← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

حوار حوار مع فضيلة الشيخ عبد المجيد الزنداني جاءنا صندوق النقد الدولي بالجوع والربا وتحطيم الإنتاج أجرى الحوار: عبد الرحمن بن عبد القادر الحفظي ضيفنا في سطور * ضيفنا عالم وداعية سلفي جليل، تميز - حفظه الله - بسلامة المنهج، وسعة الأفق، وقوة التأثير. * له مكانة بارزة في العمل الإسلامي عموماً، وبخاصة في بلاد اليمن خصوصاً. * نذر نفسه لنشر الدعوة الإسلامية والعلوم الشرعية، وأسس جامعة الإيمان في صنعاء. * له جهود مشكورة في الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، وواجه بذلك كثيراً من العلمانيين والماديين. البيان: تمر الأمة الإسلامية في هذه المرحلة من تاريخها بتغيرات فكرية وسياسية واجتماعية عديدة؛ ففي ضوء هذه التغيرات كيف يُقوِّم فضيلتكم دور الصحوة الإسلامية بشكل عام؟ ثم ما السبيل إلى النموذج الأمثل في العمل الإسلامي؟ * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وبعد: نحن في فترة شخَّصها رسول الله ﷺ فقال: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل» [١] . هذه الحالة السائدة في أمتنا، هي الغثائية، والغثاء هو الزبد الذي يعلو السيل، وهو خليط غير متماسك من أوراق وتراب وبعض أخشاب يعلو على السطح ويحركه التيار من أسفل، هكذا تيار السياسات الدولية هو الذي يجرفنا ويحدد مواقفنا، وترانا نتمزق ونتصدع عند الاصطدام بأي مشكلة من المشاكل وأي عائق من العوائق، غثاء كغثاء السيل ليس فيه تماسك أو ترابط. «ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم» ، اجتمع العرب، وأمريكا ترفع يدها ضد ما اجتمع العرب من أجله، يطلبون من الغرب حماية للفلسطينيين الأطفال والنساء، وكان الواجب أن يقوموا هم بالحماية ولكن لضعفهم وللغثائية التي أصابتهم يطالبون الكفار ويطالبون الدول الأجنبية أن ترسل القوات لحماية الأطفال والنساء والعجزة ولحماية البيوت! ! ومع ذلك فإن أمريكا هي التي تعطل هذا في مجلس الأمن وتقول: لا لإرسال قوات.. اتركوهم، اتركوا اليهود ليفعلوا ما يشاؤون , هل خافت منا أمريكا؟ هل عملت لنا حساباً؟ هل خاف اليهود وهم يهددون ويعتدون؟ وقادتنا يقولون صبراً صبراً! ! المسافة قليلة بين مكان الاعتداء على إخواننا وبين مكان اجتماع القمة! هذا مظهر من مظاهر الغثائية التي أصابتنا. «ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» . حب الدنيا، لماذا نحب الدنيا؟ روي أن عمر بن عبد العزيز سئل هذا السؤال فأجاب: «لأننا خربنا الآخرة وعمرنا الدنيا؛ فنخشى أن ننتقل من أرض العمران إلى أرض الخراب» , وأنا أقول إن الأمر أكثر من ذلك؛ فلقد ضعف اليقين بالآخرة، والدنيا مشاهدة مزينة فتعلقنا بالذي استيقنا به، وخفنا أن ننتقل إلى عالم ليس لنا به يقين قوي، فضَعُف اليقين، وإلا لو قيل لك: انتقل من كوخ إلى قصر فهل تتردد؟ لا والله! فضعف الإيمان هو المرض الذي أوجد حالة الغثائية التي أخبرنا عنها رسول الله ﷺ ، وكأننا إذا كرهنا الموت لا يأتي! بل سيأتي كرهنا ذلك أم أحببناه. وهذا يدل أيضاً على أن العلة الحقيقية هي ضعف الإيمان؛ وعليه فإن الله - إذا أراد بأمة خيراً وأراد أن يحييها فإن البداية تكون بإرسال الرسول، وتكون أول قضية يحملها الرسول هي تعريف العباد بربهم وحقه عليهم في العبادة، وتعريف قوم الرسول بصدقه، وتقديم حججه من أدلة وبراهين على صدقه حتى يستيقنوا ويطمئنوا ويعلموا أنه صادق. ثم بعد ذلك يعرِّفهم بصفات الله وما يليق به - جل وعلا - وبدين الله الذي ارتضاه لهم، ويحذرهم مما يكون سبباً في خسرانهم في الدنيا والآخرة، ويبشرهم بما أعد الله - جل وعلا -، وينذرهم بما توعد الله به؛ فتتعلق القلوب بالله - جل وعلا - بعد أن استيقنت صدق الرسول، واستيقنت أنه لا إله إلا الله، وأنه المستحق للعبادة وحده، ثم يأتي بعد ذلك الاستسلام لأمر الله - جل وعلا - , الصحابة هكذا غيّرهم الرسول ﷺ ، وبنفس المنهج غيّر الصحابةُ التابعين، وعلى المنهج نفسه سار من تبعهم في تغيير الأمم والشعوب التي لاقتهم، ما جاؤوا بتدريس منطق ولا فلسفة ولا تأملات؛ لأن التأملات والنظرات أقصى ما تكون أنها تأمل قد يُعارَض بتأمل، واحتمال قد يعارضه احتمال، وفلسفة قد تقابلها فلسفة. نحن أمام منهج قطعي؛ هذا رسول الله وهذا دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا رسول من الله وهذا برهان صدقه ﷺ . ثم هذا كلام رب العالمين وهذا المنهج الذي يريد الله أن نسير عليه، [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ] (النحل: ٤٤) لتبين للناس بياناً بكلام واضح وجلي ليس فيه لبس أو إشكال. هذا المنهج هو الذي جعل الصحابة - رضوان الله عليهم - يُقبلون، ويُقَدِّمون كل شيء ولا يخافون من شيء؛ فغيروا وجه الأرض. هذا المنهج هو الذي أحيا الله به الأمة، وهو الذي به تحيا في عصرنا وبعد عصرنا كما حييت به قبل عصرنا، [وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً] (الفتح: ٢٣) . فإن وجد الجيل المستيقن في إيمانه الذي يعرف ربه ويعرف رسول ربه، ويثق بوعد الله ووعيده، ويطمئن أنه على حق وعلى هدى حدث التغيير. لكن الصحوة الإسلامية المعاصرة كانت رد فعل للهجمات الاستعمارية ولثقافة الاستعمار، كما أنها كانت رد فعل أيضاً لانحرافات عهود الانحطاط التي أبعدت الأمة عن الدين وغلب على جوِّها الخرافة والجهل. والاستعمار جاء يريد استئصال الدين من أساسه، ويريد محو المسلمين والسيطرة على ديارهم؛ فقامت الصحوة الإسلامية ردَّ فعل ضد هذين الخطرين، وضد الوجود الاستعماري والتهديد الاستعماري المادي. وقليل من رجال الصحوة ودعاتها وعلمائها من اهتم بهذا المنهج الذي أقوله لك: البداية بتجديد الإيمان واليقين وتثبيتهما , وأكثرهم اعتبروا أن ذلك من الأمور المسلَّم بها، وأنه من تحصيل الحاصل، وساروا على ذلك في دعوة الناس ولكن بقي الداء الحقيقي في كثير من القلوب، وبقي ضعف اليقين في كثير من النفوس، وما أن يتعرض بعضهم لابتلاء وامتحان حتى تراه يسقط، وتراه يضعف وينكشف، ورأينا قول الله - تعالى -: [وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ] (الحج: ١١) . لهذا نجد بعض الضعف في البناء الإيماني الذي ينعكس على جوانب التدين كلها، ولذلك فإني أقول: الأصل ألا ننطلق من رد الفعل، وإن كان الفعل المخالف للدين يجب أن نقف في وجهه، ويجب أن نرد عليه، ويجب أن ندفعه وأن نكشفه، ولكن الأصل أن ننطلق من الكتاب والسنة، من المنهج القرآني، والمنهج القرآني يبدأ بـ: [فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ] (محمد: ١٩) ، [أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] (الرعد: ١٩) يبدأ بالشهادتين، ثم الإيمان بالله ورسوله، ثم بسائر أركان الإيمان، ثم ينطلق إلى ميدان التطبيق العملي، وربط العبد بربه بالعبادة والذكر؛ ولكن مع ذلك فالذين يجاهدون في سبيل الله، والعاملون في الصحوة الإسلامية قد أكرمهم الله ولم يخيبهم؛ لأن الله قال: [وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ] (العنكبوت: ٦٩) . فالذي عزم على أن يجاهد في سبيل الله ويعلي كلمة الله - جل وعلا - لا يضيعه الله وإنما يأخذ بيده، فأنت ترى حال الصحوة الإسلامية يزداد صفاءً ونقاءً مع مرور الأيام، ويزداد تخلصاً من بعض آثار ثقافة عهود الاستعمار وعهود الانحلال التي ربما أصابته ضمن المجتمع الذي يعيش فيه؛ ولذلك فإن تقديري أن الصحوة الإسلامية وإن كانت قد جاءت ردود أفعال لكنها جاهدت في الله، والذين جاهدوا في سبيل الله أخذ الله بأيديهم إلى السبيل بقدر التوجه إلى الله - سبحانه وتعالى -. البيان: للتيارات العلمانية في كثير من الدول الإسلامية دور كبير في تغريب الأمة ومسخ هويتها وتغييب تاريخها، وتختلف جرأة العلمانيين من بلد لآخر.. فمن خلال رؤيتكم الواسعة للواقع الإسلامي وتجربتكم في اليمن وفي غيرها، ما الطريق الصحيح لمواجهة تلك التيارات، وهل تعي الحركة الإسلامية مستقبل هذه المدافعة؟ * هذه التيارات لا تتسلل إلينا ولا تهجم علينا من مجال واحد؛ بل تدرس واقعنا دراسة لا أريد أن أقول دقيقة، لكنها دقيقة في منظورهم، ويرصدون لهذه الدراسات جيوشاً من المنصِّرين والمستشرقين، بل للأسف الشديد أن من أبنائنا الذين يطلبون شهادات عليا لديهم مَنْ يطلبون منهم أن يقدِّموا بحوثاً هي في الحقيقة تقارير عن أوضاع مجتمعهم، فإذا ما درسوا هذا الواقع، ورسموا سياستهم في ضوء تلك الدراسة فلا تجد مرتكزاً من مرتكزات القوة إلا وهاجموه ورسموا الخطط ضده. فهم يبحثون عن مرتكزات القوة لدينا ثم يوجهون سهامهم؛ فهم عرفوا أن حصننا الحصين هو الإسلام فهاجموه بالشبهات، وهاجموه بتغيير مناهج التعليم في المدارس، هاجموه بالمدارس التي تتبعهم، هاجموه بالأساتذة، هاجموه بتغيير أفكار ومعتقدات من يذهب من أبنائنا للدراسة لديهم، وسلطوا عليه الأضواء، هاجموه في شريعته فشوهوا الشريعة ودفعوا المجتمعات إلى التخلي عن تطبيق الشريعة، هاجموه في أخلاقه وقيَمه ومُثُله، هاجموه في أجهزة الإعلام، وفي ثقافته الاستعمارية المعادية التي تنتشر بين أبناء المسلمين والتي تنتشر بين أبنائهم هم، فهم يشوهون الإسلام بتشويهات شديدة. ثم لم يكتفوا بذلك بل وجهوا العداء للمؤسسات الإسلامية التي تخدم الإسلام، وللشخصيات الإسلامية والهيئات الإسلامية ولكل قاعدة تخدم الدين؛ فاليوم الذين يمارسون العمل الخيري يقيمون مسجداً أو يعينون يتيماً صاروا يُقدَّمون للناس على أن هذا إرهابي يساعد إرهابيين، ما تركوا شيئاً إلا حاربوه ورسموا له الخطط على كافة المستويات. أقنعونا بأن الأصولية هذه عيب وعار. الأصولية عندنا شيء ممدوح وليس بشيء مذموم، فنقول: أصول الفقه، أصول الدين، أصول التفسير، ونقول: هذا ابن أصول؛ لكن شنوا علينا حملة حتى صدقنا أن هذا الشيء الأصلي باطل، وهم يقصدون بالأصولية هؤلاء الذين يتمسكون بأصول الدين وأساسه من الكتاب والسنة ليجعلوا التمسك بالأصل عاراً ومذمة ومسبة؛ فهم يحاربون الإسلام في كل جانب من جوانبه، ويبحثون كيف يثيرون الشبهات بين أبناء المسلمين. ثم بذلوا الجهود لتحديد جيوشهم؛ فهم يفرضون علينا ألا تزيد الجيوش عن عدد معين، ويفرضون علينا ألا نتسلح بالأسلحة الاستراتيجية لنبقى عرضة لضربهم متى شاؤوا بها، فيجيئون لقصفنا متى شاؤوا ونحن لا نستطيع الرد , فنقول: امنعوا إسرائيل معنا! فيقولون: لا؛ أنتم تمنعون فقط؛ أما هم فلا , يقيمون حرباً على الاقتصاد؛ انظر كيف يعبثون بسعر البترول؛ لأنه هو السلعة الوحيدة التي عندنا، وهو مقياس لباقي السلع، ومعظم الخامات من الثروات المعدنية في العالم هي عند المسلمين؛ إذ تبلغ ٦٥% مما في الأرض، ولكنهم يبخسون السلعة لدينا ويغلون علينا سلعتهم. ويقيمون حرباً على الأخلاق: فينادون بزعمهم بحقوق المرأة حتى كادت المرأة المسلمة تصدقهم أن الإسلام ظلمها، وأن هؤلاء المفسدين والمدمرين لها ولأسرتها وكيانها ومجتمعها يريدون بها رحمة، وهم يريدونها لقضاء الشهوات والملذات والعبث بها، ويريدونها أَمَةً تعرض جسمها لكل طالب، فيحطمون أسرتها , وقد ضمن الإسلام النفقة للمرأة فلا تخشى مسألة المال، ولا تخشى عَيْلة؛ فهي في أمان من العَيْلة في النفقة؛ فإن عجز الولي فبيت المال يكفلها , لكن هكذا يدفعونها للخروج للعمل، وإن كانت مريضة فهي المسؤولة عن نفسها وإلا ماتت , وباسم المرأة يفسدون الشباب ويفسدون الشابات، ويحطمون الأسر، وينشرون الأخلاق السيئة، ثم يروجون بيننا كل ما يبيح الانحلال والفساد ليوصلونا إلى ما وقد وصلوا إليه هم، وقد وصلوا إلى ما حذرنا منه الدين، الدين حذرنا من أن الانحرافات سوف تحطم النسل، بل إن علماءنا قالوا إن مقاصد الشريعة خمس، ومن هذه المقاصد حفظ النسل. اليوم الشعوب الأوروبية تشكو الانقراض، تتناقص أعدادهم؛ لأن عدد الوفيات أكثر من المواليد، فيقولون: إذا استمر هذا التناقص فسوف يأتي وقت من الأوقات نموت فيه وننقرض وتنقرض شعوبنا، وتتغلب على الأرض هذه الشعوب التي تتناسل. فلماذا تنقرضون؟ لأن النساء تأبى أن تلد. لماذا تأبى المرأة أن تلد؟ لأن الرجال تخلوا عن النفقة وتخلوا عن المشاركة في تربية الأولاد. ويُسأل الرجل: لماذا تخليت؟ فيقول: لأنني أشك أن المولود ولدي. ولماذا تشك؟ لأن الزنا سلعة متداولة أراها في كل مكان من حولي. ولماذا هذا؟ لأن التبرج والاختلاط يسَّر هذا الأمر؛ فالبداية تبرج واختلاط أدىا إلى الانقراض. الإسلام عالج وحذَّر ولكنهم يريدون جرَّنا إلى حيث ساروا لنصل إلى ما وصلوا إليه؛ فهم يحطمون أُسَرَنا وأخلاقنا، ثم يحطمون عقولنا بنشر المخدرات وتكوين عصابات لنشر المخدرات، وإسرائيل تحمل في ذلك الراية لنشر المخدرات في بلاد العرب، وهناك عصابات متدربة ومرتبطة بأجهزتها الاستخباراتية والعسكرية لنشر المخدرات بين الجيوش العربية وبين شباب العرب لتحطيم العقول إلى جانب الإعلام المشوش الذي يقلب الحقيقة. أذكر مرة كنت أسمع إذاعة لندن وكانت تذيع برنامجاً عن الكمبيوتر في بدايته منذ سنوات عديدة، وإذا بالمحلل يقول: الكمبيوتر الآن في بداية صناعته ونصيحتنا للدول العربية أن لا تصنِّعه؛ فهذا يكلف كثيراً؛ ولكن عليها أن تحصل على الكمبيوتر بسعر رخيص جداً! ! سبحان الله، هكذا يريدون صرفنا عن أسباب القوة؛ فهم يحاربون الدين، يحاربون الجيوش، يحاربون الاقتصاد، يحاربون الأخلاق، يحاربون العقول، ثم يحاربون الوحدة السياسية بين المسلمين. من قبل كان اجتماع العرب شيئاً صعباً جداً، وكان زعماء عرب كلما قيل لهم اجتمعوا قالوا: لم يحن الوقت بعد، لم يحن الوقت بعد! تمزيق الأمة وتفريقها وتشتيتها وهي أمة واحدة وربها واحد، وتتمتع بأعلى مقومات الوحدة وهي وحدة الدين , هم يقولون: إن الوحدة الدستورية هي أعلى صور الوحدة، الوحدة الدستورية هي عدد من النقاط التي تتفق عليها الشعوب، هذه الوحدة الدستورية نحن عندنا أكثر من ذلك: الوحدة التشريعية، الوحدة الإيمانية، الوحدة العقائدية هذه التي تجعل الأمة موحدة. هم يضربون بسهامهم لتفكيك عرى هذه الوحدة حتى نصبح دويلات صغيرة بكيانات ضعيفة يسهل ابتزازها، ويسهل تهديد كل كيان من هذه الكيانات، ويسهل احتلاله إذا أرادوا، ويعجز هو عن الدفاع عن نفسه أو أن يستقل بالدفاع عن نفسه، فيبتزون هذه الكيانات كياناً كياناً. فالواجب علينا بعد تقوية إيماننا أن نسعى للحفاظ على الدين، والحفاظ على الأخلاق، والحفاظ على الاقتصاد، والحفاظ على الجيوش والعقول، والحفاظ على الوحدة السياسية أيضاً، ويهددون الأمن في البلاد فيوزعوننا إلى أحزاب وطوائف وفئات، ويثيرون الاختلافات فيما بيننا؛ فهذه الطائفة ضد هذه الطائفة، وحزب ضد حزب، وفريق ضد فريق، وجماعة، ضد جماعة، ثم إذا لزم فدولة ضد دولة، ونشتغل ببعضنا كل واحد منا خائف من أخيه، من صاحبه، من جاره وهم يشتغلون ضدنا أجمعين؛ فعلينا أن نعي هذه المخططات، وأن نجعل من أبناء أمتنا من يتصدى لهذه المخططات في كل مجال من المجالات. البيان: حدث لغط كثير في اليمن حول ما نشرته بعض وسائل الإعلام في (سبِّ الذات الإلهية) ، وقد تباينت مواقف الإسلاميين تبايناً كبيراً إزاء هذه الهجمة؛ فبعد أن هدأت الزوبعة ما تقويم فضيلتكم لهذه المواقف أولاً، وثانياً هل هناك رؤية استراتيجية مدروسة لمواجهة ما قد يستجد في وسائل الإعلام من هذه الأمور كسبِّ الله أو الدين أو الاستهزاء ببعض ما جاءت به الشريعة؟ * إن سبَّ الله الذي حدث في اليمن قد سبقه شيء من هذا في مصر وفي الأردن وفي الكويت؛ فهي ظاهرة تأتي في وقت واحد تدل على أن هناك من يخطط وراءها، وسبحان الله كادت أن تسير وفق ملامح واحدة مما جعل عدداً من المفكرين المسلمين يقولون: إنهم يريدون أن يهاجموا أغلى ما لدينا من المقدسات، ويحاربوا أعلى أمر لدينا حتى إذا استسلمنا في هذا سهل لهم بعد ذلك أن يحطموا باقي مقدسات الأمة ويُجرِّئوا كل معتدٍ، ويقتحموا كل حمى لهذه الأمة. وتباينت ردود الأفعال. نعم! فبعض العلماء جزاهم الله خيراً وأهل الغيرة وزنوا الأمور بميزان الشرع، ووجدوا أن سبَّ الله ليس هناك منكر أغلظ منه ولا كفر أشد منه، وقد توعد الله الذين يؤذون الله ورسوله باللعنة والعذاب الأليم , والصحابة - رضوان الله عليهم - اعتبروا ذلك كفراً صراحاً؛ فإن من سبَّ الله فقد كفر، والله - تعالى - يقول في هذا: [وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ] (التوبة: ٦٥-٦٦) . فذهبوا ووقفوا وقفة طيبة عظيمة، وأخذوا يجمعون التوقيعات، ووقف الخطباء في المساجد وتكلموا في هذا كلاماً. بعض الإسلاميين قالوا: نسلك طريق القضاء، ونقدم شكوى وننظر ماذا يأتي من القضاء، فاتجهوا في هذا الطريق، ولكن العلمانيين عندما رأوا أن الإسلاميين توجهوا إلى القضاء، وأصبح القضاء يطلبهم للمثول بين يديه تكاتفوا وتناصروا وأصدروا البيانات، وطالبوا بالاعتصامات ليرهبوا القضاء من أن يتخذ الموقف الصحيح في هذا الباب، واشتدت الهجمة على الذين تصدوا ضد هؤلاء الذين يسبُّون الله. وكما تابعتم وعرفتم ركزوا عليَّ وعلى جامعة الإيمان، ولكن سبحان الله! رأينا إخواننا من أهل الدين والغيرة يلتقون مع إخوانهم في هذه النقطة، فوجدنا الشيخ عمر أحمد سيف وهو في حزب المؤتمر كالأسد الهصور، ووجدناه لا يتردد في إعلان كلمة الحق فجزاه الله خيراً هو وغيره من العلماء، وأصدر العلماء «صرخة علماء اليمن» ، وهو شريط تكلموا فيه بحرارة وبقوة. وبعض الإخوة من الإسلاميين أرادوا أن تمضي المسألة بهدوء ومن دون إثارة لأنهم يحسبون حساباً للأعداء الخارجيين، ويظنون أن الإثارة هذه تؤلب ... وكذا وكذا، ولكن نفع الله بهذه المواقف وأحيلت القضية للقضاء، ثم أعيدت الآن بعد ستة أشهر إلى نفس المحكمة بعد أن ارتفعت إلى أعلى وأمام الجهة المسؤولة، ونرجو إن شاء الله أن يتخذ القضاء الحكم الشرعي فيها. البيان: هل هناك استراتيجية لما يستجد حول هذه القضايا؟ * لا شك في ذلك، وأبشرك أن شعبنا ورجالنا وجيشنا حتى إن بعض الوزراء عندما سمع الشريط أرسل لي عن طريق مرافقيه يشكرني ويدعو لنا، وقف الناس وقفة واحدة لم يتخلف عن هذا سوى العلمانيين الصرحاء، أو شخص خائف هُوِّل الأمر عليه وخاف أن يبدي شيئاً أو كذا، ولكن الصحابة - رضوان الله عليهم - قدموا أنفسهم فدية للإسلام، وقد طُلب من بلال ﵁ أن يقول كلمة في رسول الله ﷺ وهو يُعذَّب فأبى، وعرَّض نفسه للموت ﵁. البيان: يضغط صندوق النقد الدولي على بعض البلدان الإسلامية الضعيفة اقتصادياً أو البلاد النامية بغرض فرض بعض الثقافات والرؤى التغريبية عليها؛ فما دوره في اليمن؟ وإلى متى تستمر هذه التنازلات في الدول الإسلامية؟ * هذا حدث، وهو ما نعيشه اليوم ونعيش مرارته؛ فالبنك الدولي هو يد من أيدي الأمريكان واليهود، يسلط على الدول الفقيرة ويستغل فقرها وحاجتها؛ كما أن أمريكا تضغط على هذه الدول ضغطاً شديداً كي تقبل شروط هذا البنك الدولي , صندوق النقد الدولي له فلسفة معروفة في العالم كله، ومعظم شعوب العالم عرفت خطورة ذلك، وأصبحت تنتقدها حتى الدول النامية غير الإسلامية تشكو من هذا وتصرخ؛ لأنه أراد أن يعيد بناء الاقتصاد في تلك الدول ليكون اقتصاداً تابعاً للاقتصاد الأمريكي وللاقتصاد الرأسمالي الذي يتحكم فيه اليهود، ويضرب مقومات تلك الدول ويفقر الشعوب ويزيدها فقراً، ويفلسف ذلك فلسفة. لكن الوقائع والنتائج تأتي مكذبة لهذه النتائج وتلك الفلسفة؛ فنحن هنا جاءنا بالجوع وجاءنا بالربا باسم أذونات الخزانة. جاء بتحطيم الإنتاج؛ لأنه رسم سياسات كثيرة، فأفْقَرَ الشعب، وسحب رأس المال من الأغنياء إلى البنوك الحكومية التي تدفع رباً لمن جمد ماله عن العمل، ويدفع الشعب قيمة ذلك الربا من ميزانيته وثروته العامة. وهدفهم الذي يقصدونه والذي وضعوه في كثير من الدول أنه كلما ازدادت الشعوب فقراً تحدث ثلاث ظواهر: الأولى: اندفاع النساء إلى طريق غير سوي تحت ضغط الفقر والحاجة. الثاني: اندفاع الرجال إلى الجريمة والحصول على ضرورات حياتهم بالقوة وعبر العصابات فتزداد الجريمة. الثالث: عبث الموظفين بنظام الدولة وحقوق المجتمع عن طريق الرشوة؛ فالكل محتاج فقير يحتاج أن يسد ضروراته، فتنتشر مثل هذه الحالات في المجتمعات. البنك الدولي لا يُقاوَم إلا ببنك إسلامي وبدائل إسلامية، وتنبُّهٍ من المفكرين والدعاة إلى الله - جل وعلا - حتى لا يقعوا أسرى لهذه المخططات. البيان: للتيار المتدثر بدثار العقلانية وجود ظاهر في بعض مواقع الصحوة الإسلامية، ويصوَّر هذا التيار في كثير من الأحوال بأنه التيار المعتدل، والمستنير، والواقعي ونحوها من الصفات، ويصوَّر غيرهم من التيارات المتمسكة بالكتاب والسنة بأنهم بسطاء أو سذج أو بدائيون أو دراويش؛ فما تقويم فضيلتكم لهذا التيار العقلاني؟ وما الطريق لاستصلاحه، وترشيده داخل الفصائل الإسلامية؟ * صدقت، هذه الظاهرة ليست موجودة من الآن بل موجودة عبر التاريخ، فعندما تأتي هجمة من الأعداء تهاجم المسلمين ويكون المسلمون في حالة ضعف باليقين؛ فإنهم يحاولون دفع هذه الهجمة بأساليب وطرائق يظنونها أكثر عقلانية وأكثر استقامة مع العقل. وأعجبني الوصف الصحيح لهم بأنهم ليسوا بعقلانيين، وأنهم في الحقيقة أتباع أهواء؛ لماذا؟ لأن الابتعاد عن الكتاب والسنة لا يكون نتيجته إلا اتباع الهوى. إذا ابتعدت عن الوحي وعن الحق؛ فماذا يبقى غير الانقياد للهوى! ! أما العقل فهو ممدوح لدينا، والقرآن نزل فقط لقوم يعقلون ما نزل للمجانين. والذين يعقلون الأمر عقلاً حقيقياً يعلمون أن الوحي جاءنا بعلم من عند الله هو علم كامل شامل، وإنَّ علمَنا مهما بلغ فهو محدود [وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ] (يوسف: ٧٦) ، وإن العقل الصحيح يوجب أن يتَّبع قليل العلم ومحدود العلم من له علم واسع كامل، وهو العلم الإلهي الواسع الكامل، هذا هو العقل الصحيح؛ ومثال ذلك أن المريض إذا أراد أن يعرف مرضه ودواءه فماذا يفعل؟ يذهب للطبيب، يجتهد بعقله: من هو الطبيب الممتاز؟ فإذا عرف الطبيب الممتاز سلَّم نفسه إليه. يقول له الطبيب: افعل كذا وكذا، قف، اجلس، ثم تناول الدواء قبل الأكل، تناول الدواء بعد الأكل، يأتمر بأمره ولا يجادل؛ لأنه يعلم أنه أعلم منه. ولو قال شخص: أنا أفهم من الطبيب، هذا الطبيب لا يعرف شيئاً، ما علاقة الدواء بقبل الأكل وبعد الأكل؛ فإن الناس يستهجنونه. فدور العقل هو أن يعرِّفك بمصدر العلم الصحيح، وقد جاءنا العلم من الله عن طريق الرسل - عليهم الصلاة والسلام - فدور العقل هو أن يتعرف على النبي الصادق ثم يسلم له بعد ذلك؛ لأن النبي جاء بعلم الله الذي أحاط بما كان وما يكون، وبما هو ظاهر وبما هو باطن؛ فمرد هذه الظاهرة هو ضعف اليقين، ولو كان هناك يقين لكان هناك استسلام بدون تردد لما جاء في كتاب الله والله يقول: [فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] (النساء: ٦٥) . فأقول في هذه المسألة: العلاج لذلك تقوية اليقين، وتعليم الناس، ونشر العلم الشرعي الصحيح، وللأسف فإن كثيراً من أبناء الصحوة الإسلامية ينقصهم العلم الشرعي وهم متصدون لمواقع تفرض عليهم تحديد مواقف يومياً، وهذه المواقف اليومية لا يسعفهم علمهم ولا معرفتهم في استخلاص الموقف الشرعي الصحيح، ومن ذلك يتخذون موقفاً ويدافعون عن هذا الموقف ثم يحاولون تسويغ هذا الموقف، وفي بعض الأحيان يصل إلى أن يُضعَّف الحديث ليس لأنه في سنده شيء، بل لأنه اختلف معه في موقف قد رآه! ! فعلاج هذا في قول الله - تعالى -: [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] (الأنعام: ١٥٣) ، [قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ] (المائدة: ١٥) . فإن تتبع مرضاة الله تكون في اتباع كتاب الله : [يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (المائدة: ١٦) فهذه وصيتي؛ فالمطلوب أن نستعمل العقول فلا نجمد، ولا نُعرِض عن تفهُّم النص ولا المجالات التي يتناولها النص، وسنرى لنا في النصوص ومجالاتها الواسعة مخارج عظيمة؛ فالمطلوب أن نستعمل عقولنا، ولكن بعد التأهُّل بآلية الاستنباط والعلم اللازم الذي يلزم من أراد أن يستنبط الهدى والحق , أما أن يسير الناس وفق ما تقرره عقولهم؛ فما الفرق بين الإسلاميين والعلمانيين إذن؟ لا يبقى هناك فارق إذا كان المنطق في السير هو أننا نمضي حيث تدلنا العقول؛ لأن هذه حجة العلمانيين الذين يقولون: عقولنا دلتنا على طرق الأحكام وهو الأنسب , الفرق بين الإسلاميين والعلمانيين أن الإسلاميين يتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فيحتاج هؤلاء الإسلاميون إلى تذكير ونصح في أصولهم وقواعدهم والأمر الذي تصدوا له، والله يقول: [وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً] (النساء: ٨٣) . البيان: الواقع الفكري والاجتماعي السائد في كثير من الدول الإسلامية فرض من حيث يشعر بعض الإسلاميين أو لا يشعرون - أنماطاً جديدة من التدين، وانهزم بعضهم أمام هذا الطوفان من التغريب وفقهاؤنا لم يكونوا بمعزل عن تلك الانهزامية التي تجلت في بعض الفتاوى التي تُعرض أحياناً باسم التيسير والمصلحة الشرعية أو المصالح المرسلة ونحو ذلك؛ فما أسباب هذه الانهزامية؟ وهل يمكن أن تربى فصائل الصحوة الإسلامية على الأخذ بالكتاب بقوة بعيداً عن هذا الواقع المفروض؟ * لا شك أن معطيات العصر كثيرة وجديدة، وتأتي ولها ضغطها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والواقعي، وهذه المعطيات يتوجب علينا مواجهتها بمجامع فقهية يحتشد فيها العلماء المجتهدون القادرون على الاستنباط مع الخبراء بهذا الواقع، ووالله لو فعلنا ذلك وشيدنا مثل هذه المجامع كما بدأت والحمد لله لوجدنا أن الخير للبشرية حتى الكفار سيجدون أن الخير لهم في اتباع هذا الدين، في اتباع هذا الحق، في اتباع هذا الهدى لو وجد البحث الدقيق والبحث الصحيح. أذكر مثلاً الإيدز: كنت في أستراليا فجاءت ثاني صحيفة في أستراليا لتحاورني بعد أن علموا أنني أعمل في الإعجاز العلمي؛ فقالت الصحيفة: ما عندكم؟ قلت: عندنا السبب؛ ففي حديث النبي ﷺ بيان في هذا المرض والعلاج له، فاندهشوا. قلت لهم: يقول الرسول ﷺ : «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا» [٢] فهذا ظهر عندكم عندما تباهت البرلمانات عندكم أنها أباحت الشذوذ وأباحت الزنا وأباحت وأباحت. بعد ١٥ سنة من هذه الإعلانات ظهرت هذه الأمراض وهذه النتائج الخطيرة. فنشرت الصحيفة في اليوم الثاني: «المسلمون يتسلقون جبل العلم» . أقول إن الدراسة الصحيحة المتعمقة واستنباط الأحكام الشرعية في ضوء هدى الله سوف تخرج بنتائج تفيد ليس فقط بلاد المسلمين بل البشرية كلها بدلاً من التخبط في الظلام والضلال. فهو جهل بالوقائع وجهل بالأدلة الشرعية، وفي بعض الأحيان قد يتصدر لهذا الأمر عالم من العلماء مشهود له بالعلم، ولكنه مزدحم لا يتيسر له البحث ولا المراجعة ولا التحقيق، كما قد تغيب عنه أحياناً جزئية من الجزئيات وهي مهمة جداً في توجيه الحكم، ومهمة جداً في بيان الحكمة؛ ولذلك: يجب علينا أن ننادي بمجامع الفقه وضبط هذه الفتاوى وردها إلى هذه المجامع الفقهية التي تتحرر من أي ضغط من الضغوط سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو غيرها، والتي تتمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ ولكن مع ذلك فالمعصوم هو الرسول ﷺ ، ومن أخطأ فيجب أن نضمن الحرية للعلماء الآخرين في بيان موضع خطئه. وبهذا يستقيم الناس ويسيرون في الطريق الصحيح، والعصمة في النهاية لرسول الله ﷺ المعصوم بالوحي، أليس أبو بكر ﵁، وهو خير هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا رأيتموني على خير فأعينوني، وإذا رأيتموني على خطأ فقوِّموني» ؟ فقدم لهم إمكانية أن يخطئ وهو يبدأ خلافته؛ فإن كان هذا هو أبو بكر فماذا بعد؟ البيان: وماذا عن استغلال بعض هؤلاء للفضائيات؟ * ذكرتُ الحكم الذي يجب أن يكون، أما الوسائل فتتبع ذلك الحكم؛ فعلى الناس أن يستخدموا كل وسيلة متاحة ليبينوا كلام الله ويوضحوه، وبخاصة في مثل هذا الجو الذي نحن موجودون فيه؛ وإذا ظهرت فتوى غير صحيحة فيجب أن يتصدى لها العلماء ويقولوا إنها غير صحيحة في موضوع كذا وكذا حتى لا تمضي دون بيان. ولكني أقول بموضوعية وبقصد البيان لا بقصد التشهير والتجريح والانتقاص؛ فإن هذا يولد في القلوب حزازات وعداوات، ويأتي بردود أفعال أخرى ويبعُد بنا عن الطريق. البيان: لا يخفى على فضيلتكم ما يحدث من تقاطع وتدابر بين بعض الدعاة في الفصائل الإسلامية المختلفة؛ فهل هناك من سبيل للتعايش السلمي بينهم؟ هذا أمر والأمر الآخر ما الطريق لإحياء مبدأ التناصح المخلص والنقد البنَّاء في وسط هذه الفصائل الإسلامية؟ * أولاً اليقين؛ فإنه يثمر الإخلاص، فمن أيقن بأن ما عند الله خير مما في هذه الدنيا لا يضيع الآخرة بمتاع الدنيا، وتبقى غايته ما عند الله ، فيحرص على ما يقربه إلى الله، والتذكير بذلك , ومن أحسن ما كتب فيما عرفت في معالجة هذه القضية كتب الأستاذ صلاح الصاوي جزاه الله خيراً؛ فقد أفاد وأجاد وقدم جهداً مشكوراً جداً، ولذا أدعو أبناء الصحوة الإسلامية إلى قراءة كتب هذا الشيخ الشاب الذي محض النصح لفصائل العمل الإسلامي بتجرد وموضوعية، وهو ليس بمعصوم، ولكنه من أحسن من كتب في هذا الباب. ومما كتبه أنه قال: علينا أن ننظر إلى القضايا الخلافية فنصنفها؛ فهناك قضايا خلافية في الأصول والعقائد وما أجمع عليه المسلمون وهذا لا يحتمل الخلاف فيه , وهناك خلاف في الفروع والمستجدات من الوقائع في الحياة، وهذه قد تختلف فيها الآراء، وقد اختلف فيها الصحابة، وقد اختلف فيها الأئمة الكبار الأربعة وغيرهم، وربما تكون رحمة. وأنا وجدت في الحج هذا العام شاهداً على ذلك رأينا بعض علماء الحنابلة الذين كانوا يتشددون في أنه لا يصح الرمي إلا بعد الزوال يأخذون برأي الأحناف الذين يجيزون الرمي قبل الزوال. هذه الخلافات في بعض الأحيان قد تكون رحمة للأمة، وقد تكون باباً من أبواب التيسير للأمة فلا نقف بها بعداء بل بتضافر وتسامح، ولكن يجب أن يكون اجتهاداً سائغاً؛ فلا يكون على هوى وعلى جهل؛ بل أن يكون مضبوطاً بضوابط الاجتهاد. وفي المستجدات من المواقف العملية: كيف نتصدى لليهود؟ كيف نتصدى للحرب الاقتصادية؟ كيف نتصدى للانحرافات والبدع والجهالات؟ وهذه تختلف فيها الأنظار بين صاحب عزيمة وصاحب رخصة، وصاحب نظرة بعيدة ونظرة قريبة، وهذه يسعنا فيها الاختلاف ولا نتخاصم حولها. وإذا سرنا بهذه المنهجية فسنجد أننا قد اتفقنا على المجمَع؛ فهناك اتفاق بين أبناء الصحوة الإسلامية، وخاصة أن الجميع ينطلق من أنهم من أهل السنة والجماعة، فأصولهم ثابتة وهم متفقون على معظم الأمور في الأصول. لكن أهم من ذلك هو البغي: بغي شخص على شخص، وبغي فئة على فئة [كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (البقرة: ٢١٣) كلٌّ يريد أن ينتقص من الآخرين , إنه الكبر، والكبر هو بطر الحق وغمط الناس، والمتكبر يصعب عليه أن يعترف لأخيه أنه على حق، يصعب عليه أن يعترف أنه على أمر عظيم وجاد، وهذا من البغي الذي سبب هذا التفرق، وإننا بحاجة إلى إشاعة الفقه الذي أشرت إليه في كتب الشيخ صلاح الصاوي، وإشاعته في وسائل تعليمنا وإعلامنا، وبين أبناء الصحوة الإسلامية وبين أبناء الجماعات الإسلامية، وأن نعمل في الأمور التي ليس بيننا فيها خلاف. كم من القضايا التي ليس بيننا فيها خلاف يمكن أن نحولها إلى برامج عملية، ونضع لكل مجموعة مجامع تعبر عن دورها في هذا المجال بالأسلوب الذي تراه، ونتزاور ونتهادى فيما بيننا، وأن نترك الغيبة والنميمة، ونتخلق بأخلاق الإسلام وأخلاق العلماء من سلف هذه الأمة في معالجة القضايا الخلافية، وأن نحاول أن نقيم مشاريع مشتركة لخدمة الإسلام، مشاريع ضخمة كبيرة نتعاون فيها جميعاً. اليوم حلف الأطلسي لا يكتفي بأنه قد حشد أكبر قوى الأرض، لكنه يريد أن يتوسع أكثر، ونحن لم نفقه أهمية الاتحاد والاجتماع بين جماعات إسلامية تريد ما عند الله. البيان: ولكن كيف نحيي روح التناصح بين الفصائل؟ * التناصح مهم، ولا شك أن العصمة ليست لأحد منا؛ فإن الخطأ وارد من كل أحد، والرسول ﷺ وضح أهمية النصيحة؛ فوصفها بأنها الدين «الدين النصيحة» ، لكن هناك فرق بين النصيحة والفضيحة، النصيحة أن ترى في أخيك شيئاً فتذهب إليه.. الأوْلى أن تذهب وحدك وبحب وتقدير وبعبارات طيبة وتقول له: يا أخي! فتنثي على جهده، وتشعره بأنك لست مُبدِّعاً ولا مُفسِّقاً ولا مُشهِّراً، وأنك ناصح تريد له الخير في الدنيا والآخرة، [وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ] (الإسراء: ٥٣) فمتى نقدم له النصيحة؟ فإذا لم يتسير اللقاء المباشر وصعب تحقيقه فيمكن إرسال رسالة ولو بدون توقيع، فديننا أغلى علينا من الناس جميعاً، والمهم أن يعرف أنه خالف الأمر؛ ربما لا يسمع منك، ولا يسمع من فلان، وربما يسمع من فلان آخر وهو أقرب إليه؛ فتذهب إلى ذلك الآخر وبطريقة أخرى، ولكن إذا أبى ولم يسمع فلا تترك الأتباع والناس يسيرون وراء أخينا هذا وهو بعيد عن الهدى والحق، فنتحدث للناس جميعاً عن الموضوع بلا ذكر أشخاص، وبأسلوب: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟ !» والقرآن نزل كثير منه في قريش وبقية الكفار ولكنك لن تجد أسماء ناس في القرآن أو أسماء قبائل بل هي أوصاف، أوصاف المنافقين: هم الذين كذا، هم الذين كذا، فينبغي أن نعرض القضية مجردة من الأشخاص حتى لا يغضب الأتباع لقيادتهم، وحتى لا يغضب الأشخاص لأنفسهم ويكابروا وكذا، وبهذا نهزم الباطل وندقه دقاً بعيداً عن الأشخاص المنتمين إليه، فيندس برأسه صاحب هذا الباطل أثناء عرض الموقف ويقول في نفسه: لست أنا؛ لا يقصدونني، بل هو يحاول التخلص من هذا. ومن خيرة العلماء الذين عرفتهم في حياتي في مواجهة هذه الأمور الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ كان يقف معلقاً ومعقباً على المعلمين وعلى المحاضرين ثم لا يترك مسألة فيها مساس بالدين دون بيان لكنه لا يُجرِّح ولا يذم، فيبدأ في الثناء عليه، وذكر الجهد الذي قام به حتى يشعر أنه من أنصاره، وأنه من أعوانه، ولكنه ربما فاته كذا، ويستل الباطل وحده بعيداً عن الشخص ويدقه دقاً - ﵀ كان عَلَماً، وكان نجماً من النجوم في المؤتمرات التي تجمع العلماء , فأقول: مثل هذه المنهجيات والتزاور والتناصح والوقوف ضد أعداء الإسلام والتصدي لهم تكون سبباً للنصر إن شاء الله. البيان: يتنامى الوجود الرافضي في اليمن بشكل مطَّرد، ويجد من يعينه من الداخل والخارج؛ فهل هذا التنامي حقيقي أو هو تلفيق من وسائل الإعلام؟ وما هو دوركم إزاء ذلك؟ * اليمنيون جميعاً لهم موقف واحد من مسألة الرفض؛ ولو قلت ليمني: يارافضي. لاعتبرها سبة وهاجمك؛ فهو يرفض أن تصفه بالرفض، ولكن بعض التيارات السياسية التي تريد أن تثبت مواقعها السياسية تتستر بحب آل البيت والتشيع لآل البيت والموالاة لآل البيت، ولجرِّ الناس شيئاً فشيئاً إلى محاربة السنة والصحابة رضوان الله عليهم، ويأتي هنا التيار الإثنا عشري الذي بدأ يضع قدمه في اليمن مدعوماً من إيران. وعلماء الزيدية الآن - وليس من قبل فقط - يرفضون الإثني عشرية ويحذرون منهم ويكتبون الرسائل في الرد عليهم، وهم يأخذون في أمور الفقه بما ذهب إليه أهل السنة، ولا يختلف عامة الزيدية معنا إلا في مسائل محدودة، ويحتجون بالبخاري ومسلم وغيرهما. عندنا الزيدية غير الشيعة الأخرى أو الفرق الباطنية، ولكن الإثني عشرية وفي ظل الأجواء المفتوحة وهذه التيارات المسموح بها بدأت. ولكني أقول إنه يقاوَم من علماء الزيدية أنفسهم، بل هم أشد الناس مواجهة لها الآن. في «صعدة» هناك تيارات بدأت تظهر لهؤلاء الذين ينتمون إلى المنهج الإثني عشري، وأول الناس مهاجمة لهم هم علماء الزيدية هناك، فأقول: العلم مرة ثانية وثالثة، والتعليم، والناس عندما يعرفون الأمر ولا شك أنهم لا يرضون لأنفسهم أن يسُبُّوا من وثَّقهم القرآن: [وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ] (الحجرات: ٧) . فالذين يسبون الصحابة لا أدري ماذا يقولون؟ وأين يذهبون وهم يقرؤون كتاب الله وهو يثني على صحابة رسول الله ﷺ ويمدحهم المدح العظيم؟ فالجواب هو في العلم والتعليم. البيان: يثار حديث كثير حول السياحة في اليمن، وهناك دعوة للانفتاح السياسي والاقتصادي والفكري مستظلة بمظلة السياحة؛ فما هي المخاطر المتوقعة من هذا الانفتاح؟ وما السبيل لدرء فتنة السياحة؟ * يصعب أن تغلق بلادك عن الناس؛ لأن الناس يريدون أن يزوروا بلادك؛ فماذا تقول لهم؟ أتقول: لا؟ ! ولكن لو كنت رجل حق وصاحب رسالة لفرحت بمجيئهم، ووضعت لهم برنامجاً سياحياً يعرِّفهم بالإسلام، ويدعوهم أن يحترموا قانون البلد، وأن قانون البلد لا يسمح بتعري النساء. فقل له هذا قانون البلاد، ولو وضعته في مسارات وفنادق ورجال وجهات مأمونة، وتضمن فيها نشر الدعوة الإسلامية ونشر الإسلام بينهم ويتمتعون بالمناظر الجميلة، ويرون معاملة حسنة؛ فهذا سَبْقٌ في الدعوة إلى الله - جل وعلا - ولكن للأسف ضعفُنا هو الذي يجعل السياحة وسيلة لنشر فسادهم، بل لنشر الإيدز والأمراض الخبيثة الأخرى الجنسية والفكرية التي يعرضها هؤلاء القادمون عمداً لتدميرنا، بل طريقاً للجواسيس أيضاً؛ فالجاسوس يأتي للبلاد بغرض السياحة؛ فهذا خطر يحتاج إلى دفعه، ولكنه يحتاج أن تكون الأمة أمة رسالة، والدولة دولة رسالة، والشعب شعب رسالة. البيان: من المعضلات في بعض مواقع العمل الإسلامي ضعف العلم والفقه الشرعيين مما يؤدي أحياناً إلى إهمال النصوص الشرعية، والتقدم بين يديها، بل يصل الأمر عند بعض الفصائل أن تقدم الأمر التنظيمي على النص الشرعي؛ فماذا يرى فضيلتكم في ذلك، وهل من علاج لمثل هذا الداء؟ * أنت لو كلمت أي إسلامي وقلت له: أنت تقدم الأمر التنظيمي على الأمر الشرعي فإنه يقول: أعوذ بالله؛ ما هذا الذي تصفني به؟ وإن كان في الحقيقة يقول ذلك فشأنه كشأن المقلد للمذاهب، فتقول له: يا أخي! أنت تخالف النص، هذا النص بين يديك. يقول لك: علماؤنا فهموا هذا النص، وقد فهموا الرد عليه، وفهموا كذا وكذا. أنا أرى أن من أحسن الوسائل في مثل هذا مطالبة هذه الفصائل الإسلامية أن يبرزوا لنا علماءهم الذين يتبعونهم؟ وما هي حججهم؟ وما هو دليلهم؟ وأن نربي المجتمع على احترام النص الشرعي، واحترام كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لا أحد يؤخذ بقوله إلا المعصوم ﷺ . وحقيقة أن الذي يمارسه مخالف للنص؛ وهو يتوهم أنه قد جاءه فهم للنص من جهات موثوقة ومن علماء هم عنده محل ثقة. الواقع أن علاج ذلك هو دعوة هذه الجماعات الإسلامية إلى أن تخبرنا بهؤلاء العلماء: من هم حتى نتناقش معهم، نتحاور معهم؟ وأن تخبرنا بهؤلاء المتبوعين حتى نناقشهم ونتحاور معهم، وأن يخبرونا بأدلتهم وحججهم، وأن نشيع بين صفوف الإسلاميين جميعاً عدم التقديس لأحد إلا للرسول ﷺ ؛ فهو المعصوم الذي يؤخذ قوله وحده، أما الآخرون فيؤخذ من أقوالهم ويترك. البيان: ما دور العلماء الربانيين في تصحيح المسيرة الدعوية، وكيف يفعَّل دورهم في وسط الفصائل الإسلامية؟ * أولاً: أن لا يبتعدوا عن هذه الفصائل؛ لأن الذي يبتعد كيف يدل قافلة وقد غاب عنها؟ بل عليهم أن يشاركوا هذه الفصائل الإسلامية ويعاونوها على الخير، ويجتهدوا في المعاونة على ذلك، ثم يبصروها ويحذروها من الخطأ. عندما أراك تدلني على الحق فسأحبك وأتلقى منك الخير، ثم تقول لي: هذا خطأ، أستجيب لمثل هذا، [وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ] (المائدة: ٢) ، فإذا تقدم هؤلاء العلماء وأعانوا الجماعات الإسلامية ودعاة الإسلام على ما هم عليه من الحق ونبهوهم إلى ما هم عليه من الخطأ فذلك أرجى في القبول. ثانياً: ألا يصحب ذلك بغي على الناس أو غمط لهم أو استصغار لهم ولدورهم وشأنهم أو احتقار لهم؛ فأنت عندما تبذل الجهد وتريد أن تصل لأعلى الدرجات، ويأتي آخر يقول لك: هذا الذي تفعله لا قيمة له ولا وزن، وهو لو فعل عُشْر معشاره لتطاول به؛ فيجب أن نترك الكبر، ونربي الصفوف على هذا، وأن نحقق الأخوة الإسلامية فيما بيننا [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] (الحجرات: ١٠) . فصائل العمل الإسلامي كل منهم ينظر إلى الآخر أنهم من المؤمنين؛ فنحن نطالبهم بحقيقة الإيمان، وحق الإيمان هذا منه حق الأخوة، وحق النصرة، وحق المحبة، وحق النصح والعون والتأييد والدعم؛ أما أن لا أجد منك غير نقد وسب وتجريح واتهام وإمساك ومنع وتأنيب، وتريدني أن أسمع نصيحتك؛ فلا، ولا أقصد بذلك فصيلاً من الفصائل، بل أقصد الكل، قل الحق يا أخي، انصر أخاك بما هو عليه من الحق، شجعه على ما هو عليه من الخير، فسيقبل منك. إذا رأى في نفسه شيئاً من الخطأ قال: أنا على خطأ. وأقول: إن وسائل الإعلام المتاحة لنا من صحف ومجلات وأشرطة يجب علينا أن نشيع فيها هذه الروح، وهذه الدعوة بين الناس إن شاء الله. البيان: كان لفضيلتكم ولا يزال جهود مشكورة في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم؛ فكيف يسهم الإعجاز العلمي في مقاومة الأفكار والمذاهب الباطلة ومناهضتها؟ * سأذكر لك قصة تدلل لك على الأمر، كان اسم عبد المجيد الزنداني عند الاشتراكيين يساوي مجامع الجهل والعصبية والخوف والإرهابية والرجعية، وأشرطة عبد المجيد الذي هاجم بها الدستور العلماني كانت أخطر أشرطة ولا بد أن تحارب، ولكنهم نتيجة الوحدة وجدوا أنفسهم مرغمين على سماع عبد المجيد الزنداني، فاجتمعنا مع رئيس الوزراء يومذاك «العطاس» ، وبدأنا الجلسة، فحضرت من أوائل من حضر قبل موعد الاجتماع السياسي، وانتظرنا المتأخرين، فقلت: أستفيد من الوقت، فبدأت أحدثهم عن الإعجاز العلمي، وإذا بهم يصغون مندهشين، ثم قالوا: يا شيخ ما يكفي هذا؛ نحن نريد جلسة خاصة بهذا. فحددنا موعد جلسة خاصة بهذا. فقلت: لهم عندي شريط اسمه: «إنه الحق» وهو مقابلة بيني وبين أربعة عشر بروفسير حول هذا الموضوع، وجلسنا وتحدثنا، وحدثتهم عن الشريط، قالوا: أين هذا الشريط يا شيخ؟ قلت لهم: في الاجتماع الثالث سوف أعطيكموه إن شاء الله. ثم في الاجتماع أعطيتهم الأشرطة، ثم في جلسة أخرى سألتهم، فقال رئيس الوزراء: يا شيخ! أصبحنا نوزع أشرطتك في الحزب. وفي مرة التقت التنظيمات الثلاثة في ذلك الوقت: المؤتمر، الإصلاح، الاشتراكي , ودار النقاش حول قضايا سياسية ساخنة؛ هذا يشد من هنا، وهذا يشد من هنا، فقال رئيس الوزراء: يا شيخ يا زنداني كلِّمنا عن الظلمات في البحار , فهذا أثر في المسلمين الذين اغتالتهم الثقافة الاستعمارية وأسرتهم في حبالها وفي سجنها , أما الغربيون أنفسهم، أما رجال الفكر، فهؤلاء الواحد منهم إن لم يُسلم يُسلِّم، لا تجده إلا بين مُسلم أو مُسلِّم لأنك تواجهه بشيء هو يعرفه، ويعرف كم بذل من مجهود في الوصول إليه. البيان: ما الذي يود أن يقوله فضيلتكم لأبناء الصحوة الإسلامية في ختام هذا اللقاء؛ مع إلقاء الضوء على رؤيتكم لمنهجية الإصلاح والتغيير من خلال خبرتكم الدعوية؟ * يقول الله - تعالى -: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] (الصف: ١٠-١١) . فلو تعمقتم في العلم لعلمتم أن الخير لكم في الإيمان والجهاد، ولا يصدق إيمان شخص إلا إذا تحلى بهذين الأمرين. قال - تعالى -: [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] (الحجرات: ١٥) . فأما الإيمان بالله ورسوله فهو لا بد أن يقوم على علم ليصل إلى اليقين ليكون بعد ذلك الاستسلام والتسليم، وعندما يوجد هذا الإيمان واليقين في القلب فسينطلق كل فرد نحو كل خير، وسيمتنع من داخل نفسه من كل شر، ونستطيع أن نجد اللبنة المسلمة الصالحة للبناء الإسلامي، وبغير هذا تكون اللبنة ضعيفة ولا تتماسك في البناء، ولا يقوم عليها بناء قوي، والإيمان هو اعتقاد ويقين جازم، وهو دعوة، وبلاغ وشهادة، وهو استسلام وانقياد وخضوع لأمر الله على مستوى الفرد، وعلى مستوى الأسرة والمجتمع، وعلى مستوى الدولة؛ وبهذا يتحقق الإيمان بشُعَبه الثلاث التي ذكرت أو أسسه الثلاثة: - اليقين بالقلب والشهادة. - والدعوة والبلاغ باللسان. - والانقياد والإسلام في العمل. وهذا كفيل بإصلاح الأفراد والمجتمعات الإسلامية، لكن هذا لا يكفي مع الأعداء؛ فمن يقنع لنا شارون؟ ! أتقول له: اتق الله يا شارون؛ فإنك خالفت الكتاب والسنة! شارون لا ينفع معه ذلك أو مع غيره من الأعداء إلا أن نهتف في أمتنا لتكون أمة مجاهدة؛ فما الذي أخرج الروس وحطم الاتحاد السوفييتي في أفغانستان؟ الجهاد. وما الذي أبقى على بقية من المسلمين في البوسنة؟ الجهاد , وما الذي أخرج الأمريكان من الصومال؟ الجهاد. نحن هنا في اليمن حاولنا أن نتفاهم مع الشيوعيين، وأن نتحاور معهم، وأن نأتي بالحلول السياسية، وفي النهاية ما نفع غير الجهاد؛ فهذه هي وصية الله لنا. والجهاد يحتاج قوة وإلى وحدة الصفوف بين المسلمين [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفاًّ كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ] (الصف: ٤) . فيجب أن ننادي في أمتنا أن توحد صفوفها. لو اتحد العرب على موقف صحيح فهل ينال منهم اليهود؟ لا، لن ينالوا. لو اتحد المسلمون، واجتمعوا على كلمة واحدة؛ فهل ينال منهم الأمريكان؟ لا، ولا غيرهم. فوحدة صفوف الأمة ابتداءً من الفرد والجماعة الصغيرة في القرية وفي الحارة وتربية الأمة على الوحدة والاعتصام بحبل الله جميعاً [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] (آل عمران: ١٠٣) . نعم وحدة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ وحدة على منهج الله - جل وعلا - وليس على الأهواء ولا على الشهوات ولا على ما يخالفه من ذلك. - الثاني إعداد العدة: يجب أن نهتف بأمتنا في إعداد العدة؛ فالباكستان لولا أنها أعدت العدة بالقنابل الذرية فهل كان يمكن أن تبقيها الهند؟ كانت الهند تزمجر وترعد، فما الذي كان بعد أن فجَّر الباكستانيون القنبلة الذرية؟ بعد ذلك رحبت الهند بالحوار معهم. فيجب أن نهتف بالأمة أن تعد العدة. ومن رحمة الله أنه أمرنا بإعداد ما نستطيع، وتكفل سبحانه بما لا نستطيع، فقال - تعالى -: [وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ] (الأنفال: ٥٩) . [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] (الأنفال: ٦٠) ، فعلينا أن نهتف بالأمة أن تعد العدة، ونهتف بجيوشنا الإسلامية على كل مستوياتها أن تعد العدة، ثم لا بد من نشر الشورى؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر ما كان مشورة في أمور الجهاد، يشاور الناس، حتى نحاول أن نحيي في أمتنا مؤسسات نتشاورر فيها أولاً على مستوى الأفراد، ثم على مستوى الجماعات والهيئات داخل الأقطار، ثم على مستوى الدول، ثم على مستوى الأمة كلها، ثم لا بد أن يكون لنا أمر جامع وطاعة؛ لا بد أن يكون لنا كيان واحد، فننادي بإحياء ميثاق الدفاع العربي، وندعو لإحياء أي صيغة من صيغ الاجتماع على مستوى المسلمين جميعاً للدفاع عن الأمة الإسلامية، وكذلك الحركات الإسلامية والجمعيات الإسلامية يجب أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها أمام هجمات العلمانية في تلك الأقطار وتتترس، وأن يكون هذا كله موضوع دراسة وبحث , هذا أهم ما يتسع له الوقت وفي كل هذا تفاصيل.

стр. 3922

الإسلام لعصرنا ثبت بطلان الجبرية (الجينية) أ. د. جعفر شيخ إدريس رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة قبل بضع سنوات نظم المنحرفون من الرجال والنساء مظاهرة كبيرة في واشنطن تداعوا لها من بلدان العالم، بدأ على إثرها نقاش طويل عن هذه الظاهرة، فكان مما قاله بعض المبتلين بها أنهم لا يلامون عليها؛ لأنها شيء ولدوا به؛ فهو في جيناتهم الوراثية. وقلنا لإخواننا المسلمين يومذاك: إن هذه الدعوى لا يمكن أن تكون صادقة لأسباب ينبغي أن يسلِّم بها كل مؤمن بوجود الخالق معترف بصفتين من صفات كماله هما: العدل، والحكمة: فالخالق العادل الحكيم لا يمكن أن يغرس في فطرة الإنسان سلوكاً لا مفر له منه، ثم يجعل ذلك السلوك محرماً عليه، بل يعاقب عليه أشد العقوبات. والخالق العادل الحكيم إذا غرس شيئاً في فطرة الإنسان هداه إلى أحسن السبل لإشباع رغبته منه. فهو لما جعل الحاجة إلى الطعام في خلق الإنسان أمره بأن يأكل ويشرب ولا يسرف، وأحل له الطيبات وحرم عليه الخبائث. ولما جعل في الناس ميلاً جنسياً هداهم إلى الزواج وحرم عليهم الزنا، بل فصَّل لهم أحسن الطرق للمعاشرة. فلما حرم فاحشة الشذوذ تحريماً مطلقاً، علمنا أنه ليس لها في الفطرة أصل، ودعك أن يكون الإنسان عليها مجبراً. ثم إن هذه الفاحشة فاحشة إباحية لا خطام لها ولا لجام، بل إن من شأن أصحابها المستحلِّين لها (لا أقول من كان من أصحابها المؤمنين الذين يعلمون أنها ذنب كبير رغم ابتلائهم بها) أن يغصبوا الناس عليها حتى لو كانوا أطفالاً كما كان قوم لوط يقطعون السبيل ويعتدون على المسافرين، وكما أرادوا أن يعتدوا على ضيوف نبيهم حين ظنوهم بشراً. فهل يقول صاحب هذه الفاحشة إن الله - تعالى- جعل في جيناته أن يفعلها مع كل من تميل إليه شهوته من أبناء جنسه؟ إن الميل إلى الجنس الآخر ميل طبيعي، لكنه مع ذلك يمكن كبحه وضبطه، ولا يجوز العدوان فيه، فلماذا يجوز في هذا الميل المنحرف؟ والمسلم المؤمن بكتاب ربه يقرأ فيه قوله - تعالى -: [أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ] (الأعراف: ٨٠) . ومن المعلوم أنه قد سبقهم إلى هذه الدنيا أجيال وأجيال من البشر؛ فلماذا لم تفعل الجينات في جيل أو جماعة أو حتى فرد منهم ما فعلت بهؤلاء؟ وممن ورثوها إذا لم يسبقهم إليها أحد من العالمين؟ قلنا ذلك أو قريباً منه قبل بضع سنين، واليوم يأتينا علماء الأحياء بحجة تقطع دابر دعوى أولئك المنحرفين المجاهرين، وتلجم أفواه دعاتهم. لقد تبين أن الجينات لا سلطان جبرياً لها على سلوك الإنسان، بل ولا على كل ما يتعلق حتى بحياته البدنية. أنا لست من الذين يبتهجون لعجز العلم الطبيعي عن تفسير ظاهرة من الظواهر، أو الذين يعدون كل إخفاق للعلم الطبيعي انتصاراً للدين. كلاَّ؛ فإن ديننا هو دين الحق، فلا يضره، بل ينصره كل اكتشاف علمي. لكنني أبتهج حين يخذل التطور العلمي الملحدين والماديين فيثبت بطلان ما تعللوا به من دعاوى وتفاسير ونظريات ينصرون بها عقائدهم الباطلة وأهواءهم الضالة، أو ينالون بها من حقائق الدين المنزل من عند رب العالمين. فليس المقصود من هذا المقال إذن إنكار وجود الجينات أو عملها أو التهوين من أمر دراستها؛ فإنها من جملة آيات الله - سبحانه - في خلق الإنسان. لكن المقصود هو أن لا تفسر هي ولا شيء من خلق الله - تعالى - تفسيراً يتناقض مع الحقائق القاطعة المقررة في دينه، والمقصود أيضاً أن توضع هي وغيرها من الحقائق في وضعها الطبيعي وحجمها الحقيقي الذي تدل عليه الحقائق الطبيعية والتوجيهات الإلهية. وإليك الآن بعض ما نشر من حقائق في هذا الصدد بمناسبة ما سمي بفك شفرة الجينوم. و «الجينوم البشري ذو حجم في غاية الضآلة توجد نسختان منه مضغوطتان في نواة كل خلية من الخلايا البشرية، والخلية هي نفسها من الضآلة بحيث لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة لكنه هائل في ما يحوي من معلومات ... بحيث إنها لو طبعت طباعة عادية لملأت ٧٥٤٩٠ صفحة من صفحات هذه الجريدة» [١] . كان كثير من الناس يظنون أن هذه المعلومات التي هي بمثابة أوامر لصنع الأشياء الحية هي التي تحتم طبيعة أجسامنا وسلوكنا. لكن الذي ثبت الآن أن الجينات ليست هي وحدها التي تؤثر في طبيعة أجسادنا وسلوكنا، ودعك أن تحتم تلك الطبيعة. «.. يجب أن تستنتج الآن أن البيئة أهم مما كان يفترض في صياغتها للإنسان» . «إن الجينات لا تتحكم في حياتنا. لكنها مهمة» من الحقائق الطريفة التي أظهرتها هذه الدراسة الحديثة أنه لا فرق كبير بين الإنسان وأضأل المخلوقات من حيث عدد الجينات. فجينات الإنسان تقدر الآن بثلاثين ألفاً بينما تقدر جينات الذبابة بعشرة آلاف. ولا تزيد جينات الإنسان على جينات الفأر إلا ببضع مئات. ثم إنه لا يكاد يوجد فرق يذكر بين إنسان وإنسان من حيث الجينات؛ إذ إنه لا يعدو الواحد من الألف. ما الذي يجعل الإنسان إنساناً إذن؟ سأل أحد علماء الأحياء نفسه هذا السؤال [٢] ، فقال ساخراً: ما كنا نظن الإنسان إنما هو ثلاث ذبابات، أو فأر وجزء من الفأر. ثم أجاب بأن الذي يميز الإنسان إنما هو وعيه. لكنه خبط خبطاً طويلاً في تفسير كيفية نشوء الوعي من الدماغ. أما الذي لا يشك فيه المسلم هو أن أهم ما يميز الإنسان إنما هو الروح التي نفخها الله فيه، والتي كان الوعي من آثارها أو أعمالها. لكن المسلم يقول أيضاً: إن الإنسان إن كان لا يتميز كثيراً عن الحيوانات من حيث عدد الجينات، فمما لا شك فيه أنه يتميز عنها حتى في جسده تميزاً مشهوداً: [لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ] (التين: ٤-٥) . وصدق الله ربنا رب العالمين.

