضطهدين) ، فأفردت الصفحات لإقامة المنائح والبكائيات على الثقافة والإبداع، بل دخل الإنترنت على الخط فتطوع أحد المواقع بنشر الروايات الثلاث كاملة نكاية بخانقي حرية الفكر ومعوقي حركة الإبداع. أي تقدمية وأي تنوير يريدون؟ وما هو مفهوم الحرية وحدودها عندهم؟ ومن جعلهم أوصياء على الإبداع والفكر؟ ولماذا إيهام العامة بتأثير الندب والصياح بأنهم وحدهم المثقفون، وأنهم وحدهم المتحدثون باسم الثقافة؟ وأين هي حرية الفكر والإبداع التي يزعمونها عندما يتعلق هذا الفكر والإبداع برؤى مخالفة لرؤيتهم؟ لماذا لا يدافعون - إذا كانوا صادقين في دعواهم - عن حق الإسلاميين (مثلاً) في التعبير عن فكرهم ونشر إبداعهم، بدلاً من العمل على مصادرة هذا الحق من خلال مراكزهم بزعم أنها ثقافة ظلامية رجعية؟ هل هناك إرهاب فكري وعنف معنوي أكثر من هذا الذي يمارسه (المثقفون) العلمانيون عندما تُمَسُّ الرذيلة ويُدعى إلى الفضيلة؟ ألا ترون أن شأن المثقفين العلمانيين مع الإسلام ودعاته كما يقول المثل: رمتني بدائها وانسلت؟

стр. 3819

الافتتاحية الحج والأمل الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه، وبعد: فنحن نعيش في عصر وصلت فيه أمتنا المسلمة إلى حالة من التخلف والفرقة لم تعرفها من قبل، وقد طال هذا التخلف الدعائمَ الأساسية التي قامت عليها الأمة، والأركان التي ارتكزت عليها في سابق تكونها، بدءاً بجانب الإيمان وقضية الهوية؛ حيث أصبحت الأمة في الجملة في وقتنا الراهن متَّشحة بهويات غيرها من الأمم، ففقدت نتيجة ذلك جوهر عقيدتها، وتحلَّت بأخلاق أعدائها وسلوكهم حتى وصل الحال بطائفة كبيرة من أبناء الأمة إلى التباهي بالتحلي بمنطلقات وأخلاق وسلوك الأمم الأخرى، والتفاخر بالمبادرة إلى تطبيق ذلك في واقع حياتهم وسيرهم على منوالها. أضف إلى ذلك وجود برود ظاهر في انتساب جل الأفراد إلى الأمة، وضعف بيِّن في اعتزازهم بها وثقتهم بإمكانية نهوضها نتيجة الانبهار برقي (الآخر) المادي وتقدمه المعرفي وضخامة الفجوة بين أمتنا وبينه في هذا الأمر. وليس هذا فحسب؛ إذ نُحِّيت الشريعة عمداً عن التطبيق والحكم في الغالب الأعم، وتم تقزيم مفهوم الدين، والقيام بالفصل بينه وبين جوانب الحياة المختلفة بدرجات متفاوتة. كما تم صياغة العقائد الزائفة والمفاهيم المغلوطة والشرائع المشوهة بصورة بهية وأساليب جذابة مخادعة تساعد على تمريرها وتقبُّل العامة لها، بالإضافة إلى القيام بفلسفة الدين وعرضه بهيئة تقر الأمر الواقع، وتعطي له شرعية حتى صار الصواب في كثير من الأحيان انحرافاً والانحراف صواباً. وتم في جل الأماكن إقصاء العلماء الصادقين والدعاة المخلصين عن مؤسسات التوجيه الفاعل وأماكن صنع القرار والتأثير في صياغته، وتجفيف منابع الخير، والكيد الشديد للدعوة والدعاة، ومحاربة ذلك بشتى سبل الحرب المعنوية والمادية وأقساها. ولم تؤتَ الأمة في هويتها فقط بل كان من أبرز مقومات تخلفها فقدان كثير من أبنائها الإخلاص لها، وتصدَّر جل شؤونها صنائع الأعداء من أبنائها، فتعمقت لذلك التبعية وكثرت حالات تقلبها في أحضان الشرق والغرب بحسب اختلاف الظروف وتبدل موازين القوى. وأخطر ما في الأمر أن أصبح آخر ما يفكر به جلُّ الملأ في أمتنا - إن كانوا يفكرون - هو المحافظة على هوية الأمة وتحقيق مصالحها نتيجة فساد الطويَّة وتسابق القوم في إرضاء أسيادهم: نشراً لأفكارهم وممارسة لسلوكياتهم وخدمة لمصالحهم؛ طمعاً في استمرار التصدُّر ونيل المزيد من المآرب. ومن الإنصاف إثبات وجود طائفة تحمل هوية الأمة، وتمتلك إخلاصاً لها واعتزازاً بالانتساب إليها، وثقة بقدرتها على النهوض من كبوتها وتجاوز تخلفها متى استمسكت بدينها وأخذت بسنن الله تعالى في النصر والتمكين، ولكن الذي يعيب جلَّ أفراد هذه الطائفة أحد أمرين: الأول: احتقار الذات وعدم ثقة الفرد بقدراته بصورة جعلت منه غاية في السلبية؛ مما أفقده الحماس الدافع لعمل ما يفيد الأمة ويكون سبباً في رقيها وتجاوز كبوتها. الثاني: عدم قدرة كثير من المتحمسين لنهوض الأمة على تحويل حماسهم والأفكار التي تختلج في صدورهم إلى أعمال مثمرة نتيجة ضعف المعرفة بمقومات النهوض، أو عدم امتلاك المهارات اللازمة لتحقيقها. وأياً كانت طبيعة الاختلاف بين فصائل هذه الطائفة وموقف الشرع منها؛ فإن المؤدى واحد في مجال حديثنا وهو عدم قيام الجميع بالشيء المأمول منهم لرقي الأمة ونهضتها. وباختصار: فأمتنا بعد أن هجرت دينها وابتعدت عن هدي ربها نراها قانعة بالقبوع في ذيل الأمم، وما من جانب من جوانب الحياة تأملتَهُ إلا رأيتَ أن تخلفها فيه قد بلغ الغاية أو قاربها. هذا عن الانحطاط والتخلف، أما الفرقة فلا يُعرف عصر من العصور بلغ فيه الرابط الشرعي بين أفراد الأمة وشعوبها ما بلغه الآن من التفكك والضعف. ومع المعرفة الأكيدة بأن السبب الرئيسي لذلك التمزق يعود إلى الأمة نفسها مصداقاً لقوله : [قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ] (آل عمران: ١٦٥) ، إلا أنه لا يمكن الراصد للوضع بحال إغفال المكر الكُبَّار والدور الضخم لأعداء الأمة وصنائعهم داخلها في ذلك، والذين مزقوا الأمة تحت رايات القومية بصورها المختلفة في تارات، وتحت رايات الشعارات الإقليمية الضيقة (الوطنية) في تارات أخرى، حتى إنه لم يعد يوجد ذكر للرابط الشرعي بين أفراد الأمة في جل الأوقات إلا في بعض الخطب والبيانات السياسية التي تستلزم ذلك. وأنكى ما في الأمر أن التشرذم قد جاوز الملأ والعامة إلى العلماء والدعاة أنفسهم، وأصبح المتأمل في واقع الصحوة يشاهد داء التعصب، والولاء والبراء من منظور حزبي لا شرعي. وأزمة الثقة، وسوء الظن، وتتبع الزلات تموج في أوساط الأفراد والمؤسسات والجماعات الدعوية موج البحر. في ظل هذا الظلام الدامس والواقع المفزع للتوحيد والوحدة والانقياد للشرع في حياة الأمة يأتي الحج بما يحمل في طياته من توحيد نقي وعبودية حقة؛ بدءاً من التلبية التي يجيب فيها الحاج نداء ربه ويعلن إفراده - سبحانه - وحده دون سواه بالألوهية، ومروراً ببقية الشعائر التي يتقصد فيها الحاج مخالفة المشركين والسير على هدي إمام المرسلين محمد ﷺ ، وما يتضمنه من صور مشرقة ومعالم وضَّاءة للوحدة؛ إذ الرب المقصود واحد، والدين واحد، والرسول المتبوع واحد، والزمان واحد، والمكان واحد، واللباس واحد، والشعائر والأحكام واحدة، ولا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى. زد على ذلك ما يشتمل عليه من استسلام تام وخضوع شامل في القصد والهيئة والزمان والمكان وأداء الشعائر.. يأتي الحج بهذه الهيئة ليكون بمثابة أمل يطل ونور يسطع على كل غيور بأن الأمة لا تزال حية تحمل في طياتها مقومات البقاء وإمكانات النهوض والوحدة، وإن اعتورها من العاهات وأصابها من الأمراض الفتاكة الشيء الكثير، مما يرجى أن يكون في ذلك دافعاً قوياً لكل مخلص لأمته معتز بهويتها مشفق على واقعها للتركيز على هذا النور الخافت في بحر الظلمات بدلاً من التيهان في تأمل الظلمة، والقيام بالمحافظة عليه ورعايته حتى يقوى على مدافعة الظلام ومن ثم إزاحته أو تقليل مساحته؛ لأن الاستمرار في التباكي دون القيام بعمل مثمر لن يزيد الظلام إلا انتشاراً ولا النور إلا إخفاتاً. ولعل مما يدفع لذلك أن الحج جهاد وبذل وعمل بنوعيه القلبي والبدني ونهوض الأمة واجتماع كلمتها وانقيادها لكتاب ربها وسنة نبيها ﷺ لن يكون إلا بجهاد وبذل وعمل بنوعيه أيضاً. وغير خفي التحول الضخم الذي أحدثه الحج في نفوس كثير من الوجهاء وذوي الشأن في كثير من البقاع عبر التاريخ؛ مما حدا بهم إلى الدعوة إلى الخير بدلاً من مواجهته والوقوف حجر عثرة في سبيله. ولعل من التباشير الجالبة للأمل ما هو ملحوظ من عود كثير من العلماء والدعاة بعد الحج إلى بلدانهم وهم أشد حماساً لدعوتهم، وأكثر استعداداً للبذل والتضحية في سبيل تمكينها، وما هو مشاهد من تأثير الحج على قطاع كبير من الحجيج ودفعه إياهم إلى تغيير حياتهم نحو الأفضل بمفارقة ما لديهم من عقائد مغلوطة وسلوكيات منحرفة وتقصير في طاعة الله ، وليس هذا فحسب؛ إذ يتجاوز بعضهم أمر الاستقامة إلى الدعوة فيقوم بدور إصلاحي في مجتمعه يدعو فيه إلى الحق مناصراً أهله، ويقارع الباطل مجابهاً حملته. وبعد هذا: فيا ترى من يكون له شرف السبق في نهضة الأمة واجتماع كلمتها؟ ! ويا ترى من يحمل الراية ويقول: أنا لها؟ ! وفَّق الله الجميع للخير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3820

إشراقات قرآنية سورة العصر فوائد ودروس عبد العزيز بن عبد الله الصالح تمهيد: إن الله إنما أنزل القرآن لأخذ العبرة والعظة منه؛ حيث قال: [فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ] (الحشر: ٢) وأمر سبحانه بتدبر كتابه والتأمل في معانيه فقال: [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] (محمد: ٢٤) . وكلما كانت قراءة القرآن عن تدبر وتعقل كان وقعها في النفس أكبر، وكان لها أثر في سلوك الإنسان، ولهذا لمَّا سئلت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله ﷺ قالت: «كان خلقه القرآن» [١] ؛ ذلك أنه كان يتمثل القرآن منهجاً لحياته قراءةً وتدبراً وتطبيقاً، وهناك بعض الآثار عن السلف الصالح يوصون فيها بتدبر القرآن وأخذ العظة والعبرة منه. قال ابن مسعود ﵁: «لا تهذُّوا القرآن هذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن همُّ أحدكم آخر السورة» . قال علي بن أبي طالب: «لا خير في قراءة لا تدبر معها» . وقال ابن مسعود: «إن أحدكم ليقرأ القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط حرفاً وقد أسقط العمل به» . من هذا المنطلق ومحبةً في المساهمة في هذا الجانب أضع بين يديك هذا المبحث تحت عنوان: (سورة العصر: فوائد ودروس) ، وقد وقع الاختيار على هذه السورة؛ لأنها تمثل منهجاً كاملاً للحياة الإسلامية سواء الفرد أو المجتمع. أهمية السورة: لقد علم سلفنا الصالح ما لهذه السورة من الأهمية البالغة حتى كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر ثمًَّ يسلِّم أحدهما على الآخر، وقال الشافعي: «لو لم ينزل غير هذه السورة لكفت الناس» . ومن تأمل في هذه السورة وجد فيها مقومات المجتمع المتكامل الذي قوامه الفضائل المثلى والقيم الفضلى [٢] . ابتدأ الله سبحانه هذه السورة بقوله: [وَالْعَصْرِ] (العصر: ١) . وهو الدهر كله أقسم الله به لما فيه من العجائب: أمة تذهب وأمة تأتي، وقدر ينفذ وآية تظهر وهو لا يتغير، ليل يعقبه نهار، ونهار يطرده ليل، فهو في نفسه عجيب. وهو في نفسه آية سواء في ماضيه لا يعلم متى كان، أو في حاضره لا يعلم كيف ينقضي، أو في مستقبله « [٣] ومن هنا نعلم أهمية الوقت في الحياة وعظمته؛ لأن الله سبحانه عظيم ولا يقسم إلا بما هو عظيم. وقيل: أقسم الله بصلاة العصر لفضلها؛ لأنها الصلاة الوسطى عند الجمهور. وفي الحديث:» من فاتته العصر فكأنما وُتِرَ أهله وماله « [٤] وخُصَّت بالفضل؛ لأن التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار واشتغالهم بمعايشهم» [٥] قال ابن جرير الطبري: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن ربنا أقسم بالعصر و (العصرُ) اسم للدهر، وهو العشي والليل والنهار، ولم يخصص مما شمله هذا الاسم معنى دون معنى؛ فكل ما لزمه هذا الاسم فداخل فيما أقسم به جل ثناؤه» [٦] تأملات في معاني السورة: ومن تأمل في هذه السورة وجد أنها تقرر حقيقة ضخمة وهي: «أنه على امتداد الزمان في جميع الأعصار، وامتداد الإنسان في جميع الأدهار، ليس هناك إلا منهج واحد رابح، وطريق واحد ناجٍ هو ذلك المنهج الذي ترسم السورة حدوده، وهو هذا الطريق الذي تصف السورة معالمه، وكل ما وراء ذلك ضياع وخسار» [٧] [ِإنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ] (العصر: ٢) لفظ الإنسان وإن كان مفرداً فإن (أل) فيه جعلته للجنس. والخسر: قيل: هو الغبن، وقيل: النقص، وقيل: العقوبة، وقيل: الهلكة، والكل متقارب. ولم يُبيِّن هنا نوع الخسران في أي شيء؟ بل أطلق ليعمَّ، وجاء بحرف الظرفية ليُشعر أن الإنسان مستغرق في الخسران وهو محيط به من كل جهة [٨] . وهذه الآية هي جواب القسم. والخسر والخسران: النقصان وذهاب رأس المال. والمعنى: إن كل إنسان في المتاجر والمساعي وصرف الأعمار في أعمال الدنيا لفي نقص وضلال عن الحق حتى يموت [٩] . «والخسار مراتب متعددة متفاوتة: فقد يكون خساراً مطلقاً كحال من خسر الدنيا والآخرة، وفاته النعيم واستحق الجحيم. وقد يكون خاسراً من بعض الوجوه دون بعض، ولهذا عمَّم الخسار لكل إنسان إلا من اتصف بأربع صفات» [١٠] وسيأتي ذكرها. [إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ] (العصر: ٣) فإنهم في تجارة لن تبور؛ حيث باعوا الفاني الخسيس واشتروا الباقي النفيس، واستبدلوا الباقيات الصالحات بالغاديات الرائحات؛ فيا لها من صفقة ما أربحها، ومنفعة جامعة للخير ما أوضحها! ! [١١] . وقد ورد في هذه الآيات الصفات المنجية من الخسران وهي: ١ - الإيمان بما أمر الله به، ولا يكون الإيمان بدون العلم؛ فهو فرع عنه ولا يتم إلا به. ٢ - والعمل الصالح: وهذا شامل لأفعال الخير كلها الظاهرة والباطنة المتعلقة بحقوق الله وحقوق عباده الواجبة والمستحبة. ٣- والتواصي بالحق الذي هو الإيمان والعمل الصالح أي: يوصي بعضهم بعضاً بذلك، ويحثُّه عليه، ويرغِّبه فيه. ٤ - التواصي بالصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة. فبالأمرين الأوَّلين يكمِّل العبد نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمِّل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة يكون العبد قد سلم من الخسار وفاز بالربح العظيم [١٢] . وعن مجاهد: [إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ] (العصر: ٣) يقول: إلا الذين صدَّقوا الله، ووحَّدوه، وأقروا له بالوحدانية والطاعة، وعملوا الصالحات : وأدُّوا ما لزمهم من فرائضه، واجتنبوا ما نهاهم عنه من معاصيه. واستُثني الذين آمنوا من الإنسان؛ لأن الإنسان بمعنى الجمع لا بمعنى الواحد [١٣] . إن الإيمان هو أصل الحياة الكبير الذي ينبثق منه كل فرع من فروع الخير وتتعلق به كل ثمرة من ثماره؛ وإلا فهو فرع مقطوع من شجرته صائر إلى ذبول وجفاف، وإلا فهي ثمرة شيطانية وليس لها امتداد أو دوام، وهو المحور الذي تُشَدُّ إليه جميع خيوط الحياة الرفيعة، وإلا فهي مفلتة لا تمسك بشيء، ذاهبة بدداً مع الأهواء والنزوات. هو المنهج الذي يضم شتات الأعمال ويردها إلى نظام تتناسق معه وتتعاون، وتسلك في طريق واحد، وفي حركة واحدة، لها دافع معلوم ولها هدف مرسوم. والعمل الصالح هو الثمرة الطبيعية للإيمان، والحركة الذاتية التي تبدأ في ذات اللحظة التي تستقر فيها حقيقة الإيمان في القلب؛ فللإيمان حقيقة إيجابية متحركة، ما أن تستقر في الضمير حتى تسعى بذاتها إلى تحقيق ذاتها في الخارج في صورة عمل صالح، هذا هو الإيمان الإسلامي الذي لا يمكن أن يظل خامداً لا يتحرك، كامناً لا يتبدَّى في صورة حسِّية خارج ذات المؤمن، فإن لم يتحرك هذه الحركة الطبيعية فهو مزيف أو ميت شأنه شأن الزهرة لا تمسك أريجها فهو ينبعث منها انبعاثاً طبيعياً وإلا فهو غير موجود! ومن هنا قيمة الإيمان: إنه حركة وعمل وبناء وتعمير يتجه إلى الله، إنه ليس انكماشاً وسلبية وانزواءاً في مكنونات الضمير، وليس مجرد النوايا الطبيعية التي لا تتمثل في حركة، وهذه طبيعة الإسلام البارزة التي تجعل منه قوة بناء كبرى في صميم الحياة [١٤] . قوله: [وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (العصر: ٣) عن قتادة وعن الحسن: [وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ] (العصر: ٣) : كتاب الله. [وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (العصر: ٣) طاعة الله [١٥] . ويعتبر التواصي بالحق من الخاص بعد العام؛ لأنه داخل في عموم الصالحات، وقد جاءت آيات في القرآن تدل على أن الوصية بالحق تشمل الشريعة كلها أصولها وفروعها، ماضيها وحاضرها، من ذلك ما وصَّى الله به الأنبياء عموماً من نوح وإبراهيم ﵉ ومن بعدهم في قوله تعالى: [شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ] (الشورى: ١٣) . وقد كانت هذه الوصية عمل الرسل لأممهم من بعدهم. ويأتي عقبها قوله: [وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (العصر: ٣) . بمثابة التثبيت على هذا الصراط المستقيم؛ إذ الصبر لازم على عمل الطاعات كما هو لازم لترك المنكرات [١٦] . وفي جعل التواصي بالصبر قريناً للتواصي بالحق دليل على عظيم قَدْره، وفخامة شرفه، ومزيد ثواب الصابرين على ما يحق الصبر عليه [إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] (البقرة: ١٥٣) ، وأيضاً التواصي بالصبر مما يندرج تحت التواصي بالحق؛ فإفراده بالذكر وتخصيصه بالنص عليه من أعظم الأدلة الدالة على إنافته على خصال الحق، ومزيد شرفه عليها، وارتفاع طبقته عنها [١٧] . والتواصي بالحق ضرورة؛ فالنهوض بالحق عسير والمعوقات عن الحق كثيرة: هوى النفس، ومنطق المصلحة، وتصورات البيئة، وطغيان الطغاة، وظلم الظلمة، وجور الجائرين. والتواصي تذكير وتشجيع وإشعار بالقربى في الهدف والغاية، والأخوة في العبء والأمانة؛ فهو مضاعفة لمجموع الاتجاهات الفردية؛ إذ تتفاعل معاً فتتضاعف؛ تتضاعف بإحساس كل حارس للحق أن معه غيره يوصيه ويشجعه ويقف معه ويحبه ولا يخذله، وهذا الدين وهو الحق لا يقوم إلا في حراسة جماعة متعاونة متواصية متكافلة متضامنة على هذا المثال. والتواصي بالصبر كذلك ضرورة؛ فالقيام على الإيمان والعمل الصالح وحراسة الحق والعدل من أعسر ما يواجهه الفرد والجماعة ولا بد من الصبر، لا بد من الصبر على جهاد النفس وجهاد الغير والصبر على الأذى والمشقة والصبر على تبجح الباطل وتنفُّج الشرّ، والصبر على طول الطريق وبطء المراحل وانطماس المعالم وبُعد النهاية! والتواصي بالصبر يضاعف المقدرة بما يبعثه من إحساس بوحدة الهدف ووحدة المتجه، وتساند الجميع وتزوُّدهم بالحب والعزم والإصرار إلى آخر ما يثيره من معاني الجماعة التي لا تعيش حقيقة الإسلام إلا في جوِّها، ولا تبرز إلا من خلالها وإلا فهو الخسران والضياع [١٨] . الدروس والفوائد: ١- اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلُّم أربع مسائل: الأولى: العلم وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. الثانية: العمل به. الثالثة: الدعوة إليه. الرابعة: الصبر على الأذى فيه؛ والدليل قوله تعالى: [وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (العصر: ١-٣) . قال الشافعي: «لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم» [١٩] . ٢ - قوله: [وَالْعَصْرِ] (العصر: ١) هذا إقسام منه جل وعلا بالدهر وهو الوقت والعمر، وقد أقسم الله به لعظمته، وبيَّن بعده أن الإنسان في خسر؛ وذلك في استغلال هذا الوقت، ثم استثنى بعد ذلك أهل الإيمان والعمل الصالح؛ لأنهم عرفوا قيمة الوقت فاستغلوه أحسن استغلال. ٣ - أقسم سبحانه بالعصر وهو الدهر: لما فيه من العبر من جهة مرور الليل والنهار على تقدير الأدوار وتعاقب الظلام والضياء؛ فإن في ذلك دلالة بيِّنة على الصانع وعلى توحيده [٢٠] . ٤ - إن الإنسان إذا عُمِّر في الدنيا وهرم لفي نقص وضعف وتراجع إلا المؤمنين؛ فإنهم تكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم [٢١] ، ولعل هذا يشهد له الحديث الذي يرويه أبو موسى الأشعري؛ حيث قال: سمعت رسول الله ﷺ غير مرة ولا مرتين يقول: «إذا كان العبد يعمل عملاً صالحاً فشغله عنه مرض أو سفر كتب له كصالح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم» [٢٢] . ٥ - الخسران جاء في هذه الآية مجملاً، وقد بينته آيات أخر في كتاب الله. أما الخسران بالكفر فكما في قوله تعالى: [لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ] (الزمر: ٦٥) وأما الخسران بترك العمل فكما في قوله تعالى: [وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ] (المؤمنون: ١٠٣) وأما التواصي بترك التواصي بالحق فليس بعد الحق إلا الضلال، والحق هو الإسلام بكامله، وقد قال تعالى: [وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] (آل عمران: ٨٥) وأما الخسران بترك التواصي بالصبر والوقوع في الهلع والفزع فكما قال تعالى: [وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ] (الحج: ١١) [٢٣] . ٦ - الإيمان لغة التصديق. وشرعاً: الاعتقاد الجازم بأركان الإيمان الست في حديث جبريل ﵇ مع الرسول ﷺ لما سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، [وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ] (العصر: ٣) : العطف يقتضي المغايرة. ولذا قال بعض الناس: إن الأعمال ليست داخلة في تعريف الإيمان. ومقالاتهم معروفة. والصحيح: أن الإيمان اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح؛ فالعمل داخل فيه، ويزيد وينقص؛ فمجرد الاعتقاد لا ينفع صاحبه كما كان يعتقد عمُّ النبي ﷺ صحة رسالته، ولكنه لم يقل كلمة يُحاجُّ له صلى الله عليه وسلم بها، وكذلك لو اعتقد ونطق بالشهادتين ولم يعمل كان مناقضاً لقوله [٢٤] . ٧ - لا يعتبر العمل صالحاً حتى تتوفر فيه ثلاثة شروط: ١ - موافقة العمل لكتاب الله. ٢ - إخلاص النية لله. ٣ - كونه صادراً من مؤمن بالله [٢٥] . ٨ - استدل بعض المعتزلة بما في هذه السورة على أن مرتكب الكبيرة مخلَّد في النار؛ لأنه لم يستثن فيها عن الخسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. إلخ. وأجيبَ عنه: بأنه لا دلالة في ذلك على أكثر من كون غير المستثنى في [خُسْرٍ] (العصر: ٢) ، وأما على كونه مخلداً في النار فلا، كيف والخسر عامٌّ؛ فهو إما بالخلود إن مات كافراً، وإما بدخول النار إن مات عاصياً ولم يُغفر له، وإما بفوات الدرجات العاليات إن غُفر له. وهو جواب حسن [٢٦] . ٩ - قوله: [وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (العصر: ٣) جاء الحث على التواصي بالرحمة أيضاً مع الصبر في قوله تعالى: [ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ] (البلد: ١٧) [. وبهذه الوصايا الثلاث: بالتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، والتواصي بالرحمة تكتمل مقومات المجتمع المتكامل قوام الفضائل المثلى والقيم الفضلى؛ لأن بالتواصي بالحق: إقامة الحق والاستقامة على الطريق المستقيم، وبالتواصي بالصبر يستطيعون مواصلة سيرهم على هذا الصراط ويتخطون كل عقبات تواجههم، وبالتواصي بالمرحمة: يكونون مرتبطين كالجسد الواحد؛ وتلك أعطيات لم يعطِها إلا القرآن وهذه السورة الموجزة] ٢٧ [. ١٠ - وفي السورة الإشارة إلى أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن من يقوم به غالباً يتعرض لأذى الناس؛ فلزمهم التواصي بالصبر كما قال لقمان لابنه يوصيه:] يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [ (لقمان: ١٧) ] ٢٨ [. ١١ - وسنذكر هنا بعض المسائل المنتقاة من كتاب: (أضواء البيان للشيخ محمد الشنقيطي) فأما التي تتعلق بموضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمنها: المسألة الأولى: «اعلم أن كلاً من الآمر والمأمور يجب عليه اتباع الحق المأمور به، وقد دلَّت السنة الصحيحة على أن من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله أنه حمارٌ من حمر جهنم يجر أمعاءه فيها» . وقد دلَّ القرآن العظيم على أن المأمور المعرض عن التذكرة حمارٌ أيضاً. أما السنة المذكورة فقوله ﷺ : «يُجاء بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان! ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ ! فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه» ] ٢٩ [. واعلم أن التحقيق أن هذا الوعيد الشديد الذي ذكرنا من اندلاق الأمعاء في النار ليس على الأمر بالمعروف وإنما على ارتكابه المنكر عالماً بذلك. المسألة الثانية: يشترط في الآمر بالمعروف أن يكون له علم يعلم به أن ما يأمر به معروف، وأن ما ينهى عنه منكر؛ لأنه إن كان جاهلاً بذلك فقد يأمر بما ليس معروفاً وينهى عما ليس بمنكر، ولا سيما في هذا الزمن الذي عمّ فيه الجهل وصار فيه الحق منكراً والمنكر معروفاً والله تعالى يقول:] قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [ (يوسف: ١٠٨) فدلَّ على أن الداعية لا بد أن يكون على بصيرة، وتكون دعوته بالحكمة وحسن الأسلوب واللطافة مع إيضاح الحق؛ لقوله تعالى:] ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ [ (النحل: ١٢٥) المسألة الثالثة: الأمر بالمعروف له ثلاث حكم: الأولى: إقامة حجة الله على خلقه كما قال تعالى:] رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ (النساء: ١٦٥) . الثانية: خروج الآمر من عهدة التكليف بالأمر بالمعروف كما قال تعالى في صالحي القوم الذين اعتدى بعضهم في السبت:] قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ [ (الأعراف: ١٦٤) وقال تعالى:] فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [ (الذاريات: ٥٤) فدل على أنه لو لم يخرج من العهدة لكان ملوماً. الثالثة: رجاء النفع للمأمور كما قال تعالى:] قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [ (الأعراف: ١٦٤) ، وقال:] وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ [ (الذاريات: ٥٥) .] ٣٠ [ ١٢ - قد بيَّن الله أن الناس أقسام ثلاثة إزاء دعوة الرسل: ١ - قوم آمنوا وقالوا: ربنا الله، واستقاموا على ذلك بالعمل الصالح. ٢ - قوم ارتفعت همتهم إلى دعوة غيرهم، وهم أحسن قولاً بلا شك. ٣ - قوم عادوا الدعاة وأساؤوا إليهم. قال تعالى:] إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ [ (فصلت: ٣٠) إلى قوله:] وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ * وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [ (فصلت: ٣٣-٣٤) ] ٣١ [. يقول سيد قطب ﵀: «وننظر اليوم من خلال هذا الدستور الذي يرسمه القرآن لحياة الفئة الرابحة الناجية من الخسران؛ فيهولنا أن نرى الخسر يحيق بالبشرية في كل مكان على ظهر الأرض بلا استثناء، يهولنا هذا الضياع الذي تعانيه البشرية في الدنيا قبل الآخرة، هذا والمسلمون هم أبعد أهل الأرض عن هذا الخير وأشدهم إعراضاً عن المنهج الإلهي الذي اختاره الله لهم» إلى أن قال: «ذلك شأن الربح والخسر في هذه الأرض، وهو على عظمته إذا قيس بشأن الآخرة صغير، وهناك هناك الربح الحق والخسر الحق، هناك في الأمد الطويل وفي الحياة الباقية وفي عالم الحقيقة هناك الربح والخسر: ربح الجنة والرضوان، أو خسر الجنة والرضوان، هناك حيث يبلغ الإنسان أقصى الكمال المقدر له أو يرتكس فتهدر آدميته وينتهي إلى أن يكون حجراً في القيمة ودون الحجر في المرابحة. ومن ثم كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر، ثم يسلم أحدهما على الآخر] ٣٢ [.

стр. 3821

دراسات في الشريعة والعقيدة أحوال النبي ﷺ في الحج فيصل بن علي البعداني albadani@hotmail.com أمر الله تعالى عباده باتباع نبيه ﷺ فقال : [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا] (الحشر: ٧) ، وجعله سبحانه قدوة حسنة لهم فقال: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] (الأحزاب: ٢١) والحج من أوضح عبادات الإسلام التي يتجلى فيها اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والتأسي به، والملحوظ في واقع الناس اليوم سيطرة الحديث عن الأحكام وانشغالهم بتعداد الأخطاء التي تقع فيه، وما يصح به النسك أو يبطل، ومع أهمية هذا الجانب وضرورته نتيجة تفشي الجهل ودوران صحة العمل أو بطلانه على ذلك، إلا أنه أدى إلى نسيان الكثير من جوانب التأسي بالنبي ﷺ ، وإغفال أعداد غفيرة من الحجيج لمعان كثيرة راعاها النبي ﷺ أثناء أدائه لنسكه، وفي ظل هذا الغياب أصبح المرء يرى في الحج العديد من المظاهر التي يقع فيها كثير من طلبة العلم الحريصين على تطبيق السنَّة فضلاً عن غيرهم، وهي غير متفقة مع هديه ﷺ ، ولذا جاءت هذه المقالة لتحاول إعطاء توصيف أشمل وصورة أدق عن أحواله ﷺ في الحج لعل في ذلك مزيد عون للمتأسين به ﷺ ، والسائرين على نهجه. ونظراً لكثرة الحديث عن صفة نسكه ﷺ فلن تتعرض المقالة لذلك، وستكتفي بإبراز نماذج وإشارات عامة في الجوانب الأخرى نظراً لكون الموضوع أوسع من أن تحيط به مقالة أو تكفي في عرضه الموارد المعتمدة. ورغبة في تقريب الموضوع ولمِّ شتاته للقارئ فسيكون في ثلاثة محاور رئيسة: الأول: أحوال النبي ﷺ في الحج مع ربه: لم يشغل النبي ﷺ تعليم الحجيج وقيادتهم والعناية بأهل بيته ورعاية زوجاته عن الصلة بربه والانكسار بين يديه، وقد أخذ ذلك صوراً وأشكالاً شتى من أبرزها: ١ - تحقيق التوحيد والعناية به: يعد التوحيد أحد القضايا الرئيسة التي عمل النبي ﷺ في الحج على تحقيقها والعناية بها، وهذا جلي من خلال التأمل في أعماله صلى الله عليه وسلم في الحج، ومن ذلك: التلبية وهي شعار الحج التي تتضمن إفراد الله وحده لا شريك له بالعمل، واستمر ﷺ يلهج بها منذ دخوله في النسك إلى حين رميه لجمرة العقبة يوم النحر. ومنها: عنايته ﷺ بإخلاص العمل وسؤاله ربه أن يجنبه الرياء والسمعة كما في حديث أنس ﵁ مرفوعاً قال: «اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة» [١] . ومنها: دعاؤه ﷺ على الصفا والمروة بالتوحيد كما في حديث جابر ﵁ قال: «فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحَّد الله وكبَّره، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده ... قال مثل هذا ثلاث مرات ... حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا..» [٢] . ٢ - إظهار البراءة من المشركين وتعمد مخالفتهم: حرص النبي ﷺ على مخالفة المشركين والسير على سنة أبينا إبراهيم ﵇ في كثير من شعائر الحج وأحكامه، ووصل الأمر غايته حين تبرأ ﷺ من أعمال المشركين في خطبته يوم عرفة، وأخبر أن كل شيء من أمر الجاهلية فهو موضوع تحت قدميه [٣] . والشعائر التي بان فيها تعمده المخالفة كثيرة، من أهمها: التلبية، وقد كان المشركون يضمنونها الشرك بالله ويقولون فيها: (إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك) ؛ فأخلص النبي صلى الله عليه وسلم فيها التوحيد، ونبذ الشرك وتبرأ منه [٤] . ومنها: وقوفه مع الناس بعرفة ومخالفته لكفار قريش الذين كانوا يقفون في مزدلفة ويقولون: لا نفيض إلا من الحرم [٥] . ومنها: إفاضته من مزدلفة قبل طلوع الشمس مخالفاً المشركين الذين كانوا لا يفيضون منها حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير [٦] . ٣ - كثرة التضرع والمناجاة والدعاء: للدعاء منزلة رفيعة؛ إذ هو «إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله والاستكانة له» [٧] ، ولذا قال النبي ﷺ : «الدعاء هو العبادة» [٨] ، وقد كان للنبي ﷺ في الحج منه أوفر الحظ والنصيب؛ فقد دعا ربه في الطواف [٩] ، وعند الوقوف على الصفا والمروة، وأطال في الدعاء يوم عرفة وهو على ناقته رافعاً يديه إلى صدره كاستطعام المسكين منذ أن استقر في مقامه الذي وقف فيه بعد الصلاة إلى أن غربت الشمس، وفي مزدلفة في المشعر الحرام منذ أن صلى الفجر إلى أن أسفر جداً قبل أن تطلع الشمس [١٠] ، وفي أيام التشريق بعد رمي الجمرتين الأُوليين كان يستقبل القبلة ويقوم طويلاً يدعو ويرفع يديه [١١] . هذا شيء مما نقل عنه في دعاء المسألة. أما دعاء الثناء والذكر فلم يفارقه ﷺ منذ أن دخل في النسك إلى أن عاد إلى المدينة؛ إذ لم يزل ﷺ رطب اللسان بذكر الله مكثراً من الثناء على الله بما هو أهله من تلبية وتكبير وتهليل وتسبيح وتحميد راكباً وماشياً وفي جميع أحواله صلى الله عليه وسلم كما هو جلي لمن قرأ صفة حجه ﷺ وتتبع أحواله فيه [١٢] . ومن الأهمية بمكان التنبيه على أن المنقول من دعائه ﷺ وتضرعه وثنائه على ربه في الحج قليل جداً بالنسبة لما لم ينقل؛ إذ الأصل أن ذلك سر بين العبد وربه، وإنما جهر ﷺ بما جهر به حين كان يريد تأسي أمته به، وإلا فإن ذكر الله من غايات الحج ومقاصده العظام كما يُلْمح ذلك من قوله : [فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً] (البقرة: ١٩٨-٢٠٠) ، بل إن أعمال الحج وشعائره إنما شرعت لذكر الله تعالى كما يدل عليه حديث عائشة ﵂ مرفوعاً: «إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» [١٣] ، وقول رسول الله ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله» [١٤] . ٤ - التوقف عند حدود الله : الوقوف عند حدود الله تعالى غاية التقوى ودليل صدق الإيمان وعلامة كمال العبودية، وقد كان النبي ﷺ أعلم الناس بحدود ربه، وأتقاهم له، وأكثرهم تعظيماً لحرماته، وقد لاح ذلك في الحج في مواقف شتى، منها: عندما لم يُحِلَّ من إحرامه مراعاة لأصحابه؛ لأنه ساق الهدي؛ وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أمر من لم يسق الهدي من أصحابه بأن يحلوا إحرامهم ويجعلوا حجهم عمرة؛ فتأخروا في ذلك ظناً منهم أنه لم يعزم عليهم في ذلك وإنما أبان لهم الجواز، وقال بعضهم معبراً عن عدم رغبته في الحل من الإحرام: «نأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني» ! فقام النبي ﷺ فيهم حين بلغه ذلك فقال: «قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللت كما تحلون فحلوا» [١٥] . ومنها قوله ﷺ عن زوجه صفية ﵂ حين حاضت ليلة النفر وقبل أن يعلم أنها طافت طواف الإفاضة يوم النحر: «ما أراها إلا حابستكم» [١٦] مع ما في ذلك من الحرج الشديد له أمام الخلق؛ إذ كيف يُحبَس الناس عن النفير بسببها؟ ! ٥ - الخشوع والسكينة: يُدرَك حضور القلب وخشوعه بسكون الجوارح ووقارها؛ إذ الظاهر عنوان الباطن [١٧] ، وقد جمع النبي ﷺ في حجه بين الأمرين؛ فكان حاضر القلب غير متشاغل بشيء عن نسكه، خاضعاً لربه فيه، ذليلاً منكسراً بين يدي مولاه، مكثراً من التضرع والمناجاة مع إطالة للقيام ورفع لليدين أثناء ذلك [١٨] . كما كان النبي ﷺ خاشع الجوارح يسير سيراً ليناً بسكينة ووقار، ويؤدي مناسكه بتؤدة واطمئنان، يدل على ذلك حديث جابر ﵁ قال: «أفاض رسول الله ﷺ وعليه السكينة» [١٩] ، وحديث عبد الله بن عباس ﵄ «أنه دفع مع النبي ﷺ يوم عرفة، فسمع النبي ﷺ وراءه زجراً شديداً وضرباً وصوتاً للإبل، فأشار بسوطه إليهم، وقال: أيها الناس عليكم بالسكينة؛ فإن البر ليس بالإيضاع» [٢٠] . ٦ - الاستكثار من الخير ومباشرته: حث الله عباده على التزود من التقوى والتسابق في الخيرات، فقال : [وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ] (البقرة: ١٩٧) ، وقد كان هذا هدي النبي ﷺ في الحج وديدنه فيه، ومن المظاهر الدالة على ذلك: حرصه ﷺ على المجيء بمستحبات النسك كالاغتسال للإحرام [٢١] ، والتطيب عند الإهلال به وعند الخروج منه [٢٢] ، وإشعار الهدي وتقليده [٢٣] ، والإكثار من التلبية والجهر بها حتى رمي جمرة العقبة [٢٤] ، وبدء البيت بالطواف [٢٥] ، والرَّمَل فيه [٢٦] ، والاستلام للركنين [٢٧] ، وصلاة ركعتي الطواف خلف المقام [٢٨] ، والدعاء على الصفا والمروة، والسرعة الشديدة في بطن الوادي [٢٩] ، والذكر عند استلام الركنين ورمي الجمار [٣٠] ، وغيرها من السنن كثير. ٧ - التوازن والاعتدال: خير الأمور الوسط، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، وقد كان من أبرز أحوال المصطفى ﷺ وما تجلى من خلقه في الحج التوازن والاعتدال، وكراهية الإفراط والتفريط، ولعل الذي يعنينا من ذلك في حاله مع ربه أمران: الأول: اعتداله ﷺ وموازنته بين العناية بنفسه من خلال قوة صلته بربه من جهة [٣١] ، وبين التعليم لأمته وقيادتها، والرعاية لزوجاته والحنو على أهل بيته من جهة أخرى [٣٢] . الثاني: اعتداله ﷺ وموازنته بين كل من حقوق روحه وجسده؛ إذ في ذلك الجو الإيماني المهيب الذي قد يدفع الكثيرين إلى التفريط في حق الجسد والإفراط في حق الروح نجده ﷺ معتنياً بجسده غاية العناية؛ إذ صعد يوم التروية إلى منى ليقرب من عرفة [٣٣] ، ونام ليلة عرفة ومزدلفة [٣٤] ، وأفطر يوم عرفة [٣٥] ، وترك ليلةَ جَمْع صلاة النافلة [٣٦] ، واستظل فيه بقبة من شعر ضُرِبت له قبلُ [٣٧] ، وركب في تنقلاته بين المشاعر [٣٨] وأثناء قيامه ببعض أعمال الحج [٣٩] ، واتخذ ﷺ من يخدمه ويقوم بأمره [٤٠] ... ونحو ذلك من الأمور التي ترفق بالجسد، وتمكنه من التقوِّي على العبادة وأداء النسك بحضور قلب وتدبر وخشوع وطمأنينة. ٨ - الزهد في الدنيا: كان النبي ﷺ زاهداً في الدنيا، معرضاً عما لا ينفع في الآخرة منها، ومظاهر زهده ﷺ في الحج بالدنيا وتعلق قلبه بالآخرة كثيرة لا تكاد تحصى، ومن أبرزها: أنه حج على رَحْل رثٍّ وقطيفة تساوي أربعة دراهم أو لا تساوي [٤١] . ومنها: إردافه ﷺ على راحلته أمام الحجيج أسامة بن زيد ﵄ من عرفة إلى مزدلفة، والفضل بن العباس ﵄ من مزدلفة إلى منى [٤٢] . ومنها: عدم تميُّزه في الموسم عن الناس بشيء، وأعظم ما تجلى فيه ذلك أنه ﷺ «جاء إلى السقاية فاستسقى فقال العباس: يا فضل! اذهب إلى أمك فائت رسول الله ﷺ بشراب من عندها، فقال: اسقني، قال: يا رسول الله! إنهم يجعلون أيديهم فيه. قال: اسقني، فشرب منه» [٤٣] ، وفي رواية أنهم حين قالوا: نأتيك به من البيت قال: «لا حاجة لي فيه، اسقوني مما يشرب منه الناس» [٤٤] . ومنها: عظم هديه؛ إذ قرَّب مائة بدنة [٤٥] ، ومن تعلق قلبه بالدنيا فإنه لا يُخرِج شيئاً فوق الحد الواجب. ومنها: جمعه بين الهدي والأضحية [٤٦] مع أن الهدي يجزئ الحاج عنها. الثاني: أحوال النبي ﷺ في الحج مع أمته: عَجَبٌ أمر رسول الله ﷺ في الحج؛ إذ قام بتعليم الناس وقيادتهم في آن واحد؛ ومع ذلك فما أنت مريد أن ترى شيئاً فعله صلى الله عليه وسلم معهم على خلاف الأوْلى إلا وأنت عاجز عن ذلك. وكل أحواله ﷺ والوظائف التي قام بها مع أمته دالة على عظمته وعلو مرتبته، ولعل من أبرز ذلك: ١ - التعليم: بعث الله رسوله ﷺ «معلماً ميسراً» [٤٧] ، وقد بلغ الغاية في ذلك، فشهد له الناس بأنه ما رأى الخلقُ «معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه» [٤٨] ، ومن تأمل حَجَّه ﷺ وجد أنه هو ذلك المعلم الموصوف بعينه؛ إذ أمر ﷺ بأن يؤذن قبل الحج في الناس بأنه ﷺ يريد الحج ليسهل على من يريد مرافقته السفر معه، فقدم المدينةَ بشرٌ كثير كلهم يلتمس أن يأتم به ويأخذ عنه [٤٩] ، فاختلط بالناس وأشرف لهم، وبرز طوال الموسم [٥٠] ، وكان أحد لا يُصرف عنه ولا يُدفع [٥١] ، ولم يكن حوله ضرب ولا طرد ولا قول: إليك إليك [٥٢] . وحرص ﷺ على البلاغ وإقامة الحُجَّة على الخلق فحفزهم على التعلم، وشحذ هممهم، وشد انتباههم إلى ما يقول ويفعل بتنويع أساليب الخطاب وطرق التعليم، وأمره لهم بأخذ المناسك عنه لاحتمال أن تكون حَجَّته الأخيرة [٥٣] ، ومطالبته إياهم بالشهادة له بالبلاغ؛ إذ مراراً ما خاطبهم بعد أن يتم تعليمهم قائلاً: «ألا هل بَلَّغت؟» [٥٤] ، فيشهد الناس له بذلك قائلين: «نشهد أنك قد بلَّغت وأديت ونصحت» [٥٥] . ولم يقتصر ﷺ على البلاغ والتعليم بنفسه، بل اتخذ من يُبلِّغ عنه [٥٦] ، وأرسل الرسل لذلك [٥٧] . وأبرز الأمور التي اهتم النبي ﷺ بتعليم الناس إياها هي أحكام المناسك التي جمع فيها النبي بين البيان والتطبيق العملي [٥٨] . ومن ذلك: بيان منزلة أركان الإسلام ومبانيه العظام؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم في إحدى خطبه في الموسم: «اتقوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم» [٥٩] . ومن ذلك: بيان خطورة الشرك وبعض المحرمات العظام؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: «إنما هن أربع: لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسرقوا، ولا تزنوا» [٦٠] . ٢ - الإفتاء: من أهم أحوال النبي ﷺ والأعمال التي تقلب فيها مع الناس في الحج تبيين المشكل عليهم من الأحكام والجواب عن استفساراتهم، ومن أشهر فتاويه ﷺ في الحج «أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، فقال النبي ﷺ : فحُجي عنه» [٦١] ، وقوله صلى الله عليه وسلم لكل من سأله عن التقديم والتأخير في أعمال يوم النحر: «افعل ولا حرج» [٦٢] . والملحوظ: في إفتائه ﷺ في الموسم أمور من أوضحها: وقوفه ﷺ للناس وبروزه لهم ليروه ويسألوه [٦٣] . ومنها: جنوحه إلى التيسير في فتاويه [٦٤] والتخفيف على ذوي الحاجات [٦٥] . ومنها: حرصه ﷺ على الإقناع لمن يستفتيه كقوله صلى الله عليه وسلم لرجل قال له: «يا رسول الله! إن أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير لا يثبت على راحلته، أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان عليه دين فقضيته عنه أكان يجزيه؟ قال: نعم. قال: فاحجج عن أبيك» [٦٦] . ومنها: صبره ﷺ على السائلين واحتماله لأذاهم مع الرفق والرحمة بهم [٦٧] . ٣ - الوعظ: كان للنبي ﷺ في الوعظ اليد الطولى والقدح المعلى؛ إذ بعثه الله مبشراً ونذيراً، فأرشد أمته إلى الخير ورغبها فيه، ونهاها عن الشر ورهَّبها منه. وفي الحج كان للوعظ والتوجيه ميدان فسيح ووجود ظاهر، حتى إن النبي ﷺ أعاد التذكير ببعض القواعد والأمور الهامة [٦٨] من غير ما تكلُّف أكثر من مرة، وقد تناول وعظه ﷺ موضوعات عدة كان من أهمها: التزهيد في الدنيا؛ إذ قال ﷺ قبل الغروب بعرفات: «أيها الناس! إنه لم يبق من دنياكم فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه» [٦٩] . ومنها: الأمر بالتقوى والدلالة على ما يُدخِلُ المرءَ الجنةَ؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: «اتقوا ربكم، وصلوا خمسكم؛ وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم» [٧٠] ومنها: بيان أن لا أحد يحمل جريرة أحد، وأن المسؤولية أمام المولى عز وجل فردية؛ إذ قال ﷺ : «ألا لا يجني جانٍ إلا على نفسه، لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده» [٧١] . ومنها: الترغيب في ترك الفسوق والعصيان أثناء النسك والاشتغال بما ينفع؛ إذ قال ﷺ : «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» [٧٢] ، وقوله ﷺ : «ليس البر بإيضاع الخيل ولا الرِّكاب» [٧٣] . ومنها: التحذير من الغلو؛ إذ قال ﷺ : «يا أيها الناس! إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» [٧٤] . ومنها: الوصاية بالضعفاء من النساء والأرقَّاء والأمر بالإحسان إليهم؛ إذ قال ﷺ : «فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» [٧٥] ، وجاء في حديث مرفوع: «أرقَّاءَكم أرقاءَكم أرقاءَكم أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون؛ فإن جاؤوا بذنب لا تريدون أن تغفروه فبيعوا عباد الله ولا تعذبوهم» [٧٦] . ٤ - توحيد الأمة، وتحذيرها من الفتن ودواعي الافتراق: كان الحج بما يحمل في طياته من وحدة بين أفراد الأمة في الشعور والمشاعر فرصة سانحة لتوحيد الأمة وتحذيرها من الفتنة ودواعي الفرقة، وقد اهتم النبي ﷺ بهذا الأمر وأولاه عنايته، وقد أخذ ذلك الاهتمام مظاهر شتى من أبرزها: تسويته ﷺ بين أفراد الأمة، وعدم تمييزه بينهم إلا بالتقوى؛ إذ قال ﷺ : «إن ربكم واحد، وأباكم واحد؛ ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى» [٧٧] . ومنها: أمره ﷺ بالسمع والطاعة لمن يقيم كتاب الله عز وجل، ولزوم الجماعة والنصح للأئمة؛ حيث قال ﷺ : «إن أُمِّر عليكم عبد مجدع أسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا» [٧٨] ، وقال صلى الله عليه وسلم بالخيف من منى: «ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل لله، والنصيحة لولاة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» [٧٩] . ومنها: تحذيره ﷺ من الاستجابة لتحريش الشيطان؛ حيث قال ﷺ : «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» [٨٠] . ومنها: نهيه ﷺ عن الابتداع في الدين؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم محذراً أمته: «ألا وإني مستنقِذٌ أناساً، ومستنقَذٌ مني أناس فأقول: يارب أصيحابي! فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» [٨١] . ومنها: نهيه ﷺ عما يسبب الفرقة ويؤدي إلى الفتنة في المجتمع المسلم كالاقتتال؛ حيث قال ﷺ بعد أن استنصت الناس: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» [٨٢] . وكالاستهانة بدماء الآخرين وأموالهم وأعراضهم؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم في خطبه الثلاث في عرفة ويوم النحر وأوسط أيام التشريق: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» [٨٣] . وكالظلم وأخذ أموال الناس بغير طيب نفس منهم؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا مني تعيشوا: ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا؛ إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» [٨٤] . ٥ - التربية على الاتباع وتوحيد مصدر التلقي: الإسلام هو الخضوع والذل لله وحده والإذعان لما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا تثبت قدم أحد فيه ما لم يسلِّم لنصوص الوحي، وينقاد إليها ولا يعترض على شيء منها [٨٥] ، والحج آية في الانقياد ومدرسة في التسليم والاستسلام، ربَّى النبي ﷺ فيه أصحابه ﵃ على توحيد متابعته، وغرس في نفوسهم ضرورة التأسي به. يقول جابر ﵁ واصفاً الحال: «ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه القرآن ينزل، وهو يعرف تأويله، وما عمل من شيء عملنا به» [٨٦] ، فأنتجت تلك التربية العظيمة ثمرات يانعة مباركة. ومظاهر تربيته ﷺ في الحج لأصحابه ﵃ على المتابعة والاقتصار في الأخذ والتلقي على نصوص الوحي كثيرة، من أبرزها: مطالبته ﷺ الحجيج في مواطن عدة خلال الموسم بالتأسي به وتحفيزه إياهم على ذلك بذكر احتمال أن تكون حجته تلك آخر حجة له؛ إذ قال ﷺ مراراً: «لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» [٨٧] . ومنها: حثه ﷺ الناس في خطبته يوم عرفة على الاعتصام بالتنزيل والتمسك به؛ لأن ذلك طريق الوقاية من الزيغ والضلال؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله» [٨٨] . ومنها: تحذيره ﷺ أمته من اتباع الأهواء والابتداع في الدين؛ إذ قال ﷺ وهو واقف على ناقته بعرفات: «ألا وإني فرطكم على الحوض، وأكاثر بكم الأمم؛ فلا تُسوِّدوا وجهي، ألا وإني مستنقِذ أناساً ومستنقَذ مني أناس، فأقول: يا رب أصيحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» [٨٩] . ٦- القيادة الناجحة والمعاملة الحسنة: جمَّل الله تعالى رسوله ﷺ بكمالات الأخلاق، وزيَّنه بأجل الآداب، فامتلك لذلك مقومات القيادة الناجحة والأساليب المثلى للمعاملة الحسنة، فهوت لذلك إليه الأفئدة، وتدافع عليه الناس حين بلغهم عزمه على الحج كل يريد السير في رعايته وتحت لوائه، فحج معه أكثر من مائة ألف إنسان [٩٠] كل يريد أن يأتم به ويعمل مثل عمله [٩١] فأثر ﷺ في نفوسهم أعمق تأثير، ووجههم أحسن توجيه، وقادهم أعظم قيادة عرفتها البشرية. ولن تستطيع هذه الكلمات القليلات الإتيان على كافة جوانب عظمته صلى الله عليه وسلم في قيادة تلك الأفواج الضخمة من الحجيج وإبراز تعامله الفذ معها؛ ولذا فستقتصر على ذكر إشارات وتجلية جوانب مختصرة لتكون أنموذجاً لما خلفها ودليلاً على ما وراءها، وذلك فيما يلي: أ - جعله ﷺ من نفسه قدوة حسنة: عاب الله على بعض عباده قول الخير والأمر به دون فعله، فقال سبحانه: [أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ] (البقرة: ٤٤) ، ولأن خُلق رسول الله ﷺ كان القرآن [٩٢] ؛ فما كان ﵊ ليأمر أمته بأمر إلا وكان أسبقهم إليه، وما كان لينهاهم عن شيء إلا وكان أبعدهم منه، وفي الحج تجلى لديه ﷺ هذا الخلق السامي في مواقف عدة، من أبرزها: ما جاء في خطبة الوداع حين قال ﷺ : «ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميَّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع» [٩٣] . ومنها: أنه ﷺ في الوقت الذي كان يحث أصحابه على بر الحج والاشتغال بالطاع والخضوع لله والانكسار بين يديه سبحانه [٩٤] كان أكثرهم تقرباً وخشية، وأعظمهم ذلاً لله تعالى وضراعة بين يديه [٩٥] . ومنها: أنه ﷺ في الوقت الذي كان يحث أصحابه على الزهد في الدنيا والتعلق بالآخرة [٩٦] كان يحج على رحل رث وقطيفة لا تكاد تساوي أربعة دراهم [٩٧] . ومنها: أنه ﷺ أمر بترك المزاحمة وأداء النسك بتؤدة وطمأنينة، وأفاض هو ﷺ بسكينة وكان يسير على مهله [٩٨] . ومنها: أنه ﷺ نهى أصحابه عن الغلو في الدين وأمرهم بأن يرموا الجمرة بمثل حصى الخذف [٩٩] ، ورماها هو ﷺ بمثل ما أمرهم به [١٠٠] . وهذا الأمر من أعظم ما دعا الناس إلى حبِّه ﷺ ، وحملهم على التأثر به؛ إذ هو عنوان استقامة القيادة وإخلاصها ودليل إيمانها فيما تأمر به وجديتها في تنفيذه. ب - تواضعه ﷺ مع الناس: التواضع سيد الأخلاق ومصيدة الشرف، ومن أسباب رفعة الله تعالى للعبد كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» [١٠١] ، وقد أمر الله سبحانه به نبيه ﷺ فقال : [وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ] (الشعراء: ٢١٥) فامتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه، فبلغ في التواضع منزلة لا يطاوله فيها أحد من الخلق. وفي الحج تجلى تواضعه ﷺ في قيادته للناس من خلال مواقف وصور شتى كان من أبرزها: ما تقدَّم من أن حَجَّه ﷺ كان على رحل رث، وقطيفة لا تكاد تساوي أربعة دراهم [١٠٢] . ومنها: إباؤه ﷺ التميز عن الناس بشيء، ومن أجلى ما ظهر فيه ذلك: رفضه ﷺ أن يُخَصَّ بماء لم تُجعل فيه الأيدي دون الناس، وقوله ﷺ حين عرض عليه ذلك: «لا حاجة لي فيه، اسقوني مما يشرب منه الناس» [١٠٣] . ومنها: إردافه ﷺ لأسامة بن زيد ﵄ من عرفة إلى مزدلفة أمام الخلق وهو من الموالي [١٠٤] . ومنها: وقوفه ﷺ لامرأة من آحاد الناس يستمع إليها ويجيب عن سؤالها [١٠٥] . ومنها: تمكن كل أحد من الوصول إليه وقضاء بغيته منه بيسر إذ لم يكن ﷺ يتخذ حُجَّاباً يصرفون الناس عنه ويمنعونهم من مقابلته والتحدث معه [١٠٦] . فكسب ﷺ بتواضعه الجم قلوب الناس وثقتهم، ونال محبتهم. ج - رحمته ﷺ بالناس: الإسلام دين الرحمة، وشريعته مبنية على العطف والشفقة في أصولها وفروعها [١٠٧] ؛ ولذا فمن البدهي أن النبي ﷺ لم يبعث إلا رحمة كما قال تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ] (الأنبياء: ١٠٧) وكما أخبر ﷺ عن نفسه بذلك فقال: «إنما بعثت رحمة» [١٠٨] . وفي الحج نرى رحمته ﷺ في قيادة الناس متجلية في مواقف كثيرة وصور متنوعة، كان من أبرزها: إلزامه ﷺ لمن لم يَسُقِ الهدي من أصحابه بالحل الكامل من الإحرام، والذي يتضمن إتيان النساء ولبس الثياب ومس الطيب رحمة بالأمة وتخفيفاً عنها [١٠٩] . ومنها: جمعه ﷺ لصلاتي الظهر والعصر في عرفات [١١٠] ، وتأخيره للصلاة حين أفاض إلى مزدلفة [١١١] حتى لا يشق على الناس بتعدد النزول، ويتمكن الحاج من إناخة بعيره ووضع متاعه في الموضع الذي سيبيت فيه. ومنها: إذنه ﷺ للضعفة في الإفاضة من مزدلفة قبل الناس ليلاً حين يغيب القمر حتى يتمكنوا من أداء أعمال يوم النحر قبل الناس تخفيفاً عنهم ووقاية لهم من الزحام [١١٢] . ومنها: تيسيره ﷺ على الناس في التقديم والتأخير في أعمال يوم النحر، وقوله لمن سأله عن ذلك: «افعل ولا حرج» [١١٣] . ومنها: تخفيفه ﷺ عن أصحاب الحاجات كإذنه لعمه العباس ﵁ بأن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته الحاج [١١٤] ، وإذنه لرعاة الإبل بأن يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر فيرمونه في أحدهما [١١٥] ومنها: تركه ﷺ لفعل الأفضل في أحيان رحمة بالناس ورفقاً بهم كركوبه في الطواف والسعي واستلامه الحجر بمحجن، وتركه تقبيله واستلامه باليد، والمشي في الطواف والسعي وهو أفضل لكي لا يصرف الناس عنه ويضربوا بين يديه [١١٦] . د - إحسانه ﷺ إلى الناس: وفي الحج نجد أن إحسانه ﷺ أثناء قيادته للناس لا يحد؛ إذ ما أنت متأمل في جانب إلا وترى إحسانه فيه بارزاً، وبما أن حصر دلائل إحسانه ﷺ في كافة الجوانب أمر يطول وليس بغاية، فسيُقتصر فيما يلي على أمثلة من ذلك: إكثاره ﷺ في الموسم من البذل والعطاء؛ إذ قسم في المساكين بُدْنَه المائة كلها: لحومها وجلودها وجلالها [١١٧] ، وقسم الصدقة على الناس في أكثر من موضع [١١٨] . ومنها: إحسانه ﷺ إلى أسامة بن زيد والفضل بن العباس ﵃ بإردافهما خلفه على راحلته خلال التنقل بين عرفة ومزدلفة ومنى [١١٩] . ومنها: إحسانه ﷺ إلى الضعفاء من خلال الوصاية بهم في خطبه [١٢٠] . ومنها: حرصه ﷺ على نجاة أمته وقبول الله لها؛ إذ ألح على الله بالدعاء لها بالمغفرة عشية عرفة وفي مزدلفة [١٢١] ، وحين طلب أحدهم الدعاء منه عمم دعاءه فقال: «غفر الله لكم» [١٢٢] . ومنها: حرصه ﷺ على البلاغ من خلال وضوح البيان والتكرار لما يحتاج إلى ذلك، وتركه تشقيق الأمور؛ إذ اقتصر صلى الله عليه وسلم في خطبه على بيان أصول الإسلام والمحرمات العظام وبعض القواعد التي تحتاج إلى مزيد بيان حتى يوعى عنه ويفهم [١٢٣] . ومنها: استجابته ﷺ لرغبات الناس وتحقيقه لمطالبهم تطييباً لنفوسهم ومراعاة لخواطرهم [١٢٤] . هـ - صبره ﷺ على الناس: جُمع لرسول الله ﷺ في الحج أنواع الصبر الثلاثة في آن واحد؛ إذ كان أبر أصحابه ﵃ بالله، وأعظمهم صبراً في امتثال الأوامر وفعل القربات حتى يؤديها بطمأنينة وإخبات وخشوع بين يدي مولاه سبحانه [١٢٥] . كما كان ﷺ أتقاهم لله تعالى، وأعلمهم به، وأغضبهم له، وأحفظهم لحدوده، وأبعدهم عن انتهاك حرماته [١٢٦] . أما صبره ﷺ على الناس وتحمله لمشقة قيادتهم دون ملل أو سخط أو تضجر فأمر يبهر العقل، ويكفي للتدليل عليه تصور وظائفه صلى الله عليه وسلم وإدراك حاله في الموسم وواقع من حج بهم. فأما وظائفه: فقد كان ﷺ عبداً لله حريصاً على تحقيق الكمال البشري في التذلل لله والانكسار بين يديه سبحانه، وأداء النسك على وجهه. وكان ﷺ قائداً للناس وراعياً لهم ومسؤولاً عن أحوالهم واجتماع كلمتهم. وكان ﷺ معلماً مرشداً لتلك الأفواج الضخمة من البشر ومربياً لها على الخير، يختلج في صدره حرص شديد على تحقيق الكمال في تبليغ الرسالة وبيان الأحكام. و رفقه ﷺ بالناس: وفي الحج بان رفقه ﷺ بالناس أثناء قيادته لهم في مواقف عدة: منها: استظلاله ﷺ وركوبه في التنقل بين المشاعر، وغير ذلك من جوانب اليسر التي لو فعل ﷺ خلافها لكان على العباد في التأسي به مشقة عظيمة [١٢٧] . ومنها: ركوبه ﷺ أثناء أداء بعض المناسك كالطواف والسعي خشية أن يُدفع عنه الناس ويُضربوا بين يديه [١٢٨] . ومنها: بروزه ﷺ للناس طوال الموسم لكي لا يشق على الناس تأسيهم به أو سؤاله عما يشكل عليهم [١٢٩] . ومنها: تخفيفه ﷺ على الناس وعدم تكليفهم من الأمر فوق ما يطيقون، سواء من جهة أعمال النسك أو من جهة قيادته الحجيج وتوليه أمرهم، وهذا جلي لمن تأمل سيرته ﷺ في الحج [١٣٠] . ومنها: عدم قربه ﷺ الكعبة بعد طوافه بها طواف القدوم حتى رجع من عرفة [١٣١] ، واستقراره ﷺ على الصحيح بمنى في أيام التشريق، وعدم خروجه منها إلى الحرم إلا حين أراد الوداع، وفي ذلك من الرفق ما هو ظاهر [١٣٢] . ومنها: اختياره ﷺ للأيسر دوماً؛ كما تقدم من أمره صلى الله عليه وسلم من لم يَسُقِ الهدي من أصحابه ﵃ بالحل، وجمعه صلى الله عليه وسلم للصلوات في عرفة ومزدلفة، وقصره للصلاة بمنى [١٣٣] . ومنها: أمره ﷺ لأصحابه ﵃ بالرفق بأنفسهم، ومن ذلك قوله ﷺ حين رأى رجلاً يسوق بدنة وهو يمشي: «اركبها، فقال: إنها بدنة، فقال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها ويلك في الثالثة أو في الثانية» [١٣٤] . الثالث: أحوال النبي ﷺ في الحج مع أهله: كان النبي ﷺ أرعى الخلق لقريب، وأحناهم على رحم، وأكثرهم إحساناً إلى أهل، شهد المخالطون له ﷺ بذلك، فوصفه واصفهم بأنه ﷺ كان «أبر الناس وأوصل الناس» [١٣٥] . وفي الحج تجلى بره بأهله، وصلته ﷺ لرحمه، وإحسانه إلى أقاربه في صور شتى ومشاهد مختلفة، ومن الأهمية بمكان الإشارة قبل تعداد شيء من ذلك إلى أن أهل بيت النبوة ﵃ قد شاركوا الناس فيما أفادهم به ﷺ ، ومن دلائل ذلك قول عائشة ﵂ مخاطبة رسول الله ﷺ : «سمعتك تقول لأصحابك ما قلت؛ فمنعت العمرة» ، بل إن المتأمل في أمر النسك يجد أن كثيراً من أحكامه منقول عنهم، وذلك لما كان لهم ﵃ من مزيد لصوق به ﷺ واختصاص دون الناس، ولعل من أبرز أحواله ﷺ معهم ما يلي: ١ - تعليمهم أحكام النسك: اهتم النبي ﷺ بتعليم أهل بيته أحكام النسك ليصفو لهم تقربهم، وتصح منهم عبادتهم، ومن دلائل ذلك: ما جاء في حديث أم سلمة ﵂ قالت: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أهلُّوا يا آل محمد بعمرة في حج» [١٣٦] ، وقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة ﵂ حين حاضت قبل أن تطوف بالبيت: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» [١٣٧] ، وقوله ﷺ لأغيلمة بني عبد المطلب ليلة مزدلفة: «لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» [١٣٨] ، وما روي عنه ﷺ حين قالت له عائشة ﵂: ألا نبني لك بيتاً يظلك بمنى؟ فقال: «إنما منى مناخ من سبق» [١٣٩] . ٢ - مواساتهم ومراعاة خواطرهم: كان النبي ﷺ يواسي أهل بيته حين كان الأمر يقع على خلاف ما يشتهون، ويراعي خواطرهم؛ فيفعل ما يريدون إذا كان الأمر لا يعارض مراد الله تعالى، وأبرز ما كان هذا الأمر مع زوجه عائشة ﵂ وذلك حين دخل عليها وهي تبكي؛ لأنها مُنِعَتِ العمرة المفردة بسبب الحيض، فواساها ﷺ قائلاً: «فلا يضركِ، أنت من بنات آدم، كتب الله عليك ما كتب عليهن، فكوني في حجتك عسى الله أن يرزقكها» [١٤٠] ، وحين قالت رضي الله عنها: «يا رسول الله! أترجع صواحبي بحج وعمرة وأرجع أنا بالحج؟ فأمر رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن أبي بكر، فذهب بها إلى التنعيم، فلبَّت بالعمرة» [١٤١] . ٣ - الرفق بهم والتيسير على ضعيفهم وصاحب الحاجة منهم: كان النبي ﷺ في الحج رفيقاً بآل بيته، رحيماً بهم، يحن على ضعيفهم ويختار الأيسر لهم، ويعطف على صاحب الحاجة منهم ويخفف عنه، والشواهد الدالة على ذلك عديدة، منها: اختياره ﷺ الأيسر لزوجاته وأمرهن به، كما في حديث حفصة ﵂: «أن النبي ﷺ أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع» [١٤٢] . ومنها: قوله ﷺ لما دخل على ضباعة بنت الزبير رضي الله عنها وهي وجعة: «حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني» [١٤٣] . ٤ - إزالة ما لديهم من منكر: حرص النبي ﷺ على تنقية آل بيته ﵃ من المعاصي، وتصفيتهم من المنكرات؛ فكان إذا وقع أحدهم في منكر أنكر عليه، وصرفه عنه، ومن ذلك إنكاره ﷺ العملي على الفضل بن العباس ﵄ النظر إلى المرأة الخثعمية التي جاءت تسأل النبي صلى الله عليه وسلم ومنعه له من الاستمرار في ذلك [١٤٤] ، بل إنه ﷺ جعل من آل بيته في هذا الجانب قدوة للناس، ومن ذلك حين قام ﷺ خطيباً في وسط الناس بعرفة فقال: «ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا: دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب؛ فإنه موضوع كله» . ٥ - تشجيعهم على الخير وحثهم عليه: كان النبي ﷺ يحث آل بيته ﵃ على فعل الطاعات، ويشجعهم على التزود من الخيرات، ومن ذلك: أنه حين مر على بني عمومته، وهم ينزعون الماء من بئر زمزم ويسقون الناس خاطبهم قائلاً: «انزعوا بني عبد المطلب؛ فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» [١٤٥] ، بل إنه ﷺ كان ييسر لهم ذلك، ومنه: إذنه لعمه العباس ﵁ بالبيتوتة بمكة ليالي أيام التشريق من أجل سقايته الحجيج [١٤٦] . ٦ - وقايتهم من الفتن: الفتن مفسدات للقلوب، مزيغات للألباب، وحين تجتمع الأعداد الغفيرة من الذكور والإناث تكون الفرصة مهيأة لحصولها، وبخاصة فتنة النساء، ولذا نجد النبي ﷺ يخاف على آل بيته ﵃ في الحج منها؛ ويحرص ﷺ على حمايتهم عند تعرضهم لها، ومن الشواهد الدالة على ذلك: إسدال نسائه ﷺ بحضرته للجلابيب على وجوههن وهنَّ محرمات عند محاذاة الرجال لهن، فإذا جاوزوهن كشفن [١٤٧] . ومنها: توجيهه ﷺ لنسائه بعدم مخالطة الرجال في الطواف مع أنهن ﵅ كن يطفن معهم، كما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة ﵂: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» [١٤٨] ، وفي رواية أنه ﷺ قال لها: «إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون ففعلت ولم تصلِّ حتى خرجت» [١٤٩] ، وكما يفهم ذلك من حديث ابن جريج قال: «أخبرني عطاء إذْ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال، قال: كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي ﷺ مع الرجال؟ قلت: أبعد الحجاب أو قبل؟ قال: إي لعمري! لقد أدركته بعد الحجاب، قلت: كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يكن يخالطن، كانت عائشة ﵂ تطوف حَجْرَة من الرجال لا تخالطهم، فقالت: امرأة انطلقي نستلم يا أم المؤمنين! قالت: عنك. وأبت، فكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال، ولكنهن كن إذا دخلن البيت قُمْن حتى يدخلن، وأخرج الرجال» [١٥٠] . ٧ - الإحسان إليهم: تعددت وجوه إحسانه ﷺ إلى آل بيته وتنوعت بصورة جعلت المتأمل يجزم بأن كل أحواله ﷺ معهم إحسان؛ إذ ما من جانب إلا وأنت راءٍ أن فضله ﷺ عليهم ظاهر، وجوده عليهم بيِّن، ودلائل ذلك فوق الحصر، ومن أوضح ذلك: حرصه ﷺ على أدائهم للنسك معه، وإقناعه لمن لم يكن ينوي منهم الخروج بالمبادرة إلى ذلك، كما في قصة ضباعة ﵂ حين دخل عليها النبي ﷺ فقال لها: «أردت الحج؟ قالت: والله ما أجدني إلا وجعة، فقال لها: حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني» [١٥١] . ومنها: خروجه ﷺ بجميع نسائه ﵅ [١٥٢] ، وهو أمر يفوق العدل كما هو جلي لمن تدبر؛ إذ كان بوسعه ﷺ أن لا يخرج بواحدة منهن، أو أن يقرع بينهن ويخرج بإحداهن. ٨ - الاستعانة بهم واستعمالهم: استعان النبي ﷺ بآل بيته ﵃، واستنابهم واستعملهم في بعض أمره، ومن شواهد ذلك: جعله ﷺ زوجه عائشة ﵂ تفتل له قلائد بُدْنِه من صوف كان عندها بالمدينة قبل أن يحرم [١٥٣] . ومنها: ما رواه ابن عباس ﵄ قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على ناقته: القطْ لي حصى، فلقطت له سبع حصيات» [١٥٤] . ومنها: إعطاؤه ﷺ لعلي ﵁ ما بقي من بُدْنِه لينحرها [١٥٥] ، وأمره ﷺ له بأن يقوم على بُدْنِه، وبأن يتصدق على الناس بلحومها وجلودها وأجلتها [١٥٦] . ومنها: استسقاؤه ﷺ من بني عمه حين جاء إليهم وهم يسقون الناس من زمزم، فقال لعمه العباس ﵁: «اسقني، فشرب منه» [١٥٧] ، ويدل عليه أيضا حديث ابن عباس ﵄ قال: «سقيت رسول الله ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم» [١٥٨] . وبعد: فإن ما سبق من سطور لا يعدو أن يكون ومضات مشرقة من أحواله صلى الله عليه وسلم في الحج، كتبت من مقل على عجل، راجياً من ربي قبولها والنفع بها، لتكون عوناً للسائرين إليه على حج مبرور وذنب مغفور، والموضوع أكبر من أن يحيط به مثلي، وهو بحاجة إلى مزيد بحث، وإمعان فكر، وتدقيق نظر، أسأل الله أن يهيئ له من يقوم به على وجهه من أهل العلم، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 3822

ملفات في رياض المصلحين للعلماء منزلة جليلة، ومكانة عظيمة؛ فهم ورثة الأنبياء الموقعين عن ربِّ العالمين، رفع الله تعالى أقدارهم، وأعلى مقاماتهم، فقال الله تعالى: [يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ] (المجادلة: ١١) . ولقد رزئت الأمة خلال العامين المنصرمين بفقد أئمة أجلاء وعلماء نبلاء كان لهم أثر بارز في إحياء الأمة وتبصيرها وتصحيح سبيلها، على رأسهم: (سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز) ، و (فضيلة الشيخ محمد بن ناصر الدين الألباني) ، و (فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين) ﵏ جميعاً. وإن كان المصاب بفقد هؤلاء الأئمة كبيراً جداً، إلا أنَّ في البقية الباقية من علماء الأمة الربانيين خيراً كثيراً إن شاء الله تعالى، بل إننا نتوسم في بعض النجباء من طلاب العلم ما يثلج الصدر ويبعث الأمل؛ فالخير ولله الحمد باقٍ في هذه الأمة إلى قيام الساعة. وإنَّ مما ينبغي الاستفادة منه دراسةَ سِيَر هؤلاء العلماء ومناهجهم في العلم والعمل، لتكون بإذن الله تعالى نبراساً مشرقاً يضيء طريق الأمة، وينضم إلى ذلك النور المبارك الذي ورَّثه لنا أسلافنا الكرام ﵃ منذ القرون المفضلة الأولى. وها نحن في مجلة البيان نخصص هذا الملف عن (حياة العلاَّمة الشيخ محمد بن صالح العثيمين) ، وقد حرصنا أن يكتب عن الشيخ بعض تلاميذه، لتكون الكتابة عن علم ومعاشرة، سائلين الله تعالى أن ينفع به جميع القراء، وأن يخلف لنا خيراً في علمائنا. وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 3823

