← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

المحرم - ١٤٢٢هـ أبريل - ٢٠٠١م (السنة: ١٦)

стр. 3852

كلمة صغيرة تعظيم منهج السلف التفرق والاختلاف سنة ماضية كتبها الله تعالى على هذه الأمة كما كتبها على الأمم السابقة؛ فظهر في هذه الأمة من الابتداع في الدين، والانحراف عن سنة سيد المرسلين ﷺ شيء كثير. وقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المخرج من هذا الضلال والتفرق، فقال: «فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» [١] . إن تعظيم النصوص الشرعية، والاستسلام لأوامرها، والوقوف عند حدودها، والاهتداء بهدي السلف الصالح من الصحابة ﵃ والتابعين وتابعيهم بإحسان هو الطريق الصحيح للسلامة من الزيغ والانحراف. قال تعالى: [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] (الأنعام: ١٥٣) وإن من أوجب الواجبات على العلماء والدعاة وطلبة العلم والحركات الإسلامية في المشرق أو المغرب: إحياء منهج السلف الصالح ﵃ في العلم والعمل، وتربية الأمة على المنابع الكريمة والأصول العظيمة التي لم تكدِّرها شوائب البدع والأهواء، خاصة في هذا العصر الذي كثر فيه التفرق والاختلاف، وقلّ فيه العلم، وتجارى فيه كثير من الناس وراء شهواتهم. نسأل الله أن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

стр. 3853

الافتتاحية خمسة عشر عامًا من عمر البيان بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فمنذ صدور مجلة البيان قبل خمسة عشر عاماً، حددت الأطر والخطوط العامة لسياستها وثوابتها، وكان من أبرز تلك الخطوط ما صرحت به من أنها صوت من أصوات أهل السنَّة والجماعة، تعمل على نشر المفاهيم الصحيحة للإسلام وتعميقها وفق فقه السلف الصالح للإسلام المأخوذ عن فهم الصحابة ﵃، للكتاب والسنة، وأنها تخاطب الدعاة في أنحاء العالم الإسلامي من منطلق المحبة الصادقة، والأخوة الإسلامية الرحبة، لا الحزبية المحدودة أو العصبية الضيقة، وأنها لأجل ذلك تعتبر نفسها إحدى روافد العمل الدعوي الإسلامي الذي يُفترض فيه التكامل والتكافل لأداء أسمى المهمات وأجلِّ الغايات وهي: الدعوة إلى الله بالقول والعمل: [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] (فصلت: ٣٣) . واليوم، ومجلتكم قراءَنا الأحبة تدخل عامها السادس عشر؛ فإن القائمين عليها يسرهم أن ينتهزوا الفرصة ليجددوا معكم ما عهدتموه من البيان، وما عاهدتكم عليه، وهو أن تظل وفيَّة للكلمة الجادة والتناول المسؤول والتأصيل الواضح، وأن تظل كما كانت سلفية المنهاج عصرية الطرح. هذا ما سبق أن حددت البيان توجهها إليه، وما جددت العهد على المسير عليه، وبين التحديد والتجديد هذه وقفات وتأملات نوجزها في النقاط الآتية: * إن مجلة البيان وهي تنحاز إلى المنهج السلفي، وتلتزم ثوابته؛ فإنها تفرِّق بوضوح بين المنهج والتطبيق؛ إذ المنهج فوق الأشخاص والممارسات، ولا مجال لنقضه أو نقده من أي كان؛ لأن منهج السلف هو المنهج المتلقَّى عن رسول الله ﷺ بنقل الصحابة العدول ﵃، وهو الإسلام الصحيح ذاته. أما حمل الأشخاص والجماعات والهيئات والمجتمعات لهذا المنهج وتطبيقهم له، فإن ذلك أمر يدخل فيه اجتهاد هؤلاء الأشخاص والجماعات وفق فهمهم وعلمهم هم بمنهج السلف ومناطاته وتنزيلاته، ومن ثم فإن هذا الاجتهاد قابل للتقويم والملاحظات والمناصحات؛ ولهذا فإن المجلة لا تتبرم بنقد أو نصيحة في الأداء، ولا تضيق صفحاتها عن كلمات تمليها روح الإخاء؛ بل تعتقد أنَّ هذا هو الطريق الصحيح الذي تبرأ به الذمة، تحقيقاً لقول الله تعالى: [وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (وَالعصر: ٣) . * إن مجلة البيان وهي تنحاز إلى ذلك المنهج السلفي، وتتصدى لمسؤولية القيام به، لا تدَّعي التفرد بذلك، ولكن تدعو إلى تلاقي الجهود كلها لخدمة هذا المنهج، وتفسح صفحاتها لكل طرح أو تصور أو مشروع جاد من شأنه أن يثري أداء الدعوة السلفية في أي من جوانبها الشرعية أو التربوية أو الدعوية أو السياسية أو الثقافية. * إذا كان التواضع لله مطلوباً للقيام بواجب العبودية، فإن التحدث بنعمة الله أيضاً مطلوب لأداء واجب الشكر، ومن الشكر لله والتحدث بنعمته أن نقول إننا نحسب أن مجلة البيان قد سدد الله خطاها وله الحمد في سد ثغرة خطرة في جدار الإعلام الإسلامي؛ وذلك بقيامها بدور في التأصيل لواقع الدعوة المعاصر ومعالجتها لهموم هذا الواقع على أسس من المنهج القويم، منهج أهل السنَّة والجماعة، وهي لهذا عندما تطلب العون والتأييد من حَمَلَة هذا المنهج تجد في نفسها الشجاعة لطلب ذلك؛ لأنها لا تطلبه لحساب جهة أو جماعة أو حزب، وإنما تطلبه لأجل تقوية هذا المنهج وتنميته. * كلما كان العمل جادًا ومحايدًا اعتورت طريقه عقبات وعقابيل قلَّما تتلقى مثلَها الأعمالُ الهابطة أو المنحازة، ومن فضل الله أن اختيار البيان للمنهاج الجاد مع ذلك الحياد قد جلب لها قراءً وكتَّاباً من ذلكم المعدن، ولهذا ندين بالامتنان لهم ولكل من أعان بعد عون الله تعالى على استمرار البيان على هذا النهج الصادق، وندعو إلى المزيد. * والمزيد هنا ليس مجرد الإقبال على الشراء أو الاشتراك؛ فهذا حاصل ومشكور، ولكن أيضاً بفتح مزيد من النوافذ التي يمكن لـ البيان أن تطل من خلالها على المسلمين في المشارق والمغارب، وبخاصة أولئك الذين لا يتمكنون من الحصول عليها إلا مهداةً أو مخفضة الثمن أو دون سعر التكلفة، فإذا أضفنا إلى ذلك من يحتاجون إلى البيان بمنهجها هي ولغتهم هم، كان الهمُّ أوسعَ والمسؤولية أكبر. * ومن المزيد: أن تسخو أقلام قادرة على العطاء الفقهي والفكري بزكاة فقهها وفكرها، ولا تبخل بشيء من بيان الدين وتفصيل أصوله أو فروعه وفق المنهج المرضي على مجلة جُعلت للبيان، خاصة أن هذا البيان من أهله واجب على كل قادر بحسبه، كما قال سبحانه: [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ] (آل عمران: ١٨٧) . ونصارحكم القول بما عانته البيان من بعض هذا الكتمان! أو على الأقل من الضن والتقتير فيه من فضلاء أغناهم الله به. ونحن إذ نقدر لهؤلاء الفضلاء ضيق أوقاتهم وكثرة أعمالهم الدعوية التي قد تشغلهم عن المشاركة معنا، فإننا نلتمس منهم أن يقدروا إلحاحنا عليهم؛ فما ذلك إلا محبة لهم وثقة بهم ورغبة في التعاون معهم على البر والتقوى. * إذا كانت المجلة قد أدت بنظر الكثيرين من متابعيها ومحبيها أدوارًا مهمة في ترشيد الصحوة الإسلامية من جهة التأصيل لقضاياها، والمعالجة لأمورها، فإن ما ينتظرها نعني البيان من الأدوار أكثر وأكثر، وبخاصة أن الله تعالى يمنُّ عليها كل حين بأفواج جديدة من المتابعين والمعجبين والناصحين، والمجلة وهي تشعر أن ذلك يضاعف المسؤولية عليها لتدرك أنه أصبح واجباً عليها ألا تتوقف عن تطوير أدائها مضموناً وشكلاً، وهي إذ تقبل الاضطلاع بهذه المسؤولية مستعينة بالله، لتدعو قراءها ومحبيها ألا يتوقفوا أيضاً عن الإسهام بآرائهم وملاحظاتهم في مسيرة ذلك التطوير. * المجلة على ضخامة العبء الذي أصبح منوطاً بها، هي إحدى مؤسسات (المنتدى الإسلامي) وإحدى ثمرات جهوده المباركة في خدمة الدعوة الإسلامية، وهو ينوء بعبء أكبر؛ إذ يشاطر المجلة دورها العلمي بدور عملي يتمثل في الأعمال الدعوية، والتربوية والتعليمية الميدانية في الكثير من أصقاع العالم. ولَكَمْ يسرُّ مجلة البيان أن يقترن دعم قرائها لمسيرتها، ورسالتها العلمية والفكرية بمتابعة ودعمٍ لمسيرة (المنتدى) ورسالته العملية الميدانية، وخاصة أن منهج كل منهما وهدفه واحد، وهو: الإسهام بدور فاعل في نصرة منهج الطائفة المنصورة بإذن الله. * وأخيراً؛ فإن الخيار الصعب بين سلامة المنهج ومنهج السلامة، وبخاصة في أزمنة الفتن، يفرض على الصادقين من أهل الدين الصحيح أن يعينوا إخوانهم على الاختيار الصحيح؛ فلنجدد العهد على الاختيار الصحيح. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

стр. 3854

دراسات في الشريعة والعقيدة الإصلاح التشريعي موجز تاريخي وخطوات عملية (١) عبد العزيز بن محمد القاسم [*] azalgasem@hotmail.com اقترنت هيمنة دول الحضارة الغربية بالسعي الحثيث لتعميم نماذجها الفكرية والاقتصادية والقانونية بوصفها وسيلة من وسائل تعميق تبعية مناطق النفوذ، إضافة إلى تمكين الدول الغربية من الامتيازات المتناسبة مع قوتها. ويهمنا من هذه النماذج في هذا المقال البنية القانونية؛ حيث أدى الضعف العام في بلاد المسلمين إلى تمكين تلك القوانين، وسيشير هذا المقال إلى دور الفقهاء في تيسير تمكين القوانين حيناً، وفي مزاحمتها بالصيغة الشرعية أحياناً أخرى، ليتبين مدى تأثير العمل الإيجابي في تغيير الواقع وتصحيح مساره نحو هدي الكتاب والسنة، ليكون ذلك حافزاً لطلبة العلم الشرعي والفقهاء بوجه خاص نحو العمل المثمر أداءً لما فرضه الله تعالى عليهم من البيان والشهادة على الناس بما شرفهم الله تعالى به من العلم. فكيف دخلت القوانين بلاد المسلمين، ومتى حدث ذلك، وما أبرز الأحداث التغييرية في هذا المجال، وما ثمراتها، وكيف نستثمر معرفة ذلك في واقعنا الذي نتقلب فيه؟ أسئلة كثيرة يفرضها الموضوع تقتضي مراجعات عديدة في جهود الفقهاء، لتسديد وتنشيط التفاعل مع ما يغشى مجتمعاتنا الآن من متغيرات تفرضها الاتفاقيات الدولية، وتنشيط الاقتصاد، وعيوب الواقع وتطبيقاته. كما سيعرج المقال على محاولة استطلاع الدور المنشود من المتخصصين في هذا الحقل من أهل الفضل، وكيفية تسديد مسيرة هذا القطاع. إن تشابك مسائل هذا الموضوع وتعقُّد العلاقات التي تحكمه، ودقة الأصول الشرعية المتعلقة به، وكثير من الحساسيات والمواقف المجملة تفرض التدقيق في طرحه، وتحري تحرير مسائله، وهذا ما لا يستطيعه كاتب واحد، لكن الأمل في تسديد الزملاء المتخصصين، وتوجيه الفقهاء الراسخين، أملاً في الانتقال من المعرفة إلى التطبيق، جعلنا الله هداة مهتدين. مقدمة في التعريف الموجز بمصادر القوانين الغربية الحديثة: تهدف هذه المقدمة إلى التعريف بمصادر ما تضمنته القوانين الغربية من أحكام للعلاقة الوثيقة بين ذلك وبين معرفة الحدود الشرعية للانتفاع بها، وبيان ما يجب تطهير أنظمتنا منه. مصادر القوانين الحديثة: ورثت المنظومات القانونية الغربية تراثاً حقوقياً إنسانياً من حضارات عديدة أهمها القانون الروماني والفقه الإسلامي، وتعود جذور النضج القانوني الروماني إلى مدرسة الحقوق في بيروت في العهد الروماني؛ حتى سميت هذه المدينة عند الرومان: (الأم المرضعة للحقوق) فصارت مقصداً لطلاب الحقوق [١] . وقد ارتبط الفكر الحقوقي القديم بمناطق النبوات، في الجزيرة العربية والشام والعراق ومصر؛ فمنها انتشرت الشرائع، وهذا معروف لدى مؤرخي الفكر الحقوقي والسياسي؛ فقد وصلت الدراسات المتتبعة لجذور القوانين القديمة إلى بيان الصلة بينها وبين المصادر الدينية، بل ثبت احتكار رجال الدين في الأمم للمعرفة الدقيقة بالحقوق؛ فمن ذلك دراسات سومنير مين البريطاني وهيرمان بوست [٢] . ويؤكد هذه العلاقة تاريخ مدونات الحقوق القديمة المعروفة منذ قانون حمورابي ١٧٥٠ قبل الميلاد؛ فقد تضمنت ما يشير إلى العلاقة الوثيقة بين الدين والقانون، ومثل ذلك في قانون مانو في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، رغم عمق الوثنية في تلك البيئات [٣] . وقد لاحظ علماء المسلمين ذلك؛ فابن تيمية مثلاً تحدث عن أثر الرسالات في هداية السياسات المدنية، فرتب الناس في الرقي المدني إلى ثلاث مراتب: أ - الأمم التي لم تستهد بكتاب منزل، ولا تعقلت مصالحها وهي أدنى الأمم. ب - الأمم التي تعقلت مصالحها، فكان تعقلها محصلاً لمصالح مما دلت عليه النبوة، لكنها وقعت في جهالات تخالف النبوات كاليونان، وهي أمثل من التي قبلها فيما تعقلته. ج - الأمم الكتابية مع انحرافها، وهي أمثل من الأمم التي تعقلت مصالحها ولم تستهد بالنبوة. يقول: «ولا ريب أن في ذلك يعني سياسات المتفلسفة من نوع العلوم والأعمال الذي يتميزون بها عن جهال بني آدم.. وفيه من منفعة صلاح الدنيا وعمارتها ما هو داخل في ضمن ما جاءت به الرسل. وفيها أيضاً من قول الحق واتباعه والأمر بالعدل والنهي عن الفساد: ما هو داخل في ضمن ما جاءت به الرسل؛ فهم بالنسبة إلى جهال الأمم أمثلُ إذا خلوا عن ضلالهم؛ فأما مع ضلالهم فقد يكون الباقون على الفطرة من جهال بني آدم أمثل منهم» ، ثم يقارن بين اليونان وبين مناطق النبوات فيقول: «فأما أضل أهل الملل مثل جهال النصارى وسامرة اليهود فهم أعلم منهم أي من المتفلسفة وأهدى وأحكم وأتبع للحق» [٤] . وهذا كله يبين فضل الرسالات وأثرها في تغذية الفكر الحقوقي قبل انحرافه بالأفكار الوضعية؛ إذ إقامة العدل مقصد من مقاصد النبوات يشهد تاريخ القانون بتحققه. قال تعالى: [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ] (الحديد: ٢٥) . وقد التبست آثار النبوات بكثير من الباطل المحرف؛ كما لحق الميزان أي العقل الصحيح من الانحراف ما صرف الإنسان عن العدل والخير في كثير من نظراته، فانحرف في الأصول العقدية، والتطبيقات الأخلاقية والعدلية، فاستحسن القبيح، واستقبح الحسن في أحوال كثيرة ليبقى الكمال لوحيه المنزل، ولتبقى أمة القرآن خير أمة أخرجت للناس، شاهدة عليهم بما حفظ الله تعالى لها من الوحي. وكان أهل الكتاب يعلمون فضل ما عرفه المسلمون من موازين العدل، فاحتكموا إليهم، حتى في دول سيادتها لأهل الكتاب. يروي ابن تيمية ﵀ تعالى ذلك فيقول: «ولهذا تجدهم يردون الناس إلى حكم شرع الإسلام في الدماء والأموال ونحو ذلك، حتى في بعض بلادهم يكون الملك والعسكر كلهم نصارى وفيهم طائفة قليلة مسلمون لهم حاكم فيردون الناس في الدماء والأموال إلى حكم شرع المسلمين» [٥] . وقد اقتبست الحضارة الغربية من المسلمين ما لا يحصى من القواعد والأحكام والمصطلحات، عبر منافذ الصلة بين المسلمين والغرب في الأندلس، والدولة العثمانية، والبحر المتوسط، والغزوات الصليبية، وقد انتشرت الدراسات التي تبين مجالات النقل، وأوجه التغير التي طرأت على الفكر القانوني الغربي بعد صلته بالمسلمين. انظر مثلاً الغرب الإسلامي والغرب المسيحي خلال القرون الوسطى تنسيق محمد حمام فقد تضمن بحوثاً تتناول مجموعة من أوجه التأثير الإسلامي في الغرب، وإذا نظرت في أصل الحقوق الغربية نظرية الحق الطبيعي في مفهومها الحديث تجد صلتها الوثيقة بالمسلمين منذ توما الإكويني المتتلمذ على مؤلفات ابن رشد الذي لخَّص المستصفى أكثر كتب الأصول بياناً لنظرية الضروريات الخمس التي ترعاها الملل [٦] . بل يذكر شارح مجلة الأحكام العدلية علي حيدر أن بعض الدول الأوروبية كانت تستفتي إلى عهد قريب المتخصصين في الفقه الإسلامي من علماء دار الفتوى في بعض المسائل الحقوقية المشكلة، فيقول: «وقد استُفتيت دار الاستفتاء هذه في بعض الأحوال من قِبَل دول أوروبا في بعض المسائل الغامضة الحقوقية» [٧] . ويتحدث الكاتب الفرنسي (أندريه كلو) عن كفاءة الجهاز القضائي العثماني نقلاً عن شاهد عيان أوروبي زار تركيا سنة ١٥٥٠م قائلاً: «فنوَّه بالسرعة والأمانة اللتين تتحلى بهما عدالة الأتراك، وقارنها بالمحاكم الفرنسية التي يسود فيها انعدام الأخلاق والفساد» [٨] . ويقرر المستشرق الشهير (شاخت) أن التطبيق القانوني في القرن السادس عشر كان أفضل في بلاد الخلافة من نظيره في البلاد الأوروبية آنذاك من كل الوجوه [٩] . إن الانحرافات العقدية التي تغلغلت في العقل الغربي قد مسحت تلك الثروة الحقوقية بانحرافاتها الكنسية والعلمانية؛ فالتبس الحق بالباطل والعدل بالبغي، وذهبت أفواج الدارسين المسلمين إلى معاهد الحقوق الغربية اللاتينية والأنجلو أمريكية فاقتبست من تلك الثروات علماً كثيراً ممتزجاً بذلك التحريف، وأصبح واقع كثير من بلاد المسلمين يدار بتلك المفاهيم والمعايير: في القوانين والقضاء والإدارة والاقتصاد والإعلام والتخطيط، وغيرها، فأصاب مجتمعاتنا من آثار تلك الانحرافات مع ما غنمته من صواب فيها. الضعف الفقهي والتشريع الوضعي: تراوحت مواقف الفقهاء من التشريعات الوضعية بين الرد المطلق والقبول التسويغي، ومواقف بين ذلك. إن الرد المطلق للقوانين دون تنبه لوظائفها والظروف التي أوجدتها لم يزد القوانين الغربية إلا تغلغلاً باعتبارها حلولاً جاهزة مفصلة لواقع تصنعه هذه الحضارة، ومؤسساتها، وعادة الساسة التعلق بما يعالج واقعهم دون تدقيق وتمحيص، وقد يكون لبعضهم من الهوى ما يميل به إلى تلك الحلول، وستأتي أمثلة لهذه المواقف المختلفة لدى الساسة والمختصين. يقول ابن تيمية مفسرًا الحاجة العملية التي أدت إلى السياسة الوضعية العباسية: «منشأ هذا الخطأ أن مذهب الكوفيين فيه تقصير عن معرفة سياسة رسول الله ﷺ وسياسة خلفائه الراشدين.. فلما صارت الخلافة في ولد العباس واحتاجوا إلى سياسة الناس وتقلَّد لهم القضاء من تقلده من فقهاء العراق ولم يكن ما معهم من العلم كافياً في السياسة العادلة: احتاجوا حينئذ إلى وضع ولاية المظالم، وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع، وتعاظم الأمر في كثير من أمصار المسلمين» [١٠] . أما المواقف الإيجابية للفقهاء فهي التي تثمر وتغير الواقع؛ وذلك باقتحام تلك المنظومات دراسة وتحليلاً ونقداً لوظائفها ومضامينها، وتتبعاً لما فيها من الخلل العقائدي والأخلاقي والعدلي واللغوي، وتتبعاً لمعالجات الفقهاء المسلمين ﵏ لتلك الجوانب، وإعداد صياغة تطبيقية سهلة المأخذ مفعمة بقيم الشريعة وأصولها العقدية، فيتحقق بذلك البديل الوافي بوظائف تلك المنظومات، المتسق مع أصول الوحي العقدية والأخلاقية والعدلية. لقد أدت المواقف المترددة إلى استمرار تدفق تلك القوانين، وإلى انفصال رجال القانون عن العلم الشرعي رغم استقامة العديد منهم وحرصهم على تدينهم. كما أدى التردد إلى عزل العلم الشرعي عن التأثير في تلك القوانين واستصلاحها. وقد ضاعف تردد الفقهاء غموض التفريق بين القوانين المناقضة لحكم الشرع والقوانين التنظيمية التي تعتبر من السياسة الشرعية، فأدى ذلك كله إلى إخلاء الميدان المحلي للتغريب في كافة أنواع الأنظمة، وتعطيل مقدرة الأمة على إعادة صياغة تلك النظم بما يطوعها للشرع المطهر، ويرطب جفاءها بنداوة هدي الكتاب والسنة وفقه الأمة، ويثريها بألفاظ الفقه الإسلامي ومفاهيمه، ويردها إلى مراجع فقه المسلمين. أسباب الغزو التشريعي وأهدافه: كان الغزو التشريعي نتيجة لعوامل الضعف الشاملة التي أوقعت الأمة في التبعية الحضارية، ويهمنا في هذا المقام استخلاص أهم أسباب التبعية التشريعية تمهيداً لبيان وسائل تحقيق الأصالة التشريعية المستوعبة لمتغيرات الحياة، ولتقريب خطوات العمل التي يمكن أن يباشرها طلبة الدراسات الفقهية. تنقسم العوامل التي أدت إلى التبعية التشريعية إلى: أ - الأسباب الخارجية. ب - الأسباب الذاتية. أ - الأسباب الخارجية: استقبلت الحضارة الغربية الفكر الحقوقي من مصادره المختلفة، وأعملت فيه فنون التنظيم التي تطورت لديها مع تطور العلم والإدارة؛ كما قادت التطبيقات اليومية المدنية خبراء القانون وقضاته وقادتهم إلى المضي بالقواعد الحقوقية نحو أعماق التفاصيل التي تعج بها الحياة المعاصرة، وقد تزامن ذلك مع هيمنة القوة الغربية، وضعف الدولة والمجتمعات الإسلامية، فأدى ذلك إلى الغزو التشريعي ليحقق هدفين رئيسين للقوى الأجنبية: أ - حماية الامتيازات الغربية في بلاد المسلمين. ب - تمكين الهيمنة السياسية. أ - الامتيازات الأجنبية: عقدت الدولة العثمانية معاهدات امتياز للجاليات الغربية في الدولة العثمانية، كان من أهمها معاهدة ١٥٣٥م الفرنسية التي تتضمن الإعفاء من الضرائب، والحصانة من سلطة المحاكم العثمانية ومن التشريع المحلي؛ رغم أن القضاء العثماني في تلك الفترة كان في غاية الكفاءة مقارنة بالمؤسسات الغربية، ومن تلك الامتيازات المعاهدة الفرنسية لعام ١٦٧٣م، والمعاهدة الإنجليزية عام ١٦٧٥م، وقد كانت تستند إلى أسباب تجارية وأصبحت وسيلة للتدخل الأجنبي في أمور الدولة بزعم حماية الأقليات غير المسلمة، وفي أوائل الحرب العالمية الأولى ألغت الدولة العثمانية الامتيازات، واعترفت الدول الأجنبية بذلك في معاهدة لوزان في ١٩١٤م. وفي مصر جددت امتيازات الأجانب في القرن السادس عشر، فأُعفُوا بموجب ذلك من الضرائب ومن الخضوع للقضاء الأهلي، وفي عام ١٨٠٧م ثبتها محمد علي تشجيعاً لعلاقة الأوروبيين معه، وفي سنة ١٨٧٥م أسست المحاكم المختلطة لتنظر في قضايا الأجانب بقانون مدني مستنسخ من القانون الفرنسي. ب - الهيمنة الثقافية عبر التشريع: بدأ الاستعمار البريطاني في شبه القارة الهندية بتقليص نفوذ الشريعة وبسط هيمنة القوانين البريطانية على مراحل؛ فقد استمرت شركة الهند الشرقية في تطبيق أحكام المذهب الحنفي دون تغيير يذكر حتى سنة ١٧٧٢م حين أُسنِدَ القضاء إلى قضاة إنجليز كان إلى جوارهم مُفْتُون يعاونون هؤلاء القضاة، ثم طبق القانون البريطاني في بعض المناطق، ثم جرت تعديلات عديدة لأحكام شرعية كإلغاء التفريق بين القتل العمد وشبه العمد سنة ١٧٩٠م، وفي سنة ١٨١٧م سنَّت الحكومة البريطانية قانوناً يلغي حد الزنا ويقرر حكماً وضعياً، وبعد إخماد مقاومة المسلمين الهنود ضد بريطانياً تمكن الإنجليز سنة ١٨٧٥م/١٢٩٢هـ من إحداث التغيير التشريعي الشامل؛ ففي سنة ١٨٦١م صدرت قوانين العقود والأوراق التجارية، وبذلك انقطعت صلة القضاة تدريجياً بعلوم الفقه الإسلامي وانتقلوا إلى مصادر القانون. وبذلك دخل التشريع والفقه عصراً جديداً بدأ معه التغريب، وقد تكرر ذلك في معظم بلاد المسلمين المستعمرة كالجزائر؛ حيث صدرت القوانين الفرنسية فيها سنة ١٨٥٠م، والقانون الإنجليزي في السودان مع الاحتلال البريطاني، والقانون الهولندي في أندونيسيا مع الاحتلال الهولندي واستمر مطبقاً إلى سنة ١٩٧٦م، ويدعم ذلك كله التعليم القانوني بلغة المستعمر، وفي جامعاته. أما مصر وأقاليم الخلافة العثمانية فقد كانت تطوراتها من الأهمية والضخامة بحيث تستحق البسط لعظيم أثرها على التجربة العربية عموماً، وليترابط تأمُّل دور العمل الفقهي المنضبط الجاد في مواجهة التغريب التشريعي، والأثر الكبير للوهن الفقهي في حدوث الانحراف القانوني، وبيان ضرورة التقريب الواضح للفقه المنضبط بالأصول الشرعية؛ ليكون هادياً لكافة مجالات الحياة العامة [١١] . - يتبع العدد القادم -

стр. 3855

دراسات في الشريعة والعقيدة الجانب الاجتماعي في كتاب الأدب من صحيح الإمام البخاري لؤي عباس الهزايمة [*] يمثل القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة المرجعية في استقصاء القيم التربوية والاجتماعية، فكانت التوجيهات النبوية في دعوة مستمرة إلى التفاعل بين العناصر الاجتماعية المختلفة، وتوثيق الصلات والروابط بين الشرائح الاجتماعية في منهج قويم متكامل قائم على أسس عقدية وتشريعية وأخلاقية تتواءم ومتطلبات الفطرة الإنسانية؛ ذلك أن لكل من القرآن الكريم والسنة الشريفة (غرضاً اجتماعياً مقصوداً، ومنهجاً للاجتماع البشري معتبراً لا يقل أهمية عن مسائل العقيدة وما تستلزم من تعبُّديات) [١] . وسأحاول خلال هذه الصفحات الآتية أن ألقي الضوء على النسق الموضوعي (الجانب الاجتماعي) بين الأحاديث النبوية التي أوردها الإمام البخاري [٢] في كتاب الأدب من جامعه الصحيح [٣] . أهمية كتاب الأدب: تنبع أهمية كتاب الأدب من صحيح الإمام البخاري من أهمية الأدب نفسه؛ فالإسلام مداره على قاعدتين: «الامتثال والأدب؛ فمن امتثل فقد وفّى ما به أُمِرَ، ومن تأدب فقد نجا مما عنه نهي وله كُرِه» [٤] ، والأدب: «استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً، وعبَّر بعضهم عنه بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل: الوقوف مع المستحسنات، وقيل: هو تعظيم من فوقك، والرفق بمن دونك» [٥] ، وقال بعضهم بأنه: «اسمٌ لكل رياضة محمودة، يتخرج بها الرجل إلى كل فضيلة من الفضائل» [٦] ، وهو ثمرة الالتزام بكتاب الله تعالى وهدي النبي صلى الله عليه وسلم. وهو على ثلاثة أنواع [٧] : «أدب مع الله سبحانه، وأدب مع رسوله صلى الله عليه وسلم وشرعه، وأدب مع خلقه. فالأدب مع الله: معرفته بأسمائه وصفاته، ومعرفته بدينه وشرعه، وما يحب وما يكره، ونفس مستعدة قابلة لينة متهيئة لقبول الحق علماً وعملاً وحالاً. والأدب مع النبي ﷺ : كمال التسليم له، والانقياد لأمره، وتلقِّي خبره بالقبول والتصديق دون أن يحمّله معارضة خيال باطل يسميه معقولاً، أو يقدِّم عليه آراء الرجال، فيوحده بالتحكيم والتسليم، والانقياد والإذعان، ومن الأدب معه: ألا تُرفع الأصوات فوق صوته، ويدخل فيه: رفع الآراء ونتائج الأفكار على سنته. ومن الأدب معه ألا يُستشكل قوله، بل تُستشكل الآراء لقوله، ولا يُعارض نصه بقياس، بل تُهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه، ولا يحرَّف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه معقولاً، ولا يوقف قبول ما جاء به ﷺ على موافقة أحد» . وأما الأدب مع الخلق: فهو معاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم؛ فلكل مرتبة أدب، والمراتب فيها أدب خاص؛ فمع الوالدين أدب خاص، وللأب منهما: أدب هو أخص به، ومع العالم أدب آخر، ومع الأقران أدب يليق بهم، ومع الأجانب أدب غير أدبه مع أصحابه وذوي أُنسه، ومع الضيف أدب غير أدبه مع أهل بيته، وهكذا، وهذا النوع الأخير هو ما نحن بصدده. وعلى الجملة فأدب المرء (عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه: عنوان شقاوته وبواره، فما استُجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استُجلب حرمانها بمثل قلة الأدب) [٨] [**] . النسق الموضوعي في كتاب الأدب (الجانب الاجتماعي) : يشتمل كتاب الأدب على مجموعة من الأحاديث المرفوعة تبلغ (٢٥٦) حديثاً [٩] . وهو يقع بعد كتاب (اللباس والزينة) ، وقبل كتاب (الاستئذان) ؛ وكلاهما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالآداب ويحتاج إليها المسلم في تعامله وعلاقاته مع الآخرين. وقد سلك البخاري منهجاً فريداً في ترتيب أبواب هذا الكتاب، كما هو الحال في سائر الكتب، فابتدأ الكتاب بعلاقة الأبوة والبنوة تنويهاً بأهميتها، فذكر جملة من الأحاديث التي تدور حول هذه العلاقة؛ بحيث كانت تمثل وحدة موضوعية متكاملة إلى حد ما، بلغت (١١) حديثاً [١٠] تحت (٨) أبواب، وصدَّر كتاب الأدب بما رواه عن عبد الله بن مسعود ﵁ حيث قال: «سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها. قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله» [١١] ، فاعتبر هذا الحديث أساساً في بناء العلاقات؛ فالصلاة صلة بالله تعالى، وبر الوالدين علاقة مع المسلمين؛ لأن من يبرهما يبرُّ غيرهما، والجهاد علاقة مع الكفار، وتخصيص هذه الأمور الثلاثة؛ لأنها عنوان على ما سواها من الطاعات (فإن من ضيَّع الصلاة المفروضة حتى يخرج وقتها من غير عذر مع خفة مؤنتها عليه وعظيم فضلها، فهو لما سواها أضيع، ومَن لم يبرَّ والديه مع وفور حقهما عليه كان لغيرهما أقل براً، ومن ترك جهاد الكفار مع شدة عداوتهم للدين كان لجهاد غيرهم من الفساق أترك « [١٢] . وفي الحديث التالي خصّ الأم بالبر بعد أن حضّ على برّهما معاً، وأورد حديث أبي هريرة ﵁ حيث قال:» جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك « [١٣] ، وبعد التوصية ببر الوالدين وبيان عظيم حقهما شرع في بيان آليات البر، فقال: (باب: لا يسبُّ الرجل والديه) ؛ بمعنى ألا يكون سبباً إلى سبِّهما [١٤] ، وهو الحد الأدنى من البر، وبعد أن بيَّن آليات البر شرع في بيان أثر ذلك، فقال: (باب: إجابة دعاء من برّ والديه) ، وبعد أن بيَّن الموقف الإيجابي الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم تجاه والديه، بيَّن الموقف السلبي وهو العقوق، وسلك فيه مسلك الترهيب فقال: (باب: عقوق الوالدين من الكبائر) ، وبعد أن بيَّن على صورة قاعدة عامة وجوب بر الوالدين وفضل القيام عليهما، تطرق إلى بعض الأحكام المتعلقة بهما، فقال: (باب: صلة الوالد المشرك) ، وقال: (باب: صلة المرأة أمها ولها زوج) ، وفي ثنايا هذه الأبواب تطرق إلى ما ينبغي على الوالد تجاه ولده، فأورد حديث تحريم وأد البنات تلك العادة الاجتماعية السيئة التي كانت منتشرة في بعض أوساط المجتمع الجاهلي؛ فعن المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ قال:» إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعاً وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال « [١٥] . وبعد أن عرض لأحاديث صلة الرحم، ذكر جملة من الآثار والأحاديث من (٥٩٩٣- ٦٠٠٣) ، حول رحمة الصغار والإحسان إليهم، ومداعبتهم والتلطف بهم، والدعاء لهم والقيام على شؤونهم، وتحسين أسمائهم، إشارة إلى أن ذلك يدخل في حق الابن على والديه من باب الأولوية، ثم إن عرضه لأحاديث بر الوالدين بداية تنبيه من البخاري إلى أن علاقة الوالد بولده هي من مقتضيات الأبوة، ولأن بر الوالدين لا يتأتى إلا بعد بر الأبناء؛ فكأنها دخلت تباعاً؛ فضلاً عما فيه من التحريض على بر الأبناء وهم صغار حتى يتسنى لأبنائهم برهم وهم كبار؛ وهو بذلك قد سلك منهج القرآن الكريم كما سيأتي بيانه. ثم تطرق إلى علاقة الأخوَّة فقال: (باب: صلة الأخ المشرك) ومن بابٍ أوْلى الأخ المسلم، وفي ثنايا ذلك أشار إلى طبيعة العلاقة الزوجية وما ينبغي أن تتسم به هذه العلاقة من حسن العشرة والتواضع والبر في الحياة وبعد الممات، وذكر حديث خلائل خديجة (٦٠٠٤) وحديث رقم (٦٠٣٩) ، حيث عرض نموذجاً من واقع السيرة النبوية يتضمن منهج النبي ﷺ في التعامل مع أزواجه، ولم يشر إلى علاقة الزوجة بزوجها تنبيهاً منه إلى أن هذه العلاقة على الإجمال تتحدد من خلال علاقة الزوج بزوجته كونه السيد والقيِّم بأمر الأسرة، ولِمَا جبلت عليه النساء من الضعف والنقص؛ ذلك أن الإمام البخاري سلك في هذا الكتاب كما هو الحال في غيره مسلك الاختصار، وذكر المسألة أو الحديث من باب التنبيه على غيره مما ليس على شرطه. والملاحظ أن الإمام البخاري استفتح كتاب الأدب بالعلاقات الاجتماعية داخل محيط الأسرة، وابتدأ بها من باب تقديم الأولويات؛ ذلك أنه كان يسلك منهج القرآن الكريم في ترتيب الأبواب؛ فبدأ ببر الوالدين، وثنَّى بذي القربى، وثلَّث بالجار، وربَّع بالصاحب [١٦] ، كما في قوله تعالى: [وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي القُرْبَى وَالْجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ] (النساء: ٣٦) . ثم أردف البخاري الحديث عن العلاقات الاجتماعية خارج محيط الأسرة، فنبه إلى علاقة الأرحام وأورد تحتها (١٠) أحاديث [١٧] ، حيث شكلت وحدة موضوعية متكاملة، فبدأ ببيان فضيلة صلة الرحم وإثم قاطعها، ثم شرع في بيان الآثار المترتبة على صلة الرحم من بسط الرزق والإحسان من الله، ثم أشار إلى علاقة المسلم بالرحم المشرك، مبيناً أن صلة الرحم عملٌ جليل يدل على طيب المعدن ونفاسة العنصر، وأنها سبيل موصلٌ إلى كمال الإيمان والإسلام، بعد أن أشار إلى أن الدرجة التي ينبغي أن يرتقي إليها المسلم في تعامله مع أرحامه هي درجة الإحسان، وهي مقابلة القطيعة بالصلة. ثم أشار إلى علاقة المسلم بجيرانه فذكر (٧) أحاديث [١٨] حول هذه العلاقة؛ حيث بدأ بذكر عظم حق الجار وأن حقه يرتبط بالإيمان، ثم نبّه إلى الإحسان إليه ولو بشيء قليل توثيقاً لعُرى المودة والأخوة، وربط ذلك بالإيمان بالله واليوم الآخر، تحريراً للنفس من عوامل الشح، وتنبيهاً للمسلم للتعالي عن دوافع الإيذاء كالمنافسة، والحسد المنافي لحقيقة الإيمان، مع مراعاة أقربهم بابًا في عملية الإحسان. وفي ثنايا كتاب الأدب تطرق البخاري إلى علاقة المسلم بإخوانه المسلمين من خلال مجموعة من الأحاديث تحت أبواب مختلفة [١٩] ، وأشار من خلالها إلى مجموعة من الواجبات التي يتحتم على المسلم التحلي والقيام بها تجاه أخيه المسلم، كحب الخير له، والتعاون معه، ونصرته، وترك إيذائه، والتواضع له، وستر عورته، وإجابة دعوته، وتفقد أحواله، ولقائه بالبشر وطلاقة الوجه، وتشميته إذا عطس، إلى غير ذلك مما يعزز رابطة الأخوة الإسلامية، وتوثيق عراها وصيانتها من التلاشي. وبعد ذلك أخذ البخاري في بيان مجموعة من العوامل التي تعمل على تحطيم العلاقات الاجتماعية وتفتيت أواصر المحبة وعرى المودة بين أفراد المجتمع؛ وذلك من باب أن التنبيه على الشر ومعرفته حائل دون الوقوع فيه، كما في حديث حذيفة بن اليمان:» كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني « [٢٠] ، فذكر جملة من الآثار في ذم الغيبة والنميمة، وقول الزور، والشتم والكذب، والعقوق، وقطع الأرحام، والبخل والغضب، إلى جانب التنبيه على بعض أمراض النفوس كالكبر والعجب، والحقد والحسد وبعض المخالفات الشرعية كالجهر بالمعصية والمداهنة ... إلخ. هذا وقد أكثر البخاري في كتاب الأدب من التقسيم على الحالات خاصة فيما يتعلق بعوامل البناء والهدم للعلاقات الاجتماعية ما لم يفعل في غيره من الكتب، وأراد بذلك التنبيه على أنه لا كلية في هذه الأبواب، ولكن الأمر يتوزع على الحالات [٢١] ؛ فمثلاً في باب الغيبة صدَّر هذه الوحدة الموضوعية بما يدل على بيان حرمتها، فقال: باب: الغيبة وقول الله تعالى: [وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً] (الحجرات: ١٢) ، ثم عقَّب على أن فيه استثناءً فقال: (باب: ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب) ، وفي باب النميمة قال: (باب ما يكره فيه النميمة) فترجمته لهذا الباب تدل على أن هناك ما لا يكره منها؛ ولذا أعقبه بـ (باب: من أخبر صاحبه بما يقال فيه) للدلالة على أن فيه استثناءً،» وترجم عليه بما يفهم منه إلحاقه بالنصيحة الجائزة « [٢٢] . وفي باب السباب واللعن بيَّن حرمته، فقال: (باب: ما نهي من السباب واللعن) ، ثم أشار البخاري في الترجمة التي تليه إلى أن ذلك مخصوص إن كان للبيان والتميز فهو جائز، وإن كان في غير هذا السياق كالتنقيص والتغييب فهذا الذي لا يجوز [٢٣] ، ولذا قال: (باب: ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم: الطويل والقصير) . وفي باب: (ما يكره من التمادح) ، ذم التمادح لما له من آثار، ثم عقَّب في الباب الذي يليه بقوله: (باب: من أثنى على أخيه ... ) لما علم أن إطلاق الكراهة غير مراد؛ ليدل على استثناء فيه [٢٤] ، وفي باب: (الهجر) بيَّن حرمتها، ثم نبه على أن فيه استثناءً [٢٥] فقال: (باب: ما يجوز من الهجران) ، وهكذا صنع في غالب الأبواب. وبعد ذلك أشار البخاري إلى مجموعة من العوامل التي تعمل على بناء العلاقات الاجتماعية وحفظها فعرض جملة من الأحاديث والآثار التي رغَّبت في معالي الأخلاق، والتي تعمل على تغذية الروابط الاجتماعية وتعزيز الصلات الأخوية بين أفراد المجتمع، كبذل المعاملة الحسنة مع الناس، والتحلي بمكارم الأخلاق كالحلم، والرفق، والتواضع، والحياء وبذل العفو والصفح، والصبر على أذى الآخرين، ورحمة الغير. هذا وقد سلك في عرض الأحاديث كما ذكرنا مسلك التقسيم على الحالات تنويهاً إلى أنه لا كلية في هذه الأبواب؛ فعلى سبيل المثال ذكر الحياء وأهميته وفضله وما يترتب عليه من آثار وبيَّن خطر فقدانه فقال: (باب الحياء) ثم عقَّب بقوله: (باب بيان ما لا يجوز من الحياء) ، وهو تخصيص للعموم الوارد في الباب السابق، وهكذا. هذا وقد أشار البخاري إلى عامل الصيانة الأول لحفظ المجتمع وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال الترغيب في هذه المهمة العظيمة [٢٦] ، ومن خلال الإشارة إلى أسلوب النبي ﷺ في الإنكار [٢٧] ؛ حيث كان يقول لأصحابه عند المعتبة:» ما له تَرِبَ جبينه؟! «، وأحياناً يورِّي بالخطاب، فيقول:» ما بال أقوام..؟! «وكان إذا رأى شيئاً يكرهه عُرف في وجهه صلى الله عليه وسلم، ويتمعَّر وجهه إذا انتهكت حرمات الله تعالى. ذلك أن التقاعس عن أداء هذه الفريضة الاجتماعية يورث عقاباً إلهياً قد يؤدي إلى انهيار المنظومة الفكرية والسلوكية بين أفراد المجتمع الإسلامي، مما يؤثر على بِنية التكوين الاجتماعي؛ وذلك بتفكك الروابط وانهيار العلاقات الاجتماعية مما يشكل بدوره خميرة لسقوط حضاري. يقول ﷺ :» والذي نفسي بيده! لتأمرُنَّ بالمعروف، ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكَنَّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم « [٢٨] . ويدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إصلاح ذات البين باعتباره أحد عوامل البناء للعلاقات الاجتماعية؛ حيث يعمل على تنمية الخير وتأليف القلوب وتقريبها إلى بعضها؛ حيث أشار إلى أسلوبه ﷺ في الإصلاح بين علي وفاطمة ﵄ [٢٩] . ومن خلال كتاب الأدب عرض البخاري لجملة من الأحاديث التي تحثُّ على آداب الزيارة والضيافة [٣٠] ، وأخرى في أدب الحديث والاستماع [٣١] ؛ ذلك أن مراعاة مثل هذه الآداب مما يعزز بناء العلاقات الاجتماعية، ويحفظ كيانها من عوامل الانهيار، فضلاً عما للضيافة والزيارة من الدور الفاعل في إشاعة روح المودة بين الوحدات الاجتماعية المختلفة، ومن خلالها يتعرف المسلم على أحوال إخوانه المسلمين فيقوم بواجبه نحوهم. هذا وقد نبه البخاري إلى فضيلة تبنِّي هموم المسلمين ودورها في صيانة المجتمع من خلال عرض أحاديث تحثُّ على السعي على المحتاجين من المسلمين [٣٢] ، وأخرى تحث على الشفاعة وقضاء حوائجهم [٣٣] ، وأخرى تحثُّ على بذل المعروف بأشكاله المختلفة [٣٤] ، ذلك أن إحساس المسلم بالمسؤولية الإيجابية تجاه إخوانه المسلمين، بهدف تحقيق الخير لهم وإلحاق الرحمة بهم، مما يُدخل السرور على قلوبهم، وبه تستمال القلوب ويعم الخير والحب بين أفراد المجتمع المسلم، فتتوحد بهذا مشاعر المسلمين وأفكارهم وتوجهاتهم، تحقيقاً لقول رسول الله ﷺ :» ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضواً تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى « [٣٥] . والحمد لله رب العالمين.

стр. 3856

قضايا دعوية كلمات قليلة حول المنزلة العلمية للشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى فضيلة الشيخ الدكتور: عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين [*] لقد تعرفت على الشيخ محمد ﵀ في عام ١٣٨٠هـ وهو إذ ذاك في أول سن الكهولة؛ وذلك بعد وفاة شيخه عبد الرحمن بن سعدي بنحو سنتين، ولمست منه في ذلك العام الأهلية العلمية، والتأثر بشيخه عبد الرحمن، وكثرة ما يذكره ويشير إلى اختياراته وإفادته مادحاً له ولمسلكه وطريقته، ثم اشتهر بعد ذلك ذكر الشيخ محمد، وانتشرت مؤلفاته ومحاضراته وكثرة معلوماته، وتوافد طلبة العلم للاستفادة من علومه والتزود من فوائده عللاً بعد نهل. وقد اشتهرت كتبه وتعددت طبعاتها في حياته؛ حيث ألَّف قديماً في مواضيع متعددة، فكتب في المناهج الدراسية ما اعتمده طلاب المراحل في المعاهد العلمية والجامعات في العقيدة والفرائض والمصطلح وغيرها مما سهل الطريق للمعلمين؛ بحيث يقتصرون على تلك الرسائل التي لخص فيها الموضوع وجمع أطرافه بأسلوب واضح وعبارة كافية لفهم الطلاب وكذا لغيرهم ممن يقصد الاستفادة؛ فتراهم بعد إنهاء المراحل يحتفظون بتلك الرسائل للشيخ، ويرجعون إليها، ويتناقلون العبارات منها للاحتجاح والاستدلال الذي يقنع به طالب الحق. وهكذا كتب رسائل في مسائل خاصة تحتاج إلى بيان وإيضاح لما يقع فيها من الاشتباه والاختلاف كسجود السهو وزكاة الحلي والدماء الطبيعية في الحيض والنفاس ونحوها كثير، يبيّن فيها ما ترجح عنده، ويقرن اختياره بالدليل والتعليل. ولقد صارت رسائله واختياراته مرجعاً لكثير من الناس من علماء ومبتدئين؛ بحيث يحتجون بها عند الجواب، ويقنعون بها من يطلب الصواب، وفيها الدليل على عمق معرفته، وغوره في دقائق العلوم، واستنباطه للفوائد والتعليلات والحكم والمصالح التي تترتب على الأحكام. وهكذا له مؤلفات في المواعظ والنصائح، كوظائف الأيام وتسمى: (مجالس شهر رمضان) ، وكالخطب التي ألقاها في مسجده وطبعت قديماً، وقد ظهرت النية الصالحة منه في تلك الخطب ونحوها من عشرات السنين؛ بحيث يستفيد منها الخطباء والمرشدون والواعظون والطلاب والعلماء، وبحيث يتناقلها العامة والخاصة في المجالس والمساجد والسفر والإقامة؛ مما يدل على تقديرهم للشيخ واعترافهم بفضله واقتناعهم بقوله وعدم الاعتراض على اختياراته إلا من أقل القليل، وهكذا مسلكه في التدريس والإلقاء؛ فقد وقف نفسه وأمضى جل وقته في المجالس العلمية وإلقاء الدروس على طلاب العلم من مختلف البلاد؛ بحيث توافدوا إليه من داخل المملكة وخارجها بعد أن اشتهر بالبذل والعطاء السخي مما أعطاه الله من المعرفة والإفادة وحسن التلقي والسرور بالمستفيدين، والفرح بحَمَلَة العلم وطالبيه مما يشجع على الإقبال منقطع النظير والإصغاء إلى كلام الشيخ والإنصات والاستماع له؛ حيث صارت بلدته مرتعاً خصباً لمرتادي العلوم الشرعية، وأصبح مسجده جامعة إسلامية؛ فهو يؤم المصلين فيه الصلوات الخمس، ثم يجلس غالباً بعد كل وقت، وتكتظ مجالسه بالطلاب والمستمعين من كبير وصغير، وتعظم تلك الحلقات والمجالس التي يقيمها في ذلك المسجد، وكلهم مصيخ إلى ما يتلفظ به مع تلقي أكثرهم للكلمات حفظاً وكتابة وتسجيلاً وتعليقاً. ولما رأى ما حوله من الإقبال والتقبل وتوافد الغرباء من الداخل والخارج حرص على ترغيبهم وتلبية طلباتهم وتمكينهم من التلقي، فسعى في قرارهم واستمرارهم، وشفع لهم عند ذوي الجِدَة ومحبة الخير في إعداد سكن لهم مريح، ولقد تجاوب معه الكثير من المواطنين الأثرياء وغيرهم، وتبرعوا بعمارات ودور ومساكن تناسب أولئك الطلاب الراغبين، ووجد من يتكفل بالنفقة والكسوة والحاجيات والكماليات مما كان له أثر فعال في الإقبال على الاستفادة والتلقي للعلوم الشرعية التي ألهمه الله تعالى أصولها وفروعها، وفتح عليه ما يتمكن به من إيضاح المعاني وإقناع السائل مما يكون به محل ثقة وتقبل وقناعة بما يقول؛ حيث أصبحت علومه وفتاواه مرجعاً للقريب والبعيد يتناقلها الخاص والعام، ويرجعون إلى علومه واختياراته لما جعل الله له في القلوب من المودة والمحبة، ولما اشتهر به من سعة في المعلومات وقدرة على حل المشاكل والإجابة على ما يعرض عليه من معضلات المسائل. وهكذا كان منزله عامراً بالراغبين والمستفيدين؛ فقد جعل وقتاً يومياً وأسبوعياً يجلس فيه للطلاب الراغبين فيتوافدون إليه زرافات ووحداناً، ويتحلَّقون أمامه يتلقون منه النصائح والإرشادات والإجابة عن الاستفسارات والأنس بمشاهدة ذلك الشخص المحبوب؛ فالكل يأنسون بلقائه ويتلذذون بالإصغاء إلى كلماته النيرة؛ فهو يظهر لهم الفرح والسرور ويتلقاهم بصدر رحب، ووجه منبسط؛ فلا يظهر منه ملل ولا سآمة، ولا يتبرم من إلحاح أو تكرار أو زيادة استفهام؛ فهذه الأخلاق مما صار بها محبوباً موقراً يعترف بعلمه القريب والبعيد والعالم والعامي والذكر والأنثى. ومما يقوم به من التعليم الإجابة عن الأسئلة الهاتفية التي تتواصل طوال الزمان ليلاً ونهاراً من داخل المملكة وخارجها، فلو فتح الهاتف كل وقت لاستمرت المكالمات دون انقطاع، ولقد شاهدته في منزله يتولى الإجابة بإيضاح وبيان، ويتحمل ما يصدر من أولئك السائلين من التكرار والاستفهام، فلا يظهر منه ملل ولا ضجر، ولا شدة في الرد، ولا قطع للكلام، وقد حدد للمكالمات أزمنة مخصصة زيادة على استغلال أوقات الفراغ، حتى ولو كان مع أهله وبين أولاده؛ فإنه يستغل ذلك ويفتح باب المكالمات إلى أن يبدو له ما يشغله من الواجبات الأخرى. وقد جعل الله في قلوب الأمة الإسلامية له مودة ومحبة واحتراماً وتوقيراً؛ فلذلك كانوا يحرصون على سؤاله ويتحاكمون إلى قوله، ويقنعون بجوابه ولو خالف ما يعرفونه وما ألفوا عليه آباءهم وأسلافهم، وترى كل من شك في أمر أو جهل حكماً يحرص على سؤال الشيخ ابن عثيمين ويتقبل فتواه، وتسمع كثيراً في المجالس المعتادة ذكر أقواله على الألسن، فيتناقل العامة والخاصة فتاواه واختياراته معترفين له بالفضل معجبين بقوله مع اعتقاد أنه على الصواب. ثم إن الشيخ ﵀ يقع له اختيارات وترجيحات مخالفة للمشهور من مذهب أحمد ولما يقرره المشايخ المشهورون في هذه البلاد الذين يقتصرون على المنصوص في كتب فقهاء الحنابلة، وحيث إنه تتلمذ في أول تعلمه على الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ فقد تأثر باختيارات شيخه وطريقته، فاشتغل بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وانتفع بما استفاده من تلك العلوم التي تحويها تلك المؤلفات، ووقع له اختيارات وافق فيها شيخ الإسلام وغيره، وفيها شيء من التساهل والتوسع الذي يخالف ما يفتي به كبار مشايخنا الذين يسلكون باب الاحتياط والخروج من الخلاف، ولكنه ﵀ يدعم أقواله بالأدلة الصحيحة والتعليلات القوية بما يحصل به القناعة والتقبل لمن قصده الصواب، ومع ذلك فإن مشايخه لا يعنفونه ولا يعيبون أقواله المخالفة لهم لعلمهم أنه قد سبقه إلى ذلك جهابذة أجلاء لا يلحقهم طعن ولا عيب، ولأنه مجتهد ولكل مجتهد نصيب؛ فمما تساهل فيه مسائل تتعلق بالمسح على الحوائل والجوارب، ورخص السفر، والإذن في بعض ما عده الفقهاء من المفطرات، ونحو ذلك. ومما احتاط فيه القول بوجوب زكاة الحلي، وطواف الوداع للعمرة، وغير ذلك مما يعتمد فيه النصوص ويعمل فيها بما ظهر له مما هو مدوَّن في كتبه ومؤيد بالأدلة التي ظهر له صحتها ووضوح دلالتها. وقد اشتهر بكثرة المؤلفات رغم كثرة ما يقوم به من الدروس الرسمية والحلقات العلمية، وقد طبعت كتبه قديماً وحديثاً وتداولها طلاب العلم، واستفاد منها الكثير ونفع الله بها من أراد به خيراً، وهكذا سعى كثير من طلابه في تفريغ الأشرطة التي سجلت فيها دروسه ومحاضراته العلمية، وحرصوا على نشرها رغم كثرتها؛ حيث قد شرح زاد المستقنع كاملاً، وطبع أكثر شرحه، وشرح كتاب التوحيد، والعقيدة الواسطية، ولمعة الاعتقاد، وبلوغ المرام، ورياض الصالحين، والمنظومة الرحبية، وغير ذلك من المتون والشروح، وفي شرحه من الإيضاح والبيان العجب العجاب، ومن ذكر ما يمكن افتراضه من المسائل والوقائع ولو كانت نادرة الوقوع، وكذا أحكام ما تجدد ووجد مما لم ينص عليه العلماء السابقون أو بينوه باختصار وبدون تعليل. وقد تتلمذ عليه الكثير من طلبة العلم الذين برزوا في الفهم والقوة، وانتفعوا بما تلقوه عن شيخهم وبما فتح الله عليهم من الفهم والإدراك للمعاني؛ فكانوا محل ثقة شيخهم بحيث وكَّل إلى الكثير منهم جمع علومه وترتيبها وتنسيقها وتصحيحها ونشرها ليستفيد منها القريب والبعيد، وأنجز منها في حياته كمية كبيرة اطلع عليها وأقرها جملة وتفصيلاً، وقد وثق بأولئك الذين اشتغلوا بتصحيح كتبه وطبعها، مع أنه لا يتسع وقته لسماع جميعها؛ ولذلك قد يقع فيها شيء من الأخطاء التي يحمل عليها فهم الخطأ، وتغتفر في جانب ما معها من الفوائد الجمَّة. وبكل حال فقد أورث ﵀ علماً نافعاً يستمر له أجره، ويصل إليه ثواب علمه بفضل الله تعالى، وينتفع به من بعده، ويدعو له كل من استفاد من علمه؛ فرحمه الله تعالى وأكرم مثواه، وجعل جنة الفردوس مأواه، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 3857

قضايا دعوية ضوابط في الدعوة إلى الله تعالى عبد الله بن عبد الحميد الأثري الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن الدعوة إلى الله تعالى من أشرف الأعمال وأرفع العبادات، وهي أخصُّ خصائص الرسل ﵈، وأبرز مهام الأولياء الأصفياء من عباده الصالحين، قال تعالى: [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] (فصلت: ٣٣) ، والدعاة إلى الله هم صفوة مختارة من رجال الأمة؛ إذ يستلزم قيامهم بالدعوة أن يكونوا نماذج يحتذي بها الناس، وقدوة لهم في كل تصرفاتهم، تبدو عليهم آثار الرسالة التي يدعون الناس إليها على علم وبصيرة. وقد أوجب الله على الأمة الإسلامية أن تهيئ من بينها طائفة تقوم بالدعوة إلى الإسلام الصحيح، وتهيئة هؤلاء الدعاة ليست أمراً هيناً بل تحتاج إلى إمكانيات وتضحيات مستمرة عما كان عند سلف هذه الأمة. وهنا نعرض بعض قواعد وضوابط للدعوة الصحيحة إلى الإسلام الصحيح لتكون عوناً للدعاة ونجاحاً لدعوتهم بإذن الله: ١ - الدعوة إلى الله تعالى سبيل من سبل النجاة في الدنيا والآخرة؛ ف «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حُمر النَّعم» [١] ، والأجر يقع بمجرد الدعوة ولا يتوقف على الاستجابة، والداعية ليس مطالباً بتحقيق نصر للإسلام؛ فهذا أمر الله؛ لكنه مطالب ببذل جهده في هذا السبيل. والإعداد للداعية شرطٌ، والنصر من الله وعدٌ، والدعوة صورةٌ من صور الجهاد تشترك مع القتال في الهدف والنتيجة. ٢ - تأكيد منهج سلف هذه الأمة المتمثل في منهج أهل السنة والجماعة وتعميقه، والمعروف بوسطيته، وشموليته واعتداله، وبعده عن الإفراط والتفريط. والانطلاق من منطلق العلم الشرعي الملتزم بالكتاب والسنة الصحيحة: هو الحافظ بفضل الله من السقوط، والنور لمن عزم على المسير في طريق الأنبياء. ٣ - الحرص على إيجاد جماعة المسلمين ووحدة كلمتهم على الحق؛ أخذاً بالمنهج القائل: «كلمة التوحيد أساس توحيد الكلمة» ، مع الابتعاد عما يمزق الجماعات الإسلامية اليوم من التحزب المذموم الذي فرق المسلمين، وباعد بين قلوبهم، والفهم الصحيح لكل تجمُّع في الدعوة إلى الله: جماعة من المسلمين لا جماعة المسلمين. ٤ - يجب أن يكون الولاء للدين لا للأشخاص؛ فالحق باق والأشخاص زائلون، واعرف الحق تعرف أهله. ٥ - الدعوة إلى التعاون وإلى كل ما يوصل إليه، والبعد عن مواطن الخلاف وكل ما يؤدي إليه، وأن يعين بعضنا بعضاً وينصح بعضنا بعضاً فيما نختلف فيه مما يسع فيه الخلاف، مع عدم التباغض. والأصل بين الجماعات الإسلامية المعتدلة: التعامل والوحدة، فإن تعذر ذلك فالتعاون، فإن تعذر ذلك؛ فالتعايش، وإلا فالرابعة الهلاك. ٦ - عدم التعصب للجماعة التي ينتسب إليها الفرد، والترحيب بأي جهد طيب يقدمه الآخرون، ما دام موافقاً للشرع، وبعيدًا عن الإفراط والتفريط. ٧ - الاختلاف في فروع الشريعة يوجب النصح والحوار، لا التخاصم والقتال. ٨ - النقد الذاتي، والمراجعة الدائمة، والتقويم المستمر. ٩ - تعلُّم أدب الخلاف، وتعميق أصول الحوار، والإقرار بأهميتهما، وضرورة امتلاك أدواتهما. ١٠ - البعد عن التعميم في الحكم، والحذر من آفاته، والعدل في الحكم على الأشخاص، ومن الإنصاف الحكم على المعاني دون المباني. ١١ - التمييز بين الغاية والوسيلة، مثلاً: الدعوة هدف لكن الحركة والجماعة والمركز وغيرها هي من الوسائل. ١٢ - الثبات في الأهداف، والمرونة في الوسائل؛ بحسب ما يسمح به الشرع. ١٣ - مراعاة قضية الأولويات، وترتيب الأمور حسب أهميتها، وإذا كان لا بدَّ من قضية فرعية أو جزئية؛ فينبغي أن تأتي في مكانها، وزمانها، وظرفها المناسب. ١٤ - تبادل الخبرات بين الدعاة أمر مهم، والبناء على تجارب من سبق، والداعية لا يبدأ من فراغ، وليس هو أول من تصدى لخدمة هذا الدين ولا يكون آخر المتصدِّين، ولأنه لم يوجد ولن يوجد من هو فوق النصح والإرشاد، أو من يحتكر الصواب كله وبالعكس. ١٥ - احترام علماء الأمة المعروفين بتمسكهم بالسنَّة وحسن المعتقد، وأخذ العلم عنهم، وتوقيرهم وعدم التطاول عليهم، والكف عن أعراضهم، وإثارة التشكيك في نياتهم، وإلصاق التهم بهم، دون التعصب لهم أيضاً؛ إذ كل عالم يخطئ ويصيب، والخطأ مردود على صاحبه مع بقاء فضله وقدره ما دام مجتهداً. ١٦ - إحسان الظن بالمسلمين، وحمل كلامهم على أحسن محامله وستر عيوبهم، مع عدم الغفلة عن بيانها لصاحبها. ١٧ - إذا غلبت محاسن الرجل لم تذكر مساوئه إلا لمصلحة، وإذا غلبت مساوئ الرجل لم تذكر محاسنه، خشية أن يلتبس الأمر على العوام. ١٨ - استعمال الألفاظ الشرعية لدقتها وانضباطها، وتجنب الألفاظ الدخيلة والملتوية، مثلاً: الشورى لا الديمقراطية. ١٩ - الموقف الصحيح من المذاهب الفقهية أنها ثروة فقهية عظيمة ندرسها، ونستفيد منها ولا نتعصب لها، ولا نردها مجملاً ونتجنب ضعيفها، ونأخذ منها الحق والصواب على ضوء الكتاب والسنة وبفهم سلف الأمة. ٢٠ - تحديد الموقف الصحيح من الغرب وحضارته؛ بحيث نستفيد من علومهم التجريبية بضوابط ديننا العظيم وقواعده. ٢١ - الإقرار بأهمية الشورى في الدعوة، وضرورة تعلم الداعية فقه الاستشارة. ٢٢ - القدوة الحسنة والداعية مرآة دعوته والنموذج المعبِّر عنها. ٢٣ - اتباع سبيل الحكمة والموعظة الحسنة، وجعل قول الله تعالى: [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] (النحل: ١٢٥) . ميزاناً للدعوة وحكمة للسير عليها. ٢٤ - التحلي بالصبر؛ لأنه من صفة الأنبياء والمرسلين، ومدار نجاح دعوتهم. ٢٥ - البعد عن التشدُّد، والحذر من آفاته ونتائجه السلبية، والعمل بالتيسير والرفق؛ في حدود ما يسمح به الشرع. ٢٦ - المسلم طالب حق، والشجاعة في الحق مطلب ضروري في الدعوة، وإن كنتَ عاجزاً عن قول الحق؛ فلا تقل الباطل. ٢٧ - الحذر من الفتور، ونتائجه السلبية، وعدم تغافل دراسة أسبابه وطرق علاجه. ٢٨ - الحذر من الإشاعة وترويجها، وما يترتب عليها من آثار سيئة في المجتمع الإسلامي. ٢٩ - مقياس التفاضل هو التقوى والعمل الصالح، وتحاشي كل العصبيات الجاهلية؛ من التعصب لإقليم، أو عشيرة، أو طائفة، أو جماعة. ٣٠ - المنهج الأفضل في الدعوة هو تقديم حقائق الإسلام ومناهجه ابتداءً، وليس إيراد الشبهات والرد عليها، وإعطاء الناس ميزان الحق، ودعوتهم إلى أصول الدين، ومخاطبتهم على قدر عقولهم، والتعرف على مداخل نفوسهم وسيلة لهدايتهم. ٣١ - تمسك الدعاة والحركات الإسلامية بدوام الاعتصام بالله تعالى وتقديم الجهد البشري وطلب العون من الله تعالى، واليقين بأن الله هو الذي يقود، ويوجه مسيرة الدعوة، ويسدد الدعاة، وأن الدين والأمر كله لله . هذه الضوابط والفوائد هي ثمرة وزبدة تجارب كثير من العلماء والدعاة إلى الله تعالى، ولنعلم يقيناً أن الدعاة إلى الله لو فقهوا هذه الضوابط وعملوا بها لكان في ذلك خير كثير لمسيرة الدعوة. وليعلم جميع الدعاة أنه لا صلاح لهم، ولا نجاح لدعوتهم إلا بالاعتصام بالله، والتوكل عليه في كل أمر، وإخلاص النية، والتجرد من الهوى، وجعل الأمر كله لله تعالى.

стр. 3858

قضايا دعوية دعوة إلى نقد بنَّاء د. شاكر بن عبد الرحمن السروي كثيرون أولئك الذين يجيدون النقد، وأكثر منهم أولئك الذين يجيدون الحديث عن الأخطاء وهم يحتسون فنجان شاي على أريكة مريحة. وعلى العكس من ذلك فإن قلة فقط هم الذين يفكرون بجدية لتجنُّب الزلاَّت وسدِّ الثغرات، وأقل منهم من ينقل هذه التصورات إلى الواقع المشهود. إن مما لا شك فيه أن أول خطوة للعلاج هي اعتراف المريض بأنه يحتاج إلى المساعدة، ثم تأتي الخطوة التالية في محاولة تشخيص المرض ثم علاجه من بعد ذلك، وإنه لمن الواضح الجلي أن مسيرة العمل الإسلامي في الوقت الحاضر تئنُّ تحت وطأة كثير من المشكلات التي خلَّفتها سنون عصر التخلف والجمود. وإننا عندما ننتقد أولئك الذين يتحدثون عن الأخطاء لا ننتقدهم لأنهم تجاوزوا الحدود أو لأنهم تعدَّوْا على العصمة، أو لمجرد أنهم مارسوا حق النقد. وإنما ننتقد ذلك النوع الذي لا يتجاوز حدود التشفي والتسخط أو التسلية وقضاء الأوقات، فضلاً عما قد يبثه من الفرقة والخصومات أو ما قد يورثه من الدعة والكسل وترك العمل والمبادرات. إننا بأمسِّ الحاجة إلى كل نقد هادف وفكرة رشيدة أو مساهمة فاعلة مهما كانت صغيرة، إننا بحاجة إلى توظيف كل الطاقات، وبحاجة أشد إلى العناية بالمراجعات وتقويم الذات. وحتى لا تصبح الأمور مضطربة والواقع فوضى؛ فإن هناك أطُراً عامة تصلح أن تكون منطلقاً لترشيد هذا النقد وتوجيهه نحو الهدف الأسمى (حمل همِّ هذا الدين) ليصبح نقدُنا بعد ذلك عامل بناء لا معول هدم وبلاء. أولاً: الإخلاص: وبالرغم من كثرة الحديث عنه وعن أهميته إلا أن تحقيقه ليس بالأمر الهيِّن إلا لمن وفقه الله تعالى لذلك، ولذلك قال سهل بن عبد الله التُسْتَري: «ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب» ، وقال سفيان الثوري: «ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي؛ إنها تتقلب عليَّ» . ومن أجمع ما ذكر في تعريف الإخلاص أنه: إخراج الخلق عن معاملة الربِّ. ثانياً: الإنصاف من النفس والابتعاد عن الميول الشخصية والتجارب المحدودة: فإنه كثيراً ما يكون سبب النقد هو ميل شخصي أو فكرة خاصة أو تجربة قاصرة. ثالثاً: وضوح الفكرة وشمولية النظرة: فلا ينبغي التجرؤ على النقد قبل أخذ تصور كامل عن الموضوع أو الفكرة المراد نقدها، والإحاطة بالمسألة من جميع جوانبها وحبذا معرفة الدوافع التي كانت سبباً في القيام بها أو الدعوة إليها، فقد يقوم بها من الأسباب ما يجعلها أفضل من غيرها في مقامها ذلك، هذا إن لم تكن الأفضل. وكم من عائب قولاً سليماً ... وآفته من الفهم السقيم رابعاً: التأني قبل إصدار الأحكام: وذلك لإعطاء النفس فرصة للتفكير السليم القائم على اختمار الفكرة وتحليلها ومن ثم إصدار الحكم فيها بعيداً عن الانفعالات العاطفية وضغوط الاستعجال. خامساً: حصر النقد في أضيق مجال، والحرص على ألا يؤدي إلى الفرقة: فلا ينبغي أن يتحول نقد فكرة ما أو خطوة واحدة إلى حكم عام على منهج كامل أو شخص ما بكل مواقفه؛ فإن هذا من الظلم المشين والبغي بغير الحق، مع ما قد يؤول إليه من رفض الحق الذي قد يكون في جملة ما يحمله، والحق ضالة المؤمن أينما وجده أخذه. سادساً: طرح حلول عملية وبدائل: وهذا يكون من الأدلة البالغة على حرص الناقد على الخير وسعيه إليه، مع ما فيه من فتح آفاق جديدة للتصحيح، كما أنه أدعى للقبول من الطرف الآخر. سابعاً: الاستشارة وتبادل الآراء: وذلك حتى لا تكثر الانتقادات وتتشعب الاجتهادات، ومع الاستشارة يمكن الوصول إلى جملة من الآراء الجامعة المفيدة التي تحقق الخير والصلاح. ثامناً: عدم التعرض للأشخاص في ذواتهم وهيئاتهم: خصوصاً إذا كانوا معك على نفس الطريق؛ وإنما المنهج هو المطلب، والرجال إنما يُعرَفون بالحق ولا يقاس الحق بهم. كما أنه من المعلوم أن هذا المسلك يقود إلى حظوظ النفس أكثر منه إلى الحق، ويؤدي إلى كثرة التفرق والاختلاف أكثر من التصحيح والائتلاف. تاسعاً: الحرص على استمرار الجوانب الإيجابية: فلا ينبغي للناقد أن يلغي العمل المنتقَد من أساسه بما فيه من الحق؛ فإن هذا هدم وليس نقداً. وبما أن كل عمل لا يخلو من نقص؛ فإن هذا الأسلوب في النقد يستلزم أن نوقف كل أعمالنا، ولا نكاد نبدأ شيئاً ما إلا ويأتي عليه معول الناقد فيجتثه. متى يبلغ البنيان يوماً تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم عاشراً: عدم الاستعجال في نقد كل جديد أو ما لم يكتمل بناؤه: فكل جديد مستنكر، والنفوس تعشق المألوف، كما أن الحكم على الأمر من بداياتٍ غير واضحة يحمل كثيراً من الإجحاف وعدم الإنصاف. الحادي عشر: الاعتدال والعدل: قال الله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ] (النساء: ٥٨) ، وقال تعالى: [وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] (المائدة: ٨) . الثاني عشر: الاستعداد للاعتراف بالخطأ والقصور، وقبول الرأي المخالف: فما كل منتقد مصيب، وينبغي على الناقد كما جوَّز الخطأ والقصور على من انتقدهم أن يجوِّز ذلك على نفسه. الثالث عشر: الاستمرار في العطاء: فإن الملاحظ أن كثيراً ممن ينقد غيره إنما هو يخادع نفسه ويُسهِّل عليها حياة الدعة والكسل، والتملُّص من أية مسؤولية أو مشاركة بنَّاءة. فعلى المرء أن يستمر في العطاء بحسب وسعه وطاقته مع سعيه لتصحيح ما قد يراه من خلل، وليتذكر أنه: أن تُشعِلَ شمعة واحدة خير من أن تلعنَ الظلام ألف مرة.

стр. 3859

قضايا دعوية التخطيط الناجح متعب بن مسعود الجعيد [*] النجاح مطلبٌ مُلِحٌّ تتشوَّف إليه الأرواح الوثَّابة، وغايةٌ تتبارى الأنفس في طلبها؛ بل النفس الطموح تكاد ألا تَمَلَّ من اللَّهث وراءه، والتضحية من أجله. وهو مقصد الإسلام؛ فما جاء الإسلام إلا لسعادة الناس وإنجاحهم في أُولاهم وأُخراهم؛ ولذا علَّم النبي ﷺ سلمان الخير دعاءاً يقوله ويواظب عليه، فأمره أن يدعو بهذه الدعوات: «اللهم إني أسألك صحةً في إيمان، وإيماناً في حسن خلق، ونجاحاً يتبعه فلاح، ورحمة منك وعافية، ومغفرة منك ورضواناً» [١] . ومن قواعد النجاح العظمى ما يسمى بـ (التخطيط) ، فإن أنت رُمْتَ النجاح فإنه لا بد أن تلج من بوَّابته، و «لا يمكن أن تتخذ أولى خطواتك على طريق النجاح بلا خطة» [٢] . والتخطيط يدور على محاور ثلاثة: أولها: الهدف؛ إذ لا بد للإنسان من هدفٍ يسعى إلى تحقيقه؛ فالسير بغير هدف مضيعة للوقت والجهد، والسائر بدون هدف مثله كرُبَّان السفينة الذي لا يعرف أين يتجه؛ فهو يخبط خبط عشواء، ويهيم على وجهه تتقاذفه الأمواج [٣] . وثانيها: الزمن؛ حيث يتعين جعل مدة زمنية لتحقيق ذلك الهدف. فمتى «لم يكن لديك توقيت سليم للخطة؛ فإنك لا تستطيع الجزم بمتى ستنتهي: اليوم، أو غداً؟ وستمتد الخطة إلى ما لا نهاية في المستقبل» [٤] . وثالثها: الوسائل والطرق الموصلة إلى تحقيق ذلك الهدف؛ فإذا لم يعرف العامل الطريق الموصل إلى هدفه؛ فإنه لن يصل إلى مقصوده؛ ولذا يقول ابن قيم الجوزية ﵀: «طالب النفوذ إلى الله والدار الآخرة؛ بل إلى كل علمٍ وصناعة ورئاسة؛ بحيث يكون رأساً في ذلك مقتدى به: يحتاج أن يكون شجاعاً مقداماً حاكماً على وَهْمِه، غير مقهور تحت سلطان تخيُّله، زاهداً في كل ما سوى مطلوبه، عاشقاً لما توجَّه إليه، عارفاً بطريق الوصول إليه والطرق القواطع عنه» [٥] . ويقول أيضاً: «الجهل بالطريق وآفاتها والمقصود يوجب التعب الكثير مع الفائدة القليلة» [٦] . تلك هي محاور التخطيط، ولكن ها هنا أمورٌ ينبغي مراعاتها: أولاً: «لا تباشر التخطيط وبخاصة في الأمور المهمة إلا بعد الحصول على قدرٍ كافٍ من الراحة والهدوء؛ واعتدال المزاج والشعور بالثقة وعدم القلق والتوتر والإحباط؛ لأن التخطيط يحتاج منك إلى جميع قواك الذهنية من تفكير وتذكير وخيال، وهذا لا يتأتى إلا عندما يكون الإنسان في الحالة الذهنية والنفسية والجسمية المناسبة لذلك. وهذا في الأحوال الطبيعية، أما في الأحوال الاضطرارية، فللضرورات أحكامها» [٧] . ثانياً: «الإنسان لا بد أن يكون في تحديد أهدافه والسعي لتحقيقها صاحب طموح ونفسٍ توَّاقة لمعالي الأمور؛ فالحياة محدودة، والفرص قد لا تتكرر، ومن قضى أوقاته ومضت حياته في الاشتغال بتوافه الحياة وصغارها عاش في قاعها، ولم يتسنَّ له الرقي إلى ذُرَاها وقممها» [٨] . قال عمر بن عبد العزيز ﵀: «إن لي نفساً تواقة: تمنيت الإمارة فنلتها، وتمنيت أن أتزوج بنت الخليفة فنلتها، وتمنيت الخلافة فنلتها، وأنا الآن أتوق للجنَّة وأرجو أن أنالها» [٩] . ثالثاً: استشعر فضائل الهدف الذي تريد تحقيقه ومنافعه؛ فمتى كانت منافع الهدف عظيمة كانت النفس أشد حرصاً على تحصيله؛ خلافاً لِما منفعته قليلة؛ فإن الحركة تجاهه قطعاً ستكون ضعيفة [١٠] . فطالب العلم الشرعي مثلاً الذي يهدف إلى أن يكون من أهل العلم والنُّهى إذا استشعر فضائل العلم، وأن «ثوابه يصل إلى الرجل بعد موته ما دام يُنتَفع به، فكأنه حيٌّ لم ينقطع عمله، مع ما له من حياة الذكر والثناء» [١١] : تتوق نفسه إلى أن يجدَّ السير في طلب العلم واكتسابه، وأن يُشمِّر عن ساعد الجد وساقه، ويستسهل في طريقه الصعاب، ويتلذذ بما يواجهه من مشاق. رابعاً: وضوح الهدف أمرٌ رئيس في عملية التخطيط؛ ولذا يلزم المرء أن يُعيِّن هدفه بدقة ووضوح؛ فمتى كان هدفه واضحاً فإنه حينئذٍ يمتلك المقدرة على أن «يتجاوز العقبات والعراقيل، ويُنتِج في وقت قصير ما يحتاج غيره إلى أضعاف الوقت حتى ينتجه» [١٢] . خامساً: من الخطأ أن يبدأ الشخص بأهداف متعددة؛ لأن ذلك يُشتته ويضعف قواه؛ بل المتعين عليه أن يبدأ بهدف واحد يجمع همَّه عليه، ويجعله أصلاً تندرج تحته العديد من الأهداف [١٣] . ويُشترط في الهدف أن يكون مشروعاً؛ لأن من الأهداف ما لا يجوز للفرد أن يسعى له أو يفكر فيه، فضلاً عن أن يتصدى لإنجازه وتحقيقه، وذلك كالسعي في الأرض بالفساد على اختلاف صوره، فهو وإن عاد على فاعله بلذَّةٍ أو نفعٍ عاجل؛ إلا أنه في موازين الحق مردود وباطل؛ كما قال تعالى: [وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً] (الفرقان: ٢٣) [١٤] . ولا ريب أن النجاح والتفوق مطلبٌ ومقصد؛ إلا أن «سعينا لتحقيق النجاح لا بد أن ينضبط بضوابط الشرع، ويلتزم بالآداب والوسائل المقبولة» [١٥] . سادساً: يجب أن يكون الهدف واقعياً مقدوراً عليه؛ فلا يكون خيالياً، ولا يعني هذا أن يكون سهلاً متواضعاً جداً، بل الأمران كلاهما التعلق بالأهداف الخيالية، أو الانشغال بالأهداف المتواضعة مَضْيَعة للوقت، وإهدار للطاقات [١٦] سابعاً: حتى يكون الهدف متحققاً يتعين تجزئته إلى أهداف مرحلية تكون قصيرة المدى؛ لأنها إذا كانت كذلك فإن «من شأنها أن تقودك إلى تحقيق هدفك على المدى الطويل؛ لأن أهداف المدى القصير ستوفر لك شعوراً بالنجاح على أساس يومي، وستوفر لك خبرة ثمينة تساعدك في تحقيق الإنجازات» [١٧] . وإعطاء كل مرحلة وقت بداية ووقت نهاية من الضرورة بمكان، ولْيؤخَذْ بعين الاعتبار كون ذلك الوقت مناسباً، فلا يكون قصيراً لا يكفي لإنهاء العمل فيُصاب العامل بعدها بالإرهاق والإحباط، ولا يكون أيضاً طويلاً فيصاب الإنسان حينها بالفتور والتواني [١٨] . ثامناً: اجعل تركيزك منصبّاً على جهة واحدة، واجمع كُلِّيتك على شيء واحد، ف «إذا بدأت بشيءٍ فلا تتركه حتى ينتهي. إذا فعلت ذلك فإنك تنهي في يوم أكثر مما ينهي الناس في أسبوع» [١٩] . تاسعاً: «إن أول طريق النجاح في الحياة هو نجاحك في إدارة ذاتك والتعامل مع النفس بفعالية» [٢٠] ؛ فالذي لا يحسن استغلال وقته أنى له أن يحقق أهدافه فضلاً عن أن يكون ناجحاً في عمره وحياته؟ قال ابن عقيل ﵀: «إن أجلَّ تحصيل عند العقلاء بإجماع العلماء هو الوقت؛ فهو غنيمة تُنتهَز فيها الفرص؛ فالتكاليف كثيرة، والأوقات خاطفة» [٢١] . فالمتعين على العامل حينئذ أن يحدد الأولويات، وأن يعرف ما الذي يبدأ فيه، وما الذي يؤخره وينحِّيه، وأن يقدم الأهم على المهم، والمهم على غير المهم، والفاضل على المفضول [٢٢] . قال ابن الجوزي ﵀: «ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يُضيِّع منه لحظة في غير قربة، ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل» [٢٣] . وليحذر المرء من الخلط بين الحركة والتقدم؛ فالحركة تكون في اتجاهات مختلفة أو متضادة، بل قد تكون في المكان نفسه خلافاً للتقدم فإنه يكون إلى الأمام نحو الهدف [٢٤] . عاشراً: عند وضع الخطة لا بد أن يكون التخطيط مرناً بحيث يُترَك وقتٌ كافٍ للأعمال الطارئة غير المتوقعة، ف «الخطط اليومية الجامدة المحشوة أكثر من اللازم تنهار عندما تحدث أزمة» [٢٥] . حادي عشر: إذا خطط الإنسان لتحقيق هدفٍ ما، وكان ذلك التخطيط بعد رويَّة واستشارة: فلا يُفسدنَّ تخطيطه بالتراجع والنكوص، ولا يسمحن لنفسه أن تتردد في ذلك، بل عليه أن يَغُذَّ السير حتى يُحقّق مبتغاه [٢٦] . قال الله تعالى: [فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ] (آل عمران: ١٥٩) . وقال النبي ﷺ بعدما راجعه بعض أصحابه في ترك الخروج قبيل غزوة أحد: «إنه ليس لنبي إذا لبس لأْمَته أن يضعها حتى يقاتل» [٢٧] . ثاني عشر: لا بد من تقويم كل إنجاز «فمن الضروري أن تتوقف بين الفينة والأخرى، وتعود إلى الوراء لتقيِّم إنجازك، وترى إلى أي مدى بلغت في سبيل تحقيق هدفك، وستجد أنك سوف تحتاج إلى إجراء بعض التعديلات الطفيفة بين الحين والآخر لكي تصل إلى هدفك البعيد بشكل أفضل» [٢٨] . وهذا الفعل منك مدعاة لتحقيق النجاح؛ فأنت «لا تشعر بالنجاح حتى تعرف أن عليك عدد كذا من الخطوات، وتعرف كم قطعت، وكم بقي عليك» [٢٩] . أسباب إخفاق التخطيط: *من أعظم أسباب إخفاق التخطيط: عدم مقدرة الشخص على التكيف مع المستقبل، والعجز عن معايشة الأحداث والوقائع المستقبلية مما يحول بينه وبين النجاح فيما خطط له؛ وذلك أنه لا يشعر بالأمان من بقاء تخطيطه فترة طويلة؛ لأن المستقبل يحمل في طياته الكثير من النتائج غير الممكنة أو التي لم تكن متوقعة. إلا أنه ينبغي على المخطط أن يأخذ في الحسبان أنه لا يعمل في عالم يتسم بالصداقة والاستمرار دائماً، أو بالصراعات والاضطرابات أيضاً، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار أبعاد تلك التغيرات وخاصة العوامل الخارجية التي ربما تؤثر بدرجة كبيرة في عملية التخطيط؛ ولذا لا بد أن يكون التخطيط مرناً حتى يتلاءم مع التغيرات المتوقعة وإلا وجد المخطِّط نفسه تائهاً في مستقبل لا يستطيع الاستمرار عليه [٣٠] . *من الأسباب أيضاً: المخطِّط ذاته، والعامل نفسه، وذلك بأن يكون المرء غير قادرٍ على إدارة ذاته والالتزام بتخطيطه، فالانضباط الذاتي هو أساس التخطيط، بل إن أعظم تخطيط وأفضل تدبير لا يُجْدِي ولا يساوي شيئاً إذا لم يكن من ينفذه ويقوم به منضبطاً ذاتياً، وملتزماً بما خطط له [٣١] . * ومن أعظم الأسباب: البيئة المحيطة بالفرد والتي تقلل من شأن التخطيط، بل تقرر ضرورة البعد عنه حتى أصبحت العشوائية والفوضوية سمة بارزة لتلك البيئة الموبوءة [٣٢] . ولا ريب أن الإنسان ابن بيئته، وأنه حساس بطبعه، فما لم يكن قادراً على مدافعة ذلك وإلا فسينجرف ولا بد. ومن الأسباب المؤثرة أيضاً: التسويف والتأجيل؛ فإذا كان العامل يؤجل أعماله ولا ينجزها أولاً بأول، بل أصبح التسويف هِجِّيراً [**] له: فإن تخطيطه لن يفلح لا محالة؛ لأنه قد لا يتمكن من إنجازه مستقبلاً [٣٣] . قال ابن حزم ﵀: «قلَّما رأيت أمراً أُمكِنَ فضُيِّع إلا فات، ولم يكن بعدُ» [٣٤] . *آخر الأسباب: المبالغة في تطلُّب الكمال؛ فمن تطلَّب الكمال في كل عمل يعمله فإنه قد رام محالاً؛ ولا يستطيع أن ينجز شيئاً؛ لأن الكمال عزيز ولا يكون في عمل البشر، ولكن حَسْب المرء أن يبذل جهده، وأن يستفرغ وسعه في إنهاء العمل وإتقانه، وما لا يُدرَك كله لا يُترَك جُلُّه، وكم دَفَنَ تطلُّبُ الكمال أعمالاً كانت تستحق أن تظهر في الوجود [٣٥] . تنبيهات ذات بال: ثَمَّ تنبيهات ينبغي أن يُلتفَت إليها عند التخطيط: أولها وأُسُّها، وقبل أن يخطط المرء لأهداف يريد تحقيقها، وأشياء يروم نوالها: أن يجعل الله نصب عينيه، وأن يستعين به ويتوكل عليه؛ فلا حول ولا قوة إلا به، ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إنه ليقف خاطري في المسألة والشيء أو الحالة فأستغفر الله تعالى ألف مرة أو أكثر أو أقل حتى ينشرح الصدر، وينحل إشكال ما أشكل. قال: وأكون إذ ذاك في السوق أو المسجد أو الدرب أو المدرسة لا يمنعني ذلك من الذكر والاستغفار إلى أن أنال مطلوبي» [٣٦] . وثانيها: على العامل أن يؤمن بقضاء الله وقدره، وأن يصبر على مُرِّه؛ فإذا خطط وبذل وسعه وطاقته ثم لم يكلل سعيه بنجاح فلْيصْبر ولا يحزن، ولْتطب نفسه بقضاء الله، ولْيعلمْ أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ولْيجتهدْ ولا يتوقف عن مسيرته، بل يحاول المرة تلو المرة، فإن لم يصل بعد ذلك إلى مبتغاه، ولم يتحقق ما كان يصبو إليه؛ فإن إخفاقه ذلك لا يلام عليه. قال ابن الجوزي ﵀: «الدنيا دار سباق إلى أعالي المعالي، فينبغي لذي الهمة ألا يقصر في شوطه، فإن سبق فهو المقصود، وإن كَبَا جواده مع اجتهاده لم يُلَم» [٣٧] . وثالثها: «اعلم أن في كل إنسان صفات ضعف وصفات قوة، وهو أعلم الناس بحقيقة نفسه ما لم يكابر أو يجهل؛ فالعاقل الموفق هو من وجه حياته وعمله وتخصصه نحو ما فيه من صفات القوة، ونأى بنفسه وحياته عن نقاط الضعف في شخصيته، فكم من جوهرة تخطف الأبصار بأصفى الأشعة وأبهاها: مُستكنَّة في أغوار المحيطات المظلمة، وكم من زهرة استقامت على عودها في الصحراء: مضيعة شذاها العطري مع سافيات البيداء، ولو اكتُشفت هذه وتلك لكان لهما شأن آخر» [٣٨] . وأخيراً: ليعلم العامل أنه لا بد أن يعتري تخطيطه آفات، وتواجهه في طريقه عوائق؛ إذ النجاح الكبير غالباً يسبقه إخفاق؛ فليس الناجح هو الذي لا يسقط، بل الناجح حقاً هو الذي يقوم من سقوطه سريعاً، وقد استفاد من سقوطه، وكما قيل: «وربما صحت الأجسام بالعلل» [٣٩] . وليعلم أيضاً أن ليس بين الإخفاق والنجاح إلا صبر ساعة، وأن العبرة ليست بنقص البدايات، وإنما العبرة بكمال النهايات، وأن الناجحين لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا بعد فشل أو إخفاق تعرضوا له وانتصروا عليه، ف «لم يقم أحدٌ بالتوجه نحو هدف مهم إلا وقاسى مرات عديدة من الخيبة قبل تحقق الهدف» [٤٠] . ولْيصبر المرء وليصابر، ولْيتغلب على العقبات، ولا يستسلم للإخفاق؛ بل عليه أن يعيد ويكرر مرات تلو مرات. قال ابن سينا: «قرأت كتاب (ما بعد الطبيعة) لأرسطو، فما فهمته حتى قرأته أربعين مرة» [٤١] .

