قضايا دعوية
إدارة الأزمات في حياة الدعاة دراسة على حادثة الإفك
محمد بن علي شماخ
يتعرض المجتمع الإسلامي منذ عهد النبوة لصنوف مختلفة من أنواع الحروب
والتضييق من أجل وأد هذا الدين، واجتمع في سبيل ذلك المشركون واليهود
والمنافقون والنصارى في بوتقة واحدة لتحقيق هذا الهدف، متناسين ما بينهم من
عداوة واختلافات؛ فمنذ بعثة الرسول ﷺ واجه المسلمون الكثير
من الأزمات مختلفة الأشكال اتسمت قبل البعثة بالتعذيب لكل من أسلم، ثم بالحصار
في شِعْب أبي طالب، وبعد البعثة أخذت المواجهات بين الطرفين الطابع الحربي
إلى أن توجت بحشد جيش عرمرم من مختلف قبائل العرب لحصار المدينة،
وبخيانة اليهود والمنافقين من الداخل، فكان هذا الموقف من أصعب المواقف التي
مرت بالمسلمين [إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ
القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً
شَدِيداً] (الأحزاب: ١٠-١١) .
فهزم الله كيد هذه الأحزاب وعادت هذه الجيوش إلى ديارها تجر ذيول
الهزيمة والعار، فكان من أعداء الإسلام أن «عرفوا بعد إدارة دفة الحروب طيلة
خمس سنين أن القضاء على هذا الدين وأهله لا يمكن بطريق استخدام السلاح،
فقرروا أن يشنوا حرباً دعائية واسعة ضد هذا الدين من ناحية الأخلاق والتقاليد،
وأن يجعلوا شخصية الرسول أول هدف لهذه الدعاية، ولما كان المنافقون هم
الطابور الخامس في صفوف المسلمين، ولكونهم من سكان المدينة، كان يمكن لهم
الاتصال بالمسلمين واستفزاز مشاعرهم كل حين» [١] فواجه المسلمون عدة فتن
داخلية حاول المنافقون إشعالها في الصف الإسلامي، فكان أن دارت رحى أزمات
عاتية استطاع الرسول ﷺ الإمساك بزمام هذه الصعاب والوصول
بالمسلمين إلى بر الأمان.
إن دراسة كيفية استطاعة الرسول ﷺ إدارة الأزمات التي
مرت به تبين «أن نظام إدارة الأزمات على الجوهر والأساس العلمي في المفاهيم
الحديثة واقع سبق أن عرفته الدولة الإسلامية العظمى منذ بداية تأسيسها على يد
رسولنا ﷺ ، وبالبحث العلمي الدقيق في سيرته العطرة، سواء في
حياته الاجتماعية الأولى أو حياته السياسية والإدارية والحربية، سيجد المرء ما لا
يعد ولا يحصى من أصول منهجية لعلم إدارة الأزمات» [٢] .
وقبل البداية في الحديث عن هذا الموضوع لا بد من تعريف مصطلح إدارة
الأزمات.
يعرِّفه لسان العرب بأن (الأزم: شدة العض بالفم كله، وقيل بالأنياب،
والأنياب هي الأوازم، وقيل: هو أن يعض ثم يكرر عليه ولا يرسله، وقيل هو
أن يقبض عليه بفيه، أزمه، وأزم عليه أزماً وأزوماً، فهو أزم وأزوم، وأزمت يد
الرجل آزمها أزماً، وهي أشد العض. قال الأصمعي: قال عيسى بن عمر: كانت
لنا بطة تأزم. أي تعض؛ ومنه قيل للسنَّة أزمة وأزوم وأزامِ، بكسر الميم، وأزم
الفرس على فأس اللجام: قبض؛ ومنه حديث الصدِّيق: نظرت يوم أحد إلى حلقة
درع قد نشبت في جبين رسول الله، فانكببت لأنزعها، فأقسم عليَّ أبو عبيدة فأزم
بها بثنيتيه. ومنه حديث الكنز والشجاع الأقرع: فإذا أخذه أزم في يده أي عضها.
والأزم: القطع بالناب والسكين وغيرهما، والأوازم والأزم: الأنياب، فواحدة
الأوازم آزمة، وواحدة الأزم آزم، وواحدة الأزم أزوم. والأزم: الجدب والمحل،
قال ابن سيده: الأزمة الشدة والقحط، وجمعها إزم كبدرة وبدر، وأزم كتمرة وتمر،
قال أبو خراش:
جزى الله خيراً خالداً من مكافئ ... على كل حال من رخاء ومن أزم [٣]
ويورد لنا المعجم الوسيط هذا التعريف بقوله (أزم على الشيء أزماً: عض
بالفم كله عضاً شديداً، يقال أزم الفرس على اللجام، وأزم فلان على كذا لزمه
وواظب عليه، وأزمت السنة اشتد قحطها، وأزم الحبل أحكم فتله، وأزم الباب
أغلقه، تأزم: أصابته أزمة، الأزمة: الشدة والقحط، جمع أوازم (الأزمة الأزمة)
الضيق والشدة، يقال أزمة مالية سياسية مرضية) [٤] .
يحدد قاموس WEBSTER الأزمة بأنها (فترة حرجة أو حالة غير مستقرة
تنتظر حدوث تغيير حاسم، هجمة مبرحة من الألم، كرب أو خلل وظيفي) [٥] .
وإجمالاً يمكن تعريف إدارة الأزمة بأنها: «عملية إدارة خاصة من شأنها إنتاج
استجابة استراتيجية لمواقف الأزمات من خلال مجموعة من الإداريين المنتقين
مسبقاً والمدربين تدريباً، والذين يستخدمون مهاراتهم بالإضافة إلى إجراءات خاصة
من أجل تقليل الخسائر إلى الحد الأدنى» [٦] .
ومن خلال التعاريف السابقة يمكن تحديد (الهدف من مواجهة الأزمات بأنه
«السعي بالإمكانات البشرية والمادية المتوفرة إلى إدارة الموقف، وذلك عن طريق:
* وقف التدهور والخسائر.
* تأمين وحماية العناصر الأخرى المكونة للكيان الأزموي.
* السيطرة على حركة الأزمة والقضاء عليها.
* الاستفادة من الموقف الناتج عن الأزمة في الإصلاح والتطوير.
* دراسة الأسباب والعوامل التي أدت للأزمة لاتخاذ إجراءات الوقاية لمنع
تكرارها أو حدوث أزمات مشابهة لها) [٧] .
وقد تم اختيار حادثة الإفك لهذه الدراسة لعدة أسباب منها:
١ - المدة الزمنية التي مرت بها الأزمة:
لا شك أن عامل الوقت في أي أزمة تواجه الإنسان له دور فعال في سهولة
الخروج منها، والآثار الانعكاسية لهذه الأزمة؛ فكلما طالت المدة كلما زاد تعقيد
المشكلة واتسعت دائرة الأزمة، ونظراً لما مثَّله عامل الوقت في حادثة الإفك؛ فقد
ظل الرسول ﷺ ما يزيد عن شهر كامل يسمع الأذى في أهله كما
تقول عائشة ﵂:» وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني
شيء « [٨] وكاد أن يقتتل الأنصار فيما بينهم (الأوس والخزرج) بهذا الخصوص
مما زاد في ثقل هذه القضية على النبي ﷺ .
٢ - إيجاد حالة من عدم الاستقرار الأسري للرموز الدعوية:
فلم يكن من قبيل المصادفة أن يتم التشهير والقذف بحق عائشة - رضي الله
عنها - بل إن المنافقين وجدوا في إمكانية رمي عائشة ﵂ بالزنا
فرصة لا تعوض في النيل من شخص الرسول ﷺ ؛ فالعائلة
تمارس» ضغطاً هائلاً قد يكون سلبياً أو إيجابياً؛ فعائلات العاملين قد تكون نصيراً
لما يقوم به الفرد في عمله أو قد تكون عائقاً في عمله « [٩] ولقد كانت زوجات
الرسول ﷺ من أكبر الدعامات في سبيل دعوته؛ فلقد كانت
خديجة (من نعم الله الجليلة على رسول الله ﷺ بقيت معه ربع
قرن تحن عليه ساعة قلقه، وتؤازره في أحرج أوقاته، وتعينه على إبلاغ رسالته،
وتشاركه في مغارم الجهاد المر، وتواسيه بنفسها ومالها. يقول رسول الله صلى الله
عليه وسلم:» آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس،
وأشركتني في مالها حين حرمني الناس، ورزقني الله ولدها وحرم ولد
غيرها «) [١٠] .
٣ - النيل من القيادات الدعوية:
لا شك فيما تمثله القيادة من أهمية في وسط أي مجتمع؛ فهي تعتبر الواجهة
الفعلية له، وفي حالة المجتمع الإسلامي تعتبر القيادة الدعوية هي صمام الأمان لهذا
المجتمع أمام الظروف غير المناسبة سواء كانت هذه الظروف داخلية أو خارجية،
ولذلك نجد مدى الأثر الكبير على الأمة الذي يولده النيل من هذه القيادة، ولنا في
التاريخ الإسلامي خير عبر وشواهد؛ فما مر على الرسول ﷺ في
هذه الحادثة التي هي محط الدراسة، كذلك أثر غزوة أحد وما حدث للجيش
الإسلامي، وما تعرض فيها الرسول ﷺ من الأذى، كذلك يمكننا
الاستشهاد بما حدث في الصف الإسلامي عند مقتل عمر بن الخطاب، والفتنة التي
حدثت أواخر خلافة عثمان ﵁ والتي كان من أبرز نتائجها مقتل
عثمان ﵁؛ كلها شواهد تبين مدى العاقبة على المجتمع من جراء
النيل من القيادة.
٤ - إثارة البلبلة في الصف الإسلامي وإيجاد حالة من الانهزامية النفسية لدى
المسلمين:
من خلال الانسياق في بحر الأزمات مما يولد حالة من عدم الثقة بين المسلمين
فهذا يرمي بالتهمة والآخر يصدق ويكون صراع داخلي، هذا الصراع يزيد من
الفرقة بين الأمة، وفي وسط هذه الحالة من الفرقة بين أبناء الصف الإسلامي يسهل
تسلط الأعداء والابتعاد عن القيادة الدعوية، مما يولد حالة من الإحباط النفسي بين
الصفوف، والضعف والاستكانة أمام العدو.
٥ - صرف اهتمامات القيادة الدعوية من أمور الدعوة إلى الفتن والأزمات
الداخلية:
عندما تشتعل الأزمة في أي مجتمع تتعطل حركة التنمية ومسيرة العطاء مدة
من الزمن تطول أو تقصر بحسب حجم هذه الأزمة وآثارها ما لم يتم العمل بحسب
الأسلوب الأمثل لعلاج هذه الأزمة، والمجتمع الإسلامي حاله حال أي مجتمع في
ذلك؛ فالأزمات تعطل عجلة العطاء، وتهدر الكثير من الطاقات والوقت، ويفقد
الصف الإسلامي بسببها الكثير من الإنجازات التي تم تحقيقها؛ فبعد انتصارات
عظيمة حققها المجتمع الإسلامي بقيادة الرسول ﷺ على الجبهات
العسكرية أو على جبهة بناء المجتمع المسلم أو على الصعيد الدعوي، نجد الصف
النفاقي يحدث مثل هذه الفتنة لكي يصرف اهتمامات القيادة الدعوية من إرساء دعائم
المجتمع المسلم إلى إشغاله بمعالجة آثار هذه الفتن، والعمل على إخماد نارها. كل
هذه العوامل ساهمت بشكل كبير في اختيار هذه الحادثة بالذات، والتقارب العجيب
بين هذا الأسلوب في ذلك العصر وأسلوب المحاربة الداخلية في الوقت الحاضر.
ويرى بعض علماء الإدارة (أن هناك ثلاث مراحل أساسية للتعامل مع
الأزمة) :
١ - مرحلة ما قبل الأزمة.
٢ - مرحلة التعامل مع الأزمة.
٣ - مرحلة ما بعد الأزمة [١١] .
ومن خلال استقراء للمراحل الثلاث نستطيع أن نقوم بدراسة أسلوبه صلى الله
عليه وسلم في مواجهة حادثة الإفك، وكيف عانت الأمة الإسلامية من هذه الأزمة
الكثير والكثير، لقد عمد النبي ﷺ إلى السعي للتخلص من جميع
بذور فتن المنافقين، وبينما نجد مثل هذه البذور تتكاثر وتتوالد بين الصف
الإسلامي بين فينة وأخرى فلا بد من وضع أهداف واضحة في كيفية التخلص من
هذه المشكلات وخصوصاً في زمن الفتن الذي نعيشه، ومن هنا يتبين أن أول
وضع للأهداف يكون بالتخلص من المشاكل المستمرة، والعمل على إيجاد مستقبل
خال من المشاكل.
المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل الأزمة:
وفيها تبدأ الإرهاصات الأولى لحدوث أزمة ما، وتتميز هذه المرحلة بعدة
مميزات منها (المفاجأة نقص المعلومات التدفق المتصاعد فقد السيطرة عقلية
الحصار التركيز قصير المدى) [١٢] .
* المفاجأة:
من الصعب منع الأزمات من الوقوع أو تحديد وقت الانفجار لأي أزمة،
ولذلك تتسم الأزمات بعنصر المفاجأة، وعندما تقع الأزمة لا يستطيع إلا قلة من
الناس التعامل معها بهدوء ورباطة جأش، ولقد هال عائشة ﵂ ما
رماها به أهل الإفك؛ فتصفه أم رومان ﵂ بقولها:» فخرَّت
مغشياً عليها فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض « [١٣] من عظم الأمر الذي رميت به،
» وهي كانت لما تحققته من براءة نفسها ومنزلتها تعتقد أنه كان ينبغي لكل من
سمع ذلك أن يقطع بكذبه « [١٤] ؛ لذلك يجب على المرء أن يحاول قدر المستطاع
التخفيف من هول المفاجأة على من وقعت به أزمة، وليعلم أنه [مَا أَصَابَ مِن
مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ
يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ
فَخُورٍ] (الحديد: ٢٢-٢٣) .
* نقص المعلومات:
تشكل المعلومة أهمية بالغة في اتخاذ القرار، وكلما توفرت المعلومات
الصحيحة كان القرار أقرب للصواب، ويجب التحقق من صحة المعلومة أو غير
ذلك، ف» البحث عن الأمر القبيح إذا أشيع وتعرف صحته وفساده بالتنقيب على
من قيل فيه، وهل وقع منه قبل ذلك ما يشبه أو يقرب منه؟ واستصحاب حال من
اتهم بسوء إذا كان معروفاً بالخير إذا لم يظهر عنه بالبحث ما يخالف ذلك « [١٥]
يقول رب العزة والجلالة في كيفية التعامل مع الخبر سواء كان ذلك للقيادة أو
القاعدة: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ
فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ] (الحجرات: ٦) يقول العلاَّمة السعدي - رحمه
الله تعالى -:» وهذا أيضاً من الآداب التي على أولي الألباب التأدب بها
واستعمالها، وهو أنه إذا أخبرهم فاسق بنبأ أي خبر أن يتثبتوا في خبره ولا يأخذوه
مجرداً؛ فإن في ذلك خطراً كبيراً ووقوعاً في الإثم؛ فإن خبره إذا جعل بمنزلة خبر
الصادق العدل حكم بموجب ذلك ومقتضاه؛ فحصل من تلف النفوس والأموال بغير
حق بسبب ذلك الخبر ما يكون سبباً للندامة، بل الواجب عند سماع خبر الفاسق
التثبت والتبين « [١٦] .
وفي حادثة الإفك عمد النبي ﷺ إلى جمع المعلومات وجمع
الآراء في كيفية علاج هذه الأزمة؛ فدعا رسول الله ﷺ علي بن
أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، قالت:
» فأما أسامة فأشار على رسول الله بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في
نفسه لهم من الود، فقال: يا رسول الله! هم أهلك ولا نعلم إلا خيراً. وأما علي
بن أبي طالب فقال: لم يضيِّق الله عليك؛ والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية
تصدقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ فقال: أيْ بريرةُ! هل رأيت
من شيء يريبك من عائشة؟ قالت بريرة: والذي بعثك بالحق! إنْ رأيت عليها
أمراً قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي
الداجن فتأكله « [١٧] لذلك كان» من الضروري أن تتم عملية إدارة الأزمة في ظل
تدفق المعلومات [١٨] ؛ لأن فريق إدارة الأزمة في موقف مساومة، يجب أن يكون
محاطاً وبصفة مستمرة بكل البيانات التي تمكنه من التقدير المتجدد للموقف؛ بحيث
يمكنه الاستفادة من تلك المعلومات في معالجة الموقف « [١٩] .
* التدفق المتصاعد:
فبمجرد ظهور طلائع الأزمة يتناول هذا وذاك الموضوع فتكون هناك حالة من
الغليان - وفي العصر الحديث تجد للحادثة الواحدة ألف قصة وقصة في وسائل
الإعلام المقروء والمسموع - فيحتار اللبيب ويعجز عن معرفة الحقيقة الأريب،
ويعيش المجتمع الأزموي حالة من البحث عن الحقيقة؛ بينما تقوم وسائل الإعلام
باستقطاب الرأي العام إلى تفسيرها للحادثة بحسب الصياغة التي تراها مناسبة؛
فعندما رأى المنافقون عائشة ﵂ مقبلة على الجمل يقوده صفوان
بن المعطل ﵁ طاروا بمقالتهم وبهتانهم» وكان الذي يجتمع إليه
فيه ويستوشيه ويشعله عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، وهو الذي رأى صفوان
آخذاً بزمام ناقة عائشة، فقال: واللهِ ما نجت منه، ولا نجا منها، وقال: امرأة
نبيكم باتت مع رجل! « [٢٠] حتى اغتر بذلك المؤمنون وصاروا يتناقلون هذه
المقالة، ويمكن تقدير الحالة بعد ذلك، مما يساهم للميزة التالية (فقد السيطرة) لولا
قيادة الرسول ﷺ الرشيدة في معالجة الأزمة.
* فقد السيطرة:
في خضم معترك الأزمة قد ينفلت الأمر من بين يدي القيادة - بسبب عدم
معرفة الدور المطلوب في إدارة الأزمة - فتتصاعد الأزمة وتتوسع هوة الخلاف
والشقة بين صفوف المجتمع الأزموي؛ مما قد يؤدي إلى ظهور تيارات وانقسامات
داخل المجتمع، وقد يتطور الأمر إلى القتال بين فئة المجتمع الواحد. ولذلك كان لا
بد للقائد المحنك من العمل على الإمساك بزمام الأمر، والعمل على السيطرة على
الوضع ف» القائد برغم كل الضغوط من جميع الاتجاهات وهو يشعر بالحرارة
المتزايدة والمتصاعدة عليه أن يبدو هادئاً في كيفية عدم الاستسلام للضغوط
والهروب منها. وتمثل فداحة الخسائر وحياة الناس التي تتعرض للخطر اختباراً
قاسياً للقائد، وتؤدي في أغلب الأحوال إلى استنفار مهارات وقدرات قيادية في
الأوقات العادية، ويحتاج القائد في وقت المواجهة مع الأزمة إلى أن يستخدم ما
يتوفر لديه من مهارات الابتكار والمرونة في الاستفادة من مشاركة الآخرين بالرأي
والمشورة « [٢١] فنجد القيادة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام استطاعت
السيطرة على الوضع من خلال اتجاهين:
الاتجاه الأول: الفئة الواقعة بالأزمة، وفي هذه الحادثة عائشة - رضي الله
عنها - فقد قلَّت ملاطفة الرسول ﷺ لها حتى إنها شعرت بذلك،
ولم يهجرها بالكلية، وفي ذلك» إشارة إلى مراتب الهجران بالكلام والملاطفة، فإذا
كان السبب محققاً فيترك أصلاً، وإن كان مظنوناً فيخفف، وإن كان مشكوكاً فيه أو
محتملاً فيحسن التقليل منه لا العمل بما قيل؛ بل لئلا يظن بصاحبه عدم المبالاة بما
قيل في حقه؛ لأن ذلك من خوارم المروءة « [٢٢] .
الاتجاه الثاني: المجتمع الأزموي: وهو الذي يعاصر الأزمة، فعندما صعد
النبي ﷺ المنبر يستعذر من عبد الله بن أُبَيّ (ثار الحيان من
الأوس والخزرج حتى همُّوا أن يقتتلوا ورسول الله قائم على المنبر، فلم يزل
يخفضهم رسول الله حتى سكتوا وسكت) ، والأمثلة في الأسلوب النبوي على
السيطرة على الأزمات التي سببها المنافقون بالذات كثيرة جداً، منها قوله صلى الله
عليه وسلم:» فكيف يا عمر! إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه؟ ! «في
غزوة بني المصطلق، ويمكن الاستزادة منها في كتب السير.
* عقلية الحصار:
مع تفاعل الأزمة وتسابق الأحداث وتلبد السماء بالغيوم السوداء نشعر أننا
أصبحنا ضحايا سقطنا جراء إساءة الفهم، وليس هناك من يهتم بروايتنا للأحداث أو
يوافق قصتنا، ويرمقنا الجميع بسهام الاتهام؛ فلا نجد الإجابة للسؤال. تقول
عائشة ﵂ صاحبة المعاناة:» دخل علينا رسول الله صلى الله
عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ ما قيل قبلها، وقد لبث
شهراً لا يوحى إليه في شأني، قالت: فتشهَّد رسول الله ﷺ حين
جلس، ثم قال: أما بعدُ يا عائشة! فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا؛ فإن كنت بريئة
فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا
اعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه، قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه
وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله
فيما قال! قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ! فقلت
لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ ! قالت: والله ما أدري ما أقول
لرسول الله ﷺ ! قالت: فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً
من القرآن: إني والله لقد علمت؛ لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم
وصدقتم به؛ فلئن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك،
ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقُنِّي، والله ما أجد لكم
مثلاً إلا قول أبي يوسف: [فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ]
(يوسف: ١٨) . قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا حينئذ
أعلم أني بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكنْ والله ما كنت أظن أن الله منزل
في شأني وحياً يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بأمر
يتلى « [٢٣] .
* التركيز قصير الأمد:
في خضم معمعة الأزمة لا بد من العمل على ضبط النفس وعدم الثوران
والغضب، ومحاولة استجماع القوى، والتفكير الصحيح في كيفية الرد المنطقي
السليم، ومن أقوى السبل في الحصول على حالة من الثبات النفسي» اتباع نظام
العزلة المؤقتة عند التعرض للمشاكل، والفكرة هنا أن الفرد يحتاج إلى مسافة أكبر
بينه وبين المشكلة التي يتعرض لها؛ إذ إنه من المرجح أن يفقد المرء قدرته على
تصور الأمور بشكل سليم عند بقائه قريباً جداً من القضايا الصعبة « [٢٤] ولذلك نجد
الرسول ﷺ وافق على طلب عائشة ﵂ الانتقال
إلى بيت والدها عندما شاع الخبر، مع يقينه الكامل ببراءتها مما نسب إليها.
المرحلة الثانية: مرحلة التعامل مع الأزمة:
هي المحور الرئيس في المعالجة الفعلية للأزمة، وفيها يتم العمل على حل
هذه الأزمة مع جمهور المجتمع الأزموي على ضوء المعطيات السابقة، والملَكة
الإدارية لدى القيادة في حل هذه المشاكل، وذلك من خلال ثلاث خطوات:
١ - التعامل مع الجمهور المتأثر:
فمن خلال ما سبق من الروايات يجب علينا مراعاة الآتي عند التعامل مع
الجمهور وقت الأزمة:
- تحديد فريق العمل المسؤول عن إدارة الأزمة، ويجب أن يكون ذا قدرات
في التعامل مع هذه الجماهير.
- ضبط النفس والسيطرة على ردود الأفعال.
- (المبادرة إلى قطع الفتن والخصومات والمنازعات وتسكين
الغضب) [٢٥] .
- على القيادة التعامل برفق مع المسببين للأزمة، وأن أمر الخطأ وارد،
وعدم التنصل منهم وطردهم وجعلهم عرضة للهجوم من الغير، ومد يد العون لنقله
إلى بر الأمان؛ فالواقع في أزمة أو في محط اتهام قد يبلغ به الضعف والانهيار
الاعتراف بذنب لم يقترفه، ويطلب التوبة؛ فعلى القيادة الفطنة إفهامه أن التوبة
(تُقْبَل من المُقلع المخلص، وأن مجرد الاعتراف لا يجزئ فيها، وأن الاعتراف
بما لا يقع لا يجوز ولو عرفت أنه يصدق في ذلك، ولا يؤاخذ على ما يترتب على
اعترافه بل عليه أن يقول الحق أو يسكت) [٢٦] .
- طلب الرأي والمشورة من أصحاب الرأي في كيفية معالجة الأزمة.
- أخذ العذر لردود الفعل من بعض الأشخاص في خضم الأزمة؛ فهذه عائشة
﵂ تبين هذا الموقف عندما قال الرسول ﷺ من
على المنبر:» من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ «، فكان اقتراح سعد
بن معاذ ضرب عنقه، ولكن سعد بن عبادة عارض ذلك، فتصف سعد بن عبادة:
» وكان رجلاً صالحاً، ولكن اجتهلته الحمية «.
٢ - دمج التغذية الاسترجاعية في خطة الأزمة:
والمقصود من ذلك العمل على توظيف ردود أفعال الجماهير لصالح حل
الأزمة، ويتمثل ذلك في هذه الحادثة بالآتي:
- غضب المسلمين عند انتهاك حرمة أميرهم واهتمامهم يدفع ذلك [٢٧] .
- توجيه مشاعر التعاطف الجماهيري في اتجاه عدم انتشار الأزمة.
- العمل على إظهار الحقائق للجماهير، ليكون ذلك سبباً في الحد من الأزمة،
والانطلاق نحو الحل النهائي.
- عدم التقليل من شأن آراء الناصحين والساعين في إيجاد الحلول، حتى ولو
كانت بعض هذه الحلول صعبة ومرة في بعض الأحيان.
٣ - تحديد الرسالة الإعلامية الموجهة إلى الجمهور:
لا شك أن للأعلام أهمية بالغة في التأثير على الرأي العام بصفة عامة،
ولذلك كان لا بد من تحديد الرسالة الإعلامية وتوقيتها، ولا بد من وضوح أهدافها
ونوعيتها لمعالجة الأزمة، ومن هنا يجب التنبه إلى عدم السراع في توجيه هذه
الرسالة دون الأخذ بالروية والهدوء، ومن هنا نجد الرسول ﷺ ما
تعجل في توجيه خطاب معين إلى المجتمع المدني؛ فبعد السؤال والاستشارة قام إلى
المنبر وقال:» يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل
بيتي؟ «، وتحمل هذه العبارات الكثير من الفوائد الجليلة في صفات الرسالة
الإعلامية، ومنها:
أ - أن الخطاب كان في كلمات موجزة ذات هدف واضح.
ب - لم يقطع الرسول ﷺ بالنفي أو الإثبات في الأمر،
وإنما قال:» فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً «، وفي حق صفوان:» ما
علمت عليه إلا خيراً «.
ت - تسعى هذه الرسالة إلى توصيل أمرين:
الأول: حقيقة أن الرسول ﷺ لا يعلم إلا بما علمه الله.
والثاني: معرفة آراء الصحابة بخصوص موضوع الإفك؛ فقد جمعت في
محتواها حقيقة معينة ثم معرفة الآراء.
ث - تعليم القادة عدم التسرع بالحكم بالنفي القاطع، وأن الشخص المتهم
(فوق مستوى الشبهات) أو إثبات التهمة عليه بمجرد السماع، وإنما يكون حكمنا
على الظاهر مع التأكيد أن الشخص يصيب ويخطئ، وليكن لدينا هذا الرد الجميل:
(لا نعلم إلا خيراً) في التزكية، وإن كان ذلك كافياً في حق من سبقت عدالته
ممن يطلع على خفي أمره) [٢٨] .
غير أنه يجب التنبه إلى عدم تحديد شخص بعينه أنه هو وراء هذه الأزمة
مصداقاً لقوله ﷺ :» من يعذرني في رجل بلغ أذاه في أهلي؟ «
وفي ذلك عدة فوائد منها:
١ - قد ينساق أشخاص من داخل الصف الإسلامي في معمعة هذه الأزمة،
ويشارك في إثارتها، دون قصد للشر، فتبقى هذه التهمة وصمة عليه، ومثال ذلك
مشاركة بعض الصحابة - رضوان الله عليهم - أجمعين في حديث الإفك مثل حسان
بن ثابت، ومسطح بن أثاثة.
٢ - قد يكون من بين الصف النفاقي من ليس له أي علاقة بالموضوع من
ينسب إليه التهم بأنه المسبب لهذه الأزمة أو تلك، وبعد بيان الحقيقة يظهر أنه
بريء مما نسب إليه، فيجد في ذلك ذريعة للتهجم على الصف الإسلامي.
٣ - عدم رمي الآخرين بأسباب الأخطاء أو المشاكل التي نقع فيها دون بينة
وإثبات، بل يجب التثبت أولاً، ومواجهة الأزمة مواجهة حقيقية سعياً إلى إيجاد
العلاج الناجع.
ومن خلال ما سبق ذكره يمكن وضع ثلاث نقاط مهمة عند توجيه الرسالة
الإعلامية:
(١ - الحصول على الوقائع المتصلة بمشكلة معينة بأسرع ما يمكن؛ فأسوأ
الأمور هو التصريح لوسائل الإعلام بمعلومات غير صحيحة.
٢ - إذا لم تكن تعرف الجواب عن سؤال فلا تجب بأي شيء، فإذا أعطيت
الأجوبة فإنه يكون من الصعب نفيها.
٣ - اطرق جوهر المشكلة ولا تحاول الالتفاف حولها، وهنا ينبغي تكوين
مصداقية مع وسائل الإعلام بإبداء التجاوب والثقة) [٢٩] .
المرحلة الثالثة: مرحلة ما بعد الأزمة:
من الخطأ الذي تقع فيه بعض القيادات الإدارية بشكل عام والقيادات الدعوية
بشكل خاص أنه بعدما تنتهي عاصفة الأزمة وتنقشع غيومها وتنفرج تلك العقدة التي
كانت محكمة، أن يُظَنَّ أن القضية قد انتهت فيُغفل عن أهمية الاستفادة من هذه
الأزمة وتحديد الدروس المستفادة من تلك التجربة التي مرت، والأدهى من ذلك كله
أنها تمر أزمة وأختها دون العمل على إغلاق منافذ الفتن أو العمل على حصر
دورها وقدراتها، ومن خلال حادثة الإفك وبعد إعلان براءة عائشة - رضي الله
عنها - يتبين لنا عدة فوائد تحققت بسبب هذه الأزمة التي كان يراد منها إلحاق أكبر
قدر ممكن من الخسائر، ولكن بفضل الله ومنته تحولت الخسائر إلى مكاسب
والهزيمة إلى نصر، نذكر منها:
* إن الأزمة التي يمر بها الشخص قد تكون سبباً لخير كثير لم يكن ليحصل
عليه لولا الوقوع في الابتلاء، ولذلك يجب أن يكون العمل بعد الأزمة السعي
للانطلاق في طريق البناء، من خلال هذه المكاسب وعدم النظر للأزمة بأنها شر
محض؛ ودليل ذلك قوله - تعالى - عن حادثة الإفك: [لاَ تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ
هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ
عَظِيمٌ] (النور: ١١) لما تضمن ذلك من تبرئة أم المؤمنين ونزاهتها والتنويه
بذكرها حتى تناول عموم المدح سائر زوجات النبي ﷺ ، ولما
تضمن ذلك من بيان الآيات المضطر إليها العباد التي ما زال العمل بها إلى يوم
القيامة؛ فكل هذا خير عظيم ولولا مقالة أهل الإفك لم يحصل ذلك، وإذا أراد الله
أمراً جعل له سبباً، ولذلك جعل الخطاب عاماً مع المؤمنين كلهم، وأخبر أن قدح
بعضهم ببعض كقدحٍ في أنفسهم» [٣٠] .
* «تدريج من وقع في مصيبة فزالت عنه لئلا يهجم على قلبه الفرح من أول
وهلة فيهلكه، يؤخذ ذلك من ابتداء النبي ﷺ بعد نزول الوحي
ببراءة عائشة بالضحك، ثم تبشيرها، ثم إعلامها ببراءتها مجملة، ثم تلاوته
الآيات على وجهها، وقد نص الحكماء على أن من اشتد عليه العطش لا يُمَكَّن من
المبالغة في الري لئلا يفضي به ذلك إلى الهلكة بل يجرع قليلاً قليلاً» [٣١] .
* يجب النظر بعد الأزمة إلى تصفية النفوس داخل المجتمع، والعمل على
الاهتمام بالأثر النفسي الذي خلفته هذه الأزمة في صفوف المجتمع، بل يجب
الإحسان إلى المسيء بعد أداء العقاب الخاص به، وأن لا تكون هذه الأزمة سبباً
لمقته من المجتمع؛ فهذا مثال حي للمعالجة الربانية لبعض الآثار التي خلفتها مقولة
الإفك على أبي بكر الصديق ﵁ حين نزلت الآيات «تتناول الأمة
إلى يوم القيامة بألا يغتاظ ذو فضل وسعة فيحلف ألا ينفع من هذه صفته غابر الدهر
روي في الصحيح أن الله ﵎ لما أنزل: [إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ
عُصْبَةٌ مِّنكُمْ] (النور: ١١) العشر الآيات قال أبو بكر ﵁ وكان
ينفق على مسطح لقرابته وفقره:» والله لا أنفق عليه شيئاً أبداً بعد الذي قال
لعائشة «، فأنزل الله تعالى: [وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي
القُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ
اللَّهُ لَكُمْ] (النور: ٢٢) قال عبد الله بن المبارك:» هذه أرجى آية في كتاب
الله - تعالى - «. فقال أبو بكر ﵁:» والله إني لأحب أن يغفر
الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه
أبداً « [٣٢] .
* إن خطأ الفرد في المجتمع لا يكون أبداً سبباً في تعطيل طاقات ذلك الفرد
وعدم أهليته للمشاركة في البناء، ويجب العمل على الاستفادة منه في عملية البناء
بعد بيان الخطأ الذي وقع فيه، كذلك يجب التنبه إلى عدم رمي المذنب أو المخطئ
بإحباط العمل ونجعل منه أسير خطئه، ونسيان حسناته السابقة، ف» القذف وإن
كان كبيراً لا يحبط الأعمال؛ لأن الله - تعالى - وصف مسطحاً بعد قوله بالهجرة
والإيمان، وكذلك سائر الكبائر، ولا يحبط الأعمال غير الشرك بالله، قال -
تعالى-: [لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ] (الزمر:٦٥) « [٣٣] .
ومن خلال ما سبق نستخلص هذه الآلية في التعامل مع المجتمع بعد الأزمة
على النحو الآتي:
(١ - الاستمرار في إيلاء الاهتمام بالجماهير.
٢ - الاستمرار في مراقبة المشكلة إلى أن تتناقص حدتها.
٣ - تقييم كيفية عمل خطة الأزمة، وكيفية استجابة الإدارة والعاملين.
٤ - دمج التغذية الارتجاعية في خطة الأزمة وتحسينها ومنع أي أزمات
مستقبلية.
٥ - تطوير استراتيجية طويلة الأمد للاتصالات لتقليل الأخطار الناجمة) [٣٤] .
стр. 3887
قضايا دعوية
يعرفون الحق وهم له منكرون
محمد جلال
لم يزل بخاطري ريْحانة قريش الوليد بن المغيرة وهو يجلس بين قومه يصف
القرآن بعدما سمعه: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن
أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه، فيصيح القوم: صبأ الوليد، ويقوم إليه
شيطانهم أبو جهل ويهمس في أذنيه بكلمات ثم يعود ثانية إلى مجلسه. وأقبل الوليد
على القوم بوجهه، وظن القوم أن الوليد سيقف موقف الداعي لهذا الدين الجديد؛
فالأمر ليس ببعيد؛ فمِن قَبْله عَدَا عمر إلى رسول الله ﷺ ليقتله،
وعاد من عنده مسلماً، ولكن الوليد خيّب ظنهم فلم يكن إقباله عليهم إقبال المخلص
الداعي لهذا الدين الجديد بل كان المخلص الداعي لدينهم.
ويتكلم الوليد.. يصيح فيهم بأن قولوا في الرجل قولةً واحدةً.. ولا تختلفوا
حتى لا يظهر كذبكم.
ويعرض القوم آراءهم: نقول ساحر.. نقول شاعر.. نقول كاهن.. نقول
كاذب.. والوليد لا يجد الوصف مناسباً فيردّه.
ويُسند إليه الأمر: قُل أنت يا أبا عمارة نسمع. ويصمت الوليد.. يجولُ
بفكره.. يحاول أن يجد نقيصة في الرجل أو في منهجه [إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ
كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ]
(المدثر: ١٨-٢٣) .
يحاول الوليدُ ويحاول.. ولكن أنّى له؟ !
فالرجل هو الصادق الأمين، ومنهجه هو هو الذي وصفه من قبل بأن له
حلاوة وعليه طلاوة.
ويعجز الوليد، ويعود إلى بعض آرائهم التي قالوها هُم وردها هو من قبل،
يقول: قولوا ساحر، ثم يُدَلل على قوله وما أكذبه: ألا ترون أنه يفرق بين الرجل
وزوجته، والابن وأبيه [فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ البَشَرِ]
(المدثر: ٢٤-٢٥) .
ويصيح القوم فرحاً بهذا! !
قاتلك الله يا وليد! ما حملك على ألا تفعل ما فعل عمر، وقد وصفت القرآن
بما هو حق، ونفيت عن رسول الله ﷺ ما ليس بحق؟ ! كأني
بقريش وقد أقسم الملأ منهم أن ما يأتي به محمد ﷺ هو من عند
هذا الغلام الأسود الذي يعتكف بجواره في غار حراء، كأني بهم وقد كلمت وجوههم
وهم يرون هذا الغلام لا يتكلم العربية [وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ
الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ] (النحل: ١٠٣) .
كأني برسلهم تعدو في الصحراء تقصد اليهود يسألونهم عن خبر هذا النبي،
ويعطيهم اليهود الأمارة: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم؟ سلوه
عن رجل طوَّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟
سلوه عن الروح ما هي؟
ويُعطونهم صفة الإجابة، وتعود الرسل، ويحشر الملأ القوم منادين فيهم:
جئنا بالقول الفصل بيننا وبين محمد ﷺ ، ويعطيهم الصادق الأمين
الأمارة تامة.
ثم.. ماذا حدث؟
الموقف لا يتغير ولا يتبدل، يظهر الحق ويستيقن فريق من الناس، ثم
يعاندون.
وما كانت قريش بدعاً؛ فقد كان لهم سلف فيمن مضوا قوم نوح [قَالُوا يَا
نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ] (هود: ٣٢)
جُودِلوا ودحضت حجتهم؛ فالطبيعي بعد هذا هو الإيمان، ولكن انظر إلى كلامهم
ما أعجبه [جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ]
(هود: ٣٢) .
وقوم عاد ينادون نبيهم هوداً ﵇: [قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ
وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ] (الأعراف: ٧٠)
فهم إذن يفهمون الرجل، ولا يكون ذلك إلا بإظهار الحجج والبراهين، ثم انظر
إلى موقفهم بعد هذا البيان، وكيف أنه يطابق موقف من كان قبلهم.
وقوم ثمود يطلبون الآية فتأتيهم، ثم ماذا؟ هل آمنوا؟ أبداً لا بل عقروا الناقة
وقالوا قولة من قبلهم [فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا
تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ المُرْسَلِينَ] (الأعراف: ٧٧) .
وقوم لوط [وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ
إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ] (الأعراف: ٨٢) لِمَ يا قوم؟ [إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ]
(الأعراف: ٨٢) ألهذا؟ ! !
وقوم خليل الله إبراهيم ﵇: [فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ
أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ]
(العنكبوت: ٢٤) .
وإن تعجب فمن أهل مدين قوم شعيب ﵇ نبي الله؛ إذ يبلِّغ
رسالة ربه فيؤمن البعض، ويكفر البعض الآخر، ويأخذ الرجل بمبدأ المسالمة:
[وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ
اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ] (الأعراف: ٨٧) ، أفي هذا عيْب؟ ولكن انظر
ما ردّ الملأ [قَالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا
مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا] (الأعراف: ٨٨) .
الموقف من الدعوة ورجالها هو هو، المنطق نفسه يتكرر، ولا يكاد يتغير،
يعرفون الحق ويستيقنون منه تماماً ثم لا يتبعونه، وليت الأمر بقي على هذا فالبلية
به خفيفة، بل يعلنون أنه لا هوادة، ولا مقام مع الحق وأهله. وانظر إلى هذه
الآيات من سورة إبراهيم كيف أنها تكلمت بألسنتهم مجتمعين على تفرقهم زماناً
ومكاناً - كأنهم فردٌ واحد - قال - تعالى -: [أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ
نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا
أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ
مُرِيبٍ * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن
ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا
كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ
اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى
اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى
مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ
أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا] (إبراهيم: ٩-١٣) .
فانظر كيف أن الخيار بين أمرين لا ثالث لهما: [لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ
لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا] (إبراهيم: ١٣) ، وكيف أن هذا هو كلام الكفار جميعهم في
مختلف أزمنتهم [قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ] (إبراهيم: ٩) .
يا ليت أن السائرين إلى ربهم، الداعين إلى صراطه المستقيم يعلمون هذا..
يعلمون أنه لا التقاء بين الفريقين فيعدون العدة، ويشمرون عن الساق، ويجدُّون في
الأمر فقد طال النّوم! !
وبقي شيء هو أن هذا ليس حال الكفار جميعهم، بل هو حال الملأ منهم
وخاصة من لهم مصالح تتعارض مع تطبيق الشريعة، وهناك ممن هم ليسوا من
أهل الإسلام من لو سمع به وعلمه على حقيقته لسارع إليه، وهؤلاء هم من يُرجى
من الله هدايتهم، وأما أولئك فهم من زاغت قلوبهم، وأبتْ إلا الزيغ.
فاللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى. وآخر دعوانا أن الحمد لله
رب العالمين.
стр. 3888
تأملات دعوية
ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون
محمد بن عبد الله الدويش
www. dweesh. com
يتكرر في كتاب الله ﵎ المقابلة بين الحق والشرع، وبين
اتباع الهوى؛ فهما نقيضان لا يجتمعان؛ فحيث يأتي الأمر باتباع الشرع يأتي النهي
عن اتباع الهوى: [ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ
لاَ يَعْلَمُونَ] (الجاثية: ١٨) .
والحكم بالشرع يأتي مناقضاً للهوى: [فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ
أَهْواءَهُمْ] (المائدة: ٤٨) وجاء هذا التحذير للأنبياء السابقين: [يَا دَاوُودُ إِنَّا
جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ] (ص: ٢٦) . قال الشاطبي:
«فقد حصر الأمر في شيئين: الوحي وهو الشريعة، والهوى؛ فلا ثالث لهما.
وإذا كان كذلك فهما متضادان. وحين تعيَّن الحق في الوحي توجه للهوى ضدُّه؛
فاتباع الهوى مضاد للحق» [١] .
ولقد جاء هذا الأمر متسقاً مع فطرة الله ﵎ التي فطر الناس
عليها، وبدون ذلك تفسد السماوات والأرض ومن فيها: [وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ
لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ] (المؤمنون: ٧١) .
وقد أخبر ﵎ أن الناس قد زينت لهم الشهوات: [زُيِّنَ لِلنَّاسِ
حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ
المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ]
(آل عمران: ١٤) .
ومع طول عهد الناس بعصر النبوة، وبُعدهم عن الصدر الأول، زادت
الأهواء واستولت الشهوات على النفوس، ورقَّ الدين لدى الناس، وهان شأنه
عندهم.
وزاد الطين بلة ارتباط المسلمين بالعالم الغربي الذي سيطرت عليه المادة،
واستولت على حياة الناس، وضمرت لديهم المعاني الجادة، وتقلصت في حياتهم.
وقد يترك هذا الأمر أثره على بعض الدعاة والغيورين، فيحرصون على
مجاراة واقع الناس، ويعيدون النظر في كثير مما كانوا يقررونه من الأحكام
الشرعية؛ لأن الناس قد ثقل عليهم الالتزام بها.
ولا شك أن الشرع لم يأت بتكليف الناس بما لا يطيقون، وأن الدين يسر ليس
فيه عسر ولا مشقة، وأن من قواعد الشريعة أن المشقة تجلب التيسير، وأنه لا
ضرر ولا ضرار.
لكن الاستطراد في هذا الباب قد يوقع صاحبه في مجاراة أهواء الناس،
وتطويع الشرع وفق شهواتهم ورغباتهم؛ ومن ثم فلا بد من الانضباط والاتزان في
ذلك؛ بالحذر من التضييق على الناس والمشقة عليهم فيما وسعه الشرع، والحذر
من الانزلاق في السير وراء الأهواء وتمييع الشريعة.
ومما ينبغي مراعاته في ذلك:
* تربية الناس على تعظيم نصوص الشرع والتسليم لها وترك الاعتراض
عليها، وأن النص الشرعي حاكم على حياة الناس ولا مجال لاجتهاد يعارضه.
* تربية الناس على التعلق بمتاع الآخرة، وأن الدنيا دار شهوات وأهواء
وظل زائل، وأن الجنة قد حجبت بالمكاره، والنار قد حجبت بالشهوات.
* اليقين بأن ما دل عليه الشرع فهو في مصلحة الناس، وهو وفق طاقتهم
وقدرتهم.
* أن من مقاصد الشرع تعبيد الناس لرب العالمين، وتخليصهم من رق
الهوى، وأسره. قال الإمام الشاطبي: «المقصد الشرعي من وضع الشريعة
إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبداً لله اختياراً، كما هو عبد لله
اضطراراً» [٢] .
* أن مجاراة الناس في الترخُّص والتيسير لا تقف عند حد؛ فماذا نفعل بمن
تتبرم من لبس الحجاب، ومن يتبرم من صيام رمضان في الحر، والسفر للحج لما
فيه من جهد ومشقة؟ بل ماذا نصنع بمن يضيق بالجهاد لما فيه من إراقة الدماء،
وإزهاق النفوس، وذهاب الأموال؟
إن من واجب الدعاة إلى الله اتباع المنهج الشرعي، والتيسير فيما يسر فيه
الشرع، وأخذ الناس بالحسنى، ومع ذلك فلا يؤدي الترخص إلى تهوين شأن
العبودية والتسليم لله ﵎، وتعويد الناس على الجرأة على معصيته
، وألا يدعونا فساد الواقع إلى تطويع الشرع لتسويغه.
اللهم ارزقنا الفقه في الدين، واتباع سبيل المرسلين.
стр. 3889
نص شعري
قصة القدس
د. عبد الغني أحمد مزهر التميمي [*]
ليس للتين أو الزيتون نغضبْ ...
نحن للإسلام لا للأرض ننسبْ ...
ليس للموز أو الليمون أو قمح الموانئ ...
نحن لسنا من عبيد الطقس ديدان الشواطئ ...
ما عشقنا في فلسطين صِباها ...
أو صَباها، أو رباها ...
ما عشقناها عروساً في بهاها تتطيّبْ ...
كفّها في ليلة الحنّاء تخضبْ ...
ما عشقناها مناخاً وفصولاً ...
وجبالاً وهضاباً وسهولا ...
بل عشقناها دويّاً وصليلا ...
وغباراً في سبيل الله يُسفى، وصهيلا ...
وسطوراً بل فصولاً في كتاب المجد تكتب ...
عبر أجنادين، أو حطين، أو غزة طولا ...
وسرايا أمّة الكفر على صدر صليب الكفر تصلب ...
* * *
وعشقنا في فلسطين من الأهوال جيلاً ...
جعل التكبير والأحجار أقوى خطبة للعصر تخطبْ ...
جيل أبطالٍ من الأطفال في الضفة ينجبْ ...
هكذا تبقى فلسطين ضميراً، وكياناً في دمانا يتلهبْ ...
هي في عمق هوانا درة من درر الإسلام تسلبْ ...
ولهذا ليس للتين أو الزيتون نغضبْ ...
* * *
مزقونا وانثروا اللحم على كل طريقْ ...
لا تبالوا، حرّقونا وارقصوا حول الحريق ...
وزعونا في الصحاري، أطعمونا للحواجز ...
كل هذا في نظام الغاب جائز ...
غير أنا لن نبيع القدس أو أيَّ مدينةْ ...
هل يبيع المؤمن الصادق للأعداء دينهْ؟ ...
* * *
ارحمونا من تفاهات حلولٍ في المزادْ ...
ودروسٍ من مساق الذلّ تقرا وتعادْ ...
ما رضينا، فقبول الظلم ظلمٌ، والرضا بالعار عارْ ...
قد نذرنا دمنا لقنديل الجهادْ ...
حلُّنا يأتي عزيزاً فوق صهْوات الجيادْ ...
ليس في الأكفان محمولاً إلى «أرض الميعاد» ...
* * *
جرِّدونا من رداء المجد من نبض الفضيلةْ ...
أسعروا الحرب علينا بقوانين القبيلةْ ...
لم نكن يوماً على دين (غُزَيّةْ) [١] ...
بل على أقدامنا تنهار دعوى الجاهليةْ ...
عهدنا باق إلى آخر مسجدْ ...
لن نبيع القدس يوماً ما بقيْ فينا موحِّدْ ...
* * *
ثم ماذا قيل عن هذي القضيّةْ؟ ...
قال حكامٌ، وقوادٌ كبارٌ وجنودْ ...
أرضكم أرض ككلِّ الأرض في هذا الوجودْ ...
لا تزيدوا وجع الرأس علينا واتركوها لليهودْ ...
هي لا تُنبت دُرّاً أو زبرجدْ ...
ليست الأحجار فيها من عقيق لا ولا التربة عسجدْ ...
قلت: يا قوم أقلوا إنها مسرى محمّدْ ...
إنها معراجه المفضي لأطباق السماءْ ...
وبها صلى بكل الأنبياءْ ...
هل رأيتم في رؤى الماضي، أو الدنيا الجديدةْ ...
هل علمتم، أو سمعتم، أو قرأتم في كتاب أو جريدةْ ...
أن فينا مؤمناً يطرح للبيع (عقيدةْ) ...
* * *
أرضنا القدسُ مزيجٌ من صمود ومرارةْ ...
لم تكن يوماً لبيع أو إعارةْ ...
هي للأمة (ميزان الحرارةْ) ...
ناطق التاريخ في أحيائها يطلب ثارهْ ...
كل شبر من ثراها فيه للتلمود غارةْ ...
هذه القدس نسيج من سناء وطهارةْ ...
ها هو الفاروق في أفيائها يرفو إزارهْ ...
وصلاح الدين يمحو أثر الكفر الصّليبيِّ وعارهْ ...
ثم في غفوة قومي ...
قبض الرايةَ أطفالُ الحجارةْ ...
* * *
ثم ماذا؟ ولماذا؟ ...
تسعة الأصفار تبقى أمةً تلهو وتلعبْ ...
أدمىً نحن؟ رجال من عجين نتقولبْ ...
أم ظهورٌ ومطايا «كل من يرغب يركبْ» ؟ ...
سخر التاريخ منَّا ...
دمنا يرخص كالماء، ولا كالماء يُشربْ ...
إن تكن تعجب من كثرتنا، فالجُبنُ أعجب ...
قد يخيف الذئبُ من أنيابه مليارَ أرنبْ ...
* * *
آهِ! واقدساه من ظلم قريبي ...
وهو يكويني، ومن كيد البعيدْ ...
لا تلوميني على غمي وحزني ...
لا تلوميني على بؤسي ووهني ...
لا تظني غيْبتي من سوء ظنّي ...
أو قعودي عن لظى الحرب لجبني، أو لسنّي ...
لا تلوميني فإني ...
زرعوا قيدين في رجليّ: قيداً من حديدْ ...
مدمنَ العضِّ، وقيداً من حدودْ ...
كلما جئت مطاراً أو قطاراً للعبورْ ...
قدَّم القوم اعتذاراً: أنت ممنوع المرور! ! ...
هذه أوراق إثباتي بأني عربي ...
مولدي، أمي، أبي، عمّي، أخي، جد أبي ...
سحنتي، لوني، لساني، نسبي ...
عشت في هذي البراري منذ عاش الدينصورْ ...
وأكلت الحنظل المرّ ومنقوع القشورْ ...
قذفوا الأوراق في وجهي ولفوا طلبي ...
وجهاراً أقسموا لي: أن سرّ المنع أني عربي ...
هذه التهمة مهما بلغت نصف الحقيقةْ ...
نصفها الآخر يكمن في تلك (الوثيقةْ) ...
كتب الكاتب فيها أنني من أهل (غزةْ) ...
قرروا أن يشطبوها، كرهوها ...
إنها تشبه في الأحرف (عزّةْ) ...
* * *
ثم ماذا؟ ! ...
حرموني من صغاري، من عيوني ويديَّا ...
حرّموا الحبَّ عليَّا ...
جربوا كل سياط القهر فيّا ...
صادروا الحرف الذي أقوى على النطق به ...
قلعوا الأضراس من فكيّ قصوا شفتيَّا ...
حطموا كل عظامي ...
وبعنف مارسوا الإرهاب في ذاك الحطامِ ...
وتلا القاضي على الناس اتهامي: ...
أنني شخص أصولي أجيد العربيةْ ...
ولدى نفسي بقايا من حميةْ ...
أنني (مُعدٍ) لكوني فيّ (فيروس) القضيّةْ ...
ثم ماذا؟! ...
ذات يوم أبصروا في شعر وجهي بعض آيات الصلاحْ ...
هذه الشعرات عنوان الرجولةْ ...
فتنادى علماء النفس والخبرة من كل البطاحْ ...
درسوني وطنيّا ...
درسوني عربيّا ...
درسوني عالميّا ...
فإذا التقرير قد أوصى بنتف الشعر بحثاً عن سلاحْ ...
ثم ماذا؟! ...
ذات يوم هدموا جدران بيتي ...
ورموني في العراءْ ...
تحت نهش البرد والظلمة في فصل الشتاءْ ...
ليس شي بين جلدي وصقيع الأرض أو قطر السماءْ ...
رجفت أعضاء جسمي واستقر الموت في لحمي وعظمي ...
فتنادوْا لاكتشافي ...
رصدوا كل خفايا حركاتي باهتمامْ ...
فحصوا نبضات قلبي ودمائي بانتظامْ ...
درسوني وطنيّا ...
درسوني عربيّا ...
درسوني عالميّا ...
وأداروا آلة التنقيب عن أسرار همي ...
فأتى التقرير مختوماً بتوقيعي وختمي: ...
هو شخص دموي حركي ...
قلبه يخطر في أعماقه (قلب النّظام) ...
* * *
ثم ماذا؟ ! ...
ذات يوم وقف العالم يدعو لحقوق الكائنات ...
كل إنسان هنا، أو حيوانٍ، أو نبات ...
كل مخلوق له كل الحقوق ...
هكذا النصّ صريحاً جاء في كل اللغات ...
قلت للعالم: شكراً أعطني بعض حقوقي ...
حقَّ أرضي، وقراري، وحياتي ...
فتداعى علماء الأرض والأحياء من كل الجهات ...
درسوني عالميا ...
فأتى التقرير: «لا مانع من إعطائه حقَّ الممات» ...
* * *
كيف أمسيتِ بلادي؟ كيف أصبحتِ بلادي؟ ...
كيف أمسى البدر في جوّك مغلول الأيادي ...
آه يا قدسي الحزينة، كيف أنسى شامة الشام السجينةْ ...
لا تلومي صارخاً يصرخ في كل النوادي ...
لا تلومي باكياً أبحر في الدمع سفينهْ ...
لا يلام المقعد المكروب إن أدمى عيونهْ ...
لا يلام الهائم المشتاق إن أبدى أنينهْ ...
قصة القدس دماء، وجراح، وكرامات طعينةْ ...
ليست القدس شعاراً عربيّاً كي نخونهْ ...
ليست القدس مناخاً للسياحات المشينةْ ...
ليست القدس يتامى، وطحيناً، ومعونةْ ...
إنها القدس، وحسبي أنها أخت المدينةْ ...
بسط البغي لها كفاً من الغدر، لعينةْ ...
كفَّ جزار رهيب، جعل الإرهاب دينهْ ...
قبل أن يبسط للسلم يديه وقرونهْ ...
مدّ للأغوار رجليه، وللنفط عيونهْ ...
واقرؤوا القرآن يا قومي لما لا تقرؤونهْ ...
كم نبي، وتقي دون حق يقتلونهْ ...
كم عهودٍ خفروها، واتفاق يهدرونهْ ...
لو هدمتم لهمُ الأقصى ودمرتم حصونهْ ...
وبنيتم لهمُ الهيكل أو ما يطلبونهْ ...
ثم أهديتم فلسطين لهم دون مؤونةْ ...
طالبوكم عبر أمريكا وأوروبا بإبداء المرونةْ ...
* * *
هذه القصة لا سلم ولا ما يحزنونهْ ...
قصة القدس انتقامٌ، صفقاتٌ، ومجازرْ ...
قصة القدس خياناتٌ، وعهرٌ، وكبائرْ ...
وذروني أُجمل القصة في هذا المقامْ: ...
قام قُصَّاصٌ، ووُعَّاظٌ، وتجار كلامْ ...
بشرونا بسلامٍ، ونظام عالمي لا يضامْ ...
هكذا يزعم أقطاب النظامْ ...
يا لقومي! منحة السلم عصا، طبخة السّلم حصى ...
هل سنطهو من حصى السّلم طعامْ؟ ...
يا بني قومي اسمعوها ...
صرخة مني تدوي في الأنامْ: ...
عن قريب، عن قريب، تلد الأجواءُ إعصارَ السلامْ ...
وعلينا، وعليكم، وعلى الدنيا السلامْ ...
стр. 3890
ندوات ومحاضرات
العلمانية والفن
(٢ - ٢)
وائل عبد الغني
في الحلقة السابقة تحدث ضيوف الندوة عن جوانب من مسألة العلمانية والفن،
فبينوا ماهية العلمانية وأنها نتاج المجتمعات الأوروبية، وأن الفن جزء من ثقافة
أي أمة، ويتوقف أثره على هدف من يستعمله، وأن الفنان المسلم يهدف إلى قيمه
بالدرجة الأولى، ولو نظرنا إلى فلسفة الفن خلال نصف القرن الماضي لتبين لنا
مدى التجني والخبث العلماني، وفي هذه الحلقة نمضي مع ضيوفنا نتلمس أبعاد
المسألة وأطوارها.
- البيان -
* أ - محمود خليل:
هذه السقطة التي سقطها نجيب محفوظ.. سقطها جيل كامل من الروائيين
السوريين والمغاربة والمصريين؛ ف (أولاد حارتنا) .. هي (قنديل أم هاشم)
ليحيى حقي، و (انتصار العلم على العقيدة) .. هي (نهر الجنون) لتوفيق
الحكيم.. هي (محمد رسول الحرية الثائر على العبيد) .. وهي (الحسين شهيداً
والحسين ثائراً) ... ، كان سقوطاً لجيل كامل؛ لأن تلك الفترة كانت فترة مد
ماركسي، وكان الدافع الأول كما قال أستاذنا هو التشويش والشغب على العقيدة
ليصبح بعد ذلك ما ينادون به واقعاً.
لكن أريد أن أنقل الكلام إلى الفنون المرئية باعتبارها صناعة تكنولوجية
معقدة، وإذا كانت الأقصوصة والرواية المسرحية والعمل الملحمي لها أصول
عربية وأصول إسلامية.. فهذا لا نقاش فيه، لكن الآن أصبحت هذه كمالئات
الفراغ، كالمحتوى للكمبيوتر.. مع دخول الآلة الجهنمية.. ومع دخول رأس المال
القوي جداً.. ومع دخول الأيديولوجيات العالمية المنظمة لمثل هذه الألعاب
الشيطانية العالمية.. ومع وجود الحكومات الخفية في العالم أصبح الأمر أعقد
وأكثر تركيباً وغموضاً مما نظن.
نعم الرواية فن عربي، والحكاية فن عربي. نحن أمة حكاءة وأمة تتلقى
وتحفظ.. وأمة ذاكرتها في التلقي والإمتاع، والاستماع فن أصيل عندنا، لكن
التوظيف المعاصر والتركيب الذي دخلت فيه هذه الفنون أصبح فناً لا يمكن أن نقول
إن لنا فيه ناقة أو جملاً، نحن نتلقى، وللأسف نتلقى، ونعرف أننا نتلقى..
ونعرف أننا ضمن دائرة المؤامرة، ونحسن التفسير التآمري لهذه الأحداث ولا
نصنع شيئاً؛ لأننا لا نملك أن ندخل الملعب الجهنمي العالمي الذي خطط ووزعت
أدواره بعيداً عنا، ولا نملك إلا أن نكون في مقاعد المشاهدين المهزومين، ليس هذا
إلغاءً لدورنا ولكنه توصيف لواقع نبحث له عن حل مستقبلي، والحل من وجهة
نظري ليس في الخصام؛ لأنه سيقتحم عليّ، وسيدخل على الرغم مني.. الآن تم
توزيع المناطق غزيرة الإشعاع في المنطقة الإسلامية، واحتُل الفضاء كما احتُلَّتِ
الأرض في اتفاقية: سايكس بيكو، وسيقتحم الإرسال علينا دون حاجة إلى أطباق.
لا بد أن نبحث عن الحل إذا كنا نريد أن نحيا هذا الواقع، وأن نعلن تحريراً
ولو جزئياً لمعنوياتنا وعقولنا وتربية أبنائنا، لا بد أن نكون شيئاً في عالم الكبار
الذي يرفض الصغار، ويرفض الأعمال الفردية مهما كانت همة أصحابها.. لا بد
من عمل إسلامي عالمي يمثل رأس المال الركيزة الأولى فيه، وأن تكون الأقمار
الصناعية الإسلامية ليس لنقل مباريات الكرة ولا مهرجانات السينما ولا السياحة
الترفيهية.
* د. عبد العظيم المطعني:
أتأذن لي بسؤال تجيب عليه؛ باعتبارك إعلامياً؟ قلتَ إنهم هم يملؤون الفراغ؛
ولو وجدوا فضاءنا مملوءاً لما ملؤوه ... باعتبارك إعلامياً قد يكون المنتج لنماذج
فن إسلامي موجود لكن هل تضمن له أن يملأ الفراغ أو يزاحم ما يسمى بالفن وهو
ليس فناً ولا أدباً..؟ هذه هي مشكلتنا.
* أ - محمود خليل:
الفنون العالمية تعاني من جدب في النتاج الإنساني الذي يرد الإنسان إلى
إنسانيته، الأفلام الإيرانية حققت نجاحات عالمية من باب التقييم البحت، وقد رأيت
عدداً منها ليس فيها ملاحظة عقدية واحدة، وهي تعرض لمتطلبات إنسانية بحتة
بصورة نظيفة بعيداً عن الإسفاف العلماني. الأفلام الهندية البوذية لأنها أفلام طبيعة
وأفلام انطلاق لا تتاجر بالجنس لها مكانتها في عالم الفن [*] . نحن لدينا انتاجنا
الأدبي الذي يمكن أن يمثل ذاتيتنا؛ فعلى سبيل المثال الأستاذ نجيب الكيلاني -
﵀ وإن كان للبعض ملاحظات عليه كان يقول: سأموت محسوراً؛ لأن
عملي الذي أبدعته لم يجد تجسيداً إسلامياً يسد تصويرياً ما وقعت فيه إبداعياً، ولكن
للأسف.. رغم ما عرض عليَّ من عروض سخية جداً، لم أرد أن أقضي نصف
حياتي في السجن، ونصفها الآخر يعبث بها المنتجون غير المسلمين، أو أن أكون
كالجاحظ مع تلميذه؛ أُملي عليه ما أقرأ.. فيسمع غير ما يقول.. ثم يكتب غير ما
يسمع.. ثم يقرأ غير ما يكتب! فأترك أشياء منسوبة لي وما أنا في شيء منها!
وقد كان أمله قبل أن يموت أن يعد فيلماً سينمائياً يجسد جهاد الحركات الإسلامية
المعاصرة ويتركه كأنما هو عمل ملحمي.
البيان: مع الاعتراف بخطر هذه الإشكالية إلا أنه لا يمكن التغاضي عن
الأعراف العلمانية التي تفرض فرضاً سواء في مجال الإنتاج أو حتى في مجال
الترويج والتوزيع؛ لأن الحرمان العلماني الذي يقاسي منه الإسلاميون اليوم لا يكاد
يقاربه شيء إلا الحرمان الكنسي الذي عرفته القرون الوسطى، وهذا الأمر يشكل
هاجساً ملحاً إن لم يكن في مجال الإنتاج وهو حاضر ملحّ ففي مجال التسويق
والترويج والتوزيع.
* د. حلمي القاعود:
للأسف، فإن جهود الإسلاميين في مواجهة هذا الواقع الفني المتردي كانت
محدودة للغاية.
* أ - محمود خليل:
في مصر توجد ١٦ هيئة علمية لتدريس الفنون ليس بينها واحدة تتبنى النظرة
الإسلامية، إذا كنت أعتبر أن السينما يمكن أن تصبح وسيلة من وسائل الدعوة
المعاصرة؛ فعليَّ أن أشجع الإبداع الذي تحمله صناعة وعناصر موهوبة، وأن أقدم
سينما في مواجهة سينما.. ومسرح في مواجهة مسرح، ونحن لا نملك إلا ما نقوله!
* د. إبراهيم الخولي:
بداية ليسمح لي الأخ محمود أولاً بملاحظة جديرة بالانتباه؛ أقول: إن هناك
فرقاً مبدئياً بين موقفنا وموقف الغرب في المجتمع العلماني.
المجتمع العلماني نفض يده من الالتزام بحرام أو حلال نفضاً كاملاً من نقطة
البدء الأولى على مستوى النظم والشعوب؛ يقول بريجنسكي مستشار الأمن القوي
الأمريكي السابق في كتابه (الانهيار) : «نحن أصبحنا مجتمع إباحة الاستباحة؛
الفرد في الولايات المتحدة استباح كل شيء، ولم يعد في قاموسه كلمة حرام أو
محرم؛ وبهذا لا تستقيم حضارة ولا تستمر. السفينة كلها تغرق ولا يملك أحد
إنقاذها! وإنقاذها مرهون بالعودة إلى الدين والأخلاق!» .
أما نحن فللأسف الشديد في موقف التبعية ولا نستطيع أن نفطم أنفسنا عنه..
«لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب
تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله! اليهودُ والنصارى؟ ! قال: فمن؟» [١] .
الإنسان في الغرب عبد نفسه وأحل نفسه محل الله، وأصبح هو مصدر كل
شيء ومحور كل شيء ومعيار كل شيء، دستوره من وضعه.. الأخلاق نسبية،
وهذا ما يردده بعض وزرائنا اليوم.
ثم الغاية تسوِّغ الوسيلة.. الإنسان حر في أن يعيش وجوده، وأن يعبر عن
هذا الوجود كما يريد دونما قيد عليه!
على هذا علينا أن ندقق فيما نقول.. فماذا نعني بسينما إسلامية؟ وهل يمكن
أن نواجه سينما بسينما؟ كيف يتم هذا دون اقتباس من المجتمع الغربي العلماني
الذي لا يصلح مطلقاً أن يكون نموذجاً ولا مصدراً للاقتباس أو المحاكاة لمجتمع مسلم
ما زال يلتزم بالإسلام شعباً وجماعة وإن انحرف النظام؟
هذا إلى جانب ما تتحدثون أنتم عنه كإعلاميين من أن العالم اليوم أصبح قرية
أو ربما غرفة، كيف لي أن أنافس في ظل عالم مفتوح؟
* أ - محمود خليل:
السينما الإيرانية - بغض النظر عن موقفنا من المذهب الشيعي - استطاعت
أن تقدم فناً راقياً دون أن يقع فيما يمارسه الفن العلماني بصورة نالت إعجاب الغرب
نفسه، ودون تلبُّس بما تعتقده من عقائد تخالفنا نحن أهل السنة، وهي في هذا مثال
يمكن احتذاؤه. الأفلام الهندية كذلك؛ لأنها أفلام طبيعة ولا تعرف العنف والابتذال
اللذين تعرفهما السينما الغربية.
وإذا كان الإنسان الغربي قد بدأ ينتابه الملل من هذا التكرار الشديد، والبعض
يعترف بأنها أزمة يحياها الفن الغربي باختلاف مدارسه وتياراته وهي ظل لأزمة
الفكر التي يحياها التيار العلماني بعامة اليوم؛ فإننا يمكننا بما نملكه من مقومات -
متاحة دون أن تستغل - أن ننافس وبقوة.
البيان: ربما نختلف معك فيما يتعلق بالأفلام الإيرانية والهندية، فهي إن
صحت سلامتها من الإسفاف الأخلاقي، إلا أنها لا تسلم من إشكالات عقدية
ومنهجية كثيرة.
* د. إبراهيم الخولي:
بالنسبة للأفلام الإيرانية لو اتفقنا على ما يقال حولها من انضباط؛ فإن مسألة
الاستمرار مسألة مشكوك فيها - وأنا أول الشاكين - في ظل التطور الذي طرأ على
المجتمع الإيراني من أيام الثورة ومروراً برفسنجاني وما بعد رفسنجاني، وبغض
النظر عن رأيي في إيران وتياريها، فإن تيار الإصلاح يمحو كل ضوابط الثورة.
إذن مسألة الاستمرار مسألة فيها نظر، وخاصة أن العوامل التي تأبى
الاستمرار أقوى من أن يقاومها المجتمع الإيراني وغير المجتمع الإيراني.
أما الفن الهندي فقد نشأ في أحضان الديانة الهندية التي لا تقبل هذا اللون من
الفجور الغربي ولا تعرفه، بل وليس ذلك من مطالب الإنسان الهندي وفلسفته في
الحياة.
وكيف لنا بإنجاح مبدأ سينما في مواجهة سينما مثل هوليود التي تنفق على
الفيلم قرابة نصف مليار دولار أو يزيد؟ ! المنافسة هنا أراها غير منطقية؛ لأن
هاجس الربح لا يزال ملحّاً لدينا!
عملية الغزو مستمرة وستستمر، ونحن في كل يوم نفقد من أدوات المواجهة
بقدر ما يزدادون هم في قدرة الهجوم، هذه المعادلة لا ينبغي أن نخطئها!
حين تنتشر الأوبئة وتعم حرب الميكروبات؛ فإن العلاج تحصين الناس في
وجه العدوى، والمشكلة الآن أننا لا نحصِّن المسلمين في بيئاتٍ الإنسان فيها
معرضٌ لأن يصاب بكل الأوبئة من حوله! الأوبئة الآن لا تأتي عفوية؛ وإنما
ترسل إلينا إرسالاً.
إذن القضية ليست أن أحاكي الغرب، وأن أستخدم أسلحته بنفس القوة التي
يستخدمها؛ لأن السلاح نفسه ذو حدين. القضية الآن أننا نواجه عدوى دون
تحصين، وهجوماً دون مقاومة؛ فقد أضحينا جسماً يتعرض لكل أسباب الإصابة
دون مناعة، فعلينا أن نفكر!
* د. المطعني:
كيف تكون المواجهة من هذه الزاوية وأنت ترفض بدائل الأستاذ محمود؟
* د. إبراهيم: نعم أرفضها.
* د. المطعني: ماذا نصنع في ظل الخطر القائم فعلاً مما سمي بالغزو
الفكري لهذه القضية ثم الغزو الأخلاقي ثم الغزو العقدي؟ وعلى حد تعبير الشيخ
الغزالي ﵀: «إن الغرب نظر إلى الشرق الإسلامي فاتخذ منه مثل ما
يتخذ من المصارف الصحية: يطرد من هناك النفايات والمياه العفنة لتتسرب فينا» .
نحن نملك وسائل المناعة نظرياً، ولكن لا نطبقها عملياً كما يقول الشاعر:
كالعيس في البيداء يهلكها الظمأ ... والماء فوق ظهورها محمول
والتطبيق العملي له منبعان:
الأول «الشعوب» : وتبدأ الشعوب بالأسرة.. وتبدأ الأسر بالآباء والأمهات،
ونحن ندرك للأسف الشديد أن كثيراً من هؤلاء يحاولون تربية أبنائهم تربية
إسلامية، ولولا هذا الصنف لأخذ الإسلام رحله وخرج من كثير من ديارنا.
المنبع الثاني «الدولة» : والمفترض في الدولة ألا تسمح بما يبدد عقائد الأمة
ويبدل أخلاقها، وكي نتجنب هذا الخطر فعلى الدولة أن تتبنى مشروعاً إسلامياً
أعلى بإخلاص، وتضع الخطط لرعاية هذا المشروع لتنميته؛ لا نطلب بأن تتحول
الدولة فجائياً وإن كنا نطمح إلى ذلك لتتبنى مشروعاً إسلامياً كاملاً يبنى من خلاله
المجتمع على منهج الإسلام، وعلى أقل تقدير ألا تسمح لنفسها أن ترى في المجتمع
ما يدمر شخصية المسلم، هذا بالدرجة الأولى، وأن تضرب على يد الذين يكرهون
ما أنزل الله، ولا تسمح لهم بأن يطلعوا شعوبنا الإسلامية صباح مساء على ما
يزهدهم في الإسلام ويبعدهم عنه.
هاتان خطوتان لا بد منهما.
وعموماً نحن علينا أن نهيئ الأرض ونضع البذرة؛ أما الإنبات فعلى الله
تعالى.
* أ - محمود خليل:
لعل الدكتور الخولي يرى أن المناعة هي الحل الوحيد.
* د. إبراهيم الخولي: لا بل هي الحل الأول.
* أ - محمود خليل:
المناعة والتحصين هذه ضرورة شرعية سواء كان هناك عدو منتظر أو غير
منتظر..
لكن ماذا نصنع إذا كان هذا العدو قد احتلنا على الرغم منا، ولا نملك مناعة
لا من فيروسات هذا العدو التي لا تقف عند طور، ولا تحدها حصانة أو مناعة
معينة، ولا يحدها الحجر أو العزل الصحي ونحن لا نملك حتى مفهوم: «فِرَّ من
المجذوم فرارَك من الأسد» ؟ ولو أن الفرار من هؤلاء يجدي فتيلاً لفررنا. الآن
يكاد ألاَّ يخلو بيت من جهاز استقبال في زمن احتلت فيه السماوات كما احتلت
الأرض.
والسينما باعتبارها من الوسائل العصرية تأتي ضمن هذا المسلسل لا نقول
الجهنمي إلا لملئه بمحتوى فاسد، وكون الحرام غلب عليها فحرمناها، هذا لا يعني
عدم إمكانية استغلالها كأداة من قِبَل المصلحين. ولعل هذه الحساسية من السينما
موروثة منذ أن جاءت السينما إلى بلادنا في عام ١٨٩٧م، وليس غريباً أن أول ما
قامت بتقديمه جماعة أجنبية في سينما بجوار حمام سباحة للعراة! يعني من أول يوم
يعلنون أن بضاعة العلمانية الجسد الرخيص! لكن تبقى الوسيلة بعد تصفيتها
وتحليتها وسيلة مشروعة.
البيان: هناك تعليق معبر للمنفلوطي ﵀ في (نظراته) بمناسبة
أول عرض مسرحي قدم في القاهرة، وهو شهادة مهمة على عصره يقول: «كان
الشر مفرقاً في البلاد فجاء كشكش فجمعه في مكان واحد» .
* أ - محمود خليل:
نعم.. ولعل هذا الفساد بل الإفساد من أول يوم هو الذي أوجد هذه الحساسية
لدى الشباب المسلم، وحاول بعض المصلحين أن يرشِّدها ويستثمرها في إيجاد
نموذج للإبداع الصحيح. ويظل بعد ذلك السؤال المفتوح لنا: ما الحل؟
البيان: تبقى احترازات الدكتور الخولي لها وجاهتها وخاصة أن تجارب عدد
غير قليل من الذين اعتزلوا الفن قد انتهوا إلى غير ما بدؤوه حين اعتزلوا، وهو
أمر يدعو إلى التريث وإعادة تقويم الأمور.
* أ - محمود خليل: مسألة الحرام خارجة تماماً عما نطرحه من تصور
لعلاج هذه المشكلة.
البيان: لكن المشاكل تظهر دائماً في التطبيق ولم تنتف بعد؛ ولذا ينبغي
الحذر والاحتراز.
* د. عبد العظيم المطعني:
الدكتور إبراهيم يرى الاحتراز ليس حلاً، وإنما تجنباً للشر.. أما المناعة
فتنبت من داخل الإنسان نفسه، هناك فرق بين الأمرين.
هناك حلان: حل سريع وهو المنع من الخارج؛ والثاني أنه بعد منع الخطر
لا يمكن أن نترك الإنسان في حالة ضعف؛ إذ لا بد أن نمنحه قوة ليتقي بنفسه
الشرور.
البيان: لكن الفن وإن تزايدت الحاجة إليه باعتباره وسيلة من وسائل الحماية
والبناء يبقى الوضع القائم له كمؤشر عليه، إلى جانب الخلاف الفقهي في مسألة
التمثيل التي تجعل المرء أكثر حذراً في التعامل، بل ربما احتاجت ممارسة الفن
إلى مزيد من التحصين المسبق والمستمر، بحيث تبقى المعضلة الكبرى هي إيجاد
فن هادف ملتزم بالضوابط الشرعية التي تطلق الإبداع في مجال البناء وتكفه عن
مجال الهدم.
* د. إبراهيم الخولي:
دائما يجب أن يوضع في الاعتبار أننا حين نتحدث في ظل مجتمع يلتزم
بشريعة الإسلام، ويلتزم بالحكم فيه بهذه الشريعة يختلف عما إذا كان حديثنا عن
مجتمعٍ النظامُ فيه علماني والشريعة معطلة؛ لأن ضمانات ألوان النشاط في المجتمع
في مثل هذه الحالة أنت لا تملكها، ومن ثم يصبح التجريد كلاماً بغير إنتاج، أنت
ضربت مثلاً بإيران.. إيران بعد مرحلة من مد الثورة وعنفوان التشدد والحمية بدأ
التحلل من كثير من الضوابط بغض النظر عن رأينا فيها، وأنا أعتقد أنه لو استمر
الوضع في ظل الحكومة الحالية فإن المسألة ستختلف بعد ٥ سنوات اختلافاً كبيراً
جداً عن الصورة التي رآها الناس عندما كانت الثورة مهيمنة على كل شيء في
توجيه المجتمع الإيراني. هذا الأمر لا يخص إيران فقط وإنما يمتد لمجتمعات سُنِّية
عرفت بالمحافظة لفترات طويلة.
ولهذا أقول إن الفتوى مرتبطة بزمانها ومكانها وملابساتها، وليس يجوز أن
أحلل الفتوى من قيود الواقع؛ إذن وجود نظام بالمفهوم الصحيح وحكومة مسلمة
ملتزمة بشريعتها لا تعطلها ولا توقف جزئية منها هذا الأمر أو عدمه يضع قيوداً
عليَّ حين أعالج قضية كقضية الفن الإسلامي.
* أ - محمود خليل:
العمل على إيجاد النظام الإسلامي المتكامل يحتاج لجميع الوسائل المشروعة،
والتي منها الفن المنضبط بالضوابط الشرعية، والتي ما زلت أرى إمكانية بروزه
واكتساحه متى وجد.
* د. عبد العظيم المطعني:
بمناسبة ما يقال عن الفتوى فإن الفتوى الأخيرة التي أفتى بها البعض بجواز
ظهور الصحابة عدا العشرة المبشرين بالجنة على خشبة المسرح وفي التلفاز تطرح
إشكالين كبيرين:
الأول: حول الجهة التي أصدرت الفتوى وكون فتواها غير ملزمة لعدم
انضباط الحكم فيها؛ إذ لا فرق بين العشرة وغيرهم من هذه الجهة.
الأمر الثاني: وهو الإلحاح العلماني المتواصل في تكسير الثوابت الشرعية
وهزها، وقد نجح بعد حين في استصدار الفتوى ومن ثم توظيفها في إسقاط الضابط
الشرعي، ولكن هذه المرة تم اسقاط الضابط باسم الإسلام. وانظر كيف يأتون
بإنسان شرب الخمر ليمثل خالد بن الوليد أو ابن عباس ﵄[**] ؟ !