في رياض المصلحين فقد الرموز محمد بن عبد الله الدويش www. dweesh. com إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألاَّ إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فالحديث عن القيادات والرموز العلمية والدعوية حديث له أهميته، ويتأكد كلما فقد الناس واحداً من هؤلاء، وفي العامين الأخيرين فقدت الأمة طائفة من خيار علمائها وقادتها. وقد أحببت المشاركة في هذا الملف الذي عقدته المجلة حول هذا الموضوع بهذه المشاركة المتواضعة. أدوار القيادات: إن للقيادات العلمية والدعوية أدواراً مهمة في الأمة، ومن هذه الأدوار: ١ - التعليم والدعوة: للرموز والقيادات العلمية والدعوية أثر بالغ في تعليم الناس ودعوتهم، وفي نشر العلم، وليس أدل على ذلك من أن كثيراً من الدعوات الإصلاحية كان من ورائها قيادات ورموز سار الناس وراءهم واستجابوا لهم. إنهم الذين يعقدون حِلَقَ العلم ومجالسه، ويقصدهم طلاب العلم ويلازمونهم، ويوجهون معاهد العلم ومؤسساته، وهم الذين يحملون لواء الدعوة إلى الله تبارك وتعالى ويسير الدعاة وراءهم. ٢ - بيان الحق للناس: تمر بالناس مواطن كثيرة يلتبس فيها الحق بالباطل، وتسُود فيها الأهواء والفتن؛ وحينئذ يبدو دور القيادات العلمية والدعوية لتبيِّن الحق للناس وتجلِّيه لهم. وفتاوى العلماء المعاصرين في كثير من النوازل كالتجنس بجنسية الدول الكافرة، والحكم بغير ما أنزل الله، وقضايا المرأة، والتأمين وغيرها دليل على عظم منزلتهم وحاجة الناس إليهم. ٣ - إنكار المنكرات وإزالتها: حين تقع المنكرات العامة يكون للقيادات دور مهم في إنكار هذه المنكرات والاحتساب عليها، وقد عاب الله على طائفة من أحبار أهل الكتاب ورهبانهم كان ينتظر منهم أن يبينوا الحق للناس وينهوهم عما يأتون من منكر، قال : [لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ] (المائدة: ٦٣) قال الحسن: [لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ] (المائدة: ٦٣) قال: الحكماء العلماء [١] . وإنكار هؤلاء ليس كإنكار غيرهم؛ فأصحاب المنكر إما أن يستجيبوا لهم ثقة في علمهم ورأيهم، أو مجاملة وخشية، وحين يتجرؤون على مخالفتهم فهم أجرأ على مخالفة غيرهم. ٤ - منع الفساد والمنكر قبل وقوعه: كما أن للقيادات العلمية الدعوية أثراً في إنكار المنكر والنهي عنه قبل وقوعه فوجودهم يحول دون كثير من المنكرات ويردع كثيراً من أهل الفساد أن يمتدوا في غيهم وفسادهم. قال ابن أكثم: قال لنا المأمون: لولا مكان يزيد بن هارون لأظهرت أن القرآن مخلوق. وقال ابن الجوزي عن المأمون: وكان يتردد ويراقب الشيوخ، ثم قوي عزمه وامتحن الناس [٢] . وهذا إنما يتحقق حين تعرف هذه القيادات منزلتها ومكانتها، وحين تأخذ على عاتقها أن تقول بالحق وتصدع به. ٥ - قيادة الأمة في الأزمات: حين تحل الفتن والأزمات بالأمة يختلط الحق بالباطل ويلتبس على الناس، فيأتي دور أهل العلم؛ ويتمثل في أمرين مهمين: الأول: تمييز الحق من الباطل، وبيان الموقف الشرعي للناس في مثل هذه النوازل. الثاني: اتخاذ المواقف العملية وقيادة الناس. وقد أمر الله ﵎ الناس بالرجوع إلى أهل العلم في مثل هذه المواقف فقال: [وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ] (النساء: ٨٣) وها هو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يجمع بين الأمرين في موقفه من التتار؛ فقد تردد الناس في حالهم، فأفتى بكفرهم ووجوب قتالهم وقال: «وقتال هذا الضرب واجب بإجماع المسلمين، وما يشك في ذلك من عرف دين الإسلام وعرف حقيقة أمرهم» [٣] . وقام في قتالهم وقال للناس: «إذا رأيتموني في ذلك الجانب وعلى رأسي مصحف فاقتلوني» [٤] . ٦ - لجوء الناس إليهم في الفتن والشدائد: ولما يعلمه الناس من أن أهل العلم أعلم الناس بالفتن وأكثرهم إدراكاً لها؛ فإنهم يلجؤون إليهم حين يحل بهم خطب أو أمر جلل، وها هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتجهون لأبي بكر ﵁ وينصتون له حين خاض الناس في أمر وفاة النبي ﷺ ؛ وما أن سمعوا كلامه حتى انصرفوا موقنين. ومن بعد هذا الجيل كان لأهل العلم هذه المواقف. يقول ابن القيم ﵀ عن شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه؛ فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة» [٥] . ٧ - حل مشكلات الناس والإصلاح بينهم: أهل العلم والقيادات لهم منزلة بين الناس، ويصدر الناس عن رأيهم؛ ولذا كان من آثارهم الإصلاح بين المتخاصمين من المسلمين، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك؛ فعن سهل بن سعد ﵁ أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأُخْبِرَ رسولُ الله ﷺ بذلك، فقال: «اذهبوا بنا نصلح بينهم» [٦] . وقد كان للشيخ ابن باز ﵀ جهود لا تنكر في الإصلاح بين طوائف كثيرة من العاملين للإسلام، وأبرز ما في ذلك إصلاحه بين قادة المجاهدين الأفغان. آثار فقدهم: ١ - غياب أدوارهم: للقيادات العلمية والدعوية أدوار مهمة وآثار حميدة سبق الحديث عنها، ومن أعظم آثار غيابهم فقدان هذه الأدوار وضمورها. ٢ - فقد العلماء من علامات رفع العلم: فَقْدُ العلماء رفعٌ للعلم؛ وقد أخبر بذلك ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلُّوا وأضلُّوا» [٧] . وقبض العلم درجات ثلاث: الأولى: أن يقبض روح العمل وهو الخشوع، وقد دل على ذلك حديث أبي الدرداء ﵁ إذ قال: كنت مع رسول الله ﷺ فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: «هذا أوان يُختلَس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء» فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: «ثكلتك أمك يا زياد! إن كنت لأعدُّك من فقهاء أهل المدينة؛ هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟ !» قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت قلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ ! فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء؛ إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً « [٨] . وقد غاب أثر هذا العلم منذ وقت، بل صار الناس لا يعدونه علماً؛ فالوعظ والرقائق باب آخر غير باب العلم الذي هو سرد المسائل وأقوال الرجال، أما العلم في كتاب الله ﵎ فله أثره على القلوب والنفوس، قال ﵎: [قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً] (الإسراء: ١٠٧-١٠٩) وقال عبد الأعلى التيمي:» من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق أن لا يكون أوتي علماً ينفعه؛ لأن الله تعالى نعت العلماء، ثم قرأ القرآن: [إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ] (الإسراء: ١٠٧) [٩] . وقال مالك ﵀: «العلم والحكمة نور يهدي به الله من يشاء، وليس بكثرة المسائل» [١٠] . وقد كان ﷺ يعنى بذلك في تعليمه لأصحابه؛ فعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً « [١١] . والدرجة الثانية: قبض العلماء، وقد أخبر ﷺ بذلك في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في قبض العلم، وقد سبق. وأخبر ﷺ أن ذلك من أشراط الساعة؛ فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ :» إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويثبت الجهل، ويُشرب الخمر، ويظهر الزنا « [١٢] . عن هلال بن خباب قال: قلت لسعيد بن جبير: ما علامة هلاك الناس؟ قال: إذا مات علماؤهم [١٣] . عن الحسن قال: كانوا يقولون: موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار [١٤] . عن أبي مسعود قال:» لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه. قالوا: إنَّا فيه يأتي علينا العام يخصب والعام لا يخصب فيه. قال: إني والله لا أعني خصبكم ولا جدبكم، ولكن ذهاب العلم والعلماء؛ قد كان قبلكم عمر فأروني العام مثله! « [١٥] . وروى ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس في قوله تعالى: [أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا] (الأنبياء: ٤٤) قال موت علمائها وفقهائها، وروي عن مجاهد قال: إنه فسرها بموت العلماء [١٦] . والدرجة الثالثة: قبض القرآن في آخر الزمان: وقد أخبر عنه صلى الله عليه وسلم في قوله:» يَدرُسُ الإسلام كما يَدرُسُ وشي الثوب حتى لا يُدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، ويُسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة يقولون: لا إله إلا الله فنحن نقولها « [١٧] . ٣ - فقدهم مدعاة لتصدر الجهلة: حين تُفقد القيادات الدعوية والعلمية يتسع المجال لتصدُّر طائفة من الجهال، فيخوضون فيما لا يحسنون، فيَضلون ويُضلون وهذا ما أخبر عنه صلى الله عليه وسلم في قوله:» فإذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلُّوا وأضلُّوا «. وفي هذا العصر اتسعت فرص الشهرة لمن ليس أهلاً لها؛ فوسائل الإعلام تتيح تصدُّر أي مغمور، وغلبة الجهل بالشرع وأحكامه تجعل الناس يصدقون من يسمعون، بل إن معايير الناس في الحكم على من يحمل العلم فيقبل قوله أو من هو دون ذلك، هذه المعايير ليست معايير موضوعية، بل هي معايير تتفق مع ثقافة عامة الناس وطريقة تفكيرهم. إن من يجيد الحديث عن بعض مشكلات الناس المعاصرة، ويتحدث لهم باللغة التي يفهمونها، وتتسم آراؤه بالتساهل أو (الانفتاح والمرونة) كما يسمى اليوم إن هذا الصنف هو الذي يجد له رواجاً وقبولاً بين الناس، حتى وإن كان لا يحمل من العلم الشرعي الموروث أي رصيد. وهكذا من يتناول بعض الموضوعات الحيوية لدى الناس، ويجيد الإلقاء والخطابة، فيرتب بعض الأفكار والعناصر التي يعرفها معظم المستمعين له، ويدعم حديثه ببعض الشواهد والقصص، وربما بعض الأرقام والمعلومات، مثل هذا الصنف من المتحدثين يجد رواجاً وقبولاً واسعاً لدى الناس. ولا اعتراض على ما يقدمه هؤلاء؛ فطائفة كثيرة منهم هم من الغيورين الصادقين نحسبهم كذلك والله حسيبهم لكن المشكلة تتمثل في تسيُّد أمثال هؤلاء، وتحدثهم فيما لا يحسنون، واستشارة شباب الصحوة لهم وصدورهم عن رأيهم، والجانب الآخر من المشكلة يتمثل في تسطيح تفكير المستمعين لهم، والقعود بهم عن الارتقاء في الفهم وتناول المشكلات. واجبنا تجاه القيادات العلمية والدعوية: إذا كان تأثير القيادات العلمية والدعوية في ساحة العلم والدعوة بهذا القدر، وكان غيابهم يترك هذا الفراغ الهائل؛ فإن الدعاة إلى الله وطلبة العلم هم من أكثر الناس التصاقاً بهذه القضية، وأوْلى الناس أن يُعنَوْا بها ويتدارسوها، وتتمثل واجباتنا تجاه هذه القيادات فيما يأتي: ١ - إيجاد القيادات العلمية والدعوية: إن من واجب الدعاة إلى الله ﵎ السعي لإيجاد القيادات العلمية والدعوية التي تقود الناس وتوجههم وتأخذ بأيديهم، ومن وسائل تحقيق ذلك: أ - الاعتناء بهذا الجانب: ويتمثل ذلك بإعطاء الاعتبار اللائق للبناء العلمي ضمن المناهج الدعوية، وبخاصة أننا نعيش في عصر قلَّ الاهتمام فيه بالعلم الشرعي، حتى إن طائفة من ناشئة الصحوة بدؤوا يزهدون في هذا العلم، محتجين بأنه شأن المختصين، وأن الناس لا يمكن أن يكونوا كلهم علماء، وتضيع اليوم أوقات طائفة من هؤلاء أمام شاشات الإنترنت في جدل تافه، وتعالم ممقوت، أو في قراءة طائفة من الكتب المترجمة التي قد تفيد في جوانب من الحياة، لكنها ليست بأوْلى من الفقه في دين الله. وينبغي أن يُعنى بهذا الجانب في التخطيط للأعمال الدعوية ورسم الأهداف لها، فيأخذ حيزه اللائق به. ب - إعادة النظر في المناهج التربوية: إن تربيتنا اليوم بحاجة إلى مزيد مراجعة؛ فهي تربِّي على التقليد والتبعية، وتخرِّج جيلاً من الأتباع أكثر من أن تخرِّج قادة يقودون الناس، ومن مجالات المراجعة ما يلي: ١ - التخلص من الاستبداد الدعوي والتربوي؛ فثمة طائفة من المربين تنقل الشاب من التقليد لأهل العلم إلى التقليد لهم؛ فخطأ مربيه خير من صوابه هو، وليس من حقه أن يقول: لِمَ، فضلاً عن أن يقول: لا. ٢ - التخلص من التسلط الذي لا يسمح للشاب أن يستفيد من غير أستاذه ومربيه، بحجة المحافظة عليه وحمايته. ٣ - إعادة النظر في كثير من الأساليب التي توارثها المربون والدعاة، والبحث عن مدى جدواها، ومدى مناسبتها مع هذه المرحلة التي نعيشها بمتغيراتها وظروفها. ٤ - الارتقاء بالمربين وحسن اختيارهم؛ ففاقد الشيء لا يعطيه، ولا يتصور من البسطاء محدودي العلم والتفكير أن يرتقوا بغيرهم أو يهيئوهم للقيادة والريادة. ٥ - تطوير أساليب التعليم والارتقاء بمدارسنا؛ فأسلوب التلقين والإملاء لا يمكن أن يُخرِجَ طلبة علم متميزين، فضلاً عن أن يخرج قيادات. ٦ - مراجعة المناهج العلمية والبرامج التي تقدم للناشئة وإعادة النظر فيها. ج - تهيئة الفرص ومراجعة الأساليب الإدارية: إن البيئة التربوية السائدة اليوم في مدارسنا، وفي مؤسسات الصحوة التربوية لا تتيح الفرص لنمو القيادات؛ فالفرص المتاحة للمبادرة والتفكير المستقل فرص محدودة، وأجواء الحوار واختلاف الرأي ليست كما ينبغي، وهذه الفرص وتلك إن وجدت على المستوي النظري فهي نادرة على المستوى العملي وكثيراً ما تُوأد أمام الصرامة الإدارية التي تليق بالتربية العسكرية أكثر مما تليق بالتربية التي تسعى لإعداد الرجال والقيادات. وحين نفكر في تطوير أدائنا التربوي مع الإصرار على النمط الإداري السائد فهذا التفكير لن يكون تفكيراً رحباً، وسيعوقنا ذلك عن الوصول إلى حلول عملية، وما ورثناه واعتدنا عليه من الأساليب إن ساغ أنه ناجح في ظرف وبيئة، فلا يعني أنه سينجح في كل زمان ومكان. د - تطوير طرق التعليم الشرعي: إن الظروف والمستجدات المعاصرة اليوم تتطلب منا مراجعة لأساليب وطرق التعليم الشرعي السائدة، ومن مجالات التطوير المقترحة: أ - الاعتناء بالمستويات العليا في التعليم، والبعد عن الاقتصار على التذكر والاستدعاء، فلا بد من الاعتناء بالفهم والاستيعاب والتطبيق لما تعلَّمه الطالب في مواقف جديدة، والاعتناء بالتقويم وإصدار الأحكام، وكذا التحليل والتركيب. ب - زيادة دور الطالب في التعلم. ج - الاعتناء بتعليم أسس التفكير العلمي، والبحث العلمي، ومهارات الحوار والإقناع. د - الاعتناء بدراسة النوازل والقضايا المعاصرة. هـ - الاعتناء بتعليم قدر مناسب من الثقافة المعاصرة يتيح لطلاب العلم استيعاب المشكلات المعاصرة، ويرقى بلغة خطابهم بما يتناسب مع الفئات المتعلمة والمثقفة في المجتمع. و الاعتناء بتعليم المهارات الاجتماعية، وأساليب التعامل مع الناس والتأثير عليهم. ٢ - إبراز سير علماء السلف: يفتقر الناس اليوم إلى القدوات، وإلى المعايير التي يعرفون فيها العالم الذي يستحق أن يُتلقى منه، والعالم الذي لا يستحق ذلك. ومن ثم فإبراز سِيَر علماء السلف ومنهجهم في التعامل مع النصوص، وفي الفقه والفهم، وفي السلوك والهدي، وفي القيام بواجب الدعوة وقيادة الناس، كل ذلك من شأنه أن يعطي الناس صفات العالم الذي ينبغي الاقتداء به والأخذ منه. ٣ - السعي لإبراز القيادات أمام الناس: من واجب الدعاة إلى الله ﵎ السعي لتعريف الناس بالقيادات الناضجة الواعية، وإبرازهم أمام الناس، ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال جوانب عدة منها: ١ - تذكيرهم بالمسؤولية ودفعهم للمشاركة والدعوة. ٢ - التعريف بهم وبيان منزلتهم لدى الناس. ٣ - استضافتهم في البرامج العامة، وإفساح المجال لهم للحديث في مجامع الناس. ٤ - دفعهم للمشاركة في وسائل الإعلام؛ فلها الأثر البارز في تعريف الناس بهم وانتشار كلمتهم. ٤ - الحذر من تصدير الجهلة: حين تخلو الساحة من القيادات العلمية المؤهلة يتسع المجال أمام الرؤوس الجهال، وتسهم المنطلقات الحزبية الضيقة في تسويد فئات ممن لا يحملون التأهل الشرعي الكافي، وإتاحة الفرص والمنابر الإعلامية أمامهم. إن شعور فئة أو حركة أنهم هم وحدهم المؤهلون للتغيير، وأنهم هم الذين يملكون الحق وغيرهم على الباطل هو الذي يدفعهم إلى تصدير فئة من أتباعهم لا يملكون من التأهيل إلا مجرد الانتماء. وأظن أن الوقت قد حان ليدرك العاملون للإسلام أنه ليس بوسع فرد أو فئة تحمل عبء الإصلاح والتغيير وحدهم؛ فالواقع أكبر من جهد فرد أو جماعة، وأنه قد حان الوقت لسعة الأفق في التعامل مع اجتهادات الآخرين وتوسيع مجال التعاون. ٥ - الحكمة في التعامل مع اجتهادهم المخالف: البشر من طبيعتهم النقص والقصور، وما فتئ أهل العلم منذ عصر صدر الإسلام وإلى يومنا يخالف بعضهم بعضاً ويرد بعضهم على بعض، وقد أدت أوضاع الأمة اليوم إلى فقدان الاتزان في التعامل مع كثير من مسائل الاختلاف، ومن أكبر مظاهر ذلك الصراع بين طائفة من حملة العلم الشرعي وطائفة من شباب الصحوة لاختلاف الآراء حول بعض القضايا والمواقف، مما أدى إلى نشوء فئة تدعو إلى إسقاط هؤلاء وانتقاصهم، أو فئة أخرى تغلو في اجتهاداتهم وتحولها إلى نصوص قاطعة. لا بد أن يتربى الناس وطلاب العلم بوجه أخص على أن الحق لا يعرف بالرجال، وعلى أن العبرة بما دل عليه الدليل من الكتاب والسنة، وأن قول البشر كائناً من كان إنما يعرض على الأدلة الشرعية فيقبل ما وافقها ويترك ما خالفها، وهي قضية بدهية على المستوى النظري، أما على المستوى العملي فكثيراً ما يقع فيها الخلل. ومع ذلك لا بد أن يتعلم الجيل اليوم أن المخالفة في الاجتهاد لا تعني الانتقاص والذم؛ فنحن نرى فئة من صغار طلاب العلم، بل بعض من ليس لهم رصيد في العلم الشرعي، وغاية ما يملكونه بعض المشاركات الدعوية، والثقافة المعاصرة، نرى هؤلاء يتحدثون دوماً وبجرأة بل باستخفاف أحياناً عن كثير من أهل العلم ومواقفهم، وما أن تصدر فتوى أو موقف لأحدهم إلا وينبري هؤلاء لتقويم الموقف والفتوى، وغالباً ما يكون ذلك انتقاداً، وقد يكون لاذعاً ساخراً، مصحوباً بوصف هؤلاء بالسذاجة والبساطة وغيرها من الألقاب، ومن المآسي أن يشترك في الحملة على هؤلاء طائفة من أبناء الصحوة، مع فساق الصحفيين وسقطتهم، بغض النظر عن اختلاف الموقف والدافع. قال أبو سنان الأسدي:» إذا كان طالب العلم قبل أن يتعلم مسألة في الدين يتعلم الوقيعة في الناس، فمتى يفلح؟ ! « [١٨] . قال ابن عساكر ﵀:» اعلم وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلني وإياك ممن يتقيه حق تقاته: أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك من ناوأهم معلومة، وقلَّ من اشتغل في العلماء بالثلب إلا عوقب قبل موته بموت القلب: [فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] (النور: ٦٣) . وذكر الثعالبي في آداب الملوك عن علي ﵁ أنه قال: من استخف بالعلماء ذهبت آخرته. ولا يسوغ كذلك أن يصرح طلاب العلم بانتقاد هؤلاء في مجالس الناس العامة، وبمخالفتهم في الاجتهاد. فترك إبداء الرأي في مسألة من المسائل، أو ترك التصريح بخطأ فلان بعينه أقل مفسدة من إسقاط هؤلاء الرموز والقيادات، وحين يفقد عامة الناس ثقتهم في هؤلاء؛ فمن البديل؟ هل قدمت الصحوة اليوم علماء فقهاء يتصدون لقضايا الناس ومشكلاتهم؟ أم أن الموجود من هؤلاء يعاني الناس أي معاناة في الاتصال به والوصول إليه؟ إن البديل سيكون عند عامة الناس أحد أمرين: أولهما: أن يفتوا أنفسهم ويخوضوا في دين الله بغير علم، والثاني: أن يلجؤوا إلى طائفة من أهل الترخيص والانفلات في الفتوى. ٦ - الحذر من الغلو فيهم: في مقابل من يستهينون بأهل العلم ثمة طائفة من الناس تغلو فيهم، ومن مظاهر الغلو: أ - التسليم بصحة كل ما يقوله العالم فيعتقد فيهم العصمة بلسان الحال لا بلسان المقال فحين يخالفهم أحد في اجتهاد أو رأي، أو حين يناقش قولاً لهم يشنون عليه حرباً شعواء، ويتهمونه بانتقاص أهل العلم وازدرائهم. ب - الزعم بأنهم يحيطون بكل دقيقة وجليلة، وحين تناقش أحدهم في قول يردُّ عليك بأن الشيخ لا يخفى عليه ذلك لكنه يراعي ويقدر أموراً لا تقدرها، بينما هو يقرر في حديثه انتقاد أتباع المذاهب الذين يقولون بأن كل حديث بخلاف المذهب فهو مؤول أو منسوخ. ج - القطع بما لا يجوز القطع به، كقول بعضهم: انتقل إلى الرفيق الأعلى، أو إن فلاناً من أولياء الله وإن لم يكن ولياً فلا أعلم لله ولياً، أو إن الله أحب فلاناً فأحبه الناس، ومنهج أهل السنة الاعتدال في الثناء على الرجال؛ فليقل من يثني عليهم: إن فلاناً نحسبه والله حسيبه من أولياء الله، ونرجو أن يكون ممن أحبه الله فأحبه الناس. د - الاعتقاد بأن الدين سيأفل نجمه بموت هؤلاء وانصرافهم؛ فمع أن فقد أهل العلم ثلمة لا تسد، وأن ذلك من علامات رفع العلم إلا أن الخير باق في الأمة، وقد فقدت الأمة رسول الله ﷺ وأصحابه، وبقي الدين محفوظاً قائماً. ٧ - الاعتناء بالأعمال المؤسسية: إن ضخامة الجهد الإصلاحي اليوم، والمتغيرات الجديدة، والضعف الذي تعاني منه الأمة يقلل من فرص نجاح القيادات الفردية، وهذا يتطلب الاعتناء بإيجاد المؤسسات العلمية والمؤسسات الدعوية؛ فهي تقلل من سلبيات الفرد، وتعطي إمكانات وقدرات أعلى. إننا بحاجة إلى مؤسسات وجمعيات مستقلة من العلماء والفقهاء المعتبرين تفتي الأمة في النوازل، وبحاجة إلى مؤسسات دعوية تعنى بتنظيم جهود دعوية عامة يمكن أن تسد ثغرات لا يسدها الأفراد. وهذا النمط الذي نتطلع إليه من المؤسسات ليس النمط التقليدي الذي يقوده فرد ووراءه مجموعة من الموظفين التابعين.

стр. 3824

في رياض المصلحين جهود الشيخ ابن عثيمين في بيان العقيدة ومنهجه في تقريرها د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي [*] إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد [١] : فإن الله بمنِّه وفضله نزَّل الذكر على عبده، وتكفل بحفظه، فـ[لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ] (فصلت: ٤٢) ، وطمأن عباده المؤمنين فقال: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] (الحجر: ٩) ، وكان من مظاهر حفظ الدين وأسبابه أن قيض الله من كل خَلَف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وهم بقايا أهل العلم والإيمان، ورثة محمد ﷺ ، وخلفاؤه في أمته بالعلم النافع والعمل الصالح. فلم يزل الله يصنع لهذه الأمة، ويجدد لها ما اندرس من أمر دينها، وما اندثر من سنة نبيها ﷺ إلى يومنا هذا، كما بشر بذلك ﷺ في الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ مرفوعاً: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» [٢] ، وهؤلاء المجددون يستعملهم الله في إقامة الدين؛ أصوله وفروعه، وردِّ الناس إلى الجادة الصحيحة، والمَهْيَع الرشيد، حين ينحرفون عنه أو يهجرونه، وربما انتدب الله لهذا الأمر جماعة من المجددين على رأس كل قرن، بل هو الواقع، فلا تقتضي دلالة الحديث السابق أن يكون المجدد فرداً، قال ابن الأثير ﵀: «والأَوْلى أن يحمل الحديث على العموم ... ولا يلزم منه أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلاً واحداً، وإنما قد يكون واحداً، وقد يكون أكثر منه؛ فإن لفظة» من «تقع على الواحد والجمع» [٣] . كما ذكر العلماء أن من صفة هذا المجدد وشرطه أن يأتي عليه رأس القرن وهو أوله وهو حي عالم مشهور بنصر السنة وقمع البدعة [٤] . وأحسب أن شيخنا الإمام الفقيه المفسر الأصولي الداعي إلى الله على بصيرة محمد بن صالح العثيمين [٥] قدس الله روحه، ونوَّر ضريحه ممن ينطبق عليه هذا الشرط، وذلك الوصف، في طائفة من أهل العلم والإيمان على رأس القرن الخامس عشر الهجري. ولا ريب أن أعظم أركان التجديد، تجديد أمر الإيمان وتجليته، وشد معاقد الاعتقاد وتقويته، وكشف شبه الابتداع وتنحيته، وقد كان له ﵀ في هذا المضمار قصب السبق في تقريره وتقريبه، ومواجهة نوازله، والتصدي لخصومه، وسوف نتناول في هذه المقالة أمرين: أحدهما: جهوده ﵀ في بيان العقيدة. ثانيهما: منهجه في تقريرها. وذلك بالتتبع والاستقراء لسيرته وأعماله وآثاره، مما هو مسطور في كتبه، أو عَلِمَهُ الكاتب من مخالطته. أولاً: جهوده في بيان العقيدة: لما كان صلاح الباطن أصل صلاح الظاهر اتجهت همته ﵀ إلى إصلاح القلوب وتنقيتها من شوائب البدع العقدية والظنون الفاسدة، وعمارتها بما خلقت له من العبودية التامة، والاعتقادات الصحيحة. وقد تنوعت جهوده في هذا السبيل، وتوسل بجميع الوسائل الشرعية لبلوغ هذا الهدف النبيل، فمن ذلك: ١ - التأليف في مسائل الاعتقاد الإجمالية والتفصيلية: وقد جاء على صورٍ متعددة: أ - التلخيص والتقريب: فقد عمد الشيخ ﵀ إلى بعض مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ التي تأثر بها، وانتفع بقراءتها في مستهل شبابه، فأعاد ترتيبها وتبويبها، وهذبها، وقرب معانيها للقراء، وصنع لها العناوين الدالة، والتراجم المعبرة، والتعريفات الجامعة المانعة لما ورد فيها من مصطلحات عقدية وهي: * فتح رب البرية بتلخيص الحموية: وهو أول كتاب صنَّفه في حياته، وقد طبع أول مرة سنة ١٣٨٠هـ، وله من العمر ثلاث وثلاثون سنة، لخَّص فيه «الفتوى الحموية» لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهي من أعظم فتاواه أثراً، وأبلغها حجة ونظراً؛ فلا غَرْوَ أن تجتذب همة شيخنا وعنايته في مقتبل عمره، لما تضمنته تلك الفتوى العظيمة من الأدلة القاطعة، والنقولات الواضحة عن أئمة السلف المتقدمين أن مذهبهم في باب الصفات هو الإثبات، لا التحريف ولا التعطيل ولا التمثيل ولا التفويض. قال شيخنا ﵀: «ولما كان فهم هذا الجواب والإحاطة به مما يشق على كثير من قرائه أحببت أن ألخص المهم منه، مع زيادات تدعو الحاجة إليها» [٦] . * مذكرة على العقيدة الواسطية: وهي أيضاً من تالد آثار الشيخ ﵀، ألَّفها «مذكرة للمهم من مقرر السنة الثانية الثانوية في المعاهد العلمية في التوحيد، على العقيدة الواسطية» [٧] ، وقد سلك فيها مسلك التلخيص والتقريب، بوضع التقسيمات النافعة، والتعريفات المركزة، مع المحافظة على مضمون الأصل، وإضافة ما تدعو الحاجة إليه، ومن المعلوم أن شيخ الإسلام ﵀ كان يحتفي بها، ويحيل عليها، ويتحدى الخصوم أن يأتوا بحرفٍ واحد عن أحد من السلف يخالف ما جاء فيها [٨] . وقد كانت هذه العقيدة المباركة أول متن يتعلمه شيخنا في صباه على يد أحد المعيدين من كبار تلاميذ شيخه عبد الرحمن بن ناصر السعدي [٩] ﵀، فظل يعتني بها تلخيصا وشرحاً وتدريساً كما سيأتي. * تقريب التدمرية: وقد قرب فيها الشيخ رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية، الموسومة بـ (تحقيق الإثبات للأسماء والصفات، وحقيقة الجمع بين القدر والشرع) ، المشهورة اختصاراً بـ (التدمرية) ، قبل وفاته بإحدى عشرة سنة تقريباً؛ لما رأى من صعوبتها على طلبة جامعة الإمام، أثناء تدريسهم إياها كما أخبرني مع عظم قدرها، وقوة إحكامها، قال في مقدمتها: «هذه الرسالة من أحسن وأجمع ما كتب في موضوعها، على اختصارها، ومن أجل ذلك فإني أستعين الله في لَمِّ شعثها، وجمع شملها، وتقريب معانيها لقارئها، مع زيادة ما تدعو الحاجة إليه، وحذف ما يمكن الاستغناء عنه على وجه لا يخل بالمقصود» [١٠] . وهذا اللون من التصنيف خدم هذه المتون العقدية خدمة جمَّة، ويسرها لطالبيها، فانتفع بها المبتدئ، واستفاد منها المنتهي، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ب - الشرح والتعليق: سلك الشيخ ﵀ هذا المسلك تجاه بعض المتون المهمة التي تحتاج إلى مزيد بسط لبيان مجملها، وتحليل عباراتها، وكشف مشكلها، وهي: * شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد: شرح فيه الشيخ ﵀ «لمعة» الموفق أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي ﵀، وفرغ منه في مطلع سنة ١٣٩٢هـ، وكان مقرراً على طلاب المعاهد العلمية فترة من الزمن، وقد وصف عمله فيه بأنه: «كلمات يسيرة تكشف غوامضه، وتبين موارده، وتبرز فوائده» [١١] . * شرح العقيدة الواسطية: وهو في الأصل مستنسخٌ من التسجيل الصوتي لشرح فضيلته وتقريره على الطلبة في الجامع الكبير بعنيزة، على العقيدة الواسطية، فطبع لأول مرة على تلك الصفة، ثم راجعه ﵀ وصححه، وقال في طبعته الثانية: «لما كان الشرح المتلقى من التقرير ليس كالشرح المكتوب بالتحرير، رأيت من المهم أن أقرأ الشرح بتمهل، من أجل إخراج الشرح على الوجه المرضي، ففعلت ذلك ولله الحمد، وحذفت ما لا يحتاج إليه، وزدت ما يحتاج إليه» [١٢] . وكان فراغه من تنقيحه سنة ١٤١٥هـ، فوقع في مجلدين. * القول المفيد على كتاب التوحيد: وهو شرح قيم جليل على متن (كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) لشيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀، وقد تضمن تقريرات نافعة، وبحوثاً مفيدة دقيقة في مسائل التوحيد العلمي والعملي، وهو كسابقه مستنسخ من الأشرطة، لكن جرت قراءته عليه في درس الجامع الكبير عدة ليالٍ حتى أتمه، سنة ١٤١٤هـ، ووقع في ثلاثة مجلدات. * شرح الأصول الثلاثة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀. * تفسير آية الكرسي: تضمن الكلام على أصولٍ عقدية هامة في الأسماء والصفات. * شروح أحاديث الاعتقاد: وهي رسائل مفردة في بعض الأحاديث النبوية في باب الاعتقاد، مثل حديث جبريل في الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وعلاماتها، وحديث ابن مسعود في القدر، وحديث عائشة في الاتباع ورد الابتداع. ج - التأليف ابتداءاً في مجمل الاعتقاد ومفصله، فمن ذلك: * نبذة في العقيدة الإسلامية: وهي رسالة واضحة مختصرة، ألَّفها ﵀ لطلاب السنة الثالثة الثانوية في المعاهد العلمية سنة ١٤٠٢هـ، عرَّف فيها دين الإسلام وأركانه تعريفاً إجمالياً، ثم أفاض في بيان أسس العقيدة الإسلامية، أركان الإيمان الستة، بأسلوب بيِّن منظم، يذكر ما يتضمنه كل ركن من أركان الإيمان بالأدلة النقلية والعقلية، منبهاً على من ضل في كل باب، ويختم ببيان ثمرات الإيمان بكل ركن على حدة، وينهي الرسالة بتعداد أهداف العقيدة الإسلامية، وهذه النبذة حَرِية أن يُبتدأ بها في دراسة العقيدة، وأن تقدم لكل راغب في معرفة الإسلام، لوضوحها وإحاطتها واختصارها. * عقيدة أهل السنة والجماعة: وهي عقيدة مركزة مختصرة في مجمل الاعتقاد، قرر فيها ﵀ مسائل الاعتقاد على طريقة السلف المتقدمين في سرد عقيدتهم، وقد قدم لها شيخه الإمام عبد العزيز بن باز ﵀ وأثنى عليها، ثم قال: «وقد ضم إلى ذلك فوائد جمّة تتعلق بالعقيدة، قد لا توجد في كثير من الكتب المؤلفة في العقائد» [١٣] . * القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى: قعَّد فيها ﵀ قواعد محكمة رصينة في أسماء الله تعالى، وفي صفاته، وفي أدلة الأسماء والصفات، وحررها تحريراً بالغاً، وطعمها بالأمثلة والتطبيقات الكاشفة، والحجج القوية الباهرة، ثم انعطف على أهل التأويل الفاسد مفنداً شبهاتهم، مبيناً اطراد طريقة أهل السنة والجماعة في نصوص الصفات من خلال خمسة عشر مثالاً، يلوِّح بها أهل التحريف على ضرورة التأويل الفاسد، فنزَّلها ﵀ منازلها، وحملها على مراد الله ورسوله ﷺ ، وقطع شبه الجاهلين والمجادلين، ثم عقد فصلاً في الكلام على أبي الحسن الأشعري ﵀ وأصحابه على قواعد العدل والانصاف، وقدَّم له أيضاً سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، وأثنى عليه وعلى كتابه. وقد ألَّف شيخنا ﵀ هذين الكتابين: العقيدة، والقواعد، سنة ١٤٠٤هـ، بعد أن شغب عليه بعض السفهاء، وطعن في عقيدته بسبب سوء فهمهم لكلام صدر منه في صفة المعية كما سيأتي فألَّف هذين الكتابين العظيمين، وكما قيل: وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طُويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يُعرف طيب عَرف العود [١٤] ٢ - الخطابة: اعتلى شيخنا ﵀ منبر الجامع الكبير في عنيزة ثاني جمعة بعد وفاة شيخه عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ الذي توفي يوم الخميس الموافق للثالث والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة ١٣٧٦هـ، وبين أول جمعة خطب فيها في غرة رجب ١٣٧٦هـ، وآخر خطبة جمعة ألقاها في ٣٠ /٧/١٤٢١هـ أكثر من خمس وأربعين سنة، ضمت نحو ألفين ومائتين وخمسين خطبة منبرية، سوى ما تخلل ذلك من خطب العيدين والاستسقاء والكسوف، مما لا يحصيه إلا الله (فكان مثالاً يحتذى في إخلاص النية، وإصلاح العمل، وتوجيه الناس إلى الخير، بقدر ما يستطيع بأسلوبٍ بيِّن واضح للعام والخاص) [١٥] ، وكان لبيان أمور الاعتقاد ومسائل الإيمان منها النصيب الأوفر، كما يتضح ذلك من مسرد خطبه التي انتقاها، وألف منها ديوان خطبه الحافل: (الضياء اللامع من الخطب الجوامع) ، فكان يفرد خطباً بأكملها في شرح أسماء الله الحسنى، وبيان آثارها، وخطباً في ذكر آيات الله الكونية ومظاهر الربوبية المستلزمة لتوحيد العبادة، وخطباً في النبوة ودلائلها، وفي الإيمان بالقدر، وفي الساعة وأشراطها، وأحوال القيامة، وصفة الجنة والنار، وغير ذلك، بل إن خُطَب الأخلاق والأحكام كان يسوقها ﵀ في إطار الإيمان كطريقة القرآن. ومما تضمنته خطبه التحذير من البدع العقدية الطارئة، كبدعة المولد، وبدعة الدعوة إلى تقارب الأديان، والذهاب إلى السحرة والمشعوذين، والتحذير من الخرافات المتداولة بين الناس كخرافة سادن الحجرة النبوية، وقصة السيدة زينب المزعومة، وقد رأيته بنفسي يقوم بتمزيق هذه الأوراق المتداولة، وهو على المنبر، ليكون أبلغ في التحذير، وأعظم في التأثير. ٣ - الدروس العلمية: لم تخل دروس الشيخ المسائية، والصباحية في الإجازات الصيفية، من شرح متنٍ من متون الاعتقاد، أو قراءة كتاب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة، ومن أهم المتون العقدية التي كان يقررها رحمه الله: - العقيدة الواسطية. - الفتوى الحموية. - منظومة السفاريني. - لمعة الاعتقاد. - كتاب التوحيد. - القواعد المثلى. - الرسالة التدمرية. - عقيدة أهل السنة والجماعة. كما قرئت عليه النونية والميمية لابن القيم، واقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية. وفي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في القصيم درَّس أجيالاً من الطلبة الرسالة التدمرية، والعقيدة الطحاوية، كما كانت دروسه في المسجد الحرام في شهر رمضان جسراً لنقل العقيدة السلفية إلى سائر بلدان المسلمين. ٤ - المحاضرات العامة: كان للشيخ ﵀ حضور دائم في المنتديات العامة، في العديد من مدن المملكة، يستجيب للدعوات، ويلقي المحاضرات حيثما حل، كما كان يلقي العديد من المحاضرات الهاتفية في السنوات الأخيرة للأقليات المسلمة في أوروبا وأمريكا، وكان ينشر من خلالها طريقة أهل السنة والجماعة في الاعتقاد والعمل، ويرد على المخالفين، ومن نماذج هذه المحاضرات المحفوظة: - أسماء الله وصفاته وموقف أهل السنة منها. - منهاج أهل السنة والجماعة في العقيدة والعمل. - القضاء والقدر. - الإبداع في بيان كمال الشرع وخطر الابتداع. - التوسل. - مفاتح الغيب. - آيات الأنبياء وأثرها في المجتمع [١٦] . هذا وقد جعل الله لشيخنا القبول والإقناع في سائر محاضراته العامة، لما تتميز به من القوة العلمية، والبيان، وحسن العرض، والموضوعية في الطرح، وقد بلغني هذا كثيراً عمن يستمعون إليه في أوروبا وأمريكا من المسلمين. ٥ - الفتاوى: بلغ مجموع الفتاوى العقدية المثبتة في مجموع فتاواه أكثر من خمسمائة فتوى [١٧] في العديد من المسائل الإيمانية، والنوازل المعاصرة، تميزت بالدقة والإحكام والمتانة العلمية، وكان ﵀ يفتي الناس في الجامع والطريق، وعبر الهاتف، وخلف المذياع في برنامج نور على الدرب، وفي المسجد الحرام، ويحرر بعض الفتاوى للصحف والمجلات والتلفاز، ولسائر المسلمين في داخل المملكة وخارجها، مما لا يحصيه إلا الله؛ ولا ريب أنها أثرت تأثيراً بالغاً في تصحيح عقائد الناس، وتحذيرهم من المخالفات العقدية. ٦ - الرسائل الشخصية: من الجهود الخفية، والمساعي الحميدة النقية التي تنم عن إخلاصه ﵀ وحرصه على صلاح الأمة ما كان يحرره من المكاتبات لذوي الهيئات والمقامات العلمية، والمنسوبين إلى العلم والدعوة إذا بدر منهم ما يخالف الحق، لا سيما في باب الاعتقاد؛ فهو لا ينصب لهم المناظرات على صفحات الجرائد والمجلات، بل يكاتبهم سراً، ويمحضهم النصيحة، ويجتهد في بيان الحق لهم، ويرغبهم في قبوله وإعلان الرجوع إليه. بل حين اقتضى الأمر نشر بعض تلك المراسلات الخاصة، لما فيها من العلم والحجة، رفع ذكر الأسماء وما يدل على الذوات، واكتفى بالمضمون [١٨] . ثانياً: منهجه في تقرير العقيدة: إن المتأمل في جهود الشيخ ﵀ المتنوعة في بيان العقيدة وتوضيحها لَيستخلص جملة من السمات المنهجية المطردة التزمها الشيخ وسار عليها في جميع تقريراته، وهي سمات سلفية لا يختص بها ﵀ بل هو متبع لطريقة السلف المتقدمين، ولكن اجتمع عنده ما تفرق في غيره، فمنها: ١ - تعظيم شأن التوحيد: فهو يلهج دوماً في تقريراته المسموعة والمكتوبة بأهمية تحرير أمر الاعتقاد، والبداءة به، وتعظيمه وتفخيمه؛ إذ هو الأساس والأصل، والأعمال بناء وفرع. ومن شواهد ذلك قوله: «إن (علم التوحيد) أشرف العلوم، وأجلها قدراً، وأوجبها مطلباً؛ لأنه العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وحقوقه على عباده، ولأنه مفتاح الطريق إلى الله تعالى وأساس شرائعه، ولذا أجمعت الرسل على الدعوة إليه، قال الله تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ] (الأنبياء: ٢٥) . وشهد لنفسه تعالى بالوحدانية، وشهد له بها ملائكته، وأهل العلم، قال الله تعالى: [شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] (آل عمران: ١٨) . ولما كان هذا شأن التوحيد كان لزاماً على كل مسلم أن يعتني به تعلماً، وتدبراً، واعتقاداً ليبني دينه على أساس سليم واطمئنان وتسليم، يسعد بثمراته ونتائجه» [١٩] . ولهذا كان ينعى على «أهل التفويض» طريقتهم الفاسدة، ويسميهم «أهل التجهيل» لما يفضي إليه مذهبهم من الجهل بأعظم ما أدركته العقول، والحرمان من أشرف ما اكتسبته القلوب، وهو العلم بالله بمقتضى ما دلت عليه نصوص الوحيين من معاني الأسماء والصفات. يقول ﵀: «من المحال أن يُنزل الله تعالى كتاباً، أو يتكلم رسوله ﷺ بكلامٍ، يقصد بهذا الكتاب وهذا الكلام أن يكون هداية للخلق، ويبقى في أعظم الأمور وأشدها ضرورة مجهول المعنى، بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يفهم منها شيء؛ لأن ذلك من السفه الذي تأباه حكمة الله تعالى وقد قال تعالى: [الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ] (هود: ١) ، وبهذا علم بطلان» مذهب المفوضة «الذين يفوضون علم معاني نصوص الصفات، ويدَّعون أن هذا مذهب السلف. والسلف بريئون من هذا المذهب، وقد تواترت الأقوال عنهم بإثبات المعاني لهذه النصوص إجمالاً أحياناً، وتفصيلاً أحياناً، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله » [٢٠] . ولا ريب أن مذهب المفوضة يؤدي إلى توهين شأن التوحيد. ٢ - إبراز آثار العقيدة وثمراتها على الفرد والأمة: وهذه خاصية عظيمة اعتنى الشيخ ﵀ بها؛ فالعقيدة في نظره ليست متناً يحفظ أو يستشرح فحسب، ثم تبقى معرفة ذهنية لا أثر لها في حياة الفرد والأمة! كلا، فهو يحرص رحمه الله أن لا يذكر مسألة من مسائل الاعتقاد إلا ويتبعها بذكر ثمارها، كما صنع في أركان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، من تعداد الثمرات لكل ركنٍ على حدة، ثم ختم ببيان أهداف العقيدة الإسلامية على وجه العموم بما يكشف عن الفهم الثاقب لآثار هذه العقيدة على الفرد والأمة، وهي على سبيل الاختصار: أولاً: إخلاص النية والعبادة لله تعالى وحده. ثانياً: تحرير العقل والفكر من التخبط الفوضوي الناشئ عن خلو القلب من هذه العقيدة. ثالثاً: الراحة النفسية والفكرية. رابعاً: سلامة القصد والعمل من الانحراف في عبادة الله تعالى أو معاملة المخلوقين. خامساً: الحزم والجد في الأمور. سادساً: تكوين أمة قوية تبذل كل غالٍ ورخيص في تثبيت دينها، وتوطيد دعائمه. سابعاً: الوصول إلى سعادة الدنيا والآخرة بإصلاح الأفراد والجماعات، ونيل الثواب والمكرمات [٢١] . فيا لها من أهداف سامية نبيلة لو أن معلمي العقيدة وضعوها نصب أعينهم وهم يشرحون متونها، ويربطون ذلك بالواقع المعاش للفرد والأمة؛ إذن لحصل بذلك خير عميم، وتأثير بالغ. كما كان ﵀ حين يقرر أسماء الله وصفاته في شرحه للعقيدة الواسطية يتبع كل صفة ببيان الفائدة المسلكية للإيمان بها، ومن شواهد ذلك: - (والفائدة المسلكية في الإيمان بصفة القوة والرزق أن لا نطلب القوة والرزق إلا من الله تعالى، وأن نؤمن بأن كل قوة مهما عظمت فلن تقابل قوة الله تعالى) [٢٢] . - (ما نستفيده من الناحية المسلكية في الإيمان بصفتي السمع والرؤية: أما الرؤية فنستفيد من الإيمان بها الخوف والرجاء؛ الخوف عند المعصية؛ لأن الله يرانا، والرجاء عند الطاعة؛ لأن الله يرانا. ولا شك أنه سيثيبنا على هذا، فتتقوى عزائمنا بطاعة الله، وتضعف إرادتنا لمعصيته. وأما السمع فالأمر فيه ظاهر؛ لأن الإنسان إذا آمن بسمع الله استلزم إيمانه كمال مراقبة الله تعالى فيما يقول خوفاً ورجاءاً: خوفاً؛ فلا يقول ما يسمع الله تعالى منه من السوء، ورجاءاً: فيقول الكلام الذي يرضي الله [٢٣] وهكذا صنع في سائر الصفات. ولا شك أن هذا منهج تربوي ينبغي أن يعتمده المعلمون والمربون ليحصل الانتفاع بالقرآن العظيم. ٣ - الاعتصام بالكتاب والسنة: لما كان الكلام في الله، والقول عليه من أخطر المقامات تعيَّن لزوم ما جاء في نصوص الوحيين: الكتاب والسنة، والحذر من التقدم بين يدي الله ورسوله مهما كانت المسوغات، وسلوك سبيل السلامة والأدب؛ ولهذا حذر ﵀ من طريقة أهل التحريف الذين يسمون أنفسهم: «أهل التأويل» لما فيها من الافتيات على النصوص، والقول على الله بغير علم. قال ﵀: «وأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن ما سمى الله به نفسه، وما وصف الله به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ فهو حق على حقيقته، وعلى ظاهره، ولا يحتاج إلى تحريف المحرفين، بل هو أبعد ما يكون عن ذلك، وهو أيضاً لا يمكن أن يفهم منه ما لا يليق بالله من صفات النقص أو المماثلة بالمخلوقين، وبهذه الطريقة المثلى يسلمون من الزيغ والإلحاد في أسماء الله وصفاته، فلا يثبتون لله إلا ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ ، غير زائدين في ذلك ولا ناقصين عنه، ولهذا كانت طريقتهم أن أسماء الله وصفاته توقيفية، لا يمكن لأحد أن يسمي الله بما لم يسم به نفسه، أو يصف الله بما لم يصف به نفسه، فإن أي إنسان يقول: إن من أسماء الله كذا، أو ليس من أسماء الله، أو من صفات الله كذا، أو ليس من صفات الله، بلا دليل؛ لأنه لا شك قول على الله بلا علم، وقد قال الله : [قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] (الأعراف: ٣٣) . وقال تعالى: [وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً] (الإسراء: ٣٦) . [٢٤] ومن تتبع آثاره المكتوبة والمسموعة ﵀ علم مبلغ تعظيمه للنصوص، ودقة لزومه لدلالتها. ٤ - الاستدلال بالعقل مع النقل، واستعمال الأقيسة الصحيحة ما أمكن: كان ﵀ يرتب الأدلة في إثبات المسائل العقدية مبتدئاً بالكتاب، مثنِّياً بالسنة الصحيحة، مثلِّثاً بالعقل فيما كان للعقل فيه مساغ، ليكون أبلغ في طمأنينة القلب بتوافر الأدلة، وموافقة المعقول للمنقول. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:» كل ما يدل عليه الكتاب والسنة فإنه موافق لصريح المعقول، وإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، ولكن كثيراً من الناس يغلطون إما في هذا وإما في هذا؛ فمن عرف قول الرسول صلى الله عليه وسلم ومراده كان عارفاً بالأدلة الشرعية، وليس في المعقول ما يخالف المنقول، وكذلك (العقليات الصريحة) إذا كانت مقدماتها وترتيبها صحيحاً لم تكن إلا حقاً، لا تناقض شيئاً مما قاله الرسول ﷺ « [٢٥] . وقد استدل شيخنا ﵀ بالعقل في العديد من المسائل العقدية كإثبات وجود الله، وإبطال الشرك، وإثبات البعث، والرد على من احتج بالقدر على ترك الطاعات وفعل المحرمات، وإثبات اتصاف الله بصفات الكمال من حيث الجملة، وسائر الصفات سوى الخبرية المحضة كالعلم والقدرة والإرادة والعلو ونحوها، تبعاً للنقل لا استقلالاً. كما استعمل الأقيسة العقلية الصحيحة التي استعملها السلف المتقدمون كعثمان بن سعيد الدارمي ﵀ وغيره مثل:» قياس الأوْلى «، » نفي الصفة إثبات لنقيضها «، وإلزام المخالفين باللوازم الباطلة، وكل ذلك مبثوث في كتبه لا يخلو منه مقام. وأما ما ليس للعقل فيه مدخل كالاستقلال بإثبات الأسماء والصفات، وحكاية الغيبيات، وكيفيات الصفات، فإنه ﵀ يلجم فيه عنان العقل والفكر، كما ذكر في القاعدة الخامسة من قواعد الأسماء:» أسماء الله تعالى توقيفية، لا مجال للعقل فيها: وعلى هذا: فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة، فلا يزاد فيها ولا ينقص؛ لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء؛ فوجب الوقوف في ذلك على النص، ولأن تسميته تعالى بما لم يسم به نفسه أو إنكار ما سمى به نفسه جناية في حقه تعالى، فوجب سلوك الأدب في ذلك، والاقتصار على ما جاء به النص « [٢٦] ، وقال مثل ذلك في القاعدة السابعة من قواعد الصفات [٢٧] . وكان ﵀ يزجر عن الأسئلة الفاسدة المبنية على لوثة التكييف العقلي، كمن يستشكل إثبات النزول الإلهي إلى سماء الدنيا ثلث الليل الآخر مع دوام دوران الليل على الكرة الأرضية؟ فيقول في معرض إجابته:» وهذا وإن كان الذهن قد لا يتصوره بالنسبة إلى نزول المخلوق، لكن نزول الله تعالى ليس كنزول خلقه حتى يقاس به، ويجعل ما كان مستحيلاً بالنسبة إلى المخلوق مستحيلاً بالنسبة إلى الخالق « [٢٨] ، وقال أيضاً:» يجب على الإنسان أن يمنع نفسه عن السؤال بـ (لم؟) و (كيف؟) فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، وكذا يمنع نفسه من التفكير في الكيفية « [٢٩] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:» إن الرسول لا يجوز عليه أن يخالف شيئاً من الحق، ولا يخبر بما تحيله العقول وتنفيه، لكن يخبر بما تعجز العقول عن معرفته، فيخبر بمحارات العقول، لا بمحالات العقول « [٣٠] ، وقال أيضاً:» الرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، ولم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه « [٣١] . ٥ - تقريب المعاني، واجتناب ما يؤدي إلى اللبس: قد تقدم في بيان جهوده ﵀ في بيان العقيدة اعتماده طريقة التلخيص والتقريب لطائفة من المتون العقدية الصعبة، ليسهل تصورها وإدراك معانيها، وقد وُفِّق ﵀ في ذلك توفيقاً عظيماً، وليس مراده بالتلخيص كما يظن بعض الناس مجرد الاختصار، وإنما إعادة عرض الموضوع بما يحصل به البيان وإن استدعى الشرح والإضافة أحياناً [٣٢] ، وهذا ما فعله ﵀ حين صنع لتلك الكتب من التراجم والعنوانات والتعريفات والتقسيمات والإضافات ما جعلها كالعروس المجلاة، فهو مثلاً يدرج في تلخيص الحموية قاعدة نافعة استفادها من كتاب» العقل والنقل «، وذكر خلاصتها [٣٣] . أما ما ألَّفه ابتداءاً، أو قرره مشافهة ففي غاية السهولة والبيان في ألفاظه وتراكيبه، وكثرة أمثلته ووضوحها، ولعله لهذا السبب وغيره لم يكن يحتفي بتدريس المنطق إلا أن ترد بعض المصطلحات المنطقية عرضاً، أو تبعاً لبعض المتون التي يشرحها، كخاتمة منظومة السفاريني، وطالما ردد ﵀ مقولة شيخ الإسلام ابن تيمية:» إني كنت دائماً أعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي، ولا ينتفع به البليد «. وحين قرر ذات مرة في مسألة» صفة المعية «لله تعالى، فقال:» إن عقيدتنا أن لله تعالى معية حقيقية ذاتية تليق به، وتقتضي إحاطته بكل شيء علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وسلطاناً وتدبيراً «استشكل بعض أهل العلم التعبير بـ » ذاتية «، وتجرأ بعض السفهاء فنسبوه إلى مقالة حلولية الجهمية حاشاه وكلا! مع أنه أراد بذلك توكيد حقيقة معيَّته ﵎، وكلامه كله صريح وفير في النكير على أهل الحلول والظنون الفاسدة، لم يجد غضاضة أن يهجر هذا التعبير دفعاً للتوهم، ونشر ذلك في مجلة الدعوة، في غرة محرم سنة ١٤٠٤هـ، وقال: » رأيت من الواجب استبعاد كلمة (ذاتية) ، واعلم أن كل كلمة تستلزم كون الله تعالى في الأرض، أو اختلاطه بمخلوقاته، أو نفي عُلوِّه، أو نفي استوائه على عرشه، أو غير ذلك مما لا يليق به تعالى فإنها كلمة باطلة يجب إنكارها على قائلها، كائناً من كان، وبأي لفظ كانت وكل كلام يوهم ولو عند بعض الناس ما لا يليق بالله تعالى؛ فإن الواجب تجنبه لئلا يظن بالله تعالى ظن السوء، لكن ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ فالواجب إثباته وبيان بطلان وهم من توهم فيه ما لا يليق بالله « [٣٤] فللَّه درُّه! » وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله « [٣٥] . ومما يلتحق بهذه السمة المنهجية في تقريره ﵀ للعقيدة، مراعاة حال العامة، وعدم مبادأتهم بالمسائل المشكلة، والخلافات العقدية المعضلة التي لا تبلغها عقولهم، ويتشوشون من سماعها، بل كان منهجه ﵀ في الخطاب العام لجمهور الناس التعبير بالجمل القرآنية والنبوية الواضحة، وعدم الخوض في مقالات أهل البدع من غير ضرورة، لغناهم وعافيتهم من ذلك، وهذا المنهج هو الموافق لفقه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ حين قال:» حدثوا الناس بما يعرفون! أتريدون أن يُكَذَّبَ اللهَ ورسولُه؟ « [٣٦] ، وقول ابن مسعود ﵁:» إنك لن تحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة « [٣٧] ؛ فلهذا قال ﵀:» من الحكمة في الدعوة ألاَّ تباغت الناس بما لا يمكنهم إدراكه، بل تدعوهم رويداً رويداً حتى تستقر عقولهم؛ فإن قيل: أندَعُ الحديث بما لا تبلغه عقول الناس؟ أجيب: لا ندعه، ولكن نحدثهم عن طريق تبلغه عقولهم، وذلك بأن ننقلهم رويداً رويداً حتى يتقبلوا هذا الحديث ويطمئنوا إليه، ولا ندع ما لا تبلغه عقولهم، ونقول هذا شيء مستنكر لا يتكلم به ... ويستفاد من هذا الأثر: أهمية الحكمة في الدعوة إلى الله ، وأنه يجب على الداعية أن ينظر في عقول المدعوين، وينزل كل إنسان منزلته « [٣٨] . ٦ - مواجهة النوازل العقدية: اتسمت العصور الأخيرة من حياة المسلمين بكثرة الشبهات وطروء البدع العقدية بسبب انحسار ظل الإسلام، وغلبة المشركين وأهل الكتاب، وانفتاح أمم الأرض بعضها على بعض، وسريان العقائد والأفكار والعادات والأوضاع عبر وسائل الإعلام المختلفة، فدهم المسلمين من النوازل العقدية ما اشتدت الضرورة فيه إلى علماء ربانيين، يُثبِّتون الناس، ويُمسِّكون بالكتاب، ويُنزلون الأوضاع الطارئة على الأصول الثابتة. وكان شيخنا ﵀ في طليعة هؤلاء الموفقين؛ فلم يكتف بالتقعيد النظري لمسائل الاعتقاد أو حتى منازلة الفرق العتيقة من أهل القبلة وغيرهم، بل ضم إلى ذلك مواجهة ما استجد من فرق الضلال وكشف زيفها، وما شاع من أفكار منحرفة، ودعوات باطلة، وأعمال وألفاظ منافية للعقيدة الصحيحة. - فحذر من الإلحاد المتمثل في زمنه بـ» الشيوعية «و» المادية « و» الطبيعة «. - وفصَّل القول في الحكم بغير ما أنزل الله. - وبيَّن خطر التسرع في التكفير. - وكفَّر اليهود والنصارى، وأفتى في مسائل معاملتهم ومخالطتهم وتهنئتهم بأعيادهم. - وأنكر الدعوة إلى التقريب بين الأديان. - ونبه على خطأ بعض الألفاظ الشائعة، والمصطلحات الحادثة. وكل ذلك مبثوث في خطبه المنبرية، ودروسه العلمية، وفتاواه السيارة، مما يطول المقام بسرده. ونكتفي بمثالين دالين على معاصرته لقضايا عصره ونوازله. أحدهما: لما التبس على بعض مواطنيه قبل أكثر من ثلاثين سنة أمر الوصول إلى القمر، وهل تصديق ذلك حرام مخالف للقرآن، أم أن القرآن يؤيده ويدل عليه؟ ودار في تلك الأيام جدال وخصومة بين فريقين من الناس؛ فكتب في حينها رسالة مختصرة بعنوان: (رسالة في الوصول إلى القمر) قال فيها:» وإذا صح ما تواترت به الأخبار من إنزال مركبة فضائية على سطح القمر فإن الذي يظهر لي أن القرآن لا يكذبه ولا يصدقه، فليس في صريح القرآن ما يخالفه، كما أنه ليس في القرآن ما يدل عليه ويؤيده « [٣٩] ثم شرع في تفنيد ما ادعاه كل من الفريقين دليلاً من القرآن على دعواه، وخلص إلى القول:» وبعد: فإن هذا البحث في هذا الموضوع قد يكون من فضول العلم، لولا ما دار حوله من البحث والمناقشات، حتى بالغ بعض الناس في رده وإنكاره، وغلا بعضهم في قبوله وإثباته، فالأولون جعلوه مخالفاً للقرآن، والآخرون جعلوه مطابقاً للقرآن، فأحببت أن أكتب ما حررته هنا، على حسب ما فهمته بفهمي القاصر، وعلمي المحدود « [٤٠] . وبصرف النظر عما أتيح لنا من معطيات قطعية الآن تجعلنا نستغرب اختلاف الناس فيه حين سمعوه لأول مرة؛ فالمقصود إبراز مبادرته في إزالة اللبس، وتحرير الأمر في وقت دعت الحاجة إليه. الثاني: موقفه ﵀ من نازلة الدعوة إلى التقريب بين الأديان التي نشطت في العقود الأخيرة، واستهوت بعض ضعاف العلم والإيمان، ورقاق الدين والعقيدة، فداهنوا اليهود والنصارى والذين لا يعلمون؛ فاشتد نكيره ﵀ على هذه البدعة الكفرية ودعاتها في خطبه ودروسه، فقال ﵀:» أيها الإخوة: إنه قد يسمع ما بين حين وآخر كلمة (الأديان الثلاثة) حتى يظن السامع أنه لا فرق بين هذه الأديان الثلاثة كما أنه لا فرق بين المذاهب الأربعة، ولكن هذا خطأ عظيم، إنه لا يمكن أن يحاول التقارب بين اليهود والنصارى والمسلمين إلا كمن يحاول أن يجمع بين الماء والنار. إن دين اليهود ليس بشيء، ولا ينفعهم، بل هو مصيرهم إلى النار، إن تمسكوا به، وإن دين النصارى ليس بشيء، ولن ينفعهم، وإنما يقودهم إلى النار، إن تمسكوا به؛ لأن الواجب على الجميع أن يؤمنوا بالنبي ﷺ ، وقد أقسم ﷺ وهو البار الصادق بدون قسم، فقال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بما جئت به إلا كان من أصحاب النار» [٤١] [٤٢] . وبعد: فهذا قليل من كثير من جهود شيخنا محمد ابن صالح العثيمين رحمه الله في بيان العقيدة ونشرها، ومن سمات منهجه في تقريرها وإرسائها، أبقى الله له غُنْمَه وبره، وجزاه عن أمة محمد ﷺ خير الجزاء، وأحله دار المقامة من فضله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

стр. 3825

نص شعري غاب صوت الشيخ مبارك بن عبد الله المحيميد لم يكن ﵀ يتأخر عن حلقة التدريس إلا بخبر يُودِعه آذان طلابه، فما باله غاب اليوم بلا خبر؟ ! ! هل أتى حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ بِهِ ... غَابَ صَوْتُ الشَّيْخِ عَنْ طُلاَّبِهِ؟ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِهِ أوْ دَرْسِهِ ... أوْ عَلَى الهاتِفِ أو مِحْرابِهِ! صَوْتُهُ الخَاشِعُ يَطوِيهِ أسىً ... صَوتُ ناعِ الرَّكْبِ في رُكَّابِهِ يَرْحَلُ الشَّيْخُ.. وما أصعب أنْ ... يرحل المحبوبُ عن أحبابِهِ! يَرْحَلُ الشَّيْخُ.. وما كان سِوَى ... أمَّةٍ تُلْبَسُ من أثوابِهِ يا لأطيار من العِلْمِ وقَدْ ... هَاجَرَتْ، والشَّيْخُ منْ أسْرَابِهِ لَسْتُ أدْري أيَّ شَيْءٍ هَزَّنِي ... حِينَ خاضَ النَّاس في أوْصَابِهِ! سَائلي: عن جِسمهِ النَّاحِل مَا ... هَدَّهُ؟ أخْبِرْكَ عنْ أسْبَابِهِ زَادُهُ (الزَّادُ) وقَدْ آثَرَهُ ... سَائِغاً للنَّاسِ في أكْوَابِهِ (بَابُهُ المفْتُوحُ) لا يُغْلَقُ مِنْ ... زَحْمَةِ النَّاس على أعْتَابِهِ وَلَهُ (قَوْلٌ مُفِيدٌ) قَدْ أتَى ... سَاعِياً للْفهْمِ مِنْ أبوابه طُفْ على أسْفَارهِ وأسأَلْ بِهَا ... كُلَّ فَنٍّ عن مزَايَا مَا بِهِ يَعْجَزُ الفَنُّ! ! وَقَدْ تُسْعِفُهُ ... أحْرُفُ السِّفْرِ إلى إيجَابِهِ يا لأيَّامٍ سِمانٍ قَدْ خَلَتْ ... وَلَيَالٍ خَرَجَتْ مِنْ بَابِهِ عَجَباً كيف استطاعتْ هِمَّةٌ ... فَنِيَتْ دَهْراً عَلَى إنجَابِهِ؟ ! أنْتَ سَطْرٌ في سِجِلِّ الكَوْنِ قَدْ ... عَجزَ الأحْيَاءُ عن إعْرَابِهِ قَفَلَ الشِّعْرُ وَقَدْ أتْعَبَهُ ... رَكْضهُ للشَّيْخِ من إعْجَابِهِ جَاءَ بالإيجاز مِنْهُ وَعَسَى ... يَنْفَعُ الإيْجَازُ عَنْ إطْنَابِهِ

стр. 3826

في رياض المصلحين منهج الشيخ ابن عثيمين في التفسير عبد الرحمن الصالح الدهش [*] الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين، أما بعد: فإن الحديث عن منهج إمام من أئمة الدين في علم كان من اهتماماته، وأمضى فيه جزءاً من عمره، وخصَّه بنصيب وافر من دروسه، وكثيراً ما وجَّه طلابه للعناية به، بل والبداءة به حديث لا يمكن أن تستوعبه مقالةٌ كهذه، ولذا سيكون الحديث فيها منصبّاً على بعض منهجه في تفسيره. وقبل الحديث عن منهجه أشير إلى موضوعين متعلقين بتفسيره: الأول: دروسه في التفسير حيث كان تفسيره القرآنَ لطلابه [١] على ثلاثة طرق: ١ - الطريق الأول: التفسير العام؛ حيث لم يرتبط الشيخ بكتاب تفسير ينطلق منه، وهذا يشمل الدرس الخاص بالطلبة، وابتدأ الشيخ التفسير فيه من أوَّل القرآن وانتهى فيه إلى سورة الأنعام، ولم يتمَّها. ويشمل تفسيره في اللقاءات العامة حيث فسَّر الشيخ خلالها كثيراً من المفصَّل، ومواضع متفرقة من القرآن. ٢ - الطريق الثاني: التفسير الذي ارتبط فيه الشيخ بتفسير الجلالين، فكان منطلقاً له، ولم يقتصر عليه، وبلغ فيه سورة الزخرف، ولم يتمها أيضاً. ٣ - الطريق الثالث: التفسير المفرَّق ويتمثل في تفسير الشيخ للآيات التي تمر في أثناء شرحه لكتابٍ ما، وهي كثيرة، وربما أسهب الشيخ في تعليقه عليها، ورجَّح فيها [٢] . ومع تعدد الطرق التي تناول الشيخ التفسير من خلالها إلا أن منهجه فيها متقارب، حيث اتفقت في كثير من المعالم. الثاني: مصادره في تفسيره: الغالب في طريقة الشيخ رحمه الله تعالى ألا يذكر مصادره التي نقل منها، ولا أسماء العلماء الذين يذكرُ أقوالهم، بل تراه يبهمُ أسماءهم، ويذكرُ الأقوال منسوبة إلى بعض أهل العلم، أو بعض المفسرين دون تحديدهم، إلا أنه قد ينصُّ في بعض الأحيان على بعضهم، ومنهم على سبيل المثال: ابن حزم (البقرة: ٢٢٢، ٢٢٨) ، الزمخشري (آل عمران: ١) ، ابن تيمية، ابن القيم (البقرة: ١، ٢٢٨) ، ابن اللبان صاحب الاختيارات الفقهية (البقرة: ٢٢٨) ، محمد رشيد رضا (البقرة: ٢١٩) ، وشيخه عبد الرحمن السعدي (البقرة: ٢٢٩) ، وغيرهم. المنهج العام للشيخ في التفسير: لقد كان الشيخ رحمه الله تعالى موسوعيَّ المعرفة، درس علوم الشريعة وتفقه فيها، وكان لها الأثر الواضح في تفسيره. وقد عمد الشيخ إلى تقريب التفسير لعامة الناس فضلاً عن طلابه والمستفيدين منه؛ فالسهولة في العبارة والبعد عن غامض التراكيب واضحٌ في العرض، ولذا خلا تفسير الشيخ من الأقوال الكثيرة، والتفريعات البعيدة التي قد تجدها في بعض التفاسير، وكذا التعقيدات البلاغية، أو الأعاريب المطولة. ومع هذا تجد في تفسير الشيخ ما تجده عند غيره من الاعتماد على بيان القرآن بالقرآن، وجمع نظائر الآية، وبيان القرآن بالسنة، وذكر للقراءات، وتوجيهها معنى أو إعراباً، وبيان المشكل، وأسباب النزول تحت المنهج العام للشيخ، وكذا الشعر، وهو قليلٌ نسبياً، وفي غالبه شاهد لغوي، أو ضابط نحوي أو نحو ذلك. ويجد القارئ والسامع في أثناء ذلك الترجيح المبني على قاعدة، أو التنبيه على خطأ في فهم آية. ففي تفسير قوله تعالى: [وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ] (آل عمران: ٢٧) ، يرجح الشيخ أن الآية عامة في الحياة الحسية، كإخراج الإنسان من النطفة، والمعنوية كإخراج الكافر من المؤمن. ويعلل الشيخ لهذا الترجيح بقوله: «إذا صلح اللفظ للمعنيين بدون تنافٍ بينهما فالواجب حمله عليهما» . وعند قوله تعالى في وصف يحيى ﵇: [وَسَيِّداً وَحَصُوراً] (آل عمران: ٣٩) . قال الشيخ: «أي: حاصراً نفسه عن أراذل الأخلاق، وأما من قال من المفسرين إن (الحصور) الممنوع عن إتيان النساء، فإن في هذا نظراً واضحاً؛ لأن عدم قدرة الإنسان على النساء ليس كمالاً، ولكنه عيب، وفيها قول آخر أنه لا يأتي من النساء من لا تحل له فيكون وصفاً له بكمال العفة، لكن ما قلناه أشمل من هذا القول، فهو مقدم على المعنى الأقل» . وعند قوله تعالى: [كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ] (آل عمران: ٣٧) . ينبه الشيخ على خطأ من كتب الآية على طاق القبلة، يظن أنه هو المحراب المراد بالآية، وإنما هو مكان العبادة. والشيخ حريص كل الحرص على عدم الوقوع فيما وقع فيه كثير من المفسرين من حشد الإسرائيليات والاعتماد عليها؛ فعند قوله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً] (البقرة: ٦٧) ، قال الشيخ: «وقد ذكر المفسرون هنا إسرائيليات كثيرة حول هذا الموضوع ولكن لا يعنينا أن نُعيِّن مَن هذا القاتل؟ ومَن هذا المقتول؟ وإنما المقصود أنه قتلت نفس فادارؤوا فيها، أي: تخاصموا» . ثم هو يشكك فيما قيل عن مريم عند قوله تعالى: [وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً] (آل عمران: ٣٧) . إنها تنمو في العام ما ينمو غيرها في عامين. قال الشيخ: «ولعلها من الإسرائيليات ... فالله أعلم» . وعند قوله تعالى: [وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً] (آل عمران: ٣٧) . قال الشيخ: «قال بعض المفسرين وهو من الإسرائيليات يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء» . وبعد هذه المعالم العامة نجدنا مضطرين إلى إبراز معالم أساسية في منهج الشيخ في تفسيره وهي: أولاً: التفصيل في أحكام القرآن، وبيان الراجح منها بدليله، دون تعصب لمذهب معين: وهذا أشهر من أن يُذكر فيه مثالٌ؛ لأن الشيخ رحمه الله تعالى كان فقيهاً مجتهداً، وكان لا يمرُّ بآيةٍ من آيات الأحكام إلا فصَّل في ذلك الحكم وبينه. ثانياً: ذكر القضايا الفقهية المعاصرة المرتبطة بالآية، وبيان الحكم فيها: ومن ذلك ما قاله في تفسير قوله تعالى: [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ] (البقرة: ٢١٩) ، قال: «فلو تقامرا على شيء من المال بأي صفة من الصفات؛ فإن ذلك يعتبر مَيْسراً، ومن ذلك ما يسمى بالحظ والنصيب، فإنه ميسر، ومن ذلك التأمين على الأموال أو على السيارات أو على البيوت أو على النفوس أو ما أشبه ذلك» . ثالثاً: تنزيلُ الآيات على الواقع المعاصر، وربطها به: ففي قوله تعالى: [وَلاَ تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ] (البقرة: ٢٢١) ، قال: «إن في الآية رداً واضحاً على الذين أطلقوا أن دين الإسلام دين مساواة؛ لأن التفضيل ينافي المساواة. والعجيب أنه لم يأت في الكتاب ولا في السنة لفظ المساواة أبداً؛ لأن الله ما أمر بها، ولا رغب فيها؛ لأنها ليست صحيحة، فإذا قلت بالمساواة دخل الفاسق والكافر والمؤمن والذكر والأنثى، وهذا هو الذي يريده أعداء الإسلام من المسلمين، لكن جاء الإسلام بكلمة هي خير من تلك الكلمة، وليس فيها احتمالٌ أبداً، وهي: [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ] (النحل: ٩٠) ، فكلمة العدل تقتضي أن نسوِّي بين الاثنين حيث اتفقا في الصفات المقتضية للتسوية، وأن نفرق بينهما حيث اختلفا في الصفات المقتضية للتفريق» . وانظر أيضاً حديثه في هذه الآية عن التنبيه على الدعوة التنصيرية التي يقوم بها النصارى في هذا العصر. وانظر ذكره فائدة في قوله تعالى: [نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ] (البقرة: ٢٢٣) ، فقد ذكر الدعوة إلى تحديد النسل، وردَّ عليها. وغيرها كثيرٌ من القضايا المعاصرة التي تطرَّق إليها الشيخ أثناء تفسيره. رابعاً: الاهتمام بالجانب التربوي الذي تشير إليه الآيات، ويظهر ذلك في جانبين: الأول: الجانب الوعظي: ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى: [وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلاقُوهُ] (البقرة: ٢٢٣) ، قال: «والله لو كانت قلوبنا حيَّةً لكان لهذه الكلمة وقع في نفوسنا؛ لأنها من كلام الله مصدَّرة بـ (اعلموا) ، لكن، واللهِ القلوبُ ميتة، والشكوى إلى الله » . الثاني: جانبُ الإرشادات والتوجيهات لطالب العلم: ومن ذلك تعليقه على قوله تعالى: [وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ] (البقرة: ٢٢١) ، قال: «وأنت إذا آمنت بهذه الجملة، وهي قوله: [وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ] (البقرة: ٢٢١) ، فإنه قد يعرض لك مسألة لا تجدها في كلام الفقهاء ولا في كلام المحدثين، وعندما تتأمل القرآن تجدها واضحة صريحة، أو عندما تتأمل السنة تجدها واضحة مبينة فيها، وهذا شيء معلوم. ولهذا أحثكم أنتم طلبة العلم على أن يكون دأبكم في الوصول إلى غائص المسائل الرجوع إلى الكتاب والسنة، ولا حرج أن نستعين بكلام أهل العلم؛ لأن اعتماد الإنسان على نفسه في فهم الكتاب والسنة قد يحصل فيه خلل كثير؛ فلا بد أن يعرف القواعد التي قعَّدها السلف من الصحابة والتابعين، مستنبطين لها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ » . وعند قوله تعالى: [وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ] (آل عمران: ٧) . قال الشيخ: «ينبغي للإنسان أن يحرص على أن يكون راسخاً في العلم لا جامعاً كثيراً منه؛ لأن العبرة بالرسوخ في العلم؛ فإن الإنسان إذا كان عنده رسوخ في العلم صار عنده ملكه يستطيع أن يُقرِّب العلم بعضه من بعض، ويقيس ما لم يُنَصَّ عليه على ما نُصَّ عليه، ويكون العلم لديه كالطبيعة الراسخة» . خامساً: النواحي اللغوية: كان الشيخ ﵀ يولي عناية واضحة بالنواحي اللغوية، فيبرز معنى الآية من خلال وقفات إعرابية، أو صرفية، أو بلاغية، والشيخ ﵀ من خلال وقفاته تلك يهدف فيما يهدف إلى الناحية التطبيقية لطلابه، ولا أدل على ذلك من إعرابه بعض الآيات واضحة الإعراب إعراباً تفصيلياً [٣] . ومثله استطراداته الكثيرة في قضايا نحوية بحتة فعند قوله تعالى: [وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ] (آل عمران: ١٩) . استطرد الشيخ في بيان سبب ارتباط جملة جواب الشرط بالفاء، بطريقته الحوارية في الدرس مع الطلبة، وذكر ما ذكره النحاة في ضابط ذلك. اسمية طلبية وبجامد ... وبما وقد وبلن وبالتنفيس وقريبٌ منه استطراده حول الاسم الممنوع من الصرف عند كلامه على قوله تعالى: [أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى] (آل عمران: ٣٩) ، حيث أشار إلى الخلاف في عربية اسم (يحيى) واستطرد من خلاله إلى موانع الاسم من الصرف بطريقته السابقة. وأمَّا وقفات الشيخ الصرفية فهي قريبة في منهجها من وقفاته النحوية، فيذكر وزنَ بعضَ الكلماتِ واشتقاق بعضها ليصلَ إلى معنى الكلمة القرآنية. فعند قوله تعالى: [نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ] (آل عمران: ٣) . قال الشيخ: «هو هذا القرآن، وهو (فِعال) بمعنى: (مفعول) ؛ لأنَّه مكتوبٌ فهو كتابٌ مكتوبٌ في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: [إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ] (الواقعة: ٧٧-٧٨) . وفي تفسير قوله تعالى: [ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ] (آل عمران: ٣٤) . قال الشيخ:» والذرية مأخوذة من (ذرأ) بمعنى (خلق) ؛ لقوله تعالى: [يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ] (الشورى: ١١) ، يذرؤكم فيه: أي: يخلقكم. وقيل: من (وذر) ، بمعنى (ترك) ، فعلى الأول تكون الذرية شاملة للأصول والفروع، لأن الأصول مخلوقون، والفروع كذلك مخلوقون، أما إذا جعلناها من (وذر) بمعنى (ترك) ، فهي للفروع فقط، وهذا هو المعروف عند عامة الناس أن الذرية هم الفروع. ثم يتساءل الشيخ ﵀: هل في القرآن ما يدلُّ على أن الذرية تطلق على الأصول؟ فيجيب بقوله تعالى: [وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ] (يس: ٤١) . فإن الذين حُمِلوا من الذرية هم الذين آمنوا مع نوح وهم سابقون، أي أصول «. والشيخ ﵀ بإيجازه هذا غير المخل، وتساؤله الذي جاء عرضاً قد أجاب عن إشكال استوقف كثيراً من المفسرين، ومن آخرهم شيخه عبد الرحمن السعدي (ت: ١٣٧٦هـ) ؛ حيث قال في تفسيره عند هذه الآية:» وهذه الآية من أشكل المواضع عليَّ في التفسير « [٤] . وأما اللفتات البلاغية فلم يخلُ تفسير الشيخ ﵀ من وقفات عندها، ومن ذلك عند تفسيره قول الله تعالى: [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ] (آل عمران: ١٤) أشار الشيخ إلى قوة التعبير القرآني؛ حيث سلط الحب على الشهوات لا على هذه الأشياء؛» لأن هذه الأشياء حبُّها قد يكون محموداً «إذا لم يكن سبباً لصده عن دين الله. وفي قوله تعالى: [وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ] (آل عمران: ١٥) ، يشير الشيخ إلى نكتة العموم في إطلاق (مطهرة) لتشمل التطهير الحسيَّ والمعنويَّ معتمداً على قاعدة: أن حذف المعمول يُؤْذن بعموم العامل. قال الشيخ:» ولهذا أمثلة كثيرة مثلاً قوله تعالى: [أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى] (الضحى: ٦-٨) ، فالرسول ﷺ وجده ربُّه يتيماً فآواه، وآوى به حتى جعله فئة لكل مؤمن، ضالاً فهداه وهدى به، عائلاً فأغناه وأغنى به «. سادساً: استنباط الفوائد: تُشكِّل الفوائد في درس التفسير جزءاً لا يغفل في منهج الشيخ، وتأتي أهمية الفوائد من حيث إفرادها في الكلام بمبحث الفوائد عقب آية أو آيات يتم الشيخ تفسيرها والكلام عليها، ومن ناحية أخرى توسُّع الشيخ فيما يذكره تحت هذا المبحث؛ فهو لا يقتصر على الفوائد المباشرة في الآية؛ إذ يذكر الفائدة ثم يتبعها بما قد يتفرع أو يُشْكل عليها ويجيب عنه. فعند قوله تعالى: [وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ] (آل عمران: ٢٧) يقول الشيخ ﵀:» ومن فوائد الآية الكريمة أن الرزق بيد الله لقوله تعالى: [وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ] (آل عمران: ٢٧) ويترتب على هذا أنه ينبغي للعاقل فضلاً عن المؤمن أن لا يطلب الرزق من أيدي الناس، وإنما يطلبه من الله ، ولهذا جاءت النصوص بفضيلة العفة «. وعند قوله تعالى عن امرأة عمران: [وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ] (آل عمران: ٣٦) . يذكر الشيخ ﵀ من فوائد الآية تسمية المولود حين يولد، ثم يقول: » وهذا هو السنة: أن يُسَمَّى الإنسان حين يولد إلا إذا لم يتهيأ الاسم فإنه يسمى في اليوم السابع، وبهذا تجتمع الأدلة؛ فإن النبي ﷺ لما وُلِد إبراهيم، قال: (وُلِد لي الليلة غلام، فسميته باسم أبي إبراهيم) [٥] وفي حديث العقيقة قال: (تذبح يوم سابعه، ويحلق ويسمى..) « [٦] . والفوائد مجال رحب عند الشيخ ﵀ لتقرير العقيدة السليمة، وتصحيح الأخطاء العقدية بشيء من الاستطراد والبسط؛ فعند قوله تعالى: [لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ] (آل عمران: ٢٤) . يقول الشيخ ﵀:» ومن فوائد هذه الآية الكريمة أن هؤلاء يؤمنون بالبعث؛ لقولهم: [لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ] (آل عمران: ٢٤) ، ويتفرع على هذا أنه لا يكفي في الإيمان أن يؤمن الإنسان بالله وباليوم الآخر دون أن يستلزم هذا الإيمان قبولاً، وإذعاناً؛ فإن مجرد التصديق لا يعتبر إيماناً؛ إذ لا بد من القبول والإذعان، ولهذا أدلة «. وفي تفسير قوله تعالى: [وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] (آل عمران: ٣٤) . يقول الشيخ ﵀:» ومن فوائد الآية الكريمة إثبات اسمين من أسماء الله، وهما (السميع والعليم) ، فالسميع يتعلقُ بالأصوات، والعليمُ يتعلق بكل شيء بالأصوات، والأحوال، والأعيان «. ثم يستطرد الشيخ في تقسيم أسماء الله إلى متعدية ولازمة، وما يتضمنه كل نوع من الدلالة، ثم يستطرد مرة ثانية إلى الفرق بين دلالة التضمن والاستلزام وتطبيق ذلك على اسم (الخالق، والرحمن، والحي) . وفي مجال تصحيح الأخطاء العقدية يذكرُ الشيخ ﵀ عند كلامه على آيات عموم القدرة في أكثر من موضع يذكر مقالة السيوطي ﵀ في تفسير قوله تعالى: [لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (المائدة: ١٢٠) ، حين قال:» وخصَّ العقل ذاته فليس عليها بقادر « [٧] ، ثم يتعقبها ففي تفسيره لقوله تعالى: [قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (آل عمران: ٢٩) ، يقول الشيخ ﵀ بعد ذكره مقالة السيوطي السابقة:» فإن هذه كلمة باطلة، هو أراد معنى والله أعلم لكن التعبير بهذا خطأ، نقول: إن الله تعالى قادرٌ على كل شيء يتعلقُ بفعله، أو بفعل عباده، كل شيء يفعله الله فهو بقدرته سبحانه وتعالى، كل شيء يفعله العبادُ فهو بقدرته، وهذا الاستثناء أو هذا التخصيص غير صحيح، بل العقل يشهد لله تعالى بكمال أو بعموم القدرة، وأنه على كل شيء قدير «. وفي مسألة التفاضل بين الملائكة وصالحي البشر، وهي مسألة أطال فيها بعضُ العلماء النَّفَسَ، وحُشدت لأجلها الأدلة يوردها الشيخ ﵀ من فوائد قوله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ] (آل عمران: ٣٣) ، يوردها بقوله:» من فوائد الآية الكريمة ما ذكره بعض أهل العلم من أن الصالحين من البشر أفضل من الملائكة، ثم يقول: وعندي أن البحث في هذه المسألة من فضول العلم؛ لأنه أي فائدة لنا إذا قلنا: إن فلاناً أفضل من جبريل، أو جبريل أفضل من فلان..؟ «، وبعد إشارته لشيء من أدلة الفريقين، يقول:» وجمع شيخ الإسلام ﵀ بين هذين القولين، فقال: إن الملائكة أفضل باعتبار البداية، وصالحي البشر أفضل باعتبار النهاية «. ثم ينهي الشيخ ﵀ عرضه للمسألة بقوله:» ومع ذلك فإني أرى أن الإمساك عن هذا أوْلى ... وأمَّا أيهم أفضل فهذا أمر لم نكلف به «. والحق أن الجانب العقدي في تفسير الشيخ سواء ما يتعلق منه بتوحيد الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات، أو غيرها من مباحث العقيدة يستحق أن يفرد بدراسة استقرائية وافية يُبرز من خلالها منهج الشيخ في ذلك. سابعاً: كثرة القواعد العلمية التي يذكرها ويذكر تطبيقها في الآية، وهي قواعد متنوعة من لغوية ونحوية وأصولية وغيرها، ومنها: * الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. * الأصل أن الوصف متحقق في الموصوف حتى يتبين خروجه عن ذلك. * من تأمل الشريعة وجد أنها تعتني بالمعنى أكثر من الاعتناء باللفظ. * لا ينبغي الإطلاق في موضع يخشى فيه من التعميم. * العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. * عند التنازع نرد المسألة إلى كتاب الله وسنة رسوله. * العام لا يدل على جميع أفراده دلالة قطعية، بل دلالته ظنية. ولو جُمعت هذه القواعد العلمية العامة مع تطبيقاتها، لشكلت كتاباًَ نافعاً لطلبة العلم. وبعد، فما ذُكر في هذه المقالة غيضٌ من فيض، وقليل من كثير، وعسى الله أن يُقيض من يقوم بدراسة منهج الشيخ في عموم العلوم التي برع فيها، فيُبرز فيها ما يفيد طلبة العلم من تراث الشيخ المبارك. ولا نملك في الختام إلا أن ندعو له بالمغفرة والرحمة، ونسأل الله أن يبلغه الفردوس الأعلى جزاء ما قدم، إنه سميع قدير، وبالإجابة جدير.