стр. 3860

تأملات دعوية الدعوة بين الاحتساب والاكتساب (٢ - ٢) محمد بن عبد الله الدويش www. dweesh. com الدعوة إلى الله ﵎ تدعو صاحبها إلى التخلي عن التعلق بالدنيا؛ فهي تتطلب منه أوقاتاً كثيرة في العمل، وفي التخطيط والإعداد له، وفي التقويم والمراجعة، ومهما أوتي المرء الجاد اليوم من وقت الفراغ، فهو يدرك أن مطالب الدعوة إلى الله أكثر بكثير من الوقت المتاح له، بل إنه كثيراً ما يحتار في الاختيار بين البدائل والفرص المتاحة، وفي ترجيح بعض الأعمال الدعوية على بعض لغلبة مصالحها، ومن حِيَل الشيطان بالعبد إشغاله بالعمل المفضول عن العمل الفاضل، وهذا كله يتعارض مع التوسع في التحصيل لمتاع الدنيا. كما أن الدعوة تتطلب من أصحابها الإنفاق والجود في سبيل الله، بخلاف حال أهل الدنيا الذين يصرفون ما يفتح عليهم في التوسع فيها والازدياد منها. والتعلق بالدنيا يشغل قلب الإنسان ويفرق عليه همَّه. عن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «من كانت الآخرة همَّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همَّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له» [١] . والحديث عن متاع الدنيا في القرآن والسنة يأتي في مقام الذم في الأغلب الأعم، بل أخبر ﷺ أن بسط الدنيا سبب للهلاك؛ فعن عمرو بن عوف ﵁ قال: «قدم أبو عبيدة بمال من البحرين فسمِعَتِ الأنصار بقدومه فوافته صلاة الصبح مع رسول الله ﷺ ، فلما انصرف تعرضوا له، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم وقال: أظنكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة وأنه جاء بشيء! قالوا: أجل يا رسول الله. قال: فأبشروا وأمِّلُوا ما يسرُّكم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تُبسَط عليكم الدنيا كما بُسِطَت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتلهيكم كما ألهتهم» [٢] . ودأب أهل العلم على الحديث في مصنفاتهم عن ذم التعلق بالدنيا والتنافس في تحصيلها، وأُلِّفَت مؤلفات عدة حول الزهد فيها والتقلل منها. وكما أشرنا في المقالة السابقة إلى صور من الخطأ في إهمال الكسب المشروع من الدنيا، فنشير في هذه المقالة إلى نماذج من الطرف الآخر: * ثمَّة طائفة ممن كانت لهم مشاركة في الدعوة كانوا في وظائف عامة تحقق لهم القدر الكافي لأمثالهم، ليتفرغوا بعد أوقات الدوام لأعمالهم الدعوية، دون أن تنشغل أذهانهم بجمع الدنيا، واتجه هؤلاء لأعمال خاصة، رغبة في التحرر من قيود الوظائف، وادِّعاءاً بأن المال الصالح خير للرجل الصالح، فغرقوا في الدنيا وانشغلوا بها ولم يعد للدعوة نصيب من أوقاتهم، بل إن ما يجودون به من تبرعات لا يساوي ما ينفقه من هو دونهم من عامة المسلمين، وأفسدت الدنيا حال هؤلاء وعاشوا في حياة الترف، وامتد الأمر لدى بعضهم إلى ارتكاب المخالفات الشرعية والتهاون فيها. * يتجه بعضهم من أصحاب المهن الراقية كما يقال إلى أعمال مسائية رغم أنهم من أكثر الناس دخلاً- فلا يبقى لدعوتهم إلا النزر اليسير من الوقت، أو يختار أحدهم عملاً يشغل نهاره كله؛ ليعود كليلاً مجهداً، وكل ذلك في الحقيقة سعي إلى التكثر من الدنيا. * يسيطر على حديث طائفة من الصالحين الاستثمار وجمع المال، وتقصيرنا في ذلك، بينما نحن أحوج إلى التحذير من فتنة الدنيا؛ فعن كعب بن مالك الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ذئبان جائعان أُرسِلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» [٣] . * من صدق العبد مع ربه ودعوته أن يقدم دينه ودعوته على دنياه، وهذا يقتضي أن يرضى بعمل له أثره في الدعوة، على حساب غيره مما هو أكثر منه دخلاً. فاللهمَّ ارزقنا القناعة، والزهد في الدنيا، والرغبة فيما عندك.

стр. 3861

البيان الأدبي محمد محمد حسين رائدٌ سَمَا عن الأطماع فتسنَّم ذروة الإمامة في اللُّغة والأدَبْ عبد العزيز بن صالح العسكر ترجمته بقلمه: لم أجد أدقَّ ولا أصدق ولا أقرب إلى الحقيقة في الحديث عن إمام الأدب الأصيل في العصر الحديث، العَلَم الذي نتحدث عنه هنا مما خطَّه بقلمه ﵀ رحمة واسعة فتعال معي أخي القارئ في حديث موجز عن ميلاده ودراسته وأعماله الوظيفية. يقول: «ولدت في سوهاج، من مدن الصعيد في مصر سنة ١٩١٢م، وتلقيت تعليمي الابتدائي والثانوي فيها، باستثناء السنة الأولى الثانوية التي التحقت فيها بمدرسة أسيوط الثانوية؛ لأنها كانت المدرسة الثانوية الوحيدة في صعيد مصر وقتذاك، وحصلت على الليسانس سنة ١٩٣٧م من قسم اللغة العربية في (الجامعة المصرية) وكذلك كان اسمها؛ لأنها كانت الجامعة الوحيدة في مصر وفي البلاد العربية وقتذاك. وعُيِّنت معيداً في الكلية في السنة نفسها، وكُلِّفت بتدريس اثني عشر درساً أسبوعياً في السنة الأولى. وكانت هذه هي السابقة الأولى التي يُعيَّن فيها معيد في سنة تخرجه ويكلف بالتدريس. ثم حصلت على (الماجستير والدكتوراه) ، وانتدبت للتدريس في كلية الآداب بالإسكندرية سنة ١٩٤٠م، وكانت وقتذاك فرعاً من الجامعة المصرية في القاهرة، ثم نقلت إليها بعد استقلالها سنة ١٩٤٢م وتدرجت في وظائف التدريس بها إلى أن شغلت كرسي الأستاذية سنة ١٩٥٤م وأُعرت أثناء عملي إلى الجامعة الليبية وجامعة بيروت العربية، ثم تعاقدت مع جامعة بيروت العربية بعد بلوغي سن التقاعد سنة ١٩٧٢م، وظللت بها إلى أن تعاقدت مع جامعة محمد بن سعود الإسلامية سنة ١٩٧٦م حيث أعمل الآن في ٢ رجب ١٤٠١هـ ٦/٥/١٩٨١م» [١] . هذا هو «محمد محمد حسين» المفكر الأديب الناقد في تعريفه لنفسه، ولكن ماذا يقول عنه التاريخ والمؤرخون؟ لقد عاش أديبنا في زمن مبكر من النهضة الأدبية الحديثة كما تُدعى وكان في الساحة الأدبية والفكرية اتجاهان اثنان: اتجاه محافظ أصيل، واتجاه آخر متأثر بالغرب معجب بالغربيين وبكل ما عندهم داعٍ إلى أن تكون أمم الشرق وبخاصة البلاد العربية مثل أوروبا في كل شيء. وهذا الاتجاه الأخير كان من أعلامه بعض قادة الأدب وأعلامه في مصر زمن دراسة محمد محمد حسين، وأبرز أولئك (طه حسين) الذي كان أستاذاً لأديبنا. وفي ظل تلك الظروف انخرط محمد حسين في هذا الاتجاه عَلِمَ أو لم يَعْلَم وبدأ يُعلِّم ويكتب متأثراً به، وظهر ذلك جلياً في رسالته (للدكتوراه) التي كانت بعنوان: (الهجاء والهجَّاؤون) . ولكن الله تعالى بمنِّه وكرمه فتح بصيرة الرجل وأنار فكره وقلبه فتبيَّن له زيف ذلك الاتجاه وانحرافه واعوجاجه فتركه ونحا منحى آخر، وسلك طريقاً معاكساً له، سلك مسلك الطبيب الناصح والمجاهد المخلص الذي يدعو للفضيلة بفعله قبل قوله، ويوضح معالم الخير النقي الصحيح، ويفضح خطط الباطل ودعاة الشر، ويرد على مكائدهم وأباطيلهم. يقول ﵀ في سياق حديثه في مقدمة كتابه (حصوننا مهددة من داخلها) : «كتبت هذه الصفحات حين كتبتها لكي أفضح هذا النفر من المفسدين، وأنبِّه إلى ما انكشف لي من أهدافهم وأساليبهم التي خُدِعْت بها أنا نفسي حيناً من الزمان مع المخدوعين، أسأل الله أن يغفر لي فيه ما سبق به اللسان والقلم. وإن مَدَّ الله في عمري رجوت أن أصلح بعض ما أفسدت مما أصبح الآن في أيدي القراء، وأكثره في بحث حصلت به على درجة (دكتور في الآداب) من جامعة القاهرة، ثم نشرته تحت اسم (الهجاء والهجاؤون) . وقد كان مُصابي هذا في نفسي وفي تفكيري مما جعلني أقوى الناس إحساساً بالكارثة التي يتردَّى فيها ضحايا هؤلاء المفسدين، وأشدهم رغبة في إنقاذهم منها، بالكشف عما خفي من أساليب الهدَّامين وشِرَاكهم» [٢] . هذه إشارة سريعة إلى منهج الرجل واتجاهه؛ عرفنا منها صدق قوله واستقامة منهجه، وقوة عزيمته، وقد استطاع بتوفيق الله أن يصلح أخطاء كتابه بقدر ما وسعته الطاقة في الطبعات التي ظهرت في بيروت منذ ١٩٦٩م [٣] . من شهادات معاصريه: يقول الدكتور الشيخ محمد بن سعد بن حسين وهو رفيقه في كلية اللغة العربية بالرياض لمدة سبعة أعوام تقريباً: «والناظر إلى كتبه بلا استثناء يجد أنها جميعاً من الموضوعات التي تَهَيَّبَ ميدانها كثيرون أو أنها موضوعات ذات حساسية في الميادين الفكرية؛ فهل تستطيع تحسس علة هذا الاتجاه والأسباب الدافعة إليه. نستطيع تلخيص ذلك في رواية ثلاثة أبيات من الشعر أحدها قول بعضهم: وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... فكن طالباً في الناس أعلى المراتب والآخر قول أبي الطَّيِّب: على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم فكأنه تمثل النصيحة في البيت الأول فتحقق في أعماله معنى البيتين الآخرين، لقد كان: مؤمناً صادقاً، وتقياً نقياً، ومتعففاً مترفعاً. إذا تعارض حقه المالي مع الاحتفاظ بالكرامة قدم الاحتفاظ بالكرامة على المال. ولم أعرف أن الرجل انتصف لنفسه من المسيئين إليه، وما جدَّ في طلب أو جاه، وتلك قواصم ظهور العلماء، يشتد حين تكون الخصومة فكرية، فإذا وصلت الأمور إلى إطار الشخصيات انطوى كأنما حُدِّث في أمر مخجل» [٤] . ويبين الدكتور إبراهيم عوضين طريقة طرح محمد محمد حسين ونقده، ودراساته وبحوثه، فيقول: «والمبدع في نقد الدكتور محمد محمد حسين أنه يأتي بالدليل الحاسم في قوة؛ فليست بحوثه ذبذبات عاطفية تعتمد على الضجيج الخطابي، ولكنها ثمرة فكر عاقل، يؤمن بالحجة، ويعتصم بالدليل، فإذا ملأ كفه من الإقناع جاء بوهج العاطفة ليحدث من التأثير البالغ ما يترك هداه في قلوب من يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأحيل الدارس المتتبع إلى المجلد الثامن والعشرين من مجلة الأزهر الصادر في سنة ١٣٧٦هـ، ليرى بحوث الدكتور محمد محمد حسين في هذا المضمار ناضجة الثمار شهية القطوف. والحق أن بحوثه في محاربة الحركات الهدامة في هذا العصر كانت ضرورة حتمية يوجبها الواقع المعاصر؛ حيث كان الاحتلال الإنجليزي لمصر مصدراً خطراً لشبهات ظالمة تلحق بالإسلام» [٥] . عالم يدرب طلابه، ثم لا ينسى جهدهم: لقد قاد محمد محمد حسين ﵀ الصدق والأمانة وكَرَم النفس وأصالة الطبع ولطيف المعشر لتسجيل عبارات الوفاء لمن ساهم معه في إخراج كتاب وتحقيقه ونشره، سجَّل تلك العبارات لنفر ربما كان هو صاحب الفضل عليهم وله السابقة في خدمتهم ونفعهم بل ربما كانت جهودهم (المحدودة) معه رد جميل وبر وصلة لمعلم فاضل وأستاذ كريم لم يبخل عليهم بشيء وقد طوَّق أعناقهم بفضائله ومكارمه. يقول في مقدمة ديوان «الأعشى الكبير» وهو الديوان الذي حققه: «وقد كان ساعدني في إخراج هذا الكتاب في طبعته الأولى جماعة من الأصدقاء؛ فتفضل الأستاذ شوقي أمين بمعاونتي في مراجعة مسودات الطبع، وأسدى إليَّ كثيراً من الآراء النافعة التي اقتنعت بكثير منها وأخذت به. وتفضل الزميل محمد أبو الفرج المعيد بقسم اللغة العربية في جامعة الإسكندرية بوضع الفهارس اللغوية للديوان ويعلق في هامش الكتاب: توفي الدكتور محمد أبو الفرج في خلال العام الدراسي الماضي. أسأل الله الكريم أن يرحمه ويحسن إليه كما تفضل مصطفى عبد اللطيف الشويمي الطالب بليسانس الآداب بوضع فهارس الأعلام والأماكن والقبائل والأيام، وتفضلت الآنسة عزة كرارة المتخرجة في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة الإسكندرية، بترجمة المقدمة الألمانية للمستشرق (جاير) في الطبعة الأوروبية. فإلى هؤلاء جميعاً أقدم شكري الخالص» [٦] . إن في هذا لدلالة كبيرة على أن الرجل مربٍّ فاضل وليس عالماً فقط؛ فهو يدعو بفعله قبل قوله إلى أن يُعْرَف الفضلُ لأهله؛ وهو بذلك يحفز همَّة كل قادر على العمل والبحث أن يقدم ما يستطيع؛ وليس بالضرورة أن يخرج عملاً مستقلاً بنفسه، ولكنه بإمكانه أن يشارك مع إخوانه وزملائه في إنجاز أعمال علمية؛ وله فيها بإذن الله أجران: فحقه أن يُشكر من قبل إخوانه، ثم إنَّ له ما هو أغلى وأسمى من ذلك وهو الأجر من الله تعالى إن خلُصت نيته وصَدَق توجهه. إن سطوراً متواضعة كهذه التي نكتب هنا لن تفي بحق عَلَم كمَن نتحدث عنه؛ ولكنها إشارات، وحَسْبنا أن نثبت فيها أسماء المصادر والمراجع لمن أراد المزيد. وفاته: توفي محمد محمد حسين سنة ١٤٠٢هـ = ١٩٨٢م حيث بلغ من العمر سبعين سنة. وقد رثاه بعض الشعراء والأدباء، ومنهم الدكتور محمد بن سعد بن حسين بقصيدة منها: صَمَتَ الصريرُ وجَفَّتِ الأقلامُ ... وطَوَتْ صحائفَ عُمْرِكَ الأيامُ هدأ الزئيرُ فلا معاركَ نَقْعُها ... وَهَجُ العقولِ يمدُّه الإلهامُ وأُبيح غابٌ كُنْتَ فيه مُسَوَّداً ... رَقَصَ ابنُ آوى إذ هوى الضرغامُ أنا إن بكيتك ساعةً فلطالما ... ذرفت عليك دموعَها الأعلامُ [٧] مؤلفاته: بلغت كتب الدكتور محمد محمد حسين المطبوعة أَحَدَ عشر كتاباً وهي: ١ - الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر (في جزأين) . ٢ - الإسلام والحضارة الغربية. ٣ - أزمة العصر، وأصله ثلاثون حديثاً كتبت لتبث من إذاعة الرياض عام ١٣٩٧هـ. ٤ - حصوننا مهددة من داخلها، وأصله مجموعة مقالات شهرية نشرت في مجلة الأزهر المصرية في عامي ١٣٧٧هـ، ١٣٧٨هـ. ٥ - الهجاء والهجاؤون في صدر الإسلام، وهذا الكتاب جزء من بحثه في (الدكتوراه) . ٦ - أساليب الصناعة في شعر الخمر والأسفار، وهذا الكتاب (كما يذكر المؤلف في مقدمته) فصلان من بحث مرحلة (الماجستير) . ٧ - شرح وتعليق على ديوان الأعشى الكبير (ميمون بن قيس) . ٨ - المتنبي والقرامطة، وهذا الكتاب (كما يذكر المؤلف في مقدمته) في الأصل محاضرة ألقاها في كلية الآداب بالجامعة الليبية ببنغازي عام ١٣٨٣هـ. ٩ - الهجاء والهجاؤون في الجاهلية. ١٠ - مقالات في الأدب واللغة، وهذا الكتاب يحوي ستة بحوث هي: أ - تطوير قواعد اللغة العربية. ب - بين سينية البحتري وسينية شوقي. ج - فقه اللغة بين الأصالة والتغريب. د - دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بين التأييد والمعارضة. هـ - أثر الأدب الغربي في الأدب العربي المعاصر. و اقتراحات للنهوض بمستوى اللغة العربية. وقد طبعت تلك البحوث مجتمعة في كتاب واحد بعد وفاة المؤلف ﵀ ونشرتها مؤسسة الرسالة في بيروت عام ١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م بإشراف ورثة المؤلف. ١١ - الروحية الحديثة دعوة هدامة، وهذا الكتاب في الأصل محاضرة ألقيت في جمعية الشبان المسلمين بالإسكندرية عام ١٣٧٩هـ، وكانت بعنوان: الروحية الحديثة حقيقتها وأهدافها. كما أن للأستاذ محمد محمد حسين مؤلفات أخرى وكتباً بعضها لا يزال مخطوطاً وبعضها طبع مرة واحدة فقط ثم نفد ولم يعد يوجد، ومنها: أ - رواية الدموع. ب - الأعشى صناجة العرب، بحثه في (الماجستير) وهو لا يزال مخطوطاً فيما نعلم. ج - فتح مكة. د - اتجاهات هدامة في الفكر العربي المعاصر، وهو في الأصل محاضرة ألقيت في جمعية الشبان المسلمين بالإسكندرية [٨] . وقد لقيت كتب ورسائل هذا الأديب من طلابه وغيرهم عناية واهتماماً، ومن أفضل من اعتنى بها كتاب نفيس بعنوان: (موقف الدكتور محمد محمد حسين من الحركات الهدامة) ألفه الدكتور إبراهيم محمد عوضين، وفيه تناول المؤلف بالدراسة بعضاً من كتب محمد حسين وأبرز من خلال تلك الدراسة شجاعة أديبنا وجرأته وغيرته على الدين والعقيدة والمثل الإسلامية، وقد نشرت الكتاب مؤسسة الرسالة في بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ - ١٩٨٥م، رحم الله محمد محمد حسين وغفر له. وبعد وفاة هذا الأديب ﵀ أُعِدَّتْ رسالتا (ماجستير) عن حياته وأدبه؛ فقد أعد الباحث: عليان بن دخيل الله الحازمي رسالة (ماجستير) في كلية اللغة العربية بالرياض في جامعة الإمام عام ١٤٠٧هـ بعنوان: (محمد محمد حسين حياته وآثاره الفكرية والأدبية) وبلغت صفحاتها حوالي ثمانمائة صفحة، وفي عام ١٤١٤هـ أعد الباحث: محمد عبد الحميد محمد خليفة رسالة (ماجستير) في قسم اللغة العربية بجامعة الإسكندرية بعنوان: (دراسة النص الأدبي عند محمد محمد حسين) وبلغت صفحاتها حوالي ٣٣٠ صفحة. ولكنَّ الرسالتين المذكورتين لم تنشرا فيما نعلم أسأل الله أن يوفق الأخوين الباحثين لطباعة كتابيهما ليكونا إضافة نفيسة إلى المكتبة العربية، كما نتمنى أن تجد كتب أستاذنا (محمد محمد حسين) العناية والاهتمام من القراء والباحثين وأصحاب دور النشر في البلاد العربية؛ لأن تلك الكتب تُحَدِّد معالم الأدب الأصيل، وتكشف زيف خصومه. والله الموفق والمعين.

стр. 3862

نص شعري سيرة ذاتية سعيد يوسف أبو عزيز (١) أَثْقَلُ يَوْمٍ يأتيني ... يَوْمٌ يَهْربُ فيه يقيني ... وَأَنا إنْ ضَاعَتْ مِشْكاتي ... فيَقيني بالله يَقيني ... (٢) أنا في صَمْتي أترددْ أَتجمَّعُ فيه، أَتَبَدَّدْ أَتوَحَّدُ فيه، أَتَعَدَّدْ لكني أبداً يا أحبابي بدُمُوعي فَوْقَ الحاضِرِ أَتَمدَّدْ (٣) أَسجُدُ في مِحْرَابِ الصَّلَوَاتِ ... أَقرأُ وِرْدَ الشَّافِعِ ﷺ ... فَعَسَى أَنْ أَشْرَبَ مِنْ كَفَّيهِ ... شَرْبَةَ مَاءٍ، مِنْ نار الغَفْلَةِ تَشْفيني ... تَزْرَعُ في أَرْضِ المَجْدِ الغَابِرِ أَغْلى راياتي ... (٤) أنَا لا أنْسَى أبَداً سُهدي وَرُقَادِي ... وَهَزِيمة نَفْسِي في ظِلِّ عِنَادِي ... وَدَمُوعِي عِنْدَ ذُهُولي وَنَفَادِي ... أَنَا لا أنْسى أنَّي أَقْرأ تاريخِي ... بعُيونٍ لا تَخْشَى العَبَرَاتِ ... (٥) أَنَا مَجْروحٌ منذُ بِدَايَةِ أَحْلامي ... لاَ أَمْلِكُ شَيْئاً يَعْدِلُ أَوْهامي ... فأَنا فَوْقَ السُّحُبِ أَخُوضُ حُروبي ... فَالأُفق الوَاسِع أَسْمى خُطْواتي ... (٦) مَا أَحْلَى أَنْ يبْدَأَ يَومي ... وَأنَا مَشْدُودُ النَّظَراتِ ... أَتَرقَّب فَارِسَنَا المَوْعُودا ... ليريح الذِهنَ المَكدُودَا ... ليزيحَ الوَهَنَ المَبثُوثَ بَعيداً عَنْ خَطْراتي ...

стр. 3863

نص شعري يا أُمَّتي عبد الحميد بن سالم الجهني يا أُمَّتَي نامتْ بجنبيَّ الجراحْ وانداحت البسماتُ من شفتيَّ تخنقها التماعات الصباحْ واستُلَّتِ العبراتُ من عينيْ فوا ألمي وصمت المجرمين على ضفاف الدمعة الخجلى وأنقاض النواحْ ألا اسبكرِّي [١] يا رياح ومزقي حجب الخمول وسطوة المجهول والألم البَواح حتى متى لا تستطيل ولا تصيحُ أعاجز يا مَيْت عن بعض الصياح؟ ألا اسبكري يا رياح وعانقي هام الرجال الصامتين على سفوح الخزي والنوم الرَّداحُ ضرامُ سنبلةٍ وهِزَّةُ مِعْصمٍ في وجه مأفونٍ تفتت طوطم [٢] الأشباح والفزع المعرش في زوايا القلب تنتفض الصِّفاح تفك قيد الوهم من أَرْدان مستلَب الإرادة والجناحْ يا أنت ... يا متلفعٌ بملاءة الأتراحْ والحزن القديم افتح لنا في برزخ الأقدار رَوْزَنَةً لنبحر من هنالك نافضين اليأسَ عن أكتافنا السمراء نعتنق السماواتِ الفِساحْ نضيء مشكاةَ الدياجي المستطيرة والأماسيِّ المريرة بالأصابح والأقاح نضيء قنديلاً ... فينطرح الظلام مجندلاً في ليلنا ليلِ امرئ القيس الوقاح ألا اسبكري يا رياح

стр. 3864

البيان الأدبي أيام الصمت عبد الله بن محمد السويلمي آلى على نفسه أن يصمت، أن يجرب الصمت الذي رغَّبَ فيه الدين، وحث عليه الحكماء ومدحه الشعراء، ولكن كيف يصمت وهو المهذار الثرثار؟ ! كيف يصمت وهو الجَدِلُ اللجوج؟ ! كيف يصمت وهو صاحب الإحساس المرهف، تهزه البسمة وتصرعه النسمة؟ ! طرح هذه الأسئلة على نفسه وقال: هل أنتِ مستعدة للحرب مع الكلام؟ ! قالت: وكيف يحارَب الكلام، وبأي سلاح أحاربه؟ ! قال: نعم! يحارب الكلام بضده، وبضدِّها تتبين الأشياء. قالت النفس: ويحك! قتلتني بكثرة كلامك معي؛ فكيف إذن تريد أن تصمت؟ ! قال: أنا الآن أسكت. وبدأ لحظة التنفيذ، وبدأت لحظات الصمت، وصام عن الكلام، وبدا وكأنه قطعة أثاث.. استمر على ذلك عاماً يعيش المعاناة والمتعة معاً، يرد السلام فقط، ويذكر الله ولا يخوض مع الخائضين، ولا يجادل ولا يماري، يستمتع بحديث الآخرين، وهم يستمتعون بصمته ويتساءلون: أحقاً استطاع فلان أن يكون من الصامتين؟ ! إنها لإحدى العبر! ! ومرت الأيام، واستمرأ الصمت، وارتاح من الضجيج والإزعاج، وأدرك أنه كان مدمناً للكلام، وبدأ يفكر وتحركت عنده طاقة الإبداع، وما شيء أحب إليه من أن يبوح للناس بما توصل إليه؛ ولكن ذلك لا يكون إلا بكلام، وهو يعيش أيام الصمت، إذن ما الحل؟ أيكتب خواطره؟ أم يكتم مشاعره؟ القلم أحد اللسانين؛ فربَّ صموت بلسانه مهذار بقلمه، وترجح لديه أن يلجم قلمه كما حبس لسانه. أيُّ قدرة أسعفته حتى أمسك عن الكتابة؟ ! يا لها من إرادة! ومرت أيام الصمت ثقيلة طويلة، لكنه يتأمل فيها كثيراً ويستمتع فيها بالسكون. وذات يوم زاره صديق عزيز على نفسه يحبه كثيراً، ولم يره منذ زمن طويل، كان خارج البلاد فعاد بعد زمن الغربة.. هو صديق عمره، وجليس طفولته، وأنيس مشاعره.. إنه الامتحان الصعب في حياته، وفي زمن صمته.. رحَّب به وبادله الحب وسأله عن أحواله باختصار.. وشرع صديقه يخبره عن أيام دراسته في الخارج، وعن رحلاته وعن مشاعره ومشاغله وصاحبنا صامت لا يزيد على التعجب. ولعله لفت انتباه صديقه أنه لا يقاطعه كما عهده.. ولا يعلق على كلامه ولا يعترض.. وبعد أن أنهى صاحبه الكلام انتظر تعليقاً، انتظر مشاركة.. انتظر تفاعلاً.. فلما لم يتكلم طرح عليه هذا السؤال بقوة: أمريض أنت؟ ما لك صامت كأني أحدث الحجر؟ ! .. أجابه: لستُ بمريض ولستَ تحدِّث حجراً.. إذن ما بك ساكتاً لا تتكلم؟ قال: لقد تكلمت أنت ما فيه الكفاية وأنا أستمتع بكلامك.. وقد أفدتُ منه كثيراً.. انصرف صديقه متعجباً متأملاً.. يحدث نفسه: أحقاً هذا فلان؟ ! .. لقد تغير كثيراً، لقد زانه الصمت وأسبل عليه ليلاً من السكون، وألبسه تاجاً من الوقار.. وبدأ الناس يتحدثون عن صمت فلان، وكيف استطاع هجر الكلام حتى علم بذلك محافظ المدينة.. فسأل عن حاله.. فقيل: كان مهذاراً ثرثاراً يتحدث وهو نائم.. وفجأة انقلبت حياته فشحَّ بالكلام حتى كأن ليس في فيه لسان.. ولو عُدَّ البُكم في هذه البلدة لعُدَّ منهم. فقال المحافظ: هذا جدير بأن يكرَّم، هذا صاحب إرادة لا تقهر، لعلِّي أجعله على سرِّي فهو خليق بذلك.. وطلبه المحافظ: فأجاب.. ودخل عليه مسلِّماً ساكناً.. فسأله المحافظ: كيف وجدت الصمت؟ فقال: مستريح ومستراح منه.. فقال: هل لك في الكلام وتكون جليسي؟ فقال: ثمن مجالسة الحكماء الصمت. وما شرفني بزيارتك إلا ذلك.. فقال: فهل تقبل أن تكون في خدمتنا من الآن؟ فقال: أنا في خدمتكم من قديم الزمان. فقال المحافظ: لقد رسمنا بأن تكون على سرِّنا، وأن تكون من المقربين لدينا.. فشكره على ثقته وانصرف بعد أن استأذنه. حدَّث نفسه قائلاً: من الآن يا نفس بدأت الحرب مع الكلام.. قالت: والأيام التي مضت؟ قال: كانت تدريبات واستعدادات.. قالت: إذن فلا طاقة لي بمصاحبتك فَائذن لي بمفارقتك.. قال: إن استطعت فافعلي.. وبدأ يتردد على المحافظ ويجلس صامتاً لا يشارك في الحديث ولا يتكلم مع أحد، إن سئل أجاب.. وإن أُمِرَ نفَّذ. وذات يوم حدَّثه المحافظ بحديث خطير.. وقال له: آن لك أن تتحمل أثقال الأسرار، وأن تُستودع دقائق الأخبار.. قال: قُلْ؛ فكأن قد مضى حديثك في مسارب الزمن، أو طوته عجاف القرون.. وبعد أن أنهى المحافظ حديثه الخطير والرجل ينصت له بغاية الاهتمام قال: فهمت؟ قال: بل نسيت.. وعاد يحدث نفسه قائلاً: أرأيت يا نفس! كيف ارتفع قدرك بالصمت بمجالسة الأمراء، ومصاحبة الفضلاء؟ أرأيت كيف أصبحت محرماً للأسرار، ومستشاراً للأخبار..؟ ! قالت النفس: هل آن لك أن تعلن الانتصار على الكلام؟ قال: ما هكذا يصنع العقلاء؛ دعي الحقائق تتحدث عن نفسها.. والأيام دول.. وما أضمن نفسي.. فربَّ غالب اليوم يُغلب غداً.

стр. 3865

البيان الأدبي نبضاتُ قلبِ مُسافِر محمد شلال الحناحنة زوجتي الغالية ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يسرُّني أنْ أردَّ على شجن الاستفهام النازف في حروفك الدافئة إليّ أخيراً، والحقّ أنَّ لكلٍّ منّا استفهاماً موجعاً موغلاً يراوح بين ذاته وبين أنوار السماء؛ فهذا يسألُ ويئنُّ: يا رَبِّي! هذا هو المال والبنون ونعيم الدنيا، فأين العافية والصّحة؟ ! وذاكَ يشعل جُرْحاً آخر ويكدح: هذه هي الصحة، فأين المال والبنون وإقبال الدنيا؟ ! وأرى ثالثاً يتذمّرُ حزيناً منكسراً: يا إلهي! هذا هو نعيم الدنيا من مال وبنين وعافية، فأين السكينة الداخليّة والسعادة الغامرة؟ ! ولي اليوم أن أصافح سطورك فأقول: إنَّ ذلك كُلّه يا نبض قلبي زهراتٌ صناعية يابسة لا حياة حقيقية فيها؛ لأن ريحان السعادة النَديَّة المشرقة التي ضاعتْ عند الكثيرين في ركام حياتنا المعاصرة يكون فقط في الإيمان بالله وحده، فهو السّند الروحيّ من كدّ الدنيا وتقلباتها وفجائعها وظلماتها [أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا] (الأنعام: ١٢٢) ، فأنّى تكون السعادة وقطيعٌ عريضٌ ما زالت نفوسهم تتوغل في متاهات الضلال فتجعل لله أبناءاً وصويحبات؟ ! أليست هي وحشة القلوب وأسقامها وإعراضها عن الهدى؟ : [يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ] (يونس: ٥٧) إنَّ الإيمان الحقيقي الذي ينبغي أن نفزع إليه أيتها الغالية هو في قوله تعالى: [مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً] (النحل: ٩٧) . وإن من طيب الحياة وصلاح العمل أن نأخذ بأيدي إخواننا نواسيهم في أحزانهم، ونقوّي عزائمهم للصبر على ما أصابهم محتسبين ذلك عند الله، فهذا ولاء لله وأهل طاعته، ومشاركة وجدانية أخوية سامية نسأل الله الأجر العظيم عليها، وكم لامَسَت أشواق روحي موعظتك الرائعة حين قلتِ لأخواتك: ما أعظم أن ننظر إلى داخل نفوسنا بين الحين والآخر، لنمحّصَ ما فيها، ونعيد إليها تماسكها وتوازنها وبناءها أمام عراك الحياة واهتزازها وكبواتها! فهذه النفوس أحوج ما تكون إلى رقابة داخلية لضبط الجوارح وانتشالها من تعثّرها وتجديد طاقتها لاستئناف مسارعتها إلى مغفرة الله ورحمته: [قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ] (الزمر: ٥٣) أجل يا حنين الروح أليس في هذه الآية الكريمة جرعاتُ رجاء معنوية واسعة ناهضة ترفعنا لمعانقة صفاء السماء؟ ! هل بعد ذلك أيتها الغالية من مكان للقلوب المنكوسة والنفوس الحسيرة البائسة؟ ! أليس من اضطراب البصيرة ونكوص الرؤية ألاَّ نطمئن إلى هذا التوجيه الرّباني الخالد في قوله تعالى: [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ] (آل عمران: ١٣٣) .

стр. 3866

وقفات ثمرة الفضيلة أحمد بن عبد الرحمن الصويان كنت في زيارة لأحد المراكز الإسلامية في ألمانيا فرأيت فتاة متحجبة حجاباً شرعياً ساتراً قلَّ أن يوجد مثله في ديار الغرب؛ فحمدتُ الله على ذلك، فأشار عليَّ أحد الإخوة أن أسمع قصة إسلامها مباشرة من زوجها، فلما جلستُ مع زوجها قال: زوجتي ألمانية أباً لجدٍّ، وهي طبيبة متخصصة في أمراض النساء والولادة، وكان لها عناية خاصة بالأمراض الجنسية التي تصيب النساء، فأجْرَت عدداً من الأبحاث على كثير من المريضات اللاتي كنَّ يأتين إلى عيادتها، ثم أشار عليها أحد الأطباء المتخصصين أن تذهب إلى دولة أخرى لإتمام أبحاثها في بيئة مختلفة نسبياً، فذهَبَتْ إلى النرويج، ومكثت فيها ثلاثة أشهر، فلم تجد شيئاً يختلف عمَّا رأته في ألمانيا، فقررت السفر للعمل لمدة سنة في السعودية. تقول الطبيبة: فلما عزمتُ على ذلك أخذت أقرأ عن المنطقة وتاريخها وحضارتها، فشعرت بازدراء شديد للمرأة المسلمة، وعجبتُ منها كيف ترضى بذُلِّ الحجاب وقيوده، وكيف تصبر وهي تُمتهَن كل هذا الامتهان..؟ ! ولمَّا وصلت إلى السعودية علمت أنني ملزمة بوضع عباءة سوداء على كتفيَّ، فأحسست بضيق شديد وكأنني أضع إساراً من حديد يقيدني ويشلُّ من حريتي وكرامتي (! !) ، ولكني آثرت الاحتمال رغبة في إتمام أبحاثي العلمية. لبثت أعمل في العيادة أربعة أشهر متواصلة، ورأيت عدداً كبيراً من النسوة، ولكني لم أقف على مرض جنسي واحد على الإطلاق؛ فبدأت أشعر بالملل والقلق.. ثم مضت الأيام حتى أتممت الشهر السابع، وأنا على هذه الحالة، حتى خرجت ذات يوم من العيادة مغضَبة ومتوترة، فسألتني إحدى الممرضات المسلمات عن سبب ذلك، فأخبرتها الخبر، فابتسمت وتمتمت بكلام عربي لم أفهمه، فسألتها: ماذا تقولين؟ ! فقالت: إن ذلك ثمرة الفضيلة، وثمرة الالتزام بقول الله تعالى في القرآن الكريم: [وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ] (الأحزاب: ٣٥) هزتني هذه الآية وعرّفتني بحقيقة غائبة عندي، وكانت تلك بداية الطريق للتعرف الصحيح على الإسلام، فأخذت أقرأ القرآن العظيم والسنة النبوية، حتى شرح الله صدري للإسلام، وأيقنت أنَّ كرامة المرأة وشرفها إنما هو في حجابها وعفتها.. وأدركت أن أكثر ما كُتب في الغرب عن الحجاب والمرأة المسلمة إنما كتب بروح غربية مستعلية لم تعرف طعم الشرف والحياء..! إن الفضيلة لا يعدلها شيء، ولا طريق لها إلا الالتزام الجاد بهدي الكتاب والسنة، وما ضاعت الفضيلة إلا عندما استُخدمت المرأة ألعوبة بأيدي المستغربين وأباطرة الإعلام. وإن أخشى ما نخشاه أن تؤول ديار المسلمين إلى ما آلت إليه بلاد الغرب، إذا ما اتبعنا أبواق العلمانيين والإباحيين، وتخلينا عن الفضيلة والعفة والأخلاق التي يضعها ديننا في صورة منهج كامل للحياة. ومن النُّذُر الجديرة بالانتباه تقرير نشرته مؤخراً منظمة الصحة العالمية عن انتشار مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) في المنطقة العربية، وكانت الإحصاءات المنشورة مذهلة جداً تنبئ عن واقع محزن مع الأسف الشديد..! [١] . إنَّ هذا المرض ثمرة خبيثة من ثمار التفلت الأخلاقي والانحراف الجنسي، ثمرة من ثمار الحرب الضروس التي تشنها بعض وسائل الإعلام على الأخلاق والآداب الإسلامية، ثمرة من ثمار ذلك الطوفان الجارف من الأفلام الهابطة والمسلسلات الماجنة التي طغت على كثير من القنوات الإعلامية من المشرق إلى المغرب. ثمرة من ثمار الدعوات المحمومة لدعاة الرذيلة والفساد التي تشد فتيان الأمة وفتياتها إلى مستنقعات الغرب الآسنة باسم التحرر والتحضر، وتزيّن لهم الوقوع في الفواحش بكل ألوان الزينة المخادعة..! ! وإن السلامة من ذلك المرض وأشباهه لا تكون إلا بالعودة الصادقة إلى حياض الفضيلة، وتربية الأمة على العفة والحياء، ومراقبة الله تعالى سراً وجهراً. ألا فلتسكت تلك الأقلام الملوثة التي ما فتئت تشيع الفاحشة، وتنادي أبناءنا وبناتنا للوقوع في حمأة الرذيلة باسم الرقي والتقدم..! ألا فلتسكت تلك الأصوات الكالحة العبوس التي تتشدق بالدعوة إلى نزع الحجاب والاختلاط باسم الحرية والتمدن..! [إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ] (النور: ١٩) وأحسب أخيراً أن من أكبر التحديات التي تواجه الدعاة والمصلحين هي إيجاد البدائل التربوية والمحاضن الاجتماعية التي يتفيأ في ظلالها فتيان الأمة وفتياتها، بعيداً عن شرر دعاة العلمنة وعبثهم.

стр. 3867

ندوات ومحاضرات العلمانية والفن (١-٢) وائل عبد الغني ضيوف الندوة: * د. إبراهيم الخولي أستاذ البلاغة والأدب المتفرغ بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر. * د. عبد العظيم إبراهيم المطعني أستاذ البلاغة والأدب المتفرغ بكلية اللغة العربية فرع إيتاي البارود جامعة الأزهر. * د. حلمي محمد القاعود أستاذ ورئيس قسم الأدب والنقد بكلية الآداب جامعة طنطا. * الأستاذ: محمود خليل الإعلامي المعروف وعضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية. البيان: موضوع هذه الندوة غاية في الوضوح غاية في التعقيد يلمس أثره المؤمن بإيمانه، ويكشف أبعاده المدقق بإمعانه. والقضية تحتاج في ابتدائها إلى تحديد مفهومي العلمانية والفن باتخاذهما مدخلاً لمعالجتها. ماهية العلمانية: * د. إبراهيم الخولي: قضية العلمانية هي قضية المجتمع الإسلامي المعاصر ليس اليوم فقط وإنما منذ فترة طويلة؛ فالعلمانية في العالم الإسلامي هي راسب من رواسب الاستعمار، وإذا كانت تبدو اليوم عالية الصوت فليس لكونها استفادت قوة؛ وإنما لأن مواجهتها في العالم الإسلامي هي التي منيت بالضعف، وهي تأخذ مفهومين متطورين: في البداية أخذت مفهوم فصل الدين عن الدولة، وانتهت إلى نبذ الدين جملة ومحاربته حرباً لا هوادة فيها. وكلنا يعرف مقولة ماركس الشهيرة: «الدين أفيون الشعوب» ، ولذلك رأى الماركسيون ومن لف لفهم من العلمانيين أن الدين هو المسؤول الأول عن طغيان الرأسمالية والطبقية، وعن المظالم الاجتماعية، وعن جرائم مؤسسات البنية العليا، وأن الدين هو المسؤول عن تخدير الشعوب واستكانتها لجلاديها ومن ثم لا صلاح للمجتمع الإنساني إلا بإقصاء الدين جملة. والعلمانية وافد غريب على مجتمعاتنا لا مكان لها فيها؛ لأنها نشأت حلاً لمعضلة واجهها المجتمع الغربي النصراني ولم يكن أمامه من حل سوى اللجوء إليها؛ حيث بدأ العقل الغربي يتمرد على الكنيسة بعد أن قطع في الحركة العلمية في المجال التجريبي شوطاً، وبعد أن صادرت الكنيسة العقل، وصادرت العلم، وصادرت حق الحياة. وبعد صراع مرير إلى جانب صراع آخر على السلطة بين الأمراء والكنيسة انعتق من استبداد الكنيسة وبدأت مرحلة جديدة من المهادنة بين «الكنيسة» السلطة الدينية و «الحركة العلمية» من جهة، وبين السلطة الزمنية «الحكام» من جهة أخرى، وهنا بدأت العلمانية بمعناها المبكر فصل الدين عن الدولة بتقاسم السلطة: للكنيسة سلطتها على ضمائر الناس وعلى قلوبهم، وللسلطة الزمنية السيطرة على كل ما يتصل بشؤون الحياة والتوجيه والتشريع، وتصبح العلاقة بين الكنيسة والدولة الناشئة التي بدأت فكرة السيادة على مفاهيمها العلاقة: (لا مساس) . وفي تقديري أن هذا كان لوناً من المكيافيلية ريثما تستحكم قوة الدولة المدنية لتحميهم ثم تنتقل إلى المرحلة الثانية التي تجاوزت العلمانية فيها الاكتفاء بمجرد الفصل إلى إقصاء الدين جملة عن توجه الحياة، ثم تمادى هذا التيار وانتهى إلى ما نسميه بـ (الإلحاد العلمي) الذي ساد أوروبا شرقاً وغرباً، وانتهت المسألة بأن أصبحت العلمانية أخيراً تساوي الإلحاد وتعني إقصاء الدين جملة وتفصيلاً عن المجتمع وعن توجيه الحياة فيه. ولم تجد الكنيسة بداً من أن تستسلم لهذا؛ وأظن أن التلاعبات التي حدثت بعد هذا تسري آثارها اليوم بشكل أشد حدة. * د. حلمي القاعود: العلمانية نتاج المجتمعات الأوروبية في العصر الحديث، وقد تأكدت في القرنين الأخيرين بسبب الخواء الروحي والعقدي الذي يعيشه الأوروبيون من ناحية، وهيمنة الكنيسة الكاثوليكية من ناحية أخرى، ولعل ثورة كالفن ولوثر التي عرفت فيما بعد باسم الاحتجاج على الكنيسة الكاثوليكية (البروتستانتية) كانت مقدمة لكسر الهيمنة الكنسية، وفصم عرى العلاقة الوثيقة بين الكنيسة والدولة، أو بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية. وإجمالاً، فإن العلمانية كانت إجراء يهدف إلى إزاحة سيطرة الكنيسة على الحكومة في أوروبا، خاصة بعد أن تنوعت مظالم القساوسة ورجال الدين ضد المجتمع، ووقوفها ضد العلم، وإحراق بعض الفلاسفة والعلماء بسبب آرائهم أو كشوفاتهم، ومن أشهر الأمثلة على ذلك «سبينوزا» صاحب مدرسة النقد التاريخي الذي كان مصيره الحرق، و «كوبرنيكس» الذي حرَّمت الكنيسة كتابه: «حركات الأجرام السماوية» الذي نشر عام ١٥٤٣م، و «جردانو» الذي صنع تلسكوباً فعذب عذاباً شديداً وعمره آنئذٍ سبعون عاماً، وتوفي ١٦٤٢م. والعلمانية تعني (غير الدينية) أو (الدنيوية) ومفهومها بالمصطلح الإنجليزي secularism لا علاقة له بالعلم science أو المذهب العلمي scientism، ولأن العلمانية بعيدة عن الدين؛ فقد اهتمت بما يسمى تحرير العقل، وإضفاء صفات الألوهية على الطبيعة، وتطبيق المنهج التجريبي، مما أدى إلى إنكار أية علاقة بين الله وبين حياة الإنسان، وإقامة الحياة على أساس مادي صرف، وهو ما تبلور في شيوع الإباحية والقبول بالفوضى الخلقية وهدم كيان الأسرة. وكان نصيب العرب والمسلمين من العلمانية غير قليل؛ حيث تسللت إليهم عبر جيوش الاستعمار منذ حملة نابليون على مصر والشام ثم حملات الإنجليز والفرنسيين والأسبان على بلاد العرب، فأدخلوا القوانين الأوروبية (خاصة القانون الفرنسي) وغيروا نظم التعليم، ووجهوا المتعلمين إلى الثقافة الأجنبية وإهمال الثقافة الإسلامية التي تمثل ثقافة البلاد وكان إعلاء شأن الثقافة الأجنبية واحتضان المهتمين بها من أبناء المسلمين عاملاً مؤثرًا في إهمال شأن الثقافة الإسلامية؛ بل ازدرائها وتحقيرها. ماهية الفن: * د. عبد العظيم المطعني: الفن في الأصل يمكن تعريفه ببراءة ينبغي أن تكون فيه بأنه «القول الجميل» ثم اتسع مفهومه من القول ليشمل العمل، فتولد عنه المسرح منذ القديم، ثم زاحمته السينما والشاشة الصغيرة كما يقولون الآن. وهو نتاج فكري خاص يتميز عن أنواع التفكير الأخرى. والذي يقابل الفن مع شيء من التسامح العلم. والعلم أيضاً نتاج عقلي؛ لكن رسالة العقل في حيز العلم نستطيع أن نشبهها بالمرآة تعكس ملامح الصورة التي تقف أمامها، ومعنى هذا أن يكون نتاج العقل في حيز العلم خبراً مطابقاً للواقع، أما نتاج العقل في مجال الفن فيتلون حسب الرؤية الخاصة بمن يعمل في مجال الفن؛ فالعقل ليس مقيداً في مجال الفن بحدود الواقع ولكن له حرية القفز فوق هذا الواقع، وله حق تصويره حسبما يراه الفنان على ما هو عليه في الواقع؛ ولذلك قالوا: إن العلم موضوعي والفن ذاتي، وتعني موضوعية العلم أنه حقائق يدركها جميع العقلاء كالمعادلات الرياضية وما أشبهها. أما الفنون فنتاج ذاتي يتلون تلون صاحب النموذج؛ فلو أتينا بعالمين طبيبين مثلاً ليتحدثا عن الشيب في رأس الإنسان فسوف يتحدثان عن الأسباب والمظاهر البيولوجية المصاحبة للشيب سواء كان في سن مبكرة أو متأخرة. لكن إذا عرضنا هذه الظاهرة على أديبين فسوف يختلفان، وقد حدث هذا بالفعل؛ إذ رآه أحدهما سيفاً مسلطاً على رقاب العباد وأنه نذير للنهاية، بينما رآه آخر لمعة بيضاء تنم عن كمال التجربة وخبرة الأيام عند الإنسان؛ ومن هنا فإن الفنان يتمتع بحرية شرط أن يكون صادق الإحساس مع نفسه غير متكلف. والفن بعد هذا يعتمد على عناصر أربعة، يشترك العلم معه اشتراكاً أساسياً في عنصر منها وهو المعنى؛ لأن كلا النموذجين لا بد أن يحمل فكرة أو معنى، ثم يختلف الفن بعد ذلك بأنه يغلف بالخيال، وأن تشيع في روحه العاطفة، وأن تكون اللغة رومانسية وليست كلاسيكية. تقوم على التفخيم والتهويم والتجسيم.. سواء كان هذا الفن شعراً وهو أرقى أنواع الفنون، أو نثراً كالقصة والأقصوصة أو كان غير ذلك. ومن هنا نحن نتحدث عن الفن في مرحلة قراءته بأنه الفن الجميل برؤية خاصة تكون وراءها تجربة للفنان أو الأديب، وسعة خيال يتشكل به النموذج؛ هذا هو الفن، ومجاله أوسع بكثير من مجال العلم باعتبار الحرية التي يتمتع بها الفنان. وقد حكي عن بعض الصحابة وهو النابغة الجعدي أنه قال بيتاً من الشعر أمام النبي ﷺ : بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا وهنا يأتي الرسول ﷺ من زاوية نقدية مُوجِّهَة فقال له: «أين المظهر بعد ذلك يا أبا ليلى؟» فأوقعه في حرج، ثم تدارك أبو ليلى قائلاً: إلى الجنة. فقال ﷺ : «أجل! إن شاء الله» [١] .. هذا النموذج النبوي الكريم فيه رد مفحم على دعوى تتفجر هذه الأيام بعد أن اصطبغ الفن بالصبغة العلمانية: بأن الأدب لا سلطان لأحد عليه لا من ناحية الدين أو التقاليد والعادات، ولا من ناحية السياسة، وإنما الذي يحكم على الأديب المبدع حسبما يدَّعون هو الأديب المبدع، وفيما جاء عن النبي ﷺ هنا رد على هذا الادعاء؛ إذ كف ﵊ مبالغة شاعر بريئة، ونبهه إلى أنه جنح في خياله؛ ولكن الله ألهم الشاعر فرد بما أرضى النبي ﷺ . ومن هنا فإن الفن أداة لتطوير المجتمع وإمتاعه وإقناعه وخدمته، والفن في تاريخ الأمة سبق تحولات خطيرة في التاريخ: نبَّه على عيوب فتلافتها الأمة، بصَّر بحقائق يجب أن يدان لها ويعمل من أجلها؛ وصدق الشاعر: ولولا خلال سنها الشعر ما درى ... بناة العلا من أين تؤتى المكارم * د. حلمي القاعود: يمثل الفن جزءاً من ثقافة أي أمة من الأمم، وقد عرفت الثقافة الإسلامية فنوناً قولية وشعبية انتشرت في البلاد العربية والإسلامية وخاصة فنون الشعر الغنائي والنثر الفني والسير الشعبية والقصص الخيالية والتاريخية، فضلاً عن فنون الهندسة المعمارية والرسم والخط والزخرفة سواء على الورق أو الجدران أو المحاريب أو مداخل القصور والمساجد.. وغير ذلك. بيد أن الاحتكاك مع حركات الاستعمار الأوروبي وطلائع التنصير والثقافة الغربية مهّدت لازدهار فنون جديدة كانت معرفة المسلمين بها محدودة أو غير واضحة مثل المسرح والسينما والأوبرا، ومؤخرًا دراما التليفزيون، وكلها تقوم على العنصر الدرامي: (الحكاية والصراع في داخلها، أو الحوار بين شخوصها) ، ومهمة هذه الفنون نقل الأفكار والتبشير بالتصورات غير المألوفة، وبذلك دخل المسلمون عن طريق الدراما إلى عالم جديد من القيم العلمانية التي تتصادم في الغالب مع القيم الإسلامية، حيث بشّرت الفنون الدرامية بقيم الاختلاط المطلق، والعري، والعلاقات الإباحية، والإلحاد، والانتهازية، والبقاء للأقوى وليس للأصلح، وتسويغ العنف والشر والرذيلة، والتبشير بالرجل الغربي بوصفه «السوبر مان» أو الرجل الأعلى القادر على فعل كل شيء، والتغلب على كل الصعاب التي تعترضه، فضلاً عن تأثيرها السلبي حين تُقدِّم صورة الرجل المسلم عموماً في إطار كئيب ورديء بوصفه ميّالاً للدعة والكسل، والكذب والقذارة والخيانة والنفاق، أو تجعله صنوًا للجهل والتحجر والجمود والتنطع والجهامة والقسوة، أو محلاً للسخرية والاستهزاء.. وفي إطار ذلك كله كان التركيز على عزل الإسلام بعيداً عن واقع الحياة والمجتمع في الأعمال الدرامية؛ بحيث بدا «ديناً كنسياً» يرتبط في الأذهان بالمسجد أو المقبرة فحسب! هناك مقولة قرأتها للرئيس البوسني «علي عزت بيچوفيتش» فحواها أن الفن هو الوجه الآخر للدين، وقد ذكر الناقد الأنجلو أميركي «ت. س. إليوت» هذا المعنى بعبارة أخرى في كتابه حول معنى الثقافة. قرابة الفن للدين قائمة، ولكن أي فن؟ هذا هو السؤال الذي يتردد في أذهان الكثيرين، وخاصة في زمن الالتباس الذي نعيشه؛ حيث تختلط المفاهيم، وتتداخل المصطلحات، وتراوغ التعريفات. كان الرسول ﷺ يعجب بشعر أمية بن أبي الصلت ويستنشده وكان يعجب بشعراء آخرين، وخلع على كعب بن زهير بن أبي سلمى بردته حين أنشده قصيدته اللامية المشهورة [٢] : بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يُفد مكبول وما ذلك إلا لأن القصيدة كانت فناً جميلاً صاغ معاني عظيمة تصب في خانة ترقية الإنسان والتبشير بقيم عليا، وهذه آية الفن الجيد الذي يعد بمفهوم علي عزت بيچوفيتش الوجه الآخر للدين. وإذا نظرنا إلى نشأة المسرح في الزمن القديم عند الإغريق والرومان فسنجدها قد ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالدين؛ ففي الأعياد المقدسة التي كانوا يقيمونها في المعابد كانوا يقومون بأداء التمثيليات أو المسرحيات أو الملاحم التي تعبر عن علاقتهم بآلهتهم أو رغبتهم في تقديم الشكر لها وخاصة بعد الحصاد، والعديد من أصحاب الشرائع السماوية والأديان الوضعية يقومون في معابدهم حتى اليوم بتقديم ألوان من الفنون الدرامية والموسيقية تعبيراً عن عقائدهم أو قصص أنبيائهم أو علاقتهم بمن يعبدون ويقدسون. وقد سجل المصريون القدماء على حوائط مقابرهم ومعابدهم بالرسم والكتابة لوناً من هذه الفنون التي تكشف عن طاعتهم لمعبودهم أو مصائرهم بعد الحياة الدنيا. إذن الفن مرتبط بطريقة ما بالروح الإنسانية؛ وقد اتخذته بعض الفلسفات الوضعية بل والدينية وسيلة للتطهير والارتقاء أو التكفير والغفران، شريطة أن يكون بعيداً عن الغواية والانحراف. * أ. محمود خليل: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. الفن كما قال الدكتور المطعني: «كسب من كسوبات الإنسان يعبر به عن ذاته» ، وهو تعبير أساسي عن مواجيد نفسه كأحد نتاجات الذات الإنسانية؛ فإن توافقت مع فطرة النفس وناموس الكون وتقيدت بالشرع كان الفن إسلامياً؛ إذن العيب لا يأتي من الفن وإنما من إساءة استخدامه. ولما كان الفن هو المعادل الظاهر المرئي لمكون أساسي من مكونات النفس البشرية كان لا بد له من أن يحمل رسالة تعبر عما تفتعل به النفس، والله تعالى أمرنا أن نعتبر بالشاكلة لا بالشكل فقال: [قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ] (الإسراء : ٨٤) ؛ كان علينا أن نفرق بين الشاكلة المسلمة وما سواها، وإذا كان حديثنا عن العلمانية وتوظيفها للفن واصطباغ هذا الفن بصبغتها في ظل غياب الفاعل الإسلامي الذي يتعامل مع النفس السوية في ظل هذا الغياب كان همُّ العلمانية أن تشغل المساحة الفارغة في المجتمعات المسلمة التي لم تمتلئ بالحق فاتخذت من الفن معبراً. والفن كان الضالة المنشودة والقنطرة التي عبرت عليه كل الأيديولوجيات والنظريات الفلسفية التي خرجت عن الإطار الإنساني الصحيح، ومن ثم كان الفن هو التعبير المهاجم للأديان سواء في زي الماركسية، أو في ظل الوجودية وما بعد الوجودية والحداثة وما بعد الحداثة التي تنقض على الأديان وتنزل المقدس منزلة المدنس. ولئن وقع الخلط طويلاً بين الفن باعتباره وسيلة، والفن من قبيل المضمون مما جعلنا نغفل دوره في تعميق المفاهيم الشرعية في المجتمع، إلا أن تلك المذاهب قد استغلته منذ زمن بعيد، فلم يكن عجيباً أن يقول ماركس من أول يوم: «لأُنسين الناس بالمسرح» عام ١٩٠٧م، ثم يأتي لينين من بعده فيقول: «لئن غابت عنا السينما إلى الآن فليعلم الماركسيون في العالم أن السينما بالنسبة لنا أهم الفنون» ، ويأتي بعد ذلك ليون تروتسكي الثائر الماركسي ويقول عام ١٩٢٣م: «لئن تركنا السينما دون أن نعبئها تعبئة ماركسية هادفة إلى الآن فلا أقول نحن مقصِّرون، بل أقول نحن متخلفون أغبياء» . إذن واضع الفلسفة الشيوعية ماركس، ومطبقها لينين، والمنظر والثائر الراديكالي في داخل الفلسفة تروتسكي يعلمون جيداً قيمة الفن من حيث إنه وسيلة؛ فهذا قال المسرح، والآخر قال السينما، والثالث وجد التطوير التطبيقي للسينما. والسينما عندما ظهرت في أوروبا عام ١٨٩٥م جاءت إلى مصر بعدها بعامين لم يكن هذا لسبقنا، ولكنها مثلت وعاء فارغاً شغله غيرنا في غيبة منا؛ وبهذا كان الفن مطية ذلولاً بالنسبة لهم على قدر ما كانت سلعة مشتهاة بالنسبة لنا، فشغلوا النفوس بالباطل في غيبة من الحق. ولأن الفن قد نشأ حين نشأ في أحضان الوثنية اليونانية القديمة فهو لا يعرف للدين منهاجاً وإذا عرف الدين فيعرفه في الآلهة وأنصاف الآلهة: آلهة الريح وآلهة المطر وغير ذلك، ولهذا فهو يحمل ظلالاً مشوهة وانقضاضاً على الأديان منذ أن كان فناً يونانياً قديماً في ظلال المسرح، ومنذ أن أصبح فناً سينمائياً في أحضان الماركسية. والماركسية هي الصيحة الثائرة للصهيونية، كما أن أهم ركائز الفن وهو التمويل كان أيضاً صهيونياً، والفن السينمائي المعاصر نَبَتَ من أحضان ماير روتشيلد وإخوته فمولوه تمويلاً مسموماً صهيونياً منذ نشأته إلى أن انتهى إلى هوليود التي أصبحت تُدخل إلى ساحتها من شاءت. كما أننا لو نظرنا إلى بذور الفن الأولى في مصر على وجه التحديد لوجدناهم إما يهوداً وإما متهودين سواء في التمويل أو في الإخراج. والفن بالمعنى المطلق لا يمكن الحكم عليه حتى يتحيز ويتشكل، ونحن نرى هنا أنهم حين صنعوه ووضعوا له أطراً أصبحت كمسلَّمات تقعيدية هُيِّئ للكثيرين أنه لا يصلح إلا بهذا النجس. البيان: إذن يمكننا التفريق بين مفهومين للفن: أحدهما لغوي وضعي مرتبط بالبراءة الأصلية هو كالمعنى المطلق، والآخر واقعي مرتبط بالممارسة القائمة التي قدمتها العلمانية ونظّرت لها وقعّدت، وهو أشبه بتحريف لهذا المطلق، والعلاقة بينهما علاقة ما بين الواقع والمثال. ونظراً لابتعاد الواقع عن المثال وطغيانه عليه في ظل الممارسة العلمانية نود أن نكشف طرفاً من التزييف العلماني باسم الفن، ونبين لماذا الفن بالذات؟ * د. إبراهيم الخولي: الفن من حيث هو سلاح يتوقف أثره على هدف من يستعمله، وعلى القذيفة التي يطلقها من خلاله، والعلمانية حين تختار الفن وتوظفه فإنها تعرف غايتها وطريقها والوسيلة الصحيحة لتحقيق أهدافها، وحين قال ماركس: «الدين أفيون الشعوب» كان يدرك الأثر الحقيقي للدين في نفوس البشر.. أدرك هذا جيداً وحاول أن يقصي الدين لما له من تأثير على نفوس البشر.. لا يستطيع ماركس بهُرائه الذي زعمه فلسفة أن ينال من نفس مؤمنة مهتدية بدين الإسلام؛ فكانت المعركة ضد الإسلام لإزاحة العائق أولاً، فإذا ما انتهت من هذه الحصانة والمناعة التي يهبها الدين للنفس أمكن غزوها وأمكن وأمكن ... الأثر النفسي للدين يقترب منه الأثر النفسي للفن دون تشبيه، والفن مخدر للنفس، وظيفته الأولى تخدير عقل المتلقي ليستقبل الرسالة التي يحملها الفن وهو مستسلم سلبي قابل دون أدنى مقاومة، وهنا نفهم لماذا هذه الحشود التي يصطنعها الفن من مؤثرات صوتية وبصرية، وحشد لعناصر قد لا يحتاج الأمر لشيء منها مثل عنصر المرأة.. الموسيقى.. الرقص.. كل هذا يحشر حشراً؛ مع أن النقاد والمتخصصين يرون أن هذا العنصر أو ذاك لم يكن له مكان في هذه الأعمال سواء كانت مسرحية أو دراما أو تراجيديا، ومع هذا يصر المخرج على إقحامه؛ لأن هذه العناصر هي التي ستزيل كل العوائق وتفتح كل المنافذ ليصل الفن برسالته المراد إيصالها إلى النفس وهي في موقف السلب. ولو أنا أخذنا المضمون نفسه في صورة كتاب يقدم أفكاراً عارية ومباشرة، أو في صورة رواية أو في صورة رؤية أو عرض فلسفي لما كان لها عشر معشار هذا التأثير، لكن لما استعان بالأساليب الفنية، وتلاعب بعقل الإنسان فخدَّره.. وبخياله فأطلقه.. وبعاطفته فاستثارها.. وبغرائزه فأيقظها، استطاع أن يسيطر عليه فأصبح كالمنوم مغناطيسياً يؤثر فيه ويوحي إليه بما شاء وهو قابل سلبي كأنما عدمت إرادته عدماً كاملاً. هناك إشكالية لا بد من الانتباه إليها من حيث مفهوم الفن، وهي أن كثيراً مما يندرج اليوم تحت مسمى الفن هو مندرج من جهة الشرع عندنا ضمن دائرة الحظر. بل للأسف الشديد أن أول ما يدخل في دائرة الحظر عندنا هو أول ما يتجه إليه غيرنا باسم الفن، وهذه مناقضة أساسية لا بد أن تكون في تقديرنا لهذا الأمر. * د. حلمي القاعود: الإسلام لا يرفض الفن الذي يرقى بالإنسان ويهذب غرائزه ويحض على المثل العليا ويحبب إليه الدفاع عن عقيدته ونشرها بين الناس وتوضيح معالمها وآفاقها.. ولكنه يرفض بالطبع تلك الصورة الشائهة التي تقدمها بعض الجهات في الدول العربية والإسلامية تحت مسمى «الفن» ؛ فهذه الأعمال الرخيصة لا تدخل ضمن الإطار الفني بقدر ما تدخل في الإطار التجاري الذي يسعى إلى الكسب الحرام.. وقد أصبح مألوفاً مثلاً لدى الجمهور العادي أن هذا المخرج أو ذاك يسعى لكسب المشاهدين عن طريق الإثارة، سواء كانت هذه الإثارة بوسيلة كلامية عن الجنس، أو عن طريق استخدام الأجساد العارية لراقصات أو ممثلات تجذب الشباب المراهق أو المنحرف، فضلاً عن العنف الذي يقدم في الفيلم أو المسرح أو التليفزيون من خلال مشاهد القتل أو السطو أو المعارك أو الصدام مع الشرطة أو غير ذلك. ولا شك أن هذه النوعية التجارية تمثل انحرافاً واضحاً برسالة الفن الدرامي الذي يخاطب شريحة ضخمة من المشاهدين من مختلف الأعمار والطبقات والفئات، وخاصة بعد ذلك الانتشار الهائل لأجهزة التليفزيون، وتوفر أجهزة الالتقاط للمحطات التليفزيونية من أنحاء العالم كافة. * أ - محمود خليل: هناك إيضاح بسيط بخصوص كلام أستاذنا الدكتور الخولي حول كون الفن المعاصر ولا سيما المرئي يجعل المشاهد في حال غيبوبة، وهو إن جاز التعبير، فإن المغيب لا يفعل ولا يؤثر، لكن أنا أرى أنه يعيش حالة استلاب؛ لأنهم لا يريدون تغييبه فقط، ولكن الفن المعاصر يريد أن يحتله احتلالاً لحظياً ليصنع منه كائناً فاعلاً ولكن لخدمة أهداف بذاتها، ولذلك يقولون: إن أحدث وأصح وسائل الاتصال هي التي لا تتحدث إلى الآخرين وإنما تتحدث معهم، فهو يجعل منه دائرة اتصال فاعلة حية نابضة ينتظر منه فعلاً موجباً فيما بعد، وإلا لو كان تغييباً لانتهى عند هذا التخدير والمخدر لا يصنع ولا يتحرك. * د. حلمي القاعود: يلاحظ أن الإسلام في فنونه يهتم بالتجريد، وغيره يهتم بالتجسيم، وهذا الفارق مهم جداً؛ لأن الفنان المسلم يهدف إلى قيمة بالدرجة الأولى، أما الفنان غير المسلم فيهدف في الغالب إلى منفعة والفارق بين التوجهين كبير على مستوى النظرية والتطبيق معاً، وإذا عرفنا أن «البراجماتية» أي المذهب النفعي أساس من أسس «العلمانية» أدركنا مدى سطوتها في الترويج للقيم النفعية التي لا تضع في حسبانها الدين، أي دين، وما يفرضه من مبادئ خلقية خيّرة. ومن هذا المنطلق نجد أن الانحراف بالفن أو الفنون عامة جاء من قبل الدول والمؤسسات العلمانية التي أباحت لنفسها حق اللعب بغرائز البشر، واسترقاق المرأة لتتعرى في الأفلام والمسرحيات والمسلسلات، وتمارس الجنس بلا حياء، وتعيش أو تمثل حياة الحيوانية في أحط دركاتها. إن الغاية تسوِّغ الوسيلة في المنهج العلماني؛ ولذا نجد اللصّ الذي يكسر خزائن البنك ليسرقه، ويتغلب على جهاز الشرطة الذي يحاصره أو يطارده، ويطيح بإشارات المرور، ويمضي قدماً بما سرق حتى يعبر الحدود الدولية ظافراً، وينتهي الفيلم واللص بابتسامة عريضة تصنع أو تهيئ لقبول التعاطف مع اللصوص الأذكياء الذين يظفرون بالفريسة ولا يخسرون شيئاً (ترى هل صورة اللص هنا ترمز إلى الاستعمار بهدف تحسين جرائمه؟) . لا شك أن النظرة العلمانية أسهمت في «سوقية الفن» بطريقة فعالة؛ حيث أسقطت الحاجز أو الوازع الديني الذي يجعل رسالة الفن فوق الرغبة في الكسب بأي ثمن، وأسقطت غاية الفن التي هي غاية بنائية تهدف إلى ترميم النفوس المشروخة، وتشجيع الأرواح المكسورة على تجاوز الأخطاء وترسيخ المفاهيم الإيجابية والقيم المضيئة. إن الفنون الدرامية في عالم اليوم لها تأثيرها الفعال؛ حيث يمكنها أن تصل بسرعة وسهولة إلى غرف النوم وتقدم للمشاهد أفكاراً وقيماً وسلوكيات يستوعبها ويتشربها بسرعة؛ لأنها تتسلل إليه وهو في حال استرخاء تام، لا يستطيع لها دفعاً.. ومن ثمّ فإن أهمية التزام العمل الفني بروح الدين تضحي ضرورة أساسية في تقديم التصور الصحيح والفكرة الناضجة والقيمة الإيجابية والسلوك المستقيم. والتصور الصحيح لا يتحقق إلا بمفهوم صحيح لقيم الإسلام وتعاليمه وأفكاره؛ لأن الإسلام يختلف عن الشرائع الأخرى والأديان الوضعية. فإذا كانت بعض الشرائع والأديان تبيح ما لا يبيحه الإسلام فهذا ليس ملزماً للفن الإسلامي. هناك من الشرائع والأديان والعقائد الوضعية ما يبيح النظرة المزدوجة للإله أو الوثنية، أو ما يجعل العلاقات البشرية تقوم على العنصرية أو الطبقية أو الاستغلال، وهذا لا يمكن قبوله أبداً في الإسلام. لا شك أن العلمانية من خلال الدراما تفكك المجتمعات، وتفكك الأديان وتحقّر القيم الطيبة، وتعلي من شأن القيم السلبية، وتؤسس لمجتمعات الغابة بما فيها من مكر وخديعة وتوحش.. وهذا كله مخالف لمنهج الإسلام. البيان: لو أخذنا فلسفة الفن خلال نصف القرن الماضي نموذجاً لتبين لنا مدى التجني والخبث العلماني في التدرج نحو هذا التفكيك. * د. حلمي القاعود: إذا نظرنا إلى ما يمكن تسميته بفلسفة الفن عبر نصف قرن مضى فسوف نجد أن هذه الفلسفة تنحصر في عدة نقاط، لعل أبرزها ترسيخ النموذج الأوروبي، وتأييد الثقافة الشمولية الاستبدادية، والتأكيد على تقويض المشروع الإسلامي. وليس من شك أن النموذج الأوروبي بوصفه النموذج الأقوى المنتصر على بقية شعوب العالم، جعل الفنون الدرامية تلهث وراء الاحتفاء به وتقديمه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من خلال رؤاه وتطبيقاته، وعاداته وتقاليده، بل وتقاليعه في الزي والسلوك والعلاقات البشرية؛ ولسوء الحظ فإن النموذج الغربي الذي تعد أوروبا خير مثال له، خرج من الحرب العالمية الثانية فاقد الإيمان، محطم الروح الدينية، وإن كانت روحه الصليبية أو الإلحادية لما تزل قوية للغاية، فقدم للعالم وهو المنتصر العديد من النظريات والتصورات التي تصب كلها في خانة المادية والفردية والعنصرية والاستعلاء مما دعم التوجه العلماني بصورة غير مسبوقة في الغرب؛ لدرجة السماح بحقوق الشواذ جنسياً في بعض البلدان والاعتراف بزواجهم من نظرائهم، وقامت السينما بالتعبير عن ذلك صراحة ومباشرة في العديد من الأفلام.. وكذلك المسرح والمسلسلات التليفزيونية. وإذا كان علماء الاجتماع يذهبون إلى أن الضعيف أو المهزوم يتأثر بالمنتصر أو القوي، ويسعى إلى تقليده، فإن الفن الدرامي في البلاد الإسلامية تأثر إلى حد كبير بالنموذج الأوروبي أو الغربي وقلده في كثير من تصوراته وتطبيقاته، لدرجة أن صورة المنزل الإسلامي في معظم الأفلام العربية مثلاً لا تخلو من «بار» أو ركن لتقديم الخمر وشربه، كما أن معظم البيوت الإسلامية في هذه الأفلام لا تجد غضاضة في الرقص المختلط على أنغام الموسيقى الأجنبية. وهذا التقليد أو هذا «التأورب» الذي صنعته الدراما العربية جعل من تأييد الثقافة الشمولية الاستبدادية أمراً يبدو طبيعياً؛ فقد انتفت من وجدان القائمين على الفنون الدرامية المرجعية الإيمانية أو الإسلامية؛ مما جعل مناصرة الطغيان والاستبداد والظلم تبدو مسألة عادية لا تثير شبهة أو ريباً. وإلى جانب هذا فقد عرفت المنطقة العربية ألواناً من النظريات والرؤى التي تعارضت مع الإسلام وتصوراته، ودعا لها أصحابها بقوة السلطة والسلاح، وسخرت لها أجهزة الدعاية والمؤسسات الثقافية التي تحتكرها الدولة عادة، ومن ثم وجدنا ترويجاً لهذه النظريات والمذاهب التي تقوم على مرجعية علمانية لا تضع في حسبانها أية أهمية بالنسبة للدين. صحيح أنه كانت تبرز بين الحين والحين معارضات خافتة حيناً، وحادة في بعض الأحيان لمثل هذه الطروحات، ولكن الإلحاح عليها، وتقديمها في أطر غير مباشرة في أحيان كثيرة جعل وجودها يبدو أمراً طبيعياً، مما أخمد روح المقاومة، ووجه اهتمامات الناس إلى ما يمكن تسميته بالإشباع المادي وحسب، والابتعاد إلى حد كبير عن المطالبة بالإشباع الروحي. ومن ثم فإن تقويض المشروع الإسلامي لإنهاض المجتمعات العربية والإسلامية كان غاية رئيسة في الأعمال الدرامية، بل وصلت الأمور إلى التشهير بالرموز الإسلامية، وتصويرها على أنها العائق الأول والأساسي في عمليات النهضة والتحديث. الشخصية الإسلامية في الأعمال الدرامية غالباً ما تأتي نقيضاً للشخصية العلمانية؛ فالأولى يرمز لها عادة بالمأذون ومدرس اللغة العربية وإمام المسجد والدرويش والمتدين الملتحي، وتجعل منها في الأغلب الأعم شخصيات فصامية، أي تقول غير ما تفعل، لها ظاهر يبدو براقاً وباطن خبيث، هي طيبة في الشكل شريرة في المضمون، وفي أحسن الأحوال فهي شخصية ساذجة بلهاء أو أنانية انتهازية لا تراعي الذوق العام ولا السلوك المتحضر. في المقابل تمثل الشخصية العلمانية الإباحية المتحررة صورة جميلة في الشكل والمضمون معاً، يرسمها المخرج بصورة تجعلها محبوبة من الجمهور أو يرتاح إليها الجمهور، ويتعاطف معها حتى في انحرافها وسلوكها غير الطبيعي أو القانوني، علاقاتها غير الشرعية أو غير القانونية تبدو مسألة مبررة وسائغة، وتركز معظم الأفلام على فكرة الإشباع دون مراعاة لمفهوم الحلال أو الحرام؛ ومن ثمّ فالبطل الذي يمارس علاقات محرمة لا يشعر بأي تأنيب للضمير أو إحساس بالإثم؛ لأن الأمر في مفهومه عادي وطبيعي ولا حرج فيه، وقد شهد العقد الأخير من القرن العشرين حملة درامية عنيفة ضد الإنسان المسلم، وتم تصويره في حالة مشوهة ومنفرة تثير السخط والغضب؛ حيث بدا أفاكاً ودموياً ولصاً وانتهازياً وعدواً للفرح والبِشر! لقد كان يمكن للفن لو أنه وضع رسالته الحقيقية في الحسبان، أن يساعد على تنشئة أجيال واعية بماضيها وحاضرها، ومستعدة لمواجهة المستقبل وفقاً للتصور الإسلامي الناضج، ولكنه للأسف الشديد بدلاً من ذلك صاغ شخصيات مجوفة، خاوية من العقيدة والانتماء والاتزان.. صحيح أن بعض الأعمال يمكن إدخالها في السياق الإيجابي، وخاصة ما ارتبط بالدراما التاريخية والشخصيات الساطعة، ولكنه في المجموع العام وفي مجال الأفلام السينمائية التي ساعد التليفزيون على عرضها وانتشارها حدث تشويه عام للشخصية الإسلامية، وتنفير منها، وازدراء لها، ثم كانت الطامة الكبرى بتشويه الإسلام نفسه وعَدِّه قريناً للإرهاب والظلام والجمود والتشدد والتخلف ومعاداة التطور والحضارة. ومن ناحية أخرى نلاحظ أن مستوى اللغة الدرامية في بدايات نصف القرن الأخير، بل وفي النصف الأول منه، كانت تتميز بالوضوح والدقة والرقيّ، ولكنها في العقود الأخيرة أخذت طابع الغرابة والابتذال والافتعال، وامتلأت بكثير من مفردات البذاءة والسباب والسوقية بوصف ذلك تعبيراً عن الواقعية في الأداء، ويمثل حالة من الصدق في نقل أحوال المجتمع، ولذا فإن ما نراه اليوم في لغة الشارع يمثل صورة من صور التردي غير المسبوقة في تاريخنا الاجتماعي بسبب التأثير الذي لا يمكن إنكاره للدراما السينمائية، وخاصة في عصر ما يعرف بسينما المقاولات. * د. عبد العظيم المطعني: الدكتور الخولي والدكتور القاعود وضعا لنا تأسيساً متيناً نستطيع أن نسير عليه بكل سهولة في مسائل تطبيقية عن استغلال الفن ليس في العلمانية وحدها وإنما في جميع الأيديولوجيات المعادية للإسلام واتخاذه وسيلة للتشكيك فيه بجعله مطلباً استراتيجياً دائماً أو القضاء عليه إن أمكن.. وقد يئسوا من الثانية؛ لأنهم كلما ضربوه ضرباً يقدرون أنه يفضي إلى الموت يجدونه يتحرك عملاقاً، لكن الذي لم ييأسوا منه هو التشكيك فيه، أو عزله عن بعض الفئات المسلمة غير المحصنة. إضافة إلى ما قاله الأخوان حول اختيار الفن؛ لأن الفن فيما أعتقد هي لغة جميع الطبقات وجميع الأعمار، تصل بكل سهولة إلى البيوت، ويتفهمها الجميع ويتفاعلون معها؛ لأنهم يتفاعلون معها بكل حواسهم، وهنا يمكن أن يتقبلوا ما يهدم الإسلام. أضرب لذلك مثالاً برواية (أولاد حارتنا) .. ففي النصف الثاني من القرن العشرين اشتدت عندنا وطأة الفن الإلحادي، وكان الذين يريدون ضرب الإسلام أذكياء وجبناء، وقد وضح ذلك في عدة أعمال منها (أولاد حارتنا) هذه القصة من قرأها بوعي وجد أن كاتبها قد وضع فيها بكل دهاء ما يريد أن يقوله في المستقبل؛ لأنه لا يستطيع أن يصرح بما يريد في بلد كمصر؛ إذ تحاول القصة بمكر إلغاء التاريخ النبوي كله ونفي وجود الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً وقد قسم قصته إلى سبعة فصول تحدث فيها عن «جبلاوي» فوصفه بما يوصف به البشر وبما لا يوصفون به، وبدؤه بهذا لأنه أراد أن يمحو العقيدة؛ لأنه إذا محا هذا الصرح القوي سهل بعده اللعب في أي شيء، ثم تناول بعدها في بقية الفصول إدريس «إبليس» ، وآدم «أدهم» ، وجبل «موسى» ، رفاعة «عيسى» ، وقاسم «محمد» ثم تحدث عن عرفة «العلم الحديث» ، وانتهت الرواية بأن العلم الحديث هو الإله الوارث لكل الفكر الديني؛ فلا شرائع ولا وحي وإنما العلم المادي بقوانينه قادر على تفسير الحياة وتدبير أمورها. هذا نموذج للممارسات العلمانية التي اتخذت الفن لهدم التاريخ النبوي كله وهدم العقيدة الإلهية، وأورثت الوجود لعرفة أو للعلم الحديث، وما فعله هنا نجيب محفوظ فعله غيره في أعمال أخرى. وبنفس الطريقة الخبيثة يجري تقرير كثير من المفاهيم العلمانية عبر الفن.