الحصاد:
البيان: الناظر في أحوال المجتمعات الإسلامية لا يمكنه أن يغفل أثر الفن
المعلمن في عملية التفكيك سواء على مستوى الفرد الذي أصبح يحيا بين غريب
ومتغرب وازدواج، أو على مستوى المجتمع الذي بدأ بتغيير كبير في بعض أنحائه،
وبثنائية ثقافية أقرب إلى الصراع منها إلى التعايش.
* د. حلمي القاعود:
هكذا يبدو تشكيل الشخصية في المجتمع المسلم وفقاً للمفاهيم العلمانية يصب
في خانة سلبية، وفي السنوات الأخيرة، راح صناع السينما والمسرح يقلدون ما
يجري في أوروبا وأميركا تقليدًا شبه كامل، وينتجون أعمالاً مطابقة للأعمال
الأوروبية والأمريكية، مع تغيير الأسماء والأماكن فحسب، فحفلت أعمالهم بالعنف
والجنس والعبث والتفاهة واللهو بألوانه المختلفة، مما جعل شبابنا العربي المسلم
يقلد أبطال هذه الأعمال في الملبس والسلوك والفكر، ولأول مرة نواجه جيلاً لا
يشعر بالانتماء إلى وطن أو قومية أو دين.. شباب متغرِّب لا يجد غضاضة في
احتقار هويته والإشادة بالآخرين.
البيان: بشهادة إحدى ممثلات الإغراء؛ فإن حصيلة الأفلام السينمائية خلال
الخمسين عاماً الماضية بلغ ٣٠٠٠ فيلم؛ نصفها على الأقل أخذ السيناريو فيه كاملاً
بمشاهده وأحداثه من فيلم أجنبي، هذه الشهادة تجلي بمرارة قدراً من الجرم العلماني
في هذا المجال.
* د. حلمي القاعود:
ثم - وهو الأخطر - مدى التأثير الفادح الذي وقع على الأسرة المسلمة؛
حيث أخذ الشباب والفتيات يقلدون النماذج الدرامية في العلاقات والسلوك مما أدى
إلى شيوع العزوبة والعنوسة والتفكك الأسري.. صحيح أن المسألة لم تصل إلى
المستوى الذي يحدث في الغرب، ولكنها ستصل إذا لم تحدث مواجهة إسلامية جادة
وعاقلة.
لقد دخل إلى مجال الفن بعض الأفراد المدعومين غربياً، وخاصة من فرنسا،
مهمتهم الأساسية تشويه التاريخ الإسلامي، وتقطيع الروابط التي تربط بين الأمة
الإسلامية، وتجعل من المحتلين الغزاة أو المستعمرين الغربيين رسل حضارة
وتنوير وتقدم.. وقد أشرت في كتابي: «أهل الفن وتجارة الغرائز» إلى هذه
النقطة بتوسع، وسأكتفي هنا بضرب مثال حول صلاح الدين الأيوبي بطل تحرير
القدس وفلسطين فقد صوّره أحد الأفلام في صورة «الكاوبوي» ، و «زير
النساء» ، و «رجل الأعمال الغامضة» الذي يحقق انتصاراته بطريقة مريبة،
مع أن صلاح الدين كان رجلاً زاهداً عابداً فقيهاً بالشريعة مخلصاً لربه ودينه،
واضحاً كل الوضوح حتى مع أعدائه الذين حاربهم أو هادنهم، وكان مثالاً للخلق
الإسلامي الكريم في أرقى صوره ونماذجه، ولولا ذلك ما حقق انتصاره التاريخي
الذي أشاد به الأعداء قبل الأنصار!
ينبغي أن نشير إلى نقطة مهمة، وهي دور الدراما، وخاصة المسرح في
نشر النظريات والدعوات المعادية للإسلام والتدين بصفة عامة؛ فقد استطاع
الماركسيون والوجوديون والعدميون والعبثيون أن يتخذوا من المسرح تكأة يروجون
من خلالها لأفكارهم وتصوراتهم، وفي الوقت ذاته كان هناك تعتيم أو إقصاء لكتَّاب
المسرح الذين يتبنون مواقف إسلامية أو قومية تنطلق من تصور إسلامي؛ كما
حدث مثلاً مع الكاتب الشهير الراحل «علي أحمد باكثير» الذي خصص معظم
إنتاجه المسرحي لمعالجة القضية الفلسطينية من منظور إسلامي، ولكنه للأسف تم
التعتيم على إنتاجه وإزاحته من خشبة المسرح، ليخلو المكان لدعاة الشيوعية
وأشباههم من العلمانيين.
ثمة ملامح عديدة يمكن الحديث عنها في إطار تناول الحصار الفني للدراما
على مدى نصف القرن الأخير، ولكننا سنكتفي بملمح واحد فقط يتناول الجانب
اللغوي.
ومن ناحية أخرى؛ فإن انتشار التليفزيون وتعدد قنوات الإرسال القُطْرية من
العواصم العربية، دعا هذه العواصم إلى محاولة إشاعة لهجاتها الإقليمية والمحلية،
مما كان له تأثير ما في تكريس الإقليمية، ووضع عقبة جديدة ضد التقارب القومي،
وهناك مسلسلات وتمثيليات يصعب فهمها؛ لأن لهجتها المحلية تستغلق على
المشاهد الذي لا ينتمي إليها.
ومهما يكن من أمر؛ فينبغي أن نشير إلى أن بعض شركات الإنتاج
ومؤسسات التليفزيون ذات التوجه الإسلامي أخذت على عاتقها إنتاج بعض الأعمال
الملائمة التي لا تتعارض مع التصور الإسلامي سواء كانت تاريخية أو واقعية..
وهذا يستدعي أن نشد من أزرها بالكتابات الدرامية الجيدة التي لا تتنافى مع قيمنا
وأخلاقنا، وأن نشجع على التوسع في إنتاج الأعمال المؤثرة والمفيدة والجذابة التي
تجمع بين صفاء التصور وقوة الأداء. والأعمال الجيدة قادرة بذاتها على الاستحواذ
على الجمهور الذي يسعى إلى المثل العليا والقيم الفاضلة والأخلاق الرفيعة.
إذا كانت الهيمنة الكنسية ومظالمها البشعة من الأسباب الرئيسة في ازدهار
العلمانية وانتشارها في أوروبا؛ فإن العلمانية لم تحقق للفرد الأوروبي أو
المجتمعات الأوروبية والأمريكية تبع لها الاستقرار النفسي أو الإشباع الروحي؛
ذلك أنها منحت الفرد والمجتمع على السواء الإشباع المادي وحده، ونتيجة لذلك
انهارت قيم المسيحية العليا، وسقطت المرجعية الدينية بالنسبة للسلوك الفردي أو
العلاقات الاجتماعية، ولعل هذا يفسر كثرة الحروب الطبقية والطائفية والقبلية في
أوروبا عقب العصور المظلمة، ناهيك عن الاستعمار العسكري المباشر، والثورات
الداخلية الدامية.
لقد انسحبت هناك مرجعية العلمانية إن صح التعبير على الفنون جميعاً، بما
فيها الفنون الدرامية؛ حيث انغمست في التعبير عن العري والانحلال والرذيلة
بصورة مكشوفة وسافرة، وكأنها تدعوه للإباحية والشر والعنف، وقد ضجت بعض
المجتمعات الأوروبية سخطاً وغضباً على بعض الكتَّاب والشعراء كما رأينا في
فرنسا حين ثارت الكنيسة على رواية «مدام بوفاري» ، وديوان «أزهار الشر»
لبودلير في القرن الماضي، ولكن المسألة اليوم تعدت الرواية والديوان المذكورين
إلى إنتاج الأفلام الإباحية الصريحة التي تسمى بالأفلام الزرقاء على نطاق واسع،
وأصبحت المرأة تظهر عارية تماماً في العديد من المسرحيات، كما أصبحت مشاهد
الجنس الكاملة موجودة في معظم المسلسلات التليفزيونية.
وقد انتقل إلى بلادنا العربية المسلمة شيء كثير من هذا، وصار الدفاع عنه
يرفع راية حرية الإبداع وحرية التعبير، وكأن حرية الإبداع أو حرية التعبير تعني
إسقاط كل القيم وثوابت المجتمع وعدم مراعاة خصائص الأمة وأخلاقها ومرجعيتها
الأساسية.
وقد شهدت السنوات الأخيرة بعض الصراعات بين دعاة العلمانية والمدافعين
عن الإسلام حول قضية التعبير بالجسد؛ سواء في الفنون الدرامية أو الكتابية،
وذهب غلاة العلمانيين إلى ضرورة أن تتحرر الأمة من عقدة الجسد، وطالب أن
تدخل المرأة اللوحة كما تدخل الحمام!
كما انتشرت الكتابات الإباحية مؤخراً عبر الروايات والقصص القصيرة
والأشعار والمسرحيات؛ اختباراً لمدى قدرة المجتمع على تقبل هذه النماذج التي
ترتبط عادة بالتجديف والإساءة إلى الذات الإلهية والمقدسات.. وتبنى بعض
المسؤولين هذه النماذج وأعلن عن علمانية المجتمع الذي يضم مسلمين وغير
مسلمين.
ولكن الأمة في مجموعها عارضت هذا التوجه معارضة فعالة، ورفضت
العلمانية، وأعلنت تمسكها بدينها ومقدساتها.
إن الفنون الجميلة تهب الناس متعة الجمال والراحة النفسية حين تضع في
حسبانها أن تكون فنوناً رفيعة ترقى بالروح وتسمو بالوجدان وتغرس في النفس
البشرية قيمة إنسانية عليا، ولكنها تتحول إلى فن شيطاني خبيث حين تدعو إلى
الرذيلة والشر والعنف، أو تسلخ الإنسان عن هويته وقيمه وعقيدته وأخلاقه.
وللأسف الشديد؛ فإن معظم ما أوحت به العلمانية وما أنجزته كان مخاطبة
الجزء الأسفل من الإنسان، أي مخاطبة الغرائز دون مخاطبة القيم، وهي كارثة
بكل المقاييس.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
* د. المطعني:
الحصاد له جملة وله تفاصيل.. جملته أنهم نجحوا في أن يجعلونا شعباً
أوروبياً يعيش على أرض إسلامية أو عربية، بمعنى أنهم نجحوا في اللعب في
تكويننا الثقافي، وانعكس هذا على السلوكيات حتى على الناس الذين صلتهم بدينهم
قوية تجد تأثير الفن عليهم من قريب أو من بعيد؛ وهذا ما يمكن أن نسميه علمانية
السلوك.
دائماً تبقى العقيدة هي الحصن المنيع. نعم قد ينجحون في المستقبل في
التأثير في قطاع واسع من الشباب غير المحصَّن؛ لكن الشباب المحصَّن بالعلم
والتنشئة الأسرية الطيبة لا يقع - بمشيئة الله - تحت تأثيرهم. ثم هناك علمانية
الأخلاق: التعامل بالربا في البنوك والاقتصاد، وما نسمع عنه اليوم من زنا
المحارم، والفساد الأسري، وانفلات المعايير الاجتماعية، كل هذا انعكاس للتسيب
العلماني الذي أوصلونا إليه؛ حتى أصبحنا اليوم نتصرف ونحن لا نشعر أننا نخدم
أعداءنا!
* أ - محمود خليل:
الحصاد على المستوى العقدي والفكري والاجتماعي والأخلاقي يلخصه قول
الله : [وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ
نَكِداً] (الأعراف: ٥٨) .
إذا كانت العلمانية تتزيا بأثواب تجددها كل حين حتى لا تَخْلَق؛ فإن آخر
أثوابها الحداثة.. وإذا كانت الحداثة في مجملها: هي الخروج على ما تم تقعيده في
المجتمع من أطر عقدية وأخلاقية ولغوية؛ بمعنى أنها هي التطبيق الفلسفي لنظرية
النسبية التي تعني الوصول إلى نسبية الأشياء بحيث تنتفي أي مرجعية وهذا ما
تعنيه الحداثة، أما ما بعد الحداثة: فهي الهجوم على المقنن والمقدس وإنزاله منزلة
المدنس إلى الحد الذي وصل فيه التطبيق العملي أن تخرج إحدى المجلات التي
عرفت بعدائها للإسلام بملف خاص عنوانه: الله في السينما! وفي عدد آخر تحت
عنوان: حوريات الجنة! ويصورون أشكالهن وكيفية جلوس الشهيد وحوله اثنتان
وسبعون منهن، وجمالهن وعيونهن وعريهن! .. هذا هو التطبيق العملي لما بعد
الحداثة حتى ننتهي إلى ما قاله أستاذنا الدكتور الخولي ألا تكون هناك حصانة ذاتية
ولا مرجعية ذاتية ولا تمييز بين الصواب والخطأ في نفوس الناس؛ فتنتفي
الاستقلالية الذاتية والأهلية الذاتية الإسلامية الخاصة بحيث يصبح المسلم غير
مؤهل.
أما على المستوى الفكري والاجتماعي والأخلاقي فهذه تفريعات لشجرة تنبت
في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين؛ لأن الفكرة تنزل اجتماعياً وتؤثر
أخلاقياً، وهنا تحضرني كلمة للشيخ محمد الغزالي ﵀ يقول فيها:
«إن السيل ربما ضرب القمة حيناً بأمواجه لكن في النهاية لا تظفر به إلا
الوهاد والمستنقعات» .
نجح العلمانيون عن عمد في استقطاب الموهوبين وأنصاف الموهوبين
وأعشار الموهوبين في ثلاثة عقود سابقة وعبؤوهم هذه التعبئة الفاسدة، فأصبح
النتاج الروائي والقصصي والمسرحي من فساد إلى فساد.
* د. إبراهيم الخولي:
النسبية التي تحدث عنها الأستاذ محمود معناها تحديداً أن الأخلاق ليس لها
أصل إلهي، ولا أصل ديني، وأن الأخلاق بالمواضعة؛ فما يكون فضيلة اليوم قد
يكون رذيلة في زمن.
الدور الذي يقوم به الفن لصالح الغزو العلماني يأتي متضافراً ومواكباً لغيره
من أدوات الغزو؛ وعلى سبيل المثال حين يقول محمد سعيد العشماوي: إن
اليهودي المؤمن بالتوراة والنصراني المؤمن بالإنجيل والمسلم كلهم على قدم المساواة
في صحة الاعتقاد وفي المصير المضمون أي النجاة ودخول الجنة! ويقال للشباب
المسلم: إن الإسلام لا يكفر أحداً على خلاف ما تنطق به الآيات.. حين يقرأ المسلم
هذا الكلام فما الذي يمنعه أن يقبل من منصِّر أن يتنصر؟ !
البيان: الفن يقدم مثل هذا وأخطر بأسلوب أعمق أثراً.
* د. إبراهيم الخولي:
هذا ما كنت أبغي الوصول إليه، نحن نعلم أن الإسلام ليس دين كهنوت،
لكن طبيعة الحياة اقتضت أن لكل شيء رمزياته وظواهره، ومن هنا نسأل: لماذا
شخصية العالم المسلم دائماً هي الشخصية المهينة في كل أجهزة الإعلام وفي كل
الفنون؟ وحين يريدون أن يسخروا من شخصية فإنهم لا يختارون إلا شخصية
دينية! .. ثم أخطر من هذا حين يصبح واعظ المجتمع أحد المهرجين! .. يسمعه
الناس في الصباح يتحدث عن القيم والمثل ثم يرونه في المساء مهرجاً، هنا تهتز
القيم!
في ظل هذا الخلط - وهذا جانب منه - كيف للشباب المسلم الذي لم تعلِّمه
مدرسة، ولم تربِّه أسرة، ولم تبرز أمامه قدوة صالحة وإن برزت تشوه كيف له في
ظل هذا التشتت الذي أنتجته العلمانية أن يقيس الأمور؟
المواجهة:
البيان: في ضوء هذا كيف تكون المواجهة؟
* أ - محمود خليل:
أولا: تهيئة عناصر فنية متعددة تنطلق من أرضية إسلامية عميقة وراسخة
وشاملة.
ثانياً: ضرورة الاقتناع أن التمويل المتكامل في مجال الفنون أصبح ضمن
عناصر التربية الإسلامية التي بدون العمل بها وشغل هذه المساحة ستظل مساحة
فارغة ضمن حقل التربية الإسلامية يتقدم غيرنا لملئه.
ثالثاً: ضرورة الإنفاق على مشروع إسلامي عالمي ضمن المنطقة غزيرة
الإشعاع لقمر إسلامي يضع له المتخصصون استراتيجية واسعة في العمل، وهذا
مشروع استثماري مادي في المقام الأول قبل أن يكون استثماراً في مجال التربية،
بعيداً عن الأطر الجغرافية والضغوط الحزبية والعصبيات السياسية.
رابعاً: تشجيع فنون الأدب الإسلامي بكاملها ليتوفر المكان الذي يمثل المادة
الخام لملء هذه الوسائل الإعلامية التي تحتاج إلى زاد يومي لا ينتهي.
خامساً: الاتفاق على بعض الوسائل اللازمة لنا بوصفنا مسلمين والتي تدخل
ضمن وسائل التعبير المباح، وعدم الانشغال بساحة الفن الواسعة التي لا تعرف
لانفلاتها حداً ولا قيداً؛ وعلى سبيل المثال: النحت والموسيقى لا حاجة لنا إليهما.
* د. عبد العظيم المطعني:
أركز مع هذا الكلام على التربية بأن نتوجه إلى الآباء لكي تنشأ المناعة مع
الطفل منذ نعومة أظفاره، ولا تعجز الأسرة عن تربية أبنائها تربية عملية.
البيان: لا بل قد عجزت في ظل موجة إفساد لم تعرفها الأمة من قبل ولا في
الأندلس.
* د. عبد العظيم المطعني:
السلوك الإسلامي بين الوالدين داخل الأسرة الملتزمة يمكن إلى حد كبير أن
يؤثر في سلوك أبنائها.
ثانياً: مهمة الدعاة أن يكونوا حكماء أشداء رحماء في آن واحد.
ثالثاً: فك الأسر الذي يقع فيه خطباء المساجد الآن في عدة بلاد إسلامية،
والحفاظ على المناهج الإسلامية نقية كاملة دون حذف أو تشويه، ومن أسف فإن
الخطباء الذين حققوا نجاحاً في المجتمع أغلبهم لم يتخرج من مؤسسات علمية
شرعية؛ ولهذا أقول إن هذه المؤسسات حتى في حال قوتها لا تعطي العلم وإنما
تعطي مفاتيح العلم؛ ولهذا فإن إعداد الدعاة لا يقف عند مجرد التعليم الجامعي،
وإنما يبدأ من انتقائهم من وسط أخلاقي طيب، وأن يكون الداعية مولعاً بمهمة
الدعوة وليس مرغماً أو مكلفاً بها، إلى جانب هذا لا بد من إعطاء الدعاة حصانة
كحصانة رجال القضاء ليؤدوا واجبهم بكفاءة؛ وأعني الحصانة عن المساءلة؛ لأن
الخطيب إذا اعتلى المنبر وأدرك أن قوة ما سوف تحاسبه فسيجبن، وربما رأى
الباطل حقاً والحق باطلاً، وفي مقابل هذا الحق أن يكونوا في أنفسهم موضوعيين
لا يتحاملون على أحد أو يجاملون أحداً لكي يكونوا أهلاً لهذه الحصانة.
وعلى الدول كذلك أن تحسّن من الحالة المادية للدعاة.. فهذه الدول عندما
أرادت نزاهة القضاء فإنها وضعت لرجاله مخصصات مالية لا يوقع عليها إضافة
إلى الراتب الذي يوقع عليه وأكثر منه؛ بحيث تضمن التفرغ التام للعدل والإنصاف
وتضمن له عيشة كريمة، والداعية حين يجد الكفاية فإن ذلك يعينه ولا شك على
القيام برسالته.
ثم علينا أن نعيد حق الشعب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في
الشارع؛ بحيث لا يصور هذا على أنه تطرف أو تدخل في حريات الناس؛ لأن
رجل الشرطة اليوم لم يعد يهمه منكر يكون حراماً، وإنما المنكر عنده ما تحظره
الدولة وإن كان واجباً دينياً، إضافة إلى كون رجال الشرطة غير متواجدين في
جميع الأماكن، هذه الشعيرة ليست حقاً بل هي واجب على جميع المكلفين، والدولة
حين تعترف للشعب بمزاولة هذا الحق فإنه يستطيع أن يقضي على ثلاثة أرباع
الفساد المنتشر في الشوارع.
* أ - محمود خليل:
ألفت النظر كذلك إلى ضرورة التنبيه الدائم على أخطار العلمانية؛ بحيث لا
يتسرب اليأس أو الفتور أو شعور العاملين في الحقل الإسلامي بطول المسافة وبُعد
الشقة؛ لأن التنبيه الدائم تتسلل من خلاله الحصانة الوقتية، والمواكبة للأطوار
الخبيثة للعلمانية.
البيان: نشكر الأساتذة الفضلاء، ونؤكد في الختام على أن الواجب علينا
جميعاً الاهتمام بضرورة التأصيل الشرعي العميق للعمل الإسلامي بكل مجالاته،
والانطلاق من الثوابت العلمية والمنهجية بكل تجرد واتزان، والحفاظ على الهوية
الإسلامية المتميزة المعتزة بدينها وعقيدتها.
стр. 3891
وقفات
حسن الاتصال بالناس
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
نجاح الداعية في تحقيق أهدافه ونشر رسالته مرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرته على
الاتصال بالناس؛ فالدعوة إلى الله - تعالى - تفاعل تبادلي بين الداعية،
والمدعوين.
وتنمية مهارات الاتصال للدعاة في غاية الأهمية؛ لأنها هي - بعون الله
تعالى - الأداة الفاعلة للنجاح الدعوي.
ويعتمد حسن الاتصال على أمور رئيسة، من أهمها:
أولاً: القدرة على نقل المبادئ والعلوم بإتقان:
ويتطلب ذلك قدرة فائقة على ضبط المعلومات وفهمها فهماً صحيحاً، ثم
ترتيبها حسب الأوْلى، ثم نقلها إلى الناس بدقة واتزان، وهذا مصداق قول النبي
ﷺ : «نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها كما سمعها،
فرُبَّ حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» [١] .
والحرص على ذلك يحول - بإذن الله - دون سوء الفهم، أو تداخل العلوم.
قال إبراهيم بن محمد: «كفى من حظ البلاغة ألا يؤتى السمع من سوء إفهام
الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع» [٢] .
ثانياً: معرفة أحوال المخاطبين:
إنَّ معرفة اتجاهات الناس الفكرية، والنظم الاجتماعية السائدة بينهم، تعين
في التزام الأسلوب العلمي المناسب في التواصل البنَّاء معهم، ولهذا لما أراد النبي
ﷺ أن يرسل معاذاً ﵁ إلى اليمن قال له: «إنك
تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله؛
فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم.. الحديث» [٣] .
فعرَّفه أولاً بالبيئة التي أرسله إليها، ثم بيَّن له سبيل التواصل معهم. فالاتصال
بالناس يتطلب مخاطبتهم على قدر عقولهم وفهومهم؛ ليكون ذلك أبلغ في التأثير
عليهم، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: «حدّثوا الناس بما
يعرفون؛ أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله؟ !» [٤] . وقال ابن مسعود - رضي الله
عنه -: «ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» [٥] .
ثالثاً: القدرة على الإقناع:
وهذه مهمة صعبة لا يتقنها كلّ أحد؛ فكم من متحدث متقن للعلوم التي يتحدث
عنها، لكنَّه يُخفق في إقناع الناس بما عنده؟ ! وربما تجد شخصاً أقل بضاعة
وأضعف فهماً، لكنه أَلْحن حجة وأحسن بياناً، وهذا المعنى أحد فوائد قول النبي
ﷺ : «إنَّ من البيان لسحراً» [٦] . فالعرض الجيد يملك القلوب،
ويؤثر في النفوس، ولهذا عرَّف بعضهم البلاغة بقوله: «إهداء المعنى إلى
القلب في أحسن صورة من اللفظ» [٧] .
وإذا أردت أن تقف على أمثل درجات الإقناع وأعلاها منزلة، فاقرأ سيرة
النبي ﷺ ؛ فهي عامرة بالشواهد والأمثلة، ومن ذلك أنَّه لمَّا أفاء
الله على رسوله ﷺ يوم حنين قسم الفيء في المؤلفة قلوبهم، ولم
يعط الأنصار شيئاً، فكأنهم حزنوا إذ لم يُصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال:
«يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ ! وكنتم متفرقين فألَّفكم الله
بي؟ ! وعالة فأغناكم الله بي؟ !» . كلما قال شيئاً، قالوا: الله ورسوله أمَنُّ.
قال: «ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله ﷺ ؟ !» ، قال: كلما قال
شيئاً، قالوا: الله ورسوله أمنّ. قال: «لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا، أترضون
أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم.
لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وشعباً لسلكت وادي
الأنصار وشعبها، الأنصار شعار، والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أَثَرة
فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» [٨] .
فانظر إلى عظيم حكمة النبي ﷺ ، وكيف أنَّه ربَّى الأنصار -
﵃ أحسن تربية، ونقلهم من التطلع إلى فيء الدنيا وزخرفها
الزائل، إلى عظيم أجر الله تعالى لهم ونعيمه الدائم، ولهذا جاء في بعض روايات
الحديث: أن الأنصار بكوا بعد سماع كلامه ﷺ ، وقالوا: رضينا
برسول الله قَسَماً وحظاً [٩] .
ولأهمية الإقناع في إيصال المبادئ والأفكار إلى السامعين أضحت وسائله
علماً يُدرَّس، ووضعت له قواعد وأصول، فإذا كان التلقين المجرَّد عن البرهان قد
يستسلم له طائفة من الناس، فإن طوائف أخرى كثيرة لن تقبل إلا ما تؤمن به
وتطمئن إليه، وأحسب أنَّ الدعاة إلى الله أوْلى الناس بدراسة هذا العلم ومعرفة
فنونه وطرائقه؛ فهم حَمَلَةُ رسالة عظيمة، [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ
وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] (فصلت: ٣٣) . وسلامة المنهج الذي
يحملونه ليس كافياً وحده في إقناع الناس، بل لا بد من سلامة العرض وقوة الإقناع.
رابعاً: الجاذبية الشخصية:
وهي عامل رئيس في مخاطبة الناس والتأثير عليهم، فإذا لم يحب الناسُ من
يدعوهم إلى الخير ويألفوه؛ فإنهم لن يسمعوا منه أو يلتفتوا إليه.
ومن أهم مقومات الجاذبية الشخصية:
١ - إظهار المحبة والشفقة على الناس، حتى على المقصرين منهم؛ فالداعية
الصادق همُّه أن يهتدي الناس إلى الحق، ولا يظهر الشماتة أو التشفي أو الرغبة
في الانتصار.
٢ - حسن الخلق في تواصله مع الناس: فذلك يجعل الداعية يألف ويؤلف،
والكلمة الطيبة مفتاح القلوب، وعنوان النجاح، وربّ كلمة لطيفة يسديها الداعية
إلى بعض الناس لا يلقي لها بالاً تفعل فعلها في نفوسهم، وتثمر خيراً كثيراً، وما
ظنك بذلك الأعرابي الذي بال في المسجد؛ فثار عليه الناس ليقعوا به، لو أنَّ
رسول الله ﷺ عنَّفه وشدَّد عليه، فهل كان من الممكن أن يبقى
على دين الإسلام..؟ ! ولكن تأمَّل موقف النبي ﷺ لمَّا غلَّب
جانب الهداية على جانب الطهارة، حتى يُعلِّم الأعرابي ويفقهه في الدين، ثم انظر
أثر ذلك في قلب الأعرابي عندما قال: «اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا
أحداً» [١٠] .
٣ - الحلم وسعة الصدر: فالإنسان المتشنج الغضوب سريع الانفعال لن يجد
من المدعوين إلا النّفرة والإعراض، أما الحليم الذي يصبر على جهل الجهول وأذاه
فهو الذي يفلح في تبليغ رسالته البلاغ المبين، وينجح في استمالة الناس إليه، ومن
الدلائل اللطيفة على ذلك ما رواه معاوية بن الحكم ﵁ قال: «بينا
أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجلٌ من القوم، فقلت:
يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم! فقلت: واثُكْلَ أمِّياه! ما شأنكم تنظرون
إليَّ؟ ! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلمَّا رأيتهم يصمِّتونني، لكني
سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ ، فبأبي هو وأمي! ما رأيتُ
معلِّماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كَهَرني، ولا ضربني، ولا شتمني،
قال:» الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير
وقراءة القرآن «. أو كما قال رسول الله ﷺ [١١] .
خامساً: القدرة على التفاعل الإيجابي مع المدعوين:
أحسب أن كثيراً من الناس يأسرهم ويشدهم إلى قلب المتحدث تفاعله الحي
معهم. وكثير من الإخفاق الدعوي الذي يعرض لبعض الدعاة من أسبابه الرئيسة
قصورهم في التجاوب مع آراء الناس ومشكلاتهم، وقصورهم في إدراك ردود
الأفعال بحجمها الصحيح؛ فهو لا يعرف ما إذا كان السامعون فهموا مراده، وآمنوا
برسالته، أم أنه يتحدث في وادٍ والناس في واد آخر..!
لقد رأينا دعاة يعتقدون أنهم أدوا الواجب وأبرؤوا الذمة بمجرَّد وقوفهم أمام
الناس متحدثين، وهذّهم ما عندهم هذّاً، دون أن يُكلفوا أنفسهم عناء النظر في نتائج
ذلك العمل، ومقدار احتفاء الناس به وتفاعلهم معه.
لقد كان من هدي النبي ﷺ الحرص على كسب قلوب الناس،
ولهذا قال عبد الله بن مسعود ﵁:» كان النبي صلى الله عليه
وسلم يتخوَّلنا بالموعظة في الأيام؛ كراهة السآمة علينا « [١٢] . ووصفت عائشة -
﵂ حديث النبي ﷺ بقولها:» كان يتكلَّم بكلام بيِّن
فصل، يحفظه من جلس إليه « [١٣] .
إنَّ ثمة حقيقة ناصعة الوضوح يجب على الدعاة أن يستصحبوها في جميع
مناشطهم الدعوية، وهي أن الساحة الحالية ساحة منافسة وسباق مع شتى التيارات
الفكرية، والأقدر على تحسين أدوات الاتصال بالناس؛ هو الذي سوف يحظى بلا
شك بقلوبهم.
стр. 3892
حوار
حوار مع فضيلة الشيخ صفوت نور الدين
لأن يهتدي الناس على يد غيري ..
أحبُّ إليّ من أن يبقوا على الضلال
ضيفنا في سطور
ضيفنا عالم وداعية سلفي جليل، تربى في حلقات أنصار السنة المحمدية
بمصر صغيراً وشاباً حتى وصل إلى مركز رئاسة الجماعة، وله جهود موفقة في
الدعوة إلى الله والتحذير من البدع والمنكرات مما سنتعرف عليه في هذا اللقاء الذي
يسعد مجلة البيان أن تحظى به. فإلى الحوار مع فضيلته، وفقنا الله وإياه لخيري
الدنيا والآخرة.
البيان: نستفتح هذا الحوار مع فضيلتكم بأن تعرِّفوا القراء الكرام بموجز
يسير عن حياتكم والفترة الزمنية التي أمضيتموها مع أنصار السنة المحمدية؟
* بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين
سيدنا محمد ﷺ . أما عن علاقتي مع أنصار السنة فبدأت منذ كنت
طالباً في المدرسة المتوسطة (الإعدادية) ؛ حيث كانت الجماعة بدأت الدعوة في
القرية التي أسكنها، وكان عمي ﵀ هو الذي تعرف عليهم وجاء
بدعاتهم وعلمائهم إلى القرية؛ وبدأنا ونحن صغار نسمع الحوار، وتعلمون أن
القرى في مصر كانت مليئة بالبدع والخرافات والموالد، ولم يكن هناك من بيت إلا
وينتمي إلى طريقة من الطرق، فكانت الحوارات شديدة وكثيرة، فتفتحت أعيننا
على هذه الحوارات والمناقشات في أمر البدع والشركيات فضلاً عن مسائل
المعاصي؛ فالمعاصي واضحة، لكن البدع والشركيات هي التي كانت تخفى على
الناس؛ فلما انتقلت إلى المرحلة الجامعية كانت فترة اتصال أكثر بالمركز العام
لأنصار السنة، فكنت أقضي كثيراً من الليالي هناك، وأحضر دروس شيوخ
أنصار السنة، حتى إذا تخرجت وبدأت العمل بدأنا ندعو مع الجماعة في مساجدها
في بلدنا بلبيس، إلى أن يسر الله فتكونت فروع كثيرة منها فرع
بلبيس، فطلب مني إخواني في المركز العام أن أسهم معهم في العمل الإداري،
فاشتركت في الإدارة من سنة ١٣٩٨هـ، ثم لما توفي الشيخ محمد علي عبد
الرحيم ﵀ تحملت الأمانة من بعده، في رئاسة أنصار السنة
المحمدية.
البيان: أين كانت دراستكم النظامية؟
* تخرجت في كلية العلوم، وكنت مدرساً للكيمياء في التعليم الثانوي، هذا
من حيث الدراسة النظامية، أما الدراسة الشرعية فكانت كلها في أنصار السنة.
البيان: لعلنا نعود إلى البدايات الأولى في تأسيس جماعة أنصار السنة،
ونأخذ طرفاً من تاريخ التأسيس.
* تأسست جماعة أنصار السنة المحمدية سنة ١٣٤٥هـ = ١٩٢٦م. وكان
المؤسس محمد حامد الفقي ومعه مجموعة من رفاقه من مشايخ الدعوة السلفية في
مصر، مثل الشيخ محمد عبد الحليم الرمالي، والشيخ محمد محمد مخيمر. وكانت
الدعوة السلفية ممثلة في أفراد في مناطق مختلفة من مصر مثل الشيخ عبد العزيز
بن راشد، وعبد الله بن يابس وهما من طلبة العلم والدعاة من المنطقة الوسطى
بالسعودية حيث عمل الأول في البحيرة، والثاني في الإسكندرية وكانت لهما
جولات هناك، والشيخ درويش في سوهاج، وكان هناك الكثير من القائمين بهذه
الدعوة السلفية لكنها كانت دعوة فردية، فلما قام الشيخ محمد حامد الفقي - رحمه
الله - بهذه الدعوة انضم إليه كل هؤلاء، وصارت الدعوة السلفية تحت اسم:
(أنصار السنة) في أنحاء مصر، وتعاون معهم الشيخ عبد السلام الشقيري الذي كان
مؤسس جماعة اسمها الجماعة السلفية في الحوامدية من أعمال محافظة الجيزة، هذه
الدعوة لاقت الكثير؛ لأنها بدأت في تاريخ كانت البدع والخرافات هي المنتشرة
والمسيطرة. كان في الأزهر الشيخ عبد ربه سليمان والشيخ صالح الجعفري
وغيرهم يقومون بالتدريس في الجامع الأزهر، وهم من متعصبة الصوفية، ولما
خرج الشيخ حامد بهذه الدعوة أخذت العداوة تظهر، وكانت هذه العداوة التي ظهرت
السبب في مجيء الكثير من الناس يسألون: مَن هو الشيخ حامد؟ ! لأن عبد ربه
سليمان كان في تدريسه يقول (الجاحد الشقي) يعني به الشيخ حامد الفقي، فيسمع
تلامذته هذا الكلام فيأتون للشيخ حامد ويسمعون فيجدون أحاديثه هي: قال الله،
وقال الرسول؛ يدعو بدعوة التوحيد؛ فالكثير منهم ممن جاء لأنصار السنة جاء
بهذا السبيل؛ فقد عانى رجال الدعوة حقيقة معاناة كبيرة، وكان منهم رجال
مغمورون في مختلف المناطق في مصر، لا يعرفهم أحد، ولكن الله - سبحانه
وتعالى - يعرفهم، فتجاوبت هذه الدعوة مع دعوة أنصار السنة، وأخذ يتسع نطاقها
حتى يسر الله فصارت الدعوة اليوم والحمد لله لها قبول في كل مكان؛
خاصة لما حصل إدماج بين الجمعية الشرعية وجمعية أنصار السنة.
هذا الإدماج مع أنه كان إدماجاً بقرار حكومي لكن الله جعله
سبب خير في أن تغير الجمعية الشرعية من نهجها الذي يميل إلى الصوفية ويدعو
إليها إلى نهج الدعوة السلفية؛ فضلاً عن أن كثيراً من أبناء السنة انتشروا خارج
مساجد أنصار السنة، وعملوا في مساجد ليست تحت مظلة أنصار السنة، فانتشرت
الدعوة السلفية تحت شعار أنصار السنة، وغير هذا الاسم، والحمد لله رب العالمين.
البيان: بعد فترة التأسيس على يد الشيخ محمد حامد الفقي - رحمة الله
عليه -، مرت دعوة أنصار السنة بأطوار؛ فما أبرز هذه الأطوار حتى وقتنا
هذا؟
* الشيخ حامد ﵀ حرص على نشر دعوة التوحيد في كل موقع
يصل إليه، ويسر الله له ذلك، فجعل هيئة كبار العلماء يسمعون له
بسبب وشاية ذهبت ضدّ الشيخ حامد إلى الأزهر طالبوا فيها بسحب العالمية منه؛
لأنه كما زعموا رجل وهابي رجل خامسي رجل فوقي يدعو بهذه الدعوة التي
يسمونها دعوة المجسمة، فاجتمعت هيئة كبار العلماء للتحقيق مع الشيخ حامد،
وطال هذا الأمر حتى تعرف رجال من هيئة كبار العلماء على دعوة الشيخ،
وعرفوا أن الرجل عالم، وأنه صاحب دعوة صحيحة، فأيده الكثير من أهل العلم،
ولذلك لما خرجت مجلة الهدي النبوي بعد عشر سنوات من تسجيل جماعة أنصار
السنة خرجت قوية، وكان الكثير من كتَّابها وأقلامها من كبار العلماء مثل محمد
محيي الدين عبد الحميد، والشيخ محمد مخيمر، والشيخ أحمد شاكر، وغير هؤلاء
من الشيوخ الذين ساندوا دعوة أنصار السنة المحمدية. ولما أصدر جمال عبد
الناصر قراراً بإدماج أنصار السنة في الجمعية الشرعية أحدث هذا الإدماج الخير
الذي ذكرناه من تلاقي الأفكار وحدوث المناقشات وانتقال الجمعية الشرعية إلى أن
تدعو بدعوة سلفية.
البيان: ذكرتم في الحوار أن هناك عدداً من الدعاة الفضلاء المغمورين الذين
كان لهم جهود مباركة في نشر الدعوة، ومن هؤلاء فيما نعلم الشيخ أحمد ليل -
﵀؛ فهل بالإمكان أن تحدثونا عن شيء من حياته؟
* الشيخ أحمد ليل كان في شبابه وصباه يعمل سائق عربة (كارُّو) [*]
ويسمى (عربجي) ، كان أمياً لا يعرف القراءة والكتابة، كان كسائر أصحاب
مهنته من الضائعين الذين لا علاقة لهم بأمر شرع، ولا دين؛ ولكن الله - عز
وجل - ساق إليه الخير؛ إذ كان على طريقه إلى المسجد رجل فاضل وداعٍ من
دعاة السلفية اسمه الشيخ محمد عبد الحليم الرمالي، كان كثيراً ما يقول له: يا أحمد
صلّ، فيذهب معه مرة ولا يذهب أخرى، فحضر معه درساً في يوم فقال له الشيخ
الرمالي: ما فهمتَ من الكلام الذي قلتُه؟ فأعاد عليه الدرس وكأنه جهاز تسجيل،
فاندهش الشيخ من هذا الذي سمعه، وقال له: أنت لا تُتْرَك. وعهد به إلى من
علَّمه القراءة والكتابة، ثم بعد تعلُّمه القراءة والكتابة كان رجلاً نهماً للقراءة، وكان
من نهمه ذاك أنه يقف ليلاً إلى جوار عمود النور، وكانت مصابيح أعمدة النور في
الشوارع في ذلك الوقت من الجاز، ومعه الكتاب لا يكف عن القراءة إلا عند أذان
الفجر، وكان يشتري كل ما يقابله من كتب حتى تجمعت عنده مكتبة كانت في
زمانه من أكبر المكتبات في مدينة دمياط، وكان الرجل لا يلقي خطبة جمعة، ولا
يؤم الناس في المساجد؛ لكن كان له درس أسبوعي بعد صلاة الجمعة حتى صلاة
العصر وهو درس مشهور، وكان يحاور فيه المبتدعة ويتكلم فيه وكان بارعاً. قرأ
في الطب، وقرأ في الجغرافيا، وقرأ في الهندسة، وقرأ في أشياء كثيرة، وكان
واسع الاطلاع، وكانت له حوارات مع المبتدعة، فإذا جاءه أحد من المبتدعة كان
يناقشه في أمر التوحيد ويسأله: ما مذهبك؟ فيقول: مذهبي كذا، فيقول: يا ولد
هاتِ الكتاب الفلاني، الجزء كذا فقرة كذا اقرأ ... ! ويقرأ كلاماً من مذهب شيوخه
رداً عليه.
كان الرجل لا يكف عن دعوة التوحيد، وكان كثير من العوام يسألونه في
مسائل الميراث، والطلاق وغير ذلك، لكنه وجد أن هيئة الزي ضرورية في إقناع
العوام؛ لأن الرجل لما انتقل بعد ذلك ليعمل سروجياً حيث يصنع سروجاً للخيل
والبغال، فصار يأتي الناس ليسألوه وهو يعمل في هذه المهنة، فلا تطيب أنفسهم
بسماع الجواب منه! فصار إذا جاءه أحد يسأله، قال: انتظر لأرسل لك الشيخ.
فيخرج ويلبس العمامة وينزل، فيقول: من الذي يريد أن يسأل؟ فيقول: أنا.
فيجيبه، ثم يذهب، وإنما كان يعمد إلى ذلك؛ لأنه لا يريد أن يجعل من اللباس
حاجزاً يمنع السائل من العلم والتصديق. وظل الرجل على دعوة التوحيد حتى مات،
ولذلك كان على فراش موته يقول: يا إخوان! التوحيدَ التوحيدَ؛ أنا أموت
وعقلي صاحٍ.. التوحيدَ.. حافظوا على التوحيد. وظل ينادي بهذه الكلمات حتى
مات. ﵀ رحمة واسعة.
البيان: هل تحدثوننا عن الواقع الحالي لجماعة أنصار السنة من حيث
انتشارها في المدن والقرى والأحياء المختلفة في مصر؟
* الحمد لله رب العالمين، إن دعوة التوحيد صار لها القبول في كل المساجد
إلا مساجد أهل البدعة والمساجد التي فيها قبور، أو غالب المساجد التي فيها قبور؛
لأن كثيراً من المساجد التي فيها قبور مغمورة يحاول أهلها إزالة القبور منها، لكن
وجود الفتن وتعصب الناس لها يجعل هذا الأمر من الأمور العسيرة جداً، كان
الصوفية قديماً موجودين في كل بيت وفي كل مسجد، كان كل شخص لا بد أن
يكون له طريقة، وكل مسجد لا بد أن تكون فيه حلقة ذكر من أذكار الصوفية
والمبتدعة؛ فقد كانت الصوفية يومئذٍ قوية في كل مكان، أما الآن فالصوفية قوية
في معاقلها فقط حيث يسود الجهل.
الذي يريد أن يرى التصوف يذهب إلى قبر البدوي أو يذهب إلى مسجد
الحسين، أو يذهب إلى الموالد التي تقام. أما دعوة التوحيد التي حملها أنصار
السنة فالواقع أنه لما حدث الإدماج سنة ١٩٦٥م أصبحت كل فروع أنصار السنة
فروعاً للجمعية الشرعية، فلما أعيدت بعد ذلك بثلاث أو أربع سنوات بدأت تتأسس
من جديد، وبلغت الآن فروعها ١٥٠ فرعاً، وبلغت مساجدها ما يزيد عن ١٧٠٠
مسجد، ولها معاهد إعداد دعاة، ولها مرافق أخرى كالعيادات الطبية والمستشفيات
وبعض المدارس، ودور تحفيظ القرآن، ولها أنشطة في كفالة الأيتام، وفي رعاية
الأرامل، وفي مساعدة المرضى، وفي إعانة الفقراء، وفي كفالة طلبة العلم. هذه
الأنشطة من فضل الله تغطي رقعة كبيرة، وظهرت فرص التعاون مع الجمعيات
والجهات الأخرى ولم تعد هناك حدة في الصراع كما كان الأمر في الماضي؛ لإقبال
الناس على التوحيد، كان الخلاف بيننا وبين هؤلاء في أمر العقيدة، ولما أصبحوا
لا يخالفوننا فيها أصبح التعاون قائماً.
أما مجلة التوحيد فإنه يطبع منها شهرياً ٦٥٠٠٠ ألف نسخة. بينما كنت
أراجع في مجلة الهدي النبوي في سنة ١٣٧١هـ قرأت ما قاله سكرتير التحرير:
إن المجلة نشطت وتحركت، فبعد أن كان يطبع منها ٢٠٠٠ نسخة أصبح يوزع
أكثر من ضعف هذا العدد. هناك ٢٥٠٠ عن طريق شركة التوزيع، و ٢٥٠٠ عن
طريق الاشتراكات، يعني ٥٠٠٠، وعندما نقارن هذه الكمية بـ ٦٥٠٠٠ ألف
نسخة تطبع الآن نجد أنها انتقالة - بفضل الله - واسعة.
البيان: التوجهات الصوفية التي تنتشر في أنحاء متفرقة من مصر، ما هي
العوامل الرئيسة التي رسخت وجودها وساعدت على انتشارها؟
* الصوفية في مصر قديمة، ولعل من أشد حلقات تاريخها الدولة الفاطمية
التي استمرت قروناً في مصر، واتخذت مصر ركيزة لها بمجيء الدعوة الفاطمية
مع جوهر الصقلي الذي غزا مصر، ثم مجيء المعز لدين الله الفاطمي، وفي زمن
العزيز بالله، ثم الحاكم بأمر الله. استمرت هذه الدولة قروناً تدعو إلى الضلالة
حتى إنها كانت تبعث بالدراويش ليجمعوا حولهم الأتباع مثل البدوي في طنطا،
والدسوقي في دسوق، والمرسي أبي العباس في الإسكندرية، وهؤلاء في مناطق
مختلفة اجتمع حولهم الناس يدعونهم إلى الضلالة. ثم انكشف هؤلاء الدراويش
وبان أنهم يتبعون لهذه الدولة ويروجون لها.
ومما ساعد في القرون الأخيرة على انتشارها أيضاً أن أبناء هذه الطرق الذين
يأكلون من النذور التي تقدم إلى القبور دفعوا بأبنائهم إلى معاهد الأزهر، فصاروا
يأكلون من السحت ويتعلمون في الأزهر، ولا ينقدون هذه الأساليب ولا يرون أنها
مخالفة للشرع.
لما استمر هذا الأمر أصبحوا أساتذة في الأزهر، وخريجين منه، ومن حملة
لوائه؛ حتى إنك ترى إلى اليوم كثيراً من رجال القراءات متصوفة، والكثير من
شيوخ علوم الحديث متصوفة ومبتدعة، بل كثيراً من شيوخ الفقه، فصَبْر المبتدعة
بحمل أبنائهم ودفعهم إلى معاهد الدعوة الشرعية جعل الصوفية تنتشر بيد هؤلاء،
فيحضرون الموالد ويروجون لها ولا يستنكرونها، ويأتي تلامذتهم ليروا الشيوخ
يفعلون هكذا، هذه المسألة مما روج للصوفية وللبدع ترويجاً خطيراً.
البيان: هل نتعرف على مواقف أئمة الأزهر وشيوخه من هذه الدعوة السلفية
على وجه التحديد؟
* موقف شيوخ الأزهر لم يكن واحداً: من الشيوخ من كان لهم فهم سلفي
صحيح مثل الشيخ عبد المجيد سليم، كان رجلاً سلفياً صاحب دعوة، بينما نجد
غيره مثلاً الشيخ الظواهري كان رجلاً متصوفاً، حتى إن بعض شيوخ الأزهر
عندما يرى جَوْراً لشيخ الأزهر عليه فإنه يشكوه إلى السيد البدوي، ولما جاء الشيخ
شلتوت كان صاحب توجه صحيح، فانحسرت الصوفية في أيامه، لكن لما جاء
الشيخ عبد الحليم محمود وهو مغرق في التصوف زاد التصوف وانتشر في أيامه.
فشيوخ الأزهر لم يكونوا على وتيرة واحدة في هذا الأمر؛ فمنهم المغرق في
التصوف يحضر حفلاته ويرى ولاء هؤلاء الشيوخ، ويدافع عنهم بل ويكون هو
منهم، وهناك من يخالف ذلك، فكتاب الفتاوى الذي أصدره جاد الحق ﵀
واشتمل على فتاوى دار الإفتاء المصرية من أيام الشيخ محمد عبده إلى أيام الشيخ
جاد الحق، تجد الفتاوى فيه متباينة.
فكل فتوى تبع للشيخ الذي أفتى فيها؛ فمنهم من يفتي بالبدعة والترويج لها،
ومنهم من يفتي بفتوى توافق السنة وتخالف البدعة.
البيان: الآن في ظل الصحوة الإسلامية التي بدأت تنتشر، هل ترون أن
الدعوة السلفية المبنية على منهاج السلف الصالح - رضوان الله عليهم - تنتشر في
أوساط الشباب وفي مختلف طبقات المجتمع؟ أو أن العامة غلبت عليهم الصوفية
وأصبحت هي المسيطرة عليهم؟
* الصوفية كانت هي الغالبة على العامة قبل ٣٠ سنة؛ لكن الصوفية الآن
تدافع عن نفسها في معاقلها، كانت قديماً كل الطرق تتصارع فيما بينها، أما الآن
فإن الطرق تتعاون لأنها ترى نفسها تندحر، الذي يحارب الشاذليين هو الذي
يحارب البيوميين؛ فكلهم يرون في أنفسهم حرباً في اتجاه واحد، ولذلك يحضرون
موالد الجميع معاً، ويشهدون الحفلات التي تقام معاً؛ فالحمد لله انتشرت الصحوة
وزاد الانتباه بين الشباب وبين الشيوخ وبين الكثيرين؛ فعرفوا أن هذه ضلالات
وبدع؛ لكن ليس معنى هذا أن التصوف انتهى. التصوف قوي في معاقله، وله
رجال وله منتفعون، هؤلاء المنتفعون لا تكفي القناعة عندهم حتى تقوم عليهم
الحجة فينتهوا عن أمرهم؛ لأن تقليدهم الآباء والأجداد وتتلمذهم على شيوخ من
المتصوفة وأكلهم النذور أسباب هامة في تثبيت هذه البدع والخرافات.
البيان: هناك من يزعم ممن ينتسبون إلى العمل الإسلامي أن الصوفية
وتقديس القبور والأضرحة خرافات تاريخية ولَّت وانتهت، وظهرت في هذا العصر
ألوان من الانحرافات المختلفة، ويزعمون أن أنصار السنة والمنتسبين إلى العمل
السلفي جملة لا زالوا يفكرون بالمنظار التاريخي القديم، وأنهم غفلوا عن الواقع
الذي تعيشه الأمة!
* المؤسف أن أصحاب هذا الكلام هم الذين غفلوا عن الواقع الذي تعيشه
الأمة بل العالم. إن رب العزة - سبحانه - أنزل آدم إلى الأرض موحداً، وكان
الناس على التوحيد عشرة قرون من بعده، ثم حدث الشرك بسبب تعظيم القبور
والصور، فبعث الله نوحاً، فعلَّم الناس التوحيد وأهلك الله - عز
وجل - المشركين؛ فإذا بهم في زمان هود وزمان صالح يقعون في الشرك، ثم
أهلك الله المشركين وأبقى الموحدين؛ فإذا بهم في زمان إبراهيم
يعبدون الأصنام؛ وعبادة الأصنام لا يزيلها التقدم العلمي؛ فالتقدم العلمي في القديم
مذكور في قول الله : [إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي
البِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ] (الفجر: ٧-٩) هذا تقدم علمي،
ومع ذلك كانوا جميعاً عباد أوثان، واليابان رأس التقدم العلمي عباد أوثان،
والأمريكان والأوروبيون الذين يقفون أمام تمثال العذراء ويقولون: يا أم النور؛
فهؤلاء عباد أوثان، والذين يتجهون إلى هذه القبور ويرفعونها عباد أوثان، وكل
إنسان يتصور أن عبادة الأوثان انتهت أو تغيرت وأصبحت شرك قصور فقط لا
شرك قبور فهذا تصور شيطاني يراد به إبعاد الناس عن محاربة الشرك الذي وقعت
فيه مختلف الأمم. الخوف الفطري كالخوف من ثعبان أو من سلطان لا يكون شركاً،
لكن الخوف من القبور خوف يجتمع فيه الخوف مع الحب، هذا هو الخوف
الشركي، الخوف الشركي هو أن يخاف من الجن، فينبغي أن نحذر من هذا الاتجاه
الذي يريد نزع دعوة التوحيد ليركز الحرب على النظم، وهذا الاتجاه يشبه دعوة
الأحزاب العلمانية التي تريد أن تدعو الناس إلى العدل بعيداً عن عقيدة التوحيد.
والعدل لا يتحقق إلا بالتوحيد، ولا يمكن أبداً لدعوة العدل وحدها أن تأتي
بالتوحيد، لكن دعوة التوحيد تأتي بالعدل؛ فنحن لو جعلنا الناس يؤمنون أن الرزاق
هو الله، وأن المعطي المانع هو الله، وأن الخالق الرازق هو الله، فإنهم يعلمون أن
المطَّلع يحيط بهم ويطلع عليهم فلا يفعلون إلا ما يرضيه.
فيصبح الحاكم عادلاً إذا وحَّد، إذا عرف أسماء الله وصفاته، إذا عُرِف بدعوة
التوحيد، لكن لا يصبح الحاكم موحداً إذا دعا إلى العدل فقط.
فدعوة التوحيد هي دعوة التوحيد، والشيطان هو الشيطان كما هو؛ وإنما جاء
للناس ليدعوا غير الله ، وليسألوا غير الله . والشرك إنما
دخل على سائر الأمم من الصور والقبور؛ ولذلك قال علي بن أبي طالب - رضي
الله عنه لأبي الهيَّاج الأسدي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه الرسول صلى الله
عليه وسلم؟ ألاَّ ترى قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا صورة إلا طمستها» [١] . هذا
ينبغي ألا يحرفنا الشيطان عنه؛ فهذه هي دعوة التوحيد، أما الذين يقولون: أنتم
تحاربون القبور، هذه دعوة قبوريين، أنتم تكلمون الأموات، هناك شرك القصور
هؤلاء ينسيهم الشيطان أصل الدعوة الصحيحة حتى ينحرفوا عنها ليبيض
الشيطان ويفرِّخ، وينقل الناس من التوحيد إلى الشرك.
البيان: ننتقل إلى محور آخر وهو النظر في العمل الإسلامي في مرحلته
الحالية: هناك تيارات مختلفة، وفي دائرة أهل السنة على وجه التحديد يوجد هناك
أطروحات مختلفة، ويوجد ما يوجد من التهارش والتقاطع والبغي بين أصحاب
الدعوة الواحدة في كثير من الأحيان؟ فما هي أسباب هذا، وما توجيهكم للإخوة
العاملين في الحقل الإسلامي؟
* أولاً أريد ألا نكبِّر الأمر الصغير ونصوِّره للناس على أن هذا الخلاف
تهارش؛ فالإمام الشافعي تتلمذ على مالك، وتتلمذ على أصحاب أبي حنيفة، وتتلمذ
عليه أحمد، وكل هؤلاء اختلفوا وما عاد عليهم الاختلاف بالتدابر، إنما جاء بعض
الأتباع ليقول: أيجوز للحنفي أن يتزوج بشافعية؟ هذا لا شك لا نستطيع أن نقول
له إن المخطئ هو الشافعي أو أبو حنيفة إنما المخطئ هو الذي أساء الفهم في ذلك
وتخطى الحدود، وعقد الولاء والبراء على هذه الأسماء؛ فالدعوات الشرعية
والدعوة السلفية والدعوة الإسلامية لا بد أن تقوم بعقد الولاء والبراء على اسم
الإسلام، ومن الضروري أن يكون لكل دعوة اسمها. الاسم ضرورة فطرية
وشرعية. لكن لا يجوز أن نعقد الولاء والبراء على الأسماء إنما يبقى عقد الولاء
والبراء على اسم الإسلام. فنحن أنصار السنة، ولنأخذ أي دعوة أخرى تدعو إلى
الله ، فإذا رأيت أن أخي الذي يخالف الحق لأنه ينتسب إلى جماعتي
يكون عندي أفضل من شخص آخر من الجماعة الأخرى مع أنه موافق للحق؛ فهذا
عقد للولاء والبراء على غير اسم الإسلام.
فالمسألة علاجها ميسور جداً؛ لكن يأتي الصغار يأتي كثير من الناس الذين
يريدون أن يرفعوا أنفسهم كما حدث من بعض عبيد الأنصار مع عبيد للمهاجرين،
واقتتلوا على ماء، فقال أحدهم: يا للأنصار! وقال آخر: يا للمهاجرين! مع أن
أحدهما من عبيد الأنصار، والآخر من عبيد المهاجرين. يعني يريد أن يرتفع
بنفسه؛ فالرسول ﷺ قال: «دعوها فإنها منتنَة» [١] .
لم يقل: دعوا اسم المهاجرين أو الأنصار، إنما قال: «دعوها» يعني
العصبية الجاهلية. فنأتي إلى هذه الطفيلية التي تظهر ولا بد من معالجتها، وبيان
أن هذه الدعوات لا تعقد الولاء والبراء لا على أسماء أصحابها ولا على شيوخها،
وهذه الولاءات لو أننا وجدنا جماعات الدعوة جماعة واحدة لوجدت هذه الولاءات
في داخل الجماعة الواحدة. ونحن نرى كثيراً من الجماعات التي اتسعت رقعتها
وكبر نطاقها أصبحت الولاءات في داخل الجماعة الواحدة على غير اسم الإسلام مع
أنها جماعة واحدة.
إذن العيب ليس في تعدد الجماعات لكن العيب في أنهم يعقدون الولاء والبراء
على غير اسم الإسلام. ولذلك كل جماعة تعقد هذا الولاء تفقد مشروعيتها. فلا بد
أن ترى الجماعة وجودها في القرآن والسنة بفهم سلف الأمة. وألاَّ تعقد ولاءاً ولا
براءاً إلا على الإسلام؛ أما الأسماء من حيث هي أسماء فإنها ضرورة، فأنا سموني
فلاناً ولو لم يسمني أهلي لما استطعت أن أعيش. مثلاً يقولون: اسقوا فلاناً،
أطعموا فلاناً. إذن من لم يملك الاسم يموت. الاسم ضرورة فطرية وشرعية،
ووجوده ضرورة، لكن عقد الولاء والبراء على هذا الاسم هو الخطأ الشرعي الذي
يفقد هذا العمل مشروعيته.
لذلك فإن الذين يقولون: نوحِّد هذه الجماعات. أقول له: لا يا أخي هذه
مدارس لا تعقد الولاء والبراء على أسمائها، إنما كل المدارس ترجع إلى مرجعية
أصلية وهي القرآن والسنة بمنهج سلف الأمة.
البيان: مع انتشار الخير الكثير في أوساط العاملين للإسلام إلا أن من
الملاحظات التي تلاحظ في كثير من الأوساط نقص العلم الشرعي؛ وهذا أدى إلى
ظهور كثير من الأخطاء في الفكر أو العمل؛ فما توجيه فضيلتكم للإخوة العاملين
في الحقل الإسلامي؟
* نحن ندعو إخواننا العاملين في الحقل الإسلامي إلى أن يعلموا أن التعاون
على البر والتقوى أمر من الله ، وأن رب العزة جعل خيرية هذه
الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فقد قال - سبحانه -: [كُنتُمْ خَيْرَ
أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ]
(آلعمران: ١١٠) فأهم شيء نتعاون عليه هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الذي هو سبب خيرية هذه الأمة، وهذا العمل الذي نقوم به وندعو الناس إلى
التعاون فيه لا بد أن يكون أصله نابعاً من القرآن والسنة بفهم سلف الأمة، كما
قال الرسول ﵊ في وصيته: «إنه من يعش منكم من
بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا
عليها بالنواجذ» [٢] .
والخلاف على قسمين: إما خلاف في التنوع، مثل: هل نوتر قبل النوم أم
قبل الفجر؟ نقرأ قراءة ورش أم قراءة حفص؟ خلاف تنوع أو خلاف خطأ
وصواب في الفروع العملية كالواقع بين المذاهب الفقهية. وإما خلاف في الهدى
والضلال كالواقع بين فرق الأمة: فرق الضلال الخوارج والشيعة والمرجئة
والمعتزلة، أو الخطأ الكفري مثل الأخطاء المتعلقة بأخطاء الإيمان الستة أن تؤمن
بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. هذه الخلافات لا
يجوز أن نقر عليها، فعلينا أن نعرف كل نوع من أنواع الخلافات لنعرف كيف
نتعاون.
كذلك ونحن نقوم بأمر الدعوة إلى الله ؛ فإذا وجدنا أناساً برعوا
في أمر من أمور الدعوة أو البر مثل كفالة اليتيم، وأنا جماعة ليس عندي كفالة
اليتيم فلا أقول: هم أحسن مني في كفالة اليتيم؛ ولا بد أن أكفل، لا؛ بل عليَّ أن
أتعاون معهم وأقول لهم: أنتم تكفلون الأيتام، وهذا مال أقدمه لكم لتكفلوا به الأيتام
أي أتعاون معهم، وهذا لا يؤثر في عملي؛ لأن المطلوب منا أن نتعاون لا أن
نتصارع، وأن يكون التنافس بيننا تنافس مَنِ الذي يستطيع أن يدعو الناس أكثر؟
وأن يهتديَ الناس على يد غيري أحبُّ إليَّ من أن يبقوا على الضلال، بل وأسعد
لاهتدائهم على يد غيري كما أسعد باهتدائهم بدعوتي.
البيان: من أبرز الأصوات الإعلامية الموجودة عند أنصار السنة مجلة
التوحيد، وهذه المجلة المباركة ولله الحمد لها حضور مبارك في الوسط الإسلامي
في مصر، وكان فضيلة الشيخ صفوت الشوادفي هو آخر رئيس تحرير لها حتى
وفاته، وكان له جهود مباركة في تطوير المجلة، ثم فوجئنا بفقده ﵀،
ولعل من المناسب في هذا اللقاء أن نسمع شيئاً عن مجلة التوحيد وعن الشيخ
صفوت رحمة الله عليه؟
* مجلة التوحيد هي لسان حال جماعة أنصار السنة المحمدية خلفاً لمجلة
الهدي النبوي التي أسسها الشيخ حامد الفقي، ثم تتابع على رئاستها من بعده الشيخ
عبد الرحمن الوكيل، ثم حدث الإدماج في أيام الشيخ عبد الرحمن الوكيل، فتوقفت
المجلة عن الصدور بعد حوالي ٣١ سنة كانت تصدر فيها، ثم بعد أن أعيدت
جماعة أنصار السنة للوجود مرة أخرى أصدرت مجلة الهدي النبوي، وكان رئيس
تحريرها الشيخ رشاد الشافعي أو اسمه محمد عبد الحميد الشافعي، ثم خلفه على
رئاسة التحرير الشيخ عنتر حشاد الذي ظل أشهراً ولم يكمل عاماً، ثم جاء من بعده
الشيخ أحمد فهمي الذي استمر في رئاستها ١٧ سنة، وكان رئيس الجماعة الشيخ
محمد علي عبد الرحيم.
ثم لما توفي الشيخ محمد عبد الرحيم أسندت رئاسة التحرير إلى الشيخ صفوت
الشوادفي ﵀ فكانت له أيادٍ بيضاء، وكانت له اتجاهات طيبة، وانتقل
بالمجلة نقلة واسعة؛ فالمجلة كانت تمثل جهداً فردياً إذ يقوم فرد بتجميع مجموعة
مقالات، ثم تنشر على الناس في أول كل شهر عربي، وبعد ذلك أصبحت المجلة
تتمثل في لجنة تضع خطة لها، وترسم سياسة للمجلة، وتنوع المقالات. هذا كان
جهد الشيخ صفوت الشوادفي ﵀. فضلاً عن تطوير الشكل في الغلاف
الخارجي، إضافة إلى التطوير الداخلي؛ فأخذت فهماً جديداً، ثم كان حادث السيارة
الذي توفي فيه الشيخ صفوت ﵀؛ بعد أن أصدر ١٠٥ أعداد من مجلة
التوحيد بدءاً من عدد شهر شوال في سنة ١٤١٢هـ إلى عدد جمادى الآخرة ١٤٢١
هـ الذي غُيِّر كله إلا مقال التحرير والفتاوى ومقاله الأخير؛ لأنه متعلق بالمناسبة.
والشيخ ﵀ كان نشيطاً في أمر الدعوة محاضراً وكاتباً ومناظراً
بارعاً، وله في ذلك مناظرات بارعة مع الصوفية ومع العلمانيين والمبتدعة،
وكانت له كتابات حول اليهود وكشف دسائسهم وكانت من أطول الكتابات التي كتبها،
وكتب ردوداً على العلمانيين، وكتب دفاعاً عن الأزهر، وكانت له جهود تربوية
سواء في بيته أو مع تلامذته، وكان على صغر سنه شيخاً معروفاً في أوساط الدعوة،
وبين علماء الأزهر، وبين الدعاة في مختلف أنحاء مصر، بل زار كثيراً من
البلاد الإسلامية ومنها السعودية التي عمل فيها وقتاً طويلاً. وزار الإمارات وقطر
والكويت، فكانت له دعوات وجولات في هذه البلاد فرحمه الله.
البيان: معنى ذلك أن الشيخ كان مسؤولاً عن قطاع الدعوة في جماعة أنصار
السنة؟
* نعم! لما توليت رئاسة الجماعة أخذ الشيخ إدارة الدعوة بما فيها المجلة
التي استمر فيها ٣ سنوات، ثم انفصلت إدارة الدعوة عن المجلة، فتولى بعض
إخواننا إدارة الدعوة، وتولى هو مجلة التوحيد، وكان له في تلك الأيام أنشطة
كثيرة منها إصدار الكتب والرسائل، واللوحات التعليمية مع الدعاة، والأسابيع
الثقافية والدورات الشرعية، وغير ذلك من الأنشطة.
البيان: في ختام هذا اللقاء نسأل الله أن يبارك في
جهودكم جميعاً، وأن يكتب لكم الأجر، وأن يجعلنا وإياكم من المتعاونين على البر
والتقوى، ونسأل الله أن يتغمد فضيلة الشيخ صفوت الشوادفي في واسع رحمته،
وأن يتقبله في الصالحين، وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ولعلنا قبل أن نختم لقاءنا نحظى منكم بكلمة
أخيرة للمجلة!
* نسأل الله أن يكتب لمجلة البيان الانتشار، وتبليغ دعوة التوحيد،
وتعريف المسلمين بدينهم، وجمع شملهم، وأن ييسر لهم الخير، وأن يجمعنا وإياكم
على الخير والبركة.
стр. 3893
المسلمون والعالم
الألبان والغرب تصفيات حديثة
لحسابات قديمة
(١ - ٢)
عبد العزيز كامل
عجيب أمر تلك القارة الأوروبية العجوز؛ فقد عاشت أحقاباً من عمرها
بوجهين متناقضين: وجه مسفر مضيء، ووجه كالح مظلم. أما وجهها المشع
بالضياء فذاك حظها من الحضارة المادية والثقافة الدنيوية، وأما وجهها المكفهر
ظلمة وسواداً فهو موقفها من الديانات التوحيدية؛ حيث يصدق في أهل تلك القارة
قبل غيرهم قوله - تعالى -: [يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ
غَافِلُونَ] (الروم: ٧) .
لقد عاشت أوروبا طوال عصورها قلعة للوثنية، ومهداً للإلحاد، وملاذاً
لأنواع الفلسفات المناقضة للفطرة المعادية للحق المنزل في رسالات السماء، وظلت
عواصم حضاراتها السابقة واللاحقة مهبطاً لوحي الشياطين [شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ
يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً] (الأنعام: ١١٢) .
عبدت أوروبا وألَّهت كل ظواهر الطبيعة، وقدست واحتفت بكل مظاهر
المادة، أما الإله الحق، ودينه الحق، ورسله المبعوثون بالحق، فقد وقف
طواغيت الفلاسفة الأوروبيون منهم - غالباً أو دائماً - موقف الجفاء والعداء.
لم تحفل أوروبا بديانة إبراهيم، ولم تقبل رسالة موسى، ولم تدخل في ملة المسيح
- على الأنبياء جميعاً صلوات الله وسلامه - إلا بعد أن حولتها إلى ديانة وثنية
تقدس الصليب، وتثلث الآلهة.
ثم جاء الدين الخاتم، فرماه الروم عن قوس واحدة، وأوصدوا أبوابهم دونه،
بل حاولوا اقتحام أبوابه علَّهم يقتلونه! ! لم تقف شعوب بعناد أمام دعوة الإسلام
مثلما وقفت شعوب أوروبا الضالة، وظلت (ذات القرون) [١] تناطح الحق على
أرضها وأرضه، ولم ييأس المسلمون من محاولات ترويض تلك الوحشية المتلفعة
بهندام المدنية، فحاولوا مرات الدخول إليها بالدين من بوابتها الشرقية عبر
القسطنطينية، وجربوا تارات من غربها عن طريق الأندلس لفتح رومية، وحتى
تلك البقعة التي أضاءت في غرب أوروبا المعتم، لم تصبر قارة الظلام عليها،
وتواطأ النصارى جميعاً لإخراج الإسلام من الأندلس لتتحول إلى (إسبانيا) ، وليتم
تنصير من تبقى منهم قسراً في ملحمة عار تاريخي على جبين الرجل الأبيض ذي
المعتقد الأسود.
وما أن انطفأ السراج في غرب أوروبا، حتى شع نور في شرقها، فمكَّن الله
رجلاً من فتح حصن من حصون تلك القلعة العنيدة، واستحق بذلك اسم (الفاتح) ،
وأضاءت (القسطنطينية) لأول مرة في تاريخها بنور الدين الصحيح، وتحولت
العاصمة الحامية للكفر إلى عاصمة حاملة للواء الإسلام ليصبح اسمها: (إسلام بول)
[*] ولكن.. هل قَرَّ لتلك القارة الظالم أهلها قرار بالدين الجديد؟ وهل تقبلت بقية
شعوب أوروبا كتاب الله أو دخلت في دين الله؟ إن الواقع الدامي لتاريخ الدولة
العثمانية المجاهدة مع جحود وكنود أوروبا ليخبرنا بأن تلك القارة لم تقبل هذا الحق،
ولم تكن أهلاً لذاك الشرف؛ فلقد تمنعت أكثر شعوب أوروبا وتأبت في وجه دعوة
الإسلام لله رب العالمين، وظلت في المشاقة والشقاء حتى لا تدع وثنيتها المعهودة
وجاهليتها العتيدة.
لقد أسهبتُ شيئاً ما في هذه التقدمة لسبب مهم وهو: أن نضع الأحداث
الراهنة في البلقان، والممتدة منذ سنوات في سياقها من التاريخ؛ فأحداث البلقان
هي فورة جديدة من فورات البركان الأوروبي الثائر دوماً على كل ما كان حقاً من
الأديان، وقد مثَّلت مآسي الأمة الألبانية التي أنجاها الله من الكفر الغالب على
أوروبا، مثالاً حياً على ذلك الموقف العنادي التقليدي لأوروبا من دعوات الرسل
وأتباع الرسل.
جذور الجذور:
الألبان هم أقدم الأعراق التي استوطنت البلقان؛ فقد استوطنوها قبل الميلاد
بمئات السنين، في حين أن السلاف الذين انحدر من نسلهم الصرب والبلغار
والكروات لم يكن لهم وجود في المنطقة قبل القرن الرابع الميلادي الذي أغاروا فيه
على بلاد البلقان.
ولكن السلاف الوافدين، وبخاصة الصرب؛ خاضوا حروباً عنيفة من أجل
تأسيس إمبراطورية صربية تشمل حكماً مطلقاً يحكمون بموجبه الألبان والبلغار
واليونان، واستمر صراعهم من أجل ذلك قروناً عديدة.
وفي القرن الثالث عشر للميلاد، جد السعي لدى الصرب لتحقيق هذا الهدف،
وبالفعل فقد تحقق قيام الإمبراطورية الصربية عام ١٣٤٨م، ولكن الصرب لم
يهنؤوا ببقاء طويل لتلك الإمبراطورية المفروضة المرفوضة، إذ لم يكد يمر ربع
قرن من الزمان على قيامها حتى دق العثمانيون أبواب البلقان، وعبثاً حاول
الصربيون صدهم فلم يستطيعوا، ودخل العثمانيون أراضي الإمبراطورية الصربية
تحت لواء السلطان مراد الأول، وحققوا نصراً مظفراً حاسماً في معركة (كوسوفا)
الشهيرة عام ١٣٨٩م.
ساق وأوراق:
ترعرعت نبتة الديانة الجديدة في قلوب الألبان، ودخل سوادهم في دين الله،
فلم يمر قرن على دخول الإسلام أرضهم حتى أصبح جُلُّ الألبانيين مسلمين،
وتحولت (ألبانيا) إلى ولاية إسلامية عثمانية، وأصبحوا رعايا في دولة الخلافة
مع أنهم تأبوا قبل ذلك على الذوبان في أية قومية أو ديانة أخرى، ولم يدخل في
الإسلام طوعاً إلى جانب الألبان إلا البوسنيون، بينما تمنعت غالبية شعوب البلغار
والصرب وغيرهم عن الدخول فيه. وحمل الصرب أحقادهم على عواتقهم وشهروا
سلاح الغل ورماح الحقد على الدين القادم إلى أوروبا من شرقها، الذي شرِقت به
قبل ذلك في غربها!
كان للألبان بلاء حسن ودور مميز في الولاء للإسلام ورفع لوائه، وقاموا
بجهود صادقة للتمكين له تحت مظلة دولة آل عثمان. وقابل العثمانيون صنيعهم
الطيب بمثله، حتى إن ما لا يقل عن ثلاثين رجلاً من الألبان تولوا في عصور
متوالية منصب (الصدر الأعظم) ، وهو أعلى المناصب في دولة الخلافة بعد
منصب الخليفة، وهو يعادل منصب رئيس الوزراء في عصرنا، وكان القادة
العسكريون الألبان من أكثر القادة العثمانيين بروزاً وتميزاً، حتى لكأن العثمانيين
صدَّروهم لمهمة حل آصار أوروبا وأغلالها التي ألقت بها في قعر الوثنية قروناً
عدداً، ولكن أوروبا المعاندة أجمعت أمرها على الاحتفاظ بأغلالها، وتواطأ
أشقياؤها على الوقوف في وجه الإسلام في الشرق بعد أن أخرجوه من الغرب،
واجتمعت القارة بنصاراها المختلفين من كاثوليك وبروتستانت وأرثوذكس على
اقتحام حصن الإسلام من الخارج بعد تخريبه على يد أوليائهم من اليهود والزنادقة
المرتدين من الداخل؛ فقد تفاعلت الجراثيم اليهودية العتيدة مع الفطريات العلمانية
الوليدة في تركيا لإنهاك جسد الخلافة من داخله، حتى انهارت مناعته، وأصبح
طريح فراش الفتنة، وأطلق على تركيا وقتها وصف (الرجل المريض) . وأثناء
مرضه الطويل قسمت تركته، ثم قُسم هو ذاته في قصة تختلط فيها الإثارة
بالغموض؛ حيث تم تقطيع المريض وما ترك إلى أشلاء ممزعة قبل أن تطلق على
الرأس (رصاصة الرحمة) لا بل رصاصة الحقد! وبعد الوفاة.. ظل الانتقام
مستمراً في التمثيل بالأشلاء، وكان من بين تلك الأشلاء شعب الألبان.
بين الأكراد والألبان:
بين الألبان والأكراد وجوه شبه كثيرة؛ فالألبان شعب جَلْدٌ مقاتل، تواق
للحرية، ميال للكفاح دون مبادئه، ولقد هذب الإسلام تلك الخلال فيه، لولا ما ران
على الألبان من أدران المسخ المتعمد بعد سحبه من منظومة الانتماء الإسلامي، وقد
وجد الغربيون ألاَّ حل لإضعاف شوكته، إلا بحل رابطته وتفريق كيانه.
وفي مطلع القرن العشرين، وبينما كانت ألبانيا خارجة لتوها من تحت أنقاض
الحكم العثماني، أرادت أوروبا أن تضمن خروج الألبان النهائي من دائرة الجامعة
الإسلامية الآيلة للسقوط، حتى لا تعود مصدراً لخطر جديد، فمارست عليها
الضغوط لتحويلها إلى واقع مغاير، فجرى تقسيمها أولاً، ثم اقتطعت أجزاء منها،
واشترط الأوروبيون للاعتراف بها دولة مستقلة أن تعلن حيادها وعلمانيتها،
وخضوعها للمراقبة الدولية، وزيادة على ذلك أن تقبل بأن يكون على عرشها ملك
من الألمان، لا من الألبان!
واستفرد الأوروبيون بألبانيا (المستقلة) بعد أن مزقوها إلى كيانات واجتزؤوا
منها (مقدونيا، وصربيا، والجبل الأسود، وكوسوفا) لتصبح مساحة أراضي
ألبانيا ٢٨ ألف كيلو متر مربع، بعد أن كانت ٨٠ ألف كيلو متر مربع.
ومنذ ذلك اليوم أخذت معاول الثأر الأوروبي تضرب رؤوس الشعوب الألبانية
في انتقام متتابع يتنقل من شعب إلى شعب في أراضي البلقان المضطربة. ونظراً
إلى أن توابع الزلازل البركانية البلقانية في أي جزء من شرق أوروبا تهز تلك
المنطقة كلها، فسوف أتناول في عرض موجز أهم ما جرى من تحولات في تلك
الأجزاء من أراضي الإسلام في البلقان، بدءاً من ألبانيا ومروراً بكوسوفا والجبل
الأسود وانتهاء بما يجري في مقدونيا التي لا يمكن فصل ما يحدث فيها الآن عن
بقية الأحداث التي سبق جريانها في بقاع بلقانية أخرى خلال العقد المنصرم.
ألبانيا وفقدان الهوية:
كانت الحرب العالمية الأولى قد انطلقت شرارتها الأولى من البلقان، وبعد أن
انتهت الحرب بهزيمة تركيا وحليفاتها، عقد في باريس ما عُرف بـ (مؤتمر
الصلح) عام ١٩١٩م، وقامت الدول المنتصرة فيه بتفتيت البلقان، وبعد ذلك
اعترفت (عصبة الأمم) بألبانيا دولة مستقلة، ولكن تلك العصابة اشترطت على
الألبان الانسلاخ من هويتهم الإسلامية كما سبق البيان، ولم تكن هذه مجرد دعوة
نظرية، بل أُجبرت ألبانيا عليها بصورة عملية إذ أُخضعت لاحتلال مباشر من
إيطاليا، ثم تركت ألبانيا لتلقى مصيراً أشنع من السيطرة النازية وهو الهيمنة
الشيوعية، ووقعت تحت تسلط أكثر ديكتاتورات العالم المعاصر تخلفاً وانغلاقاً وهو
(أنور خوجه) زعيم الحزب الشيوعي الألباني الذي قام في ألبانيا بأسوأ مما قام به
مصطفى كمال أتاتورك في تركيا، مع فارق واحد، وهو أن خوجه كان يعمل
لحساب الشيوعية، وأتاتورك يعمل لحساب اليهودية الماسونية.
مكن أنور خوجه للشيوعية في ألبانيا من خلال نظام ستاليني فولاذي قضى
على حرية الشعب وتدينه، واستهدف شرفه وآدميته، وأقام خوجه ستاراً حديدياً
على ألبانيا جعلها معزولة عن العالم، حتى يتمكن من استكمال عملية تغيير في
الأعماق لشعب كان يوماً من حماة الإسلام في العالم، لقد حوَّل ذلك المارد المارق
(خوجه) ألبانيا من الدولة الإسلامية الوحيدة في أوروبا، إلى الدولة الوحيدة الكاملة
الإلحاد في أوروبا بل في العالم أجمع، بشكل فاق ما أحدثته الشيوعية في روسيا
وما كان يتبعها، حارب الأديان كلها، وحول المساجد إلى متاحف ومتاجر ومخازن،
وحل كل المؤسسات الدينية وصفَّى أملاكها وأوقافها، وحظر مجرد ممارسة
الشعائر، وسن القوانين لمعاقبة من يخالف النظم الإلحادية!