стр. 3827

نص شعري في موكب الوداع أحمد بن حسن الصابطي من قلب مجروح، ودمع مسفوح، وصوت مبحوح، تنطلق هذه الكلمات، وتئن هذه العبارات، وترتفع هذه الدعوات، في هذا الموكب المهيب، والمشهد الرهيب، في وداع شيخنا الحبيب، فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين، فسلام عليه في الصالحين، وغفر الله لنا وله أجمعين، والحمد لله رب العالمين. مهلاً فديتك؛ فالقلوب تنادي ... وعلى ثراك يئن صوت الحادي مهلاً فديتك؛ فالنفوس جريحة ... قد مزَّقتها حرقة الأكباد ما زال جرح الباز فينا راعفاً ... منذ التقى سهم الخميس فؤادي يسري اللظى بين العروق يزيده ... ألماً سِهامُ بقيةِ الرُّواد سهم وآخر والجروح كثيرة ... والصبر فيها عدَّتي وعتادي يا ابن العثيمين الذي خفقت له ... حباً قلوب حواضر وبوادي أنت المفسر والفقيه وشامة ... في العلم والتعليم والإرشاد والزهد ألقى في فنائك رحله ... وبقيت مقياساً لكل جواد مهلاً فديتك؛ إنَّ في آرائكم ... سيفاً صقيلاً يُنتضى لجهاد فالحرب تغلي قِدرُها يا شيخنا ... حَمِيَ الوطيسُ وغُصَّ بطن الوادي حرب ضروس لم تضع أوزارها ... بين الأباة وطغمة الأوغاد من كل صوب أجلبوا وتحزبوا ... وتلفعوا بالشر والأحقاد والمرجفون دبيبهم متواصل ... يستبشرون بفكرة استعباد وطغاة أصحاب الكتابين التقوا ... بعبيدهم في موطن الميعاد وبواسل الشيشان قلَّ نصيرهم ... وجراحنا تربو على التعداد مهلاً فديتك؛ فالخدود قد ارتوت ... من دمعنا لوداع شيخ النادي يوم الوداع تفطرت أكبادنا ... والعين فيه تكحلت بسهاد لما رأيت سريره ناديته ... بقلوبنا: يا قمة الأطواد أين المسير وقد أخذت قلوبنا ... وتركت فينا نظرة الحساد؟ يا حاملي نعش الحبيب تمهلوا ... فلقد حملتم سيد الزهاد لا بل حملتم بدرنا وضياءنا ... وسحابة العلم المغيث بلادي فإذا أردتم دفنه وغيابه ... فلتدفنوه بمقلتي وفؤادي مهلاً.. ولكنَّ القضاءَ مقدرٌ ... فالحمد لله العظيم الهادي صبراً فؤادي! فالطريق طريقنا، ... والناس فيه روائح وغوادي والله يرحمنا ويرحم شيخنا ... فالموت للأحياء بالمرصاد والله يُخلف غيره في أمتي ... فهو العليم بدعوتي ومرادي

стр. 3828

في رياض المصلحين المنهج الفقهي للشيخ محمد بن صالح العثيمين د. خالد بن علي المشيقح [*] الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فإن الله بعث رسله مبشرين ومنذرين، وكلفهم بالبلاغ، وأوجب عليهم دعوة الناس إلى صراطه المستقيم، فقام رسل الله وأنبياؤه بهذه الوظيفة على أكمل وجه. ثم خلفهم العلماء الربانيون الذين سخَّروا ما وهبهم الله من علم للدعوة إليه، وبث الخير في نفوس الناس، وتعليمهم ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم، والسعي في حوائجهم وحل مشكلاتهم. ولعل شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى من هؤلاء العلماء؛ فقد كانت حياته جهاداً متواصلاً بالعلم والتعليم والدعوة والإفتاء وقضاء حوائج الناس؛ فقد عكف رجليه في المسجد أكثر من أربعين عاماً في تعليم العلم ونشره. ومع براعة الشيخ رحمه الله تعالى في التفسير والعقيدة، وله فيهما باع لا يكاد يجارى غير أن شهرته، ومعرفة عامة الناس به كانت في الجانب الفقهي أكثر من غيره. وفي هذه العجالة سألقي نظرة على هذا الجانب في حياة الشيخ، وقبل أن أذكر شيئاً من مميزات فقهه سأمهد بذكر شيء من فقه شيخه عبد الرحمن السعدي؛ إذ هو شيخه الأول الذي تأثر به وأفاد منه. والعلاَّمة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى من جهابذة الفقهاء؛ فقد كان ﵀ ذا معرفة تامة بالفقه أصوله وفروعه، وفي أول أمره كان متمسكاً بمذهب الإمام أحمد ﵀ وله اطلاع واسع على مؤلفات الحنابلة، وكان ذا إدراك باهر واطلاع واسع على كتب الخلاف في المذهب، ومن ذلك أنه حفظ بعض المتون فيه، وله مؤلَّف على طريق النَّظْم للمسائل يتكون من أربعمائة بيت. ثم أقبل الشيخ عبد الرحمن على مؤلفات الشيخين الجليلين شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن قيم الجوزية إقبالاً منقطع النظير، فاستوعب ما حوته كتبهما من التحقيق العظيم في علوم السلف، وحسن التوجيه والإرشاد؛ فحصل له بذلك سعة علم خاصة في علم الفقه، وقد أكد ذلك معظم من ترجم للشيخ وخصوصاً طلابه الذين تعلموا على يديه، ونهلوا من علمه. يقول عنه تلميذه الشيخ عبد الله البسام في كتابه (علماء نجد) : «وما أن تقدمت به الدراسة شوطاً حتى تفتحت أمامه آفاق العلم فخرج عن مألوف بلده من الاهتمام بالفقه الحنبلي فقط إلى الاطلاع على كتب التفسير والحديث والتوحيد، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم التي فتقت ذهنه ووسعت مداركه، فخرج عن طور التقليد إلى طور الاجتهاد المفيد، فصار يرجح من الأقوال ما رجحه الدليل وصدَّقه التعليل» [١] . وقال تلميذه محمد القاضي في كتابه: (روضة الناظرين) : «ولقد أكب على المطالعة في كتب الفقه والحديث طيلة حياته خصوصاً على كتب الشيخين ابن تيمية وابن القيم فقد كانت له صبوحاً وغبوقاً» [٢] . وقال ابنه عبد الله: «وكان أعظم اشتغاله وانتفاعه بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم» . كما أن الشيخ عبد الرحمن أثنى كثيراً على الشيخين في ثنايا كتبه، ونوه بما لهما من باع طويل في التحقيق والتدقيق للمسائل العلمية؛ وذلك كما في كتابه: (طريق الوصول) [٣] ، وفي رسالته: (الأدلة القواطع في إبطال أصول الملحدين) [٤] وغيرها. وقد خلَّف الشيخ عبد الرحمن ثروة عظيمة من كتب الفقه، وبهذا يُعلَم إثراء الشيخ عبد الرحمن للفقه المبني على الدليل المؤيد بالتعليل، ومن أبرز كتبه: «المختارات الجلية من المسائل الفقهية» وهي مختارات من المسائل رجحها الشيخ لقوة دليلها ولو كانت مخالفة لمذهب الإمام أحمد، ومنها: «المناظرات الفقهية» على طريقة المناظرة، ومنها: «الإرشاد» على طريق السؤال والجواب، ومنها: «الفتاوى السعدية» ، ومنها «منهج السالكين» ، ومنها: «حاشية على الفقه» استدراكات على كتب الأصحاب، ومنها: «منظومة في أحكام الفقه» وغيرها. وهذا الفقه العظيم للشيخ عبد الرحمن قد ارتبط بالتقعيد والتأصيل؛ فله باع في أصول الفقه والقواعد الفقهية، فامتزج عنده الفقه بالفروع وربط الفروع بالقواعد، ويدل على تمكن الشيخ من هذين العلمين: أ - اختصاره لقواعد ابن رجب وهو في صغره سنة ١٣٣٦هـ في كتاب أسماه: «تحفة أهل الطلب بتجريد قواعد ابن رجب» وقد وفقني الله للعناية بإخراج هذا الكتاب، وقد طبع هذا العام ١٤٢١هـ. ب - ومن مؤلفاته في هذين العلمين، رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه هي: «الأصول الجامعة» ، ومن ذلك أيضاً: «طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول» . وقد عني الشيخ عبد الرحمن رحمه الله تعالى أيضاً بالفروق والتقاسيم الفقهية، وله كتاب في ذلك هو: «الأصول والقواعد الجامعة والفروق والتقاسيم النافعة» ، وقد وفقني الله لطباعته على نسخة خطية للشيخ، ومما قاله في مقدمته: «أما بعد: فإن معرفة جوامع الأحكام وفوارقها من أهم العلوم وأكثرها فائدة وأعظمها نفعاً؛ لهذا جمعت في رسالتي هذه ما تيسر من جوامع الأحكام وأصولها، ومما تفترق فيه الأحكام لافتراق حكمها وعللها، وقسمتها قسمين ... والقسم الثاني أتبعت ذلك بذكر الفوارق بين المسائل المشتبهات والأحكام المتقاربات والتقاسيم الصحيحة» . وقد ذكر ﵀ في رسالته كثيراً من الفروق والتقاسيم كالفرق بين الفرض والنفل، ص ٩٥، والفرق بين ترك المأمور وفعل المحظور، ص ٩٨، والفرق بين شرط الموقف والموصي وغيرهما، ص ١٠١، وغير ذلك. ومن التقاسيم: أقسام أجزاء الحيوان، ص ١٠٦، وأقسام الحركة في الصلاة، ص ١١٧، وأقسام اللباس، ص ١١٦، وغير ذلك. وقد انطبع هذا المنهج للشيخ عبد الرحمن، وانتقل إلى تلميذه الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى فقد أوضح ﵀ منهجه وصرح به مرات عديدة أنه يسير على الطريقة التي انتهجها شيخه عبد الرحمن السعدي. قال شيخنا: «لقد تأثرت كثيراً بشيخي عبد الرحمن السعدي في طريقة التدريس وعرض العلم، وتقريبه للطلبة بالأمثلة والمعاني» . مميزات المنهج الفقهي للشيخ ابن عثيمين: أولاً: تبنِّي الشيخ ﵀ لآراء الشيخين: شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (انظر الشرح الممتع) ، وعنايته بكتبهما؛ فللشيخ تعليق على اختيارات شيخ الإسلام للبعلي، ومراجعة دائمة لمجموع الفتاوى، والكتب التي تعنى باختيارات شيخ الإسلام ككتابَي الفروع لابن مفلح، والإنصاف للمرداوي، وقرأ للطلبة في دروسه السياسة الشرعية لشيخ الإسلام، وعلق عليه، وله مختارات من إعلام الموقعين، وزاد المعاد، والطرق الحكمية وثلاثتها لابن القيم. وفي غير الجانب الفقهي: شرح للطلبة الواسطية، والحموية، والتدمرية، ومقدمة التفسير لشيخ الإسلام، والنونية لابن القيم، وغير ذلك، فأثر ذلك في علم الشيخ في دروسه وفتاويه وكتبه من حيث الاعتناء بالدليل ومعرفة رأي المخالف، ومناقشة دليله، والرد عليه، والاهتمام بمقاصد الشريعة، وضبط أصولها وكلياتها. ولم يكن تبني الشيخ لآراء الشيخين نابعاً من تقليد أعمى، بل كان متجرداً للحق؛ فحيثما وجد الحق فهو ضالته ومطلبه، فخالف شيخ الإسلام في بعض المسائل أكثر من مخالفة شيخه السعدي لشيخ الإسلام، ومن الأمثلة على ذلك: - أن شيخ الإسلام يرى أن المتمتع يكفيه سعي واحد لحجه وعمرته، وشيخنا يرى أن المتمتع لا بد له من سعيين. - شيخ الإسلام يرى جواز الجمع بين الأختين من الرضاع، ويرى شيخنا التحريم. - شيخ الإسلام يرى جواز تعفير الوجه بالتراب تذللاً لله تعالى، ولم ير شيخنا هذا. - شيخ الإسلام يرى أن للأم الثلث مع الإخوة المحجوبين بالأب، ويرى شيخنا أنَّ لها السدس. - شيخ الإسلام يرى أن المأموم تكفيه قراءة إمامه في الصلاة الجهرية، وشيخنا يأخذ بمذهب الشافعي وهو وجوب القراءة مطلقاً. - شيخ الإسلام لا يرى تحديد مدة النفاس بأربعين يوماً، وشيخنا يرى تحديده بأربعين يوماً. - شيخ الإسلام يرى جواز الزيادة بين الربويين من جنس واحد في مقابلة الصنعة، ويرى شيخنا عدم الجواز. ثانياً: الفقه المبني على الدليل، المقرون بالتعليل غالباً، وبيان الحكمة وأسرار الشريعة أحياناً. فالشيخ يوجب العمل بالدليل، ويحرم مخالفته، ودروسه وفتاواه مشحونة بتقرير ذلك، وكثيراً ما يستدل بقوله تعالى: [وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ] (القصص: ٦٥) ، ومن ذلك قوله: «العبادات لا تتم إلا بالإخلاص لله ومتابعة النبي ﷺ ، والمتابعة لا تتحقق إلا إذا كانت موافقة للشرع في ستة أمور: السبب، والجنس، والقدر، والكيفية، والزمان، والمكان» [٥] ولهذا خالف المذهب في كثير من المسائل: كمسألة تقسيم الماء، ونقض الوضوء بمس المرأة لشهوة، والطلاق بالثلاث، وغير ذلك. (انظر الشرح الممتع بمجلداته الثمانية، ورسالة الدماء الطبيعية، ورسالة الأضحية وغير ذلك) . وله عناية بمصادر الشريعة، فشرع في دروسه في تفسير القرآن العظيم (تحت الطبع منه ثلاث مجلدات) وشرح كثيراً من تفسير الجلالين، وشرح صحيح البخاري كاملاً، وبدأ بإعادة شرحه مرة أخرى، وشرح جزءاً من صحيح مسلم، وشرح أيضاً بلوغ المرام لابن حجر كاملاً، وبدأ بإعادة شرحه مرة أخرى، وشرح القسم الأول من عمدة الأحكام، وشرح كثيراً من المنتقى للمجد. كما أنه إذا رجَّح قولاً، أو أفتى بمسألة ثم ظهر له خلاف ذلك لدليل ترجَّح عنده، رجع عن قوله الأول، وأذكر لذلك أمثلة منها: - كان يرى أن دم النفاس لا حدَّ لأكثره، ثم ترجح له أن حدَّه أربعون يوماً. - استحباب جلسة الاستراحة مطلقاً، ثم ترجح له ترجحاً يسيراً مشروعيتها عند الحاجة. - أن رطوبة فرج المرأة ناقضة للوضوء، ثم تبين له عدم النقض. - أن الكدرة مع أوجاع العادة قبل العادة منها، ثم ترجح له عدم اعتبارها. وغير ذلك. ثالثاً: عنايته بعلم أصول الفقه، والقواعد الفقهية، وعلم النحو ورَّثه ملكة فقهية تقوم على تخريج الفروع على الأصول، ورد الجزئيات إلى الكليات، والمقدرة على الاستنباط؛ فقد قرأ الشيخ في دروسه كتاب قواعد ابن رجب وعلق عليه، وألَّف قديماً: الأصول من علم الأصول، وشرحه في المسجد، وشرح نظم الورقات للعمريطي، ومختصر التحرير، وله أيضاً منظومة في الأصول والقواعد، وشرحها في المسجد، وشرح أيضاً: ألفية ابن مالك والآجرومية، وغير ذلك. وقد كثر في فقه الشيخ استعمال القواعد الفقهية والأصولية، ورد جزئيات المسائل إليها، لما فيها من سهولة العلم، والإحاطة بأحكام الفروع والإلمام بمدلولاتها، ولما يترتب عليها من انتظام الكليات للجزئيات، ولولا ذلك لكانت الأحكام الفقهية فروعاً متناثرة تتناقض في ظواهرها، وإن اتفقت في مدلول بواطنها، ولا يصل الفقيه لمرتبة الاجتهاد إلا بإدراكها وضبطها، ومن أمثلة القواعد التي خرَّج عليها فرعيات المسائل: - العبرة في الأمور بمعانيها لا بصورها (الممتع ١/٢٠٧) . - ما كان معفواً عنه شرعاً زال ضرره قدراً (الممتع ١/ ٣٥٧) . - يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً (١/٤٣٤) . - المشقة تجلب التيسير (١/٤٣٩) . - ما كان تحريمه تحريم وسائل أباحته الحاجة (٢/٢١١) . - الاستثناء معيار العموم (١/٢٧٥) . - إذا قيد العام بما يوافق العام فليس بقيد (١/٢٩٦) . - الح قائق تحمل على عرف الناطق بها (١/٣٠٩) . وغير ذلك. رابعاً: العناية بالفروق والتقاسيم الفقهية: فقد اعتنى كثير من علماء المسلمين بعلم الفروق بين المسائل والأحكام، وأفردوه بالتأليف لما له من أهمية بالغة في إيضاح الفروق الدقيقة بين كثير من المسائل التي تتشابه صورها وتختلف أسبابها وأحكامها وعللها، وأيضاً: الفروق كالقواعد في تقريب العلم وتسهيله والإلمام به وحفظه، وشيخنا ﵀ له نصيب من ذلك؛ فقد شرح في دروسه كتاب شيخه: (الأصول والقواعد الجامعة، والفروق والتقاسيم النافعة) . ومن الأمثلة على عنايته بالفروق والتقاسيم: - الفرق بين القضاء والأداء (الشرح الممتع، ٢/ ٧٣) . - الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية (الشرح الممتع، ٢/ ٣٨) . - الفرق بين الركن والشرط، (الشرح الممتع ٣/٨٧) . - الفرق بين شرط العقد والشروط فيه (السابق، ٨/٢٠٥) . - الفرق بين الفجر الأول والفجر الثاني (السابق، ٢/ ١٠٧) ، وغير ذلك. - تقسيم إزالة الشعور إلى ثلاثة أقسام. - النجاسة ثلاثة أقسام (الشرح الممتع، ١/٣٥١) . - الحركة في الصلاة خمسة أقسام. - للمأموم مع إمامه أربعة أقسام (السابق، ٤/٣٢٢) . خامساً: سلوك طريقة القرآن الكريم فيما يتعلق بفقه الفرائض شرحاً وتأليفاً: وهذه الطريقة أفيد من غيرها في تقريب هذا العلم وتسهيله وحفظه وجمعه؛ وبيانها كما في القرآن: أنه يبين حالات كل صاحب فرض في موضع واحد؛ فالزوج مثلاً يأخذ النصف بشرط كذا، أو الربع بشرط كذا، والزوجة تأخذ الربع بشرط كذا أو الثمن، والأم تأخذ الثلث بشرط كذا وتأخذ السدس بشرط كذا وتارة ثلث الفرض وهكذا. وللشيخ في هذا كتاب: «تسهيل الفرائض» وشرحه في دروس البرهانية كثيراً. بخلاف الطريقة الأخرى التي سلكها كثير من الفرضيين؛ فإنهم يُبيِّنون أولاً الفروض المقدرة ثم يذكرون أصحاب كل فرض، ثم شروط إرثه لهذا الفرض، ويؤخذ على هذه الطريقة التطويل والتكرار وتشتيت هذا العلم. اللهم اغفر لشيخنا، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، وافسح له في قبره، ونوِّر له فيه. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه

стр. 3829

في رياض المصلحين منهج الشيخ ابن عثيمين في تعليمه للعلم علي بن عبد الله السلطان [*] الحديث عن منهج شيخنا ﵀ في تعليمه للعلم حديث عن وقت من أنفس ساعات حياته؛ حيث إن المتتبع لبرنامجه اليومي يرى أنه أوقف حياته ﵀ على ذلك؛ فقد كان التعليم ونشر هذا الدين هو شغله الشاغل وهمه الذي لا يكاد ينفك عنه. فبعد أن أمضى ﵀ أول حياته في تحصيل العلم النافع وتمكن فيه امتثل أمر الله سبحانه وأمر رسوله ﷺ بنشر هذا العلم وتبليغه وإعطائه للناس عبودية لله وشكراً له ولئلا يكون مثل [وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ] (التوبة: ٣٤) ، وممتثلاً لقوله ﷺ : «بلغوا عني ولو آية» [١] . وكان أول جلوسه للطلاب سنة ١٣٧١هـ في حياة شيخه عبد الرحمن ابن ناصر السعدي ﵀ حتى آخر ليلة من رمضان سنة ١٤٢١هـ؛ فقد أمضى ﵀ قرابة خمسين سنة «نصف قرن» في نشر هذا العلم. والحديث عن نشره للعلم ليس في الجامع الكبير في عنيزة فقط، ولا في عنيزة أو في القصيم أو في بقية مدن المملكة التي يصل إليها بنفسه؛ بل حتى التي لا يصل إليها بنفسه من مدن المملكة العربية السعودية أو خارج المملكة عبر وسائل الاتصال كما سيظهر ذلك إن شاء الله في ثنايا هذا الحديث. هذا وسيكون الحديث عبر المحاور الآتية: المحور الأول: المراحل الزمنية. المحور الثاني: طريقته في التعليم. المحور الثالث: المجالات التي من خلالها بَذَل علمه. المحور الأول: المراحل الزمنية: مرت حياته ﵀ في نشر العلم عبر ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: من سنة ١٣٧١هـ حتى منتصف سنة ١٣٧٦هـ. المرحلة الثانية: من جمادى الآخرة سنة ١٣٧٦هـ حتى سنة ١٤٠٠هـ. المرحلة الثالثة: من سنة ١٤٠١هـ حتى نهاية شهر رمضان ١٤٢١هـ. وإليك تفصيل ذلك: المرحلة الأولى: من سنة ١٣٧١هـ حتى منتصف سنة ١٣٧٦هـ. هذه المرحلة تمثل أولى بدايات جلوسه ﵀ للتعليم وذلك بإذن من شيخه الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ وإن كانت هذه المرحلة غير منتظمة حيث سافر خلالها للدراسة في الرياض وعاد. وكان يقوم بتدريس فئة من الطلاب حسب ما ذكره من ترجمة للشيخ في حياته ﵀. المرحلة الثانية: من رجب سنة ١٣٧٦هـ حتى سنة ١٤٠٠هـ. وهذه المرحلة تمثل جلوسه للتدريس بعد وفاة شيخه في جمادى سنة ١٣٧٦هـ لطلاب العلم، وقد كان جُلُّهم في أوائل تلك الفترة من زملائه في الطلب وشاركهم غيرهم. وقد مرَّت هذه المرحلة والطلبة بين مد وجزر من حيث العدد تؤثر فيهم صوارف الحياة بين إقبال وإدبار، وقد أدركناهم وعددهم لا يتجاوز العشرة، ومن بينهم بقية من طلاب الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀، وفي آخر هذه الفترة التحق بدرسه مجموعة من الطلاب لازمه بعضهم إلى آخر حياته ﵀. وحسبي من هذا الإيراد وقفة مهمة ينبغي التفطن لها، وأن تكون لطالب العلم على بال، وأن يقف عندها كل من سلك هذا الطريق؛ وهي أن تتصور مدى صبر الشيخ ﵀ وتحمله للفترات التي تمر على الطلبة من حيث الإقبال والإدبار والمد والجزر؛ حتى إنه خلال ما يقرب من عشرين سنة من ١٣٧٦هـ حتى ١٣٩٦هـ كان العدد الذي بقي معه لا يزيدون على العشرة، بل ربما لا يتجاوزون الاثنين أو الثلاثة أحياناً؛ فللَّه درُّ شيخنا من صاحب همة عالية تتساقط دونها كثير من الهمم؛ فلم تلن له قناة، ولم ينثنِ له عزم، بل صبر وصابر على انصراف الناس وعزوفهم وزهدهم في العلم. وهذا يصور لنا جانباً من صفحات صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل والنشر. عشرون سنة من ١٣٧٦هـ ١٣٩٦هـ وحصيلتها عشرة طلاب يزيدون أو ينقصون قليلاً! لقد كان ﵀ أستاذاً فريداً في الصبر والنظر إلى المستقبل، ولعله يترجم هنا حديث رسول الله ﷺ : «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حُمر النَّعم» [٢] نحسبه كذلك. المرحلة الثالثة: من ١٤٠١هـ حتى نهاية شهر رمضان ١٤٢١هـ. انطلقت هذه المرحلة بنحو من ذلك العدد أو يزيد قليلاً عما كان عليه في المرحلة السابقة يزيدون يوماً فيوماً؛ فإذا بالصف في الحلقة يصبح صفين وثلاثة، وهكذا في نمو متتابع. ثم إذا بالحال غير الحال؛ حيث انتقل طلاب في دراساتهم وآخرون في أعمالهم إلى عنيزة وما حولها رغبة في لزوم الشيخ وثني الركب عنده، بل هناك فئة أخرى قدمت إلى عنيزة مُوقِفَة نفسها على طلب العلم مكتفية من متاع الدنيا بما يهيئه الشيخ من أمور على قدر الحاجة التي تخفف عنهم أعباء الانقطاع لطلب العلم والغربة، حتى صارت مجالس دروسه مهوى أفئدة كثير من طلاب العلم، وصار طلابه من غالب مدن المملكة، بل من الدول الأخرى، حتى إنه بلغ عدد جنسيات الطلاب الذين ارتادوا دروسه ومجالسه العلمية ما يقرب من ثلاثين جنسية. وبلغ عدد طلابه في بعض الدروس قرابة الخمسمائة؛ فالحمد لله الذي أقر عين شيخنا بذلك بعد مكابدة تلك السنين، وجعل ذلك في ميزان حسناته. المحور الثاني: طريقته في التعليم: طريقة شيخنا ﵀ في التعليم تتبلور فيما يلي: أولاً: تأثره بشيخه الشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي ﵀. ثانياً: موقفه من التعصب المذهبي. ثالثاً: عرضه لمسائل الخلاف. رابعاًَ: أسلوبه في إلقاء الدرس. خامساً: حرصه على حفظ المتون. وإليك بيان ذلك: أولاً: تأثره بشيخه الشيخ عبد الرحمن السعدي: يقول شيخنا ﵀ عن نفسه: «لقد تأثرت كثيراً بشيخي عبد الرحمن السعدي ﵀ في طريقة التدريس وعرض العلم وتقريبه للطلاب بالأمثلة والمعاني. والمنهج الذي سلكه الشيخ عبد الرحمن ﵀ هو منهج خرج به عن المنهج الذي يسير عليه علماء نجد في زمانه في غالبيتهم؛ حيث اعتماد المذهب الحنبلي في الفروع من مسائل الأحكام الفقهية، بل كان كثيراً ما يتبنى آراء شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ويرجحها على المذهب، فلم يكن عنده الجمود تجاه مذهب معين، بل كان متجرداً للحق» انتهى كلامه ﵀. هذا وقد انطبعت هذه الصفة وانتقلت إلى تلميذه شيخنا محمد ﵀ فلم يكن تبنيه ﵀ لآراء شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم نابعاً عن هوى أو تقليد، بل كان متجرداً للحق حيثما وجد؛ فهو ضالته ومطلبه، بل إنه ﵀ خالف شيخ الإسلام ابن تيمية في عشرات المسائل أكثر من مخالفة شيخه السعدي لشيخ الإسلام، وكان رائد الجميع ﵏ البحث عن الحق أنى وجد. وأخيراً يقول الشيخ عن نفسه: «والحقيقة أن انتقال والدي ﵀ إلى الرياض كشف لي مدى الحب الذي يكنه لي الشيخ السعدي ﵀ إذ أصر في طلب بقائي بجواره في عنيزة للاستزادة من العلم، وكاتب والدي فوافق، فبقيت بجوار شيخنا السعدي، وأجدني اليوم متأثراً به كثيراً» اهـ. ثانياً: موقفه من التعصب المذهبي: لم يكن ﵀ في طرحه العلمي مركِّزاً على المذهب الحنبلي الذي كان يدرِّس متونه، بل كان يحث طلابه بعلمه وعمله على توخي القول الصحيح، وإن خالف المذهب مع لزوم الأدب مع العلماء والاعتراف بفضلهم وما بذلوه من جهد في هذا المضمار؛ فالمرجع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ وعلى هذا سار في تعليمه وفتواه، بل تأثر به بعض علماء عصره حتى ممن يكبره سناً. وكان معظماً للأمر الذي عليه دليل من الكتاب أو السنة ومقدماً لهما على كل قول حتى إنه يقول منكِراً على من يخالفه: «لو قال لكم أحد: إن هذا القول قول العالم الفلاني لأكبرتموه واشرأبت إليه أعناقكم، كيف وهذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم!» . ويرى ﵀ أن المتعصب لمذهب أو شخص مع أن الدليل خلافه مُقْدم على خطر عظيم؛ وذلك أنه أي بتعصبه يستلزم تقديم قول غير الله تعالى ورسوله ﷺ ؛ وهذا خطير جداً. صحيح أن الإنسان يتأثر إذا تفقه على يد عالم أو على مذهب معين يتأثر بهذا العالم أو بهذا المذهب؛ وهذا لا يستلزم أن يكون الإنسان متعصباً لهذا المذهب أو لذلك الرجل، وهذه مسألة يجب التفطن لها وهي أن طالب العلم إذا تبين له الدليل فعليه أن يتبعه حيثما كان؛ لأن الله سبحانه يقول: [وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ] (الشورى: ١٠) ، ويقول: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً] (النساء: ٥٩) . ويقول سبحانه: [وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ] (القصص: ٦٥) . ثالثاً: عرضه لمسائل الخلاف: أما عرضه لمسائل الخلاف أثناء الدرس فكان ﵀ يعرضها بكل تجرد؛ حيث إنه يبدأ بتقرير المذهب وكم من مسألة خالف فيها المذهب وأخذ بالقول الراجح فيها، وكم من مسألة أخرى بيَّن ﵀ أن الحجاوي ذهب إلى غير القول الراجح في المذهب ثم يعرض لأحد الأقوال في المسألة، ويسرد أدلته وحججه ويبينها أيما بيان حتى تظن من عرضه وبيانه لها أنه لا يمكن ردها؛ بل كأنه بهذا العرض ينتصر لها وأنه القول الراجح. ثم ما إن يعرض للقول الآخر وأدلته وحججه ويبينها حتى يبدأ برد أدلة القول السابق أو توجيهها وترجيح القول المختار مما يظهر غزارة علمه وعدم تعصبه لقول إلا بدليله. وهو مع هذا منصف لمخالفيه ملتزم بأدب الخلاف. وكان لا يقبل من أحد أن يذكر له شخصاً بعينه من العلماء المعاصرين وإنما يقال: قال: بعض أهل العلم؛ حتى يمكن مناقشة قوله بكل تجرد. هذا وله قدرة على الاستنباط من الأدلة الشرعية، وكان ﵀ أحياناً يكلف أحد طلابه ببحث بعض المسائل لتمرينهم على البحث العلمي، ثم يطلب منه في وقت الدرس قراءة البحث على الطلاب ويقوم الشيخ بالتعليق عليه. رابعاً: أسلوبه في إلقاء المادة العلمية: كان ﵀ يلقي دروسه بأسلوب عجيب يتجه إلى القلب، وكان يكره من سامعيه عدم التركيز أو الانشغال بأمور أخرى غير الدرس وذلك بمفاجأتهم بقوله: «ما قلنا؟» أو سؤالهم عن معلومة كان يشرحها، وأحياناً يوقف الكلام لا لإرادة الوقوف وإنما ليكمل الطلاب الجملة ليعرف مدى اتصالهم بالدرس، وأحياناً يحرك الحضور من خلال الأسئلة، ولا ينتقل من نقطة إلى أخرى حتى يشعر أنها قد فهمت، ولربما أعاد وكرر؛ وكل ذلك حرص منه على فهم المتلقي عنه. هذا وكان له اهتمام بسلامة اللغة؛ حيث تميز ﵀ بلغته العربية وفهمه لها وعدم تكلفه في إلقائها والتكلم بها، مما أعطاه فهماً للنصوص، وانطبع ذلك على اهتمامه بسلامة لغة طلابه وحرصه عليها مع ما يجده من معاناة من الطلاب في ذلك. كما أنه قد خصص ليلة الجمعة من كل أسبوع لإلقاء كلمة من أحد الطلاب قبل الدرس والشيخ في مجلسه في الدرس يستمع، ثم يعلق الشيخ ﵀ على الكلمة؛ وكم في هذه الطريقة من تعويد للطلاب على الإلقاء! خامساً: حفظ المتون كان ﵀ يولي هذا الموضوع أهمية خاصة؛ حيث كان يسمِّع بنفسه للطلاب ولا يكتفي بواحد أو اثنين بل ربما ذهب جزء كبير من الدرس للحفظ، وكان يقول: «لم يبق معنا شيء إلا ما حفظناه في الصغر» . المحور الثالث: المجالات التي بذل علمه من خلالها: ولعل هذا الباب هو صلب دراستنا عن شيخنا ﵀؛ وعليه فإن المجالات التي من خلالها بذل علمه تتلخص فيما يلي: أولاً: الدروس العلمية. ثانياً: الدروس العامة والمحاضرات. ثالثاً: اللقاءات. رابعاً: الفتوى. خامساً: ذهابه وإيابه من المسجد. سادساً: منبر الجمعة. سابعاً: التعليم النظامي. ثامناً: عبر الإذاعة. تاسعاً: عبر بعض الصحف والمجلات. عاشراً: عبر الشريط. الحادي عشر: الإنترنت. ودونك تفصيل ما سبق: أولاً: الدروس العلمية: وهذه أساس عطائه، وقد كانت على فترتين: الأولى: دروس ما بعد صلاة المغرب حتى الإقامة لصلاة العشاء. وهي في جميع أيام الأسبوع وطيلة العام ما عدا شهر رمضان ما دام الشيخ في عنيزة حتى في أيام الامتحانات، إلا أن الدراسة في هذه الفترة أعني فترة الامتحانات تقتصر في الغالب في جميع الليالي على قراءة صحيح البخاري ومسلم أو تصحيح كتاب في الفترتين. وما أذكر أن الشيخ تخلف عن درس المغرب إلا لعارض مع أنه قد يأتي ولو في آخر الوقت إذا عرض له عارض حرصاً منه على الاستمرار وعدم الانقطاع مستحضراً ما ورد عن النبي ﷺ أن: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» [٣] هذه الفترة كانت بعد صلاة المغرب حتى أذان العشاء فقط، ثم ينتقل الشيخ بعد أذان العشاء لدرس لعموم الناس حتى الإقامة وذلك في مشكاة المصابيح أو بلوغ المرام، وهذه الطريقة كانت حتى عام ١٤٠٠ هـ تقريباً. وحينما زاد عدد الطلاب غلَّب الشيخ حاجتهم إلى هذا الوقت، فجعل الوقت كله من بعد صلاة المغرب إلى إقامة صلاة العشاء للدروس العلمية للطلاب. وكانت على ما يلي: أولاً: من بعد صلاة المغرب حتى أذان العشاء، وكانت على النحو الآتي. ليلة السبت: حديث، «بلوغ المرام» . ليلة الأحد: فقه، «زاد المستقنع» . ليلة الإثنين: حديث، «بلوغ المرام» . ليلة الثلاثاء: فقه، «زاد المستقنع» . ليلة الأربعاء: تفسير، من أول القرآن، ولم يكن هناك كتاب بين يدي الطلاب بل كان الشيخ يشرح من المصحف مباشرة. ليلة الخميس: صحيح البخاري، وصحيح مسلم. ليلة الجمعة: تفسير. مع تقديم وتأخير أحياناً وبشكل نادر مراعاة لأحوال الطلبة. ثانياً: ما بعد أذان العشاء الآخرة حتى الإقامة: كانت هذه الفترة تدرس بها مختلف الفنون على فترات، وذلك مثل العقيدة: كتاب التوحيد، العقيدة الواسطية، والفرائض: الكافي في الفقه. والسيرة النبوية: نور اليقين. واللغة: ألفية ابن مالك، قطر الندى. وغيرها مما يكون عارضاً. وبهذه المناسبة فإنه ﵀ لم يكن ينظر متى ينتهي من الكتاب، أو أن طول السنين ستوهن من عزيمته، بل هو سائر على طريقته دون تغيير لمنهجه في الطرح العلمي، وإشباعه المسألة بحثاً. حتى إنه قيل له مرة حينما بدأنا ببلوغ المرام على هذه الطريقة: يا شيخ! قد نحتاج إلى عشرين سنة لإنهائه! فما كان منه إلا أن استمر في طريقته حتى أنهى الكتاب والحمد لله، وقد بُدئ بالكتاب حوالي سنة ١٤٠٠هـ وأنهاه سنة ١٤١٧هـ وذلك بعد قرابة ثمانية عشرة سنة. هذا وقد كانت بعض دروس هذه الفترة في الآونة الأخيرة تنقل عبر الهاتف إلى بعض مدن المملكة، بل وإلى البحرين، حتى إن الشيخ ﵀ كان يقسم الأسئلة بعد نهاية الدرس بين طلابه الحاضرين والذين في البحرين في وقت واحد. الثانية: الدراسة الصباحية: وهذه في الجامع الكبير في عنيزة، وكانت إلى ما قبل عام ١٤٠٠هـ داخل مكتبة الجامع «المكتبة الوطنية» وهي مكتبة ملحقة ببناء الجامع يوم كان بناؤه من اللبن والطين، ثم لما كثر الطلاب بعد ذلك خرج منها إلى أروقة الجامع. والدراسة من حيث الزمان في صيف كل عام؛ حيث إن الشيخ يقف في نهاية الإجازة ثم يكمل في العام التالي. أما مدة الدراسة فهي طيلة أيام الأسبوع ما عدا يومي الثلاثاء والجمعة على طريقة شيخه الشيخ عبد الرحمن السعدي، ثم لما كثر الطلاب رأى حاجتهم تقتضي الاستمرار طوال الأسبوع ما عدا الجمعة. ولضبط الوقت وحتى لا يطغى وقت درس على آخر جعل ﵀ منبهاً قبل خمس دقائق من نهاية كل درس ليكون للأسئلة، ثم الانتقال إلى الدرس الذي بعده، دون فاصل بين الدروس وهو مستمر في جلسته، أما الوقت الزمني فيبدأ من الساعة الثامنة حتى العاشرة والنصف أو الحادية عشرة أحياناً. أما المنهج العلمي فهو كما يلي: ١ - التفسير وقد اعتمد في شرحه متناً بين يدي الطلاب وهو تفسير الجلالين، إلا أن التسجيل الصوتي لهذه الدروس بدأ متأخراً. ٢ - الحديث: وقد اعتمد في شرحه «المنتقى من أحاديث الأحكام» ، وكان له أحياناً اختيارات لبعض الأحاديث يمليها على أحد طلابه. ٣ - الفقه: وقد اعتمد متن «زاد المستقنع» ، وهذه دراسة مستقلة عن دراسة المساء. ٤ - العقيدة: وقد تعددت كتبها؛ فمنها السفارينية، وكتاب التوحيد، والواسطية، والقواعد المثلى. وهذه الدروس الأربعة ثابتة كل يوم في الغالب ويزاد أحياناً درس خامس لبعض الفنون ومنها: - الفرائض: البرهانية. النحو: ألفية ابن مالك. القواعد الفقهية: قواعد ابن رجب، ومختصر التحرير. مصطلح الحديث، والوصول من علم الأصول. هذا ومع ما نرى من كثرة الكتب المقررة في الفترة المسائية والصباحية؛ إلا أنه ﵀ غالباً ما يكون اختياره الكتاب من حيث المتن والوقت شورى بينه وبين طلابه. وإن المتأمل في حاله ﵀ يراه جامعة مستقلة؛ فتدريسه طوال العام. وفي الإجازة الصيفية في مختلف الفنون مع ما نرى حال استعداد كثير من المدن بالدروس والدورات العلمية الصيفية التي يجندون لها الأعداد الكثيرة من العلماء وطلبة العلم لتدريس سائر الفنون، ربما يجد المنظمون لهذه الدروس والدورات الحرج في تأمين من يقوم بها، بينما نجد مجلس شيخنا أبي عبد الله في دورة علمية متكاملة لا في الصيف وحده بل في سائر العام وفي فترة واحدة وجلسة واحدة متنقلاً من فن إلى فن. ثانياً: الدروس العامة والمحاضرات: أ - الدروس العامة وهي على ما يلي: ١ - دروس ما بعد صلاة العصر: وكان يقرأ عليه خلال هذا الوقت في كل من رياض الصالحين أو بلوغ المرام أو مشكاة المصابيح ويعلق على ذلك بما يفتح الله عليه. وكان هذا طيلة أيام الأسبوع في المسجد الكبير ما عدا يوم الجمعة. وإذا سافر إلى الرياض أو الطائف فغالباً ما يستغل هذا الوقت. ٢ - درس ما بعد أذان العشاء حتى الإقامة، وهذا كان إلى حوالي عام ١٤٠٠هـ، وكان مما يدرس فيه مشكاة المصابيح، أو بلوغ المرام، ثم انقطع هذا الدرس وخصص هذا الوقت بدرس للطلاب على ما سبق تفصيله في الدروس العلمية. ب - دروس المسجد الحرام: ١ - درس ما بعد صلاة الفجر في الحرم المكي في رمضان، وكان في عمدة الأحكام. ٢ - درس ما بعد صلاة التراويح في الحرم المكي، وغالباًَ ما يكون تعليقاً على بعض الآيات التي تليت تلك الليلة أو كلمة مناسبة لتلك الليلة، ثم الإجابة على الأسئلة الواردة، ووقت هذا اللقاء من بعد صلاة التراويح ويستمر قرابة ساعة ونصف في العُشرَيْن الأولين من رمضان، وبعد دخول العشر الأواخر يكون الدرس ما بين التراويح والقيام في الغالب. ج - المحاضرات: وهذه كان له فيها نصيب أوفى في أماكن كثيرة؛ فحيثما دعي لبَّى النداء ﵀ حسبما يسمح له وقته، وهي على نوعين: النوع الأول: محاضرات مباشرة، ومن أبرزها تنظيمه لمحاضرة في الجامع الكبير وهو اللقاء الشهري بعد العشاء من أول ليلة أحد من كل شهر، وغيرها من المحاضرات الدورية في الجامعات والمجمعات. النوع الثاني: محاضرات عبر الهاتف، وكانت في داخل المملكة العربية السعودية وخارجها لبعض المراكز الإسلامية من بيته، وقد خصص ﵀ رقماً هاتفياً لإلقاء هذه المحاضرات غير هاتف الفتوى والهاتف الخاص، وقد رتب بعض الإخوة في الآونة الأخيرة له محاضرة شهرية لمسجد التوحيد في مدينة (ديترويت) في أمريكا، ويرتبط مع هذا المسجد أحياناً قرابة مائة مسجد أو مركز أو تجمع، وذلك من أمريكا وكندا وأوربا في وقت واحد. ثالثاً: اللقاءات: وهي خاصة (اللقاء الأسبوعي) ، وعامة (اللقاء الشهري) : أ - الخاصة: ١ - درس عقده لخاصة طلابه ليلة السبت من كل أسبوع بعد صلاة العشاء في منزل أحد الطلاب بالتناوب، وكانت القراءة في كتاب الكافي. ٢ - درس للقضاة ليلة الأربعاء من كل أسبوع بعد صلاة العشاء في منزله، وكان يقرأ فيها ما له علاقة بالقضاء كالطرق الحكمية، وإعلام الموقعين لابن القيم. ب - العامة: ١ - لقاؤه مع قسم العقيدة في فرع جامعة الإمام في القصيم ليلة الأحد مرة في الشهر. ٢ - لقاؤه بالخطباء ليلة الثلاثاء مرة في الشهر. ٣ - لقاؤه بطلاب السكن ليلة الأحد مرة في الشهر. ٤ - لقاؤه بأعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليلة الأحد مرة في الشهر. ٥ - لقاؤه بطلاب المعهد العلمي في عنيزة أول إثنين من كل شهر. ٦ - لقاؤه بأعضاء جمعية تحفيظ القرآن ليلة الإثنين مرتين في الشهر، وكان رئيساً لمجلسها طيلة حياته ﵀. ٧ - لقاؤه ببعض طلاب العلم من خارج عنيزة ليلة الخميس مرة في الشهر. رابعاً: الفتوى: ومع أن الشيخ ﵀ قد خصص للفتوى وقتاً معيناً إلا أن المتتبع للأمر لا يكاد يحصرها بوقت معين؛ فقد كانت في المسجد أو في طريقه إلى المنزل أو في سفره وتنقلاته، وحتى في حضوره المناسبات وبعد دروس المسجد الحرام؛ مع أنه قد خصص وقتاً للفتوى عبر الهاتف من بعد صلاة الظهر حتى إذا جاء وقت غدائه قرَّب الهاتف عنده؛ فهو وإن كان يغذي جسمه بما يحتاجه لما يقيمه إلا أنه في الوقت نفسه يغذي بل يشفي غليل سائليه بما أشكل عليهم، وكان بعض النساء يأتين إلى الجامع ليسألن الشيخ عن بعض أمورهن، فيخرج لهن عند باب المسجد؛ وربما أخر الدرس أحياناً حتى تقضي المرأة مسألتها، وإذا سافر من عنيزة سجل في هاتفه الرقم الذي سيكون عليه في البلد الآخر حتى يسهل الاتصال به. خامساً: ذهابه وإيابه من المسجد: اعتاد الشيخ أن يذهب إلى المسجد ويعود منه على قدميه مع بُعد المسجد عن بيته وإن كان هذا الوقت من الزمن قد لا يأبه به كثير من الناس، إلا أن شيخنا ﵀ قد رأى لهذا الوقت قيمته؛ ففي ذهابه خصصه لنفسه، وفي إيابه جعله للناس؛ فكم من كتاب قد صُحِّحَ عليه وقرئ عليه، ناهيك عن أصحاب الحاجات والفتاوى الذين يرافقونه حتى يصل إلى بيته، بل قد يقف عند الباب أحياناً حتى ينهي حاجة سائليه. سادساً: منبر الجمعة: الحديث عن منبر الجمعة لا تفي بحقه هذه الأسطر؛ فالشيخ خلال ما يزيد على خمس وأربعين سنة ظل خطيباً للجمعة وخطبتي العيدين، والاستسقاء. وقد وظف الشيخ هذا المنبر لتعليم الناس أمور دينهم؛ فكانت خطبته تشتمل على معارف وفوائد علمية قلَّ أن تجدها عند غيره ناهيك عن الموعظة وتذكير الناس، وقد عرف عنه أنه إذا كان مسافراً للرياض أو الطائف أو غيرها أنه يعود إلى عنيزة أحياناً ليلقي خطبته ثم يعود دون أن يظهر تبرماً أو مشقة. سابعاً: التعليم النظامي: وذلك أنه ﵀ درَّس في كل من معهد عنيزة العلمي، وفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم، فكان محط أنظار الجميع، وقد استفادت منه أجيال متتابعة. وأصعب ما واجه الشيخ في هذه الفترة هو تصحيح الإجابات حتى إنه اشتهر عنه ذلك سواء كانت أعمال السنة أو في الاختبارات الفصلية؛ لأن منها إجابات يصعب تقويمها لوجود خلل فيها يحير الإنسان: ماذا يحسم عليها من الدرجات، فيقف متحيراً بين الأخذ بالحزم والأمانة، وبين الاحتمالات التي يحتملها الجواب المقدم إليه. ثامناً: عبر الإذاعة: كان للشيخ ﵀ وجود في هذا الميدان، وقد ساهم في بعضها، واستقل بشيء منها، ومن ذلك: «نور على الدرب» ، «سؤال على الهاتف» ، و «من أحكام القرآن» ، و «برامج موسمية عن الحج والصوم» ونحوها. تاسعاً: عبر بعض الصحف والمجلات: كان له ﵀ ركن للإفتاء في بعض الصحف والمجلات. عاشراً: عبر الشريط: ولِمَا للشريط من سهولة في التداول والاستماع فقد أوْلى ﵀ الشريط عناية خاصة؛ حيث إن جميع دروسه وفتاواه السابق ذكرها قد سجلت إلا ما ندر حتى إنه خص إحدى دور التسجيل بإخراج دروسه وفتاواه لتتوحد العناية بها وهي مؤسسة الاستقامة الإسلامية بعنيزة. الحادي عشر: الإنترنت: وهذا المجال وإن كان لم ينسق مع الشيخ فيه إلا متأخراً إلا أنه ﵀ قد أوْلى العناية بذلك في كل ما يتعلق بالإنترنت إلى لجنة خاصة تعنى بشؤونه. وأخيراً: فإن ما كتبته عن شيخنا ﵀ في هذا الموضوع لا أدعي فيه الكمال لا من حيث التقسيم ولا الحصر ولا الوصف؛ فقد فاتني منه ما هو من عادة البشر، والكمال لله سبحانه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه، والحمد لله رب العالمين.

стр. 3830

في رياض المصلحين الجهاد الشيشاني في حياة الشيخ ابن عثيمين محمد بن عبد الله السيف [*] الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد: فلقد رحل شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين بعد أن ترك آثاراً إصلاحية وعلمية كبيرة ينهل من معينها الصافي المصلحون، ويجدّ في تحصيلها والغوص إلى دررها ومعانيها العالمون، وسيبقى أجرها جارياً لمن ورَّثها بإذن الله تعالى، وقد قال الله تعالى: [إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ] (يس: ١٢) ، أي: ما قدموا من الأعمال والآثار التي أثاروها وخلفوها من بعدهم، من علم ودعوة ودلالة على خير.. ونحوه. قال رسول الله ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» [١] . وقال ﷺ : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» [٢] . ومع ما حبا الله تعالى به شيخنا من وفرة العلم، وتبحره في فنونه، وانشغال دائم في نشره وتعليمه والدعوة إليه، وإجابة من يستفتي عن مسائله، والسعي في مصالح الناس، وإيصال المعروف والإحسان إليهم؛ فقد كان شيخنا رحمه الله تعالى متابعاً لقضايا المسلمين، كثير السؤال عن أحوالهم وأخبارهم، ومن ذلك دوره البارز في الجهاد الشيشاني، وهذا الجانب من شخصية شيخنا العلاَّمة ﵀ لا يعرفه كثير من الناس؛ فقد كان ﵀ متأثراً بالغ الأثر بما أصاب المسلمين هناك، محرضاً ومقوياً للمجاهدين في الشيشان؛ فقد حزن حزناً شديداً عندما استمع إلى تقارير تفصيلية عن القضية الشيشانية، ولا سيما عندما شاهد صوراً لجرائم القوات الروسية في حق النساء والرجال والأطفال في الشيشان، فكان يتابع أخبار المجاهدين وأحوالهم أولاً بأول، ويكثر من الاتصال بهم بنفسه، ويسأل أسئلة تفصيلية تدل على حرص واهتمام، ولا أعلم أحداً من العلماء المعاصرين سبقه في ذلك؛ فقد بدأ اهتمامه ﵀ بقضية الجهاد في الشيشان من الحرب الأولى، فكان نعم المعين والمشير، ولمّا انتهت الحرب وهدأت الأمور، وقامت المحاكم الشرعية كان الشيخ هو مرجعنا فيما يشكل علينا من المسائل والمواقف، وكنا نلقى منه كل تجاوب وتفاعل وصبر؛ فقد كان يستقبل أسئلتنا في كل الأوقات بكل ترحيب وبشاشة وسعة صدر، بل أعطانا رقم هاتفه الخاص ليتيسر لنا الحديث معه في أي وقت. ولمَّا بدأت الحرب الشيشانية الثانية كان تفاعله أشد، ومتابعته أكثر، وأحسب أن له نصيباً وافراً من قول الله تعالى: [وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ] (الأنفال: ٧٢) ، ونصيباً وافراً من قول النبي ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله» [٣] . وكنا نتعاهده بآخر الأخبار، ونشرح له تفاصيل الواقع العسكري، وكان يسأل عن قتلى العدو، وعن السلاح المستخدم، وعن الغنائم، وعن حال المجاهدين وأسرهم ومعاناتهم. فإذا تأخرنا عنه اتصل بنا يسأل ويتابع، وقد يتصل أحياناً في ساعة متأخرة بعد الثانية عشرة ليلاً، وإذا تحدث معنا فإنك تشعر في كلامه بصدق التفاعل وبالحرقة والحزن والألم. كان يألم لألمنا، ويفرح لفرحنا، ويبشرنا بفضل الله تعالى وكرمه، وكان يتأسف كثيراً من تقصير الأمة بكافة فئاتها في نصرة إخوانهم. ومن أعظم وصاياه لنا: تذكيرنا بتقوى الله تعالى، وإخلاص العمل لوجهه ، وكان يوصينا بالثبات والصبر، ويذكرنا بفضل الجهاد في سبيل الله تعالى، وبفضل الشهداء، والمرابطين، وكان يحثنا على التآلف والتعاون على البر والتقوى، ويحذرنا من الفرقة والاختلاف. ومن جهة أخرى كان شيخنا ﵀ يحث الناس على التبرع للمجاهدين في الشيشان، ويدفع زكاة ماله للمجاهدين، وقد حدثنا من نثق به من خاصة طلابه أنه كان يقرأ عليهم أخبار المجاهدين، ويطلعهم على أحوالهم، ويحثهم على نصرتهم والتعاون معهم. لقد كان لهذه النصرة والوقفة القوية مع الشعب الشيشاني في محنته أبلغ الأثر في نفوس المجاهدين الذين تتقوى قلوبهم وعزائمهم على مواصلة الطريق، وتحمُّل ما فيه من الشدائد والصعاب بمثل هذه المواقف والأعمال العظيمة. إن كلمات العلماء الصادقة المطمئنة المحرِّضة على البذل في سبيل الله تعالى، والثبات على الحق، هي النور الذي يضيء لهم الطريق بإذن الله تعالى، وهي النبراس الذي يبيّن لهم سبيل الصواب فيسلكونها، ومواقع الخطأ والانحراف فيتجنبونها. إن العلماء هم حراس الأمة وحماتها، يستهدي بهم الناس في ظلمات الطريق، ويسترشدون بهم في مسيرهم إلى الله تعالى، ويلوذون بهم بعد الله تعالى في الذب عن حياضها الكريمة، وتتجلى قيمة العلماء الربانيين في مثل هذه المواقف الجليلة التي يُمتحن فيها العباد، وما أجمل قول الإمام ابن القيم لما ذكر مراتب جهاد النفس: «فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين؛ فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانياً حتى يعرف الحق، ويعمل به، ويُعلّمه؛ فمن علم وعمل وعلَّم فذاك يدعى عظيماً في ملكوت السماوات» [٤] . أسأل الله تعالى أن يتغمد شيخنا بواسع رحمته ومغفرته، وأن يرفع درجته في جنات النعيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 3831

نص شعري لحظة.. لا تغب سلمان بن فريد الجربوع لحظةً لا تغب.. وجوه الليالي ... كاسفاتٌ تفيض حُزناً وثكلا وحناياك روضةٌ من رياض الذك ... ر أشهى من أن تُملَّ وأحلى وفتاواك في شفاه المري ... دين اشتياقٌ على المشوَّقين يُملى! ومُصلاَّك ضارعٌ يتلوَّى ... هل تناهى إليك شوقُ المصلَّى؟ لو رأيت القصيم في حُلَّة العُر ... س كئيباً.. يصيحُ بالنعش: مهلا!! وحواليه من بنيهِ جموعٌ ... تزرعُ الأفق ياسميناً وفُلاَّ كان يزدانُ للقاء بُيوتاً ... وحقولاً.. طفلاً غريراً وكهلا وتغنت بك البطاح ربيعاً ... أنت أشهى منهُ مَراحاً وظلا كلُّهم كان في انتظارك.. عيناً ... تتملَّى، وخاطراً يتسلَّى يتنادى بكَ المدى فننادي ... طائرات القدوم (أهلاً وسهلاً) القصيمُ الذي عهدتَ حنينٌ ... يغتلي حُرقةً ويلتاعُ ويْلا كلُّنا كان بين مدٍّ وجزرٍ ... وحبالُ القضاء تُفتل فتلا ها هنا اصطفَّت القلوب تُناغي ... أملاً من كُوى الغيوب أطلاَّ لفَّنا باليقين بَرْداً ونوراً ... ونمانا لِسِدْرةِ الحبِّ أصلا ودعانا لعالمٍ من مجالي الخُلْ ... د أغلى من أن يُنالَ وأعلى عالِمٌ مبُهرٌ، فلمْ ترَ عينٌ ... قبله مثله دياراً وأهلا وتراءى لنا على البعد طيفٌ ... أيُّ حُسنٍ بدا ونورٍ تجلَّى؟ ! إنه حُسنُه المهيبُ ووجه ... يستثير الرؤى جلالاً ونُبْلا أهُنا يرقد الحبيبُ مُلِمّاً ... بشتات العلم السنيِّ مُدِلاّ؟ ! أهنا يرقد الحبيب.. أفيقي ... يا يد الحلم، فالجمال تدلَّى قال قد رُمت وصفَه، قلتُ مَنْ لي؟! ... قال وفَّيت حقَّه، قلتُ كلاَّ واستفقنا، فمُ الزمان رثاءٌ ... يُهجَر الأنسُ في ذُراه ويُقلى والعثيمينُ رحلةٌ ما توانت ... تملأ الخافقين علماً وبذلا والعثيمين صفحةٌ من كتابٍ ... في يد الموت قدْ طواها وولَّى والدُّنا دمعةٌ تُعزِّي زماناً ... كُنتَ فيه السِّفْرَ العظيمَ الأجلاَّ شفَّك السقم يا طهور السجايا ... واحتوتك الدروبُ وعراً وسهلا وتساميت راضياً مطمئناً ... ينبت البؤسُ في شفاهك فَأْلا ثابت القلب في يمينك سيفٌ ... من يقينٍ يفلُّ سقمك فلاَّ يا خَدِينَ العلومِ لُحتَ رياضاً ... تتمشَّى نَهْراً، وتختال نخلا كنتَ تتلو الصباح غضاً ندياً ... ما عرفتُ الصباح قبلك يُتلى والليالي تنام في صدرك الرح ... ب؛ فليست تحسُّ حقداً وغلاَّ ضمَّك الليل عالماً من خشوعٍ ... يُغسل القلب في مجاليه غسلا أين لا أين دمعةٌ منك تروي ... عطش القلب؟ كم شكا القلب مَحْلا! أين لا أين حلقة منك تشفي ... عِلَّة العقل؟ كم شكا العقل جهلا! قد فقدناك، والأماني انتطارٌ ... فالمساءاتُ بالمسرَّاتِ حُبلى

стр. 3832

ملفات العلمانية في العالم الإسلامي.. تساقط الأوراق (٢ - ٣) وما زال الحديث مستمراً عندما تُذكَرُ العلمانية يتبادر إلى ذهن بعض الأشخاص شكلاً من أشكال مخالفة أو محادة الشريعة بمعناها القانوني، وقد تذهب الأنظار بهم إلى بقعة (أو بقاع) معينة في عالمنا الإسلامي اشتهرت بتلك المخالفة (أو المحادة) ، وهذا التصور إما أنه ناشئ عن قصور في معرفة العلمانية، أو محدودية في فهم الإسلام، أو عدم إحاطة بمدى التغلغل العلماني في واقعنا. فالعلمانية مذهب فكري له أساس عام، تنبثق منه تصورات وأفكار تشمل الحياة كلها، وتبنى على قاعدة هذه التصورات والأفكار هياكل ومؤسسات ونظم وتكتلات تتغلغل في حياة الأفراد والجماعات لتصبغهم بصبغتها، وتسيرهم وفق فلسفتها. وفي المقابل: فإن الإسلام كما هو معلوم عند جميع المؤمنين به دين يحوي نظاماً متفرداً وذا خصوصية؛ فهو دين شامل ومهيمن وموجه لحياة الأفراد والجماعات: أفكارهم وتصوراتهم، مشاعرهم وعلاقاتهم، نظمهم ومؤسساتهم.. فالإسلام على حقيقته والعلمانية في جوهرها ضدان لا يجتمعان ولا يتفقان، وحسب قوانين الإحلال (أو الاحتلال) فإنه كلما ارتفع أحدهما في مجال (أو أكثر) انخفض الآخر في هذا المجال، والعكس بالعكس. ومن هذا المنطلق حرصت البيان أن تكون مشاركات هذا الملف على طرف من الشمول الموضوعي والتنوع الجغرافي، حتى يقدم مساهمة في إيضاح نماذج لهذا التنوع والانتشار، آخذين في الاعتبار أن الإحاطة بهذا الموضوع لا يقوم به ملف واحد ولا حتى مجلد واحد. ففي الحلقة الماضية قدم لنا الدكتور عوض القرني عرضاً موجزاً لفكرة العلمانية ومفهمومها وظروف نشأتها في موطنها الأصلي (الغرب) ، وبين أن هذه الفكرة والظروف لا تتفق مع حقيقة إسلامنا وظروف مجتمعنا الذي قام على هذا الدين، ثم بحث الأستاذ خالد أبو الفتوح في جذور العلمانية والتغريب ومسيرتها في عالمنا الإسلامي، متنقلاً بين سنوات التاريخ وحدود الجغرافيا، فتحدث عن مصر والشام وتركيا والجزائر. وعن الليبرالية العربية المستقاة من الفكر الغربي تحدث الأستاذ محمود سلطان موضحاً أحد أكبر تجليات العلمانية، وفي المجال السياسي بيَّن الأستاذ كمال حبيب الأثر المدمر للقومية في مسيرة منطقتنا، موضحاً إخفاقها في إقامة بديل خالٍ من التبعية والتشرذم لأساس الولاء والبراء في الإسلام، وأخيراً حدثنا الدكتور مصطفى محمود أبو بكر عن جانب من علمانية الاقتصاد، رابطاً بين العلمانية والعولمة، وموضحاً إخفاق خطط التنمية التي قامت على هذا الأساس ومدى الفساد الاقتصادي والاجتماعي الذي صاحبها. وفي هذه الحلقة يجد القراء استكمالاً لهذا الحديث، من خلال مشاركات عن العلمانية بوجهها الفكري والسياسي والقانوني والاجتماعي، في بلاد متعددة، كتركيا وتونس ومصر والهند، نتركك تطالعها بنفسك.. وما زال الحديث مستمراً.