стр. 3868

ملفات العلمانية في العالم الإسلامي.. تساقط الأوراق (٣ - ٣) جذور العلمانية والتغريب في العالم الإسلامي [*] (٣ - ٣) خالد أبو الفتوح abulfutoh@hotmail.com في الحلقتين السابقتين طاف بنا الكاتب بين الانحرافات التي أصابت الأمة الإسلامية، وتنقل بنا إلى أنحاء شتى من عالمنا الإسلامي ليرصد حركة التغريب، واليوم نتابع معه بقية الحديث. - البيان - التوفيقية والإصلاح الديني: لم تكن العلمانية بهذا السفور لتجد رواجاً في العالم الإسلامي آنذاك، كما أنها في هذا القالب كانت مقتصرة على مخاطبة فئة قليلة في المجتمع وإن كانت ذات تأثير هي فئة النخبة المثقفة إن جاز التعبير، لذا: كان لا بد من وجود أسلوب آخر يضمن قبول العلمانية والتغريب لدى قطاعات كبيرة من المجتمع، ولذا أيضاً كان لا بد من وجود وسائل تتسم بالشيوع والانتشار لضمان وصولها. نهج غربي مقترح: ولنترك جانباً في هذا المقام نظريتنا التآمرية، ولندع كبار مخططي (الغزو العلماني التغريبي) في هذه المرحلة يحدثوننا عن النهج المقترح في ذلك، واصلين السابق باللاحق في ذلك لتتضح الصورة جيداً: يحدثنا أول مندوب سام بريطاني في مصر وأحد أبرز قادة الحملات التغريبية على العالم الإسلامي في العصر الحديث (إفلن بارنج) المعروف بـ (اللورد كرومر) عن أهداف الإنجليز (الحضارية!) فيقول: «المصريون يتمسكون تمسكاً تاماً بالإسلام الذي هو أحد الكلمات المرادفة للوطنية في الشرق، والإنجليز لا يهدفون إلى نشر المسيحية، ولكنهم يريدون نشر حضارة تقوم على أساس مسيحي» [١] ، فإذا كان الأمر كذلك، فما مصير (الحضارة الإسلامية) ؟ يوضح الإجابة لنا الدكتور محمد محمد حسين ملخصاً وجهة نظر المستشرق الإنجليزي المتأمرك هاملتون جب، فيقول: «المقصود من الجهود المبذولة لحمل العالم الإسلامي على الحضارة الغربية هو تفتيت وحدة الحضارة الإسلامية التي تقوم عليها وحدة المسلمين؛ لأن كل قطر سيتجه إلى اقتباس ما يلائم ظروفه من هذه الحضارة، وعند ذلك تتعدد أساليب الاقتباس بتعدد البيئات الإسلامية المختلفة، فتفقد الحضارة الإسلامية طابعها الموحد، بل لا يعود هناك شيء اسمه (حضارة إسلامية) » [٢] ، وفي مقال: (مصر وغربي آسيا) ضمن كتاب: (وجهة الإسلام) الذي أشرف عليه جب يلفت المستشرق الألماني كامبفماير النظر إلى عوامل وحدة هذه الحضارة حتى يمكن التركيز عليها، ويلخصها الدكتور محمد محمد حسين في ثلاث نقاط: «أولها هي: أهمية الكتلة العربية وخطورتها في نظره، وثانيها هي: أن أهم العوامل التي تستمد منها هذه الكتلة وحدتها هي: اشتراكها في اللغة العربية الفصحى، واشتراكها في العناية بالتراث الإسلامي القديم وتاريخه وأدبه، وثالثها هي: ما يستتر وراء كلامه من أنه يتمنى أن يحدث في مصر ما حدث في تركيا من قطع كل صلة بالماضي الإسلامي واستبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية» [٣] . وهنا يتبين أن المعركة الفكرية ستدور حول عدة محاور: الهجوم على اللغة العربية الفصحى لغة القرآن، ويتضمن ذلك: استهداف الحروف العربية التي تعد أداة لوصل الماضي بالحاضر ولربط الشعوب الإسلامية بعضها ببعض، والهجوم على التراث الإسلامي الذي صيغ بهذه اللغة واستنبط من أسس الإسلام وتصوراته ومقوماته لإفساح المجال أمام الثقافة الجديدة بما تحمله من قيم وتصورات مختلفة، أما المعركة السياسية: فتدور حول التفتيت الذي تحدث عنه جب، وبصفة خاصة تفتيت الكتلة العربية المميزة بموقعها المعنوي والجغرافي والتاريخي. ولكن على أرض الواقع، كيف ستنفذ المخططات التي وضعت لتحقيق هذه الأهداف؟ وكيف سيقضى على العوائق التي تواجه هذا الغزو في ظل وجود خلاف عميق بين الجديد والقديم والغازي والمغزو؟ نعود إلى اللورد كرومر، فقد «لاحظ كرومر وجود هذا الخلاف بين المسلمين وبين المستعمر الغربي في العقائد وفي القيم، وفي التقاليد والعادات، وفي اللغة، وفي الفن، وفي الموسيقى ... لاحظ كرومر في هذا الفصل أن هذه الخلافات هي السبب في انعدام ثقة المسلم بالمستعمر الأوروبي وسوء ظنه به، وهي السبب في وجود هُوَّة واسعة تفصل بينهما، وتجعل مهمة المستعمر محفوفة بالمتاعب. ودعا من أجل ذلك إلى العمل بمختلف الوسائل على بناء قنطرة فوق هذه الهوة. وقد اتخذت هذه الوسائل طريقين: أحدهما هو تربية جيل من المصريين العصريين الذين ينشَّؤون تنشئة خاصة تقربهم من الأوروبيين ومن الإنجليز على وجه الخصوص في طرائق السلوك والتفكير. ومن أجل ذلك أنشأ كرومر (كلية فكتوريا) ، التي قصد بها تربية جيل من أبناء الحكام والزعماء والوجهاء في محيط إنجليزي، ليكونوا من بَعْدُ هُم أدوات المستعمر الغربي في إدارة شؤون المسلمين، وليكونوا في الوقت نفسه على مضي الوقت أدواته في التقريب بين المسلمين وبين المستعمر الأوروبي، وفي نشر الحضارة الغربية [٤] ... أما الوسيلة الأخرى التي اتخذها الاستعمار لإيجاد هذا التفاهم المفقود، وعمل على تنفيذها، فهي أبطأ ثماراً من الوسيلة الأولى، ولكنها أبقى آثاراً ... وهي تتلخص في تطوير الإسلام نفسه وإعادة تفسيره؛ بحيث يبدو متفقاً مع الحضارة الغربية، أو قريباً منها وغير متعارض معها على الأقل، بدل أن يبدو عدواً لها معارضاً لقيمها وأساليبها ... » [٥] ، «ومن ثم عمد رجال الاحتلال إلى العمل على زيادة عدد المصريين الآخذين بنصيب من الحضارة الأوروبية» [٦] . وماذا يتوخى رجال الاحتلال من ذلك؟ يقول كرومر: « ... وإذا استمر المضي في هذا الطريق أصبح المصري الآخذ بحضارة أوروبا أقل مصريةً وأكثر ميلاً لأوروبا؛ إذ يصبح المصريون بهذا الفيضان المتدفق من الحضارة الأوروبية أقل إسلاماً، وهم في الوقت نفسه لم يحصلوا بعد على العمود الفقري في الحضارة الأوروبية» [٧] ، «أو كما يصفهم في عبارة قصيرة (بأنهم مسلمون وليست فيهم خواص إسلامية، وأوروبيون وليست فيهم خواص أوروبية) » [٨] وهو المسخ العلماني التغريبي الذي نراه الآن. فما الذي حصله هؤلاء إذن؟ يذكر Zetland Marquis of. أن الهدف النهائي لهذا المسعى هو: «القضاء على استخدام الأساليب الشرقية الموشاة بمدنية أوروبية زائفة، وأن تستبدل بها مدنية غربية حقيقية تقوم على أساس من مبادئ الأخلاق المسيحية» [٩] ، ويجيبنا كرومر نفسه بما يهدف إليه، فيقول: «الشباب المسلم الدائر في تيار الحضارة الأوروبية يفقد إسلامه أو على الأقل يفقد القدر الأكبر من دينه ويحرم نفسه من أهم مبادئ عقيدته، وفي الوقت نفسه: نادراً ما يتجه هذا الشخص إلى المسيحية ... فالحضارة الأوروبية تقضي على دين دون أن تستبدل به غيره ... وهكذا فإنه بحرمان نفسه من عقيدته لن يجد رادعاً أخلاقياً، وفي الوقت نفسه: يحاول تقليد الأوروبي، ولا يترك هذا المصري عقيدته خلف ظهره فحسب، بل إنه يترفع عنها ويزدريها، وهكذا يندفع مغمض العينين بين أحضان الحضارة الأوروبية غير مدرك لحقيقة هامة، هي أن ما يراه ليس سوى المظهر الخارجي لتلك الحضارة، بينما تستقر المعنويات المسيحية تحت هذا المظهر وتتحكم في تحركاته ... » [١٠] ! يا لك من لورد خبيث! «ولكن هل يحيا المصريون هكذا دون عقيدة معينة؟ ... يوضح كرومر أنه (بمرور الوقت سيخلق المسلمون ديناً لا يقوم على الإسلام الأول، إنه سيقوم على مبادئ جديدة. وهكذا فإن المصري المتحضر بالحضارة الأوروبية هو الحجر الأول وليس الأخير في المجتمع الإسلامي المتطور) ، وفي الوقت نفسه ينصح كرومر رجال السياسة الأوروبية بالابتعاد عن كل ما من شأنه أن يعد تحقيراً للعقيدة الإسلامية (ولندع هؤلاء الذين يقودون دفة الدولة على حذر يدكُّون في مكر الصرح الروحي للمجتمع الإسلامي؛ فإن ازدراء العقيدة الدينية للشعب بأسره أمر على جانب كبير من الخطورة سياسياً واجتماعياً) » [١١] ، وهذه السياسة تذكرنا بنظرة نابليون بونابرت إلى مكانة الدين عند المصريين، وبسياسته القائمة على ترويض الدين ومواجهته باستخدام لقاح من جنسه ضده. تتفق هذه النظرة مع نظرة (الشيخ) محمد عبده التي عبر عنها بقوله: «أنفس المصريين أُشربت الانقياد إلى الدين حتى صار طبعاً فيها؛ فكل من طلب إصلاحها من غير طريق الدين فقد بذر بذراً غير صالح للتربة التي أودعه فيها، فلا ينبت، ويضيع تعبه، ويخفق سعيه، وأكبر شاهد على ذلك: ما شوهد من أثر التربية التي يسمونها أدبية من عهد محمد علي إلى اليوم» [١٢] ، وقد عبر عن هذه النظرة مرة أخرى عقب عودته من منفاه في نصيحة أسداها ضمن مذكرته المقدمة إلى اللورد كرومر؛ حيث نبه الإنجليز إلى أهمية الدين عند المصريين، فقال: إن «أعظم فاعل في نفوسهم [المصريين] (وأغلبهم مسلمون) أن يقال: إن صاحب هذه المنفعة ليس من دينكم، وأنكم مأمورون ببغضه ... » [١٣] . وكما التقت النظرة في (المثير المانع) من التغيير، التقت أيضاً في منهجية هذا التغيير؛ فقد كان من أقوال محمد عبده التي سطرها لتوضيح هذه المنهجية معترضاً أيضاً على طريقة محمد علي في الإصلاح رغم تقبله لإنجازاتها: « ... ولو أنه [أي صاحب الفكر الرفيع الذي يريد كمال أمة] أراد تحويل أفكار شخص واحد وهو في سن الرجولة، هل يمكنه أن يبدلها بغيرها بمجرد إلقاء القول عليه؟ كلا، إن الذي تمكن في العقل أزماناً لا يفارقه إلا في أزمان، فلا بد لصاحب الفكر أن يجتهد أولاً في إزالة الشبه التي تمسك بها ذلك الشخص في اعتقاداته، وذلك لا يكون في آن واحد، ولا بعبارة واحدة ... فما ظنك بحال أمة من الأمم ... وإنما الحكمة: أن تحفظ لها عوائدها الكلية المقررة في عقول أفرادها، ثم يطلب بعض تحسينات فيها، لا تبعد منها بالمرة، فإذا اعتادوها طلب منهم ما هو أرقى بالتدريج، حتى لا يمضي زمن طويل إلا وقد انخلعوا عن عاداتهم وأفكارهم المنحطة إلى ما هو أرقى وأعلى من حيث لا يشعرون ... » [١٤] . ويبدو أن الإنجليز استفادوا بالفعل من هذه النصائح؛ يقول الدكتور سامي عزيز: «واتبع الإنجليز الوسيلة التي كان ينادي بها محمد عبده بشأن محاولة تغيير المجتمع ... » [١٥] ، فيمكن القول: إن نظرية (الإصلاح) القريب المتدرج والمتصاعد التي آمن بها محمد عبده اتفقت مع أهداف الإنجليز وطباعهم، وإن كنا نمسك عن الخوض في الحديث عن إشكالية الدوافع لكلا الفريقين. ثم بالإلحاح، والإصرار و (التعليم) و (الفن) سينشأ الجيل الجديد، الذي «يجب أن يجد من الإغراء أو الإرغام ما يجعله يمتص الروح الحقيقية للحضارة الأوروبية» [١٦] . «وهكذا، فإن الاحتلال لن يأتي بشعب جديد إلى مصر؛ ولكنه يعمل في صبر على تغيير الأسس التي تقوم عليها مقومات الشعب، وفي الوقت نفسه وضع كرومر نصب عينيه أن يكون دخول المدنية الأوروبية دون زعزعة كيان المجتمع ثورياًّ» [١٧] . لم يكن هذا النهج وجهة نظر آنية، بل كان مخططاً مدروساً أصبح فيما بعد أساس التغيير العلماني التغريبي في معظم العالم الإسلامي، حتى إن مؤتمر الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة المنعقد في برنستون عام ١٩٥٣م (١٣٧٢هـ) جاء في كتاب أبحاثه: أن « ... هذه المشاكلة لا تقوم إلا بتقارب القيم الأخلاقية والاجتماعية، وهذه القيم لا تتقارب ما دامت الشعوب الإسلامية تعيش على قيم ثابتة تخالف قيم الغرب، وهي قيم الإسلام. فلا بد إذن من أحد حلين: إما أن يمحى هذا الإسلام بتشكيك الناس فيه، وفي قيمه، وفي الأسس التي يستند إليها، ويحاصر بحيث لا يتجاوز نفوذه المسجد، وبحيث يفقد سيطرته على مسلك الأفراد وتنظيم العلاقات الاجتماعية، وذلك عن طريق إقناع الناس بأن الدين شيء ومشاكل الحياة شيء آخر. وإما أن يخضع هذا الإسلام للتطوير بحيث يصبح أداة لتبرير القيم الغربية، ولتقريب ما بين الشعوب الإسلامية وبين الغرب. وهذا الطريق الأخير يكشف عن قوة هائلة لا يغني غَناءَها شيءٌ، إذا أمكن استخدامها كأداة لتحقيق الأهداف الاستعمارية في إقامة علاقة ثابتة من الود والتفاهم. ذلك هو ما ينبه له جوستاف فون جرونباوم أستاذ اللغة العربية في جامعة شيكاغو، حيث يقول: (إن الدين الجديد ويقصد به التأويلات الإسلامية العصرية سيدخل أو يسمح بإدخال أسئلة جديدة تتطلب أجوبة مناسبة، وسيقترح أجوبة جديدة لأسئلة قديمة، أو يخلع صفة الشرعية على أجوبة كانت في النظام المعدول عنه تعتبر أسئلة هدامة أو غير مقبولة) ص ١٩٢» [١٨] . فالحل الأول هو العلمانية الصريحة، والتي كانت تركيا محلاً لتطبيقها، وقد تشاركها في هذا الوصف إندونيسيا وتونس وإيران رضا بهلوي، إضافة إلى تجربة أمان الله خان في أفغانستان، وهي التي أنشأ كرومر كلية فيكتوريا لتفريخ قادتها، أما الحل الآخر: فهو التوفيقية وما يصاحبها من (إصلاح ديني) ، وهو ما طبق في مصر على نطاق واسع وكثير من البلدان الإسلامية الأخرى. لذا: ينبغي لكي نعي مسيرة العلمانية جيداً أن ندرس (التوفيقية) و (الإصلاح الديني) . التوفيقية: كان التوفيق بين القيم الغربية والإسلام واقعاً في النشاط الفكري في هذه المرحلة، وتعود جذور هذا المنحى إلى رفاعة الطهطاوي في مصر وخير الدين التونسي في تونس، وأحمد خان في الهند، وقد ساهم الأفغاني أيضاً في هذا المنحنى بنصيب. وقد أشار الأفغاني إجمالاً إلى طرف من منهجية هذه الحركة التجديدية في الدين بقوله: «إن الدين لا يصح أن يخالف الحقائق العلمية، فإن كان ظاهره المخالفة وجب تأويله!» [١٩] ، وقد يكون بين الاعتماد على حقائق العلم (التجريبي) والقول بـ (المادية) فارق دقيق يصعب المحافظة عليه والتنبه له، ولكن التوفيقية في المرحلة التي نتحدث عنها أخذت بعداً أكبر وأثراً أعمق من ذي قبل. وفي المرحلة التي نحن بصددها رأينا أكثر من اسم لامع، ومن هذه الأسماء: الشيخ اللبناني المولد الأزهري التعلم حسين الجسر (١٨٤٥م ١٩٠٩م/ ١٢٦١هـ ١٣٢٧هـ) الذي «أسس (المدرسة الإسلامية الوطنية) في مسقط رأسه طرابلس، وكان منهج هذه المدرسة يشتمل على تعليم اللغات العربية والفرنسية والتركية، والعلوم الدينية، والمنطق، والرياضيات، والعلوم الطبيعية الأوروبية الحديثة» [٢٠] ، ومن جهود الشيخ في هذا المجال كتابه (الرسالة المحمدية في حقيقة الديانة الإسلامية وحقيَّة الشريعة المحمدية) حيث نحا في بعض أبحاثه هذا المنحى التوفيقي، ف «طريقة معالجته لشخصية محمد [صلى الله عليه وسلم] وتعاليمه يمكن اعتبارها نهجاً جديداً وبالأخص إلحاحه على حق العقل في تفسير القرآن والحديث؛ فهو يدعو إلى تفسيرها حرفياًّ ما لم يتعارض هذا التفسير الحرفي صراحة مع أحد المبادئ العقلية، عندئذ يجب تفسيرها رمزياًّ؛ إذ لا يجوز قبول أي تفسير يتناقض والدليل العقلي القاطع، عندئذ يجب تفسيرها رمزياً» [٢١] . وفي الشام أيضاً نشط عبد الرحمن الكواكبي في بداية حياته قبل أن يواصل هذا النشاط في مصر، وقد كان «ينتمي إلى مدرسة الأفغاني ... التي كانت تفكر في المسائل الطارئة بعقل عصري، فتتدارسها في ضوء العلم والعقل النظري، ثم تنقلها إلى الدين وتربط بينهما برباط قوي متين ... لذلك فإن آراء الكواكبي في الإصلاح الديني لا تخرج في جملتها عن آراء الأفغاني والشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا ... » [٢٢] ، ويشير بعض الكتاب إلى احتمال تأثر الكواكبي بكتاب (مستقبل الإسلام) لبلنت، كما يشيرون إلى وجود دلائل قوية لاقتباسه إطار وبعض أفكار كتابه عن الاستبداد من كتاب (رسالة في الاستبداد) للمفكر الإيطالي في عصر الثورة الفرنسية فيكتور ألفياري [٢٣] ، ومن ثم: فقد ربط الكواكبي متابعاً ألفياري بين الاستبداد والدين، زاعماً أن الاستبداد في السياسة متولد من الاستبداد في الدين أو مساير له، وإن نفى الكواكبي ذلك عن الإسلام الحقيقي [٢٤] . ولم يقف تأثر الكواكبي بالفكر الغربي عند حد الاقتباس، بل سعى إلى حركة توفيقية إصلاحية شاملة في الإسلام؛ إذ «يبدو من كلام الكواكبي [في كتابه أم القرى] على لسان المندوب الإنجليزي أنه يهدف إلى تكوين جماعة من المسلمين تنزع في تفكيرها منزع البروتستانت في تفكيرهم» [٢٥] ، ومن هنا لم يجئ طرحه لمبدأ العلمانية في فصل الدين عن الدولة من زاوية إلحادية كما طرحه شبلي الشميل مثلاً، بل جاء طرحاً مناسباً لـ (عالم ديني كبير) [٢٦] ، فكانت من أقواله مخاطباً العرب غير المسلمين: «.. دعونا يا هؤلاء نحن ندبر شأننا ... دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الأخرى فقط! دعونا نجتمع على كلمات سواء، ألا وهي: فلتحيا الأمة، فليحيا الوطن..» [٢٧] . وفي تونس كانت مدرسة (الصادقية) التي كان خير الدين التونسي أسسها عام ١٨٧٥م (١٢٩٢هـ) لتكون منافسة لجامع الزيتونة ولتعليم اللغات التركية والفرنسية والإيطالية والعلوم الحديثة، فضلاً عن اللغة العربية، وعلوم الدين الإسلامي.. كانت قد خرَّجت أجيالاً من الطلاب مزودين بتربية عصرية [٢٨] ، وإضافة إلى مجموعة جريدة (الحاضرة) التي تأسست في أغسطس ١٨٨١م (١٢٩٨هـ) واستمرت حتى عام ١٩٠٦م (١٣٢٤هـ) متخذة أفكار خير الدين التونسي نبراساً لها، إضافة إلى ما تركته من أثر ثقافي وسياسي في البلاد.. أنشئت عام ١٨٩٦م (١٣١٤هـ) بدعم أو حتى بمبادرة من السلطات الفرنسية [٢٩] « (الخلدونية) ، وهي رابطة توخت إطلاع الذين تربوا تربية تقليدية في المدارس القرآنية وفي جامع الزيتونة على العلوم العصرية» [٣٠] ، يعبر عن ذلك المنهج أحد إصلاحييها هو سالم بوحاجب في كلمة افتتاحها معتبراً «أن العلم نفسه كان سبب استخلاف الله لآدم وبنيه» [٣١] . ولكن التوفيقية ارتبطت باسم آخر كان له أكبر الأثر في التنظير لها والمنافحة عنها ثم نشرها في العالم الإسلامي، ألا وهو الشيخ محمد عبده؛ فلقد تزعم محمد عبده اتجاه التوفيق بين الإسلام والغرب وما تبعه من الإصلاح الديني، وهو الاتجاه الذي نادى أصحابه بأن الإسلام هو الأساس الذي يجب أن يقوم عليه الإصلاح، ولكنهم فسروا نصوصه تفسيراً جديدًا يقبل معه كثيراً من أساليب الحياة والتفكير الوافدة من الغرب، وعملوا على تقريب الإسلام من الحضارة الغربية والتفكير الغربي الحديث [٣٢] . اضطلعت المدرسة التوفيقية وعلى رأسها محمد عبده بمهمة ذات شقين: أولاً إعادة تحديد ماهية الإسلام الحقيقي من وجهة نظرهم، ثانياً: النظر في مقتضيات هذا الإسلام بالنسبة إلى المجتمع الحديث [٣٣] ، ومن هذا المنطلق نظر محمد عبده إلى التغييرات الاجتماعية التي أحدثها في عهده الخديوي إسماعيل متابعاً جده محمد علي باشا، فلم يأسف لهذه التغييرات وما أحدثته في القوانين والتعليم، بل رأى أن هذا التطور في خطوطه العريضة لا مرد له، وأنه في صالح مصر [٣٤] ، ولكن في الوقت نفسه كان يشغله خطر انقسام المجتمع إلى دائرتين منفصلتين بدون اتصال حقيقي بينهما: دائرة تسودها شرائع الإسلام ومبادئه الخلقية، وهي دائرة آخذة في الانحسار في ذلك الوقت، والدائرة الأخرى في اتساع مضطرد، وهي الدائرة التي قامت على المبادئ المستمدة بالاستنباط العقلي من اعتبارات المصالح الدنيوية [٣٥] ، ومن ثم: عمل عبده وخاصة في آخر أيامه على رتق هذا الانقسام مع عدم إيقاف مجرى هذا التطور الذي بدأه محمد علي، «بل الاعتراف بالحاجة إلى التغيير، وربط هذا التغيير بمبادئ الإسلام، وذلك بإثبات أن هذا التغيير الحاصل ليس مما يجيزه الإسلام فحسب، بل إنما هو من مستلزماته الضرورية إذا فهم على حقيقته» [٣٦] ، وينبغي علينا وضع خط أسفل (حقيقته) . وعلى خطى الطهطاوي وخير الدين التونسي والأفغاني سار محمد عبده، فكانت رؤوس الموضوعات هي نفسها: الوطنية الإقليمية، والعناية بالتاريخ القديم السابق على الإسلام الدعوة إلى الحرية وإلى الحياة النيابية الدعوة إلى إعادة النظر في وضع المرأة في المجتمع: في الحجاب، والحد من تعدد الزوجات، والحد من حرية الطلاق [٣٧] ... ولكن تلك المفاهيم أخذت بعداً أعمق على يد محمد عبده ومدرسته من بعده؛ فما قدمه رفاعة في ميدان التجديد كان بمثابة البراعم التي تفتحت على يد محمد عبده ومدرسته [٣٨] ، وعلى الخطى نفسها سار محمد عبده في المنهج الذي اختطه (الرواد) «في التوحيد بين بعض المفاهيم التقليدية للفكر الإسلامي وبين الأفكار السائدة في أوروبا الحديثة، وعلى هذا النهج انقلبت (المصلحة) تدريجياً إلى المنفعة، و (الشورى) إلى الديمقراطية البرلمانية، و (الإجماع) إلى الرأي العام، وأصبح الإسلام نفسه مرادفاً للتمدن.. ولا شك أنه كان من السهل باتباع هذا النهج تحوير إن لم نقل إبطال المعنى الدقيق للمفاهيم الإسلامية وتناسي ما يميز الإسلام عن غيره من الأديان، لا، بل عن النظرة الإنسانية اللادينية، وهذا ما تنبه له بقلق نقاده المحافظون..» [٣٩] . وهكذا ولد الإصلاح الديني من رحم (المدرسة التوفيقية) ؛ فعلى أسس التوفيق بين الإسلام والغرب تحددت معالم (الإصلاح) ، وذلك بتضييق نطاق الثابت (الجوهري) في الإسلام الذي لا يقبل التعديل (الاجتهاد) ، وهو الاعتقادات والعبادات (رغم أنها لم تسلم أيضاً من اجتهاداتهم) ، وتوسيع نطاق المتغير (العرضي) الذي سيتماس مع أوجه الحياة؛ لأنه يشمل (المعاملات) ، أو بتعبير الدكتور عزيز العظمة: تضييق مجال الدين وتوسيع نطاق الدنيا [٤٠] . ولكن المدرسة الإصلاحية إذا تعاملت مع هذه الدائرة الأخيرة بالنظرة الفقهية القديمة نفسها لا تكون قد حققت الغرض المرجو، لذا: كان لا بد من تحييد التراث الفقهي، ولا يتم ذلك إلا بمحاربة التقليد، ثم الدعوة إلى الاجتهاد في هذه المسائل من جديد.. «لقد كان [الأفغاني] يؤمن بالأصول ويترك لعقله الحرية في الفروع، ويصل في ذلك إلى نتائج غريبة عن أذهان الجامدين المتزمتين، فيرمى بالإلحاد، فكان ينفر من التقليد ويدعو إلى الاجتهاد» [٤١] ؛ فمن ثوابت دعوة الأفغاني «أن باب الاجتهاد لم يغلق، وأنه لمن حق الناس (!) لا، بل من واجبهم أن يطبقوا مبادئ (!) القرآن مجدداً على قضايا زمانهم، وإذا امتنعوا عن القيام بهذا وقعوا في الجمود والتقليد اللذين لا يقلان عداوة عن الدهرية؛ فمحاكاة أقوال الآخرين وأفعالهم تفسد الدين والعقل معاً» [٤٢] . وبـ (تحرير) العقيدة من قيد التقليد أهدت حركة الإصلاح طوق النجاة إلى حركة التحرر العلمانية، أو كما يقول المستشرق جب: «.. كان [محمد عبده] يرفض قبول مبدأ السلطة، أو التقليد بلا مناقشة كما يقال في الإسلام، وكان هذا الرأي بمثابة خشبة إنقاذ للنزعة العلمانية الجديدة» [٤٣] . وبـ (تحرير) الفقه من القيد نفسه (التقليد) وصلت المدرسة الإصلاحية إلى فتح باب الاجتهاد؛ «لكي يتسنى للعالِم أن يؤول التعاليم الإسلامية تأويلاً جديداً يتلاءم مع روح العصر» [٤٤] ، وعلى هذا نستطيع فهم الهدف من دعوة هذه المدرسة إلى الرجوع إلى السلف الصالح في بعض جوانبها على أنه: «النفوذ إلى ما وراء النظم الفقهية المتحجرة كما تبدو في المذاهب الأربعة وفتح باب الاجتهاد، لكي يتمكن العالم من تأويل التعاليم الإسلامية تأويلاً جديداً حراً» [٤٥] . ثم تمخض عن فتح باب الاجتهاد على يد هذه المدرسة دعوة عريضة إلى إعادة تفسير الشريعة كلها، فبعد أن كانت الدعوة إلى الاجتهاد التي أطلقها (الإصلاحيون) الأوائل كالطهطاوي والتونسي مقتصدة غاية الاقتصاد تدعو إليه في أضيق الحدود ... «أصبحت من بعد على يد محمد عبده ومدرسته ولا سيما رشيد رضا دعوة عامة تهاجم التقليد، وتطالب بإعادة النظر في التشريع الإسلامي كله دون قيد، فانفتح الباب على مصراعيه للقادرين ولغير القادرين، ولأصحاب الورع ولأصحاب الأهواء» [٤٦] ، ولم تتضح ضوابط شرعية واضحة أو حدوداً قصوى لهذه الدعوة عند المدرسة الإصلاحية، بل كان الهدف الثابت هو الوصول إلى التوفيق الذي مر إيضاحه، «فما نفتقر إليه اليوم إنما هو إعادة تفسير الشريعة لنتمكن من اقتباس ما كان صالحاً من الأخلاق الأوروبية، كإلغاء الرق مثلاً، ومنح المساواة أمام القانون للمسيحيين القاطنين البلاد الإسلامية» [٤٧] . ولكن كيف سيكون الاجتهاد خادماً لذلك التوجه؟ سيكون ذلك من خلال قاعدة يقوم عليها وأصول تنبثق منها، أما القاعدة فهي: «أن العقل يجب أن يحكَّم كما يحكَّم الدين، فالدين عرف بالعقل، ولا بد من اجتهاد يعتمد على الدين والعقل معاً حتى نستطيع أن نواجه المسائل الجديدة في المدنية الجديدة، ونقتبس منها ما يفيدنا» [٤٨] ، أما أهم الأصول التي تستخدم في هذا الاجتهاد فنستطيع القول إنها تتمثل في: ١- التوافق مع العقل والعلوم الحديثة، وقد مر بنا سابقاً ما يغني عن تكرار الحديث عن هذا الأصل. ٢ - تضييق نطاق النصوص الشرعية بالتشكيك في حجية أحاديث الآحاد، وتحييد النصوص القرآنية ظنية الدلالة، ثم تأويل ما تبقى من هذه النصوص إذا بدا (للمجتهد من هذه المدرسة) أن ظاهره مخالف للعقل كما يتصوره، أو للعلوم العقلية في تطورها الآني. فإذا حوصرت الشريعة في هذا (الحيز الكمي) المحدود فإن ما يتبقى منها على زعمهم هو مبادئ واعتبارات وفضائل عامة تشترك فيها مع الإسلام جميع الأديان والمذاهب المنسوبة إلى السماء أو إلى الأرض، وبذا تتلاشى الفواصل بين الإسلام وغيره، وتذوب معالمه في فضائل إنسانية عامة، يقول الدكتور العظمة: «ولا يخبرنا الإصلاحيون: بأي اعتبار كانت هذه الأمور العامة شرعية إسلامية؟ وما الذي يميزها عن الأصول العامة لجل مجتمعات الدنيا، وأسسها الأخلاقية والقانونية؟» [٤٩] . أما إذا تعارض ظاهر نص مع هذا المنحى فإن المدرسة الإصلاحية تلجأ إلى التأويل (التفسير الرمزي) حتى تتفق مع المعطيات الجديدة. فبالتأويل يصبح النص مرناً وفضفاضاً يمكن تشكيله حسب الحاجة، وتصبح الوقائع المحددة التي وردت في النص مجرد تمثيل لأخذ العبرة والحكمة: «إن النقطة المبدئية التي يؤكدها هذا الموقف [تفسير محمد عبده لعموم طوفان نوح عليه السلام أو عدمه] هي إمكانية الانصراف إلى التأويل بل ضرورته إذا قطع بأن الظاهر (غير مراد) : ينسب بذلك مراد العصر إلى عصر النص، أي: إن تأكيد سلطة النص القطعية يجري بإضفاء معنى اليوم عليها مما لا يناسبها بالطبع، فيصبح اليقين والنص صنوين ... » [٥٠] . وهكذا «أصبح النص القرآني وخصوصاً آياته الدالة على الأمور الكونية لا يفهم إلا على أن بعض مفرداته قائمة على شيفرة، مفتاحها المعارف العلمية الحديثة» [٥١] . ٣ - أما في المسائل الفقهية: فقد عمدت المدرسة الإصلاحية إلى التوسع في استخدام بعض الأصول والقواعد الفقهية التي تلبي حاجتها (التجديدية) ، كنظرية العرف، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والمقاصد الشرعية، مع التلفيق بين المذاهب الفقهية وإعادة إبراز الآراء الفقهية الشاذة إن لزم الأمر، للوصول للفتوى التي تطمئن لها عقولهم. يقول ألبرت حوراني: «فعلى المسلمين اليوم في نظر محمد عبده أن يقوموا بما كان عليهم القيام به دوماً: إعادة تأويل شريعتهم وتكييفها وفقاً لمتطلبات الحياة الحديثة، ولبلوغ هذه الغاية لا بد من الاهتداء بمبدأين سلم بهما الفقهاء وأعطاهما محمد عبده بعداً جديداً: الأول: مبدأ المصلحة ... كان هذا المبدأ تقليديّاً بمثابة قاعدة لتأويل النصوص.. فيختار [الفقيه] التأويل الذي يحقق هذه الغاية، أما محمد عبده وأتباعه فقد جعلوا من المصلحة قاعدة لاستنباط شرائع خاصة من المبادئ العامة للخلقية الاجتماعية؛ فالله لم ينزل في رأيهم سوى مبادئ عامة، تاركاً للعقل أمر تطبيقها على قضايا المجتمع الخاصة، وبما أن هذه القضايا تتغير توجَّب تغيير تطبيق المبادئ عليها.. أما المبدأ الثاني: فهو مبدأ التلفيق ... فدعا، لا إلى الاستعانة بالمذاهب الأخرى في مسائل معينة فحسب، بل إلى مقارنة علمية بين المذاهب الأربعة أيضاً ناهيك بأحكام الفقهاء المستقلين الذين لم يقبلوا أياً منها بغية وضع (مذهب موحد) يؤلف بين العناصر الصالحة في كل منها، وقد تمكن بوصفه مفتي مصر من وضع هذه الدعوة موضع التنفيذ» [٥٢] ، وكانت المصلحة هي الأصل عند تلميذه رشيد رضا الذي توسع كما ذكر من قبل في المرونة (الاجتهادية) أكثر من شيخه، «فالعمل بموجب الحديث الصحيح عند السيد رشيد رضا أمر واجب إن لم ينافِ المصلحة، وإذا نافى المصلحة فإنه سيعتبر حكماً أنه معارض الأصول العامة المؤيدة بالكتاب والسنة، ولأن لابد له إذن إلا أن يكون من أحاديث الآحاد التي لا تفيد إلا الظن دون اليقين أو الإلزام، فترفض بذلك الأحاديث لاعتبارات نفعية دون الإلماع إلى نواقصها التاريخية [علم الجرح والتعديل] » [٥٣] . ٤ - ومن الملحوظات في أسلوب عرض أصحاب المدرسة الإصلاحية لآرائهم: الجزم واليقين عندما تكون هذه الآراء متسقة مع منهجهم الجامع بين الإسلام والمعطيات العقلية والعلمية الحديثة وعندما يكون إمرارها بين الناس محتملاً أما عندما يختل نظم هذا المنهج أو يصعب إمرار الرأي الذي خرجت به فإن التشكيك، أو التفويض و (اللاأدرية) ، أو العرض في صورة المحتملات أو الحكاية.. هو الأسلوب المناسب. وهكذا عمدت المدرسة الإصلاحية إلى إيجاد منظومة من الآراء الجديدة (الفكرية والفقهية) تشمل مجالات الحياة المختلفة، تتسق مع مفاهيمهم العقلية ومعطيات الحياة الغربية، لتشغل الفراغ الكبير في الساحة الفكرية الموجود آنذاك [٥٤] ، محاولة رتق الشِّق البادي في توجهات المجتمع. فاجتهادات المدرسة الإصلاحية لم تقف عند حد التوفيق بين الإسلام والأفكار الغربية في المسائل الحياتية المرتبطة بالشريعة (أو الفقه) ، ولكنها تجاوزتها إلى (التصورات) و (الغيبيات) ، لتربط بينها وبين (العقل) ، وهي في هذا المجال قاربت أن تنزلق من (العقلانية) إلى (المادية) ، فحرصت ما أمكنها على أن يكون كل تصور مفسراً بالعقل، وأن ترد معظم الغيبيات إلى أصل مادي أو تجريبي، وإلا أوَّلوها تأويلاً أقرب إلى نفيها. وقد كان هذا المنهج أقرب إلى مخطط الغرب الخبيث لإدخال العلمانية والتغريب إلى العالم الإسلامي بدون إثارة، «.. فإن دخول عناصر جديدة على الحياة الإسلامية كان يقتضي إبراز بعض تعليمات الدين، وتوجيه عناية أكبر إليها، ووضعَها في المكان الأول، ووضعَ تعليمات أخرى في مرتبة غير أساسية. وإذا حدث هذا، فمعناه أن الموازين الدينية والتعاليم الأخلاقية في الإسلام آخذة في التحول، وأن هذا التحول يتجه نحو تقريبه من الموازين الغربية في الأخلاق التي هي في الوقت نفسه متمثلة في التعاليم الأخلاقية للكنيسة المسيحية. ويقرر جيب أن في كل البلاد الإسلامية ... حركات معينة تختلف قوة واتساعًا ترمي إلى تأويل العقائد الإسلامية وتنقيحها، ثم يقول: وقد اتجهت مدرسة محمد عبده بكل فروعها وشُعَبها نحو تحقيق هذا الهدف، بل لقد ظهر كثير من العلماء المستقلين الذين نادوا بآراء أكثر تقدماً وجرأة، لا سيما في الهند. ولكن الواقع هو أن معظم ما تم من تعديل وتحوير خفي لا يبدو للنظرة السطحية» [٥٥] . ويقول بولسون نيومان « ... فإذا أمكن للمبادئ الإسلامية أن تتطور مع الزمن المتطور، بدلاً من الارتباط بعالم خيالي لا يسمح للتطور الزمني أن يتطرق إليه ... عند ذلك: سوف تصبح يقظة الشرق حقيقة واقعة، وليست أضغاث أحلام، وعند ذلك سوف يتحرر ملايين البشر من هذه العقائد الأثرية الشيباء ليأخذوا مكانهم بين الحركات الحديثة» [٥٦] . لذا: فقد لاقت فكرة الإصلاح الديني أو الاجتماعي «هوى في نفس كرومر؛ لأنها الفكرة التي تشغل بال الرأي العام المصري عن المطالبة بالاستقلال أو الجلاء، أو لأنها الفكرة التي لو نجحت في مهمتها (!) لأصبحت دليلاً على نجاح الاحتلال البريطاني في مهمته، وهذه المهمة في ظاهرها هي الأخذ بيد المصريين إلى الحضارة والسير بهم إلى حيث يلحقون بالأمم الأخرى» [٥٧] . من التوفيق إلى التقريب: لم تقف جهود المدرسة الإصلاحية عند حدود توفيق الإسلام (عقيدة وشريعة) مع الفكر الغربي وإذابة الفوارق والفواصل بينهما، بل سعى بعض رموز هذه المدرسة إلى (التقريب) بين الإسلام والأديان الأخرى. فمحمد عبده يقول: «إن القرآن وهو منبع الدين يقارب بين المسلمين وأهل الكتاب حتى يظن المتأمل فيه منهم أنهم لا يختلفون عنهم إلا في بعض أحكام قليلة» [٥٨] . ولقد أخذ هذا الفهم النظري شكل السعي العملي؛ فها نحن نجده بعد إغلاق صحيفة العروة الوثقى وعودته من باريس إلى بيروت يؤسس (جمعية التأليف والتقريب بين الأديان السماوية) ، وشاركه فيها آخرون من المسلمين والنصارى واليهود، من أبرزهم القس الإنجليزي إسحاق تايلور المعروف بالدعوة إلى ذلك، وجي دبليو لينتز، وحسن خان مستشار السفارة الإيرانية بالآستانة، وكان محمد عبده صاحب الرأي الأول في إنشائها ونظامها، أما هدف الجمعية فكان: التقريب بين الأديان السماوية الثلاثة، وإزالة الشقاق بين أهلها، وإحلال التعاون بدل الفرقة والخصام [٥٩] . مكمن الخطر في المدرسة الإصلاحية: إننا لا نستطيع الآن وقد ماتت أنفس لا تستطيع الدفاع عن نفسها، وطمرت أحداث لا نستطيع جلاءها أن نصدر حكمًا بالإدانة، أو البراءة على المدرسة الإصلاحية، وليس هذا من أهدافنا أصلاً، فهدفنا رصد الخطوات والمؤثرات والوقائع التي أدت إلى العلمنة والتغريب الذي تحياه معظم مجتمعاتنا المعاصرة بدرجات متفاوتة. قد يكون في أتباع هذه المدرسة مخلصون أرادوا في ظل هذه الظروف الصعبة والمعقدة الدفاع عن الإسلام وإصلاح الواقع الاجتماعي والثقافي والوقوف دون انهيار إيمان المسلمين أمام المد الإلحادي ... يحتمل! ، وقد يكون فيهم عملاء مأجورون باعوا أنفسهم للغرب أو انبهروا به إلى حد الذوبان فيه وخدمته تلقائيّاً ... ربما! ، وقد يكون فيهم من تمثل فيه هذا الوصف وذاك ... ليس بمستبعد! ولكننا على العموم لا نستطيع أن ننظر بعين واحدة هي التي تنشط في دراسة كهذه عند تقييم هذه المدرسة؛ فقد كان لها بالفعل آثار ملموسة في نبذ الخرافات وكسر الجمود الفقهي وإعادة تشكيل الفكر الإسلامي، وفي الوقت نفسه: فإننا لا نستطيع تجاهل الانحرافات العقدية والعلمية والعملية التي وقعت فيها هذه المدرسة، وأيضاً لا نملك علميّاً وأدبيّاً حق التغاضي عن الدور الذي قامت به والأثر الملموس الذي أحدثه روادها قصدوا، أو لم يقصدوا في تقريب العلمانية والتغريب إلى المجتمعات الإسلامية. لم يكن مستغرباً أن يتفق الإسلام مع العقل، ولم تكمن خطورة المدرسة الإصلاحية في انفتاحها على الفكر الغربي ونهلها من نتاجه، إنما تمثل مكمن الخطورة في المدرسة الإصلاحية في عدة أمور، منها: أولاً: أن تفسير الدين ونصوصه بالعقل المحض الذي وصل إلى حد أن يكون ذلك قاعدة الاستدلال الأساس، والذي انبنى عليه تأويل النصوص بحسب معطيات العلم التجريبي الغربي المعاصر.. كان ذلك بمثابة محاولة لإخضاع علم الله وقدرته المطلقين وغير المحدودين لإدراك العقل الإنساني وتصوراته ومعارفه وتجاربه التي تتسم بالقصور والمحدودية والنسبية، ليس بالنسبة لعلم الله وقدرته فقط، بل بالنسبة للعقل الإنساني نفسه الذي تختلف قدراته من شخص إلى آخر، وتختلف تجاربه ومكتسباته العلمية من عصر إلى آخر، كما أنه ليس في الوجود البشري عقل مطلق ومجرد نستطيع القياس عليه واتخاذه حَكَماً يرجع إليه البشر في تصوراتهم وأفكارهم ومناهجهم وأخلاقهم. فهم بهذا التوسع يعملون على تفسير المطلق وغير المحدود بالنسبي والمحدود، وفي ذلك ما فيه من مخالفة العقل نفسه، إضافة إلى خطورته على توحيد الله والإيمان به. ثانياً: أن محاولة إخضاع الغيبيات والخوارق المذكورة في الكتاب والسنة للتفسير المادي أو التجريبي ... فيه نوع من اختزال الإيمان بالغيب لحساب عالم الشهادة؛ فإنه عندما يؤمن المسلم بتفسير غيبية أو خارقة بناءً على مشاهداته المحسوسة أو المتصورة التي قد تتكرر أو تفتعل بإرادة المخلوقين أو سيطرتهم.. فإنه لا يؤمن حينئذ بغيب، بل يؤمن بمشاهد أو مشهود، وهكذا: كلما فسرنا غيبية بهذا التفسير نقلناها من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، وفي النهاية يتقلص الإيمان بالغيب ويتمدد الإيمان بالشهادة، وهذه نقلة نحو المادية وابتعاد عن الدين الذي تقوم قاعدته الكبرى على الإيمان بالغيب: [ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ] (البقرة: ٢-٣) . ثالثاً: إذا كان القرآن، وكذلك السنة، لم يأتيا إلا بمبادئ وحدود عامة في التشريع بحسب اجتهادت المدرسة الإصلاحية، وإذا فسرت الغيبيات والمعجزات التي ذكراها تفسيراً مادياً يمكن أن يحدث لأي أحد، وإذا كان ما ورد فيها من ذكر للأحداث والأسماء التاريخية ليس لذكر حقائق تاريخية بل فقط للاعتبار والتذكر، وإذا كان الأمر نفسه بالنسبة لـ (إشارات القرآن) في الفلك والاقتصاد.. وإذا أهدرت أحاديث الآحاد ومعظم السنة أحاديث آحاد ثم أوِّل ما تبقى منها أو حيد عنها بدعوى تحقيق المصلحة وموافقة المقاصد ... فضلاً عن إهدار التراث الفكري الذي خرج من هذين المصدرين، وإذا كانت (الشريعة) يمكن التلاعب بها إلى الحد الذي رأينا في فتاوى هذه المدرسة ... فماذا يتبقى من الإسلام إذن؟ إن المدرسة الإصلاحية باتباعها ذلك المنهج تكون قد قامت بعملية الإخلاء اللازمة لاحتلال الفكر الغربي قواعد الفكر الإسلامي. رابعاً: كان من أثر روح الهزيمة النفسية التي سادت المدرسة الإصلاحية والتداعيات التي تمخضت عنها، والتفاعلات المستمرة مع أصحاب اتجاه العلمانية الصريحة ... أن الإصلاحية لم تستطع الصمود أمام الهجوم العلماني والإلحادي المادي؛ فلقد «كانت قوة التحدي الأوروبي الحضاري والسياسي أعظم من أن تصمد لها توفيقية محمد عبده ومعادلته التي حاولت بعد أزمان من التنافر والعداء الجمع بين الإسلام والغرب في صيغة تصالحية واحدة ... » [٦٠] ، فكانت النتيجة تقهقر هذه المدرسة وتراجعها عن مواقعها شيئاً فشيئاً أمام اتجاه العلمانية الصريحة، متوسعة في منهجها التوفيقي الاعتذاري، وتطبيقاته على أوجه الحياة. خامسًا: نتج عن هذا التقهقر وذلك الإخلاء للمواقع أنَّ العلمانيين وجدوا في أدبيات المدرسة التوفيقية الإصلاحية أدوات ومسوغات يغزون بها المجتمعات الإسلامية على نطاق واسع، كما أن شهيتهم ازدادت شراهة لعرض أفكارهم، وفي الوقت نفسه: أصبح منهج المدرسة الإصلاحية وسيطاً مناسباً لحمل هذه الأفكار الغربية، أو كما يقول ألبرت حوراني عن رائد هذه المدرسة (محمد عبده) : «لقد نوى إقامة جدار ضد العلمانية، فإذا به في الحقيقة يبني جسراً تعبر العلمانية عليه، لتحتل المواقع واحداً بعد الآخر، وليس من المصادفة كما سنرى أن يستخدم معتقداته فريق من أتباعه في سبيل إقامة العلمانية الكاملة» [٦١] ، ويقول شيخ الإسلام بالدولة العثمانية مصطفى صبري: «فلعله وصديقه أو شيخه جمال الدين أرادا أن يلعبا في الإسلام دور لوثر وكلفين زعيمي البروتستانت في المسيحية، فلم يتسن لهما الأمر لتأسيس دين حديث للمسلمين، وإنما اقتصر تأثير سعيهما على مساعدة الإلحاد المقنَّع بالنهوض والتجديد ... » [٦٢] . سادساً: ومثلما ساهمت المدرسة الإصلاحية على إسقاط الحاجز الفكري بين الإسلام والغرب بتقريب الفكر الغربي إلى المجتمعات الإسلامية ساعدت على إسقاط الحاجز النفسي لدى النخبة المثقفة لقبول العلمانية والتغريب، فـ «عند أولئك الذين تعلموا في المدارس الحديثة كانت جاذبية وجهة نظر الإمام محمد عبده للإسلام تكمن في أنها حررتهم لقبول أفكار الغرب الحديثة بلا أدنى إحساس بالتخلي عن ماضيهم ... » [٦٣] . سابعاً: تطورت معادلة التوفيقية الإصلاحية على يد تلاميذ محمد عبده من القول: «إن المدنية الحقيقية تتوافق مع الإسلام» إلى القول: «إن الإسلام الحقيقي يتوافق مع ما تأتي به المدنية» [٦٤] ، أو بمعنى آخر: من شرح الحضارة (العمران) والأفكار الغربية بما يوافق الإسلام (الحقيقي) ، إلى تطويع الإسلام وإعادة تفسيره لحمله على موافقة الحضارة (العمران) والعقل الغربي، والحقيقة أن هذا التطور في تلك المعادلة كان قد بدأ على يد محمد عبده نفسه، ولكن تلامذته خاضوا فيه بصورة أوضح. كما انهارت الموازنة بين قيم الإسلام وتصوراته وبين أفكار الغرب وعلومه، وهي الموازنة التي كان يحرص عليها إجمالاً محمد عبده، وافترقت خطى مدرسته من بعده، فمال رشيد رضا بفكره إلى سلفية أكثر، بينما اتجه سعد زغلول وأحمد لطفي السيد وقاسم أمين وعلي عبد الرازق ... وغيرهم، إلى شبه قبول مطلق للفكر الغربي، مطالبين بعلمانية متشبهة بالغرب وبفصل الدين عن الدولة [٦٥] . وعليه: نستطيع القول: إن المدرسة الإصلاحية بعد توظيف الغرب لها خدمة لأهدافه عادت من حيث بدأت: إسلاماً يواجه الفكر الغربي، وتغريباً وعلمانية يحاصران الإسلام ويعملان على إقصائه من واقع الحياة. ثامناً: رسخت المدرسة الإصلاحية استمرار النهج التلفيقي المخادع الذي بدأه الطهطاوي والتونسي، القائم على تلبيس الحق بالباطل وتخليط الصواب بالخطأ، والذي كان مقتضاه تقديم التغريب والعلمانية على طبق من الدين، وهذا الأسلوب في تقديم العلمانية والتغريب باسم الإسلام في هذه المرحلة المبكرة هو ما تمناه المستشرق القسيس المنصر (زويمر) عندما قال هو وزملاؤه: «تبشير المسلمين يجب أن يكون بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم؛ لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها» [٦٦] ، وقريب منه ما ذكره (الشيخ) محمد عبده في رسالة مريبة منه بخط يده إلى أستاذه جمال الدين الأفغاني عام ١٣٠٠ هـ (١٨٨٣م) بعد مناظرة الأخير الشهيرة مع رينان: «نحن الآن على سنتك القويمة: لا تقطع رأس الدين إلا بسيف الدين، ولهذا لو رأيتنا لرأيت زهاداً عباداً ركعاً سجداً..» [٦٧] ، وهذا ما عبر عنه أحد المفكرين المعاصرين بأن العلمانية دخلت إلى العالم الإسلامي لابسة عمامة، وهو الأسلوب نفسه الذي يحاول اتباعه الآن (الإصلاحيون) في إيران وبعض (التنويريين) في بقاع أخرى من العالم الإسلامي، وعكسه ما يحاوله بعض الإسلاميين في تركيا (إعادة الإسلام لابساً قبعة) . ويمكن القول إذا لم نتحلَّ بدرجة كبيرة من إحسان الظن بهم: إن (الإصلاحيين) في ذلك الوقت لم يكن في وسعهم إلا اتباع ذلك الأسلوب المخادع حتى لا يصطدموا مع عامة الأمة وعلمائها (المتعصبين) .

стр. 3869

ملفات العلمانية في العالم الإسلامي.. تساقط الأوراق (٣ - ٣) الحصاد العلماني في مجال التربية والتعليم محمد أحمد منصور إذا كنا بصدد الحديث عن الحصاد العلماني في مجال التعليم فلا يمكن عزل التعليم اليوم عن بقية أبعاد المخطط العلماني من إعلام، واقتصاد وسياسة، وغير ذلك. وإذا كان هذا الحصاد لا يمكن التعبير عنه بدقة من خلال الأسلوب الكمي؛ فإن الأسلوب التوصيفي والتحليلي يمكن أن يتيح لنا نظرة تتسم بالدقة إلى حد بعيد. وإذا كان واجب ولي الأمر في الإسلام هو حفظ الدين وسياسة الدنيا به؛ فإن ذلك يقتضي منه تعليم هذا النشء أمور دينهم لتنبثق منهجية تفكيرهم وسلوكهم منه؛ ومن ثَمَّ يتأسس خط الحضارة على هذه المنهجية. وهذا الواجب لا تسقط تبعته حتى يقيم الكفاءات ويفرغ الطاقات التي تبني شخصية المسلم من خلال التربية سعياً في إبراز شخصية الأمة من خلال التعليم بمناحيه المختلفة بكماله وخصوصيته الجامعة المانعة التي تميز بها الإسلام عن غيره. من خلال هذا المنظور يمكن أن ندلف إلى قضية التعليم وعلمنته لنرصد أخطاءه وخطاياه. المسار.. والمصير: بدأت قضية العلمانية تطل برأسها وتتسرب رويداً رويداً منذ عادت البعوث العلمية من فرنسا لإقامة دولة محمد علي العصرية، وقد كانت فرنسا على ما فيها من ازدهار للفكر العلماني شأنها شأن أوروبا تتحين مثل هذه الفرصة لتغرس غرسها وتمضي مع الوقت لتحصد النتائج. بلع رفاعة الطهطاوي الطعم وعاد منهزماً نفسياً ولم يفرق بين النبيذ والإبريز، وقد كان في وسع محمد علي إقامة مثل تلك النهضة من داخل الأزهر؛ لكنه أراد ولاءً خالصاً له خالياً من أي منازعة فكان ما كان، وأنشئت المدارس الفنية والابتدائية لتعليم الصنائع وأجريت عليها النفقات، لكن محمد علي لم يصمد للتجربة التي لم تنجح، وأُغلق كثير من تلك المدارس في عهده، وجاء عباس الأول فأغلق الباقي، وسار محمد سعيد باشا في نفس الخطى، مما أوجد فراغاً استغلته المدارس التنصيرية الفرنسية، والبريطانية، والأمريكية المجانية، والحرة، والدولية، فضلاً عن المدارس اليونانية، والإيطالية، واليهودية، والأرمنية التي اندفعت لملئه منذ أوائل عهد إسماعيل، وقد كان التعليم في هذه المدارس يتم وفق نظام البلد الأم وبلغتها، وكان التعليم منصبّاً على توجيه ولاء الطلاب ناحية الثقافة التي يحملها المعلمون في هذه المدارس. كما تم إنشاء العديد من المدارس الابتدائية، والثانوية على يد النصارى المصريين، وكانت تقتصر على تعليم التلاميذ المصريين الصغار! وكانت المدارس الأجنبية تتلقى العون المالي من الحكومة على عهد الخديوي إسماعيل الذي كان يهدف إلى خلق نظام تعليمي أجنبي ليستكمل (تغريب) مصر [١] والذي كان عصره أكثر تأثيراً على الحياة الثقافية، وعلى الشخصية المصرية حتى الآن، وفي عصره بدا المجتمع المصري مجتمعاً مزدوج الثقافة؛ فكان هناك من تعلموا في الكتاتيب وتخرجوا من الأزهر، وآخرون تخرجوا من التعليم العام [٢] والأجنبي، ويقف على قمتهم من تعلموا في أوروبا، وكان القطاع الثاني يتسع على حساب القطاع الأول. يقول لورد سالسبري: «إن هذه المدارس هي أول خطوة لاستعمار الشعوب التي تنشأ فيها، فإنها تخرج فيها طائفة تخالف سائر أمتها في عقائدها وتفكيرها وتقاليدها فتحدث فيها صدعاً وشقاقاً تنقسم به على نفسها فيقتلها هون الانقسام بأيديها» [٣] . وكانت مدارس الإرساليات بما تقوم به ترسم الطريق والمناهج؛ حتى إذا جاء المستعمر فرض هذه المناهج على المدارس الوطنية مع تغيير طفيف [٤] . وحينما جاء الاحتلال البريطاني نجح في تحويل سياسة المستعمر التعليمية في مصر والهند من: (سياسة تجهيل الشعوب) إلى: (سياسة تضليل الشعوب) من خلال التعليم المحدود تحت شعار: (عقل بريطاني، ويد مصرية) وذلك ليستفيد من تلك الشعوب في خدمة سياساته بدلاً من معارضتها وثورتها. ومن هنا كان مجيء (دنلوب) ليرسم خطته لا كما فعل نابليون؛ بل سلك طريقاً أطول فأراد أن يكتسب أولاً قلوب الأطفال، وانتظر ثلاثين عاماً يضع في رؤوس التلاميذ ما يريده، ويمنع عنها ما لا يريده إلى أن تخرَّج في وزارة المعارف الجيل الأول والجيل الثاني، فلما صارت مقاعد الوزارات وكراسي النيابة والحكم ممتلئة بالذين رباهم انقلب إلى وطنه واطمأن قلبه إلى أنه صار لأوروبا في كل بيت مصري من يكمل برنامجه [٥] . وحتى ينجح الدور كان على المستعمر أن يربط مصلحته بمصلحة الطبقة الغنية المتنفذة، ففرض المصروفات المرتفعة على التعليم الأولي الابتدائي، والتي يعجز أبناء الفقراء عن تسديدها، وأضيف إلى هذا خطوة أخرى هي إنشاء مدرسة لتخريج المدرسين على النمط الغربي. ومن ثم جاء فؤاد جلال، وعبد العزيز القوصي، وإسماعيل القباني، وطه حسين؛ للسير في نفس المسار. وذهب دنلوب فعلاً وبقيت روحه تسري وسياساته تحكم نظم التعليم لا في مصر وحدها [٦] بل في أغلب أقطار العالم الإسلامي [٧] . وظل الحال على نحو من ذلك حتى قامت ثورة يوليو ١٩٥٢م، وجاء جمال عبد الناصر بمشروعه الذي رفع شعار: (التعليم كالهواء، والماء ينبغي إتاحته للجميع) . ولكن الحقيقة أن عبد الناصر أراد أن ينشئ أجيالاً ذات ولاء لثورته عن طريق التعليم الإلزامي، وفي خط مواز كان لا بد من التخفيف من ثقل الأزهر، فكان ما عرف بمشروع التطوير في عام ١٩٦١م، ولأول مرة في تاريخه أضيفت للجامع الأزهر تاء التأنيث [٨] ، وفرض الميثاق، ورفع الولاء للقومية العربية والاشتراكية. أما السياسة البريطانية فقد سارت في نفس الخط. وحين جاء السادات وانقلب على حكم عبد الناصر أراد البحث عن الذات من جديد، فبدت المناهج مترددة بين الإسلام وبين العروبة حيناً، ثم لم تلبث أن نحت منحى جديداً رُسم لها إبان الانفتاح وعقد الاستسلام مع إسرائيل؛ حيث ظهرت سياسة تعليمية جديدة تتواءم مع استراتيجية السلام الأمريكية التي لم تقنع بمجرد تهميش الإسلام أو تفريغه من محتواه أو حتى اختزاله في بعض الشعائر والآداب، وإنما الاستبعاد التام لكل ما هو إسلامي من أجل إعادة ترتيب أوضاع المنطقة، وبعد أن استوعب مخططو السياسات الاستراتيجية في الولايات المتحدة درس الخمسينيات والستينيات بحيث استدعى استكمال تصميم ونجاح التغيير الذي حدث على مستوى القمة الحاكمة بعد الصلح إجراء تغيير مشابه في البيئة الثقافية والتعليمية التحتية بما يضمن عدم الصدام وبين تصرفات القمة وطموحات الفئات الاجتماعية الأدنى المحرومة فعلياً من المشاركة في صنع القرار أو التحكم في هذا الصدام من حيث النوع والمدى، وهو ما توفره سياسات التعليم الأساسي والنمط التعليمي التلقيني الراهن ثم بتعزيزه يومياً من خلال المؤسسات الإعلامية الجماهيرية. والفكرة الكامنة وراء ذلك هو أنه كلما تضاءلت مساحة الإدراك المعرفي لدى الأطفال والنشء والشباب في مراحل التعليم المختلفة بقضايا أمتهم والتحديات الخارجية التي تواجهها، وتعرضت ذاكرتهم للطمس، وأهيل التراب على القيادات التاريخية للأمة التي لعبت دوراً مهماً في استنهاض روح التحدي والكبرياء كلما سهل على الجماعة الحاكمة المرتبطة بدورها بمصالح أمريكا وتوجهاتها اتخاذ قراراتهم بما يتفق مع تكوينهم الفكري وخريطتهم العقلية وانصياعاً لمصالحهم الاقتصادية، وانسجاماً مع انتماءاتهم الاجتماعية حتى لو تعارضت هذه القرارات على المدى البعيد والمتوسط مع مصالح شعوبهم وأوطانهم، وما يجري هنا يجري هناك في تونس والجزائر والمغرب وغيرها. ومن هنا تمت أكبر عملية اختراق أمريكي لمجتمع من المجتمعات من خلال التنشئة الفكرية والعسكرية للقيادات في البرامج التدريبية، وربط مصالح رجال الأعمال بالمصالح الأمريكية من خلال مراكز البحث المنتشرة سواء منها الأمريكية الصريحة أو الوطنية التي تعمل بنظام المقاولات؛ مما أحدث خللاً في النظام الإعلامي والتعليمي والقانوني، وانعكس هذا بدوره على التركيبة النفسية والفكرية لقطاعات واسعة من السكان وبخاصة الشباب والأطفال بفعل الأثر السلبي المضاعف لوسائل الإعلام في عصر السلام [٩] . لقد ظل التحدي الخارجي يستنفر الطاقات حيناً في ظل غياب السياسات الناجحة، أما في ظل استراتيجية السلام فهل يمكن لنا أن نتخيل ما يحدث في ظل عوامل النحت والتعرية والتذويب والتفكيك العقدي والأخلاقي والسلوكي والعلمي في سائر البلاد الإسلامية؟ يقول الجنرال ألبرت ميرجلان خبير الاستراتيجية الدولية: «هناك حالياً اتجاه يسرف في الحكم على الدول وفقاً لعدد دباباتها وطائراتها المقاتلة! والواقع أن كَمَّ وكيف التعليم هو الذي سيكون العامل الأكثر حسماً في المستقبل القريب.... فليست المعركة العسكرية هي التي ستحدد مصير الأمم الصغيرة والمتوسطة في العالم، بل إن الذي سيفعل ذلك هو النمو الفكري والفني الدائم للأفراد» [١٠] فحرب العقول والهوية والذاكرة الجماعية للشعوب هي الآن جوهر مفاهيم الاستعمار الحديث. وقد نجحت الولايات المتحدة في تخريب مناهج التعليم كاملة وكذلك سياساته عبر العديد من مؤسساتها التي منها هيئة المعونة الأمريكية، ومجلس الرئاسة المصري الأمريكي، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنح بعض المؤسسات الأمريكية، بالإضافة إلى الخبراء الأمريكيين في مركز تطوير المناهج والمواد التعليمية. وهنا لا يمكن تصور مجرد تعليم وطني فضلاً عن قومي أو إسلامي، وإنما تعليم أقرب ما يكون إلى وجهة النظر الصهيونية، وإن القارئ لا يمكن أن يدرك أبعاد المؤامرة في مجال التعليم إلا إذا أحاط بالسمات الغالبة على المنهج، والتي بها يمكن فهم مداخله، ومخارجه، وأهدافه، ومقاصده. سمات المنهج التعليمي: أولاً: التبعية: وإن كانت التبعية واضحة وضوح الشمس ولا تخلو تصريحات المسؤولين من اعتراف بها، وأمامنا شهادتان من شخصيتين لهما ثقلهما في المجال الفكري والثقافي والتعليمي، ولهما مصداقيتهما عند كثير من العلمانيين: الأول: هو ساطع الحصري الذي يقول: «إن البلاد العربية تسير في شؤون التعليم على طرق تخالف المبدأ؛ فبعضها يتجه نحو النظم الفرنسية وحدها، وبعضها يسير نحو النظم الإنجليزية، وبعضها يستلهم النظم الأمريكية، ويقوم جدال وكفاح بين مؤيدي هذه الأنظمة بصورة علنية أو خفية. وعلى العرب أن يعدلوا عن الاستمرار في هذه الخطط» [١١] . والثاني: هو: د. محمد حسين هيكل؛ حيث يقول: «إن وزارة المعارف تخضع اليوم وأمس وستخضع غداً وبعد غد إلى أن يتاح لنا النصر السياسي (!) الذي نعمل له إلى السياسة التي كانت تخضع لها أيام كان مستر دنلوب مستشاراً مع فوارق في عدد المدارس وعدد الأساتذة وعدد التلاميذ أكثر منها في أساليب التعليم وفي الغاية منه، إن سياسة التعليم في وزارة المعارف ستظل اليوم وغداً كما كانت بالأمس وقبل الأمس خاضعة للسياسة الغربية والحضارة الغربية في روحها. فالحضارة الغربية بالمعنى الذي يفهمه مفكرو الغرب ومؤسسو هذه الحضارة الحقيقيون حضارة علمية بالمعنى المفهوم من العلم في العصر الحاضر؛ فالمعنى الذي يفهمه ساسة الغرب الذين ينشرون لواء هذه الحضارة في ربوع العالم حضارة استعمارية عدوة للعلم على خط مستقيم وهي كذلك حيثما ذهبت؛ حاربَت العلم وحاولت حصره في طبقة وفي حدود ضيقة لتتخذ من هذه الطبقة بطانة لها لتروج الاستعمار، أي لاستغلال البلاد التي تنزل فيها استغلالاً مادياً يذهب كل خيرها للغرب صاحب هذه الحضارة الاستعمارية. ولذلك وضعت هذه الحضارة يدها على وزارات المعارف حيثما ذهبت، وعملت دائبة على إفساد هذه المقومات النفسية والخلقية والقومية مكتفية بطائفة من المعلومات العملية التي تحتاج إليها إدارة الحكم [١٢] . وواضح أن كلا الرجلين ذا نزعة قومية لا تخلو من ثقافة غربية؛ إلا أن قولهما يعبر عن واقع لمسوه عن قرب واطلاع على مسالكه وأغواره وما ستروه أكثر مما كشفوه. ويشهد رجل من تلك البطانة التي اتخذها الغرب طه حسين الذي استمات من أجل ما أراده الغرب:» والتعليم عندنا على النحو الأوروبي الخالص ما في ذلك شك ولا نزاع.. فقد وضعنا في رؤوس أبنائنا عقولاً أوروبية في جوهرها وطبيعتها، وفي مذاهب تفكيرها وأنحاء حكمها على الأشياء « [١٣] . وهو يعلنها بلا مواربة أن الهدف من اتباع السياسات الغربية ليس مجرد تبعية النظام وتشابه السياسات وإنما هو أكثر من ذلك: تغريب الأبناء وأَوْرَبة عقولهم. وإذا كانت السمة الأولى لهذا التعليم المعلمن هي التبعية [١٤] فإن ما يمكن أن ينطبق عليه من عيوب وما يستخرج منه من قبائح إنما هو ناشئ من هذه العلة والله تعالى يقول: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ] (آل عمران: ١١٨-١١٩) . ثانياً: غياب الخطط الذاتية: إن العلمانية في بلادنا قد عقمت أن تكون لها أيديولوجية مستقلة ترسم أهدافها وفق الظروف العربية، ومن ثم رأوا أن تغريب المجتمع أولاً يساعدها في تطبيق الحلول الغربية ذاتها، ويعني ذلك أن الشعوب لا تدري من أين أتت، ولا إلى أين تسير! وإذا كان التعليم العلماني يقصر مفهوم التربية والتعليم على المرحلة السنِّية بين (٥-٢٣) عاماً، وهي بلا شك أخطر المراحل السنِّية التي يشكل المنتمون إليها في المجتمع الكتلة الحيوية الحرجة، هذه الكتلة تتحرك تعليمياً وسط أضلاع مثلث يتمثل في: - فلسفة النظام والتعليم التربوي (دالَّة الهدف) . - سياسة تعليمية تجسد هذه الفلسفة (دالة السياسات) . - وسائل تنفيذ هذه السياسات مالياً، وإدارياً (دالَّة الإجراءات) [١٥] . والواقعة المادية التي تشهد بغياب جل ذلك بالإضافة إلى شهادات أخرى وما يشهد به الواقع تتمثل في الدراسات التي أعدت لمؤتمر عمان في الفترة ١٢- ١٥ مايو ١٩٩٠م، والمناقشات التي جرت في اجتماعاته والتي تشهد بأن أنظمة التعليم في البلاد العربية تعاني من عدم بلورة أهداف التعليم وسياساته، ومن جمود مناهجه، وأن هذه الأنظمة أصبحت تسهم في ضمور الطاقات المجتمعية، بحيث أضحى التعليم عبئاً على التنمية، وغدا مشدوداً إما إلى الافتتان بالماضي وتقليد نماذجه وحلوله، وإما محاكيًا لنماذج الحضارة الغربية التي قد لا تتلاءم في توجهاتها، ومدى فاعليتها مع التطوير الحقيقي لأوضاع المجتمع العربي؛ وتلك هي الأوصاف التي وسم بها التعليم في (استراتيجية تطوير التعليم في مصر) التي صدرت في عام ١٩٨٧م؛ ففي هذه الاستراتيجية تقرأ عن: - غياب الاستراتيجية التي تبلور سياسة التعليم، وغياب الطابع القومي في التعليم، وعدم إسهام من يعنيهم الأمر في تطويره! ص ٢٢- ٢٣. - عجز التعليم عن مواجهة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والعملية والتقنية، وغض الطرف عن ذاتية المجتمع المصري وهويته الثقافية ص ٢٤. - ضعف الثقة في التعليم، وعدم مساندته معنوياً، وعدم التنسيق بين التعليم النظامي، وتناقض ما تبثه وسائل الإعلام مع ما تقدمه المدارس ص ٢٥- ٢٦. - إن مناهج التعليم صلبة لا تلبي مطالب المتعلم أو البيئة، ويغلب عليها الطابع النظري، وتهمل ميول الأفراد ومواهبهم، وإن الامتحانات تدرب على التذكر ولا تستثمر إمكانات العقل الإنساني ص ٢٧- ٢٩ [١٦] . إن غياب مثل هذه الفلسفة الاجتماعية العامة للمجتمع يعتبر نقطة الضعف الأساسية في جهود تطوير التعليم؛ لأنه بغيابها تدفع أن تحل الرؤية» الخاصة « والاجتهاد» الفردي «لكل من فلسفة التعليم وسياساته في كل فترة، مما يعرض هذه الرؤية الخاصة إلى التبدل كلما اتفقت فترة لتحل أخرى [١٧] . هذه الأزمة منشؤها غياب العقيدة والانتماء لها عن عقل وحس صانع القرار، والإنسان بلا عقيدة إنسان بلا هدف إلا إذا اعتبر أن نزواته وحاجاته الشخصية أهدافاً. وحين تغيب العقيدة في ظل ظروف محايدة فإنه لا بد من أمرين: الأول: أن يتحكم الثابت في المتغير في إطار اتخاذ الواقع مدخلاً لعملية التنظير وهو ما حدث ويحدث بالفعل. وهو في هذا متغير بطبعه مما يجعل منه نموذجاً متبدلاً لا نستطيع أن نميز فيه بين متطلبات الواقع الحقيقية وضروراته وبين تلك المتوهمة، بل إنه ابتداءاً لا يمكن التمييز بينهما وبين الأهواء المتعارضة والمصالح الأنانية المتناقضة لجماعة كانت أو لفرد أو لفئات مختلفة؛ وهذا التبدل ينعكس على نسق أساسي من المفاهيم يعززه النسق المعرفي والأيديولوجي الوضعي بحيث تعد مفاهيم يمكن تغييرها وتبديلها بلا ضابط ولا رابط. والثاني: هو عبث الأفراد وتدخلهم في عملية التأسيس بما يحقق مصالحهم الآنية والأنانية؛ فهو إذن تأسيس لا يتمتع بالثبات، كما لا يتمتع بالاستقلال. هذا في وضع الحياد، فإذا أضاف الواقع بعداً ثالثاً هو المسارات التي رسمتها القوى الغربية وقوى الجذب إليها والتي يصعب على الدول فضلاً عن المؤسسات والأفراد الخروج عنها إلا أن تحركها العقيدة وترسم لها خطها الحياتي، والواقع أن معظم الدول العربية والمسلمة بدرجة أو بأخرى تنطلق من هذا التأسيس الوضعي في حركتها وممارستها، والنتيجة هي التردي، والإخفاق الذي لحق بكل الدعاوى والمثاليات الوضعية التي رفعتها منذ أن حصلت على استقلالها السياسي وحتى اليوم [١٨] ، وهو واضح كل الوضوح في سياسات وزراء التعليم المتعاقبين؛ إذ كل واحد يأتي ليطبق ما يراه وفقاً لانتماءاته الفكرية وقناعاته الفلسفية وخبرته العملية وربما صداقاته وعلاقاته [١٩] ! وهذا ينتج عنه سمة أخرى هي: ثالثاً: التسويغ الأيديولوجي: وهو من أخطر الأمور التي يمكن أن تراها في نظام في العالم؛ لأنه يقتل الوعي؛ فإذا كانت العقيدة هي التي تؤسس للعلم والتربية في بناء المجتمع فيأتي العلم منسجماً مع ذلك كله؛ فإن العلم وفق النظرة البراجماتية هو الذي يصنع المجتمع. ومناهج التعليم في بلادنا العربية تعتمد مبدأ تبرير الأيديولوجية المسيطرة وعرضها على المتعلمين، وكأنها أيديولوجية عامة تمثل مصالح كل القوى الاجتماعية، مما يزيف وعي المتعلمين بالواقع، خاصة حين يُكتفى بالدور التبريري للأيديولوجيات الرسمية فيقوم التعليم بوظيفة إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية نظراً لطبيعة الأيديولوجية. ومن هنا يصدق القول بأن التعليم منذ عهد محمد علي وحتى اليوم إنما يقوم بخدمة الأهداف السياسية للنخب الحاكمة بعيداً عن الأهداف الحقيقية للمجتمع فضلاً عن المعاني الشرعية؛ وهي بهذا تقدم وعياً زائفاً بالحقائق التي يجب أن يعيها المسلم عن واقعه ماذا يريد منه، وماذا عليه أن يصنع فيه؟ وهذا بدوره يسلم للذي بعده. رابعاً: اتباع سياسة التلفيق: وهي سياسة اتبعها المستعمر لإفراز نوعية من البشر لا يمكن أن تفهم ما يقع إلا بعقل المعلم، وكما سبق أن أشرنا سياسة» عقل إنجليزي ويد مصرية «. وفرق بين التلقين والاعتماد على ذاكرة اللفظ كأسلوب للتعليم وسيطرة التعليم اللفظي وعدم ربط التعليم بالعمل وبالواقع وبين بناء الإسلام للمنهج التجريبي بأدواته وأساليبه والذي يبني الذاتية العلمية المؤهلة المنضبطة القادرة على النمو والارتقاء. ولا شك أن هذه السياسة سياسة سلطوية لها بصمتها الواضحة اليوم على شخصية الأجيال العربية والمسلمة. وهذه السياسة تعكس أحد أمور أو أكثر مما يلي: أولها: عجز القائمين على أمر التربية عن التطوير الذي يواكب ما ينادون به من شعارات الحداثة والتنمية والتطوير. ثانيها: أن هناك انفصاماً بين المناهج وروح المجتمع، وربما شخصيات واضعيها أيضاً، ومن ثم كان أسلوب» ابلع ما يأتي «هو الأسلوب المناسب في هذه الحال. ثالثها: وهو الأعجب: أن من مصلحة القائمين على التعليم أن يبقى الوعي عند أدنى درجاته. رابعها: أن هذه السياسات مرسومة، ودور القائمين هو: مجرد التنفيذ لسياسات ومناهج هم غير مقتنعين بها وهم غير متفاعلين معها، ومن ثم فلا يصلح غير التلقين. وأياً كانت الحقيقة؛ فإنها إدانة قوية للتعليم الحداثي الذي جر على أمتنا الويلات. خامساً: المفاهيم المختلة لأركان العملية التعليمية، وأهم ركنين هما: (الإنسان والعلم) : فالنظرة المادية للإنسان والتي تنحدر أكثر وأكثر حين يكون هذا الإنسان هو العربي أو المسلم. والتي تقيس الإنسان بشهواته ونزواته هذه النظرة هي التي تحكم عملية التعليم اليوم في بعض البلدان ويراد لها نفس الأمر في بلدان أخرى. والعلم الذي يستبعد ما وراء الحس ويحاول أن يفلسف الأمور الغيبية والشرعية فلسفة حسية مادية تفقدها روحها. فهو ضمناً يستبعد علوم الشرع من مسمى العلم؛ بينما يضم فيه الفلسفات الوضعية والنظريات الباطلة مما يتوهم أصحابها ومعتنقوها أنها مسلَّمات وهي ليست بعلم أصلاً؛ هذا العلم هو الذي تتبناه السياسات التعليمية العلمانية في غالب البلاد الإسلامية، وهو مع هذا محدود بمرحلة سِنِّية معينة. وكلا النظرتين مخالفة لنظرة المسلم؛ فالإنسان هو ركن الحضارة، والعلم هو عمادها وهو غير مناقض للإيمان الصحيح؛ لأن كلاً منهما يدل على الآخر ويحث عليه، والعلم شِقُّ الإيمان الذي يكمله شِقٌّ آخر هو العمل. سادساً: أزمة الهوية: » وهي أظهر في مناهج الدول التي طُبِّعت تعليمياً، فعلى سبيل المثال قامت إحدى الباحثات بتحليل محتوى وثيقة الاستراتيجية السابق ذكرها بالنسبة للهوية والانتماء فوجدت أن الهوية المصرية قد احتلت فيها الأولى تليها الهوية العالمية، ثم الهوية العربية، واحتلت الهوية الإسلامية المرتبة الأخيرة، وتشير إلى أن أكثر التكرارات في الهوية الإسلامية جاءت مقرونة مثل: ثقافتنا المصرية العربية الإسلامية، وأن التناول كان للقيم الإسلامية العامة وليس للإسلام بوصفه ديناً وشريعة. وفي وثيقة «مبارك والتعليم» هبط الانتماء الإسلامي للصفر، وانخفض الانتماء العربي انخفاضاً ملحوظاً لصالح تأكيد الانتماء المصري. واستخلصت الباحثة من تحليلها أن طبيعة «الشخصية» التي يراد من التعليم الإسهام في صياغتها كانت واضحة في «استراتيجية تطوير التعليم» ولم تكن واضحة في كتاب «مبارك والتعليم» حيث زاد التركيز على الانتماء المصري، وتراجعت كل من الهوية العربية، والهوية الإسلامية بصورة تثير القلق! [٢٠] . وتشير إحدى الدراسات أن مناهج التاريخ في المرحلة الابتدائية تؤكد على فرعونية مصر بنسبة ٥٤%، وعلى الانتماء القومي المصري بنسبة ٣٠%؛ بينما لا يشغل الانتماء العربي سوى ١٦% من المحتوى، وأن الكتب المصرية تؤكد على فكرة الوطنية المصرية بوصفها شيئاً مستقلاً عن القومية العربية والقومية الإسلامية. وفي دراسة أخرى لمناهج المرحلة الثانوية يبلغ التركيز على الهوية القطرية ٤٥% بينما تحظى الهوية العربية بالمرتبة الثانية (٢٧.٨ %) . أما الهوية الإسلامية فتتراجع إلى المرتبة الخامسة (٤.٨ %) وتلاحظ إحدى الدراسات حول عروبة التعليم المصري [وفقاً لمنظور الباحث] من عام ١٩٥٢م إلى١٩٨١م مدى تذبذب مكونات الهوية بالعامل السياسي الرسمي [٢١] . وهكذا تحولت الهوية الأصلية للشعب إلى سلسة من عمليات التغييب والتشويه والتزييف: حيناً بإعادة صياغة العقول عبر التعليم والإعلام، وحيناً بأدوات القهر والعنف حتى تلازمت العلمانية والدكتاتورية في مجتمعاتنا. سابعاً: فساد المناهج والمقررات: أول ما يطالعنا في ذلك هو مادة (الدين) التي تعد ثانوية كما يريد العلمانيون أن يُفهِموا النشء أن الدين شأن ثانوي في الحياة؛ وهي مع هذا مادة جامدة لا ترى الدين إلا أماني لا تحفظ ماءً ولا تنبت كلأً، وهي في فلسفتها خاضعة للمفهوم العلماني للدين الذي يفصله عن العلم، والمجتمع، والحياة؛ وهذه المادة يُخطَّط لاستبدالها بمادة الأخلاق وهي لا شك خاضعة لكل النظريات اليهودية من روسو إلى دارون إلى دوركايم وفرويد وسارتر، بل وأينشتين أيضاً. - أما التاريخ فتم حذف كل ما يشير إلى الجهاد أو إلى عداء اليهود من أحاديث أو آيات أو وقائع وكذلك الحروب الصليبية، وتم تقليص مساحات السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي لصالح التاريخ الفرعوني والأوروبي الحديث؛ والظاهر أن المراد في كل مرة هو الإسلام. - وبلغت العلمنة حدها حين استخرجت من كتب القراءة والنصوص كل ما يرمز إلى سمت الإسلام وسلوكه. - ومن ذلك التشويه المتعمد للشخصية الإسلامية سواء على المستوى التاريخي أو على مستوى المقارنة من خلال الرسم والتصوير الإيضاحي أو حتى على مستوى العمران، وقد بذلت عناية فائقة في هذا المجال. - أما كتب المنطق والفلسفة فقد ذكرت أقوال الفرق كلها دون أدنى توجيه أو تعليق. - وفي كتب اللغة العربية شوهت اللغة بمحاولة تسطيحها وإقحام التجارب الحداثية فيها دون معنى، وحذف النصوص ذات القيم الجمالية، والدلالية العالية. - أما في الكتب الأجنبية فحدِّث ولا حرج عن الصور العارية والمشاهد الجنسية الفاضحة، والحوارات الساخنة، كما أنها لم تَخْلُ من إقحام لفقرات تنصيرية. - وحين يُستبعَد من القيام بعملية التدريس كل من له سمت إسلامي أو ولاء ظاهر للإسلام من أجل أن يقطع طريق العودة إلى الإسلام من كل سبيل وفق سياسة تجفيف الينابيع. - والمراد من وراء ذلك كله كما يقول الدكتور إبراهيم البحراوي رئيس وحدة الأبحاث الإسرائيلية بجامعة عين شمس بالقاهرة: هو تجريد المجتمع المصري من إرادة الصراع، وإيقافه بعيداً عن حالة اليقظة والاستعداد ليكون في وضع الفريسة [٢٢] . - كانت هذه بعض السمات الظاهرة والغالبة على التعليم العلماني عموماً وفي الدول التي قطعت شوطاً كبيراً في العلمنة على وجه الخصوص، وما لم نذكره من سمات لا يقل أهمية وخطراً عما ذكرناه، ولكن ضيق المقام حال دون الاستطراد في هذا الباب، لكن بقي أن نشير إلى أن مدرسة المشاغبين التي عرضت في منتصف السبعينيات لم تكن يومها سوى تبشير بسياسات تعليمية علمانية، وهي مع هذا عادت لتطل علينا مرة أخرى مستفيدة مما استجد من تقنيات ومبتكرات فكرية ومادية؛ لكنها هذه المرة أطلت علينا من المدرسة والجامعة إلى جانب المسرح والتلفاز، وأبطالها وهم غير أبطال صاروا أكثر عدداً وأكثر تصريحاً وأعلى صوتاً، وفي كل مكان لن تعدم مشهداً أو مشاهد من تلك المسرحية.