لقد ظلت أوروبا (المستنيرة) تنظر بتشفٍ لعقود طويلة إلى هذا المصير
المروع لجزء منها، حتى هلك خوجه، وجاء شيوعي آخر وهو (رامز عليا) عام
١٩٨٥م، في وقت كانت أوروبا الشرقية تترنح تحت رياح التغيير المعادية
للشيوعية، وبعد أربعة أعوام سقطت الشيوعية نهائياً في أوروبا الشرقية، وظن
الألبان أنهم سيتنفسون نسيم الحرية بعد الخروج من مستنقع الشيوعية الآسن، ولكن
اشتراكية الفقر ظلت تلاحقهم حتى بعد سقوط الشيوعية، فقد أجريت انتخابات في
عام ١٩٩١م فاز فيها الاشتراكيون [٢] ، ثم بعد ذلك تبعهم في الحكم الديمقراطيون
[٣] الذين لم يأخذوا من الديمقراطية إلا أسوأ ما فيها؛ حيث تكرست سيطرة
الرأسماليين على الحكم في عهدهم، وحدثت أزمة انهيار شركات توظيف الأموال
في عام ١٩٩٧م التي أحدثت اضطرابات عنيفة في ألبانيا استدعت تدخل الأمم
المتحدة، وضاعت في تلك الأزمة مدخرات الشعب الفقير الخارج من أسر
الشيوعية، وأغرى ذلك الإخفاق الديمقراطي الاشتراكيين بالعودة إلى
الحكم.
ألبانيا وصراع المصالح:
مثلما أعيت المشاكل الداخلية الشعب الألباني الذي يُعد أفقر شعوب أوروبا،
فقد تكاثرت على ذلك الشعب مطامع الأطراف الخارجية؛ فإيطاليا (عاصمة
الصليب) التي احتلت ألبانيا مرتين (عام ١٩١٤م، عام ١٩٣٩م) تحاول جاهدة
إذابة الألبان في ثقافتها وشخصيتها، ولقد نجحت للأسف الشديد في ذلك إلى حد
بعيد، حتى إن الشعب الألباني أصيب بعقدة الهزيمة وأصبح الإيطاليون مثار
إعجاب الكثيرين من جماهير ذلك الشعب المغيَّب، وأصبحت إيطاليا تعامل ألبانيا
على أنها محمية أو منطقة نفوذ، وكان من آخر المظاهر الدالة على ذلك دخول
الإيطاليين بقواتهم لإنهاء أزمة شركات توظيف الأموال لحفظ النظام هناك. وينافس
الإيطاليين على النفوذ في ألبانيا اليونانيون، وإذا كانت إيطاليا هي عاصمة
الكاثوليكية العالمية فإن اليونان هي عاصمة الأرثوذكسية العالمية، وبين الدولتين
خصومات تاريخية مزمنة، وقد أصبحت ألبانيا مجالاً للتنافس المشترك بينهما [٤] ؛
غير أن اليونانيين يركزون على الجنوب الشرقي، بينما يركز الطليان على الجنوب
الغربي. والذي يظهر أن سيطرة اليونان على ألبانيا أكثر من سيطرة الإيطاليين
وبخاصة في المجال الاقتصادي لدرجة أن كثيراً من الألبان يعتبرون ألبانيا دولة
محتلة من اليونانين الذين يمكنون للصرب في ألبانيا ويسندون إليهم مهمة (حفظ
النظام) !
وإذا كانت اليونان تنافس إيطاليا على جنوب ألبانيا، فإن صربيا تنافسها في
شرقها، والجبل الأسود تنافسها في غربها، وبذلك نرى ألبانيا واقعة كفريسة ضعيفة
بين ثلاثة وحوش ضارية يريد كل منها أن يستحوذ على أثمن ما فيها، ولو اقتصر
الصراع على أرض ألبانيا على النواحي الاقتصادية والسياسية لقلنا: شدة وتزول،
ولكن المشكلة أن هناك تنافساً بين الأطراف المتحالفة على تنصير ذراري المسلمين
في ألبانيا.
إن التنافس على المصالح في ألبانيا لا يقتصر على دول الجوار الصليبي فقط،
بل إن هناك قوة طامحة ترمق الأوضاع من بعيد، وهي قوة الولايات المتحدة
الأمريكية؛ فبلاد البلقان بوجه عام، وأراضي الألبان بوجه خاص، يسيل لها لعاب
الثعلب الأمريكي الجائع على الدوام، ولأسباب عديدة تتوق أمريكا لفرض هيمنتها
عن طريق الأمم المتحدة طبعاً على أراضي الألبان، فمن هذه الأسباب:
- أن بلاد الألبان هي الطريق المؤدي إلى كل من القوقاز وشرق المتوسط
والخليج العربي.
- وهي محطة من محطات الحروب الاقتصادية بين أمريكا وأوروبا.
- وهي أيضاً إحدى الساحات المحتملة لأية مواجهة مستقبلة بين أمريكا
وروسيا، أو أي قوة من قوى الإسلام الناهضة في آسيا الوسطى.
- وألبانيا تعتبر أيضاً بنظر الغرب أحد المعابر لمنظومته الثقافية والحضارية
التي يراد تعميم نموذجها في العالم.
إن النظرة النفعية الأمريكية الأوروبية لبلاد الألبان المقسمة في ألبانيا وما
حولها لا تبعد كثيراً عن عمليات حلف الأطلسي التي قام بها عام ١٩٩٩م، وإذا
كانت أمريكا قد تزعمت (الناتو) في تلك العمليات، فإن الأيام تثبت أنها قامت بما
قامت به لمصالح بحتة، لا لمجرد النصرة الإنسانية أو المشاعر العاطفية، ولكن
الألبان خدعتهم تلك العمليات على ما يبدو، فنظروا بإكبار إلى الأمريكيين بعد
ضرب الصرب في كوسوفا ظانين أن العداوات الغربية الصليبية القديمة قد تحولت
فجأة إلى مشاعر صداقة ووفاق ودفاع مشترك، ولكن ما آلت إليه الأمور في
كوسوفا بعد عامين من ضربات حلف الأطلسي تفضح النوايا التي كانت تقف خلف
جهود الغرب للتدخل في البلقان.
كوسوفا تُسقط الأقنعة:
في ذكرى مرور ستة قرون على معركة (كوسوفا) بين العثمانيين والصرب،
أعلن مجرم الحرب الرئيس الصربي السابق (سلوبودان ميلوسوفيتش) أن معركة
كوسوفا التاريخية لم تنته، وأنه قد آن الأوان لاسترداد الصرب لأرض كوسوفا،
وأعلن إلغاء الحكم الذاتي الذي كان يتمتع به ألبان كوسوفا في عهد الرئيس الشيوعي
اليوغسلافي السابق (تيتو) منذ عام ١٩٦٣م.
وقد مرت الأحداث منذ أن أعلن ميلوسوفيتش ذلك بثلاث مراحل:
الأولى: شن دعاية عنصرية صربية مكثفة ضد ألبان كوسوفا بهدف شحن
المشاعر ضدهم.
الثانية: بدء سن قوانين التمييز والتفرقة ضد الألبان.
الثالثة: بدء عمليات العنف والإرهاب ضد ألبان كوسوفا بدءاً من يناير
(كانون الثاني) ١٩٩٨م إلى يونيو (حزيران) ١٩٩٩م. وكان ذلك بهدف إلجاء
الألبانيين إلى الفرار خارج أراضيهم، وبالفعل فقد تمت خلال هذه المرحلة أحداث
محنة كوسوفا الدامية التي قتل وجرح وشرد بسببها مئات الآلاف من الألبان
الكوسوفيين.
كان رد فعل الألبان الكوسوفيين الإعلان عن بدء عمليات المقاومة المشروعة
تحت قيادة ما عُرف بـ (جيش تحرير كوسوفا) ، وذلك بعد إخفاق محاولات الحل
السلمي التي تزعمها الزعيم الألباني الموصوف بأنه (معتدل) : إبراهيم روجوبا،
والذي كان الألبانيون قد انتخبوه رئيساً لهم، ولكن محاولات الألبان لصد العدوان
الصربي ظلت محدودة بسبب غياب الدعم لهم بوصفهم شعباً يمارس حقاً مشروعاً
في الدفاع عن النفس حتى بحسب المواثيق الدولية، وكما كان حال البوسنة وغيرها،
فقد ظل المجتمع الدولي ينظر للدماء النازفة من جراح كوسوفا ببرود غير معهود،
وكأن هذا المجتمع الدولي الحر يريد أن يبعث رسالة لكل حركة تحرير تريد أن
ترفع رأساً بالإسلام أن قد تغير الزمان.
ولما أنهكت الجراح أرواح الكوسوفيين الذين أُدخِلوا حرباً مباغته وغير
متكافئة، تدخلت الأمم المتحدة عارضة كالعادة التفاوض بين الوحش والضحية! ولم
يكن أمام الضحايا إلا القبول بأي حل يزيح السكين عن رقابهم، ولكن الوحش أبى،
وتمرد على أسياد الغابة في واشنطن وما حولها. وهنا كان لا بد من التدخل
العسكري تحت راية حلف الأطلسي لتحقيق عدد من الأهداف جملة واحدة، كان
منها: منع روح الجهاد الإسلامي من العودة إلى بلاد البلقان، حتى لا تتكرر ظاهرة
الأفغان، ومنها: إظهار قادة النظام العالمي الجديد بمظهر الجديرين بقيادة العالم
والقادرين على ضبط الأمور في أي منطقة من مناطقه، ومنها تعزيز مصالح أمريكا
في قلب أوروبا، وإشعار الأوروبيين بأنهم لا يستطيعون التفرد بعيداً عن الهيمنة
الأمريكية، حتى داخل قارتهم التي عجزوا عن حل واحدة من أطول مشاكلها وهي
البلقان، وأخيراً إعطاء درس واضح لكل من يريد أن يمارس طغياناً لحسابه
الخاص، بأن زمن الطغيان الخاص قد ولى؛ لأن في العالم الآن طاغوتاً عاماً يلقب
بـ (العم سام) !
استمر القصف الأطلسي للصرب نحو شهرين كانت الفرصة فيهما كافية لأن
تفرِّغ العقارب الصربية فيها بقية سمومها في جسد الألبان المثخن بالجراح.
ولما وضعت الحرب أوزارها أقبل حلف الأطلسي على تنفيذ اتفاق
(رامبويه) الذي سبق أن رفضه الصرب رغم غبنه للألبان، فهو لا يمنح شعب
كوسوفا الاستقلال، بل يضعهم تحت (وصاية دولية) وكأن الاتفاق يقول
للطرفين: كوسوفا ليست لأي منكما الآن وحتى إشعار آخر!
إن الصليبية الدولية تبرهن مرة أخرى على إصرارها على عدم التمكين
للإسلام ولو بشكل رمزي في أي أرض من أراضي أوروبا، ومع وضوح الحق
الكوسوفي عياناً أمام كل ذي بصيرة، إلا أن أقطاب (الشرعية الدولية) المتفاخرين
دوماً بقدرتهم على فرض إرادتهم، لم يشاؤوا أن يفرضوا هذه القدرة بإعطاء شعب
أدنى حقوقه التي نصت عليها تلك الشرعية الكاذبة!
كوسوفا تحت الإدارة الأممية:
بعد إخراج الجيش الصربي من كوسوفا عمدت الأطراف الدولية المتنفذة إلى
إجراء عملية (إخصاء) لإرادة الألبان فيها، ففرضت على (جيش تحرير كوسوفا)
أن يحل نفسه، ويسلم أسلحته ويتحول إلى حزب سياسي (مسالم جداً) ! مع أن
حزب ميلوسوفيتش (العسكري) لم يُحَلَّ بعد، ولا يزال رجاله في أعلى درجات
المسؤولية في الجيش الصربي! فهو وإن كان قد ذهب بجرائمه التي قد طالت شعبه
نفسه، إلا أن أعوانه لا يزالون في السلطة.
وقد فرضت الأمم المتحدة منطقة عازلة بين حدود كوسوفا وصربيا ريثما تهدأ
الأمور، ولكن تلك الحدود بدأ التحالف الأطلسي في تخفيف وجوده عندها تمهيداً
لإلغاء مهمته فيها، وهذا معناه: إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه بعد نجاح عملية
الإخصاء المذكورة لجيش تحرير كوسوفا حيث تتهيأ الفرصة للصرب أن يعودوا
فيعيثوا في أراضي الألبان فساداً دون أن يكون هناك من يصدهم. إضافة إلى ذلك،
وبدلاً من تمكين الكوسوفيين من إدارة شؤونهم في أوطانهم ولو تحت حماية دولية،
إذا بالمجتمع الدولي يفرض على الكوسوفيين إدارة أجنبية مدنية وعسكرية أشبه بتلك
التي كانت سائدة في الحقب الاستعمارية، غير أن المستعمر هنا لا يرفع أعلام دولة
من الدول الاستعمارية القديمة بعينها، بل يرفع علم المنظمة الدولية الموقوفة الآن
على الهيمنة الأمريكية.
لقد حلت في كوسوفا بمقتضى قرار مجلس الأمن رقم (١٢٤٤) إدارتان
إحداهما مدنية، والأخرى عسكرية.
- أما الإدارة العسكرية فهي تحمل اسم (كيفور) ، وتتشكل من قوة تقدر
بخمسين ألف جندي (وهو قوام جيش كامل لدولة متوسطة) ، وينتمي هذا الجيش
إلى ٣٩ دولة، وتتوزع قواته على خمس مقاطعات، تحت قيادة خمس دول هي:
(أمريكا بريطانيا فرنسا ألمانيا إيطاليا) [٥] ، وتؤول المسؤولية الموضوعة في أيدي
تلك الدول الخمس إلى دولة واحدة هي: أمريكا.
- وأما الإدارة المدنية فيطلق عليها اسم: (أونميك) ، ويترأسها رجل فرنسي
يدعى (برنار كوشنير) ، وهذا الرئيس الفرنسي لشعب كوسوفا الألباني المسلم هو
الحاكم الفعلي الآن لتلك الجمهورية التي طالبت العالم بالاستقلال، أسوة بكرواتيا
وسلوفينيا النصرانيتين البلقانيتين. ويقوم هذا الرئيس الفرنسي (المؤقت) بدور
تهيئة البلاد للرئيس (المؤبد) الذي يُعد الآن لحكم المسلمين في كوسوفا، وذلك
على طريقة حكم الانتداب الذي ظننا أنه قد أصبح من التاريخ! إن مهام ذلك
الرئيس الفرنسي تمثل سلطة حكم تنفيذي لا إشرافي، فهو يرأس تلك الإدارة في
إطار حكم يصور على أنه حكم ذاتي، أما مصير (الحل النهائي) لأزمة الشرق
الأوسط الأوروبي فإنه الآن بيد أرباب الديمقراطيات العالمية التي تصاب بالعَتَه
والعمى والصمم والبكم كلما طالبها شعب مسلم مسالم بحق تقرير المصير!
إن أمريكا والغرب لن يقبلوا حتى إشعار آخر بوجود إسلامي في أوروبا
الموهوبة منذ ولدت لخدمة الشيطان، وحتى لو قبلوا شكلاً من أشكال ذلك الوجود،
فلا بد أن يكون مفرغاً من المضمون، فلا يكون له وصف سياسي، أو ثقل
اقتصادي أو هوية ثقافية أو اجتماعية تنطلق من ثوابت إسلامية، فلا سماح لدولة أو
حلف أو مجموعة تتبنى الإسلام في جزء من أجزاء تلك القارة القارة دوماً في بيت
العصيان.
يمكن فقط السماح بوجود محدود للمسلمين في شكل جاليات أو محميات أو
تجمعات لأصحاب اللجوء السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي!
وفي هذا الإطار يمكن أن نفهم ما يدور في جمهورية مقدونيا التي يريد
مسلموها من الألبان أن يجربوا حظهم في المطالبة بحقوقهم في عالم لم يعد يعدل في
قضية إن كان أهلها من أصول إسلامية، ولو كانت أوروبية!
وإلى بقية في حلقة قادمة إن شاء الله.
стр. 3894
المسلمون والعالم
قبل فوات الأوان الخطر التنصيري يهدد
البوسنة والهرسك
محمد إسماعيل يوستش
تمثل أرض البوسنة والهرسك نقطة تماس مباشر بين العالمين: الإسلامي
والغربي، وما يزال الغرب ينظر إلى تلك الأرض وفي مخيلته جيوش الفتح
الإسلامي وهي تتقدم في قلب أوروبا. فهي في نظره عضو غريب مغاير في
التركيب الثقافي والحضاري ولا يمكن أن يزرع في جسد القارة؛ واضعاً بذلك
المعايير الثقافية والدينية أساساً للانتماء، متناسياً صيحاته التي صمّت الآذان،
ودعواته لأمم الأرض أن تقبل بالتنوع الثقافي داخل نسيجها الخاص.
وإذا كانت آلة الحرب الصربية والكرواتية لم تستطع أن تحوِّل البوسنة إلى
أندلس جديدة بقبضتها الحديدية؛ فها هي يد التنصير الملساء تلتف من خلف
الكواليس باحثة عن ذوي الحاجات الخاصة، منقبة عن الفئات الاجتماعية ذات
الأوضاع غير الطبيعية؛ لتبذر فيها بذورها دون أن تتعجل الحصاد، في ظل غفلة
العالم الإسلامي الذي تخاذل - إلا من رحم الله - عن نصرة إخوان العقيدة في زمن
الحرب وزمن السلم على السواء.
تزداد المؤسسات التنصيرية الدولية العاملة في البوسنة والهرسك مع الأيام،
وهي تقوم بأعمال إغاثية وخيرية ضخمة، دون أن يكون لها هدف تنصيري واضح؛
وذلك حتى تثبت شرعية وجودها، وتستهدف كثيرٌ من هذه المؤسسات «يتامى
البوسنة» ممن قُتِل آباؤهم دفاعاً عن شرف الأمة ودينها. ولا تزال هذه الشريحة
تسيِّل لعاب المنصِّرين وتفتح شهيتهم للعمل، وذلك لسهولة التأثير فيها وتوجيهها؛
حيث تقوم هذه المؤسسات بانتقاء الأطفال من المدارس ومن ثم توجيه الدعوة لهم
للمشاركة في رحلات خارجية ترفيهية بالمجان.
وعلى سبيل المثال تقوم مؤسستا IKRE و Dom Sindikata بتنظيم
رحلتين لليتامى سنوياً إلى إيطاليا وأسبانيا وباقي الدول الأوروبية؛ الأولى في
أواخر ديسمبر؛ حيث احتفالات رأس السنة وعيد الميلاد، وتستمر هذه الرحلة ٢٠
يوماً، والثانية في الفترة ما بين يوليو وأغسطس وتستمر ٤٠ يوماً، وتكون في
استقبالهم عائلات نصرانية متدينة وغنية تعاملهم كفرد من أفراد الأسرة طوال فترة
الرحلة.
تقول إحدى البنات - لم ترد أن تكشف اسمها - في مقابلة أجريت معها - إنها
تشارك في هذه الرحلات كل سنة؛ حيث تستقبلها عائلة نصرانية ميسورة الحال
توفر لها غرفة خاصة وتلفازاً وجهاز كمبيوتر ومسجلاً إلى ما هنالك من وسائل
الترفيه، وتضيف: إن تلك العائلة متدينة جداً، يصلي أفرادها ثلاث مرات في
اليوم، ويذهبون إلى الكنيسة يومي الأحد والجمعة، وذكرت أنها قد ذهبت معهم مرة
واحدة؛ لأنهم كانوا مصرِّين على ذهابها.
والذهاب إلى الكنائس بالأطفال شيء معتاد كما يقول: (Nezir
Halilovic) نزير هليلفتش - مدير أمانة الوقف بسراييفو والخطيب في مسجد
الملك فهد في العاصمة، ويذكر أيضاً - كما ورد في مقال له نشر في موقع رئاسة
المشيخة البوسنية الإسلامية على شبكة الإنترنت عن إحدى فتيات البوسنة أنها
شاركت في الصلاة داخل الكنائس ثلاث مرات.
وتستقبل هذه الأسر الأوروبية يتامى البوسنة وكأنهم أبناؤهم؛ حيث
يصحبونهم لزيارات الأقارب والمشاركة في الأعياد ذات البعد الديني أو الثقافي
وهي كثيرة عند النصارى. وفي هذه الأعياد والحفلات يعتاد الأطفال على شرب
الخمور وأكل لحم الخنزير والرقص، وغيرها من أنماط الحياة الغربية، كما
يقومون بإعطاء الأطفال هدايا ثمينة مثل المجوهرات والقطع الذهبية.
تقول (عملة) عن العائلة النصرانية التي تستضيفها في أسبانيا خلال فترة
الصيف إنهم يذهبون بها إلى شاطئ البحر وحفلات الرقص، كما أنها تذهب معهم
لمشاهدة حفلات الجمال، أما يوما الجمعة والأحد فهما مخصصان للذهاب إلى
الكنيسة. وعن كرم هذه العائلة تقول: عندما يذهبون للتسويق كان يُشترى لها كل
ما ترغب فيه مهما كان ثمنه!
وتقول (نرمينا) إنها كانت تذهب إلى إحدى المدن الأوروبية (لم تحددها)
وكانت العائلة المستضيفة تضع لها تكلفة التذكرة وكل احتياجاتها الأخرى عن طريقة
مؤسسة IKRA، وتقول: عندما كنت صغيرة جداً كنت أذهب معهم إلى الكنيسة
دائماً، وفي المرة الأخيرة رفضت الذهاب فانقطعوا عن المساعدة.. لا يريدون مني
أن آتي إليهم مرة أخرى.
وبعض هذه العائلات - كما يقول الشيخ نزير هليلفتش - تأتي إلى البوسنة
ويزورون اليتامى في بيوتهم ويحضرون لهم الهدايا القيمة إضافة إلى النشرات
التنصيرية، كما تتصل تلك العائلات باليتامى شهرياً، وترسل لهم مساعدات مالية
شهرية تتراوح ما بين (٣٠٠ - ٥٠٠) مارك ألماني. وعند رجوع الأطفال من
تلك الرحلات يكون معهم العشرات من الكتب عن النصرانية.
كتاب جديد يتحدث عن نشاطهم
صدر حديثاً كتاب يحمل عنوان: «كبِّر رؤيتك للكنيسة الصغيرة»
Magnify Your Visio For The Small Church للأمريكي جون روفل
(John Rowell) وهو القس الأول والمؤسس لكنيسة NCC (Northside
Cmmunity Church) التي مقرها الرئيسي في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا
الأمريكية.
وقد اعترف فيه المؤلف بالجهود التي تبذلها المؤسسات التنصيرية الدولية في
أرض البوسنة والهرسك، ويتألف الكتاب من جزأين: يتحدث الجزء الأول منه عن
التنصير العملي بين البشناق (أهل البوسنة) ، في حين يتناول الجزء الثاني
جوانب التنصير ومشكلاته عموماً ورؤية المؤلف لها، كما يحاول أن يثبت أن
الكنائس الصغيرة تملك إمكانيات أكبر للتحرك من إمكانية الكنائس الضخمة ذات
التنظيم المعقد.
وقد اختار جون روفل مسلمي البوسنة ليكونوا ميداناً للنشاط التنصيري التابع
لكنيسته ووضع أمام أتباعه هدفاً محدداً وهو نشر رسالة الإنجيل و «إيصال صوت
المسيح» لأهل البوسنة الذين وصفهم المؤلف بأنهم (استطاعوا مقاومة المسيح
لأكثر من ٥٠٠ سنة) .
والعجيب أن المؤلف تحدث أنه بدأ بالتخطيط لتنصير البوسنة منذ سنة ١٩٨٩
م أي قبل سقوط الشيوعية واندلاع الحرب وفي الحين الذي لم يكن العالم الإسلامي
يعلم بوجود مكان يقطنه مسلمون يدعى البوسنة.
وقد لاحت الفرصة الذهبية للرجل لتحقيق الهدف المنشود، حين تفجرت أزمة
البلقان ووقع أهل البوسنة تحت وطأة الحاجة الملحة التي يحسن المنصرون
استغلالها لتحقيق مآربهم.
ويعبر المؤلف عن هذا الأسلوب التنصيري المفضل بعبارة YOU GIVE
THEM SOMETHING TO EAT (أعطوهم شيئاً ليأكلوه) ، وهي عبارة
يزعمون أن المسيح ﵇ قالها حين أطعم أهل (غاليليا) ، متناسياً أن
المسيح لم يكن هو المتسبب في تشريد أهل (غاليليا) بخلاف منتسبين إليه في هذه
الأيام الذين يسببون ويشجعون الأوضاع الإنسانية البائسة ثم يقومون باستغلالها.
وبهذه الصورة تتحول المشاهد الإنسانية المروِّعة في أذهان الغربيين المتدينين إلى
منح وفرص تستغل ولا تعالج.
ويورد المؤلف في الكتاب التقارير التي كان أتباعه المنصرون يرسلونها له
عن نشاطهم في أحد مخيمات اللاجئين البوسنويين في كرواتيا، ويسمى (غاشينسي)
(GASINCI) ، زمن الحرب، وكان هذا المخيم يضم ثلاثة آلاف وخمسمائة
مهاجر ممن نجوا من نار الدنيا ليتلقفهم المنصرون بالدعوة إلى نار الآخرة.
ويقدم الكتاب رصداً لتحركات المجموعات الصغيرة (من ٤ إلى ٨ أشخاص)
التي كان القس جون يرسلها إلى المخيم (غاشينسي) والتي تتناوب عليه،
والغرض من كل ذلك تشجيع المؤسسات التنصيرية الأخرى على اتباع منهجه في
التنصير حيث يقدم لهم توجيهات وينقل إليهم الخبرات.
وهكذا تمضي آلة التنصير عاملة في الخفاء، سائرة نحو تحقيق أهداف
مرحلية محسوبة بدقة، ولا تتعجل قطف الثمرة، وسلاحها طول النفس.
فيما أثبتنا نحن قلة التفاتنا للأخطار الخفية مهما كانت قوية، فيكفينا أن نشاهد
عرضاً عن الإسلام في البوسنة، ونرى بعض المساجد وقد بنيت، والمآذن قد
رفعت حتى نستهين بكل حديث عن مشاكل أخرى يواجهها مسلمو البوسنة، وعن
التنصير بالذات، وتعمى أبصارنا عن رؤية هذا الضباب الذي يحوم حول تلك
المآذن! !
فإن بقي العالم الإسلامي بمثل هذه النفسيَّة؛ فسنتحرك لأجل القدس لكن بعد
أن يهدم الأقصى، وسننشط في الدعوة في أرض البوسنة بعد أن تغدو نصرانية! !
فلا بد من نفسية أخرى أشد حساسية نحو الخطر، تتحرك عند بداية الأمر،
وتضمد عند نشوء الجرح، وعلينا أن لا نقصِّر في دعم المؤسسات الإسلامية
الدعوية بكل الوسائل.
بل علينا أن نفكر (مؤسسات وأفراداً) في استقبال طفل بوسني ليتعلم سورة
من القرآن، ويلعب مع أطفالنا ليشعر بأخوة الإسلام، ولينمو في نفسه معنى امتداده
في العالم الإسلامي وانتسابه لأمته.
стр. 3895
المسلمون والعالم
أقباط المهجر الدور والمخططات
حسن الرشيدي
«أنا مصرية قبطية مضطهدة في بلادي، إنهم ينظرون إليَّ بازدراء؛ لأن
على صدري صليباً ... الأقباط في مصر مطاردون ومقتولون ومعذبون، ولا بد أن
تتحرك أمريكا لوقف هذه الفظائع» ! !
هذه كلمات فتاة مصرية قبطية تصرخ بها في أمريكا في كل مؤتمر سياسي
سواء للحزب الديمقراطي أو الجمهوري في غرب الولايات المتحدة أو شرقها،
وحين تنتهي من كلماتها تجلس وسط تصفيق الحاضرين، وقبل ذلك تكون قد أخذت
قسطاً من أضواء كاميرات الصحف، والتليفزيون التي تغطي المؤتمر.
هذه الأفعال جزء من استراتيجية عامة وحملة مدروسة تقوم بها جهات قبطية
نشطة ليس في أمريكا فقط ولكن في سائر دول الغرب، صورت الأقباط أنهم أقلية
مضطهدة، واستغلتها الولايات المتحدة وأطراف أخرى في أهداف خاصة بها.
فمن هم أقباط المهجر؟ وماذا يريدون؟
الأقباط - عامة - هم أهل مصر عندما فتحها المسلمون بقيادة عمرو بن
العاص ﵁ في عهد الخليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -
﵁، ويؤرخ للكنيسة المصرية بمجيء (مرقص) وهو أحد حواريي
المسيح كما تقول المصادر النصرانية. وقبل القرن الخامس الميلادي لم يكن هناك
حديث عن انقسام نصراني بين مذهبي الأرثوذكس والكاثوليك، ولكن بعد انعقاد
المجمع المسكوني الرابع في عام ٤٥١ ميلادية ظهر أول انشقاق في الجسم الكنسي؛
حيث انفصل التيار الذي وافق على قرارات المجمع عن التيار الذي اعترض على
قرارات المجمع، وكان الاختلاف حول طبيعة المسيح؛ فقد اتفق الجميع على أن
المسيح له لاهوت (من الله) وناسوت (من البشر) حيث قال بعضهم بأن
اللاهوت والناسوت يكوِّنان طبيعة واحدة وهم الذين رفضوا قرارات المجمع؛ في
حين قال بعضهم الآخر بوجود طبيعتين داخل أقنوم [١] واحد وهو ما صدر رسمياً
عن المجمع. والقائلون بالطبيعة الواحدة هم الذين سُمُّوا: الأرثوذكس ومنهم الأقباط،
والقائلون بالطبيعتين هم الكاثوليك. وآمن الرومان الذين كانوا يحتلون مصر
حينذاك بالمذهب الكاثوليكي وأذاقوا الأقباط أشد أنواع العذاب ليعدلوا عن مذهبهم
حتى كما تقول الروايات إن شقيق البطريرك القبطي قتلوه بإسالة شحمه بالشموع
المشتعلة، ووضعوه في جِرابٍ مثقَّب وأنزلوه في البحر عدة مرات، وهرب
البطريرك (رئيس الكنيسة) واختفى عشرات السنين في الكهوف والجبال والأديرة
البعيدة عن رقابة الرومان. وتتفق روايات ألد المؤرخين عداوة للإسلام على أنه لو
لم يقع الفتح الإسلامي لأبيد الأقباط بإبادة كنيستهم وفتنتهم عن دينهم.
أقباط المهجر:
تختلف التقديرات بالنسبة لعدد الأقباط المهاجرين؛ حيث يتراوح عددهم بين
٦٠٠ ألف حتى يصل إلى ٢ مليون في بعض المصادر القبطية، ولعل إشكالية
عددهم هذا تتشابه مع إشكالية تعداد الأقباط داخل مصر؛ فبينما يقول زعماء الأقباط
إن نسبتهم حوالي ٢٠% من تعداد السكان تقول مصادر الحكومة المصرية إن
نسبتهم لا تتعدى ١٠%، وأن هذه النسبة تشمل الأقباط الأرثوذكس والكاثوليك
والبروتستانت وغيرهم من الطوائف النصرانية، وأن نسبة الأرثوذكس في حدود
٥. ٧% مع الأخذ في الاعتبار أن شكاوى الاضطهاد تأتي دائماً من جانب الأرثوذكس
كل ذلك طبقاً للإحصائيات التي يقوم بها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء
المصري كل عشر سنوات. ومن المعروف أن نسبة الأقباط هذه المعلن عنها من
قِبَل الجهات الرسمية المصرية ثابتة منذ أكثر من قرن من الزمان؛ حيث كان
يشرف على عملية التعداد حينئذ الإنجليز الذين كانوا يحتلون مصر.
أقسام الأقباط في المهجر:
يمكن تقسيم أقباط المهجر إلى فئتين رئيستين:
الفئة الأولى: الكنائس في المهجر.
الفئة الثانية: أقباط خارج الكنيسة أو الشعب بالمصطلح الكنسي: وهم الأفراد
من غير طبقة رجال الدين.
أولاً: كنائس المهجر:
كانت أول كنيسة قبطية تأسست في الولايات المتحدة هي كنيسة مار مرقص
في جيرسي سيتي، وكان ذلك في عام ١٩٦٤م، وفي عام ١٩٦٨م سجلت ثاني
كنيسة قبطية للمهاجرين في نيويورك، وتبعتها كنيسة في المدينة نفسها عام ١٩٧٠م،
وبعد أن تولى الأنبا شنودة كرسي البابوية توالت الكنائس في جميع بلاد المهجر
حتى إنها بلغت ٤٦ كنيسة في أمريكا، و ٣٨ في أوروبا، و ١٥ في كندا و ٢٣
في أستراليا وغيرها من البلدان. والمرء يندهش وتتملكه الحيرة من كثرة عدد
الكنائس في المهجر خاصة بعد تولي الأنبا شنودة شؤون بطريركية الأقباط في
مصر، ويزداد الاندهاش حينما يعلم أن بعض البلدان العربية توجد فيها
كنائس قبطية؛ حيث يقول الأنبا شنودة: «لنا كنائس في أبي ظبي، ودبي،
والبحرين، ومسقط، وبغداد، والأردن، والكويت، ولبنان، والقدس، وليبيا،
والسودان» .
ولكن ما الدور المنوط بهذه الكنائس؟ يقول الأنبا شنودة: «ولاهتمامي
بشؤون المهجر أنشأت مكتباً في المقر البابوي بالقاهرة لشؤون المهجر يتلقى أخبار
كنائس المهجر والرسائل والفاكسات، ويعد ملفاً لكل كنيسة ولكل موضوع ... » ،
ويضيف قائلاً: «نحن لا نعمل لليوم، ولكن نعمل للمستقبل، ونرى أن تمتد
الرعاية لكل قبطي في الخارج مهما يكن في أماكن بعيدة» .
ويقول في حديث آخر عندما سئل عن الأسباب التي أدت إلى تمدد الكنيسة
خارج الحدود؛ فأجاب مباشرة: «ربطهم انتمائياً إلى الكنيسة» ، ويقول في
موضع
آخر: «الجنسية شيء والولاء شيء آخر ... والأطفال في الصلوات يذَكَّرون
باستمرار بالكنيسة وآبائها ورئاستها وقوانين الكنيسة» .
ولكل كنيسة من كنائس المهجر مجلة فضلاً عن توزيع كنائس المهجر لمجلة
الكنيسة مترجمة باللغة الإنجليزية، وبخلاف ذلك تقوم كنائس المهجر بالتحرك على
محاور أخرى لربط أقباط الخارج بها مثل: إنشاء مراكز قبطية تعتبر بيوتاً للخلوة
وتلقى فيها المحاضرات، إقامة كليات لاهوت كالتي في سيدني بأستراليا وجيرسي
سيتي بالولايات المتحدة، ترجمة الكتب الدينية بلغات أبناء المهجر.
هل الرعاية هي غاية الكنيسة المصرية أم أن هناك دوراً لهذه الكنائس
الخارجية يخطط له شنودة؟ لقد ظهر فيما بعد هذا الدور؛ فعندما تبدأ كنائس مصر
إضراباً وصياماً تساندها كنائس المهجر؛ وبذلك يكون الصوت مدوياً في أرجاء
المعمورة وليس قاصراً أو منزوياً في دولة، ويقول شنودة متحدثاً عن زيارة
الرئيس مبارك إلى الولايات المتحدة التي جاءت في أعقاب حوادث قرية الكشح
المصرية وما تبعها - كالعادة - من اتهام الحكومة المصرية باضطهاد الأقباط:
«لقد أمرتُ كهنة الكنائس هناك يقصد بالخارج بالخروج لاستقبال الرئيس» ، والذي
يأمر بالخروج قادر على إصداره أوامر بالمقاطعة في الوقت الذي يريد.
ونتيجة لمحاولة الأنبا شنودة السيطرة على أقباط المهجر بواسطة الكنائس،
واتباعه الأساليب الحزبية المعهودة عنه لبسط نفوذه توالت الانشقاقات عليه في
الخارج كما حدث في الداخل.
ثانيا: الأقباط خارج الكنيسة:
عند استقراء حالة الأقباط المهاجرين تواجه الباحث صعوبات عدة لاعتبارات
عديدة منها: أنها لم تدرس دراسة علمية وحقلية حتى الآن؛ بحيث يمكن للباحث أن
يتلمس الخريطة المعلوماتية والسوسيولوجية للأقباط في كل دولة ومجتمع غربي
على حدة من زاوية أعدادهم الحقيقية والعاملين منهم والعاطلين وهياكلهم العمرية
وأجيالهم وسنوات الهجرة وتخصصاتهم ... كذلك ما زالت التضاريس السياسية لهذا
التعبير العام والغامض المسمى أقباط المهجر مجهولاً آخر: كم عدد المنخرطين في
الحياة السياسية في بلدان المهجر سواء في أحزاب سياسية في دول المهجر، ومدى
مشاركتهم السياسية في الانتخابات العامة وغيرها، وكم عدد النشطاء في المنظمات
القبطية التي تتخذ مواقف سياسية إزاء الدولة المصرية أو تمارس أدواراً معينة
سواء تجاه الكنيسة معها أو ضدها؛ وخاصة أن الكتلة الكبرى هي للأقباط
الأرثوذكس في المهجر، ومع ذلك فإن ثمة أقباطاً ينتمون إلى الكنائس الكاثوليكية
والإنجيلية، وهل يشاركون جميعاً في إطار هذه المنظمات ... ؟ كل هذه الأبعاد
المختلفة لموضوع أقباط المهجر لا تزال غائبة عن الدراسة الأكاديمية والمقاربات
الميدانية نظراً لغياب بنية معلوماتية دقيقة عن هؤلاء الأقباط، ولكننا سنحاول
الاقتراب قدر الإمكان من تاريخهم، وتنظيماتهم على ضوء المعلومات القليلة
المتوفرة.
بدايات الهجرة:
بدأت هجرة المصريين عموماً تتسع مع بدايات حركة الضباط الأحرار
المؤسسين لثورة عبد الناصر في ١٩٥٢م حيث كان النزوح الأول لعدد كبير من
الناس، وهؤلاء انقسموا فئتين: فئة هاربة بدينها من اضطهاد رجال الثورة الذين
شنوا حملة لا هوادة فيها على الإسلام، والفئة الأخرى كانت من الرأسماليين
وأصحاب الأراضي التي استولت الثورة على أموالهم بدعوى توزيعها على الفقراء،
واستقر هؤلاء في أوروبا وأمريكا، وكان فيهم عدد كبير من الأقباط يمتلكون
حوالي ١٥% من ثروة مصر.
ومع بداية الستينيات كان النزوح الثاني الذي اشتد في السبعينيات
والثمانينيات، واستمر حتى يومنا هذا وشمل جميع فئات مصر، وهو يختلف عن
النزوح الأول الذي كان خروج أغنياء، أما الثاني فهو خروج بحث عن هوية مفتقدة
أو بطالة لا تفي بمتطلبات العيش وأعباء الحياة.
بينما اتجه الشطر الأكبر من هذه الهجرة إلى الدول العربية وكانت غالبيتهم
الساحقة من المسلمين، اتجه بعضهم صوب الغرب في أوروبا وأمريكا، وكانت
نسبة الأقباط فيهم مرتفعة.
وفي ظروف بدت غامضة لبعض الناس ظهرت منظمات الأقباط في المهجر،
وعند التحري عن توقيتها بدت وكأنها متصلة مع غيرها من الصدامات القبطية في
مصر.
أهم المنظمات القبطية في المهجر:
١ - الهيئة القبطية:
وتعد من أنشط المنظمات القبطية المعارضة وأقواها في المهجر وصاحبة
الصوت العالي، تأسست في جيرسي ستي بولاية نيوجيرسي بالولايات المتحدة عام
١٩٧٤م على يد شوقي فلتاؤس كراس، ومن أهدافها المعلنة:
١ - العمل على احترام حقوق الإنسان.
٢ - نشر الثقافة القبطية على الصعيد العالمي، وتأسيس معهد للدراسات
القبطية.
٣ - إحياء القومية القبطية والتاريخ القبطي.
٤ - إنشاء مركز ثقافي لنشر الثقافة القبطية، وللرد على أسئلة المستفسرين
عن تاريخ الأقباط وحضارتهم.
٥ - مساعدة الأقباط المهاجرين.
وبمرور الوقت أصبح للهيئة العديد من الفروع في الولايات المتحدة وبلدان
المهجر الأخرى مثل كندا وأستراليا. وشوقي كراس هو رئيسها في الولايات
المتحدة، ويشغل سليم نجيب هذا المنصب في كندا، وصموئيل فهد في أستراليا،
وأطلق على هذا التجمع الدولي الجديد الاتحاد العالمي للهيئات القبطية.
وتصدر الهيئة مجلة (الأقباط) باللغتين العربية والإنجليزية، وهي مجلة
تطبع أكثر من ١٥ ألف نسخة، وتوزع بالمجان على رؤساء الدول والسياسيين
ورجال الدين وجمعيات حقوق الإنسان، كما تقوم الهيئة بإصدار نشرات صحفية في
المناسبات المختلفة وإرسالها إلى قادة دول العالم، وفي الوقت نفسه تعمل على نشر
الإعلانات في الصحف الأمريكية الكبرى مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست
لتوضيح وشرح ما تسميه قضية الشعب القبطي في مصر، وتولت الهيئة طباعة
الكتب القبطية التاريخية القديمة.
٢ - المنظمة الكندية المصرية لحقوق الإنسان:
تأسست هذه المنظمة في أول يناير ١٩٩٥م، ومن أهدافها المعلنة:
* تعزيز مبادئ السلام والتعايش بين الجماعات والتجمعات العرقية والدينية.
* الدفاع عن حقوق الإنسان الفرد وحقوق الأقليات.
* تقوية ودعم مبادئ الديمقراطية.
وتحددت الوسائل المعلنة لهذه المنظمة على النحو الآتي:
١ - القيام بالأبحاث والدراسات في مجال حقوق الإنسان وحقوق الأقليات.
٢ - المشاركة في أنشطة البرامج القانونية والاجتماعية والتعليمية
والاقتصادية والثقافية وتطويرها لتدعيم تحقيق أهداف المنظمة.
٣ - تقديم منح دراسية للنشطاء والمهتمين بحقوق الإنسان.
٤ - استضافة المؤتمرات وعقدها حول القضايا الخاصة بحقوق الإنسان.
٥ - تأسيس روابط وعلاقات مع منظمات مشابهة.
وتصدر المنظمة نشرة باسم المساواة باللغتين العربية والإنجليزية، وصدر
العدد الأول منها في يونية ١٩٩٦م ويرأسها نبيل عبد الملك.
ومن خلال استعراض أهداف المنظمة المعلنة يتضح أنها تعتمد على الأسلوب
غير المباشر في التعامل مع قضية الأقباط من خلال الولوج من موضوع حقوق
الإنسان بعكس الهيئة القبطية التي تتبنى قضية الأقباط بصورة مباشرة وتصادمية.
كما تتواجد أيضاً عدة هيئات وتجمعات صغيرة بعضها يصدر نشرات دورية
وغير دورية مثل نشرة الرسالة التي تصدرها جمعية الدراسات القبطية في نيو
جيرسي منذ عام ١٩٨٢م وتعرِّف نفسها بأنها صوت الشعب القبطي الصارخ من
أجل الكنيسة وتقاليدها، ويرأس تحريرها (رودلف يني) من بنسلفانيا، وهناك
المؤسسة القبطية ويرأس مجلس إدارتها (عصمت زقلمة) ، والفيدرالية القبطية
ويمثلها (منير بشاي) ، والاتحاد القبطي ويمثله الدكتور (محب ميخائيل)
و (رفيق ميخائيل) ، وأخيراً أعلن في أمريكا عن تأسيس منظمة التحرير
القبطية.
ماذا يريد أقباط المهجر؟
هل أهدافهم هي أهداف أقباط الداخل المعلنة نفسها؟ أم تتجاوزها لتعبر بالفعل
وبالكلمة عن أمانٍ دفينة ورغبات مكبوتة يعجز من بالداخل عن إظهارها؟
تقول جريدة صوت الأقباط: «إنه علينا أن نعمل بكل جهدنا وطاقتنا وأموالنا
وذكائنا وأن نطرد الشر ونقاوم كل سهامه الشريرة، وأن نستأصل الاستعمار
الإسلامي من جذوره في مصر.. كل مصر؛ فأمة الأقباط ليست لبني إسماعيل فيها
جذور، وإذا كان المستعمر المسلم قد فقد كرامته وحياءه فوجب عليه أن يرحل
بإرادته عن مصر ويترك أصحاب الأرض الأقباط في حالهم؛ لذا وجب عيلنا نحن
الأقباط الذين هاجرنا بعيداً عن عبودية الإسلام أن نعمل جاهدين على طرد
المستعمر المسلم قبل أن يبيد المسيحيين ويطردهم من ديارهم؛ فإن كان طرد
الاستعمارالإسلامي قد يأخذ أجيالاً ولكنه في الإمكان طرده؛ فقد حدث في أسبانيا بعد
استعمار إسلامي لقرون طويلة، وحدث في الفلبين وبعض جزر اليونان، ولن
يخرج الاستعمار الإسلامي من مصر إلا بالقوة: القوة العسكرية الأمريكية أو
الإسرائيلية أو بتدخل دول العالم المحبة للسلام، إننا نعلنها بصراحة أننا سنستخدم
القوة السياسية لتحريك مجاري الأمور في السياسة الأمريكية، ونستخدم المخابرات
الأمريكية لضمان خدمة مصالح الأقباط أصحاب أرض مصر، وسنحررها من
الاستعمار الإسلامي آجلاً أم عاجلاً، نحن قوة لا يستهان بها، لقد أصبحنا صوتاً
قوياً سيزعزع عروشكم الإسلامية، وتذكروا أن غرابكم هو الذي نكش على خراب
عشه» .
ويقول أديب مجلي في مجلة صوت مصر الحر: «أنا القبطي الفرعوني
صاحب الأرض، أنا القبطي الشامخ صاحب هذا الوطن الذي سُلِبَ مني منذ الغزو
الإسلامي وإلى الآن، وسيرحل قريباً كما رحل من أسبانيا، فلم تعد النعرة
الإسلامية لها جاذبيتها الآن في جو أصبح الغرب المتحضر يفهم أن العرب جرب» .
إن هذه الأجزاء من مقالات نقطة في بحر من الذي ينشر في المجلات
والنشرات القبطية في المهجر، وتوزع مجاناً بالبريد وغيره.
ومن خلال هذه الكلمات التي تقطر حقداً وغلواً، وتفوح نتناً وعفناً تظهر لنا
نوايا الأقباط التي طالما حاولوا إخفاءها ومداراتها، ولكن عندما سنحت لهم الفرصة
عمدوا إلى نشرها وتبيانها، ولسنا هنا في مجال تحامل أو هجوم أو اقتطاف أجزاء
مبتورة عن الجو العام في مصر؛ فالذين يعيشون في هذا البلد واختلطوا بالأقباط
هذه الأيام من السهل عليهم تصديق هذا الكلام ويعلمون خلفياته ومراميه؛ فعندما
نسمع عن طالب قبطي لم يتجاوز عمره الثانية عشرة يقف ويقول لمدرسه المسلم:
إن لويس التاسع الذي قاد إحدى الحملات الصليبية على مصر وهزم في المنصورة
وتم اقتياده أسيراً يقول عنه هذا الصبي أمام زملائه في الفصل: إنه قديس، وجاء
ليحررنا من الاحتلال. عندما نسمع ذلك ندرك جيداً ما الذي يربى عليه الطفل سواء
في البيت أو الكنيسة؟ ! ثم ما هو الانطباع الذي يمكن أن يوحيه خروج طلاب
الجامعة الأقباط في الإسكندرية إثر صدامات وقعت بينهم وبين بعض الطلبة
المسلمين ليطوفوا شوارع المدينة هاتفين: لا إسلام بعد اليوم؟
إن أجواء التعصب المذمومة التي تم بثها في الأقباط والشعور الكاذب بالظلم
والاضطهاد لم يحس به أحد طوال القرون الماضية عندما دخل الإسلام مصر؛ لأن
العلاقة حينئذ كانت تقوم على أساس ودستور رباني جاءت به الشريعة الإسلامية،
وحددت طريقة التعامل وأسلوب التعاطي مع أهل الكتاب الذين هم في ذمة المسلمين،
فكانت الأمور واضحة مقننة، ولكن عندما نُحِّيَتْ شريعة الله واستُبدل منهج رب
البشر بمناهج قاصرة من وضع البشر كان من السهل أن تنهار العلاقة بين المسلمين
والأقباط في مصر؛ لأنها - أي العلاقة - أصبحت كالسراب يحسبها الظمآن ماء
حتى إذاجاءه لم يجده شيئاً.
أمريكا والأقباط:
مع نهاية الحرب الباردة وانفراد أمريكا بالهيمنة في العالم بدأت باتباع أساليب
جديدة تحاول بها فرض عولمتها ومناهجها وثقافتها واقتصادها وإعلامها على العالم،
فكانت سياسة أوراق اللعب وهي سياسة تقوم على البحث عن نقاط الضعف في
الطرف أو الدولة التي تحس منها أمريكا أنها تريد أن يكون لها دور إقليمي أو
عالمي على حساب الهيمنة الأمريكية؛ ونقاط الضعف تلك قد تكون اقتصادية
كالديون والعجز المالي، وقد تكون حيوية كالمياه والتحكم فيها، وقد تكون مصدراً
للطاقة لا غنى عنه للصناعة والتدفئة وغيره كالبترول، وقد تكون نقطة الضعف
دفاعية كدولة تحتاج للأسلحة أو قطع غيار لها أو تخشى جاراً طامعاً فيها أو صوَّرته
أمريكا طامعاً فيها وفي ثروتها، وقد تكون نقطة الضعف أيضاً وجود أقليات عرقية
أو طائفية داخل الدولة.
وعن طريق أوراق اللعب هذه والتحكم فيها تعيد الولايات المتحدة الدول
الشاردة إلى حظيرتها لتدور في فلكها ولا تخرج مرة أخرى عن الدور المنوط بها
من قِبَل الهيمنة الأمريكية.
وأدرك أقباط المهجر هذه الخاصية فسارعوا إلى استثمارها؛ ولكن كيف
السبيل إلى صانعي القرار في الولايات المتحدة للتأثير عليه؟
إن الطريق الميسر لكل صاحب فكرة في أمريكا يريد أن يصل بفكرته إلى
الأجهزة التنفيذية هناك هو الجماعات الضاغطة؛ وليس أسهل من الالتقاء بقوى
اللوبي الصهيوني المعروف بعدائه التقليدي لكل ما يمت للإسلام والعرب بصلة؛
وهنا لا يفتأ هذا اللوبي باحثاً عن كل وسيلة وسلاح ليحارب به الإسلام والمسلمين
وعندها يجد ضالته في أقباط المهجر عند ذلك تتقاطع المصالح: مصالح الحكومة
الأمريكية، ومصالح الأقباط، ومصالح اللوبي الصهيوني.
وتتعدد جماعات الضغط التي تحالف معها الأقباط ومن أهمها:
١ - التحالف المسيحي: وهو منظمة أمريكية تضم ٦٠ جماعة دينية معظمها
من الأحزاب اليهودية الأمريكية، ويضم في عضويته اتجاهات اليمين المسيحي
برئاسة جيري فويل وهو مبشر بروتستانتي يؤمن بعودة اليهود إلى فلسطين وإعادة
بناء هيكل سليمان وهدم المسجد الأقصى كمقدمة لعودة المسيح، ومن أبرز أعضاء
هذا التحالف فرانك وولف صاحب مشروع أول قانون لمناهضة اضطهاد الأديان
وهو بروتستانتي متشدد. وقد أصدر هذا التحالف تقريراً جاء فيه: «إن الحكومة
المصرية تساعد وتساهم في بناء المساجد التي وصل عددها إلى ٧٠٠ ألف مسجد؛
بينما تضع العقبات أمام بناء الكنائس، كما تقوم الجماعات الإسلامية المتطرفة التي
تناضل ضد الحكومة بأعمال عنف ضد المسيحيين؛ والكنيسة القبطية تجد نفسها في
وضع معاناة وهجمات من جانب المسلمين، وتتعرض السيدات المسيحيات للإجبار
على الزواج من مسلمين» .
٢ - رابطة مناهضي التمييز: وهذه تتحالف مع الاتحاد القبطي وتدعمه
معنوياً ومادياً، ولها اتصالات كبيرة مع الكونجرس الأمريكي، ونجحت هذه
الرابطة في تنظيم اجتماع بين رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نتنياهو وأعضاء
الاتحاد القبطي، واستخدم نتنياهو هذه الورقة أيضاً في محادثاته مع المسؤولين
الأمريكيين عندما قال لهم: «إن معاملة العرب في إسرائيل أفضل من معاملة
الأقباط في مصر» .
٣ - لجنة مسيحيي الشرق الأوسط: وهو تحالف يضم بالإضافة إلى أقباط
مصر موارنة لبنان، ونصارى شمال العراق، ونصارى جنوب السودان. وأعلنوا
صراحة: «أن هدف هذا التجمع هو التصدي للسيطرة العربية والإسلامية على
الشرق الأوسط» ، وفي بيان لها قالت: إن ايجاد دولة إسرائيل يعد تطوراً إيجابياً
عظيماً في أعين غير العرب، فالمسيحيون في الشرق الأوسط يدركون أن إعادة
ولادة إسرائيل وتجميع الشعب اليهودي في أرضهم التاريخية بمثابة بشرى
لتحريرهم في المستقبل.
٤ - بيت الحرية: وهو مؤسسة يهودية أمريكية يرأسها مايكل هوروفيتز،
وهو محامٍ يهودي عمل في إدارة الرئيس الأسبق ريجان، وهو أول من أطلق فكرة
ضرورة تدخل الولايات المتحدة لإنقاذ المسيحيين الذين يتعرضون للاضطهاد
والموت في العالم، وقد بدأ هوروفيتز حملته من القاعدة بإنشاء شبكة من التحالفات
مع عشرات الكنائس الأمريكية في عام ١٩٩٥م؛ حيث أرسل خطابات إلى ١٥٠
كنيسة طلب من مجلس إدارتها أن يقوم المصلون بإرسال خطابات إلى أعضاء
الكونجرس الأمريكي لحثهم على تولية عناية أكبر لقضية اضطهاد المسيحيين. ثم
انطلق في تكوين تحالفات معقدة ومختلفة مع التجمعات الكنسية، والتجمعات
اليهودية، وعدد من أعضاء الكونجرس الأمريكي لحثهم ومنظمات سياسية معظمها
ينتمي إلى اليمين المسيحي الإنجيلي في أمريكا. وفي يناير عام ١٩٩٦م انضم
هوروفيتز إلى نيتاتشي رئيسة برنامج حقوق الإنسان في جماعة بيت الحرية ومؤلفة
كتاب: (في عرين الأسد) الذي يتناول اضطهاد النصارى في العالم، وقد أدلت
بشهادتها أمام الكونجرس الأمريكي، ومن ذلك قولها: «.. وفي مصر تتلاشى
الأقلية المسيحية تحت وطأة الاضطهاد والعنف؛ حيث أجبر آلاف ألأقباط على
الفرار وترك وطنهم خشية ورغبة في عدم اعتناق الإسلام قسراً بعد أن دمرت
الجماعات الإسلامية قراهم في صعيد مصر في عام ١٩٩٦م» .
وغير هذه المنظمات كثير مثل منظمة مجلس أبحاث العائلة، ومنظمة تقوية
أمريكا، ومعهد الدراسات المسيحية، ومنظمة التضامن المسيحي الدولية، والرابطة
الدولية لليهود والمسيحيين في شيكاغو، ومنظمة الدفاع عن حقوق المسيحيين ضد
الأسلمة.
وأسهم هذا التحالف القبطي الصهيوني البروتستانتي من خلال وصوله إلى
صانعي القرار الأمريكي في صدور قانون الاضطهاد الديني؛ فقرب نهاية عام
١٩٩٧م تم وضع خطوط أساسية لمشروع القانون هذا، وتضمن أسماء ١٥ دولة
من بينها مصر، وفيها اتهام كل دولة بإساءة استخدام أدواتها القمعية لاضطهاد أقلية
دينية ما على أرضها مع فرض العقوبات عليها، ووافق مجلس النواب الأمريكي
على مشروع القانون بأغلبية ساحقة بعد أن نجح الرئيس الأمريكي في إضافة بند
إليه يسمح للرئيس الأمريكي بتأجيل أو منع فرض عقوبات على أية دولة إذا كان
فرض العقوبات سيؤدي إلى الإضرار بالمصالح الأمريكية.
وتبع ذلك زيارة وفد من الإدارة الأمريكية إلى قرية الكشح المصرية في صعيد
مصر، ومقابلته للقس المتعصب (ويصا) ثم زيارة عضو مجلس الشيوخ
الأمريكي وولف ممثلاً للكونجرس الأمريكي وإجراؤه تحقيقاً للمذابح التي يزعم أنها
تمت للأقباط هناك.
الحكومة المصرية وموقفها من هذه التطورات:
في فترة سابقة ومع نهاية حرب الخليج بدأ الاقتصاد المصري ينتعش تدريجاً،
وازداد معدل نمو الاقتصاد المصري ليصل ذروته ٧%، وفي إبريل ١٩٩٨م
طلبت الحكومة المصرية آنذاك من الجانب الأمريكي خفض المعونة الأمريكية
وزيادة الاستثمارات وهو ما أدى بالإدارة المصرية إلى النزوع نحو تبني سياسة
خارجية مستقلة بعض الشيء عن الأجندة الأمريكية، وتجلى ذلك في عدة مسائل
منها مساندة مصر للحكومة السودانية عندما أحكمت أمريكا عليها الحصار من جانب
الدول المحيطة بها خاصة أثيوبيا وأوغندة وأريتريا، وتجلى أيضاً في وقوف
الحكومة المصرية إلى جانب الشعب العراقي وتنديدها بالعدوان الأمريكي عليه، ثم
بروز مواقف مساندة للقضية الفلسطينية وللسلطة الفلسطينية أثناء مفاوضات السلام.
وهنا تحركت أمريكا مستغلة أوراقها فكانت ورقة السدود الأثيوبية عند منابع
النيل، والتلويح بتمويل مشروعات الحكومة الإثيوبية هناك على نهر النيل مما
يسبب تهديداً حيوياً لمصر في شريانها المائي الوحيد، وجاءت ورقة اضطهاد
الأقباط لتصب في ذلك الاتجاه.
تماسكت الحكومة المصرية في بادئ الأمر نظراً للانتعاش الاقتصادي الذي
كانت تمر به ولم تبد تجاوباً كبيراً مع الضغوط التي مورست عليها، ولكن مع
ازدياد حدة الضغوط وتنوعها وانهيار الإصلاحات الاقتصادية وتراجع الاقتصاد
المصري بدأت المكاسب القبطية تتوالى، ومنها:
* تعيين قبطي لأول مرة في وزارة سيادية وهي وزارة الاقتصاد، وهو
يوسف بطرس غالي.
* إنهاء احتكار الحكومة لأدوات الإعلام؛ حيث جرى تدشين أول قناة فضائية
قبطية وسميت: (سيفين سات) ، وأصبحت مطرانية شبرا الخيمة هي المقر الدائم
لهذه المحطة الفضائية إدارياً وفنياً، وتبث مواد فنية يشترك فيها كبار الفنانين
الأقباط، ولم يقتصر الأمر على القناة الخاصة بهم بل تعدى الأمر إلى التلفزيون
الحكومي نفسه؛ حيث تناولت قنواته أعمالاً درامية لأول مرة عن شخصيات قبطية
لإبراز تأثيرها على الحياة العامة في مصر وتحسين صورتها، وكذلك إظهار
الطقوس القبطية في المناسبات والأعياد وغيرها حتى إن أحد مؤلفي هذه الأعمال
عندما قوبل بحملة صحفية ضده بسبب هذا صرح في إحدى الصحف بأنه قام
بتأليف العمل بناء على توجيهات مباشرة من وزير الإعلام.
* تقويض الخط الهمايوني: ففي يناير ١٩٩٨م قام الرئيس المصري بإصدار
قرار جمهوري يقضي بتفويض المحافظين المصريين في مباشرة اختصاصات
رئيس الجمهورية بالترخيص للطوائف الدينية بتدعيم الكنائس وترميمها، وهو
الاختصاص الذي كان من سلطة رئيس الجمهورية فقط يمارسه مع سلطة إصدار
تراخيص البناء للكنائس، ويبدو أن العملية تسير في خطى متدرجة.
* رد الأوقاف القبطية: ففي أول مارس عام ١٩٩٨م قامت الحكومة المصرية
برد أموال الأوقاف القبطية إلى الكنيسة المصرية، مع العلم أن الأوقاف الإسلامية
في حوزة الحكومة تنفق منها حيث شاءت ولا تردها إلى الأزهر الذي أُوقِفت هذه
الأموال له في الأساس.
* تعديل مناهج التعليم: ليتناول التاريخ القبطي المجهول للطالب المصري
على حد تعبيرهم، وقد أعد هذه المناهج مركز ابن خلدون الذي عرف بأنشطته
التجسسية لصالح المخابرات الغربية وأشرف عليها داخل المركز وزير التربية
والتعليم المصري حسين كامل بهاء الدين بنفسه، وقام بوضعها أحمد صبحي
منصور وهو الذي حكم عليه الأزهر بالكفر والزندقة وشاركه بعض الباحثين
الأقباط، وسمي المشروع: (نحو حساسية أكبر لهموم الأقباط) . ونسوق فقرة من
التي تم تعديلها في المناهج بدون تعليق لنعرف مدى الخطورة التي وصل إليها هذا
التغيير المنشود لعقول أبنائنا المسلمين؛ ففي كتاب: (رؤية في دليل المعلم
للتربية الإسلامية) ورد ما يلي: «كانت الحقبة القبطية هي فترة الاستشهاد، ولم
ينقطع اضطهاد الأقباط بعد الفتح الإسلامي؛ إذ اضطهدهم الأمويون الذين تعصبوا
للجنس العربي ضد الأمم المفتوحة، ثم اضطهدهم العباسيون الذين تعصبوا ضد
غير المسلمين» .
* ولكن أخطر المكاسب القبطية التي تحققت تمثلت في انهيار الحاجز النفسي
الاعتقادي بين المسلمين والأقباط لحساب علو الرابطة الوطنية التي يراد رفعها فوق
رابطة العقيدة، فأصبحت كل الفئات والهيئات والأحزاب تتنافس في موالاة الأقباط
ومودتهم حتى بعض الاتجاهات والشخصيات المحسوبة على التيار الإسلامي في
مصر لم تتردد في تهنئتهم في أعيادهم وإظهار المودة لهم، والحرص على رضاهم
وكسبهم في صفوفهم.
إن الحملة الأمريكية الصهيونية القبطية لم تنته، والضغط الأمريكي قائم،
والمستقبل يحمل في طياته الكثير.
نسأل الله أن يلطف بمصر الإسلام، وأن يبطل كيد المبلطين؛ إنه ولي ذلك
والقادر عليه.
стр. 3896
المسلمون والعالم
موجز الأنباء العلمانية قضية فلسطين بين الإسلام
والممارسة السياسية العلمانية
(٢ - ٢)
خالد محمد حامد
تحدث الكاتب في الحلقة الأولى من مقالته عن فلسطين بين العروبة والإسلام؛
فجعل من هذا العنوان نبأه الأول؛ إذ لم يكن لفلسطين مكانة مرموقة في حس
العربي الجاهلي، ولكنها ظفرت بها بعد الإسلام، ثم توالت عناوين الأنباء فمرت
بفلسطين قبل النفق العلماني، ثم كيف صارت في عهدة العلمانية، وانتقل بنا إلى
آثار دخول فلسطين النفق العلماني، وما جر على الأمة من ويلات عدَّد منها نقاطاً
أربعاً. ويمضي بنا الكاتب في رحلة مع بقية أنبائه.
- البيان -
خامساً: ضياع الأرض والشعب:
مر بنا سابقاً التحول الذي تم لصالح اليهود في مجالي الأرض والمهاجرين
بدخول فلسطين النفق العلماني؛ حيث لم تتعد نسبة اليهود إلى العرب في فلسطين
سنة ١٩١٤م ٩. ٧% لا يحوزون أكثر من ١. ٥% من مساحة فلسطين، تقام
عليها ٤٧ مستوطنة، وبين سنة ١٩١٤م - ١٩١٧م حاز اليهود ٢٤٥. ٥٨ دونم
أخرى (الدونم = ١٠٠٠م٢) ، وفي سنة ١٩١٨م كان اليهود يحوزون نحو مليون
و٣٣٣ ألف دونم من مجموع ٧ ملايين دونم زراعية، لترتفع نسبة ما يحوزونه إلى
٢. ٨ % من مجموع أراضي فلسطين، ومنذ هذا الوقت إلى قبيل سنة ١٩٤٨م
(صدور قرار التقسيم ثم إقامة الدولة الصهيونية) أضاف اليهود إلى حيازتهم نحو
أقل من ٤% من مساحة فلسطين، ليصل مجموع الأراضي التي يحوزونها نحو
مليون و٨٠٧ ألف دونم، تمثل نسبة ٦. ٦% من مساحة أراضي فلسطين، مقام
عليها نحو ٢٧٧ مستوطنة، ووصلت نسبة السكان اليهود في هذا الوقت إلى
٣٥. ١% من مجموع السكان.
ولم تكن هذه المساحة من الأراضي - رغم تميزها نوعاً وموقعاً - بهذه النسبة
من السكان.. لم تكن كافية لإقامة الدولة الصهيونية، يعبر عن هذا حاييم وايزمان
بقوله: «لا يمكن أن يكون في فلسطين وطن قومي بدون أرض ... » [١] ، وهذا
يبين أهمية الاستيلاء على الأراضي لتحقيق المخطط الصهيوني.
وبعد صدور القرار رقم ١٨١ الخاص بتقسيم فلسطين، والذي يعطي اليهود
نحو ٥٦% من أراضي فلسطين، لجأ اليهود إلى تنفيذ القرار بالقوة المسلحة، وعن
طريق حروب عصابات قامت بأعمال عسكرية وإرهابية، صاحبتها حرب نفسية
مدبرة، ساهمت فيها أجهزة دعائية متنوعة، أعلن اليهود دولتهم على نحو
٧٧. ٥ % من مساحة فلسطين، متجاوزين ما خصصه لهم قرار (الشرعية
الدولية!) ، ونتج عن ذلك: تشريد أهالي نحو ٥٣٠ مدينة وقرية وقبيلة فلسطينية.
والذي نود الإشارة إليه هنا: أن النظم العلمانية في معرض تنصلها من
مسؤوليتها عن ضياع فلسطين، وسترها على عارها العسكري المتمثل في هزيمة
جيش غير نظامي يبلغ تعداده (١٢٧) ألف جندي [٢] لجيوش ست دول عربية
يفوق تعدادها عدد اليهود أربعين ضعفاً، ومع ذلك لم تستطع هذه الدول حشد إلا أقل
من (٢٢) ألف جندي [٣] غير مؤهلين تسليحياًّ ولا تدريبياً ولا معنوياًّ.. إزاء ذلك
راحت النظم العلمانية تروِّج فرية مفادها أن سبب ضياع فلسطين هو بيع أهلها لها.
والحقيقة: أن الأراضي التي اشتراها اليهود كانت ٢٦١. ٤٠٠ دونم تمثل
نسبة ٩. ٧% من الأرضي التي استولوا عليها قبل الحرب، أي أقل من ١% من
مجموع مساحة فلسطين، وقد اشترى اليهود معظم هذه الأراضي من عائلات كبرى
يقيم معظمها في سورية ولبنان، ولم يبلغ ما اشتراه اليهود من فلاحي فلسطين سوى
٦٤. ٢٠١ دونم، أي: ما يعادل ٠. ٢٥% من مساحة فلسطين [٤] .
فالعامل السياسي والعامل العسكري - اللذان صادرتهما النظم العلمانية لحسابها
باعتبارهما من خصائص الدولة التي أصبحت هذه النظم قيِّمة عليها - كانا من أهم
العوامل التي ساهمت في ضياع أرض فلسطين آنذاك، والتي مثلت نسبة
٧٧. ٥ % من مجموع مساحة فلسطين.
ثم جاءت هزيمة سنة ١٩٦٧م - وفيها ما فيها من مخاز وعلامات استفهام -
ليضيف اليهود إلى سيطرتهم بقية أراضي فلسطين، بالإضافة إلى مساحات متفاوتة
من أراضي دول الجوار.
لم يقف السقوط العلماني عند هذا الحد، بل استمر بشكل أخطر عندما
توشحت العلمانية برداء الواقعية الانهزامية، وفرضت على الأمة تسويات سياسية
مع دولة العدو من خلال ما سمته بعملية السلام، فحولت - باعترافها بشرعية دولة
إسرائيل أرض فلسطين من كونها أرضاً محتلة - أو حتى مفقودة - إلى أرض
متنازل عنها أو ضائعة إلى الأبد، وبعد أن تحول الصراع بهذا الاعتراف من
صراع وجود إلى نزاع حدود، دخلت النظم العلمانية - وهي الطرف الضعيف
والمهزوم - في مفاوضات مريبة حول فتات من (المرعى والماء) .
وكما ضاعت الأرض ضاع الشعب، فبعد (النكبة) شرد أكثر من ٩٤٠ ألف
مواطن فلسطيني، فكانت بداية ما عرف بمشكلة اللاجئين، وعقب احتلال
(إسرائيل) للضفة الغربية وقطاع غزة في حرب ١٩٦٧م شرد نحو ٢٠٠ ألف
مواطن فلسطيني آخر من ديارهم، نصفهم من لاجئي ١٩٤٨م، ثم تضخمت هذه
المشكلة ليصل عدد اللاجئين الآن إلى ٥. ٤٩٨. ١٨٦ يمثلون ٦٦. ٥ % من
مجموع الشعب الفلسطيني.
ومثلما حاولت النظم العلمانية التنصل من مسؤولية ضياع الأرض حاولوا
التنصل من مسؤولية تشريد الشعب ملمحين إلى هروب هذا الشعب وعدم ثباته،
مثلما ألمحوا إلى تفريطه في أرضه، وأحياناً إلى خيانة قطاعات منه.
والحقيقة - التي بينتها الملفات الإسرائيلية نفسها (د. سلمان أبو ستة ٢٠٠) -
أن هجرة أهالي ٨٩% من القرى التي احتلها الصهاينة كانت بسبب عمل
عسكري صهيوني، و١٠% بسبب الحرب النفسية (نظرية التخويف وإثارة
الرعب) ، و١% فقط بسبب قرار أهالي القرى بتركها.
فكما كان عاملا الإخفاق السياسي والعسكري سبباً رئيساً في ضياع أرض
فلسطين، كانا كذلك سبباً في ضياع أهلها.
والحقيقة أيضاً: أن النظم العلمانية ساهمت، بشكل أو بآخر، بقصد أو بغير
قصد، في تنفيذ المخطط الصهيوني الاستيطاني في فلسطين من وجهة أخرى، فلم
يكن الإخفاق العسكري والسياسي للنظم العلمانية وحده الذي ساعد المخطط
الصهيوني على تحقيق مآربه، بل كانت هناك (أخطاء) أخرى ساهمت في تحقيق
هذا المخطط، ومن ذلك:
مشاركة أجهزة الإعلام العربية - وخاصة الإذاعات - بغباء في حملة
التخويف والترهيب التي قصد بها العدو تحطيم نفسية العرب في فلسطين وإشاعة
الذعر في صفوفهم؛ لحملهم على الهروب خارج قراهم ومدنهم، وقد يكون إبراز
أجهزة الإعلام لأنباء المجازر الصهيونية وتضخيمها وترويجها كان بقصد إظهار
وحشية اليهود وخطرهم والتحذير منهم، ولكن المعالجة غير الحكيمة لهذه الأحداث
صبت في النهاية لصالح اليهود على النحو الذي أسلفنا.
أما من جهة مخطط الاستيطان الصهيوني فمنذ أبي الصهيونية السياسية
(هرتزل) ترسخت سياسة الاستيطان الصهيونية - حسبما يقول في (يومياته) عام
١٨٩٥م -: «يتوجب علينا أن ننزع الملكية الخاصة لأراضي فلسطين من أيدي
ملاكها، وينبغي أن يكون ذلك في لطف، وفي منتهى السرية والتكتم والحذر الشديد،
وعلينا أن نقوم بتهجير السكان المعدمين (الفلسطينيين) عبر الحدود، بعد أن
نسد أمامهم كل مجال للعمل في بلادنا (فلسطين) ، بينما نحاول تأمين استخدامهم
وتشغيلهم (!) في بلدان العبور» [٥] .
وكان هذا التوجه مضمون اقتراح أمريكي (لطيف) للرئيس روزفلت قبل
إقامة دولة إسرائيل، وقضى بأن «على اليهود إذا رغبوا (!) في الحصول على
أراضٍ أكثر في فلسطين أن يقوموا بالتفكير بشراء أراض زراعية خارج فلسطين
(!) ، وبتقديم المساعدة المادية للعرب للخروج من فلسطين إلى تلك المناطق» [٦] .
ثم جاء آباء الدولة الصهيونية ليزيدوا هذه السياسة رسوخاً وتعميقاً، فجاء في
يوميات موشيه شاريت السياسية أنه «على الرغم من محاولات الصهيونيين الزعم
أن فكرة الترانسفير، أي ترحيل الفلسطينيين من بلدهم أو من أجزاء منه لإخلاء
مكان لليهود، وردت أساساً في تقرير لجنة بيل البريطانية لسنة ١٩٣٧م، أي إنهم
ليسوا أول من طرحها، ومن ثم فإنهم (براء) منها؛ فقد كانوا عملياً هم الذين
أوحوا بها للَّجنة التي قبلتها بناءً على رغبتهم» [٧] .
وكانت هذه السياسة هاجساً لدى القادة الصهاينة، حتى إن حاييم وايزمان
رئيس المنظمة الصهيونية العالمية عرضها على السفير السوفييتي في لندن أثناء
اجتماع مكتب لندن لمجلس إدارة الوكالة اليهودية في فلسطين يوم ٣٠/١/١٩٤١م.
يقول هذا السفير: «يطرح وايزمان بقلق السؤال التالي: ماذا يمكن أن يجلب
انتصار بريطانيا [في الحرب العالمية الثانية] لليهود؟ إنه يطرح هذا السؤال
ويستخلص الاستنتاجات التي لا تبعث على الاطمئنان؛ لأن (الخطة) الوحيدة التي
يمكن أن يضعها وايزمان من أجل إنقاذ يهود وسط أوروبا (لا سيما يهود بولندا)
تتلخص بما يلي: نقل مليون عربي يعيشون في فلسطين الآن إلى العراق،
وتوطين ٤ - ٥ ملايين يهودي من بولندا والبلدان الأخرى في أراضيهم بعد إخلائها
لكن هيهات أن يوافق البريطانيون على ذلك، وإن وافقوا فماذا سيحدث بعد ذلك؟
وقد أعربت عن دهشتي بصدد كيف يعتزم وايزمان نقل ٥ ملايين يهودي إلى
الأراضي التي يقطن فيها مليون عربي؟
فضحك وايزمان وقال: لا تقلق بهذا الصدد، غالباً ما يوصف العربي بأنه
(ابن الصحراء) فهو بكسله وبسذاجته يحول البستان المزدهر إلى صحراء مقفرة،
فأعطني الأراضي التي يسكنها مليون عربي وسأوطن فيها خمسة أمثال هذا العدد
من اليهود بأفضل حال» [٨] .
والجديد هنا هو بروز معالم (خطة) ومواطن بديلة «إن المسافات ستكون
أقصر كثيراً بالنسبة لفلسطين؛ فمن الممكن إجلاء العرب إلى العراق أو شرق
الأردن» - كما جاء في محضر الاجتماع المشار إليه -.
وهكذا قامت دولة (إسرائيل) على سياسة ملء (المجال الحيوي) باليهود
بعد تفريغه من الفلسطينيين، وقد مر بنا حديث بن جوريون عن أمن (إسرائيل)
الذي تعرض فيه للهجرة والاستيطان.
وكانت هذه السياسة دائماً أحد اهتمامات قادة العدو، ففي اجتماع للجنة شؤون
العرب عقد أثناء الحرب الأولى في ١٨/٨/١٩٤٨م تم طرح هذه الموضوعات
للمناقشة: «إعادة العرب أم لا؟ هناك حاجة إلى تجميع مادة تتعلق بوجود
اللاجئين، وتسجيل ممتلكاتهم، من هم الذين قد يعودون؟ هل يجب إعادتهم إلى
أماكنهم السابقة أم إلى أماكن أخرى؟ استجلاء إمكانات التوطين في دول عربية
(!) أين؟ تعويضات للاجئين، المساعدة (!) في توطينهم في بلاد أخرى،
هل يمكن استبدال عرب بيهود [بترانسفير (نقل) متبادل بين الدول] ؟ !» [٩] ،
وفي هذا الاجتماع اقترح يوسف فايتس أنه «يجب إعداد خطة لتوطين العرب في
البلاد المجاورة، يجب أن تعين منذ الآن هيئة تتولى معالجة استجلاء هذه المشكلة،
ولا تكون الهيئة حكومية» ، كما اقترح بيخور شطريت أنه «يجب التجرؤ على
مبادلة يهود عرب (من دول عربية) بعرب (إسرائيليين) » [١٠] .
وكان من (الأخطاء) الأخرى للأنظمة العلمانية أيضاً: مساهمة تلك الأنظمة
المباشرة - أو غير المباشرة - في هذه الخطة الاستيطانية منذ وقت مبكر، فبخلاف
ما ذكرناه عن موقف حكومة الاتحاد والترقي العلمانية في تركيا عقب خلع السلطان
عبد الحميد ثم إلغاء الخلافة، جاء في اتفاقية فيصل / وايزمان المعقودة سنة ١٩١٩ م
ما يلي: «يجب أن تتخذ جميع الإجراءات لتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين
على مدى واسع، والحث عليها! وبأقصى ما يمكن من السرعة لاستقرار
المهاجرين في الأرض عن طريق الإسكان الواسع والزراعة المكثفة..» [١١] .
ثم ساهمت هذه الأنظمة بعد ذلك، وأثناء مدها الثوري! في تهجير يهود
يعيشون في كنفها إلى الكيان الصهيوني؛ فلقد كان كثير من اليهود الذين يعيشون في
البلاد العربية لا يؤيدون الصهيونية ويفضلون الإقامة في مواطنهم التي نشؤوا فيها،
فتضافرت جهود الصهيونية مع (أخطاء) النظم العلمانية لدفع هؤلاء اليهود
المترددين إلى حسم خيارهم والهجرة خارج البلاد، إما إلى (إسرائيل) أو إلى
البلاد الغربية خادمين لدولة اليهود أيضاً، هكذا يذكر رئيس الطائفة اليهودية في
العراق، فيقول: «استمر اليهود العراقيون في أعمالهم حتى سنة ١٩٤٨م حين
أُعلنت دولة إسرائيل، وأخذت الحكومة بسياسة اضطهاد اليهود العراقيين المواطنين
المخلصين، فقلصت تجارتهم، وطردت موظفيهم، وسجنت شبابهم، تمهيداً
لإصدار قانون إسقاط الجنسية العراقية، فاضطر المواطنون اليهود سنة ١٩٥٠م
١٩٥١م إلى ترك بلادهم والنزوح إلى إسرائيل، وشرد الآلاف منهم في مختلف
أقطار المعمورة، واستطاع عدد قليل منهم البقاء في العراق أمثالنا، لكننا اضطررنا
نحن أيضاً إلى الهجرة بعد نحو من ربع قرن، وفي العراق الآن نحو ٤٠/٤٥
يهودياً، جلهم من العجزة والعجائز» [١٢] ، بالطبع لا حاجة لقوة (إسرائيل) بهم.