стр. 3923

نص شعري معاذ الله ما كانوا أباة ! مروان كُجُك أَضَاعُونَا أَضَاعُوا نِصْفَ قَرْنٍ ... مِنَ الأَيَّامِ قَدْ ذَهَبَتْ هَبَاءَا وَلَمْ يَرْعَوْا لَنَا حَقّاً صِغَاراً ... وَقَدْ سَدُّوا الْمَسَالِكَ وَالْفَضَاءَا وَحَالُوا بَيْنَنَا وَاللُّعْبَ حَتَّى ... غَدَوْنَا لا نُطِيقُ لَهُمْ بَقَاءَا وَقَالُوا سَوْفَ نُبْرِئُ كُلَّ جُرْحٍ ... زَمِينٍ أَعْسَرَ الدُّنْيَا شِفَاءَا وَهَذِي الأَرْضُ نَزْرَعُهَا انْتِصَاراً ... عَلَى قَوْمٍ يُصَافُونَا الْعَدَاءَا وَنُرْسِي فِي جَوَانِبِهَا حُصُوناً ... تَقِينَا مَكْرَ أَكْثَرِهِمْ دَهَاءَا وَنَقْتَلِعُ الْيَهُودَ وَمَا بَنَوْهُ ... مِنَ التَّخْرِيصِ بَدْءًا وَانْتِهَاءَا وَنَغْسِلُ عَارَ فُرْقَتِنَا وَنُنْشِي ... لأُمَّتِنَا الْخَوَارِقَ وَالْعَلاءَا * * * مَعَاذَ اللهِ مَا كَانُوا أُبَاةً ... وَلا عَرَفُوا الْكَرَامَةَ وَالإبَاءَا أَذَاعُوا بَيْنَنَا شَرًّا وَبِيلاً ... وَكَانَ الْيُسْرُ عِنْدَهُمُ عَنَاءَا وَكَانَ النَّصْرُ مِزْمَاراً وَطَبْلاً ... وَرَاقِصَةً غَدَوْا مِنْهَا إمَاءَا أَطَالُوا اللُّعْبَ بِالأرْقَامِ حَتَّى ... غَدَتْ صِفْراً وَحَاصِلُهَا خَوَاءَا وَأَلْقَوْا بَيْنَنَا خُلْفاً وَقَالُوا: ... دُعَاةُ مَحَبَّةٍ أَلِفاً وَيَاءَا وَعَاثُوا بِالْحِمَى سَلْباً وَنَهْباً ... وَمَا حَفِظُوا لأُمَّتِهِمْ وَلاءَا وَكَانَ كَبِيرُهُمْ أَشْقَى رِهَاناً ... وَأَسْوَأَ طَالِعاً وَأَمَرَّ دَاءَا تَمَادَى فِي الأَذِيَّةِ لا يُبَالِي ... وَأَمْعَنَ فِي الْخَدِيعَةِ كَيْفَ شَاءَا وَلَمْ يَعْبَأْ بِمَا فَعَلَتْ يَهُودٌ ... وَمَا عَرَفَ الصِّيَانَةَ وَالْحَيَاءَا يُوَرِّي بِالنِّضَالِ بِغَيْرِ سَيْفٍ ... وَيَكْذِبُ أَهْلَهُ صُبْحاً مَسَاءَا عَلَيْنَا كَبْشُ أَكْبَاشِ اللَّيَالِي ... وَحِينَ الْبَأْسِ يَلْتَمُّ اخْتِفَاءَا وَيَصْطَنِعُ التَّأنُّقَ والْمَعَالِي ... وَيُطْلِقُ فِي الْفَضَا وَعْداً هُراءَا: غَداً نَلْقَى الْعَدُوَّ إذَا أَرَدْنَا ... وَلَوْ شِئْنَا نُؤَجِّلُهُ مِرَاءَا وَيَوْمَ نُرِيدُ نَمْلَؤُهَا ضِرَاماً ... سَعِيراً عَاصِفاً مَحْضاً وَبَاءَا وَلَوْ شِئْنَا لأَسْكَنَّا عِدَانَا ... قِرَابَ سُيُوفِنَا فَغَدَوْا هَبَاءَا نُطَاعِنُهُمْ إذَا ضُمِنَ انْتِصارٌ ... لَنَا أَوْ قِيلَ قَدْ صَدَقُوا النِّدَاءَا * * * فَيَا للهِ كَمْ سَالَتْ دِماءٌ! ... وَيَا للهِ كَمْ بَاعُوا دِمَاءَا! وَيَا للهِ كَمْ غُصَّتْ سُجُونٌ ... بِأَطْهَارٍ بِلا ذَنْبٍ تَرَاءى! سِوَى الإعلانِ أَنَّ الْمَجْدَ صِرْفاً ... لأُمَّتِنَا بِهَذَا الدِّينِ جَاءَا فَلَمْ يَحْمِلْهُ خَوَّارٌ سَفِيفٌ ... وَلا خَلْفٌ إذَا وَعَدَ اسْتَقَاءَا فَإنَّ اللهَ يَنْصُرُ نَاصِرِيهِ ... عَلَى أَعْدَائِهِ كُلاًّ سَوَاءَا وَمَهْمَا قِيلَ إنَّ النَّصْرَ سَيْفٌ ... وَإنَّ النُّجْحَ أَنْ تَطَأَ الْفَضَاءَا فَإنَّ اللهَ يُنْبِئُ عَابِدِيهِ ... بِأَنَّ النَّصْرَ يَنْزِلُ كَيْفَ شَاءَا * * * أَضَاعُونَا وَفِي الإيعَادِ كَانُوا ... لَنَا صُدُقاً وَلِلأَعْدَا صَفَاءَا أَقَامُوا بَيْنَهُمْ عَهْداً وَثِيقاً ... وَوَعْدُهُمُ لَنَا كَانَ افْتِراءَا فِلَسْطِينَ التِّجَارَةِ قَدْ دُهِينَا ... وَحِيفَ بِحَقِّ أَكْثَرِنَا بَلاءَا وَلَمْ يَسلَمْ لَنَا إرْبٌ وَصِرْنَا ... أُسَارَى الذُّلِّ يَحْزِمُنَا احْتِوَاءَا وَبَاتَتْ سِيرَةُ الْعُرْبَانِ عَاراً ... عَلَى الأَعْرابِ نَبْعاً وَانْتِمَاءَا وَذَاكَ بِأنَّهُمْ صَرَفُوا قُلُوباً ... عَنِ التَّوْحِيدِ وَاخْتَارُوا الْجَفَاءَا فَهَذَا نَحْوَ شَرْقٍ قَدْ تَوَلَّى ... وَذَاكَ لِقَيْصَرٍ حَمَلَ اللِّوَاءَا يَسُوسُ لَهُ خُيُولَ الْقَهْر فِينَا ... وَيَنْتَظِرُ الْعَطِيَّةَ وَالإنَاءَا وَبِتْنَا لا نَرَى فِي الدَّارِ إلا ... ظلاماً دَامِساً مَلأَ الْفَضَاءَا وَمَا تُلْقِيهِ أَمرِيكَا عَظِيماً ... يُسامِي الْحَقَّ أَوْ يَعْلُو السَّمَاءَا فَيَا مُلْقُونَ أُمَّتَهُمْ بِنَارٍ ... لَقَدْ صِرْتُمْ لِجَذْوَتِهَا شِوَاءَا أَمَا تَدْرُونَ أَنَّ النَّارَ تَأْتِي ... عَلَى مَنْ كَانَ أَضْرَمَهَا غَبَاءَا؟ * * * سَيَبْقَى الْحَقُّ حَقّاً، واللَّيَالِي ... سَيَرْحَلُ وَفْدُهَا وَنَرَى الْبَهَاءَا نِضَالُ الْحُرِّ صِدْقُ الْعَزْمِ طُهْراً ... وَلَوْ لَمْ يَمْتَلِكْ ذَهَباً وَشَاءَا وَمَهْمَا قِيلَ قَدْ ضَاقَتْ دُرُوبٌ ... بِسَالِكِهَا، أَوِ اعْتَلَّتْ هَوَاءَا وَسِيمَ النَّاسُ خَسْفاً وَالْمَبَادِي ... غَدَتْ حِكْراً لِشَارِحِهَا امْتِرَاءَا فَسَوْفَ يَعُودُ لِلدُّنْيَا حَدِيثٌ ... عَنِ الْحَقِّ الْيَقِينِ وَلَوْ تَنَاءَى وَسَوْفَ تَعُودُ أَسْرَابُ الأَمَانِي ... إلَى جَنَّاتِهَا زُهْراً وِضَاءَا سِرَاعاً حُرَّةً مِنْ كُلِّ قَيْدٍ ... سِوَى مَا زَادَ عُصْبَتَهَا اهْتِدَاءَا وَيَوْمَ النَّصْرِ لا تَبْغِي دِماءً ... وَلا أَعْرَاضَ مَنْ قَتَلُوا النِّسَاءَا فَإنَّ الْعَفْوَ صِنْوُ النَّصْرِ قَدْراً ... وَأَنْبَلُ خُطَّةً وَأَثَرُّ مَاءَا سَلُوا الطُّلَقَاءَ يَوْمَ الفَتْحِ لَمَّا ... أَزَاحَ رَسُولُنَا عَنْهُمْ عَنَاءَا سَلُوا الأَيَّامَ هَلْ شَهِدَتْ كَرِيماً ... يَرَى لِعدُوِّهِ هَذَا الْبَرَاءَا فَكَانَ الْفَتحُ أَعْظَمَها انْتِصَاراً ... وَكانَ الْعَفْوُ أَنْبَلَهَا عَطَاءَا

стр. 3924

البيان الادبي قِمَّةُ التَّمَرُّدِ عبد الله عطية الزهراني اقتضتْ سُنَّةُ الله في هذه الحياة أنَّ لكلِّ أمرٍ قد بدأ نهايةً حتميَّةً لا بُدَ منها؛ قال الله - تعالى -: [كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَالإِكْرَامِ] (الرحمن: ٢٦-٢٧) . الأعمارُ تنتهي، والكائناتُ تفنى، والطبيعة تتغير، والأزمان تمضي.. كم من جبلٍ كان شاهقاً يطاول أعنان السماء بقمته جعله الله محطماً فأضحى أثراً بعد عين! وكم من نَهَرٍ كان يسيل بالمياه أضحى اليوم يشكو الجفاف! وكم من حديقةٍ غنَّاء كانت شديدة الخضرة، مترعةً بصنوف الأزهار والورود، أمست اليوم أشجارُها كالعصفِ المأكول، فلا خضرة ولا رُواء، ولا ماء، ولا ظل ظليل! وكم من إنسانٍ كان يعيش حياةً حافلةً بالنشاط والحيوية، وكان يعيشُ صحةً في جسمه، وذكاءً في عقله، وبهجةً في وجهه، وقوةً في بصره وجميع حواسه وهو اليوم كالزهرة الذابلة؛ ذهب بصرُه، ونحُلَ جسمُهُ، وتقوَّسَ ظهْرُهُ، وكساهُ الزَّمَانُ شعراً أبيض وتجعدات في وجهه، وهكذا. إنها سُنةُ الله في هذه الحياة التي نعيشُ أيامَهَا ولياليَها، ونشاهد أحداثها ومواقفها، ولله درُّ القائل: كل أمرٍ قد ابتدا ... سترى فيه خاتمة ومثل ذلك نرى صروف الليالي والأيام ... قبل وقت من الزمن كان عُمْرُ الواحد منَّا لا يتجاوز بضع سنوات، كان يعيش في كنف أمه وأبيه، يلعب مع أترابه وزملائه، يقفز هنا وهناك، يبتسم كثيراً، ويمتلئ قلبه بالأفراح، لا يعرفه الهمُّ ولا يعرف الهمَّ، يتقلب في هذه الحياة التي لا يعرف لها سِرًّا ولا يحمل فيها مسؤولية.. وما هي إلا أيامٌ معدودة فإذا بالسنوات قد تضاعفتْ، وأعلنت الأيامُ تمردها على الإنسان، فكثُرتْ المشاغلُ وازدادت الهمومُ، وكبُرَ الوالدُ والوالدةُ، وتفرق الأحبابُ والأصحابُ، وتبدَّلت الدِّيارُ، وأصبح الهمُّ مركباً، وما أصدق القائل: ربَّ يومٍ بكيتُ فيه فلمَّا ... صِرْتُ في غيره بكيتُ عليه عند ذلك يستيقظ من أراد الله به خيراً من غفلته، ويعود إلى رشده، ويعلم علم اليقين أن هذه الدنيا بزخارفها وبهرجها لا تساوي شيئاً، وأن الفرحَ فيها مؤقت، والسرور سحابة صيف عن قليل تَقَشَّعُ. والسعيد في هذه الحياة مَنْ عمل فيها عملاً ينفعه هناك حيث توضع الموازينُ القسط ليوم القيامة، ويحصِّل العامل ما عمل. وفاز بالسَّبْق مَنْ قد جَدَّ وانقشَعَت ... عَنْ أُفْقِهِ ظلماتُ الشَّكِّ والرِّيَبِ

стр. 3925

دراسات تربوية كيف نتعامل مع الألفاظ المجملة أكرم مبارك عصبان الحضرمي [*] الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه، وبعد: فإنَّ من يتأمل كتاب (سِيَر أعلام النبلاء) للإمام الذهبي يجده بحمد الله قد حوى درراً مبذولةً لأصحابها، وثماراً سافرة النقاب لأربابها تتمثل في مواقف مفيدة لأساطين وجهابذة تشرفت الأمة بهم، تبوؤوا مقاعد العلم والدعوة فكانوا مثلاً عملياً لما يحملونه من هدى وتقوى، وقد تخيرنا خيرة من فوائده، وانتخبنا موقفاً من فرائده، يحمل في طياته دروساً بالغة من مجالس السلف تكون نافعة لو رعاها الخلف حق الرعاية، أردت بإيرادها محض النصح والخير. وهذا الدرس يعتبر نوراً كاشفاً لظاهرة متعلقة بالتعامل مع الألفاظ من حيث إطلاقها، ومزلة نسبة القائل إلى عثرته، أو لمزه بها وتصنيفه تحت دائرتها، وغيرها من الأمور التي تُشكِّل بمجموعها عقبة تكبح امتداد الصحوة. ذكر الذهبي أن ابن الخاضبة [١] كان يقول لابن الفاعوس [٢] : الحَجَري؛ لأنه كان يقول: «الحجر الأسود يمين الله حقيقة» ، ثم قال الذهبي معقباً: «هذا أذى لا يسوغ في حق رجل صالح، وإلا فهذا نزاع في إطلاق عبارة ما تحتها محذور أصلاً ... » [٣] إلى آخر كلامه. وقبل أن نلج إلى ساحة الموضوع، ونخوض غمار البحث، يحسن بنا أن نقف وقفة قصيرة عند عبارة ابن الفاعوس التي أصلها حديث: «الحجر الأسود يمين الله» ؛ إذ ليس هذا غرض بحثنا وإنما المقصود ما وراء ذلك كما سيأتي إن شاء الله. فاعلم - علَّمك الله - أن هذا الحديث لا يُثبته أهل الحديث [٤] ، وقد حكم ابن الجوزي وابن العربي بأن الخبر باطل، وآفة هذا الحديث (الكاهلي) وهو ممن يرغب العلماء عن روايته. ولذلك لا نحتاج إلى تأويله كما فعل الخطابي والمحب الطبري [٥] وكذا ابن رجب؛ لأن التأويل فرع من الثبوت والصحة , وقد جمع شيخ الإسلام ابن تيمية بين هذين الأمرين أعني الحكم بتضعيفه وتفسيره بناءاً على رواية ابن عباس الموقوفة بعد أن قال بأن الحديث لا يثبت إسناده عن النبي ﷺ : « ... فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله كما هو معلوم عند كل عاقل..» [٦] . والآن نأتي إلى المقصود، بعون خالقنا المعبود، إلى الكلام حول ما أجْلَته مخيلة الموقف الذي قمنا بإيراده آنفاً من صيِّب الدروس النافعة والعبر التي مفادها في هذه المعالم: تفصيل المعاني المحتملة للألفاظ المجملة: إن ما أطلقه ابن الفاعوس من قوله: «حقيقة» عقب الأثر يتطرق إليه الاحتمال لاشتماله على رداء الإجمال، والمسلك الصحيح في التعامل مع الألفاظ المجملة هو ألاَّ نقبلها مطلقاً، ولا نردَّها مطلقاً، بل لا بد من تفصيل معانيها تفصيلاً شافياً يزول به اللبس، ليستبين الحق فيتبع، ويتضح الباطل ويهجر. إذن فلا يجوز النظر إلى مجرد العبارة بل علينا أن نغوص في حقيقة الكلام وما يحمله من معانٍ مختلفة، موضحين ما له وما عليه فإن معظم زلات الناس من الألفاظ، قال ابن القيم: «ومن رزقه الله بصيرة فهو يكشف بها حقيقة ما تحت الألفاظ من الحق والباطل ولا يغتر باللفظ كما قيل: تقول هذا جني النحل تمدحه ... وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما ... والحق قد يعتريه سوء تعبير» [٧] . ومن هذه الزاوية نظر الإمام الذهبي في قول ابن الفاعوس فقال: «وهو كقولنا: بيت الله حقيقة، وناقة الله حقيقة، وروح الله ابن مريم حقيقة، وذلك من باب إضافة التشريف ونحو ذلك، وما يقول من له عقل قط أن ذلك إضافة صفة ... » [٨] . نعم ينبغي على المسلم أن يجتنب تفسير الآثار بهذه الألفاظ؛ لأنها قد وردت بنص «فلا تعدل عن ألفاظه؛ فإنها معصومة وصادرة عن معصوم» [٩] . حمل اللفظ على أحسن معانيه: إن من ينظر في الألفاظ المجملة يجب عليه أن يحملها على أحسن محمل لا سيما عندما تكون صادرة عن عالم موثوق، ويتأولها على أجمل تفسير وأصوبه، ما وجد إلى ذلك طريقاً؛ فإن هذا سبيل المنصفين، وقد بنى ابن القيم كتابه القيم (مدارج السالكين) على هذا المَعْلَم؛، فكان كثيراً ما يقول بعد إطلاق الهروي: «ونحن نحمل كلامه على أحسن محامله ثم نبين ما فيه» [١٠] . كما يجب على الناظر أن يتجردَ من ثوب الميل لموافقيه، والنفور من مخالفيه وينظر بإنصاف وعدل، «فإن المحب يسامح بما لا يسامح به غيره، ويعفي للولي ما لا يعفي لغيره» [١١] . وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا وعلى وفق هذا التقرير الذي بيناه في هذا المَعْلَم من حسن التفسير قال ابن رجب الحنبلي: «ويُتأول ما روي عن ابن الفاعوس الحنبلي أنه كان يقول: الحجر الأسود يمين الله حقيقة، بأن المراد بيمينه أنه محل الاستلام والتقبيل، وأن هذا المعنى هو حقيقة في هذه الصورة وليس مجازاً، وليس فيه ما يوهم الصفة الذاتية أصلاً» [١٢] . ولذلك ذكر بعض الفقهاء شروطاً للمعترض تسوِّغ له الاعتراض، ومنها: - كونه قاصداً للصواب فقط. - كون ما اعترضه لم يوجد له وجه في التأويل إلى الصواب. كما ينبغي أيضاً - في هذا المقام - مراعاة وجود مواضع أخريات فيها تفصيل ما أجمله، فيحمل هذا على تلك؛ والله أعلم. عدم التكلف لتصويب الباطل: أما ما بان فيه الخطأ، واتضح فيه الغلط، وكانت الطرق إليه مسدودة، وتعذر المسلك السابق لا سيما إذا احتفت به قرائن تؤكد ذلك، فلا نتكلف في تصحيح ما نعتقد بطلانه، ولا تصويب ما نراه خطأ؛ فإن هذا من أشنع الأمور وأبشعها، وعلامة على التعصب؛ فكلٌ منا يُقبل من قوله ويترك إلا المعصوم، وإماطة الأذى واجب. كلامك الفاسد لست أتبع ... حَدُّ الكلام ما أفاد المستمع إذن فالزيغ لا يقرُّه منصف، ولا يرضاه اللبيب مذهباً، فضلاً عن أن يدافع عنه، بل لا بد أن يكشفه دونما أي غضاضة، والسكوت عليه أشد من المرِّ مضاضة، وما أحسن أن يُدَعْدعَ العاثر. لحى اللهُ قوماً لم يقولوا لِعاثرٍ ... ولا لابنِ عمٍّ ناله العَثرُ دَعْدعَا [١٣] قال الإمام الذهبي - في تعقيبه الذهبي بعد حسن التفسير -: «ولكن الأَوْلى في هذا ترك الخوض في حقيقة أو مجاز، فلا حاجة لنا إلى تقييد ما أطلقه السلف؛ بل نؤمن ونسكت، وقولنا في ذلك: حقيقة أو مجاز؛ ضرب من العي واللكن، فنزجر من البحث في ذلك، والله الموفق» [١٤] . وهكذا نَسْلم في هذا الموضع الذي زلت فيه جماعتان: أولهما: لا تُقِرُّ بالخطأ لمن تحبه، بل تحاول جاهدة البحث عن تأويلات سمجة تنفر منها الطباع، ابتغاء الوصول إلى الكمال في نظرها. والثانية: تفرحُ بأي زلة لتذيعَها، وتطير بها كل مطار، وتجعل من ذلك مطية للإزراء طلباً للتنقص. والسلامة: العافية من الطرفين إلى الإنصاف، عافانا الله من الزلل. ونراعي في هذا المقام عدم الاستعجال، ولا نبادر بالتخطئة بادي الرأي، قال الأخضري: وأصلحِ الفسادَ بالتأملِ ... وإن بديهة فلا تبدلِ إذ قيل كم مزيفٍ صحيحاً ... لأجلِ كونِ فهمه قبيحاً لا يتخذ الخطأ ذريعة للتنقص: فمن كان معه فضلُ علم فليعد به ويتصدق ببيان الزلل؛ فإن عليه ما عَلِم حتى يؤديه دون بخس ولا نقصان، ولكن لا يتخذ ذلك ذريعة للحطِّ والنيل من صاحبها؛ فإن نفراً ممن يسافرُ في بطون الكتب يمرون على رياضها بسلام؛ فإذا وجد عثرة ألقى عصا الترحال واستقر به النوى، فلا ينبغي التحلي بهذه الخصلة الذميمة؛ فإنها شعار للمتعصبة. «فلا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام - أبي إسماعيل الهروي - إهدار محاسنه وإساءة الظن به؛ فمحله من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحل الذي لا يجهل، وكل أحد فمأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، والكامل من عُدَّ خطؤه» [١٥] . ومن هنا قال الذهبي في مقامنا الذي استرشدنا به - لما فاه ابن الخاضبة بقوله الحجري -: «هذا أذى لا يسوغ» [١٦] . ومن لم يَرْعَوِ وتجاوز الحد في العلماء قيَّض الله من يتجاوز الحد فيه عياذاً بالله من ذلك، والجزاء من جنس العمل كما رد الأذرعي والبلقيني والعماد بشدة وغلظة على الأسنوي؛ وهذا كان مذهبه مع الشيخين الرافعي والنووي مع مراعاة أن هدفهم هو بيان الحق. ارضَ للناس جميعاً ... مثل ما ترضى لنفسك إنما الناس جميعاً ... كلهم أبناء جنسك فلهم نفس كنفسك ... ولهم حسُّ كحسِّك [١٧] وأما الذين يجحدون الصواب والإحسان لأجل هفوة أو نقصان؛ فإنهم على غير الجادة، وهذا منطق حمقى النساء وليس بمسلك للحكماء، وهو مذهب فيه شطط، «لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت: ما أحسنتَ قط» [١٨] . لأهل الفضل ما قدَّموا: لكلٍّ مقام معلوم؛ فأرباب الدرجات العلية، والمنازل الرفيعة من الراسخين في العلم ليسوا كغيرهم؛ فإن هفواتهم المعلومة مغفورة في بحر ما قدَّموه في العلم، والعبادة، والدعوة، والدفاع عن السنة. وابن الفاعوس رجلٌ صالحٌ كما وصفه الذهبي [١٩] قد أتى بهذا اللفظ المطلق «وإن كان فيه قلق وسوء تعبير يَجبُره حسن حال صاحبه وصدقه وتعظيمه لله ورسوله، ولكن أبى الله أن يكون الكمال إلا له» [٢٠] . والغبن في العلم أشجى محنة عُلِمَت ... وأبرح الناس شجواً عالم هُضِمَا قال السبكي مؤدباً ابنه: وإذا أتتك مقالة قد خالفت ... نص الكتاب أو الحديث المسندِ فَاقْفُ الكتاب ولا تمل عنه وقف ... متأدباً مع كل حبر أوحدِ فلحوم أهل العلم سمّ للجنا ... ة عليهم فاحفظ لسانك وابعدِ مزلة تلقيب العاثر: والآن نأتي إلى آخر المعالم وأهمها، وهو عدم نسبة الإنسان لعثرته، وتلقيبه بها، بل يُرَد على من فعل ذلك، ولا يقف هذا الأدب عند الإنسان بل يتعداه إلى الحيوان؛ فهذا رسول الله ﷺ يبين هذا الخُلُق لصحابته حين خرجوا في سفر عبادة قاصدين البيت الحرام، حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثَّنِيَّة التي يهبط عليها بركت راحلته، فقال الناس: حلْ حلْ [٢١] فألحت فقالوا: خلأت القصواء [٢٢] ، فقال: «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل» ، قال الحافظ في الفتح فيما يستفاد من الحديث: «جواز الحكم على الشيء بما عرف من عادته وإن جاز أن يطرأ عليه غيره؛ فإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد منه مثلها لا ينسب إليها، ويُرَدُّ على من نسبه إليها، ومعذرة من نسبه إليها ممن لا يعرف صورة حاله» [٢٣] . وهنا وإن كان ابن الفاعوس قد أساء في عبارته من وجهة نظر ابن الخاضبة رحمهما الله «فإن قصده وصدقه يصلح فساد عبارته، ومن الناس من لم يفهم هذا كما ينبغي فلم يجد له ملجأ غير الإنكار، والله يغفر لكل من قصده الحق واتباع مرضاته؛ فإنه واسع المغفرة» [٢٤] . ولكن عبارة ابن الفاعوس ما تحتها محذر أصلاً [٢٥] فلا يؤاخذ بها فضلاً عن أن ينسب إليها، وعليه فتكون شكاة الحجري ظاهر عنه عارها. يُعيِّرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها ويعتبر هذا التلقيب من التنابز الذي نهى عنه ربنا في كتابه: [وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ] (الحجرات: ١١) ، واللقب كما قال ابن العربي اسم مكروه عند السامع، فإذا ذكرت صاحبك بما يكرهه من اللقب فقد آذيته، ولا تجوز أذية المسلم بمثل هذا إلا ما غلب عليه الاستعمال فإنه مستثنى عند بعضهم، قال ابن العربي: «وقد ورد لَعَمْرُ الله من ذلك في كتبهم ما لا أرضاه كقولهم في صالح جزرة [٢٦] لأنه صحَّف: (زجره) فلُقِّب بها ... » [٢٧] . إن ثمرة التصنيف ولمز المرء بهفوته سيئةٌ؛ لأنه يوجب التنفير عن الملقَّب ممن يقف عند عتبة اللفظ، ولا ينفر من الحق لأجل هذا التصنيف أو التسمية الباطلة إلا خفافيش البصائر كما أطلق عليهم ذلك ابن القيم. وهكذا نجد أن ذلك يعتبر بوابة يدلف عَبْرها قالة الأذى بتصنيف الناس لا سيما حين يطوى بساط الورع. وقطع هذا الأذى أوْلى من قطع شجرة كانت تؤذي المسلمين؛ والعلة تدور مع معلولها. فرحم الله امرأ قام بقطع هذه الظاهرة؛ لأنها ذات أسباب جالبة للفرقة ودوافع مفسدة للألفة؛ فكم ظُلِمَ بسببها عالم، وكم زهَّدت عن الحق قاصد، وكم رُدَّ من قول أو عمل صحيح بسبب إطلاق عليه قبيح. والله أسأل التوفيق والسداد، والهداية والرشاد، والإخلاص والقبول والصفح عن الخطأ، مما زلَّ به القلم، وأن يتجاوز عن جميع ما عثرت به القدم، إنه غفَّار الذنوب وستار العيوب.

стр. 3926

المسلمون والعالم إندونيسيا بين أمل الصعود وخطر التفكك د. يوسف بن صالح الصغير [*] لا شك أن إندونيسيا تقف اليوم على مفترق طرق سيكون له دور كبير في تحديد مستقبل هذه الدولة، وهل ستتجه إلى البروز والاستفادة من قدراتها وثرواتها الهائلة، أو أنها سترتمي في أحضان أعدائها الذين سيوردونها المهالك، وتتجه نحو التفكك والزوال بعد المرور بمخاض عسير جداً من النهب المنظم للثروات وانتهاء بالحروب الدموية التي قد تؤدي إلى تقسيم البلد إلى دول متنازعة تسهل إدارتها من بعيد؟ تعتبر إندونيسيا أكبر دولة إسلامية؛ حيث يبلغ عدد سكانها نحواً من ٢٢٥ مليون نسمة، ونسبة المسلمين فيهم أكثر من ٩٠% حيث تتفاوت التقديرات بين ٨٨ % و ٩٥%، وهذا التفاوت ناتج عن محاولة تضخيم عدد النصارى الذين يقدرون بـ ٧%، وقد نقصت نسبتهم كثيراً بعد انفصال تيمور الشرقية، وحوالي ٢% هندوس، ١% بوذيون، وحوالي ١% ديانات أخرى وثنية. أما المجموعات العرقية فهي تتوزع بين الجاويين ٤٥% والسندان ١٤%، وماليزيين ساحليين ٥,٧%، ومادوريين ٥,٧% وجميعهم مسلمون تقريباً. وتتكون إندونيسيا من أرخبيل [١] يمتد في المحيطين الهندي والهادي لمسافة خمسة آلاف كيلو متر من الشرق إلى الغرب، وحوالي ألفي كيلو متر من الشمال إلى الجنوب، ويتكون من حوالي ١٧٠٠٠ جزيرة، ويعيش نصف السكان تقريباً في جزيرة جاوا (٥% من مساحة إندونيسيا) ، أما الثروات الطبيعية فهائلة؛ فهي بالإضافة للمنتوجات الزراعية والسمكية تحتوي على كميات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي والقصدير والنيكل والنحاس والذهب والفضة والفحم والبوكسايت والأخشاب. إن توفر الطاقة البشرية والثروات الهائلة المتنوعة والموقع الاستراتيجي يؤهل إندونيسيا للعب دور إقليمي كبير بل تتعداه إلى إمكانية البروز عالمياً؛ لكن مع ذلك تقف إندونيسيا في طابور الدول النامية وتتأرجح بين المقدمة والمؤخرة، واستمرار الأحوال المضطربة قد يؤدي إلى استقرارها في ذيل القائمة، وهو جل ما يتمناه الحريصون على البقاء في المقدمة والذين يريدونها بقرة حلوباً وسوقاً مفتوحة ولا يتحملون بروزها عسكرياً واقتصادياً؛ فيا ترى ما هي أسباب تخلُّف إندونيسيا عن الريادة؟ وما هي طبيعة العوائق الحالية والمتوقعة؟ مع العلم أن كثيراً من هذه العوائق هي عينها في كثير من الدول الإسلامية المشابهة. إن الإحاطة بالمشكلات والعوائق غير ممكنة ولكن يمكن ذكر أهمها، وهي كما يلي: أولاً: أزمة الهوية: إن محاولة مسخ هوية هذه الأمة ومحاولة تغييب هويتها الحقيقية هو أهم الأسلحة التي حرص الأعداء على استعماله وتفننوا في الإبداع فيه؛ فهو يظهر تارة بصورة قومية عربية أو طورانية أو فارسية أو حتى فرعونية وبربرية، و..وأحياناً بصورة أحزاب مستوردة المناهج والأفكار من اشتراكية أو ماركسية بائدة أو فرانكفونية أو ليبرالية أو حتى علمانية مجردة من كل فكر عدا عداوة الإسلام «أتاتوركية» ، وأحياناً تظهر بصورة تحطيم القيم الاجتماعية والتركيز على قضية المرأة، على جبهتي تشجيع التفلت ومحاربة الالتزام، وأن السماح بتكوين الأحزاب بشرط ألا تقوم على أساس ديني يصب في هذا الاتجاه؛ فهو من جهة يشجع على الولاء لأي مبدأ وفكر ما عدا الفكرة الدينية. ويا ترى ما هو الدين الذي سيقوم على أساسه حزب ديني في تركيا مثلاً؟ إن عملية مسخ الهوية في إندونيسيا قد اتخذت أشكالاً عديدة تتناسب مع خصوصية هذا البلد؛ فقد تعرض البلد لحملة تنصير توجت بمحاولة فرض عقيدة موحدة لإندونيسيا وبالطبع سيكون الخاسر الأساسي في تبنيها هم المسلمين! التنصير بين الماضي والحاضر: لقد تعرض الوجود الإسلامي في جنوب آسيا لعملية تصفية منظمة على يد القوى الصليبية؛ فقد كان الإسلام هو الغالب على ما كان يسمى: «جاوا» ، وهي المنطقة التي تشمل الآن الفلبين وإندونيسيا، ولم يكن هناك أي وجود نصراني؛ فقد زار ابن بطوطة الرحالة المغربي المنطقة، وتجول في هذه الجزر، وسكن فيها، وتزوج، وقابل الملوك؛ ومع تغلب المسلمين في عصره وظهورهم على عدوهم فقد ذكر وجود ممالك للكفار الوثنيين، ولم يرد في كتابه أيُّ ذكر لوجود نصراني، وذلك في القرن الثامن الهجري، ولكن مع مجيء الاستعمار الأسباني والبرتغالي ثم الهولندي والإنجليزي وجدت بؤر للنصارى بل تمكن الأسبان من فرض النصرانية على جزر الفلبين، وتراجع المسلمون جنوباً، وما زالت الحرب مستمرة في الفلبين إلى اليوم، ومع ذلك فإنه يلاحظ مثلاً أن الفلبينيين من أكثر الشعوب استجابة للإسلام عند دعوتهم، ومن العوامل المشجعة على ذلك إحساسهم بأن أصولهم إسلامية، ولا يزال المسلم الذي قتل ماجلان قرب مانيلا يعتبر بطلاً قومياً في الفلبين. أما بالنسبة لإندونيسيا فقد ركز الاستعمار وجوده في جزر الملوك الغنية بالتوابل التي تعتبر السلعة الاقتصادية الرئيسية في المنطقة، وقد تمكن المستعمر من تكوين بؤر نصرانية في المنطقة، ولكن هناك ملاحظة مهمة وهو أن الاستعمار الهولندي الذي حل محل الاستعمار البرتغالي هو اقتصادي في أساسه، وهو بهذا يختلف عن الاستعمارين الأسباني والبرتغالي اللذين يغلب عليهما أسلوب التنصير الإجباري، ومن ثم فرضت النصرانية في الفلبين ومناطق الاستعمار البرتغالي في إندونيسيا مثل تيمور الشرقية التي استقلت عن البرتغال عام ١٩٧٥م وضمتها إندونيسيا أيام سوهارتو برضى ضمني من الغرب؛ ولكن سرعان ما فرض انفصالها عن إندونيسيا. لقد كان التنصير رأس حربة للاستعمار، وكان الاستعمار الهولندي حريصاً على تكوين جاليات نصرانية محلية مضمونة الولاء. ومع خروج المستعمر عام ١٩٤٥م استمر النشاط التنصيري، واعتمد على التحالف مع النخبة العلمانية الحاكمة التي تسلل إليها النصارى، وقد تميز النشاط التنصيري بسعة انتشاره؛ فقد حاول اختراق صفوف المسلمين، وتمكن من استمالة بعض ضعاف النفوس الذين ارتدوا عن الإسلام، وحاولوا التأثير على المسلمين عن طريق تقديم الخدمات الطبية والمادية واستغلال انتشار الجهل بحقيقة هذا الدين بين العوام نظراً لانتشار خرافات الصوفية، وقد وصلت وسائل التدليس على البسطاء إلى حد نشر أشرطة للإنجيل مرتل باللغة العربية للإيهام بأنه من سور القرآن. ولا شك أن تميع الصوفية في قضية التوحيد يساهم في ضعف الحساسية تجاه التنصير، ولا يخفى حالياً رفع النصارى لشعار وحدة الأديان وتوزيع البابا للاعتذارات. لقد بلغ من توسع النشاط التنصيري في إندونيسيا واستعماله طاقات هائلة من الطائرات والسفن أن طرحت الكنائس شعار إندونيسيا نصرانية عام ٢٠٠٠م، ولكن يمكرون ويمكر الله؛ فقد انحصرت النجاحات التنصيرية في أوساط الوثنيين البدائيين، وكان هذا الانسداد دافعاً لمطالبة النصارى بالانفصال كما حدث في تيمور الشرقية، وكما يحدث الآن في جزر الملوك، وكان أسلوبهم المعتاد والوحيد هو القيام بحملة تصفية للوجود الإسلامي في مناطقهم، وقد قتل في البداية مئات المسلمين في مساجدهم وبيوتهم، وقد استمرت الحرب الآثمة مع تعتيم إخباري شبه تام، وكانت الأخبار تكتفي بذكر الحرب الطائفية في جزر الملوك، ولكنها لا تفصِّل في: من هو الضحية، ومن هو الجلاد؟ ومع ذلك فقد بارك الله بجهود المخلصين؛ حيث أدت هذه الأحداث ونشر صور المجازر التي ارتكبت بحق المسلمين إلى تأجيج المشاعر وقيام حركة جهادية مباركة ساهمت في حفظ الوجود الإسلامي في تلك الجزر، وإذا تجاوزنا محاولة مراكز القوى النصرانية في الجيش والأمن مساعدةَ النصارى والوقوفَ في وجه المسلمين فإن النتيجة الأهم هي تأجج مشاعر المسلمين ضد النصارى في مختلف أنحاء إندونيسيا مما سيكون له أبلغ الأثر في الحد من النشاط التنصيري؛ والله غالب على أمره. البانكاسيلا: بدلاً من تبني الإسلام دين الغالبية الساحقة في إندونيسيا ونظراً لغياب القومية الواحدة في إندونيسيا وقيام حركات مقاومة الاستعمار في إقليمي (بساندا) و (أتشي) بالمطالبة بإقامة دولة إسلامية؛ فقد طرح سوكارنو وهو أول رئيس بعد الاستقلال دستوراً مصاغاً بعناية؛ بحيث يتم استبعاد الإسلام، وفرض عقيدة هجين تسمى (البانكاسيلا) تقوم بزعمهم على «الإيمان الكامل بالوحدانية الإلهية، والتعامل الإنساني العادل والمتحضر، ووحدة إندونيسيا، والديمقراطية القائمة على الحكمة والتشاور، وأخيراً مبدأ العدالة الاجتماعية» واعترف بأربعة أديان على قدم المساواة وهي: الإسلام، والنصرانية، والهندوسية، والبوذية , وتساوى هنا التوحيد مع الشرك وأصبح (٩٠ = ١٠) ! وضنوا على المسلمين حتى بنصِّ «أن دين الدولة الإسلام» المجرد. إن فترة سوكارنو قد تميزت بكثير من حركات التمرد سواء في الأقاليم الإسلامية أو في المناطق النائية مع فتح المجال للتنصير وانتشار نفوذ الحزب الشيوعي الإندونيسي، وكانت محاولة الشيوعيين السيطرة على الحكم واغتيالهم لبعض القادة المسلمين في الجيش قد أدى إلى استلام الجنرال سوهارتو للحكم والقيام بحملة تصفية دموية للشيوعيين قدر عدد ضحاياها بنصف مليون وسط ابتهاج غربي، وقد استمر سوهارتو في تبني عقيدة (البنكاسيلا) مع تحالفه مع النصارى والصينيين، وتكوَّن حزب الحكومة «غولكار» مع تزيينه لاحقاً بحزبين أحدهما الحزب الديمقراطي النضالي (١٩٧٦م) ممثلاً للاتجاهات اليسارية، وحزب التنمية المتحد (١٩٧٣م) ممثلاً التوجه الإسلامي، وقد أصدر سوهارتو قانون «التنظيم الجماهيري» عام ١٩٨٥م؛ فرض بموجبه عقيدة (البانكاسيلا) على جميع التنظيمات السياسية. وهنا نتساءل: إذا كان هذا النظام العقائدي قصد منه الحفاظ على وحدة إندونيسيا واجتماع الجميع على هذه العقيدة الوضعية؛ فهل حققت أهدافها أم أن الأصل في الحقيقة هو تجاوز مبادئ الأكثرية وتفريغ الأمة من مصدر قوتها؟ والجواب هو واقع الحال؛ فقد أصبحت هذه العقيدة الفارغة تمثل الإطار الفكري لمسؤولي النظام وناشطي الأحزاب الحكومية ومفكري السلطة، وفي المقابل انتشرت الحركات المسلحة المطالبة بالانفصال أو الحصول على بعض الحقوق، ولم تكن هذه الحركات مقتصرة على المسلمين، بل تعدتهم إلى النصارى في جزر الملوك وسكان بورنيو وإريان جانا الوثنيين، وعلى ذلك فقد كانت هذه العقيدة ظاهراً مصدر وحدة وهي في الحقيقة لا تعني شيئاً سوى للنفعيين الذين هم على استعداد لاعتناق أي مذهب في سبيل مصالحهم الآنية، ولكن الثمن الغالي هو فقدان الشعب لقوة دافعة عظيمة كانت الأساس في قيام الشعوب المسلمة في إندونيسيا بمقاومة الاستعمار واستمرارها في مقاومة السلطة التي قدمت لهم شعارات الوحدة والديمقراطية والعدالة وهم يشاهدون ثرواتهم تنهب وحرماتهم تنتهك، وخير مثال على ذلك شعب (أتشي) الذي كان له دور كبير في مقارعة الاستعمار ولم تتغير أحواله كثيراً بعد الاستقلال. إن المسلمين لا يمكن أن يجتمعوا على غير الإسلام إذا فرقتهم العصبيات، وأي دولة إسلامية متعددة الأعراق والعصبيات محكوم عليها بالتفكك إذا لم تربط الناس بالرباط الوثيق ألا وهو هذا الدين، وخير مثال على ذلك باكستان التي أنشئت لتكون وطناً لمسلمي الهند، وسرعان ما تفككت إلى جزأين هما باكستان الحالية، وبنجلاديش بعد حوالي عقدين من الزمن، وكان السبب الرئيس هو رفض المشروع الإسلامي، ومن ثم الحكم بالإعدام على الشيخ أبي الأعلى المودودي لمطالبته بتطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية التي هاجر من أجلها من موطنه في الهند إلى بلاد الأطهار «معنى باكستان» . إن رفض المشروع الإسلامي قد أدى إلى ظهور العصبيات وإحساس البعض بالغبن، وهذا ما حصل من البنغاليين الذين انجروا مع دعايات حزب (عوامي) المدعوم من الهند، وتم فصل البنغال الشرقي عن باكستان وتسمى ببنجلاديش. إن أكبر ضامن لوحدة إندونيسيا هو تبني الإسلام جامعاً للمسلمين ومظلاً غيرهم بظله الوارف. ثانياًَ: فساد النخبة الحاكمة: بعد خروج الاستعمار تحكمت بالبلاد نخبة من العسكريين من جاوا وبعض النصارى مع الارتباط مع الأقلية الصينية التي تتحكم بأكثر من ٧٠% من الثروة، وقد نتج عن ذلك التحالف وضع شاذ يتمثل بإحساس المسلمين من غير جاوا وخاصة سومطرة بسيطرة الجاويين. أما الجاويون فيحسُّون أن حقيقة الحكم هي بيد زمرة من العسكريين مع رموز الجالية الصينية التي ارتبطت بشبكة علاقات مع السلطة الجديدة بعد الاستقلال، ومارست النهب المنظم لثروات الأقاليم؛ ولا يبعد أن لهم أصبعاً في عملية إفقار الجالية الحضرمية التي كانت تنافسهم اقتصادياًَ وإبعادها بعد إصدار سوركانو قرارات ظاهرها التوزيع العادل للثروة وحقيقتها التخلص من منافستهم، وفي آخر عهد سوهارتو برزت روائح فساد الدائرة القريبة منه، وبرزت أسماء أبنائه وبناته في مجال الأعمال واستغلال السلطة، ولم يسلم حتى الرئيس الحالي وحيد من الاتهامات بالفساد المالي. ثالثاً: الظلم الاجتماعي وعدم العدالة في توزيع الثروة: يبلغ معدل دخل الفرد بالنسبة لإجمالي الناتج القومي ٢٨٠٠ دولار أمريكي للفرد، وهذا لا يعكس حال الفرد الإندونيسي؛ حيث يعيش الكثير منهم تحت خط الفقر، ويسيطر ٤% من السكان من أصل صيني على ٧٠% من الاقتصاد، ولا يتجاوز الدخل الحقيقي لـ ٨٠% من السكان ٣٥٠ دولار في السنة، وقد تفاقم الوضع بعد تدخل لرؤوس الأموال الغربية إلى البلد، ومن ثم كانوا السبب في الأزمة المالية عام ١٩٩٧م وانهيار الاقتصاد بسبب خارجي بحت، وكانت الاستجابة لنصائح البنك الدولي وراء تفاقم الأزمة، وتم إيقاف المشاريع الضخمة مثل صناعة الطائرات والصناعات الحربية. رابعاً: التدخلات الأجنبية: لقد كان التدخل الأجنبي مباشراً في أحداث تيمور الشرقية، ولا يبعد العامل الأجنبي في طبيعة تعامل الحكومة مع أحداث جزر الملوك؛ حيث ترك المسلمين لمصيرهم لأكثر من سنة قبل تدخل الحكومة. أما عملية مجازر قبائل (الداياك) الهمجية للمسلمين (المادور) فلا ينتهي العجب من وقوف قوات الحكومة تتفرج على المذابح التي تُمارَس بالأسلحة البدائية، وكان دور الحكومة يقتصر على تيسير سبيل المغادرة، ولا أستبعد أن عملية إخلاء المنطقة من المسلمين النشطاء اقتصادياً يقصد منه إحلال قوى اقتصادية أخرى مكانهم؛ حيث إن (الداياك) لا يتعدى دورهم أن يمثلوا أداة تفريغ المنطقة انتظاراً للسيد الجديد؟ ولنترقب جميعاً القادمين الجدد لمقاطعة (بورنيو) الغنية، وقد بلغ مدى التدخل الأجنبي السافر مدى بعيداً دفع المتظاهرين إلى المطالبة بطرد السفير الأمريكي الذي بدأ يتصرف كأنه الحاكم الفعلي لإندونيسيا. خامساً: قوة العسكر وضعف السياسيين: لقد عانت إندونيسيا من عقود متطاولة من عسف العسكريين وفسادهم ومع ذلك فقد شهدت البلاد تطوراً اقتصادياً وصناعات متطورة معتمدة على الثروات الهائلة واحتكار السلطة لها، وكان هذا من أسباب تداعي الاقتصاد؛ لأنه بيد فئة قليلة، ولم يتم استثمار هذه الثروات في تنمية المناطق الغنية، بل يلاحظ أن أهل المناطق الغنية هم أفقر الناس؛ مما فاقم حالة الغليان والإحساس بالغبن؛ ولذلك فإنه لما وقعت الأزمة الاقتصادية التي تسبب بها المضاربون اليهود «كما جاء في تصريحات رئيس وزراء ماليزيا» فإن العسكريين انسحبوا من الساحة، وحل محلهم مؤقتاً زعامات حزبية وجدت نفسها فجأة في مراكز السلطة بعد استبعاد طويل. ملاحظات سريعة على الأحزاب: إن عدد الأحزاب التي شاركت في الانتخابات يبلغ ٤٨ حزباً، وإذا استثنينا ٢٧ حزباً علمانياً واثنين نصرانيين فإن البقية ترفع شعارات إسلامية، ولكن الكبيرة منها تتخذ الإسلام منهجاً وتأخذ منه برنامجها؛ وتكتفي من الإسلام بالزعامة الروحية التي يتمتع بها زعيمها بين الجماهير، ويمكن أن نقول إنها أحزاب طرقية تشبه إلى حد كبير زعامة المهدي والميرغني في السودان. إن الوضع السياسي في إندونيسيا مضطرب بسبب كثرة الأحزاب وضعف الزعامات الحزبية وعجزها؛ فما أكثر صور الرئيس وحيد وهو يغط في نوم عميق أثناء الاجتماعات الرسمية، ويبدو من شدة تمسك المتحزبين له بوجوده في السلطة أن هناك مجموعة تحكم باسمه تذكرنا بأيام يلتسن. إن إندونيسيا بحاجة ماسة اليوم لزعيم قوي يجمع بين الحزم والعدل، وإلا فإن الوضع السياسي المضطرب سيقود إلى حالة شبيهة بالباكستان التي تتنازعها القوى السياسية والعسكرية ويدفع ثمنها البلد غالياً.

стр. 3927

المسلون والعالم جذور التيارات الفكرية في الحياة السياسية الإسرائيلية حسن الرشيدي قبل عدة أشهر لم يكن أحد من المراقبين يتوقع صعود نجم شارون مرة أخرى هذا العجوز المتهور الذي يمتلئ تاريخه بالمجازر والوحشية والدماء. ولكن مع تطورات الانتفاضة وصمود الشعب الفلسطيني في وجه آلة الحرب الإسرائيلية العاتية بدأت ظاهرة شارون تعود وتأخذ مكانها تدريجياً داخل النظام السياسي الإسرائيلي، وتوج ذلك التوجه بفوزه بأغلبية ساحقة في انتخابات رئاسة الوزراء الإسرائيلية. هذا التحول في مجرى السياسة الإسرائيلية يدفعنا إلى محاولة استكشاف طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي والأسس الفكرية التي يقوم عليها، ودراسة التيارات والقوى المختلفة التي تتحكم في عملية صنع القرار السياسي داخل مستويات الإدارة اليهودية. هذه الدراسات تفيدنا بلا شك في سبر غور تفاعلات المجتمع اليهودي وما يشوبه من صراعات ومنازعات، وما يزخر به من جماعات وفئات مختلفة الأصول العرقية واللغوية، والمليء بالتناقضات المذهبية والدينية، ومعرفة نقاط الضعف فيه ونقاط القوة. كما تبدو هذه الدراسة سبيلاً لإدراك أبعاد الفكرة الدينية التي قامت عليها إسرائيل وتطور هذه الفكرة وفهم جزئياتها؛ وخاصة ما يتعلق منها بهدم الأقصى وإقامة الهيكل على أنقاضه كما يزعمون. وبتتبع تاريخ اليهود والمراحل التي مرت بها الدولة اليهودية قبل نشأتها وحتى الآن نجد أن السياسة الإسرائيلية تأثرت بثلاثة تيارات فكرية مختلفة كانت هي الغالبة والمتحكمة في الحياة السياسية الإسرائيلية وهذه التيارات هي: أولاً: التيار الصهيوني السياسي: تُنسب الصهيونية إلى جبل صهيون وهو أحد الجبال الأربعة التي أقيمت عليها مدينة القدس. والتوراة تضفي هالة من القداسة على جبل صهيون خاصة؛ ففيه يقيم (يهوه) إله اليهود فيما يزعمون، وفي رحابه يظهر المسيح المخلص الذي ينتظره اليهود. وقد اشتق الكاتب الألماني اليهودي (ناثان برنباوم) في القرن التاسع عشر من لفظ صهيون كلمة الصهيونية ليصف بها الاتجاه السياسي الجديد آنذاك بين يهود أوروبا، ولقد استغل هذا الكاتب تلك اللفظة بهدف استثارة الحمية الدينية لدى الجماعات اليهودية للانضواء تحت لواء هذا الاتجاه الجديد. وظهرت الصهيونية السياسية بوصفها برنامج عمل في القرن التاسع عشر على يد الصحفي النمساوي تيودور هرتزل، وهي تستند إلى فكرة رئيسية تقول إن ثمة مشكلة يهودية تتمثل في تشتت اليهود وتعرضهم للمطاردة والاضطهاد أينما وجدوا برغم أنهم يشكلون أمة واحدة وشعباً واحداً، وأن الحل الوحيد لهذه المشكلة هو عودة هذا الشعب لأرضه المقدسة، وهي أرض الميعاد بغية إقامة دولة خاصة به. وفكرة العودة تلك ليست فكرة جديدة؛ فقد آمن بها عامة اليهود على مر العصور بهدف إعادة بناء هيكل سليمان وإقامة مملكة إسرائيل وذلك تحت قيادة المسيح المنتظر. غير أن الجديد لدى دعاة الصهيونية السياسية هو تميز دعوتهم عن الدعوات السابقة لها بهدف سياسي هو إقامة دولة يهودية في فلسطين وبوسائل سياسية تتمثل في الاعتماد على العمل اليهودي الذاتي، وليس انتظار المسيح المنتظر. ولكن لماذا حدث هذا التحول من فكرة الانتظار إلى فكرة العمل الذاتي؟ كان ذلك لعاملين أساسيين: أولهما: تأثر اليهود بحركة التحرر الأوروبي من الدين، فنشأت بين اليهود ما يعرف باسم حركة (الهسكالاه) وهي كلمة عبرية تعني التنوير، وأخذت هذه الحركة تدعو اليهود إلى الاندماج في المجتمعات الأوروبية، وذلك عن طريق فصل الدين عن حياة اليهود في المجتمعات الأوروبية. وقد انتقدت الحركة سيطرة الحاخامات على الديانة اليهودية وتفسيراتهم للتوراة مما أدى إلى مراجعة فكرة الخلاص وانتظار المسيح كشرط للعودة، وظهور فكرة التخطيط والعمل على العودة لأرض الميعاد. وهذه الحركة أحدثت هزة عنيفة داخل المجتمع اليهودي الذي ظل لقرون عديدة منعزلاً على نفسه معتقداً أنه شعب الله المختار المتميز. أما العامل الثاني الذي أدى إلى ظهور فكر العمل الذاتي للوصول إلى أرض الميعاد فهو حركة العداء للسامية، وهي تعني كراهية الشعوب المسيحية الأوروبية لليهود وما تبع ذلك من عمليات مطاردة واضطهاد، وأخذ اليهود يعمقون الشعور بهذا العداء، وادعوا أنه يأخذ أبعاداً ثلاثة: - البعد التاريخي: منذ السبي البابلي لليهود، وحتى الشتات الروماني في العصر القديم وحياة الجيتو، ثم اضطهاد العصور الوسطى، ثم اضطهاد النازي في العصر الحديث. - والبعد الجغرافي: أي أن العداء يشمل اليهود في جميع أنحاء العالم. - والبعد الكيفي: أي أن ما وقع لليهود لا يعادله أي اضطهاد وقع على سواهم في أي زمان ومكان. ومن هنا كان ادعاء الحركة الصهيونية أن الحل الوحيد والناجع لهذه المسألة هو أن يكون لليهود وطن خاص بهم، وراحت هذه الحركة تبث أفكارها حول أربعة محاور رئيسية وهي: - فكرة الوعد الإلهي الذي قطعه إله بني إسرائيل على نفسه لليهود بتملك الأرض المقدسة. - فكرة أن اليهود هم شعب الله المختار. - فكرة المسيح المخلص. - الادعاء التاريخي أن فلسطين هي الموطن الأصلي لليهود. ودعاة تيار الصهيونية السياسية كان معظمهم من الملاحدة الذين لا يعيرون الدين أي اهتمام؛ فكان اهتمامهم منصباً على العودة إلى فلسطين لأسباب كثيرة منها المال والثروة والغايات الأخرى التي سبق الكلام عنها مثل التحرر من الجيتو الأوروبي. ويقول هرتزل في هذا السياق: «إن اليهود يؤمنون بفكرة المسيح المخلص في الأوساط الدينية فقط، أما في دوائرنا الأكاديمية المستنيرة فليس لمثل هذه الفكرة من وجود» ، ومن أقواله أيضاً: «سوف يلقى المتسلطون المتدينون إذا حاولوا التدخل في إدارة شؤون الدولة مقاومة عنيدة وشديدة من جانبنا» . وكان هرتزل قد تعمد أثناء زيارة له للقدس انتهاك العديد من الشعائر الدينية اليهودية؛ فضلاً عن أنه لم يقم بختان ابنه الوحيد الذي تنصَّر فيما بعد. وحينما كان يقرأ خطابه الذي ألقاه في المؤتمر الصهيوني الأول بالعبرية تبين أن الحروف التي كتب بها الخطاب كانت باللاتينية. وبرغم ذلك لم يتجاهل هرتزل أهمية الدين في بناء دولته، وأن الفكرة في الأساس هي فكرة دينية تقوم وتترعرع على أرض الميعاد والمسيح المنتظر، فاهتم بدعم الحاخامات ورجال الدين لدعوته؛ حيث اعتبر الدين أداة من أدوات توحيد صفوف اليهود خلف فكرته , ولكن فكرة العودة عند هذا التيار - الصهيوني السياسي - هي خلاص دنيوي وقومي وملاذ لليهود من الاضطهاد والشقاء. ولم يكن هرتزل بمفرده صاحب هذا المنهج أي المنهج العلماني؛ فقد كان هناك بن جوريون أول زعيم لليهود على أرض فلسطين الذي قال: «لو تركت حياة اليهود لحاخامات اليهود لظلوا حتى الآن كلاباً ضالة في كل مكان يضربهم الناس بالأقدام» , ومثله حاييم وايزمان الذي تزعَّم المنظمة الصهيونية العالمية، والذي كان يتلذذ بمضايقة الحاخامات بشأن الطعام المباح في الشريعة اليهودية، وبرغم ذلك فقد كان يسير وفقاً لمبدأ سابقيه في رؤية الدافع الديني كمقدرة لا يستعاض عنها في إيقاظ طاقات الشعب اليهودي. وتبلور هذا التيار في اتجاهين: الأول: الاتجاه الاشتراكي الذي كانت آخر صوره حزب العمل. والاتجاه الثاني: هو الاتجاه الليبرالي أو ما يعرف باليميني الذي يمثله حالياً تكتل الليكود. ثانياً: التيار الأرثوذكسي، اليهودية الأرثوذكسية: لفظة (الأرثوذكسية) ذات أصل يوناني ومعناها: العقيدة القويمة أو المستقيمة , ولقد تقبل اليهود المتدينون هذا المصطلح الذي أطلق منذ بداية القرن التاسع عشر على التيار الأرثوذكسي في الفكر اليهودي، وهو امتداد لليهودية القديمة القائمة على التوراة المحرفة والتراث الشفهي للحاخامات , ومع بداية القرن التاسع عشر وظهور الأفكار التحررية وسط أجيال اليهود هبَّ رواد اليهودية الأرثوذكسية مدافعين عن فكر الانعزال والانغلاق رافضين أي تغييرات تجاري مقتضيات العصر، وبلغت ذروتها في عام ١٩١٢م؛ حيث أسس هذا التيار حركة دينية أرثوذكسية مناوئة للأفكار الصهيونية التي قد بدأت تنتشر في أوساط اليهود تمييزاً لهم عن المتدينين الذين اعتنقوا الفكر الصهيوني، وسميت هذه الحركة: (أغودات إسرائيل) أي رابطة إسرائيل، وأطلق على هؤلاء الأرثوذكس المعارضين للصهيونية: (الحريديم) ، ولفظة الحريديم تعني المتقين. ينطلق هذا التيار من عدة مبادئ: ١ - إن الحركة الصهيونية حولت فكرة الشعب اليهودي ذات المفهوم الديني من جماعة دينية تستمد هويتها عن طريق التقيد بتعاليم الشريعة في كل أمور الحياة العامة والخاصة إلى فكرة لا تقدس التوراة ولا شعائرها، وترى الشعب اليهودي كغيره من الشعوب الأخرى؛ فالرب في نظرهم اصطفاهم وجعلهم شعبه المختار لكي يقوموا على خدمة الجنس البشري كله؛ فالعودة واجب من ٦١٣ واجباً في الشريعة اليهودية؛ فلماذا يُهتم بهذا الواجب بالذات، بينما لا يلتزم أحد بالواجبات الأخرى؟ ولهذا فهي حركة قومية علمانية تستغل المفاهيم الدينية والتوراتية في صياغة أفكارها وأهدافها. ٢ - إن الحركة الصهيونية استبدلت الخلاص الدنيوي البشري بالخلاص الإلهي؛ وذلك بدعوتها اليهود إلى العودة إلى الأرض المقدسة دون انتظار المسيح، وهو ما يعد خروجاً على الإرادة الإلهية وتعاليم التوراة! أما النظرة الأرثوذكسية المتشددة فترى أن مصير الشعب المختار لا يحدده إلا خالقه؛ وذلك تبعاً لمقدار تمسك ذلك الشعب بتعاليم الشريعة اليهودية؛ وما الشتات إلا قضاء من الرب وعقاب، ولن يتم الخلاص إلا بإرسال المسيح المخلص. ٣ - إن الحركة الصهيونية تعتمد على الإرادة الحسنة للأمم الأخرى (الأممية) فهذه الأمم هي التي تسمح لليهود بالعودة والاستيطان في أرضها، وذلك عن طريق مراحل مختلفة: «وعد بلفور، التقسيم، الدولة ... » ؛ وهذا لا يتلاءم مع طبيعة الشعب اليهودي ولا مع الوعد الإلهي لهم بتملك أرض الميعاد. ٤ - إن المتدينين الأرثوذكس يرون أن علاقة اليهودي بأرض الميعاد هي علاقة روحية، وأن نفي اليهود منها هي من الأوامر الربانية التي لا يمكن مخالفتها؛ وعلى اليهودي أن يستمر في صلواته حتى يستجيب له الرب ويأمر بعودته مع المسيح؛ ومن هنا يرفض هؤلاء الدعوة الصهيونية وادعاءها بأنها تحمي أمن اليهود وتنقذهم من الشتات. ٥ - إن الحركة الصهيونية معادية للسامية؛ ذلك أنها تخلق لليهودي مشكلة ازدواج الولاء، وتعمل على دعم الاتهامات المعادية للسامية، ولأنها تزدهر بازدهار معاداة السامية؛ فهي تعمل على الترويج لها عن طريق العمل على تقويض وضع اليهود أينما وجدوا حتى تدفعهم إلى الهجرة. ٦ - إن الحركة الصهيونية جعلت من اللغة العبرية لغة الحديث اليومية والرسمية لليهود؛ وذلك برغم أنها لغة دينية مقدسة يحرم استعمالها إلا في الشؤون الدينية. وقد كان طبيعياً أن يرفض الحريديم الدولة التي أقامتها الحركة الصهيونية؛ لأنها دولة علمانية تقوم على هوية وثقافة علمانية وتتجاهل هوية اليهود وقيامهم وتعاليم دينهم , وفي الإجمال ثمة رأيان اثنان داخل صفوف الحريديم تجاه دولة إسرائيل: الأول: يرى أن قيام هذه الدولة عمل مناقض لفكرة المسيح، ومن ثَمَّ فهي دولة آثمة. وبديهي أن هذه المعارضة للدولة لا تعود إلى علمانية الدولة وقوانينها ومؤسساتها وإنما إلى طبيعة نشأتها وخروجها على الإرادة الإلهية والتعاليم التوراتية؛ ومن هنا فأنصار هذا الرأي يرون أنهم في منفى، وأن سبب هذا النفي هو وجود الدولة ذاتها ولهذا لا يسعى هؤلاء إلى مراعاة الدولة ومؤسساتها، بل ينفصلون عن المجتمع سياسياً واجتماعياً؛ ومن ممثلي هذا الرأي جماعة (ناطوري كارتا) . أما الرأي الثاني: فيعترف أنصاره بالدولة حقيقة واقعة؛ وذلك دون منحها الشرعية؛ وهم يعتبرون أنفسهم في منفى أيضاً؛ غير أنهم يتعاونون مع الدولة ومؤسساتها وكأنهم في بلد أجنبي، ويحددون موقفهم منها بمقدار اقترابها من التوراة وتعاليمها، ويمثل هذا الرأي في إسرائيل حركة (أغودات إسرائيل) التي تعرضت - مثلها مثل سائر أحزاب إسرائيل - للانشقاقات. ويوجد في إسرائيل اليوم قوتان رئيسيتان تمثلان هذا التيار، هما: (شاس) أو حراس التوراة الشرقيين. و (يهدوت هيتوراه) أو يهود التوراة. ويتضح أثر هذا التيار السياسي في عام ١٩٤٧م عندما جاءت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة (أونسكوب) وهي اللجنة التي أدت توصياتها إلى صدور قرار التقسيم؛ فقد حرص قادة الوكالة اليهودية على أن يظهر اليهود جبهة واحدة أمام اللجنة؛ وطلبوا من ممثلي اليهودية الأرثوذكسية المتشددة عدم معارضة إقامة دولة يهودية في فلسطين أمام اللجنة؛ حيث كانت أفكار هذا التيار في ذلك الوقت تدعو إلى إطالة أمد الانتداب أو حتى إقامة اتحاد يهودي عربي؛ ولكن - حفاظاً على وحدة إسرائيل - حرص بن جوريون على إعداد وثيقة أو اتفاقية تسمى: (الوضع الراهن) - لا تزال قائمة حتى الآن - تحدد العلاقة بين التيار الأرثوذكسي والتيار الصهيوني العلماني، وتعهد التيار العلماني بالاستجابة إلى مطالب المتدينين من حيث يوم العطلة، وتوفير الطعام المخصص لليهود، وقوانين الأحوال الشخصية والتعليم. وقد وقَّع بن جوريون الوثيقة بنفسه، ووقَّع إلى يمين توقيعه الحاخام (فيشمان) زعيم التيار الصهيوني الديني حينذاك، ووقَّع إلى يسار توقيعه (إسحق غرينبويم) وهو من أشد اليهود مناوأة للدين يومذاك دلالة على ضمان أن الجهات الأكثر تطرفاً في مناهضة الدين والجهات الملتزمة به أنها جميعاً قد تعهدت بذلك. ثالثاً: التيار الصهيوني الديني: انطلقت مفاهيم هذا التيار الأساسية من إنكاره فكرة انتظار المسيح المخلص لقيادة جموع اليهود، والدعوة إلى العودة لفلسطين لإقامة مملكة إسرائيل، والإيمان بالجهود البشرية لليهود أنفسهم عن طريق تهجيرهم من أوطانهم وتوطينهم في فلسطين. وقد استند رواد الصهيونية الدينية إلى نصوص توراتية واصطلاحات تلمودية تعتبر الاستيطان في أرض إسرائيل وصية من الوصايا الدينية اليهودية تمهيداً لقدوم المسيح المخلص؛ فتربة فلسطين تربة طاهرة، وأورشليم مدينة الله وموطن إقامته، و «هي مركز الأرض، والمكان المناسب والوحيد لتأدية الوصايا الدينية» عند الحاخام بن نحمان. و «شراء الأراضي في أرض إسرائيل هي فريضة مقدسة ورَّثها النبي يعقوب لنسله من بعده» كما قال الحاخام القلعي. وخلاص اليهود لا يمكن أن يتم بمجرد مراعاتهم الوصايا الدينية في بلدان شتاتهم؛ وإنما كما قرر الحاخام كاليشر -: «في الاستعداد له بالاستيطان والعمل المقدس في الأرض المقدسة» . وليس ثمة أمة - عند الحاخام (لانداو) دون أرض ولا دولة يهودية دون الجمع بين الدين والدولة حسبما جاء في كلام بار إيلان. وعند الحاخام (كوك) : الصهيونية هبة إلهية، وروادها ينفذون تعاليم الدين فهم يد الإله في تنفيذ وعده، ومن هنا يجب توحيد جميع أبناء صهيون المتدينين منهم وغير المتدينين وراء هدف استيطان فلسطين كما رأى الحاخام (موهليفر) ، بل يجب التساهل مع العلمانيين والتعاون معهم على حد قول كوك. والصهيونية الدينية - بأفكارها تلك - قدمت الشرعية لمطالب الدعوة الصهيونية (المتمثلة في تهجير اليهود إلى فلسطين لإنشاء دولة لهم) كما أضفت عليها طابعاً دينياً ذا صبغة توراتية ورداء تلمودي قلَّ أن تتمتع به أي حركة سياسية؛ ولهذا مثَّل الدين مَعِيناً لا ينضب ودعماً لا يحيد في يد الحركة الصهيونية تعوِّل عليه، وتستمد منه تأثيرها ونفوذها تجاه الجماعات اليهودية في سائر أنحاء العالم ولا سيما في شرق أوروبا حيث كان يقطن اليهود المتمسكون بالتقاليد والعادات الدينية؛ فضلاً عن أن مواجهة أفكار الحاخامات اليهود الإصلاحيين بالأفكار الصهيونية الدينية مهد الطريق لكبح الأفكار الأولى، واحتواء الثانية، وإفساح المجال أمام هيمنة الحركة الصهيونية. هذا وقد أفضى قيام دولة إسرائيل إلى إعطاء دفعة قوية لأفكار الصهيونية الدينية وأهدافها؛ حيث عززت دعواها في جعل أرض إسرائيل مركز حياة اليهود في العالم ولا سيما أن قيامها جاء بعد فترة قصيرة من المذابح النازية لليهود من جانب، وأعقبها انتصارات عسكرية بلغت ذروتها في حرب يونيو (حزيران) من عام ١٩٦٧م من جانب آخر، وهذا ما دفع دعاة الصهيونية الدينية إلى دعم الدولة رغم علمانيتها والتعاون معها، وقد كان من دعاة الصهيونية الدينية البارزين بعد قيام الدولة الحاخام (زفي يهودا كوك) ابن الحاخام كوك. ويجدر بنا قُبيل الانتهاء من الحديث عن الصهيونية الدينية أن نشير إلى أن أنصار الصهيونية الدينية - أخذوا - يتحدثون منذ نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات عن ضرورة فك عرى التحالف مع الدولة العلمانية وزعمائها. لقد ازداد شعور الصهيونية الدينية بقوتها في السنوات الأخيرة؛ حيث مارس حاخاموها نفوذاً كبيراً في الشارع الإسرائيلي، وتبوأت الأحزاب والحركات الدينية الصهيونية موقعاً مرموقاً في عملية صنع القرار السياسي سواء ما كان من خلال مشاركتها في الائتلافات الحكومية أو من خلال تأثيرها على سياسات الحكومة؛ إلى جانب سيطرة الصهيونية الدينية على دار الحاخامية الرئيسية، والحاخامية العسكرية، والمدارس الدينية الصهيونية، وجامعة بار - إيلان، ومنظمة بني عقيبا الشبابية وغيرها من المؤسسات الاجتماعية. ولهذا بدأ حاخامات الصهيونية الدينية ومؤسساتها في تحدي سياسة الدولة ومؤسساتها، ولعل أبرز صور هذا التحدي ما حدث في أغسطس (آب) ١٩٩٥م حينما أصدر (١٥٠٠) حاخام - وهم من الحاخامية الرئيسية، وعلى رأسهم الحاخام أبراهام شابيرا - فتوى نادت بتحريم إخلاء القواعد العسكرية الموجودة في الضفة الغربية وقطاع غزة وتسليمها إلى غير اليهود، وطالبت الجنود بعدم طاعة أوامر الانسحاب؛ وذلك رداً على اتفاق أوسلو؛ لأن الانسحاب المقترح في الاتفاق يعرض حياة السكان إلى الخطر، بل ويهدد وجود الدولة وينذر بوقوع فتنة بين الجيش والشعب كما جاء في الفتوى، بل ذهب بعض الحاخامين إلى أبعد من ذلك حينما رأوا أن الحكومة نفسها تفتقد الشرعية، ولذلك فإن أوامر الجيش غير شرعية , وإلى جانب هذا ارتفعت أصوات عدد من الحاخامات التابعين للصهيونية الدينية تطالب بالانفصال عن العلمانيين؛ لأنهم يرفضون التراث والتقاليد اليهودية، ويظهرون العداوة للمستوطنين، ويعلنون أن الدولة لكل مواطنيها وليست للشعب اليهودي فقط، بل يحاولون تقنين أفعال تخالف التوراة كاللواط، كما دعا أحد الحاخامات إلى تغيير النشيد الوطني للدولة وهو نشيد الحركة الصهيونية في الأساس واستبداله بالمزمور رقم (٢٦) من مزامير التوراة، بل راحت بعض الكُنُس تغير من الدعاء في الصلاة الذي يطلب من الله حفظ زعماء الدولة ليصبح نص الدعاء هو: «أن يحفظ الله اليهود من زعماء الدولة» . وقد وصل هذا الأمر إلى ذروته حينما أقدم شاب من صفوف الصهيونية الدينية على قتل إسحق رابين في نوفمبر (تشرين الثاني) ١٩٩٥م. ومن الأحزاب الممثلة لهذا التيار الحزب الديني القومي (المفدال) والأحزاب المنشقة عليه، ويتميز هؤلاء القوميون الدينيون عن الحريديم أو أتباع التيار اليهودي الأرثوذكسي بلبسهم القلنسوات على رؤوسهم. وكما نرى فإنه برغم تشرذم هذه التيارات وتحزبها فإن العقلية والنفسية اليهودية القائمة على البراجماتية ولغة المصالح هي التي تتحكم في النهاية في مسارات هذه المجموعات، وعلى ضوئها تتعامل هذه التيارات بعضها مع بعض وتخاطب العالم الخارجي.