стр. 3833

ملفات العلمانية في العالم الإسلامي.. تساقط الأوراق (٢ - ٣) العلمانية في قفص الاتهام الغزو العلماني للتشريع وأثره على المجتمع (دراسة حالة) المحامي/ صبحي صالح موسى تعد التشريعات القانونية مرآة تعكس حقيقة المجتمعات؛ فمن خلالها نستطيع التعرف على النمط السياسي والاقتصادي والاجتماعي لأي مجتمع لا سيما المجتمعات ذات الاتجاهات الأيديولوجية التي تحكمها تشريعات تصدر عن هذه الاتجاهات وتصب فيما يحقق الفلسفة الفكرية للاتجاه السائد. ولما كانت الشريعة الإسلامية نظاماً كاملاً شاملاً (وضمن ذلك جانبها التشريعي القانوني) يستند إلى أساس عقدي، وتصدر عن أصل مقدس قائم على الكتاب والسنة، وهما أصلا الاستدلال عند المسلمين؛ فإنها تتميز بلون وسمت مميز ومختلف تماماً عن كافة النظم القانونية الأخرى السائدة في العالم كله [صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ] (البقرة: ١٣٨) ومن السهل تمييز المجتمعات المحكومة بنظام الإسلام من أي مظهر من مظاهر هذه المجتمعات سواء كان هذا المظهر عقدياً أو أخلاقياً، فكرياً أو سلوكياً، فردياً أو مجتمعياً. وقد ظلت المجتمعات الإسلامية جميعها محكومة بنظام الشريعة الإسلامية منذ ظهور الإسلام، وفي النكبة الأخيرة التي كان أبرز مظاهرها سقوط الخلافة العثمانية (في تركيا) سنة ١٩٢٤م على يد مصطفي كمال أتاتورك، وما تبع ذلك من انهيارات مدوية في البلاد الإسلامية إلا ما رحم ربك، ولم يكن ذلك فجأة ولا من فراغ، وإنما تم ذلك بعد هجوم ضار منظم تمثل في حملات عسكرية متتابعة يتزامن معها وعلى المحاور نفسها حملات غزو فكرى وثقافي أشد ضراوة وأكثر تنظيماً. وإذا كانت الأمور قد انتهت باحتلال عسكري أجنبي (صليبي) في معظم البلاد الإسلامية؛ فإن الأشد فداحة هو وصول الأمر إلى أبعد غاية ممكنة، تمثلت في احتلال عقول وقلوب ومن ثم: سلوك وعادات كثير من أهالي هذه البلدان. وعلى الرغم من حصول هذه البلدان على الاستقلال السياسي، وجلاء القوات العسكرية الأجنبية عن أراضيها على مدار سني القرن العشرين؛ ومع ذلك وبعد مرور قرن بأكمله فإنه لا يستطيع أحد أن ينكر أن عقول وقلوب وعادات وسلوكيات أبناء هذه البلاد لا سيما كثيرًا من النخب السياسية الحاكمة فيها ما زالت محتلة احتلالاً أجنبياً، وأبرز صور هذا الاحتلال وضوحاً وأبلغها أثراً: هذا الاحتلال الفكري والثقافي والاجتماعي المسيطر على كثير من مناحي التشريعات القانونية لبلدان العالم الإسلامي؛ فما زالت أحكام الشريعة الإسلامية مهمشة ومبعدة عن دفة الأمور ومنصة الأحكام عن عمد وإصرار، بل الأشد من ذلك والأنكى: أن هذا الاحتلال أصبح قوياً وممكناً إلى درجة اعتبار الدعوة إلى الاستقلال التشريعي، والمطالبة بالتحرر القانوني، والعودة إلى التشريعات الأصلية لهذه البلدان والتي تنبع من عقيدتها، والمطالبة من ثم بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية أصبح ذلك جريمة شائنة تعامل بأشد صور المعاملة القانونية قسوة وبشاعة، وتطبق عليها أشد العقوبات صرامة وضراوة، وتحكمها عادةً إجراءات استثنائية وأحكام عرفية غير مسبوقة في التاريخ. ولكن قبل استعراضنا لدراسة الحالة التي نمثل لها يحسن بنا تقديم عرض تمهيدي موجز لفكرة سيادة القانون في التشريعات العلمانية مقارنة بالشريعة. أولاً: فكرة (سيادة القانون) بين الإسلام والعلمانية: تعد فكرة سيادة القانون عند المفكرين القانونيين قمة التطور الإنساني في مجال كرامة المواطن وحقوق الإنسان، كما أنها تمثل قمة الديمقراطية؛ فهي النموذج المحتذى والمثل المقتدى في الدول الحرة والمتقدمة، وهذه الفكرة تتمثل في سيادة القانون وتدرُّجه؛ بحيث يكون الدستور هو القانون الأعلى والأسمى للبلاد، وهي فكرة تحقق توازن الحقوق والواجبات بين الحاكم والمحكوم، كما أنها تحقق مبدأ الفصل بين سلطات الدولة، بما يضمن عدم تعدي سلطة على أخرى أو انفراد إحداها بالسلطة بما يتيح المناخ للظلم والقهر والتسلط والدكتاتورية. ونظراً لما تتسم به المجتمعات العلمانية من قصر نظرٍ مرجعه عدم الإيمان بالغيب، فضلاً عن سطحية في التصور مرجعها عبادة العقل والتمرد على الوحي فإن فكرة المشروعية الدستورية وسيادة القانون هي بالنسبة لهم غاية المرتجى ونهاية المجد. لكن في الشريعة الإسلامية تبدو هذه الفكرة أشبه بآلهة التمر التي كان يصنعها كفار مكة قبل الإسلام، فإذا جاع أحدهم أكل الإله أو بعضه، ثم أعاضوا له ما أكلوه منه، ثم خرُّوا له ساجدين. وبيان ذلك يتضح من هذا الفرق الجوهري والخطير بين المشروعية الدستورية العليا عند العلمانيين والمشروعية الإسلامية العليا عند علماء الشريعة الإسلامية؛ إذ إن الدستور الوضعي وهو أسمى القوانين؛ بحسبانه القانون الأعلى للدولة إنما يضعه البشر (نواب عن الأمة) ، بينما القانون الأسمى والأعلى عند المسلمين هو وحي الله المنزل (كتابه العزيز وصحيح السنة النبوية المطهرة) والفرق بين الاثنين واضح، والأثر المترتب على ذلك أوضح: فالوحي مقدس قداسة منزله ، وباق بقاء منزله سبحانه، ومن ثم فهو يستعصي على الإلغاء أو التعديل لقوله : [قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي] (يونس: ١٥) كما أن كون الوحي منزلاً من عند الله فإنه ينفي وجود أي درجة أو امتياز لأحد على أحد؛ فكل الناس عباد لله الواحد المعبود، وهو بهذه المثابة عال، ومقدس، ومنزه، وباق، وعادل، وهذه صفات مطلقة لله ، ووحي الله صفة من صفات الله تعالى، والصفات تابعة للذات. أما أن فكرة سيادة القانون عند العلمانيين لا تحظى بهذه الصفات التي تتميز بها الفكرة نفسها في الشريعة الإسلامية؛ فذلك لأن الدستور يضعه بشر (أياً كانت صفتهم) ، وأن الجهة التي تصدر الدستور تملك تعديله، كما تملك أيضاً تبديله، ولا يستبعد وجود الأهواء والشهوات والمصالح الشخصية أو النظرات القاصرة في هذا التعديل والتبديل؛ إذ إن ذلك من طبائع البشر، والواقع خير شاهد ودليل، وهذا الأمر يستحيل حدوثه أو حتى تصوره في الشريعة الإسلامية ولا يملكه ولا يقدر عليه أحد كائناً من كان. فالدستور إذن من صنع أيدي هؤلاء ونتاج عقلهم القاصر وثقافتهم المحدودة؛ فهو لمن أصدروه مثلما كانت آلهة التمر لكفار مكة؛ إذ إن القاعدة أن الصانع سيد المصنوع، فإذا كان الدستور من صنع البشر فإن البشر هم سادة الدستور، وهذا الذي لا يستطيع أحد أن يدعيه على الشريعة الإسلامية قط، وهذا أيضاً وجه من وجوه إعجازها. ثانياً: القانون والإسلام: ويلاحظ كثير من المؤرخين وفقهاء القانون أن الصلة بين الدين الإسلامي خاصة والشريعة صلة تقوم على التغذية المتبادلة دائماً؛ فالشريعة انتشرت حيث انتشرت العقيدة الإسلامية، وبالعكس فإن العقيدة الإسلامية بدأت تنحسر وتضعف حيث تقلص نفوذ الشريعة وتقلص دورها في المجتمعات التي أحلَّت القوانين الوضعية محل أحكام الشرع. هذه العلاقة بين الدين والقانون توجد في جميع المجتمعات غير الإسلامية من الديانات المختلفة، ولكنها بالنسبة للإسلام خاصة تتخذ رباطاً وثيقاً للغاية؛ لأن الصلة بين الدين والقانون في الإسلام صلة ارتكان. ثالثاً: الشريعة والتجديد: ونظراً لكثرة الكلام حول وجوب التجديد في الشريعة يتعين الإشارة إلى أنه عند الحديث عن التجديد والمجددين في الإسلام ينبغي ملاحظة الفارق المهم بين الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي. ١- فالشريعة هي الأحكام التي أنزلها الله لعباده، ومصادرها الرئيسية هي القرآن وسنة النبي ﷺ . ٢ - بينما الفقه هو معرفة الأحكام الشرعية التي تتعلق بأفعال العباد بأدلتها التفصيلية عن طريق الاستدلال والاستنباط والاجتهاد في فهم نصوص الشريعة الإسلامية؛ فالشريعة ذاتها أصل ووضع إلهي لا يتغير، بينما الفقه وهو فهم البشر للنصوص وتطبيقه على أوضاع مجتمعاتهم وظروفهم ذو وضع بشري يَرِد عليه الخطأ والصواب، ويَرِد عليه التجدد وإعادة النظر. ولكن تتبقى نقطة بالنسبة للتجديد وهي أنني لا أظن أن أحداً أو كثيرين لا يؤمنون بأهمية تجديد الفقه والفكر الإسلامي، ولا نجد خلافاً حقيقياً في هذه النقطة، وإنما المشكلة الأساسية هنا هي: كيف يمكن أن نمارس التجديد في الفقه الإسلامي الآخذ عن الشريعة ونحن مستنفذو القوى في معركة فكرية أخطر، وهي: تثبيت الشريعة أو تعطيلها؟ هذه هي المشكلة الحقيقية! المشكلة أن الشريعة تجد هجوماً شديداً عليها وتجتث أصولها من المجتمع، مما يجعلنا نسائل أنفسنا: ما الذي ننصرف إليه؟ ننصرف إلى الاجتهاد في الفروع؟ أم نهتم بتثبيت الأصول؟ هذه هي المشكلة، وهذه هي النقطة التي تحتاج منا إلى صياغات جيدة؛ فهل نستطيع أن نقوم بالعملين معاً بغير تضارب بينهما وبحيث لا يطغى أحدهما على الآخر؟ - لا بد من تثبيت الأصول، هذه نقطة. - النقطة الثانية: لا بد من التجديد في فروع الشريعة الإسلامية وفي الفقه. - والتلاؤم وعملية المزاوجة بين هذين الأمرين تحتاج من الكافة إلى جهد كبير. رابعاً: الشريعة والجماعة السياسية: إن التشريع المأخوذ عن الشريعة الإسلامية يشكل أساساً حيوياً وجوهرياً لتوحيد ما يمكن توحيده من أقطار العرب والمسلمين، وقد قام بدوره التوحيدي هذا من قبل، ومما له دلالته أن تفتت أمتنا العربية والإسلامية أقطاراً جاء متواكباً مع العدول عن التشريع الإسلامي، وأن التقنين الوضعي واختلاف مدارسه صار أحد معوقات إمكان التوحيد بين شعوبنا؛ إذ بينما يخضع المصري والشامي للتشريعات اللاتينية كان يخضع السوداني للتشريع الأنجلو سكسوني.. وهكذا [١] . الغزو العلماني للتشريعات القانونية المصرية: ونظراً لما تتمتع به مصر من مكانة تاريخية وجغرافية على مدار التاريخ الإسلامي كله منذ الفتح الإسلامي لمصر إبان خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ودورها الرائد في حماية الإسلام والذود عن المسلمين، والذي تجلى في أعظم صوره في مواجهة التتار ودحر عدوانهم فضلاً عن صمودها وجهادها وتضحياتها في مواجهة الحملات الصليبية المتكررة على مدار حركة الصراع التاريخي كله، ونظراً لأثرها في العالم الإسلامي، فقد ركز عليها الغرب ضرباته واستهدفها بمؤامراته، مما رشحها بقوة لتكون نموذجاً لـ (دراسة حالة) لموضوع هذا المقال. ولبحث مدى اتفاق أو افتراق القوانين المصرية مع الشريعة الإسلامية، وإلى أي مدى كان الاحتلال الأجنبي (العلماني) للأحكام القانونية المصرية في مختلف المجالات نعرض أولاً للنشأة والتطور التشريعي تاريخياً. التطور التاريخي للتشريعات الحاكمة في مصر منذ الفتح الإسلامي وحتى اليوم: أولاً: المحاكم الشرعية منذ نشأتها حتى إلغائها: ١ - نشأت مصر نشأة إسلامية تحكم بالشريعة، حيث كان فقهاء الصحابة والتابعين من بعدهم يرجعون في قضائهم وفتاويهم إلى الكتاب العزيز والسنة المطهرة وأدلة الاجتهاد. ٢ - وفي العصور اللاحقة تداول منصب القضاء في مصر فقهاء من مذاهب إسلامية مختلفة. ٣ - إلى أن فتح الأتراك العثمانيون القطر المصري، فجعلوا قاضي القضاة حنفياً، وفي كل هذه العهود كان المرجع في القضاء متون كتب الفقه المتعددة، والشروح والحواشي، وكتب الفتاوى الكثيرة، بدون أن يتقيدوا بقانون مصاغ على نمط القوانين الحديثة. ٤ - وفي أوائل حكم محمد على باشا والي مصر صدر له من الدولة العثمانية فرمان شاهاني يتضمن تخصيص القضاء والإفتاء بمذهب أبي حنيفة، كما صدرت له في آخر حكمه إرادة سَنِية تؤكد العمل بذلك الفرمان، وجرى العمل من ذلك الحين طبقاً لما تضمنه هذا الفرمان وتلك الإرادة، وتقرر هذا التخصيص بشكل واضح فيما صدر من القوانين للمحاكم الشرعية. والجدير بالذكر أنه لما جاء النفوذ الأجنبي أزاح ذلك كله وأقام نظاماً جديداً قوامه القانون الغربي في مختلف مسائل الأسرة والمجتمع والتجارة والمعاملة؛ فأحدث ذلك اضطراباً شديداً، وقد دعم النفوذ الأجنبي سلطانه السياسي والاجتماعي والاقتصادي بأن أقام معاهد الحقوق والتجارة لتدريس النظم الأجنبية القائمة على إباحة الربا والزنا والخمر والميسر في المجتمع الإسلامي، وكان قانون العقوبات من أخطر هذه القوانين التي أباحت جرائم الزنا وهتك الأعراض وأخرجت المجتمع الإسلامي من ضوابطه وقيمه، وكان الأمر كذلك في دائرة المعاملات حيث فرضت القوانين التي تبيح الربا وتجعله أساس جميع وجوه التعامل في البيع والشراء والإجازة وغيرها. ٥ - وقد جاء هذا التحول الخطير في أعقاب الأزمة الاقتصادية التي وقعت فيها مصر نتيجة لاستدانة إسماعيل باشا من المصارف الأجنبية، تلك المبالغ التي جلبت معها نفوذ الدائنين وسيطرتهم على الاقتصاد المصري، ثم سيطرتها على الحكومة نفسها، مما شجعهم على المطالبة بنظام غربي جديد يمكنهم من فرض سلطانهم على الاقتصاد، وما يتبع ذلك من تغييرات قانونية واجتماعية، وقد جرى ذلك في دائرة الامتيازات الأجنبية التي مكنت الأجانب من إقامة محاكم قنصلية خاصة لهم للفصل بين رعاياهم وبين أهل البلاد (بلغت سبعة عشر محكمة) ، وقد صدر عن هذه المحاكم أحكام بتعويضات باهظة حتى تجاه الحكومة المصرية نفسها بلغت في أربع سنوات نحو ثلاثة ملايين من الجنيهات، وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت. ٦ - ورأى القائمون على الأمر وقتها أن المخرج من هذا المأزق هو إنشاء المحاكم المختلطة لتكون بديلاً عن القضاء القنصلي، وقد قامت هذه المحاكم ١٨٧٥ م واشتركت فيها أغلب الدول الأوروبية واستدعت إنشاء قوانين غربية المصدر، منها: القانون المدني والقانون التجاري والقانون البحري وقانون العقوبات وقانون تحقيق الجنايات وقانون المرافعات. ٧ - وكانت هذه القوانين هي الأساس الذي قامت عليه من بعد نظم المحاكم الأهلية، وبذلك سيطرت القوانين الأجنبية على مختلف شؤون المجتمع المصري بديلاً للشريعة الإسلامية التي انحسر نفوذها في دائرة الأحوال الشخصية، وهي مجموعة القواعد التي تحدد العلاقة بين الفرد وأسرته، وهكذا حجب القانون الفرنسي الشريعة الإسلامية عام ١٨٨٥م في مؤامرة واسعة النطاق، اشترك فيها الخديوي مع الحكومة والاحتلال الأجنبي، واستمر العمل بهذه القوانين في المجال المدني والتجاري والاجتماعي حتى الآن مع تعديلات يسيرة أدخلت خلال تلك المدة الطويلة التي قاربت قرناً من الزمان. ٨ - وظلت المحاكم الشرعية تتولى منازعات الأحوال الشخصية فقط، وبالرغم من أن الإصلاح بالمحاكم الشرعية قد تناول أكثر النواحي فإنه لم يتناول القانون الوضعي إلا ابتداءاً من سنة ١٩٢٥م، ولم يتناول إلا بعض مسائل خاصة صدر بها القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٠م، والقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩م. وقد صدرت عدة لوائح بمصر في أزمنة مختلفة ترتب المحاكم الشرعية وتقلص ظلها بعد إنشاء المحاكم المختلطة في سنة ١٨٧٥م والمحاكم الأهلية في سنة ١٨٨٣م وحصر اختصاصها في مسائل الأحوال الشخصية بالنسبة للرعايا المصريين المسلمين بصفة عامة، بعد أن كانت المحاكم الشرعية هي صاحبة الولاية العامة وهي الجهة القضائية المختصة بالنظر في جميع المسائل من مدنية وجنائية وأحوال شخصية. ٩ - وفي سياق هذا الإصلاح ألَّف محمد قدري باشا كتاب: (مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان) في المعاملات المدنية على غرار القوانين الوضعية في مواد اشتملت على ٩١٤ مادة، وكل أحكام الكتاب المذكور مأخوذة من مذهب الإمام أبي حنيفة، وقررت نظارة المعارف بتاريخ ١٥ سبتمبر سنة ١٨٩٥م طبع الكتاب على نفقتها مع جدول يبين مآخذ كل مادة من كتب فقه الحنفية مع تعيين الصفحات. - وألَّف أيضاً كتاب: (قانون العدل والإنصاف في مشكلات الأوقاف) ، حيث اشتمل على ٦٤٦مادة، وقد بين مآخذ كل مادة من كتب فقه الحنفية، وصدر قرار من ناظر المعارف في ١٧ سبتمبر سنة ١٨٩٣م بطبعه على نفقة نظارة المعارف. - وألَّف كتاب: (الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية) واشتمل على ٦٤٧مادة، والأحكام التي تضمنها مأخوذة أيضاً من مذهب الإمام أبى حنيفة، وقد تناول الكتاب أحكام: الهبة، والحجر، والإيصاء، والوصية، والميراث. وسائر مسائل الأحوال الشخصية. ١٠ - وفي سنة ١٩١٥م ألفت لجنة من كبار العلماء برئاسة وزير الحقانية (العدل) ؛ لوضع قانون لمسائل الأحوال الشخصية، فأعدت اللجنة مشروع قانون للزواج والطلاق والمسائل المتعلقة بهما، واستمدت أحكامه من المذاهب الأربعة، وطبع المشروع في سنة ١٩١٦م، وأعيد طبعه بعد تنقيحه في سنة ١٩١٧م، ولكن المشروع لم يأخذ طريقه إلى التنفيذ، ولا يزال مهملاً ومتروكاً في زوايا النسيان حتى الآن. ١١ - وصدر المرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٥م، والمرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩م، وقد عدل فيهما عن مذهب الحنفية المعمول به أمام المحاكم الشرعية وأخذ بما في المذاهب الإسلامية الأخرى في بعض المسائل المتعلقة بالنفقة، والعدة، والطلاق، والفرقة بين الزوجين للإعسار وعدم الإنفاق أو لغيبة الزوج أو للإضرار بالزوجة بما لا يستطاع معه دوام العشرة. ١٢ - وفي سنة ١٩٣٦م ألفت وزارة العدل لجنة من كبار العلماء برئاسة شيخ الجامع الأزهر في ذلك الوقت للنظر في أحكام الأحوال الشخصية. فأتمت اللجنة المذكورة إعداد مشروعات قوانين للمواريث والوصية والوقف، فعرضت الحكومة تلك المشروعات على البرلمان، وتمت الموافقة عليها بعد إدخال تعديلات في بعض موادها، وصدر بها القانون رقم ٧٧ لسنة ١٩٤٣م بأحكام المواريث، والقانون رقم ٤٨ لسنة ١٩٤٦م بأحكام الوقف، والقانون رقم ٧١ لسنة ١٩٤٦م بأحكام الوصية. وقد خولف في تلك القوانين مذهب الحنفية وعدل عنه في كثير من المسائل، وأخذ بما في المذاهب الأخرى بدون أن يتقيد برأي إمام معين من الأئمة المجتهدين ولا بمذهب دون مذهب؛ تحقيقاً للعدالة والمصلحة العامة ورفعاً للمشقة ودفعاً للحرج الذي كان يلحق الناس من إلزام المحاكم الشرعية التقيد بمذهب واحد وهو مذهب الحنفية والتزام أحكامه الفقهية في القضاء بين الناس والفصل في الخصومات والمنازعات، فما استحدث في تلك القوانين من تعديل، وخولف فيها مذهب الحنفية، وروعي في ذلك الأخذ بأيسر الأحكام الفقهية من المذاهب الإسلامية الأخرى وأقربها إلى ما تنطوي عليه الشريعة الإسلامية السمحة من يسر على الناس يرفع الحرج والعسر عنهم. ١٣ - وصدر القانون رقم ١٨٥ لسنة ١٩٥٢م الخاص بإلغاء نظام الوقف على غير الخيرات، والقانون رقم ٢٤٧ لسنة ١٩٥٣م الخاص بالنظر على الأوقاف الخيرية وتعديل مصارفها. ١٤ - وأخيراً صدر القانون رقم ٤٦٢ سنة ١٩٥٥م بإلغاء المحاكم الشرعية والمحاكم الملِّيَّه، وأصبحت بذلك جميع المحاكم في مصر بمختلف درجاتها محاكم علمانية تصدر أحكامها وفق الترتيب الوارد بنص المادة الأولى فقرة (٢) من القانون المدني المصري، والتي تنص على أنه: (إذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه: حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإذا لم توجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة) . وهكذا صار موقع الشريعة الإسلامية على خريطة تشريعات مجمل النظام القانوني وهيكل السلطة القضائية في الدرجة الثالثة، بعد التشريع الوضعي، وبعد العرف. فما هي ظروف ميلاد هذه التشريعات العلمانية وكيفية نشأتها، واختراقها لنظم المجتمع؟ ثانياً: اختراق القوانين الوضعية للمجتمع: في محاولة للبحث في ظروف ميلاد تلك القوانين ونشأتها فإن المدخل لذلك ينحصر في الإجابة عن السؤال الآتي: هل استُولدت أحكام هذه القوانين من القواعد العامة للشريعة الإسلامية بطريق صحيح مشروع، حتى يمكن نسبتها إلى الشريعة الإسلامية بنسب شرعي صحيح، أو أن العكس هو الصحيح؟ وقبل الإجابة عن هذا السؤال نعرض لكل من المجموعتين الأساسيتين للتشريعات (المجموعة الجنائية، والمجموعة المدنية) حيث تجدر الإشارة إلى أن ظروف نشأتها التاريخية تشير إلى أنها ولدت على يد محام فرنسي غير مسلم في أواخر القرن الماضي، وذلك على الإيجاز الآتي: أولاً: التشريعات المدنية: ١ - في الثامن والعشرين من يونية سنة ١٨٧٥م صدر التقنين المدني المختلط، وقد قام بوضعه المحامي الفرنسي مانوري الذي اتخذه الوزير الأرمني نوبار باشا أمين سر له ثم عينه بعد ذلك أمين سر اللجنة الدولية التي كانت تدرس مشروع إنشاء المحاكم المختلطة آنذاك [٢] . ٢ - وقد اقتُبس التقنين المدني المختلط من التقنين المدني الفرنسي، ونقل بعض المسائل عن القضاء الفرنسي، وعن التقنين المدني الإيطالي القديم الذي صدر في سنة ١٨٦٦م، ويقول أحد كبار رجال الفقه الوضعي في مصر وهو الدكتور عبد الرزاق السنهوري: «إن مانوري لم يغفل الشريعة الإسلامية، فنقل عنها بعض الأحكام» [٣] . ويقول د. السعيد مصطفى السعيد (أستاذ القانون الجنائي) [٤] : «وبالطبع فقد تم وضع القانون باللغة الفرنسية، ثم شكلت لجنة تكفلت بعد ذلك بترجمته وسائر القوانين المختلطة إلى اللغة العربية» . من الناحية الرسمية كانت الشريعة الإسلامية هي القانون الوطني السائد في البلاد حتى ذلك التاريخ [٥] ، ثم ما لبثت حكومة ذلك العهد بعد استقرار المحاكم المختلطة أن تطلعت إلى تغريب القضاء الوطني بتنظيمه على غرار القضاء المختلط [٦] . ٣ - فتألفت في أواخر سنة ١٨٨٠م لجنة لوضع لائحة لمحاكم وطنية نظامية، كان من بين أعضائها رجل يدعى (موريوندو) وهو محام إيطالي عين قاضياً في محكمة الإسكندرية المختلطة في سنة ١٨٧٥م وقامت هذه اللجنة بوضع لائحة لترتيب المحاكم الوطنية الجديدة (صدرت في ١٧ من نوفمبر سنة ١٨٨١م) وقام أعضاء اللجنة في الوقت ذاته بوضع تقنينات لهذه المحاكم صيغت كلها على مثال التقنينات المختلطة، وكان أن وضع موريوندو التقنين المدني الوطني فنقله على حد تعبير السنهوري نقلاً يكاد يكون حرفياً من التقنين المدني المختلط. ٤ - وفي ١٤ من يونية سنة ١٨٨٣م صدرت لائحة المحاكم الوطنية، ثم صدر التقنين المدني الوطني في ٢٨ من أكتوبر سنة ١٨٨٣م، فالتقنينات الخمسة الأخرى في ١٣ من نوفمبر سنة ١٨٨٣م، وقد وضعت هذه التقنينات الوطنية كلها باللغة الفرنسية، ثم ترجمت إلى اللغة العربية. ٥ - وفي سنة ١٩٣٦م ظهرت الحاجة إلى تعديل هذه التقنينات، فشكلت لجنتان: إحداهما لتعديل التقنين المدني والتقنين التجاري وتقنين المرافعات، والأخرى لتعديل التقنين الجنائي وتقنين الإجراءات الجنائية، وكان ضمن أعضاء اللجنة الأولى كل من: صليب سامي، ومسيو لينان دابلفون، ومتر مري جراهام، ومسيو موريس دي فيه، ومسيو ألفريد، وإسكولي. ٦ - ثم تشكلت لجنة ثانية كان من أعضائها: شيفاليه أنطونيونيتا، ومسيو ليون باسار، ومسيو فان أكر، وفي يونيو سنة ١٩٣٨م تشكلت اللجنة الثالثة والأخيرة مكونة من إدوار لامبير وهو من أكبر رجال القانون في فرنسا في ذلك الوقت ومن الدكتور عبد الرزاق السنهوري وذلك لوضع المشروع التمهيدي للقانون المدني، وقد قام لامبير وحده بوضع نصوص الباب التمهيدي ونصوص عقد المقاولة والتزام المرافق العامة والعمل والتأمين، كما عاون اللجنة القاضيان: إستونيت، وساس، اللذان كانا قاضيين بالمحاكم المختلطة، فوضع الأول المشروع الابتدائي للباب الخاص بإثبات الالتزام والفصل الخاص بعقد الشركة، وعاون الثاني في وضع النصوص الخاصة بتنازع القوانين من حيث المكان، كما عاون في عمل اللجنة كذلك الدكتور سليمان مرقص الذي وضع المشروع الابتدائي للنصوص الخاصة بتقسيم الأشياء، وعقود القرض، والعارية، والوديعة. ٧ - وفي ١٥ من أكتوبر سنة ١٩٤٩م بدأ العمل بالقانون المدني الجديد الذي ولد من رحم القانون المدني القديم تهذيباً وتقنيناً لما استقر من المبادئ في أحكام القضاء الحالي. وهذا الأخير لم يولد من رحم الشريعة الإسلامية أصلاً، ولم ينتسب لها بأي نسب. ثانياً: مجموعة القوانين الجنائية: وهي: المجموعة الصادرة في سنة ١٨٨٣م، فقد لحقها التعديل أيضاً بسلسلة من القوانين، جاء بعضها معدلاً لنصوص سابقة وبعضها متضمناً لأحكام جديدة: ١ - ففي سنة ١٩٠٤م صدر قانونان جديدان للعقوبات وتحقيق الجنايات، يقول د. السعيد مصطفى: «إن المشرع لم يتقيد عند تعديلهما بالتشريع الفرنسي فاتخذ أساسه قانون سنة ١٨٨٣م، ولجأ إلى قوانين أخرى، وهي: القانون الهندي، والبلجيكي، والإيطالي، فاستمد منها ما رآه علاجاً للنقص والعيوب التي شوهدت في القانون القديم وما وجد أكثر ملاءمة لأحوال البلاد، وقد ساعد على ذلك: أن القائمين بالتعديل كانوا من مشرعي الإنجليز. ٢ - وفي سنة ١٩٧٣م صدر قانون العقوبات الجديد، وهو لا يختلف كثيراً عن قانون العقوبات الأهلي الصادر سنة ١٩٠٤م؛ فقد اتخذ هذا الأخير أساساً له مع تعديل وإضافة جزأين، وهذا هو القانون المعمول به الآن [٧] . بعض مظاهر الغزو العلماني للتشريعات القانونية المصرية، وشيء من أثرها على المجتمع: المطلب الأول: التشريعات الجنائية: تعد التشريعات الجنائية يد السلطة وسطوة القانون ووسيلته في ضبط المجتمع وتحقيق الأمن والاستقرار وحماية قيم المجتمع أو ما يسمى قانوناً: النظام العام والآداب وتؤدي العقوبات الجنائية في المجتمع وظيفة معاقبة الجاني الخارج على القانون والنظم، والمعتدي على الآداب العامة وقيم المجتمع، كما تؤدي أيضاً وظيفة الردع العام لكل من تسول له نفسه الخروج على المجتمع وقيمه ونظامه. وبناءاً على ذلك وتفريعاً عليه تتفاوت العقوبات الجنائية بحسب جسامتها وشدتها بما يتفق وقيمة المصلحة المشمولة بالحماية الجنائية وقدرها عند المجتمع؛ فكلما عظمت المصلحة غلظت العقوبة، كما أن العدوان على أي قيمة عند المجتمع يجب أن تعتبر جريمة معاقباً عليها قانوناً، ويقابل ذلك في الشريعة الإسلامية ما يمكن أن نسميه: (انطباق دائرة التحريم مع دائرة التجريم) بمعنى أن كل ما هو حرام شرعاً يجب أن يكون مجرَّماً قانوناً، وعليه: فإن كل تصرف أو سلوك غير مؤثَّم قانوناً فهو بالضرورة مباح غير معاقب عليه وهو ما اصطلح عليه بالقاعدة الدستورية: (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص) . بناءً على ذلك نستعرض بعض نصوص قانون العقوبات المصري في محاولة لبحث مظاهر علمنة التشريع الذي يعمل على ترسيخ القيم العلمانية، ومدى الفجوة بين هذا التشريع وقيم ومبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية، مما يترك أثراً سلبياً كبيراً لا شك فيه على المجتمع. أولاً: مكانة الدين والعقيدة في القانون: ١ - الحماية الجنائية المقررة للدين: - أورد قانون العقوبات باباً كاملاً تحت عنوان: الباب الحادي عشر: الجنح المتعلقة بالأديان، في المادتين رقم ١٦٠، ١٦١، وتنص المادة ١٦٠ عقوبات المعدلة بالقانون رقم ٢٩ لسنة ١٩٨٢م على أنه: (يعاقب بالحبس، وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تزيد على خمسمائة جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين: أولاً: كل من شوَّش على إقامة شعائر ملة أو احتفال ديني خاص بها أو عطلها بالعنف أو التهديد. ثانياً: كل من خرَّب أو كسر أو أتلف أو دنس مباني معدة لإقامة شعائر دين أو رموزاً أو أشياء أخرى لها حرمة عند أبناء ملة أو فريق من الناس. ثالثاً: كل من انتهك حرمة القبور أو الجبانات أو دنسها، وتكون العقوبة السجن الذي لا تزيد مدته على خمس سنوات إذا ارتكبت أي من الجرائم المنصوص عليها تنفيذاً لغرض إرهابي) . بينما تنص المادة ١٦١ عقوبات على أنه: (يعاقب بتلك العقوبات على كل تعد يقع بإحدى الطرق المبينة بالمادة ١٧١ على أحد الأديان التي تؤدى شعائرها علناً، ويقع تحت أحكام هذه المادة: أولاً: طبع أو نشر كتاب مقدس في نظر أهل دين من الأديان التي تؤدى شعائرها علناً إذا حرف عمداً نص هذا الكتاب تحريفاً يغير من معناه. ثانياً: تقليد احتفال ديني في مكان عمومي أو مجتمع عمومي بقصد السخرية به أو ليتفرج عليه الحضور) . وهاتان المادتان هما كل الباب، ومن ثم: فهما جميع الحماية الجنائية المقررة للأديان في قانون العقوبات، وواضح أن الإسلام يتساوى في هاتين المادتين مع أي دين آخر أيّاً كان هذا الدين، وواضح أيضاً مدى هزالة العقوبة التي قد تصل إلى غرامة مائة جنيه، مما يعكس مدى الإهمال وعدم الاكتراث بحماية العقيدة والدين، بل مما يُهوِّن على الملحدين والمارقين الاجتراء على الاعتداء على الدين ومقدساته، وهذا أمر يعكس إلى أي مدى بلغت علمانية التشريع في استخفافها بالدين، وهذا أمر بدهي وفق تصورات العلمانيين ومعتقداتهم. ٢ - مقارنة مدى الحماية الجنائية لمقدسات العقيدة مع غيرها لحماية بعض الشخصيات: بينما تنص مواد قانون العقوبات أرقام ١٧٩، ١٨١، ١٨٢، ١٨٤، ١٨٥، ١٨٦ على معاقبة كل من أهان أو عاب رئيس الجمهورية، أو مَلِك دولة أجنبية أو رئيسها، أو ممثلاً لدولة أجنبية معتمداً، أو مجلس الشعب أو الشورى أو غيره، أو موظفاً عاماً أو شخصاً بصفة نيابية أو خلافه. ومن ذلك: المادة ١٧٩ عقوبات التي تنص على أنه: (يعاقب بالحبس كل من أهان رئيس الجمهورية بواسطة إحدى الطرق المتقدم ذكرها) ، والمادة ١٨١ عقوبات التي تنص على أنه: (يعاقب بالحبس كل من عاب بإحدى الطرق المتقدم ذكرها في حق مَلِك أو رئيس دولة أجنبية) . وهكذا باقي المواد سالفة الذكر، نجد أن جميع نصوص قانون العقوبات جاءت خلواً من عقوبة جنائية لمن سبَّ الله أو رسول الله أو دين الله أو كتاب الله أو كل ما هو مقدس عقائدياً، وذلك ما قد يعطي معنى فقدان القداسة لهذه العقائد (وذلك لب الفلسفة العلمانية) . ٣ - على الجانب الآخر (التشريعات المقيدة للدين) : فهناك جملة من التشريعات الفضفاضة التي تهدف إلى تقييد قيام الدين بدوره الإصلاحي الطبيعي في المجتمع، وإليك النصوص القانونية الآتية: أ - تنص المادة ٢٠١ عقوبات المضافة للقانون رقم ٢٩ لسنة ١٩٨٢م على أنه: (كل شخص ولو كان من رجال الدين أثناء تأدية وظيفته ألقى في أحد أماكن العبادة أو في محفل ديني مقالة تضمنت قدحاً أو ذماً في الحكومة أو في قانون أو في مرسوم أو قرار جمهوري أو في عمل من أعمال جهات الإدارة العمومية أو أذاع أو نشر بصفة نصائح أو تعليمات دينية رسالة مشتملة على شيء من ذلك يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تزيد على خمسمائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، فإذا استعملت القوة أو العنف أو التهديد تكون العقوبة السجن) ، وهو ما يعني مصادرة وتجريم فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ب - كما تنص المادة ٩٨ (و) المضافة أيضاً بالقانون رقم ٢٩ لسنة ١٩٨٢ م على أنه:» يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تجاوز خمس سنوات أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تتجاوز ألف جنيه كل من يستغل الدين في الترويج أو التحبيذ بالقول أو بالكتابة أو بأية وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي «. ج - وتقضي المادة ١٠٢ عقوبات المعدلة بالقانون رقم ٢٩ لسنة ١٩٨٢م بأن: » كل من جهر بالصياح أو الغناء لإثارة الفتن يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تزيد على مائتي جنيه «، ويدخل في ذلك أيضاً الأناشيد. د - والأشد من ذلك والأنكى والأمرّ ما أوردته المادة ٨٨ مكرر (ج) من أنه: » لا يجوز تطبيق أحكام المادة ١٧ من هذا القانون عند الحكم بالإدانة في جريمة من الجرائم المنصوص عليها في هذا القسم (قضايا أمن الدولة) عدا الأحوال التي يقرر فيها القانون عقوبة الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة، فيجوز النزول بعقوبة الإعدام إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، والنزول بعقوبة الأشغال المؤبدة إلى الأشغال الشاقة المؤقتة التي لا تقل عن عشر سنوات «. ملحوظة: تنص المادة ١٧ بأنه (يجوز في مواد الجنايات إذا اقتضت أحوال الجريمة المقامة من أجلها الدعوى العمومية رأفة القضاة تبديل العقوبة..) وهو ما يسمى قانوناً باستعمال الرأفة مع المتهم. قارن ذلك مع العقوبات المقررة للمعتدي على الأديان حيث يجوز استعمال الرأفة معه، بينما لا يجوز استعمالها مع المتدين المتهم باستغلال الدين لأغراض سياسية (أمن الدولة) ، وهي قضايا فضفاضة مطاطة تتسع وتضيق حسب الظروف والأحوال السياسية. ثانياً: حماية القيم والأخلاق: ١ - في مجال شرب الخمور: لقد وقف المشرع الجنائي المصري جرياً على نهج رائده الفرنسي من جريمة الشرب موقف الإغفال التام، فخلت نصوص قانون العقوبات من أية إشارة إلى تأثيمه وعقابه؛ مما يعني أن المشرع الوضعي لا يعتد بتحريم الله تعالى لفعل الشرب ولا يعاقب عليه بالجلد حداً، أي أن شرب الخمر حرام عند الله حلال في القانون الوضعي. ولم يكتف المشرع المصري بذلك، بل عمد إلى تلك الأماكن التي يتعاطى الناس فيها الخمر فأسبغ عليها بعض أوجه الحماية، من ذلك: ما نصت عليه المادة الحادية عشرة المكررة من قانون الأسلحة ٣٩٤ لسنة ١٩٥٤م، من أنه: (لا يجوز حمل الأسلحة في المحال العامة التي يسمح فيها بتقديم الخمور ولا في الأمكنة التي يسمح فيها بلعب الميسر) ، وبموجب هذا النص أسبغ القانون رعايته على محال تعاطي الخمور وأمكنة لعب الميسر، حين نزع سلاح الناس فيها توفيراً لأكبر قدر من الأمان لروادها. ٢ - في مجال حماية الأعراض: المفهوم القانوني لجريمة الزنا: في بيان المصلحة التي يحميها قانون العقوبات في مجال حماية الأعراض يقول شراح القانون الجنائي: (رأى المشرع أن المصلحة الاجتماعية عدم تجريم كافة أفعال المساس بها [أي: بالأعراض] وإنما فقط الأفعال التي تمثل اعتداءاً على الحرية الجنسية للفرد، فضمان هذه الحرية أمر لازم لوجود الناس في المجتمع وحفظ النظام الطبيعي للحياة) ؛ لذا: عاقب القانون على (المساس بالحرية الجنسية) المشكّلة في: أ - حالة استعمال الإكراه، ويتحقق ذلك في جريمة اغتصاب الإناث وهتك العرض بالقوة أو التهديد؛ حيث تنص المادة ٢٦٧ على أنه: (من واقع أنثى بغير رضاها يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة) . كما تنص أيضا المادة ٢٦٨ على أنه: (كل من هتك عرض إنسان بالقوة أو بالتهديد أو شرع في ذلك يعاقب بالأشغال الشاقة من ثلاث سنين إلى سبع) . ب - حالة التغرير بصغير السن أو حديث الخبرة، ويتحقق ذلك في جريمة هتك العرض بغير قوة أو تهديد، (أما ممارسة الحرية الجنسية في غير الحدود التي لا ينهى عنها القانون كهتك العرض بالرضا لمن بلغ ثمانية عشر عاماً فهو لا يعاقب عليه القانون) [٨] . ويتضح من هذا الشرح الذي يكشف عن منهج المشرع الوضعي وسياسته الجنائية فيما يتعلق بحماية العرض: أن المصلحة المعتبرة في الحماية هنا هي (الحرية الجنسية) وليست طبيعة العلاقة الجنسية وشكلها، فليس للقانون أن يتدخل إلا عندما يشكل فعل الجاني اعتداءاً على حق الحرية الجنسية؛ فهو لا يحمي شرف المجني عليه ولا اعتباره ولا حياءه، وإنما هو يحمي حريته في ألا يمارس الوطء الجنسي إلا بإرادته، فإذا مارسه بهذه الإرادة في أي شكل فليس ثمة مصلحة معتبرة متطلبة للحماية. وقد عَرَضَ القانون المصري لجرائم العِرْض في الباب الرابع من قانون العقوبات تحت عنوان: (هتك العرض وإفساد الأخلاق) ، وذلك في المواد (٢٦٧ حتى ٢٧٩) وهي من المواد التي يمكن وصفها بأنها ترجمة شبه حرفية لمثيلاتها الفرنسية. وفيما يتعلق بتحديد (كنه الفعل المؤثم) فقد بان أنه ليس الزنا، وإنما هو شيء آخر يتمثل في الاعتداء على حق الإنسان في ألا يزني إلا بإرادته، أما الزنا وفق تعريفه في شرع الله تعالى فليس مما يُشكِّل في عرف القانون الوضعي الفرنسي والمصري جريمة تستحق العقاب. ولذلك فحين تعرض المادة (٢٧٣) وما بعدها من قانون العقوبات لزنا الأزواج، فإنها لا تعاقب أيّاً منهما بسبب إتيانه لفاحشة من الكبائر التي نهى الله تعالى عنها، وإنما هي تؤثم اعتداء الجاني على الرابطة الزوجية، ولذلك يجري نص المادة (٢٧٣) من قانون العقوبات على أنه: (لا تجوز محاكمة الزانية إلا بناءً على دعوى زوجها، إلا أنه إذا زنى الزوج في المسكن المقيم فيه مع زوجته لا تسمع دعواه عليها) . ومن ذلك: أن الزوج هو صاحب الحق الوحيد في تحريك العقوبة في مواجهة زوجته، فإن عفا عنها بعد بلوغ الأمر للسلطة ولو بعد صدور الحكم سقطت عنها العقوبة، حيث تقضي المادة ٢٧٤ بأن: (المرأة المتزوجة التي ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد على سنتين، لكن لزوجها أن يوقف تنفيذ هذا الحكم برضائه معاشرتها له كما كانت) . هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن الزوج الزاني في مسكن الزوجية لا يستطيع أن يحرك الدعوى في مواجهة زوجته الزانية؛ إذ إنه باعتدائه على الرابطة الزوجية يكون قد أسقط حقه في طلب العقاب على اعتدائها على ذات الرابطة. ومن ناحية ثالثة جديرة بالعجب فإن الرجل الزوج لا يعاقب على الزنا إلا إذا كان زناه في منزل الزوجية وثبت عليه هذا الأمر بدعوى الزوجة، وفقاً لنص المادة (٢٧٧) من قانون العقوبات التي تنص على أن: (كل زوج زنى في منزل الزوجية وثبت عليه هذا الأمر بدعوى الزوجة يجازى بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر) وأعظِم بها من عقوبة! العقوبات الجنائية المقدرة للزنا: أ - عقوبة الزوجة الزانية: سبق أن ذكرنا نص المادة (٢٧٤) من قانون العقوبات التي تقول: (المرأة المتزوجة التي ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين، لكن لزوجها أن يوقف تنفيذ هذا الحكم برضائه معاشرتها له كما كانت) . وينزل حكم هذا النص (الفرنسي) المصري بعقوبة الزنا للمحصن من القتل (الإعدام) رمياً بالحجارة وفقاً لما هو مقرر في شريعة الإسلام كحد لله تعالى لا يملك الإمام تخفيفه أو العفو عنه، إلى عقوبة الحبس اليسير لمدة سنتين قابلتين للإلغاء برضاء الزوج معاشرة زوجته. ب - عقوبة الزوج الزاني: كما حددت المادة ٢٧٧ عقوبة الزاني بأن (كل زوج زنى في منزل الزوجية وثبت عليه هذا الأمر بدعوى الزوجة يجازى بالحبس مدة لا تزيد عن ستة أشهر) . ومما هو جدير بالملاحظة هنا أن المشرع الفرنسي ومن بعده مقلده المصري يجعل من الزنا بمعناه الشرعي (أي الإيلاج الكامل) في حالة المادتين (٢٧٤- ٢٧٧) جنحة لا تزيد مدة الحبس فيها عن سنتين، بينما يعاقب على أي استطالة لجسم المجني عليه بعقوبة الجناية التي يمكن أن تصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، اعتداداً بالمصلحة المعتبرة فيها (وهي حق الحرية الجنسية) ، وراجع المواد ٢٦٧ وما بعدها حتى ٢٧٩ من قانون العقوبات. وأما ممارسة الفجور والدعارة على وجه الاعتياد فقد عاقب عليها ما يسمى بقانون مكافحة الدعارة (القانون رقم (١٠) لسنة ١٩٦١م) في مادته التاسعة: بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على ثلاث سنوات، أو الغرامة التي لا تقل عن خمسة وعشرين جنيهاً ولا تزيد على ثلاثمائة جنيهاً، أو كليهما. وفي مقابل هذا التساهل مع جريمة الزنا التي حرمها الله ، نجد تضييقاً وتصعيباً لحق تعدد الزوجات الذي أباحه الله تعالى، وهو ما سنعرض له بعد قليل عند مناقشة تشريعات الأسرة. ولا شك في أثر ذلك على أخلاق المجتمع عندما تفتح لأفراده أبواب العلاقات المحرمة بإباحة الزنا طالما كان بالإرادة الحرة المحضة وبتهوين عقوبته، وتوصد في الوقت نفسه أبواب العلاقات المباحة بالتضييق على الزواج الشرعي، بل عندما يعاقب عليه أحياناً كما رأينا في بعض البلاد (الإسلامية) الأخرى أو عندما تهدم الأسرة بإعطاء الزوجة حق طلب الطلاق عند حدوث التعدد. ٣ - حماية الأموال (جريمة السرقة) : نص قانون العقوبات المصري على السرقة والجرائم الملحقة بها في الباب الثامن من الكتاب الثالث تحت عنوان: (السرقة والاغتصاب) ، حيث تنص المواد من (٣١١) إلى (٣٢٧) في أولاها على أن (كل من اختلس منقولاً مملوكاً لغيره فهو سارق) . ولا يستحق هذا التعريف للسرقة كثير نقاش في الفقه الجنائي المقارن بين الشريعة والقانون؛ إذ المفهومان مشتركان من حيث إن كلاً منهما يُخرِج من معنى السرقة صوراً متعددة من وسائل الاستيلاء على مال الغير، ويعني ذلك بصورة جزئية أن أركان جريمة السرقة في القانون الوضعي المصري قريبة الشبه بأركانها في الشريعة الإسلامية وفقاً لشروطها المتفق عليها، وهي: أن تقع السرقة على مال الغير، وأن تقع على مال لم يكن قد ائتمن عليه، وتأتي بعد ذلك أمور محل خلاف في الفقه الإسلامي، مثل: السرقة من حرز، ونصاب المسروق، ونوع بعض الأموال المسروقة. عقوبة السرقة: يعاقب على السرقة في شريعة الإسلام بعقوبة الحد المقدرة في قول الله تعالى: [وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] (المائدة: ٣٨) ، وهو نص عام خصصته السُّنَّة بأحاديث متعددة، وتقطع اليد اليمنى من مفصل الكف وهو الكوع [٩] ، فإن سرق مرة ثانية بعد قطعه قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب، وهو قول أبي بكر وعمر، وقد روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قوله في السارق:» إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله « [١٠] ، وهو قول علي والحسن والشعبي والزهري وحماد والثوري وغيرهم، فإن سرق ثالثة فلا قطع وإنما يحبس تعزيراً. بينما في قانون العقوبات المصري: الأصل في السرقة أنها جنحة يعاقب عليها بالحبس مع الشغل مدة لا تتجاوز سنتين؛ حيث تنص المادة ٣٢١ على أنه (إذا كانت السرقة في حالة الشروع فيعاقب عليها بالحبس مدة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى المقرر في القانون للجريمة التامة أو بغرامة لا تزيد على عشرين جنيهاً مصرياً) . وإذا كان هذا هو الأصل العام في العقوبة المقدرة للسرقة فإن هذه الجريمة قد تقترن بظروف مخففة أو أخرى مشددة، قد تصل بالعقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة. ويعني ذلك بشكل واضح أن المشرع المصري في حذوه حذو رائده الفرنسي قد أسقط حد القطع بوصفها عقوبة مقدرة للسرقة، ولا يعنى هذا الإسقاط في الحقيقة غير الانسلاخ من كنف الشريعة؛ فالحد في الشرع هو (عقوبة مقدرة واجبة حقاً لله تعالى عز شأنه) ، والمقصود بكونها (مقدرة) أن الشارع العزيز حدد كمَّها وكيفها سلفاً بخلاف التعزير، والمقصود بكونها (حقاً لله) الاحتراز عن القصاص الذي هو حق للعباد في غالب عناصره، ومن ثم: ليس للعباد حق التبديل في هذه الحدود أو العفو عنها؛ لقول رسول الله ﷺ :» إن الله حد حدوداً فلا تعتدوها « [١١] ، فالحد حق الله، نسب إليه تعالى لعظم خطره وشمول نفعه. المطلب الثاني: تشريعات الأسرة: تعد تشريعات الأسرة من أخطر مجالات الغزو العلماني على الإطلاق؛ نظراً لحساسيتها وخصوصيتها وخطورة شأنها وأثرها، ولذلك كانت آخر المجالات المغزوة من حيث الترتيب الزمني على النحو المبين سابقاً؛ بيد أن حملة الغزو العلماني لهذا المجال بات مجنوناً محموماً متسارعاً في الآونة الأخيرة، إلى أن فقد مجال الأسرة حصانته أمام تلك الحملات المحمومة التي تتبناها كافة شراذم العلمانيين في مؤسسات التشريع أو الإعلام أو منابر الثقافة ومعاهد التعليم، وهو مجال يستحق بحثه بإفراده ببحث خاص، ولكن على سبيل المثال نذكر بعض الوقائع والتشريعات الآتية: ١ - الحملة الشرسة التي لم تتوقف رغم صدور القانون ٤٦ لسنة ١٩٥٥م بإلغاء القضاء الشرعي بل تواصلت حتى تُوِّجت بإصدار الرئيس الراحل السادات قراراً بقانون رقم ٤٤ لسنة ٧٩ (والمشهور عند عامة المصريين بقانون جيهان) والذي ظل معمولاً به حتى قضت المحكمة الدستورية العليا بإلغائه. ٢ - ورغم اغتيال السادات وإلغاء قانون جيهان الشهير على يد المحكمة الدستورية العليا إلا أن الحملة لم تتوقف، حتى صدر القانون رقم ١٠٠ لسنة ١٩٨٥م الذي تضمن جل ما كان يهدف إليه القانون سالف الذكر، ويوضح ذلك: أن المذكرة الإيضاحية المقدم بها هذا القانون كانت هي ذاتها المذكرة التي قدم بها القرار بقانون ٤٤ لسنة ٧٩، كذلك ما نص عليه من إعماله بأثر رجعي من تاريخ حكم المحكمة الدستورية العليا، بما مفاده استمرار ذات النظام القانوني نفسه منذ ١٩٧٩م وحتى الآن.. رغم حكم المحكمة الدستورية العليا. أما من حيث أهم الأحكام التي يستحدثها هذا القانون باعتبارها أثراً من آثار الغزو العلماني لمجال الأسرة فتشمل: حق الزوجة في طلب التطليق إذا تزوج زوجها بأخرى، وكذلك تقرير نفقة متعة واجبة للزوجة المطلقة بغير رضاها تعادل نفقة عامين حدّاً أدنى ودون حد أقصى، واستقلال الزوجة الحاضنة بمسكن الزوجية، ورفع سن حضانة الصغير قبل انتقاله إلى الحضانة. ٣ - صدور القانون رقم ٣ لسنة ١٩٩٦م بشأن تنظيم إجراءات مباشرة دعوى الحسبة في مسائل الأحوال الشخصية، والذي تنص المادة الأولى منه على أن: (تختص النيابة العامة وحدها دون غيرها برفع الدعوى في مسائل الأحوال الشخصية على وجه الحسبة، وعلى من يطلب رفع الدعوى أن يتقدم ببلاغ إلى النيابة العامة المختصة يبين فيه موضوع طلبه والأسباب التي يستند إليها مشفوعة بالمستندات التي تؤيده، وعلى النيابة العامة بعد سماع أقوال أطراف البلاغ وإجراء التحقيقات اللازمة أن تصدر قراراً برفع الدعوى أمام المحكمة الابتدائية المختصة أو بحفظ البلاغ، ويصدر قرار النيابة العامة المشار إليه مسبباً من محام عام، وعليها إعلان هذا القرار لذوي الشأن خلال ثلاثة أيام من تاريخ صدوره) . - كما تنص المادة الثانية على أن: (للنائب العام إلغاء القرار الصادر برفع الدعوى أو بالحفظ خلال ثلاثين يوماً من تاريخ صدوره، وله في هذه الحالة أن يستكمل ما يراه من تحقيقات والتصرف فيها، إما برفع الدعوى أمام المحكمة الابتدائية المختصة أو بحفظ البلاغ، ويكون قراره في هذا الشأن نهائياً) . أما المادة الثالثة فقد قررت أنه: (إذا قررت النيابة العامة رفع الدعوى على النحو المشار إليه في المادتين السابقتين تكون النيابة العامة هي المدعية فيها، ويكون لها ما للمدعي من حقوق وواجبات) . - وصادرت المادة الرابعة من القانون المذكور أي حق من حقوق الحسبة الشرعية لأي شخص كان، حتى ولو كان هذا الشخص هو شيخ الجامع الأزهر أو مفتي الديار المصرية أو وزير الأوقاف أو رئيس جامعة الأزهر أو رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية أو أي شخص آخر؛ حيث تنص على أنه: (لا يجوز لمقدم البلاغ التدخل في الدعوى أو الطعن في الحكم الصادر فيها) . - وتنص المادة الخامسة على أن: (تنظر الدعوى في أول جلسة بحضور ممثل النيابة العامة ولو لم يحضر المدعى عليه فيها) . - أما المادة السادسة فقد أوجبت على المحاكم أن: (تحيل المحاكم من تلقاء نفسها ودون رسوم ما يكون لديها من دعاوى في مسائل الأحوال الشخصية على وجه الحسبة والتي لم يصدر فيها أي حكم إلى النيابة العامة المختصة ووفقاً لأحكام هذا القانون، وذلك بالحالة التي تكون عليها الدعوى) . ولعله من المناسب التذكير بسبب صدور هذا القانون؛ فقد صدر عقب حكم التفريق الصادر ضد نصر حامد أبو زيد وزوجته، بعدما قضت محكمة الأحوال الشخصية بردته لآرائه وبذاءاته العلمانية في العقيدة والشريعة والوحي والرسالة، وبعد تأييد هذا الحكم من محكمة النقض وهي أعلى محكمة قضائية في مصر، ومن ثم: يمكن القول: إن هذا القانون صدر لضمان (الأمان المدني) إن صحت التسمية بعدما ضمن قانون العقوبات (الأمان الجنائي) لكل علماني، مهما بلغت درجة انفلاته وتجرئه. ٤ - ثم صدور القانون رقم (١) لسنة ٢٠٠٠م المسمى بقانون تنظيم إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية الذي يعد علامة بارزة على السعي الحثيث لعلمنة نظام الأسرة المسلمة، وأهم ما استحدثه هذا القانون ما يلي: - إلغاء لائحة ترتيب المحاكم الشرعية، وإلغاء لائحة إجراءات تنفيذ الأحكام الشرعية، وهما آخر ما تبقى من تشريعات تحمل وصف (الشرعية) ، لتبقى كل التشريعات وطنية (علمانية) . - إلغاء التقويم الهجري بالمادة رقم (١) منه، وهو آخر مجال قانوني كان يتعامل بالتقويم الهجري. - ولعل أشهر ما تضمنه هذا القانون: التعديل الوارد بالمادة ٢٠، وهو المسمى (بالخُلع) ، حيث أعطى القانون للزوجة حق خلع نفسها من الزوج بالتراضي، فإن أبى الزوج تحكم المحكمة بالتطليق للخلع بعد محاولة الصلح بين الزوجين، وأغرب ما في هذا التعديل ما تضمنه النص بوقوع الخلع في جميع الأحوال طلاقاً بائناً، ويكون الحكم في جميع الأحوال نهائياً غير قابل للطعن عليه بأي طريق من طرق الطعن، وعليه: أصبحت المرأة المتخالعة المتمردة على زوجها الهاربة من منزل الزوجية والتي ليس لديها سبب واحد شرعي أو منطقي يسوِّغ لها الطلاق، أصبحت أحسن حالاً من المرأة التي تطلب الطلاق للضرر الواقع عليها. وواضح من مطالعة النصوص أن هذه التعديلات جميعها تتجه إلى إلغاء الدرجة التي قررها الله للرجل على المرأة في قوله تعالى: [وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] (البقرة: ٢٢٨) ، وكذلك محاولة التقليد المستميت للنموذج الغربي المقيت. المطلب الثالث: تشريعات خاصة: - وأهم ما يعنينا في هذا المطلب تلك التشريعات التي يمكن أن نسميها قوانين تأميم الدين، وأهمها: ١- قانون تأميم المنابر: القانون رقم ٢٣٨ لسنة ١٩٩٦م، بتعديل المادة (١٠) من القانون رقم ٢٧٢ لسنة ١٩٥٩م بتنظيم وزارة الأوقاف ولائحة إجراءاتها، ويقضي بالآتي: يستبدل بنصي الفقرتين الرابعة والخامسة من المادة (١٥) من القانون رقم ٢٧٢ لسنة ١٩٥٩م بتنظيم وزارة الأوقاف ولائحة إجراءاتها النص الآتي: (ويصدر وزير الأوقاف قراراً بالشروط الواجب توافرها في الأشخاص الذين يحق لهم ممارسة إلقاء الخطب أو أداء الدروس الدينية بالمساجد، وبالإجراءات اللازم اتخاذها للحصول على تصريح من وزارة الأوقاف لممارسة ذلك. ويعاقب كل من يمارس النشاط المبين بالفقرة السابقة بغير مقتض بالحبس مدة لا تجاوز شهراً وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تجاوز ثلاثمائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين. ولوزير العدل بالاتفاق مع وزير الأوقاف منح صفة الضبطية القضائية لمفتشي المساجد فيما يقع من مخالفات لأحكام هذا القانون) . وقد مر بنا سابقاً عند الحديث عن التشريعات المقيدة للدين نصوص المواد: ٢٠١ عقوبات المضافة للقانون رقم ٢٩ لسنة ١٩٨٢م، والمادة ٩٨ (و) المضافة أيضاً بالقانون رقم ٢٩ لسنة ١٩٨٢م، والمادة ١٠٢ عقوبات المعدلة بالقانون رقم ٢٩ لسنة ١٩٨٢م، والتي نرى أنها تصب في اتجاه يمكن أن يطلق عليه البعض: تأميم الدين لصالح النظام السياسي العلماني. ٢- قانون إلغاء معظم المناهج الشرعية (بالمعاهد الأزهرية) : حتى الأزهر أعلى وأقدم مرجعية إسلامية في مصر والعالم الإسلامي لم يسلم هو الآخر من الغزو العلماني؛ حيث صدر القانون رقم ١٦٤ لسنة ١٩٩٨م بتعديل بعض أحكام القانون رقم ١٠٣ لسنة ١٩٦١م بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها، متضمناً اختزال سنوات الدراسة وما يستتبعه ذلك من تقليص المناهج حيث نص على: يستبدل بنص الفقرة الأولى من المادة [٨٧] من القانون رقم ١٠٣ لسنة ١٩٦١م بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها النص الآتي: (مدة الدراسة في المعاهد الثانوية الأزهرية ثلاث سنوات، يعد فيها التلميذ إلى جانب ما يحصل عليه من علوم الدين واللغة للحصول على الشهادة الثانوية العامة بأحد قسميها العلمي والأدبي أو الحصول على الشهادة الثانوية الفنية بأحد أنواعها الصناعي والتجاري والزراعي وغيرها) . وقد نصت المادة الأولى على الآتي: (يتولى شيخ الأزهر إصدار القرارات اللازمة لتنفيذ هذا القانون، وله بعد موافقة المجلس الأعلى للأزهر أن يصدر من الأحكام المؤقتة ما يقتضيه نظام الدراسة أو الخطط الدراسية أو مناهج الدراسة خلال فترة الانتقال التي يحددها بقرار منه) .

стр. 3834

ملفات العلمانية في العالم الإسلامي.. تساقط الأوراق (٢ - ٣) جذور العلمانية والتغريب في العالم الإسلامي [*] (٢ - ٣) خالد أبو الفتوح abulfutoh@hotmail.com أشار الكاتب في الحلقة السابقة إلى أن العلمانية هي أحد الانحرافات التي أصابت الأمة الإسلامية، ورأى أنها إحدى الصور الفجة لانفصال السلطان عن القرآن، كما أومأ إلى أن بعض الباحثين يرى أن الشرارة الأولى للغزو الصليبي بالفكر والقيم اتقدت في ذهن لويس التاسع عشر بعد هزيمته وأسره في مدينة المنصورة عام ١٢٥٠م، ثم طوّف بنا الكاتب في أنحاء شتى من عالمنا الإسلامي ليرصد حركة التغريب، وها هو اليوم يشد بنا الرحال إلى بقاع أخرى لنشهد بعضاً مما أصاب الأمة من أوضار بسبب حركة العلمنة والتغريب. - البيان - أما في تونس [١] : فلم يكن الحال أقل سوءاً؛ فبعد زيارة إلى أوروبا سنة ١٨٤٦م (١٢٦٢هـ) ، واستقبال حافل في باريس بدأت سياسة التعاون بين أحمد باي [٢] وفرنسا، فسمح لهم بإنشاء كاتدرائية في مواجهة مدينة تونس (في المكان الذي قيل إن لويس التاسع مات فيه أثناء الحروب الصليبية) ، وعهد إليهم بإنشاء المدارس وتدريب الجيش. ورغم عدم وقوع تونس تحت الاحتلال الأجنبي رسمياً إلا أن النفوذ الأجنبي فيها كان كبيراً، كما كان هناك تأثر بحركة التنظيمات التي شهدتها الدولة العثمانية وكانت تونس تابعة لها، ومن ثم: كان طبيعياً أن تشهد تونس أيضاً حركة (إصلاحات) على النسق الأوروبي. ففي عام ١٢٧٥هـ (١٨٥٧م) أصدر باي تونس (محمد باشا) استجابة لرغبة القناصل الأوروبيين القانون الأساسي لتونس، وهو شبه دستور عرف باسم عهد الأمان، وقد صيغ على نمط خط كلخانة العثماني، حيث بناه على قواعد ثلاث: الحرية، والأمان التام، والمساواة التامة بين المسلمين وغير المسلمين أمام القانون. وفي عهد الباي محمد الصادق باشا وبفضل جهود الوزير خير الدين باشا (التونسي) تم تعديل عهد الأمان، فصدر أول دستور في العالم الإسلامي على الإطلاق سنة ١٨٦١م (١٢٧٧هـ) ، وبحسب هذا الدستور يتولى الباي السلطة التنفيذية ويعاونه وزراء يقوم هو باختيارهم، وهو الذي يقوم أيضاً بإصدار (التشريعات) بمعاونة مجلس تشريعي مكون من (٦٠) عضواً يقوم الباي بتعيينهم من التونسيين والجالية الأجنبية، وقد نصت المواد الثلاثة الأولى من الدستور على المساواة أمام القانون والإدارة والضرائب دون تمييز بين الأجناس والأديان، كما خصصت المواد (٩، ١٠، ١١) لتأكيد حقوق الأجانب، ثم بدأ العمل في إصدار قانون مدني وآخر جنائي بعد صدور هذا الدستور، وكان خير الدين «هو العقل المنظم لهذه الحركة ومن له النصيب الأكبر في وضع القوانين لمجلس شورى منتخب» [٣] ، فقد كان هو الرئيس الفعلي للمجلس التشريعي بجانب توليه لوزارة الحربية. وفي عام (١٢٨٤هـ/١٨٦٧م) نشر خير الدين كتابه: (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) ، شرح فيه آراءه في الإصلاح والتجديد التي جاءت متأثرة بمشاهداته أثناء رحلته إلى فرنسا (١٨٥٣م ١٨٥٧م/ ١٢٦٩هـ ١٢٧٣هـ) ، حيث يقول في مذكراته: «إن إقامتي الطويلة في فرنسا ورحلاتي العديدة مكنتني من دراسة أسس المدنية الأوروبية وأحوالها، فضلاً عن مؤسسات الدول الكبيرة في أوروبا، فانتهزت فرصة اعتزالي الحياة السياسية ووضعت مؤلفي السياسي الإداري: (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) » [٤] ، بل صرح في كتابه هذا «أنه استقى بعض معلوماته وآرائه في (أقوم المسالك) من كتب أوروبية في السياسة والتاريخ والاقتصاد والقانون ... » [٥] ، وقد اهتم فيه بالتدليل على أهمية اللحاق بالغرب في منجزاته ومخترعاته، ولكنه ألحق بذلك أيضاً (تنظيماته) باعتبار أن هذه التنظيمات هي أساس التقدم المادي الذي أحرزه الغرب، كما إنه عدَّ هذه (التنظيمات) الغربية مؤسسة على دعامتي الحرية والعدل (اللذين هما أصلان في شريعتنا) [٦] ، غافلاً عن اختلاف المصدر ومن ثم: القيم والتشريعات المؤسسة لهاتين الدعامتين في كل من النظام الغربي والنظام الإسلامي. ولأجل مواءمة الشريعة (لإصلاحاته) «فقد دعا إلى الاجتهاد في تأويل الشرع حتى من غير التمسك بالمذاهب الفقهية، ما دامت غاية المجتهد أن يخدم الصالح العام» [٧] ، وعليه: فقد عهد إلى مختصين بدراسة الفقه الحنفي والمالكي وعادات البلاد والقوانين المعمول بها في الدولة العثمانية وفي مصر وفي أوروبا، وأن يستخرجوا منها قانوناً يناسب تونس، ولكنه خرج من الوزارة قبل أن تتم هذه اللجنة عملها [٨] . الهند [٩] : استطاع الإنجليز القضاء على قوة الأمراء الذين لم يدخلوا في طاعتهم، وانتهى الأمر بأن تمكن القائد البريطاني من القضاء على كل سلطان المسلمين في الهند فيما عدا جيوب صغيرة عندما دخل دلهي عام ١٨٠٣م (١٢١٨هـ) ، وبذلك انتهى تاريخ سيادة المسلمين على شبه القارة الهندية؛ وأخذ الإنجليز يمحون الطابع الإسلامي في المنطقة، وأفصحوا عن سياستهم المعادية عداءاً صريحاً لكل ما هو إسلامي في الهند. ولكن لم يرضَ المسلمون بهذا الواقع، فأصدر شيخ المحدثين مولانا شاه عبد العزيز الدهلوي (١١٥٩هـ ١٢٣٩هـ / ١٧٤٦م ١٨٢٣م) في السنة نفسها فتوى تنم عن إحساس عميق بخطورة الوضع ومعرفة دقيقة للفرق بين الإسلام والعلمانية؛ حيث أعلن أن « ... في هذه البلد (دلهي) لا يحكم إمام المسلمين إطلاقاً، بينما تسود فيه سلطة الحكام النصارى دون حرج، ونعني بإجراء أحكام الكفر: أن الكفار في وسعهم أن يعملوا بسلطانهم في الحكم، وفي التعامل مع الرعية، وفي جمع ضرائب الأرض والرسوم والمكوس والعشور والدموغ، وفي عقاب قُطَّاع الطرق واللصوص، وفي تسوية النزاعات وعقاب المجرمين، ومع ذلك فإن بعض أحكام الإسلام التي تتعلق بصلاة الجمعة والأعياد والأذان، وذبح البقر، ما زالت نافذة، إلا أن ذلك إنما يرجع إلى أن جوهر هذه الأمور لا قيمة له عندهم؛ إذ إنهم يهدمون المساجد دون تورع، ولا يستطيع المسلمون والذمِّيون أن يدخلوا هذه البلد أو ضواحيها إلا بأن يطلبوا منهم الأمان، وإنما لمصلحتهم هم أنهم لا يعرقلون مرور المسافرين والتجار ... » [١٠] ، وقد عُدَّت هذه الفتوى بعد ذلك مرجعاً للعلماء والمسلمين عامة في عدم شرعية الوجود البريطاني في الهند، وكانت هي الأساس لكل دعوة إلى محاربة الإنجليز ومقاطعتهم. وعليه: كان المسلمون يعتقدون أن المسلم الصالح ينبغي عليه مقاطعة الإنجليز وعدم التشبه بهم حتى في أدق الأمور كالأكل بالشوكة والسكين، أو ارتداء حذاء برباط ... ، لأن ذلك من التشبه (بالكفار) . وفي عام (١٢٧٤هـ/ ١٨٥٧م) قامت ثورة كبرى (الاعتصام الكبير) في ولايات عديدة من الهند تزعمها المسلمون وبعض الهندوس الذين نكبهم الإنجليز، واستمرت هذه الثورة حوالي العام حاول فيها المسلمون إعادة تنصيب آخر سلطان مغولي (سراج الدين أبو ظفر شاه) ، ولكن الثورة أخفقت وقضى عليها الإنجليز بوحشية وقسوة مع تخصيص المسلمين بالقهر المتعمد، وقبضوا على السلطان سراج الدين ونفوه بعد أن عزلوه وأهانوه إهانة شديدة ثم اضطروه إلى التنازل عن عرشه. وبنهاية سلطنة مغول الهند أصبحت الهند كلها مستعمرة بريطانية، وأحس الإنجليز أن مصدر القلق في المسلمين هو موقفهم العدائي من (الكفار) ، وأن سبب التمردات والثورات التي تخبو ثم تشتعل من جديد هو فتاوى العلماء التي كانوا يصدرونها بوجوب الجهاد ضد الكفار ومقاطعتهم، فلجأ المستعمر إلى «بعض العلماء يصطنعهم ويستفتيهم في مسألة الجهاد في الهند: هل يجوز أم لا؟ ويصدر هذا البعض الفتاوى بأن الجهاد في حالة عدم التكافؤ بين قوة المسلم وقوة المستعمر عبث ومضيعة للنفس والمال، وأن المستعمر ما دام لا يتدخل في إقامة الصلاة وأداء الفرائض فلا تكون البلاد بلاد حرب ... ؟ واستجلبوا [أي: الإنجليز] فتاويهم حتى من مكة، كي يقضوا على فكرة الجهاد التي يعتنقها بعض المسلمين في الهند، ويعمل بها المتحمسون..» [١١] ، وواضح ما في هذه الفتاوى من تراجع عن الوعي والانتباه اللذين بدوا في فتوى شاه عبد العزيز السابقة، وهنا يظهر مرة أخرى أهمية دور العلماء في المعركة ضد التغريب والعلمانية. وتوازى مع ذلك الاتجاه: شروع الإنجليز في غزو المسلمين في العمق الفكري والاجتماعي غزواً منظماً، فحاربوا مدارسهم واستبدلوا بها المدارس الإنجليزية الحديثة، ونزعوا الأوقاف الإسلامية التي كانت تنفق على المدارس الإسلامية، وهددوا أو أغروا أغنياء المسلمين حتى يكفوا عن مساعدة هذه المدارس، وساندوا المنصرين بقوة، كما حرصوا على إبعاد المسلمين عن كل الوظائف ذات المسؤولية ووضعوا مكانهم هندوساً وسيخاً. وفي الوقت نفسه: أفاق المسلمون بعد انكسارهم في (الاعتصام الكبير) على الواقع الأليم الجديد، فبدأت الهزيمة النفسية تتغلغل إلى نفوس كثير منهم، كما بدؤوا يفكرون كيف يتعايشون مع الواقع الجديد الذي بدا لهم أنه سيكون طويلاً مستمراً؟ ويبحثون عن سبل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ورأوا أنهم بعد فقدانهم سلطانهم السياسي والاجتماعي مهددون بفقدان هويتهم الثقافية وتميزهم الفكري، وانقسموا إزاء مواجهة ذلك فريقين: فريقاً يرى الحفاظ على هوية المسلمين بتنمية معارفهم الأصيلة عن طريق إنشاء مدارس يدعمها عامة المسلمين أنفسهم حتى لا تتعرض لضغوط الحكومة الإنجليزية وكل من له صلة بها من الأمراء والأغنياء، وكانت أول مدرسة قامت على هذا الأساس مدرسة (دار العلوم) في ديوبند سنة (١٢٨٣هـ/١٨٦٧م) ، و «كان الأساس الذي قامت عليه هي وزميلاتها أساساً فكرياً خالصاً، يتمثل في الاحتفاظ بالثقافة الإسلامية ولغتها (اللغة العربية) ومحاربة الثقافة الإنجليزية والحيلولة بينها وبين الغزو الفكري والخلقي للمسلمين في الهند، وقد كوَّن هذا الاتجاه مدرسة فكرية خاصة في الهند كان لها أثرها البعيد المدى في حياة المسلمين الخاصة والعامة هناك» [١٢] . أما الفريق الآخر فقد رأى أن اتجاه الفريق الأول يؤدي إلى حرمان المسلمين من المشاركة في خيرات البلاد ووظائفها العامة، فدعا إلى إزالة الفجوة بين الإنجليز والمسلمين، وإلى غرس الثقة المتبادلة بينهم، كما دعا أصحاب هذا الاتجاه المسلمين إلى الإقبال على التعليم المدني الذي أدخله المستعمر للبلاد، ودعوا إلى إنشاء مؤسسة علمية إسلامية يتلقى فيها أبناء المسلمين التعليم الحديث مع تعاليم دينهم في جو مأمون موثوق به، وهكذا ولدت مدرسة (عَليكَرْه) سنة (١٢٩٣هـ/ ١٨٧٥م) التي تحولت فيما بعد إلى (الكلية المحمدية! الإنجليزية) . وقد تكون بعض المقدمات التي قدمها هذا الفريق صحيحة، ولكن شخصية القائم على هذا الاتجاه، والمسار الذي سلكته المدرسة الممثلة له: يفضحان أن المقصود كان تدجين فكر المسلمين وتذويب التميز العمراني (الحضاري) الذي كانوا يتمتعون به ويحسونه ويفخرون به؛ فقد كان رأس هذه الاتجاه هو سيد أحمد خان (١٨١٧م ١٨٩٨م/ ١٢٣٢هـ ١٣١٦هـ) ، الذي كان موظفاً في الحكومة الإنجليزية بمهنة (قاضٍ) في محكمة، والذي عارض ثورة عام (١٢٧٤هـ/١٨٥٧م) وأنقذ أثناءها أُسَراً إنجليزية كثيرة وحماها من فتك الثائرين بها، وقد كافأته بريطانيا على مواقفه الموالية لها عندما زارها عام ١٨٦٩م (١٢٨٦هـ) ، حيث كان ابنه يدرس هناك، فنزل لمدة سبعة عشر شهراً ضيفاً مبجلاً على الأوساط الإنجليزية الراقية، فاحتفل به كبار الإنجليز الرسميين وقابل الملكة وولي العهد والوزراء الكبار، ونال الوسام الملكي ولقب الشرف (سير) ، وأثنت عليه الصحافة الإنجليزية، كما هيؤوا له زيارة الجامعات والمعاهد العلمية؛ ليستفيد منها عند إنشاء مدرسته الجديدة،.. في زيارة تذكرنا بالبعثات الباريسية (للمصلحين) العرب! كما أن الرجل كانت له آراء فكرية خطيرة تدل على مدى الانحراف الذي يعمل على جر المسلمين إليه، فانحراف المعتزلة القديم في خلق القرآن وفي العلاقة بين العقل والنص تحول على يديه إلى القول بأن القرآن نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم بالمعنى فقط، ثم صاغ الرسول ألفاظه من عنده، وقد تشبع سيد أحمد خان بالمذهب (الطبيعي) ، وهو مذهب داروين، وأنكر الجنة والنار والملائكة والجن، وأخذ يشتم الفقهاء ويستهزئ بالمحدِّثين وبالشعائر الإسلامية. بل نظر إلى العبادات المحضة النظرة العقلية نفسها فجعلها مجرد رموز، ووصف الإحرام والطواف ورمي الجمرات بأنها عادات باقية من الأديان الأولى في طفولة البشرية، وكان يرى أن الإسلام والهندوكية والنصرانية يجب أن تكون عقائد دينية في نفوس معتنقيها فقط، وهذه العقائد كلها يجب ألا تؤثر في الوطنية، وقال: إن الجهاد يكون مشروعاً فقط عند الدفاع عن النفس وبشرط أن يحمل العدو المسلمين على تغيير دينهم صراحة. وقد تطورت هذه الآراء على يد تلامذته فأصبحت أكثر تطرفاً أو قل: صراحة ووضوحاً، وذلك كله باسم (تجديد) الدين والإصلاح، وهو في الحقيقة تطويع وتطوير للدين. وقفات مع المرحلة: وقبل أن ننتقل إلى مرحلة تالية من تاريخ العلمانية والتغريب في العالم الإسلامي نود الوقوف مع أحداث هذه المرحلة والتي قبلها وظواهرها بعض الوقفات؛ لعلنا نضع أيدينا على بعض الحقائق والدروس لنستفيد منها: فأولى هذه الوقفات: أن أوضاع العالم الإسلامي في بداية هذه المرحلة وما قبلها مباشرة كانت أوضاعاً في مجملها تحوي كثيراً من المظالم والتخلف، مظالم شاملة لا يوقفها معيار محدد للعدالة إلا القوة والسلطة، وتخلف شامل أيضاً كانت حقيقته التخلف عن الإسلام ذاته، ومظاهره التخلف عن الغرب الذي سبق العالم الإسلامي في العلوم والإدارة والصناعة والتجارة. أي إن أوضاع العالم الإسلامي كانت تستحق الثورة وكانت في حاجة إلى الإصلاح، ولكن الثورة من أي منطلق، والإصلاح في أي اتجاه؟ هذا هو ما نختلف مع (الإصلاحيين) والعلمانيين فيه. كما يجب أن نشير هنا أيضاً إلى أنه رغم تلك الأوضاع فإن الفجوة بين العالم الإسلامي والغرب في بداية هذه المرحلة كانت غير كبيرة [١٣] ، ومن هنا يمكننا القول: إنه كان من الممكن إذا توفرت الجهود المخلصة للإصلاح، ولم تتكالب قوى الغرب للإجهاز على العالم الإسلامي قبل إفاقته.. كان يمكن تدارك هذه الفجوة واللحاق بهم فيما تقدموا فيه من علوم مادية من غير تفريط في قيمنا ومبادئنا و (ديننا) ، ولكن ما حدث في الواقع هو العكس؛ إذ اتجهت الأنظار إلى قيم الغرب ومبادئه زاعمة أن هذا هو سر تقدم الغرب وحقيقة عمرانه (حضارته) ، ودارت الدعايات والترويج لهذه القيم والمبادئ، بينما كان النشاط في اقتباس علوم الغرب وأسرارها ضئيلاً وسطحياً. ثانياً: من المعلوم أن «العلمنة بمعناها الشامل فلسفة تنطوي على (محاولة لإدراك معنى العالم المادي بوصفه معقولاً ... وعلى إمكانية إدراكه، وبالتالي تغييره دون حاجة للقوى الفوقية والسماوية والدينية) » ، وتتفق المذاهب العلمانية الكبرى في المعنى النظري للعلمنة «الذي يتضمن (تَمْدِين الدولة والمجتمع والمؤسسات والقوانين وسائر الشؤون العامة، وإبعادها عن أي مؤثرات دينية) » ولذلك فإن العلمنة تعني صراحة: «إبعاد الدين عن ميدان تنظيم المجتمع الإنساني وشؤونه السياسية والاقتصادية والاجتماعية» [١٤] ، ومن خلال تأمل مجريات المراحل السابقة للعلمانية والتغريب في العالم الإسلامي نستطيع بلورة ملامح الغزو العلماني التغريبي التي استمرت أيضاً ولكن بصورة أوضح في المراحل اللاحقة، لتصب في اتجاه تحقيق معنى العلمنة السابق ذكره، ومن أهم هذه الملامح: ١ - إيجاد مرجعية فكرية جديدة بديلة عن المرجعية السائدة في المجتمع، وهي التي كانت في أصلها مرجعية إسلامية. ٢ - وضع الأفكار (القديمة) الشائعة بين أفراد المجتمع موضع الشك، ومن ثم: بحثها ودراستها مرة أخرى في ضوء المرجعية الفكرية الجديدة، مما يؤدي إلى استبدال هذه الأفكار (القديمة) . ٣ - ربط المجتمع الإسلامي بمنظومة عالمية في الفكر والاجتماع والسياسة والاقتصاد والقانون، وإحلال هذه المنظومة في المجتمع بحيث تمثل صبغة جديدة له. ٤ - استبدال ولاءات جزئية قائمة على قيم أرضية (مادية) عنصرية أو مصلحية بقاعدة ولاء المجتمع المسلم، المتمثلة في الولاء لله ورسوله وللمؤمنين، ثم إعادة ترتيب هذه الولاءات الجزئية في منظومات وتحالفات أكبر قائمة على الأساس المادي ذاته. ٥ - ولتحقيق هذا الهدف كان ينبغي تحطيم أدوات وحدة فكر هذه الأمة وعاطفتها القومية الإسلامية، وذلك بالقضاء على أو على الأقل إضعاف حضور اللغة العربية الفصحى (لغة القرآن) ، وعلى مفهوم العمران (الحضارة) الإسلامي، باعتباره عمراناً متصلاً خرج من معين واحد، مع تشويهه والحط منه؛ لإيقاف عاطفة الفخر القومي الإسلامي الناشئ من هذا الاعتبار. ٦ - كما ينبغي لبلوغ هذا الهدف تفتيت تماسك المجتمع، وذلك بغزو نواته الأولية المتمثلة في الأسرة، وذلك عن طريق استهداف المرأة، وإشاعة صور التفلت والانحلال الخلقي بين أفراد المجتمع. وإذا كانت هذه الملامح بدت باهتة في المراحل السابقة فإننا سنلحظها واضحة كل الوضوح في هذه المرحلة. ثالثاً: باستعراض الخطوات التي أدت إلى العلمانية والتغريب في الأقطار التي تعرضنا لها، نلحظ أن آلية هذه الخطوات تتشابه إن لم تتطابق في كيفية تسللها، وأن الغرب استفاد من تجاربه العديدة مع المسلمين في شتى البقاع وعلى مر العصور، وهي تبدأ بإظهار الفارق العمراني (الحضاري) بين الغرب الغازي والبلدان الإسلامية، والتأكيد على تفوق هذا الغرب، يتبع ذلك إحساس المسلمين بالانكسار والهزيمة النفسية التي تولد عندهم إعجاباً بهذا المتفوق، ثم العمل على محاولة مسايرته واللحاق به، فيفتح لهذا الغرب الباب لتعليم وتدريب من يُعَدُّون لقيادة البلاد، ويفتح الباب أيضاً لتسنم بعض هؤلاء المعلَّمين مراكز حساسة في البلاد، وفي الوقت نفسه: تُرسل البعثات من أبناء المسلمين النابهين وقياداتهم للاطلاع على هذا الغرب وأخذ العمران و (الحضارة) من منبعهما الأصيل! ، فتتلقاهم هناك أيادي المستشرقين والمبشرين، ويغوصون في أوحال هذا المجتمع ويرتوون من مستنقعاته، ثم يعودون إلى بلدانهم ليكونوا (حزب الغرب) فيها. وبعد ذلك تفتح أبواب البلاد المعجبة بالغربيين والمهيأة لهم لامتيازات الدول الأجنبية وأفرادها، فتبدأ سياسة (التغلغل السلمي) ، فيمتلكون الأراضي والعقارات، وينشئون المزارع والمصانع، ويديرون شركات البنية الأساسية، فتكون هذه الامتيازات ذريعة للتدخل السياسي والاقتصادي ثم العسكري؛ للحفاظ على حقوق رعاياهم وأعوانهم، فيصعب على البلاد بعد ذلك الخلاص منهم، وفي الوقت نفسه: يبدؤون باللعب على وتر حقوق الأقليات فتبرز الوطنية أو القومية أو الطائفية، ثم يطالبون بنظام قضائي (حضاري) وتعليم (معاصر) واقتصاد حر.. ويفتح الباب على مصراعيه للعلمنة والتغريب. رابعاً: ولتمرير نهج التغريب والعلمنة فقد حرص المنفذون في هذه المرحلة على مراعاة عدة أمور عند التنفيذ، منها: - أن يتم تمرير هذا النهج على يد رموز علمية واجتماعية مقبولة من المجتمع المستهدف، وكان أبرز من يقوم بذلك بعض العلماء والساسة اللامعين (أو الملمَّعين) الذين أظهروا ميلاً إلى الوافد الجديد؛ حيث كانت المؤسسة العلمية الدينية وحدها تمثل الحياة الفكرية حينئذ، وكانت المؤسسة السياسية هي أداة التنفيذ الأساس. - أن يتم تسويغ الأفكار الجديدة تحت لافتات عديدة مقبولة: كالإصلاح، والتحديث، والنهوض، والأخذ بأسباب القوة والمدنية.. وإظهار أن هذه الأفكار غير متعارضة مع مبادئ الدين وقيم المجتمع. - أن يكون التغيير المستهدف شاملاً لجميع نواحي الحياة: فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية، بل أن يصل التغيير بهذه المبادئ إلى الدين نفسه كما سنرى لاحقاً إن شاء الله تعالى. - أن يكون هذا التغيير بصورة تدريجية مع اتباع سياسة الصدمات محسوبة الأثر والنتائج إن لزم الأمر. خامساً: وكانت الترجمة من أهم طرق نقل الأفكار الغربية إلى العالم الإسلامي وأخطرها في ذلك الوقت وخاصة في مصر وتركيا والشام «فقد مهدت حركة الترجمة بما حققته من انتشار الفكر العلمي والثقافة العلمية في مقابل الفكر والثقافة الدينية مهدت السبيل للأفندية أن يحلوا محل المشايخ في الزعامة الفكرية في مصر في القرن ١٩» [١٥] . سادساً: اختلف شكل الإطار الذي خرجت منه العلمانية والتغريب حسب ظروف منطقة الاحتكاك العمراني (الحضاري) الذي نموَا فيه، ففي حين أن دور رجال السلطة المحلية والمحافل الماسونية كان واضحاً في مصر وتركيا في هذه المرحلة، نجد أن الإرساليات التنصيرية والمستشرقين والنصارى العرب لعبوا دوراً أكبر في الشام، كما نجد أن الاستعمار الصريح: الفرنسي في الجزائر، والبريطاني في الهند كان هو العامل الحاسم في غرس العلمانية والتغريب في هذين البلدين، وهذا الاختلاف في الإطار والظرف العام سيكون له أثره فيما بعد. ومع ذلك فيكاد ألا يختلف (أسلوب) تقديم العلمانية إلى العالم الإسلامي رغم اختلاف هذه الظروف وتعدد هذه الأطر؛ فقد تسللت العلمانية والتغريب إلى العالم الإسلامي في بدايتها وما زالت تحت ستار كثيف من التضليل والتلبيس؛ حيث اختلط (أو خُلِّط) الحق بالباطل والصواب بالخطأ في الدعاوى التي رفعها (الإصلاحيون) ، كما قُدِّمت العلمانية والتغريب في هذا الخلط على طبق من الدين. وفي ذلك يصف الدكتور محمد محمد حسين بدقة دوافع (المصلحَيْن) الطهطاوي وخير الدين التونسي ومنهجهما، فيقول: «فالطهطاوي وخير الدين يبدأ كل منهما كلامه بالنص القرآني وبالحديث وبرأي الصحابة والفقهاء، ونقطة البدء في تفكيرهما هي التماس الوسائل لقوة المجتمع الإسلامي ... ولكن التخطيط للنهضة والتماس الحلول للتخلص من عوامل الضعف يبدأ من الإعجاب ببعض ما شاهداه من النظم في المجتمع الغربي والرغبة في نقله إلى وطنيهما ... » [١٦] . والقوانين التي صدرت باسم (التنظيمات) في الدولة العثمانية كانت تُصدَّر بأنه: «لا يخفى على عموم المسلمين أن دولتنا العلية من مبدأ ظهورها وهي جارية على رعاية الأحكام القرآنية الجليلة والقوانين الشرعية المنيفة.. وقد انعكس الأمر منذ مئة وخمسين سنة بسبب عدم الانقياد والامتثال للشرع الشريف ولا للقوانين المنيفة..» [١٧] ، ثم تُذيَّل بأنه «قد أفتى المفتي بجواز العمل بها شرعاً ومعاقبة من يعارض في إنفاذها» [١٨] . وقد كان للصورة التي حاولوا بها (تقنين) الفقه دوره في هذا التلبيس بغض النظر عن نيات من قاموا به ومدى مناسبة هذا التقنين حيث اعتاد الناس هذه الصورة وألِفوها، ومن ثم: لم يستغربوا بعد ذلك أن يُحكموا بقوانين غريبة عن الإسلام على هذه الصورة، لا سيما حين يقال عنها إنها لا تخالف الشريعة الإسلامية، أو إن لها تخريجاً يتفق مع رأي في مذهب فقهي إسلامي. هذا الأسلوب وإن بدا في هذه المرحلة المبكرة غير ظاهر والانحراف فيه يسير، إلا أنه استعمل على نطاق واسع في المراحل التالية، كما أن خط الانحراف به اتسع وتأصل فيما بعد. سابعاً: تميزت هذه المرحلة بالتركيز على التغلغل في أوساط النخب الثقافية والفكرية وأصحاب التأثير في المجتمع الإسلامي، كما تميزت بالارتكاز على أصحاب السلطة والاحتماء بهم لنشر العلمانية والتغريب، وهذا واضح في البلاد التي تعرضنا لها. أما قاعدة المجتمع العريضة فقد كانت تعيش حالة من التحول الاجتماعي أو ما نستطيع أن نطلق عليه: البرزخية الاجتماعية فهي لم تكن تعيش إسلاماً صحيحاً كما أنها لم تكن تعيش علمانية كاملة. وفي الوقت نفسه: كان واضحاً سعي ذوي النفوذ في تيار العلمانية والتغريب على صبغ حياة المجتمعات الإسلامية بالقوانين الوضعية في مجالات الحياة المتنوعة؛ لنزع الطابع الديني عن المعاملات اليومية في حياة أفراد هذه المجتمعات وإحلال صبغة علمانية بديلة، إضافة إلى ربطهم بأسس مرجعية جديدة ترتبط بالنظام العالمي الناشئ من المدنية الغربية، كما حرصوا على إشاعة المظاهر التي تدل على هذه الصبغة الجديدة. أما بالنسبة إلى العلماء فإنه وإن استُعمِل بعضهم جسراً للعلمانية والتغريب إلا إن آخرين أعلنوا رفضهم لذلك الاتجاه وقاوموه بالوسيلة التي يملكونها: الفتاوى! وفضح أصحاب هذا الاتجاه أمام الأمة؛ ففي تركيا العثمانية «لم يلق الخط الشريف أو الدستور الذي سانده مصطفى رشيد وقلة من المحيطين به ترحيباً أو تأييداً من الرأي العام العثماني المسلم، فأعلن رجال الدين! تكفيرهم لرشيد باشا، واعتبروا الخط الشريف منافياً للقرآن الكريم في مجمله، وبخاصة في مساواته المسيحيين بالمسلمين ... » [١٩] . وعندما أعلن سيد أحمد خان آراءه «هيج الرأي العام ضده، وزاد في هياج الرأي العام المسلم وتشديد النكير عليه من العلماء حتى حكموا بكفره ما قرره في تفسيره من أن القرآن نزل على رسول الله ﷺ بالمعنى فقط ... » [٢٠] . ولكن أصحاب هذه الأصوات المعارضة ضاعت وسط الزخم العلماني والتغريبي المستند على السلطة النافذة والدعم الغربي آنذاك، كما يبدو أن أصحاب هذه الأصوات المعارضة لم يستطيعوا إدراك مدى المخطط البعيد وشموله في هذه المرحلة المبكرة. أخطر المراحل وأعقدها (١٨٨٢م- ١٩١٧م) : بعد أن نمت البذور التغريبية والعلمانية في أرض الإسلام بدأت تضرب بجذورها في هذه الأرض، وبدا واضحاً أن هذه الجذور أخرجت نبتة لها ساق مستوٍ وعود مشتد. وقد تميزت هذه المرحلة بحدوث اضطراب شديد وتحولات فكرية وسياسية واجتماعية كبيرة في البلاد الإسلامية، كما أن التداخل في نشاطات وجهود (الرواد) الإصلاحيين وأثر ذلك على الأقطار المتعددة.. كان سمة بارزة في هذه المرحلة. ويمكننا في هذا الرصد أن نضع أيدينا على مفاتيح تعيننا على فهم هذه المرحلة التي نحن بصددها، تتمثل في الآتي: أولاً: تميزت هذه المرحلة بتكثيف انتقال القيم الغربية والعلمانية من مجال الأفكار إلى الواقع، وبذا انتقلت الهجمة التغريبية العلمانية إلى الضرب في العمق؛ فكراً: بطرق الموضوعات التي تطرحها في صورة أكثر صراحة ووضوحاً وشمولاً، وانتشاراً: بفتح ميدان انتقالها من النخبة المثقفة المحدودة إلى القاعدة الشعبية العامة. ثانياً: نتيجة لهذا الضرب المركز في العمق الفكري والاجتماعي تبلور تيار كانت بذوره موجودة في المرحلة السابقة، وكان جل اهتمامه محاولة (التوفيق) بين الإسلام وبين الأفكار والقيم الغربية الوافدة، وقد تعددت (دوافع) هذا التيار و (درجاته) و (صوره) ، ولكنه عموماً احتل مساحة واسعة في أنشطة هذه المرحلة، كما كان له أثر كبير فيما بعد. ثالثاً: رغم تعدد ميادين الأنشطة العلمانية والتغريبية و (التوفيقية) في هذه المرحلة إلا أن هناك قاسماً مشتركاً يجمع بين هذه الأنشطة بدا وكأنه صرعة العصر التي تنطلق منها، ألا وهو: الحرية بمفهومها الغربي الليبرالي؛ فقد تمثل ذلك في الفكر: بطرح كل المسلَّمات (السابقة) على طاولة النقاش، ومن ثم: الرفض أو القبول، وفتح المجال لإدخال أي أفكار والترويج لها باسم حرية الفكر، وفي الإصلاح الديني: بفتح باب الاجتهاد وإعادة تفسير الإسلام بما يتلاءم مع (روح العصر) ، مما أدى لاحقاً إلى محاولات تطويع الإسلام و (علمنته) ، وفي السياسة: بالدعوة إلى الحرية الدستورية، ومقاومة الاستبداد، والتحرر من الروابط السياسية القديمة، وذلك ما أدى فيما بعد إلى رفض الإطار السياسي للخلافة، وإلى استقرار النيابة البرلمانية بوصفها مصدراً للسلطات، وفي الاجتماع: بالدعوة إلى حرية المرأة وانعتاقها من قوامة الرجل وأسر الأسرة والتقاليد وتعاليم الدين، وهو ما أدى إلى التفكك الأسري والانحلال الأخلاقي، وفي الاقتصاد: بوضع أطر الاقتصاد الحر والارتباط بالرأسمالية العالمية واقتصاد السوق، ومن ثم: فتح المجال أمام الأفكار والتصورات الاقتصادية المنابذة للدين التي مثلها الحضور المكثف لرأس المال الغربي بما يحمله من احتكارات واستغلال وربا، وفتح المجال أيضاً لنشاطات اقتصادية منافية للإسلام أخلاقياً واجتماعياً. هذه إجمالاً أهم مفاتيح هذه المرحلة، والآن لنعرض بعض تفاصيل تحولات الفكر والثقافة في هذه المرحلة: دخول الفكر العلماني التغريبي الصريح: مثلما كان الفكر النصراني هو واسطة نقل الفكر الفلسفي اليوناني إلى الفكر الإسلامي في العصر العباسي عبر حركة ترجمة واسعة آنذاك «كان هذا الفكر مؤهلاً أكثر من غيره لدور الريادة عندما جاءت الموجة (الهيلينية) الجديدة من أوروبا المسيحية العلمانية هذه المرة، ومعها تجربة غير معهودة من قبل في تحديد العلاقة الجدلية بين الدين والعقل، تستند إلى مبدأ الفصل والتمييز والتفريق بينهما» [٢١] ، وهكذا كان النصارى العرب وإن شاركهم غيرهم رأس الحربة في نقل العلمانية الصريحة. فبخلاف (المصلحين) المسلمين الذين كانت تؤرقهم محاولات تقديم الأفكار الغربية في صورة لا تتعارض مع الإسلام، مما دفعهم إلى اختيار مسلك التوفيق بينهما ... «كان المثقفون المسيحيون يرفضون ربط التطور الاجتماعي بأية عقيدة دينية، ويسعون إلى التحرر من مشكلة الانتماء الديني بالتشديد على النظرة العقلانية إلى الإنسان والمجتمع» [٢٢] ، ومن هنا: أخذوا ينهلون ويتبنون بوضوح وبدون حرج أو حساسية أفكار مفكري عصر التنوير الأوروبي. وهكذا تمثل التيار العلماني التغريبي الصريح في معظمه في بعض نصارى الشام الذين هاجروا إلى مصر، وأخذوا في بث أفكارهم من خلال عدة طرق، محدثين حركة فكرية ثقافية كبرى داخل قطاعات كبيرة من (المثقفين) استخدمت فيها الصحف والمجلات التي أصدروها على نطاق واسع، مستغلين (حرية النشر) التي كانت توفرها سلطات الاحتلال لمثل تلك الإصدارات، وأيضاً من خلال ترجمة بعض الكتب الأوروبية التي تساير الاتجاه الجديد، وتحقيق وإخراج بعض الكتب الفلسفية والأدبية القديمة التي تخدم توجهاتهم، بإعادة طرح أسئلة كبرى حول الإنسان والكون والحياة، والتي تهدف أيضاً إلى إعادة صياغة العلاقات بين الأفراد والمجتمعات. فبعد جيل فرنسيس مراش، وبطرس البستاني، وناصيف اليازجي، وفارس الشدياق، أتى جيل آخر يمثله سليم عنحوري، وأديب إسحاق، وشبلي الشميل، وفرح أنطون، وجورجي زيدان، وبشارة وسليم تقلا، وفارس نمر، ويعقوب صرُّوف ... وغيرهم، ولا شك أن بينهم فروقاً فكرية، ولكن يجمعهم أنهم جميعاً نصارى على اختلاف مذاهبهم وأنهم ماسونيُّون، كما أن معظمهم درس في الكلية السورية الإنجيلية (الجامعة الأمريكية) التي أشرنا إليها سابقاً. كانت الصحافة أحد أهم أنشطتهم التي روجوا من خلالها أفكارهم بطرق ملتوية ومخادعة؛ فقد كان بعضهم يتعمد أن يتضمن اسم مطبوعته دلالة رمزية قد تخفى على بعض القراء: ففارس نمر يوضح أنه بعد رفض وزارة الداخلية المصرية الموافقة على إصدار جريدته الجديدة باسم (الإصلاح!) اختار هو وشركاؤه اسم (المقطم) ، يقول: «ولما سئلت عن السبب في اختيار هذا الاسم بالذات، قلت: لأنه الجبل الذي بنيت من حجارته الأهرام الثلاثة» [٢٣] ، وكذلك جورجي زيدان أطلق على مجلته اسم (الهلال) مستغلاً ما يشاع بين الناس من أن الهلال رمز إسلامي، والحقيقة أنه أحد رموز الماسونية، ومن المعروف أن زيدان كان ماسونياً، كما أن (جامعة) فرح أنطون كانت باسم (الجامعة العثمانية) ، وهذا الاسم وإن كان ظاهره يناصر الدولة العثمانية، إلا أنه يطرح بصفته بديلاً عن (الجامعة الإسلامية) ، وهذا الطرح كان دعوة لها أنصارها في ذلك الوقت، وهو يعني التجمع حول آصرة الجنسية العثمانية التي تضم أدياناً وأعراقاً شتى، بدل آصرة الإسلام، وهو يعني بمعنى آخر العمل على الدعاية لعلمانية الدولة في الانتماء والولاء. وكما عمدوا إلى المداورة والخداع في الأسماء والعناوين عمدوا إليها أيضاً في المحتوى والموضوعات؛ فمجلة المقتطف «إذا أخذنا العدد الصادر [منها] في كانون الثاني ١٨٩٦م على سبيل المثال، لوجدنا أنه يشتمل على مقالات في الأمراض السارية، والميكروبات في الهواء، والفروق بين الرجال والنساء، وتحليل فلسفي لمركز الإنسان بين الحيوانات ... أما مؤسس الهلال ... فقد كان ذا تركيب ذهني مختلف، فأعار العلوم الطبيعية في مجلته اهتماماً أقل، موجهاً جل عنايته إلى علم الاجتماع، وأدب النفس، والسياسات العالمية، والجغرافيا والتاريخ، واللغة والأدب، وآثار العرب ... » [٢٤] ، ويعلق ألبرت حوراني على هذه الموضوعات قائلاً: «قد تبدو المواضيع التي كانت تعالجها هاتان المجلتان عديمة المغزى، خصوصاً وأنهما كانتا تتحاشيان كل ما يتعلق مباشرة بالسياسات المحلية أو بالدين أو بما شأنه أن يثير ضدهما العداء، غير أن وراء هذه المواضيع ووراء غيرها من هذا النوع كانت تكمن بعض الأفكار المعينة الدائرة حول: ما هي الحقيقة؟ وكيفية البحث عنها؟» [٢٥] وبهذه الطريقة أصبحت مجلة كالمقتطف «أهم المجلات التي أخذت تدعو إلى التحلل من الدين» [٢٦] . وإلى جانب الصحافة التي كانت تعمل على تشكيل الرأي العام سلك طلائع العلمانية مسالك أخرى لتبديل البيئة الفكرية لمثقفي الأمة؛ ففي هذه المرحلة التاريخية نشطت حركة إحياء كتابات فلسفية قديمة، مع اهتمام خاص بفلسفة ابن رشد. فعلى سبيل المثال: أصدر فرح أنطون سنة ١٩٠١م كتاب (ابن رشد وفلسفته) الذي أحدث جلبة كبيرة أدت إلى سجالات عديدة؛ حيث ادعى أنطون أن الإسلام قضى على الروح الفلسفية واضطهد العلم، وأن حل (النزاع) بين العلم والدين يتم بتحديد الحقل الخاص بكل منهما؛ بحيث لا يتجاوز أحدهما حدود الآخر، مؤكداً أن الأنبياء فلاسفة، وأن الحقيقة واحدة يسربلها الأنبياء بالرموز الدينية من أجل العامة بينما تفقهها النخبة مباشرة [٢٧] ؛ فأهمية الكتاب ترجع إلى أنه «لم يستهل المباحث الفلسفية الجديدة في مطلع القرن العشرين وحسب، بل فتح الباب أمام مساجلات فكرية هامة بين أقطاب الفكر في مصر ... حول مسائل الخلق والأزلية والسببية، وسواها من القضايا الفلسفية الكبرى» [٢٨] . وتوازى مع ذلك النشاط حركة ترجمة واسعة لكتب منتقاة تعبر عن الفكر (التنويري) الغربي، وبعد أن كانت حركة الترجمة في المرحلة السابقة تتم برعاية الدولة ومرتبطة بمصالحها وتوجيهاتها الحديثة، نجد أن الترجمة في هذه المرحلة أخذت بعداً جديداً بانتقال معظم نشاطها إلى أفراد أصحاب توجهات تغريبية واضحة ومقصودة، عملوا على تجاوز ترجماتهم تحديث أجهزة الدولة نحو تحديث أفكار المجتمع وثقافته، حيث بدأت حركة نشطة لترجمة أمهات الكتب الفلسفية والاقتصادية والسياسية والأدبية والاجتماعية إلى اللغة العربية. فكرتان وشخصيتان: ولا يفوتنا في هذا المقام الحديث عن شخصيتين وفكرتين كانتا ذا أثر كبير في الحركة الفكرية في هذه المرحلة، باعتبارهما نموذجين للأفكار والشخصيات التي تمثل هذا الاتجاه في ذلك الوقت، ونعني بالشخصيتين: شبلي الشميل، وفرح أنطون، وأما الفكرتان: فالداروينية والاشتراكية. فلقد أعطى تيار العلمانية الصريحة الاشتراكية بعداً هو أقرب إلى حقيقتها، مخالفين النهج التوفيقي الذي سبقهم الأفغاني باستعماله عند حديثه عن الاشتراكية، ففي «أوائل التسعينات من القرن التاسع عشر بدأت صحف اللبنانيين الدورية الصادرة في مصر تتعرض للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والنظريات الأوروبية بشأنها، ومن بينها التعاليم الاشتراكية، وكان يعقوب صرُّوف في مجلته (المقتطف) ، وجورجي زيدان في (الهلال) ، وفرح أنطون في (الجامعة) من أوائل العارضين والمحللين لتلك التعاليم» [٢٩] ، وهكذا «ظلت الأفكار الاشتراكية حتى قبيل الحرب العالمية الأولى محصورة بشكل رئيسي في نطاق العلمانيين المسيحيين، وأصدر سلامة موسى في عام ١٩١٣م [١٣٣١هـ] كتابه (الاشتراكية) » [٣٠] ، وفي العام نفسه نشر المدرس المصري مصطفى حسنين المنصوري كتابه (تاريخ المذاهب الاشتراكية) وضمنه شروحات ميسرة للأفكار الاشتراكية، وهو يعد من أوائل من عرضوا مبادئ الفكر الاشتراكي والماركسي [٣١] . وإذا كان يعقوب صرُّوف وجورجي زيدان ظلا في نطاق التحليل الوصفي للاشتراكية دون الالتزام بها سياسيّاً، فإن الشميل وأنطون كانا أول الداعين إليها باعتبارها التزاماً سياسياً اجتماعياً؛ حيث كان الشميل «يؤمن بحتمية الوصول إلى الاشتراكية مهما طال الزمن؛ لأنها ذات نواميس طبيعية تدعو إليها» [٣٢] ، بينما ذهب فرح أنطون إلى أبعد من ذلك، فدعا إلى تأميم وسائل الإنتاج وإلغاء الملكية الخاصة، كما «كان يعتقد بأن على المرء ألا يكتفي بالتبشير بالاشتراكية إذا أراد تحقيقها، بل عليه أن يسعى إلى هذا التطبيق ولو بالقوة والثورة، وبالتالي يصبح من الضروري غرس فكر الثورة والعنف في عقول الطلاب منذ الصغر» [٣٣] ، وهكذا شقت الاشتراكية طريقها في الفكر العربي المعاصر، لتتمثل بعد ذلك في نظم سياسية تتبناها وتدعو إليها. أما الداروينية أو مذهب النشوء والارتقاء كما عُرفت آنذاك فكانت «أحد المجالات الأساسية للصراع ضد العلمانية ... فكانت الداروينية في أواخر القرن التاسع عشر من ضروب النظرية التطورية التي شكلت عصب فكر القرن التاسع عشر، ومن المسلَّمات التي أخذ بها الغربيون والشرقيون معاً» [٣٤] وقد أثارت الداروينية موجة قوية من الإلحاد؛ حيث طغى في هذا العصر مذهب المادية «القائل بأن العالم له أساس واحد هو المادة، ولا شيء وراءها، وكل شيء في الحياة مظهر من مظاهرها حتى الفكر والعاطفة، والمادة لا تتجدد ولا تفنى، وقوانينها قديمة أزلية أبدية، وليس في هذا العالم شيء يعتريه الفناء، وإنما تتغير الأشكال، وبناءاً على ذلك: فلا نفس ولا روح ولا دين ولا إله!» [٣٥] ، وهكذا خطت (العلمانية) خطوة نوعية كبرى في مهاجمة الدين بمحاولة تحطيم أسسه الأولية. شبلي الشميل (١٨٥٠م ١٩١٧م / ١٢٦٦هـ ١٣٣٥هـ) : يرى الدكتور عزيز العظمة أن التيار العلماني الشامل والآخذ بالعلمانية في أسسها المادية ونتائجها الاجتماعية كان «تياراً صغيراً ... مثَّله أفضل تمثيل شبلي الشميل ثم سلامة موسى، وكان الاثنان قد أسسا سوية مجلة (المستقبل) في القاهرة عام ١٩١٤م، كتب فيها موسى مقالاً (كله فجور إلحادي) ، ودعا فيها الشميل إلى المادية والتطورية (دعوة مستقبلية فجة) » [٣٦] . فقد اعتقد الشميل «بأن العلم هو الدين الجديد للإنسانية جمعاء» [٣٧] ؛ حيث اعتبره «أكثر من طريقة لاكتشاف النظام في ترابط الأشياء؛ إذ كان مفتاحاً لحل لغز الكون، لا، بل نوعاً من العبادة» [٣٨] ، ويرى الشميل «أن دين العلم هو إعلان حرب على الديانات القديمة» [٣٩] ، وعليه: فهو يرى أن: «ليس الحكم الديني والحكم الاستبدادي فاسدين فحسب، بل هما غير طبيعيين وغير صحيحين» [٤٠] . «وكان الكثيرون من الكتاب العرب المسيحيين من معاصري الشميل يبشرون بتلك الأفكار ويستنتجون منها وجوب وجود وحدة قومية تتعدى الفروق الدينية، لكن الشميل نفسه ذهب أبعد من ذلك في استنتاجه؛ فهو لم يحاول الاستعاضة عن التضامن الديني بالتضامن القومي فحسب، بل راح أيضاً يعلن أن لجميع أنواع التضامن الجزئي خطر التضامن الديني؛ لأنها تجزئ المجتمع البشري، فالتعصب القومي الأعمى لا يقل شراً عن التعصب الديني الأعمى، لذلك لا بد أن تَحل عاجلاً أو آجلاً الوطنية العالمية محل الولاء للوطن المحدود» [٤١] ، ولعل هذا كان سبباً لأن راقته فكرة الاشتراكية حيث الدعوة إلى الأممية العالمية، فكان «أول من نشر بالعربية فكرة الاشتراكية، وإن لم يكن أول من سماها بهذا الاسم» [٤٢] هكذا انبثق الولاء للعالمية من الرؤية العلمية العلمانية! ولدين الشميل الجديد مستلزمات اجتماعية وسياسية واسعة أيضاً «فالعلوم الطبيعية هي أساس العلوم الإنسانية، ولا تستمد الشرائع إلا من العلوم الإنسانية الصحيحة» [٤٣] . وعلى رأس العلوم الصحيحة عند الشميل: الداروينية، لذا: كان «أول داعية للأفكار الداروينية والفلسفات المادية في العالم العربي، تحت تأثير فلسفة سبنسر الذي جعل من الداروينية مبدأً فلسفياً لا ينازع» [٤٤] ، و «أضاف الشميل بذلك على غيره من العلمانيين نظرة مادية في الدين، وجعل من الداروينية نموذجاً عاماً لقانون تطوري يشمل نشوء وترقي الإنسان واللغة والشرائع، وقال بالتالي بأن تاريخية المجتمع كتاريخية الطبيعة، وقال أيضاً بنسبية الأخلاق ومفاهيم الخير والشر» [٤٥] . «ويترتب على نظرية التطور أيضاً أن القوانين السارية في كل مجتمع ليست شرائع أبدية معصومة، بل يجب أن تتطور بالتدرج وفق حاجات الإنسان وقضاياه، وقد تصبح الثورة ضرورية (!) إذا تحجرت تلك الشرائع ومنعت ذلك التطور» [٤٦] . وهكذا يتضح بجلاء أن العلمانية في صورتها الغائية الصريحة هي منظومة فلسفية كلية، تنبثق منها تصورات شاملة عن الإنسان والكون والحياة، كما تنبثق منها النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعبر عن هذه التصورات لتحل محل الدين والنظم المنبثقة عنه. فرح أنطون (١٨٧٤-١٩٢٢م / ١٢٩١-١٣٤٠هـ) : وبمثل هذا الوضوح والسفور كان فرح أنطون، «ففي الوقت الذي حاول فيه من سبقه التوفيق بين الحضارة الغربية والحضارة العربية، والتمسك بإحياء التراث العربي القديم باعتباره الحل المثالي لتقدم مجتمعهم، كان فرح أنطون يدين بالولاء الكامل للحضارة الغربية وأفكارها، وينقل عنها في مجلته (الجامعة) مذاهبها في الإصلاح الاجتماعي، ويناقش الأفكار الاشتراكية والشيوعية في هذا الوقت المبكر حين كان المجتمع غير مستعد بأي صورة من الصور لتقبل مثل هذه الأفكار» [٤٧] ، فكان فرح أنطون «أول من كتب بالعربية عن بوذا وكونفوشيوس، وعرَّف بفلسفة تولستوي وشرائع حامورابي وأفكار روسو وفلسفة أوجست كونت» [٤٨] ، وهو يرى أن لا فرق بين الأديان «فإذا تفحصنا مجموعة المبادئ [الجوهرية] وجدنا أنها واحدة في جميع الأديان ... كذلك إذا تفحصنا مجموعة الشرائع لوجدنا أن غايتها الوحيدة إنما هي حث الناس على الفضيلة؛ فالثابت فيها هو إذن المبدأ الخلقي الكامن وراءها، ويجب أن نفسرها تفسيراً يسمح لها بالقيام بوظيفتها، حتى لو اقتضى ذلك تأويلها، وبعبارة أخرى: إن جميع الأديان إنما هي دين واحد يعلِّم بعض المبادئ العامة، أما الشرائع الدينية فلا قيمة لها بحد ذاتها؛ إذ ما هي إلا وسائل لغاية» [٤٩] . وأنطون يرى من هذا المنطلق أن المفاضلة بين دين ودين «من القضايا المتحدرة من القرون الوسطى، التي لا تتصل لا من قريب ولا من بعيد بمفاهيم العلم الحديث» [٥٠] ، وبنى على ذلك أيضاً موقع الدين في الحياة، فهو يهدي كتابه عن ابن رشد إلى «النبت الجديد في الشرق» ويعني بهم: «أولئك العقلاء في كل ملة وكل دين في الشرق، الذين عرفوا مضار مزج الدنيا بالدين في عصر كهذا العصر، فصاروا يطلبون وضع أديانهم جانباً في مكان مقدس محترم! ليتمكنوا من الاتحاد اتحاداً حقيقياً ومجاراة التمدن الأوروبي الجديد لمزاحمة أهله، وإلا جرفهم جميعاً وجعلهم مسخرين لغيرهم» [٥١] . وهذا الكلام يتضمن نقطتين مهمتين: فصل الدين عن الدولة، وضرورة الاتحاد على أساس المواطنة لا الدين؛ «فالوحدة تتم بخلق الولاء القومي والفصل بين السلطة المدنية والسلطة الدينية، وفي هذا قوله: (فلا مدنية حقيقية ولا تساهل ولا عدل ولا مساواة ولا أمن ولا ألفة ولا حرية ولا علم ولا فلسفة ولا تقدم في الداخل إلا بفصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية) » [٥٢] ، ومن ثم: «أصبحت الدولة الدينية (دولة الضعفاء والجبناء والكسالى في الأمة) » [٥٣] ، وعندها «تصبح الاشتراكية إنما هي (دين الإنسانية) ، وهي آخذة في الحلول محل الأديان المنزلة» [٥٤] .