فعندما «شارفت الصهيونية على الفشل الأيديولوجي في أن تكون الحل
النهائي، بل وتأسيس دولة فقيرة السكان تدخلت الفاشية العربية وأمدتها بما
ينقصها» [١٣] ، وقد «تم التنكيل باليهود أولاً تحت شعار (تأمين الجبهة الداخلية)
وفي انتظار تحقيق حلم اليقظة المعنون (المعركة الفاصلة) مع إسرائيل. وتم ذلك
عبر الكثير من السياسات، منها المعلن ومنها غير المعلن، ومن النوع الثاني:
مداهمة زوار الفجر لمنازل العائلات اليهودية وتخييرهم بين الذهاب إلى السجن أو
الذهاب إلى المطار أو الميناء، وبعد ذلك يتم نهب ممتلكاتهم. أما السياسات
المعلنة: فيندرج تحتها الاعتقال التحفظي في أماكن لا إنسانية، ثم جاء دور
قانون وزير الداخلية المصري رقم ١٨٣ لسنة ١٩٦٤م، وطبقاً للمادة ٧ فقرة ثامنة:
تم وضع كل اليهود المصريين في القائمة السوداء، ونص القانون على أن
اليهودي لا يستطيع أن يغادر البلاد إلا نهائياً (!) ، وبعد التنازل عن الجنسية
والإقامة، والحرمان من حق العمل في المؤسسات العامة، ومعاملة الزوجة أو
الزوج غير اليهودي معاملة اليهودي.
وهكذا تم اقتطاع قطعة من الجسد المصري تحتوي على ٨٥ ألف نسمة،
وضع أكثر من نصفهم في فم الصهيونية من دون أن تبذل مجهوداً يذكر.
ومثل ذلك وأكثر اتبع مع يهود العراق: منذ أحداث الفرهود في أول وثاني
أيام حزيران (يونيو) سنة ١٩٤١م خلال انقلاب رشيد علي الكيلاني، حيث قتل
حوالي ٣٠٠ يهودي على أيدي المعدان، ونهبت ممتلكات اليهود وأحرقت وبتواطؤ
رسمي، ثم قانون إسقاط الجنسية في ظل حكومة توفيق السويدي الذي لم يهاجر
بمقتضاه سوى ألف يهودي، فبدأت عمليات الترهيب على أيدي قوات الأمن
العراقية وعملاء الموساد في وقت واحد، ثم سلسلة تفجيرات القنابل في أماكن
تجمع اليهود، وحيث زال الفاصل ما بين أفعال الحكم العراقي وأفعال الموساد
والمنظمات الصهيونية تحت قيادة الإسرائيلي من أصل عراقي موردخاي بن
بورات، وتم تأسيس شركة طيران في جنوب إفريقيا لحمل اليهود إلى قبرص في
البداية، وعندما كانت نسبة منهم تهرب إلى دول أخرى بدأت تلك الشركة التي
هي في الأصل شركة (العال) تنزل رأساً من بغداد إلى مطار اللُّد.
ويحدد الكتاب السنوي لإسرائيل للعام ١٩٥٢م عدد المهاجرين العراقيين
بمليون و٥٠ ألفاً و ٩٦ مهاجراً من ١٩٤٨م إلى ١٩٥٢م، ونسبة ١٥ في المئة منهم
من كردستان، ويلاحظ أن ذلك ليس العدد الكلي؛ فهناك من هاجر قبل وبعد
ذلك» [١٤] .
وبنظرة سريعة إلى تطور عدد السكان اليهود في العالم العربي على مدى
أربعين عاماً [١٥] يتوضح جليّاً مدى (الجهود) التي بذلتها العلمانية في (صراعها)
مع الصهيونية! :
البلد/السنة عدد سكان اليهود ١٩٥٨م ١٩٦٩م ١٩٨٦م ... ١٩٩٢م
... عام ١٩٥٠م
مصر ... ٧٥.٠٠٠ ... ٤٠.٠٠٠ ١.٠٠٠ ٢٥٠ ... ٢٠٠
العراق ١٢٠.٠٠٠ ... ٦.٠٠٠ ... ٢.٥٠٠ ٢٠٠ ... ٢٠٠
... (١١٠ألاف حسب باتاي) [*]
لبنان ... ٦.٧٠٠ ... ... ٦.٠٠٠ ... ٢.٥٠٠ ٢٥٠ ... ٢٠٠
(٦ آلاف حسب باتاي)
سوريا ... ٦.٠٠٠ ... ٥.٠٠٠ ... ٤.٠٠٠ ٤.٠٠٠ ... ١.٢٠٠
... (١٣ ألف حسب باتاي)
اليمن (وحضرموت) ١١.٢٠٠ ٣.٥٠٠ ... - ... ١.٢٠٠ ... ١.٦٠٠
... ... (٥٠ألف حسب باتاي)
ليبيا ... ٤.٠٠ ... ... ٣.٧٥٠ ١٠٠ ... - ... ... -
... (٣٨ ألفا حسب باتاي)
تونس ... ١٠٠.٠٠ ... ... ٨٥.٠٠٠ ١٠.٠٠٠ ٣.٧٠٠ ... ٢.٠٠٠
الجزائر ١٢٠.٠٠٠ ... ... ١٤٠.٠٠٠ ١.٥٠٠ ... ٣٠٠ ... ٣٠٠
... (١٣٠ ألفا حسب باتاي)
المغرب ٢٤٦.٧٠٠ ... ... ٢٠٠.٠٠٠ ٥٠.٠٠٠ ١٧.٠٠٠ ٧.٥٠٠
... (٢٨٠ ألفًا حسب باتاي)
البحرين ٤٠٠ ... ... ... ـ ... ... ـ ... ... ـ ... ـ
المجموع ٧٠٠.٠٠٠ ... ٤٨٩.٢٥٠ ٧٢.١٠٠ ٢٦.٩٠٠ ١٣.٢٠٠
... (٨٠٢.٤٠٠ حسب باتاي)
أما في في تركيا - حيث كان نفوذ اليهود قوياً، وبقاء بعضهم فيها أكثر خدمة
للصهيونية - فقد تطور عددهم على النحو التالي [١٦] :
العام ... ... ... العدد
١٩٣٥م ... ... ٧٨.٧٢٠
١٩٤٥م ... ... ٢٦.٩٦٠
١٩٦٠م ... ... ٤٣.٩٢٠
١٩٧٣م ... ... ٣٦.٠٠٠
١٩٩٢م ... ... ٢٦.٠٠٠
بل ساعدت أطراف عربية علمانية بلا حياء في عمليات تهجير يهود من بلاد
غير عربية إلى (إسرائيل) ، وعملية تهجير يهود الفلاشا المسماة بـ (عملية
موسى) ما زالت ماثلة في الذاكرة السياسية العلمانية - لمن له ذاكرة! -.
ولا تخجل بعض النظم العلمانية عندما تدعي بعد ذلك أنها اكتشفت - فجأة! -
خطأها السابق، فتدعي أن لمواطنيها عرقاً ممتداً في دولة (إسرائيل) ، هم
اليهود العرب الذين هاجروا من بلادهم من قبل، فيستخدمونهم ذريعة للتطبيع مع
دولة العدو، ويستخدمونهم جسراً معاكساً نحو بلاد المسلمين، يحاولون من خلاله
فتح باب للصهيونية بدعوى أن هؤلاء اليهود هم من جذورنا وأبناء بلادنا!
والآن تطالب (إسرائيل) بتعويضات لهؤلاء اليهود؛ لأنهم هُجِّروا من
مواطنهم، أي أنها تريد أن ندفع لها ثمن دعم النظم العلمانية لإقامة كيانها!
هكذا ضاع الشعب وضاعت الأرض على يد النظم والمنظمات العلمانية، أما
مستقبل هذه الأرض وهذا الشعب وما يدور بصددهما الآن في ظل تلك النظم
والمنظمات، فذلك حديث آخر.
النبأ الخامس: من افتقاد الهدف إلى افتقاد الانتماء:
كما أوضحنا سابقاً: فإن العلمانية لم تكن تملك رؤية (حضارية) مخالفة (أو
مناقضة) للرؤية الغربية التي تساند الصهيونية، لذا: كانت إمكانية الالتقاء مع
الخصم (الذي يسمونه عدواً) متحققة، وعندما حاولت النظم العلمانية استبعاد
رسالة الإسلام عن الصراع مع العدو فإنها بذلك كانت تعمل على دفع الأمة إلى
هاوية السقوط (الحضاري) ؛ فإن «الأمم التي تتخلى عن رسالتها والتي تنبع من
مقومات وجودها ويرشحها لها التاريخ: تسقط وتنتهي بالتحلل، وهذا ما تعيه جيداً
الدول الكبرى في الوقت الراهن» [١٧] ، ولأن العلمانية أضحت لا تقود الأمة
برسالة خالدة - وإن ادعت ذلك في شعاراتها - فلم يبق أمام النظم العلمانية إلا
إعلان سعيها لتحقيق أهداف جزئية محددة في صراعها مع الدولة الصهيونية.
والآن لننظر نظرة مجملة إلى هذه الأهداف: كيف كانت؟ وكيف أصبحت؟ :
الموضوع ... ... ... الهدف (كان) ... ... النتيجة الآن
١- قرار تقسيم فلسطين ... رفض قرار التقسيم ... قبول جميع قرارات ...
... ... ... ... ... ... ... ... الشريعة الدولية
٢- الاعتراف دولة إسرائيل رفض الاعتراف بها ... اعتراف بها وقبول ...
... ... ... ... ... ... ... ... العيش معها في سلام
٣- تحرير فلسطين ... ... وجوب تحريرها من ... تنازل رسمي عن ٧٧.٥
... ... ... ... البحر إلى النهر ... % والتفاوض على الباقي ... ... ... ...
٤- التفاوض مع إسرائيل الكفاح المسلح هو الطريق حرب أكتوبر آخر الوحيد ...
... ... ... ... لتحرير فلسطين ... ... الحروب، ولا طريق إلا
... ... ... ... ... ... ... ... المفاوضات
٥- العلاقات مع إسرائيل مقاطعات تصل حتى ... تسابق إلى علاقات
... ... ... الدرجة الثالثة من المتعاملين معلنة وخفية مع
... ... ... ... ... ... ... ... إسرائيل
٦- اللاجئون الفلسطينيون عودة جميع اللاجئين إلى اقتراحات بالتوطين
... ... ... ديارهم وأرضهم ... ... خارج فلسطين ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... والتعويض أو عودة
... ... ... ... ... ... ... ... بعضهم
٧- القدس ... ... القدس الموحدة عاصمة ... تنازل عن القدس الغربية
... ... ... فلسطين وتفاوض ... ... على القدس الشرقية.
وعندما أخفقت النظم العلمانية حتى في الحفاظ على (الماء والمرعى)
تراجعت أهدافها المعلنة عقب كل هزيمة، حتى انجلى الهدف الحقيقي في النهاية،
وهو: الحفاظ على بقاء النظام (العلماني) حتى وإن فنيت البلاد، ثم اختزل هذا
الهدف بعد ذلك في الحفاظ على شخص (الزعيم الأوحد) و (القائد الملهم) .
فكما زعم النظام الناصري عقب هزيمة ١٩٦٧م أن إسرائيل لم تنتصر في
الحرب؛ لأن النظام الحاكم في مصر لم يسقط.. ردد ذلك أيضاً النظام البعثي في
سورية، فادعى هذا النظام أنه خرج من الحرب منتصراً، فأعلنت جريدة الثورة
السورية الناطقة بلسان الحكومة البعثية يوم ١٣/٦/١٩٦٧م أن « ... أهم نصر
حصل عليه العرب في حربهم مع إسرائيل هو تلك الاندفاعية الثورية التي امتدت
من المحيط إلى الخليج» [١٨] ، ويدعي ذلك أيضاً مسؤولون رسميون، فيقول أحمد
سويداني قائد الجيش السوري قبل الحرب وخلالها وبعدها: «إن المعركة لا تقاس
نتائجها بعدد الكيلومترات التي خسرناها ... بل بأهدافها وما استطاعت أن تحقق.
فقد كان هدف إسرائيل، ليس احتلال بضعة كيلومترات من سورية، بل إسقاط
الحكم التقدمي فيها، وهذا ما لم يتم لها، ولذا يجب أن نعتبر أنفسنا الرابحين في
هذه المعركة!» [١٩] .
ومن الرجل العسكري إلى الرجل السياسي؛ يقول إبراهيم ماخوس وزير
خارجية سورية قبل الحرب وخلالها وبعدها: «ليس مهماً أن يحتل العدو دمشق،
أو حتى حمص وحلب! .. فهذه جميعاً أراض يمكن تعويضها وأبنية يمكن إعادتها،
أما إذا قضي على حزب البعث، فكيف يمكن تعويضه وهو أمل الأمة
العربية؟» .
« ... لا تنسوا أن الهدف الأول من الهجوم الإسرائيلي، هو إسقاط
الحكم التقدمي في سورية، وكل من يطالب بتبديل حزب البعث، عميل
لإسرائيل ... » [٢٠] .
فهكذا أصبح من السهولة بمكان التضحية بالبلاد وإفنائها من أجل الإبقاء على
النظام، وهذا النظام ليس إلا شخصيات رجاله، هكذا يلقنون شعوبهم: فمساء يوم
الهزيمة قال معلق راديو دمشق: «الحمد لله، لقد استطاعت قواتنا الباسلة حماية
مكاسب الثورة أمام الزحف الإسرئيلي، الحمد لله الذي أفسد خطة العدو وقضى على
أهدافه الجهنمية، إن إسرائيل لن تحقق نصراً يذكر طالما أن حكام دمشق
بخير! !» [٢١] ... وأبشر بطول سلامة يا مربع! ! .
وفي هذا (الصراع) مع العدو! ليس فقط يمكن التضحية بالأرض من أجل
الإبقاء على النظام - أو على رجالات النظام -، بل يمكن التضحية أيضاً بالشعب
نفسه، فيذكر نصر الدين البحرة (وهو عضو سابق في مجلس الشعب السوري)
أن أحد ضباط التعذيب أيام الوحدة (!) مع مصر قال له حرفياًّ: «كم عدد سكان
سورية؟ أربعة ملايين؟ بالناقص مليون! يكفينا ثلاثة ملايين يؤمنون بالرئيس عبد
الناصر» [٢٢] .
وهكذا كان من السهل جداً إلغاء الآخر (غير المنتمي إلى النظام) وتهميشه،
بل وتخوينه والطعن فيه بشتى الطرق، على العكس من سلوك قادة العدو: «فعلى
الرغم من العداوة المستعرة بين ليفي أشكول رئيس وزراء إسرائيل تلك الأيام،
وبين موشي دايان ... فلقد كُلِّف هذا الأخير مهام وزارة الدفاع، وأعطي
الصلاحيات الكاملة لقيادة الحرب ضد العرب، أي: وضع موشي دايان - وقت
الحاجة إليه - في موضعه الذي منه يستطيع أن يقدم أفضل خدمة لدولته وشعبه.
أما الحزب.. فقد أبعد - حتى أيام الحرب - أهل الاختصاص والخبرة،
وأصحاب المصلحة الحقيقية في الحفاظ على تراب البلاد وصون أمنها والفئة الأكثر
استعداداً للبذل والفداء لحمايتها.. استبعدوا، وشردوا، ولوحقوا، وسجنوا،
وحوكموا، وصدرت بحقهم أحكام شتى.. كل ذلك لصون أمن الحزب وسلامة
الحكام، على حساب أمن البلاد وسلامة أرضها وأهلها» [٢٣] .
ويصبح من السهل أيضاً أن يشعر الفرد العادي بالهزيمة النفسية قبل
العسكرية، الهزيمة التي تولدها التفرقة الطبقية، فتؤدي إلى الشعور بالدونية وعدم
الانتماء، على العكس من مجتمع العدو! وليس أدل على ذلك مما تذكره يانيل
ديان (ابنة موشي ديان) في كتابها (يوميات جندي) ، حيث تقول: «الآن، وبعد
ستة عشر عاماً من قيام الثورة [في مصر] ، وبعد أن تدرب الضباط في روسيا،
وبعد قدوم الخبراء الروس إلى مصر، أين هي روح اشتراكيتهم؟ .. كان الضباط
على درجة من النظافة والأناقة، بينما ملابسهم مصنوعة من نوع من أنواع
الحرير، لقد أعطونا مناديل نظيفة عندما هممنا بتعصيب عيونهم (!) أما الجنود:
فكانوا طوال الذقون وعلى درجة من القذارة، وكانت ملابسهم عبارة عن خرق
ممزقة.
وكان جنودنا يعرفون أن الجنرال أريك [إريل شارون] وسائقه يورام
يرتديان نفس بذلة الميدان (الباتل دريس) ، ونفس الأحذية، إنهم يعرفون أيضاً أن
قائد فرقة المشاة والمدفعجي يأكلان نفس الطعام في الميدان، وأن الجنود يخاطبون
ضباطهم وينادونهم بأسمائهم الأولى..» [٢٤] .
وعندما يتحرك الانتماء ليتحول في النهاية إلى ولاء لنظام - وليس لدين ولا
حتى لوطن - ثم لأشخاص - وليس لمبادئ ولا أفكار - يصبح استمراء النفاق
السياسي هو قاعدة السلوك الشخصي لدى المواطن العادي، يحكي الطاهر إبراهيم
أنه «عندما أذيعت البلاغات العسكرية صبيحة يوم الانقلاب [على الوحدة مع مصر]
قامت مجموعة من المواطنين السوريين بمظاهرة في مدينة دمشق تأييداً للانفصال،
وكانوا يحملون صور عبد الناصر وهي منكسة، ويهتفون بشعارات معادية لعبد
الناصر، وعندما أذيع البلاغ رقم (٩) معلناً انتهاء التمرد، قامت المجموعة نفسها
من المتظاهرين برفع صور عبد الناصر التي كانت منكسة، ورددوا هتافات التأييد
لدولة الوحدة!» [٢٥] .
وهكذا أدخلت العلمانية أيضاً المواطن الذي يُعِدُّونه لدخول معركة (التحرير)
مع العدو الصهيوني.. أدخلته في دائرة من الاغتراب السياسي، فبات هذا المواطن
يشعر أنه لاجئ في وطنه، لا يعيش لهدف سام، ولا يحس باهتمام أو مساواة،
مهمش مهمل، ومع امتدادات التمزقات الداخلية والدخول في (سلام) مع عدوه،
وضياع (الثوابت) التي كان يعيش للدفاع عنها.. افتقد (كيانه) وحار في انتمائه:
أإلى دينه وأمته، أم إلى وطنه وعشيرته، أم إلى قادته وحكامه، فعاش في فصام
قيمي ونفسي أدخلته فيه النظم العلمانية، فانكفأ على ذاته ومعيشته، غير مبالٍ بما
يدور حوله، ودخل كهف العزلة والسلبية.
إن أكبر مثالب العلمانية لم تكن فقط تضييع البلاد، بل كانت أيضاً القضاء
على (إنسانية) الإنسان الذي يقع تحت سيطرتها.
وفي معركة تحرير فلسطين: كيف ندخل المعركة بلا إنسان؟ لا بد أولاً من
تحرير هذا الإنسان..
* جاءنا الآن ما يلي: حرصاً على أنوف مستمعينا الكرام نأسف للتوقف عن
بث أنباء العلمانية السياسية.. أفٍ لهم ولعلمانيتهم! .
стр. 3897
المسلمون والعالم
العرب بين الصليبيين والصهيونيين
خالد الربيعة
إن من يقرأ في تاريخ العرب قبل الهجمات الصليبية وأثناءها يجد تشابهاً
كبيراً بينه وبين وضع العرب قبل الاحتلال الصهيوني وأثناءه، وعند هذا التشابه
يبرز السؤال المتكرر: أيعيد التاريخ نفسه؟
الجواب الصحيح من وجهة نظري: أن التاريخ لا يعيد نفسه ١٠٠% في
الزمان والمكان والأشخاص؛ فكل زمان له وضعه كما قال - تعالى -: [وَتِلْكَ
الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] (آل عمران: ١٤٠) ، ولكن العقول البشرية كثيراً ما
تتشابه مما يجعل البشر يكررون تصرفاتهم، وما التاريخ إلا تصرفات البشر -
بتقدير من الله طبعاً -. لقد تشابه القرنان الهجريان الرابع والخامس مع القرنين
الرابع عشر والخامس عشر الهجريين في أمور كثيرة منها:
١ - التشرذم الذي أصاب العرب والمسلمين:
ما كان للحروب الصليبية ولا الصهيونية أن تحقق أهدافها لولا حالة العداء
والانقسام والتشرذم التي خيمت على علاقات القوى العربية الإسلامية في ذلك
الزمن؛ فكانت الخلافة العباسية متضائلة حتى وصلت حدود سلطة الخليفة على بغداد
فقط، وتقسمت الخلافة الإسلامية إلى دويلات متطاحنة وذلك بسبب:
أ - الانقلابات الكثيرة على الحكم الإسلامي.
ب - الأنانية المفرطة في التمسك بالحكم ولو كان على حساب الإسلام
والشعب المسلم؛ فلقد كان بعضهم لا يطلب المساعدة من المسلمين في الدولة
الأخرى خوفاً من زوال حكمه على يدهم، كما حدث مع ملك دمشق (معين الدين
آنار) عندما لم يستعن بملك الموصل (سيف الدين غازي) ، وكان بعضهم يتعاون
مع الصليبيين خوفاً على ملكه من المسلمين كما فعل وزير الفاطميين الذي استعان
بالصليبيين خوفاً على منصبه من امتداد حكم السلطان (نور الدين محمود) على
مصر، وهناك الكثير من الوقائع يطول الحديث عنها.
٢ - سوء الحالة الاقتصادية:
إن انشغال الحكام العرب في القرنين الرابع والخامس الهجريين بأمور الدنيا
عن الجهاد جعلهم يُحوِّلون بيوت الأموال إلى حساب خاص يصرف على ملذاتهم
وترفهم، وتحويل الشعوب العربية إلى شعوب فقيرة تعيش على الكفاف وهم يرون
أموالهم تنهب أمام أعينهم بالضرائب والمكوس، والصرف ببذخ على اللهو
والفجور.
٣ - عزلة العلماء عن السياسة:
لقد كان ذلك الوقت عصر ازدهار علمي في جميع النواحي والمجالات والعلوم
لكثرة العلماء وغزارة إنتاجهم العلمي والثقافي، ولكن السؤال المهم: ما سبب
تدهور وضع الأمة مع هذا التقدم العلمي؟
الجواب هو: انعزال العلماء (الأغلبية منهم) عن أمور الناس الواقعية،
وأصبح العالِم الذي ينعزل عن الحاكم هو المثل الأعلى، وهذا هو بداية المرض!
لأنه لا يوجد من هو أتقى من الرسول ﷺ وهو كان الحاكم والقائد
والموجه الديني والسياسي، وكان هذا سبباً في انفصال الحكم إلى جزأين: شرعي،
وسياسي.
٤ - الاتجاهات المذهبية الخاطئة ومحاولتها السيطرة:
نبدأ بالعبيديين (الفاطميين) ، فقد استغلوا ضعف الدولة العباسية، فأخذوا
شمال إفريقيا وكوَّنوا دولتهم الفاطمية نسبة إلى فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه
وسلم (ونسبهم إليها غير صحيح) ، وكان زعيمهم هو عبيد الله من ذرية عبد الله
ابن ميمون القداح الفارسي الباطني، وكانت لهم جرائم كثيرة منها:
١ - الفتك بعلماء أهل السنة.
٢ - الاستهانة بمقدسات المسلمين.
٣ - حرق القاهرة.
٤ - الاستعانة باليهود والصليبيين ضد المسلمين.
وليست الدولة البويهية عنهم ببعيدة؛ فقد نهجوا نهج العبيديين نفسه ولكن في
بغداد وبلاد فارس؛ فقد استولوا على الخلافة، وسلبوها حق الحكم والتصرف
وحولوها إلى خلافة صورية؛ وعلاوة على ذلك لم تكن الحدود الإسلامية تهمهم في
شيء؛ فلقد كانت البلاد الإسلامية تحت نير غارات الروم ولم يحركوا ساكناً،
بالإضافة إلى سياسة الإقطاع العسكري التي حطمت الاقتصاد الزراعي في بغداد
وأفقرت خزينة الدولة.
وعند ذكر هاتين الدولتين تظهر لنا دولة القرامطة التي هاجمت الحجاج في
الحرم، وسرقت الحجر الأسود، وألقت جثث الحجاج في بئر زمزم، ولا ننسى
دولة الحشاشين التي نشرت الرعب في العالم الإسلامي؛ وذلك عن طريق الاغتيال
للخلفاء والأمراء والعلماء والوزراء ولم يسلم منهم أحد، وكان مقرهم في (قلعة
ألاموت) في إيران، وكان نشاطهم في جميع بلاد المسلمين، وغيرهم من الفرق
الضالة؛ ولكن العامل المشترك بينهم هو ضرب دولة الخلافة الإسلامية لأسباب
ومصالح شخصية حتى ولو كان على حساب الإسلام الذي يدَّعون انتسابهم إليه.
هذه بعض الأسباب، وأضيف إليها أسباباً أخرى ترجع إلى الصليبيين في ذلك
الوقت والصهاينة في هذا الوقت:
٥ - مشاكل داخلية في أوروبا:
إن الصليبيين والصهيونيين كأنهما فلقتان أخرجتا من بذرة واحدة؛ فلقد كانا
نتاج مشكلات أوروبية داخلية خالصة: اجتماعية واقتصادية، زيادة سكان، تدني
مردود الزراعة، زحام قومي، وكان الحل هو إلقاء هذه الفضلات البشرية على
البلاد العربية والإسلامية.
٦ - التظاهر أو التحجج بالحمية الدينية:
كلا الحملتين تحركتا بجموع بشرية من مختلف أنحاء أوروبا مع القوافل
الهائلة؛ فقد كانوا حجاجاً ومحاربين وتجاراً ونبلاء وكهنة ومغامرين يدفعهم باطناً
إغراء الشرق والأرض العربية التي تفيض لبناً وعسلاً، وظاهراً تطهير أرض
المسيح من أيدي العرب (المسلمين) ، أو زعمهم وعد الله باسترجاع أرض الميعاد
لليهود من أيدي العرب أيضاً.
٧ - البدء بالحج السلمي، ثم تحوُّله إلى المسلح:
إن الغزو الصليبي بدأ حجاً سلمياً إلى آثارهم الدينية، ثم تحول إلى حج مسلح
فيما بعد، والغزو الصهيوني بدأ حجاً إلى حائط البراق (المبكى) كما يسمونه،
وممهداً الطريق إلى وعد بلفور وإلى المجازر التي كانت منذ سنة ١٩٤٨م وما زالت.
٨ - اللقب الديني:
لقد كان الصليبيون يسمون أنفسهم: «فرسان المسيح» و «الشعب المقدس»
و «شعب الرب» ، والصهاينة يسمون أنفسهم: «شعب الله المختار»
ويدعون غيرهم: غوغائيين رعاعاً لا ثمن لهم.
٩ - تشويه صورة العرب والمسلمين للعالم:
لقد استغلت الصليبية والصهيونية الجهل الأوروبي بتاريخ المنطقة قديماً
وحديثاً بأمور عدة منها:
أ - صوَّرتا فلسطين أرضاً بلا شعب.
ب - شوَّهتا قدسية الإسلام ونبيَّه.
ج - أوهمتا الغرب: أن العرب برابرة، أنذال، مخادعون، إرهابيون.
١٠ - الاعتماد على المعونات الخارجية:
من مال وسلاح ورجال كلها تأتي من أوروبا؛ فقد كان الأمراء يأتون بأموالهم
لينفقوها على الحرب، ولقد بحث (رتشارد قلب الأسد) عمن يشتري لندن منه
ليمول حملته إلى الأرض المقدسة، وماذا يكون لو أضفنا كلمة الولايات المتحدة؟
إذن لأصبحنا في هذا الوقت؛ حيث تتدفق المساعدات على إسرائيل من الغرب!
وفي النهاية فإن الحروب الصليبية لم تنته مصادفة ولكنها توقفت نتيجة عمل
وكفاح ورفع راية الجهاد الإسلامي تحت لواء صلاح الدين ونور الدين إلى أن
أنهاهم الظاهر بيبرس.
والسؤال الذي يطرح نفسه: متى سيأتي من يرفع أيدي أحفاد القردة
والخنازير عن فلسطين؟ ماذا ينتظر العربُ أم ماذا ينتظر المسلمون؟ أينتظرون أن
يخرج اليهود من أنفسهم؟ ! إن هذه الفكرة يمكن أن تحصل مع الصليبيين في ذلك
الزمان؛ لأن لهم أوطاناً، لكن اليهود لا وطن لهم؛ إذن سيكون قتالنا معهم حتى
ينتصف منهم المسلمون.
أسأل الله أن يحرر بيت المقدس بأيدي عباده المسلمين، والله الهادي إلى سواء
السبيل.
стр. 3898
مرصد الأحداث
يرصدها: حسن قطامش
qatamish١٠٠@hotmail.com
إنصاف
عندما ذهبنا إلى هناك اكتشفنا أن الواقع في أفغانستان مخالف تماماً لما رسمه
وأذاعه الإعلام الغربي عن طالبان وإجراءات القمع وحبس المرأة وزراعة
المخدرات، نحن جميعاً كوفد كانت الصورة التي انطبعت في أذهاننا عنهم أنهم
رفعوا شعار الإسلام حلاً ثم يزرعون المخدرات للإنفاق على حركتهم، وأذاع
الإعلام الغربي أنهم حبسوا المرأة وقيدوها ومنعوها من التعليم وقيادة السيارات
وغير ذلك وأنهم.. وأنهم.. وهناك اتضحت الحقيقة الغائبة.. إنهم لا يزرعون
المخدرات نهائياً بل كوَّنوا فرقاً لمكافحة زراعة المخدرات وأحرقوا مزارعها تماماً،
وتحدوا أن توجد شجيرة واحدة من المخدرات في إمارتهم!
أما المرأة فقد رأيناها في الشارع على طول الطريق، وقالوا: إن ما أذيع
خطأ، والصحيح أننا بسبب نقص المدارس والأماكن بها لسوء الحالة التعليمية عندنا
فقد قدرنا الظرف، وهو أن الولد وخاصة الأكبر سيكون العائل الأساسي والمهم
لأسرته؛ ولذا فقد فضلنا أن يقوم الأخ الأكبر على إخوانه ولو كانوا ذكوراً لنجد له
مكاناً في المدرسة فهو الأوْلى. إذن المسألة ليست بنتاً وولداً ولا رجلاً ولا امرأة
وإنما الظروف هي التي تحكم عملنا ووضعنا وعندما تتحسن الحالة التعليمية سوف
يكون لكل بنت مكان مثل الولد.
الحقيقة أن دهشتنا كانت كبيرة لهذا الواقع الذي زيفه إعلام الغرب، وأنا
أعترف أنني شخصياً كنت مصدقاً لكل ما أذيع عنهم، ولكن بعد الزيارة اقتنع الوفد
كله بلا استثناء بظلم الإعلام الغربي وتضليله للعالم فيما يخص واقع أفغانستان
وطالبان.
بصراحة أيضاً أنا أعتبر هذه الزيارة كلها إيجابيات؛ لأننا عرفنا عن كثب
كذب المزاعم الغربية.
أقول: آن الأوان لأن تبادر الدول الإسلامية وتعترف بحكومة طالبان.. وهذا
رأي وفد منظمة المؤتمر الإسلامي ورأيي شخصياً.. أقول آن الأوان لأن ندرك أن
كثيراً من الدوائر السياسية العالمية تريد هذا الوضع المؤلم والمؤسف، وهي تعمل
على تكريس الفرقة بين الإخوة في الدين، لذا أنا أدعو العالم العربي والإسلامي
لإعادة النظر في موقفه من حكومة طالبان.
[مفتي مصر، د. نصر فريد واصل، مجلة آخر ساعة، العدد:
(٣٤٦٥) ]
أول القصيدة.. فلاشا! !
ذكرت الإذاعة العبرية أن وزارة الاستعمار «الإسكان» الإسرائيلية وضعت
مخططاً جديداً لاستقدام خمسة آلاف يهودي أثيوبي إلى إسرائيل خلال العام القادم.
وقال تالاي مريدور رئيس الوكالة اليهودية أن تنفيذ هذه الخطة سيتكلف ٦٦٠
مليون دولار ستدفع بكاملها من صندوق الوكالة، وتبرعات
من قبل الروابط اليهودية في الولايات المتحدة.
[صحيفة الدستور الأردنية، العدد: (١٢٠٦٠) ]
جزائر المجازر
١ - ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن مجموعة تطلق على نفسها الحركة
الجزائرية للضباط الأحرار وتضم عسكريين منشقين أفادت بمقتل ٤٧ ضابطاً
جزائرياً داخل ثكنة جنوبي الجزائر على يد فرقة كوماندوز خاصة؛ وذلك لرفضهم
المشاركة فيما أسمته الحركة جرائم ضد المدنيين.
ونقلت الوكالة عن بيان صادر عن الحركة أن الضباط كانوا يقضون عقوبة
لرفضهم تنفيذ أوامر في زنزانات تحت الأرض في ثكنة (بوقار) الواقعة على بعد
١٥٠ كلم جنوبي العاصمة الجزائر.
وذكر البيان أن الضباط كانوا على وشك إنهاء عقوبتهم وإطلاق سراحهم،
لكن تم جمعهم في جناح منعزل من السجن، وقامت فرقة كوماندوز خاصة تابعة
للجيش والمخابرات بقتلهم «بدم بارد» .
وقال البيان - الذي لم يذكر أسماء الضباط أو رتبهم، وحمل توقيع العقيد
(علي بعلي) - إن القتلى تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب بسبب رفضهم «المشاركة
في الجرائم ضد المدنيين أو رفضهم تنفيذ أوامر شيطانية» .
موقع الجزيرة نت
www.aljazeera.net
٢ - س: عاد سؤال: مَن يَقْتُل مَن في الجزائر؟ في الآونة الأخيرة ليطرح
بقوة الآن، فمَن يَقْتُل في الجزائر حقيقة؟
ج: الذي يَقْتُل في الجزائر أساساً هو النظام الحاكم، العنف الذي نشهده في
الجزائر هو عنف يخدم النظام وليس ضد النظام، وهو عنف محسوب ومرتب تتم
الزيادة في قوته ونسقه أو الخفض منها حسبما يطلبه أو ما يسعى إليه النظام أو
الجناح الرئيسي داخل السلطة، وهو الجناح المتكون من قيادة المخابرات وقيادة
الجيش، وهناك أدلة كثيرة وعلى مستويات عدة؛ فهناك أشخاص هم أنفسهم كانوا
في الجيش أو في الشرطة أو في مخابرات النظام، أعني أن هناك أفراداً منهم
مارسوا هذا الأمر واعترفوا به، ومن آخرهم صاحب كتاب: (الحرب القذرة)
حبيب سوايدية الذي اعترف أنه كان يتلقى أوامر من قادته، وهو مستعد للمحاكمة
الآن.
[محمد العربي زيتوت، النائب السابق للسفير الجزائري في ليبيا، القدس العربي، العدد: (٣٦٨١) ]
٣ - تتزايد التكهنات في الجزائر بتدخل إسرائيلي مباشر في تصعيد أعمال
العنف، وتطرح مصادر معلومات قريبة من عبد المجيد بوزيدي «أحد مستشاري
الأمن في عهد الرئيس السابق الأمين زروال» فرضيتين.
الأولى: تلقي جهات فرانكفونية تدريبات عسكرية في الكيان الصهيوني.
الثانية: وصول فرق كوماندوس إسرائيلية إلى المدن الجزائرية المعنية
بالمواجهات.
وتعترف مصادر بوزيدي أن طاقم المكتب الأمني لزروال ناقش أكثر من مرة
هاتين الفرضيتين لا سيما في عامي ١٩٩٦م، ١٩٩٧م على خلفية مذبحة (سيدي
عبد العزيز) جنوب العاصمة، ومجزرة (بوقر) التي أودت بحياة ٩٣ مدنياً؛ فيما
تؤكد أوساط في جبهة الإنقاذ أن هناك دوراً للكيان الصهيوني في أوروبا وتحديداً في
بلجيكا وفرنسا وألمانيا وسويسرا لجمع المعلومات عن الإسلاميين الجزائريين
والإسهام اللوجستي في توقيف وتعقب آخرين من طرف أجهزة أمن أوروبية،
ويعتقد إسلاميون أن ميليشيات متشددة مجهولة ربما تضم بين مقاتليها خبرات بشرية
إسرائيلية ينفذون عمليات ذبح بحق عائلات الجماعات الإسلامية المسلحة!
ويؤكد وثيقو الصلة بحزب أحمد بن بيلا أن الصهاينة باتوا طرفاً مهماً في
الأزمة الجزائرية في غضون الأعوام الثلاثة الماضية لعدة أسباب؛ تكشف آخر
المعلومات الواردة من (تيزي أوزو) ومناطق القبائل الكبرى عن اكتشاف العديد
من حالات حمل السلاح الإسرائيلي «عوزي» وهذا يعني أن الدولة الصهيونية
أضحت جزءاً من أنشطة تصدير السلاح إلى الجزائر.
[صحيفة السبيل الأردنية، العدد: (٣٧٠) ]
المنسيون في تركستان الشرقية
مصدر معلوماتنا عما جرى في الصين هو السلطات الصينية ذاتها التي تعتبر
الناشطين المسلمين إما انفصاليين أو إرهابيين، وهم في كل الأحوال «مجرمون»
خارجون على القانون، لا حل لهم سوى القمع الذي يتراوح بين السجن والإعدام.
بهذه الخلفية ينبغي أن نقرأ التقارير التي خرجت من العاصمة الصينية حول
تفكيك ما يسمى بحزب الله الإسلامي، وهي تسمية لم يُسمع بها من قبل، ولا
يُستبعد أن يكون لها ظل من الحقيقة، كما لا يُستبعد أن تكون السلطات الصينية هي
التي أطلقت ذلك الاسم لأسباب إعلامية في الأغلب؛ فطيلة العقد الأخير والصحف
ووكالات الأنباء تنشر أخبار الإعدامات بين المسلمين. ويبدو أن عملية الإعدام
أصبحت سهلة لدرجة أن حكومة بكين ضغطت على الحكومة الباكستانية قبل أكثر
من عام لتسليمها بعض المسلمين من أبناء إقليم (سينكانج) الذين اتهمتهم بإثارة
الشغب هناك، وكان هؤلاء (عددهم ١٣ شخصاً) قد نجحوا في الهروب من
ملاحقة الشرطة الصينية، وعبور الحدود إلى باكستان، وإزاء استمرار الضغوط،
فإن حكومة إسلام آباد التي تربطها علاقات وثيقة مع الحكومة الصينية؛ ألقت
القبض على أولئك الشبان اللاجئين إليها، وقررت تسليمهم إلى السلطات الصينية.
وقد رتبت عملية التسليم في أحد مواقع منطقة الحدود المشتركة بين البلدين،
وحسبما ذُكر في العاصمة الباكستانية، فإنه جيء بالمسلمين الصينيين الهاربين،
وتم تسليمهم إلى مجموعة من العسكريين الصينيين الذين تم إيفادهم من قبل الحكومة
لهذا الغرض. غير أن القوة الصينية ما أن تسلمتهم عند الشريط الحدودي حتى
طلبت منهم الوقوف صفاً، ثم أطلقت عليهم النار واحداً تلو الآخر. وتم قتل الـ
١٣ شخصاً في موقع التسلم ذاته، على مرأى من العسكريين الباكستانيين الذين
فوجئوا بما حدث، ولم يكن بمقدورهم فعل أي شيء. هؤلاء لو قدر لهم أن يلجؤوا
إلى أي عاصمة غربية لاختلف مصيرهم، ولكان لهم شأن آخر.
[فهمي هويدي، مجلة المجلة، العدد: (١٠٩٧) ]
إرهاب.. وإرهاب
ذكرت مصادر إعلامية أمريكية أن المخابرات المركزية الأمريكية قررت
تكليف وحدة مراقبة شبكة الإنترنت بشن حملة لمكافحة ما تسميه «الإرهاب»
بالإنترنت.
وقالت وكالة الإعلام الأمريكية: إن خبراء الأجهزة الأمريكية اتفقوا مع
قراصنة إنترنت أمريكيين لاختراق وتخريب مجموعة كبيرة من المواقع الإسلامية
المشتبه بتعاونها مع الحركات المتطرفة أو بدعوتها إلى الجهاد والتعاون في نقل
المعلومات وتلقي المساعدات المالية المموّهة أو التدريب على وسائل التفجير ووضع
القنابل.
وتتحدث المعلومات الأمريكية عن أن الأجهزة رصدت أكثر من مائتي موقع
تزعم أنها «خطيرة» تعمل في أكثر من ٥٠ بلداً، وأنها بدأت بشن حملة قرصنة
لا سابق لها لتخريبها.
[مجلة الإصلاح، العدد: (٤٣٨) ]
السلام دائماً.. ليكودي
س: يقول بعضهم إنك ستكون مثل الرئيس المتشدد ريتشارد نيكسون الذي
فتح من دون توقع علاقة بين أمريكا والصين، بمعنى أنك ستكون الصقر الذي يقدر
على صنع السلام مع الفلسطينيين.
ج: أعتقد أنني أستطيع صنع السلام لأنني شاهدت كل أهوال الحرب.
شاركت في كل الحروب، وفقدت أعز أصدقائي في المعارك المختلفة، وقد أصبت
بجروح بليغة مرتين. ولذلك فإنني أفضل إدراكاً لأهمية السلام من السياسيين الذين
يتحدثون عن السلام ولكنهم لم يمارسوا تجربة الحرب أبداً.
[أرييل شارون، رئيس وزراء إسرائيل، مجلة نيوزويك العربية، عدد: (٢٠/
٣/٢٠٠١م) ]
ولن تفعل أمريكا شيئاً
كشف تقرير أمريكي النقاب عن أن القوات الروسية العاملة في الشيشان
ارتكبت انتهاكات خطيرة في الشيشان من بينها التعذيب والقتل والنهب والطرد
الجماعي للسكان، بالإضافة إلى غيرها من الجرائم التي لا ترتكبها إلا دولة
(فوضوية) .
وذكر التقرير الذي أصدرته منظمة تطلق على نفسها اسم منظمة (أطباء
حقوق الإنسان) وهي منظمة غير حكومية مقرها واشنطن أن القوات الفيدرالية
الروسية تورطت - وما زالت - في القيام بانتهاك حقوق المدنيين، وتتمثل في
الاعتقالات غير القانونية للمواطنين وفرض عقوبات السجن دون أحكام قضائية
والضرب والتعذيب والقتل والسلب والنهب والطرد الجماعي والهجمات على
المدنيين وعدم احترام حيادية الفرق الطبية، بالإضافة إلى مسؤوليتها عن اختفاء
بعض الأفراد.
وقد اشتمل التقرير على روايات العديد من الشيشانيين من ضحايا هذه
الانتهاكات، كما تضمن التقرير الدعوة إلى الرئيس الأمريكي الجديد جورج بوش
لكي يضع قضية الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون الشيشان على رأس قائمة
أولوياته فيما يتعلق بعلاقاته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
[صحيفة الأهرام، العدد: (٤١٦٨٨) ]
نشاط تنصيري
ألقت السلطات الإماراتية في دبي القبض على ثلاثة من الأمريكان! !
واتهمتهم بمناهضة الدين الإسلامي والتبشير بغيره، حيث قبض على الثلاثة
وبحوزتهم ١٩٧٠ إسطوانة مدمجة (CD) يقومون بتوزيعها على المواطنين
وزوار إمارة دبي.
[صحيفة البيان الإماراتية، العدد: (٧٦٠٦) ]
أما زال هذا الفكر حياً؟ !
العداء المستحكم بين العرب وإسرائيل منذ ما يزيد على نصف قرن من
الزمان لا يعني كراهية اليهود تالياً. فنحن ما زلنا نفرّق بين إسرائيل التي نكرهها،
واليهود الذين لا نكنّ لهم كراهية إسرائيل نفسها. قد يقول قائل: إن إسرائيل تعني
اليهود وإن اليهود هم إسرائيل، أبادر إلى القول والتوضيح إننا لا نكره إسرائيل
لأن شعبها من اليهود وإنما نكرهها لأن حكامها من الصهاينة، إذن نحن ضد
الصهيونية العالمية وأحلامها التوسعية، ولسنا ضد اليهود كبشر أو عرق أو جنس.
اليهودي بشر كالمسيحي والمسلم تماماً، وهو يعبد الله مثلنا؛ لأن الديانة اليهودية
التي نزلت على موسى ﵇ هي إحدى الديانات السماوية الثلاث، ومن
عاشروا اليهود العرب في الزمن الماضي قبل قيام إسرائيل وهجرتهم إليها بعد
حرب فلسطين، من عاشروهم يشهدون بأنهم كانوا يحترمون كلمتهم. صحيح أنهم
كانوا تجاراً يسيطرون على معظم أنواع التجارة الكبيرة، وكان بعضهم من المرابين
إلا أنهم كانوا يقفون مع التجار الصغار في أي بلد ويعاونونهم إذا تعثروا في سداد
قيمة البضاعة التي استلموها منهم. أذكر في صباي أني كنت أسكن مع أهلي في
عمارة بأحد أحياء القاهرة وكان ثلث سكانها من اليهود، ولا أذكر أن أحدهم أثار
يوماً مشكلة أو تسبب في مشكلة كانوا جيراناً مريحين يكاد المرء لا يحسّ بهم.
المؤكد أني لا أحمل في ذاكرتي أي ذكرى غير طيبة لليهود سوى حرصهم الشديد
على المال وهو ما يشترك معهم فيه أهل دمياط من المصريين على سبيل المثال.
[مصطفى نجيب! ؟ جريدة النهار اللبنانية، العدد: (٢٠٩٠٠) ]
نعم.. هي أقدر على الفهم! !
١ - أبدى وزير الخارجية السوري فاروق الشرع ثقته في قدرة الإدارة
الأمريكية الجديدة برئاسة جورج بوش على فهم عملية السلام أكثر من إدارة بيل
كلينتون، وقال الشرع: إن الإدارة الجديدة (ستكون أقدر على فهم مجريات عملية
السلام) .
وأوضح الشرع: (لا ننسى أن إدارة بوش المنتخبة تدرك أكثر من غيرها أن
المبادرة الأمريكية التي عقد على أساسها مؤتمر مدريد (للسلام في الشرق الأوسط
عام ١٩٩١م) جاءت من قِبَل الجمهوريين وبرئاسة جورج بوش الأب) .
[صحيفة البيان الإماراتية، العدد: (٧٥١٥) ]
٢ - أمر الرئيس الأمريكي جورج بوش وكالة الاستخبارات الأمريكية بوقف
أداء دور الوسيط بين إسرائيل والفلسطينيين، ويعد قرار الرئيس الأمريكي نموذجاً
لسياسة الإدارة الجديدة التي تهدف إلى رفع يدها عن عملية السلام في الشرق
الأوسط، وقالت المتحدثة باسم الرئيس بوش في شؤون الأمن القومي ماري إيلين
كانترمان: إن هذه الخطوة تنسجم مع نهج الإدارة الجديدة الرامي إلى تشجيع
الأطراف الضالعة في القضية على المفاوضات والتنسيق المباشر فيما بينهما، وقد
كان دور وكالة الاستخبارات يتناغم مع سياسة إدارة الرئيس كلينتون التي كانت
ترمي إلى الانحراط المباشر في قضايا المنطقة.
موقع هيئة الإذاعة البريطانية
www.bbcarabic.com
عين الرضا.. والعين الحمراء! !
خفف الرئيس الأمريكي جورج بوش من القيود على بيع قطع غيار طائرات
هليكوبتر أمريكية الصنع للهند، في خطوة وصفت بأنها قد تكون توطئة لرفع
العقوبات الأمريكية التي فرضتها واشنطن على نيودلهي عقب إجرائها تجارب
نووية قبل ثلاثة أعوام.
وتشمل الخطوة الأمريكية كذلك رفع الحظر على بيع قطع غيار أمريكية
لطائرات الهليكوبتر البريطانية الصنع التي تخدم في الأسطول الجوي الهندي.
وكان النقص في قطع غيار تلك الطائرات قد أرغم الجيش الهندي على إخراج
بعضها من الخدمة، ويقول المراسلون إن الولايات المتحدة قد خففت بالفعل من
القيود على الهند في مجال الاستثمارات، وإن ثمة ضغوطاً في الوقت الحالي لرفع
جميع العقوبات الأمريكية.
موقع هيئة الإذاعة البريطانية
www.bbcarabic.com
فاقدو الصواب.. والصابئة
تعهد الرئيس العراقي صدام حسين ببناء معبد لطائفة الصابئة المندائيين في
بغداد، وذلك خلال اجتماعه مع رئيس الطائفة وأعضاء بارزين بها حيث امتدح
صدام الطائفة، وأكد على العمل لمساواتهم والمسيحيين.
وأهدى (ستار جبار حلو) رئيس الطائفة صدام نسخة مترجمة للعربية من
كتاب الطائفة المقدس «كنزا ربا» (الكنز العظيم) . وأوضحت الصحف أن هذه
هي المرة الأولى التي تجرى فيها ترجمة كتابهم المقدس.
وقال صدام لحلو واتباعه: «سنبني لكم معبداً إن شاء الله.. العراقيون
أحرار في دياناتهم سواء كانوا مسلمين أم مسيحيين أم صابئة» .
[جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٥٤٩) ]
ليس تكفيراً عن المحرقة
من بين رماد المحرقة «الهولوكوست» تولدت علاقة صداقة فريدة من نوعها،
فبعد ٥٦ عاماً على انهيار الرايخ النازي و ٣٦ عاماً على إقامة العلاقات
الدبلوماسية، أصبحت ألمانيا أهم حلفاء إسرائيل بعد الولايات المتحدة؛ فهي تمدها
بدعم ثمين على المستويات العسكرية والاستخباراتية والسياسية والاقتصادية. ففي
حين عمقت ألمانيا في السنوات الأخيرة من علاقاتها مع إسرائيل، وقدمت لها دون
ضجيج إعلامي ثلاث غواصات غير أنه وقبل وقت طويل من إقامة علاقات
دبلوماسية في العام ١٩٦٥م، حصل التقارب الأول بين ألمانيا وإسرائيل عند
التوقيع على اتفاق التعويضات عام ١٩٥٢م بين رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن
غوريون والمستشار الألماني كونراد أديناور. وقد شملت تلك التعويضات دفع أكثر
من ٥٠ مليار دولار ليهود إسرائيليين ولدولة إسرائيل نفسها، ولأن بعض هذه
التعويضات جرى دفعه على شكل معدات واستثمارات صناعية وقطع غيار وسفن
وقاطرات، ساهمت في تقارب الألمان والإسرائيليين بصورة لا يمكن مقارنتها
باليهود الأمريكيين.
وتشير التحريات الحالية في ألمانيا وإسرائيل، إلى أن الدعم الألماني أساسي
بالنسبة لأمن إسرائيل، حتى مع بقائه بعيداً عن الأضواء بسبب المخاوف الألمانية
من رد فعل العالم العربي والرأي العام المحلي، أما العلاقات بين جهازي
استخبارات كل من البلدين فهي نشطة بشكل لافت، حسبما يفيد مسؤولون؛ إذ تزود
ألمانيا إسرائيل بمعلومات واسعة عن العالم العربي، أما إسرائيل فإنها تزود ألمانيا
مقابل ذلك بمعلومات عن أوروبا الشرقية وروسيا، وعلى حد تعبير أحد المسؤولين
الإسرائيليين: «لدينا أفراد يتحلون بتفهم واسع» .
كما أن ألمانيا تعتبر الحليف العسكري الثاني في الأهمية لإسرائيل بعد
الولايات المتحدة؛ إذ تتعاون كل منهما في تطوير بعض الأسلحة وتوفير التكنولوجيا.
[صحيفة الشرق الأوسط، العدد: (٨١٣٣) ]
الود باق! !
قال الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط إنه لو كان يملك حق التصويت في
إسرائيل لكان صوته لصالح أرييل شارون، وأضاف أنه سيعطي شارون صوته
ليس «لأنه شخص جيد؛ فنحن نعرف شارون جيداً ونعرف ماذا فعل في حرب
لبنان وغيرها، ولكن مع شارون تعرف أين تقف. يقول لك حقيقته في وجهك
وليس كباراك الذي يتحدث عن السلام، ويوقع اتفاق سلام لكنه لا يصنع السلام
على الأرض» .
[صحيفة الشرق الأوسط، العدد: (٨٠٩٣) ]
رسائل الهدم الهندوسية
دمر متعصبون هندوس مسجداً تاريخياً في مدينة «أيودهيا» في شمال الهند،
وادعوا أن مسجدين آخرين يقعان على مقابر هندوسية، ويحاولون الاستيلاء على
مسجد آخر في نيودلهي.
وقد منعت الشرطة ناشطي حركة (فيشوا هندوباريشاد) ومنظمة الشباب
التابعة لـ (بارانج دال) من أداء شعائر هندوسية في مسجد «قوة الإسلام» في
مجمع قطب. وتقول المجموعات الهندوسية إنها تريد إعادة بناء معبد هندوسي
زاعمة أن الحكام المسلمين دمروه، وكان يقع في مكان المسجد الحالي.
[مجلة الكوثر، العدد: (١٧) ]
стр. 3899
متابعات
استدراك على نقد في المنهج
د. محمد أمحزون [*]
مقدمة:
لا عصمة إلا للرسل فيما يبلغون عن الله .
إن الذين يفكرون في اتجاه واحد ينظرون إلى المشكلات والقضايا العلمية على
أنها أحادية التركيب، عديمة المنافذ، مستحيلة التجزئة، فلا يمكن التعامل معها
بشكل نسبي، وإنما ينظر إليها على أنها كتلة صلدة لا تقبل التجزئة.
بينما لو نظرنا بتجرد إلى أكثر الأشياء والأحداث والأشخاص لوجدنا أنها
تمتزج فيها الإيجابيات والسلبيات، أو تكمن فيها القابلية لهما؛ فحين يبصر المرء
بشكل كامل فإنه تتشكل لديه العقلية الموضوعية التي ترى مواطن القوة ومواطن
الضعف، والإيجابيات والسلبيات؛ وحينئذٍ فإن أحكامه تكون متزنة معتدلة بعيدة
عن الغلو الذميم والجفاء المفرط.
ومما لا شك فيه أن عقلية البعد الواحد تنتهي في آخر المطاف إلى عقدة
التعصب؛ حيث يعتقد المتعصب أنه قبض على الحقيقة النهائية التي تدفع به إلى
القدح في آراء غيره دون بينة وحجة، وإلى الالتزام برأي معين يقتضي الدفاع
المستميت عنه في وجه كل ما يخدش فحوى ذلك المعتقد.
ومن صور التعصب الممقوتة اعتقاد العصمة في آل البيت وتقديسهم والمغالاة
في حبهم، بينما لا تثبت العصمة إلا للرسل صلوات الله وسلامه عليهم.
فأهل الحق يحبون آل بيت رسول الله ﷺ كما يحبون
أصحابه ومن صار على سنته، ويضعونهم في منازلهم التي يستحقونها، ويتبرؤون
من مسلك الروافض ومسلك النواصب فيهم؛ وهو الحب المفرط أو البغض المفرط.
ولقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قوله: «يهلك فيَّ
رجلان: مفرط في حبي، ومفرط في بغضي» [١] .
وروي عن الحسن بن علي ﵁ أنه قال لرجل يغلو فيهم:
«ويحك! أحبونا لله؛ فإن أطعنا الله فأحبونا، وإن عصينا الله فأبغضونا، ولو كان
الله نافعاً أحداً بقرابة من رسول الله ﷺ بغير طاعة لنفع بذلك أباه
وأمه، قولوا فينا الحق؛ فإنه أبلغ فيما تريدون، ونحن نرضى منكم» [٢] .
فمن باب العدل والإنصاف إذن أن نفرِّق بين محبة آل البيت واحترامهم
ونصرتهم، وبين وضع أقوالهم ومواقفهم في ميزان الشريعة، فما وافق منها الحق
قبلناه، وما خالفه رددناه؛ لأنهم بشر يصيبون ويخطئون؛ فكل بني آدم خطاء،
ولا معصوم إلا رسول الله ﷺ ، لكن الأستاذ حسن بن فرحان
المالكي صاحب كتاب: «بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة،
مع نقد الدراسات الجامعية في الموضوع» [٣] ، الذي نشرته مكتبة التوبة في
الرياض عام ١٤١٨هـ/١٩٩٧م، ذهب يطعن في النوايا، ولم يرفع رأساً للنصوص
الصحيحة وأقوال العلماء المشهود لهم بالرسوخ في العلم.
وقد دفعه تعجله وعدم موضوعيته وتظاهره بالانتصار لعلي - رضي الله
عنه - إلى سوء الأدب مع المخالف في قضايا اجتهادية لا تنتقص من مكانة علي
﵁ وفضله؛ فهو خير أصحاب رسول الله ﷺ بعد
الخلفاء الراشدين الثلاثة أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃،
إلا أن العصمة للرسل وحدهم في تبليغهم الرسالات.
ينبغي التفريق بين الإمامة العظمى والفتنة:
يقول المالكي في إحدى ملاحظاته: «إن المؤلف وقع في التناقض عندما قال
في موضع:» فتقرر عند أهل السنة والجماعة بالدليل الشرعي أن علياً كان إماماً،
وأن كل من خرج عليه باغ يجب قتاله حتى يفيء إلى الحق وينقاد إلى الصلح « [٤] .
وقال في موضع آخر:» إن علياً كان أقرب إلى الصواب من مخالفيه في
الجمل وصفين، لكن لم يصب الحق بتمامه وكماله؛ حيث كانت السلامة في
الإمساك عن القتال « [٥] .
فمن المعلوم أن لا تناقض بين الكلام الأول والثاني؛ حيث إن الفرق واضح
وجلي بين البيعة بالإمامة لعلي ﵁ والفتنة الناجمة عن مقتل عثمان
﵁.
ففيما يتعلق بالخلافة قد تقرر عند أهل السنة والجماعة أن علياً هو الخليفة
الشرعي، وأن من خرج على إمامته ولم يبايعه فهو باغ يجب قتاله حتى يفيء إلى
الحق ويصطلح مع الإمام على البيعة.
ولم يثبت تاريخياً أن أحداً من الصحابة الذين قاتلهم علي ﵁
في الجمل وصفين نازع علياً على الخلافة أو دعا إلى بيعة نفسه، حتى معاوية -
﵁ الذي تزعم بعض الروايات الضعيفة أنه كان يسعى إلى الخلافة؛
فقد أخرج (يحيى بن سليمان الجعفي) في كتاب» صفين «بسند جيد عن أبي
مسلم الخولاني أنه قد قال لمعاوية:» أنت تنازع علياً في الخلافة أو أنت مثله؟
قال: لا، وإني أعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان
قتل مظلوماً، وأنا ابن عمِّه ووليُّه أطلب دمه؟ « [٦] .
وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن زيد بن وهب قال:» قال علي لطلحة
والزبير: ألم تبايعاني؟ فقالا: نطلب بدم عثمان « [٧] فقد فَرَّقا - رضي الله
عنهما - بين البيعة وبين المطالبة بدم عثمان.
أما الخلاف بين علي ﵁ ومخالفيه في الفتنة التي وقعت بعد
مقتل عثمان ﵁ فكان خلافاً اجتهادياً مصلحياً تضاربت فيه الآراء بين
الصحابة ﵃ حيث رأت طائفة من الصحابة وهم طلحة والزبير
وعائشة ومن معهم أن أول واجب على الأمة هو الثأر لخليفتها الشهيد والقصاص من
القتلة الآثمين.
ورأى فريق آخر من الصحابة وهم: علي والقعقاع وعمار ومن على رأيهم
أن أول ما ينبغي هو اجتماع الكلمة واستتباب الأمن، والصبر حتى تهدأ الأحوال
وتستقر الأوضاع، فتؤخذ الحقوق.
ورأت طائفة ثالثة أن الخليفة المظلوم لم يحتمل ذلك الحصار الآثم، ولم يمنع
أتباعه المؤمنين من الدفاع عنه إلا حرصاً منه ﵁ على ألا تراق
قطرة دم أو تثور أدنى فتنة بين المسلمين، فالأَوْلى بمن بعده أن يؤثِروا العافية،
وألا يكونوا طرفاً في أي نزاع، وخاصة أن الأحاديث الواردة في هذا الباب تنهى
عن القتال في الفتنة.
وقد كان من كمال فقه الصحابة ﵃ التفريق بين صحة إمامة
علي ﵁ ووجوب القتال معه، بل صحة قتال أهل القبلة؛ إذ لا
يلزم من كونه إماماً شرعياً أن يكون قتاله لأهل الجمل وصفين صواباً، وحقاً
بإطلاق.
فحين تأخر أكثرهم عن نصرته في حروبه، فإن ذلك لم يكن بسبب رفضهم
لخلافته، وإنما تخوفوا من حرب أهل القبلة، واحتجوا بما روي عن النبي صلى
الله عليه وسلم في القعود عن قتال الفتنة بين المسلمين.
ولذلك لا مجال للخلط بين بيعة علي ﵁ وهي بيعة شرعية لا
يسع أحداً من المسلمين نكثها، وبين قتال الفتنة الذي كان الخلاف حوله اجتهاداً
مصلحياً، وكان الإمساك عنه أوْلى وأحوط.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذا الشأن:» ولأجل هذه
النصوص لا يختلف أصحابنا أن ترك القتال كان أفضل؛ لأن النصوص صرحت
بأن القاعد فيها خير من القائم (أي الفتنة) والبعد عنها خير من الوقوع فيها،
وقالوا: ورجحان العمل يظهر برجحان عاقبته، ومن المعلوم أنهم إذا لم يبدؤوه
بقتال، فلو لم يقاتلهم لم يقع أكثر مما وقع من خروجهم عن طاعته، لكن بالقتال
زاد البلاء، وسفكت الدماء، وتنافرت القلوب، وخرجت عليه الخوارج، وحُكِّم
الحكمان، فظهر من المفاسد ما لم يكن قبل القتال، ولم يحصل به مصلحة
راجحة [٨] .
ورود أحاديث صريحة في الفتنة الناجمة عن مقتل عثمان - رضي الله
عنه -:
وفي ملاحظة أخرى ذكر الناقد أن الأحاديث التي أوردتها في اعتزال الفتنة
ليست صريحة في هذا الموطن؛ فهي كما يرى أحاديث عامة تُنَزَّلُ عند تقاتل الناس
على المُلك، كما حدث بين بني أمية وابن الزبير وغير ذلك من الفتن التي كان
القتال فيها على المُلك، وفي بعضها لم يكن للمسلمين إمام شرعي، بل كانوا فِرَقاً
ليس فيها خليفة راشدي، ولا بيعة شرعية لأهل الحل والعقد.
أقول - وبالله التوفيق -: إن الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة اعتمدوا -
رضوان الله عليهم - على أصل شرعي ثابت بنصوص صريحة عن النبي صلى
الله عليه وسلم، وبعضها أوامر عينية في حق المخاطبين بها، ومن ذلك:
* ما أخرجه أحمد والترمذي بسند حسن عن بسر بن سعيد أن سعد بن أبي
وقاص ﵁ قال عند فتنة عثمان بن عفان ﵁:
أشهد أن رسول الله ﷺ قال: «إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير
من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي» ، قال:
أفرأيت إن دخل عليَّ بيتي فبسط إليَّ يده ليقتلني؟ قال: «كن كابن آدم» [٩] .
* وأخرج البخاري في جامعه الصحيح عن أبي بكرة ﵁ قال:
بينما النبي ﷺ يخطب جاء الحسن، فقال: «ابني هذا سيّد،
ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» [١٠] .
قال الحافظ في الفتح: «واستدل به على تصويب رأي من قعد عن القتال مع
معاوية وعلي، وإن كان علي أحق بالخلافة وأقرب إلى الحق، وهو قول سعد بن
أبي وقاص وابن عمر ومحمد بن مسلمة، وسائر من اعتزل تلك الحروب» [١١] .
* وأخرج أحمد والحاكم عن عبد الله بن حوالة ﵁ عن النبي
ﷺ قال: «من نجا من ثلاث فقد نجا» ، قالوا: ماذا يا رسول
الله؟ قال: «موتي (فتنة الردة) ، وخروج الدجال، وقتل خليفة [١٢] مصطبر
بالحق يعطيه» [١٣] .
* وأخرج عبد الرزاق في «المصنف» بسند حسن عن أبي هريرة - رضي
الله عنه - قال: «أيها الناس! أظلتكم فتنة كقطع الليل المظلم، أنجى الناس فيها
أو قال منها صاحبُ شاءٍ يأكل من رِسْلِ غنمه [*] أو رجل وراء الدرب أخذ بعنان
فرسه يأكل من سيفه» [١٤] .
وفي هذا إشارة إلى الحديث الصحيح مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: «خير الناس في الفتن رجل آخذ بعنان فرسه خلف أعداء الله يخيفهم
ويخيفونه، ورجل معتزل في باديته يؤدي حق الله الذي عليه» [١٥] .
* وأخرج أحمد والترمذي عن عديسة بنت أبهان بن صيفي عن أبيها رضي
الله عنه: أن عليًّا لما قدم البصرة بعث إليه، فقال: ما يمنعك أن تتبعني؟ فقال:
أوصاني خليلي وابن عمك فقال: «إنه ستكون فرقة واختلاف، فاكسر سيفك
واتخذ سيفاً من خشب، واقعد في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منيَّة قاضية» [١٦] ،
ففعلت ما أمرني رسول الله ﷺ .
* وأخرج أحمد وابن ماجه عن سهل بن أبي الصلت قال: سمعت الحسن
يقول: «إن علياً بعث إلى محمد بن مسلمة فجيء به فقال: ما خلَّفك عن هذا الأمر؟
قال: دفع إليَّ ابن عمك يعني النبي ﷺ سيفاً فقال:» قاتل به
ما قوتل العدو، فإذا رأيت الناس (المسلمين) يقتل بعضهم بعضاً، فاعمد به إلى
صخرة فاضربه بها، ثم الزم بيتك حتى تأتيك منيَّة قاضية أو يد خاطئة «، قال:
خلوا عنه» [١٧] . وفي رواية ابن أبي شيبة عن أبي بردة: دخلت على محمد بن
مسلمة فقلت له: رحمك الله، إنك من هذا الأمر بمكان، فلو خرجت إلى الناس
فأمرت ونهيت؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إنها ستكون
فتنة وفرقة واختلاف، فإذا كان ذلك، فائت بسيفك أُحُداً فاضربه حتى تقطعه ثم
اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منيَّة قاضية» ؛ فقد وقعت (أي الفتنة
والفرقة) [١٨] وفعلت ما قال لي رسول الله ﷺ .
إذا تعارض المرفوع والموقوف قدم المرفوع:
ويقول المالكي: «كما أنه من المعلوم أن أعلم الناس بالفتن حذيفة ابن اليمان،
وقد أوصى باتباع علي في الفتنة، ولم يأمر بالاعتزال، فكان يقول:» عليكم
بالطائفة التي تدعو إلى أمر علي بن أبي طالب فإنها على الحق «.
لكن منهج الاستدلال الصحيح يقتضي تقديم حديث رسول الله صلى الله عليه
وسلم على أثر الصحابة؛ لأن الحديث مصدره الوحي من الله تعالى، والأثر
المذكور موقوف على الصحابي؛ إذ ليس فيه ما يدل على أنه مرفوع إلى رسول الله
ﷺ .
وقد أصّل العلماء قاعدة في هذا الباب وهي:» إذا تعارض المرفوع
والموقوف قُدِّمَ المرفوع « [١٩] .
على أنه ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري -
﵁ قال: ذكر النبي ﷺ قوماً يكونون في أمته،
يخرجون في فُرقة من الناس، سيماهم التحالق - الخوارج -، قال:» هم شر
الخلق، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق «، وفي رواية أخرى:» يخرجون على
فرقة مختلفة يقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق « [٢٠] .
تأمل الفرق بين عبارة:» إنه على الحق «وعبارة:» إنه أقرب الطائفتين
من الحق «. فالوحي دقيق في عبارته، وفي ذلك دلالة واضحة أن علياً كان أقرب
إلى الصواب من مخالفيه في الجمل وصِفِّين، لكن لم يصب الحق بإطلاق؛ حيث
كانت السلامة في الإمساك عن القتال الذي كانت نتيجته مؤلمة.
ينبغي التفريق بين قتال الفتنة كما وقع بين الصحابة وقتال الخوارج
المفسدين:
وبعد أن خلط المالكي بين صحة إمامة علي ﵁ ووجوب
القتال معه في الفتنة، نراه مرة ثانية في ملاحظة له يخلط بين أمرين آخرين وهما:
قتال الفتنة كما وقع بين الصحابة، وقتال الخوارج؛ حيث ذكر» أن عليّاً لو
اعتزل الفتنة ولم يحارب الخارجين عليه لخالف نصوصاً صريحة من القرآن
والسنة تأمر بقتال البغاة والخوارج (تأمل: لا يفرق بين البغاة المتأولين والخوارج
الحرورية) ، بينما فرق جمهور العلماء بين الخوارج المارقين وبين أصحاب الجمل
وصفين ممن يعدّ من البغاة المتأولين.
وفي هذا الصدد يقول ابن تيمية ﵀: «هذا مأثور عن الصحابة
وعامة أهل الحديث والفقهاء والأئمة» [٢١] ويعتبر ﵀ هذا البغي مجرداً؛
لأن القرآن نص على إيمانهم وأخوَّتهم مع وجود الاقتتال والبغي [٢٢] .
ويقول المالكي أيضاً: «فلو اعتزل علي ﵁ القتال ولم
يقاتل أهل الجمل ولا أهل صفين لسنَّ سنة سيئة في ترك قتال من خرج على
الجماعة» .
إن معنى الجماعة هو الاجتماع على إمام على مقتضى الشرع، فهل نقض
هؤلاء بيعة الخليفة حتى يكونوا خارجين على الجماعة! ! إن سبب هذا الموقف هو
العجلة وعدم التروي والتثبت في إصدار الأحكام.
ولذلك أُذَكِّر الناقد بأن قتال الفتنة كما وقع بين الصحابة شيء، وقتال
الخوارج المفسدين شيء آخر، فقد قتل من الخوارج بالنهروان قرابة أربعة آلاف،
فما تألم لهم أحد، وقتل كعب بن سور في موقعة الجمل فتألمت لذلك الطائفتان جميعاً؛
فكيف بطلحة والزبير وعمار ﵃؟
فالمفسدون أقرب شيء إلى الخوارج ولا يتحرج من قتالهم أحد، ولا يترتب
عليه ضرر أو فرقة، بل فيه حفظ وحدة المسلمين وجماعتهم وأمنهم، وكذا دفع
الصائل المعتدي.
ولهذا جاءت النصوص متواترة في رد عدوان الخوارج والمفسدين في
الأرض، أما أن يكون المرء عبد الله المقتول ولا يكون عبد الله القاتل فذلك
مشروع في الفتنة بين المسلمين المختلفين اختلافاً اجتهادياً مصلحياً.
ولهذا أثنى النبي ﷺ على الحسن ﵁ لأن
الله أصلح به ما بين المسلمين وحقن دماءهم [٢٣] ، في حين لم يثن
على قتال أبيه لأهل الجمل وصفين، بل غاية ما وصفه به أنه أقرب منهم إلى
الحق [٢٤] ، بخلاف قتال الخوارج؛ فقد أثنى عليه نصّاً: «فأينما لقيتموهم فاقتلوهم؛
فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم إلى يوم القيامة» [٢٥] .
كما أن عليّاً نفسه فرح واستبشر بقتال الخوارج [٢٦] ، وتألم وتكدّر بقتال أهل
الجمل؛ حيث قال: «إني وددت أني مت قبل هذا بعشرين حجة» ، وفي رواية:
«بعشرين سنة» [٢٧] .
وقال بعد صفين: «لو علمت أن الأمر هكذا ما خرجت» [٢٨] . ونقل عنه
قوله: «لله درُّ مقام سعد بن مالك، وعبد الله بن عمر (في اعتزال الفتنة) إن
كان برّاً إن أجره لعظيم، وإن كان إثماً إن خطأه ليسير» [٢٩] .
نصوص اعتزال الفتنة أغلبها بأسانيد صحيحة وحسنة:
يقول المالكي: «ومن الملاحظات على المؤلف أيضاً إيراده للنصوص التي
تفيد اعتزال أكثر الصحابة الفتنة مع أنها نصوص مرسلة، والمرسل أخو الضعيف،
أو ضعيفة باطلة، أو منكرة مردودة على قائلها، وقد سوّد بها المؤلف كتابه من
ص ١٦٧ إلى ص ١٦٨» .
هذا غير صحيح، إذ ذكرت في المبحث المذكور عشرين رواية أغلبها بأسانيد
صحيحة وحسنة وحسنة لذاتها، وهي كالآتي:
- ثماني روايات للبخاري في الجامع الصحيح.
- رواية واحدة له في التاريخ الصغير.
- رواية لمسلم في الجامع الصحيح.
- ثلاث روايات للترمذي في السنن.
- روايتان لأحمد بن حنبل في المسند.
- روايتان لعبد الرزاق في المصنف.
- روايتان للحاكم في المستدرك.
- رواية لابن أبي شيبة في المصنف.
وسقت أربع روايات للطبري وابن عساكر وابن كثير عن أبي موسى
الأشعري تتفق في متنها مع الروايات الصحيحة عنه في اعتزال الفتنة [٣٠] .
والروايات القليلة الباقية، وإن كانت ضعيفة في سندها إلا أنها تنسجم مع
الروايات الثابتة في مضمونها.
وهذا المنهج سار عليه علماء الحديث؛ إذ يستشهدون في بعض الأحيان
بأحاديث في أسانيدها ضعفاء، لكنهم غير متهمين بالكذب والوضع عند ثبوت متن
الحديث أو أصل الخبر من غير تلك الطريق، وهذا يعني أنهم نظروا إلى المتن كما
نظروا إلى السند؛ إذ قبول ذلك المتن بذلك الإسناد على ما فيه من ضعف يدل دلالة
واضحة على عمق نظرهم في نقد النصوص، وأن السند الضعيف لا يمنعهم من
قبول المتن الصحيح أو المعروف من طريق آخر.
الروايات الصحيحة هي الميزان المعتبر للحكم على النصوص بالقبول أو
بالرد:
يقول المالكي: «فهو يجمع كل ما يؤيد وجهة نظره سواء كان صحيحاً أو
ضعيفاً أو موضوعاً منكراً. وقد نقل في مبحث البيعة أكثر من عشر روايات
ضعيفة وموضوعة خلطها بالروايات الصحيحة» .
هذا اتهام في غير موضعه؛ فالروايات الصحيحة هي المعيار الذي اعتمدته
في الحكم على النصوص بالقبول أو بالرد [٣١] . ولو رجع الناقد إلى مقدمة الكتاب
لكفاه ذلك توجيه النقد بغير بينة ولا دليل؛ فقد سطرت فيها منهجي الذي سرت
عليه في الكتاب حيث قلت: إن منهجي يقوم على بيان الحقائق التاريخية مدعمة
بالأدلة من النصوص الصحيحة، وترجيح الروايات التاريخية التي تتماشى في
مضمونها مع معطيات تلك الفترة، وذلك في إطار المبادئ والمفاهيم والقيم
الإسلامية، ومن منطلق دوافع السلوك عند الأفراد والحكام في ذلك العصر، والتي
كانت توجهها العقيدة.
وبناءاً على ذلك انتقيت من تاريخ الطبري النصوص التي تتفق في متونها مع
الروايات الصحيحة، وتنسجم في فحواها مع روح المجتمع الإسلامي وبنائه العقدي
والحضاري، وبالمقابل انتقدت الروايات التي تناقض المسيرة الطبيعية للمجتمع
الإسلامي وفق مجموعة من الموازين والمقاييس ذكرتها في المقدمة.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية يلاحظ عند علماء أهل السنة الجمع بين
النصوص والروايات؛ ففي الوقت الذي يقررون فيه مثلاً رفض رواية ابن إسحاق
إذا عنعن ولم يصرح بالتحديث، ورفض رواية سيف بن عمر؛ لأنه ضعيف في
الحديث، فضلاً عن غيره من الأخباريين الذين ليس لهم رواية في كتب السنة من
أمثال الواقدي وأبي عوانة والمدائني، فإنه يُستشهَد برواياتهم ويُستَدَل بها على
بعض التفاصيل والقضايا، ويُحاوَل الجمع بينها وبين الروايات الأخرى التي هي
أوثق سنداً.
وهذا يدل على قبولهم لأخبارهم فيما تخصصوا فيه من العناية بالسِّيَر
والأخبار، وهو منهج معتبر عند العلماء المحققين، وإن لم يقبلوا رواياتهم في
الأحكام الشرعية.
ولذلك نجد الحافظ ابن حجر يقول في محمد بن إسحاق: «إمام في المغازي،
صدوق يدلس» [٣٢] ، ويقول في سيف بن عمر التميمي: «ضعيف في الحديث،
عمدة في التاريخ» [٣٣] . كما يقول عنه الحافظ الذهبي: «كان إخبارياً
عارفاً» [٣٤] .
وقلت: إذا كان المحدِّثون يتساهلون في الرواية عن الضعفاء إن كانت
رواياتهم تؤيد أحاديث صحيحة موثقة، فلا بأس إذن من الأخذ بهذا الجانب في
التاريخ وجعله معياراً ومقياساً إلى تحري الحقائق التاريخية ومعرفتها.
ومن هذا المنطلق تُتخَذ الأخبار الصحيحة قاعدة يقاس عليها ما ورد عند
الأخباريين مثل سيف والواقدي وأبي مخنف؛ فما اتفق معها مما أورده هؤلاء تلقيناه
بالقبول، وما خالفها تركناه ونبذناه.
لكن إذا رفضنا التعامل مع منهجهم، فإن الحلقات الفارغة في تاريخنا ستمثل
هوة سحيقة بيننا وبين ماضينا، مما يولد الحيرة والاضطراب.
علماً بأن دراسة السند ليست هي الوسيلة الوحيدة للحكم على النص؛ فجهود
علماء المسلمين لم تكن منصبَّة فقط على نقد السند، وإنما كانت منصبة على المتن
كذلك؛ لأن العلة كما تكون في السند قد تكون في المتن. على أنه لا يلزم من
ضعف السند ضعف المتن، وكذلك لا يلزم من صحة السند صحة المتن؛ فقد يكون
السند ضعيفاً والمتن صحيحاً لورود نصوص أخرى تعضده وتشهد بصحته. كما أنه
قد يصح السند ولا يصح المتن لشذوذ أو علة قادحة فيه.
ولذلك أصّلوا في هذا الشأن منهجاً علمياً دقيقاً؛ فهم لا يحكمون بالضعف على
كل أخبار راوٍ ضعيف؛ فقد يكون مصيباً أو صادقاً في رواية ما بعينها. وفي هذا
رد للحق؛ إذ قد يصيب الضعيف، ويَهِمُ الصادق.
والأصل هنا مراعاة المقاييس والقواعد المنهجية التي وضعها العلماء في نقد
متون الأخبار في إطار المبادئ والقيم والمفاهيم الإسلامية.
والناقد نفسه يقول: «ولذلك نعلم يقيناً أن في متون الأسانيد الضعيفة بعض
الأخبار الصحيحة، وهذا علم كبير له اتصال بعلم العلل» [٣٥] فكيف يجوّز هذا
لنفسه ويؤاخذ ويعاتب فيه غيره؟ !
أما اشتراط الصحة الحديثية (أي صحة السند) في قبول الأخبار التاريخية
التي لا تمس العقيدة والشريعة ففيه مجازفة وتعسف كثير، وغير ممكن تطبيقه من
الناحية العملية لبناء صورة شاملة ومتكاملة للتاريخ الإسلامي، اللهم إذا أردنا جمع
نتف وشذرات من هنا وهناك لا رابط بينها.
أغلب الصحابة اعتزلوا الفتنة، ومذهب الإمساك في الفتنة هو أقوى
المذاهب وأرجحها:
يقول المالكي: «أيضاً كان على المؤلف أن ينقل الآثار المتصلة التي تثبت
شهود أكابر الصحابة ﵃ مع علي ﵁، منهم ثمانمائة
من أصحاب بيعة الرضوان، وفي هؤلاء نحو سبعين بدرياً، بينما لم يصح أن أحداً
من البدريين اعتزل إلا اثنان أو ثلاثة؛ فكيف يقال إن أكثر أكابر الصحابة اعتزلوا؟
وكيف يقرر أن هذا مذهب أهل السنة؟
إن ما ذكره الناقد عن الآثار المتصلة التي تثبت شهود كثير من الصحابة
الجمل وصفين مع علي ﵁ في ثمانمائة من أصحاب بيعة
الرضوان، وفي هؤلاء نحو من سبعين بدرياً، هي آثار ضعيفة لم يثبت فيها نقل
صحيح.