стр. 3870

ملفات العلمانية في العالم الإسلامي.. تساقط الأوراق (٣ - ٣) موجز الأنباء العلمانية قضية فلسطين بين الإسلام والممارسة السياسية العلمانية (١ - ٢) خالد محمد حامد لن نتحدث عن نشرة أنبائهم السياسية؛ فالبث السياسي العلماني بث واسع الطيف متعدد الموجات، وأنّى للاقط واحد أو معالج أحادي أن يستقبل كل نضالهم الثوري وكفاحهم التقدمي، ثم رؤيتهم الثاقبة وواقعيتهم الحكيمة وحنكتهم الراسخة، في السياسة الداخلية والخارجية؟ ولكننا هنا نتعرض فقط بشيء من الإيجاز لجهودهم المعلنة والخافية في القضية التي زعموا أنها قضيتهم المركزية، والتي بالانشغال بها تذرعوا بهدم معظم مقومات الدولة والقضاء على بنية الإنسان العربي، ثم أسندوا إخفاقهم في جميع القضايا (غير المركزية) إلى انشغالهم بقضية العرب المقدسة! ولكن منذ متى كانت فلسطين مقدسة عند العرب؟ النبأ الأول: فلسطين بين العروبة والإسلام: لم تكن فلسطين تحتل مكانة مرموقة في حس العربي الجاهلي قبل الإسلام، وفي معظم الأحوال كان ينظر هذا العربي إلى الشام وضمنها فلسطين على أنها لا تزيد عن كونها إحدى مناطق الاستقرار والنشاط الاقتصادي التي كان يرتبط بها في رحلاته التجارية الموسمية. ومع بعثة النبي الأمي محمد ﷺ نشأت مكانة مميزة في عقل وقلب العربي المسلم للشام عموماً ولفلسطين خصوصاً ولمدينة القدس بوجه أخص؛ وذلك من خلال إشارات قولية وعملية عديدة، تبدأ منذ ولادته ﷺ عندما رأت أمه قصور الشام عند ولادته ﷺ ، ثم بعد بعثه صلى الله عليه وسلم بالنبوة كانت حادثة الإسراء إلى بيت المقدس والمعراج منه، وإمامة النبي ﷺ الأنبياء في الصلاة فيه إحدى أكبر المعالم الواضحة في أهمية هذه البلاد، ثم كان بيت المقدس قبلة المسلمين الأولى إلى الصلاة التي هي عماد دين المسلمين. ثم تتوالى الإشارات التوجيهية لفضل هذه البقعة، وأهمية هذا الموطن: فالمسجد الأقصى أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، والصلاة فيه تعدل ٢٥٠ صلاة في غيره من المساجد عدا المسجد الحرام والمسجد النبوي، وقد بشر الرسول ﷺ بفتح الشام وبيت المقدس أكثر من مرة، ودعا ﷺ للشام وأهلها ونصح بسكنها، وفي فضل الشام والمسجد الأقصى، وما حوله وردت آيات قرآنية، وأحاديث نبوية عديدة [١] . ثم كان التحرك العملي لـ (تحرير) هذا الموطن الغالي من ربقة الشرك والكفر بإنفاذ البعوث والسرايا العسكرية على عهد الرسول ﷺ ، حتى فتح بيت المقدس وفلسطين في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واستدعى هذا الفتح دون غيره أن يذهب الخليفة بنفسه ليتسلم مفاتيح المدينة المقدسة، ويستلم معها أمانة محافظة المسلمين عليها. إذن: فقد عرف العرب أهمية هذا الوطن بالإسلام، وبالإسلام وحده وليس بالعروبة كانت قضية فلسطين قضية (مقدسة) ، عرف هذا المعنى صلاح الدين الأيوبي عندما حررها مرة أخرى من براثن الصليبيين، ولم يكن صلاح الدين عربياً، بل كان كردياً، وعرف هذا المعنى العثمانيون الأتراك عندما حافظوا على الأمانة واستماتوا في الدفاع عنها حتى دفع السلطان عبد الحميد الثاني عرشه ثمناً لتمسكه بها وعدم التفريط فيها. النبأ الثاني: فلسطين قبل النفق العلماني: وإليك طرفاً من مقاومة هذا السلطان للضغوط والإغراءات التي مورست عليه من أجل (بيع) فلسطين، ورفضه ذلك رفضاً قاطعاً رغم ضعف دولته والمؤامرات والدسائس التي كانت تحاك ضده في داخل الدولة وخارجها؛ حيث اختار اليهود فترة عصيبة من فترات اضمحلال الدولة العثمانية، حين لم يعد لهذه الدولة أي ثقل سياسي معتبر أو قوة عسكرية مهابة. فمنذ أن بدأ المشروع الصهيوني بالاستيطان في فلسطين يأخذ خطوات عملية: سعى اليهود إلى إيجاد موطئ قدم لهم هناك بطريقين متوازيين: الأول: العمل على تهجير اليهود من شتى أصقاع العالم إلى فلسطين مع ما استلزم ذلك فيما بعد من محاولة تفريغ فلسطين من أهلها، الثاني: شراء الأراضي في فلسطين ليكون لهم قواعد ثابتة يتحركون منها لإتمام مشروعهم، وقد كانت القدس دوماً أحد المراكز المستهدفة بإلحاح في هذا السعي، فكانت الدولة العثمانية وخاصة في عهد السلطان عبد الحميد متيقظة لهذه المساعي [٢] . يقسم الباحثون موجات الهجرة الصهيونية إلى فلسطين فيما بين عامي ١٨٨٢م و١٩٤٤م إلى خمس موجات، ويستفاد من إحصاء جرى للسكان عام ١٨٣٩م أن عددهم في فلسطين كان بين ٦٠٠٠ و ٦٥٠٠ نسمة، نصفهم في القدس، في حين بلغ عدد العرب وقتها حوالي ثلاثة ملايين نسمة، أي أن نسبة اليهود إلى العرب كانت تدور حول ٢%، وارتفع عدد اليهود في السنة التي تليها ليصل إلى ١٠٥٠٠ نسمة. وإزاء النشاط الصهيوني أصدرت الدولة العثمانية منذ سنة ١٨٥٥م قانوناً يمنع الأجانب من الاحتفاظ بالأرضي في فلسطين أو شرائها، وطوال أربعين عاماً (١٨٤٠-١٨٨٠م) وصل عدد المستوطنين اليهود بفلسطين إلى حوالي ٢٥٠٠٠ نسمة، يعيش أكثر من نصفهم في القدس، ثم بدأت أولى موجات الهجرة اليهودية الواسعة من روسيا وبلدان أوروبا الشرقية، وقد تزامنت هذه الموجة التي بدأت عام ١٨٨٢م مع تحرك دولي للضغط على السلطان عبد الحميد للسماح بهجرة اليهود إلى فلسطين؛ فماذا كان موقفه؟ : أخفقت مساعي السفير الأمريكي وزملائه تماماً في هذا الخصوص، ثم أبلغ السلطان المبعوث اليهودي أوليفانت أن باستطاعة اليهود العيش بسلام في أي بقعة من أراضي الدولة العثمانية إلا فلسطين، ثم أرسل في يونيو ١٨٨٢ م رسالة إلى متصرف القدس يطلب فيها منع اليهود الروس والبلغار والرومان من الدخول إلى القدس، كما صدر قرار لمجلس الوكلاء العثماني يقضي بمنع اليهود الروس بصفة خاصة من استيطان فلسطين. وبعد ضغوط أوروبية صدرت في العام نفسه قوانين لا تسمح لليهود بدخول فلسطين إلا في حالة الحج والزيارة المقدسة، ولمدة ثلاثة شهور، كما صدرت في العام نفسه قوانين جديدة نصت على ضرورة حمل اليهود الأجانب جوازات سفر توضح ديانتهم اليهودية كي تمنحهم سلطات الميناء تصريحاً لهذه الزيارة المحددة المدة والهدف. ونظراً لتفشي الفساد في الجهاز الإداري التركي الذي كان يمثل ثغرة تنفذ منها موجات الاستيطان اليهودية، ونظراً للجهود الصهيونية والدولية المستمرة والمركزة للضغط في هذا الاتجاه آنذاك.. اتخذ السلطان عبد الحميد إجراءات حماية أكثر تشدداً للمحافظة على تلك البلاد، فجعل القدس عام ١٨٨٧م سَنْجَقاً [٣] مستقلاً عن ولاية دمشق، ومتصرفية لها اتصال مباشر بالباب العالي، وعززت الدولة قوة الشرطة في ميناء يافا، واستبعدت العناصر الفاسدة من بينها، كما وسعت مساحة الأراضي التي تسري عليها أوامر الحظر لتشمل أيضاً منطقة الجليل في شمال فلسطين بالإضافة إلى منطقة القدس، ثم أصدرت الدولة العثمانية في العام نفسه أوامر جديدة تقصر مدة المكوث لهذا الغرض إلى ٣١ يوماً بدل ثلاثة أشهر، وقد حدَّت هذه الإجراءات بالفعل من هجرة اليهود، وأدت إلى فرض حظر شبه كامل وفعال على هذه الهجرة، ثم قام سفراء أمريكا وبريطانيا وفرنسا بالضغط على الحكومة التركية، فتم لهم عام ١٨٨٩م إلغاء القرارات الأخيرة والعودة إلى السماح بأشهر ثلاثة. وفي سنة ١٨٩٢م صدر قانون يحرم بيع أراضي الحكومة في فلسطين إلى جميع اليهود، بما فيهم رعايا الدولة العثمانية اليهود، ويمنع أيضاً رعايا الدولة من بيع الأراضي لليهود، ولكن بريطانيا تدخلت أيضاً فاستطاعت التقليل من فاعلية هذه القرارات بطرق مختلفة تحت مظلة اتفاقيات الامتيازات والمعاهدات الدولية، أما عدد اليهود في هذه السنة فقد أصبح ٤٠ ألفاً. وحتى عام ١٨٩٧م (عام انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول) لم تفلح الجهود الصهيونية والضغوط الدولية في رفع عدد اليهود في فلسطين إلا إلى عدد يتراوح بين ٥٠٠٠٠ و ٦٠٠٠٠ يهودي، ولم يكن هذا العدد كفيلاً بتغيير التركيبة السكانية في فلسطين بما يحقق أهداف المشروع الصهيوني، كما أن مساحة الأراضي التي استطاعوا الاستيلاء عليها كانت ضئيلة للغاية. وإزاء ذلك، ولمعرفة اليهود بأن السلطان عبد الحميد هو أكبر عقبة في سبيل هذا المشروع بدأ الصهاينة يتوجهون بجهودهم لمحاولة التأثير عليه، عسى أن يُليِّن مواقفه، ومن ثم عاود هرتزل سعيه الذي كان بدأه عام ١٨٩٦م، فقرر السفر مرة أخرى إلى إستانبول للاجتماع بالسلطان عام ١٩٠١م فقابله ثلاث مرات، عرض فيها مشروعاً صهيونياً بتوطين اليهود في فلسطين ومنحهم حكماً ذاتياً مقابل مساعدات مالية للدولة العثمانية تقضي بسداد ديونها وإصلاح اقتصادها، وتمخضت الاجتماعات عن رفض السلطان إعطاء فلسطين لليهود، إلا أنه وافق على هجرة اليهود إلى آسيا الصغرى والعراق لقاء دفع الديون المترتبة على الدولة، وهو عرض يدل على مدى حاجة الدولة العثمانية إلى الأموال لتحسين أوضاعها، ويدل في الوقت نفسه على أن رفض السلطان توطين اليهود في فلسطين كان لمكانتها الإسلامية والتاريخية والسياسية عنده. وبعدما حاول هرتزل عن طريق وسيط (رشوة) السلطان، أراد السلطان حسم الموقف بشكل نهائي وقطعي في موقف آخر يدل على ما ذكرناه من دوافع في محافظته على فلسطين، فقال للصدر الأعظم [رئيس الوزراء] : «انصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع، إني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض؛ فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية التي جاهدت في سبيلها وروتها بدمائها، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يوماً فإنهم يستطيعون أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن. أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون عليَّ من أن أرى أرض فلسطين قد بترت من الدولة الإسلامية، وهذا أمر لا يكون. إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة» ، وهذا الرد يدل أيضاً على الدوافع الإسلامية للسلطان عبد الحميد والدولة العثمانية في الحفاظ على فلسطين. وبعد كل تلك الجهود الصهيونية والضغوط الدولية لم يزد مجموع من هاجر خلال سنوات الموجة الأولى الكبرى لهجرة اليهود (١٨٨٢م ١٩٠٣م) على عدد يتراوح بين ٢٠ ٣٠ ألف مهاجر لا أكثر، وذلك بعد جهود مضنية وضغوط وإغراءات عرضنا بعضها، وعندئذ انقطع أمل اليهود في الالتفاف حول هذه الصخرة، فعزموا على تنفيذ أمر قد قرروه وأسروه من قبل: تحطيم هذه الصخرة. وبالفعل رَكِبَ اليهود جمعية الاتحاد والترقي العلمانية ذات العلاقات الماسونية واليهودية، واستطاعت هذه الجمعية في النهاية خلع السطان عبد الحميد، والإمساك بزمام الأمور في الدولة خاصة بعد إلغاء الخلافة على يد أتاتورك عام ١٩٢٤م. لقد ناهض السلطان ما بوسعه الاستيطان اليهودي في فلسطين وقاومه باستمرار في حدود قدرات دولة آخذة في الاضمحلال تواجهها قوى أوروبية كبرى توافقت مصالحها مع مصالح الصهيونية، وهو وإن لم يستطع إيقاف هذا الاستيطان تماماً، إلا أنه لم يتنازل عن مبادئه قط، ولم يعط شرعية أو إذناً لهذا الاستيطان. وبوصول جمعية الاتحاد والترقي المنبثقة عن (تركيا الفتاة) إلى سدة الحكم إثر انقلاب عام ١٩٠٨م، وخلع السلطان عبد الحميد الثاني عام ١٩٠٩م خلعت قضية فلسطين الرداء السياسي الإسلامي، وفقدت آخر سند إسلامي رسمي وقتها، ودخلت بذلك هذه القضية النفق العلماني، لتكون في عهدة نظم ومنظمات جديدة لا تصطبغ بالصبغة (القديمة) ، بل تدعي لنفسها (التقدمية) . النبأ الثالث: فلسطين في عهدة العلمانية: بخروج فلسطين من المظلة السياسية الإسلامية عادت مرة أخرى كما كانت في سالف عهدها في الجاهلية: طريقاً إلى منافع مادية، أي إنها خرجت من إطار المبادئ إلى إطار المصالح، وهذه الأخيرة يمكن التفاوض والمساومة عليها، ولا مانع من إعادة تقييمها ومقايضتها إن لزم الأمر، بل لا مانع من التنازل عن بعضها أو استبدال غيرها بها. لم يخف اليهود غبطتهم لانقلاب الاتحاديين على السلطان عبد الحميد (مضطهد إسرائيل) على حد تعبير بعض الصحف اليهودية التركية، وقد جنوا سريعاً ثمرات خروج فلسطين من المظلة الإسلامية ودخولها نفق العلمانية، فكان من الثمرات البادية للجميع: ارتفاع وتيرة الهجرة اليهودية إلى فلسطين وارتفاع نسبة الأراضي التي استولوا عليها، فعقب الانقلاب المشار إليه نقل الاتحاديون الموظفين الأتراك المعارضين للهجرة اليهودية من فلسطين إلى أماكن أخرى، ونظرت جمعية الاتحاد والترقي بعطف أكثر إلى الصهيونيين كمصدر للحصول على العون المالي للخزانة التركية المفلسة، وعليه وعلى الرغم من الاعتراضات العربية الشديدة: خففت القيود المفروضة على الهجرة وشراء الأراضي في وجه اليهود في العام ١٩١٣م، فأصدر الاتحاديون بعد نجاح انقلابهم تشريعاً يقضي ببيع جميع الأراضي السلطانية في الدولة بما فيها فلسطين بالمزاد العلني، ولولا يقظة عرب فلسطين، واندلاع الحرب العالمية الأولى، لضاعت فلسطين كلها منذ ذلك التاريخ [٤] . وهكذا ارتفعت نسبة اليهود إلى العرب في فلسطين إلى ٩.٧ % في سنة ١٩١٤م، لتستمر في الارتفاع في ظل النظم والمنظمات العلمانية لتصل مقارنة بعرب فلسطين إلى ٣٥.١ % قبيل سنة ١٩٤٨م، وفي حين أن مجموع ما كان يحوزه اليهود من أراضي فلسطين قبل سنة ١٩١٤م لا يتجاوز ١.٥ %، ارتفعت هذه النسبة لتصبح ٧% قبيل سنة ١٩٤٨م، وبينما كان مجموع عدد المستوطنات على عهد السلطان عبد الحميد عام ١٩٠٧م لا يتجاوز ٢٧ مستوطنة في فلسطين كلها، ارتفع هذا العدد ليبلغ ٤٧ مستوطنة عام ١٩١٤م، ثم ٧١ مستوطنة عام ١٩٢٢م، وفي عام ١٩٤٤م قفز العدد إلى ٢٥٩ مستوطنة، ليصل إلى ٢٧٧ مستوطنة قبيل إعلان دولة إسرائيل عام ١٩٤٨م [٥] . ولا شك أن هناك عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية محلية ودولية متعددة ساهمت في ارتفاع وتيرة الهجرة والاستيطان اليهوديين في فلسطين، ولكننا في الوقت نفسه لا نستطيع إغفال (أخطاء) النظم والمنظمات العلمانية العربية التي ساهمت في هذه النتيجة، وعندما نقول (أخطاء) فإننا نصف محصلة الأفعال، أما أسباب هذه المحصلة فإنها تبدأ من الجهل والسذاجة وعدم الوعي، ولا تستثنى منها الخيانة والتآمر والعمالة. ومن هذه الأخطاء: ما ظهر مبكراً من ضعف الوعي السياسي لأهمية قضية فلسطين لدى النخبة العربية على المستوى الرسمي رغم ظهور كل هذه المؤشرات على الخطر الصهيوني، ومن أمثلة ذلك الضعف: أنه «عندما عقد المؤتمر العربي الأول في باريس عام ١٩١٣م، وردت إلى المؤتمرين عشرات رسائل التأييد للمؤتمر والتنديد بالخطر الصهيوني، وقد دعا مرسلوها إلى اتخاذ موقف حازم من الهجرة اليهودية، ومن مجموع ٣٨٧ رسالة وردت إلى المؤتمر كان من بينها ١٣٩ رسالة وردت من فلسطين، ومع ذلك: تجاهل المؤتمر الخطر الصهيوني؛ مما أثار حفيظة عرب فلسطين..» [٦] . ومن أمثلة ذلك أيضاً: ما ادعته بريطانيا عقب إعلان بلفور سنة ١٩١٧م من أن مراسلات حسين / مكماهون سنة ١٩١٥م ١٩١٦م قبل الثورة العربية ضد الدولة العثمانية.. تضمنت موافقة الشريف حسين بن علي الضمنية على استثناء فلسطين من المنطقة المتفق على إقامة دولة عربية عليها [٧] . لم يكن هذا هو الخطأ الوحيد لتلك النخب، ولكن قبل أن نضع أيدينا على بقية الأخطاء التي استمرت حتى اليوم يحسن بنا أن نعرض لمعالم السياسة الصهيونية في الصراع على فلسطين: يمكن القول: إن أهم معالم السياسة الصهيونية في الصراع على فلسطين تتلخص في الآتي: ١ - إخراج الإسلام من دائرة الصراع. ٢ - إيجاد قواعد أرضية للانطلاق منها في إيجاد واقع الكيان على أرض الواقع، ثم الانطلاق من هذه القواعد نحو التوسع والتغلغل. ٣ - هجرة أكبر عدد ممكن من اليهود إلى فلسطين (ملء المجال الحيوي) . ٤ - تهجير عرب فلسطين خارجها (تفريغ المجال الحيوي) ، عن طريق: أ - طردهم من أراضيهم بالقوة المسلحة. ب - إرهابهم بالمذابح والحرب النفسية والدعائية. ج - تضييق منافذ العمل في وجوه العرب داخل فلسطين، مع تهيئة مواطن بديلة لاستقبالهم، والعمل على فتح مجالات العمل والاستقرار أمامهم في هذه المواطن. ٥- تفتيت التكتل المعادي (الإسلامي/ العربي) بتعدد محاور تجمعه، وإثارة نزاعات داخلية بينه، وإقامة دويلات طائفية مسالمة حول الكيان الصهيوني. وفي المدى البعيد: ٦ - العمل على ربط المصالح الغربية الاستراتيجية في المنطقة بالمصالح الصهيونية. ٧ - إقامة دولة عصرية يمكنها الاعتماد على نفسها فيما بعد. ٨ - الاستقرار والأمن، بالانتقال إلى السلام والشراكة مع الدول المحيطة عن طريق المعاهدات والأحلاف خاصة مع دول الجوار. ٩ - غزو دول المنطقة بالتغلغل السلمي، وقيادتها نحو منظومة إقليمية جديدة [٨] . النبأ الرابع: آثار دخول فلسطين النفق العلماني: نعود إلى السؤال: ما الذي طرأ على قضية فلسطين بدخول العلمانية إلى حلبة الصراع بديلاً عن الإسلام في الفكر والممارسة الواقعية؟ . إن المتأمل في المخطط الصهيوني السابق ذكره يدرك أن العلمانية كانت مفتاح تحقيق هذا المخطط، وإذا كان سقوط الدولة العثمانية باعتبارها دولة خلافة إسلامية أدى بشكل شبه تلقائي إلى تحقيق النقطة الأولى والخامسة من المخطط.. فإن التجربة العلمانية السياسية التي عملوا على إغراق بلادنا فيها عملت على ترسيخ هذه المكاسب الصهيونية مع تحقيق النقاط الأخرى من المخطط الصهيوني، ليس فقط في الواقع السياسي، ولكن أيضاً في أفكار الشعوب وسلوكياتهم، وذلك من خلال: أولاً: الافتقار إلى البعد الرسالي للقضية بتنحية الإسلام من الصراع: فالصراع في قضية فلسطين صراع حضاري تصادمي في أساسه، والإسلام في هذا الإطار هو القادر على المواجهة وهو المستهدف فيها.. هذا ما يدركه الصهاينة ويتجاهله العلمانيون، في الوقت الذي يضعون أنفسهم في الخندق المعادي للرؤية الإسلامية. ف (إسرائيل) لم تكن فقط مجموعة من البشر سكنت مساحة من الأرض، ولكنها قامت في الأساس على رؤية (حضارية) ، فحاييم وايزمان أول رئيس للدولة الصهيونية يعلن في المؤتمر الصهيوني السابع قبل أكثر من أربعين سنة من إعلان دولتهم أن « ... اجتذاب أنظار العالم إلى قضيتنا يستمد مفعوله وتأثيره من الهجرة والاستعمار والثقافة ... » [٩] ، أما إعلان الدولة العبرية فقد تصدَّر بما يلي: «أرض إسرائيل هي مهد الشعب اليهودي، هنا تكونت شخصيته الروحية والدينية والسياسية، وهنا أقام دولة للمرة الأولى، وخلق قيماً حضارية ذات مغزى قومي وإنساني جامع، وفيها أعطى للعالم كتاب الكتب الخالد» ! ويقول أول رئيس وزراء في الدولة الصهيونية ديفيد بن جوريون: «علينا أن نشكل شخصية دولة إسرائيل وإعدادها للاضطلاع برسالتها التاريخية المثلثة: جمع الجوالي، بناء الإنسان، حياة الحرية والمساواة والعدالة» [١٠] . ولذلك عرف الصهاينة أن عدوهم الحقيقي الذي يتصادم مع (رسالتهم التاريخية) هذه في المنطقة هو الإسلام، والإسلام الحقيقي وحده، يقول بن جوريون: «نحن لا نخشى الثوريات ولا الديمقراطيات ولا الاشتراكيات في هذه المنطقة! ، نحن نخشى الإسلام فقط، هذا العملاق الذي طال نومه، ثم بدأ يتململ من جديد» [١١] ، فالعلمانية بأطيافها المتعددة لا تخيف قادة الصهاينة، ولكنه الإسلام فقط، لذا: عملوا جاهدين على محاربته وإخراجه من دائرة الصراع، وهو ما قامت به العلمانية. فإذا كان هذا هو موقف العدو (الرسالي) تجاه نفسه وتجاه خصمه (الحضاري) ، فما هو موقف العلمانيين من أبناء جلدتنا؟ ! : من المعروف أن العلمانية اتجاه فكري حياتي نشأ في الغرب، ثم انتقل بألوانه المتغايرة وتطبيقاته المتعددة إلى بلادنا عن طريق نخب متغربة صريحة أو مستترة، لذا: فإن هذه النخب عندما تخلت عن المذهبية الإسلامية لم تجد نفسها في وضع تناقضي مع (الحضارة الغربية) التي تعد (إسرائيل) ممثلتها في الشرق، وعليه: يصعب على هذه النخب الدخول في صراع تصادمي حقيقي (أساسه المبادئ وليس المصالح) مع هذه الدولة، وتبقى بعد ذلك مسألة (أرض) فلسطين وبعض الخلافات والنزاعات الثانوية الأخرى التي يمكن النظر فيها والتفاوض عليها برعاية آباء هذه الحضارة التي تظلهم وتظل (خصومهم) الصهاينة، لذلك: فمن الممكن عند العلمانيين الوقوف على أرضية مشتركة بينهم وبين دولة (إسرائيل) التي ولدت بشرعية دولية يحترمها جميع العلمانيين، ومن الممكن أيضاً: إيجاد أنصاف (أو أخماس) حلول والالتقاء في منتصف الطريق مع هذه الدولة. والسبب الرئيسي في ذلك: أن العلمانية السياسية قامت في بلادنا على نفي مفهوم الولاء والبراء الإسلامي واستبعاد توجيهات الشريعة الإسلامية من دائرة صنع القرار، واستبدلت بهما إطار القومية العربية أو الوطنية الإقليمية، مع الدخول في لعبة الشرعية الدولية ومنظومتها، وليس بجديد أن نقول إن القومية العربية والقومية التركية والقومية اليهودية (الصهيونية) خرجت جميعها (فكرياً وعملياً) من معين واحد، أساسه فكرة الدولة القومية التي نشأت في الغرب. فحلول العلمانية السياسية محل الإسلام في الصراع على قضية فلسطين كان أكبر عامل خدم الصهيونية، عندما لم تجد أمامها طرفاً آخر مبايناً ومواجهاً لها. ثانياً: الافتقار إلى العداوة المبدئية وإرادة القتال: ولكن ما هو البعد العملي الذي ترتب على دخول العلمانية السياسية ممثلة في القومية العربية أو الوطنية الإقليمية حلبة الصراع في فلسطين بديلاً عن الإسلام؟ طرأ بانتقال قضية فلسطين إلى الريادة العلمانية: إزالة الحاجز العقدي المتمثل في الولاء والبراء، ذلك الحاجز الذي كان قائماً بين المسلمين والصهاينة عندما كان الإسلام هو موجه المشاعر، وعليه: لم يصبح اليهود الصهاينة أعداء من منطلق عقدي ديني، ولم يصبحوا مغتصبين لبقعة تمثل جزءاً مهماً ومميزاً في البناء المعنوي للمسلمين، بل أصبحوا خصوماً (أو أعداءً) مغتصبين مثلهم مثل أي دولة إقليمية حتى ولو إسلامية أو عربية يمكن أن يكونوا اليوم معهم في حالة عداء (على المرعى والماء) كما يمكن أن تزول غداً هذه العداوة. وهذا البعد المستجد يتضح جليّاً في تلون العلمانيين وتبدل مواقفهم وسقوط ثوابتهم، بل لقد صرح بعضهم بسقوط هذه العداوة بلا مواربة، فلقد صرح أحد القادة العرب المشاركين في القضية بسقوط هذا الحاجز أثناء محادثات بينه وبين اليهود في شهر ١/١٩٤٩م استهلها قائلاً: «يقال إننا أعداء، يشهد الله أننا لسنا أعداء!» [١٢] . وكلما ازدادت العلمانية بعداً عن الإسلام وتطرفت مشرقة أو مغربة كلما ازدادت فرصة تفاهمها والتقائها وتعايشها مع (إسرائيل) المجتمع والدولة؛ فلقد كانت تركيا (الأتاتوركية) وإيران (الشاهانية) أكبر مثال على ذلك، فهما أول دولتين في العالم الإسلامي تعترفان بدولة (إسرائيل) ، كان ذلك في ١٧/٣/١٩٥٠م، ومعلوم مدى التطرف العلماني (ذي التوجه الغربي الليبرالي) الذي كانت تعيشه هاتان الدولتان، وغير خافٍ تعاون شاه إيران السابق مع (إسرائيل) ومدها بالبترول أثناء حرب ١٩٧٣م، وغير خافٍ أيضاً التعاون المستمر حتى الآن عسكرياً واقتصادياًّ وسياسياًّ بين تركيا وإسرائيل. وعلى جانب آخر: وقفت قوى العلمانية المرتبطة بشرق أوروبا (أيام الشيوعية والاشتراكية) موقفاً مخزياً من قضية فلسطين في وقت مبكر، «فقد انتقدوا (التدخل) العربي في حرب عام ١٩٤٨م، وطالبوا بسحب الجيوش العربية (الغازية) ، واعتبروا الحرب مؤامرة استعمارية رجعية تهدف إلى منع قيام دولة يهودية، وطالبوا بإتاحة الفرصة للشعب اليهودي ليقيم دولته القومية في فلسطين، ولم يقتصروا على هذا، بل سيروا التظاهرات في العواصم العربية مطالبين بإقامة دولة يهودية!» [١٣] . وبواكير دعاوي الصلح مع الدولة الصهيونية ظهرت وما زالت على أيدي (الرفاق) الشيوعيين واليساريين الذين تجمعهم مع (رفاقهم) الشيوعيين اليهود وحدة الفكر والانتساب إلى الأممية الشيوعية «حيث بدأ مسلسل مساعي الحوار (العربي الإسرائيلي) منذ عام ١٩٦٥م حينما وجه المحامي المصري اليساري يوسف حلمي بالاشتراك مع الزعيم الشيوعي اليهودي المصري هنري كوريال رسالتين لكل من جمال عبد الناصر وبن جوريون يدعونهما فيهما باسم (الحركة الديمقراطية) و (حركة السلام المصرية) لعقد مؤتمر للسلام بمشاركة الدول العربية و (إسرائيل) ودول عدم الانحياز والدول الكبرى، ولكن العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦م أجهض تلك المحاولة ... وبعد عدوان ١٩٦٧م التقى النقيب السابق بالجيش المصري (أحمد حمروش) رفيق كوريال في الحزب الشيوعي المصري وعضو (الحركة الديمقراطية) و (حركة الضباط الأحرار) مع كوريال وأريك رولو في باريس، حيث رتبوا اللقاء بين جمال عبد الناصر وناحوم جولدمان رئيس (المؤتمر اليهودي العالمي) [١٤] ، وقد أجهضت المحاولة بوفاة عبد الناصر عام ١٩٧٠م» [١٥] . ولا يستغرب أي عارف بحقيقة الشيوعية هذه المواقف من معتنقيها؛ فالأممية الشيوعية تتناقض مع غيرها من الأمميات وعلى رأسها الأممية الإسلامية، بينما تتساوى عندها القوميات المختلفة عربية، أو يهودية (الصهيونية) ، ويمكن أن تتعايش معها بحظوظ مختلفة بحسب اقتراب هذه القوميات من مبادئها وتحقيقها لمصالحها، كما أن الشيوعيين العرب يعدون إخوانهم الشيوعيين اليهود في (إسرائيل) (رفاقهم) في الشيوعية. ولم يقف التلاقي والتعايش مع الصهاينة عند حد اليساريين العرب، بل تعداه أيضاً إلى اليساريين الفلسطينيين أنفسهم، فنايف حواتمة أمين عام الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين يطالب في حديث صحفي بتأسيس برنامج جديد لتصحيح الحالة الفلسطينية «باستراتيجية نضالية (!) بكل ما هو ممكن، واستراتيجية تفاوضية في إطار قرارات الشرعية الدولية» [١٦] ، وهي القرارات التي سنعرض لها لاحقاً إن شاء الله تعالى، وهذا الموقف نفسه تقريباً هو موقف جورج حبش والجبهة الشعبية. وغير خاف مدى ضلوع اليساريين والشيوعيين السابقين في جهود التطبيع والدعوة إلى التعايش مع الدولة الصهيونية، ومن ذلك: إعلان تحالف كوبنهاجن عام ١٩٩٧م وتأسيس (جمعية القاهرة للسلام) في العام الذي يليه، بدعم أوروبي وأمريكي. وهذه الجهود والمساعي إلى التعايش والسلام من قبل هؤلاء تجاه الدولة الصهيونية نراها منطقية في ضوء ما ذكرناه سابقاً عن منطلق العلمانيين وتوجهاتهم؛ فبعد سقوط العداء المبدئي بين العلمانيين والكيان الصهيوني نتيجة تنحية الإسلام عن ساحة الصراع: افتقد العلمانيون إرادة المواجهة والقتال تبعاً لذلك، وتوجهوا إلى شرعيتهم الدولية يسألونها (حقوقهم المشروعة) ويرضون بالفتات الذي يلقى إليهم في ظل الاستعداد للتعايش مع كيان لا يرونه مناقضاً لهم حتى ولو اختلفوا معه، أو رأوه ظالماً وغاشماً. وافتقدت الأنظمة العلمانية إرادة القتال حتى في أوج مدها الثوري المزعوم، فـ « ... منذ أن جاؤوا وهم يعدون العدة لحرب فلسطين! ويعلنون أنهم سيختارون مكان وزمان المعركة، ولن يسمحوا لإسرائيل بأن تجرهم إلى معركة لا يحددون هم مكانها وزمانها وسلاحها.. وكل الأمم التي فنيت، بل كل الكائنات التي اندثرت، كانت تحلم بمعركة تدور وفقاً لشروطها، تحدد هي مكانها وزمانها وأسلحتها، وراعها وهي تباد تحت ضربات خصمها أنه لم يلتزم بأمانيِّها وضربها قبل أن تنتهي من تحديد الزمان واختيار المكان وإتمام شحذ السلاح! وأنه نجح دائماً في جرها إلى المعركة الخاسرة. إن إرادة القتال هي التي يجب أن تتوفر أولاً، ويأتي بعد ذلك تخير أفضل الظروف للقتال..» . «وفي كل مرة كان انفعالهم [بعد ضربات إسرائيل] ينعكس في شكل دهشة ومرارة العاتبين.. وليس أدق في الدلالة عن حالتهم هذه من التعبير المفضل عندهم وهو (العدوان الغادر) ! .. ونقبوا في جميع القواميس، إن وجدتم أحداً قبلهم وصف ضربات عدوه المصيري بأنها (غدر) ! .. الغدر يأتي من الأصدقاء، أو ممن لا نحمل لهم أية نوايا عدوانية، ولا نتوقع منهم عدواناً..» [١٧] . وليس أدل على عدم إرادتهم القتال من عدم استعدادهم الجدي له على مدى أكثر من تسعين عاماً، [وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً] (التوبة: ٤٦) . ثالثاً: هدر الطاقات والحيلولة دون مواجهة العدو: ١ - وفي المقابل: وقف كثير من النخب السياسية العلمانية حائلاً دون منازلة القوى الشعبية مع الصهاينة عسكرياً وسلمياً، بل إن هذه النخب اصطدمت دوماً بالحركة الإسلامية التي كانت رأس الحربة في هذه المنازلة بدل التعاون المفترض معها، وما ذلك إلا لأنها وجدت في هذه الحركة خطراً عليها، فناصبتها العداء؛ لتضع العلمانية بذلك نفسها في خندق واحد مع الصهيونية في مواجهة التيار المعبر عن رسالة هذه الأمة وأصالتها. وهكذا بات الإسلام الحقيقي (الذي يسمونه أصولياً) عدواً مشتركاً للعلمانية والصهيونية، فأصبح تحالفهما للقضاء على هذا الخطر الذي يهدد بقاءهما هدفاً مشتركاً تلتقي عليه جهودهما، ومن ثم: كانت النظم العلمانية حاجزاً تلقائياً بين المقاومة الإسلامية (العسكرية والسلمية) والعدو الصهيوني، بل أصبح ضرب الحركات الإسلامية وتصفيتها مؤشراً على مكاسب صهيونية قادمة مرتبطة بتنازلات أو إخفاقات علمانية تستلزم (تأمين الجبهة الداخلية) بإخلائها من المعارضين النشطين المتوقعين لهذه المكاسب وتلك التنازلات، أي: إخلائها من الحركات الإسلامية ورموزها الفعالة، بل أصبح الضغط أو تخفيفه على هذه الحركات (ورقة) تفاوضية ابتزازية تلوح بها هذه النظم العلمانية في وجه الغرب أو في المفاوضات مع الدولة الصهيونية كلما أحست بالإفلاس السياسي. ومسيرة الأحداث تؤكد ذلك التعاون بين العلمانية والصهيونية، أو على الأقل: تؤكد أن العلمانية كانت حاجزاً تلقائياً بين المقاومة الإسلامية والعدو: - فأولى التحركات العسكرية الشعبية الواسعة، وهي ثورة ١٩٣٦م (١٩٣٥م ١٩٣٩م) والتي استمرت توابعها بعد ذلك، كان يحمل لواءها مجاهدون من جمعية الشبان المسلمين، وكان يقودها الشيخ عز الدين القسام، ثم نشط بعد ذلك جيش الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر الحسيني، وتمكن المتطوعون في هذه الثورة المسلحة من تحقيق انتصارات متلاحقة خلال عامي ١٩٣٨و ١٩٣٩م، ولكن بجانب تحرك القوى البريطانية والعصابات الصهيونية كان خذلان الأنظمة العربية العلمانية لهذه الانتفاضة، فشحُّوا بالدعم المادي لقادة الثورة وهم في أمس الحاجة إليه ليستمروا في جهادهم، بل سارعت هذه الأنظمة بإيعاز من بريطانيا إلى احتواء هذه الظاهرة تحت شعار الوساطة وحقن الدماء «معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل» ، ولا شك أن هذه الثورة كانت خروجاً عن حسابات وسياسات الاستعمار والأنظمة العربية العلمانية «خصوصاً أن الثورة أبرزت قيادات ثورية لا تعرف المهادنة أو أنصاف الحلول!» [١٨] . - وقبل حرب ١٩٤٨م وأثناءها تحرك الإخوان المسلمون على الصعيدين الشعبي والعسكري، فاستطاعوا تحريك الرأي العام المصري تجاه القضية الفلسطينية من الزاوية الإسلامية، وقد برز دور الإخوان المسلمون أثناء ثورة فلسطين الكبرى عام ١٩٣٦م، عندما سارعوا إلى تنظيم المظاهرات، وألفوا اللجان لتلقي التبرعات وإرسالها إلى اللجنة العربية العليا، وقاموا بإرسال برقيات احتجاج إلى المندوب السامي بفلسطين ووزارة الخارجية البريطانية وعصبة الأمم، وأخرج الإخوان في مصر أكثر من نصف مليون متظاهر إلى شوارع القاهرة في اليوم الثاني لصدور قرار تقسيم فلسطين في ٢٩/١١/١٩٤٧م، وأعلنوا رفضهم للقرار، مؤكدين عروبة فلسطين وإسلاميتها، مما مثل التجسيد المادي لحضور القضية الفلسطينية في الشارع المصري. وقد سطر متطوعو الإخوان في حرب ١٩٤٨م ملاحم تغنى بها الفلسطينيون وأكسبت الجماعة الاحترام والتأييد، خصوصاً في ظل الموقف الداعم لقرار التقسيم من قِبَل الحزب الشيوعي الفلسطيني! النقيض الأيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين ومنافسهم الشعبي آنذاك وفي ظل الضعف والعجز العربي الرسمي. [١٩] فماذا كان الموقف العلماني الرسمي إزاء ذلك؟ : عرقلت الحكومة برئاسة النقراشي باشا جهاد الإخوان المسلمون بطرق عديدة؛ لأن «الحكومة تنظر بعين الريبة إلى حركات الإخوان وتخشى أن يؤلفوا جيشاً في فلسطين يكون بعد ذلك خطراً كبيراً على سلامة الدولة» [٢٠] ، وفي الوقت الذي كانت المعارك مستعرة بين هؤلاء المتطوعين وعصابات الصهيونية نصبت الحكومة ما عرف باسم (قضايا الإرهاب) و (قضايا الأوكار) ، وتم حل الإخوان المسلمين رسمياً، وسيق زعماؤهم إلى المنافي والمعتقلات، واغتيل مؤسسها ومرشدها العام الشيخ حسن البنا، في وقت كان يعد العدة فيه لإعلان الجهاد العام والتعبئة الشعبية لتكوين قوات كبيرة يدخل بها فلسطين، وهكذا تم منع الإخوان من مواصلة جهادهم ضد اليهود [٢١] . ولا يخفى الرابط بين هذه الإجراءات ودور هذه الحركة في قضية فلسطين: ففي إشارة ذات مغزى يعلق محررا مذكرات ديفيد بن جوريون على ما ذكره في يوم ٦ /١٢ / ١٩٤٨م بأن حكومة النقراشي راغبة في الخروج من الحرب، ولكن النقراشي باشا يخشى (الوضع الداخلي) إذا بدأ محادثات سلام! .. يعلقا بقولهما: «ازداد غليان (الإخوان المسلمين) في مصر، وفي كانون الأول / ديسمبر فرض حظر على التنظيم، واعتقل قادته (في حين كان أعضاؤه يقاتلون في أرض إسرائيل) » [٢٢] . - والآن من المعروف أنه بعد انتكاس حركات تحرير فلسطين (الفندقية) لم يبق في ساحة الصراع الحقيقي، والعملي مع العدو الصهيوني سوى الحركات الإسلامية، وعلى رأسها حركتا حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتان، وهذا يعرفه الجميع. هذا في الوقت الذي تحولت فيه منظمات التحرير الفندقية إلى (جنين) نظام علماني يرتبط صراحة مع دولة العدو ومع أمريكا بتعهدات واتفاقات سياسية وأمنية واستخباراتية للتعاون في مواجهة (الإرهاب) الذي هو حركات مقاومة العدو الصهيوني، ووفقاً لهذه التعهدات والاتفاقيات تقوم أجهزة الأمن (الفلسطينية) بحملات اعتقال ودهم لعناصر هذه الحركات، كما يتم تبادل المعلومات مع أجهزة الأمن (الإسرائيلية) حول هذه الحركات، ويتم تأميم مساجدها ومؤسساتها وطرق اتصالها بالجماهير، بل يتبجح مسؤولو السلطة بهذا التعاون، باعتباره وفاءً بالتزامات لاتفاقيات دولية! ، وهكذا كان «التعاون اللصيق بين أجهزة الاستخبارات والأمن في إسرائيل، والسلطة الفلسطينية، والأردن، ووكالة الاستخبارات الأمريكية، هو الذي أجهض جزءاً كبيراً من عمل حماس العسكري، وكذلك الجهاد الإسلامي؛ فقواعد المعلومات الأمنية بين هذه الأطراف أصبحت مشتركة (!) وواحدة، ولم يعد أحدها يبخل على الآخر بما لديه، وتبادل المعلومات والمراقبة اللصيقة يتمان بتنسيق وتناغم» [٢٣] . - ولم يقتصر الأمر على جهود النظم العلمانية لمحاصرة المقاومة العسكرية للعدو الصهيوني والوقوف حائلاً دونها، بل تعدتها إلى العمل على محاصرة المقاومة الشعبية غير العسكرية وإجهاضها، ففور اندلاع انتفاضة الأقصى الأخيرة تسارعت جهود النظم العلمانية لعقد المؤتمرات باشتراك إسرائيل وأمريكا من أجل احتواء (العنف) وإيقافه والعودة إلى مسار المفاوضات، وتعالت صيحات بعض المثقفين والسياسيين العلمانيين (الحكماء) من فوق مقاعدهم الوثيرة بأن تحرير فلسطين لن يتم بإلقاء الحجارة ونزف الدم الفلسطيني. وعندما تعاطفت جماهير العالم الإسلامي مع إخوانهم في فلسطين خرج من يلقي عليهم المواعظ السياسية التي تدعوهم إلى الواقعية الحكيمة؛ لأن مظاهر هذا التعاطف لا تفيد شيئاً في تحرير فلسطين، بل إن الدعوات إلى مقاطعة البضائع والشركات الأمريكية والإسرائيلية التي نشطت مؤخراً ولقيت تجاوباً شعبياً واسعاً لم تسلم من انتقادات حكومات ورموز علمانية، فتعالت مرة أخرى صيحات الحكماء العلمانيين بعدم جدوى هذه المقاطعة وعدم القدرة عليها، ولا شك أن هذه المواقف متوقعه ممن ربطوا بلادهم سياسياً واقتصادياً بالغرب، بحيث أصبح قطع حبل العلاقات بالغرب قطعاً لشريان حياتهم هم. رابعاً: التمزق والتشرذم في مواجهة عدو متكتل: لم يقتصر التأثير السياسي للعلمانية في قضية فلسطين على إخراج الإسلام من دائرة الصراع وما تبع ذلك من افتقار إلى البعد الرسالي في الصراع، وإلغاء العداوة (من أجل المبدأ) ، والافتقار إلى إرادة القتال، وهدر الطاقات الإسلامية والشعبية في هذا الصراع.. ولكن هذا التأثير حقق أيضاً هدفاً آخر من المخطط الصهيوني، وهو تفتيت التكتل الإسلامي، وإدخال الأمة في دائرة تمزقات متشعبة، وإدخال الأفراد في متاهة اغتراب قيمي عندما ضاعت بوصلة هويته على يد العلمانية. فاختلاف مذاهب العلمانية وتطبيقاتها، وتباين كل قطر في توجهاته ومصالحه (التي لم تعد موحدة) .. مزق جهود هذه الأقطار في مجالات عديدة فكرية وجغرافية وسياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية، فبين الليبرالية ودرجاتها، والاشتراكية ونظرياتها، والقومية وتطبيقاتها، وبين الارتباط بالغرب أو بالشرق أو محاولة التوسط والتوفيق بينهما ضاعت جهود الأمة، أو تحولت إلى تصريحات جوفاء ومشاهد مسرحية دعائية يقوم بها الزعماء العلمانيون؛ لإلهاء الشعوب وحفظ ماء الوجه أمامها. فالعلمانية عندما اعتمدت القومية العربية إطاراً للصراع تكون قضية فلسطين قد خسرت تلقائياً إمكانات وجهود الأقطار الإسلامية غير العربية من المشاركة في هذا الصراع، وليس أدل على ذلك من اعتراف إيران وتركيا مبكراً كما ذكرنا سابقاً بالدولة الصهيونية ومد يد التعاون معها. زد على ذلك: أن العلمانية لم تكتف بتحييد الشعوب الإسلامية غير العربية في الصراع، بل عملت أيضاً على تحييد الشعوب العربية نفسها، عندما كرست التوجه القائل بأن قضية فلسطين قضية فلسطينية تخص شعب فلسطين وحده، ولا يبقى للشعوب العربية الأخرى إلا أن (تتعاطف) مع هذا الشعب في محنته ومأساته. وقد كان إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية وانحرافها العلماني إحدى الخطوات في (فلسطنة) الصراع، وجدير بالذكر في هذا المجال (التمزق والفلسطنة) أن (زعيم القومية العربية) جمال عبد الناصر، وقبيل بدء مغامراته الاستنزافية والتمزيقية في اليمن، كان قد أعلن في فبراير عام ١٩٥٨م قيام دولة وحدة عربية بين مصر وسورية، ف «استبشر بها الفلسطينيون خيراً، وبنوا الآمال الكبار عليها متوقعين من دولة الوحدة اتخاذ خطوات إيجابية لعودة الفلسطينيين إلى بلادهم وتحرير أرضهم المحتلة، إلا أن خيبة أملهم كانت كبيرة عندما رفض عبد الناصر طلباً تقدم به الحاج أمين الحسيني رئيس اللجنة العربية العليا بقبول فلسطين في الاتحاد السوري المصري. ويبدو أن عبد الناصر كان متخوفاً من أن يؤدي قبوله بهذه الوحدة إلى تحمله مسؤولية تحرير فلسطين وممارسة الضغوط عليه لإعطاء المسألة الفلسطينية دوراً أكبر، بينما لم يكن عبد الناصر يعطي الأولوية للقضية الفلسطينية. ويقول باتريك سل: إن دولة الوحدة لم يكن القضاء على إسرائيل هدفاً من أهدافها» [٢٤] . وذلك يؤكد أن القومية العربية العلمانية في ممارستها العملية كانت أداة لتمزيق القوى المواجهة للعدو الصهيوني، ولم تكن أداة للتوحد العربي كما يزعمون أو يُنَظِّرون. وإذا أخذنا لدراسة هذا الأثر العلماني مجالاً يتأثر بغيره من المجالات ويؤثر في غيره أيضاً، وهو المجال العسكري، نموذجاً لهذا التمزق، نجد أن من أهم أسباب الهزيمة في فلسطين باعتراف جميع الأطراف هو ذلك التمزق الذي اعتراه. فإضافة إلى أخطاء النظم العلمانية العسكرية الأخرى، كالتهوين من قوة العدو والاستخفاف بها، والأسلحة الفاسدة، وضعف التدريب والتسليح، والافتقار إلى التخطيط الجيد ... كان لتشرذم القوات العربية تحت قيادات مختلفة متخالفة أثر كبير في الهزيمة العسكرية، ففي حرب ١٩٤٨ م يعرض ديفيد بن جوريون وجهة نظره في أسباب هزيمة العرب التي ساهمت في انتصار اليهود عسكرياً عليهم بأنها: ١- خطتهم الاستراتيجية كانت سيئة، ولا سيما خطة المصريين. ٢- لم تكن لديهم قيادة موحدة [أثر العامل السياسي] . ٣ - تسليحهم لم يكن كافياً لم يكن هناك قوة جوية، ومصر كانت ضعيفة في البحر. ٤- الطاقة البشرية المجندة لم تكن كافية أيضاً. استطعنا تعبئة قوة أكبر من قوتهم. ٥ - معنوياتهم منخفضة [لافتقاد الهدف وضياع الهوية والتخبط العسكري] . ٦ - قدرة تعلم منخفضة. ٧ - لم تكن عندهم صناعة عسكرية [أثر العامل الاقتصادي والعلمي] [٢٥] . وهذا ما يقر به علمانيو العرب أنفسهم، ولكن بالطبع بعد انتهاء المعارك. بل وصل هذا التشرذم والتمزق إلى حد بعيد قد لا يتصوره أي (متعاطف) مع القضية الفلسطينية: فيذكر بن جوريون في يومية ١٦/١/١٩٤٩م أن موشيه دايان عاد بعد حديث مع أحد القادة العرب ليخبره أن «العجوز يشكو من الإنجليز الذين هو عبدهم (!) ، يطلب عدم ترك المصريين، لا سمح الله! ، في غزة، من المفضل أن نسلمها إلى الشيطان، أن نأخذها نحن، شرط ألا يأخذها المصريون (!) » [٢٦] ، أما النظرة الاستراتيجية عند هذا (العجوز) فيوضحها هو نفسه لليهود قائلاً: «إذا غادرت الدول العربية البلد فإننا سنقيم معاً» ، وفي صراحة لا لبس فيها يوضح أنه «لا يريد محادثات مشتركة مع الدول العربية، وهذه عليها المغادرة» ، بل إنه لا يعترف بحق أي دولة في أن تكون موجودة في البلد [فلسطين] باستثناء اثنتين: إسرائيل ودولته « [٢٧] . ولا شك أن هذا التمزق والتشرذم العسكري والسياسي كان عاملاً مهماً في الهزيمة العسكرية وما صاحبها ولحقها من تراجع سياسي، تمثل في اكتساب الصهاينة أرضاً جديدة وقبول العرب الهدنة التي مكنت العدو من إعادة تنظيم صفوفه وتعويض وتجديد تسليحه، والتفرغ لبناء دولته في ظل اعتراف عربي ضمني بحدودها، بينما تحطمت القوة العربية وتدنت الروح المعنوية في صفوف جنودها، أما عرب فلسطين: فكان لهم الشتات! . كان هذا أيام النكبة العلمانية، ولا يختلف الأمر كثيراً في نكستهم الثورية التقدمية الوحدوية ... سنة ١٩٦٧م: فقد وقعت هذه النكسة (هكذا يطلق إعلامهم على هذه الهزيمة وكأنهم كانوا منتصرين قبلها) وقعت بعد استنزاف طويل وصراع بين عدة أطراف عربية، ورطها فيها زعيم القومية العربية آنذاك جمال عبد الناصر، كان منها: حرب اليمن والوحدة الفاشلة بين مصر وسورية. ويؤكد مراسل حربي لجريدة الأوبزرفر على حقيقة تسبب التفرق والتشرذم في هذه الهزيمة، فيقول:» إن الإسرائيليين اعتمدوا في ذلك على أن القوات العربية ليست تحت قيادة موحدة، وإن الأحداث أكدت صحة هذا الاعتقاد «. وقال:» ... وعلى الجبهة الشمالية سورية، تحققت نبوءة المخططين الإسرائيليين، وكانت عمليات القوات السورية محدودة جداً، فلم يقم السوريون بأية عمليات جدية لمساعدة المصريين في الخروج من المأزق الذي وقعوا فيه، وانحصرت مساعيهم في هجومات محلية على مستعمرتي حدود إسرائيليتين « [٢٨] . وتعجب بعد ذلك لجريدة (الثورة) تخرج بعد اكتمال الهزيمة لتلقننا درسًا وحدوياً قائلة» ... كان يمكن أن تكون نتائج المعركة أعظم بكثير لو توافر تنسيق أوسع للاستراتيجية العربية، ورافق ذلك توزيع أدق للقوات « [٢٩] . ولا شك أن العلمانية بتمزيقها للأمة وإدخالها في صراعات تستهلك قدراتها وتلهي شعوبها قد أسدت إلى الدولة الصهيونية خدمة كبرى وحققت لها هدفاً بعيداً، » وأي شيء هو أسعد لإسرائيل من أن تلقى دولاً مفككة، ممزقة، هزيلة، يمعن بعضه في تحطيم وتجريح البعض الآخر، ويضمر له من العداوة والضراوة والكره عشرة أمثال ما يضمر لإسرائيل؟ ! « [٣٠] . وقد كان هذا الهدف لدولة العدو يخطط له من قديم بأسلوب ثانٍ تحقق في الواقع أيضاً، هو: إقامة دويلات طائفية حول الدولة الصهيونية، ولا يمنع إذا استدعى الأمر محاولة تقسيم بعض الدول الكبرى على هذا الأساس [٣١] ؛ لتكوّن هذه الدويلات حزاماً أمنياً يمثل خط دفاع متقدم عن اليهود، وهو أحد عناصر ما يعرف بتأمين المجال الحيوي [٣٢] ، وهنا يبرز المثال الواضح لذلك التخطيط، وهو دويلة الرائد سعد حداد التي انفصل بها في جنوب لبنان عام ١٩٧٩م، ثم غزو لبنان الكامل ومحاولة فرض اتفاقية (سلام) مع قادة القوات اللبنانية الكتائبية المارون عام ١٩٨٢م. ولكن ما لا يعرفه كثيرون أن هذا المخطط مخطط قديم، دأب قادة العدو على تحين الفرصة المناسبة لتنفيذه، فيذكر بن جوريون في يومياته (١٩- ٢٠/١٢/ ١٩٤٨م) اقتراحات بعض القادة بهذا الخصوص في إحدى جلسات الحكومة، من ذلك اقتراح مردخاي بنطوف:» يجب تحطيم الحلقة الأضعف، كان هذا في لبنان الماضي، كان يمكن الذهاب إلى بيروت وتأليف حكومة مارونية (بقيادة المسيحيين الموارنة) وإبرام سلام معها «، و» يقترح جوش [بلمون] ، بموافقة يغئيل [يادين] جيشاً عربياً غير نظامي (غير إسلامي) كي يشكل حزاماً « [٣٣] . وهي الفكرة التي نوقشت مرة أخرى سنة ١٩٥٤م وقت أن كان موشي شاريت رئيساً للوزراء، وقد وافق شاريت على مبدئها وإن اختلف مع بن جوريون في ظروف وتوقيت تنفيذها، ويذكر شاريت أن الفكرة نفسها نوقشت أيضاً في ١٦/٥/ ١٩٥٥م أثناء اجتماع مشترك لكبار موظفي وزارتي الدفاع والخارجية، فبعد أن أثارها بن جوريون عبّر دايان فوراً عن مساندته بحماس:» حسب رأيه (دايان) الشيء الوحيد الضروري هو العثور على ضابط، ولو برتبة رائد (!) فقط، وعلينا إما أن نكسب قلبه أو نشتريه بالمال، ليوافق على إعلان نفسه مخلِّصاً للسكان الموارنة، وعندئذ يدخل الجيش الإسرائيلي إلى لبنان، ويحتل المنطقة الضرورية، ويخلق نظام حكم مسيحي يكون حليفاً لإسرائيل ... وافق رئيس الأركان أن نستأجر ضابطاً (لبنانياً) يوافق أن يقوم بدور دمية بحيث يتمكن الجيش الإسرائيلي من الظهور وكأنه يتجاوب مع طلب (لتحرير لبنان من المعارضين المسلمين) « [٣٤] ، وهو ما تم بالفعل بعد حوالي خمسة وعشرين عاماً. ولسنا هنا في معرض مقارنة وضوح الهدف في ذهن قادة العدو، وتخطيطهم بعيد المدى لتحقيقه، وإصرارهم على التنفيذ، ونجاحهم فيه، مقابل ارتجالية القادة العلمانيين وإخفاقهم المستمر، ولكنا نشير إلى أنه كان من حجج دعاة القومية العربية العلمانية التي يروجونها دائماً: أن الالتفاف حول الإسلام كآصرة تجمُّع وولاء سيقصي تلقائياً العرب النصارى ويخسرهم ويفتح المجال لثغرات في جسد الأمة، بخلاف قوميتهم العربية العلمانية التي ستضم هؤلاء النصارى إلى النسيج السياسي العربي، وهذه الحجة رغم تهافتها، ورغم أن القومية العربية لم تحل نظرياً ولا عملياً مشكلة أخرى، هي وجود قوميات عرقية أخرى في الجسد العربي يمكن اللعب عليها كالأكراد والبربر والزنوج؛ رغم كل ذلك فقد سقطت هذه الحجة في أول اختبار عملي لها، ذلك إن التكتل النصراني اللبناني تحالف مع أعداء الأمة (العربية!) في أول فرصة أتيحت له، ومزق بطائفيته النسيج القومي العربي المزعوم. وهكذا أصبحت القومية العربية العلمانية مجرد محطة في طريق تجزئة الأمة يتم تجاوزها بعد استنفاذ أغراضها واستثمارها من قبل العدو.

стр. 3871

حوار حوار مع الشيخ أحمد ياسين: انتفاضتنا الآن تتحول إلى انتفاضة مسلحة أجرى الحوار: عماد عبد الرحمن هدَّد الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة المقاومة الإسلامية حماس وزعيمها بتنفيذ عمليات عسكرية ضخمة ضد قوات الاحتلال الصهيوني مشدداً على أن حركته مستمرة في خيار المقاومة ضد العدو الصهيوني مهما كلفها ذلك من ثمن، وبغضِّ النظر عن المصاعب والظروف أو عقد الاتفاقيات بين الجانبين الفلسطيني و (الإسرائيلي) ، مضيفاً أن حركته تحملت في سبيل ذلك الألم والعذاب واستشهاد عدد من أبنائها واعتقال الآلاف من أعضائها. وأكد الشيخ ياسين على أن خيار المقاومة باق ما بقي الاحتلال، وأن حركته ستحافظ على خيار الصبر والألم، ولن تفتح صراعات مع أي قوى فلسطينية ولا مع السلطة الفلسطينية حتى إن عادت الاعتقالات والسجون. وطالب الأمة العربية والإسلامية بالوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في جهاده ضد العدو الصهيوني، ودعا الدول العربية إلى فتح الحدود أمام الشعوب للمشاركة في معركة تحرير المقدسات التي يدنسها العدو، وإمداد المقاتل الفسلطيني بالسلاح. وكشف لأول مرة عن وجود خبراء من حماس يستطيعون تصنيع وتطوير السلاح، وأن العالم سيرى أن بإمكان الشعب الفلسطيني صنع المعجزات التي لم يصنعها أي شعب إذا توفر لديه ما توفر للمقاومة اللبنانية. وفيما يلي نص الحوار الذي جرى في منزله بغزة وخص به مجلة البيان: البيان: في ظل التفاعل الشعبي العربي والإسلامي مع الانتفاضة ما هي برأيكم الوسائل الفعالة لتوظيف هذا التعاطف بشكل عملي لدعم هذه الانتفاضة؟ * بسم الله الرحمن الرحيم. الحقيقة أن شعبنا الفلسطيني يشعر بالفخر والاعتزاز بمواقف الشعوب العربية والإسلامية الداعمة لانتفاضة الأقصى، ويعتقد أن مجرد خروج الشعوب إلى الشوارع في مسيرات ومظاهرات تؤكد دعمها للشعب الفلسطيني، وتؤكد استعدادها للجهاد في فلسطين وتحرير القدس والمقدسات، وهذا مؤشر خير كبير جداً في المنطقة العربية والإسلامية.. لكن أن يقف إلى هذا الحد فهذا لا يصل إلى ما يتطلع إليه الشعب الفلسطيني بالذات والأمة العربية والإسلامية؛ فالمطلوب: أولاً: الدعم المعنوي للشعب الفلسطيني. ثانياً: الدعم السياسي والإعلامي لتوضيح الحقيقة في العالم الآخر المعادي، وليس مجرد توضيحها للشعوب العربية والإسلامية وإنما للعالم المعادي الذي يقف إلى جانب عدونا، يفهمه الحقيقة التي قلبها العدو في أذهان العالم وحوَّل المعتدى عليه وهو الشعب الفلسطيني إلى معتدٍ، والمعتدي وهم اليهود إلى معتدى عليه، وهذا مهم جداً أن تتضح هذه الصورة في العالم الشرقي والغربي. ثالثاً: الدعم الاقتصادي؛ لأن الشعب الفلسطيني كما قالوا في بطن التنين محاصر يستطيع أن يميته جوعاً أو يقتله؛ فهو يحتاج إلى الدعم المادي ليستطيع الثبات على أرضه ووطنه حتى لا يُجبَر على الهجرة والفرار من أرض المعركة، ثم الدعم المادي؛ فهو يحتاج إلى قوت وعلاج وحياة ... إلى آخره، وهذا يحتاج إلى علاج آثار العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني من جرحى وأسرى وشهداء وأرامل وأيتام ... إلى آخره. رابعاً: نحن محتاجون إلى الدعم العسكري؛ وهذا يترك لكل دولة وقدرتها فيما تستطيع أن تدعم به. الدعم العسكري معناه أن تمد المقاتل الفلسطيني بالسلاح الممكن والمناسب للمعركة الحالية. خامساً: هو فتح الحدود أمام الشعوب العربية والإسلامية لتنضم للمقاتلين لحسم المعركة وإن شاء الله تكون المعركة الحاسمة الأخيرة وإنهاء الوجود الصهيوني؛ وهذا إن شاء الله يتم في المستقبل. هذا هو الذي يمكن أن تتحمله الأمة العربية والإسلامية من مسؤولية، وما يمكن أن تساهم به في وصولنا إلى الهدف النهائي إن شاء الله. البيان: ألا تعتقد أن هذا التعاطف خَفَت قليلاً؛ فما هو سبب ذلك؟ * صحيح أن التعاطف خَفَت في المظهر ولكنه في الجوهر موجود، الشعوب العربية والإسلامية ما غيرت موقفها من القضية الفلسطينية؛ وإنما كل فعل له ردة فعل؛ فعندما يشاهد العربي والمسلم في العالم على شاشات التلفزيون عشرات شهداء وجرحى ومسيرات، فإن هذا يثيره أكثر من يوم لا يرى فيه شهداء أو يوجد فيه شهيد أو شهيدان، كل هذه الحوادث تثيره وتحركه إلى المستوى المطلوب، ولكن هم يظنون أن الانتفاضة ستبقى بالحجر؛ وهذا هو الذي كان يثير المظاهر، انتفاضتنا الآن تتحول إلى انتفاضة مسلحة. البيان: ألا تعتقد أن استئناف السلطة للمفاوضات كان له مردود سلبي على حجم التعاطف الشعبي مع الانتفاضة؟ * صحيح أن الشعب الفلسطيني هنا يتألم كله، يتألم عندما يرى ازدواجية النظرة عند السلطة بين مقاومة وشهداء وجرحى وأسرى، وبعدها يجده يذهب إلى المفاوضات ويلهث وراء مسيرة فاشلة مسيرة التسوية المفروضة التي لا يمكن أن تخدم القضية الفلسطينية؛ فكل الشعب الفلسطيني ينظر لهذه المفاوضات نظرة شؤم وعدم احترام، ويطالب بعدم السير فيها، ووقف كل هذه التعاملات مع إسرائيل؛ لأنها لا تجدي شيئاً، ويرى أن المقاومة هي الخيار الوحيد المجدي مع العدو، لكن أنا أقول لك يعني في نظري الآن: إن الشعب الفلسطيني كله يقول: أنا بدل أن أموت بحجر أموت بقنبلة أَقتُل وأُقتَل، يعني أن الانتفاضة تتحول من يوم إلى يوم إلى انتفاضة مسلحة؛ وهذه المظاهر لا تبدو في الإعلام بشكل كامل. كل يوم هناك إطلاق نار ومواجهات لكن الذي يظهر منها هو الشيء الكبير الذي يحدث خسائر كبيرة في العدو. البيان: يتساءل الناس عن جدوى مواجهة الدبابات والمدافع الإسرائيلية بالحجارة؛ فهل هناك إمكانية في المستقبل لتحويل الانتفاضة إلى جهاد مسلح بكافة الأسلحة؟ * أنا تحدثت حول هذا الموضوع، وقلت إن الشعب الفلسطيني يدرك أن مواجهة دبابة بحجر شيء صعب وقاس على الإنسان، وأن الضحية يكون هو من يحمل الحجر؛ لكن رغم هذا الشعور والألم إلا أن الفلسطيني يقول: أنا أريد تحريك ضمير العالم كله ليرى إنساناً مغتصبة أرضه وفي ظل احتلال، ومغلوباً على أمره لا يجد ما يقاوم به العدو إلا الحجر ورغم هذا يتحدى بالحجر؛ فهذا يثير مشاعر كل البشرية في العالم الذي يرى إنساناً يقاتل بحجر وعدوه أمامه يقاتل بالطائرات والصواريخ والدبابات! هذا يعطي صورة أن هذا الإنسان لولا أنه على حق لما كان له أن يقف هذا الموقف وهذا الإصرار ويقدم التضحيات بهذا الشكل العظيم الكبير. هذه واحدة والثانية أن الشعب الفلسطيني نفسه يريد أن يكشف وجه العدو الصهيوني وبشاعته أمام العالم كيف يقابل الحجر بالصواريخ؛ وهذا يدل على الوحشية من هذا الإنسان الذي لا يعرف الإنسانية ولا الرحمة لا يميز بين طفل ولا امرأة ولا عجوز ولا بين مدني وعسكري، ولا حتى حيوان؛ فالكل عنده سيان. الشيء الثاني أن الشعب الفلسطيني أدرك مع طول هذه المدة والتضحيات التي قدمها والشهداء والجرحى أنه يجب أن يعمل على تطوير نفسه في مواجهة العدو بالأساليب المستخدمة نفسها وهي القوة؛ لأن هذا العدو لا يفهم إلا لغة القوة، فبدأ الشعب الفلسطيني يطور نفسه بمواجهته مع العدو بنفس الأساليب والأسلحة التي يستخدمها العدو وإن كان هناك فارق كبير بين مستوى ومستوى؛ لكن يبقى المستوى البسيط الذي يملكه الشعب الفلسطيني أقوى من المستوى الذي يملكه العدو؛ لأن المهم أن تُحدث في هذا العدو خسائر، وأن تُحدث لدى العدو توازن رعب كما يقولون، فطالما أنك قدمت ٤٥٠ شهيداً، فقد قدم ما يقارب ٦٠ ٧٠ قتيلاً منه، وهذا عدد ليس بسيطاً خلال ٤ -٥ شهور، إذ إنه في جنوب لبنان كان يقدم خلال العام من ٢٠ -٣٠ قتيلاً؛ ففي أربعة شهور خسر ما خسره في لبنان في ثلاث سنوات؛ وهذا شيء بالنسبة له كبير جداً، ثم توازن الرعب الذي نتحدث عنه، نحن نموت ونزغرد ونخرج بمسيرات ونواجه بالحجر لكن العدو يولول ويهرب ويخاف. الجندي الذي يركب الدبابة والقنبلةُ والصاروخُ في يده خائف. إذن صار هناك توازن رعب: الإسرائيلي يمشي في السوق والشارع وهو خائف، يذهب إلى المدرسة وهو خائف، إذن أنا نقلت المعركة إلى أرضه تماماً كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «نُصِرْتُ بالرعب مسيرة شهر» [١] ، وهذه أول علامات النصر والتمكين إن شاء الله، وعلى ذلك أنا أؤكد أن انتفاضة شعبنا ستتحول إلى انتفاضة مسلحة، وأن هذا يعتمد أولاً على توفيق الله، وثانياً على مدى الدعم الذي يتلقاه المقاتل الفلسطيني من الأمة العربية والإسلامية؛ لأن الأنظمة في الحقيقة لا زالت تعالج آثار العدوان، وأنا أقول: لا يكفي أن أعالج آثار العدوان بأن أقدم مساعدة للشهيد والجريح وطروداً غذائية؛ ولكن يجب أن أعالج أساس المواجهة، والمواجهة تحتاج إلى قوة مال وسلاح؛ وهذا طبعاً هو الذي إن شاء الله سيثبت المقاتل والمجاهد الفلسطيني في مواجهة هذا العدو الذي لا تتوقف أطماعه عند حدود فلسطين، والمقاتل الفلسطيني والمجاهد الفلسطيني يستشهد وهو يدافع عن دينه ونفسه أولاً وأرضه ووطنه، ويدافع عن الأمة العربية والإسلامية التي هي مستهدفة من هذا العدو. البيان: قامت حركات جهادية تحريرية في أماكن كثيرة من العالم كأفغانستان والشيشان وكشمير، وقد استطاع أكثرها أن يتغلب على مشكلة الحصول على السلاح وأماكن التدريب لتحقيق أهدافها؛ فما السبب في إخفاق الحركات الإسلامية في فلسطين في الوصول إلى هذا المستوى في المراحل السابقة؟ * أولاً: الحقيقة أنا لا أتفق مع المقدمة التي طرحتها وأقول: إن الحركات الإسلامية المجاهدة في فلسطين حصلت على السلاح، واستطاعت أن تحصل على السلاح وطورت السلاح إلى مستوى تقني تعجز عنه دول؛ فإنك تجد الآن من يصنع الآر بي جي، ومن يصنع الهاون، ومن يصنع القذائف، ومن يصنع المتفجرات الموجهة، والصواريخ الموجهة للدبابات هناك دول تعجز عن صناعة هذا الشيء اليوم، لكن لا ينبغي أن يطلبوا منا أكثر من القدرة التي يسمح بها واقعنا. نحن في واقع صعب مع عدو محتل؛ أنا لا أستطيع أن أنشئ مصانع سلاح هنا؛ فأنا أصنع وأهرب من حارة إلى حارة، والمصنع يحتاج إلى مكان آمن، ولا ننسى أن السلطة الفلسطينية لعبت دوراً في نزع السلاح من الحركات الإسلامية من أجل (الأمن الإسرائيلي) والمحافظة على (الأمن الإسرائيلي) وحجزت واعتقلت المجاهدين والمقاتلين في السجون، وهذا أخَّر الابتكار وتطوير القوة المواجهة للعدو، خلال سبع سنوات عاشت المقاومة في فلسطين في ظل سلطة ترفض المقاومة وتطارد المقاومة وتسجن المقاومة، وأنت تعرف أن المقاومة أيضاً مطاردة في الحدود العربية التي حول فلسطين، المقاومة من حدود مصر والأردن ممنوعة، والمقاومة من حدود لبنان ممنوعة إلا لجانب معين تريده الحكومة اللبنانية، إذن يبقى المقاوم الفلسطيني يعمل على الأرض الفلسطينية وإمكاناته تتحدد وتنمو على حسب الحرية التي يتمتع بها هذا المقاتل والأرض التي يقف عليها، وانظر أنه خلال خمسة شهور عندما وقفت السلطة إلى جانب الشعب الفلسطيني وأوقفت مطاردتها للمقاومين والمقاتلين صارت هناك إبداعات كثيرة جداً رغم أن هذه الإبداعات بدأت في العام ١٩٩٦م، والسلطة تطارد والضربات التي نفذتها حركة حماس ضد (إسرائيل) هي التي أدت إلى مؤتمر شرم الشيخ لمقاومة ما يسمى بالإرهاب؛ وبناء عليه نحن لدينا إمكانات وقدرة على مواجهة العدو وابتكار الجديد، وشعبنا قادر كما قال الملك عبد العزيز ﵀ في الجامعة العربية: «اتركوا الشعب الفلسطيني يواجه اليهود بنفسه؛ فهو أعلم بعدوه، وعليكم أن تمدوه بالمال والسلاح فقط» يعني كان لا يريد أن تدخل الجيوش العربية إلى فلسطين، واليوم نتمنى أن يأخذوا هذا الدرس ويمدوا الشعب الفلسطيني بالمال والسلاح، وهو الذي كان الحاج أمين الحسيني يطالب به أيضاً وقال لهم: «نحن مش عايزين جيوش نحن عايزين إمداد مال وسلاح، وشعبنا قادر على اليهود» صحيح أن هذه لا تحسم المعركة لكن هذه تساهم في الطريق إلى المعركة النهائية في إضعاف العدو وإرباكه حتى تأتي المعركة النهائية وتكون القوة العربية والإسلامية جاهزة للوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني وحسم الصراع إن شاء الله. البيان: راقب الإسلاميون بإعجاب وتقدير دوركم العظيم في الحيلولة دون نشوب حرب أهلية بين الفلسطينيين قبل الانتفاضة بسبب الدور المشبوه لعناصر من السلطة الفلسطينية ضد حماس وغيرها من الحركات الإسلامية؛ فهل من المستطاع المحافظة على هذه السياسة لو استمرت فيما بعد الاستفزازات ضدكم أو أن هناك خطوطاً حمراء غير مسموح بتجاوزها؟ * نحن في الحقيقة أمامنا معادلة صعبة وقاسية، والمعادلة التي يسعى العدو الصهيوني لأن يوصلنا لها والتي يسعى لها كل الاستعمار والاحتلال في العالم بنظام وسياسة فرق تسد، وهو أتى بالسلطة عبر اتفاق أوسلو ونقلها إلى هنا بهدف واحد فقط وهو الحفاظ على أمنه ضد المقاومة، والمقاومة متمثلة بالقوى الإسلامية، وكونه هو وضع نصف الشعب الفلسطيني في جانبه ضد بقية الشعب الفلسطيني فهذا يعني أنه رابح في هذه الحالة؛ ونحن في حماس قرأنا المعادلة مبكراً: هل نمشي في السياسة نفسها؟ يعني هم يطاردوننا من أجل (الأمن الإسرائيلي) ونحن لو قاومنا ندخل في معركة الحرب الأهلية ويخرج المستفيد منها فقط (إسرائيل) وشعبنا هو الذي يخسر كما يحدث في الجزائر من مذابح باسم الإسلام والمسلمين، وهي من صنع المخابرات الأجنبية وعمل أعداء الإسلام ليشوهوا الصورة الإسلامية ولذلك نحن اخترنا خيار الألم والصبر والتضحية على خيار الصدام مع السلطة وسفك الدماء الفلسطينية، ومن أجل هذا الخيار دخلت قيادات من كتائب القسام وقيادات من حماس السجون، ودخل السجون آلاف من إخواننا، وتحملنا كل هذا، والتعذيب القاسي الذي واجهه إخواننا في السجون أقسى مما كان يتصوره من العدو الصهيوني. خرجنا ونحن مقاتلون، ودخل أبناؤنا السجون وهم مقاتلون وليسوا مجرمين ضد أبناء شعبهم، وكي نحافظ على هذه الوتيرة. ونحن دخلنا في السجون بشرف وخرجنا بشرف وغير مستعدين أن ندخل السجون ونحن قاتلون لأبنائنا، ونحن الآن بكل طاقتنا وإمكاناتنا سنحافظ على هذا الخيار مهما كان فيه من ألم لتبقى بنادقنا فقط موجهة إلى العدو الصهيوني ودون أن تنحرف إلى الشعب الفلسطيني، وستستمر هذه المعادلة إن شاء الله مهما بلغت الآلام والتضحيات؛ هذا عزمنا، وهذا عهدنا مع الله أولاً ومع شعبنا ثانياً ومع أمتنا العربية والإسلامية. البيان: لكن ألا يزيد ذلك من تمادي السلطة وتطاولها عليكم؟ ألا تقدِّر السلطة هذه المعاني التي تتحدثون عنها؟ * الحقيقة أن كلامك صحيح؛ وهذا ما حصل في الماضي من بعض الأجهزة التي كانت تعذب الشباب بكل ما لم تعرفه الإنسانية: تعذبه حتى تخلع كتفه، تكسر فقرات العمود الفقري، إلى آخره من التعذيب إلى جانب التعذيب النفسي؛ لكن وأنا أتعذب بين يدي هذا المجرم أحس بالمعنوية العالية بأنني شريف وكريم ومقاتل ومجاهد، لكن هو وهو يعذبني مهزوم من داخله؛ لأنه يخدم العدو الصهيوني، وأنا أخدم الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية وأنا أسير في الشارع رافعاً رأسي؛ لأنني وطني مسلم مجاهد فيعتز بي الشعب الفلسطيني كله، وهو يمشي في الشارع وهو مستحٍ، إذا هزم هو نفسياً وإذا هزم معنوياً وفكرياً فأنا أكون المنتصر، ومعنى ذلك أني غير مستعد أن أعطيه مسوِّغاً لأن يتغوَّل أكثر، إذا كان هو يتغوَّل عليَّ وأنا لم أقتله ولم أسفك دمه فما بالك لو أني سفكت دماءً منه وقتلته فما الذي يحصل ؟ وأمريكا و (إسرائيل) تقول لهم: هذا هو السلاح كل السلاح تحت تصرفكم نفذوا التصفية للإسلام والمسلمين، والغرب يريد ذلك والشرق يريد ذلك؛ فهل من صالحي أنا أن أقتل هؤلاء الناس المتغولين فأعطيهم سبباً وأنا مجاهد أن يتغولوا أكثر، وأن أقتل أبناء شعبي؟ هذا هو المرفوض. البيان: هل ما زالت السلطة تلاحق العناصر المسلحة، أم هي تغض الطرف عنهم؟ وما الذي يحدث؟ * الحقيقة في الوقت الحالي يوجد نوع من غض الطرف من أجهزة أمنية، وأجهزة تتابع، وأجهزة تساعد أحياناً؛ فهم حوالي ١٢ جهازاً أمنياً كما تعرف، بعضهم يطارد ويسجل ويتابع، وبعضهم يغمض العين، وبعضهم يمكن أن يسهل مرات ويقاوم مرات أخرى، المهم الجو الآن أفضل بكثير مما كان عليه قبل الانتفاضة. البيان: لا شك أن كل عمل له حظه من الصواب والخطأ؛ فما هي أبرز مزايا العمل الإسلامي العام في فلسطين خلال نصف القرن الماضي؟ وما هي أبرز أخطائه؟ * الحقيقة أن أبرز أعمال العمل الإسلامي في فلسطين ذو شقين: الأول: التربوي في بناء الإنسان الدعوي، الشق الإنساني الذي خدم الشعب الفلسطيني وهو شق على شكل مؤسسات وجمعيات. والشق الثاني: هو الشق الجهادي القتالي. وأنت تعرف أننا بوصفنا فلسطينيين إسلاميين انطلقنا من خلال حركة الإخوان في فلسطين، وكان لنا دور في المقاومة في التاريخ منذ عام ١٩٣٥م، ١٩٣٦م، وحتى ١٩٤٨م ودخول الإخوان من مصر والبلاد العربية إلى فلسطين في العام ١٩٤٨م حتى قيام مجموعات إسلامية داخل فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م في كفر قاسم والطيبة وغيرهما ممن دخلوا السجون في أعوام السبعينيات حتى جاءت انتفاضتنا في العام ١٩٨٧م التي دخلتها حركة المقاومة الإسلامية من بابها الواسع بشقيها: المقاتل، والمقاوم والمجاهد؛ واستمرت حتى هذه اللحظة، يعني نحن اخترنا الجانب التربوي والدعوي والإنساني في توسيع القاعدة الإسلامية في فلسطين والجانب القتالي والمجاهد والمقاومة لهذا العدو والعمل على تحرير الأرض الفلسطينية. هذه هي أبرز المزايا. وأما المساوئ فلا شك بأن هناك مساوئ، ولكن عندما نضعها إلى جانب المزايا والحسنات فإنها لا تذكر. ربما حدث هناك في مرحلة من المراحل بعض الصراعات الداخلية مع بعض الفصائل، سقط فيها قتلى بطريق الصدام الجزئي فتغلبنا عليها، ربما كان هناك بعض التحقيقات مع العملاء وظلم ناس لم تكن التهمة ثابتة عليهم١٠٠%، والأصل فينا نحن باعتبارنا مسلمين أن ندرأ الحدود بالشبهات وليس العكس؛ وذلك لم يحدث في ظل وجود قيادة واعية وقوية؛ لأن القيادات القديرة الواعية كانت داخل السجون، وصعدت قيادات شابة تحتاج إلى صقل أكثر لمواجهة الواقع الذي يعيشونه. البيان: بماذا تفسرون قلة العمليات الجهادية النوعية لحركة حماس خلال فترة الانتفاضة مقارنة بما كان يحدث قبلها وخاصة في عهد رابين؟ * الحقيقة أن السؤال على إطلاقه غير صحيح، الحديث عن عهد رابين بعد الانتفاضة وفي بداية التسعينيات والتطور الذي حصل في المقاومة في ذلك العهد استغرق سنوات، وأنا أتذكر أول جندي إسرائيلي قتل قتله الإخوان في حماس، وأبلغوني بقتله فقلت لهم: ادفنوه ولا تتحدثوا. وقتلوا الثاني وأمرتهم بدفنه وعدم الإعلان؛ لأننا لم نكن نريد مظاهر للعمل ونتمهل حتى تنكشف العملية وتكشف عن نفسها وحدها؛ لكن إرادة الله هي التي غلبت وانكشفت هذه العمليات، وأنا أقول: إننا خلال خمسة شهور قمنا بعمليات نوعية ضخمة وموجودة؛ لكن لا ينسى الذي يسأل هذا السؤال أن مقاتلينا خلال ٧ سنوات عجاف كانوا يُطارَدون ويسجَنون وإمكاناتنا وسلاحنا وكل ما نملكه من تقنيات كان يصادَر من قِبَل السلطة؛ وفجأة اليوم وبعد هذه السنوات العجاف ويدي خالية من السلاح وأبناؤنا في السجون ومن استشهد وغير ذلك يريدني فجأة أن أعمل عملاً نوعياً! هذا كلام ليس صحيحاً والأمر يحتاج إلى وقت؛ وفعلاً في بداية الانتفاضة لم يكن هناك عمل جيد؛ لأنه لم تكن هناك إمكانيات، لكن الحركة في خلال شهرين تمكنت من أن تقف على أقدامها بصورة جيدة، وقامت بعمليات نوعية وهزت العالم؛ فلأول مرة تجد فلسطينياً يتقدم بعملية بحرية استشهادية ضخمة في الانتفاضة الأولى والثانية. ثانياً: لعلكم رأيتم العمليات النوعية ضد الدبابات التي صورت على التلفاز وكل يوم تحدث عمليات، كالعمليات الجهادية النوعية التي تحدث داخل (إسرائيل) في نتانيا والخضيرة ويوجد عمليات كبيرة. على أي حال إذا قيس العمل في الانتفاضة الأخيرة بالزمن الأول فنحن نفتخر أننا عملنا شيئاً كثيراً خلال شهرين أو ثلاثة، وأقول: المجال أمامنا، والأيام القادمة ستشهد ما هو أفضل وأضخم وأكبر بإذن الله. البيان: كيف ترون العلاقة بين فصائل العمل الإسلامي من جهة وبينها وبين الفصائل العلمانية في الداخل والخارج؟ * سياستنا في حركة حماس سياسة المودة وعدم الصدام مع كل الفصائل وحتى مع السلطة التي تعتقل وتعذب، سياسة حشد كل الطاقات ضد العدو الواحد، وسياسة عدم الاصطدام مع الأنظمة حتى في الدول العربية وتوجيه القوة كلها ضد (إسرائيل) لأن انتصار الإسلام في فلسطين يعني انتصاره في كل الوطن العربي والإسلامي وبناء عليه تبقى علاقتنا مع الفصائل الإسلامية علاقة أخوة وتعاون، وعلاقتنا مع الفصائل العلمانية علاقة فيها مودة ورحمة وفيها بعض التعاون، ولكن ليس على المستوى الميداني ولكن على مستوى التنسيق في العمل الجماهيري الشعبي والمسيرات وغيرها يوجد تنسيق مع كل الفصائل الإسلامية والعلمانية؛ إلا أنه على مستوى الميدان العسكري يبقى كل واحد له عمله، ويبقى هناك بعض التعاون إذا طلبت بعض الفصائل مساعدة، أو مساندة من بعضها، أو تقنيات، أو غيرها. البيان: وماذا عن الفصائل التي في الخارج؟ * أنت تعرف أن من في الخارج بعيدون عن الساحة الفلسطينية، ومن ثم فهم بعيدون عن الصراع الداخلي، وأنا أقول إن سياستنا في الداخل هي سياستنا في الخارج، ونحن غير مستعدين لفتح صراع مع أي جهة أو نظام أو أي واحد، ونحن سنحافظ عليها بكل طاقتنا وإمكاناتنا. البيان: هل بالإمكان الانتقال بالعمل الحماسي من الإطار الإقليمي إلى الإطار الدولي العالمي كأن تكون مثلاً منظمة حماس العالمية؟ * في الحقيقة هذا سؤال جميل وسؤال يدل على التعاطف بحماس زائد لدى من يتساءل ويتحدث بهذه المفاهيم؛ ولكن يجب أن يُعرَف أن معركة الإسلام معركة واسعة وطويلة، والسهام موجهة للإسلام والمسلمين من كل جانب، وفي كل الاتجاهات، وأنا بوصفي مجاهداً في وطن محتل المقدسات أرى أن ضياع هذا الوطن هو إذلال لكل الأمة العربية والإسلامية، وتحريره هو عزة لكل الأمة العربية والإسلامية، وأنا محتاج إلى من يقف إلى جانبي وليس إلى من يقف ضدي حتى الدول المعادية التي تقف إلى جانب (إسرائيل) ، أنا أحتاج إلى أن أعمل من جانبي ما لا يثير عداءها ضدي أو أن أحصل على الأقل على وقوفها إلى جانب الحياد؛ ولذلك أنا لست في حاجة الآن لعمل منظمة عالمية لمقاتلة الكفر والعلمانية وغيره ... أنا في حاجة لعمل منظمة إسلامية ومؤتمرات إسلامية فقط لدعم القضية الفلسطينية ولدعم المقاتل الفلسطيني، ومن أجل هذا أنا أوافق على عمل شيء عالمي، ولكن ليس على أساس نقل الصراع إلى الساحة الخارجية إذ سيبقى القتال والصراع والمقاومة على الأرض الفلسطينية حتى نصل إلى هدفنا، وأنا لست في حاجة لأن أثير نظاماً عربياً عليّ، ولست في حاجة لأن أثير نظاماً أوروبياً أو شرقياً عليّ، أنا في حاجة لأن أشيع بين الناس ليتعاطفوا معي أو أن يقفوا على الحياد. البيان: كيف السبيل في نظركم إلى فصم عُرى التحالف بين الكيان الصهيوني والقوى العالمية المتحالفة معه وعلى رأسها أمريكا؟ * هذا السؤال يحتاج إلى تعاون عربي وإسلامي وفلسطيني للوصول إلى هذا الهدف أولاً هذا العالم الغربي الواقف مع (إسرائيل) لا يحترم إلا القوة ولا يحترم إلا الأقوياء وكلما كان هناك ضعفاء زاد في استغلالهم وإذلالهم؛ وبناء عليه أقول: إننا نريد استنهاض الهمم في الأمة العربية والإسلامية لمساندة الشعب الفلسطيني بالوسائل التي تحدثت عنها سابقاً ولمواجهة العدو الإرهابي الذي يساند إسرائيل بالوسائل السلمية؛ وهذا يعني مقاطعة اقتصادية وتجارية ... إلخ، والتي يمكن أن تضغط على هذه الدول وتجعلها تركع أمام الإمكانات العربية والإسلامية، وأن تؤثر في التجارة العالمية التي تشكل العمود الفقري في العالم، والاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى أن الشعب الفلسطيني يملك من إمكاناته المتواضعة، والدعم الذي وصل من الشعوب العربية والإسلامية ما لعله يجبر هذا العدو على الركوع، وعندما يسقط العدو لا يجد أحداً يقف جانبه؛ لأن خسائره ستكون كبيرة، وأنا أضرب مثلاً بسيطاً جداً: أمريكا جاءت إلى لبنان تريد أن تنزل قواتها وتعمل عربدة هناك بعمليتي المارينز لكنها رحلت من حيث أتت، وأمريكا دخلت إلى الصومال تريد أن تعربد هناك؛ لكنَّ عمليةً دفعتهم إلى أن يحملوا حقائبهم ويغادروا؛ هؤلاء ناس لا يفهمون إلا لغة القوة، ولذلك أقول: مطلوب منا التعامل مع عدو لا يفهم إلا لغة القوة؛ في (إسرائيل) الصهيونية هنا بالمقاومة المسلحة القوية التي تستنزفه ويدفع ثمنها غالياً وكبيراً، وفي الوطن العربي والإسلامي بالمقاطعة التجارية لهذا العدو. وإن لم تكن الأنظمة قادرة على تنفيذ ذلك؛ فالوطن العربي والإسلامي قادر على أن يقاطع هذه البضائع؛ كما حصل في الخليج والسعودية من مقاطعة البضائع الأمريكية، والمطاعم أفلست وأغلقت أبوابها؛ لأن المواطن قادر على أن يغير المعادلة في الملابس والسيارات وغيرها، إذا فعلنا ذلك فإنهم سيأتون إلينا ويجرون وراءنا؛ لأننا ربع العالم؛ مليار وربع مليار نسمة نستطيع تغيير المعادلة كلها، وليس بالضرورة بالصدام العسكري، وهذا في نظري استخدام الاقتصاد والتجارة إلى جانب مقاطعة بضائعهم المختلفة، والسلاح الذي نشتريه اليوم وبعد خمس سنوات يصبح لا لزوم له، وندفع مليارات لهم، وبدل أن أدفع لهم المليارات أستطيع أن أصنعه عندي في بلدي آخذ ما عندهم وأطوره عندي وأتقدم إلى الإمام، ولا يجوز أن يبقوا هم يعملون وأموالنا تذهب لهم من أجل أن أواجه واقعاً، كما يجب أن لا أجري وراءهم وهم يخلقون صراعات داخلية في المنطقة حتى يدفعوني لشراء السلاح، وبدل أن آتي بسلاحهم لأحل مشاكل مع جيراني من الدول العربية والإسلامية يجب أن أحل المشاكل بالطرق السلمية حتى لا أدخل في حروب تستنزف القوة. البيان: أي أنت لست مع مهاجمة المصالح الغربية المتحالفة مع الكيان الصهيوني في الخارج؟ * في الحقيقة المهاجمة شرعاً جائزة ضد العدو وضد من يقف مع العدو وضد من يساند العدو بالمال والسلاح، لكن هذا ليس قانوناً يؤخذ على إطلاقه؛ لأنه لو قاومت هؤلاء الناس فهل يكون من مصلحتي أو ضد مصلحتي؟ أزيد من قوة العدو أو أخفف قوته؟ أنا أريد أن أفرق هذه القوى عنه، ولا أريد أن أفتح معركة مع آخرين وأزيد قوته عليّ، أنا في حاجة إلى أن أخفف أعدائي ومناصريهم لذلك يجب أن أحصر معركتي معه هو، ولو كان مباحاً لي أن أقاتل غيره، لكنني لا أريد هذه الإباحة اليوم؛ لأنها ليست فرضاً عليّ، ولا أريد أن استخدمها في الوقت الراهن. البيان: يذهب كثير من المحللين إلى أنه لا سبيل إلى توجيه جهاد مؤثر ضد العدو إلا بإيجاد جبهات مقاومة على غرار المقاومة الوطنية في لبنان مع الفارق طبعاً فهل تلوح في الأفق إمكانية لقيام مثل هذه الجبهات بحيث تكون منطلقاً للمقاومة المسلحة في فلسطين؟ * أولاً: أنا أحب أن أقول لك إن المقاومة المسلحة في فلسطين تقوم بدور كبير جداً، وتعيش حياة أقسى مما هي في لبنان، اللبناني يخرج من بيروت ولبنان إلى الحدود الإسرائيلية وظهره آمن بأن السلطة معه وأن الشعب معه وأن السلاح مخزن وراءه، وأنه يستطيع أن يجلب السلاح كما يريد، لكن أنا أخرج لأقاتل العدو اليهودي والسلطة ورائي تعتقلني، والسلطة ورائي تسحب سلاحي وتصادره، فأنا لست آمناً لا من وجهي ولا من ظهري هذه واحدة. الثانية: أن العدو الإسرائيلي نفسه يسيطر على الأرض كلها، وأنا كل إمكاناتي تكون في حدود حاجة المقاومة ولا نملكها، في لبنان هو يملك مدافع ضد الطيران؛ وأنا لو جلبت ذلك لعندي في ظل احتلال فأين أضعها؟ إنها تنكشف ولا أستطيع أن أحميها أو أخفيها؛ وهذا يعني أن يكون عندي الوسائل التي أستطيع أن أخفيها، ولا أستطيع أن أجلب وسائل أكبر من ذلك مثل صواريخ سكاد وغيرها، فأين أضعها؟ وإذا استطعت إخفاء صاروخ أو عشرة صواريخ وبعد؟ ! يجب أن لا ننسى أنني محاصر، وحدودي من كل الاتجاهات محاصرة، والحدود العربية ليست مفتوحة حتى أجلب ما أشاء، كما أن (العدو الإسرائيلي) يحاصرني من كل الاتجاهات براً وبحراً وجواً؛ فالإمكانيات من أين تأتي لي كلها تأتي تسللاً وتهريباً ومطاردات، وتصل بعد شق الأنفس؛ فلذلك واقعنا هنا يختلف، وعندما تصبح السلطة هنا، وعندما يصبح الواقع هنا فيه نوع من الحرية التي وجدت في لبنان فسيرى العالم أن شعبنا يصنع المعجزات التي لم يصنعها أحد. البيان: لو افترضنا جدلاً أن السلطة ظفرت بدولة معترف بها، وأُعطيت جزءاً من القدس لتكون عاصمة لها فما طبيعة العلاقة التي ستكون بينكم وبين السلطة في هذه الحالة؟ * نحن ننظر إلى القضية من طرفين: الأول: ماذا حصَّلت السلطة من هذا العدو؟ . والثاني: ماذا فقدت السلطة من حق الشعب الفلسطيني لصالح هذا الاحتلال؟ ونقول: إن أرض فلسطين وقف لا يملك أحد التنازل عنها، والتنازل في نظرنا مرفوض؛ أما أن نحصِّل من العدو أرضاً ومقدسات فهذا جيد.. أن نحصِّل من العدو سيادة على الأرض والحدود فأمر ممتاز، لكن هل هذا مقابل أن أتنازل له عن أرضي المحتلة عام ١٩٤٨م؟ هذا مرفوض عندنا وهل هذه السيادة سيادة حكم ذاتي في ظل الأمن والقوة الإسرائيلية؟ أم سيادة حرية كاملة: معابر، وحدود، ومداخل، وزوال الاحتلال ومستوطناته وآثاره وجيشه؟ أم هي مجرد إعادة انتشار لـ (الجيش الإسرائيلي) الذي كان على جبل نابلس وأصبح على جبل جنين أو انتقل من حدود رام الله إلى حدود نهر الأردن إلى الشرق؟ هذه هي المواقف التي ننظر لها، ولذلك نقول: إن الاتفاقية القادمة هي نفسها التي تحدد العلاقة، والتنازل القادم هو الذي يحدد العلاقة، وأي تنازل عن حقنا في فلسطين مرفوض، ونحن سنستمر في المقاومة. البيان: لكن ألا تخشون أن هذه المقاومة ستؤدي إلى صدام أنتم تسعون إلى تجنبه؟ * نحن أخذنا هذا الخيار منذ اتفاقية أوسلو، وصممنا على المقاومة ورفضنا الاتفاقية، واستمر خيارنا واستمرت المعاناة واستمرت المطاردة، ورفضنا السلام، وسنستمر على هذا الخيار. البيان: نرجو التفضل بإعطاء فكرة للقارئ حول موقف حماس من عمليات السلام ومحاولة تجزئة فلسطين من خلال المفاوضات؟ * أقول إننا لسنا ضد السلام؛ لأن السلام هو الله؛ لكنه السلام الذي يأتي لي بأرضي ووطني وحقي، أما السلام الذي يفقدني أرضي وبيتي وحقي ومقدساتي فهذا ليس سلاماً وإنما هو استسلام، وأقول: رحم الله الخليفة الأول أبا بكر الصديق ﵁ الذي قال للمرتدين: «إما حرباً مجلية أو سلماً مخزية» ، فقالوا له: «الحرب المجلية عرفناها؛ فما هي السلم المخزية؟» قال: «أن تلقوا السلاح، وأن تأخذوا بأذناب البقر في الرعي، وممنوع أن تحملوا السلاح» ، والسلم المخزية تحتاج إلى حرب مجلية، إن شاء الله، ولذلك نقول: إن هذا السلام هو استسلام مرفوض تماماً، مرفوض تجزئة القضية الفلسطينية، مرفوض التنازل عن أي ذرة من أرض فلسطين وتراب فلسطين، مرفوض التنازل عن أي شبر من أرض فلسطين؛ لأن هذه الأرض هي وقف إسلامي، ولا يملك رئيس ولا جيل ولا شعب التنازل عنها؛ لأنها ملك لأجيال المسلمين، ونحن لا نريد خداع الشعب الفلسطيني ولا تجزئة القضية: أرض الـ ١٩٤٨م راحت، وبعدها تدخل إلى أرض ١٩٦٧م ويضيع ٩% أو ١٠% منها وتدخل ونخليها كلها مستوطنات وندخل نقسم القدس ونجزئها، وندخل إلى الحدود التي لا سيطرة لنا عليها، ويسيطر العدو على الأرض والهواء، كل ذلك خداع للشعب الفلسطيني واختزال للقضية الفلسطينية شيئاً فشيئاً من بلد كبير واسع إلى نقطة أو نقطتين أو ثلاثة؛ ولذلك فإن هذه التسوية مرفوضة ولا نعتبرها سلاماً، بل هي استسلام. البيان: ما هي احتمالات قيام اليهود بتنفيذ مخططاتهم الإجرامية ضد المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة في ظل الظروف الراهنة؟ * الاحتمالات كبيرة، والمؤامرات خطيرة، والعقيدة الصهيونية تساندها صهيونية نصرانية كلها تسعى لبناء الهيكل مكان المسجد الأقصى أو إلى جواره عند أصعب الظروف، وهذه طبعاً عقيدة ينتمي لها كل الصهاينة واليهود في العالم وكل النصارى المؤازرين لليهود في العالم؛ وبذلك ما دامت (إسرائيل) تملك زمام الأمور فالمتوقع كل يوم أن يحدث نسف المسجد أو حرقه أو تدميره عن طريق الحفريات التي تحته أو عن طريق متفجرات وهذا شيء وارد وما لم تنتبه الأمة العربية والإسلامية انتباهاً قوياً وتقف موقفاً صلباً من كل من يدعم (إسرائيل) حقوق في القدس أو مفارقة ومفاصلة وتدعم الشعب الفلسطيني في مقاومته ومقاتلته لهذا العدو. أعتقد أن (الإسرائيليين) إذا وجدوا الفرصة السانحة بتخاذل الأمة العربية والإسلامية فلن يتوانوا عن تنفيذ مخططاتهم ومؤامراتهم وبناء الهيكل الذي يعتبرونه إيذاناً بقدوم المسيح المنتظر وإيذاناً بأن ينتصروا على المسلمين في (معركة مجدو) لكن أنا أقول: في كل الأحوال ستكون الخاتمة والمعركة الحاسمة لصالحنا نحن المسلمين، وإن هذه الأرض لا يمكن أن يثبت عليها الكيان الإسرائيلي، وستلفظه كما لفظته من قبل، فإما أن يدفن فيها ويذبل في ترابها، وإما أن يكنس منها [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) . البيان: ما هي ملامح المرحلة الجهادية القادمة بنظركم لو استمر معدل التصعيد الإسرائيلي المقترن بالإصرار على بسط السيطرة على القدس بشطريها وتهديد المقدسات الإسلامية، وما هي ملامح تلك المرحلة لو قامت حرب جديدة في المنطقة؟ * المستقبل هو استمرار الصدام مع العدو الصهيوني، واستمرار المواجهة والتضحيات والشهداء، وإسرائيل محتمل أن تهاجم المناطق الفلسطينية الآن وتعتدي عليها؛ لكن ستكون هي الخاسرة؛ لأن المقاومة الفلسطينية والشعب كله جاهز للمواجهة شعبنا في الماضي لم يكن عنده الإمكانات مثل اليوم، ولذلك فإن أي تصعيد من (الجانب الإسرائيلي) أضعه في صالحنا إن شاء الله؛ لأنه سيواجه بتصعيد أكبر وأضخم من شعبنا، وأي تصعيد من إسرائيل ضد الأمة العربية والإسلامية أيضاً في صالحنا؛ لأنه سيدفع بطاقة عربية إسلامية جديدة إلى الميدان. ثانياً: لأنه إما أن ننتصر نحن على (إسرائيل) في المعركة القادمة مع أي دولة عربية وستكون هذه خسارة وهزيمة لها وبداية السقوط الكامل، أو ستتوسع وتنتصر من جديد؛ فإذا توسعت من جديد كانت هي الخاسرة؛ لأن الشعب الفلسطيني أعطى درساً للعالم العربي، وإذا كانت (إسرائيل) غير قادرة على السيطرة على ثلاثة ملايين فلسطيني يعيشون في الداخل فكيف يمكنها أن تسيطر على أرض عربية جديدة فيها الملايين، وطبيعة البلاد الأخرى الميدانية للمقاومة أكبر وأقوى؟ فستكون هي الخاسرة؛ ولذلك مهما كانت المرحلة القادمة فإنها ستكون بداية الزوال الكامل إن شاء الله لدولة (إسرائيل) عن أرضنا [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) . البيان: ألا تعتقد أن قضية الحرب بدأت تظهر علاماتها مع تشكيل حكومة الحرب برئاسة شارون؟ * أنا قلت إن إسرائيل خاسرة في كلتا الحالتين إن انتصرت فهي خاسرة؛ وإن هُزمت فهي خاسرة. البيان: لكن لا يلوح في الأفق أن الدول العربية تبدي استعداداً لمجرد احتمالية قيام الحرب؟ * في الحقيقة أن الدول العربية لم تكن في يوم من الأيام مستعدة للحرب، لا في الماضي ولا في الحاضر؛ لأن الاستعداد للحرب يحتاج إلى مقومات وبرنامج، وخطط. فعبد الناصر الذي دخل في عام ١٩٦٧م الحرب هو عبد الناصر الذي قال في ١٩٦٥م للمجلس التشريعي الفلسطيني الذي قابله: «أنا معنديش خطة لتحرير فلسطين، والذي يقول لكم عنده خطة لتحرير فلسطين بيكذب عليكم» وكان هذا رداً على الملك حسين الذي كان يقول: لا بد من وضع خطة لتحرير فلسطين؛ وكانت الدول العربية غير واضعة خطة للتحرير؛ لأن إمكاناتها غير متوفرة، لكن إذا فرضت عليها الحرب فستدافع عن نفسها؛ والذي يدافع عنه نفسه يصنع المعجزات رغم عدم تكافؤ القوة، وأنا أضرب مثلاً بسيطاً بحيوان هو القط: إذا حشرته في زاوية في غرفة وهاجمته فإنه يتحول إلى وحش ويقتل من يهاجمه؛ فما بالك في إنسان يهاجَم في أرضه ووطنه؟ ! وهم جربوا ذلك: توسعوا في سيناء والقناة، وأنا أقول: إن الحرب القادمة إذا نوت (إسرائيل) أن تدخلها فهي من أي اتجاه خاسرة وستخسر المعركة إن شاء الله تعالى. البيان: سبق أن حددتم زمناً معيناً لزوال دولة اليهود كما نشر في بعض الصحف؛ فما هي المرتكزات التي استندتم إليها في ذلك؟ أم أن هذا من باب التفاؤل بالمستقبل فقط؟ * الحقيقة هذا عبارة عن استلهام من آيات القرآن الكريم واستلهام تاريخي من الواقع. الاستلهام القرآني أن ربنا في كل أربعين سنة يغير الأجيال ونفوس الأجيال وطبائعهم، وهذا جاء في سيرة بني إسرائيل في القرآن قال: [فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الفَاسِقِينَ] (المائدة: ٢٦) حرمهم أربعين سنة؛ لأنهم رفضوا أن يدخلوا مع موسى ﵇ للقتال ليموت الجيل الضعيف الجبان ويخرج جيل يقاتل يَقتل ويُقتل هذه واحدة، الثانية من التاريخ؛ ففي الحروب الصليبية الأمة الإسلامية ضعفت أربعين سنة وبعد أربعين سنة ثانية بدأت المقاومة والمناوشات حتى بدأ زوال الصليبية؛ إذن نظرية الـ ٤٠، ٤٠ هي معادلة تاريخية إيمانية صحيحة، وعندما خسرنا المعركة وطردنا وشردنا وخرجنا من بلادنا عام ١٩٤٨م واستكان الشعب الفلسطيني في الداخل، وبدأت المقاومة من الخارج من الأردن ولبنان من ١٩٤٨م إلى ١٩٨٧م هي الأربعين سنة الشعب الفلسطيني عندما انتفض وواجه مع أنهم كانوا غير معترفين بحاجة اسمها الشعب الفلسطيني ولا بالقضية الفلسطينية كانوا متنكرين تماماً؛ وكانت القضية ملقاة على رفوف الأمم المتحدة، الانتفاضة قلبت الموازين: جلبت مبادرات، اعتراف بحق، اعتراف بوجود، اعتراف بشعب، وكشفت الوجه اليهودي البشع في العالم، ودفعت شعبنا الذي كان يواجه بالحجر وغيره الذي كان يخاف وبجيشه الذي هرب من فلسطين أمام مذبحة أو اثنتين أو ثلاثة وأمام الدعاية الصهيونية، اليوم صاروا يقتلون فيه ويواجه العدو بالحجر، إذن الشعب الفلسطيني بعد ٤٠ سنة تغيرت موازينه ورؤيته الإيمانية: نقول إنه بعد الأربعين سنة الثانية سيكون الانهزام والزوال لدولة إسرائيل إن شاء الله تعالى. البيان: يعني زوالهم في عام ٢٠٢٧ تقريباً؟ * تقريباً، وليس شرطاً أن يكون ٢٠٢٧م بالضبط إذ يمكن أن يكون قبل خمس سنوات، ويمكن أن تزيد عشر سنوات، المهم في هذا المعدل حول العام ٢٠٢٧م تدور الدائرة وتزول الدولة العبرية إن شاء الله.