стр. 3835

ملفات العلمانية في العالم الإسلامي.. تساقط الأوراق (٢ - ٣) تركيا بعد ٧٧ عاماً من العلمانية كمال حبيب مر على قيام الدولة العلمانية التركية نحو ٧٧ عاماً، تلك الدولة التي أسسها مصطفى كمال عام ١٩٢٣م، وبعد هذه الأعوام من الحكم العلماني تقف تركيا حائرة غير مستقرة لا تعرف لنفسها وجهة، ولا تثق بالأرض التي تقف عليها ولا المبادئ التي تنطلق منها؛ فالعلمانية التي تبنَّاها أتاتورك تحولت إلى أيديولوجية قمعية أقرب إلى الأيديولوجيات الفاشية والنازية والشيوعية، وكل من تسوِّل له نفسه الخروج على مبادئها فإن نصيبه السجن والتنكيل بل القتل، ولم تستطع العلمانية أن تحقق الاطمئنان للمواطن التركي؛ لأنها مزقته بين تاريخه وإسلامه وحضارته وبين قيم غريبة عنه مفروضة عليه، كما لم تحقق العلمانية لتركيا حلم الالتحاق بأوروبا (المسيحية) ؛ إذ ظلت أوروبا تنظر لتركيا على أنها مسلمة، ولم تعبأ بتبني قيم التغريب والحداثة من قِبَل أتاتورك ومَنْ جاء بعده. لقد فُرضت العلمانية بوصفها أيديولوجية صارمة وحادة وقمعية على المجتمع التركي، فهددت وحدته وتكامله برفض أي وجود للآخرين الذين يشاركون الأتراك العيش في وطنهم، ومن هنا كان الإنكار الصارم لوجود الأكراد، واعتبارهم أتراكاً يسكنون الجبال. ولا تزال المشاكل الكردية تمثل أكبر التحديات أمام العلمانية الكمالية. وعلى مستوى الإنجاز الاقتصادي لم تستطع العلمانية أن تحقق للمواطن التركي مستوى للمعيشة ينشله من واقع البؤس والفقر، وعلى مستوى الطهارة الأخلاقية فإن التقارير تتحدث عن تحالف المافيا والفساد مع مؤسسات الدولة المختلفة بدءاً من المؤسسات الأمنية السيادية وحتى المؤسسات السياسية مثل مجالس الوزراء والنواب وغيرها. وفي العلاقات الخارجية لا تزال تركيا تمثل الأداة الأمريكية لملء الفراغ في المنطقة، وهي تتحالف في ذلك مع الكيان الصهيوني ضد الدول العربية والإسلامية، وكانت أزمة تركيا مع سوريا منذ عامين جزءاً من التوتر العلماني القلق في اكتشافه أن العلمانية التركية بعد هذا العمر لم تحقق لأصحابها طموحاتهم في سياستهم الخارجية. إن العلمانية الكمالية كأيديولوجية قد انهارت مع الأيديولوجيات الكبرى التي انهارت في هذا القرن، والبحث مطروح الآن بقوة عن مخرج للتخلص منها. الكمالية تسقط في نظر العلمانية: يقول الكاتب التركي المعروف أنيس باتور: «لقد انتهت الجمهورية الأولى بمدرستها ومستشفاها وسجنها ومحكمتها وبرلمانها» ، أي أن الكاتب يرى أن التجربة الكمالية قد سقطت بمؤسساتها، ولا بد من البحث عن بديل لها. إن العلمانية الكمالية محمية بقوة الجيش، وإذا قُدِّر للجيش أن يُستبعد عن صناعة القرار في تركيا فإن ذلك سيكون بمثابة إطلاق رصاصة الرحمة على الكمالية، والذين يتحدثون عن ضرورة وجود ما يطلقون عليه: (الجمهورية الثانية) هم علمانيون وليسوا إسلاميين؛ لكنهم يرون العلمانية الكمالية استبدادية وقمعية ومتخلفة، ولا تصلح أن تكون صيغة تتجاذب مع تحولات السياسة والمجتمع في تركيا المعاصرة. إن العلمانية الكمالية جعلت من نفسها صنماً مقدساً لا يجوز الخروج على مقرراته العقيمة؛ فالدولة في الأيديولوجية الكمالية أصبحت عنصراً للتحكم والهيمنة، كما أن الديمقراطية أصبحت تعبيراً عن الاستبداد والتسلط. حتى التحولات العالمية المتصلة بالتحول نحو اقتصاد السوق وانتشار الأفكار الليبرالية ثم اعتبار حقوق الإنسان معياراً للانتماء إلى الدول المتحضرة حتى هذه التحولات لا تستجيب العلمانية الكمالية لشروطها، ومن هنا كان حديث فريق آخر من العلمانيين عن ضرورة تجاوزها إلى ما يطلق عليه: «الجمهورية الثانية» . ويتحدث البروفيسور «خليل جين» عن إخفاق العلمانية الكمالية في تحقيق الوفاق الاجتماعي فيقول: «الجمهورية التركية دولة علمانية ديموقراطية حقوقية، وهي أيضاً نتاج التوافق الشعبي في إطار الوحدة القومية. وعجز الكمالية عن حل مشكلة تعدد الأصول والأعراق في تركيا يؤكد عجزها عن التعبير عن التوافق الشعبي في إطار الوحدة القومية. فالمشكلة الكردية متفاقمة وإصرار العلمانية الكمالية على نفي الوجود الكردي سيؤدي إلى تمزيق وحدة الدولة. العلمانية تسقط في نظر الإسلاميين: طرح فوز حزب الرفاه في الانتخابات البلدية والبرلمانية على بساط البحث الجدِّي مسألة العلمانية والديموقراطية التي دشنها الرجل الصنم» أتاتورك «؛ فالانتصار الإسلامي أكد إفلاس النظام السياسي في تركيا وعجزه عن مواجهة قضايا المواطنين، ويعبِّر رئيس فرع إسطنبول في حزب الرفاه عن إخفاق الأيديولوجية الكمالية قائلاً:» يمكن بمفهوم ما خارج الأيديولوجيا الرسمية إيجاد حل للأزمات الحالية في المجتمع التركي، إننا لا نجرؤ حتى على مجرد الحديث ومناقشة قضايانا الراهنة في ظل ضغط الأيديولوجيا الرسمية وتهديدها، إننا عندما نتحادث ونتناقش نكون وجهاً لوجه أمام خطر المعاقبة، وإن لم تحل هذه المسألة فمن المتعذر حل المشاكل الأخرى. انظروا اليوم فإننا لا نستطيع أن نناقش بصراحة كافية المسألة الكردية، لقد تشكل في تركيا مجتمع مغلق مستند على الخوف والقمع باسم الأيديولوجيا الرسمية التي تواصل الآن خصوصية كونها طوطماً أي شيئاً محرَّماً ومقدَّساً لا يجوز الاقتراب منه وإلا أصابتك لعنته «. ويؤكد بولانت أجاويد رئيس الوزراء التركي الحالي إخفاق العلمانية فيقول: » إن الأصوات التي حصدها الرفاه والإسلاميون هي أصوات «خيبة الأمل» في الأحزاب الأخرى سواء ما كان منها في السلطة أو المعارضة «. والمعضلة الأساسية التي توجدها العلمانية الكمالية هي أنها تحاول نبذ جزء أساسي من شخصية الشعب التركي وهو الدين؛ فمثلاً جنكيز شندار» أهم مفكر علماني تركي «يقول:» إن الإسلام في تركيا ليس ديناً فقط، بل هو شخصية وثقافة «، كما أن مسعود يلماظ الرئيس السابق للوزراء قال عام ١٩٩٣م:» إن الدين محدد أساسي في الشخصية القومية لتركيا «. وبدا الفشل العلماني واضحاً في صعود نزعة إسلامية في تركيا منذ فترة » تورجوت أوزال «استمراراً لصعود هذه النزعة منذ (عدنان مندريس) في الخمسينيات؛ فقد تم رفع حظر الأذان باللغة العربية، وفتح معاهد تخريج الأئمة، وبعد انقلاب عام ١٩٨٠م نصت المادة (٢٤) من الدستور على اعتبار الدروس الدينية والأخلاقية مادة إجبارية في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة من التعليم، وكان أوزال يحرص على الصلاة في المساجد، وسقطت محرمات مثل التعرض لشخص أتاتورك بالنقد؛ فقد انتقده حسن مزارجي» نائب حزب الرفاه وسبَّه علناً، وطالب بوقف تقليد زيارة ضريحه في أنقرة، وطالب علمانيون ببناء جامع في حديقة القصر الجمهوري بأنقرة، وكانت تانسو تشيللر تحرص على استهلال خطبها بـ (الحمد لله) ، وقبَّلت أمام آلاف من أنصارها نسخة من القرآن الكريم، وطالب «غفار ياكين» النائب المستقل عن محافظة أفيون التركية بتعطيل العمل في الدوائر الحكومية لتمكين الموظفين من صلاة الجمعة، وطالب بولانت أجاويد «رئيس حزب اليسار الديموقراطي» بالتعطيل ليس فقط وقت الجمعة وإنما أثناء صلاة الظهر في كل أنحاء تركيا، وطالب حزب الرفاه عام ١٩٩٥م بفتح مسجد أيا صوفيا للصلاة بعد أن حُوِّل منذ أمدٍ بعيد إلى متحف، وأقر البرلمان توقيت ساعات العمل بحيث تنتهي مع مواقيت الإفطار في شهر رمضان، وتزايدت الدعوة للسماح للموظفين بأداء فريضة الحج بدون قطع رواتبهم. وبالطبع فإن هذه المطالب أثارت نقاشاً كبيراً حول مفهوم العلمانية، كما انزعج الكماليون؛ بَيْدَ أن الحقيقة الأساسية هي أن الإسلام يضرب جذوره بعمق في النفسية التركية، ولا يمكن لأي أيديولوجية أن تطرح نفسها بديلاً عنه. إن هناك تحولات كبيرة في بنية المجتمع التركي، ولا تزال الدولة المقيدة بأغلال العلمانية عاجزة عن الاستجابة لهذه التحولات وهو ما يؤدي إلى خطر القلق في المجتمع التركي. السقوط الأخلاقي والاقتصادي للعلمانية: بالمعايير الاقتصادية لا تزال تركيا دولة نامية بعد ٧٧ عاماً من العلمانية؛ فمتوسط دخل الفرد السنوي لا يزال عند حد ثلاثة آلاف دولار، ولا تزال نسبة الصناعة تمثل ٢٥% من الدخل القومي، والاقتصاد جنوب شرق البلاد في مناطق الأكراد لا يزال متخلفاً، ونسبة العجز في الميزان التجاري ٢٠ مليار دولار، وارتبط نمو الاقتصاد التركي ٥% سنوياً بتكلفة عالية؛ فمعدل التضخم وصل عام ١٩٩٤م إلى ١٢٤%، وبلغ العام الماضي ٩٩%، وقارب عجز ميزانية الدولة ٨. ٥ % من الناتج المحلي الإجمالي، وتفاقمت الديون الخارجية لتبلغ ٩٥ مليار دولار أي بنسبة ٤٨% من الناتج القومي العام الماضي، وتعبِّر خريطة الدخل عن اختلال واضح بنسبة ال٢٠% الأفقر من السكان التي لا يتجاوز نصيبها ٣. ٥% من إجمالي الدخل في حين يبلغ نصيب فئة ال٢٠% الأغنى أكثر من ٥٥% من إجمالي الدخل عام ١٩٩٨م. فالعلمانية رغم محاولة إخفاء إخفاقها على مستوى الهوية والديمقراطية وحقوق الإنسان بالتركيز على الجانب الاقتصادي، إلا أنها لم تستطع أن تحقق إنجازاً ذا بال، ولا تزال البيروقراطية والمركزية تعوقان التحول ناحية اقتصاد السوق، كما ارتبط التخصيص في تركيا بالفساد الأخلاقي؛ فقد اتُّهم تورجوت أوزال «بإنشاء مجموعات اقتصادية احتكارية مثل » صاربنجي وكوج «، واتهمت» تانسو تشيللر «بالحصول على تسهيلات ائتمانية حولتها للخارج، واتهم مسعود يلماظ» بتسهيل بيع البنك التجاري التركي للمافيا «، وتحولت تركيا إلى مركز عالمي لغسيل الأموال القذرة، ووفقاً لتقديرات رسمية فإن الأموال غير المشروعة التي تتدفق على تركيا تبلغ ٥٠ مليار دولار. ويزيد التنافس على تملك البنوك في تركيا؛ لأن أهم وسيلة لغسيل الأموال هي الاقتراض من البنوك ثم تسديد القروض بأموال قذرة. وتشير التقديرات الرسمية إلى أن فرقة إعدامات تم تشكيلها ضمن الدولة قتلت ما بين ٢٥٠٠ - ٥٠٠٠ كردي في الفترة ما بين عام ١٩٩٠م ١٩٩٦م، وفرقة الإعدامات هذه كانت ثمرة تحالف بين مؤسسات الدولة وبين محترفي الإجرام من تجار المخدرات والهيروين، واعتبار ذلك جزءاً من مواجهة المشكلة الكردية، وهناك تقرير رسمي اسمه تقرير (سافاس) يصل إلى ١٢٠ صفحة تم نشره في الصحف التركية يتحدث عن عمق العلاقة الفاسدة بين مؤسسات الدولة ورجال العصابات والمافيا التركية. مستقبل تركيا: الشيء المقطوع به أن العلمانية الكمالية قد سقطت في تركيا، وأن تركيا تقف الآن على مفرق طرق حائرة تبحث من جديد عن تحديد وجهتها؛ فإلى أين تتجه؟ هناك ثلاثة تيارات على الأقل تتقاذف تركيا لإعادة اكتشاف هويتها: التيار الأول: يصر على الاستمرار في تبني العلمانية التي تجعل من تركيا دولة أوروبية؛ ويتبنى هذا التيار النخبة التركية، وقطاع واسع من التكنوقراط ورجال الأعمال وأصحاب المصالح مع الغرب. والتيار الثاني: يتجه نحو العودة إلى الشرق الإسلامي وإعادة الأهلية للتراث الثقافي العثماني، والانفتاح أكثر على العالم الإسلامي؛ وهو تيار يتبناه قطاع واسع من سكان الريف والزراعيين والحرفيين وبعض الأكاديميين وطلبة الجامعات. التيار الثالث: وهو تيار نشط بعد تحرر دول آسيا الوسطى التركية من القبضة الشيوعية، وانفتاح مجال حيوي جديد لتركيا باعتبار هذه المنطقة الحديثة فضاءً سياسياً لتركيا للتوغل فيه. وفي الواقع فإن رفض أوروبا القاطع بقبول تركيا دولة ضمن الوحدة الأوروبية النقدية والمالية صدم القطاع الذي كان يراهن على أن المبالغة في تبني قيم الحداثة والعلمانية الغربية ستؤدي إلى قبول أوروبا لتركيا عضواً على قدم المساواة في النادي الأوروبي، علماً بأن الذين يأملون في الرهان على أوروبا أقلية غير مذكورة؛ إذ لا تزال أوروبا تنظر إلى تركيا باعتبارها وريثة الدولة العثمانية التي أخذت بالسيف مناطق من أوروبا، واليونان لا تزال تنظر إلى الأراضي الأوروبية التي دخلت في الحوزة العثمانية باعتبارها أيضاً محتلة، ويقول الصحفي والكاتب التركي موسى عنتر:» عاداتنا وثقافتنا مختلفة وهم الأوروبيون لا يريدوننا «. أما التيار الثالث: وهو الذي دعا إليه» تورجوت أوزال «وأطلق عليه: » العثمانية الجديدة «أي تنشيط الدور التركي في عالم تركيا الجديدة فهذا الدور يثبت من الممارسة أن تركيا غير قادرة على تحمُّل أعبائه؛ إذ إن تركيا لا تزال عاجزة عن التأثير في المشكلة القبرصية، كما أنها عجزت عن التأثير في مشكلة البوسنة، أي أن مؤهلات تركيا لا تمنحها القدرة على أداء دور يجعل منها قوة إقليمية كبيرة في هذه المنطقة. يبقى التيار الثاني: الذي يدعو إلى العودة إلى الإسلام والقيم الإسلامية والتواصل مع العالم العربي والإسلامي، وهو ما يتبناه حزب» الرفاه «والذي تحول اسمه إلى حزب» ١ الفضيلة «، وهذا التيار يتصاعد بقوة، وهو الذي سيحسم المستقبل السياسي لتركيا. ونمو هذا التيار يؤكد عودة تركيا إلى جذورها الأولى. إن الإسلام قوة لا يمكن حذفها في أي بلد أغلبيته مسلمة، وإذا حاولت العلمانية الكمالية مرة أخرى استئصاله فإنها ستخفق إخفاقاً ذريعاً؛ فإنها فقدت مسوِّغ بقائها ووجودها، وإن مزابل التاريخ تتوق شوقاً لضمها بين المخلفات التاريخية والأيديولوجية الأخرى التي سقطت في هذا القرن.

стр. 3836

ملفات العلمانية في العالم الإسلامي.. تساقط الأوراق (٢ - ٣) عندما يكثر الخبث: الآثار الاجتماعية والأخلاقية للعلمانية في المجتمعات الإسلامية أحمد فهمي سئل أحد عشاق العلمانية عن كون انتشار الانحلال الخلقي في مصر وما حولها يحتم اللجوء إلى الدين بوصفه خياراً حتمياً؟ فأجاب معترضاً: أنا أرى أن حجم الانحلال الموجود في المجتمع المصري أقل بكثير اليوم على مدى التاريخ الإسلامي كله [١] . وتبعاً لنظرية المنطق المعكوس التي تقول: إذا أردت أن تعرف حقيقة دينية من علماني، فاعكس كلامه. يمكننا إذن أن نقول وبثقة: إن حجم الانحلال الموجود في المجتمع المصري وبلاد الإسلام الآن [*] هو الأعظم على مدى التاريخ الإسلامي كله. وحتى لا نُتهم من إخوة الوطن وأعداء الدين بالعاطفية والسطحية كعادتهم في وصف الإسلاميين يحسن بنا أن نتبع أسلوباً علمياً موضوعياً في إثبات هذه الحقيقة، وأول مقتضيات هذه الموضوعية أن نتجنب مجرد الحشد التراكمي الموجَّه لصور الانحراف الاجتماعية والأخلاقية في بلاد المسلمين، فنبدأ بسؤال منطقي: لماذا نعتني بمعرفة الحصاد الاجتماعي الأخلاقي للعلمانية في مجتمعاتنا؟ هناك ثلاثة أهداف من تناول هذا الموضوع لا يقل أحدها أهمية عن الآخر بصورة عامة وإن تفاوتت هذه الأهمية باعتبار الفئة الموجه لها الخطاب. أولاً: بيان حيثيات إخفاق العلمانية وأقنعتها الزائفة في أن تكون منهجاً اجتماعياً، ومصدراً للقيم. ثانياً: كشف زيف العلمانيين وتخبطهم. ثالثاً: التوصيف الدقيق لما آلت إليه الأوضاع الاجتماعية والأخلاقية الآنية، انطلاقاً نحو التطوير المستقبلي لأساليب المواجهة (مهمة الإسلاميين) . نماذج العلمانية: بعد ما يزيد على مائة وخمسين عاماً من العلمانية في بلاد الإسلام، وبكل ما تضمنته من تجارب وخبرات، وسياسات أخفق بعضها في تحقيق أهدافه ونجح البعض الآخر بعد ذلك كله تمخض ماضي العلمانية وحاضرها عن نموذجين يقدمان لباقي الدول والمجتمعات الإسلامية لمحاكاتهما والسير على نهجهما: الأول: النموذج التركي. الثاني: النموذج المصري. أولاً النموذج التركي: نموذج قديم يمثل صانعه أتاتورك زعيماً ملهماً لكثير من علمانيي السياسة والمجتمع؛ فقد كان بورقيبة شديد الاهتمام بتجربة أتاتورك في تركيا، وكتب لابنه في إسطنبول: «فكرت طويلاً بتجربة أتاتورك، وهناك أشياء تؤخذ وأشياء تترك» ، ولما استولى على السلطة في تونس طلب من أستاذه الفرنسي (روبير مانتران) أن يزوده بكل المستندات التي بحوزته عن فكر أتاتورك [٢] ، كما صرح كل من عبد الناصر والسادات في أكثر من مناسبة بافتخارهما بأن أتاتورك مثلهما الأعلى [٣] ، ووصفته هدى شعراوي بأنه يستحق أن يسمى (أتا الشرق) لا (أتا الترك) فقط [٤] ؛ إلا أن النموذج التركي فَقَدَ بريقه في البلاد العربية على الأقل، وأصبح نموذجاً محروقاً بالنسبة لهم، وذلك لعلمانيته المتطرفة التي لا تتناسب مع تنامي المشاعر الإسلامية لدى الشعوب حالياً، وللحرية السياسية النسبية في تركيا التي لا تتوافق مع الواقع العربي، بالإضافة إلى عقبة اللغة والفجوة النفسية اللتين نجح الغرب في إحداثهما بين الترك والعرب. وتقتصر صلاحيته حالياً على تسويقه نموذجاً للدول الإسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفييتي السابق. وإن كان ذلك لا يمنع من كونه مصدر إفادة لكل من العلمانيين والإسلاميين على السواء، فيما يتعلق بخبرات المواجهة المستمرة بين السلطة والاتجاه الإسلامي. ثانياً: النموذج المصري: أما النموذج المصري: فعلى الرغم من كونه لا يزال مائعاً وغير مكتمل الجوانب نتيجة للتدافع المستمر بين قوى العلمنة من جانب، والإسلاميين ومشاعر الجماهير الدينية الفطرية من جانب آخر إلا أنه يأتي على رأس قائمة الدول الرائدة في هذا المجال؛ فبالإضافة إلى عراقة التجربة العلمانية فيه، وتأثير مصر الفكري والثقافي والاجتماعي على الدول العربية؛ فإنه يستمد رواجه حالياً من عدة عوامل: منها: أنه يرفع شعار الديمقراطية والحرية السياسية. ومنها: اتباع سياسة هادئة دؤوبة بعيدة المدى في تجفيف منابع التدين، وعلمنة المجتمع والأخلاق. ومنها: مهادنة المشاعر الإسلامية، لتحييد قطاع كبير من الجماهير، (ازدواجية الخطاب) . ومنها: النجاح النسبي لسياستَي الاحتواء والإجهاض للعمل الإسلامي. وتكمن خطورة هذا النموذج في كونه يفتح باب الأمل نحو مزيد من العلمانية، كما أنه يسعى لتكون العلمانية هي خيار الأجيال القادمة، فإن كانت العقبة هي أن الإسلام الآن خيار جماهيري، فإزالتها بأن تكون العلمانية أيضاً خيار جماهيري، ولكن في المستقبل.. [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ] (الأنفال: ٣٠) . ولْنتناول الآن ما أحدثته العلمانية في بلاد المسلمين من خلل وانحراف. الحصاد الاجتماعي والأخلاقي للعلمانية في مجتمعاتنا: مما يؤثر عن الحكماء القدامى قصة رمزية تحكي أن طائراً انصرف عن مِشية قومه اشمئزازاً إلى محاكاة جنس آخر، وبعد محاولات عدة باءت بالإخفاق رام الرجوع إلى مشيته الأولى، فلم يسلم له ذلك، فصارت له مشية شائهة لا تشبه هذه ولا تلك. والذي أعتقده جازماً أن هذا المثال لا ينطبق على شيء قدر انطباقه على ما فعله العلمانيون بمجتمعاتنا. وسنعرض للحصاد العلماني في جانبين: الأول: يثبت إخفاق العلمانية منهجاً اجتماعياً، والثاني: بيان عدم صلاحيتها مصدراً للقيم. أولاً: المجتمعات الإسلامية في نهاية القرن العشرين (إخفاق العلمانية في أن تكون منهجاً اجتماعياً) : طرحت العلمانية منذ بداية عهود الاستقلال [٥] رؤى اجتماعية متعددة لصياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين المجتمع والدولة، وأعطيت الفرصة الكاملة لعرض أطروحاتها، بل ووضعها موضع التنفيذ والتطبيق لسنوات متتابعة؛ فما الذي فعلته تجاربهم في المجتمعات الإسلامية؟ .. تتمثل الإجابة فيما يأتي: ١ - اضطراب البناء الاجتماعي: فالنمو الاجتماعي والاقتصادي الذي كان مشوهاً بعد الاستقلال في معظم الدول العربية أدى بدوره إلى بناء اجتماعي مشوه، ولو اعتمدنا التقسيمات الطبقية السائدة [٦] لأمكننا أن نختزل علامات ذلك التشوه والاضطراب الاجتماعي فيما يلي: أ - التنافر الطبقي: إذ يتشكل بناء المجتمع بصورة هرمية، على قمتها طبقات عليا صغيرة العدد نسبياً، مميزة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، وفي قاعدته سواد أعظم يعاني من تدني أوضاعه المجتمعية بالمعنى الشامل [٧] ، وبينهما طبقة متوسطة حائرة بين هذا وذاك كما سيتبين لاحقاً وبينما رفعت معظم الثورات العربية شعارات مثل: «القضاء على الاقطاع والتفاوت الطبقي» ، و «العدالة الاجتماعية» ؛ نجد أن الواقع بعيد تماماً عن ذلك؛ فبالنسبة للطبقات العليا من ٥% إلى١٠% فإن النظام الناصري وإن استطاع أن يلغي الطبقة المتميزة القديمة، إلا أنه في الوقت نفسه وسَّع دائرة الصفوة الجديدة التي تتشكل من البيروقراطيين والعسكريين والتكنوقراطيين [٨] ، وفي سوريا قضى حزب البعث سنة ١٩٦٣م على البورجوازية القديمة، إلا أنه مع بداية السبعينيات لم تلبث أن عادت مرة أخرى بصورة متعددة (بورجوازية قديمة تجارية جديدة صناعية بيروقراطية) [٩] . وحرصت عناصر السلطة في أكثر من بلد على تدعيم روابطها بهذه الطبقة من خلال علاقات المصاهرة والمشروعات الخاصة. أما الطبقات الدنيا: الفقيرة، وتلك التي تحت خط الفقر، فتقدرها بعض الدراسات بحوالي ٦٠% [١٠] من إجمالي السكان في العالم العربي، بل لو أخذنا الطبقة الأقل السكان تحت خط الفقر لوجدنا الأمر مفجعاً؛ ففي مصر وفق التقارير الرسمية بلغت نسبتهم ٤٥ % [١١] من إجمالي السكان، وبلغت نسبتهم إلى إجمالي سكان الحضر في تونس ٣٠%، وفي المغرب ٢٨ %، وفي الجزائر ٢٠% [١٢] ، وبلغت نسبة السكان الفقراء في تركيا ٨٠ % [١٣] . ومن المؤشرات الهامة التي تعبر عن حجم التنافر الطبقي: نصيب كل فئة من الدخل القومي؛ ففي تركيا سيطر الـ ٢٠% الأغنى على ٦٠% من الدخل القومي، بينما لم يحصل الـ ٢٠ % الأفقر سوى على ٤% فقط [١٤] . وفي تونس في بداية الثمانينيات كان نصيب الـ ٢٠% الأفقر من الدخل القومي يعادل ٥%، بينا نصيب أغنى ٥% يعادل ٢٦ %، وفي مصر في نفس الفترة كانت النسبة: ٥%، ٢٤% على التوالي، وفي سنة ١٩٩٨م كان ٢. ٥% من السكان الأغنياء يحصلون على ربع الدخل القومي [١٥] ، ولم يكن الأمر في الحقبة الناصرية يختلف كثيراً رغم ما كان يقال عن إزالة الفوارق الطبقية، فكانت النسبة على الترتيب سنة ١٩٧٠م (نهاية الحقبة الناصرية) : ٥. ١%، ٢٢%. ومن المؤشرات الصارخة على وهم هذه الحقبة القومية نسبة أعلى راتب في الحكومة والقطاع العام إلى أدنى راتب، حيث بلغت (٤٠: ١) سنة ١٩٦٦م [١٦] . ب - تآكل الطبقة المتوسطة: تضم الطبقة المتوسطة شرائح اجتماعية متفاوتة التعليم والدخل والمكانة؛ ففيها صغار الموظفين والعسكريين وكذا المهنيون كالأطباء والمهندسين والمدرسين والضباط، وكذا الرؤساء والمديرون [١٧] ، ومن هذه الطبقات خرج الكثير من الثوريين في العالم العربي مثل: حزب البعث السوري، والضباط الأحرار في مصر. ويعتبر الكثيرون الطبقة المتوسطة مستودعَ الحيوية الاجتماعية والممسكة بميزان الاعتدال والاستقرار في المجتمع؛ إلا أنه بعد حوالي أربعة عقود من الاستقلال أصبحت تعيش في حالة ضغط وحصار وعجز عن الحركة، وهوى عدد كبير من أبنائها إلى قاعدة الهرم الطبقي نتيجة لتردي الأحوال المعيشية وانتشار الفقر، إلا من استطاع بهذه الطريقة أو تلك أن يصعد إلى صف الطبقة العليا [١٨] ، أو يبقى مكانه إلى حين. ج - تفكك المجتمع وتضارب مصالح فئاته (مجتمع القصعة) : أنشأ عبد الناصر الاتحاد الاشتراكي ليضم «قوى الشعب العاملة» في تنظيم جماهيري واحد يتجنب الصراع الاجتماعي الحزبي القديم [١٩] ؛ فكأني به وضع بذور التفرق والتفتت التي نتجرع مرَّها حتى الآن؛ إذ تحول المجتمع نتيجةً للتنافر الطبقي إلى فئات متصارعة، يتحدد التوازن الاجتماعي بينها ومن ثم قوانين المجتمع تبعاً للأقوى، لا فرق بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، بل الدولة بهذا الاعتبار لا بد أن تكون مشاركة أو طرفاً مستقلاً في هذا الصراع [٢٠] . ومن صور التفكك البارزة: تلك الهجرة المستمرة من الريف إلى المدن، والتي هي أشبه بعملية احتجاج صامتة؛ وذلك لأن الريف يحمل كثيراً من عوامل الطرد (الضغط السكاني البطالة انتشار الفقر قصور الخدمات) ولأن المدن هي الطرف الأقوى في مقابل الريف؛ حيث يستأثر الفرد في المناطق الحضرية العربية بحوالي ثلاثة أمثال نصيب الريفي من الناتج المحلي الإجمالي. ونتيجة لذلك أتخمت المدن بسكانها، وبلغت نسبة سكان الحضر في الدول العربية ٥٤% [٢١] ، وتضاعف عدد سكان كبرى المدن المسلمة ثلاثة أضعاف خلال عشرين عاماً [٢٢] . د - الفئات والظواهر الشاذة: أنتجت السياسات العلمانية في بلادنا فئات غريبة يمثل كل منها ظاهرة اجتماعية شاذة، نذكر مثالين عليها: فمنها ما يسمى بطبقة «الهامشية الحضرية» ، أو «الهلامية الحضرية» ، أو «سكان المناطق العشوائية» ، وهم طوائف متزايدة من السكان تتجمع في الضواحي حول المدن؛ حيث تقيم لنفسها أحياءاً جديدة في نطاق مديني لم تعرف الدولة كيف تنظمه، لا على صعيد البنى التحتية (ماء صرف نقل) ولا على صعيد التأطير السياسي والثقافي [٢٣] ، وعادة ما تكون بيوتهم من أكشاك وصفيح أو دور صغيرة مبنية من مواد مرتجلة [٢٤] ، والكثير من أحياء القاهرة نشأ بهذه الصورة في البداية [٢٥] ، وهي أسرع الكيانات الاجتماعية نمواً في العالم العربي خلال العقدين الماضيين؛ فقد قدر عددهم حول القاهرة فقط بـ ٥ ملايين نسمة، وقدر عدد سكان المقابر الأحياء بمليون نسمة، وفي نفس العام قدر باحث مغربي عدد قاطني الصفيح في المدن الغربية بمليون نسمة [٢٦] ، وتنتشر في ضاحية الجبل الأحمر بتونس الأكواخ القصديرية [٢٧] ، وتنتشر بين هذه الفئة صفات مثل: اليأس والعجز والتشتت والاختلاط والتحلل الجنسي، وتكون أكثر من غيرها عرضة للانخراط في الجريمة [٢٨] ، ويصفها البعض بأنها قنبلة موقوتة. ومن هذه الفئات: «الأثرياء الجدد» الذين يتميزون بمظاهر الغنى الفاحش والبذخ الشديد، وهي طبقات صغيرة العدد جداً، بينها وبين السلطات علاقات متشابكة، وأحدث هذه الطبقات في سوريا ما يعرف باسم: «الطبقة الجديدة» ، والنقّاد يصفونها بهذا الاسم أدباً، وقد ظهرت بعد سنة ١٩٧٣م، ولا يتجاوز عددها مائة فرد، وتعتمد على العلاقات والعمولات والصفقات المريبة [٢٩] ، وفي مصر بدأت هذه الفئة في الظهور في نفس الفترة تقريباً، وبلغ عدد المليونيرات في نهاية السبعينيات ... (سبعة عشر ألف مليونير) [٣٠] وصف بعض الكتاب سلوكهم الاقتصادي في السبعينيات بأنه «نهب منظم لمصر لم تتعرض لمثله منذ الخديوي إسماعيل» [٣١] ، وقد بلغت هذه الفئة حداً من النفوذ جعل الكثيرين يصفون هذا العصر بعصر رجال الأعمال، وفي تركيا كان لهم أسماء مثل: «المديرون الشبان» ، وهي طبقة من رجال الأعمال خريجي الجامعات الأمريكية، وأصدقاء شخصيين لأحمد تورجوت أوزال، وأيضاً «الآباء الروحيون» الذين سهلت علاقاتهم برئيس تركيا قيامهم بعمليات غسيل الأموال [٣٢] . ٢ - تزايد الحرمان والقهر الاجتماعي: ويمكن التعبير عن هذا الحرمان من خلال عرض نسب إشباع بعض الحاجات الاجتماعية [**] : في التعليم: كان التعليم منذ الستينيات من عوامل الحراك الاجتماعي الهامة، إلا أنه منذ السبعينيات وما بعدها ونتيجة لارتفاع معدلات التعليم وكثرة الخريجين فقد التعليم فاعليته في الحراك الاجتماعي إلى حد كبير، ولا سيما مع تردي الأحوال الاقتصادية وانكماش فرص العمل، مما أدى إلى تزايد الشعور بالإحباط. وفي دراسة اجتماعية تبين أن عدد الشباب المصابين بالإحباط في مصر تصل نسبته إلى ٢٥% بينما الفتيات إلى ٣٠% [٣٣] . وإن كان هذا لا يمنع في المقابل وجود أعداد كبيرة من الأميين؛ إذ بلغت نسبتهم في العالم العربي سنة ١٩٩٣م ٤٧% أي حوالي ٦٠ مليون عربي [٣٤] ، وفي الجزائر ترك مئة ألف شاب جزائري الدراسة في المرحلة الثانوية لعدم تمكنهم من نفقاتها [٣٥] . وفي السكن: بلغ العجز في المساكن الملائمة لحياة البشر في مصر حسب الأرقام الرسمية سنة ١٩٩٩م حوالي ٢. ٥ مليون مسكن [٣٦] ، وفي الفترة من (١٩٧٠م ١٩٨٠م) بلغ معدل التزاحم (عدد الأفراد / للغرفة الواحدة) بين الأسر الحضرية في تونس (٣. ١) وفي المغرب (٣) [٣٧] ، وفي الجزائر كان ٨٠% من الشبان الذين كانت أعمارهم تتراوح بين ١٦ ٢٩ سنة ١٩٩٠م لا يزالون يقيمون مع أهاليهم [٣٨] . وفي العمل: بلغت نسبة القوى العاملة في المجتمع العربي ٣٣% فقط سنة ١٩٩٠م، أي أن ثلث المجتمع يعول ثلثيه، والنسبة العالمية ٤٧%، وهي نفس النسبة في الدول النامية [٣٩] ، وبلغت نسبة البطالة في تونس سنة ١٩٩٠م ١٥%، وفي الجزائر ٢٥%، وفي المغرب ١٥ ٢٥%، وفي تركيا سنة ١٩٩٣م ٤,١٣% [٤٠] ، وفي مصر يقدر عدد العاطلين عن العمل بـ ٦ ملايين عاطل في حين يعمل حوالي ٤ ملايين مواطن في المهن الهامشية مثل توزيع السلع في الميادين والشوارع الرئيسية [٤١] . ٣ - عالم من المتناقضات الأيديولوجية والسياسية أنتجت شعوباً سلبية: «أوساط مثقفة تشعر باليأس، ولكن اليأس ممن؟ من أصنامها تشعر باليأس، وربما يصعب عليها تحطيم هذه الأصنام، لذلك تقف مشدوهة وتشعر الأزمة» [٤٢] ، بمثل هذه المرارة يُعبِّر مثقف علماني عن مشاعر الصدمة لديه وأقرانه من المثقفين في علمانيي السياسة، وما اعتبروه خروجاً على مقتضى العلمانية القومية، ويعبِّر علماني آخر عن هذه الصدمة بهذا الموقف المعبر في مظاهرات ١٩٦٨م عندما خرجت قوات الأمن تفرقها، وضُرب المتظاهرون، فدهش وقال عن عبد الناصر: «كيف؟ ونحن أولاده، تفتحت عيوننا على صورته، وتفتحت عقولنا على أفكاره!» صرخ أحدنا في وجه أحد الضباط: سنقول لجمال عبد الناصر، فردَّ عليه بـ «شلوت» أوقعه على وجهه، وقال في سخرية: خذ هذه هدية منه، ثم قبض عليه، وقال: خلِّ عبد الناصر ينفعك [٤٣] ؛ فإن كانت هذه صدمتهم في أنفسهم فكيف بصدمة الشعوب فيهم؟ لقد ملؤوا حياتنا بالعديد من المتناقضات التي أصبحت شيئاً عادياً متقبلاً. وفي جميع البلاد العلمانيةِ الأصلُ ثبات العقيدة السياسية وتغيير الحكم، ولكن في بلاد المسلمين الأصل ثبات الحكم وتغيير العقيدة السياسية؛ ففي سوريا البعثية الاشتراكية بدأ اتباع سياسة الانفتاح الرأسمالي من السبعينيات [٤٤] ، وفي العراق بدأت الحكومة سنة ١٩٨٨م ذات الاتجاه الاشتراكي الماركسي سياسة العودة إلى القطاع الخاص [٤٥] ، وفي الجزائر الاشتراكية التي دمرت باشتراكيتها الزراعة فتحول البلد إلى مستورد لمعظم غذائه وُضع دستور جديد سنة ١٩٨٩م ليس فيه ذكر للاشتراكية [٤٦] ، وكل ما سبق يتم بنفس الأحزاب وبنفس الرموز، أما مصر فالدستور الحالي الذي تم وضعه في ظل نظام اشتراكي يتم تفسيره من قبل الحكومة بما يتناسب مع النظام الرأسمالي المعتمَد حالياً لدرجة كبيرة [٤٧] . وتختلط الصور إلى حد كبير فيُسمِّي الحزب الناصري نفسه بالديمقراطي، ويُؤبِّن اليساريون ضابطاً شيوعياً سابقاً فيصفونه بأنه شيوعي متشدد كما أنه من اكثر الناس حماساً للديمقراطية.. (اشتراكية ممكن رأسمالية لا بأس اليهود أعداؤنا اليهود أصدقاؤنا ... ) وقد أنتجت هذه التناقضات سياسات اقتصادية واجتماعية متضاربة وفجائية، حتى وصف بعضهم أسلوبه في سياسة المجتمع مفتخراً بأنه: أسلوب الصدمات الكهربية [٤٨] . وعندما يتضارب الواقع ويتفتت بهذه الصورة، وتظهر بشدة آثار وضعية العلمانية التي تقوم على تحكيم المتغير في الثابت [٤٩] ، بل بلسان الواقع، تحكيم المتضارب في الثابت، فتظهر الأعاجيب؛ فهل يمكن أن تتحمل الشعوب كل ذلك؟ الواقع أنها لم تتحمل، فكانت هناك ردود أفعال متفاوتة: فمنها: تنامي شعور السلبية والابتعاد عن المشاركة السياسية: ففي أحد دورات مجلس الشعب المصري تشكل بنسبة ١٠% فقط من أصوات الناخبين، وبلغت نسبة المشاركة في المحليات ٥% ٦% [٥٠] . ومنها: في المقابل: القيام ببعض مظاهر الاحتجاج التي قد تصل إلى الانتفاضات الجماهيرية التي تحدث في كثير من الأحيان ردَّ فعل مباشر على زيادة أسعار السلع الأساسية، مثلما حدث في مصر ١٩٧٧م، وفي تونس ١٩٧٦م، ١٩٨٧م وفي المغرب ١٩٧٤م، ١٩٨١م، وفي الأردن ١٩٨٨م، وفي الجزائر ١٩٨٨م، وغالباً يصاحبها تدمير لمظاهر البذخ والترف في الشوارع [٥١] . ومنها: تزايد معدلات الهجرة للخارج، خاصة ذوي العقول والكفاءات الفنية، وقد بلغ المهاجرون العرب من حملة شهادة الدكتوراه في الفترة من ١٩٦٦م ١٩٧٧م حوالي ستة آلاف، منهم ثلاثة آلاف من مصر وحدها [٥٢] ، ومن ١٩٦٢م ١٩٧٦م هاجر إلى أمريكا ٢٣. ٠٠٠ (ثلاثة وعشرون ألف) من ذوي التخصصات الفنية الرفيعة، وفي الفترة من ١٩٧٠م ١٩٨٠م لم يعد إلى مصر نحو ٧٠% من مبعوثيها إلى أمريكا، واجتذبت فرنسا من ذوي الكفاءات في السبعينيات من ٢٥. ٠٠٠ إلى ٣٠. ٠٠٠ مهاجر [٥٣] . ومنها: شيوع اللامبالاة بالقوانين أو شيوع الانطباع بأن هناك «شبه عقد اجتماعي بين الدولة والمواطن يقوم على خرق القانون في العلاقات الاجتماعية كافة، وهو الأمر الذي جعل الالتفاف حول القانون هو شريعة المجتمع» [٥٤] . ومنها: تنامي ظاهرة النفاق الاجتماعي والسياسي، ومسايرة النظام بقصد الانتفاع المصلحي، كما يدل عليه ارتفاع نسبة الأعضاء في بعض الأحزاب الحاكمة في بعض الدول من طبقة رجال الأعمال والرموز الثقافية والفنية. ومن الأمثلة الطريفة لظاهرة النفاق السياسي في أوساط الصحفيين أن جريدة (لوموند) الفرنسية أجرت حواراً مع أنيس منصور قبل حرب ١٩٧٣م بعنوان: (العدو رقم واحد لإسرائيل) ، ثم بعد الصلح مع اليهود أجرت معه حواراً أخر بعنوان جديد: (الصديق رقم واحد لإسرائيل) [٥٥] . ومن أبرز ردود الأفعال الجماهيرية على هذه التناقضات العلمانية تلك الرجعة الإسلامية الكبيرة، وإبداء قطاعات عريضة من الشعوب الإسلامية رغبتهم في العودة إلى دينهم، وإن تفاوتت قوة هذه الرغبة تفاوتاً تمثل في انقسامهم إلى حركات عاملة، وجماهير محبة ومؤيدة للتيار الإسلامي خاصة أو للإسلام عامة. ولو أخذنا تركيا نموذجاً فسنجد أن نسبة الأصوات التي حصل عليها حزب الرفاه في الانتخابات البلدية والبرلمانية كمؤشر على هذه الرجعة تعبِّر عن التنامي المتزايد لها: ١٩٨٤م ٤. ٤%، ١٩٨٧م ٧. ١ % ١٩٨٩م ٩. ٨ %، ١٩٩١م ١٦. ٩%، ١٩٩٤م ١٩. ٨٧%، ١٩٩٥م ٢١. ٣% أي حوالي ٦ ملايين ناخب [٥٦] . وهو أمر ذو دلالة قوية لكونه يحدث في أكثر البلاد الإسلامية تمسكاً بالعلمانية وتطبيقاً لها. ثانياً: الحصاد الأخلاقي (إخفاق العلمانية في أن تكون مصدراً للقيم) . لم تؤد المناهج والتطبيقات العلمانية إلى تفسخ الأخلاق وانحلالها فقط، بل إنها هاجمت القيم الأساسية التي تستند إليها هذه الأخلاق، والتي لا وجود لها بدونها، سعياً لاستبدالها بقيمها الخاصة. ولأن هذا الهجوم ترتب عليه انهيار كثير من القيم الإسلامية؛ فينبغي علينا أن نتعرف ملامح هذا التصادم القيمي (العلماني الإسلامي) ؛ فقد أصبحت القيم في وضع يرثى له من الاختلال والاضطراب، خاصة مع اتباع بلدان كثيرة لسياسة ازدواجية الخطاب (العلماني الإسلامي) ، ويصف بعض الباحثين هذه الحالة بـ «تشويه الوعي» [٥٧] .. أو تصادم القيم.. فهناك قيم يؤيدها المجتمع، وهناك قيم تفرضها الأيديولوجيا السياسية، وهناك قيم يروّج لها النظام في مؤسساته (الدينية التعليمية الإعلامية) ، بل إن النظام قد يعرض قيمتين متعارضتين في مؤسستين مختلفتين [٥٨] في الوقت نفسه، ويتجلى هذا الاختلال القيمي لصالح العلمانية باستعراض الحالة الراهنة لعوامل الردع والهدم الأخلاقيين في المجتمع: ١ - النزعة الفطرية للتدين: ولا يمكن القضاء عليها [فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا] (الروم: ٣٠) وهي سبب أساس في رجوع كثير من المسلمين إلى دينهم [٥٩] . ٢ - الأسرة: وسيتم التعرض لها لاحقاً، وإن كان خلاصة حالها: ذوبان الدور الرقابي للأسرة. ٣ - المجتمع: وتمنعه هلاميته من ممارسة دور واضح، وإن كان أميل إلى الهدم بالمقاييس الشرعية (حديث السفينة) ، بالإضافة إلى العمل على تحديد دوره بإصدار قوانين مثل (قانون الحسبة) في مصر. ٤ - القانون: علماني قائم على شريعة أجنبية، ومعلوم أن كل شريعة تنقل خصائص المجتمع الذي صُممت من أجله في الابتداء إلى الواقع الجديد الذي استجلبت إليه [٦٠] (تحول الدواء إلى داء) . ٥ - التيارات الإسلامية: مضيق عليها، وإن كان على عاتقها الدور الأكبر في مواجهة الانحلال القيمي. ٦ - المؤسسات الدينية: تم تحييد معظمها (الأزهر) ، بل وتجنيدها أحياناً (الزيتونة) ، وإلغاؤها أحياناً أخرى (محاولة غلق مدارس الأئمة والخطباء في تركيا) . ٧ - الإعلام: وسيلة الهدم الرئيسة (التركيز الأكبر للعلمانيين) . ٨ - التعليم: وسيلة الهدم بعيدة المدى. والذي ينبغي الانتباه إليه: أن هذه الوضعية القيمية المختلة «مرحلة تشويه الوعي» يراد تطويرها للوصول بها إلى «مرحلة تغييب الوعي» ؛ حيث تحل منظومة قيمية متكاملة (علمانية) محل المنظومة المختلة القائمة [٦١] . ولعل من أخطر الوسائل لتحقيق هذا «الحراك القيمي» : مفهوم «مجتمع الوسط المتحرك» بين طرفين: يمين يمثله الإسلاميون، ويسار يمثله الإباحيون، ومع افتراض ثبات الإسلاميين على مبادئهم؛ فإن تحرك مجتمع الوسط لكي يحافظ على وسطيته كمبدأ ثابت يكون غالباً في اتجاه اليسار، فإذا أريد تحريك الوسط؛ فإنه يكفي أن يدفع طلائع الفسق نحو مزيد من الانحلال، فينجذب إليهم الوسط (مع إعطاء عامل الزمن فرصته) .. ولا يستطيع الوسط أن يمتنع عن التحرك؛ لأن فئة الإباحيين تتحرك بأقصى ما يسمح به الإطار القانوني الهلامي، وبكل وسائل الجذب المتاحة، ولأن الطرف الآخر (الإسلاميون التدين) يعاني من تحديده والتضييق عليه. والرسم الآتي يوضح هذه المفهوم: ومن آثار هذا الوضع الشائك، ما يمكن أن نسميه: «دائرة التيه» ، فيما بتعلق بالمرجعية الحكمية على القول والفعل. فمع وجود مجموعات متضاربة من القيم في المجتمع، ولكل مجموعة جهة تتبناها ولها ثقلها المرجعي يصبح أمر مخالفة الثوابت الشرعية أكثر سهولة، وتصبح آثارها الاجتماعية والنفسية سريعة الزوال، فأي عمل مخالف ستقوم به، سيكون له معارضون، وسيكون هناك مرحبون، فيتحول إلى قضية خلافية. وبدون أن نفهم ما سبق من الكلام عن انهيار القيم فلن نستطيع استيعاب الحالة التي وصل إليها المجتمع المسلم الآن، ولن يعدو الأمر بالنسبة لنا أكثر من قراءة صفحة في أي جريدة. المظاهر العملية لانهيار القيم الأخلاقية: ١- التفكك الأسري وخروج المرأة عن دورها الطبيعي: نشرت مجلة العربي في استطلاع لها عن تونس إحدى صور الدعاية المنصوبة في الشوارع، وفي كل ميدان لوحتان: الأولى تمثل أسرة ترتدي الزي المحتشم مشطوبة بإشارة (X) ، والأخرى تمثل أسرة متفرنجة متبرجة ومكتوب تحتها: «كوني مثل هؤلاء» . وبالإضافة إلى الدلالات الظاهرة التي لا تحتاج إلى تعليق؛ فإن توجيه الخطاب العلماني إلى المرأة بالذات يعتمد على كونها نقطة الضعف الواضحة في الكيان الأسري، ومعبراً هاماً من معابر العلمانية إلى المجتمعات الإسلامية، ولو استعرضنا المطالب الأساسية للعلمانيين والعلمانيات فيما يتعلق بتحرير المرأة أو علمنتها وهي: الحق في التعليم الخروج إلى العمل تعديل القوانين خاصة: تعدد الزوجات المشاركة السياسية، لوجدنا المطالب الأربعة قد تحققت في معظم بلاد المسلمين إلا ما يتعلق بتعدد الزوجات؛ فقد منع في تركيا وتونس، وتصف هدى شعراوي تحقق هذه المطالب دفعة واحدة في تركيا في نهاية الثلث الأول من القرن بأنه «من نعمة الأقدار إلى أخواتنا في إسطنبول» [٦٢] ، ويقول زين العابدين عن تحقيق المرأة لمطالبها في تونس، وعلى رأسها قانون الأحوال الشخصية، يقول: «إننا نفتخر به ونستمد منه زهواً حقيقياً» [٦٣] . فهل يستحق تحقيق هذه المطالب الزهو فعلاً؟ .. الحقيقة أن الأمر لا يستحق الزهو أبداً: فبالنسبة للتعليم وبعد عشرات السنين لا تزال المرأة في بلاد الإسلام تعاني من الأمية التي بلغت ٤٧% في الوطن العربي للرجال والنساء معاً [٦٤] ، ومعلوم أن النسبة تزيد في النساء عن الرجال، بل في تركيا رائدة العلمانية بلغت نسبة الأمية ٣١% بين النساء ١٩٩٠م [٦٥] .. وتتضاعف النسبة بين الريفيات وكبار السن. وأما تحريم تعدد الزوجات (تركيا، تونس) حتى لا يكون للزوج امرأة أخرى، فيقابله أن هذين البلدين بالذات يأتيان على قائمة الدول المشهورة بالسياحة الجنسية والدعارة المقننة، فهربت النساء من تعدد الزوجات ليقعن في تعدد العشيقات. وعن المشاركة السياسية التي منحت لها منذ عشرات السنين بدءاً بتركيا ١٩٣٤م، وسوريا ١٩٤٩م للانتخاب، ثم الترشيح في عهد الوحدة، مصر في ١٩٥٦م، تونس ١٩٥٩م، المغرب ١٩٧٢م، الأردن ١٩٧٤م، العراق ١٩٨٠م [٦٦] ؛ فبعد ما يقرب من ٦٠ سنة على منحهن هذا الحق في تركيا لم ترتفع مشاركة المرأة في البرلمان عن ٢%، وفي انتخابات ١٩٩١م نجحت ٨ نساء من ٤٥٠، وفي سنة ١٩٩٥م نجحت ١٣ امرأة من ٥٥٠ نائباً [٦٧] . وهناك أمثلة كثيرة تعبر عن رفض المجتمع التركي نفسه (رجالاً ونساءاً) للمشاركة النسائية، مثل كون حزب «الطريق القويم» العلماني الذي تتزعمه «تانسو تشيللر» ، تبلغ نسبة أعضائه الذكور (٩٩. ٨%) ، ويصرح أحد الرافضين لزعامتها للحزب: «إننا نريد زعيماً نستطيع حرفياً أن نحمله على أكتافنا» [٦٨] ، وفي البلاد العربية لم يكن لها حظ أوفر؛ إذ تبلغ نسبتها من المقاعد ٤% معظمها بالتعيين [٦٩] . أما عن المطلب الأخير وهو حق المرأة في العمل؛ فيمكن اعتباره العامل الخطير الذي تسبب في تفكك الأسرة المسلمة بهذه الصورة المعاصرة.. إذ تبلغ نسبة النساء من القوى العاملة لسن ١٥ سنة فما فوق ٢٥% في العالم العربي [٧٠] ، وتبلغ في تركيا ٣٢% [٧١] ، وفي الكويت ٢٣% [٧٢] . وقد ترتب على خروج المرأة للعمل تداعيات أسرية خطيرة من أهمها عجزها عن القيام بدورها الطبيعي الأسري، وبالإضافة إلى اضطرار غالبية الأزواج إلى قضاء أغلب أوقاتهم خارج المنزل لطلب الرزق، أو للسفر للخارج أحياناً [***] ؛ فإن الرقابة الأسرية ينعدم تأثيرها، وفي حين أنها مطلوبة في الأوضاع الطبيعية؛ فكيف والانحلال الخلقي ينتشر بهذه الدرجة؟ [٧٣] ، ومنها كذلك سقوط المرأة في دوامة تعدد الأدوار، ثم التبرم بالدور الطبيعي المقيد لها، ثم صراع الأدوار بينها وبين زوجها، وهو ما أثر على قوامة الرجل واستقرار الأسرة، ووصل الأمر بعلمانيات تركيا إلى المطالبة بإلغاء المادة القانونية التي تقول إن الزوج هو رب الأسرة [٧٤] . وبالإضافة إلى العامل السابق؛ فإن هناك عوامل أخرى أفرزتها الصبغة العلمانية للحياة ساهمت في تفكك الأسرة: منها: تسارع عمليات التغيير الاجتماعي والثقافي وتطور وسائل الاتصال، بالإضافة إلى تأخر سن الزواج، كل ذلك أدى إلى تنامي ظاهرة صراع الأجيال بين الآباء والأبناء وظهور بوادرها مبكراً، ليتحول الصراع داخل الأسرة إلى صراع مزدوج [****] . ومنها: غلبة النمط المادي مع تفريغ الحياة من المضمون الإيماني الذي جعل النطاق الأسري يضيق جداً، وهو ما حدا ببعض الباحثين إلى القول بأن «المقومات التي تؤدي إلى التفكك في الأسرة الحضرية (الأكثر تأثراً بالعلمانية) أكثر من المقومات التي تؤدي إلى التكامل» [٧٥] . ٢ - فتنة النساء: صدق النبي ﷺ عندما أخبرنا أنه لم يترك بعده فتنة أضر على الرجال من النساء، ولقد نفخ العلمانيون في نار هذه الفتنة حتى تعاظمت، وأخذت أبعاداً خطيرة، يمكن استيعابها في أربعة أبعاد: البعد الأول: وضع مجتمع الشباب في حالة الإثارة الجنسية الدائمة؛ فوسائل الإغراء والإثارة متعددة ومتنوعة وتتميز بالشمول في الزمان والمكان، في البيت، وفي الشوارع، وفي العمل، وفي المواصلات، وفي المدارس والجامعات، لماذا؟ لأن هذه الحرارة المرتفعة الدائمة هي التي تطور أشكال هذه الفتنة وأبعادها، وبدونها لن يتم ذلك، وبها يغرق الشباب في شهواته لا يفيق منها إلى أمور أهم لا يراد له الالتفات إليها [٧٦] . ولقد أدت هذه الإثارة الدائمة إلى تطور آخر إجرامي بعرف العلمانية أيضاً يتمثل في زيادة معدلات الجرائم المتعلقة بالاغتصاب [٧٧] وهتك العرض، بالإضافة إلى تغير نوعيتها تغيراً يعبر عن انتكاس الفطر؛ فهناك جرائم تتكرر بصورة دائمة: زنا المحارم انتشار شبكات الدعارة [٧٨] قيام مدرس ابتدائي بهتك عرض تلميذاته خطف فتيات صغيرات مع الاعتداء المستمر. البعد الثاني: مفهوم العورة: ومفهوم العورة الذي صاغه العلمانيون للمجتمع المسلم في هذا العصر مفهوم مطاط قابل للتشكل والتغير بتغير المكان والعمل والسن. فهو ينحسر جداً إذا كان في ناد رياضي أو على شاطئ البحر، ثم يتسع مرة أخرى نسبياً إذا خرجت المرأة إلى الشارع والأماكن العامة، ثم ينحسر مرة أخرى إذا كانت تعمل فنانة أو إعلامية، ثم يتسع إذا كانت قد تجاوزت الأربعين أو أكثر، ثم ينحسر مرة أخرى إذا كانت شابة يافعة أو طالبة في الجامعة.. وهكذا.. فأي عورة هذه التي يحافظون عليها؟ ! البعد الثالث: تطور أنماط العلاقة بين الرجل والمرأة: من نظرة، إلى ابتسامة، فموعد، فلقاء هذه هي المراحل العاطفية التي كان يزينها العلمانيون للشباب لدرجة أن هذه المراحل يمكن اختزالها وأكثر منها في ساعات قليلة، والذي يطّلع على أحوال الشباب خاصة في الجامعات على أقوالهم، وحركاتهم، وملابسهم، وعلاقاتهم يجد أن انحداراً كبيراً وبصورة مطردة يحدث في ثقافات الشباب المتعلقة بفتنة النساء. ويمكن أن نحدد هنا ثلاث مراحل لهذه الثقافات: الأوليان تعبران عن ثقافة سابقة، ثم حالية، والثالثة عن ثقافة متوقعة لا قدرها الله لو استمر ذلك التطور: المرحلة الأولى: ثقافة الحرمان: وتتمثل في كثرة تداول المثيرات ووسائل الإغراء، المعاكسات، علاقات غير كاملة. ثم المرحلة الثانية: ثقافة الإشباع: ما سبق، بالإضافة إلى علاقات كاملة تنتشر بصورة متزايدة، (الزواج العرفي) [٧٩] . ثم تأتي المرحلة الثالثة والخطيرة وهي: ثقافة الاستمتاع، وتتمثل في كل ما سبق بالإضافة إلى: تطوير أنماط العلاقة مع عدم التقيد بإطار الزواج العرفي، تطوير أساليب الاستمتاع بالحرية السائدة. استسلام مجتمعي نسبي لظاهرة الزواج العرفي.. واعتبارها أرحم من عدمها. البعد الرابع: اختلال قيمة الشرف والغيرة: عندما حاور النبي عليه الصلاة والسلام الشاب الذي طلب الإذن بالزنا، كان ﵊ يعتمد على ثبات قيمة الشرف ووضوحه لدى الشاب؛ فسهُل إقناعه بترك الأمر. ونحن نتساءل الآن: هل لا يزال للشرف والغيرة نفس الوضوح والثبات؟ ما يريده العلمانيون هو أن يتوافق مفهوم الشرف عندنا تماماً مع المفهوم الغربي [٨٠] ، وقد حققوا في ذلك نجاحاً لا بأس به، وانتهى بهم الأمر إلى انحسار مفهوم الشرف والغيرة لدى الكثيرين في مجانبة الزنا، وهم في طريق النجاح التام يصطدمون بعقبة أساسية وهي استمرار تمسك المجتمع بنظرته الدينية الموروثة إلى «عذرية الفتاة» ، إلا أنهم لم يستسلموا، فتم نشر وسائل مبتكرة مؤقتة ودائمة لمنع الحمل، وتم الترويج لعمليات إعادة العذرية بدون أي قيد قانوني، بل استُدرج بعض العلماء للمشاركة بطريقة غير مباشرة في هذه الحملة، وذلك لإزالة الرهبة والحساسية لدى الناس من مناقشة هذه القضية، ولا يزال المكر مستمراً، حتى تصبح مشكلة الفتاة الكبرى ليست في فقد عذريتها، بل في احتفاظها بها..! . ٣ - الفساد المالي: عندما تبحث وسط الناس عن قيم إسلامية مثل: الأمانة من غشنا فليس منا المسلمون كالجسد الواحد الحلال والحرام في اكتساب المال.. تجد أن كثيراً من الناس استبدل بها قيماً يستمدها من قوانين العلمانية؛ فانتشر الفساد فيما يتعلق باكتساب الأموال انتشاراً يقشعر منه المرء، حتى أصبح الغش كأنه خطوة طبيعية من خطوات بيع السلعة أو الخدمة وإنتاجها، وحتى أصبحت الرشوة ممارسة يومية في بعض المجتمعات، وهذا الفساد في انتشاره يشمل معظم الطبقات والفئات المجتمعية إلا ما رحم الله. يقول أحمد بن بيلا في مقابلة مع التلفاز الفرنسي: «إن كل شيء بات يتم في الجزائر عن طريق الفساد من القمة إلى القاع» [٨١] . بل إن البلدان الأفريقية المغرقة في فقرها لم تنجُ من ذلك؛ إذ تقدر سلطات سويسرا ثروة رئيس مالي السابق «موسى تراوريد» بحوالي مليار دولار، وهو ما يعادل نصف ديون هذا البلد [٨٢] . حتى السلطة الفلسطينية العلمانية الوليدة لم تكد تستلم سلطتها حتى انتشرت رائحة الفساد على الفور، وهو ما شهدت به زوجة عرفات نفسه، وسمعها العالم كله. وفي مصر خلال ١٩٩٣م حققت النيابة الإدارية في ٥٦٠٠٠ قضية رشوة. يقول أحد الصحفيين الحكوميين: وإذا كان ما يضبط عادة من الجرائم هو ربعها، فمعنى ذلك أن هناك أكثر من ربع مليون مرتش ومختلس سنوياً [٨٣] . ٤ - انتشار المخدرات: استطاعت حضارة الدول الغربية أن تمنع إلى حد كبير زراعة المخدرات في أراضيها، إلا أنها أخفقت إخفاقاً ذريعاً في إيقاف تجارتها أو استخدامها، أما النظم العلمانية في بلاد المسلمين فقد أخفقت إخفاقاً ثلاثياً في إيقاف زراعتها أو تجارتها أو استخدامها؛ فتنتشر زراعاتها في دول مثل: لبنان، ومصر، ويشترك في تجارتها معظم الطبقات، وأما استخدامها فحدث ولا حرج؛ فالأنواع كثيرة متعددة، وتناسب كافة الطبقات [٨٤] . .. وبعد فإنه مما يشق على النفس أن يكتشف المرء في بلاده كل هذه المصائب، وإن العجب ليتملكنا عندما نتذكر قول علماني مثل طه حسين يقول: «إن علينا لكي نتقدم أن نأخذ حضارة الغرب بحلاوتها ومرارتها» . فنتساءل: أين هذه الحلاوة؟ اللهم إنَّا لم نجد إلا الحصاد المر.. أو الخبث (الزنا وأولاد الزنا) كما عرفه الحافظ ابن حجر الذي حذرنا النبي ﷺ من كثرته، حيث عندها يهلك الناس وفيهم الصالحون. وإن أعراض الخبث أكثر مما ذكرنا، ولكن حَسْبُ العلمانيين أن ما ذكر يكشف باطلهم.. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 3837