стр. 3928

المسلون والعالم بركان البلقان والدور الأمريكي المشبوه (٢ - ٢) عبد العزيز كامل يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية ماضية قُدماً في مشروع السيطرة الكاملة على أهم المواقع الاستراتيجية في العالم، ويبدو كذلك أننا نحن المسلمين دولاً وشعوباً قد وقع الاختيار على أراضينا لتكون أحد مرتكزات هذه السيطرة وأهم أدواتها المسخرة لخدمة هذا المشروع الكوني التسلطي السافر. إن الولايات المتحدة تواجه منافسيها في العالم، وليس بينها وبين أكثر هؤلاء المنافسين حدوداً مشتركة؛ ومع ذلك فهي تخوض الغمار إليهم لتُنازِلَهم في عقر ديارهم انطلاقاً من قعر دورنا في أكثر من مكان. إن للولايات المتحدة تطلعات حالية ومستقبلية للتسلط والتنافس في مناطق عديدة من العالم بدءاً من الصين والقارة الهندية، ومروراً بآسيا الوسطى وروسيا، ووصولاً إلى شرق أوروبا ووسطها؛ ثم انتهاء بالشرق الأوسط والقرن الإفريقي. وإذا كانت الأطماع ليست قاصرة على بلداننا الإسلامية، فإن من الواضح أن كثيراً من تلك المشروعات التسلطية تقع في أماكن تماس على الأقل مع بلدان وشعوب إسلامية يفضل الأمريكان أن يتخذوا منها ظهوراً وطيئة للركوب توصل للمطلوب بأقل مجهود وأثمن مردود؛ وعند ذلك فهي إذا احتاجت لقواعد فمرافقنا جاهزة للقعود، وإذا رغبت في أحلاف فمنا منافقون لا يرون غضاضة في (التحالف مع الشيطان) بدعوى حماية الأوطان ... وإذا أراد الأمريكيون جنوداً فجيوش بعض بلاد المسلمين مجهزة لافتداء أعداء الخفاء - دون أن تعلم - ولو بتحويل الدماء إلى ماء! لن نحتاج إلى ضرب أمثلة كثيرة على هذا الواقع المكرور، ولكن لدينا مثالان ماثلان للعيان: أحدهما: من أفغانستان، والثاني: من البلقان. فما حدث في أفغانستان في الثمانينيات ضد الاتحاد السوفييتي السابق، ترشيح للتكرار في التسعينيات ضد الاتحاد اليوغسلافي السابق، غير أن التجربة الأمريكية في أفغانستان أجهضتها للآن على الأقل ظاهرة طالبان؛ حيث جرت رياح التغيير على غير ما يشتهي شياطين واشنطن. تطلعات الولايات المتحدة وأطماعها في البلقان لا تقل عن أطماعها في آسيا الوسطى، وهي لا تنحصر بالضرورة في الشؤون الاقتصادية المتعلقة بالثروات والمقدرات، بل تتخطاها إلى ما يخدم مخططات واستراتيجيات عسكرية، أو برامج للهيمنة السياسية أو الحضارية. إن الأخطبوط الأمريكي يلف الآن ببطء بذراعه العسكري (الناتو) ، وذراعه السياسي (الأمم المتحدة) ، وذراعه الاقتصادي (صندوق النقد الدولي) إضافة إلى أذرعه الأخرى المتنوعة؛ يلف على العديد من المناطق الحساسة في العالم، ليدخلها في سلاسة، أو يحشرها بشراسة داخل قوقعته الضخمة الفخمة المسمَّاة بالعولمة، حيث الاستسلام أو الموت. ومنطقة البلقان - كما ذكرت - مثال يضارع مثال آسيا الوسطى، وإن كانت الأمور في آسيا الوسطى لم تتبلور بعد؛ حيث خسر رهان الأمريكان على أفغانستان لتكون منطلقاً لبسط السيطرة على بلدان آسيا الوسطى، وإن كنت أعتقد أن الأمريكان لن يَدَعوا طالبان تفسد الطبخة. أما في البلقان فالذي يظهر أن الولايات المتحدة تراهن على مسلميها من الألبان وغيرهم لتضع يدها من خلالهم على منطقة البلقان، مستغلة ضعفهم وحاجتهم واضطرارهم لالتماس المساعدة من أي طرف في العالم؛ فما البال إذا كان هذا الطرف هو أمريكا، سيدة البر والبحر والجو في زمان هوان المسلمين؟ ! للولايات المتحدة الآن سيطرة محسوبة بدقة على أجزاء مهمة من منطقة البلقان؛ فهي التي فرضت حلاً يناسبها في البوسنة والهرسك، وهي التي وجهت الأحداث في كوسوفا، وكلتا المنطقتين تداران الآن بإدارة دولية هي في حقيقتها إدارة أمريكية؛ فماذا تريد أمريكا من البلقان؟ إنها تريد أن تحقق أهدافاً عديدة، منها تمهيد طريق للتحكم في شرق أوروبا أو شرق المتوسط والوجود الدائم فيه؛ حيث القرب المباشر من الخليج والقوقاز، وهما منطقتا التنازع المستقبلي بين الولايات المتحدة، وغرمائها، وتريد أمريكا أيضاً أن تمكن لنفسها وتؤمِّن موقعاً مستقراً ومستقلاً في القارة الأوروبية التي تجد نفسها في انحسار مستمر لصالح القوة الأمريكية المتفردة، والولايات المتحدة تريد كذلك أن تحرم - وإلى الأبد - روسيا من أحلام العودة إلى مصاف القوى العظمى، حتى تتفرغ هي - يعني أمريكا - لمواجهة التنين الصيني الأصفر الذي يرسل الإشارات تلو الإشارات بأنه سيحتل موقع الدب الروسي الأحمر في التسبب للأمريكان بالصداع الدائم والأرق المزمن. ثمة بُعد ديني أيضاً - وإن كان غير منظور للكثيرين - يمثل إحدى الخلفيات الرئيسة للصراع المستقبلي القريب حول البلقان؛ فإضافة إلى حرص النصارى بكل طوائفهم على القضاء نهائياً على أي أمل في قيام كيان إسلامي في أوروبا [١] ؛ فهناك تنافسات وعداوات محمومة بين الهويات الدينية والعرقية لنصارى أوروبا، وهي ليست وليدة العصر بالطبع، ولكنها قديمة قِدم عصيان النصارى وخروجهم على هدي الرسالات المنزَّلة؛ كما قال - سبحانه -: [وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظاًّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ] (المائدة: ١٤) . وهذه العداوة والبغضاء بين طوائف النصارى، وإن كانت تحجبها أحياناً العداوة الأكبر للمسلمين، إلا أنها عداوات تظل أحد الأمور الأساسية التي تحرك سياسات الدول - في أوروبا وغيرها - انطلاقاً من خلفيات عقدية مذهبية تمثل على كل حال فروقاً جوهرية بين ثقافاتها المتنافسة فيما بينها إلى حد الصراع. فروسيا الأرثوذكسية وأخواتها في الديانة من الصرب واليونان والبلغار والرومان، لن يكونوا على وفاق مع الكاثوليكية الفرنسية والإيطالية والإسبانية والبولندية والبرتغالية. وهؤلاء الكاثوليك لن ينسجموا أبداً مع ألِدَّائهم الدينيين من البروتستانت في إنجلترا وألمانيا، وما يقال عن هذه الطوائف داخل أوروبا يقال عنها في أنحاء العالم. ومما يُذكر هنا أن تلك العداوات تتنامى بتنامي المد الديني الذي أصبح ظاهرة تميز أكثر المجتمعات في العالم؛ حيث أصبح البحث عن هوية للعودة إلى الجذور ينطلق في الأساس من الانتماء الديني والمذهبي الذي تتفرع عنه بقية مظاهر التميز عن الغير. بركان البلقان.. هل سيهدأ؟ ينتمي أكثر نصارى منطقة البلقان إلى المذهب الأرثوذكسي الذي يحظى أتباعه على الدوام بتعاطف الروس الذين يشاركونهم في الديانة والمذهب. والذي يراقب مواقف الأطراف الدولية مما يحدث في البلقان يستطيع أن يلمس تأثر تلك الأطراف بمذهبياتها المختلفة. وقد تقدم في الحلقة السابقة استعراض بعض أوضاع المسلمين الألبان في ظل السياسات الإقليمية والدولية، والمعروف أن آخر حلقات التفاعل في منطقة البلقان هو ما تشهده جمهورية مقدونيا في هذه الآونة؛ حيث لا يكاد المراقب للتطورات هناك أن يجد ما يستند إليه في أن بركان البلقان يمكن أن يهدأ قريباً بعد أن استُفز للثوران. وكعادة الغرب، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، فإنهم لن يَدَعوا الأمور تمضي دون توظيفها لتحقيق طموحاتهم الخاصة؛ فشركات (استثمار المصائب) عندهم جاهزة على الدوام للصيد في الماء العكر، وهي تراقب الأحوال عن كثب لكسب النصيب الأوفى من أثمان بيع الحقوق المنهوبة والممتلكات المغصوبة. إن الولايات المتحدة وإن كانت تتفق مع الأوروبيين في ضرورة قلع الإسلام من أوروبا، إلا أنها تختلف معهم في تحديد مصير تركة الاتحاد اليوغسلافي السابق؛ حيث سقطت الشيوعية في أوروبا الشرقية، وحطمت أمريكا أحلام الصرب الأرثوذكس في إعادة هذا الاتحاد على أسس نصرانية أرثوذكسية بالتعاون مع روسيا، وكان من الطبيعي أن يؤيد أمريكا على ذلك الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا، والآن يُفتتح فصل جديد في المسلسل الأمريكي الرامي إلى بسط السيطرة على البلقان عن طريق الضرب على وتر الوقوف مع الطرف الضعيف، بشرط أن يظل ضعيفاً، وأن يبقى حليفاً حتى يُستعمل عصاً لكسر المناوئين، ثم تُكسَر هذه العصا إذا أرادت أن تستعصي على حاملها يوماً من الأيام، وهذا أو قريب من هذا هو ما دار في الماضي القريب في أفغانستان، وهو نفسه ما دار وما يزال يدور في البلقان استغلالاً لمسلميها من الألبان وغيرهم. إن كثيراً من قادة الألبان السياسيين [٢] والعسكريين يتحدثون عن أمريكا وكأنها الأمل الذي تنعقد عليه الآمال في الخلاص، ويرون حلف الأطلسي وكأنه (حلف الفضول) الذي ينصر المستضعفين ويثأر للمظلومين! وقد وُضِعُوا في مواقف تجعلهم مضطرين لاختبار عسير واختيار صعب بين السيئ والأسوأ، بين الصرب والغرب، بين هجمة الصقور ونجدة النسور! وتأتي أحداث مقدونيا حلقة جديدة بعد تطورات البوسنة وكوسوفا في هذا الصدد. مقدونيا وحيف الضعفاء: يتوق مسلمو مقدونيا كغيرهم من ألبان البلقان إلى التلاقي مع إخوانهم من المسلمين الألبان في الدول المجاورة التي تم تقطيعها أشلاء بعد حرب البلقان الأولى عام ١٩١٨م، وهم يطالبون الآن بتحصيل أدنى الحقوق المتعارف عليها بين شعوب العالم، وهي المشاركة في إدارة شؤونهم التي ينوب عنهم فيها غيرهم قسراً وجبراً. إن شركاءهم في سكنى أرض مقدونيا أقل عدداً، ولكنهم أوفر حظاً في التحكم في إدارة البلاد ومقدراتها؛ فمقدونيا يسكنها مليونان و ٤٠٠ ألف نسمة، والألبان المسلمون يمثلون ما يتراوح بين ٤٠ إلى ٤٥%من مجموع السكان، وتصل نسبتهم إذا أضيفت بقية المسلمين من الألبان إلى ٥٠% من السكان، بينما يمثل النصارى الأرثوذكس ما نسبته ٣٣%، أما البقية من السكان فهم خليط من الأتراك والبلغار والكروات والروم والصرب والبوشناق، وبالرغم من أن المقدون الأرثوذكس لا يزيدون على ثلث السكان إلا أن بأيديهم السيطرة الفعلية على مقدونيا منذ أن استقلت عن يوغسلافيا عام ١٩٩١م. وكبقية بلدان أوروبا الشرقية، ارتَدَت مقدونيا المستقلة حُلل الديمقراطية الغربية بعد أن خلعت عنها أحلاس الشيوعية الشرقية، وتحوَّل (الرفاق) الشيوعيون أنفسهم إلى ديمقراطيين، بعد أدخلوا تعديلات ديكورية ديكتاتورية على «القيم» الديمقراطية، ولأن في الديمقراطية نفسها من الزيف أكثر مما فيها من الأصالة؛ فقد تمكن النصارى الأرثوذكس في مقدونيا من تزييف الوقائع من خلال تلك الديمقراطية، فإذا بهم يحوِّلون أنفسهم إلى أغلبية حيث أمعنوا في تقزيم نسبة الألبان المسلمين لتصل نسبتهم بعد التخفيض إلى ٢٣%! وتعامل النصارى مع الأكثرية واقعاً على أنهم أقلية افتراضاً، لا بل غرروا بهم ليتيهوا مع مطالبهم في سراديب ودواليب الديمقراطية التي لا يَعْدم أصحابها حيلة في قلب الحقائق وليِّها. ومن خلال النظام الهجين الجامع بين جور الشيوعية وزيف الديمقراطية، صدرت النظم والمراسيم التي حولت الأرثوذكس إلى أغلبية بنصٍّ من الدستور، وبدأ التعامل مع الأغلبية المسلمة على أنهم من مخلفات العهد العثماني؛ فلا حق لهم في التعليم بلُغَتهم أو وفق مناهجهم، ولا حق لهم في المشاركة العادلة في شؤون البلد الذي يمثلون الأكثرية فيه، بل لا حق لهم في التوجه الذاتي لسد ما يحتاجون إليه من المشروعات التي ترفضها الحكومة الأرثوذكسية؛ فعندما أراد المسلمون تأسيس جامعة أهلية عام ١٩٤٤م لتدريس الألبانيين بالألبانية، ولتخريج قطاعات غير متنكرة لهويتها ودينها؛ رفضت الحكومة المقدونية ذلك وأرسلت قوات من الجيش والبوليس لإغلاق الجامعة بالقوة، واعتقلت المسؤولين عنها؛ مع أن الجامعة أقيمت في مدينة (تيتوفا) التي يسكنها الألبان والتي تعد أكبر مدنهم [٣] ، وهذه المدينة نفسها، نصبت السلطات الحكومية الأرثوذكسية فيها صليباً طوله ١٢ متراً في العام الماضي ضمن الاحتفالات الألفية، وهو واحد من عدد من الصلبان التي زرعت في أنحاء البلاد، كان أكبرها صليب بطول ٢٠٠ متر على قمة أعلى جبل صُمِّم بحيث يضيء في الليل ليراه الجميع! ولكن الذين رفعوا هذا الوثن ولوثوا به الهواء والفضاء ضاقت صدورهم بمآذن أحد أعرق المساجد في مقدونيا، فصدرت الأوامر بإغلاقه ومنع إقامة الشعائر فيه، وهكذا تكون (التعددية) وقبول (الآخر) في ظل الديمقراطية المختلفة التفسيرات! لألبان مقدونيا مطالب معلنة، لا يملك من يطلع عليها إلا أن يتعاطف معها؛ لأنها من جهة تمثل أدنى الحقوق المفترضة لأكثرية من المواطنين في وطنهم؛ ولأنها من جهة أخرى جرى الإلحاح بتقديمها سلمياً عبر ما يسمى بـ (القنوات الشرعية) وهذه المطالب تشمل: ١ - تغيير دستور الدولة بحيث يضمن للألبان التمثيل بنسبتهم الحقيقية من عدد السكان. ٢ - الاعتراف بالإسلام ديناً رسمياً؛ حيث إن الدستور الحالي ينص على أن دين الدولة هو النصرانية الأرثوذكسية. ٣ - منح الجنسية المقدونية لنحو ربع مليون مسلم ألباني يعيشون في ألبانيا ولا يحملون جنسيتها، ولا يمنحون جواز سفر يحدد هويتهم ويضمن حقهم في المشاركات الانتخابية. ٤ - السماح للألبان بالدراسة والتدريس باللغة الألبانية. ٥ - الاعتراف بالجامعة الأهلية التي أنشأها الألبان في مدينة تيتوفا. ٦ - إجراء مسح سكاني جديد تحت رقابة دولية لتحديد النسب الحقيقية للأعراق المختلفة ومنهم الألبان [٤] . إن تلك المطالب التي طال تعثرها في المسالك الديمقراطية الحكومية، صادفت نفاد صبر لدى شريحة من شباب الألبان، وجدوا أنه لا بد من تجريب طرق أخرى غير الطرق التقليدية التي استمرت عقداً كاملاً دون جدوى، وقد شجعهم على سلوك هذا السبيل أن الحكومة المقدونية القائمة رغم تجبرها وجورها حكومة ضعيفة لدولة صغيرة وشبه محتقرة من أكثر جيرانها؛ فالجيش المقدوني الرسمي لا يزيد عن ١٥ ألف جندي مسلحين تسليحاً هشاً بأسلحة قديمة، إضافة إلى أن منهم ٤٠% من المسلمين الألبان. أما الطليعة التي تكونت من الشباب الألباني فقد استطاعوا أن يكوِّنوا - بحسب مصادر قريبة منهم [٥]- جيشاً من نحو عشرة آلاف جندي، وهو الذي أطلقوا عليه اسم: (الجيش الوطني لتحرير مقدونيا) ، فإذا علمنا أن هذا الجيش تتمركز وحداته في المناطق القريبة من حدود كوسوفا المرشحة للتوتر مرة أخرى، رأينا أن المنطقة صارت مجهزة لصراع وشيك يبحث عن صاعق تفجير. وقد جاءت بسرعة أكثر مما نتصور اللحظة التي أضيفت فيها القشة التي قصمت ظهر البعير. عطاء من لا يملك لمن لا يستحق: كانت السلطات المقدونية قد أقدمت على إجراء اتصالات مباشرة مع السلطات الصربية في شهر فبراير ٢٠٠١م لإعادة ترسيم الحدود بين البلدين، والحدود هنا لم تكن قاصرة على حدود صربيا مع مقدونيا، بل شملت حدود مقدونيا مع كوسوفا! ! فما الذي أدخل صربيا في موضوع يخص كوسوفا؟ ! هذا ما حصل؛ فقد قامت السلطات الصربية بالفعل بالتباحث نيابة عن شعب كوسوفا الواقع الآن تحت «الاحتلال» الأطلسي! ودون أن يحضر المباحثات السياسيون الألبان المشاركون في الائتلاف الحكومي! وأثار هذا التصرف الأرعن الألبانيين كافة حتى السياسيين الرسميين المتعقلين منهم، وطالبت الأحزاب الألبانية في البرلمان المقدوني الحكومة بأن تشركهم فيما يدور بشأن بلدهم، وأن تبحث الشأن الكوسوفي مع مسؤولين كوسوفيين، إلا أن الحكومة المقدونية التي تعلم بعدم وجود (مسؤولين كوسوفيين) الآن من الناحية الواقعية بسبب (الانتداب) الأطلسي؛ أرادت أن تنتهز الفرصة وتنتهي مما تريده مع الصرب قبل حدوث أي تغيير محتمل في كوسوفا مستقبلاً، وأتبعت السلطات المقدونية خطوة الاتفاق مع الصرب على حساب الكوسوفيين بأن أرسلت قوات للسيطرة على بعض القرى المسلمة على الحدود بين مقدونيا وكوسوفا، بعد أن قدمها لهم الصرب (هبة) لا ترد باتفاق موقَّع! وهنا أُشعل فتيل الصدام، وبدأ الأهالي الكوسوفيون بالتناوش مع القوات المقدونية، وتطور الأمر إلى تدخل وحدات عسكرية من الشباب الألباني من مقدونيا، واشتبكت مع القوات الحكومية، وتداعت الأحداث إلى المدينة الألبانية الكبرى في مقدونيا وهي مدينة (تيتوفا) ، وبدأت صدامات بين جيش التحرير الوطني وقوات الحكومة المقدونية التي بدت مذعورة من رد فعل المقاتلين الألبان على خطوتهم الممعنة في الاستهانة بهم. وبعد تدخلات دولية وتفاعلات داخلية تقرر إيقاف القتال الذي بدأ في (شهر ذي الحجة الماضي) حتى تُعطى الفرصة لمحاولات الحل السلمي عن طريق التفاوض بين ممثلي الألبان في الحكومة المقدونية، وبين تلك الحكومة، ولكن وكما كان متوقعاً لم توصل المفاوضات السلمية إلى حل؛ لأن الحكومة المقدونية ركبت رأسها وظلت على عنادها لمطالب ألبان مقدونيا؛ ولهذا اشتعلت الأحداث مرة أخرى ابتداءً من (٧/٢/١٤٢٢هـ) ، الموافق (١/٤/٢٠٠١م) . الحكومة المقدونية ومنذ بداية الأحداث وُضعت في مأزق صعب، إلى درجة أنها اتهمت حلف الناتو بأنه تواطأ عليها بتسهيل عبور المقاتلين من كوسوفا! إنها حكومة ضعيفة وفي الوقت نفسه لا تجد لها حلفاء ضد المقاتلين المسلمين، وهناك من يراهنون على تقسيمها، وهي منذ أن أعلنت الاستقلال عن يوغسلافيا عام ١٩٩١م، لم تجد من يعبأ بها من دول الجوار؛ فبلغاريا تعتبر المقدونيين فصيلاً من القومية البلغارية، وترفض الاعتراف بهم شعباً مستقلاً، واليونان لم تعترف حتى الآن بشيء اسمه مقدونيا؛ فهم ينازعون الشعب المقدوني في النسبة إلى الإسكندر الأكبر المقدوني المتوفى عام (٣٢٣) ق. م. فبينما ينسب المقدونيون أنفسهم إليه، يرى اليونانيون أنه كان يونانياً من أبناء إحدى قرى اليونان التي تسمى: (مقدونيا) ، أما روسيا فهي أيضاً غير راضية عن الحكومة المقدونية؛ لأنها سمحت لحلف الأطلسي أن يضرب الصرب في كوسوفا عام ١٩٩٩م انطلاقاً من أراضيها، والصرب بطبيعة الحال يمقتون هذه الحكومة التي رأوها صنيعة للغرب منذ أن استقلت عن الاتحاد اليوغسلافي، ولكنهم يحاولون الاستفادة منها بعد تغير نظام ميلوسوفيتش. ولكن روسيا بالذات نظرت للتطورات في مقدونيا نظرة ريبة؛ من جهة أن الأمور فيها تتجه إلى تبلور (شيشان) أخرى بلقانية؛ فخروج مقاتلين إسلاميين جُدد من مقدونيا بعد المقاتلين الذين كانوا في كوسوفا ومن قبل في البوسنة، ينذر بتطور لن يكون في صالح روسيا ولا حلفائها المتبقين في شرق أوروبا، وقد أعرب وزير خارجيتها (إيجور إيفانوف) إبان أحداث ذي الحجة الماضي عن قلق بلاده الشديد من تطور (الإرهاب الدولي) في البلقان وغيرها، ودق ناقوس الخطر من (طالبان) جديدة في البلقان! وتأتي الولايات المتحدة في وسط كل هذا التصعيد متظاهرة بالحياد والمراقبة من بعيد؛ فقد رفضت التدخل في مقدونيا سياسياً أو أمنياً بدعوى أن الوضع يمكن أن يهدد (عملية السلام) في كل من البوسنة وكوسوفا. ومع هذا فقد طالبت الحكومة المقدونية القوات الدولية الأطلسية أن ترد لها جميل السماح بضرب الصرب من أراضيها، بأن تقوم تلك القوات بضرب المقاتلين الألبان في مقدونيا وفي كوسوفا أيضاً! قد يتوقع بعض المراقبين أن تقوم القوات الدولية بذلك، ولكن المترجح أن الولايات المتحدة لا تريد استقراراً أو قوة للنصارى الأرثوذكس في منطقة البلقان؛ لأنها لا تستطيع الاعتماد عليهم في تنشئة وضع جديد هناك يخدم هدف السيطرة الأمريكية على تلك المنطقة، ولأن الأرثوذكس خاضعون تقليدياً للتوجهات الروسية، ولا يعني هذا أن الولايات المتحدة تريد لمسلمي البلقان أن يكونوا بديلاً في التمكن في هذه المنطقة، ولكنها قد ترى أنه يمكن الاعتماد على فصائل منهم مستقبلاً في خدمة الأهداف الأمريكية في شرق أوروبا. الألبانيون بدورهم - في مقدونيا وكوسوفا وغيرها - يشعرون بأن هناك عملية كبرى للتغيير في البلقان، وهم - من وجهة نظرهم - يريدون أن يكونوا طرفاً فيها، بحيث لا يكتفون بموقف المتفرج، وهنا موضع الأهمية البالغة لموقفهم وموضع الخطورة أيضاً؛ فمن المهم ألا يظل المسلمون دائماً في موقف الحاضر الغائب في وقت التحولات الكبرى المتعلقة بمصائرهم، ولكن الأهم ألا يتخذوا مجرد أدوات لإدارة تلك التحولات، فلتكن لهم حساباتهم الخاصة والدقيقة وبخاصة في ظروف الأخطار المحدقة. وفي أزمنة الغربة وعصور الوهن ينصح الرسولُ ﷺ المؤمنَ بأن يكون فيها كابن اللبون: لا لحماً يؤكل، ولا ظهراً يُركَب. لهذا ننصح إخواننا الألبان - مبكراً - بألاَّ يُفْرِطوا في حسن الظن بالنصارى من الأمريكان أو غيرهم، ولْتكنْ ثقتهم بالله - تعالى - أعظم من الثقة بأي أحد، واعتمادهم على قوة الله - تعالى - أكبر من الاعتماد على قوة أحد. فالنصارى أعداء سواء كانوا من الأرثوذكس أو الكاثوليك أو البروتستانت؛ فلنطلب النصرة عليهم ممن أعلمنا بعداوتهم، [وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِياًّ وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً] (النساء: ٤٥) .

стр. 3929

المسلون والعالم تطورات الأحداث في مورو محمد علي طه شنَّت الحكومة الفلبينية النصرانية بقيادة الرئيس المخلوع جوزيف أسترادا، وبالتعاون مع وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان الحاقدين على الإسلام والمسلمين، شنَّت حرباً شاملة على الجهاد الإسلامي ممثلاً بجبهة تحرير مورو الإسلامية، مستهدفة استئصالها وإبادة قادتها وأفرادها، وتدمير المعسكرات والقواعد التابعة لها، وبدأت الحرب الشاملة في منتصف إبريل (نيسان) ٢٠٠٠م. وقد حشدت الحكومة لتحقيق هذا الهدف ما يُقارب نسبته ٨٠% من قواتها، واستعدت لذلك بشراء الأسلحة وطلب العون الخارجي من أمريكا والاستعانة بالطائرات المقاتلة (F١٦) ، وأشركت كل أنواع الأسلحة برية وجوية حتى البحرية لقصف المواقع القريبة من المياه. استطاعت الحكومة تحقيق بعض النجاح، فاستولت على مساحات مختلفة من المناطق والمعسكرات التي كان يستولي عليها المجاهدون، كما قتلت العديد من المسلمين الأبرياء، وأحرقت ودمرت عدداً كبيراً من المنازل والمزارع والمساجد، وحولت آلافاً من المسلمين إلى لاجئين. غير أنه لم يتحقق لها ما تريد وما خططت له من القضاء التام على الجهاد والمجاهدين؛ إذ إن أجزاءً هامة وكبيرة من المعسكرات والقواعد وبخاصة الأجزاء الجبلية والغابية (غابات) لا تزال بيد المجاهدين ولم يتجرأ الجيش على دخولها واقتحامها، ومن ذلك أن معسكر أبي بكر الصديق الذي يُعد المعقل الرئيس للمجاهدين ومقر إقامة قيادتهم المركزية حيث يتواجد الشيخ هاشم سلامات [*] قائد المجاهدين، هذا المعسكر الكبير احتل منه جيش الحكومة ما نسبته ٤٠ %، وهو ما كان يشمل مراكز التعليم والتدريس، ومصحة علاج مدمني المخدرات وتأهيلهم، ومنازل المجاهدين والأسواق، وتم هذا الاحتلال بعد قصف الطائرات والأسلحة بأنواعها. والحال نفسه ينطبق على معسكرات عمر بن الخطاب وبُشرى وبلال التي أخذ منها جيش الحكومة أجزاءً، وبعضها لم يحتل منه سوى نقاط مرور أو أجزاء بسيطة. ومع ذلك فإن الجيش النصراني الحاقد لم يحقق ذلك إلا بعد خسائر فادحة في الأرواح والمعدات؛ فقد بلغ عدد القتلى من الجيش أكثر من ألفي قتيل من ضمنهم قيادات عسكرية ذات رتب عالية، وجرح أكثر من ثلاثة آلاف جندي، ودمرت العشرات من المدرعات والسيارات، كما أصيبت بعض الطائرات التي كان لها الأثر الأكبر - كما يقول قادة الجيش - في تحقيق ٨٠% من الإنجازات والانتصارات. أما الخسائر المالية فهائلة؛ إذ إن الحرب كانت تكلف الخزانة ملايين البيسوات يومياً، مما أدى إلى انخفاض سعر البيسو وارتفاع الأسعار، وحدوث الضائقات الاقتصادية. ومقابل خسائر الجيش الفادحة استشهد من المجاهدين ما يربو على مائتي مجاهد، بينما جُرح ما يزيد على خمسمائة مجاهد. غيَّر المجاهدون إثر هذه الأحداث أسلوب قتالهم، فتحولوا من القتال شبه النظامي والدفاع عن المعسكرات والقواعد، إلى التركيز على حرب العصابات والهجوم المباغت لاستنفاد قوى العدو وإقلاق هدوئه وتكبيده الخسائر، ولا تزال المناوشات في مواقع التَّماس مستمرة. وللعلم فإنه يوجد لدى المجاهدين (٤٥) قاعدة ومعسكراً، وقد زاد تعدادهم بعد الأحداث الأخيرة، وناصرهم إخوانهم بالانضمام إليهم، وقد وصل تعداد المقاتلين تحت قيادة الجبهة الإسلامية (M. I. L. F) إلى عشرات الآلاف، وقد تم تسليح نسبة كبيرة منهم تسليحاً جيداً من الغنائم التي خسرها الجيش في المعارك، أو مما يتم شراؤه من الضباط والجنود لانتشار الفساد بين أوساط الجيش. نسبة كبيرة من المسلمين في مورو تناصر الجبهة وتؤيدها، ويصرح قادة الجبهة أن نسبة ٨٠% من شعب مورو يقف معهم. الإطاحة بالرئيس أسترادا: بعد نهاية الأحداث الكبرى من الحرب الشاملة فإن الرئيس الفلبيني الذي أعلن الحرب ضد المسلمين، والذي تلطخت يداه بدمائهم، قد أصابته نقمة الله ودعوات المظلومين، وطُرد طرداً من القصر الرئاسي. كان الرئيس الفلبيني (جوزيف أسترادا) قد أخفق في إدارة أمور البلاد، لعدم توفر الكفاية فيه لهذا المنصب، إضافة إلى ولعه الشهير والشديد باللهو ومعاقرة الخمر، ثم أضاف إلى ذلك الاختلاسات المالية وأخذ الرشوات والمشاركة في تجارة المواد المحرمة، وكانت المعارضة تتلقط سقطاته وأخطاءه، وتضرب على وترها لإثارة الرأي العام ضده، والمطالبة باستقالته. لجأ الرئيس وأعوانه في قيادة الجيش إلى أسلوب صرف الأنظار، فأعلن الحرب الشاملة ضد المجاهدين، لكن السحر انقلب على الساحر كما يقولون فزاد الطين بلة والأمر علة، وكانت الخسائر البشرية والمالية الهائلة سبباً آخر في اشتداد حركة المعارضة ضده، فخرج الشعب في مظاهرات يطالب باستقالته، ثم تضافرت الأدلة على فضائحه المالية مما أقنع الدوائر التشريعية بإحالته إلى المحاكمة، فكانت تلك المحاكمات التي شُغل بها الإعلام العالمي فترة من الزمن، تبعها استقالات عديدة من شخصيات وزارية وعسكرية، ثم تخلى عنه حليفا الأمس ضد الإسلام: وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان اللذان شاركا المعارضة في مهرجاناتها، وأدى ذلك كله إلى أن يُخرَج عنوة من القصر الرئاسي أمام عدسات الكاميرات وتشفي المعارضة والمسلمين. الذي حدث للرئيس المخلوع جوزيف أسترادا كان قد حدث سابقاً للرئيس الطاغية (ماركوس) وهما (ماركوس، أسترادا) الوحيدان اللذان أعلنا الحرب الشاملة ضد المسلمين، فباءا بغضب من الله وعقابه. في الأيام القادمة يُنتظر أن يتم تقديم الرئيس السابق - أسترادا - للمحاكمة رغم محاولاته المتكررة واستجدائه أن لا يحدث ذلك، وقد حاول أن يحصل على اللجوء السياسي في دول الجوار غير أن طلبه قوبل بالرفض، وعلى الباغي تدور الدوائر، وما هي من الظالمين ببعيد. جماعة أبي سياف: أبو سياف هو لقب مؤسس الجماعة، واسمه: عبد الرزاق الزنكلاني، وهو من مسلمي الجنوب من جزيرة باسيلان، درس العلم الشرعي في جامعة أم القرى، وتخرَّج فيها، ثم التحق بمراكز التدريب التابعة لجبهة مورو الوطنية في ليبيا، وتلقى هناك تدريبات عسكرية وقيادية، بعدها عاد إلى منطقته جزيرة باسيلان في جنوب جزيرة ميندناو جنوب الفلبين وهي عبارة عن جزيرة كبيرة منعزلة فيها أكثرية مسلمة، لكنها تعاني من اضطهاد النصارى القادمين من الشمال الذين دفعت بهم الحكومة وساعدتهم لتغيير الخارطة السكانية في الجنوب المسلم، وحرضتهم على قتل المسلمين وسلب أراضيهم، بل كونت منهم جماعات مسلحة لتحقيق هذا المطلب، ومن ذلك جماعة الفئران وجماعة الأخطبوط. موقع الجزيرة المستقل، ومعاناة المسلمين في باسيلان، شجعا أبا سياف على تأسيس جماعة مستقلة، ونشط في أوساط الشباب هناك، ثم اتخذ له قاعدة في الغابة للتأهيل والتدريب الدعوي والجهادي؛ إذ إنه أراد أن تكون جماعته دعوية جهادية: دعوية لتعليم المسلمين دينهم، وجهادية للوقوف ضد النصارى المدعومين من الدولة والدفاع عن المسلمين. بدأ أبو سياف وجماعته أعمالاً عسكرية ضد النصارى الذين يقتلون المسلمين أو الأجانب الذين يساعدونهم أو يأتون للتنصير في صفوف المسلمين [١] ، مما أدخله في الصراع مع الحكومة ممثلة بالجيش وقوات الأمن؛ وقد كان يتلقى مساعدات مالية وتدريبية من شخصيات إسلامية. كثير من الذين عرفوا أبا سياف يصفونه بأنه كان صاحب عقيدة سليمة وفكر سوي، وأنه عُرف بكثرة العبادة؛ إذ كان صوَّاماً قوَّاماً. قُتل أبو سياف في عام ١٩٩٨م في إحدى المواجهات مع قوات الحكومة، وتقول إحدى الروايات إنه كان في زيارة دعوية لإحدى القرى معتكفاً يقوم الليل في أحد المساجد، فحاصرته قوات الحكومة واشتبك معها فقُتل شهيداً نحسبه كذلك رحمه الله. تولى القيادة بعده أخوه الأصغر (قذَّافي الزنكلاني) ، إلا أنه ليس مثل أخيه علماً ورجاحة عقل، إضافة إلى سنِّه الصغيرة، ولذا لم يُجمَع على قيادته، فبدأت الجماعة تتشظى إلى مجموعات. بدأت الجماعة سبيل اختطاف الأجانب والسيَّاح واتخاذهم رهائن، للحصول على المال والمساعدة في الإنفاق على الجماعة، ومن جهة أخرى لتدويخ الحكومة وأجهزتها الأمنية، وإحراجها أمام العالم الخارجي، وهناك من يغلِّب الظن أن بعضاً من جماعاتها قد تم اختراقه من قبل أجهزة الأمن الحكومية للاستفادة من ذلك في تشويه سمعة الإسلام وتلويث مقاصد الجهاد في الجنوب، وأن المجاهدين لا يسعون لنيل حقوق مشروعة بقدر ما يسعون لإرضاء طموحات شخصية وجمع الأموال، إضافة إلى أن الحكومة استفادت من ذلك في إيجاد المسوِّغ للقيام بهجوم وحشي على المناطق المسلمة التي يتواجد فيها أعضاء الجماعة، فقتلوا المسلمين ودمروا منازلهم، وأحرقوا مزارعهم ونكلوا بهم تحت دعوى ملاحقة أعضاء جماعة أبي سياف. حاولت الجماعات الإسلامية الموجودة في الساحة تقديم النصح لقيادات هذه الجماعة بالتخلي عن أسلوب اختطاف الأبرياء واستخدامهم رهائن للحصول على المال، كما وضَّحوا لهم عدم مشروعيته وأثره السيئ واستغلال الإعلام المحلي والعالمي له، غير أن قيادة الجماعة تظن أنه أسلوب مناسب، ومن ضمن من قدم لهم النصح قائد جبهة تحرير مورو الإسلامية الشيخ هاشم سلامات الذي ينقل قواده ونوابه أنه يبارك وجود الجماعة؛ لأنها تشترك مع جبهته في الهدف، لكنه لا يرضى عن أسلوبها. لا يزال عدد من الجماعة حياً مع قيادته رغم محاولات الحكومة المستمرة استئصالهم، غير أنها لا تشكل جماعة كبيرة إذ يبلغ عدد مقاتليها ما يزيد قليلاً على مائتي مقاتل، ومناصروها كذلك قليلون. موقف الرئيسة الجديدة: اسمها (جلوريا وكابا جل أرويو) ، وهي ابنة رئيس سابق للفلبين، عُرف بتعاطفه مع الفقراء، وكذا موقفه المتعاطف مع المسلمين، والواضح من خلال تصريحات ابنته أنها متأثرة به كثيراً؛ إذ إنها غالباً ما تستشهد بمقولاته ومواقفه، ولذا فقد أعلنت بُعَيد تنصيبها رئيسة للفلبين وقف العمليات العسكرية ضد المناوئين للحكومة، ومنهم جبهة تحرير مورو الإسلامية. إلا أنها حين سئلت: هل يعني توقف العمليات العسكرية انسحاب الجيش من المواقع التي أخذها من أيدي المجاهدين؟ ردت بالنفي، ودعت إلى الجلوس مرة أخرى على مائدة المفاوضات لإحلال سلام عادل وكريم. وهناك مساعٍ حثيثة ووساطات لبدء الحوار من دول مجاورة، إلا أن المجاهدين يشترطون ما يلي لبدء المفاوضات مع الحكومة الجديدة: ١ - عقد المفاوضات خارج الفلبين (في دولة إسلامية أو عربية) . ٢ - اشتراك منظمة المؤتمر الإسلامي أو دولة إسلامية عضوة فيه. ٣ - إعلان الحكومة وقف إطلاق النار من جانب واحد. ٤ - انسحاب قوات الحكومة من معسكرات وقواعد المجاهدين. والمجاهدون يناشدون إخوانهم المسلمين دعمهم المادي والمعنوي، ويذكرونهم أن ما يحدث لهم وما يفعله بهم النصارى سببه أنهم مسلمون! !

стр. 3930

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش qatamish١٠٠@hotmail.com نداء «الإيجور» الحزين! ! إخوتنا في العقيدة! بوسعنا أن نبكي؛ وهل البكاء يكفي؟ هل هناك من مسلم لا يعلم قول النبي ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» ، أو أننا جميعاً نعلم ذلك ولكننا للأسف الشديد لا نبالي بالمصيبة في ديننا؟ يا أولي العزم من أمة محمد ﷺ البدارَ البدارَ؛ فقد استنجد إخوانكم المسلمون في التركستان الشرقية بكم لإنقاذهم من محنتهم، إنهم يضعون ثقتهم فيكم، ويأملون في عونكم؛ فهلاَّ مددتم الأيدي إليهم ونصرتموهم بعد أن استنصروكم؟ إن شعبنا اليوم في أصعب مراحل تاريخه وجهاده ضد الاحتلال الصيني، ويمر بكل صنوف الضيق والحرمان من الموارد والإمكانيات؛ فدولة الصين تقوم كل يوم بعمل معاهدات وصداقات مع كل الدول بما فيها الدول الإسلامية والعربية، ثم تضغط على هذه الدول للاعتراف بما أسمته بوحدة الحدود الصينية، وتعني بذلك عدم السماح لأية دولة أخرى بالنظر في أمر التركستانيين الشرقيين أو مساعدتهم على الاستقلال، بل أبعد من ذلك فهي تطالب هذه الدول بإعادة كل لاجئ تركستاني استطاع الهرب من جحيم الحكم الشيوعي الظالم فأصبح لا حق لشعبنا في اللجوء! ! وهو حق معترف به لكل الأمم ما عدا شعبنا المظلوم. إننا في هذه المرحلة غير قادرين على تنظيم حركة عسكرية مضادة للصينيين بسبب تلك الأحوال، ولا نجد أي دعم من أية حكومة على وجه الأرض. ونتساءل في حيرة وحرقة: لماذا شعبنا فقط يحرم من دعم الحكومات الحرة في العالم، وكل الشعوب الأخرى قد وجدت من يسند حقوقها الشرعية في الحرية والاستقلال؟ هل تيمور الشرقية مثلاً تتميز عن شعبنا بشيء حتى تهبَّ كل الحكومات لنجدة شعبها، وتطالب باستقلالها وتدعم ناشطيها علانية؟ ما الذي يدعو إخواننا في العقيدة في الحكومات العربية والإسلامية إلى تجاهل قضيتنا تماماً والانخراط مع الصين في علاقات متميزة في كل المجالات؟ والتسليم لها بحقها في التهام أرضنا وخيراتنا واغتصاب كل حقوقنا الإنسانية التي اعترف بها العالم كله لبقية الشعوب الأخرى؟ وكيف استطاعت الصين إقناعها بأننا صينيون ولسنا أتراكاً مسلمين؟ ! ، ونبكي بحرقة ونتألم ونشكو إلى الله وحده حالنا؛ فهو الأرحم بنا منهم، ثم نشكو إليكم ياإخواننا في العقيدة! ونحن نعلم أنكم بإمكانكم المساعدة المالية لدعم الأنشطة الإعلامية والإنسانية للإيجور، وكذلك الدعم الروحي بالدعاء المتواصل لنا بالنصر والعودة لبلادنا وتحريرها من ربقة الاستعمار الصيني البغيض، في الليالي المظلمة، وفي أوقات التهجد، بالخير والنصر والسؤدد آمين ادع يا أخي المسلم لنا! وكلك ثقة في الاستجابة؛ فدعاء المسلم لأخيه المسلم في ظهر الغيب مقبول عند الله، كما أخبر به الصادق المصدوق سيدنا محمد ﷺ . موقع إيجورستان الحزين www.uyg urs.com فلنقارن.. مجرد مقارنة أعرب الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش عن قلقه لأوضاع طاقم طائرة التجسس التي كانت قد أصيبت فوق الصين، وكان أول تعليق له: لماذا ليس لديهم نسخ من الكتاب المقدس؟ هل لنا أن نرسل لهم نسخاً منه؟ هل يحبون أن تكون لديهم نسخ منه؟ [مجلة نيوزويك العربية، ٢٤/٤/٢٠٠١م) ] هكذا يكون الاستعداد بدأت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية بتوسيع المقابر في المناطق الفلسطينية بعد أن أصبحت المقابر غير قادرة على استيعاب العدد المتزايد من الشهداء إضافة لحالات الوفيات الطبيعية، وطرحت الوزارة الفلسطينية عطاءات رسمية لهذا الغرض. من جهة أخرى شرعت إسرائيل في البحث عن أماكن لاستعمالها مقابر جماعية، وذلك ضمن استعداداتها لنشوب حرب شاملة مع الفلسطينيين. وكانت الحاخامية العسكرية الإسرائيلية قد شرعت في توسيع المقابر التابعة لها بزيادة عدد الوحدات العسكرية التي تعمل على دفن الموتى. وستخصص هذه المقابر لدفن الموتى بصورة مؤقتة في حال نشوب حرب شاملة حين لا يتوفر الوقت الكافي للتعرف على الموتى من العسكريين والمدنيين. كما تسعى الحاخامية الإسرائيلية إلى إيجاد أماكن لدفن الموتى من غير اليهود الذين يحتمل أن يسقطوا في الحرب، بحيث تضاف هذه الأماكن إلى موقعين جاهزين الآن يوجد أحدهما في غور الأردن، والثاني بالقرب من جسر بنات يعقوب. [مجلة المجلة، العدد: (١١٠٦) ] الألماس.. والحاجة الماسة ورد في جردة صدرت عن دائرة المحفوظات الأمريكية أن الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون لم يقدم بعد لائحة بهدايا خاصة كان قد تلقاها هو وزوجته من شخصيات بالداخل والخارج، ومنها ما تلقياه من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، من هدايا خاصة حددت الجردة قيمتها بحوالي ١٢ ألف دولار، ومما ورد في الجردة سوار من ذهب مطعم بالماس مع توابعه من حلق ودبوس زينة قدمته السيدة سهى عرفات، عقيلة الرئيس الفلسطيني، لهيلاري كلينتون، وقيمته ٧٤٠٠ دولار، بالإضافة إلى ٨ هدايا أخرى من الرئيس الفلسطيني وزوجته إلى نظيريهما الأمريكيين، وجميعها من ذهب مطعم أحياناً بالماس المبروش، لكن قيمتها لا تزيد على ٥ آلاف دولار. وفي الجردة حاشية تشير إلى أن الرئيس الفلسطيني قدم دبوس زينة ذهبياً مطعماً بالماس لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت، قيمته ١٧ ألفاً و ٤٠٠ دولار أيضاً. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨١٦) ] بوابة جديدة أعلنت جامعة «كورنيل» الأمريكية أنها ستنشئ فرعاً لكلية الطب بدولة قطر التي وافقت على إنفاق مبلغ ٧٥٠ مليون دولار أمريكي على هذا المشروع خلال فترة ١١ عاماً، بما في ذلك رسوم تدفع للجامعة الأم. وصرح هنتر رولينجز، مدير جامعة كورنيل، أن فرع كلية الطب بقطر سينتهج سياسة تقوم على أساس عدم التمييز المتبعة في الجامعة الأم، كما تستقبل الكلية اليهود وحتى الإسرائيليين طلاباً وأعضاء في الكلية. من جهة أخرى، صرح المدير الإداري لمؤسسة قطر التي تمول المشروع أنهم سينتهجون من جانبهم سياسة عدم التمييز ويحترمونها تماماً، وأضاف أن القبول بالكلية سيخضع لجامعة كورنيل، وأن لا صلة له بالجنسيات، مؤكداً على ترحيب الكلية بكل من هو مؤهل لدخولها. وقال رولينجز إن بعض الأمناء اليهود للجامعة والخريجين أبدوا مخاوف، لكن عندما علموا أكثر عن قطر وطموحاتها أيدوا المشروع. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨١٦٩) ] هموم جزائرية.. نهاية الوئام ١ - قال المستشار الألماني جيرهارد شرودر إن ألمانيا والجزائر اتفقتا على ضرورة التعاون بينهما لمحاربة «الإرهاب» الذي يعصف بالجزائر منذ عام ١٩٩٢م، وقال شرودر في مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في برلين: «فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب هناك اتفاق على أن البلدين يجب أن يتعاونا في هذا المجال» . وأضاف شرودر: «أما إن ذلك يجب أن يتم في إطار نظامنا القانوني والمعاهدات الدولية فهو أمر بالنسبة لنا شديد الوضوح» ، وعادة ما يستخدم مسؤولو الجزائر كلمة «الإرهاب» لوصف عقد من العنف السياسي الذي عصف بالبلاد منذ أن ألغت الحكومة التي يدعمها الجيش انتخابات كان الأصوليون متقدمين فيها، وعند سؤال شرودر عن سجل حكومة الجزائر في حقوق الإنسان فيما يتعلق بمحاربة الأصوليين قال شرودر إن حكومته تؤيد التعليقات التي أصدرها الرئيس الألماني (يوهانز راو) خلال اجتماع مع بوتفليقة. وقال (راو) إن الأصوليين الدينيين لا تجب محاربتهم بالأساليب العسكرية فقط بل أيضاً من خلال استعادة ثقة الشعب، وبناء دولة يحكمها القانون والنظام، وتُحترم فيها حقوق الإنسان، ويشجع التقدم الاقتصادي. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨١٦٣) ] ٢ - اتهم وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري غلام الله أبو عبد الله رجال الكنيسة في الجزائر بمحاولة «تهديد الوحدة الوطنية والاستقرار العام» ، وذكر في تصريحات صحافية أن «الكثير منهم (رجال الدين) إن لم نقل أغلبيتهم كانوا يشتغلون داخل أجهزة أمن بلادهم، وهناك من كانت لهم رتبة عسكرية سامية في الجيش» . وحذر الوزير الجزائري مما أسماه بـ «خطر» رجال الكنيسة البروتستانتية الذين قال: «إن لهم نية مبيتة على خلفيات استعمارية بهدف خلق بلبلة دينية وفتنة سياسية؛ ليتسنى لهم بعد سنوات الهيمنة على المنطقة» وتابع: «إن التبشير المسيحي البروتستانتي يشكل خطراً دينياً محدقاً؛ لأنه مرتبط بأطروحات استعمارية تستدعي منا الوقوف أمامها من خلال التوعية الدينية» . ويلاحظ أن تصريحات الوزير جاءت بعد رعاية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لملتقى دولي عن شخصية القديس الجزائري أوغسطين هو الأول من نوعه منذ الاستقلال، وأفاد أبو عبد الله أن «القائمين على عملية التبشير المسيحي كلهم أجانب من دول أوروبية مختلفة ولا يملكون الجنسية الجزائرية» ، وعبر عن رفضه «أن تستغل الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشها بعض الجزائريين من قبل المشرفين على التبشير المسيحي لنشر مبادئ المسيحية» . [جريدة الحياة، العدد: (١٣٨٩٧) ] ٣ - حال العاصمة الجزائرية وولايتها القريبة، حمامات دم تطال الأبرياء وبارات آمنة تسهر حتى الصباح، يلتقي فيها الجزائريون من كل الطوائف والطبقات، ويتوقف الحديث عن الإرهاب، وتنطلق موسيقى الراي في بارات الأحياء الشعبية، بينما بارات الفنادق حافلة بالفرق الغربية التي تعزف موسيقى الروك. «من أراد الأمن في الجزائر فعليه بالبارات» كلمة قالها أحد السكارى قبل لحظات قليلة من شروق شمس الجمعة، لكنها كانت الحكمة، وربما أحياناً يمكن أن تخرج الحكمة من أفواه السكارى وليس المجانين، لكن هل توقف الناس للبحث عن إجابة السؤال: لماذا يذبح الأبرياء وتتعرض المساجد لأعمال عنف بينما الحانات آمنة، وصناعة النبيذ في الجزائر مزدهرة؟ [مجلة الأهرام العربي، العدد: (٢١٢) ] التغريب المستمر بدأ الغرب الهجوم على بنجلاديش هذا البلد الإسلامي عن طريق المنظمات غير الحكومية، ودفعت ملايين من الدولارات لتغيير المسلمين ولتغيير هويتهم الإسلامية؛ ونتيجة هذه المحاولات فقد تنصر أكثر من مليوني مسلم خلال السنوات الماضية، وكذلك فقد انتشرت الفواحش والمنكرات في المجتمع ويعتبر الحكم الذي صدر بمنع إقامة حد الزنا في العاصمة «دكا» من المحكمة العليا تأييداً لنشر الفواحش والزنا والإباحية في أرجاء بنجلاديش المسلمة، وبهذا السبب ترى المنظمات غير الحكومية أن وراء تشجيع الحكم من المحكمة والمناورات الحكومية ضد الإسلام والمسلمين من قبل حكومة رئيسة الوزراء (حسينة واجد) وهي تمنع دعم المسلمين للمدارس الإسلامية، وكذلك لا تؤيد المهاجرين من بورما وقد اعتقلت القادة من مسلمي البورما، وهناك ضغط شديد على المهاجرين من قبل السلطات البنجلاديشية! ! المطلوب من كل هذه المحاولات أن ترضي (حسينة واجد) الغرب وخصوصاً الحكومة الأمريكية. الاشتباكات الحديثة كانت من قبل المسلمين للرد على المحاولات الحكومية والمنظمات غير الحكومية التي تعمل حسب البرنامج الغربي؛ لتدمير البنية الأخلاقية والدينية في هذا البلد الإسلامي. [مجلة سياحة الأمة الكشميرية، العدد: (٣٨) ] ولا عزاء «للمرابطين» تظاهر مئات الألوف من الموريتانيين احتجاجاً على قرار الرئيس الموريتاني (معاوية ولد سيدي طايع) اعتبار يوم السبت يوم عطلة أسبوعية بجانب الجمعة معتبرين هذا القرار يصب في اتجاه التقارب مع الكيان الصهيوني. وقام طلاب جامعة نواكشوط بترديد شعارات معادية لحكم الرئيس (معاوية ولد طايع) ولـ «إسرائيل» من بينها «لا للتقرب من قتلة أبنائنا في فلسطين» و «السبت لليهود والأنجاس وليس لنا» ، وقد أدى تدفق المظاهرات أمام مبنى جامعة نواكشوط إلى اصطدام مع قوات الأمن التي ألقت قنابل مسيلة للدموع على المظاهرين، وقد رد الطلاب برمي قوات الأمن بالحجارة. وقد عبرت مظاهرات طلاب موريتانيا عن موقف شعبي رافض للقرار الذي أصدرته الحكومة باعتبار يومي الجمعة والسبت من كل أسبوع يومي إجازة رسمية. وعلى ذات الصعيد نددت القوى السياسية الموريتانية من خلال عدة بيانات بقرارالحكومة المتعلق بالعطلة الذي يشكل استمراراً لعملية التهويد مطالبة الأحزاب والتنظيمات الموقعة على هذه البيانات الشعب بالاعتراض عليه لكونه يحمل أبعاداً دينية وسياسية خطيرة. وكان عدد من أئمة المساجد قد أدانوا خلال خطب الجمعة قرار عطلة السبت، ووصفوه بأنه اتباع لليهود وتودد لهم، وذهب بعضهم إلى حد القول إن موريتانيا أصبحت محمية إسرائيلية، وإن عطلة السبت تأتي بأوامر من السفارة الصهيونية في نواكشوط. وكانت الحكومة الموريتانية قد حظرت في العام الماضي نشاط حزب المعارضة الرئيس (اتحاد القوى الديمقراطية) بسبب دعوته للتظاهرات ضد الكيان الصهيوني. ويذكر أن موريتانيا تعد الدولة العربية الثالثة التي أقامت علاقات رسمية مع الكيان الصهيوني على مستوى السفارة بعد الأردن ومصر، وذلك منذ يوليو ١٩٩٩م، وقد لاقى ذلك معارضة شديدة من العالم العربي وخاصة المغاربي على وجه الدقة. [جريدة السبيل، العدد: (٣٧٧) ] اقترب الفجر ذكرت مصادر عسكرية روسية بشمال القوقاز أن حجم الخسائر البشرية للشيشان منذ الغزو العسكري الروسي لها في أكتوبر ١٩٩٩م بلغ أكثر من ١٠ آلاف مقاتل شيشاني، وقال رئيس أركان الجيش الروسي لشمال القوقاز: إن العمليات التي نفذتها ما أسماه بـ «قوات مكافحة الإرهاب» ضد الشيشانيين قد أسفرت عن استشهاد نحو ١٠٧٢٠ مقاتلاً شيشانياً في الـ ١٧ شهراً الأخيرة، مشيراً إلى أن الشيشانيين خسروا أيضاً نحو ٩ دبابات، و٣٢ عربة مسلحة، و٦ نظم مدفعية، بالإضافة إلى ٥٥٥ قاعدة عسكرية، و ٤٤٣٥ منشأة من منشآت تكرير البترول في الشيشان، ويلاحظ أن التصريحات الروسية تتحدث عن مقاتلين شيشانيين وليس قتلى مدنيين، على الرغم من أن المنظمات الحقوقية الأوروبية أصدرت عشرات التقارير تشير فيها لقتل المدنيين، بَيْدَ أن الروس يتحدثون عن المقاتلين باعتبارهم إرهابيين يجوز قتلهم وليسوا مدنيين! ! [مجلة الإصلاح، العدد: (٤٣٩) ] من مآسي الأكراد قد وجدت المنظمات النصرانية الفرصة سانحة في كردستان فانتشرت منها ١٤٨ منظمة في مختلف المناطق تحت أسماء ونشاطات تنصيرية، مستغلة في ذلك الجوع والمرض والجهل بين السكان لنشر العقائد النصرانية، خاصة بين قطاع الشباب، مسخِّرة في ذلك إمكاناتها الكبيرة المادية والإعلامية. وفي مقابل ذلك لا يوجد من المنظمات والهيئات الإسلامية إلا ثلاث، وهي: الندوة العالمية للشباب الإسلامي، وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، والرابطة الإسلامية الكردية، وتعمل جميعها لمساعدة فقراء المسلمين الأكراد والدفاع عن الإسلام من خلال جهودها، وحسب إمكاناتها المتواضعة التي لا تقارن بإمكانات المنصِّرين الكبيرة. وتصب جهود المنظمات والهيئات الإسلامية الثلاث في المجالات الدينية والثقافية والتعليمية والاجتماعية. [مجلة الكوثر، العدد: (١٨) ] كرامات التنصير الفاتيكاني! ! يشكو سكان روما الذين يعيشون في المنطقة القريبة من حاضرة الفاتيكان، من إذاعة الفاتيكان التي يقولون إنها تسبب لهم إصابات بسرطان الدم (اللوكيميا) . الشكوى سببها هوائيات الإرسال الضخمة التي تستخدمها الإذاعة التي تعتبر صوت البابا إلى مختلف أنحاء العالم. وقد وافقت الحكومة الإيطالية سكان المنطقة على أن هذه الهوائيات تصدر إشعاعات مغناطيسية عالية تسبب خطراً على الصحة العامة. وهدد وزير البيئة في إيطاليا باتخاذ إجراءات ضد المحطة منها قطع الكهرباء عنها إذا لم تخفض ساعات البث. ومع أن الفاتيكان دولة تتمتع بصفة السيادة ولا تخضع لقوانين الحكومة الإيطالية فإن وجودها في قلب العاصمة روما يلزمها بالخضوع للقوانين التي تمس حياة المقيمين حولها. وقد وافقت الإذاعة بالفعل على تخفيض ساعات البث إلى النصف بعد الحملة الأخيرة ضدها. [مجلة المجلة، العدد: (١١٠٦) ] ولا بعد خمسين سنة! ! س: كيف يمكن التوصل إلى حل للخلاف الناشئ، وحل للصراع عموماً؟ ج: سأقول لك أمراً غير مألوف، برأيي أنه خلال فترة جيلنا نحن، وعلى مدى الخمسين عاماً المقبلة، لا يبدو لي أنه سيكون هناك سلام، هذا يعني أن الطرفين يتساومان، ولا يبدو لي أن هناك استعداداً لدى الجانب الفلسطيني ولا في الجانب الإسرائيلي، لإجراء تسوية. اليوم لا توجد أي إمكانية من جانب أحد في إسرائيل للموافقة على إقامة دولة فلسطينية. [أهارون دومب، رئيس الجهاز الإعلامي للمستوطنين اليهود، مجلة المجلة، العدد: (١١٠٥) ] اعتذر.. ولن يعتذر! ! ١- عندما قام بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني بزيارة أثينا في أول زيارة له إلى اليونان، قام لدى وصوله بطلب الصفح للكاثوليك الذين يمثلهم بسبب ما سماه بالخطايا التي ارتكبت بحق الأرثوذكسية في الماضي والحاضر. وقوبلت زيارته لليونان برغم اعتذاره باحتجاجات من قِبَل أتباع الكنيسة الأرثوذكسية، وقد أعرب بعض القساوسة عن الاحتجاج، وهددوا برفع أعلام سوداء وقرع أجراس الكنائس حداداً. وقد وُصِفَ البابا بعدوِّ المسيحية، ووزعت ملصقات معادية له في أنحاء العاصمة اليونانية، لكن زعماء الأرثوذكس قبلوا الزيارة على مضض، وذلك باعتبارها حج. موقع هيئة الإذاعة البريطانية http://bccarabic.com ٢- عندما قام بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني بزيارة سوريا في زيارة تعد تاريخية استقبله الرئيس بشار الأسد، وقام بزيارات للأماكن المسيحية في سوريا، وأقام قداساً في «ملعب العباسيين» ، وعقد اجتماعاً كبيراً يضم الإكليروس المسيحي في عموم سوريا، وزار المسجد الأموي وقابل المفتي كفتارو، وسئل المطران اليسيدور بطيخة النائب البطريركي لكنيسة الروم الكاثوليك في دمشق: هل سيقدم البابا عندما يزور قبر صلاح الدين، اعتذاراً عن الحروب الصليبية في دمشق؟ فأجاب: لا! ! هذا غير صحيح، ثم لمن يقدم الاعتذار عن حروب الفرنجة؟ أنا أعتقد أن الاعتذار يجب أن يقدم أولاً من مسيحيي الغرب لمسيحيي الشرق! ! ومن كان معهم، وثانياً إن الحروب كانت حروب عقليات ولم تكن حروب ديانات! ! [مجلة المجلة، العدد: (١١٠٨) ] شاهد من.. بطونها! ! س: هل تعتقد أن النخبة الثقافية الخليجية غير مؤثرة في مجتمعاتها بالدرجة التي تدفع في اتجاه تغيير أنماط السلوك التي رسخت الصورة السلبية عنهم؟ ج: للأسف معظم هذه النخب غير مؤثرة في مجتمعاتها، وتعيش في تجمعات منعزلة أقرب إلى «الغيتوهات» أي إن المثقفين يخاطب بعضهم بعضاً من دون قدرة على إيصال أفكارهم إلى الناس. ربما لأنهم لم يعرفوا بعد المتلقي الذي يتوجهون إليه، وبالتالي فهم يتحدثون عن مشكلات ليست ملحَّة بالنسبة إلى الناس، والوعي بها لا يتجاوز حدود أفكار هذه النخبة. هذه أزمة النخبة العربية بشكل عام، ولكن درجتها تختلف من بلد إلى آخر. [د. تركي الحمد، مجلة الوسط، العدد: (٤٧٩) ] نمور على المسلمين يعاني المهاجرون المسلمون في سريلانكا معاناة شديدة حيث يفتقدون أبسط متطلبات الحياة، فمساكنهم من القش ومخيماتهم مكتظة، بعد أن فقدوا ما يملكون، ولا يجدون فرص عمل تعينهم على حل مشكلاتهم الاقتصادية. أما مؤسساتهم التعليمية فقد دمرت تماماً، ولا يجدون فرصة لتعليم أبنائهم في شتى المراحل، وانتشر بينهم الفقر والجوع والجهل، وكل ذلك على مرأى ومسمع من الحكومة التي تتجاهل أبسط حقوق مواطنيها. أما المساعدات الإنسانية الخارجية فهي شبه معدومة ولا تسد العجز والعوز رغم قيام بعض الدول الإسلامية بتقديم مساعدات عينية مقطوعة لكنها لا تسد الرمق. وقد سعى المسلمون للعودة لديارهم ولكن قوات «نمور التاميل» ترفض عودتهم بل تسعى للقضاء على البقية الباقية منهم. [مجلة المجتمع، العدد: (١٤٤٢) ]

стр. 3931

الباب المفتوح دمار الحياة.. أم حياة الدمار ؟ ! أحمد عبد الله السعد من كان يظن في يوم من الأيام أن تصبح اليابان رائدة التقدم وراعية النهضة الصناعية بعدما تعرضت للدمار الشامل بسبب قنبلة (هيروشيما) التي حولتها في لحظة إلى مقبرة جماعية في مدينة أشباح، وغابة من الأنقاض موحشة ظلت تعيش فيها اليابان دمار الحياة ردحاً من الزمن؟ ومنذ تلك اللحظة وحتى الآن يعيش أبناء اليابان روح التحدي والعزيمة؛ ليصنعوا من دمار الحياة حياة جديدة، ومن المقبرة الجماعية جنة مشيدة! ولا غرو أن تستمد أمة من دمار حياتها الحياة، ومن ذلها وهوانها ذخيرة المجد والسؤدد؛ فرُبَّ ضارة نافعة! ! ولكن الأغرب من ذلك وأعجب أن تصنع أمة من مدخرات خيرها ونعيمها حياة الدمار لا دمار الحياة..! فحين تسترخص الأمة أعز مقوماتها في القيم والمبادئ، وتنتقض فيها الأخلاق والمثل انتقاض اللآلئ من العقد البالي؛ فقد عاشت - واللهِ - حياة الدمار! وحين تتحول نواة الخير في قلوب شباب الأمة وفتياتها إلى مجمع للشر الهادر والشهوانية المقيتة، فيغدو الرجل بلا رجولة، وتصبح ربات الخدور والطهر يمشين في الأسواق وأماكن اللهو، كأنهن في أرض مسبعة بلا أب ينهر أو راع يبصر، فحينها وحينها تعيش الأمة حياة الدمار! وحين تهمّش عقول المجتمع - بكل طبقاته - فينظر إلى ماجن الأفلام، ويسمع لساقط الكلمات في الفضائيات والإذاعات، وتنفق لذلك الأموال وتهدر له الأوقات، فتُسلَب كرائم المروءة، ويُستكثر حياء مَنْ في قلبه ذرة حياء، فعندئذ تعيش الأمة حياة الدمار! وحين تُضيَّع كوادر المستقبل، فلا يرعى الآباء أبناءهم بالتربية والإصلاح، والنصح والإرشاد، ويُتركون هكذا يتأثرون بمعطيات البيئة، ويختلط فيهم ذكاء الفطرة بخبث المراهقة، فقد زرعوا في أرض الأمة نباتاً شيطانياً، وقدموا لها معولاً هدَّاماً يقوِّض بناءها. إنه نداء صادق من عمق أعماق الفؤاد، أنقله باللسان وإن ملّ، وأكتبه بالبنان وإن كَلّ، وأردد صداه في نفسي ثم فيك أيها اللبيب! كما يتردد خفق الجنان في صدري فأقول: أيها العقلاء! أناشدكم باسم سلائق العروبة وخلائق الإسلام! أوقفوا حياة الدمار؛ فإنني أخشى أن تنقلب موازين الخير فينا كما انقلبت في الأولين؛ فتصبح معالم الخير شراً! ويغدو الطهر عهراً، وحماية الذمار وصمة عار، فيقال فينا كما قيل فيهم: [أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ] (النمل: ٥٦) .

стр. 3932

الباب المفتوح صورتان عبد الخالق القحطاني في زمن الغربة تمر على الإنسان لحظات يود فيها أنه لم يكن شيئاً مذكوراً، أو أنه مات قبل أن تمر عليه تلك اللحظات فكان نسياً منسياً. والإنسان الذي يملك شيئاً من قلب - ولا أقول يملك قلباً - لَيذوب كمداً وحسرة عندما تمر عليه مناظر البؤساء في هذا العالم الظالم. هذا إذا كان إنساناً؛ فكيف بالمسلم صاحب الرسالة والهمِّ لهذا الدين؟ ! صورة وقع عليها بصري عندما كنت أتصفح عدداً ماضياً من أعداد مجلة التايم الأمريكية. التقطت تلك الصورة لطفلة في الشهر الثامن من عمرها، ترقد في وسط أحد الأحراش في غابة من غابات أوروبا الخضراء، كانت الطفلة ترتدي معطفاً بنفسجي اللون، ويستطيع الناظر أن يرى بوضوح قلادة مميزة تتدلى من رقبة الطفلة، أو بالأصح: تتدلى من بقايا رقبة الطفلة! عيناها مغمضتان بإطباق تام. كانت أشبه بالدمية منها بطفلة، وكأنما جمعت براءة الأطفال كلها لتكون ذلك الوجه الجميل. لقد احْتُزَّتْ تلك الرقبة النحيلة الهزيلة بيد سفاك محترف.. وحول جسد الطفلة ترى أجساداً مبعثرة هنا وهناك، وهي ليست إلا أجساد عائلة الطفلة! لقد كانت العائلة المسلمة تحاول الفرار من جحيم كوسوفا نحو الحدود إلى مأمن، ولكن بضعة كلاب صربية تنبهت للعائلة واستطاعت اللحاق بها، وبكل همجية.. أراح كل وغد منهم ذبيحته! وكذا كان مع تلك الطفلة. عجبت لتلك الصورة.. تُرى ماذا كان شعور تلك الطفلة عندما مرر المجرم سكينه على رقبتها؟ ! هل كانت تتألم؟ ! ربما لم تتألم؛ لأن الجرح الذي أصابها وذويها من خذلان مسلمي العالم لهم كان كافياً لأن يفقدها وأهلها كل حس بالألم والوجع. وها هنا صورة أخرى لطفل فلسطيني اسمه محمد نشرتها دورية واشنطن ريبورت.. ومحمد عمره سنتان.. كان محمد يرتدي سروالاً أصفر عليه رقعة بارزة - دلالة على النعمة! قدماه مغبرتان حافيتان قد غاصتا في أكوام من الحجارة والأخشاب المحطمة، وقد بدت وراءه كذلك أرتال أخرى من الحجارة والأخشاب قد ارتفعت برؤوسها المدببة فوق قامتها التي لا تجاوز الذراعين. كان محمد جامعاً يديه إلى بعضهما ويبكي بحرقة.. حُرقة الطفل الذي كان نائماً مع أمه وأبيه وإخوته وإذا به يستيقظ على أصوات أناس معهم بنادق يطرقون عليهم الباب بشدة.. ينفتح الباب.. تبدأ أمه بالصراخ والعويل بجانبه، ويرتفع صوت أبيه هناك محاولاً التفاهم مع الجنود ولكنهم يدفعون الجميع ويقذفونهم إلى خارج المنزل.. تحين من الصغير التفاتة إلى منزل عائلته.. ويستطيع أن يرى جرَّافة كبيرة تتقدم بسرعة نحو جدار منزلهم. ما هذا؟ ! ! سوف تصطدم بالجدار! ! إنها تصطدم به فعلاً.. ثم تعود إلى الوراء وتصطدم به أخرى وثانية وثالثة ورابعة، ومحمد لا يفهم ما الذي يجري! ! غير أنه لا يزال يُميز صوت بكاء أمه وإخوته وسط هدير محرك الجرافة.. وفجأة، لا يرى محمد بيتهم، كل الذي تستطيع عيناه أن تراه.. حطام المنزل المتراكم. الآن فهمت! ! يقولها الصغير في نفسه، لقد نسي لعبته داخل المنزل، وهكذا فقد ذهبت اللعبة! وانطلق الصبي في بكاء مرير، هو يبكي لعبته المحطمة، وعائلته التي تبكي منزلهم المدمر.. إن عقل الصغير لم يكن يعي أنهم قد تحولوا إلى مشردين بلا مأوى، وبذلك انضموا إلى قافلة المنسيين. عذراً يا قمر كوسوفا الحزين! كم تُذبَحُ كل ليلة ونحن عنك مشغولون! بـ.... وعذراً يا محمد! فأنت كذلك يجب أن تفهم على الأقل لمرة واحدة أن أشغالنا هامة ولا تقبل التأجيل. إننا مشغولون بتقليب صفحات «الإنترنت» ، و «القنوات اللبنانية» ، والبطولات (....) ! ! فاللهم اربط على قلوب إخواننا، وارزقهم نصراً مؤزراً من عندك، ولا تؤاخذهم بما يفعل كثير منا، والله المستعان.

стр. 3933

مصطلحات ومفاهيم الشريعة د. عثمان جمعة ضميرية - ١ - الشريعة - في اللغة العربية - مأخوذة من الشين والراء والعين، وهي أصل واحد، يدل على شيء يُفْتح في امتدادٍ يكون فيه؛ وإلى هذا الأصل ترجع استعمالات ما يُشتقُّ من هذه المادة اللغوية، فيقال: (شَرَعَ) الواردُ شَرْعاً: تناول الماء بفيه. وشرع المنزلُ: دنا من الطريق وشرع فلان يفعل كذا: أخذ يفعل. وشرع الدِّينَ: سَنَّه وبيّنه ... ويستعمل هذا الفعل مضعّفاً فيقال: شرَّع، وهو مبالغة في «شَرَع» . و (الشَّارع) في الشيء: البادئ فيه. والشارع: سانُّ الشريعة. والشارع: الطريق الأعظم في المدينة. و (الشَّرْع) أصله: نهج الطريق الواضح. والشَّرع أيضاً: ما شرعه الله تعالى. ويقال: الناس في هذا شَرْع وشَرَعٌ: سواء. والشرع مصدرٌ ثم استعير للطريق النهج كما سبق فقيل: شَرْع وشريعة وشِرْعة. و (المَشْرعة) : شريعة الماء، وتُجمع على مَشَارع. و (الشِّرْعة) : الطريق، والمذهب المستقيم. وهي أيضاً: مَوْرد الشَّاربة الماء. و (الشريعة) هي أيضاً: مورد الشاربة التي يشرعها الناس فيشربون منها ويسقون. ولا تسمى شريعة حتى يكون الماء عِدّاً لا انقطاع فيه، ويكون ظاهراً مَعِيناً لا يسقى بالرشاء (الحبْل) . واشتق من ذلك: الشرعة في الدين. و (المشروع) : ما سوّغه الشَّرْع [١] . - ٢ - وقد عُني علماء التفسير وعلماء الاصطلاح ببيان معنى الشريعة، كما عني بذلك علماء اللغة العربية؛ ولذلك يحسن أن نقتطف بعض ما جاء عنهم في ذلك. قال ابن مَنْظُورٍ في «لسان العرب» : «الشريعة والشِّرعة: ما سنَّ الله من الدين وأمر به، كالصوم والصلاة والحج والزكاة وسائر أعمال البِرّ. مشتقٌ من شاطئ البحر. ومنه قوله - تعالى -: [ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا] (الجاثية: ١٨) ، وقوله: [لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً] (المائدة: ٤٨) . وقيل في تفسيره: الشِّرعة: الدين. والمنهاج: الطريق. وقيل: الشرعة والمنهاج جميعاً: الطريق. والطريقُ - هنا -: الدِّين، ولكن اللفظ إذا اختلف أتى به بألفاظ يؤكِّد بها القصة والأمر ... وقال ابن عباسٍ: [شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً] (المائدة: ٤٨) : سبيلاً وسنَّةً. وقال قتادة: الدين واحدٌ والشريعة مختلفة» . وقال الرَّاغبُ الأصفهانيُّ في «المفردات في ألفاظ القرآن» : «الشرع: نهج الطريق الواضح. يقال: شرعتُ له طريقاً. والشرع مصدرٌ، ثم جُعِلَ اسماً للطريق النهج فقيل: شِرْع وشَرْع وشرعة. واستعير ذلك للطريقة الإلهية من الدين , قال تعالى: [شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً] (المائدة: ٤٨) ، وذلك إشارة إلى أمرين: (أحدهما) : ما سخَّر الله - تعالى - عليه كلَّ إنسان من طريق يتحرّاه، مما يعود إلى مصالح العباد وعمارة البلاد، وذلك المشار إليه بقوله - تعالى -: [أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِياً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ] (الزخرف: ٣٢) . (الثاني) : ما قيَّض له من الدين وأمره به ليتحرّاه اختياراً، مما تختلف فيه الشرائع ويعترضه النسخ، ودلَّ عليه قوله - تعالى -: [ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا] (الجاثية: ١٨) . وقوله - تعالى -: [شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ] (الشورى: ١٣) : إشارة إلى الأصول التي تتساوى فيها المِلَلُ، فلا يصحّ عليها النَّسخ، كمعرفة الله - تعالى - ونحو ذلك ... » . وقال أبو البقاء الكَفَويُّ في «الكليَّات» : «الشريعة: اسم للأحكام الجزئية التي يتهذَّب بها المكلَّف معاشاً ومعاداً، سواء كانت منصوصة من الشارع أو راجعةً إليه. والشرع كالشريعة: كلُّ فعلٍ أو ترك مخصوص من نبيٍّ من الأنبياء، صريحاً أو دلالة؛ فإطلاقه على الأصول الكليَّة مجازٌ وإن كان شائعاً بخلاف الملَّة؛ فإن إطلاقها على الفروع مجاز. وتطلق على الأصول حقيقةً؛ كالإيمان بالله وملائكته وكتبه وغير ذلك؛ ولهذا لا تتبدل بالنسخ ولا يختلف فيها الأنبياء، ولا تطلق على آحاد الأصول» . وقال التَّهانَويُّ في «كشاف اصطلاحات الفنون» : «الشريعة: ما شرع الله - تعالى - لعباده من الأحكام التي جاء بها نبيٌّ من الأنبياء صلى الله عليهم وعلى نبينا وسلم سواء كانت متعلقة بكيفية عمل، وتسمى فرعية وعملية، ودوِّن لها علم الفقه؛ أو بكيفية الاعتقاد وتسمى أصلية واعتقادية، ودوِّن لها علم الكلام. ويسمى الشرع أيضاً: الدِّين والملَّة؛ فإن تلك الأحكام من حيث إنها تُطاع: دِينٌ، ومن حيث إنها تُملى وتكتب: ملَّة، ومن حيث إنها مشروعة: شَرْع. فالتفاوت بينها بحسب الاعتبار، لا بالذات، إلا أن الشريعة والملة تضافان إلى النبيِّ ﵊، وإلى الأمة - فقط - استعمالاً، والدين يضاف إلى الله تعالى أيضاً. وقد يخصّ الشرع بالأحكام العملية الفرعية» . - ٣ - ومن هذه النصوص والتعريفات التي نقلناها عن أهل اللغة، وعمَّن كتبوا في المصطلحات العلمية، ومن استقراء النصوص القرآنية الكريمة قبل ذلك: نتبيَّن أن الشَّرْعَ والشِّرعة والشريعة كلماتٌ مترادفة تعود إلى أصل واحد؛ وأن الشريعة مشترك لفظيّ يطلق على معان متعددة [٢] ، ويفهم معنى الكلمة ومدلولها من سياق الكلام أو النص. وفيما يلي إشارة إلى أشهر هذه المعاني والإطلاقات للشريعة: ١ - الشريعة هي كلُّ ما أنزله الله تعالى على نبيٍّ من أنبيائه، وهي تشمل الاعتقاد والأحكام العملية الفرعية والأخلاق؛ فهي ما شرعه الله - تعالى - من الاعتقاد والعمل، كما في قوله تعالى: [ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] (الجاثية: ١٨) . وهي بذلك ترادف كلمة الإسلام بمعناه العام؛ فإن الإسلام هو دين جميع الأنبياء ﵈ الذي يعني استسلام العبد لله - تعالى - والإخلاص له والخلوص من كل مظاهر الشرك، وهي أيضاً ترادف كلمة الدِّين. والدين أو الإسلام يتضمن جانب العقيدة وجانب الشريعة أو الفروع العملية؛ وهنا يقال: الإسلام عقيدة وشريعة. وقد يقال في تفصيل أكثر: عقيدة وشريعة وأخلاق، وهي كلها كلمات متلاقية المعنى متقاربة. فالشريعة هي ما شرع الله - تعالى - لعباده من الدِّين. وهي أيضاً: كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله ﷺ ؛ فالدين كله راجع إليهما، ويلحق بهما مصدران آخران هما الإجماع والقياس. ومرة أخرى نؤكد أن هذا ليس اختلافاً في المعنى بين الدِّين والشريعة والإسلام، ولكنه اختلاف في التعبير. ٢ - وتطلق الشريعة كذلك على كل ما خصَّ الله تعالى به كلَّ نبيٍّ من الأحكام العملية الفرعية، وما سنَّه لأمته، مما يختلف من دعوة نبيٍّ لآخر؛ من المناهج العملية وتفصيل العبادات والمعاملات ... إلخ؛ فإن الشرائع مختلفة في الأوامر والنواهي؛ فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراماً، ثم يحلّ في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وقد يكون خفيفاً في شريعة فيزداد بالشدة في الشريعة المتأخرة عنها، وقد تختلف طرق العبادة نظراً لاختلاف الناس وطرق تعليمهم باختلاف استعداداتهم وظروف بيئتهم في مختلف العصور والأزمان، كما تختلف الشريعة أيضاً في شمولها لبعض الأحكام مما لم يكن منصوصاً عليه في شريعة سابقة؛ لأن كلَّ شريعة لاحقة إنما جاءت مكمِّلة أو موضِّحة لشريعة سابقة أو مصححة لما وقع فيها من انحراف. وإلى هذه المعاني جاءت الإشارة في قول الله - تعالى -: [لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً] (المائدة: ٤٨) ، وفي قوله ﷺ : «أنا أوْلى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لِعَلاَّت، أمهاتهم شتى ودينهم واحد» [٣] . وهنا نقول: إن الدين في أصله واحد، والشرائع متعددة. ويقال: وحدة الرسالات وتعدد الشرائع [٤] . ٣ - وتطلق الشريعة أحياناً على ما شرعه الله - تعالى - لجميع الرسل من أصول الاعتقاد والبِرّ والطاعة، مما لا يختلف من دعوة نبيٍّ لدعوة نبيٍّ آخر. كما في قوله - تعالى -: [شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ] (الشورى: ١٣) . وكأن هذا الإطلاق أو المعنى يقابل المعنى الثاني السابق، إذ إنَّ معنى الآية الكريمة: أن الله تعالى شرع لكم ولمن كان قبلكم إقامة الدين، وتَرْكَ الفُرْقة، والاجتماعَ على اتباع الرسل، وهو - سبحانه - الذي شرع لكم ما أمر به إبراهيم وموسى: أنْ أقيموا الطاعة على ما شرع، ولا تتفرقوا فتُشرِّعوا خلاف ما شرع. ٤ - وتطلق الشريعة عند بعض العلماء بمعنى رابع؛ حيث يطلقونها بخاصة على العقائد التي يعتقدها أهل السنة والجماعة من الإيمان مثل: اعتقادهم أن الإيمان قولٌ وعمل، وأن الله - تعالى - موصوف بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ دون تأويل أو تحريف أو تعطيل أو تشبيه، وأن القرآن الكريم كلام الله غير مخلوق، وأن الله خالق كل شيء ... ونحو ذلك من اعتقاد أهل السنة؛ فقد سَمَّوْا أصول اعتقادهم: شريعة. وهي - في هذا - مثل كلمة «السُّنَّة» ؛ فقد يراد بها ما سنَّه وشرعه النبيُّ ﷺ من العقائد، وقد يراد بها ما سنّه وشرعه من العمل، وقد يراد بها كلاهما. وهذا المعنى الأخير للشريعة - أي الاعتقاد - كتب فيه بعض العلماء كتباً مفردة، مثل كتاب «الشريعة» للآجُرّي المتوفى سنة (٣٦٠هـ) ، وهو خاص باعتقاد أهل السنة والجماعة، ومثله أيضاً «الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية» لابن بطة العكبري المتوفى سنة (٣٨٧هـ) [٥] . - ٤ - وإذا كانت تلك المعاني إطلاقات عامة للشريعة فإن بعض علماء الفقه وأصوله يطلقونها بإطلاقات خاصة، وفيما يلي بعض هذه الإطلاقات والمعاني الخاصة: أ - قد يطلق (الشَّرع) على القضاء، أي حكم القاضي. وعندئذ تكون هذه الألفاظ الثلاثة: (القضاء، والشرع، وحكم القاضي) مترادفة، تقابل كلمة «الديانة» التي تعني عند الفقهاء: التنزُّه، أو ما يكون بين العبد وربه تبارك وتعالى. ومثال ذلك: لو علَّق رجل طلاق زوجته طلقةً واحدة بولادة ذكر، وطلقتين بولادة أنثى، فولدت ذكراً وأنثى، ولم يُدْرَ الأول منهما: طلقِّت زوجته طلقة واحدةً قضاءاً، فيحكم القاضي بوقوع طلقة واحدة، وثنتين تنزُّهاًَ، أي ديانةً، يعني فيما بينه وبين الله تعالى، فيفتيه المفتي بوقوع طلقتين احتياطاً. ب - وقد يطلق (الشَّرعيُّ) على ما يجزم العقل بإمكانه ثبوتاً وانتفاءً، ولا طريق للعقل إليه. بمعنى أن العقل لا يحكم بعدم إمكانه وليس له سلطة الحكم فيه؛ فهو ما يتوقف على الشرع أو النص الشرعي، فلا يُدْرَك لولا خطاب الشارع كوجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج وأمثالها. ويقابل الشرعيَّ بهذا المعنى: العقليُّ. ج - ويطلق (الشرعيُّ) أيضاً على ما ورد به خطاب الشرع. أي: ما ثبت بالشرع. سواء كان موقوفاً عليه الشرع أو لم يكن موقوفاً عليه؛ فيتناول وجوب الصلاة وأمثاله ... كما يتناول الإيمان بوجود الله تعالى وقدرته وكلامه ... ؛ لأن ذلك ورد به الشرع، وثبت بالشرع، وإن كان لم يتوقف على الشرع لمعرفته بالعقل إجمالاً. د - ويطلق (الشرعيّ) أيضاً: على ما يقابل الحسّيِّ. فالحسيُّ: ما له وجود حسيّ فقط، والشرعيّ: ما له وجود شرعي مع الوجود الحسيّ؛ كالبيع فإن له وجوداً حسياً، فإن الإيجاب والقبول للبيع موجودان حسّاً، ومع هذا: له وجود شرعي؛ فإن الشرع يحكم بأن الإيجاب والقبول الموجودين حساً يرتبطان ارتباطاً حكميا، فيحصل معنى شرعي يكون المِلْكُ أثراً له؛ فذلك المعنى هو البيع، حتى إذا وجد الإيجاب والقبول في غير المحلّ: لا يعتبره الشرع. هـ - و (الشرعيّ) أيضاً: ما لا يستند وضع الاسم له إلا من الشرع، كالصلاة ذات الركوع والسجود، فإنها بهذا المعنى والكيفية معنى شرعي جاء به الشرع. و وقد يطلق (الشرع) على المندوب والمباح، فيقال: شرع الله الشيءَ، أي أباحه. وشَرَعَه، أي: طَلَبَه وجوباً أو ندباً. وبهذا يظهر أن المشروع لفظ يشتمل على الواجب والمسنون [٦] . - ٥ - وفي الصلة بين المعنيين: الشرعي واللغوي لكلمة «الشريعة» يقول الراغب الأصفهاني: «قال بعضهم: سُمِّيت الشريعةُ شريعةً تشبيهاً بشريعة الماء من حيث إنَّ مَنْ شرع فيها على الحقيقة والمصدوقة: رَوي وتطهَّر، قال: وأعني بالرِّيّ ما قال بعض الحكماء: كنت أشرب فلا أروى، فلما عرفت الله تعالى رَوِيتُ بلا شرب. وأعني بالتطهُّر ما قال - تعالى -: [إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً] (الأحزاب: ٣٣) [٧] . ويمكن أن نلمح بسهولة ويُسْرٍ أن المعاني اللغوية التي سلفت الإشارة إليها كلّها ملاحظة في المعنى الاصطلاحي للشريعة، وبخاصة بالمعنى الأول لها: أ - فالشريعة سنّها الله - تعالى - وابتدأها وبيّنها وأوضحها. وقد ألمحنا إلى أن معنى شَرَعَ الدين: بيّنه وسنَّه، والشارع في الشيء: البادئ فيه. ب - والشريعة كذلك نهج واضح بيِّن ميسَّر؛ فقد جعل الله - تعالى - القرآن الكريم الذي هو مصدر الشريعة: واضحاً ميسّراً للذكر، وجعل النبيَّ صلى الله عليه وسلم مبيِّناً للوحي المنزَّل. وهذا أيضاً من المعاني اللغوية للكلمة. ج - كما أن الشريعة تَسَعُ الجميعَ؛ حيث يَرِدُها الناس جميعاً فيصدرون عنها وقد وسعتهم جميعاً بأحكامها وتكاليفها، وهي أيضاً دعوة عامة للجميع؛ وبذلك يتفق هذا مع معنى الشريعة التي هي مورد الشاربة التي يكون الماء فيها عِدّاً لا انقطاع له وظاهراً يؤخذ بسهولة. د - وكذلك يتفق المعنى اللغوي والاصطلاحي في ملمحٍ رابع، وهو أن الشريعة قريبة المأخذ، سهلة التناول، ميسَّرة للفهم والعمل، دانية من المرء بمصادرها، كما أن معنى شرع المنزلُ: دنا من الطريق. هـ - والشريعة مستقيمة، وهي مذهب مستقيم، ولا استقامة لحياة الإنسان في الدنيا إلا بها، وطريق الإسلام هو الطريق المستقيم، كما أن الشرعة في اللغة هي الطريق والمذهب المستقيم. و والناس أمام الشريعة سواء؛ لأنها خطاب عام للمكلَّفين، يستوي الجميع أمامها دون تفريق، ولا يجوز لأحدٍ الخروج عنها أو عليها. وهو نفس المعنى اللغوي لكلمة شَرْع وشَرَعٌ. أي سواء. - ٦ - وأما إذا بحثنا عن الصلة بين مصطلح» الشريعة «ومصطلح» الفقه «؛ فقد نجد بينهما مطابقة في المعنى، وقد نجد بينهما عموماً وخصوصاً. وهذا الأمر يقضي أن نبيِّن أولاً معنى الفقه في اللغة وفي الاصطلاح. ونوجز ما نستخلصه من كتب اللغة والاصطلاح بأمرين: (أولهما) : أن الفقه في اللغة هو الفهم والعلم بالشيء. أو هو فهم غرض المتكلم خاصة، ومنهم من يجعله خاصاً بفهم وعلم الأمور الخفية الدقيقة التي تحتاج إلى النظر والاستدلال. (والأمر الثاني) : أن العرف قد خصَّ الفقه بعلم الدين، أو العلم بأحكام الشريعة كلِّها. وهذا المعنى الشرعي العام هو الذي كان معروفاً عند السلف في العصر الأول قبل أن يخصَّه المتأخرون بمعرفة الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية كما هو المشهور عند الفقهاء والأصوليين. وعلى هذا المنهج في عموم معنى كلمة» الفقه «جاء التعريف المنقول عن أبي حنيفة ﵀ بأنه» معرفة النفس ما لها وما عليها «أي ما تنتفع به النفس وما تتضرَّر به في الآخرة، أو ما يجوز لها وما يجب عليها وما يحرم. وهذا يتناول الأحكام الاعتقادية والأحكام الوجدانية الأخلاقية والأحكام العملية. ثم فصَّل العلماء في هذا فجعلوا للأحكام الاعتقادية مبحثاً أو اسماً هو» الفقه الأكبر « وخصُّوا الأحكام العملية بـ» الفقه « [٨] . * وعلى هذا: إن العلاقة بين الشريعة بمعناها العام الذي يعني الدين أو الإسلام، وهو المعنى الأول الذي ألمحنا إليه في لغة القرآن وفي اصطلاح العلماء، وبين الفقه بمعناه العام عند السلف الذي يعني علم الدين، أو العلم بأحكام الشريعة كلها ومعرفة النفس ما لها وما عليها، هي علاقة تطابق تام يلتقي فيها المصطَلحان، ويدلّ كلٌّ منهما على معنى الآخر؛ مع ما يجدر التذكير به من أن مصطلح » الفقه «كان أسبق ظهوراً وأكثر استعمالاً في الصدر الأول. * وأما الشريعة بالمعنى الثاني وهو ما خصَّ الله - تعالى - به نبينا محمداً ﷺ من الأحكام العملية الفرعية، وما سنَّه لأمته فيها، فهو يدل على الفقه عندما خصَّه المتأخرون بمعرفة الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية. * وأما المعنى الثالث للشريعة، وكذلك المعنى الرابع فيما سبق فإن بينهما وبين الفقه بمعناه الخاص عند المتأخرين، تبايناً في الموضوع؛ فهما يبحثان في أصول الاعتقاد، وهو يبحث في الفروع والأحكام العملية. * بينما نجد عموماً وخصوصاً بين معنى الشريعة الأول ومعنى الفقه عند المتأخرين؛ فالشريعة بهذا المعنى تشمل الاعتقاد والأخلاق والأحكام العملية؛ بينما الفقه يختص بهذه الأخيرة، وإن كان يستمد من المصادر الأصلية التي هي الكتاب والسنة، وقد تقدم أن الشريعة هي الكتاب والسنة [٩] . - ٧ - وعند العلماء المعاصرين نجد استعمال كلمة الشريعة ظاهراً ومنتشراً، يريدون بها أحياناً معناها الأول؛ فهي ترادف الدين، أو الإسلام، أو الكتاب والسنة؛ بينما نجد بعضهم يستعملها بمعنى الفقه الذي هو معرفة الأحكام العملية ... وإذا تصفحنا كثيراً من المؤلفات المعاصرة التي عنونها أصحابها بـ» المدخل إلى الشريعة «أو» المدخل لدراسة الشريعة «أو» تاريخ الشريعة «أو» تاريخ التشريع «نجد أنها تُعنى بدراسة تاريخ الفقه الإسلامي وأطواره وأهم النظريات والقواعد الفقهية رغم أن بعضها يبني كلامه أولاً، أو يقيم فكرة الكتاب على المعنى الأول الذي ألمحنا إليه، ولكنهم ينتهون إلى ما درج عليه آخرون؛ حيث جعلوا للموضوع نفسه عنواناً آخر هو» المدخل الفقهي «أو» المدخل إلى الفقه الإسلامي «أو» تاريخ الفقه الإسلامي «. وهذا يعني أنهم يريدون بالشريعة: الفقه، أو الأحكام العملية من عبادات ومعاملات وما يتصل بهما. وكذلك في مجال الدراسات الجامعية: نجد كثيراً من الكليات الجامعية التي تحمل اسم» كلية الشريعة «تُعنى بالدراسات الفقهية وأصول الفقه ... إلخ في مقابل كليات» أصول الدين «التي تختص بدراسة العقيدة والمذاهب الفكرية والأخلاقية، وغالباً ما نجد هذا التمييز في الجامعات الإسلامية التي احتضنت كليات متعددة تختص كلُّ واحدة بالعناية بجانب من جوانب الدين أكثر من الجوانب الأخرى، وهنا نجد أن الفقه بمعنى الشريعة؛ أما في كلياتٍ أخرى فقد لا نجد هذا فيها واضحاً. أما على صعيد الدعوة إلى الإسلام وتطبيق الشريعة في البلاد التي غزتها القوانين الوضعية - كما سيأتي - فإن معنى كلمة» الشريعة «لا تقتصر على جانب الأحكام الفرعية العملية، وإنما تعني الدين بأكمله: عقيدةً وعبادة ومنهج حياة وأخلاقاً وسلوكاً؛ لأن الشريعة كلٌّ متكامل لا يقبل التجزئة. - ٨ - وقد ألمحنا فيما سبق إلى أن الشرع هو ما شرعه الله - تعالى -، ومعنى شَرَعَ الدين: سنّه وبيّنه، والشارع في الشيء: البادئ فيه. ونزيد هذه النقطة إيضاحاً وبياناً، فنقول بإيجاز: إن الذي بيده حق التشريع، وله سلطة التشريع والتحليل والتحريم هو الله ؛ فإنه سبحانه المتفرِّد بالخلق والإيجاد؛ فهو إذن المتفرِّد بالأمر والنهي قال الله - تعالى -: [أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ] (الأعراف: ٥٤) ، وقال: [إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ] (يوسف: ٤٠) ، ولذلك كان من يزعم لنفسه حق التشريع مدعياً للشركة مع الله، وكل من شرَّع من تلقاء نفسه فهو مدّعٍ للألوهية: [أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ] (الشورى: ٢١) . ولذلك اتفق العلماء على أن الحاكم هو الله وأنه لا أحد يستحقُّ أن ينفذ حكمه على الخلق إلا من كان له الأمر والنهي الذي له الخلق والأمر؛ فإنما النافذ حكمُ الله؛ لأنه لا مالك إلا الله، والواجب طاعة الله تعالى وطاعة من أوجب الله - تعالى - طاعته. وتفرَّد الله - تعالى - بالطاعة لاختصاصه بِنِعَم الإنشاء والإبقاء والتغذية والإصلاح الديني والدنيوي؛ فما من خير إلا هو جالبه، وما من ضرٍّ إلا هو سالبه، وليس بعض العباد بأن يكون مطاعاً بأوْلى من البعض؛ إذْ ليس لأحد منهم إنعامٌ بشيء مما ذُكِر في حقِّ الإله [١٠] . وبهذا يتبين أن العلماء المجتهدين والفقهاء لا يشرعون الأحكام، ولا يقولون: هذا حلال وهذا حرام من تلقاء أنفسهم، وإنما هم يستنبطون الأحكام ويبيِّنون ولا يشرّعون؛ فليس لهم سلطة التشريع، وكذلك عملهم في دائرة الأمور المباحة وفي التنظيمات التي تحتاجها الأمة في كثير من جوانب الحياة. ومن التجاوز أن يطلق على هذا اسم التشريع. - ٩ - ومنذ عهد الدولة الإسلامية الأولى كانت الشريعة الإسلامية هي السائدة الظاهرة، أي لها وحدها السيادة، وكانت تُظِلّ الجميع حكاماً ومحكومين، ورغم ما قد يقع من انحراف أو تقصير في بعض جوانب الحياة عند بعض الحكام، لم يكن ببال أحدٍ أن يحتكم لشرع غير شرع الله - تعالى -، حتى بدأت الأمور تتغير في القرن الثالث عشر (التاسع عشر الميلادي) وبدأت القوانين الوضعية تزاحم الشريعة شيئاً فشيئاً حتى حصرتها في بعض البلاد الإسلامية في دائرة ما يسمونه بـ» الأحوال الشخصية «وهي المتعلقة بأحكام النكاح والطلاق والإرث والأهلية، وليت هذه الأحكام - أيضاً - تكون بمنجاة من الهجموم والتآمر والتحريف. وكان إدخال القوانين الأجنبية الأوروبية قد بدأ في الدولة العثمانية بفضل نظام الامتيازات التي حقَّقت القوى الغربية عن طريقه لرعاياها القاطنين في الشرق الأوسط أن يحتكموا إلى قوانينهم الخاصة، كما أرغمت أوروبا الخديوي إسماعيل على الأخذ بالقوانين الغربية كما صرّح هو بذلك لرفاعة الطهطاوي فيما يذكره محمد رشيد رضا في» تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده « [١١] . وبهذا يسقط ما يزعمه بعضهم من أن إدخال القوانين الغربية إنما جاء بسبب اختلاف علماء الفقه وتعصبهم لمذاهبهم، أو بسبب عدم اتفاق الفقه الإسلامي أو الشريعة الإسلامية مع متطلبات العصر، ونحو ذلك من الأسباب أو الدعاوى الساقطة! ولا يتسع المقام هنا لعرض التطور التاريخي لهذه القضية في البلاد الإسلامية كتركيا ولبنان وسوريا ومصر والعراق وغيرها، ولكن حسبنا الإشارة إلى أن مبادئ الفقه والشريعة تأتي في المرتبة الثالثة بعد أحكام القانون الوضعي والعرف في استمداد القوانين المدنية (المعاملات) مثلاً، وأن القانون المدني المصري مثلاً يرجع في أصوله إلى عشرين تقنيناً أوروبياً كما ذكر ذلك وبيَّنه الدكتور عبد الرزاق السنهوري؛ وهي التقنينات اللاتينية قديمها وحديثها فالقديم يأتي على رأسه: التقنين الفرنسي، والإيطالي القديم، والتقنين الأسباني، والتقنين البرتغالي، والهولندي. والتقنينات الحديثة تشمل التقنينات اللاتينية الحديثة مثل التقنين التونسي، والمراكشي واللبناني، والمشروع الفرنسي والإيطالي الجديد، وتشمل التقنينات الجرمانية وأهمها: الألماني والسويسري والنمساوي ... ثم البولندي والبرازيلي، والصيني، والياباني.... إلخ؛ وهكذا في سائر البلاد العربية والإسلامية، إلا قلة قليلة من البلاد كالجزيرة العربية، وأفغانستان قبل حكم الشيوعيين، والله المستعان [١٢] . - ١٠ - ولئن طالت هذه المقالة وجاوزت ما قُدِّر لها من صفحات، فإن هذا يجعلنا نشير إشارة فقط إلى أمرين آخرين يتممان البحث في هذا المصطلح: (أولهما) : أن البحث في خصائص الشريعة ومميزاتها قد استوفاه من كتب في هذا الجانب، ويأتي في مقدمة تلك الكتابات:» التشريع الجنائي الإسلامي « للأستاذ الفقيه القانوني عبد القادر عودة، و» خصائص التصور الإسلامي « للأستاذ سيد قطب، و» الثبات والشمول في الشريعة «للدكتور عابد السفياني، وغيرهم من العلماء والباحثين ممن أوْلَوْا هذا الجانب عناية طيبة. (ثانيهما) : أما المقارنة أو الموازنة بين هذا المصطلح وبين ما يقابله في الشرائع الأخرى، وفي القوانين المعاصرة، لبيان فضل الشريعة الإسلامية؛ لأن الأشياء تتميز بضدّها؛ فإن هذا الجانب أيضاً له دراسات متخصصة يحسن الاطلاع عليها لمن أرادها [١٣] . والله الموفق.