ففي رواية من طريق أمية بن خالد عن أبي شيبة العبسي عن الحكم بن عتيبة
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال:» شهد صفين من أهل بدر سبعون
رجلاً « [٣٦] .
وفي هذا السند إبراهيم بن عثمان أبو شيبة العبسي، قال صالح جزرة:
ضعيف لا يكتب حديثه، روى عن الحكم بن عتيبة أحاديث مناكير. وقال الترمذي
وأحمد: منكر الحديث [٣٧] .
وفي رواية أخرى من طريق أبي إسحاق الكسائي عن يحيى بن سليمان
الجعفي عن محمد بن عميرة النخعي عن أبي إسرائيل العبسي عن الحكم قال:
» شهد صفين مع علي ثمانون بدرياً، وخمسون ومائة ممن بايع تحت
الشجرة « [٣٨] .
وسند هذه الرواية كذلك ضعيف؛ فيها أبو إسرائيل العبيسي، قال أبو حاتم
عنه: له أغاليط لا يحتج بحديثه، وقال ابن حبان: كان رافضياً شَتَّاماً (يشتم
عثمان ﵁) [٣٩] .
وروى خليفة بن خياط في» التاريخ «من طريق أبي غسان النهدي عن
يعقوب بن عبد الله القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير:» كان مع
علي يوم الجمل ثمانمائة من الأنصار، وأربعمائة ممن شهد بيعة الرضوان « [٤٠] .
وفي السند جعفر بن أبي المغيرة قال ابن منده: ليس بالقوي في سعيد بن
جبير [٤١] . وفيه يعقوب بن عبد الله القمي: صدوق يَهِم [٤٢] .
كما نقل رواية ثانية من طريق أبي غسان النهدي عن عبد السلام بن حرب
عن يزيد بن عبد الرحمن عن جعفر بن أبي المغيرة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن
أبزى عن أبيه قال:» شهدنا مع علي (أي صفين) ثمانمائة ممن بايع بيعة
الرضوان، قتل منا ثلاثة وسبعون منهم عمار بن ياسر « [٤٣] .
وفي سند هذه الرواية عبد السلام بن حرب: ثقة له مناكير [٤٤] ، وعبد الله
بن عبد الرحمن بن أبزى: مقبول حيث يتابع؛ وإلا فليِّن [٤٥] ، وجعفر بن المغيرة:
صدوق يهم [٤٦] .
أما الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة - وهم الأغلبية - فقد ثبت في اعتزالهم
وإمساكهم عن القتال نقل صحيح؛ حيث أخرج أحمد وعبد الرزاق، كلاهما بسند
صحيح متصل عن محمد بن سيرين قال:» هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله
ﷺ عشرات الألوف، فلم يحضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا
ثلاثين « [٤٧] .
ونقلت كتب الحديث والتراجم روايات ثابتة عمن اعتزل الفتنة من أفراد
الصحابة ﵃[٤٨] .
وبمذهب اعتزال الفتنة التزم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، وبنى عليه
موقفه في رفض الخروج على الدولة العباسية؛ فقد روى عنه الخلال أنه قال:
» هذا عليٌّ لم يضبط الناس؛ فكيف اليوم والناس على هذا الحال، السيف لا
يعجبني « [٤٩] .
وقال سفيان الثوري:» نأخذ بقول عمر ﵁ في الجماعة،
وبقول ابنه عبد الله في الفرقة «، وكان يصرح قائلاً:» لو أدركت علياً ما
خرجت معه « [٥٠] .
وعلى مذهب الإمساك في الفتنة كان كذلك الإمام البخاري؛ فإن تراجم أبواب
كتاب الفتن من صحيحه تنطق بذلك، وعلى منواله سار الإمام مسلم وغيره من
المصنفين في الحديث في هذه المسألة.
وقد رجح هذا المذهب وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع من كتبه
نذكر منها على سبيل الإيجاز ما قاله في» منهاج السنة «عن أئمة العلم في قتال
الفتنة، ومن ذلك قوله:» ومنهم من يقول: كان الصواب أن لا يكون قتال، وكان
ترك القتال خيراً للطائفتين مع أن عليّاً كان أوْلى بالحق، وهذا قول أحمد وأكثر
أهل الحديث وأكثر أئمة الفقهاء، وهو قول أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛
وهو قول عمران بن حصين، وهو قول أسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وسعد بن
أبي وقاص، وأكثر من بقي من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار - رضي
الله عنهم - « [٥١] .
على أن هذا المذهب (اعتزال الفتنة) هو أقوى المذاهب وأرجحها بدلالة
النصوص الشرعية وأقوال السلف الصالح، وهو أقوى من مذهب من يرى أن
الصواب هو القتال مع علي ﵁ فضلاً عمن يرى أن الصواب هو
القتال مع من حاربه. ومن تأمل مآلات الفتنة ونهاياتها ظهر له قوة دلائله النصية
وصدق نتائجه الواقعية.
وفي الختام يمكن القول:
إن المجتمع الإسلامي يسير على السنن الطبيعية لكل المجتمعات، وهذا حق،
ونحن لا نعصم فرداً أو مجتمعاً من أن تسري عليه هذه السنن إلا أن يكون رسولاً
أو نبياً.
ومن هنا يجب أن نعلم أن الذين صنعوا التاريخ رجال من البشر يجوز عليهم
الخطأ والسهو والنسيان، وإن كانوا من كبار الصحابة وأجِلاَّئهم، إلا أنه ينبغي
إحالة الحوادث إلى الخطأ في الاجتهاد تذكيراً بقول رسول الله ﷺ :
» إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإن حكم فاجتهد ثم أخطأ فله
أجر « [٥٢] .
على أن ما حدث من قِبَل الصحابة ﵃ في تلك الفتنة فإنه
يحمل على حسن النية والاختلاف في التقدير والاجتهاد، كما يحمل على وقوع
الخطأ والإصابة؛ إذ كانوا مجتهدين، وهم لإخلاصهم في اجتهادهم مثابون عليه في
حالتي الإصابة والخطأ، وإن كان ثواب المصيب ضعف ثواب المخطئ؛ لأن كل
فئة كانت لها وجهة نظر تدافع عنها بحسن نيّة؛ حيث إن الخلاف بينهم لم يكن
بسبب التنافس على الدنيا، وإنما كان اجتهاداً مصلحياً من كل منهم في تطبيق
شرائع الإسلام.
وينبغي أن نقول كما علّمنا ربنا: [رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا
بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ]
(الحشر: ١٠) .
стр. 3900
بأقلامهن
نحو خطوات فاعلة للداعية المسلمة
خولة درويش
قال الله - تعالى -: [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ] (التوبة: ٧١) .
لقد أنصف الإسلام المرأة، وكلفها بمهام مثل مهام الرجل إلا ما تقتضيه
طبيعتها، بعيداً عن الاختلاط وتعرضها لأعين الرجال، والمجال مفتوح أمامها بين
بنات جنسها.
فالدعوة إلى الله ليست مختصة بالرجال وحدهم؛ فقد حملت المسلمة همّ الدعوة
منذ فجر الإسلام. وكفانا قدوة أن المسلمة الأولى التي شرح الله صدرها لهذا الدين،
وساندت نبيه وآزرته هي امرأة، إنها أم المؤمنين خديجة بنت خويلد - رضي الله
عنها -، ثم إن أم شريك القرشية العامرية، بعدما أسلمت، جعلت تدخل على نساء
قريش سراً فتدعوهن وترغبهن في الإسلام، حتى ظهر أمرها لأهل مكة، فأخذوها
وقالوا لها: «لولا قومك لفعلنا بك وفعلنا؛ ولكنا سنردك إليهم، وكان أن حملوها
على بعير ليس تحتها شيء موطأ ولا غيره، ثم تركوها ثلاثاً لا يطعمونها ولا
يسقونها» [١] .
وظلت المرأة المسلمة تقوم بدورها المنوط بها، كما يمليه عليها دينها، فكانت
تعلم بنات جنسها أمورهن الخاصة بهن كالطهارة والعدة ونحوها، وقد حفظت أحكام
ذلك الدين عن طريق الصحابيات - رضوان الله عليهن -.
فالمرأة المسلمة لا تقل عن الرجل في التكليف: والأصل أن أمور الشريعة
شاملة للرجل والمرأة على السواء، إلا ما جاء من أدلة تختص بأحدهما كأمور
القوامة والحجاب والنفقة والعدة ونحوها.
ومن الممكن أن نستعير هنا ما قاله (مراد هوفمان) وهو يصف مكانة المرأة
المسلمة بالنسبة إلى مكانة الرجل أنها: «المساواة في الكرامة مع اختلاف الأعباء،
والمساواة في المنزلة مع اختلاف الأدوار، والمساواة في القيمة مع اختلاف
القدرات» [٢] .
فهي تقوم بما يجب على الرجل في المجالات والأنشطة التي يمكن أن يقوم بها
إلا إذا اقتضت طبيعة المرأة خلاف ذلك - كما يحدد الشرع -.
وإذا علمنا مدى ما تعمله قوى الشر؛ حيث تقف مجتمعة لمجابهة هذا الدين
وأهله، وراقبنا عن كثب تفننها في وسائل مقاومته، وابتكارها الطريقة تلو الأخرى
لتبقي الأجيال شباباً وشابات في معزل عن مفاهيم دينهم الحق، أو لتشويه صورته
الناصعة في أعينهم أدركنا أن نشاط أعدائنا لحربنا لا يعطينا مسوِّغاً إلى الركون
والسلبية، كما هو شأن البعض! فالهجمة الشرسة لا تصدها الانهزامية!
إن مما يعصر القلب ألماً: النظرة القاصرة عند البعض التي تتجلى في احتقار
الذات، والشعور بالصغار؛ مما يثبط عن العمل، ويقعد بالهمم.
وعندما تحتقر المرأة نفسها وتشعر بضآلتها وهي تقول: وماذا عسى أن ينفع
كلامي؟ ومن يسمع صوتي الضعيف؟ !
أوَ ما تذكرت أن فرعون كان أكثر بياناً من نبي الله موسى ﵇
مما جعل فرعون يقول: [أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ]
(الزخرف: ٥٢) .
ومع ذلك ما ضر ذلك موسى ﵇ شيئاً؛ فالله وحده تكفل بنصر
الحق [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ] (الحج: ٤٠) .
إن التخلي عن الواجب الدعوي للمرأة كان له نتاج تخريبي في المجتمع.
لقد رضيت ضعيفات الإيمان - طائعات - أن يكن سمسارات لمبادئ الغرب،
ومن جنود إبليس، وما ذاك إلا لغياب الداعية المواجهة الواعية. وكان حري
بالمؤمنات أن يقرعن الحجة بالحجة، ليظهرن مدى تفاهة الباطل وأهله، ويحمين
الأجيال كيلا تنساق وراء ترهاته وأباطيله.
إن المعركة بين الحق والباطل مستمرة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
فلا يصح للمسلمة أن تقف موقف المتفرجة، حتى لا تكون هي أكثر
المصابات، إنْ بالثكل أو اليتم، أو أن يصل الأمر إلى انتهاك الأعراض والعياذ
بالله.
أمتنا بحاجة إلى كل عقل مفكر، أو نية طيبة حاجتها إلى العمل المنتج.
والأديان المختلفة بل وجميع المذاهب الفكرية ما انتشرت إلا بالدعوة إليها،
وقد شاركت المرأة الرجل بما يناسب طبيعتها، ونشطت نساؤهم لنشر مبادئهم؛
فالمنصِّرون كانوا وما زالوا يعملون على تخريب الأجيال، ودس الشبهات،
ويسيرون وفق تخطيط دقيق يوزعون فيه الأدوار بعناية وحذق.
تتحمل المنصِّرات (المبشرات) الكثير من الضنك وشظف العيش، وقد
تعيش إحداهن في صحارٍ مقفرة حياة بدائية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، تخالط
أهل الصحاري والقفار، تدخل إلى القلوب من خلال التعليم أو التطبيب أو الخدمات
الاجتماعية، أو حتى المشاركات الوجدانية.
أوَ ليست المؤمنة الصادقة أوْلى بالنهوض بواجبها والبعد عن التقصير
والتفريط؛ لئلا تكون بتقصيرها عوناً لأعدائها من حيث لا تدري؟ !
أوَ ليس واجبها أن تتحرى ما ينقص مجتمعها من الأمور الفاضلة الخيِّرة، وما
يناسبه من الأمور المشروعة، فتُقْدِم ولا تُحْجِم؛ علّها تحيي سنة وتميت بدعة؟ !
فعلى كل حسب اختصاصها، وحسب إمكانياتها واجب الدعوة إلى الله سواء
بالقول السديد، أو القدوة الصالحة؛ فلا تبدد أوقاتها، ولا تذهب عمرها سدى، ولا
تميت قلبها بالحسرات على أمتها المسلمة دون أن تبذل شيئاً نافعاً ذا بال، بل تنشط
وتنشط، ولا تبالي بعثرات الطريق ولا تأبه بالصعاب؛ لأنها تقوم بواجبها متطلعة
إلى رضوان الله:
ومن تكن العلياء همة نفسه ... فكل الذي يلقاه فيها محبَّبُ
فلا تستهيني أختي الفاضلة بجهدك؛ فالحصاة الواحدة وإن لم توقف السيل،
لكنها مع غيرها من الحصى مهما صغرت، قد تكون عائقاً أمامه!
والقشة الصغيرة يحملها الطائر والعصفور هي جزء رئيس لإتمام بناء عشه
الذي يؤويه!
فعلينا ألا نضيِّع الفرصة المناسبة حيث كنا، سواء في المنزل، أو في
المدرسة، حتى في السيارة!
لا تستغربي أختاه، نعم حتى في السيارة! واصغي معي بقلبك إلى حديث
المصطفى ﷺ فيما رواه معاذ ﵁ حيث قال: كنت
ردف رسول الله ﷺ على حمار يقال له عُفير. قال: فقال صلى
الله عليه وسلم: يا معاذ! تدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟
قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإن من حق الله على العباد أن يعبدوا الله ولا
يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً.
قال: قلت: يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم؛ فيتكلوا « [٣] .
فيا أختي الداعية: إن الدعوة إلى الله شرف حباك الله به، ومجالاته متعددة -
فبقدر المنكر يكون الأمر بالمعروف - لكنها تتفق في النهاية السامية.
ومع حسن التخطيط تكون المسلمة على بينة من أمرها: فهي وقد أرادت أن
تحمي المسلمات من الوقوع في شراك العدو الماكر بحيله الواسعة فما عليها (بعد
الاتكال على الله) إلا أن تتعرف على أحابيل العدو لتعلم كيف ينفذ إلى مكره،
وتتعرف على ما في المجتمعات الأخرى من مثالب، وتتعرف على ما فيها - هي -
من مزايا نافعة.
وذلك كله يفيدها في اختيار الأنسب من أساليب الدعوة، فتقدم على بصيرة
وهي تعلم أين تضع قدمها، لتحث الخطى في طريق السلامة، لا كمن تتعثر، فلا
هي تصل إلى غايتها، ولا هي عارفة لمسالك النجاة:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس
ونستطيع أن نوجز المجالات الدعوية للمرأة وما ذاك بحصر لها، وإنما هي
نماذج للذكرى:
أولاً: البيت مهمة المرأة الأساسية، ولذا يجب أن يحظى من فيه بنصيب
موفور من خالص دعوتها، كالزوج والأولاد والوالدين والجيران، والأقارب،
والخدم.
ثانياً: تساهم الداعية في تأهيل أمهات المستقبل، فتنشر العلم الواعي المستند
إلى الأسس الشرعية؛ وذلك لصيانة عقول الأجيال وقلوبها من أن تقع في شراك
الأعداء.
وتساهم في تعليم النسوة المهارات اللازمة ليكنَّ صالحات مصلحات، فضلاً
عن زيادة مهارتهن المنزلية، فترقى الأسر المسلمة والمجتمع الإسلامي بأسره.
ثالثا: تساهم في الإعلام والتوجيه وبالضوابط الشرعية وذلك عن طريق
المحاضرات للنساء، وتأليف الكتب والأشرطة والمطويات، والمساهمة في
الموسوعات الثقافية والنشرات العلمية، فضلاً عن استفادتها من معطيات العصر
الحديثة» كالإنترنت «لخدمة دعوتها.
رابعاً: الخدمات الاجتماعية التي ثبت أن المرأة تفوق الرجل فيها، من
مساهمات خيرية في بناء المساجد والمدارس، وتوصيل النفقة لأسر متعففة،
ومساندة الحق في كل مكان، أو تزويج الصالحات.
خامساً: هذا فضلاً عن أعمال أخرى تهم المرأة المسلمة، وتقوم بها
بالضوابط الشرعية كإعداد كوادر مستقبلية للدعوة، وجمع المعلومات وأخبار العالم
الإسلامي، وإيجاد فرص للعمل عن طريق فتح المشاغل النسائية أو المستشفيات
النسائية، ومن نذرت نفسها لله، تبحث عن كل سبيل نافع ومشروع لإيصال
دعوتها إلى بنات جنسها، وتقوم بواجبها على أتم وجه، مما يرضي الله - تعالى -،
ويثير حفيظة الخصوم، ويثلج صدور المسلمات التقيات.
سادساً: تتسابق مع أخواتها المؤمنات إلى تبليغ ميراث محمد صلى الله عليه
وسلم.
وإذا تضافرت الجهود، وخلصت النوايا، وسلكنا لذلك الوسائل الشرعية،
ولم نركن إلى الأحلام والأماني فعند ذلك يتحقق موعود الله بالنصر والتمكين؛ وفي
ذلك الفلاح وأي فلاح: [وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (العصر: ١-٣) .
أختي المسلمة:
إن الأجيال الفتية تنتظر دورك المنشود، وما لا يدرك كله لا يترك جُله؛
عسى أن نعوض ما فاتنا من تقصير.
ولا ننسى أن الضوابط الشرعية مهمة في خروج المرأة من بيتها، وخلال
عودتها إليه من استئذان، وحجاب، وعدم اختلاط، وعدم خضوع في القول.
كما أن التقية لا تهمل تربية أبنائها، وحقوق أسرتها بحجة الدعوة العامة؛ فإن
فرض العين أوْلى من فرض الكفاية» ولنعط كل ذي حق حقه «.
نسأل الله - تعالى - أن يجعل راية الإسلام عالية خفاقة، ودعوته منصورة،
ونضرع إليه أن يجعلنا جميعاً من خدام دين الله، وأن يعظم الأجر ويتقبل العمل،
والحمد لله رب العالمين.
стр. 3901
قضايا ثقافية
الاتجاهات.. تكوينها ومكوناتها
محمد عودة الذبياني
مقدمة:
مع نمو الفرد وتعرضه لعملية التنشئة الاجتماعية تتكون لديه اتجاهات
ومواقف معينة حيال الأفراد والجماعات والمؤسسات والأفكار والمذاهب المختلفة.
وهذه الاتجاهات وتلك المواقف تحتل من الأهمية غايتها؛ فهي في كثير من
الأحيان تتحكم في خط سير الإنسان وتعامله مع ما يحيط به، وهي - فضلاً عن
هذا وذاك - يمكن أن تحفز الإنسان لعمل شيء معين أو تثبطه عن فعله، ولا
يقتصر استخدامها على المجال التربوي فحسب، وإنما تتعدى ذلك إلى المجال
السياسي حيث تحتاجها الحكومات في معرفة اتجاهات الشعوب في بعض الميادين
والقضايا المختلفة التي تهمها، ويمكن للتجار والمنتجين ونحوهم ترويج بضاعتهم
إذا أمكنهم التعرف على اتجاهات العملاء أو المستهلكين، كما أنهم يسعون إلى
تكوين اتجاهات إيجابية عن سلعهم التجارية لدى جمهور المستهلكين، وأهم من ذلك
كله الدعاة والمربون والقائمون على إصلاح المجتمع حيث يتطلب منهم عملهم
الإلمام بشيء عن الاتجاهات حتى يمكنهم تكوين اتجاهات فاضلة لدى الأفراد
والمتربين، وتعديل وتغيير اتجاهات أخرى غير مرغوب فيها.
ولذلك سوف أسلط الضوء في هذا المجال على موضوع الاتجاهات والمقصود
بها، وخصائصها، ومكوناتها، كما سأسلط الضوء على شيء من العوامل التي
تسهم في تكوين الاتجاه وتعديله.
أولاً: المقصود بالاتجاهات:
الاتجاه مأخوذ من وجه واتجه، والجهة والوجهة والتُّجاه: الوجه أو الموضع
الذي تقصده، واتجه له رأي: أي سنح [١] .
ويمكن أن تعرَّف الاتجاهات: بأنها المواقف التي يتخذها الإنسان تجاه
مكونات بيئته سواء أكانت هذه المكونات مادية أو معنوية.
وهناك بعض المصطلحات قد يلتبس مفهومها بمفهوم الاتجاهات لا بد من
بيانها على النحو الآتي:
أ - الاتجاهات والميول: قد يظن بعض الناس أن هذين المصطلحين
مترادفان، فلا تكاد تذكر الاتجاهات إلا ويأتي بعدها الميول؛ حتى إن بعض
المشتغلين في المجال التربوي لا يفرق بين هذين المصطلحين؛ وحتى نفرق بينهما
يمكن القول بأن الاتجاه يتميز بالاستقرار والثبات أكثر من الميل؛ فالميل سريع
التغير؛ وذلك لأنه تغلب عليه المشاعر والعواطف بخلاف الاتجاه الذي يغلب عليه
الجانب العقلي المعرفي الذي يجعل من عملية تغييره وتعديله تحتاج إلى شيء من
الصبر والتأني.
ب - الاتجاهات والرأي العام: العلاقة بين الاتجاهات والرأي العام يشوبها
شيء من اللبس؛ فالرأي العام يستند جزئياً على الاتجاهات التي يحملها الأفراد،
ولذلك يلعب الرأي العام دور الوسيط بين الاتجاهات المختلفة حتى يكوِّن منها رأياً
عاماً [٢] ؛ وبناءً على ذلك يمكن القول بأن الاتجاهات أكثر عمقاً من الرأي العام
الذي قد يجنح إلى السطحية إلى حد ما؛ لأن الفرد قد ينساق في خضم الرأي العام
لا عن قناعة واتجاه، وإنما تأثراً بالمحيطين به. وإجمالاً يمكن وصف علاقة الرأي
العام بالاتجاهات بأنها علاقة الكل بالجزء.
ج - الاتجاهات والقيم: من خلال توضيح القيم يظهر لنا جلياً الفرق بينها
وبين الاتجاهات؛ فالقيم هي المبادئ الثابتة التي يؤمن بها المجتمع ويعتز بها
أفراده [٣] ، ولذلك نجد أن اتجاهات الفرد تدور وتتمركز - بعد المعتقدات - حول
هذه القيم والمبادئ؛ فهي أساسها الذي تبنى عليه.
ثانياً: مكوّنات الاتجاه وخصائصه:
إن المتأمل في الاتجاه منذ بداية تكونه يجد أنه يمر بثلاث مراحل هي في
نهاية المطاف تشكل مكونات الاتجاه. وقبل الشروع في ذكر تلك المكونات لا بد من
التنبيه على نقطة مهمة هي أنه من خلال معرفتنا بمكونات الاتجاه والمراحل التي
يمر بها نستطيع - بإذن الله - أن نوجد ونكوِّن الاتجاهات المرغوب فيها لدى
المتربين، ونعدل ونغير الاتجاهات غير المرغوب فيها. والمكونات أو المراحل
هي على النحو الآتي:
أ - المكوِّن المعرفي: ويتضمن هذا المكون المعتقدات التي يؤمن بها الفرد،
والقيم والمبادئ التي يحرص على التمسك بها، كما أنه يتضمن الأدلة والأحكام
الشرعية والمعلومات والحقائق الموضوعية حول القضايا المختلفة [٤] .
فعلى سبيل المثال إذا أردنا أن نكوِّن اتجاهاً لدى فرد أو مجموعة من الأفراد
حول قضية الاهتمام بأمر المسلمين في شتى بقاع الأرض، أو حول الالتزام بأنظمة
وقواعد المرور مثلاً، فلا بد من الحرص أولاً على إيجاد المكون أو الأساس
المعرفي لديه، فنبين الحكم الشرعي في قضية الاهتمام بأمر المسلمين، والأخطار
المترتبة على التساهل بأنظمة وقواعد المرور مدعمين حديثنا بالأدلة الشرعية
والحقائق والأرقام والإحصاءات التي تضمن اقتناعه العقلي، وتأييده لموضوع
الاتجاه.
ب - المكوِّن الوجداني (العاطفي) : ويتضمن هذا المكون النواحي العاطفية
والوجدانية التي تتعلق بموضوع الاتجاه [٥] أو بعبارة أخرى: يشير هذا المكون إلى
مشاعر الحب والكراهية التي يوجهها الفرد نحو موضوع الاتجاه.
ويمكن تحقيق هذه المكون في المثالين السابقين من خلال زيارات لمعارض
جراحات العالم الإسلامي، أو من خلال ذكر بعض القصص المؤثرة لما يعانيه
المسلمون من البطش والجوع والتنصير، أو من خلال زيارات لضحايا حوادث
المرور، أو بأي طريق آخر يضمن لنا تفاعل الفرد العاطفي الوجداني مع موضوع
الاتجاه؛ لأن هذا التفاعل العاطفي هو الذي يؤدي بدوره إلى المكوِّن الثالث وهو
المكون السلوكي العملي؛ فالفرد إذا ما اقتنع بفكرة معينة أو باتجاه معين وتفاعل معه
وجدانياً وعاطفياً أدى ذلك بدوره إلى سعيه الحثيث، والعملي لتحقيق ذلك الاتجاه.
ج - المكوِّن السلوكي: ويتضمن هذا المكوِّن النزعة العملية نحو موضوع
الاتجاه [٦] ، فإن كان الاتجاه إيجابياً قادته تلك النزعة إلى الفعل والتمسك والدفاع
عن الاتجاه، وإن كان الاتجاه سلبياً قادته تلك النزعة الفعلية إلى الإحجام والترك
والتحذير. ولعل المتأمل في مراحل التشريع الإسلامي يجد أنه في بدايته كان
التركيز فيه على الناحية الوجدانية العاطفية حتى إذا استحكم الإيمان في القلوب
وتمكن نزلت الأوامر العملية، وفي ذلك تقول عائشة ﵂: «إنما
نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس
إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء (لا تشربوا الخمر) لقالوا:
لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل (لا تزنوا) لقالوا: لا ندع الزنا أبداً» [٧] .
وكذلك الأمر بالنسبة لتعديل وتغيير الاتجاهات؛ فمثلاً: لو كان هناك شخص
لديه اتجاه بأن «المرأة في المجتمعات الإسلامية معطلة مهضومة الحقوق» ؛ فإنه
يمكن تعديل وتغيير هذا الاتجاه بنفس طريقة ومراحل تكوين الاتجاه الآنفة الذكر.
خصائص الاتجاهات:
من خلال العرض السابق لمكونات الاتجاهات يمكن أن نستنتج عدداً من
الخصائص التي تتسم بها، ومن أبرزها:
١ - الاتجاهات مكتسبة ومتعلمة، وليست وراثية.
٢ - مع كونها تأخذ طابع الثبات النسبي إلا أنه يمكن تعديلها وتغييرها بحسب
طبيعة الاتجاه [٨] .
٣ - الاتجاه يمكن أن يكون قوياً أو ضعيفاً بحسب درجة اقتناع الفرد به،
وبحسب تقبله لآراء الآخرين.
٤ - قد تكون الاتجاهات إيجابية، وقد تكون سلبية كما ذكر في الأمثلة السابقة.
٥ - قد تظهر الاتجاهات ونستدل عليها من خلال سلوك الفرد وتصرفاته
وأقواله.
ثالثاً: عوامل تؤدي إلى تكوين أو تعديل الاتجاه:
هناك العديد من العوامل التي تسهم بشكل واضح في تكوّن الاتجاهات لدى
الأفراد؛ كما أنها في نفس الوقت يمكن أن يكون لها دور في تعديل وتغيير
الاتجاهات غير المرغوب فيها، ولعل من أبرز تلك العوامل ما يلي:
١ - العقائد الدينية:
فالعقيدة التي يعتقدها الفرد من أقوى العوامل المكوّنة للاتجاهات، بل يمكن أن
نقول إنها الأساس الذي تبنى عليه الاتجاهات لدى الفرد، وكلما كان الاتجاه الذي
يتخذه الفرد منبثقاً عن عقيدة راسخة كان ذلك الاتجاه قوياً ثابتاً يصعب تغييره
وتعديله، ولذلك نجد أن المسلم المؤمن بالله يختلف في اتجاهاته عن
غيره من أصحاب العقائد الأخرى. ومن أبرز الأمثلة التي توضح لنا قوة تأثير
العقيدة في تكوين الاتجاهات هو تلك العقيدة التي ترسخت في نفوس أصحاب النبي
ﷺ والتي تمخضت عنها اتجاهات ثابتة ثبات الجبال في نصرة
المصطفى ﵊، ولعل البطولات التي سطرها أولئك الرجال في
بدر وأحد وغيرها من المعارك من أكبر الأدلة على تلك الاتجاهات الثابتة في الدفاع
عن الإسلام المتمخضة عن عقيدة صحيحة.
٢ - الجماعة المرجعية للفرد:
وتُعرَّف (الجماعة المرجعية) : بأنها الجماعة التي يرتبط الشخص بقيمها
وأهدافها ومعاييرها ويتمثلها في حياته [٩] ، والإنسان في الغالب قد يكون عضواً في
جماعة معينة [١٠] ، وتلك الجماعة يكون لها أثر كبير في تشكيل وتكوين
اتجاهاته [١١] أو تعديلها وتغييرها إذا كانت اتجاهات غير مرغوب فيها، مع
ملاحظة أنه لا يشترط أن يتشرب كلُّ أفراد (الجماعة المرجعية) الاتجاهاتِ السائدةَ
فيها، وإنما يخضع ذلك لظروف معينة ليس هذا مجال بسطها [١٢] .
٣ - الأسرة:
الأسرة في معظم الحالات من العوامل المؤثرة في تكوين اتجاهات الفرد
وتعديلها وتغييرها؛ فمن الطبيعي أن يكتسب الطفل في بداية نشأته اتجاهات
والديه [١٣] عن طريق الملاحظة والتقليد؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال:
قال: رسول الله ﷺ : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة
فأبواه يهودانه وينصرانه ويشرِّكانه ... » الحديث [١٤] ، كما أنه يمكن أن يكون
للأسرة دور في التأثير على بقية العوامل الأخرى التي تكوِّن الاتجاه كالمعتقدات
والمعلومات والحقائق.
٤ - المؤسسات التربوية:
تهدف المؤسسات التربوية - وعلى رأسها المدرسة - من جملة ما تهدف إليه
تكوين اتجاهات معينة لدى التلاميذ وإزالة وتعديل اتجاهات أخرى [١٥] ؛ فالمفترض
أن لا يقتصر دورها من خلال مقرراتها ومعلميها على تقديم المادة العلمية فقط؛ بل
لا بد أن تزرع في طلابها اتجاهات موجبة كالصدق والعفة والدقة في إنجاز العمل
والمحافظة على النظام والأمانة والاعتزاز بالدين، وأن تسعى إلى اجتثاث اتجاهات
سلبية كالتقليد والكسل والانطواء على الذات والهزيمة النفسية.
ونختم هذا العامل بالتأكيد على أهمية دور المعلم باعتباره قدوة لطلابه؛ فهو
من أبرز الشخصيات المؤثرة في حياة الفرد؛ فمن خلال فهمه والتزامه وتمسكه
بمبادئ دينه يمكن أن يؤدي إلى تكوين وتعديل اتجاهات لم تستطع بقية العوامل
الأخرى أن تكونها أو تعدلها.
٥ - وسائل الإعلام:
أصبح الكثير من الأفراد في هذه الأوقات على علاقة وثيقة بوسائل الإعلام
على اختلاف أنواعها، ولذلك أصبحت تؤثر بشكل كبير على تكوين وتعديل
اتجاهاتهم حتى أطلق عليها: «وسائل الإيحاء» ؛ ذلك أن بعض وسائل الإعلام
تقدم مواد إعلامية تؤثر في اتجاهات الأفراد عن طريق الإيحاء [١٦] ، وتتجلى لنا
خطورة هذه الوسائل - والاتجاهات السلبية التي تبنيها - على صغار السن؛ حيث
تزيد درجة تقبلهم واقتناعهم بتلك الاتجاهات أكثر من غيرهم دونما تمحيص ونقد.
٦ - المعلومات والحقائق:
إن المتأمل في الكتب التي تحدثت عن العوامل التي تؤدي إلى تكوين وتعديل
الاتجاهات يجد شيئاً من الاتفاق على هذا العامل، ويقصد بالمعلومات والحقائق تلك
المعارف التي تتجمع لدى الفرد من مصادر مختلفة عن موضوع الاتجاه؛ فهذه
المعلومات وتلك الحقائق تؤدي إلى تكوين اتجاهات معينة لدى الأفراد كما أنها
تساعد في تعديل وتغيير اتجاهات أخرى.
وقد ذكرنا سابقاً أن المكون الأول من مكونات الاتجاه [١٧] هو «المكون
المعرفي» حيث إننا إذا أردنا أن نكوِّن أو نعدل اتجاهاً لدى فرد فإننا نبدأ بإعطائه
معلومات وأحكاماً شرعية وحقائق موضوعية حول ذلك الاتجاه حتى نضمن اقتناعه
وتأييده لموضوع الاتجاه.
وأخيراً لا بد من الإشارة إلى عدد من النقاط المهمة على النحو الآتي:
النقطة الأولى: إن ترتيب العوامل المؤثرة في تكوين الاتجاه لم يكن وفق
أهميتها؛ فأهمية تلك العوامل تختلف من موقف إلى موقف آخر، ومن شخص إلى
آخر.
النقطة الثانية: ليس بالضرورة أن يكون الفاصل واضحاً بين المراحل الثلاث
عند تكوُّن الاتجاه، بل قد تحدث بشكل سريع يشوبه شيء من التداخل، أو قد
تحدث بشكل بطيء جداً لا يمكننا من خلاله ملاحظة تلك المراحل أو المكونات
بشكل دقيق.
النقطة الثالثة: أتمنى أن يكون هذا البحث المبسط مفتاحاً لأبحاث أخرى مهمة
في هذا المجال؛ فموضوع الرأي العام وتوجيهه وتغييره يحتاج إلى بحث ودراسة،
وكل عامل من العوامل المؤثرة في تكوين وتعديل الاتجاه يحتاج إلى دراسة مستقلة،
كما أن دور المعلم في تكوين وتعديل الاتجاهات يحتاج إلى دراسة مستقلة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء
والمرسلين.
стр. 3902
اقتصاديات
الصحافة الاقتصادية الإسلامية
د. زيد بن محمد الرماني
نشأة الصحافة الاقتصادية الإسلامية:
إذا كانت الصحافة الإسلامية قد نشأت منذ زمن طويل نسبياً؛ فإن الصحافة
الاقتصادية الإسلامية قد نشأت منذ قرابة ثلاثين سنة فقط، أي من عام ١٣٨٨هـ
(١٩٦٨م) ، وكانت البدايات خجولة جداً إلى حد أنها تمثلت في المقالة القصيرة
والرؤية المحدودة والدراسة المقارنة، ولم تكن خطوط الصحافة الاقتصادية
الإسلامية في تلك الفترة واضحة المعالم، ولا محددة الهوية؛ في الوقت الذي كانت
الصحافة الاقتصادية الغربية، وكذا العربية تشهد ازدهاراً وتألقاً، وكان لها كتّاب
ومحررون وصحفيون مستقلون اكتسبوا من خلال عملهم التجربة والخبرة والدراية
والحنكة الصحفية.
أما اليوم فإننا نرى نهضة قوية، ونسمع صوتاً واضحاً، ونقرأ صحافة
اقتصادية إسلامية، ونشهد معالم هذه النهضة واضحة في كثير من الدول؛ ففي
الكويت هناك مجلة «النور» الاقتصادية التي تصدر عن بيت التمويل الكويتي،
وفي مصر هناك مجلة «البنوك الإسلامية» التي تصدر عن الاتحاد الدولي للبنوك
الإسلامية، وفي الإمارات العربية المتحدة هناك مجلة «الاقتصاد الإسلامي» التي
تصدر عن بنك دبي الإسلامي، وفي المملكة العربية السعودية هناك مجلة «أبحاث
الاقتصاد الإسلامي» الصادرة عن المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي،
ومجلة «دراسات اقتصادية إسلامية» الصادرة عن المعهد الإسلامي للبحوث
الاقتصادية والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية بجدة، وفي المغرب هناك
صحيفة «اقتصادنا» الصادرة عن الجمعية المغربية للاقتصاد الإسلامي، وفي
بريطانيا هناك مجلة «الدولية للاقتصاد الإسلامي» الصادرة عن الجمعية الدولية
للاقتصاد الإسلامي.
وإضافة إلى ما سبق هناك الصحف والمجلات المتخصصة في الشؤون
الإسلامية التي تهتم بأخبار العالم الإسلامي، وتعالج المشكلات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية معالجة إسلامية مستنيرة، والتي تفرد في صفحاتها أبواباً خاصة
بالفتاوى والأحكام الفقهية، والرد على أسئلة القراء واستفساراتهم فيما يتعلق بأمور
دينهم وقضاياهم الاقتصادية، وعلى سبيل المثال هناك مجلة الإصلاح (الإصلاح
الاقتصادي) ، ومجلة المجتمع (المجتمع الاقتصادي) ، ومجلة الدعوة (الملحق
الاقتصادي) ، ومجلة الوعي الإسلامي، ومجلة الخيرية، ومجلة منار الإسلام،
ومجلة المستقبل الإسلامي، ويمكن أن نضيف أيضاً المجلات الاقتصادية
المتخصصة الأخرى مثل: مجلة تجارة الرياض، ومجلة الأسواق، ومجلة الأموال،
ومجلة اقتصاديات السوق العربي، ومجلة البيئة، وصحيفة المؤشر، وصحيفة
الاقتصادية، حيث تفرد هذه المجلات والصحف مجالاً رحباً للمساهمات الاقتصادية
الإسلامية، وتُجري بعض الحوارات واللقاءات والتحقيقات حول القضايا الاقتصادية
الإسلامية الحساسة.
وهناك جمعيات اقتصادية إسلامية تسهم بشكل بارز في مسيرة الصحافة
الاقتصادية الإسلامية من حيث عقد الاجتماعات السنوية، وإقامة المؤتمرات
والندوات والمنتديات وحلقات النقاش الفكرية الحوارية الاقتصادية، وإصدار
مجموعة من المجلات والصحف والنشرات والمطبوعات والكتب والسلاسل
الاقتصادية من مثل: الجمعية الدولية للاقتصاد الإسلامي، والجمعية المغربية
للاقتصاد الإسلامي، وجمعية الاقتصاد الإسلامي، ونادي الاقتصاد الإسلامي،
والجمعية العربية للبحوث الاقتصادية، وجمعية الاقتصاد السعودية.
كما أن وجود أقسام علمية أكاديمية تحمل لواء الاقتصاد الإسلامي أسهم في
نهضة الصحافة الاقتصادية الإسلامية من خلال أقلام أكاديمية متخصصة تشارك
بكتابة الزوايا والأركان والرؤى الاقتصادية، وتُشخِّص الواقع الاقتصادي، وتطرح
بعض وسائل المواجهة والعلاج للمشكلات الاقتصادية الراهنة؛ فهناك على سبيل
المثال: قسم الاقتصاد الإسلامي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقسم
الاقتصاد الإسلامي بجامعة أم القرى، وشعبة الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر،
وشعبة الاقتصاد الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز.
ويسهم إلى جانب ما سبق - في مسيرة الصحافة الاقتصادية الإسلامية - أيضاً
ما يلي:
١ - مراكز البحوث الاقتصادية الإسلامية مثل: وحدة بحوث الاقتصاد
الإسلامي بجامعة الإمام محمد بن سعود، ووحدة بحوث الاقتصاد الإسلامي بالمعهد
العالي للفكر الإسلامي، ومركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز،
وشعبة الدراسات والأبحاث بمجموعة دلة البركة، والمعهد الإسلامي للبحوث
الاقتصادية والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية.
٢ - المصارف والبنوك الإسلامية، بما تضمه من هيئات رقابة شرعية، وما
تصدره من مطبوعات ونشرات ومطويات ومطبوعات، وما تقيمه من ندوات
ومؤتمرات، وما تحويه من إدارات متخصصة في شؤون الفتوى والتدريب ودراسة
القضايا المصرفية الإسلامية ومستجدات العصر، مثل: بيت التمويل الكويتي،
بنك دبي الإسلامي، البنك الإسلامي للتنمية، شركة الراجحي المصرفية للمعاملات
الإسلامية، مجموعة دلة البركة، الشركة الإسلامية للاستثمار، مصرف فيصل
الإسلامي، دار المال الإسلامي، والاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية.
٣ - الغرفة الإسلامية للتجارة والصناعة وتبادل السلع بكراتشي؛ ومجهوداتها
في التنسيق بين غرف التجارة والصناعة في الدول الإسلامية وكذا بين رجال
الأعمال المسلمين، وإصداراتها ومطبوعاتها ونشراتها، أسهمت بشكل طيب في
ميدان الصحافة الاقتصادية الإسلامية.
كل ذلك، وغيره، يعتبر معالم هداية، وإشارات بارزة ذات دلالة على وجود
صحافة اقتصادية إسلامية جيّدة ومنافسة وفاعلة وإيجابية لها روادها المتميّزون،
وإسهاماتها البارزة، ومشاركاتها الفاعلة، وأهميتها الواضحة، وهمومها الخاصة،
وتحدياتها وآثارها ومستقبلها المشرق.
خصائص الصحافة الاقتصادية الإسلامية:
نعرض فيما يلي بعضاً من خصائص الصحافة الاقتصادية الإسلامية وسماتها
المحدِّدة لهويتها المميِّزة لمنهجها، المبيِّنة لملامحها، الموضحة لمعالمها الأساسية،
وذلك بشيء من الاختصار والإجمال، على النحو الآتي:
١ - رفع لواء «الإسلامية» والدعوة إليه.
٢ - المناداة بشعار «الشرعية» فيما يحرر.
٣ - الهدوء والسكينة فيما يُناقش.
٤ - الرويّة والتحري فيما يُعرض ويُنشر.
٥ - التوثق والتبيّن فيما يُكتب.
٦ - المصداقية، والواقعية، والتشويق الهادف، والإثارة المعتدلة وهذه من
أهم سمات الصحافة الاقتصادية الإسلامية وأهدافها.
٧ - تغطية أخبار العالم الإسلامي الاقتصادية.
٨ - متابعة الأحداث الاقتصادية المهمة المختلفة.
٩ - الاعتدال عند عرض مجهودات الباحثين ونتاجهم.
١٠ - كشف الأباطيل والشبهات والمغالطات والرد عليها، وتفنيد افتراءاتها
وأكاذيبها، وتقديم البديل المناسب.
معوقات الصحافة الاقتصادية الإسلامية:
تجابه الصحافة الاقتصادية الإسلامية مجموعة من العقبات والعوائق،
وتعترض طريقها بعض الصعوبات والمشكلات، وعلى سبيل المثال:
١ - غياب التنسيق المشترك فيما بين المجلات الاقتصادية المتخصصة.
٢ - عدم تبادل الأخبار والأحداث الاقتصادية بين المجلات المختلفة.
٣ - افتقاد مركز معلومات موحّد للمجهودات والنشاطات المشتركة.
٤ - البعد الجغرافي الذي صعّب عملية التبادل والتعاون.
٥ - قصور الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، وربما محدودية نطاق أعماله
ومشروعاته.
٦ - ضعف المنافسة بين الصحافة الاقتصادية.
٧ - حاجة الصحافة الاقتصادية الإسلامية إلى المصداقية أكثر.
٨ - افتقاد عنصر التشويق في الصحافة الاقتصادية الإسلامية.
٩ - غياب عنصر الإثارة الصحفية المنضبطة في الصحافة الاقتصادية
المختلفة.
١٠ - ضعف التغطية الإخبارية لأحداث العالم الإسلامي الاقتصادية.
استشراف المستقبل:
أتحدث هنا عن استشرافٍ مستقبلي للصحافة الاقتصادية الإسلامية من خلال
محاور ثلاثة:
أ - محور الخبر الصحفي.
ب - محور الحدث الاقتصادي.
ج - محور الانتشار الإعلامي.
- فبالنسبة لمحور الخبر الصحفي فإني أتطلع مستقبلاً إلى طرح صحفي
اقتصادي متميز يستفيد من خبرات الآخرين ونتاجاتهم، وينتهج أسلوباً إسلامياً
شريفاً سليماً من الانتقادات والملاحظات؛ بحيث يتقبل النقد والتقويم، ويقدِّم البدائل
المناسبة، ويفتح الباب للنقاش الهادئ، والحوار الهادف، ويقدم للصحافة
الاقتصادية محلياً وعالمياً أنموذجاً مثالياً واقعياً رائداً.
- وبالنسبة لمحور الحدث الاقتصادي فآمل أن توليه الصحافة الاقتصادية
الإسلامية عناية مناسبة واهتماماً خاصاً، من حيث جودة التغطية، وحسن التحليل
والتوصيف، ومناقشة الأبعاد المختلفة لكل حدث اقتصادي، واستشراف الأسباب
والآثار والمشكلات والعقبات والصعوبات، ومن ثم تقديم الحلول والمعالجات
المتناسبة مع كل حدث، وصولاً إلى رؤية شمولية تكاملية مستهدفة.
- أما محور الانتشار الإعلامي فإنه يتوقف على المحورين السابقين؛ فكلما
كان الخبر الصحفي الاقتصادي الإسلامي قوياً ورائداً، وكلما كان الحدث الاقتصادي
خاضعاً لمعايير تحليلية علمية كان الانتشار الإعلامي والقبول الفكري متطابقاً، من
أجل توافق حقيقي مع مستجدات العصر وقضايا الساحة.
ولأني لا أحب النظرة السوداوية المتشائمة فإني أنظر إلى الصحافة الاقتصادية
الإسلامية في المستقبل من خلال نظرة متفائلة رحبة؛ وخاصة أن مؤشرات النجاح
والانتشار لتلك الصحافة تتقدم خطوة خطوة، وتزداد مع الزمن وضوحاً وقبولاً،
وكفاءة وكفاية، وفعالية وفاعلية.
стр. 3903
المنتدى
اللدغات الخفية
سعود الصاعدي
حاولت كثيراً أن أتوقَّى خطره، وأهرب من لدغاته، ولكن أنَّى لي ذلك؟
وهو ينام في جحر فمي، وسُمُّه يسيل مع لعابي، وقلَّما خرج وما لدغ!
إنني أشعر بلذة أثناء سريان سُمِّه في عروقي، ولكنَّها لذةٌ مؤقتة تعقبها آلامٌ
وندامة، فهل يجدر بي أن أقدم لذة قصيرة تزول في لحظات لأخسر عقب ذلك لذة
الإيمان الدائمة مع لذة الصمت الهادئة الوقورة؟
إن الإنسان يظنُّ أن سعادته في كثرة حديثه؛ فتجده يحصد بمنجل لسانه
الأخضر واليابس، ويلتقط الكلمات دون حساب وبلا مراقب من نفسه أو من
ضميره؛ فتكثر سقطاته وتزيد عليه عثراته، وقلَّما سلم إنسانٌ من عثرة لسانه.
حقاً؛ فاللسان ثعبانٌ يلدغ صاحبه وإن لم يشعر بذلك، وسُمٌّ يسري فيملأ القلب
حتى يميته، ولهذا فإن أكثر الذين ماتت قلوبهم هم أولئك الذين يتحدثون كثيراً بلا
رقيب، وأولئك الذين يقعون في أعراض الناس فينهشون لحومهم في غيبتهم.
إن جل الناس لإن لم يكن كلهم في هذا الزمان يرتاع ويَفْرَق إذا ما رأى ثعبانا
يزحف على الأرض يسيل من نابيه لعابه القاتل متجها نحو فريسته , بل إن الحديث
عن عالم الثعابين والحيَّات وكل الزواحف القاتلة تبعث في النفس اضطرابة ما تلبث
أن تزول، وفي القلب فزعاً لا يطول، ولكنَّهم يغفلون عن تلك الثعابين التي تنطوي
على سمومها في أفواههم، ولا يفرقون أو يرتاعون أو يفزعون؛ وهم يَفْرُونَ لحوم
الناس ويلوكون بها كل حديث ينال الأعراض الغافلة، ويمسُّ النفوس التي يغطُّ
أصحابها في غفلة عن منتديات الناس ومجالسهم.
قد لا ندرك خطر اللسان أثناء الحديث؛ لأن تلك الحلاوة المؤقتة التي تشعرنا
بالبهجة أثناء الحديث تكون غطاءاً سميكاً لا نُبصر من خلاله الخطر الذي ينتظرنا
عاقبة لذلك الحديث الذي اختلط سُمُّه بدسمه، ولكن الحقيقة هي أن كل كلمة تمثل
لدغة سامة؛ إما أن تكون قسوة في القلب، أو ظلمة في القبر.
إننا عندما نتصور أن كل كلمة سيئة إنما هي نهشة أو لدغة في أجسادنا تكون
حقيقتها عند ضجعة الموت؛ فإن ذلك من شأنه - كل الشأن - أن يبعدنا عن حصاد
الألسن المذموم حتى وإن تلذذنا أثناء ذلك المخدر الذي يصبه إبليس في قلوبنا عند
معمعة الأحاديث وفي خضم الجلسات الساهرة في لحظة من لحظات الإقبال؛ تلك
التي تستفزُّ القلب، وتحلق به في فضاء الأخلاق؛ عقدتُ العزم أن أتوقَّى خطر
لساني، ولا سيما خطر الغِيبَة التي أصبحت مثلبة منتشرة في المجالس، فكانت
النتيجة أنه لم يمض يومٌ واحد فقط حتى أزَّني أحدهم إلى الحديث الآثم أزّاً!
فأنت عندما تَسْلَمُ بنفسك فإنك لا تَسْلَمُ من صديقك الذي يدفعك للحديث بكل قوة!
وعندما تسلم من صديقك فإن سمعك لا يسلم - أيضاً - من سماع الغِيبَة، وأنفك لا
تغيب عنه روائحها المنتنة؛ فاللهم لطفك!
ربما تخجل وتشعر بمرارة أو ألم إذا ما صدَّك أحد أصدقائك عن غِيبَة أحد؛
ولكنك ستحمده فيما بعد؛ لأن من صبر على الدواء العلقم كان له بلسماً وشفاءاً.
وأخيراً ...
هل نقف أمام هذا السيل الهادر من غثاء الألسنة؟ !
وهل نتنبّهُ لتلك اللدغات القاتلة التي لا نعيرها اهتماماً كما يهتمُّ أحدنا
بالاحتراس من لدغة ثعبان، أو لسعة زنبور أو عقرب؟
احفظ لسانك أيها الإنسان ... لا يلدغنَّك إنَّه ثعبانُ
كم في المقابر من قتيلِ لسانهِ ... كانت تهاب لقاءه الشجعانُ
стр. 3904
المنتدى
من مكايد الشيطان
الربيع بن إبراهيم مليحي
إن المتأمل لكتاب الله - جل وعلا - ولسنَّة المصطفى ﷺ
ليجد التحذير الشديد من كيد الشيطان ووسوسته وسائر خططه في إضلال البشر
وغوايتهم.
قال - تعالى - مبيناً شدة عداوة الشيطان لبني آدم: [قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي
لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ
وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ] (الأعراف: ١٦-١٧) . وقال صلى الله
عليه وسلم كما روى سبرة بن أبي الفاكه: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطراقه،
فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتُسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟ فعصاه
فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك؟ وإنما مثل
المهاجر كالفرس في الطِّوَل فعصاه فهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: تقاتل
فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال؟ فقاتل فعصاه فجاهد» [١] .
ومع النصين السابقين تلتقي بقية النصوص المحذرة من كيد الشيطان ليتبين
من خلال ذلك أن الشيطان لن يترك طريقاً للشر إلا سلكه مزيِّناً له ومرغباً فيه،
وكذا لن يترك طريقاً للخير إلا سلكه مقبِّحاً له ومنفراً عنه.
وللشياطين في غواية الخلق وصدِّهم عن الصراط المستقيم مكايد كثيرة يعجز
عن إدراكها العقل، ويكلُّ عن عدِّها الحصر، تتجدد بتجدد الزمان، وتتلاءم مع
الظروف والمكان؛ فتحبب إلى القلوب المريضة الكفر والفسوق والعصيان، ولا
حول ولا قوة إلا بالله، ومنها: «الشيطان يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه»
قال ابن القيم ﵀: «ومن كيد عدو الله أنه يخوف المؤمنين من جنده
وأوليائه فلا يجاهدونهم ولا يأمرونهم بالمعروف ولا ينهونهم عن المنكر؛ وهذا من
أعظم كيده بأهل الإيمان؛ وقد أخبر الله بهذا فقال: [إِنَّمَا ذَلِكُمُ
الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوَهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران:
١٧٥) .
المعنى عند جميع المفسرين: يخوفكم بأوليائه، قال قتادة: يعظِّمهم في
صدوركم. ولهذا قال: [فَلاَ تَخَافُوَهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران:
١٧٥) ، فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف
إيمانه قوي خوفه منهم» [٢] .
لقد ربط ابن القيم ﵀ من خلال نظره في الآية بين الإيمان
الصادق والخوف من الله - تعالى - حيث يدل كل منهما على قوة الآخر، بمعنى
أن قوة الإيمان دليل واضح على شدة الخوف، وشدة الخوف دليل واضح على
صدق الإيمان، وهي معادلة إيمانية أشارت إليها الآية الكريمة، وفهمها السلف
الصالح واستفادوا منها في بناء صرح الإيمان في قلوب الناشئة مما كوَّن لديهم جيلاً
مؤهلاً لقيادة الأمة فقادوها خير قيادة؛ حتى إذا انقرض ذلك الجيل الذي يستنير
بنور الوحي، وحانت ساعة الصفر لبداية العد التنازلي انهارت القيم والقمم تبعاً
لانهيار الإيمان، فخلف من بعد أولئك خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات،
فجرَّتهم جاذبية المال وبريق المناصب إلى متاع زائل، فأخلدوا إلى الأرض؛ فهم
يلهثون وراء ملذاتهم وشهواتهم قد بسطوا أيديهم يحرسون أباطيل المجرمين،
ويسوِّغون شطحات المنافقين ينتظرون عظماً سميناً أو مرماتين حسنتين، قد باعوا
دينهم بدنيا غيرهم؛ فهم سفلة الناس. انسلخ هؤلاء من لباس التقوى فخافوا غير الله
ففقدوا إشراقة الوحي فعاشوا بين الناس بميزان مقلوب، يرون النجاةَ في الكذب
والهلاكَ في الصدق، شعارهم في الحياة: (نافق تعش) وحكمتهم المأثورة:
(توزيع الظلم على الناس عدالة) الجبن عندهم حكمة، والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر تأليب، والنقدُ البنَّاءُ سخرية، والنصيحة فضيحة، وهكذا صعد هؤلاء سلم
الشهرة على أكتاف الآخرين عندما نصّبوا أنفسهم خصوماً لدعاة الإصلاح،
فصدُّوهم عن قول الحق بعد أن كبلتهم مقامع الدينار؛ فهم الذين يبخلون جبناً
ويأمرون الناس بالبخل صدّاً. فما أقبح صنعهم وقد جمعوا بين منكرين عظيمين يوم
سكتوا عن المنكرات وصدُّوا غيرهم عن تغييرها! فإلى هؤلاء سرت صرخة ذلك
الشاعر الغيور يوم خاطب أمثالهم قائلاً:
أقلُّوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدُّوا المكان الذي سدُّوا
стр. 3905
المنتدى
قلوبٌ سماوية
خالد بن أحمد الشاجري
إلى اللقاء وفي الجنات لقيانا ... شوقاً إليك وأرجو الله رضوانا
أودعته الرمس والأخرى أسير بها ... تبكي عليك وتأبى عنك هجرانا
سألتها وسياط القلب حارقة ... والعين ترمقها شوقاً وتحنانا:
ماذا البكاء؟ أليس الله خالقها ... والله يقبلها فضلاً ورضوانا؟
فكفكفتْ دمعها والوجد يخنقها ... وأنشدت ألماً شعراً وأوزانا
سرنا جميعاً لنشر الحق في زمنٍ ... الكفر أفسده ظلماً وطغيانا
فكم جبالٍ صعدناها وقد لبست ... من الثلوج سرابيلاً وأردانا
وكم قفار نخوض الموت نرصده ... فيها، ثباتاً وتصديقاً وإيماناً
وكم إلى البيت سرنا ليس يدفعنا ... إلا الثوابُ ... وكم شدت مطايانا
وكم سعينا إلى ثكلى وأرملة ... تريك من همها المدفون أحزانا
وكم وقفنا بجنح الليل يؤنسنا ... آيُ الكتاب وعينُ الله ترعانا
وكم عهودٍ قطعناها بأن نبقى ... على الطريق أحباءاً وإخوانا
ثم انقضى بعد هذا نحبها أترى ... سأحفظ العهد؟ أم حان الأسى حانا
стр. 3906
المنتدى
أمة في سُبات
عبد الله موسى بيلا
أسدل الليل ثوبه مثل تُرسٍ ... حجب النور بين يومي وأمسي
ظنَّ أنّي سأجتدي منه فضلاً ... لأرى الدرب والسبيل لنفسي
فجثا الهَمُّ فوق قلبي.. وأمسى ... يزرع الشّجوَ في مراتع أُنسي
أدركوني فإنَّ همِّي ثقيلٌ ... ! ... كيف أنجو من اضطهاد وحَبسِ؟
كيف أسمو إلى العلا؟ والمعالي ... لا تَسَنَّى سوى لطالبِ قعسِ
حازم الفِكرِ ... إن أشارَ برأيٍ ... وافقَ الشرع، لا يُعَلُّ بلَبْسِ
إن دهى الحربَ أضحت الحرب نهراً ... أحمرَ اللونِ قانياً مثل وَرْسِ
ذاكَ نرجو لِعِزَّةِ الدين دهراً.. ... بَلْسَم الجُرْحِ ذي ولاءٍ ونُطْسِ
أُمة العزّ ... إنَّ مجدك باقٍ ... ليس يُمحى ولا يزول بِطَمْسِ
قد صَنَعْنا بأمسنا صَرْحَ مَجْدٍ ... لبس الدهرُ فيه أحسن لِبسِ
ذلَّت الرومُ يوم كان وخارت ... قُوَّة الشرِّ من صليب وفرسِ
بدَّل الخلق دينهم بحُطامٍ ... من متاعِ الحياةِ ... رِجْزٍ وبَخْسِ
فَلكَمْ وُلِّيَت أمورٌ لِقومٍ ... آثروا النوم ... تِلك همة جِبْسِ
ارتضوا الذُّلَّ والهوانَ فأضحوا ... تَبَعاً للعَدُوّ تحت الدِّرَفْسِ
أمتي ... هل أصاب منك وعيدي؟ ... هل سَمِعْتِ الصُّراخ مِنِّي وهمسي؟
توّج الله أمتي تاج حُكمٍ ... وَوَقارٍ يُضيء ليلة غَلسِ
أمة المجد.. إنَّ نصراً سينفي ... كلَّ غاوٍ.. وزاهدٍ فيكِ نِكْسِ
نَقِّلي الطَرْف في طلولِ الخوالي ... من قرونٍ ... فذاك أعْظَمُ دَرْسِ
стр. 3907
المنتدى
أخي الحبيب.. هل أعذرنا إلى الله ؟ !
رضا محمد فهمي
كثير أولئك الذين يتألمون لواقع أمتهم فيغشاهم الإحباط كلما سمعوا خبراً هنا
أو هناك، ومنهم الذين ألقوا التبعة عن كاهلهم وكأنهم قد أعذروا إلى الله. وقليل
أولئك الذين يَعدُّون أنفسهم من أسباب ما حلَّ بأمتهم من بلاء - كل حسب موقعه وما
هو عليه من ثغر - فقاموا ونهضوا، والأمل يملأ قلوبهم في التغيير والإصلاح.
قلت لأحدهم - وقد أطال الدعاء بعد ختم الصلاة -: ماذا تفعل؟
قال: وهو مسبل عينيه الدامعتين: أستعين بالصبر والصلاة (الدعاء) .
قلت له: علامَ؟
قال - وهو مستنكر لسؤالي -: على التبعة الملقاة علينا؛ فقدري وقدرك أننا
أتينا في زمنٍ الكلمةُ فيه كثيراً ما تكون لغير أهلها، يريد الله أن يتوب علينا،
ويريد الذين يتبعون الشهوات أن نميل ميلاً عظيماً، وقد خلقنا ضعافاً فلا بد أن
نستعين.
قلت: وما عساك أن تفعل؛ فهم يجنون الثمار وما لنا خيار؟
قال: أَعْذِر إلى الله.
قلت: في لهفة: وكيف يكون الإعذار؟
أخذ يستنشق الهواء ويقول: ما أطيب نسيم الفجر وضياءه بعد الظلام!
تسألني: كيف يكون الإعذار؟
نزيل الغبار عن غايتنا في هذه الحياة، ونجعلها نصب أعيننا منذ بداية العام،
وغايتنا هي: رضا الله والفوز بالجنان.
قلت له: وهذه أيضاً غايتي، ولكنها تنجلي في رمضان بالصوم، وكثير
القيام.
قال: اسمعني؛ فما عدت أجيد المراء! ألم يُلعن بنو إسرائيل لأنهم لم يتناهوا
عن منكر فعلوه؟
قلت: بلى!
قال: فلنتناهَ عن المنكر ولنأتمر بالمعروف، ولنتناصح في مجالسنا وزياراتنا
وتلاقينا وتهاتفنا؛ وإلا فنحن سبب من أسباب محنتنا. ألم نؤمر بوقاية أنفسنا
وأهلينا من النيران؟
قلت: بلى!
قال: والثقة - والتصميم ينبعان من عينيه -: فلنقم بواجبنا في بيوتنا توجيهاً
وتعليماً ببرامج محددة وخطة منظمة لا إفراط فيها ولا تفريط، نكون قدوة في
تنفيذها، وإلا فسنندم عندما يسبقوننا إليهم، ولات حين مندم.
ألم ينهنا ربنا عن الظلم حتى لمن نبغض؟
قلت: بلى! قد قال ربنا: [وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا
هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] (المائدة: ٨) .
قال: فلنزن الناس بمبادئ ثابتة يمليها علينا الحق بعيداً عن سوء الظن
والأهواء، ولنلفظ الوشاة خاصة إذا ولينا أمراً للمسلمين، وإلا كنا سبباً من أسباب
محنتنا.
بذلك - والقرآن خير معين - نعذر إلى الله، ولنستعن: [بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ]
(البقرة: ٤٥-٤٦) .
стр. 3908
المنتدى
وما أسمعت ..
ضياء عبد الخالق ثروت
ظلام الليل يمضي بعد حينٍ ... وليل ظلامنا بالظّلم يترى
ودمع أنيننا يسري رنيناً ... دماء جراحنا تنسال نهرا
ويا ويلٌ، ويا ويلاهُ منّا ... غَدوْنا بالأسى حجراً وصخرا
ونحن كأمةٍ صرعى ضياعٍ ... تشتت شملنا سِرّاً وجهرا
فصمتاً يا يراع الحقّ صمتاً ... وصبراً يا أنين النبض صَبرا
وما أسمعت إن ناديت حيْاً ... سقى آذانه صمَماً ووقرا
وتباً للجبان إذا توارى ... وقُبحاً للشجاع يصيرُ فأرا
وبئساً للحياة بغير بأسٍ ... وتعساً للوجود سُدىً وحَسرى
عسى الرحمن يهدينا لفجرٍ ... ويشرق نوره في العُسْرِ يُسْرا
стр. 3909
المنتدى
ردود
* الإخوة والأخوات: محمد بن غازي الطيب، أمين نعمان الصلاحي،
يوسف الصديق، عبد الله بن حسين الغنام، أبو عبد الملك، الأخت أم أحمد:
وصلتنا اقتراحاتكم وملاحظاتكم وثناؤكم. والمجلة تقدر لكم تواصلكم الكريم،
وترجو الله أن تكون عند حسن الظن، وما أبديتم من ملاحظات واقتراحات محل
الاهتمام والتقدير، بارك الله فيكم.
* الإخوة والأخوات: أحمد حسبو، حفيظ الدوسري، أبو بكر عبد القادر
سيسي، محمد القرني، عثمان بن عبد آل عبد الله، الزبير مهداد، محمد
الحسناوي، عبد الله الطنطاوي، عبد الله عيسى السلامة، صالح علي العمري،
إسماعيل عمار، عبد الله عزام المطيري، محمد الصادق مفلس، هاني عبد الله آل
ملحم، خالد الوقيت، إبراهيم فهد المشيقح، محمد بن صالح السويد، د. عبد
المحسن عبد العزيز العسكر، سليمان بن عبد الله الطريم، وفاء بنت عبد الله، أم
أسامة: سعدنا بتواصلكم الكريم، ونفيدكم بأن مشاركاتكم مجازة للنشر، آملين دوام
التواصل.
* الإخوة: عبد الحميد بريكة، غازي المهر، محمد بن صالح اليوسف،
محمد بن ذعار العوفي، محمد الباشا، ممدوح القديري، خالد الهديب، أحمد بن
حسن الشقبيل، أسامة أنور عيسى، عبد الحميد بن حمد، عبد السلام كامل عبد
السلام، علي بن محمد آل بواح، وليد مصطفى، بدر بن مرزوق العضياني:
وصلتنا مشاركاتكم، ونشكر لكم تواصلكم الطيب مع مجلتكم، ونفيدكم بأنها مجازة
للنشر في المنتدى.
* الإخوة والأخوات: محمد محمد بدري، عبد الرحمن الهادي العمري،
محمد القرني، إسماعيل ابن سعد آل إسماعيل، حسين سالم الخلاقي، سعود
الصاعدي، رأفت يوسف، حسن عبد الحفيظ أبو الخير، حسين إدريس حامد،
تركي محمد الحميداني، العنود بنت عبد الله: نرجو التكرم بإفادتنا بوسيلة اتصال
خاصة حتى نتمكن من مراسلتكم.
стр. 3910
الورقة الأخيرة
من ينهض بالإعلام ؟
د. أحمد بن عبد الرحمن الشميمري
إن من يتتبع تاريخ نشأة الإعلام في بلادنا العربية يتبين له جلياً أن البدايات
كانت على يد الغرب المستعمر الذي سخر الوسائل الإعلامية المتعددة والأساليب
الإخبارية المختلفة لخدمة أهدافه، وتعزيز سيطرته، وفرض نفوذه وسلطته،
واستمر الحال على هذا المنوال حتى بعد أن استقلت تلك المنابر الإعلامية،
وصُبِغَت بالوطنية والمحلية لكنها لم تبرح تقلد الغرب وتحاكيه وتسير على نهجه
وطريقته، ولم تكن منطلقات الإعلام وأهدافه يوماً ما تَمُتُّ بصلةٍ لخدمة قضايا
الأمة، وتحقيق أهدافها، أو ترتبط بتراثها الأصيل وثقافتها السامية.
وعلى هذا فقد بُني الإعلام العربي في الغالب لخدمة الغرب ومبادئه، وغلب
عليه الانفصام بين الدين والدنيا، والبعد عن الأصالة، والإيغال في التقليد الأعمى،
وسرى هذا الداء إلى أغلب الوسائل الإعلامية من إذاعة وتلفاز ومسرح وسينما
أبدعت في تشتيت هوية الأمة، وإهدار فكرها، وتمزيق وحدتها، وإفساد أخلاقها.
وإذا نظرنا إلى جهود المصلحين الغيورين على مستقبل أمتهم نجدها بدايات
متواضعة واجتهادات بسيطة لا ترقى إلى ما وصلت إليه جهود الدعوة من تنظيم
وإمكانات هائلة تمكنها من الاضطلاع بمهام إعلامية أكثر تأثيراً، وأوسع انتشاراً.
إننا لم نزل نعتمد على وسائلنا التقليدية القديمة، ولم ننفك نقدم الأساليب نفسها
في العرض والتقديم، بل لم تبرح بعض فئات الخير تتساءل عن مدى شرعية
بعض الوسائل ومدى قبولها أداة لنشر الخير والدعوة إليه، كما أننا لا نزال نحلم
بميلاد صحيفة إسلامية المنطلق والمحتوى والتوجه، ولم نبرح ننتظر (أعمالاً فنية)
تغرس في نفوس الشباب مبادئ الفضيلة وحب الخير، ولم نفتأ نحلم بقناة إذاعية
تعكس هموم الواقع المسلم وتنقل أخبار المسلمين بكل شفافية وتجرد، وأخشى أن
نظل نحلم طويلاً بقناة فضائية تكون سحابة خير في هذه السماء التي لوثتها قنوات
الهدم والإسفاف.
إن الأمة لا تفتقر إلى متخصصين، ولا ينقصها مؤهلون لكن الذي يكبلها
ويقتل الإبداع والطموح والإنجاز في مجتمعاتها أمران ظاهران:
أولهما: أن أهل الخير والمحسنين لا يزالون يعتقدون أن أبواب الإنفاق
والتصدق والبر ينبغي ألاَّ تخرج عن مصارفها التقليدية التي اعتادوا عليها وألفوها،
وأن دعم العبارة المكتوبة، والكلمة المسموعة، والصورة المرئية، في الوسائل
الإعلامية الحديثة لا ترقى بأي حال من الأحوال إلى مصاف أعمال البر العظيمة
ووجوه الإنفاق الخيِّرة..!
أما العائق الثاني: فإنه يكمن في حجب الثقة والنظرة المتواضعة لقدرات أبناء
هذه الأمة وشبابها، وأول المسؤولين عن هذا الإحباط أولئك المتنفذون والمسؤولون
عن المؤسسات الإسلامية والمشرفون على وضع خططها وبرامجها الذين لا يزالون
يعتقدون أن الوصاية تقتضي قياس قدرات الناس بحسب توجهاتهم ودرجة ولائهم؛
وما عدا ذلك من قدرات فإنها مدار شك ومجال استفهام، وإلى أن نتجاوز هذين
العائقين سنظل نحلم ونبقى نحلم في إعلام إسلامي فعَّال!
стр. 3911
ربيع الأول - ١٤٢٢هـ
يونيو - ٢٠٠١م
(السنة: ١٦)
стр. 3912
كلمة صغيرة
تغيير الصورة بالفعل لا بالقول
نشرت الصحف مؤخراً خبراً عن الحكومة الأمريكية حول رغبتها في تحسين
صورتها في العالم، وذلك عن طريق تطويل بث (صوت أمريكا) لأربع وعشرين
ساعة. والحقيقة أن الصورة التي وصلت إليها الولايات المتحدة الأمريكية في العالم
بعامة، والعالم العربي والإسلامي بخاصة بلغت الحضيض بسبب الموقف العدواني
الذي تقفه من أمتنا سواء بالممالأة لعدونا الصهيوني وتأييده في عدوانه المستمر
والدفاع عنه في كل الأحوال، أو بالموقف المعادي للإسلام سواء بجعله والمنتمين
له قرين الإرهاب، والعمل على الإيقاع بالمنتسبين إليه ولو كانوا يحملون الجنسية
الأمريكية بأساليب ملتوية ليس أقلها استخدام الأدلة السرِّية ليدان بها الفرد بمجرد
الظن؛ مما جعل المسلمين في أمريكا محل الاتهام الفوري والمطاردة عند طروء أي
حادث على سطح المعمورة، وقبل أي تحقيق أو ظهور أدنى دليل.
ومعاناة المسلمين من هذه النظرة القاهرة والسياسة الخرقاء جعل أمريكا محل
كره أمتنا ومقتها لها بعامة، وهذا ما أشار إليه الإعلام العربي في الآونة الأخيرة
بدون استثناء داعياً لتغيير تلك الصورة النمطية، وهذا بلا شك - وحتى إن لم
يتغير للأحسن - سينعكس على أمريكا بالخسران حينما تقوم الشعوب بالمقاطعة،
وهذا مطلب شعبي حيال تلك المواقف غير المسؤولة.
وفي نظرنا أن إصلاح تلك النظرة ليس بزيادة البث الإذاعي ولا حتى
التلفازي؛ بل بالموضوعية في الرأي واحترام المشاعر الإسلامية، وتقدير الكم
الهائل من العرب والمسلمين الذين دفعتهم الظروف للانتماء لذلك البلد، وبوقوف
أمريكا موقفاً محايداً على الأقل حيال التصرفات العدوانية للصهاينة الذين استبدوا
وأفسدوا وعربدوا بالحماية الأمريكية ليس إلا، وكذلك بالخروج من دائرة التناقض
حيث تدَّعي أمريكا الديمقراطية، وإيمانها بحق تقرير المصير للشعوب، وحماية
حقوق الإنسان، وهي بمواقفها تدوس على تلك القيم وتضرب بها عرض الحائط؛
فهل يعي الأمريكان تلك الحقائق، وهم أحرص الناس على مصالحهم، أم يضنون
بها؟ ثم ماذا يبقى من مصداقيتهم المزعومة؟
стр. 3913
الافتتاحية
«الخسار» الاستراتيجي ! !
من الأمور النادرة أن تتفق كلمة الدول العربية على قضية ما؛ فهم برغم
عوامل الوحدة ونقاط الاتفاق التي تجمعهم، إلا أنهم أبعد الناس عن الاتفاق والتوافق،
لا على مستوى القضايا التي ترتبط بدول غير عربية، بل فيما بين الدول العربية
ذاتها.
ويتفق الجميع على أن هذه الظاهرة لا خلاف عليها، فلا التشريعات واحدة،
برغم أن دينهم واحد، وهو الإسلام، ولا المناهج التعليمية أو الثقافية واحدة رغم
وحدة اللغة، ولا الرؤى والتصورات السياسية متقاربة رغم وحدة المكان والمصير
المشترك! ! بل لقد تحولت الأمة العربية إلى كيانات متباينة خارج كيان «جامعة
الدول العربية» التي لم تستطع أن تجمع بينهم في أي قضية، وأصبح لكل كيان
منها أنظمته وسياساته المستقلة التي لا تتفق مع الكيان الآخر لا في أنظمته ولا
سياساته! !
رغم ذلك لم تكن حالة التوافق العربي حالكة السواد؛ بل إن هناك بارقة أمل
في أن يكون شيء ما يتم الاتفاق عليه، وقد اتفقوا عليه حقيقة، وتواصوا به؛ بل
لقد صار شعاراً ورمزاً على الاتفاق العربي! !
فقد اتفقت الدول العربية على أن «السلام» مع الكيان الصهيوني يمثل:
«الخيار الاستراتيجي» الذي لا حيدة عنه ولا يُرضى بغيره بديلاً؛ فهو الأكثر
أمناً وطمأنينة على الأراضي - غير الفلسطينية طبعاً - والأرواح والأموال
والمتاع.. والكراسي! !
وفي كل اجتماع أو مناسبة خطابية يُرفع ذلك الشعار «السلام هو خيارنا
الاستراتيجي» ، ولن ننجر إلى ساحات المعارك مرة أخرى مهما «جر الشكل»
شارون أو غيره. أُعلن ذلك الخيار في قمة عمان الأخيرة ولم يكن موقع انعقادها
يبعد إلا بضعة كيلو مترات عن المكان الذي تنتهك فيه الحرمات الفلسطينية كلها! !
كانت المسافة قريبة جداً بين المكانين لا تفصل بينهما بحار ولا قفار ولا فيافٍ حتى
يعتذر القوم بطول الشُّقة وقلة الزاد وضعف الراحلة! !
ولهذا لن نذكِّر القوم بالمعتصم ولا بصلاح الدين ولا بقُطُز ولا حتى بشهامة
العربي في الجاهلية الأولى؛ حيث إن التذكير بأولئك يكون «لمن كان له قلب» ،
أما وأن ذلك مفقود، فلا أمل في التذكير.
ما نراه اليوم من هذه الغطرسة اليهودية، والاستماتة العربية الذليلة على خيار
السلام مع معطياته البائسة ليذكرنا ببدايات الانتكاسات الرهيبة في التعامل مع اليهود
بالحجة ذاتها «الخيار الاستراتيجي» ؛ ففي الوقت الذي جرت فيه مفاوضات فض
الاشتباك في حرب عام ١٩٧٣م، اشترطت رئيسة وزراء إسرائيل (جولدا مائير)
لوقف إطلاق النار ستة شروط نقلها كيسنجر إلى السادات، وهو غير متفائل بقبول
السادات شيئاً منها، وفوجئ كيسنجر بقبول السادات الشروط كاملة؛ لأنه يريد
السلام! ! عاد كيسنجر إلى مائير وأخبرها بقبول الشروط الستة، وعندها قالت
مائير: أما أنا فغير موافقة! !
الحالة اليوم هي هي منذ ما يزيد على ثلاثة عقود؛ فمن يومها إلى يومنا هذا
لم تخرج عن تلقي الضربات والصفعات الثقيلة بوجوه مبتسمة لعدسات الإعلام
الدولي، والعنتريات الكاذبة وتشدقات من أفواه يملؤها الهواء الملوث بكذب
الادعاءات، وكل المحرمات تستباح في الأبواب الخلفية و «تحت» طاولة
المفاوضات.
استنسر البغاث اليهودي، وتحولت مساعيه من الحفاظ على كيانه
المغصوب - من مجرد المحافظة - إلى وضع الشروط التي لا تقبل التفاوض،
حتى يسمح بالتفاوض ويقبل ببدء مباحثات السلام مع الجانب العربي، وتحول من
سعيه إلى طلب الاعتراف العربي به إلى أن أصبح الجهة التي يُسعى إلى رضاها
والسير في ركابها.
وحتى يحافظ العرب على خيارهم ووحدتهم واتفاقهم الوحيد تحولت
«العصابات اليهودية» إلى «الكيان الصهيوني» ثم اعترفوا بـ «الدولة
اليهودية» ، وبيعت الأرض مقابل «الخيار الاستراتيجي» ، وعقدت اتفاقيات
السلام، وأقيمت السفارات والقنصليات، ومن لم يفتح سفارة أقام مكتب «تمثيل»
تجاري، وحقيقة كم هو «تمثيل» ! ! ومن لم «يمثل» علانية، قام بالتدرب على
التمثيل خلف الكواليس حتى يتقن الدور جيداً ... وانساب اليهود يعبثون في أمتنا
المستباحة بحرية وأمان وبحماية السلاح العربي.. «المستورد» ! ! ، وانقلب
الحال، وصار من بين العرب من يسعى لإدخال الدولة الجديدة في المنطقة إلى جامعة
الدول العربية، حتى تستقر المنطقة، وذلك حين تطمئن إسرائيل على وجودها
عضواً في الجامعة؛ حيث لا يعتدي عضو فيها على آخر، وحيث لا مجال
وقتها للخوف اليهودي من إزالتها من الوجود؛ إذ كيف يقطع المرء جزءاً منه! !
كل ذلك حتى يعم السلام ويتحقق «الخيار الاستراتيجي» .
لقد جر هذا «الخيار» على أمتنا «الخسار» والذل والهوان، وبمراجعة
حسابات لا تحتاج إلى حسابات يتضح حجم الخسائر الفادحة على كافة المستويات،
الهوان والذل مستمر، التنازل الذليل مستمر، ضياع الأرض مستمر، انتهاك
الحرمات مستمر، تدفق الدماء مستمر، أما ما جاء دين الإسلام للمحافظة عليه من
حفظ الدين والنفس والمال والعرض والعقل؛ فكل ذلك مهدر، كل ذلك إلى خسار،
ولا عجب في ذلك، حيث الخيار من البداية خسار! !