الإسلام لعصرنا النسبية أ. د. جعفر شيخ إدريس رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة تُطلق النسبية في لغتنا العربية المعاصرة على نوعين مختلفين من النظريات تسمى إحداهما في اللغة الإنجليزية relativity وهي نظرية آينشتاين المشهورة في الفيزياء، كما تطلق على نظرية في الفلسفة والعلوم الاجتماعية تسمى في الإنجليزية: relativism وحديثنا هنا عن الثانية لا الأولى. النظرية هذه نظرية قديمة حديثة أول من تنسب إليه في تاريخ الفكر الغربي بروتوجراس اليوناني في القرن الخامس قبل الميلاد. ويقول بها مفكرون غربيون معاصرون ولا سيما المختصين منهم بعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا. وفحوى هذه النظرية هو أنه ليس هنالك معيار ثابت يميز به بين الحق والباطل وبين الخير والشر، بل إن هذه الأحكام أحكام نسبية. ولكن نسبة إلى ماذا؟ هنا يختلف القائلون بهذه النسبية؛ فالغلاة منهم ينسبونها إلى الأفراد، أي إن ما يراه زيد حقاً أو خيراً فهو حق أو خير بالنسبة له وإن خالفه في ذلك عمرو وغيره من الناس. ويرى بعضهم أنها تنسب إلى ثقافة كل مجتمع. والثقافة culture عندهم هي منهاج حياة مجتمع من المجتمعات في فترة معينة من تاريخه، وهي تشمل معتقداته، وأنواع سلوكه، ولغته، وتشمل كذلك عاداته وتقاليده وفنونه ومخترعاته وتقنيته وتراثه؛ فما يراه أصحاب كل ثقافة حقاً أو خيراً فهو حق أو خير بالنسبة لثقافتهم هذه؛ لأنه ليس هنالك معيار عالمي للحق والخير متفق عليه بين الناس. يقول أحدهم: «كل ما كان من أعراف وعادات زمان ومكان معين فله ما يسوِّغه في ذلك الزمان والمكان» [١] وتقول عالمة اجتماع أخرى: «إن معظم المجتمعات البشرية تسلك طرقاً مختلفة طلباً لغايات مختلفة؛ فلا يمكن الحكم على وسيلة منها أو غاية بمقاييس مجتمع آخر؛ لأنها غير قابلة للموازنة» [٢] . فليس هنالك إذن معيار عالمي تقاس به الثقافات، فيُصَوَّب بعضٌ أو يُخَطَّأ بعضٌ، أو يفضل بعض على بعض. وعليه يقولون فلا يحق لأصحاب ثقافة ما أن يحكموا على الثقافات الأخرى بمعايير ثقافتهم؛ بل إن النظرة العلمية المحايدة تقتضي أن تقوَّم كل ثقافة تقويماً داخلياً بمعاييرها هي لا بمعايير أجنبية عنها. فإذا كان الإسكيمو مثلاً يرون أنه من الكرم أن يُعِير الزوج زوجته لغيره، وإذا كانت بعض المجتمعات تقتل الأولاد في المهد، أو تقتل كبار السن لأنهم لا ينتجون، فبأي معيار ننكر عليهم أعمالهم هذه؟ يلاحظ على هذه النظرية ما يلى: أولاً: كونها من النوع الذي يقال عنه إنه ينقض نفسه؛ لأنه إذا كان كل حكم بالصحة أو البطلان وبالخيرية والشرية إنما هو حكم ذاتي أو ثقافي؛ فإن القول بهذه النظرية هو نفسه حكم ذاتي، أو من إملاء ثقافة معينة، فبأي حق يقال إنه حقيقة عالمية يجب على الناس مراعاتها كما هو ظاهر قول دعاتها؟ ثانياً: أن هنالك قيماً خلقية وأنماط سلوك مشتركة بين الناس جميعاً رغم اختلاف ثقافاتهم وأزمانهم وأماكنهم، كما اكتشف ذلك بعض علماء الأنثروبولوجيا أنفسهم. ويمثلون لهذه القيم باعتبار الكذب والقتل وغشيان المحارم وعدم العدل في المعاملة من الرذائل في كل المجتمعات. ثالثاً: أن عدم اتفاق الناس جميعاً على معايير للأخلاق وللصدق لا يعني أنه ليست هنالك معايير؛ فوجود المعيار شيء والاتفاق عليه شيء آخر. رابعاً: أنه ما من أصحاب ثقافة إلا وهم يحاولون تسويغ قيمهم وسلوكهم بمسوِّغات مستندة إلى معايير. لا أحد منهم يقول: هذا ما نراه وهو حق أو خير لأننا نراه حقاً أو خيراً، بل يحاولون تسويغه استناداً إلى معايير قد يمكن مناقشتهم فيها وبيان خطئهم فيها استناداً إلى معايير عقلانية يشتركون فيها مع سائر الآدميين. خذ وأد البنات عند عرب الجاهلية مثلاً: لقد كانوا يفعلون هذا بحجة خشية الإملاق كما ذكر القرآن الكريم؛ وهم كانوا مع ذلك يؤمنون بالخالق سبحانه، ولذلك أُمكن أن يُناقشوا وأن يتغير موقفهم بعد أن أسلموا وحسنت بالله معرفتهم. خامساً: أن الواقع المحسوس الذي يؤمن بشهادته كل البشر يدل على كون الشيء حقاً أو باطلاً ليس بالأمر الذي تقرره الأهواء الفردية أو الثقافية. لا يقول آدمي عاقل مهما كانت ثقافته: إن طلوع الشمس مثلاً أمر نسبي؛ فهي طالعة بالنسبة لبعض غائبة بالنسبة لآخرين في نفس الوقت ونفس المكان. سادساً: حتى لو قلنا بالنسبية فلماذا تكون النسبة إلى أهواء الأفراد وإلى الثقافات؟ لماذا لا تكون إلى أمور يشترك فيها البشر: شهادة الحس، الأدلة العقلية، أو حتى بعض المسوغات الباطلة التي يمكن مناقشة الناس فيها كما ذكرنا في المسألة الرابعة؟ سابعاً: إن البشر كائنات اجتماعية، وهم لا يستطيعون أن يكونوا مجتمعاً متعاوناً مترابطاً إلا بقيم معينة مثل تلك التي ذكرناها آنفاً والتي صار بعض من علماء الاقتصاد والاجتماع يسميها لذلك بالرأسمال الاجتماعي. فالمجتمع كلما كان رأسماله منها كبيراً كان أكثر تماسكاً واستطاع أن يحقق من أهدافه الاقتصادية والسياسية ما لا يحققه مجتمع تفكك بسبب قلة نصيبه من رأس المال هذا [٣] . لكن النسبية برغم بطلانها هذا تنتشر الآن في الغرب، وفي أوساط الشباب خاصة انتشاراً مرَضياً كما تذكر المراجع، وكما سمعنا من شبابنا الذين يدرسون معهم في جامعاتهم. لقد صاروا يعتقدون أن مسائل الأخلاق والأديان كالمسائل الذوقية التي يختلف فيها الناس اختلافاً يرجع إلى أمزجتهم؛ لأنه ليس هنالك من معيار موضوعي لها. وربما كان هذا الإيمان بالنسبية رد فعل للتعصب المقيت الذي كان وما يزال سائداً في بعض الأوساط الغربية التي تجعل من ثقافتها المعيار الوحيد الذي تقاس به أديان الآخرين وقيمهم وعاداتهم وتقاليدهم؛ فما اقترب منها إليهم كان أقرب إلى الحق والخير، وما بَعُدَ عنها كان عنهما أبعد. والحقيقة أن العالم الإسلامي، بل كل العالم قد عانى من أمثال هؤلاء، ولا سيما السياسيين منهم، ما لم يعانِ من القائلين بالنسبية؛ وذلك لأن القول بالنسبية وإن كان باطلاً ينتج عنه عادة نوع من التسامح مع المخالف. لكن النسبية تبقى داءً من أدواء الحضارة الغربية. وقد انتقل هذا الداء، كما انتقل غيره من الأدواء، إلى كثير من مثقفينا في العالم الإسلامي، حتى الإسلاميين منهم. بل إن بعض هؤلاء الإسلاميين صاروا يبحثون للنسبية عن أصول في إرثنا الإسلامي؛ فهم تارة يذكرون قول القائلين من الأصوليين بأن كل مجتهد مصيب، وتارة يستدلون كاستدلال أولئك بقصة الصلاة في بني قريظة، تارة أخرى يذكرون قاعدة تغيُّر الأحكام بتغيُّر الزمان والمكان، ويرون أكبر دليل عليها كون الإمام الشافعي صار له مذهب جديد بعد انتقاله إلى مصر. الحقيقة أنه ليس في شيء من هذا ما يعضد فكرة النسبية في شكلها الغربي الذي شرحناه. أولاً: لأن المسلم، بل كل مؤمن بوجود الخالق، يعتقد أن وجود خالقه ليس أمراً نسبياً تابعاً لعقول المؤمنين، بل يعتقد أنه موجود وجوداً مستقلاً حتى عن معرفة الناس به، بل حتى عن وجودهم. أعني أن الخالق موجود حتى لو لم يكن في الوجود إنسان؛ لأن وجوده سبحانه سابق لوجود كل المؤمنين به. فوجوده إذن حق مطلق غير مقيد بشيء، فلا يمكن أن يكون نسبياً. والمسلم يعتقد إلى جانب ذلك أن هذا الخالق مستحق وحده للعبادة حتى لو لم يعبده من البشر عابد. فقضية استحقاقه للعبادة هي أيضاً حقيقة مطلقة غير مقيدة بعبادة العابدين. وكذلك الأمر بالنسبة للفضائل الخلقية من صدق وعدل وأمانة ووفاء، يعتقد المسلم أن هذه فضائل سواء آمن الناس بها أو لم يؤمنوا، وسواء التزموا بها أو لم يلتزموا؛ فقيمتها هي إذن قيمة مطلقة غير منسوبة لا إلى الأفراد ولا إلى الثقافات. ثانياً: والقائلون بأن كل مجتهد مصيب لا يقولون إن معيار الصواب هو قول المجتهد؛ لأنهم يعلمون أن القاعدة الإسلامية هي أن الحق لا يُعرَف بالرجال؛ فهم ينسبون الإصابة إلى الاجتهاد الذي هو أمر موضوعي مستند إلى أدلة. لكننا لا نستطيع رغم ذلك أن نقول إن كل مجتهد مصيب؛ فماذا لو كانت اجتهاداتهم متناقضة؟ بأن يقول هذا: إن الأمر مشروع، وذاك يقول: إنه غير مشروع؟ أو يقول هذا: إنه واجب أو مندوب، ويقول الآخر: إنه حرام أو مكروه! إن تصويب كل منهم جمعٌ بين النقيضين، وهو أمر لا يقول به عاقل. أما إذا لم تكن الاجتهادات متناقضة فقد تكون كلها صواباً وقد لا تكون. ثالثاً: أما قصة الصلاة في بني قريظة فأظن أن كثيراً من الذين يستدلون بها على نسبية الصواب لم يفهموا قول النبي ﷺ على وجهه. نعم إن النبي ﷺ لم يخطِّئ الذين صلوا قبل الوصول إلى بني قريظة، كما أنه لم يخطئ الذين لم يصلُّوا إلا بعد الوصول إليها؛ فكأنه ﷺ قال: إن الصلاة قبل الوصول إليها مقبولة والصلاة بعد الوصول إليها مقبولة؛ وهذا أمر لا تناقض فيه، كما أنه لا تناقض بين القول بأن الصلاة في أول الوقت مقبولة وفي آخره مقبولة. لكن يبقى أمر آخر هو أن الرسول ﷺ وإن صوَّب ما فعله كل من الفريقين إلا أنه لم يصوِّب ظن كل منهما بأن ما فعله الآخر خطأ؛ فكأنه ﷺ قال لكل منهما: إنك أصبت فيما فعلت، وأخطأت في تخطئتك لفعل الفريق الآخر. نقول بعبارة أخرى: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصوِّب المذهب الكامل لأي من الفريقين، وإنما أقر ما في كل منهما من الصواب. رابعاً: أما مذهب الشافعي الجديد فيكفي في بيان عدم علاقته بالنسبية، كون الشافعي غيَّر رأيه في مسائل لا علاقة لها بالمكان الذي انتقل إليه، فلا يمكن أن يكون المكان سبباً فيها. من ذلك أن من تحرى القبلة فصلى ثم تبين له أنه صلى إلى غير القبلة: هل تجب عليه الإعادة؟ قال في القديم: لا تجب. وقال في الجديد: بل تجب. فما علاقة هذا بكونه في مصر أو في الحجاز؟ وإذا كان الشافعي قد غيَّر رأيه في بعض المسائل فكذلك فعل غيره من الأئمة من أمثال الإمام أحمد من غير أن يرحلوا عن المكان الذي هم فيه. بقي أن نقول: إن هنالك أموراً هي بطبيعتها نسبية، والناس متفقون على نسبيتها؛ فما ينبغي أن تختلط بنسبية الحقيقة ونسبية القيم الخلقية التي كانت موضوع هذا المقال. من النسبيات المقبولة نسبية الطول والقصر مثلاً؛ فوصف الإنسان بالطول والقصر إنما يكون بحسب أطوال غيره من البشر، بل قد يكون بحسب الطول المعهود في المكان الذي هو فيه. فالقصير في جنوب السودان قد يكون طويلاً في الصين. لكن هذه النسبية لا تسبِّب خلافاً كبيراً بين الناس؛ لأنهم في العادة يتفقون على ما يُنسب إليه الأمر. فالإنسان طويل أو قصير بالنسبة إلى البشر لا بالنسبة إلى النخل، وكذلك هو سريع أو بطيء بالنسبة للناس لا للخيول والسيارات، والصلاة خفيفة أو طويلة بالنسبة إلى صلاة النبي ﷺ ، لا بالنسبة إلى ما يقدره كل إنسان.

стр. 3838

وقفات إلى البيت العتيق أحمد بن عبد الرحمن الصويان الشيخ الحاج عثمان دابو ﵀ من جمهورية جامبيا في أقصى الغرب الإفريقي، تجاوز الثمانين من عمره، زرته قبل موته في منزله المتواضع في قريته الصغيرة قرب العاصمة بانجول، وحدثني عن رحلته الطويلة قبل خمسين عاماً إلى البيت العتيق، ماشياً على قدميه مع أربعة من صحبه من بانجول إلى مكة قاطعين قارة إفريقيا من غربها إلى شرقها، لم يركبوا فيها إلا فترات يسيرة متقطعة على بعض الدواب، إلى أن وصلوا إلى البحر الأحمر ثم ركبوا السفينة إلى ميناء جدة. رحلة مليئة بالعجائب والمواقف الغريبة التي لو دُوِّنت لكانت من أكثر كتب الرحلات إثارة وعبرة، استمرت الرحلة أكثر من سنتين، ينزلون أحياناً في بعض المدن للتكسب والراحة والتزود لنفقات الرحلة، ثم يواصلون المسير. سألته: أليس حج البيت الحرام فُرض على المستطيع، وأنتم في ذلك الوقت غير مستطيعين؟ ! قال: نعم، ولكننا تذاكرنا ذات يوم قصة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام عندما ذهب بأهله إلى واد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، فقال أحدنا: نحن الآن شباب أقوياء أصحاء، فما عذرنا عند الله تعالى إن نحن قصَّرنا في المسير إلى بيته المحرم، خاصة أننا نظن أن الأيام لن تزيدنا إلا ضعفاً، فلماذا التأخير؟ ! فهيَّجَنا واستحثنا على السفر مستعينين بالله تعالى. خرج الخمسة من دُورهم، وليس معهم إلا قوت لا يكفيهم أكثر من أسبوع واحد فقط، والدافع الرئيس لذلك هو تحقيق أمر الله تعالى لهم بحج بيته العتيق، وأصابهم في طريقهم من المشقة والضيق والكرب ما الله به عليم؛ فكم من ليلة باتوا فيها على الجوع حتى كادوا يهلكون؟ ! وكم من ليلة طاردتهم السباع، وفارقهم لذيذ المنام؟ ! وكم من ليلة أحاط بهم الخوف من كل مكان؛ فقُطَّاع الطرق يعرضون للمسافرين في كل واد؟ ! رُبّ ليلٍ بكيت منه فلمَّا ... صرتُ في غيره بكيت عليه قال الشيخ عثمان: لُدغت ذات ليلة في أثناء السفر، فأصابتني حمَّى شديدة وألم عظيم أقعدني وأسهرني، وشممت رائحة الموت تسري في عروقي: وإني لأرعى النجم حتى كأنني ... على كل نجم في السماء رقيب فكان أصحابي يذهبون للعمل، وكنت أمكث تحت ظل شجرة إلى أن يأتوا في آخر النهار، فكان الشيطان يوسوس في صدري: أَمَا كان الأَوْلى أن تبقى في أرضك؟ ! لماذا تكلف نفسك ما لا تطيق؟ ! ألم يفرض الله الحج على المستطيع فقط؟ ! فثقلت نفسي وكدت أضعف، فلما جاء أصحابي نظر أحدهم إلى وجهي وسألني عن حالي، فالتفتُّ عنه ومسحت دمعة غلبتني، فكأنه أحس ما بي! فقال: قم فتوضأ وصلِّ، ولن تجد إلا خيراً بإذن الله [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ] (البقرة: ٤٥-٤٦) . فانشرح صدري، وأذهب الله عني الحزن، ولله الحمد. كان الشوق للوصول إلى الحرمين الشريفين يحدوهم في كل أحوالهم، ويخفف عنهم آلام السفر ومشاق الطريق ومخاطره، مات ثلاثة منهم في الطريق، كان آخرهم في عرض البحر، واللطيف في أمره أن وصيته لصاحبيه قال لهما فيها: إذا وصلتما إلى المسجد الحرام، فأخبرا الله تعالى شوقي للقائه، واسألاه أن يجمعني ووالدتي في الجنة مع النبي ﷺ . قال الشيخ عثمان: لما مات صاحبنا الثالث نزلني همٌّ شديد وغمٌّ عظيم، وكان ذلك أشد ما لاقيت في رحلتي؛ فقد كان أكثرنا صبراً وقوة، وخشيت أن أموت قبل أن أنعم بالوصول إلى المسجد الحرام، فكنت أحسب الأيام والساعات على أحرِّ من الجمر. إذا برقت نحو الحجاز سحابة ... دعا الشوق مني برقها المتطامن فلما وصلنا إلى جدة مرضت مرضاً شديداً وخشيت أن أموت قبل أصل إلى مكة المكرمة، فأوصيت صاحبي أنني إذا مت أن يكفنني في إحرامي، ويقربني قدر طاقته إلى مكة، لعل الله أن يضاعف لي الأجر، ويتقبلني في الصالحين. فيوشك أن يحول الموت بيني ... وبين جوار بيتك والطواف فكم من سائل لك ربِّ رغباً ... ورهباً بين منتعل وحافي أتاك الراغبون إليك شعثاً ... يسوقون المُقلَّدة الصَّوافي [١] مكثنا في جدة أياماً، ثم واصلنا طريقنا إلى مكة، كانت أنفاسي تتسارع والبِشْر يملأ وجهي، والشوق يهزني ويشدني، إلى أن وصلنا إلى المسجد الحرام. وسكت الشيخ قليلاً.. وأخذ يكفكف عبراته، وأقسم بالله تعالى أنه لم ير لذة في حياته كتلك اللذة التي عمرت قلبه لمَّا رأى الكعبة المشرَّفة! ثم قال: لما رأيت الكعبة سجدت لله شكراً، وأخذت أبكي من شدة الرهبة والهيبة كما يبكي الأطفال، فما أشرفه من بيت وأعظمه من مكان! ثم تذكرت أصحابي الذين لم يتيسر لهم الوصول إلى المسجد الحرام، فحمدت الله تعالى على نعمته وفضله عليَّ، ثم سألته سبحانه أن يكتب خطواتهم وألا يحرمهم الأجر، وأن يجمعنا بهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. خرجت من بيت الشيخ وأنا أردد قول الله تعالى: [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ] (آل عمران: ١٣٣) . إقبال جاد على الطاعة، إقبال لا يعرض عليه التكاسل أو التسويف، إقبال تهون فيه الآلام والأكدار، إقبال تتساقط تحته كافة العراقيل والعقبات.. إقبال بهمة صادقة وعزيمة عالية تنبع من قلب متعلق بمحبة الله والامتثال لأمره. خرجت وأنا أردد قول الله تعالى: [وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ] (الحج: ٢٧) . ثم تأملت في حال كثير من المسلمين في هذا العصر ممن تحققت فيهم الشروط الشرعية الموجبة لحج بيت الله الحرام، ومع ذلك يُسوِّفون ويتباطؤون عن الحج..! ألا فليتذكر أولئك قول النبي ﷺ : «من أراد الحج فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض، وتضلّ الضالة، وتعرض الحاجة» [٢] .

стр. 3839

المسلمون والعالم محاولات السلام وحصاد الهشيم عبد الملك محمود في ظل تصاعد انتفاضة الأقصى المباركة وآثارها الإيجابية الضخمة ظهر البعد الإسلامي لقضية فلسطين بصورة أكثر وضوحاً، وتبين أن الشارع الفلسطيني يختلف تماماً عن السلطة التي تفاوض دولة العدو، كما ظهر من جهة أخرى هشاشة وضع المستعمرات اليهودية بل الوضع السياسي كله للكيان اليهودي. وبعد سقوط (باراك) هبَّ زعيم البيت الأبيض ونادى بمقترحات لحل قضية الفلسطينيين (!) وإنقاذ عملية السلام من حافة الخطر الذي وصلت إليه، ففكر وقدَّر هو وأركان البيت الأبيض، وخرج علينا بمشروعه الذي جمع فيه عصارة سياسته الخارجية قبيل رحيله عن سدة الحكم بأيام قلائل. ولربما كان هذا المشروع يصب في حمّى العالم النصراني اليوم خصوصاً أمريكا بدخول الألفية الثالثة وما يتبعه من معتقدات وخرافات دينية تجتاح الغرب وتحرك بعض زعمائه، كما بيَّن الأستاذ الفاضل/ عبد العزيز مصطفى في مقالاته وكتابه القيم: (حمَّى عام ٢٠٠٠م) . أراد كلينتون أن يكون هذا الحل الأخير؛ فعام ٢٠٠٠م هو عام الحل النهائي حسبما قررت الدولة اليهودية وهو عام الحسم النهائي كما وعدت السلطة الفلسطينية حيث توعد عرفات بإعلان الدولة الفلسطينية فيها، على أن تكون عاصمتها القدس (وقد أُجبر عرفات على التخلي عن أحلامه هذه) . وكان على رأس المسائل المؤجلة لهذا العام ضمن مفاوضات (الحل النهائي) قضية القدس التي تأتي في مقدمة الموضوعات التي جرت دحرجتها منذ مؤتمر مدريد عام ١٩٩١م، حتى العام ٢٠٠٠م، بحجة إعطائها فرصة كافية للدراسة والتشاور. وكان معها من القضايا: مسائل اللاجئين، الحدود، والمستوطنات والمياه، والدولة، وقد حشرت هذه القضايا كلها ليتم الانتهاء منها في المباحثات الغامضة التي عرفت بـ (كامب ديفيد الثانية) . تفاعلت الأحداث وتتابعت التفاعلات المتنوعة عن مفاوضات الحل النهائي في كامب ديفيد، وكان من أبرزها كما لا يزال الناس يذكرون: توعد بيل كلينتون أن يقدم موعد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وهو إجراء من شأنه جر أكثر دول العالم إلى التتابع في هذا النقل؛ حيث يضع هذا العربَ والمسلمين أمام أمر دولي واقع، وكان هذا التوعد الأمريكي رداً على تهديد عرفات بإعلان الدولة الفلسطينية، وهو الإعلان الذي ظهر أن الأمريكيين لا يقلون عن الإسرائيليين معارضة له؛ وهذا ما جعل (كلينتون) يخرج عن تحفظاته المصطنعة وحياده الكاذب، ويعلن أن السلطة الفلسطينية تعرِّض نفسها لسحب الاعتراف بها، ومنع المساعدات عنها إن هي أعلنت عن قيام هذه الدولة بتلك الصيغة التي يرددها عرفات. كرس (كلينتون) أيامه الأخيرة لصياغة مشروعه، ودرس الخرائط، والتقى المستشارين طويلاً، وأصرّ على أن يختم حياته السياسية بحل هذه القضية على الطريقة الأمريكية طبعاً فما هي طبيعة مشروع كلينتون ومبادرته الجديدة التي طرحها في آخر العام (٢٣/١٢/٢٠٠٠م) [١] ؟ تتمثل عناصر المشروع في أربعة محاور هي: الأرض الأمن القدس اللاجئون. أما مشاكل المياه والأسرى وغير ذلك من القضايا المعلقة فلم تشر إليها مبادرة كلينتون، ولا نود الدخول مطولاً في تفاصيل المقترحات وإنما سنقف عند بعض الإشارات الملفتة، ومنها: - طرح كلينتون مبادرته بصورة مخادعة غامضة؛ فقد كان دشن مشروعه بقوله: «أعتقد أن الحل ينبغي أن يكون بين ٩٤ ٩٦% من أراضي الضفة الغربية في الدولة الفلسطينية» ، وقد يظن البعض لأول وهلة أنه يقر فعلاً بذلك؛ بينما الحقيقة أن المبادرة تنطوي على كثير من المخادعة والأفخاخ والغموض، وهي على الحقيقة مقترحات إسرائيلية بصياغة أمريكية فقط (أي صناعة إسرائيلية، وتجميع أمريكي) . وكما كانت اتفاقيات (أوسلو) غامضة كما وصفها حافظ الأسد سابقاً بأن كل نقطة منها بحاجة إلى عدة اتفاقيات كان الأمر في هذه المقترحات أشد غموضاً. وبالتدقيق في بنود المشروع يتضح أن ٢٦% من الأراضي محتل منذ عام ١٩٤٨م وهي داخلة في الحساب، إضافة إلى أن توسيع ما يسمى بالقدس الكبرى يشمل نحو ١٨% من أجود أراضي الضفة الغربية.. إلخ، مما يعني مسخاً كاملاً لأرض فلسطين. - البند (٢) ينص على وجود دولي لا يمكن سحبه إلا بموافقة متبادلة، كما سيتولى مراقبة تطبيق الاتفاق بين الطرفين. وإذا عدنا إلى مواقف مثل هذه القوات في النزاعات بين طرفين يكون أحدهما مسلماً لتراءت لنا سلفاً صورة الانحياز إلى الطرف غير المسلم. - وهناك بند ينص على وجود محطات إنذار مبكر للمراجعة كل ١٠ سنوات! كما تتحدث المبادرة عن فترات طويلة جداً لتطبيق الاتفاقات ربما يتمكن اليهود فيها من التخطيط لمشاريع جديدة كما أن حالة طوارئ تعني حسب تعريف كلينتون: خطراً وشيكاً وممكناً إثباته على أمن إسرائيل القومي تكون طبيعته عسكرية. - ومن مفردات الاتفاق المنشود: إمكانية دخول واحتلال مناطق إذا رأى الجانب الإسرائيلي أنها تهدد أمنه! - القدس: أما القدس فقضيتها أكبر، وقد كانت طروحات كلينتون حول القدس غامضة وغير واضحة البتة، مثل استبعاد (التنازل) عن (وليس إعادة) القدس الشرقية أو جزء كبير منها مقابل تنازل فلسطيني يتجسد في الشطب الفعلي لحق العودة للاجئين الفلسطينيين. وربما يذكر الجميع أن الفترة السابقة شهدت مناورات لتصفية قضية القدس؛ حيث طرح مشروع التدويل وجعلها عاصمة مفتوحة دولية أو عاصمة للعالم كما اقترحت بعض القيادات الفلسطينية أو تقاسم السيادة عليها بشرط ألا يأخذ الفلسطينيون منها إلا اسمها، بعد أن يخلع ذلك الاسم على ضاحية (أبو ديس) المجاورة، كما اقترح أن تُسند السيادة (المؤقتة) على القدس إلى الأمم المتحدة. ولا ننسى أيضاً مبادرة كلينتون بالسعي لنقل سفارة واشنطن إلى القدس وإرغام العالم على ذلك. - تحوي الاتفاقية تفصيلات عجيبة للسيادة اليهودية والأخرى الفلسطينية على القدس مثل تحديد حائط البراق (حائط المبكى) . أما بخصوص عمليات الحفريات أسفل الحرم ووراء حائط البراق (المبكى) فيتطلب ذلك موافقة مبدئية من الطرفين. ومن العجيب أن قرار الحكومة البريطانية عام ١٩٣٠م ينص على أنه ليس لليهود حق في حائط البراق، كما أن الحائط طوله ٥٨ متراً بينما يتحدثون الآن عن ٨٤٠ متراً. - لقد ظهر خلال الطروحات اليهودية والأمريكية الأخيرة طلاسم ومفاهيم جديدة لم تكن واردة في حسبان المفاوضين؛ فهم يتحدثون عن سيادة فلسطينية على مباني المسجد الأقصى بينما تكون السيادة لليهود على الأرض تحت المسجد وأخرى فوقه! فهل سمعتم بأعجب من هذه الخزعبلات؟ لقد تحدثت مقترحات كلينتون عن سيادة اليهود على أجزاء من الطبقة السفلية! - أما قضية اللاجئين فلم يُذكر أصلاً مصطلح (عودة اللاجئين) وإنما اختُزلت المسألة في عبارة مطاطة لا تؤدي حقيقة إلا إلى (حق عودة الجثث) وإمكانية جمع شمل بضع عشرات الآلاف من بين اللاجئين الذين لا يقل عددهم عن خمسة ملايين. والعائدون هؤلاء يجب أن يكونوا من مواليد فلسطين قبل عام ١٩٤٨م، مما يعني شطب نصف الشعب الفلسطيني وحقوقه. هل تصورتم ذلك؟ فإن جمع الشمل هذا ورغم تفاهته يخص عدداً محدوداً من المولودين قبل عام ١٩٤٨م! وهذا يعني أن أعمارهم يجب أن تكون حوالي ٦٠ سنة فصاعداً؛ فمن بلغ المائة سنة فسيكون له الحق في العودة إلى بلده وكذلك شقيقه الذي بلغ التسعين! ! - وحتى حق التعويض المعروض فإن دولة إسرائيل ليست مسؤولة عنه، لكن نعتقد أنها ستسهم في هذا المشروع الخيري وتساعد في جمع التبرعات من الدول الغنية في المنطقة (فالأقربون أولى بالمعروف) بالإضافة إلى فتات الدول الغربية. - وبما أن باب العمل الخيري مفتوح فلا بأس بأن تبدأ بعض الدول بعرض استضافتها للاَّجئين الذين لا يجدون لهم مأوى؛ فها هي كندا التي حاولت جاهدة خلال الثلاثين عاماً الماضية فتح الباب على مصراعيه للفلسطينيين كي يحصلوا على الجنسية الكندية ترحب مجدداً باللاجئين الفلسطينيين [٢] في إطار اتفاق سلام في الشرق الأوسط. وقال وزير الخارجية الكندي جون مانلي في مقابلة مع صحيفة (تورنتو ستار الكندية) يوم ١٠/١/٢٠٠١م: «نحن مستعدون لاستقبال لاجئين والمساهمة في إطار اتفاق سلام» . كما أشار إلى اتصالات تمت مع وزيرة الخارجية الأمريكية ونظيريه الفلسطيني والإسرائيلي بهذا الصدد، وأن ذلك يندرج في إطار خطة الرئيس الأمريكي كلينتون التي تضمن إقامة دولة فلسطينية على أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة مقابل تنازل الفلسطينيين عن حق عودة اللاجئين. - ومشروع كلينتون يمسخ مسألة المطالبة بالأرض ويجعلها مساومة على رقعة بسيطة لا تصل إلى ربع مساحة فلسطين الأصلية، أو بلغة الأرقام أقل من ٢٠%، ونذكِّر أن اليهود لم يكونوا يملكون قبل عام ١٩٤٧م إلا نحو ٥. ٦٦% من مساحة فلسطين. وحتى لا نتهم بأننا متطرفون ولا نحسن قراءة المقترحات؛ فإننا نحيلهم إلى الكاتب الصحفي المعروف فهمي هويدي، ولا أظن أن أحداً يحسبه على التيار الأصولي المتطرف! لقد قرأ هويدي مقترحات كلينتون أكثر من عشر مرات [٣] ، وبيَّن أن المشروع يكافئ إسرائيل على احتلالها لفلسطين وتشريدها للاَّجئين، كما أنها لا تمثل أي خطوة إيجابية باتجاه استرداد الحقوق الفلسطينية المهدرة ولو عند الحد الأدنى، كما أنها لا تقدم أي حل عادل لأي عنصر من عناصر القضية، ناهيك عن تغييبها لبعض العناصر الجوهرية ... إلخ. وذكر هويدي أن المقترحات الأمريكية ما هي إلا صياغة جديدة لطروحات دولة اليهود الغاصبين، في القضايا الأربع التي طرحت كلها. وقد تمثلت خلاصة رأي هويدي في أن (إسرائيل لا تعرف غير لغة القوة، والذين يراهنون على غير ذلك لن يحصلوا منها إلا على قبض الريح) . إن هذه المقترحات يراد لها أن تكون بمثابة إقفال ملف القضية تماماً ومفهوم الحل النهائي وليس فترة انتقالية. كيف يمكن لمقترحات سخيفة أن تختصر التاريخ وإقفال صراع من أعقد وأشرس الصراعات في التاريخ بجرة قلم أو توقيع من بعض المجرمين والفساق المستهترين الذين لا يقيمون وزناً للأديان ولا الأوطان ولا الشعوب؟ إنه لا حق للسلطة لا شرعاً ولا عقلاً ولا تاريخياً في التوقيع النهائي والتنازل عن فلسطين، وليس لها صلاحية في ذلك مطلقاً. الدور الأمريكي المنحاز خلال فترة كلينتون: كم يغيظك قول بعض من لا خلاق لهم بأن أمريكا هي راعية السلام، وأنها وسيط يسعى إلى إبرام اتفاقيات سلام محايدة. تسمع هذا وتقرؤه فيصيبك الغثيان. الكل يعرف أن أي دولة في العالم يمكن أن تكون محايدة في قضية فلسطين إلا أمريكا؛ فدورها غير منحاز إلا إلى دولة العدو اليهودي فقط. ونحن في إطار حديثنا عن خطة كلينتون ينبغي لنا التذكير بالخلفية والأجواء التي صدرت منها هذه الخطة الكلينتونية؛ فهي لم تأتِ من طرف محايد مطلقاً. لسنا هنا في حال التباكي والحديث عن الدعم الأمريكي غير المحدود لدولة العدو الصهيوني؛ فهذا أمر معتاد، وقد تعهدت الحكومات الأمريكية المتعاقبة به، ولكن إدارة بيل كلينتون تحديداً (بفترتيها على امتداد ثماني سنوات) تجاوزت كل ارتباطات الإدارات السابقة، ومن أهم أسباب ذلك هذا الجيش الهائل من الوزراء والمسؤولين وأصحاب النفوذ في الإدارة الأمريكية. كان الزعم الأمريكي قديماً في دعم دولة إسرائيل بحجة احتواء النفوذ الشيوعي، وضرب الراديكالية القومية، واستمرار تدفق النفط الحيوي ... فما هي حجتهم الآن في التبني الكامل لدولة اليهود واعتبار أمنها من أمن أمريكا؟ ومع هذا فقد دأب الأمريكان على الزعم بأن موقفهم من قضية فلسطين حيادي، وقد أيدهم في ذلك كثير من المتواطئين أو المغفلين، سواء أكان ذلك في (مدريد) و (أوسلو ١) و (أوسلو ٢) و (كامب ديفيد ١) و (كامب ديفيد ٢) و (واي بلانتيشن) و (شرم الشيخ ١) إلخ ... وخلال ذلك وقبله وبعده لم تنقطع المساعدات المالية بالمليارات والمعونات السنوية الثابتة والمساعدات العسكرية والقروض غير المحدودة والهبات المتنوعة، فضلاً عن الدعم غير المباشر من اليهود الأمريكان، ودعم الشركات والأفراد في ظل تفوق عسكري ونووي واقتصادي يهودي في المنطقة. كان البيت الأبيض في عهد كلينتون يموج بعشرات المسؤولين من اليهود (٦٤ مسؤولاً كبيراً) ، وزارة الخارجية تحشد عشرات السفراء اليهود في أهم العواصم العالمية (أكثر من ٢٣ سفيراً) ، فضلاً عن الرأس الأول في هذه الوزارة (العجوز المتصابية) ، والموفد الأمريكي الرئيسي لعملية السلام في الشرق الأوسط دينيس روس، ووزير الدفاع وليام كوهين، وطواقم من القادة العسكريين، روبرت روبين (وزير الخزانة) ، فضلاً عن المتنفذين في عالم المال، بالإضافة إلى (السي. آي. إي) التي يرأسها جورج تينت، ومجلس الأمن القومي (صموئيل بيرغر) ، ومعظم المستشارين في مجلس الأمن القومي، وغيرهم وغيرهم في الكونجرس والمجالس الرئيسية المختلفة [٤] . الإدارة الأمريكية في عهد كلينتون كانت الأجرأ في السعي الدؤوب لإنهاء المقاطعة العربية ضد اليهود، وقد تدخلت في ذلك بصورة فاعلة وعلى أعلى المستويات ومن ذلك إرسال كلينتون أحد وزرائه إلى القاهرة مطالباً الأمين العام لجامعة الدول العربية بذلك. أما الدور الأمريكي في الأحداث الأخيرة فقد كان تآمرياً بكل ما في الكلمة من معنى؛ فرغم حوادث التقتيل اليومي للأبرياء والأطفال، ورغم هدم البيوت ورغم إهلاك الحرث والنسل إلا أن رموز السلطة الأمريكية مثل أولبرايت يلقون باللائمة على الأطفال وشباب الانتفاضة.. ويطالبون السلطة بإيقاف العنف أي القضاء على انتفاضة الشعب الأعزل المخنوق. وحين بدرت بعض العمليات الشجاعة ضد اليهود قامت قائمة أمريكا، فأرسل كلينتون مدير المخابرات الأمريكية (جورج تنيت) في أوائل شهر يناير، وكأن الأمن القومي الأمريكي مهدد بالخطر. وفي حين كانت القيادات الأمنية الفلسطينية تسرِّب أنه لا اتفاق مع اليهود مرفقة ذلك ببعض كلمات الشجب والتنديد في القاهرة، فإن ذلك لم يمنع من مواصلة الحوار والمفاوضات مع المسؤولين اليهود بحضور مدير المخابرات الأمريكية وتشكيل لجنة سياسية أمنية عسكرية من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي مهمته تهدئة الأوضاع (! !) كما تم التنسيق لاستئناف تسيير الدوريات الأمنية المشتركة حسبما ذكرت الإذاعة الإسرائيلية بالعبرية [٥] . الموقف الإسرائيلي: عرض الموقف الأمريكي يعتبر كافياً في بيان الموقف الإسرائيلي، وكما صرح بعض زعماء إسرائيل قديماً عن وجود (كيسنجر) في المفاوضات مع العرب بأن اليهود لن يحصلوا على أفضل مما سيتوصل إليه (كيسنجر) ، كذلك الحال في المرحلة الحالية إن لم يكن بصورة أعمق وأشمل. فصانعو السياسة الخارجية الأمريكية وعلى رأسهم اليهودية الحاقدة (مادلين أولبرايت) والموفد والمنسق الرئيسي هو (دينيس روس) اليهودي وغيرهم، فهما موقفان متطابقان. ولا يمنع هذا أيضاً من وجود بعض التصريحات المتشددة لقادة إسرائيل؛ فإيهود باراك يصرح للتلفزيون الإسرائيلي بأنه: «لن يوقع أي اتفاق سلام يمنح الفلسطينيين السيادة على الحرم القدسي» ، وأضاف بأن «الحرم القدسي هو لب الهوية الإسرائيلية» [٦] . وإزاء عدم القبول الفلسطيني مباشرة لمقترحات كلينتون اقترح (جلعاد شير) اليهودي طرفاً ثالثاً لم يحدده (! !) للسيطرة على القدس تحت سيادته، وقد ذكر بعض أعضاء الكنيست أن هذا الطرح غير جاد. كما اقترح وزير الخارجية الإسرائيلي (شلومو بن عامي) خلال زيارته لبرلين طرح أي مشروع سلام مع الفلسطينيين في استفتاء عام. موافقة عرفات المشروطة! أعلن عرفات قبوله المشروط لمقترحات كلينتون حسب طريقته المعهودة (نعم) أي (لا) و (لا) أي (نعم) ، ولكن الحقيقة أن الشروط التي طلبها عرفات لم تعلن ولم تعرف. فهل كان يناور بتصريحاته هذه خوفاً من ردة الفعل الشعبية؟ أم ماذا؟ ربما كانت تلك التصريحات من باب إبداء بعض التحفظات لحفظ ماء الوجه أو تجميل الموقف لا غير حتى إذا ما مرت العاصفة بهدوء تم لهم ما يريدون أو بدقة أكثر ما يريده الأسياد. ولا ندري ما هي النقاط التي رأى فيها عرفات بادرة إيجابية فقبل بها ثم تحفظ على الباقي؟ لعل من العجيب ما ذكره هويدي في مقاله الآنف الذكر من أن أكثر من ٦٠ وزير خارجية ومسؤولاً دولياً بارزاً اتصلوا بعرفات هاتفياً قبل ذهابه إلى واشنطن لإقناعه بالموافقة وعدم تفويت (فرصة) إحلال السلام في المنطقة! كما أن بعض المحيطين به لا يمانعون في القبول بأي شيء. استراتيجيات السلطة: تُعوِّل سلطة عرفات في اتخاذ قراراتها وخططها كثيراً على الأمم المتحدة والولايات المتحدة ودول المفوضية الأوروبية، وما يفرزه ذلك من خيارات سلمية وقرارات دولية ومفاوضات كمدريد وأوسلو وكامب ديفيد وواي بلانتيشن.. إلخ، ولا تستفيد هذه السلطة من التجارب. واعتراضنا هنا ليس على مبدأ المفاوضات؛ فهذا له حديث آخر، ولكن التعجب لا ينتهي من التعامل مع هذه الجهات بطريقة مذلة ومخزية تضيِّع حقوق الفلسطينيين. فالولايات المتحدة لا تتعامل مع الفلسطينيين شأنها كذلك في كل قضايا المسلمين كطرف مساوٍ أو ند، بل هي وكيل عن الطرف اليهودي ومنحازة تماماً. بل إن بعض قيادات المنظمة يصرحون بذلك. ومن جهة أخرى فإن الجميع يعلم أن قرارات الأمم المتحدة شكلية لا تعدو أن تكون حبراً على ورق؛ فهل يمكن لعرفات أن يبين لنا ماذا فعلت الأمم المتحدة خلال الأشهر الأربعة الماضية من عمر الانتفاضة تجاه جرائم اليهود في حوادث القتل والتدمير اليومي المتعمد من طرف حكومة العدو وجيشه وقطعان مستوطنيه؟ هاتوا عملاً واحداً إيجابياً مؤثراً قامت به هذه المنظمة المقعدة؟ بل إن قراراتها السخيفة حول لجنة تقصِّي الحقائق ماتت في المهد. وحتى لا يقال إن هذا كلام للمتطرفين الأصوليين.. فهاكم ما قاله د. ميلاد حنا، وهو أحد المثقفين النصارى في مصر؛ حيث يشدد على أن (الانتفاضة الفلسطينية وما حدث في فلسطين أكد بما لا يدع مجالاً للشك أنه لا وجود للأمم المتحدة) [٧] . وهذا نقل آخر عن شخصية أخرى معروفة بعلمانيتها ومحسوبة على الصف المعادي للإسلاميين؛ حيث تؤكد أن منظمة الأمم المتحدة (أصبحت أداة في يد قوى البطش الاستعماري العسكري والاقتصادي الجديد، ألم يعلق كوفي عنان السكرتير العام للأمم المتحدة عن أن الأطفال الفلسطينيين هم الذين يعتدون على الإسرائيليين) ؟ [٨] . ويعجب المراقب حقيقة من هذا الإصرار الفلسطيني على المفاوضات رغم معرفته المسبقة بعدم الوصول إلى نتائج كعادة اليهود دائماً في عهودهم واتفاقاتهم يؤكد ذلك النتائج السابقة للاتفاقيات المتعددة، ويؤكد ذلك الإصرار اليهودي على تدمير كل شيء. (باراك) قال في بعض تصريحاته: «إن قرار ٢٤٢ لا ينطبق على الحالة الفلسطينية؛ لأنه لم تكن هناك فلسطين» [٩] ، وهذا ما يؤكده زعماء اليهود دائماً، ومن شاء فليرجع إلى مذكرات القادة اليهود وتصريحاتهم ومنها وليس آخرها كتاب (بنيامين نتنياهو) الذي نشره قبل بضع سنوات: (مكان تحت الشمس) [١٠] وهو طافح بالحقد على العرب والمسلمين. ألا يتذكر زعماء المنظمة كيف بدأت المفاوضات في مدريد؟ ولما هزم شامير في الانتخابات قال: كنا نخطط لمفاوضات مدتها ١٠سنوات! ! الموقف الشعبي: في ظل الانتفاضة الباسلة والرائعة من الشعب الفلسطيني يأبى عرفات كعادته إلا أن يضيع ثمار الانتفاضة ويطعن الفلسطينيين بقبوله المذل للتنازل عن فلسطين أو القدس. إن ما يقوم به عرفات وسلطته يناقض موقف الشعب الواضح من العملية التفاوضية المقيتة. قام مركز القدس للإعلام والاتصال JMCC بعمل استبيان أظهرت نتائجه أن: أكثر من ٧٠% من الفلسطينيين يؤيدون استمرار الانتفاضة، وأكثر من ٧٢% يؤيدون العمليات العسكرية ضد اليهود مؤيدي عملية أوسلو الذين أصبحت نسبتهم لا تتجاوز ٣٩% [١١] ، فلِمَ التنازلات إذن؟ وأخيراً وليس آخراً: سيظل زعماء المنظمة يسيرون في النفق المظلم ما داموا على منهجهم. كيف يتم تجاهل الرأي العام الفلسطيني، بل العربي والإسلامي، على الأقل في مثل هذه الظروف؟ فها هي المنظمة لم تتوقف عن مسيرتها ولو نفاقاً لتعبر عن احترام دماء الأبرياء والشهداء وجنائز الشباب اليومية، ومجاملة عواطف الشعوب الإسلامية الصادقة! لقد سارع عرفات من بداية الانتفاضة إلى تلبية الدعوات الإسرائيلية والأمريكية، فذهب إلى باريس لعقد مفاوضات واتفاقات رغم الظلم الصارخ الذي يواجهه الشعب الأعزل في شوارع فلسطين. لقد كشفت الأحداث قبح ووحشية المشروع الصهيوني وقادته من مجرمي الحرب الصقور أو المتنكرين بأقنعة الحمائم، ورأينا بأعيننا فضح الكثير من الدعاوى والأوهام التي سعى البعض إلى تسويقها بيننا طيلة السنوات الأخيرة وفي المقدمة منها دعاوى السلام واتفاقاته، والمراهنة على هذه الفئة أو تلك في خرائط العدو. وفي حين يراهن زعماء السلطة على المفاوضات والتنسيق مع إسرائيل نجد رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي (شاؤول موفاز) رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي يصرح [١٢] : «بأن الجيش الإسرائيلي يعيش حرباً بدأت بالفعل، وقد تستمر لمدة عام» ، وقد كرر هذا الكلام مرة أخرى بعد أيام (٣١ أكتوبر ٢٠٠٠م) . زعماء السلطة يحلمون بإقامة كيان هش يسمى دولة ولو على رقعة بسيطة من فلسطين، والعدو يخطط لهم في الخفاء؛ فهذا باراك يقول في اجتماع سري لأعضاء حكومته الأمنية المصغرة: «تعرفون جيداً؛ فقد عارض رابين بشدة إقامة كيان عربي مستقل في أرض إسرائيل الغربية يقصد دولة فلسطينية تضم الضفة والقطاع ورأى في ذلك كارثة قومية لـ (إسرائيل) . وتذكرون بلا شك أقواله التي كررها مراراً وتكراراً، شفاهة وخطياً، وقد اقتبست منه قوله: (دولة فلسطينية لن تقوم إلا على أنقاض إسرائيل) » [١٣] . وهي في الأصل عبارة وردت في مذكرات رابين. إذن لن يحصل الفلسطينيون في تداعيهم على الاجتماعات مع العدو وتحت أي مسمى على أي نتيجة مأمولة لأن العدو قد صاغ السلام بمقاسات محددة تلغي كيان الدولة الفلسطينية حتى إن أعلنت؛ لأنها ستكون ممزقة أشلاءاً فضلاً عن كونها تحت رحمة العدو بإقفال المعابر الدولية وخنق الاقتصاد والتحكم في الوصول للدولة براً وجواً. إذن الخيار الوحيد مع العدو هو المقاومة بالجهاد الذاتي أو ما يحلو لبعضهم تسميته بالانتفاضة؛ فإنها على محدودية آثارها لها تأثير كبير على العدو عسكرياً واقتصادياً ونفسياً. وما ضاع حق وراءه مطالب لا سيما إذا وضعنا في الاعتبار الوعد الإلهي بنصر المؤمنين وهزيمة اليهود، يوم نكون حقاً مسلمين؛ حينها سينادى الحجر قائلاً: «يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله» [١٤] . والله المستعان.

стр. 3840

المسلمون والعالم عصر اكتشاف الشمال الإفريقي ! خالد حسن [*] تشير آخر التقارير الأمنية الأمريكية ودوائر الاستخبارات والرصد اليهودية أن ثمة ترتيبات وتحضيرات على مستويات رفيعة في طور الإنجاز تمهيداً لإسناد أدوار حيوية لدول المغرب العربي (الجزائر على وجه الخصوص) في سياق التغييرات «الجيوسياسية» التي قد تشهدها منطقة الشمال الإفريقي. صناعة الهلع: كشف أحد هذه التقارير التي تعكس إلى حد ما وجهة نظر الخارجية الأمريكية قلقَ إدارة البيت الأبيض إزاء المخاطر المحتملة من الأوضاع الداخلية لدول منطقة المغرب العربي، ووفقاً لهذا التقرير فإن الحركات الإسلامية في هذا الإقليم تشكل الطرف الأخطر على ما يسميه التقرير بمسيرة الاندماج السياسي بين البلدان المغربية والغرب و «إسرائيل» ، وقد تعزز هذا الهاجس لدى الخارجية الأمريكية بعد رفع الحظر عن الشيخ عبد السلام ياسين المرشد العام لجماعة العدل والإحسان المغربية، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى «الانفراج» الصوري في مجال الحريات الذي ظل ورقة في يد النظام التونسي، يُلوِّح بها كَبالُون اختبار أو من قَبيل التمويه الداخلي والاستهلاك الخارجي متى تعرض لضغوط خارجية أو وافق مصالح سياسية واقتصادية داخلية، وإن كان الحديث عن انفراج جريء وعميق في تونس في الوقت الحالي سابقاً لأوانه في ظل القبضة البوليسية للنظام الحالي. في حين تكونت لدى مستشارين ودبلوماسيين أمريكان سابقين في الجزائر ممن اطَّلعوا على الملف الإسلامي عن كثب قناعة راسخة بأن وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم أو على الأقل استرجاع التيار الإسلامي لقدراته وإمكاناته التعبوية، وبسط نفوذه على الشارع السياسي في الفترة الراهنة ضرب من التخمين والوهم؛ خاصة بعدما أحكم النظام قبضته على كافة المؤسسات وساحات التأثير. والمتابع لهذه التقارير يلحظ دون سابق عناء مدى التناقض أو بالأحرى الازدواجية في التعامل مع البيئة المحلية لدول منطقة المغرب العربي بما يوافق مفردات آلية التعامل الأمني الأمريكي مع الدول التي يراد لها أن تنجز دوراً أو أدواراً إقليمية (وهذا من خلال لغة التقرير وسياقه) وفق حسابات تمليها الخريطة «الجيوسياسية» الحالية، وبما يوافق الطبيعة المصلحية البراغماتية للاستراتيجية الأمريكية والقائمة في بعض جوانبها على الإيهام بتنامي خطر محلي لا يهدد أمن واستقرار حدود البلد الواحد بل المنطقة بأكملها. ولأن صنَّاع القرار في المنطقة ذوو تشكيلة عسكرية مخابراتية؛ فإن دوائر الرصد الأمريكي الصهيوني ولاستيعابها إلى حد ما لتركيبة الرؤوس والحواشي عمدت إلى شحنهم بسيل من المخاطر والتهديدات، واختارت نبرة التصعيد الأمني، وطبعاً فإن «الأصولية الإسلامية» تتصدر لائحة التهديد المحلي والإقليمي والدولي أو هكذا يصور الأمريكان الوضع لطبقة صنَّاع القرار في المنطقة، ولهذا جاءت توصية شعبة «مكافحة الإرهاب» في وزارة الخارجية الأمريكية في نهاية التقرير: «إن الإسلام السياسي في المغرب العربي والصحوة الإسلامية ينبئان بوقوع تغيرات غير محسوبة في موازين النظم الحاكمة للإقليم.. وإن رفع الحظر السياسي عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ (الجزائرية) ، وحركة العدل والإحسان (المغربية) ، وحركة النهضة (التونسية) سيفضي إلى أسلمة جمهور الناخبين بشكل خاطف وساحق في أي انتخابات قادمة» . التطبيع ... مسارات وممرات: هل دوائر صنع القرار الأمريكي بحاجة فعلاً إلى إغراء أنظمة الحكم في المنطقة وإغوائها لتأمين علاقات «متميزة» مع الكيان الصهيوني، وتمرير مشروع التطبيع دون تنغيص أو تفجير داخلي؟ أم أن الأمر قد يستتب من خلال تطعيم مخاطر المصالحة الداخلية، وتسكين مخاوف التطبيع مع «إسرائيل» عبر مقترحات أمريكية الصنع، وتجارب ردع صهيونية قابلة للتصدير والاستهلاك؟ يبدو أن السياسة الأمريكية تجاه مستقبل منطقة المغرب العربي ذات مسارات وممرات متداخلة يساند بعضها بعضاً؛ فهي من جهة تتعاطى مع الفرضية «الإسرائيلية» القائمة على أن مستقبل العلاقات بين «إسرائيل» ودول المغرب العربي مهما بلغت من تطور ستكون عرضة للانهيار المفاجئ وذلك لقدرة التيارات الإسلامية في هذه المنطقة على حشد جبهة اجتماعية مناوئة «للإسرائيليين» على قاعدة خطاب إسلامي مناهض وصامد تتعاطى مع هذه الفرضية بنوع من «احتواء» الساحة و «امتصاص» الغضب الجماهيري تجاه أي شكل من أشكال التطبيع؛ وذلك عبر تشغيل آلاف الشباب المغاربة في أسواق استثمارات إقليمية ودولية، وهنا قد ترعى شركات الاستثمار الأمريكي مشاريع أو تمولها، كما لم تتوانَ دوائر الرصد الأمريكي عن تشغيل خط التعاون مع حكومات المغرب العربي و «تسخينه» ضد لائحة «المتهمين أو المشتبه فيهم» ، ويعرض التقرير الأمني الأمريكي في هذا الصدد اقتراح هدم وتقويض ما أطلق عليه بـ «مجتمع الأحزاب الأصولية» ؛ مع التحذير من استعمال مزيد من القمع ضد الإسلاميين؛ لأن من شأن ذلك أن: «يوسع من خريطة التعاطف الشعبي معهم» . ومن جهة أخرى تتحرك الآلية الأمريكية في إطار سياسة تعدد المسارات والممرات لتسهم بأساليبها الخاصة في عملية تدارك الوضع الداخلي للإسلاميين للتخفيف من حدة التيار المناوئ والمناهض، أو على الأقل تحقيق نوع من التوازن داخل صفوف الإسلاميين؛ وذلك باستمالة قيادات «معتدلة» وتحييد التيارات الوطنية التي قد تغلِّب جانب التحالف مع الإسلاميين على علاقات ائتلافية مع السلطة القائمة ودعم القوى والاتجاهات التحررية الموالية للغرب. وعلى مسار آخر تجري مفاوضات غير معلنة مع حكومات تونس والجزائر والمغرب لإقامة منظومة اقتصادية «ضخمة» في منطقتي شمال إفريقيا وما يسمى بالشرق الأوسط، ولسنا في حاجة لتأكيد أن هذا التنوع والتعدد في المسارات والممرات يخدم في نهاية المطاف مشروع تسوية الأرضية لبسط نفوذ الولايات المتحدة في منطقة المغرب العربي.. ويتجاوز في أبعاده ومراميه حسابات جماعات المصالح والمتنفذين في حكومات المنطقة. وبما أن منطق المصالح المتبادلة يقتضي المقايضة؛ فإن واشنطن تسعى لتوظيف تردِّي الوضع الاقتصادي والاجتماعي لدول المنطقة (وخاصة الجزائر) إلى أقصى حد بإقحام عرض «المساعدة الإسرائيلية» في المعادلة الراهنة، وقد جرى فعلاً تبادل زيارات وفود من مختلف المستويات سرِّياً بين الجزائر والكيان الصهيوني. هذا ويلاحظ أن تيار تسريع وتحريك ملف التطبيع مع «الكيان الصهيوني» يتعزز ويتنامى يوماً بعد يوم على مستوى الحكومات المغاربية، وسواء «نجحت» مفاوضات «السلام» أم تعثرت فإن مطالب هذا التيار لا تهتز ولا تفقد منطق فرضها في نظرهم فإذا ما أبرم أي اتفاق في الشرق الأوسط؛ فليس المغاربة أحرص من غيرهم على المفاصلة، بل المطلوب البدار من الآن تحسباً لأي جنيٍ للمكاسب والاستحقاقات في غياب دول المنطقة، وفي حالة عدم نجاحها فليس المغاربة ملزمين بمسار المشارقة، ولهذا يحرص تيار التطبيع على إحباط احتمالات العدوى وفك الارتباط من الآن. مخازن جديدة رهن الاقتصاد الأمريكي: فكرة توسيع الرقعة «الجيوسياسية» لـ «اتحاد المغرب العربي» مثارة ومطروحة منذ فترة؛ ففي تصريح لروبرت بللترو مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق خلال محاورته لوزير الخارجية الجزائري الأسبق ما يرسخ هذا التوجه؛ إذ جاء فيه: «.. إن انضمام مصر إلى الإقليم المغاربي سيشكل وحدة أمنية فعالة لمكافحة الجماعات الإسلامية على أساس أن مصر ودول المنطقة تتقاسم خطر هذه الجماعات» ، وقد نتفهم قصر بللترو للمسوغات في البعد الأمني، وهذا كما يبدو جاء إشباعاً لنهم الدوائر النافذة في الحكم الجزائري، ثم إن السياسة الخارجية الأمريكية براغماتية نفعية من طراز «رفيع» ، وذات بُعد «خدماتي» إسعافي في المبتدأ، لتتحول إلى «مصاص» للطاقة والمقدرات في المنتهى، لكن يأبى سياسيونا أن يتجاوزوا مرحلة الإشباع إلى عهد تتسع فيه الرؤية والأفق، أو هكذا أريد لهم أن يفكروا، ولعله شرط مسبق في اختيارهم وترشيحهم، في حين أن الخطة الأمريكية المعروضة والمطروحة للمداولة والنظر أبعد من الحيز الأمني (الهاجس المصطنع الأوحد لأنظمة المنطقة) وتتعداه إلى تبعات ومآلات أخرى وفي طليعتها: «الحدُّ من الدور المصري في الشرق الأوسط في ضوء ما تتوهمه أو تعتقده واشنطن من خروقات هذا الدور لشروط التسوية مع الكيان الصهيوني» ، وكذا ترتيب وضع سياسي جديد في الخرطوم، والعمل على استفراد «إسرائيل» باستحقاقات القوى الإقليمية المهيمنة، ومن شأن إبعاد مصر عن الشرق تعزيز هذا «التفرد» . كما أن العامل الاقتصادي حاضر بقوة في خطة واشنطن لتهيئة الأرضية لإقامة «اتحاد شمال إفريقي» وذلك بإيجاد مواقع ومواطن لرؤوس الأموال الأمريكية عبر عدد من الاستثمارات، وعن طريق إغراق دول المنطقة بمديونية خارجية مثقلة تفوق ما لديها من موارد، وشراء اقتصاديات المغرب العربي بثمن بخس. وقد مهد لحركة تدفق «رؤوس الأموال الأمريكية» عبر هندسة «التطبيع المغاربي الأمريكي» على شكل مشاريع استثمارية في المنطقة نشاطُ الثلاثي: روبرت بللترو، ومارتن أنديك، وإدوارد ووتر من خلال زيارات متوالية ولقاءات مطولة مع ممثلي الحكومات المغاربية. الجزائر تلتحق بالركب: التقديرات الأمريكية لعام ٢٠٢٥م تجعل الجزائر أحد أهم الموارد في ميدان المحروقات بمخزون غازي استراتيجي يفوق ٥٠٠٠ مليار متر مكعب، ومخزون نفطي يتراوح ما بين ١٢ و١٥ مليار برميل، وإذا أضفنا إلى هذه التقديرات «المغرية» التكلفة الزهيدة للاستكشاف والاستغلال؛ حيث لا تتجاوز ٦٠ سنتاً لكل برميل نفط، مقابل ما بين دولارين إلى ثلاثة دولارات لنفط بحر القزوين، أمكننا تفهم التوجهات الأمريكية «الجديدة» حيال الجزائر في سياق اللهث وراء تنويع مصادر تموين الطاقة، وما واكبها من تعزيز للحضور الأمريكي «المتنامي» منذ قرارات ١٩٩١م التي سمحت بإدخال صيغ «تقسيم الإنتاج» ، وتقدر نسبة تغلغل واستحواذ الشركات الأمريكية إلى غاية نهاية ١٩٩٩م بحوالي ٣٠% من الإنتاج النفطي الذي يستخرج من الجزائر. وفي الوقت الذي تبنت فيه الشركات الأوروبية سياسة التردد والإحجام، كانت الشركات الأمريكية مثل: أناداركو، أركو، فيليبس، وبدرجة أقل شل وموبيل سباقة في إمضاء العقود واقتحام السوق الجزائرية، مما مكنها من تحقيق أرباح معتبرة قدرت عام ١٩٩٩م بحوالي٥٠٠ مليون دولار (للشركات الأمريكية مجتمعة) وما يقارب من ١٠٠ مليون دولار لأناداكو التي تعد من أنشط الشركات الأجنبية بالجزائر، ويتوقع أن تصل قدرتها الإنتاجية إلى ٣٠٠ ألف برميل يومياً، وهو رقم مقدر بالنسبة لشركة «صغيرة» الحجم في الولايات المتحدة مقارنة بتكساكو وموبيل وشل. ومع ارتفاع القدرة الاستهلاكية بشكل ملحوظ وهو ٢٠مليون برميل يومياً في السنة الجارية إثر ارتفاع في نسبة نمو الاقتصاد الأمريكي، ازدادت احتياجات أمريكا من النفط، وبذلك نما التوجه نحو توسيع نطاق استثماراتها خارج منطقتها التقليدية (الخليج) والتحرك للوقاية من صدمات تقلبات أسعار النفط. أوروبا ... الحاضر الغائب: تبدو سياسة واشنطن موجهة أو على الأقل مستهدفة لتقويض أوروبا ومشاريعها الاستثمارية والسياسية في المنطقة المغاربية، وهو ما حفز تحرك الآلية الأوروبية مؤخراً لمحاولة ضم تونس والمغرب والجزائر إلى ما يعرف بـ «ميثاق مسار برشلونة» لتحقيق نوع من التوازن إن لم يكن محاولة استدراكية لاسترجاع «حقها» الحيوي ضمن مشروع «المتوسطية» أو حوض المتوسط، وفي هذا الصدد صرح باتريك مسؤول منطقة المغرب العربي في اللجنة الأوروبية بأن: «المفهوم السياسي لمسار برشلونة هو إنشاء منطقة الضفة الجنوبية للمتوسط» ، ومن شأن هذا الميثاق للأمن والاستقرار أن يعزز الحضور الأوروبي من خلال منح أوروبا حق التدخل في قرارات السياسة الداخلية المغاربية وخاصة في قطاعات الأمن والتعليم والثقافة ووسائل الاتصال تحت «غطاء نسيج متوسطي واحد» ، ويضفي شرعية جيوسياسية على مشروع إلحاق الكيان الصهيوني بعلاقات وتطبيع كامل مع المغاربة باعتبار أن «تل أبيب» جزء من الشريط الجنوبي لمياه الحوض المتوسط، ومن ثم دمج المغرب العربي بما يعرف بالنظام الشرق الأوسطي الذي يبقى خياراً استراتيجياً بالنسبة للغرب يراد صياغته والتمكين له. وطبقاً لمصادر اقتصادية في المنطقة فإن أوروبا أصبحت تقايض حكومات المغرب العربي بتلقي قروض ومساعدات مالية ووعود باستثمارات مقابل تكاليف سياسية وأمنية ثقيلة.

стр. 3841

المسلمون والعالم تونس الحديثة وصراع الهوية د. عمر النمري [*] لقد توطد النسب الإسلامي لتونس وارتسمت هويتها الإسلامية منذ أربعة عشر قرناً عندما طرقها الفتح الإسلامي الأول سنة ٣٠ للهجرة، ولن ترضى تونس ولا شعب تونس بغير الإسلام ديناً والعربية لغة مهما اجتهد اليساريون في طمس هويتها وإلحاقها بركب الغرب المسيحي أو البحث والتنقيب عن أصولها الوثنية والمسيحية في العصور الغابرة، ولكم عانى الشعب التونسي منذ نشأة الدولة التونسية الحديثة من ويلات جرَّاء هذه الروح الشعوبية الجديدة التي حملها بورقيبة والجيل الذي تربى على يديه خلال عدة عقود حتى جاز لنا أن نكتب فيما يطلق عليه: «صراع الهوية في تونس» . نشأة الدولة التونسية الحديثة: «لَوْ ولد بورقيبة في فرنسا لكان حاكماً لإحدى المحافظات الجنوبية» [١] . من يا ترى صاحب هذه المقولة؟ إنها شهادة حية من رجل فرنسا الأول في عهده؛ إنه الرئيس الفرنسي ديجول، شهادة حية على مدى رضى فرنسا عن بورقيبة، وهي تعبير صارخ على مدى النجاح الذي حققته فرنسا في إعداد رجل تونس الأول، وعلى مدى استعدادها لتمكينه من حكم بلده مقابل الحفاظ على مصالح فرنسا الثقافية في تونس. ولقد عبَّر بورقيبة عن ذلك بوضوح في أكثر من مناسبة؛ حيث قال في لقاء صحفي له مع إحدى الصحف الفرنسية: «إني مدين إلى فرنسا بكل شيء، وأساتذتي الفرنسيون هم الذين يرجع إليهم الفضل فيما بلَغْته، وتعليمهم هو الذي نهلت منه، وهو الذي أمدني بالسلاح الذي اعتمدته في السبيل التي اخترتها لنفسي وفي الطريق التي سلكتها منذ شبابي» . وقال في مقابلة أخرى له مع صحيفة لوفيجارو (الفرنسية) : «لقد كافحت لأمتع بلادي بالحرية والكرامة؛ لكن حبي لفرنسا ووفائي لها لن ينقطع أبداً؛ وكنت أكافح باسم الثقافة التي تلقيتها وبوحي من الأفكار الفرنسية، ومعلميَّ وأساتذتي الفرنسيين هم الذين صنعوني ... إننا لا نستطيع الإعراض عن الغرب، إننا متضامنون مع الغرب بأكمله، متضامنون بصورة أخص مع فرنسا وتدعيم الروابط معها؛ وبصورة أخص في ميدان الثقافة، وفكرة بعث رابطة للشعوب الفرنكفونية تولدت هنا» [٢] وهكذا فإن هوية تونس الثقافية كما يراها زعيمها الأول تجد امتدادها في الثقافة العلمانية الفرنسية، وهو ما سيجد القارئ الكريم دليله واضحاً في الحرب التي شنَّها بورقيبة وخلَفُه على هوية تونس الإسلامية والعربية، وهو ما ولَّد صراعاً دائماً بين صنائع فرنسا وأتباع الثقافة الغربية من عناصر الحزب الحاكم وأحلافه من اللائكيين (العلمانيين) والفرنكفونيين، وبين أصحاب التوجه العروبي الإسلامي ممثلاً في قدامى خريجي الزيتونة وأصحاب التيار الإسلامي على وجه الخصوص. فما هي أبعاد هذا الصراع؟ ومن هم أطرافه؟ وما هي النتائج القريبة المترتبة على هذا الصراع؟ وما هي يا ترى الآفاق المستقبلية لصراع الهوية بتونس؟ وإلى أين يتجه مسار هذا الصراع؟ أبعاد صراع الهوية في تونس: لقد طالت الحرب التي شنها بورقيبة على الهوية الإسلامية لتونس جميع النواحي القضائية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والسياسية في المجتمع التونسي؛ وساعده في ذلك كل ما تخوله له سلطته الدستورية من سَنِّ القوانين وإصدار المراسيم والتوجيهات مستفيداً من الآلة الإعلامية الرهيبة للدولة الناشئة، فاستطاع بذلك أن يحقق ما عجزت فرنسا عن تحقيقه خلال مدة استعمارها للبلاد التونسية، وكان من أبرز ملامح هذه الحرب ما يلي: ١ - إصدار مجلة الأحوال الشخصية التي اشتملت فيما اشتملت على تحريم تعدد الزوجات ومعاقبة من خالف ذلك بالسجن. وقد أصدر بورقيبة هذا القانون متذرعاً بحرصه على تحرير المرأة التونسية وردِّ الحقوق إليها وإنصافها من جور الرجل وظلمه؛ إذ «إن تعدد الزوجات يسيء إلى كرامة المرأة وعنفوانها، ويجعل منها ذليلة لا تهدف إلا إلى إرضاء زوجها خوفاً أن يتحول عنها إلى امرأة أخرى» [٣] على حد زعمه. فهل مَنْعُ تعدد الزوجات على ما فيه من مخالفة صريحة للشريعة الإسلامية يهدف إلى إصلاح ما فسد من أحوال الأسرة التونسية، أم أن له دلالات أخرى؟ يجيب عن هذا السؤال بوضوح د. محمود الذوادي بقوله: «فالتشريع الجديد يشير إلى مجلة الأحوال الشخصية يشير بالبنان إلى انجذاب القيادة البورقيبية إلى روح القوانين الغربية من ناحية، وعدم مصالحتها على الأقل مع روح الفقه الإسلامي التقليدي غير الاجتهادي من ناحية أخرى، ومن ثم فإصدار قانون منع تعدد الزوجات لا ينبغي أن يفهم على أن تحرير المرأة التونسية هو الهدف الأول والأخير منه، بل يجوز الافتراض بأن القصد الرمزي لهذا التشريع يتجاوز ذلك؛ فيمكن النظر إلى هذا التشريع على أنه يمثل محاولة تقريب تشريعات المجتمع التونسي من تشريعات المجتمعات الغربية من جهة، وإبعادها قدر المستطاع عبر الرموز التشريعية عن الانتماء الإسلامي من جهة أخرى» [٤] وهكذا فتشريع منع تعدد الزوجات فيه أكثر من رمز، وبالتعبير السوسيولوجي: هناك رمز ظاهر، ورمز خفي. فالظاهر يرمز إلى الرفع من مكانة المرأة الاجتماعية، والرمز الخفي يتمثل في إدانة الدين الإسلامي الذي يتخذ موقفاً مختلفاً عن الغرب بخصوص مسألة إباحة تعدد الزوجات « [٥] ويعلق على ذلك الشيخ محمد الهادي الزمزمي بقوله:» إن تذرع بورقيبة في إصداره هذا القانون بحرصه على تحرير المرأة وضمان حقوقها مثلما يدعي ذريعة كاذبة؛ فلم تكن هذه المجلة إلا نكبة على المرأة خاصة وعلى الأسرة التونسية عامة. والحق أن هناك مقاصد متعددة من وضع هذه المجلة: * مصادمة الشرع الإسلامي بتقرير نصوص قانونية مخالفة للشريعة. * التبجح بحقيقة مساواة المرأة بالرجل بما يوهم وقوع حيف من الإسلام عليها. * الطعن في صلاحية الشرع الإسلامي للحكم بما يسوِّغ استبعاده والتخلص منه. * إخضاع الأسرة التونسية تدريجياً للقانون الوضعي لئلا يبقى للشريعة نفوذ في المجتمع التونسي لا على الأفراد ولا على الجماعة. * إعادة صوغ الأسرة التونسية ومن ثم المجتمع التونسي على النمط الغربي. * ضرب الهوية الإسلامية للمجتمع والأسرة التونسية. *إظهار الإسلام بمظهر ظالم للمرأة [٦] . ٢ - إلغاء المحاكم الشرعية وتوحيد القضاء بموجب القرار المؤرخ في ٢٥ سبتمبر ١٩٥٦م ونشره بالجريدة الرسمية للجمهورية التونسية عدد ٧٧، وبذلك يكون بورقيبة قد نجح في تحقيق ما عجزت فرنسا عن تحقيقه بإلغائه للقضاء الشرعي واستبداله بقضاء وضعي مدني. ٣ - خطاب بورقيبة الشهير الذي ألقاه في مؤتمر المدرسين والمربين بمناسبة الملتقى الدولي حول الثقافة الذاتية والوعي القومي المنعقد في مارس ١٩٧٤م، والذي نال فيه من شخص الرسول الكريم ﷺ ، واتهم فيه القرآن بالتناقض، ودعا فيه إلى تسوية الرجل بالمرأة في الميراث، وادعى لنفسه فيه حق تبديل أحكام الله وتطويرها بحسب تطور المجتمع وتطور مفهوم العدل ونمط الحياة باعتباره من حق الحكام بوصفهم أمراء المسلمين على حد زعمه؛ مما أثار عليه حملة واسعة النطاق من علماء المسلمين في العالم العربي والإسلامي حكمت بكفره وردته، وطالبته بإعلان التوبة أو تكذيب ما نسب إليه في وسائل الإعلام العامة، ولكن بورقيبة لم يعبأ بهذه النداءات ورمى بها عُرض الحائط. وسِجِلُّ بورقيبة حافل بحربه الشعواء على الإسلام وأهله وتعديه على شعائر الإسلام ومظاهره العامة واستفزاز مشاعر المسلمين والنيل من الهوية الإسلامية لتونس منذ أن أعلن صراحة أن الإفطار في رمضان من مقتضيات التنمية وزيادة الإنتاج القومي، ومنذ أن حظر لبس الحجاب وارتداء اللباس الشرعي على التلميذات في المعاهد والثانويات والجامعة وعلى الحرائر من النساء في الإدارة العمومية؛ حيث اعتبر الزي الإسلامي زياً طائفياً منافياً لروح العصر وسنَّة التطور السليم. كما اعتبر سُنَّة إرسال اللحى مظهراً من مظاهر التخلف الذي لا يليق بمظهر المواطن التونسي كما يريده محرر تونس وزعيمها الأوحد. كما اختار بورقيبة منذ فجر الاستقلال يوم الأحد يوم العطلة الأسبوعية في الدوائر الحكومية؛ بينما اعتبر يوم الجمعة يوم عمل حتى الواحدة ظهراً، وقد شاع لدى شعوب العالم ارتباط يوم عطلة آخر الأسبوع بهوية هذه الشعوب الثقافية والدينية؛ فيوم السبت يوم عطلة لليهود، ويوم الأحد يوم عطلة للمسيحيين يمارسون فيه طقوسهم الدينية ويؤمُّون فيه الكنائس ودور العبادة؛ وكأنما أراد بورقيبة بذلك محق الهوية الإسلامية لتونس وبث روح الانتماء إلى المجتمع الغربي النصراني. ولقد تعددت مظاهر التعدي على الهوية الإسلامية في تونس في العهد البورقيبي بما لا يمكن حصره في مقال مثل هذا، والسؤال الجوهري الآن هو: هل اقتصر الأمر على شخص بورقيبة وعهده البائد، أم أن الأمر تعداه إلى غيره من رجالات تونس وأصحاب القرار فيها؟ محاربة الهوية الإسلامية بعد بورقيبة: والحقيقة أن بورقيبة استطاع أن يربي جيلا كاملاً من حَمَلة الفكر العلماني (اللائكي) وبوَّأهم من تونس مكاناً علياً؛ فلقد ازدادت الحرب على الهوية الإسلامية لتونس ضراوة في العهد الجديد، وتعدد رموزها، وتنوعت أشكالها بتحالف التيار الماركسي مع رموز الحزب البورقيبي الحاكم في مواجهة التيار الإسلامي الصاعد ممثلاً في حركة النهضة التونسية. ومن ملامح هذه الحرب المستعرة ما يلي: ١ - في المجال التعليمي والتربوي: بادر بورقيبة منذ أيام الاستقلال الأولى إلى غلق جامع الزيتونة بوصفه مؤسسة تربوية عريقة؛ حيث أغلقت المدارس الثانوية التابعة للزيتونة بأنواعها منذ منتصف الستينيات، وتحولت الجامعة الزيتونية العريقة إلى كلية تابعة لجامعة تونس الحديثة، كما أرسى بورقيبة سياسة التمييز الثقافي بتهميشه لأصحاب التكوين الثقافي العربي والإسلامي من خريجي الزيتونة والجامعات الإسلامية في المشرق العربي وإقصائهم من الوظائف الكبرى في الدولة، ولقد استمرت سياسة الإقصاء هذه في العهد الجديد بحدة أكثر؛ حيث تم تسريح كل من يُشَكُّ في تدينه من الوظيفة العمومية في المواقع الحساسة في الدولة، وشُكِّلت للكثير منهم محاكم وهمية، وزج بالكثير منهم في غياهب السجون، وتم العمل بقانون (١٠٨) سيئ الذكر، فطرد بمقتضاه العديد من الموظفات من الوظيفة العمومية، ومنعت الفتيات من الالتحاق بالمدارس والمعاهد والجامعات لارتدائهن للباس الشرعي، بل حُرِمَ بعضهن من الاستشفاء في المستشفيات العامة لتمسكهن برداء الحشمة والحياء، كما تم إجراء تعديلات عديدة على منهج التربية الإسلامية، وتم إقصاء العديد من المدرسين من مواقع التأثير والتربية. ٢ - في المجال الثقافي والإعلامي: وقد تميز العهد الجديد في حربه على الهوية الإسلامية لتونس بالتمكين في المجال الثقافي لعناصر التيار الماركسي الإباحي مما شاع معه إنتاج وعرض أفلام خليعة لا تمت إلى الحياء بصلة مثل فيلم: «عصفور فوق السطح» الذي عرضت فيه أجساد النساء عاريات بلا حياء، وعرض فيه مؤدب القرآن الكريم في مشهد يدعو إلى السخرية والاستهزاء، إلى غير ذلك من الأفلام الخليعة المحلية والمستوردة فضلاً عما تزخر به القناة التلفزية من صنوف الرقص الغربي بأنواعه وتشكيلاته المختلفة. ٣ - في المجال السياسي: على الرغم من أن الدستور التونسي حدد في أول بنوده هوية تونس الإسلامية العربية بقوله: «تونس دولة مستقلة، دينها الإسلام ولغتها العربية» أي أنه حدد انتماء تونس إلى العروبة والإسلام لا كما أراد لها بورقيبة أن تكون في مصاف الدول الغربية العلمانية متنكبة لدينها الإسلامي وأصلها العربي. ولقد درج الحزب الحاكم في عهد بورقيبة كما في عهد الرئيس الحالي (بن علي) على تجريد تونس من هويتها الإسلامية، ومن دلالات ذلك في المجال السياسي في العهد الجديد ما ورد في وثيقتيْ: قانون تنظيم الأحزاب السياسية الصادر في ٣ مايو ١٩٨٨م وخطة تجفيف المنابع؛ فقد جاء في الفصل الثالث من القانون المذكور: «لا يجوز لأي حزب سياسي أن يستند أساساً في مستوى مبادئه أو أهدافه أو نشاطه أو برامجه على دين أو لغة أو عنصر أو جنس أو جهة» [٧] ، فقطع بذلك الطريق على أصحاب التوجه العروبي والإسلامي في تونس من أن يكون لهم دور في بناء مستقبل تونس السياسي أو حتى المساهمة في الحياة السياسية بوجه عام بتحريمه الاستناد إلى الدين واللغة على مستوى المبادئ أو الأهداف أو البرامج أو الأنشطة بينما فتح الباب واسعاً لأصحاب الأفكار اللائكية (العلمانية) والبرامج المستوردة من الشرق الشيوعي والغرب النصراني من الشيوعيين واللادينيين مما مهد لولادة تحالف قوي بين الحزب الحاكم والعناصر الشيوعية المنبثة في مؤسسات الحزب وهيئاته العليا. أما عن خطة تجفيف المنابع: فحدث ولا حرج؛ فقد تكونت هذه الخطة من شقين: يتجه شقها الأول إلى استئصال الإسلاميين باعتبارهم رأس الحربة، فيما يتجه الشق الثاني إلى تجفيف منابع الدين باعتباره الرافد الأساسي لبروز أي حزب سياسي ذي توجه إسلامي في المستقبل القريب أو البعيد؛ ولسان حالهم يقول: «إن جعل الدين برنامجاً سياسياً لأحد الأحزاب يؤدي بالضرورة في حال نجاح هذا الحزب إلى تطبيق تعاليم الدين بحذافيرها» [٨] فهم عندما يمنعون قيام حزب سياسي على أساس ديني فإنما يستهدفون تعطيل تطبيق تعاليم الدين؛ لأن نجاح هذا الحزب سيؤدي إلى تطبيق تعاليم الدين بحذافيرها على حد قولهم. وهكذا يتضح من هذا العرض المختصر أخطار هذه الحرب المستعرة على هوية تونس الثقافية منذ فجر الاستقلال وحتى يوم الناس هذا، منذ أن أشعل بورقيبة فتيلها والحرب مستمرة بلا هوادة وطرفاها: أقلية فرنكفونية علمانية متنفذة تمسك بزمام السلطة ومقدرات الدولة تعضدها العناصر الماركسية اللادينية المتحالفة معها من جهة، والشعب التونسي العربي المسلم ممثلاً في قدامى خريجي الزيتونة وخريجي الجامعات الإسلامية بالمشرق العربي من أصحاب التوجه الوطني العروبي الإسلامي تعضدهم ثلة من شباب الصحوة الإسلامية المباركة في تونس من جهة أخرى. فما هي يا ترى النتائج القريبة لهذه الحرب، ومن الخاسر فيها والمنتصر؟ النتائج القريبة لصراع الهوية بتونس: من البدهي أن يكون لكل حرب ضحايا وقتلى وجرحى ومغانم أيضاً، ومن البدهي أيضاً أن تحسم المعركة في نهايتها لصالح أحد الطرفين المتصارعين: فمنتصر، ومنهزم. لقد هب الشعب التونسي مدافعاً عن هويته العربية والإسلامية في أكثر من مناسبة في عهد الاستعمار الفرنسي كما في عهد الاستقلال، ومن المعارك التي خاضها التونسيون أثناء حرب التحرير وكانت ذات صلة رمزية بصراع الهوية: مقاومة حركة التجنيس، ومعركة الزلاج [٩] دفاعاً عن الوقف الإسلامي، والانتفاضة ضد مؤتمر الصليبية الإفخرستية [١٠] ، وقد سقط في هذه المعارك مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمعتقلين دفاعاً عن الهوية الإسلامية لتونس. ويتكرر المشهد نفسه في الحرب المستعرة منذ فجر الاستقلال وحتى عهد التغيير، حيث سقط مئات الشهداء وغصَّت السجون بالأحرار من سجناء الرأي ولا زالت، وشرد العديد من الوطنيين الإسلاميين لا لشيء إلا لتمسكهم بدينهم وهويتهم الإسلامية؛ حيث أصبح من النادر جداً أن تخلو دولة من دول العالم الفسيح بقارَّاته الخمس من لاجئين سياسيين تونسيين. ورغم ضراوة المعركة وكثرة الخسائر في صفوف المدافعين عن الهوية الإسلامية لتونس فقد أعقبت هذه المعركة وعياً دينياً وسياسياً واسعاً في أبناء الشعب التونسي لم يمنع من ظهورها سوى بطش السلطة وعنفها المسلط على كل من تخول له نفسه التعبير عن هويته السياسية. هذا مشهد لواقع الحال يحكي صوراً من صور صراع الهوية في تونس؛ فهل يا ترى سيبقى الوضع على حاله أم يتبدل؟ وما هي الاحتمالات الممكنة لمستقبل صراع الهوية؟ مستقبل صراع الهوية في تونس: بقاء الحال من المحال كما يقال، ثم إن الأمة الإسلامية تشهد اليوم تحولا كبيراً في تركيبتها الثقافية والاجتماعية يتجه نحو مزيد من التمسك بدينها والاعتزاز بعروبتها. لقد أيقظت الحروب الأخيرة في أفغانستان والبوسنة والهرسك وكوسوفو والشيشان والاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على المقدسات الإسلامية والشعب الفلسطيني الأعزل، أقول لقد أيقظت هذه الحروب في الشعوب الإسلامية روح التمسك بدينها وثقافتها وهويتها الإسلامية، كما أن إخفاق التجربة الشيوعية وانكسارها في الوطن الأم روسيا أسقط أسطورة الفكر الماركسي المخلّص للشعوب المضطهدة من نير البورجوازية المستبدة وجور الأنظمة الظالمة، أضف إلى ذلك إخفاق الثورة القومية التي رافقت حرب التحرير في الوطن العربي واعتَلَت سدة الحكم في أغلب البلاد العربية في توفير الأمن والاستقرار والتنمية والعزة والكرامة للشعوب العربية؛ بحيث لم يبق أمام هذه الشعوب من سبيل سوى العودة إلى دينها والتصالح مع هويتها، كما لم يبق أمام الحاكمين بأمرهم في بلاد العرب من سبيل سوى سبيل التصالح مع شعوبهم على أساس احترام ثوابت الأمة وحفظ الدين واللغة؛ وهو أمر قد تنبهت إليه العديد من الأنظمة الحاكمة واستجابت له من خلال استيعابها الاتجاهات الإسلامية المعتدلة كما هو الحال في بعض الدول العربية وغيرها من الدول الإسلامية، بينما بقي النظام التونسي يراوح مكانه مشكِّلاً حالة من الاختناق السياسي بإقصائه للمعارضة السياسية الجادة بكل أطيافها الإسلامية والعروبية، بل وحتى العلمانية التي لا تتفق معه في طرحه الديمقراطي المزيف، مثل هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، بل لا بد أن يشهد انفراجاً ما عاجلاً أم آجلاً لأن العالم أصبح عبارة عن قرية صغيرة في ضوء نظام العولمة الجديد وفي ضوء التقدم التقني الهائل في مجال وسائل الإعلام والثورة المعلوماتية التي أفضت إلى ظهور القنوات الفضائية العابرة للقارات، وشبكة الإنترنت المفتوحة على العالم بأسره؛ فلم تعد الأنظمة الحاكمة قادرة على تضليل شعوبها وتأطيرها على الطريقة التي تريدها، ولم يعد للدجل والكذب الإعلامي المحلي من مجال؛ بل إن كثيراً من الشعوب أشاحت بوجهها عن وسائل الإعلام المحلية لتستقي المعلومات عن واقعها السياسي المحلي من القنوات الفضائية الأجنبية، وهذا يعني زيادة مطالبة الشعوب لحكامها بمزيد من الشفافية والوضوح ومقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل، ولم تعد هذه الشعوب ترضى من حكامها بغير ذلك. ونظراً لأن هذه الشعوب في مجموعها شعوب مسلمة تعتز بإسلامها وعروبتها فإن المرء يستطيع أن يتنبأ بأن صراع الهوية سيحسم بلا شك في القريب العاجل لصالح الهوية الحقيقية لهذه الشعوب، وما على النظام التونسي وأشباهه في البلاد العربية إلا الاعتراف بالهزيمة في هذه المعركة المستعرة منذ أربعة عقود من الزمن، وبعبارة أخرى: فما على الحزب الحاكم في تونس إلا أن يتكيف مع نتائج المعركة والاعتراف بهوية تونس الإسلامية والعربية، والتصالح مع أصحاب التوجه الإسلامي والعروبي، وفتح أقدار من العمل السياسي المشترك لكل التونسيين دون إقصاء أو مغادرة الساحة السياسية، مختاراً أو مضطراً إن عاجلاً أو آجلاً. الموقف من صراع الهوية: على الرغم من أن صراع الهوية أشعل فتيله الرئيس الهالك الحبيب بورقيبة انطلاقاً من تكوينه العقائدي والثقافي الغربي، وربما كانت تلك استراتيجيته الحقيقية في سلخ المجتمع التونسي من هويته الأصلية وإلحاقه بركب الحضارة الغربية؛ إلا أن الأمر يختلف إلى حد ما بالنسبة للرئيس الحالي بن علي؛ إذ إن الخلفية الخفية لصراع الهوية فيما أعتقد هي خوفه المتنامي من صعود نجم التيار السياسي الإسلامي ممثلاً في حركة النهضة أن تستولي على السلطة في تونس عبر الاقتراع النزيه وعبر آليات الديمقراطية الحقيقية خصوصاً بعد ظهور نتائج الانتخابات البرلمانية في سنة ١٩٨٩م التي فاز فيها التيار الإسلامي فوزاً ساحقاً عبرت عنه السلطة في حينها بحصوله على نسبة ٣٠% من مجموع أصوات الناخبين، فكان لابد من وضع حد لهذا الخطر الداهم وتهميشه واستئصاله؛ فكانت خطة تجفيف المنابع التي صادفت هوى وحقداً دفيناً لدى العناصر اليسارية في الحزب الحاكم، ورغبة ملحة لديهم في استئصال كل ما يمت للإسلام بصلة. ملاحظات على صراع الهوية: وبقطع النظر عن أوجه التشابه والاختلاف بين الرئيسين؛ فإن التطورات الأخيرة في العالم التي رافقت الثورة المعلوماتية والنظام العالمي الجديد ليست في صالح دعاة التغريب والحرب على الهوية الإسلامية، كما أسلفت، وأريد أن أختم هذا المقال بذكر بعض ملاحظاتي عن صراع الهوية في تونس: ١ - على الرغم من أن صراع الهوية فُرض على الشعب التونسي فرضاً من طرف الرئيس الراحل بورقيبة؛ فإن استجابة الصحوة الإسلامية المباركة للدفاع عن هويتها اتسمت بالعمومية وعدم التمييز بين الأعداء الحقيقيين للهوية الإسلامية وأصحاب المصالح والمنتفعين السائرين في ركب بورقيبة؛ لا موافقة له في حربه على الإسلام والمسلمين، ولكن اتقاء شره أو طمعاً في عطاءاته أو حرصاً على المناصب الدنيوية، وبعض هؤلاء من خريجي الزيتونة ممن دجنهم بورقيبة بضرباته المتتالية، فاضطروا للتكيف مع الوضع الجديد من غير أن يمس ذلك بالضرورة معتقداتهم وانتماءهم العروبي الإسلامي، فتكون الحركة بذلك قد دفعتهم إلى الاحتماء بكنف بورقيبة بدل الانجذاب نحوها باعتبارها تمثل تعبيراً جديداً عن الصراع القديم بين بورقيبة وخصومه من خريجي الزيتونة. والحقيقة أن حركة النهضة قد انتبهت إلى هذا الأمر مبكراً منذ منتصف الثمانينيات واتخذت الإجراءات اللازمة لتلافيه، ولكن الأحداث داهمتها. وعلى أية حال فإن خطاب الحركة الحالي لا يحمل أي عداء لمثل هؤلاء؛ بل إن أياديها ممدودة للتعاون مع أي فصيل سياسي في تونس في معركة الدفاع عن الحريات لاسترداد الحقوق وبناء تونس دولة شورية تتسع لجميع الفرقاء السياسيين مهما اختلفت مشاربهم الثقافية مقدرة أن الشعب التونسي المسلم لو أتيحت له فرصة الاختيار الحر فلن يرضى بغير شرع الله حكماً، ولن يرشح لحكم تونس سوى الشرفاء والغيورين على دينهم وأمتهم. ٢ - نقدر أن صراع الهوية في تونس يحمل رمزاً خفياً وآخر ظاهراً بينهما تفاعل وانفعال؛ فالظاهر هو ضرب الهوية الإسلامية من طرف النظام الحاكم والدفاع عنها من طرف أصحاب التوجه العروبي؛ والرمز الخفي هو الصراع على السلطة ومواقع النفوذ؛ فلقد بدأ الصراع على قيادة الحزب الدستوري التونسي منذ عهد الاستعمار بين قيادة الحزب القديم ممثلة في الشيخ الثعالبي ورفاقه من ذوي التوجه الإسلامي العروبي، وبين بورقيبة وأنصاره من قيادات الحزب الدستوري الجديد الذين انقلبوا على القيادة القديمة وأسسوا الحزب الدستوري الجديد، واستولوا بعد ذلك على السلطة في تونس الفتية؛ فلم ينس بورقيبة ذلك لخريجي الزيتونة وانتقم منهم بطرق شتى أدناها إقصاؤهم من مواقع القرار والوظائف الكبرى في الدولة، وتهميشهم من الحياة السياسية عامة؛ نقول هذا على الرغم من اعتقادنا بأن بورقيبة كان علمانياً إلى حد النخاع؛ قاده تكوينه العقائدي والثقافي الفرنسي إلى شن حربه الشاملة على الإسلام والمسلمين، ولما تولى الرئيس الحالي الحكم في البلاد أظهر تسامحاً مع الإسلام والإسلاميين، وتظاهر بالتصالح مع هوية البلاد العربية والإسلامية. وسواء كان ذلك نهجاً سياسياً لسحب البساط من تحت أقدام الإسلاميين الذين كان الصراع الدائر بينهم وبين بورقيبة حول الهوية الإسلامية لتونس سبباً في صعوده إلى سدة الحكم على طريقة المثل السائر: تمسكنْ حتى تتمكَّن، أو كان اعتقاداً حقيقياً لديه؛ فالنتيجة التي انتهى إليها بعد فوز التيار الإسلامي في الانتخابات البرلمانية، وشعوره بتهديد سلطته واهتزاز مركزه هي عودته عن كل الوعود التي قطعها على نفسه في البيان رقم صفر في انقلابه الأبيض على بورقيبة، فنكص على عقبيه، وشن حرباً لا هوادة فيها على كل ما يمت للإسلام والإسلاميين بصلة، وظهر ذلك جلياً في خطة مبتكرة محبكة عرفت بخطة تجفيف المنابع، وأصبحت مفخرة من مفاخر تونس العهد الجديد لما حققته من نجاح في ضرب الحركة الإسلامية بتونس. ٣ - وسواء اقتنع القارئ الكريم بهذا التحليل أو خالفه فالفكرة التي أشرت إليها في فقرة سابقة في ثنايا حديثي عن التطورات الجديدة في العالم العربي والإسلامي تحت عنوان: (تونس الحديثة وصراع الهوية) والتي لخصتها في ظهور احتمال قوي لحسم صراع الهوية لصالح الشعوب في المستقبل القريب تلك الفكرة كافية بحد ذاتها لدعوة حكام تونس للتصالح مع هوية البلاد الحقيقية وخوض المعركة مع الإسلاميين وغيرهم من الفرقاء السياسيين في ضوء رمزها الخفي ألا وهو الصراع على السلطة والنفوذ، وخير لهؤلاء وأولئك أن يستبدلوا بهذه الحرب الدموية حرباً رمزية تتصارع فيها الأطراف السياسية المختلفة من دون إقصاء، ويكون الحكم فيها للشعب عبر صناديق الاقتراع الحر النزيه ليختار من يمثله ويحكم نيابة عنه، فإذا ما حاد عن الجادة واستبد بالأمر خلعه واستبدله بمن هو أفضل منه، وبهذه الطريقة وحدها يمكن لتونس أن تكون وطناً لجميع التونسيين يسود فيه التسامح والأمن والاستقرار، ويتم فيه التداول على السلطة بطريقة سلمية. ٤ - وأريد أن أشير أخيراً إلى أن المعركة الحقيقية التي ينبغي أن يصار إليها مستقبلاً هي مقاومة الظلم والاستبداد السياسي، والبحث عن الطرق السلمية لحسم الصراع على السلطة في البلاد العربية؛ حيث لا يزال الصراع على السلطة هو المعضلة الحقيقة التي لم تستطع الأمة الإسلامية عبر قرون عديدة إيجاد حل سلمي لها، والسؤال الجوهري الذي لم يلق إجابة حتى الآن من الفرقاء السياسيين معارضةً وحكاماً في الدول العربية والإسلامية هو: إلى متى يظل الصراع السياسي في هذه الدول محكوماً بقانون: إما ذابح أو مذبوح، إما قاتل أو مقتول؟ إلى متى تظل جثث الجماهير سُلَّماً لارتقاء الحكام إلى سدة الحكم؟ ومن جهة أخرى إلى متى تظل هذه الشعوب تدفع حكامها إلى طريق مسدود لا مخرج منه إلا الموت، ومن سنَّة الحياة الطبيعية، فضلاً عن الحياة السياسية أن يدافع الكائن الحي عن نفسه حتى آخر رمق له في الحياة، وإن كان لا بد له من الموت فلن يستسلم للموت إلا بعد أن يستنفد ما لديه من إمكانيات القتل والتدمير للآخرين. لقد استطاع الغرب الحديث أن يحل هذه المشكلة بالطرق السلمية من خلال تطويره لآليات الديمقراطية وآليات التداول السلمي على السلطة من خلال الاحتكام إلى الشعب في اختيار من يحكمه، وأخفقت الأمة الإسلامية في حلها رغم مبدأ الشورى العظيم الذي أكد عليه القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وكان يمكن لهذه الأمة أن تستفيد مما حققته الأمم الأخرى في هذا المضمار من نجاحات دون أن يتعارض ذلك مع مبادئها وتشريعاتها الإسلامية، والحديث هنا عن آليات الديمقراطية لا عن فلسفتها التشريعية.