стр. 3872

المسلمون والعالم اليورانيوم المنضب وحقوق الإنسان بين الحقيقة والخيال د. يوسف بن صالح الصغير [*] تصاعدت ردود الأفعال الأوروبية على قضية اليورانيوم المستهلك وأنه السبب وراء إصابة بعض جنود الحلف الذين اشتركوا في العمليات في البلقان سواء في البوسنة أو كوسوفا بسرطان الدم، وكان التركيز الإعلامي على إصابة ثمانية جنود إيطاليين وبضعة جنود في البرتغال وهولندا وأسبانيا وفرنسا واليونان، والسؤال هنا: وماذا عن حوالي ٢٠٠ ألف جندي أمريكي يعانون مما يسمى بآثار حرب الخليج؟ والأهم بالنسبة لنا: ماذا عن ملايين المسلمين الذين يعيشون في مناطق العمليات؟ ما هي الأمراض السرطانية الجديدة؟ وما هو معدل التشوهات في الأجنة؟ وأيضاً ماذا عن البيئة الحيوانية والنباتية في هذه المناطق؟ إنها أسئلة تبحث عن إجابة، وليس هذا مجال بحثها، ولكن يهمنا هنا إلقاء بعض الضوء على هذا الموضوع الحساس، ومعالجته بصورة تناسب غير المختصين، وسنركز على موضوع اليورانيوم المستنفد، وخلفية استخدامه، وآثار هذا الاستخدام. اليورانيوم: يوجد اليورانيوم بصورة طبيعية في كثير من الصخور الجرانيتية والتربة بدرجات متفاوتة، ويحتوي خام اليورانيوم على ثلاثة نظائر مشعة، وهي: اليورانيوم ٢٣٨ ونسبته ٩٩.٢ %، واليورانيوم ٢٣٥ ونسبته ٠.٧ %، وبعض النظائر الأخرى، ومنها اليورانيوم ٢٣٤ ونسبتها ٠.١ %. يستخدم اليورانيوم ٢٣٥ بشكل أساسي في صنع الوقود النووي والأسلحة النووية، وحيث إن تصنيع الوقود النووي يحتاج إلى كميات كبيرة من اليورانيوم ٢٣٥ وبصورة أقل اليورانيوم ٢٣٤؛ فإن عملية تركيز الخام وفصل هذه النظائر يخلف كميات كبيرة من اليورانيوم ٢٣٨ مختلطاً بنسب صغيرة من اليورانيوم ٢٣٥؛ وهذا يسمى اليورانيوم المنضب أو المستهلك. إن الفرق الأساسي بين نظائر اليورانيوم هو في نوع الإشعاع الصادر؛ فبينما يطلق كل من النوعين: ٢٣٥، ٢٣٤ أشعة جاما وبيتا ذات الطاقة العالية فإن اليورانيوم ٢٣٨ يطلق فقط أشعة ألفا وهي أشعة لا تمثل خطورة عند التعرض لها من خارج الجسم. إن معدل إشعاع اليورانيوم ٢٣٨ يساوي ٦٠% من الإشعاع الصادر من اليورانيوم ٢٣٥ ولكن نوع الأشعة يختلف، وبذلك يعتبر نسبياً آمناً؛ ولكنه من ناحية أخرى يعتبر من المعادن الثقيلة والسامة جداً، وله تأثير مدمر عندما يدخل الجسم سواء عن طريق الاستنشاق أو الأكل؛ حيث إنه يدخل في الدورة النباتية والحيوانية؛ فلهذا فإن تلوث التربة باليورانيوم المنضب له تأثيرات طويلة المدى. ولكن لماذا قامت أمريكا بتحويل اليورانيوم ٢٣٨ إلى سلاح واستعماله بكثافة؟ هل السبب هو أن سباق التسلح أيام الحرب الباردة أو ما يسمى بالتوازن النووي بالإضافة إلى التوسع الكبير في إنتاج الطاقة النووية قد أدى إلى تراكم كميات هائلة من النفايات النووية المشعة التي يشكل اليورانيوم المستهلك أغلبها؟ وكانت الطريقة المتبعة في التخلص منها هو دفنها في الصحاري أو أعماق البحار، ولكن نشاطات الجماعات المناهضة لتدمير البيئة أو التي تسمى جماعات الخضر أدى إلى صعوبة دفن النفايات داخل الدول الصناعية؛ ولذلك فقد أصبح البحث عن طرق للتخلص من هذه النفايات أو أماكن لدفنها هو الشغل الشاغل لبعض الهيئات الحكومية أو المتعهدين الذين يتسلمون النفايات ويتخلصون منها بطريقتهم الخاصة! ! وحتى نتصور عمق المشكلة وتشعبها فإنه يتعين إلقاء بعض الضوء على مشكلة النفايات سواء منها الكيميائية أو النووية. النفايات السامة: تنتج الدول الصناعية الكبرى في أوروبا خمسة ملايين طن من النفايات الكيميائية والنووية سنوياً، أما أمريكا فتنتج سبعة ملايين طن، وكندا مليوناً واحداً، وروسيا مليوناً واحداً أيضاً. أما دول العالم الثالث مجتمعة فتنتج مليون طن من النفايات. لقد كان التعامل مع النفايات يتم بعيداً عن روح المسؤولية؛ فقد كانت بريطانيا تلقي بالنفايات في أنهارها وفي بحر المانش بل في الممر الفاصل بين اسكتلندا وإيرلندا الشمالية وفي مواقع داخل بريطانيا وخارجها، ولم يكن الأمر في بقية الدول الصناعية مختلفاً؛ ولكن مع تصاعد الوعي البيئي وقوة جماعات الخضر فقد تم حظر إلقاء النفايات في البحار ابتداءً من بداية السبعينيات الميلادية، وأصبح من الصعب على الدول المتقدمة دفن النفايات في أراضيها؛ ولهذا فقد اتجهت الأنظار إلى إنشاء معامل للتعامل مع النفايات، وهي معامل مكلفة وكانت فرنسا رائدة في هذا المجال وهي تعاني بسبب وجود ١٠٨٣ موقعاً داخل أراضيها من مخلفات إشعاعية نشطة تمثل مشكلة عويصة؛ حيث أثبتت الدراسات الميدانية إصابة عدد كبير من سكان منطقة لاهاج، وهي إحدى مقابر النفايات في فرنسا باللوكيميا. إن الحل الأمثل كما تراءى للدول الصناعية هو دفن النفايات في الدول النامية، ويلاحظ أن تزايد الفساد أو تدهور سلطة الدولة أو سقوطها يمثل الضوء الأخضر لقدوم الشحنات المرعبة في النفايات. وإليك بعض الأمثلة التي تمثل رأس الجبل: - أفاد تقرير دولي أنه تم دفن نحو ستة ملايين طن من النفايات في ١١ دولة آسيوية خلال أربع سنوات فقط. - في لبنان تم اكتشاف شحنة نفايات قادمة من ألمانيا. - في الصومال كان انهيار الدولة عاملاً أساسياً في تحول المياه الإقليمية والأراضي الصومالية إلى مقبرة للنفايات، وأصبح دفن النفايات مصدر دخل للميليشيات المتقاتلة. - تم اكتشاف مدفن نفايات في إحدى الولايات النيجيرية. - وفي الصين يجري التحقيق في وصول شحنة نفايات أمريكية إلى ميناء كينج داو. - في البوسنة تتهم السلطات البوسنية قوات حفظ السلام ببناء مستودع كبير لتخرين النفايات النووية والكيميائية بين سراييفو وتوزلا. - أنباء عن دفن نفايات نووية إسرائيلية في موريتانيا، وهذا من أوائل آثار التطبيع. والذي ينبغي الانتباه له هو أنه يجب تنبيه رجال الجمارك وحرس الحدود إلى خطورة هذه الشحنات، وأنها لا تقل خطورة بأي حال عن المخدرات؛ لأن آثارها تمتد لأجيال عديدة. والذي يجب أن يكون واضحاً لدينا هو أن الدول الصناعية لديها مشكلة نفايات نووية وأن المهم لديها هو التخلص منها بأقل تكلفة ممكنة. وكان استعمال اليورانيوم المستهلك (٢٣٨) في إنتاج أسلحة شديدة الفتك مخرجاً مثالياً لأمريكا؛ حيث إنها جمعت بين التخلص من هذه النفايات من جهة، ومن جهة أخرى فإنها بدلاً من تكاليف التخلص منها أصبحت ذات مردود اقتصادي مجزٍ؛ وهذا يغير الإصرار الأمريكي على مقاومة أي توجه لحظر هذا السلاح، ولكن خوف الجنود أنفسهم من التعامل مع هذا السلاح جعل البحرية الأمريكية تستغني عن هذا السلاح، وتبعتها البحرية البريطانية بعد توقف إنتاج هذه القذائف من قبل الشركة الأمريكية المنتجة. طبيعة هذا السلاح: إن ذرات المواد المشعة تتقادم التحول (delay) بصورة عشوائية، ولكن الزمن اللازم وعدد الخطوات اللازمة ونوع الإشعاعات الصادرة في كل خطوة معروفة جيداً. ويعرف نصف العمر بالزمن الذي يستغرق لتقادم نصف ذرات المادة المشعة وهو يتراوح بين الثواني وملايين السنين؛ أو بصورة أخرى فإنه بعد مرور نصف العمر لمادة ما فإن نشاطها الإشعاعي ينخفص للنصف، وهذا يعني بصورة عامة أن النشاط الإشعاعي يظل كبيراً بالنسبة لليورانيوم ٢٣٨ ما لم يبلغ نصف عمره؛ والجدول المرفق يوضح التغيرات المختلفة التي تصاحب تقادمها الإشعاعي، وأن سلسلة من المواد المشعة تنتج على التوالي حتى يتحول اليورانيوم إلى مادة ثابتة هي مادة الرصاص ٢٠٦. وعلى العموم فإن جميع ذرات اليورانيوم تعتبر متوسطة الإشعاع. وتأتي أهمية اليورانيوم المستنفد عسكرياً في كونه يتمتع بكثافة عالية (٥.٢ جم/سم٣) وخصائص حرارية؛ بحيث إن القذيفة المغلفة باليورانيوم تستطيع اختراق جسم أي دبابة أو تحصينات، وتمر فيها كما تمر السكين بالزبدة، وتشتعل ذاتياً، وترتفع حرارتها عدة آلاف من الدرجات، وتدمر الهدف حتى ولو كانت القذيفة صغيرة الحجم؛ لأن قوة الصدمة كبيرة جداً نظراً لوزن القذيفة الكبير بالنسبة لحجمها. ومن الناحية العسكرية فقد تفوقت هذه القذيفة على القذائف المغلفة بالتنجستين من ناحية قوة التأثير، وهي أيضاً أقل من ناحية التكلفة. استعمال هذا السلاح: كما مر سابقاً فقد كان التخلص من نفايات الصناعة النووية عاملاً مهماً في التوجه نحو اليورانيوم المستنفد؛ ولهذا فقد بدأ تصنيعه في السبعينيات الميلادية، وكان أول استعمال واسع النطاق له في حرب الخليج الثانية؛ حيث استعمل منه حوالي ٣٥٠ طن أو ٩٠٠ ألف قذيفة تقريباً في الكويت، وجنوب العراق، واستعملت حوالي ١٠ آلاف قذيفة في البوسنة، و٣١ قذيفة في أحداث كوسوفا، واعترفت دولة يهود باستعمال هذا السلاح في جنوب لبنان وفي بعض العمليات البحرية، وهناك شكوك كبيرة في استعمال هذا السلاح في ضرب مقرات السلطة الفلسطينية وأثناء الانتفاضة الحالية. مخاطر هذا السلاح: يمكن تقسيم آثار هذا السلاح إلى ثلاث مراحل أو أقسام: القسم الأول: مخاطر التعامل مع القذائف قبل الاستخدام، ونعني بذلك ملامسته أو البقاء قرب المقذوف أثناء النقل أو التخزين داخل منظومات السلاح في مدفعية أو دبابات أو طائرات. لقد راهن المصنعون على أن هذا السلاح يطلق فقط أشعة ألفا الضعيفة وتنعدم خطورته الإشعاعية تقريباً على بعد حوالي عشرة سنتيميترات فقط، ولكنهم نسوا أو تناسوا أن هذه القذائف مصنعة من نفايات نووية أي أنها مكونة أساساً من اليورانيوم ٢٣٨، ويوجد فيها شوائب من مواد مشعة أخرى لا شك في تأثيرها على الجنود المتعاملين معها أثناء فترات السلم الطويلة، وهذا في رأيي سبب أساسي في مطالبة الدول الأوروبية خاصة إيطاليا وفرنسا حظر هذا السلاح، ولا شك أن الضجة المصاحبة ستؤدي إلى صعوبة إقناع حتى الجنود الأمريكيين بسلامة التعامل معه، وقد بدأت البحرية الأمريكية بالاستغناء عن هذا السلاح، مما يوحي أنه سيتم الاستغناء عنه كلياً، ولكن السؤال هنا: هل ستقوم أمريكا بدفنه، أم بيعه للدول الحليفة والصديقة؟ القسم الثاني: مخاطر استخدام السلاح الآنية: عندما ينطلق المقذوف بسرعة عالية ويصطدم بالهدف فإنه يخترقه بسهولة فائقة مولداً كمية هائلة من الطاقة مما يرفع درجة الحرارة؛ بحيث يحترق حسب تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية من ١٠ إلى ٧٠% من المقذوف، ويتحول إلى أكسيد اليورانيوم، أما البقية فتتحول إلى ذرات دقيقة من غبار اليورانيوم الذي ينتشر في المحيط سواء ضمن الهدف أو في التربة أو في الهواء، وتشير نتائج تحليل النماذج الملوثة باليورانيوم المستنفد إلى وجود الثوريوم ٢٣٤ والبروتوكتونيوم ٢٣٤ والرديوم ٦ وهي من بنيات اليورانيوم كما يوضح ذلك الجدول السابق؛ وخطورتها تكمن في نشاطها الإشعاعي الكبير الذي يزداد كلما نقص نصف العمر في أن تلوث الهدف المصاب والمنطقة المحيطة به يكون كبيراً، وقد قامت بنقل حوالي عشرين مدرعة أمريكية مصابة بالخطأ وتم صرف ملايين الدولارات من أجل تنظيف هذه القطع البسيطة، وتم التخلص من أربع دبابات في المنطقة وذلك بدفنها؛ نظراً لتلوثها الشديد. وهنا يبرز السؤال الآتي: وماذا عن آلاف المدرعات العراقية المدمرة سواء في الكويت أو في جنوب العراق؟ ! لقد تسابق جنود التحالف إلى تسلُّق الدبابات المدمرة وأخذ الصور، بل وأخذ قطع تذكارية؛ ولم يتم تحذيرهم من الاقتراب منها، بل لقد بقيت هياكل الدبابات في الكويت في المطلاع وغيره ثلاث سنوات حتى تم تحذير الحكومة الكويتية، فقامت بنقلها إلى غرب الكويت؛ وهذا بالطبع غير كاف بصورة مطلقة؛ فماذا عن تربة الكويت الملوثة ببقايا القذائف؟ وماذا عن جنوب العراق الذي تتناثر فيه هياكل المدرعات مع بقايا القذائف؟ وهل التلوث سيبقى محصوراً في جنوب العراق ومناطق تجميع الحطام الملوث في الكويت، أم أن خطر التلوث مستمر ومتنقل؟ ! وأيضاً ما هي مخاطر التعرض لأكسيد اليورانيوم المنبعث أثناء تدمير الهدف؟ وما هي أيضاً مخاطر الغبار الناتج من ذرات اليورانيوم، وأيضاً هل احتكاك المقذوف بماسورة المدفع أثناء الإطلاق يتولد عنه تطاير ذرات من اليورانيوم وبنياته؛ ومن ثم تلوث حتى السلاح المستعمل؟ إنها كلها أسئلة تحتاج إلى إجابة! القسم الثالث: مخاطر ما بعد الاستخدام: إن استنشاق أكسيد اليورانيوم يؤدي إلى مشاكل في الكلى والكبد، ولكن الأخطر هو الغبار المتكون من ذرات اليورانيوم التي عندما تدخل الجسم فإنها تلتصق بالرئتين وتسبب السرطان، وأيضاً فإن أشعة ألفا المنبعثة تكون مدمرة من داخل الجسم حيث تؤدي إلى تغيرات جينية؛ فقد ثبت انتشار سرطان الدم في أبناء المتعرضين للتلوث، وأيضاً ظهرت التشوهات المتماثلة في أبناء الجنود الأمريكيين المشاركين في العمليات والمواليد في جنوب العراق مما يوحي أن السبب المباشر واحد. إن اليورانيوم في حد ذاته مادة سامة وخطورتها أيضاً تكمن في أن وجوده في التربة يؤدي إلى دخوله في الدورة النباتية والحيوانية، ومجرد دخوله في الجسم سواء عن طريق الاستنشاق للغبار أو أكل نبات أو حيوان ملوث فإنه يعني بقاءه بتأثيره المدمر حتى النهاية. وهناك خطر آخر وهو انتشار التلوث؛ حيث إن المناطق الملوثة صحرواية؛ وعليه فإن كمية الماء اللازمة لتثبيت التربة الملوثة قليلة؛ ولهذا فإن التربة الملوثة تتنقل نتيجة العواصف والرياح إلى جميع المناطق المحيطة، وإذا كان الإنجليز أثبتوا وصول آثار تلوث تشيرنوبل النووي إلى بريطانيا، وأيضاً أثبتوا وصول العوالق التربية والرمال من الصحراء الكبرى؛ فما هي حدود دائرة التلوث حول العراق والكويت مما يوجب العمل الجاد من أجل تجاوز هذا الخطر؟ وإذا كان مر على التلوث عشر سنوات ويتوقع استمراره على قدر العمر الإشعاعي لليورانيوم فإنه يجب تحديد المناطق المتلوثة حالياً، والعمل على تجميع العينات الملوثة من قطع معدنية وتربة ودفنها في مناطق محددة يحظر دخولها أو الرعي فيها. حقوق الإنسان بين الحقيقة والخيال: إن السياسي الغربي الذي لا يكف عن التبجح بحقوق الإنسان، والدولة تخرج سنوياً تقريراً لحقوق الإنسان هو أشبه بمقياس للعلاقات أكثر منه حكاية عن واقع الإنسان المسحوق الذي هو أشبه بحيوان التجارب؛ وكثير من الحروب استُغلت لتجربة الأسلحة الجديدة ودراسة تأثيرها أكثر من أن تكون ضرورة عسكرية؛ فقد تم استعمال القنبلة النووية ضد اليابان في أواخر الحرب العالمية الثانية، وبعد استسلام ألمانيا؛ وكذلك فإن اليابان الوحيدة المدمرة كانت قاب قوسين أو أدنى من الاستسلام؛ ولكن السياسيين في أمريكا أصروا على استعمال هذا السلاح ضد الشعب الأصفر لهدفين أساسيين وهما: إثبات التفوق، ومعرفة تأثير السلاح الجديد. وتكرر الشيء نفسه في حرب فيتنام وفي حرب الخليج أيضاً التي يصدق فيها صفة: (الحرب التلفزيونية) فهي حرب من طرف واحد وكأن أمريكا وجدت فرصة لتدمير العراق وتجربة وتطوير ما لديها من أسلحة، ولم يكن هناك أي ضرورة عسكرية لاستعمال هذا الكم الهائل من الأسلحة المشعة التي تعادل في قوتها التدميرية ٦ قنابل نووية مثل التي ألقيت على اليابان. الآثار المحتملة لاستعمال هذا السلاح: فقد تم استعماله بكثافة ولم يتم تحذير أحد حتى العسكريين الأمريكيين، وكانت الطامة الكبرى أن الآثار على المستعمل كانت أكبر من المتوقع؛ حيث إن هناك حوالي ٢٠٠ ألف جندي أمريكي أي ٣٠% من المشاركين في الحرب يعانون من آثارها، ويطالبون بالتعويضات، وكانت الإدارة الأمريكية تصم آذانها عن المطالبة بالتحقيق، وتطارد كل من يحاول إلقاء الضوء على هذه القضية، وتم طرد بعض العسكريين الأمريكيين من مناصبهم ومطاردتهم بسبب هذه القضية، ولكن إصرار هؤلاء نابع من أنهم أنفسهم ضحايا وكلهم مصابون بالسرطان ويحسون أنهم مجرد عينات تجارب، وكانوا يرمون بأنهم متأثرون بالدعاية الإعلامية. أما المطالبة العراقية بالتحقيق في آثار التلوث فهي لا تستحق حتى المناقشة، ولكن الأمر تطور فقط عندما طالبت إيطاليا بفتح تحقيق حول وفاة ثمانية جنود إيطاليين شاركوا في عمليات الحلف في يوغسلافيا، وكما هو متوقع فقد كان رد أمريكا وكذلك بريطانيا سلبياً، ولكن ازدياد الضغوط وانضمام دول أخرى مثل فرنسا والبرتغال وأسبانيا إلى قائمة الضحايا حرك القضية، وكانت العلامة البارزة في الضجة هي التركيز على تأثيرها على جنود الحلف؛ أما حال السكان المدنيين في البوسنة وكوسوفا والعراق والكويت فليس جديراً بالاهتمام إلا تبعاً! وإذا كانت هناك إحصائيات توضح ازدياد حالات السرطان المختلفة والناشئة عن الإشعاع والتشوهات في الأجنة في العراق بعد الحرب نظراً لحرص دولة البعث في العراق على إحراج أمريكا فإنه ومن أجل مجاملة أمريكا؛ فإن هناك صمتاً مطبقاً من حكومات الشعوب الأخرى؛ بل وحتى منظمة الصحة العالمية ومؤسسات الأمم المتحدة ترفض حتى عهد قريب بحث هذه المسألة مراعاة للموقف الأمريكي الرافض لوجود أي أثر مباشر لاستعمال هذا السلاح، وهذا الرفض في حد ذاته إدانة لأمريكا؛ لأنه من الواضح أن رفض أمريكا إجراء أي تحقيق أو بحث علمي ومحاولة التعتيم على الموضوع حتى إعلامياً يدل على ثبوت الأثر لدى الدوائر العليا في أمريكا، وكانت ردة الفعل المبدئية محاولة للتغطية على القضية بضرب العراق من جديد، ومحاولة توتير الأجواء في المنطقة من جديد. وهنا يتساءل المرء: هل من الأفضل لدول المنطقة إثارة القضية وإلقاء الضوء عليها ومحاولة علاجها وضمان عدم تكرارها، أم مجاملة أمريكا والتعامي عن القضية؟ والذي أراه أن استباق الأمر وإثارة القضية بل ومطالبة الحكومة الأمريكية والشركة المنتجة لهذا السلاح بالتعويض على الضحايا المحتملين، وتحمُّل تكاليف معالجة التلوث في المنطقة سيؤدي إلى توقف أمريكا عن استعمال المنطقة حقلاً للتجارب، وأيضاً سيقلل من احتمال دفع دول المنطقة لفاتورة التعويضات الهائلة التي ستضطر الحكومة الأمريكية؛ لدفعها للجنود الأمريكيين وذرياتهم! إن عدم مطالبتنا بالتعويض سيؤدي غالباً إلى أن تطالبنا أمريكا بدفع التعويضات للجنود الذين أصيبوا بسبب مشاركتهم بتحرير الكويت؛ ومَنْ لا يصدق هذا الاحتمال فليعلم أن أمريكا اشترطت على فيتنام من أجل تطبيع العلاقات معها دفع ٣٠٠ مليون دولار لشركات أمريكية تعويضاً لها عن خسائر تكبدتها أيام حرب فيتنام. نعم أمريكا تطالب فيتنام بتعويضات! فهل ننتظر فاتورة تعويض ٢٠٠ ألف جندي أمريكي؟ ! ولن يقلَّ معدل التعويض بحال عن مليون دولار لكل شخص أي على الأقل ٢٠٠ مليار دولار!

стр. 3873

المسلمون والعالم العهد الشاروني د. سامي محمد صالح الدلال الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: ما أن أُعلن فوز إيرييل شارون زعيم حزب الليكود على إيهود باراك زعيم حزب العمل برئاسة الوزراء في الانتخابات التي جرت بتاريخ ٦/٢/٢٠٠١م، حتى تطايرت ردود الأفعال في جميع أنحاء العالم بين مصفِّر ومصفِّق، وبين معارض ومؤيد، وبين قانط ومستبشر. فمن يكون شارون هذا؟ وما تاريخه وممارساته؟ وما رؤاه في طبيعة الصراع بين اليهود والمسلمين، والعرب منهم بالذات؟ ما طموحاته السياسية؟ وهل يختلف مع باراك في المنظور الاستراتيجي أو يتفقان فيه لكنهما يختلفان على سبيل الوصول إليه؟ هذه وغيرها من الأسئلة الهامة هي محل دراستنا المقتضبة التي نقدمها بين يدي أعزائنا القراء. شارون، السيرة الذاتية: * أصله من يهود بولندا، وعاش أبوه بعض الوقت في القوقاز. واسمه: أريئيل صموئيل مردخاي شرايبر، ولد عام ١٩٢٨م في كفار ملال في فلسطين. * انضم إلى عصابة الهاغاناه الإجرامية الإرهابية عندما كان عمره ١٧ عاماً. * اشترك في مذبحتي دير ياسين واللُّدّ عام ١٩٤٨م، وأصيب في نفس العام في بطنه في معركة اللطرون. ومن أبرز أساتذته في الإجرام بن غوريون وشامير ورابين. * في أغسطس ١٩٥٢م شكل «الوحدة ١٠١» وأطلق على رجالها اسم: «الشياطين» اختارهم بنفسه من المجرمين وأصحاب السوابق واللصوص والقَتَلَة، ونفذت هذه الوحدة بين عامي ١٩٥٣م ١٩٥٦م أكثر من خمسة مذابح، أشهرها مذبحة «قبية» حيث دكت نيران المدفعية بيوت هذه القرية فقتلت ١٥٦ شخصاً، نصفهم من النساء والأطفال، وجرحت المئات،ودمرت ٤١ منزلاً. * انضم إلى دورة قادة كتائب عام ١٩٥١م، ثم درس الحقوق في الجامعة العبرية في القدس. * انضم إلى حزب الماباي ثم الحزب الليبرالي، ثم انضم إلى تكتل الليكود بعد عام ١٩٧٧م. * عين قائد لواء مدرع في العدوان الثلاثي على جبهة سيناء، واحتل ممر متلا مخالفاً للخطة العامة، ثم تلقى تعليماً عسكرياً في فرنسا بعد ١٩٥٦م. * تم تعيينه قائد لواء مدرع (١٩٦٤م ١٩٦٩م) ، ثم قائد المنطقة الجنوبية (١٩٦٨م ١٩٧٣م) . * كان قائد القوات الإسرائيلية التي عبرت في حرب أكتوبر ١٩٧٣م قناة السويس فيما عرف بـ «ثغرة الدفرسوار» ، حيث غير بذلك مجرى الحرب مما أكسبه سمعة عالمية. * بعد انتهاء الحرب أثار ما سمي في إسرائيل بـ «حرب الجنرالات» وأحيل إلى الاحتياط. * انتُخب في عام ١٩٧٣م عضواً في الكنيست ضمن قائمة الليكود. * من ١٩٧٤م إلى ١٩٧٦م عمل مستشاراً أمنياً لرئيس الوزراء، وخلال ذلك أي في عام ١٩٧٥م أسس حزباً يمينياً، وانضم إلى «حيروت» مع بيغن تحت مظلة جابو تنسكي، ثم ضم إليه في «حيروت» مجموعات حزبية متطرفة من المهاجرين، وفي عام ١٩٧٧م حصل على مقعدين في الكنيست وانضم إلى الليكود. ثم عُيِّن وزيراً للزراعة من عام ١٩٧٧م إلى ١٩٨١م، ثم عُيِّن وزيراً للدفاع في وزارة بيغن من عام ١٩٨١م إلى عام ١٩٨٣م. * في عام ١٩٨٢م قاد غزو لبنان ووصل إلى بيروت واحتلها. ثم اقترف وزبانيته المذبحة الكبرى في صبرا وشاتيلا، وقد أدانته بها لجنة تحقيق رسمية وأوصت باستقالته، فرفض فعينه بيغن وزيراً بلا حقيبة لغاية ١٩٨٤م. * شغل بعد ذلك مناصب وزارية عدة، وزيراً للصناعة والتجارة (١٩٨٤م - ١٩٨٨م) ، ثم وزيراً للإسكان والتعمير (١٩٨٨م - ١٩٩٢م) . * خاض انتخابات رئاسة الليكود بعد اعتزال شامير فخسرها أمام نتنياهو. ثم عينه نتنياهو عام ١٩٩٦م وزيراً للبنية التحتية، ثم وزيراً للخارجية عام ١٩٩٨م، وفي نفس العام تولى شارون رئاسة الليكود بعد سقوط نتنياهو في الانتخابات. * دنس المسجد الأقصى بزيارته له في ٢٨/٩/٢٠٠٠م تحت حراسة ثلاثة آلاف جندي يهودي باراكي مدججين بالسلاح. * فاز في انتخابات رئاسة الوزراء في ٦/٢/٢٠٠١م أمام رئيس حزب العمل أيهود باراك الذي كان رئيساً للوزراء. الملامح الشارونية من سيرته الذاتية: لم أَسُق السيرة الذاتية لشارون لمجرد إشباع الجانب المعرفي، بل لنتلمس من خلال ذلك الملامح الذاتية لهذا الرجل لما لذلك من أثر بالغ على ما يُتوقع من أحداث في الفترة الشارونية القادمة. إن أهم تلك الملامح ما يلي: ١ - نفسيته الدموية التي عبَّرت عن ذاته في وقت مبكر من سنِّه عندما انضم إلى عصابة الهاغاناه وعمره ١٧ عاماً، ثم اتضحت من خلال المجازر التي ارتكبها، وقد لازمته هذه النفسية الدموية إلى وقتنا الحاضر، مروراً بمجازر ومذابح متعددة، منها مذبحة قبية ومذبحة صبرا وشاتيلا. ٢ - نفسيته الطموحة؛ حيث واظب على الارتقاء في المجالات العسكرية والسياسية حتى أصبح رئيساً للوزراء. ٣ - نفسيته المغامرة والمقتنصة للفرص، وقد تجلى ذلك واضحاً في استغلاله لثغرة الدفرسوار وقيادته الجيوش الإسرائيلية في اقتحام بيروت واحتلالها. ٤ - نفسيته الحاقدة على المسلمين والعرب بالذات وخاصة الفلسطينيين، وقد تجلى ذلك من خلال تعاملاته الوحشية والإجرامية مع العزل من النساء والأطفال والشيوخ، وكانت أساليب القتل والتشريد التي مارسها تعبيراً عن هذه النفسية اليهودية الممتلئة بالحقد والكراهية لغير اليهود. ٥ - نفسيته المتغطرسة، فلا يطيع أوامر رؤسائه إلا بما كان مقتنعاً به، ويعصيها إن لم يقتنع بها؛ ومثال ذلك احتلاله ممر متلا في العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦م خلافاً لأوامر الخطة العامة، وكذلك رفضه لتوصيات لجنة التحقيق الإسرائيلية التي أوصت بإقالته إثر مذابح صبرا وشاتيلا. ٦ - نفسيته المتعنتة؛ حيث قال في مقابلة تلفزيونية عام ١٩٩٩م: «أعترف بأنني متطرف، ولكن فقط بخصوص القضايا التي تمس حياة إسرائيل وأمنها» . وقال كيسنجر بعد اجتماع ضمهما إنه «جلس مع أخطر سياسي في الشرق الأوسط» وهذه شهادة لها مكانتها في التحليل السياسي. ٧ - نفسيته المراوغة والاستغلالية والمتوجسة، وقد بدا ذلك واضحاً في محاولته الظهور بمظهر المعتدل في الانتخابات الأخيرة عندما التقى مع الناخبين المترددين وبمظهر المتطرف عندما التقى مع الناخبين الحازمين، وأشيع بأنه أرسل مبعوثين شخصيين سريين إلى بعض الدول العربية لتهدئة مخاوفها ولتغيير تصورها عنه. ٨ - نفسيته المستعلية على كرامة المقدسات، وقد تجلَّت هذه النفسية في تدنيسه للحرم القدسي الشريف، مع علمه بأن هذا الفعل الشنيع سيفجر الشارع الإسلامي والعربي والفلسطيني. وقد أكد ما ذكرناه من الملامح الشارونية الصحفي عوزي بنزيمان في كتابه: «شارون لا يقف أمام الشارة الحمراء» والكتاب الأسود الذي صدر بعد حرب لبنان ١٩٨٢م بعنوان: «إرييل شارون سيرة حياة كهذه» ، وقد ذكر عشرة خصائص للشخصية الشارونية: نقض القوانين، ونقض الأعراف، وعدم إطاعة الأوامر، وعدم كتمان الأسرار، وانتهاج جرائم الإبادة ضد العرب، والخيانة، وتزييف الوقائع، وتجسيد الميكيافيلية على قاعدة الغاية تسوِّغ الوسيلة، سوى الفظاظة والإخفاق في القيادة السياسية [١] . المجتمع اليهودي شاروني الملامح: فاز شارون في الانتخابات التي جرت في ٦/٢/٢٠٠١م بحوالي ٦٢.٥ % من الناخبين، ولم يحصل باراك إلا على نسبة ٣٧.٤ % من الناخبين، وكانت فحوى الشعارات الانتخابية المطروحة أن شارون يقود منهج الحرب وباراك يقود منهج السلام. إن ذلك وإن لم يكن في رأينا صحيحاً؛ حيث إن باراك لا يقل دموية عن شارون، إلا أنه يعكس شارونية المجتمع اليهودي، إن نتيجة الانتخابات أعطت شارون دفعة قوية لتنفيذ تطرفه في المرحلة القادمة؛ إذ بات تطرفه يستند إلى دعامة شعبية جارفة، ومعنى ذلك بلغة الإسقاط الواقعي أن طبيعة المواجهة مع اليهود ليست متعلقة بشخصية من يقودهم فقط، بل هي مواجهة شاملة مع المجتمع اليهودي ككل، ويؤيد ذلك ما قاله الباحث اليهودي الدكتور مولي بيليغ: «إن أرييل شارون يمثل انعكاساً للمجتمع الإسرائيلي بشكله الفظ، وهو يمثل المجتمع الإسرائيلي بجوهره القاسي المستند إلى منطق القوة» ، ويقول: «إن شارون ليس شاذاً عن المجتمع الإسرائيلي، بل هو نتاج كامل للإسرائيلية، تربطه خيوط شبه كثيرة مع إسحاق شامير وأيهود باراك أكثر من أوجه الاختلاف، منها النظر إلى الأمور من وجهة نظر أمنية» . وعلى هذا فإن صراعنا ليس مع شارون بل مع مجتمع يهودي غاصب، دموي النزعة، طامح للتوسع، مستعد للمغامرة، مقتنص للفرص، طافح بالحقد، تنطوي نفسيته على جميع معاني الغطرسة والتعنت والاستعلاء والاستغلال والمراوغة، ويعشش فيه طائر التوجس والترقب. شارون ومفاوضات السلام: مر قطار الاستسلام (ويسمى السلام) في وديان كثيرة منطلقاً من مدريد مخترقاً أودية أوسلو، وواي بلانتيشن، وواي ريفر، وكامب ديفيد ٢، وباريس، وطابا؛ وقد تناوب على توجيه دفة القطار من الجانب اليهودي حزبا العمل والليكود، وليس في نية اليهود التوصل إلى اتفاق سلام بل توقيع اتفاقيات استسلام مجحفة كسباً للوقت إلى حين انطلاقاتهم التوسعية التالية؛ فالذي يريده اليهود، سواء كانوا باراكيين عمليين أو شارونيين ليكوديين، هو: ١ - تكريس الوجود اليهودي على كامل أرض فلسطين، ثم توسيعه بعد ذلك. ٢ - إذلال الأمة الإسلامية، والعرب منهم خاصة، والفلسطينيين على الأخص. ٣ - عزل القضية الفلسطينية عن محيطها الإسلامي والعربي. ٤ - فتح أبواب التطبيع بغية السيطرة على الأمة الإسلامية من داخلها؛ وذلك عبر الهيمنة على جميع مكوناتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية والفكرية والإعلامية والإدارية والأخلاقية والأمنية وغيرها. ٥ - بث روح الانهزامية واليأس في الأمة الإسلامية، وتهيئتها نفسياً لمزيد من الانكسارات، والانهزامات في صراعاتها المستقبلية مع العدو اليهودي الصهيوني. ٦- الحصول على مدى زمني أرحب ليتمكن اليهود من إعادة ترتيب أولوياتهم في شؤونهم الداخلية والخارجية استعداداً للمرحلة اللاحقة. وفي إطار تلك النقاط الستة التي ذكرتها فإن شارون لن يمتنع عن الدخول في مفاوضات سلام مع السلطة الفلسطينية، غير أن الرؤية الشارونية لإسقاطات تلك النقاط أكثر تشدداً في الطرح المعلن من الرؤية الباراكية؛ ففي حين يرى باراك أهمية المرحلية لتحقيق ذلك مما يعني زمناً أطول، فإن شارون يرى حرق المراحل، واختصار الزمن لمسارعة الوصول إلى عتبة التوسع التالي. كان من المفترض أن آخر عتبة يتركها باراك وتدب عليها قدما شارون هي عتبة مباحثات طابا التي اختتمت في أواخر يناير ٢٠٠١م، وكان من أبرز ملامح الاتفاقات المذكورة ما يلي: ١ - تتسلم السلطة الفلسطينية ما بين ٩٤% إلى ٩٦% من مساحة الضفة الغربية لإقامة الدولة الفلسطينية عليها. ٢ - تخصص الـ ٥% الباقية لإقامة ثلاث كتل استيطانية يهودية تشمل: ٨٠ % من المستوطنين، وتضم إلى إسرائيل. ٣ - بالنسبة للقدس، سيبقى ما للعرب للعرب وما لليهود لليهود، على أن تستحدث إدارة مشتركة للأماكن للمقدسة لمدة خمس سنوات، يتفق الجانبان خلالها على موضوع السيادة. ٤ - تنتشر القوات الإسرائيلية في حالات الطوارئ، مع تواجد إسرائيلي في غور الأردن لمدة ست سنوات باعتبارها فترة انتقالية. ٥ - صيغة تتيح عودة اللاجئين إلى الدولة الفلسطينية، وإلى منطقة حالوتسيا في النقب؛ حيث ستساعد إسرائيل الفلسطينيين على إقامة مدينة جديدة هناك، مع إيجاد آلية لتعويض اللاجئين. لست بصدد نقد نقاط هذه الملامح التي فحواها: ١ - الاعتراف بالسيادة الأبدية للكيان الصهيوني على أرض فلسطين المحتلة قبل عام ١٩٦٧م. ٢ - الاعتراف بالتبعية الأبدية للكيان اليهودي على أرض فلسطين المحتلة بعد عام ١٩٦٧م. ٣ - مصادرة حقوق الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج. ولكن ما أود ذكره موقفان: الأول: موقف باراك؛ حيث أعلن إلغاء جميع ما توصل إليه في مباحثات كامب ديفيد ٢، ومشروع كلينتون ومباحثات طابا، وأن حكومة شارون لا يلزمها شيء من ذلك. إن هذا الموقف فضلاً عن أنه يمهد للعهد الشاروني؛ حيث يبدأ شارون عصره متحرراً من أية التزامات مسبقة وبذلك ينطلق كما يريد، فإنه كذلك يعزز ما عرف عن اليهود من نقضهم للعهود وإخلافهم للوعود. الثاني: موقف شارون، وله منظوران: ١ - المنظور الاستراتيجي، وخلاصته: * الضفة الغربية (ويسمونها حسب المصطلح التوراتي يهودا والسامرة) هي جزء من «إسرائيل الكبرى» . * شرق الأردن جزء من إسرائيل التاريخية. * إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل. * تجمع اليهود من الشتات ليكوِّنوا سكان إسرائيل الكبرى. * لا عودة للاجئين الفلسطينيين. * تكثيف وزيادة المستوطنات في الضفة الغربية لتتسع لأكثر من مليوني مستوطن. * القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل، وتضم «الهيكل» الذي سيشيد على أنقاض المسجد الأقصى. ٢ - المنظور الآتي المؤقت، وخلاصته: * إيقاف الانتفاضة الحالية مع التركيز على الاغتيالات للسياسيين والعسكريين لجعل المنتفضين بغير قادة موجهين ومخططين، وقد أكد هذا التوجه رعنان غيسين الناطق باسم الجيش الإسرائيلي سابقاً والمساعد الحالي لشارون. * التمسك باللاءات الأربعة: وهي: لا لإقامة دولة فلسطينية على الضفة الغربية والقطاع، لا لتقسيم القدس، لا لإزالة المستوطنات، لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين. * لا مانع من إعطاء التجمعات العربية الكثيفة لوناً من الحكم الذاتي لا يتجاوز السيطرة على الخدمات البلدية، وأما الدولة الفلسطينية فيمكن أن تقام على أرض الأردن. * أن لا تتجاوز مجموع الانسحابات الإسرائيلية من الضفة الغربية وغزة ٤٢ % من مجمل المساحة، على أن تعتبر جميع المستوطنات جزءاً لا يتجزأ من دولة إسرائيل؛ حيث يرتبط بها من خلال طرق تخترق الضفة الغربية طولاً وعرضاً، وحيث تساهم هذه الطرق في تقطيع أوصال دويلة الحكم الذاتي، هذا فضلاً عن عدم سيادتها على أجوائها، حيث سيكون كامل المجال الجوي تحت السيطرة الإسرائيلية. * دعوة الدول العربية إلى حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين من خلال توطينهم فيها. * لا مانع من الدخول في مفاوضات سلام مع السلطة الفلسطينية ضمن حدود النقاط المذكورة. لقد طرح شارون تصوراته عن الأوضاع المستقبلية في حملته الانتخابية. وكان مما قاله: «من يعتقدون أن القدس يجب أن تبقى جزءاً لا يتجزأ من الإرث اليهودي يجب أن يصوتوا لي» ويرى شارون أنه لا يمكن له تحقيق منظاريه إلا من خلال حكومة وحدة وطنية، ولذلك قال في حملته: «الوحدة الوطنية ضرورية في الوقت الحالي لتحقيق الأمن والسلامة وإصلاح الانقسامات في هذا البلد» لكن هل ينجح في ذلك؟ ! وخاصة أن مهمات الحكومة الوطنية الدخول بإسرائيل في متاهات خطيرة! يقول المعلق السياسي اليهودي أفراهام طال: «إن خطط شارون تقود إلى الحرب وإلى مزيد من بناء المستوطنات غير المشروعة» ووصف توجهه إزاء الفلسطينيين بأنه «عنصري» ، وتوقع أن يؤدي برنامجه السياسي إلى القضاء على عملية السلام. شارون وانتفاضة الأقصى: يعتبر شارون استمرار انتفاضة الأقصى قضية بالغة الخطورة؛ حيث إنها حققت إلى الآن أهدافاً كثيرة، منها: ١ - أكدت للقاصي والداني استحضار الشعب الفلسطيني لهويته الإسلامية. ٢ - أن الشعب الفلسطيني لم يندثر كما أراد له اليهود، بل لا يزال شعباً حياً تتدفق دماء الحرية والنقاء في عروقه. ٣ - أبرزت الانتفاضة رفض الشعب الفلسطيني لاحتلال أرضه وتدنيس قدسه ومقدساته. ٤ - رفض الشعب الفلسطيني للحلول الاستسلامية المطروحة على الطاولات. ٥ - أججت مشاعر الشعوب العربية والإسلامية وأذكت فيها روح الجهاد. ٦ - أحدثت شروخاً في داخل المجتمع اليهودي على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية. وبناء عليه، فالمتوقع من العهد الشاروني هو: ١ - استخدام أشد أساليب العنف للقضاء على الانتفاضة بما في ذلك إعادة احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وسحب الاعتراف باتفاقيات أوسلو. ٢ - تهجير الفلسطينيين أو بعضهم بالقوة إلى الأردن. ونظراً لأن تحقيق هذا المشروع سيكون خطيراً جداً فإن شارون سيكون مستعداً للدخول في حرب شاملة مع الدول العربية المحيطة بإسرائيل تحدث في المنطقة ظروفاً جديدة، وتقلب الطاولة رأساً على عقب؛ ذلك أنه يرى أن خوض حرب مع الأنظمة العلمانية القائمة هو فرصة تاريخية؛ حيث سيضمن له النصر الذي لا يمكن أن يتحقق فيما لو قامت بدلها أنظمة إسلامية؛ ولذا فهو في سباق مع الزمن في هذا الاتجاه؛ حيث إن إقامة نظام إسلامي في أي من تلك الدول المحكومة الآن بالأنظمة العلمانية سيوقف مسيرة اليهود في اتجاه تحقيق أهدافهم التي ينشدونها، ومما يؤكد التوجه الشاروني للحرب ما ذكره رئيس الأركان الإسرائيلي شاؤول موفاز ونائبه موشي ياألون من أن الصدام الشاروني الفلسطيني قد يؤدي إلى حرب تتجاوز حدودها الطرفين، وهذا ما لا يريده الجيش في المرحلة الحالية؛ حيث قال موفاز إن من أهداف الجيش الإسرائيلي ضمان أمن المدنيين الإسرائيليين وخفض العنف، ومنع الانحدار نحو حرب إقليمية، ومنع تدويل النزاع مع الفلسطينيين، وترك باب المفاوضات مفتوحاً، ونظراً لأن هذا التوجه مخالف لتوجه شارون فمن المنتظر أن يحدث شارون تغييرات في القيادات العسكرية، لتتلاءم مع القيادات السياسية من أمثال أفيغدور ليبرمان ورهافام زئيفي اللذين طالبا بضرب السد العالي وسوريا، وهو الآن يريد ضم الرجلين إلى وزارته. السلطة الفلسطينية وشارون: وقَعَت السلطة الفلسطينية في «حيص بيص» بعد أن استلم شارون رئاسة الوزارة الإسرائيلية، لكنها عبَّرت عن رأيها في ذلك بقول رئيسها ياسر عرفات: «إنه يحترم إرادة الشعب الإسرائيلي» ! ! إن السلطة الفلسطينية الحالية مستعدة أن تسير في طريق التنازلات إلى نهايته، إن كان له نهاية سوى القضاء على آمال الشعب الفلسطيني المتورط بقيادته؛ وبناء عليه فالمتوقع من هذه السلطة: ١ - العمل الحثيث على إيقاف الانتفاضة الحالية بشتى الوسائل والطرق. ٢ - تكثيف التعاون الأمني مع السلطات اليهودية. ٣ - مواصلة السير في طريق الاستسلام؛ وستعلن في البداية رفضها التام لجميع ما طرحه شارون، ثم تبدأ التنازل عن هذا الرفض بنداً بنداً، كما تعوَّدنا ذلك منها. الدول العربية وشارون: أظهرت الدول العربية إيجاسها الخيفة من اعتلاء شارون منصة رئاسة الوزراء اليهودية، هذا من حيث الظاهر، وأما من حيث الحقيقة فستجري الأمور مع شارون على نفس وتيرة ما جرت مع باراك، وأما ما سيقوم به شارون من قتل وبطش وإبادة وتشريد وحصار وتجويع وتدمير للمنازل والخدمات، فإن بيانات الشجب جاهزة وبرقيات الاستنكار معدَّة! الغرب وشارون: ستواصل الدول الغربية وخاصة أمريكا دعمها اللامحدود لشارون، وأتوقع شخصياً أن الدعم الأمريكي لدولة الكيان اليهودي سيزداد في عهد الرئيس الأمريكي بوش؛ وذلك من منظار تطلعاته الدينية التي تذكرنا بالرئيس السابق ريجان؛ حيث إن بوش اعتبر أن المفكر المفضل لديه هو يسوع المسيح، وبعد بضع دقائق من أدائه اليمين الدستورية واضعاً يده على «الكتاب المقدس» قال عبارة غامضة جاء فيها: «إن ملاكاً يخيم فوق الزوبعة ويوجه هذه العاصفة» ، ثم طلب إقامة يوم وطني للصلاة، وذلك غداة وصوله للحكم، ثم دافع بقوة عن مشروع يقضي بتخصيص مبالغ من الأموال العامة للنشاطات الاجتماعية التي تشرف عليها منظمات دينية أمريكية، مما دفع آلان ليشتمان، المؤرخ المتخصص في شؤون الرئاسة الأمريكية في الجامعة الأمريكية في واشنطن إلى القول: «إن الربط بهذا الشكل بين الدين والسياسة أمر لا سابقة له لرئيس بدأ مهامه منذ أسبوعين» . ومعلوم أن بوش له علاقة وطيدة وصداقة حميمة مع القس الشهير بيلي غراهام «المرشد الروحي» لعدد كبير من الرؤساء، ومعلوم أيضاً أن بوش لا يتعاطى الخمر منذ حوالي خمسة عشر عاماً، وأنه يقرأ في الكتاب المقدس يومياً، وقال في إفطار وطني خصص للصلاة: «إن الإيمان أعانني في النجاح والفشل، ومن دون الإيمان لكنت شخصاً مغايراً، ومن دونه لما كنت بالتأكيد هنا» . وبناء على ما ذكرته أقول: إن كان الرؤساء الأمريكيون السابقون قد قدموا دعمهم اللامحدود لإسرائيل من وجهة نظر سياسية في أغلبها، فإن بوش سيقف مع شارون ومع من يأتي بعده داعماً لهم بقوة، ليس من وجهة نظر سياسية فحسب، بل من وجهة نظر دينية مقدمة عليها، خاصة مع اعتقادهم الراسخ أن قيام دولة إسرائيل مقدمة لحدوث معركة هرمجدون التي هي بدورها مقدمة لعودة المسيح. وقفة مع ما يجب: ١ - ينبغي ترشيد الانتفاضة ترشيداً شرعياً بغية أن تكون أهدافها منضبطة بالكتاب والسنة ولأجل أن يكون الهدف الأساس أن ترفرف راية الإسلام خفاقة على ربوع أرض فلسطين كلها من النهر إلى البحر. ٢ - الواجب القيام بدعم انتفاضة الأقصى بكل الوسائل المادية والمعنوية التي تساعدها على الاستمرار واستدامة التوهج. ٣ - تعبئة طاقات الأمة الإسلامية في المنظومة الإسلامية كلها. ٤ - تهيئة الأمة للجهاد ولاستعادة الربوع المباركة في أرض فلسطين ولتحرير المسجد الأقصى من براثن اليهود. وبعد: فقد طفنا بسرعة خاطفة في دروب العهد الشاروني. أسأل الله تعالى أن يهيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز به دينها وينصرها به على اليهود وجميع أعدائها، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 3874

المسلمون والعالم الدبُّ الروسي.. وصحوة الموت آسيا الوسطى بين فكي كماشة (١ - ٢) محمد أمين البخاري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فإن الصراع بين الخير (الإسلام) والشر (الكفر) صراع مستمر لا ينتهي حتى يقاتل آخر هذه الأمة الدجال وينزل عيسى ﵇ فيقتله عند باب لُدٍّ كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة. واستمرار هذا الصراع مقطوع به بنص كتاب الله تعالى. يقول : [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا] (البقرة: ٢١٧) ويقول: [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ] (البقرة: ٢٥١) فسنَّة المدافعة هي من السنن الربانية التي تحكم هذا الوجود الفاني إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها [وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً] (الأحزاب: ٦٢) . لذا فمكر الكفار من شياطين الإنس والجان بالمسلمين في الليل والنهار هو أمر مقدور منذ الأزل لا تبدله ولا تغيره اتفاقيات السلام، ولا قوانين الأمم المتحدة، ولا النظام العالمي الجديد، ولا تنازلات المسلمين المجحفة بحقوقهم الشرعية [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) ؛ ولأن هذه العداوة متأصلة في نفوس الكفار بشتى مللهم وأطيافهم السياسية فليس بمستغرب ما يحدث منهم ضد المسلمين في شتى بقاع الدنيا من قتل وتشريد لهم ونهب لمقدراتهم وإلجائهم إما إلى الكفر والفجور أو الخنوع والتسليم بالأمور. تشهد الآن مجتمعات آسيا الوسطى التركية - أوزبكستان، طاجكستان، قرغيزستان، تركمانستان، قازاقستان تحولات جذرية خطيرة في البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بتوجيه من معسكر الكفر أمريكا وروسيا وأوروبا لإعادة تشكيل هذه المجتمعات الإسلامية الحديثة الاستقلال الصوري على أسس من الأفكار العلمانية المناوئة للدين الإسلامي على الطريقة التركية. والكفار بفعلهم هذا يستبقون الأحداث كعادتهم، ويستغلون الفراغ الديني والفكري والسياسي والإداري، والضائقة الاقتصادية الملحَّة لهذه الشعوب التي أحدثها انفصالهم عن روسيا؛ لأنهم يعلمون أن الإسلام لا يحتاج إلا لبعض الوقت حتى يملأ هذا الفراغ الحادث في هذه المجتمعات، ويوجهها بعد ذلك الاتجاه الصحيح نحو الإسلام؛ وخاصة أن الإسلام متجذر في ثقافة هذه الشعوب التركية، وآثاره وشواهده ماثلة للعيان المدارس المساجد والتراث الفكري، وملموسة في التقاليد والعادات الموروثة عندهم منذ القدم. لأجل هذا فأعداء الله لا يتوانون عن عمل كافة الأفعال غير الشرعية للوصول إلى الحد من دور الإسلام في المنطقة ولو بالعنف والإرهاب حتى لو خالفوا شعاراتهم الجوفاء وقوانينهم الشوهاء حقوق الإنسان، حق تقرير المصير، الديمقراطية.. إلخ ودليل ذلك ما يجري اليوم من أحداث مأساوية في منطقة آسيا الوسطى التي يتفطر لها قلب كل مسلم يحب الله ورسوله ﷺ ، ويحب الصحابة والتابعين وحملة العلم والدين؛ كيف لا يكون ذلك وهذه البلاد قد أخرجت للأمة فحول أهل الحديث واللغة وأئمة الفقه والتقى وقادة الحرب وأولي النهى؛ فمنها خرج صاحبا الصحيحين وأصحاب السنن وأئمة الزهد والفقه واللغة. بلاد البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وابن المبارك؛ إنها أوزبكستان هذا البلد الذي ما أن تنسم أهله الحرية وتخلصوا من سني الذل والعار تحت الاستعمار الروسي المنهار وبدؤوا يعودون إلى الله وإلى الإسلام الصحيح بوتيرة أسرع بكثير من وتيرة بقية إخوانهم في المنطقة حتى تسلط عليهم الشرق والغرب كما تسلط من قبل على إخوانهم في طاجكستان. إن ما يحدث اليوم في أوزبكستان من فظائع وجرائم هو في الحقيقة حرب استئصالية لكل مصلح رشيد وناصح سديد، ولكل توجه للمجتمع نحو الإسلام الصحيح، إنها حرب قذرة لتجفيف المنابع يشنها أعداء الله عن طريق الحكام الخونة من أبناء المنطقة الذين كانوا بالأمس القريب من منظِّري الشيوعية وقادتها من الذين لا يؤمنون إلا بالرأي الواحد والحزب الواحد، واليوم هم الديمقراطيون كما يدَّعون الذين يعرفون معاني الحرية، وهم الغيورون على مصالح بلدانهم وشعوبهم؛ ولذا فهم يشنون هذه الحرب الشاملة ضد مجتمعاتهم مستخدمين كل أنواع الجبروت والاستبداد من إرهاب فكري، واضطهاد نفسي وقتل وتشريد وسجن وتعذيب، وبلغوا درجة في ذلك يهون معها ما سمعناه من فظائع الشيوعيين الحاقدين وجرائم اليهود الغادرين. وإن مما يؤلم الضمير الحي ويدعو للأسف والحسرة هذا السكوت واللامبالاة من قِبَل عامة المسلمين أفراداً وحكومات وشعوباً ومؤسسات أمام هذه النازلة المؤلمة والداهية المفزعة؛ والتي نزلت بإخواننا في تلك الديار، وربما قال قائل منا: اللهم لا علم لي بما يجري ولم أسمع ولم أدرِ! ولذا جاءت هذه المقالة البلاغ لينقطع العذر بعدم المعرفة والعمل، موضحة حقيقة ما يجري في أوزبكستان على وجه الخصوص وبقية أخواتها. وستركز هذه الدراسة على إيضاح حقيقة الأوضاع في المنطقة وطبيعة الأدوار المؤثرة فيها لكافة القوى وبالذات روسيا وأمريكا؛ لأنه ببيان ذلك يتضح لنا من هم العدو الحقيقي، ومن هم أعوانهم من المنافقين، وأثر كل منهما على الأحداث؛ ومن ثم تتبين لنا معالم منهج التغيير المناسب، وطريق الخلاص لهذه الشعوب من ربقة الهيمنة الروسية والغربية الجديدة والعودة بها بعد ذلك إلى الله، وإلى الإسلام. ولا يخلو أمر هذه الدراسة من إشارات إلى بعض القضايا المنهجية وبعض الدروس والعبر التي يمكن الاستفادة منها لمن يمارس العمل في تلك المناطق، وما يدرينا لعل الله أن يخرج من الإخوة القراء من يحمل الهمَّ ويقدِّر المسؤولية، فيبدأ العمل ويسد ثغرة في هذا العمل الإسلامي الكبير في منطقة نرجو أن لا يكون قد فات وقت العمل لها وفيها. تمهيد: إن من أهم أحداث العقد المنصرم هو تفكك ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي، هذا الحدث الذي كان مفاجأة لكثير من الناس إلا لبعض المراقبين؛ لأنه كان متوقعاً لهم حدوثه منذ الستينيات من هذا القرن؛ حيث ظهرت دراسات في فرنسا تتوقع ذلك بناءً على استقراء لخط السياسة الداخلية وأساليبها القمعية والاستبدادية، ومصادرتها لحريات التعبير في المجتمع، ومحاربتها للأديان بفرض العقيدة الشيوعية عليهم، واستقرائها أيضاً لخط السياسة الخارجية وأساليبها الدموية في نشر الشيوعية في العالم بدعمها للأنظمة الثورية التي ترفع شعارات براقة كما رفعها اليساريون في السابق وما يرفعه اليوم علمانيو العالم العربي والإسلامي من المساواة وإعادة توزيع الثروات والحرية والسيادة الوطنية.. إلخ، وسرعان ما كانت تظهر تلك الأنظمة الانقلابية بعد تمكنها وهيمنتها على صورتها الحقيقية البشعة مما كان يزيد في مشاعر السخط والكره لروسيا ولسياساتها وترسيخ النموذج الغربي الديمقراطي أسلوباً في الحكم والحياة، ولعل تأخر انهيار الاتحاد الفيدرالي الروسي (السوفييتي سابقاً) وتفككه إلى دول حتى بداية التسعينيات مرده إلى أن أجلها في علم الله لم يحن بعد، فكان ما يزال لديها بعض من عناصر البقاء والاستمرار، ولكن حينما اكتملت أسباب تحقق السنة الإلهية في زوال الدول والحكومات، وبلغ الكتاب أجله أذن الله بسقوط إمبراطورية الإلحاد وتفرقت شذر مذر، وأبدلهم الله بعزهم ذلاً ومهانة، وباجتماعهم تفرقاً وانقساماً، وبغناهم فقراً وإملاقاً، ولعل من المناسب في هذا المقام أن يتأمل المسلم الحصيف هذه القضية من زاوية شرعية دينية، ويبحثها بعمق علمي وباستشهادات واقعية ليعرف طبيعة هذه السنن الربانية التي تحكم قيام الدول وزوالها؛ لأنها في الحقيقة سنن لا تتغير ولا تتبدل، ولا تحابي أحداً على أحد لتكون درساً وعبرة لكل عاقل لبيب له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] (ق: ٣٧) ، وإن من أهم ما ظهر لي من أسباب تعتبر مقدمات لحدوث هذه السنن الربانية في كل حين وأوان ما يلي: ١ - الظلم والاستبداد بشتى صورهما مما مارسته روسيا القيصرية والبلشفية على الشعوب المستضعفة والأمم المغلوبة على أمرها من سفك لدمائها وانتهاك لأعراضها ونهب لأموالها وتشريد لأبنائها ومحاربة لأديانها وأخلاقها. قال تعالى: [وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ] (هود: ١٠٢) وقال ﷺ : «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» [١] . ٢ - تبني نشر العقيدة الشيوعية المصادمة للفطرة وللأديان السماوية بدعمها للأنظمة الثورية في العالم بشتى أنواع الدعم العسكري والأمني والسياسي والاقتصادي، ومساعدتهم في البطش بشعوبهم وسلب مقدَّراتهم مما أظهر الوجه القبيح للشيوعية التي كانت تتخفى وراء شعارات وعبارات براقة من دعاوى المساواة، ونصرة العمال والفلاحين والمستضعفين، وإعادة توزيع الثروات: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ] (يونس: ٨١) . ٣ - الخطط والسياسات الاقتصادية الفاشلة التي ألغت الملكية الفردية، فألغت بذلك حافزاً من أهم حوافز العمل والإبداع، وأمَّمت وسائل الإنتاج والمرافق الاقتصادية، وسخَّرت كافة موارد الإنتاج لنشر العقيدة الشيوعية ولدعم الآلة العسكرية والأمنية للاتحاد السوفييتي وبالتحديد لروسيا. ٤ - التبعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للتدخل الروسي في أفغانستان الذي أصاب الغطرسة الروسية في مقتل، ونال من كبريائها على أيدي المجاهدين في أفغانستان الذين ألحقوا بها الخسائر الفادحة في الأرواح والمعدات، وزادوا عليها الأعباء الاقتصادية التي تحملها اقتصادها المنهك أصلاً؛ مما ساعد على تحريك المشاعر الإسلامية لدى الشعوب الإسلامية وزيادة تململ الشعوب السوفييتية الأخرى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] (الأنفال: ٣٦) . ٥ - الاختلال السكاني الذي حدث في الاتحاد السوفييتي السابق بسبب طبيعة العقيدة المادية التي تحكم الشعوب غير الإسلامية والعلاقات الاجتماعية المفككة، وغياب التكافل فيما بينهم مما ساعد على ارتفاع نسبة المواليد بين المسلمين في الجمهوريات الخاضعة للاحتلال الروسي مقارنة بالشعوب النصرانية الأخرى في روسيا؛ حيث أوضحت دراسات روسية في الثمانينيات أن المسلمين في روسيا سيصبحون في عام ٢٠٢٠م أكثرية مما يعني أن عددهم سيتجاوز ٥٠% من سكان الاتحاد السوفييتي إذا استمرت نسبة المواليد عند المسلمين وعند النصارى بالنسبة نفسها؛ حيث كان عدد المسلمين في وقت إعداد الدراسة السرية حوالي ٦٠ مليوناً أي حوالي٣٠% من تعداد السكان في روسيا، ويشكل العاملون منهم في القطاع العسكري حوالي ٣٠%؛ وهذا مؤشر خطر كبير في نظر أوروبا بأكملها؛ ناهيك عن تهديد وجود روسيا ذاتها أمة ودولة. ولقد فكر عقلاء الروس وساستهم قبيل وقوع هذا الأمر العظيم والانهيار العميم لدولتهم بأنه لو سارت أمور دولتهم بهذه السياسات الحالية ولم يجاروا التغيرات الجذرية المتسارعة التي حدثت في السياسة والعلاقات الدولية؛ فإن مصير الاتحاد السوفييتي سيكون الانهيار السريع غير المنتظم، والتفكك الأكيد إلى دول متنافرة متصارعة تخلق مشاكل لروسيا لا نهاية لها؛ بل إن روسيا ذاتها قد تصبح دولة من دول العالم الثاني وربما الثالث، ولذا فقد رأوا أن من الحكمة والمصلحة التهيؤ لهذا الوقت الآتي لا محالة والتي تلوح بوادره، والتخفيف من خسائره قدر الإمكان؛ وذلك بالاستعداد له بجملة من القرارات الاستراتيجية القاسية عليهم والمصادمة في الوقت نفسه لمبادئهم التي قامت عليها إمبراطوريتهم المستبدة. وقد حرصوا على أمرين هما: أولاً: التخفيف من الآثار السلبية لهذا الانهيار المتوقع، وثانياً: محاولة الحفاظ قدر الإمكان على المصالح الاستراتيجية العليا لروسيا على الأقل في الدول التي هي ضمن الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت؛ ولذا فقد وضعوا استراتيجيات عديدة لمختلف القضايا المصيرية التي تؤثر على مصالحهم العليا؛ ومن ضمن ذلك استراتيجيتهم في المحافظة على مصالحهم في دول آسيا الوسطى التركية، وتتمحور هذه الاستراتيجية على تعزيز هيمنتهم العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية على هذه الدول؛ وفي الوقت نفسه يتخففون بصورة شبه تامة من كل الأعباء الاقتصادية والإدارية والخدمية التي أرهقت كاهلهم إبان استعمارهم الصريح لها، ومن أهم ملامح هذه الاستراتيجية التي ظهرت لي بعد التأمل ما يلي: ١ - التخلي عن الإشراف المباشر على دول الاتحاد السوفييتي السابق كلها والدول التي تدور في فلكها؛ وهذا يعني التخفف من كافة الأعباء الاقتصادية والعسكرية والأمنية وغيرها التي كانت تستنزف مواردها، ثم توجيه تلك الموارد بعد ذلك إلى داخل روسيا. ٢ - استمرار فرض الهيمنة الروسية على تلك الدول وخصوصاً البلاد الإسلامية في آسيا الوسطى عن طريق تقليد الموالين لها من أعضاء الأحزاب الشيوعية المحلية مقاليد الحكم قبيل انفصال تلك الدول عن روسيا؛ لإظهارهم بأنهم كانوا وراء الانفصال وتحقيق الاستقلال، وليكونوا رموزاً للوطنيين الشرفاء مع أنهم عملاء خبثاء، كما فعل اليهود مع أتاتورك في المعارك المسرحية التي حدثت أمام الحلفاء في الحرب العالمية وانتصر عليهم فيها؛ مما جعله رمزاً وطنياً وقائداً قومياً، ولعل من المضحك في هذا الخصوص أن رئيس أوزبكستان الحالي كان بالأمس القريب المنظِّر والسكرتير الأول للحزب الشيوعي في أوزبكستان، وبين عشية وضحاها أصبح الحزب الشيوعي حزب الشعب الديمقراطي، والرئيس الشيوعي أصبح رئيساً ديمقراطياً، ومن الديمقراطية أن يصبح رئيساً للجمهورية (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) . ٣ - الحد من الدور الإسلامي الذي يمكن أن تلعبه الشعوب الإسلامية في آسيا الوسطى التي يمثل وعيها وعلمها وحركتها خطراً استراتيجياً لوجود روسيا ذاتها على المدى البعيد، وهذا الإجراء يكون بضبط التوجهات الدينية لهذه الشعوب وإخضاعها وقمعها إذا اقتضى الأمر عن طريق القائمين على الحكومات المحلية العميلة الذين هيَّأتهم واختارتهم بأعيانهم وصفاتهم من الأحزاب الشيوعية المحلية وبدعم من روسيا والغرب. ٤ - تكبيل هذه الدول بالديون الكبيرة التي لا تستطيع سدادها لعقود طويلة؛ لضمان بقاء سيطرتها عليها، واستمرار ربط اقتصادياتها الوطنية بالاقتصاد الروسي، وتحقيق الاندماج الكامل فيما بينهم؛ لانعدام البنى التحتية الصناعية الاستراتيجية في هذه الدول منذ زمن بعيد؛ وكأن روسيا كانت تخطط لهذا اليوم، بل كانت مخططة له بالفعل. ٥ - استمرار روسيا في فرض مظلتها العسكرية النووية والتقليدية على دول المنطقة بسبب هيمنة القوة العسكرية الروسية؛ حيث لا توجد عند هذه الدول جيوش وطنية ولا تجهيزات عسكرية ولا خبرات قتالية؛ فهي في أيدي الروس منذ زمن، مما يجعل دول المنطقة مدينة لروسيا في وجودها واستمرارها دولاً مستقلة، وهذا يعني تبعية سياسية تامة لروسيا. ٦ - العمل على استمرار الوجود الثقافي الروسي في المنطقة وتقويته عن طريق استمرار النظام التعليمي الروسي بمناهجه التعليمية وطاقاته البشرية؛ وذلك بسبب وجود أرضية تعليمية وثقافية مشتركة بين شعوب المنطقة، إضافة إلى خلق المزيد من فرص التبادل الثقافي والعلمي بين الدول عن طريق الاتفاقيات الثقافية، وإنشاء العديد من اللجان المشتركة، ولإحكام السيطرة على هذا الجانب. ٧ - العمل على استمرار الهيمنة الروسية على إدارة المنشآت الحكومية والاقتصادية والإعلامية بسبب سيطرة الطاقات الروسية والمتروِّسة المتعلمة والخبيرة والمؤهلة على أغلب المناصب الحساسة؛ بل إنهم هم الذين يسيِّرون بالفعل السياسة الخارجية والأمن والاستخبارات والتعليم والثقافة والإعلام في كل دول آسيا الوسطى بلا استثناء. البدائل الاستراتيجية للسيطرة: وتحسباً للمستقبل من إمكانية ظهور مشاعر وطنية ومصالح سياسية تدعو إلى الاستقلال الحقيقي والوحدة بين شعوب المنطقة؛ فقد وضعت روسيا قنابل موقوتة في كل دول آسيا الوسطى التركية لاستخدامها عند الحاجة؛ لزعزعة استقرار أي دولة تفكر بالخروج عن الخط المرسوم لها؛ ولإثبات ذلك فقد بعثت روسيا بعض الرسائل لقادة المنطقة وشعوبها حينما أثبتت لهم قدرتها على إثارة النزاعات العرقية بين شعوب المنطقة التي لا تنتهي بها عند حد، ومثال ذلك ما حدث في عام ١٩٨٩ م بولاية فرغانة في أوزبكستان بين الترك المسخيين والأوزبك، وكانت حصيلة تلك المواجهات أكثر من ١٦ قتيلاً ومئات الجرحى وآلاف المشردين، وما حصل في عام ١٩٩٠م بين الأوزبك والقرغيز في ولاية أوش بقرغيزستان وأدى إلى مقتل ما يزيد عن خمسة آلاف قتيل بين عشية وضحاها أغلبهم من الأوزبك. وفي جعبة روسيا الكثير الكثير من المكائد لدول المنطقة؛ فقد قَسَّمتْ أراضي الجمهوريات الخمس التركية كلها بطريقة خبيثة ماكرة، فانتزعت أقاليم من دول وأعطتها لأخرى والعكس صحيح مثل نزع إقليمَيْ بخارى وسمرقند من طاجكستان وإلحاقهما بأوزبكستان، وانتزاع إقليم خجند من طاجكستان وإلحاقه بأوزبكستان، وقس على ذلك بقية دول آسيا الوسطى، بل ما قضية ناغورنو كاراباخ وتخنشيفان بين أرمينيا وأذربيجان وإقليم أبخازيا في جورجيا إلا دليلاً على ذلك، فحتى لو فكرت هذه الدول بالاندماج والوحدة بناءً على دينها أو عرقها أو نسيجها الاجتماعي فستكون المشكلات الحدودية والعرقية من أكبر عوائق هذا الاندماج؛ أضف إلى ذلك وجود إمكانية للتدخل المباشر من قِبَل روسيا بدعوى حماية الأقلية الروسية في المنطقة والذين يعملون الآن كطابور خامس. لأجل كل هذا فروسيا تحت أي ظرف من الظروف لن تتنازل عن هيمنتها على المنطقة لأحد ولو للديمقراطيين الوطنيين أو غيرهم؛ فروسيا لا تخاف على المدى المتوسط والبعيد إلا من التوجهات الإسلامية العلمية والجهادية والقادرة ليس على هزيمة الاستعمار الروسي الجديد لدول المنطقة بل تهديد أمن روسيا ذاتها ووجودها؛ وما ذلك على الله بعزيز. الاستراتيجية الروسية في حرب الإسلام: إن لمعرفة روسيا بالمسلمين أثراً كبيراً في توجهاتها وتحركاتها ضد دول المنطقة وشعوبها؛ فهي لها صولات وجولات معهم، وهم وهي في تماس منذ ما يقرب من ٨٠٠ سنة؛ فالحرب بيننا وبينهم سجال، دال المسلمون خلالها عليهم مرات عديدة، حتى إن المسلمين دخلوا موسكو ثلاث مرات فاتحين لها قاهرين لقياصرتها حتى أخذوا الجزية من الروس عن يد وهم صاغرون؛ ولذا فإن تخطيط روسيا ضد المسلمين مبني على هذه الخلفية التاريخية؛ ويجب أن يفهم على ضوئها. وعليه فقد خططت روسيا كعادة الكفار في استباق الأحداث [وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ] (إبراهيم: ٤٦) لإجهاض أي بوادر تحرك إسلامي شعبي أو رسمي لمقاومة هيمنتها من جانب الشعوب الإسلامية ومثقفيها؛ لمعرفة روسيا بطبيعة هذه الشعوب إذا تنسمت قدراً من الحرية وعادت إلى دينها على بصيرة وعلم، وأنها لو حدث ذلك فستكون حينئذ قادرة بإذن الله على تحريك الجبال من أماكنها؛ ولذا فقد وضعت خططاً ماكرة لضرب هذه التوجهات وقمعها في مهدها في خطوات مدروسة وبتنسيق دولي وإقليمي، والتنفيذ بأيدٍ عميلة وطنية الانتماء شيوعية الولاء، روسية الهوية والمشرب، والعمل تحت شعارات دولية براقة ومضللة في نفس الوقت؛ بدعوى مكافحة الإرهاب والتطرف، والمحافظة على الأمن والسلام الإقليمي، ومكافحة تجارة المخدرات وهكذا. وتتحاشى روسيا في الظاهر الإشارة إلى مسؤوليتها تجاه قمع هذه الشعوب وتقزيم توجهاتها الإسلامية، وفي الحقيقة هي صاحبة التوجيه والدعم لهذه الحكومات القمعية العميلة في الخفاء؛ لأن روسيا في الحقيقة كما هي عادة دول الكفر قاطبة لا تود الدخول في صراع ظاهر مع المسلمين فتتكرر معها تجربة أفغانستان المؤلمة والمذلة لروسيا، وفي الوقت نفسه تعرِّض نفسها للانتقادات الدولية من قبل البقية القليلة من حكومات العالم التي عندها قدر من العدل والإنصاف المسيَّس؛ ولذا فإن ما تشهده الساحة السياسية الآن في آسيا الوسطى من تحركات من مختلف القوى وبالذات روسيا وأمريكا يصب في هذا الإطار، وهو مقاومة التوجهات الإسلامية العلمية ذات النفس الجهادي ووأدها في مهدها عن طريق الحكومة العلمانية المحلية العميلة والذين هم الشيوعيون القدماء من أعضاء الأحزاب الشيوعية المحلية بأعيانهم وأوصافهم. ويمكرون ويمكرالله والله خير الماكرين: ليس بمستغربٍ إعطاء روسيا الاستقلال لدول الكومنولث كلها، بل فرض عليها فرضاً كما حدث مع أوزبكستان وبقية دول آسيا الوسطى التركية دون إراقة نقطة دم أو إثارة اضطرابات؛ لعلم روسيا أن هذه الدول لا تستطيع الفكاك من الهيمنة الروسية بسبب ما دبرته لها من المكائد والدسائس التي تبقيها تحت سيطرتها وإلى أمد بعيد. ولأن روسيا تعتقد أنها من أقدر الأمم على فهم المسلمين؛ فقد أحكمت تدبيرها عليهم وظنت أن مكرها بهم سينفذ وخططها عليهم ستنجح، وستمارس روسيا بعد ذلك دور الدولة الاستعمارية الذكية ولكن بمفهوم حديث جديد وبطش أكبر وهيمنة أشد، بل اعتقدت روسيا أنها إذا تخففت من الأعباء الاقتصادية وغيرها التي كانت تقدمها للدول التي كانت تدور في فلكها أو التي كانت توجهها عن بعد وأعادت توجيه هذه الموارد المالية إلى داخل روسيا مع استمرار احتفاظها بقوتها العسكرية فستصبح دولة منافسة لأمريكا على أسس أقوى مما هي عليه الآن، ويكفيها حينئذ أن تلوِّح بقوتها العسكرية حتى يستجيب الآخرون لها. ولكن إرادة الله فوق إرادتهم، ومكره سبحانه فوق مكرهم؛ فلقد تسارعت الأحداث عليهم، وأصابهم الله بالأزمات والكوارث مصيبة بعد أزمة، وكارثة بعد داهية، وطامة بعد صاعقة؛ فلا يكادون يفيقون من واحدة منها إلا وتأتيهم أعظم منها بطريقة لم يحسبوا لها حساباً أو يقدروا لها قدراً، ويكفي للدلالة على ذلك ما سلطه الله عليهم من المشاكل الاقتصادية وسيطرة المافيا الاقتصادية التي نهبت البلاد نهباً حتى أصبحت روسيا تتسول على موائد الغرب والشرق تبحث عما يسد رمق شعبها ويشبع جشع ساستها، ونخر الفساد في النظام الإداري والسياسي فيها، وظهر لهم عقم أنظمتهم وقوانينهم، وأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، فانهار النظام الاجتماعي والأخلاقي كان هنالك ضبط للسلوك العام في المجتمع الروسي وتفجرت الأزمات في داخل البلاد وخارجها حتى في مناطق نفوذها القريبة، ناهيك عن البعيدة؛ كل ذلك والغرب يراقب ويتوثب بل ويشارك في إضعاف هذه الدولة وكأنه ينتقم لنفسه من السنين الطويلة التي وقف فيها أمام هذا الدب الأحمر عاجزاً لا يحرك ساكناً ولا يلوي على شيء يغضبه، فكال الغرب له الضربات المتوالية ولكن بأساليب يهودية ماكرة، وبأيدٍ حديدية عليها قفازات حريرية حتى أصبح الاقتصاد الروسي واقعاً بصورة شبه كاملة تحت الهيمنة الغربية اليهودية يلعبون به كيف يشاؤون، وذلك بسبب الديون التي كبلوه بها؛ وصدق الله إذ يقول: [وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] (الأنعام: ١٢٩) حتى أصبحت روسيا اليوم تابعة في مواقفها السياسية لما يريده الغرب منها حتى في قضايا روسيا الاستراتيجية (عملية السلام في فلسطين المحتلة، وكوسوفا، ويوغسلافيا) فإن موقفها في الغالب هو صدى لموقف الغرب ولكن بتعابير روسية وبلسان المتحدث الرسمي لهم. كيف نفهم الواقع السياسي في آسيا الوسطى؟ ما سبق بيانه جزء مهم لفهم الواقع السياسي لمنطقة آسيا الوسطى؛ فبمعرفة منطلقات روسيا الاستراتيجية وآثارها، وبمعرفة واقع القوى الأخرى الغربية والإقليمية يزداد الأمر وضوحاً؛ إذ يرجع تدخل القوى الكبرى والإقليمية في هذه المنطقة إلى أمور كثيرة؛ فقد أحست روسيا بالمهانة التي لحقت بكبريائها القومية والمتمثلة في عجزها عن مجاراة أمريكا في مجال السياسة الدولية وإجبارها على اتخاذ مواقف لا ترغبها في أغلب القضايا السياسية حتى في قضية يوغسلافيا الحليف الاستراتيجي لروسيا لاعتبارات الدين والمواقف السياسية من الغرب بل حتى في تأثيرها على دول المنطقة، وأيضاً أحست روسيا بالمهانة لعجزها عن إنهاء الجهاد الإسلامي البطولي في الشيشان، فذهبت تعقد التحالفات مع دول إقليمية كانت روسيا حتى عهد قريب تنظر إليها بمنظار التوجس، والقلق، وتصفها بالإرهاب والتطرف، وتعتبرها من أعدائها المحتملين لتوجهاتها الأصولية، ولأن الكفر ملة واحدة؛ فدائماً ما يجد السياسيون الوصوليون مسوِّغات لأعمالهم الخبيثة وتحالفاتهم الماكرة؛ فهناك دائماً مصالح استراتيجية مشتركة بين مختلف الأطراف؛ والمصلحة الاستراتيجية المشتركة لهم هنا هي وأد المشاعر الإسلامية الأصيلة المتنامية عند شعوب المنطقة، وقمع الحركات الإسلامية العلمية والجهادية الناشئة، وعند هذه النقطة بالذات تتفق أمريكا وروسيا والغرب وإيران بل حتى إسرائيل التي صرح رئيس وزرائها الأسبق نتنياهو أن لروسيا وإسرائيل عدواً مشتركاً وهو التطرف والأصولية الإسلامية، وأيَّد كلام هذا اليهودي أخوه النصراني الآخر بوتين الذي قال لصحفيين فرنسيين: إن تهاون روسيا والغرب في مقاومة الإرهاب والأصولية الإسلامية أو أية أصولية دينية سيجعل أوروبا والجميع يدفعون ثمنًا باهظاً. ولم يكن الرافضة المنافقون ممثَّلين بدولتهم بمعزل عن هذه التحالفات؛ حيث لعبوا بصورة ذكية بالتحالف مع روسيا ضد الهيمنة الأمريكية في المنطقة، وبعودة انتهازية بتأييدهم الموقف الروسي في الشيشان والعالمي ضد طالبان فحققوا مكاسب استراتيجية واقتصادية هامة، وحصلوا منها على ما كانوا يحلمون به من قبل وهو القدرات المميزة في مجال التقنية النووية والصاروخية فيهما. لذا فمن مصلحة أعداء الله أن يكون هنالك اتفاق على دور كل طرف لتتكامل الأمور ويحصل المطلوب بزعمهم. والملاحظ أنهم قد اتفقوا على أن تكون اليد الطولى في المنطقة لروسيا لا لغيرها ليستمر دورها قوياً ومؤثراً ومهيمناً على المنطقة الإسلامية في وسط آسيا والقوقاز؛ لأنها من أكثر الأطراف تأهيلاً؛ كذلك فهم متفاهمون مع روسيا تماماً على ذلك وحريصون على أن تقوم روسيا بدورها كاملاً في هذه المنطقة بلا مضايقات، بل قدموا لها المساعدات بلا قيد ولا شرط. وما التحالف الأمريكي الروسي الجديد في أفغانستان واستصدارهم قراراً من مجلس الأمن بفرض الحصار الاقتصادي عليها ودعمهم للتحالف الشمالي العميل ضد حكومة طالبان الإسلامية إلا واحداً من الأدلة الواضحة على تحالف الشرق الوثني والغرب الصليبي على حرب الإسلام. وفي الحقيقة أن الشخص غير المطلع إن استوعب أسباب اهتمام روسيا بالمنطقة فلا يستطيع أن يستوعب تماماً هذا الاهتمام الكبير لدول الغرب الكبرى والقوى الإقليمية الأخرى بهذه المنطقة الإسلامية إلا إذا عرف الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة الإسلامية وملاءمة الظروف المحلية والدولية من وجهة نظر الكفار للقيام بضربة وقائية عنيفة وحاسمة ضد الإسلام وتياراته السياسية والعلمية والجهادية لتأخير عودته إلى الحياة وإلى الحكم؛ ولذا فمعرفة زوايا نظر هذه القوى للمنطقة ولشعوبها الإسلامية ولدينها وتاريخها تعيننا على فهم هذه القضية واستيعابها، ويمكن تلخيص ذلك فيما يلي: ١ - وقوع منطقة آسيا الوسطى ضمن الحزام الإسلامي الممتد من غرب الصين إلى شرق أوروبا؛ وما يمثله ذلك من تهديد أمني مباشر لأوروبا الغربية ولمصالحها الاقتصادية. ٢ - العمق الاستراتيجي لهذا الحزام، والكثافة البشرية التي تتجاوز ٣٠٠ مليون مسلم إذا أضفنا إليها تركيا والباكستان وأفغانستان. ٣ - الثروات الاستراتيجية الهائلة التي تزخر بها هذه المنطقة الإسلامية والأراضي الزراعية الخصبة التي فيها، والتكامل في البنى التحتية بين دولها، ووجود الطاقات البشرية المدربة، ومراكز التدريب والسوق الضخمة التي تستوعب منتجاتها جميعاً مما يجعلها مكتفية ذاتياً بالكامل بل وتصدر للآخرين. ٤ - وجود ثقافة إسلامية متجذرة في المنطقة، وتوجهات علمية شرعية وحركات جهادية مباركة وقيادات إسلامية واعية عند شعوب المنطقة أفغانستان وباكستان وأوزبكستان وطاجكيستان وكشمير وهو ما يعني مؤشراً خطراً للبعيد قبل القريب. ٥ - وجود نقاط توتر ساخنة في هذا الحزام الإسلامي والمسلمون فيها طرف رئيس، مثل الصراع في البلقان وألبانيا والشيشان وناغورنو كاراباخ وكشمير وأفغانستان وأوزبكستان. ٦ - الموقف العدائي للإسلام والمسلمين من قِبَل النصارى المشركين واليهود إخوان القردة والخنازير والهنادكة عباد البقر، وعباد الطواغيت في الصين. ٧ - الضعف والتشتت الذي عليه المسلمون في تلك المنطقة بصفة خاصة، وفي العالم الإسلامي بصفة عامة، جماعاتٍ وحكوماتٍ، أعطى فرصة سانحة لأركان المكر الأربعة لتعجيل ضربتهم ضد التوجهات والحركات الإسلامية في المنطقة (ومن أمن العقوبة أساء الأدب) . ٨ - وجود قاعدة متنفذة في المنطقة من المثقفين العلمانيين والعملاء المنافقين وأصحاب المصالح السياسية وعباد الدنيا، يعطي الأعداء الحقيقيين فرصة ذهبية في الاعتماد عليهم في تنفيذ خططهم ودسائسهم في المنطقة ضد شعوبها قبل أن تفيق هذه الشعوب وتنتبه من رقدتها. ٩ - المصالح المختلفة لأمريكا وأوروبا وروسيا والدول الإقليمية الأخرى في المنطقة جعل منها مكاناً للصراع وبسط النفوذ، وفرصة لتحقيق المكاسب السياسية والاقتصادية. كل هذه النقاط تجعل من عودة الإسلام في منطقة آسيا الوسطى عند الكفار الأصليين والمرتدين العلمانيين من الخونة والدهاقنة المنافقين وبمفهومه السلفي وتوجهه العلمي وخطه الجهادي خطراً عظيماً وتهديداً كبيراً لمصالحهم المختلفة ولهيمنتهم المتسلطة على شعوب المنطقة الإسلامية. فبإدراك ما سبق يستطيع المتابع المهتم والمغتم لأحوال أمته أن يستوعب حقيقة الأوضاع السياسية في المنطقة وأسباب الهجمة الشرسة الحالية من القوى المحلية العميلة ومن ورائها روسيا والمعسكر الغربي والرافضي تجاه الحركات الإسلامية الناشئة والمعبرة عن التوجهات الإسلامية لشعوب المنطقة، ويتعرف أيضاً على حجم الأدوار المختلفة لكافة الأطراف وطبيعتها وأثرها على الأحداث في المنطقة لتتحدد بعد ذلك لنا الاستراتيجية المناسبة الواجب اتباعها للمحافظة على إسلام هذه الشعوب، والطريقة المناسبة لدعوتها نحو روضات الإسلام وجناته، والوسائل الملائمة لحمايتهم من القوى المناوئة لهم المتمثلة بالغرب النصراني والشرق الوثني والوطنيين العلمانيين والرافضة المنافقين. [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) .