стр. 3934

في دائرة الضوء ماذا يُراد بأمتنا العربية والإسلامية؟ الاستعمار النفسي في ثوبه الجديد د. ماهر عباس جلال [*] galalmaher@hotmail.com مقدمة: عرف العالم منذ القرن الخامس عشر الميلادي ما يُسمى بالاستعمار الغربي، وكان يعني في ذلك الوقت: «إخضاع جماعة من الناس لحكم أجنبي، ويسمى سكان البلاد المحتلة بالمستعمَرين - بفتح الميم، وتسمى الأراضي الواقعة تحت الاحتلال البلاد المستعمَرة - بفتح الميم» [١] . والآن ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين يشهد العالم نوعاً جديداً من الاستعمار يمكن تسميته بـ (الاستعمار النفسي) . مفهوم الاستعمار النفسي وأهدافه: إن الاستعمار النفسي استعمار جديد يعمد إلى استعمار النفوس والعقول والأفئدة بدلاً من استعمار الأرض؛ وذلك أن السيطرة على النفوس والعقول والأفئدة يعني السيطرة على كل شيء، فتكاد هذه النفوس ألاَّ ترى إلا بعينه، ولا تسمع إلا بأذنه، ولا تفكر إلا بعقله، تكره ما يكره، وتهوى ما يهوى، وتفني حياتها في سبيل رضاه، ثم ليتها تحظى به؛ فربما كان نصيبها النقمة والازدراء! ! وإذا قِيسَ الاستعمار القديم بهذا الاستعمار النفسي فإنه يعد استعماراً ساذجاً؛ ذلك أن الاستعمار النفسي أشد فتكاً، وأعظم ضراوة، فهو شديد المراوغة والخداع، سريع التطوير لخططه الخبيثة، وطمعه لا تحده حدود؛ فهو لا يقنع بامتلاك الأرض واستغلال ثرواتها فحسب، بل يريد الأرض ومن عليها، وكأن لسان حاله يقول: لنا الدنيا ومَنْ أمسى عليها ... ونَبْطشُ حين نبطشُ قادرينا [٢] أستغفر الله من زلة القلم، فهذا هدف يعد متواضعاً في حقه؛ فهو يريد الكون بأسره، فلا يكتفي بغزو الأرض حتى يتسابق إلى غزو الفضاء، ويعد برامجه لحرب الفضاء [٣] . خطره على الأمة العربية والإسلامية: وأمتنا العربية والإسلامية مستهدفة من هذا الاستعمار لما فيها من طاقات متنوعة وثروات طبيعية هائلة، ولما تحمل في عقيدتها ودينها من مقومات الصمود أمامه؛ فلم ينس هذا الاستعمار هزيمته النكراء أمامها يوماً ما [٤] ؛ ولذا طور خططه، ووسع دائرة أهدافه، ونوَّع وسائله، وغيَّر خطابه؛ فهو يريد هذه المرة ألا يُفلت أحد من قبضته ولا يحيد عن سلطانه قدر أنملة، يريد أن يسبِّح الجميع بحمده، ويتغنى بمآثره، ويعشق ثقافته، ويتمنى رضاه، ويكون طوع هواه. الهزيمة النفسية: إن الاستعمار النفسي يهدف - أول ما يهدف - إلى هزيمة أمتنا هزيمة نفسية تشعر معها بمرارة العجز والقهر [٥] واليأس، وتزول لديها أية بارقة أمل في نهضة حضارية ومستقبل مشرق واعد، وإذا تمكن من تحقيق هذا الهدف فإن ما سواه أهون؛ فالأمة المهزومة نفسياً ليس لها - في ظني - إلا خياران: إما أن تنتحر وتفنى، أو تلقي بنفسها في أحضان هذا المستعمِر - بكسر الميم، وتمكّنه من نفسها يعبث بها كيفما يشاء، وتدين له بالتبعية والولاء التام، فيتحقق له ما أراد من السيطرة عليها ثقافياً وسياسياً واقتصادياً ... إلخ؛ فالهزيمة النفسية أقسى أنواع الهزائم البشرية؛ بحيث تفقد الأمة معها كيانها، وتشعر بالتخبط والاختلال، وتسلم قيادها وهي مخدرة إلى هذا المستعمر ليوجهه كيف شاء، وأين شاء، ومتى شاء. الاستعمار عن بعد: وهذا إن دل فإنما يدل على مدى ذكائه وضرواته، فقد رأى أن الاستعمار العسكري - بمفهومه التقليدي - استعمار ساذج لا بد أن يُقضى عليه يوماً ما، وحينئذ يخرج منهزماً منبوذاً وقد تكبد خسارة مادية ومعنوية وعسكرية فادحة. أما الاستعمار النفسي فيحقق جميع أهدافه ومكاسبه بمفاتيح التحكم عن بعد، وبأقل جهد: يأمر فيطاع، ويطلب فيلبى طلبه؛ فالعقول مخدرة، والنفوس أشبه ما تكون نائمة بفعل التنويم النفسي. وسائل وأقنعة: يلجأ هذا الاستعمار إلى وسائل خبيثة وفتاكة أدمنها ضحاياه، ويتخذ من بعضها قناعاً يخفي تحته أهدافه الحقيقية، فإذا ما اكتشفت حقيقتها أسفر عن وجهه الحقيقي المرعب، وأبرز أنيابه المخيفة الحادة يغرزها في جسد ضحاياه، مطبقاً عليهم من كل جانب، متلذذاً بأنينهم وصراخهم، ثم تطفر من عينيه دمعة عليهم، فتكون المساعدات الاقتصادية، وإغاثة هيئة الصليب الأحمر؛ فيا له من استعمار رحيم مرهف الإحساس! ! ! ومن أهم هذه الوسائل والأقنعة: ١- وسائل الإعلام: لقد أدرك هذا الاستعمار أهمية وسائل الإعلام في عصر من يمتلك فيه هذه الوسائل يمتلك العالم [٦] ، فلا عجب إذن إذا علمنا أن هناك حوالي (١٢٠) وكالة إعلام دولية في العالم [٧] منها (٣٠) وكالة أمريكية لها قرابة (٢٠٠) فرع توكيل في العالم العربي، وميزانية هذه الوكالات وحدها تعادل الميزانية المخصصة للتعليم في البلاد العربية [٨] ، والإعلام الغربي عامة يمثل أكثر من (٩٠%) من الإعلام العالمي [٩] . سيطرة اليهود على الإعلام الأمريكي: والجدير بالذكر أن اليهود يسيطرون على الإعلام الأمريكي، سواء فيما يتعلق بالشبكات التليفزيونية، مثل شبكة (CNN) وشبكة (ABC) ، وشبكة (CBS) ، أو فيما يتعلق بالصحف؛ حيث يمتلك اليهود أكبر ثلاث مؤسسات صحفية أمريكية مؤثرة هي: (نيويورك تايمز) ، و (واشنطن بوست) ، وصحيفة (وول ستريت جورنال) ، أو فيما يتعلق بالمجلات الأسبوعية؛ حيث يمتلك اليهود أهم هذه المجلات وهي: مجلة (التايم) ، ومجلة (نيوزويك) ، ومجلة (يو إس نيوز) [١٠] . التبعية الإعلامية: وإذا تساءلنا: ما دور وكالات الأنباء العربية والإسلامية في الساحة الإعلامية؟ فالإجابة تبدو مخزية؛ وذلك أن هذه الوكالات العربية والإسلامية تعمل من الداخل لصالح وكالات الأنباء الأجنبية، خاصة الوكالات الخمس الكبرى التي تحتكر الأخبار والمعلومات بنسبة (٨٠%) ، وهي: (رويتر) ، و (أسوشيتد برس) ، و (يونايتد برس إنتر ناشيونال) ، ووكالة الأنباء الفرنسية، ووكالة (تاس) الروسية [١١] ، ولا تجد وكالات الأنباء العربية والإسلامية أمامها إلا أن تعتمد عليها في نقل الأخبار وتغطية الأحداث [١٢] . هذا فضلاً عن أن المسلسلات والبرامج الدرامية في الفضائيات العربية تقريباً (٧٠%) منها أمريكية، علماً بأن القنوات الفضائية الأمريكية لا تعرض أكثر من (٢%) فقط من المسلسلات والبرامج غير الأمريكية، ولا يخفى على كل ذي بصيرة أن أمريكا لا تصدر إلينا إلا إنتاجها الثقافي الرديء الذي يحمل في طياته قيماً تتعارض مع منظومة قيمنا وتقاليدنا العربية والإسلامية [١٣] ، وفي ندوة (همر شولد) الدولية التي عقدت في نيويورك عام (١٩٧٥م) ، أكد المتحدثون «أن أنظمة الأخبار والحكومات والمصالح العسكرية والتجارية الغربية تقوم - عمداً - بالتلاعب بتدفق الأخبار العالمية لصالحها، وذلك بهدف الإبقاء على العالم الثالث في حالة تبعية» [١٤] . ٢ - ثورة المعلومات: استطاع الاستعمار أن يتخفى تحت قناع ثورة المعلومات، ويدس لنا السم في العسل، فمثلاً الإنترنت (شبكة المعلومات الدولية) لا يخفى ما لها من أهمية، لكنها تعد مصدر خطورة لنا، وذلك أننا نستخدمها دون فكر يديرها، كما تحوي هذه الشبكة معلومات ومواقع تروج لثقافة الغرب، فكل فكر متأثر بثقافة المنشأ، فهذه الشبكة تكرس إذن ثقافة الغرب ولغته، فتقريباً (٨٨%) من المادة المعروضة فيها باللغة الإنجليزية وحدها، و (٩٠%) بالألمانية، و (٢%) بالفرنسية [١٥] ؛ فأين نصيب اللغة العربية؟ ! وللأسف فإن الاستعمار النفسي بزعامة أمريكا استغل ثورة المعلومات لهتك حريات الآخرين والتلصص عليهم معرفياً وتقنياً، والتنصت على الأفراد والدول، فها هو (إريه بن منشه) ضابط الاستخبارات الإسرائيلي، يعترف في كتابه (غنائم الحرب) بأن إسرائيل تمكنت من اختراق الشيفرة الإيرانية أيام الشاه [١٦] ، وكشفت تحريات صحفية عن وجود شبكة ضخمة للتجسس الإلكتروني شمالي إنجلترا صممتها وتشرف عليها وكالة الأمن القومي الأمريكي (NSA) ، ويطلق على هذه الشبكة اسم: (Echelon) . وهذه الشبكة صُممت للتجسس على الحكومات والشركات والأفراد، دون مراعاة لحرمة أحد [١٧] . إنها ديمقراطية الاستعمار النفسي، وأساليبه الخبيثة الدنيئة؛ فالغاية عنده تسوغ الوسيلة. ٣ - قناع الاقتصاد والسياسة: ويعمد هذا الاستعمار إلى تنفيذ أهدافه رغباً أو رهباً، فيعد بالامتيازات الاقتصادية تارة، وبخلق فرص مناسبة للاستثمار الاقتصادي تارة، وبحبوب المعونات الاقتصادية تارة أخرى، وكأن العلاقة بينه وبين المستعمَر - بفتح الميم - أشبه ما تكون بين الطيور الداجنة وربها (صاحبها) يلقي إليها الحبوب حتى إذا ما سمنت انتفع ببيضها أو تلذذ بلحمها، فإن أبت أن تلتقط الحب وثارت لكرامتها، كانت الضغوط السياسية والاقتصادية، وتحركت ثعالب المليارات اليهودية العملاقة في العالم لتكتم أنفاس هذه الطيور الأليفة وتؤدبها، فإما أن يعود إليها رشدها وتأكل لتسمن وتدر عليه فوائد الديون بشروطه الخاصة، أو أن تموت خنقاً، وينهار اقتصادها كما حدث مع النمور الآسيوية. لغة الاستعمار النفسي: وقد خيل إلى هذا الاستعمار النفسي لجبروته أنه سينتصر بالرعب [١٨] ، فيتحدث إلى أفراد مستعمرته بلغة الاقتصاد تارة، فتكون العقوبات الاقتصادية المجحفة، والحصار الاقتصادي الكافر بكل معاني الإنسانية والرحمة، وما الذي فعله بالعراق وليبيا والسودان منا ببعيد، ولا أحد يستطيع أن ينبس ببنت شفة، فالجميع ملتزم به حتى إخوتهم في العروبة والإسلام، ومن حاول كان مصيره التشرد والضياع. ونذرف الدموع عجزاً وهلعاً حينما نسمع وزارة الصحة العراقية في شهر مارس الماضي تعلن وفاة أكثر (٩٠٠٠) عراقي في فبراير من العام نفسه بسبب الحظر الاقتصادي، ليرتفع بذلك عدد القتلى منذ بدء هذا الحصار إلى (١٢٨٣١١٨) شخصاً من بينهم نصف مليون طفل عراقي [١٩] ! ! . ويستخدم لغة السياسة تارة أخرى، فيكون الوعيد والتهديد، والحملات الشعواء، والتقارير المزيفة، والاتهامات برعاية الإرهاب، والتحذيرات للشعب الأمريكي والرعايا الأجانب من دخول هذه الدولة أو تلك؛ لأنها تدعم الإرهاب، وتكبت الحريات، وتضطهد الأقليات، فليحيَ إذن قانون حماية الأقليات! ! ٤- الرعب العسكري والنووي: فإن لم تُجْدِ لغتا الاقتصاد والسياسة نفعاً برزت لغة الرعب العسكري والنووي وتحركت الأساطيل البحرية وحاملات الطائرات، والقنابل الذكية، وصواريخ (كروز) ، والغواصات النووية، فنراه يرسل لشعب العراق صواريخه ساعة المنام، ليشاركهم الاحتفال بشهر الصيام، ويتأسى لأحوال مرضى السودان وقلة الدواء، فليكن وجهة الصاروخ مصنع الشفاء! ! ! وإذا كان البابا يوحنا بولس الثاني قد استغفر لمن مات من اليهود في المحرقة المزعومة، خلال زيارته بيت لحم يوم الأربعاء (٢٢/٣/٢٠٠٠م) [٢٠] ؛ فمن يستغفر للأطفال الرُضَّع، والشيوخ الرُكَّع، والنساء المغتصبات في كل من العراق، وكوسوفا، والشيشان، وتركستان؟ يا رب قد عجز اللسان! وإذا كان الحاخامات لم يرضوا بما صنعه البابا، فنحن يكفينا الصمت، ونستلذ العجز، وليكن تجاوبنا الاحتجاج أو الشجب! فهذا التصالح بين الصهيونية والصليبية لصالح من؟ وضد من؟ ٥ - غفلة الأمة الإسلامية: ومما شجع هذا الاستعمار على بسط نفوذه، وأعانه على تحقيق أهدافه - غفلة الأمة العربية والإسلامية؛ فنحن أمة نكاد لا نستوعب دروس الأحداث الماضية، نعتمد على العاطفة دون أن تساندها خطط مدروسة وتحليلات علمية متأنية، وبعضنا يدير ظهره للماضي، ويرضى بالواقع، ويسقط المستقبل من حساباته، ومن وخزه ضميره فإنه يهرب من واقعه بالنكت تارة، وبالمباريات تارة، وبالأغاني والأعمال الدرامية تارة أخرى، حتى يظن من يشاهد قنواتنا الفضائية أننا أمة لا تعرف الهموم، وترفل في النعيم، وتبسط نفوذها على العالم أجمع! عمليات غسيل المخ: أضف إلى هذا سذاجة بعض أبناء الأمة حين ينبهرون بأقنعة الاستعمار، فيحسبون أنه قد جاء بالخير للبشرية بهذه العولمة، ويتحمسون لها، ويدعون إليها، لما يصاحبها من أحلام وردية، وقد يعذر هؤلاء؛ فقد عمد الاستعمار إلى إجراء عملية (غسيل مخ) لعقولهم، ثم أخذ يعيد صياغتها وفق أهدافه ومبادئه، فلا عجب حينئذ أن نرى من يحتفلون بذكرى الحملة الفرنسية على مصر، لما لفرنسا الصديقة في زعمهم من فضل إحداث نقلة حضارية بمصر تستحق عليها الشكر والتقدير، ولا غرابة أن نجد بعض العائدين من الدراسة بالغرب يثورون على مبادئهم الإسلامية والتقاليد العربية الراسخة، ويُروِّجون لأفكار الغرب دون تمييز بين الغث منها والسمين. وقفة تأمل قبل فوات الأوان: إن الأمر جلل، وإن الخطب لفادح، وما أحوج أمتنا إلى وقفة متأنية لتتفقد أحوالها، وتشخِّص أدواءها، وتتعرف أسباب كبوتها وضعفها! ! فالأمراض النفسية من أشد الأمراض خطراً على صحة الأمة؛ لأن المريض النفسي قد لا يشعر أنه مريض لخفاء مرضه، ومن ثم يترك المرض يستفحل ويستشري حتى يتمكن منه، وساعتها لن يجدي معه دواء، ولكن قبل أن نبحث عن الدواء فعلينا أولاً معرفة أسباب الداء؛ إذ «الوقاية خير من العلاج» ، فنحن أمام استعمار داهية يجعل الحليم حيران، والقوي عاجزاً، والغافل عبرة للتاريخ، ومن هنا يقفز سؤال مهم إلى الذهن: ما أهم آليات هذا الاستعمار وخططه الاستراتيجية التي يحقق بها أهدافه الخبيثة؟ أساليب الاستعمار النفسي: إن الاستعمار النفسي استعمار منظم الفكر عظيم الطموح؛ ولذا يتخذ أساليب ناجعة، ويرسم خططاً استراتيجية هادفة لتحقيق أهدافه المرجوة، واستغلال وسائله المتاحة أفضل استغلال. من أهم أساليب الاستعمار النفسي: ١ - الدعاية: والدعاية باختصار هي «استخدام أي وسيلة إعلامية عامة أو شعبية، بقصد التأثير في عقول أفراد جماعة معينة أو في عواطفهم، من أجل تحقيق غرض عام معين، سواء كان هذا الغرض عسكرياً أو اقتصادياً، أو سياسياً، وذلك في إطار خطة موضوعة منظمة» [٢١] والدعاية أنواع؛ والذي يعيننا هنا منها الدعاية الرمادية التي تفسر الأحداث باللون الذي يناسبها ويخدم أغراضها [٢٢] والدعاية السوداء هي التي تتخفى وتتنكر دون أن تعلن عن مصدرها الحقيقي [٢٣] . وهذان النوعان دعاية هجومية تهدف إلى إقناع الآخرين والتأثير فيهم لكي يسلكوا اتجاهاً معيناً أو سلوكاً محدداً تحت تأثير الأفكار الدعائية، ويقبلوا وجهات نظر أصحاب هذه الدعاية، ويعتنقوا آراءهم وأفكارهم ومعتقداتهم [٢٤] . ٢ - غسيل المخ: وهو «العملية التي يقصد بها تحويل الفرد عن اتجاهاته وقيمه وأنماطه السلوكية، وتبنّيه لقيم أخرى جديدة تفرض عليه» [٢٥] ، وتعتمد العملية على عدة أسس نفسية وفنية لضمان نجاحها، مثل: الإيحاء، والإنهاك الجسدي بغية إضعاف القدرة الفكرية، والتعذيب العقلي والبدني، وزرع الشك، وتدمير الذات بالإذلال والتحقير [٢٦] . ٣ - إثارة الرعب والفوضى في البلاد: بغية السيطرة الكاملة على الشعوب والتغلب عليها [٢٧] . ٤ - افتعال الأزمات: لتؤثر في نفسية الخصم وتشتت أفكاره، وتظهر عجز الحكومات عن صيانة الأمن في البلاد، وإقناع الرأي العام العالمي بوجود معارضة شعبية لها [٢٨] . ٥- الشائعات: وهي من أهم أساليب الاستعمار النفسي، وقد استخدمت قديماً وحديثاً [٢٩] ، وتعد عاملاً مهماً من عوامل الحرب النفسية التي تستخدم بكفاءة الآن من قبل هذا الاستعمار النفسي، كما أنها بمثابة ترمومتر (مقياس) لمدى الاستقرار النفسي والاجتماعي للشعوب [٣٠] ، وتعتمد على «الترويج لخبر مختلق لا أساس له في الواقع» [٣١] . وقد تكون الشائعات في صورة أحاديث متداولة بين الناس، أو أغان شعبية، أو أعمال درامية، أو دعايات، أو نكت، أو رسوم كاريكاتيرية [٣٢] . خططه الاستراتيجية: ١ - إشاعة روح العجز والاستسلام واليأس: حتى لا تقوم للشعوب قائمة [٣٣] وبهذا يهيئ النفوس والعقول لتقبل أفكاره، ثم الترويج لها والدفاع عنها، وأعانه على نجاح هذه الإشاعة تلك الضربات الموجعة والإبادة الجماعية التي تعرضت لها بعض البلدان في العالم الإسلامي، ثم تقف بقية الشعوب الإسلامية عاجزة عن رد العدوان عنهم، أو بلغة أخرى: لا يسمح لهم بالتدخل لنجدة إخوانهم؛ فالمفتاح السحري لهذه الأزمات في يد الاستعمار النفسي فقط، هذا الاستعمار الذي تؤازره قوات حلف الأطلسي [٣٤] . ومن الطبيعي أن يخلق هذا الصمت أو العجز لوناً من التشاؤم والإحباط لدى الأمة العربية والإسلامية، مما يدفع بعضهم إلى الاستهزاء بالوضع العربي الراهن، والسخرية من الانتماء لهذه الأمة، حتى غدت بعض الصحف العربية تتحرق شوقاً إلى نتائج الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية عساها أن تسفر عن حكومات تنصف قضايانا المصيرية. ٢ - تشويه صورة العربي المسلم: عمدت الدعاية الغربية إلى تشويه صورة الفرد العربي والمسلم في وسائل الإعلام بصورة فجة، وجعله رمزاً للتخلف والإرهاب، والأمثله لا تعد ولا تحصى، منها ما عرضته إحدى القنوات المتلفزة الأمريكية في عام (١٩٧٥م) ، في إعلان لها عن أحد المنظفات الصناعية، حيث يبدأ الإعلان بصوت المعلن: «إن هذا الصابون ينظف أي شيء حتى العربي» ، وتستمر المهزلة فيظهر شخص في زي عربي متسخ، وتحاول إحدى الفتيات تنظيفه بالمنظف الجديد، وينتهى الإعلان بقول الفتاة: «لقد بذلنا كل ما وفي وسعنا» ، وعندئذ يقول المعلن: «إن تقارير المختبرات أثبتت أن عدم نظافة العربي لا يرجع إلى عدم وجود المنظفات، ولكن لأن العربي لا يمكن أن يصبح نظيفاً أبداً» [٣٥] . كما شُوّه الحق الشرعي للبلاد العربية في الدفاع عن أرضها ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي، فتوصف المقاومة اللبنانية - على لسان رئيس وزراء فرنسا ليونيل جوسبان - بأنها عمليات إرهابية [٣٦] ، وتوضع أربعة دول عربية (سوريا، ليبيا، السودان، العراق) في قائمة الدول الراعية للإرهاب، وذلك في التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية، ويشير التقرير أن الأمل الوحيد لسوريا في رفعها من هذه القائمة هو الإذعان لمطالب إسرائيل والتوصل معها إلى تسوية سلمية [٣٧] . ٣ - تشويه التاريخ والرموز العربية والإسلامية: لا يحسد تاريخنا العربي والإسلامي على ما أصابه من تشويه وتحريف على أيدي أعدائه؛ فقد تعمدوا تشويهه، وتصوير الإسلام على أنه دين إرهابي انتشر بحد السيف، وأنه يكبل حرية الفكر، وصوروا قادته على أنهم لم يكونوا إلا أصحاب نزوات ومطامع لا أصحاب مبادئ ورسالة، من هؤلاء هارون الرشيد، وصلاح الدين الأيوبي، وغيرهما، والحضارة الإسلامية ما هي إلا حضارة زائفة عاشت عالة على غيرها من الحضارات التي سبقتها؛ كالحضارة اليونانية والرومانية والهندية [٣٨] . وامتد التشويه إلى بعض الرموز العربية والإسلامية المعاصرة، من قادة ومصلحين ودعاة، بغية أن يفقد أبناء الأمة الثقة في ماضيهم وحاضرهم، ويدب اليأس في نفوسهم، فلا أمل في تغيير الواقع، وتنصرف الجهود عن التخطيط للمستقبل، فتقع الأمة في نهاية المطاف فريسة شهية لهذا الاستعمار. ٤ - الغزو الفكري والثقافي: وهو من أخطر خطط الاستعمار النفسي، ويعتمد بشكل رئيس على الإعلام الغربي وما سار في فلكه من الإعلام العالمي [٣٩] ، وعماد هذا الغزو الفكر والثقافة، وشعاره التنوير والتمدن، وهو لا يحدث فجأة بل يمر بمراحل متدرجة بخفاء ومكر شديدين، بدءاً من الصدمة الفكرية الثقافية؛ حيث تسبح الشعوب العربية والإسلامية في تيار من هذا الغزو يومياً بغرض إحداث عملية (غسيل مخ) للأفكار والثقافة العربية والإسلامية، ثم يتدرج إلى الاحتواء الثقافي بتلقين هذه الشعوب أصول الثقافة الغربية ومبادئها، وشيئاً فشيئاً تحدث عملية ذوبان للثقافة العربية والإسلامية في الثقافة الغربية، وحينئذ يحدث لها نوع من الانحراف الثقافي عن أصولها وجذورها العربية والإسلامية، ومع تعاقب الأجيال تصير ثقافتهم غربية الملامح والنزعة [٤٠] . التسلط الثقافي في وسائلنا الإعلامية: والحق يقال؛ فإن الاستعمار النفسي لا يألو جهداً في سبيل إنجاح هذا الغزو؛ فالإغراءات يسيل لها اللعاب؛ ولا عجب حينئذ أن نرى بعض الفضائيات العربية تعرض ثقافة الجنس، وتروِّج لصداقة الجنس الآخر، وتدعو إلى التحرر الفكري والانفتاح على الثقافة الغربية بمدلولها الشامل: من لغة، ودين، وطرائق حياة، وسلوك، وقيم أخلاقية [٤١] ، مما يعني الثورة على الثقافة العربية والإسلامية، والانفصال عن جذورنا، وهذا التسلط الفكري الثقافي [٤٢] واضح للعيان؛ فقد وصل الأمر إلى حد عرض برامج لتعليم الرقص الشرقي، ومسابقات ملكات جمال العالم (٢٠٠٠م) ، ناهيك عما تطفح به بعض المسلسلات والأعمال الدرامية في بعض قنواتنا الفضائية من العري والانحلال الأخلاقي. ٥ - علمنة المجتمعات وإضعاف الوازع الديني: أدرك الاستعمار النفسي قديماً سر قوة المسلمين وصمودهم في وجهه، وهو الدين الإسلامي، فوضع على عاتقه رسم الخطط الكفيلة بالقضاء عليه، أو على الأقل إضعاف أثره في المجتمعات الإسلامية، وفصله كلياً عن الدولة على غرار ما فعله في تركيا الحديثة [٤٣] ، وكان له في ذلك عدة خطوات منها تقليص المناهج الدينية وجعلها خواء [٤٤] ، وتشويه صورة رجل الدين إعلامياً، وبث الشائعات حول الشخصيات الإسلامية [٤٥] ، والربط الجائر بين الإسلام والإرهاب، وبذل جهوداً مضنية لصرف الناس عن دينهم وعن خططه اللعينة، فأنفق الأموال الطائلة في تنظيم الدورات والمهرجانات الرياضية والفنية في العالم، وصار يصور الفنانين والرياضيين على أنهم صفوة المجتمع ونجومه الجديرين وحدهم باقتداء غيرهم بهم. ٦ - إضعاف اللغة العربية: وفي سبيل نجاح مخططه السابق في النيل من الدين الإسلامي كان لا بد له من إضعاف اللغة العربية، ومحاولة القضاء عليها بكل سبيل ممكن؛ إذ إن اللغة العربية لا تعد وعاء للفكر العربي والإسلامي، ولا تمثل الهوية العربية والإسلامية فحسب، بل هي شعيرة من شعائر الإسلام؛ فقد ورد عن الرسول ﷺ : «من يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالعجمية؛ فإنه يورث النفاق» [٤٦] ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله» [٤٧] . فاللغة العربية والدين الإسلامي كلٌّ لا يتجزأ. ومما يدمي القلوب أن نجد الغرب يهتم بالدراسات العربية والإسلامية في جامعاته، وبمراكز البحوث الاستشراقية، مادياً ومعنوياً، على حين تبدو مثيلاتها شاحبة في عالمنا العربي والإسلامي لا تجد الدعم المادي ولا المعنوي اللازمين لها، حتى صارت عبئاً على مجتمعاتنا العربية، ودأبت وسائل الإعلام على تشويه الفصحى، والربط بينها وبين تخلف الأمة حضارياً اليوم [٤٨] . ويزيد الطين بلة تلك الدعوات المسعورة إلى استخدام العاميات العربية بديلاً عن الفصحى، مما سبب لطلابنا وباحثينا نوعاً من ازدواجية اللغة، حتى في المدارس والجامعات، فشاع اللحن، وأعرض الطلاب عن تعلم الفصحى إلى تعلم اللغات الأجنبية التي استشرت في بلادنا العربية. ٧ - تفتيت وحدة الأمة: ورأى الاستعمار النفسي ضرورة تفتيت وحدة الأمة [٤٩] عملاً بالمثل السائر: «فرِّق تَسُدْ» فحقق شيئاً مما أراد، إما عن طريق إحياء القوميات، أو عن طريق إشعال فتيل النزاع بين الدول العربية والإسلامية على الحدود تارة، كما هو الحال بين اليمن وإرتيريا، وبين مصر والسودان، وبين الكويت والعراق، وبين الإمارات وإيران، وبين الهند وباكستان وغيرها، أو عن طريق النزاع حول مصادر المياه. وقد تسبب هذا النزاع في اتساع هوة الخلاف بين الأشقاء ودول الجوار، فقامت بعض الحروب بينهم، وصارت كل دولة تتربص بأختها شراً، ويحذر كل فرد مكائد أخيه، والتبس على الكثيرين معرفة العدو من الصديق، منشغلين عن العدو الحقيقي الذي يتربص بالجميع ليفتك بهم ويستأصل شأفتهم. سياسة الكيل بمكيالين: كما أخذ الاستعمار النفسي يشجع الحركات الانفصالية في الدول الإسلامية بزعم «حق تقرير المصير» مثلما حدث في تيمور الشرقية، ومثلما يخطط للصحراء الغربية في المغرب، ولفصل جنوب السودان، وتقسيم العراق، على حين يقوم بقمع أية حركة تحريرية تكون من قِبَل الأقاليم الإسلامية التابعة لدول غير إسلامية متجاهلاً حق تقرير المصير، رافعاً شعار: «سيادة الدول» وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، كما هو الحال في البوسنة والهرسك، وكوسوفا، وتركستان، والشيشان، وكشمير. ٨ - استنزاف الطاقات: ورأى ضرورة استنزاف الطاقات العربية والإسلامية، وحرمان العالم العربي والإسلامي منها، ليسلم له أمره، ويسقط سريعاً أمام هجماته، ولكي لا تبقى لديه طاقات فكرية أو اقتصادية أو عسكرية وبشرية لتقاوم مخططات هذا الاستعمار، فعمد إلى تدمير الاقتصاد في ماليزيا وإندونيسيا، وضرب الحصار الاقتصادي حول العراق والسودان وليبيا وسوريا، وقام بسرقة المياه والاستيلاء عليها عنوة من الأردن وسوريا والعراق، ودبر الخطط لاستنزاف الطاقة النفطية، ويتآمر على تدني سعر برميل النفط، وحينما تتوحد الجهود لإجهاض هذه المؤامرة فإنه يُرغي ويُزْبد ويزأر من أجل زيادة الإنتاج ووقف ارتفاع الأسعار، وإلا فالويل والثبور لأية دولة تتسبب في ارتفاع سعر البرميل النفطي [٥٠] ؛ وتلك آية التجبر! ولم ينس بالطبع تفريغ الدول الإسلامية عامة والعربية خاصة من عقولها المفكرة والمبدعة، فوضع أمامها العراقيل، وفي المقابل لوَّح لها بالإغراءات في بلاده، فهاجرت لتسهم في فقر بلادها وتشييد صرح حضارته هو، وماذا تصنع أمة بلا عقول مفكرة أو مبدعة؟ ! أضف إلى ذلك ما فعله بالطاقات العسكرية، فأشعل فتيل الحرب بين الدول تارة، وهاجم بعضها عسكرياً تارة، فمن ثم سارعت هذه الدول إلى شراء أسلحته بكرائم أموالها، مما أثر على اقتصادها، وعوّق مسيرة النهضة الحضارية فيها. أمة بلا شباب أمة بلا مستقبل: أما طاقة الشباب أمل المستقبل، فقد حازت نصيباً أكبر من جهوده متمثلة في نشر المخدرات وتزيين الانحراف الخلقي والعلاقات المحرمة؛ فأمة بلا شباب هي في الحقيقة أمة بلا مستقبل. هذه أهم مخططات الاستعمار النفسي؛ إذ في جعبته الكثير؛ فذراعه طويلة، وخزائنه تكاد لا تنفد، وعزيمته لا تفتر، وقلبه لا يرحم، ومن العجيب أنه لا يمل ولا ييأس، لكن هيهات هيهات، فأمتنا أمامها الفرصة سانحة بما تملك من مقومات مادية ومعنوية - إذا أرادت بإخلاص وثبات - لترد غروره، وتقتل صلفه، وتحبط مخططاته، وتأمن بوائقه، والمهم التخطيط الجيد، والتذرع بالصبر والأمل والحذر، واليقين في نصر الله بعد تحقيق أسبابه.

стр. 3935

بأقلامهن وإذا مرضت فهو يشفين فاتن بنت سعد الصويلح تتقلب صفحات الحياة وتتعدد الأحداث التي تمر على الإنسان، فينال منها ما ينال و «هل تجيء الأيام بما نحب؟ ما أكثر العواصف التي تهبُّ علينا، وتملأ آفاقنا بالغيوم المرعدة، وكم يواجَه المرء بما يكره، ويُحرم ما يشتهي» [١] . ومن تلك الأحداث والعواصف التي تواجه الإنسان «المرض» فلا يكاد يخلو إنسان من عارض يمر به، فيصاب بمرض أو يوجد عنده من يمر بمرض من الأمراض التي لا يملك داءها ودواءها إلا الله : [وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ] (الشعراء: ٨٠) . ومن منا في هذه الحياة لم يصب بغالٍ أو حبيب؟ ومن منا في هذه الحياة لم يتجرع آلام من يراهم أمامه يتقلبون تحت جمرة المرض؟ ولكن السؤال: «هل أدينا أنا وأنت حقاً من حقوق هذا المريض؟» منا من عرف واجبه فأدَّاه، ومنا هداهم الله من لا يهتم فيترك مرضاه أسرى الهموم والغموم والأحزان. وكم من المرضى من عرف حقيقة من هم حوله فبكى بكاءاً مراً لضياع عمره معهم. وقد تطول ساعة المحنة على ذلك المريض، وقد تشتد ويزداد الظلام، وتتلبد السماء بالغيوم لتمتد إلى ساعة يعلن فيها المريض عن انتهاء رحلته من الحياة وقد ودعها، وهناك من فرَّط وأهمل في حق هذا المريض. ثم ماذا؟ يأتي ليسكب الدموع الحارة أسفاً وحزناً على تقصيره في حق ذلك المريض، وقد كان لديه متسع من الوقت، ولكنه كان يسوِّف في حق مريضه، كان يسوِّف حتى في الكلمة الطيبة والابتسامة الصادقة والدعاء له في ظاهر الغيب. وكلماتي لأولئك الذين لديهم متسع من الوقت ليعيشوا مع المريض ولو لدقائق معدودة سواء كانوا أقرباء أم أطباء أم إخوة في الله، ثم كلمات لذلك المريض شفاه الله وعافاه. إن هذه الكلمات لم تجئ لتدغدع المشاعر، أو لتعزف على أوتار حساسة، أو لتسطر كلمات لا تتصل بالواقع ولا تعايشه «لا والله» نحن مسلمون؛ والمسلم يهتم بأمر المسلمين وبكل ما يكدر صفو حياتهم أو يسعدهم، يسعى بقدر ما يستطيع على أن يساعدهم ويمد يد العون لهم «من حق أخيك عليك أن تكره مضرته وأن تبادر إلى دفعها، فإن مسَّهُ ما يتأذى به شاركته الألم، وأحسست معه بالحزن. أما أن تكون ميت العاطفة قليل الاكتراث؛ لأن المصيبة وقعت بعيدة عنك فالأمر لا يعنيك، فهذا تصرف لئيم، وهو مبتوت الصلة بمشاعر الأخوة الغامرة التي تخرج بين نفوس المسلمين، فتجعل الرجل يتأوه للألم ينزل بأخيه مصداق قول رسول الله ﷺ :» مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى « [٢] ، والتألم الحق هو الذي يدفعك دفعاً إلى كشف ضوائق إخوانك، فلا تهدأ حتى تزول غمتها، وتُدبر ظلمتها، فإذا نجحت في ذلك استنار وجهك، واستراح ضميرك» [٣] . والإنسان في هذه الحياة لا يعيش وحده وإنما في مجتمع يضم صوراً متعددة لأناس سلبيين وإيجابيين، والمسلم يسعى دائماً إلى أن يكون إيجابياً في تعامله وتعايشه مع الآخرين حتى وإن اختلفت الديانة أو الملة، يحدوه في ذلك ويدفعه حبه لدينه. وتعايش المسلم مع أخيه المريض ومواساته له جزء من ذلك؛ فهو كالمنقذ للغريق - بإذن الله - نعم قد لا يستطيع أن يشفيه؛ فالشفاء بيد الله ولكن يستطيع أن يدعو له، يستطيع أن ينقذ عقيدته من مياه اليأس والعجز والقنوط، ويوقد شعلة الإيمان في قلبه، يستطيع أن يبذل له ولذويه ولكل من هم حوله ما يستطيع بالكلمة وغيرها، فلا يقف عاجزاً أو يائساً؛ فمنه بذل الأسباب ومن الله الأجر والمعونة والشفاء. كيف تعيش مع مريضك وتغيّر واقعه الذي يعيش فيه؟ يستطيع «القريب من أهل المريض أو الأخ في الله أو الطبيب» أن يتخطى حواجز المريض وحدوده إذا استطاع أن يشعره بقيمة وجوده وأعطاه الثقة بالله بالكلمة الصادقة المرجو بها وجه الله يستطيع متى ما ساعد ذلك المريض على رؤية الأشياء من حوله بوضوح تام خالياً من سحابة الخوف والجزع وظلمة اليأس، والإنسان كلما ارتقى بنفسه ارتقت همته وصغرت في عينه كل الصعاب وسهلت. ولا ننكر دور الحالة النفسية للمريض وغير المريض؛ والسؤال: كيف تعيش مع مريضك وتغيِّر واقعه الذي يعيش فيه؟ وكيف تكسر حواجزه وحدوده؟ يمكن أن يستحق ذلك بإذن الله بأمور أوجهها إليك، ومنها: ١ - عُدْه، واسأله عن حاله، واسأل أهله عنه: فعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني» [٤] ، ولقد عاد رسول الله ﷺ أصحابه؛ فعن ابن المنكدر سمع جابر بن عبد الله يقول: «مرضت مرضاً، فأتاني النبي ﷺ يعودني وأبو بكر وهما ماشيان» [٥] وما من شك في أن عيادة المريض تحقق الإيجابيات التي يسعى من هم حول المريض إلى إيجادها وتحقيقها. وإيجابيات عيادة المريض كثيرة منها: أولاً: إيناس المريض وامتلاك قلبه وشعوره بقيمته لدى الآخرين؛ وكما قيل: «الصديق وقت الضيق» . ثانياً: إحساس الأسرة بمكانتها بين الناس ومدى احترامهم لها وحرصهم على السؤال عن مريضها. ثالثاً: الحصول على الأجر والثواب. وإن تعذرت العيادة ففي مهاتفة المريض أو مكاتبته دور كذلك؛ لكن عيادته هي أقواها وأحبها إلى نفس المريض، وإن لم تتجاوز دقائق معدودة؛ ففيها عاطفة صادقة وإحساس بمشاعر غامرة وخلق فاضل وأدب من الآداب التي يتحلى بها المسلم؛ فعيادة المريض «من الآداب الاجتماعية، وهي حق من حقوق المسلم على أخيه؛ لأن المريض بحاجة ماسة إلى من يواسيه ويسليه ويتفقد أحواله، ويساعده إذا احتاج إلى مساعدة، وهذا الأدب يرتبط بخلق العطاء عند المسلم، وهو يعبر تعبيراً صادقاً عن مبلغ التآخي بين المسلمين ويوثق الصلة بينهم، ويزيد من وشائج المحبة، وأواصر المودات لا سيما إذا لاحظنا أن حالة المريض فيها من الانكسار النفسي ما يجعله رقيق الحاشية، فيّاض العواطف مُهيّأ نفسياً للتأثير عليه وامتلاك مشاعر المحبة في قلبه، والمحبة متى وجدت في طرف سرت غالباً إلى الطرف الآخر بقوة نفاذها وقوة عدواها» [٦] . وإذا ما عدت المريض فلا تغفل عن اتباع هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم في طريقة السؤال والدعاء وإيناس المريض. قال ابن القيم ﵀ تعالى - في زاد المعاد: «كان ﷺ يعود من مرض من أصحابه ... وكان يدنو من المريض، ويجلس عند رأسه، ويسأله عن حاله فيقول: كيف تجدك؟ وذُكِرَ: أنه كان يسأل المريض عما يشتهيه، فيقول:» هل تشتهي شيئاً؟ « [٧] فإذا اشتهى شيئاً وعلم أنه لا يضره أمر به، وكان يمسح بيده اليمنى على المريض، ويقول:» اللهم رب الناس، أذهب الباس، واشفه أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً « [٨] ، وكان يدعو للمريض ثلاثاً كما قال لسعد:» اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً « [٩] وكان إذا دخل على المريض يقول له:» لا بأس طهور إن شاء الله « [١٠] ، وربما كان يقول: » كفارة وطهور « [١١] . وكان يرقي من به قرحة أو جرح، أو شكوى، فيضع سبابته بالأرض ثم يرفعها ويقول:» بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا، بإذن ربنا « [١٢] [١٣] . ٢ - استمع إلى شكواه ورغبه أو ادفعه للتعبير عن نفسه وما يعاني منه: وشكوى المريض إذا لم تكن على وجه السخط والضجر أو رد القضاء والقدر فهي ليست مذمومة؛ فربما عبر لك عما يعانيه وهو يرجو منك كلمة تخفف مصابه وتهون عليه وقع الألم أو يرجو منك دعوة في ظاهر الغيب وخاصة إذا كنت من المقربين إليه. والرسول ﷺ عندما شكى له أصحابه الحمى التي أصابتهم لم ينكر عليهم شكواهم» استأذنت الحمى على النبي ﷺ فقال: من هذه؟ قالت: أم مِلْدَم. قال: فأمر بها إلى أهل قباء، فلقوا منها ما يعلم الله، فشكوا ذلك إليه، فقال: ما شئتم، إن شئتم أن أدعو الله لكم فيكشفها عنكم، وإن شئتم أن تكون لكم طهوراً. قالوا: يا رسول الله! أو تفعَل؟ ! قال: نعم. قالوا: فدعها « [١٤] ، ووجه الدلالة منه أنه لم يؤاخذهم بشكواهم، ووعدهم بأنها طهور لهم [١٥] . ومن حق المريض على الطبيب خاصة إذا شكى له أن يبث روح الأمل في نفسه ويعده بمساعدته حتى ولو كانت الحالة ميئوساً منها؛ فالله لا يعجزه شيء، وأن يراعي التدرج في إخبار المريض عن طبيعة شكواه، وما المرض الذي يعانيه. وتبلغ أهمية التدرج مبلغها إذا كانت الحالة شديدة أو خطرة وأن لا يتعجل؛ فالصراحة المؤلمة والمستعجلة والخالية من الأمل والثقة بالله تسبب انهيار المريض نفسياً، وليتذكر الطبيب المسلم أن هذا المريض مزيج من أحاسيس ومشاعر يستطيع أن يمتلكها كما يمتلك أغلى شيء عنده. ٣ - علِّمه كيف يتلقى الأحداث بكل صبر واحتساب، وذكِّره بالأجر، والثواب: فعن عائشة ﵂ قال رسول الله ﷺ :» لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة، أو حط عنه بها خطيئة « [١٦] وقال أبو بكر الصديق ﵁:» يكفّر عن المسلم حتى بالنكبة، وانقطاع شسعه، وحتى البضاعة، يضعها في كمه، فيفقدها، فيفزع فيجدها في صحيفته « [١٧] ، ورغِّبه - رعاك الله - بالخير العاجل في الدنيا من حصول سعادة النفس وطمأنينتها ورضاها بما قدر، ووعد الله للصابرين وحبه لهم، وما أعده الله لهم في الدنيا والآخرة [وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] (آل عمران: ١٤٦) . ٤ - إذا رأيت منه خوفاً أو جزعاً فأثنِ عليه: بذكر أعماله الفاضلة - مهما قلَّت - ليذهب خوفه، وليحسن ظنه بالله، وحتى لا يضعف كذلك توكله على الله . ٥ - للقصة أثر كبير على حياة الإنسان [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ] (يوسف: ١١١) يأخذ منها العظة والعبرة؛ فلا تغفل عن هذا الجانب وأهميته: وينبغي أن يكون ذلك مع مراعاة دقة الخبر وصحة النقل، وخير القصص ما كانت من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ » ومتى أيقن العباد أن ما يتلى عليهم من قصص القرآن وما بلغهم من حديث الرسول ﷺ كله حق وصدق، فإنه سيكون له أثر عظيم في تقويم نفوسهم، وتهذيب طباعهم، وأخذهم العبر والعظات من هذه القصص « [١٨] ، وكذلك قصص السلف ومدى صبرهم، والمعاصرين من أهل العلم وغيرهم. ٦ - ذكِّره بالتوبة من الذنوب والمعاصي ورد الحقوق والمظالم: وتجديد التوبة مأمور بها المريض والمعافى» لأن التوبة مطلوبة في كل حال « [١٩] ، وتذكيره يمكن أن يكون بالتصريح أو بالإشارة غير المباشرة أو بالقصة وغير ذلك. ٧ - لا تغفل عن أهمية تبصيره بالأحكام المتعلقة بالمرضى: كالصلاة والطهارة وغير ذلك فإذا» كان المريض من ذوي العلم الذين يعرفون، فلا حاجة أن تذكِّره؛ لأنه سيحمل تذكيرك إياه على إساءة الظن به، وأما إذا كان من العامة الجُهال فهنا حين أن يبين له « [٢٠] وعلى الطبيب أن لا يغفل عن أهمية وجود» التراب «للتيمم لمن يعجز عن الماء، وتنبيه إدارة المستشفى في ضرورة توفيره في الأقسام التي يحتاج فيها مرضاها إلى استخدام» التراب « للتيمم. ٨ - حاول قدر استطاعتك في جعله يشترك معك في اهتماماتك وأعمالك: حتى يخرج من الدائرة المغلقة التي يعيش فيها، وحاول أن تستشيره في بعض الأمور، واجعله يساعدك ولو بأقل القليل» وذلك راجع لمقدرة المريض وتقديرك أنت لحالته، والوقت الذي يستطيع فيه المساعدة أو المشورة «. وختام هذه الأمور: يا أيها القريب - أو الأخ أو الطبيب - سل الله العفو والعافية، واحمد الله على نعمه التي لا تحصى. وقبل أن أختم هذه الأمور قد يقول قائل: كيف يمكن للطبيب أن يفعل كل هذا؟ يستطيع أن يفعل إذا قصد ابتغاء الأجر؛ فكما أن العبادة قد تنقلب إلى عادة فكذلك العادة تنقلب عبادة إذا قصد بها وجه الله. إلى من ذاق حرارة المعاناة.. إلى المريض! هل تعاني وتقاسي؟ .. هل قلبتك صفحات الحياة وأرتك وجهاً غير الوجه الذي أنت تعرفه؟ وهل خضت التجربة وقست درجة حرارة المعاناة والألم؟ وهل أيقنت أنك لست أنت الوحيد في هذا العالم الذي يعاني، هناك من هم مثلك يسيرون على نفس دربك يلتمسون الخطا علَّهم يجدون دواءاً شافياً، هل علمتك التجربة » تجربة المرض «أن تصبر وترضى وتسلم علَّ ذلك يثقل الميزان ويمحو شيئاً مما كان؟ هل عرفت قيمتك عند من هم يهتمون بأمرك ومن هم يتمنون لو أن الصحة والعافية تهدى لأهدوك ما تفتقد منها في زمن قلَّ أن تجد من يعيش معك آلامك وأحزانك، ولا أبخس الطيبين من عباد الله حقهم. تذكر يا من ذاق حرارة المعاناة أن» الإنسان في حياته يكون أقرب إلى الله حين يمرض؛ ذلك أنه يحس بنعمة الله، وكلمة (آه) التي يقولها الإنسان وهو يتألم كلمة فطرية يفزع بها الإنسان إلى خالقه؛ لأنه هو الذي وهبه وهو الذي يستطيع أن يشفي؛ فإذا ما استرد الإنسان صحته استرد معها افتراءه ونسي النعمة؛ لأن الإنسان يفقد الأثر بالنعمة ما دامت هي موجودة وهي ممنوحة له من الله دون أن يتعب أو أن يجهد. إذن فقيمة الأحداث التي تصيب الإنسان في نفسه أو تحيط به من نعم إنما هي تذكرنا بالخالق الذي أعطانا هذه النعمة؛ ولولا تلك الأحداث والأزمات لمضينا في حياتنا أو لمضى الكثير منا في حياته وهو لا يحس بنعم الله عليه « [٢١] ، ونعم الله كثيرة ومتعددة ثم بعد ذلك هل يمكن أن تدوم هذه النعم؟ وهل يمكن أن تكون الأيام بكل ما فيها لنا ومعنا دائماً؟ بالطبع لا؛ وهذا محال، وهل يمكن أن تكون كلها مسرات؟ لا؛ فقد يصاب الإنسان في نفسه أو في ماله أو في دينه ولكنه يصبر ويحمد الله على كل حال ويتعامل مع مصائبه تعاملاً خاصاً. اكتشافات ينعم بها المريض: - المرض نعمة: من حيث إنه يعرفك بقيمة نفسك ويبصرك بعيوبك وأنك مخلوق ضعيف لا تستطيع رد ما أنت فيه؛ فأنت ضعيف أمام قدرة الله قد خارت قواك وأصبحت في حال غير الحال التي كنت عليها؛ تلك الحال التي ربما قد طغيت فيها أو تكبرت واستعليت، فجاء هذا المرض وإن قلَّ ليعرفك بقيمة نفسك. قال - تعالى -: [كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى] (العلق: ٦) . - المرض نعمة: حيث إنه يعرفك بمعادن الناس الأوفياء ومدى حبهم وإخلاصهم لك وما يبذلونه لك من النصح والتذكير بالله وإرشادك إلى طريق العلاج المشروع، وربما حظيت بدعوة في ظاهر الغيب يرددونها ليل نهار؛ فهم كالذهب لا يصدأ. - المرض نعمة: من حيث أنه يذكرك بالله ويلجئك إليه؛ فمن ذا الذي دعاه فرده؟ ومن ذا الذي سأله ولم يعطه وكل شيء بيده - سبحانه -؟ : [وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ] (يونس: ١٠٧) . - المرض نعمة: من حيث إنه كالنار التي تنقي الذهب مما علق به والتصق تُكفر به خطاياك، وتُمحى به ذنوبك، وترتفع به درجتك» إن الرجل لتكون له عند الله المنزلة العالية، فما يبلغها بحسن عمله، فلا يزال الله يبتليه بما يكره، حتى يبلغه إياها « [٢٢] . - المرض نعمة: من حيث إنه يذكرك بإخوة في الله من المسلمين يعانون مثلما تعاني، وربما أشد وأقسى من قتل وتشريد وتعذيب واضطهاد، وربما يبحث الواحد منهم عن دواء أو حتى ماء يسد به رمقه فلا يجده؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله. كيف تتعامل مع مرضك؟ ١ - ضع نصب عينيك أن الابتلاء لا بد منه؛ ولكن تعاملنا نحن مع هذا الابتلاء يختلف من شخص إلى آخر قال - تعالى -: [وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ] (البقرة: ١٥٥-١٥٧) ، يقول الشرباصي في هذه الآية:» أنتم جميعاً ستبتلون بشيء من هذا الابتلاء، أو ذاك، أو ذاك ولكنكم لن تكونوا سواء في تحملكم التبعات والمسؤوليات في هذا الابتلاء؛ فمنكم من يصبر، ومنكم من لا يصبر، ومنكم من يسترجع، ومنكم من لا يسترجع. إن الابتلاء نازل بكم جميعاً، ولكن صنفاً خاصاً منكم هو الذي يستحق الثمرة الطيبة: [وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ] (البقرة: ١٥٥) وكأن هذا إيحاء إلى الإنسان بأنه ما دام سيتعرض للابتلاء، وما دام سيصيبه ما قدر له من لون أو ألوان هذه الابتلاءات، فمن الخير له أن لا يجزع ما دام الابتلاء واقعاً سواء رضي أم أبى، وما دام سينال أجر الابتلاء وافق أم لم يوافق، فخير له أن يكون من الصنف الطيب [وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ] (البقرة: ١٥٥) « [٢٣] . ٢ - أبعد التشاؤم عنك، ولا تغمض عينيك حتى لا ترى سواداً حالكاً من الهموم والأحزان؛ فتعيش منطوياً على نفسك بعيداً عن أنظار الآخرين تتوقع في كل لحظة الموت والمصير الأخير، ولا تترك أيها المريض هذه الأوهام والأحزان تسري إلى قلبك وتغطي عقلك لتترك مجالاً لوساوس الشيطان وتسبب لك أمراضاً أخرى وهمية ناتجة عن ضعفك وتشاؤمك. يقول السعدي ﵀:» ألم تعلموا أن ضعف القلب وكثرة أوهامه هو الداء العضال، وقوة القلب مع التوكل على الله صفة أقوياء الرجال؟ فكم من أمراض خفيفة صيرتها الأوهام شديدة؟ وكم من معافى لعبت به الأوهام فلازمه المرض مدة مديدة؟ وكم ملئت المستشفيات من مرضى الأوهام والخيالات؟ وكم أثَّرت على قلوب كثير من الأقوياء، فضلاً عن الضعفاء في كل الحالات؟ وكم أدت إلى الحمق والجنون. والمعافى من عافاه من يقول للشيء كن فيكون؛ فصحة القلوب هي الأساس لصحة الأبدان، ومرض القلوب هو المرض الحقيقي « [٢٤] . أنا لا أنكر أن الإنسان يمر في مرضه بحالة نفسية تضيق أمامه الدنيا ولكنه متى ما ترك لنفسه المجال في التفكير أدى ذلك إلى ضيق وتمنٍ للموت، بل يصل الحال عند البعض إلى أن يُقدِم على الانتحار. قد يتمنى الإنسان الموت لضغوط يمر بها ويَدعو على نفسه ولا يدري» ربما يموت إلى عقوبة وعذاب قبر، وإن بقي في الدنيا فربما يستعتب ويتوب ويرجع إلى الله فيكون خيراً له « [٢٥] والرسول ﷺ قال:» لا يتمنَّين أحدكم الموت من ضر أصابه؛ فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي « [٢٦] . ٣ - فتش في نفسك عن سبب مرضك وعالجه من الناحية» المادية « بالوسائل المشروعة، ولا تهمل ذلك، وابحث عن الدواء؛ فلكل داء دواء إلا الموت، واحرص على اختيار الطبيب المسلم التقي إن قدرت، وإن قدر لك وكان طبيبك غير ذلك فاحذر ذلك الصنف منهم الذي بكلماته تضعف النفس ويقوى هاجس الخوف من المرض، ولا أبخس الأطباء حقهم ولكن» لكل قاعدة شواذ «؛ فلقد وجد من هم على غير الإسلام يتمثلون أو يمثلون ذلك الصنف. ومن الناحية» المعنوية «حاسب نفسك وكن منصفاً، وإياك أن تجاريها أو تخدعها» فينبغي إذن لمن أصابته ضراء أو مسته بأساء أن يبحث أولاً عن سبب ذلك في نفسه ويحاسبها ويعاتبها، قال - تعالى -: [مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ] (النساء: ٧٩) ، وقال - تعالى -: [وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ] (الشورى: ٣٠) فإن غُمَّ عليه ولم يعرف لذلك سبباً، فلا تجعل للحزن عليه سبيلاً إلى قلبه، بل يرجع إلى السياسة الإلهية العليا، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه « [٢٧] . ثم إياك وتلك العبارات التي تعبر عن سخط وضجر كقول القائل:» يا ربي ماذا فعلت حتى تفعل بي هكذا؟ ! «فأنت لا تدري ما الحكمة من وراء هذا المرض. يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀:» إذا أصيب الإنسان بمرض فالله لم يرد به الضر لذاته، بل أراد المرض، وهو يضره، لكن لم يرد ضرره، بل أراد خيراً من وراء ذلك، وقد تكون الحكمة ظاهرة في نفس المصاب، وقد تكون غير ظاهرة في غيره، كما قال - تعالى -: [وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ] (الأنفال: ٢٥) ، فالمهم أنه ليس لنا أن نتحجَّر حكمة الله؛ لأنها أوسع من عقولنا، لكننا نعلم علم اليقين أن الله لا يريد الضرر لأنه ضرر؛ فالضرر عند الله ليس مراداً لذاته، بل لغيره ولا يترتب عليه إلا الخير « [٢٨] . ٤ - أكثِرْ من الذكر والاستغفار. قال علي ﵁:» ما ألهم الله سبحانه عبداً الاستغفار وهو يريد أن يعذبه « [٢٩] ، وقال - تعالى -: [وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ] (الأنفال: ٣٣) فأخبر أنه لا يعذب مستغفراً؛ لأن الاستغفار يمحو الذنب الذي هو سبب العذاب، فيندفع العذاب، كما ورد عن النبي ﷺ أنه قال:» من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب « [٣٠] وقد قال - تعالى -: [أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ] (هود: ٢-٣) . فبين أن من وحَّده واستغفره، متعه متاعاً حسناً إلى أجل مسمى، ومن عمل بعد ذلك خيراً زاده من فضله» [٣١] . ٥ - عليك بالضراعة والدعاء بقلب خاشع وعين باكية في أن يشفيك الله، واحرص على تحري أوقات الإجابة، وأقبل على الله وأثن عليه وناجه بأسمائه الحسنى «ويستحب أن يقدم بين يدي دعائه صدقة، من طيبات رزقه، وأحب ماله إليه» [٣٢] . ٦ - إن المرض لا يعني انتهاء دورك في الحياة؛ فإن كان الله قد أخذ منك شيئاً فقد ترك لك أشياء؛ فالمؤمن في حركة دائمة لا يتوقف وإن عرض له عارض عالجه وأكمل المسير. وخير مثال على ذلك حَبْرُ الأمة ابن عباس - رضي الله عنه - عندما فقد عينيه؛ فماذا قال؟ لقد قال: إن يأخذِ اللهُ من عينيَّ نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نورُ قلبي ذكي، وعقلي غير ذي دَخَلٍ ... وفي فمي صارمٌ كالسيف مأثورُ [٣٣] ٧ - حافظ على الفرائض ولا تفرط فيها: «بقدر استطاعتك، مع سؤال أهل العلم فيما أشكل عليك» وأكثر من أنواع البر والإحسان، وإن وجد من يقوم بذلك عنك فدله عليه، وابتعد عن كل ما يضر العقيدة كالذبح لغير الله، وتعليق التمائم والاستعانة بالجن، والذهاب إلى السحرة والمشعوذين. ٨ - حاول أن تشغل نفسك «وقت هدأة مرضك» بما ينفعك وبقدر استطاعتك «وينبغي أن يكون الشغل الذي يشتغل فيه مما تأنس به النفس وتشتاقه، فإن هذا أدعى لحصول هذا المقصود» [٣٤] ، فإن في إشغال نفسك ولو بأقل القليل دفعاً للوساوس والهموم الناشئة عن كثرة التفكير في المرض. ٩ - تذكر دائماً أيها المريض أن هذه الوصايا هي من صميم الواقع ولم تأت خارجة عنه؛ فكم من أناس عانوا المرض ولكن بقوة الإيمان وأخذ الأسباب عَلَت هممهم فأصبح المستحيل قابلاً للتطبيق. يقول أحد الأطباء: «في يومٍ جاءني جريح مصاباً بلَغَم في قدمه، وقد حمله المجاهدون من منطقة بعيدة واستمروا ما يزيد عن يومين يحملونه على أحد البغال وسط الجبال حتى جاؤوا به، فوجدت جرحه متعفناً وبحاجة إلى إجراء عملية سريعة لتلافي حدوث مضاعفات أخرى، واحترت في الأمر فلم يكن عندي بنج يصلح لإجراء العملية في هذا المكان، ولاحظ مرافق الجريح حيرتي، فقلت له: لا بد له من إجراء عملية بتر الآن حتى لا تحدث مضاعفات والطريق لا زال أمامكم طويل إلى كويته [٣٥] ، حيث توجد المستشفى الكبير، لكن لا يوجد عندي بنج لإجراء العملية، فالتفت إلى الجريح وتحدث معه في الأمر ثم فوجئت بالجريح يطلب مني إجراء عملية البتر بدون بنج فقلت له كيف؟ قال: كما أقول لك! فقلت له: وكيف تقوى على تحمل الألم؟ فنظر إليّ بإشفاق ولم يتكلم وإنما أشار إليّ بأن أبدأ في عملي» . إلى أن قال: «استغرقت العملية ما يزيد عن ساعة ما خرجت فيها من فم المجاهد الجريح تأوهة واحدة؛ بل كان يلهث بذكر الله طوال الوقت. أنهيت إجراءاتي وأغلقت الجرح، ثم نظرت إلى وجه الجريح، فابتسم، وما لبث أن دخل في نوم عميق، أحسست بعد ذلك أني لم أكن أتعامل مع إنسان أو بشر، وأدركت أن الله قد خلق أناساً يرتقون بأنفسهم فوق طبائع البشر ليثبتوا للعالم أن غير الممكن يصير ممكناً لو ارتقى الإنسان بنفسه إليه» [٣٦] . وفي آخر المطاف: ستظل الكلمات عاجزة مهما عبرت، وستقف حائرة مهما حاولت، ولكنه جهد مقل لعله يكون فيه عون لمرضانا على طاعة الله، شفى الله مرضى المسلمين، وفرَّج كربهم، وأعلى درجتهم في جنانه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 3936

مسابقة اللجنة التعليمية في المنتدى الإسلامي لعام ١٤٢٢ه ـ تعلن اللجنة التعليمية بالمنتدى الإسلامي عن إجراء مسابقة بحوث وفقاً لما يلي: ١ - يكتب الباحث في أحد الموضوعين الآتيين: الموضوع الأول: التعليم الإسلامي في إفريقيا. الموضوع الثاني: التعليم الإسلامي في إحدى الدول الإفريقية (يختار الباحث دولة معينة يجري عليها البحث) . ٢ - تشمل أهم عناصر البحث ما يلي: نشأة التعليم الإسلامي، المؤسسات القائمة عليه، حجمه، دور خريجيه، اتجاهاته المذهبية، مواطن القوة، مواطن الضعف، المعلمون والمناهج، مستقبل التعليم الإسلامي وكيف ننهض به. ٣ - يراعى في البحث الاعتماد على المنهج العلمي، وتوثيق المعلومات، والبعد عن الاعتماد على الآراء الشخصية. ٤ - الاعتناء بالإحصاءات والأرقام المهمة. ٥ - يرسل البحث إلى صندوق بريد المجلة في الرياض ١١٤٩٦ ص. ب: ٢٦٩٧٠، أو بواسطة البريد الإلكتروني (com.albayan@hotmail) ، أو يسلم لأحد مكاتب المنتدى أو المجلة. ٦ - آخر موعد لتسلُّم البحوث هو نهاية شهر جمادى الثانية ١٤٢٢هـ. وسوف يصرف للفائزين الجوائز الآتية: * الفائز الأول: ١٠٠٠ دولار، وجميع مجلدات مجلة البيان. * الفائز الثاني: ٧٥٠ دولار، وجميع مجلدات مجلة البيان. * الفائز الثالث: ٥٠٠ دولار، واشتراك لمدة سنتين في مجلة البيان. * الفائز الرابع: ٤٠٠ دولار، واشتراك سنوي في مجلة البيان. * الفائز الخامس: ٣٠٠ دولار، واشتراك سنوي في مجلة البيان. * من الفائز السادس إلى العاشر: ٢٠٠ دولار، واشتراك سنوي في مجلة البيان.