ثم تحولت السلطة الفلسطينية من كونها المدافعة عن الحقوق الفلسطينية،
وأنها «الممثل» الوحيد للشعب الفلسطيني، وحاملة راية الكفاح المسلح، والتي
تقف في وجه العدوان الصهيوني البشع والنازية الجديدة والإرهاب المتغطرس،
تحولت إلى إدانة نفسها في سعيها للمحافظة على «خسارهم» ، فما معنى أن
يصرح عرفات أنه أمر بوقف أعمال «العنف» وحل لجان «المقاومة» ؟ ! ماذا
يعني غير الاعتراف الصريح والموافقة على كل الاتهامات اليهودية للفلسطينيين من
أنهم أصحاب «عنف» ؟ وما معنى أن تتضمن المبادرة الأردنية المصرية في أحد
بنودها الرئيسة مطالبة الفلسطينيين بوقف «العنف» ؟ !
بل ماذا يعني تحذير إحدى «دول الجوار» التي كانت من «دول الصمود
والتصدي» لعرفات بإمكانية عودته إلى تونس إذا لم يوقف «العنف» ؟ !
أما على الصعيد الفلسطيني الداخلي وعن التنسيق الأمني والاجتماعات السرية
الداخلية منها والخارجية، في الدول العربية أو الأوروبية، برعاية أمريكية أو غير
أمريكية فحدث ولا حرج؛ حيث إن القوم ما سكتوا ولا تحرجوا من أفعال لا تدعو
إلا إلى الحرج.
اجتماعات أمنية وتنسيق أمني، وسط قصف الأحياء «السكنية» وعالم
«الأحياء» كله بالطائرات والصواريخ، في الوقت الذي يسعى فيه قومنا
إلى المحافظة على أمن اليهود، وفي الوقت الذي يسعى فيه اليهود إلى إبادتنا، كل
ذلك من أجل «الخيار الاستراتيجي» ضُرب الوفد «الأمني» بعد عودته من
محادثات «أمنية» برعاية أمريكية «أمينة» ؛ وذلك للتأكيد على أن الأمن
لليهود فقط.
تحول قومنا في سعيهم الحثيث في المحافظة على العهود والمواثيق وصدق
الكلمة العربية إلى محافظين على أمن وأمان الدولة اليهودية، بأن يُعطى لشارون
الفرصة حتى يصدق مع شعبه ويحقق شعاره الذي جاء به «الأمن» ، يُعطى
شارون الفرصة حتى نرى صدق الرجل، ولعله تغيّر بعد هذا العمر، تُعطى له
الفرصة حتى يفوتوا عليه فرصة الحرب.. يعطونه الفرصة حتى يضطر أمام هذا
الكرم للإعلان عن بدء مباحثات السلام وتحقيق الخيار.
يدرك شارون جيداً أن السلام «خسار» وليس «خياراً» لكن لفرط تفاؤل
القوم فقد غلَّبوا الجانب «الإيجابي» لأن فيه «ياء» الخيار، وتركوا الجانب
«السلبي» لأن فيه «سين» الخسار! !
وكما كان خيارهم مع اليهود واحداً، فقد كان كذلك مع الولايات المتحدة،
فكانت راعياً وحيداً للسلام.
ويستمر العجب حين يُسمعوننا كل يوم الاتهامات لأمريكا بالانحياز الأعمى
للجانب الإسرائيلي، وأن أمريكا ترى بعيون إسرائيلية، وأن الدعم السياسي
والمالي الذي تقدمه أمريكا لإسرائيل لا مثيل له.. إلى آخر هذه القائمة التي نعلمها.
وإن كان ذلك كذلك، فلماذا هذا الانجرار الأعمى وراء الراعي الأمريكي؟
ولماذا هذه الاستماتة لأجل أن يبقى راعياً؟ ولماذا كل هذا التوسل والرجاء لأجل أن
تعيد الولايات المتحدة النظر في سياستها الجديدة التي نأت بها عن العملية السلمية؟
ماذا يتوقع القوم بعد أن استخدمت الولايات المتحدة حق النقض «الفيتو»
لرفض قرار مجلس الأمن الذي قضى بإرسال «قوة مراقبة لحماية الفلسطينيين»
أليس أولئك مسلمين كذلك مثلما تدخلت أمريكا بنفسها في الصومال، وفي البوسنة،
وفي كوسوفا، «لحماية المدنيين» أم أن المصالح الأمريكية هنا غير التي هناك،
أم الرضى اليهودي مطلب أمريكي أكثر إلحاحاً؟ !
وقد هددت الولايات المتحدة بعض الدول - مثل كولومبيا - على موافقتها في
مجلس الأمن على إرسال هذه القوة وتوعدتها بأنها سترى عواقب هذه الموافقة! !
لم يجلب الراعي الأمريكي لأمتنا إلا «الخسار» ؛ فمنذ «مبدأ أيزنهاور»
إلى «مبادرة روجرز» إلى «سياسة الخطوة خطوة» لكيسنجر مروراً بمبادرة
كارتر «كامب ديفيد الأولى» ، ووصولاً إلى كلينتون ومبادراته الكثيرة «وادي
عربة» و «أوسلو الأولى والثانية» و «كامب ديفيد الثانية» و «شرم الشيخ» ،
وكلها مسلسل واحد إلى الدركات العربية، والتنازلات الرهيبة التي ما حصلنا منها
على «الخيار الاستراتيجي» حتى الآن! !
أيها السادة: «خياركم» لم يكن فيه خير لأمتنا، «خياركم» خر بأمتنا إلى
مستنقع الهوان، «خياركم» خرب البلاد وحطم العباد، «خياركم» خاوٍ من أي
عقلانية أمام ما يُفعل بالمسلمين، «خياركم» خال من أي شرعية أو مصداقية.
وإن كان هذا «خياركم» فأخبرونا عن بلايين من أموال الأمة تدفع ثمناً
لآلات صماء خرساء لا تتحرك تسمونها سلاحاً وعتاداً! !
في ديننا أيها السادة «خيار استراتيجي» وحيد مع اليهود ... إنه الجهاد ...
والسلام! !
стр. 3914
دراسات في الشريعة والعقيدة
جهود علماء الدعوة السلفية بنجد
تجاه النوازل والأحداث
د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف [*]
مقدمة:
التعامل مع النوازل والمستجدات يحتاج إلى رسوخ في العلم، وبصيرة بالأدلة
الشرعية، واستيعاب لمقاصد الشريعة وقواعد المصالح والمفاسد، كما يحتاج إلى
توصيف صحيح، وفقه دقيق لتلك الواقعة، ليتسنى تنزيل الحكم الشرعي الملائم
لتلك النازلة.
ولم يكن علماء نجد بعيدين عن قضايا واقعهم ومستجدات عصرهم، بل كان
لهم تأثير بارز ودور رئيس في حل النوازل والحوادث، فكانوا أصحاب المواقف
الشجاعة إزاء تلك القضايا، وأرباب القرار الصحيح تجاه النوازل والمستجدات؛
ولا غرو في ذلك؛ فقد أنعم الله - تعالى - عليهم بالفقه في دين الله، وفهم تلك
الوقائع والأحداث، ونعرض جملة من تلك الجهود في هذا المقام:
١ - لما هجمت جيوش إبراهيم باشا على نجد في أواخر الدولة السعودية
الأولى وقصدوا استئصال الدعوة السلفية وأتباعها، ساعدهم جماعة من أهل نجد من
البادية والحاضرة، وأحبوا ظهورهم وانتصارهم، فعندئذ ألَّف الشيخ سليمان بن
عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رسالته القيّمة: «الدلائل في حكم موالاة
أهل الإشراك» [١] .
ففي هذه الأوضاع المضطربة والفتن المتقلبة يبرز دور العلماء الربانيين،
العالمين بالله - تعالى - وبأمره؛ فقد صنف الشيخ سليمان رسالته في زمن فتنة،
وفي أحوال مشوبة بالخوف والهلع من جيوش إبراهيم باشا، ولا يخفى ما يؤول
إليه حال بعض الخاصة فضلاً عن العامة زمن الفتن والهلع من الذهول والحيرة
والانتكاس. وصنَّف الشيخ سليمان هذه الرسالة في وقت زاغت فيه قلوب،
وانساقت إلى مظاهرة المشركين وموافقتهم، فقرر الشيخ وبالأدلة الكثيرة أن مَنْ
ظاهَرَ الكفار وتولاهم فهو منهم، كما قد وقع فيه أولئك الخونة، يقول الشيخ سليمان
بن عبد الله في هذه الرسالة:
«الدليل السادس عشر [٢] : قوله - تعالى -: [وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ
عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ
الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ] (الحج: ١١) . فهذه الآية مطابقة
لحال المنقلبين عن دينهم في هذه الفتنة سواء بسواء؛ فإنهم قبل هذه الفتنة يعبدون
الله على حرف، أي على طرف، ليسوا ممّن يعبُد الله على يقين وثبات، فلما
أصابتهم هذه الفتنة، انقلبوا عن دينهم وأظهروا موافقة المشركين، وأعطوهم
الطاعة، وخرجوا عن جماعة المسلمين إلى جماعة المشركين.
هذا مع أن كثيراً منهم في عافية، ما أتاهم عدو، وإنما ساء ظنهم بالله فظنوا
أنه يديل [٣] الباطل وأهله على الحق وأهله، فأرداهم سوء ظنهم بالله [٤] » .
٢ - ويعيد التاريخ نفسه؛ حيث هجمت العساكر التركية على بلاد نجد -
سنة ١٢٥٣ هـ - وساعدهم من ساعدهم حتى استولوا على كثير من نجد، فصنّف
الشيخ حمد بن عتيق ﵀ رسالة قوية سماها: «سبيل النجاة والفكاك من
موالاة المرتدين وأهل الإشراك» [٥] .
فكانت هذه الرسالة سبباً في تحقيق عقيدة الولاء والبراء واستقرارها بعدما
كادت عواصف الفتن أن تزحزحها.
ونقتطف من تلك الرسالة السطور الآتية:
«أخبر - تعالى - أن الذين في قلوبهم مرض أي شك في الدين وشبهة
يسارعون في الكفر قائلين: [نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ] (المائدة: ٥٢) ، أي:
إذا أنكرت عليهم موالاة الكافرين قالوا: نخشى أن تكون الدولة لهم في المستقبل،
فيتسلطوا علينا، فيأخذوا أموالنا ويشردونا من بلداننا، وهذا هو ظن السوء بالله
الذي قال الله فيه: [الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً] (الفتح: ٦) » [٦] .
٣ - وفي سنة ١٢٦٥هـ وقعت معركة «اليتيمة» بين جيوش فيصل بن
تركي وبين أهل القصيم بقيادة أمير بريدة عبد العزيز بن محمد آل أبي عليان،
واشتد القتال بين الفريقين، وانهزم أهل القصيم وقتل الكثير منهم، وفرّ أميرهم إلى
عنيزة، ولم يدرِ ما يفعل. فأتى إليه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين [٧]-
وكان قاضي بلدان القصيم - فقال له: يا هذا اتق الله، واربأ بنفسك؛ فإن البلاد
ليست لك ولا بيدك، وأمرها بيد أهلها، وليس لك فيها أمر ولا نهي، وهم يريدون
إصلاح أنفسهم مع الإمام فيصل، فإن أردت أن تكون كذلك فافعل.
ثم إن رؤساء بلد عنيزة أتوا إلى الشيخ عبد الله أبي بطين وقالوا: إن هذه
الأمور التي منا وقعت، والحوادث التي منا صدرت لا يصلحها إلا أنت، ولا يزيل
غضب الإمام فيصل غيرك.
فقال لهم: إنكم تعلمون أني لست من أهل بلدكم ولا من عشيرتكم، ولا يحسن
مني الدخول في هذا الشأن الذي أوله إلى آخره من تسويل الشيطان؛ فأعفوني
ودعوني، وأرسِلوا في هذا الأمر غيري.
فقالوا: إن هذا الأمر تعيّن عليك والصلح لا يصلح إلا على يديك، فركب
الشيخ عبد الله إلى الإمام فيصل - وهو في بلد المذنب - فأكرمه وأجابه إلى كل ما
طلب من العفو والصفح عنهم، وأعطاهم الأمان [٨] .
٤ - لما توفي فيصل بن تركي سنة ١٢٨٢هـ، وتولى الحكم من بعده ابنه
عبد الله، حصل شقاق واختلاف بين عبد الله وأخيه سعود، فوقعت حروب طاحنة،
وفتن متلاطمة بين عبد الله، وأخيه سعود.
وكان للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵏ دور
ظاهر في الإصلاح، وجمع الكلمة وحفظ الدماء، ودرء الفتنة، ودفع الشر والفساد
بحسب الطاقة.
لقد أوتي الشيخ عبد اللطيف قوة وبصيرة، وحكمة وعلماً، ونصحاً وإشفاقاً
على الراعي والرعية.
وقد سطّر الشيخ عبد اللطيف رسائل كثيرة [٩]- أثناء تلك الفتنة الطويلة [١٠]
تضمنت عرضاً شاملاً، وتحليلاً وافياً لتلك الأحداث الجسام، وموقفه من تلك
النوازل.
ونختار إحدى هذه الرسائل:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخوين المكرمين: زيد بن محمد،
وصالح بن محمد الشثري [١١] ، سلمهما الله - تعالى -.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فأحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، والخط وصل أوصلكم
الله إلى ما يرضيه، وما ذكرتموه كان معلومًا، وموجب تحرير هذا ما بلغني بعد
قدوم عبد الله [١٢] وغزوه من أهل الفرع، وما جرى لديكم من تفاصيل الخوض في
أمرنا والمراء والغيبة، وإن كان قد بلغني أولا كثير من ذلك، لكن بلغني مع من
ذكر تفاصيل ما ظننتها، فأما ما صدر في حقي من الغيبة والقدح والاعتراض
ونسبتي إلى الهوى والعصبية، فتلك أعراض انتهكت وهتكت في ذات الله أعدُّها
لديه - جل وعلا - ليوم فقري وفاقتي، وليس الكلام فيها، والقصد بيان ما أشكل
على الخواص والمنتسبين من طريقتي في هذه الفتنة العمياء الصماء، فأول ذلك
مفارقة سعود لجماعة المسلمين وخروجه على أخيه، وقد صدر منا الرد عليه
وتسفيه رأيه ونصيحة ولد عائض [١٣] وأمثاله من الرؤساء عن متابعته والإصغاء
إليه ونصرته، وذكرناه بما ورد من الآثار النبوية والآيات القرآنية بتحريم ما فعل
والتغليظ على من نصره، ولم نزل على ذلك إلى أن وقعت وقعة جودة [١٤] ، فثل
عرش الولاية وانتثر نظامها، وحبس محمد بن فيصل، وخرج الإمام عبد الله
شاردًا وفارقه أقاربه وأنصاره، وعند وداعه وصيته بالاعتصام بالله وطلب النصر
منه وحده، وعدم الركون إلى الدولة الخاسرة [١٥] .
ثم قدم علينا سعود بمن معه من العجمان والدواسر وأهل الفرع وأهل الحريق
وأهل الأفلاج وأهل الوادي ونحن في قلة وضعف وليس في بلدنا [١٦] من يبلغ
الأربعين مقاتلاً، فخرجت إليه وبذلت جهدي، ودافعت عن المسلمين ما استطعت
خشية استباحة البلدة، ومعه من الأشرار وفجار القرى من يحثه على ذلك ويتفوه
بتكفير بعض رؤساء أهل بلدتنا، فوقى الله شر تلك الفتنة ولطف بنا، ودخلها بعد
صلح وعقد، وما جرى من المظالم والنكث دون ما كنا نتوقع [١٧] ، وليس الكلام
بصدده وإنما الكلام في بيان ما نراه ونعتقده، وصارت له ولاية بالغلبة والقهر تنفذ
بها أحكامه، وتجب طاعته في المعروف كما عليه كافة أهل العلم على تقادم
الأعصار ومر الدهور، وما قيل من تكفيره لم يثبت لديّ، فسرت على آثار أهل
العلم، واقتديت بهم في الطاعة في المعروف وترك الفتنة وما توجب من الفساد على
الدين والدنيا، والله يعلم أني بار راشد في ذلك، ومن أشكل عليه شيء من ذلك
فليراجع كتب الإجماع كمصنف ابن حزم ومصنف ابن هبيرة وما ذكره الحنابلة
وغيرهم، وما ظننت أن هذا يخفى على من له أدنى تحصيل وممارسة، وقد قيل:
سلطان ظلوم خير من فتنة تدوم.
وأما الإمام عبد الله فقد نصحت له كما تقدم أشد النصح، وبعد مجيئه لما
أخرج شيعة عبد الله سعودًا وقدم من الإحساء ذاكرته في النصيحة وتذكيره بآيات الله
وحقه، وإيثار مرضاته والتباعد عن أعدائه وأعداء دينه أهل التعطيل والشرك
والكفر البواح، وأظهر التوبة والندم، وأضمحل أمر سعود وصار مع شرذمة من
البادية حول المرة والعجمان، وصار لعبد الله غلبة ثبتت بها ولايته على ما قرره
الحنابلة وغيرهم كما تقدم أن عليه عمل الناس من أعصار متطاولة.
ثم ابتلينا بسعود وقدم إلينا مرة ثانية، وجرى ما بلغكم من الهزيمة على عبد
الله وجنوده، ومر بالبلدة منهزمًا لا يلوي على أحد، وخشيت من البادية، وعجلت
إلى سعود كتاباً في طلب الأمان لأهل البلدة وكف البادية عنهم، وباشرت بنفسي
مدافعة الأعراب مع شرذمة قليلة من أهل البلدة ابتغاء ثواب الله ومرضاته، فدخل
البلدة وتوجه عبد الله إلى الشمال، وصارت الغلبة لسعود والحكم يدور مع علته،
وأما بعد وفاة سعود [١٨] فقدم الغزاة ومن معهم من الأعراب العتاة والحضر الطغاة،
فخشينا الاختلاف وسفك الدماء وقطعية الأرحام بين حمولة آل مقرن [١٩] مع غيبة
عبد الله وتعذر مبايعته بل ومكاتبته، ومن ذكره يخشى على نفسه وماله أفيحسن أن
يترك المسلمون وضعفاؤهم نهباً وسبياً للأعراب والفجار؟ وقد تحدثوا بنهب
الرياض قبل البيعة، وقد رامها من هو أشر من عبد الرحمن وأطغى ولا يمكن
ممانعتهم ومراجعتهم، ومن توهم أنى وأمثالي أستطيع دفع ذلك مع ضعفي وعدم
سلطاني وناصري فهو من أسفه الناس وأضعفهم عقلاً وتصوراً، ومن عرف قواعد
الدين وأصول الفقه وما يتطلب من تحصيل المصالح ودفع المفاسد لم يُشكِل عليه
شيء من هذا، وليس الخطاب مع الجهلة والغوغاء، إنما الخطاب معكم معاشر
القضاة والمفاتي والمتصدرين لإفادة الناس وحماية الشريعة المحمدية، وبهذا ثبتت
بيعته وانعقدت وصار من ينتظر غائبًا لا تحصل به المصالح فيه شبه ممن يقول
بوجوب طاعة المنتظر وأنه لا إمامة إلا به.
ثم إن حمولة آل سعود صارت بينهم شحناء وعداوة والكل يرى له الأولوية
بالولاية، وصرنا نتوقع كل يوم فتنة وكل ساعة محنة، فلطف الله بنا وخرج ابن
جلوي من البلدة، وقتل ابن صنيتان، وصار لي إقدام على محاولة عبد الرحمن في
الصلح وترك الولاية لأخيه عبد الله، فلم آلُ جهدًا في تحصيل ذلك والمشورة عليه
مع أني قد أكثرت في ذلك حين ولايته ن ولكن رأيته ضعيف العزم لا يستبد برأيه،
فيسر الله قبل قدوم عبد الله بنحو أربعة أيام أنه وافق على تقديم عبد الله وعزل نفسه
بشروط اشترطها بعضها غير سائغ شرعًا، فلما نزل الإمام عبد الله ساحتنا اجتهدت
إلى أن محمد بن فيصل يظهر إلى أخيه، ويأتي بأمان لعبد الرحمن وذويه وأهل
البلد، وسعيت في فتح الباب واجتهدت في ذلك، ومع ذلك كله فلما خرجت للسلام
عليه وإذا أهل الفرع وجهلة البوادي ومن معهم من المنافقين يستأذنونه في نهب
تخيلنا وأموالنا، ورأيت معه بعض التغير والعبوس، ومن عامل الله ما فقد شيئاً،
ومن ضيع الله ما وجد شيئاً، ومن ضيع الله ما وجد شيئاً، ولكنه بعد ذلك أظهر
الكرامة ولين الجانب، وزعم أن الناس قالوا ونقلوا، وبئس مطية الرجل زعموا،
وتحقق عندي دعواه التوبة وأظهر لدي الاستغفار والتوبة والندم، وبايعته على
كتاب الله وسنة رسوله.
هذا مختصر القضية، ولولا أنكلم من طلبة العلم والممارسين الذين يكتفون
بالإشارة وأصول المسائل لكتبت رسالة مبسوطة ونقلت من نصوص أهل العلم
وإجماعهم ما يكشف الغمة ويزيل اللبس، ومن بقى عليه إشكال فليرشدنا ﵀،
ولو أنكم أرسلتم بما عندكم مما يقرر هذا أو يخالفه وصارت المذاكرة لانكشف
الأمر من أول وهلة، ولكنكم صممتم على رأيكم، وترك النصيحة من كان عنده
علم، واغتر الجاهل ولم يعرف ما يدين الله به في هذه القضية وتكلم بغير علم،
ووقع اللبس والخلط والمراء والاعتداء في دماء المسلمين وأعراضهم، وهذا بسبب
سكوت الفقيه وعدم البحث، واستغناء الجاهل بجهله واستقلاله بنفسه، وبالجملة
فهذا الذي نعتقد وندين الله به، والمسترشد يذاكر ويبحث، والظالم المعتدي حِسابنا
وحسابه إلى الله الذي تنكشف عنده السرائر، وتظهر مخبآت الصدور والضمائر يوم
يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور.
وأما ما ذكرتم من التنصل والبراءة مما نسب في حقي إليكم فالأمر سهل
والجروح جبار، ولا حرج ولا عار، وأوصيكم بالصدق مع الله واستدراك ما
فرطتهم فيه من الغلظة على المنافقين الذين فتحوا للشرك كل باب، وركن إليهم كل
منافق كذاب، وتأمل قوله بعد نهية عن موالاة الكافرين: [يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا
عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراًّ وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ] (آل عمران: ٣٠) [٢٠] .
يظهر من إيراد هذه الرسالة ما كان عليه العلامة عبد اللطيف من رسوخ في
العلم الشرعي، وفهم للوقائع وتحقيق مناطها؛ حيث بيّن - زمن الفتنة العمياء -
مشروعية ولاية المتغلب وأن الإمامة تثبت بالغلبة والقهر، لذا أمضى ولاية سعود
بن فيصل، ثم أمضى ولاية عبد الله بن فيصل - بعد تغلبهما -.
كما نلحظ انهماك الشيخ عبد اللطيف بالإصلاح ودرء الفساد ما استطاع إلى
ذلك سبيلا، فكان يباشر بنفسه مدافعة المفسدين مع ضعفه وقلة حيلته، وكثرة
المحن والأخطار.
ويتجلى فقهه للمصالح والمفاسد وتقديرها (فسلطان ظلوم خير من فتنة تدوم)
فإن ثوبت ولاية المتغلب الظالم أحسن حالا من الفتنة. كما نلمس ما عليه الشيخ
عبد اللطيف من الوصية بالصدق مع الله والتذكير بالبعث والنشور، (يوم يبعثر ما
في القبور ويحصل ما في الصدور) فإن خير ما يعصم العبد من الفتن هو اللجوء
إلى الله - تعالى - والاستعداد للقائه.
٥ - وفي سنة ١٣٠٨هـ انهزم أهل القصيم أمام محمد بن رشيد في واقعة
المليداء، وقتل منهم ألف رجل، ولما ظفر ابن رشيد ذلك الظفر انتقل من معسكره،
ونزل بالقرب من بريدة، وكان قد غضب على أهل القصيم وحلف بالطلاق أن
يبيحها، وهابه أهل القصيم مهابة شديدة، فجعلوا يتوقعون ماذا يحله بهم من
العقوبات، فخرج إليه الشيخ العلاَّمة محمد بن عبد الله بن سليم [٢١]﵀
وذكَّره بآيات العفو، وحضَّه على المسامحة والصفح، وقال له: يا ابن رشيد!
اذكر قدرة الله عليك، واعلم أنه من فوق الجميع، فبكى محمد بن رشيد وقام مستوياً
على قدميه يقول: اللهم إني قد عفوت، يشير بيده إلى بريدة ويكررها، ثم جلس
وقد سكن غيظه، وانكسرت حدته، فأكرم الشيخ وسأله عن يمينه بالطلاق فأفتاه
الشيخ [٢٢] .
٦ - وفي عصرنا الحاضر عصفت رياح التغريب ببلاد المسلمين، فظهر
تيار جارف من الأفكار المستوردة، وكمٌّ هائل من النوازل والمستجدات، ولقد كانت
القوانين الوضعية بمختلف صورها وأنواعها من أشنعها جرماً وإثماً، وأخطرها
ضرراً.
وقد تصدى علماء نجد لتك القوانين، فكتب بعضهم [٢٣] لولي الأمر - آنذاك -
نصيحة جاء فيها:
(ثم آلت بك الحال - هداك الله - وأخذ بناصيتك إلى الوقوع في أمور كثيرة
هي من أسباب زوال تلك النعمة، ومن موجبات التغيير وحلول النقمة،: [إِنَّ اللَّهَ
لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: ١١) , منها إلزام الناس أن
يظلم بعضهم بعضاً، وأن ترفض الطريقة النبوية الجارية في أسواق المسلمين
وبياعاتهم، وأن يقام فيها القانون المضارع لقوانين الكفار الجارية في أسواقهم؛
فإن لله وإنا إليه راجعون، ولك هو إلزامكم بحجر الناس على مقدار
من السعر في الصرف لا يزيد ولا ينقص، وهذا من أعظم الفساد في
الأرض والتعاون على الإثم والعدوان، وأكل الناس بعضهم أموال بعض
بالباطل) [٢٤] .
وحذر الشيخ سليمان بن سحمان ﵀ من التحاكم إلى الطواغيت،
فكان مما قاله: «إن كثيراً من الطوائف المنتسبين إلى الإسلام قد صاروا يتحاكمون
إلى عادات آبائهم، ويسمون ذلك الحق بشرع الرفاقة كقولهم: شرع عجمان،
وشرع قحطان، وغير ذلك، وهذا هو الطاغوت بعينه الذي أمر الله باجتنابه.
فمن فعله فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه
في قليل ولا كثير» [٢٥] .
وأما الشيخ العلاَّمة محمد بن إبراهيم ﵀ فقد كان بصيراً بخطر
تلك المؤسسات الوضعية، ومن ثم اتخذ موقفاً حازماً تجاه أي هيئة أو مؤسسة ذات
حكم وضعي [٢٦] .
وألَّف رسالة عظيمة بعنوان: «تحكيم القوانين» قرر فيها - بالأدلة
الشرعية - وجوب إفراد الله تعالى بالحكم، وذكر الحالات التي يكون فيها الحكم
بغير ما أنزل الله - تعالى - كفراً أكبر أو كفراً أصغر.
وكتب الشيخ عبد الرحمن الدوسري ﵀ مؤلفاً في ثلاثة أجزاء
بعنوان: «الحق أحق أن يتبع» في الرد على القوانين الوضعية [٢٧] .
٧ - وأما العلاَّمة عبد الرحمن الناصر السعدي (ت ١٣٧٦هـ) فهو أبرز
علماء نجد في علاج القضايا والنوازل، حيث كان أنموذجاً متميزاً في هذا الباب،
فكان مدركاً لمستجدات عصره ومتغيراته، ويتجلى ذلك فيما يلي:
أ - مناداته بأهمية التعرف على السياسة الدولية ومقاصدها؛ حيث يقول:
«قد عُلِمَ من قواعد الدين أنَّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأن الوسائل
لها أحكام المقاصد، ولا يخفى أنه لا يتم التحرز من أضرار الأمم الأجنبية
والتوقي لشرورها إلا بالوقوف على مقاصدهم ودرس أحوالهم وسياساتهم،
وخصوصاً السياسة الموجهة منهم للمسلمين؛ فإن السياسة الدولية قد أسست على
المكر والخداع وعدم الوفاء، واستعباد الأمم الضعيفة بكل وسائل الاستعباد؛ فجهل
المسلمين بها نقص كبير وضرر خطير، ومعرفتها والوقوف على مقاصدها وغاياتها
التي ترمي إليه نفعه عظيم، وفيه دفع للشر أو تخفيفه، وبه يعرف المسلمون كيف
يقاتلون كل خطر» [٢٨] .
ب - وكتب العلامة السعدي رسالة رائعة إلى الشيخ محمد رشيد رضا سنة
١٣٤٦هـ[٢٩] يقترح عليه أن تُعنى مجلة المنار بالردّ على الملاحدة والزنادقة.
ويظهر من خلال هذه الرسالة ما كان عليه السعدي من سعة الاطلاع، وبُعد
الأفق، ورحابة الصدر؛ حيث طالع مجلة المنار، وأثنى عليها خيراً، وأبدى شيئاً
من مآثرها في نصرة الإسلام والمسلمين، مع أن المجلة تكاد تكون مفقودة في نجد
آنذاك، بدليل أن محمد رشيد رضا - في جوابه على رسالة السعدي - يقول:
«كنت منذ سنين كثيرة أتمنى لو يطَّلع علماء نجد على المنار، ويفتح بيني
وبينهم البحث والمناظرة العلمية الدينية فيما يرونه منتقداً لينجلي وجه الصواب
فيها، وقد كنت كتبت إلى إمامهم [٣٠] بذلك، وإنني سأرسل إليه عشر نسخ من
كل جزء ليوزعها على أشهرهم، وفعلت ذلك عدة سنين، ولكن لم يأتني منه
جواب، ثم ترجَّح عندي أن تلك النسخ كانت تختزل من البريد البريطاني في سنيّ
الحرب وما بعدها» ، بل إن الشيخ السعدي كما في هذه الرسالة قد طالع تفسير
«الجواهر في تفسير القرآن» لطنطاوي جوهري، وكشف عن مزالقه، مع
أن السعودية قد منعت هذا الكتاب ولم تسمح بدخوله إلى بلادها؛ لما تضمنه من
انحرافات [٣١] .
كما ألمح السعدي إلى ما نسب إلى مجلة المنار من تأويلات فاسدة فقال بكل
تؤدة وأدب: «وقد ذكر لي بعض أصحابي أن مناركم فيه شيء من ذلك، وإلى
الآن ما تيسر لي مطالعته، ولكن الظن بكم أنكم ما تبحثون عن مثل [هذه] الأمور
إلا [من] وجه الردّ لها والإبطال، كما هي عادتكم في ردّ ما هو دونها بكثير» .
ج - ومن جهود العلامة السعدي في علاج النوازل الحادثة أنه حرر مسألة
«زراعة الأعضاء» تحريراً بليغاً [٣٢] ، فكان مما قاله في مطلع هذه المسألة:
«جميع المسائل التي تحدث في كل وقت سواء حدثت أجناسها أو أفرادها يجب
أن تُتَصور قبل كل شيء؛ فإذا عُرِفت حقيقتها وشُخِّصت صفاتها، وتصورها
الإنسان تصوراً تاماً بذاتها ومقدماتها ونتائجها، طُبِّقت على نصوص الشرع وأصوله
الكلية؛ فإن الشرع يحل جميع المشكلات، مشكلات الجماعات والأفراد» .
وأخيراً: فإن جهود هؤلاء الأعلام تجاه النوازل كثيرة سواء كانت جهوداً
علمية أو عملية، ولعل هذه الأمثلة المذكورة تكون حافزاً لطلاب العلم وأهله في
السعي إلى بيان المسلك الشرعي تجاه المستجدات؛ فما أكثر الأحداث والنوازل في
هذا العصر التي لم تحرر علماً وتحقيقاً، وما أكثر المستجدات التي تحتاج إلى
مواقف عملية واضحة؛ فالتنصل والانزواء ليس حلاً ولا تبرأ به الذمة، والله
المستعان.
стр. 3915
دراسات في الشريعة والعقيدة
الإصلاح التشريعي في مصر
من التأصيل المتعثر إلى الجموح العلماني ثم عودة
التأصيل نماذج النجاح والإخفاق
(٣)
عبد العزيز بن محمد القاسم [*]
azalgasem@hotmail.com
استقرت الشريعة الإسلامية مرجعاً للقضاء في مصر منذ الفتح الإسلامي،
وكان أول انحراف منظم قد جاء مع تحكيم المماليك لبعض قوانين التتار [١] ، ومن
التحولات المهمة في تاريخ التشريع في مصر تعيين الظاهر بيبرس لأربعة قضاة
يمثلون المذاهب الأربعة [٢] ، وقد أسهم ذلك في تشتيت القضاء، واستمر ذلك إلى
سنة ١٥١٦م حين حكم العثمانيون مصر، فعينوا قاضياً عثمانياً يشرف على القضاة
الأربعة [٣] ، ثم صدر في عهد سليمان القانوني تنظيم قضاء الولايات العثمانية تحت
قضاة العسكر الذين يعينون نوابهم في الولايات على مذاهب أهلها، ثم صار القضاة
يُنصَّبون بإرادة سلطانية بعد انتخابهم من شيخ الإسلام بما فيهم قاضي مصر الذي
ينصِّب قضاة مصر [٤] .
وفي آخر ولاية محمد علي صدرت إرادة سلطانية بتخصيص الفتوى والقضاء
بمذهب أبي حنيفة [٥] ، ولما احتل نابليون مصر سنة ١٧٩٧م وخرج لغزو الشام
خرج قاضي القضاة في مصر وانضم إلى أمير الحج في مقاومته للاحتلال الفرنسي،
فأمر نابليون بقطع صلة القضاء المصري عن الخلافة العثمانية، وطلب من
أعضاء الديوان والعلماء اختيار عالم شرعي يتولى القضاء، فاختاروا الشيخ أحمد
العريشي سنة ١٢١٤هـ/١٧٩٩م، وكان الديوان عبارة عن محكمة ويتكون من اثني
عشر تاجراً نصفهم من الأقباط والباقي من المسلمين، وقاضيه الكبير قبطي ينظر
الديوان في أمور التجارة والمواريث والدعاوى، لكن هذا الديوان أخفق في مهامه،
فأعيدت ولايته إلى القاضي الشرعي، وكان مما قرره نابليون أنه: «سوف تكلف
القوة العامة بتطبيق القانون؛ لكنها سوف تكون تابعة على نحو صارم لقرارات
القضاة الشرعيين» [٦] .
وبعد هزيمة الفرنسيين على يد القوات العثمانية والبريطانية في معركة أبي
قير وانسحابهم تولى محمد علي بعد اضطرابات شعبية انتهت باختياره وتوليته،
فمضى يعزز حكمه، وقد نصَّ الفرمان العثماني الصادر سنة ١٨٤١م الذي جعل له
ولاية مصر ولورثته على وجوب تطبيق القوانين والإجراءات الإدارية العثمانية
بمصر، ثم عدل ليكون التطبيق بما يتناسب مع أوضاع مصر، وقد صدرت سلسلة
من التعديلات على نظام الملكية والضريبة الفلاحية منذ بداية فترة محمد علي بما
فيها ملحق جنائي لقانون الفلاحة الصادر سنة ١٨٣٠م، ويتضمن بعض المخالفات
الشرعية فيما يتعلق بالسرقة، وفي سنة ١٨٣٩م صدر قانون السياسة الملكية
المتعلق بعقوبات موظفي الدولة.
وكان أكثر قوانين محمد علي ابتعاداً عن الشريعة القانون الصادر سنة ١٨٤٤م
المسمى: (جمعية حقانية) ، وفي سنة ١٨٤٥م أنشئت بالقاهرة والإسكندرية
محاكم خاصة للفصل في القضايا التجارية بين المصريين والأجانب، وفي سنة
١٨٥٦م طبق في تلك المحاكم قانون التجارة العثماني المقتبس من القانون الفرنسي،
وفي سنة ١٨٦١م وسع سعيد باشا القضاء المختلط، فأسَّس مجلساً مدنياً مختلطاً
يضم سبعة أعضاء يرأسهم مصري ومعهم أجنبي وأرمني ويهودي، ويحضر
مندوب من القنصلية الأجنبية عند رغبته، واستفحل أمر القضاء المختلط حتى
بلغت الدول التي تطبق قوانينها في القضاء المصري المختلط ١٧دولة، ولم يكن
عدد رعايا تلك الدول مجتمعة يتجاوز ثمانين ألفاً. وتشمل القوانين المطبقة في
القضاء المختلط أنواع القوانين المحلية للدول الأجنبية، ويتحصل من ذلك كمية
هائلة من القوانين واجبة التطبيق؛ فكانت الفوضى قد بلغت منتهاها بهذا التنظيم،
كما كان الأجانب في المجال الجنائي في حصانة تامة أمام المحاكم المختلطة [٧] ،
وكانت الشرطة لا تملك حق تفتيش منازل الأجانب مما أعطاهم نفوذاً كبيراً في
المجتمع، وأراد والي مصر إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي المتوفى سنة
١٣١٢هـ/ ١٨٩٥م بمشورة من وزير خارجيته نور باشا أن يصلح تلك الفوضى،
فأسس المحاكم المختلطة سنة ١٨٧٥م بعد أخذ موافقة خمس عشرة دولة أجنبية
لتتولى سلطة المحاكم القنصلية، وكان غالب قضاة المحاكم المختلطة أجانب، ففتح
الباب لتغلغل النفوذ الأجنبي في سلطتي القضاء والتشريع، فكان مشروعه إصلاحاً
عكسياً تدهورت معه مؤسسات القضاء والتشريع المحلية وخضعت للتغريب
الشامل [٨] ، فطبقت تلك المحاكم القانون المدني الذي وضعه المحامي الفرنسي
مونوري مستنسخاً باللغة الفرنسية من القانون المدني الفرنسي استنساخاً
مخلاً [٩] .
وفي سنة ١٨٨٠م تألفت لجنة لوضع لائحة لمحاكم وطنية نظامية على غرار
المحاكم المختلطة، ومن بين أعضاء اللجنة محام إيطالي وهو قاض في محكمة
الإسكندرية المختلطة، وقامت اللجنة بوضع لائحة لترتيب المحاكم الوطنية الجديدة
صدرت سنة ١٨٨١م، وقامت اللجنة نفسها بوضع قوانين هذه المحاكم، فصيغت
على مثال القوانين المختلطة، ووضع (موريوندو) التقنين المدني الوطني
المصري، فنقله نقلاً شبه حرفي من القانون المدني المختلط، فصدر في سنة
١٨٨٣م باللغة الفرنسية، ثم ترجم إلى العربية، ثم تتابعت القوانين في الصدور،
ولم يكن باعث إصدارها على النماذج الغربية هو الحاجة التحديثية بقدر ما كان
ناشئاً عن ضغوط أوروبية؛ ففي التقنينات الجديدة من العيوب والخلل والارتجال ما
يُجزَم معه بعدم منافستها للمدوَّنات الفقهية المقننة وعلى رأسها (مرشد الحيران)
الذي طبعته الدولة سنة ١٨٩٠م [١٠] ، وقد كان بديلاً لمجلة الأحكام العثمانية التي
رفض الخديوي إسماعيل تطبيقها لما يوحي به ذلك من هيمنة الدولة العثمانية
عليه [١١] .
ولننظر نموذجاً يبين ضعف الاستنساخ؛ فهذا أكبر القوانين التي وضعت وهو
القانون المدني الصادر سنة ١٨٨٣م الذي يعتبر عمود التشريعات لاحتوائه على
تنظيم الالتزامات والعقود، وكبرى النظريات، فقد تضمن من الخلل ما يخل
بجوهر وظيفته. يقول السنهوري رغم تأييده لتحديث التقنين: «وأول ما يعيب
هذا التقنين أنه محض تقليد للتقنين الفرنسي العتيق، فجمع بين عيوب التقليد
وعيوب الأصل الذي قلده؛ فهناك مسائل ذات خطر كبير.. ولا نجد لها أثراً في
التقنين الفرنسي.. فمبدأ التعسف في استعمال الحق ونظرية الاستغلال.. وحوالة
الدَّيْن والإعسار المدني كل هذه المسائل الخطيرة لا نعثر على نص واحد فيها لا في
التقنين الأصيل ولا في التقنين المقلد، وحتى فيما احتواه هذان التقنينان من
النظريات والأحكام منها فقد ورد ناقصاً مبتوراً.. ففي تقنيننا القديم فضول
واقتضاب، وفيه غموض وتناقض، ثم هو يقع في كثير من الأخطاء
الفاحشة..» [١٢] .
وأثناء الاحتلال البريطاني حاول البريطانيون توطين المفاهيم القانونية
البريطانية في النظام التشريعي المصري؛ فعين البريطانيون مفتشاً عاماً للرقابة
يدعى: (ماكسويل) ، ومديراً عاماً للإصلاح يدعى: (كليفورد لويد) وحاولا:
«ما بوسعهما لمراعاة المفاهيم القانونية البريطانية الأساسية في القوانين الجديدة،
فقاومهما وزير الحقانية آنذاك نوبار باشا، ثم حققوا نجاحاً جزئيا عندما فرضوا
مستشاراً بريطانياً لوزير العدل المصري سنة ١٨٨٨م،:» وكانت هذه طريقة
البريطانيين في التأثير التدريجي غير الراديكالي حتى لا يثيروا اعتراضات
قوية « [١٣] ، وحين حاول البريطانيون إحداث تغيير كبير فيما عرف بمشروع
قانون» إصلاح الأخطاء والشواذ «كما سمَّاها (وليم برونيات) مستشار وزير
العدل قاومه المحامون ورجال القضاء بقوة فسقط، ونقل لتطبيقه في
العراق وطبق فيه [١٤] ، وكان ذلك آخر مراحل التغريب التشريعي
تقدماً وجذرية.
ثم بدأت موجة العودة للشريعة الإسلامية تدريجياً، وكان أول خطواتها صدور
القانون المدني الجديد سنة ١٩٤٨م الذي صحح جوانب من الانحرافات السابقة، ولا
زالت المسيرة في تقدم على مستوى التأصيل والدراسة وفي جوانب من التطبيق،
لكن طريق العودة طويل وخاصة في جوانبه السياسية كما سيأتي.
ويتبادر إلى الذهن تساؤلات كبيرة عن تفسير حدوث هذه التغيرات الشاملة في
مدة متقاربة، وما الباعث إليها؟ وأين المؤسسات العريقة في مصر؟ أين الأزهر
والقضاء الشرعي؟ وأين الزعماء الوطنيون؟ وهل حدثت مقاومة لهذا التغريب
الهش المقفر من وجوه عديدة؟ وأين البدائل الشرعية؟ أليست الأمة الإسلامية رائدة
الحضارة الفقهية؟ والسؤال الأخير: ما تفسير استقبال أوروبا والعالم لثورة تنظيم
القوانين، والتحول من النظام العرفي ونظام السوابق إلى نظام التقنين؟
سأبدأ بالسؤال الأخير فأمهد به لمناقشة هذه القضايا.
ثورة التقنين في العالم وعلاقتها بحملة نابليون على مصر:
إن دراسة الظروف التي اقتحمت فيها القوانين الوضعية مجتمعاتنا واستخلاص
القدر المشترك بينها وبين واقعنا اليوم يقدم الأساس المتين لفهم التحولات وأسبابها
وخطوات ملء المنخفضات ومواقع الطلب التطبيقي التي تتسلل إليها النظم الحديثة
دون تصحيح ومعالجة، وما أشبه الليلة بالبارحة! فالدراسة تظهر أن الأخطاء
تتكرر برسمها وروحها وتفاصيلها تقريباً، ولتكون تلك الأخطاء هي الذرائع لتنحية
شريعة ربِّ العالمين، وفقه خيار الأمة لتحل محلها النظم والمراجع والثقافات
الوضعية بكل آفاتها الفلسفية والعقائدية، ويظهر بيقين من عبر التاريخ التي يأتي
على نماذج منها هذا المقال أن المبادرة والتحفز العلمي والفكري والعمل الإيجابي
البنائي لكفيل بحول الله - تعالى - أن يحصر التحول في الوسائل واستخلاص
مزايا الجديد دون تفريط بمفاهيم الشرع ومقاصده ومصادره، وهذا ما يدعو إلى
بيان ظروف الاحتلال التشريعي كما يسميه السنهوري في كتابه: (نظرية العقد)
الصادر سنة ١٩٣٥م وتدارسها وإظهار خطوات العمل مما يستطيعه المتخصصون
في الدراسات الفقهية والفكرية والمحتسبون وأهل التخصصات القانونية، وتمهيداً
لذلك فلننتقل إلى ظروف الثورة التقنينية في أوروبا وفرنسا على وجه الخصوص.
ظروف هيمنة حركة التقنين في أوروبا: ...
أدوات الهيمنة وانتهاك الحقوق:
استحكمت حلقات الهيمنة والاستغلال والظلم والتعدي على الحقوق على
الشعوب الأوروبية من قبل ثلاث سلطات وهي: الكنيسة، والإقطاع، والنظم
الإمبراطورية. وقد كانت الكنيسة تحتكر المعرفة بما في ذلك المعرفة القانونية
وتقاتل دون شيوعها وانفلات زمام السيطرة عليها من يدها، فحرمت كل من يخالف
اتجاهاتها وقراراتها، وقامت في سبيل ذلك بحملات التفتيش الهائلة على مدى قرون
طويلة، وأصدرت قرارات بعقوبات عظيمة ضد من يتجرأ على مخالفتها؛ وذلك
لحماية امتيازاتها الدينية والمادية التي كانت تهيمن عليها؛ فقد بلغت سلطتها إلى
مستوى توجيه سياسة أوروبا بكاملها، وقد أصدرت قرارات الحرمات ضد سلاطين
كبار مثل هنري الرابع. أما نفوذها المادي فيوضحه مراجعة خريطة أملاك الكنيسة
في أوروبا؛ حيث بلغت في مناطق وأزمنة عديدة ما يتجاوز ثلث الملكية العقارية؛
ونعلم ما تعنيه الملكية العقارية في أوروبا حيث الخصوبة وضيق المساحة وكثافة
السكان؛ ففرنسا على سبيل المثال في أول القرن التاسع كان يقطنها ثلاثون مليون
نسمة، وندرك مقدار النفوذ الكنسي المترتب على ذلك إذا قارنا ذلك بمصر التي لا
يصل سكانها في ذلك العهد إلى ثلاثة ملايين نسمه، أما التنظيم الإقطاعي فقد كان
تنظيماً شرساً لاستغلال الشعوب الأوروبية بنظام السخرة أي العمل بمجرد الغذاء
والمأوى دون ملكية أو حقوق معتبرة؛ فالتقاضي في الإقطاعية يخضع لسلطة السيد
خضوعاً مطلقاً عبر آليات متعددة منها ملكية النبلاء ونظام رق الأرض ليجعل
الإنسان:» في منزلة الحيوانات «.
ولنعلم فداحة ظلم التنظيم الإقطاعي فسنعرض لبعض الأمثلة؛ إذ كان يخضع
للنظام الإقطاعي في روسيا مثلاً أربعة أخماس السكان، وفي بولونيا يخضع سبعة
ملايين ونصف المليون من السكان لعشرة آلاف نبيل [١٥] ، ومع ظهور المفاهيم
والنظم السياسية الجديدة التي حلت محل السلطة الإقطاعية بشكل متتابع في أوروبا
لم يفقد النبلاء والكنسيون نفوذهم وامتيازاتهم المقننة بقوانين عرفية وكنسية جائرة،
وقد تكاملت مفاهيم ونظم الإقطاع والنظم السياسية التالية مع النظم والطموحات
الإمبراطورية ليتكون من تلك التجمعات مراكز القوة في القارة تصطرع من أجل
الهيمنة والنفوذ لتلتهم مقومات القارة البشرية والمادية في فترات حروب طويلة
يتخللها فترات سلم قصيرة أضنت الشعوب الأوروبية وهيأتها للثورة والتحول،
وكان من أخطر وسائل الثورة والتحول الطباعة وما تقدمه من إمكانيات التواصل
الذي لم يعرف من قبل.
حركات مقاومة نظم الهيمنة القديمة وتشريعاتها:
لقد مهدت عمليات التنظير المتواصل للحقوق، وكشفت المظالم الكنسية
والإقطاعية ونشوء المدن التجارية السبيل لمقاومة الجور القانوني الهائل الذي يلف
القارة عبر النظم المختلفة، حتى تجسد ذلك مع الثورة الفرنسية التي حولت الأفكار
النظرية إلى تجسيد يطابق بعض الأفكار حيناً ويهدمها أحياناً أكثر، لكنها كانت
الحركة الأعمق أثراً في مسيرة التحول نحو تحرير الحقوق.
لنقرأ بعض ملامح ذلك الصراع الفكري؛ ففولتير مثلاً تولى الحملة على
الكنيسة مردداً العبارة التي عرف بها:» لنسحق الشائنة «، يعني بها الكنيسة،
وتلك كانت نزعته طيلة حياته، واعتقد الجمهور:» أن محاربة الإكليروس طبقة
رجال الكنيسة قد تكفي لتقويم الحكومات ولجعل المجتمعات كاملة وللإيصال إلى
السعادة «فانتشر الإلحاد في كل مكان، وقدم رجال الكنيسة تنازلاتهم في محاولة
لمقاومة الاجتثاث، ونادوا بالمتدين المستنير الذي يجمع العلم مع التدين المسيحي،
ولم يوقف هذا تلك الهجمات وانتصاراتها، ولم تكن هذه الحال قاصرة على الكنيسة
الكاثوليكية؛ بل أدركت الكنائس البروتستانتية المنفتحة فنزلت بها:» مصائب
مماثلة.. - قادت إلى - نزعة عامة إلى المذهب العقلي والدين الطبيعي
والأخلاق « [١٦] . وعلى الجانب الآخر خلخلت دعوات المساواة ثقافة الإقطاع؛
ففي سنة ١٧٥٤م نشر جون جاك روسو كتابه الأشهر:» خطبة في منشأ وأسس
التفاوت بين البشر «، ثم تبعه العقد الاجتماعي ليؤسس العلاقة في الشراكة
الاجتماعية تأسيساً قانونياً [١٧] باحثاً عن العدل المفقود في النظم الأوروبية، فقال
بمبدأ العدل والفضيلة المطبوعة في أعماقنا، فيلتقط (عمانوئيل كانط) ذلك
وينطلق ليؤسس لقواعد الأخلاق بما فيها العدل في فلسفته النقدية، وليقدم تأصيلاً
فلسفياً بدرجة ما للمحافظة الاجتماعية خلافاً لاتجاه الفلسفة الفرنسية المتشدد.
لم تقف المعاقل القديمة أمام الفكر الإصلاحي المنادي بإزاحة الظلم الاجتماعي
بأنواعه المختلفة، واشترك في المعركة فلاسفة الأرستقراطية المحافظة وعلى
رأسهم في المجال التشريعي (مونتيسكو) صاحب المدونة الشهيرة (روح الشرائع)
فحاول أن يثبت أن الدساتير السياسية ترتبط بنواميس طبيعية توجدها كظروف
الإقليم والتربة وطبيعة الشعوب وأخلاقها متخذاً من ذلك الحجة لئلا يمس الدستور
الفرنسي وطبقة الأشراف الفرنسية بحجة حق الفتح، وينتهي إلى أن العدل والحق
قيمة يحددها الواقع ليضفي المشروعية بذلك على النظم القائمة وما فيها من ظلم
طبقي وتشريعي [١٨] .
الثورة الفرنسية.. نفوذ وثقافة تبحث عن رسالة:
في ظل هذه التحولات الكبيرة في عقل القارة وضميرها ونظمها اشتعلت
الثورة الفرنسية، وأجهزت على نظام الإقطاع، والكنيسة لتنطلق طاقة الثورة
وتندلع آثارها في أرجاء أوروبا، فزلزلت أنظمتها ومراكز قواها وأفكارها التقليدية،
وكان من أنفذ وسائل الثورة والتحول المضامين الثقافية والحقوقية.
في هذه الأثناء كان التنافس الاستعماري بين فرنسا وبريطانيا في ذروته،
وكان أهم مراكز النفوذ البريطاني الداعمة لاقتصادها المستعمرات البريطانية في
الهند باعتبارها مصدر المواد الخام وسوقاً كبيرة للمنتجات البريطانية، وقد أدرك
الاستراتيجيون الفرنسيون أهمية مصر لخنق الاقتصاد البريطاني بتضييق الطريق
الرابط بين بريطانيا والهند [١٩] ، وكان للمذكرة التي قدمها رئيس الجالية الفرنسية
في مصر ويدعى: (مجالون) سنة ١٧٩٨م لوزير الخارجية الفرنسي (تاليران)
أثر حاسم في تغيير استراتيجية فرنسا تجاه مصر، قدم على إثرها تاليران لحكومته
تقريره مبيناً فيه الظروف الاستراتيجية المواتية لاحتلال مصر ومن ذلك سوء إدارة
المماليك وعجزهم عن المقاومة، وفي سنة ١٧٩٨م صدرت أوامر الحكومة
الفرنسية لنابليون بأن يجهز الحملة لاحتلال مصر. وبالفعل احتل نابليون مصر،
واستعدى ذلك بريطانيا فتحالفت مع العثمانيين وهزموا الأسطول الفرنسي في معركة
أبي قير، فانسحب نابليون وخلَّف وراءه القائد الفرنسي كليبر الذي قتل، ثم
انسحبت القوات الفرنسية تنفيذاً لاتفاقية دولية بين فرنسا من جهة والعثمانيين
والبريطانيين من جهة أخرى.
نابليون يصدر قانونه المدني بعد عودته من مصر:
في هذا المناخ الثقافي والسياسي التنافسي المتوتر بزغ فجر تحول تاريخي
عالمي عظيم في المجال التشريعي استهلته فرنسا بإصدارها القانون المدني الفرنسي،
وهو أول قانون مدني يصدر في أوروبا، وقد صدر بدعم كبير من نابليون حيث
عارض الجمهوريون المشروع، فرفض المجلس التشريعي الأبواب الأولى منه،
فسحب نابليون المشروع ثم كرَّ بحركة بوليسية تمكن بها من السيطرة على المجلس،
فوافق على القانون في مارس سنة ١٨٠٤م وذلك بعد أقل من خمس سنوات من
عودة نابليون من مصر [٢٠] ، ثم تبعه قانون المرافعات المدنية الفرنسي، والقانون
التجاري الفرنسي سنة ١٨٠٧م، وقانون الإجراءات الجنائية الفرنسي سنة ١٨٠٨م،
وقانون العقوبات الفرنسي سنة ١٨١٠م.
وقد أدت حركة التقنين الفرنسية هذه إلى جدل فكري أوروبي عريض شارك
فيها الفلاسفة ورجال القانون؛ ففي ألمانيا مثلاً كان أبرز معارضي التقنين (سافيني)
أحد أنصار المدرسة القانونية التاريخية التي تعتقد أن القانون ثمرة الحركة
الاجتماعية، وأن تقنينه يؤدي إلى الإخلال بوظيفته بحسب هذه المدرسة [٢١] . وفي
المقابل كان (تيبو) من أبرز مؤيدي التقنين، وأصدر رسالته في هذا المعنى سنة
١٨١٤م، وقد تراجع معارضو التقنين. وبمساعدة من الظروف الطبقية
والاجتماعية والفكرية والثورية التي تقدَّمَ إيجاز لملامحها اكتسحت حركة التقنين
أوروبا والعالم كله حتى قيل بأن:» أهم الخصائص المميزة لهذا العصر الحركة
العامة للتقنين في أوروبا وأمريكا وكذلك في بعض دول آسيا وأفريقيا « [٢٢] وكان
هذا التحول أحد أوجه التأثير الحركي العالمي للثورة الفرنسية، ومن المفارقات
الظاهرة هنا العلاقة الخفية بين الثورة الفرنسية الغازية المنتصرة على مصر - قبل
تدخل العثمانيين والإنجليز - والتحولات التشريعية في فرنسا. وبعبارة أخرى:
هل كانت مصر والفقه الإسلامي في عزلة عن هذا التحول التشريعي في فرنسا
والعالم من ورائها؟
إن الإجابة على هذا التساؤل يفرض قدراً من الحذر لتحقيق الموضوعية في
هذه المسألة، فلا يجوز الإبحار في أوهام حالمة تربط كل حركة في أوروبا بتراث
المسلمين؛ لكن في الوقت نفسه لا يجوز الصمت أمام النقل غير المشكور من ثقافة
المسلمين الذي تمارسه أوروبا وقد اكتشف في مجالات عديدة تتبعها بعض مؤرخي
الفكر.
علاقة قانون نابليون بالفقه الإسلامي:
لقد حققت أوروبا تقدماً في مجالات الفكر السياسي والقانوني، وتطور عبر
حقب من الزمن إثر علاقاتها مع العالم الإسلامي ونشاطات مفكريها، وهذه مسألة
تاريخية معروفة [٢٣] ، غير أن ما يهمني هنا هو العلاقة المباشرة بين حملة نابليون
على مصر وصدور التقنين المدني الفرنسي المعروف بقانون نابليون.
تكشف حوادث تاريخ الحملة الفرنسية أن نابليون قد تعامل مع علماء الشريعة
في مصر، وتعرَّف على جوانب من أحكامها، وقد حاول أن يهيمن على توجهاتهم،
فواجهته عقبة الصمود الفقهي وجعلته يتراجع في حالات كثيرة أبرزت أمامه
مفهوم الشريعة وقدسية أحكامها ونفاذها، وكان نابليون يعلم بمشورة المستشرقين
عمق علاقة المسلمين بأحكام الشريعة، ويسمي الأزهر: (سوربون الشرق) ،
وعلماؤه هم:» الذين يصوغون الرأي العام، ومن ثم فإن عليه ربط السلطة
الفرنسية ربطاً وثيقاً برجال الدين هؤلاء « [٢٤] وقرر أن تُحْكَم القاهرة عبر ديوان
مؤلف من تسعة أشخاص معظمهم من العلماء، ثم قرر في سنة ١٧٩٩م أن الجرائم
التي تقع في مصر إنما يرجع اختصاص النظر فيها بشكل طبيعي إلى المحاكم
الإسلامية ما عدا ما يهدد الأمن العام وما يخص الفرنسيين [٢٥] .
وقد درس علماء الحملة الفرنسيون الشريعة ضمن مكونات الثقافة المصرية
الإسلامية برعاية مباشرة من القائد الفرنسي كليبر الذي أمر بتكوين لجنة لدراسة
مصر الحديثة تتكون من مجموعة من العلماء المقربين من كليبر، وذلك قبل سنة
١٧٩٩م، ليبدأ برنامج دراسة مصر في المجالات الحضارية والطبيعية المختلفة،
وكان في صدارتها التشريع، لاحظ هذا في نص تاريخي عن الحملة يقول:» إن
جميع جوانب مصر الإسلامية واردة في البرنامج: التشريع، الأعراف المدنية
والدينية، الإدارة، الشرطة، الحكم والتاريخ.. «، [٢٦] . لم تكن الهمة العلمية
باهتة أو هامشية؛ لقد كانت واضحة المعالم جلية الأهداف، ولنترك الناشر الذي
كلفه الجنرال كليبر بالمهمة ويدعى (الألزاسي) يوضح ذلك؛ فقد كتب مخاطباً
حكومة بلاده عن علماء الحملة بقوله:» إن الذين يملكون هذه المجموعة مستعدون
لأن يجعلوا عملهم متاحاً للجميع تحت إشراف الحكومة.. هذا المشروع الذي سوف
ترحب به كل حكومات أوروبا.. إن الأبحاث المتعلقة بالحالة الراهنة والحديثة
لمصر إنما تقدم موضوعاً مهماً للفلسفة وللسياسة. فالقوانين والعادات والتاريخ
والحكم والصناعة والتجارة.. تستحق دراية أشمل بها لا يمكن انتظارها من الرحالة
الفرنسيين أو الأجانب الذين سبقونا، وقد جمعت الأشخاص الذين بدوا لي أكثر
ملاءمة للتنافس في هذا العمل، ومنحتهم كل السلطة والإمكانات التي يحتاجون
إليها « [٢٧] .
لقد كان هؤلاء العلماء يدركون أنهم أمام ثروة عظيمة، فاستعصى عليهم
التعامل فيما بينهم استئثاراً من بعضهم بما أدرك من تلك الكنوز. يقول ناشر العمل
الموسوعي ذاك:» إن هؤلاء العلماء الذين انهالت عليهم الغنيمة التي كانوا معتزين
بها عن حق كانوا يحيون في حذر متواصل أحدهم من الآخر، وكانوا يرفضون
تبادل بحوثهم فيما بينهم.. والحال أن الجنرال كليبر قد جمعهم عدة مرات عنده دون
أن يتمكن من التوصل إلى شيء حاسم، وفي نهاية الأمر خطر له أن يقترح عليهم
أن أكون ناشراً لهذا العمل المهم، وقد وافقوا على ذلك، وأرسل الجنرال في
طلبي.. وقد وقَّع الجميع على هذا الاتفاق « [٢٨] . وبذلك يعتبر بعض
المؤرخين الفرنسيين أن:» التركة الأساسية لحملة مصر هي تركة علمية
وإيديولوجية ونحن ندين لها بهذا الأثر المهم (وصف مصر) وهو عمل يثير
الإعجاب، ويكمن في أساس أية معرفة علمية عن مصر أكانت مصر القديمة أم
مصر الإسلامية « [٢٩] .
ولم تكن البحوث المباشرة لعلماء الموسوعة في وصف مصر هي المصدر
الوحيد لتأثير الفقه الإسلامي على قانون نابليون، بل يمكن تتبع مصادر أخرى،
منها ما ذكره بعض المؤرخين عن اصطحاب نابليون لمجموعة من كتب الفقه
والأحكام حين انسحب قافلاً من مصر. ولاحظ هنا أنه انسحب في ظروف هزيمة
عسكرية وتدهور سياسي خطير للموقف الفرنسي في أوروبا بعد هزيمة الجيوش
الفرنسية أمام التحالف الأوروبي في جنوب القارة. يقول المؤرخ محمد فريد بك
المحامي:» وكذلك فعل نابليون الشهير حينما دخل مصر في أوائل القرن الثالث
عشر من الهجرة؛ فإنه أخذ كثيراً من كتب الفقه وأحكام الشريعة الغراء « [٣٠] .
من خلال هذه الحقائق يمكن أن نستنتج بوضوح اكتشاف الفرنسيين للفقه
الإسلامي، ودوره الكبير في المجتمع المصري المسلم، وبهذا سيكون من الصعب
افتراض المصادفة المحضة حين يُصدِر نابليون القانون المدني بعد عودته من مصر
بأربع سنوات وبضعة أشهر، وتتحول هذه القرائن التاريخية إلى أدلة واضحة على
العلاقة بين قانون نابليون والفقه الإسلامي مع المقارنة الموضوعية وتتبع أحكام
الفقه الإسلامي المخالفة لأحكام القانون الروماني السارية قبل قانون نابليون. وقد
حاول الشيخ سيد عبد الله تتبع أحكام الفقه الإسلامي المدرجة ضمن هذا القانون في
كتابه: (المقارنات التشريعية) المطبوع قبيل صدور القانون المدني المصري سنة
١٩٤٨م.
وما يهمنا في هذا السياق هو تفطُّن نابليون للوظيفة الاجتماعية التي يقوم بها
الفقه المدوَّن ذو المعالم الواضحة المستقل عن الطبقات والسلطات في المجتمع
المصري، وجوهر عملية التقنين لا تتجاوز هذا المفهوم؛ إذ هي في الواقع
الحضاري عبارة عن ضبط عادل للحقوق مفصل وواضح المعالم يعرفه الجميع
بيسر وسهولة، ويستعلي على التغيير بالهوى والممارسة الفردية أو الطبقية، وهذا
بالضبط ما كانت تتشوَّف إليه أوروبا في حالتها الحقوقية في تلك الحقبة، ويمكن أن
نلخص حالة فقدانه الشائعة في أوروبا بأنها حالة منخفَض حقوقي جذبت بقوة هائلة
هذا المفهوم من الفقه المصري الذي عرفه نابليون بحسه المرهف النفاذ المعروف
عنه.
إن ما نستنتجه من هذه الملاحظات هو الدور الكبير الذي صنعه الفقه
الإسلامي في التحول العالمي نحو التقنين، وبذلك يمكن أن نعتبر موجة التقنين من
ثمرات تفوق الفقه الإسلامي التي التقطتها الحركية المتدفقة للثورة الفرنسية وجعلتها
واحدة من أهم وسائلها في تغيير العالم وتحويله نحو ثقافتها، في الوقت الذي يغط
فيه أصحاب الثقافة الأصليين في سبات يفقدون به التأثير على حركة العالم ونظمه،
فضلاً عن امتلاك زمام المبادرة في نظمهم وتشريعاتهم، وما ذلك إلا من ثمرات
التردد والانكفاء والضعف الحضاري.
مواجهة الاحتلال التشريعي في مصر:
طرحنا فيما تقدم التساؤل عن أسباب تمكن حركة التقنين في مصر الموصوفة
في صدر هذا المقال؛ مع أن واقع الفقه في مصر كان من أهم وسائل تحريك
التقنين في فرنسا نفسها، وهل استسلمت مصر للتشريعات الفرنسية المصبوغة
بالثقافة الفرنسية والأوروبية الوضعية وتقبلتها؟
لقد كانت الآثار المباشرة للحملة الفرنسية محدودة [٣١] ، لكنها خلفت آثاراً غير
مباشرة لا زالت نتائجها تصبغ المجتمع والثقافة المصرية، وكان من أهم تلك
النتائج كسر العزلة الدولية والحضارية التي فرضتها الدولة العثمانية على المجتمع
المصري والعربي، فتحطمت تلك الحواجز فجأة، وتركت الأبواب مشرعة أمام
الاتصال المباشر بالعالم الخارجي وبخاصة أوروبا، فانطلق محمد علي بعد استتباب
الحكم له يتصل بإيطاليا، فأرسل لها بعثة سنة ١٨١٣م لدراسة العلوم العسكرية
وبناء السفن والهندسة وغيرها، ثم تحول إلى فرنسا، فأرسل لها أول بعثة علمية
كبيرة سنة ١٨٢٦م.
ومن آثار الحملة الفرنسية اكتشاف مكانة الأزهر، ومقدرته القيادية في
المجتمع؛ فقد واجه الفرنسيون ثورتين شعبيتين قادهما الأزهر، كما قاد الأزاهرة
ثورة ضد الأمير المملوكي عثمان البرديسي فهرب من القاهرة، ثم قادوا مع الزعيم
الشعبي عمر مكرم ثورة ضد خورشيد باشا وولوا محمد علي باشا بشروط سُمِّيت:
(المشروطية) كانت في وقت مبكر بمثابة الدستور وذلك سنة ١٢٢٠هـ /١٨٠٥م،
ثم قرر الباب العالي عزل محمد علي، لكن العلماء قادوا حركة شعبية ثبتته من
جديد [٣٢] ، وكان سليمان الحلبي قاتل القائد الفرنسي كليبر تلميذاً أزهرياً أعدم ومعه
ثلة من شيوخ الأزهر، فوجه محمد علي جهوده لتكبيل الأزهر، فحاصر موارده
الوقفية، وأعمل الدسائس بين شيوخه مما أسهم في تحطيم دوره السياسي الذي كان
يقوم به في أزمان المحن:» فمن سنة ١٨٠٩م ١٨١٥م بدأ محمد علي بتصفية
الأوقاف، وألحق جرايات المساجد والعلماء بالدولة؛ وكان ذلك جزءاً من بدء
معركته ضد العلماء، وهو ما سيترك آثاره السلبية لاحقاً على مجمل مشروع محمد
علي، ويكون سبباً رئيساً من بين أسباب عدم قدرته على مواجهة الدول الكبرى،
وقد فقد تأييد العلماء « [٣٣] ،» لقد دفع محمد علي ثمن هذا الخطأ غالياً عندما
أحاطت به جيوش الغرب، وأنزلت به عسكرياً الضربة القاضية؛ فالاعتماد على
الجيش والدولة بعيداً عن مشاركة فعلية للشعب وقياداته لا تنفع عند مواجهة جيوش
متفوقة.. أما عندما يدخل في الحساب مقاومة المجتمع والشعب وتكون المعركة
دفاعية فإن مواجهة مثل تلك الجيوش تصبح ممكنة بل قابلة للانتصار، كما حدث
في مثال تجربة محمد علي عام ١٨٠٧م « [٣٤] .
كما حطم محمد علي الروابط المهنية لأرباب الحرف، والتجار، وتعامل معهم
كما تعامل مع المجندين لخدمة الجيش؛ فتحطمت الصنائع والحرف، واضمحلت
طبقة التجار، وخسر بذلك طبقة وسطى كان يمكن أن تقود إلى مجتمع صناعي
مستقر، واشتغل بتسخير المجتمع المصري وموارده لتحقيق طموحاته العسكرية،
فاستنزفها في مغامرات لم يكتب لها النجاح، وقد أدى ذلك فيما بعد إلى تحول
المجتمع المصري إلى حطام لا يملك الحد الأدنى من وسائل التماسك والثبات للدفاع
عن مقوماته الاقتصادية والثقافية، فأضعف ذلك الحكومات المصرية المتوالية في
وجه الدول الكبرى، ومهد السبل لاستفحال الفساد دون قدرة على المحاسبة والإنكار،
فغرقت الدولة في الديون حيث تجاوزت ديون مصر في عهد الخديوي إسماعيل
١٢٦مليون جنيه بريطاني، وعجزت عن القيام بالتزاماتها؛ مما أدى إلى التدخل
الأجنبي بشكل خطير؛ حيث اشترت الحكومة البريطانية أسهم الحكومة المصرية
في قناة السويس سنة ١٨٧٥م، ورهنت أراضي مصرية لأسرة روتشيلد مقابل
ديون الحكومة، وكانت الخطوة الثانية للتمكين الأجنبي بسبب الإسراف وسوء
التدبير المالي هي تأسيس (صندوق الدَيْن) ليرأسه أربعة أجانب يتولى استلام
المبالغ المخصصة للديون من المصالح المحلية، واستفحل التدخل بإصدار الخديوي
إسماعيل لمرسوم يفرض الرقابة الأجنبية على واردات ومصروفات مصر، ثم
فرضت بريطانيا وفرنسا على الخديوي التنازل عن الحكم المطلق وثروات أسرته،
وشكلت الحكومة بوزيرين أجنبيين أحدهما فرنسي والآخر بريطاني، ثم أخفقت هذه
الحكومة لفسادها المالي، فشكلت الوزارة الأوروبية الثانية، ثم خلع الباب العالي
الخديوي إسماعيل بتدخل من بريطانيا وفرنسا وعيَّن محمد توفيق خلفاً لوالده،
فانساق للتوجيه الغربي مما شحن مصر وهيأها للثورة العرابية الشهيرة التي انتهت
بالاحتلال البريطاني لمصر سنة ١٨٨٢م، وكانت سياسة بريطانيا هي التمكن من
(النفوذ الفعلي في مصر) [٣٥] ، وقد نتج عن ذلك انتقال:» السلطة الفعلية في
مصر بطريقة مستترة إلى ممثل إنجلترا في مصر، أو القنصل البريطاني وأعوانه
من المستشارين الذين عينوا في الوزارات المختلفة « [٣٦] ، ثم عينت الحكومة
البريطانية رجل الاستعمار البارع اللورد كرومر سنة ١٨٨٣م، وهكذا ترسخ نفوذ
المستعمر، وبدأ تطور الفكر الوطني وكانت قضيته الكبرى تحقيق الاستقلال من
الهيمنة العسكرية، ووجد هذا التيار في الخديوي عباس الثاني الذي خلف والده
رمزاً وطنياً تواقاً إلى التحرر من نفوذ الإدارة الاستعمارية، فالتف حوله الوطنيون
وعلى رأسهم مصطفى كامل الزعيم الشاب الذي درس في المدارس الأميرية وتابع
تعليمه في فرنسا؛ لكنه كان ممن ورث الفكر السياسي لدى جمال الدين الأفغاني:
» فكان قوي العقيدة الدينية ورأى أن الدين والوطنية توأمان متلازمان، وأن الرجل
الذي يتمكن الدين من فؤاده يحب وطنه حباً صادقاً « [٣٧] وكان يؤمن بالجامعة
الإسلامية، وأسس الحزب الوطني في مواجهة حزب الأمة الذي يمثل كبار الملاك.
أما حزب الأمة فقد أسسه أعضاء شركة صحيفة (الجريدة) ، وهم من أتباع
محمد عبده بعد تحوله عن طريق شيخه جمال الدين وانتهاجه لمسلك التغيير
ومواجهة الاحتلال عبر التربية والتعليم بعد عودته من منفاه إثر الثورة
العرابية [٣٨] ، وكان من أبرز أتباعه الوطنيين سعد زغلول، وهم باتجاههم
التربوي الذي صُبغ بفكر محمد عبده يخالفون مسلك مصطفى كامل الذي رفع شعار
الجلاء الكامل، وقد انضم إلى حزب الأمة فيما بعد كبار اللبراليين المصريين
المؤمنين بالتغيير الاجتماعي المتابع للغرب من أمثال طه حسين، ومحمد
حسين هيكل، ومصطفى عبد الرازق [٣٩] .
وبعد سنوات من المقاومة والمواقف خضع الخديوي عباس الثاني لسلطة
الاحتلال منذ سنة ١٨٩٩م، وكانت قضية ذلك الجيل هي الاستقلال وتأسيس المدنية
لمقاومة الهيمنة الأجنبية، كما أن ذلك الجيل من الوطنيين قد:» تأثر..
بالاتجاهات الغربية واختلف عن أولئك الذين تتلمذوا في الأزهر وتأثروا بالبيئة
الدينية، وحدث تصادم بين الفكر التقليدي والفكر المتأثر بالغرب، وانعكس ذلك في
برامج الأحزاب السياسية التي ظهرت في مصر فيما بين عامي ١٩٠٧ - ١٩١٤م.
استمر الحزبان في عملهما، واستحوذا على عقول المصريين تحت ضغط
هيمنة المستعمر [٤٠] ، وراجت عاطفة الحزب الوطني لتبنيه للجامعة الإسلامية،
فاستقطب المؤمنين بالعمل بوضوح لتحقيق الجلاء، ولم يهتم الحزب بالجوانب
الاقتصادية والاجتماعية فضلاً عن التشريعية لتركيزه على التحرير، وكان يدعو
إلى التحديث: «غير أن هذا لا يعني أن على مصر أن تقلد أوروبا تقليداً أعمى؛
إذ يجب أن تبقى وفية لمبادئ الإسلام المفسرة تفسيراً صحيحا» [٤١] ، وأما حزب
الوفد - الذي أسسه تلاميذ محمد عبده - فقد أخذ اتجاهاً علمانياً مخالفاً لتوجه محمد
عبده فكانت فيه: «فئة ممن احتفظوا بالولاء الفكري لمعلمهم، غير أنهم أخذوا
يعدُّون العدة لمجتمع علماني يبقى الإسلام فيه محترماً، لكنه لا يكون الموجِّه للقانون
والسياسة» [٤٢] ؛ فقد عمَّقت صحيفة الجريدة لسان حزب الأمة التي يرأسها لطفي
السيد ذو التوجه اللبرالي المتأثر بالنصارى اللبنانيين وعلى رأسهم بطرس البستاني،
وشبلي شميل، وأنطون فرج التوجه نحو الثقافة الغربية خاصة في مجال
الدستور والعلوم السياسية والديمقراطية؛ فالانطباع: «القوي الذي تتركه فينا
قراءة تلك المقالات هو الاندهاش من الدور الصغير الذي لعبه الإسلام في تفكير
رجل تتلمذ على محمد عبده.. لم يكن الإسلام هو المبدأ المسيطر على تفكيره؛ فهو
يهتم كالأفغاني بالدفاع عنه لكنه لا يهتم كمحمد عبده بإعادة الشريعة الإسلامية إلى
مركزها كأساس خلقي للمجتمع» [٤٣] كما يقول حوراني.
وبعد الحرب العالمية الأولى أعلنت بريطانيا الحماية على مصر، وهي مرتبة
بين الضم والاحتلال. وبعد انقضاء الحرب العالمية الأولى انعقد مؤتمر الصلح في
باريس، واستيقظت الحركة الوطنية، وتوجه زعماء وطنيون على رأسهم سعد
زغلول إلى دار الحماية يطالبون باستقلال مصر والسماح بسفرهم لبريطانيا لعرض
القضية الوطنية على مؤتمر الصلح؛ فألقت السلطات القبض على الوفد، ونفتهم في
اليوم التالي إلى مالطا، فانفجرت الثورة الشعبية، فواجهها الاحتلال بالعنف؛ مما
فجَّر الجمهور بفئاته المختلفة وفي الأقاليم كافة، وحدث تحول جديد حيث تحركت
المرأة المصرية: «فنزلت لأول مرة في حياتها إلى ميدان النضال السياسي مسجلة
الخطوة الأولى في أخطر تطور اجتماعي في تاريخ البلاد؛ ففي يوم ٦مارس - من
سنة ١٩١٩م - قامت السيدات والآنسات بمظاهرة كبرى مكونة من عدد يربو على
الثلاثمائة من كرام العائلات.. ولقد وجدت المرأة المصرية في الثورة الناشبة
فرصة العمر لتؤكد وجودها في المجتمع المصري» [٤٤] ، وكان هذا التحول من
أبرز المتغيرات الاجتماعية التي استجابت لدعاوى التحرير الليبرالي للمرأة، وكان
ارتباط تلك الحركة بمطالب الاستقلال قد منحها زخماً سياسياً ووطنياً كبيراً، وكان
ذلك يدعم المفاهيم التي تحميها القوانين المستغربة، فأوجدت الصلة الجماهيرية
الحية مع القيم المودعة في تلك القوانين.
ولنلاحظ هنا أثر الظروف الثورية المتوقدة التي حدث فيها هذا التحول
وصلتها بالاستقلال، وخاصة أن قاسم أمين قد انطلق في كتابه من أن انحطاط الأمة
الإسلامية سببه زوال القوة المعنوية بسبب الجهل، والجهل يبدأ من العائلة؛
فالعلاقة بين الرجل والمرأة وبين الأم والولد هي أساس المجتمع، وقوة العائلة هي
القوة التي تنتشر في المجتمع؛ فجوهر القضية الاجتماعية هي قضية المرأة، وتبدأ
قضية المرأة، بتعليمها وإزالة حجابها لتتمكن من دورها في المجتمع، هكذا توهم،
ومضى بالأمة خطوة على طريق التآلف مع الأخلاق القادمة لتتفاعل هذه الخطوة
فيما بعد مع مؤثرات أخرى تمهد لتحلل الأخلاق، خاصة عند تفاعلها مع الزخم
الوجودي الذي شاع بعد الحربين العالميتين.
أدرك سعد بملاحظته لحركة الثورة أن وراءه قوة شعبية تحميه في مواقفه؛
فدفعه ذلك إلى مزيد من التشدد؛ فقد سرت في نفسه آثار الحركة الاجتماعية التي
أجبرت بريطانيا على إطلاق سراحه، ومن هنا ندرك بعداً وطنياً مهماً يتمثل في
زخم الشرعية التي انتزعها حزب الأمة الليبرالي بوصفه محركاً وطنياً ينافح عن
الاستقلال ويصوغ الثقافة والمواقف.
كما ظهرت في هذه الفترة آثار الجور الذي مارسه المستعمر، فأدى إلى تطور
الرؤية الشعبية لمجموعات من الحقوق المنتهكة، وتحققت بذلك المقدرة على تكوين
مواقف فئوية تطالب بالحقوق المنتهكة المتراكمة عبر حقب من الزمن، ولنضرب
مثالاً لذلك بحقوق العمال؛ فقد تعرضت هذه الطائفة إلى تجاوزات مستمرة على
حقوقهم وصلت إلى مستوى السخرة في بعض الأحيان، وقد أدى الاتصال بالثقافة
الجديدة إلى الوعي بالحقوق والمفاهيم التي تحميها؛ فظهرت الدعوات للمطالبة
بتعويضات العمل ونهاية الخدمة والأجور العادلة والعمل النقابي وغيرها، وقد كان
لاستغلال الاستعمار الوحشي لمجموعات العمال والفلاحين أثر بالغ في تطوير
الوعي بالحقوق العمالية؛ وذلك إبان الحرب العالمية؛ حيث نقلوا بالعربات
العسكرية إلى جبهات القتال للقيام بالأعمال المدنية في الجبهات وطرق الإمداد
كالطرق ونقل المؤن والذخائر والحفر والردم؛ فقد ساقت السلطة المحتلة من
الفلاحين مائة وخمسة وثلاثين ألف رجل للجبهة السورية لوحدها، فنشطت الحركة
العمالية بعد الحرب حتى أسفرت جهودهم عن ميلاد وثيقة تاريخية نشروها بعنوان:
(مشروع قانون حماية العمال) سنة ١٩١٩م قبيل الثورة الشعبية، وهكذا ولدت
آلية جديدة من رحم الثقافة القانونية لحماية حقوق العمال التي غاب عنها الفقيه
الشرعي بحركته الحية المعهودة في عصور ازدهار الفقه والاجتهاد؛ فحلَّ البديل
الأجنبي وسدَّ الفراغ الإصلاحي [٤٥] .