стр. 3875

المسلمون والعالم طالبان.. وعاصفة تدمير الأوثان (قراءة في تداعيات الأزمة) عبد العزيز كامل مناحة دولية، ومحزنة عالمية، وضجر إقليمي وعربي وعالمي، وإسلامي أيضاً؛ على (الجريمة الكبرى) ضد الإنسانية! ! إنها جريمة تكسير الأصنام، أصنام (بوذا) المعبود من دون الله من ثلث سكان أرض الله! فوثن البوذيين ليس أثراً تاريخياً يُخلَّد، بل هو إله باطل ما زال يُعبد، يعبده ما لا يقل عن مليارين من البشر، ومع ذلك يعدُّون تدمير تماثيله جريمة! إن البوذيين يعتقدون أن بوذا ابن الله الذي تجسد بحلول روح القدس على العذراء (مايا) ، وأنه سيعود إلى الأرض ويخلِّص البشرية من مآسيها وآلامها، ويتحمل عنها كل خطاياها، وأن صنمه تسجد له كل الأصنام، والصلاة والعبادة لا تُؤدى إلا له، والدين الصحيح لا يؤخذ إلا منه، والتعاليم السامية لا تُتلقى إلا عنه! مئات من ملايين البشر في عالم اليوم يعبدون بوذا، ويؤمنون أن المستقبل لديانته؛ لأنه مخلِّص البشرية [١] . ولما صدر قرار إمارة أفغانستان بتدمير تماثيله على أرضها، ووفق أحكامها ونظمها قامت الدنيا ولم تقعد! ردود الفعل العالمية والعربية تخطت التحليلات وفاقت التوقعات، مجلس الأمن أدان، الجمعية العامة هددت، الأمم المتحدة شجبت، منظمة المؤتمر الإسلامي ناشدت وتوسطت، منظمة (اليونسكو) العالمية ولولت واعتبرت التدمير (كارثة) ، وشقيقتها منظمة (الإسيسكو) شقت جيوبها وعدَّت التدمير (مصيبة) . العالم كله في هرج ومرج من أجل (بوذا) ووزارات الخارجية في العالم أصدرت البيانات والمناشدات والتهديدات، وزير خارجية العالم (كولن باول) اعتبر تدمير تمثالي بوذا في أفغانستان «جريمة في حق الإنسانية» ، والخارجية الروسية اعتبرته عملاً تخريبياً يمثل اعتداءً على ثقافة الشعب الأفغاني وتاريخه! وبينما عرضت الخارجية الهندية تأمين نقل التماثيل إلى الهند، سارعت إيران إلى استهجان كسر الأوثان وعرضت شراءها من بيت المال محبة لآل البيت، ولم يكن موقف حكومة باكستان أقل توتراً؛ فقد أعلن الناطق باسم خارجيتها أن بلاده تشاطر العالم حزنه لمصير التدمير الذي لحق بالتماثيل، وعرضت مصر الوساطة، وقررت قطر التصدي، بينما واصلت سيرلانكا وتايلاند والصين التحدي، وخرجت مظاهرات الاحتجاج والانزعاج! أكُلُّ هذا في حب بوذا؟ ! أم كل هذا بغض لـ (طالبان) ؟ ! فماذا فعلت طالبان؟ ! وما موضع الغرابة والشذوذ في موقفها الأخير، ولماذا وصفها أكثر المعلقين والمراقبين، مسلمين وغير المسلمين، إسلاميين وغير إسلاميين إلا من ندر، بالحقارة والتخلف، والتزمت والسطحية، وبالجهل والظلامية وضيق الأفق، والانغلاق الفكري، إلى آخر هذا السيل من السباب القمئ، غير الناصح ولا البريء. أكُلُّ هذه الصفات يستحقها من هدم صنماً في بلده، وكسر تمثالاً قائماً في أرضه؟ ! تعالوا نسأل من ينبغي ألا يُتخطى عند السؤال وهو القرآن، ونستفتي من لا يجوز أن يُقدم بين يديه في الفتيا في كل الأحوال، وهو الرسول ﷺ . أخرج مسلم بسنده أن عمرو بن عبسة لما سمع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه وسأله: «ما أنت؟ قال: أنا نبي، فقال: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، فقال: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحَّد الله ولا يُشرك به شيء؟ قال: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد» ، قال راوي الحديث: وكان معه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به [٢] . لقد أعلن الرسول ﷺ هذا الهدف والمغزى من رسالته في وقت مبكر، ولما مكنه الله حطم أصنام مكة في اليوم الأول للفتح، تلك الأصنام التي كانت مصنوعة قبل الإسلام بقرون كما هو معروف، وفعل في المدينة مثلما فعل في مكة، فلما هاجر إليها أمر ألا يترك فيها وثن إلا كُسر [٣] . وقد وصى أصحابه بأن يكملوا الطريق حتى لا يبقى في أرض الإسلام أثر للشرك في القلوب، ولا في البيوت ولا في مجتمعات الناس، فقال ﷺ : «اقطعوا رؤوس هذه التماثيل» [٤] . ولم يبح ﷺ الإبقاء على تلك الأصنام تحت أي تعلَّة، فمثلما منع من اقتنائها فقد حرَّم بيعها كما حرم بيع الخمر والميتة والخنزير [٥] ، ووصى صحابته بطمس كل صنم، حتى قال قائلهم: «أمرني رسول الله ﷺ أن أسوِّي كل قبر، وأطمس كل صنم» [٦] ، ولم يقل ﷺ نبقي عليها تراثاً للإنسانية، أو تذكاراً لانتصار الملة الحنيفية، أو نشراً للمفاهيم الحضارية والمعايير الجمالية. وقد استقر هذا المفهوم لدى الصحابة ال [فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ] (الحج: ٣٠-٣١) مهديين، امتثالاً لأمر الله الذي قال:، وأمر رسول الله ﷺ الذي قال: «لا تدع تمثالاً إلا طمسته» [٧] . لقد كان رسول الله ﷺ في هذا كله يعظم أمر ربه الذي أرسله بالهدى ودين الحق [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] (الصف: ٩) ، نعم، ولو كره المشركون؛ فمتى كانت كراهة المشركين للحق حائلة دون إحقاق الحق؟ ! إن الرسول ﷺ كان وهو يقوم بهذه المهمة الرسالية يترسم خطا إمام الحنفاء إبراهيم ﵇ الذي كسر تماثيل الشرك وسط بيئة الشرك، ولم ترهبه سطوة قومه ولا غضب أبيه ولا تخويف الشيطان بأوليائه، ولم يتعلل وهو الوحيد الأعزل بضعفه وقوتهم، أو بتفرده واجتماعهم، بل صاح فيهم: [وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ] (الأنبياء: ٥٧) قرر وأنذر.. ثم نفذ وكسَّر، [فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ] (الأنبياء: ٥٨) . ويصور القرآن الحكيم شدة إصرار إبراهيم على مَحْق تلك الأنداد المعبودة من دون الله، وعدم اكتراثه بهياج عبَّادها ومناصريها ومحبيها الحريصين عليها [فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ] (الصافات: ٩٣-٩٤) . فانتهز إبراهيم ﵇ هذه الزفة، وشرع يخاطب المدهوشين المشدوهين.. [قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ] (الصافات: ٩٥-٩٦) . وهذا نبي الله موسى ﵇ يخاطب السامري صانع وثن العجل: [وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي اليَمِّ نَسْفاً] (طه: ٩٧) . ثم جاء قول الله بعدها: [إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً] (طه: ٩٨) إن هذه بعض معالم الصورة العملية لمنهج الرسالة التوحيدية فيما يتعلق بالتعامل مع مظاهر الشرك والوثنية، إتلاف للشعائر الشركية، ثم مخاطبة للمشاعر الدينية، فما الذي تغير؟ ! هل اهتدت البشرية حقاً في عصرنا وهجرت عبادة الأحجار والأبقار والأشجار؟ ! أو هل انتهت رسالة أمتنا في إرساء دعائم التوحيد في دورها وأرضها فضلاً عن دور الشرك وبلدانها؟ ماذا دهى العقلاء، وما حدث لأتباع ديانات السماء؟ إننا نفهم أن ينبري للدفاع عن (بوذا) أحفاد العبَّاد الذي عبدوا وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، أو أنصار (حضارة) هُبَل واللات والعزى، ولكن الذي لا نستطيع فهمه، ولا نستسيغ بلعه، ولا نطيق سماعه أن نرى متحدثين باسم الإسلام يخاطبون جهال العالم وضلاَّلهم ويقولون: أنتم على حق والإسلاميون في أفغانستان على الباطل، وكل ما تفعله حكومة الطالبان باسم الإسلام باطل وزيف، وكل ما يأتي عن طريقها مردود، وكل متحدث باسمها مصدود، وكل من يعاديها منصور، وكل من يناصرها متهم مقهور! ! مسكينة هذه الحكومة الأفغانية التي رمتها قوى العالم عن قوس واحدة، ولم ترَ في صحائف عملها حسنة واحدة! ! فرغم كل ما أنجزته، وكل ما يمكن أن تنجزه يبدو أن (طالبان) ستظل مغضوباً عليها، وستظل طريدة العدالة (الظالمة) للعالم المتحضر! * لقد وحَّدت طالبان أفغانستان كلها تحت قيادة مركزية وطنية واحدة، تجمع القبائل والفصائل، وتحوز رضى غالبية الشعب بعد طول تفرق وتشرذم.. ولم يُعدَّ هذا خيراً! * ونشرت الأمن في ربوع المناطق التي سيطرت عليها، وقضت على اللصوصية وقطاع الطرق، وجمعت السلاح المستعمل في الإفساد.. ولم يروا في ذلك إصلاحاً! * وكفت أيدي زعماء الحرب الأهلية، وأوقفت إراقة دماءهم فيما بينهم واستهانتهم بدماء أهليهم، وقضت على بقايا الشيوعيين، فلم يحمدوا ذلك لها، ولم يقبلوا ذلك منها! وها هي اليوم تطهر أفغانستان، ولأول مرة في تاريخها المعاصر من تجارة وزراعة الأفيون، لتتحول جميع حقول المخدرات إلى حقول للقمح (حسب آخر تقارير الأمم المتحدة) ومع ذلك يتعامى شانئوها عن ذلك، ولا يمتلك مبغضوها الشجاعة بحيث يكتب واحد منهم سطراً في الثناء على هذا الإنجاز البنَّاء بعد طول الهجاء الذي سوَّدوا به صفحاتهم وصحائفهم قبل ذلك، بل لا يزالون يعيِّرون الطالبان بجرم لم يرتكبوه ولم يُحدثوه في أفغانستان، وهو تصدرها بلدان العالم في إنتاج الأفيون الذي اشتهرت به منذ عشرات العقود ولم ينته إلا في عهد طالبان؛ فأين إنصاف الشرفاء؟ وأين حكمة الأسوياء؟ بل أين أمانة الإخوة وروحها لدى كثير من المسلمين العاملين الذي لا يزالون يبغضون لغير الله إخواناً لهم في الدين أصلاء بسطاء، تعلوهم سيما الصدق، وشيم الرجولة والفداء؟ ! لقد كشفت إجراءات طالبان الأخيرة حقائق كثيرة، وعرَّت مواقف كثيرة، وفضحت وأظهرت أموراً كثيرة، فيما يتعلق بشأن قضايا دين التوحيد، وفهم الدعوة لها وتنفيذ قضاياها ومتطلباتها لدى شرائح مختلفة في الأمة الإسلامية وسائر مجتمعات البشرية. وهذه بعض المعالم البارزة التي كشفت عنها أزمة طالبان مع أنصار تخليد الأوثان حتى وقت كتابة هذه السطور الذي أعلنت فيه حكومة طالبان الفراغ من تدمير التماثيل المعبودة من دون الله. * رغم أن مواقف علماء المسلمين إلا من رحم الله تراوحت بين السكوت عن الحق، أو التكلم بالباطل إلا أننا لم نسمع إدانة من بابا الفاتيكان أو الحاخام الأكبر لليهود باعتبار أن الأصنام مذمومة في التوراة والإنجيل، فهل نقول إن موقف علماء الدين ورجاله من اليهود والنصارى أقل سوءاً من موقف بعض علماء المسلمين؟ ! * الإعلام العلماني كعادته استغلها فرصة للنيل من ثوابت الإسلام بالطعن في أشخاص أتباعه ومنهم طالبان، فغمزوا ولمزوا، وسخروا وهمزوا، واستهزؤوا بأعظم شعائر الإسلام وشرائعه المتعلقة بتجريد التوحيد لرب العالمين. * سارع كثير من جهلة المثقفين من الكتَّاب والصحفيين وأدعياء الغيرة على الدين إلى الإفتاء والتكلم بلسان العلماء، واستغلوا المنابر الإعلامية المسموعة والمقروءة والمشاهدة للتباري في إرضاء الكفار والمشركين، بما يسخط الله ورسوله والمؤمنين! وهذا نذير شر لدعوة الإسلام إن استمر تصدُّر هؤلاء للتحدث باسم الدين. * الحزبية والعصبية أسفرت عن وجه قبيح، فلأن طالبان لم تخرج من عباءة أحد، ولم تنشط لحساب أحد، لم ينصفها إلا القليل من الأحزاب والجماعات والحركات إلا بكلام قليل، بعضه هجاء في ثوب الثناء! * بعض أطراف المعارضة الأفغانية (النزيهة) واصلت انتهازيتها ليتواصل سقوط أقنعتها؛ فرباني ادعى أن طالبان تريد بعملية التدمير التغطية على عملية منظمة؛ لتهريب كنوز أفغانستان [٨] . وأما مسعود فأسعده انشغال طالبان بمواجهة العالم الساخط من أجل التماثيل؛ فتقدم بقواته لاستعادة بعض الأراضي مستخدماً أسلحة الروس والهندوس. * الروافض الذين يزايدون دائماً على كل موقف إسلامي يدغدغ مشاعر الجماهير المسلمة، لم يستطيعوا هذه المرة أن يزايدوا على الغيرة للدين، ولم يتنادوا لنصرة المستضعفين، بل استنصروا عليهم بأهل الأرض قاطبة، وقال وزير (الإرشاد الإسلامي) : «ندين تدمير التماثيل، ونناشد العالم التوحد لإنقاذ كنوز الإنسانية في أفغانستان» [٩] . * الاعتبارات (الحضارية) والأوليات الثقافية والمجاملات الدبلوماسية غطت على المعايير العلمية والدعوية لدى الكثيرين حتى طغت أولويات المحافظة على آثار الأحجار المرصوصة على آثار الأخبار المنصوصة، وكأن رضى المخلوقين مقدم على رضى رب العالمين، هذا بالرغم من أن القضية في الأصل قضية حق وتوحيد ودين. * هناك مغالطات كثيرة علمية وتاريخية تحتاج من علماء الدين، وحتى علماء التاريخ أن يفندوها ويجلُّوها، فهل صحيح أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينفذوا وصايا رسولهم رغم قدرتهم وأبقوا على الأصنام والأوثان في كل البلدان التي فتحت بالتوحيد ولأجل التوحيد؟ وهل صحيح أنهم كانوا قادرين على تكسير صخرة بوذا وغيرها من الآثار المنحوتة في الجبال الصماء بالسيوف والرماح، برغم صعوبة تدميرها بالديناميت والصواريخ؟ ! * الذين اتهموا الأولين بأنهم أبقوا على تلك التماثيل، تجاهلوا حقيقتين: إحداهما: أن أكثر تلك التماثيل كانت مطمورة، مثل تماثيل مصر، وما ظهر منها كان مطموساً في معظمه، وتمثال بوذا الكبير نفسه يدل على ذلك، فالصورة القديمة له تدل على أنه كان مطموس معالم الرأس قبل أن تمتد إليه أيدي طالبان. يضاف إلى ذلك أن بعضاً من تلك التماثيل انقرض عبَّاده كالفراعنة والإغريق والرومان. * لم ينقرض أصحاب الديانات الوثنية، مثل البوذية والهندوسية والسيخية وغيرها، بل هم كثرة غالبة، ضاربة في أطناب الأرض، منهم مليار في الصين، ومليار في الهند، ومليار في بقية أنحاء العالم، فهم أكثر من مجموع المسلمين والنصارى واليهود. * يقولون إنه لا يعقل أن يتجه إنسان عاقل في القرن الحادي والعشرين لعبادة الأحجار.. ويتناسى هؤلاء أن أصحاب أعقد العقول في عصرنا، وهم اليابانيون، لا يزالون أمة وثنية تعبد بوذا، ومعهم الصينيون والتايلانديون والسيرلانكيون وغيرهم، بل الديانة النصرانية التي يدين بها أصحاب الحضارة الغربية تتحول بانتظام إلى ديانة وثنية، بل الصليب نفسه وثن كبير. * حتى أمة الإسلام، هل هناك ما يمنع، أو هناك ما منع من تورط بعضها في الانخراط في مظاهر الوثنية، أليست القبور يطاف بها، وتعظم، ويذبح لها، وينذر لها في أكثر بقاع المسلمين؟ ! هذا في زماننا وقبل زماننا، فما الحال في المستقبل حيث يمكن أن تزداد غربة الدين في بعض المواطن! لقد بوَّب البخاري في كتاب الفتن من صحيحه باباً بعنوان: (تغير الزمان حتى تعبد الأوثان) ، وروى بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة» [١٠] . وذو الخَلَصَة هي صنم دوس التي كانوا يعبدونها في الجاهلية، هذا في جزيرة العرب؛ فمن يضمن أن لا تعود عبادة بوذا في أفغانستان إذا بقيت تلك الأصنام. * قد تكون طالبان مخطئة في الكيفية أو التوقيت، فنحن لا نقول بعصمة قرارات طالبان ولا غيرها، بل بوسعنا ووسع غيرنا أن نخالفهم في الاجتهاد، بل نعارضهم في بعض المواقف، ولكن الجميع ينبغي أن يكون في المعارضة أو التأييد منطلقاً من أساسات علمية، وثوابت منهجية، أما الشجب المطلق والتنديد المفتوح فليس من شأن من يريدون الإصلاح. * ظهر من أساليب الرفض المنهجي لكل ما يصدر عن طالبان، أن كل البدائل التي كان يمكن أن يلجؤوا إليها كانت مدانة سلفاً، فلو فاجأت طالبان العالم بهدم التماثيل لقالوا: جبناء.. أخذوا العالم على غرة ولم يملكوا الشجاعة لإعلان قرارهم! ولو باعوا الأصنام كما اقترح البعض لقالوا: جاؤوا ليبيعوا تراث أفغانستان ويأكلوا أثمانه! ! ولو وافقوا على نقلها إلى الهند أو غيرها لقالوا: فرطوا في كنوز البلاد ليضلوا بها بقية العباد، ولو تراجعوا عن قرارهم، لقالوا: أرادوا فقط شغل العالم ولفت أنظاره أو ابتزازه! ! * وأخيراً نقول: أعان الله القيادات الطالبانية على بقية معركتها ضد مظاهر الشرك والوثنية، فلا تزال أمامها معركة أصعب وأصخب، وهي معركة تطهير أفغانستان من المشاهد والقبور الشركية بعد تطهيرها من عار المخدرات المدمرة للبشرية والأصنام المسيئة للإنسانية؛ فالذي أمر بتكسير الأصنام هو نفسه صلى الله عليه وسلم الذي أمر بتسوية القبور؛ فقد قال علي ﵁ لأبي الهياج الأسدي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : ألا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته» [١١] . أعان الله أفغانستان وحكومتها على إكمال مهمتها، والخروج من أزمتها، وأعان الله دعاة الإسلام، وأعاننا معهم على أن نقول بالحق حيث كنا، ولا نخاف في الله لومة لائم. [الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوَهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٧٣-١٧٥) .

стр. 3876

بأقلامهن دور المرأة التربوي المأمول والمعوقات د. أفراح بنت علي الحميضي [*] من الأمور التي اجتمع عليها المربون إقرارهم بأهمية التربية بوصفها عاملاً رئيساً في توجيه الأفراد نحو أهداف المجتمعات، ولمدى أهميتها فقد لفتت انتباه العلماء المسلمين الذين دوَّنوا في موضوعات التربية الإسلامية مؤصلين لها، ومبرزين عناصرها وأهدافها وسبلها، والمؤثرات التي تؤثر في نتائجها، والتأثيرات التي تشعها التربية الإسلامية في المجتمع، بل كان من اهتمام علماء التربية الإسلامية التركيز على التربية البيتية أو المنزلية باعتبارها قاعدة أساسية في إعداد الأفراد موضحين بشكل بارز أهمية دور الوالدين في تلك المهمة. وتبعاً لهذا فإن إبراز دور المرأة [١] التربوي والعوامل التي تساعد على إظهار ذلك الدور بوصفها وظيفة من أهم الوظائف بل هي أهم ما يجب أن تتقنه المرأة، والأمور التي تعيقها عن أداء وظيفتها تلك يعد موضوعاً جديراً بأن يهتم به كل من يعنيه أمر التربية والنشء ومستقبل الأمة. توطئة: دور المنزل في تنشئة الفرد: تعد السنوات الأولى التي يقضيها الطفل في منزله من أكبر المؤثرات المسؤولة عن تشكيله في المستقبل؛ ذلك أن المجتمع المنزلي يعد أول مجتمع ينمو فيه الطفل ويتصل به ويستنشق الجو الخلقي منه، بل إنه ومن خلال الجو العاطفي الموجود في البيت فإن الطفل يعتمد على والديه في أحكامه الأخلاقية وفي مَدِّه بتقاليد وعادات وأعراف مجتمعه [٢] . ولأجل ذلك فقد أرجع المربون أن إحساس الطفل بحب الأبوين ناشئ من ممارسة الأسرة لوظيفتها في التنشئة الاجتماعية [٣] ، بل إن تفعيل كل الوظائف التربوية لن يتحقق إلا بتكاتف جهود وأهداف الوالدين. فمن الأدوار التي يجب أن تمارسها الأسرة ويضطلع بها المنزل قبل وبعد سن دخول المدرسة العنايةُ بالنمو الجسمي من خلال رعاية الطفل صحياً؛ وذلك باستكمال أسباب الصحة في الغذاء، والراحة الكافية، والمسكن الملائم، والرعاية الصحية الوقائية. ومن الأدوار كذلك العناية بالنمو العقلي للطفل الذي يتأتى من خلال اكتسابه للغة الأم في المنزل، وما يتبع ذلك من توسيع لمداركه وزيادة لمعارفه، كذلك فإن من أهم الأدوار الوظيفية التي تمارسها الأسرة هي إشباع حاجات الطفل النفسية، ومن خلال الأسرة يتحقق للطفل النضج الانفعالي؛ وخاصة إذا توفرت في المنزل أسباب ذلك النضج؛ فمن خلال الأسرة يتعوَّد الطفل القدرة على التعامل مع الآخرين، ومن خلالها أيضًا تساهم الأسرة في الارتقاء الأخلاقي لدى الطفل؛ إذ تنمو شخصيته الأخلاقية؛ ويُعزز ذلك كله حين تقوم الأسرة بدورها في إكساب الطفل الدين الذي تعتنقه [٤] . ومن أجل ذلك نستطيع أن نقرر حقيقة أن للوالدين دوراً هاماً في تربية الطفل لا يستطيع المعلم أو أي شخص آخر أن يحل محلهما؛ فقد يستطيع المعلم أن يزوِّد الطفل بحصيلة من المعلومات قد تجعل منه دائرة معارف، لكنه يفتقد ما للوالدين من تأثير على اتجاهات الطفل نحو الحياة [٥] . ولهذا فقد حرص علماء التربية الإسلامية على تأكيد ضرورة إعداد المرأة لممارسة دورها بل وانتقائها قبل إنجاب الأولاد مؤكدين على حقيقة أن تربية النشء تحدث قبل ولادتهم باختيار الأمهات. يقول أكثم بن صيفي لأولاده: «يا بَنيَّ! لا يحملنكم جمال النساء عن صراحة النسب؛ فإن المناكح الكريمة مَدْرَجةٌ للشرف» . وقال أبو الأسود الدؤلي لبنيه: «لقد أحسنت إليكم صغاراً وكباراً وقبل أن تولدوا. قالوا: وكيف أحسنت إلينا قبل أن نولد؟ قال: اخترت لكم من الأمهات من لا تُسَبُّون بها» . ولهذا فإن من أول حقوق الوالد على والده أن يختار له الأم المؤمنة الكريمة ذات الهدف من الحياة التي تحسن تربيته، وتقوم على شؤونه، وتتعاهد دينه وعقيدته؛ لأن الطفل والطفلة ينتقل إليهما كثير من صفات أمهما النفسية والخلقية، بل يمتد هذا التأثير مدى الحياة [٦] . الأدوار التربوية المناطة بالمرأة الأم: مما هو معروف بالبديهة أن الأدوار التربوية المناطة بالمرأة الأم تتخذ أهميتها من كونها هي لب العمل الوظيفي الفطري الذي يجب أن تتصدى له المرأة، وهذا يعني ضرورة أن تسعى الأم إلى ممارسة دورها بشكل يحقق نتائجه التي يأملها المجتمع، وهذا يعني أيضاً ضرورة إعداد المرأة الأم لأداء ذلك الدور قبل مطالبتها بنتائج فعالة، وأعتقد أن ذلك الإعداد لا بد أن يشمل: ١ - غربلة المناهج الدراسية: بحيث يكون الغرض الأساسي من تلك الغربلة وإعادة الصياغة إعانة (المرأة الأم) في وظيفتها داخل منزلها الذي يُعد المقر الوظيفي الرئيسي لها؛ لا أن يكون دور المناهج الدراسية تهيئة المرأة لتمارس وظيفة خارج المنزل، وفي حالة إعادة التكوين والصياغة هذه؛ فإن المناهج ستساهم في دعم دور الأبوين في إعداد الفتيات للاقتناع أولاً بمهمتهن الأولى، ثم في التعرف على صور وأنماط عديدة لأصول التربية السليمة وطرقها، والتي من الممكن الانتقاء منها حسب عدد من المعطيات ووفقاً للظروف المواتية، وبهذا ستؤدي المناهج الدراسية دورين أساسين: أ - دوراً إعدادياً للمرأة للقيام بوظيفتها التربوية. ب - دوراً مسانداً؛ حيث ستشكل المناهج معيناً نافعاً تستمد منه المرأة سبلاً وطرقاً تربوية ناجحة ونافعة. ٢ - الإعلام: نظراً لأن إعداد المرأة لممارسة وظيفتها التربوية يشكل ثقلاً عظيماً في النظرة الشاملة لمصلحة الأمة عموماً؛ فإن إعادة اهتمامات الإعلام بتلك المسألة من الأهمية بمكان؛ وهو أمر يستلزم قيام جميع القنوات الإعلامية بإبراز ذلك الدور والتركيز على ممارسة المرأة دورها بنفسها؛ فهي وظيفة لا يجوز فيها التوكيل، بل إن تصدي المرأة لدورها بنفسها بوصفها أيضاً مربية يعد مسلكاً عظيماً في رقي الأمة، بل هو الطريق الأساسي لتحقيق آمال الأمة ثم إعادة صياغتها فعلياً عبر التربية إلى نواتج قيِّمة تضاف إلى رصيد الأمة الحضاري، ولأجل ذلك فإن من الضروري أن تضع وسائل الإعلام ضمن أهدافها تبني المفهوم القائم على أن رقي الأمة مطلب إسلامي حضاري لن يتأتى إلا من خلال إعادة تكوين النظريات التربوية وتأسيسها بما يتفق مع الأصول والمصادر السليمة التربوية المعتمدة على المصادر الإسلامية، وأيضاً من خلال إعداد الكوادر التي تستطيع ترجمة تلك النظريات إلى واقع؛ أي العناية والتشجيع لإعداد المرأة الأم المربية التي تمتص ما يجب أن تفعله لتعيد تكوينه رحيقاً تربوياً يداوي جراح الأمة. ٣ - تبني مسؤولية التربية: لا تستطيع المرأة أن تؤدي دورها التربوي ما لم تتبنَّ تلك القضية وجدانياً من خلال حملها لهمّ التربية، ويقينها التام بدورها في إعداد الفرد، وانعكاس ذلك على صلاحه وصلاح الأمة، ثم سعيها الدؤوب نحو تزويد من تعول تربوياً بما صح وتأكد من مغانم تربوية كسبتها من خلال ما نالته في رقيها التربوي الإسلامي، ويتأتى ذلك عن طريق دعم حصيلتها العلمية الشرعية؛ إذ إن جزءاً من مهامها التربوية يعنى بتشكيل عقيدة الأبناء ومراقبتها، وتعديل أي خلل يطرأ عليها. ولهذا، ولأهميته فإن أول دور يُناط بالأم هو: ١- التربية العقائدية: لا تتمكن الأم من القيام بتلك المهمة ما لم تكن معدة لهذا الأمر من خلال علم شرعي يعينها على أداء هذه المهمة، ولا يعني هذا أن تتوقف المرأة عن ممارسة ذلك حتى تكون طالبة علم. إن على الأم معرفة الأساسيات التي لا يقوم دين العبد إلا بها كأصول المعتقد وما تشمله من أصول الإيمان، وأقسام التوحيد وشروط لا إله إلا الله ونواقض الإسلام، وأقسام الشرك والكفر وأنواع النفاق، كما أن عليها معرفة الحلال والحرام خاصة ما استجد في هذه الأزمنة من مستجدات أوضح العلماء حكمها. إن دور المرأة الأم هو قيادة قاطرة التربية في أرض مليئة بشوك الشبهات المضلة، والشهوات المغرية، والفتن السوداء. على المرأة الأم أن تدرك أن منهج تربية النشء في الإسلام يقوم في أصوله وأساساته على مرتكز الإيمان بالله وحده، وهو منهج متوافق مع نظرة الله التي فطر الناس عليها. قال ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهوِّدانه، أو ينصِّرانه، أو يمجِّسانه» [٧] . إن التطبيقات الضرورية لهذا الدور التربوي الهام تتضح من خلال عدد من الإجراءات منها: تربية الأبناء على حب الله ورسوله، ربط قلوبهم بالله ومراقبته في كل تصرفاتهم، ويكون ذلك منذ طفولتهم المبكرة؛ إذ يُعلَّمون النطق بالشهادتين، ويُوجَّهون إلى إرجاع كل نعمة إلى الله وحده، وحينما تشب أعوادهم يُعوَّدون على قراءة كتب العقيدة المناسبة لأعمارهم [٨] . - ربط أصول العقيدة وفروعها بمناحي الحياة؛ مما ينتج عن ذلك حماسهم لها ودفاعهم عنها؛ فيتأكد لدى الطفل أنه لأجل الإيمان بالله وعبادته خُلق؛ فيعيش تأكيداً لمعاني ذلك الإيمان محققاً العبودية لله وحده ويموت دفاعاً عنها. ومهمة المرأة الأم في هذه الأمور واضحة؛ فهي من يُشربه عند نُطق الحروف الأولى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ، ثم هو يراها نموذجاً قائماً أمامه يحاكيه ويقلده حين تكون كل حركاتها وسكناتها تهدف إلى تأكيد معنى كلمة الإخلاص؛ فهي حريصة على ألا يُعبَد في المنزل إلا الله وحده؛ فلا يدعى إلا هو، ولا يسأل إلا إياه، ولا يستعان أو يستغاث إلا به، ولا يُخاف إلا منه، ولا يُتوكل إلا عليه، ولا يُذبح إلا له، ولا يُصرف أي شيء من أمور العبادة إلا لله وحده، فيشب الناشئ وينشأ الطفل وهو يرى العقيدة الصافية تشع في كل أنحاء البيت. ويندرج ضمن هذه التربية تعويد الطفل منذ مرحلة تمييزه على الأداء الصحيح للعبادات؛ فقد قال ﷺ : «مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً، وفرِّقوا بينهم في المضاجع» [٩] إذ على الأم أن تُعوِّد مَنْ تعول على البعد عن الأمور المستنكرة شرعاً وعُرفاً، وتعرفهم على أحكام الحلال والحرام حتى يعتادوا ذلك ولا يأنفون منه، وعلى الأم أن تُعوِّد الأطفال على الطاعات كالصلاة والصيام وقراءة القرآن، وتحذرهم من ارتكاب المعاصي كالكذب والسرقة والخيانة والغش [١٠] . التربية السلوكية: بتأكيد أهمية البيت في تبني السلوكيات الطيبة تتضح مسؤولية ما تقوم به المرأة في تفعيل دورها العظيم في زرع هذه السلوكيات، وقلع أي سلوك سيئ ينشأ في حديقتها التربوية حيث رعيتها الصغيرة، وتهذيب أي سلوك ينشأ منحرفاً عن مساره. إن مهام المرأة في ذلك الدور كما هو في جميع مهامها التربوية لا بد أن يسير بمشاركة الوالد تدعيماً وعوناً، وفيما يخص مهمته التربوية؛ فإن تعاضد المرأة والرجل في بذر السلوك الحسن وتكوين القدوة الصالحة له أنجع الأمور للوصول إلى نتائج سريعة ومثمرة، ولأن المربين قد أدركوا أن من ضمن الأسس التي ترتكز عليها المنهجية التربوية الإسلامية في التربية هو إيجاد القدوة الحسنة؛ فقد حرصوا على ذلك الأمر من منطلق أن الطفل يبدأ إدراكه بمحاكاة ذويه ومن حوله حتى يتطبع بطبائعهم وسلوكياتهم وأخلاقهم [١١] . وفي مقابل غرس السلوكيات الحسنة كان إهمال أي سلوك يأخذه الطفل من البيئة المحيطة يعني تشرُّبه السلوكيات الخاطئة واستنكاره أي نصيحة مقومة له. وغالباً ما يأتي الإهمال من قِبَل الوالدين جميعاً أو باتكال أحدهما على الآخر، أو كما قال ابن القيم: «وكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله، وترك تأديبه، وإعانته على شهواته، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه، ففاته انتفاعه بولده، وفوَّت عليه حظه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قِبَل الآباء» [١٢] . ولهذا أيضاً كانت المنهجية التربوية الإسلامية تعتمد على مراقبة سلوك الطفل وتصرفاته وتوجيهه في حينه إلى التعديل المناسب لذلك السلوك مهما كان ذلك السلوك حقيراً أو عظيماً [١٣] . وتبعاً لذلك فإن من تطبيقات تلك المهمة التربوية: ١ - حفظ الطفل من قرناء السوء. ٢ - أن تمارس المرأة مهمتها -بإخلاص- في غرس الفضائل، والعناية بالواجبات، وتعويد الصغار على معالي الأمور. ٣ - ربط النشء بسيرة الرسول ﷺ والصحابة، وتعليقهم بما تشمله سيرة الرسول ﷺ وتراجم الصحابة من علو ورفعة وعزة. ٤ - أن تضع المرأة شعاراً تطبقه في تربية من تعول تعتمد على تفعيل حديث الرسول ﷺ : «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالِقِ الناس بخُلق حسن» [١٤] . التربية النفسية: تعتمد تلك المهمة على إقرار حقيقة في الصحة النفسية هي أن العطف والحنان بلا إفراط ولا تفريط هما أساس الصحة النفسية لدى الأفراد؛ فينشأ الأطفال ويشب النشء وهم مترفلون بهذه الصحة؛ ولهذا فقد مدح الرسول ﷺ صفة الحنان في نساء قريش بقوله: «صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده» [١٥] . وهذه التربية النفسية لا تتأتى فقط بما تمنحه الأم من رعاية وحنان وعطف جُبلت النساء عليه، وإنما لا بد من تعاضد الوالدين جميعاً في تهيئة البيئة المنزلية لتكون بيئة صالحة هادئة ينشأ فيها الطفل متزناً واثقاً من نفسه؛ إذ ثبت أن الحياة العائلية المضطربة والمشاحنات بين أفراد الأسرة وبخاصة قطبيها الأب والأم يؤثران بشكل ملحوظ على تكوين شخصية مضطربة تنفر من الحياة وتكرهها، وثبت أيضاً أن أغلب الأمراض الخُلُقية مثل الأنانية والفوضى وفقدان الثقة بالنفس وعدم الإحساس بالمسؤولية والنفاق إنما تبذر بذرتها الأولى في المنازل، وأن من الصعوبة على المدرسة والمجتمع استئصال تلك الأمراض إذا تزمَّنت وتمكنت في نفس النشء أو الأطفال [١٦] . التربية الجسمية: تبدأ تلك التربية منذ وقت مبكر حين تركز المرأة عنايتها بما خُلق في رحمها من خلال اهتمامها بالتغذية والراحة، ثم تستمر تلك التربية بعد الولادة حين يضع المنهج الإسلامي مسألة الرضاعة وتغذية الرضيع من المسائل الأساسية التي تُكلَّف بها المرأة. قال الله تعالى: [وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ] (البقرة: ٢٣٣) . ولكي تمارس الأم ذلك الدور لا بد أن يكون لديها وعي تام بأهمية هذا الجانب التربوي المعتمد على الثقافة الصحية المتوازية مع التطبيق العملي لهذه الثقافة. معوقات في أداء الأدوار التربوية: إذا كانت تلك بعض الأدوار التربوية المناطة بالمرأة بوصفها أُمّاً فإن مما يُعطل تلك الأدوار عن أداء مهمتها بفعالية، ومما يعيق المجتمع عن الحصول على ثمار يانعة معوقات من الممكن حصرها في: ١ - معوقات ذاتية تتمثل في: - قصور في الإعداد النظري للمرأة لممارسة دورها التربوي. - قلة وعي المرأة بأهمية دورها التربوي وأهمية ناتجها على المجتمع. - إشغال الأم أو انشغالها بممارسات ثانوية تعطل وظيفتها الأساسية كانشغالها بوظيفة خارج المنزل. ٢ - معوقات خارجية تتمثل في: - الاعتماد على شخصيات بديلة تمارس دور الأم كالمربية الخارجية والخادمة ويتأتى ذلك الاعتماد السلبي حين تعتقد الأم أن التربية عبء لا ناتج له معطل لقدراتها. - تشجيع وسائل الإعلام المرأة للخروج من المنزل وممارسة أدوار بديلة لدورها الأصلي الأساسي، بل الدعاية لتلك الأدوار والوظائف واعتبارها خدمات أولية تقدمها المرأة للمجتمع تفوق في ناتجها دورها التربوي، وهذه الدعاية ساهمت في صرف المجتمع عن تأكيد دور الأم المربية إلى تشجيع دور الأم العاملة أو المرأة العاملة؛ وذلك بتشجيع تأخير الإنجاب. - عدم قيام المؤسسات التعليمية بأدوارها في إعداد المرأة الأم وتشجيعها لممارسة دورها التربوي إضافة إلى ازدحام قائمة المناهج الدراسية بمواد بعيدة الصلة عن الحاجات الفعلية للمرأة مما يترتب على ذلك عدد من النتائج أبرزها طول فترة اليوم الدراسي باعتبارها أول تلك النتائج، وثانيها طول فترة المرحلة الدراسية، ثم ثالثها ضعف إعداد المرأة تربوياً، وتبعاً لذلك فقد تتأخر المرأة أو تتعطل في أداء دورها التربوي. توصيات: أَخلُص من ذلك كله إلى عدد من التوصيات تتعلق بالمرأة المربية والنشء والطفولة بل والأسرة مما يعزز فعالية المرأة: أولاً: تكثيف البرامج التعليمية في مدارس تعليم البنات فيما يخص إعداد المرأة إعداداً فعلياً لأداء دورها الوظيفي. ثانياً: إنشاء مراكز لأبحاث الطفولة والناشئة تكون غايتها بحث أفضل السبل لوضع منهجية تربوية قائمة على أصول شرعية قادرة على مواجهة المتطلبات المتصاعدة للحياة العصرية؛ بحيث تمد تلك المراكز الأمهات ودور الحضانة ومدارس المرحلة الابتدائية بالأبحاث والدراسات فيما يخص الطفولة والناشئة وكيفية تواؤمها مع المجتمع بما يحافظ على أصالة التربية. ثالثاً: إنشاء مراكز لسلامة الطفولة ودعمها، غايتها بث وعي إعلامي وقائي للأمهات والآباء فيما يخص سلامة أطفالهن من كافة أنواع المخاطر كحالات الحرق، والغرق، والخنق، والسقوط، ... إلخ. رابعاً: تكثيف المواد الإسلامية وخاصة مسائل التوحيد في مناهج ما قبل المدرسة، وعرضها بطريقة تناسب عقول الصغار؛ ففي هذه المرحلة تغرس مبادئ التوحيد بأنواعها الثلاث في عقولهم الغضَّة، مما يشكل دعماً لجهود الوالدين في تلك القضية. خامساً: إنشاء هيئة عليا للدراسات الأسرية التربوية تختص بتذليل كافة السبل لدعم البرامج التربوية في مناهج التعليم، وتهيئة الظروف لتحقيق توافق أسري داخل البيوت من خلال البرامج والدورات التدريبية التي تشمل فيما تشمل دورات أسرية لمرحلة ما قبل الزواج ثم مرحلة ما بعد الزواج، كما يكون من ضمن اختصاصها فتح قنوات اتصالية مع الأمهات لبحث ما يعتريهن من مشاكل تربوية تعيقهن عن أداء دورهن.

стр. 3877

الباب المفتوح الهجمة على العقيدة والنظام الاجتماعي في الإسلام أحمد عبد الدايم أبو نصرة الجديد في الهجوم على العقيدة هو الجرأة عليها وإسقاط رموزها ومسلَّماتها التي لا تمس عند المسلمين ولا تقبل النقاش؛ لأنها من الثوابت التي استقرت وترسخت، ويُتخذ في حق من يمسها ما يستحقه حين تكون الأمة بوعيها وعافيتها؛ وذلك مثل الذات الإلهية المقدسة والمنزهة، ورسول الإسلام الكريم صلى الله عليه وسلم وقرآنه العظيم. ومن أوجه هذه الجرأة على سبيل المثال لا الحصر: ١ - الاستبيانات العلمية في المدارس والجامعات والصحف من مثل أن الدين فكرة، وأن الإسلام منطق. ٢ - مؤتمر الأديان؛ حيث يجتمع من يمثلون الإسلام مع من يمثلون الوثنيين من عبّاد الفأر، وعباد البقر، وعبّاد الخشب، بما يوحي أن ما في مثل هذه الأديان من خرافات وترهات لا يسمو عليه الإسلام، وأن جميعها أفكار قابلة للصواب والخطأ والنقاش، لا يجوز التعصب لها ولا الدعوة إليها، وخير من ذلك كله ما يجمع الناس على فكر واحد وثقافة واحدة وهو دين العولمة، ولذلك لا عجب أن نرى مقررات مؤتمرات الأديان تخرج علينا بأفكار العولمة بوصفها ديناً جديداً بديلاً من الأديان، مثل: البيئة، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، والحرية، وحقوق المرأة وتميزها، إلى غير ذلك دون ذكر كلمة واحدة عن أفكار الأديان أو عقائدها. ٣ - استهداف رموز الإسلام ومسلَّماته من مثل الذات الإلهية المنزهة، وشخص الرسول الكريم ﷺ ، والقرآن العظيم، والتطاول عليها لإسقاط عظمتها وهيبتها من نفوس المسلمين ليسهل في النهاية عدم التصدي لمن يتطاول عليها ثم التنازل عنها للدين البديل. وتتلاقى هذه الهجمة الشرسة على ثوابت العقيدة مع كل ما يخطط من الكفر للمسلمين والمساس بثوابتهم؛ وأبرزها الهجمة الشرسة على النظام الاجتماعي وما يراد للمرأة المسلمة أن تكون. ١ - فمن تسخير البرلمانات والمجالس الشعبية لسنِّ القوانين لإخراج المرأة المسلمة عن طبيعتها وكونها أمّاً وربَّة بيت وعِرض يجب أن يصان إلى أن تصبح ألعوبة للشهوات ودمية للأهواء، يلغي بهذه القوانين دور الأسرة فتكون المرأة المسلمة نسخة عن المرأة الأوروبية في بلاد المسلمين لنشر ثقافة الإيدز، والعري، والشذوذ الجنسي، ومن هذه التشريعات والقوانين الإباحية: إباحة السباحة لها بدلاً من قوله تعالى: [قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ] (النور: ٣٠) ، [وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ] (النور: ٣١) . ٢ - إلغاء أو تعديل المواد التي فيها حد من الفحش، وما أسموه جرائم الشرف من مثل المادة ٣٤٠ في الأردن، والمادة ٢٤٠ في مصر، تعديل قوانين الأحوال الشخصية والنظام الاجتماعي من مثل: الخلع، سفر الزوجة، قبول طلاق المتزوجة عرفاً، وإلغاء لائحة ترتيب المحاكم الشرعية، وجواز الإجهاض مما يخفف متاعب الجنين على الحامل. ٣ - السماح بالمناداة لعري المرأة، وحريتها في جسدها، وحقها في إقامة علاقات منحرفة خارج البيت. ٤ - عقد المؤتمرات النسوية والصحفية للمناداة بإلغاء قانون الاجتماع الإسلامي وإيجاد قانون أحوال شخصية لا علاقة له بالإسلام تكون فيه تشريعات نسوية علمانية لا يكون لله فيها أي سلطان أو حق على حد تعبير نوال السعداوي. ٥ - إحياء ذكرى من نادوا بحرية المرأة من مثل قاسم أمين، وما نادت به مَنْ أحيَيْنَ هذه الذكرى مما يندى لذكره الجبين. ٦ - عقد المؤتمرات الدولية بعنوان تنظيم الأسرة؛ فمن مؤتمر في المكسيك سنة ١٩٧٥م الذي دعا إلى حرية الإجهاض للمرأة، والحرية الجنسية للمراهقين والأطفال، وتنظيم «الأسرة لضبط سكان العالم الثالث» ، إلى مؤتمر نيروبي عام ١٩٨٥م تحت عنوان: «استراتيجيات التطلع إلى الأمام من أجل تقدم المرأة» ثم مؤتمر القاهرة سنة ١٩٩٤م تحت عنوان: «المساواة والتنمية والسلام» وبرز فيه عولمة المرأة، وكذلك مؤتمر بكين الذي يمثل مخططاً واضحاً لهدم الأسرة وتدمير الحضارة البشرية، والذي لا يتحدث عن الزواج باعتباره رباطاً شرعياً بين الرجل والمرأة، وبدلاً عن مصطلح الزوج تستعمل عبارة: الشريك أو الزميل. هذه الحضارة التي يريدونها بفرض أفكارهم المتعلقة بالمرأة، ومنها حق الإنسان في تغيير هويته الجنسية، ومن ثم الاعتراف رسمياً بالشواذ أو المخنثين واللوطيين والسحاقيين؛ وذلك بإدراج حقوقهم الانحرافية ضمن حقوق الإنسان، ومنها الحصول على أطفال بالتبني. وتطالب وثيقة بكين التي هي مرجعية هذه الحضارة بحق المرأة والفتاة بحرية جنسية آمنة مع من تشاء وفي أي سن تشاء؛ وليس بالضرورة في إطار الزواج الشرعي. ووثيقة بكين هذه قد وقعت عليها مائة وثمانون دولة، وقد نادى الرسميون في بلاد المسلمين بما يحقق هذا في الواقع، ومن ذلك تزويج الفتاة دون إذن الولي. وفي مسيرة الإدماج الاجتماعي التي أشرفت عليها الدولة في المغرب نادى أصحابها بمنع تعدد الزوجات أسوة بتونس، وأن يكون الطلاق بيد القاضي لا بيد الرجل، ورأوا المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة وذلك عند الطلاق أو الموت. إن ما يراد بالمسلمين وما يخطط لهم يستهدف مقدساتهم الفكرية وعرضهم وعلاقاتهم الاجتماعية؛ ليتم التحكم في حياتهم من جميع جوانبها؛ فهل يُقابَل هذا بالصمت أم بالشعور بالويل والمرارة؟ ! أم تكفي فيه ردة فعل غاضبة يعبر عنها بمسيرة صاخبة، أو بمقالات ساخنة في الصحف ثم تخبو جذوتها ويُتناسى ما جاء فيها؛ لتصحو من جديد على تشريع جديد أو رواية أخرى أو مؤتمر يقرر فيه إلغاء دينهم؟ لقد تعرضت ديارهم وهويتهم ومقدساتهم لمثل هذا فآثروا السكوت والحياد إلى أن ساموها خسفاً وتضييعاً؛ فضاعت وهم ينظرون؛ فهل يقفون نفس الموقف لتضيع عقيدتهم، ويضيع عرضهم فيكون مصيرنا الضياع والاندثار؟ !

стр. 3878

المنتدى ردود الأستاذ الفاضل رئيس تحرير مجلة البيان الغراء: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد: فقبل أن أبدأ رسالتي الأولى إليكم أحب أن تبلغ إليكم هذه الدعوات الحارة المنبعثة من أعماق قلب يتلهف على كلمة حق صادقة قوية لدين الله، تأخذ مكانها في الساحة وتعلو، هذه الساحة التي اكتظت بالدنس من كل لون حتى أغرقت البلاد والعباد وملأت الأصقاع. ولا أكتمكم يا أخي الكريم كم كانت فرحتي حين التقيت بقدر الله بمجلتكم الغراء وأنا في رحلة لي في مكة المكرمة، حيث وجدت المجلة في بيت شقيقي هناك، لا أكتمكم مدى عمق تلك الفرحة، ولا أصور لكم كيف التهمت نفسي ومشاعري وأفكاري كل جملة فيها من الغلاف إلى الغلاف! ولا كيف تمنيت في حينها لو أملك الحصول على كل أعدادها التي فاتتني! ولا كم رغبت في أن أسرع بالاشتراك فيها حتى لا يفوتني المقبل منها! وها أنا ذا، وقد عدت إلى مقر إقامتي في باريس، فإني أبادر بالكتابة إليكم لأشترك لمدة عام في البيان حتى أستمتع بقراءتها. وأخيراً.. ففي انتظار وصول «البيان» فإني أدعو لكم وللقائمين على إخراجها إلى النور بكل خير وبكل توفيق من الله ورضوان، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... حميدة قطب والبيان إذ تشكر الأديبة الفاضلة على هذا الإحساس والمشاعر الطيبة لترجو الله تعالى أن تكون المجلة عند حسن ظن قرائها بها، وأن يوفقنا وإياهم لخدمة دينه. * الإخوة والأخوات: محمد إبراهيم الطرفي، إبراهيم الفاضل، عبد الله بن محمد الجفير، عبد الرحمن البشري، أحمد عبد الهادي الأموي، أم يوسف «الرياض» : وصلتنا ملاحظاتكم واقتراحاتكم، ونشكر لكم هذا الحرص الطيب، سائلين الله تعالى أن يوفقنا وإياكم إلى طريق الحق والصواب. * الإخوة: د. ماهر عباس جلال، محمد شلال الحناحنة، سلطان بن محمد الغامدي، عبد الله الخضيري، أحمد عكور، عبد الرزاق زعال، فواز بن عبد العزيز اللعبون، سعود بن سليمان اليوسف: سعدنا بتواصلكم الكريم، بارك الله فيكم، ومشاركاتكم مجازة للنشر بإذن الله. * الإخوة: حسن أحمد القرني، أحمد عزيز كنعان، محمد أبو العز، محمد بن سليمان القشعمي، أبو عبد الله الرحابي، أبو بكر عبد القادر سيسي، سامي محمد العبودي: نشكر لكم تواصلكم آملين دوام الصلة مع المجلة، ومشاركاتكم مجازة للمنتدى. * الإخوة: محمد فريد فراج، منصور الزغيبي، عبد الله عبد العزيز الحميدة، محمود يحيى أبو بكر، محمد فساري علي، عبد العزيز صالح العسكر، محمد مفتوح، الريامي سميرة: نرجو التكرم بإرسال عناوينكم الخاصة للتمكن من مراسلتكم، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. * الأخ: صاحب مقال: (التربية الجماعية، أهميتها، أهدافها، ووسائلها، ومعوقاتها) ، نرجو التكرم بإرسال اسمك حيث نسيت كتابته.

стр. 3879

الورقة الأخيرة الابتلاءات عبد الله بن سليمان القفاري كثيرون نحن الذين قد نجهل معنى الابتلاء والامتحان أو على الأقل نجهل جانباً مهماً وخطيراً من جوانب الابتلاء، إننا عندما نسمع بالابتلاءات التي تحدث لدعاة الإسلام وعلمائه أو غيرهم كثير في عالمنا اليوم من سجن واضطهاد وتشريد يتبادر إلى أذهاننا مبلغ العزيمة والصبر الذي يتحلى به أولئك الرجال، ويحضر أمامنا معنى الابتلاء والتضحية، وحُق لتلك العزائم أن تقدَّر. لكن الجانب الأخطر والأشد الذي ربما غفل عنه الكثيرون: جانب الابتلاء بالسراء: النعم، المناصب، الصحة، الشهرة. حيث إن عدداً ليس قليلاً قد ينجح في الاختبار الأول أعني الضراء لكنَّ الكثيرين قد ينهزمون في مواجهة الاختبار الثاني أعني السراء ذلك أن الابتلاء الأول ربما أعطى النفس مبدأ التحدي والمواجهة خشية الرأي العام المؤثر أو غير ذلك من العوامل التي قد تساعد في الثبات على المبدأ. أما الابتلاء الثاني فقد يُفقِد النفس عوامل التحدي، ويخترق الذات حيث الباطن يوافق شيئاً مما تشتهي النفس بعيداً عن هذا وذاك مما تخشاه تلك الروح البشرية الضعيفة! والنفس والهوى والشيطان ثالوث ينمو في مثل هذه البيئات إن لم يجد الوقاية الكافية والمكافحة لهذا الوباء الخطير. ومن هذا الابتلاء وذاك: تُجسِّده لنا تلك النفس الطاهرة في شخصية الصحابي الجليل كعب بن مالك ﵁ عندما ابتلاه الله هو وصاحبَيْه لتخلُّفهم عن غزوة تبوك في الحديث المتفق عليه؛ فقد وقع ﵁ أسيراً بين هذين الابتلاءين: الأول: بالمقاطعة والهجران، والثاني: بالترغيب والتشويق من ملك من ملوك الأرض في حديث طويل رواه بنفسه؛ حيث قال: «نهى النبي ﷺ الناس عن كلامنا أيها الثلاثة قال: فجعلْتُ أخرج إلى السوق فلا يكلمني أحد، وتنكَّر لنا الناس حتى ما هُم بالذين نعرف، وتنكَّرت لنا الحيطان التي نعرف حتى ما هي الحيطان التي نعرف، وتنكَّرت لنا الأرض حتى ما هي الأرض التي نعرف، وكنت أقوى أصحابي فكنت أخرج فأطوف بالأسواق» . إنه بلاء يتلوه بلاء، فهل انتهى عند هذا الحد؟ .. «فلمَّا مضت أربعون ليلة إذا رسول من النبي ﷺ قد أتاني فقال: اعتزل امرأتك. فقلت: أطِّلقُها؟ قال: لا، ولكن لا تقربنَّها. فلما طال عليَّ البلاء اقتحمت على أبي قتادة حائطه وهو ابن عمي فسلَّمت عليه، فلم يردَّ عليَّ، فقلت: أنشدك الله يا أبا قتادة! أتعلم أني أُحب الله ورسوله؟ فسكت، ثم قلت: أنشدك الله يا أبا قتادة! أتعلم أني أُحب الله ورسوله؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: فلَمْ أملك نفسي أن بكيت، ثم اقتحمت الحائط خارجاً» . ومع شدة البلاء بالضراء كان الصبر واليقين، وفي أثناء هذا الابتلاء لكعب جاء الابتلاء الثاني الأشد والأنكل..! إنه الابتلاء بالنعمة والثراء؛ حيث يقول: «فبينا أنا أطوف السوق إذا رجل نصراني جاء بطعام يبيعه يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إليَّ، فأتاني بصحيفة من ملك غسان فإذا فيها: (أما بعد: فإنه بلغني أن صاحبك قد جفاك وأقصاك، ولست بدار مضيعة ولا هوان؛ فالْحَقْ بنا نواسِكَ) فقلت: هذا أيضاً من البلاء والشر، فسجرت لها التنور وأحرقتها فيه» . لم يكن هذا الابتلاء يحتاج إلى مجرد تفكير، بل سارع إلى حسم مادته من جذورها، وذلك بتسجِيرها لأول وهلة وعدم الجواب على تلك الرسالة؛ فالأمر جد خطير، والبلاء عظيم، هكذا الصبر والعزيمة. ولهذا وذاك جاء الفرج: «حتى إذا مضت خمسون ليلة من حين نهى النبي ﷺ الناس عن كلامنا صليت على ظَهْر بيت لنا صلاة الفجر، ثم جلست وأنا في المنزلة التي قال الله قد ضاقت علينا الأرض بما رحبت وضاقت علينا أنفسنا؛ إذ سمعت نداءً من ذروة سَلْع أن أبشر يا كعب بن مالك! فخررت ساجداً وعرفت أن الله قد جاءنا بالفرج» . والله يقول جل وتقدس: [وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ] (الأنبياء: ٣٥) . وما أجمل ما قاله صاحب الظلال في ظلال هذه الآية: «إن الابتلاء بالخير أشد وطأة وإن خُيِّل للناس أنه دون الابتلاء بالشر، إن كثيرين يصمدون للابتلاء بالشر، ولكن القلة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير. كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف، ولكنَّ قليلين هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة، ويكبحون جماح القوة الهائجة في كيانهم الجامحة في أوصالهم. كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان فلا تتهاوى نفوسهم ولا تذل، ولكنَّ قليلين هم الذين يصبرون على الثراء والوجدان. كثيرون يصبرون على التعذيب والإيذاء فلا يخيفهم، ويصبرون على التهديد والوعيد فلا يرهبهم، ولكنَّ قليلين هم الذين يصبرون على الإغراء بالرغائب والمناصب والمتاع والثراء» . فمن منَّا يعي هذه الحقيقة ويبادر إلى الوقاية في الحالين؟ وإن كانت حالة السراء أشدَّ وآكد، ومن توكل على الله كفاه.

стр. 3880

صفر - ١٤٢٢هـ مايو - ٢٠٠١م (السنة: ١٦)

стр. 3881

كلمة صغيرة الدولة الممسوخة لم يُرَ في دولة تنتسب إلى الإسلام تناقض وقلق واضطراب مثلما هو الحال في الدولة التركية، ولم يُرَ كذلك خوف وهلع وحرب لا على الأصولية والرجعية والظلامية - وما إلى ذلك من التهم التي يحارب بها الدعاة - فحسب بل الحرب على الإسلام بصراحة شديدة ووقاحة أشد. ولم تُرَ أيضاً مثل هذه الاستماتة الذليلة «للباب العالي» للارتماء التام في أحضان النصارى بحجة الانضمام للاتحاد الأوروبي. هذا التوجه الخانع للحكومة التركية جعلها تنقلب على المقدسات الكمالية التركية التي كان المس بها أو الاقتراب منها جريمة لا تغتفر، ولا يكفرها إلا الدم والهدم! ! هذه المبادئ تذبح الآن تحت أقدام الاتحاد الأوروبي حتى يرضى بقبول مبدأ مناقشة انضمام تركيا إليه؛ فها هي الدولة الممسوخة تمحو آثار المؤسس بتعديلات وانقلابات كبيرة لدستور الدولة، وتغيير السياسات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية بناءً على توجيهات الاتحاد الأوروبي حتى يسمح لها بمناقشة فكرة الانضمام، «مجرد المناقشة» ! ! وفي الوقت الذي تهرب فيه كل دول العالم النامي بطبيعة الحال من توصيات البنك الدولي وتوجيهاته التي خربت اقتصاديات هذه الدول، تستجيب تركيا للتوصيات الأوروبية والأمريكية بتعيين «كمال درويش» ، النائب السابق لرئيس البنك الدولي، وزيراً للاقتصاد بصلاحيات رئيس حكومة! وهو تركي من يهود الدونمة، والذي أوصى أولياءه بإقراض تركيا ٢٥ مليار دولار لحل أزمتها، ووافق السادة الأمريكان على الإقراض بشروط إضافية تضيف إلى الذل التركي ذلاً آخر، وتزيد من اليد الطولى للسادة الأمريكان في المنطقة ذراعاً أخرى. والعجيب أن الذي أدى لهذه الأزمة الاقتصادية الخانقة هو تطبيق تركيا لسياسات البنك الدولي! ! توافقت التغييرات الجذرية في السياسات التركية مع مجيء «كمال» آخر لكي ينقلب على كمال الأول!

стр. 3882

الافتتاحية ففروا إلى الله ! لقد كان لانتفاضة الأقصى المباركة دور كبير في تفعيل الجامعة العربية ونفض الغبار عنها؛ فقد كان واضحاً أن هناك حظراً أمريكياً يمنع اجتماع الزعماء العرب إلا تحت المظلة الأمريكية، وكان هذا نابعاً من سياسة الاستفراد والحرص على التعامل مع كل كيان بمفرده؛ فبعد مؤتمر مدريد الجامع ظهرت المسارات الأردنية والفلسطينية والسورية واللبنانية وقنوات الاتصال العمانية والقطرية والموريتانية في اختراق واضح للجامعة العربية ولمجلس التعاون الخليجي والاتحاد المغاربي، وكان واضحاً للجميع آثار هذه السياسة اليهودية؛ فقد كان الاستفراد بالخصم الضعيف يؤدي بالضرورة للحصول على أكبر قدر من المكاسب وأحياناً بدون ثمن يدفع، ولكن الانتفاضة العارمة وعجز مؤتمر شرم الشيخ عن التصدي للمشكلة وانهيارها أقنع الراعي الأمريكي بالسماح بالدعوة لمؤتمر قمة طارئ في القاهرة، عقد وسط موجة غضب عارمة في الشارعين العربي والإسلامي، وصدرت قرارات تؤكد دعم الانتفاضة مالياً، وتم الاتفاق على عودة الاجتماعات الدورية، واتفق على عقد مؤتمر قمة عادي في عمان، وفي هذه الأثناء استمرت الانتفاضة، وكان التخبط الإسرائيلي نتيجة ضغط الانتخابات عاملاً مساعداً بالإضافة إلى الانتخابات الأمريكية، وتعرقل انتقال السلطة الذي ساعد على بروز قضية العراق وتصدع حلقة الحصار حوله، وانتشر الحديث حول المصالحة مع دول الخليج واستئناف الرحلات الجوية؛ وهنا تدخلت الإدارة الجديدة التي يبدو عليها شدة الاندفاع وافتقادها للحكمة، وكان اختيار الجنرال كولن باول وزيراً للخارجية مظهراً من مظاهر عسكرة الإدارة، وباتت الدبلوماسية الأمريكية التي كانت في الأصل تفتقر للكياسة تلوح بالعصا، فقامت بضربة استعراضية لبغداد، وقام باول بجولة في المنطقة الهدف منها ينحصر في تأكيد دعم إسرائيل وإعادة إحكام الحصار حول العراق. ويستطيع أي مراقب أن يرصد الكثير من الكبوات التي تفضح الإدارة الجديدة، وتوضح أسلوب تعاملها خلال فترة قصيرة من الزمن، وإليك بعضها؛ فقد أطلق وزير الخارجية الجنرال باول تصريحات حول التزام الرئيس بوش بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس وقد اضطرت وزارة الخارجية الأمريكية إلى تأكيد عدم تغير السياسة الأمريكية حول هذا الموضوع، بل اضطر هو شخصياً للاعتذار. والذي يهمنا هنا هو أن التصريح حول هذه القضية الحساسة في هذا الوقت بالذات لا يعدو كونه نوعاً من الحمق السياسي، ولا يختلف عنه كثيراً التدخل المباشر والعلني في جدول أعمال مؤتمر القمة والإعلان الأمريكي أن الإدارة سترسل مقترحات مكتوبة! وفي وقت انعقاد القمة وبينما كان شارون يمارس حصار المدن الفلسطينية ويقصفها بالطائرات والدبابات طرح مشروع قرار حول إرسال قوات دولية لحماية الفلسطينيين. ولم تتورع أمريكا زعيمة العالم الحر وحامية الديمقراطية وحقوق الإنسان عن الوقوف وحيدة في استعمال حق النقض وإسقاط القرار، وكان هذا التصرف الأمريكي صفعة لأدعياء السلام في المنطقة، ولكن الصفعة هي تأكيد مندوب أمريكا لدى مجلس الأمن على أن هذا التصويت لن يؤثر على مواقف أصدقائنا العرب. وإذا كان الرئيس بوش تكلف تأنيب عرفات وإفهامه بأهمية وقف الانتفاضة التي يتعرض فيها اليهود للعنف الفلسطيني! ! فإن موظفاً من الدرجة الثالثة أو الرابعة هو مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط (إدوارد ووكر) هو الذي تولى طرح المطالب الأمريكية نحو أكبر حليف لأمريكا في المنطقة العربية. ومن الغريب أن هذا الموظف لم يتردد في وصف الرئيس المصري بأنه لا يرى إلا بعين واحدة نتيجة لعدم وجود السفير المصري في تل أبيب، وماذا نقول نحن عن الإدارة الأمريكية ونظرتها للصراع في المنطقة؟ وهنا لا يفوتنا التأكيد على أن الزعماء العرب سيتعرضون لسيل من المطالب العلنية التي تركز على تحقيق مصالح إسرائيل، ومن يجرؤ على رفض هذه المطالب فلا ينسى أن المندوب الأمريكي في مجلس الأمن لم يتورع عن تهديد كولومبيا علناً؛ لأنها أحرجت أمريكا وطرحت مشروع القرار على مجلس الأمن، وقال إنها سترى عواقب هذا التصرف! إن وضع عرفات مثال حي لكيفية تعامل اليهود ومن ورائهم أمريكا مع كل من مد لهم يد التعاون وربط حباله معهم وقطع حباله مع شعبه. إنه الصديق عندما يحقق رغباتهم وهو العدو عندما يعجز عن إطفاء نار أشعلوها هم. وإذا كانوا ساعدوا في بناء قوى عرفات الأمنية فلا مانع لديهم من تحطيمها عندما تفشل في تنفيذ مطالبهم الحقيرة في المشاركة الفعالة في إبادة الشعب الفلسطيني المبتلى. إن الحل الوحيد للخروج من هذا المأزق ومقاومة الإملاءات لا يمكن إلا باستعمال ورقة الرفض الشعبي وتفعيل دور الشعوب، ولا يكون هذا إلا بإعادة التلاحم مع الشعوب والعودة إليها واحتضانها والاندماج معها، ولا يمكن هذا إلا بالعودة إلى البوتقة التي ينصهر فيها الجميع ألا وهي بوتقة الإسلام. إن تغييب الشعوب وإذلالها له دور كبير في تحطيم إرادة البلدان، وجعل حكوماتها رهينة بالتوجيهات العلنية والخفية وقوى الطغيان؛ فمتى نفر إلى الله متى متى..؟ !