стр. 3937

المنتدى أفلا يتدبرون القرآن سالم فرج سعد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (العقيدة الواسطية) : «من تدبر القرآن طالباً للهدى منه تبيّن له طريق الحق» . الحياة مع القرآن لها طعم خاص، وإحساس خاص، لا يدرك حقيقة تلك الحياة القرآنية إلا من أنار الله بصيرته فوفقه للتأمل في آياته، والتفكر في كلامه المنزّل على خير خلقه، وصفوة رسله ﷺ . إن تدبر القرآن عبادة حثنا الله عليها لما تشتمل عليه من حِكَم وفوائد تربي المسلم وتأخذ بيده لالتماس الخير واقتباس الدروس والعِبَر. فمن حِكَم التدبر: - أنه يدفعك للعمل بقناعة ويقين. - يجعلك مرهف الذوق رقيق الحسّ. - يفتح لك أبواب البيان وسبل الإبداع في العمل والدعوة. وحين تتدبر القرآن الكريم وأنت تتلوه في هدأة الليل وصفاء الكون تأتيك حقائق، وتنكشف لك أسرار تزيدك إيماناً بأنه كلام المولى - تعالى - منه بدأ وإليه يعود، وتضيء لك أنوار الحق، وتنبثق أفكار الهداية وأنت تقرأ فيه قصص الأنبياء والأمم السابقة، تكون لك عوناً على الثبات والدعوة والجهاد. ومن فوائده أنه ميسّر لكل تالٍ وحافظ [وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ] (القمر: ١٧) ، ويربطك بالحياة ويعالج مشكلاتها: [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ] (النحل: ٤٤) ، ويهبُك فطنة وذكاءً وسرعة بديهة [إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِراًّ وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ] (فاطر: ٢٩-٣٠) . ألا ترى معي إلى ذلك الصبيّ وهو يترنم بآيات من الكتاب العزيز يتلوها ويستظهرها في حِلَق التحفيظ ولمَّا يصل سن البلوغ بعدُ، وقد استظهر آيات تتعلق بأحكام الطلاق والنكاح، وأخرى بالغنائم والقتال.. ونحو ذلك مما قد يُشكِلُ عليه فهم معانيها لكنه ميسّر له حفظها وتلاوتها. إنه أمر يدعو إلى التأمل في عظيم هذا الكتاب المعجز، والحث على العيش مع آياته وتوجيهاته بتدبر وتفكر، وقد قال أحد محفِّظي القرآن من باكستان مرة: «والله ما تدبرنا القرآن وتذوقنا حلاوته حتى تعلمنا العربية والتفسير» .

стр. 3938

المنتدى إن الجهاد إلى الإله مُحبَّبُ محمد محمد صديق قلبي على نار الأسى يتقلّبُ ... ومدامعي بغزارةٍ تتصبّبُ لَهَفى على الأرض المقدسة التي ... قد دنِّست! وجراحُها تتلهبُ قد بحّت الأصواتُ، حيث دماؤها ... أضحت على أرض المهانة تُسكبُ فدعت بصيحةِ غارقٍ في حزنه ... يا أمتي! حربُ المروءة تَنشبُ يا أُمّتي! حِيَل اليهود تنوّعت ... فمتى إلى استرداد نصرٍ ندْأبُ؟ إن الدناءة في اليهود سجيّةٌ ... وَهُمُ إلى طمْس الفضيلةِ أقربُ أين السّلام وقد مضت سَنواته ... عبثاً؟ وفينا فرقةٌ وتحزّبُ هبّوا إلى نيْل المعالي كلِّها ... إن الجهاد إلى الإله مُحبَّبُ فالبسْنَةُ الخضراءُ أُحرق زرعُها ... حقداً، ومن كأس المذلة تشربُ وقضيةُ الألبان جَرحٌ نازفُ ... ظهرت لنا، وعلى الجبين تقطُّبُ أَوَ ندَّعي شرفَ العلا بكرامةٍ ... مهدورةٍ وعن التفاخر نخطبُ؟ أنَّى لمن فقد الشجاعةَ وثبتةٌ ... أنَّى له خيلٌ أصيلٌ يرْكبُ؟ إنِّي لأرجو أن تعودَ عزيمةٌ ... مفقودةٌ وإباؤها المترقّبُ

стр. 3939

المنتدى راية واحدة لا رايات محمد بن سعيد الغامدي روى البخاري ومسلم عن جابر ﵁ قال: «غزونا مع النبي ﷺ وقد ثار معه ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعّاب فكسع أنصارياً، فغضب الأنصاري غضباً شديداً حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجر: يا للمهاجرين، فخرج النبي ﷺ فقال:» ما بال دعوى الجاهلية «ثم قال:» ما شأنهم؟ «فأخبر بكسعة المهاجري للأنصاري فقال:» دعوها فإنها خبيثة « [١] . وهذه القصة ذكرها بعض أهل السير في أحداث غزوة بني المصطلق في السنة الخامسة أو السادسة للهجرة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:» فهذان الاسمان (المهاجرون والأنصار) اسمان شرعيان جاء بهما الكتاب والسنة، وسمَّاهما الله بهما، وانتساب الرجل إلى المهاجرين والأنصار انتساب محمود عند الله وعند رسوله، ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط، ثم هذا لما دعا كل واحد منهما طائفته منتصراً بها أنكر النبي ﷺ ذلك وسمَّاها دعوى الجاهلية « [٢] . لقد بنى النبي ﷺ صرح الإسلام العظيم على هذا الإخاء الراقي حتى أصبح الناس في زمنه أمة واحدة ينصر بعضها بعضاً تحت راية واحدة هي راية الإسلام لا غير. ولقد آن للمسلمين اليوم أن يرجعوا إلى ما بناه نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، وأحق من يفعل ذلك هم الدعاة إلى الله - تعالى - إن راموا العز والنصر والتمكين؛ فإن الفرقة لن تجلب نصراً وإنما هو الخذلان. قال - تعالى -: [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] (الأنفال: ٤٦) .

стр. 3940

المنتدى درب النصر ! أحمد العجلان لنا الرحمنُ مولانا معيناً ... ووجهتُنا له في كل آنِ بهدي كتابِهِ نمضي أباةً ... ونصرُ اللهِ للتالين دانِ ونصرُ اللهِ لا يؤتى لقوم ... أعَدُّوا للعدا سِرْبَ الأماني أَعِدُّوا للعدا صدقاً وعزماً ... وصبراً في اللقا عِنْدَ الطعانِ أعدوا للعدا جَمْعاً وحَزْماً ... لنرميَهم ونُفْنيَ كلَّ جاني لنا إخوانُنا في الله ذخراً ... أخي في الله من أسمى المعاني على درب الإله سموا بحب ... وهذا الحب درب للجنانِ

стр. 3941

المنتدى من رسائل القر اء مجلة البيان: عفواً.. عفواً على التقصير حقاً كم نحن بخلاء! ! خمسة عشر ربيعاً وعطاؤك أيتها الأمينة الصادقة يزيد خصوبة وينعاً.. خمسة عشر ربيعاً ونحن جلوس على مائدتك نلتهم منها ما لذّ وطاب حلالاً طيباً مباركاً.. أقام فينا صلب المعتقد والفكر والخلق.. ومع ماذا..؟ ! مع تقصيرنا تجاهك ... نعم نحن مقصرون! ولئن كانت النفس تسوّغ - وهذا حقاً - بأنها ليست أهلاً للعطاء الفقهي والفكري و.. و.. فإنها اليوم ومع مواجهة افتتاحية العدد (١٦١) ومع تجديدكم العهد؛ لم يعد ذلك العذر سائغاً؛ وأبواب المشاركة والمساندة مُشرعة ومنَّوعة: ولذا فها نحن - أخواتٌ لكم وقارئات لبيانكم - نعتذر منكم عما سلف، ونحدث لكم عهداً بأن نتكفل بفتح مائة نافذة للبيان؛ لتطل من خلالها على المسلمين في المشارق والمغارب. وهذه الوقفة المتواضعة المتأخرة مع صوت الحق تبدأ من شهر الله المحرم (١٤٢٢هـ) وتجدد كل عام بإذن الله. أخواتكم/ قارئات البيان بالنيابة: أم مجاهد * * * الأستاذ الفاضل/ رئيس تحرير مجلة البيان الغراء تحية من عند الله مباركة طيبة أبعث بها إليكم عبر تلك الصفحة معبراً عما يدور بخاطري نحوكم من شكر وامتنان على ما بذلتموه من إعداد وتقديم مجلة البيان فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.. وبعد: فبادئ ذي بدء أسأل الله أن يوفقكم ويوفق جميع العاملين بمجلتكم الغراء لما بذلتموه من جهد لإخراج عمل إسلامي مميز ألا وهو مجلة البيان لما تحويه من كلمة صدق في خدمة الدعوة وخدمة المسلمين بعد أن كثرت على الساحة الصحف والمجلات الهابطة التي تفسد ولا تصلح، وتهدم ولا تبني، وكم سعدت بهذه المجلة بعد أن أهداها لي صديق وقمت بقراءتها وقلت في نفسي: لماذا أنا متأخر عن قراءة مثل هذه المجلات؟ الأمر الذي استوقفني أن أمسك القلم وأكتب أقلَّ ما يمكن أن يقدم إليكم ألا وهو كلمة شكر لكم وللعاملين بمجلتكم، سائلاً المولى أن يوفقكم لما يحب ويرضى، وأن يبارك لكم في عمركم، ولكم مني فائق الشكر والتقدير. أخوكم / ماهر سعد

стр. 3942

المنتدى ردود * الإخوة الكرام الذين لكثرتهم لم نستطع ذكر أسمائهم كلها لإعجابهم باللقاء مع المجاهد الشيخ أحمد ياسين، ومطالبتهم بالإكثار من مثل هذه اللقاءات مع رموز الدعوة والجهاد في عالمنا الإسلامي، نعدهم - بإذن الله - بأن يكون للبيان لقاءات قادمة مع العلماء والدعاة والمجاهدين لتسليط الأضواء على أعمالهم وجهادهم، وفي هذا العدد حوار مع فضيلة الشيخ عبد المجيد الزنداني وفَّقَه الله، وندعو إخوتنا ذوي الاختصاص بالتفاهم معنا عند إجراء أي حوار مع أولئك الرموز ليتسنى التعاون بيننا لما يعود بالخير والتكامل لمصلحة القارئ الكريم، جزاكم الله خيراً، وبارك فيكم. * الإخوة الذين أرسلوا ثناء على مقالَيْ: «الدعوة بين الاحتساب والاكتساب» ، و «طالبان وعاصفة الأوثان» ، بُلِّغت تحياتكم للكاتبين الفاضلين، ويبادلانكم تحية بمثلها، والله نسأل للجميع التوفيق والسداد. * الأخ سعد عبده محمد: المشاركة التي تقول إنها أرسلت للمجلة منذ زمن بعيد، لم تصلنا حتى الآن، ومرحباً بك وبمشاركاتك. * الأخوين: محمد الحاتمي، سعد جبر: نرجو التكرم بإعادة إرسال المشاركات، حيث وصلت إلينا ناقصة، وجزاكم الله خيراً. * الإخوة: د. سيد بن حسين العفاني، صلاح الخليفة أحمد الحسن، محمد بن يحيى مفرح، فهد التميمي، حسن محمد الغزواني، خالد الوقيت، عبد الله العزام، ساير بن هليل المسباح، خالد عبد الحميد: نشكر لكم تواصلكم الكريم مع مجلتكم، ونفيدكم بأن مشاركاتكم مجازة للنشر، بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً. * الإخوة: أحمد أبو طالب زربان، محمد بن علي العكيبي، محمد عبد السلام الباشا، عادل أبو خير المراغي، أبو بكر عبد القادر سيسي، وليد بن أديب صالح، حمدي محمد الجارجي: سعدنا بتواصلكم الكريم، وسوف تنشر بإذن الله في المنتدى، وجزاكم الله خيراً. * الإخوة والأخوات: أشرف سعيد، محمد مفتوح، خالد عبد الحميد السيد، خالد الحمد، عبد الرحمن البشر، خالد بن محمد، إبراهيم مبرك المبرك، رقية المحمد الكريداء: نرجو التكرم بإفادتنا بعناوين لمراسلتكم.

стр. 3943

الورقة الأخيرة هل ما يقوم به الفلسطينيون عنف ؟ د. عبد الله بن هادي القحطاني [*] هل ما يقوم به الفلسطينيون للتعبير عما يعانونه تحت وطأة الاحتلال الصهيوني الجائر إرهاب أو عنف؟ إن الجواب هو بأن هذا الحق مشروع لهم لينتبه «العالم الحر!» و «المحب للسلام» لقضيتهم، والمسارعة لنجدتهم، أو ربما لإيقاظ إخوانهم في أرجاء الأرض من حلم السلام الموهوم الذي عاشوا تحت كوابيسه لعقد من الزمان، وأن الانتفاضة «انتفاضة الأقصى» بيان جماهيري حي يعلن للعالم أجمع بما فيهم بنو صهيون بأن أرض الأنبياء التي ما زال يدنسها يهود تحوي «أطفالاً» قادرين على التضحية بدمائهم التي ضن بها إخوانهم في شتى أنحاء المعمورة من أجل أرض النبوات والأنبياء الأطهار الذين قتلهم بنو صهيون ظلماً وزوراً. إن ما يجري في القدس وغزة والخليل وبيت لحم ردة فعل طبيعية للضغوط الصهيونية الإرهابية لابتلاع الأرض الفلسطينية والهوية الإسلامية لشعب خذله أهله وتجرأ عليه أعداؤه، يُحرَم حقه المشروع في التعبير عن الظلم والجور الذي يكابده، وينظر أولئك العاجزون إلى دماء الأطفال الزكية بأنها تهوُّر في مواجهة الأعداء الغاصبين الذين يواجهون بالحجارة الرصاص والطائرات والدبابات والمدافع، والصهاينة مع ذلك يَدَّعون السلام، هذا ليس «سلام الشجعان» بل سلام الجبناء، وخاصة أن راعي السلام قد أضحى ذئب السلام الذي لم يكبد نفسه عناء التخفي والانزواء، بل على العكس تماماً فهو كل يوم يكشر عن أنيابه في مجلس الأمن وينهش رعيته «السلام» ؛ فويل لقطيع السلام إن كان راعيه ذئباً كاسراً وثعلباً ماكراً. لقد أصبحت حقيقة لا مراء فيها أن السلام مع أعظم أهل الأرض خيانة - الذين خانوا الله وأنبياءه - ليس له عندهم أمانة ولا عهد ولا ذمة. إن الأمم المسلمة على ما فيها من فرقة وتمزق قد وعت حقيقة أن شعوبها قد ملت هزلية السلام الذليل، ونفرت من حياة الذلة والصغار، وعلمت أن فلسطين أرض مقدسة دنسها يهود ولا بد من تحقيق وعد الله ووعد رسوله فيها وإن طال الزمان، وما من شك أن تلك السواعد الغضة، والوجوه الفتية، ودماء الأطفال الأبرياء الزكية، قد غيرت الانحراف الذي أخل بموازين القضية الفلسطينية؛ فقد ساهم دهاقنة السياسة العالمية في تحويلها من قضية أمة مسلمة كاملة حتى صوَّرها للعالم كله بأنها قضية رجلٍ واحد، هو صاحب القرار الأخير فيها، إلا أن انتفاضة الأقصى أعادت في سويعات قليلة القضية برمَّتها لساحتها الحقيقية إلى قلوب ومشاعر الأمة المسلمة في كل جنباتها، بل إن جراحها في العالم كله تألمت لجرح فلسطين، وتنهدت لدموع الأقصى، ولقد كشفت الغطرسة الصهيونية لِمَنْ اغتر بنرجسية السلام، وتغنى بمكاسب التطبيع أن بني صهيون وإن تعددت مشاربهم لا يمكن أن يحققوا أطماعهم، وينفذوا مخططاتهم في جو السلام؛ فالسلام ليس خياراً استراتيجياً لهم أين ما حلوا وحيثما ارتحلوا، أمة لم تعرف السلام مع نفسها ولا مع ربها ولا مع أنبيائها، كيف يمكن لها أن تحققه مع أعدائها؟ بل إن مَنْ وصموهم بحلفائهم وأصدقائهم كانوا أول أهداف حقدهم ومكرهم، ولن تأخذهم في مؤمن إلٌّ ولا ذمة أبداً؛ فهم لا يتورعون أن يُسحق في طريق تحقيق أهدافهم كل مبدأ، وتُرتكب كل خيانة؛ فإن كنا في حالة ضعف وركون فإنها تحملنا على الاستعداد للجولة القادمة بعد أن هُزِمنا في جولة السلام. إنه قدر مكتوب على هذه الأمة أن تنهض من كبوتها، وتعي رسالتها، وتوحد صفوفها تحت راية واحدة، وشعار واحد: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» . إن الإعداد يبدأ بالصدق مع الله، والرغبة فيما عنده، وعدم الركون إلى هذه الدنيا الفانية وإلى أعداء الله فيها، والمسارعة لنصرة الله : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] (محمد: ٧) . وبذلك يتم النصر والتمكين وفقاً للسنَّة الربانية الكونية الجارية.

стр. 3944

ربيع الآخر - ١٤٢٢هـ يوليو - ٢٠٠١م (السنة: ١٦)

стр. 3945

كلمة صغيرة قليلاً من النُّصرة ! مأساة إنسانية يتقلَّب على لظاها الشعب الأفغاني؛ فبعد الحرب الضروس التي دارت رحاها بين الأحزاب الأفغانية، وما خلفته من دمار شامل أتى على البنى التحتية، وحطم المنازل والمدارس والمستشفيات والطرق؛ ها هو ذا الجفاف يجتاح مناطق واسعة من شرق البلاد وجنوبها، ويُخلِّف مجاعة تهلك الحرث والنسل؛ فقد غارت الآبار، وجفَّت الأنهار، وماتت الزروع، ونفقت الماشية..! الفقر يشمل عامة الشعب الأفغاني حتى أصبح ٩٠% من الناس يعيشون تحت خط الفقر، والمرض نتيجة سوء التغذية وانتشار الأوبئة وقلة الأدوية يفتك بالأطفال والنساء والشيوخ، حتى أصبحت المستشفيات دوراً للمعاناة والألم، ولا تُعرف إلا بوجود المرضى فيها، أما الأطباء والأدوية والأجهزة فلا أثر لها على الإطلاق إلاَّ ما ندر..! وعادت جحافل المهاجرين المنهكة تشرِّق وتغرِّب، وتتيه في صحارى مقفرة بحثاً عن طعام أو شراب أو كساء، فلا تخرج من مسغبة إلا لتقع في مسغبة أخرى تزيد من آلامها وجراحاتها. ولك أن تتصور حجم المعاناة التي يدور في رحاها الأطفال والعجزة والمقعدون! وزاد من حجم المأساة الحصار المحكم الذي تطوِّقه الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية (!) على أفغانستان بوصاية أمريكية، ولك أن تعجب أشدّ العجب من إعراض المسلمين وإدبارهم عن إخوانهم على الرغم من معرفتهم بهذه المأساة..! ! والأفغان في هذه الأيام أحوج ما يكونون إلى قليل من النُّصرة والتأييد والعون، فـ «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله» .

стр. 3946

الافتتاحية حقوق الإنسان لمن ؟ ! الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فلقد كفل الدين الإسلامي للإنسان كرامته وإنسانيته؛ وهذا ما توصلت إلى بعضه القوانين والنظم الوضعية بعد قرون وبعد إعلان هيئة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عام (١٩٤٨م) ، ولا نعلم بأن تلك الحقوق لفئة من الناس بذاتها أو لأمة من الأمم بعينها؛ غير أن ما يلمسه المتابع لقضية الصراع مع الصهاينة (ما يسمى بالصراع العربي الإسرائيلي) يجد العجب العجاب؛ فالحقوق كلها للصهاينة، ودفاع الشعب الفلسطيني الأعزل بالحجارة والبنادق أمام الصواريخ والقنابل والطائرات الحربية أصبح ذلك في نظر عميان رعاة السلام وأصحاب المبادرات المشبوهة أصبح عنفاً وإرهاباً! ! فماذا يفعل شعب مغلوب على أمره، اعتدي عليه في مصادرة أرضه، ومحاربته في وسائل عيشه، ومحاصرته بكل الوسائل غير الشرعية؛ إن لم يدافع عن كرامته بكل ما يستطيع؟ إن معاناة الشعب الفلسطيني المجاهد منذ نكبته بقيام دولة العدو منذ وعد (بلفور) الذي أعطى من لا يملك من لا يستحق، فجاء شذاذ الآفاق اليهود لبناء دولتهم على أنقاض فلسطين السليبة، فكانوا سرطاناً خبيثاً في جسد الأمة الإسلامية، ولم تحسن الحكومات العربية التعامل مع تلك الجريمة المرسومة والمدعومة من الغرب والشرق منذ قيامها، فاستمرت أمتنا تتخبط في حروب عقيمة حتى سقوطها في فخ ما يسمى بعملية السلام المزعوم. بينما العدو مستمر في تحقيق ذاته وبناء دولته بدعم الغربيين الذين طالما أيدوا حق كل شعب في تقرير مصيره، وطالما دعوا إلى احترام سياسات حقوق الإنسان وقاوموا أي تساهل بتلك الحقوق؛ فكيف بخرقها على رؤوس الأشهاد؟ بل وأعلن الغرب الحرب على من خرق تلك الحقوق كما حصل مؤخراً مع طاغوت الصرب (ميلوسوفيتش) حيال حربه الهمجية في البلقان ضد المسلمين وبخاصة مع مسلمي كوسوفا. لكن هذه السياسة أصبحت وسيلة مكشوفة للابتزاز يرفعها الغرب بكل صلف ضد الدول المخالفة لنهجه السياسي، وبخاصة ما تقرره أمريكا من قوائم سنوية لدول تعتبرها إرهابية أو مساندة للإرهاب عن طريق وسائل موجهة مثل ما يسمى بـ (لجنة الحريات الدينية) بالكونجرس الأمريكي، حتى بلغ الأمر حدَّ التدخل وبشكل سافر في الشؤون الداخلية للدول، كما حصل في إندونيسيا دفاعاً عن حقوق (النصارى) ، وأخيراً في مصر للدفاع عما زعم من انتهاكات لحقوق الأقباط. ومما يؤسف له أن تواطؤ الغرب ضد إندونيسيا وتهديدها بحجب الإعانات عنها، وخوفها من فرض الحصار عليها مما جعلها تتساهل في مشكلة (تيمور الشرقية) ، وتقرر وبكل انهزامية الموافقة على التدخل الدولي الذي تبعه التصويت بحماية هذا التدخل ليتقرر فصلها. أما في مصر فلقد جوبه التدخل فيها باحتجاجات شعبية سفهت تلك التدخلات بما فيها رفض بعض النصارى أنفسهم لذلك التدخل والوقوف ضده؛ فإلى متى تبقى الحقوق الإنسانية لغير المسلمين وحدهم؟ ! فأين الجمعيات الدولية والإقليمية؟ ! وأين ما يسمى بجمعيات الحقوق وغيرها وغيرها؟ ! أين هؤلاء من تلك الأعمال الهمجية والانتهاكات المتوالية لحقوق الإنسان المسلم سواء في فلسطين أو الشيشان أو كشمير أو الفلبين..؟ وأين أولئك المراقبون لمعاناة المسلمين من القتل والتشريد والتدمير لمقدرات بلدانهم مما تنشره وسائل الإعلام ليل نهار؟ لقد عانى الشعب الفلسطيني وبشكل خاص من قهر العدو الصهيوني له بالحديد والنار مما يتنافى مع أبسط القيم الإنسانية ولا سيما في عدوانه الأخير حيث ضرب براجماته وطائراته حتى (إف ١٦) الأمريكية المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، ولم تسلم من عدوانه السلطة الفلسطينية المتواطئة معه في عملية السلام المزعوم! مخالفة بذلك كل الاتفاقات المحمية بالاتفاقات ذاتها. وبعدَ لأْيٍ شكلت اللجنة الأمريكية المعروفة بلجنة (ميتشل) ، وجاء تقريرها الهزيل بشكل مغاير للحقيقة حتى لا يدان العدو دولياً على إجرامه ضد الشعب الفلسطيني؛ حيث ساوى التقرير بين القاتل والضحية، وتأتي قمة المأساة حينما دُعي مجلس الأمن لاتخاذ قرار لتوفير الحماية للشعب الفلسطيني بإرسال مراقبين دوليين في الأرض المحتلة فتسارعت (أمريكا) بإعلان (الفيتو) بدعوى تأجيل مناقشة الموضوع! ! ولا ندري إلى متى؟ هل لينفذ (شارون السفاح) برنامجه الانتخابي لضمان الأمن لشعبه بقتل كل من يقف في وجهه بجبروته وعدوانه؟ أم لكون الشعب الفلسطيني من الفئة التي لا تستحق الحياة لمجرد أنهم مسلمون؟ ! حيث تعرضوا لمذابح وحشية كما حصل في قرية دير ياسين وقرية ناصر الدين وكفر قاسم؛ حيث تم قتل آلاف الفلسطينيين وتشريدهم مع أن جزءاً من هذا الشعب (نصارى) نالهم ما نال المسلمين من القتل والعدوان. ولا يعجزنا السبب في وقوف الحكومة الأمريكية وعلى مر السنين مع العدو؛ لأنها عادة ما تكون صنيعة اللوبي الصهيوني، فتأتمر بأمره وتسير وفق هواه حتى لو خالفت كل القوانين والقيم، بالرغم من أن هذا اللوبي وقف ضد الحكومة الأمريكية الحالية بتأييدهم الحزب الديمقراطي المنافس والذي أخفق في الوصول لسدة الرئاسة لأسباب شتى يعرفها المتابعون، إلا أن الكونجرس ما زال متميزاً بأغلبيته الديمقراطية وجلهم يهود صهاينة أو موالون لهم من النصارى المتصهينين. ومن العجيب أن تتخلى الحكومة الأمريكية حتى عن آداب اللياقة مع الحكومات العربية ذات العلاقات الوطيدة معها والتي تربطها بالفلسطينيين علاقات العقيدة والأخوة والدم، لكنها لم تكترث بذلك، بينما تقف مترددة وتتجنب الإساءة لدول أخرى مراعاة لمصالحها كما هو الحال في موقفها مع الصين مع ما عرفت به من انتهاكات لحقوق الإنسان سواء مع المسلمين في (تركستان الشرقية) أو مع المعارضين لها كما حصل في مواجهاتها الدامية معهم في ساحة (تيان مين) . إنَّ الخلفية العقدية والفكرية التي يتعامل بها الغرب مع الحقوق الإسلامية هي التي توجه مساره وتجعله يتعامل معها بتشنج واستكبار، ويشرح (انجمار كارلسون) هذه الخلفية بقوله: (إنَّ الإحساس بالخوف من الدين الذي يسود مجتمعنا العلماني والتجاري بصفة عامة قد امتد وشمل العالم الإسلامي كله ككتلة واحدة، وكنتيجة طبيعية لهذا الإسقاط أصبحت نظرتنا إلى أي عمل من أعمال العبادة والتقوى وممارسة الشعائر سلبية؛ نظراً لأنها ترمز إلى التطرف والتعصب حتى ولو كانت هذه الأعمال تقتصر على أداء الصلوات في المساجد ... ويبدو أننا نفتقر إلى اليقين، وإلى الإحساس بالأمن والطمأنينة، وليس لدينا الثقة الكاملة بنظمنا الاجتماعية، وبذلك فنحن نفتقد الإمكانات الموضوعية للنظر إلى الأصولية الإسلامية نظرة معقولة، وتناولها بأسلوب نقدي طبيعي؛ ولذا نعتبر الغرب الحديث مرادفاً للعقل، بينما نرى في الشرق عالماً متخلفاً يمشي على حافة الجنون، ويستحيل عليه مشاركتنا في الحوار والسجال على قدم المساواة؛ فالمسلمون كانوا في الماضي، وسيبقون في المستقبل خطرين، ويصعب سبرهم، وينبغي تجنب أية مناقشة معهم..! !) [١] . إن العالم الذي ساءه سياسة الكيل بمكيالين في مسألة حقوق الإنسان لم يعد يجهل أن أمريكا نفسها تنتهك حقوق الإنسان: ليس بتأييدها جرائم العدو الصهيوني فقط، بل لأن سجلها الأسود في حقوق الإنسان وانتهاكاتها له بما لا يخطر على بال أحد لم يعد مجهولاً بعد أن كشفته الحكومة الصينية في تقرير معروف نشر مؤخراً أمام العالم ولا يتسع المقام لذكر بعض صوره البشعة؛ (انظر إلى التقرير المذكور مما نشرته مجلة المجتمع الكويتية، العدد ١٤٤١ و ١٤٤٢) ولذا وجدنا العالم ممثلاً في هيئة الأمم يقرر بمحض إرادته تنحية (أمريكا) عن لجنة حقوق الإنسان التي طالما اتخذت من هذه المسألة شماعة لها تستخدمها ضد المخالفين لها ولتوجهاتها. إننا نعتقد أن أمريكا ستبقى ألعوبة في يد الصهيونية تستخدمها لصالحها، وسيبقى الفلسطينيون محل الإدانة والقتل والاستئصال، ولم يعد أمامهم أي وسيلة لرفع الظلم عنهم بعد إخفاق أساليب السلام المزعوم واتفاقياته المعروفة سوى الجهاد والمقاومة، وإنزال القتل باليهود ذلك الشعب المحارب الذي يتساوى فيه الجيش بالشعب. إن إنزال القتل بالعدو هو الوسيلة الوحيدة التي يفهمونها، وليعلم يهود مدى العذاب الذي نال الشعبَ الفلسطيني، وحينها سيضطر اليهود الجبناء الذين قال الله فيهم: [لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ] (الحشر: ١٤) ، سيضطرون أمام هذه الإرادة الصلبة إلى إعادة النظر في مواقفهم الإجرامية وسياساتهم الهمجية لما لها من انعكاسات سلبية ضدهم حتى يأذن الله بنصره المؤكد بعز عزيز أو بذل ذليل؛ إذ لا يفلُّ الحديدَ إلا الحديدُ. وحين يكون لأمتنا مكانتها وقوتها وقدراتها، ولها مصداقيتها التي يخشى الغرب والشرق فواتها، حينها سنراعَى مثلما تراعى الصين وغيرها. ثم كيف يكون لنا هذا الشأن ونحن غير صادقين مع ربنا وغير مقتدين بسنة نبينا وغير متآخين فيما بيننا؟ ! وكيف يصلح حالنا ونحن في جل ديارنا لا نحكم بشرع الله ونوالي أعداء الله ونحارب أولياءه، ونعمل كل الوسائل المفتعلة لتهميشهم وإبعادهم عن التأثير في المجتمع؛ بينما يتاح المجال لغيرهم من الكفار والعلمانيين وأهل الأهواء؟ ! إن قوة أمتنا في دينونتها لربها وتآزرها وكونها يداً واحدة على من سواها، وبخلاف ذلك سنكون أذلة، وستكون الحقوق لغيرنا حتى ولو كان هو الظالم وهو الجاني وهو المعتدي. وصدق الله العظيم: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: ١١) . والله المستعان.

стр. 3947

خير الهدي مكفرات الخطايا أحمد بن عبد الرحمن الصويان للتربية الصالحة أثر كبير في بناء الرجال وتهذيب النفوس وتزكيتها، ولذا كان الفلاح كل الفلاح في تطهير القلب من الأهواء والشهوات التي تهوي بالعبد بعيدًا عن جادة الصراط المستقيم. قال الله - تعالى -[قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا] (الشمس: ٩-١٠) . وتزكية النفوس أحد المقاصد العظيمة لإرسال الرسل - عليهم الصلاة والسلام- قال الله - تعالى -[هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] (الجمعة: ٢) . وإذا سرى نور الإيمان في القلب، ورسخت معالمه في النفس، أثمر ذلك في الجوارح عملاً خالصًا زكيًا، وأصبحت حياة المرء كلها في مرضاة الله تعالى. وقد كان النبي ﷺ رحيمًا بأمته، مشفقًا على أصحابه - ﵃ يحوطهم بنصحه وتوجيهه، ويربيهم على الإقبال على الله تعالى، ويدلهم على أبواب الخير، ومعاقد البر. ومنها ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله ﷺ قال: (ألا أدلكم على ما يمحو به الخطايا ويرفع به الدرجات؟) قالوا: بلى يا رسول الله: قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطأ إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) [١] . وهذا حديث عظيم يُعَدُّ من جوامع الكلم، قال عنه الإمام ابن عبد البر القرطبي: (هذا الحديث من أحسن ما يروى عن النبي ﷺ في فضائل الأعمال) [٢] . وللنصوص الشرعية الواردة في الترغيب والترهيب أثر عظيم في تزكية النفس وتربيتها، وحثها على فعل الصالحات والحذر من الموبقات، ولهذا كان الأئمة يحرصون على جمعها وروايتها، فها هو ذا الإمام وكيع ابن الجراح يُصنف خاصًا في هذا الباب سماه: كتاب الزهد، ومثله الإمام أحمد بن حنبل، والإمام عبد الله بن المبارك، في جمع كثير من أئمة الإسلام. وإن العلماء والدعاة وطلاب العلم من أحوج الناس للتربية والتزكية، والواجب عليهم أن يربُوا أنفسهم وطلابهم على دلائل الكتاب والسنة، وثمرة العلم العمل به. وما أجمل قول عمرو بن قيس: (وجدنا أنفع الحديث لنا ما نفعنا في أمر آخرتنا: من قال كذا، فله كذا) [٣] . وتحقيقًا لهذا الغاية العظيمة رأيت أن أنفع نفسي وإخواني بشرح هذا الحديث لعل الله - تعالى - أن يجعلنا من أهله. وأن يستعملنا في طاعته، وقد انتظم شرحه في الفوائد الآتية: الفائدة الأولى: شواهد الحديث: للحديث شواهد كثيرة، منها: الشاهد الأول: حديث أبي سعيد الخدري ﵁: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا أدلكم على ما يكفر الله به الخطايا، ويزيد به في الحسنات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة) [٤] . الشاهد الثاني: حديث علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إسباغ الوضوء على المكاره وإعمال الأقدام إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، يغسل الخطايا غسلا) [٥] . الشاهد الثالث: حديث معاذ بن جبل ﵁: وهو حديث (اختصام الملأ الأعلى) الطويل، وفيه: (قال يا محمد؟ فقالت: لبيك ربِّ وسعديك! قال: فِيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت في الدرجات والكفارات، وفي نقل الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكروهات وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ومن يحافظ عليهن عاش بخير، ومات بخير، وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه) [٦] . الفائدة الثانية: من منهج النبي ﷺ في تعلم العلم: كان من هدي النبي ﷺ توجيه المسائل إلى الصحابة - ﵃ للفت انتباههم وتشويقهم، وحثهم على التركيز والتفكر، ليستجمعوا أفهامهم، ويستحضروا أذهانهم وهذا منهج تعليمي تربوي في غاية الأهمية يبني الفكر، وينشط الذهن، ويسترعي الانتباه. ونظائر ذلك في حديث النبي ﷺ كثيرة منها: قوله صلى الله عليه وسلم هل تدرون من المفلس؟ ! [٧] ، وقوله ﷺ : (أتدرون ما الغيبة؟) [٨] ونحوهما. ومن هدي النبي ﷺ في تعليم العلم: حرصه على ابتداء أصحابه ﵃ بالفوائد، قال ابن عبد البر القرطبي: (في هذا الحديث: طرح العالم العلم على المتعلم، وابتداؤه إياه بالفائدة، وعرضها عليه) [٩] الفائدة الثالثة: تزكية النفس: تأمل هذه التربية النبوية الكريمة لذلك الجيل العظيم، فهم الصحابة - رضي الله عنهم - الذي يتربون عليه هو: (محو الخطايا، ورفع الدرجات) . وهذا مطلب عظيم يتطلب إقبالاً صادقا على الله تعالى وحرصًا جادًا على فعل القربات. ومن المعلوم أن غاية وجود الإنسان في هذه الدنيا هي عبادة الله - تعالى - والتقرب إليه قال الله - تعالى -: [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] (الذاريات: ٥٦) . ولكن الضعف البشري صفة ملازمة لجميع الناس، والوقوع في الخطأ سنَّة لا يسلم منها أحد. قال رسول الله ﷺ : (كل بني آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون) [١٠] . وقد كان من هدي النبي ﷺ حث أصحابه على معالي الأمور ومكارم الأعمال، ولهذا نراه في هذا الحديث يستحث أصحابه على تطهير قلوبهم من العطايا، ويُعلي من هممهم للترقي في مدارج العبودية ومسالك الطاعات، وكلما ازداد إقبال العبد على ربه، وأخلص قلبه في ذلك؛ انفتح له من أبواب الطاعات ما لا يخطر على بال. قال الإمام ابن القيم: (صِدْقُ التأهب للقاء الله هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة، والأحوال الإيمانية، ومقامات السالكين إلى الله، ومنازل السائرين إليه، من اليقظة والتوبة والإنابة، والمحبة، والرجاء، والخشية، والتفويض، والتسليم، وسائر إعمال القلوب والجوارح فمفتاح ذلك كله: صدق التأهب، والاستعداد للقاء الله) [١١] . والأعمال التي تمحو الخطايا وترفع الدرجات هي الأعمال الخالصة التي يستحضر فيها العبد تعظيم الله تعالى، وتعظيم شعائره، ولهذا قال الإمام ابن القيم في بعض النصوص الواردة في تكفير الخطايا: (التكفير بهذه مشروط بشروط. وموقوف على انتفاء موانع في العمل وخارجه، فإن علم العبد أنه جاء بالشروط كلها، وانتفت عنه الموانع كلها؛ فحينئذ يقع التكفير، وأما عمل شملته الغفلة أو شملت أكثره، وفقد الإخلاص الذي هو روحه ولبه ولم يوف حقه، ولم يقدره حق قدره، فأي شيء يكفر هذا العمل..؟ ! ومحبطات الأعمال ومفسداتها أكثر من أن تحصر، وليس الشأن في العمل، إنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده ويحبطه) [١٢] الفائدة الرابعة: من فضائل الوضوء: وحكمه: قال أبو بكر بن العربي: (الوضوء أصل في الدين وطهارة المسلمين وخصيصة لهذه الأمة في العالمين) [١٣] . الوضوء من الأسباب العظيمة التي تكفر السيئات وترفع الدرجات. قال الله - تعالى -[مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] (المائدة: ٦) . قال ابن رجب الحنبلي: قوله: [لِيُطَهِّرَكُمْ] (المائدة: ٦) يشمل طهارة البدن بالماء وطهارة الباطن من الذنوب والخطايا، وإتمام النعمة يحصل بمغفرة الذنوب والخطايا وتكفيرها، كما قال الله - تعالى - لنبيه ﷺ : [لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً] (الفتح: ٢) ، وقد استنبط هذا المعنى محمد بن كعب القرظي) [١٤] . والنصوص النبوية الدالة على فضائل الوضوء وأنه من القربات التي تمحو الخطايا كثيرة جدًا اكتفى بذكر ثلاث أحاديث منها: الحديث الأول: عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا توضأ العبد المسلم - أو المؤمن - فغسل وجهه خرج من وجه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء - فإذا غسل يديه، خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء - فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلا مع الماء - أو مع آخر قطر الماء - حتى يخرج نقيًا من الذنوب) [١٥] . الحديث الثاني: عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره) [١٦] . الحديث الثالث: عن عمرو بن عبسة ﵁ قال: قلت: يانبي الله، فالوضوء حدثني عنه؟ قال: " ما منكم رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينثر إلا خرت خطايا وجه من أطراف لحيته مع الماء ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء فإن هو قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو له أهل وفرغ قلبه لله، إلا انصرف من خطيئته كهيئة يوم ولدته أمه " [١٧] . وللإمام ابن القيم كلام متين في محاسن الوضوء وحكمه، قال فيه: " تأمل محاسن الوضوء بين يدي الصلاة وما تضمنه من النظافة والنزاهة ومجانبة الأوساخ والمستقذرات، وتأمل كيف وضع على الأعضاء الأربعة التي هي آلة البطش والمشي، ومجمع الحواس التي يتعلق أكثر الذنوب والخطايا بها ... فلمًا كانت هذه الأعضاء هي أكثر الأعضاء مباشرة للمعاصي، كان وسخ الذنوب ألصق بها وأعلق من غيرها، فشرع أحكم الحاكمين الوضوء عليها لتضمن نظافتها وطهارتها من الأوساخ الحسية، وأوساخ الذنوب والمعاصي " [١٨] . الفائدة الخامسة: المقصود بإسباغ الوضوء وفضله: قال ابن عبد البر القرطبي: الإسباغ: الإكمال والإتمام في اللغة من ذلك قول الله [وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً] (لقمان: ٢٠) ، يعني: أتمها وأكملها، وإسباغ الوضوء: أن تأتي بالماء على كل عضو يلزمك غسله وتعمّه كله بالماء وجر اليد، وما لم تأت عليه منه فلم تغسله بل مسحته ومن مسح عضوًا يلزمه غسله فلا وضوء له، ولا صلاة حتى يغسل ما أمر الله بغسله، حسبما وصفت لك " [١٩] . وقال ابن رجب: " إسباغ الوضوء: هو إتمامه وإبلاغه مواضعه الشرعية كالثوب السابغ المغطى للبدن كله " [٢٠] . وقد جاء الحث على إسباغ الوضوء في نصوص عديدة اكتفي بذكر ثلاثة منها: الحديث الأول: عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء، ثم مشي إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس - أو مع الجماعة أو في المسجد - غفر الله له ذنبوبه " [٢١] . الحديث الثاني: عن أبي مالك الأشعري ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إسباغ الوضوء شطر الإيمان " [٢٢] . الحديث الثالث: عن لقيط بن صبرة قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء، قال: " أسبغ الوضوء، وخلل الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا " [٢٣] . الفائدة السادسة: احتمال المكاره: تعظيم أوامر الله - تعالى - وشعائره علامة من علامات تقوى القلب كما قال الله - تعالى -[ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ] (الحج:٣٢) . ومن دلائل العبودية الصادقة تقديم محبوبات الله - تعالى - على محبوبات النفس، وتحمل المصاعب والمكاره التي قد تعرض المسالك في طريقه إلى ربه، " فمن امتلأ قلبه من محبة الله أحب ما يحبه، وإن شق على النفس وتألمت به " [٢٤] . والشيطان يحرص على تثبيط الإنسان عن الطاعات. مستغلاً المكاره التي ربما تقترن ببعضها، فيدفعه لاستثقالها. ثم إلى تركها. والنفس البشرية تحتاج إلى مجاهدة وترويض يهذبها ويقسرها على الطاعات قسرًا، فالحرص على إسباغ الوضوء على المكاره آية من آيات تعظيم شعائر الله تعالى، وطريق لبناء النفس وتهذيبها، وسبيل من سبل دفع الشيطان ومراغمته ودحره. قال ابن عبد البر: القرطبي في شرح قول النبي ﷺ : " إسباغ الوضوء على المكاره ": قيل: أراد البرد وشدته، وكل حال يُكره المرء فيها نفسه، فدفع وسوسة الشيطان في تكسيله إياه عن الطاعة والعمل الصالح " [٢٥] . وقال الباجي: " المكاره على أنواعهن: من شدة برد، وألم جسم، وقلة ماء وحاجة إلى النوم، وعجلة وتحفز إلى أمر مهم، وغير ذلك " [٢٦] وقال ابن رجب: " ولا ريب أن إسباغ الوضوء في شدة البرد يشق على النفس وتتألم به، وكل ما يؤلم النفس ويشق عليها فإنه كفارة للذنبوب وإن لم يكن للإنسان فيه صنع ولا تسبب، كالمرض ونحوه، كما دلت النصوص الكثرة على ذلك. وأما إن كان ناشئًا عن فعل هو طاعة لله فإنه يُكتب لصاحبه به أجر. وترفع به درجاته، كالألم الحاصل للمجاهد في سبيل الله تعالى، قال الله [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ] (التوبة: ١٢٠) . وكذلك ألم الجوع والعطش الذي يحصل للصائم، فكذا التألم بإسباغ الوضوء في البرد. ويجب الصبر على الألم بذلك فإنه حصل به رضي فذلك مقام خواص العارفين المحبين " [٢٧] . الفائدة السابعة: شريعة التيسير والاعتدال: من الأصول العامة المعررة أن الشريعة الإسلامية هي شريعة التيسير والاعتدال، ورفع الحرج والمشقة عن المكلفين، وتواترت النصوص الشرعية لتقرير ذلك وبيانه، حتى جزم الإمام الشاطبي أنها بلغت مبلغ القطع [٢٨] قال - تعالى -[وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ] (الأعراف: ١٥٧) . فليست المشقة في التكليف الشرعية مطلوبة في ذاتها ولهذا قال الله - تعالى - [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ] (البقرة: ١٨٥) ، وقال الله تعالى [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ] (الحج: ٧٨) . ولكن الشارع الحكيم قد يُكلف عباده ببعض العبادات التي لا تخلف من مشقة. ولكنها مشقة محتملة، كأمرهم بالجهاد، والوضوء على المكاره، والصيام في الحر.. ونحوها، ليبلوهم أيهم أحسن عملا. قال الإمام ابن القيم: الله - سبحانه - لم يبتل العبد ليُهلكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته؛ فإن لله - تعالى - على العبد عبودية في الضراء، كما له عبودية في السراء، وله عليه عبودية فيما يكره، كما له عبودية فيما يحب وأكثر الخلق يعطون العبودية فيما يحبون. والشأن في إعطاء العبودية في المكاره، فيه تفاوتت مراتب العباد وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى، فالوضوء بالماء البارد من شدة الحر عبودية، ومباشرة زوجته الحسناء التي يحبها عبودية، ونفقته عليها وعلى عياله ونفسه عبودية، وهذا الوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية، وتركه المعصية التي اشتدت دواعي نفسه إليها من غير خوف من الناس عبودية. ونفقته في الضراء عبودية. ولكن فرق عظيم بين العبوديتين، فمن كان عبدًا لله في الحالتين قائمًا بحقه في المكروه والمحبوب، فذلك الذي يتناوله قوله - تعالى -[أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ] (الزمر: ٣٦) . فإذا تبين أن المشقة ليست مطلوبة لذاتها، فإنه لا يصح التقرب إلى الله - تعالى - بالمشاق فإذا تيسر تسخين ماء الوضوء البارد ليتوضأ العبد بإسباغ وسكينة بلا مشقة فإن ذلك أولى من الوضوء بالماء البارد. قال العز بن عبد السلام: " لا يصح التقرب بالمشاق لأن القرب كلها تعظيم للرب وليس عين المشاق تعظيمًا ولا توقيرًا " [٢٩] . وقال الشاطبي: " الشارع لم يقصد إلى التكليف بالمشاق والإعنات فيه " [٣٠] ، ثم ذكر أن الدليل على ذلك أمور: أحدهما: النصوص الدالة على ذلك كقوله: [وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ] (الأعراف: ١٥٧) . ولو كان قاصدًا للمشقة لما كان مريدًا لليسر ولا للتخفيف. ولكان مريدًا للحرج والعسر وذلك باطل. والثاني: ما ثبت أيضًا من مشروعية الرخص، وهو أمر مقطوع به، وممّا علم من دين الأمة ضرورة؛ كرخص القصر والفطر والجمع ... ولو كان الشارع قاصدًا للمشقة في التكليف لما كان ثمّ ترخيص ولا تخفيف. والثالث: الإجماع على عدم وقوعه وجودًا في التكليف وهو يدل على عدم الشارع إليه. ولو كان واقعًا لحصل في الشريعة التناقض والاختلاف. وذلك منفي عنها؛ فإنه إذا كان وضع الشريعة على قصد الإعنات والمشقة، وقد ثبت أنها موضوعة على قصد الرفق والتيسير، كان الجمع بينها تناقضًا واختلافًا وهي منزّهة عن ذلك " [٣١] . أنواع المشاق: تختلف المشقة باختلاف التكاليف، وباختلاف المكلفين، وقد بيَّن العز بن عبد السلام أن المشاق على ضربين: " الضرب الأول: مشقة لا تنفك عنها العبادة غالبًا: مثل مشقة الوضوء والغسل في شدة السبرات (*) وكمشقة إقامة الصلاة في الحر والبرد ولا سيما صلاة الفجر وكمشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار.. فهذه المشاق كلها لا أثر لها في إسقاط العبادات والطاعات، ولا في تخفيفها، لأنها لو أثرت لفاتت مصالح العبادات والطاعات في جميع الأوقات أو في غالب الأوقات، ولفات ما رُتب عليها من المثوبات الباقيات ما دامت الأرض والسموات [٣٢] . الضرب الثاني: مشقة تنفك عنها العبادات غالبًا، وهي أنواع: النوع الأول: مشقة عظيمة فادحة كمشقة الخوف على النفوس والأطراف ومنافع الأطراف فهذه مشقة مجوبة للتخفيف والترخيص. النوع الثاني: مشقة خفيفة كأدنى وجع في إصبع أو أدنى صداع أو سوء مزاج خفيف، فهذا لا لفتة إليه ولا تعرج عليه، لأن تحصيل مصالح العبادة أولى من دفع هذه المشقة التي لا يؤبه لها. النوع الثالث: مشاق واقعة بين هاتين المشقتين مختلفة في الخفة والشدة، فما دنا منها من المشقة العليا أوجب التخفيف، وما دنا منها من المشقة الدنيا لم يوجب التخفيف إلا عند أهل الظاهر " [٣٣] . وقد بين الإمام الشاطبي الفرق بين المشقة التي لا تعد مشقة عادة، والتي تعد مشقة، فقال: " إن كان العمل يؤدي الدوام عليه إلى الانقطاع عنه، أو عن بعضه، وإلى وقوع خلل في صاحبه: في نفسه أو ماله، أو حال من أحواله فالمشقة هنا خراجة عن المعتاد، وإن لم يكن فيها شيء من ذلك في الغالب فلا يعد في العادة مشقة، وإن سميت كلفة. فأحوال الإنسان كلها كلفة في هذه الدار، في أكله وشربه وسائر تصرفات تحت قهره، لا أن يكون هو تحت قهر التصرفات، فكذلك التكاليف، فعلى هذا ينبغي أن يفهم التكليف، وما تضمن من المشقة " [٣٤] . الفائدة الثامنة: كثرة الخطا إلى المساجد: قال الإمام الباجي: " كثرة الخطا: يكون ببعد الدار عن المسجد، ويكون بكثرة التكرار عليه " [٣٥] . والكثرة هنا تعني - والله أعلم - المداومة على الطاعة، والجلد فيها، والصبر عليها، تقربًا إلى الله تعالى، ومحبة لأمره، وأستشعارًا لفضل الله - تعالى- على عبده بتكفير السيئات، قال الإمام ابن القيم: " الدين كله استكثار من الطاعات، وأحب خلق الله إليه: أعظمهم استكثار منها " [٣٦] . وقد ثبت في فضل الخطا إلى المساجد أحاديث عديدة منها: الحديث الأول: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، بلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال لهم: " إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد؟ " قالوا: نعم يا رسول الله! قد أردنا ذلك، فقال: " يا بني سلمة، دياركم تُكْتَبْ آثاركم! دياركم تُكتب آثاركم! " [٣٧] . الحديث الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : " من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح " [٣٨] . الحديث الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواتاه: إحداهما تحط خطيئة، والآخرى ترفع درجة [٣٩] . وأشير هنا إلى مسألتين: الأولى: أنه قد يتحقق في القرب من المسجد مصالح أعظم من فوات كثرة الخطا كيُسر محافظة الصغار والشباب على الصلاة، والتزامهم بحلقات العلم ودراسة القرآن الكريم، وكالبعد عن كثير من الفتن التي قد تعرض للمسلم وهو في طريقه إلى المسجد.. ونحو ذلك فيكون القرب منه أفضل بحسب المصلحة، كما أن بقاء بني سلمة في ديارهم كان أفضل لما ترتب عليه من مصالح. الثانية: أن الحرص على كثرة الخطا إلى المسجد لا تعني أن يتكلف المرء سلوك الطريق الأبعد لأجل تكثيرها، فلم أجد من كان يفعل ذلك من الصحابة - ﵃ أو الأئمة المقتدي بهم. الفائدة التاسعة انتظار الصلاة إلى الصلاة: قال أبو بكر ابن العربي: " انتظار الصلاة بعد الصلاة أراد به وجهين: أحدهما: الجلوس في المسجد، وذلك يُتصور بالعادة في ثلاث صلوات: العصر والمغرب والعشاء وفي العبادة في أربع: في هذه وفي الصبح ولا تكون بين العتمة والصبح، الثاني: تعليق القلب بالصلاة والاهتمام لها، والتأهب لها، وذلك يتصور في الصلوات كلها " [٤٠] . إن تعلق قلب العبد بالصلاة من دلائل الإيمان والصلاح؛ فهو وإن اشتغل في دنياه وتحصيل معاشه والسعي في حاجات أهله إلا أنه يقدر الصلاة حق قدرها، فإذا سمع المنادي ينادي للصلاة ترك شأنه كله مهما كان، وأقبل على مناجاة ربه بكل تضرع وإنابة، قال رسول الله ﷺ " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. وذكر منهم: ورجل قلبه معلق في المساجد " [٤١] . وقالت عائشة ﵂: " كان رسول الله ﷺ يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه " [٤٢] وعن سالم بن عبد الله: أنه نظر إلى قوم من أهل المدينة تركوا بياعتهم إلى الصلاة، فقال: " هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه: [رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَلاةِ] (النور: ٣٧) . [٤٣] . وهذا النوع من الانتظار هو المتيسر لغالب الناس، وإن كان ينبغي للإنسان ألا يحرم نفسه من النوع الأول، بين الحين والآخر لما له من أثر على صلته بربه . ولذا كان رسول الله ﷺ يحث أصحابه على ملازمة المسجد، ويبشرهم بعظيم فضل الله - تعالى - عليهم، فعن عبد الله بن عمرو - ﵁ قال: صلينا مع رسول الله ﷺ المغرب، فعقب من عقب ورجع من رجع فجاء ﷺ وقد كاد يحسر ثيابه عن ركبته، فقال: أبشروا معشر المسلمين، هذا ربكم قد فتح بابًا من أبواب السماء يباهي الملائكة، يقول: هؤلاء عبادي قضوا فريضة، وهم ينتظرون أخرى " [٤٤] . الفائدة العاشرة، مفهوم الرباط: قال الخليل بن أحمد: الرباط: ملازمة الثغور ومواظبة الصلاة " [٤٥] . وقال ابن منظور: الرباط: المواظبة على الأمر [٤٦] . وقال ابن عبد البر القرطبي: الرباط هنا: ملازمة المسجد لانتظار الصلاة، وذلك معروف في اللغة، قال صاحب كتاب العين: الرباط: ملازمة الثغور. قال: والرباط مواظبة الصلاة أيضًا. [٤٧] . وقد شبه النبي ﷺ المواظبة على الأمور المذكورة في الحديث بالرباط في سبيل الله تعالى [٤٨] ، بل قال أبو سلمة بن عبد الرحمن في تفسير قول الله - تعالى -: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (آل عمران: ٢٠٠) ، هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة، ولم يكن في زمن رسول الله ﷺ غزو يرابط فيه " [٤٩] . إن ملازمة الطاعات والمواظبة على فعل الصالحات، هي الدلالة الصادقة على عظيم الصلة بالله تعالى، وهي الطريق الصحيح لتزكية النفس وتربيتها، وقد بين أبو بكر ابن العربي أن حقيقة الرباط: " ربط النفس والجسم مع الطاعات " ٥٠ [. وقال القرطبي: المرابطة عند العرب: العقد على الشيء حتى لا يتحل، فيعود إلى ما كان صبر عنه، فحبس القلب على النية الحسنة، والجسم على فعل الطاعة، ومن أعظمها وأهمها: ارتباط الخيل في سبيل الله، كما نص عليه في التنزيل في قوله] وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ [ (الأنفال: ٦٠) ، وارتباط النفس في الصلوات، كما قاله النبي ﷺ ] ٥١ [. الخاتمة: احتوى هذا الحديث العظيم على فوائد كثيرة جمعها: وجوب حرص العبد على تزكية النفس من شوائبها، وتطهير القلب من أدرانه بالامتثال لأمر الله والإقبال الصادق على طاعة الله والتقرب إليه، والمواظبة على تعليق القلب على الطاعات.

стр. 3948

دراسات في الشريعة والعقيدة العمليات الاستشهادية دراسة شرعية هاني بن عبد الله بن جبير الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام وقُبّته، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنّة، وكما لهم الرفعة في الدنيا فهم الأعلون في الدنيا والآخرة [١] . وقد أخبر الله تعالى بأن: [وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً] (النساء: ٧٤) . وأخبر الله أنه: [اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ] (التوبة: ١١١) . «فليتأمل العاقد مع ربّه هذا التبايع ما أعظم خطره وأجلّه؛ فإنَّ الله هو المشتري، والثمن جنّات النعيم، والفوز برضاه، والتمتّع برؤيته هناك» [٢] . ولقد نعى الله تعالى على من ترك الجهاد فقال: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ] (التوبة: ٣٨) . عن عبد الرحمن بن جبر ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من اغبرّت قدماه في سبيل الله حَرّمه الله على النار» [٣] . قال ابن حجر: «وفيه إشارة إلى عظيم قدر التصرّف في سبيل الله، فإذا كان مجرد مَسّ الغبار القدم يحرم عليها النار؛ فكيف بمن سعى وبذل جهده واستنفد وسعه» [٤] . عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خيرٌ من الدنيا وما عليها» [٥] . ولا عجب أن كانت هذه منزلة الجهاد؛ فالتغلب على الشهوات والاستعلاء على المحبوبات من الأزواج والأولاد والأموال، بَلْهَ النفسَ، ليس بالأمر السهل، وبالجهاد يعرف المؤمن الذي يستعلي على حبّه للحياة. إنّ أمتنا المسلمة مع طول ما عاشت وعايشت لم تشهد ظروفاً كهذه التي تمر بها في هذا العصر المتأخر، ولم تُبتلَ قطّ بما ابتليت به الآن؛ فهي مع أنها لم تكن قط تبلغ ما بلغ عدد المنتسبين إليها الآن، فإنها لم تعانِ ضعفاً ووهناً كهذا. وهذا مصداق خبر النبي ﷺ : «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل: ومن قلّة نحن يا رسول الله؟ قال: لا؛ بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» [٦] . ومع تخاذل الأمة عن النصرة الواجبة فإنا نشاهد من هانت عليه نفسه فباعها لله مسترخصاً ما يبذل.. يحمله على ذلك شوقه لربه ويقينه بموعوده، فهناك «يلتذ العبد أعظم اللذة بما تحمَّل من الألم من أجله وفي مرضاته، وتكون لذته وسروره وابتهاجه بقدر ما تحمّل من الألم في الله ولله» [٧] ، ولا تعجب من فعله فإنّه «ربما غيّبه الشوق إلى لقائه عن شهود الألم والإحساس به. فالشوق يحمل المشتاق على الجد في السير إلى محبوبه، ويقرّب عليه الطريق، ويطوي له البعيد ويهوّن عليه الآلام والمشاق» [٨] . ومن ضمن الأعمال الفردية التي نشهدها في هذا الزمن ما يفعله بعض الفدائيين من عمليات تودي بحياتهم، قاصدين إلحاق الضرر بأعداء الله، وحيث ظهر أثر هذه العمليات في إرهاب أعداء الله، وزرع الخوف في قلوبهم، فقد كَثُرت، وتعددت طرقها وأساليبها، إلا أنها جميعاً تشترك في كونها تودي بحياة منفذها يقيناً. ولمّا كان في هذه العمليات ملحظان: أولهما: ما فيها من إزهاق الروح وقتل النفس، والثاني: ما فيها من نكاية في العدو وإضرار به مما يجعلها راجحة المصلحة وقريبة من حال المجاهد الذي تزهق روحه شهيداً؛ فقد تنوعت آراء من كتب في هذا الموضوع، ووقفت فيه على آراء متقابلة اجتمعت على عدم تحديد المراد بهذه العمليات؛ فإن من أشاد بها وجعلها نوعاً من الجهاد استدلّ على مشروعيتها بمثل فعل البراء بن مالك ﵁ لمّا ألقاه أصحابه إلى داخل حديقة الموت ليفتح بابها لهم معرِّضاً نفسه للموت، مع أنَّ واقع فعله ليس من جنس العمليات الاستشهادية المعاصرة؛ إذ هي قتل للنفس، والبراء لم يقتل نفسه، بل ولم يُقْتل في تلك المعركة! [٩] . وإنَّ الناظر في هذه المسألة لا ينبغي له أن يحمله إعجابه ببذل الفدائي نفسه وإقدامه على الشهادة، وما لفعله من أثرٍ عن تأمل حقيقة الحكم مستفيداً من واقع الحال. وبين يديك أخي القارئ أسطر قلائل حاولت فيها إيضاح هذه المسألة، مع علمي بقصوري عن ذلك، ولكن لعلها أن تكون خطوة تفتح الباب لأبحاث جادّة تجلّي الموضوع، وما توفيقي إلا بالله. أولاً: تعريف العمليات الاستشهادية: العمليات: جمع عملية. والعملية لفظ مشتق من العمل، وهو: عام في كل فعل يُفْعل [١٠] . ويطلق العمل على المهنة [١١] . أمّا العملية فهي كلمة محدثة تُطلق على جملة أعمال تُحدث أثراً خاصّاً، يقال: عمليّة جراحيّة أو حربية [١٢] . والشهادة هي القتل في سبيل الله [١٣] . واستشهد أي تعرّض أن يقتل في سبيل الله [١٤] . ولم أرَ من عرّف العمليات الاستشهادية. ويمكن أن يُقال في تعريفها بناء على ما تقدّم: إنها أعمال يقوم بها المجاهد تعرّضه للقتل. ويطلق البعض عليها عمليات انتحارية من جهة ما فيها من قتل النفس. فالانتحار قتل النفس. يقال: انتحر الرجل إذا قتل نفسه بوسيلة ما [١٥] . وفي تسميتها بذلك نظر من جهتين: الأولى: أن المقدم على العملية لا يقصد قتل نفسه، ولو أراد الانتحار لكان له طرق أخرى. والثانية: أن المقدم عليها إنما حمله فيما يظهر يقينه بأجر المجاهد وثواب الشهيد، ولولا ذلك لما أقدم عليها. ثانياً: مقدمات لا بد منها: قبل الشروع في تفصيل أحوال هذه العمليات وبيان الحكم المنزَّل على كل حالة منها بناءً على توصيفها التوصيف المناسب فإنه يحسن أن نُقَدّم بمقدمات تمهد لها وتجلّي حقائق ينبغي أن يتأملها من أراد إطلاق الحكم عليها. ١ - المبادئ العامة لكيفية القتال: لا بد في كل عمل جهادي من أن يكون ملتزماً بالمبادئ التي قررها الشرع في كيفية القتال وأسلوب الحرب وطريقة المقاومة. فإن «أول عامل يعتمد عليه جيش الإسلام في استنزال النّصر من عند الله : التقوى، وعفة النفس، والوفاء بالعهد، والبعد عن الفاحشة، والمروءة، واحتساب الأجر عند الله تعالى، وتجنب البغي والانتقام عند الظفر، واتقاء البطر، ومراعاة الناس في الحرب» [١٦] . ومن هذه المبادئ: عدم قتل المدنيين. وهم من لم ينصب نفسه للقتال، وكذا النساء والصبيان الذين لا يقاتلون ولا يعينون على القتال بنفس أو رأي [١٧] ؛ فقد نهى النبي ﷺ عن قتل النساء والصبيان [١٨] . وقال عمر بن الخطاب ﵁: «اتقوا الله في الفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب» [١٩] . قال الإمام أحمد: «من أطبق بابه على نفسه ولم يُقاتل؛ لم يُقْتل» [٢٠] . أما من قاتل من المدنيين أو النساء والصبيان، أو أعان على القتال ولو بالرأي فإنه يُقتل؛ إذ قد يُشير برأي هو أنكى للمسلمين من القتال. فقد قتل دريد بن الصمة في حرب هوازن وقد جاوز المائة فلم ينكر رسول الله ﷺ قتله لِمَا كان من رأيه [٢١] . وقد قتل النبي ﷺ يوم بني قريظة امرأة ألقت رحىً على خلاد بن سُويد [٢٢] . لكن إذا لم يتوصل إلى قتل المقاتلة إلا بقتل النساء والأطفال ونحوهم، كأن يتترسوا بهم في الحرب، أو تحصنوا جميعاً في مكان واحد، أو هُجم عليهم ليلاً فلم يمكن التمييز بينهم؛ فيجوز قتلهم، فقد نصب النبي ﷺ المنجنيق على أهل الطائف ورماهم به [٢٣] . قال في المغني: «وإن تترسوا في الحرب بنسائهم وصبيانهم جاز رميهم، ويقصد المقاتلة؛ لأن النبي ﷺ رماهم بالمنجنيق ومعهم النساء والصبيان؛ ولأن كف المسلمين عنهم يُفْضي إلى تعطيل الجهاد؛ لأنهم متى علموا ذلك تترسوا بهم عند خوفهم، فينقطع الجهاد، وسواء كانت الحرب ملتحمة أو غير ملتحمة؛ لأن النبي ﷺ لم يكن يتحيّن بالرمى حال التحام الحرب» [٢٤] . عن الصعب بن جَثّامة ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل عن الديار من ديار المشركين يُبَيّتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال: «هم منهم» [٢٥] ، ومن هذه المبادئ جواز الإتلاف والتخريب والتدمير مما تقتضيه الأعمال الحربية، وكان في إتلافه إضعاف للكفار أو إغاظتهم أو النكاية فيهم [٢٦] . عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ : حرَّق نخل بني النضير وقطع [٢٧] . قال في تتمة أضواء البيان [٢٨] عند تفسير قوله تعالى: [مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ] (الحشر: ٥) : «والذي يظهر أن الإذن المذكور في الآية هو إذن شرعي، وهو ما يؤخذ من عموم الإذن في قوله تعالى: [أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ] (الحج: ٣٩) ؛ لأن الإذن بالقتال إذن بكل ما يتطلبه بناء على قاعدة الأمر بالشيء أمر به وبما لا يتم إلا به، والحصار نوع من القتال، ولعلَّ من مصلحة الحصار قطع بعض النخيل لتمام الرؤية أو لإحكام الحصار أو لإذلال وإرهاب العدو في حصاره، وإشعاره بعجزه عن حماية أمواله وممتلكاته، وقد يكون فيه إثارة له ليندفع في حميّة للدفاع عن ممتلكاته وأمواله فينكشف عن حصونه ويسهل القضاء عليه؛ إلى غير ذلك من الأغراض الحربية التي أشار الله تعالى إليها في قوله: [وَلِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ] (الحشر: ٥) أي بعجزهم وإذلالهم وحسرتهم وهم يرون نخيلهم يقطع ويحرق فلا يملكون له دفعاً. وعلى كل فالذي أذن بالقتال وهو سفك الدماء وإزهاق الأنفس وما يترتب عليه من سبي وغنائم لا يمنع مثل قطع النخيل إن لزم الأمر، وبهذا يمكن أن يقال: إذا حاصر المسلمون عدواً ورأوا أن من مصلحتهم أو من مذلة العدو إتلاف منشآته وأمواله فلا مانع من ذلك؛ وغاية ما فيه أنه إتلاف بعض المال للتغلب على العدو وأخذ جميع ماله» ، ولهذا أمثلة في السيرة، منها: أن النبي ﷺ أمر بقطع أعناب ثقيف لما حاصر الطائف [٢٩] . ومنها أن علياً ﵁ عقر جمل حامل راية الكفار في هوازن [٣٠] . ومن هذه المبادئ: جواز تبييت الكفار ومباغتتهم وقتلهم وهم غارّون [٣١] . عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارّون آمنون، فقتل المقاتلة وسبى الذُّريّة [٣٢] . ٢ - إيثار العطب على السلامة الممكنة أحياناً: فقد ورد الشرع في مسائل عدة بتفضيل الصبر على القتل والموت على السلامة الممكنة الجائزة. ومن هذه المسائل: أ - أن المكره على الكفر يجوز له إظهار كلمة الكفر لقوله تعالى: [مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] (النحل: ١٠٦) ومع ذلك فإن الصبر أفضل وأعظم أجراً، قال ابن بَطّال: «أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجراً عند الله ممن اختار الرخصة» [٣٣] . وقال ابن كثير: «والأفضل والأوْلى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله» [٣٤] . عن خباب بن الأرت ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجْعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه؛ فما يصدّه ذلك عن دينه» [٣٥] . قال القرطبي: «فوصفه ﷺ هذا عن الأمم السابقة على وجه المدح لهم، والصبر على المكروه في ذات الله وأنهم لم يكفروا في الظاهر ويبطنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم، وهذه حجة من آثر الضرب والهوان على الرخصة» [٣٦] . ب - أن المسلمين متى كانوا أقل من نصف الكفار جاز لهم الانصراف؛ لقوله تعالى: [فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ] (الأنفال: ٦٦) . قال ابن عباس ﵁: «من فَرَّ من اثنين فقد فَرَّ، ومن فَرَّ من ثلاثة فما فَرّ» [٣٧] . ومع ذلك فإنه يُستحب لهم الثبات ولو غلب على ظنهم الهلاك لينالوا درجة الشهداء المقبلين على القتال محتسبين فيكونون أفضل من المولِّين [٣٨] ، وفي قصة غزوة مؤتة شاهد لهذا؛ فإنَّ النبي ﷺ بعث إلى الشام بعثاً استعمل عليهم زيد بن حارثة وكانوا ثلاثة آلاف، ومضوا حتى إذا نزلوا (معان) من أرض الشام بلغ الناس أن هرقل قد نزل (مآب) من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم انضمَّ إليهم من لخم وجذام وبلي مائة ألف منهم، فلما بلغ المسلمون ذلك أقاموا ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا: نكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بعدد عدونا؛ فإمّا أن يمدنا بالرجال، وإمّا أن يأمرنا بأمره فنمضي له، فشجّع الناس عبد الله بن رواحة وقال: إن التي تكرهون لَلَّتي خرجتم تطلبون: الشهادة. فمضى الناس وقاتلوا عدوهم [٣٩] . ج - ما ذكره ابن القيم في حديثه عن الإيثار: «وعلى هذا فإذا اشتد العطش بجماعة وعاينوا التلف ومع بعضهم ماء فآثر على نفسه واستسلم للموت كان ذلك جائزاً ولم يُقَلْ أنه قاتلٌ لنفسه، ولا أنه فعل محرماً، بل هذا غاية الجود والسخاء كما قال تعالى: [وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ] (الحشر: ٩) . وقد جرى هذا بعينه لجماعة من الصحابة في فتوح الشام وعُدَّ ذلك من مناقبهم وفضائلهم» [٤٠] . د - ما ذكره بعض الفقهاء: أنه يجوز لأمير الجيش إذا حض على الجهاد أن يُعَرّض للقتل والاستشهاد من يرغب فيها ممن يؤثِّر في المعركة بتحريض المسلمين على القتال حميّة له [٤١] . ٣ - نظرة في المصالح والمفاسد: إنَّ مبنى الشريعة الإسلامية على جلب المصالح ودرء المفاسد [٤٢] ؛ فالشريعة جاءت لما فيه صلاح البشر في العاجل والآجل، ومن تأمل ما فيها من أحكام شرعية متضمنة لمصالح الخلق تيقن أنها شريعة رب حكيم عليم بمصالح خلقه. والمصالح قد تكون عامّة أو خاصة، وكذا المفاسد. والشرع جاء لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها. فإن تعارضت المصالح والمفاسد: فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فهو المطلوب، وإن لم يمكن تحصيل المصلحة إلا بارتكاب شيء من المفاسد فينظر في هذه الحالة إلى الراجح والغالب منهما؛ فإن كان الغالب المصلحة لم ينظر إلى المفسدة اللاحقة، وإن كان الغالب المفسدة لم ينظر إلى المصلحة [٤٣] . ويمكن أن يعرف ذلك بالنظر في قيمة المصلحة وشمولها؛ فالمصالح العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، والمصلحة المتعلقة بحفظ الدين مقدمة على غيرها، وكذلك بالنسبة للمفاسد. وكل ذلك بعد معرفة حقيقة الواقع، وواقع الحال. قال الشاطبي لما تناول مسألة ما إذا كان قيام الشخص بالمصلحة العامة متلفاً لنفسه: «وإن فرض في هذا النوع إسقاط الحظوظ فقد يترجح جانب المصلحة العامة، ويدل علىه أمران: أحدهما: قاعدة الإيثار المتقدم ذكرها. والثاني: ما جاء في خصوص الإيثار في قصة أبي طلحة في تتريسه على رسول الله ﷺ بنفسه وقوله: نحري دون نحرك، ووقايته له حتى شُلَّتْ يده، ولم ينكر ذلك رسول الله ﷺ ؛ فهو إيثار راجع إلى تحمّل أعظم المشقات عن الغير، ووجه عموم المصلحة أنه وقى بنفسه من يعم بقاؤه مصالح الدين وأهله» [٤٤] . ومن تطبيقات ذلك ما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية؛ إذ قال: «وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ قصة أصحاب الأخدود، وفيها أنَّ الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين؛ ولهذا جَوَّز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صَفّ الكفار وإن غلب على ظنّه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين. فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يُقْتل به لأجل مصلحة الجهاد مع أن قتل نفسه أعظم من قتله لغيره كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا أوْلى» [٤٥] . ثالثاً: حكم العمليات الاستشهادية: قبل الحكم على هذه العمليات لا بد أولاً من معرفة صورتها؛ إذ الحكم على الشيء مبني على تصوّره الصحيح. والحقيقة أن هذه العمليات تتخذ صوراً وطرقاً مختلفة متفاوتة، وقد يظهر في المستقبل صور أخرى منها. وإن كنت أرجو أن من تأمل ما سيأتي فلن يفوته منها شيء تصريحاً أو دلالة وتضمناً. وهذه الأعمال منها ما يتعرّض فيها للقتل بيد أعدائه، ومنها ما يَقْتُل فيها نفسه، وعلى أساس هذا التقسيم سنسير. الأول: أعمال استشهادية تعرّضه للقتل بيد أعدائه. وهذه الأعمال تتحذ صوراً كثيرة منها: ١ - أن ينغمس وحده في الكفار حال القتال فيقاتل وحده العدد الكثير. عن أسلم أبي عمران قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد ابن الوليد. والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجلٌ على العدو، فقال الناس: مَهْ مَهْ! لا إله إلا الله يُلْقي بيده إلى التهلكة! فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لمّا نصر الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأظهر الإسلام. قلنا هَلُمّ نقيم في أموالنا ونُصْلحها. فأنزل الله : [وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ] (البقرة: ١٩٥) فالإلقاء بأيدينا إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا نصلحها وندع الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دُفن بالقسطنطينية [٤٦] . عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويتبشر بهم: الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه لله تعالى؛ فإمّا أن يُقتل وإمّا أن ينصره الله ويكفيه، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه! ... » [٤٧] . ومن ذلك فعل البراء بن مالك ﵁ في حرب المرتدين من أهل اليمامة؛ إذ دخلوا الحديقة وأغلقوها عليهم، فقال البراء: يا معشر المسلمين! ألقوني عليهم في الحديقة. فاحتملوه فوق الحُجُف [٤٨] ورفعوها بالرّماح حتى ألقوه عليهم من فوق سورها؛ فلم يزل يقاتلهم دون بابها حتى فتحه ودخل المسلمون عليهم [٤٩] . وأمثلة هذه الصورة كثيرة ذكر جملة منها في (مشارع الأشواق) ، ومختصره (فكاهة الأذواق) في باب مستقل [٥٠] . ٢ - أن يتعرّض للشهادة ويسعى لها: عن أبي ذرّ ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثلاثة يحبهم الله ... الرجل يلقى العدو في فئة فينصب لهم نحره حتى يُقْتل أو يفتح لأصحابه ... الحديث» [٥١] . وكان النبي ﷺ يبايع أصحابه في الحرب على ألا يفرّوا، وربما بايعهم على الموت [٥٢] . وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من خير معاش الناس لهم: رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلّما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل أو الموت مظانّه» [٥٣] . ٣ - أن يُبَادر العدو، أو يحمي إخوانه بنفسه، فيؤْثِر إخوانه بالحياة: وقد كان النبي ﷺ يُؤْثِرُ إخوانه على نفسه، فيتبادر إلى لقاء العدّو دونهم. عن أنس بن مالك ﵁ قال: فزع الناس ذات ليلة فركب رسول الله ﷺ فرساً لأبي طلحة، ثم خرج يركض وحده، فركب الناس يركضون خلف رسول الله ﷺ ، فاستقبلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول: لن تُراعوا، لن تراعوا؛ وفي عنقه السيف [٥٤] . وقد بات عليٌّ على فراش النبي ﷺ ليلة هجرته إلى المدينة؛ إذ تربّص به الذين كفروا، وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليّاً؛ فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلمّا رأوا عليّاً رَدّ الله مكرهم [٥٥] . وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن عُكاشة الغنمي وقى النبي ﷺ يوم أحد يوم اجتمع المشركون وتمالؤوا عليه لقتله حتى ذهب أنفه وشفتاه وحاجباه وأذناه [٥٦] . فهذه الصورة وغيرها مما يعرّض المجاهد للقتل بيد أعدائه جائزة بثلاثة شروط: ١ - أن يكون في عمله مصلحة للمسلمين. ٢ - ألا يكون في قتله لو قتل مفسدة عامة، من كسر قلوب المسلمين أو إضعافهم أو تقوية قلوب الكفار. ٣ - أن يتصف بالإخلاص في عمله؛ فبدونه لا قيمة للعمل ولا ثواب ولا بركة ولا تأثير. قال شيخ الإسلام: «إنه إذا فعل ما أمره الله به فأفضى ذلك إلى قتل نفسه فهذا محسن في ذلك كالذي يحمل على الصف وحده حملاً فيه منفعة للمسلمين وقد اعتقد أنّه يقتل، فهذا حَسَنٌ، وفي مثله أنزل الله قوله: [وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ] (البقرة: ٢٠٧) . ومثلما كان بعض الصحابة ينغمس في العدو» [٥٧] . الثاني: أعمالٌ استشهادية تعرّضه للقتل بيده. وهذه الأعمال يمكن أن تُقَسّم أقساماً لكل قسم منها حكم مستقل، وإليك التفصيل: ١ - أن يضرب الكفّارَ فيصيبه سلاحه دون قصد منه: وهذا شهيد إذا لم يقصد قتل نفسه، وهذا كما لو أراد إطلاق قذيفة فانفجرت فيه أو أصابته منها شظيّة مثلاً، ويدل لذلك: ما روى أبو داود عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: أغرنا على حيّ من جهينة، فطلب رجل من المسلمين رجلاً منهم فضربه فأخطأه فأصاب نفسه بالسيف، فقال رسول الله ﷺ : أخوكم يا معشر المسلمين! فوجدوه قد مات فقالوا: يا رسول الله! أشهيدٌ هو؟ قال: نعم، وأنا له شهيد [٥٨] . وعامر بن الأكوع بارز مَرْحَباً يوم خيبر فذهب يُسفِل له فرجع سيفه على نفسه فكانت فيها نفسه [٥٩] قال في المغني [٦٠] : «فإن كان الشهيد عاد عليه سلاحه فقتله فهو كالمقتول بأيدي العدو» . ٢ - أن يضرب العدو، ويخاف أن يؤسَر أو يعذّب إن عُرف فيقتل نفسه. وهذا كما لو فجّر أو قتل أو أنكى في العدوّ وخاف أن يكشف ويؤسر فيعذّب ويؤذى ويعرِف أنه قليل الصبر، وأنّ لأعدائه من التفنن في التعذيب والقدرة عليه ما يعجز عنه فيقتل نفسه مع أعدائه؛ وهذا إنما أقدم على قتل نفسه طلباً للتخلّص من مفسدةٍ مظنونة غير واقعة، وهي لو وقعت لكان مأموراً بالصبر على الابتلاء، فكيف وهي لم تقع؟ وعلى كلٍّ فقتله لنفسه ليدفع مفسدةً خاصّة مظنونة غير سائغ، وهو من جنس الذي جذع من الجرح فقتل نفسه. عن جندب أن رسول الله ﷺ قال: «إن رجلاً ممن كان قبلكم خرجت به قرحة، فلما آذته انتزع سهماً من كنانته فلم يرقأ الدم حتى مات. قال ربكم: قد حرَّمت عليه الجنة [٦١] . وحديث الذي جرح جرحاً شديداً في إحدى غزواته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه فتحامل عليه فقتل نفسه [٦٢] . سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن رجل له مملوك هرب ثم رجع، فلمّا رجع أخفى سكينة وقتل نفسه؟ فأجاب:» لم يكن له أن يقتل نفسه وإن كان سيّده قد ظلمه واعتدى عليه، بل كان عليه إذا لم يمكنه دفع الظلم عن نفسه أن يصبر إلى أن يفرّج الله. فإن كان سيّده ظلمه حتى فعل ذلك مثل أن يقتّر عليه في النفقة أو يعتدي عليه في الاستعمال أو يضربه بغير حقّ أو يريد به فاحشة ونحو ذلك فإنّ على سيده من الوزر بقدر ما نسب إليه في المعصية « [٦٣] . إلا أنه يستثنى من ذلك القسم الثالث وهو: ٣ - أن يؤسر، أو يراد أسره ويكون ممن يعرف أسرار المسلمين فيخشى أن يفضح المسلمين. وهذا كما لو علم أنَّ الأعداء معهم من الأدوية ووسائل انتزاع الاعترافات ما يغلب على ظنّه أنّه سيُخبرهم بحال المجاهدين وخططهم ومخابئهم ونحو ذلك. وفي هذا القسم أفتى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم [٦٤] ، وأسوق نَصّ تقريره بتمامه:» الفرنساويون في هذه السنن تصلبوا في الحرب ويستعملون الشرنقات [*] إذا استولوا على واحد من الجزائريين ليعلمهم بالذخائر والمكامن ومن يأسرونه قد يكون من الأكابر فيخبرهم أن في المكان الفلاني كذا وكذا، وهذه الإبرة تُسْكره إسكاراً مقيّداً، ثم هو مع هذا كلامه ما يختلط فهو يختص فيما يبيّنه بما كان حقيقة وصدقاً. جاءنا جزائريّون ينتسبون إلى الإسلام يقولون: هل يجوز للإنسان أن ينتحر مخافة أن يضربوه بالشّرنقة ويقول: أموت أنا شهيد مع أنهم يعذبونهم بأنواع العذاب؟ فقلنا لهم: إذا كان كما تذكرون فيجوز؛ ومن دليله: آمنا برب الغلام [٦٥] ، وقول بعض أهل العلم: إن السفينة [٦٦] إلخ، إلا أن فيه التوقف من جهة قتل الإنسان نفسه ومفسدة ذلك يعني اعترافه أعظم من مفسدة هذا يعني قتله لنفسه فالقاعدة محكمة، وهو مقتول ولا بُدَّ « [٦٧] . وبناء على ما سبق، وللأدلة التي ذكرها سماحته فإن من كان يعرف من أسرار المجاهدين ما في كشفه إضرار عام بهم وقد علم أنّ لدى الأعداء ما يمكنهم من انتزاع الإقرار منه؛ فإن له أن يقتل نفسه عند مهاجمته لهم ومقاتلته إياهم. ٤ - أن يخشى إن لم يقتل نفسه بمهاجمته للأعداء أن يُسْتأصل المجاهدون ويصطلمهم أعداؤهم. وهذا كأن يعلم أنه إن تقدم إليهم وقام بعملية ضدهم، امتنعوا عن استئصال المسلمين الآخرين. وهو مشروط بأن لا يستطيع ذلك إلا بإتلاف نفسه، إمّا لشدة تحصيناتهم، أو قوّة مراقبتهم فيحتاج لإخفاء ما معه بداخل جسده أو بين ثيابه، أو نحو ذلك؛ فيجوز له الإقدام؛ إذ قَتْلُ البعض خير من موت الجميع، وهذا متفق مع قواعد الفقه؛ وذلك أنه متى تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما بارتكاب أخفهما [٦٨] . كما أنَّ الضرر الخاص يُتَحمّل لدفع الضرر العام [٦٩] . قال شيخ الإسلام:» وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يُقاتلوا فإنهم يُقاتلون وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم ... وهؤلاء المسلمون إذا قُتلوا كانوا شهداء، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيداً، ومن قتل وهو في الباطن لا يستحق القتل، لأجل مصلحة الإسلام كان شهيداً « [٧٠] . وفي القسم الخامس زيادة بيان. ٥ - أن يقصد النكاية في الكفار بما لا يُمْكن إلا بقتل نفسه. وهذا هو غالب ما يقع وإن كان القسم الثاني قد يقع أيضاً كثيراً. وهنا يقصد المجاهد أن ينكأ في العدو بإتلاف شيءٍ من ممتلكاتهم أو قتل بعضٍ من مقاتلتهم أو أعوانهم فيزرع في جسده أو عربته نوعاً من المتفجرات ويقتحم به ليتلف ما أراد فتصاب نفسه مع ذلك الإتلاف. ونحتاج إذا أردنا إيضاح مشروعية هذا العمل وتوصيف حكمه إلى أن نتذكر مقدمات مبسوطة في كتب الفقه لا بد من استحضارها والتمهيد بها، ولعلنا أن نربط أعناق تلك الممهدات ببعض لنتوصّل إلى نتيحة: فمن ذلك: - أن دفع الكفار واجب. - وأن المدنيين لا يقتلون إلا إذا أعانوا على القتال بنفس أو رأي، أو لم يمكن التمييز، أو اختلطوا بالمقاتلة في موضع واحد. - وأن تخريب أموال الكفار ومنشآتهم وتدميرها جائزٌ، إذا اقتضته الأعمال الحربية. - وأن تبييت الكفار ومباغتتهم جائز. - وأن الموت يفضل على السلامة الممكنة أحياناً، ولا يكون اختياره قتلاً للنفس. ومن تلك المقدمات أن المصالح إذا تعارضت مع المفاسد نُظر في الأرجح منهما. - وفي هذا العمل تعارضت مفسدة قتل النفس بمصلحة الجهاد، وإذا أردنا الموازنة فإننا نقول: في الجهاد حفظ للدين ودفع عنه، وفيه حفظ للنفس والنسل والمال مما يلحقها من تسلط الكفار وغلبتهم؛ فإنه يترتب على تغلبهم من إفساد الدين: ١ - منع المؤمنين من القيام بشعائر دينهم والتضييق عليهم. ٢ - وإظهار الأحكام والقوانين المنافية للإسلام. ٣ - زهد الآخرين في الدين لما يرون من حال أهله من الذلّة والمهانة [٧١] . وقل مثل ذلك من إفساد النسل والاعتداء على الأعراض، وإفساد الأموال بالاستيلاء عليها أو إتلافها، وإتلاف النفوس مما شهد به الواقع، ونطقت به وسائل الإعلام ولم يعد خافياً [٧٢] . يقابل ذلك مفسدة قتل النفس، وهي مفسدة خاصّة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:» إذا فعل ما أمره الله، فأفضى ذلك إلى قتل نفسه فهذا محسن في ذلك كالذي يحمل على الصف وحده حملاً فيه منفعة للمسلمين ... وقتل الإنسان نفسه حرام بالكتاب والسنة والإجماع كما ثبت عنه في الصحاح أنه قال: «من قتل نفسه بشيء عُذّب به يوم القيامة» ، وحديث الذي قتل نفسه لما اشتدت عليه الجراحة وكان النبي ﷺ يخبر أنّه من أهل النار لعلمه بسوء خاتمته. فينبغي للمؤمن أن يفرّق بين ما نهى الله عنه من قصد الإنسان قتل نفسه أو تسببه في ذلك، وبين ما شرعه الله من بيع المؤمنين أنفسهم وأموالهم له كما قال تعالى: [إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ] (التوبة: ١١١) ... والاعتبار في ذلك بما جاء به الكتاب والسنة لا بما يستحسنه المرء أو يجده أو يراه من الأمور المخالفة للكتاب والسنة. ومما ينبغي أن يُعْرَف أن الله ليس رضاه أو محبته في مجرد عذاب النفس وحملها على المشاق ... لا! ! ولكن الأجر على قدر منفعة العمل ومصلحته وفائدته، وعلى قدر طاعة أمر الله ورسوله؛ فأي العملين كان أحسن وصاحبه أطوع وأتبع كان أفضل؛ فإنّ الأعمال لا تتفاضل بالكثرة وإنما تتفاضل بما يحصل في القلوب حال العمل ... فالله سبحانه إنما حرم علينا الخبائث لما فيها من المضرة والفساد، وأمرنا بالأعمال الصالحة لما فيها من المنفعة والصلاح لنا، وقد لا تحصل هذه الأعمال إلا بمشقة كالجهاد والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلب العلم فيحتمل تلك المشقة ويثاب عليها لما يعقبها من المنفعة ... وأما إذا كانت فائدة العمل منفعة لا تقاوم مشقته فهذا فساد والله لا يحب الفساد « [٧٣] . فبعد تبيُّن ما سبق من الدرجات المتعاقبة الممهدة، وما ذكره شيخ الإسلام نقول: إذا تضمن العمل الاستشهادي من هذا القسم خمسة شروط فهو جائز وهي: ١ - أن يكون فيه مصلحة للمسلمين ونكاية لأعدائهم. ٢ - أن لا تحصل المصلحة إلا به بأن لم يمكن زرع اللغم أو وسيلة الإتلاف إلا بإتلاف النفس. ٣ - ولم يقصد خوف الأسر حسبما سبق تفصيله. ٤ - ولم يقصد إتلاف من لا مدخل له في القتال على ما سبق تفصيله. ٥ - ولم يكن في عمله مفسدة تربو على مصلحة عمله بأن تزيد ضراوة الكفار ونحو ذلك. فإن الظاهر أن قيامه بالمصلحة يسوّغ له إتلاف نفسه ولا يكون قاتلاً لنفسه، فإذا عدم منها شرط لم يجز له الإقدام على عمله. والله أعلم. وبعد: فإنّ جميع ما سبق إنّما هو تصوير وتقعيد لقضية عصرية ومناقشتها على ضوء قواعد الشريعة وما ذكره أهل العلم؛ أما تنزيل الأحكام على وقائعها وتطبيقها وتحقيق المناط فيها، فإنه من عمل أهل الفتوى المعتبرين الذين ينزلون الحكم الشرعي على كل واقعة بعينها بعد فهم الواقع والحال وتمام تصوّره، ومعرفة المصالح والمفاسد من خلال ما يعرفه قادة المجاهدين وأهل الرأي والخبرة منهم، والله الموفق.