стр. 3916
دراسات في الشريعة والعقيدة
الحكم الظاهر على أهل الكبائر
ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي
لا شكَّ أن العبودية لله - تعالى - تتفاوت بين العباد «ذلك أن ألوهية الله
متفاوتةٌ في القلوب على درجات عظيمة تزيد وتنقص؛ ولذا كان تفاضلهم في
العبودية كبير لا ينضبط طرفاه» [١] ، كما قال الله - تعالى -: [ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ
الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ
بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ] (فاطر: ٣٢) ، فدل ذلك على أن العباد
المصطفين ليسوا درجةً واحدةً؛ بل ثلاثاً كما هو ظاهر الآية الكريمة:
- أدناها: الظالم لنفسه: وهو الذي يظلم نفسه بارتكاب المعاصي والآثام التي
هي دون الكفر [٢] .
- أوسطها: المقتصد: وهو الذي يقيم الفروض، ويجتنب الكبائر وكثيراً من
الصغائر، وحظه من النوافل قليل؛ فهو غير مجتهد في عبادة ربه [٣] ، بل عمله
في ذلك قصدٌ [٤] .
- أعلاها: السابق بالخيرات: وهو المبرِّز [٥] الذي تقدَّم المجتهدين في طاعة
ربه، وأداء ما لزمه من فرائضه [٦] .
فهؤلاء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية هم الذين «تقربوا إلى الله بالنوافل بعد
الفرائض؛ ففعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات» [٧] .
فالعباد إذن متقلبون في هذه الدرجات، متفاوتون في نصيبهم منها، وهذا لا
يعني أن أحدهم معصوم من الذنوب مطلقاً؛ فالمسلم ذو خطأ وهو غير معصوم،
كما قال النبي ﷺ : «كل بني آدم خطَّاءٌ وخيرُ الخطائين
التوابون» [٨] .
والحديث هنا سيكون عن صاحب الدرجة الأولى: وهو الظالم لنفسه لا غير،
وهو: صاحب الكبيرة من أهل التوحيد الذي لا يتورع عن فعل المعاصي
والمحرمات، وهذا له أيضاً ثلاث حالات: الأولى: أن يفعل الكبائر مستتراً بها،
والثانية: أن يجاهر بها، والثالثة: أن يزيد على المجاهرة الدعوة إليها، وهذه
أشرُّها حالاً؛ عياذاً بالله.
ومن خلال ما تقدَّم لا بد من ذكر أمرين مهمين وهما:
الأول: أن علماء المسلمين ﵏ قديماً وحديثاً قد تكلموا وكتبوا
كثيراً عن أحكام أهل الكتاب - اليهود والنصارى - وحذروا منهم، وكذا عن أهل
الأهواء من الجهمية والمعتزلة والأشعرية والشيعة، لا سيما أهل المذاهب
المعاصرة كالماسونية، والعلمانية، والحداثية وغيرها. أما موقفهم وحديثهم عن
المجاهرين بالكبائر فلم يكن كبير همِّهم أو حديث وقتهم؛ بل تأتي أحكامهم تبعاً لأن
أهل الكبائر لم يكونوا يجرؤون على المجاهرة بمعاصيهم آنذاك فضلاً على أن يدعوا
إليها؛ وما ذاك إلا لقوة الإيمان وظهوره، ومتابعة السلطان وأهل الحسبة. أما اليوم
فانتكست المفاهيم، واضطربت الموازين؛ يوم أصبح أكثر المجاهرين بالكبائر هم
أهل الرأي وصناع القرار في كثير من بلاد المسلمين، ولذا اجتهدت ولله الحمد في
كتابة بعض الأحكام الشرعية نحوهم، وهي كثيرة تربو على ثلاثين حكماً.
الثاني: لا شك أن الكبائر كثيرةٌ جداً، وهي: كلُّ ذنبٍ ترتَّب عليه وعيدٌ في
الآخرة، أو حدٌّ في الدنيا، أو غضب [٩] ، مثل الزنا، والخمر، والربا، وشهادة
الزور، والغيبة، والرشوة، والكذب، والغناء والمعازف ... إلخ، والأدلة على
تحريم ما ذكرناه كثيرة جداً، فمن أرادها فدونه كتاب «الزواجر عن اقتراف
الكبائر» لابن حجر الهيتمي.
وبعد هذه المقدمات العلمية، أقول: لا شك أنَّ لأهل الكبائر المجاهرين - إذا
ماتوا على فسقهم - أحكاماً شرعية كثيرةً، استخلصتها من كلام أهل العلم تبصرةً
للصَّالحين، وتحذيراً للعاصين؛ فهاك بعض أحكام من يتصف بهذه الصفات على
اختصار:
١ - أنه مؤمنٌ ناقصُ الإيمان، عاصٍ بمعصيته، داخلٌ تحت مشيئة الله -
تعالى - إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له، وأهل السنة لا يشهدون لأحدٍ بجنةٍ ولا
نارٍ إلا من شهد له الشرع بذلك.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: جواز الشهادة لمن اتفقت
الأمة على الثناء عليه، أو الإساءة به [١٠] .
٢ - أنه لو مات على ذلك فخاتمته خاتمة سوء، عياذاً بالله، وهذا لا يعني
أنه كافر، ما لم يستحلها!
٣ - أنه إذا لم يتبْ منها فيُبغَض على قدر ما معه من المعاصي؛ لأن قضية
الحب والبغض - الولاء والبراء - من أصول هذا الدين؛ ولذا وجب على المؤمن
أن يكون حبُّه وبغضُه لله - تعالى -، فيزداد حبُّه لأولياء الله، وبغضه لأعداء الله،
وربما يجتمع في العبد الواحد حبٌّ وبغضٌ؛ بحيث يُحَبُّ من وجهٍ ويُبغَضُ من
وجهٍ وذلك بحسب ما في الشخص من خصالِ الخير والشر!
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإذا اجتمع في الرجل الواحد خيرٌ وشرٌّ
وفجور، وطاعة ومعصيةٌ، وسنةٌ وبدعةٌ: استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه
من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في
الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا ... هذا هو
الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة» [١١] .
والحكم للغالب؛ ولذا قد لا تظهر آثار الحب على الجوارح إن كانت خصالُ
الشرِّ في الشخص طاغيةً على خصال الخير إلا عند وجود المقتضي لذلك، أما
أصل المحبة والبغض فموجودان في القلب لا يلغي أحدهما الآخر؛ ما كان أصل
الإيمان موجوداً في الشخص [١٢] .
٤ - أنَّ من جاهر بمعصيةٍ كبيرةٍ ولم يتبْ منها؛ فإنه إذا مرض لا يُعاد
هجراً له، وزجراً لغيره إذا كان ثمَّة مصلحةٌ راجحةٌ في ذلك.
وقد نصَّ بعض الأئمة على ذلك بقولهم: «يَحرمُ عيادة مجاهرٍ بمعصيةٍ إذا
مرض، بل يسنُّ هجرُه ليرتدع ويتوب» .
ونقل حنبلٌ: «إذا علم من رجلٍ أنه مُقيمٌ على معصيةٍ؛ لم يأثم إنْ هو جَفاهُ
حتى يَرجعَ، وإلا كيف يبينُ للرجلِ ما هو عليه إذا لم يرَ مُنْكِراً عليه! ولا جَفوةً
من صديقٍ» [١٣] .
وهو قول شيخنا العثيمين ﵀: - «وأمَّا الفاجرُ من المسلمين بكبيرة
من الكبائر، أو بصغيرة من الصغائر وأصرَّ عليها: ففيه تفصيل أيضاً، فإذا كنَّا
نعوده من أجل أن نَعرضَ عليه التوبة، ونرجو منه التوبة فعيادتُه مشروعةٌ، إما
وجوباً، وإما استحباباً، وإلا فإن الأفضل ألا نعوده» [١٤] .
٥ - أنه إذا مات لا يُصلِّي عليه وَلِيُّ الأمر، وإمامُ كلِّ بلدٍ، وأئمةُ الدِّين،
والوجهاءُ من عِليةِ القوم، وأيضاً لا يُدعى له؛ زجراً لغيره إذا كان ثمَّة مصلحةٌ
راجحةٌ في هذا الترك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولا يجوز لأحدٍ أن يترحَّمَ
على من مات كافراً أو من مات مُظهراً للفسقِ مع ما فيه من الإيمان كأهل الكبائر.
ومن امتنع من الصلاة على أحدهم زجراً لأمثاله عن مِثلِ فعله كان حسناً،
ومن صَلَّى على أحدهم يرجو رحمة الله، ولم يكن في امتناعه مصلحةٌ راجحةٌ؛
كان حسناً، ولو امتنع في الظَّاهرِ ودعا له في الباطن ليجمع بين المصلحتين كان
أوْلى من تفويت إحداهما» [١٥] .
قال المرداوي: «واختار المَجْدُ أنَّه لا يُصَلَّى على كلِّ من مات على معصيةٍ
ظاهرةٍ بلا توبة. قال في» الفروع «: وهو مُتَّجَهٌ» [١٦] .
وقال صاحب المطالب: «ولا يُسنُّ للإمام: الإمامِ الأعظم، ولا إمام كلِّ
قريةٍ وهو واليها في القضاء الصلاة على غَالٍّ نصاً ... لأنَّ النبي صلى الله عليه
وسلم امتنع من الصلاة على رجلٍ من المسلمين؛ فقال:» صَلُّوا على صاحبِكم «؛
فتغيرت وُجُوه القومِ، فقال:» إنَّ صاحبَكم غَلَّ في سبيلِ الله «ففتشنا متاعَه
فوجدنا فيه حِرزاً من حِرزِ اليهود ما يُساوي درهمين» [١٧] ، ولا على قاتلِ نفسه
عمداً؛ لما روى مسلمٌ عن جابرِ بن سمرة «أنَّ رجلاً قتلَ نفسَه بِمَشَاقِصَ؛ فلم
يُصَلِّ عليه» [١٨] ، وفي رواية للنسائي قال النبي ﷺ : «أمَّا أنا
فلا أصلي عليه» [١٩] ، فامتنع النبيُّ ﷺ من الصلاة على الغالِّ،
وقاتل نفسِه، وهو الإمامُ، وأمر غيرَه بالصلاة عليهما، وأُلْحِقَ بهما ما سوى ذلك؛
لأنَّ ما ثبت في حَقِّه ثبتَ في حقِّ غيره، ما لم يَقُم على اختصاصه به دليلٌ « [٢٠] .
وقال العثيمين ﵀:» ولو قال قائلٌ: أفلا ينبغي أن يُعدَّى هذا
الحكمُ إلى أميرِ كلِّ قريةٍ، أو قاضيها، أو مفتيها، أي: من يحصل بامتناعه النَّكال،
هل يتعدى الحكمُ إليهم؟ الجواب: نعم يتعدى الحكمُ إليهم؛ فكلُّ من في امتناعه
عن الصلاة نكالٌ فإنه يُسَنُّ له أن لا يُصلي على الغالِّ، ولا على قاتلِ نفسه «،
وهذا قول ابن تيمية وغيره من أهل العلم [٢١] .
وقد سُئل الشيخُ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: هل
تُكره الصلاةُ على غير الغالِّ، وقاتلِ نفسه؟ فأجاب:» الصلاةُ تُكره على غير
الغالِّ وقاتلِ نفسه، مثلِ المجاهرِ بالفسقِ والكبائرِ «، وقال أيضاً:» والمراد
بكراهةِ الصلاة على أهل الكبائر للإمام خاصةً، أو لأهل العلم والدِّين المقتدى
بهم « [٢٢] .
وكذا يقول الشيخ الألباني ﵀:» الزاني ومدمن الخمر، ونحوهم
من الفساق؛ فإنه يُصلى عليهم؛ إلا أنه ينبغي لأهل العلم والدين أن يَدَعوا الصلاة
عليهم عقوبةً وتأديباً لأمثالهم كما فعل النبي ﷺ « [٢٣] .
٦ - أنه إذا مات على معصيته دون توبة فإنه يبعثُ يوم القيامة عليها.
فقد صح عنه ﷺ أنه قال:» يُبعثُ كلُّ عبدٍ على ما مَاتَ
عليه « [٢٤] ، وفي رواية:» مَنْ مات على شيءٍ بَعثَه الله عليه « [٢٥] ، فهكذا؛
الحاجُ يبعثُ ملبياً، والشهيد يبعثُ وجُرحُهُ يتفجَّرُ دماً، والسكرانُ يُبعثُ مخموراً،
والمغني يُبعثُ مغنِّياً!
٧ - أنَّه إذا مات وهو مجاهرٌ بالمعصية، وظهر لغاسله شرٌ فله أن يُظْهرَه
ولا يَسْتُرَه ليرتدعَ غيرُه، ويعتبرَ مقلِّدُوه.
قال صاحب الكشاف وغيره:» وعلى غاسلٍ سَترُ شَرٍّ رآه؛ لأنَّ في إظهارِه
إذاعةً للفاحشة ... ثمَّ قال: «قال جمعٌ محققون: إلاَّ على مشهورٍ ببدعةٍ، أو فجورٍ
ونحوه ككذب، فَيُسنُّ إظهارُ شَرِّه، وسترُ خيرِه ليرتدعَ نظيرُه» [٢٦] . وقال
المرداوي: «وقال جماعةٌ من الأصحاب: إن كان الميتُ معروفاً ببدعةٍ، أو قلةِ
دينٍ، أو فجورٍ ونحوه؛ فلا بأس بإظهارِ الشَّرِّ عنه، وسترِ الخيرِ عنه لتُجتنبَ
طريقتُه» [٢٧] .
٨ - وللمسلمين إساءةُ الظنِّ بمن مات مجاهراً بمعصيته. قال البهوتي وغيره
«ولا حرجَ بظنِّ السوءِ بمن ظاهرُه الشَّرُّ» [٢٨] .
وقال العثيمين ﵀: «وأمَّا من عُرف بالفسوق والفجور، فلا
حرج أن نُسيءَ الظَّنَّ به؛ لأنه أهلٌ لذلك» [٢٩] .
هذا ما تيسر إيراده، وبالله التوفيق.
стр. 3917
دراسات في الشريعة والعقيدة
تعظيم الآثار رؤية شرعية
(٢ - ٢)
محمد بن عبد الله الهبدان
في الحلقة الأولى عرَّف الكاتب الآثار لغة واصطلاحاً، ثم تحدث عن منهج
الرسول ﷺ ومَنْ بعده وموقفهم من الاهتمام بالآثار، وبيَّن أن
الاهتمام بالآثار من عادة غير المسلمين، ثم عدَّد أسباب الافتتان بالآثار التي أدت
إلى انتشار الاهتمام بها في بلاد المسلمين، وفي هذه الحلقة يتابع الكاتب الجوانب
الأخرى من الرؤية الشرعية لتعظيم الآثار.
- البيان -
عواقب التعلق بالآثار:
كوننا مأمورين بالسير في الأرض، والنظر في خلق الله، والاعتبار بمصائر
الأمم السابقة، لا يعني تقديس آثار السابقين أو المحافظة عليها، ومما يوضح ذلك
أننا نُهينا عن البقاء بديار الأمم الغابرة التي هلكت، وأُمرنا إذا مررنا بآثارها أن
نكون مسرعين باكين؛ فكيف نعدها من التراث الثمين والأمجاد؟ !
ولو كان للناس في تتبع هذه الآثار من مساكن ونحوها مصلحة دينية أو
معاشية لأرشدنا الله إليها، ولما خفيت على الخلق كثير من تلك الآثار والمساكن
والقبور.
وقد أنكر الله - تعالى - على قوم عاد إطالة البناء وجودته، فقال سبحانه:
[أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ]
(الشعراء: ١٢٨-١٢٩) ، قال ابن كثير ﵀: [أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ
آيَةً تَعْبَثُونَ] (الشعراء: ١٢٨) أي: مَعْلَماً بناء ًمشهوراً. [تَعْبَثُونَ]
(الشعراء: ١٢٨) أي: وإنما تفعلون ذلك عبثاً لا للاحتياج إليه؛ بل لمجرد
اللعب وإظهار القوة؛ ولهذا أنكر عليهم نبيهم ﵇ ذلك؛ لأنه تضييع
للزمان؛ وإتعاب للأبدان في غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في
الآخرة [١] . فإذا كان هذا يقال في بناء المساكن؛ فكيف يكون الحال إذن في
الاهتمام بأماكن الآثار وتحسينها؟ ! ألا إن الأمر أشد والخطب أعظم.
المبحث الأول: الشرك:
من مفاسد إحياء الآثار أنه يؤدي إلى الشرك الذي هو أعظم الذنوب عند الله -
تعالى - والذي قال الله فيه: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن
يَشَاءُ] (النساء: ١١٦) .
أما كيف يؤدي إلى الشرك؟
فإن ذلك يحصل - بإحدى حالتين:
الأولى: التمسح بها والصلاة عندها، وطلب كشف الكربة والشفاعة منها:
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: «إن العناية بالآثار على
الوجه الذي ذُكِرَ [٢] يؤدي إلى الشرك بالله - جل وعلا -؛ لأن النفوس ضعيفة
ومجبولة على التعلق بما تظن أنه يفيدها، والشرك بالله أنواعه كثيرة غالب الناس
لا يدركها، والذي يقف عند هذه الآثار سواء كانت حقيقة أو مزعومة بلا حجة
يتضح له كيف يتمسح الجهلة بترابها، وما فيها من أشجار أو أحجار، ويُصلُّون
عندها، ويدعون من نُسبت إليه ظناً منهم أن ذلك قربة إلى الله سبحانه ولحصول
الشفاعة، وكشف الكربة. ويعين على هذا كثرة دعاة الضلال الذين تربت الوثنية
في نفوسهم ممن يستغلون مثل هذه الآثار لتضليل الناس وتزيين زيارتها لهم حتى
يحصلوا بسبب ذلك على بعض الكسب المادي، وليس هناك غالباً من يخبر زوارها
بأن المقصود العبرة فقط بل الغالب العكس.
ويشاهد العاقل ذلك واضحاً في بعض البلاد التي بليت بالتعلق بالأضرحة
وأصبحوا يعبدونها من دون الله، ويطوفون بها كما يطاف بالكعبة باسم أن أهلها
أولياء؛ فكيف إذا قيل لهم إن هذه آثار رسول الله ﷺ ! ! كما أن
الشيطان لا يفتر في تحيُّن الأوقات المناسبة لإضلال الناس. قال الله - تعالى -
عن الشيطان إنه قال: [قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ
المُخْلَصِينَ] (ص: ٨٢-٨٣) ، وقال أيضاً - سبحانه - عن عدو الله الشيطان:
[قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ] (الأعراف: ١٦) » [٣] .
الحالة الثانية: تقديس أمكنة الأنبياء والصالحين وآثارهم، وتعظيمها:
وقد كان أصل حصول الشرك وعبادة الأصنام في الأرض بسبب تعظيم
الموتى الصالحين.
روى ابن جرير الطبري ﵀ عن بعض السلف في تفسيره لقوله
تعالى: [وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَداًّ وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً
* وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً] (نوح: ٢٣-٢٤) أن هذه أسماء رجال صالحين من بني
آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم:
لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا جاء
آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقَوْن المطر،
فعبدوهم. وروى ابن جرير أن هذه الأصنام كانت تُعبد في زمان نوح - عليه
السلام -، ثم اتخذها العرب بعد ذلك [٤] .
وأيضاً: فإن اللات التي هي من أكبر أوثان العرب في الجاهلية كان سبب
عبادتها تعظيم قبر رجل صالح والعكوف عليه.
وبهذا تبين أن سبب عبادة الأصنام هو المبالغة في تعظيم الصالحين. وقد رد
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ على مقال نشر بعنوان: (رميم
بيت الشيخ محمد بن عبد الوهاب بحريملاء) وذكر صاحب المقال أن الإدارة العامة
للآثار والمتاحف أولت اهتماماً بالغاً بمنزل مجدد الدعوة السلفية الشيخ محمد بن
عبد الوهاب ﵀ في حي غيلان بحريملاء؛ حيث تمت صيانته وأعيد
ترميمه بمادة طينية تشبه مادة البناء الأصلية.. إلى أن قال: وتم تعيين حارس
خاص لهذا البيت.. إلخ. يقول الشيخ ﵀: «وقد اطلعت اللجنة
الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية على المقال المذكور،
ورأت أن هذا العمل لا يجوز، وأنه وسيلة للغلو في الشيخ محمد ﵀
وأشباهه من علماء الحق والتبرك بآثارهم والشرك بهم، ورأت أن الواجب هدمه،
وجعل مكانه توسعة للطريق سداً لذرائع الشرك والغلو، وحسماً لوسائل ذلك،
وطلبت من الجهة المختصة القيام بذلك فوراً، ولإعلان الحقيقة والتحذير من هذا
العمل المنكر جرى تحريره، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله
وصحبه» [٥] .
المبحث الثاني: الابتداع:
الاهتمام بالآثار وإحياؤها ابتداع في الدين ليس عليه دليل من كتاب الله -
تعالى ٠ ولا من سنة نبيه ﷺ ، ولم يفعله السلف الصالح - رحمهم
الله تعالى -، ولو كان خيراً لسبقونا إليه. يقول الشيخ عبد العزيز ابن باز -
﵀: «ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال:» من أحدث
في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد «أخرجه الشيخان، وفي لفظ لمسلم:» من عمل
عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد «، وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁
قال: كان رسول الله ﷺ يقول في خطبته يوم الجمعة:» أما بعد:
فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر
الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة «، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهذه
الآثار التي ذكرها الكاتب كغار حراء، وغار ثور، وبيت النبي صلى الله عليه
وسلم، ودار الأرقم بن أبي الأرقم، ومحل بيعة الرضوان وأشباهها إذا عُظِّمت
وعُبِّدت طرقها وعملت لها المصاعد واللوحات لا تزار كما تزار آثار الفراعنة،
وآثار عظماء الكفرة، وإنما تزار للتعبد والتقرب إلى الله بذلك، وبذلك نكون بهذه
الإجراءات قد أحدثنا في الدين ما ليس منه، وشرعنا للناس ما لم يأذن به الله؛
وهذا نفس المنكر الذي حذر الله منه في قوله - سبحانه -: [أَمْ لَهُمْ
شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ] (الشورى: ٢١) ، وحذر منه
النبي ﷺ بقوله:» من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه
فهو رد «.. ولو كان تعظيم الآثار بالوسائل التي ذكرها الكاتب وأشباهها مما
يحبه الله ورسوله لأمر به ﷺ أو فعله، أو فعله أصحابه الكرام -
﵃؛ فلما لم يقع شيء من ذلك عُلم أنه ليس من الدين، بل هو من
المحدثات التي حذر منها النبي ﷺ ، وحذر منها أصحابه - رضي
الله عنهم -، وقد ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁
أنه أنكر تتبع آثار الأنبياء، وأمر بقطع الشجرة التي بويع النبي صلى الله عليه
وسلم تحتها في الحديبية لما قيل له إن بعض الناس يقصدها، حماية لجناب
التوحيد، وحسماً لوسائل الشرك والبدع والخرافات الجاهلية» [٦] .
المبحث الثالث: الوقوع في أنواع من الكذب [٧] :
إن من مفاسد الاهتمام بالآثار لجوء أصحابه إلى الكذب، من أجل الاستدلال
على شرعية ما ذهبوا إليه، أو لغرض تعيين موضع أو تحديد مكان، ولهذا وقعوا
في عدة أنواع من الكذب، تلك الخصلة الذميمة الممقوتة، ويمكن بيان أنواع الكذب
التي وقعوا فيها بسبب الاهتمام بالآثار فيما يأتي:
الأول: الكذب على الرسول ﷺ : لا شك أن أشد أنواع
الكذب هو الكذب على الله - تعالى - أو على رسوله ﷺ .
وقد حذر ﵊ من الكذب عليه بقوله: «من كذب عليّ
متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» [٨] .
ويتنوع الكذب هنا على رسول الله ﷺ : فقد يكون في أقواله
للاستدلال على شرعية زيارة أماكن الآثار وهذا هو الكثير، وقد يكون الكذب في
آثاره ﷺ .
ومن نماذج الكذب على الرسول ﷺ في أقواله ما يأتي:
١ - الأحاديث الموضوعة في فضل زيارة قبره ﷺ .
٢ - الأحاديث المكذوبة في فضل الصخرة بالقدس.
٣ - أحاديث في فضل الجامع الأموي بدمشق ومضاعفة الصلاة فيه.
أما الكذب على الرسول ﷺ في آثاره فإن المقصود به ما قد
ينسب إلى الرسول ﷺ كذباً - لا سيما في العصر الحاضر - من
آثاره الحسية كشعراته مثلاً، وكذا دعوى وجود موطئ قدم النبي صلى الله عليه
وسلم على بعض الأحجار.
الثاني: الكذب على غير الرسول ﷺ ، كالكذب على
الصحابة ﵃ أو التابعين ﵏، وغيرهم من الصالحين.
وهذا الكذب عليهم قد يكون في الأقوال، مثل ما ينسب إليهم من الروايات
المكذوبة في ذكر فضائل بعض الأماكن، وقد يكون الكذب عليهم في الأفعال كادعاء
حصول الخير عند بعض القبور مثل ادعاء أن الشافعي كان يدعو عند قبر أبي
حنيفة إذا نزلت به شدة فيستجاب له.
الثالث: الكذب في تعيين موضع الأثر [٩] :
ويكثر هذا النوع في تعيين مواضع قبور بعض الصالحين من الصحابة
وغيرهم وكذا المساجد والموالد.
فمن ذلك مثلاً: مسجد يسميه البعض مسجد الكوع؛ لأن الرسول صلى الله
عليه وسلم وضع عليه كوعه ملتمساً شيئاً من الراحة عندما اشتد عليه أذى
القوم! ! [١٠] .
ومسجد الراية يذكر أن الرسول ﷺ ركز رايته يوم الفتح عند
هذا الموقع! ! [١١] .
وتحديد مكان مولد النبي ﷺ [١٢] .
الرابع: ادعاء بركة بعض المواضع دون مستند شرعي:
ومن النماذج على ذلك: زعمهم أن دار خديجة ﵂ بمكة أفضل
المواضع بعد المسجد الحرام، وأن الدعاء يستجاب فيها.
ومنها كثرة ادعاء استجابة الدعاء عند بعض المقابر أو الجبال أو المساجد
المحدثة المبنية على آثار الأنبياء والصالحين.
المبحث الرابع: التشبه بالكفار:
ومن مفاسد الاهتمام بالآثار أن فيه مشابهة للمشركين الذين يهتمون بمثل هذه
الجوانب؛ كما تقدم أن عصبة الأمم قد نصت في صك انتداب بريطانيا على
فلسطين على الاهتمام بالحفريات، وذلك في المادة (٢١) التي تنص على: «أن
تضع الدولة المنتدبة وتنفذ في السنة الأولى من تاريخ تنفيذ هذا الانتداب قانوناً
خاصاً بالآثار والعاديات ينطوي على الأحكام الآتية..» . والنبي صلى الله عليه
وسلم يقول: «من تشبه بقوم فهو منهم» [١٣] . وقد تقدم أيضاً أن المسلمين عاشوا
دهوراً وهم غافلون عن هذه الآثار القديمة لا يعيرونها التفاتاً، ولا يتحدثون عنها
حين يتحدثون إلا كما يتحدثون عن قوم غرباء من الكفرة أو العتاة، لا يثير الحديث
عنهم شيئاً من الحماس أو الزهو في نفوسهم، وظل المسلمون على هذه الحال حتى
بدأ الغربيون بالكشف عن كنوزهم ولفت أنظارهم إليها، فهي عادة غربية ونحن
مأمورون بمخالفة المشركين وعدم التشبه بهم. يقول الشيخ عبد العزيز بن باز -
﵀: «أما التمثيل بما فعله اليهود والنصارى [١٤] فإن الله - جل وعلا -
أمر بالحذر من طريقهم؛ لأنه طريق ضلال واتباع الهوى، ولا يجوز التشبه بهم
في أعمالهم المخالفة لشرعنا وهم معروفون بالضلال واتباع الهوى والتحريف لما
جاء به أنبياؤهم؛ فلهذا ولغيره من أعمالهم الضالة نهينا عن التشبه بهم وسلوك
طريقهم» [١٥] .
المبحث الخامس: إضاعة السنن:
ومن مفاسد الاهتمام بالآثار إضاعة السنن؛ وهذا من خصائص البدع، ذلك
أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن [١٦] .
ولهذا جاء في الأثر: «ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم
مثلها» [١٧] .
ولا شك أن السنن تموت إذا أُحييت البدع «لأن الباطل إذا عُمل به لزم ترك
العمل بالحق، كما في العكس؛ لأن المحل الواحد لا يشتغل إلا بأحد الضدين» [١٨] .
ثم إن من لم يعطل الفرائض والسنن فستضعف عنايته بها على الأقل بسبب
تعلقه بالبدع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عند سياقه مفاسد البدع: «ومنها
أن الخاصة والعامة تنقص بسببها عنايتهم بالفرائض والسنن، ورغبتهم فيها، فتجد
الرجل يجتهد فيها ويخلص وينيب، ويفعل فيها ما لا يفعله في الفرائض والسنن،
حتى كأنه يفعل هذه عبادة، ويفعل الفرائض والسنن عادة ووظيفة، وهذا عكس
الدين، فيفوته بذلك ما في الفرائض والسنن من المغفرة والرحمة والرقة والطهارة
والخشوع، وإجابة الدعوة، وحلاوة المناجاة، إلى غير ذلك من الفوائد، وإن لم
يفته هذا كله فلا بد أن يفوته كماله» [١٩] .
هذا ومن الأمثلة على ما يؤدي إليه الاهتمام بهذه الآثار من إضاعة الواجبات
والسنن ما يأتي:
١ - ما يفعل عند القبور من العكوف عندها والمجاورة، ونحو ذلك من
المظاهر المبتدعة يشغل عن كثير من الفرائض والواجبات والسنن المشروعة في
الدين. بل بلغ ببعض الغلاة إلى تفضيل زيارة المشاهد التي على القبور على حج
البيت الحرام، وإلى اعتقاد أن السفر لزيارة قبر النبي ﷺ أفضل
من حج البيت [٢٠] .
٢ - قصد المساجد المحدثة المبتدعة، وتتبع آثار الأنبياء والصالحين وبعض
الجبال والمواضع، في مكة والمدينة وبلاد الشام وغيرها، لأداء العبادات فيها
كالصلاة والدعاء.. وفي ذلك تعطيل لأداء العبادة المفروضة أو المسنونة في
المساجد الثلاثة الفاضلة، وسائر المساجد الأخرى التي شرعت العبادة فيها.
المبحث السادس: اقتراف المعاصي:
إن من مفاسد الاهتمام بالآثار الوقوع في المعاصي والمنكرات، ومن الأمثلة
على ذلك ما يلي:
١- صرف النفقات الباهظة المحرمة على بناء القباب والمزارات وكسوتها
بالأقمشة وتزيينها بالمصابيح، وتحبيس الأوقاف على ذلك، وبناء المصاعد على
الجبال، وإضاعة المال عن طريق النذور التي تقدم لصالح الأموات، ويأكلها
السدنة.
٢ - اختلاط الرجال بالنساء، وما ينتح عن ذلك من الفتنة والواقع في الدول
الإسلامية خير شاهد على ذلك.
٣ - ما يحصل عند بعض المزارات من تبرج وسفور فيحصل فيها من الفتن
ما الله به عليم.
وسائل مقاومة الافتتان بالآثار:
بعد عرض أسباب الافتتان بالآثار وسلبياته لا بد من بيان وسائل مقاومته
للقضاء عليه، والحد من انتشاره بين المسلمين، ويمكن حصر ذلك في عدة وسائل
مهمة، وبيانها فيما يأتي:
المبحث الأول: نشر العلم:
لا يشك أحد في فضل العلم، ورفعة منزلته، وفضل طلبه وفضيلة العلماء،
والمراد بالعلم هنا: العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر
دينه، في عباداته ومعاملاته، والعلم بالله تعالى وصفاته، وما يجب له من القيام
بأمره وتنزيهه عن النقائص [٢١] .
ومن لوازم تعلم العلم: تبليغ العلم، ونشره بين الناس، وتعليمهم إياه، كما
قال رسول الله ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» [٢٢] ،
وكما قال ﷺ في إحدى خطبه في الحج: «ليبلغ الشاهد
الغائب» [٢٣] .
فعلى العلماء بذل العلم ونشره بين الناس على أوسع نطاق، وعدم كتمان العلم
ولا سيما عند شيوع الجهل وظهور البدع، حتى يعرف الناس الحق من الباطل،
ويعبدوا ربهم على بصيرة وعلم.
وبما أن أهم ما يتضمنه العلم الشرعي بيان أصول الدين - المسمى أحياناً بعلم
العقيدة - فإن ذلك يعني بيان العقيدة الصحيحة، عقيدة السلف الصالح التي تقوم
على اتباع كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، والتمسك بما كان
عليه أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم.
ومن المعلوم أن الاهتمام بالآثار لون من ألوان البدع المحدثة كما سبق؛ ففي
نشر العلم الشرعي - المتضمن بيان عقيدة أهل السنة والجماعة وما يضادها -
وقاية من الوقوع في مثل هذا الاهتمام، كما أن في ذلك أيضاً مقاومة له بعد حصوله.
المبحث الثاني: الدعوة إلى المنهج الحق:
ومن الوسائل المهمة لمقاومة الاهتمام بالآثار وبعثها من جديد الدعوة إلى
المنهج الحق، وأعني بهذا دعوة من ابتلي بشيء من هذا الاهتمام حتى يرجع إلى
الحق وإلى منهج الشرع القويم.
وتحقيق ذلك داخل ضمن مبدأ عظيم من مبادئ الدين، ألا وهو مبدأ الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر.
فعلى هذا يجب على من عنده علم واستطاعة إنكار المنكرات التي أعظمها
البدع المحدثة في الدين، ومنها بدعة الاهتمام بالآثار.
ويمكن دعوة من يفعل ذلك إلى المنهج الحق باتباع الوسائل الآتية:
١ - تبصير الناس بالمنهج الحق الذي كان عليه سلف الأمة الأبرار، وتحذير
الناس من الابتداع والإحداث في الدين، وسد الذرائع المفضية إلى ذلك.
٢ - على الدعاة إنكار جميع ما يقع من مطالبات لإحياء هذه الآثار والاهتمام
بها.
٣ - على العلماء مناقشة الشبهات التي يتمسك بها مؤيدو إحياء هذه الآثار
والرد عليها، عن طريق المؤلفات، وشتى الوسائل المختلفة المناسبة.
٤ - وضع مرشدين من طلبة العلم عند بعض المواضع التي يكثر طَرْقُها من
قبل عامة الناس للتوعية والإرشاد بشكل دائم.
٥ - كتابة النشرات الإرشادية المناسبة على لوحات، ووضعها عند الأماكن
التي يُعتقد فيها كالمقابر والمشاهد، والجبال، والمساجد المحدثة.
٦ - صدور فتاوى من كبار العلماء في هذا الموضوع، وينص بمنع أصحاب
الأقلام في الصحافة ونحوها من الكتابة والمطالبة فيه.
٧ - توعية الأدلاَّء الجهال أو من يسمون (المزوِّرين) الذين يصطحبون
الحجاج أو الزوار إلى المزارات المشروعة، وعقد الدورات العلمية لهم لتوجيههم،
واشتراط أن يكونوا متعلمين، ومن المعروفين باتباع السنة.
ولقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن حكم عمل القُوّام عند
القبور أو غيرهم الذين يأمرون زوار القبور بالبدع ويرغبونهم فيها، ويأخذون على
ذلك جُعلاً، وعن موقف ولي الأمر من ذلك.
وكان مما أجاب عن ذلك قوله ﵀ بعدما أبان حرمة هذا العمل:
«ومن أمر الناس بشيء من ذلك، أو رغبهم فيه، أو أعانهم عليه، من القُوّام أو
غير القُوَّام، فإنه يجب نهيه عن ذلك، ومنعه منه، ويثاب ولي الأمر على منع
هؤلاء، وإن لم ينته عن ذلك فإنه يُعزر تعزيراً يردعه، وأقل ذلك أن يعزل عن
القيامة، ولا يترك من يأمر الناس بما ليس من دين المسلمين» .
وأفاد ﵀ أن «الكسب الذي يكسب بمثل ذلك خبيث، من جنس
كسب الذين يكذبون على الله ورسوله ويأخذون على ذلك جُعلاً، ومن جنس كسب
سدنة الأصنام الذين يأمرون بالشرك ويأخذون على ذلك جُعلا» [٢٤] .
المبحث الثالث: إزالة وسائل الغلو ومظاهر الاهتمام:
من الوسائل الفعلية النافعة في مقاومة الاهتمام بالآثار: إزالة وسائل الغلو في
الأنبياء والصالحين وغيرهم؛ والأصل في إزالة المنكر قوله ﷺ :
«من رأى منكم منكراً فليغيره بيده..» [٢٥] . وتغيير المنكر وإزالته باليد ونحوها
أعلى مراتب التغيير، ولا يجوز العدول عن هذه المرتبة إلى ما دونها إلا عند عدم
الاستطاعة.
وتأمل في قصة وفد ثقيف عندما أسلموا ووفدوا على رسول الله صلى الله عليه
وسلم؛ فإنهم فيما سألوا رسول الله ﷺ أن يدع لهم الطاغية - وهي
اللات - لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله ﷺ عليهم، فما
برحوا يسألونه سَنَة سَنَة، ويأبى عليهم، حتى سألوه شهراً واحداً بعد قدومهم، فأبى
عليهم أن يدعها شيئاً مسمَّى، وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يَسْلَموا بتركها
من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يروِّعوا قومهم بهدمها، فبعث المغيرة
بن شعبة وأبا سفيان بن حرب لهدمها [٢٦] .. فتأمل - يا رعاك الله - المصالح التي
ذكروها.. فهم حدثاء عهد بإسلام فيحتاجون إلى التأليف.. وخافوا من سفهاء
قومهم.. وأرادوا تأليف قومهم وعدم ترويعهم حتى يدخلوا الإسلام.. ومع ذلك كله
فإن النبي ﷺ رأى أن المصلحة في دك حصون الشرك وقلع
قواعده وهدم صروحه، ولم يلتفت إلى تلك المصالح الموهومة مطلقاً.
قال ابن القيم ﵀ في فوائد قصة ثقيف هذه: «ومنها: أنه لا
يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً
فإنها من شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات فلا يجوز الإقرار عليها مع
القدرة البتة» [٢٧] ويقول أيضاً: «ومنها: هدم مواضع الشرك التي تتخذ بيوتاً
للطواغيت وهدمها أحب إلى الله ورسوله وأنفع للإسلام والمسلمين من هدم الحانات
والمواخير، وهذا حال المشاهد المبنية على القبور التي تعبد من دون الله ويُشرك
بأربابها مع الله لا يحل إبقاؤها في الإسلام ويجب هدمها، ولا يصح وقفها ولا
الوقف عليها» [٢٨] .
وهناك نماذج عديدة لإزالة المنكر الظاهر على مر العصور من قبل الأنبياء
﵈ وغيرهم، كخلفاء المسلمين.
فقد كسر إبراهيم ﵇ أصنام قومه، يقول الله تعالى: [وَتَاللَّهِ
لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ] (الأنبياء: ٥٧) ، [فَرَاغَ إِلَى
آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ]
(الصافات: ٩١-٩٣) ، وأحرق موسى ﵇ العجل الذي عُبد من
دون الله. يقول الله - تعالى -: [وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ
ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي اليَمِّ نَسْفاً] (طه: ٩٧) ، وكسر النبي ﷺ
الأصنام لما فتح مكة [٢٩] ، وهدم ﵊ مسجد الضرار بالمدينة،
وحرق بعض الخلفاء أمكنة الخمر، وأتلفوا المغشوش مما يباع في أسواق
المسلمين، وقطع عُمَرُ ﵁ الشجرة التي بويع النبي صلى الله
عليه وسلم تحتها.
إلى غير ذلك من الأمثلة الأخرى، وما أجمل ما قاله محمد إقبال:
كنا نرى الأصنام من ذهب ... فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
لو كان غير المسلمين لحازها ... كنزاً وصاغ منها الحلي والدينارا
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 3918
قضايا دعوية
الحاجة إلى نشأة فرع جديد في علوم الدعوة
د. جمال أحمد بادي [*]
مقدمة:
يلاحظ الدارس للعلوم الإسلامية المختلفة مرورها بمراحل متدرجة وتطورها
وتجدد فروعها بناءاً على الحاجة الداعية لتلك المراحل والتفريعات لتخدم آفاقاً جديدة
لفن من الفنون، أو لتعالج مشكلة، أو لتستجيب لتحد من التحديات الظرفية التي
يمر بها ذلك الفن. وقد يكون الفرع الجديد في الفن قد نشأ بوصفه مرحلة طبيعية
لتطور ذلك الفن. ومهما كانت الأسباب وتعددت فإننا لا نكاد نجد فناً من الفنون إلا
وقد تطور وتفرع ليلبي احتياجاته، وكلما ازدادت العناية بالفن وعظمت مكانته
وجدنا ظاهرة التخصصات الفرعية أو تفرع جزئيات ذلك الفن واضحة وبارزة.
انظر على سبيل المثال إلى: «علوم القرآن» كيف بدأت بمجموعة محددة
ومحصورة من القضايا والجزئيات إلى أن فاقت الثمانين فرعاً من العلوم
والدراسات , والأمر نفسه والظاهرة ذاتها تتكرر في داخل فروع الفن نفسه؛ خذ
على سبيل المثال أنواع التفاسير التي تتالت وتلاحقت وتجددت ليدخل فيها: التفسير
اللغوي، والفقهي، والتفسير بالمأثور، والتفسير بالرأي، والتفسير الإشاري،
والتفسير التحليلي، والتفسير الموضوعي، وغيرها.
وانظر إلى علوم الحديث التي فاقت المائة تفريعاً وتجديداً لخدمة هذا العلم
الجليل، وقارنها بمبتداها تبدُ لك الحاجة إلى تجديد كل فن من الفنون لخدمته
وتطويره وتحقيق أهدافه وطموحاته، وليواكب المستجدات والتحديات، وليكون
فاعلاً مؤثراً.
ومعلوم أنه كلما ازداد التخصص الدقيق في العلم الواحد بازدياد فروعه كان
تطوره نحو الأفضل والأحسن.
وإذا ما قارنا علم الدعوة الإسلامية بغيره من العلوم نلاحظ ضعف هذه
الظاهرة: أي ظاهرة التفريع في جزئيات هذا الفن. فرغم العناية الفائقة بالدعوة
التي أولاها العلماء والمفكرون المتأخرون عنايتهم إلا أن جزئياته بقيت محدودة
ومحصورة: تاريخ الدعوة، أصول الدعوة، مناهج الدعوة، طرق الدعوة،
أساليب الدعوة، ثقافة الداعية، فقه الدعوة، فقه التغيير، عوائق الدعوة، عالمية
الدعوة، الحسبة أو الاحتساب، فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولعل
آخرها فيما أعلم علم النفس الدعوي.
توطئة للفرع الجديد من علوم الدعوة:
لقد قطعت الدعوة الإسلامية مراحل مباركة من مسيرتها تراوحت بين المد
والجزر، وبين الإيجاب والسلب، وبين الإنجاز والتقصير، وبين الإفراط
والتفريط، وبين التدارك والغفلة، وبين الإعداد والتخبط وغير ذلك من الأمور.
وفي أثناء هذه المسيرة واجهت عراقيل وتحديات داخلية وخارجية ولَّدت
مواقف متباينة، ونتج عنها تطورات مختلفة على مستوى: القرارات، والمفاهيم،
وردود الأفعال، والآراء.
هذه المواقف والتطورات في حاجة إلى الرصد والدراسة والتحليل والتعليل
والتقويم والمقارنة والحكم عليها ونقدها نقداً بنَّاءاً للخروج بالدروس والعبر من جهة،
ولدراسة الآثار المستقبلية لتلك الأمور الآنفة الذكر لتفادي سلبياتها وتكميل
إيجابياتها، وللتخطيط والبرمجة لتطوير مناهج الدعوة ووسائلها وأهدافها، ولهندسة
الحلول والخيارات الممكنة لتفادي ما يجب ويمكن تفاديه من تحدياتها وإشكالياتها أو
التواؤم والتكيف - في ما لا مفر منه - مع الأوضاع الجديدة التي فرضت عليها.
الإعلان عن نشأة «علل الدعوة» فرعاً جديداً من علوم الدعوة:
يتكون لدى أصحاب السبق العلمي والتربوي والتجربة والخبرة في مجال
الدعوة ما يمكن تسميته بـ «المقاييس» و «المعايير» الخاصة، لتقويم المواقف
والأحداث والآراء بناءاً على سبقهم المذكور وبوصفه تراكماً طبعياً ينشأ عن تفاعلهم
مع الدعوة وعيشهم بها ولها فكراً وإحساساً، وعملاً وتنظيراً، واهتماماً ومتابعة،
وغيرة وحباً، وتأثراً وتأثيراً. كل ذلك مما يوجب عليهم بمقتضى: [وَتَوَاصَوْا
بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (العصر: ٣) أن ينبهوا إلى مواطن الخلل الدعوي،
ومواضع القصور، وزوايا النقص والاضطراب، وتحديد معالم الأدواء الظاهرة
والخفية فيما لهم فيه مقدرة بشرية وفق منهج منضبط، ونية مسبقة مرتكزة في عالم
الشعور والوعي.
المقصود بالعلل بوصفه مصطلحاً:
يقصد بمصطلح العلل هنا أمران هما:
١- الإشكاليات والتحديات التي تواجهها الدعوة الإسلامية على المستوى
الذاتي الداخلي، وكذا المستوى الخارجي.
٢ - مواطن الخلل والضعف في الدعوة.
أهداف هذا الفرع الجديد من علوم الدعوة:
بتعريف «العلل» تعريفاً اصطلاحياً يتبين أهم الأهداف التي يسعى هذا الفن
لتحقيقها وأهمها:
١ - إيجاد الحلول الممكنة لأهم المشاكل والإشكاليات التي تواجهها الدعوة
الإسلامية.
٢ - رسم وتصميم الاستراتيجيات الممكنة لتجاوز العقبات والتحديات
المعاصرة التي تعترض الدعوة الإسلامية.
٣ - وضع خطط الانطلاق للدعوة الإسلامية بعد نوع من المراوحة والتحرك
البطيء، وفتح آفاق جديدة للعمل الدعوي الناضج تتواءم مع المستجدات، وتتكافأ
مع متطلبات العصر.
الملامح المنهجية العامة للفن الجديد:
يجب أن يكون هذا الفن مؤسساً - كغيره من علوم الشريعة - على نصوص
الكتاب الكريم والسنة الصحيحة الثابتة، منضبطاً بأصول الشريعة وقواعدها الغراء،
محققاً لمقاصدها النبيلة، مراعياً اللغة التي جاءت بها. وحيث إن جزءاً من هذا
الفن يتعلق بالاجتهاد فإنه يستفيد من كل الأدلة المقررة في باب الاجتهاد التي نالت
القبول من الأئمة الفحول. هذا من حيث منهج الاستدلال، أما من حيث منهج
البحث فيمكن لهذا الفن أن يفيد من: المنهج التاريخي، المنهج الاستقرائي التحليلي،
والمنهج النقدي؛ كما يمكن الإفادة من دراسة الحالة، والدراسات الميدانية،
والمسحية، والاستبيان، والملاحظة العلمية، وغير ذلك بحسب ما يقتضيه
الموضوع.
القضايا والموضوعات التي يمكن أن يتناولها
هذا الفن الجديد من علم الدعوة:
١ - التأكد من التزام التوازن في الطرح الدعوي:
أ - من حيث أسلوب الخطاب وما يستدعيه من حكمة وتقدير لمآلات الأقوال
على المدعوين، وتغليب التفاؤل والأمل وإن كثرت جراح المسلمين ومشاكلهم في
خطاب الدعاة.
ب - من حيث التوازن بين التنظير والتطبيق.
ج - من حيث «المحتوى» فلا يكون التركيز على شيء سبباً في إهمال
غيره.
د - في ردود الأفعال من الأحداث، وفي المواقف المختلفة التي تواجهها
الدعوة في مسيرتها المتتابعة.
٢ - استظهار صور التحزب الجلي والخفي، والذي قد يتولد نتيجة الرتابة
والعمل، وقد ينتج عنه الوقوع في التفرق المذموم دون شعور أو قصد.
٣ - انحراف المفاهيم بسبب ظروف الزمان والمكان، ومن المفاهيم التي
تحتاج إلى «كشاف» هذا الفن:
أ - مفهوم الجماعة، حيث اصطبغ المفهوم الشرعي للمصطلح في أحيان
كثيرة بظروف مكان ما أو بلد ما أو «جماعة ما» نظرت إليه من خلال تجربتها
ثم أعادت صياغته في قالب التجربة، ثم أرادت حمل الآخرين عليه، وقسم
«مشفق» يريد لَمَّ الشمل ويحاول إرضاء جميع الأطراف، فجاء المفهوم تركيباً
أو تلفيقاً لكل ما هو موجود. ولا يعنينا هنا الذين كتبوا ضد المفهوم سلباً إما
إرضاء لطرف ما أو جهة ما، وإما أن يكون من حاقد على الإسلام لا يريد له
قائمة، وكذا الذين تأثروا بمواقف الجماعات السلبية.
ومما يتبع له أن مفهوم الجماعة قد اتخذ مفهوماً اصطلاحياً حادثاً في زماننا
هذا؛ حيث تعيش الأمة حالة استثناء. وهنا يأتي القياس ولكن هل يتم القياس على
الأصل؟ أو على استثناء مثله؟ وفي حالة الاختلاف حول علة الاستثناء؛ ما هو
مقياس أو معيار استنباط العلة وترجيحها؟ فقد لجأت بعض مدارس الدعوة إلى
القياس على إمارة السفر مع إعطاء أمير الجماعة حقوق الخليفة، وأخرى على
جماعة الحسبة، وثالثة على العهد المكي، والبعض قال ببدعية الجماعات نتيجة
الخلط بين أفراد المفهوم، ولجأ البعض إلى قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به! فأي هذه
الأقيسة أقرب إلى الصواب؟ هل الجماعة منهج أم قيود؟ أم تجريد وهمي وانتساب
صوري؟ هل هي تميز؟ وما حد هذا التميز؟ وهل هو مطلق ودائم؟ وما هو
الموقف من الآخرين في حال التميز؟ هل الجماعة انتساب؟ وإلى من؟ وأي
الأسماء ينتسب إليها؟ وماذا عن الظلال السلبية وما ارتبط بالأسماء من تصورات؟
وماذا عن تعدد التفسير والفهم لتلك الأسماء؟ وهل هي غاية أم وسيلة؟ وماذا عن
التحديدات والقيود التي وضعت على المفهوم: الاسم، الأمير، البيعة، التعاليم
والأصول، ونحو ذلك؟
والحقيقة التي قد لا ينتبه إليها كثير من الدعاة أن مفهوم الجماعة الضيق كان
سبباً ولا يزال في حصول الخلافات والشقاقات بينهم، بل هو من أسباب الفرقة
ومانع من الألفة وتحقق الأخوة التي يتساءل المتسائلون عن أسباب صعوبة قيامها،
وبيان ذلك: هل المقصود بالجماعة جماعة المسلمين، ومن خرج عنها فقد خلع
ربقة الإسلام من عنقه؟ (حيث هناك جماعات تدعي لنفسها ذلك) ، أم هي جماعة
من المسلمين؟
وإذا كانت جماعة من المسلمين؛ فهل هي الجماعة الأم التي ينبغي للجماعات
التي تفرعت عنها أو تأثرت بها الرجوع إليها والانضواء تحت لوائها؟ فهناك من
الجماعات من تدعي هذا الحق لنفسها.
أم هي الجماعة الأصل وغيرها طارئ وحادث مبتدع؟
أم هي الجماعة التي وحدها تتبع الحق وتحمله، والتي فهمت الدين فهما سليماً
صحيحاً وهي بذلك الفرقة الناجية وما عداها فمبتدع ضال مضل، أو زنديق يتلبس
لبوس الإسلام؟
ونلاحظ في بعض الثنائيات السابقة الربط بين الجماعة بمفهومها الشرعي،
والجماعة بمفهومها الاصطلاحي العرفي الحادث.
ومن الثنائيات المطروحة على خلاف في وجهات النظر: هل الجماعة تعاون
شرعي، أم تجمع تنظيمي حزبي؟
هل التعدد في الجماعات مأذون به وأمر صحي؟ فهناك من يرى ذلك.
أم أنه ظاهرة مَرَضية سلبية لا يرتجى منها خير؟
ب - مفهوم (الهجر والتميز) ، أو غير ذلك مما له ارتباط به كالمفاصلة عند
بعض المدارس الدعوية؛ حيث تتأثر بالمواقف وردود الأفعال والنظرة الحزبية
الضيقة.
ج - هناك مفاهيم تحتاج إلى إعادة نظر في مدلولها من حيث التعميم
والتخصيص؛ وخذ على سبيل المثال مفهوم (داعية) نفسه؛ فالاتجاهات الدعوية
المعاصرة تميل إلى حصره وتضييقه وتخصيصه بفئة محددة، ونشأ تبعاً لتضييق
المفهوم تكاثر الظباء على خراش الداعي، أو بلغة الدعوة تكاثر الأعباء الدعوية
على الداعية الذي أصبح من مهماته المسؤولية عن كل شيء! !
هل يمكن توسيع دائرة هذا المفهوم ليشمل الأمة كلها؟ كل فرد حسب موقعه،
ويتحدد دور كل من خلال تخصصه أو وظيفته؟ مع بقاء بعض المهام الخاصة التي
تكون من شأن الدعاة أصحاب العلم والخبرة والكفاءة!
٤ - «الأَسْر» بصوره المختلفة والتي تربو على عشرين، ومن أهمها:
أ - المتابع لأدبيات الدعوة من خلال «المجلات» و «الكتيبات» ،
و «الأشرطة المسموعة» بشكل ما قد ينتج عنه «خارطة ذهنية معينة»
ينظر صاحبها إلى العالم والمواقف والناس من خلالها، ويفسر الأحداث وفق
تعاريجها وتموجاتها، بل ينظر إلى المستقبل خلف ظلالها وبانعكاس
ألوانها.
ب - قد يجتهد بعض الدعاة في وضع أصول للعمل الدعوي فيتابعه عليها
غيره ممن اقتنع بها مدة من الزمن، ثم تتحول تلك الأصول الاجتهادية إلى منهج
لازم يجب على جميع الدعاة التزامه. قارن هذه المسألة باعتقاد وجوب بعض السنن
غير اللازمة عند التزامها والمداومة عليها وإظهارها مما قد يوقع صاحبها في البدعة
الإضافية.
ج - الاجتهاد في وضع البرامج العلمية والتربوية بصورة ما فتلتزم مدة
طويلة من الزمن دون مراجعة أو إعادة نظر الأمر الذي قد ينتج عنه «صورة
ذهنية معينة للموضوعات المطروحة» وقد تكون خاطئة أو تحتوي على أخطاء
لكن دون تفطن لحصول «الأَسْر» .
ولا شك أن وضع أي حدود أو تحديدات على القضايا الشرعية والتي لم تثبت
بالوحي والنص، ولم يدل عليها دليل منه فهي مردودة. وهناك أنواع أخرى كثيرة
من الأَسْر نحو: أَسْر المصطلحات، أَسْر العوائد، أَسْر المواقف، وغيرها مما لا
يتسع المقام لبسطه.
٥ - التأكد والتثبت في الانتقال من مرحلة دعوية إلى غيرها، والتبين من
عدم الاستعجال في ذلك، فهناك «السراب الدعوي» ، وهناك التقديرات الخاطئة،
وهناك مثيرات الاستعجال من «الإشارات الخادعة» ، وهناك المحفزون
المتحمسون، وسوى ذلك من المعجلات.
٦ - هل يصلح «القياس الدعوي» ؟ وإذا نجحت وسيلة ما أو تجربة دعوية
ما في بلد ما أو زمان ما فهل يمكن تعميمها والقياس عليها؟ وما هي حدود إعماله؟
ومتى وكيف؟
فهناك القائلون بالقياس على تجربة إيران، بل محاولة ذلك، وهناك المانعون
وهناك القائلون بالقياس على تجربة أفغانستان، بل حصل بالفعل، ودفع الدعاة
والمسلمون عموماً الثمن باهظاً في عدة دول مسلمة. وهناك القائلون بالقياس على
تجربة السودان على تحفُّظ فيما تلا أحداث الانشقاق الأخيرة.
٧ - فقه المحن.. والذي يصلح أن يكون فرعاً لهذا الفن الجديد.
٨ - حصر مسائل الخلاف الدعوية المهمة، ثم دراستها والبت فيها نحو:
الوسائل الدعوية بين الاجتهاد والتوقف، الاشتراك في المؤسسات السياسية
المعاصرة.
٩ - تقويم التيارات الدعوية والفكرية المعاصرة وخاصة المنحرفة منها
والجانحة، وبيان الخلل فيها، وما لها وما عليها، ودحض شبهاتها، وتفنيد
مزاعمها.
١٠ - مقاييس نقد الدعوة.
١١ - فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد، وحيث إن هذا الموضوع نال
بعض الحظ على مستوى التنظير إلا أنه لم يحظ باهتمام كاف في جانبه العملي
التطبيقي المعاصر.
١٢ - تأصيل المفاهيم الدعوية الأساسية.
١٣ - قواعد الترجيح في المسائل الخلافية الدعوية.
١٤ - علم اجتماع الدعوة الذي يصلح أن يكون فرعاً آخر من علوم الدعوة.
إرهاصات الفرع الجديد:
لقد صدرت مجموعة من الدراسات والكتيبات في مجال الدعوة في العقدين
الأخيرين قد تؤخذ على أنها إرهاصات لنشأة هذا الفن وإن غلب عليها النظرة
الأحادية في الجملة، والتعميم في الطرح، وبعضها لا يخلو من صبغة ردود الأفعال ,
من هذه الدراسات:
* بعض كتابات عادل الخنساء أو الحسون، ومن مؤلفاته: نواقض الحركية.
* مشكلات الدعوة والداعية لفتحي يكن.
* أعذار المتقاعسين للشيخ يحيى اليحيى.
* نظرات في مسيرة الحركة الإسلامية للدكتور عمر عبيد حسنة.
* عنوان مماثل للدكتور عبد الله النفيسي وآخرين.
* مشكلات وحلول في حقل الدعوة الإسلامية لعبد الحميد البلالي.
* كتابات بعض أفراد الجماعات والاتجاهات الإسلامية في بيان عيوب
مخالفيهم يمكن أن يعتبر في هذا المقام، مع الأخذ في الاعتبار أنها قد تكون ردود
أفعال لا تخلو من المبالغة والتجاوزات والتعدي بل والتطاول والبغي؛ فيستفاد منها
بحذر.
يسَّر الله بفضله ومنِّه لدعاة الإسلام أن يقطعوا خطوات إلى الأمام؛ للتقدم
بسفينة دعوتهم الماخرة الزاخرة في بحر وإن تلاطمت أمواجه وكثرت شعبه
المرجانية إلا أن ساحل الأمان قد لاحت في الأفق أنواره الباهرة.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
والحمد لله رب العالمين.
стр. 3919
قضايا دعوية
نحو إدارة دعوية واعية
محمد يحيى بن يحيى
كثير هم المخلصون الذين وفقهم الله لخدمة دينهم بسد شيء من الثغرات
العلمية والتربوية والدعوية، أو ثغرات العلوم الطبيعية والإدارية ونحوها , ويهمني
هنا الحديث في مجال الثغرات الإدارية، لا لأشير إلى أهمية هذا المجال أو تطور
علم الإدارة ونقد النظريات الإدارية، ولكن لأشير إلى تأخر الجانب التطبيقي
للمفاهيم الإدارية العامة - أو قل المسلَّمات الإدارية - من الواقع الدعوي، مما قد
يؤخر ثمرات الجهود فترات طويلة في بعض الأحيان. وأكتفي هنا بالحديث عن
واحد من أهم المفاهيم الإدارية التي ينبغي أن تظهر بالشكل المطلوب في الأوساط
الدعوية آملاً أن يكون فاتحة للحديث في مفاهيم أخرى تنقص الساحة الدعوية.
تحديد الهدف بدقة ووضوح قبل التفكير في رسم الخطة:
قد يقول مدرس حلقة القرآن: نحن نخطط ليتم الطالب حفظ كتاب الله في
ثلاث سنوات.
ويقول مسؤول النشاط الصيفي: نخطط لاستيعاب ضعف العدد الحالي بعد
عامين.
وقد تسمع من مسؤول مركز خيري: نخطط لإصدار مجلة تزيد من شهرة
اسم المركز.
فإذا ما سألت كل واحد منهم عن الهدف الذي يرغب تحقيقه كرر العبارة
نفسها.. في خلط واقعي بارز بين مفهومي الهدف والخطة، نتج عنه ما يمكن أن
يسمى: (الخطة الهدفية) أو (الهدف التخطيطي) الذي يعني القيام بالعملين في
حين واحد.. وحديثنا فيما يلي يعنى بعمل وضع الهدف، وهو أساس الخطط
المتكاملة.
إن وجود هدف واضح محدد لجميع العاملين في أمر ما بات مسلَّمة إدارية لا
تقبل النقاش لصنع نجاح جماعي في أقصر وقت وبأقل جهد وتكاليف. وهذه مرحلة
يشهد الواقع بتجاوز الكثير من العاملين في حقل الدعوة لها، وإن كان الواضح أيضاً
أنه ما زال يشوبها شيء من العلل القادحة الخفية الآتية:
١ - الاكتفاء برسم الأهداف قصيرة المدى التي تنتهي دورة العمل فيها خلال
فترة زمنية قصيرة مثل تحديد أهداف نشاط صيفي أو موسم خيري لعام واحد.
٢ - غياب كثير من الأهداف بعيدة المدى عن أكثر العاملين ذوي المسؤوليات
على اختلافها أي عدم معرفتهم بها تحديداً (مثل الأهداف التي يسعى النشاط
لتحقيقها على مستوى المنطقة بعد خمس سنوات) .
٣ - عدم إشراك كثير من المسؤولين عن العمل في صياغة الهدف؛ مما قد
يسبب تعارضاً منشؤه اختلاف الأولويات المرحلية، ويبرز هذا عند من لا يدرك
الأهداف العامة البعيدة.
٤ - عدم الاكتفاء بتغيير الخطط التي يفترض أصلاً فيها المرونة، وإنما
تغيير الأهداف بنسب متفاوتة؛ وهذا نتاج طبيعي لظاهرة (الخطة الهدفية) ،
ومثال ذلك تغيير هدف الاستقطاب الدعوي إلى هدف التركيز التربوي والعلمي بناءً
على مستجدات من نوع ما.
تجدر الإشارة إلى أن كثيراً من الأهداف قد يتعذر تحقيقها أو تتحقق بنسب أقل
بكثير مما أريد لها، وعند التدقيق نجد أن العاملين قد بذلوا جميع الأسباب الشرعية
والمادية مما يحدث حيرة حقيقية في طبيعة ما حدث!
والواقع أن الخلل قد حدث منذ البداية بسبب إغفال عمل تحليل لظروف العمل
ودراسته دراسة منطقية مناسبة، وهذا التحليل حتى يكون متكاملاً فإنه ينبغي أن
يشمل جملة من العناصر يمكن إجمالها فيما يلي:
- حصر الأصول التي نملك استثمارها في هذا العمل ودراسة مقدار الاستفادة
منها (بمعنى معرفة نقاط القوة: مثل عدد العاملين، وتوفر المال اللازم) .
- تحديد وتحليل المشاكل الداخلية التي نواجهها حالياً ويستلزم ذلك معرفة
أسبابها ونتائجها (معرفة نقاط الضعف مثل عدم وجود طاقات قيادية مؤهلة أو عدم
وجود المكان الملائم لإقامة النشاط) .
- دراسة الفرص والبدائل المتاحة على ضوء معرفة الواقع وتحديد نقاط القوة
والضعف (هل نفتتح عدة لجان خيرية تشغل جميع الطاقات، أم نرجئ بعضها
ويشتغل البعض بإعداد طاقات جديدة؟) .
- وأخيراً تحديد المشاكل والتهديدات المتوقعة مع كل من البدائل والفرص،
ووضع الخطط المناسبة لتلافيها مبكراً أو تجاوزها عندما تقع بعيداً عن التأثر
بعنصر المفاجأة.
يمكننا الآن تحديد الهدف المناسب أيّاً كان حجمه المرحلي مع ملاحظة إشراك
العاملين في صياغته، وهو ما يضمن - بإذن الله - حدوث نوع من الحماس
والمسؤولية الجماعية تجاه هذا الهدف، ومن ثم يكون بالإمكان الانتقال لرسم الخطة
المناسبة لتحقيقه.
إن من أعظم الآمال المنعقدة على استخدام هذه الطريقة في وضع الأهداف
انتقال المؤسسات الدعوية لوضع أهداف دقيقة واضحة عملية عظيمة النتاج بإذن
الله؛ فحلقات تحفيظ القرآن الكريم التي تكتفي - عادةً بوضع هدف عام هو أن يُتم
كل من يلتحق بالحلقة حفظ القرآن، ستستطيع بإذن الله صياغة الهدف ليكون: أن
يُتم كل من يلتحق بالحلقة حفظ القرآن وإتقانه في ثلاث سنوات. ثم تضع خطة
زمنية سنوية لإتمام عشرة أجزاء بإتقان، ومن ثم تقوم بتقسيمها دورياً على أساس
مراعاة كل شخص وقدراته، واعتبار البرامج والانشغالات الأخرى.
كما أن المراكز الصيفية التي تهدف لشغل وقت الشباب بالنافع المفيد سيكون
هدفها أكثر تحديداً مثل: استيعاب شباب الحي أو المنطقة السكنية وتربيتهم خلال
سبع سنوات، ثم ترسم الخطة السنوية لاستقطاب نسبة محددة ثم نقلهم إلى خطط
المتابعة التربوية، كذلك الحال في أنشطة المجتمعات المغلقة مثل سكن الشركات أو
المراكز الإسلامية أو الطلابية، سيحدد الهدف لتغطية السكن خلال فترة زمنية، ثم
توضع الأهداف والخطط المرحلية بنسب مناسبة للتوسع المتدرج.
إننا ينبغي أن ندرك أن بذل الوقت والجهد للاهتمام بوضع الأهداف بشكل
دقيق وواضح قبل التفكير في الخطط سيساعدنا بإذن الله على تجاوز كثير من
العوائق، واستثمار كثير من الأوقات والجهود بشكل أفضل بإذن الله تعالى، إضافة
إلى أن مساراتنا ستكون أكثر وضوحاً وثباتاً عند رسم الخطط التنفيذية أو تغييرها
وفق ما يتطلبه الحال، والله أعلم.
стр. 3920
تأملات دعوية
الحواجز المصطنعة
محمد بن عبد الله الدويش
www. dweesh. com
كثيراً ما نضع حواجز نصنعها بأنفسنا فتحول بيننا وبين فئات من الناس، أو
بين مجالات وميادين يمكن أن يكون لها أثر بالغ، فتعوقنا عنها هذه الحواجز التي
صنعناها بأنفسنا.
وتأثير هذه الحواجز لا يقف عند مجرد التعويق عن العمل، بل إننا حين
نعمل ونحن نعيش تحت وطأة هذه الحواجز فإننا نعمل بروح منهزمة تنتظر
الإخفاق , وفرص النجاح للذين يعملون بهذه النفسية أقل بكثير ممن يعمل وهو
ينتظر النجاح , فالأول لا يؤدي العمل كما ينبغي، ولا يضع النجاح الذي
يتحقق في إطاره الطبيعي، ويُحمِّل نفسه تبعات الإخفاق الذي لا يتحمله، بل هو
نتاج عوامل خارجة عن إرادته.
ومن هذه الحواجز المصطنعة: تقويمنا للناس؛ فقد نصدر أحكاماً قاسية على
بعض الناس، وقد نصف بالانحراف طائفة ممن ليسوا كذلك، فسيطرة الأفكار
المنحرفة والآراء المخالفة للشرع تدفع بعض المسلمين إلى التأثر بها وتبنيها والدفاع
عنها، وإن كان هؤلاء لا يدركون أبعادها ومراميها، ومن ثم نصنف هؤلاء ضمن
إطار التيار العلماني، ونقف موقف الرفض والقطيعة لكل من سمعنا منه شيئاً من
ذلك , وقد يكون لدى هؤلاء خير كثير، وبيننا وبينهم قواسم مشتركة فنخسرهم
لأجل هذا التقويم الخاطئ.
ومن الحواجز ما نفرضه بيننا وبين المجتمع؛ فثمة شرائح كثيرة في المجتمع
بينهم وبين الدعاة والخيِّرين قطيعة ونفرة، ولا يزالون ينظرون إلى الدعاة وطلبة
العلم على أنهم يمثلون تياراً تقليدياً متخلفاً. ونحن نتحمل المسؤولية الكبرى نحو
إزالة الحواجز مع هؤلاء، ولو سعينا لذلك لانفتحت أمامنا ميادين واسعة من العمل،
وساحات كبيرة من التأثير.
وثمة حواجز نفسية تعوقنا عن العمل أو الانطلاق فيه.
ومن ذلك: الخوف من الإخفاق، فكثير منا يسيطر عليه الشعور بالإخفاق قبل
أن يبدأ في العمل، وتسبق احتمالات الإخفاق لديه احتمالات النجاح، وهذا الحاجز
يعوق عن أعمال كثيرة طموحة ومنجزة، وحين يندفع صاحبه للعمل فإنه يعمل
بروح محبَطة، والمحبَطون قلما ينجحون.
ومن الحواجز النفسية: تضخيم الأعداء، إما بالمبالغة في تصوير قدراتهم
وإمكاناتهم، أو النظرة إليهم على أنهم ليس لهم شأن ولا أمر يشغلهم سوى الكيد
والتآمر علينا نحن، وقد أثبتت الوقائع القديمة والمعاصرة أن قدرة هؤلاء محدودة،
ولم يفلحوا في مواقف وتجارب عدة، وهذا حين ننظر بالحسابات المادية القريبة؛
فكيف حين نضع في حسابنا أن قدرة الله فوق كل شيء، وأنه لا غالب لأمره ولا
راد لقضائه؟
ومن الحواجز النفسية: احتقار الذات، وإعطاء النفس أقل من حجمها، سواء
على المستوى الشخصي والفردي، أو على مستوى قدرات وإمكانات الصحوة؛
فنحن في كثير من المواقف نُهوِّن من الإماكانات المتاحة لنا، ونقلل من مساحات
التأثير التي نستطيع التحرك من خلالها، وهذا لا بد أن يترك أثره على تخطيطنا
وممارستنا.
ومن الحواجز النفسية: الأوهام التي تسيطر على بعضنا، فتعوقنا كثيراً، أو
تحبط كثيراً من المشروعات الطموحة.
إن اعتدالنا في الحديث عن المشكلات وتصويرها بحجمها الطبيعي، وعدم
الخلط بين التواضع واحتقار الذات، وسيطرة روح التفاؤل والإقدام، والتفريق بين
تقويمنا لأنفسنا وما ينبغي أن نكون عليه وبين تقويمنا للآخرين.. إن هذه الأمور
مما يعين على تجاوز هذه الحواجز وتخطي هذه العقبات.
ولنتذكر دوماً أن المتشائمين لا يعملون، وإن عملوا فعطاؤهم محدود، وأننا
لن نخسر شيئاً بالتفاؤل المتزن غير المتهور.
стр. 3921
حوار
حوار مع فضيلة الشيخ عبد المجيد الزنداني
جاءنا صندوق النقد الدولي بالجوع والربا وتحطيم الإنتاج
أجرى الحوار: عبد الرحمن بن عبد القادر الحفظي
ضيفنا في سطور
* ضيفنا عالم وداعية سلفي جليل، تميز - حفظه الله - بسلامة المنهج،
وسعة الأفق، وقوة التأثير.
* له مكانة بارزة في العمل الإسلامي عموماً، وبخاصة في بلاد اليمن
خصوصاً.
* نذر نفسه لنشر الدعوة الإسلامية والعلوم الشرعية، وأسس جامعة الإيمان
في صنعاء.
* له جهود مشكورة في الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، وواجه بذلك كثيراً من
العلمانيين والماديين.
البيان: تمر الأمة الإسلامية في هذه المرحلة من تاريخها بتغيرات فكرية
وسياسية واجتماعية عديدة؛ ففي ضوء هذه التغيرات كيف يُقوِّم فضيلتكم دور
الصحوة الإسلامية بشكل عام؟ ثم ما السبيل إلى النموذج الأمثل في العمل
الإسلامي؟
* أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله
والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وبعد:
نحن في فترة شخَّصها رسول الله ﷺ فقال: «يوشك الأمم
أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟
قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل» [١] . هذه الحالة السائدة في
أمتنا، هي الغثائية، والغثاء هو الزبد الذي يعلو السيل، وهو خليط غير متماسك
من أوراق وتراب وبعض أخشاب يعلو على السطح ويحركه التيار من أسفل، هكذا
تيار السياسات الدولية هو الذي يجرفنا ويحدد مواقفنا، وترانا نتمزق ونتصدع عند
الاصطدام بأي مشكلة من المشاكل وأي عائق من العوائق، غثاء كغثاء السيل ليس
فيه تماسك أو ترابط.
«ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم» ، اجتمع العرب، وأمريكا
ترفع يدها ضد ما اجتمع العرب من أجله، يطلبون من الغرب حماية للفلسطينيين
الأطفال والنساء، وكان الواجب أن يقوموا هم بالحماية ولكن لضعفهم وللغثائية التي
أصابتهم يطالبون الكفار ويطالبون الدول الأجنبية أن ترسل القوات لحماية الأطفال
والنساء والعجزة ولحماية البيوت! ! ومع ذلك فإن أمريكا هي التي تعطل هذا في
مجلس الأمن وتقول: لا لإرسال قوات.. اتركوهم، اتركوا اليهود ليفعلوا ما
يشاؤون , هل خافت منا أمريكا؟ هل عملت لنا حساباً؟ هل خاف اليهود وهم
يهددون ويعتدون؟ وقادتنا يقولون صبراً صبراً! ! المسافة قليلة بين مكان الاعتداء
على إخواننا وبين مكان اجتماع القمة! هذا مظهر من مظاهر الغثائية التي أصابتنا.
«ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن
فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» .
حب الدنيا، لماذا نحب الدنيا؟ روي أن عمر بن عبد العزيز سئل هذا السؤال
فأجاب: «لأننا خربنا الآخرة وعمرنا الدنيا؛ فنخشى أن ننتقل من أرض العمران
إلى أرض الخراب» , وأنا أقول إن الأمر أكثر من ذلك؛ فلقد ضعف اليقين
بالآخرة، والدنيا مشاهدة مزينة فتعلقنا بالذي استيقنا به، وخفنا أن ننتقل إلى عالم
ليس لنا به يقين قوي، فضَعُف اليقين، وإلا لو قيل لك: انتقل من كوخ إلى قصر
فهل تتردد؟ لا والله! فضعف الإيمان هو المرض الذي أوجد حالة الغثائية التي
أخبرنا عنها رسول الله ﷺ ، وكأننا إذا كرهنا الموت لا يأتي! بل
سيأتي كرهنا ذلك أم أحببناه.
وهذا يدل أيضاً على أن العلة الحقيقية هي ضعف الإيمان؛ وعليه فإن الله -
إذا أراد بأمة خيراً وأراد أن يحييها فإن البداية تكون بإرسال
الرسول، وتكون أول قضية يحملها الرسول هي تعريف العباد بربهم وحقه عليهم
في العبادة، وتعريف قوم الرسول بصدقه، وتقديم حججه من أدلة وبراهين على
صدقه حتى يستيقنوا ويطمئنوا ويعلموا أنه صادق.
ثم بعد ذلك يعرِّفهم بصفات الله وما يليق به - جل وعلا - وبدين الله الذي
ارتضاه لهم، ويحذرهم مما يكون سبباً في خسرانهم في الدنيا والآخرة، ويبشرهم
بما أعد الله - جل وعلا -، وينذرهم بما توعد الله به؛ فتتعلق القلوب بالله - جل
وعلا - بعد أن استيقنت صدق الرسول، واستيقنت أنه لا إله إلا الله، وأنه
المستحق للعبادة وحده، ثم يأتي بعد ذلك الاستسلام لأمر الله - جل وعلا - ,
الصحابة هكذا غيّرهم الرسول ﷺ ، وبنفس المنهج غيّر الصحابةُ
التابعين، وعلى المنهج نفسه سار من تبعهم في تغيير الأمم والشعوب التي لاقتهم،
ما جاؤوا بتدريس منطق ولا فلسفة ولا تأملات؛ لأن التأملات والنظرات أقصى ما
تكون أنها تأمل قد يُعارَض بتأمل، واحتمال قد يعارضه احتمال، وفلسفة قد تقابلها
فلسفة. نحن أمام منهج قطعي؛ هذا رسول الله وهذا دليل رسول الله صلى الله عليه
وسلم، هذا رسول من الله وهذا برهان صدقه ﷺ . ثم هذا كلام
رب العالمين وهذا المنهج الذي يريد الله أن نسير عليه، [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ
لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ] (النحل: ٤٤) لتبين للناس بياناً بكلام واضح وجلي ليس
فيه لبس أو إشكال.
هذا المنهج هو الذي جعل الصحابة - رضوان الله عليهم - يُقبلون، ويُقَدِّمون
كل شيء ولا يخافون من شيء؛ فغيروا وجه الأرض. هذا المنهج هو الذي أحيا
الله به الأمة، وهو الذي به تحيا في عصرنا وبعد عصرنا كما حييت به قبل
عصرنا، [وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً] (الفتح: ٢٣) . فإن وجد الجيل المستيقن
في إيمانه الذي يعرف ربه ويعرف رسول ربه، ويثق بوعد الله ووعيده، ويطمئن
أنه على حق وعلى هدى حدث التغيير. لكن الصحوة الإسلامية المعاصرة كانت رد
فعل للهجمات الاستعمارية ولثقافة الاستعمار، كما أنها كانت رد فعل أيضاً
لانحرافات عهود الانحطاط التي أبعدت الأمة عن الدين وغلب على جوِّها الخرافة
والجهل.
والاستعمار جاء يريد استئصال الدين من أساسه، ويريد محو المسلمين
والسيطرة على ديارهم؛ فقامت الصحوة الإسلامية ردَّ فعل ضد هذين الخطرين،
وضد الوجود الاستعماري والتهديد الاستعماري المادي. وقليل من رجال الصحوة
ودعاتها وعلمائها من اهتم بهذا المنهج الذي أقوله لك: البداية بتجديد الإيمان واليقين
وتثبيتهما , وأكثرهم اعتبروا أن ذلك من الأمور المسلَّم بها، وأنه من تحصيل
الحاصل، وساروا على ذلك في دعوة الناس ولكن بقي الداء الحقيقي في كثير من
القلوب، وبقي ضعف اليقين في كثير من النفوس، وما أن يتعرض بعضهم لابتلاء
وامتحان حتى تراه يسقط، وتراه يضعف وينكشف، ورأينا قول الله - تعالى -:
[وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ
انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ] (الحج: ١١) .