стр. 3883

دراسات في الشريعة والعقيدة تعظيم الآثار رؤية شرعية (١ - ٢) محمد بن عبد الله الهبدان الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فتعظيم الآثار ظاهرة قديمة، تأخذ صوراً وأشكالاً متعددة عند كثير من الشعوب والأمم، وقد درجت بعض الدول في العصور المتأخرة على إحياء آثارها التاريخية لأسباب سياسية واقتصادية، ونشطت كثير من المنظمات الدولية في رعاية تلك الآثار ودعوة الدول إلى العناية بها. وبعد حادثة تحطيم الأصنام التي جرت في أرض أفغانستان كثر حديث الساسة والمنظمات الدولية والقنوات الإعلامية عن الآثار التاريخية وضرورة العناية بها، فكتبت هذه الدراسة المتواضعة توضيحاً للمنهج الشرعي الصحيح، وبياناً للحق مستعيناً بالله - تعالى - فأقول، وبالله التوفيق: تعريف الآثار لغة واصطلاحاً: ١ - تعريف الأثر لغة [١] : الهمزة والثاء والراء، لها ثلاثة أصول: تقديم الشيء، وذكر الشيء، ورسم الشيء الباقي. فالأول وهو تقديم الشيء: كأن تقول افعل يا فلان هذا آثِراً ما، أي: إنْ اخترت ذلك الفعل فافعل هذا إما لا. قال ابن الأعرابي: معناه: افعله أوَّلَ كلِّ شيء. والثاني وهو ذكر الشيء: ومنه قول ابن عمر ﵄: «ما حلفت بعدها آثِراً ولا ذاكراً» فقوله: آثِراً: أي مخبراً عن غيري أنه حلف به. والثالث وهو رسم الشيء الباقي: قال الخليل: والأثر بقية ما يرى من كل شيء، وما لا يرى بعد أن تبقى فيه علقة. والآثار الأثر، كالفلاح والفلح، والسداد والسدد، قال الخليل: أثر السيف ضربته، وتقول: من يشتري سيفي وهذا أثره، يضرب للمجرب المختبر. وقال الأصفهاني: أثر الشيء: حصول ما يدل على وجوده، يقال: أَثَر وإثْرٌ، والجمع: الآثار، قال - تعالى -: [ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا] (الحديد: ٢٧) ، [وَآثَاراً فِي الأَرْضِ] (غافر: ٢١) . ومن هذا يقال: للطريق المستدَل به على مَنْ تقدم: آثار، نحو قوله - تعالى-: [فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ] (الصافات: ٧٠) ، [قَالَ هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي] (طه: ٨٤) . ٢ - تعريف الآثار اصطلاحاً: من خلال البحث لم أجد أحداً عرَّف الآثار، ومجمع اللغة العربية عرَّف علم الآثار بقوله: علم الوثائق والمخلفات القديمة [٢] . وهذا التعريف قاصر؛ إذ لا يتناول المواقع التي لا يوجد فيها أمور عينية، وهي من الآثار. ويمكن أن يقال في تعريفها بأنها: ما يدل على أثر مَنْ سلف من الأمم. منهج الرسول ﷺ ومن بعده وموقفهم من الاهتمام بالآثار: من خلال تتبع بعض الأحداث يتبين لنا منهج رسول الله، فمن ذلك: ١ - الأماكن التي زارها النبي قبل البعثة وبعد البعثة لم يرد دليل واحد على أن النبي قصد زيارتها أو أمر بزيارتها أو حث على الاهتمام بها، ونحو ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فإن النبي بعد أن أكرمه [الله] بالنبوة لم يكن يفعل ما فعله قبل ذلك من التحنث في غار حراء أو نحو ذلك، وقد أقام بمكة بعد النبوة بضع عشرة سنة، وأتاها بعد الهجرة في عمرة القضية، وفي غزوة الفتح، وفي عمرة الجعرانة ولم يقصد غار حراء، وكذلك أصحابه من بعده، لم يكن أحد منهم يأتي غار حراء..» [٣] ويقول أيضا: «وكذلك قصد الجبال والبقاع التي حول مكة غير المشاعر؛ عرفة ومزدلفة ومنى مثل جبل حراء والجبل الذي عند منى الذي يقال إنه كان فيه قبة الفداء ونحو ذلك؛ فإنه ليس من سنة رسول الله زيارة شيء من ذلك بل بدعة» [٤] . ٢ - عندما فتح النبي مكة وطاف بالكعبة كسر الأصنام التي حول الكعبة كلها كما جاء في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ مَكَّةَ وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلاثُ مِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُباً فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَجَعَلَ يَقُولُ ﷺ : [جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً] (الإسراء: ٨١) [٥] وهذه الأصنام تعتبر من الآثار التي يحافظ عليها في مثل هذا الزمن؛ فلماذا لم يحافظ عليها الرسول ﷺ ويعتني بها، ويجعلها في متحف ونحوه؟ ! ! وعلى هذا المنوال سار أتباعه الكرام، وإليك البيان: لقد كان هدي السلف الصالح الاهتمام بالآثار الفعلية والقولية من أقوال المصطفى ﷺ وأفعاله، ولا أدل على ذلك من هذه الكتب التي تزخر بالكثير من الآثار الفعلية والقولية.. فأفنوا أعمارهم من أجل المحافظة عليها، وقطعوا القفار وكابدوا مشقة الأسفار؛ وواصلوا الليل بالنهار؛ كل ذلك جمعاً لآثار النبي المختار ﷺ وتدوينها ليعمل بها.. وبلغ من حرصهم على تتبع آثار النبي ﷺ القولية والفعلية أن يُنقَل لنا حتى شؤون النبي ﷺ الزوجية في غسله ووضوئه، في أكله وشربه، وفي نومه واستيقاظه.. في كل شيء.. هذا كان ديدنهم، وتلك كانت همتهم. ولم يكن معروفاً عنهم تتبع الآثار المكانية والعينية والاهتمام بها وتشييدها أو عمل مزارات. يقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: «ومعلوم أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم - أعلم الناس بدين الله وأحب الناس لرسول الله ﷺ وأكملهم نصحاً لله ولعباده ولم يحيوا هذه الآثار، ولم يعظموها، ولم يدعوا إلى إحيائها.. ولو كان إحياؤها أو زيارتها أمراً مشروعاً لفعله النبي ﷺ في مكة وبعد الهجرة أو أمر بذلك أو فعله أصحابه أو أرشدوا إليه..» [٦] . ومما يدل على ذلك: ١ - موقفهم من الآثار الموجودة في مكة والمدينة وبيت المقدس: فلم يعرف أن أحداً منهم زار تلك الآثار أو تتبعها وأمر بتشييدها، بل كانوا يسدون هذا الباب؛ فإن المسلمين لما فتحوا تُستَر، وجدوا هناك سرير ميت باق ذكروا أنه «دانيال» ووجدوا عنده كتاباً فيه ذكر الحوادث، وكان أهل تلك الناحية يستسقون به، فكتب في ذلك أبو موسى الأشعري إلى عمر، فكتب إليه أن يحفر بالنهار ثلاثة عشر قبراً، ثم يُدفَن بالليل في واحد منها ويعفَّى قبره؛ لئلا يفتتن الناس به [٧] ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «لم تَدَعِ الصحابة في الإسلام قبراً ظاهراً من قبور الأنبياء يفتتن به الناس؛ ولا يسافرون إليه ولا يدعونه، ولا يتخذونه مسجداً؛ بل قبر نبينا ﷺ حجبوه في الحجرة، ومنعوا الناس منه بحسب الإمكان، وغيره من القبور عفوه بحسب الإمكان؛ إن كان الناس يفتتنون به، وإن كانوا لا يفتتنون به فلا يضر معرفة قبره..» [٨] . وفي بعض الأحايين تحصل مناسبة لزيارة تلك الأماكن الأثرية ومع ذلك لا يزورونها كما حصل لعمر ابن الخطاب وابنه عبد الله ﵄ فقد زارا بيت المقدس ولم يأتيا الصخرة ولا غيرها من البقاع [٩] ، بل إذا خشيت الفتنة أمروا بإزالتها كما أمر عمر بقطع الشجرة التي حصلت تحتها بيعة الرضوان. ٢ - وجود الأهرامات في مصر: فبعد دخول الفتح الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص ﵁ لم تذكر كتب التراجم والسير والتاريخ أن أحداً منهم زار تلك الأهرامات مع أنها تعتبر معلماً من معالم مصر فضلاً عن الاهتمام بها وتشييدها. وكم هم العلماء الذين رحلوا إلى مصر لطلب العلم والحديث! ! فهل نقل أن أحداً منهم زار تلك الآثار؟ ! ! فهذا الإمام الشافعي والعز بن عبد السلام وابن خزيمة وأبو حاتم وغيرهم كثير.. وقد سئل الزركلي عن الأهرام وأبي الهول ونحوها: «هل رآها الصحابة الذين دخلوا مصر؟ فقال: كان أكثرها مغموراً بالرمال ولا سيما أبا الهول» [١٠] . بل إن كثيراً من هذه الآثار لم تكتشف إلا أخيراً؛ فمعبد أبي سمبل مثلاً الذي يعد من أكبر معابد الفراعنة كان مغموراً بالرمال مع تماثيله وأصنامه إلى ما قبل قرن أو نصف قرن تقريباً، وأكثر الأصنام الموجودة في المتاحف المصرية في هذا الوقت لم تكتشف إلا قريباً. «ومما يدل دلالة واضحة على عدم الاهتمام بها أن بعض تلك الآثار يعلو عليها التراب، يقول ياقوت الحموي: وفي سفح أحد الهرمين صورة آدمي عظيم مصبغة وقد غطى الرمل أكثرها» [١١] مما يدل على أنها مهملة. وأشد من ذلك صدور محاولات عدة من الولاة لهدمها كالمأمون [١٢] والملك العزيز الأيوبي [١٣] . وقد ذكر ابن خلدون أن الخليفة الرشيد حاول كسر إيوان كسرى على ضخامته مع أن بعضهم أشار عليه بتركه؛ لا من أجل التفاخر به؛ ولكن من أجل أن يستدل به على عظم ملك آبائه الذين سلبوا الملك لأهل ذلك الهيكل [١٤] ؛ ومع ذلك لم يستجب فقام بمحاولة تكسيره ﵀. وقال أبو علي الأوقي: سمعت أبا طاهر السِّلَفي [١٥] يقول: «لي ستون سنة بالإسكندرية ما رأيت منارتها إلا من هذه الطاقة، وأشار إلى غرفة يجلس فيها» [١٦] . مع أنها معلم من معالم الإسكندرية. ولكن بدأ هذا النوع ينمو ويسري في بلاد المسلمين كلها وهو: العناية بالآثار، وعمل المزارات لها وارتيادها، والاهتمام بها، والحفاظ عليها، بل هذا يعتبر من أبرز اهتمامات وزارات السياحة، وإدارات الآثار. بيان أن الاهتمام بالآثار من عادة غير المسلمين: من المعلوم أن الدول الغربية هي التي شجعت على ظهور مثل هذا الاهتمام لتحقيق مطامعها في الشرق الإسلامي.. فها هو (جب) يقول بصراحة تامة: «وقد كان من أهم مظاهر فرنجة العالم الإسلامي تنمية الاهتمام ببعث الحضارات القديمة التي ازدهرت في البلاد المختلفة التي يشغلها المسلمون الآن، فمثل هذا الاهتمام موجود في تركيا وفي مصر وفي إندونيسيا وفي العراق وفي فارس، وقد تكون أهميته محصورة الآن في تقوية شعور العداء لأوروبا، ولكن من الممكن أن يلعب في المستقبل دوراً مهما في تقوية الوطنية الشعوبية وتدعيم مقوماتها» [١٧] . وهذا التصريح يعلل لنا عطف حكومات الاحتلال الغربية على كل مشاريع الحكومات الوطنية في الشرق الإسلامي والعربي منه خاصة التي من شأنها تقوية الشعوبية فيها وتعميق الخطوط التي تفرق بين هذه الأوطان الجديدة، مثل الاهتمام بتدريس التاريخ القديم على الإسلام لتلاميذ المدارس وأخذهم بتقديسه، والاستعانة على ذلك بالأناشيد، ومثل خلق أعياد محلية غير الأعياد الدينية التي تلتقي قلوب المسلمين ومشاعرهم على الاحتفال بها، ومثل العناية بتمييز كل من هذه البلاد بزي خاص ولا سيما غطاء الرأس مما يترتب عليه تمييز كل منها بطابع خاص، بعد أن كانت تشترك في كثير من مظاهره [١٨] . وحتى يحصل لهم ما يريدون، ويتحقق لهم ما يشتهون «أعانت الدول المحتلة كُلاً في منطقة نفوذه على تدعيم قداسة هذه الأوطان الجديدة في نفوس الناس بأسلوب علمي منظم، وذلك بمساعدتها على إحياء التاريخ القديم لكل قطر من هذه الأقطار، ونشط الحفر للبحث عن آثار الحضارات القديمة السابقة على الإسلام في كل من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين وشرق الأردن ومصر؛ لتوهين عرى الجامعة العربية، ولتشتيت القلوب التي ألف بينها الإسلام وجمعها على لغة واحدة؛ فاستيقظت العصبيات الجاهلية، وراح كل بلد يفاخر البلاد الأخرى بمجده العريق، وشغلت الصحف بالكلام عن الكشوف الأثرية الجديدة وما تدل عليه من حضارات البابليين والآشوريين والكلدانيين والحثيين والفينيقيين والفراعنة. وكانت أصابع الغربيين واضحة في هذه الجهود؛ فقد عاش المسلمون دهوراً وهم غافلون عن هذه الآثار القديمة لا يعيرونها التفاتاً، ولا يتحدثون عنها حين يتحدثون إلا كما يتحدثون عن قوم غرباء من الكفرة أو العتاة، لا يثير الحديث عنهم شيئاً من الحماس أو الزهو في نفوسهم، وظلوا على هذه الحال حتى بدأ الغربيون بالكشف عن كنوزهم ولفت أنظارهم إليها منذ اتجهت مطامعهم إلى بلادهم. وللأوروبيين في ذلك أسلوب خبيث ماكر؛ فهم يبدؤون التنقيب ببعوث من علماء الآثار الغربيين، حتى إذا حققوا ما يهدفون إليه من اهتمام كل بلد من هذه البلاد بتراثه القديم وتحمسه له وغيرته عليه، ورأوا أن هذه الغيرة تدفعه إلى منافسة الأجانب في هذا الميدان الذي يعتبر نفسه أوْلى به وأحق، بوصفه وارث هذه الحضارة، عند ذلك يتخلون عن مهمتهم ويتركونها في رعايته، مطمئنين إلى أنه سيوالي السير في الخطوط التي رسموها له. والأدلة على هذا الأسلوب الخبيث كثيرة لا تعوز الباحث؛ فقد بلغ من اهتمام الأوروبيين بنبش هذا التاريخ القديم واتخاذه أساساً لتدعيم التجزئة الجديدة للوطن العربي أن عصبة الأمم قد نصَّت في صك انتداب بريطانيا إلى فلسطين على الاهتمام بالحفريات، وذلك في المادة (٢١) التي تنص على:» أن تضع الدولة المنتدبة وتنفذ في السنة الأولى من تاريخ تنفيذ هذا الانتداب قانوناً خاصاً بالآثار والعاديات ينطوي على الأحكام الآتية.. «، وكذلك كان شأن الفرنسيين في سوريا ولبنان، فقد كان أول ما اهتم به الفرنسيون أن ألَّفوا في خلال الحرب العالمية الأولى لجاناً في دمشق وبيروت لكتابة تاريخ الشام، فكتبوا منه بعض تاريخ لبنان وأهملوا تاريخ سوريا، ثم لم يلبث الآباء اليسوعيون في بيروت أن كلفوا ثلاثة من رهبانهم الفرنسيين سنة ١٩٢٠م بكتابة هذا التاريخ، بعد أن قسموه إلى ثلاثة عصور: العصر الآرامي والفينيقي، والعصر اليوناني والروماني، والعصر العربي. ومما لا تخفى دلالته في هذا الصدد أن الثري الأمريكي اليهودي الأصل روكفلر (ابن روكفلر الكبير) صاحب الملايين، قد أعلن سنة ١٩٢٦م عن تبرعه بعشرة ملايين دولار أمريكي لإنشاء متحف للآثار الفرعونية في مصر، يلحق به معهد لتخريج المتخصصين في هذا الفن، واشترط لمنح هذه الهبة أن يوضع المتحف والمعهد تحت إشراف لجنة مكونة من ثمانية أعضاء ليس فيها إلا عضوان مصريان فقط، على أن تظل هذه اللجنة هي المسؤولة عن إدارة المتحف والمعهد لمدة ثلاث وثلاثين سنة. وقد استرد الثري الصهيوني الأمريكي هبته وقتذاك، بعد أن أرسل مندوباً يمثله من علماء الآثار الأمريكيين المعروفين وهو الأستاذ بْرِسْتِدْ ومعه أحد محاميه، وذلك لرفض الحكومة شرط إشراف الأجانب الفني على المعهد، وقد كان واضحاً من تحديد صاحب الملايين مدة الإشراف بثلاث وثلاثين سنة أنه يهدف إلى خلق جيل من المتعصبين للفرعونية ثقافياً وسياسياً، ومصلحة الصهيونية في ذلك ظاهرة؛ لأنها إذا نجحت في سلخ الدول العربية عن عروبتها فقد سلختها من إسلامها، وإذا انسلخت هذه الدول من إسلامها ومن عروبتها أمن اليهود كل معارضة لاستقرارهم في فلسطين، وعاشوا مع جيرانهم في هدوء يمكن لهم من الإعداد لوثبة جديدة يأكلون فيها جيرانهم النائمين؛ لأن معارضة الدول العربية لمطامع اليهود في فلسطين إنما تستند إلى الإسلام والعروبة، فإذا انسلخ المصريون مثلاً من الإسلام والعروبة ولبسوا ثوب الفرعونية مات الحافز الذي يدفعهم إلى مجاهدة اليهود ومعارضة دولتهم في فلسطين؛ إذ يصبح اليهود والعرب لديهم عند ذلك سواء» [١٩] . وقد وضح الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله - أن إحياء الآثار القديمة تعتبر من دسائس الأعداء فقال: «ومن دسائس هذه المنظمات الكفرية دعوتها إلى إحياء الآثار القديمة والفنون الشعبية المندثرة حتى يشغلوا المسلمين عن العمل المثمر بإحياء الحضارات القديمة والعودة إلى الوراء وتجاهل حضارة الإسلام، وإلا فما فائدة المسلمين من البحث عن أطلال الديار البائدة! والرسوم البالية الدارسة! وما فائدة المسلمين من إحياء عادات وتقاليد أو ألعاب قد فنيت وبادت! في وقت هم في أمسّ الحاجة إلى العمل الجاد المثمر، وقد أحاط بهم أعداؤهم من كل جانب واحتلوا كثيراً من بلادهم وبعض مقدساتهم! إنهم في مثل هذه الظروف بحاجة إلى العودة إلى دينهم وإحياء سنَّة نبيهم، والاقتداء بسلفهم الصالح حتى يعود لهم عزهم وسلطانهم، وحتى يستطيعوا الوقوف على أقدامهم لرد أعدائهم، وأن يعتزوا برصيدهم العلمي من الكتاب والسنة والفقه، ويستمدوا من ذلك خطة سيرهم في الحياة، ويقرؤوا تاريخ أسلافهم لأخذ القدوة الصالحة من سيرهم، أما أن ينشغلوا بالبحث عن آثار الديار، وإحياء الفنون الشعبية بالأغاني والأسمار، وإقامة مشاهد تحاكي العادات القديمة؛ فكل ذلك مما لا جدوى فيه، وإنما هو استهلاك للوقت والمال في غير طائل، بل ربما يعود بهم إلى الوثنية، والعوائد الجاهلية» [٢٠] . أسباب الافتتان بالآثار: إن الله - تعالى - أرسل الرسل، وأنزل الكتب تبياناً لأهم قضية خُلقت الخلائق من أجلها ألا وهي قضية التوحيد والنهي عن الشرك، وقد ركز القرآن والسنة في بيان هذه القضية ووضحها غاية الإيضاح، وبينها غاية البيان حتى غدت من ضروريات هذا الدين التي لا يمكن جهلها، ولكن لما اشتدت غربة الإسلام وتباعد عصر النبوة؛ انتشر الشرك في الأمة وعظم الخطب في آثار الأنبياء والصالحين، وأصبحوا يعتقدون فيهم الاعتقادات الباطلة، والخرافات الساقطة، فلما كان ذلك كذلك احتاج الأمر إلى دراسة الأسباب التي جعلت الكثير من أفراد الأمة يفتنون في مثل هذه الآثار، حتى يتم علاجها وإيجاد الحلول المناسبة لهذه القضية الجلل «لأن معرفة المرض وسببه يعين على مداواة أصحابها وإزالة شبهاتهم» [٢١] وهذه الأسباب متفاوتة من جهة تأثيرها على الناس ومتعددة، وسأذكر إن شاء الله - تعالى - بعض هذه الأسباب مقدماً الأهم فالأهم، فأقول وبالله التوفيق: السبب الأول: الجهل بحقيقة هذا الدين: لقد كان الناس قبل البعثة في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، حتى جاءهم بمن أخرجهم من ظلمات الجهل، إلى نور العلم، جاءهم خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم جاءهم ليعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم: [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] (آل عمران: ١٦٤) . فما مات ﷺ حتى بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وتركها على المحجة البيضاء، ثم قام أصحابه بتبليغ رسالته لمن بعدهم فكانوا أعلم الناس بنبيهم ﷺ ثم حمل عنهم العلم مَنْ بعدهم، وهكذا كل جيل يحمل العلم عن سلفه، وفي هذا كله لا يزال العلم ينقص، ويكثر الجهل كلما امتد الزمان؛ وذلك مصداقاً لقول النبي ﷺ : «يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن» [٢٢] . وقد حصل بالفعل ما أخبر به النبي ﷺ فقد انتشر «الجهل بحقيقة ما بعث الله به رسوله، بل جميع الرسل من تحقيق التوحيد، وقطع أسباب الشرك، فقلّ نصيبهم جداً من ذلك، ودعاهم الشيطان إلى الفتنة، ولم يكن عندهم من العلم ما يُبطل دعوته، فاستجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل، وعصموا بقدر ما معهم من العلم» [٢٣] بل وصل الأمر عند بعض دهماء الأمة إلى جعل المعروف منكراً والمنكر معروفاً؛ ولذا يقول ابن القيم ﵀: «قد غلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل، وخفاء العلم، فصار المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقلّ العلماء، وغلب السفهاء، ولكن مع هذا لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين» [٢٤] . وقد بين ابن الجوزي ﵀ أن «الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل، فهو يدخل منه على الجهال بأمان، وأما العالم فلا يدخل إلا مسارقة» [٢٥] . وقال القرافي المالكي «.. أصل كل فساد في الدنيا والآخرة إنما هو الجهل؛ فاجتهد في إزالته عنك ما استطعت، كما أن أصل كل خير في الدنيا والآخرة إنما هو العلم؛ فاجتهد في تحصيله ما استطعت والله - تعالى - هو المعين على الخير كله» [٢٦] . وهذا الجهل الذي وقعت به الأمة ناتج والله أعلم عن أمرين: الأول: الإعراض عن الكتاب، والسنة تعلماً وتعليماً، وتدبراً وتفهماً لما فيهما: فمن أعرض عن السنة اشتغل بالبدعة، «وأما من أصغى إلى كلام الله بقلبه، وتدبره وتفهمه، أغناه عن السماع الشيطاني الذي يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وينبت النفاق في القلب، وكذلك من أصغى إليه وإلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بكليته، وحدّث نفسه باقتباس الهدى والعلم منه لا من غيره أغناه عن البدع والآراء والتخرصات والشطحات والخيالات التي هي وساوس النفوس وتخيلاتها، ومن بَعُدَ عن ذلك فلا بد له أن يتعوض عنه بما لا ينفعه، كما أن من غمر قلبه بمحبة الله - تعالى - وذكره، وخشيته، والتوكل عليه، والإنابة إليه، أغناه ذلك عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه، وأغناه أيضاً عن عشق الصور، وإذا خلا من ذلك صار عبد هواه، أي شيء استحسنه ملكه واستعبده. فالْمُعْرِض عن التوحيد مشرك، شاء أم أبى، والمعرض عن السنة مبتدع ضال، شاء أم أبى.. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» [٢٧] . الثاني: أنهم حملوا نصوص الكتاب والسنة على أناس قد مضوا، وأما هم فغير مخاطبين بهما؛ وهذا ما يتصوره «أكثر الناس، [حيث] لا يشعرون بدخول الواقع تحته، وتضمنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثاً، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك، ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب ﵁:» إنما تُنقَض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية «، وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمه وقع فيه وأقره، ودعا إليه وصوَّبه وحسَّنه وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه، أو دونه فينقض بذلك عرى الإسلام عن قلبه..» [٢٨] . وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ﵀: «.. ومن الأسباب المانعة عن فهم كتاب الله أنهم ظنوا أن ما حكى الله عن المشركين، وما حكم عليهم ووصفهم به خاص بقوم مضوا، وأناس سلفوا وانقرضوا، ولم يعقبوا وارثاً، وربما سمع بعضهم قول من يقول من المفسرين: هذه نزلت في عباد الأصنام، هذه في النصارى، هذه في الصابئة؛ فيظن الغُمْر أن ذلك مختص بهم، وأن الحكم لا يتعداهم، وهذا من أكبر الأسباب التي تحول بين العبد وبين فهم القرآن والسنة» [٢٩] . السبب الثاني: علماء الضلال: من أسباب انتشار الفتنة بآثار الأنبياء والصالحين علماء أهل الضلال، وهؤلاء ابتليت الأمة بهم حتى وصل الأمر ببعضهم - كما قال شيخ الإسلام - أنهم: «يُصنِّفون لأهل السيف والمال من الملوك والوزراء في ذلك، ويتقربون إليهم بالتصنيف فيما يوافقهم..» [٣٠] ، وقد صنف شيخ الرافضة ابن النعمان المعروف عندهم بالمفيد كتاباً سماه: «مناسك المشاهد» جعل قبور المخلوقين تحج كما تحج الكعبة البيت الحرام الذي جعله الله قياماً للناس، وهو أول بيت وضع للناس فلا يطاف إلا به، ولا يُصلى إلا إليه، ولم يأمر الله إلا بحجه [٣١] . وهؤلاء الذين صنفوا هذه الكتب لهم أغراض فاسدة؛ منها التقرب إلى الأئمة، ومنها إضلال الأمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وهذا إنما ابتدعه وافتراه في الأصل قوم من المنافقين والزنادقة ليصدوا به الناس عن سبيل الله، ويفسدوا عليهم دين الإسلام، وابتدعوا لهم أصل الشرك المضاد لإخلاص الدين لله.. ولهذا صنف طائفة من الفلاسفة الصابئين المشركين في تقرير هذا الشرك ما صنفوه، واتفقوا هم والقرامطة الباطنية على المحادة لله ورسوله حتى فتنوا أمماً كثيرة وصدوهم عن دين الله. وأقل ما صار شعاراً لهم تعطيل المساجد وتعظيم المشاهد؛ فإنهم يأتون من تعظيم المشاهد وحجها والإشراك بها ما لم يأمر الله به ولا رسوله صلى الله عليه وسلم؛ بل نهى الله عنه ورسوله عباده المؤمنين. وأما المساجد فيخربونها؛ فتارة لا يصلون جمعة ولا جماعة بناءً على ما أصلوه من شعب النفاق، وهو أن الصلاة لا تصح إلا خلف معصوم، ونحو ذلك من ضلالتهم..» [٣٢] . بهذا تعرف مدى تأثير هؤلاء العلماء في انتشار الفتنة بآثار الأنبياء والصالحين. السبب الثالث: الأئمة المضلون: لا يشك عاقل في خطر الأئمة المضلين، وكما قيل: الناس على دين ملوكهم، وقد حذر ﷺ الأمة منهم بقوله كما في حديث ثوبان - رضي الله عنه -: «إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين» [٣٣] ، وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين « [٣٤] . فمثلاً القبة التي على الصخرة لم تكن موجودة في عهد الصحابة رضي الله عنهم كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بل كانت مكشوفة حتى تولى عبد الملك بن مروان الملك فبنى القبة على الصخرة وكساها في الشتاء والصيف ليرغب الناس في زيارة بيت المقدس [٣٥] . وقال في موضع آخر:» وظهر في ذلك الوقت تعظيم الصخرة وبيت المقدس ما لم يكن المسلمون يعرفونه بمثل هذا، وجاء بعض الناس ينقل الإسرائيليات في تعظيمها « [٣٦] . وذكر الشيخ أحمد بن عبد الحميد العباسي ﵀ المتوفى في القرن العاشر الهجري في كتابه:» عمدة الأخبار في مدينة المختار «أنه لما كان عام ثمان وسبعين وستمائة هجرية أمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي والد السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ببناء قبة على الحُجرة الشريفة، ولم يكن قبل هذا التاريخ عليها قبة ولها بناء مرتفع وإنما كان حظير حول الحجرة الشريفة فوق سطح المسجد، وكان مبنياً بالآجر مقدار نصف قامة بحيث يميز سطح الحجرة الشريفة على سطح المسجد، وكان مبنياً بالآجر فعملت هذه القبة الموجودة اليوم..» [٣٧] . والمشاهد لم تكن معروفة في العصور المفضلة، ولكن ظهرت وكثرت في دولة بني بويه، لما ظهرت القرامطة بأرض المشرق والمغرب وكان بها زنادقة كفار، مقصودهم تبديل دين الإسلام، وكان في بني بويه من الموافقة لهم على بعض ذلك [٣٨] ، وفي دولتهم أظهر المشهد المنسوب إلى علي ﵁ بناحية النجف [٣٩] . السبب الرابع: الشبهات التي يتمسكون بها في تسويغ فعلهم: ومن الأسباب التي أدت إلى الاهتمام بآثار الأنبياء والصالحين بعض الشبهات التي يتشبث بها أصحاب الأهواء والشهوات، وهي شبه كبيت العنكبوت في الضعف والوهن، وكما قيل: حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقاً وكل كاسر مكسور [٤٠] فمن تلك الشبهة مثلاً قولهم: «إن من التماثيل ما يعد أصناماً وما لا يعد كذلك، والأولى هي التي تعبد من دون الله ومن ثم فتحريمها مقطوع به على المسلمين، أما التماثيل التي لا تعبد فوصفها بأنها أصنام فيه افتئات ينبغي أن يتنزه عنه العقل الرشيد» ، واستدل على هذا التفريق بقوله الله - تعالى -: [يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ] (سبأ: ١٣) فسليمان ﵇ كانت تصنع له التماثيل، وذكر أنها صور الأنبياء والعلماء [٤١] . والجواب على هذا: أولاً: أن ما فُرِقَ به بين التمثال والصنم لا دليل عليه لعموم النصوص الشرعية؛ فالحكم واحد؛ سواء جعل للعبادة أو لم يجعل لما رواه الترمذي (٢٨٠٦) وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل فقال: إني كنت أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت عليك البيت الذي كنت فيه إلا أنه كان في باب البيت تمثال الرجال، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب؛ فمُرْ برأس التمثال الذي بالباب فليقطع فليصيَّر كهيئة الشجرة، ومُرْ بالستر فليقطع ويجعل منه وسادتين منتبذتين يوطآن، ومُرْ بالكلب فيخرج. ففعل رسول الله ﷺ » . «ومن المعلوم أن هذا التمثال الذي في بيت النبي ﷺ لم يكن متخذاً للعبادة، ولا يشك في ذلك مسلم؛ ومع ذلك فقد أمره جبريل بإزالته. وروى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :» لا تدخل الملائكة بيتاً فيه تماثيل أو تصاوير « [٤٢] . أما استدلاله بالآية فقد وضح الإمام القرطبي ﵀ في تفسيره وغيره أن هذه الآية تدل على أن تصوير التماثيل كان مباحاً في ذلك الزمان، ونسخ بشرع محمد ﷺ [٤٣] . والنصوص في تحريم صناعة التماثيل المجسمة كثيرة جداً لا يتسع المقام لذكرها وهذا قول جماهير العلماء قاطبة، بل نقل كثير من المالكية الإجماع على ذلك [٤٤] . السبب الخامس: الغلو في التعظيم [٤٥] : من الأسباب التي أدت إلى انتشار الفتنة بآثار الأنبياء والصالحين هو الغلو في التعظيم، وقد جاءت النصوص الكثيرة في التحذير من هذا الداء العضال على سبيل العموم سواء كان ذلك في جانب العقيدة أو العبادة، يقول الله - تعالى -: [قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ] (المائدة: ٧٧) ، وقوله سبحانه: [يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الحَقَّ] (النساء: ١٧١) فهاتان الآيتان وإن كان الخطاب موجه فيهما إلى أهل الكتاب فإن أمة محمد صلى الله عليه وسلم تدخل فيهما تبعاً [٤٦] لأنها قد نُهيت عن اتخاذ سبيلهم والسير على منوالهم واتباع نهجهم، وهذا واضح غاية الوضوح لمن تتبع الأدلة واستقرأها [٤٧] . وجاء في حديث الفضل بن العباس أن النبي ﷺ قال: » إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين « [٤٨] . قال شيخ الإسلام ﵀:» وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار وهو داخل فيه مثل الرمي بالحجارة بناءً على أنها أبلغ من الصغار، ثم علله بما يقتضي مجانبة هديهم أي هدي من كان قبلنا إبعاداً عن الوقوع فيما هلكوا به، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك « [٤٩] . وقد بين شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - أن سبب شرك بني آدم هو الغلو في تعظيم قبور الصالحين فقال:» والشرك في بني آدم أكثره عن أصلين: أولها: تعظيم قبور الصالحين، وتصوير تماثيلهم للتبرك بها، وهذا أول الأسباب التي بها ابتدع الآدميون، وهو شرك قوم نوح.. « [٥٠] . وقد ذكر ابن القيم أن من أعظم مكائد الشيطان التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يرد الله - تعالى - فتنته» ما أوحاه قديماً وحديثاً إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور، حتى آل الأمر فيها إلى أن عُبد أربابها من دون الله، وعُبدت قبورهم، واتخذت أوثاناً، وبنيت عليها الهياكل وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجساداً لها ظل، ثم جعلت أصناماً، وعبدت مع الله - تعالى -، وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح، كما أخبر - سبحانه - عنهم في كتابه، حيث يقول: [قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً * وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً * وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَداًّ وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً] (نوح: ٢١-٢٤) . قال غير واحد من السلف: «كان هؤلاء قوماً صالحين في قوم نوح ﵇، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم» . فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل، وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته عن عائشة ﵂: «أن أم سلمة ﵂ ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، يقال لها مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله ﷺ :» أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله « [٥١] . فجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور، وهذا كان سبب عبادة اللات؛ فقد روى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد [أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى] (النجم: ١٩) قال:» كان يلت لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره «. وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما:» كان يلت السويق للحاج «. فقد رأيتَ أن سبب عبادة وَدّ، ويغوث ويعوق ونسر واللات، إنما كانت من تعظيم قبورهم، ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوهم كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم..» [٥٢] . السبب السادس: الحرص على تحصيل المال والجاه: من أسباب الاهتمام بآثار الأنبياء والصالحين ونحوها الحرص على الحصول على الأموال والجاه والشرف والمكانة بين الناس؛ فمن ذلك ما ذكره عبد القدوس الأنصاري أن الحجر الذي جلس عليه النبي ﷺ في مسجد بني ظفر [٥٣] رآه في خزانة زجاجية عالية بمدخل دار الكتب المصرية، وعلم من المدير العام لها أن شخصاً من أهل المدينة نقله إلى مصر فيما بعد وباعه إلى الدار بثمن كبير! ! ! [٥٤] . يقول العلامة الشوكاني - رحمه الله تعالى -: «وربما يقف جماعة من المحتالين على قبر ويجلبون الناس بأكاذيب عن ذلك الميت ليستجلبوا منهم النذور ويستدروا منهم الأرزاق ويقتنصوا النحائر ويستخرجوا من عوام الناس ما يعود عليهم، وعلى من يعولونه، ويجعلون ذلك مكسباً ومعاشاً وربما يهولون على الزائر لذلك الميت بتهويلات، ويجعلون قبره بما يعظم في عين الواصلين إليه، ويوقدون في المشهد الشموع، ويوقدون فيه الأطياب ويجعلون لزيارته مواسم مخصوصة يتجمع فيها الجمع الجم، فيبهر الزائر، ويرى ما يملأ عينه وسمعه من ضجيج الخلق وازدحامهم وتكالبهم على القرب من الميت والتمسح بأحجار قبره وأعواده، والاستغاثة به والالتجاء إليه، وسؤاله قضاء الحاجات ونجاح الطلبات، مع خضوعهم واستكانتهم وتقريبهم إليه نفائس الأموال، ونحرهم أصناف النحائر» [٥٥] . السبب السابع: التأثر بأصحاب الديانات الضالة: من أسباب الاهتمام بالآثار اختلاط المسلمين بأصحاب الديانات الأخرى من يهود ونصارى وغيرهم، وهؤلاء عندهم اعتقادات وأباطيل كثيرة، تأثر بها بعض ضعاف المسلمين، فتعظيم القبور كان موجوداً عند اليهود والنصارى، وفي النصارى أكثر وأشد؛ قال ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا» [٥٦] ، ولأن النصارى يعيشون بين المسلمين أكثر من غيرهم من أهل الديانات الأخرى كان التأثر بهم أكثر؛ فشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يذكر أن كثيراً: «من جهال المسلمين ينذرون للمواضع التي يعظمها النصارى، كما قد صار كثير من جهالهم يزورون كنائس النصارى، ويلتمسون البركة من قسيسيهم ورهابينهم ونحوهم» [٥٧] . ولو تأملت بعض ما يفعله القُبوريون لعلمت أنه امتداد لعادات وثنية كانت سائدة قبل الإسلام: «وأول هذه العادات: تقديس الأولياء، تلك العادة التي لقيت رواجاً سريعاً وعميقاً في نفوس المصريين لارتباطها بطبيعتهم منذ فجر التاريخ؛ ففكرة تشييد المساجد الجميلة فوق أجساد الموتى وتقديسهم تتصل بجذور الفكر الديني المصري منذ العصر الفرعوني، ولا سند لها في القرآن والسنة..» [٥٨] يقول الشيخ محمد رشيد رضا معقباً على ما ادعاه أحد مشايخ القبورية في تسويغ اتخاذ القبور والأضرحة واسطة للشفاعة: «هذا عين ما كان يحتج به المشركون الأولون وحكاه الله - تعالى - عنهم ... وهو ما يفعله بعض النصارى عند قبور القديسين» . ويقول أيضاً: «ولا تظنوا أن الهندوس ليس عندهم كهنة يتأولون لهم بدعهم الوثنية كما تأول هذا العالم الأزهري.. واحتج لهم بأنهم كأنجاس الهند المنبوذين، ليس لأحدهم أن يتقرب إلى الله - تعالى - بنفسه، بل لا بد له من أحد هؤلاء المعتقدين ليقربه إليه زلفى» [٥٩] . ويقول الشيخ أبو الحسن الندوي: «وكل ما كان يدور حول قبور الأولياء والمشايخ كان تقليداً ناجحاً للأعمال والتقاليد التي كانت تنجز في معابد غير المسلمين وقبور المقدسين عندهم؛ فالاستغاثة منهم والاستعانة بهم، ومد يد الطلب والضراعة إليهم كل ذلك كان عاماً شائعاً بينهم ... » [٦٠] . ويذكر الشيخ محمد رشيد رضا صورة من هذا التشابه، فيقول: «في بنارس [في الهند] قبر أبي البشر آدم ﵇، وقبر زوجه وقبر أمه! ويقال: » إنهم يعبرون بأمه عن الطبيعة «، وقبور قضاته، وهي تحت قباب مصفحة بالذهب كقبة أمير المؤمنين علي في النجف، وقباب غيره.. وجميع هذه القبور تعبد بالطواف حولها، والتمسح بها، وتلاوة الأدعية والأوراد عندها، كغيرها من تماثيل معبوداتهم، مع الخشوع وبذل الأموال والنذور لها ولسدنتها وكهنتها، فلا يحسبن الجاهل بالتاريخ وبعقائد الملل والنحل أو التعبدات فيها أن علماء وثنيي الهند يعتقدون أن هذه الأشياء تنفع وتضر بنفسها، وأنهم ليس لهم فلسفة في عبادتها» [٦١] . بهذا يتبين أن اختلاط المسلمين بغيرهم، ومساكنتهم لهم ودخول كثير منهم في الإسلام مع بقاء بعض العادات الجاهلية سبب من الأسباب التي أدت إلى انتشار الاهتمام بالآثار. هذه بعض الأسباب التي أدت إلى انتشار الاهتمام بالآثار والبحث عنها في بلاد الإسلام حتى عمت البلوى بها في كل مكان حتى لا تكاد ترى من يسلم من ذلك إلا من وفقه الله لسلوك سبيل المؤمنين الموحدين. فنسأل الله - تعالى - أن يصلح حال الأمة، وأن يزيل عنها الغمة، وينصر السنة ويقمع البدعة؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 3884

دراسات في الشريعة الإسلامية الإصلاح التشريعي موجز تاريخي وخطوات عملية صراع الفقهاء والتحديثيين قبيل العلمانية الشاملة نماذج منت صرة (٢) عبد العزيز بن محمد القاسم [*] azalgasem@hotmail.com أسباب التغريب التشريعي الذاتية: لم تكن الضغوط الأجنبية لتمكين هيمنة الدول المنافسة أو المعادية بأدواتها المختلفة ومنها الغزو التشريعي أمراً جديداً في تاريخ العلاقات الدولية، وقد مارسته الدول باستمرار بمختلف ثقافاتها، فمارسته دول الغرب على الدول الإسلامية كما مارسته على اليابان والصين ودول أفريقيا ومناطق أمريكا الجنوبية، كما مارسته فرنسا في كندا؛ ومن هنا تبرز أهمية العوامل الداخلية التي أدت إلى توفير المناخ للغزو التشريعي الملائم لتأثير تلك الضغوط، ومن أهم عناصر المناخ الملائم ما يلي: ١ - الضعف المادي والعسكري: لقد غطَّ العالم الإسلامي في سبات طويل في مجالات الإنتاج وتطوير أدواته، ودعم العلم التقني، وتحسين وسائل المنافسة مع الدول المعادية، وكان من أخطر أسباب هذه الظاهرة انتشار الظلم وبغي السلاطين، وصراعهم، وتفرق الممالك، وفرض الجباية المنهكة، واضطراب التجارة، والملكيات العقارية عبر المصادرة والتعدي، وقد لاحظ ذلك في وقت مبكر العلماء. يقول ابن مسكويه: «صار الرسم جارياً أن يخرب الجند إقطاعاتهم ثم يردوها ويعتاضوا عنها حيث يختارون» ، وبذلك «فسدت المشارب وبطلت المصالح.. فمن هارب جالٍ، وبين مظلوم صابر لا ينصف، وبين مستريح إلى تسليم ضيعته إلى المقطع العسكري ليأمن شره ويوافقه؛ فبطلت العمارات» [١] . ويقول المقريزي: «وعظمت نكاية الولاة والعمال واشتدت وطأتهم على أهل الفلح.. فخرب بما ذكرنا معظم القرى، وتعطلت أكثر الأراضي من الزراعة ونقصت الغلات..» ، ويروي المقريزي نفسه ما أحدثه المماليك من نظام الرق الزراعي المقتبس من الإقطاع الأوروبي فيما يظهر؛ حيث عرفه المماليك من الصليبيين في مواجهاتهم المختلفة؛ وهو الذي يجعل الفلاح قنّاً مملوكاً لصاحب الأرض، فيقول عن تحول الفلاح ليكون: «قنّاً.. لمن أقطع تلك الناحية، إلا أنه لا يرجو قط أن يباع ولا أن يعتق» [٢] . وفي الأعمال المدنية يذكر العلماء المظالم التي أفسدت معايش الناس حتى كثر تسخير الناس للعمل في عمائر السلطان بالقلعة في مصر كما يذكر ابن تيمية [٣] . وساءت الأحوال حتى قال ابن خلدون كلمته المشهورة: «كأنما نادى لسان حال الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة» [٤] . وقد انتقلت تلك الآفات من مصرٍ إلى مصرٍ، وضاعف أضرارها انتشار الصوفية في كافة الأقطار، وكان من آثار ذلك ضعف الدول الإسلامية عن مواجهة العدو الخارجي، ومن ثم محاولة تقليده التماساً لأسباب القوة كما جرى للدولة العثمانية على سبيل المثال بعد معركة كارلوفجا سنة ١١١١هـ سيأتي الحديث عنها التي قادت الدولة العثمانية إلى النقل الأعمى من الغرب دون منهجية تبين ما يجب تغييره وما يحسن استيراده، وكيفية تهذيبه وتطويعه. ٢ - انتشار الجمود والضعف الفقهي؛ بحيث أدى ذلك إلى فتح الأبواب للحلول الوضعية المجافية للشريعة، وهو ما خاف عاقبته الفقهاء المفكرون في عصور سابقة، وقد نقلنا في الحلقة الأولى من هذا المقال كلام ابن تيمية عن الحلول الوضعية العباسية، وتداول الفقهاء في مصادرهم الفقهية تأصيل السياسة الشرعية وتطبيقاتها لظهور انحراف السياسة الوضعية عن المعايير الشرعية، وهو حديث مشهور فلا نكرره، وقد بذل الفقهاء المجددون جهوداً رائدة لمواكبة المتغيرات وملاحقتها بالتأصيل، وتيسير تدوين مصادر الفقه لتحقيق هذا الغرض. ومن أمثلة ذلك في العصور المتأخرة الفتاوى الهندية التي كتبها ثلاثة وعشرون فقيهاً من أقدر فقهاء الهند، كلفهم بتدوينها ملك الهند أبو المظفر محيي الدين محمد أورنك الشهير بـ (عالمكير) في القرن الثاني عشر الهجري السادس عشر الميلادي، وكان غرض تأليفها تيسير الوصول إلى الراجح. ومن أمثلة التقريب ما أنجزه الفقيه الحنفي إبراهيم الحلبي الرومي في كتابه: (ملتقى الأبحر) ليقرب الراجح من الفقه الحنفي كما ذكر في مقدمة كتابه. وقبيل وضع مجلة الأحكام العدلية كانت الظنون تسوء بقضاة الشرع الأحناف لتعدد الأقوال وتغير الأحكام مما جعل الفقيه المغربي محمد الحجوي المعاصر لأوائل عصر تطبيق المجلة يقول بعد نقل كلام الفقهاء في جواز مخالفة المذهب: «تأليف قانون يدعى المجلة.. كان القصد منه ضبط نصوص الأحكام التي يُتلاعب بها.. حتى إن القضية الواحدة يحكم فيها القاضي اليوم بالإباحة وغداً بالمنع، ويجد في النصوص فسحة وإجمالاً.. وكم رأينا لهذا من نظير..» [٥] . ٣ - أن الصياغة الفقهية المتأخرة تميزت ببعض الخصائص التي كانت تعوق ضبطه وتيسر الوصول إليه، وفهم حكمته، والمصالح التي يرعاها، ويظهر ذلك مما يلي: أ - صعوبة صياغة المصادر الفقهية وتعقيدها: لاحظ الفقهاء قديماً بعض عيوب صياغة المصادر الفقهية وحاولوا الإسهام في إصلاحها؛ فوفق بعضهم؛ لكن ذلك لم يتحول إلى ظاهرة عامة، بل تحول الفقه في العصور الأخيرة إلى تعقيد أغلق الفقه على كثير من أصحابه فضلاً عن غيرهم خاصة في المذهبين المالكي والحنفي. يقول الحجوي عن مصنفات ما بعد القرن الثامن إنهم: «قضوا على الفقه أو على من اشتغل بتواليفهم وترك كتب الأقدمين من الفقهاء.. وتخدرت الأنظار بسبب الاختصار، فترك الناس النظر في الكتاب والسنة والأصول، وأقبلوا على حل تلك الرموز.. فضاعت أيام الفقهاء في الشروح.. وتحمل الفقهاء آصاراً وأثقالاً بسبب إعراضهم عن كتب المتقدمين.. وأحاطت بعقولنا قيود فوق قيود.. فالقيود الأولى: التقيد بالمذاهب.. الثانية: أطواق التأليف المختصرة المعقدة التي لا تفهم إلا بواسطة الشروح.. أحاطوا بستان الفقه بحيطان شاهقة ثم بأسلاك شائكة، ووضعوه فوق جبل وعر بعدما صيروه غثاً.. حتى يظن الظان أن قصدهم الوحيد جعل الفقه حُكْرة بيد المحتكرين ليكون وقفاً على قوم من المعمَّمين، وأن ليس القصد منه العمل بأوامره ونواهيه وبذله للناس.. وحاشاهم من أن يقصدوا شيئاً من هذا؛ لأنه ضلال في الدين؛ وإنما حصل من دون قصد؛ فيا لله! أين نحن من قوله ﵇: » سددوا وقاربوا « [٦] ، وقوله:» بلِّغوا عني ولو آية.. « [٧] .. ولله درُّ عبد العزيز اليحصبي حيث قال:» هذه الأعمار رؤوس أموال يعطيها الله للعباد يتَّجرون فيها، فرابح وخاسر؛ فكيف ينفق الإنسان رأس ماله في حل مقفل كلام مخلوق مثله، ويعرض عن كلام الله، ورسوله الذي بعثه إليه « [٨] . ب - أن التعليم الفقهي مبني - في الغالب - على حفظ المسائل والخلاف فيها، وقد أشغل ذلك عن ضبط الكليات وتنظيم الفروع تحت أصول تشدها وتيسر تنمية الملكة الفقهية في التطبيق الفقهي. يقول القرافي في كتابه الذخيرة:» وأنت تعلم أن الفقه وإن جلَّ، إذا كان مفترقاً تبددت حكمته وقلَّت طلاوته وبعدت عند النفوس طَلِبَتُه، وإذا رتبت الأحكام مخرَّجة على قواعد الشرع، مبنية على مآخذها نهضت الهمم حينئذ لاقتباسها، وأعجبت غاية الإعجاب بتقمص لباسها « [٩] . ج - عدم بيان حكمة الشريعة ومعناها، والمصالح التي ترعاها في الأحكام، وقد تنبه الفقهاء لأهمية ذلك في تمكين الشريعة وبسط أحكامها. يقول ابن تيمية: » ومعرفة الحِكَم والمعاني التي تضمنتها الشريعة من أشرف العلوم؛ فمنه الجلي الذي يعرفه كثير من الناس، ومنه الدقيق الذي لا يعرفه إلا خواصهم « [١٠] . وبيَّن أثر معرفة الحكم والمعاني وكليات الدين الجامعة لمصالحه فقال:» فإن معرفة أصول الأشياء ومبادئها ومعرفة الدين وأصله.. من أعظم العلوم نفعاً؛ إذ المرء ما لم يحط علماً بحقائق الأشياء التي يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكة « [١١] . ٤ - خضوع رجال التحديث - المفكرون والساسة - للحلول الجاهزة التي أنتجها من يقتبسون منه، وضعف مقدرتهم النقدية للنماذج المستوردة؛ بحيث لم يمكن إخضاع تلك الإصلاحات للشريعة ومقاصدها، وكثيراً ما يتسبب ذلك في الضعف النقدي في حركات المقاومة أو التمرد، وفي أحسن الأحوال تواجههم مشكلة سلبية المجتمع وصعوبة انتمائه إلى مشروعاتهم، ويتضاعف هذا الجانب في حالات التطرف التغريبي؛ إذ يصاحبه بخس للتراث وواقع المجتمع ومزاياه يصل إلى مستوى الشتيمة المجافية لمكارم الأخلاق ومناهج العلم، كما حصل في كثير من مشروعات التنمية المعاصرة. وقد يصل خطاب هذا التيار إلى مستوى السذاجة والخرق كمقولة استنساخ حضارة الغرب بعنبها وشوكها، وحلوها ومرها التي أطلقها بعض مفكري النهضة المعاصرة، أو ترديد بعضهم لسجعات خاوية يستغفل بها المخاطب عن برهنتها، وهل يغني هذا النثر المرسل عن الدراسات التي تؤسس عليها النظم الاقتصادية مثل قول بعضهم: لا اقتصاد بلا بنوك، ولا بنوك بلا فوائد، ويؤدي هذا التقليد المطلق إلى تقليص الأعمال النقدية التي تستلهم الصالح من التراث والمجتمع، وتضم إليه الصالح من الحضارات بعد إخضاعه لأصول الشريعة ومقاصدها. ومن عجائب هذه الظاهرة أن روادها يتغنون بالحرية النقدية وهم أعجز ما يكونون عن ممارستها بأنفسهم، فتحول فكرهم إلى حفظ وتقليد محض لما تعلموه بعيداً عن وسائل النقد والمنهجية التي تعلموها؛ فلم تغادر مقاعد دراستهم في جامعات الغرب [١٢] . ومن آثار ظاهرة العجز النقدي لدى التحديثيين عدم مبالاتهم بالرأي الفقهي والفكر الإسلامي مما أدى إلى قطيعة خاصة في البيئات المحافظة التي لا تحسن التعامل مع الآراء المخالفة وتقريبها، وهذا بدوره ما يغذي انفراد التغريب بالعملية التشريعية أو تعميق انقسام المنظومات القانونية بحيث يتحكم كل قطاع في ما تحت يده من مؤسسات. ٥ - ازدهار المذاهب الفلسفية الاجتماعية التي تؤسس نظريات وضعية تستغني عن وظيفة الدين الكنسي في الغرب؛ وذلك بعد انهيار الكنيسة بوصفها مرجعية في الأمور الدنيوية، وانهيار الإقطاع بوصفه نظاماً اجتماعياً وسياسياً، وقد جاءت تلك التغيرات بعد نهضة العلوم في الغرب واقتباس مناهج لتحصيل الحقائق في المجالات الإنسانية. وبالفعل انتشرت في فجر القرن التاسع عشر - وهو العصر الذهبي لانتشار القوانين الغربية في العالم كما سيأتي - الفلسفات المؤسسة للعلوم الاجتماعية خارج النظام الديني بل وخارج النظام القيمي التقليدي، ويكفي لمعرفة ذلك مراجعة أشهر الفلاسفة مثل (جريمي بينتام) الذي توفي سنة ١٨٣٢م، وهو فيلسوف القانون الإنجليزي الداعي إلى تأسيس التشريع على مبادئ المنفعة، ويرفض بناء التشريع على أساس التقاليد والدين، ويمنع تجريم أي فعل لا يؤذي أحداً بعينه، وقد أصدر مجلة للدعوة إلى الإصلاح القانوني [١٣] . و (ستيوارت ميل) الذي توفي سنة ١٨٧٣م، الداعي إلى إفساح المجال للحرية الشخصية لدعم الفكر والعلوم ما لم ينتج عن الحرية ضرر بالآخرين، و (أوجيست كونت) الذي توفي سنة ١٨٥٧م مؤسس الفلسفة الوضعية، وكان يرى أن تراجع القيم الدينية والتقليدية بسبب تغيرات أوروبا التي أشرت إليها قد أوجد أزمة اجتماعية في أوروبا، وسعى من خلال الوضعية إلى تأسيس نظام اجتماعي وضعي [١٤] . لقد كان أولئك وغيرهم من الفلاسفة إزاء أزمة عميقة في أوروبا بعد انهيار النظم القديمة - الكنيسة، الإقطاع - وقد أوجد هذا الفراغ مناخاً ملائماً لابتكار أنظمة اجتماعية جديدة، ومنها النظم القانونية والسياسية. أما في العالم الإسلامي فالظرف مختلف تماماً؛ فمع كل عيوب التقليد الفقهي إلا أننا أمام مؤسسة عظيمة قادرة بين حين وآخر على تجديد نفسها، ويكفي للبرهنة على هذا التجديد أن تنظر في مصادر الفقه المذهبية وتقارن حجم التغيير الذي أحدثه المجددون المذهبيون في العصور المتأخرة. انظر مثلاً في حاشية ابن عابدين تجد أن النقل عن مجدد مشهور هو شيخ الإسلام أبو السعود العمادي الحنفي يبلغ حوالي ٢٥٠ مرة ليضخ في المذهب من اجتهاداته ما يزيل كثيراً من مواضع الحرج والضيق ليتسع الأمر مرة أخرى بعيداً عن قيود المذهب. أما في المذهب الحنبلي فيتكرر النقل عن ابن تيمية في كتاب الإنصاف ما يزيد عن ١١٩٠ مرة، ويطعِّم ذلك النقل فقه المذهب بتجديد متين ينقله إلى رحابة النصوص ورعايتها مصالح الناس بعد ضيق التقليد. ومن خلال هذه المقارنة بين انهيار أنظمة المجتمع الأوروبي وقابلية الفقه للتجديد بل وممارستهم له بين حين وآخر وإن لم تكن حركات التجديد بمستوى واحد وإذا قارنا ذلك بموجات الهجرة الابتعاثية التي نشطت في القرن التاسع عشر، وتذكرنا ضعف المقدرة النقدية يتبين لنا واحد من أهم أسباب تمكين القوانين الغربية؛ ذلك أن الفلسفات الاجتماعية كانت توهم الطلاب والمثقفين بشمولية انهيار الدين والمجتمع فيزهد المسلمون في أنظمتهم؛ مما يدفعهم لاقتباس أنظمة نشأت وفق شروط اجتماعية وثقافية وسياسية معينة. وقد تزامن ذلك مع ضعف المقدرة النقدية لدى الفكر الإسلامي الذي تأخر بضعة عقود، فلما عادت القدرة النقدية أيقظت الفكر الإسلامي المضاد، لكن بعد تمكُّن المستعمر، وفي هذا السياق المعقد يمكن إعادة قراءة الاجتهادات الفكرية الإسلامية التي وقع أصحابها في أخطاء منهجية عديدة كجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وغيرهم. ٦ - عزلة الجمهور عن قضايا الأمة الكبرى وقلة وعيه في هذا المجال، مما يسهل تسخيره لمناصرة ما فيه إضرار بمصالحه وقيم الدين، ويعزز هذا ضعف بيان المتخصصين الشرعيين لهذه القيم والمصالح وتقديمها في صورة واضحة مقارَنة تبيِّن حكمة الشريعة وجلالها، وتعمق العلم الشرعي بما يستوعب المصالح والحقوق المتجددة وفق هدي الشرع وضوابطه، وهذا ما يفسر سهولة انقياد الجمهور للحركات المناوئة للشريعة ومصالح الأمة لمجرد تبني تلك الحركات لمشروعات إصلاحية في هذا الجانب أو ذاك من جوانب الحياة؛ لكنها قد تهدم من المصالح ما يزيد عما تصلحه إذ أعرضت عن الشريعة، أو قد تبطن بعض حركات الاصلاح من المقاصد ما لا تظهر كما فعل حزب الاتحاد والترقي وغيره. والعاصم من كل ذلك هو اليقظة الفكرية الإسلامية التي تضمن استيعاب كل مصلحة ودرء كل مفسدة بالقدر الذي يمنع انفراد تلك الحركات بمصالح الناس بعيداً عن هدي الشريعة ومقاصدها، وهذا وظيفة التعليم الشرعي الكلي، وربما يتيسر تفصيل ذلك في مقال مستقل. إن الظروف التي أحاطت بالعالم الإسلامي - كما يظهر مما تقدم وغيره - لم تكن وحدها قادرة على تمكين التغريب التشريعي لو لم يتدخل المستعمرون لفرض التشريع، ذلك أن لدى الفقهاء المقدرة على التجديد وملاحقة التغيرات بالتأصيل والمراجعة والضبط، وهذا ما يبينه تاريخ التجديد الداخلي يوم يترك الفقهاء وميادين العمل مهما تأخرت حركتهم؛ ففي أصعب الظروف كان وهج الشريعة ونور الكتاب والسنة يمدان العلماء بما يضيء الطريق في ظلمات المحن التي تحيط بالأمة. ومن شواهد ذلك تلك النهضة الجليلة للفقه الإسلامي التي أثارتها ظروف الحروب الصليبية؛ إذ تزامن معها نهضة علمية كانت تقدم الزاد والهداية لأعمال الجهاد المقاومة للغزو الصليبي على المستويات الفكرية والاجتماعية، لتلمع تلك الأسماء الكبيرة المعروفة كالجويني، وابن عبد السلام، والقرافي، وابن تيمية، وابن القيم، والشاطبي، وهم متوالون في الميلاد والوفاة، ولتقدم الزاد العلمي والفكري الذي نهضت به الأمة يوم تصدى لها الرجال العاملون في حركات التجديد الحديثة منذ دعوة الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب إلى الدراسات والدعوات الحديثة. نماذج للتغريب التشريعي: أ - تغريب التقنين في الدولة العثمانية. ب - تغريب التقنين في مصر. أ - تغريب التقنين في الدولة العثمانية: تميزت الدولة العثمانية بقدراتها الحربية، وأنشأت تنظيماتها العسكرية التي حققت نجاحاً مدوياً في القارات الثلاث، وكانت فرنسا تطلب المعونة العسكرية من الخلافة، كما فعل فرانسوا الأول سنة ١٥٢٥م مع السلطان سليمان القانوني. وكانت الدولة في عهد سليمان هذا قد بلغت ذروة تنظيمها وقوتها؛ فقد كان حريصاً على إقامة العدل، وتنظيم القضاء، وكان شعاره الذي كتبه على ديوانه يتضمن بيان ترابط قوة الدولة بقوتها الاقتصادية، وارتباط قوة الاقتصاد بالعدل؛ فأصدر بمعونة شيخ الإسلام تنظيمات للقضاء، وبعض القوانين لضبط جوانب مما لم يستطع تركه للاجتهاد، كتنظيم أراضي بعض المناطق الصربية المفتوحة، وتقرير بعض القواعد مثل منع نظر الدعوى المتقادمة لدى القضاء العام وغير ذلك، ويمكننا أن نقسم مراحل التغيير القانوني في الدولة العثمانية إلى مراحل رئيسية، أحاول تقريب شتاتها فيما يلي: ١ - مرحلة التنظيم الأصيل المؤسس بإرادة ذاتية: ويشمل هذا التنظيمات التي افتتحها السلطان سليم الأول المتوفى سنة ١٥٢٠م بتبني المذهب الحنفي مذهباً للدولة، وشهدت ذروتها مع السلطان سليمان القانوني، وكان التقنين يصدر في هذه المرحلة على شكل فتاوى يصدرها شيخ الإسلام بناءً على استفتاء السلطان، وكانت تتم وفق أصول الشريعة في الغالب، ويرعاها فقهاء متخصصون، من أشهرهم شيخ الإسلام أبو السعود [١٥] . وقد انتاب هذه المرحلة تجاوزات عديدة، وكانت في مجملها - رغم تدين السلطان سليمان - أعمالاً سياسية تهدف إلى تعزيز قدرة الدولة العثمانية بعد تحقيق البرتغاليين لنصرهم الكبير بالسيطرة على طريق تجارة الشرق باكتشافهم لطريق رأس الرجاء الصالح، وتحول التجارة عن البحر المتوسط والموانئ العربية والإسلامية إلى لشبونة مما أفقد اقتصاد المنطقة أخطر وسائله الإنتاجية، غير أنها كانت محلية المصدر عميقة التأثير. ٢ - مرحلة تقديم الامتيازات القانونية للدول الأجنبية: وأول ما بدأ هذا التنظيم بمعاهدة بين الخلافة وفرنسا في سنة ١٥٣٦م، تقدم للرعايا الفرنسيين حصانة ضد القضاء العثماني، وتولية القنصل الفرنسي القضاء بين الفرنسيين ومن يخاصمهم [١٦] . وقد تلاها فيما بعد معاهدات مماثلة مع دول أخرى. في تلك الفترة كانت الدولة قوية العود مرهوبة الجانب، وفي سنة ١٦٩٩م = ١١١١هـ هزمت الدولة العثمانية في معركة (كارلوفجا) وواجهت فيها تكتلاً أوروبياً قوياً يتكون من ألمانيا وروسيا وبولونيا، وقد فوجئ العثمانيون بتقنيات تلك الجيوش، وهزت هذه المعركة الدولة، فالتفتت إلى إصلاح مؤسساتها، فتوجه السلطان أحمد الثالث ١٧٠٣م ١٧٣٠م يفتح النوافذ على أوروبا القوية يستلهم منها وسائل القوة؛ فأغضب ذلك قادة الجيش الإنكشاري الذي كان عمود الجيوش العثمانية خوفاً من تقليص نفوذه بالإصلاحات العسكرية الجديدة، فتآمر الإنكشاريون على الخليفة فعزلوه، واستمر نفوذهم حتى قررت الدولة القضاء عليهم في معركة شهيرة، وانفتح بذلك الطريق أمام إصلاح الجيش، وفي سنة ١٧٣٤م بدأت عملية إصلاح عسكرية جديدة يشرف عليها التقنيون الفرنسيون، وفي سنة ١٧٩٢م أعلن السلطان سليم الثالث إصلاحات جديدة؛ فعين سفراء في أوروبا يستطلعون وسائل القوة والإدارة، فتواردت عليه التقارير، وعين مجلس شورى للإصلاح ناقش تلك التقارير، وقرر سلسلة من الإصلاحات في الأنظمة المالية والعسكرية والتعليمية، وقد افتتح ذلك عهد تغريب التعليم الحديث، وفصله عن التعليم التابع للمؤسسات الشرعية، وسنتناول ذلك في الفقرة التالية. ٣ - مرحلة تأسيس التعليم الحديث في مدارس تسمى المكاتب، لتكون مؤسسة موازية للمدارس العامة التابعة لمشيخة الإسلام، وكانت تلك المكاتب فرنسية المناهج، وتعليم اللغة الفرنسية فيها إجباري منذ سنة ١٧٩٣م، وقد نتج عن نظام التعليم الحديث كليات مثل الطب التي أسست سنة ١٨٢٧م، غير أن ازدواجية التعليم قد أدت إلى استقطاب عميق متنافر بين خريجي المدارس التقليدية والمدارس الحديثة أدى إلى تقسيم المجتمع إلى تيارين رئيسين: أحدهما: تقليدي محافظ لا يحسن رطانة التحديث وغاياته، والآخر: مبهور بالنموذج الجديد الذي استعلى بقواته على مقام الخلافة رغم قرون التمكين والقوة، ومرغ عزتها في معارك متوالية كان آخرها حرب القرم، وتعديات روسيا التي لا تنقطع، واحتلال مصر سنة ١٧٩٨م. وازداد الإقبال على التعليم الحديث لتقديمه العلوم الحديثة، وكونه الطريق النافذ إلى مناصب الدولة. ومن أسباب تعاظم النفور من التعليم التقليدي: ضعفه، وعجزه عن استيعاب المتغيرات وملاحقتها بالتأصيل والبيان في الوقت المناسب قبل استيراد الحلول المستغربة وفرض هيمنتها [١٧] . ٤ - مرحلة إصدار القوانين العثمانية الحديثة التي بدأت بما يعرف بـ (شريف كلخانة) نسبة إلى المكان الذي أعلنها فيه السلطان عبد الحميد سنة ١٢٥٥ هـ = ١٨٣٩م، وقد أعادت تنظيم مؤسسات الدولة وقررت المساواة بين المواطنين وبدأت الدولة تنظم القوانين الخاصة لكل فرع من فروع القضاء كالقانون التجاري الذي صدر ١٨٥٠ م، وقانون الأراضي وقانون الجزاء و ... ، وفي هذه المرحلة كانت القوانين تتنازعها مرجعيتان هما القوانين الأوروبية، والشريعة الإسلامية. يقول المحامي محمد فريد بك:» وكل هذه القوانين مقتبسة من القوانين الفرنسية مع مراعاة الشريعة الإسلامية « [١٨] . وكان مرجع هذه القوانين القضائي محاكم مدنية، يراجع أحكامها قضاة تمييز برئاسة قضاة شرعيين [١٩] . ٥ - مرحلة الاستنساخ الكثيف المباشر؛ ففي سنة ١٢٧٢هـ = ١٨٥٦م حدث تحول في مسار التشريع العثماني بسبب ضغوط هائلة من التيار الإصلاحي الذي قرأ الإصلاح السياسي الأوروبي، وأعجب به، فتشربه ولم يكن يملك رؤيته الخاصة، وعلى رأس هذا التيار مدحت باشا الصدر الأعظم، وكان هذا التيار مدعوماً من بعض القوى الغربية، ومع ذلك فالمصادر تشير إلى أن مدحت باشا كان حافظاً للقرآن الكريم، وانتظم في حلقات العلم الشرعي في جامع الفاتح في الآستانة، كما تعلم اللغة الفرنسية ودرس الأنظمة السياسية والاجتماعية، وكان محافظاً على الصلاة عارفاً بمدارس المدنية في العالم، وقد أظهر براعة متميزة وحزماً في عدل في الولايات التي حكمها كالصرب وبلغاريا رغم الفتن التي كانت تموج فيها، وكان فيه:» دروشة ويقظة « [٢٠] . ومع تدينه وما ظهر من صدقه فيما تولاه من أعمال إلا أنه اصطدم ببعض العلماء الذين وقفوا في وجه تغيير الحال دون تفصيل أو برهان، فاستقطبت حركة مدحت باشا رجالات الثقافة الحديثة المتغنين بالحريات نسجاً على منوال الغرب مثل الكاتب الشهير نامق كمال، فصارت المعركة بين تيارين: أحدهما يدعو إلى التحديث، والآخر يمجد الواقع ويزجر من يروم تغييره. فوقع من الفتن ما انتهى بعزل الخليفة وتولية السلطان عبد الحميد ومن ثم إعلان التعديلات الجديدة بصدور ما يسمى بإصلاحات: (خطي هُمايوني) أي مرسوم السلطان الإصلاحي ليتضمن كثيراً من المكاسب كتأسيس مجلس نيابي، وبيان الحقوق والواجبات لرجالات الدولة ومؤسساتها، وفي الوقت نفسه ما يماثلها من المخاطر وخاصة تعزيز مواقع الأقليات غير المسلمة من النصارى واليهود وغيرهم، ومنحهم من الامتيازات ما يفوق حقوق المسلمين [٢١] ؛ ليتكون من كل ذلك وسيلة فاعلة لخلخلة وحدة الشعب العثماني بين التحديث والتقليد والوطن والقوى الغربية، وقد حدث ذلك رغم وعي مدحت باشا بمخاطر استنساخ النظم القانونية والمؤسسية الغربية؛ فقد كان يشبِّه أخذ قوانين أوروبة باستيراد آلة نسج لا يعرف أهل البلاد تشغيلها، إلا أنه مع ذلك لم يزد على أن:» يدرس قوانين أوروبة ونظمها ويختار أنسبها «. ويلاحظ أن مشروعه يعتمد على الاختيار بين الأنسب من القوانين الموجودة، ولم يكن التطوير الذاتي متاحاً. فهل كان يملك من الوقت أو الرجال القادرين على ابتكار الحلول النابعة من مؤسسات المجتمع وشريعته، وإدخال ما تحتاجه من وسائل الأداء الحديثة الناجمة؛ فأعرض عن ذلك وتنكبه، أم أن العلاقة بين هذا التيار والفقهاء والقوى المحافظة لا تساعد على تحقيق ذلك الهدف، أم أنه الضغط الأجنبي، أم هي غفلته ودروشته التي أشار إليها أحمد أمين تحت هاجس الإصلاح الضروري لبعث القوة في الدولة التي تدهورت وأنهكتها الديون والفساد؟ وما دور حزب تركيا الفتاة وأحراره، وما مدى صلة فروع الحزب بألمانيا في فرع مدينة سالونيك الذي استغله الألمان، وفرع الحزب في مانستر بيوغسلافيا الذي استغله البريطانيون من خلال علاقاتهم السرية المعقدة؟ وما الذي كان يفعله السلطان عبد الحميد مقتنعاً، وما الذي فعله تحت الضغط وأمل جمع المعارضين؟ أسئلة كثيرة تتوقف إجابتها على مزيد من التحقيق والبحث، وربما تتيسر العودة إلى دراسة التطورات الدستورية في دولة الخلافة في وقت لاحق. إن أشد ما يلفت النظر في تلك التغييرات ما تضمنته من دعم للتغيير الاجتماعي واللبرالية وتعطيل حد الردة، وفتح الأبواب للمؤسسات الغربية لتنتشر في المجتمع العثماني كالمدارس التبشيرية، والمؤسسات الثقافية الأوروبية؛ ففي المراحل اللاحقة بلغ عدد الطلاب المترددين على المدارس الفرنسية وحدها ما يزيد عن ثمانية وسبعين ألف مواطن عثماني في السنة الواحدة، ولنقرأ آثار تغريب التعليم بهذا الشكل في نص للشيخ مصطفى صبري ﵀ يقول: » والعجب أن الضغط على الدول الإسلامية لكفها عن العمل بقوانين الشرع الإسلامي كان يأتي في الزمن القديم من الدول الصليبية، وكان يقتصر على مسألة التسوية بين المسلم والذمي، والآن ينوب عن تلك الدول فريق من المسلمين المتعلمين في مدارس تلك الدول نيابة تعدت حدود الأصالة « [٢٢] . إن الاستطراد في بيان نفوذ التغريب الثقافي في هذا المقام هدفه بيان الضغط الذي تولده الثقافة الناشئة عن الثقافة الجديدة، وأهدافها. لم تكن الأهداف التغريبية الاستعمارية سراً؛ فقد تأسست هيئات متخصصة في رعاية تلك الأعمال منها البعثة العلمانية الفرنسية سنة ١٩٠٢م وكان هدفها » نشر التعليم العلماني والعمل من خلاله على توسيع دائرة النفوذ الفرنسي في الخارج «. أما استهداف النخب في البلاد التي تعمل فيها تلك المؤسسة فقد جاء صريحاً في خطاب وزير الخارجية الفرنسي أمام مجلس الشيوخ قال فيه:» أعتقد أن بالإمكان تقديم دعاية وطنية حقاً، وذات فائدة كبيرة في بلدان المشرق إذا دعمنا بقوة البعثة العلمانية التي تضم أعداداً كبيرة من القوى المتنورة « [٢٣] . وفي تقرير لمؤسسة أخرى ورد:» كانت تركيا دوماً في رأس اهتماماتنا « [٢٤] . وتعمل مؤسسة أخرى على دعم اليهود في تركيا تسمى: (الأليانس الإسرائيلية العالمية) تأسست سنة ١٨٦٠م. يقول عنها أحد النواب الفرنسيين: » هكذا نفهم إلى أي مدى كانت هذه المؤسسة بأعمالها العظيمة في خدمة مصالح بلادنا.. وفي توسيع دائرة نفوذ الأفكار والحضارة الفرنسية « [٢٥] . وقد كانت مدارس هذه المؤسسة في الخلافة العثمانية تضم قرابة خمسين ألف طالب في مرحلة تالية. ومن جهتها أظهرت الجهود الفرنسية اليهودية نموذجاً للمثابرة الغربية الدؤوبة لتقويض اللحمة الوطنية وخلخلتها لتمكين النفوذ الأجنبي بدعم شامل من التشريعات التي ضغطت تلك الدول لإصدارها. ويدعم هذا التيار العام صحافة ليبرالية قوية تبنت إصلاح الوضع السياسي المتدهور، ومزجت معه دعوات التغريب الشامل، في الدولة، والأخلاق، والتشريع، والإعلام. لقد أدرك المفكرون بشكل عام والفقهاء بشكل خاص خطر موجة التغريب التشريعي الجارية، والظروف التي تؤدي إلى إقبال رجال الدولة على استنساخ النماذج الغربية ومنها القوانين؛ وخاصة أن الاندفاع الهائل للثورة الفرنسية قد أدهش العالم، وضاعف ذلك الزخم النفسي الذي ولدته حملات نابليون بونابرت على دول أوروبا، وانتصاراته التي توجته سيداً لأوروبا غير منازع من قواها التقليدية؛ اكتمل ذلك في فجر القرن التاسع عشر، وحمل معه مبادئ الثورة المدوية فاستجابت له المجتمعات الأوروبية التي كانت ترزح تحت نير الإقطاع وسلطان الكنيسة، وتشدها آمال النهضة التي تجسدت في البرجوازية الناشئة في قطاع التجارة والصناعة، وبريق العلم الذي أجاب عن كثير من أسئلة تلك المجتمعات. امتدت ظاهرة تغريب القوانين أو فرنستها لتشمل اليابان والصين والهند وإيران ومصر وشمال أفريقيا، وأفريقيا السوداء، فضلاً عن دول أوروبا وبعض ولايات أمريكا وكندا [٢٦] . أمام هذه التحديات بادر أحمد جودت باشا وزير العدل المرشح لهذا المنصب من قِبَل شيخ الإسلام وأحد فضلاء فقهاء الخلافة المطلعين على القوانين الغربية؛ فتبنى حماية الحصون الفقهية من خلال تدوين الفقه الحنفي بطريقة حديثة تزحم القوانين الوافدة، وترعى مصالح المجتمع الحديثة دون إخلال بأصول الشرع، وقد نجح في مسعاه فأنجز مجموعة من كبار الفقهاء وضع المجلة في بضع سنين، ويظهر من تقرير اللجنة إلى الصدر الأعظم - رئيس الوزراء - سنة ١٢٨٦هـ = ١٨٦٧م أن هدف المجلة تقريب الفقه الحنفي إلى رجال القانون الذين يطبقون القوانين الجديدة حتى لا تؤدي صعوبة الوصول إلى الفقه الشرعي إلى سن القواعد الوضعية في المجال المدني. يقول التقرير:» والحال أن أعضاء مجالس تمييز الحقوق - أي القانونيين - لا اطلاع لهم على مسائل علم الفقه.. الدعاوى التجارية التي لا حكم لها في قانون التجارة فيحصل بها مشكلات عظيمة.. وإذا قيل لأعضاء محاكم التجارة أن يراجعوا الكتب الفقهية فهذا أيضاً لا يمكن؛ لأن هؤلاء الأعضاء على حد سواء مع مجالس تمييز الحقوق في الاطلاع على المسائل الفقهية.. بناءً على ذلك لم يزل الأمل معلقاً بتأليف كتاب في المعاملات الفقهية سهل المأخذ لكل من نواب الشرع، ومن أعضاء المحاكم النظامية، والمأمورين بالإدارة، فيحصل لهم بمطالعته انتساب إلى الشرع.. فيصير هذا الكتاب معتبراً مرعيَّ الإجراء في المحاكم الشرعية، مغنياً عن وضع قانون لدعاوى الحقوق التي ترى في المحاكم النظامية.. وبموجب الإرادة العلية اجتمعنا في دائرة ديوان الأحكام، وبادرنا إلى ترتيب مجلة مؤلفة من المسائل الكثيرة الوقوع.. « [٢٧] . وقد صدر الأمر العالي بتطبيقها سنة ١٢٩٣هـ = ١٨٧٦م. آثار صدور مجلة الأحكام: يبين تاريخ التشريع الدور المؤثر لمجلة الأحكام العدلية في حماية مرجعية الشريعة على مستويات عديدة، من أهمها: ١ - تقديم بديل شرعي أدى إلى ضمان مرجعية الشريعة في النظام القانوني العثماني والبلاد التابعة له مدة طويلة في وجه التغريب؛ فقد استمر تطبيقها حتى ألغيت سنة ١٩٢٦م في تركيا ضمن عمليات التغريب الشاملة الأتاتوركية، واستبدل بها قانون الديون السويسري. أما في العالم العربي فقد استمر تطبيقها إلى سنة ١٩٧٦م في الأردن، ولا زال بعضها مطبقاً في لبنان وقبرص وبعض البلاد [٢٨] ، وأسهمت المجلة في حماية عدد من البلدان من هجمات التغريب القانوني حيث ورثت التشريعات العربية مكان المجلة بعد عودة روح الاستقلال والعودة للشريعة كما في الأردن وسوريا والعراق والإمارات، وإن كانت العودة في مراحلها الأولية. ٢ - إقامة الصلة الوثيقة بين المحاكم الحديثة والفقه الشرعي في المسائل المسكوت عنها في القوانين الحديثة وهي مسائل واسعة، ويظهر ذلك من تقرير النظارة العدلية المشار إليه أعلاه، وهو منشور بكامله في مقدمة درر الحكام للعلامة علي حيدر شارح المجلة ورئيس محكمة التمييز ووزير العدل وأستاذ الحقوق في كلية الحقوق بالآستانة. ٣ - أن المجلة أوجدت فرصة عظيمة لإعادة تدوين مسائل الفقه الإسلامي المتناثرة في مراجع الفقه الحنفي في مرجع واحد سهل المأخذ، منظم وفق الهيكل المعتاد في الدراسات القانونية الحديثة؛ مما أقام الصلة بين خبراء القانون والفقه الحنفي، ويعرف هذا بمراجعة الدراسات القانونية المقارنة على امتداد أكثر من مائة عام. ٤ - أن المجلة أصبحت هي اللبنة الأساسية التي أقيم عليها مشروعات القوانين المدنية في الدول الإسلامية بعد انفراج ضغوط الاستعمار وإن لم تبلغ تلك القوانين مستوى التحرر المطلوب، وكان للمجلة أثر ملموس في التعبئة المعنوية للأمة في مراحل الانبهار بالغرب الغازي. ٥ - أن المجلة كانت وسيلة فعالة لتخليص الفقهاء من الجمود المذهبي الذي كاد أن يؤدي إلى إحلال القوانين الغربية إحلالاً شاملاً، وخاصة مع ضيق الفقه الحنفي في أبواب المعاملات والشروط بوجه خاص؛ فتقرير تقديم المجلة المذكور أظهر صعوبة مواجهة التقليد المذهبي الذي كاد يعصف بمشروع المجلة كله، لكن الله - تعالى - يسر لها أن ترى النور. ويبين التقرير أمثلة على المسائل المذهبية التي اختيرت في المجلة مما قرره الفقهاء مما يخالف المذهب الحنفي، وقد صدرت تعديلات للمجلة توسع مجال الشروط لتأخذ بما قرره ابن تيمية من جواز الشروط. أود أن أختم هذه الحلقة بتسجيل نجاح التحديثيين وانتصارهم بقيادة الصدر الأعظم مدحت باشا في مشروعهم الدستوري بالمقاييس التي فكروا في إطارها؛ فقد أدخلوا الدولة التي دمرها الفساد والاستبداد في دائرة الدولة النيابية والدستورية، غير أن المسار العام الذي اختاروه لم يحقق ما كانوا يطمحون إليه لتنهار الأمة العثمانية في المشروع الاتحادي نسبة إلى حزب الاتحاد والترقي فتتهاوى مؤسسات الدولة وأقاليمها، ثم يعلن الاتحاديون تصفية الخلافة التي ضحى مدحت باشا ورفاقه لتعزيزها وتطويرها من خلال التحالف على مفاهيم وآليات لم تتواءم مع نسيج الأمة الراسخ وثقافتها التي تحقق لحمة سوادها العريض، فكان ذلك النصر سبباً لتفويت مصالح كبرى لم تكن لتضيع لو قدر لذلك الإصلاح أن يستنبت في نسيج الأمة ويترقى بها على مهل وروية فكرية وسياسية. أما النصر الثاني فهو ما حققته المجلة وفقهاؤها؛ فقد حفظت للأمة الفقه الحنفي، بل وسلمته لأجيال تالية فتلقفته وقد ذهب وهج انتصارات أوروبا وتطويحها بأنظمة الإقطاع وسلطة الكنيسة ليكون فقه المجلة وسيلة التواصل بين القانونيين والفقه الإسلامي، ويكفي لبيان هذا الأثر العميق للمجلة أن أحد أشهر مراجع الفقه الإسلامي في كليات الحقوق وأقسام الفقه في الجامعات العامة هو كتاب (المدخل الفقهي العام) للشيخ مصطفى الزرقا ﵀ وهو تنظيم وتطوير للمادة الفقهية مستقى من الفقه الحنفي ومجلته على وجه الخصوص، وبهذا قادت المجلة قوافل العودة إلى الفقه الإسلامي في أبحاث الحقوق رغم أنها لا تؤدي إلا إلى مذهب الحنفية، فكانت هذه الظاهرة نصراً لتيار تجديد الفقه، وقارن هذا النجاح الفقهي مع تيارات المجتمع التركي المتذمرة من مشروع التغريب العلماني المتطرف التي لم تبتكر وسائل فاعلة لمقاومة التغريب واستيعاب المصالح المشروعة التي نشأت حركة التغريب لتحصيلها [فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ] (الرعد: ١٧) . في الحلقة التالية سوف نتدارس - إن شاء الله - التجربة المصرية وما فيها من العبر لنصل إلى خطوات العمل التي يفتقر إليها واقعنا بعون الله - تعالى -. والله الموفق.

стр. 3885

الإسلام لعصرنا ماذا وراء كسر طالبان للأوثان ؟ أ. د. جعفر شيخ إدريس رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة ما هذا الذي أقدمت على تكسيره طالبان؟ إنه حجر في صورة إنسان! فلو أن الناس رأوه على حقيقته الظاهرة هذه حجراً في صورة إنسان لما حرصت على تكسيره طالبان، ولا أمر بكسره دين من الأديان. لكن الناس رأوا فيه ما ليس فيه؛ رأوه إلها وما هو بالإله، ورأوا أنهم يضاهون به خلق الله، ولا أحد يخلق مثل خلق الله؛ فكان كسره كسراً لهذا التصور المفسد لقلب الإنسان. [وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي اليَمِّ نَسْفاً] (طه: ٩٧) . فالكسر وسيلة لإقامة الدليل القاطع على بطلان ذلك التصور الفاسد. [فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوَهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلايَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ] (الأنبياء: ٥٨-٦٧) . والكسر هذا ليس مختصاً بالتماثيل التي تعبد من دون الله، وإنما هو شامل للبشر الذين يرون أنفسهم آلهة من دون الله، فيصدقهم ضعاف العقول ويتخذونهم فعلاً آلهة من دون الله. وكسر البشر كسران: كسر بالحجة والبرهان، وإلا فهو كسر ككسر الأوثان. [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ المُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] (البقرة: ٢٥٨) . وكسر الذين ينصبون أنفسهم آلهة من دون الله هو أيضاً كسران: فكسر قدري يتولاه المولى : [وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا المَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ] (القصص: ٣٨-٤٠) . وكسر شرعي يقوم به العباد المؤمنون تنفيذاً لأمر الله . فكسر الأوثان ليس إذن بدعة جاء بها خاتم أنبياء الإسلام، وإنما هو سنَّة مطردة دعا إليها وطبقها كل رسل الإسلام. إنها أمر لازم للدعوة إلى إخلاص العبادة لله. إنها سنَّة ذات جذور عميقة في تاريخ الأديان التوحيدية. وهذا هو الإرث الذي ينبغي أن تحافظ عليه وتعتز به البشرية، لا إرث بوذا وفرعون وهامان. وقد أشار إلى شيء من هذا كاتب أمريكي منصف في مقال له بجريدة الواشنطن بوست [١] بدأ الكاتب مقاله بنص من التوراة عن تحريق موسى عليه السلام لإله السامري. ثم قال: «إن ما تفعله طالبان بالتماثيل في أفغانستان يبدو كأنه عمل تدميري لا عقل فيه، بيد أنه ذو جذور عميقة في تقاليد مشتركة بيننا وبينهم» . ثم ذكر كلمة إنجليزية قال إنها كانت تعني في الأصل محطم الأوثان، لكننا صرنا نتذبذب بين تحطيم الأوثان وعبادة الأوثان. ثم ذكر أن أفلاطون كان يريد منع الفن التصويري؛ لأنه كان يعده خداعاً، وأن النصارى كسروا صور الآلهة الرومانية واليونانية في كل أنحاء الإمبراطورية، وأن المبشرين بالنصرانية فعلوا الشيء نفسه في كل أنحاء العالم. وقد كانت الدعوة الإصلاحية للوثر وكالفن إلى حد ما رد فعل لعبادة الكاثوليك لمريم والأولياء. وقد حطم البروتستانت صوراً كاثولوكية لا حصر لها. ثم قال: «إن تحطيم الأوثان أمر لا يمكن فصله عن التوحيد» ، ثم انتقد تحطيم طالبان لتمثالَيْ بوذا لكنه عاد ليقول: «إن فهم طالبان للإسلام متصل اتصالاً مباشراً بالفهم السائد لدين موسى» . ثم ذكر ملاحظة طريفة جديرة بالتأمل والاعتبار فقال: «إن الأوثان التي حطمتها طالبان ليست أصناماً يعبدها البوذيون؛ فالبوذية ماتت في أفغانستان منذ ألف عام. إن الأصنام التي حطموها هي أصنامنا نحن. نحن أهل الغرب العلماني قد استبدلنا - إلى درجة ما - الفن بالدين. صار الفن عندنا شيئاً مقدساً تجب المحافظة عليه، في مبان أشبه بالقلاع نحج إليه» . ثم قال: «الفن عندنا روحي، خالد، متعال. لقد جعلنا الفن عبادة صنمها العمل الفني. ولذا فإن محطمي التماثيل المحدثين يرعبوننا كما أرعب محطمو التماثيل في العالم القديم عباد الأصنام. لقد بدا أحياناً في الأيام القليلة الماضية أن مشاعرنا يحركها الكرب الذي أصاب التماثيل أكثر من الكرب الذي أصاب شعب أفغانستان ... لكن طالبان يعرفون جيداً كيف يخيفوننا. إنهم يعرفون ديننا، ويعرفون دينهم. إنهم يقومون بعمل هو من صميم دينهم، وفي الوقت نفسه يثيروننا إثارة قصوى بمهاجمة ديننا» . قلت: ذاك تفسير معقول للضجة التي أثارها الغربيون العلمانيون؛ فما بال بعض المسلمين يضجون مثل ضجيجهم؟ حاشاهم أن يكونوا عباداً للأصنام، وهم حتى لو كانوا علمانيين لم يصلوا إلى درجة تقديسهم للفن تقديس الغربيين. ما بالهم إذن؟ أما خيارهم فلا يشكُّون في أن كسر الأصنام عمل مشروع أمر به النبي ﷺ ، لكنهم يقولون إن الرسول إنما كسر الأصنام العربية بعد أن هزم العرب المناوئين له في ساحة القتال، وبعد أن دانت له الجزيرة العربية ودخلت في الإسلام. لكننا اليوم مستضعفون نخشى أن يثير هذا العمل ثائرة بعض البوذيين فيلحقون الضرر بأرواح المسلمين أو مساجدهم، ونحن نقرأ في كتاب ربنا: [وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ] (الأنعام: ١٠٨) . فهذا اعتراض يستند إلى أصل شرعي، وهو لذلك جدير بالاعتبار. أما غيرهم فقد اتخذوا من الغرب مثالاً يحتذى؛ فحتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه. إنهم يخشون من أن يعيرهم الغرب بأنهم أناس متخلفون غير متحضرين لا يتذوقون الفن ولا يحترمون الآثار. يقال لهؤلاء وللغربيين العلمانيين من ورائهم: إن كان الفن هو تذوق الجمال وصناعة الجمال فإنه لمقصد مشروع من مقاصد ديننا؛ فالله جميل يحب الجمال. لكن من قال إن الجمال محصور في الصور والتماثيل؟ إن الجمال يكون في السلوك [فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ] (الحجر: ٨٥) . ويكون في التعبير؛ بل إن جمال التعبير هو أرقى أنواع الفنون؛ ونحن أمة كتابها الهادي هو مثلها الأعلى في جمال التعبير، ونبيها رجل أوتي جوامع الكلم. بل ويكون في الثياب: [يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشا] (الأعراف: ٢٦) ، [يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ] (الأعراف: ٣١) . لكن جمال الحق عندنا فوق كل جمال، وهو المعيار الذي يحكم به على كل دعوى من دعاوى الجمال. فما وافق الحق قبل وما خالفه رد، مهما كان مظهره. وما دامت الحقيقة الكبرى التي يصلح العباد بالاعتراف بها هي أن الله وحده هو المستحق للعبادة؛ فلا يتسامح مع أي فن تعبيري أو تصويري يتناقض مع هذه الحقيقة. وجمال الخلق هو جزء من جمال الحق؛ فهو كذلك معيار لقبول دعاوى الجمال الأخرى أو ردها. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

стр. 3886

قضايا دعوية إدارة الأزمات في حياة الدعاة دراسة على حادثة الإفك محمد بن علي شماخ يتعرض المجتمع الإسلامي منذ عهد النبوة لصنوف مختلفة من أنواع الحروب والتضييق من أجل وأد هذا الدين، واجتمع في سبيل ذلك المشركون واليهود والمنافقون والنصارى في بوتقة واحدة لتحقيق هذا الهدف، متناسين ما بينهم من عداوة واختلافات؛ فمنذ بعثة الرسول ﷺ واجه المسلمون الكثير من الأزمات مختلفة الأشكال اتسمت قبل البعثة بالتعذيب لكل من أسلم، ثم بالحصار في شِعْب أبي طالب، وبعد البعثة أخذت المواجهات بين الطرفين الطابع الحربي إلى أن توجت بحشد جيش عرمرم من مختلف قبائل العرب لحصار المدينة، وبخيانة اليهود والمنافقين من الداخل، فكان هذا الموقف من أصعب المواقف التي مرت بالمسلمين [إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً] (الأحزاب: ١٠-١١) . فهزم الله كيد هذه الأحزاب وعادت هذه الجيوش إلى ديارها تجر ذيول الهزيمة والعار، فكان من أعداء الإسلام أن «عرفوا بعد إدارة دفة الحروب طيلة خمس سنين أن القضاء على هذا الدين وأهله لا يمكن بطريق استخدام السلاح، فقرروا أن يشنوا حرباً دعائية واسعة ضد هذا الدين من ناحية الأخلاق والتقاليد، وأن يجعلوا شخصية الرسول أول هدف لهذه الدعاية، ولما كان المنافقون هم الطابور الخامس في صفوف المسلمين، ولكونهم من سكان المدينة، كان يمكن لهم الاتصال بالمسلمين واستفزاز مشاعرهم كل حين» [١] فواجه المسلمون عدة فتن داخلية حاول المنافقون إشعالها في الصف الإسلامي، فكان أن دارت رحى أزمات عاتية استطاع الرسول ﷺ الإمساك بزمام هذه الصعاب والوصول بالمسلمين إلى بر الأمان. إن دراسة كيفية استطاعة الرسول ﷺ إدارة الأزمات التي مرت به تبين «أن نظام إدارة الأزمات على الجوهر والأساس العلمي في المفاهيم الحديثة واقع سبق أن عرفته الدولة الإسلامية العظمى منذ بداية تأسيسها على يد رسولنا ﷺ ، وبالبحث العلمي الدقيق في سيرته العطرة، سواء في حياته الاجتماعية الأولى أو حياته السياسية والإدارية والحربية، سيجد المرء ما لا يعد ولا يحصى من أصول منهجية لعلم إدارة الأزمات» [٢] . وقبل البداية في الحديث عن هذا الموضوع لا بد من تعريف مصطلح إدارة الأزمات. يعرِّفه لسان العرب بأن (الأزم: شدة العض بالفم كله، وقيل بالأنياب، والأنياب هي الأوازم، وقيل: هو أن يعض ثم يكرر عليه ولا يرسله، وقيل هو أن يقبض عليه بفيه، أزمه، وأزم عليه أزماً وأزوماً، فهو أزم وأزوم، وأزمت يد الرجل آزمها أزماً، وهي أشد العض. قال الأصمعي: قال عيسى بن عمر: كانت لنا بطة تأزم. أي تعض؛ ومنه قيل للسنَّة أزمة وأزوم وأزامِ، بكسر الميم، وأزم الفرس على فأس اللجام: قبض؛ ومنه حديث الصدِّيق: نظرت يوم أحد إلى حلقة درع قد نشبت في جبين رسول الله، فانكببت لأنزعها، فأقسم عليَّ أبو عبيدة فأزم بها بثنيتيه. ومنه حديث الكنز والشجاع الأقرع: فإذا أخذه أزم في يده أي عضها. والأزم: القطع بالناب والسكين وغيرهما، والأوازم والأزم: الأنياب، فواحدة الأوازم آزمة، وواحدة الأزم آزم، وواحدة الأزم أزوم. والأزم: الجدب والمحل، قال ابن سيده: الأزمة الشدة والقحط، وجمعها إزم كبدرة وبدر، وأزم كتمرة وتمر، قال أبو خراش: جزى الله خيراً خالداً من مكافئ ... على كل حال من رخاء ومن أزم [٣] ويورد لنا المعجم الوسيط هذا التعريف بقوله (أزم على الشيء أزماً: عض بالفم كله عضاً شديداً، يقال أزم الفرس على اللجام، وأزم فلان على كذا لزمه وواظب عليه، وأزمت السنة اشتد قحطها، وأزم الحبل أحكم فتله، وأزم الباب أغلقه، تأزم: أصابته أزمة، الأزمة: الشدة والقحط، جمع أوازم (الأزمة الأزمة) الضيق والشدة، يقال أزمة مالية سياسية مرضية) [٤] . يحدد قاموس WEBSTER الأزمة بأنها (فترة حرجة أو حالة غير مستقرة تنتظر حدوث تغيير حاسم، هجمة مبرحة من الألم، كرب أو خلل وظيفي) [٥] . وإجمالاً يمكن تعريف إدارة الأزمة بأنها: «عملية إدارة خاصة من شأنها إنتاج استجابة استراتيجية لمواقف الأزمات من خلال مجموعة من الإداريين المنتقين مسبقاً والمدربين تدريباً، والذين يستخدمون مهاراتهم بالإضافة إلى إجراءات خاصة من أجل تقليل الخسائر إلى الحد الأدنى» [٦] . ومن خلال التعاريف السابقة يمكن تحديد (الهدف من مواجهة الأزمات بأنه «السعي بالإمكانات البشرية والمادية المتوفرة إلى إدارة الموقف، وذلك عن طريق: * وقف التدهور والخسائر. * تأمين وحماية العناصر الأخرى المكونة للكيان الأزموي. * السيطرة على حركة الأزمة والقضاء عليها. * الاستفادة من الموقف الناتج عن الأزمة في الإصلاح والتطوير. * دراسة الأسباب والعوامل التي أدت للأزمة لاتخاذ إجراءات الوقاية لمنع تكرارها أو حدوث أزمات مشابهة لها) [٧] . وقد تم اختيار حادثة الإفك لهذه الدراسة لعدة أسباب منها: ١ - المدة الزمنية التي مرت بها الأزمة: لا شك أن عامل الوقت في أي أزمة تواجه الإنسان له دور فعال في سهولة الخروج منها، والآثار الانعكاسية لهذه الأزمة؛ فكلما طالت المدة كلما زاد تعقيد المشكلة واتسعت دائرة الأزمة، ونظراً لما مثَّله عامل الوقت في حادثة الإفك؛ فقد ظل الرسول ﷺ ما يزيد عن شهر كامل يسمع الأذى في أهله كما تقول عائشة ﵂:» وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني شيء « [٨] وكاد أن يقتتل الأنصار فيما بينهم (الأوس والخزرج) بهذا الخصوص مما زاد في ثقل هذه القضية على النبي ﷺ . ٢ - إيجاد حالة من عدم الاستقرار الأسري للرموز الدعوية: فلم يكن من قبيل المصادفة أن يتم التشهير والقذف بحق عائشة - رضي الله عنها - بل إن المنافقين وجدوا في إمكانية رمي عائشة ﵂ بالزنا فرصة لا تعوض في النيل من شخص الرسول ﷺ ؛ فالعائلة تمارس» ضغطاً هائلاً قد يكون سلبياً أو إيجابياً؛ فعائلات العاملين قد تكون نصيراً لما يقوم به الفرد في عمله أو قد تكون عائقاً في عمله « [٩] ولقد كانت زوجات الرسول ﷺ من أكبر الدعامات في سبيل دعوته؛ فلقد كانت خديجة (من نعم الله الجليلة على رسول الله ﷺ بقيت معه ربع قرن تحن عليه ساعة قلقه، وتؤازره في أحرج أوقاته، وتعينه على إبلاغ رسالته، وتشاركه في مغارم الجهاد المر، وتواسيه بنفسها ومالها. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:» آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس، ورزقني الله ولدها وحرم ولد غيرها «) [١٠] . ٣ - النيل من القيادات الدعوية: لا شك فيما تمثله القيادة من أهمية في وسط أي مجتمع؛ فهي تعتبر الواجهة الفعلية له، وفي حالة المجتمع الإسلامي تعتبر القيادة الدعوية هي صمام الأمان لهذا المجتمع أمام الظروف غير المناسبة سواء كانت هذه الظروف داخلية أو خارجية، ولذلك نجد مدى الأثر الكبير على الأمة الذي يولده النيل من هذه القيادة، ولنا في التاريخ الإسلامي خير عبر وشواهد؛ فما مر على الرسول ﷺ في هذه الحادثة التي هي محط الدراسة، كذلك أثر غزوة أحد وما حدث للجيش الإسلامي، وما تعرض فيها الرسول ﷺ من الأذى، كذلك يمكننا الاستشهاد بما حدث في الصف الإسلامي عند مقتل عمر بن الخطاب، والفتنة التي حدثت أواخر خلافة عثمان ﵁ والتي كان من أبرز نتائجها مقتل عثمان ﵁؛ كلها شواهد تبين مدى العاقبة على المجتمع من جراء النيل من القيادة. ٤ - إثارة البلبلة في الصف الإسلامي وإيجاد حالة من الانهزامية النفسية لدى المسلمين: من خلال الانسياق في بحر الأزمات مما يولد حالة من عدم الثقة بين المسلمين فهذا يرمي بالتهمة والآخر يصدق ويكون صراع داخلي، هذا الصراع يزيد من الفرقة بين الأمة، وفي وسط هذه الحالة من الفرقة بين أبناء الصف الإسلامي يسهل تسلط الأعداء والابتعاد عن القيادة الدعوية، مما يولد حالة من الإحباط النفسي بين الصفوف، والضعف والاستكانة أمام العدو. ٥ - صرف اهتمامات القيادة الدعوية من أمور الدعوة إلى الفتن والأزمات الداخلية: عندما تشتعل الأزمة في أي مجتمع تتعطل حركة التنمية ومسيرة العطاء مدة من الزمن تطول أو تقصر بحسب حجم هذه الأزمة وآثارها ما لم يتم العمل بحسب الأسلوب الأمثل لعلاج هذه الأزمة، والمجتمع الإسلامي حاله حال أي مجتمع في ذلك؛ فالأزمات تعطل عجلة العطاء، وتهدر الكثير من الطاقات والوقت، ويفقد الصف الإسلامي بسببها الكثير من الإنجازات التي تم تحقيقها؛ فبعد انتصارات عظيمة حققها المجتمع الإسلامي بقيادة الرسول ﷺ على الجبهات العسكرية أو على جبهة بناء المجتمع المسلم أو على الصعيد الدعوي، نجد الصف النفاقي يحدث مثل هذه الفتنة لكي يصرف اهتمامات القيادة الدعوية من إرساء دعائم المجتمع المسلم إلى إشغاله بمعالجة آثار هذه الفتن، والعمل على إخماد نارها. كل هذه العوامل ساهمت بشكل كبير في اختيار هذه الحادثة بالذات، والتقارب العجيب بين هذا الأسلوب في ذلك العصر وأسلوب المحاربة الداخلية في الوقت الحاضر. ويرى بعض علماء الإدارة (أن هناك ثلاث مراحل أساسية للتعامل مع الأزمة) : ١ - مرحلة ما قبل الأزمة. ٢ - مرحلة التعامل مع الأزمة. ٣ - مرحلة ما بعد الأزمة [١١] . ومن خلال استقراء للمراحل الثلاث نستطيع أن نقوم بدراسة أسلوبه صلى الله عليه وسلم في مواجهة حادثة الإفك، وكيف عانت الأمة الإسلامية من هذه الأزمة الكثير والكثير، لقد عمد النبي ﷺ إلى السعي للتخلص من جميع بذور فتن المنافقين، وبينما نجد مثل هذه البذور تتكاثر وتتوالد بين الصف الإسلامي بين فينة وأخرى فلا بد من وضع أهداف واضحة في كيفية التخلص من هذه المشكلات وخصوصاً في زمن الفتن الذي نعيشه، ومن هنا يتبين أن أول وضع للأهداف يكون بالتخلص من المشاكل المستمرة، والعمل على إيجاد مستقبل خال من المشاكل. المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل الأزمة: وفيها تبدأ الإرهاصات الأولى لحدوث أزمة ما، وتتميز هذه المرحلة بعدة مميزات منها (المفاجأة نقص المعلومات التدفق المتصاعد فقد السيطرة عقلية الحصار التركيز قصير المدى) [١٢] . * المفاجأة: من الصعب منع الأزمات من الوقوع أو تحديد وقت الانفجار لأي أزمة، ولذلك تتسم الأزمات بعنصر المفاجأة، وعندما تقع الأزمة لا يستطيع إلا قلة من الناس التعامل معها بهدوء ورباطة جأش، ولقد هال عائشة ﵂ ما رماها به أهل الإفك؛ فتصفه أم رومان ﵂ بقولها:» فخرَّت مغشياً عليها فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض « [١٣] من عظم الأمر الذي رميت به، » وهي كانت لما تحققته من براءة نفسها ومنزلتها تعتقد أنه كان ينبغي لكل من سمع ذلك أن يقطع بكذبه « [١٤] ؛ لذلك يجب على المرء أن يحاول قدر المستطاع التخفيف من هول المفاجأة على من وقعت به أزمة، وليعلم أنه [مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ] (الحديد: ٢٢-٢٣) . * نقص المعلومات: تشكل المعلومة أهمية بالغة في اتخاذ القرار، وكلما توفرت المعلومات الصحيحة كان القرار أقرب للصواب، ويجب التحقق من صحة المعلومة أو غير ذلك، ف» البحث عن الأمر القبيح إذا أشيع وتعرف صحته وفساده بالتنقيب على من قيل فيه، وهل وقع منه قبل ذلك ما يشبه أو يقرب منه؟ واستصحاب حال من اتهم بسوء إذا كان معروفاً بالخير إذا لم يظهر عنه بالبحث ما يخالف ذلك « [١٥] يقول رب العزة والجلالة في كيفية التعامل مع الخبر سواء كان ذلك للقيادة أو القاعدة: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ] (الحجرات: ٦) يقول العلاَّمة السعدي - رحمه الله تعالى -:» وهذا أيضاً من الآداب التي على أولي الألباب التأدب بها واستعمالها، وهو أنه إذا أخبرهم فاسق بنبأ أي خبر أن يتثبتوا في خبره ولا يأخذوه مجرداً؛ فإن في ذلك خطراً كبيراً ووقوعاً في الإثم؛ فإن خبره إذا جعل بمنزلة خبر الصادق العدل حكم بموجب ذلك ومقتضاه؛ فحصل من تلف النفوس والأموال بغير حق بسبب ذلك الخبر ما يكون سبباً للندامة، بل الواجب عند سماع خبر الفاسق التثبت والتبين « [١٦] . وفي حادثة الإفك عمد النبي ﷺ إلى جمع المعلومات وجمع الآراء في كيفية علاج هذه الأزمة؛ فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، قالت: » فأما أسامة فأشار على رسول الله بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال: يا رسول الله! هم أهلك ولا نعلم إلا خيراً. وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيِّق الله عليك؛ والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ فقال: أيْ بريرةُ! هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ قالت بريرة: والذي بعثك بالحق! إنْ رأيت عليها أمراً قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله « [١٧] لذلك كان» من الضروري أن تتم عملية إدارة الأزمة في ظل تدفق المعلومات [١٨] ؛ لأن فريق إدارة الأزمة في موقف مساومة، يجب أن يكون محاطاً وبصفة مستمرة بكل البيانات التي تمكنه من التقدير المتجدد للموقف؛ بحيث يمكنه الاستفادة من تلك المعلومات في معالجة الموقف « [١٩] . * التدفق المتصاعد: فبمجرد ظهور طلائع الأزمة يتناول هذا وذاك الموضوع فتكون هناك حالة من الغليان - وفي العصر الحديث تجد للحادثة الواحدة ألف قصة وقصة في وسائل الإعلام المقروء والمسموع - فيحتار اللبيب ويعجز عن معرفة الحقيقة الأريب، ويعيش المجتمع الأزموي حالة من البحث عن الحقيقة؛ بينما تقوم وسائل الإعلام باستقطاب الرأي العام إلى تفسيرها للحادثة بحسب الصياغة التي تراها مناسبة؛ فعندما رأى المنافقون عائشة ﵂ مقبلة على الجمل يقوده صفوان بن المعطل ﵁ طاروا بمقالتهم وبهتانهم» وكان الذي يجتمع إليه فيه ويستوشيه ويشعله عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، وهو الذي رأى صفوان آخذاً بزمام ناقة عائشة، فقال: واللهِ ما نجت منه، ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل! « [٢٠] حتى اغتر بذلك المؤمنون وصاروا يتناقلون هذه المقالة، ويمكن تقدير الحالة بعد ذلك، مما يساهم للميزة التالية (فقد السيطرة) لولا قيادة الرسول ﷺ الرشيدة في معالجة الأزمة. * فقد السيطرة: في خضم معترك الأزمة قد ينفلت الأمر من بين يدي القيادة - بسبب عدم معرفة الدور المطلوب في إدارة الأزمة - فتتصاعد الأزمة وتتوسع هوة الخلاف والشقة بين صفوف المجتمع الأزموي؛ مما قد يؤدي إلى ظهور تيارات وانقسامات داخل المجتمع، وقد يتطور الأمر إلى القتال بين فئة المجتمع الواحد. ولذلك كان لا بد للقائد المحنك من العمل على الإمساك بزمام الأمر، والعمل على السيطرة على الوضع ف» القائد برغم كل الضغوط من جميع الاتجاهات وهو يشعر بالحرارة المتزايدة والمتصاعدة عليه أن يبدو هادئاً في كيفية عدم الاستسلام للضغوط والهروب منها. وتمثل فداحة الخسائر وحياة الناس التي تتعرض للخطر اختباراً قاسياً للقائد، وتؤدي في أغلب الأحوال إلى استنفار مهارات وقدرات قيادية في الأوقات العادية، ويحتاج القائد في وقت المواجهة مع الأزمة إلى أن يستخدم ما يتوفر لديه من مهارات الابتكار والمرونة في الاستفادة من مشاركة الآخرين بالرأي والمشورة « [٢١] فنجد القيادة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام استطاعت السيطرة على الوضع من خلال اتجاهين: الاتجاه الأول: الفئة الواقعة بالأزمة، وفي هذه الحادثة عائشة - رضي الله عنها - فقد قلَّت ملاطفة الرسول ﷺ لها حتى إنها شعرت بذلك، ولم يهجرها بالكلية، وفي ذلك» إشارة إلى مراتب الهجران بالكلام والملاطفة، فإذا كان السبب محققاً فيترك أصلاً، وإن كان مظنوناً فيخفف، وإن كان مشكوكاً فيه أو محتملاً فيحسن التقليل منه لا العمل بما قيل؛ بل لئلا يظن بصاحبه عدم المبالاة بما قيل في حقه؛ لأن ذلك من خوارم المروءة « [٢٢] . الاتجاه الثاني: المجتمع الأزموي: وهو الذي يعاصر الأزمة، فعندما صعد النبي ﷺ المنبر يستعذر من عبد الله بن أُبَيّ (ثار الحيان من الأوس والخزرج حتى همُّوا أن يقتتلوا ورسول الله قائم على المنبر، فلم يزل يخفضهم رسول الله حتى سكتوا وسكت) ، والأمثلة في الأسلوب النبوي على السيطرة على الأزمات التي سببها المنافقون بالذات كثيرة جداً، منها قوله صلى الله عليه وسلم:» فكيف يا عمر! إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه؟ ! «في غزوة بني المصطلق، ويمكن الاستزادة منها في كتب السير. * عقلية الحصار: مع تفاعل الأزمة وتسابق الأحداث وتلبد السماء بالغيوم السوداء نشعر أننا أصبحنا ضحايا سقطنا جراء إساءة الفهم، وليس هناك من يهتم بروايتنا للأحداث أو يوافق قصتنا، ويرمقنا الجميع بسهام الاتهام؛ فلا نجد الإجابة للسؤال. تقول عائشة ﵂ صاحبة المعاناة:» دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ ما قيل قبلها، وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني، قالت: فتشهَّد رسول الله ﷺ حين جلس، ثم قال: أما بعدُ يا عائشة! فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا؛ فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه، قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله فيما قال! قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ! فقلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ ! قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ! قالت: فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن: إني والله لقد علمت؛ لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به؛ فلئن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقُنِّي، والله ما أجد لكم مثلاً إلا قول أبي يوسف: [فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ] (يوسف: ١٨) . قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكنْ والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحياً يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بأمر يتلى « [٢٣] . * التركيز قصير الأمد: في خضم معمعة الأزمة لا بد من العمل على ضبط النفس وعدم الثوران والغضب، ومحاولة استجماع القوى، والتفكير الصحيح في كيفية الرد المنطقي السليم، ومن أقوى السبل في الحصول على حالة من الثبات النفسي» اتباع نظام العزلة المؤقتة عند التعرض للمشاكل، والفكرة هنا أن الفرد يحتاج إلى مسافة أكبر بينه وبين المشكلة التي يتعرض لها؛ إذ إنه من المرجح أن يفقد المرء قدرته على تصور الأمور بشكل سليم عند بقائه قريباً جداً من القضايا الصعبة « [٢٤] ولذلك نجد الرسول ﷺ وافق على طلب عائشة ﵂ الانتقال إلى بيت والدها عندما شاع الخبر، مع يقينه الكامل ببراءتها مما نسب إليها. المرحلة الثانية: مرحلة التعامل مع الأزمة: هي المحور الرئيس في المعالجة الفعلية للأزمة، وفيها يتم العمل على حل هذه الأزمة مع جمهور المجتمع الأزموي على ضوء المعطيات السابقة، والملَكة الإدارية لدى القيادة في حل هذه المشاكل، وذلك من خلال ثلاث خطوات: ١ - التعامل مع الجمهور المتأثر: فمن خلال ما سبق من الروايات يجب علينا مراعاة الآتي عند التعامل مع الجمهور وقت الأزمة: - تحديد فريق العمل المسؤول عن إدارة الأزمة، ويجب أن يكون ذا قدرات في التعامل مع هذه الجماهير. - ضبط النفس والسيطرة على ردود الأفعال. - (المبادرة إلى قطع الفتن والخصومات والمنازعات وتسكين الغضب) [٢٥] . - على القيادة التعامل برفق مع المسببين للأزمة، وأن أمر الخطأ وارد، وعدم التنصل منهم وطردهم وجعلهم عرضة للهجوم من الغير، ومد يد العون لنقله إلى بر الأمان؛ فالواقع في أزمة أو في محط اتهام قد يبلغ به الضعف والانهيار الاعتراف بذنب لم يقترفه، ويطلب التوبة؛ فعلى القيادة الفطنة إفهامه أن التوبة (تُقْبَل من المُقلع المخلص، وأن مجرد الاعتراف لا يجزئ فيها، وأن الاعتراف بما لا يقع لا يجوز ولو عرفت أنه يصدق في ذلك، ولا يؤاخذ على ما يترتب على اعترافه بل عليه أن يقول الحق أو يسكت) [٢٦] . - طلب الرأي والمشورة من أصحاب الرأي في كيفية معالجة الأزمة. - أخذ العذر لردود الفعل من بعض الأشخاص في خضم الأزمة؛ فهذه عائشة ﵂ تبين هذا الموقف عندما قال الرسول ﷺ من على المنبر:» من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ «، فكان اقتراح سعد بن معاذ ضرب عنقه، ولكن سعد بن عبادة عارض ذلك، فتصف سعد بن عبادة: » وكان رجلاً صالحاً، ولكن اجتهلته الحمية «. ٢ - دمج التغذية الاسترجاعية في خطة الأزمة: والمقصود من ذلك العمل على توظيف ردود أفعال الجماهير لصالح حل الأزمة، ويتمثل ذلك في هذه الحادثة بالآتي: - غضب المسلمين عند انتهاك حرمة أميرهم واهتمامهم يدفع ذلك [٢٧] . - توجيه مشاعر التعاطف الجماهيري في اتجاه عدم انتشار الأزمة. - العمل على إظهار الحقائق للجماهير، ليكون ذلك سبباً في الحد من الأزمة، والانطلاق نحو الحل النهائي. - عدم التقليل من شأن آراء الناصحين والساعين في إيجاد الحلول، حتى ولو كانت بعض هذه الحلول صعبة ومرة في بعض الأحيان. ٣ - تحديد الرسالة الإعلامية الموجهة إلى الجمهور: لا شك أن للأعلام أهمية بالغة في التأثير على الرأي العام بصفة عامة، ولذلك كان لا بد من تحديد الرسالة الإعلامية وتوقيتها، ولا بد من وضوح أهدافها ونوعيتها لمعالجة الأزمة، ومن هنا يجب التنبه إلى عدم السراع في توجيه هذه الرسالة دون الأخذ بالروية والهدوء، ومن هنا نجد الرسول ﷺ ما تعجل في توجيه خطاب معين إلى المجتمع المدني؛ فبعد السؤال والاستشارة قام إلى المنبر وقال:» يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي؟ «، وتحمل هذه العبارات الكثير من الفوائد الجليلة في صفات الرسالة الإعلامية، ومنها: أ - أن الخطاب كان في كلمات موجزة ذات هدف واضح. ب - لم يقطع الرسول ﷺ بالنفي أو الإثبات في الأمر، وإنما قال:» فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً «، وفي حق صفوان:» ما علمت عليه إلا خيراً «. ت - تسعى هذه الرسالة إلى توصيل أمرين: الأول: حقيقة أن الرسول ﷺ لا يعلم إلا بما علمه الله. والثاني: معرفة آراء الصحابة بخصوص موضوع الإفك؛ فقد جمعت في محتواها حقيقة معينة ثم معرفة الآراء. ث - تعليم القادة عدم التسرع بالحكم بالنفي القاطع، وأن الشخص المتهم (فوق مستوى الشبهات) أو إثبات التهمة عليه بمجرد السماع، وإنما يكون حكمنا على الظاهر مع التأكيد أن الشخص يصيب ويخطئ، وليكن لدينا هذا الرد الجميل: (لا نعلم إلا خيراً) في التزكية، وإن كان ذلك كافياً في حق من سبقت عدالته ممن يطلع على خفي أمره) [٢٨] . غير أنه يجب التنبه إلى عدم تحديد شخص بعينه أنه هو وراء هذه الأزمة مصداقاً لقوله ﷺ :» من يعذرني في رجل بلغ أذاه في أهلي؟ « وفي ذلك عدة فوائد منها: ١ - قد ينساق أشخاص من داخل الصف الإسلامي في معمعة هذه الأزمة، ويشارك في إثارتها، دون قصد للشر، فتبقى هذه التهمة وصمة عليه، ومثال ذلك مشاركة بعض الصحابة - رضوان الله عليهم - أجمعين في حديث الإفك مثل حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة. ٢ - قد يكون من بين الصف النفاقي من ليس له أي علاقة بالموضوع من ينسب إليه التهم بأنه المسبب لهذه الأزمة أو تلك، وبعد بيان الحقيقة يظهر أنه بريء مما نسب إليه، فيجد في ذلك ذريعة للتهجم على الصف الإسلامي. ٣ - عدم رمي الآخرين بأسباب الأخطاء أو المشاكل التي نقع فيها دون بينة وإثبات، بل يجب التثبت أولاً، ومواجهة الأزمة مواجهة حقيقية سعياً إلى إيجاد العلاج الناجع. ومن خلال ما سبق ذكره يمكن وضع ثلاث نقاط مهمة عند توجيه الرسالة الإعلامية: (١ - الحصول على الوقائع المتصلة بمشكلة معينة بأسرع ما يمكن؛ فأسوأ الأمور هو التصريح لوسائل الإعلام بمعلومات غير صحيحة. ٢ - إذا لم تكن تعرف الجواب عن سؤال فلا تجب بأي شيء، فإذا أعطيت الأجوبة فإنه يكون من الصعب نفيها. ٣ - اطرق جوهر المشكلة ولا تحاول الالتفاف حولها، وهنا ينبغي تكوين مصداقية مع وسائل الإعلام بإبداء التجاوب والثقة) [٢٩] . المرحلة الثالثة: مرحلة ما بعد الأزمة: من الخطأ الذي تقع فيه بعض القيادات الإدارية بشكل عام والقيادات الدعوية بشكل خاص أنه بعدما تنتهي عاصفة الأزمة وتنقشع غيومها وتنفرج تلك العقدة التي كانت محكمة، أن يُظَنَّ أن القضية قد انتهت فيُغفل عن أهمية الاستفادة من هذه الأزمة وتحديد الدروس المستفادة من تلك التجربة التي مرت، والأدهى من ذلك كله أنها تمر أزمة وأختها دون العمل على إغلاق منافذ الفتن أو العمل على حصر دورها وقدراتها، ومن خلال حادثة الإفك وبعد إعلان براءة عائشة - رضي الله عنها - يتبين لنا عدة فوائد تحققت بسبب هذه الأزمة التي كان يراد منها إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر، ولكن بفضل الله ومنته تحولت الخسائر إلى مكاسب والهزيمة إلى نصر، نذكر منها: * إن الأزمة التي يمر بها الشخص قد تكون سبباً لخير كثير لم يكن ليحصل عليه لولا الوقوع في الابتلاء، ولذلك يجب أن يكون العمل بعد الأزمة السعي للانطلاق في طريق البناء، من خلال هذه المكاسب وعدم النظر للأزمة بأنها شر محض؛ ودليل ذلك قوله - تعالى - عن حادثة الإفك: [لاَ تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ] (النور: ١١) لما تضمن ذلك من تبرئة أم المؤمنين ونزاهتها والتنويه بذكرها حتى تناول عموم المدح سائر زوجات النبي ﷺ ، ولما تضمن ذلك من بيان الآيات المضطر إليها العباد التي ما زال العمل بها إلى يوم القيامة؛ فكل هذا خير عظيم ولولا مقالة أهل الإفك لم يحصل ذلك، وإذا أراد الله أمراً جعل له سبباً، ولذلك جعل الخطاب عاماً مع المؤمنين كلهم، وأخبر أن قدح بعضهم ببعض كقدحٍ في أنفسهم» [٣٠] . * «تدريج من وقع في مصيبة فزالت عنه لئلا يهجم على قلبه الفرح من أول وهلة فيهلكه، يؤخذ ذلك من ابتداء النبي ﷺ بعد نزول الوحي ببراءة عائشة بالضحك، ثم تبشيرها، ثم إعلامها ببراءتها مجملة، ثم تلاوته الآيات على وجهها، وقد نص الحكماء على أن من اشتد عليه العطش لا يُمَكَّن من المبالغة في الري لئلا يفضي به ذلك إلى الهلكة بل يجرع قليلاً قليلاً» [٣١] . * يجب النظر بعد الأزمة إلى تصفية النفوس داخل المجتمع، والعمل على الاهتمام بالأثر النفسي الذي خلفته هذه الأزمة في صفوف المجتمع، بل يجب الإحسان إلى المسيء بعد أداء العقاب الخاص به، وأن لا تكون هذه الأزمة سبباً لمقته من المجتمع؛ فهذا مثال حي للمعالجة الربانية لبعض الآثار التي خلفتها مقولة الإفك على أبي بكر الصديق ﵁ حين نزلت الآيات «تتناول الأمة إلى يوم القيامة بألا يغتاظ ذو فضل وسعة فيحلف ألا ينفع من هذه صفته غابر الدهر روي في الصحيح أن الله ﵎ لما أنزل: [إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ] (النور: ١١) العشر الآيات قال أبو بكر ﵁ وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره:» والله لا أنفق عليه شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة «، فأنزل الله تعالى: [وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي القُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ] (النور: ٢٢) قال عبد الله بن المبارك:» هذه أرجى آية في كتاب الله - تعالى - «. فقال أبو بكر ﵁:» والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبداً « [٣٢] . * إن خطأ الفرد في المجتمع لا يكون أبداً سبباً في تعطيل طاقات ذلك الفرد وعدم أهليته للمشاركة في البناء، ويجب العمل على الاستفادة منه في عملية البناء بعد بيان الخطأ الذي وقع فيه، كذلك يجب التنبه إلى عدم رمي المذنب أو المخطئ بإحباط العمل ونجعل منه أسير خطئه، ونسيان حسناته السابقة، ف» القذف وإن كان كبيراً لا يحبط الأعمال؛ لأن الله - تعالى - وصف مسطحاً بعد قوله بالهجرة والإيمان، وكذلك سائر الكبائر، ولا يحبط الأعمال غير الشرك بالله، قال - تعالى-: [لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ] (الزمر:٦٥) « [٣٣] . ومن خلال ما سبق نستخلص هذه الآلية في التعامل مع المجتمع بعد الأزمة على النحو الآتي: (١ - الاستمرار في إيلاء الاهتمام بالجماهير. ٢ - الاستمرار في مراقبة المشكلة إلى أن تتناقص حدتها. ٣ - تقييم كيفية عمل خطة الأزمة، وكيفية استجابة الإدارة والعاملين. ٤ - دمج التغذية الارتجاعية في خطة الأزمة وتحسينها ومنع أي أزمات مستقبلية. ٥ - تطوير استراتيجية طويلة الأمد للاتصالات لتقليل الأخطار الناجمة) [٣٤] .

стр. 3887

قضايا دعوية يعرفون الحق وهم له منكرون محمد جلال لم يزل بخاطري ريْحانة قريش الوليد بن المغيرة وهو يجلس بين قومه يصف القرآن بعدما سمعه: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه، فيصيح القوم: صبأ الوليد، ويقوم إليه شيطانهم أبو جهل ويهمس في أذنيه بكلمات ثم يعود ثانية إلى مجلسه. وأقبل الوليد على القوم بوجهه، وظن القوم أن الوليد سيقف موقف الداعي لهذا الدين الجديد؛ فالأمر ليس ببعيد؛ فمِن قَبْله عَدَا عمر إلى رسول الله ﷺ ليقتله، وعاد من عنده مسلماً، ولكن الوليد خيّب ظنهم فلم يكن إقباله عليهم إقبال المخلص الداعي لهذا الدين الجديد بل كان المخلص الداعي لدينهم. ويتكلم الوليد.. يصيح فيهم بأن قولوا في الرجل قولةً واحدةً.. ولا تختلفوا حتى لا يظهر كذبكم. ويعرض القوم آراءهم: نقول ساحر.. نقول شاعر.. نقول كاهن.. نقول كاذب.. والوليد لا يجد الوصف مناسباً فيردّه. ويُسند إليه الأمر: قُل أنت يا أبا عمارة نسمع. ويصمت الوليد.. يجولُ بفكره.. يحاول أن يجد نقيصة في الرجل أو في منهجه [إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ] (المدثر: ١٨-٢٣) . يحاول الوليدُ ويحاول.. ولكن أنّى له؟ ! فالرجل هو الصادق الأمين، ومنهجه هو هو الذي وصفه من قبل بأن له حلاوة وعليه طلاوة. ويعجز الوليد، ويعود إلى بعض آرائهم التي قالوها هُم وردها هو من قبل، يقول: قولوا ساحر، ثم يُدَلل على قوله وما أكذبه: ألا ترون أنه يفرق بين الرجل وزوجته، والابن وأبيه [فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ البَشَرِ] (المدثر: ٢٤-٢٥) . ويصيح القوم فرحاً بهذا! ! قاتلك الله يا وليد! ما حملك على ألا تفعل ما فعل عمر، وقد وصفت القرآن بما هو حق، ونفيت عن رسول الله ﷺ ما ليس بحق؟ ! كأني بقريش وقد أقسم الملأ منهم أن ما يأتي به محمد ﷺ هو من عند هذا الغلام الأسود الذي يعتكف بجواره في غار حراء، كأني بهم وقد كلمت وجوههم وهم يرون هذا الغلام لا يتكلم العربية [وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ] (النحل: ١٠٣) . كأني برسلهم تعدو في الصحراء تقصد اليهود يسألونهم عن خبر هذا النبي، ويعطيهم اليهود الأمارة: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم؟ سلوه عن رجل طوَّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟ سلوه عن الروح ما هي؟ ويُعطونهم صفة الإجابة، وتعود الرسل، ويحشر الملأ القوم منادين فيهم: جئنا بالقول الفصل بيننا وبين محمد ﷺ ، ويعطيهم الصادق الأمين الأمارة تامة. ثم.. ماذا حدث؟ الموقف لا يتغير ولا يتبدل، يظهر الحق ويستيقن فريق من الناس، ثم يعاندون. وما كانت قريش بدعاً؛ فقد كان لهم سلف فيمن مضوا قوم نوح [قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ] (هود: ٣٢) جُودِلوا ودحضت حجتهم؛ فالطبيعي بعد هذا هو الإيمان، ولكن انظر إلى كلامهم ما أعجبه [جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ] (هود: ٣٢) . وقوم عاد ينادون نبيهم هوداً ﵇: [قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ] (الأعراف: ٧٠) فهم إذن يفهمون الرجل، ولا يكون ذلك إلا بإظهار الحجج والبراهين، ثم انظر إلى موقفهم بعد هذا البيان، وكيف أنه يطابق موقف من كان قبلهم. وقوم ثمود يطلبون الآية فتأتيهم، ثم ماذا؟ هل آمنوا؟ أبداً لا بل عقروا الناقة وقالوا قولة من قبلهم [فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ المُرْسَلِينَ] (الأعراف: ٧٧) . وقوم لوط [وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ] (الأعراف: ٨٢) لِمَ يا قوم؟ [إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ] (الأعراف: ٨٢) ألهذا؟ ! ! وقوم خليل الله إبراهيم ﵇: [فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] (العنكبوت: ٢٤) . وإن تعجب فمن أهل مدين قوم شعيب ﵇ نبي الله؛ إذ يبلِّغ رسالة ربه فيؤمن البعض، ويكفر البعض الآخر، ويأخذ الرجل بمبدأ المسالمة: [وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ] (الأعراف: ٨٧) ، أفي هذا عيْب؟ ولكن انظر ما ردّ الملأ [قَالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا] (الأعراف: ٨٨) . الموقف من الدعوة ورجالها هو هو، المنطق نفسه يتكرر، ولا يكاد يتغير، يعرفون الحق ويستيقنون منه تماماً ثم لا يتبعونه، وليت الأمر بقي على هذا فالبلية به خفيفة، بل يعلنون أنه لا هوادة، ولا مقام مع الحق وأهله. وانظر إلى هذه الآيات من سورة إبراهيم كيف أنها تكلمت بألسنتهم مجتمعين على تفرقهم زماناً ومكاناً - كأنهم فردٌ واحد - قال - تعالى -: [أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا] (إبراهيم: ٩-١٣) . فانظر كيف أن الخيار بين أمرين لا ثالث لهما: [لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا] (إبراهيم: ١٣) ، وكيف أن هذا هو كلام الكفار جميعهم في مختلف أزمنتهم [قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ] (إبراهيم: ٩) . يا ليت أن السائرين إلى ربهم، الداعين إلى صراطه المستقيم يعلمون هذا.. يعلمون أنه لا التقاء بين الفريقين فيعدون العدة، ويشمرون عن الساق، ويجدُّون في الأمر فقد طال النّوم! ! وبقي شيء هو أن هذا ليس حال الكفار جميعهم، بل هو حال الملأ منهم وخاصة من لهم مصالح تتعارض مع تطبيق الشريعة، وهناك ممن هم ليسوا من أهل الإسلام من لو سمع به وعلمه على حقيقته لسارع إليه، وهؤلاء هم من يُرجى من الله هدايتهم، وأما أولئك فهم من زاغت قلوبهم، وأبتْ إلا الزيغ. فاللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 3888

تأملات دعوية ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون محمد بن عبد الله الدويش www. dweesh. com يتكرر في كتاب الله ﵎ المقابلة بين الحق والشرع، وبين اتباع الهوى؛ فهما نقيضان لا يجتمعان؛ فحيث يأتي الأمر باتباع الشرع يأتي النهي عن اتباع الهوى: [ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] (الجاثية: ١٨) . والحكم بالشرع يأتي مناقضاً للهوى: [فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ] (المائدة: ٤٨) وجاء هذا التحذير للأنبياء السابقين: [يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ] (ص: ٢٦) . قال الشاطبي: «فقد حصر الأمر في شيئين: الوحي وهو الشريعة، والهوى؛ فلا ثالث لهما. وإذا كان كذلك فهما متضادان. وحين تعيَّن الحق في الوحي توجه للهوى ضدُّه؛ فاتباع الهوى مضاد للحق» [١] . ولقد جاء هذا الأمر متسقاً مع فطرة الله ﵎ التي فطر الناس عليها، وبدون ذلك تفسد السماوات والأرض ومن فيها: [وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ] (المؤمنون: ٧١) . وقد أخبر ﵎ أن الناس قد زينت لهم الشهوات: [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ] (آل عمران: ١٤) . ومع طول عهد الناس بعصر النبوة، وبُعدهم عن الصدر الأول، زادت الأهواء واستولت الشهوات على النفوس، ورقَّ الدين لدى الناس، وهان شأنه عندهم. وزاد الطين بلة ارتباط المسلمين بالعالم الغربي الذي سيطرت عليه المادة، واستولت على حياة الناس، وضمرت لديهم المعاني الجادة، وتقلصت في حياتهم. وقد يترك هذا الأمر أثره على بعض الدعاة والغيورين، فيحرصون على مجاراة واقع الناس، ويعيدون النظر في كثير مما كانوا يقررونه من الأحكام الشرعية؛ لأن الناس قد ثقل عليهم الالتزام بها. ولا شك أن الشرع لم يأت بتكليف الناس بما لا يطيقون، وأن الدين يسر ليس فيه عسر ولا مشقة، وأن من قواعد الشريعة أن المشقة تجلب التيسير، وأنه لا ضرر ولا ضرار. لكن الاستطراد في هذا الباب قد يوقع صاحبه في مجاراة أهواء الناس، وتطويع الشرع وفق شهواتهم ورغباتهم؛ ومن ثم فلا بد من الانضباط والاتزان في ذلك؛ بالحذر من التضييق على الناس والمشقة عليهم فيما وسعه الشرع، والحذر من الانزلاق في السير وراء الأهواء وتمييع الشريعة. ومما ينبغي مراعاته في ذلك: * تربية الناس على تعظيم نصوص الشرع والتسليم لها وترك الاعتراض عليها، وأن النص الشرعي حاكم على حياة الناس ولا مجال لاجتهاد يعارضه. * تربية الناس على التعلق بمتاع الآخرة، وأن الدنيا دار شهوات وأهواء وظل زائل، وأن الجنة قد حجبت بالمكاره، والنار قد حجبت بالشهوات. * اليقين بأن ما دل عليه الشرع فهو في مصلحة الناس، وهو وفق طاقتهم وقدرتهم. * أن من مقاصد الشرع تعبيد الناس لرب العالمين، وتخليصهم من رق الهوى، وأسره. قال الإمام الشاطبي: «المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبداً لله اختياراً، كما هو عبد لله اضطراراً» [٢] . * أن مجاراة الناس في الترخُّص والتيسير لا تقف عند حد؛ فماذا نفعل بمن تتبرم من لبس الحجاب، ومن يتبرم من صيام رمضان في الحر، والسفر للحج لما فيه من جهد ومشقة؟ بل ماذا نصنع بمن يضيق بالجهاد لما فيه من إراقة الدماء، وإزهاق النفوس، وذهاب الأموال؟ إن من واجب الدعاة إلى الله اتباع المنهج الشرعي، والتيسير فيما يسر فيه الشرع، وأخذ الناس بالحسنى، ومع ذلك فلا يؤدي الترخص إلى تهوين شأن العبودية والتسليم لله ﵎، وتعويد الناس على الجرأة على معصيته ، وألا يدعونا فساد الواقع إلى تطويع الشرع لتسويغه. اللهم ارزقنا الفقه في الدين، واتباع سبيل المرسلين.

стр. 3889

نص شعري قصة القدس د. عبد الغني أحمد مزهر التميمي [*] ليس للتين أو الزيتون نغضبْ ... نحن للإسلام لا للأرض ننسبْ ... ليس للموز أو الليمون أو قمح الموانئ ... نحن لسنا من عبيد الطقس ديدان الشواطئ ... ما عشقنا في فلسطين صِباها ... أو صَباها، أو رباها ... ما عشقناها عروساً في بهاها تتطيّبْ ... كفّها في ليلة الحنّاء تخضبْ ... ما عشقناها مناخاً وفصولاً ... وجبالاً وهضاباً وسهولا ... بل عشقناها دويّاً وصليلا ... وغباراً في سبيل الله يُسفى، وصهيلا ... وسطوراً بل فصولاً في كتاب المجد تكتب ... عبر أجنادين، أو حطين، أو غزة طولا ... وسرايا أمّة الكفر على صدر صليب الكفر تصلب ... * * * وعشقنا في فلسطين من الأهوال جيلاً ... جعل التكبير والأحجار أقوى خطبة للعصر تخطبْ ... جيل أبطالٍ من الأطفال في الضفة ينجبْ ... هكذا تبقى فلسطين ضميراً، وكياناً في دمانا يتلهبْ ... هي في عمق هوانا درة من درر الإسلام تسلبْ ... ولهذا ليس للتين أو الزيتون نغضبْ ... * * * مزقونا وانثروا اللحم على كل طريقْ ... لا تبالوا، حرّقونا وارقصوا حول الحريق ... وزعونا في الصحاري، أطعمونا للحواجز ... كل هذا في نظام الغاب جائز ... غير أنا لن نبيع القدس أو أيَّ مدينةْ ... هل يبيع المؤمن الصادق للأعداء دينهْ؟ ... * * * ارحمونا من تفاهات حلولٍ في المزادْ ... ودروسٍ من مساق الذلّ تقرا وتعادْ ... ما رضينا، فقبول الظلم ظلمٌ، والرضا بالعار عارْ ... قد نذرنا دمنا لقنديل الجهادْ ... حلُّنا يأتي عزيزاً فوق صهْوات الجيادْ ... ليس في الأكفان محمولاً إلى «أرض الميعاد» ... * * * جرِّدونا من رداء المجد من نبض الفضيلةْ ... أسعروا الحرب علينا بقوانين القبيلةْ ... لم نكن يوماً على دين (غُزَيّةْ) [١] ... بل على أقدامنا تنهار دعوى الجاهليةْ ... عهدنا باق إلى آخر مسجدْ ... لن نبيع القدس يوماً ما بقيْ فينا موحِّدْ ... * * * ثم ماذا قيل عن هذي القضيّةْ؟ ... قال حكامٌ، وقوادٌ كبارٌ وجنودْ ... أرضكم أرض ككلِّ الأرض في هذا الوجودْ ... لا تزيدوا وجع الرأس علينا واتركوها لليهودْ ... هي لا تُنبت دُرّاً أو زبرجدْ ... ليست الأحجار فيها من عقيق لا ولا التربة عسجدْ ... قلت: يا قوم أقلوا إنها مسرى محمّدْ ... إنها معراجه المفضي لأطباق السماءْ ... وبها صلى بكل الأنبياءْ ... هل رأيتم في رؤى الماضي، أو الدنيا الجديدةْ ... هل علمتم، أو سمعتم، أو قرأتم في كتاب أو جريدةْ ... أن فينا مؤمناً يطرح للبيع (عقيدةْ) ... * * * أرضنا القدسُ مزيجٌ من صمود ومرارةْ ... لم تكن يوماً لبيع أو إعارةْ ... هي للأمة (ميزان الحرارةْ) ... ناطق التاريخ في أحيائها يطلب ثارهْ ... كل شبر من ثراها فيه للتلمود غارةْ ... هذه القدس نسيج من سناء وطهارةْ ... ها هو الفاروق في أفيائها يرفو إزارهْ ... وصلاح الدين يمحو أثر الكفر الصّليبيِّ وعارهْ ... ثم في غفوة قومي ... قبض الرايةَ أطفالُ الحجارةْ ... * * * ثم ماذا؟ ولماذا؟ ... تسعة الأصفار تبقى أمةً تلهو وتلعبْ ... أدمىً نحن؟ رجال من عجين نتقولبْ ... أم ظهورٌ ومطايا «كل من يرغب يركبْ» ؟ ... سخر التاريخ منَّا ... دمنا يرخص كالماء، ولا كالماء يُشربْ ... إن تكن تعجب من كثرتنا، فالجُبنُ أعجب ... قد يخيف الذئبُ من أنيابه مليارَ أرنبْ ... * * * آهِ! واقدساه من ظلم قريبي ... وهو يكويني، ومن كيد البعيدْ ... لا تلوميني على غمي وحزني ... لا تلوميني على بؤسي ووهني ... لا تظني غيْبتي من سوء ظنّي ... أو قعودي عن لظى الحرب لجبني، أو لسنّي ... لا تلوميني فإني ... زرعوا قيدين في رجليّ: قيداً من حديدْ ... مدمنَ العضِّ، وقيداً من حدودْ ... كلما جئت مطاراً أو قطاراً للعبورْ ... قدَّم القوم اعتذاراً: أنت ممنوع المرور! ! ... هذه أوراق إثباتي بأني عربي ... مولدي، أمي، أبي، عمّي، أخي، جد أبي ... سحنتي، لوني، لساني، نسبي ... عشت في هذي البراري منذ عاش الدينصورْ ... وأكلت الحنظل المرّ ومنقوع القشورْ ... قذفوا الأوراق في وجهي ولفوا طلبي ... وجهاراً أقسموا لي: أن سرّ المنع أني عربي ... هذه التهمة مهما بلغت نصف الحقيقةْ ... نصفها الآخر يكمن في تلك (الوثيقةْ) ... كتب الكاتب فيها أنني من أهل (غزةْ) ... قرروا أن يشطبوها، كرهوها ... إنها تشبه في الأحرف (عزّةْ) ... * * * ثم ماذا؟ ! ... حرموني من صغاري، من عيوني ويديَّا ... حرّموا الحبَّ عليَّا ... جربوا كل سياط القهر فيّا ... صادروا الحرف الذي أقوى على النطق به ... قلعوا الأضراس من فكيّ قصوا شفتيَّا ... حطموا كل عظامي ... وبعنف مارسوا الإرهاب في ذاك الحطامِ ... وتلا القاضي على الناس اتهامي: ... أنني شخص أصولي أجيد العربيةْ ... ولدى نفسي بقايا من حميةْ ... أنني (مُعدٍ) لكوني فيّ (فيروس) القضيّةْ ... ثم ماذا؟! ... ذات يوم أبصروا في شعر وجهي بعض آيات الصلاحْ ... هذه الشعرات عنوان الرجولةْ ... فتنادى علماء النفس والخبرة من كل البطاحْ ... درسوني وطنيّا ... درسوني عربيّا ... درسوني عالميّا ... فإذا التقرير قد أوصى بنتف الشعر بحثاً عن سلاحْ ... ثم ماذا؟! ... ذات يوم هدموا جدران بيتي ... ورموني في العراءْ ... تحت نهش البرد والظلمة في فصل الشتاءْ ... ليس شي بين جلدي وصقيع الأرض أو قطر السماءْ ... رجفت أعضاء جسمي واستقر الموت في لحمي وعظمي ... فتنادوْا لاكتشافي ... رصدوا كل خفايا حركاتي باهتمامْ ... فحصوا نبضات قلبي ودمائي بانتظامْ ... درسوني وطنيّا ... درسوني عربيّا ... درسوني عالميّا ... وأداروا آلة التنقيب عن أسرار همي ... فأتى التقرير مختوماً بتوقيعي وختمي: ... هو شخص دموي حركي ... قلبه يخطر في أعماقه (قلب النّظام) ... * * * ثم ماذا؟ ! ... ذات يوم وقف العالم يدعو لحقوق الكائنات ... كل إنسان هنا، أو حيوانٍ، أو نبات ... كل مخلوق له كل الحقوق ... هكذا النصّ صريحاً جاء في كل اللغات ... قلت للعالم: شكراً أعطني بعض حقوقي ... حقَّ أرضي، وقراري، وحياتي ... فتداعى علماء الأرض والأحياء من كل الجهات ... درسوني عالميا ... فأتى التقرير: «لا مانع من إعطائه حقَّ الممات» ... * * * كيف أمسيتِ بلادي؟ كيف أصبحتِ بلادي؟ ... كيف أمسى البدر في جوّك مغلول الأيادي ... آه يا قدسي الحزينة، كيف أنسى شامة الشام السجينةْ ... لا تلومي صارخاً يصرخ في كل النوادي ... لا تلومي باكياً أبحر في الدمع سفينهْ ... لا يلام المقعد المكروب إن أدمى عيونهْ ... لا يلام الهائم المشتاق إن أبدى أنينهْ ... قصة القدس دماء، وجراح، وكرامات طعينةْ ... ليست القدس شعاراً عربيّاً كي نخونهْ ... ليست القدس مناخاً للسياحات المشينةْ ... ليست القدس يتامى، وطحيناً، ومعونةْ ... إنها القدس، وحسبي أنها أخت المدينةْ ... بسط البغي لها كفاً من الغدر، لعينةْ ... كفَّ جزار رهيب، جعل الإرهاب دينهْ ... قبل أن يبسط للسلم يديه وقرونهْ ... مدّ للأغوار رجليه، وللنفط عيونهْ ... واقرؤوا القرآن يا قومي لما لا تقرؤونهْ ... كم نبي، وتقي دون حق يقتلونهْ ... كم عهودٍ خفروها، واتفاق يهدرونهْ ... لو هدمتم لهمُ الأقصى ودمرتم حصونهْ ... وبنيتم لهمُ الهيكل أو ما يطلبونهْ ... ثم أهديتم فلسطين لهم دون مؤونةْ ... طالبوكم عبر أمريكا وأوروبا بإبداء المرونةْ ... * * * هذه القصة لا سلم ولا ما يحزنونهْ ... قصة القدس انتقامٌ، صفقاتٌ، ومجازرْ ... قصة القدس خياناتٌ، وعهرٌ، وكبائرْ ... وذروني أُجمل القصة في هذا المقامْ: ... قام قُصَّاصٌ، ووُعَّاظٌ، وتجار كلامْ ... بشرونا بسلامٍ، ونظام عالمي لا يضامْ ... هكذا يزعم أقطاب النظامْ ... يا لقومي! منحة السلم عصا، طبخة السّلم حصى ... هل سنطهو من حصى السّلم طعامْ؟ ... يا بني قومي اسمعوها ... صرخة مني تدوي في الأنامْ: ... عن قريب، عن قريب، تلد الأجواءُ إعصارَ السلامْ ... وعلينا، وعليكم، وعلى الدنيا السلامْ ...

стр. 3890

ندوات ومحاضرات العلمانية والفن (٢ - ٢) وائل عبد الغني في الحلقة السابقة تحدث ضيوف الندوة عن جوانب من مسألة العلمانية والفن، فبينوا ماهية العلمانية وأنها نتاج المجتمعات الأوروبية، وأن الفن جزء من ثقافة أي أمة، ويتوقف أثره على هدف من يستعمله، وأن الفنان المسلم يهدف إلى قيمه بالدرجة الأولى، ولو نظرنا إلى فلسفة الفن خلال نصف القرن الماضي لتبين لنا مدى التجني والخبث العلماني، وفي هذه الحلقة نمضي مع ضيوفنا نتلمس أبعاد المسألة وأطوارها. - البيان - * أ - محمود خليل: هذه السقطة التي سقطها نجيب محفوظ.. سقطها جيل كامل من الروائيين السوريين والمغاربة والمصريين؛ ف (أولاد حارتنا) .. هي (قنديل أم هاشم) ليحيى حقي، و (انتصار العلم على العقيدة) .. هي (نهر الجنون) لتوفيق الحكيم.. هي (محمد رسول الحرية الثائر على العبيد) .. وهي (الحسين شهيداً والحسين ثائراً) ... ، كان سقوطاً لجيل كامل؛ لأن تلك الفترة كانت فترة مد ماركسي، وكان الدافع الأول كما قال أستاذنا هو التشويش والشغب على العقيدة ليصبح بعد ذلك ما ينادون به واقعاً. لكن أريد أن أنقل الكلام إلى الفنون المرئية باعتبارها صناعة تكنولوجية معقدة، وإذا كانت الأقصوصة والرواية المسرحية والعمل الملحمي لها أصول عربية وأصول إسلامية.. فهذا لا نقاش فيه، لكن الآن أصبحت هذه كمالئات الفراغ، كالمحتوى للكمبيوتر.. مع دخول الآلة الجهنمية.. ومع دخول رأس المال القوي جداً.. ومع دخول الأيديولوجيات العالمية المنظمة لمثل هذه الألعاب الشيطانية العالمية.. ومع وجود الحكومات الخفية في العالم أصبح الأمر أعقد وأكثر تركيباً وغموضاً مما نظن. نعم الرواية فن عربي، والحكاية فن عربي. نحن أمة حكاءة وأمة تتلقى وتحفظ.. وأمة ذاكرتها في التلقي والإمتاع، والاستماع فن أصيل عندنا، لكن التوظيف المعاصر والتركيب الذي دخلت فيه هذه الفنون أصبح فناً لا يمكن أن نقول إن لنا فيه ناقة أو جملاً، نحن نتلقى، وللأسف نتلقى، ونعرف أننا نتلقى.. ونعرف أننا ضمن دائرة المؤامرة، ونحسن التفسير التآمري لهذه الأحداث ولا نصنع شيئاً؛ لأننا لا نملك أن ندخل الملعب الجهنمي العالمي الذي خطط ووزعت أدواره بعيداً عنا، ولا نملك إلا أن نكون في مقاعد المشاهدين المهزومين، ليس هذا إلغاءً لدورنا ولكنه توصيف لواقع نبحث له عن حل مستقبلي، والحل من وجهة نظري ليس في الخصام؛ لأنه سيقتحم عليّ، وسيدخل على الرغم مني.. الآن تم توزيع المناطق غزيرة الإشعاع في المنطقة الإسلامية، واحتُل الفضاء كما احتُلَّتِ الأرض في اتفاقية: سايكس بيكو، وسيقتحم الإرسال علينا دون حاجة إلى أطباق. لا بد أن نبحث عن الحل إذا كنا نريد أن نحيا هذا الواقع، وأن نعلن تحريراً ولو جزئياً لمعنوياتنا وعقولنا وتربية أبنائنا، لا بد أن نكون شيئاً في عالم الكبار الذي يرفض الصغار، ويرفض الأعمال الفردية مهما كانت همة أصحابها.. لا بد من عمل إسلامي عالمي يمثل رأس المال الركيزة الأولى فيه، وأن تكون الأقمار الصناعية الإسلامية ليس لنقل مباريات الكرة ولا مهرجانات السينما ولا السياحة الترفيهية. * د. عبد العظيم المطعني: أتأذن لي بسؤال تجيب عليه؛ باعتبارك إعلامياً؟ قلتَ إنهم هم يملؤون الفراغ؛ ولو وجدوا فضاءنا مملوءاً لما ملؤوه ... باعتبارك إعلامياً قد يكون المنتج لنماذج فن إسلامي موجود لكن هل تضمن له أن يملأ الفراغ أو يزاحم ما يسمى بالفن وهو ليس فناً ولا أدباً..؟ هذه هي مشكلتنا. * أ - محمود خليل: الفنون العالمية تعاني من جدب في النتاج الإنساني الذي يرد الإنسان إلى إنسانيته، الأفلام الإيرانية حققت نجاحات عالمية من باب التقييم البحت، وقد رأيت عدداً منها ليس فيها ملاحظة عقدية واحدة، وهي تعرض لمتطلبات إنسانية بحتة بصورة نظيفة بعيداً عن الإسفاف العلماني. الأفلام الهندية البوذية لأنها أفلام طبيعة وأفلام انطلاق لا تتاجر بالجنس لها مكانتها في عالم الفن [*] . نحن لدينا انتاجنا الأدبي الذي يمكن أن يمثل ذاتيتنا؛ فعلى سبيل المثال الأستاذ نجيب الكيلاني - ﵀ وإن كان للبعض ملاحظات عليه كان يقول: سأموت محسوراً؛ لأن عملي الذي أبدعته لم يجد تجسيداً إسلامياً يسد تصويرياً ما وقعت فيه إبداعياً، ولكن للأسف.. رغم ما عرض عليَّ من عروض سخية جداً، لم أرد أن أقضي نصف حياتي في السجن، ونصفها الآخر يعبث بها المنتجون غير المسلمين، أو أن أكون كالجاحظ مع تلميذه؛ أُملي عليه ما أقرأ.. فيسمع غير ما يقول.. ثم يكتب غير ما يسمع.. ثم يقرأ غير ما يكتب! فأترك أشياء منسوبة لي وما أنا في شيء منها! وقد كان أمله قبل أن يموت أن يعد فيلماً سينمائياً يجسد جهاد الحركات الإسلامية المعاصرة ويتركه كأنما هو عمل ملحمي. البيان: مع الاعتراف بخطر هذه الإشكالية إلا أنه لا يمكن التغاضي عن الأعراف العلمانية التي تفرض فرضاً سواء في مجال الإنتاج أو حتى في مجال الترويج والتوزيع؛ لأن الحرمان العلماني الذي يقاسي منه الإسلاميون اليوم لا يكاد يقاربه شيء إلا الحرمان الكنسي الذي عرفته القرون الوسطى، وهذا الأمر يشكل هاجساً ملحاً إن لم يكن في مجال الإنتاج وهو حاضر ملحّ ففي مجال التسويق والترويج والتوزيع. * د. حلمي القاعود: للأسف، فإن جهود الإسلاميين في مواجهة هذا الواقع الفني المتردي كانت محدودة للغاية. * أ - محمود خليل: في مصر توجد ١٦ هيئة علمية لتدريس الفنون ليس بينها واحدة تتبنى النظرة الإسلامية، إذا كنت أعتبر أن السينما يمكن أن تصبح وسيلة من وسائل الدعوة المعاصرة؛ فعليَّ أن أشجع الإبداع الذي تحمله صناعة وعناصر موهوبة، وأن أقدم سينما في مواجهة سينما.. ومسرح في مواجهة مسرح، ونحن لا نملك إلا ما نقوله! * د. إبراهيم الخولي: بداية ليسمح لي الأخ محمود أولاً بملاحظة جديرة بالانتباه؛ أقول: إن هناك فرقاً مبدئياً بين موقفنا وموقف الغرب في المجتمع العلماني. المجتمع العلماني نفض يده من الالتزام بحرام أو حلال نفضاً كاملاً من نقطة البدء الأولى على مستوى النظم والشعوب؛ يقول بريجنسكي مستشار الأمن القوي الأمريكي السابق في كتابه (الانهيار) : «نحن أصبحنا مجتمع إباحة الاستباحة؛ الفرد في الولايات المتحدة استباح كل شيء، ولم يعد في قاموسه كلمة حرام أو محرم؛ وبهذا لا تستقيم حضارة ولا تستمر. السفينة كلها تغرق ولا يملك أحد إنقاذها! وإنقاذها مرهون بالعودة إلى الدين والأخلاق!» . أما نحن فللأسف الشديد في موقف التبعية ولا نستطيع أن نفطم أنفسنا عنه.. «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله! اليهودُ والنصارى؟ ! قال: فمن؟» [١] . الإنسان في الغرب عبد نفسه وأحل نفسه محل الله، وأصبح هو مصدر كل شيء ومحور كل شيء ومعيار كل شيء، دستوره من وضعه.. الأخلاق نسبية، وهذا ما يردده بعض وزرائنا اليوم. ثم الغاية تسوِّغ الوسيلة.. الإنسان حر في أن يعيش وجوده، وأن يعبر عن هذا الوجود كما يريد دونما قيد عليه! على هذا علينا أن ندقق فيما نقول.. فماذا نعني بسينما إسلامية؟ وهل يمكن أن نواجه سينما بسينما؟ كيف يتم هذا دون اقتباس من المجتمع الغربي العلماني الذي لا يصلح مطلقاً أن يكون نموذجاً ولا مصدراً للاقتباس أو المحاكاة لمجتمع مسلم ما زال يلتزم بالإسلام شعباً وجماعة وإن انحرف النظام؟ هذا إلى جانب ما تتحدثون أنتم عنه كإعلاميين من أن العالم اليوم أصبح قرية أو ربما غرفة، كيف لي أن أنافس في ظل عالم مفتوح؟ * أ - محمود خليل: السينما الإيرانية - بغض النظر عن موقفنا من المذهب الشيعي - استطاعت أن تقدم فناً راقياً دون أن يقع فيما يمارسه الفن العلماني بصورة نالت إعجاب الغرب نفسه، ودون تلبُّس بما تعتقده من عقائد تخالفنا نحن أهل السنة، وهي في هذا مثال يمكن احتذاؤه. الأفلام الهندية كذلك؛ لأنها أفلام طبيعة ولا تعرف العنف والابتذال اللذين تعرفهما السينما الغربية. وإذا كان الإنسان الغربي قد بدأ ينتابه الملل من هذا التكرار الشديد، والبعض يعترف بأنها أزمة يحياها الفن الغربي باختلاف مدارسه وتياراته وهي ظل لأزمة الفكر التي يحياها التيار العلماني بعامة اليوم؛ فإننا يمكننا بما نملكه من مقومات - متاحة دون أن تستغل - أن ننافس وبقوة. البيان: ربما نختلف معك فيما يتعلق بالأفلام الإيرانية والهندية، فهي إن صحت سلامتها من الإسفاف الأخلاقي، إلا أنها لا تسلم من إشكالات عقدية ومنهجية كثيرة. * د. إبراهيم الخولي: بالنسبة للأفلام الإيرانية لو اتفقنا على ما يقال حولها من انضباط؛ فإن مسألة الاستمرار مسألة مشكوك فيها - وأنا أول الشاكين - في ظل التطور الذي طرأ على المجتمع الإيراني من أيام الثورة ومروراً برفسنجاني وما بعد رفسنجاني، وبغض النظر عن رأيي في إيران وتياريها، فإن تيار الإصلاح يمحو كل ضوابط الثورة. إذن مسألة الاستمرار مسألة فيها نظر، وخاصة أن العوامل التي تأبى الاستمرار أقوى من أن يقاومها المجتمع الإيراني وغير المجتمع الإيراني. أما الفن الهندي فقد نشأ في أحضان الديانة الهندية التي لا تقبل هذا اللون من الفجور الغربي ولا تعرفه، بل وليس ذلك من مطالب الإنسان الهندي وفلسفته في الحياة. وكيف لنا بإنجاح مبدأ سينما في مواجهة سينما مثل هوليود التي تنفق على الفيلم قرابة نصف مليار دولار أو يزيد؟ ! المنافسة هنا أراها غير منطقية؛ لأن هاجس الربح لا يزال ملحّاً لدينا! عملية الغزو مستمرة وستستمر، ونحن في كل يوم نفقد من أدوات المواجهة بقدر ما يزدادون هم في قدرة الهجوم، هذه المعادلة لا ينبغي أن نخطئها! حين تنتشر الأوبئة وتعم حرب الميكروبات؛ فإن العلاج تحصين الناس في وجه العدوى، والمشكلة الآن أننا لا نحصِّن المسلمين في بيئاتٍ الإنسان فيها معرضٌ لأن يصاب بكل الأوبئة من حوله! الأوبئة الآن لا تأتي عفوية؛ وإنما ترسل إلينا إرسالاً. إذن القضية ليست أن أحاكي الغرب، وأن أستخدم أسلحته بنفس القوة التي يستخدمها؛ لأن السلاح نفسه ذو حدين. القضية الآن أننا نواجه عدوى دون تحصين، وهجوماً دون مقاومة؛ فقد أضحينا جسماً يتعرض لكل أسباب الإصابة دون مناعة، فعلينا أن نفكر! * د. المطعني: كيف تكون المواجهة من هذه الزاوية وأنت ترفض بدائل الأستاذ محمود؟ * د. إبراهيم: نعم أرفضها. * د. المطعني: ماذا نصنع في ظل الخطر القائم فعلاً مما سمي بالغزو الفكري لهذه القضية ثم الغزو الأخلاقي ثم الغزو العقدي؟ وعلى حد تعبير الشيخ الغزالي ﵀: «إن الغرب نظر إلى الشرق الإسلامي فاتخذ منه مثل ما يتخذ من المصارف الصحية: يطرد من هناك النفايات والمياه العفنة لتتسرب فينا» . نحن نملك وسائل المناعة نظرياً، ولكن لا نطبقها عملياً كما يقول الشاعر: كالعيس في البيداء يهلكها الظمأ ... والماء فوق ظهورها محمول والتطبيق العملي له منبعان: الأول «الشعوب» : وتبدأ الشعوب بالأسرة.. وتبدأ الأسر بالآباء والأمهات، ونحن ندرك للأسف الشديد أن كثيراً من هؤلاء يحاولون تربية أبنائهم تربية إسلامية، ولولا هذا الصنف لأخذ الإسلام رحله وخرج من كثير من ديارنا. المنبع الثاني «الدولة» : والمفترض في الدولة ألا تسمح بما يبدد عقائد الأمة ويبدل أخلاقها، وكي نتجنب هذا الخطر فعلى الدولة أن تتبنى مشروعاً إسلامياً أعلى بإخلاص، وتضع الخطط لرعاية هذا المشروع لتنميته؛ لا نطلب بأن تتحول الدولة فجائياً وإن كنا نطمح إلى ذلك لتتبنى مشروعاً إسلامياً كاملاً يبنى من خلاله المجتمع على منهج الإسلام، وعلى أقل تقدير ألا تسمح لنفسها أن ترى في المجتمع ما يدمر شخصية المسلم، هذا بالدرجة الأولى، وأن تضرب على يد الذين يكرهون ما أنزل الله، ولا تسمح لهم بأن يطلعوا شعوبنا الإسلامية صباح مساء على ما يزهدهم في الإسلام ويبعدهم عنه. هاتان خطوتان لا بد منهما. وعموماً نحن علينا أن نهيئ الأرض ونضع البذرة؛ أما الإنبات فعلى الله تعالى. * أ - محمود خليل: لعل الدكتور الخولي يرى أن المناعة هي الحل الوحيد. * د. إبراهيم الخولي: لا بل هي الحل الأول. * أ - محمود خليل: المناعة والتحصين هذه ضرورة شرعية سواء كان هناك عدو منتظر أو غير منتظر.. لكن ماذا نصنع إذا كان هذا العدو قد احتلنا على الرغم منا، ولا نملك مناعة لا من فيروسات هذا العدو التي لا تقف عند طور، ولا تحدها حصانة أو مناعة معينة، ولا يحدها الحجر أو العزل الصحي ونحن لا نملك حتى مفهوم: «فِرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد» ؟ ولو أن الفرار من هؤلاء يجدي فتيلاً لفررنا. الآن يكاد ألاَّ يخلو بيت من جهاز استقبال في زمن احتلت فيه السماوات كما احتلت الأرض. والسينما باعتبارها من الوسائل العصرية تأتي ضمن هذا المسلسل لا نقول الجهنمي إلا لملئه بمحتوى فاسد، وكون الحرام غلب عليها فحرمناها، هذا لا يعني عدم إمكانية استغلالها كأداة من قِبَل المصلحين. ولعل هذه الحساسية من السينما موروثة منذ أن جاءت السينما إلى بلادنا في عام ١٨٩٧م، وليس غريباً أن أول ما قامت بتقديمه جماعة أجنبية في سينما بجوار حمام سباحة للعراة! يعني من أول يوم يعلنون أن بضاعة العلمانية الجسد الرخيص! لكن تبقى الوسيلة بعد تصفيتها وتحليتها وسيلة مشروعة. البيان: هناك تعليق معبر للمنفلوطي ﵀ في (نظراته) بمناسبة أول عرض مسرحي قدم في القاهرة، وهو شهادة مهمة على عصره يقول: «كان الشر مفرقاً في البلاد فجاء كشكش فجمعه في مكان واحد» . * أ - محمود خليل: نعم.. ولعل هذا الفساد بل الإفساد من أول يوم هو الذي أوجد هذه الحساسية لدى الشباب المسلم، وحاول بعض المصلحين أن يرشِّدها ويستثمرها في إيجاد نموذج للإبداع الصحيح. ويظل بعد ذلك السؤال المفتوح لنا: ما الحل؟ البيان: تبقى احترازات الدكتور الخولي لها وجاهتها وخاصة أن تجارب عدد غير قليل من الذين اعتزلوا الفن قد انتهوا إلى غير ما بدؤوه حين اعتزلوا، وهو أمر يدعو إلى التريث وإعادة تقويم الأمور. * أ - محمود خليل: مسألة الحرام خارجة تماماً عما نطرحه من تصور لعلاج هذه المشكلة. البيان: لكن المشاكل تظهر دائماً في التطبيق ولم تنتف بعد؛ ولذا ينبغي الحذر والاحتراز. * د. عبد العظيم المطعني: الدكتور إبراهيم يرى الاحتراز ليس حلاً، وإنما تجنباً للشر.. أما المناعة فتنبت من داخل الإنسان نفسه، هناك فرق بين الأمرين. هناك حلان: حل سريع وهو المنع من الخارج؛ والثاني أنه بعد منع الخطر لا يمكن أن نترك الإنسان في حالة ضعف؛ إذ لا بد أن نمنحه قوة ليتقي بنفسه الشرور. البيان: لكن الفن وإن تزايدت الحاجة إليه باعتباره وسيلة من وسائل الحماية والبناء يبقى الوضع القائم له كمؤشر عليه، إلى جانب الخلاف الفقهي في مسألة التمثيل التي تجعل المرء أكثر حذراً في التعامل، بل ربما احتاجت ممارسة الفن إلى مزيد من التحصين المسبق والمستمر، بحيث تبقى المعضلة الكبرى هي إيجاد فن هادف ملتزم بالضوابط الشرعية التي تطلق الإبداع في مجال البناء وتكفه عن مجال الهدم. * د. إبراهيم الخولي: دائما يجب أن يوضع في الاعتبار أننا حين نتحدث في ظل مجتمع يلتزم بشريعة الإسلام، ويلتزم بالحكم فيه بهذه الشريعة يختلف عما إذا كان حديثنا عن مجتمعٍ النظامُ فيه علماني والشريعة معطلة؛ لأن ضمانات ألوان النشاط في المجتمع في مثل هذه الحالة أنت لا تملكها، ومن ثم يصبح التجريد كلاماً بغير إنتاج، أنت ضربت مثلاً بإيران.. إيران بعد مرحلة من مد الثورة وعنفوان التشدد والحمية بدأ التحلل من كثير من الضوابط بغض النظر عن رأينا فيها، وأنا أعتقد أنه لو استمر الوضع في ظل الحكومة الحالية فإن المسألة ستختلف بعد ٥ سنوات اختلافاً كبيراً جداً عن الصورة التي رآها الناس عندما كانت الثورة مهيمنة على كل شيء في توجيه المجتمع الإيراني. هذا الأمر لا يخص إيران فقط وإنما يمتد لمجتمعات سُنِّية عرفت بالمحافظة لفترات طويلة. ولهذا أقول إن الفتوى مرتبطة بزمانها ومكانها وملابساتها، وليس يجوز أن أحلل الفتوى من قيود الواقع؛ إذن وجود نظام بالمفهوم الصحيح وحكومة مسلمة ملتزمة بشريعتها لا تعطلها ولا توقف جزئية منها هذا الأمر أو عدمه يضع قيوداً عليَّ حين أعالج قضية كقضية الفن الإسلامي. * أ - محمود خليل: العمل على إيجاد النظام الإسلامي المتكامل يحتاج لجميع الوسائل المشروعة، والتي منها الفن المنضبط بالضوابط الشرعية، والتي ما زلت أرى إمكانية بروزه واكتساحه متى وجد. * د. عبد العظيم المطعني: بمناسبة ما يقال عن الفتوى فإن الفتوى الأخيرة التي أفتى بها البعض بجواز ظهور الصحابة عدا العشرة المبشرين بالجنة على خشبة المسرح وفي التلفاز تطرح إشكالين كبيرين: الأول: حول الجهة التي أصدرت الفتوى وكون فتواها غير ملزمة لعدم انضباط الحكم فيها؛ إذ لا فرق بين العشرة وغيرهم من هذه الجهة. الأمر الثاني: وهو الإلحاح العلماني المتواصل في تكسير الثوابت الشرعية وهزها، وقد نجح بعد حين في استصدار الفتوى ومن ثم توظيفها في إسقاط الضابط الشرعي، ولكن هذه المرة تم اسقاط الضابط باسم الإسلام. وانظر كيف يأتون بإنسان شرب الخمر ليمثل خالد بن الوليد أو ابن عباس ﵄[**] ؟ ! الحصاد: البيان: الناظر في أحوال المجتمعات الإسلامية لا يمكنه أن يغفل أثر الفن المعلمن في عملية التفكيك سواء على مستوى الفرد الذي أصبح يحيا بين غريب ومتغرب وازدواج، أو على مستوى المجتمع الذي بدأ بتغيير كبير في بعض أنحائه، وبثنائية ثقافية أقرب إلى الصراع منها إلى التعايش. * د. حلمي القاعود: هكذا يبدو تشكيل الشخصية في المجتمع المسلم وفقاً للمفاهيم العلمانية يصب في خانة سلبية، وفي السنوات الأخيرة، راح صناع السينما والمسرح يقلدون ما يجري في أوروبا وأميركا تقليدًا شبه كامل، وينتجون أعمالاً مطابقة للأعمال الأوروبية والأمريكية، مع تغيير الأسماء والأماكن فحسب، فحفلت أعمالهم بالعنف والجنس والعبث والتفاهة واللهو بألوانه المختلفة، مما جعل شبابنا العربي المسلم يقلد أبطال هذه الأعمال في الملبس والسلوك والفكر، ولأول مرة نواجه جيلاً لا يشعر بالانتماء إلى وطن أو قومية أو دين.. شباب متغرِّب لا يجد غضاضة في احتقار هويته والإشادة بالآخرين. البيان: بشهادة إحدى ممثلات الإغراء؛ فإن حصيلة الأفلام السينمائية خلال الخمسين عاماً الماضية بلغ ٣٠٠٠ فيلم؛ نصفها على الأقل أخذ السيناريو فيه كاملاً بمشاهده وأحداثه من فيلم أجنبي، هذه الشهادة تجلي بمرارة قدراً من الجرم العلماني في هذا المجال. * د. حلمي القاعود: ثم - وهو الأخطر - مدى التأثير الفادح الذي وقع على الأسرة المسلمة؛ حيث أخذ الشباب والفتيات يقلدون النماذج الدرامية في العلاقات والسلوك مما أدى إلى شيوع العزوبة والعنوسة والتفكك الأسري.. صحيح أن المسألة لم تصل إلى المستوى الذي يحدث في الغرب، ولكنها ستصل إذا لم تحدث مواجهة إسلامية جادة وعاقلة. لقد دخل إلى مجال الفن بعض الأفراد المدعومين غربياً، وخاصة من فرنسا، مهمتهم الأساسية تشويه التاريخ الإسلامي، وتقطيع الروابط التي تربط بين الأمة الإسلامية، وتجعل من المحتلين الغزاة أو المستعمرين الغربيين رسل حضارة وتنوير وتقدم.. وقد أشرت في كتابي: «أهل الفن وتجارة الغرائز» إلى هذه النقطة بتوسع، وسأكتفي هنا بضرب مثال حول صلاح الدين الأيوبي بطل تحرير القدس وفلسطين فقد صوّره أحد الأفلام في صورة «الكاوبوي» ، و «زير النساء» ، و «رجل الأعمال الغامضة» الذي يحقق انتصاراته بطريقة مريبة، مع أن صلاح الدين كان رجلاً زاهداً عابداً فقيهاً بالشريعة مخلصاً لربه ودينه، واضحاً كل الوضوح حتى مع أعدائه الذين حاربهم أو هادنهم، وكان مثالاً للخلق الإسلامي الكريم في أرقى صوره ونماذجه، ولولا ذلك ما حقق انتصاره التاريخي الذي أشاد به الأعداء قبل الأنصار! ينبغي أن نشير إلى نقطة مهمة، وهي دور الدراما، وخاصة المسرح في نشر النظريات والدعوات المعادية للإسلام والتدين بصفة عامة؛ فقد استطاع الماركسيون والوجوديون والعدميون والعبثيون أن يتخذوا من المسرح تكأة يروجون من خلالها لأفكارهم وتصوراتهم، وفي الوقت ذاته كان هناك تعتيم أو إقصاء لكتَّاب المسرح الذين يتبنون مواقف إسلامية أو قومية تنطلق من تصور إسلامي؛ كما حدث مثلاً مع الكاتب الشهير الراحل «علي أحمد باكثير» الذي خصص معظم إنتاجه المسرحي لمعالجة القضية الفلسطينية من منظور إسلامي، ولكنه للأسف تم التعتيم على إنتاجه وإزاحته من خشبة المسرح، ليخلو المكان لدعاة الشيوعية وأشباههم من العلمانيين. ثمة ملامح عديدة يمكن الحديث عنها في إطار تناول الحصار الفني للدراما على مدى نصف القرن الأخير، ولكننا سنكتفي بملمح واحد فقط يتناول الجانب اللغوي. ومن ناحية أخرى؛ فإن انتشار التليفزيون وتعدد قنوات الإرسال القُطْرية من العواصم العربية، دعا هذه العواصم إلى محاولة إشاعة لهجاتها الإقليمية والمحلية، مما كان له تأثير ما في تكريس الإقليمية، ووضع عقبة جديدة ضد التقارب القومي، وهناك مسلسلات وتمثيليات يصعب فهمها؛ لأن لهجتها المحلية تستغلق على المشاهد الذي لا ينتمي إليها. ومهما يكن من أمر؛ فينبغي أن نشير إلى أن بعض شركات الإنتاج ومؤسسات التليفزيون ذات التوجه الإسلامي أخذت على عاتقها إنتاج بعض الأعمال الملائمة التي لا تتعارض مع التصور الإسلامي سواء كانت تاريخية أو واقعية.. وهذا يستدعي أن نشد من أزرها بالكتابات الدرامية الجيدة التي لا تتنافى مع قيمنا وأخلاقنا، وأن نشجع على التوسع في إنتاج الأعمال المؤثرة والمفيدة والجذابة التي تجمع بين صفاء التصور وقوة الأداء. والأعمال الجيدة قادرة بذاتها على الاستحواذ على الجمهور الذي يسعى إلى المثل العليا والقيم الفاضلة والأخلاق الرفيعة. إذا كانت الهيمنة الكنسية ومظالمها البشعة من الأسباب الرئيسة في ازدهار العلمانية وانتشارها في أوروبا؛ فإن العلمانية لم تحقق للفرد الأوروبي أو المجتمعات الأوروبية والأمريكية تبع لها الاستقرار النفسي أو الإشباع الروحي؛ ذلك أنها منحت الفرد والمجتمع على السواء الإشباع المادي وحده، ونتيجة لذلك انهارت قيم المسيحية العليا، وسقطت المرجعية الدينية بالنسبة للسلوك الفردي أو العلاقات الاجتماعية، ولعل هذا يفسر كثرة الحروب الطبقية والطائفية والقبلية في أوروبا عقب العصور المظلمة، ناهيك عن الاستعمار العسكري المباشر، والثورات الداخلية الدامية. لقد انسحبت هناك مرجعية العلمانية إن صح التعبير على الفنون جميعاً، بما فيها الفنون الدرامية؛ حيث انغمست في التعبير عن العري والانحلال والرذيلة بصورة مكشوفة وسافرة، وكأنها تدعوه للإباحية والشر والعنف، وقد ضجت بعض المجتمعات الأوروبية سخطاً وغضباً على بعض الكتَّاب والشعراء كما رأينا في فرنسا حين ثارت الكنيسة على رواية «مدام بوفاري» ، وديوان «أزهار الشر» لبودلير في القرن الماضي، ولكن المسألة اليوم تعدت الرواية والديوان المذكورين إلى إنتاج الأفلام الإباحية الصريحة التي تسمى بالأفلام الزرقاء على نطاق واسع، وأصبحت المرأة تظهر عارية تماماً في العديد من المسرحيات، كما أصبحت مشاهد الجنس الكاملة موجودة في معظم المسلسلات التليفزيونية. وقد انتقل إلى بلادنا العربية المسلمة شيء كثير من هذا، وصار الدفاع عنه يرفع راية حرية الإبداع وحرية التعبير، وكأن حرية الإبداع أو حرية التعبير تعني إسقاط كل القيم وثوابت المجتمع وعدم مراعاة خصائص الأمة وأخلاقها ومرجعيتها الأساسية. وقد شهدت السنوات الأخيرة بعض الصراعات بين دعاة العلمانية والمدافعين عن الإسلام حول قضية التعبير بالجسد؛ سواء في الفنون الدرامية أو الكتابية، وذهب غلاة العلمانيين إلى ضرورة أن تتحرر الأمة من عقدة الجسد، وطالب أن تدخل المرأة اللوحة كما تدخل الحمام! كما انتشرت الكتابات الإباحية مؤخراً عبر الروايات والقصص القصيرة والأشعار والمسرحيات؛ اختباراً لمدى قدرة المجتمع على تقبل هذه النماذج التي ترتبط عادة بالتجديف والإساءة إلى الذات الإلهية والمقدسات.. وتبنى بعض المسؤولين هذه النماذج وأعلن عن علمانية المجتمع الذي يضم مسلمين وغير مسلمين. ولكن الأمة في مجموعها عارضت هذا التوجه معارضة فعالة، ورفضت العلمانية، وأعلنت تمسكها بدينها ومقدساتها. إن الفنون الجميلة تهب الناس متعة الجمال والراحة النفسية حين تضع في حسبانها أن تكون فنوناً رفيعة ترقى بالروح وتسمو بالوجدان وتغرس في النفس البشرية قيمة إنسانية عليا، ولكنها تتحول إلى فن شيطاني خبيث حين تدعو إلى الرذيلة والشر والعنف، أو تسلخ الإنسان عن هويته وقيمه وعقيدته وأخلاقه. وللأسف الشديد؛ فإن معظم ما أوحت به العلمانية وما أنجزته كان مخاطبة الجزء الأسفل من الإنسان، أي مخاطبة الغرائز دون مخاطبة القيم، وهي كارثة بكل المقاييس.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. * د. المطعني: الحصاد له جملة وله تفاصيل.. جملته أنهم نجحوا في أن يجعلونا شعباً أوروبياً يعيش على أرض إسلامية أو عربية، بمعنى أنهم نجحوا في اللعب في تكويننا الثقافي، وانعكس هذا على السلوكيات حتى على الناس الذين صلتهم بدينهم قوية تجد تأثير الفن عليهم من قريب أو من بعيد؛ وهذا ما يمكن أن نسميه علمانية السلوك. دائماً تبقى العقيدة هي الحصن المنيع. نعم قد ينجحون في المستقبل في التأثير في قطاع واسع من الشباب غير المحصَّن؛ لكن الشباب المحصَّن بالعلم والتنشئة الأسرية الطيبة لا يقع - بمشيئة الله - تحت تأثيرهم. ثم هناك علمانية الأخلاق: التعامل بالربا في البنوك والاقتصاد، وما نسمع عنه اليوم من زنا المحارم، والفساد الأسري، وانفلات المعايير الاجتماعية، كل هذا انعكاس للتسيب العلماني الذي أوصلونا إليه؛ حتى أصبحنا اليوم نتصرف ونحن لا نشعر أننا نخدم أعداءنا! * أ - محمود خليل: الحصاد على المستوى العقدي والفكري والاجتماعي والأخلاقي يلخصه قول الله : [وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً] (الأعراف: ٥٨) . إذا كانت العلمانية تتزيا بأثواب تجددها كل حين حتى لا تَخْلَق؛ فإن آخر أثوابها الحداثة.. وإذا كانت الحداثة في مجملها: هي الخروج على ما تم تقعيده في المجتمع من أطر عقدية وأخلاقية ولغوية؛ بمعنى أنها هي التطبيق الفلسفي لنظرية النسبية التي تعني الوصول إلى نسبية الأشياء بحيث تنتفي أي مرجعية وهذا ما تعنيه الحداثة، أما ما بعد الحداثة: فهي الهجوم على المقنن والمقدس وإنزاله منزلة المدنس إلى الحد الذي وصل فيه التطبيق العملي أن تخرج إحدى المجلات التي عرفت بعدائها للإسلام بملف خاص عنوانه: الله في السينما! وفي عدد آخر تحت عنوان: حوريات الجنة! ويصورون أشكالهن وكيفية جلوس الشهيد وحوله اثنتان وسبعون منهن، وجمالهن وعيونهن وعريهن! .. هذا هو التطبيق العملي لما بعد الحداثة حتى ننتهي إلى ما قاله أستاذنا الدكتور الخولي ألا تكون هناك حصانة ذاتية ولا مرجعية ذاتية ولا تمييز بين الصواب والخطأ في نفوس الناس؛ فتنتفي الاستقلالية الذاتية والأهلية الذاتية الإسلامية الخاصة بحيث يصبح المسلم غير مؤهل. أما على المستوى الفكري والاجتماعي والأخلاقي فهذه تفريعات لشجرة تنبت في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين؛ لأن الفكرة تنزل اجتماعياً وتؤثر أخلاقياً، وهنا تحضرني كلمة للشيخ محمد الغزالي ﵀ يقول فيها: «إن السيل ربما ضرب القمة حيناً بأمواجه لكن في النهاية لا تظفر به إلا الوهاد والمستنقعات» . نجح العلمانيون عن عمد في استقطاب الموهوبين وأنصاف الموهوبين وأعشار الموهوبين في ثلاثة عقود سابقة وعبؤوهم هذه التعبئة الفاسدة، فأصبح النتاج الروائي والقصصي والمسرحي من فساد إلى فساد. * د. إبراهيم الخولي: النسبية التي تحدث عنها الأستاذ محمود معناها تحديداً أن الأخلاق ليس لها أصل إلهي، ولا أصل ديني، وأن الأخلاق بالمواضعة؛ فما يكون فضيلة اليوم قد يكون رذيلة في زمن. الدور الذي يقوم به الفن لصالح الغزو العلماني يأتي متضافراً ومواكباً لغيره من أدوات الغزو؛ وعلى سبيل المثال حين يقول محمد سعيد العشماوي: إن اليهودي المؤمن بالتوراة والنصراني المؤمن بالإنجيل والمسلم كلهم على قدم المساواة في صحة الاعتقاد وفي المصير المضمون أي النجاة ودخول الجنة! ويقال للشباب المسلم: إن الإسلام لا يكفر أحداً على خلاف ما تنطق به الآيات.. حين يقرأ المسلم هذا الكلام فما الذي يمنعه أن يقبل من منصِّر أن يتنصر؟ ! البيان: الفن يقدم مثل هذا وأخطر بأسلوب أعمق أثراً. * د. إبراهيم الخولي: هذا ما كنت أبغي الوصول إليه، نحن نعلم أن الإسلام ليس دين كهنوت، لكن طبيعة الحياة اقتضت أن لكل شيء رمزياته وظواهره، ومن هنا نسأل: لماذا شخصية العالم المسلم دائماً هي الشخصية المهينة في كل أجهزة الإعلام وفي كل الفنون؟ وحين يريدون أن يسخروا من شخصية فإنهم لا يختارون إلا شخصية دينية! .. ثم أخطر من هذا حين يصبح واعظ المجتمع أحد المهرجين! .. يسمعه الناس في الصباح يتحدث عن القيم والمثل ثم يرونه في المساء مهرجاً، هنا تهتز القيم! في ظل هذا الخلط - وهذا جانب منه - كيف للشباب المسلم الذي لم تعلِّمه مدرسة، ولم تربِّه أسرة، ولم تبرز أمامه قدوة صالحة وإن برزت تشوه كيف له في ظل هذا التشتت الذي أنتجته العلمانية أن يقيس الأمور؟ المواجهة: البيان: في ضوء هذا كيف تكون المواجهة؟ * أ - محمود خليل: أولا: تهيئة عناصر فنية متعددة تنطلق من أرضية إسلامية عميقة وراسخة وشاملة. ثانياً: ضرورة الاقتناع أن التمويل المتكامل في مجال الفنون أصبح ضمن عناصر التربية الإسلامية التي بدون العمل بها وشغل هذه المساحة ستظل مساحة فارغة ضمن حقل التربية الإسلامية يتقدم غيرنا لملئه. ثالثاً: ضرورة الإنفاق على مشروع إسلامي عالمي ضمن المنطقة غزيرة الإشعاع لقمر إسلامي يضع له المتخصصون استراتيجية واسعة في العمل، وهذا مشروع استثماري مادي في المقام الأول قبل أن يكون استثماراً في مجال التربية، بعيداً عن الأطر الجغرافية والضغوط الحزبية والعصبيات السياسية. رابعاً: تشجيع فنون الأدب الإسلامي بكاملها ليتوفر المكان الذي يمثل المادة الخام لملء هذه الوسائل الإعلامية التي تحتاج إلى زاد يومي لا ينتهي. خامساً: الاتفاق على بعض الوسائل اللازمة لنا بوصفنا مسلمين والتي تدخل ضمن وسائل التعبير المباح، وعدم الانشغال بساحة الفن الواسعة التي لا تعرف لانفلاتها حداً ولا قيداً؛ وعلى سبيل المثال: النحت والموسيقى لا حاجة لنا إليهما. * د. عبد العظيم المطعني: أركز مع هذا الكلام على التربية بأن نتوجه إلى الآباء لكي تنشأ المناعة مع الطفل منذ نعومة أظفاره، ولا تعجز الأسرة عن تربية أبنائها تربية عملية. البيان: لا بل قد عجزت في ظل موجة إفساد لم تعرفها الأمة من قبل ولا في الأندلس. * د. عبد العظيم المطعني: السلوك الإسلامي بين الوالدين داخل الأسرة الملتزمة يمكن إلى حد كبير أن يؤثر في سلوك أبنائها. ثانياً: مهمة الدعاة أن يكونوا حكماء أشداء رحماء في آن واحد. ثالثاً: فك الأسر الذي يقع فيه خطباء المساجد الآن في عدة بلاد إسلامية، والحفاظ على المناهج الإسلامية نقية كاملة دون حذف أو تشويه، ومن أسف فإن الخطباء الذين حققوا نجاحاً في المجتمع أغلبهم لم يتخرج من مؤسسات علمية شرعية؛ ولهذا أقول إن هذه المؤسسات حتى في حال قوتها لا تعطي العلم وإنما تعطي مفاتيح العلم؛ ولهذا فإن إعداد الدعاة لا يقف عند مجرد التعليم الجامعي، وإنما يبدأ من انتقائهم من وسط أخلاقي طيب، وأن يكون الداعية مولعاً بمهمة الدعوة وليس مرغماً أو مكلفاً بها، إلى جانب هذا لا بد من إعطاء الدعاة حصانة كحصانة رجال القضاء ليؤدوا واجبهم بكفاءة؛ وأعني الحصانة عن المساءلة؛ لأن الخطيب إذا اعتلى المنبر وأدرك أن قوة ما سوف تحاسبه فسيجبن، وربما رأى الباطل حقاً والحق باطلاً، وفي مقابل هذا الحق أن يكونوا في أنفسهم موضوعيين لا يتحاملون على أحد أو يجاملون أحداً لكي يكونوا أهلاً لهذه الحصانة. وعلى الدول كذلك أن تحسّن من الحالة المادية للدعاة.. فهذه الدول عندما أرادت نزاهة القضاء فإنها وضعت لرجاله مخصصات مالية لا يوقع عليها إضافة إلى الراتب الذي يوقع عليه وأكثر منه؛ بحيث تضمن التفرغ التام للعدل والإنصاف وتضمن له عيشة كريمة، والداعية حين يجد الكفاية فإن ذلك يعينه ولا شك على القيام برسالته. ثم علينا أن نعيد حق الشعب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشارع؛ بحيث لا يصور هذا على أنه تطرف أو تدخل في حريات الناس؛ لأن رجل الشرطة اليوم لم يعد يهمه منكر يكون حراماً، وإنما المنكر عنده ما تحظره الدولة وإن كان واجباً دينياً، إضافة إلى كون رجال الشرطة غير متواجدين في جميع الأماكن، هذه الشعيرة ليست حقاً بل هي واجب على جميع المكلفين، والدولة حين تعترف للشعب بمزاولة هذا الحق فإنه يستطيع أن يقضي على ثلاثة أرباع الفساد المنتشر في الشوارع. * أ - محمود خليل: ألفت النظر كذلك إلى ضرورة التنبيه الدائم على أخطار العلمانية؛ بحيث لا يتسرب اليأس أو الفتور أو شعور العاملين في الحقل الإسلامي بطول المسافة وبُعد الشقة؛ لأن التنبيه الدائم تتسلل من خلاله الحصانة الوقتية، والمواكبة للأطوار الخبيثة للعلمانية. البيان: نشكر الأساتذة الفضلاء، ونؤكد في الختام على أن الواجب علينا جميعاً الاهتمام بضرورة التأصيل الشرعي العميق للعمل الإسلامي بكل مجالاته، والانطلاق من الثوابت العلمية والمنهجية بكل تجرد واتزان، والحفاظ على الهوية الإسلامية المتميزة المعتزة بدينها وعقيدتها.
следующие страницы →