стр. 3842

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش qatamish١٠٠@hotmail.com بداية النهاية أثارت مظاهر الإخفاق والضعف التي ألمت بالجيش الإسرائيلي، رغم كل خططه واستعداداته الطويلة المسبقة، في مواجهة فعاليات وتداعيات «انتفاضة الأقصى» التي تجتاح الأراضي الفلسطينية المحتلة أثارت مجدداً جدلاً إسرائيلياً واسعاً بشأن حقيقة الأوضاع الداخلية للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية. إن الأداء الميداني للجنود الإسرائيليين يكشف عن تدهور إرادة القتال في صفوفهم، وانهيار الروح العسكرية، وبدورها نشرت دورية «نتيف» الصهيونية اليمينية نماذج مما هو عليه الحال في وحدات «الجيش الذي لا يقهر» ، وهي لا تتورع عن نعت تصرف جنود الاحتلال في الميدان بأنه «مخزٍ ويبعث على الأسى» . وتقول المجلة: إن هذا الجيش هو في جوهره ميليشيا، وانتهت صلاحيته منذ وقت طويل، وتقول: إن «جيش الشعب» الذي كان عامل تفوق في الماضي تحوّل منذ زمن إلى عبء؛ فصفات المبادرة والجرأة والاستقلالية الفكرية التي كانت من مزايا القائد في الجيش الإسرائيلي حسب التصور الذي كان مرتسماً في المخيلات تبددت لصالح اللامبالاة، والمصلحة الخاصة، والانتهازية، والتهرب، والفرار من المعركة، والرعونة، والتخلي عن جرحى في ساحة القتال. وما يتصدر اهتمام وأولويات الضابط الحالي في الجيش الإسرائيلي هو مرتبه وظروفه الاجتماعية والاقتصادية ومخصص تقاعده، وإذا نشأ شك أو تخوف من أنه لن يحصل على طلباته تجده يهدد بالإضراب. ومن الجدير بالذكر أن نصف الميزانية العسكرية ينفق حالياً على أجور وإعانات اجتماعية، كما تتحدث المجلة التي لا تتردد في وصف الجيش الإسرائيلي بأنه ذو ظل شاحب، واهن العضلات والروح والعقل، يقف متستراً بورقة التوت، متكئاً ومستنداً إلى هالة الماضي الذي صوره على أنه الجيش الأسطوري الذي لا يقهر. [جريدة السبيل الأردنية، العدد: (٣٣٦) ] صوت السلام.. اليهودي انتقد الكاتب الإسرائيلي ومؤسس حركة «السلام الآن» عاموس عوز في مقال نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية «التشدد الكبير» في مواقف الفلسطينيين الذين يُصرُّون على حق عودة اللاجئين! ! وقال عوز: «إن الفلسطينيين بذلك يرفضون السلام؛ فقادتهم يطالبون الآن علناً بحق العودة لمئات آلاف الفلسطينيين الذين فروا أو طُردوا من منازلهم خلال حرب العام ١٩٤٨م» ، ورأى عوز أن الفلسطينيين يطالبون بذلك وهم «يتجاهلون سلفاً مصير مئات آلاف اليهود الذين فروا أو طُردوا من منازلهم في الدول العربية خلال الحرب نفسها» ، واعتبر الكاتب أن «تطبيق حق العودة للفلسطينيين يعني إلغاء حق الشعب اليهودي في حكم نفسه» ، وأضاف: «هذا يجعل من الشعب اليهودي أقلية تحت رحمة المسلمين، أي» أهل ذمة «كما يقول الإسلام الأصولي» . وقال عوز: «إنه إزاء هذا التشدد الكبير في مواقف الفلسطينيين، لا يفترض بالإسرائيليين الذين يعملون من أجل السلام أن يتصرفوا وكأن شيئاً لم يكن» ، ومضى يقول: «يجب ألا يقولوا بعد الآن:» إن العقبة الوحيدة أمام السلام هي الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفسلطينية «بل أن يقولوا:» حتى من دون السلام، يظل حكم بلد آخر أمراً سيئاً «. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٠٧٥) ] فليعمل العاملون حذر التلفزيون الإسرائيلي من خطورة ما يشكله موقع (إسلام أون لاين) ، والتعاظم الكبير لدوره في مساندة انتفاضة الأقصى، وحشد التعاطف من أجل القضية الفلسطينية. وتحدث برنامج خاص أعده التلفزيون الإسرائيلي عن مواقع (الإنترنت الإسلامية) عن الحضور المميز والتغطية أولاً بأول، ولفت المشاركون في البرنامج الذي بث مؤخراً إلى أن هذه المواقع حققت إنجازات إعلامية، وعملت على ازدياد تعاطف وتضامن المسلمين والعرب مع الفلسطينيين في انتفاضة الأقصى. وعلق مقدم البرنامج» ماتي جولان «الذي يعتبر من أبرز الصحفيين في إسرائيل على ما ينشره هذا الموقع من تقارير عن انتفاضة الأقصى محذراً من دوره في حشد التعاطف مع الفلسطينيين واصفاً المادة الإعلامية التي تنشر في موقع (إسلام أون لاين) بأنها تحريضية ضد إسرائيل وعلى الأخص الحث على الجهاد والتضحية في سبيل تحرير فلسطين. وحسب ما قاله جولان فإن أكثر ما يقدمه موقعا (إسلام أون لاين) و (مركز الإعلام الفلسطيني) هو العمل على حفظ حالة العداء والكراهية في نفوس المسلمين والعرب في أرجاء العالم ضد الإسرائيليين. وبدوره قال الباحث الإسرائيلي» أرنون زيسلر «الذي شارك في النقاش: إن مواقع الإنترنت الإسلامية تعمل على شحذ ذاكرة جميع المسلمين والعرب وربطهم بفلسطين، وتساهم في إحياء الروح الإسلامية في أرجاء العالم وتؤسس لعودة الإسلام للحياة والحكم في العالم الإسلامي. وقال» أهارون ديري «الذي تولى في السابق عدة مناصب دبلوماسية: إن هذه المواقع تعمل على ربط المسلمين في غير البلدان الإسلامية بالإسلام وإحياء الروح الإسلامية في أوساط الأقليات الإسلامية عبر التركيز على التعاليم الإسلامية وبعث روح الإسلام من جديد في العالم بأسره. وأشار» ديري «بشكل خاص إلى قيام موقع (إسلام أون لاين) بنشر مواد إخبارية ودينية باللغة الإنجليزية بجانب العربية مشدداً على أن ذلك يعتبر ثورة في التواصل بين المسلمين في أرجاء العالم. [جريدة الرياض، العدد: (١١٨٨٢) ] وماذا وراء إحيائها..؟ ! من أسف أن نفراً غير قليل من المسلمين مشغولون بالتفريق وليس بالتقريب، وليس ذلك مقصوراً على عوام المسلمين وحدهم، ولكنه ينطبق أيضاً على النخبة من المثقفين وأهل العلم، ولعل الجدل الذي ثار على صفحات المجلة حول تحول أحد رموز حركة الجهاد الإسلامي من المذهب السني إلى المذهب الشيعي يعد نموذجاً لتجليات التفريق التي ما زالت مترسبة بين أصحاب المذاهب الإسلامية. ومما يلاحظه المرء فيما يخص أهل العلم أنهم في السابق الأربعينيات مثلاً كانوا أكثر حماساً للتقريب بين المذاهب، من أقرانهم في التسعينيات، وهو الأمر الذي يدعو إلى التفكير في الأسباب التي أدت إلى ذلك. وسواء اتسمت جهود التقريب بالبطء والحذر الآن، أو أن أصوات دعاة التفريق ما زالت تجد من ينصت إليها ويستجيب لها؛ فإن تجربة التقريب التي تمت في الأربعينيات، وتواصلت حتى أوائل الستينيات تظل تجربة رائدة جديرة بأن نستحضرها ونتأملها ملياً. [فهمي هويدي، مجلة المجلة، العدد: (١٠٩١) ] دعم التنصير قالت الولايات المتحدة: إنها منحت هبة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر تتجاوز قيمتها ٦٥ مليون دولار لتلبية حاجات هذه المنظمة. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية ريتشارد باوتشر: إن هذه الهبة ستخصص لتمويل عمليات إنسانية تقوم بها اللجنة الدولية في مناطق تشهد نزاعات مسلحة. وأضاف: » إن الولايات المتحدة تقدر أشد التقدير العمل الصعب والخطير في أغلب الأحيان الذي تقوم به فرق اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والتي تقدم المساعدة والحماية لضحايا النزاعات «. وأشار إلى أن الهبة الأمريكية ستوزع على ست مناطق من العالم: ٢٩ مليوناً لإفريقيا، ١٦. ٢ مليوناً لأوروبا، ٦. ٧ ملايين لآسيا الجنوبية، وخمسة ملايين للدول الغربية، ٤. ٦ ملايين للشرق الأوسط، وأربعة ملايين لآسيا الشرقية. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٠٧٦) ] وجاؤوهم من كل مكان! ! ١ - ينظر في الولايات المتحدة ومعظم العالم الغربي، وأيضاً في روسيا والصرب وغيرهما من البلدان حيث تسود المسيحية الأرثوذكسية إلى » الأصولية الإسلامية «بل حتى إلى الإسلام ذاته كما يبدو باعتبارها تشكل خطراً كبيراً، ومن بين المؤشرات إلى النزعة المثيرة للقلق لتحميل » الأصولية الإسلامية «المسؤولية عن كل شرور العالم: القرار الذي أصدره أخيراً مجلس الأمن، برعاية مشتركة من الولايات المتحدة وروسيا، بفرض عقوبات تأديبية على نظام» طالبان «في أفغانستان. ومن المقرر أن يصبح هذا القرار الذي جرى تبنيه في ١٩ كانون الأول (ديسمبر) الماضي ساري المفعول خلال شهر واحد، وهو يحظر مبيعات الأسلحة إلى» طالبان «ويقضي بإغلاق كل مكاتب » طالبان «خارج البلاد، ويفرض حظراً على سفر زعماء» طالبان «إلى الخارج، ويشدد الحظر على الرحلات الجوية إلى أفغانستان ومنها. وفي الوقت الذي تستهدف هذه العقوبات» طالبان «، التي تسيطر على ٩٠% من أفغانستان؛ فإنها تستثني» التحالف الشمالي «بزعامة أحمد شاه مسعود، العدو الرئيس للحركة الذي يسيطر على منطقة لا تزيد على ٣ - ٥ % من البلاد، ويعتقد بعض المراقبين المطلعين أن العقوبات ليست سوى الخطوة الأولى، وأن الولايات المتحدة وروسيا تخططان لهجوم عسكري على» طالبان «انطلاقاً من قواعد في آسيا الوسطى بهدف إطاحة نظامها بأكمله. وإذا قررت الولايات المتحدة وروسيا أن توجه ضربة إلى طالبان فيتوقع أن تستخدما قاعدة طشقند الجوية في أوزبكستان لمهاجمة معاقل لـ» طالبان «مثل طالوقان ومزار الشريف، ويبدو أن واشنطن وموسكو لا تعيران اهتماماً لحقيقة أن المادة ٥١ في ميثاق الأمم المتحدة تحظر استخدام القوة المسلحة من قبل دولة ضد أخرى إلا في حالة الدفاع عن النفس أو بموافقة مجلس الأمن، والأرجح أنهما تعتقدان أن قرار مجلس الأمن الصادر في ١٩ الشهر الماضي يضفي شرعية على مناهضتهما لـ» طالبان «، ويطلق أيديهما لاستخدام القوة. وبدلاً من إنهاء الخطر المزعوم لـ» الأصولية الإسلامية «الأرجح أن تؤدي العقوبات المفروضة ضد» طالبان «إلى تعميق المعارضة للولايات المتحدة وروسيا في العالم الإسلامي وتهدد بجرهما مرة أخرى إلى مستنقع العنف في آسيا الوسطى. [باتريك سيل جريدة الحياة العدد (١٣٨٢٣] ٢- قال إسلام كريموف رئيس أوزبكستان: إن رؤساء أربع جمهوريات سوفييتية سابقة في آسيا الوسطى يخططون لاتخاذ خطوات جادة هذا العام لمكافحة ما يعتبرونه إرهاباً تغذيه أفغانستان. ويخشى الزعماء الأربعة من انتشار الأصولية في المنطقة، ويرجعون السبب إلى أفغانستان المتاخمة لاثنتين من الدول الأربع وتقع على مقربة من الدولتين الأخريين. وقال نور سلطان نزارباييف رئيس كازاخستان في المؤتمر الصحفي:» مشكلة الإرهاب واحدة بالنسبة لنا جميعاً ما بقيت أفغانستان غير مستقرة ولا توجد بها حكومة تسيطر على البلاد بأكملها «، وقال إمام علي رحمانوف رئيس طاجيكستان» إنه لن يسمح بدخول أي لاجئ أفغاني إلى بلاده «. [جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٥٠٢) ] ٣ - ناشد مسؤولو المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة الجهات المانحة تقديم معونات عاجلة للمساعدة في إنقاذ حياة آلاف اللاجئين الأفغان الذين يتدفقون على باكستان، وقالوا: إن المفوضية تعاني من صعوبة التعامل مع آلاف اللاجئين الذين اضطرتهم الحروب، وموجة الجفاف التي لم يسبق لها مثيل منذ ٣٠ عاماً، والاقتصاد المنهار في أفغانستان على الفرار من البلاد. وقال يوسف حسن كبير مسؤولي المفوضية للشؤون الخارجية في منطقة جنوب غرب ووسط آسيا:» يعتبر جالوزاي موقعاً مؤقتاً، وهو عبارة عن مكان مفتوح يتعرض الناس فيه للبرد القارس، لا يوجد مأوى مناسب، ولا مرافق للصرف الصحي أو المياه النقية «. وتسببت برودة الجو والأمراض في وفاة أطفال في المخيم، لكن لا يبدو أن هناك من يعرف عددهم، وقالت الأمم المتحدة:» لا يجد الناس سوى جذور النباتات والعشب ليتغذوا عليه، وغادر جميع الشبان تقريباً المنطقة «. هذا وقد قتل المئات مؤخراً نتيجة للبرد القارس في المخيمات التي لا يتوفر فيها أي وسائل معيشة وقد توقعت الأمم المتحدة وفاة مليون أفغاني مع نهاية شتاء هذا العام! ! [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٠٨١) ] بئست الوصية حثت الإدارة الأمريكية (الديمقراطية) خليفتها الإدارة (الجمهورية) على إبقاء الحرب على من تصفهم الولايات المتحدة بالإرهابيين أعداء الغرب وأعداء السلام في العالم. وطالبت إدارة كلينتون الإدارة الجديدة التي شكلها الرئيس المنتخب الإبقاء على الحرب الحالية المعلنة على من تصفهم بالإرهابيين في العالم وجميعهم من المسلمين، وبينهم إلى جانب مجموعة القاعدة التي ترى الولايات المتحدة أنها وراء الهجمات على سفاراتها ومصالحها عدد من القادة الشيشانيين، وهو ما يعتقد أن له علاقة بالتعاون والتنسيق الأمني الذي نشأ مؤخراً بين موسكو وواشنطن. ويشير تقرير رسمي موقع من قبل (مايكل شيهان) منسق وزارة الخارجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب إلى أن تراجع حجم الدعم المالي من قبل الدول الراعية للإرهاب خلال العقدين الماضيين دفع بالإرهابيين إلى تطوير علاقات فضفاضة ذات منفعة متبادلة مع تجار المخدرات لدعم مصالح كل من الإرهابيين وتجار المخدرات، واستشهد على ذلك بنوع خاص بحالتي كولومبيا وأفغانستان، ويعترف شيهان وهو سفير سابق بأن الولايات المتحدة لا تمتلك عصا ولا حلولاً سحرية في جهودها المبذولة لمكافحة جمع الإرهابيين للأموال، ودعا حكومة بلاده الجديدة وبريطانيا إلى الإبقاء على الضغوط الدبلوماسية والسياسية، وعلى مبدأ دعم إرادة الحلفاء للولايات المتحدة، والاحتفاظ بعناصر أساسية قوية في الدبلوماسية والاستخبارات. [مجلة المشاهد السياسي، العدد: (٢٥٣) ] أما كفاهم الذبح! ! حسب ادعاء أحد مسؤولي كنيسة» واضية «في منطقة القبائل بالجزائر؛ فإن عدد الذين يتنصرون يزداد يوماً بعد يوم وخاصة خلال الأزمة الأخيرة التي تعرض فيها الإسلام للتشويه وترويج الشبهات والدعاوى الباطلة بالحكم عليه زوراً من خلال ما حدث ويحدث في الجزائر من تقاتل وتناحر، وما نسب للإسلاميين زوراً وبهتاناً من جرائم ومذابح إلى درجة أن بعض المتنصرين من منطقة القبائل صرح قائلاً:» إن المسيحية حياة والإسلام موت «. ومنطقة القبائل الكبرى والصغرى هي من بين المناطق التي تتعرض للتنصير على نطاق واسع، ولا تكاد تخلو بعض المدن والقرى في منطقة القبائل من كنيسة أو أكثر تعتنق المذهب البروتستاني. وفي» بوغني «مثلاً فتحت كنيستان أبوابهما منذ عامين للذين يعتادون عليها بصفة مستمرة ويلقبون» بالأوفياء «، وبالرغم من أن الأوائل الذين أسسوا هاتين الكنيستين عملوا ونشطوا في سرية تامة إلا أن عدد الأفراد الذين اعتنقوا النصرانية ارتفع، ولوسائل الإعلام والدعاية تأثير على الأفراد في اعتناق النصرانية وفي تثبيت معتقداتها في منطقة القبائل، ويذكر (سعيد) وكان خارجاً لتوه من كنيسة » بوغني «: إنني أهوى كثيراً إذاعة» مونتي كارلو «، خاصة أنها تذيع حصصاً باللغة الأمازيغية يفهمها الجميع» ، أما (سليمان) فيستطرد قائلاً: «إن ٨٠% من أسباب اعتناقي النصرانية كانت عن طريق إذاعة» مونتي كارلو «، أما (روزا) فأكدت أنها لا تنسى أبداً موعد حصة (DA IDIR) » دا إدير «التي تقدم في إذاعة» مونتي كارلو «باللغة الأمازيغية، بالإضافة إلى قنوات تلفزيونية عديدة منها قناة المعجزة SAT ٧، وعن مصدر تمويل هذه الكنائس أكد أحد مسؤولي كنيسة» واضية «و» بوغني «أن التمويل يتم من خلال تبرعات » الأوفياء «فمثلاً كل نهاية شهر يقدم أصحاب الرواتب عُشر أجورهم، بالإضافة إلى الهبات والأعشار. وهكذا يراد لجزائر المليون ونصف المليون قتيل نحسبهم عند الله شهداء أن تدنس بالصليب؛ فما لم تقوَ عليه فرنسا خلال قرن وثلاثين سنة، أيام الاستيطان والاستدمار، يتحقق بالتدريج في زمن» الاستقلال «، فقد تولى أحمد ومحمد ما عجز عنه جاك وميشال، ذلك أن البعض ممن يحكم فعلياً البلاد حالياً خلفته فرنسا لينجز المهام، ومن ثم تتأكد مرة أخرى وإلى يوم الدين حقيقة راسخة مفادها أن النفاق أخطر من الكفر، وما ينجزه الطابور الخامس قد يعجز عنه المستعمر المستوطن. والله المستعان. موقع مجلة العصر، العدد السادس http://www.alasr.ws

стр. 3843

متابعات وقفات مع مقال.. قراءة في الذهنية السلفية خالد بن عبد الله الخليوي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد: فإن ثمة شيئاً ينبغي أن يقال ونحن أمام هذا المقال؛ لأن بداية أي فكرة بدايةً سليمة لا يعني بحال صحة استمرار هذه الفكرة، ولكون أي كاتب أراد من مقاله خيراً لا يعني صحة ما قاله. وإني لإخال الكاتب أراد بذر الخير، لكني أكاد أجزم أنه لم يحسن سقيه، وها هي وقفات مع مقال: «قراءة في الذهنية السلفية» للأخ نواف الجديمي مستحضراً قول الله تعالى: [إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (العصر: ٢-٣) . السلفية: هي ذاك المنهج الرباني الذي كان عليه السلف الصالح ﵃ من الاعتماد على الوحيين في كل شؤون الحياة والذي فيه من الشمول ما في مصادر تلقيه، وقد قال الله تعالى عن مصدره الأول: [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى] (البقرة: ١٨٥) ؛ فهو الهدى في كل زمان ومكان، بل لا هداية إلا به؛ فهو الهدى في الأخلاق والمعاملات، كما أنه الهدى في العقائد والعبادات، بل ليس هو الهادي إلى الصواب فحسب وإنما إلى قمته وذروته [إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً] (الإسراء: ٩) ، وهذا المنهج مسلّم به عند كل المسلمين وإن تفاوتوا في تحقيق هذا التسليم، ومصداقيتهم فيه. ولا شك أن أعظم طريق وأخصره وأسلمه لتبيّن معالم هذا المنهج هو قراءة سيرة النبي ﷺ والتمعّن فيها، والتأمّل في كيفية تعامل الصحابة والتابعين وأهل القرون المفضلة الأولى مع هذين المَعِينين قراءة وحفظاً، وصيانة واحتراماً، وتدبّراً وتطبيقاً. إنها تعني وبكل وضوح أن نسير على نفس الخُطى التي سار عليها الأوّلون.. ولن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. المنهج السلفي معيار وحاكم على منتسبيه وغيرهم لا العكس: فحين يخطئ أحد أفراده أو مجموعة منهم فإن هذا لا يؤثر على المنهج لا من قريب ولا من بعيد، وسيبقى المخطئ وحده هو الذي يتحمّل تبعات خطئه. وهنا تأتي الخطوة السليمة من إخوانه المسلمين بنصيحته بالتوبة والعودة إلى ما يقتضيه منهجه، لا بتضخيم خطئه وتعميم زلله، مما يؤدي إلى إسقاط نهجه من قلوب البعض، وأعظِمْ بهذا الفعل من جرم مقيت. وليس كل من خالف المنهج الرباني في مرتبة واحدة في بعدهم عنه أو قربهم منه؛ ومع ذلك كلّه فليس المتوخّون لمنهج السلف حقاً مع قبولهم الحق من أي كائن كان إلى تلك الدرجة من الحاجة إلى من يأتي من خارج دائرتهم ليقيّمهم فيقومهم، ففيهم من العلم والصدق، والنصح والرحمة ما يفوق قطعاً كل التحزّبات؛ فما هم إلا جيل يُبقي الله صفات منهجه فيهم على مر العصور حتى تقوم الساعة. قال الله تعالى: [مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً] (الفتح: ٢٩) وقال ﷺ : «لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون» [١] . وسيبقى أن ما عند غيرهم من الصواب فعندهم منه أوفر الحظ والنصيب، وما عندهم من الخطأ والتقصير فعند غيرهم منه ما هو أكثر وأكبر. يتضح من خلال قراءة لذهنية هذا المقال أنها ليست ذهنية سلفية، وليس فيها إدراك لواقع أصحاب المنهج السلفي قديماً وحديثاً؛ وهنا يكمن داء خطير كثيراً ما يصيب الكتابات النقدية التي تفتقر إلى الإحاطة بحقيقة الأمر الذي يراد نقده، وقد ذم الله تعالى الحاكمين على ما لم يحيطوا به؛ إذ قال: [بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ] (يونس: ٣٩) . وبناءاً على ذلك، فليس كل من صلحت مشاركته في جانب ستصلح مشاركته حتماً في كل جانب، وفي المقابل فليس كل من أخفق في تجربة سيخفق حتماً في كل تجربة. من الموازين الخاطئة: ما زال هناك من أمتنا من يشعر متحسراً بما تعانيه أمته من هزيمة وتأخر، فيريد لها أن تعود لمكانتها المرموقة وعزتها السامقة، فيخطئ طريقَ الإصلاح فيقع في مزلق آخر، وكل هذا بسبب عدم الوقوف والتأمل لمعرفة أسباب تلك الهزيمة وذلك التأخر، ومعرفة الطريق الأمثل في علاجها. فها أنت ترى وقد استقر في نفوس كثيرين موازين منحرفة أو مضطربة في تقدير الأشياء والحكم عليها، ومن ذلك الإعجاب بمن ازدحمت مقالاتهم وأقوالهم بالاستشهادات بأقوال الغربيين لغرض ولغير غرض، وكثرة ذكر المصطلحات الأجنبية، والحفظ الدقيق لتاريخهم، وإن كان في المقابل ذا أرض مجدبة من نصوص الكتاب والسنة اللذين هما المصدر الأساس في تقييم كلِّ حدث وتصور. من عيوب النقد: إن من سمات النقد غير الموضوعي الإكثار من عبارات الإطلاق إثباتاً أو نفياً في المواطن التي يحصل فيها النقاش ويحتدم من أجل الحكم على غالبية شيء وكثرته أو قلَّته وندرته، فضلاً عن أن يكون الحكم فيها مطلقاً مبالغاً فيه نفياً في إلغاء تلك الصفة أو إثباتاً لأخرى؛ فهنا تعلم أن النقد لن يكون موضوعياً بالقدر الذي تنضج من خلاله كثير من ثمراته. وها هو الكاتب بعد أن ذكر بعض الأفكار التي سيطرت على كثير من الناس في عالمنا العربي، وأبرزها القومية العربية، والماركسية الشيوعية، والبعث العربي، والنظرية الليبرالية الغربية يقول: «والسؤال الحيوي هنا: ما مدى معرفة السلفيين بتلك الأيديولوجيات التي سيطرت زمناً على منطقتنا؟ وهل تمت دراستها دراسة مفصلة متعمقة للرد عليها وتبيين عوارها من داخلها كما كان منهج ابن تيمية في الرد على خصومه؟ الحقيقة أن ذلك لم يحصل إطلاقاً» ا. هـ. فأقول: إن أقرب خصم لهذه المقالة هو هذه المجلة السلفية [مجلة البيان] التي نُشر فيها المقال، وإني لأدعو إلى المرور على الفهرس الموضوعي للمجلة التي تصدر منذ ما يزيد على أربع عشرة سنة للاطلاع على كثير من البحوث والموضوعات التي فضحت وبشكل علمي تلك الأفكار وغيرها. ثم ليعلم أنه متى عرف الناس دينهم وأسس عقيدتهم فسيتبين لهم وبكل يسر عوار هذه الأطروحات. وهذا هو المنهج العام الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والسلف من بعده؛ إذ كانوا يحرصون على بيان المنهج الحق بتفاصيله، والتحذير من الباطل، مجملاً من غير تفصيل إلا عند الحاجة إلى ذلك. وليس كل أحد يصلح للدخول في غياهب الأفكار الباطلة وشبهاتها؛ فمن القصور أن يكون هناك من يعرف تفاصيل النظرية الليبرالية في حين أنه لا يعرف أساسيات عقيدته والحدود التي يجب ألا يتجاوزها، ولأن يعرف المسلم معالم طريقه فيسلكها خير من أن يكون مضطلعاً مرجعاً في الأفكار الهدامة، ومضطرباً في معرفته بالمنهج الحق، فلا إفراط ولا تفريط. غريب أمره: يقول الكاتب تحت عنوان: (النشء الذي لا يكبر) : «ربما تكون من إشكاليات الذهنية السلفية والتي تتقاطع مع النقطة السابقة في بعض الجوانب وتتفاوت في جوانب أخرى: النظر بتخوف وتوجس للتدفق الهائل في المعلومات والأفكار في عالم اليوم، والخشية من تأثر النشء بها..» ا. هـ. إن لي ولغيري أن نسأل: أيراد منا أن ننظر إذن إلى هذا التدفق الهائل في المعلومات والأفكار بكل أمان، وأن نستغرب معك؟ ممن ينظر بخشية من تأثر هذا النشء؟ ! أخي الكريم! أين نحن؟ ! إن كثيراً من أفراد هذا النشء قد تأثر حقاً، ولعل كثيراً ممن تأثر كان بسبب هذه النظرة الخاطئة، فزج بنفسه أو بغيره دون أي حصانة ولغرض ودون غرض ظانين أنه هو النشء الذي سيكبر، وأنه سيستطيع التمييز بين الحق والباطل والصحيح والسقيم؛ فخرجت لنا ثمرات بغيضة، ووُجِّهت كثيرٌ من الطاقات على الأمة الإسلامية لا لها ... خرج لنا جيل ليس يخطئ فحسب، وإنما يريد أن ينطلق من حيث لا ننطلق منه، وفي هذا ما فيه من اختلال في الموازين، وهدم للأخلاق، وإنكار للأصول والنظر إلى أنها هي القيود التي يجب التحرر منها وهلم جرّاً..! ثم يتابع الكاتب تحت العنوان نفسه فيقول: «وإذا أشكل على الشباب شيء في معرفة سيرة مؤلف أو كنه كتاب فما عليه إلا أن يسأل أحد المهتمين من نفس التيار ليعطيه فتوى جاهزة مقبولة في شأن ذلك الكتاب أو ذاك المؤلف.... إلخ» ا. هـ. وهنا أقول لأخي: إذن فما الذي تراه حلاً عادلاً حينما يشكل على الشباب شيء قرؤوه، أو طرح سمعوه؟ أهو أن يستمروا في القراءة والبحث مستغنين عمن سبقوهم ممن يوثق بعلمهم وعقيدتهم حتى يصل هو بنفسه إلى الحقيقة إن كان في مقدرته ذلك، وما أعظم الخطر على المستبد وما أحراه بالخطأ؟ ! أخي الكريم! سيبقى الشباب بل الإنسان مهما كبر بحاجة إلى الاستشارة والسؤال [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] (النحل: ٤٣) . وإنما شفاء العيّ السؤال. ثم ينتقل الكاتب من نقد طريقة هذا الشاب المستشير إلى نقد المستشار السلفي نقداً ساخراً متهماً له بالمجازفة في الحكم وإلقاء الكلام على عواهنه دون تحليل ولا تفصيل، والمتَّهَم عند هذا الكاتب هداه الله هو المستشار الذي قدّر أمانة الإجابة عن سؤال عن كتاب أو إنسان تحتّم أمانة دينه الحديث عنه فأجاب ببيان ما يؤخذ على المؤلِّف والمؤلَّف مما يحتاج الناشئة إلى اتقائه ليكونوا على بينة من الأمر، ولئلا تهولهم الدعاية والسمعة فتحول دون معرفة الواقع على حقيقته؛ فهل يا ترى يصح عندك أنّ العلماء حينما يُسألون عن كاتب علماني ربما كان له بعض الأفكار المفيدة، أو كاتب رافضي ربما كان له بعض الأطروحات الصحيحة أن يذكروا رأيهم دون تنبيه إلى فكره العلماني أو فكره الرافضي لأخذ الحذر من شباكه وكشف تلبيسه وتدليسه؟ فأصحاب المبادئ الهدّامة والبدع المضلّة والديانات الباطلة وإن كان لهم خبرات ومهارات وأفكار مؤثرة في شؤون الحياة فإن أول أولوياتهم الدعوة إلى ما يعتنقونه من المعتقدات الباطلة، بل يسخرون ما لديهم من قدرات ومهارات مادية لنشر أفكارهم، ومن يغمض عينيه عن جهود المنصّرين في نشر النصرانية في العالم الإسلامي، وعن جهود الرافضة في نشر ضلالهم، والعلمانيين في نشر إلحادهم فقد أخطأ الخطأ البيِّن. خلط واستغراب: في الوقت الذي يعتبر فيه الكاتب القومية العربية، والماركسية الشيوعية، والبعث العربي والنظرية الليبرالية الغربية أفكاراً منحرفة حسب ما يلوّح به في سياق الكلام، ويعيب على السلفيين زاعماً أن ليس فيهم من درس هذه الأفكار دراسة مفصلة متعمقة، نجده يكرر وفي معرض الثناء ذكر الديمقراطية بوصفها نظاماً للحكم، والتنويه بقيام الثورة الفرنسية بصفتها أفكاراً طلبت عند قيامها التجديد، والتصحيح ومقاومة سلطان الكنيسة، وهذا التنظير يحمل معادلة جائرة فلا يملك أخي الكاتب وقد ذكر هذين المثالين في مثل هذا الطرح أن يمنع أحداً من أن يتصور تطبيق هذين المثالين على أصل موضوعه ليخرج بنتيجة خطيرة وهي أن الكاتب ربما رأى أن السلفية تحكي دور الجمود والتسلط أمام من يحاول جاهداً بفكره أن يطور ويجدد. وإني أرى الكاتب قد نصَّ على مسألة في بداية مقاله حيث يقول: «الإشكالية المتجددة دائماً والتي ترافق عمليات النقد والمراجعة هو الشعور الذي قد يعم الشريحة السائدة وربما النخبة أحياناً بأن هذا النقد لا ينبع من صدق وإخلاص» اهـ إلى آخر ما ذكر. ثم يقول في صراع الأفكار والمعلومات: «إن أردنا الدخول في صراع الأفكار والمعلومات، فلا بد أن نكون حذرين؛ لأننا ندخل حقلاً من الألغام» اهـ. فهذا الوعي لهذه الإشكالية المتجددة كان يتطلب من الكاتب دقة في الأحكام ووضوحاً في الطرح، ولا أحسب أن المقال قد تمتع بالقدر الكافي من ذلك. فالكاتب في هذا المقام يخاف من الاتهام بسوء النية وحُقّ له؛ فقد خلط في معادلاته وأغرق في عيب السلفية بالجمود وقلة الفقه بالواقع، بل وفي مقاصد الشريعة؛ حيث جعلهم أصحاب معلومات لا أصحاب فكر؛ حتى زعم أنه يغني عن تميزهم بحفظ المعلومات أجهزة حفظ المعلومات، وقاصد الإصلاح لا يصل في نقده إلى حد الغلو. ومن التخليط أن يضرب الكاتب المثل المختلف الأفكار بدعوة الرسول ﷺ ، وثورة الخوارج، وحركة الرافضة، ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وحركة الإخوان المسلمين؛ حيث يقول دون إشارة إلى موقف واضح من طائفتي الرافضة والخوارج: «وتاريخنا الإسلامي مليء بالحركات والتغيرات التي قامت على الأفكار الصحيحة والمنحرفة، ولا أدل على ذلك من أن مبعث رسالة محمد ﷺ كانت لتغيير معتقدات الناس وأفكارهم وإعادتهم إلى الحنيفية المسلمة، وثورة الخوارج قامت على فكرة عدم جواز تحكيم الرجال في كتاب الله. والشيعة أول ما قامت كانت لفكرة أحقية علي ﵁ بالخلافة؛ لأنه من آل البيت، وفي تاريخنا القريب لم تقم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلا على تصحيح معتقدات النّاس مما علق بها من شرك وتصوفات، ولم تقم جماعة الإخوان المسلمين إلا على فكرة دعوة الناس إلى التمسك بالإسلام وتوحيد الصفوف» ا. هـ. فلا أدري هل هذه الأمثلة الخمسة حينما ساقها الكاتب يرى أنها مثال على الأفكار الصحيحة، أم هي خليط غير مرتب؟ مع أنه قد جاء في المقال ما يوهم أنه ممن يحمل تلك الذهنية التي تقرأ فيها التعاون مع كل من تتقاطع أدنى مصلحة معه، وليعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه ولتمرض عقيدة الولاء والبراء، ولْتُمْحَ الخطوط والحدود بين المناهج، ولنصبح جماعة واحدة اسمها: (جماعة البشر المسلمين) . وأما فيما يتعلق بطرحه لهذه الأمثلة الخمسة تأييداً لأهمية الفكر على حساب معلومات ومحفوظات من النصوص يرى أنه لا ينبغي أن تصل إلى ما وصلت إليه، أقول لأخي الكاتب: أترى أن بعثة النبي ﷺ كانت فكرة محضة أم أنها قامت على وحي من الله وبرهان، وقد قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: [قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ] (سبأ: ٥٠) . وقال: [وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] (النجم: ٣-٤) . وقال لأتباعه: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] (الأحزاب: ٢١) ؟ ! وأمّا عن نِحْلَتَيِ الخوارج والرافضة فأقول للكاتب: أترى أنهما وقد قامتا على فكرتين حتى في أول عهدهما قامتا على فكرتين صحيحتين إطلاقاً؛ فضلاً عن أن نحكم على بقية بنائهما بالصحة والصلاح؟ ! فمن النقص أن أدعو إلى الفكر والانفتاح والتجديد قبل أن أرسخ وأؤكد على الأرضية التي يجب أن ينطلق منها، وكيفية التعامل الصحيح معها. ولا تظنن أنّ هذه مسألة مسلَّمة واضحة في أذهان الجميع فضلاً عن أن تكون في التطبيق كذلك؛ وإن مواضع من مقالك تدل على خلاف ذلك مع الأسف. وأمّا ما ذكرته من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى فهلاّ استحضرت معها ما للشيخ من الحفظ لنصوص الكتاب والسنة واعتماده عليهما في آرائه وأحكامه! إن هذه هي الأرض الصلبة التي كان لها الدور الأكبر بتوفيق الله تعالى في صلابة اعتقادهم وسداد آرائهم. لم يزل الإسلام ولا يزال هو العدو الأول لأمم الكفر وهم أعداؤه: ومن أخطاء الكاتب محاولته من خلال ما سمّاه بالتفسير التآمري أن يثبت أن رؤية أعداء الإسلام للإسلام لا تعدو أن تكون مجرد عداوة ليس الإسلام وأهله في مقدمة لائحتها. ولا أدري ما الذي سيدعم هذا الرأي وقد صرح الأعداء أنفسهم في أكثر من محفل بأن أخوف ما يخافون هو الإسلام؟ ! وها هم اليهود رغم ما عندهم من الشتات والاختلاف إلا أنهم صف يحاولون جاهدين التوحد أمام المسلمين ودينهم، وها هي الدول النصرانية رغم النفور الواضح والمصالح المتعارضة فيما بينها إلا أنها سرعان ما تتناسى ذلك أو ترجئه إذا كان العدو هو الإسلام، فتتكتل سريعاً ضده لإجهاض كل ما يمكن أن يثمر عنه الطرح للمشروع الإسلامي، وكل هذا الإيهام للوصول إلى التنبيه على ملحوظة لاحظها الكاتب أثناء قراءته للذهنية السلفية، وهي أن هناك «محاولة للتصدي والاستعداء لكل المستحدثات العلمية الحديثة ذات الطابع الإعلامي والجماهيري..» وهذا محض خطأ واستعجال. ثم يذمّ الكاتب «من يطالب بتقليص انتشار الإنترنت وإغلاق المقاهي المخصصة له؛ لأنها قد تستخدم في العبث المحرم دون التفكير في إيجاد بدائل أو حلول» ، أيظنّ الكاتب وهو يدعو إلى الانفتاح أن العالم الإسلامي وشبابه بشكل خاص وهم يُقبلون على الإنترنت أنهم ما فتئوا يبحثون عن صفحات العلم وخانات أسرار التقدم التكنولوجي؟ ! إنه بسبب هذه النظرة غير الواقعية لواقع شبابنا من جهة، وماهية المادة الغالبة المقدمة في الإنترنت حتى الآن من جهة أخرى طالب بالانفتاح على هذا التقدم المعلوماتي وبدون أي ضوابط، ثم لماذا نحمّل كلمة التحذير ما لا تحتمل؛ فالتحذير من خطورة هذا الانفجار المعلوماتي، وهذا التواصل التكنولوجي لا يعني ألبتة رفضه كله وإنما هو التأني، والتأمل، والانتقاء. وأخيراً نقول لأخينا كاتب (قراءة في الذهنية السلفية) : فلنتق الله سبحانه ولنتذكر أننا مسؤولون عما نكتب ونقول: [مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] (ق: ١٨) . وقال سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً] (الأحزاب: ٧٠) . عفا الله عنّا وعنك وهدانا إلى سواء السبيل.

стр. 3844

متابعات تعقيب على مقال.. قراءة في الذهنية السلفية عبد الرزاق بن سعد آل يحيى كانت عملية المراجعة والنقد التي استفتح بها كاتب مقالة (قراءة في الذهنية السلفية) فكرة جديرة بالطرح الدوري، وهي في الوقت نفسه مغامرة جريئة إن صح التعبير؛ لأن عمليات النقد من أشق المراجعات؛ إذ تمر بمرحلة صراع مع النفس لا تخلو عادة من حظوظ ذاتية، يصاحب ذلك قدر من غبش الرؤية الذي سببه خطأ التصور الأول. والقدرة على الاستفادة من النقد ذاتياً كان أو خارجياً مهارة ينبغي أن يتحلى بها ذوو طموح النجاح والمتطلعون إلى الأفضل، متناسين في سبيل ذلك ما قد يشوب الانتقاد الموجه إليهم من عوامل إضعاف القبول أو يعترضه من ظنون أو جراح. وأظن الكاتب حين أراد التمثيل بنماذج مما يستحق النقد، وقدم لها شواهد حية من تجارب النقد لم يسعفه تحرير النص تماماً، فحصل له خلط في مقدمات الحقائق، وغموض الرؤية في نماذج مما ذكر، ومبالغات نقلته من طرف إلى طرف، أظنها ستكون عقبة في قبول بعض القراء للفكرة العامة أو تشوش عليها، وأقيد السطور التالية إيضاحاً للمقالة السابقة داعياً الله أن يهدينا جميعاً لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. تنحصر الملاحظات في الآتي: ١ - مقدمات تفتقر إلى فهم أعمق: مقارنة أعمالنا بأعمال الغرب أصبحت مما يسود كتاباتنا النقدية، وأصبح من الطبيعي أن نجد جملة (هُم.. وأما نحن) في نصوص تصحيح المسار وغيرها!!؛ وربما كان أحد أسباب ذلك ضخامة الإنتاج الغربي على كافة الأصعدة، وتفوقه (النسبي) فيها حتى نصّب نفسه معياراً أو رضيه الناس مقياساً، فأصبح سائغاً عند بعض النقاد عقد مقارنة بالنموذج الغربي في ممارسات أو سلوكيات تقبل عادة الاختلاف والتنوع. وأتجاوز هذا الملحظ إلى القدر الذي استدل به الكاتب حين ذكر أن الديمقراطية وعدداً من المبادئ كالحرية المطلقة، والرأسمالية، والعلوم الإنسانية، والمواقف والنظريات تطورت (بالنقد) ؛ فحين لا أخالف الكاتب في ضرورة النقد وأثره فإن مما ينبغي أن نفرق فيه أن الغرب حين نجح في عمليات المراجعة والنقد في الأمور المادية المحسوسة والنظريات العملية وتقنين نواميس الحياة: كان غاية ما وصل إليه في النظريات الفكرية و (الأيديولوجيات) وكمٍّ ليس بالقليل من التصورات هو نوع من الاضطراب والفوضى الفكرية، وانتقال الغربيين أو طوائف منهم من نظرية إلى أخرى هو ثمرة الحيرة وأمارة الخواء، وبخاصة في الأمور الغيبية أو التشريعات العامة التي لا تخلو من أنانية وحب الذات، وليس تطوراً، بل هو هروب من عنت إلى شقاء. فالديمقراطية المزعومة في الغرب أحد نماذج الخداع والفشل التشريعي؛ والذي منحها البقاء حتى يومنا هذا مع عوامل أخر أنها أكذوبة خدرت الناس بإشعارهم بنفوذ رأيهم، وحققت للمتنفذين فعلاً ما يطمعون فيه تحت هذا الشعار البراق؛ فقد جعلوا عقول الناس وعواطفهم خاضعة لتأثير إعلام يملكونه أو يديرونه، فصار الإعلام يتقوَّل على الناس ويفتعل الأحداث أو يوظفها، فيردد الناس ما يقوله الإعلام؛ فهي نوع من (الديكتاتورية) المقنعة التي استبدلت بالإكراه التخيير فيما تريد. وأما الحرية المطلقة التي تطورت كما يرى الأخ الكاتب بالنقد لتصبح مسؤولية جماعية، فهما في الواقع شيء واحد؛ فإن الحرية المطلقة هي نتاج الثورة الفرنسية التي صاحب اندلاعها وأجج اضطرامها نشوء المذهب الرومانسي، وهو تيار فكري شمل الأدب والفكر والفن، نشأ رد فعل لغلو الكلاسيكيين في تبنيهم مبادئ الكلاسيكية، ويقوم على مبادئ منها: الإيمان بمعتقد (تأليهي) غامض يجعل محور التدين الضمير، ويقلل من شأن الإثم الفردي، ويُحمِّل المجتمع تبعاً مسؤوليات آثام الأفراد، وعليه يتبين أن المسؤولية الجماعية هي الحرية نفسها، وليس تطوراً عنها. والرأسمالية هي الأخرى إفراز للحرية المطلقة التي تعد الاشتراكية نداً لها ومناقضاً لمقتضياتها، ولم تزاحمها على السلطة قط، إلا إن أراد الكاتب السلطة على مستوى العالم، وأما الطريق الثالث الذي توهمه الكاتب تطوراً جديداً فهو في الواقع مشاهد احتضار هذه النظرية التي جسدت الطبقية وألغت التكافل. ٢ - السلفية مصطلح غير مؤطر: من النقاط التي تستحق تقديمها على غيرها؛ إذ عليها قوام المقالة، تحرير مصطلح السلفية، وأي معنى يقصده الكاتب بمقالته ابتداءاً بالعنوان وحتى آخر سطر منها؟ فهل كان حديثه عن (السلفية) المنهج نفسه؛ فإن ما يتحدث عنه كان سلوك أفراد، وعنوان المقالة إن كان من صنعه وسياقها لا يحققان فهم الحديث عن الأفراد! ! فهل كان حديثه عن (السلفية) طوائف المنتمين إليها؛ فأي طائفة يريد: طائفة المنتمين إلى المنهج بتبني مبادئه، أم المنتمين إليه بالادعاء؟ لم أجد تحديداً لشيء من ذلك قدر ما في النص الآتي: «السلفية ليست نمطاً واحداً بل هي ألوان متعددة، وفيها أصوات هادئة وأخرى متشنجة لا نستطيع تجاهلها، وندعو إلى التعامل معها وتصحيح مواقفها، وهي مع ذلك تحوي جمهوراً غالباً له مشاركات كثيرة، ويسوده تقارب كبير في الأفكار وطريقة التنشئة، وهذه الشريحة هي التي نقصدها» . لم أفلح في التعرف على تلك الشريحة من خلال النص السابق، ولم أنجح في التوفيق بين هذا الوصف والتسمية الكبيرة (الذهنية السلفية) ، غير أنه غلب على ظني أنه يريد عصبة ما تنتسب إلى السلفية؛ فهي طائفة وأعمالها بالنسبة للسلفيين فردية، فتعميمها على السلفية أو (الذهنية السلفية) تجاوز في غير محله، لكني لا ألبث طويلاً حتى أجد نصاً يفسد عليَّ هذا النزر اليسير من الفهم حين يقول: «إن غالبية التيار السلفي المعاصر» و «خارج التيار السلفي» و «في صفوف التيار السلفي» إذن هو تيار وليس طائفة. لذا ألتمس من الكاتب أن يضع لاحقاً إطاراً يختاره للسلفية، وإطاراً آخر للسلفية ذات الأصول المتشنجة، والجمهور الغالب متقارب الأفكار، وطريقة التنشئة غير الأوصاف الفضفاضة المتقدمة؛ لنتمكن بعد من فهم نقاط الانتقاد فنوافق أو نخالف، ونفيد ونستفيد! أرجو ألا يكون مردُّ هذا الإبهام شعور الأخ الكاتب بعدم وجود جو ملائم للنقد الفكري أو التربوي؛ لأن ذلك جعل صانعي المعرفة كما يقول صاحب «تجديد الوعي» : ص ٢٢٨ يعمدون إلى التلميح، مما أوجد الكثير من حالات سوء الفهم. ٣ - عيوب السلفية.. عيوب المجتمع: بعيداً عن مصطلح (السلفية) أرى أن الفكرة العامة للأمثلة الانتقادية لا تصلح أن تنسب للتيار الإسلامي باعتباره تياراً سلفياً أو غير سلفي، يتبين ذلك من تلخيص الانتقادات حسب رؤية الكاتب، وسأجتهد في تقديم الفكرة بشمولها في لفظ موجز: الانتقاد الأول: القيمة لا تعطى إلا للمعلومة المجردة المستقلة عن دائرة الأفكار، وهي مجال التفوق والتميز، ولا قيمة لدائرة الأفكار وما تحويه من الاستنتاج وربط الأحداث وتوليد الأفكار والقدرة على النقد. الانتقاد الثاني: يلخصه سؤاله: ما مدى معرفة الناس بالأيديولوجيات التي سيطرت زمناً على منطقتنا العربية كالقومية والماركسية والبعث العربي والنظرية الليبرالية؟ الانتقاد الثالث: عدم مبادرة المتخصصين إلى التعرف على النظريات المطروحة السابقة والحديثة وفهمها بعمق، وأسلمة ما يمكن منها، أو إيجاد البديل المناسب لما لا تمكن أسلمته. الانتقاد الرابع: التخوف على النشء من تأثره بالمعلومات والأفكار المتدفقة في عالم اليوم، وحصر القدرة على فهمها في الرموز والمربين، وممارسة الوصاية على من دونهم. الانتقاد الخامس: تصور التآمر الغربي في كل علاقة للغرب بالمسلمين، وتفسير الظواهر العدائية أنها موجهة إلى المتدينين (المسلمين) ، والحساسية من المستجدات التقنية ذات الطابع الجمهوري العام. لعلِّي وفقت في حصر الانتقادات لأصِلَ إلى تأييد الكاتب فيها كما هي عليه الآن باعتبارها انتقادات عامة واقعية نلامسها ونراها ونشمها، إلا أن الشيء الذي عكّر عليها أنها نسبت لتيار إسلامي أيّاً كان توجهه؛ فإن هذه الانتقادات هي في حقيقتها أزمة عربية [١] في الإقليم العربي، وأزمة غثائية في وطن رعاع المسلمين الذين يتقلبون بين حالين: كدّ مضنٍ للوصول إلى سد الرمق، أو سعي دؤوب لتحقيق الترف واللهو! أنا لا أنفي وجودها في الوسط الإسلامي؛ فإن المسلم مهما حاول العزلة القلبية يبقى ابن مجتمعه، والسلبيات الاجتماعية تتقلص في النخبة ولا تختفي، بل إن كثيراً من أزمات الوسط الإسلامي يعز أن يتوصل إلى علاجاتها ضمن وضعية الوسط الإسلامي نفسه، وإنما في تحسين الواقع الاجتماعي المحيط، فأزمة عدم احترام الوقت الذي ينعى فيها على الفئة المتدينة ويبدى فيها ويعاد هي أزمة مجتمع، وأحد أسباب التوتر من هذه الأزمة وغيرها أن الشعور بالتأزم خاص بنخبة ذات ثقافة ووعي عاليين بينما من دونهم ثقافة ووعياً يكتفون بمسايرة ما هو سائد، مما ولَّد طموحاً وهمياً ومحاولة لتخطي السلبيات في وقت سريع بطريق يسير (وهو ما يقل حصوله) ، لكن ما من شك أن الفئة المتدينة في باب الوقت وغيره من الفضائل حققت مستويات جيدة يجب أن نعترف بها؛ لنحقق الاتزان في النظر، والتوسط في التقويم: فيشكرون على ما فيهم من حميد الخصال، وينبهون إلى درجات الكمال التي تنتظر الإكمال. ولعل الأخ القارئ يشاركني أن السلبيات في الفئة المتدينة فضلاً عن الراسخين منهم التي انتقلت عدواها إليهم من المجتمع هي أقل فيهم ممن سواهم، وأن فضائلهم بالنسبة إلى غيرهم كبيرة، مع ضرورة التنبه إلى أن هذا القدر من القلة والكثرة لا يعني الاكتفاء به، بل الازدياد من الخير سمة الصالحين وشعار المتطلعين إلى رضوان الله والجنة، ورغبتنا في كمالهم واقترابهم من الكمال لا يعنيان الكمال. وحين أوافق الأخ الكاتب على عموم الأفكار الانتقادية أقيد ملحظين خاتمين: ١ - أن في سطور شرح الفكرة الانتقادية فقرات لا يُسلَّم بها تماماً؛ من الأمثلة أو التعليلات أو الاستطرادات فأتجاوزها ولا أعرج على شيء منها؛ فالعبرة في مثل هذه الحوارات بصحة الفكرة العامة؛ إذ يكاد لا يوجد حديث من أحاديث البشر خلا الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يسلم من مثل هذا؛ ولو فعلته مع نصِّ أخ ناصح لعددت ذلك تمحلاً وانشغالاً بالجزئيات وقتلاً للموضوع الأساس. ٢ - تضمن تحرير بعض الأفكار الانتقادية التي ساقها الكاتب قدراً من المبالغة التي ربما دفعته إلى التزيد في وصف الظاهرة المنتقدة، أو الاقتراب من الطرف الآخر عند تقديمه البديل المقترح، وهذا الإجراء كما أظن مما يسود الكتابة الانتقادية، وربما أصبحت ركناً في بعض أنواع النقد، حتى عُرِفَتْ بها، وإن كان الحياد والموضوعية هي الطريقة الوسط؛ لكن لا يسوغ أن يفسد استفادتنا مما جاء من ملحوظات أنها تضمنت ذلك القدر.