стр. 3949

دراسات في الشريعة والعقيدة الإصلاح التشريعي في مصر من التأصيل المتعثر إلى الجموح العلماني ثم عودة التأصيل نماذج النجاح والإخفاق (٤) عبد العزيز بن محمد القاسم [*] azalgasem@hotmail.com أشار الكاتب في الحلقة السابقة إلى أن أول انحراف منظم عن الشريعة في مصر كان تحكيم المماليك لبعض قوانين التتار، وأومأ إلى أن تاريخ الحملة الفرنسية على مصر يكشف عن تعرُّف نابليون على جوانب من أحكام الشريعة الإسلامية، ودرس علماء الحملة الفرنسيون الشريعة ضمن مكونات الثقافة المصرية الإسلامية وأدركوا أنهم أمام ثروة عظيمة. ومن ذلك اعتبار بعض المؤرخين الفرنسيين أن التركة الأساسية هي تركة علمية أيديولوجية. ويتابع الكاتب في هذه الحلقة الحديث عن الإصلاح التشريعي. - البيان - ازدواج مؤسسات التعليم وأثره على جهود مواجهة التشريع الوضعي: مؤسسات التعليم من أهم عوامل تشكيل البنية التحتية للتغيرات الثقافية بما فيها المجال التشريعي، وهذه المؤسسات هي التي أسهمت في تكوين شرائح المثقفين الذين قادوا الرأي العام، وتمكنوا من التأثير في مسار الحركة الاجتماعية ومؤسسات المجتمع والدولة؛ فقد كان التعليم في مصر منذ عهد محمد علي يقود إلى تكوين قطاعين تعليميين: أحدهما: متقدم لكنه منفصل عن العلوم الشرعية، ويستلهم العلوم الحديثة وهو قطاع المدارس الأميرية التي كان خريجوها يشتغلون في مؤسسات الدولة، وقد تم ابتعاث كثير منهم إلى مؤسسات التعليم الحديثة في أوروبا، والآخر: هو قطاع التعليم الديني الذي لم يهتم محمد علي وخلفاؤه بتطوير مؤسساته وعلى رأسها الأزهر، كما عانى هذا القطاع من الجمود الفقهي أمام الحاجات الفقهية القائمة؛ فعلى سبيل المثال لما طلب الخديوي إسماعيل من العلماء تدوين صيغة شرعية من الفقه الإسلامي يواجه بها الضغط الأوروبي لتطبيق القانون تنازع العلماء وردوا طلبه، فاتجه إلى ما يوافق هواه، فأمر بترجمة القانون الفرنسي ليصدر بعد سنوات قليلة، وبذلك التقدم في المدارس الحديثة والجمود والإهمال في التعليم الديني ازدادت قطاعات التحديث، وانتشرت العلمانية، وهيمنت على الحياة الفكرية، وانزوت المؤسسة الدينية واضمحل تأثيرها الذي عرفت به في الحياة العامة؛ فقد: «استطاعت الطبقة الجديدة أن تنتزع القيادة الفكرية وساهمت بالنصيب الأكبر في قضايا التغيير الاجتماعي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وفي تحرير المرأة والحياة النيابية» [١] . ولمجرد المقارنة؛ فخلال ثلاثة أرباع قرن من ١٨٧٨م إلى سنة ١٩٥٣م تولى الوزارة في مصر ٢٩٨ وزيراً من كل الأجناس التركية والشركسية والأوروبية والمصرية، كان منهم فقط أربعة أزاهرة منهم علي عبد الرازق، ومصطفى عبد الرازق اللذان جاءت بهما ليبراليتهما، ومدة بقاء زميليهما لم تتجاوز عشرة أشهر رغم أن وزارتهم ذات صفة دينية خالصة وهي وزارة الأوقاف، وبذلك يتبين كيف انفرد رجال التعليم الحديث بقيادة أَزمَّة المؤسسات مع ما يُعْوزهم من معرفة لأصول الشريعة وبخاصة في مجالات العدل والتعليم الحقوقي. وقد كان يؤسس لذلك ويدعمه انبهار بالغرب لدى خريجي المدارس الأجنبية؛ ويصف ذلك أحد المؤرخين بقوله: «ثم الحماس للغرب حماساً يبلغ في خريجي المدارس الأجنبية والمعاهد الخارجية حدَّ فَقْدِ الوعي القومي، ويضطرب فيما عداهم بين الارتفاع والهبوط، ولكنه يشرك هؤلاء وأولئك في التشويق لهذا الغرب والاقتداء به وتقديس ما يصدر عنه تقديس عبدة الأصنام أصنامهم» [٢] ، وقد تعزز ذلك باتجاه القوى المستعمرة إلى إقصاء العلماء وعزلهم. يقول المستشار طارق البشري عن نفوذ خريجي المدارس المدنية وعلاقته بنفوذ المستعمر: «وهو نفوذ يطمئن إلى فاعليته واستقراره بقدر ما يضمن هيمنته على العقول؛ ويبدو صواب الملاحظة التي أشار إليها الباحث أنس مصطفى كامل عن أن الدور العروبي الذي لعبته النخبة المثقفة في اتجاهها المعادي لما أسماه كان يحقق القدر الكثير من الرضاء للسلطة الاستعمارية الأوروبية التي تحبذ العلمنة..» [٣] . توالي التأسيس لمشروعات تغريب التشريع والأخلاق: لم يكن التغريب التشريعي هدفاً معرفياً في فجر النهضة؛ إذ لم تتجه الدولة والمثقفون إلى التشريع الوضعي رغبة في تحصيل علم لم يكن متاحاً، بل تظهر النصوص التاريخية أن الاتجاه الغالب بعكس ذلك؛ فقد كان محمد علي في أوائل القرن التاسع عشر مستمسكاً بالشريعة، وحين اقتبس القانون التجاري اقتبس صيغته العثمانية، وحين أراد وضع تقنين مدني توجه إلى الشريعة، فكلف المفتي الشيخ محمد الجزائرلي أن يضع قانوناً مدنياً على مثال قانون نابليون يُقتبس من الشريعة الإسلامية، غير متقيد بمذهب معين، وقد بذل الشيخ جهداً كبيراً لإنجاز المشروع؛ إلا أن الظروف الدولية أجهضت المشروع [٤] ، ويحكي لنا محمد رشيد رضا الحوار الذي دار بين الخديوي إسماعيل والشيخ رفاعة طهطاوي؛ حيث طلب الخديوي من رفاعة كتابة قانون مدني مستمد من الشريعة، فتخوف رفاعة من شيوخ الأزهر واعتذر عن ذلك. وفي سنة ١٨٨٢م ١٣٠٠هـ كما ورد في مذكرة حسين باشا ناظر الحقانية (وزارة العدل) لمجلس النظار: «تراءى للحكومة وضع قانون مطابق للشريعة الغراء، وأحيل عمله على سعادة قدري باشا، وتشكل قمسيون آخر لترتيب المجال.. وإذا قيل لا بد من أن يكون القانون المدني مطابقاً للشريعة فربما يقال من باب أوْلى أن يلزم أن يكون بالجنايات وسير المرافعات يكون على مقتضى الشريعة» [٥] ؛ فمرجعية الشريعة واضحة في تلك الفترة. ونلاحظ بوجه خاص أولوية مرجعية الشريعة في الجنايات، وهي معيار أساسي في النظام الأخلاقي، كما نلاحظ مرجعية الشريعة في كتابات علي مبارك أحد العائدين من البعثة التعليمية في فرنسا وبخاصة المسامرة الثالثة عشرة حين يتحدث عن رفض الحجاب مستشرق إنجليزي في القصة. ونلاحظ أن التحول عن المرجعية الإسلامية إلى العلمانية وفصل الدين عن التشريع يبدأ مع النصارى الشاميين: بطرس البستاني، وجورجي زيدان، وشبلي شميل، وأنطون فرح، وغيرهم، وروجت تلك الآراء في الصحافة اللبنانية المصرية مثل المقتطف والهلال، فتبنى هذا الاتجاه بناء النظام الأخلاقي على أسس العلم التجريبي وأنه: «لا تستمد الشرائع السليمة إلا من العلوم الإنسانية الصحيحة» [٦] ، وقد أسس شبلي شميل التحول إلى مرجعية العلوم الإنسانية متأثراً بالداروينية التي تبناها وبشَّر بها في معناها الاجتماعي بوجه خاص، وسانده في ذلك فرح أنطون، وقد كان تصريحهما بالدعوة إلى فصل التشريع والحكم عن الدين سبباً للمعارك التي نشبت بينهما وبين الشيخين محمد عبده ومحمد رشيد رضا وقطعت العلاقات بينهم، وكان الشيخان وقبلهما الشيخ جمال الدين الأفغاني هم الذين تزعموا حركة تأصيل واسعة لبناء المرجعية العليا في المجتمع على أساس الوحي؛ فقد وقف جمال الدين ضد منكري الدين، واعتنى بالبرهنة على أن الدين دعامة أساسية للبناء الاجتماعي والعمراني، وأن الماديين المنكرين للألوهية والبعث يفضي قولهم إلى: «تقويض أركان المدنية وإلى نسف بناء الإنسانية وتذريته في ذيول السافيات، وإلى الرجوع بالإنسان إلى مرتبة الحيوانية العجماء.. كما أنه ليس غريباً في مقابل ذلك أن يؤدي الاعتقاد الديني إلى الارتقاء بالمدنية وبنظام الجمعية الإنسانية، وإلى تحصيل أكبر قدر من السعادة المجتمعية.. وبالتمدن إلى ذرى الكمال العقلي والنفسي [٧] ، فكانت دعوات أنطون فرح العلمانية، كما يقول ألبرت حوراني قد طعنت:» معتقدات محمد عبده في الصميم « [٨] ، فنافح محمد عبده عن تأسيس الدولة على الشريعة، وكان يقول:» إن العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد إلهي.. كذلك الدين هو حاسة عامة لكشف ما يشتبه على العقل من وسائل السعادات « [٩] ، وكان يرى أن:» فصل الدين عن الدولة ليس غير مرغوب فيه فحسب بل هو مستحيل « [١٠] ، ثم يستنتج محمد عبده اختلال وظيفة تلك القوانين ليقرر بحجج مدنية:» أن القوانين المستوردة من أوروبا ليست على الإطلاق قوانين حقيقية؛ إذ لا أحد يفهمها، وإذن لا يمكنه أن يحترمها أو يخضع لها، ومن هنا أوشكت مصر أن تصبح بلداً من دون قوانين « [١١] ، إن هذا النوع من الجدل يبين المعارضة العميقة التي قام بها زعماء الإصلاح ضد نقل تأسيس أصول التشريع من الوحي إلى العقل الأوروبي. وقد حدثت تطورات أخرى دفعت بعملية تأسيس تغريب التشريع إلى منتهاها، وكان ذلك من نتائج الحرب العالمية الأولى وهزيمة دول المحور بما فيهم الدولة العثمانية، وتمكين الاتحاديين، وعلى رأس تلك التطورات إلغاء الخلافة. وكان لإلغائها صدى مدوياً في العالم الإسلامي؛ إذ لأول مرة تخلو بلاد المسلمين من منصب الخلافة وهو الرمز الكبير لوحدة الأمة، فأصدر المجلس الوطني التركي سنة ١٩٢٥م رسالة بعنوان:» الإسلام وسلطة الأمة «دفاعاً عن إلغاء الخلافة، وتبنت الرسالة مفهوم فصل الدين عن الدولة، وأن هذا المنصب هو الذي أضعف الدولة لتركيزه السلطات بيد الخليفة، وفي السنة نفسها أصدر محمد بركات الله كتاباً عنوانه: (الخلافة) يدعو فيه إلى تحويل منصب الخلافة إلى رمز ديني ينحصر في تعيين الأئمة وإمارة الحج ونحوها، أما في سنة ١٩٢٥م؛ فقد وقعت المفاجأة، فأصدر هذه المرة شيخ أزهري وهو علي عبد الرازق كتابه: (الإسلام وأصول الحكم) يدَّعي فيه انفصال خطط الدنيا عن الدين أي فصل الدولة عن الدين، وأن الحكم والقضاء متروك لحكم العقل، فأسس بذلك لفصل التشريع عن سلطة الدين، وقدم المشروعية التي كانت عمليات التشريع الوضعي تفتقر إليها، فأدى ذلك إلى حملة مضادة قوية من الردود، كما أدت إلى محاكمته وفصله من الأزهر، وقد ردَّ عليه كبار العلماء كالشيخ محمد بن عاشور، والشيخ محمد بخيت المطيعي، وغيرهما. وفي جانب آخر من أعمال التأسيس لفصل التشريع عن الدين تأتي كتابات التشكيك في أصول الشريعة؛ فرسالة منصور فهمي المقدمة إلى جامعة باريس في العشرينات جاءت عن حالة المرأة في التقاليد الإسلامية، وأساء فيها الأدب مع مقام النبوة، فنشرت الصحافة المصرية مقتطفات منها أدت إلى ردود فعل كبيرة، وفي سنة ١٩٢٢م أعلن محمود عزمي متابعاً أستاذه الفرنسي لامبير أن الفائدة الربوية هي أصل كل نمو اقتصادي، وأطلق على البند الدستوري الذي ينص على أن دين الدولة الإسلام اسم:» البند المشؤوم « [١٢] ، وفي سنة ١٩٢٦م نشر طه حسين كتابه: (في الشعر الجاهلي) مستخدماً منهج النقد التاريخي في دراسة النصوص بما فيها آيات من القرآن الكريم، وفي العام نفسه كتب إسماعيل مظهر يدعو إلى نفض العقلية الغيبية المخلوطة بشيء من العلم التي تميزت بها الحضارة الإسلامية وإلى إحلال العقلية العلمية الأوروبية محلها دون تقريب وتوفيق. وفي سنة ١٩٣٧م أصدر طه حسين كتابه: (مستقبل الثقافة في مصر) ، وكانت نظرته للتشريع مرتبطة بمعاهدة سنة ١٩٣٦م مع بريطانيا، وأن مصر بموجب المعاهدة تلتزم التزاماً بأنها ستسير:» سيرة الأوروبيين في الحكم والإدارة والتشريع « [١٣] ، فكان في مشروعه مبشراً بالتبعية المطلقة التي وصفها بقوله: » علينا أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أنداداً، ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب « [١٤] . حركة التأسيس التغريبية ورجع الصدى: استعرضنا نماذج من أعمال التأسيس لفصل التشريع عن الوحي؛ فما علاقة تلك الاتجاهات التأسيسية بالبيئة المصرية؟ هل أنبتت أرض مصر تلك الاتجاهات؟ وبصيغة أخرى: هل كانت حركة التأسيس ثمرة واعية لاجتهاد موضوعي يلائم البيئة التي نبتت فيها تلك الحركات التأسيسية؟ أم كانت صدى لحركات فكرية أوجدتها ظروف مختلفة؟ إن تتبع تاريخ التحديث بما فيه التحديث التشريعي يظهر أن العوامل الباعثة على التحديث ترتبط بثلاثة محاور رئيسة: أولها: ضعف فاعلية الوسائل المحلية، وقد اكتشف الضعف من خلال الاحتكاك بالنماذج الأوروبية والهزائم العسكرية أمام الجيوش الغربية، إضافة إلى النقد الذاتي الذي يتحدث عنه العلماء في مواضعه [١٥] . ثانيها: رؤية النماذج الأوروبية وكفاءتها العملية في المجالات السياسية والتقنية. ثالثها: تطور مفهوم التمدن الغربي نتيجة للعاملين السابقين، وتطلع النخب الحاكمة والمثقفة لتحقيق نهضة مدنية تتناسب مع مقدرة الأمة وإمكاناتها. وكان تأثير هذه العوامل يغلب تأثير الاكتشاف الذاتي ونشوء رؤية حضارية مستقلة يكتشفها المثقف العربي بأدواته المستقلة، وقد نتج عن ذلك استقطاب ثلاثي الأطراف: فالتيار الأول: يدعو للمحافظة والتمسك بالواقع تمسكاً بالمكتسبات الراهنة، وعلى رأس هذا التيار النخبة الحاكمة وأتباعها من المثقفين والعلماء، وكان منهم من تخوف من التغيير خشية الابتداع أو التعلق بالكفار أو التخلي عن الشرع. والتيار الثاني: يدعو إلى التغريب المطلق، وقد برز هذا التيار في أواخر القرن التاسع عشر حين دشنه النصارى العرب داعين إلى تقليد العلمانية المطلقة. أما التيار الثالث: فهو الداعي إلى التمسك بالوحي والاستفادة من علوم الغرب ومؤسساتهم، وكان هذا التيار قلة لم يُقدَّر لها النضوج إلا في وقت متأخر؛ فبرز في المجال العربي مع الشيخ جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا، وقد أخطأ بعضهم في بعض اجتهاداته لكنهم هم التيار الذي أسس للجمع بين الدين والتفاعل مع المدنية الحديثة. ففي فجر التحديث مع عهد محمد علي نلحظ تحديثاً مبنياً على الحاجة فعلاً ويضعف فيه التقليد المطلق؛ لكن تلك المرحلة سقطت في أخطاء قاتلة خاصة فيما يتعلق بتحطيم مؤسسات المجتمع، وتأسيس الحديث بشكل مواز للقديم في التعليم والاقتصاد؛ فلم يتحقق نجاح الحديث وتحطم القديم. وفي هذا العهد نلاحظ التمسك بالمرجعية الإسلامية بوجوه عديدة؛ ويظهر ذلك جلياً في كتابات أمثال رفاعة طهطاوي وإن أخطأ في تقريبه وتجاوز الأصول الشرعية عند التأصيل للحديث، وقد كان واعياً بخطر أخلاق فرنسا ويحذر منه؛ فقد كان:» يشعر بأنها خطر خلقي؛ فالفرنسيون لا يعتقدون إلا بالعقل البشري. نعم يشتمل دستورهم على مبدأ العدل؛ إلا أن هذا المبدأ يختلف كثيراً عن أحكام الشريعة الإلهية « [١٦] . ومن هنا نلحظ أن تقليد الغرب لم يكن عن متابعة عقائدية بقدر ما نتج عن الحاجة إلى التطبيقات العملية. وقد امتد هذا العهد إلى الثلث الأخير من القرن التاسع عشر مع شبلي شميل وأنطون فرح. فما علاقة تلك التحولات التأسيسية بحركة الفكر الأوروبي وتحولاته؟ وهل كان تقليد المفكرين للغرب يستند إلى آلية نقدية فاعلة؟ وهل تخلفت عقلية التقليد عن متابعة تطورات العقل الأوروبي الذي تستنسخ منه المنهجيات والأفكار؟ أم أن الاستنساخ بما فيه التشريعي والأخلاقي قد مورس بآلية تفتقد المقدرة النقدية البنائية؟ سأحاول تقريب ذلك بما يتسع له المقام من خلال تقديم عرض موجز لتطورات الفكر الأوروبي في تلك المرحلة وتراجعاته بل وإخفاقاته، وسنلاحظ تمسك مفكري النهضة العربية التغريبيين في ذلك العهد بالمذاهب والمفاهيم التي انهارت وخلفت وراءها الدمار الشامل في الحربين العالميتين، ولم تظهر تحولات الفكر الأوروبي الجديد في الثقافة العربية بما فيها مجالات التشريع والأخلاق إلا بعد عقود. تحولات أصول الأخلاق والتشريعات الأوروبية واهتزاز مثالية الغرب: تحدثنا في موضع سابق عن تحولات الفكر الأوروبي في مجال الأخلاق والتشريع، واتجاهها لتأسيس هذه الحقول تأسيساً وضعياً في محاولة لمحاكاة التطورات في مجال العلم التطبيقي، ونستكمل مؤشرات التدهور في ميدان التأسيس للأخلاق الوضعية؛ ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر حققت التطورية الداروينية صيتاً عريضاً أغرى بتعميم نموذجها في المجال الأخلاقي والاجتماعي؛ فإذا كانت العلاقات قائمة على الصراع والمنافسة كما تقرر الداروينية الاجتماعية فلا بد أن تتراجع الأخلاق باعتبارها قيماً عليا موجهة للنظام الاجتماعي ليصبح الصراع والمنافسة القيمة العليا، وقد ألهمت هذه النظرية الفكر والسلوك الأوروبيين؛ فالماركسية وصراع الطبقات مصبوغتان بالمفهوم التطوري للداروينية، وقد تحولت تلك المفاهيم إلى واقع مؤثر في العلاقات الاجتماعية الأوروبية:» فالروح الداروينية القائلة بأن الصراع والمنافسة والقوة هي قوانين الحياة كانت المنبع الرئيس لأقوال رجال السياسة وأفعالهم.. والرأي العام كان في معظم الأحيان نزاعاً إلى الحرب « [١٧] ، وكانت التطورية الاجتماعية إضافة حيوية إلى الروح الأوروبية لتنزع الإنسان من قيم الدين، و:» أصبح مصطلح (المذهب الإنساني العلمي) شائعاً ومألوفاً بسبب الإكثار من استعماله، وكان هذا المصطلح يعني أن ثمة إمكانية للارتفاع بالجنس البشري إلى ذرى جديدة بواسطة العلم وحده؛ كما جاهر أيضاً بعدائه الشديد للدين التقليدي، ولكنِ الكثيرون رأوا أن زحف العلم يهدد البشرية بتجريدها من إنسانيتها « [١٨] . مستمر ذلك إلى أن تفجرت الحرب العالمية الأولى، وخلَّفت وراءها دماراً هائلاً؛ فالقتلى والجرحى زاد عددهم عن الثلاثين مليوناً. وكان من آثارها الثقافية في العالم العربي فقدان أوروبا بريقها، وتهاوي قوتها التي امتلكتها بسبب (فضائلها المطلقة) التي عرفها بها العرب، ففقدت:» قوتها الاستهوائية التي كانت تتمتع بها منذ زمن طويل بفضل قوتها وفضائلها السامية الكامنة أو المعتقد أنها كامنة وراء تلك القوة؛ فمنظر أوروبا تتمزق وفرنسا تنهار فجأة قد أثار الشكوك حول تلك القوة وتلك الفضائل؛ فمن يدري فقد تكون أوروبا لا تملك بالحقيقة سر السعادة الدائمة. وفي الواقع كانت تلك الشكوك في محلها إلى حد ما؛ فوضع أوروبا قد تغير بالفعل « [١٩] ، وبدأ تراجع الهيمنة الأوروبية المطلقة على المنطقة، وفي العشرينات من القرن العشرين، وهي من ذرى الاستلاب الاستغرابي في العالم العربي صدرت دعوات فصل الدين عن الدولة ونقد الوحي وقيمه، انتشرت في أوروبا المحطمة بعد الحرب موجه عارمة من الإحباط والتشاؤم، فشاعت الكتابة التشاؤمية عن الغرب وحضارته تحت وطأة الحرب ونتائجها البشعة مثل كتابات (أرنولد توينبي) ، و (شبنقلر) ، و (وليم انج) وغيرهم. وتزامن ذلك مع تحولات معرفية أخرى؛ فقد ازدهرت في هذه الفترة (الوضعية المنطقية) ليقول بعض رموزها بأن:» القضايا التي أشغلت الفلاسفة وعلماء اللاهوت والأخلاق فيما مضى كقضايا الله والحرية والروح والغاية والأخلاق.. إنما كان الخوض فيها هدراً للوقت ومضيعة للجهد « [٢٠] ، ويعلق (سترومبرج) على هذه المدرسة بأن لنا:» أن نتصور مدى شدة الصدمة التي نزلت بعلماء الدين؛ فهؤلاء تعوَّدوا فيما مضى على رؤية البعض يقوم بتغليط آرائهم؛ لكن لم يسبق لهم أبداً أن سمعوا أياً من الناس يقول لهم بأنهم في جميع مواعظهم وأبحاثهم لا يقولون أي شيء بتاتاً «. والعلاقة بين الوضعية المنطقية وقضايا التشريع وثيقة؛ فإذا كانت القيم والأخلاق قضايا لا تعني شيئاً في موازين العقل العلمي، والعالم قد هجر الدين الكنسي ليتحول إلى الدين والأخلاق العلمية؛ فإننا إذن أمام إعلان انهيار مروع لأسس الأخلاق والتشريع. يقول (سترمبورج) :» والحق أننا إذا طبقنا المذهب الوضعي على الأخلاق؛ فإننا سنكون بذلك قد نسفنا أسس القيم جميعاً.. فقولنا مثلاً: إننا نعتقد بأن الزنا خطأ أو خطيئة. هو من حيث قيمته الأخلاقية تماماً كقولنا: «أنا لا أستسيغ مذاق الحمص أو الفول. وهكذا وجدت الآن فلاسفة أكاديميين جدداً يقولون لنا إن الفكر المنطقي عاجز عن تقديم أي وازع للسلوك» ، ويترتب على مقولات الوضعية المنطقية تحطيم كل معنى سام للأخلاق؛ ويواصل سترومبرج مبيناً أن: «مساواة الأذواق الأخلاقية بأنواع أخرى من الذوق الشخصي قد تكون دعوة صريحة إلى الفجور الأخلاقي؛ فاختياري مثلاً لسلوكي وفقاً للفلسفة الجديدة يتساوى من حيث القيمة مع اختياري لربطة العنق؛ فهذا مرهون بذوقي الشخصي» [٢١] . وفي الفترة نفسها حدث تطور علمي كانت له آثاره الفلسفية المدوية نقلت الثورة من مجال الأخلاق والفلسفة إلى ميدان العلوم، فزلزلت حصون العلم وهو وسيلة اليقين الباقية، كان ذلك مع (إينشتاين) والنسبية والفيزياء الحديثة فلم: «تقف الثورة هيابة أمام أسوار العلوم التقليدية وقوانينها، بل اقتحمتها ونسفت خلال العشرينيات من هذا القرن قواعدها واليقين بها، وغدت الفيزياء الحديثة تتصدر أخبار الصحف والإذاعات» ؛ فما آثار هذه الثورة العلمية؟ لقد وصف شيئاً من ذلك (جوزيف وود كراتش) في كتابه: (المزاج الحديث) بقوله: «لقد بلغ تغلغل الشك في نفوسنا حداً أصبح من المستحيل معه على الإيمان أن يطرده من عقولنا ويحل محله؛ فآخر يقين بالعلم قد تناثر وهوى» ، ويعلق عليه (سترومبرج) بأن: «منجزات أينشتاين و (بلانك) و (هيسنبرغ) في ميدان العلم كانت كشفاً عن حقائق جديدة رائعة؛ لكن هؤلاء العلماء بدوا في نظر الجماهير هدامين لحقيقة لم يكن يأتيها الباطل.. وهكذا بدت دائرة الشك، ثم اكتملت عندما اتضح أنه حتى العلم قد وجد أن الكون غامض ومستغلق أمام الإدراك والفهم؛ وبذلك أصبح مبدأ اللايقين بمثابة الاكتشاف الصاعق الذي حققه ذلك العقد من القرن العشرين» [٢٢] . وبذلك تحطم تأليه العلم، وأوجد ذلك حيرة ميزت تلك الفترة، وأدت إلى تنشيط وانتشار عدد من الظواهر الثقافية المرتبطة بتدهور طموحات تأسيس الأخلاق وضعياً، مثل: أولاً: نشوء ظاهرة العودة إلى الدين؛ فقد «نشأت العودة إلى حظيرة الدين عن انهيار الاعتقاد الليبرالي بالتقدم الدنيوي» ، ويأتي مأزق هذا الاتجاه مع أساطير المسيحية؛ فالعودة إلى الدين لم تكن متفقة مع اللاهوت المسيحي: «لأنها رفضت جميع الأساطير الواردة في الكتاب المقدس» ، واستجابة لأزمة إرساء القيم اعتبر: «ما ورد في العهدين القديم والجديد صحيحاً من حيث رمزيته لا من حيث حرفيته» [٢٣] . ثانياً: انتشار الوجودية وهي فلسفة طورت لتعلن محدودية العقل ولتعيد تأسيس السلوك الإنساني على الاختيار بعيداً عن المذهبيات الوضعية التي يؤمن بها الإنسان. ثالثاً: ظاهرة أدب اللامعقول؛ إذ صور فلاسفة وأدباء اللامعقول حال القارة خاصة في أجزائها اللاتينية في الثلاثينيات، وحكوا المناخ النفسي والفكري بطريقة فريدة متأثرين بويلات الحروب والاضطرابات والرعب ومعسكرات الاعتقال والمدن المحروقة المدمرة، وقد بدا لهم العالَم كأنه عالَم من الكوابيس، وقد صور ذلك (فرانز كافكا) في كتابيه: (المحاكمة) و (القلعة) ، ويصف ذلك الواقع (سترومبرج) بقوله: «فالعالم الذي عاش فيه ذلك الإنسان المنكود كان عالماً رهيباً مجرداً من كل معاني الإنسانية ومفاهيمها، عالماً ركب الجنون ساسته، ووجه اللامعقول قادته.. ولا ريب أن القضية الرئيسية بالنسبة إلى ذلك الإنسان كانت قضية القيم» [٢٤] ، وكان ذلك الانهيار من آثار المذاهب الوضعية التي حاولت تأسيس أخلاق الإنسان وقيمه بأدوات ومناهج العلوم التطبيقية، وبعض المفاهيم السائدة في القارة التي غذتها الثقافة الجديدة كالتعظيم المتطرف للقوميات على حساب القيم والأخلاق.. يقول (جبرائيل مارسيل) : «فذاك الخراب المادي لم يكن في الحقيقة سوى ظاهرة مأساوية للخراب الذي نزل بالأخلاق» [٢٥] ، وقد أدى دمار الحرب إلى زعزعة التطورية الاجتماعية كمفهوم يفسر حركة المجتمعات باتجاه حتمي بل صارت: «التطورية بدعة قديمة في أوائل القرن العشرين» [٢٦] . رابعاً: ظاهرة المعاناة من غياب المعنى ليكشف هشاشة أصول التشريع الوضعي وغاياته؛ فالغاية والمعنى التي تفتقر إليها الحياة في المجال الأوروبي تحولت بشكل واضح إلى معضلة فلسفية يحاول العقل الأوروبي معالجتها؛ فالإنسان يعاني: «أزمة رئيسية تتمثل في شعوره بالحاجة الماسة إلى قيم تعطي حياته مفهوماً ومعنى» [٢٧] ولم تكن المذهبيات الوضعية لتقدم هذا المعنى؛ فما الذي يقدمه؟ «مما لا شك فيه أن المنبع الوحيد الذي يستطيع أن يستمد منه قيمه إنما هو الإيمان الديني بأوسع معانيه» [٢٨] لكن ألا تقدم فضائل السلوك الاجتماعية هذا المعنى؟ كالكفاح دفاعاً عن العدل الاجتماعي والمساواة؛ يجيب (سترومبرج) عن ذلك بالنفي؛ لأن: «الأسئلة اللحوحة لا تزال تطالعنا قائلة: الحرية من أجل ماذا؟ ومستوى عال من المعيشة من أجل أية غاية؟ وهل يمكن للحرية والمساواة والديموقراطية أن تكون غايات في ذاتها، أم أنها وسائل توفر للإنسان المقدرة على بلوغ بعض أهداف الحياة وقيمها؟ وإذا كانت الحال هي هذه أفلا يفضي بنا عندئذ تجسيد الحرية والمساواة والديموقراطية بدون بلوغ أهداف الحياة وقيمها إلى مادية خسيسة تبني مجتمعاً موفور الثراء واسع الرخاء لكنه يكون مع ذلك مجتمعاً سوقياً وصحراء روحية من ضواحٍ نشهدها اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية» [٢٩] . وقد ظهرت تيارات في حقول معرفية غربية عديدة تقوم على استكشاف الحضارات الأخرى ليس في تراث المسلمين فحسب بل حتى في الحضارات البدائية، ووسع ذلك بحوث الأنثرولوجيا بحثاً عن المعنى واستكشافاً لمكمن الخلل في الحضارة الغربية، كتب البروفيسور (إلياد) يقول: «إن الحضارة الغربية ولا سيما ثقافتها ستكون مهددة بالعقم والتدهور إذا احتقرت أو أهملت الحوار مع الحضارات الأخرى.. وأن هذه المواجهة بيننا وبين تلك الشعوب ستساعدنا على فهم أنفسنا.. إن بعض التطورات الحديثة التي طرأت على الفكر الغربي قد أعدت الغرب للقيام بهذه المهمة» [٣٠] ، ويتحدث (ترومبرج) عن احتمال دخول الحضارة الغربية من خلال حوارها مع الحضارات في عالم من التوفيق بين المعتقدات، وأن مثل ذلك الحوار: «قد يسفر عن اكتشاف الغرب لجوهر شخصيته وتحديد معالم هذا الجوهر تحديداً دقيقاً؛ فهذا الحوار قد يوقظ الحضارة الغربية من غفوتها، وينقذها من شكيتها المنهكة» [٣١] . وقد أدت تلك التوترات إلى انبعاث ظواهر ثقافية قد تبدو غريبة على روح الحضارة واتجاهها، ومن أهم تلك الظواهر حركات الإحياء الديني، «والحق أن كلتا الحربين العالميتين قد أنعشتا الاهتمام بالدين.. ولا خلاف على أن الصحوة الدينية هذه لتمثل حركة على أعلى درجة من الأهمية والمغزى» [٣٢] ، بل «إن الإنسان لم يشعر أبداً طوال تاريخه بحاجته إلى الدين شعوره بها اليوم» [٣٣] ، وكان ذلك من عوامل انبعاث الأصولية الإنجيلية لتملأ الفراغ الروحي الذي أوجدته الديانة الوضعية. وإذا قارنا هذه التطورات بما نزع إليه مفكرو عصر النهضة من آمال التحول إلى الفصل الشامل بين الدين والعلمانية، والتحول إلى نوع من البروتستانتية في الثقافة العربية تؤسس الأخلاق والتشريع وضعياً، أو كما عبر أنطون فرح بأن: «لا تستمد الشرائع السليمة إلا من العلوم الإنسانية الصحيحة» [٣٤] ، يتبين لنا كم كانت المسافة بين المقدرة النقدية العربية وبين المقدرة النقدية في المجال الأوروبي نفسه بل سنستنتج أن الروح النقدية الحقيقية في التعامل مع معطيات النهضة الغربية لم تتقدم إلا مع الإسلاميين التجديديين وعلى رأسهم زعماء الإصلاح الإسلامي في أقطار مختلفة، وقد استكمل جهودهم وأصلح عوجها من جاء بعدهم وحررها مما وقعت فيه من تأويل وتنازل تحت ضغط التيارات الجذرية كعلمانية نصارى الشام ومقلديهم كلطفي السيد وطه حسين وغيرهما، وقد امتد تراث التجديد واستلهام النماذج الحديثة بعد إخضاعها لأصول الوحي وصالح قيم المجتمع مع كتابات المصلحين والباحثين الإسلاميين وغيرهم ممن تأثر بمناهجهم، وكتبوا مؤلفاتهم في وضع أسس التفاعل مع الحضارة المعاصرة تنظيراً وتطبيقاً، وعرض أصول النظم الإسلامية في مجالات الحضارة ونقدها والمجتمع والاقتصاد والسياسة والقانون والتربية والعلوم الاجتماعية، وتحول بعضها إلى واقع الممارسة كالمصرفية الإسلامية، ومنهجية نقد فلسفة العلوم المعاصرة، ونقد أصول التشريع الوضعي وتطبيقاته المخالفة لأصول الشريعة، وأصول صياغة النظم والقوانين من الشريعة، وسأتناول ما يتصل بالمجال التشريعي في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى. والله الموفق.

стр. 3950

قضايا دعوية كيف تكسب الناس وتؤثر فيهم أمين عبد الرحمن الغنام من الجدير بالاهتمام لمن عرف أهمية الدعوة إلى الله تعالى ولمس الحاجة الماسة إليها في مجتمعاتنا أن يعرف بعض القواعد التي ينبغي استحضارها وتطبيقها في واقعنا لتكون دعوتنا مؤثرة ناجحة وتصل إلى مبتغاها. فهاك بعض القواعد العامة المعينة في الدعوة إلى الله تعالى: ١ - قبل أن ندعوهم لا بد أن نملك قلوبهم: إن الداعية إلى الله ينبغي أن يكون ذا قلب كبير يسع الناس جميعاً بمختلف أوضاعهم ونفسياتهم وجنسياتهم، ويتعامل معهم برفق، ويقدم لهم أفضل ما عنده من فنون التعامل، ويتخير لهم أفضل القول وأجمل المنطق مع بذل الندى وكف الأذى. ولقد كسب النبي ﷺ قلوب من حوله مع مجانبة تقليدهم في انحرافاتهم؛ فكانوا يسمونه: (الصادق الأمين) قبل أن يبعث؛ فقد ملك قلوب الناس بحسن خلقه وسماحته. قال تعالى: [وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] (القلم: ٤) وقال سبحانه: [لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] (التوبة: ١٢٨) . ٢ - عطاء من لا يخشى الفقر: إن من السمات المميزة للدعاة إلى الله تعالى كرمهم وبذلهم كل خير للناس؛ فيبذلون للناس الخلق الحسن والجاه إن احتيج إليه، ويبذلون ما يستطيعون للناس من مرتفقات هذه الدنيا؛ ليبينوا لهم أنهم ليسوا طلاب دنيا وأن الدنيا آخر اهتماماتهم، فيبذلوا الدنيا للناس ليستجلبوا قلوبهم إلى الدين؛ فمنهج رسولنا صلى الله عليه وسلم هو منهج العطاء والبذل؛ فقد كان الأعرابي يرجع إلى قومه ويقول: يا قوم أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. ٣ - احترام الآخرين والاهتمام بقضاياهم: فإن النفوس تميل إلى من يحترمها ويرفع من قدرها خاصة إذا كان أولئك أصحاب مكانة في قومهم؛ فإن النبي ﷺ أمر أن يُنَزَّل الناسُ منازلهم. وإن من أهم أسباب إسلام كثير من الصناديد هو رفع منزلتهم في الإسلام: كالأقرع بن حابس، وأبي سفيان، وعيينة بن حصن، وثمامة بن أثال. ولقد كان من هدي النبي ﷺ الاهتمام بقضايا المسلمين حتى لقد كان يهتم بأمور العبيد والموالي. فها هو يشفع لمغيث عند زوجه بريرة لكي ترجع إليه بعدما عُتِقَت وهو عبد، وغير ذلك كثير من أمثلة اهتمامه ﷺ بقضايا أمَّته. ٤ - الكلمة التي من القلب لا تخطئ القلب: إن من أهم الأمور التي ينبغي استحضارها: أن يكون الداعية صادقاً في كلمته مشفقاً على المدعو، وأن تخرج الكلمات من قلبه بحرارة مباشرة إلى قلوب المدعوين، ثم تثمر الاستجابة بإذن الله. ٥ - قوة الصلة بالله والاستعانة به: إن أهم زاد للداعية في طريقه لتبليغ دعوة الله إلى الناس هو اتصاله بالله تعالى واعتماده عليه وتفويض جميع أموره إليه؛ فقلوب الناس بين أصابعه سبحانه كقلب واحد يقلبها كيف يشاء، ولو شاء لهدى الناس كلهم أجمعين؛ فبالاعتماد عليه وتفويض الأمور إليه تنفتح الأبواب، ويسهل الصعب، ويقرب البعيد. ولقد ضرب لنا رسول الله ﷺ في هذا الباب أروع الأمثلة في قوة الاتصال بالله تعالى وخاصة عند الأزمات، وعندما يُعرض الناس عن دعوة الحق. فها هو الطفيل بن عمرو الدوسي يأتي شاكياً قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه يستعديه عليهم ليدعو عليهم لما أعرضوا عن دعوته؛ فما كان من نبي الرحمة إلا أن رفع يديه إلى ربه وسأله أن يهدي دوساً ويأتي بهم؛ فما أن رجع الطفيل رضى الله عنه إلى قومه حتى استجابوا جميعاً. ٦ - عندما نترفع عن دنياهم: من أهم ما يزين الداعية ويلبسه ثوب وقار، ويجعله أقرب إلى الاحترام ومن ثم القبول: أن يكون مترفعاً عن ملاحقة كماليات هذه الدنيا؛ فليس يخوض إذا خاض الناس في الشاء والبعير وأنواع السيارات والحديث عن العقارات، والسباحة في بحور الأمنيات الدنيوية؛ فهو لا يجيد السباحة في هذه البحور التي لا ساحل لها؛ بل لا تراه إلا في الدعوة وحولها يدندن. وليس معنى ذلك أن يهجر الداعية حياته وأصحابه، وأن يكون جاهلاً بواقعه، كلا، ولكننا نريد ارتقاء بالاهتمامات، وتميزاً في الرغبات، وألاَّ يغيب عن همِّ الدعوة، كيلا نكون كالهمج الرعاع الذين يجرون خلف كل ناعق. فإن أهل العلم دائماً يستحقرون هذه الدنيا وإن عظمت صورتها وحقيقتها عند العامة والدهماء. اقرأ إن شئت قصة قارون: [فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ] (القصص: ٧٩-٨٠) . قد هيؤوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل ومن الأمور المهمة أيضاً استغناء الداعية عن الناس قدر إمكانه، وعدم إراقة ماء وجهه ما استطاع، بل هو الذي يبذل الخير للناس. ٧ - اعرف واقعهم وسترحمهم: إن مما يشد همة الداعية إلى الله لينطلق بقوة إلى الدعوة والإصلاح نظره في واقع مَنْ حولَه وبُعدهم عن الله تعالى، وعمق الهوة السحيقة التي وقعوا فيها أو أوشكوا ... فعند ذلك يتدفق من قلبه شعور برحمة هؤلاء، ثم يثمر الرغبة في تغيير واقعهم كيلا يوافوا الله تعالى وهم على هذا الحال. ٨ - تحت الرغوة اللبن الصافي: نعم! فلا يغرنك المظهر، وكذا في واقع الدعوة؛ فإن الناس وإن وقعوا في مآثم ومنكرات بل حتى موبقات فإنهم لا يزال فيهم خير ما داموا موحدين. ومن هنا ينبغي لنا ألاَّ نترفع عليهم ونكشر أنيابنا في وجوههم، بل ينبغي أن نجلِّي لهم أبواب التوبة المفتوحة، ونرغبهم برحمة الله ولا نقنطهم منها، وأن نحاول تنمية جوانب الخير عندهم. ومن الطرائف في ذلك أن بعض الدعاة كانوا في فرنسا، فذهبوا إلى حديقة مليئة بالناس والمنكرات، فوجدوا شاباً عربياً معه آلات موسيقية ويغني، فما كان منهم إلا أن ذهبوا إليه ودار الحوار الآتي: الداعية: مَنِ الأخ.. أعني ما اسمك؟ الرجل: محمد ... الداعية: ما شاء الله ما شاء الله! هذا اسم الرسول ﷺ . الرجل: ولكني لا أصلي. الداعية: ما شاء الله. الله أكبر. دائماً المؤمن لا يكذب ومنهجه الصراحة. وأنت كذلك ... فما كان من ذلك الرجل إلا أن ذهب مع الداعية إلى سكنه، وثم هداه الله تعالى على يديه. ولقد ضرب لنا النبي ﷺ أروع الأمثلة في ذلك؛ فها هو ﷺ يسمع أبا محذورة يقلد الأذان؛ فما كان منه إلا أن أثنى على جمال صوته، ومن ثم علَّمه الأذان فصار بعدُ مؤذن النبي ﷺ . وها هو يمنع أي أحد أن يتعرض لمن جلده في الخمر بعد جلده ويقول: «لا تعينوا الشيطان على أخيكم» [١] . إن بُعدنا عن صاحب المعصية والنظر إليه شزراً على أنه عاصٍ لَهُوَ من أسباب عون الشيطان عليه ونفرته من أهل الصلاح؛ ولكن عندما نفتح له قلوبنا ونتعامل مع أخطائه برفق وحنان فسينتج ما لم نره من قبل. وبقي نقطتان منهجيتان في الدعوة ينبغي ألاَّ يغفلهما الدعاة وإن كانتا ليستا من طرق كسب الناس والتأثير فيهم: الأولى: الصبر على ما يصيب الداعية في ذات الله؛ فإنه مأجور فيه، وله العاقبة بإذن الله إن صبر وثبت على منهجه الحق، وأظن أن عندك أخي القارئ من الآيات والأحاديث في ذلك ما يربو على ما عندي. الثانية: أن على الداعية أن يؤدي ما عليه وهو واجب البلاغ، وأن النتائج ليست إليه ولا يؤخذ بها إذا أدى ما عليه. قال تعالى: [إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البَلاغُ] (الشورى: ٤٨) . تلكم كانت إضاءات وخواطر وقواعد دعوية اختلجت في صدري، فأبديتها ناصحاً نفسي وإخوتي، علها أن تؤدي ثمراتها. وعلى الله قصد السبيل.

стр. 3951

تأملات دعوية الصحوة الفكرية محمد بن عبد الله الدويش www. dweesh. com تعاني مجتمعات المسلمين اليوم من بساطة في التفكير، وضحالة ومحدودية في الثقافة، وهذه المشكلة تركت أثرها على جيل الصحوة باعتباره إفرازاً لهذا الواقع. وأسهم البعد عن المؤثرات، والحرص على عدم الاحتكاك بالآخرين، والسعي للعزلة عن الثقافة المعاصرة لما يشوبها من انحراف وخلل، أسهم ذلك كله في تعميق هذه المشكلة لدى جيل الصحوة. لكن ملامح التغيير بدت واضحة، بل تجاوزت مجرد الشكوى والشعور بالمشكلة إلى السير في خطوات عملية نحو تجاوز هذه الإشكالية. ومن مظاهر هذا التغيير: ارتقاء أسلوب الخطاب الدعوي والفكري في أدبيات الصحوة، وشيوع المَلَل من التناول التقليدي والنمطي للقضايا الدعوية والفكرية، والاعتناء بالقراءة الواعية المتفتحة، وارتقاء الحس النقدي ونموه ... إلخ. وبقدر ما نُشيد بهذا التحول والارتقاء فلا بد من التنبه لبعض المؤثرات الجانبية التي قد لا يخلو منها أي اتجاه نحو التغيير. وهذه المؤثرات منها ما قد يكون نتيجة غياب التوازن والإفراط في ردة الفعل، ومنها ما يكون نتيجة استيراد القالب وأحياناً المضمون الثقافي والفكري من الآخر، وصعوبة الفصل بين القضايا الشكلية والموضوعية، والافتقار للدقة في الانتقاء والتمييز. ومن هذه المؤثرات الجانبية، والمشكلات المصاحبة لليقظة الفكرية: * الإيغال في الجانب الفكري النظري، والغياب عن الواقع والحياة العملية، سواء في التفكير ومعالجة المشكلات، أو في السلوك الشخصي، أو البعد عن هموم الناس ومعاناتهم العملية، وهي شكوى نادى بها طائفة من المثقفين غير الإسلاميين، فلا نبدأ من حيث بدأ الآخرون. وهذا الأمر الإيغال في الجانب الفكري على حساب الجانب العملي هو ضمن دائرة القول دون العمل المذموم شرعاً: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ] (الصف: ٢-٣) ، وقديماً قال السلف: «الذي يفوق الناس في القول جدير بأن يفوقهم في العمل» . * المبالغة في الشكل والأسلوب، وهذا يقود إلى التقعر والتكلف المذموم، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها» [١] ، كما صحَّ عنه ﷺ قوله أيضاً: «إن مِن أحبِّكم إليَّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدِّقون والمتفيهقون» [٢] ، ويؤدي التشدُّق المذموم ببعضهم إلى الزهد في المصطلحات الشرعية والبحث عن بديل يتناسب مع الرقي الفكري، ويزيد من رصيد العبارات التي لا يعيها الحاضرون مما يدل على رقي المتحدث وسعة ثقافته! وما أجمل الهدي النبوي البعيد عن التكلف، والجامع لأبواب الفصاحة. * الجرأة غير الموزونة؛ وتبدو في جوانب عدة، منها: الجرأة على الأحكام الشرعية والقول فيها بالرأي، والجرأة على حديث الشخص فيما ليس من اختصاصه ولا مما يحسنه، والجرأة على الأكابر وانتقادهم، والجرأة على النقد عموماً وتحوُّله إلى غاية وسِمَة للشخص الذي كما يقال لا يعجبه العجب ولا الصوم في رجب. * غياب التحقيق والتأصيل العلمي للمسائل التي يتناولها المتحدث والكاتب، والاعتماد على الآراء الشخصية، والأسلوب الأخَّاذ. * التعالي على الآخرين، والشعور بالتميز عنهم. إنها مضاعفات وآثار لا بد من الحذر منها، ولا بد من السعي لتلافيها في مسيرتنا نحو الارتقاء الفكري، ومع ذلك لا ينبغي أن تعوق عن المواصلة في هذا الطريق والسير فيه، ولا أن تشغلنا عن أهميته؛ فالأمة أمام معارك فكرية، وحين تفقد النماذج الفكرية الملتزمة فسيكون البديل النموذج المنحرف الضال.

стр. 3952

البيان الأدبي قراءات في الشعر الإسلاميّ العالميّ مع الشاعر الإسلاميّ التركي (رجب غريب) محمد شلال الحناحنة [*] ما زال المتوجّسون المرجِفون يرون في الأدب الإسلاميّ تقوقعاً نحو الذات، وخروجاً على غيّهم وظلام كفرهم وإلحادهم، هذا الغيّ والضلال الذي يسمّونه «تنويراً» إمعاناً في تلبيس إبليس. وليس هذا الشطط غريباً؛ لأنَّ هذا الأدب هو أدب الثوابت العقدية الإسلامية أمام زيغ الملحدين وتيه العلمانيّين، ومع تلك الثوابت نرى ذلك التلاحم الجليّ بين القيم الفاضلة في أدبنا الإسلامي وبين جماليّاته الفنيّة! ومن هنا تأتي هذه القراءة النقدية لتفتح نوافذ مضيئة على أدب الشعوب الإسلاميّة، فنقف مع الشاعر الإسلاميّ التركيّ (رجب غريب) في قصيدته (أمّاه) التي نقلها إلى العربيّة الكاتب الإسلامي (شمس الدين درمشّ) ، ونشرها في مجلة الأدب الإسلاميّ في عددها الخامس عشر، والقصيدة في فضائها العام لا تخرج عن لوعات وجدانيّة عائليّة ممزوجة بالغربة والحنين؛ وآهات حزينة مفجوعة بغياب الأهل: (أين أبي يا أمّاه؟ ... أعمامي وأخوالي، في أيّ مكان؟ ... أين كنتم يا إخوتي. ... بينما كان أولادي يحترقون؟ !) ومن المظاهر الأسلوبية التي تميّز هذه القصيدة أنها تترع بالمواجع الاستفهامية المكانية، فتفضي خصوصية المكان إلى مزيد من الأسى لدى شاعرنا الإسلامي رجب غريب، فنجده يشدو بحرقة وألم: (قلبي يبكي دمًا ... والظلام يغطّي ضياء الشفق ... أين يدايَ ... وأين رجلايَ ... أين أبي يا أمّاه ... أين بيتنا؟ في أيّ مكان؟) لذا تتصاعد القصيدة إلى ذروتها من خلال نزف استفهامي زاد على اثنين وعشرين موضعاً، فيعبّر الشاعر عن حزنه الدفين وألمه العظيم لمعاناة أهله وأحبابه في البوسنة الجريحة، ويمكن ملاحظة عمق المشاعر، ودفق الجراح في الاستعارة المكنيّة في مطلع القصيدة: (قلبي يبكي دمًا) ... كما يأتي لفظ (أمّاه) المنتهي بالهاء المسبوقة بحرف المدّ لتجسيد هذا النداء الصافي الحزين الخاصّ؛ حيث ينمو ليكون رمزاً عامّاً (للبوسنة) بكلّ جبالها وسهولها وأنهارها، رمزاً للبوسنة بشهدائها وعطائها ومآذنها، وجراحاتها الإسلامية المفجعة: (تعلّمتُ منك البكاء ... والكلام ... وعرفتُ الله الذي هو أقرب من حبل الوريد ... كنتُ أتذكر الرسول ﷺ ... كُلّ أذان ... والآن أين المآذن ... ماذا دهاني يا أمّاه؟) تتنفّس القصيدة لدى شاعرنا التركي رجب غريب عبر أُفُقها الإسلاميّ الذي يرى أن الإسلام هو الحل مهما تعاظمت الطعنات، وكبرت الجراح، ويزاوج الشاعر بين الجمل الاسمية والفعلية، ويلحُّ في آخر كلّ مقطع من مقاطع قصيدته على الاستفهام التعجبي المؤلم: (ماذا دهاني يا أمّاه؟) كما يبثّ مواجده الإيمانية، وأشواقه الروحيّة في ثنايا إيقاعه الشعري فنقرأ: (وعرفتُ الله الذي هو أقرب من حبل الوريد) ... وتزهرُ القصيدة بحقلها الكونيّ الضارب في أعماق المأساة متكئة على تنامي الحدث وتفجّره من نبض الأرض وآلام الإنسان: (أين الدّروب والأنهار؟ ... لو حمّلتُ السلامَ نسائمَ الأسحار ... فهل يعودُ أبي يا أمّاه؟ ... وهل تبرأ آلامي؟ !) ... كما تنهض الجمل الشعرية في كثير من الأحيان على الصور المتقابلة المتضادة لاستجلاء الهمّ الإسلاميّ: (تتنزّل الأمطار بالرحمات ... كأنَّ وِكاء السماء قد انحلّ ... قامت القيامة ... يظهر القمر وسط الظلمات) ... إذن تُطلّ علينا القصيدة عبر مفارقات مرّة، إنَّ هذا الشعر يدرأ بعقيدة التوحيد وبالمثل العليا زيغ الباطل والضلال في نفوس الممترين الذين باؤوا بغضب من الله: (أقبلْ يا فجري بالنّور ... حلّقي أيّتها الطيور في سمائي) وينحو الشاعر عبر هذه الومضات منحى مجازيّاً للتعبير عن أشجان المسلمين أينما وجدوا سواء في البوسنة أو إفريقيا، أو أذربيجان والشيشان: (يحترقُ شغاف قلبي ... ويبكي في أوج ربيعه ... وا أسفاه يا قلبي: فمشاعرك تتفجّر! ... أسرابُ الحمام لا تطير في الظلمات ... ترتفع ألسنة اللهب من البوسنة ... من إفريقيا وأذربيجان والشيشان ... أين أنت يا أخي؟ ... ألا تسمع نحيب التراب؟ !) هكذا يصلنا شاعرنا الإسلاميّ التركيّ رجب غريب بالذاكرة الإسلاميّة، يرصد أوجاعنا ويسمعنا نحيب التراب ليحشدنا لمزيد من الفعل الإسلاميّ القابض على طيور الفجر بإذن الله! !

стр. 3953

البيان الأدبي سؤال السؤال حفيظ الدوسري [*] أمرُّ.. على الظلِّ ... في شبح الليلِ ... أسألُ.. ... عن غدراتِ المكانْ ... وأسألُ.. ... عن خطراتِ الأماني ... لماذا تخالفُ ركبَ الزمانْ؟ ! ... لماذا الحكايةُ ... نفس الحكاية ... لا الشانُ شانٌ ... ولا الترجمانْ؟ ! ... لماذا البلابلُ ... عادت تُغرِّدُ؛ ... لكن.. بدونِ سماعِ الأذان؟ ! ... لماذا الرياحُ ... استحالت سَموماً ... وعادَ السحابُ.. ... بغير اتزان؟ ! ... لماذا العصافيرُ طارت جميعاً ... إلى غيرِ شيءٍ ... ... سوى الطيرانْ؟ ! لماذا العناكبُ ... تبني علينا ... خيوط الهوانِ بكل سِنانْ؟ ! ... لماذا الخفافيشُ ... تعلو علينا ونحنُ الصقورُ ... فأين السِنانْ؟ ! ... لماذا الفراشاتُ ... يُقضى عليها.. ... سريعاً.. ... سريعاً.. ... بدون أوانْ؟! ... لماذا الهداهدُ ... ما عادَ فيها ... شبيهُ النذير ... البليغِ البيانْ؟ ! ... .... .. (سليمانُ) آهٍ.. ... على هدهدٍ ... فقدناهُ في معمعات الرهانْ! ! ... لماذا الغُرابُ ... سيبحثُ فينا ... أيدفن فينا ... بقايا الكلابْ؟ ! ... لماذا سيلهثُ فينا الترابُ؟ ... ونحن لهثنا ... بسفِّ التراب؟ ... لماذا لعقنا الأصابعَ.. ... حتى.. تكشّف عَظمٌ وبانت حِرابْ؟ ! لماذا شربنا ... كؤوسَ الرذيلةِ ... حتى الثمالة ... دون مِطال؟ ! ... لماذا هُزمنا ... لماذا صُعِقْنا ... لماذا انتحرنا ... بدون قِتال؟ ! ... لماذا المآسي ... أناخت علينا ... جبالَ المذلةِ ... في كُلِّ حال؟ ! ... لماذا.. ... لماذا.. ... فقدنا السؤال ... سؤالٌ كئيبٌ ... يجرُّ السؤالْ؟ !

стр. 3954

البيان الأدبي الأدونيسية.. وإرهاصات النهاية محمد علي البدوي تظل الحداثة العربية التي بشَّر بها أدونيس وأوقف حياته عليها؛ تظل من جملة الأسباب التي عمَّقت ثقافة الهزيمة والتبعية، بالرغم من أنها غلَّفت نفسها بأغلفة برَّاقة من التمرد والتحرر، ولكن على حساب قيم الدين والفضيلة، بينما ظلت في حقيقتها تابعة ذليلة للمشهد الثقافي الغربي. وبدءاً من عصابة «شعر» التي انطلقت من بيروت عام ١٣٧٦هـ ١٩٥٧م «التي جعلت قضيتها الكبرى استيراد الآراء النظرية الغربية المتناقضة، وتخدير إحساس الأمة» [١] ، ودفعها للثورة على مسلَّمات الدين، ومروراً برسالة (الثابت والمتحول) التي تقدم بها أدونيس النُّصَيْري إلى جامعة القديس يوسف، ونال دركة الدكتوراه مكافأة له على إسفافه وإلحاده حيث قعَّد فيها لمذهبه وشرحه، وبيَّن منهجه في حياته العامة والخاصة « [٢] ، إضافة إلى ما تقيأه من كتب ورسائل تفوح منها رائحة الزندقة والجرأة على الله تعالى، وانتهاء بـ (المرايا المحدبة) التي دقت الإسفين الأخير في نعش الحداثة. والناظر بعين البصيرة إلى واقع الحداثة اليوم يرى أنها تعيش حالة احتضار، وذلك لجملة من الحقائق الآتية: أولاً: الحداثة بتمردها على الدين تظل خروجاً على السنن الكونية التي قضت بأن ما ينفع الناس فقط هو الذي يمكث في الأرض ويُكتب له الخلود، ولنا في الماركسية اللينينية خير شاهد؛ فبعد سبعين سنة من حكم الحديد والنار، إذا بها تصير أثراً بعد عين ... وما الحداثة عنها ببعيدة. ثانياً:» الحداثة لا تمثل التطور الطبيعي للشعر العربي الأصيل، وإنما هي حالة هروبية ناتجة عن إحساس بالإخفاق وشعور بالانهزام النفسي تولد عن هزيمة ١٩٦٧م، وانهيار حلم المشروع القومي، وهو ما أدى إلى انصراف قطاع كبير من الشعراء إليها، هروباً من الواقع المرير ... « [٣] ، والآن بعد أن اتضحت الصورة، وظهرت بعد الهزيمة الأُمِّ هزائم متعددة ومتوالية فقدت الحداثة مكانتها ورغب عنها أهلها. ثالثاً:» الحداثة العربية مستوردة عن النموذج الحداثي الفرنسي الذي نقله أدونيس حرفياً إلى العالم العربي؛ فهي نبتة غربية وشاذة على أرض عربية، وليته كان نبتاً جديراً مفيداً، وإنما نفاية من نفايات الغرب المستهلكة تجاوزها الزمن وتلقفها تلاميذ الحداثة الذين اعتادوا العيش على نفايات الغرب ومخلفاته « [٤] ، وقد» سُئل المستشرق الفرنسي المعاصر «شارل بيلا» في أثناء زيارة له في أحد البلدان العربية: «ماذا تقرأ: الأدب العربي القديم أم الحديث؟ فأجاب: بل أقرأ الأدب العربي القديم وحده. فسأله محاوره: لماذا لا تقرأ الأدب الحديث؟ فأجاب: لأنه أدب أوروبي مكتوب بحروف عربية» [٥] . والعجيب أن الغرب نفسه بدأ يتنكر لهذا التحديث المزعوم؛ «فقد طالب الشاعر الفرنسي الحداثي (رامبو) بإلغاء الشعر ودمجه في النثر» [٦] ، بل لقد انقلب أدونيس على نفسه وأعلن موت الحداثة العربية وأكد «على ضرورة الإفادة من الإمكانيات الموسيقية والإيقاعية الكثيرة للعروض الخليلية، وقد قرأ نماذج موقعة ملتزمة عروضياً من شعره الجديد» [٧] ، كما أعلن ذلك أيضاً الدكتور عبد الله الغذامي أحد أبرز رموز الحداثة العربية، وأحد أكبر المنظرين لها في الخليج العربي؛ حيث قرر فشلها وتراجعها كمشروع ثقافي في الوطن العربي على وجه الخصوص « [٨] . رابعاً: عصابة (شعر) التي احتضنت أدونيس، ووليدها المسخ» مجلة شعر «لم يعد يخفى على الجميع أمرها؛ فالعصابة تكونت بإمكانيات مادية غير طبيعية» على يد شاعر عربي الأصل أمريكي المنشأ والثقافة واللغة والأدب والهوية عرف بانتمائه لتجمعات أمريكية أدبية «مشبوهة» وحمل من خلال مسخه هذا وعصابته تلك على كل خصائص الأدب العربي والثقافة العربية، وأخذ يعلن الثورة على قيم المجتمع، وأديانه والإسلام تحديداً « [٩] . وقد فضح زيفها للعالم العربي أخيراً الشاعر السوري محمد الماغوط الذي كان أحد أفرادها وعضواً في هيئة تحريرها» [١٠] . خامساً: شكلت الصحف والمجلات بملاحقها الثقافية والأدبية، ودور النشر الكبرى، شكلت في الستينيات والسبعينيات وإلى الآن اللوبي الحداثي الذي أخذ يصنع العقلية العربية، ويعيد ترسيم الحدود الثقافية، ويمارس سياسة الإقطاع مع التيارات الأخرى وخصوصاً الإسلامية منها ولكن اليوم فإن الإعلام الإسلامي بدأ ينضج وإن لم يكتمل ويمكنه أن يقف على قدميه ويشكل الند، بما يكتنزه من الأسماء الشعرية والأدبية التي تبوأت مواقع مرموقة على خريطة الذائفة العربية.. والبقاء للأنفع. سادساً: ظلت الحداثة أدب النخبة كما يدعون أو أدب الطبقة البرجوازية التي تعيش في قصور عاجية وترفض أن تنزل إلى مستوى العامة من الناس فتلامس همومهم وتبحث قضاياهم، فاكتنفها الغموض وشاعت فيها الطلاسم والأحاجي والألغاز، وإذا سألت أحدهم: لماذا لا تقول ما نفهم؟ ردد لك مقولة سيدهم وكاهنهم الأعظم: «ليس من الضروري أن يفهم الناس الشعر» [١١] ، ولذلك رفضه الناس؛ لأنه لا يتكلم بلسانهم ولا يصدر عن معاناتهم. سابعاً: أخذ أدونيس يشهد انخفاضاً حاداً في شعبيته وهبوطاً مروِّعاً في حضوره، بل لقد بدأ العد التنازلي لذلك فعلاً؛ فقد قلبوا له ظهر المجن، وتنكروا لأستاذيته وريادته؛ ويشهد لذلك «ما حدث مؤخراً في القاهرة والمتمثل في ذلك الاستقبال الفاتر الذي لقيه من قِبَل عدد من تلامذته، والذي فسره عدد من المتابعين بأنها شهادة رسمية لشعر الحداثة وسادنها» [١٢] . ثامناً: صدور كتاب القرن «المرايا المحدَّبة» للدكتور عبد العزيز حمودة «فتح على الحداثيين العرب أبواباً من الجحيم كانت مغلقة، وأطلق أصواتاً كان يخرسها الخوف من هيمنة الحداثة على المؤسسات والهيئات الثقافية بطول العالم العربي وعرضه» [١٣] . وقد يفتح هذا الكتاب الباب على مصراعيه لغيره من الكتَّاب في تناول الحداثة ونقدها وبيان خطرها، ولعل كتاب الدكتور كمال نشأت: (شعر الحداثة في مصر: الابتداءات، الانحرافات، الأزمة) يدور في الفلك نفسه، ويشكل صفعة أخرى في وجه أرباب الحداثة. وأخيراً: فإن الأيام القليلة القادمة قد تشهد تعرية للواقع الحداثي مما يؤذن بنهاية قريبة ومخزية لها ... وهذا ما ننتظره!

стр. 3955

البيان الأدبي الغريب المغترب ! عبد الخالق القحطاني - أمي! حبيبتي! ... أطلقها بأعلى صوته، وإذا به يجد نفسه محاطاً بالسَّواد من كل جانب.. ما هذا؟ ! ... تمتم في نفسه وهو يحاول أن يتلمّس طريقه في الظلام.. تقع يده على مفتاح الإنارة، يُديرُه، ثم يعود فينطرح على فراشه ... - آهِ! ! ... زفرة يخرجها من أعماق نفسه، ثم يطلق العنان لخياله، يسرح هناك.. بعيداً، بعيداً جداً، إلى ما وراء البحار! ! - لقد كان حلماً إذن! لقد كُنْتُ أُقبِّل رأسها قبل لحظات وكانت تبكي ... أمي الحبيبة كانت تبكي! ... دمعتان كبيرتان تتحدَّران على خديه.. دمعةٌ استطاعت أن تجد طريقها إلى وجنته إلى أن أوقَفَها الحيِّز الذي بين شفتيه، والأخرى سقطت على الوسادة التي كان مسنداً إليها رأسه ... يحرِّك لسانه فيُلامِس بقايا الدمعة على شفتيه.. - كم هي مالحةٌ هذه الدموع! ! ... شهورٌ عدَّة مضت منذ أن وضع عبد الله أول قدم له في هذه البلاد.. وعبد الله شابٌّ في مقتبل العمر، جميل القسمات، وضّاء المحيَّا.. جاء إلى هذه البلاد لإتمام دراسته الجامعية، كعادة كثير من الطلاب الذين يَفِدُون كل عام إلى هذا البلد من موطنه في جزيرة العرب.. وبخلاف كثير من الشباب، كان عبد الله على حداثة سنّه قد تربى تربية إسلامية متينة، ونشأ منذ نعومة أظفاره مع شباب لا تربطه بهم سوى الأخوة الصادقة في الله تعالى. لا يزال عبد الله يتذكَّر كم كان وداع إخوانه له حاراً ... لقد رتبوا له حفل عشاء كبير على شاطئ البحر تعبيراً له منهم عن مدى حبهم ... وما زال يتذكر كلمات أستاذه ومربيه له وهو جالسٌ إلى جانبه في سيارته؛ إذ يقول له عبد الله: - هل توصينا بشيء؟ ! الأستاذ: نعم! أوصيك بتقوى الله حيثما كنت. ... ولا ينسى كذلك كلمات أخيه في الله؛ إذ يقول له: (عليك بغض البصر) . - غض البصر! ! ! وكأنما استفاق عبد الله من نومةٍ أخرى! ! - بالله! لقد نسيت معنى غض البصر! ! لقد كنت أرى المرأة بعباءتها فأغض بصري، والآن ... وما الآن؟ ! الآن أرى اللحم الغليظ فلا أغض طرفي! أفخاذٌ مكشوفة، صدورٌ بارزة، نحورٌ بادية، رؤوس حاسرة ... لحمٌ، لحم! ... شعورٌ بالمرارة يعتصر قلب عبد الله، إنه يشعر بأنه فقد شيئاً ثميناً.. فقد الإحساس بجرم النظر إلى الأجنبيات السافرات كما لم يكن يفعل من قبل، لقد أَلِفَ هذا الأمر، ولكن، ماذا عساه أن يفعل؟ المرأة هنا تعمل في كل مجال؛ فهي سائق الباص وساعي البريد و ... و ... والدكتورة في الجامعة والمديرة في الشركة، ولا يسلم من الاحتكاك بها في أي مكان كان ... لكنه يشعر بالذنب؛ لأنه أَلِفَ تلك العادة ولم يعد يتمعَّر وجهه لمنظر ذلك اللحم، إنه يحسُّ إحساساً شبيهاً بإحساس الفتاة العذراء التي فقدت بكارتها دونما سبب وجيه! إذن، هو الآن يصارع من أجل الحفاظ على سلامة الخط الأخير الذي وصاه به أستاذه ... تقوى الله ... ولأجل ذلك أخذ يوثق صلاته بمن يعرف من المسلمين القليلين في هذا البلد الغربي الكافر، وكوّن معهم جماعة يتواصون على أداء الصلاة في وقتها ويتناقشون همومهم معاً وما استجدَّ من أمور ... وفي الوقت نفسه يرى الكثير من الشباب ممن جاؤوا من موطنه يتساقطون في وحل الشهوات، ويذوبون في حمأة الرذيلة التي تعد ممارستها في هذا البلد أسهل من شرب الماء. وتأتيه الأخبار كلّ يوم ... - ألم تسمع عن فلان؟ لقد كان في البار بالأمس! هل تصدق؟ ! - هل علمت أن فلاناً قد اتخذ عشيقة؟ ؟ - ... وفلان لم نعد نراه يصلي معنا. الله المستعان! أخبارٌ وحوادث تؤلم قلبه عن شباب أتوا من بلادهم ببقايا إيمان فدفنوها في هذه الأرض. ويزداد عبد الله حسرة إلى حسرته ... فالمسكين بشرٌ على أية حال يؤثر فيه ما يؤثر في البشر، ويحرك نفسه الذي يحرّك نفوسهم ... لقد فرّقت الغربة بينه وبين أهله وإخوانه ... صورة أمِّه وهي جالسةٌ واجمة على الكرسي العريض في صالة الجلوس بالمنزل، تنظر إليه بعد أن قبَّلها قبلة الوداع على رأسها وتتبعه ببصرها وهو يحث الخطى مبتعداً عنها للَّحاق بالطائرة، لا تزال مخيمة على رأسه.. - يا ليت الطائرة طارت ولم أُدْرِكْهَا ... ! يتمتم.. والداه يتصلان به أسبوعياً. لا تزال كلمات أمه في اتصال أخير به ترنُّ في أذنه.. أم عبد الله: عبد الله حبيبي! لقد صار يوسف يمشي، هل تصدِّق؟ ! بل يتكلّم! يوسف! يوسف! تعال كلِّم ... أخوك على السماعة! ... يوسف هو الأخ الأصغر لعبد الله، لقد تركه وهو لا يزال رضيعاً، والآن هو يمشي ويتكلم! ! يسترجع عبد الله بعض ما دار بينه وبين زميلٍ له اسمه سيف كان قد تعرَّف عليه في بلد الغربة، وكان سيف قد ذهب لزيارة أهله في موطنه المجاور لموطن عبد الله، ولما عاد اتصل به ... سيف: عبد الله! كيف حالك؟ عبد الله: بخير، كيف حالك أنت؟ وكيف الأهل؟ سيف: والله بخير ولله الحمد.. عبد الله: وكيف كان استقبال أهلك لك؟ سيف: حافلاً! ولكن لا أخفيك سراً، لقد شعرت بأني ضيف عليهم! عبد الله: ماذا تقول؟ ؟ ضيف؟ ! ! سيف: أجل، لم يعودوا يعاملونني كالسابق، الكل يريد خدمتي والحفاظ على راحتي.. لا تحمل هذا إنه ثقيل، نحن سنحمله عنك! وسريرك، لا ترتبه، أختك ستقوم بالمهمّة! ! ماذا تحب أن تأكل على الغداء؟ ! ! وهكذا، مما جعلني مُحرجاً معهم! عبد الله (في نفسه) : محرجاً معهم؟ ! ضيف؟ سخف! ! أنا لا أريد أن أكون ضيفاً على أهلي ولا على إخواني! بل أريد أن أكون ابناً لأهلي وأخاً لإخواني! ! يعاملونني كما كنّا من قبل، معاملة غير منقحة ولا مزيدة! ثم لماذا نتكلف الأمور؟ ! كل ما في الأمر أنّي ذهبت وغبت ساعة ثم رجعت! أجل، هذا كل شيء! ! يكفُّ عن التفكير هنيهة، غير أنه يعود فيسأل نفسه: أهكذا تفعل الغربة بالناس؟ لا والله، لا يكون هذا معي أبداً! سوف أحجز بالطائرة إلى بلدي الساعة! ! أجل، الساعة! ! ! ... يتحفّز عبد الله للوثوب إلى الهاتف، ولكنه ينظر إلى ساعة الحائط وإذا هي الرابعة قبل الفجر! ! لقد نسي أنه استيقظ أثناء نومه، وذهبت به الذكريات كل مذهب.. - الرابعة؟ ! تحين منه التفاتة إلى جدول مواقيت الصلاة المعلق على الجدار، ينظر فيه، وإذا بينه وبين صلاة الفجر ساعة كاملة. - يجب أن أنام ... اختبار الغد صعب، ويجب أن آخذ كفايتي من النوم. ... وقبل أن يضع رأسه على الوسادة، تذكر شيئاً! شيئاً نسيه منذ زمن.. تذكر حديث الرسول ﷺ عن نزول الرب في الثلث الأخير من الليل، وأنه لا يسأله عبدٌ مسألة من خير الدنيا أو الآخرة إلا أعطاه ما سأل! - يا إلهي! منذ متى لم أقم لله ؟ منذ متى لم أطرق باب أرحم الراحمين؟ ؟ كم أشتكي إلى العبيد وأنسى رب العباد! ! أليس الله هو خالقي ورازقي ومصرّف شأني؟ ؟ أليس هو القادر على أن يرفع عني هذا البلاء والهم والغم؟ ؟ بلى! هو وحده الذي يعطي بغير حساب! وهو وحده الذي لا يضيع عنده السؤال ولا الطلب.. أجل، هو الذي يجب أن أشتكي إليه؛ فهو الذي يقضي والذين من دونه لا يقضون بشيء. .... ينهض عبد الله، يتوجه إلى دورة المياه.. يتوضأ وبعد ذلك يلقي سجادته ... يستقبل القبلة ثم يكبر ... - الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحي.... . الرحمن الرَّ.... الرَّحمن ... حاول إتمام السورة.. لكنه لم يستطع، الدمع يجري من مقلتيه بلا عدد! والآية توقفت في منتصف حلقه! سالت الدموع على خديه، ومن ثم إلى شفتيه، أمرَّ لسانه على شفتيه، وإذا بطعم الدموع هذه المرة يختلف عن المرات السابقة! ! لم تكن مالحة هذه المرة.. - إنَّ.... .، إنها.... إنها حلوة الطعم! !

стр. 3956

نص شعري لك يا سُهَيْل [ ١] عبد الملك السليمان صَلَفُ [٢] الأماني يا سُهَيْلُ، يُثيرُ في نَفْسِي الضَّجَرْ ... نَشَزَتْ لسَانحِهِ السِّنَاتُ [٣] ، فَكُنْتُ خِلَّك في السَّحَرْ ... صَلَفٌ يُشَتِّتُ شَمْلَ أحْلامِ المِئين من البَشَرْ ... وأتَى على الآمال في آكامِهنَّ، فلم يَذَر ... أنا لَسْتُ أدري يا سهيلُ، مَنِ المُلامُ، ومَنْ غَدَرْ؟ ! ... وَمَنِ المُنَاجِشُ، والذي رَهَنَ الحجَارةَ والشَّجَرْ؟ ! ... وَمَنِ المُرَابِي بالثَّرى.. ومَنِ الذي بَاعَ الغَرَرْ؟ ! ... صَلَفٌ.. ولَكنْ يا سُهَيْلُ.. يَحُوكُهُ عَزْمُ الخَوَرْ ... ويحوكه الوَهْنُ الذي في أمره جَاءَ الأثرْ [٤] ! ... إنِّي أبُوحُكَ يَا سهيلُ، وكَمْ رأيت من العِبَرْ! ... فَتَحارُ ما بَيْنَ الطهُور، ومَنْ تَلَطَّخَ بالقَذَرْ ... وتَحَارُ مِنْ نَبَأ الدُّجى؛ وَعَنِ النهار خُذِ الخَبَرْ! ! ... أما الطَّهُورُ، فصاحِب الإرهابِ، مَمسُوخُ الفطَرْ! ! ... ينوي الرزايا إنْ تَكلَّمَ، أو تَبَسَّمَ، أو بَسَرْ! ! ... وإذا تنفَّسَ أصبح الأُوزونُ [٥] حتماً في خَطَرْ ... والآخَرُ البَطلُ الذي قاد البلادَ إلى الظَفَر ... ولَهُ بكُلِّ خَلِيقةٍ مَثَلٌ على أبهى الصُوَرْ ... ما السِّرُّ في صَلَفِ الأماني.. إنما صَلَفُ البَشرْ ...

стр. 3957

وقفات صورة أخرى للتبعية أحمد بن عبد الرحمن الصويان عرفنا التبعية الثقافية والفكرية من خلال أطروحات النخب العلمانية المثقفة، ورأينا كيف يحاصرهم الفكر الغربي أو الشرقي بمدارسه المختلفة من كل اتجاه فيؤثر على مبادئهم وقدراتهم النقدية، وعلى موازينهم الفكرية، حتى أصبح ذلك الفكر عندهم هو المرجعية المعصومة التي يستسلمون لها، ويتحاكمون إليها. ولئن كان من طلائعهم الفكرية من دعا منذ عقود إلى: «أن نسير سيرة الأوروبيين، ونتبع طريقتهم في خيرها وشرها، حلوها ومرها» [١] ؛ فإن كثيراً منهم في زمن العولمة! مضى إلى أكثر من ذلك، وراح يصول على أمنها وفكرها صولة المحاربين، ويتشدق بكل صلف وكبرياء مفتخراً بانتسابه إلى المدرسة الغربية، وما الاحتفال الحاشد بمناسبة مرور مائتي عام على دخول نابليون إلى مصر إلا دليلاً قاطعاً على مقدار السقوط المريع لتلك النخب تحت أعتاب الغرب، ووقوعهم في مأزق التبعية العمياء التي لا تتجاوز ترجمة الفكر الغربي، والانكفاء المطلق على أدواته المعرفية وأصوله الفكرية..! ! [٢] . ويشرح المفكر الفرنسي الشهير (جان بول سارتر) بوضوح كيفية تربية التبعية الفكرية بقوله: «كنا نُحضر رؤساء القبائل وأولاد الأشراف والأثرياء والسادة من إفريقيا وآسيا، ونطوف بهم بضعة أيام في أمستردام ولندن والنرويج وبلجيكا وباريس؛ فتتغير ملابسهم، ويلتقطون بعض أنماط العلاقات الاجتماعية الجديدة، ويتعلمون منا طريقة جديدة في الرواح والغدو، ويتعلمون لغاتنا، وأساليب رقصنا، وركوب عرباتنا، وكنا ندبِّر لبعضهم أحياناً زيجات أوروبية، ثم نلقنهم أسلوب الحياة الغربية. كنا نضع في أعماق قلوبهم الرغبة في أوروبا. ثم نرسلهم إلى بلادهم.. وأي بلاد؟ ! بلاد كانت أبوابها مغلقة دائماً في وجوهنا، ولم نكن نجد منفذاً إليها، كنا بالنسبة إليهم رجساً ونجساً، ولكن منذ أن أرسلنا (المفكرين!) الذين صنعناهم إلى بلادهم، كنا نصيح من أمستردام أو برلين أو باريس: الإخاء البشري! فيرتد رَجْعُ أصواتنا من أقاصي إفريقيا أو الشرق الأوسط أو شمالي إفريقيا.. كنا نقول: ليحل المذهب الإنساني أو دين الإنسانية محل الأديان المختلفة، وكانوا يرددون أصواتنا هذه من أفواههم، وحين نصمت يصمتون، إلا أننا كنا واثقين من أنَّ هؤلاء المفكرين (! !) لا يملكون كلمة واحدة يقولونها غير ما وضعنا في أفواههم ... !» [٣] . غير أنَّ اللافت للنظر أن بعض صور هذه التبعية الفكرية وقع في شراكها بعض من ينتسب إلى الفكر الإسلامي الحديث، وجرفه تيار الهيمنة الغربية ليذوب في بوتقته الثقافية. ولئن كانت الصدمة الحضارية التي تعرَّض لها الشيخ الأزهري رفاعة الطهطاوي (١٨٠١ ١٨٧٣م) لمَّا سافر إلى باريس إماماً للبعثة المصرية قد زلزلت قناعاته السابقة وأسقطته في مأزق التبعية للفكر الفرنسي، فراح يُمجِّد الحضارة الغربية ويدعو إلى السير في ركابها؛ فإنَّ الصدمة الحضارية التي تعرَّض لها بعض المفكرين الإسلاميين المعاصرين بعد أكثر من مائة عام على صدمة الطهطاوي قد كشفت عن أنماط فكرية متعددة حاولت أن تفسر نصوص الكتاب والسنة تفسيراً عصرياً تقدُّمياً (!) يجرِّدها من مقاصدها الشرعية، كما سعت إلى تفريغ عقول الأمة من فكرها وعقيدتها الصافية التي لم تكدرها شوائب الضلالة، وحشوها بفكر مستورد يمسخ الهوية، ويقطعها من جذورها الأصيلة، ويدعو إلى إعادة صياغة القيم والمبادئ الإسلامية لتتلاءم مع واقع العولمة والانفتاح الحضاري المعاصر. وبرزت في الآونة الأخيرة أقلام واتجاهات من المتغربين الإسلاميين في شتى التخصصات الاجتماعية والسياسية والفكرية والفقهية.. ونحوها طوَّفوا كثيراً في مدارس الفكر الغربي وتأثروا برشاشها، ثم انتحلوا كثيراً من ثقافتها، وانطلقوا ينشرون أطروحاتهم في فهم الإسلام و (عقدة الغرب) تسيطر على عقولهم باسم التجديد والإبداع حيناً، وباسم السماحة والتيسير أحياناً أخرى [٤] . نعم! ربما كان كثير من هؤلاء المفكرين لا يريد إلا نصرة الإسلام والذبَّ عنه، وآلمهم هجمة التيارات العلمانية الشرسة على الأمة، فأرادوا صياغة فكر جديد وفقه حديث يسد الثغرات زعموا! على هؤلاء المفسدين؛ ولهذا مثلاً كان المعيار الفقهي الذي استندوا إليه هو (تحسين صورة الإسلام) ! فانهزموا أمام ذلك الواقع المنحرف، وتأثروا بالضغوط الإعلامية والفكرية، وراحوا يطوّعون النصوص لتتجارى مع ذلك الواقع، وبدؤوا ينقِّبون في أقوال الفقهاء المتقدمين والمتأخرين عمَّا يسوِّغ آراءهم..! إذن لم يكن المنطلق في تحسين صورة الإسلام هو البحث في النصوص الشرعية المحكمة وتعظيمها والوقوف عند حدودها، بل كان المنطلق هو البحث عن مخارج فقهية وإن كانت متكلفة لتتوافق مع الرأي الفكري السائد. صحيح أنَّ التيسير على الأمة، ورفع الحرج عن المكلفين مما تواترت به النصوص الشرعية، وما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، ولكن التيسير إنما يكون بالنصِّ لا بالهوى، ورفع الحرج يكون بالدليل لا بمجاراة الناس. وها هنا تتضح المعضلة؛ فأهم ما يميز هذا التيار هو سقوطه في بحر الانهزامية، وآفة التقليد الأعمى، واستسلامه لضغط التيار السائد، وجعله حَكَماً على النصّ..! والعجيب أنك عندما تتحفظ على هذه الانهزامية تُتَّهم بالجمود والرتابة والانغلاق، حتى أصبح المعروف منكراً، والمنكر معروفاً..! وهنا مكمن الخطر.

стр. 3958

قراءة في كتاب الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية المؤلف: الدكتور حامد عبد الماجد قويسي. الناشر: دار التوزيع والنشر الإسلامية. حجم الكتاب: ٥٦٦ صفحة من الحجم الكبير. عرض: وائل عبد الغني. هذه الدراسة المنهجية المتخصصة في النظرية السياسية الإسلامية نال بها الباحث درجة الماجستير من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة. تنطلق الدراسة من افتراض مفاده: أن النجاح أو الإخفاق على المستوى الداخلي والخارجي في ممارسة الوظيفة العقيدية للدول أو الأنظمة التي تعاقبت على حكم أمة الإسلام ما هو إلا اختلاف في الدرجة لا في النوع؛ ومن ثم اتصفت الممارسة بقدر كبير من الاستقرار والاستمرار. هذه الوظيفة قد عرفتها الخبرة الإسلامية بدرجة مكثفة دون أن يكون لها الوضوح الكافي على مستوى الدراسات من قبل، وقد رأى الباحث أن يتم التنظير لها على ثلاثة مستويات: ١ - مستوى القيم التي تحكم الوظيفة (المبادئ) . ٢ - مستوى البناء النظامي (الهياكل والمؤسسات) . ٣ - مستوى قواعد الممارسة ونماذجها التطبيقية. وتسعى الدراسة لبيان قيمة الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية في إطار نظرية وظائف الدولة الإسلامية وتحديد موقعها منها في إطار من التجريد والعمومية. ويتقدم المؤلف بين يدي بحثه بفصل تمهيدي يوضح فيه أهمية انطلاق التنظير من (المنهج المعرفي المستمد من الوحي) بواقعيته المثالية؛ لتلافي آثار أزمة الانطلاق من المنهج الغربي التي اتضحت معالمها هناك على مستوى: المنهج، والنظرية، والتطبيق، بالإضافة إلى ما يمكن أن ينشأ من إشكاليات مضاعفة عند تطبيقه على واقعنا الإسلامي؛ لقصوره عن تفسير كثير من الظواهر التي تنشأ داخل مجتمعاتنا المسلمة نتيجة لقصور مسلَّماته وجمودها عند حدث معين ولحظة تاريخية معينة، ولعل هذا يفسر جزءاً كبيراً من إخفاق الأنظمة العربية في تحقيق أي من أهدافها التي رفعتها غداة استقلالها. فطبيعة المنهج وضرورة التميز العقيدي تمليان علينا ضرورة البناء العلمي والتطبيقي على هدي قواعده وأصوله المستمدة من الشرع. ويحتوي الكتاب إلى جانب المقدمة القيمة التي تصلح لأن ينال على موضوعها مع شيء من العمق والتوسع درجة علمية بجدارة خمسة فصول، يقطع في كل منها شوطاً نحو بناء النظرية: ففي الفصل الأول: يضع إطاراً لوظائف الدولة الإسلامية، ويبين موضع الوظيفة العقيدية، وفيه يتناول برؤية نقدية الكتابات التي عالجت وظائف الدولة الإسلامية، ويفرق فيها بين اتجاهات تقليدية، وتجديدية.. والقديم منها والمعاصر، من أجل استخلاص بعض النتائج التي تمهد لبناء مفهوم الوظيفة العقيدية لغوياً وأصولياً ليعتمده أساساً للتنظير. ويرى المؤلف أن الاتجاه التقليدي قد ركز بوجه عام على الإمامة والخلافة والإمارة باعتبارها تحقق أهدافاً منبثقة من التصور العقيدي العام، وقد ركز على وظائف الدولة باعتبارها واجبات الإمام واختصاصاته دون اهتمام بواجبات الرعية والعلماء وأهل الحل والعقد باعتبارهم جزءاً من الحقيقة البشرية للدولة.. وقد قدم لنا هذا الاتجاه قوائم سردية بوظائف الإمام وواجباته مع خلط وقع بين الوظائف وأدوات الممارسة.. ويُعَدُّ الماوردي والفراء أبرز من تكلم في هذا المجال، وكثيراً ما تأثرت كتابات هذا الاتجاه في أسلوب عرضها بالواقع السياسي الموجود سواء في المذكور أو المسكوت عنه. أما كتب الفارابي وإخوان الصفا وأمثالهم فلا تنطلق من أنموذجنا المعرفي؛ إذ كتبت في ظروف تعرَّض فيها العالم الإسلامي لموجة تغريب من الحضارتين الفارسية واليونانية ربما كانت أقسى مما هو مشاهد اليوم من أوْرَبَةٍ وأمْركة، وقد كانت تلك الكتابات بمثابة نقطة البدء في الفصل بين ما يمكن أن يسمى «وظائف دينية» و «وظائف دنيوية» . ورغم الإسهامات الجادة لهذا الاتجاه فإنه لم يقدم لنا مفهوماً واضحاً لوظائف الدولة، ولم تنضج منهجيته لتقدم لنا حواراً منهجياً فعالاً بين الأوامر المنزلة وبين قضايا الواقع. وفي المقابل نجد أن الاتجاه التجديدي قد ركز في كتاباته القديمة على الخطوط العامة دون خوض في التفصيلات مع أهميتها في كثير من الأحيان، لكنها شكلت تياراً مستمراً مرتبطاً بحركة الاجتهاد على امتداد الساحة الزمانية والمكانية للدولة الإسلامية. وقد قطعت هذه الكتابات شوطاً في التأصيل؛ إذ قدمت نظرة شاملة ومتكاملة لمضمون وظائف الدولة، وأصَّلت له وربطت مفهومه بمفهمومَيْ: «الولاية» و «الأمانة» كما جاء في كتابات ابن تيمية، وبـ «الخطط» كما هي في كتابات ابن خلدون، وكما ربطته بالمقاصد والمصالح الشرعية التي محورها: «حراسة الدين وسياسة الدنيا به» . أما الكتابات المعاصرة في الاتجاه نفسه فقد ربطت هذه الوظائف بمفهومَيْ «الحاكمية» و «الاستخلاف» وبين مفهوم الدولة ووظيفتها وفكرتها وعقيدتها في نظرة شاملة ومتكاملة، دون أن ترقى لتشكل نظرية في هذا الجانب، كما أنها لم تستخدم المداخل الاجتهادية (القياس، والاستصلاح، والاستصحاب) في ضبط الممارسة. ويرى المؤلف في نظرته التي تأتي امتداداً للاتجاه التجديدي أهمية وجود تصور واضح عن مفهوم الدولة ونشأتها وتطورها - ووظائفها حتى يمكننا التعرف على طبيعة الوظيفة العقيدية وبلورة مفهومها في شكل نظرية؛ فيرى أن مفهوم الدولة: عبارة عن بلورة نهائية لترابط عضوي بين حقيقتين: معنوية (عقيدة التوحيد) ، وبشرية (أمة إمام أهل الحل والعقد) . ومن حيث نشأة الدولة وتطورها: يرى وجود رابط سببي وزمني بين نشوء الدولة وبين مولد الرسالات السماوية، فنجد في القرآن تأصيلاً لهذه النشأة: [كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ] (البقرة: ٢١٣) ، فهناك مرحلة الأمة الواحدة.. ثم مرحلة الاختلاف.. ثم مرحلة إرسال الرسل ونشأة الدولة التي نشأت بجهد أتباع الرسل المسدَّد باتِّباعهم لمنهج الرسل. أما الوظائف: فيفرق بين مستويات ثلاثة: - الوظيفة باعتبارها قيمة. - الوظيفة باعتبارها بناءً مؤسسياً. - الوظيفة باعتبارها ممارسة وسلوكاً. ويرى المؤلف أن «الوظيفة العقيدية» و «الوظيفة الاستخلافية» هما مضمون وظائف الدولة؛ حيث تتبلور كل وظيفة عن قيمة محددة.. ثم تتمحور القيم لتعبر عن قيمة واحدة هي قيمة «التوحيد» ، وتسعى لإنجاز مقصد واحد هو «حفظ الدين» ، والذي يرتبط هو الآخر بمفاهيم: العبادة.. والأمانة.. والاستخلاف. أما الوظيفة الاستخلافية فهي في جوهرها تابعة ومساندة للوظيفة العقيدية، وتشتمل على وظيفتين يندرج تحت كل منهما وظيفتان: العمران: ويندرج تحتها الوظيفة الإنمائية والأمنية. والعدل: ويتحقق ب: الوظيفة التوزيعية والجزائية. هذه الوظائف تتساند لتشكل الوظيفة الاستخلافية التي تتبع وتساند الوظيفة العقيدية التي جوهرها التوحيد وتتحدد في ثلاثة أبعاد: ١ - تحديد موقف واضح من العقيدة (إعلان الالتزام) . ٢ - بناء وتأسيس الكيان العقيدي بما يحويه من نظم. ٣ -القيام بواجب الدعوة من خلال الإقناع. وهو ما ستوضحه الفصول القادمة. الفصل الثاني: بناء مفهوم الوظيفة العقيدية: بدءاً بالدلالة اللغوية للتركيب حيث يشير إلى: «مجموعة الأنشطة والعمليات الملزمة التي تقوم بها الدولة لتحقيق المنهج الذي ينبثق من العقيدة التي يعتقدها ويرتبط بها مجتمع من المجتمعات أو نظام من الأنظمة» . ومروراً بالدلالة الأصولية التي تعني: الولاية الشرعية العامة للدولة الإسلامية في تنفيذ وممارسة الفروض والواجبات الكفائية المتعلقة بحق الله تعالى بوجه عام «والتي تخدم كثيراً في صياغة النظرية. وعلى مستوى النظرية نجد أمامنا ثلاثة مقومات تتشكل منها معاً هذه الوظيفة: - حقيقة معنوية جوهرها التوحيد. - حقيقة بشرية تشكل الجسد السياسي للدولة (الخليفة العلماء أهل الحل والعقد الرعية) . - العلاقة بين الحقيقتين وهي علاقة إيمان واعتقاد من جانب، وتوظيف وعمل من جانب آخر. هذا المفهوم وفق هذه الرؤية يتفرد بسمات الشمول والحركية والواقعية وتعدد المستويات والأبعاد والأطراف والعموم والتجريد الذي يؤهل لصلاحيته للإنسان في أي زمان ومكان. وسيتم تفصيل ذلك في الفصول القادمة. الفصل الثالث: مضمون الوظيفة العقيدية وأبعادها: أما من جهة المضمون: فإن وظائف الدولة تعبر في التحليل الأخير عن القيم الأساسية في المجتمع التي جوهرها التوحيد باعتبارها القيمة المحورية العليا، والتي تفرض تحديد مقصد الوظيفة التي تعبر عنها، كما تحدد نظام القيم الإسلامي الذي يتميز بخصائص الشمول والمثالية والواقعية والحكمة في الممارسة والوحدة في التعامل والطابع الإنساني العالمي، كما يتميز بالجمع بين الجماعية والفردية في آن واحد. وتسعى العقيدة من وراء ذلك إلى إحداث التغيير كمّاً وكيفاً من خلال الممارسة وصولاً إلى المثالية العليا التي تتميز في نموذجنا الإسلامي برؤية واضحة وهدف محدد هو الفوز الأخروي، وترتبط بوظيفة الاستخلاف على منهاج النبوة. وبأسلوب أوضح تعد ممارسة الوظيفة العقيدية في الواقع العملي جوهر التطبيق الواقعي لتوحيد الألوهية وتقترب كثيراً من الصياغة الحديثة لمفهوم الحاكمية، أو بالتعبير الشهير مقصد (حفظ الدين) ليس بمفهوم الدولة الحارس الذي عرفته الخبرة الأوروبية والذي يعني الحفاظ على العقيدة في أصولها وإنما بتطبيقها في الواقع العملي الحيوي بجميع جوانبه وأبعاده والذي لا يتم إلا في إطار كيان سياسي؛ ذلك أنه لا يسع المسلمين أن يعبدوا الله بالمفهوم الشامل إلا حين يغدون رعايا مخلصين لدولة إسلامية، ولن يتاح لهم أن يعيشوا بما يتفق مع أخلاقيات عقيدتهم إلا من خلال الانتماء إلى أمة المؤمنين؛ ولهذا فمقصد» حفظ الدين «مقصد سابق لوجود الدولة التي تفقد مسوِّغ وجودها إذا ما تخلت عنه أو تنكرت له. وفي هذا الصدد يمكننا أن نتصور حدين في هذا المجال: حداً أدنى: تغدو به الدولة مسلمة، ويتمثل في إعلانها الالتزام بالإسلام، وعدم إخلالها بمنطقة المحكمات (المعلوم من الدين بالضرورة) . وحداً أعلى: تكون به الدولة إسلامية، وهو نموذج أرقى تسعى فيه الدولة لتحقيق مقاصد الشريعة كلها في إطار المحكم وفي إطار الظني بإعمال الاجتهاد في مجاله. وعندما تصل الدولة إلى تحقيق مقاصد الشريعة الخمسة على الأقل في درجة الضروريات التي تتبلور في مقصد حفظ الدين، فإنها تصبح مسلمة.. وبينها وبين أن تكون إسلامية مسافة أخرى تشمل الاجتهاد في مساحة الظنيات. والفارق كما يبدو نوعي وكمي في آن واحد؛ فهي لا تصبح إسلامية دون أن تكون مسلمة؛ كما يشك بدرجة كبيرة في أن تظل مسلمة دون أن تنجز المقاصد الشرعية من خلال الانتقال من مجرد إعلان قبول الالتزام العقيدي وحمايته إلى محاولة تحقيقه وبناء المجتمع العقيدي من خلاله، والتعامل الخارجي انطلاقاً من مبدأ الدعوة، وأن يكون رجوعها إلى الشرع رجوع افتقار لا رجوع استظهار، ولا يقبل التعلل بالتدرج في التطبيق؛ إذ الفرق جلي بينه وبين الانحراف؛ فالتدرج لا يمكن من خلاله الإخلال بمبدأ الاحتكام إلى الله ورسوله من خلال التلاعب بالنصوص لتسويغ الانحراف في عملية الممارسة. ويلفت النظر إلى أن مقصد» حفظ الدين «لا يجوز أبداً قصره على المعاني المباشرة للّفظ؛ بل يعني أيضاً الحفظ الحقيقي المنصرف إلى الكيان البشري الذي يكوّن الجسد السياسي للدولة، أي حفظ العقيدة مطبقة في الأمة، ويرتبط بهذا مقصد آخر هو الوحدة.. سواء على مستوى الكينونة الفردية، أو الكيان الاجتماعي على مستوى الإدراك.. والولاء.. والنظام. أما من حيث الأبعاد: فنجد أمامنا ثلاثة جوانب رئيسة كبيرة ومتكاملة يؤدي بعضها إلى بعضها الآخر وهي: ١ - تحديد موقف من العقيدة وحمايتها. ٢ - بناء الكيان العقيدي (المجتمع الملتزم بالعقيدة) . ٣ - تحقيق غايات البناء من خلال الممارسة (أداء الوظائف) . ومن الثابت أن الدولة في جميع نماذجها التاريخية كانت تسعى لممارسة عقيدة معينة ارتبط وجودها المعنوي والحضاري بها؛ ولهذا فإن الموقف من العقيدة لا يعدو القبول أو الرفض، أما فكرة الحياد التي تدعيها بعض النظم؛ فهي نوع من القفز على الحقائق؛ إذ لا بد من استبطان عقيدة أو أيديولوجية تسعى لتحقيقها. ولهذا فإن الموقف الإيجابي بإعلان الدولة التزامها العقيدي يعد أول مستويات الممارسة. أما عن الحد الفكري لإسلام الدولة قياساً على الشهادتين بالنسبة للفرد فيتمثل في الإقرار بأمور هي: ١ - أن الحاكمية لله وحده، وأن الدولة أداة من أدوات الاستخلاف. ٢ - أن القانون الأساسي للدولة الإسلامية هو الشريعة الإسلامية. ٣- بطلان كل قانون مخالف للشريعة وإلغاؤه. ٤ - على الحكومة ألا تتصرف في شؤون الدولة إلا ضمن الحدود المرسومة في الشريعة لوظيفتها. هذه الأمور تعد الخطوة الأولى التي لا يقبل دونها؛ لأن إعلان الالتزام العقيدي يوضح» فكرة الدولة «الأساسية وغاية قيامها.. ويحدد مواطنيها وماهية حقوقهم وواجباتهم، وعلى أي أساس تُكتسب أو تفقد، والمبادئ التي يسير عليها جهاز حكومتها المتحكم في سلطاتها الإدارية وقواعد مسؤوليتها وحدود وظيفتها؛ ولهذا يرى البعض أهمية وضع دستور إسلامي يحدد النظام العام، وهو ما تحدده المثالية الإلهية والعقيدة التوحيدية المنبثقة عنها، ولا يجوز مخالفته ويعاقب كل من يخالفه أو يحاول الاعتداء عليه. وأما حماية العقيدة فتكون من كل ما يشكل نقضاً (الردة) أو تحريفاً (الابتداع) . وفي مجال الدعوة يبرز المنطق الاتصالي ودوره في إزالة اللبس وسوء الفهم الذي يمكن أن يحول بين الناس وبين اعتناقهم للإسلام دون إكراه. أما المستوى الثاني: فهو بناء الكيان العقيدي (أو المجتمع الملتزم بالعقيدة) والذي يعني بلورة العقيدة على المستوى العملي في كيان عضوي بشري يحقق غايات المثالية العليا الإلهية والعقيدة الإسلامية، والذي يؤسس حركته على الإيمان بالله واليوم الآخر، ويؤسس روابطه على عقيدة الولاء والبراء التي تعطي عقد الولاء للمؤمنين، والذمة لأهل الكتاب، والبراء من الكافرين والمنافقين. وتتم عملية البناء على مرحلتين: التكوين، ثم البناء والتأسيس. ثم يأتي المستوى الثالث: تحقيق غايات البناء التي تتبلور حول تمكين الفرد والمجتمع من تحقيق ذاتيتهما الإسلامية في الواقع التطبيقي والاجتماعي داخلياً. وتمارس الدولة واجبين في إطار قيامها بوظيفتها العقيدية هما: ١ - الإشراف على إقامة فروض الكفايات وتنظيمها. ٢ - مراقبة إقامة فروض الأعيان. أما على مستوى التعامل الخارجي فنجد وظيفة الدعوة التي تنطلق من رؤية توحيدية للعالم الذي يتمحور جغرافياً حول القبلة، وإنسانياً حول آدم» الناس بنو آدم، وآدم من تراب « [١] ، ومن منطلق عالمية الحضارة الإسلامية صاحبة الدين الخاتم المنفتح على الإنسانية كلها؛ ولهذا نجد التعامل الخارجي يخضع لمجموعة من الأسس هي: ١ - الاتصال هو محور التعامل الخارجي. ٢ - وحدة الانطلاق من القاعدة الثقافية والتعامل الفكري (الإقناع والاقتناع) . ٣ - وحدة قيم التعامل حيث إن التعامل الخارجي هو امتداد للداخلي. ٤ - الاتصال مع القيادات الحاكمة بصدد الإقناع بالدعوة وعرض الرسالة. وإلى جانب مسلك الدعوة هناك مسلك مساند هو الجهاد الذي يراه المؤلف أداة فكرية وحقيقة معنوية تضم مجموعة من المبادئ المعنوية والأخلاقية. وتوضح لنا الخبرة التاريخية الأدوات التي تمت الدعوة من خلالها؛ كالرسائل والسرايا والغزوات وعقود الصلح والموادعة والمعاهدات. الفصل الرابع: الإطار النظامي والمؤسسي للوظيفة العقيدية: ويعني بها المؤسسات التي تترجم مدارك الأمة ووعيها إلى واقع عملي، وتعد صلة بين الوظيفة كقيم والوظيفة كممارسة؛ ومن هنا فإن التوحيد بوصفه قيمة محورية يمكن تحقيقها من خلال قيمتين نظاميتين هما:» الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «داخلياً، و» الدعوة «خارجياً. وكلا المبدأين واضح الأبعاد والدرجات والمستويات وفق أسس واضحة محددة المحتوى والمضمون، مقننة لأشكال نظامية تقوم على تطبيقه وتحويله إلى واقع حيوي. أولاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهو متردد بين الفرضية العينية والكفائية، ولا تسقط عهدته إلا بالأداء أو العجز، وتتأكد فرضيته في مثل حال المحتسب وأهل الاختصاص في تخصصهم، وهو من حيث القدرة متدرج يبدأ من التغيير بالقلب بالمفارقة والمفاصلة الشعورية.. ثم باللسان الذي يمكن لنا أن نُدخِل في إطاره بعض الممارسات المعاصرة في المجالات التربوية والتعليمية والثقافية والإعلامية.. ثم يأتي المستوى الثالث: التغيير من خلال القوة التي توسَّع مفهومها اليوم فاستوعبت صوراً معاصرة يمكن أن تستخدم في عملية التغيير، خاصة في وقت لم يعد المعروف الأكبر هو التوحيد، كما لم يعد حد المنكر يقف عند المناكير والكبائر الجزئية والمحلية، بل يتصاعد حتى يصل إلى مناكير السياسة العامة التي يتمثل أكبرها في التبعية والإذعان لهيمنة القوى الاستعمارية. ثانياً: الدعوة: وهي وظيفة خارجية مكملة للوظيفة الداخلية وكلاهما مستمر في الأمة كما عبَّرت عنه الآية بصيغة المضارعة: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ] (آل عمران: ١٠٤) ، ولهذا فإن الدعوة تمثل ممارسة واجبة الأداء على الكفاية لإدخال أمة الدعوة في أمة الإجابة، وهو مبدأ توظف له الدولة إمكاناتها كافة لتحقيق الهدف الأسمى، وترسم خططها لتحقيق متطلباته الآنية والمستقبلية وفق منطلقاته الثلاثية: الحكمة.. الموعظة الحسنة.. الجدال بالتي هي أحسن؛ وهي مبادئ تكفل حسن الأداء في ظل تغير الظروف الدولية والداخلية. وتفاعلاً مع هذه القضية يطرح المؤلف مدى قابلية النظام الدولي الجديد لممارسة الدولة الإسلامية واجبَ الدعوة إلى الله.. ويحاول أن يتلمس الإجابة في ظل وضع دولي محفوف بالمخاطر..! ويقدم ملامح عامة يمكن من خلالها بناء تصور ما حول الرؤية الواقعية والمستقبلية لهذه الفريضة المهمة. ويفرق المؤلف بين الدعوة بوصفها وظيفة اتصالية وبين المفاهيم السائدة في هذا المجال على الساحة الدولية؛ كالدعاية، والحرب النفسية، والتسميم السياسي. وبعد أن أوضح صورة الإطار النظامي للوظيفة العقيدية بدأ في الاقتراب أكثر من طبيعة الأداء، فتحدث عن الأشكال النظامية معتمداً على الخبرة الإسلامية. ويفرق في هذا الصدد بين نوعين من الأشكال النظامية: أ - أشكال تأسيسية: (تقوم بإنشاء الأشكال المؤسسية) . ب - أشكال مؤسسية: (أساسية مساندة) . ويمكن فهم الأشكال التأسيسية في إطار مؤسسات المسجد باعتباره شكلاً نظامياً تأسيسياً؛ إذ يحوي العناصر التي تقيم الأشكال المؤسسية؛ فيحوي مؤسسة أولي الأمر وأهل الحل والعقد وهم أهل الاختيار الذين يختارون الحاكم، وأهل الشورى من أهل العلم والدراية، وأهل الاجتهاد من العلماء الحائزين لشروط الاجتهاد. أما الأشكال المؤسسية فمنها ما هو أساسي، ومنها ما هو مساند، وتحمل لنا الخبرة الإسلامية صوراً للأساسي مثل مؤسسة الحسبة، ودور العلم، والمدارس الإسلامية التي تعالج تطبيق مبدأ الأمر بالمعروف على مستوى الداخل، إلى جانب ديوان الرسائل وديوان الجند اللذين يمارسان الدعوة على مستوى الخارج. كما عرفت الخبرة عدداً من الأشكال المساندة كان أهمها مؤسستي: أهل الفتوى، وأهل القضاء. ولكل شكل من هذه الأشكال مبادئه وصوره وقوانينه وأدواته النظامية التي تحكمه وتضبط عمله بما يحفظ لعملية ممارسة الوظيفة العقيدية الأداء. وتكشف لنا الممارسة العصرية عن ثلاثة أنواع للأشكال النظامية يجب التمييز بينها: ١- (أشكال أصلية) ناتجة عن حكم شرعي يوجبها لإنفاذ أحد فروض الكفاية، ويأتي في حكمها الأشكال الطبيعية الناتجة عن وضع تكويني في مجتمعنا يقره الإسلام. ٢ - (أشكال طارئة) وجدت قبل الاستعمار لكنها مثلت انحرافاً عن الإسلام ٣ - (أشكال وافدة) جاءت مع الاستعمار الأوروبي المعاصر. وقد تم تحجيم النوع الأول، وضربت فعاليته لصالح النوعين الآخرين بما يعني قطع أي إمكانية لتطوير الأشكال النظامية الأصيلة وتوليدها لأشكال تحقق التواصل! وقد خلفت هذه المعضلة كثيراً من المشاكل والتعقيدات تحول دون الاستقلال الحقيقي والتنمية في ظل اغتراب السلطة عن الجمهور وهامشية المؤسسات الأصلية الموجودة وعدم فاعليتها. ومن هنا كان لا بد من طرح تساؤلات جادة حول منهجية بناء الأشكال المؤسسية في الواقع الحالي التي نجد في مدخل الذرائع حلولاً لإشكالاتها. وينبه المؤلف إلى أن معالجة الوظيفة العقيدية على مستوى التنظير بوصفها وظيفة لدولة إسلامية قائمة وموجودة بالفعل هو أمر غير واقع الآن، دون أن ينفي ذلك وجود مستويات لممارسة الوظيفة يقوم بها المجتمع المسلم حتى في ظل غياب الدولة تنبني على الاجتهاد المرحلي أو الانتقالي، كما ينبه إلى ضرورة الابتعاد عن النمط الأوروبي المتَّسم بالضخامة والتعقيد والعودة إلى النماذج الصغيرة في المجتمعات الاجتماعية والسياسية، في ضوء ما يسميه: (تفاعل المقاييس) الذي يعتمد على الأبعاد المقدارية والوصفية والآماد والمعدلات، بجوار الجوانب الموضوعية التي يعالجها مدخل الذرائع في فهم الواقع، وإيجاد ما يناسبه من حلول لمعضلاته. الفصل الخامس: فاعلية الوظيفة العقيدية في الممارسة: وقبل أن يعرض المؤلف لنماذج تاريخية تعبر عن صدقية ما بناه في فصوله السالفة يشير إلى مبدأ علمي مهم هو: عدم جواز الخلط بين الظاهرة باعتبارها مبدأ، والخبرة باعتبارها معالجة. يقدم لنا أربعة نماذج تطبيقية متقابلة: اثنين للنجاح.. واثنين للإخفاق.. تجمع الدلالات السلبية والإيجابية بوصفه أمراً علمياً مقصوداً في ممارسة الوظيفة العقيدية بمستوياتها المختلفة. النموذج الأول: نموذج الدولة النبوية: من حيث كونه نموذجاً قياسياً للنجاح يمكن الاحتكام إليه في فهم دلالات أي ممارسة للوظيفة سواء في مرحلة التأسيس، أو مرحلة الممارسة، بدءاً بإعلان الالتزام العقيدي وحمايته، ومروراً بمستوى بناء الكيان العقيدي، ووصولاً إلى التعامل الخارجي من منطلق الدعوة؛ هذا النموذج مع مثاليته المرهفة مثّل واقعاً يمكن القياس عليه والاستلهام منه. وفي المقابل نجد النموذج الثاني: يتمثل في دولة بني إسرائيل في عهد نبي الله موسى ﵇ بدلالاتها الغنية ونتائجها، كنموذج قياسي للإخفاق في أداء هذه الوظيفة، يمكن أن يمثل عنصر خبرة في فهم أسباب الإخفاق النفسية والإيمانية والأخلاقية والاجتماعية للنموذج الذي يعد افتراقاً عن إطاره العقيدي في مستويات الممارسة ويصلح في فهم أي مرحلة تاريخية أخرى. النموذج الثالث: من النماذج التاريخية نموذج الدولة في عهد عمر بن عبد العزيز: باعتبارها مؤشراً قوياً على إمكانية التطبيق، ومدى النجاح في الاقتراب من النموذج القياسي؛ متى ما صحت المنطلقات وتبنت الدولة أداء هذه الوظيفة، هذا ما تظهره التجربة وتؤكده الدلالات التي يمكن استخلاصها هنا. وفي المقابل يأتي النموذج الرابع: ليبرز تجربة دول (ملوك الطوائف) باعتبارها نموذجاً تاريخياً للإخفاق؛ سواء في الميلاد أو التأسيس أو في الممارسة التي افترقت كثيراً عن الإطار العقيدي الجامع. وفي الخاتمة: يعود المؤلف فيفصّل في قضية التميز المنهجي الذي افتتح بها دراسته القيمة. - فيمايز بين الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية وبين الوظيفة الدينية للدولة البابوية التي يقدس فيها الحاكم، وتطلق سلطاته كما هو معروف في الخبرة الأوروبية وفي النموذج الفرعوني، أما النموذج الإسلامي فيجمع بين إلهية المصدر، والطبيعة الاجتهادية المنضبطة بالأصول الشرعية - المحتملة للخطأ والصواب. - كما يمايز بينها وبين الدولة والحكومة الأيديولوجية التي تقوم على فكرة إلغاء الدين باسم السياسة، والمجتمع الديني باسم سيادة المجتمع المدني، أما الدولة الإسلامية فالسياسة في حركتها تصير ديناً، كما يعبر الدين عن الظاهرة السياسية. - ويمايز كذلك بينها وبين الدولة والحكومة القيادية التي ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية والتي يبرز فيها دور محوري للزعامة السياسية التي تجسد عقيدة الأمة، وهو نموذج يمكن إدراجه تحت الفرعونية السياسية. - وكذا الأمر مع الدولة العلمانية التي تزعم خدمة الصالح العام، وتقوم على الفصل بين ممارسة السلطة والنواحي العقيدية، وبدلاً من المعتقد أو الدين فإنها تقدس الدستور، ويأتي سن القوانين وفق التأسيس الوضعي للمصالح المشتركة للمواطنين والتي تحكمها لغة القوة لا الحق. ثم يُسدل الستار بمجموعة من الدلالات السياسية لممارسة الوظيفة العقيدية في الواقع المعاصر: فعلى المستوى النظري: - يؤكد على أن الوظيفة العقيدية تقدم تنظيراً حقيقياً لمفهوم الدولة ونشأتها وتطورها، وهو ما زال يشهد أزمة وتضارباً في الفكر الأوروبي. - كما يؤكد على أهمية الانطلاق من النموذج المعرفي المستمد من الوحي في التفاعل الموضوعي مع الواقع، وفي تقديم رؤية على درجة عالية من الوضوح والضبط والتكامل لبناء نظرية الدولة ووظائفها في إطار التنظير السياسي الإسلامي وعلى المستوى العملي والحركي: - يؤكد على حقيقة أن وجود عقيدة أو فلسفة سياسية واضحة وحقيقة بشرية مؤمنة وملتحمة بها، ووجود سياسة عامة نابعة منها هو الذي يحدد للدولة خطوات ممارستها الحركية، وماذا تريد على وجه التحديد. - كما أن الوظيفة العقيدية تطرح إجابات معاصرة لقضايا الواقع على مستوى الأنظمة والمجتمعات العربية والمسلمة، بالإضافة إلى الواقع العالمي. - كما تقدم منهجاً للتعامل مع الأزمات التي يعاني منها الواقع (دلالات الحاضر) ، إضافة إلى غناها بالحلول للخروج منها (دلالات المستقبل) . - وهي تقدم منهجاً لمعالجة الأزمات الثلاث الأساسية التي تواجه الدول العربية والمسلمة: أزمة التأسيس.. أزمة الهوية.. أزمة الشرعية. - إلى جانب ما تقدمه من تفسير لظهور حركات التجديد والإحياء الإسلامية ونموها من جهة، وفهم حركات التبديد من جهة أخرى. وعلى المستوى الدولي تمنحنا الدلالات الآتية: - فهم جوانب الاستقرار في الدول المتقدمة. - تراجع مفهوم العلمانية أو اللادينية في الواقع العالمي المعاصر. - تقدم تفسيراً لما نشهده من سقوط الأيديولوجية؛ إذ تمثل دراسة الوظيفة العقيدية مدخلاً مقارناً لتحليل السلوك الداخلي في الأنظمة القائمة في تعاملها مع شعوبها ومجتمعاتها؛ من حيث علاقة التربية السياسية، والتلقين الأيديولوجي، والتعبئة السياسية. - عودة الدين ليمارس دوراً مهماً على الساحة الدولية.

стр. 3959

المسلمون والعالم الهدف الغامض بين الحرب القائمة والحرب القادمة عبد العزيز كامل كل حرب في التاريخ لها هدف ظاهر أو خفي، حقاً كان أو باطلاً، وبهذا تجري سنة التدافع قدراً وشرعاً، حتى تضع الحرب أوزارها، قال تعالى: [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ] (البقرة: ٢٥١) ، وثمة فساد عريض في الأرض اليوم لا مناص من جريان سنن الله القدرية والشرعية لاستنقاذ الإنسانية منه، بدفع أهل الإيمان على أهل الطغيان، وإلا فسدت الأرض أكثر وأكثر. ولا إفساد اليوم أعلى من إفساد كفار بني إسرائيل، من يهود ونصارى؛ ذلك أن طوائف من النصارى قد لحقت حكماً باليهود في اعتقادهم وإفسادهم منذ زمان، بل كادوا يسبقون اليهود في العلو في الأرض فساداً، أولئك هم طوائف الإنجيليين الصهيونيين النصارى الذين صنعوا على أعينهم الصهيونية اليهودية في القرون المتأخرة. هناك عدد من الحقائق الماثلة اليوم تستحق النظر والتأمل فيما يحدث من تواطؤ وتطابق بين الطائفتين المتزعمتين للفساد في الأرض عامة وفي بلاد المسلمين خاصة، منها: ١ - نصارى الغرب وبخاصة البروتستانت هم أسبق من اليهود في اعتناق المذهب الصهيوني في العصر الحديث، وهو المذهب الهادف إلى جعل (جبل صهيون) [١] مرتكزاً لبعث الفكر الديني الكتابي المرتبط مكانياً بفلسطين وزمانياً بالحقبة المشتركة بين ألفيتين. ٢ - هؤلاء النصارى هم الذين أقنعوا اليهود وذكَّروهم ونظَّروا لهم لكي يتجمعوا في فلسطين استقبالاً لأحداث آخر الزمان، وهم الذين خططوا ونفذوا مشروع توطينهم فيها، وتكفلوا بحمايتهم ما بقيت دولتهم. ٣ - هؤلاء النصارى منفردين أحياناً، ومشتركين أحياناً أخرى مع اليهود، هم المسؤولون عن إبقاء الأمة الإسلامية في انشغال دائم بما يُدخلونه عليها من فتن وحروب ونزاعات بسبب الحدود المصطنعة والعناصر والزعامات العميلة، وذلك عبر سلسلة طويلة بدأت في العصر الحديث بإسقاط الكيان السياسي العالمي الأخير للمسلمين (الخلافة العثمانية) ، والحيلولة دون إقامتهم كياناً عالمياً آخر، باستخلافهم بعد الاستعمار لشرائح من المنافقين في أكثر ديار المسلمين، لضمان عدم نهوض الأمة بالإسلام مرة أخرى. والسؤال الآن: ما الذي دفع تلك الطوائف النصرانية للتواطؤ مع الطوائف اليهودية في كل ذلك؟ إن الجواب عن هذا السؤال وأسئلة كثيرة مشابهة برز فيه اتجاهان مشهوران لا يزالان يعتلجان في سماء الحقيقة، وسيظلان كذلك حتى تُرجِّح وقائع التاريخ مصداقية أحدهما على الآخر. أحد هذين الجوابين يتصدى «للإفتاء» به أنصار التفسير اللاديني للتاريخ المعاصر؛ حيث يقولون إن القصة كلها مسألة مصالح استعمارية، سياسية أو اقتصادية أو ثقافية، تنطلق من خلفيات مادية حياتية بحتة لا علاقة لها بالدين [٢] . إن هذا التفسير قد ساد وقاد مدة تفرُّد الطرح العلماني بالساحات الفكرية، حتى ظل أنصاره يرددون مقولات التفسير المادي للتاريخ بشكل أو بآخر، مستنكفين عن الاعتراف بأي دور لأي دين في تسيير وتفسير أحداث التاريخ المعاصر. أما الاتجاه الآخر في الجواب على سؤال: لماذا فعل الغربيون النصارى ذلك مع اليهود؟ فهو اتجاه مشترك بين بعض أصحاب الاهتمام الديني من اليهود ومن النصارى ومن المسلمين أيضاً، وقد ظهر هذا الاتجاه وبرز مع بروز الصحوات الدينية عند أتباع الديانات الثلاث. فحوى هذا التفسير باختصار: أن العقائد الدينية التي أسهمت بدور رئيس في توجيه مجمل أحداث التاريخ وصناعتها بقدر من الله في الماضي، لا تزال تصيغ وتصبغ بدوافعها وتدافعها أحداث التاريخ المعاصر. وما حدث بشأن قضية النزاع على الشرق الأوسط منذ ما يزيد على قرن ونصف، ما هو إلا فصل جديد معاصر من فصول هذا الصراع بين العقائد. إن هذا التفسير يعترف به كثير من الباحثين في الأصولية النصرانية الإنجيلية في الغرب، وهذا التفسير أيضاً تقول به، بل تنادي به الآن عشرات من الجماعات الأصولية اليهودية داخل (إسرائيل) وخارجها [٣] . وبما أن الباحثين في الغرب هم أصحاب الشأن في تفسير ما يقوم به قومهم، فقد لفت هذا انتباه بعض الباحثين المسلمين، فطفقوا يخوضون في بحث أبعاد القضية من جوانبها التاريخية والسياسية والثقافية، غير أن معظم هذه الأبحاث جاء مفتقراً إلى مادة شرعية إسلامية تنضبط بها التحليلات والتفسيرات [٤] . ومن خلال مجمل أقوال الباحثين من أتباع الديانات الثلاث، ومن خلال استعراض نتائج ما كتبوا في هذا الشأن تبينت حقيقة مُجْمَع عليها وهي: أنه كانت هناك في الغرب فعاليات دينية مؤثرة استطاعت أن تقنع زعامات سياسية وفكرية، بأن تتبنى فكرة (صناعة التاريخ المستقبل) في ضوء معطيات أهم كتاب للتاريخ في التاريخ وهو التوراة من وجهة نظرهم وقد نجحت تلك الفعاليات في ذلك، فنشأت نزعة دينية نصرانية يهودية تدعو لتوجيه ذلك التاريخ، بدعوى أنهم ينفذون (خطة الإله) في السير بالتاريخ إلى منتهاه. وتدور برامج هذه النزعة التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر حول عدد من الثوابت التي تنطلق من أن البشرية على مشارف نهاية التاريخ، وأن هناك تسلسلاً زمنياً في الأحداث هو قدر محتوم، ولكن المشاركة في صنعه هو شرف لكل من يشارك. وهناك نقاط اتفاق ونقاط افتراق بين الفريقين اليهود والنصارى في تحديد نوعية بعض الثوابت؛ فمن جهة طوائف النصارى برزت هذه الثوابت: ١ - لا بد من عودة المسيح ﵇ ليحكم الأرض ألف عام. ٢ - الألفية الثالثة النصرانية تصادف في شطر كبير منها الألفية السابعة اليهودية التي سيختم بها التاريخ. ٣ - عندما يعود المسيح، فسوف يؤمن به اليهود هذه المرة ويكونون من خلاصة أنصاره، ومن سيكفر به فسيحرق بنيران الحرب العظيمة التي ستأكل كل أعداء المسيح. ٤ - لعودة المسيح المرتقبة ثلاثة شروط: أ - لا بد أن تكون إسرائيل دولة. ب - لا بد أن تكون القدس عاصمة لها. ج - لا بد أن يعاد بناء قبلة أهل الكتاب التي هدمت بعد سبعين عاماً فقط من ميلاد المسيح [٥] . أما من جهة الطوائف اليهودية التي اشتركت مع النصارى في تلك النزعة، فإنها قد وافقتهم على مجمل تلك الثوابت باستثناء شيء جوهري وهو تعيين الشخص المنتظر، فبينما أصر النصارى على أن المقصود في نصوص العهدين القديم والجديد هو المسيح عيسى بن مريم ﵇ واصل اليهود إصرارهم القديم على أن المبتعث الجديد هو نبي أو ملك أو مخلِّص خاص بهم هم. وتجاوز الطرفان الاختلاف بالاتفاق على العمل في الجوانب المتفق عليها، مع تأجيل النقاش في الجانب المختلف فيه. حروب كبرى لأهداف كبرى: بالتأمل في مسار الأحداث الكبرى في منطقة (الشرق الأوسط) بعد أن أصبحت محط أنظار المتحالفين المتخالفين من اليهود والنصارى، يستطيع المرء أن يلمس أن هناك اتجاهاً محدداً يحكم هذا المسار، ليصل به عن طريق الدسائس السياسية أو الحروب العسكرية إلى تحقيق تلك العلامات الثلاثة المذكورة والتي أصبحت أهدافاً استراتيجية أبعد في مداها من كل الاستراتيجيات المرحلية الموقوتة، وذلك وفق برنامج يظهر من تسلسل أحداثه أنه مقسم إلى مراحل زمانية ومكانية منتظمة، وهو البرنامج الذي تستميت جهات مشبوهة في نزع صفة القصد أو التآمر عنه حتى يبدو كأنه تسلسل طبيعي لمجريات التاريخ، لقد كان لليهود وأوليائهم من النصارى دور خطير في إقحام كثير من بلدان المسلمين في منطقة الشرق الأوسط وما حولها في عدد من الحروب الكبرى، لأجل (أن تصبح إسرائيل دولة) ، وكانت بداية هذا التوريط ما كان في الحرب العالمية الأولى (١٩١٤م) التي انتهت لتكون إحدى نتائجها البارزة بعد الحرب انتهاء تركيا، وسقوط الخلافة الإسلامية فيها بعد ذلك بقليل، وليسقط بذلك الكيان الذي كان أكبر عقبة على طريق توطين اليهود في فلسطين، ولتصدر بريطانيا بعد انتهاء الحرب بقليل عام ١٩١٧م وعدها لليهود بوطن قومي لهم في فلسطين. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتكون من نتائجها: إعادة ترتيب المنطقة العربية لاستقبال واقع جديد، وهو نشوء دولة يهودية بداخلها. فما أن استقر شكل النظام العالمي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حتى أوعز النصارى الإنجليز لليهود بأن يستعدوا لإعلان دولتهم في فلسطين، بعد أن أمضت بريطانيا ثلاثة عقود في تأهيل اليهود لأن يكون لهم كيان مستقل في فلسطين، وكان لا بد من أجل القفز إلى تلك المرحلة التأسيسية الخطيرة التي يتحقق بها شرط: (أن تكون إسرائيل دولة) من تدبير وضع انقلابي جديد بالمنطقة يجعل من ذلك الشرط أمراً واقعاً وتوجت الحرب جهود السياسة وأنضجتها نيرانها اللاهية. حرب الهدف الأول: (إعلان الدولة) : أطلق اليهود على تلك الحرب: (حرب الاستقلال) فقد كان هذا الاستقلال في شكل دولة معترف بها دولياً هدفاً قديماً، تبلور في شكل مبكر على يد (تيودور هرتزل) زعيم الصهيونية اليهودية الحديثة في كتابه (الدولة اليهودية) ، وكانت الطريقة التي تقرر بها إعلان الدولة مستفزة للدول العربية آنذاك، ودافعة لها لأن تبادر إلى الدخول في حرب لمنع جعل هذه الدولة أمراً واقعاً، ولكن هذه المبادرة كانت مجرد قرار تعجل به السياسيون دون سابق إعداد ودون إقرار من العسكريين، فقد نشبت هذه الحرب رغم أنف القيادات العسكرية التي طلبت التمهل في دخول الحرب حتى تستكمل الجيوش العربية الإعدادات والتدريبات والتنسيق فيما بينها. إنه وبرغم الارتجال المتعجل في قبول العرب دخول الحرب دون سابق إعداد أو استعداد، فإن روحاًَ من الفداء دبت في صفوف الجيوش العربية، حتى كادت تحقق انتصاراً عسكرياً على عصابات اليهود، وهنا برز تعجل السياسيين مرة أخرى وعدم حنكتهم، فقد قبلوا بسرعة قرار الهدنة الذي فرضه مجلس الأمن الدولي، ذلك القرار الذي جاء لإيقاف تقدم الجيوش العربية ريثما يعيد اليهود استعدادهم ويلتقطوا أنفاسهم! وهذا ما كان؛ فقد تدفق السلاح على اليهود من كل مكان حتى استطاعوا بعد انتهاء شهر الهدنة من قلب الموازين لصالحهم، وتعجب الأعداء قبل الأصدقاء من الطريقة التي أضاع الساسة العرب بها فلسطين، حتى إن مناحيم بيجن كتب بعد ذلك يقول: «إننا لا نعرف حتى الآن كيف ولماذا قبلت الدول العربية الهدنة، بعد أن كان الموقف العسكري لصالحها تماماً» [٦] . على أية حال، لقد وقع المحذور، وقامت دولة اليهود، وهزمت جيوش سبع دول عربية أمام عصابات شبه عسكرية، وافتُتح بذلك مسلسل الأداء السياسي الهزيل أمام العدو الحقير الذليل الذي حشد رغم ذلته مائة وستة آلاف مقاتل صهيوني في مقابل خمسة عشر ألف مقاتل عربي في الجيوش السبعة. لقد سُجِّل وصف (النكبة) للحرب في الجانب العربي في مقابل وصف (الاستقلال) للجانب اليهودي، ونستطيع أن نقول هنا: إن كل ما سبق الحرب من أحداث وما رافقها من وقائع وما تبعها من آثار إنما كان وبرغم فداحته وخطورته (مجرد تفاصيل) لا ينبغي أن تشغل النظر عن الملمح الرئيس والهدف الأساس لليهود في تلك المواجهة الكبرى الأولى، وهو (أن تكون إسرائيل دولة) ، أما الساسة العرب، فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي اضطروا فيها أن يواجهوا شعوبهم بحصول الهزيمة الجماعية ولسان حالهم يقول: «عفواً ... لم نكن مستعدين» ! حرب الهدف الثاني ( «تحرير» العاصمة) : استغل اليهود فرصة الهدوء الذي استمر عقداً بعد حرب السويس ١٩٥٦م [٧] ، لكي يستعدوا لحرب الهدف الثاني التي أسموها (حرب التحرير) أي تحرير القدس! فقد أظهرت كل الشواهد أن الهدف الرئيس لهذه الحرب كان هو (أن تصبح القدس عاصمة) وذلك بتخليصها أولاً من العرب. ولأجل الاستفادة من التاريخ سأستعرض فيما يلي ومضات مهمة من مسار أحداث تلك الحرب ومقدماتها، التي تشبه إلى حد كبير جداً أحداث الأيام الراهنة التي نعيشها: * كانت الأحداث قبل حرب ١٩٦٧م بعام تشير إلى تصعيد إسرائيلي مشبوه؛ فقد شنت دولة اليهود في يوليو ١٩٦٦م أي قبل الحرب بعام هجوماً جوياً على سوريا، تحت ذريعة محاولات سورية لتحويل مياه نهر الأردن، وفي نوفمبر من نفس العام أي بعد أربعة أشهر شنت هجوماً برياً على الضفة الغربية الواقعة آنذاك تحت سيطرة الأردن بدعوى الرد على أعمال فدائية، وبعدها بشهر هدد (ليفي إشكول) رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت بإعلان الحرب على العرب، وهدد بضرب سوريا وغزو دمشق، وإسقاط النظام فيها. * وفي النصف الأول من عام ١٩٦٧م، صعدت (إسرائيل) التوتر في المنطقة ثم أتبعته بشن هجوم آخر على سوريا في السابع من إبريل ١٩٦٧م اشتركت فيه نحو ٦٠ طائرة إسرائيلية [٨] ، وبعدها هدد إسحاق رابين مرة أخرى باحتلال دمشق، وخيمت أجواء الحرب الشاملة بعد أن منح الكنيست الإسرائيلي الحكومة كل الصلاحيات للقيام بما تراه للتعامل مع الموقف [٩] وبدأ الإعلان عن تعبئة بالجيش. * اضطرت مصر وهي تتزعم وقتها حركة القومية العربية أن تتخذ بعض الإجراءات العسكرية لإظهار التضامن مع سوريا، وكان الرد الإسرائيلي على التحركات المصرية المحدودة أن تسلَّم العسكريون زمام السلطة في (إسرائيل) استعداداً للحرب التي قالوا إن مصر قد أعلنتها بالفعل، حتى إن موشي دايان الذي عُين بعد ذلك وزيراً للدفاع قال: «إن مصر هي العدو الحقيقي وليست سوريا، وسنركز عملياتنا على مصر» ! * استكمل الجيش الإسرائيلي استعدادته انتظاراً لذريعة مناسبة تصلح أن تقدم للعالم لتسويغ بدئها بالحرب، وجاءت تلك الذريعة بتقدم الحكومة المصرية بطلب إلى قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة المتمركزة في سيناء أن تنسحب انسحاباً جزئياً، حتى لا تظن القيادة السورية أن مصر ستتعلل بوجود تلك القوات في عدم دخول الحرب ضد (إسرائيل) ولكن إدارة قوات الطوارئ لم توافق على الانسحاب الجزئي وقالت: إذا أردتم الانسحاب فليكن انسحاباً كلياً. وهنا أُسقط في يد القيادة المصرية، وابتلعت الطُعم، ووافقت على الانسحاب الكلي الذي صورته (إسرائيل) أمام العالم بأنه إزالة للحاجز المانع من الهجوم على إسرائيل. * أتبعت مصر هذا الإجراء بإجراء آخر وهو: إغلاق خليج العقبة أمام الملاحة الإسرائيلية؛ لأن القوات المصرية اضطرت أن تحل محل قوات الأمم المتحدة في كل المواقع التي انسحبت منها، ومنها منطقة شرم الشيخ التي تتحكم في خليج العقبة، ولم يكن مناسباً وقتها أن تمر سفن إسرائيلية في منطقة تسيطر عليها القوات المصرية، وكان هذا الإجراء المصري ذريعة أخرى إضافية أثارت بها (إسرائيل) العالم ضد القيادة المصرية مصورة إياها بأنها تهدد حرية الملاحة العالمية في أهم المضايق الدولية، ثم جاءت الذريعة الثالثة عندما أعلنت مصر توقيع اتفاقية دفاع مشترك مع الأردن في ٣٠ مايو ١٩٦٧م، وعندها شكل (ليفي إشكول) حكومة حرب، وجعل موشي دايان وزيراً للدفاع من أجل خوض الحرب التي كانت خطتها جاهزة منذ سنوات. * كان (سيناريو) إغلاق خليج العقبة واحداً من ستة (سيناريوهات) وضعتها إسرائيل لجر مصر إلى الحرب واستعمال ذلك ذريعة للتعجيل بتلك الحرب، وكان للسوفييت دور رئيس في تفعيل هذا السيناريو، عندما سربت المخابرات الروسية معلومات كاذبة بحشود إسرائيلية على الحدود السورية، مما عجل بالتحرك المصري الذي استغلته (إسرائيل) ، وهو تحرك كان ارتجالياً من قيادة سياسية كانت متورطة في ذلك الوقت لشحمة أذنها في حرب فرعية فارغة من حروب القومية العربية، هي حرب اليمن. * كانت ميزانية القوات المسلحة المصرية قد وصلت أدنى حدٍ لها عام ١٩٦٦م، ولهذا أُعلن عام ١٩٦٧م وهو عام الحرب عام تقشف في القوات المسلحة، وطال التقشف كل مصروفات التحديث والصيانة والتدريب، حتى مخابئ الطائرات الحربية التي كان مقرراً تحديثها لحماية الطيران المصري أُلغيت في ظروف صادفت وقوع أزمة اقتصادية في مصر أدت إلى وقف استيراد المواد الاستراتيجية اللازمة للاستعمال العسكري، ووصل التخفيض في مخصصات الدفاع على الجبهة الشرقية المسؤولة عن حماية سيناء إلى ٣٠%، وأصبحت بذلك بوابة مصر الشرقية بلا حماية كما قال الفريق صلاح الحديدي في كتابه (شاهد على حرب ١٩٦٧م) . * لهذه الأسباب وغيرها كثير كانت مهمة اليهود في إنجاز خطة (ضربة صهيون) [١٠] سهلة للغاية، وبالرغم من ضخامة تلك المهمة وخطورتها التاريخية؛ فقد افتتحت الحرب بساعات قلائل حددت شكل نهايتها، ففي صبيحة الإثنين ٥ يونيو ١٩٦٧م أقلعت كل الطائرات الحربية الإسرائيلية عدا ١٢ طائرة بقيت لحماية الأجواء الإسرائيلية وسارت تلك الطائرات على شكل أسراب مجموعها ١٥٠ طائرة، لتنفيذ المهمات المعدة لها منذ سنوات [١١] ، واتجه فريق من الطيارين اليهود بطائراتهم نحو ١٩ قاعدة جوية في أنحاء مصر شمالاً وجنوباً، وفريق نحو القواعد الجوية في سوريا وآخر إلى الأردن، ثم لبنان ثم العراق، ولم تمض خمس عشرة ساعة منذ بدء الهجوم حتى كان الجنرال (موردخاي هود) يعلن أمام ممثلي الصحافة العالمية أن (مذبحة الطيران) قد تمت ضد كل قواعد الطيران العربية، وقال: «دمرنا ٤١٦ طائرة للعدو: (٣٠٩) طائرة قتال مصرية، و (٦٠) طائرة في سورية، و (٣٩) في الأردن، و (١٢) في العراق، وطائرة واحدة في لبنان، ولم تخسر (إسرائيل) سوى ١٩ طائرة [١٢] ، ومعظم هذه الطائرات قد تم تدميرها على الأرض قبل أن تحلق في سماء المعركة! * أجهضت الضربة الجوية المفاجئة الخطة البرية الدفاعية لمصر، وكان قد أُطلق عليها (قاهر) وتسبب ذلك في انكشاف الجيش المصري برياً، وتزامنت المعارك البرية مع بدء الضربات الجوية في صبيحة ٥ يونيو، ورغم هول كارثة الطيران وما صاحبها من إحباط في صفوف القوات البرية التي شرعت تقاتل بلا غطاء جوي؛ فقد أبلى الجيش المصري بلاءً حسناً في البداية وأنزل بالإسرائيليين خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، حتى إن الكتيبة الإسرائيلية (٥٤ دبابة) المكلفة باختراق المحور الشمالي في سيناء كادت تفنى تحت وقع النيران المصرية، ويقول العسكريون إنه لولا الذهول الذي سيطر على القيادة العسكرية في القاهرة من جراء الضربة الجوية، لكان بالإمكان إعداد خطة هجومية مضادة، كان من شأنها لو أعدت أن تغير مجرى المعركة [١٣] ، لكن هذا لم يحدث [وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً] (الأحزاب: ٣٨) . * لقد صدرت الأوامر إلى الجيش المصري في سيناء أن ينسحب دون غطائه الجوي، وظلت الطائرات الإسرائيلية تلاحقه في عراء الصحراء ليلاً ونهاراً أثناء انسحابه، حتى تم تدمير الجزء الأكبر منه دون أن يفرض مجلس الأمن هدنة كتلك التي فرضها في حرب عام ١٩٤٨م إنقاذاً لليهود، وحدثت مذبحة برية بموازاة المذبحة الجوية، حتى ظن سكان مدينة السويس عندما شاهدوا سحب الدخان الكثيف تنبعث من الدبابات المصرية المحترقة أن (إسرائيل) ضربت سيناء بقنبلة نووية! * كان الاستيلاء على سيناء شرطاً مهماً لتأمين عملية الاستيلاء على القدس ضد أي تحرش مصري ينطلق من غرب الكيان الصهيوني، مثلما كان الاستيلاء على الجولان والضفة والقطاع إشغالاً لبقية الجيوش العربية حتى لا تفكر في إحباط المخطط المرسوم سلفاً بإنجاز الغرض الصهيوني اليهودي النصراني الهادف إلى (أن تصبح القدس عاصمة) ، الذي كان أبرز معْلَم وأظهر حقيقة فيما حدث في حرب ١٩٦٧م، أما ما سبق تلك الحرب وما رافقها وما أعقبها فإنه أيضاً ورغم فداحته وخطورته كان (مجرد تفاصيل) . إذا قورن بذلك المعْلَم الكبير، وكانت هذه هي المرة الثانية التي اضطر الساسة العرب فيها أن يواجهوا شعوبهم بحصول الهزيمة الجماعية مرة أخرى قائلين:» عفواً ... لم نكن مستعدين «! هل آن أوان الهدف الثالث؟ يوجد ما يشبه الإجماع الآن على أن ما يدور في فلسطين منذ أكثر من تسعة أشهر هو شكل من أشكال الحرب الحقيقية، ويوجد ما يكاد يشبه ذلك الإجماع على توقع أن تلك الحرب القائمة هي مجرد مقدمة لحرب أخرى قادمة، لن تكون مقتصرة على الفلسطينيين، بل ستعم أماكن أخرى في المنطقة. وتأمل معي هذه التصريحات التي قيل أكثرها في زمن متقارب: * ياسر عرفات: إسرائيل تعد لحرب شاملة، وما مضى جزء منها. * صائب عريقات (كبير المفاوضين الفلسطينيين) :» إننا في زمن حرب ولا نملك رد الأذى عن أنفسنا «. * أحمد قريع (رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني) :» نتوقع تصعيداً عسكرياً واسع النطاق وليس محصوراً في مناطق السلطة الفلسطينية «. * موسى عرفات (رئيس جهاز الاستخبارات الفلسطينية) :» نسبة اندلاع حرب قادمة تصل إلى ٦٠%، والحرب الحالية تهدف لإيجاد قيادة فلسطينية بديلة «. * طاهر المصري (رئيس الوزراء الأردني السابق) :» إسرائيل تريد توجيه ضربة عسكرية إلى بعض الجيوش العربية كسورية ولبنان، لتستريح لفترة طويلة «. * الرئيس السوري بشار الأسد: إذا ضربت إسرائيل مرة أخرى فسوف نرد. * د. جورج جبور (مستشار الرئيس السوري السابق) :» الوضع متأزم وظروف اشتعال الحرب تزداد لحظة بعد لحظة «. * بسام العسلي (محلل عسكري) :» قد تكون مزارع شبعا قاعدة للانطلاق إلى الخط الفاصل بين سوريا والأردن «. * رفيق الحريري (رئيس وزراء لبنان) :» الإسرائيليون يخوفوننا بالحرب، ولكن المجتمع الدولي معنا «. * سليم الحص (رئيس وزراء لبنان السابق) : » احتمالات الحرب قائمة وليس من مصلحة بلد عربي الدخول في مواجهة شاملة مع إسرائيل «. * خليل الهراوي (وزير الدفاع اللبناني) :» احتمال نشوب الحرب وارد جداً في ظل حكومة شارون «. * الرئيس المصري حسني مبارك:» با قول لشارون: بلاش جر شكل ... الوضع في المنطقة يتدهور ويزداد تعقيداً وأخشى أن يصل إلى نقطة اللاعودة «. * عمرو موسى (الأمين العام للجامعة العربية) :» طائرات إف ١٦ لا تستعمل إلا في حرب «. * الفريق سعد الدين الشاذلي (رئيس هيئة الأركان المصرية السابق) : » إذا استنفدت إسرائيل كل الوسائل الأخرى يمكن أن تشن الحرب، والدعم الأمريكي لن ينقطع عنها حتى إذا هاجمت السد العالي أو أعادت احتلال سيناء «. * د. أحمد عبد الحليم (الخبير الاستراتيجي) :» إسرائيل لا تستطيع التعامل الآن مع واقع أقل من الحرب الشاملة، ولكن أستبعد خرقها لمعاهدة السلام مع مصر « [١٤] . لاحظ معي أن هذه التصريحات؛ تؤكد في مجملها أن هناك حرباً قائمة وحرباً قادمة، وبعضها يتوقع أماكن اتساع الحرب. ولكن ألا تلاحظ أن أياً منها لم يتحدث أو يتساءل عن الهدف من الحرب القائمة أو القادمة، أو المغزى من الحرص اليهودي والسكوت الأمريكي على افتعال وإشعال واستمرار تلك القائمة لتوصل للأخرى القادمة؟ ! إن بعض هذه التصريحات تتحدث عن ضرب سوريا أو لبنان، أو هما معاً، ولكن أليس من المهم أن نتساءل: لماذا ضرب سوريا أو لبنان الآن؟ ! بعضها يتحدث عن التحرش بمصر، أفليس من المناسب أن نتساءل: ولماذا التصعيد ضد مصر الآن؟ ! تصريحات أخرى تتكلم عن نية شارون في تنفيذ حلمه القديم عن (الوطن البديل) للفلسطينيين في الأردن، وثانية تتناول في تحليلها عزم الإسرائيليين على إعادة احتلال المناطق الفلسطينية بعد تفتيت السلطة الفلسطينية، أو غزو لبنان والمقاومة الشيعية في الجنوب، كل هذه تساؤلات وطروحات معقولة ولكن: أين التساؤل عن السبب الأساسي القابع وراء كل هذه الاحتمالات والنيات على الصعيد الإسرائيلي؟ فإذا كانت الحرب يُخطط لها أن تقع، فلماذا تقع؟ إن اليهود لم يكونوا في يوم أكثر أماناً وسلاماً منهم في الأيام والسنوات التي سبقت قيام الانتفاضة، وقد كان الجميع على وشك التوقيع لها بأن تدخل في عداد الدول الصديقة أو حتى الشقيقة [١٥] ، والدول العربية كلها تستبعد خيار الحرب وتتشبث كالغريق بخشبة (خيار السلام) فلماذا قلب اليهود للعرب ظهر المجن الآن، ولماذا اختاروا على حين غرة طريق الحرب على طريق السلام بعد أن صبروا عليه إلى قرب نهايته خلال عقد كامل؟ ! إنه سؤال طلسم كبير، ويحتاج إلى إعادة التأمل في المراحل الكبرى من مسلسل الصراع الإسرائيلي منذ بدأ وحتى الآن، وسوف أمر عليه في اختصار سريع: الهدف الغامض.. محاولة للفهم: ١ - بعد ما أسماه اليهود بحرب (الاستقلال) ثم (حرب التحرير) صُدم اليهود بما حدث في حرب أكتوبر ١٩٧٣م، حيث شعروا بخطر حقيقي على توقف ما أسموه:» تحقيق رؤى أنبياء إسرائيل «. ٢ - زال هذا الخطر بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد ١٩٧٧م، وإعادة سيناء إلى مصر (منزوعة السلاح) في مقابل خروج مصر بشكل نهائي من حلبة الصراع العربي الإسرائيلي. ٣ - بقيام حرب لبنان ١٩٨٢م التي غزا شارون فيها بيروت، والتزام مصر بعدم التدخل، تأكد لـ (إسرائيل) جدية الالتزام في مصر بعدم خوض حرب أخرى ولو اجتيحت عاصمة عربية وتأكد لـ (إسرائيل) أيضاً أن جبهة الصمود والتصدي هي أسد من ورق! ٤ - برز العراق أو هكذا صُوِّر على أنه قوة إقليمية طامحة إلى حيازة أسلحة التدمير الشامل، فاختبرت (إسرائيل) استعداده للنزال معها فضربت المفاعل النووي العراقي، ولم يرد العراق! ٥ - ازدادت قوة العراق بعد خروجه منتصراً على إيران في حرب الخليج الأولى، وأظهر الإعلام الدولي العراق على أنه رابع قوة عسكرية في العالم، فأظهر الإسرائيليون خوفهم أمام العالم، وبخاصة بعد أن هدد صدام بحرق (نصف) إسرائيل! ٦ - تم التخلص من (ثلاثة أرباع) القوة العراقية قبل أن تلحق أي أذى بنصف أو ربع أو عشر (إسرائيل) ، وانتهى آخر أمل عربي وفلسطيني بإمكانية قيام قوة عربية رادعة لإسرائيل لسنوات طويلة مقبلة. ٧ - تمهد الطريق بذلك لأن تتجرأ أمريكا وتطلب من جميع العرب أن يسلِّموا بروح رياضية بسلام» الشجعان «مع (إسرائيل) ، وبدأ ذلك في زفة (مدريد) الجماعية في حفل عرس أشبه بالجنازة؛ حيث تشعبت من الزفة أو من الجنازة مسارات منفردة، كان منها المسار الفلسطيني الذي انتهى موكبه إلى (أوسلو) ، والأردني الذي وصل إلى (وادي عربة) ، وضمنت إسرائيل بذلك شريكين جديدين، وتطلعت إلى الشريك الرابع بعد مصر وفلسطين والأردن وهو سوريا. ٨ - تشبثت السوريون بمسار واحد مع لبنان، وكاد السابقون أن يتبعهم اللاحقون عندما قبلت سوريا بلقاء مباشر مع إسرائيل في جنيف [١٦] برعاية أمريكية، ولكن هذا اللقاء أو الالتقاء بالذات أَخفَق أو أُخفِق؛ مع أن القيادة السورية وقتها كانت ذاهبة بروح (إيجابية جداً) ! ٩ - أُظهرت سوريا وحدها منذ ذلك الحين على أنها الدولة العربية الوحيدة المستعصية على الاستسلام لإسرائيل، وظهر أن مؤتمر جنيف ١٩٩٩م كان يهدف إلى تعجيز السوريين بعرض ما لا يستطيعون قبوله إلا إذا قبلوا اتهام الشعب السوري لقيادته بالخيانة [١٧] . ١٠ - ظهر أن تعجيز سوريا عن قبول السلام الإسرائيلي كان مقصوداً ومدخراً لوقت لاحق؛ حيث أقبلت إسرائيل على الانسحاب من لبنان لتكشف الغطاء عن سوريا، وتبطل حجتها في البقاء في لبنان. ١١ - حرصت إسرائيل في الوقت نفسه على أن تُبقي على احتلال مزارع شبعا اللبنانية، لتظل تلك المزارع مصدراً لتكديس الذرائع ضد سوريا ولبنان، عن طريق اتهامهما بدعم حزب الشيعة اللبناني في الجنوب، وصُوِّر هذا الحزب ولا يزال يُصور في تضخيم مقصود يشارك فيه الجميع على أنه أخطر ظاهرة واجهت إسرائيل في تاريخها كله! ! ١٢ - عندما جاء عام ٢٠٠٠م، وجاء معه موعد (الحل النهائي) للقضايا الأساسية في القضية الفلسطينية، لاحت الفرصة لاختيار ثمرة التدجين الأمريكي للسلطة الفلسطينية مدة عقد كامل، فحشر كلينتون المفاوضين الفلسطينيين مع الإسرائيليين في منتجع كامب ديفيد، وقرر حبسهم فيه مدة أسبوعين، على أن لا يخرجوا إلا باتفاق! اتفاق على ماذا؟ ! على ما يلي: أ - أن تتنازل السلطة الفلسطينية باسم العرب جميعاً عن المطالبة بالقدس عاصمة للدولة الفلسطينية، وأن تقبل بقرية (أبو ديس) عاصمة لها، بعد أن يُخلع عليها اسم (القدس) ! ب - أن تتنازل السلطة الفلسطينية عن المطالبة بحق العودة لأربعة ملايين لاجئ فلسطيني، وأن تقبل بتعويضهم في وقت لاحق (بأموال من؟) مع قبول عينات منهم لكي يعودوا ضمن إطار إنساني رمزي تحت مسمى (لَمّ الشمل) ! ج - أن تتعهد السلطة أصالة عن نفسها، ونيابة عن العالمين العربي والإسلامي بالتنازل عن ملكية ما أسماه اليهود (جبل الهيكل) ، وهو المكان الذي توجد فيه الساحة المقام عليها المسجد الأقصى ومسجد الصخرة. ١٣ - انتهى مؤتمر كامب ديفيد الثاني بنجاح مخفق، أو إخفاق ناجح؛ فقد احتار المحللون في وصف المؤتمر: هل أخفق أم نجح؟ ! وجاء جواب كلينتون حاسماً؛ إذ صرح بعد ذلك أن مؤتمر كامب ديفيد: نجح في حل ما لا يقل عن ٩٠ % من المسائل العالقة في مفاوضات الحل النهائي! فماذا يعني هذا؟ يعني أنه قد تم قبول السلطة لأكثر المطالب الإسرائيلية، في مقابل قبول الإسرائيليين لمطالب فلسطينية، وهذا ما درج باراك على تسميته بـ (تنازلات مغرية جداً) . ١٤ - لم يكن من هذه التنازلات (المغرية جداً) تنازل عن القدس عاصمة موحدة أبدية لإسرائيل، ولا كان منها قبول بعودة اللاجئين، ولا منها التنازل عن شبر من ملكية ساحة المسجد الأقصى، هذا على الجانب الإسرائيلي، أما على الجانب الفلسطيني، فبشهادة كلينتون، تم الاتفاق على كل شيء باستثناء شيء قليل جداً (١٠%) ولكنه خطير جداً بنسبة (١٠٠%) ! ١٥ - أظهرت التسريبات والتصريحات والتحليلات بعد كامب ديفيد أن ذلك الشيء القليل والخطير الذي لم يتم الاتفاق عليه، هو تنازل الفلسطينيين أو الإسرائيليين عن ملكية ساحة المسجد الأقصى أو (جبل الهيكل) كما يسميه اليهود، وأظهرت التسريبات أن ياسر عرفات أُلجئ إلى أضيق الزوايا كي يوقع على هذا التنازل، حتى إن (مادلين أولبرايت) وزيرة الخارجية السابقة، أمرت بمنعه من الخروج وأمرت بإغلاق الأبواب، عندما أراد عرفات أن يخرج احتجاجاً على هذا الإذلال! ١٦ - أدرك عرفات وقتها كما صرح بعد ذلك أن أمر التوقيع المطلوب منه على التنازل عن المسجد الأقصى كان يساوي تماماً طلب التوقيع على إعدامه! حتى إنه قال بعد كامب ديفيد:» قلت لكلينتون: لو وقعت فلسوف يقتلني أخي موسى قبل أن يقتلني الشعب الفلسطيني «! ١٧ - أخفقت كامب ديفيد الثانية إذن، بسبب إصرار الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني على عدم التنازل عن ملكية ساحة الأقصى، ومنذ تلك اللحظة بدأ الإسرائيليون كما أظهرت الأحداث في الترتيب لتنفيذ المخطط البديل (للحل النهائي) ، وهو مخطط يستهدف فيما يبدو حل جميع القضايا العالقة معاً. ١٨ - فجَّر باراك وشارون معاً الأحداث داخل فلسطين، بتدبير قصة زيارة شارون للمسجد الأقصى، ثم تنحي باراك مخلياً الساحة السياسية لشارون، ولسان حاله يقول:» تفضل: فالمرحلة الآن لا يصلح لها غيرك «! وتسلم شارون مفاتيح الشر من سلفه، وشرع بتدشين الحرب القائمة اليوم وعينه على الحرب القادمة غداً. ١٩ - من أجل الحرب القادمة بدأ شارون يُدخِل المنطقة كلها في أجواء حرب شاملة، وهدد بلسانه أو بلسان مقربيه كل الدول المحيطة، هدد مصر بنسف السد العالي، وهدد الأردن بمشروع الوطن البديل، وهدد سوريا بضربها في لبنان، وهدد لبنان بتأديبها بسبب حزب الشيعة، وهدد السلطة بتفتيتها إلى كانتونات، وهدد العراق بعدم السكوت هذه المرة إذا تدخل في أي مواجهة قادمة، ومع كل هذا فاللغة السائدة الآن أنه لا يوجد أي طرف عربي مستعد لحرب ضد (إسرائيل) . ولاحظ الجميع أن ولايات بوش المتحدة علينا، لم تنبس ببنت شفة ولو بلطف رداً على ذلك الصلف الإسرائيلي، مما يدل على شيء من اثنين: إما أن أمريكا عاجزة عن كف أذى الربيبة الحبيبة (إسرائيل) أو أنها راضية كل الرضى عن (معاكساتها الشقية) التي ربما تدمر كل شيء في المنطقة، بما فيها مصالح أمريكا ذاتها! وأخيراً: اختلف المحللون، وما زالوا يختلفون: بمن سيبدأ شارون إذا بدأت الحرب، ومتى سيبدأ؟ وهل سيضرب سوريا على أرضها، أم يكتفي بلبنان؟ وهل يدبر شيئاً ضد العراق الذي يقول إنه حشد ستة ملايين مقاتل لتحرير فلسطين؟ ! هل سيتحرش بمصر أو (يجر شكلها) ؟ ! هل يعيد احتلال سيناء؟ ! أم هل يصل به الجنون إلى ضرب السد العالي؟ ! كل ذلك لا يستبعد على مستودع الشر (شارون) . لكني أصر على القول أيضاً بأن هذه كلها ولو حصل بعضها هي (مجرد تفاصيل) أمام المعلم الكبير الغامض للآن وراء الحرب القادمة. وإنني أرى أن كل هذه الاحتمالات، سواء وقع بعضها أو وقعت كلها، لن تكون أكثر من قنبلة دخان تغطي على الهدف الأساس (الهدف الثالث) ، ذلك الهدف الذي قد يخالف شارون توقعات الجميع لأجله أيضاً ويعود إلى طاولة المفاوضات ولكن في حالة واحدة فقط وهي الحال التي يتأكد فيها من وجود من يقبل التوقيع على التنازل المطلوب.. وبغير ذلك فالحرب ولا شيء غير الحرب؛ هي طريق شارون أو من يأتي بعد شارون لاستكمال معالم الدولة اليهودية الدينية التي ستظل جسداً بلا رأس ما لم يُعِد اليهود بناء قبلتهم التي كانوا عليها، والتي ما جاؤوا إلى فلسطين ولا أقاموا الدولة ولا استولوا على العاصمة إلا من أجل الوصول إليها. ولا أظن شخصياً، أن شارون أو من سيخلفه في الزعامة، سيفوت فرصة استثمار الحماس النصراني الدولي الجارف الذي سيحصل، عندما ينظر هؤلاء بعين العاطفة الدينية الحارة إلى (إسرائيل) أسطورتهم التي صنعوها وهي تخوض في العام الأول من ألفية المسيح معركة الهدف الثالث أو (معركة الهيكل الثالث) هيكل المسيح أو منبر المسيح كما يؤمنون وكما يتوقعون. وبتعبير آخر: أرى صراحة أن هذه الحرب الشاملة لو قامت فستكون حرب المسجد الأقصى كما أن الانتفاضة القائمة هي انتفاضة الأقصى. وهي الحرب التي يحلم بها اليهود منذ أيام تأسيس دولتهم؛ حيث قال داود بن جوريون مرة في إحدى خطبه في أوائل الخمسينيات:» إن شعبي الذي يعيش الآن على أعتاب عهد الهيكل الثالث لا يستطيع التحلي بالصبر على النحو الذي كان يتحلى به أجداده «! ويبدو أن صبر اليهود المعاصرين قد أوشك على النفاد، ويحتاج هذا الصبر الفاجر إلى مصابرة مؤمنة تنسيه أحلامه، وتزجره عن فجوره. هنا تساؤل أو تساؤلات: ما حال أمتنا وهي بصدد استقبال تلك المتغيرات الجسيمة: هل يشعر أحد بأن شيئاً قد تغير من أحوالها؟ هل تم شيء من تجهيزها أو تحفيزها؟ هل تم حشد قواها أو النهوض بمستواها؟ وما حال قادتها وساستها: هل استعدوا هذه المرة أم سيضطرون كما هو الشأن في كل مرة أن يقولوا: (عفواً.. لم نكن مستعدين) ؟ ! سؤال آخر أهم من كل ما سبق: أين مكان الإسلاميين من كل هذا، وهم يمثلون في صحوتهم الراهنة روح الأمة المستهدفة وقلبها وعقلها؟ ! أين دورهم؟ وما إمكاناتهم؟ وهل أعذروا إلى الله في التصدي لأعداء الله؟ وهل أدوا ما عليهم أو شيئاً مما عليهم انتصاراً لحرمات الله؟ ! إنه سؤال المرحلة الذي يجب أن يسأله كل مسلم موحد لنفسه، وهو سؤال ينبغي أن يُفتح حوله النقاش، وآمل أن يكون ذلك على صفحات عدد قادم بإذن الله.

стр. 3960

المسلمون والعالم الأمازيغ بين تآمرالحكم والهيمنة الفرنكفوانية حسن الرشيدي «إذا كان العرب في وقت سابق قد وصلوا فوق النياق إلى المغرب العربي، فأنا سأكون معهم رفيقاً وأعيدهم على متن البوينغ إلى بلادهم الأصلية في الجزيرة العربية» . هذه مقولة أحد زعماء الأمازيغ تكشف عما يعتري نفوس بعض أبناء الأمازيغ من شعور وأحاسيس ليس في الجزائر فقط ولكن في بلاد ما يعرف بالمغرب العربي (تونس الجزائر المغرب موريتانيا) ، ويبقى النموذج الجزائري له خصوصياته وتميزه نتيجة لعوامل عديدة. وتشهد منطقة القبائل في الجزائر الآن مظاهرات وإضرابات وأعمال عنف يتسع نطاقها يوماً بعد آخر في وضع مستمر وصلت إلى حد حرق كل ما يرمز للنظام الحاكم من مقرات البلديات ومكاتب الإدارات الحكومية، ومحاصرة مقرات الدرك والشرطة، وكذا حرق العديد من مكاتب الحزبين الرئيسيين في المنطقة: (جبهة القوى الاشتراكية) لحسين آيت أحمد، و (التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية) لسعيد سعدي، على حد سواء. هذا العنف ليس وليد اللحظة الآنية ولكن منشأه تفاعلات طغت على الساحة الجزائرية منذ فترة طويلة ساهمت فيها عوامل عديدة منها الخارجي والداخلي. وأي تحليل أو محاولة للاقتراب من الواقع الجزائري لا بد له من الإحاطة بثلاثة متغيرات متداخلة: ١ - طبيعة النظام في الجزائر وآلية عمله. ٢ - الهيمنة الفرنسية على الجزائر مظاهرها وأشكالها. ٣ - مظاهر التمرد الأمازيغي. وقبل أن نتطرق إلى هذه المتغيرات لا بد لنا من معرفة سريعة بالأمازيغ: الأمازيغ: المنشأ والتاريخ: الأمازيغ هم الجماعة التي أقامت منذ أحقاب بعيدة في الشمال الإفريقي في الأرض الممتدة من برقة شرقاً حتى المحيط الأطلسي غرباً، وهذه المنطقة أطلق عليها لفظة المغرب بمدلولها العام. ويرفض العلمانيون من مثقفي الأمازيغ تسميتهم بالأمازيغ أو البرابرة لكون الصفة استعملت من قِبل اليونان القدامى لوصف مَنْ لا يتكلم لغتهم على أنهم متوحشون، ويقول هؤلاء: إن الكلمة المقابلة في اللغة العربية هي الأعجميّ، وهو ما يطلقه العرب على مَنْ لا يتحدث لغة الضاد، واختلف المؤرخون العرب في تفسيرها: فالسلاوي ينسب كلمة بربر إلى بر بن قيس، وابن خلدون يرجع الكلمة إلى ما قاله إفريقي بن صيفي من ملوك التبابعة حين سمع كلامهم فقال: ما أكثر بربرتكم. فسموا بالأمازيغ، والأمازيغة بلسان العرب: هي اختلاط الأصوات غير المفهومة. وقال آخرون: كلمة بربر مأخوذة من لفظ برباردس، وتعني الرافضة للحضارة الرومانية ويبدو أن اسمهم أقرب إلى اللقب منه إلى الاسم الأصيل والصحيح. أما الأمازيغ أنفسهم فإنهم يطلقون على أنفسهم اسم أمزيغن أو الأمازيغ أي الأحرار البيض (ومفرده أمزيغ) ، وذلك تعبيراً عن تعلقهم بالحرية والأنفة التي هي من مميزاتهم البارزة. ويختلف المؤرخون في تبيان أصول الأمازيغ؛ فقد ذهب بعضهم إلى ربط أصولهم إمَّا بسلالة حام وسلالة سام، وأشار آخرون إلى علاقتهم بجالوت ملك الأمازيغ في فلسطين، كما أنَّ هناك من ينسبهم إلى الجبارين، وهناك مَنْ يرى أنهم خليط من أقوام شرقيَّة مختلفة، وهناك مَنْ يربط بينهم وبين (أفريقش اليمنيّ) . وهناك نظريات لها أسانيدها العلمية تؤكد أصولهم العربية: بعض هذه النظريات يرجع بهم إلى بني حمير، وبعضهم الآخر إلى قبائل قيس عيلان، ويتفق كثيرون على أن الأمازيغ نزحوا من فلسطين إلى المغرب، وينسب الباحثون الغربيون الأمازيغ إلى بني حام. أما ابن حزم فإنه قال: إنهم من بقايا ولد حام بن نوح ﵇، وادعت طوائف منهم إلى اليمن؛ وابن خلدون يذكر أن فلسطين كانت موطنهم الأول، وابن خردذابة يشير إلى أن مواطنهم الأولى فلسطين. وينتشر الأمازيغ في خمس ولايات أساسية هي: بجاية تيزي أوزو البويرة بومرداس الجزائر العاصمة. ويقدر عددهم في هذه الولايات بأكثر من ٣ ملايين مواطن بحسب تقديرات غير رسمية، ولهم نفوذ واسع في مختلف مؤسسات الدولة بالنظر إلى كفاية هؤلاء وتفضيلهم تلقي تعليم عالٍ في المعاهد الفرنسية. وتوجد بالجزائر عشر فئات بربرية، وعلى رأس هذه الفئات (الشاوية) الذين يمثلون أكبر تجمع بربري، وهناك فئة القبائل. وأبناء هذه الفئات العشر عدا القبائل يرون أن لغتهم هي العربية، وأن الأمازيغية لهجة شفوية يتحدث بها الأميون منهم. ومن الغريب أن فروقاً كبيرة توجد بين لهجات هذه الفئات العشر؛ إذ يختلف بعضها عن بعض لدرجة يصعب التفاهم فيما بينها. ولا توجد لغة بربرية أمٌّ منظمة تُعَلَّم. أما فئة القبائل فبسبب التأثير الاستعماري الفرنكفوني حديثاً يطالبون باعتماد اللغة الأمازيغية لغة رسمية ووطنية في مستوى واحد مع العربية. يمتاز غالبية الأمازيغ بطبعهم المتشدد، وقد دخلوا في دين الله أفواجاً مع الفتح الإسلامي، وأبلوا بلاءً حسناً في نصرة الدين الإسلامي منذ الفتح. ولعبوا أدواراً هامة جداً في التاريخ العربي والإسلامي في شمال إفريقيا وغربها وكذلك في الأندلس، ويعود أول اتصال لهم مع الإسلام إلى عام ٦٤٢ هـ عندما وفد على عمرو بن العاص بعد فتح مصر جماعة من أهالي (برقة) يطلبون الاحتماء بالإسلام من ظلم البيزنطيين، وعندما نقل ابن العاص طلبهم إلى الخليفة عمر بن الخطاب أذن له بالاستجابة إليهم، فشكل ابن العاص قوة عسكرية خاصة، وأمَّر عليها ابن خالته (عقبة بن نافع) الذي تمكن من تحرير (برقة) ونشر الإسلام بين قبائلها الأمازيغية. توقف تقدُّم الإسلام غرباً حوالي عشرين عاماً بسبب الفتنة التي قامت بعد اغتيال الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وانشغال الخليفة علي بن أبى طالب بالصراع مع الأمويين، وفي هذه الأثناء كان الضغط البيزنطي يشتد على قبائل الأمازيغ، وكانت الثورات الأمازيغية تعمّ المناطق التي تعرف اليوم بالجزائر والمغرب، ولم يستأنف الإسلام تمدده إلا في عام ٦٦٦ هـ بعد أن استقبل الخليفة الأموي معاوية وفداً بربرياً كان على رأسه (غناجة) أحد كبار قادة قبائلهم الذي طلب إليه إنقاذ الأمازيغ من الجور البيزنطي. كانت الاستجابة الاولى حملة عسكرية بقيادة ابن خديج، ولكن لم يكن لها نتيجة تذكر، وفي عام ٦٧٠ هـ جدد معاوية الاعتماد على عقبة بن نافع، وتمكنت قوات عقبة من تحرير إفريقيا (تونس) من البيزنطيين إلا أنه أدرك أن استقرار الإسلام في هذه المناطق مرتبط باستقرار العرب فيها وتطبيقاً لهذه النظرية أقام مدينة القيروان، وبعد عقبة بن نافع عهد بأمر متابعة التقدم غرباً إلى قائد عسكري آخر هو أبو المهاجر الذي اقتحم جبال الأوراس (في الجزائر) ، وانتصر على زعيم القبائل الأمازيغية فيها (كسيلة) ، ولما اعتنق (كسيلة) الإسلام أبقاه أبو المهاجر على عرش زعامته، ودخل الأمازيغ الإسلام زرافات ووحداناً. ومرة ثالثة تؤول قيادة القوات الإسلامية في شمال إفريقيا إلى عقبة بن نافع الذي يقود هذه القوات حتى طنجة وسبتة في شمال المغرب، ثم يتوجه جنوباً حتى منطقة سوس والأطلس المتوسط (منطقة مراكش) ، ولما وصل إلى شواطئ المحيط الأطلسي ردد عبارته الشهيرة: اللهم إني لم أخرج بطراً ولا أشراً، وإنك لتعلم أني أطلب السبب الذي طلبه عبدك ذو القرنين، وهو أن تُعبَدَ ولا يُشرَكَ بك، اللهم لو كنتُ أعلم أن وراء هذا البحر أرضاً لخضته إليها في سبيلك. ولكن (كسيلة) هذا لم يعجبه ما أسند إليه من إمارة وتحالف مع قبائل بربرية وخرج يريد المسلمين، وتصدى له عقبة بن نافع، ووقعت معركة الزاب التي استشهد فيها عقبة، وانتكست القوات الإسلامية حتى اضطرت إلى الجلاء عن القيروان إلى برقة. كان على الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان أن يعيد تصحيح المسيرة من خلال حملة عسكرية عهد بقيادتها في عام ٦٨٤ هـ إلى زهير بن قيس (وهو القائد الذي كان عقبة بن نافع قد اختاره نائباً عنه في القيروان) ، وقد انضمت إلى الحملة قبائل بربرية إسلامية عديدة مما مكنها من تحقيق أهدافها بسرعة. وفي عام ٦٩٣ هـ توجهت إلى المغرب قوة إسلامية جديدة على رأسها حسان بن النعمان الذي حقق انتصاراً على قبيلة جراوة في جبال الأوراس التي كانت تتزعمها كاهنة ساحرة. وبعد حسان حل محله في عام ٧٠٤ هـ موسى ابن نصير اللخمي الذي اشتهر بالعمل على تثبيت الإيمان لدى القبائل الأمازيغية، وكان اعتماده الأساسي على المسلمين الأمازيغ في فتوحاته الشهيرة؛ فقد شكل منهم قوة خاصة، عهد بقيادتها إلى القائد المسلم الأمازيغي طارق بن زياد لعبور المضيق من طنجة إلى أسبانيا، ومنذ عام ٧١١ هـ والمضيق (زهاء ثلاثين كيلو متراً) يعرف باسم مضيق جبل طارق؛ فقد تمكن طارق بن زياد بقوة من ١٢ ألف مسلم من الأمازيغ وثلاثمائة فارس عربي من فتح معظم الأراضي الأسبانية الجنوبية التي أطلق عليها اسم الأندلس. ولا يزال طلاب العلم يدرسون حتى الآن كتاب (الآجرومية في مبادئ علم العربية) لابن آجروم الأمازيغي، وسبقه بقرنين أي في القرن الثاني عشر الميلادي على طريق علوم العربية زين الدين بن معطي (قبائلي) أول من نظم قواعد النحو العربي في ألف بيت من الشعر. ومن شخصياتهم الهامة في التاريخ ابن باديس الذي كان له دور هام في مقاومة الفرنسيين. ويشير التاريخ إلى أمر أساسي بدأ منذ دخول الإسلام شمال إفريقيا، وهو مستمر حتى اليوم، وهو أن الأمازيغ يتمتعون بقدر عال من الأنفة والاعتزاز بالنفس، وأنهم يتمسكون مع إسلامهم بشخصيتهم القبلية الخاصة. طبيعة النظام الجزائري: تعيش الجزائر منذ استقلالها حالة صراع ظل تحت السطح فترة الستينيات والسبعينيات، وما لبث أن اشتد مع بداية الثمانينيات حتى انفجر في العشرية الأخيرة التي يسميها أهل الجزائر عشرية حمراء وأحياناً سوداء. هذا الصراع هو في الأصل أزمة نظام بدأ حكمه باغتصاب السلطة من أصحاب الحق الشرعيين الذين بذلوا دماءهم في سبيل نيل هذا الاستقلال وثبتوا أمام جيوش قوة عظمى في ذلك الوقت، وجيَّشوا الشعب الجزائري عربه وبربره تحت راية العقيدة؛ ولكن الخبث الصليبي كما في كثير من الأقطار أبى أن ينسحب من المعركة إلا بعد أن سلم السلطة إلى قلة علمانية ونخبة لا تمت للإسلام بصلة إلا في الأسماء، هذه النخبة الحاكمة نحَّت الإسلام عن حياة الناس، واستبدلت به شرائع ما أنزل الله بها من سلطان؛ وهكذا كان حال هذه النخب التي تسلمت الحكم في عامة الأقطار الإسلامية ولكن نخبة الجزائر تميزت بخصائص عن بقية النخب الأخرى من أهمها: ١ - الدموية والقسوة في تعاملاتهم مع الشعب: فهذه الطبقة من الضباط دأبت على استخدام أبشع الطرق في تصفية خصومها السياسيين، والذهاب إلى حد التضحية بالناس كلهم إن أمكن ذلك في سبيل تثبيت دعائم حكمهم؛ فالمجازر التي وقعت في بني طلحة وغيرها والتي ثبت تورط هؤلاء العسكر بها سواء على مستوى التخطيط والتنفيذ، هذه المذابح ارتكبت من خلالها أبشع أنواع الجرائم التي لا يمكن أن يُعتبر فاعلوها من بني الإنسان؛ بل إن الوحوش لتترفع عن إتيان مثل هذه الأعمال؛ فمن ذا الذي يجرؤ على القيام بقطع الأعضاء الذكرية في الرجال بعد ذبحهم ووضعها في أفواه الجثث، وكذلك قطعوا أثداء النساء ورموا الأطفال الرضع في الحوائط وهم أحياء حتى يغرق الرضيع في بحر من الدماء، وكل ذلك شاهده الصحفيون واعترف به ضباط وجنود ممن استيقظت ضمائرهم وهربوا إلى الخارج كشاهدين على هذه المذابح والمجازر، وكل ذلك يحصل حقداً على بسطاء الناس الذين أعطوا أصواتهم للجبهة الإسلامية للإنقاذ في انتخابات ١٩٩١م. ٢ - احتراف التآمر والعمل المخابراتي الموجه لأبناء الجزائر: قبل تسلمهم الحكم وفي منتصف الخمسينيات توجه قادة جبهة التحرير الجزائرية والتي كانت تقود الشعب الجزائري حينئذ إلى استحداث جهاز للمخابرات، وتولى تدريبه في بداياته المخابرات المصرية؛ حيث قام بشراء مجموعة فيلات للسكن حوَّلها إلى مراكز للتعذيب وإدارة العمليات الاستخباراتية. ولم يسلم منه جهاز المخابرات المصري القوي في عهد عبد الناصر، حيث سعى إلى اختراقه والتجسس على فتحي الديب المكلف بالملف الجزائري في النظام المصري حينذاك. وسرعان ما اكتشفت أجهزة الأمن المصرية ذلك وهو ما أثار غضباً شديداً لدى قادتها؛ ذلك أنها ساعدت جبهة التحرير ولم تبخل عليها بأي شيء؛ فكيف يحاول أحد قادتها اختراق أصدقائها؟ ! هذه الرواية أوردها فتحي الديب في كتابه: (عبد الناصر وثورة الجزائر) . وتطور هذا الجهاز بعد ذلك على يد المخابرات السوفييتية حتى برزت مجموعة (السجاد الأحمر) أي هؤلاء الذين تدربوا على أعمال المخابرات في موسكو. وتنوعت أعماله من قتل المعارضين لقيادة جبهة التحرير قبل الاستقلال وبعده، واختراق الجماعات الإسلامية والتأثير في توجهاتها وتغيير استراتيجيتها، كما حدث مع الجماعة الإسلامية المسلحة، كما شارك بالتخطيط والتنفيذ فيما وقع من مجازر ومذابح. ٣ - تدني المستوى التعليمي والسياسي بالنسبة لقياداتها القديمة والتي تُمسك بزمام الجيش حالياً: جل القيادات الحالية التي تُحكم سيطرتها على جيش الجزائر حصلوا على الابتدائية أو ما يعادلها، ثم خدموا بعد ذلك في الجيش الفرنسي، وعند الاستقلال ولأسباب مجهولة تم دمجهم بالجيش الجزائري. والمستوى التعليمي المحدود كان له تأثير بلا شك على مستوى ثقافتهم وتعاطيهم مع الشأن الجزائري؛ كما جعلهم أكثر انقياداً وتأثراً بالتوجيه الخارجي الآتي من فرنسا. يقول عبد الحميد الإبراهيمي رئيس وزراء الجزائر الأسبق: «في الواقع فإن العسكر والجنرالات منذ أن جاؤوا بانقلابهم عام ١٩٩٢م وهم على رأس المؤسسة العسكرية وقد كانوا في الجيش الفرنسي سابقاً، دخلوه وهم صغار في سن ١٣، ١٤ سنة، ومستواهم الثقافي ضعيف جداً، والعديد منهم لم يحصل حتى على الشهادة الابتدائية، وعندما انتموا إلى الجيش الفرنسي الذي كان يحتل الجزائر حاربوا في صفوفه حتى اشتركوا في ضرب ثوار الجزائر، والبعض حارب في الهند الصينية وفي فيتنام، وبعد اندلاع الثورة أتوا بهم إلى الجزائر، وفيهم عدد كبير من الذين التحقوا بعد ذلك بالثورة، ليس في الجبال، لكن بالحكومة المؤقتة بتونس ومنهم مثلاً (محمد العماري) هذا الذي قاد أركان حرب منذ بداية ١٩٩٣م إلى يومنا هذا التحق بالحكومة المؤقتة بتونس في نهاية ١٩٦١م، وهم ما زالوا بمستواهم الضعيف يعني الثقافي والسياسي لكنْ وراءهم خبراء فرنسيون وضباط فرنسيون كانوا يعملون في المخابرات تحت الجنرال إسماعيل العماري نائب الجنرال توفيق رئيس المخابرات ... يعني أن الفرنسيين هم الذين يشيرون عليه» . ٤ - تعدد مراكز القوى والاستقطاب داخل هذه النخبة: كان من الطبيعي لتهافت هؤلاء العسكر على الحكم أن يحدث بينهم نوع من التشرذم وتنامي البؤر. والمتتبع لأحوال النظام الجزائري يجد بداخله قطبين رئيسيين: الأول: تيار المخابرات بزعامة محمد مدين الشهير بسي توفيق ونائبه إسماعيل العماري. الثاني: تيار أركان الجيش بزعامة رئيس الأركان محمد العماري. وكل قطب من هذه الأقطاب له أدواته ووسائله في السيطرة وإدارة الصراع سواء مع الناس أو مع القطب الآخر عندما يبرز بينهما خلافات على التكتيك والأسلوب الأفضل في تقاسم السلطة وذبح الصحوة ومحاربة اختيار الشعب في العودة إلى الله. ويأتي بعد ذلك دور رئيس الجمهورية وهو دور واجهة أكثر من أن يكون طرفاً فعالاً، والمتأمل لفترات الرئاسة للرؤساء السابقين من أيام بن بلة وحتى بوتفليقة يجد أن هؤلاء الرؤساء كانوا ألعوبة في يد قادة الجيش والمخابرات باستثناء حكم هواري بومدين، حيث كان ممسكاً بزمام الجيش بنفسه في السابق فسهل عليه الإمساك بخيوط السلطة في يديه. لذلك يجب علينا فهم ما تتحدث عنه وسائل الإعلام عن وجود خلاف بين الرئيس والجيش؛ فالتعبير الدقيق: خلاف بين أحد أقطاب الصراع الذي جاء ببوتفليقة وبين القطب الآخر اللذين سبق الحديث عنهما. هذه الخصائص الأربع هي أبرز خصائص الحكم في الجزائر بالإضافة إلى الخصائص الأخرى الموجودة في أكثر النخب التي تتحكم في بلاد المسلمين مثل الفساد الإداري والمالي والسيطرة على الاقتصاد والمحسوبية والرشوة والانحطاط الأخلاقي وغيرها من المفاسد. لذا كان من السهل تقبل نظرية المؤامرة بالنسبة لأحداث الأمازيغ الأخيرة نتيجة للعوامل السابقة؛ فقبل اندلاع انتفاضة الأمازيغ برزت إلى السطح التصريحات والتصريحات المضادة بين مراكز القوى في الجزائر، وهو الأمر الذي فهم منه كما يقول سياسي جزائري أنّه يشكّل ذروة الاحتقان بين مراكز القوة. وقد علمتنا الفتنة الجزائريّة أن يكون للاحتقان بين مراكز القوة كباش محرقة وفداء من قبيل مجزرة هنا ومذبحة هناك وقتل بالجملة هنالك. ومبادرة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى تشكيل لجنة للتحقيق في الحادث معناه أنّ مشهد الدم في منطقة القبائل وراءه أيدٍ قد يكون لها امتداد إلى بعض مراكز القوة. وعندما تحركّت المدرعات العسكرية لردع انتفاضة الأمازيغ كان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في زيارة إلى نيجيريا الأمر الذي جعله يقطع زيارته ليلاً ولا يتابع أعمال المؤتمر العالمي حول الإيدز في نيجيريا. وهذا ما جعل مقربين من الرئيس الجزائري بوتفليقة يعتبرون أنّ ما جرى ويجري هو أمر دبّر بليل، وأنّ هناك أطرافاً أشعلت النار في منطقة القبائل. ويظهر أن أحد القطبين في الجيش الجزائري غير راض عن تحركات بوتفليقة والقطب الآخر متمسك به، وهذا ما يفسر إقدام بوتفليقة على تقديم استقالته لقيادة الجيش فور وقوع هذه الأحداث. وتتفق تحليلات قوى سياسية محلية حول ما تسميه «تحريك القبائل» لتصفية حسابات بين أطراف السلطة المتصارعة إلى حد يمكن توقع أي شيء في المستقبل القريب. وتعتقد هذه القوى أن سيناريو تفجير الأحداث أعد بإتقان، واهتم حتى بأدق الجزئيات لضمان اندلاعها؛ فهناك جملة من التساؤلات حول مصادفات غريبة حدثت من جهات مسؤولة تؤدي حتماً إلى ما آلت إليه الأوضاع في المنطقة. فمجرد اعتقال شاب أعزل بلا سبب وقتله برشاش كلاشينكوف من قبل رجل من الدرك داخل الثكنة، أمرٌ كافٍ لأن يثير غضب الناس في أي مكان من الجزائر؛ فما بالك إن كان هذا الشاب من القبائل وقد قتل في قريته من دركي غريب عن المنطقة ولا ينتمي للسان القبائلي؟ ! لكن أثر حادثة الاغتيال ظل محدوداً في قرية الضحية وضواحيها، وظلت المطالب هي إعادة الاعتبار للشاب بعد أن اتهمه بيان الدرك بكونه كان بصدد القيام بسرقة، ولم يثر الحادث ضجة ذات بال. لذلك «عمدت الأوساط التي أرادت تفجير الوضع إلى افتعال أحداث أخرى باعتقال تلاميذ من ثانوية أميزور بولاية قبائلية أخرى، ويعتقد بأن أوساطاً في الحكم تدرك أن الوضع المتأزم في البلاد نتيجة اتساع رقعة الفقر والخطاب الرسمي الذي يستفز العامة، وكذا النهج السياسي للرئيس بوتفليقة المعتمد على العودة إلى خدمات» الحرس القديم «الذي سبب المآسي للجزائر في الثمانينيات سيؤدي حتماً إلى انفجار عام بالبلاد لا تستطيع التحكم فيه شبيه بذلك الذي حدث في أكتوبر من عام ١٩٨٨م، وغيَّر مجرى سياسة البلاد، وأدى إلى زعزعة حكم بن جديد. لهذا عمدت إلى افتعال أسباب انفجار في منطقة معروفة بكونها أكثر مناطق الجزائر حساسية وقابلية للتحريك. وبهذا فقد سبقت السلطة الأحداث وإن خلفت قتلى وجرحى وإتلاف الممتلكات فإنها في نظر هذه السلطة أخف الأضرار. وتساءل الكثيرون عن الأسباب التي دفعت السلطة أو جناحاً منها هذه المرة لتحريك الوضع في القبائل انطلاقاً من قتل دركي» عربي «شاباً قبائلياً واعتقال دركيين» عربيين «شباباً من القبائل وضربهم! الدور الفرنسي: عندما تعرضت الجزائر للاستعمار الفرنسي في ٥ يوليو تموز ١٨٣٠م كان أول من رفع لواء المقاومة ضد المستعمر الفرنسي هم الأمازيغ أو الأمازيغ المسلمون ومن الثورات التي تصدّت للاستعمار الفرنسي ثورة المقراني والمقران لفظة بربرية تعني الكبير وكان شعار ثورة المقراني الدفاع عن إسلامية الجزائر، ولم يقاوم المقراني من أجل استرجاع الهوية الأمازيغية للجزائر، وقد أدركت فرنسا خطورة هذه العقيدة فراحت تنبش في الذاكرة الجزائرية إلى أن اهتدى استراتيجيوها إلى مبدأ التشكيك في الهوية الجزائرية، وبدأت حملة التشكيك من خلال تكوين نخبة جزائرية مثقفة مشبعة بالفكر الفرانكفوني، وقد لعبت هذه النخبة المعروفة جيداً لدى الشعب الجزائري أكبر الأدوار في تمزيق صفوف الحركة الوطنية؛ حيث تمّ البدء في تصنيف الجزائري بأنه عربي، وبربري، وشاوي، وما إلى ذلك. وكانت النخبة المذكورة ترى في إرهاصات الثورة الجزائرية على فرنسا انحرافاً خطيراً باعتبار أن الثورة في مضمونها دعوة للانفصال عن الوطن الأم فرنسا، ومع اندلاع الثورة الجزائرية فكرت السلطات الفرنسية في مختلف الطرق التي تؤدي إلى تمزيق الثورة الجزائرية التي تبناها الجزائريون بمختلف مشاربهم وانتماءاتهم العرقية، فوصلت فرنسا إلى أمرين لتمزيق الثورة الجزائرية من الداخل: ١- الورقة الأمازيغية. ٢ - الورقة الجهوية. فعلى الصعيد الجهوي نجحت فرنسا في إثارة النعرات الجهوية، فبات يسود آنذاك بين الجزائريين بأن هذا من الغرب، وذاك من الشرق، هذا وهراني وقسنطيني وقبائلي وهلمّ جراً. وما زالت الجهوية تلعب دوراً كبيراً في التعيينات الوزارية والرسمية، بل إن التوازن الجهوي يعدّ أساس الحكم في الجزائر. وعلى صعيد الورقة الأمازيغية فقد نجحت فرنسا في إثارتها عبر آلياتها ووسائلها؛ وذلك باتباع وسائل أهمها: * مضاعفة النشاط التبشيري بين الأمازيغ، وتقديم الخدمات الصحية والتعليمية وإقامة الكنائس في مناطق تواجدهم الكثيف مقابل منع العلماء المسلمين من الوصول إليهم لتدريس القرآن الكريم واللغة العربية. ويذكر المراقبون أن هناك ما يقرب من عشرين منظمة تنصيرية في منطقة القبائل تقريباً، وزعماء الحركة الأمازيغية لا ينكرون أن الذي أوجد التيار الأمازيغي هم المنصرون المسيحيون الفرنسيون؛ فقد صرح معطوب الوناس (اغتيل منذ نحو ثلاث سنوات) ، وهو مطرب من أقطاب حركة الثقافة الأمازيغية بأن الذي علمني هويتي الأمازيغية هو الأب (شارل ديكيرس) الذي اغتيل من طرف الإسلاميين مع رفاقه الثلاثة في تيزي أوزو، مع العلم أن الراهب المذكور بلجيكي الجنسية متمرس في العمل ببلاد القبائل؛ فهو يحسن التحدث بالقبائلية، وسبق أن ضبطه مفتش شرطة قبائل بمدينة تيزي أوزو في سنة ١٩٧٦م وهو يجمع في بيته مراهقين ومراهقات ويمرنهم على ممارسة الجنس تحت عنوان التربية الجنسية، وقد قامت السلطات بطرده مع عدد من رفاقه في عهد هواري بومدين، ومن الغريب أنه كان مستشاراً في التأهيل المهني بوزارة العمل الجزائري التي كان يسيطر عليها الشيوعيون، وكان مزدوج الجنسية إذ يتمتع بالجنسيتين الجزائرية والبلجيكية، ثم جاء الشاذلي بن جديد وفي إحدى زياراته إلى بلجيكا توسط ملكها لديه للراهب المذكور، فسمح له بالعودة إلى الجزائر؛ حيث بقي فيها إلى أن اغتيل، وهذا الوناس هو الذي وقف خطيباً أمام الجماهير في مسيرة نظمت بمناسبة ذكرى ما يسمى بـ (الربيع الأمازيغي) وإلى جانبه زوجة السيد سعيد سعدي رئيس حزب (التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية) حيث قال بالحرف الواحد:» لو بقيت اللغة الفرنسية رسمية بالجزائر بعد الاستقلال مثلما كانت قبله، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه «. * تزييف التاريخ لتعميق الهوة بين العرب والأمازيغ. * محاولة إضفاء الصبغة العلمية الأكاديمية على دعاوى عنصرية من قبيل (لاتينية) الأمازيغ، وتمايزهم تماماً: عرقياً، حضارياً، لغوياً، وتاريخياً عن العرب؛ وصولاً إلى تبني اجتهادات فرنسية/ أمريكية لكتابة مفردات اللغة الأمازيغية (الشفهية) بحروف لاتينية، في سياق محاولة ربط الأمازيغ بالثقافة اللاتينية المسيحية. * توفير حاجة الدعوة الأمازيغية من المؤسسات الثقافية لتكون ممارسة هذه المؤسسات خارج الدولة الجزائرية، وبذلك يصعب التحكم في مخرجاتها ومنطلقاتها؛ فقد أسست فرنسا في عاصمتها باريس الأكاديمية الأمازيغية التي تولت وضع معجم للغة الأمازيغية، وتشجيع نتاج الأدباء الأمازيغيين بهذه اللغة، ورعاية الثقافة الأمازيغية بكل مفرداتها: الأغنية والموسيقى (موسيقى الراي) ، العادات، والتقاليد، وفنون الأدب الأخرى. * دعم العناصر المتفرنسة في سعيها لإقامة العقبات أمام مسيرة التعريب بعد استقلال الجزائر عام ١٩٦٢م، سواء بدفعهم طابوراً خامساً داخل مراكز صناعة القرار، أو المؤسسات التعليمية، والتركيز على دعم سياسة الإحياء الأمازيغي التي تنظر إلى اللغة العربية باعتبارها لغة أجنبية. * التبني الدعائي لأحداث العنف التي اندلعت في مناطق الأمازيغ منذ بداية الثمانينيات، ومحاولة الضغط على الجزائر الدولة، باتجاه الاعتراف بحق الأمازيغ في التمايز الثقافي واللغوي من جهة، ودعم العناصر المعارضة ذات الأصل الأمازيغي المقيمة في فرنسا من جهة أخرى خاصة عبر توفير المنابر الإعلامية ووسائل الاتصال بالداخل. * دعم يهود فرنسا والمنظمات اليهودية فيها كما ذكر البروفيسور رفائيل يسرائيل في ورقة أمام ندوة لمركز بارايلان بالتعاون مع الخارجية الإسرائيلية لمطالب الأمازيغ، وتقديم العون المادي والمعنوي لمنظماتهم النشطة في فرنسا، ويشير (يسرائيل) إلى أن أكثر من نصف مليون بربري يعيشون في فرنسا، مما ساعد على ظهور، وتشكيل جماعات وهيئات تتولى رعاية قضاياهم، وتؤيدهم في ذلك المنظمات والمؤسسات اليهودية الأكثر التصاقاً واهتماماً بقضيتهم، ورعاية مصالحهم وتبني طموحاتهم. * الإعلان على لسان وزير خارجية فرنسا فيدرين خلال الأزمة الأخيرة أن بلاده لا تستطيع البقاء صامته أمام القمع العنيف إزاء الاضطرابات في مناطق القبائل، خصوصاً أن الجالية الجزائرية في فرنسا تضم عدداً كبيراً من أبناء هذه المناطق ثم تأييد رئيس الوزراء جوسبان موقف وزير خارجيته. * دعوة آيت أحمد الزعيم الأمازيغي المقيم في سويسرا عبر الإذاعة الفرنسية، إلى تدويل المسألة الجزائرية، وتوجيهه نداء إلى كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة، والمفوضية العليا لمنظمة حقوق الإنسان، والرئيس الأمريكي بوش، ورئيس الاتحاد الأوروبي، وممثل الاتحاد الأوروبي الأعلى للسياسة الخارجية، والأمين العام لحلف الناتو ورئيس الدولية الاشتراكية، باتخاذ مبادرات فردية أو جماعية لتوجيه تحذير علني للسلطات الجزائرية (لمنع وقوع ما لا يعوض) ! وإعلانه في حديث آخر عبر الأثير (أن شبان القبائل مهمشون بعد مصادرة ماضيهم وذاكرتهم وحاضرهم) . وفي الآونة الأخيرة بدا النظام الجزائري أكثر ميلاً للارتماء في أحضان القوة العظمى الوحيدة في العالم الولايات المتحدة التي يمكن أن يرتكز عليها في صراعه وتثبيت نفوذه في الجزائر، وقام الأسطول الأمريكي السادس في البحر المتوسط بعمل مناورات وتدريبات مشتركة مع الجيش الجزائري، وفي هذا السياق أيضا تأتي الاتصالات السرية بين النظام وإسرئيل التي توجت بالمصافحة بين بوتفليقة وباراك في المغرب أثناء جنازة الحسن الثاني، وهنا شعرت فرنسا بأن جهودها منذ ما يقرب من قرنين سوف تذهب سدى؛ فهي التي صنعت على عينها طبقة الفرانكوفونية وطبقة الأمازيغية وطبقة الضباط التي سلمت لهم الحكم قبل أن ترحل؛ وهاهم الضباط يتمردون، فشجعت، وتحركت لإسقاط الفصيل المتمرد على هيمنتها ونفوذها وكانت أحداث القبائل فصلاً جديداً من فصول التدخل الفرنسي سبقه الضجة المفتعلة التي أثيرت حول كتاب الحرب القذرة: فلماذا في هذا التوقيت تم نشر الكتاب؟ وما سر اهتمام مثقفي فرنسا المفاجئ بمذابح الجزائر وتحميلهم للجيش الجزائري مسؤولية هذه المجازر.... ..؟ لماذا هذه الأيام بالتحديد.... .؟ هذا الملف فتح منذ عام ١٩٩٧م في لندن ومدريد على أيدي ضباط كثيرين لاذوا بالفرار وقالوا الحقيقة، والغريب أن مثقفي فرنسا هؤلاء تراصوا وانفعلوا واندفعوا يدافعون عن الجيش الجزائري، وشكلوا الوفود لتقصي الحقائق، وخرجوا بنتيجة أن الإسلاميين وحدهم هم المسؤولون؛ فما الذي تغير؟ إن الإجابة على ذلك تكمن في رغبة فرنسا لجم هؤلاء الضباط المتمردين على هيمنتها وإعادتهم إلى الحظيرة الفرنسية، وفي هذا السياق يأتي كما أسلفنا دعم الأمازيغ وتشجيعهم وانتهاز فرصة الاضطرابات لدفع الأمور إلى الأسوأ. الحركة الأمازيغية في الجزائر: يتحرك العلمانيون الأمازيغ في الجزائر عبر عدة واجهات منها: السياسية ممثلة أساساً في الأحزاب الأمازيغية، مثل جبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، ومنها الاجتماعية: مثل الحركة الثقافية الأمازيغية، ومنها التيار المسلح للفصيل الأمازيغي: مثل الحركة المسلحة الأمازيغية التي أعلن عن تأسيسها يوم ٢ يوليو ١٩٩٨م عشية تطبيق اللغة العربية، والتي تهدف حسب بيانها إلى قتل كل من يطبق اللغة العربية، وكذا كل من يحارب المد الأمازيغي. كما أن التيار الأمازيغي يتحرك بالمقابل في واجهة حكومية هي المحافظة السامية للبربرية، والتي نُصّبت كهيئة استشارية للرئيس زروال عقب اتفاق مبدئي مع ممثلي الرئيس في ٢٢ إبريل ١٩٩٥م بعد إضراب المحافظة في المدارس بمنطقة القبائل والذي دام أكثر من ٦ أشهر والتي خولت لها مهمة الإسراع بترقية الأمازيغية. هذه الهيئة الرسمية أبدت هي الأخرى على لسان ناطقها الرسمي جمال فرج الله استياءها، ودعت الجمعيات الأمازيغية النشطة والمقدر عددها بـ ٦٠٠٠ جمعية، والتي تعنى كلها بتطوير المسألة الأمازيغية وترقيتها والدفاع عنها من مجموع ١٢ ألف جمعية معتمدة في الجزائر إلى التجند لدراسة أشكال جديدة من النضال لفرض الأمازيغية، التي تنشط منذ بروز» الظهير الأمازيغي «أو ما سمي بالبيان الأمازيغي للسلطات الفرنسية في ١٩١٤م تحت رعاية السلطات الفرنسية، وقد كللت هذه الرعاية بعقد أول مؤتمر للمكتب العالمي الأمازيغي في المركز العالمي» بيير مونيسي «بقرية» سان روم دولان «جنوب فرنسا في الفترة بين ١ و٣ سبتمبر ١٩٩٥م، بحضور ٤٠ جمعية بربرية من (ليبيا، المغرب، الجزائر، إسبانيا، ودول إفريقية وأوربية) ، وخلال المؤتمر وُزّع على الحضور لأول مرة النشيد الوطني الأمازيغي، ويحمل اسم:» تورارت ن تيللي «، وكان مكتوباً بالحرف الآرامي، واللاتيني، وردده الجميع أثناء حفل عشاء، ومن توصيات المؤتمر: ١ - تدويل الواقع الأمازيغي عبر الهيئات الدولية للأمم المتحدة. ٢ - الدفاع عن الثقافة الأمازيغية وصيانتها وتنميتها. ٣ - اكتساب الوسائل المادية والمالية والتنظيمية من أجل تحقيق هذه الأهداف. ٤ - إعادة النظر في تاريخ شمال إفريقيا بما يخدم أهداف وطن الأمازيغ المنشود. هذه التحركات المشبوهة للجانب الأمازيغي بأجنحته المغاربية، والذي يتحرك بتطرف كبير في العواصم الأوربية، يزيد الشك في حقيقة النوايا الأمازيغية. لقد بدأ النضال من أجل الأمازيغية في العشرينيات من القرن الماضي أثناء تأسيس حركة نجم شمال إفريقيا وتطور مع ظهور وتعدد الحركات السياسية الجزائرية المطالبة بطرد الاستعمار الفرنسي، وكانت ثورة نوفمبر (١٩٥٤ ١٩٦٢م) منعرجاً حاسماً في الحركات الجزائرية من العمل السياسي إلى الكفاح المسلح ضد الاستعمار الفرنسي. وبعد نجاح الثورة الجزائرية واستقلال البلاد في عام ١٩٦٢م، واختيار نظام سياسي يقوم على الحزب الواحد الذي يتمثل في جبهة التحرير الوطني الذي ذابت داخله كل التيارات السياسية التي كانت موجودة قبل الانتقال من مرحلة النضال السياسي إلى مرحلة الكفاح المسلح. واعتبر النظام السياسي آنذاك المسألة الأمازيغية ليست من الأولويات؛ لأن أهم مطالب الأمازيغ كانت متحققة وهي إبعاد اللغة العربية عن الجزائر، وتم منع وحظر كل التيارات السياسية التي ترفض العمل من داخل أطر الحزب الواحد من الاسلاميين (جمعية العلماء المسلمين) ، إلى (حزب الطليعة الاشتراكية) ، إلى الأمازيغيين (الحركة الأمازيغية) ، لكن هذه الأخيرة وجدت مساندة من طرف فرنسا، التي قامت عام ١٩٦٣م بإنشاء ما يعرف بالأكاديميّة الأمازيغيّة وأشرف عليها الكاتب القبائلي الفرانكفوني مولود معمّري، وقامت هذه الأكاديمية لتكون المنطلق فيما بعد لتأسيس الحركة الثقافية الأمازيغية (الأمسيبي) . وفي إبريل عام ١٩٨٠م منعت سلطات ولاية تيزي وزو المنظِّر الأمازيغي مولود معمري من إلقاء محاضرة بأحد المراكز الثقافية، فرد التيار الأمازيغي بالدعوة لإضراب عام في ٢٠ أبريل ١٩٨٠م، وتفجر الوضع الذي أدى إلى تدخل عنيف لقوات الأمن، واعتقلت عدداً من الوجوه التي لم تكن معروفة آنذاك، وحكم عليها بالسجن لمدد مختلفة، هي اليوم من رموز التيار الأمازيغي بشقه الثقافي والسياسي، ومنها سعيد سعدي، فرحات مهني، جمال زناتي، صالح بوكريف، وغيرهم ... وأصبح ٢٠ إبريل ذكرى يتم الاحتفال بها سنوياً تحت تسمية: (الربيع الأمازيغي) . عرف النضال من أجل ترسيم الأمازيغية تطوراً كبيراً مع دخول الجزائر عهد التعددية السياسية والانفتاح الديمقراطي بعد أحداث أكتوبر عام ١٩٨٨م مقارنة بسنوات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، بحيث أصبحت الحركة الأمازيغية تتمتع بآفاق ومجالات أوسع للمطالبة بترسيم الأمازيغية في الدستور, بعدما كانت المرحلة الأولى من النضال الأمازيغي تتسم بالسرية؛ لأن الحديث عن المطالب الأمازيغية في بادئ الأمر كان يعرض صاحبه للسجن والعقوبات المختلفة؛ ولكن مرحلة الانتقال من العمل السري إلى العلن حملت معها سلبيات على التيار الأمازيغي، فانقسمت الحركة الثقافية الأمازيغية التي كانت المرجعية الوحيدة للمطلب الأمازيغي، مع ميلاد حزبي: (جبهة القوى الاشتراكية) لحسين آيت أحمد، و (التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية) لسعيد سعدي إلى قسمين: اللجان الوطنية للأمسيبي القريبة من حزب آيت أحمد ويتزعمها جمال زناتي، والتنسيقية الوطنية للأمسيبي ويتزعمها فرحات مهني، ووصلت الخلافات وحدة الصراعات ببن الطرفين إلى درجة دفعت التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية إلى التحالف مع النظام العدو اللدود بالأمس ضد جبهة القوى الاشتراكية التي خرج حزب سعيد سعدي من صلبها، وأصبحت مواقف الحزبين على النقيض تجاه مختلف القضايا المطروحة في الساحة السياسية، وازدادت الهوة اتساعاً بينهما منذ بداية أحداث العنف في الجزائر عام ١٩٩٢م. وفي عام ١٩٩٥م أنشئت المحافظة السامية للأمازيغية بمرسوم رئاسي من طرف الرئيس السابق الأمين زروال، على إثر الإضراب المفتوح الذي شنته الحركة الأمازيغية في منطقة القبائل، والمقاطعة الشاملة للعام الدراسي وهو أول اعتراف من جانب السلطة بالقضية الأمازيغية وتغيير استراتيجية التعامل مع الحركة الأمازيغية من المواجهة إلى الاحتواء، ومنذ تنصيب المحافظة السامية قامت بإدخال الأمازيغية في النظام التعليمي الأساسي والثانوي عبر ١٦ ولاية، إلى جانب فتح فرع لشهادة الليسانس في الأمازيغية، وتأطير أكثر من ٢٠٠ أستاذ جامعي، وتخصيص نشرات إخبارية بالأمازيغية، في التلفزيون الجزائري، وأصبحت قضية الأمازيغية تناقش داخل البرلمان؛ فقد أودع نواب حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية سؤالاً للحكومة حول العراقيل التي تعترض عملية تدريس الأمازيغية وتطويرها. وتسعى الآن الحركة الأمازيغية إلى ترسيم اللغة الأمازيغية من خلال النص على أنها لغة رسمية في الدستور الجزائري. ومع انتخاب عبد العزيز بوتفليقة رئيساً للجزائر لم تسجل الحركة الأمازيغية أي موقف بشأن تعاملها مع الحكم الجديد، وفي ظروف مشبوهة شددت الحركة لهجتها، وشاركت في ملتقيات دولية ونظم بعضها بالجزائر ومن أبرزها الملتقى الذي عقد بالجزائر في ٢٢ إبريل ٢٠٠٠م ونتج عنه توحيد الحركات الأمازيغية في تونس والمغرب وجزر الكناري ومالي والنيجر والجزائر، وشاركت بعدها هذه الحركات في الجمعية العامة للأمم المتحدة التي خصصت لعشرية حقوق الشعوب. ولكن بمجرد تشكيل بوتفليقة لحكومته الائتلافية وضمه للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية إليها خفت صوتها من جديد. وفي إبريل الماضي بدأت مظاهرات منطقة القبائل من جديد منادية بالمطلب الأمازيغي، وعندما لم يفلحوا في جر الفئات الأمازيغية الأخرى رفعوا شعارات البطالة والمعاناة الاجتماعية، وطالبوا الشباب في الولايات الأخرى بالخروج للشوارع، واضطر سعيد سعدي مكرهاً للانسحاب من الحكومة بعد الأحداث الدامية التي شهدتها منطقة القبائل منذ ٢٢ من الشهر الماضي للحفاظ على ما تبقى من مصداقية له في المنطقة التي يستمد منها أساساً شرعية وجوده. ويبدو أن أكبر حزبين في هذه المنطقة: (التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية) و (جبهة القوى الاشتراكية) بزعامة المعارض حسين آيت أحمد يؤثران بشكل ما على الأحداث. لكن جبهة القوى الاشتراكية استطاعت أن تحافظ على كثير من جسور الثقة مع السكان وجمعيات الأحياء والقرى، على عكس (التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية) الذي فقد أنصاره، وتحوّل المحايدون إلى خصومه منذ انضمامه إلى الحكومة السنة الماضية ومنذ انتشار أنباء عن تواطئه مع فصيل من قادة الجيش في سياستهم الهادفة إلى الحد من نفوذ الأمازيغ في الدولة. لقد شجع هذان الحزبان مناضليه في العشرية الماضية على محو الحرف العربي من الشوارع والطرق، وعناوين المحلات التجارية، ولم يترك سوى الحرف الفرنسي، وصار هؤلاء يمنعون استعمال اللغة العربية في التظاهرات الثقافية، ويجبرون المتحدثين على استعمال الفرنسية، فكم من محاضر مغاربي أو جزائري زار ولايتهم طلب منه أن يتحدث بالفرنسية أو يسكت. وليست المرة الأولى التي تنطلق فيها مظاهرات تخريبية في منطقة القبائل؛ ففي كل مرة تخرج هذه المظاهرات تخرب المرافق الحكومية والدولة تعيد بناءها دون معاقبة المخربين؛ وآخرها الحوادث التي جرت كانت بمناسبة اغتيال المغني معطوب الوناس سنة ١٩٩٨م؛ لأن هذا الشباب ربته الأحزاب الأمازيغية العلمانية على كره الإسلام؛ وهذه الأحزاب تعمل منذ عشرين سنة بتوجيه فرنسي على القضاء على أخلاق الإسلام وخلق شباب لا انتماء لهم قيمياً؛ لأنها ترى أنه ما دام الإسلام وأخلاقه قائماً فيصعب عليها تمرير خطابها المعادي للعروبة والإسلام. وزاد من هذا المد اللاأخلاقي عودة المغتربين القبائليين من فرنسا بعد أن تقاعدوا؛ فقد عادوا بسلوك المجتمع الفرنسي وبالأموال؛ فبنوا دارات فخمة حلت محل بساتين التين والزيتون المشهورة بها هذه المنطقة، وبين كل عشرين دارة تقام حانة تتحول إلى موقع انحلال ... وهذا هو الذي يفسر لماذا يقوم شباب القبائل الحزبي في كل مرة بمظاهرات تخريبية؛ لأنه تحول إلى شباب غير منتم دينياً وقيمياً، يتصرف بحقد على كل ما هو إسلامي.. ومن مظاهر الحوادث المحزنة أن كل سيارة تحمل رقم ولاية أخرى غير ولايتهم تكسر، بل وصل الحقد القبائلي أن يُضرَب كل شخص يُكتشَفُ أنه عربي جزائري. وقد شاهد سكان حي الحراش بالعاصمة شاحنات متوجهة لمسيرة حزب حسين آيت أحمد يوم ٣/٥/٢٠٠١م، تحمل شباباً يرسم إشارة الصليب على صدورهم وجبهاتهم، وظاهرة الصلبان منتشرة بمنطقة القبائل بتشجيع من الأحزاب ومن الجمعيات الأمازيغية. وعامل الفقر والبطالة التي تتحدث عنه وسائل الإعلام باعتباره العامل المحرك للأحداث غير حقيقي. فتعتبر منطقة القبائل أكثر منطقة جزائرية مستفيدة من الثروة الوطنية: فولاية تيزي وزو أفضل ولاية بنت فيها الدولة منشآت معمارية، وتمثل البطالة بولايتي بجاية وتيزي وزو أقل نسبة مقارنة بالولايات الأخرى. كما يمثل القبائل النسبة الغالبة في الوظائف العليا سواء بالمؤسسات الحكومية أو في شركات القطاع العام. وحتى في إطار اقتصاد السوق تنشأ ببلاد القبائل مصانع خاصة في صناعة الألبان والأجبان والمياه المعدنية وغيرها من المواد ذات الاستهلاك الواسع وتوزع في سائر القطر. إن الجزائريين العاديين باتوا يشكون من تمييز أهل منطقة القبائل حتى إنهم يرددون المثل الجزائري: (يأكل الغلة ويسب الملة) ، وأغلبية القبائل ضد هذا لكنها واقعة تحت إرهاب هذه الأحزاب والجمعيات المشبوهة. إن تمرد فئة من الأمازيغ لم يكن ليحدث في الماضي زمن تطبيق كتاب الله وسنة رسوله؛ ففي هذا الزمن كان الناس ملتفين حول هوية العقيدة: الفطرة التي خلقهم الله عليها، وتلاشت العصبية القبلية المنتنة، وعندما حُجِبَت شمس الشريعة والآصرة التي كان يتجمع المسلمون عليها سهل عليهم تقبل نعرات وعصبيات والعودة إلى جاهلية جديدة. وهكذا تتقاطع مؤامرة أقطاب الحكم في الجزائر مع مصالح فرنسا مع جهود طائفة متغربة لتصنع أحداثاً وتقلب موائد؛ ليعلم الله وحده إلى أين تتجه الجزائر؟
следующие страницы →