لهذا نجد بعض الضعف في البناء الإيماني الذي ينعكس على جوانب التدين
كلها، ولذلك فإني أقول: الأصل ألا ننطلق من رد الفعل، وإن كان الفعل المخالف
للدين يجب أن نقف في وجهه، ويجب أن نرد عليه، ويجب أن ندفعه وأن نكشفه،
ولكن الأصل أن ننطلق من الكتاب والسنة، من المنهج القرآني، والمنهج القرآني
يبدأ بـ: [فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ] (محمد: ١٩) ، [أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحَقُّ
كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] (الرعد: ١٩) يبدأ بالشهادتين، ثم
الإيمان بالله ورسوله، ثم بسائر أركان الإيمان، ثم ينطلق إلى ميدان التطبيق
العملي، وربط العبد بربه بالعبادة والذكر؛ ولكن مع ذلك فالذين يجاهدون في سبيل
الله، والعاملون في الصحوة الإسلامية قد أكرمهم الله ولم يخيبهم؛ لأن الله قال:
[وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ] (العنكبوت: ٦٩) .
فالذي عزم على أن يجاهد في سبيل الله ويعلي كلمة الله - جل وعلا - لا
يضيعه الله وإنما يأخذ بيده، فأنت ترى حال الصحوة الإسلامية يزداد صفاءً ونقاءً
مع مرور الأيام، ويزداد تخلصاً من بعض آثار ثقافة عهود الاستعمار وعهود
الانحلال التي ربما أصابته ضمن المجتمع الذي يعيش فيه؛ ولذلك فإن تقديري أن
الصحوة الإسلامية وإن كانت قد جاءت ردود أفعال لكنها جاهدت في الله، والذين
جاهدوا في سبيل الله أخذ الله بأيديهم إلى السبيل بقدر التوجه إلى الله - سبحانه
وتعالى -.
البيان: للتيارات العلمانية في كثير من الدول الإسلامية دور كبير في تغريب
الأمة ومسخ هويتها وتغييب تاريخها، وتختلف جرأة العلمانيين من بلد لآخر.. فمن
خلال رؤيتكم الواسعة للواقع الإسلامي وتجربتكم في اليمن وفي غيرها، ما الطريق
الصحيح لمواجهة تلك التيارات، وهل تعي الحركة الإسلامية مستقبل هذه المدافعة؟
* هذه التيارات لا تتسلل إلينا ولا تهجم علينا من مجال واحد؛ بل تدرس
واقعنا دراسة لا أريد أن أقول دقيقة، لكنها دقيقة في منظورهم، ويرصدون لهذه
الدراسات جيوشاً من المنصِّرين والمستشرقين، بل للأسف الشديد أن من أبنائنا
الذين يطلبون شهادات عليا لديهم مَنْ يطلبون منهم أن يقدِّموا بحوثاً هي في الحقيقة
تقارير عن أوضاع مجتمعهم، فإذا ما درسوا هذا الواقع، ورسموا سياستهم في
ضوء تلك الدراسة فلا تجد مرتكزاً من مرتكزات القوة إلا وهاجموه ورسموا الخطط
ضده.
فهم يبحثون عن مرتكزات القوة لدينا ثم يوجهون سهامهم؛ فهم عرفوا أن
حصننا الحصين هو الإسلام فهاجموه بالشبهات، وهاجموه بتغيير مناهج التعليم في
المدارس، هاجموه بالمدارس التي تتبعهم، هاجموه بالأساتذة، هاجموه بتغيير أفكار
ومعتقدات من يذهب من أبنائنا للدراسة لديهم، وسلطوا عليه الأضواء، هاجموه في
شريعته فشوهوا الشريعة ودفعوا المجتمعات إلى التخلي عن تطبيق الشريعة،
هاجموه في أخلاقه وقيَمه ومُثُله، هاجموه في أجهزة الإعلام، وفي ثقافته
الاستعمارية المعادية التي تنتشر بين أبناء المسلمين والتي تنتشر بين أبنائهم هم،
فهم يشوهون الإسلام بتشويهات شديدة.
ثم لم يكتفوا بذلك بل وجهوا العداء للمؤسسات الإسلامية التي تخدم الإسلام،
وللشخصيات الإسلامية والهيئات الإسلامية ولكل قاعدة تخدم الدين؛ فاليوم الذين
يمارسون العمل الخيري يقيمون مسجداً أو يعينون يتيماً صاروا يُقدَّمون للناس على
أن هذا إرهابي يساعد إرهابيين، ما تركوا شيئاً إلا حاربوه ورسموا له الخطط على
كافة المستويات. أقنعونا بأن الأصولية هذه عيب وعار.
الأصولية عندنا شيء ممدوح وليس بشيء مذموم، فنقول: أصول الفقه،
أصول الدين، أصول التفسير، ونقول: هذا ابن أصول؛ لكن شنوا علينا حملة
حتى صدقنا أن هذا الشيء الأصلي باطل، وهم يقصدون بالأصولية هؤلاء الذين
يتمسكون بأصول الدين وأساسه من الكتاب والسنة ليجعلوا التمسك بالأصل عاراً
ومذمة ومسبة؛ فهم يحاربون الإسلام في كل جانب من جوانبه، ويبحثون كيف
يثيرون الشبهات بين أبناء المسلمين.
ثم بذلوا الجهود لتحديد جيوشهم؛ فهم يفرضون علينا ألا تزيد الجيوش عن
عدد معين، ويفرضون علينا ألا نتسلح بالأسلحة الاستراتيجية لنبقى عرضة
لضربهم متى شاؤوا بها، فيجيئون لقصفنا متى شاؤوا ونحن لا نستطيع الرد ,
فنقول: امنعوا إسرائيل معنا! فيقولون: لا؛ أنتم تمنعون فقط؛ أما هم فلا ,
يقيمون حرباً على الاقتصاد؛ انظر كيف يعبثون بسعر البترول؛ لأنه هو
السلعة الوحيدة التي عندنا، وهو مقياس لباقي السلع، ومعظم الخامات من الثروات
المعدنية في العالم هي عند المسلمين؛ إذ تبلغ ٦٥% مما في الأرض، ولكنهم
يبخسون السلعة لدينا ويغلون علينا سلعتهم.
ويقيمون حرباً على الأخلاق: فينادون بزعمهم بحقوق المرأة حتى كادت
المرأة المسلمة تصدقهم أن الإسلام ظلمها، وأن هؤلاء المفسدين والمدمرين لها
ولأسرتها وكيانها ومجتمعها يريدون بها رحمة، وهم يريدونها لقضاء الشهوات
والملذات والعبث بها، ويريدونها أَمَةً تعرض جسمها لكل طالب، فيحطمون أسرتها ,
وقد ضمن الإسلام النفقة للمرأة فلا تخشى مسألة المال، ولا تخشى عَيْلة؛ فهي
في أمان من العَيْلة في النفقة؛ فإن عجز الولي فبيت المال يكفلها , لكن هكذا
يدفعونها للخروج للعمل، وإن كانت مريضة فهي المسؤولة عن نفسها وإلا ماتت ,
وباسم المرأة يفسدون الشباب ويفسدون الشابات، ويحطمون الأسر،
وينشرون الأخلاق السيئة، ثم يروجون بيننا كل ما يبيح الانحلال والفساد ليوصلونا
إلى ما وقد وصلوا إليه هم، وقد وصلوا إلى ما حذرنا منه الدين، الدين حذرنا من
أن الانحرافات سوف تحطم النسل، بل إن علماءنا قالوا إن مقاصد الشريعة خمس،
ومن هذه المقاصد حفظ النسل. اليوم الشعوب الأوروبية تشكو الانقراض، تتناقص
أعدادهم؛ لأن عدد الوفيات أكثر من المواليد، فيقولون: إذا استمر هذا التناقص
فسوف يأتي وقت من الأوقات نموت فيه وننقرض وتنقرض شعوبنا، وتتغلب على
الأرض هذه الشعوب التي تتناسل.
فلماذا تنقرضون؟ لأن النساء تأبى أن تلد. لماذا تأبى المرأة أن تلد؟ لأن
الرجال تخلوا عن النفقة وتخلوا عن المشاركة في تربية الأولاد. ويُسأل الرجل:
لماذا تخليت؟ فيقول: لأنني أشك أن المولود ولدي. ولماذا تشك؟ لأن الزنا سلعة
متداولة أراها في كل مكان من حولي. ولماذا هذا؟ لأن التبرج والاختلاط يسَّر هذا
الأمر؛ فالبداية تبرج واختلاط أدىا إلى الانقراض.
الإسلام عالج وحذَّر ولكنهم يريدون جرَّنا إلى حيث ساروا لنصل إلى ما
وصلوا إليه؛ فهم يحطمون أُسَرَنا وأخلاقنا، ثم يحطمون عقولنا بنشر المخدرات
وتكوين عصابات لنشر المخدرات، وإسرائيل تحمل في ذلك الراية لنشر المخدرات
في بلاد العرب، وهناك عصابات متدربة ومرتبطة بأجهزتها الاستخباراتية
والعسكرية لنشر المخدرات بين الجيوش العربية وبين شباب العرب لتحطيم العقول
إلى جانب الإعلام المشوش الذي يقلب الحقيقة.
أذكر مرة كنت أسمع إذاعة لندن وكانت تذيع برنامجاً عن الكمبيوتر في بدايته
منذ سنوات عديدة، وإذا بالمحلل يقول: الكمبيوتر الآن في بداية صناعته
ونصيحتنا للدول العربية أن لا تصنِّعه؛ فهذا يكلف كثيراً؛ ولكن عليها أن تحصل
على الكمبيوتر بسعر رخيص جداً! ! سبحان الله، هكذا يريدون صرفنا عن أسباب
القوة؛ فهم يحاربون الدين، يحاربون الجيوش، يحاربون الاقتصاد، يحاربون
الأخلاق، يحاربون العقول، ثم يحاربون الوحدة السياسية بين المسلمين.
من قبل كان اجتماع العرب شيئاً صعباً جداً، وكان زعماء عرب كلما قيل لهم
اجتمعوا قالوا: لم يحن الوقت بعد، لم يحن الوقت بعد! تمزيق الأمة وتفريقها
وتشتيتها وهي أمة واحدة وربها واحد، وتتمتع بأعلى مقومات الوحدة وهي وحدة
الدين , هم يقولون: إن الوحدة الدستورية هي أعلى صور الوحدة، الوحدة
الدستورية هي عدد من النقاط التي تتفق عليها الشعوب، هذه الوحدة الدستورية
نحن عندنا أكثر من ذلك: الوحدة التشريعية، الوحدة الإيمانية، الوحدة العقائدية
هذه التي تجعل الأمة موحدة. هم يضربون بسهامهم لتفكيك عرى هذه الوحدة حتى
نصبح دويلات صغيرة بكيانات ضعيفة يسهل ابتزازها، ويسهل تهديد كل كيان من
هذه الكيانات، ويسهل احتلاله إذا أرادوا، ويعجز هو عن الدفاع عن نفسه أو أن
يستقل بالدفاع عن نفسه، فيبتزون هذه الكيانات كياناً كياناً. فالواجب علينا بعد
تقوية إيماننا أن نسعى للحفاظ على الدين، والحفاظ على الأخلاق، والحفاظ على
الاقتصاد، والحفاظ على الجيوش والعقول، والحفاظ على الوحدة السياسية أيضاً،
ويهددون الأمن في البلاد فيوزعوننا إلى أحزاب وطوائف وفئات، ويثيرون
الاختلافات فيما بيننا؛ فهذه الطائفة ضد هذه الطائفة، وحزب ضد حزب، وفريق
ضد فريق، وجماعة، ضد جماعة، ثم إذا لزم فدولة ضد دولة، ونشتغل ببعضنا
كل واحد منا خائف من أخيه، من صاحبه، من جاره وهم يشتغلون ضدنا أجمعين؛
فعلينا أن نعي هذه المخططات، وأن نجعل من أبناء أمتنا من يتصدى لهذه
المخططات في كل مجال من المجالات.
البيان: حدث لغط كثير في اليمن حول ما نشرته بعض وسائل الإعلام في
(سبِّ الذات الإلهية) ، وقد تباينت مواقف الإسلاميين تبايناً كبيراً إزاء هذه الهجمة؛
فبعد أن هدأت الزوبعة ما تقويم فضيلتكم لهذه المواقف أولاً، وثانياً هل هناك رؤية
استراتيجية مدروسة لمواجهة ما قد يستجد في وسائل الإعلام من هذه الأمور كسبِّ
الله أو الدين أو الاستهزاء ببعض ما جاءت به الشريعة؟
* إن سبَّ الله الذي حدث في اليمن قد سبقه شيء من هذا في مصر وفي
الأردن وفي الكويت؛ فهي ظاهرة تأتي في وقت واحد تدل على أن هناك من
يخطط وراءها، وسبحان الله كادت أن تسير وفق ملامح واحدة مما جعل عدداً من
المفكرين المسلمين يقولون: إنهم يريدون أن يهاجموا أغلى ما لدينا من المقدسات،
ويحاربوا أعلى أمر لدينا حتى إذا استسلمنا في هذا سهل لهم بعد ذلك أن يحطموا
باقي مقدسات الأمة ويُجرِّئوا كل معتدٍ، ويقتحموا كل حمى لهذه الأمة.
وتباينت ردود الأفعال. نعم! فبعض العلماء جزاهم الله خيراً وأهل الغيرة
وزنوا الأمور بميزان الشرع، ووجدوا أن سبَّ الله ليس هناك منكر أغلظ منه ولا
كفر أشد منه، وقد توعد الله الذين يؤذون الله ورسوله باللعنة والعذاب الأليم ,
والصحابة - رضوان الله عليهم - اعتبروا ذلك كفراً صراحاً؛ فإن من سبَّ الله فقد
كفر، والله - تعالى - يقول في هذا: [وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ
قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ]
(التوبة: ٦٥-٦٦) . فذهبوا ووقفوا وقفة طيبة عظيمة، وأخذوا يجمعون
التوقيعات، ووقف الخطباء في المساجد وتكلموا في هذا كلاماً.
بعض الإسلاميين قالوا: نسلك طريق القضاء، ونقدم شكوى وننظر ماذا يأتي
من القضاء، فاتجهوا في هذا الطريق، ولكن العلمانيين عندما رأوا أن الإسلاميين
توجهوا إلى القضاء، وأصبح القضاء يطلبهم للمثول بين يديه تكاتفوا وتناصروا
وأصدروا البيانات، وطالبوا بالاعتصامات ليرهبوا القضاء من أن يتخذ الموقف
الصحيح في هذا الباب، واشتدت الهجمة على الذين تصدوا ضد هؤلاء الذين
يسبُّون الله.
وكما تابعتم وعرفتم ركزوا عليَّ وعلى جامعة الإيمان، ولكن سبحان الله!
رأينا إخواننا من أهل الدين والغيرة يلتقون مع إخوانهم في هذه النقطة، فوجدنا
الشيخ عمر أحمد سيف وهو في حزب المؤتمر كالأسد الهصور، ووجدناه لا يتردد
في إعلان كلمة الحق فجزاه الله خيراً هو وغيره من العلماء، وأصدر العلماء
«صرخة علماء اليمن» ، وهو شريط تكلموا فيه بحرارة وبقوة.
وبعض الإخوة من الإسلاميين أرادوا أن تمضي المسألة بهدوء ومن دون إثارة
لأنهم يحسبون حساباً للأعداء الخارجيين، ويظنون أن الإثارة هذه تؤلب ... وكذا
وكذا، ولكن نفع الله بهذه المواقف وأحيلت القضية للقضاء، ثم أعيدت الآن بعد
ستة أشهر إلى نفس المحكمة بعد أن ارتفعت إلى أعلى وأمام الجهة المسؤولة،
ونرجو إن شاء الله أن يتخذ القضاء الحكم الشرعي فيها.
البيان: هل هناك استراتيجية لما يستجد حول هذه القضايا؟
* لا شك في ذلك، وأبشرك أن شعبنا ورجالنا وجيشنا حتى إن بعض
الوزراء عندما سمع الشريط أرسل لي عن طريق مرافقيه يشكرني ويدعو لنا،
وقف الناس وقفة واحدة لم يتخلف عن هذا سوى العلمانيين الصرحاء، أو شخص
خائف هُوِّل الأمر عليه وخاف أن يبدي شيئاً أو كذا، ولكن الصحابة - رضوان الله
عليهم - قدموا أنفسهم فدية للإسلام، وقد طُلب من بلال ﵁ أن
يقول كلمة في رسول الله ﷺ وهو يُعذَّب فأبى، وعرَّض نفسه
للموت ﵁.
البيان: يضغط صندوق النقد الدولي على بعض البلدان الإسلامية الضعيفة
اقتصادياً أو البلاد النامية بغرض فرض بعض الثقافات والرؤى التغريبية عليها؛
فما دوره في اليمن؟ وإلى متى تستمر هذه التنازلات في الدول الإسلامية؟
* هذا حدث، وهو ما نعيشه اليوم ونعيش مرارته؛ فالبنك الدولي هو يد من
أيدي الأمريكان واليهود، يسلط على الدول الفقيرة ويستغل فقرها وحاجتها؛ كما أن
أمريكا تضغط على هذه الدول ضغطاً شديداً كي تقبل شروط هذا البنك الدولي ,
صندوق النقد الدولي له فلسفة معروفة في العالم كله، ومعظم شعوب العالم عرفت
خطورة ذلك، وأصبحت تنتقدها حتى الدول النامية غير الإسلامية تشكو من هذا
وتصرخ؛ لأنه أراد أن يعيد بناء الاقتصاد في تلك الدول ليكون اقتصاداً تابعاً
للاقتصاد الأمريكي وللاقتصاد الرأسمالي الذي يتحكم فيه اليهود، ويضرب مقومات
تلك الدول ويفقر الشعوب ويزيدها فقراً، ويفلسف ذلك فلسفة. لكن الوقائع والنتائج
تأتي مكذبة لهذه النتائج وتلك الفلسفة؛ فنحن هنا جاءنا بالجوع وجاءنا بالربا باسم
أذونات الخزانة. جاء بتحطيم الإنتاج؛ لأنه رسم سياسات كثيرة، فأفْقَرَ الشعب،
وسحب رأس المال من الأغنياء إلى البنوك الحكومية التي تدفع رباً لمن جمد ماله
عن العمل، ويدفع الشعب قيمة ذلك الربا من ميزانيته وثروته العامة. وهدفهم الذي
يقصدونه والذي وضعوه في كثير من الدول أنه كلما ازدادت الشعوب فقراً تحدث
ثلاث ظواهر:
الأولى: اندفاع النساء إلى طريق غير سوي تحت ضغط الفقر والحاجة.
الثاني: اندفاع الرجال إلى الجريمة والحصول على ضرورات حياتهم بالقوة
وعبر العصابات فتزداد الجريمة.
الثالث: عبث الموظفين بنظام الدولة وحقوق المجتمع عن طريق الرشوة؛
فالكل محتاج فقير يحتاج أن يسد ضروراته، فتنتشر مثل هذه الحالات في
المجتمعات. البنك الدولي لا يُقاوَم إلا ببنك إسلامي وبدائل إسلامية، وتنبُّهٍ من
المفكرين والدعاة إلى الله - جل وعلا - حتى لا يقعوا أسرى لهذه المخططات.
البيان: للتيار المتدثر بدثار العقلانية وجود ظاهر في بعض مواقع الصحوة
الإسلامية، ويصوَّر هذا التيار في كثير من الأحوال بأنه التيار المعتدل، والمستنير،
والواقعي ونحوها من الصفات، ويصوَّر غيرهم من التيارات المتمسكة بالكتاب
والسنة بأنهم بسطاء أو سذج أو بدائيون أو دراويش؛ فما تقويم فضيلتكم لهذا التيار
العقلاني؟ وما الطريق لاستصلاحه، وترشيده داخل الفصائل الإسلامية؟
* صدقت، هذه الظاهرة ليست موجودة من الآن بل موجودة عبر التاريخ،
فعندما تأتي هجمة من الأعداء تهاجم المسلمين ويكون المسلمون في حالة ضعف
باليقين؛ فإنهم يحاولون دفع هذه الهجمة بأساليب وطرائق يظنونها أكثر عقلانية
وأكثر استقامة مع العقل. وأعجبني الوصف الصحيح لهم بأنهم ليسوا بعقلانيين،
وأنهم في الحقيقة أتباع أهواء؛ لماذا؟ لأن الابتعاد عن الكتاب والسنة لا يكون
نتيجته إلا اتباع الهوى. إذا ابتعدت عن الوحي وعن الحق؛ فماذا يبقى غير الانقياد
للهوى! ! أما العقل فهو ممدوح لدينا، والقرآن نزل فقط لقوم يعقلون ما نزل
للمجانين. والذين يعقلون الأمر عقلاً حقيقياً يعلمون أن الوحي جاءنا بعلم من عند
الله هو علم كامل شامل، وإنَّ علمَنا مهما بلغ فهو محدود [وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ]
(يوسف: ٧٦) ، وإن العقل الصحيح يوجب أن يتَّبع قليل العلم ومحدود العلم
من له علم واسع كامل، وهو العلم الإلهي الواسع الكامل، هذا هو العقل الصحيح؛
ومثال ذلك أن المريض إذا أراد أن يعرف مرضه ودواءه فماذا يفعل؟ يذهب
للطبيب، يجتهد بعقله: من هو الطبيب الممتاز؟ فإذا عرف الطبيب الممتاز سلَّم
نفسه إليه. يقول له الطبيب: افعل كذا وكذا، قف، اجلس، ثم تناول الدواء قبل
الأكل، تناول الدواء بعد الأكل، يأتمر بأمره ولا يجادل؛ لأنه يعلم أنه أعلم منه.
ولو قال شخص: أنا أفهم من الطبيب، هذا الطبيب لا يعرف شيئاً، ما
علاقة الدواء بقبل الأكل وبعد الأكل؛ فإن الناس يستهجنونه. فدور العقل هو أن
يعرِّفك بمصدر العلم الصحيح، وقد جاءنا العلم من الله عن طريق الرسل - عليهم
الصلاة والسلام - فدور العقل هو أن يتعرف على النبي الصادق ثم يسلم له بعد ذلك؛
لأن النبي جاء بعلم الله الذي أحاط بما كان وما يكون، وبما هو ظاهر وبما هو
باطن؛ فمرد هذه الظاهرة هو ضعف اليقين، ولو كان هناك يقين لكان هناك
استسلام بدون تردد لما جاء في كتاب الله والله يقول: [فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً]
(النساء: ٦٥) .
فأقول في هذه المسألة: العلاج لذلك تقوية اليقين، وتعليم الناس، ونشر العلم
الشرعي الصحيح، وللأسف فإن كثيراً من أبناء الصحوة الإسلامية ينقصهم العلم
الشرعي وهم متصدون لمواقع تفرض عليهم تحديد مواقف يومياً، وهذه المواقف
اليومية لا يسعفهم علمهم ولا معرفتهم في استخلاص الموقف الشرعي الصحيح،
ومن ذلك يتخذون موقفاً ويدافعون عن هذا الموقف ثم يحاولون تسويغ هذا الموقف،
وفي بعض الأحيان يصل إلى أن يُضعَّف الحديث ليس لأنه في سنده شيء، بل
لأنه اختلف معه في موقف قد رآه! ! فعلاج هذا في قول الله - تعالى -: [وَأَنَّ
هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] (الأنعام: ١٥٣) ، [قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ]
(المائدة: ١٥) .
فإن تتبع مرضاة الله تكون في اتباع كتاب الله : [يَهْدِي
بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ
إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (المائدة: ١٦) فهذه وصيتي؛ فالمطلوب أن نستعمل العقول
فلا نجمد، ولا نُعرِض عن تفهُّم النص ولا المجالات التي يتناولها النص، وسنرى
لنا في النصوص ومجالاتها الواسعة مخارج عظيمة؛ فالمطلوب أن نستعمل عقولنا،
ولكن بعد التأهُّل بآلية الاستنباط والعلم اللازم الذي يلزم من أراد أن يستنبط الهدى
والحق , أما أن يسير الناس وفق ما تقرره عقولهم؛ فما الفرق بين الإسلاميين
والعلمانيين إذن؟ لا يبقى هناك فارق إذا كان المنطق في السير هو أننا نمضي
حيث تدلنا العقول؛ لأن هذه حجة العلمانيين الذين يقولون: عقولنا دلتنا على طرق
الأحكام وهو الأنسب , الفرق بين الإسلاميين والعلمانيين أن الإسلاميين يتمسكون
بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فيحتاج هؤلاء الإسلاميون إلى تذكير
ونصح في أصولهم وقواعدهم والأمر الذي تصدوا له، والله يقول: [وَإِذَا جَاءَهُمْ
أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً]
(النساء: ٨٣) .
البيان: الواقع الفكري والاجتماعي السائد في كثير من الدول الإسلامية فرض
من حيث يشعر بعض الإسلاميين أو لا يشعرون - أنماطاً جديدة من التدين،
وانهزم بعضهم أمام هذا الطوفان من التغريب وفقهاؤنا لم يكونوا بمعزل عن تلك
الانهزامية التي تجلت في بعض الفتاوى التي تُعرض أحياناً باسم التيسير والمصلحة
الشرعية أو المصالح المرسلة ونحو ذلك؛ فما أسباب هذه الانهزامية؟ وهل يمكن
أن تربى فصائل الصحوة الإسلامية على الأخذ بالكتاب بقوة بعيداً عن هذا الواقع
المفروض؟
* لا شك أن معطيات العصر كثيرة وجديدة، وتأتي ولها ضغطها السياسي
والاقتصادي والاجتماعي والواقعي، وهذه المعطيات يتوجب علينا مواجهتها بمجامع
فقهية يحتشد فيها العلماء المجتهدون القادرون على الاستنباط مع الخبراء بهذا الواقع،
ووالله لو فعلنا ذلك وشيدنا مثل هذه المجامع كما بدأت والحمد لله لوجدنا أن الخير
للبشرية حتى الكفار سيجدون أن الخير لهم في اتباع هذا الدين، في اتباع هذا الحق،
في اتباع هذا الهدى لو وجد البحث الدقيق والبحث الصحيح.
أذكر مثلاً الإيدز: كنت في أستراليا فجاءت ثاني صحيفة في أستراليا
لتحاورني بعد أن علموا أنني أعمل في الإعجاز العلمي؛ فقالت الصحيفة: ما
عندكم؟ قلت: عندنا السبب؛ ففي حديث النبي ﷺ بيان في هذا
المرض والعلاج له، فاندهشوا. قلت لهم: يقول الرسول ﷺ :
«لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي
لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا» [٢] فهذا ظهر عندكم عندما تباهت
البرلمانات عندكم أنها أباحت الشذوذ وأباحت الزنا وأباحت وأباحت. بعد ١٥ سنة
من هذه الإعلانات ظهرت هذه الأمراض وهذه النتائج الخطيرة. فنشرت الصحيفة
في اليوم الثاني: «المسلمون يتسلقون جبل العلم» . أقول إن الدراسة الصحيحة
المتعمقة واستنباط الأحكام الشرعية في ضوء هدى الله سوف تخرج بنتائج تفيد
ليس فقط بلاد المسلمين بل البشرية كلها بدلاً من التخبط في الظلام
والضلال.
فهو جهل بالوقائع وجهل بالأدلة الشرعية، وفي بعض الأحيان قد يتصدر لهذا
الأمر عالم من العلماء مشهود له بالعلم، ولكنه مزدحم لا يتيسر له البحث ولا
المراجعة ولا التحقيق، كما قد تغيب عنه أحياناً جزئية من الجزئيات وهي مهمة
جداً في توجيه الحكم، ومهمة جداً في بيان الحكمة؛ ولذلك: يجب علينا أن ننادي
بمجامع الفقه وضبط هذه الفتاوى وردها إلى هذه المجامع الفقهية التي تتحرر من أي
ضغط من الضغوط سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو غيرها، والتي
تتمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ ولكن مع ذلك فالمعصوم هو
الرسول ﷺ ، ومن أخطأ فيجب أن نضمن الحرية للعلماء الآخرين
في بيان موضع خطئه. وبهذا يستقيم الناس ويسيرون في الطريق الصحيح،
والعصمة في النهاية لرسول الله ﷺ المعصوم بالوحي، أليس
أبو بكر ﵁، وهو خير هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: «إذا رأيتموني على خير فأعينوني، وإذا رأيتموني على خطأ
فقوِّموني» ؟ فقدم لهم إمكانية أن يخطئ وهو يبدأ خلافته؛ فإن كان هذا هو أبو بكر
فماذا بعد؟
البيان: وماذا عن استغلال بعض هؤلاء للفضائيات؟
* ذكرتُ الحكم الذي يجب أن يكون، أما الوسائل فتتبع ذلك الحكم؛ فعلى
الناس أن يستخدموا كل وسيلة متاحة ليبينوا كلام الله ويوضحوه، وبخاصة في مثل
هذا الجو الذي نحن موجودون فيه؛ وإذا ظهرت فتوى غير صحيحة فيجب أن
يتصدى لها العلماء ويقولوا إنها غير صحيحة في موضوع كذا وكذا حتى لا تمضي
دون بيان. ولكني أقول بموضوعية وبقصد البيان لا بقصد التشهير والتجريح
والانتقاص؛ فإن هذا يولد في القلوب حزازات وعداوات، ويأتي بردود أفعال
أخرى ويبعُد بنا عن الطريق.
البيان: لا يخفى على فضيلتكم ما يحدث من تقاطع وتدابر بين بعض الدعاة
في الفصائل الإسلامية المختلفة؛ فهل هناك من سبيل للتعايش السلمي بينهم؟ هذا
أمر والأمر الآخر ما الطريق لإحياء مبدأ التناصح المخلص والنقد البنَّاء في وسط
هذه الفصائل الإسلامية؟
* أولاً اليقين؛ فإنه يثمر الإخلاص، فمن أيقن بأن ما عند الله خير مما في
هذه الدنيا لا يضيع الآخرة بمتاع الدنيا، وتبقى غايته ما عند الله ،
فيحرص على ما يقربه إلى الله، والتذكير بذلك , ومن أحسن ما كتب فيما
عرفت في معالجة هذه القضية كتب الأستاذ صلاح الصاوي جزاه الله خيراً؛ فقد
أفاد وأجاد وقدم جهداً مشكوراً جداً، ولذا أدعو أبناء الصحوة الإسلامية إلى قراءة
كتب هذا الشيخ الشاب الذي محض النصح لفصائل العمل الإسلامي بتجرد
وموضوعية، وهو ليس بمعصوم، ولكنه من أحسن من كتب في هذا الباب.
ومما كتبه أنه قال: علينا أن ننظر إلى القضايا الخلافية فنصنفها؛ فهناك
قضايا خلافية في الأصول والعقائد وما أجمع عليه المسلمون وهذا لا يحتمل الخلاف
فيه , وهناك خلاف في الفروع والمستجدات من الوقائع في الحياة، وهذه قد تختلف
فيها الآراء، وقد اختلف فيها الصحابة، وقد اختلف فيها الأئمة الكبار الأربعة
وغيرهم، وربما تكون رحمة.
وأنا وجدت في الحج هذا العام شاهداً على ذلك رأينا بعض علماء الحنابلة
الذين كانوا يتشددون في أنه لا يصح الرمي إلا بعد الزوال يأخذون برأي الأحناف
الذين يجيزون الرمي قبل الزوال. هذه الخلافات في بعض الأحيان قد تكون رحمة
للأمة، وقد تكون باباً من أبواب التيسير للأمة فلا نقف بها بعداء بل بتضافر
وتسامح، ولكن يجب أن يكون اجتهاداً سائغاً؛ فلا يكون على هوى وعلى جهل؛
بل أن يكون مضبوطاً بضوابط الاجتهاد. وفي المستجدات من المواقف العملية:
كيف نتصدى لليهود؟ كيف نتصدى للحرب الاقتصادية؟ كيف نتصدى للانحرافات
والبدع والجهالات؟ وهذه تختلف فيها الأنظار بين صاحب عزيمة وصاحب
رخصة، وصاحب نظرة بعيدة ونظرة قريبة، وهذه يسعنا فيها الاختلاف ولا
نتخاصم حولها. وإذا سرنا بهذه المنهجية فسنجد أننا قد اتفقنا على المجمَع؛ فهناك
اتفاق بين أبناء الصحوة الإسلامية، وخاصة أن الجميع ينطلق من أنهم من
أهل السنة والجماعة، فأصولهم ثابتة وهم متفقون على معظم الأمور في
الأصول.
لكن أهم من ذلك هو البغي: بغي شخص على شخص، وبغي فئة على فئة
[كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ
لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ
البَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي
مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (البقرة: ٢١٣) كلٌّ يريد أن ينتقص من الآخرين ,
إنه الكبر، والكبر هو بطر الحق وغمط الناس، والمتكبر يصعب عليه أن
يعترف لأخيه أنه على حق، يصعب عليه أن يعترف أنه على أمر عظيم وجاد،
وهذا من البغي الذي سبب هذا التفرق، وإننا بحاجة إلى إشاعة الفقه الذي أشرت
إليه في كتب الشيخ صلاح الصاوي، وإشاعته في وسائل تعليمنا وإعلامنا، وبين
أبناء الصحوة الإسلامية وبين أبناء الجماعات الإسلامية، وأن نعمل في الأمور التي
ليس بيننا فيها خلاف. كم من القضايا التي ليس بيننا فيها خلاف يمكن أن نحولها
إلى برامج عملية، ونضع لكل مجموعة مجامع تعبر عن دورها في هذا المجال
بالأسلوب الذي تراه، ونتزاور ونتهادى فيما بيننا، وأن نترك الغيبة والنميمة،
ونتخلق بأخلاق الإسلام وأخلاق العلماء من سلف هذه الأمة في معالجة القضايا
الخلافية، وأن نحاول أن نقيم مشاريع مشتركة لخدمة الإسلام، مشاريع ضخمة
كبيرة نتعاون فيها جميعاً. اليوم حلف الأطلسي لا يكتفي بأنه قد حشد أكبر قوى
الأرض، لكنه يريد أن يتوسع أكثر، ونحن لم نفقه أهمية الاتحاد والاجتماع بين
جماعات إسلامية تريد ما عند الله.
البيان: ولكن كيف نحيي روح التناصح بين الفصائل؟
* التناصح مهم، ولا شك أن العصمة ليست لأحد منا؛ فإن الخطأ وارد من
كل أحد، والرسول ﷺ وضح أهمية النصيحة؛ فوصفها بأنها
الدين «الدين النصيحة» ، لكن هناك فرق بين النصيحة والفضيحة، النصيحة أن
ترى في أخيك شيئاً فتذهب إليه.. الأوْلى أن تذهب وحدك وبحب وتقدير وبعبارات
طيبة وتقول له: يا أخي! فتنثي على جهده، وتشعره بأنك لست مُبدِّعاً ولا مُفسِّقاً
ولا مُشهِّراً، وأنك ناصح تريد له الخير في الدنيا والآخرة، [وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا
الَتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ] (الإسراء: ٥٣) فمتى نقدم له النصيحة؟
فإذا لم يتسير اللقاء المباشر وصعب تحقيقه فيمكن إرسال رسالة ولو بدون توقيع،
فديننا أغلى علينا من الناس جميعاً، والمهم أن يعرف أنه خالف الأمر؛ ربما لا
يسمع منك، ولا يسمع من فلان، وربما يسمع من فلان آخر وهو أقرب إليه؛
فتذهب إلى ذلك الآخر وبطريقة أخرى، ولكن إذا أبى ولم يسمع فلا تترك الأتباع
والناس يسيرون وراء أخينا هذا وهو بعيد عن الهدى والحق، فنتحدث للناس جميعاً
عن الموضوع بلا ذكر أشخاص، وبأسلوب: «ما بال أقوام يفعلون كذا
وكذا؟ !» والقرآن نزل كثير منه في قريش وبقية الكفار ولكنك لن تجد أسماء
ناس في القرآن أو أسماء قبائل بل هي أوصاف، أوصاف المنافقين: هم الذين
كذا، هم الذين كذا، فينبغي أن نعرض القضية مجردة من الأشخاص حتى لا يغضب
الأتباع لقيادتهم، وحتى لا يغضب الأشخاص لأنفسهم ويكابروا وكذا، وبهذا نهزم
الباطل وندقه دقاً بعيداً عن الأشخاص المنتمين إليه، فيندس برأسه صاحب هذا
الباطل أثناء عرض الموقف ويقول في نفسه: لست أنا؛ لا يقصدونني، بل هو
يحاول التخلص من هذا.
ومن خيرة العلماء الذين عرفتهم في حياتي في مواجهة هذه الأمور الشيخ عبد
العزيز بن باز ﵀ كان يقف معلقاً ومعقباً على المعلمين وعلى
المحاضرين ثم لا يترك مسألة فيها مساس بالدين دون بيان لكنه لا يُجرِّح ولا يذم،
فيبدأ في الثناء عليه، وذكر الجهد الذي قام به حتى يشعر أنه من أنصاره، وأنه من
أعوانه، ولكنه ربما فاته كذا، ويستل الباطل وحده بعيداً عن الشخص ويدقه دقاً -
﵀ كان عَلَماً، وكان نجماً من النجوم في المؤتمرات التي تجمع العلماء ,
فأقول: مثل هذه المنهجيات والتزاور والتناصح والوقوف ضد أعداء الإسلام
والتصدي لهم تكون سبباً للنصر إن شاء الله.
البيان: يتنامى الوجود الرافضي في اليمن بشكل مطَّرد، ويجد من يعينه من
الداخل والخارج؛ فهل هذا التنامي حقيقي أو هو تلفيق من وسائل الإعلام؟ وما هو
دوركم إزاء ذلك؟
* اليمنيون جميعاً لهم موقف واحد من مسألة الرفض؛ ولو قلت ليمني:
يارافضي. لاعتبرها سبة وهاجمك؛ فهو يرفض أن تصفه بالرفض، ولكن بعض
التيارات السياسية التي تريد أن تثبت مواقعها السياسية تتستر بحب آل البيت
والتشيع لآل البيت والموالاة لآل البيت، ولجرِّ الناس شيئاً فشيئاً إلى محاربة السنة
والصحابة رضوان الله عليهم، ويأتي هنا التيار الإثنا عشري الذي بدأ يضع قدمه
في اليمن مدعوماً من إيران. وعلماء الزيدية الآن - وليس من قبل فقط -
يرفضون الإثني عشرية ويحذرون منهم ويكتبون الرسائل في الرد عليهم، وهم
يأخذون في أمور الفقه بما ذهب إليه أهل السنة، ولا يختلف عامة الزيدية معنا إلا
في مسائل محدودة، ويحتجون بالبخاري ومسلم وغيرهما. عندنا الزيدية غير
الشيعة الأخرى أو الفرق الباطنية، ولكن الإثني عشرية وفي ظل الأجواء المفتوحة
وهذه التيارات المسموح بها بدأت. ولكني أقول إنه يقاوَم من علماء الزيدية أنفسهم،
بل هم أشد الناس مواجهة لها الآن. في «صعدة» هناك تيارات بدأت تظهر
لهؤلاء الذين ينتمون إلى المنهج الإثني عشري، وأول الناس مهاجمة لهم هم علماء
الزيدية هناك، فأقول: العلم مرة ثانية وثالثة، والتعليم، والناس عندما يعرفون
الأمر ولا شك أنهم لا يرضون لأنفسهم أن يسُبُّوا من وثَّقهم القرآن: [وَاعْلَمُوا أَنَّ
فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ
وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ]
(الحجرات: ٧) .
فالذين يسبون الصحابة لا أدري ماذا يقولون؟ وأين يذهبون وهم يقرؤون
كتاب الله وهو يثني على صحابة رسول الله ﷺ ويمدحهم المدح
العظيم؟ فالجواب هو في العلم والتعليم.
البيان: يثار حديث كثير حول السياحة في اليمن، وهناك دعوة للانفتاح
السياسي والاقتصادي والفكري مستظلة بمظلة السياحة؛ فما هي المخاطر المتوقعة
من هذا الانفتاح؟ وما السبيل لدرء فتنة السياحة؟
* يصعب أن تغلق بلادك عن الناس؛ لأن الناس يريدون أن يزوروا بلادك؛
فماذا تقول لهم؟ أتقول: لا؟ ! ولكن لو كنت رجل حق وصاحب رسالة لفرحت
بمجيئهم، ووضعت لهم برنامجاً سياحياً يعرِّفهم بالإسلام، ويدعوهم أن يحترموا
قانون البلد، وأن قانون البلد لا يسمح بتعري النساء. فقل له هذا قانون البلاد، ولو
وضعته في مسارات وفنادق ورجال وجهات مأمونة، وتضمن فيها نشر الدعوة
الإسلامية ونشر الإسلام بينهم ويتمتعون بالمناظر الجميلة، ويرون معاملة حسنة؛
فهذا سَبْقٌ في الدعوة إلى الله - جل وعلا - ولكن للأسف ضعفُنا هو الذي يجعل
السياحة وسيلة لنشر فسادهم، بل لنشر الإيدز والأمراض الخبيثة الأخرى الجنسية
والفكرية التي يعرضها هؤلاء القادمون عمداً لتدميرنا، بل طريقاً للجواسيس أيضاً؛
فالجاسوس يأتي للبلاد بغرض السياحة؛ فهذا خطر يحتاج إلى دفعه، ولكنه يحتاج
أن تكون الأمة أمة رسالة، والدولة دولة رسالة، والشعب شعب رسالة.
البيان: من المعضلات في بعض مواقع العمل الإسلامي ضعف العلم والفقه
الشرعيين مما يؤدي أحياناً إلى إهمال النصوص الشرعية، والتقدم بين يديها، بل
يصل الأمر عند بعض الفصائل أن تقدم الأمر التنظيمي على النص الشرعي؛ فماذا
يرى فضيلتكم في ذلك، وهل من علاج لمثل هذا الداء؟
* أنت لو كلمت أي إسلامي وقلت له: أنت تقدم الأمر التنظيمي على الأمر
الشرعي فإنه يقول: أعوذ بالله؛ ما هذا الذي تصفني به؟ وإن كان في الحقيقة
يقول ذلك فشأنه كشأن المقلد للمذاهب، فتقول له: يا أخي! أنت تخالف النص،
هذا النص بين يديك. يقول لك: علماؤنا فهموا هذا النص، وقد فهموا الرد عليه،
وفهموا كذا وكذا. أنا أرى أن من أحسن الوسائل في مثل هذا مطالبة هذه الفصائل
الإسلامية أن يبرزوا لنا علماءهم الذين يتبعونهم؟ وما هي حججهم؟ وما هو دليلهم؟
وأن نربي المجتمع على احترام النص الشرعي، واحترام كلام رسول الله صلى
الله عليه وسلم وأنه لا أحد يؤخذ بقوله إلا المعصوم ﷺ .
وحقيقة أن الذي يمارسه مخالف للنص؛ وهو يتوهم أنه قد جاءه فهم للنص
من جهات موثوقة ومن علماء هم عنده محل ثقة. الواقع أن علاج ذلك هو دعوة
هذه الجماعات الإسلامية إلى أن تخبرنا بهؤلاء العلماء: من هم حتى نتناقش معهم،
نتحاور معهم؟ وأن تخبرنا بهؤلاء المتبوعين حتى نناقشهم ونتحاور معهم، وأن
يخبرونا بأدلتهم وحججهم، وأن نشيع بين صفوف الإسلاميين جميعاً عدم التقديس
لأحد إلا للرسول ﷺ ؛ فهو المعصوم الذي يؤخذ قوله وحده، أما
الآخرون فيؤخذ من أقوالهم ويترك.
البيان: ما دور العلماء الربانيين في تصحيح المسيرة الدعوية، وكيف يفعَّل
دورهم في وسط الفصائل الإسلامية؟
* أولاً: أن لا يبتعدوا عن هذه الفصائل؛ لأن الذي يبتعد كيف يدل قافلة وقد
غاب عنها؟ بل عليهم أن يشاركوا هذه الفصائل الإسلامية ويعاونوها على الخير،
ويجتهدوا في المعاونة على ذلك، ثم يبصروها ويحذروها من الخطأ. عندما أراك
تدلني على الحق فسأحبك وأتلقى منك الخير، ثم تقول لي: هذا خطأ، أستجيب
لمثل هذا، [وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ
إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ] (المائدة: ٢) ، فإذا تقدم هؤلاء العلماء وأعانوا الجماعات
الإسلامية ودعاة الإسلام على ما هم عليه من الحق ونبهوهم إلى ما هم عليه من
الخطأ فذلك أرجى في القبول.
ثانياً: ألا يصحب ذلك بغي على الناس أو غمط لهم أو استصغار لهم
ولدورهم وشأنهم أو احتقار لهم؛ فأنت عندما تبذل الجهد وتريد أن تصل لأعلى
الدرجات، ويأتي آخر يقول لك: هذا الذي تفعله لا قيمة له ولا وزن، وهو لو فعل
عُشْر معشاره لتطاول به؛ فيجب أن نترك الكبر، ونربي الصفوف على هذا، وأن
نحقق الأخوة الإسلامية فيما بيننا [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا
اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] (الحجرات: ١٠) .
فصائل العمل الإسلامي كل منهم ينظر إلى الآخر أنهم من المؤمنين؛ فنحن
نطالبهم بحقيقة الإيمان، وحق الإيمان هذا منه حق الأخوة، وحق النصرة، وحق
المحبة، وحق النصح والعون والتأييد والدعم؛ أما أن لا أجد منك غير نقد وسب
وتجريح واتهام وإمساك ومنع وتأنيب، وتريدني أن أسمع نصيحتك؛ فلا، ولا
أقصد بذلك فصيلاً من الفصائل، بل أقصد الكل، قل الحق يا أخي، انصر أخاك
بما هو عليه من الحق، شجعه على ما هو عليه من الخير، فسيقبل منك. إذا رأى
في نفسه شيئاً من الخطأ قال: أنا على خطأ. وأقول: إن وسائل الإعلام المتاحة لنا
من صحف ومجلات وأشرطة يجب علينا أن نشيع فيها هذه الروح، وهذه الدعوة
بين الناس إن شاء الله.
البيان: كان لفضيلتكم ولا يزال جهود مشكورة في الإعجاز العلمي في القرآن
الكريم؛ فكيف يسهم الإعجاز العلمي في مقاومة الأفكار والمذاهب الباطلة
ومناهضتها؟
* سأذكر لك قصة تدلل لك على الأمر، كان اسم عبد المجيد الزنداني عند
الاشتراكيين يساوي مجامع الجهل والعصبية والخوف والإرهابية والرجعية،
وأشرطة عبد المجيد الذي هاجم بها الدستور العلماني كانت أخطر أشرطة ولا بد أن
تحارب، ولكنهم نتيجة الوحدة وجدوا أنفسهم مرغمين على سماع عبد المجيد
الزنداني، فاجتمعنا مع رئيس الوزراء يومذاك «العطاس» ، وبدأنا الجلسة،
فحضرت من أوائل من حضر قبل موعد الاجتماع السياسي، وانتظرنا المتأخرين،
فقلت: أستفيد من الوقت، فبدأت أحدثهم عن الإعجاز العلمي، وإذا بهم يصغون
مندهشين، ثم قالوا: يا شيخ ما يكفي هذا؛ نحن نريد جلسة خاصة بهذا. فحددنا
موعد جلسة خاصة بهذا. فقلت: لهم عندي شريط اسمه: «إنه الحق» وهو
مقابلة بيني وبين أربعة عشر بروفسير حول هذا الموضوع، وجلسنا وتحدثنا،
وحدثتهم عن الشريط، قالوا: أين هذا الشريط يا شيخ؟ قلت لهم: في الاجتماع
الثالث سوف أعطيكموه إن شاء الله. ثم في الاجتماع أعطيتهم الأشرطة، ثم في
جلسة أخرى سألتهم، فقال رئيس الوزراء: يا شيخ! أصبحنا نوزع أشرطتك في
الحزب.
وفي مرة التقت التنظيمات الثلاثة في ذلك الوقت: المؤتمر، الإصلاح،
الاشتراكي , ودار النقاش حول قضايا سياسية ساخنة؛ هذا يشد من هنا، وهذا يشد
من هنا، فقال رئيس الوزراء: يا شيخ يا زنداني كلِّمنا عن الظلمات في البحار ,
فهذا أثر في المسلمين الذين اغتالتهم الثقافة الاستعمارية وأسرتهم في حبالها وفي
سجنها , أما الغربيون أنفسهم، أما رجال الفكر، فهؤلاء الواحد منهم إن لم يُسلم
يُسلِّم، لا تجده إلا بين مُسلم أو مُسلِّم لأنك تواجهه بشيء هو يعرفه، ويعرف كم
بذل من مجهود في الوصول إليه.
البيان: ما الذي يود أن يقوله فضيلتكم لأبناء الصحوة الإسلامية في ختام هذا
اللقاء؛ مع إلقاء الضوء على رؤيتكم لمنهجية الإصلاح والتغيير من خلال خبرتكم
الدعوية؟
* يقول الله - تعالى -: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم
مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] (الصف: ١٠-١١) .
فلو تعمقتم في العلم لعلمتم أن الخير لكم في الإيمان والجهاد، ولا يصدق إيمان
شخص إلا إذا تحلى بهذين الأمرين. قال - تعالى -: [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ
الصَّادِقُونَ] (الحجرات: ١٥) .
فأما الإيمان بالله ورسوله فهو لا بد أن يقوم على علم ليصل إلى اليقين ليكون
بعد ذلك الاستسلام والتسليم، وعندما يوجد هذا الإيمان واليقين في القلب فسينطلق
كل فرد نحو كل خير، وسيمتنع من داخل نفسه من كل شر، ونستطيع أن نجد
اللبنة المسلمة الصالحة للبناء الإسلامي، وبغير هذا تكون اللبنة ضعيفة ولا تتماسك
في البناء، ولا يقوم عليها بناء قوي، والإيمان هو اعتقاد ويقين جازم، وهو دعوة،
وبلاغ وشهادة، وهو استسلام وانقياد وخضوع لأمر الله على مستوى الفرد،
وعلى مستوى الأسرة والمجتمع، وعلى مستوى الدولة؛ وبهذا يتحقق الإيمان بشُعَبه
الثلاث التي ذكرت أو أسسه الثلاثة:
- اليقين بالقلب والشهادة.
- والدعوة والبلاغ باللسان.
- والانقياد والإسلام في العمل.
وهذا كفيل بإصلاح الأفراد والمجتمعات الإسلامية، لكن هذا لا يكفي مع
الأعداء؛ فمن يقنع لنا شارون؟ ! أتقول له: اتق الله يا شارون؛ فإنك خالفت
الكتاب والسنة! شارون لا ينفع معه ذلك أو مع غيره من الأعداء إلا أن نهتف في
أمتنا لتكون أمة مجاهدة؛ فما الذي أخرج الروس وحطم الاتحاد السوفييتي في
أفغانستان؟ الجهاد. وما الذي أبقى على بقية من المسلمين في البوسنة؟ الجهاد ,
وما الذي أخرج الأمريكان من الصومال؟ الجهاد. نحن هنا في اليمن حاولنا أن
نتفاهم مع الشيوعيين، وأن نتحاور معهم، وأن نأتي بالحلول السياسية، وفي
النهاية ما نفع غير الجهاد؛ فهذه هي وصية الله لنا. والجهاد يحتاج قوة وإلى وحدة
الصفوف بين المسلمين [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفاًّ كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ
مَّرْصُوصٌ] (الصف: ٤) . فيجب أن ننادي في أمتنا أن توحد صفوفها.
لو اتحد العرب على موقف صحيح فهل ينال منهم اليهود؟ لا، لن ينالوا. لو
اتحد المسلمون، واجتمعوا على كلمة واحدة؛ فهل ينال منهم الأمريكان؟ لا، ولا
غيرهم.
فوحدة صفوف الأمة ابتداءً من الفرد والجماعة الصغيرة في القرية وفي الحارة
وتربية الأمة على الوحدة والاعتصام بحبل الله جميعاً [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم
بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] (آل عمران: ١٠٣) . نعم وحدة على كتاب الله وسنة رسوله
ﷺ ؛ وحدة على منهج الله - جل وعلا - وليس على الأهواء ولا
على الشهوات ولا على ما يخالفه من ذلك.
- الثاني إعداد العدة: يجب أن نهتف بأمتنا في إعداد العدة؛ فالباكستان لولا
أنها أعدت العدة بالقنابل الذرية فهل كان يمكن أن تبقيها الهند؟ كانت الهند تزمجر
وترعد، فما الذي كان بعد أن فجَّر الباكستانيون القنبلة الذرية؟ بعد ذلك رحبت
الهند بالحوار معهم. فيجب أن نهتف بالأمة أن تعد العدة. ومن رحمة الله أنه أمرنا
بإعداد ما نستطيع، وتكفل سبحانه بما لا نستطيع، فقال - تعالى -: [وَلاَ
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ] (الأنفال: ٥٩) . [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا
اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] (الأنفال: ٦٠) ،
فعلينا أن نهتف بالأمة أن تعد العدة، ونهتف بجيوشنا الإسلامية على كل
مستوياتها أن تعد العدة، ثم لا بد من نشر الشورى؛ فإن الرسول صلى الله عليه
وسلم أكثر ما كان مشورة في أمور الجهاد، يشاور الناس، حتى نحاول أن نحيي
في أمتنا مؤسسات نتشاورر فيها أولاً على مستوى الأفراد، ثم على مستوى
الجماعات والهيئات داخل الأقطار، ثم على مستوى الدول، ثم على مستوى الأمة
كلها، ثم لا بد أن يكون لنا أمر جامع وطاعة؛ لا بد أن يكون لنا كيان واحد،
فننادي بإحياء ميثاق الدفاع العربي، وندعو لإحياء أي صيغة من صيغ الاجتماع
على مستوى المسلمين جميعاً للدفاع عن الأمة الإسلامية، وكذلك الحركات الإسلامية
والجمعيات الإسلامية يجب أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها أمام هجمات
العلمانية في تلك الأقطار وتتترس، وأن يكون هذا كله موضوع دراسة وبحث , هذا
أهم ما يتسع له الوقت وفي كل هذا تفاصيل.
стр. 3922
الإسلام لعصرنا
ثبت بطلان الجبرية (الجينية)
أ. د. جعفر شيخ إدريس
رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة
قبل بضع سنوات نظم المنحرفون من الرجال والنساء مظاهرة كبيرة في
واشنطن تداعوا لها من بلدان العالم، بدأ على إثرها نقاش طويل عن هذه الظاهرة،
فكان مما قاله بعض المبتلين بها أنهم لا يلامون عليها؛ لأنها شيء ولدوا به؛ فهو
في جيناتهم الوراثية. وقلنا لإخواننا المسلمين يومذاك: إن هذه الدعوى لا يمكن أن
تكون صادقة لأسباب ينبغي أن يسلِّم بها كل مؤمن بوجود الخالق معترف بصفتين
من صفات كماله هما: العدل، والحكمة:
فالخالق العادل الحكيم لا يمكن أن يغرس في فطرة الإنسان سلوكاً لا مفر له
منه، ثم يجعل ذلك السلوك محرماً عليه، بل يعاقب عليه أشد العقوبات.
والخالق العادل الحكيم إذا غرس شيئاً في فطرة الإنسان هداه إلى أحسن السبل
لإشباع رغبته منه. فهو لما جعل الحاجة إلى الطعام في خلق الإنسان أمره بأن يأكل
ويشرب ولا يسرف، وأحل له الطيبات وحرم عليه الخبائث. ولما جعل في الناس
ميلاً جنسياً هداهم إلى الزواج وحرم عليهم الزنا، بل فصَّل لهم أحسن الطرق
للمعاشرة. فلما حرم فاحشة الشذوذ تحريماً مطلقاً، علمنا أنه ليس لها في الفطرة
أصل، ودعك أن يكون الإنسان عليها مجبراً.
ثم إن هذه الفاحشة فاحشة إباحية لا خطام لها ولا لجام، بل إن من شأن
أصحابها المستحلِّين لها (لا أقول من كان من أصحابها المؤمنين الذين يعلمون أنها
ذنب كبير رغم ابتلائهم بها) أن يغصبوا الناس عليها حتى لو كانوا أطفالاً كما كان
قوم لوط يقطعون السبيل ويعتدون على المسافرين، وكما أرادوا أن يعتدوا على
ضيوف نبيهم حين ظنوهم بشراً. فهل يقول صاحب هذه الفاحشة إن الله - تعالى-
جعل في جيناته أن يفعلها مع كل من تميل إليه شهوته من أبناء جنسه؟ إن الميل
إلى الجنس الآخر ميل طبيعي، لكنه مع ذلك يمكن كبحه وضبطه، ولا يجوز
العدوان فيه، فلماذا يجوز في هذا الميل المنحرف؟
والمسلم المؤمن بكتاب ربه يقرأ فيه قوله - تعالى -: [أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا
سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ] (الأعراف: ٨٠) . ومن المعلوم أنه قد سبقهم
إلى هذه الدنيا أجيال وأجيال من البشر؛ فلماذا لم تفعل الجينات في جيل أو جماعة
أو حتى فرد منهم ما فعلت بهؤلاء؟ وممن ورثوها إذا لم يسبقهم إليها أحد من
العالمين؟
قلنا ذلك أو قريباً منه قبل بضع سنين، واليوم يأتينا علماء الأحياء بحجة
تقطع دابر دعوى أولئك المنحرفين المجاهرين، وتلجم أفواه دعاتهم. لقد تبين أن
الجينات لا سلطان جبرياً لها على سلوك الإنسان، بل ولا على كل ما يتعلق حتى
بحياته البدنية.
أنا لست من الذين يبتهجون لعجز العلم الطبيعي عن تفسير ظاهرة من
الظواهر، أو الذين يعدون كل إخفاق للعلم الطبيعي انتصاراً للدين. كلاَّ؛ فإن ديننا
هو دين الحق، فلا يضره، بل ينصره كل اكتشاف علمي. لكنني أبتهج حين يخذل
التطور العلمي الملحدين والماديين فيثبت بطلان ما تعللوا به من دعاوى وتفاسير
ونظريات ينصرون بها عقائدهم الباطلة وأهواءهم الضالة، أو ينالون بها من حقائق
الدين المنزل من عند رب العالمين. فليس المقصود من هذا المقال إذن إنكار وجود
الجينات أو عملها أو التهوين من أمر دراستها؛ فإنها من جملة آيات الله -
سبحانه - في خلق الإنسان. لكن المقصود هو أن لا تفسر هي ولا شيء من
خلق الله - تعالى - تفسيراً يتناقض مع الحقائق القاطعة المقررة في دينه،
والمقصود أيضاً أن توضع هي وغيرها من الحقائق في وضعها الطبيعي وحجمها
الحقيقي الذي تدل عليه الحقائق الطبيعية والتوجيهات الإلهية. وإليك الآن بعض
ما نشر من حقائق في هذا الصدد بمناسبة ما سمي بفك شفرة الجينوم.
و «الجينوم البشري ذو حجم في غاية الضآلة توجد نسختان منه مضغوطتان
في نواة كل خلية من الخلايا البشرية، والخلية هي نفسها من الضآلة بحيث لا يمكن
رؤيتها بالعين المجردة لكنه هائل في ما يحوي من معلومات ... بحيث إنها لو
طبعت طباعة عادية لملأت ٧٥٤٩٠ صفحة من صفحات هذه الجريدة» [١] .
كان كثير من الناس يظنون أن هذه المعلومات التي هي بمثابة أوامر لصنع
الأشياء الحية هي التي تحتم طبيعة أجسامنا وسلوكنا. لكن الذي ثبت الآن أن
الجينات ليست هي وحدها التي تؤثر في طبيعة أجسادنا وسلوكنا، ودعك أن تحتم
تلك الطبيعة.
«.. يجب أن تستنتج الآن أن البيئة أهم مما كان يفترض في صياغتها
للإنسان» .
«إن الجينات لا تتحكم في حياتنا. لكنها مهمة»
من الحقائق الطريفة التي أظهرتها هذه الدراسة الحديثة أنه لا فرق كبير بين
الإنسان وأضأل المخلوقات من حيث عدد الجينات. فجينات الإنسان تقدر الآن
بثلاثين ألفاً بينما تقدر جينات الذبابة بعشرة آلاف. ولا تزيد جينات الإنسان على
جينات الفأر إلا ببضع مئات. ثم إنه لا يكاد يوجد فرق يذكر بين إنسان وإنسان من
حيث الجينات؛ إذ إنه لا يعدو الواحد من الألف.
ما الذي يجعل الإنسان إنساناً إذن؟ سأل أحد علماء الأحياء نفسه هذا
السؤال [٢] ، فقال ساخراً: ما كنا نظن الإنسان إنما هو ثلاث ذبابات، أو فأر
وجزء من الفأر. ثم أجاب بأن الذي يميز الإنسان إنما هو وعيه. لكنه خبط خبطاً
طويلاً في تفسير كيفية نشوء الوعي من الدماغ.
أما الذي لا يشك فيه المسلم هو أن أهم ما يميز الإنسان إنما هو الروح التي
نفخها الله فيه، والتي كان الوعي من آثارها أو أعمالها. لكن المسلم يقول أيضاً:
إن الإنسان إن كان لا يتميز كثيراً عن الحيوانات من حيث عدد الجينات، فمما لا
شك فيه أنه يتميز عنها حتى في جسده تميزاً مشهوداً: [لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي
أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ] (التين: ٤-٥) . وصدق الله ربنا رب
العالمين.
البيان الادبي
قِمَّةُ التَّمَرُّدِ
عبد الله عطية الزهراني
اقتضتْ سُنَّةُ الله في هذه الحياة أنَّ لكلِّ أمرٍ قد بدأ نهايةً حتميَّةً لا بُدَ منها؛ قال
الله - تعالى -: [كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَالإِكْرَامِ]
(الرحمن: ٢٦-٢٧) .
الأعمارُ تنتهي، والكائناتُ تفنى، والطبيعة تتغير، والأزمان تمضي..
كم من جبلٍ كان شاهقاً يطاول أعنان السماء بقمته جعله الله محطماً فأضحى
أثراً بعد عين! وكم من نَهَرٍ كان يسيل بالمياه أضحى اليوم يشكو الجفاف! وكم من
حديقةٍ غنَّاء كانت شديدة الخضرة، مترعةً بصنوف الأزهار والورود، أمست اليوم
أشجارُها كالعصفِ المأكول، فلا خضرة ولا رُواء، ولا ماء، ولا ظل ظليل!
وكم من إنسانٍ كان يعيش حياةً حافلةً بالنشاط والحيوية، وكان يعيشُ صحةً
في جسمه، وذكاءً في عقله، وبهجةً في وجهه، وقوةً في بصره وجميع حواسه
وهو اليوم كالزهرة الذابلة؛ ذهب بصرُه، ونحُلَ جسمُهُ، وتقوَّسَ ظهْرُهُ، وكساهُ
الزَّمَانُ شعراً أبيض وتجعدات في وجهه، وهكذا.
إنها سُنةُ الله في هذه الحياة التي نعيشُ أيامَهَا ولياليَها، ونشاهد أحداثها
ومواقفها، ولله درُّ القائل:
كل أمرٍ قد ابتدا ... سترى فيه خاتمة
ومثل ذلك نرى صروف الليالي والأيام ... قبل وقت من الزمن كان عُمْرُ
الواحد منَّا لا يتجاوز بضع سنوات، كان يعيش في كنف أمه وأبيه، يلعب مع
أترابه وزملائه، يقفز هنا وهناك، يبتسم كثيراً، ويمتلئ قلبه بالأفراح، لا يعرفه
الهمُّ ولا يعرف الهمَّ، يتقلب في هذه الحياة التي لا يعرف لها سِرًّا ولا يحمل فيها
مسؤولية.. وما هي إلا أيامٌ معدودة فإذا بالسنوات قد تضاعفتْ، وأعلنت الأيامُ
تمردها على الإنسان، فكثُرتْ المشاغلُ وازدادت الهمومُ، وكبُرَ الوالدُ والوالدةُ،
وتفرق الأحبابُ والأصحابُ، وتبدَّلت الدِّيارُ، وأصبح الهمُّ مركباً، وما أصدق
القائل:
ربَّ يومٍ بكيتُ فيه فلمَّا ... صِرْتُ في غيره بكيتُ عليه
عند ذلك يستيقظ من أراد الله به خيراً من غفلته، ويعود إلى رشده، ويعلم
علم اليقين أن هذه الدنيا بزخارفها وبهرجها لا تساوي شيئاً، وأن الفرحَ فيها مؤقت،
والسرور سحابة صيف عن قليل تَقَشَّعُ.
والسعيد في هذه الحياة مَنْ عمل فيها عملاً ينفعه هناك حيث توضع الموازينُ
القسط ليوم القيامة، ويحصِّل العامل ما عمل.
وفاز بالسَّبْق مَنْ قد جَدَّ وانقشَعَت ... عَنْ أُفْقِهِ ظلماتُ الشَّكِّ والرِّيَبِ
стр. 3925
دراسات تربوية
كيف نتعامل مع الألفاظ المجملة
أكرم مبارك عصبان الحضرمي [*]
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه،
وبعد:
فإنَّ من يتأمل كتاب (سِيَر أعلام النبلاء) للإمام الذهبي يجده بحمد الله قد
حوى درراً مبذولةً لأصحابها، وثماراً سافرة النقاب لأربابها تتمثل في مواقف مفيدة
لأساطين وجهابذة تشرفت الأمة بهم، تبوؤوا مقاعد العلم والدعوة فكانوا مثلاً عملياً
لما يحملونه من هدى وتقوى، وقد تخيرنا خيرة من فوائده، وانتخبنا موقفاً من
فرائده، يحمل في طياته دروساً بالغة من مجالس السلف تكون نافعة لو رعاها
الخلف حق الرعاية، أردت بإيرادها محض النصح والخير.
وهذا الدرس يعتبر نوراً كاشفاً لظاهرة متعلقة بالتعامل مع الألفاظ من حيث
إطلاقها، ومزلة نسبة القائل إلى عثرته، أو لمزه بها وتصنيفه تحت دائرتها،
وغيرها من الأمور التي تُشكِّل بمجموعها عقبة تكبح امتداد الصحوة.
ذكر الذهبي أن ابن الخاضبة [١] كان يقول لابن الفاعوس [٢] : الحَجَري؛
لأنه كان يقول: «الحجر الأسود يمين الله حقيقة» ، ثم قال الذهبي معقباً: «هذا
أذى لا يسوغ في حق رجل صالح، وإلا فهذا نزاع في إطلاق عبارة ما تحتها
محذور أصلاً ... » [٣] إلى آخر كلامه.
وقبل أن نلج إلى ساحة الموضوع، ونخوض غمار البحث، يحسن بنا أن
نقف وقفة قصيرة عند عبارة ابن الفاعوس التي أصلها حديث: «الحجر الأسود
يمين الله» ؛ إذ ليس هذا غرض بحثنا وإنما المقصود ما وراء ذلك كما سيأتي إن
شاء الله.
فاعلم - علَّمك الله - أن هذا الحديث لا يُثبته أهل الحديث [٤] ، وقد حكم
ابن الجوزي وابن العربي بأن الخبر باطل، وآفة هذا الحديث (الكاهلي) وهو
ممن يرغب العلماء عن روايته. ولذلك لا نحتاج إلى تأويله كما فعل الخطابي
والمحب الطبري [٥] وكذا ابن رجب؛ لأن التأويل فرع من الثبوت والصحة , وقد
جمع شيخ الإسلام ابن تيمية بين هذين الأمرين أعني الحكم بتضعيفه وتفسيره
بناءاً على رواية ابن عباس الموقوفة بعد أن قال بأن الحديث لا يثبت إسناده عن
النبي ﷺ : « ... فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس
من صفات الله كما هو معلوم عند كل عاقل..» [٦] .
والآن نأتي إلى المقصود، بعون خالقنا المعبود، إلى الكلام حول ما أجْلَته
مخيلة الموقف الذي قمنا بإيراده آنفاً من صيِّب الدروس النافعة والعبر التي مفادها
في هذه المعالم:
تفصيل المعاني المحتملة للألفاظ المجملة:
إن ما أطلقه ابن الفاعوس من قوله: «حقيقة» عقب الأثر يتطرق إليه
الاحتمال لاشتماله على رداء الإجمال، والمسلك الصحيح في التعامل مع الألفاظ
المجملة هو ألاَّ نقبلها مطلقاً، ولا نردَّها مطلقاً، بل لا بد من تفصيل معانيها تفصيلاً
شافياً يزول به اللبس، ليستبين الحق فيتبع، ويتضح الباطل ويهجر.
إذن فلا يجوز النظر إلى مجرد العبارة بل علينا أن نغوص في حقيقة الكلام
وما يحمله من معانٍ مختلفة، موضحين ما له وما عليه فإن معظم زلات الناس من
الألفاظ، قال ابن القيم: «ومن رزقه الله بصيرة فهو يكشف بها حقيقة ما تحت
الألفاظ من الحق والباطل ولا يغتر باللفظ كما قيل:
تقول هذا جني النحل تمدحه ... وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير
مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما ... والحق قد يعتريه سوء تعبير» [٧] .
ومن هذه الزاوية نظر الإمام الذهبي في قول ابن الفاعوس فقال: «وهو
كقولنا: بيت الله حقيقة، وناقة الله حقيقة، وروح الله ابن مريم حقيقة، وذلك من
باب إضافة التشريف ونحو ذلك، وما يقول من له عقل قط أن ذلك إضافة
صفة ... » [٨] .
نعم ينبغي على المسلم أن يجتنب تفسير الآثار بهذه الألفاظ؛ لأنها قد وردت
بنص «فلا تعدل عن ألفاظه؛ فإنها معصومة وصادرة عن معصوم» [٩] .
حمل اللفظ على أحسن معانيه:
إن من ينظر في الألفاظ المجملة يجب عليه أن يحملها على أحسن محمل لا
سيما عندما تكون صادرة عن عالم موثوق، ويتأولها على أجمل تفسير وأصوبه،
ما وجد إلى ذلك طريقاً؛ فإن هذا سبيل المنصفين، وقد بنى ابن القيم كتابه القيم
(مدارج السالكين) على هذا المَعْلَم؛، فكان كثيراً ما يقول بعد إطلاق الهروي:
«ونحن نحمل كلامه على أحسن محامله ثم نبين ما فيه» [١٠] .
كما يجب على الناظر أن يتجردَ من ثوب الميل لموافقيه، والنفور من مخالفيه
وينظر بإنصاف وعدل، «فإن المحب يسامح بما لا يسامح به غيره، ويعفي
للولي ما لا يعفي لغيره» [١١] .
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
وعلى وفق هذا التقرير الذي بيناه في هذا المَعْلَم من حسن التفسير قال ابن
رجب الحنبلي: «ويُتأول ما روي عن ابن الفاعوس الحنبلي أنه كان يقول:
الحجر الأسود يمين الله حقيقة، بأن المراد بيمينه أنه محل الاستلام والتقبيل، وأن
هذا المعنى هو حقيقة في هذه الصورة وليس مجازاً، وليس فيه ما يوهم الصفة
الذاتية أصلاً» [١٢] .
ولذلك ذكر بعض الفقهاء شروطاً للمعترض تسوِّغ له الاعتراض، ومنها:
- كونه قاصداً للصواب فقط.
- كون ما اعترضه لم يوجد له وجه في التأويل إلى الصواب.
كما ينبغي أيضاً - في هذا المقام - مراعاة وجود مواضع أخريات فيها
تفصيل ما أجمله، فيحمل هذا على تلك؛ والله أعلم.
عدم التكلف لتصويب الباطل:
أما ما بان فيه الخطأ، واتضح فيه الغلط، وكانت الطرق إليه مسدودة،
وتعذر المسلك السابق لا سيما إذا احتفت به قرائن تؤكد ذلك، فلا نتكلف في
تصحيح ما نعتقد بطلانه، ولا تصويب ما نراه خطأ؛ فإن هذا من أشنع الأمور
وأبشعها، وعلامة على التعصب؛ فكلٌ منا يُقبل من قوله ويترك إلا المعصوم،
وإماطة الأذى واجب.
كلامك الفاسد لست أتبع ... حَدُّ الكلام ما أفاد المستمع
إذن فالزيغ لا يقرُّه منصف، ولا يرضاه اللبيب مذهباً، فضلاً عن أن يدافع
عنه، بل لا بد أن يكشفه دونما أي غضاضة، والسكوت عليه أشد من المرِّ
مضاضة، وما أحسن أن يُدَعْدعَ العاثر.
لحى اللهُ قوماً لم يقولوا لِعاثرٍ ... ولا لابنِ عمٍّ ناله العَثرُ دَعْدعَا [١٣]
قال الإمام الذهبي - في تعقيبه الذهبي بعد حسن التفسير -: «ولكن الأَوْلى
في هذا ترك الخوض في حقيقة أو مجاز، فلا حاجة لنا إلى تقييد ما أطلقه السلف؛
بل نؤمن ونسكت، وقولنا في ذلك: حقيقة أو مجاز؛ ضرب من العي واللكن،
فنزجر من البحث في ذلك، والله الموفق» [١٤] .
وهكذا نَسْلم في هذا الموضع الذي زلت فيه جماعتان:
أولهما: لا تُقِرُّ بالخطأ لمن تحبه، بل تحاول جاهدة البحث عن تأويلات
سمجة تنفر منها الطباع، ابتغاء الوصول إلى الكمال في نظرها.
والثانية: تفرحُ بأي زلة لتذيعَها، وتطير بها كل مطار، وتجعل من ذلك
مطية للإزراء طلباً للتنقص.
والسلامة: العافية من الطرفين إلى الإنصاف، عافانا الله من الزلل.
ونراعي في هذا المقام عدم الاستعجال، ولا نبادر بالتخطئة بادي الرأي، قال
الأخضري:
وأصلحِ الفسادَ بالتأملِ ... وإن بديهة فلا تبدلِ
إذ قيل كم مزيفٍ صحيحاً ... لأجلِ كونِ فهمه قبيحاً
لا يتخذ الخطأ ذريعة للتنقص:
فمن كان معه فضلُ علم فليعد به ويتصدق ببيان الزلل؛ فإن عليه ما عَلِم حتى
يؤديه دون بخس ولا نقصان، ولكن لا يتخذ ذلك ذريعة للحطِّ والنيل من صاحبها؛
فإن نفراً ممن يسافرُ في بطون الكتب يمرون على رياضها بسلام؛ فإذا وجد عثرة
ألقى عصا الترحال واستقر به النوى، فلا ينبغي التحلي بهذه الخصلة الذميمة؛
فإنها شعار للمتعصبة.
«فلا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام - أبي إسماعيل الهروي - إهدار
محاسنه وإساءة الظن به؛ فمحله من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق
السلوك المحل الذي لا يجهل، وكل أحد فمأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم
صلوات الله وسلامه عليه، والكامل من عُدَّ خطؤه» [١٥] .
ومن هنا قال الذهبي في مقامنا الذي استرشدنا به - لما فاه ابن الخاضبة بقوله
الحجري -: «هذا أذى لا يسوغ» [١٦] .
ومن لم يَرْعَوِ وتجاوز الحد في العلماء قيَّض الله من يتجاوز الحد فيه عياذاً
بالله من ذلك، والجزاء من جنس العمل كما رد الأذرعي والبلقيني والعماد بشدة
وغلظة على الأسنوي؛ وهذا كان مذهبه مع الشيخين الرافعي والنووي مع مراعاة
أن هدفهم هو بيان الحق.
ارضَ للناس جميعاً ... مثل ما ترضى لنفسك
إنما الناس جميعاً ... كلهم أبناء جنسك
فلهم نفس كنفسك ... ولهم حسُّ كحسِّك [١٧]
وأما الذين يجحدون الصواب والإحسان لأجل هفوة أو نقصان؛ فإنهم على
غير الجادة، وهذا منطق حمقى النساء وليس بمسلك للحكماء، وهو مذهب فيه
شطط، «لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت: ما أحسنتَ
قط» [١٨] .
لأهل الفضل ما قدَّموا:
لكلٍّ مقام معلوم؛ فأرباب الدرجات العلية، والمنازل الرفيعة من الراسخين في
العلم ليسوا كغيرهم؛ فإن هفواتهم المعلومة مغفورة في بحر ما قدَّموه في العلم،
والعبادة، والدعوة، والدفاع عن السنة.
وابن الفاعوس رجلٌ صالحٌ كما وصفه الذهبي [١٩] قد أتى بهذا اللفظ المطلق
«وإن كان فيه قلق وسوء تعبير يَجبُره حسن حال صاحبه وصدقه وتعظيمه
لله ورسوله، ولكن أبى الله أن يكون الكمال إلا له» [٢٠] .
والغبن في العلم أشجى محنة عُلِمَت ... وأبرح الناس شجواً عالم هُضِمَا
قال السبكي مؤدباً ابنه:
وإذا أتتك مقالة قد خالفت ... نص الكتاب أو الحديث المسندِ
فَاقْفُ الكتاب ولا تمل عنه وقف ... متأدباً مع كل حبر أوحدِ
فلحوم أهل العلم سمّ للجنا ... ة عليهم فاحفظ لسانك وابعدِ
مزلة تلقيب العاثر:
والآن نأتي إلى آخر المعالم وأهمها، وهو عدم نسبة الإنسان لعثرته، وتلقيبه
بها، بل يُرَد على من فعل ذلك، ولا يقف هذا الأدب عند الإنسان بل يتعداه إلى
الحيوان؛ فهذا رسول الله ﷺ يبين هذا الخُلُق لصحابته حين
خرجوا في سفر عبادة قاصدين البيت الحرام، حتى إذا كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم بالثَّنِيَّة التي يهبط عليها بركت راحلته، فقال الناس: حلْ حلْ [٢١]
فألحت فقالوا: خلأت القصواء [٢٢] ، فقال: «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها
بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل» ، قال الحافظ في الفتح فيما يستفاد من الحديث:
«جواز الحكم على الشيء بما عرف من عادته وإن جاز أن يطرأ عليه غيره؛ فإذا
وقع من شخص هفوة لا يعهد منه مثلها لا ينسب إليها، ويُرَدُّ على من نسبه إليها،
ومعذرة من نسبه إليها ممن لا يعرف صورة حاله» [٢٣] .
وهنا وإن كان ابن الفاعوس قد أساء في عبارته من وجهة نظر ابن الخاضبة
رحمهما الله «فإن قصده وصدقه يصلح فساد عبارته، ومن الناس من لم يفهم هذا
كما ينبغي فلم يجد له ملجأ غير الإنكار، والله يغفر لكل من قصده الحق واتباع
مرضاته؛ فإنه واسع المغفرة» [٢٤] .
ولكن عبارة ابن الفاعوس ما تحتها محذر أصلاً [٢٥] فلا يؤاخذ بها فضلاً عن
أن ينسب إليها، وعليه فتكون شكاة الحجري ظاهر عنه عارها.
يُعيِّرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
ويعتبر هذا التلقيب من التنابز الذي نهى عنه ربنا في كتابه: [وَلاَ تَنَابَزُوا
بِالأَلْقَابِ] (الحجرات: ١١) ، واللقب كما قال ابن العربي اسم مكروه عند
السامع، فإذا ذكرت صاحبك بما يكرهه من اللقب فقد آذيته، ولا تجوز أذية المسلم
بمثل هذا إلا ما غلب عليه الاستعمال فإنه مستثنى عند بعضهم، قال ابن العربي:
«وقد ورد لَعَمْرُ الله من ذلك في كتبهم ما لا أرضاه كقولهم في صالح جزرة [٢٦] لأنه
صحَّف: (زجره) فلُقِّب بها ... » [٢٧] .
إن ثمرة التصنيف ولمز المرء بهفوته سيئةٌ؛ لأنه يوجب التنفير عن الملقَّب
ممن يقف عند عتبة اللفظ، ولا ينفر من الحق لأجل هذا التصنيف أو التسمية
الباطلة إلا خفافيش البصائر كما أطلق عليهم ذلك ابن القيم. وهكذا نجد أن ذلك
يعتبر بوابة يدلف عَبْرها قالة الأذى بتصنيف الناس لا سيما حين يطوى بساط
الورع.
وقطع هذا الأذى أوْلى من قطع شجرة كانت تؤذي المسلمين؛ والعلة تدور مع
معلولها. فرحم الله امرأ قام بقطع هذه الظاهرة؛ لأنها ذات أسباب جالبة للفرقة
ودوافع مفسدة للألفة؛ فكم ظُلِمَ بسببها عالم، وكم زهَّدت عن الحق قاصد، وكم رُدَّ
من قول أو عمل صحيح بسبب إطلاق عليه قبيح.
والله أسأل التوفيق والسداد، والهداية والرشاد، والإخلاص والقبول والصفح
عن الخطأ، مما زلَّ به القلم، وأن يتجاوز عن جميع ما عثرت به القدم، إنه غفَّار
الذنوب وستار العيوب.