стр. 3845

متابعات القومية العربية النسوية تعقد مؤتمرها العولمي الأول وائل عبد الغني عقد في القاهرة من (١٨ - ٢٠) نوفمبر (تشرين الثاني) من العام (٢٠٠٠م) «مؤتمر قمة المرأة العربية والإعلام» الذي يعد الأول من نوعه على مستوى الرعاية والتمثيل. فقد تم المؤتمر تحت رعاية جامعة الدول العربية، وبمشاركة «المؤتمر القومي للمرأة» بمصر، وبتمويل من «مؤسسة الحريري» بلبنان. شارك في المؤتمر ١٩ دولة عربية (جميع أعضاء الجامعة ما عدا السعودية والجزائر وقطر) ، ترأَّس تسعة وفود منها من يُسَمَّيْن «السيدات الأُوليات» في بلادهن، إلى جانب تمثيل عالٍ لباقي الوفود، إضافة إلى ٤٠٠ شخصية نسائية عربية، وعدد كبير من المنظمات النسائية وبحضور ممثلين عن: - الصندوق العربي للتنمية، وعنه الدكتورة ميرفت بدوي نائبة رئيس الصندوق. - منظمة اليونيسيف، وعنها الدكتورة فاطمة خفاجة مديرة برامج المرأة في المنظمة. - دولة إيرلندا، وعنها ماري هاينيغن وزيرة الدولة. - الأمم المتحدة، وعنها الدكتورة ليلى تكلا، كبيرة مستشارين، وإنجيلا كينج مساعدة السكرتير العام. - صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة، وعنه الدكتورة هيفاء أبو غزالة، المديرة الإقليمية. - منظمة الأسكوا (اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا) ، وعنها الدكتورة مريم العوضي، نائبة الرئيس الإقليمي. - دولة اليونان، وعنها السفيرة ميرو كيسو جلو. إلى جانب ممثلين عن اتحاد البرلمانات العربية والمنظمات والصناديق العربية الأخرى. وقد أتى هذا المؤتمر بعد شهرين فقط من فعاليات المؤتمر الاستثنائي للألفية الثانية بالأمم المتحدة. وبعد خمسة أشهر من عقد مؤتمر بكين + ٥ للمرأة في الأمم المتحدة أيضاً، والذي وقَّعَت على وثيقته جميع الدول فيما يسمى باتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة. وبعد سنة من مؤتمر البرلمانيات العربية الذي عقد في بيروت، وأعلن عن اعتبار سنة ٢٠٠٠م عاماً للمرأة العربية. وبعد ثلاثة عشر شهراً من مؤتمر القاهرة للمرأة والاحتفال بمرور المئوية الأولى لقاسم أمين. ولعل هذا يوضح بعض الخطوات البادية التي سبقت هذا المؤتمر والتي كان منها بالطبع تأسيس هياكل نسائية رسمية (مؤتمر اتحاد جمعيات وزارة) للمرأة داخل الدول العربية. وقد جاء هذا المؤتمر استجابة رسمية من حكومات الدول العربية لتفعيل القرارات الدولية التي أصبحت ملزمة وتشكل مرجعية لسن القوانين والتشريعات في كافة الدول، وقد حددت مهلة لإتمام التطبيق بحلول ٢٠٠٥م. وقد حمل المؤتمر شعار «تحديات الحاضر، وآفاق المستقبل» للخروج بـ «ميثاق شرف إعلامي» . وقد استضاف المؤتمر شخصيات ذات باع طويل في العمل النسوي والعمالة لمصلحة المشروع التغريبي بمراحله المختلفة والتي آخرها العولمة لوضع استراتيجية أو أجندة عمل من أجل تفعيل دور المرأة العربية على النحو المرسوم لها من قبل الأمم المتحدة والمنظمات المنبثقة عنها والمكملة لها ضمن هيكلة كاملة لسيطرة كونية. ومن هنا يأتي دور الحكومات لتأسيس شرعية الاتفاقيات الدولية عبر الأطر القانونية والإعلامية والثقافية والاقتصادية والتعليمية والسياسية بوصفها حركة وسيطة تسبقها الحركات النسوية بنداءاتها العالية لإلغاء ما بين الأقواس «أي استثناءات الدول الإسلامية وتحفظاتها على بعض بنود الاتفاقيات؛ وبهذا تبرز الجهود الحكومية لتمثل قناة محركة لتدفق تلك الحركات من جهة وإعلاناً لرسمية كثير مما تنادي به المنظمات غير الحكومية الحقوقية النسوية وشرعيته. وقد ناقش المؤتمر عدة قضايا أبرزها: - انعكاسات الإرث الثقافي على دور المرأة العربية. - سبل مشاركة المرأة في اتخاذ القرار السياسي. - سبل تعزيز عمل المنظمات غير الحكومية المتخصصة فيما يُزعَم من دعم المرأة من خلال محاور المؤتمر: الثقافية، الإعلامية، السياسية، القانونية، الاقتصادية، الاجتماعية. أيام المؤتمر: افتُتح المؤتمر في قاعة المؤتمرات الكبرى بالقاهرة صباح السبت ١٨/١١/ ٢٠٠٠م بكلمة زوجة الرئيس المصري سوزان مبارك قالت فيها:» هذا المؤتمر هو بداية جديدة لحركة نسائية عربية شاملة تقوم في ظروف جديدة، ومن هنا فإن أحد أهدافه الأساسية هو وضع خطة عمل لتنظيم وتنشيط العمل النسائي العربي خلال عام ٢٠٠١م الذي اختير ليكون عام المرأة العربية. كما إنه من المهم الخروج من مؤتمرنا هذا ببرنامج عمل قومي للسنوات المقبلة آخذين في الاعتبار خصوصية كل قطر والظروف المميزة لكل دولة والتنوع الذي نعتز به في الشخصية الوطنية لكل شعب من شعوب أمتنا العربية «. ثم تلت ذلك كلمة الدكتور عصمت عبد المجيد الأمين العام للجامعة العربية، وتناول فيها قضية القدس والقضية الفلسطينية، وأشار إلى كون المؤتمر مبادرة ستمكن المرأة من إبراز مشاركتها في قضايا أمتها! ثم جاءت كلمة بهية الحريري ممثلة الممول (مؤسسة الحريري) ، ثم كلمات زوجات الرؤساء والملوك الحاضرات. وجاءت الكلمات مزيجاً من الحماس والثورة الرامية إلى تغيير الأوضاع، والإشادة بما تم إحرازه على طريق تفعيل دور المرأة ولو كان قليلاً مع الحرص على إلقاء بصيص من ضوء على تجربة المرأة في كل قُطْر وهي العبارة التي حرص الجميع عليها، حفاظاً على الخصوصية وربما للتغلب على أي حرج متوقع إبان الخوض في شؤون المرأة، وحرصت المتحدثات على صبغ كلماتهن بصبغة سياسية دون تفاصيل أو التطرق لقضايا يمكن أن تفتح باب الخلاف، وقد كانت الاستثارتان الوحيدتان كويتية وعراقية؛ حيث خاضت رئيستا الوفدين في المشكلة العراقية الكويتية حيث تكلمت الأولى عن الأسرى والمفقودين من جهة، وتكلمت الثانية عن ضحايا الحصار العراقيين من جهة أخرى. وأشارت الأميرة المغربية لالا مريم إلى دور والدها وأخيها في تحرير المرأة المغربية التي أصبحت اليوم ذات حضور بارز في جميع الميادين السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وممثلة في الحكومة والبرلمان والقضاء وكافة المؤسسات الإنتاجية، وإقامة وزارة خاصة بأوضاع المرأة مؤخراً مهمتها تفعيل السياسة الوطنية في هذا المجال ضمن خطة تنمية ديمقراطية شاملة في المغرب ترتكز على أصالة الإسلام الذي جعل من النساء شقائق للرجال في الحقوق والواجبات! وأن نجاح أي مشروع مجتمعي رهن بممارسة المرأة لمواطنتها الكاملة، ودعت الأميرة لإنشاء صندوق للتضامن مع المرأة العربية. وقالت سبيكة بنت إبراهيم الخليفة زوجة أمير البحرين: إن حكومة بلادها تعمل جاهدة على تمويل الإنجازات التعليمية والاجتماعية والحضارية لمسيرة المرأة إلى مكاسب سياسية في منطقة الخليج كله. وذكرت أنه في ظل النهج التقدمي الذي تنتهجه حكومتها دخلت المرأة البحرينية المتعلمة والمنتجة مجلس الشورى في البلاد، كما تولت محامية بحرينية منصب أول سفيرة للبحرين في باريس. ودعت رئيسة وفد سلطنة عُمان إلى وضع استراتيجية شاملة لتفعيل دور المرأة وتحقيق ذاتها. أما عن المرأة العمانية فقالت إنها تحظى باهتمام أكثر من ذي قبل؛ حيث تشارك حالياً في مختلف أوجه النشاط السياسي والاجتماعي والفكري وغيرها من مناحي الحياة، وقالت: إن المجتمع العماني وضع التشريعات والقوانين التي تسوي بين الرجل والمرأة في التعليم وفي الأنشطة المختلفة باعتبارها فرداً في المجتمع مما أتاح لها الفرصة لاحتلال مكانة مرموقة ومتقدمة في المجتمع، وأشادت بالدور الذي تقوم به المنظمات غير الحكومية في خدمة القضايا المختلفة التي قد تجاوز دور المؤسسات الحكومية. وقالت سعاد بكور رئيسة الوفد السوري وعضوة مجلس الشعب: إن مشاركة وحضور سيدات في مكان وضع القرار في الوطن العربي يتيح فرصة كبيرة لإنجاح عملية إدماج المرأة في عملية التنمية، وأكدت على أهمية الفهم المنطقي للدين الإسلامي؛ حيث إن الموروثات الثقافية والمفاهيم العربية التقليدية فيما يتعلق بالمرأة دخيلة على الدين الإسلامي. وقالت بهية الحريري عضوة البرلمان اللبناني وأخت رفيق الحريري وممثلة مؤسسة الحريري: إن المؤتمر لحظة صناعة التاريخ والتحكم بمساراته. وبينما استمرت الجلسة الافتتاحية ساعتين ١٢ - ٢ ظهراً أعلن عن تنظيم الأمانة العامة للمجلس القومي للمرأة بمصر مؤتمراً فنياً على هامش المؤتمر. ثم تناولت الضيفات طعام الغداء في دعوة رسمية، وفي المساء شارك الحضور في حفلة خيرية فنية كبيرة دارت بين رقص وغناء وتحف ومشغولات وتبرعات لصالح المرأة الفلسطينية! اليوم الثاني: يعد اليوم الثاني هو العمود الفقري للمؤتمر؛ إذ تركزت فيه الكلمات المتخصصة، وقد شهد ستة محاور ساخنة على جلستين؛ ففي الجلسة الصباحية نوقشت أربعة محاور متنوعة هي: أولاً: المحور الثقافي: قدم فيه الدكتور جابر عصفور توصيفاً للمشكلات الثقافية التي يشهدها الواقع الثقافي للمرأة العربية، فتحدث حول ثلاث ملاحظات: أ - أنه لا يمكن فصل ثقافة المرأة عن ثقافة الرجل، ومن ثم ثقافة المجتمع ككل، ومن ثم فإن مواجهة المشكلات الثقافية للمرأة لا تنفصل عن مواجهة بقية المشكلات الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية. ب - أنه لا يمكن فصل الأوضاع الثقافية في أي قطر عربي عن بقية الأقطار. ج - أنه لم يعد ممكناً الحديث عن ثقافة عربية للمرأة بمعزل عن ثقافة العالم المعاصر. لاحظ معي أن مؤدى هذه الحتمية الثلاثية التي أوردها الدكتور عصفور هو أن فكر العولمة لا مناص عنه لكل الأمة العربية ليس لثقافة المرأة فقط بل والرجل كذلك. ثم حدد المتحدث سبع مشكلات ثقافية تعانيها المرأة العربية المعاصرة وهي: ١- الميراث الثقافي التقليدي الجامد الذي نزل بالمرأة إلى أسفل الدرجات كي يعلي من شأن الرجل. ٢ - غياب الحرية السياسية بمعنى أو أكثر في الأقطار العربية بدرجات متفاوتة. ٣ - تصاعد تأثير المجموعات الاجتماعية الضاغطة الموازية لسلطة الدولة المدنية والمناقضة لها في الوقت نفسه وخاصة مجموعات التطرف الديني التي تعادي حرية الفكر والإبداع، وتناهض كل ممارسة اجتماعية تتعلق بالمرأة. ٤ - لا تزال الأنظمة التعليمية في بعض مجالاتها على الأقل تكرس التمييز بين الرجل والمرأة، ولذا تحتاج مناهج التعليم أن تنير الطريق على كل المستويات. ٥ - ما تقوم به المرأة نفسها من إعادة إنتاج الثقافة التي تقوم بقمعها والتقليل من شأنها. ٦ - ما يعتبر الثقافة السائدة نتاج موروث اجتماعي ذكوري، وهو موروث كما يزعم الدكتور لا يزال يفرض التمييز بين الرجل والمرأة في المكانة الاجتماعية، وهو ما يؤدي إلى الحد من ترقي المرأة ووصولها إلى أعلى المناصب ولا يقبل فتح أبواب وظائف بعينها أمام النساء؛ وذلك إلى جانب القيود الاجتماعية المفروضة على إبداع المرأة ونتاجها الفكري في معظم البلدان العربية؛ ولذا فإن نسبة المبدعات من النساء أو المشتغلات بالفكر أقل بكثير من نسبة النساء. ٧ - التحدي العالمي الذي يتمثل في ثورة الاتصالات التي أحالت العالم إلى قرية كونية. ودعا الدكتور عصفور في بحثه إلى صياغة رؤية ثقافية جذرية شاملة متكاملة لاستكمال مهام تحرير المرأة فكرياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً. ثانياً: المحور الإعلامي: تحدثت الدكتورة عواطف عبد الرحمن، عن المرأة العربية والإعلام؛ فأكدت أن المشاركة النسائية في الصحافة العربية كانت أسبق من كل الميادين، ودعت إلى تغيير السياسات السائدة، والتي تقوم على أساس التمييز بين الجنسين وتُنمِّط صورة المرأة في إطار استهلاكي، وتقصر صورة الاهتمام على الحضريات والشخصيات العامة، ونادت بتعديل التشريعات القانونية في مجال الأسرة والعمل على تطبيقها فعلياً؛ لتكفل للمرأة فرصاً متكافئة بكل المستويات والتدريب، إلى جانب تغيير صورة المرأة في مناهج التعليم وفي البرامج الإعلامية والكتابات الصحفية بما يحقق التوازن بين مسؤوليتها وإنجازاتها الفعلية داخل المنزل وخارجه. - إيجاد مؤسسات معاونة تساهم في حمل مسؤولية تربية الأطفال وإدارة شؤون الأسرة مثل الحضانات ودور المسنين والمطاعم والمغاسل العامة ... إلخ! - ضرورة إدارة الأعمال المنزلية للمرأة ضمن عائد الإنتاج القومي. - ضرورة التزام القيادات العربية بمراعاة الوظيفة الاجتماعية والثقافية للإعلام وأدواره الحيوية في تشكيل الوعي الصحيح عن الواقع المجتمعي بكل ما لديه من موروثات ثقافية وتحديات اجتماعية وطموحات إنسانية عادلة. ثالثاً: المحور السياسي: طرحت فيه الدكتورة ليلى تكلا إطار موقف المرأة العربية في المجال السياسي في نقطتين: الأولى: المفاهيم الخاطئة التي تحد من مشاركة المرأة في صنع القرار السياسي. الثانية: موقف المرأة إزاء القضايا السياسية، وخاصة تلك التي يمر بها الوطن العربي في هذه الفترة العصيبة. ففي مواجهة التحدي الأول فإن ما تحتاجه هو ليس فقط تحرير المرأة ولكنه أيضاً تحرير عقل الرجل من أفكار رجعية ضيقة بالية عن المرأة وقدراتها، والسبيل الوحيد أن تعمل المرأة بكفاءة وتثبت قدراتها، وأن تنبذ السلبية، وتعمل على المشاركة في مسيرة تقوم على العطاء وأداء الواجبات بقدر ما تقوم على المطالبة بالحقوق. وبالنسبة للتحدي الثاني فقد دعت إلى: - أن تطالب المرأة العربية وبإصرار بالاعتراف بدولة فلسطين المستقلة ذات السيادة الكاملة وعاصمتها القدس الشرقية. - مطالبة المجتمع الدولي بمؤسساته وأجهزته بالإصرار على إنهاء العنف الذي يمارس ضد شعب فلسطين الأعزل الذي يهدف إلى الحياة حراً في سلام على أرض وطنه العربي الذي سلب منه. - دعم المرأة الفلسطينية من أجل تحرر وطنها وكرامته. - إنهاء العقوبات الموقعة على ليبيا والسودان، ورفع الحصار والمعاناة عن شعب العراق، ووقف القصف الجوي وحملات التفتيش التي لا تسعى إلا إلى تحطيم قدرات العراق وإمكاناته. - مناشدة العالم الإسلامي والعالم المسيحي للعمل على حماية المقدسات الدينية التي يحترمها المسيحيون والمسلمون على حد سواء والتي أصبحت مهددة بالهدم والتغيير مع ما في ذلك من ضياع التراث وإهدار التاريخ وانتهاك لكافة المواثيق. - التأكد من ضرورة محاكمة مرتكبي جرائم الحرب» الإسرائيلية «في فلسطين وسيناء وجنوب لبنان، وإلزام» إسرائيل «بدفع التعويضات لضحايا الاعتداءات اللاإنسانية على المدنيين وأسرى الحرب. - مناشدة لجان حقوق الإنسان الدولية والإقليمية، وإيفاد مراقبين يرصدون الموقف الذي تردى بسبب إهدار إسرائيل كافة حقوق الإنسان بكل وسائل القهر والدمار. رابعاً: المحور القانوني: تحدثت حميدة العريف عن الموقف القانوني وحقوق المرأة في ظل الاتفاقيات الدولية والقوانين الوضعية، وطرحت في ورقة العمل التي ألقتها في المؤتمر، أنه بفضل التحولات التي تسود عالمنا المعاصر أخذ الاهتمام بشؤون المرأة العربية يزداد بعد أن تحررت من وضعها المهمش واسترجعت كرامتها وبدأت مشاركتها في الحياة الميدانية والسياسية ترتفع، وانفتحت الآفاق أمامها داخل الأسرة والمجتمع، وتم تشكيل الصيغ الدستورية والتشريعية للتركيز على حقوق المرأة في جميع المجالات، وعن حق المرأة العربية في العمل وشغلها جميع المناصب أكدت حميدة العريف أن التشريع الإسلامي قد ساوى بين الجميع نساءً ورجالاً في الحقوق والواجبات، وكفل للمرأة حقها في التعليم وحقها في العمل، كما صدَّقت أغلبية الدول العربية على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وتمت صياغة الحقوق السياسية للمرأة ضمن الدساتير والتشريعات الوطنية على أن تكفل الدولة لها جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة الكاملة في الحياة السياسية وإزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع، وأبرز هذه الحقوق: حق الاقتراع والانتخاب والترشيح، حق تقلد المناصب العليا ومباشرة الوظائف العامة، حق المشاركة في الأحزاب وفي العمل الاجتماعي؛ لكن وبالرغم من هذه المساواة على الصعيد القانوني بين المرأة والرجل في الحقوق السياسية فإن المشاركة الفعلية للمرأة في العمل السياسي لم تزل محدودة لا سيما في بعض المجتمعات العربية. وفي الجلسة المسائية: وفي المحور الاقتصادي: تحدثت الدكتورة ميساء سالم الشامي عن حجم المشاركة الاقتصادية للمرأة العربية، فأكدت أنها تتفاوت من دولة عربية إلى أخرى وفقاً لنظام الدولة وانتشار التعليم ومدى حصول المرأة على حقوقها والموروثات التي تحكم الحياة في هذه الدول، وقدمت مجموعة من المقترحات والتوصيات لمواجهة التحديات المتعلقة بمساهمة المرأة العربية في الأنشطة الثقافية لخصتها في: - حشد قوى الأسرة التربوية والثقافية ومؤسسات العمل وأجهزة الاتصال الجماهيرية من أجل تكوين وعي حول المرأة وأدوارها وإمكاناتها. - توفير الظروف المجتمعية التي تيسر المشاركة الكاملة للمرأة في جميع المجالات من خلال دراستها وتطور مهارتها. - إعداد وتأهيل الكوادر النسائية المتخصصة، والمشاركة في مجال التخطيط الاقتصادي والاجتماعي. - وضع السياسات والبرامج لتشجيع المرأة على دخول مختلف أنواع العمل التي تستلزمها الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية حاضراً ومستقبلاً. - تحديث التشريعات والقوانين بحيث تتضمن مساواة المرأة بالرجل في حقوق العمل، والمساواة في الأجر وفي فرص الترقي. خامساً: المحور الاجتماعي: وتحدثت فيه الدكتورة مريم العوضي، عن محاور التنمية الاجتماعية المتعلقة بالنهوض بالمرأة وتمكينها؛ فأكدت أن المعطيات السائدة حالياً في المجتمعات العربية بلغت حداً ومستوى يقضيان بإطلاق طاقات المرأة وقدراتها لتصبح شريكاً كاملاً للرجل في بناء عالم جديد متوازن، وطالبت أن تعيد القمة النظر في أولويات خطة العمل العربية والمحاور الثلاثة لبرنامج العمل العربي الموحد: (الفقر المشاركة السياسية الأسرة) . وقد جاءت التعقيبات من الحاضرات مزيجاً من الانسجام والآمال والشكاوى وبعض الاعتراض: * قد تساءلت سالمة شعبان رئيسة الوفد الليبي عن مدى صحة أن المرأة تعيش واقعاً صحياً أهو صحيح أم ذلك محض وهم؟ وعلاقة الأفكار المطروحة من قبل» حركات التحرر النسائي «في العالم العربي ومدى ارتباطها بالأفكار الغربية والرؤى الغربية التي بهرت مجتمعاتنا العربية؟ * شارت الدكتورة حورية مجاهد من مصر إلى أن التشريعات الجديدة مثل قانون الأحوال الشخصية وإقرار حق الخلع وكذلك حذف المادة التي تنص على تولي الذكور فقط لمنصب العمدة، وكذلك كانت مصر من الرائدت في مجال توقيع الاتفاقات الخاصة بالمرأة والطفل. وأكدت على ضرورة تخصيص مقاعد للمرأة وقائمة نسبية للمرأة في البرلمان مثل الدول الاسكندنافية مما يعد حلاً عملياً وغير تقليدي لتحقيق مساواة المرأة بالرجل في هذا المجال. * ما الدكتورة سامية الساعاتي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة عين شمس، فقد قالت في كلمتها: إن تغيير النظرة للمرأة لا تأتي إلا بتحول المرأة إلى الإنتاج، وأن تكون محترمة في ذاتها، ولا تذوب في الرجل! يجب أن تعيش في ذاتها ولذاتها، وتكسب من عملها؛ ومن هنا يمكن أن تتغير النظرة للمرأة من خاضعة للرجل إلى مشاركة معه في العمل والإنتاج. * نجيلا كينج مساعد سكرتير عام الأمم المتحدة لشؤون المرأة أيدت استعداد الأمم المتحدة للمساهمة في تفعيل توصيات المؤتمر؛ وإن كانت لم تتلق بعدُ طلباً رسمياً بذلك. * أكدت المتحدثة باسم الوفد اللبناني أن المرأة اللبنانية تحقق لها من خلال المجلس التشريعي المساواة التامة في الدستور، واستكملت في التسعينيات في الحقوق المدنية والتجارية، وأصبحت المرأة اللبنانية تتمتع بالأهلية الكاملة غير المنقوصة. * ثار تعقيب فريدة إبراهيم القاضية بالمحكمة العليا السودانية وممثلة الوفد اعتراضات من جانب القاعة والمنصة؛ حيث هاجمت بنود اتفاقية إنهاء أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو Cedow) واعتبرتها ضد الشريعة الإسلامية وضد قوانين بعض الدول العربية، وذكرت أن التحفظات التي أبدتها الدول العربية غير مقبولة وغير معترف بها، وقالت: إن هذه الدول عليها تغيير قوانينها طبقاً للاتفاقية وأنها ملزمة. اعترض الوفد التونسي واللبناني وطلبا إيقاف المتحدثة التي تخطت الوقت المخصص للكلمة واعترض على مضمون الكلمة أيضاً، واعترضت المنصة بأن المتحدثة لم تتوخ الدقة في كلمتها بالإضافة إلى أنها حولت الموضوع إلى محاضرة سياسية وتشريعية وليست تعقيباً! ! * لدكتورة فاطمة خفاجة، مديرة برامج المرأة في منظمة اليونيسيف قالت: إن المؤتمر يحكي أن هناك إرادة سياسية تدفع قضية المرأة إلى الإمام، وأعربت عن أملها بأن يخرج هذا المؤتمر باستراتيجية للنهوض بالمرأة العربية، وخاصة أن هذا المؤتمر يضم القيادات العربية النسائية البارزة، وأوضحت أن المشاكل والظروف التي نعاني منها تجمعنا أكثر مما تفرقنا، وقالت: أتمنى أن يتخذ المؤتمر خطوات إيجابية، وأن تشكل لجنة لأخذ التوصيات لترجمتها إلى خطوات عملية، وأن تمثل الجمعيات الأهلية في هذا الجانب، وأن تكون هناك آلية تجمع بين الجانب الحكومي والأهلي في وضع هذه الاستراتيجية. على هامش المؤتمر: ورغم تهافت ما طرح في المؤتمر إلا أنه يمثل عنصر تشويش خطير على قطاع عريض من المجتمعات؛ لأن معنى الدعم السياسي والاعتراف الرسمي والمعالجة الإعلامية يضفي صفة الشرعية ليس فقط على ما تقوم به مثل تلك المؤسسات النسوية وإنما أيضاً على مقررات بكين، وبكين + ٥ التي وقَّعَت عليها جميع الدول، ويكون الدور الرسمي هو تطبيق تلك المقررات في الفترة من الآن وحتى حلول ٢٠٠٥م. ويكون دور المؤسسات النسوية أبعد من ذلك بالسعي إلى إلغاء ما بين الأقواس أي الاستثناءات التي اشترطتها الدول الإسلامية من الاتفاقيات مراعاة للخصوصيات المختلفة للمجتمعات. ومن الواضح أن نهاية الطريق الطويل الذي تحدثت عنه إحدى الملقيات هو الوصول إلى ثورة نسوية Feminism وما بعد النسوية Post Feminism والتي تتخطى كل الحدود اللغوية والعقدية بل حتى ثقافة» الجندر «لتضفي الأنثوية على كل شيء، كل شيء حتى ما يجب تنزيهه عن ذلك وقد تم صياغة الإنجيل صياغة أنثوية في هذا الإطار، ذلك بعض الشر القادم أعاذنا الله منه. ملاحظات: - شهد اليوم الثاني تعقيباً واسعاً لأعضاء الوفود حتى شكل ظاهرة أقلقت الجهات المنظمة للمؤتمر. - وقد غادر القاهرة في اليوم الثاني الملكة رانيا (الأردن) وليلى بن علي (تونس) . - لم تلق كل من رئيسات وفود البحرين وجيبوتي وجزر القمر كلماتهن واقتصرن على توزيعها على أعضاء المؤتمر. - أبدى بعض الكتاب ملاحظة على إدخال المفهوم النسوي في باب السياسة ضمن مفهوم الحكم العائلي، تلك الحمى التي أصابت المنطقة العربية والتي بدأت بمشاركة الأبناء في الحكم تمهيداً لانتقال السلطة إليهم بمباركة أمريكية وترحيب عربي. ولعل هذا يطرح فكرة الهرم الماسوني وتوطيد أركانه. - لوحظ أن الدول المشاركة تمثل ترتيباً تنازلياً من حيث قضايا المرأة تقف تونس ولبنان في مقدمتها. ثم تأتي مصر والمغرب والأردن وسوريا والسلطة الفلسطينية، وتليها العراق واليمن وعمان والإمارات والبحرين والكويت، ثم بقية الدول؛ ومن هنا أظهرت عدة أطراف أهمية تبادل الخبرات؛ إلى جانب افتراض جابر عصفور وحدة الثقافة العربية أي إزالة الخصوصية القطرية ضمن الإطار العربي أولاً. - بعد انقضاء المؤتمر بيومين صدر قرار في ٢٢/١١/٢٠٠٠م من كوفي عنان بتعيين ميرفت التلاوي أمينة المجلس القومي للمرأة بمصر وإحدى أبرز المشرفات على المؤتمر في منصب السكرتير التنفيذي للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (أسكوا) برتبة وكيل الأمين العام للأمم المتحدة من أول يناير ٢٠٠١م. * اليوم الثالث: عقدت الجلسة الختامية: - بدأت الجلسة بكلمة للدكتور عصمت عبد المجيد تضمنت توصيات المؤتمر التي عرفت بـ» إعلان القاهرة «. ثم ألقت سوزان مبارك كلمتها في ختام الجلسة واختتم المؤتمر بذلك. إلا أن منال يونس رئيسة وفد العراق ورئيسة الاتحاد النسائي العراقي أبدت تحفظها على البيان وأسلوب وضعه وتحيزه بدلاً من انسحاب الوفد.

стр. 3846

متابعات الانسحاب من لبنان لمصلحة مَن ؟ أسعد التهامي الأعداء يوهموننا أنهم قدَّموا لنا شيئاً، وبهذا الوهم تُفجر مشاكل واضطرابات أخرى، وهذا ما يفعله اليهود على مرّ العصور. فاليهود إذا تنازلوا عن شيء فإنهم يكسبون من ورائه أشياء، وإن لم يكسبوا شيئاً خرَّبوا ما يتنازلون عنه؛ وهذا ما فعله يهود بني النضير عندما نقضوا العهد مع النبي ﷺ بعد غزوة أحد، فحاصرهم الجيش الإسلامي حتى صالحوه على الجلاء، فجلا أكثرهم إلى الشام، ولحقت طائفة بخيبر؛ وكانوا قبل جلائهم عن ديارهم يُخربون بيوتهم فيقلعون العُمد، وينقضون السقوف، وينقبون الجدران لئلا يسكنها المؤمنون حسداً منهم وبغضاً. قال تعالى: [يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي] (الحشر: ٢) . وجاءت قضية الانسحاب من لبنان لتدلل على طبع اليهود الخبيث، وأن كل شيء يفعلونه يكون في صالحهم حتى وإن كان ظاهره غير ذلك؛ فالانسحاب من لبنان يصب في جعبة إسرائيل مع التنبيه على أنه انسحاب غير كامل؛ فهناك أكثر من ثمانية قرى تحت أيدي القوات الإسرائيلية، كما أن هناك مزارع (شبعا) التي تبلغ مساحتها ٢٠٠ كم٢ وتعتبر مصدراً مهماً من مصادر الدخل في إسرائيل لإنتاجها الحيواني من ناحية ولقيمتها السياحية من ناحية أخرى، وهناك بعض الجوانب التي تبين كيف أن الانسحاب من لبنان في صالح إسرائيل في المستوى الأول، ومن ذلك: أولاً: توقف المقاومة من قِبَل حزب الله، وقد كانت سوريا تُعوِّل على المقاومة من قِبَل حزب الله كثيراً من الآمال في إجبار إسرائيل على الانسحاب من لبنان والجولان في آن واحد، ولكن ما حدث الآن قطع السبيل وضيَّع تلك الفرصة على سوريا. ثانياً: الضغط على حزب الله ولعب شتى الأدوار عليه من نزع للسلاح، وخلخلة العلاقة بينه وبين الدولة وما إلى ذلك، وقد قال الرئيس الأمريكي: «إن مسألة حزب الله يجب ألا تتكرر» . ثالثاً: إحداث خلاف سوري لبناني. وذلك عن طريق: أ - عدم انسحاب إسرائيل من مزارع شبعا؛ فقد استطاعت إسرائيل أن تحشد دعماً دولياً قادته أمريكا وفرنسا وبريطانيا والأمم المتحدة يقر بأن (شبعا) ليست لبنانية وإنما هي سورية. ب - أن هذا الانسحاب أدى إلى انتفاء مسوِّغ وجود القوات السورية في لبنان والتي يبلغ عددها ٣٥ ألف ضابط وجندي، إضافة إلى مئات الآلاف من العمال السوريين في لبنان الذين يشغلون أعمالاً يتعطش لها الشباب اللبناني. رابعاً: إيجاد الفراغ الأمني بلبنان: أ - فانسحاب اليهود السريع من لبنان قبل ترتيبات الأمم المتحدة هو محاولة من إسرائيل لإيجاد ما يسمى بالفراغ الأمني الذي يتيح الفرصة لنشوب نزاعات داخلية لبنانية ووضع السلطات اللبنانية وسوريا في حرج؛ فقد أعلنت إسرائيل أنها ستنسحب في السابع من يوليو، ثم فاجأتنا بالانسحاب في الخامس والعشرين من مايو لإشاعة الفوضى والتوتر في جنوب لبنان. ب - وذلك أدى إلى أن لبنان ستلتفت إلى قضاياها ومشاكلها الداخلية ولا تتدخل في شؤون أو مشاكل أي دولة أخرى حتى وإن كانت سوريا. خامساً: اختفاء أي مطالبة بخطوات تجاه السلام من قِبَل إسرائيل؛ فهي تنتظر بتلك الخطوة أي الانسحاب من لبنان تهليلاً واحتفاءاً وتطبيلاً على المستوى العربي والعالمي، وتصوير الأمر على أنها تنازلت عن بعض حقوقها من أجل السلام «وكأن احتلالها جنوب لبنان من حقوقها» . وهذا يؤدي إلى إرجاء أي خطوات أخرى في مسيرة السلام. وللأسف أن هناك من صدَّق أنه بخروج إسرائيل من لبنان قد تغيرت كل الأوضاع، وأن السلام على وشك التمام، وهذه نظرة قاصرة بلا شك. سادساً: المراهنة على حدوث اقتتال لبناني فلسطيني؛ فلبنان ضد توطين الفلسطينيين وهو مع عودتهم إلى ديارهم، وقد صرَّح رئيس الجمهورية اللبناني بأن لبنان لن يسمح بتوطين اللاجئين الفلسطينيين في أراضيه، وأن من حقهم الكفاح من أجل العودة. والقضية شائكة؛ حيث تتعلق بمصير مئات الآلاف من الفلسطينيين المقيمين في المخيمات. وهكذا نرى أن إسرائيل قد حققت مصالح على المستوى العالمي والعربي، وأن فوائد الانسحاب تصب عندها، ولكن البعض نظر إلى ذلك الانسحاب من جنوب لبنان على أنه انتصار عظيم، وكأن اليهود انتهوا بذلك، وإن كنّا لا نقلل من الانسحاب الذي يعبِّر عن هزيمة عسكرية صهيونية.

стр. 3847

الباب المفتوح فقيد العلم والدين ! جمال الحوشبي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا» [متفق عليه] . ذبول في العراجين ... لهمٍّ كاد يبريني تُرَدِّدُ رَجْعَه نجد ... على فقد العثيمين وتُرْوَى اليومَ سيرتُه ... من البلقان للصين ألا يا ليت ما شعري ... وما وصفي وتبييني أحقاً مات عالمنا ... فقيد العلم والدين؟ أمات الصالح المحبو ... بُ في قلبِ الملايين وفاضت عبرةٌ مني ... فكاد الدمع يبكيني دعتك مفاتن الدنيا ... بأصناف القرابين فما كنت الذي في زهـ ... رة الدنيا بمفتون لئن قالوا: فقدناه ... فذكرك في الدواوين علوم كنت تشرحها ... بنهج منك مسنون لئن قالوا: تغيَّب في ... حنايا الترب والطين فعلمك بيننا أبداً ... زكيُّ الصاد والسين ألا تبكون مَن في فق ... ده النقصان في الدين لك الرحمن يا أسداً ... هصوراً في الميادين إذا ما قلت: قال الله ... في حزم وتمكين وصُغت السنَّة الغراء ... إحكاماً بتبيين تهابك في معاقلها ... أشمَّاءُ العرانين لئن غودرت يا عَلَماً ... بجوف الترب والطين فأسأل من حباك الفضل ... في عزٍّ وتمكين بأن يوليك مكرمة ... بدار الخلد والعِين

стр. 3848

الباب المفتوح الصدع والأنين في رثاء العلامة ابن عثيمين أيمن إبراهيم شحاتة قف في سكون على الأطلال مُعتبِرَا واخفض من الطرف واخشع واسمع الخبرا كم من فقيدٍ غدا للموت مغتبطاً ... بالخلد في جنَّة الرحمن مفتخرا ربَّاه فاجعل سبيل الشيخ تكرمةً ... يجني جنى الجنتين الحُلو معتصرا يا صالح النهج يا شيخ الورى حزنت ... تلك الدنا واستحال القلبُ منكسرا قالوا: لقد مات فاستحسرتُ وانتفضَت ... أبيات شعري وراحت تسطر العِبَرا تلك السماء التي قد رُصِّعت درراً ... باتت تذوق الأسى إذ ودَّعت قمرا نبع الصفاء الذي منه ارتوت أممٌ ... قد أصبح اليومَ يبكي ذلك النَهَرا والروض قد بات محزوناً ومكتئباً ... فالعندليب الذي فيه ارتقى قُبِرَا للشيخ في قلبنا ذكرى ومنزلةٌ ... لم يلقها بيننا زوراً ولا بطرا لابن العثيمين في جمع الورى كتبٌ ... سارت ركابٌ بها واحتلت الغمرا أكرم بشرح [١] بديع منه قد نهلت ... تلك البرايا وراحت تصطفي الدُّررا فالشعر من كمدٍ يبكي وتندبه ... تلك البحور التي باهت به البحرا ما زال يحمل همَّ الدين في جَلَد ... حتى قضى فاستحق الشكر إذ صبرا أدعو الإله الذي يبلو سرائرنا ... أن يسقي القبر غيثاً طيباً عَطِرا

стр. 3849

المنتدى ردود * الإخوة: خالد سليمان المزيد، محمد بن مبارك بن حسن، فارس بن محمد الفارس، أحمد المنصوري، محمد بن عبد العزيز، ثواب بن عبد الله السبيعي، إبراهيم الصالح، حمد الجابري، أحمد سيد أحمد، علي عطية الغامدي، عبد الرحمن صالح أحمد، عبد الله العواد، «قارئ أردني» : تشكر لكم المجلة تواصلكم الكريم معها بالملاحظات والاقتراحات، جعلنا الله وإياكم من المتواصين بالحق والخير، مع تمنياتنا بدوام التناصح والتواصل.. وفقكم الله لكل خير. * الأخ: خميس بن عاشور الجزائر: العنوان البريدي الذي أرسلته للمجلة غير صحيح، حيث أعيدت لنا الرسالة التي أُرسِلَتْ إليه، فنرجو التكرم بتزويدنا بالعنوان الصحيح، وجزاكم الله خيراً. * الأخ: نجيب أحمد اليافعي: وصلتنا مشاركتك، ولن نتمكن من الحكم عليها إلا باكتمال حلقاتها، وجزاكم الله خيراً. * الإخوة: سليمان بن محمد الهذال، عنايت الله السنابلي، مصطفى عبد الله الجفري، عبد الرحمن البليهي: وصلتنا مشاركاتكم ونفيدكم بأنها مجازة للنشر بإذن الله. * الإخوة: تركي محمد الحميدان، إبراهيم صالح العيدهي، عبد الله الحمد، محمد عبد العزيز المبرد: شكراً لتواصلكم الطيب مع المجلة، ومشاركاتكم مجازة للنشر في المنتدى.. بإذن الله. * الإخوة: عمر الرماش، محمد بن مبلود شريط، علاء الدين معصوم حسن، شاهر محمد شريف، ضياء الحق الهاشمي: نرجو التكرم بتزويدنا بعناوين شخصية لتتمكن المجلة من مراسلتكم، وجزاكم الله خيراً. تلقت المجلة سيلاً من المقالات والقصائد حول وفاة فضيلة الشيخ محمد العثيمين ﵀، وكثير من هذه المقالات والقصائد مفيدة وطيبة، وتدل على عاطفة نحسبها إن شاء الله صادقة، لكننا نعتذر عن نشرها، اكتفاء بالملف الذي خصصناه في هذه العدد عن فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى. ونحسب أن إخواننا الكتّاب الفضلاء يقدِّرون اعتذارنا عن نشر مقالاتهم وقصائدهم، ونجدد دعوتنا لهم بضرورة التواصل المستمر مع مجلتهم. وجزاكم الله خيراً.

стр. 3850

الورقة الأخيرة تأملات في المسألة الشارونية عبد العزيز كامل إذا كانت الديمقراطية عند من يؤمنون بها هي أصدق تمثيل لإرادة الشعوب؛ فإن شخصية أرييل شارون الذي انتخب مؤخراً لزعامة (إسرائيل) بكل ما فيه من إجرام، هي المعبِّر الحقيقي عن إرادة الشعب الإسرائيلي؛ في المرحلة الحالية حيث كان فوز هذا الإرهابي ساحقاً (٦٢. ٥%) ، ولم تُسبق هذه النسبة في الفوز لرئيس وزراء إسرائيلي قبله. * شرور شارون كانت أكبر مؤهلاته للفوز بثقة الشعب الإسرائيلي وتفويضه، وهي ثقة تمتد على طول الخط الواصل بين جرائمه الماضية وتهديداته المستقبلية أثناء دعايته الانتخابية، ولا بد لمن يراهنون على تحسن درجاته في (السيرة والسلوك) بعد أن أصبح رجل دولة ألا يتجاهلوا سيرته الماضية الحمراء وبرامجه المقبلة السوداء. * سِجِلُّ شارون الماضي يقول: كان يحمل هراوة يضرب بها الأطفال الفلسطينيين في الأربعينيات عندما كان صبياً، وعندما أصبح مجنداً في سلاح المظلات كان له دور أساس في ضرب المدنيين الفلسطينيين في مذبحة قرية (قبية) في الخمسينيات، أما في الستينيات فكان أحد الجنرالات الذين شاركوا في قهر العرب في حرب ١٩٦٧م، وفي السبعينيات قاد عملية (ثغرة الدفرسوار) في مصر التي قلبت موازين حرب أكتوبر ١٩٧٣م، وفي الثمانينيات دبر حرب لبنان وما تبعها من مذابح صابرا وشاتيلا ١٩٨٢م، أما في التسعينيات فقد تفرغ للاستيلاء على الممتلكات العربية لتوسيع المستوطنات اليهودية. * أما برامجه لجرائمه المستقبلية في العقد الثامن من عمره لا أطال الله بقاءه فتبدو معالمها من خلال تصريحاته وتهديداته التي أطلقها في الشهور القليلة الماضية، ومنها: التهديد بطرد الفلسطينيين إلى الأردن التي قال إنها من (أرض إسرائيل) التاريخية تهديد السلطة الفلسطينية بإعادة نفي رموزها للمرة الثانية على يديه إلى خارج فلسطين تهديد مصر بإغراقها بمياه السد العالي إذا فكرت في إرسال قوات إلى سيناء المنزوعة السلاح وكان قد قال منذ عامين فقط: لو كان الأمر بيدي لضربت جميع العواصم العربية بالصواريخ الإسرائيلية بعيدة المدى! * مع كل ذلك فقد تلقى التهاني (الحارة) بالفوز من عرفات وغيره، وأبدى الجميع استعدادهم لبدء مرحلة جديدة من (سلام الشجعان) ! معه، أما هو فقد اشترط فقط قبل بدء مفاوضات السلام (الهدوء التام) وأضاف على لاءات باراك الأربع أربع لاءات أخرى وهي: لا لإبعاد الجيش الإسرائيلي عن نهر الأردن، لا للالتزام باتفاقيات السلام السابقة، لا للعودة إلى حدود ١٩٦٧م، لا للتنازل عن المسجد الأقصى أو تقسيم القدس. * كان للعرب لاءاتهم أيضاً (في الماضي) ، وكان منها: لا للاعتراف بإسرائيل، لا للجلوس معها على مائدة المفاوضات، لا للتفريط في (شبر) ، وفي رواية في (حبة رمل) من الأرض العربية! والعمل جارٍ الآن على قدم وساق لـ (إقناع) اليهود بالتنازل عن لاءاتهم كما تنازل العرب عن لاءاتهم، وتكفيك نظرة واحدة في مطبوعة واحدة من الدوريات العربية الشهيرة في الفترة الأخيرة، لترى أنه لم يبق أمام المنظرين والمحللين والسياسيين العرب إلا الرهان على ذلك (الإقناع) . * اليهود يبنون على ما سبق أن بنوه ولا يتركون عهداً أو اتفاقاً مع العرب إلا نكثوه؛ فعندما بدأت مباحثات مدريد أفصح (شامير) بعدها أنه كان ينوي ترك المفاوضات تدور مدة عشر سنين في الفراغ، وبعدما أُعلن عن اتفاقيات أوسلو التي وقَّع عليها (إسحاق رابين) وشارك فيها (بيريز) نقضها (نتنياهو) ، واتفاقيات (واي ريفر) التي وقعها نتنياهو نقضها (باراك) ، والاتفاقيات المبدئية التي توصل إليها باراك في طابا مؤخراً تنصل منها (شارون) ! ! وهكذا تحقق ما تعهد به شامير منذ عشر سنوات، وكانت مجمل نتائج عملية السلام حتى الآن الدوران في حلقة مفرغة. * كل زعيم يهودي يأتي لمرحلة ويمهد لمن بعده؛ لأن كلاً منهم ليس إلا أداة للتنفيذ في يد زعامات أكبر، وقد مهد باراك لشارون بقصد أو بدون قصد وهيأ لمرحلته بدءاً من إعادة تلميعه في الإذن له بالزيارة المدججة بالجنود للمسجد الأقصى، وانتهاءاً بأداء منافسة هزيلة أمامه في الانتخابات، وملامح المرحلة التي مهَّد بها باراك لشارون عنوانها: (كشف الغطاء) ؛ فقد قال باراك في خطاب الاعتراف بالهزيمة الانتخابية مستعرضاً أهم إنجازات عهده القصير: «حكوماتنا حققت وللأبد تحديد الخطوط مع الفلسطينيين والسوريين، لقد كشفنا الأغطية عن جارنا الخصم دون أن نتنازل عن شيء، وجسسنا النبض، وأزلنا فعلاً الأقنعة» . * ويبدو أن الكذوب صدق فيما قال؛ فبالفعل نجح باراك في كشف الغطاء عن سوريا بالانسحاب من جنوب لبنان حتى لا تبقى لها حجة في بقاء جيشها هناك، وكشف الغطاء عما يسمى (حزب الله) الشيعي الرافضي حتى تظل عملياته المتوقعة ذرائع مدخرة لأي عمل إسرائيلي ضد سوريا أو لبنان، وكشف الغطاء عن السلطة الفلسطينية عندما اضطرها لرفض ما أسماه (التنازلات التاريخية) التي قدمها في كامب ديفيد الثانية؛ لأن ما كان مطلوباً مقابلها هو التنازل عن الأقصى فأظهرها بمظهر المعاندة للسلام وللحل النهائي! * بعد كشف هذه الأغطية لم يعد شارون في حاجة إلى تجميل صورته أو تحسين سلوكه بالسلام كما يراهن الواقعيون العرب؛ بل هو في حاجة فقط إلى غطاء دولي لما تدبر له المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي لا يهمها تقلبات السياسة وأهواء الساسة، بل يهمها شيء واحد هو تحقيق (سلام اليهود) الذي لا يتحقق أبداً إلا بالحرب؛ فالسلام في مفهومهم يعني الأمن، والأمن يعني الهيمنة العسكرية المطلقة، والهيمنة العسكرية المطلقة لا يمكن أن يحققها إلا جيش يؤمن باستمرار الحروب. * قال بعض الزعماء العرب جواباً عن سؤال حول استعداد العرب للحرب: «الحرب هذه أصبحت موضة قديمة» ! ! مع أن الأعداء لم يلقوا السلاح بعد، ولم يغلقوا أو يفككوا ترساناتهم المدمِّرة بعد، ولم يقولوا هم عن الحرب إنها موضة قديمة، بل هي عندهم آخر صيحة، تحتاج فقط لأول طلقة! فما أفقه أطفال الحجارة وما أذكاهم وأزكاهم وهم يحطُّون عن الأمة بعض آثام القعود الجماعي عن الجهاد، بل حتى عن نصرة المجاهدين! لقد جيء بشارون لهؤلاء وأمثالهم؛ لأنه لم يعد خطراً إلا هم، فاللهم أيدهم عليه، ولا تمكنه منهم، ولا تجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، آمين.

стр. 3851

المحرم - ١٤٢٢هـ أبريل - ٢٠٠١م (السنة: ١٦)

стр. 3852

كلمة صغيرة تعظيم منهج السلف التفرق والاختلاف سنة ماضية كتبها الله تعالى على هذه الأمة كما كتبها على الأمم السابقة؛ فظهر في هذه الأمة من الابتداع في الدين، والانحراف عن سنة سيد المرسلين ﷺ شيء كثير. وقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المخرج من هذا الضلال والتفرق، فقال: «فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» [١] . إن تعظيم النصوص الشرعية، والاستسلام لأوامرها، والوقوف عند حدودها، والاهتداء بهدي السلف الصالح من الصحابة ﵃ والتابعين وتابعيهم بإحسان هو الطريق الصحيح للسلامة من الزيغ والانحراف. قال تعالى: [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] (الأنعام: ١٥٣) وإن من أوجب الواجبات على العلماء والدعاة وطلبة العلم والحركات الإسلامية في المشرق أو المغرب: إحياء منهج السلف الصالح ﵃ في العلم والعمل، وتربية الأمة على المنابع الكريمة والأصول العظيمة التي لم تكدِّرها شوائب البدع والأهواء، خاصة في هذا العصر الذي كثر فيه التفرق والاختلاف، وقلّ فيه العلم، وتجارى فيه كثير من الناس وراء شهواتهم. نسأل الله أن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

стр. 3853

الافتتاحية خمسة عشر عامًا من عمر البيان بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فمنذ صدور مجلة البيان قبل خمسة عشر عاماً، حددت الأطر والخطوط العامة لسياستها وثوابتها، وكان من أبرز تلك الخطوط ما صرحت به من أنها صوت من أصوات أهل السنَّة والجماعة، تعمل على نشر المفاهيم الصحيحة للإسلام وتعميقها وفق فقه السلف الصالح للإسلام المأخوذ عن فهم الصحابة ﵃، للكتاب والسنة، وأنها تخاطب الدعاة في أنحاء العالم الإسلامي من منطلق المحبة الصادقة، والأخوة الإسلامية الرحبة، لا الحزبية المحدودة أو العصبية الضيقة، وأنها لأجل ذلك تعتبر نفسها إحدى روافد العمل الدعوي الإسلامي الذي يُفترض فيه التكامل والتكافل لأداء أسمى المهمات وأجلِّ الغايات وهي: الدعوة إلى الله بالقول والعمل: [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] (فصلت: ٣٣) . واليوم، ومجلتكم قراءَنا الأحبة تدخل عامها السادس عشر؛ فإن القائمين عليها يسرهم أن ينتهزوا الفرصة ليجددوا معكم ما عهدتموه من البيان، وما عاهدتكم عليه، وهو أن تظل وفيَّة للكلمة الجادة والتناول المسؤول والتأصيل الواضح، وأن تظل كما كانت سلفية المنهاج عصرية الطرح. هذا ما سبق أن حددت البيان توجهها إليه، وما جددت العهد على المسير عليه، وبين التحديد والتجديد هذه وقفات وتأملات نوجزها في النقاط الآتية: * إن مجلة البيان وهي تنحاز إلى المنهج السلفي، وتلتزم ثوابته؛ فإنها تفرِّق بوضوح بين المنهج والتطبيق؛ إذ المنهج فوق الأشخاص والممارسات، ولا مجال لنقضه أو نقده من أي كان؛ لأن منهج السلف هو المنهج المتلقَّى عن رسول الله ﷺ بنقل الصحابة العدول ﵃، وهو الإسلام الصحيح ذاته. أما حمل الأشخاص والجماعات والهيئات والمجتمعات لهذا المنهج وتطبيقهم له، فإن ذلك أمر يدخل فيه اجتهاد هؤلاء الأشخاص والجماعات وفق فهمهم وعلمهم هم بمنهج السلف ومناطاته وتنزيلاته، ومن ثم فإن هذا الاجتهاد قابل للتقويم والملاحظات والمناصحات؛ ولهذا فإن المجلة لا تتبرم بنقد أو نصيحة في الأداء، ولا تضيق صفحاتها عن كلمات تمليها روح الإخاء؛ بل تعتقد أنَّ هذا هو الطريق الصحيح الذي تبرأ به الذمة، تحقيقاً لقول الله تعالى: [وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (وَالعصر: ٣) . * إن مجلة البيان وهي تنحاز إلى ذلك المنهج السلفي، وتتصدى لمسؤولية القيام به، لا تدَّعي التفرد بذلك، ولكن تدعو إلى تلاقي الجهود كلها لخدمة هذا المنهج، وتفسح صفحاتها لكل طرح أو تصور أو مشروع جاد من شأنه أن يثري أداء الدعوة السلفية في أي من جوانبها الشرعية أو التربوية أو الدعوية أو السياسية أو الثقافية. * إذا كان التواضع لله مطلوباً للقيام بواجب العبودية، فإن التحدث بنعمة الله أيضاً مطلوب لأداء واجب الشكر، ومن الشكر لله والتحدث بنعمته أن نقول إننا نحسب أن مجلة البيان قد سدد الله خطاها وله الحمد في سد ثغرة خطرة في جدار الإعلام الإسلامي؛ وذلك بقيامها بدور في التأصيل لواقع الدعوة المعاصر ومعالجتها لهموم هذا الواقع على أسس من المنهج القويم، منهج أهل السنَّة والجماعة، وهي لهذا عندما تطلب العون والتأييد من حَمَلَة هذا المنهج تجد في نفسها الشجاعة لطلب ذلك؛ لأنها لا تطلبه لحساب جهة أو جماعة أو حزب، وإنما تطلبه لأجل تقوية هذا المنهج وتنميته. * كلما كان العمل جادًا ومحايدًا اعتورت طريقه عقبات وعقابيل قلَّما تتلقى مثلَها الأعمالُ الهابطة أو المنحازة، ومن فضل الله أن اختيار البيان للمنهاج الجاد مع ذلك الحياد قد جلب لها قراءً وكتَّاباً من ذلكم المعدن، ولهذا ندين بالامتنان لهم ولكل من أعان بعد عون الله تعالى على استمرار البيان على هذا النهج الصادق، وندعو إلى المزيد. * والمزيد هنا ليس مجرد الإقبال على الشراء أو الاشتراك؛ فهذا حاصل ومشكور، ولكن أيضاً بفتح مزيد من النوافذ التي يمكن لـ البيان أن تطل من خلالها على المسلمين في المشارق والمغارب، وبخاصة أولئك الذين لا يتمكنون من الحصول عليها إلا مهداةً أو مخفضة الثمن أو دون سعر التكلفة، فإذا أضفنا إلى ذلك من يحتاجون إلى البيان بمنهجها هي ولغتهم هم، كان الهمُّ أوسعَ والمسؤولية أكبر. * ومن المزيد: أن تسخو أقلام قادرة على العطاء الفقهي والفكري بزكاة فقهها وفكرها، ولا تبخل بشيء من بيان الدين وتفصيل أصوله أو فروعه وفق المنهج المرضي على مجلة جُعلت للبيان، خاصة أن هذا البيان من أهله واجب على كل قادر بحسبه، كما قال سبحانه: [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ] (آل عمران: ١٨٧) . ونصارحكم القول بما عانته البيان من بعض هذا الكتمان! أو على الأقل من الضن والتقتير فيه من فضلاء أغناهم الله به. ونحن إذ نقدر لهؤلاء الفضلاء ضيق أوقاتهم وكثرة أعمالهم الدعوية التي قد تشغلهم عن المشاركة معنا، فإننا نلتمس منهم أن يقدروا إلحاحنا عليهم؛ فما ذلك إلا محبة لهم وثقة بهم ورغبة في التعاون معهم على البر والتقوى. * إذا كانت المجلة قد أدت بنظر الكثيرين من متابعيها ومحبيها أدوارًا مهمة في ترشيد الصحوة الإسلامية من جهة التأصيل لقضاياها، والمعالجة لأمورها، فإن ما ينتظرها نعني البيان من الأدوار أكثر وأكثر، وبخاصة أن الله تعالى يمنُّ عليها كل حين بأفواج جديدة من المتابعين والمعجبين والناصحين، والمجلة وهي تشعر أن ذلك يضاعف المسؤولية عليها لتدرك أنه أصبح واجباً عليها ألا تتوقف عن تطوير أدائها مضموناً وشكلاً، وهي إذ تقبل الاضطلاع بهذه المسؤولية مستعينة بالله، لتدعو قراءها ومحبيها ألا يتوقفوا أيضاً عن الإسهام بآرائهم وملاحظاتهم في مسيرة ذلك التطوير. * المجلة على ضخامة العبء الذي أصبح منوطاً بها، هي إحدى مؤسسات (المنتدى الإسلامي) وإحدى ثمرات جهوده المباركة في خدمة الدعوة الإسلامية، وهو ينوء بعبء أكبر؛ إذ يشاطر المجلة دورها العلمي بدور عملي يتمثل في الأعمال الدعوية، والتربوية والتعليمية الميدانية في الكثير من أصقاع العالم. ولَكَمْ يسرُّ مجلة البيان أن يقترن دعم قرائها لمسيرتها، ورسالتها العلمية والفكرية بمتابعة ودعمٍ لمسيرة (المنتدى) ورسالته العملية الميدانية، وخاصة أن منهج كل منهما وهدفه واحد، وهو: الإسهام بدور فاعل في نصرة منهج الطائفة المنصورة بإذن الله. * وأخيراً؛ فإن الخيار الصعب بين سلامة المنهج ومنهج السلامة، وبخاصة في أزمنة الفتن، يفرض على الصادقين من أهل الدين الصحيح أن يعينوا إخوانهم على الاختيار الصحيح؛ فلنجدد العهد على الاختيار الصحيح. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

стр. 3854

دراسات في الشريعة والعقيدة الإصلاح التشريعي موجز تاريخي وخطوات عملية (١) عبد العزيز بن محمد القاسم [*] azalgasem@hotmail.com اقترنت هيمنة دول الحضارة الغربية بالسعي الحثيث لتعميم نماذجها الفكرية والاقتصادية والقانونية بوصفها وسيلة من وسائل تعميق تبعية مناطق النفوذ، إضافة إلى تمكين الدول الغربية من الامتيازات المتناسبة مع قوتها. ويهمنا من هذه النماذج في هذا المقال البنية القانونية؛ حيث أدى الضعف العام في بلاد المسلمين إلى تمكين تلك القوانين، وسيشير هذا المقال إلى دور الفقهاء في تيسير تمكين القوانين حيناً، وفي مزاحمتها بالصيغة الشرعية أحياناً أخرى، ليتبين مدى تأثير العمل الإيجابي في تغيير الواقع وتصحيح مساره نحو هدي الكتاب والسنة، ليكون ذلك حافزاً لطلبة العلم الشرعي والفقهاء بوجه خاص نحو العمل المثمر أداءً لما فرضه الله تعالى عليهم من البيان والشهادة على الناس بما شرفهم الله تعالى به من العلم. فكيف دخلت القوانين بلاد المسلمين، ومتى حدث ذلك، وما أبرز الأحداث التغييرية في هذا المجال، وما ثمراتها، وكيف نستثمر معرفة ذلك في واقعنا الذي نتقلب فيه؟ أسئلة كثيرة يفرضها الموضوع تقتضي مراجعات عديدة في جهود الفقهاء، لتسديد وتنشيط التفاعل مع ما يغشى مجتمعاتنا الآن من متغيرات تفرضها الاتفاقيات الدولية، وتنشيط الاقتصاد، وعيوب الواقع وتطبيقاته. كما سيعرج المقال على محاولة استطلاع الدور المنشود من المتخصصين في هذا الحقل من أهل الفضل، وكيفية تسديد مسيرة هذا القطاع. إن تشابك مسائل هذا الموضوع وتعقُّد العلاقات التي تحكمه، ودقة الأصول الشرعية المتعلقة به، وكثير من الحساسيات والمواقف المجملة تفرض التدقيق في طرحه، وتحري تحرير مسائله، وهذا ما لا يستطيعه كاتب واحد، لكن الأمل في تسديد الزملاء المتخصصين، وتوجيه الفقهاء الراسخين، أملاً في الانتقال من المعرفة إلى التطبيق، جعلنا الله هداة مهتدين. مقدمة في التعريف الموجز بمصادر القوانين الغربية الحديثة: تهدف هذه المقدمة إلى التعريف بمصادر ما تضمنته القوانين الغربية من أحكام للعلاقة الوثيقة بين ذلك وبين معرفة الحدود الشرعية للانتفاع بها، وبيان ما يجب تطهير أنظمتنا منه. مصادر القوانين الحديثة: ورثت المنظومات القانونية الغربية تراثاً حقوقياً إنسانياً من حضارات عديدة أهمها القانون الروماني والفقه الإسلامي، وتعود جذور النضج القانوني الروماني إلى مدرسة الحقوق في بيروت في العهد الروماني؛ حتى سميت هذه المدينة عند الرومان: (الأم المرضعة للحقوق) فصارت مقصداً لطلاب الحقوق [١] . وقد ارتبط الفكر الحقوقي القديم بمناطق النبوات، في الجزيرة العربية والشام والعراق ومصر؛ فمنها انتشرت الشرائع، وهذا معروف لدى مؤرخي الفكر الحقوقي والسياسي؛ فقد وصلت الدراسات المتتبعة لجذور القوانين القديمة إلى بيان الصلة بينها وبين المصادر الدينية، بل ثبت احتكار رجال الدين في الأمم للمعرفة الدقيقة بالحقوق؛ فمن ذلك دراسات سومنير مين البريطاني وهيرمان بوست [٢] . ويؤكد هذه العلاقة تاريخ مدونات الحقوق القديمة المعروفة منذ قانون حمورابي ١٧٥٠ قبل الميلاد؛ فقد تضمنت ما يشير إلى العلاقة الوثيقة بين الدين والقانون، ومثل ذلك في قانون مانو في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، رغم عمق الوثنية في تلك البيئات [٣] . وقد لاحظ علماء المسلمين ذلك؛ فابن تيمية مثلاً تحدث عن أثر الرسالات في هداية السياسات المدنية، فرتب الناس في الرقي المدني إلى ثلاث مراتب: أ - الأمم التي لم تستهد بكتاب منزل، ولا تعقلت مصالحها وهي أدنى الأمم. ب - الأمم التي تعقلت مصالحها، فكان تعقلها محصلاً لمصالح مما دلت عليه النبوة، لكنها وقعت في جهالات تخالف النبوات كاليونان، وهي أمثل من التي قبلها فيما تعقلته. ج - الأمم الكتابية مع انحرافها، وهي أمثل من الأمم التي تعقلت مصالحها ولم تستهد بالنبوة. يقول: «ولا ريب أن في ذلك يعني سياسات المتفلسفة من نوع العلوم والأعمال الذي يتميزون بها عن جهال بني آدم.. وفيه من منفعة صلاح الدنيا وعمارتها ما هو داخل في ضمن ما جاءت به الرسل. وفيها أيضاً من قول الحق واتباعه والأمر بالعدل والنهي عن الفساد: ما هو داخل في ضمن ما جاءت به الرسل؛ فهم بالنسبة إلى جهال الأمم أمثلُ إذا خلوا عن ضلالهم؛ فأما مع ضلالهم فقد يكون الباقون على الفطرة من جهال بني آدم أمثل منهم» ، ثم يقارن بين اليونان وبين مناطق النبوات فيقول: «فأما أضل أهل الملل مثل جهال النصارى وسامرة اليهود فهم أعلم منهم أي من المتفلسفة وأهدى وأحكم وأتبع للحق» [٤] . وهذا كله يبين فضل الرسالات وأثرها في تغذية الفكر الحقوقي قبل انحرافه بالأفكار الوضعية؛ إذ إقامة العدل مقصد من مقاصد النبوات يشهد تاريخ القانون بتحققه. قال تعالى: [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ] (الحديد: ٢٥) . وقد التبست آثار النبوات بكثير من الباطل المحرف؛ كما لحق الميزان أي العقل الصحيح من الانحراف ما صرف الإنسان عن العدل والخير في كثير من نظراته، فانحرف في الأصول العقدية، والتطبيقات الأخلاقية والعدلية، فاستحسن القبيح، واستقبح الحسن في أحوال كثيرة ليبقى الكمال لوحيه المنزل، ولتبقى أمة القرآن خير أمة أخرجت للناس، شاهدة عليهم بما حفظ الله تعالى لها من الوحي. وكان أهل الكتاب يعلمون فضل ما عرفه المسلمون من موازين العدل، فاحتكموا إليهم، حتى في دول سيادتها لأهل الكتاب. يروي ابن تيمية ﵀ تعالى ذلك فيقول: «ولهذا تجدهم يردون الناس إلى حكم شرع الإسلام في الدماء والأموال ونحو ذلك، حتى في بعض بلادهم يكون الملك والعسكر كلهم نصارى وفيهم طائفة قليلة مسلمون لهم حاكم فيردون الناس في الدماء والأموال إلى حكم شرع المسلمين» [٥] . وقد اقتبست الحضارة الغربية من المسلمين ما لا يحصى من القواعد والأحكام والمصطلحات، عبر منافذ الصلة بين المسلمين والغرب في الأندلس، والدولة العثمانية، والبحر المتوسط، والغزوات الصليبية، وقد انتشرت الدراسات التي تبين مجالات النقل، وأوجه التغير التي طرأت على الفكر القانوني الغربي بعد صلته بالمسلمين. انظر مثلاً الغرب الإسلامي والغرب المسيحي خلال القرون الوسطى تنسيق محمد حمام فقد تضمن بحوثاً تتناول مجموعة من أوجه التأثير الإسلامي في الغرب، وإذا نظرت في أصل الحقوق الغربية نظرية الحق الطبيعي في مفهومها الحديث تجد صلتها الوثيقة بالمسلمين منذ توما الإكويني المتتلمذ على مؤلفات ابن رشد الذي لخَّص المستصفى أكثر كتب الأصول بياناً لنظرية الضروريات الخمس التي ترعاها الملل [٦] . بل يذكر شارح مجلة الأحكام العدلية علي حيدر أن بعض الدول الأوروبية كانت تستفتي إلى عهد قريب المتخصصين في الفقه الإسلامي من علماء دار الفتوى في بعض المسائل الحقوقية المشكلة، فيقول: «وقد استُفتيت دار الاستفتاء هذه في بعض الأحوال من قِبَل دول أوروبا في بعض المسائل الغامضة الحقوقية» [٧] . ويتحدث الكاتب الفرنسي (أندريه كلو) عن كفاءة الجهاز القضائي العثماني نقلاً عن شاهد عيان أوروبي زار تركيا سنة ١٥٥٠م قائلاً: «فنوَّه بالسرعة والأمانة اللتين تتحلى بهما عدالة الأتراك، وقارنها بالمحاكم الفرنسية التي يسود فيها انعدام الأخلاق والفساد» [٨] . ويقرر المستشرق الشهير (شاخت) أن التطبيق القانوني في القرن السادس عشر كان أفضل في بلاد الخلافة من نظيره في البلاد الأوروبية آنذاك من كل الوجوه [٩] . إن الانحرافات العقدية التي تغلغلت في العقل الغربي قد مسحت تلك الثروة الحقوقية بانحرافاتها الكنسية والعلمانية؛ فالتبس الحق بالباطل والعدل بالبغي، وذهبت أفواج الدارسين المسلمين إلى معاهد الحقوق الغربية اللاتينية والأنجلو أمريكية فاقتبست من تلك الثروات علماً كثيراً ممتزجاً بذلك التحريف، وأصبح واقع كثير من بلاد المسلمين يدار بتلك المفاهيم والمعايير: في القوانين والقضاء والإدارة والاقتصاد والإعلام والتخطيط، وغيرها، فأصاب مجتمعاتنا من آثار تلك الانحرافات مع ما غنمته من صواب فيها. الضعف الفقهي والتشريع الوضعي: تراوحت مواقف الفقهاء من التشريعات الوضعية بين الرد المطلق والقبول التسويغي، ومواقف بين ذلك. إن الرد المطلق للقوانين دون تنبه لوظائفها والظروف التي أوجدتها لم يزد القوانين الغربية إلا تغلغلاً باعتبارها حلولاً جاهزة مفصلة لواقع تصنعه هذه الحضارة، ومؤسساتها، وعادة الساسة التعلق بما يعالج واقعهم دون تدقيق وتمحيص، وقد يكون لبعضهم من الهوى ما يميل به إلى تلك الحلول، وستأتي أمثلة لهذه المواقف المختلفة لدى الساسة والمختصين. يقول ابن تيمية مفسرًا الحاجة العملية التي أدت إلى السياسة الوضعية العباسية: «منشأ هذا الخطأ أن مذهب الكوفيين فيه تقصير عن معرفة سياسة رسول الله ﷺ وسياسة خلفائه الراشدين.. فلما صارت الخلافة في ولد العباس واحتاجوا إلى سياسة الناس وتقلَّد لهم القضاء من تقلده من فقهاء العراق ولم يكن ما معهم من العلم كافياً في السياسة العادلة: احتاجوا حينئذ إلى وضع ولاية المظالم، وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع، وتعاظم الأمر في كثير من أمصار المسلمين» [١٠] . أما المواقف الإيجابية للفقهاء فهي التي تثمر وتغير الواقع؛ وذلك باقتحام تلك المنظومات دراسة وتحليلاً ونقداً لوظائفها ومضامينها، وتتبعاً لما فيها من الخلل العقائدي والأخلاقي والعدلي واللغوي، وتتبعاً لمعالجات الفقهاء المسلمين ﵏ لتلك الجوانب، وإعداد صياغة تطبيقية سهلة المأخذ مفعمة بقيم الشريعة وأصولها العقدية، فيتحقق بذلك البديل الوافي بوظائف تلك المنظومات، المتسق مع أصول الوحي العقدية والأخلاقية والعدلية. لقد أدت المواقف المترددة إلى استمرار تدفق تلك القوانين، وإلى انفصال رجال القانون عن العلم الشرعي رغم استقامة العديد منهم وحرصهم على تدينهم. كما أدى التردد إلى عزل العلم الشرعي عن التأثير في تلك القوانين واستصلاحها. وقد ضاعف تردد الفقهاء غموض التفريق بين القوانين المناقضة لحكم الشرع والقوانين التنظيمية التي تعتبر من السياسة الشرعية، فأدى ذلك كله إلى إخلاء الميدان المحلي للتغريب في كافة أنواع الأنظمة، وتعطيل مقدرة الأمة على إعادة صياغة تلك النظم بما يطوعها للشرع المطهر، ويرطب جفاءها بنداوة هدي الكتاب والسنة وفقه الأمة، ويثريها بألفاظ الفقه الإسلامي ومفاهيمه، ويردها إلى مراجع فقه المسلمين. أسباب الغزو التشريعي وأهدافه: كان الغزو التشريعي نتيجة لعوامل الضعف الشاملة التي أوقعت الأمة في التبعية الحضارية، ويهمنا في هذا المقام استخلاص أهم أسباب التبعية التشريعية تمهيداً لبيان وسائل تحقيق الأصالة التشريعية المستوعبة لمتغيرات الحياة، ولتقريب خطوات العمل التي يمكن أن يباشرها طلبة الدراسات الفقهية. تنقسم العوامل التي أدت إلى التبعية التشريعية إلى: أ - الأسباب الخارجية. ب - الأسباب الذاتية. أ - الأسباب الخارجية: استقبلت الحضارة الغربية الفكر الحقوقي من مصادره المختلفة، وأعملت فيه فنون التنظيم التي تطورت لديها مع تطور العلم والإدارة؛ كما قادت التطبيقات اليومية المدنية خبراء القانون وقضاته وقادتهم إلى المضي بالقواعد الحقوقية نحو أعماق التفاصيل التي تعج بها الحياة المعاصرة، وقد تزامن ذلك مع هيمنة القوة الغربية، وضعف الدولة والمجتمعات الإسلامية، فأدى ذلك إلى الغزو التشريعي ليحقق هدفين رئيسين للقوى الأجنبية: أ - حماية الامتيازات الغربية في بلاد المسلمين. ب - تمكين الهيمنة السياسية. أ - الامتيازات الأجنبية: عقدت الدولة العثمانية معاهدات امتياز للجاليات الغربية في الدولة العثمانية، كان من أهمها معاهدة ١٥٣٥م الفرنسية التي تتضمن الإعفاء من الضرائب، والحصانة من سلطة المحاكم العثمانية ومن التشريع المحلي؛ رغم أن القضاء العثماني في تلك الفترة كان في غاية الكفاءة مقارنة بالمؤسسات الغربية، ومن تلك الامتيازات المعاهدة الفرنسية لعام ١٦٧٣م، والمعاهدة الإنجليزية عام ١٦٧٥م، وقد كانت تستند إلى أسباب تجارية وأصبحت وسيلة للتدخل الأجنبي في أمور الدولة بزعم حماية الأقليات غير المسلمة، وفي أوائل الحرب العالمية الأولى ألغت الدولة العثمانية الامتيازات، واعترفت الدول الأجنبية بذلك في معاهدة لوزان في ١٩١٤م. وفي مصر جددت امتيازات الأجانب في القرن السادس عشر، فأُعفُوا بموجب ذلك من الضرائب ومن الخضوع للقضاء الأهلي، وفي عام ١٨٠٧م ثبتها محمد علي تشجيعاً لعلاقة الأوروبيين معه، وفي سنة ١٨٧٥م أسست المحاكم المختلطة لتنظر في قضايا الأجانب بقانون مدني مستنسخ من القانون الفرنسي. ب - الهيمنة الثقافية عبر التشريع: بدأ الاستعمار البريطاني في شبه القارة الهندية بتقليص نفوذ الشريعة وبسط هيمنة القوانين البريطانية على مراحل؛ فقد استمرت شركة الهند الشرقية في تطبيق أحكام المذهب الحنفي دون تغيير يذكر حتى سنة ١٧٧٢م حين أُسنِدَ القضاء إلى قضاة إنجليز كان إلى جوارهم مُفْتُون يعاونون هؤلاء القضاة، ثم طبق القانون البريطاني في بعض المناطق، ثم جرت تعديلات عديدة لأحكام شرعية كإلغاء التفريق بين القتل العمد وشبه العمد سنة ١٧٩٠م، وفي سنة ١٨١٧م سنَّت الحكومة البريطانية قانوناً يلغي حد الزنا ويقرر حكماً وضعياً، وبعد إخماد مقاومة المسلمين الهنود ضد بريطانياً تمكن الإنجليز سنة ١٨٧٥م/١٢٩٢هـ من إحداث التغيير التشريعي الشامل؛ ففي سنة ١٨٦١م صدرت قوانين العقود والأوراق التجارية، وبذلك انقطعت صلة القضاة تدريجياً بعلوم الفقه الإسلامي وانتقلوا إلى مصادر القانون. وبذلك دخل التشريع والفقه عصراً جديداً بدأ معه التغريب، وقد تكرر ذلك في معظم بلاد المسلمين المستعمرة كالجزائر؛ حيث صدرت القوانين الفرنسية فيها سنة ١٨٥٠م، والقانون الإنجليزي في السودان مع الاحتلال البريطاني، والقانون الهولندي في أندونيسيا مع الاحتلال الهولندي واستمر مطبقاً إلى سنة ١٩٧٦م، ويدعم ذلك كله التعليم القانوني بلغة المستعمر، وفي جامعاته. أما مصر وأقاليم الخلافة العثمانية فقد كانت تطوراتها من الأهمية والضخامة بحيث تستحق البسط لعظيم أثرها على التجربة العربية عموماً، وليترابط تأمُّل دور العمل الفقهي المنضبط الجاد في مواجهة التغريب التشريعي، والأثر الكبير للوهن الفقهي في حدوث الانحراف القانوني، وبيان ضرورة التقريب الواضح للفقه المنضبط بالأصول الشرعية؛ ليكون هادياً لكافة مجالات الحياة العامة [١١] . - يتبع العدد القادم -

стр. 3855

دراسات في الشريعة والعقيدة الجانب الاجتماعي في كتاب الأدب من صحيح الإمام البخاري لؤي عباس الهزايمة [*] يمثل القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة المرجعية في استقصاء القيم التربوية والاجتماعية، فكانت التوجيهات النبوية في دعوة مستمرة إلى التفاعل بين العناصر الاجتماعية المختلفة، وتوثيق الصلات والروابط بين الشرائح الاجتماعية في منهج قويم متكامل قائم على أسس عقدية وتشريعية وأخلاقية تتواءم ومتطلبات الفطرة الإنسانية؛ ذلك أن لكل من القرآن الكريم والسنة الشريفة (غرضاً اجتماعياً مقصوداً، ومنهجاً للاجتماع البشري معتبراً لا يقل أهمية عن مسائل العقيدة وما تستلزم من تعبُّديات) [١] . وسأحاول خلال هذه الصفحات الآتية أن ألقي الضوء على النسق الموضوعي (الجانب الاجتماعي) بين الأحاديث النبوية التي أوردها الإمام البخاري [٢] في كتاب الأدب من جامعه الصحيح [٣] . أهمية كتاب الأدب: تنبع أهمية كتاب الأدب من صحيح الإمام البخاري من أهمية الأدب نفسه؛ فالإسلام مداره على قاعدتين: «الامتثال والأدب؛ فمن امتثل فقد وفّى ما به أُمِرَ، ومن تأدب فقد نجا مما عنه نهي وله كُرِه» [٤] ، والأدب: «استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً، وعبَّر بعضهم عنه بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل: الوقوف مع المستحسنات، وقيل: هو تعظيم من فوقك، والرفق بمن دونك» [٥] ، وقال بعضهم بأنه: «اسمٌ لكل رياضة محمودة، يتخرج بها الرجل إلى كل فضيلة من الفضائل» [٦] ، وهو ثمرة الالتزام بكتاب الله تعالى وهدي النبي صلى الله عليه وسلم. وهو على ثلاثة أنواع [٧] : «أدب مع الله سبحانه، وأدب مع رسوله صلى الله عليه وسلم وشرعه، وأدب مع خلقه. فالأدب مع الله: معرفته بأسمائه وصفاته، ومعرفته بدينه وشرعه، وما يحب وما يكره، ونفس مستعدة قابلة لينة متهيئة لقبول الحق علماً وعملاً وحالاً. والأدب مع النبي ﷺ : كمال التسليم له، والانقياد لأمره، وتلقِّي خبره بالقبول والتصديق دون أن يحمّله معارضة خيال باطل يسميه معقولاً، أو يقدِّم عليه آراء الرجال، فيوحده بالتحكيم والتسليم، والانقياد والإذعان، ومن الأدب معه: ألا تُرفع الأصوات فوق صوته، ويدخل فيه: رفع الآراء ونتائج الأفكار على سنته. ومن الأدب معه ألا يُستشكل قوله، بل تُستشكل الآراء لقوله، ولا يُعارض نصه بقياس، بل تُهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه، ولا يحرَّف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه معقولاً، ولا يوقف قبول ما جاء به ﷺ على موافقة أحد» . وأما الأدب مع الخلق: فهو معاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم؛ فلكل مرتبة أدب، والمراتب فيها أدب خاص؛ فمع الوالدين أدب خاص، وللأب منهما: أدب هو أخص به، ومع العالم أدب آخر، ومع الأقران أدب يليق بهم، ومع الأجانب أدب غير أدبه مع أصحابه وذوي أُنسه، ومع الضيف أدب غير أدبه مع أهل بيته، وهكذا، وهذا النوع الأخير هو ما نحن بصدده. وعلى الجملة فأدب المرء (عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه: عنوان شقاوته وبواره، فما استُجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استُجلب حرمانها بمثل قلة الأدب) [٨] [**] . النسق الموضوعي في كتاب الأدب (الجانب الاجتماعي) : يشتمل كتاب الأدب على مجموعة من الأحاديث المرفوعة تبلغ (٢٥٦) حديثاً [٩] . وهو يقع بعد كتاب (اللباس والزينة) ، وقبل كتاب (الاستئذان) ؛ وكلاهما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالآداب ويحتاج إليها المسلم في تعامله وعلاقاته مع الآخرين. وقد سلك البخاري منهجاً فريداً في ترتيب أبواب هذا الكتاب، كما هو الحال في سائر الكتب، فابتدأ الكتاب بعلاقة الأبوة والبنوة تنويهاً بأهميتها، فذكر جملة من الأحاديث التي تدور حول هذه العلاقة؛ بحيث كانت تمثل وحدة موضوعية متكاملة إلى حد ما، بلغت (١١) حديثاً [١٠] تحت (٨) أبواب، وصدَّر كتاب الأدب بما رواه عن عبد الله بن مسعود ﵁ حيث قال: «سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها. قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله» [١١] ، فاعتبر هذا الحديث أساساً في بناء العلاقات؛ فالصلاة صلة بالله تعالى، وبر الوالدين علاقة مع المسلمين؛ لأن من يبرهما يبرُّ غيرهما، والجهاد علاقة مع الكفار، وتخصيص هذه الأمور الثلاثة؛ لأنها عنوان على ما سواها من الطاعات (فإن من ضيَّع الصلاة المفروضة حتى يخرج وقتها من غير عذر مع خفة مؤنتها عليه وعظيم فضلها، فهو لما سواها أضيع، ومَن لم يبرَّ والديه مع وفور حقهما عليه كان لغيرهما أقل براً، ومن ترك جهاد الكفار مع شدة عداوتهم للدين كان لجهاد غيرهم من الفساق أترك « [١٢] . وفي الحديث التالي خصّ الأم بالبر بعد أن حضّ على برّهما معاً، وأورد حديث أبي هريرة ﵁ حيث قال:» جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك « [١٣] ، وبعد التوصية ببر الوالدين وبيان عظيم حقهما شرع في بيان آليات البر، فقال: (باب: لا يسبُّ الرجل والديه) ؛ بمعنى ألا يكون سبباً إلى سبِّهما [١٤] ، وهو الحد الأدنى من البر، وبعد أن بيَّن آليات البر شرع في بيان أثر ذلك، فقال: (باب: إجابة دعاء من برّ والديه) ، وبعد أن بيَّن الموقف الإيجابي الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم تجاه والديه، بيَّن الموقف السلبي وهو العقوق، وسلك فيه مسلك الترهيب فقال: (باب: عقوق الوالدين من الكبائر) ، وبعد أن بيَّن على صورة قاعدة عامة وجوب بر الوالدين وفضل القيام عليهما، تطرق إلى بعض الأحكام المتعلقة بهما، فقال: (باب: صلة الوالد المشرك) ، وقال: (باب: صلة المرأة أمها ولها زوج) ، وفي ثنايا هذه الأبواب تطرق إلى ما ينبغي على الوالد تجاه ولده، فأورد حديث تحريم وأد البنات تلك العادة الاجتماعية السيئة التي كانت منتشرة في بعض أوساط المجتمع الجاهلي؛ فعن المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ قال:» إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعاً وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال « [١٥] . وبعد أن عرض لأحاديث صلة الرحم، ذكر جملة من الآثار والأحاديث من (٥٩٩٣- ٦٠٠٣) ، حول رحمة الصغار والإحسان إليهم، ومداعبتهم والتلطف بهم، والدعاء لهم والقيام على شؤونهم، وتحسين أسمائهم، إشارة إلى أن ذلك يدخل في حق الابن على والديه من باب الأولوية، ثم إن عرضه لأحاديث بر الوالدين بداية تنبيه من البخاري إلى أن علاقة الوالد بولده هي من مقتضيات الأبوة، ولأن بر الوالدين لا يتأتى إلا بعد بر الأبناء؛ فكأنها دخلت تباعاً؛ فضلاً عما فيه من التحريض على بر الأبناء وهم صغار حتى يتسنى لأبنائهم برهم وهم كبار؛ وهو بذلك قد سلك منهج القرآن الكريم كما سيأتي بيانه. ثم تطرق إلى علاقة الأخوَّة فقال: (باب: صلة الأخ المشرك) ومن بابٍ أوْلى الأخ المسلم، وفي ثنايا ذلك أشار إلى طبيعة العلاقة الزوجية وما ينبغي أن تتسم به هذه العلاقة من حسن العشرة والتواضع والبر في الحياة وبعد الممات، وذكر حديث خلائل خديجة (٦٠٠٤) وحديث رقم (٦٠٣٩) ، حيث عرض نموذجاً من واقع السيرة النبوية يتضمن منهج النبي ﷺ في التعامل مع أزواجه، ولم يشر إلى علاقة الزوجة بزوجها تنبيهاً منه إلى أن هذه العلاقة على الإجمال تتحدد من خلال علاقة الزوج بزوجته كونه السيد والقيِّم بأمر الأسرة، ولِمَا جبلت عليه النساء من الضعف والنقص؛ ذلك أن الإمام البخاري سلك في هذا الكتاب كما هو الحال في غيره مسلك الاختصار، وذكر المسألة أو الحديث من باب التنبيه على غيره مما ليس على شرطه. والملاحظ أن الإمام البخاري استفتح كتاب الأدب بالعلاقات الاجتماعية داخل محيط الأسرة، وابتدأ بها من باب تقديم الأولويات؛ ذلك أنه كان يسلك منهج القرآن الكريم في ترتيب الأبواب؛ فبدأ ببر الوالدين، وثنَّى بذي القربى، وثلَّث بالجار، وربَّع بالصاحب [١٦] ، كما في قوله تعالى: [وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي القُرْبَى وَالْجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ] (النساء: ٣٦) . ثم أردف البخاري الحديث عن العلاقات الاجتماعية خارج محيط الأسرة، فنبه إلى علاقة الأرحام وأورد تحتها (١٠) أحاديث [١٧] ، حيث شكلت وحدة موضوعية متكاملة، فبدأ ببيان فضيلة صلة الرحم وإثم قاطعها، ثم شرع في بيان الآثار المترتبة على صلة الرحم من بسط الرزق والإحسان من الله، ثم أشار إلى علاقة المسلم بالرحم المشرك، مبيناً أن صلة الرحم عملٌ جليل يدل على طيب المعدن ونفاسة العنصر، وأنها سبيل موصلٌ إلى كمال الإيمان والإسلام، بعد أن أشار إلى أن الدرجة التي ينبغي أن يرتقي إليها المسلم في تعامله مع أرحامه هي درجة الإحسان، وهي مقابلة القطيعة بالصلة. ثم أشار إلى علاقة المسلم بجيرانه فذكر (٧) أحاديث [١٨] حول هذه العلاقة؛ حيث بدأ بذكر عظم حق الجار وأن حقه يرتبط بالإيمان، ثم نبّه إلى الإحسان إليه ولو بشيء قليل توثيقاً لعُرى المودة والأخوة، وربط ذلك بالإيمان بالله واليوم الآخر، تحريراً للنفس من عوامل الشح، وتنبيهاً للمسلم للتعالي عن دوافع الإيذاء كالمنافسة، والحسد المنافي لحقيقة الإيمان، مع مراعاة أقربهم بابًا في عملية الإحسان. وفي ثنايا كتاب الأدب تطرق البخاري إلى علاقة المسلم بإخوانه المسلمين من خلال مجموعة من الأحاديث تحت أبواب مختلفة [١٩] ، وأشار من خلالها إلى مجموعة من الواجبات التي يتحتم على المسلم التحلي والقيام بها تجاه أخيه المسلم، كحب الخير له، والتعاون معه، ونصرته، وترك إيذائه، والتواضع له، وستر عورته، وإجابة دعوته، وتفقد أحواله، ولقائه بالبشر وطلاقة الوجه، وتشميته إذا عطس، إلى غير ذلك مما يعزز رابطة الأخوة الإسلامية، وتوثيق عراها وصيانتها من التلاشي. وبعد ذلك أخذ البخاري في بيان مجموعة من العوامل التي تعمل على تحطيم العلاقات الاجتماعية وتفتيت أواصر المحبة وعرى المودة بين أفراد المجتمع؛ وذلك من باب أن التنبيه على الشر ومعرفته حائل دون الوقوع فيه، كما في حديث حذيفة بن اليمان:» كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني « [٢٠] ، فذكر جملة من الآثار في ذم الغيبة والنميمة، وقول الزور، والشتم والكذب، والعقوق، وقطع الأرحام، والبخل والغضب، إلى جانب التنبيه على بعض أمراض النفوس كالكبر والعجب، والحقد والحسد وبعض المخالفات الشرعية كالجهر بالمعصية والمداهنة ... إلخ. هذا وقد أكثر البخاري في كتاب الأدب من التقسيم على الحالات خاصة فيما يتعلق بعوامل البناء والهدم للعلاقات الاجتماعية ما لم يفعل في غيره من الكتب، وأراد بذلك التنبيه على أنه لا كلية في هذه الأبواب، ولكن الأمر يتوزع على الحالات [٢١] ؛ فمثلاً في باب الغيبة صدَّر هذه الوحدة الموضوعية بما يدل على بيان حرمتها، فقال: باب: الغيبة وقول الله تعالى: [وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً] (الحجرات: ١٢) ، ثم عقَّب على أن فيه استثناءً فقال: (باب: ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب) ، وفي باب النميمة قال: (باب ما يكره فيه النميمة) فترجمته لهذا الباب تدل على أن هناك ما لا يكره منها؛ ولذا أعقبه بـ (باب: من أخبر صاحبه بما يقال فيه) للدلالة على أن فيه استثناءً،» وترجم عليه بما يفهم منه إلحاقه بالنصيحة الجائزة « [٢٢] . وفي باب السباب واللعن بيَّن حرمته، فقال: (باب: ما نهي من السباب واللعن) ، ثم أشار البخاري في الترجمة التي تليه إلى أن ذلك مخصوص إن كان للبيان والتميز فهو جائز، وإن كان في غير هذا السياق كالتنقيص والتغييب فهذا الذي لا يجوز [٢٣] ، ولذا قال: (باب: ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم: الطويل والقصير) . وفي باب: (ما يكره من التمادح) ، ذم التمادح لما له من آثار، ثم عقَّب في الباب الذي يليه بقوله: (باب: من أثنى على أخيه ... ) لما علم أن إطلاق الكراهة غير مراد؛ ليدل على استثناء فيه [٢٤] ، وفي باب: (الهجر) بيَّن حرمتها، ثم نبه على أن فيه استثناءً [٢٥] فقال: (باب: ما يجوز من الهجران) ، وهكذا صنع في غالب الأبواب. وبعد ذلك أشار البخاري إلى مجموعة من العوامل التي تعمل على بناء العلاقات الاجتماعية وحفظها فعرض جملة من الأحاديث والآثار التي رغَّبت في معالي الأخلاق، والتي تعمل على تغذية الروابط الاجتماعية وتعزيز الصلات الأخوية بين أفراد المجتمع، كبذل المعاملة الحسنة مع الناس، والتحلي بمكارم الأخلاق كالحلم، والرفق، والتواضع، والحياء وبذل العفو والصفح، والصبر على أذى الآخرين، ورحمة الغير. هذا وقد سلك في عرض الأحاديث كما ذكرنا مسلك التقسيم على الحالات تنويهاً إلى أنه لا كلية في هذه الأبواب؛ فعلى سبيل المثال ذكر الحياء وأهميته وفضله وما يترتب عليه من آثار وبيَّن خطر فقدانه فقال: (باب الحياء) ثم عقَّب بقوله: (باب بيان ما لا يجوز من الحياء) ، وهو تخصيص للعموم الوارد في الباب السابق، وهكذا. هذا وقد أشار البخاري إلى عامل الصيانة الأول لحفظ المجتمع وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال الترغيب في هذه المهمة العظيمة [٢٦] ، ومن خلال الإشارة إلى أسلوب النبي ﷺ في الإنكار [٢٧] ؛ حيث كان يقول لأصحابه عند المعتبة:» ما له تَرِبَ جبينه؟! «، وأحياناً يورِّي بالخطاب، فيقول:» ما بال أقوام..؟! «وكان إذا رأى شيئاً يكرهه عُرف في وجهه صلى الله عليه وسلم، ويتمعَّر وجهه إذا انتهكت حرمات الله تعالى. ذلك أن التقاعس عن أداء هذه الفريضة الاجتماعية يورث عقاباً إلهياً قد يؤدي إلى انهيار المنظومة الفكرية والسلوكية بين أفراد المجتمع الإسلامي، مما يؤثر على بِنية التكوين الاجتماعي؛ وذلك بتفكك الروابط وانهيار العلاقات الاجتماعية مما يشكل بدوره خميرة لسقوط حضاري. يقول ﷺ :» والذي نفسي بيده! لتأمرُنَّ بالمعروف، ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكَنَّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم « [٢٨] . ويدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إصلاح ذات البين باعتباره أحد عوامل البناء للعلاقات الاجتماعية؛ حيث يعمل على تنمية الخير وتأليف القلوب وتقريبها إلى بعضها؛ حيث أشار إلى أسلوبه ﷺ في الإصلاح بين علي وفاطمة ﵄ [٢٩] . ومن خلال كتاب الأدب عرض البخاري لجملة من الأحاديث التي تحثُّ على آداب الزيارة والضيافة [٣٠] ، وأخرى في أدب الحديث والاستماع [٣١] ؛ ذلك أن مراعاة مثل هذه الآداب مما يعزز بناء العلاقات الاجتماعية، ويحفظ كيانها من عوامل الانهيار، فضلاً عما للضيافة والزيارة من الدور الفاعل في إشاعة روح المودة بين الوحدات الاجتماعية المختلفة، ومن خلالها يتعرف المسلم على أحوال إخوانه المسلمين فيقوم بواجبه نحوهم. هذا وقد نبه البخاري إلى فضيلة تبنِّي هموم المسلمين ودورها في صيانة المجتمع من خلال عرض أحاديث تحثُّ على السعي على المحتاجين من المسلمين [٣٢] ، وأخرى تحث على الشفاعة وقضاء حوائجهم [٣٣] ، وأخرى تحثُّ على بذل المعروف بأشكاله المختلفة [٣٤] ، ذلك أن إحساس المسلم بالمسؤولية الإيجابية تجاه إخوانه المسلمين، بهدف تحقيق الخير لهم وإلحاق الرحمة بهم، مما يُدخل السرور على قلوبهم، وبه تستمال القلوب ويعم الخير والحب بين أفراد المجتمع المسلم، فتتوحد بهذا مشاعر المسلمين وأفكارهم وتوجهاتهم، تحقيقاً لقول رسول الله ﷺ :» ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضواً تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى « [٣٥] . والحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →