نص شعري
لك يا سُهَيْل [ ١]
عبد الملك السليمان
صَلَفُ [٢] الأماني يا سُهَيْلُ، يُثيرُ في نَفْسِي الضَّجَرْ ...
نَشَزَتْ لسَانحِهِ السِّنَاتُ [٣] ، فَكُنْتُ خِلَّك في السَّحَرْ ...
صَلَفٌ يُشَتِّتُ شَمْلَ أحْلامِ المِئين من البَشَرْ ...
وأتَى على الآمال في آكامِهنَّ، فلم يَذَر ...
أنا لَسْتُ أدري يا سهيلُ، مَنِ المُلامُ، ومَنْ غَدَرْ؟ ! ...
وَمَنِ المُنَاجِشُ، والذي رَهَنَ الحجَارةَ والشَّجَرْ؟ ! ...
وَمَنِ المُرَابِي بالثَّرى.. ومَنِ الذي بَاعَ الغَرَرْ؟ ! ...
صَلَفٌ.. ولَكنْ يا سُهَيْلُ.. يَحُوكُهُ عَزْمُ الخَوَرْ ...
ويحوكه الوَهْنُ الذي في أمره جَاءَ الأثرْ [٤] ! ...
إنِّي أبُوحُكَ يَا سهيلُ، وكَمْ رأيت من العِبَرْ! ...
فَتَحارُ ما بَيْنَ الطهُور، ومَنْ تَلَطَّخَ بالقَذَرْ ...
وتَحَارُ مِنْ نَبَأ الدُّجى؛ وَعَنِ النهار خُذِ الخَبَرْ! ! ...
أما الطَّهُورُ، فصاحِب الإرهابِ، مَمسُوخُ الفطَرْ! ! ...
ينوي الرزايا إنْ تَكلَّمَ، أو تَبَسَّمَ، أو بَسَرْ! ! ...
وإذا تنفَّسَ أصبح الأُوزونُ [٥] حتماً في خَطَرْ ...
والآخَرُ البَطلُ الذي قاد البلادَ إلى الظَفَر ...
ولَهُ بكُلِّ خَلِيقةٍ مَثَلٌ على أبهى الصُوَرْ ...
ما السِّرُّ في صَلَفِ الأماني.. إنما صَلَفُ البَشرْ ...
стр. 3957
وقفات
صورة أخرى للتبعية
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
عرفنا التبعية الثقافية والفكرية من خلال أطروحات النخب العلمانية المثقفة،
ورأينا كيف يحاصرهم الفكر الغربي أو الشرقي بمدارسه المختلفة من كل اتجاه
فيؤثر على مبادئهم وقدراتهم النقدية، وعلى موازينهم الفكرية، حتى أصبح ذلك
الفكر عندهم هو المرجعية المعصومة التي يستسلمون لها، ويتحاكمون إليها.
ولئن كان من طلائعهم الفكرية من دعا منذ عقود إلى: «أن نسير سيرة
الأوروبيين، ونتبع طريقتهم في خيرها وشرها، حلوها ومرها» [١] ؛ فإن كثيراً
منهم في زمن العولمة! مضى إلى أكثر من ذلك، وراح يصول على أمنها وفكرها
صولة المحاربين، ويتشدق بكل صلف وكبرياء مفتخراً بانتسابه إلى المدرسة
الغربية، وما الاحتفال الحاشد بمناسبة مرور مائتي عام على دخول نابليون إلى
مصر إلا دليلاً قاطعاً على مقدار السقوط المريع لتلك النخب تحت أعتاب الغرب،
ووقوعهم في مأزق التبعية العمياء التي لا تتجاوز ترجمة الفكر الغربي، والانكفاء
المطلق على أدواته المعرفية وأصوله الفكرية..! ! [٢] .
ويشرح المفكر الفرنسي الشهير (جان بول سارتر) بوضوح كيفية تربية
التبعية الفكرية بقوله: «كنا نُحضر رؤساء القبائل وأولاد الأشراف والأثرياء
والسادة من إفريقيا وآسيا، ونطوف بهم بضعة أيام في أمستردام ولندن والنرويج
وبلجيكا وباريس؛ فتتغير ملابسهم، ويلتقطون بعض أنماط العلاقات الاجتماعية
الجديدة، ويتعلمون منا طريقة جديدة في الرواح
والغدو، ويتعلمون لغاتنا، وأساليب رقصنا، وركوب عرباتنا، وكنا ندبِّر لبعضهم
أحياناً زيجات أوروبية، ثم نلقنهم أسلوب الحياة الغربية. كنا نضع في أعماق
قلوبهم الرغبة في أوروبا. ثم نرسلهم إلى بلادهم.. وأي بلاد؟ ! بلاد كانت أبوابها
مغلقة دائماً في وجوهنا، ولم نكن نجد منفذاً إليها، كنا بالنسبة إليهم رجساً ونجساً،
ولكن منذ أن أرسلنا (المفكرين!) الذين صنعناهم إلى بلادهم، كنا نصيح من
أمستردام أو برلين أو باريس: الإخاء البشري! فيرتد رَجْعُ أصواتنا من أقاصي
إفريقيا أو الشرق الأوسط أو شمالي إفريقيا.. كنا نقول: ليحل المذهب الإنساني أو
دين الإنسانية محل الأديان المختلفة، وكانوا يرددون أصواتنا هذه من أفواههم،
وحين نصمت يصمتون، إلا أننا كنا واثقين من أنَّ هؤلاء المفكرين (! !) لا
يملكون كلمة واحدة يقولونها غير ما وضعنا في أفواههم ... !» [٣] .
غير أنَّ اللافت للنظر أن بعض صور هذه التبعية الفكرية وقع في شراكها
بعض من ينتسب إلى الفكر الإسلامي الحديث، وجرفه تيار الهيمنة الغربية ليذوب
في بوتقته الثقافية. ولئن كانت الصدمة الحضارية التي تعرَّض لها الشيخ الأزهري
رفاعة الطهطاوي (١٨٠١ ١٨٧٣م) لمَّا سافر إلى باريس إماماً للبعثة المصرية قد
زلزلت قناعاته السابقة وأسقطته في مأزق التبعية للفكر الفرنسي، فراح يُمجِّد
الحضارة الغربية ويدعو إلى السير في ركابها؛ فإنَّ الصدمة الحضارية التي تعرَّض
لها بعض المفكرين الإسلاميين المعاصرين بعد أكثر من مائة عام على صدمة
الطهطاوي قد كشفت عن أنماط فكرية متعددة حاولت أن تفسر نصوص الكتاب
والسنة تفسيراً عصرياً تقدُّمياً (!) يجرِّدها من مقاصدها الشرعية، كما سعت إلى
تفريغ عقول الأمة من فكرها وعقيدتها الصافية التي لم تكدرها شوائب الضلالة،
وحشوها بفكر مستورد يمسخ الهوية، ويقطعها من جذورها الأصيلة، ويدعو إلى
إعادة صياغة القيم والمبادئ الإسلامية لتتلاءم مع واقع العولمة والانفتاح الحضاري
المعاصر.
وبرزت في الآونة الأخيرة أقلام واتجاهات من المتغربين الإسلاميين في شتى
التخصصات الاجتماعية والسياسية والفكرية والفقهية.. ونحوها طوَّفوا كثيراً في
مدارس الفكر الغربي وتأثروا برشاشها، ثم انتحلوا كثيراً من ثقافتها، وانطلقوا
ينشرون أطروحاتهم في فهم الإسلام و (عقدة الغرب) تسيطر على عقولهم باسم
التجديد والإبداع حيناً، وباسم السماحة والتيسير أحياناً أخرى [٤] .
نعم! ربما كان كثير من هؤلاء المفكرين لا يريد إلا نصرة الإسلام والذبَّ
عنه، وآلمهم هجمة التيارات العلمانية الشرسة على الأمة، فأرادوا صياغة فكر
جديد وفقه حديث يسد الثغرات زعموا! على هؤلاء المفسدين؛ ولهذا مثلاً كان
المعيار الفقهي الذي استندوا إليه هو (تحسين صورة الإسلام) ! فانهزموا أمام ذلك
الواقع المنحرف، وتأثروا بالضغوط الإعلامية والفكرية، وراحوا يطوّعون
النصوص لتتجارى مع ذلك الواقع، وبدؤوا ينقِّبون في أقوال الفقهاء المتقدمين
والمتأخرين عمَّا يسوِّغ آراءهم..!
إذن لم يكن المنطلق في تحسين صورة الإسلام هو البحث في النصوص
الشرعية المحكمة وتعظيمها والوقوف عند حدودها، بل كان المنطلق هو البحث عن
مخارج فقهية وإن كانت متكلفة لتتوافق مع الرأي الفكري السائد.
صحيح أنَّ التيسير على الأمة، ورفع الحرج عن المكلفين مما تواترت به
النصوص الشرعية، وما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار
أيسرهما ما لم يكن إثماً، ولكن التيسير إنما يكون بالنصِّ لا بالهوى، ورفع الحرج
يكون بالدليل لا بمجاراة الناس.
وها هنا تتضح المعضلة؛ فأهم ما يميز هذا التيار هو سقوطه في بحر
الانهزامية، وآفة التقليد الأعمى، واستسلامه لضغط التيار السائد، وجعله حَكَماً
على النصّ..!
والعجيب أنك عندما تتحفظ على هذه الانهزامية تُتَّهم بالجمود والرتابة
والانغلاق، حتى أصبح المعروف منكراً، والمنكر معروفاً..! وهنا مكمن
الخطر.
стр. 3958
قراءة في كتاب
الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية
المؤلف: الدكتور حامد عبد الماجد قويسي.
الناشر: دار التوزيع والنشر الإسلامية.
حجم الكتاب: ٥٦٦ صفحة من الحجم الكبير.
عرض: وائل عبد الغني.
هذه الدراسة المنهجية المتخصصة في النظرية السياسية الإسلامية نال بها
الباحث درجة الماجستير من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة.
تنطلق الدراسة من افتراض مفاده: أن النجاح أو الإخفاق على المستوى الداخلي
والخارجي في ممارسة الوظيفة العقيدية للدول أو الأنظمة التي تعاقبت على حكم أمة
الإسلام ما هو إلا اختلاف في الدرجة لا في النوع؛ ومن ثم اتصفت الممارسة بقدر
كبير من الاستقرار والاستمرار.
هذه الوظيفة قد عرفتها الخبرة الإسلامية بدرجة مكثفة دون أن يكون لها
الوضوح الكافي على مستوى الدراسات من قبل، وقد رأى الباحث أن يتم التنظير
لها على ثلاثة مستويات:
١ - مستوى القيم التي تحكم الوظيفة (المبادئ) .
٢ - مستوى البناء النظامي (الهياكل والمؤسسات) .
٣ - مستوى قواعد الممارسة ونماذجها التطبيقية.
وتسعى الدراسة لبيان قيمة الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية في إطار نظرية
وظائف الدولة الإسلامية وتحديد موقعها منها في إطار من التجريد والعمومية.
ويتقدم المؤلف بين يدي بحثه بفصل تمهيدي يوضح فيه أهمية انطلاق
التنظير من (المنهج المعرفي المستمد من الوحي) بواقعيته المثالية؛ لتلافي آثار
أزمة الانطلاق من المنهج الغربي التي اتضحت معالمها هناك على مستوى: المنهج،
والنظرية، والتطبيق، بالإضافة إلى ما يمكن أن ينشأ من إشكاليات مضاعفة عند
تطبيقه على واقعنا الإسلامي؛ لقصوره عن تفسير كثير من الظواهر التي تنشأ
داخل مجتمعاتنا المسلمة نتيجة لقصور مسلَّماته وجمودها عند حدث معين ولحظة
تاريخية معينة، ولعل هذا يفسر جزءاً كبيراً من إخفاق الأنظمة العربية في تحقيق
أي من أهدافها التي رفعتها غداة استقلالها.
فطبيعة المنهج وضرورة التميز العقيدي تمليان علينا ضرورة البناء العلمي
والتطبيقي على هدي قواعده وأصوله المستمدة من الشرع.
ويحتوي الكتاب إلى جانب المقدمة القيمة التي تصلح لأن ينال على
موضوعها مع شيء من العمق والتوسع درجة علمية بجدارة خمسة فصول، يقطع
في كل منها شوطاً نحو بناء النظرية:
ففي الفصل الأول:
يضع إطاراً لوظائف الدولة الإسلامية، ويبين موضع الوظيفة العقيدية، وفيه
يتناول برؤية نقدية الكتابات التي عالجت وظائف الدولة الإسلامية، ويفرق فيها بين
اتجاهات تقليدية، وتجديدية.. والقديم منها والمعاصر، من أجل استخلاص بعض
النتائج التي تمهد لبناء مفهوم الوظيفة العقيدية لغوياً وأصولياً ليعتمده أساساً للتنظير.
ويرى المؤلف أن الاتجاه التقليدي قد ركز بوجه عام على الإمامة والخلافة
والإمارة باعتبارها تحقق أهدافاً منبثقة من التصور العقيدي العام، وقد ركز على
وظائف الدولة باعتبارها واجبات الإمام واختصاصاته دون اهتمام بواجبات الرعية
والعلماء وأهل الحل والعقد باعتبارهم جزءاً من الحقيقة البشرية للدولة.. وقد قدم
لنا هذا الاتجاه قوائم سردية بوظائف الإمام وواجباته مع خلط وقع بين الوظائف
وأدوات الممارسة.. ويُعَدُّ الماوردي والفراء أبرز من تكلم في هذا المجال، وكثيراً
ما تأثرت كتابات هذا الاتجاه في أسلوب عرضها بالواقع السياسي الموجود سواء في
المذكور أو المسكوت عنه.
أما كتب الفارابي وإخوان الصفا وأمثالهم فلا تنطلق من أنموذجنا المعرفي؛
إذ كتبت في ظروف تعرَّض فيها العالم الإسلامي لموجة تغريب من الحضارتين
الفارسية واليونانية ربما كانت أقسى مما هو مشاهد اليوم من أوْرَبَةٍ وأمْركة، وقد
كانت تلك الكتابات بمثابة نقطة البدء في الفصل بين ما يمكن أن يسمى «وظائف
دينية» و «وظائف دنيوية» .
ورغم الإسهامات الجادة لهذا الاتجاه فإنه لم يقدم لنا مفهوماً واضحاً لوظائف
الدولة، ولم تنضج منهجيته لتقدم لنا حواراً منهجياً فعالاً بين الأوامر المنزلة وبين
قضايا الواقع.
وفي المقابل نجد أن الاتجاه التجديدي قد ركز في كتاباته القديمة على الخطوط
العامة دون خوض في التفصيلات مع أهميتها في كثير من الأحيان، لكنها شكلت
تياراً مستمراً مرتبطاً بحركة الاجتهاد على امتداد الساحة الزمانية والمكانية للدولة
الإسلامية.
وقد قطعت هذه الكتابات شوطاً في التأصيل؛ إذ قدمت نظرة شاملة ومتكاملة
لمضمون وظائف الدولة، وأصَّلت له وربطت مفهومه بمفهمومَيْ: «الولاية»
و «الأمانة» كما جاء في كتابات ابن تيمية، وبـ «الخطط» كما هي في كتابات
ابن خلدون، وكما ربطته بالمقاصد والمصالح الشرعية التي محورها: «حراسة
الدين وسياسة الدنيا به» .
أما الكتابات المعاصرة في الاتجاه نفسه فقد ربطت هذه الوظائف بمفهومَيْ
«الحاكمية» و «الاستخلاف» وبين مفهوم الدولة ووظيفتها وفكرتها وعقيدتها في
نظرة شاملة ومتكاملة، دون أن ترقى لتشكل نظرية في هذا الجانب، كما أنها لم
تستخدم المداخل الاجتهادية (القياس، والاستصلاح، والاستصحاب) في ضبط
الممارسة.
ويرى المؤلف في نظرته التي تأتي امتداداً للاتجاه التجديدي أهمية وجود
تصور واضح عن مفهوم الدولة ونشأتها وتطورها - ووظائفها حتى يمكننا التعرف
على طبيعة الوظيفة العقيدية وبلورة مفهومها في شكل نظرية؛ فيرى أن مفهوم
الدولة: عبارة عن بلورة نهائية لترابط عضوي بين حقيقتين: معنوية (عقيدة
التوحيد) ، وبشرية (أمة إمام أهل الحل والعقد) .
ومن حيث نشأة الدولة وتطورها: يرى وجود رابط سببي وزمني بين نشوء
الدولة وبين مولد الرسالات السماوية، فنجد في القرآن تأصيلاً لهذه النشأة: [كَانَ
النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ
لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ
البَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ] (البقرة: ٢١٣) ، فهناك مرحلة الأمة الواحدة.. ثم مرحلة
الاختلاف.. ثم مرحلة إرسال الرسل ونشأة الدولة التي نشأت بجهد أتباع الرسل
المسدَّد باتِّباعهم لمنهج الرسل.
أما الوظائف: فيفرق بين مستويات ثلاثة:
- الوظيفة باعتبارها قيمة.
- الوظيفة باعتبارها بناءً مؤسسياً.
- الوظيفة باعتبارها ممارسة وسلوكاً.
ويرى المؤلف أن «الوظيفة العقيدية» و «الوظيفة الاستخلافية» هما
مضمون وظائف الدولة؛ حيث تتبلور كل وظيفة عن قيمة محددة.. ثم تتمحور
القيم لتعبر عن قيمة واحدة هي قيمة «التوحيد» ، وتسعى لإنجاز مقصد واحد هو
«حفظ الدين» ، والذي يرتبط هو الآخر بمفاهيم: العبادة.. والأمانة..
والاستخلاف.
أما الوظيفة الاستخلافية فهي في جوهرها تابعة ومساندة للوظيفة العقيدية،
وتشتمل على وظيفتين يندرج تحت كل منهما وظيفتان:
العمران: ويندرج تحتها الوظيفة الإنمائية والأمنية.
والعدل: ويتحقق ب: الوظيفة التوزيعية والجزائية.
هذه الوظائف تتساند لتشكل الوظيفة الاستخلافية التي تتبع وتساند الوظيفة العقيدية
التي جوهرها التوحيد وتتحدد في ثلاثة أبعاد:
١ - تحديد موقف واضح من العقيدة (إعلان الالتزام) .
٢ - بناء وتأسيس الكيان العقيدي بما يحويه من نظم.
٣ -القيام بواجب الدعوة من خلال الإقناع.
وهو ما ستوضحه الفصول القادمة.
الفصل الثاني: بناء مفهوم الوظيفة العقيدية:
بدءاً بالدلالة اللغوية للتركيب حيث يشير إلى: «مجموعة الأنشطة والعمليات
الملزمة التي تقوم بها الدولة لتحقيق المنهج الذي ينبثق من العقيدة التي يعتقدها
ويرتبط بها مجتمع من المجتمعات أو نظام من الأنظمة» .
ومروراً بالدلالة الأصولية التي تعني: الولاية الشرعية العامة للدولة
الإسلامية في تنفيذ وممارسة الفروض والواجبات الكفائية المتعلقة بحق الله تعالى
بوجه عام «والتي تخدم كثيراً في صياغة النظرية.
وعلى مستوى النظرية نجد أمامنا ثلاثة مقومات تتشكل منها معاً هذه الوظيفة:
- حقيقة معنوية جوهرها التوحيد.
- حقيقة بشرية تشكل الجسد السياسي للدولة (الخليفة العلماء أهل الحل
والعقد الرعية) .
- العلاقة بين الحقيقتين وهي علاقة إيمان واعتقاد من جانب، وتوظيف
وعمل من جانب آخر.
هذا المفهوم وفق هذه الرؤية يتفرد بسمات الشمول والحركية والواقعية وتعدد
المستويات والأبعاد والأطراف والعموم والتجريد الذي يؤهل لصلاحيته للإنسان في
أي زمان ومكان.
وسيتم تفصيل ذلك في الفصول القادمة.
الفصل الثالث: مضمون الوظيفة العقيدية وأبعادها:
أما من جهة المضمون: فإن وظائف الدولة تعبر في التحليل الأخير عن القيم
الأساسية في المجتمع التي جوهرها التوحيد باعتبارها القيمة المحورية العليا،
والتي تفرض تحديد مقصد الوظيفة التي تعبر عنها، كما تحدد نظام القيم الإسلامي
الذي يتميز بخصائص الشمول والمثالية والواقعية والحكمة في الممارسة والوحدة في
التعامل والطابع الإنساني العالمي، كما يتميز بالجمع بين الجماعية والفردية في آن
واحد.
وتسعى العقيدة من وراء ذلك إلى إحداث التغيير كمّاً وكيفاً من خلال الممارسة
وصولاً إلى المثالية العليا التي تتميز في نموذجنا الإسلامي برؤية واضحة وهدف
محدد هو الفوز الأخروي، وترتبط بوظيفة الاستخلاف على منهاج النبوة.
وبأسلوب أوضح تعد ممارسة الوظيفة العقيدية في الواقع العملي جوهر التطبيق
الواقعي لتوحيد الألوهية وتقترب كثيراً من الصياغة الحديثة لمفهوم الحاكمية، أو
بالتعبير الشهير مقصد (حفظ الدين) ليس بمفهوم الدولة الحارس الذي عرفته
الخبرة الأوروبية والذي يعني الحفاظ على العقيدة في أصولها وإنما بتطبيقها في
الواقع العملي الحيوي بجميع جوانبه وأبعاده والذي لا يتم إلا في إطار كيان سياسي؛
ذلك أنه لا يسع المسلمين أن يعبدوا الله بالمفهوم الشامل إلا حين يغدون رعايا
مخلصين لدولة إسلامية، ولن يتاح لهم أن يعيشوا بما يتفق مع أخلاقيات عقيدتهم
إلا من خلال الانتماء إلى أمة المؤمنين؛ ولهذا فمقصد» حفظ الدين «مقصد سابق
لوجود الدولة التي تفقد مسوِّغ وجودها إذا ما تخلت عنه أو تنكرت له.
وفي هذا الصدد يمكننا أن نتصور حدين في هذا المجال:
حداً أدنى: تغدو به الدولة مسلمة، ويتمثل في إعلانها الالتزام بالإسلام،
وعدم إخلالها بمنطقة المحكمات (المعلوم من الدين بالضرورة) .
وحداً أعلى: تكون به الدولة إسلامية، وهو نموذج أرقى تسعى فيه الدولة
لتحقيق مقاصد الشريعة كلها في إطار المحكم وفي إطار الظني بإعمال الاجتهاد في
مجاله.
وعندما تصل الدولة إلى تحقيق مقاصد الشريعة الخمسة على الأقل في درجة
الضروريات التي تتبلور في مقصد حفظ الدين، فإنها تصبح مسلمة.. وبينها وبين
أن تكون إسلامية مسافة أخرى تشمل الاجتهاد في مساحة الظنيات. والفارق كما
يبدو نوعي وكمي في آن واحد؛ فهي لا تصبح إسلامية دون أن تكون مسلمة؛ كما
يشك بدرجة كبيرة في أن تظل مسلمة دون أن تنجز المقاصد الشرعية من خلال
الانتقال من مجرد إعلان قبول الالتزام العقيدي وحمايته إلى محاولة تحقيقه وبناء
المجتمع العقيدي من خلاله، والتعامل الخارجي انطلاقاً من مبدأ الدعوة، وأن يكون
رجوعها إلى الشرع رجوع افتقار لا رجوع استظهار، ولا يقبل التعلل بالتدرج في
التطبيق؛ إذ الفرق جلي بينه وبين الانحراف؛ فالتدرج لا يمكن من خلاله الإخلال
بمبدأ الاحتكام إلى الله ورسوله من خلال التلاعب بالنصوص لتسويغ الانحراف في
عملية الممارسة.
ويلفت النظر إلى أن مقصد» حفظ الدين «لا يجوز أبداً قصره على المعاني
المباشرة للّفظ؛ بل يعني أيضاً الحفظ الحقيقي المنصرف إلى الكيان البشري الذي
يكوّن الجسد السياسي للدولة، أي حفظ العقيدة مطبقة في الأمة، ويرتبط بهذا مقصد
آخر هو الوحدة.. سواء على مستوى الكينونة الفردية، أو الكيان الاجتماعي على
مستوى الإدراك.. والولاء.. والنظام.
أما من حيث الأبعاد: فنجد أمامنا ثلاثة جوانب رئيسة كبيرة ومتكاملة يؤدي
بعضها إلى بعضها الآخر وهي:
١ - تحديد موقف من العقيدة وحمايتها.
٢ - بناء الكيان العقيدي (المجتمع الملتزم بالعقيدة) .
٣ - تحقيق غايات البناء من خلال الممارسة (أداء الوظائف) .
ومن الثابت أن الدولة في جميع نماذجها التاريخية كانت تسعى لممارسة عقيدة
معينة ارتبط وجودها المعنوي والحضاري بها؛ ولهذا فإن الموقف من العقيدة لا
يعدو القبول أو الرفض، أما فكرة الحياد التي تدعيها بعض النظم؛ فهي نوع من
القفز على الحقائق؛ إذ لا بد من استبطان عقيدة أو أيديولوجية تسعى لتحقيقها.
ولهذا فإن الموقف الإيجابي بإعلان الدولة التزامها العقيدي يعد أول مستويات
الممارسة.
أما عن الحد الفكري لإسلام الدولة قياساً على الشهادتين بالنسبة للفرد فيتمثل
في الإقرار بأمور هي:
١ - أن الحاكمية لله وحده، وأن الدولة أداة من أدوات الاستخلاف.
٢ - أن القانون الأساسي للدولة الإسلامية هو الشريعة الإسلامية.
٣- بطلان كل قانون مخالف للشريعة وإلغاؤه.
٤ - على الحكومة ألا تتصرف في شؤون الدولة إلا ضمن الحدود المرسومة
في الشريعة لوظيفتها.
هذه الأمور تعد الخطوة الأولى التي لا يقبل دونها؛ لأن إعلان الالتزام
العقيدي يوضح» فكرة الدولة «الأساسية وغاية قيامها.. ويحدد مواطنيها وماهية
حقوقهم وواجباتهم، وعلى أي أساس تُكتسب أو تفقد، والمبادئ التي يسير عليها
جهاز حكومتها المتحكم في سلطاتها الإدارية وقواعد مسؤوليتها وحدود وظيفتها؛
ولهذا يرى البعض أهمية وضع دستور إسلامي يحدد النظام العام، وهو ما تحدده
المثالية الإلهية والعقيدة التوحيدية المنبثقة عنها، ولا يجوز مخالفته ويعاقب كل من
يخالفه أو يحاول الاعتداء عليه.
وأما حماية العقيدة فتكون من كل ما يشكل نقضاً (الردة) أو تحريفاً
(الابتداع) .
وفي مجال الدعوة يبرز المنطق الاتصالي ودوره في إزالة اللبس وسوء الفهم
الذي يمكن أن يحول بين الناس وبين اعتناقهم للإسلام دون إكراه.
أما المستوى الثاني: فهو بناء الكيان العقيدي (أو المجتمع الملتزم بالعقيدة)
والذي يعني بلورة العقيدة على المستوى العملي في كيان عضوي بشري يحقق
غايات المثالية العليا الإلهية والعقيدة الإسلامية، والذي يؤسس حركته على الإيمان
بالله واليوم الآخر، ويؤسس روابطه على عقيدة الولاء والبراء التي تعطي عقد
الولاء للمؤمنين، والذمة لأهل الكتاب، والبراء من الكافرين والمنافقين.
وتتم عملية البناء على مرحلتين: التكوين، ثم البناء والتأسيس.
ثم يأتي المستوى الثالث: تحقيق غايات البناء التي تتبلور حول تمكين الفرد
والمجتمع من تحقيق ذاتيتهما الإسلامية في الواقع التطبيقي والاجتماعي داخلياً.
وتمارس الدولة واجبين في إطار قيامها بوظيفتها العقيدية هما:
١ - الإشراف على إقامة فروض الكفايات وتنظيمها.
٢ - مراقبة إقامة فروض الأعيان.
أما على مستوى التعامل الخارجي فنجد وظيفة الدعوة التي تنطلق من رؤية
توحيدية للعالم الذي يتمحور جغرافياً حول القبلة، وإنسانياً حول آدم» الناس بنو
آدم، وآدم من تراب « [١] ، ومن منطلق عالمية الحضارة الإسلامية صاحبة الدين
الخاتم المنفتح على الإنسانية كلها؛ ولهذا نجد التعامل الخارجي يخضع لمجموعة
من الأسس هي:
١ - الاتصال هو محور التعامل الخارجي.
٢ - وحدة الانطلاق من القاعدة الثقافية والتعامل الفكري (الإقناع والاقتناع) .
٣ - وحدة قيم التعامل حيث إن التعامل الخارجي هو امتداد للداخلي.
٤ - الاتصال مع القيادات الحاكمة بصدد الإقناع بالدعوة وعرض الرسالة.
وإلى جانب مسلك الدعوة هناك مسلك مساند هو الجهاد الذي يراه المؤلف أداة
فكرية وحقيقة معنوية تضم مجموعة من المبادئ المعنوية والأخلاقية.
وتوضح لنا الخبرة التاريخية الأدوات التي تمت الدعوة من خلالها؛ كالرسائل
والسرايا والغزوات وعقود الصلح والموادعة والمعاهدات.
الفصل الرابع: الإطار النظامي والمؤسسي للوظيفة العقيدية:
ويعني بها المؤسسات التي تترجم مدارك الأمة ووعيها إلى واقع عملي، وتعد
صلة بين الوظيفة كقيم والوظيفة كممارسة؛ ومن هنا فإن التوحيد بوصفه قيمة
محورية يمكن تحقيقها من خلال قيمتين نظاميتين هما:» الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر «داخلياً، و» الدعوة «خارجياً.
وكلا المبدأين واضح الأبعاد والدرجات والمستويات وفق أسس واضحة محددة
المحتوى والمضمون، مقننة لأشكال نظامية تقوم على تطبيقه وتحويله إلى واقع
حيوي.
أولاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
وهو متردد بين الفرضية العينية والكفائية، ولا تسقط عهدته إلا بالأداء أو
العجز، وتتأكد فرضيته في مثل حال المحتسب وأهل الاختصاص في تخصصهم،
وهو من حيث القدرة متدرج يبدأ من التغيير بالقلب بالمفارقة والمفاصلة
الشعورية.. ثم باللسان الذي يمكن لنا أن نُدخِل في إطاره بعض الممارسات
المعاصرة في المجالات التربوية والتعليمية والثقافية والإعلامية.. ثم يأتي المستوى
الثالث: التغيير من خلال القوة التي توسَّع مفهومها اليوم فاستوعبت صوراً
معاصرة يمكن أن تستخدم في عملية التغيير، خاصة في وقت لم يعد المعروف
الأكبر هو التوحيد، كما لم يعد حد المنكر يقف عند المناكير والكبائر الجزئية
والمحلية، بل يتصاعد حتى يصل إلى مناكير السياسة العامة التي يتمثل أكبرها في
التبعية والإذعان لهيمنة القوى الاستعمارية.
ثانياً: الدعوة:
وهي وظيفة خارجية مكملة للوظيفة الداخلية وكلاهما مستمر في الأمة كما
عبَّرت عنه الآية بصيغة المضارعة: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ] (آل عمران: ١٠٤) ، ولهذا فإن الدعوة تمثل
ممارسة واجبة الأداء على الكفاية لإدخال أمة الدعوة في أمة الإجابة، وهو مبدأ
توظف له الدولة إمكاناتها كافة لتحقيق الهدف الأسمى، وترسم خططها لتحقيق
متطلباته الآنية والمستقبلية وفق منطلقاته الثلاثية: الحكمة.. الموعظة الحسنة..
الجدال بالتي هي أحسن؛ وهي مبادئ تكفل حسن الأداء في ظل تغير الظروف
الدولية والداخلية.
وتفاعلاً مع هذه القضية يطرح المؤلف مدى قابلية النظام الدولي الجديد
لممارسة الدولة الإسلامية واجبَ الدعوة إلى الله.. ويحاول أن يتلمس الإجابة في
ظل وضع دولي محفوف بالمخاطر..! ويقدم ملامح عامة يمكن من خلالها بناء
تصور ما حول الرؤية الواقعية والمستقبلية لهذه الفريضة المهمة.
ويفرق المؤلف بين الدعوة بوصفها وظيفة اتصالية وبين المفاهيم السائدة في
هذا المجال على الساحة الدولية؛ كالدعاية، والحرب النفسية، والتسميم السياسي.
وبعد أن أوضح صورة الإطار النظامي للوظيفة العقيدية بدأ في الاقتراب أكثر
من طبيعة الأداء، فتحدث عن الأشكال النظامية معتمداً على الخبرة الإسلامية.
ويفرق في هذا الصدد بين نوعين من الأشكال النظامية:
أ - أشكال تأسيسية: (تقوم بإنشاء الأشكال المؤسسية) .
ب - أشكال مؤسسية: (أساسية مساندة) .
ويمكن فهم الأشكال التأسيسية في إطار مؤسسات المسجد باعتباره شكلاً نظامياً
تأسيسياً؛ إذ يحوي العناصر التي تقيم الأشكال المؤسسية؛ فيحوي مؤسسة أولي
الأمر وأهل الحل والعقد وهم أهل الاختيار الذين يختارون الحاكم، وأهل الشورى
من أهل العلم والدراية، وأهل الاجتهاد من العلماء الحائزين لشروط الاجتهاد.
أما الأشكال المؤسسية فمنها ما هو أساسي، ومنها ما هو مساند، وتحمل لنا
الخبرة الإسلامية صوراً للأساسي مثل مؤسسة الحسبة، ودور العلم، والمدارس
الإسلامية التي تعالج تطبيق مبدأ الأمر بالمعروف على مستوى الداخل، إلى جانب
ديوان الرسائل وديوان الجند اللذين يمارسان الدعوة على مستوى الخارج.
كما عرفت الخبرة عدداً من الأشكال المساندة كان أهمها مؤسستي: أهل
الفتوى، وأهل القضاء.
ولكل شكل من هذه الأشكال مبادئه وصوره وقوانينه وأدواته النظامية التي
تحكمه وتضبط عمله بما يحفظ لعملية ممارسة الوظيفة العقيدية الأداء.
وتكشف لنا الممارسة العصرية عن ثلاثة أنواع للأشكال النظامية يجب التمييز
بينها:
١- (أشكال أصلية) ناتجة عن حكم شرعي يوجبها لإنفاذ أحد فروض الكفاية،
ويأتي في حكمها الأشكال الطبيعية الناتجة عن وضع تكويني في مجتمعنا يقره
الإسلام.
٢ - (أشكال طارئة) وجدت قبل الاستعمار لكنها مثلت انحرافاً عن الإسلام
٣ - (أشكال وافدة) جاءت مع الاستعمار الأوروبي المعاصر.
وقد تم تحجيم النوع الأول، وضربت فعاليته لصالح النوعين الآخرين بما
يعني قطع أي إمكانية لتطوير الأشكال النظامية الأصيلة وتوليدها لأشكال تحقق
التواصل! وقد خلفت هذه المعضلة كثيراً من المشاكل والتعقيدات تحول دون
الاستقلال الحقيقي والتنمية في ظل اغتراب السلطة عن الجمهور وهامشية
المؤسسات الأصلية الموجودة وعدم فاعليتها.
ومن هنا كان لا بد من طرح تساؤلات جادة حول منهجية بناء الأشكال
المؤسسية في الواقع الحالي التي نجد في مدخل الذرائع حلولاً لإشكالاتها.
وينبه المؤلف إلى أن معالجة الوظيفة العقيدية على مستوى التنظير بوصفها
وظيفة لدولة إسلامية قائمة وموجودة بالفعل هو أمر غير واقع الآن، دون أن ينفي
ذلك وجود مستويات لممارسة الوظيفة يقوم بها المجتمع المسلم حتى في ظل غياب
الدولة تنبني على الاجتهاد المرحلي أو الانتقالي، كما ينبه إلى ضرورة الابتعاد عن
النمط الأوروبي المتَّسم بالضخامة والتعقيد والعودة إلى النماذج الصغيرة في
المجتمعات الاجتماعية والسياسية، في ضوء ما يسميه: (تفاعل المقاييس) الذي
يعتمد على الأبعاد المقدارية والوصفية والآماد والمعدلات، بجوار الجوانب
الموضوعية التي يعالجها مدخل الذرائع في فهم الواقع، وإيجاد ما يناسبه من حلول
لمعضلاته.
الفصل الخامس: فاعلية الوظيفة العقيدية في الممارسة:
وقبل أن يعرض المؤلف لنماذج تاريخية تعبر عن صدقية ما بناه في فصوله
السالفة يشير إلى مبدأ علمي مهم هو: عدم جواز الخلط بين الظاهرة باعتبارها
مبدأ، والخبرة باعتبارها معالجة.
يقدم لنا أربعة نماذج تطبيقية متقابلة: اثنين للنجاح.. واثنين للإخفاق..
تجمع الدلالات السلبية والإيجابية بوصفه أمراً علمياً مقصوداً في ممارسة الوظيفة
العقيدية بمستوياتها المختلفة.
النموذج الأول: نموذج الدولة النبوية: من حيث كونه نموذجاً قياسياً للنجاح
يمكن الاحتكام إليه في فهم دلالات أي ممارسة للوظيفة سواء في مرحلة التأسيس،
أو مرحلة الممارسة، بدءاً بإعلان الالتزام العقيدي وحمايته، ومروراً بمستوى بناء
الكيان العقيدي، ووصولاً إلى التعامل الخارجي من منطلق الدعوة؛ هذا النموذج
مع مثاليته المرهفة مثّل واقعاً يمكن القياس عليه والاستلهام منه.
وفي المقابل نجد النموذج الثاني: يتمثل في دولة بني إسرائيل في عهد نبي
الله موسى ﵇ بدلالاتها الغنية ونتائجها، كنموذج قياسي للإخفاق في أداء
هذه الوظيفة، يمكن أن يمثل عنصر خبرة في فهم أسباب الإخفاق النفسية والإيمانية
والأخلاقية والاجتماعية للنموذج الذي يعد افتراقاً عن إطاره العقيدي في مستويات
الممارسة ويصلح في فهم أي مرحلة تاريخية أخرى.
النموذج الثالث: من النماذج التاريخية نموذج الدولة في عهد عمر بن
عبد العزيز: باعتبارها مؤشراً قوياً على إمكانية التطبيق، ومدى النجاح في
الاقتراب من النموذج القياسي؛ متى ما صحت المنطلقات وتبنت الدولة أداء هذه
الوظيفة، هذا ما تظهره التجربة وتؤكده الدلالات التي يمكن استخلاصها
هنا.
وفي المقابل يأتي النموذج الرابع: ليبرز تجربة دول (ملوك الطوائف)
باعتبارها نموذجاً تاريخياً للإخفاق؛ سواء في الميلاد أو التأسيس أو في الممارسة
التي افترقت كثيراً عن الإطار العقيدي الجامع.
وفي الخاتمة:
يعود المؤلف فيفصّل في قضية التميز المنهجي الذي افتتح بها دراسته القيمة.
- فيمايز بين الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية وبين الوظيفة الدينية للدولة
البابوية التي يقدس فيها الحاكم، وتطلق سلطاته كما هو معروف في الخبرة
الأوروبية وفي النموذج الفرعوني، أما النموذج الإسلامي فيجمع بين إلهية
المصدر، والطبيعة الاجتهادية المنضبطة بالأصول الشرعية - المحتملة للخطأ
والصواب.
- كما يمايز بينها وبين الدولة والحكومة الأيديولوجية التي تقوم على فكرة
إلغاء الدين باسم السياسة، والمجتمع الديني باسم سيادة المجتمع المدني، أما الدولة
الإسلامية فالسياسة في حركتها تصير ديناً، كما يعبر الدين عن الظاهرة السياسية.
- ويمايز كذلك بينها وبين الدولة والحكومة القيادية التي ظهرت في أعقاب
الحرب العالمية الثانية والتي يبرز فيها دور محوري للزعامة السياسية التي تجسد
عقيدة الأمة، وهو نموذج يمكن إدراجه تحت الفرعونية السياسية.
- وكذا الأمر مع الدولة العلمانية التي تزعم خدمة الصالح العام، وتقوم على
الفصل بين ممارسة السلطة والنواحي العقيدية، وبدلاً من المعتقد أو الدين فإنها
تقدس الدستور، ويأتي سن القوانين وفق التأسيس الوضعي للمصالح المشتركة
للمواطنين والتي تحكمها لغة القوة لا الحق.
ثم يُسدل الستار بمجموعة من الدلالات السياسية لممارسة الوظيفة العقيدية في
الواقع المعاصر:
فعلى المستوى النظري:
- يؤكد على أن الوظيفة العقيدية تقدم تنظيراً حقيقياً لمفهوم الدولة ونشأتها
وتطورها، وهو ما زال يشهد أزمة وتضارباً في الفكر الأوروبي.
- كما يؤكد على أهمية الانطلاق من النموذج المعرفي المستمد من الوحي في
التفاعل الموضوعي مع الواقع، وفي تقديم رؤية على درجة عالية من الوضوح
والضبط والتكامل لبناء نظرية الدولة ووظائفها في إطار التنظير السياسي الإسلامي
وعلى المستوى العملي والحركي:
- يؤكد على حقيقة أن وجود عقيدة أو فلسفة سياسية واضحة وحقيقة بشرية
مؤمنة وملتحمة بها، ووجود سياسة عامة نابعة منها هو الذي يحدد للدولة خطوات
ممارستها الحركية، وماذا تريد على وجه التحديد.
- كما أن الوظيفة العقيدية تطرح إجابات معاصرة لقضايا الواقع على مستوى
الأنظمة والمجتمعات العربية والمسلمة، بالإضافة إلى الواقع العالمي.
- كما تقدم منهجاً للتعامل مع الأزمات التي يعاني منها الواقع (دلالات
الحاضر) ، إضافة إلى غناها بالحلول للخروج منها (دلالات المستقبل) .
- وهي تقدم منهجاً لمعالجة الأزمات الثلاث الأساسية التي تواجه الدول
العربية والمسلمة: أزمة التأسيس.. أزمة الهوية.. أزمة الشرعية.
- إلى جانب ما تقدمه من تفسير لظهور حركات التجديد والإحياء الإسلامية
ونموها من جهة، وفهم حركات التبديد من جهة أخرى.
وعلى المستوى الدولي تمنحنا الدلالات الآتية:
- فهم جوانب الاستقرار في الدول المتقدمة.
- تراجع مفهوم العلمانية أو اللادينية في الواقع العالمي المعاصر.
- تقدم تفسيراً لما نشهده من سقوط الأيديولوجية؛ إذ تمثل دراسة الوظيفة
العقيدية مدخلاً مقارناً لتحليل السلوك الداخلي في الأنظمة القائمة في تعاملها مع
شعوبها ومجتمعاتها؛ من حيث علاقة التربية السياسية، والتلقين الأيديولوجي،
والتعبئة السياسية.
- عودة الدين ليمارس دوراً مهماً على الساحة الدولية.
стр. 3959
المسلمون والعالم
الهدف الغامض بين الحرب القائمة والحرب القادمة
عبد العزيز كامل
كل حرب في التاريخ لها هدف ظاهر أو خفي، حقاً كان أو باطلاً، وبهذا
تجري سنة التدافع قدراً وشرعاً، حتى تضع الحرب أوزارها، قال تعالى:
[وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ] (البقرة: ٢٥١) ، وثمة
فساد عريض في الأرض اليوم لا مناص من جريان سنن الله القدرية والشرعية
لاستنقاذ الإنسانية منه، بدفع أهل الإيمان على أهل الطغيان، وإلا فسدت الأرض
أكثر وأكثر.
ولا إفساد اليوم أعلى من إفساد كفار بني إسرائيل، من يهود ونصارى؛ ذلك
أن طوائف من النصارى قد لحقت حكماً باليهود في اعتقادهم وإفسادهم منذ زمان،
بل كادوا يسبقون اليهود في العلو في الأرض فساداً، أولئك هم طوائف الإنجيليين
الصهيونيين النصارى الذين صنعوا على أعينهم الصهيونية اليهودية في القرون
المتأخرة.
هناك عدد من الحقائق الماثلة اليوم تستحق النظر والتأمل فيما يحدث من
تواطؤ وتطابق بين الطائفتين المتزعمتين للفساد في الأرض عامة وفي بلاد
المسلمين خاصة، منها:
١ - نصارى الغرب وبخاصة البروتستانت هم أسبق من اليهود في اعتناق
المذهب الصهيوني في العصر الحديث، وهو المذهب الهادف إلى جعل (جبل
صهيون) [١] مرتكزاً لبعث الفكر الديني الكتابي المرتبط مكانياً بفلسطين وزمانياً
بالحقبة المشتركة بين ألفيتين.
٢ - هؤلاء النصارى هم الذين أقنعوا اليهود وذكَّروهم ونظَّروا لهم لكي
يتجمعوا في فلسطين استقبالاً لأحداث آخر الزمان، وهم الذين خططوا ونفذوا
مشروع توطينهم فيها، وتكفلوا بحمايتهم ما بقيت دولتهم.
٣ - هؤلاء النصارى منفردين أحياناً، ومشتركين أحياناً أخرى مع اليهود،
هم المسؤولون عن إبقاء الأمة الإسلامية في انشغال دائم بما يُدخلونه عليها من فتن
وحروب ونزاعات بسبب الحدود المصطنعة والعناصر والزعامات العميلة، وذلك
عبر سلسلة طويلة بدأت في العصر الحديث بإسقاط الكيان السياسي العالمي الأخير
للمسلمين (الخلافة العثمانية) ، والحيلولة دون إقامتهم كياناً عالمياً آخر،
باستخلافهم بعد الاستعمار لشرائح من المنافقين في أكثر ديار المسلمين، لضمان
عدم نهوض الأمة بالإسلام مرة أخرى.
والسؤال الآن: ما الذي دفع تلك الطوائف النصرانية للتواطؤ مع الطوائف
اليهودية في كل ذلك؟
إن الجواب عن هذا السؤال وأسئلة كثيرة مشابهة برز فيه اتجاهان مشهوران
لا يزالان يعتلجان في سماء الحقيقة، وسيظلان كذلك حتى تُرجِّح وقائع التاريخ
مصداقية أحدهما على الآخر.
أحد هذين الجوابين يتصدى «للإفتاء» به أنصار التفسير اللاديني للتاريخ
المعاصر؛ حيث يقولون إن القصة كلها مسألة مصالح استعمارية، سياسية أو
اقتصادية أو ثقافية، تنطلق من خلفيات مادية حياتية بحتة لا علاقة لها بالدين [٢] .
إن هذا التفسير قد ساد وقاد مدة تفرُّد الطرح العلماني بالساحات الفكرية، حتى
ظل أنصاره يرددون مقولات التفسير المادي للتاريخ بشكل أو بآخر، مستنكفين عن
الاعتراف بأي دور لأي دين في تسيير وتفسير أحداث التاريخ المعاصر.
أما الاتجاه الآخر في الجواب على سؤال: لماذا فعل الغربيون النصارى ذلك
مع اليهود؟ فهو اتجاه مشترك بين بعض أصحاب الاهتمام الديني من اليهود ومن
النصارى ومن المسلمين أيضاً، وقد ظهر هذا الاتجاه وبرز مع بروز الصحوات
الدينية عند أتباع الديانات الثلاث.
فحوى هذا التفسير باختصار: أن العقائد الدينية التي أسهمت بدور رئيس في
توجيه مجمل أحداث التاريخ وصناعتها بقدر من الله في الماضي، لا تزال تصيغ
وتصبغ بدوافعها وتدافعها أحداث التاريخ المعاصر. وما حدث بشأن قضية النزاع
على الشرق الأوسط منذ ما يزيد على قرن ونصف، ما هو إلا فصل جديد معاصر
من فصول هذا الصراع بين العقائد.
إن هذا التفسير يعترف به كثير من الباحثين في الأصولية النصرانية الإنجيلية
في الغرب، وهذا التفسير أيضاً تقول به، بل تنادي به الآن عشرات من الجماعات
الأصولية اليهودية داخل (إسرائيل) وخارجها [٣] .
وبما أن الباحثين في الغرب هم أصحاب الشأن في تفسير ما يقوم به قومهم،
فقد لفت هذا انتباه بعض الباحثين المسلمين، فطفقوا يخوضون في بحث أبعاد
القضية من جوانبها التاريخية والسياسية والثقافية، غير أن معظم هذه الأبحاث جاء
مفتقراً إلى مادة شرعية إسلامية تنضبط بها التحليلات والتفسيرات [٤] .
ومن خلال مجمل أقوال الباحثين من أتباع الديانات الثلاث، ومن خلال
استعراض نتائج ما كتبوا في هذا الشأن تبينت حقيقة مُجْمَع عليها وهي: أنه كانت
هناك في الغرب فعاليات دينية مؤثرة استطاعت أن تقنع زعامات سياسية وفكرية،
بأن تتبنى فكرة (صناعة التاريخ المستقبل) في ضوء معطيات أهم كتاب للتاريخ
في التاريخ وهو التوراة من وجهة نظرهم وقد نجحت تلك الفعاليات في ذلك،
فنشأت نزعة دينية نصرانية يهودية تدعو لتوجيه ذلك التاريخ، بدعوى أنهم ينفذون
(خطة الإله) في السير بالتاريخ إلى منتهاه.
وتدور برامج هذه النزعة التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر حول
عدد من الثوابت التي تنطلق من أن البشرية على مشارف نهاية التاريخ، وأن هناك
تسلسلاً زمنياً في الأحداث هو قدر محتوم، ولكن المشاركة في صنعه هو شرف
لكل من يشارك.
وهناك نقاط اتفاق ونقاط افتراق بين الفريقين اليهود والنصارى في تحديد
نوعية بعض الثوابت؛ فمن جهة طوائف النصارى برزت هذه الثوابت:
١ - لا بد من عودة المسيح ﵇ ليحكم الأرض ألف عام.
٢ - الألفية الثالثة النصرانية تصادف في شطر كبير منها الألفية السابعة
اليهودية التي سيختم بها التاريخ.
٣ - عندما يعود المسيح، فسوف يؤمن به اليهود هذه المرة ويكونون من
خلاصة أنصاره، ومن سيكفر به فسيحرق بنيران الحرب العظيمة التي ستأكل كل
أعداء المسيح.
٤ - لعودة المسيح المرتقبة ثلاثة شروط:
أ - لا بد أن تكون إسرائيل دولة.
ب - لا بد أن تكون القدس عاصمة لها.
ج - لا بد أن يعاد بناء قبلة أهل الكتاب التي هدمت بعد سبعين عاماً فقط من
ميلاد المسيح [٥] .
أما من جهة الطوائف اليهودية التي اشتركت مع النصارى في تلك النزعة،
فإنها قد وافقتهم على مجمل تلك الثوابت باستثناء شيء جوهري وهو تعيين
الشخص المنتظر، فبينما أصر النصارى على أن المقصود في نصوص العهدين
القديم والجديد هو المسيح عيسى بن مريم ﵇ واصل اليهود إصرارهم
القديم على أن المبتعث الجديد هو نبي أو ملك أو مخلِّص خاص بهم هم.
وتجاوز الطرفان الاختلاف بالاتفاق على العمل في الجوانب المتفق عليها،
مع تأجيل النقاش في الجانب المختلف فيه.
حروب كبرى لأهداف كبرى:
بالتأمل في مسار الأحداث الكبرى في منطقة (الشرق الأوسط) بعد أن
أصبحت محط أنظار المتحالفين المتخالفين من اليهود والنصارى، يستطيع المرء
أن يلمس أن هناك اتجاهاً محدداً يحكم هذا المسار، ليصل به عن طريق الدسائس
السياسية أو الحروب العسكرية إلى تحقيق تلك العلامات الثلاثة المذكورة والتي
أصبحت أهدافاً استراتيجية أبعد في مداها من كل الاستراتيجيات المرحلية الموقوتة،
وذلك وفق برنامج يظهر من تسلسل أحداثه أنه مقسم إلى مراحل زمانية ومكانية
منتظمة، وهو البرنامج الذي تستميت جهات مشبوهة في نزع صفة القصد أو
التآمر عنه حتى يبدو كأنه تسلسل طبيعي لمجريات التاريخ، لقد كان لليهود
وأوليائهم من النصارى دور خطير في إقحام كثير من بلدان المسلمين في منطقة
الشرق الأوسط وما حولها في عدد من الحروب الكبرى، لأجل (أن تصبح
إسرائيل دولة) ، وكانت بداية هذا التوريط ما كان في الحرب العالمية الأولى
(١٩١٤م) التي انتهت لتكون إحدى نتائجها البارزة بعد الحرب انتهاء تركيا،
وسقوط الخلافة الإسلامية فيها بعد ذلك بقليل، وليسقط بذلك الكيان الذي كان أكبر
عقبة على طريق توطين اليهود في فلسطين، ولتصدر بريطانيا بعد انتهاء الحرب
بقليل عام ١٩١٧م وعدها لليهود بوطن قومي لهم في فلسطين. ثم جاءت الحرب
العالمية الثانية لتكون من نتائجها: إعادة ترتيب المنطقة العربية لاستقبال واقع جديد،
وهو نشوء دولة يهودية بداخلها.
فما أن استقر شكل النظام العالمي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حتى
أوعز النصارى الإنجليز لليهود بأن يستعدوا لإعلان دولتهم في فلسطين، بعد أن
أمضت بريطانيا ثلاثة عقود في تأهيل اليهود لأن يكون لهم كيان مستقل في فلسطين،
وكان لا بد من أجل القفز إلى تلك المرحلة التأسيسية الخطيرة التي يتحقق بها
شرط: (أن تكون إسرائيل دولة) من تدبير وضع انقلابي جديد بالمنطقة يجعل من
ذلك الشرط أمراً واقعاً وتوجت الحرب جهود السياسة وأنضجتها نيرانها اللاهية.
حرب الهدف الأول: (إعلان الدولة) :
أطلق اليهود على تلك الحرب: (حرب الاستقلال) فقد كان هذا الاستقلال
في شكل دولة معترف بها دولياً هدفاً قديماً، تبلور في شكل مبكر على يد (تيودور
هرتزل) زعيم الصهيونية اليهودية الحديثة في كتابه (الدولة اليهودية) ، وكانت
الطريقة التي تقرر بها إعلان الدولة مستفزة للدول العربية آنذاك، ودافعة لها لأن
تبادر إلى الدخول في حرب لمنع جعل هذه الدولة أمراً
واقعاً، ولكن هذه المبادرة كانت مجرد قرار تعجل به السياسيون دون سابق إعداد
ودون إقرار من العسكريين، فقد نشبت هذه الحرب رغم أنف القيادات العسكرية
التي طلبت التمهل في دخول الحرب حتى تستكمل الجيوش العربية الإعدادات
والتدريبات والتنسيق فيما بينها.
إنه وبرغم الارتجال المتعجل في قبول العرب دخول الحرب دون سابق إعداد
أو استعداد، فإن روحاًَ من الفداء دبت في صفوف الجيوش العربية، حتى كادت
تحقق انتصاراً عسكرياً على عصابات اليهود، وهنا برز تعجل السياسيين مرة
أخرى وعدم حنكتهم، فقد قبلوا بسرعة قرار الهدنة الذي فرضه مجلس الأمن
الدولي، ذلك القرار الذي جاء لإيقاف تقدم الجيوش العربية ريثما يعيد اليهود
استعدادهم ويلتقطوا أنفاسهم! وهذا ما كان؛ فقد تدفق السلاح على اليهود من كل
مكان حتى استطاعوا بعد انتهاء شهر الهدنة من قلب الموازين لصالحهم، وتعجب
الأعداء قبل الأصدقاء من الطريقة التي أضاع الساسة العرب بها فلسطين، حتى إن
مناحيم بيجن كتب بعد ذلك يقول: «إننا لا نعرف حتى الآن كيف ولماذا قبلت
الدول العربية الهدنة، بعد أن كان الموقف العسكري لصالحها تماماً» [٦] .
على أية حال، لقد وقع المحذور، وقامت دولة اليهود، وهزمت جيوش سبع
دول عربية أمام عصابات شبه عسكرية، وافتُتح بذلك مسلسل الأداء السياسي
الهزيل أمام العدو الحقير الذليل الذي حشد رغم ذلته مائة وستة آلاف مقاتل
صهيوني في مقابل خمسة عشر ألف مقاتل عربي في الجيوش السبعة.
لقد سُجِّل وصف (النكبة) للحرب في الجانب العربي في مقابل وصف
(الاستقلال) للجانب اليهودي، ونستطيع أن نقول هنا: إن كل ما سبق الحرب
من أحداث وما رافقها من وقائع وما تبعها من آثار إنما كان وبرغم فداحته
وخطورته (مجرد تفاصيل) لا ينبغي أن تشغل النظر عن الملمح الرئيس والهدف
الأساس لليهود في تلك المواجهة الكبرى الأولى، وهو (أن تكون إسرائيل
دولة) ، أما الساسة العرب، فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي اضطروا فيها أن
يواجهوا شعوبهم بحصول الهزيمة الجماعية ولسان حالهم يقول: «عفواً ... لم نكن
مستعدين» !
حرب الهدف الثاني ( «تحرير» العاصمة) :
استغل اليهود فرصة الهدوء الذي استمر عقداً بعد حرب السويس
١٩٥٦م [٧] ، لكي يستعدوا لحرب الهدف الثاني التي أسموها (حرب التحرير) أي
تحرير القدس! فقد أظهرت كل الشواهد أن الهدف الرئيس لهذه الحرب كان هو
(أن تصبح القدس عاصمة) وذلك بتخليصها أولاً من العرب. ولأجل الاستفادة من
التاريخ سأستعرض فيما يلي ومضات مهمة من مسار أحداث تلك الحرب ومقدماتها،
التي تشبه إلى حد كبير جداً أحداث الأيام الراهنة التي نعيشها:
* كانت الأحداث قبل حرب ١٩٦٧م بعام تشير إلى تصعيد إسرائيلي مشبوه؛
فقد شنت دولة اليهود في يوليو ١٩٦٦م أي قبل الحرب بعام هجوماً جوياً على
سوريا، تحت ذريعة محاولات سورية لتحويل مياه نهر الأردن، وفي نوفمبر من
نفس العام أي بعد أربعة أشهر شنت هجوماً برياً على الضفة الغربية الواقعة آنذاك
تحت سيطرة الأردن بدعوى الرد على أعمال فدائية، وبعدها بشهر هدد (ليفي
إشكول) رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت بإعلان الحرب على العرب،
وهدد بضرب سوريا وغزو دمشق، وإسقاط النظام فيها.
* وفي النصف الأول من عام ١٩٦٧م، صعدت (إسرائيل) التوتر في
المنطقة ثم أتبعته بشن هجوم آخر على سوريا في السابع من إبريل ١٩٦٧م
اشتركت فيه نحو ٦٠ طائرة إسرائيلية [٨] ، وبعدها هدد إسحاق رابين مرة أخرى
باحتلال دمشق، وخيمت أجواء الحرب الشاملة بعد أن منح الكنيست الإسرائيلي
الحكومة كل الصلاحيات للقيام بما تراه للتعامل مع الموقف [٩] وبدأ الإعلان عن
تعبئة بالجيش.
* اضطرت مصر وهي تتزعم وقتها حركة القومية العربية أن تتخذ بعض
الإجراءات العسكرية لإظهار التضامن مع سوريا، وكان الرد الإسرائيلي على
التحركات المصرية المحدودة أن تسلَّم العسكريون زمام السلطة في (إسرائيل)
استعداداً للحرب التي قالوا إن مصر قد أعلنتها بالفعل، حتى إن موشي دايان الذي
عُين بعد ذلك وزيراً للدفاع قال: «إن مصر هي العدو الحقيقي وليست سوريا،
وسنركز عملياتنا على مصر» !
* استكمل الجيش الإسرائيلي استعدادته انتظاراً لذريعة مناسبة تصلح أن تقدم
للعالم لتسويغ بدئها بالحرب، وجاءت تلك الذريعة بتقدم الحكومة المصرية بطلب
إلى قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة المتمركزة في سيناء أن تنسحب انسحاباً
جزئياً، حتى لا تظن القيادة السورية أن مصر ستتعلل بوجود تلك القوات في عدم
دخول الحرب ضد (إسرائيل) ولكن إدارة قوات الطوارئ لم توافق على الانسحاب
الجزئي وقالت: إذا أردتم الانسحاب فليكن انسحاباً كلياً. وهنا أُسقط في يد القيادة
المصرية، وابتلعت الطُعم، ووافقت على الانسحاب الكلي الذي صورته (إسرائيل)
أمام العالم بأنه إزالة للحاجز المانع من الهجوم على إسرائيل.
* أتبعت مصر هذا الإجراء بإجراء آخر وهو: إغلاق خليج العقبة أمام
الملاحة الإسرائيلية؛ لأن القوات المصرية اضطرت أن تحل محل قوات الأمم
المتحدة في كل المواقع التي انسحبت منها، ومنها منطقة شرم الشيخ التي تتحكم في
خليج العقبة، ولم يكن مناسباً وقتها أن تمر سفن إسرائيلية في منطقة تسيطر عليها
القوات المصرية، وكان هذا الإجراء المصري ذريعة أخرى إضافية أثارت بها
(إسرائيل) العالم ضد القيادة المصرية مصورة إياها بأنها تهدد حرية الملاحة العالمية
في أهم المضايق الدولية، ثم جاءت الذريعة الثالثة عندما أعلنت مصر توقيع اتفاقية
دفاع مشترك مع الأردن في ٣٠ مايو ١٩٦٧م، وعندها شكل (ليفي إشكول)
حكومة حرب، وجعل موشي دايان وزيراً للدفاع من أجل خوض الحرب التي كانت
خطتها جاهزة منذ سنوات.
* كان (سيناريو) إغلاق خليج العقبة واحداً من ستة (سيناريوهات)
وضعتها إسرائيل لجر مصر إلى الحرب واستعمال ذلك ذريعة للتعجيل بتلك
الحرب، وكان للسوفييت دور رئيس في تفعيل هذا السيناريو، عندما سربت
المخابرات الروسية معلومات كاذبة بحشود إسرائيلية على الحدود السورية، مما
عجل بالتحرك المصري الذي استغلته (إسرائيل) ، وهو تحرك كان ارتجالياً من
قيادة سياسية كانت متورطة في ذلك الوقت لشحمة أذنها في حرب فرعية فارغة من
حروب القومية العربية، هي حرب اليمن.
* كانت ميزانية القوات المسلحة المصرية قد وصلت أدنى حدٍ لها عام
١٩٦٦م، ولهذا أُعلن عام ١٩٦٧م وهو عام الحرب عام تقشف في القوات
المسلحة، وطال التقشف كل مصروفات التحديث والصيانة والتدريب، حتى مخابئ
الطائرات الحربية التي كان مقرراً تحديثها لحماية الطيران المصري أُلغيت في
ظروف صادفت وقوع أزمة اقتصادية في مصر أدت إلى وقف استيراد المواد
الاستراتيجية اللازمة للاستعمال العسكري، ووصل التخفيض في مخصصات الدفاع
على الجبهة الشرقية المسؤولة عن حماية سيناء إلى ٣٠%، وأصبحت بذلك بوابة
مصر الشرقية بلا حماية كما قال الفريق صلاح الحديدي في كتابه (شاهد على
حرب ١٩٦٧م) .
* لهذه الأسباب وغيرها كثير كانت مهمة اليهود في إنجاز خطة (ضربة
صهيون) [١٠] سهلة للغاية، وبالرغم من ضخامة تلك المهمة وخطورتها التاريخية؛
فقد افتتحت الحرب بساعات قلائل حددت شكل نهايتها، ففي صبيحة الإثنين ٥
يونيو ١٩٦٧م أقلعت كل الطائرات الحربية الإسرائيلية عدا ١٢ طائرة بقيت لحماية
الأجواء الإسرائيلية وسارت تلك الطائرات على شكل أسراب مجموعها ١٥٠
طائرة، لتنفيذ المهمات المعدة لها منذ سنوات [١١] ، واتجه فريق من الطيارين
اليهود بطائراتهم نحو ١٩ قاعدة جوية في أنحاء مصر شمالاً وجنوباً، وفريق نحو
القواعد الجوية في سوريا وآخر إلى الأردن، ثم لبنان ثم العراق، ولم تمض خمس
عشرة ساعة منذ بدء الهجوم حتى كان الجنرال (موردخاي هود) يعلن أمام ممثلي
الصحافة العالمية أن (مذبحة الطيران) قد تمت ضد كل قواعد الطيران العربية،
وقال: «دمرنا ٤١٦ طائرة للعدو: (٣٠٩) طائرة قتال مصرية، و (٦٠)
طائرة في سورية، و (٣٩) في الأردن، و (١٢) في العراق، وطائرة واحدة
في لبنان، ولم تخسر (إسرائيل) سوى ١٩ طائرة [١٢] ، ومعظم هذه الطائرات قد
تم تدميرها على الأرض قبل أن تحلق في سماء المعركة!
* أجهضت الضربة الجوية المفاجئة الخطة البرية الدفاعية لمصر، وكان قد
أُطلق عليها (قاهر) وتسبب ذلك في انكشاف الجيش المصري برياً، وتزامنت
المعارك البرية مع بدء الضربات الجوية في صبيحة ٥ يونيو، ورغم هول كارثة
الطيران وما صاحبها من إحباط في صفوف القوات البرية التي شرعت تقاتل بلا
غطاء جوي؛ فقد أبلى الجيش المصري بلاءً حسناً في البداية وأنزل بالإسرائيليين
خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، حتى إن الكتيبة الإسرائيلية (٥٤ دبابة)
المكلفة باختراق المحور الشمالي في سيناء كادت تفنى تحت وقع النيران
المصرية، ويقول العسكريون إنه لولا الذهول الذي سيطر على القيادة العسكرية في
القاهرة من جراء الضربة الجوية، لكان بالإمكان إعداد خطة هجومية مضادة، كان
من شأنها لو أعدت أن تغير مجرى المعركة [١٣] ، لكن هذا لم يحدث [وَكَانَ أَمْرُ
اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً] (الأحزاب: ٣٨) .
* لقد صدرت الأوامر إلى الجيش المصري في سيناء أن ينسحب دون غطائه
الجوي، وظلت الطائرات الإسرائيلية تلاحقه في عراء الصحراء ليلاً ونهاراً أثناء
انسحابه، حتى تم تدمير الجزء الأكبر منه دون أن يفرض مجلس الأمن هدنة كتلك
التي فرضها في حرب عام ١٩٤٨م إنقاذاً لليهود، وحدثت مذبحة برية بموازاة
المذبحة الجوية، حتى ظن سكان مدينة السويس عندما شاهدوا سحب الدخان الكثيف
تنبعث من الدبابات المصرية المحترقة أن (إسرائيل) ضربت سيناء بقنبلة نووية!
* كان الاستيلاء على سيناء شرطاً مهماً لتأمين عملية الاستيلاء على القدس
ضد أي تحرش مصري ينطلق من غرب الكيان الصهيوني، مثلما كان الاستيلاء
على الجولان والضفة والقطاع إشغالاً لبقية الجيوش العربية حتى لا تفكر في إحباط
المخطط المرسوم سلفاً بإنجاز الغرض الصهيوني اليهودي النصراني الهادف إلى
(أن تصبح القدس عاصمة) ، الذي كان أبرز معْلَم وأظهر حقيقة فيما حدث في
حرب ١٩٦٧م، أما ما سبق تلك الحرب وما رافقها وما أعقبها فإنه أيضاً ورغم
فداحته وخطورته كان (مجرد تفاصيل) . إذا قورن بذلك المعْلَم الكبير، وكانت
هذه هي المرة الثانية التي اضطر الساسة العرب فيها أن يواجهوا شعوبهم بحصول
الهزيمة الجماعية مرة أخرى قائلين:» عفواً ... لم نكن مستعدين «!
هل آن أوان الهدف الثالث؟
يوجد ما يشبه الإجماع الآن على أن ما يدور في فلسطين منذ أكثر من تسعة
أشهر هو شكل من أشكال الحرب الحقيقية، ويوجد ما يكاد يشبه ذلك الإجماع على
توقع أن تلك الحرب القائمة هي مجرد مقدمة لحرب أخرى قادمة، لن تكون
مقتصرة على الفلسطينيين، بل ستعم أماكن أخرى في المنطقة.
وتأمل معي هذه التصريحات التي قيل أكثرها في زمن متقارب:
* ياسر عرفات: إسرائيل تعد لحرب شاملة، وما مضى جزء منها.
* صائب عريقات (كبير المفاوضين الفلسطينيين) :» إننا في زمن حرب
ولا نملك رد الأذى عن أنفسنا «.
* أحمد قريع (رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني) :» نتوقع تصعيداً
عسكرياً واسع النطاق وليس محصوراً في مناطق السلطة الفلسطينية «.
* موسى عرفات (رئيس جهاز الاستخبارات الفلسطينية) :» نسبة اندلاع
حرب قادمة تصل إلى ٦٠%، والحرب الحالية تهدف لإيجاد قيادة فلسطينية
بديلة «.
* طاهر المصري (رئيس الوزراء الأردني السابق) :» إسرائيل تريد
توجيه ضربة عسكرية إلى بعض الجيوش العربية كسورية ولبنان، لتستريح لفترة
طويلة «.
* الرئيس السوري بشار الأسد: إذا ضربت إسرائيل مرة أخرى فسوف نرد.
* د. جورج جبور (مستشار الرئيس السوري السابق) :» الوضع متأزم
وظروف اشتعال الحرب تزداد لحظة بعد لحظة «.
* بسام العسلي (محلل عسكري) :» قد تكون مزارع شبعا قاعدة للانطلاق
إلى الخط الفاصل بين سوريا والأردن «.
* رفيق الحريري (رئيس وزراء لبنان) :» الإسرائيليون يخوفوننا
بالحرب، ولكن المجتمع الدولي معنا «.
* سليم الحص (رئيس وزراء لبنان السابق) :
» احتمالات الحرب قائمة وليس من مصلحة بلد عربي الدخول في مواجهة شاملة
مع إسرائيل «.
* خليل الهراوي (وزير الدفاع اللبناني) :» احتمال نشوب الحرب وارد
جداً في ظل حكومة شارون «.
* الرئيس المصري حسني مبارك:» با قول لشارون: بلاش جر شكل ...
الوضع في المنطقة يتدهور ويزداد تعقيداً وأخشى أن يصل إلى نقطة اللاعودة «.
* عمرو موسى (الأمين العام للجامعة العربية) :» طائرات إف ١٦ لا
تستعمل إلا في حرب «.
* الفريق سعد الدين الشاذلي (رئيس هيئة الأركان المصرية السابق) :
» إذا استنفدت إسرائيل كل الوسائل الأخرى يمكن أن تشن الحرب، والدعم الأمريكي
لن ينقطع عنها حتى إذا هاجمت السد العالي أو أعادت احتلال سيناء «.
* د. أحمد عبد الحليم (الخبير الاستراتيجي) :» إسرائيل لا تستطيع
التعامل الآن مع واقع أقل من الحرب الشاملة، ولكن أستبعد خرقها لمعاهدة السلام
مع مصر « [١٤] .
لاحظ معي أن هذه التصريحات؛ تؤكد في مجملها أن هناك حرباً قائمة وحرباً
قادمة، وبعضها يتوقع أماكن اتساع الحرب. ولكن ألا تلاحظ أن أياً منها لم يتحدث
أو يتساءل عن الهدف من الحرب القائمة أو القادمة، أو المغزى من الحرص
اليهودي والسكوت الأمريكي على افتعال وإشعال واستمرار تلك القائمة لتوصل
للأخرى القادمة؟ !
إن بعض هذه التصريحات تتحدث عن ضرب سوريا أو لبنان، أو هما معاً،
ولكن أليس من المهم أن نتساءل: لماذا ضرب سوريا أو لبنان الآن؟ !
بعضها يتحدث عن التحرش بمصر، أفليس من المناسب أن نتساءل: ولماذا
التصعيد ضد مصر الآن؟ ! تصريحات أخرى تتكلم عن نية شارون في تنفيذ حلمه
القديم عن (الوطن البديل) للفلسطينيين في الأردن، وثانية تتناول في تحليلها عزم
الإسرائيليين على إعادة احتلال المناطق الفلسطينية بعد تفتيت السلطة الفلسطينية،
أو غزو لبنان والمقاومة الشيعية في الجنوب، كل هذه تساؤلات وطروحات معقولة
ولكن: أين التساؤل عن السبب الأساسي القابع وراء كل هذه الاحتمالات والنيات
على الصعيد الإسرائيلي؟ فإذا كانت الحرب يُخطط لها أن تقع، فلماذا تقع؟
إن اليهود لم يكونوا في يوم أكثر أماناً وسلاماً منهم في الأيام والسنوات التي
سبقت قيام الانتفاضة، وقد كان الجميع على وشك التوقيع لها بأن تدخل في عداد
الدول الصديقة أو حتى الشقيقة [١٥] ، والدول العربية كلها تستبعد خيار الحرب
وتتشبث كالغريق بخشبة (خيار السلام) فلماذا قلب اليهود للعرب ظهر المجن
الآن، ولماذا اختاروا على حين غرة طريق الحرب على طريق السلام بعد أن
صبروا عليه إلى قرب نهايته خلال عقد كامل؟ ! إنه سؤال طلسم كبير، ويحتاج
إلى إعادة التأمل في المراحل الكبرى من مسلسل الصراع الإسرائيلي منذ بدأ وحتى
الآن، وسوف أمر عليه في اختصار سريع:
الهدف الغامض.. محاولة للفهم:
١ - بعد ما أسماه اليهود بحرب (الاستقلال) ثم (حرب التحرير) صُدم
اليهود بما حدث في حرب أكتوبر ١٩٧٣م، حيث شعروا بخطر حقيقي على توقف
ما أسموه:» تحقيق رؤى أنبياء إسرائيل «.
٢ - زال هذا الخطر بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد ١٩٧٧م، وإعادة سيناء إلى
مصر (منزوعة السلاح) في مقابل خروج مصر بشكل نهائي من حلبة الصراع
العربي الإسرائيلي.
٣ - بقيام حرب لبنان ١٩٨٢م التي غزا شارون فيها بيروت، والتزام مصر
بعدم التدخل، تأكد لـ (إسرائيل) جدية الالتزام في مصر بعدم خوض حرب
أخرى ولو اجتيحت عاصمة عربية وتأكد لـ (إسرائيل) أيضاً أن جبهة الصمود
والتصدي هي أسد من ورق!
٤ - برز العراق أو هكذا صُوِّر على أنه قوة إقليمية طامحة إلى حيازة أسلحة
التدمير الشامل، فاختبرت (إسرائيل) استعداده للنزال معها فضربت المفاعل
النووي العراقي، ولم يرد العراق!
٥ - ازدادت قوة العراق بعد خروجه منتصراً على إيران في حرب الخليج
الأولى، وأظهر الإعلام الدولي العراق على أنه رابع قوة عسكرية في العالم،
فأظهر الإسرائيليون خوفهم أمام العالم، وبخاصة بعد أن هدد صدام بحرق (نصف)
إسرائيل!
٦ - تم التخلص من (ثلاثة أرباع) القوة العراقية قبل أن تلحق أي أذى
بنصف أو ربع أو عشر (إسرائيل) ، وانتهى آخر أمل عربي وفلسطيني بإمكانية
قيام قوة عربية رادعة لإسرائيل لسنوات طويلة مقبلة.
٧ - تمهد الطريق بذلك لأن تتجرأ أمريكا وتطلب من جميع العرب أن
يسلِّموا بروح رياضية بسلام» الشجعان «مع (إسرائيل) ، وبدأ ذلك في زفة
(مدريد) الجماعية في حفل عرس أشبه بالجنازة؛ حيث تشعبت من الزفة أو من
الجنازة مسارات منفردة، كان منها المسار الفلسطيني الذي انتهى موكبه إلى
(أوسلو) ، والأردني الذي وصل إلى (وادي عربة) ، وضمنت إسرائيل بذلك
شريكين جديدين، وتطلعت إلى الشريك الرابع بعد مصر وفلسطين والأردن وهو
سوريا.
٨ - تشبثت السوريون بمسار واحد مع لبنان، وكاد السابقون أن يتبعهم
اللاحقون عندما قبلت سوريا بلقاء مباشر مع إسرائيل في جنيف [١٦] برعاية
أمريكية، ولكن هذا اللقاء أو الالتقاء بالذات أَخفَق أو أُخفِق؛ مع أن القيادة السورية
وقتها كانت ذاهبة بروح (إيجابية جداً) !
٩ - أُظهرت سوريا وحدها منذ ذلك الحين على أنها الدولة العربية الوحيدة
المستعصية على الاستسلام لإسرائيل، وظهر أن مؤتمر جنيف ١٩٩٩م كان يهدف
إلى تعجيز السوريين بعرض ما لا يستطيعون قبوله إلا إذا قبلوا اتهام الشعب
السوري لقيادته بالخيانة [١٧] .
١٠ - ظهر أن تعجيز سوريا عن قبول السلام الإسرائيلي كان مقصوداً
ومدخراً لوقت لاحق؛ حيث أقبلت إسرائيل على الانسحاب من لبنان لتكشف الغطاء
عن سوريا، وتبطل حجتها في البقاء في لبنان.
١١ - حرصت إسرائيل في الوقت نفسه على أن تُبقي على احتلال مزارع
شبعا اللبنانية، لتظل تلك المزارع مصدراً لتكديس الذرائع ضد سوريا ولبنان، عن
طريق اتهامهما بدعم حزب الشيعة اللبناني في الجنوب، وصُوِّر هذا الحزب ولا
يزال يُصور في تضخيم مقصود يشارك فيه الجميع على أنه أخطر ظاهرة واجهت
إسرائيل في تاريخها كله! !
١٢ - عندما جاء عام ٢٠٠٠م، وجاء معه موعد (الحل النهائي) للقضايا
الأساسية في القضية الفلسطينية، لاحت الفرصة لاختيار ثمرة التدجين الأمريكي
للسلطة الفلسطينية مدة عقد كامل، فحشر كلينتون المفاوضين الفلسطينيين مع
الإسرائيليين في منتجع كامب ديفيد، وقرر حبسهم فيه مدة أسبوعين، على أن لا
يخرجوا إلا باتفاق! اتفاق على ماذا؟ ! على ما يلي:
أ - أن تتنازل السلطة الفلسطينية باسم العرب جميعاً عن المطالبة بالقدس
عاصمة للدولة الفلسطينية، وأن تقبل بقرية (أبو ديس) عاصمة لها، بعد أن يُخلع
عليها اسم (القدس) !
ب - أن تتنازل السلطة الفلسطينية عن المطالبة بحق العودة لأربعة ملايين
لاجئ فلسطيني، وأن تقبل بتعويضهم في وقت لاحق (بأموال من؟) مع قبول
عينات منهم لكي يعودوا ضمن إطار إنساني رمزي تحت مسمى (لَمّ الشمل) !
ج - أن تتعهد السلطة أصالة عن نفسها، ونيابة عن العالمين العربي
والإسلامي بالتنازل عن ملكية ما أسماه اليهود (جبل الهيكل) ، وهو المكان
الذي توجد فيه الساحة المقام عليها المسجد الأقصى ومسجد الصخرة.
١٣ - انتهى مؤتمر كامب ديفيد الثاني بنجاح مخفق، أو إخفاق ناجح؛ فقد
احتار المحللون في وصف المؤتمر: هل أخفق أم نجح؟ ! وجاء جواب كلينتون
حاسماً؛ إذ صرح بعد ذلك أن مؤتمر كامب ديفيد: نجح في حل ما لا يقل عن ٩٠
% من المسائل العالقة في مفاوضات الحل النهائي! فماذا يعني هذا؟ يعني أنه قد
تم قبول السلطة لأكثر المطالب الإسرائيلية، في مقابل قبول الإسرائيليين لمطالب
فلسطينية، وهذا ما درج باراك على تسميته بـ (تنازلات مغرية جداً) .
١٤ - لم يكن من هذه التنازلات (المغرية جداً) تنازل عن القدس عاصمة
موحدة أبدية لإسرائيل، ولا كان منها قبول بعودة اللاجئين، ولا منها التنازل عن
شبر من ملكية ساحة المسجد الأقصى، هذا على الجانب الإسرائيلي، أما على
الجانب الفلسطيني، فبشهادة كلينتون، تم الاتفاق على كل شيء باستثناء شيء قليل
جداً (١٠%) ولكنه خطير جداً بنسبة (١٠٠%) !
١٥ - أظهرت التسريبات والتصريحات والتحليلات بعد كامب ديفيد أن ذلك
الشيء القليل والخطير الذي لم يتم الاتفاق عليه، هو تنازل الفلسطينيين أو
الإسرائيليين عن ملكية ساحة المسجد الأقصى أو (جبل الهيكل) كما يسميه
اليهود، وأظهرت التسريبات أن ياسر عرفات أُلجئ إلى أضيق الزوايا كي يوقع
على هذا التنازل، حتى إن (مادلين أولبرايت) وزيرة الخارجية السابقة، أمرت
بمنعه من الخروج وأمرت بإغلاق الأبواب، عندما أراد عرفات أن يخرج احتجاجاً
على هذا الإذلال!
١٦ - أدرك عرفات وقتها كما صرح بعد ذلك أن أمر التوقيع المطلوب منه
على التنازل عن المسجد الأقصى كان يساوي تماماً طلب التوقيع على إعدامه!
حتى إنه قال بعد كامب ديفيد:» قلت لكلينتون: لو وقعت فلسوف يقتلني أخي
موسى قبل أن يقتلني الشعب الفلسطيني «!
١٧ - أخفقت كامب ديفيد الثانية إذن، بسبب إصرار الجانبين الإسرائيلي
والفلسطيني على عدم التنازل عن ملكية ساحة الأقصى، ومنذ تلك اللحظة بدأ
الإسرائيليون كما أظهرت الأحداث في الترتيب لتنفيذ المخطط البديل (للحل
النهائي) ، وهو مخطط يستهدف فيما يبدو حل جميع القضايا العالقة معاً.
١٨ - فجَّر باراك وشارون معاً الأحداث داخل فلسطين، بتدبير قصة زيارة
شارون للمسجد الأقصى، ثم تنحي باراك مخلياً الساحة السياسية لشارون، ولسان
حاله يقول:» تفضل: فالمرحلة الآن لا يصلح لها غيرك «! وتسلم شارون
مفاتيح الشر من سلفه، وشرع بتدشين الحرب القائمة اليوم وعينه على الحرب
القادمة غداً.
١٩ - من أجل الحرب القادمة بدأ شارون يُدخِل المنطقة كلها في أجواء
حرب شاملة، وهدد بلسانه أو بلسان مقربيه كل الدول المحيطة، هدد مصر بنسف
السد العالي، وهدد الأردن بمشروع الوطن البديل، وهدد سوريا بضربها في
لبنان، وهدد لبنان بتأديبها بسبب حزب الشيعة، وهدد السلطة بتفتيتها إلى
كانتونات، وهدد العراق بعدم السكوت هذه المرة إذا تدخل في أي مواجهة قادمة،
ومع كل هذا فاللغة السائدة الآن أنه لا يوجد أي طرف عربي مستعد لحرب ضد
(إسرائيل) .
ولاحظ الجميع أن ولايات بوش المتحدة علينا، لم تنبس ببنت شفة ولو بلطف
رداً على ذلك الصلف الإسرائيلي، مما يدل على شيء من اثنين: إما أن أمريكا
عاجزة عن كف أذى الربيبة الحبيبة (إسرائيل) أو أنها راضية كل الرضى عن
(معاكساتها الشقية) التي ربما تدمر كل شيء في
المنطقة، بما فيها مصالح أمريكا ذاتها!
وأخيراً: اختلف المحللون، وما زالوا يختلفون: بمن سيبدأ شارون إذا بدأت
الحرب، ومتى سيبدأ؟ وهل سيضرب سوريا على أرضها، أم يكتفي بلبنان؟
وهل يدبر شيئاً ضد العراق الذي يقول إنه حشد ستة ملايين مقاتل لتحرير
فلسطين؟ ! هل سيتحرش بمصر أو (يجر شكلها) ؟ ! هل يعيد احتلال سيناء؟ !
أم هل يصل به الجنون إلى ضرب السد العالي؟ ! كل ذلك لا يستبعد على مستودع
الشر (شارون) .
لكني أصر على القول أيضاً بأن هذه كلها ولو حصل بعضها هي (مجرد
تفاصيل) أمام المعلم الكبير الغامض للآن وراء الحرب القادمة.
وإنني أرى أن كل هذه الاحتمالات، سواء وقع بعضها أو وقعت كلها، لن
تكون أكثر من قنبلة دخان تغطي على الهدف الأساس (الهدف الثالث) ، ذلك
الهدف الذي قد يخالف شارون توقعات الجميع لأجله أيضاً ويعود إلى طاولة
المفاوضات ولكن في حالة واحدة فقط وهي الحال التي يتأكد فيها من وجود من يقبل
التوقيع على التنازل المطلوب.. وبغير ذلك فالحرب ولا شيء غير الحرب؛ هي
طريق شارون أو من يأتي بعد شارون لاستكمال معالم الدولة اليهودية الدينية التي
ستظل جسداً بلا رأس ما لم يُعِد اليهود بناء قبلتهم التي كانوا عليها، والتي ما جاؤوا
إلى فلسطين ولا أقاموا الدولة ولا استولوا على العاصمة إلا من أجل الوصول إليها.
ولا أظن شخصياً، أن شارون أو من سيخلفه في الزعامة، سيفوت فرصة
استثمار الحماس النصراني الدولي الجارف الذي سيحصل، عندما ينظر هؤلاء
بعين العاطفة الدينية الحارة إلى (إسرائيل) أسطورتهم التي صنعوها وهي تخوض
في العام الأول من ألفية المسيح معركة الهدف الثالث أو (معركة الهيكل الثالث)
هيكل المسيح أو منبر المسيح كما يؤمنون وكما يتوقعون.
وبتعبير آخر: أرى صراحة أن هذه الحرب الشاملة لو قامت فستكون حرب
المسجد الأقصى كما أن الانتفاضة القائمة هي انتفاضة الأقصى. وهي الحرب التي
يحلم بها اليهود منذ أيام تأسيس دولتهم؛ حيث قال داود بن جوريون مرة في إحدى
خطبه في أوائل الخمسينيات:» إن شعبي الذي يعيش الآن على أعتاب عهد
الهيكل الثالث لا يستطيع التحلي بالصبر على النحو الذي كان يتحلى به أجداده «!
ويبدو أن صبر اليهود المعاصرين قد أوشك على النفاد، ويحتاج هذا الصبر
الفاجر إلى مصابرة مؤمنة تنسيه أحلامه، وتزجره عن فجوره.
هنا تساؤل أو تساؤلات: ما حال أمتنا وهي بصدد استقبال تلك المتغيرات
الجسيمة: هل يشعر أحد بأن شيئاً قد تغير من أحوالها؟ هل تم شيء من تجهيزها
أو تحفيزها؟ هل تم حشد قواها أو النهوض بمستواها؟ وما حال قادتها وساستها:
هل استعدوا هذه المرة أم سيضطرون كما هو الشأن في كل مرة أن يقولوا: (عفواً..
لم نكن مستعدين) ؟ !
سؤال آخر أهم من كل ما سبق: أين مكان الإسلاميين من كل هذا، وهم
يمثلون في صحوتهم الراهنة روح الأمة المستهدفة وقلبها وعقلها؟ ! أين دورهم؟
وما إمكاناتهم؟ وهل أعذروا إلى الله في التصدي لأعداء الله؟ وهل أدوا ما عليهم
أو شيئاً مما عليهم انتصاراً لحرمات الله؟ !
إنه سؤال المرحلة الذي يجب أن يسأله كل مسلم موحد لنفسه، وهو سؤال
ينبغي أن يُفتح حوله النقاش، وآمل أن يكون ذلك على صفحات عدد قادم بإذن الله.
стр. 3960
المسلمون والعالم
الأمازيغ بين تآمرالحكم والهيمنة الفرنكفوانية
حسن الرشيدي
«إذا كان العرب في وقت سابق قد وصلوا فوق النياق إلى المغرب العربي،
فأنا سأكون معهم رفيقاً وأعيدهم على متن البوينغ إلى بلادهم الأصلية في الجزيرة
العربية» .
هذه مقولة أحد زعماء الأمازيغ تكشف عما يعتري نفوس بعض أبناء الأمازيغ
من شعور وأحاسيس ليس في الجزائر فقط ولكن في بلاد ما يعرف بالمغرب العربي
(تونس الجزائر المغرب موريتانيا) ، ويبقى النموذج الجزائري له خصوصياته
وتميزه نتيجة لعوامل عديدة.
وتشهد منطقة القبائل في الجزائر الآن مظاهرات وإضرابات وأعمال عنف
يتسع نطاقها يوماً بعد آخر في وضع مستمر وصلت إلى حد حرق كل ما يرمز
للنظام الحاكم من مقرات البلديات ومكاتب الإدارات الحكومية، ومحاصرة مقرات
الدرك والشرطة، وكذا حرق العديد من مكاتب الحزبين الرئيسيين في المنطقة:
(جبهة القوى الاشتراكية) لحسين آيت أحمد، و (التجمع من أجل الثقافة
والديمقراطية) لسعيد سعدي، على حد سواء.
هذا العنف ليس وليد اللحظة الآنية ولكن منشأه تفاعلات طغت على الساحة
الجزائرية منذ فترة طويلة ساهمت فيها عوامل عديدة منها الخارجي والداخلي.
وأي تحليل أو محاولة للاقتراب من الواقع الجزائري لا بد له من الإحاطة
بثلاثة متغيرات متداخلة:
١ - طبيعة النظام في الجزائر وآلية عمله.
٢ - الهيمنة الفرنسية على الجزائر مظاهرها وأشكالها.
٣ - مظاهر التمرد الأمازيغي.
وقبل أن نتطرق إلى هذه المتغيرات لا بد لنا من معرفة سريعة بالأمازيغ:
الأمازيغ: المنشأ والتاريخ:
الأمازيغ هم الجماعة التي أقامت منذ أحقاب بعيدة في الشمال الإفريقي في
الأرض الممتدة من برقة شرقاً حتى المحيط الأطلسي غرباً، وهذه المنطقة أطلق
عليها لفظة المغرب بمدلولها العام.
ويرفض العلمانيون من مثقفي الأمازيغ تسميتهم بالأمازيغ أو البرابرة لكون
الصفة استعملت من قِبل اليونان القدامى لوصف مَنْ لا يتكلم لغتهم على أنهم
متوحشون، ويقول هؤلاء: إن الكلمة المقابلة في اللغة العربية هي الأعجميّ، وهو
ما يطلقه العرب على مَنْ لا يتحدث لغة الضاد، واختلف المؤرخون العرب في
تفسيرها: فالسلاوي ينسب كلمة بربر إلى بر بن قيس، وابن خلدون يرجع الكلمة
إلى ما قاله إفريقي بن صيفي من ملوك التبابعة حين سمع كلامهم فقال: ما أكثر
بربرتكم. فسموا بالأمازيغ، والأمازيغة بلسان العرب: هي اختلاط الأصوات غير
المفهومة. وقال آخرون: كلمة بربر مأخوذة من لفظ برباردس، وتعني الرافضة
للحضارة الرومانية ويبدو أن اسمهم أقرب إلى اللقب منه إلى الاسم الأصيل
والصحيح.
أما الأمازيغ أنفسهم فإنهم يطلقون على أنفسهم اسم أمزيغن أو الأمازيغ أي
الأحرار البيض (ومفرده أمزيغ) ، وذلك تعبيراً عن تعلقهم بالحرية والأنفة التي
هي من مميزاتهم البارزة.
ويختلف المؤرخون في تبيان أصول الأمازيغ؛ فقد ذهب بعضهم إلى ربط
أصولهم إمَّا بسلالة حام وسلالة سام، وأشار آخرون إلى علاقتهم بجالوت ملك
الأمازيغ في فلسطين، كما أنَّ هناك من ينسبهم إلى الجبارين، وهناك مَنْ يرى أنهم
خليط من أقوام شرقيَّة مختلفة، وهناك مَنْ يربط بينهم وبين (أفريقش اليمنيّ) .
وهناك نظريات لها أسانيدها العلمية تؤكد أصولهم العربية: بعض هذه
النظريات يرجع بهم إلى بني حمير، وبعضهم الآخر إلى قبائل قيس عيلان،
ويتفق كثيرون على أن الأمازيغ نزحوا من فلسطين إلى المغرب، وينسب الباحثون
الغربيون الأمازيغ إلى بني حام.
أما ابن حزم فإنه قال: إنهم من بقايا ولد حام بن نوح ﵇، وادعت
طوائف منهم إلى اليمن؛ وابن خلدون يذكر أن فلسطين كانت موطنهم الأول،
وابن خردذابة يشير إلى أن مواطنهم الأولى فلسطين.
وينتشر الأمازيغ في خمس ولايات أساسية هي: بجاية تيزي أوزو البويرة
بومرداس الجزائر العاصمة. ويقدر عددهم في هذه الولايات بأكثر من ٣ ملايين
مواطن بحسب تقديرات غير رسمية، ولهم نفوذ واسع في مختلف مؤسسات الدولة
بالنظر إلى كفاية هؤلاء وتفضيلهم تلقي تعليم عالٍ في المعاهد الفرنسية.
وتوجد بالجزائر عشر فئات بربرية، وعلى رأس هذه الفئات (الشاوية)
الذين يمثلون أكبر تجمع بربري، وهناك فئة القبائل. وأبناء هذه الفئات العشر عدا
القبائل يرون أن لغتهم هي العربية، وأن الأمازيغية لهجة شفوية يتحدث بها
الأميون منهم. ومن الغريب أن فروقاً كبيرة توجد بين لهجات هذه الفئات العشر؛
إذ يختلف بعضها عن بعض لدرجة يصعب التفاهم فيما بينها. ولا توجد لغة بربرية
أمٌّ منظمة تُعَلَّم. أما فئة القبائل فبسبب التأثير الاستعماري الفرنكفوني حديثاً يطالبون
باعتماد اللغة الأمازيغية لغة رسمية ووطنية في مستوى واحد مع العربية.
يمتاز غالبية الأمازيغ بطبعهم المتشدد، وقد دخلوا في دين الله أفواجاً مع الفتح
الإسلامي، وأبلوا بلاءً حسناً في نصرة الدين الإسلامي منذ الفتح.
ولعبوا أدواراً هامة جداً في التاريخ العربي والإسلامي في شمال إفريقيا
وغربها وكذلك في الأندلس، ويعود أول اتصال لهم مع الإسلام إلى عام ٦٤٢ هـ
عندما وفد على عمرو بن العاص بعد فتح مصر جماعة من أهالي (برقة) يطلبون
الاحتماء بالإسلام من ظلم البيزنطيين، وعندما نقل ابن العاص طلبهم إلى الخليفة
عمر بن الخطاب أذن له بالاستجابة إليهم، فشكل ابن العاص قوة عسكرية خاصة،
وأمَّر عليها ابن خالته (عقبة بن نافع) الذي تمكن من تحرير (برقة) ونشر
الإسلام بين قبائلها الأمازيغية.
توقف تقدُّم الإسلام غرباً حوالي عشرين عاماً بسبب الفتنة التي قامت بعد
اغتيال الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وانشغال الخليفة علي بن أبى طالب
بالصراع مع الأمويين، وفي هذه الأثناء كان الضغط البيزنطي يشتد على قبائل
الأمازيغ، وكانت الثورات الأمازيغية تعمّ المناطق التي تعرف اليوم بالجزائر
والمغرب، ولم يستأنف الإسلام تمدده إلا في عام ٦٦٦ هـ بعد أن استقبل الخليفة
الأموي معاوية وفداً بربرياً كان على رأسه (غناجة) أحد كبار قادة قبائلهم الذي
طلب إليه إنقاذ الأمازيغ من الجور البيزنطي.
كانت الاستجابة الاولى حملة عسكرية بقيادة ابن خديج، ولكن لم يكن لها
نتيجة تذكر، وفي عام ٦٧٠ هـ جدد معاوية الاعتماد على عقبة بن نافع، وتمكنت
قوات عقبة من تحرير إفريقيا (تونس) من البيزنطيين إلا أنه أدرك أن استقرار
الإسلام في هذه المناطق مرتبط باستقرار العرب فيها وتطبيقاً لهذه النظرية أقام
مدينة القيروان، وبعد عقبة بن نافع عهد بأمر متابعة التقدم غرباً إلى قائد عسكري
آخر هو أبو المهاجر الذي اقتحم جبال الأوراس (في الجزائر) ، وانتصر على
زعيم القبائل الأمازيغية فيها (كسيلة) ، ولما اعتنق (كسيلة) الإسلام أبقاه
أبو المهاجر على عرش زعامته، ودخل الأمازيغ الإسلام زرافات ووحداناً.
ومرة ثالثة تؤول قيادة القوات الإسلامية في شمال إفريقيا إلى عقبة بن نافع
الذي يقود هذه القوات حتى طنجة وسبتة في شمال المغرب، ثم يتوجه جنوباً حتى
منطقة سوس والأطلس المتوسط (منطقة مراكش) ، ولما وصل إلى شواطئ
المحيط الأطلسي ردد عبارته الشهيرة: اللهم إني لم أخرج بطراً ولا أشراً، وإنك
لتعلم أني أطلب السبب الذي طلبه عبدك ذو القرنين، وهو أن تُعبَدَ ولا يُشرَكَ بك،
اللهم لو كنتُ أعلم أن وراء هذا البحر أرضاً لخضته إليها في سبيلك.
ولكن (كسيلة) هذا لم يعجبه ما أسند إليه من إمارة وتحالف مع قبائل بربرية
وخرج يريد المسلمين، وتصدى له عقبة بن نافع، ووقعت معركة الزاب التي
استشهد فيها عقبة، وانتكست القوات الإسلامية حتى اضطرت إلى الجلاء عن
القيروان إلى برقة.
كان على الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان أن يعيد تصحيح المسيرة من
خلال حملة عسكرية عهد بقيادتها في عام ٦٨٤ هـ إلى زهير بن قيس (وهو
القائد الذي كان عقبة بن نافع قد اختاره نائباً عنه في القيروان) ، وقد انضمت إلى
الحملة قبائل بربرية إسلامية عديدة مما مكنها من تحقيق أهدافها بسرعة.
وفي عام ٦٩٣ هـ توجهت إلى المغرب قوة إسلامية جديدة على رأسها
حسان بن النعمان الذي حقق انتصاراً على قبيلة جراوة في جبال الأوراس التي
كانت تتزعمها كاهنة ساحرة.
وبعد حسان حل محله في عام ٧٠٤ هـ موسى ابن نصير اللخمي الذي
اشتهر بالعمل على تثبيت الإيمان لدى القبائل الأمازيغية، وكان اعتماده الأساسي
على المسلمين الأمازيغ في فتوحاته الشهيرة؛ فقد شكل منهم قوة خاصة، عهد
بقيادتها إلى القائد المسلم الأمازيغي طارق بن زياد لعبور المضيق من طنجة إلى
أسبانيا، ومنذ عام ٧١١ هـ والمضيق (زهاء ثلاثين كيلو متراً) يعرف باسم
مضيق جبل طارق؛ فقد تمكن طارق بن زياد بقوة من ١٢ ألف مسلم من الأمازيغ
وثلاثمائة فارس عربي من فتح معظم الأراضي الأسبانية الجنوبية التي أطلق عليها
اسم الأندلس.
ولا يزال طلاب العلم يدرسون حتى الآن كتاب (الآجرومية في مبادئ علم
العربية) لابن آجروم الأمازيغي، وسبقه بقرنين أي في القرن الثاني عشر
الميلادي على طريق علوم العربية زين الدين بن معطي (قبائلي) أول من نظم
قواعد النحو العربي في ألف بيت من الشعر.
ومن شخصياتهم الهامة في التاريخ ابن باديس الذي كان له دور هام في
مقاومة الفرنسيين.
ويشير التاريخ إلى أمر أساسي بدأ منذ دخول الإسلام شمال إفريقيا، وهو
مستمر حتى اليوم، وهو أن الأمازيغ يتمتعون بقدر عال من الأنفة والاعتزاز
بالنفس، وأنهم يتمسكون مع إسلامهم بشخصيتهم القبلية الخاصة.
طبيعة النظام الجزائري:
تعيش الجزائر منذ استقلالها حالة صراع ظل تحت السطح فترة الستينيات
والسبعينيات، وما لبث أن اشتد مع بداية الثمانينيات حتى انفجر في العشرية
الأخيرة التي يسميها أهل الجزائر عشرية حمراء وأحياناً سوداء.
هذا الصراع هو في الأصل أزمة نظام بدأ حكمه باغتصاب السلطة من
أصحاب الحق الشرعيين الذين بذلوا دماءهم في سبيل نيل هذا الاستقلال وثبتوا أمام
جيوش قوة عظمى في ذلك الوقت، وجيَّشوا الشعب الجزائري عربه وبربره تحت
راية العقيدة؛ ولكن الخبث الصليبي كما في كثير من الأقطار أبى أن ينسحب من
المعركة إلا بعد أن سلم السلطة إلى قلة علمانية ونخبة لا تمت للإسلام بصلة إلا في
الأسماء، هذه النخبة الحاكمة نحَّت الإسلام عن حياة الناس، واستبدلت به شرائع
ما أنزل الله بها من سلطان؛ وهكذا كان حال هذه النخب التي تسلمت الحكم في
عامة الأقطار الإسلامية ولكن نخبة الجزائر تميزت بخصائص عن بقية النخب
الأخرى من أهمها:
١ - الدموية والقسوة في تعاملاتهم مع الشعب:
فهذه الطبقة من الضباط دأبت على استخدام أبشع الطرق في تصفية خصومها
السياسيين، والذهاب إلى حد التضحية بالناس كلهم إن أمكن ذلك في سبيل تثبيت
دعائم حكمهم؛ فالمجازر التي وقعت في بني طلحة وغيرها والتي ثبت تورط
هؤلاء العسكر بها سواء على مستوى التخطيط والتنفيذ، هذه المذابح ارتكبت من
خلالها أبشع أنواع الجرائم التي لا يمكن أن يُعتبر فاعلوها من بني الإنسان؛ بل إن
الوحوش لتترفع عن إتيان مثل هذه الأعمال؛ فمن ذا الذي يجرؤ على القيام بقطع
الأعضاء الذكرية في الرجال بعد ذبحهم ووضعها في أفواه الجثث، وكذلك قطعوا
أثداء النساء ورموا الأطفال الرضع في الحوائط وهم أحياء حتى يغرق الرضيع في
بحر من الدماء، وكل ذلك شاهده الصحفيون واعترف به ضباط وجنود ممن
استيقظت ضمائرهم وهربوا إلى الخارج كشاهدين على هذه المذابح والمجازر،
وكل ذلك يحصل حقداً على بسطاء الناس الذين أعطوا أصواتهم للجبهة الإسلامية
للإنقاذ في انتخابات ١٩٩١م.
٢ - احتراف التآمر والعمل المخابراتي الموجه لأبناء الجزائر:
قبل تسلمهم الحكم وفي منتصف الخمسينيات توجه قادة جبهة التحرير
الجزائرية والتي كانت تقود الشعب الجزائري حينئذ إلى استحداث جهاز للمخابرات،
وتولى تدريبه في بداياته المخابرات المصرية؛ حيث قام بشراء مجموعة فيلات
للسكن حوَّلها إلى مراكز للتعذيب وإدارة العمليات الاستخباراتية. ولم يسلم منه
جهاز المخابرات المصري القوي في عهد عبد الناصر، حيث سعى إلى اختراقه
والتجسس على فتحي الديب المكلف بالملف الجزائري في النظام المصري حينذاك.
وسرعان ما اكتشفت أجهزة الأمن المصرية ذلك وهو ما أثار غضباً شديداً لدى
قادتها؛ ذلك أنها ساعدت جبهة التحرير ولم تبخل عليها بأي شيء؛ فكيف يحاول
أحد قادتها اختراق أصدقائها؟ ! هذه الرواية أوردها فتحي الديب في كتابه:
(عبد الناصر وثورة الجزائر) .
وتطور هذا الجهاز بعد ذلك على يد المخابرات السوفييتية حتى برزت
مجموعة (السجاد الأحمر) أي هؤلاء الذين تدربوا على أعمال المخابرات في
موسكو.
وتنوعت أعماله من قتل المعارضين لقيادة جبهة التحرير قبل الاستقلال
وبعده، واختراق الجماعات الإسلامية والتأثير في توجهاتها وتغيير استراتيجيتها،
كما حدث مع الجماعة الإسلامية المسلحة، كما شارك بالتخطيط والتنفيذ فيما وقع
من مجازر ومذابح.
٣ - تدني المستوى التعليمي والسياسي بالنسبة لقياداتها القديمة والتي تُمسك بزمام
الجيش حالياً:
جل القيادات الحالية التي تُحكم سيطرتها على جيش الجزائر حصلوا على
الابتدائية أو ما يعادلها، ثم خدموا بعد ذلك في الجيش الفرنسي، وعند الاستقلال
ولأسباب مجهولة تم دمجهم بالجيش الجزائري. والمستوى التعليمي المحدود كان له
تأثير بلا شك على مستوى ثقافتهم وتعاطيهم مع الشأن الجزائري؛ كما جعلهم أكثر
انقياداً وتأثراً بالتوجيه الخارجي الآتي من فرنسا. يقول عبد الحميد الإبراهيمي
رئيس وزراء الجزائر الأسبق: «في الواقع فإن العسكر والجنرالات منذ أن جاؤوا
بانقلابهم عام ١٩٩٢م وهم على رأس المؤسسة العسكرية وقد كانوا في الجيش
الفرنسي سابقاً، دخلوه وهم صغار في سن ١٣، ١٤ سنة، ومستواهم الثقافي
ضعيف جداً، والعديد منهم لم يحصل حتى على الشهادة الابتدائية، وعندما انتموا
إلى الجيش الفرنسي الذي كان يحتل الجزائر حاربوا في صفوفه حتى اشتركوا في
ضرب ثوار الجزائر، والبعض حارب في الهند الصينية وفي فيتنام، وبعد اندلاع
الثورة أتوا بهم إلى الجزائر، وفيهم عدد كبير من الذين التحقوا بعد ذلك بالثورة،
ليس في الجبال، لكن بالحكومة المؤقتة بتونس ومنهم مثلاً (محمد العماري) هذا
الذي قاد أركان حرب منذ بداية ١٩٩٣م إلى يومنا هذا التحق بالحكومة المؤقتة
بتونس في نهاية ١٩٦١م، وهم ما زالوا بمستواهم الضعيف يعني الثقافي والسياسي
لكنْ وراءهم خبراء فرنسيون وضباط فرنسيون كانوا يعملون في المخابرات تحت
الجنرال إسماعيل العماري نائب الجنرال توفيق رئيس المخابرات ... يعني أن
الفرنسيين هم الذين يشيرون عليه» .
٤ - تعدد مراكز القوى والاستقطاب داخل هذه النخبة:
كان من الطبيعي لتهافت هؤلاء العسكر على الحكم أن يحدث بينهم نوع من
التشرذم وتنامي البؤر.
والمتتبع لأحوال النظام الجزائري يجد بداخله قطبين رئيسيين:
الأول: تيار المخابرات بزعامة محمد مدين الشهير بسي توفيق ونائبه
إسماعيل العماري.
الثاني: تيار أركان الجيش بزعامة رئيس الأركان محمد العماري.
وكل قطب من هذه الأقطاب له أدواته ووسائله في السيطرة وإدارة الصراع
سواء مع الناس أو مع القطب الآخر عندما يبرز بينهما خلافات على التكتيك
والأسلوب الأفضل في تقاسم السلطة وذبح الصحوة ومحاربة اختيار الشعب في
العودة إلى الله.
ويأتي بعد ذلك دور رئيس الجمهورية وهو دور واجهة أكثر من أن يكون
طرفاً فعالاً، والمتأمل لفترات الرئاسة للرؤساء السابقين من أيام بن بلة وحتى
بوتفليقة يجد أن هؤلاء الرؤساء كانوا ألعوبة في يد قادة الجيش والمخابرات باستثناء
حكم هواري بومدين، حيث كان ممسكاً بزمام الجيش بنفسه في السابق فسهل عليه
الإمساك بخيوط السلطة في يديه.
لذلك يجب علينا فهم ما تتحدث عنه وسائل الإعلام عن وجود خلاف بين
الرئيس والجيش؛ فالتعبير الدقيق: خلاف بين أحد أقطاب الصراع الذي جاء
ببوتفليقة وبين القطب الآخر اللذين سبق الحديث عنهما.
هذه الخصائص الأربع هي أبرز خصائص الحكم في الجزائر بالإضافة إلى
الخصائص الأخرى الموجودة في أكثر النخب التي تتحكم في بلاد المسلمين مثل
الفساد الإداري والمالي والسيطرة على الاقتصاد والمحسوبية والرشوة والانحطاط
الأخلاقي وغيرها من المفاسد.
لذا كان من السهل تقبل نظرية المؤامرة بالنسبة لأحداث الأمازيغ الأخيرة
نتيجة للعوامل السابقة؛ فقبل اندلاع انتفاضة الأمازيغ برزت إلى السطح
التصريحات والتصريحات المضادة بين مراكز القوى في الجزائر، وهو الأمر الذي
فهم منه كما يقول سياسي جزائري أنّه يشكّل ذروة الاحتقان بين مراكز القوة.
وقد علمتنا الفتنة الجزائريّة أن يكون للاحتقان بين مراكز القوة كباش محرقة
وفداء من قبيل مجزرة هنا ومذبحة هناك وقتل بالجملة هنالك. ومبادرة الرئيس
الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى تشكيل لجنة للتحقيق في الحادث معناه أنّ مشهد
الدم في منطقة القبائل وراءه أيدٍ قد يكون لها امتداد إلى بعض مراكز القوة.
وعندما تحركّت المدرعات العسكرية لردع انتفاضة الأمازيغ كان الرئيس
الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في زيارة إلى نيجيريا الأمر الذي جعله يقطع زيارته
ليلاً ولا يتابع أعمال المؤتمر العالمي حول الإيدز في نيجيريا. وهذا
ما جعل مقربين من الرئيس الجزائري بوتفليقة يعتبرون أنّ ما جرى ويجري هو
أمر دبّر بليل، وأنّ هناك أطرافاً أشعلت النار في منطقة القبائل.
ويظهر أن أحد القطبين في الجيش الجزائري غير راض عن تحركات
بوتفليقة والقطب الآخر متمسك به، وهذا ما يفسر إقدام بوتفليقة على تقديم استقالته
لقيادة الجيش فور وقوع هذه الأحداث.
وتتفق تحليلات قوى سياسية محلية حول ما تسميه «تحريك القبائل»
لتصفية حسابات بين أطراف السلطة المتصارعة إلى حد يمكن توقع أي شيء في
المستقبل القريب. وتعتقد هذه القوى أن سيناريو تفجير الأحداث أعد بإتقان، واهتم
حتى بأدق الجزئيات لضمان اندلاعها؛ فهناك جملة من التساؤلات حول مصادفات
غريبة حدثت من جهات مسؤولة تؤدي حتماً إلى ما آلت إليه الأوضاع في المنطقة.
فمجرد اعتقال شاب أعزل بلا سبب وقتله برشاش كلاشينكوف من قبل رجل من
الدرك داخل الثكنة، أمرٌ كافٍ لأن يثير غضب الناس في أي مكان من الجزائر؛
فما بالك إن كان هذا الشاب من القبائل وقد قتل في قريته من دركي غريب عن
المنطقة ولا ينتمي للسان القبائلي؟ ! لكن أثر حادثة الاغتيال ظل محدوداً في قرية
الضحية وضواحيها، وظلت المطالب هي إعادة الاعتبار للشاب بعد أن اتهمه بيان
الدرك بكونه كان بصدد القيام بسرقة، ولم يثر الحادث ضجة ذات بال. لذلك
«عمدت الأوساط التي أرادت تفجير الوضع إلى افتعال أحداث أخرى باعتقال
تلاميذ من ثانوية أميزور بولاية قبائلية أخرى، ويعتقد بأن أوساطاً في الحكم
تدرك أن الوضع المتأزم في البلاد نتيجة اتساع رقعة الفقر والخطاب الرسمي
الذي يستفز العامة، وكذا النهج السياسي للرئيس بوتفليقة المعتمد على العودة إلى
خدمات» الحرس القديم «الذي سبب المآسي للجزائر في الثمانينيات سيؤدي حتماً
إلى انفجار عام بالبلاد لا تستطيع التحكم فيه شبيه بذلك الذي حدث في أكتوبر من
عام ١٩٨٨م، وغيَّر مجرى سياسة البلاد، وأدى إلى زعزعة حكم بن جديد. لهذا
عمدت إلى افتعال أسباب انفجار في منطقة معروفة بكونها أكثر مناطق الجزائر
حساسية وقابلية للتحريك. وبهذا فقد سبقت السلطة الأحداث وإن خلفت قتلى
وجرحى وإتلاف الممتلكات فإنها في نظر هذه السلطة أخف الأضرار.
وتساءل الكثيرون عن الأسباب التي دفعت السلطة أو جناحاً منها هذه المرة
لتحريك الوضع في القبائل انطلاقاً من قتل دركي» عربي «شاباً قبائلياً واعتقال
دركيين» عربيين «شباباً من القبائل وضربهم!
الدور الفرنسي:
عندما تعرضت الجزائر للاستعمار الفرنسي في ٥ يوليو تموز ١٨٣٠م كان
أول من رفع لواء المقاومة ضد المستعمر الفرنسي هم الأمازيغ أو الأمازيغ
المسلمون ومن الثورات التي تصدّت للاستعمار الفرنسي ثورة المقراني والمقران
لفظة بربرية تعني الكبير وكان شعار ثورة المقراني الدفاع عن إسلامية الجزائر،
ولم يقاوم المقراني من أجل استرجاع الهوية الأمازيغية للجزائر، وقد أدركت فرنسا
خطورة هذه العقيدة فراحت تنبش في الذاكرة الجزائرية إلى أن اهتدى استراتيجيوها
إلى مبدأ التشكيك في الهوية الجزائرية، وبدأت حملة التشكيك من خلال تكوين
نخبة جزائرية مثقفة مشبعة بالفكر الفرانكفوني، وقد لعبت هذه النخبة المعروفة
جيداً لدى الشعب الجزائري أكبر الأدوار في تمزيق صفوف الحركة الوطنية؛ حيث
تمّ البدء في تصنيف الجزائري بأنه عربي، وبربري، وشاوي، وما إلى ذلك.
وكانت النخبة المذكورة ترى في إرهاصات الثورة الجزائرية على فرنسا
انحرافاً خطيراً باعتبار أن الثورة في مضمونها دعوة للانفصال عن الوطن الأم
فرنسا، ومع اندلاع الثورة الجزائرية فكرت السلطات الفرنسية في مختلف الطرق
التي تؤدي إلى تمزيق الثورة الجزائرية التي تبناها الجزائريون بمختلف مشاربهم
وانتماءاتهم العرقية، فوصلت فرنسا إلى أمرين لتمزيق الثورة الجزائرية من الداخل:
١- الورقة الأمازيغية.
٢ - الورقة الجهوية.
فعلى الصعيد الجهوي نجحت فرنسا في إثارة النعرات الجهوية، فبات يسود
آنذاك بين الجزائريين بأن هذا من الغرب، وذاك من الشرق، هذا وهراني
وقسنطيني وقبائلي وهلمّ جراً.
وما زالت الجهوية تلعب دوراً كبيراً في التعيينات الوزارية والرسمية، بل إن
التوازن الجهوي يعدّ أساس الحكم في الجزائر.
وعلى صعيد الورقة الأمازيغية فقد نجحت فرنسا في إثارتها عبر آلياتها
ووسائلها؛ وذلك باتباع وسائل أهمها:
* مضاعفة النشاط التبشيري بين الأمازيغ، وتقديم الخدمات الصحية
والتعليمية وإقامة الكنائس في مناطق تواجدهم الكثيف مقابل منع العلماء المسلمين
من الوصول إليهم لتدريس القرآن الكريم واللغة العربية. ويذكر المراقبون أن هناك
ما يقرب من عشرين منظمة تنصيرية في منطقة القبائل تقريباً، وزعماء الحركة
الأمازيغية لا ينكرون أن الذي أوجد التيار الأمازيغي هم المنصرون المسيحيون
الفرنسيون؛ فقد صرح معطوب الوناس (اغتيل منذ نحو ثلاث سنوات) ، وهو
مطرب من أقطاب حركة الثقافة الأمازيغية بأن الذي علمني هويتي الأمازيغية هو
الأب (شارل ديكيرس) الذي اغتيل من طرف الإسلاميين مع رفاقه الثلاثة في
تيزي أوزو، مع العلم أن الراهب المذكور بلجيكي الجنسية متمرس في العمل ببلاد
القبائل؛ فهو يحسن التحدث بالقبائلية، وسبق أن ضبطه مفتش شرطة قبائل بمدينة
تيزي أوزو في سنة ١٩٧٦م وهو يجمع في بيته مراهقين ومراهقات ويمرنهم على
ممارسة الجنس تحت عنوان التربية الجنسية، وقد قامت السلطات بطرده مع عدد
من رفاقه في عهد هواري بومدين، ومن الغريب أنه كان مستشاراً في التأهيل
المهني بوزارة العمل الجزائري التي كان يسيطر عليها الشيوعيون، وكان مزدوج
الجنسية إذ يتمتع بالجنسيتين الجزائرية والبلجيكية، ثم جاء الشاذلي بن جديد وفي
إحدى زياراته إلى بلجيكا توسط ملكها لديه للراهب المذكور، فسمح له بالعودة إلى
الجزائر؛ حيث بقي فيها إلى أن اغتيل، وهذا الوناس هو الذي وقف خطيباً أمام
الجماهير في مسيرة نظمت بمناسبة ذكرى ما يسمى بـ (الربيع الأمازيغي) وإلى
جانبه زوجة السيد سعيد سعدي رئيس حزب (التجمع من أجل الثقافة
والديموقراطية) حيث قال بالحرف الواحد:» لو بقيت اللغة الفرنسية رسمية
بالجزائر بعد الاستقلال مثلما كانت قبله، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه «.
* تزييف التاريخ لتعميق الهوة بين العرب والأمازيغ.
* محاولة إضفاء الصبغة العلمية الأكاديمية على دعاوى عنصرية من قبيل
(لاتينية) الأمازيغ، وتمايزهم تماماً: عرقياً، حضارياً، لغوياً، وتاريخياً عن
العرب؛ وصولاً إلى تبني اجتهادات فرنسية/ أمريكية لكتابة مفردات اللغة
الأمازيغية (الشفهية) بحروف لاتينية، في سياق محاولة ربط الأمازيغ بالثقافة
اللاتينية المسيحية.
* توفير حاجة الدعوة الأمازيغية من المؤسسات الثقافية لتكون ممارسة هذه
المؤسسات خارج الدولة الجزائرية، وبذلك يصعب التحكم في مخرجاتها ومنطلقاتها؛
فقد أسست فرنسا في عاصمتها باريس الأكاديمية الأمازيغية التي تولت وضع
معجم للغة الأمازيغية، وتشجيع نتاج الأدباء الأمازيغيين بهذه اللغة، ورعاية الثقافة
الأمازيغية بكل مفرداتها: الأغنية والموسيقى (موسيقى الراي) ، العادات،
والتقاليد، وفنون الأدب الأخرى.
* دعم العناصر المتفرنسة في سعيها لإقامة العقبات أمام مسيرة التعريب بعد
استقلال الجزائر عام ١٩٦٢م، سواء بدفعهم طابوراً خامساً داخل مراكز صناعة
القرار، أو المؤسسات التعليمية، والتركيز على دعم سياسة الإحياء الأمازيغي التي
تنظر إلى اللغة العربية باعتبارها لغة أجنبية.
* التبني الدعائي لأحداث العنف التي اندلعت في مناطق الأمازيغ منذ بداية
الثمانينيات، ومحاولة الضغط على الجزائر الدولة، باتجاه الاعتراف بحق الأمازيغ
في التمايز الثقافي واللغوي من جهة، ودعم العناصر المعارضة ذات الأصل
الأمازيغي المقيمة في فرنسا من جهة أخرى خاصة عبر توفير المنابر الإعلامية
ووسائل الاتصال بالداخل.
* دعم يهود فرنسا والمنظمات اليهودية فيها كما ذكر البروفيسور رفائيل
يسرائيل في ورقة أمام ندوة لمركز بارايلان بالتعاون مع الخارجية الإسرائيلية
لمطالب الأمازيغ، وتقديم العون المادي والمعنوي لمنظماتهم النشطة في فرنسا،
ويشير (يسرائيل) إلى أن أكثر من نصف مليون بربري يعيشون في فرنسا، مما
ساعد على ظهور، وتشكيل جماعات وهيئات تتولى رعاية قضاياهم، وتؤيدهم في
ذلك المنظمات والمؤسسات اليهودية الأكثر التصاقاً واهتماماً بقضيتهم، ورعاية
مصالحهم وتبني طموحاتهم.
* الإعلان على لسان وزير خارجية فرنسا فيدرين خلال الأزمة الأخيرة أن
بلاده لا تستطيع البقاء صامته أمام القمع العنيف إزاء الاضطرابات في مناطق
القبائل، خصوصاً أن الجالية الجزائرية في فرنسا تضم عدداً كبيراً من أبناء هذه
المناطق ثم تأييد رئيس الوزراء جوسبان موقف وزير خارجيته.
* دعوة آيت أحمد الزعيم الأمازيغي المقيم في سويسرا عبر الإذاعة الفرنسية،
إلى تدويل المسألة الجزائرية، وتوجيهه نداء إلى كوفي عنان الأمين العام للأمم
المتحدة، والمفوضية العليا لمنظمة حقوق الإنسان، والرئيس الأمريكي بوش،
ورئيس الاتحاد الأوروبي، وممثل الاتحاد الأوروبي الأعلى للسياسة الخارجية،
والأمين العام لحلف الناتو ورئيس الدولية الاشتراكية، باتخاذ مبادرات فردية أو
جماعية لتوجيه تحذير علني للسلطات الجزائرية (لمنع وقوع ما لا يعوض) !
وإعلانه في حديث آخر عبر الأثير (أن شبان القبائل مهمشون بعد مصادرة
ماضيهم وذاكرتهم وحاضرهم) .
وفي الآونة الأخيرة بدا النظام الجزائري أكثر ميلاً للارتماء في أحضان القوة
العظمى الوحيدة في العالم الولايات المتحدة التي يمكن أن يرتكز عليها في صراعه
وتثبيت نفوذه في الجزائر، وقام الأسطول الأمريكي السادس في البحر المتوسط
بعمل مناورات وتدريبات مشتركة مع الجيش الجزائري، وفي هذا السياق أيضا
تأتي الاتصالات السرية بين النظام وإسرئيل التي توجت بالمصافحة بين بوتفليقة
وباراك في المغرب أثناء جنازة الحسن الثاني، وهنا شعرت فرنسا بأن جهودها منذ
ما يقرب من قرنين سوف تذهب سدى؛ فهي التي صنعت على عينها طبقة
الفرانكوفونية وطبقة الأمازيغية وطبقة الضباط التي سلمت لهم الحكم قبل أن ترحل؛
وهاهم الضباط يتمردون، فشجعت، وتحركت لإسقاط الفصيل المتمرد على
هيمنتها ونفوذها وكانت أحداث القبائل فصلاً جديداً من فصول التدخل الفرنسي سبقه
الضجة المفتعلة التي أثيرت حول كتاب الحرب القذرة:
فلماذا في هذا التوقيت تم نشر الكتاب؟
وما سر اهتمام مثقفي فرنسا المفاجئ بمذابح الجزائر وتحميلهم للجيش
الجزائري مسؤولية هذه المجازر.... ..؟
لماذا هذه الأيام بالتحديد.... .؟
هذا الملف فتح منذ عام ١٩٩٧م في لندن ومدريد على أيدي ضباط كثيرين
لاذوا بالفرار وقالوا الحقيقة، والغريب أن مثقفي فرنسا هؤلاء تراصوا وانفعلوا
واندفعوا يدافعون عن الجيش الجزائري، وشكلوا الوفود لتقصي الحقائق، وخرجوا
بنتيجة أن الإسلاميين وحدهم هم المسؤولون؛ فما الذي تغير؟
إن الإجابة على ذلك تكمن في رغبة فرنسا لجم هؤلاء الضباط المتمردين على
هيمنتها وإعادتهم إلى الحظيرة الفرنسية، وفي هذا السياق يأتي كما أسلفنا دعم
الأمازيغ وتشجيعهم وانتهاز فرصة الاضطرابات لدفع الأمور إلى الأسوأ.
الحركة الأمازيغية في الجزائر:
يتحرك العلمانيون الأمازيغ في الجزائر عبر عدة واجهات منها: السياسية
ممثلة أساساً في الأحزاب الأمازيغية، مثل جبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من
أجل الثقافة والديمقراطية، ومنها الاجتماعية: مثل الحركة الثقافية الأمازيغية،
ومنها التيار المسلح للفصيل الأمازيغي: مثل الحركة المسلحة الأمازيغية التي أعلن
عن تأسيسها يوم ٢ يوليو ١٩٩٨م عشية تطبيق اللغة العربية، والتي تهدف حسب
بيانها إلى قتل كل من يطبق اللغة العربية، وكذا كل من يحارب المد الأمازيغي.
كما أن التيار الأمازيغي يتحرك بالمقابل في واجهة حكومية هي المحافظة
السامية للبربرية، والتي نُصّبت كهيئة استشارية للرئيس زروال عقب اتفاق مبدئي
مع ممثلي الرئيس في ٢٢ إبريل ١٩٩٥م بعد إضراب المحافظة في المدارس
بمنطقة القبائل والذي دام أكثر من ٦ أشهر والتي خولت لها مهمة الإسراع بترقية
الأمازيغية.
هذه الهيئة الرسمية أبدت هي الأخرى على لسان ناطقها الرسمي جمال فرج
الله استياءها، ودعت الجمعيات الأمازيغية النشطة والمقدر عددها بـ ٦٠٠٠
جمعية، والتي تعنى كلها بتطوير المسألة الأمازيغية وترقيتها والدفاع عنها من
مجموع ١٢ ألف جمعية معتمدة في الجزائر إلى التجند لدراسة أشكال جديدة من
النضال لفرض الأمازيغية، التي تنشط منذ بروز» الظهير الأمازيغي «أو ما
سمي بالبيان الأمازيغي للسلطات الفرنسية في ١٩١٤م تحت رعاية السلطات
الفرنسية، وقد كللت هذه الرعاية بعقد أول مؤتمر للمكتب العالمي الأمازيغي في
المركز العالمي» بيير مونيسي «بقرية» سان روم دولان «جنوب فرنسا في
الفترة بين ١ و٣ سبتمبر ١٩٩٥م، بحضور ٤٠ جمعية بربرية من (ليبيا،
المغرب، الجزائر، إسبانيا، ودول إفريقية وأوربية) ، وخلال المؤتمر وُزّع على
الحضور لأول مرة النشيد الوطني الأمازيغي، ويحمل اسم:» تورارت ن تيللي «،
وكان مكتوباً بالحرف الآرامي، واللاتيني، وردده الجميع أثناء حفل عشاء، ومن
توصيات المؤتمر:
١ - تدويل الواقع الأمازيغي عبر الهيئات الدولية للأمم المتحدة.
٢ - الدفاع عن الثقافة الأمازيغية وصيانتها وتنميتها.
٣ - اكتساب الوسائل المادية والمالية والتنظيمية من أجل تحقيق هذه
الأهداف.
٤ - إعادة النظر في تاريخ شمال إفريقيا بما يخدم أهداف وطن الأمازيغ
المنشود.
هذه التحركات المشبوهة للجانب الأمازيغي بأجنحته المغاربية، والذي يتحرك
بتطرف كبير في العواصم الأوربية، يزيد الشك في حقيقة النوايا الأمازيغية.
لقد بدأ النضال من أجل الأمازيغية في العشرينيات من القرن الماضي أثناء
تأسيس حركة نجم شمال إفريقيا وتطور مع ظهور وتعدد الحركات السياسية
الجزائرية المطالبة بطرد الاستعمار الفرنسي، وكانت ثورة نوفمبر (١٩٥٤
١٩٦٢م) منعرجاً حاسماً في الحركات الجزائرية من العمل السياسي إلى الكفاح
المسلح ضد الاستعمار الفرنسي.
وبعد نجاح الثورة الجزائرية واستقلال البلاد في عام ١٩٦٢م، واختيار نظام
سياسي يقوم على الحزب الواحد الذي يتمثل في جبهة التحرير الوطني الذي ذابت
داخله كل التيارات السياسية التي كانت موجودة قبل الانتقال من مرحلة النضال
السياسي إلى مرحلة الكفاح المسلح.
واعتبر النظام السياسي آنذاك المسألة الأمازيغية ليست من الأولويات؛ لأن
أهم مطالب الأمازيغ كانت متحققة وهي إبعاد اللغة العربية عن الجزائر، وتم منع
وحظر كل التيارات السياسية التي ترفض العمل من داخل أطر الحزب الواحد من
الاسلاميين (جمعية العلماء المسلمين) ، إلى (حزب الطليعة الاشتراكية) ، إلى
الأمازيغيين (الحركة الأمازيغية) ، لكن هذه الأخيرة وجدت مساندة من طرف
فرنسا، التي قامت عام ١٩٦٣م بإنشاء ما يعرف بالأكاديميّة الأمازيغيّة وأشرف
عليها الكاتب القبائلي الفرانكفوني مولود معمّري، وقامت هذه الأكاديمية لتكون
المنطلق فيما بعد لتأسيس الحركة الثقافية الأمازيغية (الأمسيبي) .
وفي إبريل عام ١٩٨٠م منعت سلطات ولاية تيزي وزو المنظِّر الأمازيغي
مولود معمري من إلقاء محاضرة بأحد المراكز الثقافية، فرد التيار الأمازيغي
بالدعوة لإضراب عام في ٢٠ أبريل ١٩٨٠م، وتفجر الوضع الذي أدى إلى تدخل
عنيف لقوات الأمن، واعتقلت عدداً من الوجوه التي لم تكن معروفة آنذاك، وحكم
عليها بالسجن لمدد مختلفة، هي اليوم من رموز التيار الأمازيغي بشقه الثقافي
والسياسي، ومنها سعيد سعدي، فرحات مهني، جمال زناتي، صالح بوكريف،
وغيرهم ... وأصبح ٢٠ إبريل ذكرى يتم الاحتفال بها سنوياً تحت تسمية:
(الربيع الأمازيغي) .
عرف النضال من أجل ترسيم الأمازيغية تطوراً كبيراً مع دخول الجزائر عهد
التعددية السياسية والانفتاح الديمقراطي بعد أحداث أكتوبر عام ١٩٨٨م مقارنة
بسنوات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، بحيث أصبحت الحركة الأمازيغية
تتمتع بآفاق ومجالات أوسع للمطالبة بترسيم الأمازيغية في الدستور, بعدما كانت
المرحلة الأولى من النضال الأمازيغي تتسم بالسرية؛ لأن الحديث عن المطالب
الأمازيغية في بادئ الأمر كان يعرض صاحبه للسجن والعقوبات المختلفة؛ ولكن
مرحلة الانتقال من العمل السري إلى العلن حملت معها سلبيات على التيار
الأمازيغي، فانقسمت الحركة الثقافية الأمازيغية التي كانت المرجعية الوحيدة
للمطلب الأمازيغي، مع ميلاد حزبي: (جبهة القوى الاشتراكية) لحسين آيت
أحمد، و (التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية) لسعيد سعدي إلى قسمين: اللجان
الوطنية للأمسيبي القريبة من حزب آيت أحمد ويتزعمها جمال زناتي، والتنسيقية
الوطنية للأمسيبي ويتزعمها فرحات مهني، ووصلت الخلافات وحدة الصراعات
ببن الطرفين إلى درجة دفعت التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية إلى التحالف مع
النظام العدو اللدود بالأمس ضد جبهة القوى الاشتراكية التي خرج حزب سعيد
سعدي من صلبها، وأصبحت مواقف الحزبين على النقيض تجاه مختلف القضايا
المطروحة في الساحة السياسية، وازدادت الهوة اتساعاً بينهما منذ بداية أحداث
العنف في الجزائر عام ١٩٩٢م.
وفي عام ١٩٩٥م أنشئت المحافظة السامية للأمازيغية بمرسوم رئاسي من
طرف الرئيس السابق الأمين زروال، على إثر الإضراب المفتوح الذي شنته
الحركة الأمازيغية في منطقة القبائل، والمقاطعة الشاملة للعام الدراسي وهو أول
اعتراف من جانب السلطة بالقضية الأمازيغية وتغيير استراتيجية التعامل مع
الحركة الأمازيغية من المواجهة إلى الاحتواء، ومنذ تنصيب المحافظة السامية
قامت بإدخال الأمازيغية في النظام التعليمي الأساسي والثانوي عبر ١٦ ولاية، إلى
جانب فتح فرع لشهادة الليسانس في الأمازيغية، وتأطير أكثر من ٢٠٠ أستاذ
جامعي، وتخصيص نشرات إخبارية بالأمازيغية، في التلفزيون الجزائري،
وأصبحت قضية الأمازيغية تناقش داخل البرلمان؛ فقد أودع نواب حزب التجمع
من أجل الثقافة والديمقراطية سؤالاً للحكومة حول العراقيل التي تعترض عملية
تدريس الأمازيغية وتطويرها.
وتسعى الآن الحركة الأمازيغية إلى ترسيم اللغة الأمازيغية من خلال النص
على أنها لغة رسمية في الدستور الجزائري.
ومع انتخاب عبد العزيز بوتفليقة رئيساً للجزائر لم تسجل الحركة الأمازيغية
أي موقف بشأن تعاملها مع الحكم الجديد، وفي ظروف مشبوهة شددت الحركة
لهجتها، وشاركت في ملتقيات دولية ونظم بعضها بالجزائر ومن أبرزها الملتقى
الذي عقد بالجزائر في ٢٢ إبريل ٢٠٠٠م ونتج عنه توحيد الحركات الأمازيغية في
تونس والمغرب وجزر الكناري ومالي والنيجر والجزائر، وشاركت بعدها هذه
الحركات في الجمعية العامة للأمم المتحدة التي خصصت لعشرية حقوق الشعوب.
ولكن بمجرد تشكيل بوتفليقة لحكومته الائتلافية وضمه للتجمع من أجل الثقافة
والديمقراطية إليها خفت صوتها من جديد.
وفي إبريل الماضي بدأت مظاهرات منطقة القبائل من جديد منادية بالمطلب
الأمازيغي، وعندما لم يفلحوا في جر الفئات الأمازيغية الأخرى رفعوا شعارات
البطالة والمعاناة الاجتماعية، وطالبوا الشباب في الولايات الأخرى بالخروج
للشوارع، واضطر سعيد سعدي مكرهاً للانسحاب من الحكومة بعد الأحداث الدامية
التي شهدتها منطقة القبائل منذ ٢٢ من الشهر الماضي للحفاظ على ما تبقى من
مصداقية له في المنطقة التي يستمد منها أساساً شرعية وجوده.
ويبدو أن أكبر حزبين في هذه المنطقة: (التجمع من أجل الثقافة
والديمقراطية) و (جبهة القوى الاشتراكية) بزعامة المعارض حسين آيت أحمد
يؤثران بشكل ما على الأحداث. لكن جبهة القوى الاشتراكية استطاعت أن تحافظ
على كثير من جسور الثقة مع السكان وجمعيات الأحياء والقرى، على عكس
(التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية) الذي فقد أنصاره، وتحوّل المحايدون إلى
خصومه منذ انضمامه إلى الحكومة السنة الماضية ومنذ انتشار أنباء عن تواطئه مع
فصيل من قادة الجيش في سياستهم الهادفة إلى الحد من نفوذ الأمازيغ في الدولة.
لقد شجع هذان الحزبان مناضليه في العشرية الماضية على محو الحرف
العربي من الشوارع والطرق، وعناوين المحلات التجارية، ولم يترك سوى
الحرف الفرنسي، وصار هؤلاء يمنعون استعمال اللغة العربية في التظاهرات
الثقافية، ويجبرون المتحدثين على استعمال الفرنسية، فكم من محاضر مغاربي أو
جزائري زار ولايتهم طلب منه أن يتحدث بالفرنسية أو يسكت.
وليست المرة الأولى التي تنطلق فيها مظاهرات تخريبية في منطقة القبائل؛
ففي كل مرة تخرج هذه المظاهرات تخرب المرافق الحكومية والدولة تعيد بناءها
دون معاقبة المخربين؛ وآخرها الحوادث التي جرت كانت بمناسبة اغتيال المغني
معطوب الوناس سنة ١٩٩٨م؛ لأن هذا الشباب ربته الأحزاب الأمازيغية العلمانية
على كره الإسلام؛ وهذه الأحزاب تعمل منذ عشرين سنة بتوجيه فرنسي على
القضاء على أخلاق الإسلام وخلق شباب لا انتماء لهم قيمياً؛ لأنها ترى أنه ما دام
الإسلام وأخلاقه قائماً فيصعب عليها تمرير خطابها المعادي للعروبة والإسلام.
وزاد من هذا المد اللاأخلاقي عودة المغتربين القبائليين من فرنسا بعد أن تقاعدوا؛
فقد عادوا بسلوك المجتمع الفرنسي وبالأموال؛ فبنوا دارات فخمة حلت محل
بساتين التين والزيتون المشهورة بها هذه المنطقة، وبين كل عشرين دارة تقام حانة
تتحول إلى موقع انحلال ... وهذا هو الذي يفسر لماذا يقوم شباب القبائل الحزبي
في كل مرة بمظاهرات تخريبية؛ لأنه تحول إلى شباب غير منتم دينياً وقيمياً،
يتصرف بحقد على كل ما هو إسلامي.. ومن مظاهر الحوادث المحزنة أن كل
سيارة تحمل رقم ولاية أخرى غير ولايتهم تكسر، بل وصل الحقد القبائلي أن
يُضرَب كل شخص يُكتشَفُ أنه عربي جزائري. وقد شاهد سكان حي الحراش
بالعاصمة شاحنات متوجهة لمسيرة حزب حسين آيت أحمد يوم ٣/٥/٢٠٠١م،
تحمل شباباً يرسم إشارة الصليب على صدورهم وجبهاتهم، وظاهرة الصلبان
منتشرة بمنطقة القبائل بتشجيع من الأحزاب ومن الجمعيات الأمازيغية.
وعامل الفقر والبطالة التي تتحدث عنه وسائل الإعلام باعتباره العامل
المحرك للأحداث غير حقيقي.
فتعتبر منطقة القبائل أكثر منطقة جزائرية مستفيدة من الثروة الوطنية: فولاية
تيزي وزو أفضل ولاية بنت فيها الدولة منشآت معمارية، وتمثل البطالة بولايتي
بجاية وتيزي وزو أقل نسبة مقارنة بالولايات الأخرى. كما يمثل القبائل النسبة
الغالبة في الوظائف العليا سواء بالمؤسسات الحكومية أو في شركات القطاع العام.
وحتى في إطار اقتصاد السوق تنشأ ببلاد القبائل مصانع خاصة في صناعة الألبان
والأجبان والمياه المعدنية وغيرها من المواد ذات الاستهلاك الواسع وتوزع في سائر
القطر.
إن الجزائريين العاديين باتوا يشكون من تمييز أهل منطقة القبائل حتى إنهم
يرددون المثل الجزائري: (يأكل الغلة ويسب الملة) ، وأغلبية القبائل ضد هذا
لكنها واقعة تحت إرهاب هذه الأحزاب والجمعيات المشبوهة.
إن تمرد فئة من الأمازيغ لم يكن ليحدث في الماضي زمن تطبيق كتاب الله
وسنة رسوله؛ ففي هذا الزمن كان الناس ملتفين حول هوية العقيدة: الفطرة التي
خلقهم الله عليها، وتلاشت العصبية القبلية المنتنة، وعندما حُجِبَت شمس الشريعة
والآصرة التي كان يتجمع المسلمون عليها سهل عليهم تقبل نعرات وعصبيات
والعودة إلى جاهلية جديدة.
وهكذا تتقاطع مؤامرة أقطاب الحكم في الجزائر مع مصالح فرنسا مع جهود
طائفة متغربة لتصنع أحداثاً وتقلب موائد؛ ليعلم الله وحده إلى أين تتجه الجزائر؟
стр. 3961
المسلمون والعالم
إلغاء المعاهد الشرعية في اليمن بين الدوافع والأبعاد
عبد الرحيم يحيى قايد
كما كان متوقعاً ألغى حزب المؤتمر الحاكم في اليمن المعاهد الشرعية
ومدارس تحفيظ القرآن الكريم التي وصف الرئيس اليمني طلبتها حين التقى بهم في
أيام خلت بـ (الجيل الطاهر) ، (الجيل النظيف) ، (الجيل المخلص) ،
ووصفهم بأنهم: (درع لحماية الثورة والمبادئ والمنجزات والعقيدة) [١] ، ألغى
حزب المؤتمر المعاهد الشرعية في اليمن والتي تمتاز عن غيرها من مدارس التعليم
العام كما جاء على لسان مصدر مطلع في الحكومة اليمنية بأنها: (تكرس تدريس
المواد الدينية واللغة العربية، ونشر الدعوة الإسلامية، والدفاع عن الدين الإسلامي
من خطر الماسونية والعلمانية والصهيونية والمذاهب والطوائف الإسلامية التي
تتعارض مع المذاهب الأصولية السلفية) [٢] ، ألغاها بجرة قلم مثبتاً على نفسه
تناقضاً للمسؤولية تجاه دينه وشعبه، وضيقه الشديد بوجود الآخر، وحمله
التهويل تجاه مؤسسة تعليمية تعطي اهتماماً خاصاً لتربية النشء على الإسلام، وتعنى
بتعليمهم القرآن واللغة العربية، رافعاً شعار: إنهاء حالة الازدواجية الثنائية في
التعليم بما يحقق وحدة أبناء المجتمع، ويمنع من جرهم إلى الفتنة، ويحول بينهم
وبين التطرف والإرهاب، ويمنع من تقويض أسس مقومات بناء الدولة اليمنية
الحديثة [٣] ، إلى آخر ذلك من كلمات التضليل والمكايدة والاستخفاف بعقول الكثيرين
من أبناء الأمة مما لا ينطلي إلا على الجهلة والسذج فقط.
ألغيت تلك المعاهد لتصيب مستقبل تعليم الإسلام لأجيال اليمن في مقتل في
الوقت الذي تستمر المعاهد الشرعية في الخليج، والمعاهد الأزهرية في مصر، بل
وحتى معاهد الأئمة والخطباء في الدولة التركية الحديثة! ! في أداء دورها في
ترسيخ الهوية لتكسب قيادته سبقاً في إرضاء أعداء الأمة وتحقيق متطلباتهم.
مستكثرين المبالغ الزهيدة التي تنفق عليها مقارنة بجدواها والرسالة التي
تحملها في الوقت الذي تقبل فيه بريطانيا تمويل مدارس إسلامية على أرضها،
وتنفق فيه الدولة اليهودية بسخاء على المدارس المعنية بتدريس الدين اليهودي.
وفي الوقت الذي يشهد به كل محايد ممن يعرف الواقع اليمني أن تلك المعاهد
الشرعية ومدارس تحفيظ القرآن الكريم التابعة لها قد قامت بدور مشكور في بث
الوعي الإسلامي ومحاربة الأمية طيلة ما يقرب من ربع قرن في مجتمع عاش ردحاً
من الزمن في غياهب الجهل والتغييب والتخلف، وأسهمت في إذكاء الروح
الإسلامية وإحياء الأخوة الإيمانية في مجتمع عانى طويلاً من الفرقة والتمزق
المذهبي والمناطقي والقبلي، وشاركت بشكل فاعل في محاربة التشوهات الفكرية
المختلفة وحماية أبناء المجتمع اليمني من الزيغ العقدي والتحلل الأخلاقي.
الدوافع الحقيقية للقرار:
يعد قرار حكومة حزب المؤتمر في اليمن بإلغاء المعاهد الشرعية ومدارس
تحفيظ القرآن الكريم التابعة لها خطوة جرئية جداً ومنعطفاً صارخاً وقراراً تاريخياً
يصب في مصلحة طمس الهوية، وتعزيز التغريب، وحرمان النشء من التعليم
الشرعي، والحيلولة بين المجتمع اليمني المسلم والتدين لم يجرؤ على اتخاذه أحد
حتى تلك الحكومات التي ساهم الاشتراكيون فيها؛ فيا ترى ما الدوافع والأسباب
الحقيقية التي كانت وراء إقدام حكومة المؤتمر على تنفيذ هذه الخطوة؟
يمكننا القول بأن استهداف المعاهد الشرعية ومدارس تحفيظ القرآن الكريم في
اليمن من قِبَل التيارات العلمانية المختلفة والطوائف البدعية المتعددة ليس بجديد،
وقد أخفقوا في كل محاولاتهم السابقة، لكن الجديد في الأمر وهو ما يدركه الكثير
من المتابعين للساحة اليمنية بصورة جيدة تفرد العلمانيين وأصحاب الأهواء داخل
حزب المؤتمر في السنوات الأخيرة بقيادته، وأنهم منذ أن تسنى لهم ذلك وهم
مشمرون عن ساعد الجد في تغيير هوية المجتمع الإسلامية وقيادة العملية التغريبية
داخل اليمن، سواء كان ذلك عبر تشويه الإسلاميين ومحاولة إلصاق تهمة الإرهاب
والتطرف بهم، ومن ثم إيجاد حواجز نفسية بينهم وبين بقية أفراد المجتمع، أو
عبر إغراق المجتمع في بحر الشهوات وإلهاء الشباب بها، واستهداف المرأة اليمنية
بصورة كان آخر تقليعاتها القيام بتجنيدها، في الوقت الذي تم فيه إيقاف التجنيد
الإلزامي للشباب اليمني، وتسريح الكثير من الجند من صفوف الجيش والأمن، أو
عبر ممارسة سياسة الإشغال التي تتم عبر وسائل الإعلام المختلفة ومؤسسات
الإلهاء التي تتستر بالرياضة والسياحة والفن، والسكوت عن الجهات التي تقف
خلف تفشي المخدرات والمسكرات في أوساط المجتمع، أو عبر تشجيع الطوائف
الضالة والفرق المنحرفة من باطنية ورافضة وصوفية من العمل لباطلها ونشر
زيغها وضلالها، أو عبر فتح المجال أمام أصحاب التوجهات المشبوهة التي تتبنى
فتح المدارس الأجنبية والمعاهد والملتقيات الثقافية المختلطة، أو عن طريق محاربة
العمل الخيري واتخاذ خطوات جادة في التضييق عليه، أو من خلال استهداف
تقاليد المجتمع وعاداته المحافظة، والتي كان من آخرها عملية الرقص السافل
والاختلاط الماجن في الاحتفالات العامة التي لو أنفقت ميزانياتها على الطبقات
المسحوقة في المجتمع لأغنتهم.
حين نعلم ذلك ندرك بصورة جلية أن استهداف التعليم الإسلامي في اليمن
والقيام بإفراغه من محتواه سواء عن طريق إقصاء الإسلاميين من مؤسساته، أو
عن طريق تعديل مناهج التربية الإسلامية واللغة العربية والمواد الاجتماعية بصورة
تساعد على مزيد تجهيل للأجيال بهوية الأمة، وتتفق مع متطلبات التطبيع والعولمة،
أو عن طريق إلغاء المعاهد الشرعية ومدارس تحفيظ القرآن الكريم ما هو إلا
جزء من مخطط منظم، وخطوة من خطوات التغريب المحكم التي يقوم بها علمانيو
المؤتمر في اليمن اليوم ستتلوها خطوات بدت تلوح في الأفق لن يكون آخرها
استهداف خطب الجمعة والنشاط التعليمي والدعوي داخل المساجد.
ومع عدم الشك في كون القيادة الحالية للمؤتمر والتي تمكنت من التفرد مؤخراً
بقيادة الحزب بعد أن أقصت بصورة عملية كثيراً من القيادات الاجتماعية والوطنية
داخله هي التي تقف خلف عملية التغيير وطمس الهوية داخل المجتمع اليمني بدافع
عقدي فكري مصلحي.. إلا أنه لا يمكن لمتابع للوضع أن يغفل عن العوامل العديدة
التي ساعدت على نجاحهم، والتي يمكن أن يكون من أبرزها:
* وجود خلل بيِّن وشرخ ظاهر داخل الحركة الإسلامية، من أبرز مظاهره:
حالة التمزق والفرقة وعدم قدرة الدعاة على احتواء خلافاتهم فيما بينهم وتجنب
ظهورها على السطح بصورة تكون مخجلة في أحيان كثيرة، من ضيق الأفق
وضعف استشراف المستقبل، فضلاً عن تصدر أهل الأهواء وبعض المحسوبين
على جهات معادية للصحوة للعديد من مواقع صنع القرار داخلها، وضعف الدعاة
المفزع في ممارسة الدعوة العامة والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وهذا في ظني هو العامل الأعظم.
* حالة الضعف الإيماني والخواء الروحي التي يعاني منها كثيرون من أبناء
الشعب اليمني نتيجة الأمية الشرعية، وسياسات التوجيه الدخيلة التي تسعى لطمس
الهوية، وإشغال الشريحة الكبرى من المجتمع بتوفير الحد الأدنى من القوت
الضروري.
* النفوذ البين للسفارة الأمريكية في صنعاء، وتدخلاتها المتكررة في كثير
من الجوانب، وبخاصة فيما يتعلق بقضايا المرأة، وفتح المجال أمام أنشطة
المؤسسات التنصيرية والجهات الخارجية والداخلية المشبوهة، وتجفيف منابع
الخير تحت مسوِّغات تعزيز التجربة الديمقراطية، وما يسمى بمكافحة التطرف
والإرهاب في اليمن.
* هيمنة صندوق النقد والبنك الدوليين على كثير من السياسات الداخلية
والخارجية عبر قروضه المشروطة، ويعد من أبرز الجوانب التي حققها فيما نحن
بصدده مشاركته في طمس الهوية الإسلامية للمجتمع، وتدعيم الاختلال العقدي
والأخلاقي، وذلك تحت ما يسمى بدعم التجربة الديمقراطية، وتعزيز دور المرأة
في التنمية، ومحاربة الإرهاب والتطرف، ويكفي دلالة على ذلك أن نعلم أن وزير
التربية والتعليم اليمني قد صرح بعد قرار إلغاء المعاهد الشرعية بأن خطوات الدمج
بين المعاهد والمدارس سوف يمول جميع نفقاتها البنك الدولي بشرط أن لا توظف
هذه الأموال إلا في هذه الخطوة، وبأن نعلم بأن البنك الدولي قد قام بطرح مناقصة
لتطوير العملية التعليمية والتربوية وتعديل المناهج في اليمن! ! فازت بها شركة
(A. D. C الأمريكية) .
* نشوة النصر وشعور الرموز العلمانية في المؤتمر بالعظمة الناتج من الربح
المتكرر لمعارك وقضايا متوالية؛ مما ولد لديهم تضخيماً للذات، وجنوحاً جامحاً
نحو السيطرة والاستبداد، واستصغاراً للآخر وتسفيهاً له، والوصاية على الوطن
وامتلاك حق تحديد مصلحته، ومن دلائل ذلك في قضيتنا (محور الحديث) :
الإرهاب القوي لكوادر حزب المؤتمر من أن يصدر من بعضهم مخالفة لتوجه القيادة
وإلا فمصيره الإقصاء والتهميش والاتهام بأنه قد أصبح كما يقال: إصلاحياً (أي:
منتمياً لحزب الإصلاح الإسلاميّ) ، ومن ذلك خطاب الاستكبار، ومصادرة الرأي
الآخر عبر وسائل إعلام الدولة المختلفة، واتهام صاحبه بـ (المخاتلة، وتزييف
الوعي الوطني، وتحويل المعاهد العلمية إلى مناطق بركانية تهدد وحدة المجتمع،
وتقوض أساس بناء الدولة اليمنية الحديثة ومقوماتها) ، وبأنه عامل على (تأسيس
دويلات تنتج مجتمعها الخاص وميليشياتها الذاتية، وتمارس جباية الأطفال وتزرع
فيهم الكراهية، وتجاهد عن طريق توزيع أرواحهم على جبهات القتال في مشارق
الأرض ومغاربها) [٤] ، وهذا مخالف للحقيقة في الجملة، ومن يعرف الشارع
اليمني عن كثب يدرك أن الفرقة الحزبية ما أينعت إلا منذ أن تسنمت تلك الفئة
العلمانية إدارة دفة المؤتمر، ومنذ أن عملت على أن تحول ما يفوق ٩٥% من
المدارس والمعاهد والجامعات إلى أوكار لها تمارس فيها إثارة الشهوات والشبهات،
وتعميق الفرقة، وغرس الكراهية لكل ما يرتبط بأصول الأمة وثوابتها، ومع ذلك لم
ترضَ بوجود أقل القليل لدى الآخر يستطيع من خلالها ربط النشء بقيم ومبادئ
الأمة.
أضف إلى ذلك قيامهم بالتلويح بتكرار التجربة التركية، والتهديد باستخدام
القوة، والزج بالجيش والأمن للحيلولة دون قيام الإسلاميين بأي إجراء مهما كان
سلمياً بغرض الاعتراض على هذا القرار الجائر، وذلك عمل استبدادي صارخ،
وتضييق واضح لهامش الحرية المتاحة ولا غرابة؛ إذ الكل فيما يبدو منسجم مع
الديمقراطيات في المنطقة التي تفتح الأبواب على مصراعيها أمام أعداء الأمة
وتوصدها أمام أبنائها الشرفاء! !
* مؤازرة القوى العلمانية والتيارات البدعية خارج المؤتمر للحكومة
المؤتمرية في هذا القرار نتيجة وجود مصلحة مشتركة تجمع بينها في هذا الأمر؛
إذ القرار يصب في دائرة الحيلولة دون وجود جيل عقدي يمنعها من تحقيق شهواتها
ولا تنطلي عليه شبهاتها.
* نجاح القوم بمكرهم الكُبّار في تصوير الصراع على أنه بين حزبين كل
منهما يسعى إلى بسط نفوذه وتحقيق مصالحه على حساب الآخر، وتفريغه من أن
يكون في جوهره صراعاً عقدياً وفكرياً طرفه الأول: هوية الأمة (الإسلام) نفسها
ويقف خلفها القوى الخيرة في الأمة كافة داخل اليمن وخارجها، وطرفه الآخر:
طلائع الغرب وعلمانيو الأمة وجماعة من أهل الأهواء والبدع، والذين تهيأت
لبعضهم الظروف للهيمنة على الدولة اليمنية ومراكز صنع القرار داخلها تحت لواء
حزب المؤتمر، وهذا ما مكنهم من تحييد عامة المجتمع عن الولوج في الصراع،
والدخول في دائرته.
ولعل من أبرز ما دفع بحزب المؤتمر إلى التعجيل باتخاذ هذا القرار وتحمل
تبعاته ثلاثة أمور:
الأول: ما أثبتته الانتخابات المحلية الأخيرة من تنامي شعبية الإصلاح في
الشارع اليمني، وحصوله على قرابة٣٠% من النتائج رغم عملية التزوير المنظم،
والتلاعب الصارخ من قِبَل المؤتمر، حتى إنه لجأ في بعض المواقع للحيلولة دون
فوز مرشحي الإصلاح إلى إنزال العسكر والذين قاموا بسفك الدماء وإزهاق الأرواح
لكي يفوز مرشحو المؤتمر! !
ومرد ذلك إلى أن القيادة العلمانية للمؤتمر فئة نخبوية جمعت بين الفساد
والإفساد، فخسرت بسبب ذلك الشارع اليمني، ولولا الضغط الرسمي والاجتماعي
وضخامة المبالغ المخصصة من قِبَلِ حزب المؤتمر للرشوة وشراء الذمم والعمل
الدؤوب على تزييف الحقائق ما كان لواحد من القوم أن يفوز.
وعندها لم تجد الفئة العلمانية التي تتربع على أمانة المؤتمر من وسيلة
للحيلولة دون تنامي شعبية الإصلاح صاحب التوجهات الإسلامية في الشارع اليمني
إلا القيام بإلغاء المعاهد الشرعية ومدارس تحفيظ القرآن الكريم باعتبارها الأرضية
التي تتنامى شعبيته داخلها؛ وعليه فجزء من دوافع القرار سياسية هدفها تحسين
موقع حزب المؤتمر والإضرار بخصومه، وليس يعنيه بحال مصلحة الأجيال
ومستقبلها، ولا هو يمت إلى القضية التعليمية والتربوية بأي صلة، وما يقال من
أن دوافعه في ذلك حرصه على إلغاء الازدواجية القائمة في التعليم بين المعاهد
والمدارس والتي يخشى على وحدة المجتمع ومستقبل الأجيال منها، ومن ثم فقد كان
اتخاذها واجباً تفرضه الضرورة الدينية قبل الوطنية [٥] دجل ومكايدة سياسية لا
رصيد واقعياً له؛ لأن زيادة حصص مادتي التربية الإسلامية واللغة العربية
المقررتين في المعاهد الشرعية لا يعني وجود ازدواجية ثنائية بينها وبين المدارس
العامة ما دامت الأهداف والسياسات واحدة، بل هو نوع من التخصص كالتخصص
في الطب والزراعة والإدارة والحاسوب، وعلوم ديننا ولغتنا أوْلى بأن تكون لها
المؤسسات المتخصصة في تعليمها والعناية بها من تلك العلوم السالفة على
ضرورتها، ولو كان الهدف الحقيقي هو رفع الازدواجية الثنائية في التعليم خوفاً
على مستقبل الأجيال ووحدة المجتمع لكان القرار صادراً بإلغاء المدارس الأجنبية
والمراكز الثقافية التي تقوم عليها جهات دولية ومحلية مشبوهة معتمدة لمفاهيم
ومناهج تربوية أجنبية تخالف المنطلقات العقدية والفكرية التي تقوم عليها العملية
التعليمية في البلد، ولكن يبدو أن ذلك النوع من التعليم فوق الرقابة، مع أنه يتم
فيها تربية أجيال يمنية متعاقبة من مرحلة الروضة بطريقة غربية صارخة بعيدة
ومتناقضة مع ثقافة الأمة والعادات والتقاليد المرعية.
أما ما يقال من أن دافع القرار هو العمل على محاربة الفساد المالي والإداري
داخل إدارة المعاهد فأمر مضحك يطول العجب منه؛ لأن القرار قد أوكل متابعة
إلغاء المعاهد إلى جهة فسادها يزكم من شدة فداحته الأنوف، والشارع اليمني في
هذا الأمر خير شاهد؛ إذ هو فقط الذي لا يمكنه أن ينسى الضعف الشديد في
مستوى المخرجات التعليمية للجامعات والمدارس، والعبث المالي والإداري في
القطاعات التعليمية والتربوية، والتصفية المتكررة للكفايات المتميزة داخلها،
ومسألة تسريب الامتحانات وبيع الشهادات والتلاعب بالنتائج التي تجاوزت في
السنوات الأخيرة في ظل القيادة المؤتمرية (الأمينة) لمؤسسات التعليم العام
والجامعي حد الظاهرة إلى المشكلة! !
الثاني: تعارض مخرجات التعليم الإسلامي في المعاهد الشرعية ومدارس
التحفيظ مع متطلبات التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي تهرول فيه حكومات
المؤتمر المتتابعة والقرارات التي تنوي قيادة المؤتمر اتخاذها للدخول فيما يسمى
بعصر العولمة بما تحمله في طياتها من تأثير على هوية الأمة، وطعن في
سيادتها، ونيل من كرامتها وعزتها وتقاليدها المحافظة، ولذلك كان لا بد من
الإعداد المسبق للأمر بالقيام بإلغاء ذلك العدد الكبير من المعاهد والمدارس لتجفف
منابع الصحوة طمعاً في أن يتم التمكن من سلبها عناصر قوتها هذا من جهة، ومن
الجهة الأخرى يتم إغراق الشباب ذكوراً وإناثاً في مستنقع الشهوات، وإشغال عامة
الأمة بلقمة عيشها؛ وعلى ذلك فلن يقف أحد حجر عثرة أمام سياسات القوم العابثة
وتحقيقهم لمصالحهم الشخصية الهابطة.
الثالث: أن المعاهد الشرعية أخذت على عاتقها العناية بتعليم الفتاة اليمنية في
معاهد خاصة بها بعيداً عن الاختلاط بين الذكور والإناث، وذلك فيما يبدو من
الأمور المقلقة للقيادة العلمانية المتنفذة في المؤتمر، والتي أخذت على عاتقها إفساد
المرأة اليمنية والمتاجرة بقضيتها.
والخلاصة التي يصل إليها المتابع هي: أن القرار في جوهره وجد بدافع
أيديولوجي تغريبي أصاب الأمة في أعز ما تملك، وهو الدين، مستهدفاً هوية
الشعب اليمني وأصالته، وساعياً إلى الحيلولة بين النشء والتدين، وعاملاً على
تشجيع التغريب وإفساح المجال أمام أعداء الأمة لتنفيذ مخططاتهم وتطبيق
سياساتهم، وهو مما يؤذن بتهديد السلم والوحدة الاجتماعية في اليمن والتي لا يمكن
أن تستمر بحال مع غياب الحرية، وممارسة النافذين لمزيد من الكبت يوماً بعد
آخر، وتنامي الشعور لدى الآخرين بالإحباط والظلم.
أضف إلى ذلك قضاءه على الدور الريادي الذي كان يقوم به اليمنيون في
تعليم الناس الإسلام ودعوتهم إليه؛ وذلك لأن فاقد الشيء لا يعطيه؛ فهل يا ترى
يعي العقلاء في اليمن الخطر في ظل هذه التغيرات، وإلى أين تهوي قافلتهم؟ ! !
وإذا تجلى أن الأمر بهذه الخطورة تبين بأنه لا يتعلق بأهل اليمن وحدهم بل
إنه يمس الأمة كلها، ولذا فقد أحسنت جبهة علماء الأزهر صنعاً حين أصدرت بياناً
أوضحت فيه: بأن قرار إلغاء المعاهد الشرعية في اليمن قرار شديد الخطورة هز
مشاعر الأمة، والمقصود الحقيقي منه هو ابتلاع التعليم الديني في اليمن ومحوه،
كما أبان البيان بأن القرار تزامن مع صدور تقرير الاستخبارات الأمريكية الذي
حذر من تنامي التيارات الإسلامية في الدول العربية، ودعا إلى تجفيف منابع الفكر
الديني الذي أفرز الإرهاب والعنف ويسعى إلى اغتصاب السلطة، ولفت البيان
الانتباه إلى أن العلمانيين العرب رسخوا دعوى أن التعليم الديني مسؤول عن
الإرهاب والعنف الذي مرت به بعض الدول العربية حتى أصبح بعضهم يطالب
بإغلاق الأزهر كما يطالب اليهود بإغلاق المسجد الأقصى، ثم أوضح البيان بأن
الإرهاب نتج وينتج عن ضعف العرب وضعف الوازع الديني والثقافة الإسلامية
الصحيحة، وناشد البيان الشعب اليمني وحكومته بحسم قضية المعاهد الدينية
الشديدة الخطورة بما يحقق لليمن هويته الإسلامية التي عرف بها وعاش سعيداً في
ظلها منذ فجر الإسلام إلى العصر الحديث.
كيف يمكن للدعاة مجابهة القرار؟
إذا تجلى بأن القرار بهذا النوع من الخطورة، وأن متخذيه قد أوتوا من
الحنكة والدهاء واستشراف المستقبل وعناصر القوة المادية والخبرة في إدارة
الصراع الشيء الكثير؛ فلا بد من استفراغ الوسع في المواجهة عمقاً وجهداً، وإلا
فإن مصير أمتنا مزيد من الذل والهوان وتتابع الفقدان للمكتسبات وعناصر القوة.
وحين نتحدث هنا عن المجابهة لذلك القرار والمخطط التغريبي الذي ينتمي إليه
فليس المراد وضع خطة لها، بل المراد تذكير من سيضعها ويعمل على تنفيذها من
العلماء والدعاة ببعض القضايا والجوانب الهامة التي لا بد من مراعاتها، والتي يعد
من أبرزها:
١ - ضرورة العناية بالتفسير الشرعي للحدث، والإدراك بأن رموز الأمة
الخيرة ومن يسير في فلكهم من العامة أُتُوا من أنفسهم قبل أن يؤتوا من قِبَل أعدائهم
في الداخل والخارج؛ لأنه ما نزل بلاء إلا بذنب، وما حلت مصيبة إلا بمعصية،
ولا رفع شيء من ذلك إلا بتوبة، والمظاهر الدالة على ذلك عديدة، من أهمها:
- ضعف الانضباط الشرعي تفكيراً وسلوكاً لدى عدد ليس بالقليل من أبناء
الصحوة نتيجة ضعف الحصيلة الشرعية، ولذا وجدنا ممن يُعَدُّ من الرموز
الإعلامية لحزب الإصلاح مَنْ يَعُدُّ قرار إغلاق المعاهد الشرعية فريضة وضرورة
، مؤكداً بأنه كان ينبغي على الإصلاح أن يدرك هذا الأمر مبكراً ويسارع بنفسه
للعمل على إغلاقها؟ ! ! [٦] ، ووجدنا من يوصف بالتيار المعتدل داخل الإصلاح
يعارض بشدة لأي مظاهر احتجاجية سلمية على القرار ويشدد على ضرورة أن يقوم
الإصلاح بتهيئة أنصاره والمنتسبين إلى المعاهد العلمية لتقبل القرار والتعامل معه!
! [٧] ، ووجدنا من يستخدم أثناء قيامه بالمواجهة أساليب غير منضبطة شرعاً
كأولئك الذين يرفعون الشعار الوطني بدل الإسلامي، ولا ينطلقون من رؤية
إسلامية جلية في التعامل مع الحدث، كما وجدنا من أبناء الصحوة وقياداتها من
يؤكد بأن الواجب الذي كان على الحكومة سلوكه هو القيام بإغلاق ذلك الغول الجديد
والكارثة المقبلة، وهو ما يعرف بالمدارس السلفية المتشددة بتفرعاتها المختلفة! !
[٨] وغير ذلك من المظاهر كضعف الالتزام الذاتي بأحكام الإسلام، وتقديم العقل أو
ما يسمى بالمصلحة على النص الجلي، والولاء للأفراد والجماعات على حساب
الولاء للدين ...
وفي المقابل وجدنا سكوتاً شبه مطبق على القرار من قبل التيارات الإسلامية
خارج الإصلاح، وكأن الأمر لا يعنيهم متناسين المثل القائل: أُكِلْتُ يوم أُكِلَ الثور
الأبيض، وفي الظن أن ذلك ناتج من عدم الإدراك الجيد منها لطبيعة المرحلة
والمتغيرات الضخمة التي تتضمنها، ومن عدم معرفتها بالموقف الشرعي الصحيح
الذي يجب التعامل مع الأحداث التي تمر بها البلاد على ضوئه.
- ومنها: تقصير الكثيرين الظاهر وضعف جديتهم في التعامل مع الحدث.
- ومنها: اهتمام كثيرين ممن ولج في الصراع بالأسباب المادية للغلبة،
وضعف عنايتهم بالأسباب الشرعية للنصر من دعاء لله تعالى وانطراح بين يديه،
والتوكل عليه سبحانه، وتفويض الأمر إليه، وتقواه ، والحذر من
معصيته، والاستعانة بالصبر والصلاة.
٢ - ضرورة الالتفاف حول العلماء الربانيين والدعاة الصادقين، وستضمن
الصحوة عندها عدة أمور أهمها: تفعيل كثير من العلماء والدعاة وشباب الصحوة
والطاقات الخيرة، والانضباط الشرعي في التعامل مع الوقائع والأحداث،
وإضعاف أثر الشخصيات الدخيلة على الصحوة، أو من هو من أبنائها ولكنه غير
منضبط بالنصوص والقواعد الشرعية والذين من أبرز علامتهم بالإضافة إلى
انحراف مناهجهم وما هم عليه من زيغ وضلال وحب لمتع الحياة وشهواتها:
سعيهم الدؤوب لتشويه العلماء الربانيين والدعاة الصادقين، وتحذير شباب الصحوة
وعامة الأمة من التلقي والأخذ عنهم، وولاؤهم لأعداء الأمة ورموز الإفساد فيها،
مسوِّغين لانحرافاتهم وساعين لجعل سيئاتهم حسنات، وشرورهم خيرات. كما
ستضمن وقاية أبنائها من الاستدراج إلى معارك جانبية، ومن أن يدفعهم (الآخر)
إلى القيام بردود أفعال غير منضبطة لا تمت إلى المصلحة الشرعية بصلة.
٣ - ضرورة تعميق الثقة وتقوية جسور التواصل والتعاون بين العلماء
والدعاة العاملين، باعتبار ذلك واجباً شرعياً وضرورة حتمية تفرضه متطلبات
الواقع؛ إذ الجميع مستهدف والخطر ضخم لا تقوى فئة دعوية بمفردها مهما بلغت
قوتها على التصدي له، وقد توجد أخطاء وقعت من هذا في حق ذاك أو العكس،
وهذه لا بد من التصارح فيها والتناصح أو التغافر حتى لا تبقى عقبة تحول دون
تحقيق الهدف المنشود.
٤ - ضرورة الوضوح في إبانة طبيعة المعركة وأطرافها، وسيكون من ثمار
ذلك: إخراج الصراع من دائرة كونه بين حزبين حاكمين يسعى كل أحد منهما إلى
بسط نفوذه وتحقيق أهدافه وهذا ما يريده العلمانيون في المؤتمر، إلى جعله صراعاً
فكرياً عقدياً بين فئتين: الأولى: هي كل القوى الخيرة في مجتمعاتنا، والتي
يجمعها الحرص على المحافظة على هوية المجتمع اليمني وأصالته الإسلامية
وحريته واستقلاله، والحيلولة دون تمكن أعدائه منه، والثانية: نخبة علمانية
متنفذة في أمانة المؤتمر، هي طليعة للغرب في مجتمعنا، بذلت ما في وسعها
واستماتت في طمس هويتنا وتغيير قيمنا وحرمان أبنائنا من تعلم ديننا والعمل به
تحت شعارات براقة كالتحديث والتطوير والعدالة وتجاوز النظم القديمة والقيم البالية
! ! ! حفاظاً على مصالحها ومواقعها وإرضاء للقوى التي تعمل وتقف من خلفها،
وبهذا الخطاب العقدي يكون العلماء والدعاة قد أوجدوا دوافع المواجهة لدى جميع
أفراد مجتمعنا المسلم، واستطاعوا تجييش قطاع عريض من شرائح المجتمع
لمواجهة مخططات هذا الخطر الداهم والزحف الماكر، بالإضافة إلى أن في هذه
الخطوة الهامة إبانة للحق وتعرية للباطل وإعذار إلى الله تعالى بإقامة الحجة على
خلقه؛ ليختار كل أحد من الأمة الطريق الذي يرضى أن يقف به بين يدي ربه.
وقد يكون الحائل بين بعض أفاضل الدعاة وتنفيذ هذه الخطوة خوفهم من أن
يجر ذلك الصحوة إلى مزيد من الخسائر وفقدان المكتسبات، وفي ظني أن في هذا
قصوراً في التحليل والنظر؛ لأن للقوم مخططاً مرسوماً في تغريب جميع جوانب
المجتمع، وإن أرادوا دليلاً على ذلك فليستمعوا إلى صراخ القوم: اليوم المعاهد
وغداً المناهج وبعده الجامعات والمساجد، ولينظروا في عمليات الإقصاء الهستيري
لكل شخصية خيرية في قطاعات الجيش والأمن والدولة لا تخدمهم في تنفيذ
مخططهم سواء كانت من داخل حزب المؤتمر أو من خارجه، وفي الاستهداف
الصارخ لمحافظة المرأة اليمنية، والعمل الدؤوب لإغراق الجيل في مستنقع
الشهوات والشبهات،.. إلى آخر القائمة التي لا تخفى على متابع.
٥ - ضرورة العمل الجاد والمبادرة إلى البدء بالأهم قبل المهم، والواجب قبل
المندوب؛ إذ الظاهر أن من أعظم الأسباب التي أوصلت إلى هذه الحالة هو تقاعس
بعض العلماء والدعاة وغفلتهم عن واجبهم بالكلية، وقيام بعضهم ببذل بعض الجهد
ولكن من دون دراسة لواقع، وتحديد لقصد، وترتيب لأولويات، ولعل من أعظم
الواجبات وأولى الأولويات: قضية الاهتمام بتعليم الناس كافة ذكوراً وإناثاً أمر
دينهم وتربيتهم على العمل به، بدلاً من الاكتفاء بقصر الجهد على أعمال نخبوية أو
سياسية.
٦ - ضرورة إعادة العلماء والدعاة النظر في البرامج التعليمية والتربوية التي
يقدمونها لشباب الصحوة وعامة الأمة، والعمل على التجديد في وسائلها بما يتلاءم
والمتغيرات المحلية والدولية المعاصرة، ولعل من أبرز الأمور التي ينبغي العناية
بها: نزول كل قادر على تعليم الناس أحكام دينهم ومبادئ لغتهم إلى الساحة للقيام
بدوره، والعناية بتربية الأجيال على العقيدة الصحيحة، وتعليمهم مفاتيح العلوم،
وآليات البحث والاطلاع والتعلم الذاتي، ومهارات التفكير والإبداع وتحليل الواقع،
والحرص على الموضوعية أثناء تناول القضايا وتبني المواقف وإصدار الأحكام
تجاه الأحداث والجهات والأشخاص.
كما لا بد من تربية النشء على الكيفية التي يستطيع بها التعلق بالآخرة
والآليات التي تعينه على الاعتصام بالله تعالى من فتن الشهوات والشبهات التي
بدأت تموج في المجتمع كموج البحر نتيجة انتقاله من مرحلة المحافظة إلى ما
يعرف بمرحلة التحرر والانفتاح على الآخر في الفكر والسلوك! !
٧ - أهمية الموازنة بين الدعوة والتعليم والتربية من جهة، وهي التي تعد
السبيل لحفظ هوية المجتمع وتشجيع قضية التدين داخله، وبين الأعمال الخيرية
والإغاثية من جهة أخرى، وهي التي لا بد منها للتخفيف على الناس في ظل
سياسة الإفقار والتجويع التي تعتمدها الحكومات المتتالية للمؤتمر، وتعد الوسيلة
الناجحة لتخفيف الشرور والمفاسد الأخلاقية والاجتماعية الناتجة عن ذلك،
والطريق الأنسب لتقريب الناس من الخير وتكوين صلات جيدة بينهم وبين علماء
الأمة ودعاتها الصادقين، بحيث يكون هناك اهتمام من قبل الدعاة بالأمرين معاً،
ولا يكون هناك مبالغة بالعناية بجانب على حساب آخر.
٨ - ضرورة الاهتمام بتنمية مصادر التمويل الذاتي للأعمال الدعوية
والخيرية؛ لأن من يقرأ في صحف القوم ويستمع إلى تصريحاتهم ويستشرف
المستقبل الذي يخططون له يجد أن التركيز على محاصرة العمل الدعوي والخيري
وتجفيف مصادر تمويله سيكون على أشده في المرحلة القادمة.
٩ - ضرورة دراسة العوامل التي مكنت النخبة العلمانية داخل المؤتمر من
النجاح، والعمل على إضعافها من جهة والاستفادة منها من جهة أخرى؛ وذلك لأن
الطريق الأيسر للنجاح يمر عبر تقليد الناجحين.
ولو أردنا أن نحلل عوامل نجاحهم لقلنا بأن أبرزها: وحدة القيادة ودهاؤها،
والتخطيط الجيد المعتمد على رؤية واضحة ورسالة جلية وأهداف محددة، والعمل
الدؤوب، وتراص الصف واجتماع الكلمة، وتسخير قدرات الدولة لصالحهم،
وامتلاكهم لزمام المبادرة وجعل العلماء والدعاة ومن خلفهم القوى الخيرة في المجتمع
في موقف الدفاع دائماً، وقدرتهم على اختراق صفوف الدعاة وتشتيتهم، والتشويه
الإعلامي الضخم للعلماء والدعاة أمام الجماهير، ونجاحهم في إقناع فئات عريضة
من أفراد المجتمع بأن أهداف الدعاة من الصراع سياسية لا عقدية.
وحين نريد أن نجعل الدعاة يستفيدون منها يمكننا أن نقول بأن على الدعاة
لكي ينجحوا في مقارعة القوم ورد خطرهم عن الأمة القيام بأمور عدة من أبرزها:
وضع خطة جلية للمواجهة تتضمن رسالة واضحة وأهدافاً محددة، وبذل الجهد
المتواصل لتحويل الأفكار إلى أعمال والخطط إلى برامج، ورص الصفوف وجمع
الكلمة وفق إجراءات عملية واقعية، وتنقية الصفوف الأمامية من الدخلاء وأصحاب
التوجهات المشبوهة، والتعامل مع الأحداث بعقلية دارسة ومتفحصة بعيداً عن ردود
الفعل المرتجلة، والعمل الدؤوب على امتلاك زمام المبادرة لجعل العلمانيين في
موقف الدفاع لا الهجوم أمام الأمة، ودراسة واقع العلمانيين لدعوة عقلائهم
والقريبين منهم إلى الحق من جهة، ولكي يتم تحديد نقاط الخلاف فيما بينهم ليتم بعد
ذلك استثمارها في تشتيت صفوفهم وتفريق جموعهم من جهة أخرى، والحديث عن
فضائح العلمانيين وصلاتهم بأسيادهم وحجم فسادهم بموضوعية عبر أرقام ووقائع،
وإبانة أن الصراع عقدي مرتبط بهوية الأمة وأصالتها لا سياسي مصلحي كما يريد
القوم أن يصوروه للناس.
١٠ - ضرورة ثقة العلماء والدعاة ومن خلفهم من القوى الخيرة بتحقيق
النصر والتمكين؛ وذلك لأن الله تعالى وعد أولياءه بذلك متى تهيؤوا للأمر وأعدوا
له عدته، ولأن غير الواثق بالأمر لا يناله؛ لأنه لا يبذل جهده ولا يستفرغ وسعه
في تحصيله، ولأن كيد الشيطان كان ضعيفاً مهما أجلب بخيله ورجله، ولأن
مقومات النصر المعنوية والمادية التي يملكها الدعاة الصادقون مع الله تعالى تفوق
الحصر ولا تكاد توصف.
وأخيراً: فنهيب بالخيِّرين من أبناء الأمة في أصقاع المعمورة أن يقوموا
بواجبهم تجاه إخوانهم في اليمن في هذه المرحلة العصيبة بكل ما يستطيعون من
نصح ومؤازرة، سائلين الله تعالى أن يحمي اليمن وأهله من مكايد أعدائه في
الداخل والخارج، وأن يحفظ علماءه ودعاته المصلحين، وأن يجنبه القلاقل والفتن،
ويحفظ عليه أمنه واستقراره؛ إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
стр. 3962
المسلمون والعالم
ماذا وراء زيارة البابا لسورية ؟
مروان كُجُك
على خطى (شاؤول) اليهودي الذي انتحل النصرانية وتسمى باسم (بولس)
ودعاه النصارى (رسولاً) فقاد أبرز تحريف وقع للنصرانية على مدى العصور
على تلك الخطى توجه الركب البابوي لـ (يوحنا السادس) نحو دمشق في الرحلة
التي حملت الرقم (٨٤) لهذا الرجل الذي يعد الأنشط بين بابوات الكنيسة
الكاثوليكية على مدى عمرها الذي يتكوَّن من سلسلة طويلة من البابوات بلغت
(٢٦٤) رئيساً. ولسنا ندري إن كان البابا يوحنا ذو الأصل البولندي الذي عانت
بلاده ما عانت من لهيب النظام الشيوعي وذاقت من مرارته ما ذاقت لسنا ندري إن
كان يستحضر في ذاكرته خلال هذه الرحلة صورة حاكم روما (فيليب العربي)
الذي ولد في سوريا توَّجَهُ الرومان إمبراطوراً عليهم؛ إلا أنه بلا شك قد فوجئ
بتقديم الرئيس السوري له تمثالاً لذاك العربي الذي حمل تاج روما على رأسه
وهمومها على عاتقه، وما تحمله هذه الهدية من مغزى لا نظن أن حبر روما وعظيم
كنيستها يجهل ما تعنيه وتشير إليه.
وبمناسبة هذه الهدية التي تحتمل أكثر من معنى كتب مراسل صحيفة الحياة
في دمشق: «عُرِفَ (فيليب العربي) الذي ولد في (شهبا) جنوب سورية عام
٢٠٠م بالقضاء على العبودية في روما، والعفو عن المعتقلين السياسيين، وعودة
المنفيين، والاعتماد على الشعب، ومبدأ سيادة القانون» [١] ، ولسنا ندري إذا ما
كان حبر روما رضي أن يحمل رسالة من منظمة صحافية عالمية إلى الرئيس
(بشار العربي) متذكراً (فيليب العربي) ، وفي طيات الرسالة طلب بإطلاق سراح
الصحفي السوري المعتقل (نزار نيوف) الذي تم إطلاق سراحه فعلاً بعد تسلُّم
الرئيس بشار الأسد الرسالة من البابا، ويا ليت البابا قد مارس التزوير هذه المرة
فأضاف إلى الرسالة بضع كلمات تقضي بـ (العفو عن المعتقلين السياسيين،
وعودة المنفيين، والاعتماد على الشعب، ومبدأ سيادة القانون) ، ولا نظن أن هذه
الكلمات - لو رأى حبر روما إضافتها - تستطيع إعنات الرئيس الأسد؛ فهي لا
تدعو إلى إضافة شيء إلى الميزانية، ولا تكلف خزانة الدولة ما لا تطيق؛ ولا
تفتقر إلى نقد نادر ولا إلى عملة صعبة، ولا تستدعي جهداً عضلياً ولا أطناناً من
الحبر والورَق؛ فهذه الطلبات وإجراءات تنفيذها لا تستلزم أكثر من «جرة قلم!»
من الرئيس السوري لا «جرة ذهب» .
وقبل زيارة البابا لسورية كان في زيارة لليونان لقي فيها ما لقيه من الازدراء
والمقاطعة من الأرثوذكس الذين يرون أن الكنيسة الكاثوليكية قد أجرمت بحقهم
واضطهدت آباءهم وأجدادهم؛ وعلى الرغم مما قدمه لهم من اعتذار إلا أنهم لم
يجدوا في اعتذاره ما ينسيهم شيئاً من تاريخ حافل بشتى صنوف القهر الذي مارسته
الكنيسة الكاثوليكية؛ إلا أن ما لقيه في سورية من الحفاوة الرسمية الحارة،
والتفاعل الشعبي العام الفاتر لعله مما هدأ من روع البابا، وأعاد الطمأنينة إلى
نفسه، فاستمرت زيارته إلى سورية أربعة أيام حتى غدت من أطول رحلات حبر
روما بل لعلها أطولها.
فما الذي جاء بالبابا إلى سورية؟ وما الرسالة التي يحملها؟
إن كثيراً من الناس تصور أن رحلة البابا تهدف في الدرجة الأولى إلى تهدئة
الأوضاع في المنطقة، وخاصة في هذه المرحلة التي يتعرض فيها الفلسطينيون
لأعتى صنوف الهمجية اليهودية؛ وإذا كان كثير من العامة من أهل الأديان لا
يدركون ما تحمله الأديان في أصلها من معاني العدل والإنصاف والرحمة فإن رجال
كل دين وأحباره وعلماءه هم الأوْلى بفهم مرامي الدين تلك، والأقدر على الصياغة
العملية لها؛ فهل سبق للبابا قبل وصوله إلى دمشق أن ندد بالعدوان اليهودي على
شعب مهيض الجناح يُذَبَّحُ أبناؤه وأطفاله وشبابه ونساؤه وشيوخه، وتستباح حرماته
وفي مهد المسيح ﵇، وفي ظلال نخلة مريم؟ غير أنه ولسان حاله ومقاله
شاهد عليه لم يكن يعنيه من ذلك شيء إلا أن يرسل عبارات إنشائية فاترة لا تؤثِّم
المعتدي ولا تطلب رفع الحيف عن المظلوم؛ على الرغم من أن بابا الألفية الثالثة
والقرنين الأخيرين وهو يحيا عصر تسجيل التاريخ لحظة بلحظة بالصوت
والصورة يعلم أن اليهود محتلون معتدون وضعوا أنفسهم في مقام المظلوم الذي لا
يتحرك إلا لرد العدوان عن نفسه؛ وليت شعري متى كان المحتل الغاصب صاحب
حق؟ وهل نحن الذين دعوناهم من أقطار الدنيا لنقتلهم هنا، أم أنهم هم الذين
تداعوا من آفاق الدنيا وقفارها، وتجمعوا من كل حدب وصوب على شعب أعزل،
فقتلوا منه من قتلوا، وهجَّروا من هجَّروا، وأبقوا من أبقوا لخدمة مصالحهم
والشغل في مزارعهم ومصانعهم، وإعمار مغتصباتهم، وكنس شوارع اليهود
وأزقتهم؟
لقد بشرتنا الحضارة الغربية - والبابا أحد أهم رموزها - في آخر صرعاتها
بالنظام العالمي الجديد المتمثل بعولمة الأقوياء لـ «تنعيم المسحوقين» وذر
رمادهم في حقولها المترامية الأطراف لتكون سماداً يهِيجُ به زرعُهم ويدرّ
ضرعُهم، وتتضاعف أموالهم، وتفتح عليهم أبواب كل شيء - بشرتنا أنها
ستنصف المظلوم، وتفك العاني، وتعين على نوائب الدهر؛ ولكنها ويا للأسف
استطاعت ترجمة دعواها إلى ظلم أرخى سدوله على العالم الثالث وجزءاً من العالم
الثاني وطرفاً من العالم الأول؛ وهذا ما رأينا التعبير عنه جلياً في المظاهرات
الصاخبة الدامية التي قامت في عقر دار أهل العولمة؛ لأنها تمس بشواظها فئات
كثيرة منهم؛ هذه العولمة التي تريد أن تحكم العالم من منطلق «القرية الصغيرة»
لم يعلن باباها ولا كنيسته ما يحذر من غلواء القائمين عليها، ولم يتوجه إليهم
بالنصح للرفق ببني الإنسان؛ فكيف يرتجى مثلُه بعد ذلك للقضية الفلسطينية، أو
لمثلها في العالم وخاصة إذا كان أهلها مسلمين؟
إن زيارة البابا لسورية لم تكن للمساهمة في إحقاق الحق وإبطال الباطل؛
فليس الحل الذي يسمونه: «سلمياً» مما تحتجن دمشق أوراقه؛ بل هو في
مواطن أخرى إن أخطأها أحد فلن يخطئها البابا الذي يعلم وكاءها وعفاصها، ولكن
البابا ككثير غيره من النصارى فرحون لما يجري في فلسطين؛ فما يجري في
نظرهم ليس إلا مقدمة لعودة المسيح واعتناق اليهود للنصرانية؛ فكيف يكون لهؤلاء
وأمثالهم كلمة جادة في رفع الحيف والظلم والتقتيل عن المسلمين في فلسطين؟ !
ومما يؤكد أن البابا لا يعنيه هذا الأمر من قريب ولا من بعيد ما أكدته صحيفة الحياة
حين قالت: (وناشد الشيخ أحمد كفتارو مفتي سورية ناشد البابا اتخاذ مواقف أكثر
من الصلاة والأدعية إزاء المجازر الصهيونية، والعمل مع الكنيسة الكاثوليكية
والحكومات المسيحية للضغط على إسرائيل لإيقاف عدوانها؛ لكن البابا ركز على
الحوار بين الأديان) [٢] .
ولا غرابة في هذا المبتغى من هذه الزيارة؛ فالشيخ أحمد كفتارو سلخ شطراً
من حياته وأوقفه في سبيل دعوة «الحوار بين الأديان» مستجيباً وداعياً، وكم
حملته الطائرات شرقاً وغرباً إلى تلك المؤتمرات الزائفة لكنه لم يَعُدْ من ذلك كله
حتى بخفي حُنَيْن، أو بـ «سمبريرة الحمداني» [٣] .
وكما أن ما ينادي به اليهود من السلام ويعنون به الاستسلام؛ فإن ما ينادي
به النصارى من الحوار بين الأديان هو الدعوة إلى التسليم بانحرافهم واعتباره حقاً
وصراطاً مستقيماً يوازي الإسلام إن لم يزد عليه، أما الحوار الحقيقي الذي دعا إليه
الإسلام قبل أن يتفطَّن إليه أحد فهو حوار آخر صريح واضح المعالم والمعاني
ومعلن الأهداف؛ فقد كان ذلك والدعوة الإسلامية ما تزال في مهدها ولم تكد تجاوز
الحجاز أو بعضاً من جزيرة العرب؛ فقال تعالى مخاطباً نبيه ﷺ :
[قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ
شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا
مُسْلِمُونَ] (آل عمران: ٦٤) ، فالحوار على أساس تحقيق العبودية لله؛ فلا
يُشرَك معه صليب ولا صنم ولا طاغوت [٤] .
هذه مادة الحوار وهي واضحة جلية ولا تحتمل مساومة ولا تخضع إلى
مراوغة، وهي سهلة التبليغ والإعلان وخاصة أننا في عصر يلتقي فيه الناس
بالصوت والصورة مهما نأت بهم المسافات أو حظرت لقياهم الأنظمة؛ أما ما يهم
أمر الدنيا مما لا يتعارض وأمور الدين فالحوار فيه ينحو كل منحى؛ كما لو اجتمع
مسلمون مع يهود أو نصارى لدرء أخطار سيل أو جراد أو وباء أو مخدرات؛ فهذا
وما جرى مجراه مما ليس فيه بأس.
وإذا ما جاء البابا ليشعر نصارى العرب أنه إنما تحمل ما تحمل من مشاق
السفر ووعثائه، وقطع ما قطع من أجواز الفضاء، وتعرض لما تعرض له من
المطبات الهوائية وخضِّ البدن؛ فإنما هو لأجل عيونهم، ولرفع الحيف والضيم
والظلم عنهم؛ فإن واقع ما يحياه نصارى بلادنا من المعاملة العادلة يبطل هذا
الهدف؛ لأنه يخالف الواقع، فلم تشهد بلادنا اضطراباً طائفياً ذا بال إلا ما كان من
حوادث عام ١٨٦٠م في جبل لبنان حيث امتدت إلى دمشق، وكان مُشعل فتيلها
الإرساليات النصرانية الغربية التي كانت تعمل يومئذ على تقويض دعائم الخلافة
الإسلامية العثمانية برغبة صليبية جامحة، وبتحريض خسيس من اليهود الذين رأوا
في دولة الخلافة والسلطان عبد الحميد الثاني صخرة شماء عاتية تقف بصلابة في
وجه أطماعهم في فلسطين المعلن منها والمستتر؛ فعملوا على تفتيتها وإذهاب
ريحها بالتعاون مع أهل الصليب؛ فكانت جائزتهم وعد بلفور المشؤوم وتمكينهم من
اغتصاب الأرض التي بارك الله حولها. ولم يعرف المشرق العربي مثل تلك
الجرائم التي لا نقرها ولا نؤيدها؛ لأنها قتل في غير ساحة الحرب حتى جاءت
الحرب (اللبنانية اللبنانية) ، فأعادت إلى الذاكرة الإنسانية صورة محاكم التفتيش؛
ففي الحرب اللبنانية هذه أقدمت الأحزاب النصرانية على ما عرف بـ «القتل على
الهوية» ، فما من مسلم عبر الطريق بين بيروت والشمال اللبناني ماراً بمنطقة
مسيحية وخاصة (جونية) إلا قتل فور الاطلاع على هويته والتأكد من أنه مسلم
سواء كان لبنانياً أو سورياً أو فلسطينياً أو من أي تابعية أخرى.
إن ما يروِّج له الغرب اليوم من الدعوة إلى حرية الأديان المترافقة مع دعوى
الاضطهاد الديني في بعض البلدان التي لم ينج منها حتى المملكة العربية السعودية
التي تخلو من أية ديانة أخرى سوى الإسلام إن ذلك الترويج هو أحد آليات السياحة
البابوية في أقطار الأرض لا ليدعو إلى راحتها وتآلفها ككل الدعوات الغربية التي
تطلق بين حين وآخر فلا تأتي للشعوب إلا بالتعب والضنك والجوع، وما الحروب
الأهلية التي دارت وما تزال تدور في أنحاء شتى من العالم إلا ثمرة من ثمرات
النظام العالمي الجديد بصلفه وكبريائه ووقاحته. وقد كان الغرب قديماً في أنظمته
التي استعمر بها العالم كأنما ينطلق من المثل: (رمتني بدائها وانسلَّت) فكان
التآمر سرياً؛ أما اليوم فلسان حال العولمة يقال فيه:
(رمتني بدائها ومكثت) فلا حياء ولا خوف ولا إنسانية؛ فوحشية الأخلاق غلبت،
وخلا الجو لأشقياء الكاوبوي ليعيثوا في الأرض فساداً ويتيهوا غطرسة وكبراً.
إن الإسلام لا يقسر أحداً على اعتناقه؛ وما سريان أحكامه العامة في سلطانه
على غير المسلمين بقسرٍ لهم على اعتناق الإسلام، وهذا أمر واضح لكل من أراد
الوصول إلى الحق؛ وعلى سبيل المثال فإن من يقيم في بلدٍ مَّا عليه الالتزام بأنظمة
ذلك البلد من غير أن يعني ذلك منحه جنسية ذلك البلد أو إرغامه على اتخاذها
تابعية له؛ كالصيني وغيره الذي يقيم في بريطانيا فإنه يظل صينياً على الرغم من
خضوعه طيلة مقامه بين أظهر الإنكليز للأنظمة الإنكليزية وليس لأحد أن يقحمه
على التعبد في الكنيسة البروتستانتية؛ فهل في ذلك ما يدعو إلى التململ
والاستغراب؟ كما أن على الإنكليزي الزائر للصين أو المقيم فيها أيضاً الالتزام
بالأحكام العامة للصين من غير أن يعني ذلك انتقاصاً من حقوق الإنكليزي الزائر أو
المقيم أو إرغامه على الصلاة في معبد بوذي.
وقد تركت الدولة الإسلامية لغير المسلمين على أرضها التحاكم إلى ما في
كتبهم ومللهم من أحكام في الأحوال الشخصية، فلا تتدخل في شؤونهم الدينية ولا
قضاياهم التعبدية؛ فلهم دينهم ولنا ديننا، وقد أثبت المسلمون عملياً قضية التعايش
الإسلامي الكتابي في شتى أنحاء الوطن الإسلامي إلا ما نُصَّ عليه؛ فقد أورد مسلم
في صحيحه عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: «لأُخرجنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع
إلا مسلماً» [٥] .
وفي هذا السبيل يتحدث شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن واقع اعتقادي
تنظيمي فيقول: «أمر النبي ﷺ في مرض موته أن تُخرج اليهود
والنصارى من جزيرة العرب، وهي الحجاز، فأخرجهم عمر بن الخطاب رضي
الله عنه من المدينة، وخيبر، وينبع، واليمامة، ومخاليف هذه البلاد، ولم
يخرجهم من الشام؛ بل لما فتح الشام أقر اليهود والنصارى بالأردن، وفلسطين،
وغيرها، كما أقرهم بدمشق وغيرها» [٦] .
وبموجب هذا الأمر التشريعي التنظيمي تعايش المسلمون وأهل الكتاب على
أرض واحدة في عقر دار الإسلام؛ فلم تكن إقامة الكتابيين بين أظهر المسلمين حقاً
لليهود والنصارى اكتسبوه في حرب، ولا نتيجة اجتماعات بين أطراف متنازعة
تمخضت عنها معاهدات واتفاقات، وإنما كانت إجراءاً تشريعياً تنظيمياً أمر به الذي
لا ينطق عن الهوى ﷺ .
ومما جاء له البابا هو تدعيمٌ للادعاءات التي كثرت في هذه الأيام من أن
النصارى في ديار المسلمين يتعرضون للاضطهاد؛ إلاَّ أن شواهد الواقع تدحض أي
ادعاء؛ ففي مصر على سبيل المثال عاينتُ الواقع فيها من خلال إقامتي الطويلة
على أرضها فوجدت أن النصارى هناك ليسوا أقل حصولاً على حقوقهم من
نصارى سورية في سورية؛ بل إنهم يحصلون على حقوق المواطنة كاملة؛ إضافة
إلى بعض المسائل التي قد يفوقون بها حقوق المسلمين؛ ومع ذلك تجد في الغرب
وفي أمريكا خاصة رهطاً من الأقباط يزيفون الواقع ويجدون لهم آذاناً صاغية في
محافل معروفة بدأبها على ترويج مثل هذه الشائعات بين حين وآخر، وكانت إحدى
هذه الحملات ما سبق زيارة الرئيس المصري الأخيرة إلى واشنطن لتهنئة بوش
الابن بملء منصب بوش الأب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، ولم تكن هذه
الحملة الجديدة إلا ضرباً من الخزعبلات التي لا يتورع قائلوها ومن على شاكلتهم
عما أخبر عنه المصطفى ﷺ بقوله: «إن مما أدرك الناس من
كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت!» [٧] .
إن زيارة البابا لمسجد دمشق الكبير لتذكرنا بزيارة عمر بن الخطاب رضي
الله عنه للقدس فاتحاً مع الفارق الذي لا يدع مجالاً للمقارنة بين الرجلين؛ فما بينهما
من اختلاف في المعتقد وسمات الرجولة والجرأة على النفس يلغي المقارنة؛ ولكن
الشيء بالشيء يذكر، وهو ذلك التألق الحسي الباهر، والتطلع الاستشرافي العظيم
الذي نظر به مُحدَّثٌ كريم هو عمر بن الخطاب ﵁ يوم دعاه النصارى
في القدس إلى الصلاة في كنيستهم فأبى ذلك وصلى خارجها خشية أن يأتي
المسلمون من بعده فيقولون: هنا صلى عمر، فيدَّعوا أحقيتهم بالمكان، فيأخذوه من
أصحابه؛ فهل ستجعل صلاة البابا في المسجد الأموي لغلاة النصارى حائطاً جديداً
كحائط البراق الذي يسميه اليهود جدار المبكى؛ وخصوصاً أن المسجد كان معبداً
رومانياً ثم كنيسة نصرانية؟
وإذا كانت دعوى اضطهاد النصارى في بلاد المسلمين يُعْمَلُ لها على قدم
وساق من قِبَلِ أوساط صليبية ويهودية، فلا نستغرب أن يمتح من بئرها من يشاء
ممن استهوتهم الدعوى؛ فها هو الكاتب اللبناني النصراني (فيكتور سحاب) يضع
كتاباً بعنوان: (مَنْ لنصارى لبنان؟) فلف ودار طويلاً واستقر به النوى عند
الرئيس الراحل حافظ الأسد أنه من ينعقد عليه الأمل في حفظ نصارى الشرق،
وغاب عن (فيكتور) التاريخ وحقائقه المتواترة في أن الرئيس الأسد وُلِد ونصارى
المشرق العربي ينعمون في طمأنينة منحهم إياها الإسلام لا الحكام؛ فهم أهل ذمتنا
والذين نُهينا عن أذيتهم أو استغلالهم أو إرغامهم على التخلي عن دينهم أو الجلاء
عن أرضهم، وقد جهل كثير من الناس معنى الذمة وأداروها شرقاً وغرباً ونأوا بها
عن معانيها الطيبة الخيرة؛ فهي تعني المسلم قبل أن تعني النصراني أو اليهودي؛
فمعناها وقوع المذمة على المسلم إن هو أخل بعقد الذمة فظلم أهلها أو جار عليهم؛
وهكذا تتبدى لكل ذي عينين وراءهما بصيرة نيرة وعقل منصف أن المذمة تلحق
بالمسلم لا بالكتابي الذي عقد له الإسلام عقداً، وشرع لأجله شرعاً لم يأت نتيجة
لنضال أو تجنباً لاحتجاج أو تصفيق جماهير الكتابيين للحاكم المسلم؛ فنحن نعرف
حقوقهم ونقرُّها بتعريف الله ورسوله لنا هذا الحق وإقرارنا ورضانا به، وجعله
أمانة وذمة في أعناقنا يقوم بها أعلانا وأدنانا؛ ولكن ماذا يفعل المرء وقد غدا
التلاعب بالألفاظ وإخراجها عن معانيها التي وضعها لها العرب وهم أفصح الأمم
حتى غدا العالم تحت وطأة مسميات حُقِنت بمعانٍ كاذبة، كما أن معاني سيئة
ألبسوها أردية تزيف حقيقتها وساروا بها في الأمم. ألا فليستمع المسلم والكتابي معاً
إلى هذا الوعيد الشديد الذي يتوجه به النبي ﷺ إلى المسلم لا إلى
الذمي المعاهد فيقول:
«ألا مَنْ ظلمَ مُعاهداً، أو انتقصه، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير
طِيبِ نَفْسٍ فأنا حجيجه يوم القيامة» [٨] .
إن الذي حفظ النصارى هو مفهوم الذمة، ولولاه لما كان لهم الآن وجود ولا
حضور في بلاد العرب خاصة وبلاد المسلمين عامة؛ فروح الإسلام وتعاليمه تأبى
على أهله إلا أن يكونوا رحماء بالناس لا يغمطون أحداً حقاً؛ فهم عدلاء في قوتهم
وضعفهم، كرماء في غناهم وفقرهم، يحسنون جوار من جاورهم، ولا يعرفون
الخدعة إلا في الحرب، وأما في السلام فهم أهله وذووه وحفَّاظه.
أما دخول بابا الكاثوليك رحاب مسجد بني أمية الكبير فيوضح الموقف منه ما
ذكره ابن كثير من شأن وفد نصارى نجران عندما جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه
وسلم في المدينة المنورة أنهم دخلوا المسجد في تجمُّل وثياب حسان، وقد حانت
صلاة العصر فقاموا يصلون إلى المشرق، فقال رسول الله ﷺ :
«دعوهم» [٩] .
وبعد زيارة بابا الكاثوليك الفاتيكاني لدمشق لم يطب التمهُّل للبابا شنودة الثالث
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، فشد
رحاله نحو سورية يوم ٢٨/٥/٢٠٠١م لتهنئة الرئيس السوري بانتخابه رئيساً
للجمهورية والتي جاءت بعد عام تقريباً من المناسبة؛ ولعل الذي هيَّج هذا البابا
على زيارة سورية ليست التهنئة التي غدت (بائتة) وإنما هي زيارة بابا روما لها
وما لقيه من الحفاوة والاهتمام؛ حيث أقام قداساً في القنيطرة على أنقاض كنيسة
للأرثوذكس التي لقي من أتباعها في اليونان في طريقه إلى سورية ما لم يسره. ولا
يُستبعد أن يعمد شنودة بدوره إلى مثل هذا القداس في الكنيسة ذاتها لمحو آثار حذاء
البابا التي وطئت تراب كنيسة شرقية! ولإعادة الاعتبار لأرثوذكس سورية الذين
يشكلون أغلبية بين الطوائف المسيحية فيها، وهم يرون أن من أهداف رحلات بابا
روما في أنحاء الأرض كثلكة النصارى وهرطقتهم!
ومما كشفت عنه زيارة البابا من المخبوء مدى ما كُبِّلت به البلاد من جراء
اتفاقية فك الاشتباك المعقودة بين سورية ودولة العصابات اليهودية كما كان يدعوها
الخطاب الإعلامي في سورية قبل رفع شعار: سلام الشجعان إذ بيَّنت أن القنيطرة
المحررة لا يشمل تحريرها سوى الأرض؛ أما ما يعلو الأرض من فضاء فخاضع
لليهود؛ وهو ما يشبه مقترحات اليهود الأخيرة بشأن السيادة على المسجد الأقصى
من أن الحل لهذه المسألة يتجلى في سيطرة الفلسطينيين على ما فوق الأرض؛
بينما تكون السيطرة لليهود على ما تحت أرض المسجد! وهذا ما أشارت إليه
صحيفة الحياة حيث قالت: (وكانت زيارة البابا للقنيطرة مناسبة لتحليق ثلاث
طائرات سورية فوق الجولان للمرة الأولى منذ عام ١٩٧٤م، عندما أنجز وزير
الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر اتفاقاً لفك الاشتباك بين سورية وإسرائيل
تضمَّن إجراءات أمنية وانتشاراً محدوداً للجيش باستِثناء تحليق الطائرات العسكرية.
وأمكن تحقيق هذه السابقة عبر «قوات الأمم المتحدة لفك الاشتباك» (بوندوف) .
وقال نائب رئيس القوات الجنرال البولوني (كواليستشك) لـ «الحياة» : إن
السلطات السورية أجرت اتصالات معنا قبل أيام، وقمنا بدورنا مع الإسرائيليين
بترتيب تحليق ثلاث طائرات مروحية خاصة بالإجراءات الأمنية والتغطية
التلفزيونية والإسعاف الطبي. وزاد: تلقينا تأكيداً بالنسبة إلى ذلك من جانب
الإسرائيليين يوم أول من أمس) [١٠] .
وغادر البابا سورية ليبدأ الرحلة التي تحمل الرقم (٨٥) التي حملته إلى
مالطا ليسمع الأذان هناك؛ متابعاً رحلاته حتى يُتمَّ رأسُه الرحلة إلى قدميه، فيبصر
عندئذ مصيره ومآله [مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى]
(طه: ٥٥) . وعندها يدرك أن ما التمسه في يد اليهود كان صفراً وسراباً.
ويمكن للمراقب أن يلحظ أن رحلات هذا البابا على مستوى العالم ليست سوى
رحلات تنصيرية تنطلق من هدف واحد ذي شقين:
١ - كثلكة النصارى.
٢ - تنصير الشعوب.
إلا أن رحلات البابا تبدو غير خالصة لوجه الكنيسة، وقد فضح ذلك إلغاؤه
زيارةَ العراق وتخليه عنها؛ رغم إدراك الجميع أن صدام حسين كان قادراً على
توفير الحماية له بطريقة يفتقر لمثلها في حاضرة الفاتيكان نفسها؛ إلا أن إشارات
ذات اعتبار كشفت أن عملاق روما عضو فعال في اللعبة الاستعمارية تذكرنا بكتاب
قرأه كثير من المثقفين عنوانه: (التبشير والاستعمار) للدكتورين: عمر فرُّوخ،
ومصطفى الخالدي.
وفي النهاية لا يسعنا إلاَّ أن نقف مع الكتاب العزيز نقول بما قال ونؤمن به
كله: [لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم
مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ
يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا
عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ] (المائدة: ٨٢-٨٣) .
[وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) .
стр. 3963
مرصد الأحداث
يرصدها: حسن قطامش
qatamish١٠٠@hotmail.com
نسأل الله لهم الثبات
في مقال له في صحيفة هآرتس يعترف الكاتب الإسرائيلي والخبير في
الشؤون الفلسطينية بحقيقة مُرة دأب الساسة والقادة الإسرائيليون على عدم الاعتراف
بها طوال أشهر الانتفاضة الماضية يلخصها روبنشتاين بقوله: إنه لا يوجد
مؤشرات إرهاق في أوساط الفلسطينيين، بل إن العكس هو الملموس مع التطورات؛
إذ إن معنوياتهم عالية رغم عدم وصول الدعم العربي والشعور لديهم بأنهم قد
حققوا توازناً معيناً مع إسرائيل. ويشير روبنشتاين إلى وسائل الإعلام الفلسطينية
التي نقلت أقوال وزير الدفاع بنيامين بن إليعيزر الذي قال: «إن السؤال هو مَنِ
الذي سيتعب أولاً من بين الجانبين؟ ومن ثم أضاف: ولسنا نحن الذين سنتعب أولاً»
الفلسطينيون من جانبهم ردوا بالمثل قائلين: لسنا نحن الذين سنتعب أولاً.
ويضيف روبنشتاين: «مجريات الأمور في الضفة وغزة تعطي الانطباع
بعدم وجود مؤشرات للإرهاق أو الانكسار عند الفلسطينيين، بل على العكس تماماً،
رغم كل الصعوبات والضائقة يبدو أن الفلسطينيين يستطيعون الصمود ومواصلة
الانتفاضة لفترة طويلة أخرى.
نعم إن مستوى الحياة قد انخفض لدرجة كبيرة جداً، والاقتصاد مشلول جزئياً
أو على الأغلب، ولكن المال القليل الذي تستلمه السلطة يكفيها لدفع الحد الأدنى من
رواتب ٢٠٠ ألف موظف في إطار السلطة والبلديات والمؤسسات العامة الأخرى
في المناطق، إنهم يتدبرون أمورهم بطريقة ما. لا يوجد جوع، والمعنويات عالية
بدرجة كافية. خلال الأشهر التي مرت منذ نهاية أيلول لم يظهر أي فلسطيني يدعو
لوقف الانتفاضة لأنها تكلف الشعب ثمناً باهظاً. الجميع يدعون لمواصلتها. مرور
بضعة أيام من الهدوء أو استئناف لقاءات التنسيق الأمني مع إسرائيل لا تترك
تأثيراً على أحد، ولا تدفع أي واحد أيضاً للتحدث عن تنازلات فلسطينية» .
... ... ... ... ... ... [جريدة السبيل الأردنية، العدد: (٣٨٢) ]
تأملون.. أم تدافعون؟ !
س: ما هي تصوراتكم للدور الأمريكي في التسوية السلمية في عهد إدارة
الرئيس بوش؟ هل تتوقعون منها أن تقوم بدور أكثر فاعلية في المستقبل بعدما بدا
أنها تعطي مسألة العراق أولوية على موضوع السلام؟
ج: نحن نعتبر أن الولايات المتحدة تلعب دوراً مركزياً في عملية السلام
بالاشتراك مع الأطراف الإقليمية والدولية المهتمة بأمن المنطقة واستقرارها،
وأعتقد أن الإدارة الأمريكية الحالية ملتزمة بالمساعدة في تجاوز الأزمة الحالية
بهدف مواصلة البناء على ما تم تحقيقه من خلال مفاوضات السلام، وليس صحيحاً
أن الاهتمام الأمريكي بالموضوع العراقي يلغي الاهتمام بعملية السلام، خصوصاً
أن للولايات المتحدة مصالح في المنطقة لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن المحافظة
على أمن واستقرار الدول فيها. أعتقد أن بوش وفريقه المسؤول عن الشرق
الأوسط سيُظهرون تماسكاً وانسجاماً أكبر في التعامل مع قضايا المنطقة مما فعلت
الإدارة السابقة.
... [رئيس الوزراء الأردني، جريدة الحياة، العدد: (١٣٩٢٣) ]
ويسمح له بالكتابة! !
من مَعِين الكاتب التونسي: العفيف الأخضر:
١- حجة أعداء السلام المركزية في إسرائيل هي أن السلام العربي
الإسرائيلي سيقود في بدايته إلى حرب أهلية بين يهود إسرائيل وفي نهايته إلى
«دمج إسرائيل ثقافياً بالعالم العربي» إذن لنجعل من هذا الدمج بنداً مركزياً في
مشروع السلام العربي، ونعد يهود إسرائيل والعالم بقبول إسرائيل عضواً في
الجامعة العربية كما اقترح القذافي في مؤتمر القمة الأخير، وهو اقتراح بعيد النظر
نزل على العقيد في لحظة إلهام نادرة وغير منتظرة منه، وهو ما طالبتُ به على
أعمدة «الحياة» غداة انتخاب باراك مع مبادرات أخرى ضرورية لكسر الحاجز
النفسي الإسرائيلي العربي وبناء الثقة المتبادلة بين اليهود والعرب. دمج إسرائيل
في العالم العربي، عبر ضمها للجامعة العربية، هو لبّ التطبيع الشامل معها أي
قبولها اقتصادياً، سياسياً، ثقافياً، ونفسياً. هذا التطبيع كفيل بأن يكون أهم ضمانة
ضد عدوانية المؤسسة العسكرية بتجريدها من سلاح تخويف اليهود من الخطر
الوجودي على الدولة لتعبئتهم للحرب. وهو على أي حال أكثر نجاعة من الركض
المجنون وراء تكديس الأسلحة بما فيها أسلحة الدمار الشامل التي دمر بها العرب
اقتصادياتهم وسمعتهم في الإعلام العالمي. أما إسرائيل فتمتلك ضدها فضلاً عن
ضربة الانتقام ترسانة من الأسلحة المضادة.
ضم الدولة اليهودية إلى جامعة الدول العربية سيؤدي على الأرجح إلى نتيجة
مماثلة لضم ألمانيا إلى «الجامعة» الأوروبية في بروكسيل. تضمين مشروع
السلام وعداً بضم إسرائيل إلى الجامعة العربية بكل ما يمثله ويرمز إليه، كفيل
بجعله مشروعاً يأسر العقول وأسر العقول هو لبُّ فلسفة الإعلام المعاصر لتلبيغ
الرسائل الاستثنائية لأنه يقدم ليهود إسرائيل والعالم ضمانة متينة ضد هاجسهم الأول
عن مصير الدولة الذي طالما شلَّ منطقهم وقادهم إلى اختيارات انتخابية كارثية.
... ... ... ... ... ... ... ... ... [جريدة الحياة، العدد: (١٣٩٢٣) ]
٢ - سيد شيمعون بيريز منذ أوسلو اعتبرناك أنت وإسحاق رابين استثناء
من النخبة الشرق أوسطية المأزومة التي لا تكاد تضم بين صفوفها اليوم إلا
نموذجين سائدين: صدام، وعرفات. أنت من تجرأ على اقتحام مغامرة السلام
مقتنعاً بأنه لا بديل لإسرائيل عن إعادة الأراضي العربية التي احتلتها في حرب
١٩٦٧م للوصول إلى سلام تعاقدي مع جيرانها. بُعد نظرك جعلك لا تكتفي بسلام
يكون هدنة بين حربين، بل ناضلت ضد الشُّكَّاك اليهود والعرب من أجل سلام دائم
يفترض حكماً اندماج إسرائيل سياسياً واقتصادياً وثقافياً في شرق أوسط جديد تتعاون
فيه شعوبه ونخبه على دعم الخدمات وتجديد البنية التحتية لجذب الاستثمارات
الخارجية والتكنولوجيا المتقدمة وتجنيد الموارد الطبيعية والبشرية لمحاربة الفقر
والبطالة والتعصب والاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان وإقصاء المرأة والأقليات من
حقوق المواطنة، ويقتنع فيه الجميع، عرباً ويهوداً، بضرورة الإنفاق على التعليم
الحديث بدل الإنفاق على صناعة القتل، وكنت حكيماً عندما وعيت أن الطريق إلى
شرق أوسط جديد يمر حتماً بتنازلين جوهريين متبادلين: تنازل إسرائيل عن
الأراضي العربية التي احتلتها في حرب الأيام الستة، وتنازل العرب عن رفضهم
لشرعية وجود إسرائيل كدولة يهودية مستقلة. كنا ننتظر من تلميذ (بن غوريون)
أن يقدم مشروع سلام يحمل اسمه إنقاذاً لعملية السلام التي هو رائدها منذ أوسلو بدلاً
من تسويق فانتازمات شارون موفاز الهاذية. ما زلنا ننتظر منك مشروع سلام
يتضمن عروض باراك ومقترحات كلينتون وتفاهمات طابا. قد يرفضه عرفات
الذي ربما لم ينس شيئاً ولم يتعلم شيئاً من أخطائه وخطاياه. عندئذ تكون الكرة
في الملعب الفلسطيني ويكون على النخبة الفلسطينية أن تخرج من شللها الذهني
للبحث عن قيادة جديدة من جيل جديد حتى تكون بمستوى المهام التاريخية
المطروحة على شعبها. كتبت لك هذه الرسالة الصريحة حرصاً على السلام
ولأني اعتبرك منذ أوسلو أفضل سياسي شرق أوسطي وأتمنى أن تبقى كذلك سواء
بدفع حكومة شارون دفعاً إلى السلام أو بالخروج منها للنضال من أجل السلام.
... ... ... ... ... ... ... ... [جريدة الحياة، العدد: (١٣٩٣) ]
أفسد إن صدق! !
في خطوة غير متوقعة أجرى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة
اتصالات مع جبهة الإنقاذ الإسلامية المحظورة في محاولة لتعديل ميزان القوى
عقب انسحاب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية من الحكومة، وقالت مصادر
حسنة الاطلاع في الجزائر إن بوتفليقة كلف وزير الدولة للخارجية عبد العزيز
بلخادم بمهمة استقطاب قيادات جبهة الإنقاذ عدا عباسي مدني وعلي بلحاج
الموضوعين تحت الرقابة والسجن العسكري.
وذكرت أن بلخادم اتصل بالفعل مع قيادي بالإنقاذ يدعى كماقمازي كان من
بين المعتقلين في يونيو ١٩٩١م أثر الاضطراب السياسي الذي تحول إلى عصيان
عم كل الجزائر. ورغم سرية هذه الخطوات رجحت المصادر أنها تهدف لتعديل
ميزان القوى بالبلاد بعد الضربة التي تلقاها الائتلاف الحاكم عقب انسحاب التجمع
من أجل الثقافة والديمقراطية احتجاجاً على أزمة القبائل واحتمال انسحاب أحزاب
إسلامية أخرى شكلت جبهة ضد إصلاحات الرئيس الجزائري في القطاع التعليمي.
وتقول مصادر مقربة من الرئاسة إن بوتفليقة لا يزال يؤمن بأن الإنقاذ لا تزال
مؤثرة في المجتمع، وهو يريد أن يسبق الأحداث، ويطوع قياداتها للتعاون معه
وكسب القوة التي تمكنه من إدارة دفة الحكم.
... ... ... ... [جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٦٤٢) ]
الورطة الشيشانية
في أول اعتراف صريح بـ «ورطة» روسيا في الشيشان أقر مسؤول رفيع
في الكرملين أن الحرب في الشيشان كانت أطول مما كان متوقعاً أساساً معترفاً في
الوقت نفسه بانتهاكات لحقوق الإنسان ارتكبها الروس، وقال المسؤول خلال لقاء
مع صحافيين أجانب أعتقد أننا لن نتخلص من هذه المشكلة قبل وقت طويل.
ونفى المسؤول أن يكون الجنرالات الروس وعدوا فلاديمير بوتين بنهاية
سريعة للحرب في الشيشان غير أنه أقر أن الرئيس كان يأمل أن ينتهي النزاع في
حين أنه متواصل منذ ٢٠ شهراً، وقال لقد واجهنا مشكلات غير متوقعة عندما
أنجز القسم الأكبر من العملية العسكرية، وأقر المسؤول أن العسكريين ارتكبوا
تجاوزات عديدة، وقال فيما يشكل اعترافاً نادراً من جانب مسؤول روسي رفيع:
من الواضح أن هناك انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان ارتكبت خلال الحرب، لا
ننوي القول إن هذه المشكلة غير موجودة.
وأعلن بوتين في يناير خفض عدد القوات الفيدرالية المنتشرة في الشيشان
غير أنه تم سحب ٥٠٠٠ جندي فقط حتى الآن من أصل حوالي ٨٠ ألف عنصر
بحسب الأرقام الروسية.
... ... ... ... [جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٦٤٥) ]
سؤال مؤلم! !
- الأموال العربية في دول السوق الأوروبية المشتركة (٦٥٠) مليار دولار
أمريكي.
- في الولايات المتحدة (٩٧٥) مليار دولار أمريكي.
- مجموع الأموال العربية داخل وخارج البلاد العربية (٢٢٧٥) مليار
دولار أمريكي.
- زكاة الأموال العربية سنوياً (٥٦. ٨٧٥) مليار دولار أمريكي.
أي أن الزكاة السنوية على هذه الأموال هي «ستة وخمسون ملياراً وثمانمائة
وخمسة وسبعون مليون دولار أمريكي» ؛ فهل سيبقى فقير على وجه الأرض لو
أخرجت زكاة هذه الأموال؟
... ... ... ... ... ... [مجلة الكوثر، العدد: (١٩) ]
عندما يصبح الرئيس.. نبياً! ! !
كشف مصدر مقرب من الأوساط الحكومية أن (صابر مراد نيازوف)
«الرئيس مدى الحياة» لتركمانستان الجمهورية السوفييتية السابقة، يريد إعلان
نفسه «نبياً» بشكل رسمي. وقال المصدر نفسه إنه جرت مناقشة إطلاق حملة في
هذا الاتجاه قريباً في أوساط المواطنين التركمان، وجاءت هذه المعلومات عقب
نشر جريدة «توترالني تركمانستاني» الرسمية مقالاً للناطق باسم رئيس
الدولة (كاكامورا بالييف) بعنوان: «مقولات نبي النبي صابر مراد» . وقد
حاول كاتب المقال «إثبات» أن نيازوف «نبي وطني بعث إلى الشعب
التركماني للألفية الثالثة» ، وأوضح أنه ليس لديه أدنى شك في «الكرامات الإلهية»
و «القدرات الربانية» للرئيس التركماني. وأضاف (بالييف) أن «النبي
هو شخص يأتي بالجديد. وجديد (صابر مراد) مضمن في كتابه العظيم
» الذي يقارنه محبوه بالتوراة والإنجيل أو القرآن ويريدونه مرجعاً لتعاليم
الحياة الروحية موجهة إلى مواطنيه، ويضيف الناطق باسم الرئاسة بحماسة في
مقاله أن هذا الكتاب «سيصبح منارة ونوراً وضاء في الألفية الثالثة تضيء
الأرض انطلاقاً من آسيا الوسطى وستمثل نور النبي صابر مراد» .
وكانت حملة مماثلة سبقت إسناد البرلمان لقب «رئيس مدى الحياة»
لنيازوف، ويلقب رئيس تركمانستان أيضاً بتركمانباش أي أبو كل التركمان، وهو
اللقب الذي يحب (نيازوف) أن يسمي نفسه به.
وحكم نيازوف، الذي يسيطر على مختلف أجنحة الحكومة وعلى وسائل
الإعلام، تركمانستان منذ سنة ١٩٨٥م حين أصبح السكرتير الأول للجنة المركزية
للحزب الشيوعي التركماني، وفي سنة ١٩٩٠م تم انتخابه رئيساً للبلاد التي تضم
٥. ٤ ملايين نسمة.
موقع: ميدل إيست أونلاين الإخباري
www.middle-east-online.com
حلول رئاسية ناجعة! !
قال الرئيس الموريتاني معاوية ولد سيد أحمد الطايع إن هناك ثلاثة حلول
للخروج من الفقر الذي تعاني منه مناطق مختلفة من موريتانيا، واعتبر ولد الطايع
أن كرة القدم والمسرح والرسم هي حلول ناجعة للانتشال من الفقر المدقع. ودعا
سكان قرية (هامد) وسط الصحراء الموريتانية أن يجربوا «تدريب أبنائهم على
كرة القدم، وفي حالة الخروج ببطل أو اثنين سينتهي الفقر» ، واعتبر ولد الطايع
أن الرسم أيضاً قد يكون حلاً ناجعاً «يمكن للمرء أن يبدأ بالرسم، وحين يتوصل
إلى رسم لوحة قد تباع بأموال كثيرة تخرجكم من الفقر» .
وأشار ولد الطايع إلى أن المسرح له دور كبير، فيمكنكم تشكيل فرق
مسرحية تطوف البلاد ويكون ريعها كبيراً بحيث تتغير أوضاعكم جذرياً «.
وطلب ولد الطايع من سكان هذه المناطق العمل بدون انتظار المعجزات من
الحكومة لأن المال» لن يهبط عليكم من السماء «، وطلب ولد الطايع من مواطنيه
الاهتمام بالتقنيات الجديدة وخصوصاً الإنترنت، باعتبار أنها قد تشكل الارتباط
الحقيقي مع العالم» مشيراً إلى أنها «قد تعرِّف الكثيرين بالمنتوجات التي
تصنعونها هنا وبالتالي فقد تجر لكم زبائن من مناطق مختلفة من العالم» .
... ... ... ... [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨١٩٣) ]
وكيل جديد
١ - إن محاولات قطر للعب دور في عملية السلام يجعلها تطرح أحياناً
أفكاراً أو دعوات غير مدروسة جيداً مصيرها الفشل، وقد فعلتها من قبل في الأزمة
السودانية وفي عدد من المشكلات الإفريقية وحتى في المشاكل داخل باكستان،
وسعيها لأي دور في الوساطة على صعيد الأزمات الإقليمية والدولية، ورغم الفشل
الذي يلاحق الجهود القطرية إلا أن الدوحة لا تكف عن طرح هذه المبادرات وفي
حين تشير بعض الدوائر الخليجية إلى دور أمريكي من وراء الستار إلا أن حمد بن
جاسم قد نفى أنه يحاول أمركة قطر، ولكنه أكد أن هناك علاقة طاحنة تجمع بين
الدوحة وواشنطن، وأن هناك تنسيقاً بينهما في العديد من القضايا في الشرق
الأوسط.
فالدوحة قبلت بأفكار أمريكية تسعى للتطبيع القطري مع إسرائيل في إطار
عملية (خذ وهات) بين الدوحة وواشنطن، وما تعطيه قطر هو التطبيع وتنفيذ
بعض المشاغبات السياسية المطلوبة ضد بعض الدول العربية أمام ما تأخذه، فهو
تضخيم الدور القطري والقيام بدور الحارس الأمين على أكبر قاعدة لتخزين
المعدات العسكرية الأمريكية خارج الولايات المتحدة. وعلى الرغم من العرض
القطري باستضافة قمة فلسطينية إسرائيلية جاء بعد لقاء بيريز وحمد بن جاسم إلا
أن إسرائيل تجاهلت هذا العرض تماماً ولم ترد عليه انتظاراً للرد العربي الذي جاء
سلبياً.
... ... ... ... ... [مجلة الأهرام العربي، العدد: (٢١٦) ]
٢ - ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن موظفين إسرائيليين ما زالوا يعملون
سراً في المكتب التجاري الإسرائيلي في قطر رغم إعلان السلطات القطرية إغلاق
هذه البعثة في نوفمبر الماضي.
وفي اتصال هاتفي أجرته وكالة الصحافة الفرنسية طلبت التحدث إلى رئيس
البعثة إيلي أفيدار أو نائبه ميخائيل أفيف، فردت موظفة قائلة: إن «الرجلين
لديهما مواعيد خارج المكتب» ، وأضافت: إنهما «قد يعودان خلال ساعة أو
ساعتين» وفي اتصال هاتفي ثان بعد ساعات، طلبت الموظفة نفسها من وكالة
الصحافة الفرنسية الانتظار بضع دقائق قبل أن تعلن أن أفيف الذي عاد إلى المكتب
لا يستطيع التحدث معه.
وتابعت بصوت مضطرب أن «المكتب مغلق» ، وأعلنت قطر في التاسع
من نوفمبر الماضي إغلاق المكتب الإسرائيلي عشية انعقاد القمة التاسعة لمنظمة
المؤتمر الإسلامي. وقال دبلوماسي في الخليج إن «الإسرائيليين في المكتب
التجاري لم يغادروا في الواقع قطر» .
... ... ... ... [جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٦٢٧) ]
المتأرجحون مع الماركسية! !
س: ماذا عن المنهج الماركسي اللينيني هل يمكن التخلي عنه؟
ج: التوجه العام في الحزب هو التخلي عن أجزاء كثيرة من الماركسية التي
أثبتت التجربة بطلانها وعدم صحتها، والإبقاء فقط على ما صار جزءاً من العلم
فيها وأثبتت التجربة صحته، مثل المنهج الجدلي الماركسي (في التحليل) .
وسيكون الحزب مفتوحاً على كل المدارس والمناهج الفكرية والإرث السوداني
والإفريقي والعربي والإسلامي، نأخذ منه ما يخدم قضية الثورة السودانية، ومن
ضمن الإرث العالمي هناك الماركسية التي ستكون جزءاً من تكويننا النظري ولكن
بالطريقة التي شرحتها سابقاً.
س: معنى ذلك هل يمكن أن تختفي كلمة «الشيوعي» من واجهة الحزب؟
ج: هناك اقتراحات قوية جداً بـ «إخفاء» أو «التخلي» عن اسم
«الشيوعي» ، وهناك اقتراحات أخرى تطالب بالتمسك به.
[الشفيع الخضر، ممثل الحزب الشيوعي السوداني، جريدة الشرق الأوسط،
العدد: (٨١٨٨) ]
أما لديكم غير الجعجعة؟ !
نحن في سورية لا نخشى من الحرب، وكعسكريين هذا قدرنا وخيارنا، فإذا
خفنا من الحرب نكون قد أعطينا العدو مكسباً من دون مقابل، ومع الوقت نلاحظ
أن العداوة تترسخ بيننا وبينهم، فنحن مع تأجيج الصراع إذا هم أرادوا ذلك، ونحن
جاهزون لصد العدوان ليعرف العالم أنهم شعب ضد السلام ومتطرف أكثر من
النازية.
[وزير الدفاع السوري، مصطفى طلاس، مجلة المجلة، العدد: (١١٠٨) ]
وهذه العنترية! !
س: التصريحات الأخيرة لجماعة الإخوان المسلمين السورية في الخارج
عبرت عن مواقف إيجابية تجاه سياسة الحكومة السورية في الإصلاح العام، كيف
تنظرون لهذه التصريحات؟
ج: إذا أتونا كأفراد فأهلاً بهم لكن أن يأتوا كتنظيمات مسلحة فهذا مرفوض،
وإذا جاؤوا بأخلاق جديدة، فأهلاً بهم لكننا لا نقبل من أحد آخر تسلُّم الحكم في بلدنا
بالقوة، أهلاً بهم في جو ديمقراطي لكن لا حكم لهم لأننا أصحاب الحق؛ ولن نقبل
أن ينتزع أحد منا السلطة لأنها تنبع من فوهة البندقية ونحن أصحابها، لقد قمنا
بحركات عسكرية متعددة ودفعنا دماءنا من أجل السلطة، وللأسف كانوا يعملون
سابقاً في الخط الذي تريده أمريكا، والآن استيقظوا وعادوا لصوابهم، أهلاً لكل من
يريد العودة للوطن وللفضيلة.
[وزير الدفاع السوري، مصطفى طلاس، مجلة المجلة، العدد: (١١٠٨) ]
ماذا تريد أمريكا؟
وصف وليام أركين مراسل الشؤون العسكرية لصحيفة واشنطن بوست
إسرائيل بأنها عاصمة القواعد السرية للجيش الأمريكي في العالم للمناورات
المشتركة وحفظ المعدات الطارئة. وتم الاتفاق على قضية وضع معدات عسكرية
أمريكية في إسرائيل وأعلن عنها في سنوات الثمانينيات، ورغم ذلك فإن إسرائيل
والولايات المتحدة تمتنعان عن كشف تفاصيل القضية. وحسب وصف أركين
تُخزن ذخيرة وقطع غيار ومعدات عسكرية للولايات المتحدة بقيمة نصف مليار
دولار في ثلاثة مواقع سرية في إسرائيل، هي: مواقع ٥١، وموقع ٥٣، وموقع
٥٤، وفي ستة مواقع أخرى خزنت سيارات أجهزة ومستشفى يتسع لـ ٥٠٠
سرير لاستخدام طارئ للطيارين، وجنود البحرية، ورجال القوات الأمريكية
الخاصة.
وبالنسبة للمناورات المشتركة كتب أركين قبل نحو شهرين: تدربت ثماني
طائرات حربية أمريكية هذا العام والعام الماضي على القصف في مجالين لسلاح
الجو في النقب، وهذه المناورة مهمة على نحو خاص بسبب الخلاف المتزايد في
الولايات المتحدة حول استخدام الذخيرة الحية في المجال العسكري في شاطئ
بورتوريكو.
... ... ... ... ... ... [جريدة الاتحاد، العدد: (٩٤٣٧) ]
والحمى الأفغانية والشيشانية و ...
تبرع صاحب السمو الشيخ نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم
دبي بمبلغ مليون جنيه إسترليني مساهمة من سموه في التخفيف من خسائر
المتضررين جراء إصابة حيواناتهم بمرض الحمى القلاعية في بريطانيا.
... ... ... ... [جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٦٢٤) ]
стр. 3964
الباب المفتوح
إتحاف الأمة بمؤلفات علماء السنة
محمد علي شامخ
إن من أعظم نعم الله على هذه الأمة أن جعل محمداً صلى الله عليه
وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين منها، كما قال تعالى: [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ
إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] (آل عمران: ١٦٤) ، فحمل المصطفى
﵊ مشعل النور والهداية حتى فاضت روحه إلى بارئها تاركاً
لأمته الهدى والنور كتاب الله وسنته ﷺ ، وورَّث العلم لمن بعده؛
فكان العلماء العاملون هم الورثة له، فأخذوا إرث النبي ﷺ
فتعلموه وحفظوه ودونوه، وصنفوا فيه المصنفات الكثيرة التي انتشرت في البلاد
وبين العباد، «وإذا كان العلماء ورثة الأنبياء فإنهم أيضاً ورثوا قدراً لائقاً بهم من
الاعتبار والمكانة في الشريعة، فكان واجباً على الأمة من بعد طاعتهم في طاعة الله
وموالاتهم واحترامهم والسعي إليهم والأخذ منهم» [١] وبذلك تعتبر عملية أخذ
الموروث العلمي الذي خلفه هؤلاء العلماء من مصنفات وشروحات ومقالات وفتاوى،
وحفظها والعناية بها وتقديمها للأمة هو أقل ما يمكن أن نقدمه رداً لمعروفهم تجاه
أمتهم.
ونظراً لِمَا حَبَا الله هذه الأمة من وفرة في عدد علمائها، وازدياد مصنفاتهم
وتفرقها وانتشارها في مختلف أصقاع المعمورة «برزت الحاجة الملحَّة إلى أدوات
علمية ومنهجية لتوثيق وحصر هذا الرصيد الفكري العلمي وتنظيمه وحفظه ثم
استرجاعه لتيسير وصوله إلى الباحثين والدارسين بسرعة» [٢] ، وهو ما يطلق
عليه عند علماء المكتبات الببلوغرافيا. والببلوغرافيا تعني «قائمة كتب لمؤلف
معين أو طابع معين أو بلد معين، أو عن فكرة معينة أو أدب موضوع معين» [٣] ،
وهذا العلم ليس بدعاً على المسلمين بل هو موجود منذ العهد الإسلامي الزاهر،
ومن الأدلة على ذلك كتاب (الفهرست) لمحمد بن إسحاق النديم، الذي ألَّفه في
القرن الرابع الهجري، وقد ذكر في مقدمته: «فهذا فهرست كُتُب جميع الأمم من
العرب والعجم، الموجودة بلغة العرب وقلمها، في أصناف العلوم، وأخبار
مصنفيها، وطبقات مؤلفيها وأنسابهم» [٤] ، ويعتبر هذا الكتاب أول ببلوغرافيا
للمصنفات الإسلامية. ثم تتابعت بعد المصنفات في هذا الفن؛ فهذا كتاب: (مفتاح
السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم) لطاش كبرى زاده عام ١٥٦١م،
وكتاب: (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون) لحاجي خليفة المتوفى
١٦٥٧ م، ولا يزال التصنيف في هذا المجال إلى وقتنا الحاضر.
ومع بواكير هذه الصحوة الإسلامية الراشدة أصبح «المشروع الإسلامي اليوم
هو صاحب الكلمة، وصاحب الحضور الجماهيري الواسع، والرموز الفكرية
الإسلامية القديمة والجديدة هي صاحبة الجاذبية والتأثير في حركة الثقافة الفعلية في
أوساط الشباب أو القطاع الأوسع منهم» [٥] ؛ فأضحت هناك ضرورة ملحَّة للقيام
بعملية إعداد ببلوغرافيا لعلماء أهل السنة والجماعة لتعريف الأمة بالمصادر
والمراجع المناسبة لهم، وخاصة في خضم هذه الصراعات الفكرية والمذهبية
الموجودة في الساحة اليوم، إننا لا نستطيع أن ننكر كثرة وجود مساجد ضرار في
الساحة ودعاة على أبواب جهنم يُسخِّرون كافة الإمكانيات للسيطرة الفكرية على هذه
الأمة، ومن أعظم الأمور التي يسعون من خلالها دس السم في العسل هو الكتاب؛
ولذلك «فلا بد من تلقي العلم عن مصادره الأصلية من القرآن والسنة ومصنفات
أهل السنة ومن كتب العلم الموثوقة في العلوم الشرعية؛ فلا ينبغي للمسلم أن يقرأ
مما هب ودب، بل عليه أن ينتقي نوع القراءة ونوع الكتاب المقروء، وأن
يستشير» [٦] فيمكننا القول إذن: إن الببلوغرافيا هي تقديم المشورة للقارئ فيما يقرأ،
وهو ما يحقق هدفاً من أهداف الرسالة الإعلامية الإسلامية التي «تتعدى إلى
مجالات متنوعة دون التقيد بحيز ضيق؛ حيث إن الدعوة الإسلامية هي دعوة
للإيمان، مقترنة بالدعوة إلى العلم والعبادة والعمل والفكر» [٧] .
كما لا يفوتنا التنبيه إلى العجز الكبير في مكتبات أهل السنة لمثل هذا النوع
من أوعية المعلومات، ومع أن العلوم الشرعية لها تفرعات كثيرة إلا أن الأدلة لكل
قسم منها قليلة جداً؛ فعندنا «مجال الفقه الإسلامي مثلاً ما زلنا نفتقر إلى عمل
ببلوغرافي يحصي المؤلفات الفقهية في كل مذهب من المذاهب منذ ظهورها على
مسرح الحياة حتى الآن؛ بل إننا نفتقر إلى إعادة نشر أمهات الكتب الفقهية نشراً
حديثاً يتيح للباحثين الوصول إلى ما يريدون منها بسهولة ويسر؛ ففي كل باب من
أبواب الفقه تتشعب المسائل وتتداخل وتتعقد بحيث يجد الباحث مشقة وعسراً في
الوصول إلى ما يريد؛ وخاصة إذا كان يبحث عن مسألة فرعية دقيقة يمكن أن تتوه
وسط أكوام المباحث الفقهية في بابها» [٨] بخلاف ما يسببه ذلك من هدر لأوقات
الباحثين وتكرار جهودهم.
مصادر تجميع الببلوغرافيا:
وهي المصادر التي تمكننا من الوصول إلى المراجع المطلوبة من أجل إعداد
هذه الببلوغرافيا، وتأخذ عدة طرق:
١- الببلوغرافيا الوطنية الصادرة في كل بلد والتي تتضمن النتاج الفكري
لهذا البلد.
٢- فهارس المكتبات العامة.
٣- الأدلة التجارية الصادرة عن دور النشر للتعريف بإنتاجها.
٤- الكشافات الدورية؛ حيث يتم من خلالها الوصول إلى مساهمات ذلك
العالم في ثنايا صفحات تلك الدورية.
٥- المكاتبة الشخصية مع العلماء والاستفسار منهم شخصياً عن مؤلفاتهم
ومؤلفات المشايخ الآخرين الذين توفوا؛ وهذه من أنجح الوسائل.
فئات المواد:
تشمل: الكتب، والرسائل المطبوعة، والمقالات في الدوريات، والرسائل
الجامعية.
ترتيب الببلوغرافيا:
ويقصد من ذلك تنظيمها بما يتناسب مع أهداف هذه الببلوغرافيا، ويكون على
عدة أوجه منها:
١- الترتيب الهجائي:
أ - بحسب المؤلف: فيتم إدراج جميع مصنفات الشخص بواسطة مدخل
باسمه شخصياً، وترتب مصنفات المؤلفين ترتيباً هجائياً.
ب - بحسب العنوان: فيتم ترتيب العناوين ترتيباً هجائياً.
ج - بحسب الموضوع: فيتم إدراج المؤلفات بحسب موضوع كل مؤلف
ومن ثم ترتب هجائياً.
٢- الترتيب الزماني:
فيتم إدراج مؤلفات كل فترة زمنية على أساس سنة الطبع، أو إدراج مؤلفات
علماء وُلِدُوا في فترة زمنية معينة.
٣- الترتيب المكاني:
فيتم إدراج مؤلفات بحسب مكان صدورها.
وختاماً:
فلا شك أن هذا المشروع كبير جداً، وقد يقول البعض باستحالة تحقيق ذلك،
ولكن لو قام كل شخص من موقعه بجهد لتحقيق ذلك فسوف نرى في القريب العاجل
بعون الله الكثير من الأدلة لمؤلفات عالم أو مجموعة علماء تتزين بها مكتباتنا.
стр. 3965
قضايا ثقافية
الحصاد العقدي للعلمانية
د. محمد يسري
من المسلَّم به أن دخول العلمانية إلى بلاد المسلمين كان في فترة من الضعف
العام والانكسار الشامل والهزيمة النفسية والعسكرية على حد سواء.
ومع كل الركام الهائل من الأسباب والملابسات الداخلية والخارجية فقد صمد
العالم الإسلامي طويلاً، وحفظ التاريخ مواقف الثبات في الذود عن ثوابت العقيدة
ومحكمات الشريعة، كتلك الصرخة الجريئة التي أطلقها الشيخ الشرقاوي في وجه
نابليون حين قال له: «لو كنتَ مسلماً حقاً كما تدعي، لطبقت الشريعة الإسلامية
في بلدك فرنسا، بدلاً من تنحية الشريعة هنا، ووضع القوانين الوضعية» [١] .
ثم لم ينصرم قرن من زمان الكيد والمكر حتى أدخل الخديوي إسماعيل
القانون الفرنسي إلى بلاد المسلمين سنة ١٨٨٣م، وحفظ التاريخ وللأسف فتاوى
ومقالات وكتباً لأمثال محمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وعلي عبد الرازق،
كان لها أسوأ الأثر في تقويض سلطان الشريعة في البلاد، وتوهين عقيدة الولاء
والبراء في قلوب العباد، واجتراء المتربصين على ثوابت الملّة ومحكمات الشرع،
وتمهيد الطريق أمام مكايد العلمانية الخبيثة لتمتد بجذورها الفكرية والسياسية
والقانونية إلى أرجاء العالم الإسلامي الكبير، وإذا أرَّخْنا للمحاولات الجادة لعلمنة
الشرق المسلم بأواخر القرن الثامن عشر فنحن الآن أمام حصاد نكد وثمرة خبيثة
لشجرة مبتوتة الصلة بأمة الإسلام تاريخاً وعقيدة وشريعة.
مظاهر الخلل العقدي:
إن إلقاء الأضواء على الحصاد العقدي، والإشارة إلى التطبيقات العلمانية
المعاصرة التي تمس الأمة في عقيدتها وثوابتها، هو ما ينبغي التركيز عليه في هذا
الموضوع، على أنه ينبغي ملاحظة أن الخلل العقدي والانحراف الفكري ينتج
ويثمر ما لا ينحصر من فروع الخلل العملي في أرض الواقع؛ ومن ثم فإننا نركز
على أبرز تلك الأصول العقدية التي طرأ عليها الخلل على النحو الآتي:
أولاً: زلزلة موقف الأمة من ثوابتها العقدية والفكرية:
ما أكثر تلك الرماح التي وجهت إلى نحر العقيدة الإسلامية عبر القرون، من
خلال تلك المذاهب المنحرفة التي شوَّهت صفاء الاعتقاد، وفي أنواع شتى من
الصراعات والمعارك التي خاضها الفكر الإسلامي منذ فجر الإسلام. غير أن
الملاحظة الجديرة بالاهتمام أن معظم هذا الباطل ساد ثم باد، وأن حالة الالتباس في
المفاهيم لم يصاحبها اندراس لمعالم العقيدة الحقة، وأن وجه الحق خرج من هذه
الفتن مستعلياً متلألئ القسمات، لم يهادن ولم يتدنس بالالتقاء في منتصف الطريق
مع غيره، فلما جثمت العلمانية على صدر الأمة، وضربت في أرض الإسلام
بجذورها ونصبت شباكها، وتربت على موائدها أفكار وعقول، ونطقت باسمها
أفواه وأقلام، كان من المنطقي أن تواجه الأمة هذه الفتنة كما واجهت غيرها من
فتن البدع والأهواء.
إلا أن شيئاً لم يكن بالحسبان قد وقع حين تصدت طائفة من أهل الإسلام
والدعوة لهذا الكيد بنَفَسٍ إسلامي، فما لبثت أن كلّت، وطال عليها الطريق فملّت،
واشتدت وطأة الباطل على حرياتها فانحرفت، وذلك حين أرادت أن تجمع بين
الضدين، وهما لا يجتمعان العلمنة والإسلام؛ وطائفة أخرى ساءت طويتها فخابت
وخسرت لمَّا اعتقدت أن الإسلام دين علماني، وعملت كلتا الطائفتين على أسلمة
العلمانية أو علمنة الإسلام، ومن هذين الاتجاهين تشكَّل تيار فكري توفيقي تلفيقي
يوالي الإسلام ولا يتبرأ من العلمانية، يقبل الشعائر، ولا يحرص على الشرائع،
يتزين بالإطار والشكل، ويعبث بالمضمون والمحتوى، يُظهر التمسك بثوابت الملَّة
ومحكمات الأدلة، ثم يعمل على إعادة صياغة موقف المسلم من ذلك كله، يرفع
راية القرآن والسنة، ثم ينزع القداسة عن نصوصهما، ويقيم العقل عياراً عليهما،
وينصب شَرَك التعارض بينهما، ويعقد المناظرة على سبيل المخاصمة بين أهل
الفقه وأهل الحديث، وبين النص ومقاصد التشريع، وبين مُحْكَمات الأدلة
والمصالح المرسلة! !
وتناسى هذا التيار أن التناقض بين معسكري الإسلام والعلمانية حقيقة جذرية،
وأن اللقاء بينهما يكاد يكون ضرباً من الخيال إن لم يكن ضرباً من المحال.
ولأجل ذلك الوهم تأسست المعاهد، وأُصدرت المجلات، وصنعت المنابر، حتى
نما زرع الباطل وعلا واختلط الحابل بالنابل؛ فتشعبت المسالك وضاعت المعالم،
فمفاصل الإسلام قد ذابت، وحدوده قد اشتبهت، وشرائعه قد التبست بـ (نسبية)
مزعومة، أو بـ (تعددية) في الحق والثوابت موهومة، أو (بتجديدية) مشبوهة
في التعامل مع الأصول.
ووقفت الأمة في برزخ من الشك حيرى بين نظرة إلى إسلاميين التقوا
بالعلمانية في حل وسط، تعرف الصحوة لهم نسباً وصهراً، وتربطهم بها وشائج
القربى، ثم تُنكِرُ منهم إسلاماً في ثوب التجديد، كثرت فيه رقع التلفيق، واختلطت
فيه خيوط الحق بألوان التزويق.
ثم تنظر الأمة تارة أخرى إلى علمانيين تدثروا بدثار الإسلام ولا يزال عليهم
شعار غيره، تُنكِر منهم الأمة أكثر مما تعرف، وعلى أي حال ولهذا السبب وغيره
فإن فصاماً نكداً بين الدنيا والآخرة قد تأصل، وخللاً في مفهوم العبادة قد طرأ
وتجذّر، وبعدت الشقة بين العقيدة والسلوك، وشعائر النسك وشرائح الحكم،
وزادت الهوة بين الماضي والحاضر، وتلك علمانية معدّلة أو إسلام ممسوخ، وهذه
الجولة من معركة الإسلام والاستنارة لم تنحسم بعدُ، وهي حرب ما تزال قائمة
مشبوبة.
ثانياً: بروز صور الشرك السياسي والقانوني في الأمة:
«اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس» تلك صيحتهم في ثورتهم الفرنسية،
وكانت علمانيتهم تتويجاً للكفاح ضد طغيان الكنيسة في المجال الفكري، وكانت
ديمقراطيتهم تتويجاً للنضال ضد طغيان الحكام في المجال السياسي، وكانت نظرية
السيادة تتويجاً للصراع ضد نظرية الحكم بالحق الإلهي المقدس!
حقاً لقد كانت العلمانية الأوروبية في قوالبها الفكرية والسياسية والقانونية
تحطيماً لأغلال القلوب والعقول وتحريراً للحريات الخاصة والمقدرات العامة لتلك
الأمم والشعوب؛ حيث قامت حكومة علمانية ديمقراطية تمتلك فيها الأمة سيادة
مطلقة، تدَّعي (العصمة من الخطأ) وتحمي الحقوق والحريات، ومع التسليم
تنزلاً في الحوار بأن هذا أفضل ما كان بحضرتهم؛ إذ لا يملكون عقيدة صحيحة
كما لا يملكون شريعة أصلاً؛ فهذا شأن يخصهم ولا يخصنا، وميراث بغي وتسلط
وجهل يتعلق بهم ولا يشغلنا، إلا أن سدنة العلمانية في بلادنا وصنيعة التغريب
والاستعمار في ديارنا أبوا إلا اتباع كل ناعق من همج العلمانية الغربية؛ فأنظمة
علمانية في الجانب الفكري، وديمقراطية في الجانب السياسي، ثم هي ترد الأمر
إلى الشعب في الجانب القانوني. وعلى الرغم من أن القرآن يهيمن على الكتب
السماوية فإن علمانيي بلادنا يجعلونه أهون من أن يهيمن على الدساتير الأرضية
والأنظمة الوضعية.
ومع قيام الأدلة الشرعية المستفيضة والبراهين العقلية المضيئة بأن لا حاكم
إلا الله ولا سيادة إلا لشرع الله، ولا إيمان إلا بعد الرضا بالله رباً حاكماً ومشرِّعاً،
وبالإسلام ديناً مهيمناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً خاتماً، إلا أن
النعيق العلماني الذي يتردد في الإعلام عبر السنين الماضية قد أثار الغبار حول
قضية مسلَّمة، وشوّش على مسألة من الدين محكمة، فكان من حصاد السنين
التفاف فئام من الأمة حول أحزاب الخراب العلمانية، وما سبب اندفاع بعض العوام
إليها إلا لأنها تلوِّح بلعاعة من الدنيا، أو تَعِدُ بما يملأ جوعة البطون أو يواري
عري الأجساد.
وكان من الثمرات النكدة لهذا الشِرْك السياسي المستعلن بالكفر بمرجعية
الشريعة في الدماء والفروج والأموال ورد ذلك كله إلى غير شرع الله، أن تناول
بعضهم هذه القضية في إطار جزئي مبتور الأطراف، مشوه الحقائق، فنزلت رتبة
هذه القضية الناقضة لأصل الدين إلى رتبة المسائل الجزئية، والانحرافات
العَرَضية، فلم تبلغ مبلغ الثوابت المحكمات، ولا المسائل المهمات، فاعتراها
التشكيك، ودخلتها المساومة، وحكمتها المصالح والأهواء، وترتب بناءً على ذلك
من الوهن والتخاذل في نصرة الشريعة ما قرت به عيون دهاقنة العلمانية، بل إن
المرارة تبلغ ذروتها وللأسف حين تتأرجح مواقف بعض الإسلاميين من هذه القضية
فتنطلي عليهم الحيل وتقذف في قلوبهم الشُّبه، أو تنحرف ببعضهم السبل في
مواجهة هذا الشرك الصراح، ولذلك صور وألوان؛ فمن الدخول تحت مظلة تلك
الأحزاب العلمانية تارة؛ إلى التحالف معها ثانية؛ وهكذا تتغير خريطة الولاء
والبراء بتذبذب المصالح، وفي أثناء ذلك يغيب الهدف الذي سوَّغ لبعضهم الاشتغال
بالسياسة من تطبيق الشريعة وإقامة الحجة، واستفاضة البلاغ، والحيلولة دون
مزيد من المفاسد والانحرافات.
إن مكافحة هذا اللون من الشرك السياسي والقانوني حقٌّ لا ريب فيه، وجدٌّ لا
هزل فيه، وهو معترك بين الإيمان وضده، وحد فاصل بين التوحيد ونقيضه،
وليست محاربة شرك القبور والأضرحة بأوْلى من محاربة شرك الحكم والتشريع.
ثالثاً: نشوء المذاهب العقدية والفكرية الباطلة:
إن فكرة كالقومية العربية أو مبدأ كزمالة الأديان ما كان لأيها أن يولد في بلاد
الإسلام أو أن يلقى قبولاً، لولا أنهما ولدتا في محاضن العلمانية، وفي كنف من
اللادينية التي تنظر للدين على أنه قاصر على جانب شعائر التعبد ومسائل الاعتقاد،
لا يتجاوز حدود القلب وحنايا الصدر، هذا إذا كان للدين مكان واعتبار عند
أرباب العلمانية، ولقد تمهد طريق إسقاط (دولة الإسلام) المتمثلة في الخلافة
الإسلامية بإحياء النعرات القومية، وإذكاء العصبيات العرقية، والأواصر والروابط
الأرضية، ليجتمع الناس حول راية عِمِّيَّة لا تحفل بالدين ولا تقيم لروابطه وزناً،
ويكفي أن يُعلَم أن القومية العربية ولدت في دار المندوب السامي البريطاني، وكان
ذلك على يد نصارى لبنان وبلاد الشام [٢] .
قال برنارد لويس: «فإدخال هرطقة القومية العلمانية، أو عبادة الذات
الجماعية كان أرسخ المظالم التي أوقعها الغرب على الشرق الأوسط» [٣] .
والقومية العربية تتجاهل قروناً متطاولة من حضارة الإسلام العريقة التي
انصهرت في بوتقتها حضارات عديدة سادت ثم بادت، والقومية حين تنبش الأرض
لتستخرج حضارات ما قبل الإسلام، ليست تطمح كما يقول أحد المستشرقين في أن
يرتد المسلم إلى عقائد ما قبل الإسلام؛ ولكن يكفيهم أن يتذبذب ولاء المسلم بين
الإسلام وتلك الحضارات؛ فالفرعونية لمصر، والفينيقية للبنان، والآشورية
والسومرية والبابلية في العراق، والكنعانية في فلسطين، والبربرية في المغرب،
وأخيراً الطورانية في تركيا.
وهكذا دخل الفكر القومي ليحل محل الرابطة الإسلامية الجامعة، فكان هذا
من أهم أسباب إضعاف دولة الخلافة والتعجيل بسقوطها سنة ١٩٢٤م، وانعقد
اجتماع المسلمين على أساس من الأعراق والقوميات واللغة والتأريخ، وكان وجود
الفكر العلماني الذي يعطل الدين أن يعمل ويؤثر هو البيئة الصالحة لنمو القوميات
العربية وغير العربية، حيث يتعين على القومي المسلم والقومي اليهودي
والنصراني والملحد أن يجمع بينهم رباط الأرض واللغة والعشيرة؛ إذ الدين لله
والوطن للجميع، وهذا يفضي ولا بد إلى النتيجة التي يرمي إليها الفكر العلماني
على مستوى الأمة، وهو نبذ الدين وأحكام الشرع الحنيف، «فالتكتل حول راية
القومية يفضي بالمجتمع ولا بد إلى رفض حكم القرآن؛ لأن القوميين غير المسلمين
لن يرضوا تحكيم القرآن، فيوجب ذلك لزعماء القومية أن يتخذوا أحكاماً وضعية
تخالف حكم القرآن، حتى يستوي مجتمع القومية في تلك الأحكام» [٤] .
ولقد خدعت جموع المسلمين لفترات طويلة بهذه القومية الأكذوبة حتى ظهرت
حقيقتها خواء من كل فائدة، فليت الرابطة القومية العلمانية جمعت القلوب،
ووحدت الصفوف، والْتألمت بها الصدوع، إلا أن الأمة استبدت بها الفرقة،
وسرت فيها روح التقاطع، والواقع خير شاهد، وصدق الله تعالى: [لَوْ أَنفَقْتَ مَا
فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ] (الأنفال: ٦٣) .
رابعاً: وهن عقيدة الولاء والبراء:
العلمانية دين يجمع ويؤلف على أساس من المصلحة؛ فحيثما لاحت المصلحة
فثمة الرابطة العلمانية، مع قطع النظر عن أي معنى آخر. والإسلام دين قوامه
التوحيد، فكلما تحقق التوحيد فثمة الرابطة الإيمانية العالمية التي تذيب فوارق
الأنساب واللغات والألوان، فتجمع رحم التوحيد أبناء الإسلام تحت شعار: [إِنَّمَا
المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] (الحجرات: ١٠) ، ويقوم بناء الأمة الاجتماعي على أساس من
قوله تعالى: [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] (التوبة: ٧١) .
ويتبلور الموقف من أهل الكتاب في نحو قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ
مِنْهُمْ] (المائدة: ٥١) .
وإذا كانت عقيدة الولاء والبراء من التوحيد بمكان الركن؛ فلقد حرص دعاة
العلمانية على إضعاف هذا المفهوم في حياة الأمة، وكسر الحاجز النفسي بين المسلم
والكافر، وبحث قيم جديدة، ومفاهيم غربية للموالاة بين الأمم، فمن الإنسانية إلى
زمالة الأديان، ومن التقارب الإسلامي النصراني إلى تطبيع علاقات الأمة مع
شراذم أحفاد القردة والخنازير.
ولقد أدى الكيد المنظم على مستوى الأفراد والشعوب والدول إلى تذبذب هذه
العقيدة في القلوب، وتحيّر كثير من المسلمين بين إعلام ينشر الوعي المزيف،
وعالم سلطة يعانق ويهنئ ويشيد بحاخام وقسيس، وسياسة لاهثة وراء شرق ملحد
أو غرب كافر، وفكر مذبذب، لا يدين إلا بالمصلحة ولا يحالف إلا المنفعة حيث
كانت، وأقلام مأجورة من صنائع التغريب ودعاة التقدم وسدنة «الوحدة الوطنية» .
ولا يخفى أن بقاء الإسلام خارج دائرة التأثير في ولاءات الأمة، وخارج
نطاق معركة البراء من أعداء الملّة، من شأنه أن يسلم قياد الأمة إلى أعدائها
يتخبطونها من كل جانب، ويمحون عنها كل هوية، ويجرونها إلى كل هاوية، ولا
تخطئ عين المتأمل عمالة السياسة العلمانية تجاه قضية فلسطين أو البوسنة أو
كوسوفا، كما لا يخفى على مُطَّلع تواطؤها في شأن العراق أخيراً.
وبعد عرض هذه النتائج والتطبيقات العقيدية للعلمانية، تجدر ملاحظة بعض
الأمور:
- إن هذا الكيد المنظم والمكر الدائب لو وُجه إلى أي نِحْلة أو ملة غير
الإسلام لعفت آثارها من قديم، ولكن الحق أصيل والباطل دخيل.
- إن آثار هجمة العلمانية على بلاد المسلمين وإن تنوعت أشكالها وألوانها
فإن تفاعل الأمة معها وقبولها لها ونفوذها في أعماق المجتمع المسلم لا يزال محدوداً،
ولا تزال الديمقراطية وقضاياها وأحزابها حبيسة داخل ما يسمى بالنخبة المفكرة؛
ففي دراسة أجريت عام ١٩٨٠م جاء الاهتمام بقضية الديمقراطية في المرتبة
السادسة ضمن قائمة تشمل سبعة هموم رئيسية للرأي العام العربي، وبلغة الأرقام لم
تذكر الديمقراطية بوصفها أحد الهموم الرئيسية سوى ٥. ٤% فقط من عينة شملت
عشرة أقطار عربية، وفي عام ١٩٩٠م أجريت نفس الدراسة على ثمانية عشر
قطراً عربياً فجاءت المسألة الديمقراطية في المرتبة السادسة ضمن ثماني تحديات
رئيسية، وبلغة الأرقام أيضاً لم يذكر المسألة الديمقراطية سوى ١١% فقط من أفراد
العينة، وهي على كل حال نسبة متواضعة للغاية [٥] ، «فالديمقراطية تجد
أصداءها في مجال الشعار السياسي والدعوة الفكرية أكثر بكثير مما تعكسه
مجتمعاتنا من استعداد فعلي لاعتناق هذا الشعار والانتماء إليه» [٦] .
- وأخيراً: فإن عين المتأمل لتلحظ وعياً متنامياً، ويقظة إسلامية، بين
طوائف الأمة عامة، وتبصراً بكثير من الحقائق التي عَلَتها غاشية من الغبش
والتزييف، وتوجهاً نحو الفكرة الإسلامية والنهج الإسلامي، وهو بلا شك مؤشر
صحة وعلامة خير.
والله غالبٌ على أمره، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 3966
في دائرة الضوء
لا صوت يعلو فوق الحوار
أ. د. محمد يحيى [*]
فُرِضَت على ساحة الفكر والفعل الإسلامي في بعض البلدان الغربية في
السنوات الأخيرة قضية أسماها أصحابها: «الحوار» من حيث إنه وصف عامٌّ،
وتراوحت التسميات الفرعية من حوار الحضارات إلى حوار الثقافات، ومن الحوار
مع الآخر إلى حوار الأديان. وتحولت هذه القضية إلى أولوية مطلقة عند بعض
الشخصيات والمؤسسات تختفي إلى جانبها سائر أولويات الفكر والفعل الإسلامي
الأصلية والراسخة في الدعوة، وتعميق الهداية والمعرفة الإسلامية وتوسيعهما،
والتمكين للدين في دنيا الثقافة وحياة المجتمعات.
وشهدنا المؤتمرات والندوات والاجتماعات تتوالى وتتكاثر بسرعة غريبة على
كل المستويات وفي شتى البلدان تحت راية تلك القضية التي رفعت إلى مصاف
أوجب الواجبات على الأمة، وتابعنا بدهشة تحولت إلى ريبة وشكوكٍ النشاطَ
الدائب في إنشاء إدارات ودوائر ومنتديات الحوار هذا بأشكاله هنا وهناك وتولية
أمورها لشخصيات منهم من أفنى العمر في خدمة شتى المذاهب العلمانية، ومنهم
من لم يشتهر بشيء سوى بالعمالة لجهاز استخبارات أو آخر من دول الغرب، أو
بالتبعية لمؤسسة أو أخرى من مؤسسات الكنائس والدول الغربية.
ومع تواصل طرح أو فرض القضية وتأسيسها في هيئات وتجمعات تغيرت
لغة الخطاب بالتدريج لنصحو على لهجة أقل ما يقال فيها إنها غريبة حيث ينغمس
مشايخ للإسلام في الحديث عن تعاليم «الأديان» ولا يقولون الإسلام، وحيث
تتغير المفاهيم الشرعية وحتى العقدية بحجة كبرى هي عدم جرح حساسية الآخر،
أو عدم إغضاب أو إثارة الأطراف المشاركة في الحوار من الملل والنحل المتنوعة
وأبرزها إن لم يكن أوحدها مسيحية الغرب ويهودية إسرائيل.
ومع تراكم مظاهر تلك القضية صحا الناس على وضع غريب؛ فالدعوة إلى
الحوار بين الأديان والعقائد والثقافات والحضارات يفترض فيها (حسب مفهوم
«الحوار» ذاته) أن تدور في جو من الديمقراطية والحرية والشفافية والوضوح لا
أن تفرض فرضاً وبقوة سلطات الدول على طرف دون آخر. ولقد وصل الأمر إلى
حد أن من يريد أن يراجع المسألة وينقدها أو يبين خلفياتها يوصف ابتداءاً بأنه من
رافضي التعقل ومن أسرى الجمود، ومن دعاة الانغلاق والحروب والتوترات.
وأصبحت الصورة أن «الحوار» هو عقيدة أيديولوجية جديدة تفرضها بعض
الدول على مؤسساتها الدينية بالذات كما كانت تفرض عليهم في الماضي أن يتحدثوا
عن اشتراكية الإسلام أو تحبيذ الإسلام للقومية العربية، أو مباركة الإسلام لنهج
الحرية الاقتصادية الرأسمالية.
وهناك فارق جوهري بين «الحوار» بوصفه عملية تجرى لها ظروف
وشروط وسياقات معينة (أياً كانت، وأياً كانت الخلافات حولها) ، وبين «الحوار»
بوصفه مذهباً ومفهوماً جامداً يطرح على الناس من باب الفرض والتلقين، ويطلب
منهم الإذعان لمقتضياته وأوامره كما تحددها لهم وبشكل صارم ونهائي سلطات
سياسية (بل حتى أمنية) قاهرة. إن الحديث عن «الحوار» في هذه الحالة
(وهي مع الأسف الحالة الغالبة والسارية في العديد من الدول العربية) يصبح
ضرباً من السخرية الفاضحة، ولا نقول العبث الفكري اللا معقول.
والأدهى أن هذه القضية تدور كما يعرف ويعترف الجميع في سياقٍ عامٍّ شامل
أصبح يعرف في السنوات الأخيرة بأسماء متعددة من النظام العالمي الجديد إلى
العولمة، وما بينهما من مصطلحات أخرى كالعالم الواحد، والثورة المعلوماتية،
والتعددية الشاملة وما أشبه ذلك. وهذا السياق الشامل كما يعرف الجميع لا يعني إلا
فرض النمط الحضاري الغربي (بكل أبعاده الدينية والثقافية والقيمية والفكرية
والاجتماعية) على سائر أرجاء العالم والحضارات والثقافات الأخرى بعد إلباسه
بالباطل ثوب العمومية والعالمية، والشمول والصلاحية المطلقة لكل العصور
والأزمان. بل إن حديث هذا النظام الجديد عن التعددية يعني فقط التعددية المحكومة
والمضبوطة داخل إطار من الحضارة الغربية تذوب فيه التعددات بعد فترة
وتصطبغ بصبغته.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف تتسق دعوة الحوار مع ما يعترف به
دعاتها في أنها تدور في ذلك السياق الخانق والحاكم؟ قد يقال إن الحوار ربما
يخفف من وطأة العولمة وضغوطها الجارفة ويوازنها ويعادلها ولا سيما في وجود
طرف آخر يواجه الطرف الغربي؛ لكن الممارسة الفعلية لمسألة الحوار تكذب هذا
القول؛ لأن هذه المسألة تحولت عند الطرف العربي الإسلامي (ولنقصر الحديث
هنا على الجانب الديني) إلى خليط عجيب يضم شتى النواحي إلا ما يمكن أن
يوصف بالحوار على الأقل حسب المفهوم الفلسفي أو حتى الدارج للكلمة. فالحوار
عند الغالبية من ممارسيه ودعاته أصبح يعني جلسات المجاملة والتودد للأطراف
الكنسية المشاركة معهم فيه، وبعض منهم يقول إن هدف الحوار هو تحسين صورة
الإسلام التي أصبحت سوداء في أوروبا (على حسب زعمهم) من جراء أفعال
المتطرفين المسلمين، وآخرون لا يرون في الحوار سوى أنه أداة ووسيلة لتجديد
الإسلام (مرة أخرى على حسب زعمهم) بالاحتكاك بالثقافات الغربية المتقدمة،
وبالفكر الديني الغربي (المسيحي أساساً) المستنير كما يرونه.
ومن الواضح أن كل هذه التصورات للحوار عند ممارسيه من الجانب
الإسلامي لا تفيد أكثر من التبعية والانهزامية أمام الجانب الحضاري الغربي (أي
نفس التوجه السائد في بعض الدوائر منذ ما يقارب القرن والنصف الآن) ، وهو ما
يعني أن الحوار وفق هذا التصور والممارسة والذي يدور في سياق العولمة الطاغي
يكرس تلك العولمة، ويوافقها، وييسر ويذلل تحقيق أغراضها، ولا يوازنها أو
يعادلها أو يخفف من وطأتها. وأن الحوار هنا يتحول إلى عملية تمكين وتغلغل
وتكريس لسيطرة الفكر؛ والحضارة الغربية تتستر وراء كلمة «الحوار»
بمضامينها البراقة، ووراء الإيجابية، وتتوسل بذلك إلى تسكين وتخدير الوعي
والحذر أو اليقظة الإسلامية التقليدية. والحوار هنا حسب مفهوم أصحابه أنفسهم
عن «تحسين الصورة» والتعلم من الغير والاندماج في «مسار الحضارة العالمية»
والانفتاح عليها والمشاركة فيها لا يعني أكثر من تطويع الإسلام لتصورات
ورؤى الحضارة الغربية التي يراها بعض من «الحواريين» غالبة وعالمية مما لا
يقدم بديلاً عن التوافق والتمشي معها، والتكيف والتغير مجاراة لها؛ حتى لو كان
هذا التغير والتعديل يمسُّ ثوابت الدين نفسه وتراثه وتاريخه بل هدفه وأولوياته.
قد يكون هذا هو المفهومَ الجديدَ للحوار؛ لكنه ليس ما تعارف الناس عليه
تحت مسمَّى: (الحوار) مما يعني أنَّا نواجَه بعملية خداعية من التمويه الفكري لا
تختلف في قليل أو كثير عما تعودنا عليه منذ عقود طويلة عندما درج سماسرة
التغريب والعلمنة على تسريب مذاهبهم وأفكارهم إلى داخل الجسد الإسلامي تحت
مسميات التحديث والعصرية، بل الاجتهاد الإسلامي نفسه، والتقدم والاستنارة
والعقلانية والإصلاح وما شابه ذلك، ولعل أهم ما يكشف حقيقة هذه الخدعة هو أن
الحوار عند الطرف الغربي وبالذات الكنسي الديني لا يلغي أولويات هذا الطرف في
طرح عقيدته والترويج لها (عملية التنصير مثلاً) وفي التمكين لمذاهبه وترسيخها
والعمل لها كما هي بلا تعديل ولا تكيف أو مجاراة مع الإسلام ولا غيره (باستثناء
عبارات للمجاملة تنتزع انتزاعاً وتقال بحساب دقيق) .
أما الطرف الإسلامي الممثل ببعض الرسميين في العادة فقد وصل الحد به في
بعض الدوائر إلى تحويل مسألة الحوار كما قلنا إلى الأولوية الطاغية على ما
عداها، والمهيمنة على الخطاب، والمعدلة للطرح الإسلامي نفسه على حساب
نشاطات الدعوة ذاتها، وهي أساس وجود تلك الدوائر ومسوِّغه. فالعملية قد
تحوَّلت عند هؤلاء إلى انجراف في تيار معين بل إلى جريان واسترسال مع الآخر
ينتفي معه كل حديث عن التوازن والمعادلة بل عن «ذات» تواجه آخر. ويصل
بنا هذا المفهوم أو تلك الممارسة «للحوار» إلى إلغاء مفهوم الحوار ذاته كما قلنا
وتحويله إلى الضد!
стр. 3967
مؤتمرات
مؤتمر الدين والدولة في العالم العربية
توافق أم صراع ! !
صلاح الدمنهوري
كثيرة هي الأسئلة العصرية التي تطرح باسم العلم دون تحقُّق مدى صلتها
بالعلم فكرة وأسلوباً. فحين يطرح تساؤل جوهري حول قضية مهمة فذلك شأن قد
يسترعي الانتباه.. أما حين يحمل التساؤل تخييراً بين جوابين فذلك أمر جدير
بالتأمل؛ إذ قصر السياق على أحد احتمالين لا ثالث لهما.. وإذا ما خدم السياق
طرفاً على حساب آخر فتلك إشكالية التحيز المثارة بكثافة في محافل العلم اليوم! أما
إذا اكتشف أن الانحياز ضد الدين فهذا أمر يثير الاشمئزاز إذا كان هذا الدين أي
دين إلا أن يكون الدين المتهم في كل المحافل وبكل الاتهامات تقريباً؛ لأنه مدان
على أي حال! وإن كان ثمة احتمال ثالث أو رابع فلن يخرج في حقيقته عن حتمية
الاحتمالين السابقين.. ذلك باختصار لب المنهجية العلمية المتبعة اليوم في بعض
من محافلنا العلمية فيما يخص الدراسات التي تمس من قريب أو بعيد الإسلام.
هذا بعض ما أثاره التساؤل المطروح عنواناً للمؤتمر الذي عقد في المجلس
الأعلى للثقافة بالقاهرة، وبدعوة من جمعية الدراسات التاريخية، وما طرحته
السطور وما جاء بين السطور أمر جدير بالتأمل؛ فالدين في حالة التوافق مع
السلطة إما أن يكون ديناً استبدادياً يقهر، وإما أن يكون موائماً ينافق، وفي حالة
الصراع فهو دموي ثوري. أما السلطة فإن كانت قديمة فغالباً ما يُلتمس لها الأعذار
ويُحسن بها الظن أو تخضع في أسوأ الأحوال لنظرية الاحتمالات التي تخفف من
وزن الجريرة التاريخية! وإن كانت معاصرة فالأغلب أن يغض الطرف ويخفت
الصوت ويساق الحكم إن جاء في صورة دعابة.. ذلك بعض ما تتسربل به ذهنية
البحث العلمي في بعض محافلنا.
وكما قال الشاعر:
والناس من يغلب قائلون له ... ما يشتهي ولأم المخطئ الخبل
ذلك بعض ما أثاره مؤتمر (الدين والدولة في العالم العربي توافق أم صراع؟)
الذي عقد في القاهرة من (٢٨ - ٣٠) أبريل ٢٠٠١م، وقد قدم المؤتمر عدة
أفكار لم تكن المرة الأولى التي تقدم فيها لكنها الأقوى في التصريح وكثافة الطرح.
وقد رأينا معاني (تحديثية) لأخلاقيات البحث؛ فباسم الموضوعية مثلاً تُحَمَّل
الدولة العثمانية الأخطاء التي وقعت في تاريخها كله ما ارتكبته وما لم ترتكبه،
وباسم التجرد والفرار من القداسة الزائفة تُسقَط المهابة عن «مشايخ» الإسلام
وعلمائه وعن أعيان الأمة بل التاريخ ويُنال من أعراضهم، ومن حرمات الإسلام
متمثلة في أشخاصهم من باحث مبتدئ معروف بمناصرة الفكر النسوي في
المجتمعات الذكورية على حد تعبيره هو أو كاتب مسرحي يُفصّل النص التاريخي
وفق أهواء الاتجاهات المعاصرة التي يخدمها، وباسم احترام التخصص تسند
معالجة اتجاهات الصحوة الإسلامية الفكرية والتاريخية في القرن العشرين إلى اثنين
من المستشرقين الأمريكيين، وباسم التواصل الحضاري يشارك ستة من
المستشرقين من الشرق والغرب تخدم أوراقهم الخلفية الفكرية التي يراد لها أن
تستقر مستقبلاً عن طبيعة العلاقة بين أخطر مكونين في حياة الشعوب عموماً
وشعوب المنطقة العربية على وجه الخصوص «الدين والسياسة» ، وباسم
الديمقراطية وحرية التعبير يقذف بالإسلاميين المتأسلمين تطرفاً إلى الجحيم،
ويمارس ما يمكن أن يسمى اصطلاحاً «التكفير السياسي» ، وباسم احترام النظام
تصادر الردود.
وقد ألقت ثنائيات الفكر الغربي بظلالها على التساؤل المطروح عنواناً للمؤتمر
«الدين الدولة» ، «الصراع التوافق» ، مع أن فكرة الصراع بصوره المختلفة،
وبالذات بين المقدس والزمني مأخوذة من الفكر الأوروبي الذي اقتبسها بدوره من
الفكر اليوناني القديم.
والمتأمل يلحظ أن الجدلية المثار حولها الكلام في حقيقتها تدور بين الدين
الإسلام وبين العلمانية التي تتقمص قميص السلطة، ولكنها رأت أن تتسمى تلوناً
كعادتها بالدولة لتكتسب سطوتها ورهبتها وسلطانها! حتى تضفي على نفسها صفة
الشرعية.
ومن الظاهر أن الأوراق التي طرحت تجاهلت تماماً فترات الصحة التي لا
نقول لعب فيها الدين دوراً مهمّاً، بل نقول التي خدمت فيه الدولة أو السلطة الدين
فقويت وازدهرت، وعزَّت به وعزَّ بها.. والدارس لتاريخ مراحل التجديد
والنهوض يدرك أثر العامل الديني في هذا النهوض.
ومع أن الجدلية المطروحة على مائدة البحث الممتدة من موسكو شرقاً إلى
كاليفورنيا غرباً تتعلق بالعلاقة بين الدين والدولة مما سمح للتفسير المادي للتاريخ،
والتفسير السلطوي، والتفسير الوطني، والقومي، والليبرالي، والاستشراقي،
والإصلاحي أن يشارك في وضع رتوش الصورة التاريخية للعلاقة إلا أنه لم يُدع
َمن يعبّر عن الإسلام الشعبي أو حتى الرسمي على حد تعبير بعض المشتركين مع
استبعاد مشاركة ممثلة لاتجاهات الصحوة حتى من المخيلة؛ مع أن الأمر يخص
هذه الاتجاهات ويمسها من بعيد ومن قريب، ولا ندري أكان ذلك لحاجة في نفس
يعقوب الذي يظلم كثيراً باستدعاء اسمه في التمثيل في مثل هذه الظروف؟ في
الوقت الذي عجز المؤتمر عن تعريف المفاهيم وتوصيف الظواهر والعلاقات
وتفسيرها تفسيراً صحيحاً.
ولهذا فمن غير المعقول أن يتناول مؤتمر يشترط فيه القائمون عليه العلمية،
وهو يعالج العلاقة بين مكونين أو ظاهرتين أو علمين دون أن تطرح قضايا
التناسب أو التمايز على المختصين من كلا الجانبين وهذا ما نلاحظه هنا؛ إذ لم
تأخذ القضايا الشرعية حقها من التوضيح فضلاً عن الدراسة، خاصة في ظل ما
سمعناه من تساؤلات أشبه ما تكون بالاتهامات حول: عن أي دين نتحدث؟ عن
دين المشايخ؟ أم عن دين الدولة؟ أم الدين الشعبي؟ عن دين الأزهر، أم دين
الصوفية، أم دين الجماعات الإسلامية؟ وكأن هناك أكثر من دين. ولم تخلُ
صورة من صور التدين هذه من اتهامات صريحة أو مقنعة. ومن الملاحظ أن هذه
التعبيرات هي نفس التعبيرات التي استخدمها المستشرقون في مشاركاتهم.
ولسنا ندري ما الذي يصنع التوجهات ويرسخ ما يظن أنه قناعات: أهو
التمويل أم هو التوجه الفكري المسبق أم ضغط الواقع، أم التتلمذ الحميم على
المدارس المادية؟ ربما كان السبب خليطاً من الأسباب السرية والسحرية، دون أن
نجزم بأيها الأعمق أثراً والأعظم خطراً في واقع مقلوب متماوج متعدد الاتجاهات.
التحامل على الخلافة العثمانية:
كان من الواضح تركيز عدد كبير من المؤتمرين على التناقضات التي وجدت
في الدولة العثمانية؛ فقد جاء الهجوم على الدولة العثمانية شديد الضراوة؛ بينما لم
ينل الاستعمار بمختلف جنسياته ما نالها من تعدٍّ!
وقد جاء الخلط في التعامل مع التاريخ العثماني وحقائقه جلياً؛ فمرة على
سبيل المثال يساق تساهل الدولة العثمانية مع أهل الذمة (الأقليات الدينية) وإصدار
الخط الهمايوني على أنه ضعف في العقلية الإسلامية، ومرة أخرى تتهم الدولة
العثمانية باضطهاد الأقليات الدينية، ومرة يقال إن العثمانيين استغلوا الدين في
احتلال العالم العربي، ومرة يقال إن الدولة لم تعلن عن أن دينها الرسمي هو
الإسلام إلا في منتصف القرن التاسع عشر لمواجهة الحملة الثالثة من التدخلات
الأجنبية في شؤون الدولة! ولو أجرينا مقارنة صغيرة بين الطريقة التي حُللت بها
شخصية نابليون ودوافعه في غزو مصر، وبين ما قيل عن الاجتياح العثماني على
حد تعبير المؤتمرين للبلاد العربية لأدركنا حجم الكارثة باستبعاد المدخل الإسلامي
في التحليل لحساب المدخلين الوطني والقومي المتلبسين بالحداثة والشعوبية
المخترقين من الاستشراق.
ولم يقف الأمر عند حد الدولة العثمانية؛ بل رأينا التأكيد والاستماتة في إثبات
إخفاق التجربة الإسلامية بعد عهد النبوة والخلافة الراشدة، بل لم يسلم حكم عثمان
وعلي ﵄ من طعن وغمز.
وقد رأينا سطحية وربما جهلاً شنيعاً في التعامل مع القضايا الشرعية مثل ما
حدث من أحد الباحثين واعتراضه على تغير فتوى بعينها لتغير الظروف بمرور
نصف قرن، فرأى في ذلك إدانة للعلماء ونوعاً من التملق للسلطة ولعباً من السلطة
بالمشايخ!
وهذا يكشف إلى أي حد سيطر المنظور السلطوي المادي في مؤتمر من
المفترض أن يعالج العلاقة بين الدين والدولة! وقد قال هذا المتحدث تعليقاً: أنا لا
أفهم لماذا يُدعى شيخ الأزهر للبرلمان ليؤخذ رأيه في مسألة تمس الاقتصاد! بينما
قال آخر نقلاً عن زكي نجيب محمود: أنا أفهم معنى أن يعلن الإنسان عن دينه؛
لكن الذي لا أفهمه أن تعلن الدولة عن دينها وتنص عليه في الدستور! مع أن هذا
غير مستغرب على دولة مثل إيطاليا أو أسبانيا!
وما قاله هذا قد لمسنا مثله تصريحاً أو تلميحاً سواء في حق مشايخ الأزهر أو
مشايخ الصوفية أو هيئة كبار العلماء أو غيرهم؛ ومن ذلك ما قيل عن البكري
والميرغني وصلتهما بالاستعمار، وما قيل عن أحمد الرجبي وصلته بمحمد علي،
وفتاواه المخالفة لفتاوى علماء الأزهر في إسباغ الشرعية على إجراءات محمد علي
أو التطورات الفكرية والحركية التي مر بها الشيخ حسن البنا أو عز الدين القسام أو
أمين الحسيني أو رشيد رضا ومحمد عبده والأفغاني؛ فالمستمع للكلام حول
هؤلاء يجد أن المتهم دائماً معروف.
لقطات عابرة:
ومع أن الفكر السياسي الحديث قد تجاوز مفهوم الدولة الوطنية والقومية،
ومع أن هذا الفكر ليس بعيداً عن رعاة المؤتمر كمثقفين طرحاً أو تبنياً؛ نجد أن
العلاقة جاءت بين الدين والدولة؛ ومعنى أن تجيء الفكرة متأخرة ربع قرن على
الأقل على حد تعبير أحد المشاركين له دلالته ليس من جهة الدين كثابت أقر الجميع
على رسوخه، أو من جهة الدولة كمفهوم هلامي آخذ في التطور والتغير طبقاً
لمتغيرات الفكر والسياسة في العالم، وإنما من جهة المثقف كأزمة كامنة أو ظاهرة
يفرض نفسه باسم السلطة!
وقد وقع المدخل الوطني في مأزق له دلالته حول تساؤل طرحه أحد
المؤرخين النصارى حول إشكالية العلاقة بين حزب الله والاحتلال الإسرائيلي
لجنوب لبنان، والفرق بين هذه العلاقة وبين العلاقة بين الموارنة والتواجد السوري
في لبنان؛ هل يمكن أن نسمي كلا النموذجين صراعاً بين الدين والدولة أم صراعاً
مع الاستعمار؟
وما الفرق بين استعمار إسرائيلي وآخر سوري؟ !
مع أن التساؤل غاية في الوهن إلا أن أكثر الأوراق لم تقدم لنا إجابة واضحة
حول التساؤل المطروح.
بين التأسلم وفكر الخوارج:
جاءت مشاركة جيف كيني - أمريكي - حول (خطاب الإسلام السياسي في
مصر المعاصرة) ليجعل من الخلاف بين علي ومعاوية ﵄ خلافاً
سياسياً بالدرجة الأولى ساهم في ظهور فكر الخوارج الذي يدَّعي كذباً أنه تطور
فكراً وحركة، وامتد حديثاً ليشكل الإطار العقدي للخطاب السياسي للجماعات
الإسلامية في العالم العربي بدءاً من حسن البنا إلى عمر عبد الرحمن! هكذا قال!
وهو بهذا يحاول أن يزيح شرعية طرف لحساب آخر من خلال تسييس الخلاف
لتذوب الفوارق المنهجية بين الفريقين! وكم كانت المفاجأة عندما أشار أحد
الحاضرين إلى خطورة ما جاء في هذه المشاركة، وطلب ترجمة مختصرة تعرِّف
الحاضرين بمضامينها، فلم يتمكن من ذلك أي من الحاضرين حتى الأستاذ الدكتور
التونسي الجنسية الذي أدار الجلسة والذي هز رأسه كثيراً إعجاباً بالكلمة أثناء إلقائها!
أما مشاركة د. سامي صلاح أستاذ السينما فكانت عن (التأسلم تطرفاً
اتجاهات الصحوة والتأسلم مهادنة) يعني بذلك طه حسين حين كتب (على هامش
السيرة) ، وهيكل حين كتب (حياة محمد) ، والحكيم حين كتب مسرحية (محمد)
بعد طعنهم في الإسلام مهادنة للإسلاميين وقد جاءت مشاركته تلك هجوماً على
الفريقين تطرفاً أو مهادنة، ولفظ المهادنة له ظلاله ودلالته الخطيرة؛ وكأن الرجل
من خلال هجومه غير راضٍ حتى عن ذر الرماد في عيون الشعب الغاضب من
نيل هؤلاء لمعتقداته ومقدساته، وكأنه رأى في ذلك نوعاً من إعطاء الدنية في
التغريب!
وكانت هناك مشاركة ثالثة من رئيس تحرير صحيفة (آرتف) المتحدثة باسم
الأرمن في مصر عن طائفة (الأرمن) في مصر، جمع فيها المتحدث كل ما يمكن
أن يقال في مزايا طائفة كان لها أثرها في عالم السياسة دون أن يشير من بعيد أو
قريب لدور الأرمن في إسقاط الدولة العثمانية، والتمكين للأجنبي في مصر حين
تكلم عن دورهم المؤثر في عالم الدبلوماسية والاقتصاد في البلاط العثماني وفي حكم
محمد علي!
وجاءت المشاركات عن الحركات الإسلامية: الإخوان المسلمين.. حركة عز
الدين القسام.. الحركة المهدية في السودان.. ثورة عرابي ... إلخ باهتة دون أن
تُسلِّط الضوء على العامل الأجنبي في تشويه هذه الحركات، وليست المشكلة في
ذكر بعض الملاحظات سواء التي هي من قبيل الرأي أو من قبيل الملاحظات
المتفق عليها على بعض هذه الاتجاهات، لكن المشكلة في ضيق نظرة أحادي
الجانب أو المخالف الذي يلتقط الزلات التي لا يسلم منها أحد وربما يضخمها
ويتوقف عندها كثيراً، بينما يغفل الدواعي والدوافع والعوامل الخارجية التي يغتفر
من أجلها اليوم ما تقدم من ذنب النخب الحاكمة وما تأخر، سواء على مستوى
التلاعب بالوقائع والتآمر ضد المصالح بنفس القدر الذي تم فيه التلاعب في تسجيل
تلك الوقائع وتحليلها والحكم عليها.
وقد احتوت غالب المشاركات على قدر من الاختزال والانتقاء سواء من جهة
اختيار عينة البحث أو من جهة اختيار الأحداث والوقائع داخل العينة.. فالدراسات
إن لم ندَّعِ أنها اختيرت لتخدم اتجاهاً معيناً، لكنها على الأقل جاءت لتخدم الاتجاه
ذاته، ولهذا لم نر نموذجاً ناجحاً للتوافق بين الدين والدولة؛ مع أن تاريخنا القديم
والحديث مليء بتلك النماذج، بل حتى النماذج التي احتواها المؤتمر والتي يمكن
أن تمثل جانب التوافق جاء سياقها مبتوراً غير منسجم؛ إذ ركز على أحداث
هامشية أو شخصية مع تفسيرات ذاتية للباحث لا تسلم من التناقض أحياناً.
تساؤلات:
وعلى الرغم من ذلك فإن في مجمل المؤتمر فوائد؛ إذ قدم عينة عشوائية
لطرائق البحث التاريخية الموجودة داخل العقل العربي يمكن من خلالها لأي باحث
جاد أن يرصدها ليناقشها جملة وتفصيلاً، كما جاءت كثير من التعقيبات غنية
بالملاحظات المنهجية والجوهرية التي كانت أنفع في بابها من كثير من المشاركات
الأساسية وكان منها أنه من المفترض في المؤتمر أن يبدأ من تساؤل محايد حول
طبيعة العلاقة بين الدين والدولة؛ غير أن كثيراً من الأبحاث تبنت فكرة الصراع
منذ وقت مبكر، وهي فكرة دخيلة على تراثنا الإسلامي.
كما أن المؤتمر لم ينطلق من تصور واضح للمفاهيم محاور التساؤل: الدين
هل هو الإسلام، أم النصرانية، أم اليهودية؟ ومن ثم كثر التساؤل من المعلقين:
عن أي دين نتحدث؟ وكذلك مفهوم الدولة والصراع والتوافق.
ذكر أحد الباحثين أن الدولة في العصر الحديث كثيراً ما استغلت الدين
ووظفته لخدمة مصالحها وتحقيق مآربها، لكن متى ما تعارض الدين مع مصالحها
ضحَّت بالدين؛ لأن السلطة في اعتقادها لا تقبل القسمة على اثنين.
لكن السؤال الآن: هل العداء الآن من قِبَل بعض الأنظمة؟ هل لحقيقة أن
الدين في خصومة معها أم لأمر آخر؟
كان ينبغي الإشارة إلى أن الصراع الحالي في الحقيقة ليس مع الدولة بوصفها
دولة بقدر ما هو صراع مع العلمانية من اعتبار أنها عقيدة تحاول أن تتبناها الدولة،
أو تحاول هي أن تسخر الدولة عن طواعية أو عن كره لخدمة مآربها.
ومن هنا يمكن الجزم أن الدولة الإسلامية لم تعرف فكرة الصراع التي عرفتها
أوروبا في عصور الظلام، والتي تمخض عنها فكرة الإقصاء الكلي للدين التي لم
تطبق في أوروبا إلا شذراً ويراد لها أن تشكل الخلفية التطبيقية في بلادنا.
стр. 3968
متابعات
وجهة نظر: حول ظاهرة أسلمة علم الاجتماع
صلاح الخليفة أحمد الحسن [*]
استطاع علم الاجتماع الغربي بمناهجه وفروضه ونظرياته ومفهوماته
وتصوراته وتفسيراته المناهضة في كثير من جوانبها للعقيدة الإسلامية أن يُنشئ له
امتدادات سرطانية في معظم جامعات العالم الإسلامي، وقد وصل إلى تحقيق كثير
من مقاصده في غيبة الوعي الإسلامي عند القائمين بأمر الجامعات، فتكونت جبهة
عريضة من أعضاء هيئات التدريس من المسلمين تشبعت بمضامينه، وسعت بقوة
إلى الدفاع عنها ونشرها بين الطلاب كمسلَّمات علمية لا يجوز عليها النقض.
وحين جاءت الصحوة الإسلامية إلى الجامعات من خارج أسوارها، وانتقدت
بقوة مقولات علم الاجتماع، ودعت إلى دراسة المجتمع وفق منهجية أصولية قرآنية،
وجدت هذه الدعوة إهمالاً وسخرية وتسفيهاً باعتبار أن (قواعد المنهج في علم
الاجتماع) تدرس الإسلام كغيره من الأديان بوصفه ظاهرة اجتماعية، كما أن
(علم الاجتماع الديني) له منهجية محددة في بيان نشأة الأديان وتطورها ووظائفها
في النسيج الاجتماعي.
وقد رفض بعض الباحثين في العالم الإسلامي مقولات علم الاجتماع الغربي
جملة وتفصيلاً باعتباره مناقضاً للعقيدة الإسلامية. وقد قام أحمد إبراهيم خضر [١]
وهو من أساتذة علم الاجتماع ليبرهن صحة هذا الرأي، وانتهى في كتاباته المتعددة
الموثقة من الناحية العلمية (التي رجع فيها إلى المصادر الأصلية لأساطين علم
الاجتماع الغربيين) إلى أنه لا حاجة بالمسلمين أصلاً إلى علم الاجتماع، وأنه ليس
هناك مسوِّغ موضوعي لبذل أي جهد لاستنقاذ أي علم نافع منه؛ لأنه ببساطة لا
يحوي علماً نافعاً [٢] .
وفي العدد (١٥١) من مجلة البيان كتب أحمد إبراهيم خضر مقالاً بعنوان
وجهة نظر: (حول ظاهرة أسلمة العلوم) توصل فيه إلى أن هناك اتجاهات ثلاثة
تؤصل لمشروع أسلمة العلوم:
أ - الاستعانة بالقواعد الفقهية والمنهجية والأصولية وتطبيقاتها في العلوم
الاجتماعية، وعرض نتائج العلوم الاجتماعية على علماء الدين وإقامة جسر بينهما.
ب - يغلب على الاتجاه الثاني صفة السطحية والوصولية.
ج - الاتجاه الثالث تطرق إلى الحد الذي دعا فيه إلى نقد التراث ومراجعة
الدراسات التي بنيت على القرآن والسنة وتجديدها مع استبعاد مفاهيم الحق والباطل
والإيمان والكفر.
ويقرر أحمد إبراهيم خضر في مقاله المذكور بأن هذه الاتجاهات جميعها تعتقد
أن مستجدات العصر قد أحدثت خللاً في الأبنية الاجتماعية، ومشكلات لم تكن
قائمة في الصدر الأول؛ مما يستوجب مواجهتها بالعلوم الاجتماعية العصرية، مع
مراعاة اتساق ما يؤخذ منها مع الكتاب والسنة.
كما يقرر أحمد إبراهيم خضر أن هذا المشروع برمَّته لا يخرج عن كونه
هوى متبعاً، وتبدُّعاً، وتنطعاً، وخروجاً على الصراط المستقيم؛ وذلك لأن
الطرائق في الدين تنقسم إلى ما له أصل في الشريعة وما ليس له أصل فيها. ومن
الأهداف الحقيقية لهذا المشروع إضفاء الشرعية على علوم أوروبية الصنع ليست
حيادية كالعلوم الطبيعية، وإنما ذات موقف خاص من الدين. وينطلق أصحاب هذا
المشروع في سعيهم إلى أسلمة العلوم من المفاهيم والمصطلحات الغربية بالبحث عن
أصول لها في القرآن والسنة ولو تعسفاً، وهم يعملون على تحويل المقولة القديمة
لزكي مبارك إلى واقع ملموس، وهي التي يقول فيها: «قد نزعنا راية الإسلام
من أيدي الجهلة ويقصد بهم علماء الدين وصار إلى أقلامنا المرجع الأول في شرح
أصول الدين» .
وإذا تتبعنا بعض الدراسات التي عملت على أسلمة علم الاجتماع نجد أن فيها
دراسات ذات (نظرة جزئية) لم تستطع الفكاك من أسر علم الاجتماع الغربي، وقد
مثلت عائقاً منهجياً في مضمار أسلمة علم الاجتماع، ويصدق عليها في كثير من
جوانبها ما رآه أحمد إبراهيم خضر حول (أسلمة العلوم) ، كما أن هناك دراسات
ذات (نظرة كلية) قدمت جهوداً جادة ومتعمقة في مضمار أسلمة علم الاجتماع.
ف (أحمد الخشاب) يرى أن علم الاجتماع الإسلامي هو علم تقريري،
وصفي، بنائي، تركيبي، تكاملي، وهو يعتبر فرعاً من فروع علم الاجتماع شأنه
في هذا شأن علم الاجتماع العائلي، وعلم الاجتماع الصناعي، وعلم الاجتماع
التربوي، وعلم الاجتماع الأخلاقي ... إلخ [٣] .
وفي كتابه (علم الاجتماع الإسلامي) يقرر (زيدان عبد الباقي) بأن علم
الاجتماع الإسلامي يمثل فرعاً متخصصاً من فروع علم الاجتماع العام. وكذلك
ترى (سامية مصطفى الخشاب) في كتابها (علم الاجتماع الإسلامي) أن علم
الاجتماع الإسلامي يدور في فلك علم الاجتماع العام. وحين حللت الباحثة الدين
اعتمدت في تحليلها على المنظور الغربي الذي يرى أن الدين ظاهرة اجتماعية
مجردة عن أصلها الإلهي [٤] . وترى (سامية الخشاب) أن قيام علم الاجتماع
الإسلامي سوف يكشف لنا أن المصادر الإسلامية بما انطوت عليه من مادة علمية
كانت مراجع للنظريات الاجتماعية المعاصرة! !
وفي كتابه: (نحو علم اجتماع إسلامي) يقرر (زكي محمد إسماعيل) تبعية
علم الاجتماع الإسلامي لعلم الاجتماع الغربي من حيث إنه فرع من فروع علم
الاجتماع العام.
وتقيداً (بقواعد المنهج في علم الاجتماع) يردد (زكي محمد إسماعيل)
دعوى الموضوعية ومفهوم العلمية، ويحذِّر من المعيارية وفق مواضعات المدرسة
الفرنسية في علم الاجتماع.
كذلك يتوصل (علي عبد الرازق جلبي) في مؤلفه: (قضايا علم الاجتماع
المعاصر) إلى تسمية علم الاجتماع الإسلامي بـ (علم المجتمعات الإسلامية)
محدداً له نطاقاً جغرافياً معيناً يتمثل في حدود العالم الإسلامي، وهو يرى عدم
وجود أي فروق منهجية بين منهج علم المجتمعات الإسلامية وعلم الاجتماع الغربي.
ويرفض (علي عبد الرازق جلبي) تسمية (علم الاجتماع الإسلامي) بهذا الاسم؛
لأنه انقضى الوقت الذي كان يضفي فيه الباحثون صفات على العلم، مثل قولهم
علم الاجتماع الأمريكي أو الاشتراكي بعد أن أدركوا أن اتباع هذه الطريقة في
تسمية العلم قد تنطوي على تحيز وتمسُّك بقيم وتوجهات لا تستقيم مع موضوعية
المنهج العلمي [٥] أما (عبد الباسط محمد حسن) فقد توصل إلى أن علم الاجتماع
الإسلامي يمثل أحد الفروع المنبثقة من علم الاجتماع الديني [٦] .
أما (عبد الرؤوف الجرداوي) فيقرر في كتابه (دراسة في علم الاجتماع
الإسلامي: الإسلام وعلم الاجتماع العائلي) أن قيام علم الاجتماع الإسلامي ضرورة
باعتباره فرعاً مستقلاً من فروع علم الاجتماع اعتزازاً من المفكرين العرب،
وتقديراً للفكر والتراث الإسلامي الذي ساهم في حضارة العالم وفي العلوم والمعارف
الإنسانية [٧] ؛ وقد تبنى الباحث رؤية علم الاجتماع الغربي في المسائل التي طرحها
عن الأسرة وسمات الظاهرة الدينية كما يسميها. كما اتسم طرحه للمسائل
الاجتماعية التي تناولها من منظور إسلامي بالسطحية دون أن يعقد مقارنات ويجري
تحليلات وصولاً إلى تفسير اجتماعي عميق وفق منظور الإسلام.
وقد ألف (سيد عبد الحميد مرسي) كتاباً بعنوان: (الفرد والمجتمع في الإسلام)
ربط فيه بين بعض آراء العلماء المسلمين الأوائل وبين آراء بعض علماء الاجتماع
الغربي المعاصرين في صورة إسقاطية تلفيقية واضحة.
ونجد أن (محمد أبو القاسم حاج محمد) [٨] قد تطرق إلى الحد الذي دعا فيه
إلى محاكمة النصوص الشرعية إلى المنظومة الفكرية الغربية باعتبارها تمثل إطاراً
مرجعياً لكل المفاهيم والتصورات والمبادئ في كل زمان ومكان؛ إذ إن علماء
السلوك الاجتماعي من الغربيين قد وضعوا معايير علمية عامة يقاس بموجبها تأثير
المجال على حالة الإنسان بكل أبعادها العقلية والسلوكية، ولا مجال لأن يرتاب أحد
اليوم في بعض النتائج التطبيقية لهذا الفرع العلمي الهام. وإذا تتبعنا مراحل التطور
في التفكير الإنساني على ضوء فرضيات (جون ديوي) و (آرثر بتلر) فإننا
نستطيع أن نميز خصائص السلوك الفكري الغربي في تلك الآونة بانتمائه إلى
مرحلة الحركة الذاتية (self action) ، وهي مرحلة تتميز خصائصها بمحاولة
الإنسان تفسير كل ظاهرة من ظواهر الكون بمعزل عن غيرها من الظواهر. فلم
يكن الإنسان في تلك المرحلة قد أدرك ما بين ظواهر الكون جميعاً من علاقات.
وقد أطلق رجال علم الأجناس على تلك المرحلة: الإحيائية (animistic
stage) ، وبغضِّ النظر عن حقيقة التطورية أو بطلانها؛ فإن المهم أن التطورية
بمدارسها المختلفة غير الداروينية الآن هي جزء في الدماغ المعاصر وتتضمن
إسقاطاته النظرية على كل المواضيع بما فيها آيات الكتاب [٩] .
ويرى (طه جابر العلواني) [١٠] أن هذه الأمة تميزت بأنها أمة الجمع بين
القراءتين؛ فأي انحراف عن منهجية الجمع بين القراءتين سواء بإهمال القراءتين
والانصراف إلى منهجية أخرى، أو بالاقتصار على إحداهما سيؤدي إلى هلاك
محقق وكارثة مؤكدة. ومن أبرز من أعادوا بناء هذه (المنهجية) من المعاصرين
وبلورتها في إطار السقف المعرفي الراهن (محمد أبو القاسم حاج حمد) حيث
شرحها وأوضحها وبنى عليها كثيراً من الأفكار الهامة في كتابه: (الإسلامية
العالمية الثانية) . وعلى هذه القاعدة المتينة تقوم عملية (إسلامية المعرفة) وبناء
نظرية التطور الحضاري الإسلامي في مستواها الراهن [١١] .
إذن فإن (طه جابر العلواني) يثمن جهود (محمد أبو القاسم حاج حمد)
ويراه من الممثلين الحقيقيين لأسلمة العلوم والرواد المعاصرين في هذا الصدد؛
على الرغم من دعوته الصريحة إلى محاكمة النصوص الشرعية إلى المنظومة
الفكرية الغربية والنتائج التلفيقية التي يتوصل إليها من جراء منهجيته (غير
القرآنية) هذه.
ويقرر (طه جابر العلواني) في كتابه (إصلاح الفكر الإسلامي بين القدرات
والعقبات) أن الفرق جد كبير بين التلفيق الذي هو محاولة تفسير الإسلام من خلال
المقولات الفكرية الغربية، وانتقاء ما ينسجم من تراثه مع طروحاتها المقررة
مسبقاً، والتوفيق الذي يخضع لمقياس حضاري واضح يمكن من الأخذ والترك في
ضوء منظومة فكرية واضحة الضوابط والمقاييس. وهذه العملية تبدو خطورتها في
ممارسة عملية التغريب وفق لغة تدَّعي قراءتها للتراث وتدعي فهمه والوعي على
سياقه التاريخي، وتطبيق مناهج غربية حديثة على الإسلام ومصادره. والحقيقة
أنه لا بد من بيان الفساد المنهجي لهذه الدراسات التلفيقية رغم ما يبدو عليها في
الظاهر من رصانة ومنهجية؛ لأنها في الحقيقة لا تملك من المنهج إلا صورته
وشكليته وخداعه، لا أصوله وجوهره، كما أنها تتخطى مجموعة من التناقضات
الأساسية بين الإطار المرجعي الإسلامي من ناحية، والإطار المرجعي الغربي من
ناحية أخرى؛ ولذلك فهي لا تصلح ابتداء للدراسة، كما أنها تهمل في الوقت نفسه
أصولاً منهجية استقرت للإنتاج الفكري والمعرفي في التراث الفكري الإسلامي،
مثل علم أصول الفقه، وأصول وآداب البحث والمناظرة ... إلخ [١٢] .
إذا كان رأي (طه جابر العلواني) كذلك فكيف قام بالتقديم لكتاب (الإسلامية
العالمية الثانية) مع تقريظه الشديد له وهو مضاد لرؤيته التي طرحناها آنفاً في
أسلمة العلوم؟
وقد أصاب (طه جابر العلواني) كبد الحقيقة حين قال: «فأخطاؤنا نحن
الذين نذرنا أنفسنا لحمل القضية والقيام على شأنها، هي من أشد المعوقات إضراراً
بها. ومن أبرز الأخطاء الذاتية التي يمكن أن نقع فيها وأهمها: عدم الوصول إلى
رؤية مشتركة وقاعدة فكرية واحدة في المنطلقات والأهداف، وهو ما يؤدي إلى
اختلاف الأطروحات في مبادئ القضية ومقاصدها من جانب القائمين عليها، وهو
أمر يجب الوعي به وبحقيقته وحدوده؛ ذلك لأن الأطروحات المتناقضة والمختلفة
في هذه المجالات، قد تعني عدم وضوح الفكرة بالشكل الكافي لدى أصحابها ...
وإذا كان تنوع الخطط، والوسائل الاجتهادية قد ينشأ عن تنوع القائمين على القضية
وخلفياتهم الثقافية وتنوع أجهزتها إلى حد ما؛ فإن الاختلاف في المبادئ والمقاصد
يؤدي إلى اهتزاز القضية قبل رسوخها والعجز عن توصيلها، وإثارة الاهتمام
وروح التعاون لدى الآخرين [١٣] .
وإذا تناولنا (النظرة الكلية) في علم الاجتماع الإسلامي فنجدها تعي في
طرحها أن علم الاجتماع الغربي بشقيه الرأسمالي والماركسي ينطلق من مذهبين
رئيسيين بينهما كثير من (الأشباه والنظائر) في الخصائص والمعايير والمنطلقات.
كما أن للإسلام مذهبيته الربانية ذات الخصائص والمعايير والمنطلقات التي
تختلف تماماً عن الرأسمالية والماركسية.
وتستمد المذهبية الإسلامية رؤيتها الشاملة للكون والمجتمع والإنسان من
الكتاب والسنة المطهرة، ومن بقية مصادر الشريعة الإسلامية رؤيةً وتحليلاً
وتفسيراً. فقد حدد الإسلام لمعتنقيه القيم والمعايير التي تنظم حركة المجتمع في
مجال الأسرة، والتنشئة الاجتماعية، والتربية، والعلاقات الاجتماعية، والاقتصاد،
والسياسة، والقانون، والضبط الاجتماعي، وغير ذلك من نظم المجتمع. وقد
اتخذ من الوسائل والضوابط ما يجعل هذه القيم والمعايير تطبق في الواقع
الاجتماعي. ألا يدل ذلك على أن للإسلام مذهبيته الخاصة في الاجتماع الإنساني؟
أليس لجميع ما ذكرناه من قيم ومعايير أصولاً في الشريعة الإسلامية؟
والمذهبية الإسلامية في علم الاجتماع لها مفاهيم ومصطلحات لا تجدها في أدبيات
علم الاجتماع الغربي إطلاقاً منها: الكفر الإيمان النفاق البدعة الاستخلاف التسخير
الشرك الشورى الوسطية السنن الربانية حتمية الميعاد حدود الله التوبة التقوى
الحلال الحرام فرض عين فرض كفاية فسوق فطرة عمل صالح المؤلفة قلوبهم
الآخرة استغفار أمة الدعوة أمة الإجابة أهل الذمة أهل الحل والعقد أهل السنة
والجماعة الطاغوت الهجرة الجهاد العفة ... إلخ.
والمذهبية الإسلامية في علم الاجتماع لها جوانب تطبيقية؛ إذ تعمل على
دراسة المشاكل الاجتماعية، والانحرافات والبدع العقدية، ومعوقات الدعوة
الإسلامية، والأمراض الاجتماعية وفق المنظور الإسلامي على نطاق الأمة
الإسلامية وعلى النطاق العالمي حتى تشارك بفعالية في عملية البلاغ المبين للدعوة
الإسلامية.
والمذهبية الإسلامية بعبارات أستاذنا (أحمد إبراهيم خضر) تعمل على
مواجهة تغيرات العصر بحلول مستنبطة من الخطوط العريضة للشريعة، أو بإقامة
مصالح الدنيا بالرجوع إلى التعاليم المتضمنة في القواعد الكلية للشريعة، وإنزال
الوقائع المتجددة التي تعرض الأفراد والجماعات عليها وفحص ما يترتب عليها من
المصالح والمفاسد [١٤] .
فهذا الذي ذكرناه أخيراً عن المذهبية الإسلامية في علم الاجتماع يمثل مفهوماً
كلياً لم يتطرق إليه مقال (أحمد إبراهيم خضر) . ونحسب أن هذا المفهوم الكلي
يتمثل في كتابات بعض المتخصصين في علم الاجتماع أمثال: محمد المبارك
(نحو صياغة إسلامية لعلم الاجتماع) ، وبشارات علي (الفلسفة الاجتماعية
الإسلامية) ، وعلي شريعتي (المفكر ومسؤوليته في المجتمع) ، ومصطفى محمد
حسنين (المدخل إلى المدرسة الإسلامية في علم الاجتماع) ، وإلياس با يونس
وفريد أحمد (مقدمة في علم الاجتماع الإسلامي) ، وأحمد المختاري (نحو علم
اجتماع إسلامي) ، ومحمد محمد إمزيان (منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية
والمعيارية) ، ومنصور زويد المطيري (الصياغة الإسلامية لعلم الاجتماع:
الدواعي والإمكان) ، وعبد اللاوي محمد (إشكالية العلوم الاجتماعية في العالم
الإسلامي: وضعيتها وآفاقها) ، والتيجاني مصطفى محمد صالح (لماذا الصياغة
الإسلامية لعلم الاجتماع) ، وطارق الصادق عبد السلام (الضبط الاجتماعي في
الإسلام) .
وكما تفضل (أحمد إبراهيم خضر) فإن العلوم الإنسانية تشتمل على الحق
والباطل، ويلتبس فيها الحق بالباطل. فالمذهبية الإسلامية في علم الاجتماع ذات
النظرة الكلية لها موقفها الواضح في بيان نقائص قواعد المنهج في علم الاجتماع
الغربي. وتعمل على وزن مقولات هذا العلم بميزان الكتاب والسنة لتميز الخبيث
من الطيب فتحذر من الخبيث وتكشف عواره.
ولها أن تستفيد من الطيب باعتبار الحضارة الغربية متتالية حضارية تتسم بما
تتسم به من سلبيات وإيجابيات [١٥] .
ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية القائل:» والمقصود أن هذه الأمة ولله الحمد
لم يزل فيها من يتفطن لما في كلام أهل الباطل من الباطل ويرده؛ وهم لما هداهم
الله به يتوافقون في قبول الحق ورد الباطل رأياً ورواية ... « [١٦] . ويقول في
معرض حديثه عن المنطق:» وأيضاً فإن صناعة المنطق وضعها معلمهم الأول:
أرسطو صاحب التعاليم التي لمبتدعة الصابئة يزن بها ما كان هو وأمثاله يتكلمون
فيه عن حكمتهم وفلسفتهم التي هي غاية كمالهم. وهي قسمان: نظرية، وعملية.
فأصبحت النظرية وهي المدخل إلى الحق هي الأمور الحسابية والرياضية. وأما
العملية: فإصلاح الخلق والمنزل والمدينة. ولا ريب أن في ذلك من أنواع العلوم
والأعمال التي يتميزون بها عن جهال بني آدم الذين ليس لهم كتاب منزل ولا نبي
مرسل ما يستحقون به التقدم على ذلك، وفيه من منفعة صلاح الدنيا وعمارتها ما
هو داخل في ضمن ما جاءت به الرسل.
ومنها أيضاً من قول الحق واتباعه والأمر بالعدل والنهي عن الفساد: ما هو
داخل في ضمن ما جاءت به الرسل « [١٧] .
ومن هنا لا يعارض (ابن تيمية) الصياغة العربية لعلوم الآخرين والاستفادة
منها فيقول:» لهذا تجد الذين اتصلت إليهم علوم الأوائل، فصاغوها بالصيغة
العربية بعقول المسلمين جاء فيها من الكمال والتخفيف والإحاطة والاختصار ما لا
يوجد في كلام الأوائل، وإن كان في هؤلاء المتأخرين من فيه نفاق وضلال (ولكن)
عادت عليهم في الجملة بركة ما بعث به رسول الله ﷺ من
جوامع الكلم، وما أوتيته أمته من العلم والبيان الذي لم يشركها فيه أحد « [١٨] .
والمطلوب فيمن يتصدى لأسلمة العلوم أن يجتهد وسع طاقته في اكتساب
العلوم الشرعية، وفهم ما تقصد إليه العلوم الاجتماعية الغربية.
ولا مناص من اجتهاد جماعي شوري، يجمع إلى المجتهدين الفقهاءِ جماعةً
من العدول أولي علم بشؤون الاجتماع والاقتصاد. ويقول ابن تيمية ﵀
تعالى:» كنت دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: إذا
أنا مت فاحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذرُّونى في اليمِّ؛ فوالله لئن قدر الله عليّ
ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين ... ففعلوا به ذلك. فقال الله له: ما حملك
على ما فعلت؟ ... قال: خشيتك ... فغفر له.
فهذا رجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذُرِّيَ، بل اعتقد أنه لا يعاد.
وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكنه كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن
يعاقبه، فغفر له بذلك. والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول
ﷺ أوْلى بالمغفرة « [١٩] .
وقد توافرت نصوص الكتاب والسنة على أن الله لا يقبل من
الأعمال إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم، وموافقاً للمنهاج النبوي، ولا بد لمن
يتصدى لأسلمة العلوم أن يلاحظ ذلك.
وإننا نأمل أن تتضافر جهود المشتغلين بتأصيل علم الاجتماع وفق رؤية
منهجية معرفية قرآنية واضحة [وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ
وَالْعُدْوَانِ] (المائدة: ٢) .
стр. 3969
المنتدى الإسلامي
تدوين التجارب
محمد اللعبون
اليوميات، المذكرات، السير الذاتية، نماذج من طرائق تدوين التاريخ،
ونقل التجارب، وتبادل الخبرات؛ لها كثير من المزايا والخصائص، والآثار
العلمية والنفسية.
إلا أن الملاحظ قلة وجود تلك النماذج في كتابات العلماء والدعاة المسلمين
المعاصرين مقارنة بغيرهم رغم ما تحفل به حياتهم من تجارب، وما في أعمالهم
من إنجازات وإخفاقات، وما عاصروه من أحداث وأشخاص، ورغم حاجة الأجيال
اللاحقة لتراكم الخبرات.
وهنا نتساءل عن السبب في العزوف عن الكتابة في هذا المجال، والذي أدى
إلى قلة الإنتاج:
ألم يذكر الله لنا في كتابه الكريم نماذج نستفيد منها من أعمال الرسل وحياتهم
عليهم الصلاة والسلام وبعض الصالحين؟
ألم يكن رسول الله ﷺ يحدِّث أصحابه كثيراً: «كان فيمَنْ
قبلكم» ؟
بل ألم يحدِّثهم ﷺ عن الأحداث التي مرت به قبل البعثة؟
ألم يحدِّثنا الصدِّيق ﵁ عن الهجرة، وما فيها من الأحداث
والعظات؟
ألم نأخذ عشرات الفوائد والدروس والعبر من رواية كعب بن مالك رضي الله
عنه لقصة تخلُّفه عن غزوة تبوك؟
وكذا رواية سلمان الفارسي ﵁ وقصة رحلته من الضلال إلى
الهدى؟
وبمراجعة سريعة لكتب المناقب والسير والتراجم والرحلات نقف على شواهد
كثيرة.
إذن لماذا نحجم عن هذا الميدان؟
لا شك أن كتابة المذكرات أو السيرة الذاتية، ونحوها تحفُّ بها بعض
الملابسات والإشكاليات الشرعية والذاتية والاجتماعية؛ إلا أن هناك مخارج كثيرة
وحلولاً عديدة، لكل تلك الإشكاليات. وإذا وصلنا إلى قناعة بأن التدوين حق من
حقوق الأمة، وعمل من أعمال الدعوة والإصلاح، وسهم في ترشيد المسيرة
وتطويرها، وعلم ينتفع به؛ فلا ريب أننا سنرى نتائج مشجعة ومبهجة في التنفيذ،
وفي الأسلوب والمضمون. ولكن متى ذلك؟
стр. 3970
المنتدى
كثرة الإمساس تضعف الإحساس
أحمد الخرجي
هذا المثل له حظ كبير من الواقع، ولا يقتصر الأمر هنا على الجانب الحسي
فحسب، بل للجانب الفكري والنظري من ذلك نصيب؛ فكثرة الاحتكاك بالفكرة
وملامسة الذهن والوجدان لها يورث اعتياداً وتأقلماً عليها. وما أود الإشارة إليه هنا
هو التحذير من استغلال وسائل الإعلام لتخفيف رفض الناس لبعض الأفكار،
وتهيئة الجو لتقبلها شيئاً فشيئاً. وسائل الإعلام اليوم بأنواعها المختلفة أضحت
جزءاً لا يتجزأ من المجتمع، يقرؤها ويسمعها ويراها المتعلم وغيره، ولن تجد
وسيلة لطرح الأفكار ونشرها أسرع وأوصل من وسائل الإعلام، وهنا مكمن
الخطر؛ فعندما تنتشر بعض الأفكار وتطرح بشكل متكرر تضعف العاطفة الدينية
تجاهها، وربما أدت في النهاية إلى تقبلها أو على الأقل عدم الرفض لها، وتأمل
الواقع تجد بعض الأفكار المرفوضة تماماً أصبحت تطرح في المجالس كما يطرح
أي موضوع دون أدنى رفض أو اعتراض! وهي تتلون تلوناً عجيباً في طرحها،
فتارة بصورة خبر محض، بل قد تطرح أحياناً مشوبة بشيء من الإنكار أو
الاستهجان، وأذكر هنا بعض الصور التي نراها خصوصاً في الصحف:
١ - طرح صور النصارى والقسس والباباوات وأخبارهم، وإظهار
الاحتفالات بأعياد الميلاد ونحوها.
٢ - طرح بعض الأفكار المنحرفة مثل العلمانية والاعتزال والحداثة
ونحوها، وهذه تطرح أحياناً بصورة حوار عن هذا المذهب، وأحياناً عن طريق
مقابلة بعض أصحابه.
٣ - إذابة وتمييع عقيدة الولاء والبراء بإبراز الكفار ونحوهم والإشادة بهم.
٤ - وللجانب الفني من ذلك نصيب لا يخفى.
стр. 3971
المنتدى
أيها الشيشان يا عطراً شذي
عبد الرحمن بن عبد الهادي العمري
أيها الشيشان يا عطراً شذيْ ... فاحت الأرجاء بالدم الزكيْ
اكتبي سر إباء شامخ ... ما ارتضى الذل ولا الشيء الدنيْ
اكتبي سر بطولات بها ... كتبٌ حفلت وأخرى ترتويْ
قولي للأكوان والدنيا معاً ... رغم جرحي إنَّ روحي تنتشيْ
تنتشي الروح بإيمان سُقي ... من مياه الذكر العذب النقيْ
أيها الروس أيا رمز الشَقا ... كم بصرتم لكن القلب عميْ
كم دخلتم ثم عدتم من لظى ... قد أُهنتم مثلما لص بغيْ
إنني الشيشان عدتُ للتقى ... ذاك نهجي لست عنه منتحيْ
كم قطفت منه أثمارَ المنى ... أتحف الدهر من النهجِ البهيْ
سأعود راشفاً ماءَ الهدى ... أغسل الأوطانَ من رجسِ الشقيْ
في (الكرملن) سوف تعلو كلمةٌ ... كلمة التكبير والدنيا تعيْ
سوف أمحو كل حمراء طغت ... وسيأتي بعدها الدرب السويْ
ما أبالي لا أبالي بالذي ... يجعل الضعف إلى الحال القويْ
إنني يا قوم والأمر يقينٌ ... أن بعد الليل صبحاً سرمديْ
أيها الروس ومن شابههم ... آن صبحٌ دائمٌ لا ينتهيْ
стр. 3972
المنتدى
صرخة العفاف
عبد الوهاب حسين الأمير
من هناك.. من بين الموت وأنقاض الحياة، من الأرض المسلمة الأبية، من
الشيشان، صرخت بي.. بك.. بنا.. بكل مسلم غيور، صرخت وملء صوتها
إباء الأرض التي تنتمي إليها وكبرياؤها، صرخت قائلة:
وأخاطب فيك الإنسانا ... بل ألهب منك الوجدانا
أفؤادك حيٌّ أنشده ... أم أنسج صوتي أكفانا؟
أمي قد رفعت أيديها ... لم تنزل إلا جثمانا
وأبي حملوه بلا نعش ... كم عانى منهم كم عانى
وأخي كم يحمل مديته ... ليقاوم قصفاً.. نيراناً
وأنا.. كم نزفت أحداقي ... من رعبٍ حلَّ فما بانا
وشريدٌ ينصب خيمته ... فيقضُّ القصف الأركانا
قد فرت منه نظرته ... عيناه.. ينبش جدرانا
يبحث عن دار تعرفه ... صارت قيعاناً.. قيعانا
وصبيٌ يمسح دمعته ... ما جاوز عشراً.. جوعانا
عرياناً والثلج يدثره ... مشدوهاً يمضغ حرمانا
ودموع ترسم مهجته ... في الدرب هموماً أحزانا
صيحات تزرع محنته ... لكن لم تحصد آذانا
أفؤادك حيٌ يبصره ... أم صار الثلج الأكفانا؟
إنسانٌ أبغي يسمعني ... وأظنك تحوي إنسانا
لولاك ولولا محنتنا ... ما كنت طلبت الإحسانا
стр. 3973
المنتدى
يا حادي الرَّكبْ
سعود بن حامد الصاعدي
ما هزَّ قلبيَ لا وَجْدٌ ولا غزلُ ... ولا رمته بألحاظ الهوى مُقَلُ
فدع هواها وصغ للمجد قافية ... فالمجد يطلبه الضرغامة البطلُ
وانقش لنفسك في الأيام محمدة ... إنَّ المحامد في درب الهدى سبلُ
لكنَّ في أضلعي شوقاً أكابده ... وليس تسعف إلا الشاعر الجملُ
يا حادي الرّكبْ في درب العلا شرفت ... بك المعالي ودرب الدين متّصلُ
سِرْ في رحابٍ إلى الرحمن ما بقيت ... بك السنون وما أبقى لك الأجلُ
سِرْ واطّرح كل أرزاء الهوى فلنا ... يلوح في سبسب الديجورة الأملُ
وإنْ تبدَّت لك الأضواء في بلدٍ ... به الحطيم فقل: يكفيك يا جملُ
وإن رأيت شعاع البيت مؤتلقاً ... يفيض بالنور والأرواح تبتهلُ
يا حادي الركب ما كلت عزائمنا ... ولا تولَّت بنا الأهواء والمللُ
فليس إلا هدى الرحمن غايتنا ... وليس إلا الذي قالت لنا الرسلُ
جئنا نلبّي نداء الحق تسبقنا ... قلوبنا فهي للرحمن تمتثلُ
يا قاصد البيتِ طب نفساً برؤيته ... ويا حجيج بلاد الله فابتهلوا
تعطّلت لغة الأقوالِ فانهمري ... بالدمع عند مقام الركن يا مقلُ
стр. 3974
المنتدى
كل منا على ثغر
محمد صالح القطيشي
يفهم كثير من المسلمين أن العمل للإسلام، وإعلاء شأنه في ميدان الحياة،
ودعوة الناس إليه كل ذلك مقصور على الدعاة أو العلماء أو أرباب المناصب
والولايات دون غيرهم من أفراد الناس؛ مما أدى إلى تعطيل دائرة العمل وبث
روح التواكل حتى آل الأمر بالمسلمين إلى ما نرى ونشاهد، في حين أن المجتمع
الأول الذي رفع الإسلام لأول مرة لم يكن فهمه للمسؤولية بمثل فهم أهل زماننا، بل
كان المجتمع بأسره يشارك في دفع عجلة الإسلام إلى الأمام؛ فهذا يسهم في نشر
العلم وتفقيه الناس في دينهم، وآخر يشارك في ميدان القتال مدافعاً ومناضلاً،
وثالث يعمل مراسلاً يحمل رسائل النبي ﷺ ويسلمها إلى من
أرسلت إليه يداً بيدٍ، وهذه قائمة على تربية أبنائها وتهذيبهم لتخرجهم في يوم ما
أشاوس يقارعون البغي ويكسرون شوكته بالحجة والبيان أو بالسيف والسنان،
وهكذا كل في ميدانه يبذل فيه وسعه وطاقته، والجميع يصبُّون في مجرى واحد هو
العمل للإسلام حتى أشرقت أنوار الرسالة، وعمَّت أرجاء المعمورة في مدة قصيرة
بالنسبة لحجم العمل وضخامته، رغم قلة عدد المجتمع آنذاك بالنسبة لمجتعمات
المسلمين في هذه الأيام.
إننا حين نفهم أن العمل للإسلام ليس مقصوراً على الدعاة مثلاً، ولا على
العلماء، ولا على أجهزة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فحسب دون بقية
الناس، بل كل من هؤلاء له دوره وعليه مسؤوليته حتى أطفال الأمة وشيوخها
مطالبون بأداء دورهم على قدر استطاعتهم ووسعهم وليسوا هم خارج نطاق العمل،
إننا حين نفهم ذلك بهذا الفهم ثم نبادر بالعمل على مقتضاه، فلنعلم أننا بدأنا خطوة
السير بعد وقت طويل من التوقف، وإذا بدأنا بالخطوة فقد وصلنا إلى الهدف بإذن
الله تعالى.
إنني أطالب أفراد الأمة عامة على جميع مستوياتهم بأن يبعثوا روح العمل في
قلوب الأمة جميعاً، ويرفعوا الطموح، ويلهبوا المشاعر، ويؤازر بعضهم بعضاً
حتى ينخفض مستوى العجز والكسل والتواكل؛ ومن ثم تبدأ الفاعلية تحيا بعد
الذبول، ويخضرُّ ورقها وتُجنى ثمارها يانعة بإذن الله تعالى.
أسأل الله - تعالى - أن يقر عيوننا بنصر عاجل للإسلام والمسلمين.
стр. 3975
المنتدى
ردود
* الأخ: ساير بن هليل المسباح، الأخت أم ياسر: نشكر لكما تواصلكما
الكريم مع المجلة، كما نشكر لكما حرصكما على إبداء الملاحظات والمقترحات،
سائلين الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من المتعاونين على البر والتقوى.
* الأخوين: أحمد علي ممادي، سعاي نور الدين: نرجو التوجه بالأسئلة
المرسلة إلى مجلة البيان إلى جهات الفتوى المختصة، بارك الله فيكم وجزاكم خيراً.
* الأخ: صاحب مشاركة: العالم الإسلامي ومشكلات التبعية، نرجو التكرم
بإفادتنا باسمكم.
* الإخوة: علي جبريل أمين، أحمد بن صالح السديس، محمد علي شماخ،
محمد مكين عبد العليم صافي، يوسف بن عبد الرحمن المحمود، نجاح عبد القادر
سرور، عبد الرزاق المبارك، سامي بن محمد العبود، موسى شداد الطارقي،
محمود البنغالي، مدى الفاتح، محمد بوراس، قاسم بن علي قبعان العصيمي:
وصلتنا مشاركاتكم، جزاكم الله خيراً، ونفيدكم بإجازتها للنشر.
* الإخوة: عبد الله بن سليمان العتيق، يحيى الغامدي، عاطف عبد الهادي،
أبشر خليف علمي، عبد الله العزام المطيري، موسى بن راجح الرحيلي: نشكركم
على تواصلكم الكريم مع المجلة، ونفيدكم بأن مشاركاتكم مجازة للنشر في المنتدى.
* الإخوة والأخوات: جبران علي، عبد الله بن شبيب الدوسري،
عبد الوهاب الزميلي، عبد الرحمن الحكامي، محمد المصلح، أحمد عبد الله،
عبد الله بن مبروك الصيعري، أسعد التهامي، نجوى الدمياطي، رقية محمد
الكريواء: نرجو التكرم بإفادة المجلة بعناوين مراسلة لكم، وجزاكم الله
خيراً.
стр. 3976
المنتدى
من رسائل القر اء
... ... ... ... الحسين أراج - المملكة المغربية
إلى الإخوة المسؤولين عن مجلة البيان الغراء..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يسعدني أن أشكركم جزيل الشكر على مجلتكم البيان الغراء التي يشرفني أن
أكون أحد قرائها المخلصين الذين ينتظرونها بفارغ الصبر رأس كل شهر عربي؛
وذلك لأنها مجلة إسلامية خالصة خالية من البدع والضلالات، وأتمنى لها اهتماماً
أكبر بالعلم الشرعي حتى تكون مدرسة متميزة يجد فيها القارئ ما يحتاج إليه وما
ينفعه في دينه ودنياه.
إنني أيها الإخوة الكرام من حفظة القرآن الكريم والحمد لله، لكن كان حفظنا
بطريقة تقليدية ويمكنني أن أسميها متخلفة؛ وذلك لأننا اعتمدنا في الحفظ على
القراءة الجماعية دون قواعد القراءة ودون تدبر وخشوع، كما كنا نقرؤه جماعة عند
الموتى في المقبرة وفي بيوتهم، ثم إننا حفظنا معه البردة والهمزية للبوصيري،
وكان حفظهما إجبارياً، وكنا نقرأ حزباً من القرآن بعد المغرب وحزباً بعد الصبح
جماعة، وكذلك البردة بعد المغرب والهمزية في الصباح جماعة وجهراً، إلى أن
منّ الله عليَّ بالابتعاد عن هذه البدع والضلالات، وقد رأيت قبل يومين كتاباً من
كتب المنتدى على صفحات مجلة المجتمع، وأحسست من خلال عنوانه أنه مفيد إن
شاء الله، وهو «حقوق النبي ﷺ بين الإجلال والإخلال» .
ألتمس من مكتب المجلة أن يزودني به فإنني في حاجة إليه، كما ألتمس منه
أن يزودني بكتب المنتدى قدر الإمكان، وللإشارة فقد اقتنيت كتاباً واحداً من كتب
المنتدى وهو: «حمّى سنة ٢٠٠٠» وهو الكتاب الوحيد الذي وصلنا هنا. أتمنى
لكم جميعاً التوفيق والنجاح.
стр. 3977
الورقة الأخيرة
ملتزمة الفتح
د. محمد بن ظافر الشهري
يشهد التاريخ بأن الترف والصلاح لا يكادان يجتمعان، وإذا اجتمعا فلا يلبث
أحدهما أن يغلب الآخر؛ فهذا عيش الأنبياء وهم صفوة البشر كان كفافاً إلا ما ندر.
وهذا سيد ولد آدم ﷺ كان شأنه مع الدنيا أن يقول: «اللهم ارزق
آل محمد قوتاً» [١] . وربما ظن بعضنا أن الترف قرين الشرف، وليس كذلك؛
فأشرف الناس هم الأنبياء، وخيرهم محمد ﵌، ولم يكُ من
المترفين.
وإذا علمنا أن الأفراد لَبِناتٌ في بناء الأمة الكبيرة، وأن الجِدَّ والجِدَةَ ليسا على
وفاق؛ فسوف ندرك مراد أبي أمامة ﵁ حين قال: «لقد فتح الفتوح
قوم ما كانت حلية سيوفهم الذهب ولا الفضة إنما كانت حليتهم العَلابيّ والآنك
والحديد» [٢] .
إننا معاشرَ المصنَّفين في عداد الملتزمين بالدين ربما أتى علينا حينٌ من الدهر
يغلب عليه الشظف فتكون القلوب آنذاك مولعة بالآخرة وما يصلحها من تحري
السنن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأنس بالخير وأهله والنفرة
الشديدة من الباطل ودعاته. وربما فُتحت علينا بعد ذلك فما نشعر إلا وقد ضعف
تعلقنا بالآخرة وعظم تنافسنا على الدنيا، فنتكاسل عن الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، ونفتر عن تعاهد السنن، بَلْهَ تحريها، ونجترئ على المكروهات ثم
المخالفات، فتبدو إذ ذاك مظاهر التحوير والتغيير جلية في مظهر ذَكَرنا، وحجاب
أُنثَانا، وشَعْر ابننا، وثوب ابنتنا، ونغمة هاتفنا، ومكان أحدنا من الصفوف في
المسجد؛ إلى غير ذلك من المظاهر المؤلمة التي تنتشر فينا انتشار النار في الهشيم.
إننا وحالنا هذه ندرك أننا نهدم ما بنيناه قبل زمن «الفتح» . وحتى نجمع
بين الإبقاء على الترف ومظاهره، وحفظ ماء وجوهنا أمام ذواتنا فلا نكون [كَالَّتِي
نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً] (النحل: ٩٢) ، فإننا نكثر الدندنة حول
ضرورة تجاوز «الشكليات» ، ونطالب بالبحث في عظائم الأمور التي تكفل
انتشال الأمَّة مما آلت إليه! فيحلو لنا في هذا السياق أن نُنَظِّر للدعوة التي قد نعيش
على هامشها، ونتهرب من الخوض في المخالفات التي نتلبس بها وأهلونا. وإننا
نسرف في الحديث عن الغزو الفكري وخطورته، ولكنا نتجنب الإشارة إلى آثاره
التي لم نسلم منها! وربما نتحدث عن ضرورة «أسلمة» الإعلام في العالم
الإسلامي، ولَمَّا نفلح في تطهير دورنا من سهامه المسمومة!
إن في قصة تخلُّف كعب بن مالك ﵁ لعبرة لنا معاشر المترفين،
ومن فقهه ﵁ أنه قال بعد توبة الله عليه: «يا رسول الله! إن من توبتي
أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ » [٣] . ولست
هنا أدعو إلى الزهد؛ فهو خلق فريد لا يجيد الدعوة إليه إلا من كان من أهله؛
ولكنها دعوة إلى عدم الإيغال في طريق سهل محفوف بما تشتهيه الأنفس؛ فإننا كلما
أوْغلنا فيه أَلِفَته أنفسنا؛ وعسر عليها العود إلى طريق الغرباء الذي ارتضيناه من
قبل، وعاهدنا الله على المضي فيه حتى النهاية.
стр. 3978
جمادى الأولى - ١٤٢٢هـ
أغسطس - ٢٠٠١م
(السنة: ١٦)
стр. 3979
كلمة
منظمة شنغهاي حرب جديدة على الإسلام
عُقد في الشهر الماضي اجتماع لمنظمة (دول شنغهاي) التي تضم ست دول
هي: (روسيا، والصين، وكازاخستان، وطاجكستان، وقيرغستان،
وأوزبكستان) . وعلى الرغم من أن هذه المنظمة أُسست بغرض التحالف الاقتصادي
والسياسي، ومواجهة الهيمنة الأمريكية، إلا أن الاجتماع الأخير غلب عليه:
(مواجهة التطرف الديني في آسيا الوسطى!) ، والقضاء على الحركات الإسلامية
التي بدأت تتصاعد بشكل لافت للنظر.
إن الجامع المشترك بين هذه الدول هو مواجهة الحركات الإسلامية؛ فروسيا
تسحق المستضعفين في الشيشان وداغستان، والصين تضيق الخناق على المسلمين
الإيجور في إقليم (سيكينجانج) غرب الصين، وطاجكستان شنت خلال السنوات
الخمس الماضية حرب إبادة للاتجاهات الإسلامية، وأوزبكستان - التي تشهد أقوى
صحوة إسلامية في المنطقة - تمارس أقسى أساليب القمع والملاحقة للدعاة
والخطباء والمصلحين، وكازاخستان وقيرغستان تضيقان الخناق على الدعاة
والجمعيات الإسلامية.
ولهذا اتفقت هذه الدول على تشكيل وحدة (مكافحة إرهاب إقليمية) مقرها في
العاصمة القيرغيزية: (بيشكيك) ، وتعاهدوا على وقف المد الإسلامي والتضييق
عليه، ومحاصرة أفغانستان وعزلها، حتى لا ينتشر الداء الأصولي في
المنطقة..! !
إن المنطقة مقبلة على مرحلة خطيرة من الحرب على الإسلام وأهله، وهذا
التواطؤ الدولي في آسيا الوسطى حلقة من صراع قديم شن فيه الشيوعيون أشد
أنواع الإبادة، ولكن الشيوعيين الجدد لم يستفيدوا من خبراتهم السابقة؛ فماذا
حصدوا بعد سبعين سنة أو أكثر من القمع والإرهاب؟ هل استطاعوا القضاء على
المسلمين؟ !
إنَّ الإسلام قادم - بإذن الله تعالى - وقوته ولن تقوى هذه الدول مهما أوتيت
من مكر وكيد على صدِّه طويلاً، فإننا نؤمن بقوله - تعالى -: [وَمَكَرُوا وَمَكَرَ
اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] (آل عمران: ٥٤) .
стр. 3980
الافتتاحية
التربية وأثرها على الدعوة
من الاهتمامات المعاصرة في التربية ما يسمى بـ (المنهج الخفي) ، ويُعنى
به: كل ما يمكن تلقيه في المدرسة من تعلم غير مقصود وغير موجود في المنهج
الرسمي.
ويمكن استنباط المنهج الخفي من القوانين واللوائح الداخلية والقواعد
والتنظيمات العامة الموجودة في المدرسة.
ومن العلاقات العامة الموجودة داخل المدرسة كعلاقة الناظر (مدير المدرسة)
بالمعلمين، وعلاقته بالطلاب، وعلاقة كل فئة بالأخرى.
ومن خلفيات هذه الفئات المختلفة: الطبقية، والاجتماعية، والاقتصادية،
والثقافية.
ومن طبيعة بنيان المدرسة والأثاث المستخدم للطلاب والعاملين، وطبيعة
المنافع والمرافق العامة.
ومن شكل المعرفة المدرسية وليس مضمونها [١] .
وثمة حاجة ملحة للاعتناء بهذا الجانب في تربيتنا الدعوية التي نمارسها
في حديثنا مع الناس، سواء في المناسبات العامة كخطب الجمعة والمحاضرات
والندوات، أو فيما هو دون ذلك كحديث المعلم مع تلامذته، والأب مع أبنائه، أو
في الصورة التي نرسمها لأنفسنا في أسلوب حياتنا وطريقة تعاملنا.
فحين نرسم برنامجاً لدعوتنا وتربيتنا، فنحن نأخذ في الاعتبار الصورة
الضيقة المحدودة للبرنامج؛ فما نسعى إلى تحقيقه لدى المدعوين والمتربين، أو
نريد علاجه من مشكلات ندرجه ضمن البنيان المعرفي ونقدمه في قالب متكرر:
المظاهر، الأسباب، العلاج.
وحين نريد مراجعة تربيتنا وتقويمها فنحن نراجعها على ضوء هذه الصورة
المحدودة الضيقة، وحين نكتشف مشكلاتنا نعالجها من خلال التناول المعرفي لها
غافلين عن خلفية وجودها.
ولنضرب على ذلك ثلاثة أمثلة تتعلق بمشكلات رئيسة نعاني منها:
المشكلة الأولى: ضعف المبادرة الذاتية:
كثيراً ما نشتكي من ضعف المبادرة الذاتية في صفوف شباب الصحوة، وأن
كثيراً منهم لا يعمل ولا ينطلق إلا من خلال توجيه محدد، وهذا يدعونا إلى كثرة
الحديث عن المبادرة الذاتية وضرورتها، وإلى كثرة النعي على من يفتقدونها.
ولو تأملنا بصورة أشمل فسنجد أن هذه المشكلة نتاج مناهجنا التربوية التي
ترى أن هذه المبادرة إنما تبنى من خلال التناول المعرفي المجرد والمباشر، وتغفل
عن عوامل مهمة لها أثرها في بناء المبادرة، ومنها:
* تعاملنا مع الاستشارة، والتأكيد دوماً عليها في كل صغيرة وكبيرة.
* طريقة تعاملنا مع الأفكار الجديدة، وانتقادنا اللاذع لكل جديد لا يروق لنا
ولا يتسق مع طريقة تفكيرنا.
* تضييق الدائرة التي يسوغ فيها الاختلاف في الرأي ووجهات النظر،
والسعي للوصول إلى صهر الأفراد في نسيج واحد.
* التركيز دوماً على التوجيه المباشر للعاملين، وعلى إعطاء تعليمات
واضحة ومحددة، ومحاسبتهم على ضوئها.
إن هذه الممارسات وغيرها ننتقدها على المستوى النظري، أما على المستوى
العملي فهي سائدة ومنتشرة.
المشكلة الثانية: السطحية وافتقاد العمق والنضج:
وهي مشكلة كثيراً ما ننتقدها ونشعر أن قطاعات عريضة من شباب الصحوة
تعاني منها، وأحسب أنَّا لسنا بحاجة للإقناع بوجود هذه المشكلة، إلا أن أسلوب
التعامل معها وتحليل أسبابها، ومن ثم اقتراح الحلول لتجاوزها كل ذلك دون
المستوى المطلوب.
إن أسلوب تعاملنا مع المشكلات وطريقة علاجها يسهم في تشكيل عقلية
المستمعين وطريقة تفكيرهم.
فالخطيب الغيور يحدث المصلين عن منكر من المنكرات، وظاهرة من
الظواهر، ويكون هذا الحديث مشحوناً بالعاطفة والتفاعل وارتفاع نبرة الصوت -
وربما تتطلب بعض المواقف مثل ذلك - لكن المصلين لا يخرجون من حديثه إلا
بالشعور بألم المصيبة، وفداحة الخطب، وعظم الخطر.
وحين يتجه الأمر نحو الحل فهي حلول تدور حول إطار محدد، وتعتمد
سياسة إطفاء الحرائق.
لكن لو أن الخطيب ناقش الظاهرة أولاً باعتدال؛ فتحدث عن خطورتها مع
بيان حجمها في المجتمع ومدى انتشارها، ثم انتقل إلى تحليل الظاهرة
والبحث عن أسبابها المباشرة وغير المباشرة، دون التركيز على صورة
الحدث بل على عناصره ومكوناته؛ لكان ذلك أجلى بياناً وأكثر تأثيراً.
فالمظاهر المتعلقة بالشباب مثلاً تتطلب تحليل دور المدرسة التربوي، ودور
الأسرة، ودور وسائل الإعلام ... إلخ. وكيف أسهمت في تخريج هذه الفئة من
الشباب. وهكذا سائر عناصر المشكلة وأركانها.
ثم اتجه بعد ذلك إلى الحديث حول علاج الظاهرة، وجمع في ذلك بين
التعامل الآني مع المشكلة إن كانت تتطلب ذلك، والتعامل المستقبلي، وربط هذه
المشكلة باتجاهات التغير في المجتمع.
ثم تناول دور المستمعين من خلال كافة مواقعهم، وكيف يسهمون في التفاعل
العملي مع هذه المشكلات والظواهر.
وهكذا حين يتحدث المعلم مع طلابه عن حدث من أحداث السيرة؛ فلا يسوغ
أن يقتصر الحديث على سرد الأخبار والمرويات، والإشارة إلى بعض الدروس
والعبر المكررة، فلو قام بتحليل الموقف تحليلاً أعمق، وتناول مواقف شخصيات
الحدث، وطلب من تلامذته أن يقارنوا بين هذا الحدث وواقعهم: فما أوجه التشابه،
وكيف نستفيد منها؟ وما أوجه الاختلاف وهل يمكن أن نوظفها بطريقة غير
مباشرة في حياتنا الشخصية؟
وهكذا الأب حين يناقش أطفاله ... وهكذا سائر المربين.
المشكلة الثالثة: التطرف في الآراء والمبالغة في الحماس لها:
وهي مشكلة تعاني منها مجتمعاتنا وورثناها نحن ضمن أمراض هذه
المجتمعات؛ ففي كثير من المواقف تتسم آراؤنا بالمبالغة والتطرف، ونفتقر إلى
الاعتدال في النظر إلى الأمور.
ولو تأملنا في واقعنا التربوي فسوف نرى ما يمكن أن يفسر لنا جزءاً من هذه
المشكلة، ومن ذلك أنه يسود لدينا الرأي الواحد في ميادين شتى، ولو كان الرأي
الواحد نتاجاً طبيعياً لكان مطلباً، لكنه في الأغلب نتيجة ممارسات غير سليمة،
ونتيجة سعي للقطع بما هو مظنون، والجزم بما هو محتمل. واختلاف الآراء فيما
يسع فيه الاختلاف يؤدي إلى النقاش والحوار الذي يعود على الاعتدال في الآراء
وعدم التطرف فيها.
إن إجابة المعلم عن سؤال تلميذه إجابة قاطعة، وحديثه عن مشكلته بأنه ليس
لها إلا حل واحد، وتعليقه على موقف أو ظاهرة ... إلخ؛ كل ذلك يؤثر في طريقة
تفكير هذا التلميذ، ويصبغها بصبغة التطرف في الآراء والقطع فيها.
وطريقة الداعية في نقاشه لآراء المخالفين والتعامل معها، وفي حديثه عن
الظواهر الاجتماعية وتحليلها ربما أثرت تراكمياً في طريقة تفكير المستمعين له.
إن هذه المشكلات نموذج مما نشعر بوجوده ونتحدث عنه، مع إيماننا بأن
انتشارها وامتدادها يتفاوت من شريحة إلى أخرى ومن جيل إلى آخر؛ مع إيماننا
بأن اتجاه كثير منها يمضي نحو الانحسار والتلاشي؛ بغض النظر عن سرعة
الاتجاه وبطئه.
والمقصود هنا ليس تحليل هذه المشكلات، إنما بيان مدى صلتها بموضوع
حديثنا، وكيف أن المنهج الخفي [٢] له أثره التربوي الذي قد لا نتفطن له.
إننا بحاجة إلى أمور منها:
* أن نعيد النظر في مفهومنا عن المنهج التربوي، ومدى اتساعه أو ضيقه.
* أن نغير نظرتنا التقليدية للتربية، وأنها تتم من خلال العطاء والتوجيه
المعرفي المجرد.
* أن نزيد ثقافتنا التربوية، ونستفيد من نتاج الدراسات الإنسانية والتربوية
المعاصرة.
* تقويم تربيتنا بين آونة وأخرى؛ فالعمل البشري لا غنى له عن التقويم
والمراجعة، والدعاة إلى الله - تعالى - أوْلى بإتقان أعمالهم من أهل الدنيا الذين
يضعون برامج دورية للتقويم والمراجعة.
وحتى يؤتي التقويم ثماره، فينبغي أن يكون شاملاً، وأن نكون جريئين في
مراجعة مناهجنا وبرامجنا، فإلفُنا لكثير منها قد يدعونا لإدراج متغيرات في إطار
الثوابت.
والتقويم الشامل يحتاج إلى أن يركز على المخرجات والنتائج؛ فحين يكون
تقويمنا مقتصراً على الوسائل والبرامج فلن يكشف لنا كثيراً من مواطن الخلل.
ولئن كانت المراجعة والتقويم مطلباً في كل وقت وحين؛ فهي في هذه المرحلة،
ومع المتغيرات المتلاحقة أكثر إلحاحاً ومطلباً.
وحين نتعامل مع المرحلة الجديدة بأساليبنا ووسائلنا ومناهجنا السابقة فقد
يتجاوزنا القطار ونظل في مواقعنا المحدودة نخادع أنفسنا بحيل نفسية تسوِّغ عجزنا
وقصورنا.
стр. 3981
دراسات في الشريعة والعقيدة
الإصلاح التشريعي في مصر جهود العلماء والمفكرين والحكومات
لإصلاح التشريعات وفق الشريعة
عبد العزيز بن محمد القاسم [*]
azalgasem@hotmail.com
تقدم في ثنايا الحلقات الماضية إشارات عديدة إلى جهود المصلحين الدائبة
لإعادة هيمنة الشريعة في المجال التشريعي، ويصعب في مقالات كهذه استيعاب
تلك المساهمات الجليلة؛ غير أن ذلك لا يعفينا من ضرب الأمثلة التي تبين أوجه
العمل التي أنجزت للعودة بالتشريع إلى مرجعية الوحي بعد عواصف التغريب التي
تعرضت لها حقول التشريع، وقد تعددت تلك الجهود وتنوعت؛ فمنها أعمال إعادة
تأصيل مرجعية الشريعة بأدلة تستند إلى نصوص الشرع، ومصالح التمدن،
براهين الاستقراء التاريخي. ومن تلك الجهود تأسيس الجمعيات والمؤسسات
الجماعية التي تحقق تعبئة الأمة لصالح مشروعات تحقيق النهضة وفق مرجعية
الوحي، ومنها أيضاً المساجلات الصحفية التي تستهدف توعية الرأي العام وإيقاظه
من غفلته، ومنها نقد النظم الغربية ومؤسساتها لإعادة النظر الواقعي لمنجزات
الغرب بدلاً من القراءة الاستلابية التي تسحق المقدرة النقدية للمفكر كنموذج طه
حسين.
ومن جهود العلماء في مواجهة التغريب التشريعي إعادة كتابة أحكام الشريعة
والفقه الإسلامي وفق هياكل التقنينات الحديثة، ومنها التوجه للدراسات الفقهية
المقارنة التي قارنت أحكام المذاهب بعضها ببعض، كما قارنت أحكام الفقه
الإسلامي بالقوانين الوضعية.
ومن جهود الفقهاء إعادة كتابة الفقه في هياكل حقوقية حديثة، وفي سياق
المواجهة والإصلاح التشريعي تأتي أعمال وضع الموسوعات الفقهية، وتأسيس
المجامع، ودراسة مناهج الاجتهاد والدعوة إلى استئناف الاجتهاد، ومراعاة ظروف
الأمة في تقرير الأحكام الفقهية.
ومن مظاهر الإصلاح إحياء الاجتهاد المقاصدي والمصلحي، وبخاصة في
مواجهة النظم الغربية؛ حيث تضعف أو تنعدم مقدرة وسائل الاجتهاد القياسية
والجزئية، وغير ذلك من الأعمال الجليلة التي يصعب استقصاؤها في هذا المقام،
وفي الفقرات التالية سنستعرض نماذج لتلك الجهود لما في ذلك من استكشاف وسائل
الإصلاح وتحسين أدائها ونقد بعض تجاربها.
١- التأصيل:
يبرز في تاريخ التحولات التشريعية أعمال تأصيلية جليلة جاهدت لتثبيت
الأمة على أحكام الشريعة، ودعت إلى الاجتهاد والتجديد لمعالجة قضايا الواقع
ضمن كليات الشريعة وأصولها، ولا ينقطع هذا الجهد في فترة من الفترات؛
فنلاحظ في فجر النهضة كتابات رفاعة طهطاوي (ولد سنة ١٢١٦هـ / ١٨٠١م -
وتوفي سنة ١٢٩٠هـ /١٨٧٣م) الداعية إلى مرجعية الشريعة وخطل التحول نحو
أخلاق أوروبا وأحكامها؛ فقد: «اعتبر أن من البديهي بقاء سيطرة الشريعة في
دولة مصرية كما في دولة الفقهاء المثلى» [١] .
ويربط رفاعة مرجعية الشريعة بتأصيل مدني فيقول: «وفي كل الأحوال
للتمدن أصلان: معنوي، وهو: التمدن في الأخلاق والعوائد والآداب، يعني
التمدن في الدين والشريعة وبهذا القسم قوام الملة المتمدنة التي تسمى باسم دينها
وجنسها للتميز عن غيرها.. والقسم الثاني: تمدن مادي وهو التمدن في المنافع
العمومية..» [٢] . ويأتي بعده خير الدين التونسي (١٢٢٥هـ /١٨١٠م ١٣٠٨هـ/
١٨٩٠م) مستنهضاً العلماء والساسة والأمة لتحقيق الاجتهاد الذي يرعى نهضة
الأمة في حدود الشريعة فينادي بتذكير «العلماء بما يعينهم على معرفة ما يجب
اعتباره من حوادث الأيام، وإيقاظ الغافلين من رجال السياسة وسائر الخواص
والعوام، ببيان ما ينبغي أن تكون عليه التصرفات الداخلية والخارجية» وذلك من
أجل: «أن نتخير منها ما يكون بحالنا لائقاً ولنصوص الشريعة مساعداً وموافقاً
عسى أن نسترجع منه ما أخذ من أيدينا ونخرج باستعماله من ورطات التفريط
الموجود فينا» [٣] .
ويخص الاجتهاد لصياغة التشريعات والنظم باهتمامه فيدعو العلماء للعمل
على: «ترتيب تنظيمات منسوجة على منوال الشريعة معتبرين فيها من المصالح
أحقها ومن المضار اللازمة أخفها ملاحظين فيما يبنونه على الأصول الشرعية أو
يلحقونه بفروعها المرعية.. أن الشريعة لا تنسخها تقلبات الدهور» [٤] .
ويستثمر الاستدلال التاريخي ليؤصل مرجعية الشريعة فيقول: «لا شك أن
التطبيق الحريص الأمين للشريعة الإسلامية سيعطي في أيامنا الثمار التي أعطاها
فيما مضى من الزمان.. من الممتنع من حيث المبدأ غرس مؤسسات بلد ما في بلد
آخر تختلف أمزجة أهله وأخلاقهم وثقافتهم وظروفهم المناخية» [٥] .
آثار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في جهود الإصلاح التشريعي:
كانت دعوة الشيخ ﵀ واضحة ومباشرة، دعوة إلى التوحيد، ونبذ
البدع، ودعوة للاجتهاد، وهذه القضايا تقع في صميم المفاهيم الأساسية لجهود
الإصلاح التشريعي؛ فالتقليد أحد عقبات التجديد لتنزيل الأحكام على الوقائع
الجديدة، وقيوده هي التي منعت بعض العلماء من كتابة تدوين حديث للفقه فأدى
الفراغ التنظيمي - في بداية الاستنساخ - على الأقل إلى نقلة نحو القوانين
الغربية، فكانت دعوة الشيخ إلى الاجتهاد ونبذ التقليد، وتأثيرها في مناطق العالم
الإسلامي، عبر مواسم الحج قد أسست لنهضة اجتهادية كبيرة قدمت الدعم
المعنوي والوهج العملي للعلماء والمصلحين، ومهدت لتقوية موقف الداعين
للاجتهاد ومعارضي التعصب المذهبي في حواضر العالم الإسلامي وألهمتهم العمل
على تأسيس أعمالهم الإصلاحية رغم معارضة مركز الخلافة والولاة المحليين
والفقهاء المقلدين. ولنقرأ وصفاً لبعض المؤرخين المعاصرين من الجامعة اللبنانية
في بيروت لآثار الدعوة النجدية حيث جاء فيه عن الدعوة النجدية أنها: «كانت
النواة للحركات التحررية خارج جزيرة العرب وحتى خارج الوطن العربي.. اعتنق
بعض الحجاج (المبادئ الوهابية) وحملوها معهم ودعوا إليها في بلادهم فانتقلت هذه
المبادئ الإصلاحية، وكان هدف دعاتها في كل مكان تحل به هو محاربة الفساد
والقضاء على البدع والخرافات وتصحيح العقيدة الدينية، ثم محاولة إقامة حكومة
صالحة على أساس ديني لتنفيذ الأحكام وإقامة الحدود؛ فقامت الثورات على يد
الدعاة (الوهابيين) ضد الأوضاع السائدة في البلاد التي غزتها الدعوة، وظهرت
نهضات الإصلاح الديني والسياسي والاجتماعي.. في السودان وفي اليمن..» .
ولنقرأ العلاقة بين دعوة جمال الدين وتلميذه محمد عبده والدعوة النجدية؛ حيث
يصفها هذان المؤرخان بقولهما: «وفي مصر ظهر الشيخ محمد عبده وقد ركز أبحاثه
على هذين الأساسين:
١- محاربة البدع وما أدخل على العقيدة من فساد بإشراك الأولياء والأضرحة
مع الله تعالى.
٢- فتح باب الاجتهاد [٦] ، وكانت آثار دعوات النجديين للاجتهاد في البيئات
المتمدنة في حواضر العالم الإسلامي تستلزم أدوات اجتهادية لم تكن لازمة في البيئة
النجدية حيث بساطة الحياة وغياب مزاحمة النظم الغربية، وقد أدى ذلك إلى
اكتشاف أهمية الاجتهاد المصلحي والمقاصدي، لتبدأ مسيرة التجديد فيه ليتكامل مع
الاجتهاد النصي والقياسي، وسنعود لهذه المسألة قريباً.
ولْنعُدِ الآن إلى جمال الدين الأفغاني (١٢٥٤هـ / ١٨٣٨م - ١٣١٤هـ /
١٨٩٧م) فقد أضاف عنصراً جديداً إلى المشروع الإصلاحي هو تحريك جمهور
المسلمين، ورفع وتيرة الخطاب الإصلاحي وضخ الحماسة فيه؛ فقد كان كما يقول
بعض المؤرخين:» يقرع ناقوس الخطر وينبه النيام ويفتق المشاكل ويفجر
الطاقات ويترك بصماته القوية في الأذهان والعقول والإرادات «. يقول الأفغاني
وهو يستلهم براهين التاريخ ويحرك الهمم محذراً من الخضوع للتغريب ودعاته:
» علمتنا التجارب ونطقت مواضي الحوادث بأن المقلدين من كل أمة المنتحلين
أطوار غيرها يكونون فيها منافذ وكوى لتطرق الأعداء إليها، وتكون مداركهم
مهابط الوساوس ومخازن الدسائس، بل يكونون بما أفعمت أفئدتهم من تعظيم الذين
قلدوهم واحتقار من لم يكن على مثالهم شؤماً على أبناء أمتهم يذلونهم ويحقرون
أمرهم ويستهينون بجميع أعمالهم وإن جلت « [٧] .
ليؤكد في تأصيله لهوية الأمة على أن:» الدين قوام الأمم وبه فلاحها وفيه
سعادتها وعليه مدارها « [٨] ، وينافح عن مرجعية الدين بحجج المدنية نفسها فيقول:
» السعادة الحقيقية التي هي طَلِبَةُ الإنسان الأصلية في حياته على الأرض لا
يجوز أن تُلتمَس إلا في الدين الخالص الذي هو الإسلام.. والدين هو الذي يسمح
ببناء نظام اجتماعي متماسك متحد يسعى لخير المجموع وسعادته داخل إطار التجمع
البشري الخاص والعام على حد سواء. أما التمدن المرادف للمكتسبات العلمية التي
لا يترتب عليها إلا الفائدة والكسب والربح فليس هو التمدن الحقيقي. إن هذه
المكتسبات لا تنتج غير مدن كبيرة وأبنية شامخة وقصور مزخرفة ومعامل.. ونحن
لو جمعنا كل ما في ذلك من المكتسبات العلمية وما في مدنية تلك الأمم من خير
وضاعفناه أضعافاً مضاعفة ووضعناه في كفة ميزان ووضعنا في الأخرى الحروب
وويلاتها؛ فإنه لا شك أن كفة المكتسبات العلمية والمدنية والتمدن هي التي تنحط
وتغور وكفة الحروب وويلاتها هي التي تعلو وتفور « [٩] ، وقد وطَّن جمال الدين
نفسه على التدليل على أن الفاعلية الأصلية لعقيدة التوحيد هي فاعلية اجتماعية
تمدينية» [١٠] ، وأن جحود الطبيعيين للألوهية والبعث يجر معه بالضرورة:
«إفساد الهيئة الاجتماعية وتزعزع أركان المدنية» [١١] وبهذا فالأفغاني قد انتهى إلى
أن التمدن ذو بعد أخلاقي إذا تجرد عنه يتعرى عن قيمته [١٢] . ومع عبد الله النديم
(١٢٦١هـ / ١٨٤٥م - ١٣١٤هـ / ١٨٩٧م) : نجد تأصيل مرجعية الشريعة
وهيمنتها على التشريع باستقراء التاريخ والتمدن الإسلامي ليقرر أن «الدين
الإسلامي كان السبب الوحيد في المدنية وتوسيع العمران أيام كان الناس عاملين
بأحكامه» [١٣] ثم يأتي محمد عبده (١٢٦٦هـ / ١٨٤٩م - ١٣٢٣هـ / ١٩٠٥م)
ليواصل الدعوة إلى بناء التحديث على أصول الشريعة محركاً عوامل عديدة
للبرهنة على حتمية سيادة الشريعة ومرجعيتها على النشاط الحضاري؛ ومن ذلك
إحياء أثر الإيمان على تهذيب النفوس وتوجيهها، ويقارن ذلك بفقر المذهبيات
الوضعية في ذلك، فيقول: «إن الأخلاقيين والسياسيين والفلاسفة يعجزون جميعاً
عن إثارة النفس الفردية وطبقات الناس جميعاً من أجل دفعها إلى حالة يغلب الخير
فيها على العمل ويتجه فيها العمل إلى المنفعة العامة فضلاً عن الخاصة وترتفع فيها
الشرور والمضار من عالم البشر إن هذا كله لا يتيسر إلا بالعقيدة الدينية، هذه
العقيدة التي بفضلها وحدها يمكن للعيون أن تبكي، وللزفرات أن تصعد، وللقلوب
أن تخشع» [١٤] ، كما يعارض دعوات أنطون فرح والنصارى العرب لبناء
التشريع بناءاً وضعياً مقرراً أن «العقل لا يستقل وحده بالوصول إلى ما فيه سعادة
الأمم بدون مرشد إلهي.. الدين هو حاسة عامة لكشف ما يشتبه على العقل من
وسائل السعادات» [١٥] .
لقد كان تأثير محمد عبده كبيراً في تيارات عصره، ونادى بالاجتهاد ودعا
إليه؛ لكنه لم يستطع بناء رؤية واضحة منضبطة فيه، وكان أبرز منحنيات تفكيره
الشخصي، ومن ثم تأثيره في جيله والأجيال اللاحقة هو اكتشافه لكتاب الموافقات
للشاطبي وهو الكتاب الذي أعاد للفقه والتفكير الفقهي روح النظر في المصالح
والمقاصد محاولاً تأسيس: «علم أصل راسخ الأساس ثابت الأركان» [١٦] ، وما
يعنيه ذلك من انطلاق واسع نحو مواجهة الغزو بأدوات اجتهادية جديدة هي رعاية
المقاصد ومقارنة الكليات وتأسيس منهجية الاستقراء المعنوي لقواعد الشريعة،
وهذه الأدوات الاجتهادية هي الوسائل التي أثبتت فاعليتها في بناء تفكير كلي بدلاً
عن التفكير الفقهي التجزيئي الذي قاد التقليد الفقهي إلى مضائق المتون ومتناثر
المسائل ليتحول الفقيه من قائد لنظم المجتمع إلى مفت في الجزئيات أو شارح
لمتونها وهو الدور الذي لا يقيم نظماً مضادة للنظم الوافدة؛ كما أن التفكير الجزئي
هو الذي أسهم في إبعاد الفقهاء المقلدين وأتباعهم عن ساحة البناء والتغيير إلى زوايا
العزلة واليأس من الإصلاح.
وتظهر أهمية التحول من التفكير الجزئي إلى التفكير الكلي في أوقات تدهور
الحضارة ونظمها، أو في مواجهة نظم غازية، ولم يكن مصادفة أن يظهر جيل من
المجددين ذوي المناهج الكلية في التشريع كالجويني وابن عبد السلام وابن تيمية
والشاطبي؛ لأن التدهور الحضاري يحفز التفكير باتجاه الكليات في مجالات البناء
الحضاري المختلفة؛ ولنقارن منهجية التفكير الكلي عند هؤلاء الفقهاء أثناء تدهور
الدولة العباسية واضمحلالها ولنقارنه بظهور التفكير الحضري التاريخي مع ابن
خلدون لتتضافر هذه المناهج في توصيف الأزمة وأسباب الخروج منها. يقول ابن
خلدون منتقداً مناهج المؤرخين في تتبع الوقائع وطغيان منهج التجزئة على كتاباتهم
فينتقد إيرادهم: «حوادث لم تعلم أصولها، وأنواعاً لم تعتبر أجناسها ولا تحققت
فصولها» [١٧] ، ويتجه ابن خلدون إلى منهج جديد لدراسة التاريخ والاجتماع تحكم
فيه: «أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع
الإنساني.. بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الأشياء» [١٨] ، غير أن تلك
الدعوات لم تلقَ طاقة دفع جماهيري ترفع أداءها إلى مستوى الفعل الحضاري،
لكنها أصبحت وقوداً حياً لحركات اليقظة والتصحيح المعاصر سنقرأ آثاره فيما يلي.
تُظهِر الأعداد الأولى من مجلة المنار تفكير محمد عبده ومحمد رشيد رضا:
تفكيرهما قبل اكتشاف محمد عبده للشاطبي، ثم يظهر تأثير الشاطبي في فكرهما
وفي المجلة بعد ذلك؛ حيث نشرت المجلة موضوعات عن المصلحة وقضاياها،
واصطبغت أفكارهما بهذا البعد الجديد في الدعوة والتفكير فقد «عرف محمد عبده
كتاب الموافقات بعد نفيه من مصر سنة ١٨٨٢م الذي صار حجة لمحمد عبده في
مسيرته التجديدية في المسائل الكلية في قضايا الحضارة والثقافة، أما تفاصيل
الأحكام فكان المرجع القياس» [١٩] .
وقد تفاعل العلماء مع هذا الاتجاه التجديدي، فكتب الشيخ محمد الطاهر بن
عاشور كتابه: (مقاصد الشريعة) ، ونشره سنة ١٣٦٦هـ / ١٩٤٦م محاولاً
تأسيس نظر كلي للتأصيل في مواجهة التقليد والنظم الغربية الوافدة، كما أصدر
الشيخ علال الفاسي كتابه: (مقاصد الشريعة) ، ونشره سنة ١٣٨٢هـ، ثم توالت
الأعمال الداعية إلى الاجتهاد الكلي لتأصيل التحديث وتطبيقاته، وبلغت في تأثيرها
إلى التأثير في الفكر الشيعي؛ إذ يقرر محمد باقر الصدر أن على المجتهد:
«أن يستوعب غايات التشريع ومقاصد الشريعة» [٢٠] ، ونلاحظ آثار مفهوم
المصالح ورعايتها لدى كثير من العلماء على اختلاف اتجاهاتهم ومذاهبهم. انظر
مثلا: الشيخ حسين الجسر (١٢٦١هـ /١٨٤٥م - ١٣٢٧هـ / ١٩٠٩م) : ألف
كتابه: (الرسالة الحميدية في حقيقة الديانة الإسلامية وحقيقة الشريعة الإسلامية
المحمدية) مقرراً: «أن الشريعة المحمدية بل وسائر الشرائع إنما يقصد منها بيان
ما يرشد الخلق إلى معرفة الله - تعالى -.. وإلى الأحكام التي توصلهم إلى انتظام
المعاش وحسن المعاد» [٢١] والشيخ محمد جمال الدين القاسمي (١٢٨٣هـ /
١٨٨٦م - ١٣٣٢هـ /١٩١٤م) : «فالدين هو الداعي إلى سبيل الرشد
وطرق السعادة البشرية ليهتدوا إلى المصالح التي تقوم بها حياتهم» [٢٢] .
لقد أدت جهود التأصيل الإصلاحي هذه إلى توعية كثير من المفكرين، كما
تزامنت مع يقظة نقدية علمانية نسبية أدت إلى بدء تراجع التيار التغريبي الجذري،
رغم أن إدارة الاحتلال البريطاني قد: «.. أفسحت مجالاً واسعاً بصورة خاصة
لحرية التغريب التي وقفت وراءها وشجعتها، وحمت دعاتها من ردود الفعل
الشعبية والتي تجلت خاصة في حملة التغريبيين على القواعد الإسلامية،
والمعطيات الدينية ليس بقصد إصلاحها، وإنما بقصد نبذها نهائياً من أجل إحلال
الثقافة الغربية محلها» [٢٣] .
وكانت جهود التغريبيين وطروحاتهم من التطرف بحيث لاحظ كثير من
المؤرخين للفكر العربي سذاجتها. يقول فهمي جدعان وهو المؤرخ القومي المعتدل:
«الذي يثير الاهتمام لدى الكتاب التغريبيين - من المصريين خاصة - هذا
الانقياد الكامل العجيب للقيم الغربية، وهذا الغياب المطلق لكل روح نقدية بإزاء
هذه القيم؛ فلقد اشتعلت رؤوسهم ذكاء ونقداً للمدنية العربية الإسلامية؛ بينما تقلص
هذا الذكاء تقلصاً كاملاً بإزاء المدنية الغربية التي كانت تلاقي في عقر دارها في
الفترة نفسها انتقادات لا ترحم..» مستنتجاً أن: «المفكرين المسلمين الذين سقطوا
سقوطاً كاملاً في أحضان المنظومة اللبرالية العلمانية التغريبية قد كانوا يفتقرون إلى
قوة في النفوس ونفاذ في الرؤية وبُعد في النظر وحس نقدي على درجة من
التوازن» [٢٤] .
ومن نماذج اليقظة النقدية المتأثرة بحركة الاجتهاد والتأصيل الإسلامي فهمي
منصور الذي بدأ برؤية علمانية متطرفة - وقد أوردنا في حلقات سابقة بعض
آرائه - عاد ليقول: «نحن وفق مقومات فكرنا العربي الإسلامي لا نقبل عيوب
الحضارة الغربية ونواجهها مواجهة الإصلاح والنقد حتى نقارب بين المثل الأعلى
لأمتنا والواقع. والمفكر يجب أن يعيش عصره.. ولكنه مكلف بتحويله إذا انحرف
والتحفظ على اندفاعاته وتعديل المجرى أمامه ليصل إلى الغاية المثلى.. ولا يمكن
أن تنتقل أمتنا العربية من واقعها الذي يقف الآن في مرحلة الجزْر إلا على مفهوم
واضح ببناء أساس فكري روحي سليم يمكن أن يواجه القيم والأفكار القادمة من
الشرق أو الغرب حتى لا تجرف كياننا ولا تجعلنا ممسوخي الشخصية» ، كما كتب
يقول: «إن النفس لتدعوني أن أحتفظ بالخصائص التي أراد الله أن يميز بها أمة
أنا من بينها، وأنا أتمسك بميراث انحدر إلى بلدي منذ قرون» [٢٥] ، ونموذج آخر
هو تحول محمد حسين هيكل رئيس تحرير جريدة السياسة فقد انتهى سنة ١٩٣٣م
تقريباً إلى ملاحظتين أساسيتين: أولاهما: إدراكه لأزمة الغرب الروحية التي بدأ
الغرب يعانيها منذ سنة١٩٢٠م ويلتمس علاجها. والثانية: إدراكه لدعم الدول
الغربية للتبشير في البلاد الإسلامية، فكتب في جريدة السياسة سنة ١٩٣٣م قائلاً:
«حاولت أن أنقل لأبناء لغتي ثقافة الغرب المعنوية وحياته الروحية لنتخذها جميعاً
هدياً ونبراساً، لكني أدركت بعد لأْيٍ أنني أضع البذر في غير منبته؛ فإذا الأرض
تهضمه ثم لا تتمخض عنه ولا تنبت الحياة فيه. وانقلبت ألتمس في تاريخنا البعيد
في عهد الفراعين موئلاً لوحي هذا العصر.. فإذا الزمن وقد قطع بيننا وبينه..
فرأيت أن تاريخنا الإسلامي هو وحده البذر الذي ينبت ويثمر؛ لذلك لم يكن لنا مفر
من العود إلى تاريخنا نلتمس فيه مقومات الحياة المعنوية لنتقي الخطر الذي دفعت
الفكرة القومية الغرب فيه» [٢٦] ، كما نجد اتجاهاً نقدياً جديداً لدى إسماعيل مظهر
صاحب مجلة العصور الليبرالية العلمانية، كتب في المقتطف يقول: «ينبغي لكل
عربي أن يكون في دخيلة نفسه عربياً روحاً ونفساً، مثله الأعلى آداب العرب
وآداب الإسلام، وسياسته الدنيوية سياسة العرب والإسلام» [٢٧] ، ولا زال رموز
العلمانية ينعون تراجع العلمانية المتطرفة؛ ولنقرأ ذلك في كلمات عزيز العظمة
متحدثاً عن قضيتي طه حسين وعلي عبد الرازق وأنهما «محطتان رئيسيتان في
سياق الهجمة الدينية على تعميم (العقلانية العلمانية) .. وكان من نتائجها أن نجح
الدينيون وبمؤازرة السلطات.. بحظر النظر العقلي في أمور النصوص
الدينية» [٢٨] .
لقد تمكن العلماء والمفكرون من تأسيس مرجعية الشريعة في مشروعات
النهضة، وتمكنوا من تكوين تيار عام من شتى طوائف المثقفين العرب يقر بهذه
المرجعية، ويتفاعل معها بشكل أو بآخر، وربما كان من أبلغهم تأثيراً في العقدين
الأخيرين د. محمد الجابري في مشروعه الكبير: (نقد العقل العربي) ، ومن
الخليجيين محمد جابر الأنصاري. وتجد الإقرار بالمرجعية العامة عند طائفة من
الليبراليين الخليجيين، وربما تيسر لهذا الموضوع مراجعة في المستقبل.
٢- إعداد مدونات فقهية مقننة مستمدة من الفقه الإسلامي:
لقد أدرك الفقهاء الرواد في زمن مبكر أن مواجهة الانحراف التشريعي لا
تستقيم إلا بالاجتهاد الشرعي وتقديم أحكام الشريعة بدلاً من الأحكام المنحرفة عن
هدي الوحي؛ إذ لا يكاد يوجد انحراف تشريعي إلا وهو متلبس بنوع من التقصير
الفقهي؛ وقد لاحظَ ذلك ابن تيمية في انحراف العباسيين وتقدم كلامه، ولاحظه ابن
القيم في مسألة أحكام السياسة متابعاً شيخه، كما لاحظ الجويني في الغياثي أن
الضعف الفقهي سبب داعم لانحراف أداء أجهزة الدولة، وتقدمت الإشارة إلى ذلك،
ولم يكن التغريب التشريعي حالة استثناء؛ فقد كان الأزاهرة في لجج التقليد حين
دهمتهم قوانين فرنسا، بل كان تقصيرهم سبباً للتغريب في أكثر من حالة، وقد تقدم
من البيان في حلقات سابقة ما يغني عن الإعادة. وإنصافاً لأهل المبادرة لا يفوتني
هنا التنويه إلى سلسلة من المبادرات الفقهية جاءت لتقدم الصياغة الفقهية، لكنها
كانت متأخرة عن وقتها ففات بذلك التأخير على الأمة خطف زمام المبادرة في
لحظات التحول. وقد كان من فضل الله - تعالى - أن أدركت تلك المبادرات
لحظات تأثير وتحول في مواقع أخرى فكانت من أسباب مزاحمة التغريب وقهره،
ونورد في هذا المقام النماذج الآتية ونذكر معها أوجه تأثيرها:
أ - مشروع قدري باشا:
كان قدري باشا ناظراً للحقانية وزيراً للعدل وقد كلف سنة ١٨٨٢م - ١٣٠٠
هـ بصياغة تقنين مستمد من الفقه الإسلامي، ثم تعثر المشروع بسبب ضغط
أوروبي تقدمت إشارات إلى بعضه، لكن قدري باشا أنجز المشروع وأصدره في
كتاب شهير بعنوان: (مرشد الحيران) [٢٩] . رتب فيه الفقه الحنفي، في المجال
المدني والتجاري في مواد مستمدة من المجلة العدلية، ولم يظفر بالتصديق الرسمي؛
لكنه كان مرجعاً واسع التأثير في الدراسات القانونية التالية؛ كما استمدت منه
بعض التشريعات العربية وأصبح وثيقة تاريخية في هذا المجال، وطبع طبعات
كثيرة، ويكاد ألاَّ يعثر الآن على نسخ منه لتقادم طبعاته، ودون أحكام الأحوال
الشخصية، في تقنين خاص، وأصدر كتاب العدل والإنصاف في أحكام الأوقاف
وهو تقنين لأحكام الأوقاف.
ب- تقدم بعض العلماء بنموذج لمشروع قانون مدني مستمد من الشريعة في
مسائل نظرية العقد بمناسبة صدور المدني المصري سنة ١٩٤٨م.
ج- أوصى المؤتمر الثاني لمجمع البحوث في سنة ١٣٨٦هـ السلطات ذات
الاختصاص بالعمل على تنقية التشريعات والنظم من كل ما يخالف حكم الإسلام،
وأن ترد التشريعات إلى الكتاب والسنة مستعينة بكل مستحدث صالح من فكر أو
حكم لا يعارض أصلاً من أصول الدين [٣٠] . ثم في سنة ١٣٨٨هـ أوصى المؤتمر
الرابع لمجمع البحوث الإسلامية في مصر بتأليف لجنة من رجال الفقه والقانون
لتضع الدراسات ومشروعات القوانين التي تيسر على المسؤولين في الدول
الإسلامية الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية في قوانينها [٣١] .
د - في سنة ١٩٧٠م صدر الدستور اليمني ونصت المادة ١٥٢على وجوب
تقنين أحكام الشريعة المتعلقة بالمعاملات بما لا يخالف نصاً ولا إجماعاً.
هـ - في سنة ١٩٧٠م وافق مجمع البحوث في مصر على الخطة
المرحلية
لأعمال لجان المجمع ومنها لجنة تقنين الشريعة [٣٢] .
و في سنة ١٩٧١م صدر قرار مجلس قيادة الثورة الليبي بتشكيل لجان
لمراجعة التشريعات وتعديلها بما يتفق مع المبادئ الأساسية للشريعة، وصدرت
قوانين الزكاة والربا والغرر والوقف وحدي السرقة والحرابة، وأعدت مشاريع
قوانين حدود شرب الخمر والزنا والردة.
ز - في سنة ١٩٧٢م صدرت الطبعة التمهيدية لمشروع تقنين مذهب الإمام
مالك عن لجان مجمع البحوث المصري.
ح - في سنة ١٩٧٢م صدرت الطبعة التمهيدية لمشروع تقنين مذهب الإمام
أحمد عن مجمع البحوث المصري [٣٣] .
ط - في سنة ١٣٩٧هـ نشر جمال الدين عطية مشروعاً مقترحاً بإنشاء هيئة
تقنين أحكام الشريعة [٣٤] .
ي - وافق مجلس الشعب المصري سنة ١٩٧٨م على تشكيل لجنة
لدراسة تطبيق الشريعة وتقنينها على أن تستشير اللجنة من تراه من خبراء
القانون والشريعة، فأعدت مجموعات قوانين تم عرضها على الأزهر والجامعات
والقضاء للاستئناس، فرجعت بملاحظاتهم، وتم إكمال الصياغة النهائية، وهي:
مشروع قانون الإثبات في ١٨١مادة. ومشروع قانون التقاضي في ٥١٣ مادة
ومشروع قانون العقوبات في ٦٣٠ مادة. ومشروع قانون التجارة البحرية في
٢٤٣مادة. ومشروع قانون التجارة في ٧٧٢مادة [٣٥] .
ك - مشروع القوانين الموحدة بالدول العربية، وتصحيح القوانين الحالية بما
يتفق مع الشريعة، وهو العمل الذي تشتغل به مجموعة من اللجان المشكلة بجامعة
الدول العربية [٣٦] .
ل - القانون المدني الموحد لدول مجلس التعاون الخليجي: «وثيقة الكويت
للنظام (القانون) المدني الموحد لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية»
ويتكون من ١٢٤٢مادة انتهت إليها لجنة الخبراء: «ووافق عليها أصحاب المعالي
وزراء العدل في اجتماعهم التاسع الذي عقد بالدوحة ١٤١٨هـ. ووافق عليها
المجلس الأعلى في دورته الثامنة عشرة التي عقدت في دولة الكويت ١٩٩٧م
كقانون استرشادي لمدة أربع سنوات» [٣٧] .
وكان قد أقر القانون التجاري الخليجي الموحد مستمداً من القانون التجاري
المصري لسنة ١٩٥٤م. وقانون جزائي مستمد من الشريعة أدرجت فيه الحدود
الشرعية [٣٨] .
هذه نماذج لأعمال تقنين أحكام الفقه الإسلامي، لم أقصد بها الاستقصاء، كما
تعمدت عدم ذكر مجموعة من القوانين المدنية العربية التي استلهم فيها كثير من
أحكام الشريعة وعدلت لتكون أقرب إلى روح الفقه الإسلامي مثل المدني الأردني،
والعراقي، والسوري، والإماراتي، والتعديل الجديد للقانون المدني الكويتي الذي
اقترحته اللجنة الاستشارية العليا لاستكمال تطبيق الشريعة، وغيرها من الجهود.
٣- استثمار المؤتمرات الفقهية والقانونية:
عقدت في بداية القرن الميلادي الماضي سلسلة من المؤتمرات الفقهية
والقانونية العالمية والإقليمية والمحلية، وقد شارك فيها الفقهاء وقدموا فيها
موضوعات فقهية متخصصة، أسهمت في تصحيح كثير من التصورات الخاطئة
عن الفقه الإسلامي التي تركتها حملات التشهير التي قام بها المستشرقون،
والمستغربون من المثقفين العرب، ومن تلك المؤتمرات: مؤتمرات لاهاي المنعقدة
في السنوات ١٩٢٧م وقد مثل الأزهر ببحثين هامين، ثم توالت مؤتمراته في
السنوات ١٩٣٢م، و١٩٣٧م، و١٩٤٨م، وأسبوع الفقه الإسلامي المنعقد بباريس
سنة ١٩٥١م، والندوة الإسلامية الكبرى بلاهور سنة ١٩٥٣م، وندوات جنيف سنة
١٩٧٢م وسنة ١٩٧٤م، وندوة التشريع الإسلامي المنعقدة بالجامعة الليبية سنة
١٩٧٢م [٣٩] .
وقد كان لتلك المؤتمرات أثر عميق على المفكرين العرب؛ فقد كتب عبد
الرزاق السنهوري في جريدة الإخوان المسلمين: «الشريعة الإسلامية بشهادة فقهاء
الغرب أنفسهم تعد من أكبر الشرائع العالمية؛ فما بال الغرب يعرف هذا الفضل
ونحن ننكره؟ وما بال هذه الكنوز تبقى مغمورة في بطون الكتب الصفراء ونحن
في غفلة نتطفل على موائد الغير ونتسقط فضلات طعامهم؟ والمطلوب أن نأخذ في
دراسة الشريعة الإسلامية طبقاً للأساليب الحديثة» [٤٠] .
وكان من أطرف تلك الملتقيات وأكثره دلالة على وجوب مقاومة الأمة
للتغريب التشريعي ما قرره عمداء كليات الحقوق في الجامعات العربية في ندوتهم
المنعقدة في بيروت وبغداد سنة ١٩٧٢م ما يلي: «وجوب العناية بدراسة المقارنة
بين أحكام الشريعة وأحكام القوانين الوضعية باعتبارها من أهم أسس التوحيد
القانوني بين البلاد العربية» [٤١] ، وجاء فيها: «أن من مهمات كليات الحقوق
بالجامعات العربية أن تدرس الشريعة الإسلامية بوصفها مصدراً رسمياً للقانون في
معظم البلاد العربية، مصدراً تاريخياً للقانون في جميع هذه البلاد، كما أصبح
المشرع العربي في معظم البلاد العربية يجعل من الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسياً
يستمد منه عند وضع التشريع، وهذا كله؛ فضلاً عن كون الشريعة الإسلامية تراثاً
قومياً؛ يجدر بنا أن نلقي عليه الضوء عند دراسة القانون الوضعي» [٤٢] ، وصدر
عن الندوة الثانية لعمداء كليات الحقوق في العالم العربي المنعقدة في بغداد سنة
١٩٧٤م توصيات مهمة تدعو لاعتماد الشريعة الإسلامية مصدراً أصيلاً للقوانين
العربية؛ لأنه وحده المصدر الأساسي للتشريع وهو الطريق الوحيد لتوحيد الأحكام
والمصطلحات القانونية. ومن أهم توصيات الندوة ما يلي:
أولاً: العناية التامة بدراسة الفقه الإسلامي؛ لأن استكمال الشخصية العربية
يقتضي الرجوع إلى هذه الشريعة والاعتماد عليها كمصدر أساسي للقانون العربي
الموحد.
ثانياً: تدعو الندوة الحكومات التي تنص في دساتيرها على أن الفقه الإسلامي
هو المصدر الرئيسي للتشريع إلى وضع هذا النص موضع التنفيذ عن طريق
الالتزام بالأحكام القطعية، والاجتهاد في المسائل الاجتهادية بما يلائم روح العصر.
ثالثاً: إنشاء مجمع للشريعة والقانون على مستوى العالم العربي، ويختص
هذا المجمع بإعداد دراسات شرعية وقانونية يفيد منها المشرع الوضعي، ولإبداء
الرأي في ما تطلبه الحكومات العربية والهيئات الرسمية وتقديم المشورة إليها
والتنسيق بين عمل المجمع والهيئات المعنية بالشريعة في البلاد العربية) [٤٣] .
في الحلقة القادمة - بإذن الله تعالى - نتابع جوانب من جهود العلماء في
الإصلاح التشريعي. والله الموفق.
стр. 3982
دراسات في الشريعة والعقيدة
التفسير الموضوعي
د. عبد الحميد محمود غانم
انصبَّ اهتمام أهل التفسير في القديم والحديث على سبر أغوار السور
والآيات القرآنية بحسب الترتيب المصحفي من جهة المعنى الإجمالي، ورُتب
الإعجاز والطرق المؤدية إلى ذلك دون تتبع ما بينها من روابط موضوعية.
وبرغم تنوع مدارس التفسير واتجاهاته بين نقلي، وعقلي، وفقهي، ولغوي،
وتاريخي، وباطني، وإشاري، وصوفي، وإجمالي، ومقارن، وتحليلي،
وغيرها ... يبقى الاتجاه الذي ينظر للتفسير على أنه فهم للقرآن باعتباره منهاجاً
ربانياً يرشد الناس إلى سعادتهم الدنيوية والأخروية، ويجعل هذا الفهم القرآني
المقصد الأعلى - يبقى هو أكثر اتجاهات التفسير فهماً لهذا القرآن العظيم.
فحيث جعل المولى ﷻ هذا الكتاب الكريم حجة دينه الخاتم، فإنه
تعالى جعل من معجزته أنه مع قلة الحجم متضمن للمعنى الجم؛ بحيث تقصر
الألباب عن إحصائه، وآلات الدنيا عن استيفائه، بقدر ما جعله محفظة للعلم
والخير ليتناول منه كل عقل على قدر طاقاته في الفهم والاتباع [١] .
يقول الحسن البصري: «أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب، جمع علمها في
أربعة، وجمع علم الأربعة في القرآن الكريم» [٢] .
وكما جعله الله كتاب معجزة وحجة أبقاه موضع نبراس وهداية؛ في ثناياه
البراهين ما تراكمت الشبهات، وفي إرشاداته برد اليقين ما حاكت في الصدور
الوساوس. ومن يتدبره يدرك وفاءه لحاجات البشر على تجدد الحوادث التي لا عهد
للسابقين بها، وهذا الإدراك إنما يتجلى على صورته الكاملة من خلال منهج التفسير
الموضوعي للقرآن الكريم سوراً وآياتٍ وموضوعات، هذا المنهج الذي يُعنى
بالتعرف على الروابط بين الآيات، والروابط بين السور، وتنسُّم هدايات الذكر
الحكيم، وربط القرآن بقضايا العصر، ومعالجة مشكلاته معالجة تدل على أنه كتاب
الله الخاتم ومعجزته لكل عصر.
وعلى كثرة ما كتب في التفسير الموضوعي فإن القليل من تلك الكتابات قد
نجح في تناول الجانب المنهجي منه في حين اكتفى أغلبها بالدراسات التطبيقية
لموضوع أو سورة، لكن الذي ينبغي التنبيه عليه أنه لا يمكن الفصل بين اتجاهات
التفسير فصلاً يقطع الوشائج بينها؛ إذ المجال بينها واحد وهو كلام الله - تعالى -،
والغاية واحدة وهي الكشف عن مرادات الله - تعالى - فيه.
وإن مناهج هذا الكشف لتتعدد وتتغاير تغاير تنوع وتعاضد، وترادفاً لا تبايناً،
ولا انفصالاً أو تضاداً، بل إن بعض أنواع التفسير يكون أساساً للبعض الآخر؛
فالتفسير التحليلي مرتبط بكل من التفسير الإجمالي والموضوعي والمقارن؛ لأنه
ينصبُّ على معرفة دلالات الألفاظ لغوياً وشرعياً، وإدراك الروابط بين أجزاء
الجملة القرآنية من جهة، وبين الجمل في الآية من جهة ثانية، وبين الآيات في
السورة من جهة ثالثة، كما أن التعرف على أسباب النزول والناسخ والمنسوخ
والقراءات وآثارها في فهم دلالات الآيات، وكذا وجوه الإعراب وأساليب البيان
وسبل الإعجاز ودلالات القصص؛ هي كلها من الوجوه التي تعين على تجلية
المقاصد القرآنية؛ بحيث يلزم للمهتم بالتفسير الإجمالي الإلمام بكل ما تقدم من معالم
التفسير التحليلي.
كما أن من يكتب في التفسير المقارن يحتاج إلى الإحاطة بأقوال المفسرين
عموماً، وبالتفسير التحليلي والإجمالي خصوصاً، أما الباحث في التفسير
الموضوعي فيجب عليه أن يعتمد جملة ما تقدم؛ لأن عمله ثمرة لهذه الاتجاهات
كلها، ومرحلة تخصصية متأخرة عما سبقها؛ فليس ما سبقه إلا لَبِنات عمله ومادته
الأولية التي عليها يقيم بنيانه. وقد لا أكون مبالغاً إذا قلت إن المكتبة الإسلامية
تفتقر إلى جملة بحوث ذات صبغة تخصصية في التفسير الموضوعي، وإن
الموجود منه لا يعدو أن يكون نتفاً متناثرة.
وإذا نظرنا إلى مراتب التفسير وجدنا أن أدناها يُبيِّن بالإجمال ما يُشرِب القلب
عظمة الله وتنزيهه، ويصرف النفس من الشر إلى الخير، وأعلاها لا يتم إلا بأمور
تتحقق مجتمعة من خلال منهج التفسير الموضوعي وحده، وتلك الأمور هي [٣] :
١ - فهم معاني الألفاظ المفردة بحيث يحقق المفسر اللفظ من القرآن بجمع ما
تكرر منه وينظر فيه؛ فلربما استعمل بمعان مختلفة كلفظ: (الهداية) فيعرف
المعنى المطلوب من بين معانيه؛ فإن القرآن يفسر بعضه بعضاً، وإن أفضل قرينة
تقوم على حقيقة معنى اللفظ هي موافقته لما سبق له من القول، واتفاقه مع جملة
المعنى، وائتلافه مع المقاصد التي جاء بها الوحي في جملته.
٢ - فهم الأساليب والتفطن لنكت القرآن ومحاسنه بقدر الطاقة، ويحتاج هذا
إلى علم الإعراب، وعلوم المعاني والبيان، واستعمالات أهل اللغة باعتبارها آلة
الوحي ومحفظته.
٣ - العلم بأحوال البشر؛ فهذا الكتاب آخر الكتب، وفيه بيان ما ليس في
غيره من أحوال الخلق وطبائعهم، والأمم وتبدلها، والسنن الإلهية، وأحسن
القصص، ومناشئ الاتفاق والافتراق، وذلك يحتاج إلى جملة فنون من أهمها علوم
التاريخ، والسنن الإلهية.
٤ - العلم بوجوه هدايات القرآن للبشر، وذلك يستلزم الوقوف على ما كان
عليه الناس في عصر الرسالة وقُبَيْلَهُ، وما قبّحه القرآن من طباع الجاهلية؛ فإن
عُرى الإسلام تُنتقض إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، ومن جَهِل حال
الناس قبل القرآن جهل تأثير هداياته فيهم.
٥ - العلم بالسيرة النبوية وأحوال الصحابة والتابعين؛ فإن هذا العصر هو
أزكى مراحل الاتباع النقي لهدايات الوحي ومقاصده.
كما تتجلى أهمية التفسير الموضوعي في عصرنا أكثر مما تجلت في غيره؛
ذلك أننا نعيش عصر القضايا المتلاحقة وإفرازات النشاط البشري والطارئ
المعاشي، وقد أقر لسان حال الحضارة المادية بإفلاسها في مواجهة تحديات الحياة،
وإنسان عالم السلطة الزمنية، والحضارة الشيئية، والمراهنة الصناعية بحيث لم
يعد هذا الإنسان قادراً على مواجهة المشكلات التي صنعها، فلا هو يقدر على
التخلص منها، ولا هي بالتي تريد تركه؛ ذلك الإنسان الذي يستدعي النشوة
بدمار ذاته، ويستبدل بالدين بدائل وضعية، ويضع تفسيرات للحياة والموت،
ويخترع نظريات وحلولاً يقنع بها نفسه ويلقنها أجياله حتى أصبح العالم بين وثني
إلحادي ومادي نفعي، وجاهل بالدين قد فقد توازنه القيمي، وسلامه الداخلي،
وصفاءه النفسي؛ في تعاند واضطراب حوَّل حياته إلى أرقام، والأرقام لا قلب
لها.
لقد أتى بالمشكلة وعجز عن الحل، فنجح في اختزال الزمان والمكان،
وأصبح منتفخاً بالتقدم الكمي، فاشلاً في تحقيق رصيد يحميه من خواء الروح،
فتحول إلى (العملاق القزم) فهو عملاق في التمدد العلمي واختراع الأسباب، وقزم
في إشراقات الروح وصحة الفطرة ومنظومة القيم، قد ضاع منه انسجام الحياة،
وسلام النفس، واتساق المشاعر، وتوازن النوازع، وحميمية العلاقات فحدثت
التناقضية الهائلة بين المادة الغالبة والروح المغلوبة.
إن الإنسان اليوم بحاجة إلى حل كبير على قدر مأساته، ولما كان الخالق
أدرى بصنعته فإنه لا مفر من رد الصنعة إليه، بعد أن تعددت مشكلات الحياة إلى
حد يُلْزِم بضرورة التدخل لوضع الحلول الشرعية لها، ولن يتم ذلك بغير تنسم
الهدايات الربانية واستنطاق مدلولات الآيات، وإماطة اللثام عن وجوه جديدة
للإعجاز؛ فالنصوص محدودة ومشكلات البشرية لا نهاية لها.
والحق أنه ما من نوع من أنواع التفسير يمكن أن يوفر للباحث رُتَبَ الإحاطة
والدرس الذي تحتاجه مشكلات الحياة مثل ما يوفره التفسير الموضوعي من قدرة
على جمع أطراف موضوع الدراسة والاطلاع على أسباب النزول، وشروط
المرحلة التي تنزلت فيها الآيات وتنزيلها عليها، وتوجيه ما ظاهره التعارض،
والاسترشاد بالدلالات اللغوية والأساليب البيانية، والتفتيش عن أسرار الترتيب
المصحفي والنزولي، واستنطاق إيحاءات الوحي بشروطها، وإماطة اللثام عن
وجوه هداياتها الجديدة.. وجمع ثمرات طرق التفسير جملةً، وتوظيفها لتحقيق تلك
الغاية الشريفة.
الوحدة الموضوعية في اللغة:
أ - الوحدة: تطلق الوحدة لغة على الانفراد؛ فالواحد في الحقيقة هو الشيء
الذي لا جزء له البتة، ثم يطلق على كل موجود [٤] وتستعمل الوحدة في معنى
الاتحاد، أي صيرورة الاثنين وما فوقهما واحداً [٥] .
ولما كان من شأن التعدد التشتت استعملت الوحدة التي أصلها الانفراد في
الاجتماع الذي فيه الضبط والالتئام [٦] .
قال أبو البقاء في «كلياته» : «الوحدة كون الشيء بحيث لا ينقسم، وتطلق
ويراد بها عدم التجزئة والانقسام» [٧] .
ب - الموضوع: يطلق لغة على الوضع، وهو جعل الشيء في مكانٍ ما
سواء كان ذلك بمعنى الحط والخفض أو الإلقاء والتثبيت، والوضع أعم من الحط،
ويقال: ناقة واضعة؛ إذا رعت حول الماء ولم تبرح. وقيل: وضعت تضع
وضيعة وكذا موضوعة، والفعل منها يتعدى ولا يتعدى [٨] .
وقد استعمل الوضع في القرآن الكريم على عدة معان: منها: الموضع:
[يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ] (النساء: ٤٦) . ووضع الحمل: [فَلَمَّا وَضَعَتْهَا
قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ] (آل عمران: ٣٦) ،
والإيجاد والخلق: [وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ] (الرحمن: ١٠) ، أي خلقها
وأوجدها. والبناء: [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ]
(آل عمران: ٩٦) ، أي بني وخصص للعبادة. كما يأتي الوضع في القرآن
على معنى بث الشيء في النفس قال تعالى: [وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ]
(التوبة: ٤٧) ، أي حملوكم عليها [٩] .
والوضع ضد الرفع، ومنه: وضعه يضعه وضعاً وموضوعاً، والموضوع
في الكتب هو ما بحث فيه عن عوارضه الذاتية كالجسم بالنسبة للطلب، واللفظ
العربي بالنسبة للنحو. والموضوعية: مصدر صناعي نسبة للموضوع المأخوذ من
الموضع [١٠] والموضوعي نسبة إلى موضوع. ومنه موضوع الألوهية، وموضوع
البر والثواب ونحوها، وهذا المعنى ملحوظ في التفسير الموضوعي؛ لأن المفسر
يرتبط بمعنى معين لا يتجاوزه إلى غيره حتى يفرغ من تفسير الموضوع الذي التزم
به [١١] .
الوحدة الموضوعية في الاصطلاح:
الموضوع في الاصطلاح: هو أمر متعلق بجانب من جوانب الحياة في
العقيدة أو مظاهر الكون أو السلوك الاجتماعي تعرضت له آيات القرآن الكريم [١٢] .
وإذا ذكرت الوحدة الموضوعية من خلال اعتبارها مركَّباً وصفياً فإن معناه: اتحاد
الموضوع الذي ذكر متناثراً بحيث لا يكون فيه تباين أو اختلاف، بل يؤلف وحدة
كاملة، كما نقول: وحدة الموضوع [١٣] ؛ فالمراد بالوحدة الموضوعية في القرآن
هو البحث عن القضايا الخاصة التي عرض لها الكتاب الحكيم في سوره المختلفة
ليظهر ما فيها من معان خاصة تتعلق بالموضوع العام الذي نبحثه [١٤] .
ولقد أُضيفت كلمة «تفسير» إلى كلمة «موضوعي» فصارتا عَلَماً على هذا
اللون من التفسير، ثم تُنُوسيت من الأذهان تلك الإضافة. كما تعددت تعاريف هذا
الاصطلاح بين جمهرة الباحثين وإن بدا من أكثرهم اتجاه إلى حصره في جانب من
جوانبه الرحيبة وهو الجانب المتعلق بموضوع ما من موضوعات الحياة، لذلك
ترجَّح عندهم تعريفه بأنه: علم يتناول القضايا القرآنية، من خلال جمع الآيات
المتفرقة لفظاً أو حكماً، ذات العلاقة بموضوع واحد وتفسيرها بحسب المقاصد
القرآنية [١٥] .
وعلى ذلك فلا يُعد التفسير الموضوعي تفسيراً عاماً بالمعنى الاصطلاحي
المألوف لدى جمهرة المفسرين؛ ذلك أنه لا يتناول كل آيات القرآن على صورة
الترتيب المُصْحفي، وإنما هو جمع للآيات الواردة في موضوع واحد، ثم تصنيفها
بطريقة منهجية تعين على تنسم هداياتها، وتلمس مقاصدها، واستخراج
مكنوناتها [١٦] .
إلا أن بعض أهل العلم ينظرون إليه على أنه لون تفسيري مستقل يعتمد
المنهجية في النظر إلى القرآن الكريم كمنحة إلهية ذات مقاصد شمولية تشمل
حاجات البشرية في كل زمان ومكان، على مستوى يضمن لها الصلاح والترقي
اللائق برتبة التكريم الإلهي للإنسان.
يقول الدكتور محمد البهي: التفسير الموضوعي ليس تفسير جملة من الآيات،
ولا استخلاص مضمونها في وحدة قرآنية، وإنما هو استخلاص مضمون الكتاب
ككل من نظرة موضوعية شاملة مرة، أو استخلاص موضوع محدد كمنهج القرآن
في تطوير المجتمع، أو موقف القرآن من المادية مرة أخرى، أو استخلاص هدف
السورة الواحدة وما عنيت بإبرازه في إطار الدعوة كلها مرة ثالثة [١٧] .
ولعل أبلغ مهام التفسير الموضوعي وجل أهميته تتعلق بكون «سر القرآن
ولبابه الأصفى ومقصده الأقصى إنما يكمن في دعوة العباد إلى الله - تعالى -، وأن
معانيه تدور حول أصناف ستة: ثلاثة منها أصول، والأُخَرُ توابع. فالأصول:
تعريف المدعو إليه، وتعريف الصراط، وتعريف الحال عند الوصول إليه.
والتوابع: أحوال المجيبين للدعوة والناكثين عنها، والرد على الجاحدين، ومعرفة
الطريق إلى الله - تعالى -» [١٨] .
ومن هنا تتجلى أهمية التفسير الموضوعي فيما يلي:
أولاً: تجدد حاجات المجتمعات للهدايات الإلهية، وبروز أفكار جديدة على
الساحة الإنسانية، وانفتاح ميادين ثرية للنظريات العلمية الحديثة يوجب على
الباحث المسلم أن يلجأ إلى هدايات الكتاب وإرشادات السنَّة ليستشف منها الحلول
لمشكلات العصر.
ثانياً: لما كانت المشكلات الإنسانية غير محدودة ونصوص الوحي محدودة
فإن مجابهة تلك المشكلات توجب البحث عن حلولها من خلال آليات الاجتهاد
والسعة الكامنة فيما تحمله آيات التنزيل من قواعد كلية وظنّيات دلالية.
ثالثاً: الدراسة الموضوعية هي أوقع المناهج وأعمقها للكشف عن علل
النصوص ومناسباتها وحكمها وهديها ودلالاتها وظلالها، باستخدام منظار القرآن
نفسه طلباً لإدراك ملكة التعرف على المقاصد القرآنية.
رابعاً: إن هذا النوع من التفسير ينظر إلى موضوع معين في القرآن كله
ليجلّي جوانبه ويحدد ملامحه ويربطه بالحياة، ومن ثم يرتب المجال لكل دارس كي
يربط تخصصه بهدايات الوحي ويصنع الحياة على عينه؛ فالفقيه يجد مَعيِنَهُ في
آيات الأحكام، والمفكر يلتقي بالموارد القرآنية التي يبحث عنها في مظان التدبر
وإعمال النظر، والاقتصادي يقف على آيات المال والإنفاق والثروة والإعمار،
وعالم الكونيات يرى مراداته في آيات الفلك والنجوم وحركة الكواكب والليل
والنهار، والباحث التربوي يلقى ضالته في آيات الإرشاد والوعظ والتوجيه
والاعتبار، والمؤرخ يعثر على أخبار الأمم السابقة ودروس العبر القرآنية
وأحوال الأقوام والدول، وباحث الاجتماع يجمع ثروة هائلة من الآيات الدالة
على سنن الابتلاء والتمكين والاستدراج والزوال، وأحوال العمران.
وكلهم يسوس الحياة كما يريدها الله بعد أن برزت إلى الساحة علوم جديدة
تحتاج إلى من يضبط قواعدها ويؤصل لها، مثل:
١ - الإعجاز العلمي: بغرض الاعتدال في توجيهه بعد أن تعرض لنوع
إفراط عند إدخال الآيات القرآنية ذات العلاقة إلى مجالات العلوم التجريبية التي لم
تقعّد نظرياتها بعدُ كما حدث في علوم الفلك والحياة والفيزياء.
٢ - أصول التربية: بعد أن تعددت مدارس علوم النفس والاجتماع حتى
فرضت مناهجها على مجالات الفكر التربوي وتطبيقاته ومعظمها غربي النبتة
والتوجه؛ بحيث أصبح المسلمون بحاجة ماسة إلى علماء راسخين في علوم
الدراسات الإسلامية، وقادرين على استيعاب ثقافات العصر ومناهجه في هذا
المجال وغيره، مع التمتع بملكة الاستنباط والإبداع عن بصيرة.
٣ - أصول الاقتصاد.
٤ - أصول الإعلام.
٥ - أصول التاريخ البشري.
ولا شك أن كل هذه العلوم وغيرها، وما سوف يستحدث منها بحاجة إلى
الكتابة فيها من خلال قراءة الوحي وقراءة العصر، وليس لغير منهج التفسير
الموضوعي القدرة على تلك القراءة، الأمر الذي سيؤدي إلى تأصيل هذه العلوم في
ميادينها.
خامساً: إن التفسير الموضوعي هو الأقدر على أن يُجَلِّي وجوهاً جديدة
للإعجاز القرآني الذي لا تنقضي عجائبه ولا يَخْلَق على كثرة الرد [١٩] ، وإذا كان
فهم القرآن يتوقف على إدراك ما تدل عليه آياته من طريق العبارة، والتعرف على
مرامي ألفاظه بالإشارة، وإدراك لطائفه ومن ثم بلوغ حقيقته على وجهها، فإن
تَمَثُّلَ أوقعِ طرق فهم القرآن إنما يأتي من طريق التفسير الموضوعي الذي تجتمع
عنده خيوط غيره من فنون التفسير جملة.
стр. 3983
قضايا دعوية
من خصائص الدعوة إلى الله
إبراهيم بن يوسف آل الشيخ سيدي [*]
توطئة:
بعث الله أنبياءه ورسله مبشرين ومنذرين لئلا يكون
للناس على الله حجة بعد الرسل، وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط،
فبشروا وأنذروا، ونهَوْا وأمروا، ورغَّبوا ورهَّبوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم
لتكون كلمة الله هي العليا.
وكان ذلك كله عين الحكمة في الدعوة إليه .
ولمَّا كان من سنّة الله التي لا تتبدل ولا تتحول أن لا بقاء في
هذه الدار العاجلة لأي مخلوق كان، فإنه كتب على أنبيائه أن يلحقوا بالرفيق الأعلى،
ولكنه كتب أيضاً لدينه البقاء إلى خروج الريح الليّنة التي
تقبض أرواح المؤمنين، فيبقى شرار الناس يتهارجون كتهارج الحُمُر، فعليهم تقوم
الساعة.
وإذ كان الأمر على ما وُصف، فإنه لا بد للرسل الذين لم يُكتب لهم البقاء من
ورثة يرثون علمهم ومنهاجَهم، وللدين الذي كتب له البقاء من حَمَلَة يحملونه
ويبلغونه للناس، فكان هؤلاء الورثةُ والحملة هم العلماء والدعاة إلى الله - عز
وجل -؛ إذ لا تتم وراثة الرسل الذين لم يُورِّثوا درهماً ولا ديناراً بالانتساب
الطيني، وإنما بتحصيل العلم الذي جاؤوا به من لدن حكيم خبير، والعمل به ظاهراً
وباطناً، والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي
أحسن.
فمن ورث هذا العلم فقد أخذ بحظ وافر، ومن ترسَّم خطى الرسل في العمل
والدعوة فهو من أتباعهم على الحقيقة والكمال.
ولا يضر من كان هذا شعاره ودثاره أن ينبزه ويصمه بالألقاب مَنْ يهرف بما
لا يعرف، ومَنْ ينبس بما عساه يهوي به في النار سبعين خريفاً، ومَنْ همه التندر
والازدراء، والسخرية والاستهزاء، وإن أخرجه ذلك من ربقة الإيمان، وقيد
الإسلام.
ولا يجدي مَنْ هذا دأبه وديدنه أن يتبجح بالإسلام، أو يدعي أعلى مقامات
الإيمان، فلا يغني عنه ذلك من الله شيئاً؛ ولا يكون من هذا شأنه من أتباع الرسل
حتى يلج الجمل في سم الخياط.
خصائص السبيل:
أ - الوضوح:
إن سبيل الله واضحة المعالم، بارزة الملامح، لا غموض فيها
ولا التواء.
قال الله : [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ
اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] (يوسف: ١٠٨) .
فنحن أمام سبيل واضح [١] ، وطريق مهْيع، لائح قريب، مُشاهَد، أشير إليه
باسم الإشارة الدال على القرب، حتى لا يجد دعاة الباطل، من شياطين الكهنوت
والأسرار، وأبالسة الشعوذة والخرافات، منفذاً لوصفه بالغيبية، والبعد والانبهام
والرمزية، وأنه خاص بثلة من علماء الطلاسم والألغاز. ومن المعروف أن هؤلاء
يجعلون الفيوضات والإلهامات والكشوفات والمنامات والمواجيد والأذواق
والأحوال، مصادر للدين، ومنابع للاعتقاد والتشريع، ويزعم بعضهم - بناء على
ذلك - أنه لا حاجة إلى الرسل الكرام ولا إلى الكتب المنزلة العظام.
وأحسنهم حالاً من أطلق على علم الأنبياء: علم الظاهر أو علم الرسوم،
وعلى ما عنده من وحي الشياطين: علم الحقيقة، أو علم الباطن، أو العلم اللدنِّي
الذي أوتيه الخضر ﵇. إن التعبير بهذه الصيغة يقطع عليهم الطريق؛
لأن العامي يفهم منه قُرْبَ هذه السبيل ووضوحها، وسهولة السير فيها واستقامتها،
وأنه مَعْنِيٌّ باتباعها والدعوة إليها: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا
وَمَنِ اتَّبَعَنِي] (يوسف: ١٠٨) .
فهو كقوله - تعالى -: [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ]
(الأنعام: ١٥٣) . وكقوله ﷺ : «قد تركتكم على البيضاء ليلها
كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» [٢] .
ثم إن من مقتضيات البيان الذي تكفل الله به في قوله: [ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ]
(القيامة: ١٩) وأمر به رسوله ﷺ : في قوله: [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ
الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ] (النحل: ٤٤) ، أن تكون سبيل الله ورسوله
واضحة المعالم بارزة الملامح، بينة القسمات، ظاهرة لا خفاء بها كالشمس في
رابعة النهار، أو كالبدر ليلة التمام.
بل كيف يكلف الله - تعالى - عباده باتباع طريق لم يبيّنْه لهم غاية البيان،
وهو سيجزيهم ويحاسبهم عليه، وهو - سبحانه - الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال
ذرَّة؟
وكيف يصرّح القرآن بإكمال الدين وإتمام النعمة، مع بقاء أشياء من الدين
ورسوم من الملة لم ترِد في القرآن ولا في السنّة، وإنما ستظهر بعْدُ في شكل
طقوس وهيآت وطرائق أوصى الشياطين بها إلى أوليائهم ليجادلوا أهل الحق؟ !
إن سبيل الله خالٍ من الأسرار والطلاسم والألغاز، والعلوم
الباطنية، والمُعَمَّيَات والأحاجي؛ ولهذا غابت فيه طبقة الأحبار والرهبان الذين
يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدّون عن سبيل الله؛ فلا تجد في هذا الدين من
يدَّعون الوساطة بين العبد والرب، أو يوزعون صكوك الغفران، أو يحتكرون فك
ألغاز الكتاب المقدس، ومن تلبس بشيء من ذلك فليس من الله في شيء.
وكل ما يلاحظ - بعد القرون المزكاة - من هذه البدع الشنيعة والمقالات
الكفرية الفظيعة في العالم الإسلامي، فإنما هو من المحدثات الشركية التي روَّج لها
أعداء الإسلام، من زنادقة وباطنية وملاحدة، ويهود ومجوس، فخدعوا بعض
الأغرار في فترات الضعف والانقطاع عن الوحي، فسرت إلى المسلمين، وجعلها
كثير منهم عماد عقيدته، وملاك دينه، والدين منها براء.
ثم إن إضافة السبيل إلى الرسول ﷺ قضت على كل أنواع
الاحتكار لهذه السبيل والاختصاص بها دون سائر المؤمنين.
بل إنها أضيفت إلى الله تعالى: [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ] (النحل: ١٢٥) ،
وأضيفت إلى المؤمنين عامة، والمنيبين خاصة، كما قال - تعالى -: [وَمَن
يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى
وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً] (النساء: ١١٥) ، وقال سبحانه: [وَاتَّبِعْ سَبِيلَ
مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ] (لقمان: ١٥) . فالسبيل مشاع بين جميع المؤمنين والمنيبين.
ولا ينبغي أن يفهم أن المنيبين طبقة خاصة لها أسرار وطقوس معينة كما
يحلو لبعضهم أن يفسر الآية على ذلك الوجه إذ المنيبون بالدرجة الأولى هم الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام، ثم الأمثل فالأمثل، من أتباعهم إلى يوم القيامة.
ثم إن الإنابة فرض على كل المؤمنين، وهي الرجوع والتوبة إلى الله تعالى.
قال - سبحانه -: [وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ] (الزمر: ٥٤) وقال:
[وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *] (النور: ٣١-٣٢) .
فالمنيبون هم التائبون الراجعون إلى الله - تعالى - النادمون على ما فرط
منهم من الذنوب، وبَدَر منهم من السيئات والمخالفات؛ فالإنابة من مقتضيات
الإيمان وكماله.
وغني عن البيان أن نقول إن إضافة السبيل إلى الله - تعالى - هي باعتبار
صدوره منه وتشريعه له، ورسمه إياه لعباده، وإن إضافته للرسول صلى الله عليه
وسلم، هي باعتبار أنه المبلغ له، والمبين لمعانيه بأقواله وأفعاله وتقريراته، وإن
إضافته للمؤمنين هي باعتبار أنهم أهله الذين ترسمَّوه وسلكوه وحملوا الشرع الذي
حدده ونهجه.
ب- ربانية المصدر:
إن هذه السبيل - التي هي عبارة عن الوحي المنزل - لم تكن من وضع
البشر، ولا من بنات الفكر، لم يسنَّها فلاسفة أو مشرعون، وإنما جاءت من
السماء وحْياً محفوظاً مقروءاً باقياً على الدهر، لا يَخْلَقُ على كثرة الردّ، لا يتفه
ولا يتشيَّن، صالحاً لكل زمان ومكان.
قال - تعالى -: [الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ]
(هود: ١) . وقال: [وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]
(الأنعام: ١٥٥) ، وقال جل من قائل: [وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ
بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ] (فصلت: ٤١-٤٢) .
وقال - سبحانه -: [وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ] (النمل: ٦) ،
فهو كتاب سماوي وتشريع رباني، محكم الآيات مفصلها، عجيب الأساليب
معجزها، نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ليكون
من المنذرين.
وفي قوله - تعالى - في سياق الآية: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى
بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ] (يوسف: ١٠٨) من الإشارة إلى ربانية
مصدر هذه الدعوة المباركة ما فيه كفاية للمتأمل، بالإضافة إلى ما تحمله هذه
العبارة من اشتمال هذه الدعوة على تنزيهه - سبحانه - عن الشريك في الخلق
والأمر والحكم والتشريع والصفات والأسماء؛ فقد جمعت من أبواب التوحيد ومعانيه
وتقديس الرب - جل وعلا - ما تعجز عن جمعه المجلدات والأسفار.
يقول الإمام ابن كثير - رحمه الله تعالى -: «وقوله: [وَسُبْحَانَ اللَّهِ]
(يوسف: ١٠٨) أي أنزه الله وأُجِلُّه وأعظِّمه وأقدِّسه عن أن يكون له شريك أو
نظير أو عديل أو نديد أو ولد أو والد أو صاحبة، أو وزير أو مشير، تبارك
وتقدس، وتنزه وتعالى عن ذلك كله علواً كبيراً» [٣] .
فإذا عرف أن هذا هو منطلق الدعوة وهدفها وغايتها في آن واحد، وأنه هو
صبغتها وسَمْتُها من بين كل الدعوات عُرف أن مدارها على غرس شجرة التوحيد
المباركة في القلوب، وتنوير البصائر بالتعلق بالواحد الأحد، وإسناد الأمر كله إليه
بعد استشعار عظمته وجلاله، وعمارة القلب السليم بمحبته، وتنزيهه وتقديسه،
والتفويض إليه في كل شيء، والخنوع المطلق لحكمه وأمره، .
إن هذه السبيل هي حكم الله المنزل؛ فكما أنه - تعالى - منزه عن الشريك
في الأسماء الحسنى [هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِياًّ] (مريم: ٦٥) ، وعن الشريك في
الصفات العُلى [لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ] (الشورى: ١١) ، [وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ]
(الإِخلاص: ٤) ، وعن الشريك في الملك والخلق والأمر [وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ
فِي المُلْكِ] (الإسراء: ١١١) ، [أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ] (الأعراف: ٥٤) ،
[لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ] (آل عمران: ١٢٨) ، فكذلك لا شريك له في حكمه
وتشريعه [وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً] (الكهف: ٢٦) ، [إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ
أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ] (يوسف: ٤٠) [أَلاَ لَهُ الحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الحَاسِبِينَ]
(الأنعام: ٦٢) . والحكم داخل في مفهوم الأمر قدرياً كان أو شرعياً، وإن كان
المقصود عندنا في هذا المقام هو الحكم الشرعي، وقد انتظم قوله: [وَسُبْحَانَ اللَّهِ]
(يوسف: ١٠٨) كل هذه المعاني والعلوم والدقائق، وهي في جملتها خلاصة
العلوم الشرعية.
واتضح من إضافة السبيل إليه - تعالى - في قوله: [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ]
(النحل: ١٢٥) ، ومن إضافتها إلى رسوله في قوله - عز من قائل -: [قُلْ
هَذِهِ سَبِيلِي] (يوسف: ١٠٨) . والرسول لا يتلقى إلا الوحي ولا ينذر إلا
بالوحي، ومن قوله أثناء الآية: [وَسُبْحَانَ اللَّهِ] (يوسف: ١٠٨) من التدليل
على ربانية مصدر هذه الدعوة ما لا مزيد عليه؛ مع أن الأمر لا يحتاج إلى مزيد
تفصيل في مثل هذه المقالة؛ لكونه من أصول العقيدة وقطعيات الديانة، والآيات
والأحاديث في هذا المعنى تعد بالمئات، ولا ينكر هذا إلا كافر بالوحي.
فالشريعة الإسلامية نزلت من لدن حكيم خبير، ولا تحتاج إلى زيادة؛ لأنها
كاملة ووافية بمصالح العباد في العاجل والآجل، وكل ما سواها من التيارات
والنظريات والملل والنحل فهو طاغوت يحرم تحكيمه والتحاكم إليه، ويكفر من فعل
ذلك أو دعا إليه، أو اتهم الشرع بالنقص أو التخلف أو الوحشية أو البدائية ونحو
ذلك، أو اتهمه بعدم الوفاء بصلاح القلوب وعلاج النفوس.
ج - مفاصلة المشركين: (وما أنا من المشركين) :
إن دعوة التوحيد الخالص لا يمكن أن تتعايش مع الشرك والمشركين بأي حال
من الأحوال؛ إذ قوام عقيدة التوحيد مبدأ الولاء والبراء: الولاء لله ولرسوله
وللمؤمنين، والبراء من الشرك والمشركين.
وذلك يعني الكفر بجميع الطواغيت والنظم البشرية، ومباينة المشركين
ومقاطعتهم وإعلان البراءة منهجاً: قولاً وفعلاً، وتلقي الهداية من الله وحده، وإسناد
الأمر والحكم إليه، والتعبد له ظاهراً وباطناً بجميع أنواع العبادات التي شرعها في
كتابه الكريم، أو على لسان رسوله الأمين، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
وقد ألح القرآن الكريم في مواضع كثيرة على هذا المبدأ الأصيل الراسخ في
صلب العقيدة؛ فمن ذلك قوله - تعالى -: [لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ
عَشِيرَتَهُمْ] (المجادلة: ٢٢) .
وقال - سبحانه -: [قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ
قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ
العَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ]
(الممتحنة: ٤) .
وقال - عز من قائل -: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى
أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ] (المائدة: ٥١) إلى غير
ذلك من الآيات الصريحة في تحريم موالاة المشركين وأهل الكتاب.
ولهذا قال ﷺ : «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» [٤] ،
وقال: «أخرِجوا المشركين من جزيرة العرب» [٥] ؛ وذلك لأنها مهبط الوحي
ومنبت الرسالة، وفيها الحرمان: المكي، والمدني. وتبرأ ﷺ من
مؤمن يقيم بين أظهر المشركين، وقال: «لا تراءى ناراهما» [٦] .
وإذا كان ﷺ مأموراً بأن يقول: [وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ]
(يوسف: ١٠٨) . فمعنى ذلك أيضاً أنه مأمور بأن يقول إنه من الموحدين وأن
يصدع بذلك؛ وفي ذلك من إعلان التوحيد وهدم الشرك والبراءة منه ومن أهله،
وإخلاص العبادة لله وحده وتطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد، مما تعجز العبارة عن
وصفه وتلخيصه.
وبهذا كله يتبين أن قوام الدعوة وملاك أمرها التوحيد؛ فلا غرابة في تركيز
الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وأتباعهم على العقيدة الصافية ونشر أركانها
ومبادئها، ودعوتهم إلى مفاصلة المشركين ومباينتهم في كل شيء في الاعتقاد
والعمل والمظهر والسلوك؛ لأن التزام الصراط المستقيم يقتضي مخالفة أصحاب
الجحيم.
إن العبادة لا تتم إلا بتحقيق الأصل وهو التوحيد، ولا يجازى الناس
ويحاسبون إلا على أساس المعتقَد.
وتوحيد العبادة هو لب الرسالات السماوية والكتب المنزلة؛ لأن الخلق
مفطورون على توحيد الربوبية، ووصف المولى بصفات الكمال
ونعوت الجلال.
ومن أجل هذه العبادة القائمة على التوحيد - بكل أقسامه - خُلِق الخلق وبعثت
الرسل ونصبت الموازين [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]
(الذاريات: ٥٦) ، [وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا
كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ] (الجاثية: ٢٢) ، فأول خطوة يقطعها الداعية على هذا
الطريق، وأول نشاط دعوي يزاوله، بل أول كلمة يتفوه بها هي الدعوة إلى
توحيد العبادة بلا مساومة ولا تدرُّج، ولا تنازل. وليصبر على ذلك عشرات
السنين كما صبر عليه نوح ﵇ أول الرسل إلى أهل الأرض عشرة
قرون إلا خمسين عاماً.
إنه مبدأ لا يقبل التنازل ولا التأخير بحال من الأحوال، ولا ينبغي أن يظن
الداعية أنه يجزئه مجرد الأمر بالتوحيد إجمالاً؛ بل لا بد أن يشرح معنى التوحيد
تفصيلاً حتى لا يظل الناس على شِعْبٍ من الشرك وهم لا يشعرون؛
ومن المعلوم أنه أخفى من دبيب النمل على الصفا!
وصفوة القول أن الدعوة إلى الله - تعالى - هي أولاً:
الدعوة إلى توحيده وما يتبع ذلك من امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأن أول
حركة في المجال الدعوي شرح مسائل التوحيد - تفصيلاً - كما جاء في الكتاب
والسنة بعيداً عن حذلقة المتكلمين وثرثرة المتفيْهقين.
وأن المسلم يجب عليه الاستمرار في الدعوة على منهاج الرسول صلى الله
عليه وسلم صادعاً بالتوحيد وتنزيه الرب - جل وعلا - معلناً البراءة التامة من
المشركين والكتابيّين، ومحترساً من التعلق بهم أو موالاتهم أو محاكاتهم أو التشبه
بهم، أو الإعجاب بأموالهم وأولادهم، أو الاغترار بتقلبهم في البلاد.
وإذا تمهد أن الغاية من رسم السبيل ووضع المنهاج هي الدعوة إلى الله وحده
عبوديةً له وطواعية مطلقة علم بذلك أن هذا السبيل جاء نسفاً لطواغيت الأرض
وهدّاً لأركان الوثنية، أياً كان نوعُها، واقتلاعاً لجرثومة الشرك من أصولها،
واجتثاثاً لبذورها وجذورها.
إنه طرح لكل العبوديات وتحرير للعقول والألباب، والأفئدة والنفوس
والأرواح من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد.
إنها دعوة محددة [أَدْعُو إِلَى اللَّهِ] (يوسف: ١٠٨) ، [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ
رَبِّكَ] (النحل: ١٢٥) ، منضبطة بغايتها، وهدفها، فلا مجال لدعوة أخرى ولا
لطريقة أو مذهب أو شخص أو دستور أو قبر أو وثن ... إنها دعوة إلى الله سبحانه،
وكفى.
يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية: «يقول - تعالى - لرسوله
ﷺ إلى الثقلين الجن والإنس، آمراً له أن يخبر الناس أن هذه
سبيله، أي طريقته ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة ألاَّ إله إلا الله وحده لا
شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان، هو وكل من
اتبعه.. يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين
وبرهان عقلي وشرعي» [٧] .
إنها دعوة إلى إعلان التوحيد في الأرض، والعمل بمقتضاه ظاهراً وباطناً،
يصدع بذلك محمد ﷺ في حياته، ويضطلع بها من بعده من اتبعه
إلى يوم الدين، كل حسب طاقته ووسعه، وقد غلطت جماعات وتنظيمات إسلامية
معاصرة في عدم تركيزها على التوحيد في خطابها الدعوي، وإن تطرقت إليه ففي
إطار محدود ونطاق ضيق، بل ربما ركزت بعض الطوائف على باب معيَّن
وتركت الأبواب الأخرى.
ومن تتبَّع القرآن المكيّ وحياة الرسول ﷺ في فجر الدعوة
بمكة المكرمة، ورأى تركيزه طوال ثلاث عشرة سنة على التوحيد، وحرصه على
تجذيره في النفوس وغرسه في القلوب، وراجع سير المرسلين من قبله أدرك مدى
فداحة هذا الخطأ الذي وقعت فيه الجماعات المذكورة.
إن تلك التربية الإيمانية التي ربى بها رسول الله ﷺ
أصحابه ﵃ هي التي جعلت إيمانهم بالغيب أقوى من إيمانهم بعالم
الشهادة، وجعلتهم يشتاقون إلى الجنة، فبذلوا نحورهم، ودماءهم الغالية رخيصة
في سبيل الله، لإعلاء كلمته ونشر دينه. وبذلك الإيمان العميق، وتلك العقيدة
الراسخة - لا بالعدة والعدد - دكوا صروح قيصر وكسرى، وبنوا حضارة عظيمة
من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب. ومن تأمل ذلك الفعل الحضاري الفريد في
الدهر أدرك أهمية العقيدة في بناء الأمم وحركة التاريخ.
د - سمو الغاية:
إن الحكمة من وضع هذه السبيل ورسمها للناس واضحة المعالم، وهي
دعوتهم إلى الله دعوتهم إلى عبادته بما شرع لهم امتثالاً
واجتناباً؛ فإذا وحدوا الله وعبدوه دخلوا الجنة، وحل عليهم رضوان الله؛ وذلك هو
غاية المطامح ومنتهى الآمال [وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ] (التوبة: ٧٢) .
وبالتوحيد والعبادة يكون القلب موصولاً بالله - تعالى -، مطمئناً مستريحاً من
أكدار الدنيا ونكد الوجود، مغموراً بالسعادة، لا يشعر بتعاسة ولا شقاء ولا حرمان،
يعيش في ظلال وارفة من الإيمان والطمأنينة، والسكون إلى الله
والأنس بذكره وعبادته، والرضى بقضائه وقدره، وتلك هي الحياة الطيبة التي لو
علم الملوك وأهل الدنيا بما يجد أهلها من حلاوة الإيمان وبرد العيش لجالدوهم عليها
بالسيوف.
وهذه الحياة الطيبة تفضي إلى جنة عرضها السماوات والأرض حيث ينعم
المؤمن في جنات عدن بالنظر إلى وجه الرحمن - جل وعلا -.
سعادة دنيوية موصولة بسعادة أبدية لا تنقطع [عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ]
(هود: ١٠٨) ؛ وتلك هي ثمرة العبادة التي خلق الجن والإنس من أجلها،
ودعوا إليها فتحملوا أمانتها بعد أن عرضت [عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ
أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا] (الأحزاب: ٧٢) .
ولكي يسعد الإنسان في دار الدنيا وفي دار الآخرة، فإن الله قد
تولى دعوته، فقال - سبحانه -: [وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ] (يونس: ٢٥) ،
وقال - تعالى -: [وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَتَذَكَّرُونَ] (البقرة: ٢٢١) وقال سبحانه: [قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى]
(إبراهيم: ١٠) .
ثم أمر ﵎ رسله بالدعوة إليه: [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ] (النحل: ١٢٥) ، [وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا
اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ] (النحل: ٣٦) ، [وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ]
(فاطر: ٢٤) .
وأمر المؤمنين بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال - تعالى -:
[وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] (آل عمران: ١٠٤) ، وأنزل الكتب
وبينها للناس لعلهم يتذكرون، وهكذا أقيمت الحجة، [لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ
عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ] (النساء: ١٦٥) ، [قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ]
(الأنعام: ١٤٩) ، [لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ
لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ] (الأنفال: ٤٢) .
стр. 3984
قضايا دعوية
تقويم مخرجات العمل الدعوي ضرورة
سليمان الخضير
كان للتوسع في مفهوم (اعمل ... ولا تنتظر الثمرة) أثر في رتابة العمل
الدعوي، واتخاذه أنماطاً تقليدية في قوالب متطورة، أو أنماطاً متطورة في قوالب
تقليدية ... لقد ظل العمل الدعوي زمناً يقوم على المواعظ، ثم حدثت نقلة نوعية
إلى ما يشبه المحاضن التربوية، ثم تطور إلى تفعيلها، وجعلها منطلقات دعوية ...
ثم ما زال العمل على تطوير العمل الدعوي عبر مؤسسات رسمية وقنوات خيرية.
وكان لكل وسيلة دعوية آثار حميدة يعسر أن يسد غيرها مكانها، مع الحاجة
إلى التطوير والتجديد، ولكن من المؤسف أن الوسائل الحالية يغلب عليها التقليد
دون دراسة لجدواها السابقة والحالية والمستقبلية؛ فلا يكاد أحد يبتكر أسلوباً دعوياً
حتى يهرع إليه بقية المهتمين (أو العاملين) في حقل الدعوة، ولا يبارحوه حتى
يبعث الله من يجدد لهم أسلوباً دعوياً!
ولعل في الاستمرار على توزيع الكتيب والشريط مثالاً على التقليد دون النظر
في مصالحه ونتائجه؛ فحتى هذا اليوم: كم طبع من الكتيبات، وكم نسخ من
الأشرطة؟ وكم بيع منها، وكم وزع؟
ولا أنكر كون هذين النوعين وسيلتين دعويتين كانتا ناجحتين في وقت ما،
كما لا أنكر - أيضاً - أن هذين النوعين من مصادر العلم والمعرفة والموعظة،
ولكن الذي أرغب الوقوف عنده:
* ما حجم استفادة المستهدفين بالتوزيع من هذا العمل؟
* وما مدى تأثرهم به؟
* وما مدى إقبالهم عليه؟
* وهل يساوي الجهد والمال المبذولين النتائج المتحققة؟ ! [١]
* وهل استطعنا - فعلاً - خلال برامج التوزيع أن نلبي حاجات الناس إلى
العلم الشرعي والموعظة الحسنة؟
* وهل الناس بمستوى واحد من التفكير وعوامل التأثر؟
* وهل هم بدرجة من القناعة التي يُقبِلون بها على هذا الكتاب أو ذاك
الشريط؟ !
والحق يقال: إني لا أملك إجابة دقيقة ولا تقريبية لهذه الأسئلة لا سلباً ولا
إيجاباً، لكنه يغلب على ظني أن كثيراً من العاملين في حقل الدعوة لا يملكون
الإجابة هم أيضاً؛ ذلك أننا ننطلق في أعمالنا الدعوية وأحكامنا الاجتهادية من
انطباعاتنا الخاصة، ولا نكاد نتجاوز ذلك إلا إلى مستوى ضيق من الحالات الفردية
التي تتناقل أخبارها الأجيال! !
وهل وصلنا فعلاً إلى قلب إنسان يعكف على منكر ما من خلال نشرة سُطِّر
على غلافها: رسالة إلى صاحب ( ... ) [٢] ، ثم ملئت بالاستفهامات التي ربما
يجيب عليها - بفعل الغفلة - بكل برود أو استهجان.
المفيد من الكتب والأشرطة - في نظرنا - هو الذي نجد فيه معلومة جديدة أو
غريبة بالنسبة لنا، أو أن لصاحبها (الكاتب أو المتحدث) قدراً من التقدير والثقة
في نفوسنا نحن، مع أن مادة عدد من الأشرطة والكتب من أولها إلى آخرها مليئة
بالمعلومات المفيدة لبعض الناس وجديدة عليهم! ولفلان العالم عندهم من القبول ما
لا نظن، ولفلان الواعظ من التأثير فيهم ما لم نحس به في أنفسنا! !
خذ - كذلك - عنوان الكتاب أو الشريط (أي كتاب أو شريط) وغلافهما:
هل هو يحقق الجاذبية المرجوة؟
(هو جميل وجذاب) لكن بالنسبة لي ولك ... ولكننا ما زلنا لا نعرف رأي
المستهدفين.
بل الأمر - كما يبدو - أبعد من ذلك ... فلسنا - فقط - نجهل رأي المدعوين
في منتج أو برنامج، وإنما لم نتعرف - بعد - على نفسياتهم واهتمامهم، ومدى
شعورهم بالانتماء للإسلام، وما قدر الدعاة والعلماء في قلوبهم، وما أسباب تقصير
المقصر منهم وذنب المذنب كما يرونها هم، وما الفرق - في ذلك كله - بين شبابهم
وشيبهم، وبين رجالهم ونسائهم ... وإنما هي عمومات وحالات فردية، وحسب
الحماسة للعمل والقناعة به! !
ولا أدعي أننا نتعامل مع أناس في كوكب آخر، ولكن الناس في المجتمع
ليسوا وحدة متجانسة القدرة والطباع والميول والاتجاهات، ولا يسوغ أن يعاملوا
على هذا الأساس، ومخاطبة الناس ودعوتهم ليس القصد منهما تحقيق التجانس،
ولكن لاستثمار القوى التربوية لمجموعة متنوعة القدرات والميول؛ فالتنوع الدعوي
ضرورة لنمو المجموعة وحيويتها وتبادل الخبرة، كما أن التأثير الإعلامي الرهيب
الذي يتعرض له الناس قد صاغ أذواقهم لدرجة أنه أصبح هناك فرق بين أذواقهم
وذوق الدعاة [٣] ! والملاحظ «أن الذي يسود النتاج الإنساني (الفني) و (الأدبي)
في واقعنا الحاضر هو روح الحضارة الغربية وذوقها وهويتها! ... تتحرك من
جذور أوروبية: إغريقية، مسيحية، وتعبر عن وجدان أوروبي في همومها
وخيالاتها وحسها الفني كذلك ... » [٤] ، والعاملون في حقل الدعوة - بفضل الله -
يحتفظون بخصوصياتهم إلى حد كبير.
إن من المهم أن نتعرف إلى الناس في طريقة تفكيرهم وما الذي يحبون؟ وممَّ
ينفرون في دراسات ميدانية دقيقة جادة [٥] ؟ فيمكننا - بعدُ - أن نساهم معاً في
استثمار الجهود والأوقات التي نحتاجها للبناء، ونحن مطمئنون إلى معرفتنا المسبقة
بمواطن الزلات والأوهام ومنطلقات القوة و (النقاط المشتركة) بيننا وبين الناس،
وهذا كما أؤمل لا يفهم منه أنها محاولة لشق طريق للتنازل عن المسلَّمات الشرعية
أو الأحكام الراجحة، وإنما هي سبب للاقتراب من المستهدفين أكثر: شباباً وشيباً،
ورجالاً ونساءً، حينئذ نصل بإذن الله إلى أسلوب من التواصل مع الناس من شأنه
تنظيم هذا السيل الهادر من المطبوعات المقروءة والمسموعة.... التي هي في
الميزان الإعلامي (نفخة) أو (تورم) ، وتقريب النافع المفيد، وتجديد العهد برب
العالمين. وأستغفر الله وأتوب إليه.
стр. 3985
تأملات دعوية
مع الدعوة في بلاد الأقليات
محمد بن عبد الله الدويش
www. dweesh. com
كنا في زيارة لإحدى بلاد العجم، فأيقظني صاحبي حين سمع الأذان،
ونظرت إلى الساعة فإذا ما بقي من الوقت حتى يحين موعد أذان الفجر أكثر من
نصف ساعة، وبعد نقاش اتفقنا على أن نصلي في الفندق فنحن مسافرون.
وبعد ذلك سمعنا الأذان فعلمنا أن الذي أيقظنا هو الأذان الأول، فانطلقنا إلى
المسجد، وفي الطريق تشنفت آذاننا بسماع صوت الأذان يدوي هنا وهناك، فزادت
سعادتنا واستبشارنا، وحين دخلنا المسجد وجدناه ممتئلاً بالمصلين، فترك هذا
الموقف آثاراً في نفوسنا، منها:
* عظمة هذا الدين، وكيف انتشر في هذه البلاد والأصقاع، فما أن تشرِّق أو
تغرِّب إلا وترى أثراً لهذا الدين، ولا تزال الساحة تستوعب مزيداً من التأثير
والانتشار لو وَجَدَ له رجالاً صادقين يحملونه بجد وعزيمة.
* تأصل الخير في نفوس طوائف كبيرة من المسلمين، وإلا فما الذي يدفع
هؤلاء في هذه البلاد وغيرها إلى التمسك بدينهم والالتزام به، وهم يدفعون من
جراء ذلك ثمناً باهظاً، فيتعرضون لمضايقات ومشكلات، ويبذلون جهداً مضنياً
ومالاً وفيراً في بناء المساجد، ويحافظون على شعائرهم وعباداتهم.
* بدلاً من أن يكون حديثنا يرتكز حول النقد والحديث عن مصادر الخلل
وبيان الأخطاء والمشكلات ينبغي أن نوجه جزءاً من حديثنا للإشادة بالجوانب
الإيجابية في حياة الناس؛ ففي هذا تأصيل وتركيز لها، وفيه تثبيت للناس على ما
هم عليه من الخير، وهذا ما دفع بصاحبنا إلى أن يكون حديثه عن فضل صلاة
الجماعة بعامة، وفضل شهود الفجر مع الجماعة بخاصة. وقد كان صلى الله عليه
وسلم يستخدم هذا الأسلوب في دعوته وخطابه مع الناس؛ فحين أبطأ عليهم في
صلاة العشاء أثنى على ما هم عليه من حال فقال: «إن الناس قد صلوا وناموا؛
وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة» [١] ، ومن ذلك ما روى مسلم في
صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري قال: «صلينا المغرب مع رسول الله
ﷺ فقلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء. فجلسنا، فخرج
علينا، فقال: ما زلتم هاهنا؟ قلنا: يا رسول الله! صلينا معك المغرب، ثم قلنا
نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال: أحسنتم، وأصبتم. قال: فرفع رأسه إلى
السماء، وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: النجوم أَمَنَةٌ للسماء، فإذا
ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أَمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي
ما يوعدون، وأصحابي أَمَنَةٌ لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» [٢] .
* الجوانب الخيرة يمكن أن تستثمر لتدفع الناس إلى المزيد من العمل، وأن
ننطلق بهم من خلالها، وربما آتى هذا الأسلوب ثمرة أكبر، ولهذا كان من حديث
صاحبنا مع الناس: ما دمتم أدركتم هذا الفضل وظفرتم به، فماذا لو أن كل واحد
منكم اصطحب معه إلى المسجد آخر؟ ولِمَ لا تسعون إلى دعوة من لم يذوقوا حلاوة
الإيمان ليدركوا السعادة التي أدركتموها إلى أن يذوقوا ما ذقتم؟
ولهذا فإن النبي ﷺ حين قص عليه عبد الله بن عمر -
﵄ الرؤيا، قال: «نِعْمَ الرجلُ عبد الله لو كان يصلي من
الليل» [٣] .
* توجد في تلك البلاد وغيرها جاليات كثيرة من المسلمين قدموا إليها منذ
عقود واستوطنوها، وولد لهم أولاد وأحفاد لم تعد لهم صلة بلغة القرآن، وبعضهم
لا يعرف من الدين إلا اسمه، وقد يرفض الانتساب إليه؛ فكيف يتعلم هؤلاء اللغة
العربية؟ وكيف يتعلمون أحكام الإسلام؟
وحين تلقي نظرة على المدارس التي تعلم الدين الإسلامي واللغة العربية هناك
فسترى في الأغلب نموذجاً بدائياً يفتقر إلى أدنى مستويات الارتقاء والتطوير.
لذا كان من مجالات الدعوة المهمة الاعتناء بإنتاج برامج تعلم الناس لغة
القرآن، وتبسط الأحكام الشرعية وتقربها لهم. وتتيح التقنية الحديثة اليوم إمكانات
هائلة يمكن أن توفر الكثير من الجهد والمال الذي ينفق في هذا السبيل.
إن هذه الميادين من العمل أجدر وأوْلى من كثير مما يُنتج من برامج الحاسب
الآلي أو الأفلام أو الكتابات المكررة الهزيلة.
стр. 3986
ملفات
حقوق الإنسان بين الحق والباطل
إنسان العولمة.. وما بعد البهيمية ! !
«إن الأمم المتحدة لا تزال رهينة ما تحمله عدة بلدان من كراهية للإنسان،
ويبقى علينا أن نعرف إن كان العقل سيتغلب على الحقد والأفكار المسبقة المبطنة
بغطاء أخلاقي أم لا» .
هذا ما عقَّب به «سكوت لونج» أحد المسؤولين في اللجنة الدولية لحقوق
اللواطيين والسحاقيات! ! على اعتراض بعض الدول الإسلامية على حضور أحد
أعضاء منظمته إحدى جلسات مؤتمر الأمم المتحدة عن الإيدز الذي عقد مؤخراً في
نيويورك.
لا يجد المرء أمام مثل هذه الظواهر الشاذة لبني البشر، إلا تذكر الفطرة
الحيوانية السليمة! ! فقد ورد في صحيح البخاري عن حصين بن عمرو بن ميمون
قال: «رأيت في الجاهلية قِرْدَةً اجتمع عليها قِرَدةٌ قد زنت فرجموها فرجمتها
معهم» [١] .
والمتأمل في بديهية حياة الحيوان يكاد ألاَّ يقع على حالة زنى خارج إطار
الأسرة الحيوانية، ولم يرصد علماء الحيوان حالات شذوذ بين ذكور الحيوانات أو
إناثها، بل ما زالت الحيوانات محافظة على تقاليد الزواج وأنماطه وعلى شكل
الأسرة الحيوانية.
يتملك المرء العجب حين تجري هذه المقارنة بين بني آدم الذي كرمه الله
وسوَّى خلقه في أحسن تقويم، وأعطاه العقل وأناط به التكليف يتملكه العجب حين
يقارن مع بهيمة، ويرى أخيراً أن البهائم تسامت كثيراً على عالم «إنسان
العولمة» .
سياط العولمة تسوق بعض بني البشر إلى ما دون البهيمية، ولا تسوقه إلى
حظيرة محكمة الأسوار، بل تطلق له العنان ليمارس نحر آدميته وآدمية الآخرين
في الطريق العام.. حيث إن هذا حق من حقوق الإنسان! !
стр. 3987
ملفات
حقوق الإنسان بين الحق والباطل
أي حقوق.. وأي إنسان ؟
عبد العزيز كامل
ما أسهل الشعارات عندما تنمق وتنطلق بها الحناجر وترفع بها اللافتات،
ولكن ما أصعب اكتشاف أو استشفاف الحقائق القابعة وراءها والنوايا المستترة خلفها
عندما يكون أربابها دون مستوى الشبهات.
(حقوق الإنسان) ... شعار جميل.. بسيط.. يغري بالأمل، ويبعث على
الاحترام. ولكن هذا الشعار: من يرفعه..؟ ! وفي أي اتجاه يدفعه؟ ! من يحدد
مقومات هذا الشعار، ويرسي منطلقاته أو يضع ضوابطه؟
أسئلة تترادف كلما شن دعاة (حقوق الإنسان) حملاتهم على بعض بلدان
المسلمين مستهدفين نظماً، وأحكاماً قبل الأنظمة والحكومات. فقطع يد السارق في
نظرهم «وحشية» ، وقتل القاتل المتعمد: «همجية» ، وعقوبة المرتد: «ردة
حضارية» ، ومنع الخمور وحظر السفور واتخاذ التدابير ضد الانحراف والشذوذ
والفجور.. كل ذلك «اعتداء سافر» على الحريات الشخصية! !
أما مساءلة (المبدعين) إذا تطاولوا على المقدسات الدينية، أو حتى على
الذات الإلهية، فتدخُّل مرفوض في حرية التعبير والتفكير!
وإذا ما تعدى الأمر إلى إلزام الأقليات الدينية بشيء من النظم المستهدفة
للصالح العام وجمهور الأغلبية، فحري أن ترفع الشكاوى بشأنه إلى المحافل
الدولية، وتدبج بشأنه القرارات وتبدأ التنديدات ثم التهديدات ثم العقوبات. وليت
مساعي دعاة حقوق الإنسان تقتصر على المطالبة بإنصاف المظلومين، ورفع
المعاناة عن المسحوقين، وإرساء قيم العدالة والنزاهة بين الحكام والمحكومين،
إذن لوقفنا جميعاً مع أصحاب تلك الحملات في حملاتهم، ولباركنا جهودهم وسرنا
وراءهم.
إننا نعلم والناس يعلمون أن من يرفعون شعارات (حقوق الإنسان) اليوم،
كانوا ولا يزالون أكثر بني الإنسان قهراً للإنسان من غير بني جنسهم طوال القرنين
المنصرمين، طف بناظريك على أرجاء الخارطة الإنسانية؛ ماذا ترى؟ ! ترى
عالمين: عالماً يضمن لشعوبه قمة العلو والنمو والرفاهية والترف، وعالماً يُضن
عليه بلقمة العيش الكريم، وأدنى مظاهر الحرية والاستقلالية والشرف.
عالم يكاد يملك مقدرات كل شيء ... وعالم لا يكاد يملك أي شيء! حتى
ثرواته لا يملكها.. وأوطانه لا يستطيع حمايتها، سماؤه مستباحة وأرضه غير
مستقرة، مستقبله قلق، وحاضره غير مأمون، يهيمن عالم «النخبة» الذي لا
يزيد
عن عُشْرِ سكان الأرض، على ما لا يقل عن ثلاثة أرباع ثروات الأرض!
شيء يبعث على السخرية، ويدعو للتهكم أن تنبري هذه الأقلية المتسلطة من خلال
منظماتها ومحافلها إلى التحدث عن (حقوق الإنسان) !
أي إنسان؟ !
أي إنسان يريدون إعطاءه حقه؟ أهو إنسان القارة الإفريقية التي سيق
الملايين من شعوبها في الشاحنات البحرية طوال عهود الاستعمار للسخرة والخدمة
تحت أقدام البيض؟ أم هو الإنسان الأصلي من سكان القارة الأمريكية الذي سحق
رعاة البقر القادمون من أدغال أوروبا وجوده ليلقنوا هذه الكائنات البشرية (الهنود
الحمر) الدرس الأول (والأخير) من دروس (حقوق الإنسان) ..؟ ! أم هو
إنسان آسيا الوسطى الذي حُشر الملايين من شعوبها إلى الشمال المتجمد تطبيقاً
لمبادئ (شيوع الظلم) التي تفتقت عنها عقليات غربية تارة باسم الماركسية وتارة
باسم الاشتراكية؟ أم تراهم يتحدثون عن إنسان القارة الأسترالية التي تعاملوا مع
سكانها على أنهم حفريات تاريخية، وبقايا مخلوقات آدمية تصلح فقط لأن تلتقط
بجانبها الصور التذكارية؟ !
أي إنسان يتحدث عنه دعاة (حقوق الإنسان) ؟ أهو الإنسان في فلسطين
المستباحة، أم الإنسان في العراق المحاصر، أم الإنسان المعاقب في بلاد الأفغان،
أم هو الإنسان المهضوم في البلقان، أم المقهور في الشيشان؟ ! غالب الظن أنهم
يتحدثون عن (إنسان) المحميات الغربية التي يقوم على رعاية (حقوق الإنسان)
فيها وكلاء رسميون منذ القدم، يحكمون هذه المحميات باسم الأسياد ولصالح الأسياد
وبشريعة الأسياد!
أي حقوق؟ !
ليتهم يتحدثون عن حق الإنسان في أن يزدهر.. في أن يستقل.. في أن
ينتصر على تحديات عصره أو يتجاوز عقبات التخلف المضروب عليه، ولكن
منظمات (حقوق الإنسان) تعرف أن واقع التخلف الذي يلف أكثر شعوب العالم
النامي أو النائم أو المنوم، إنما هي في جزء كبير منها نتاج ابتزاز اقتصادي،
وحصار تكنولوجي وإفساد اجتماعي تطيل أمده جبرية سياسية وقدرية تشريعية
تفرض على الشعوب أن تدار شؤونها عن بُعد بواسطة الاستعمار الفكري، ولهذا
فإن غاية ما يطنطن به دعاة حقوق الإنسان وقصارى ما يدندنون حوله من حقوق
هذا الإنسان وبخاصة إذا كان من بلاد المسلمين هو حقه في أن يكفر.. حقه في أن
يفجر.. حقه في أن يكون شاذاً أو مثلياً.. أو ملحداً أو وجودياً أو عدمياً! ! حق
إناثه في أن يتساوين بالرجال في كل شيء! .. وحق رجاله في التنازل عن
الرجولة بل عن الذكورة في بعض الأحوال.. ولا بأس أن تزركش المطالبة بتلك
الحقوق، ببعض المطالب الجادة التي تقتصر في الغالب على من ينتقون وبالطريقة
التي يريدون، كأن يطالبوا بنزاهة المحاكمة.. وكفالة حق الدفاع.. أو تجنب
التعذيب، والسماح بزيارة المساجين.. أو نظافة الزنازين!
وحتى هذه المطالب «الجادة» يطاح بها شذر مذر.. وتتحول إلى فكاهة
وهذر
إذا كان المعنيون منها من دعاة لا إله إلا الله المطالبين بشرع الله، وإلا؛ فبماذا
نفسر تهييج العالم من أجل شخص [١] واحد مدان أمام القضاء في مصر مثلاً، في
حين يصمت هؤلاء ويصمون، ويخرسون ويبكمون، عندما يسمعون عن ألوف
مؤلفة من الإسلاميين في سجون العالم يعتقل أكثرهم دون تهمة أو جريرة، ودون
محاكمة أو مساءلة؟ ! إنه النفاق بالحقوق.. في زمن الجحود والعقوق!
في وقت متقارب، وفي غضون شهر واحد، اتُّهم رجلان من مصر: رجل
قيل في حقه أنه مزواج ذو مزاج مزعج لأنه - كما قالوا - اقترن بزوجات عديدات
يبقي منهن أربعة بعد أربعة، ولأن الرجل يصنف إسلامياً، ويبدو من مظهره أنه
من المتدينين، أباحت كثير من المنابر الإعلامية الساقطة عرضه، واستحلت أذاه
في سمعته وشخصيته وخصوصياته، وكأن هذا الإنسان ليس له أي حق من
(حقوق الإنسان) حيث سُلطت عليه ألسنة حداد، من منافقين يهمزون ويلمزون
شريعة الإسلام في شخصه لا لشيء إلا لأنه رجل أعمال ناجح، والنجاح محظور
على الإسلاميين، ولا بد أن يكونوا خائبين متخلفين! وكما هو المعتاد في مثل هذا
السيناريو المكرور والمعاد ... لم تتحرك شعرة داخلية أو خارجية من مشاعر
النجباء الندماء المتحدثين بلسان حق الإنسان في أن يصان في شرفه وعرضه.. ما
دام لم يرتكب جرماً في حكم الله وعرف الناس.
لم تمض أيام حتى تجرأت صحيفة محلية مغمورة على التعرض لشخص رجل
دين نصراني، بشأن سلوكيات نسائية تورط فيها كان قد تم توثيقها بالتصوير
ابتزازاً لضحاياه، وكان فعل الصحيفة لا يقل شناعة وشيناً عن فعل ذلك الراهب
عندما نشرت التفاصيل المصورة لفضائحه، ولكن المستغرب أن الدنيا انقلبت على
الصحيفة بحجة أن صاحب الفضائح يرمز لدين، وهذا الدين لا تنبغي الإساءة إليه!
والسؤال هنا: لماذا كل دين لا تنبغي الإساءة إليه في أشخاص رموزه إلا
الإسلام؟ ! لقد وضح بعد تلك الحادثة أن (الإنسان) و (الحقوق) أنواع، أو
أصناف.. أو فئات عند النافخين في بوق الحقوق، ليس صنف منها مهدراً ومهراقاً
ولا متاعاً مباحاً إلا ما يتعلق بحقوق الإنسان ... المسلم!
إنسانهم وإنساننا:
غاية ما يريده الغربيون الرابضون خلف أسوار الدفاع عن حقوق الإنسان أن
يقولوا لنا: ليكن الإنسان عندكم كالإنسان عندنا.. لتكن الشرائع عندكم كالشرائع
عندنا ... لتكن الأخلاق عندكم كالأخلاق عندنا، لتكن مجتمعاتكم مثل مجتمعاتنا في
كل شيء، إلا ... في الأشياء المحترمة!
فما حال إنسانهم الغربي حتى نعتبره نموذجاً محتذىً لإنساننا الشرقي:
الإسلامي والعربي؟ ! سنضطر هنا أن ننقل على ألسنتهم ووفق إحصاءاتهم لمحات
من واقع حياة الإنسان هناك لنعرف كيف وقعوا في هذا الواقع، ولماذا يريدون منا
أن نقع في مثل واقعهم.
سنقتصر على واقع واحد هو قاع المجتمع الأمريكي وقاعدته العريضة، ليس
شماتة في هذا المجتمع المتطاوس على البشر، ولكن لاعتبارات عديدة أخرى منها:
أنه أكثر المجتمعات إدلالاً بحق الإنسان في أن يكون (إنساناً) ، ومنها: أنه
المجتمع الذي تقود دولته العالم اليوم وتريد أن تعمم عليه أنموذجها الثقافي
والحضاري والقيمي، ومنها: أنه المجتمع الذي تشرئب إلى التشبه به أعناق الذين
لا يفقهون، ومنها: أخيراً: أنه المجتمع الذي يعتبر منظمات حقوق الإنسان في
العالم ماركة مسجلة أمريكية!
لنطل على هذا المجتمع في وجهه الآخر لنرى حقيقة الحقوق فيه، أهي
إنسانية يحياها، أم حيوانية يأنسها؟
(تقدم) مستمر ... في معدلات الجريمة!
تضاعف عدد نزلاء السجون في الولايات المتحدة الأمريكية فيما بين
الثمانينيات والتسعينيات إلى ثلاثة أضعاف ما كان عليه من قبل؛ حيث بلغ عدد
المسجونين ٠٠٠. ٩٥٠ نزيل فيما بين عامي (١٩٨٠، ١٩٩٣م) وهذا يعني أن
نحو مليون من المواطنين الأمريكيين اتهموا بجرائم تخطت الحجز في مراكز
الشرطة إلى دخول السجون؛ فإذا علمنا أن نسبة ما لا يكشف عنه من الجرائم تكون
عادة أضعاف ما يكشف عنه تبين لنا أن العدد الحقيقي للمتهمين بالإجرام يمكن أن
يمثل شعباً من المجرمين يفوق عدد بعض الشعوب الصغيرة. والعدد المعلن عنه في
التقارير الرسمية قد تضاعف في السنوات الأخيرة؛ حيث ارتفعت معدلات الجريمة
إلى ٦٠٠%، حتى إن ٦٠% [٢] من مجموع الشعب الأمريكي كانوا - كما تقول
الإحصاءات - ضحايا لجرائم كبيرة، و ٥٨% منهم تعرضوا لهذه الجرائم مرتين
على الأقل! [٣] .
وإلى مزيد من التفصيل بعد هذا الإجمال:
فوضى الدماء:
يظن البعض أن الإلحاح على إلغاء عقوبة الإعدام للقتلة وغيرهم في الولايات
المتحدة الأمريكية وغيرها من دول الغرب إنما يجيء بسبب الرقة، أو المشاعر
الإنسانية المرهفة التي تنظر إلى عقوبة الإعدام على أنها عمل شرير وغير
حضاري، ولكن الحقيقة تبدو أبعد من ذلك؛ إذ يمكننا أن نتصور السبب في فزع
الأمريكيين وغيرهم من تطبيق عقوبة الإعدام، إذا علمنا المعدل الضخم لقضايا
القتل في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، والتي يفترض أن تطبق على المدانين
فيها تلك العقوبة؛ فهو عدد يحتاج إلى مقتلة سنوية تراق فيها دماء الآلاف؛ لأن
جرائم القتل الموسمية في أمريكا تبلغ سنوياً ٢٥,٠٠٠ جريمة [٤] أي أن هناك
خمسة وعشرين ألف قتيل كل عام، يُطلب للقتل بسببهم أمام العدالة خمسة وعشرون
ألف قاتل! هذا لو افترضنا أن القاتل شخص واحد في كل جريمة، فماذا لو تصورنا
أن كل قتيل يمكن أن يشترك في قتله الواحد والاثنان والثلاثة والعشرة؟ ! وماذا
لو تصورنا إضافة مستحقي القتل بجرائم أخرى غير القتل، كالتجسس
والاغتصاب والخيانة العظمى ونحوها؟
لو أنصف العقلاء من الأمريكيين والغربيين المتباكين على حقوق الإنسان
الضائعة بسبب تطبيق الأحكام في بعض البلدان الإسلامية، لو أنصفوا لقارنوا فقط
بين عدد قضايا القتل عندهم وعددها في البلدان الإسلامية التي تطبق حد الإسلام في
قتل القاتل [٥] ، إن واحداً من كل ثلاثة أمريكيين اليوم يؤيدون تطبيق عقوبة
الإعدام في القاتل ويرفضون أن يعاقب بالسجن فقط، ونحن لا نطلب منهم أن يقتدوا
بحكم الإسلام الذي ينقدونه، ولكن نريد منهم فقط أن يكفوا عن الدعوة إلى
تحويل مجتمعات المسلمين إلى مجتمعات فوضى دموية مثل مجتمعاتهم التي لا يكتفي
الناس فيها بقتل بعضهم بعضاً بشراهة دموية؛ بل يعمد المئات منهم سنوياً إلى قتل
أنفسهم بالانتحار [٦] .
استباحة الأعراض:
الإنسان إذا استهان بإهدار الدماء المحرمة فلن يتورع عن انتهاك الأعراض
المصونة، وإن شعباً يَلِغُ عشرات الآلاف منه في الدماء المستباحة كل عام، لا بد
أن الملايين منه سيرتعون في الشهوات المحرمة كل يوم. تقول التقارير الرسمية
من هناك: إن النسبة العامة لمعدلات الزنا في الشعب الأمريكي تبلغ ٣١%، ويذكر
الإحصاء الذي أورد هذه النسبة أنها ليست نسبة الذين يقترفون هذه الجريمة مرة أو
مرتين، وإنما هي نسبة (المنتظمين فيها) ، ويقول الإحصاء نفسه: إن هذه النسبة
هي فقط لجريمة الزنا وحدها بين العديد من الجرائم الجنسية الأخرى؛ حيث إن
جريمة الزنا لا تمثل إلا نسبة ٢٨% من مجموع الجرائم الجنسية الأخرى، هذا من
حيث وقوع حوادث الزنا بالفعل، أما من حيث النظر إلى الفعل حتى ممن لا
يفعلونه، فإن ٦٢% من الأمريكيين يعتبرون أن ممارسة الجنس خارج إطار الزواج
أمر لا بأس به! !
إن الإحصاءات تقول: إن امرأة من كل أربع نساء أمريكيات تخون زوجها،
ورجلاً من كل ثلاثة أشخاص يخون زوجته، والاعتداءات على الأعراض لا
تقتصر على البالغين فقط، بل إن واحداً من كل سبعة من الأمريكيين - كما تقول
الإحصاءات - تعرض للابتزاز الجنسي عندما كان طفلاً، أما الكبار فالاعتداء على
أعراضهم يأتي مصحوباً بالاعتداء على أجسادهم وأرواحهم، فنسبة ٤٢% من الذين
تعرضوا لاعتداءات جنسية قالوا إن الاعتداءات عليهم كانت شرسة وقاسية! وتذكر
الإحصاءات أن معدلات الاغتصاب في أمريكا تزيد عن مثيلاتها في اليابان
وإنجلترا وأسبانيا بعشرين ضعفاً [٧] .
إن السبب في هذا التشرد الجنسي لا يقتصر على فساد البيئة المادية فقط، أو
الخواء الروحي فحسب، وإنما يرجع أيضاً إلى فساد المنظومة الأخلاقية التي تخيم
على رؤوس تلك الشعوب الضالة، والتي جعلت من اقتراف جريمة الزنا شيئاً
قريباً من احتساء فنجان القهوة أو تدخين السيجارة، حتى إن ٥٣% من النساء
الأمريكيات قلن بأنهن لن يترددن في خيانة أزواجهن في مقابل خيانة الأزواج لهن!
و٢٠% من الرجال الذين اقترفوا جرائم جنسية قالوا: إن ضحاياهم طلبن منهم
ذلك! [٨] .
إن فقدان المنظومة الأخلاقية، مع انعدام الروادع التشريعية والاجتماعية جعل
من الشعوب الغربية اللامعة في مظهرها شعوباً غبراء في مخبرها، حتى إن فتاة
من كل خمس فتيات في الولايات المتحدة يفقدن بكارتهن قبل سن الثالثة عشرة! !
والنسبة تزيد كلما زادت الأعمار!
انفلات الحريات ونفوذ الشذوذ:
كأن الزنا في مجتمعات الغرب لم يعد سلوكاً شاذاً، ولهذا فإن وصف (الشذوذ)
يطلق عندهم فقط على ما تناهى في القبح من الفواحش غير الزنا!
إن للشذوذ الجنسي في حياة الغربيين تاريخاً طويلاً، ولكنه لدى الأمريكيين
عديم المثيل، خاصة في العهد الكلينتوني؛ ففي بداية تولي بيل كلينتون لمنصب
الرئاسة في عام ١٩٩٣م، تظاهر أكثر من مليون شخص للمطالبة بـ (حقوق
الشواذ) ، وقد صيغت هذه (الحقوق) في ثلاثة مطالب قدمها ممثلو المتظاهرين
إلى المكتب الرئاسي في البيت الأبيض وتضمنت ما يلي:
١ - المطالبة بتعديل القوانين الأمريكية لضمان حقوق الشواذ في المساواة
بغيرهم وإلغاء الإجراءات (العنصرية) التي يمارسها رجال القانون الأمريكي
ضدهم.
٢ - رفع الحظر المفروض على الشاذين جنسياً في الالتحاق بالجيش
الأمريكي.
٣ - مناشدة الرئيس والكونجرس زيادة الميزانية المخصصة لمكافحة مرض
الإيدز الذي يفتك بالشواذ!
ويبدو أن الرئيس كلينتون قد تأثر وقتها ورق قلبه لتلك المطالب (البريئة)
لأحفاد قوم لوط، فكتب رسالة تُليت على مسامع المحتشدين في التظاهرة الشاذة أمام
البيت الأبيض جاء فيها: «إنني أؤيد الكفاح من أجل المساواة بين كل فئات الشعب
الأمريكي بمن فيهم الشواذ من الرجال والنساء، أنا اعتقد أن الذي يعمل بجد يستحق
أن يكون جزءاً من هذا المجتمع، لنعمل سوياً لنحول هذه الرؤية إلى
حقيقة» ! [٩] .
يبدو أن تلك المجتمعات التي لم تهذبها الشرائع الدينية لم تردعها أيضاً للآن
على الأقل السنن الإلهية القاضية بعقاب المجرمين الفجار بالأمراض التي لم تكن في
أسلافهم؛ فمرض الإيدز الذي يضرب منذ عقدين من الزمان تلك المجتمعات، لم
يفلح في ردهم عن مسالكهم الشاذة المنحرفة، وكالعادة تأتي الولايات المتحدة في
طليعة الأمم «المتقدمة» في هذا المضمار؛ فهي تحتل المركز الأول بين الدول
الصناعية في عدد الإصابة بمرض الإيدز، وضحايا هذا المرض الناتج عن
الممارسات الجنسية غير المشروعة وغير الطبيعية قد بلغ في العالم في عقد واحد
فقط (من عام ١٩٨١ ١٩٩١م) مليوناً وثلاثمائة ألف شخص، منهم مائة وثلاثون
ألف أمريكي، وكان متوقعاً أن يصل الضحايا مع نهاية العام ٢٠٠٠م إلى ٤٠ مليوناً
من المصابين بفيروس الإيدز في أنحاء العالم.
إمبراطوريات للسرقات والمخدرات:
هناك قابلية عند الغالبية من الأمريكيين للاعتداء على أموال الغير، وفي
استطلاع أجري على شرائح عشوائية من الأمريكيين تبين أن ٧٥% منهم يعتقدون
أنهم لن يترددوا في السرقة إذا أتيحت أمامهم فرص مأمونة، ومكاسب مضمونة.
أما المخدرات، فهناك إجماع على أن الشعب الأمريكي هو أكثر شعوب العالم
إدماناً للمخدرات، والإحصاءات تقول في ذلك إن ٣٥% يتعاطون مخدر
الماريجوانا، و١٥% يتعاطون الكوكايين، و ٢٤% يتعاطون أنواعاً أخرى من
المخدرات. وتقول الإحصاءلت أيضاً: إن ٧٥% من الجرائم التي تحدث في
المجتمع الأمريكي تعود إلى سبب رئيس وهو انتشار تعاطي المخدرات [١٠] .
إن ما سبق ذكره من إحصاءات وأرقام لا يمثل كل الحقيقة؛ لأن الحقيقة دائماً
في عالم الجريمة نصف غائبة، ولهذا يقول (جيمس باترسون) و (بيتر كيم)
وهما مؤلفا الكتاب الذي استقيت منه معظم هذه الإحصاءات: «تثير الإحصاءات
الرسمية للجريمة في أمريكا نوعاً من الشك لدينا، لأن الأرقام التي توصلت إليها
دراستنا في هذا الصدد، تزيد بنسبة ٦٠٠% عن إحصاءات الجريمة المسجلة
رسمياً لدى الجهات المختصة» [١١] .
وكان هذان المؤلفان قد سُبقا بمؤلفيْن آخريْن هما: (فرانك براونج)
و (جون جيراس) اللذان وضعا دراسة بعنوان: (الجريمة على الطريقة
الأمريكية) شرحا فيها في اثنتي عشرة وخمسمائة (٥١٢) صفحة أنواعاً
وأشكالاً وطرقاً لارتكاب الجرائم المختلفة: فردية وجماعية، ارتجالية ومنظمة،
سياسية وجنائية، ما كان منها بسبب المال، وما كان بدافع الجنس، وما ينتج عن
الفقر، وما ينجم عن الترف، وما تسببه الاختلافات المذهبية، وما تدفع إليه
الفروق العنصرية، وما يقترفه الشباب، وما يختص به النساء وما يقوم به
الأطفال وما لا يتقنه إلا الرجال، إلى آخر ما في قاع المجتمع الأمريكي وقمته من
صراع وضياع وجرائم متنوعة.
جاء في مقدمة الكتاب: «كانت الأحداث الخارقة التي تقع في
الولايات المتحدة الأمريكية، والقلق الذي خلَّفته قد تركت أثراً كبيراً لدى
المؤلفَيْن؛ فالمخدرات انتقلت من الحواري، لتغزو الضواحي، والجرائم
والاعتداءات أخذت تحتل أخبار الصحافة باستمرار، والغش الذي يقوم عليه
أرباب العمل ظهر في الصحف بعناوين عريضة ... كنا كلما حاولنا رد هذه
الظواهر إلى جدل ثقافي وسياسي كلما شعرنا بأننا مرغمون على سبر جذور
الإجرام الأمريكي، وبالتأكيد، لم تكن المسألة بالنسبة لنا إطلاقاً أن نكب على
تصنيف الجرائم التي ترتكب في أمريكا تصنيفاً موسوعياً؛ لأن عدة مجلدات لن
تكون كافية. لقد سعينا إلى اكتشاف كيف، ولماذا، وبأية آلية تعد بعض الأفعال
الإجرامية؟ من الذي يضع لها تعريفات؟ ولأية أسباب تتغير هذه التعريفات؟
وأخيراً كيف أنتجت أمريكا هذا التخلف الحضاري الذي لا مثيل له في
العالم؟» [١٢] .
ثم ينتهي الكاتبان بعد دراسة إحصائية واسعة في سبعة وعشرين فصلاً إلى أن
الجريمة في الولايات المتحدة الأمريكية وصلت إلى حد أصبحت فيه سلطة تنافس
السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والنيابية وسلطة الصحافة! حيث قالا:
«ينبغي بالتأكيد، سبر عدد من أقوى مؤسسات أمريكا العامة والخاصة؛ فإن واقع
الشروع وحده في تحقيق كهذا سيؤول إلى معرفة حقيقة حضور الجريمة داخل
المؤسسات الأمريكية، ومن ثم سيقود إلى وجود (السلطة السادسة) التي نعبر عنها
بأعلى صوت فنقول: (السلطة الإجرامية) » ! ! [١٣] .
إن ما ذكرناه عن شيوع الجريمة في أمريكا زعيمة الانحلال في الغرب لا
يعني براءة روسيا زعيمة الإلحاد في الشرق؛ فالروس في الإجرام كالأمريكان، بل
هم أضل سبيلاً. ويكفينا أن نعلم أن التقارير الواردة من هناك تفيد أن معدل جرائم
القتل وحدها قد زادت إلى ما نسبته ٥٠%، أما الجرائم الأخرى فهناك حسب
الإحصاءات تنافُسٌ فيها بين ثلاثة آلاف عصابة منظمة [١٤] .
وبين فساد الشرق الإلحادي والغرب الانحلالي، يعيش العالم حقبة من الضياع
تتضاعف آثاره بفعل ما طرأ من مستجدات تفرضها مضاعفات عصر
(العولمة) !
عولمة الجرائم:
العولمة آخذة في جعل الجريمة ذات صفة عالمية؛ فالمجرمون من أكبر
المستفيدين من تخفيف قيود الانتقال عبر الحدود، ومن التقدم في وسائل النقل
والاتصالات، ويتضح ذلك في رواج تجارة المخدرات وعمليات غسيل الأموال
القذرة، وهما مظهران من أوسع مظاهر انتشار النشاطات الإجرامية؛ فطوال عقد
التسعينيات كان يتم غسيل ما يقرب من مائة مليار دولار من تجارة المخدرات بشكل
سنوي في ذلك العقد في أمريكا وأوروبا وحدهما.
وقد عقد مؤتمر في عام ١٩٩٤م برعاية الأمم المتحدة لوزراء مسؤولين عن
الأمن في كثير من دول العالم، أكد فيه المؤتمِرون أن الجريمة الدولية قد زادت في
السنوات القليلة الأولى من عقد التسعينيات بعد الإعلان عن إجراءات عديدة تتعلق
بالعولمة؛ بحيث فتحت الأبواب أمام سيل من الفرص المتاحة لتدويل الجريمة،
وعولمتها. أما ثورة الاتصالات الإلكترونية فقد أحدثت طفرة في عالم
الجريمة [١٥] لا يعلم مدى ما ستصل إليه إلا الله - تعالى -.
ملاحظة مهمة وأخيرة: وهي أن ذلك الواقع (النموذجي) لحياة الإنسان في
البلدان التي لا تدين لله بالطاعة إنما هي نتاج النظم التشريعية الخرقاء التي يصر
المبدِّلون على أن يحاكموا إليها شريعة الرحمن، وأن يعدلوا ويغيروا فيها لتستقيم
مع العوج المعهود في شرائع الإنسان ... وصدق الحليم العظيم إذ يقول: [يُرِيدُ
اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ
يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً * يُرِيدُ
اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً] (النساء: ٢٦-٢٨) .
стр. 3988
ملفات
حقوق الإنسان بين الحق والباطل
حقوق الإنسان بين الشريعة والقانون
محمود بن محمد المختار الشنقيطي [*]
مدخل:
لقد بات موضوع الحديث عن حقوق الإنسان حديث الساعة حتى غدا الاهتمام
به واضحاً من خلال عقد المؤتمرات والندوات، وإبرام المواثيق والاتفاقيات على
المستويَيْن: الإقليمي والدولي؛ وذلك من أجل معالجة جميع الجوانب والظروف
التي تسهم في تعزيز حقوق الإنسان، وتهيئ السُّبل الكفيلة لحمايتها.
وقد أصبح معروفاً أن تطبيق حقوق الإنسان يُعد معياراً لمعرفة مدى التزام
دولة ما بمبادئ العدل والإنصاف وحماية حقوق مواطنيها وحُرّياتهم، كما أنهُ يُعدّ
معياراً لمقياس مدى إدراك ووعي تلك الشعوب بالتمتع بها، بَلْهَ أهم عنصر في
الأنظمة الديمقراطية - كما يقولون - هو رعاية حقوق الإنسان.
وأيّاً كانت أسباب ودوافع الاهتمام بحقوق الإنسان وتناولها، وتباين تقسيماتها،
فيبقى للطرح الإسلامي رَوْنَقُه ووضوحه وعمقه وأصالته، لا لأنهُ ينطلق في
تحليله لحقوق الإنسان من الشريعة الإلهية الربانية فحَسْب؛ بل لأن التأريخ الذي لا
يحابي أحداً يشهد لواقعية الطرح الإسلامي ومصداقية تجرده في مناداته بحقوق
الإنسان.
ولا جَرَم أن المجتمع الإنساني اليوم حين نحَّى شريعة الله وهي الإسلام،
واستظلّ بظلّ النظم الوضعية؛ قد فقدَ السند والنظام الذي يحمي تلك الحقوق ويبقيها
دون تعرّضٍ للتآكل أو حتى التخلي عنها.
ولا أدلّ على ما نقول من أنّ حقوق الإنسان لم توضع قط موضع التنفيذ في
تاريخ الإنسانية إلا حين حَكمَ الإسلام من لَدُن أول حكومة إسلامية في عصر رسول
الله ﷺ ، واستمرّت منفَّذةً مطبَّقةً مع استمرار هيمنة الحكم
الإسلامي.
حكمنا فكان العدلُ منّا سَجِيَّةً ... ولما حكمتم سال بالدم أَبْطُحُ
ومهما يكن من أمر، فإن حقوق الإنسان من أبرز الميادين التي احتدم فيها
الصراع الفكري بين أهل الإسلام والغرب، وما كان ينبغي لها أن تَصِلَ إلى ما
وصلَتْ إليه لولا جهلهم أو تجاهلهم بتراثنا الفقهيّ، أو عدم بلوغهم حقيقة الإسلام
تجاه حقوق الإنسان، أو حيلولة القوى المعادية للإسلام بين الرأي العام وبين الطرح
الإسلامي للموضوع [١] ، أو نكرانهم أنهم استفادوا شيئاً من الحضارة الإسلامية، أو
أنهم بنوا مدنيَّتهم على علوم اكتسبوها من أهل الإسلام ... إلخ.
وعجباً أن تكون المبادئ التي طالما صَدّرْناها للناس يُعاد تصديرها إلينا على
أنها كَشْفٌ إنساني ما عرفناه يوماً ولا عشناه دهراً.
ونحن نملك تراثاً عامر الخزائن بالمبادئ الرفيعة والمُثل العليا، ونخشى أن
يجيء يوم يصدّر الغرب إلينا فيه غسل الوجوه والأيدي والأقدام على أنه نظافة
إنسانية للأبدان، فإذا قُلْت: ذلك هو الوضوء الذي نعرفه، قال لك المتحذلقون
المفتونون: لماذا لا تعترف بتأخرك وتقدّمه؟ وفقرك وغناه؟
إن الخمول الشنيع الذي ران علينا في القرون الأخيرة جعل تراثنا العظيم نهباً
للآخرين، ثم تُمحى من فوقه كلُّ علامة، وتُوضع عليه علامات المُلاّك الجدد، ثم
يقال: إن العرب ما قدّموا للعالم خيراً قطّ، وإن الإسلام وأهله عالةٌ على الأولين
والآخرين، ألا [لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا
عِوَجاً وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ] (الأعراف: ٤٤-٤٥) « [٢] .
إنَّ في طليعة الحقوق التي يجب على الغرب أن يعترف بها حقاً أساسياً هو
الحقّ في الاختلاف معه، أعني حقّ الشعوب الأخرى، ولا سيما المستضعفة
سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وثقافياً - أي: المتخلفة عن ركب آلته المتقدّمة - في
أنْ تكونَ لها عقيدتها ولغتها وثقافتها ومختلف مقوّمات هويتها الذاتية والكيانية، ثم
يأتي بعد ذلك حقها في التقدم الذي بلغه العصر في شتى المجالات، والذي يضع
الغرب نفسه الراعي والمتعهد وصاحب الامتياز لحقوق الإنسان! ! يضع عراقيلَ
حتى لا تدرك هذه الشعوب شأواً مناسباً منه، وَيذُودُونَها بسوْط العولمة أو الأَمْرَكةِ
حتى تبقى رهينة تبعيّةٍ مقيتةٍ يتحكمون في صيرورتها، ويجردونها من أدنى
الحقوق وأبسطها، معاشاً وتعليماً وعلاجاً وأمناً.
ولو أنّ المسلمين انطلقوا من ذاتهم ومن مفاهيم شريعتهم لحقوق الإنسان،
لسهُلَ عليهم هضم هذه الحقوق والتفاعل معها، والعمل بها واحترامها حتى في
صيغتها الغربية المشوّهة.
وإن من أوليات هذه الانطلاقة أن يقف المسلمون على ما يتميز به المنظور
الإسلامي [٣] لحقوق الإنسان، وما يرتبط بها من مبادئ وقيم؛ ليدركوا الحاجة
الماسّة إلى إعادة النظر في المنظومة الحالية، وينبهوا غيرهم إلى ضرورة هذه
الإعادة، حتى تتناسق هذه الحقوق وتتكامل، وتستحقّ الوصف بالعالمية، مع أنَّ
من نافلة القول أن نقول: إنه ليس ثَمّة وسيلة للإقناع بالطرح الإسلامي لحقوق
الإنسان أفضل من تطبيقنا نحن المسلمين ما جاء به شرعنا الحنيف في هذا المجال،
وعند سعينا لتطبيق حقوق الإنسان تكون هذه الريادة خير ردّ على أيّ اتّهام بخرق
تلك الحقوق.
والحديث عن حقوق الإنسان في شريعة الإسلام متشعّب وأخّاذ؛ بيد أننا في
هذا المقام نوجز الحديث في عنصرين؛ هما: خصائص الإنسان في شريعة الإسلام،
وبعض ما انفردت به الشريعة من حقوق الإنسان.
أولاً: خصائص وسمات ومميزات حقوق الإنسان في الإسلام:
١ - من أبرز ما يميز حقوق الإنسان في الإسلام هو أن مصدر هذه الحقوق
مبني على أن السيادة والحاكمية لله . قال - تعالى -: [إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ
يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ] (الأنعام: ٥٧) ، وقال : [أَلاَ
لَهُ الحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الحَاسِبِينَ] (الأنعام: ٦٢) . فينظر المشروع الإسلامي
للحقوق بحسب النظرة الإلهية لهذا المخلوق [٤] ، ومدى ما يصلحه [٥] ، كما قال -
تعالى -: [إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً] (الإِنسان: ٣) .
٢ - الثبوت؛ فلا تتغير بتغيُّر الزمان وتبدل الظروف والأحوال. وتتّضح
هذه الميزة في تعريف العلماء للحق حين عرّفوه بقولهم:» هو الحقّ الثابت الذي لا
يجوز إنكاره « [٦] .
٣ - مراعاة انطلاق الحقوق من مقام الإحسان؛ فالحقوق في الإسلام تنبع من
المقام الذي يكون فيه العبد تحت مخافة الله ، وهو مقام الإحسان الذي
قال عنه النبي ﷺ :» أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه
يراك « [٧] .
٤ - الانسجام والتكامل بين حقوق الإنسان وطبيعة هذا الدين، فالإسلام لم
يترك الحقوق مجردة، بل جعلها في جوّ وإطار الأحكام الشرعية، وفي منظور
المقاصد الشرعية، وقرنها بآدابها وأخلاقها، وجعل الإخلال بتلك الآداب إخلالاً
بهذه الحقوق، وربطها في النهاية بالدين، واعتبر مصدرها إلهياً، فكان بناء
الحقوق في الإسلام بناءً متكاملاً ينسجم مع الطبيعة الربانية لهذا الدين [٨] .
٥ - تنبثق حقوق الإنسان في الإسلام من أنّ سيادة المجتمع الإنساني فرع
عن سيادة أفراده، وليس العكس، كالحال في النظم الوضعية [٩] ، قال - تعالى -:
[مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي
الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً]
(المائدة: ٣٢) .
٦ - إضافة إلى السبق الزمني لحقوق الإنسان في الإسلام على غيره [١٠] ؛
فإنّ هذه الحقوق التي كفلها الإسلام للإنسان لم تتحقق بعد صراعات فكرية أو
ثورات ومطالبات كما هو الشأن في تاريخ حقوق الإنسان في النظم الديمقراطية
وأسباب نشأتها، كالحال في فرنسا وبريطانيا ... وإنما استقرّت مبادئها وأحكامها
وحياً من عند الله دون سابق حديث عنها أو تطلّع إليها، أو كفاح في
سبيلها.
٧ - أنها واقعية ومرتبطة بالحياة، وتلمس حاجة الإنسان؛ بخلاف الحقوق
في التشريعات الأجنبية فإنها منصبغة بالصبغة الفلسفية. جاء في ديباجة الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان ما نصّه:» لِمَا كان الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع
أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة، وهو أساس الحرّية، والعدل،
والسلام في العالم.
ولَمَّا كان تناسي حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت
الضمير الإنساني، وكان غاية ما يرنو إليه عامّة البشر انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد
بحرّية القول والعقيدة، ويتحرر من الفزع والفاقة.
ولَمَّا كان من الضروري أن يتولى القانون حمايةَ حقوق الإنسان؛ لكيلا
يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم.
ولَمَّا كانت شعوب الأمم المتحدة قد أكّدت في الميثاق الجديد إيمانها بحقوق
الإنسان الأساسية، وبكرامة الفرد وقَدره، وبما للرجال والنساء من حقوق متساوية،
وحزمت أمرها على أن تدفع بالرقي الاجتماعي قدماً، وأن ترفع مستوى الحياة
في جوٌ من الحرّية أفسح.
ولَمَّا كانت الدول الأعضاء قد تعهدت بالتعاون مع الأمم المتحدة على ضمان
اطِّراد مراعاة حقوق الإنسان، والحريات الأساسية، واحترامها.
ولَمَّا كان للإدراك العام لهذه الحقوق والحريات الأهمية الكبرى للوفاء التام بهذا
العهد.
فإن الجمعية العامة تنادي بهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه
المستوى المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم، حتى يسعى كلّ
فرد وهيئة في المجتمع، واضعين على الدوام هذا الإعلان نصب أعينهم إلى توطيد
احترام هذه الحقوق والحريات عن طريق التعليم والتربية، واتخاذ إجراءات مطردة
قومية وعالمية؛ لضمان الاعتراف بها، ومراعاتها بصورة عالمية فعّالة بين الدول
الأعضاء ذاتها، وشعوب البقاع الخاضعة لسلطانها.
ثانياً: بعض ما انفردت به الشريعة الإسلامية من حقوق الإنسان:
وقد جاءت هذه الحقوق بمجموعها ضمن الكثير من الوثائق التي صدرت على
المستوى الإسلامي عن حقوق الإنسان [١١] .
ومن أهم هذه الحقوق:
١ - حقّ الفضل والكرامة المكتسب من العمل والعقيدة، وجاء في العالمي
بشكل عام في عدة مواد.
٢ - حرمة اللجوء إلى فناء النوع البشري.
٣ - حقّ الحفاظ على الأفراد البريئين، كالشيخ، والمرأة، والطفل أثناء
النزاعات، ومداواة الجرحى، والحفاظ على الأسرى، وحرمة التمثيل بالقتلى،
وخلا العالمي من ذلك، ولكنه جاء في مواثيق واتفاقات دولية لاحقة، مثل: معاهدة
جنيف، والاتفاقية الدولية بشأن الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية،
والحقوق المدنية والسياسية.
٤ - حق الإنسانية في عدم إتلاف الزروع، وتخريب المباني المدنية أثناء
النزاعات.
٥ - حقّ الأسرة في الحصول على الإنفاق من قِبل الرجُل.
٦ - حق الجنين.
٧ - حق الأبوين والأقارب على الأبناء، وحقوق ذوي القرابة.
٨ - التوسع والتأكيد على حق الفرد في التربية الدينية، والدنيوية، وجاء في
العالمي بمستوى أقل من ذلك.
٩ - حق التحرر من قيود الاستعمار، والاستقلال عنه، وجاء في العالمي
بشكل آخر.
١٠ - حق الكسب المشروع ومنع الربا.
١١ - حق الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
١٢ - حق الفرد في حماية مقدساته من الإهانة، ومنع الإخلال بالقيم، وعدم
إثارة الكراهية.
حقوق الإنسان وسيلة سياسية في أيدي الغرب:
فغيرُ خافٍ عليك أن الطرح الإسلامي في قضية حقوق الإنسان يرتكز على
إثارة الشعور العاطفي بالإيمان بالله ، بخلاف التناولات الأخرى،
ويرتكز على مفهوم تسخير الله كل ما في هذا الكون لمصلحة الإنسان
وفق انسجام متكامل في منظومة الحياة.
وغير خافٍ عليكَ النزاع الذي باتَ مكشوفاً في انتقادات الغرب لقضية حقوق
الإنسان في الإسلام. وإن الأخبار السياسية اليومية مليئة بالأحداث التي تدل على
أن التأريخ لم يشهد للغرب يوماً من الأيام بتطبيق حقوق الإنسان بعيداً عن المصالح
والاعتبارات والقيود التي تحكم الجانب التطبيقي، وما ترويج الدوائر الغربية لكتاب
سلمان رشدي، وما الخمس عشرة رهينة الذين احتُجزوا في لبنان، وكيف قامت
دنيا الغرب ولم تقعد؛ لأنهم من الجنس الأبيض، بينما أكثر من عشرة آلاف رهينة
من الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية يقابلون بوجوم وسكوت مطبق، بل
بتبريكات من راعي السلام أمريكا.. وقديماً قالوا: «رَمَتْني بدائها وانْسَلّت» .
فما كل ذلك عنك - أخي القارئ - ببعيد، ولا نستغرب تصرفات الغرب
حين ينطلق في مجال حقوق الإنسان من نظرته الانتقائية التمييزية [١٢] .
حقوق الإنسان والرق في الإسلام:
ونسلّط الضوء - ولو بشيء من الإيجاز - على قضية من قضايا حقوق
الإنسان طالما شكّك الأعداء وطعنوا في الإسلام بسبب ضيق فهمهم لموقف الإسلام
منها، وهي قضية الرقّ في الإسلام.
وخلاصة القول: أن نقلب السحر على الساحر؛ فقضية تشريع الرقّ في
الإسلام من أوضح ما يدلُّ على سمو هذا الدين وكماله، وأنه أبعد من المثالب
والمعايب مما وصفه بها أعداؤه.
فمن أنوار التنزيل كانت الحقوق الواضحة البيّنة التي بينها رب العالمين الذي
[يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ] (الأنعام: ٥٧) في شريعة الرق [١٣] في
الإسلام؛ بيان وإنصاف للإنسان حينما يقال للسيد: أعطِ حقّ المملوك الذي جعله
الله أمانة في عنقك، وأنت مسؤولٌ عنه أمام الله ، ويقال للمملوك:
أدِّ حقَّ سيدك.
في شريعة الرق في الإسلام نظرةٌ كاملة شاملة، ومناداة بالحقوق دون أن
يتقمّصها المنادي لأغراضه الشخصية، نظرة لإيجاد انسجام وترابط وتراحم بين
السيد والمملوك، تتجلى فيها عظمة الإسلام في أبهى صورها وأجمل حللها دون
كذب وافتراء، ودون مبالغة وخداع وتمويه على الناس.
ولنقف - أخي القارئ - على شيء مما دَوَّنَهُ فقهاء الإسلام في أحكام الرقيق:
أولاً: يحرم في الإسلام استرقاق الناس وقد وَلَدَتْهم أمهاتهم أحراراً بناءً على
أجناسهم أو ألوانهم أو مللهم وأديانهم، حتى قال ﵊ كما في
صحيح الإمام البخاري ﵀ من حديث أبي هريرة ﵁:
«ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة وذكر منهم: ورجُلٌ باعَ حرّاً فأكل ثمنه» .
ثانياً: جعل الإسلام سبب الرقّ هو الكفر، فمَن كفر فإنه ينزل عن مستوى
الكرامة والآدمية - ولو كان أجمل الناس صورة أو أعز الناس مكانة وحسباً ونسباً
وجاهاً - إلى مستوى البهيمية أو أضل. قال - تعالى -: [أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ
أضَلُّ] (الأعراف: ١٧٩) ، فالكفر والشرك من أعظم الظلم، قال تعالى:
[إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ] (لقمان: ١٣) . والكافر ظالم، قال - تعالى -:
[وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (البقرة: ٢٥٤) .
ثالثاً: ليس كل كافر يُسترَقُّ، وإنما الكافر المحارب الذي يقف في وجه
الدعوة إلى الله يحاربها ويمنع غيره من أن يصل إليه من أنوارها،
ويصبح عقبةً أمام تبليغها، أمّا إذا لم يحارب فإنه يُقَرُّ على ملته ويُعْطِي الجزية،
وتتعدّاه الدعوة إلى غيره.
وإذا حارب ووقف في وجه الإسلام فليس لكل أحد أن يسترق ويأخذ من أسر
ويقول: هذا مملوك لي، إنما ضبطها وحدّدها الحكيم الخبير
حين ربطها بنظر الإمام ووليّ الأمر، قال - تعالى -: [فَإِمَّا مَناًّ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً
حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا] (محمد: ٤) .
رابعاً: رغب الإسلام في عتق الموالي وفتح لهم أبواب الحرية، فمن ذلك
رتّب كفارة العتق وأوجبها في بعض الصغائر والكبائر، كالقتل والظهار وغيرهما.
ومن ذلك: جواز المكاتبة أن يطلب الرقيق حريته بدفع شيء يكاتب عليه
سيّده، وجعل للمكاتبين نصيباً في الزكاة الواجبة، قال - تعالى -: [وَفِي الرِّقَابِ]
(التوبة: ٦٠) . وأوجدَ الإسلام نظاماً آخر للعتق، عُرف في الفقه الإسلامي
بالتدبير [١٤] ، وحرّم على السيد استرقاق أمّ الولد أو بيعها ... إلخ.
ورتّب على العتق عظيم الأجر، حتى قال ﵊ لسيد
الجارية حين قال لها: «أين الله؟» ، قالت: في السماء، قال: «من أنا؟» ،
قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها؛ فإنها مؤمنة» [١٥] .
ولم يجعل الإسلام مجرّد دخول الموالي في الدين سبباً للعتق؛ حسماً للكذب
وادّعاء اعتناق الإسلام.
خامساً: أوجب على السيد في حقّ مولاه نفقته وكسوته وحمله إذا احتاج
الركوب، وليست النفقة على العمل، وحرّم على السيد أن يكلّفه بعمل يشقّ عليه
ولا يتحمله. قال ﷺ : «للمملوك طعامه، وكسوته، ولا يكلف من
العمل إلا ما يطيق» [١٦] ، وكذلك حرّم عليه أن يستخدمه في عمل يؤدي بعد ذلك
إلى الإصابة بالأمراض، ويعجز عنه بعد مرور الأيام. وجعل من حقوق المولى
على السيد أن يعطيه ساعات يرتاح فيها من العمل ويصلي فيها. قال الحجاوي -
﵀ في زاد المستقنع: «ويريحه وقت القيلولة والنوم والصلاة» .
وأطفال الموالي لا يُطالَبون بالكسب، بل يُتركون حتى يكبروا.
وجعل الإسلام للمولى الحقّ في أن يتملك ما ملَّكه له سيده في الميراث، قال -
تعالى -: [قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ]
(الأحزاب: ٥٠) . ومقابل الخدمة التي أوجبها للسيد على المولى خفف الشرع عليه
في الواجبات الشرعية، فلا تجب عليه الجمعة ولا الحجّ وغيرهما.
سادساً: جعل سياجاً منيعاً للحقوق المعنوية للرقيق، فحرّم إهانتهم واحتقارهم
وضربهم.
أوردَ الإمام النووي ﵀ في رياض الصالحين تحت باب: النهي
عن تعذيب العبد والدابة والمرأة والولد بغير سبب شرعي أو زائد على قدر الأدب،
أوردَ حديث أبي مسعود البدري ﵁ الذي أخرجه الإمام مسلم رحمه
الله - في صحيحه، قال: كنتُ أضرب غلاماً لي بالسَّوْطِ، فسمعتُ صوتاً من
خلفي: «اعلم أبا مسعود» ، فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني، إذا هو
رسول الله ﷺ ، فإذا هو يقول: «اعلم أبا مسعود! أعلم أبا
مسعود!» ، قال: فألقيت السوط من يدي، فقال: «اعلم أبا مسعود! أن الله أقدر
عليك منك على هذا الغلام» ، فقلت: يا رسول الله، لا أضرب مملوكاً بعده، وقلت:
هو حُرٌّ لوجه الله تعالى، فقال ﵊: «أما لو لم تفعل
لَلَفَحَتْكَ النار أو لَمَسَّتْكَ النار» [١٧] .
ومن تأكيد الشرع على حقوقهم أن كان آخر ما أوصى به نبي الله صلى الله
عليه وسلم وهو واقف على أعتاب الدنيا يودّع أمّته في مرض موته أن كان يقول:
«الصلاةَ الصلاةَ وما ملكت أيمانكم» [١٨] .
ولعل هذه الإشارة مما سطّره فقهاء الإسلام في حقوق الرقيق، لعلّ فيها أبلغ
الردّ على شُبهات أعداء هذا الدين، وتثبيتاً لقلوب بعض المؤمنين الذين كادوا أن
ينهزموا أمام هجمات الأعداء، فيتنصلوا من شريعة الرق، وأنها نُسِخت أو شُرعت
للضرورة فقط.... إلخ، غيرةَّ منهم على الإسلام.
كلاَّ! بل ينبغي أن ترفع بها رأساً؛ لأنها من أحكام الله الباقية الخالدة الذي
يحكم ولا مُعقّب لحُكمه ونحن نؤمن بهذا التشريع الذي يبقى ما بقي
الزمان وتعاقبَ الليل والنهار، رضيهُ من رضيه، وسخطه من سخطه؛ فمَن
رضي فله الرِّضى، ومَن سخط فله السخط، [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) .
стр. 3989
ملفات
حقوق الإنسان بين الحق والباطل
حقوق المرأة والطفل بين الحقيقة والادعاء
علي عليوة
بالأمس قيل: «كم من الجرائم ترتكب باسمك أيتها الحرية! !» وذلك تعليقاً
على هذا الكم الكبير من سفك الدماء والدمار الذي أحدثه الثوار الفرنسيون في حربهم
ضد الكنيسة والملكية التي مهدت لقيام الجمهورية الفرنسية الحديثة، ورأى العالم
مدى التناقض الصارخ بين شعارات الثوار (الحرية المساواة الإخاء) وبين
ممارساتهم المشينة على أرض الواقع، والموجهة ضد خصومهم.
واليوم يمكن إطلاق العبارة نفسها على قضية حقوق الإنسان، والقول
باطمئنان: (كم من المصائب ترتكب باسمك أيتها الحقوق المنسوبة للإنسان! !) ؛
فوراء ذلك الشعار البراق يقوم الغرب بعملية غزو فكري منظم تم التخطيط له بعناية
لضرب منجزات البشرية في المجال الأخلاقي والاجتماعي، ولمحو الثقافات
المخالفة للثقافة الغربية بدعوى العولمة والقرية الكونية الواحدة، ويتخذ هذا الغزو
من حقوق المرأة وحقوق الطفل ستاراً لفرض منظومة القيم الغربية الغازية.
وتتخذ المنظمات النسائية الغربية ذات التوجه العلماني من الأمم المتحدة غطاءً
لها في سعيها لفرض منظومتها الإباحية على العالم، وكانت وراء ذلك الاهتمام
المبالَغ فيه دولياً بقضايا حقوق المرأة. فكان المؤتمر الدولي الأول للمرأة في
المكسيك عام ١٩٧٥م، ثم كان المؤتمر الثاني في كوبنهاجن عام ١٩٨٠م، والثالث
في نيروبي عام ١٩٨٥م، والرابع في بكين عام ١٩٩٥م، إضافة إلى مجموعة
مؤتمرات أخرى لها صلة بقضايا المرأة مثل مؤتمر السكان والتنمية في القاهرة
١٩٩٤م.
وتسعى المنظمات الغربية من خلال الأمم المتحدة إلى فرض منظومة القيم
الغربية في مجالات الحياة المختلفة اجتماعية واقتصادية وثقافية، والخروج بوثيقة
دولية ملزمة لكل دول العالم فيما يسمى بحقوق النساء ضاربة عرض الحائط
بخصوصيات الشعوب وعقائدها. وكانت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز
ضد المرأة (السيداو) هي خلاصة تلك الجهود.
وقامت (السيداو) بدمج حقوق المرأة في حقوق الإنسان مما جعلها بمثابة
إعلان عالمي بحقوق المرأة، ودعت الاتفاقية إلى المساواة التامة في الحقوق بين
المرأة والرجل في جميع الميادين السياسية والاقتصادية والمدنية. وتعد الاتفاقية
ملزمة قانونياً للدول التي صادقت عليها، وتتعهد هذه الدول بإلغاء كل التشريعات
والقوانين المحلية التي تعتبر تمييزاً ضد المرأة. وتم تشكيل لجان دولية باسم لجان
(السيداو) مهمتها مراجعة ما تم إنجازه في كل دولة عضو في هذا المجال كل عدة
أشهر، وعلى الرغم من أن الاتفاقية تنص على أن يتم تشكيل لجان (السيداو) بما
يعكس التمثيل العادل لكل الثقافات والحضارات والعقائد إلا أن التشكيل على أرض
الواقع لم يعكس ذلك بل كانت الأغلبية في عدد الأعضاء هي لممثلي الدول الغربية
التي تسعى لفرض مفاهيمها ومنطلقاتها الخاصة بحقوق المرأة على باقي شعوب
العالم.
حتمية الصراع:
وتستند اتفاقية (السيداو) على عدة مفاهيم ومنطلقات أساسية تشكل خلفيتها
الفلسفية؛ وأول هذه المفاهيم اعتبار المرأة مخلوقاً متفرداً بذاته وليس كائناً اجتماعياً
له دور من خلال الأسرة، وأن المساواة بين المرأة والرجل هي مساواة مطلقة؛
بمعنى التماثل فيما بينهما واستبعاد أي فروق فسيولوجية أو بيولوجية تميز كلاً منهما
عن الآخر، وأن الوصول لتلك المساواة يتطلب صراعاً دائماً ضد الرجال الذين
يمثلون الخطاب الذكوري الأبوي، وإصرار الاتفاقية على تكريس قيم الفردية
والتماثل التام بين المرأة والرجل والمساواة المطلقة في الحقوق والواجبات.
والصراع بين الرجال والنساء إنما يعني دفع المرأة للتمرد على عقيدتها وثقافتها
وخصوصيتها، وإشعال الفتنة داخل كل أسرة بما يؤدي لتفكيك تلك المؤسسة التي
تشكل اللبنة الأساسية لتماسك المجتمعات وبقائها.
وتتضمن الاتفاقية بنوداً تحقق فرض الفلسفة الغربية من خلال ثلاث مواد هي
المادة رقم (١) ورقم (٢) ، ورقم (١٦) ، فعلى سبيل المثال تقول المادة رقم
(٢) بضرورة تجسيد مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في دساتير الدول الوطنية
أو تشريعاتها المناسبة الأخرى، كما تنص على اتخاذ التدابير المناسبة بما في ذلك
التشريع لتعديل أو إلغاء القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات القائمة التي
تشكل تمييزاً ضد المرأة.
وأخطر هذه المواد هي المادة رقم (١٦) التي تنص على ضرورة اتخاذ
الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة
الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات الأسرية، وبوجه خاص تضمن على أساس
تساوي الرجل والمرأة نفس الحق في عقد الزواج ونفس الحق في اختيار الزوج
ونفس الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه، وفيما يتعلق بالولاية
والقوامة والوصاية على الأطفال وتبنيهم!
وهذه المادة التي تعطي للرجل والمرأة الحق، نفسه في عقد الزواج، وفي
أثنائه، وعند فسخه تتعارض مع قاعدة ولي الزوجة عند عقد الزواج، ومع المهر،
وقوامة الرجل على المرأة داخل الأسرة، وتعدد الزوجات، ومنع زواج المسلمة من
الرجل غير المسلم، وأحكام الطلاق والعدة، وعدة الوفاة، وحضانة الأولاد،
والغريب أن الاتفاقية تحظر على الدول الموقعة عليها أن تتحفَّظ على تلك المادة!
وحيث يتناقض ذلك مع كتاب الأمم المتحدة حول (التمييز ضد المرأة) الذي يعطي
للدول حق التحفظ على بعض بنود الاتفاقية. وإلى جانب أنها تعد تدخلاً سافراً في
سيادة الدولة على قوانينها ودساتيرها؛ فهي تفرض عليها تغيير دساتيرها وقوانينها
التفصيلية بما يتفق مع المفاهيم التي تعرفها (السيداو) حتى ولو تعارضت مع القيم
والعقائد والخصوصيات الثقافية للشعوب؛ باعتبار (السيداو) هي المرجعية
القانونية لكل دساتير الدول وليس الدين أو الثقافة الوطنية.
التهديد باستخدام القوة:
وتفتح هذه المادة الباب على مصراعيه أمام احتمال اتخاذ الأمم المتحدة مستقبلاً
إجراءات لاستخدام القوة أو فرض العقوبات على أي دولة تتضمن تشريعاتها أو
قوانين محاكمها المحلية أي تمييز ضد المرأة وفقاً للمرجعية الدولية في هذا المجال،
وهي اتفاقية (السيداو) التي تريد الأمم المتحدة أن تكون لها السلطة الأعلى على
أي سلطة تشريعية محلية في أي دولة، وأنها (أي الاتفاقية) ناسخة للقوانين
المحلية. والاتفاقية في مجموعها تحارب الخطأ المزعوم بالوقوع في الخطأ نفسه؛
فهي في سعيها للمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة متناسية الفروق التي تميز كل
منهما عن الآخر لا ترى مانعاً من الوقوع في خطأ التمييز ضد الرجل؛ أي إعطاء
المرأة حقوقاً أكثر مما يحصل عليه الرجل في المجال نفسه، وينسى من وضعوا
بنود الاتفاقية أن المساواة بين الجنسين في الخصائص والأدوار الاجتماعية هو الظلم
بعينه، وأن المطلوب هو العدل بين الطرفين.
ويأتي مفهوم الجندر (النوع الاجتماعي) ليشكل الأداة الرئيسية لهدم كل
الثوابت العقائدية والأخلاقية التي تعتز بها شعوب العالم؛ فهذا المفهوم يمثل حجر
الزاوية في اتفاقية (السيداو) ؛ فقد ورد في المادة (٥) من الاتفاقية تحت عنوان
(تغيير الأنماط الاجتماعية والثقافية لدور كل من الرجل والمرأة) ، فالأمومة ليست
صفة بيولوجية فسيولوجية لدى المرأة، ولكنها وفقاً لهذه المادة هي وظيفة اجتماعية
يمكن أن يؤديها أي شخص حتى ولو كان هذا الشخص هو الرجل نفسه! ! ويفتح
المفهوم الباب لكل من يريد تغيير نوعه من ذكر إلى أنثى أو العكس باعتبار ذلك
حقاً من حقوق الإنسان، ويفتح الباب أيضاً لما تسميه الاتفاقية بالأنماط الجديدة
للأسرة التي تتكون من رجلين أو امرأتين وليس المفهوم المتعارف عليه على مدى
التاريخ البشري للأسرة الذي يتكون من رجل وامرأة يربط بينهما رباط الزوجية
بهدف إنجاب الأطفال والمحافظة على النوع البشري.
وتنص المادة (١٠) من الاتفاقية صراحة على أن يكون التعليم مختلطاً بين
الشباب والشابات، وضرورة القضاء على أي مفهوم عن دور الرجل ودور المرأة
على جميع مستويات التعليم، وتغيير المناهج الدراسية لتحقيق ذلك، وهذه المادة
تشكل خطراً على الأجيال القادمة التي يراد أن تربى على إزالة أي حواجز أو
فروق نفسية أو اجتماعية أو بيولوجية بين الرجل والمرأة لينتج لدينا أجيال من
الرجال تتشبه بالنساء وتؤدي أدوارهن، وأجيال من النساء تتشبه بالرجال وتمارس
أدوارهم! !
والمادة (١٢) تطالب بمساواة الرجل والمرأة في الاستحقاقات الأسرية التي
يدخل فيها المساواة في الميراث رغم تعارض ذلك مع الشريعة الإسلامية التي ارتبط
نظام توزيع الميراث فيها بطبيعة النظام الاجتماعي الإسلامي الذي يعفي المرأة تماماً
من أي التزامات مالية تجاه نفسها وتجاه أسرتها، ويلقي بهذا العبء على زوجها أو
أقاربها إذا لم تكن متزوجة.
عالم جدير بالأطفال:
وفي إطار المحاولات لإصدار وثيقة دولية ملزمة في مجال الأطفال
والمراهقين نقلت المنظمات النسائية الغربية الإباحية نشاطها إلى هذا الميدان
لتستكمل دورها المشبوه المتمثل في فرض منظومتها الثقافية على دول العالم في كل
المجالات، وتحت عنوان: (عالم جدير بالأطفال) تم تضمين هذه المنظومة في
عدد كبير من بنود مشروع الوثيقة المؤقت الخاص بالأطفال تمهيداً لإصدار الوثيقة
النهائية في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاصة بقمة الطفولة في سبتمبر
القادم. وكما فعلت تلك المنظمات في الوثيقة الخاصة بالمرأة من إهمال للواجبات
والتركيز على الحقوق تكرر الموقف نفسه تجاه حقوق الأطفال؛ فهي تتوسع في تلك
الحقوق وتهمل الواجبات المطلوبة من الأطفال والمراهقين تجاه الأسرة والمجتمع،
كما أنها أهملت تماماً الالتزامات المطلوبة من جانب الدول الغربية تجاه رفع الظلم
الواقع على نساء العالم وكذلك الأطفال نتيجة الفقر والنزاعات المسلحة التي يقوم
الغرب بدور بارز في تأجيجها وإثارتها تحقيقاً لمصالحه في مناطق العالم المختلفة
خاصة إفريقيا.
وللأسف تم نقل كل السموم الواردة بوثيقة المرأة إلى الوثيقة المؤقتة الخاصة
بالأطفال؛ فالبند (٥٨ج) والبند (٦٥) من تلك الوثيقة يدعوان لتمكين الطفل
والبالغ ولكن ليس داخل سياق الأسرة الطبيعية وإنما من داخل سياقات أخرى
مختلفة، وكأن المطلوب قطع صلة الطفل والبالغ من إطاره الأسري وعلاقته
بوالديه، وأعطت الوثيقة للأطفال القادمين من علاقات غير شرعية بين الرجال
والنساء حقوق الأطفال الشرعيين نفسها، وكأنه تشجيع على الحمل السِّفاح.
وجسدت المادة (٣٦) من الوثيقة المؤقتة فكرة المساواة المطلقة مقررة
التماثل بين الأولاد والبنات متجاهلة الفروق البيولوجية والنفسية والفسيولوجية
بينهما، كما أنها تنحاز للبنات ضد الأولاد، ويتضح ذلك من المادتين (١٦، ٦٥)
حيث تقول المادة (٦٥) : «إن إمكانية الحصول على التعليم الأساسي يعد حقاً من
حقوق الإنسان.. ويساعد على وضع أقدام الأطفال لا سيما الفتيات على طريق
التمكين» ، ومن بين ثنايا عشرات البنود لم يتم الإشارة إلى الدين بوصفه عاملاً
فعالاً من عوامل تنمية الطفل إلا مرة واحدة في البند (٦٢) ، وقامت الوثيقة
بإدخال المراهقين ضمن مرحلة الطفولة رغم الاختلاف الكبير بين سمات
وخصائص كل من الأطفال والمراهقين، وربطت بين قضايا النساء والأطفال،
واستبعدت الرجال تماماً رغم أنهم جميعاً يعانون نفس الظروف خاصة عند الحديث
عن تحدي (الصراعات المسلحة) .
وأغفلت الوثيقة المآسي التي يعاني منها الأطفال في العالم الثالث من جراء
الحصار الاقتصادي الذي تفرضه الأمم المتحدة على بعض الدول مثل العراق وليبيا
وأفغانستان وغيرها، وهو الحصار الذي يتسبب في حصد أرواح المئات من
الأطفال بسبب عدم توفر الغذاء والدواء، كما لم تشر الوثيقة إلى الالتزامات الواجبة
على الدول الصناعية الكبرى تجاه دول الجنوب الفقيرة لرفع مستوى معيشة فئات
المجتمع ومن بينهم الأطفال.
الالتزامات الغائبة:
وتحرم المادة (٤١) من الوثيقة المؤقتة كل مظاهر وأشكال العنف الموجه
ضد الأطفال، وتطالب بوضع قوانين على صعيد المجتمع المحلي لتعزيز نظم
الوقاية من العنف والحماية منه. والمتأمل في هذه المادة يجد أنها يمكن أن تستخدم
في منع الوالدين من حق تأديب أطفالهم باعتبار أن ذلك التأديب يدخل في باب
العنف الموجه لهؤلاء الأطفال تمهيداً لإعطائهم حق طلب إنزال العقوبة بالوالدين أو
توفير أسرة أخرى لهؤلاء الأطفال أسوة بما يجري حالياً في المجتمعات الغربية.
وحين تتحدث المادة (٤٥) عن «ضرورة إيجاد حلول شاملة لمعالجة
المشكلات التي تدفع الأطفال إلى العمل وإلى العيش في الشوارع، وتنفيذ برامج
وسياسات مناسبة لحماية أطفال الشوارع وتأهيلهم ودمجهم في المجتمع مرة
أخرى» ، لم تلزم هذه المادة الدول الصناعية الكبرى بالتزامات مالية محددة
لمساعدة ٢٥٠مليون طفل على مستوى العالم يعانون من العيش في الشوارع
والعمل في سن الطفولة.
فالدول الفقيرة التي تعاني من ظاهرة عمالة الأطفال وأطفال الشوارع لا تملك
من الموارد ما يمكنها من تبني البرامج والسياسات التي تطالب بها تلك المادة من
الوثيقة المقترحة مما يوجب على دول الشمال الغني القيام بمسؤوليتها تجاه دول
الجنوب التي يتم استنزاف معظم ميزانياتها لسداد ديونها وفوائدها الباهظة المستحقة
عليها لصالح دول الشمال.
وحين تطالب المادة (٤٦) بـ «تحسين السياسات والبرامج الموضوعة
لحماية الأطفال اللاجئين والمشردين داخلياً، ولرعايتهم ولتوفير الرخاء لهم»
أهملت الحديث عن ضرورة الحفاظ على هوية هؤلاء الأطفال الثقافية والدينية، وما
جرى من محاولات تنصير الأطفال اللاجئين في ألبانيا وكوسوفا والشيشان من
جانب مؤسسات التنصير الغربية لم يعد خافياً على أحد، ولا تشير إليه الوثيقة
باعتباره عدواناً على حق هؤلاء الأطفال في الحفاظ على عقيدتهم وهويتهم.
وتشير المادة (٥٠) إلى «ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لمنع انتقال
فيروس نقص المناعة الإيدز من الأمهات إلى أطفالهن وفيما بين المراهقين» ،
وتتغافل عن الدعوة إلى الالتزام بقيم العفة، وعدم ممارسة العلاقات الجنسية خارج
نطاق الزواج الشرعي؛ باعتبار ذلك الضمانة الأساسية لوقف الإصابة بالإيدز
وانتشاره وانتقاله من الأمهات المصابات إلى أطفالهن، خاصة وقد ثبت أن
إجراءات الوقاية التي تعتمد على الأساليب الطبية وحدها عجزت عن وقف انتشار
المرض.
والوثيقة حين تتحدث عن دور المراهقين في الدعوة إلى السلام العالمي لم
توضح كيف يتم ذلك تجاه الدول التي تقوم باحتلال أراضي الغير بالقوة كما هو
الحال بالنسبة لـ «إسرائيل» ؟ ! وكيف يكون هناك سلام بين الجاني والمجني
عليه؟ ! وأغفلت الوثيقة تماماً الإشارة إلى أن النضال من أجل تحرير الأراضي
المحتلة هو حق مشروع للشعوب كما ينص على ذلك القانون الدولي.
وتعتبر الوثيقة المقترحة الزواج المبكر نوعاً من أنواع العنف ضد الفتيات،
وضرورة منع هذا النوع من الزواج الذي يعتبره الإسلام أمراً مرغوباً فيه لتحصين
الشباب ضد الانحراف. وفي الوقت الذي تعلن فيه المنظمات الغربية العلمانية
الحرب على الزواج المبكر فإنها تدعو إلى حق المراهقين في ممارسة الجنس
وتعتبر ذلك حقاً أساسياً من حقوقهم، وهي بذلك ترفض ممارسة الجنس في إطار
الزواج الشرعي الذي يحفظ حقوق الفتاة، وتبيح هذه الممارسة ذاتها خارج النطاق
الشرعي! !
وتسعى تلك المنظمات الراديكالية إلى أن تكون الوثيقة المزمع التوصل إليها
خلال القمة العالمية للطفولة إلى جعل تلك الوثيقة ملزمة لدول العالم عند وضع
السياسات والاستراتيجيات المستقبلية حول الطفولة، وبذلك تحقق هدفها البعيد في
جعل أفكارها بمثابة المرجعية القانونية لكل الدول، وهي مرجعية يراد لها أن تكون
أعلى وأرسخ من الدساتير الوطنية.
ثم ماذا بعد ذلك؟
والسؤال الذي يفرض نفسه - أمام هذا الاجتياح المنظم لثقافات وخصوصيات
شعوب العالم تحت ستار دعم وإقرار حقوق الإنسان - هو: ماذا بعد؟ وما هو دور
البلاد الإسلامية حكومات وشعوباً في وقف هذا الغزو والاجتياح؟
والإجابة تتطلب تحركاً فاعلاً من جانب الحكومات والمنظمات الأهلية غير
الحكومية داخل بلدان العالم الإسلامي من أجل التواجد المثمر داخل تلك المؤتمرات
الدولية التي تتم تحت مظلة الأمم المتحدة حتى لا يتم السماح بتحويل القيم الإباحية
إلى بنود ثابتة في مواثيق المنظمة الدولية. وفي المرحلة المقبلة تقع مسؤوليات
إضافية على المؤسسات والمنظمات الإسلامية وفي مقدمتها منظمة المؤتمر
الإسلامي، والمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، ورابطة العالم الإسلامي،
واللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل التابعة للمجلس الإسلامي العالمي. وفي
مقدمة هذه المسؤوليات إعداد شخصيات مؤهلة شرعياً وعلمياً للمشاركة في هذه
المؤتمرات لإجهاض كل محاولات تمرير البنود التي تدعو للإباحية وتتصادم مع
الإسلام، وحسناً فعلت اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل التي شاركت
بفاعلية في مؤتمرات الأمم المتحدة الخاصة بالمرأة، واستطاعت بالتنسيق مع
الوفود النسائية للدول الإسلامية والمنظمات النسائية المسيحية المحافظة إبطال
عدد من البنود الإباحية التي تضمنتها الوثيقة العالمية حول المرأة، ومن المأمول
أن يستمر الدور الإسلامي من خلال اللجنة والمنظمات الإسلامية المماثلة في إسقاط
مخططات المنظمات الغربية الإباحية خلال مؤتمر القمة العالمية
للطفولة القادم.
وتتطلب المواجهة مع تيار الغزو الثقافي الغربي تفعيل دور القنوات الفضائية
المملوكة للعرب والمسلمين في توعية المشاهدين بأخطار منظومة القيم الغربية على
مسيرة الإنسان المعاصر عامة وعلى المسلم خاصة، وكشف الدور المشبوه
للمنظمات النسوية الغربية التي تتستر خلف حقوق المرأة والطفل لفرض قيمها
المنحرفة على شعوب العالم.
وتتطلب المواجهة أيضاً كشف الأوضاع المزرية التي تعاني منها المرأة في
الغرب التي تحولت إلى سلعة في الإعلانات التجارية، وجسد تجني من ورائه
الشركات العملاقة الكثير من الأموال، وضحية للعنف المبالغ فيه ضدها رغم ما
يتشدق به الغرب من دعاوى حقوق الإنسان، فلم يعد مناسباً أن تظل الشعوب
المسلمة في موقف الدفاع عن عقيدتها وهويتها، وآن الوقت لأن تتحول إلى مرحلة
الهجوم وفضح ممارسات الغرب ضد المرأة داخل الغرب ذاته.
стр. 3990
ملفات
حقوق الإنسان بين الحق والباطل
حقوق الإنسان في المنظور الغربي
علاء الدين صبحي [*]
مدخل:
يظل ملف حقوق الإنسان في معظم دول العالم منتقَداً بصورة مستمرة من قِبلَ
المنظمات والجماعات التي أناطت نفسها بمهمة الدفاع عن حقوق الإنسان. إلا أنه
من اللافت للنظر أن ملف حقوق الإنسان في دول العالم الإسلامي يبقى دوماً الأكثر
عرضة للانتقاد اللاذع من قِبَل هذه المنظمات والجماعات.
المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان:
إن احترام حقوق الإنسان وصيانتها واجب على كل ذي ضمير؛ فدونها
يصبح الإنسان غير آمن على نفسه. لكن يجب أن يتفق الجميع أولاً على ما هو
المقصود بمفهوم حقوق الإنسان؟ ومن ثم العمل على حمايتها وصيانتها.
وقبل أن نبحث موضوع حقوق الإنسان بصورة وافية لا بد أولاً من التعرف
على المنظمات العاملة في هذا المجال، وما تستند عليه في عملها.
على الرغم من وجود بعض المنظمات والجماعات العاملة في مجال حقوق
الإنسان منطلقة من بلدان العالم الإسلامي أو تعمل برؤية إسلامية؛ إلا أننا نجد أن
أثرها غير كبير ولا فاعل على المستوى الدولي، وتبقى المنظمات الغربية العاملة
في هذا المجال الأكثر انتشاراً والأوفر تمويلاً.
وبينما تتعدد هذه المنظمات في الغرب إلا أن أكبر منظمتين هما: (منظمة
العفو الدولية) ومقرها في لندن ولديها فروع في عدد من دول العالم، و (منظمة
مراقبة حقوق الإنسان) الأمريكية المنشأ والمقر.
وتقوم هذه المنظمات بنشر البحوث التي تجريها على مستوى دولي، وتنجح
في معظم الأحيان في استمالة الرأي العام في مختلف دول العالم إلى جانبها، وتقوم
بتعبئة الرأي العام في كل دولة للضغط على حكوماتهم للإصغاء لما تراه هذه
المنظمات انتهاكاً لحقوق الإنسان. وقد أشار استطلاع للرأي أجري مؤخراً إلى أن
عامة مواطني الدول الغربية يثقون بالمنظمات غير الحكومية - ومن ضمنها
منظمات حقوق الإنسان - أكثر مما يثقون بحكوماتهم.
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:
وعلى الرغم من ترديد منظمات حقوق الإنسان المستمر لاحترامها للعقائد
والأديان المختلفة وأنها محايدة تماماً دينياً وسياسياً، إلا أننا نجد أن المنظور الذي
تتخذه هذه المنظمات الحقوقية هو علماني غربي بحت لا يضع أي اعتبار لأي
عقيدة أو دين أو منظور آخر ولا يقبله. وتبني هذه المنظمات عملها على القوانين
الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
اعتمد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من (كانون الأول) ديسمبر
عام ١٩٤٨م في وقت كانت فيه معظم دول العالم مسلوبة الإرادة وترزح تحت وطأة
الاستعمار الغربي. ونجد أن عدد الدول التي كانت تتمتع بعضوية الأمم المتحدة
حينذاك هو فقط (٥٨) دولة من أصل (١٨٩) دولة التي تشكل عضوية الأمم
المتحدة اليوم، كما أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أتى في وقت كانت فيه الدول
الغربية التي عملت على صياغة هذا الإعلان وإعداده تقوم بأعمال وممارسات في
مستعمراتها منافية تماماً لمواد الإعلان نفسه.
وإن كانت معظم مواد الإعلان العالمي يقبلها العقل؛ إلا أن بعض مواد
الإعلان أو تأويلها حسب ما تشتهيه المنظمات الحقوقية لا يتوافق مع العقيدة
الإسلامية.
ومن أبرز هذه المواد: (المادة الثامنة عشرة) المثيرة للجدل في أوساط العالم
الإسلامي، حيث إنها تقول: «لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين،
ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو
معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ
أو على حدة» .
ومعنى نص هذه المادة واضح وهو أن أي شخص يمكنه تغيير دينه، وهو
الأمر الذي يتعارض مع الدين الإسلامي، وإضافة إلى ذلك فإن جميع الجماعات
التي تؤمن بمعتقدات شاذة في العالم مثل عبدة الشيطان وغيرهم يمكنهم ممارسة
أنشطتهم وعباداتهم الشاذة أمام الملأ دون أن يلاحَقوا قضائياً.
والسبب في وجود مثل هذه المواد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو كما
أسلفنا أنه في أغلبه صنيع الدول الغربية التي كانت تهيمن على الأمم المتحدة حين
صدور هذا الإعلان؛ ومن ثم فإن الإعلان يستند على المنظور الغربي في معظم
مواده، وإن كانت معظم دول العالم اليوم قد وقعت على قبوله أساساً لحماية حقوق
الإنسان في مختلف أنحاء العالم، إلا أن غالبيتها لم تتح لها الفرصة للمشاركة في
إعداده وصياغته، وهو ما يطرح التساؤل عن مدى مصداقيته وفاعليته!
الخلاف بين الإسلام والغرب على منظور حقوق الإنسان:
إن الإسلام دين طهارة وصفاء، وتدعو أحكامه إلى الطهر والعمل على تزكية
النفس من كل الأحقاد والشرور، ويلزم الإسلام جميع المسلمين باحترام حقوق
الإنسان في العيش الكريم والحرية والعمل على إرساء هذا المفهوم أينما ذهبوا.
وفي نفس الوقت نجد أن الغرب قنن تحت مسمى حقوق الإنسان، للعديد من
الممارسات والمفاهيم الهادمة للأخلاق والمجتمع.
اتجه العالم الغربي في السنوات الماضية إلى ضمان الحق لمن أراد ممارسة
الشذوذ الجنسي، بل وساوى بين الشواذ جنسياً والمثليين وبين الأسرة الطبيعية
المكونة من رجل وزوجة في الحقوق، وأعطى القانون هؤلاء المثليين الحق في
تبني الأطفال. إن المؤلم في الأمر أن كل من يوجه أي انتقاد لهذه الجماعات الشاذة
يعتبر معادياً للمثلية (Homophobic) ويصبح عرضة للملاحقة القانونية.
وتكاثرت الجماعات ذات المعتقدات الشاذة المبنية على السحر والشعوذة
وإباحية الجنس؛ والمدهش أن كل هذه الجماعات الشاذة تحظى بالقبول في الدول
الغربية والدول المقلدة لها، ويسمح لهم بممارسة معتقداتهم بحرية تامة.
وبطبيعة الحال ينظر الغرب لمحاسبة مثل هذه الجماعات أو التعرض لها
قانونياً في دول أخرى على أنه انتهاك لحقوقهم. ويعتبر أفراد هذه الجماعات سجناء
أي إذا ما اعتقلوا أو تم سجنهم؛ كما أن رفض المجتمع المسلم لمثل هذه الممارسات
ومحاربته لها يعتبر في نظر الغرب انتهاكاً للحريات الأساسية والقانون والمعاهدات
الدولية.
الحدود والقصاص:
تنظر منظمات حقوق الإنسان الغربية إلى عقوبة الإعدام على أنها حرمان
الإنسان من حقه في الحياة مستندة في ذلك إلى المادة الثالثة من الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان، كما تعتبر هذه المنظمات عقوبة الإعدام عنفاً مقنناً تمارسه الدولة
المطبقة لهذه العقوبة ضد مواطنيها.
ولا تستثني هذه المنظمات أي تطبيق لعقوبة الإعدام حتى وإن كان المحكوم
عليه قاتل معترف بجرمه.
وإن كانت المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على أن
«لكل فرد حقاً في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه» فإن تأويل هذه المادة
ليصبح لصالح القتلة يعني إنكار نصها على القتيل الذي سلبه القاتل حقه في الحياة
والأمان على شخصه.
لم يرفض الإسلام العفو عمن ارتكب جريمة قتل، بل أوجد الدية والعفو من
قِبَل أسرة القتيل، إلا أنه كذلك حفظ حق الضحية بالقانون فأمر بالقصاص من القاتل.
إن إنكار مثل هذا الحق بالنسبة للضحية يكون موالاة للقتلة وإهداراً لدم الضحايا.
ويعتبر العالم الغربي ومنظماته الحدود الإسلامية من جَلْد، وقطع ليد السارق
نوعاً من التعذيب المهين والحط من كرامة الإنسان.
ويستند الغرب في ذلك إلى المادة الخامسة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق
الإنسان التي تنص على أنه «لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة
القاسية أو اللا إنسانية أو الحاطة للكرامة» .
وعلى الرغم من كل هذه الانتقادات للأحكام والحدود الإسلامية لا ترى
المنظمات الحقوقية الغربية نفسها منتقدة للشرع الإسلامي وإن كانت تردد في كل
محفل احترامها للأديان والعقائد، إلا أنها من جهة أخرى توجه أبلغ الإهانات
بصورة غير مباشرة.
كما أن النقطة الهامة هي مدى حياد هذه المنظمات دينياً وسياسياً كما تردد؛
حيث إن العمل المكثف الذي تقوم به هذه المنظمات والذي ينتقد باستمرار أوضاع
حقوق الإنسان في العالم الإسلامي؛ بينما تنتقد الدول الغربية بحياء، يشكك كل ذي
عقل بمصداقيتها. كما أن تقارير هذه المنظمات الدورية تكاد تخلو من الانتقادات
للدول الغربية على الرغم من تفشي العنصرية والمعاملة السيئة للأقليات الموجودة
في هذه الدول.
حقوق المرأة:
إن قضية حقوق المرأة تظل واحدة من أكثر القضايا أهمية في العالم أجمع.
وعلى الرغم من قلة عمل المنظمات الحقوقية الغربية في شأن حقوق المرأة،
إلا أننا نجد أن المرأة فيما يسمى بدول العالم الثالث والمرأة المسلمة دائماً توصف
على أنها مهضومة الحقوق وتعاني من تمييز منظم ومستمر من قِبَل مجتمعاتها،
وتصور على أنها ضحية التقاليد التي يمارسها ضدها مجتمعها الذي تعيش فيه.
وإضافة إلى ذلك ينظر للمرأة المسلمة على أنها تلك التي تعيش في عصور
سحيقة وتلزم بارتداء لباس معين (ويقصد بذلك الحجاب الشرعي) ، وغير مسموح
لها بالتحرك ومغادرة منزلها.
إن تصوير أوضاع المرأة المسلمة على هذا النحو لا يمكن أن يمر على إنسان
مسلم أو غير مسلم إذا عاش في إحدى الدول الإسلامية؛ حيث إن الاحترام الذي
تلاقيه المرأة، مسلمة كانت أو غير مسلمة، في العالم الإسلامي لا يتوفر لأي امرأة
أخرى في العالم أجمع.
ونجد أن الإسلام كفل للمرأة حقوقاً غير موجودة في أي عقيدة أو ديانة أو أي
قانون وضعي.
ومن الغباء أن يعتقد أي شخص أن احتشام المرأة انتهاك لحقها. إن المرأة
المسلمة مطلوب منها أكبر دور في المجتمع المسلم ألا وهو بناء أسرتها وتأسيسها
على التقوى ومخافة الله، وهي تتمتع بالعديد من الميزات التي لا تجدها نظيراتها
في العالم. ومن بين هذه الميزات ضمان الحماية لها من قِبَل أفراد أسرتها ومجتمعها،
وتجد المرأة في المجتمع المسلم في رفقة الرجل من محارمها عزة لا تجدها النساء
الأخريات غير المسلمات.
أما إذا كان القصد بحريات المرأة التي تدعو لها المنظمات الحقوقية والغرب
هو ما ابتليت به المرأة في المجتمع المادي من إباحية واستهتار بالقيم، فسنجد أن
المرأة المسلمة قبل رفض مجتمعها رافضة لهذه الحريات المزيفة.
إن الانحلال والانهيار الأخلاقي الذي تشهده المجتمعات المادية والغربية أصبح
واضحاً للعين المجردة، وقد نشأ في السنوات الأخيرة كثير من الأطفال الذين لا
يعرفون آباءهم بسبب اختلاط الأنساب وتفشي الفاحشة في أوساط المجتمعات
الغربية والمادية.
كما أن نسبة العنف المنزلي والجريمة ضد المرأة في تزايد مستمر،
وأصبحت حالات الانتحار في الغرب مصدر قلق للمجتمعات هناك، ونجد أن نسب
حالات الانتحار تزداد كلما ازدادت نسبة الإباحية والانحلال الأخلاقي.
أصبحت المرأة في المجتمع الغربي والمادي سلعة تباع وتشترى، وقد نشطت
مؤخراً العصابات المنظمة التي تقوم بجلب النساء من دول مختلفة في العالم، ولا
سيما دول أوروبا الشرقية، وإجبارهن على ممارسة الدعارة وغيرها من الفواحش،
ونادراً ما نسمع أي انتقاد يوجه من قِبَل المنظمات الحقوقية الغربية لمثل هذا النوع
من الاستعباد أو للدول التي يقع في أراضيها مثل هذا الانتهاك الصريح لحقوق
النساء والإنسانية.
المادتان (٢٩) و (٣٠) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:
على الرغم من وجود عدد من المواد المتضاربة مع القيم والمبادئ الإسلامية
في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي تعرضنا لها في موقع سابق في هذا
الموضوع، إلا أنه من الهام جداً التعرض للمادتين (٢٩) و (٣٠) من الإعلان.
تقول الفقرة الأولى من المادة (٢٩) من الإعلان: «على كل فرد واجبات
إزاء الجماعة التي فيها وحدها يمكن أن تنمو شخصيته النمو الحر الكامل» .
كما أن الفقرة الثانية من نفس المادة تقول: «لا يخضع أي فرد في ممارسة
حقوقه وحرياته إلا للقيود التي يقررها القانون مستهدفاً منها، حصراً، ضمان
الاعتراف الواجب بحقوق وحريات الآخرين واحترامها، والوفاء بالعادل من
مقتضيات الفضيلة والنظام العام، ورفاه الجميع في مجتمع ديمقراطي» .
ونص هذه المادة يعني أن كل شخص يتوجب عليه احترام حقوق الآخرين
وحرياتهم، والالتزام بالفضيلة والنظام العام. إلا أن الدول التي تحارب أي نوع من
الممارسات غير الأخلاقية والمنافية للفضيلة والقيم بالنسبة لمجتمعاتها تصبح مدانة
بانتهاك حقوق الإنسان بالمنظور الغربي.
إن هذه المادة تمنح الحق للدول في سن القوانين على حسب حاجة مجتمعاتها،
ولا بد للآخرين من احترام خيار كل مجتمع أو دولة حتى إذا اختلفت نظرة تلك
المجتمعات والدول للقيم عن المجتمعات والدول الأخرى في العالم.
وبناء على ذلك فإن على العالم أن يحترم خيار المجتمعات والدول الإسلامية
في حفاظها على الفضيلة وطهارة المجتمع باختيارها المنهج والشرع الإسلامي قانوناً
لها يحكم حياتها.
من ناحية أخرى تنص المادة (٣٠) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على
أنه «ليس في هذا الإعلان أي نص يجوز تأويله على نحو يفيد انطواءه على
تخويل أية دولة أو جماعة، أو أي فرد، أي حق في القيام بأي نشاط أو بأي فعل
يهدف إلى هدم أي من الحقوق والحريات المنصوص عليها فيه» .
إذن مطلوب من المنظمات الحقوقية عدم تأويل نصوص الإعلان لاستخدامها
ضد الدول والمجتعمات الإسلامية التي تعتبرها هذه المنظمات مخالفة للقوانين
الدولية ومنتهكة لحقوق الإنسان لا لشيء إلا لأنها انتهجت نهجاً إسلامياً.
خاتمة:
على المسلمين أن يعوا خطورة الادعاءات التي تثار حول مسألة حقوق
الإنسان، وإن كان الجميع يتفقون على أن الإنسان لا بد أن تصان كرامته وحقوقه
في الحياة والعيش الكريم؛ فإنه يتوجب علينا التمييز بين حقوق الإنسان والدعوة
إلى الانحلال والتفسخ الأخلاقي في المجتمع.
إن القوانين تسن في كل دولة حسب حاجة المجتمعات الموجودة بها لما يضمن
استقرارهم وأمنهم، ويعلم المسلمون جيداً أنه لا يوجد أي قانون وضعي في العالم
أجمع يسلم من الثغرات والأخطاء، وأكبر دليل على ذلك هو التعديلات المستمرة
التي تطرأ على القوانين الوضعية.
ويجد المسلمون في الاحتكام إلى كتاب الله السبيل الوحيد
لضمان قوانين عادلة وشاملة لمجتمعاتهم تضمن حق المسلم وغير المسلم.
كما يجب على المسلمين تفحُّص الخطاب المغلف الذي توجهه الجماعات
الحقوقية في الغرب، والتي من ناحية تصر على ضرورة احترام الأديان والمذاهب
وكفالة حرية الممارسة لها، وإن كانت تنفي عن نفسها أي انتماء ديني، ومن ناحية
أخرى تنتقد أحكاماً وحدوداً في صميم العقيدة الإسلامية.
فالعالم الإسلامي يرى أن حقوق الإنسان تصان عندما يحترم الإنسان وأسرته
ومجتمعه ودينه وعقيدته بالإضافة إلى توفير كل السبل للحياة الكريمة والآمنة له،
وليس بفرض القوانين الناشئة المدمرة للأخلاق والفضائل والمجتمع.
ولا بد من الانتباه إلى أن قضية حقوق الإنسان أصبحت ضرورية في الغرب
تستخدم لإخضاع الدول سياسياً إلى جانب الغرب، ويلي إدانة الدول بانتهاكات
حقوق الإنسان فرض حصارات اقتصادية وعسكرية وسياسية وعلمية، وتستمد
الشرعية لذلك بقرارات تصدر عن المؤسسات والهيئات الدولية.
ويبقى من المهم أيضاً أن يجمع المسلمون كلمتهم للعمل بشكل علمي مدروس
من أجل تعبئة الرأي العام الإسلامي والرأي العام الدولي الذي يحتكم إلى العقل
للضغط من أجل ضمان أن القوانين الدولية الموجودة حالياً وتلك التي تسن من جيل
إلى آخر، لا تتضارب مع الأحكام والشريعة الإسلامية، كما أنه لا بد من ضمان
حق الدول الإسلامية في التحفظ على كل ما هو منافٍ للشرع الإسلامي إذا ما
أجيزت هذه القوانين بغالبية الدول الأعضاء في المنظمات الدولية، وأن يكون هذا
التحفظ ضماناً بعدم إلزام الدول الإسلامية بتطبيق المواد والقوانين المخالفة للشرع
الإسلامي.
كما أنه لا بد أن يعمل المسلمون من أجل ضمان أن لا تكون قضية حقوق
الإنسان سبباً في التدخل في شؤون بلادهم، وما يتبع ذلك من فرض لشتى أنواع
الحصارات والعقوبات.
ويجب أن يعمل المسلمون على تكوين منظمات إسلامية لحقوق الإنسان تعمل
بأسلوب علمي تقوم برصد ما يقع من انتهاكات لحقوق الإنسان في العالم من منظور
إسلامي بالإضافة إلى مساندة الأقليات المسلمة التي تعاني من انتهاكات لحقوقها في
أي بقعة من بقاع الأرض، وبذل الجهود لكي تحتل هذه المنظمات الإسلامية مكانة
في مواقع صناعة القرار الدولي كما هو الحال الآن بالنسبة للمنظمات الغربية.
стр. 3991
ملفات
حقوق الإنسان بين الحق والباطل
حقوق الإنسان والخدعة الجديدة
أ. د. محمد يحيى [*]
أصبحت قضية حقوق الإنسان في طرحها في البلاد العربية والإسلامية
تجتذب الاهتمام لا من حيث مضامين الأفكار الواردة فيها؛ وإنما من حيث الأهداف
والتحركات السياسية المتنوعة المرتبطة بها وبمن يطرحونها. فالجماعات
والجمعيات والفئات الكثيرة التي نشأت على مدى العقد الماضي مروِّجة لما يسمى
بمسألة حقوق الإنسان أضحت نفسها مسألة منفصلة من ناحية توجهات أفرادها،
ومصادر تمويلها، وأساليب عملها، وأهدافها السياسية القريبة والبعيدة والظاهرة
والباطنة، وعلاقاتها وخلافاتها مع الأنظمة ومع التيارات الفكرية والاجتماعية
والسياسية الأخرى ولا سيما الحركات الإسلامية.
ومن المعهود الآن أن نجد التفاصيل الضافية والكاشفة لمصادر تمويل هذه
الجماعات من الهيئات والسفارات والمؤسسات الأجنبية ومنها الكنسية،
والاستخباراتية والمصالح المالية والاقتصادية الكبرى ودوائر السياسات الخارجية
في أوروبا وأمريكا. وأصبح من المعروف أن القائمين على هذه الفئات ليسوا ممن
هم فوق مستوى الشبهات، وأن جُلَّهم يتألف من العلمانيين الكارهين للإسلام، أو
بقايا اليسار الذين يبحثون لأنفسهم عن دور جديد، وتبين أن الهدف الأسمى الذي
تعمل معظم تلك الروابط والجمعيات لأجله يتعلق بأي شيء آخر إلا حقوق الإنسان
بمعنى حقوق وحريات وكرامة الأفراد العاديين الذين يشكلون سواد المجتمع.
فالمقصود بحقوق الإنسان عند تلك المجموعات هو حقوق إنسان بعينه أو
مجموعات محددة دون غيرها، كما أن المقصود حقوق وفق مبادئ معينة (علمانية)
دون مبادئ أخرى، وهكذا فحقوق الإنسان عند هذه الجمعيات تعني حقوق
اليساريين والشيوعيين والعلمانيين فقط أو حقوق الأقليات غير المسلمة في بلاد
المسلمين التي يزعمون على عكس الواقع أنها انتهكت، أو حقوق مجموعات قليلة
تشذ عن سواء السبيل تحت مزاعم التحرر الاجتماعي والتقدم الفكري أو حقوق من
يستغلون الفكر أو الفن لترويج الكفر والإباحية أو حقوق النساء (في زعمهم) دون
حقوق الرجال أو حقوق مجموعات إقليمية أو جغرافية أو مهنية أو لغوية في مواجهة
الأغلبيات.
ولا يقف الأمر عند حد طرح مفاهيم محدودة وفئوية ومنحازة حول حقوق
الإنسان تخلو من عموم الانطباقية التي يتصورها من يسمع عبارة حقوق الإنسان؛
بل إن الخطورة تكمن في المراد والمقصود من هذا المفهوم.
إن عبارة «حقوق الإنسان» لمن يسمعها تعني حقوقاً بديهية واضحة مبدئية
تشمل كل البشر ويتفق عليها الجميع، وهذا المعنى هو مصدر الجاذبية في ذلك
الشعار لدى أفراد المجتمع ولا سيما المثقفين. ولكن الاقتراب التحليلي منها حسب
ما يروج في أوساط الفكر والثقافة يبين أن المعنى المحتوى في تضامين وأفرع
«حقوق الإنسان» ليس من العمومية والإطلاق المتصور، بل هو معنى مؤسس على
مبدأ وعقيدة معينة هي الفكر العلماني الغربي الحديث منذ نشأته في القرن الثامن
عشر الميلادي وحتى الآن.
إن مفاهيم «حقوق الإنسان» التي تروج الآن على تنوعها وتفاصيلها ليست
سوى التجسيد الأمني للفكر العلماني الغربي في فرديته وماديته وكراهيته للدين
والألوهية والشرائع السماوية، ونزوعه نحو أفكار آلية رتيبة عن المساواة والحق
والكرامة والسعادة.
والخدعة الكبرى التي نواجهها في هذا المجال هي أن ذلك الفكر المتسربل
بدعاوى العمومية والشمولية والإطلاق يخفي وراءه حقيقة أنه ليس سوى التعبير عن
عقيدة بعينها نسبية وجزئية وتاريخية تصطدم مع العقائد الأخرى وبالذات الإسلامية،
وهذا الفكر يروج بيننا على أنه صالح لكل زمان ومكان، وبصرف النظر عن
اختلاف الأديان والمفاهيم، بل إننا نجد توجهاً عند بعضهم لإيجاد مزاوجة بين هذا
الفكر وبين تعاليم وشريعة الإسلام.
فالشائع الآن ولا سيما عند من يرفع شعار «الاستنارة» و «التقدمية»
في الدين القول بأنه لا تعارض بين فكرة «حقوق الإنسان» وبين الإسلام، بل
إن الإسلام - حسب هذا الزعم - هو الذي وضع أسس هذه الفكرة، وأن الدعوة
إليها هي من صميم مقاصد الإسلام، وأن ترويجها والدفاع عنها هو في حقيقته
ترويج للدين ودفاع عنه.
والخدعة الجديدة هذه تعتمد على تعتيم متعمد على الطابع الجزئي النسبي
التاريخي المرتبط بالعلمانية الغربية في مفاهيم حقوق الإنسان التي تروج في البلاد
الإسلامية، ثم على زعم خاطئ بأن هذه المفاهيم عالمية شمولية «إنسانية» مما
يعني عمومية انطباقيتها. ومع تصديق هذا الزعم من جانب البعض في المجال
الإسلامي تبدأ عملية ترقيع واسعة النطاق هدفها إثبات أن كل ما تنطوي عليه تلك
المفاهيم يقبله ويباركه الإسلام إن لم يكن قد جاء به وأسسه.
ومن الأمثلة البارزة على هذه الحيلة الفكرية ما يحدث في القضية المسماة بـ
(حقوق المرأة) والتي أصبحت الآن مفروضة وبقوة السلاح على كل المجتمعات
الإسلامية بدون استثناء، والتي يراد لها أن تطبق المفاهيم نفسها السائدة الآن في
الغرب بالنسبة لأوضاع المرأة، «وهي ليست المفاهيم الوحيدة هناك، بل هي فقط
سائدة لأسباب لا مجال للخوض فيها هنا» بحجة أن هذه المفاهيم عالمية الانطباقية
فوق أنها «عصرية» و «حديثة» تَجُبُّ ما ساد قبلها من أفكار رجعية لبست ثوب
الإسلام! والذي يحدث الآن هو أن البعض على الجانب الإسلامي يتقبل هذا الزعم،
ويروح يجهد النفس ويلوي عنق الشريعة لكي يخرج «باجتهادات» عصرية تثبت
أن الإسلام وشريعته يباركان ويدعوان لنفس وضع المرأة الذي تدعو له الآن مفاهيم
حقوق الإنسان. وتحت هذا المسمى الاجتهادي الجديد أخذ المجتهدون يؤكدون أن
«صحيح الدين» الإسلامي لا يعترف بتعدد الزوجات، ويرفض أن يعطى الرجل
حق تطليق الزوجة، ويرفض قوامة الرجل على الزوجة والأسرة، ويسمح بل
ويدعو إلى اشتغال المرأة بالأعمال كلها ولا سيما الشاقة، ويبارك اختلاط الرجال
والنساء في الحياة العامة. . . إلخ مع سائر ما تبشر به مفاهيم «حقوق الإنسان» .
وبصرف النظر عن ضعف وتهافت هذه «الاجتهادات» فإن نقطة الخطورة
فيها هي أنها تنطلق من تقبل أهوج لمزاعم العالمية والشمولية لمفاهيم دعوى
«حقوق الإنسان» ، وتتأسس من ثم على نفس أسس تلك الدعوى وهي العلمانية
الغربية بدلاً من أن تنطلق من أسس الإسلام نفسه وأصول شريعته، ومن هنا نجد
في جوهر الخدعة الجديدة أن الإسلام يعاد تفسيره أو بالأصح يساء تفسيره، لكي
يتمشى مع مفاهيم حقوق الإنسان ذات الأسس العلمانية بل لكي يتمشى مع تلك
الأسس نفسها ويلغي وجوده.
وإنهاء الخدعة الجديدة لا يكون بالقول بعدم وجود حقوق للإنسان في الإسلام،
بل بالقول بوجود حقوق للإنسان عامة، وليس لجنس أو عنصر أو فئة دون أخرى،
وبوجود حقوق الإنسان تتأسس على مفاهيم وتعاليم وعقيدة الإسلام، وليس على
شتى مذاهب العلمانية، وبوجود حقوق وواجبات إسلامية وليس علمانية، وإذا قبلنا
هذا الرأي وأسقطنا خدعة التخفي وراء مزاعم العالمية لفكر علماني غربي تاريخي
النشأة نسبي الوضع فلن نخجل أو نخشى من أن نرفض مفاهيمَ لحقوق الإنسان
تروج الآن بيننا، ونضطر تحت ابتزاز أو إرهاب أصحاب طرح حقوق الإنسان
أن نقبلها ونلوي عنق الإسلام ونزيف شريعته لكي نخرج بتقبلها خوفاً من تهمة
الرجعية أو الاستبداد.
стр. 3992
ملفات
حقوق الإنسان بين الحق والباطل
الحركات الإسلامية وحقوق الإنسان
أحمد فهمي
نستطيع القول إن أهم إشكاليات العمل الإسلامي في السنوات الأخيرة هو ما
يمكن تسميته بظاهرة: هلامية الثوابت، وقابليتها للتشكل وفق متغيرات الواقع
ومستجدات الأحداث.
ويأتي الالتزام بالتأصيل الشرعي الدقيق لعمل الحركة الإسلامية وخطابها
الدعوي والسياسي على رأس قائمة الثوابت التي تعرضت للهلامية.
وإلى حد كبير يمكن إرجاع التباين في مواقف الحركات الإسلامية من قضية
مثل: حقوق الإنسان إلى منهجهم في التأصيل الشرعي للعمل الإسلامي، ومدى
التقيد به.
والأزمة تتضح باكتشاف أن التأصيل الشرعي بات شكلياً في أحيان كثيرة،
ولم يعد الفاعل الأساس في بلورة موقف ثلة من التيارات الإسلامية من مفردات
الواقع.
هذا الضعف في دور التأصيل الشرعي - أو بعبارة أخرى الاحتكام لعموميات
الشرع واعتبار المقاصد مع إهمال النظر في الأدلة الثابتة - يؤول في معظمه إلى
حالة الاهتزاز الفكري والنفسي التي طالت العديد من رموز الفكر والعمل الإسلامي،
جرّاء تزايد الهوة الفاصلة بين ثوابت الإسلام ومقتضيات الشرع كما تعرضها
بوضوح نصوص الكتاب والسنة، وبين متغيرات الواقع العلماني، وإفرازاته
المتلاحقة على المستويين المحلي والعالمي. لقد أصيب الكثيرون بالارتهان الفكري
للغرب، والذي يعبر عنه علماني عربي بقوله: «منذ زمن طويل ظل الغرب هو
الحاكي وعالمنا يصدر الصدى، الغرب يفعل الأشياء وعالمنا ينفعل بها، الغرب
يضع الآلة والأفكار وأنماط السلوك ويصدرها جميعاً، وعالمنا يستوردها للاستهلاك.
إذن فالغرب يرتب الدنيا برؤاه، وعالمنا يترتب وفق مقتضيات تلك الرؤى،
وبعبارة واحدة: الغرب يطلق التحدي وراء التحدي، وعالمنا يلهث ليستجيب» [١] .
وإن كانت تلك الشكوى علمانية، فلنا أن نعجب حينما نجد في الطرف المقابل
أصحاب الدين الخاتم - المؤهل وحده لمقارعة زيف الحضارة الغربية، وإثبات
إخفاقها، وكشف أوهامها - ينزلق طائفة غير محدودة منهم ليصابوا بهذا الارتهان
المخزي لمنتجات الغرب الفكرية والسياسية والاجتماعية، والذي إن تمثلت بوادره
في تناول قضايا مثل تحرير المرأة والديمقراطية، فلن تكون نهايته قضية الإرث
الحضاري وتماثيل بوذا في أفغانستان.
وتأتي قضية حقوق الإنسان في مقدمة القضايا التي حاكها الغرب، وكان على
عالمنا أن يستجيب ويرجع الصدى، وعادة ما يتبدَّى نمط الاستجابات في انقسام
الرأي العام الإسلامي إلى ثلاث شرائح: التأييد المطلق، الرفض المطلق، شريحة
التوفيقيين الذين يريدون أن يفسحوا لبعض المفاهيم الغربية مكاناً في النسيج الثقافي
الإسلامي بدعوى عدم تعارضها مع الإسلام.
الحركات الإسلامية وحقوق الإنسان:
على مستوى التيارات الإسلامية نستطيع استبعاد شريحة التأييد المطلق، فلا
يمكن تصور حركة تقبل نتاج الغرب بعُجَره وبُجَره ثم تدَّعي كونها إسلامية بل
وتنتمي إلى فصائل الصحوة.
وبذلك يتوزع الإسلاميون بالنسبة لموقفهم من حقوق الإنسان إلى اتجاهين عامين:
اتجاه الرفض، واتجاه التوفيق.
اتجاه الرفض:
وباعتبار الاتجاهات العامة لمناهج التغييز المطروحة: الاتجاه العلمي السلفي،
واتجاه العمل السياسي، واتجاه العمل الجهادي، نقول: إن اتجاه الرفض يتمثل
غالباً في الاتجاه العلمي السلفي، وهذا أمر بديهي ناتج من اعتماد منهج شرعي
واضح في الحكم على المستجدات، كما أن هذا الاتجاه بطبيعته بعيد إلى حد ما عن
ضغوط المواجهة السياسية أو العسكرية مع أي من الأنظمة القائمة، وهو ما يحفظ
له رؤيته الشرعية ثابتة، مع مراعاة تفاوت الرؤى والاجتهادات.
أما اتجاه العمل الجهادي، وإن كان يصنف من مجمله ضمن اتجاه الرفض،
إلا أن ظروف المواجهة الناتجة عن طبيعته ومنهجه في التغيير، تُحوج رموزه
وأتباعه إلى الاحتجاج بحقوق الإنسان لدفع أو تخفيف آثار التعذيب والاعتقال
ونحوها، خاصة أولئك المقيمين أو اللاجئين في الدول الغربية، بيد أن الاتكاء على
بعض حقوق الإنسان في هذا المجال قد يترتب عليه مع الاستمرار والتراكم أن
تتحول إلى ثابت يصعب تجاوزه أو الخروج عليه خاصة في الخطاب العام،
وفي الواقع يُعتبر هذا الباب (استخدام حقوق الإنسان في مواجهة قضايا
التعذيب والاعتقال) مدخلاً هاماً لترويج وتسريب مفاهيم حقوق الإنسان وإكسابها
القبول لدى الإسلاميين، وهو ما يدعو إلى الانتباه لدفع خطر هذا التسرب، وسيأتي
الكلام عليه بتفصيل أكثر إن شاء الله.
ويمكن أن يدرج في قائمة الرافضين بعض الاتجاهات والرموز التي ترفض
في العموم مفاهيم حقوق الإنسان، وإن كانت تستخدم في أدبياتها وكتاباتها هذا
المصطلح في سياق الدلالة على سبق الإسلام في طرحه وبسطه بما لا يدع مجالاً
لتفوق الغرب فيه، ومن أمثلة هؤلاء: الشيخ أبو الأعلى المودودي، وكتابه:
حقوق الإنسان في الإسلام.
ونحن نرفض هذا الأسلوب في تناول القضية؛ لأننا لا نحتاج أن نعيد ترتيب
أحكامنا الشرعية ومبادئنا الإسلامية وفق سياقات غربية، حتى إن اقتصرت على
استخدام المصطلح، أو الشكل دون المضمون، فلا فائدة ترجى من ذلك - والله
أعلم - لأن المسلم يكفيه دينه، أما الغربي فما نبرزه نحن على أنه حق، قد ينظر
إليه هو على أنه سلب لحق، كما في الحقوق المتعلقة بحرية الدين، والمساواة بين
الرجل والمرأة، وغيرها، ولا شك أن هذا الاتجاه - الرفض - في عمومه يمثل
الموقف الصحيح الواجب اتخاذه في هذه القضية.
ويتضح ذلك بمعرفة أنه يصدر عن عدة مبادئ:
أولاً: التناول الشرعي الدقيق لبنود وفقرات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
الذي هو شرعة المنادين بها والداعين لها.
ثانياً: استغناء الإسلام بربانيته وكماله وتمامه عن نتاجات البشر وأطروحاتهم
الخائبة، وما أطرف ما قاله باحث إسلامي - تهكماً - في مناظرة حول حقوق
الإنسان من أنه لا يجد في بنود الإعلان العالمي ما يتوافق مع الإسلام إلا ما يتعلق
بالحق في تحديد ساعات العمل والأجور [٢] .
ثالثاً: الاعتقاد الجازم بأن هذه الشرعة المزخرفة إنما تمثل قمة هرم تنطوي
قاعدته المخفية على تآمر وخداع وأوهام.
شريعة التوفيقيين:
أو كما يحلو لهم التسمي والاتصاف بـ (الوسطية والاعتدال) . وينبني
المنهج التوفيقي لهذه الشريحة على عدة نقاط:
أولاً: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فيه من الخير ما فيه، وفيه كذلك من
الشر، فهو ليس خيراً محضاً أو شراً محضاً.
ثانياً: ما يتوافق من هذه المبادئ مع الإسلام ولو بصورة عامة فلا بأس به،
وحتى إن كان هذا التوافق لن يتحقق إلا بإضفاء فهم خاص لهذه المبادئ - لا
يرضاه واضعوها أصلاً - فلا بأس كذلك.
ثالثاً: استخدام هذه المبادئ وهذا الإعلان للضغط على الحكومات والأنظمة
نحو مزيد من الحرية خاصة في ممارسة العمل السياسي.
رابعاً: الحذر من الاتهام بالتطرف أو التشدد أو الإرهاب من أطراف داخلية
أو خارجية - بنسب متفاوتة - وسهولة التأثر بالضغط المتضمن لمثل هذه الاتهامات.
وهذه الشريحة بذاتها تنقسم إلى اتجاهات شتى تقترب في أحد طرفيها من
الرفض لمبادئ حقوق الإنسان بينما تدنو في الطرف الآخر من القبول التام بها،
ويغلب على هؤلاء الانتماء إلى: جماعات العمل السياسي، أو رموز الاتجاه
التنويري الذين لا يتبعون لجماعة معينة.
فبالنسبة لجماعات العمل السياسي يتفاوت منهجها التوفيقي فيما يتعلق بحقوق
الإنسان، وتمثل جماعة الإخوان المسلمين تيار الوسط في هذا التوجه، وإن كانت
التعقيدات الداخلية والخارجية التي تمر بها الجماعة خاصة في مصر فيما يتعلق
بكينونتها وتماسكها ونشاطها الدعوي والسياسي، تجعل هناك تعددية في الخطاب
يصعب معها تحديد موقف دقيق للجماعة، وإن كانت هذه التعددية تندرج بكاملها
داخل الاتجاه التوفيقي، سواء في هذه القضية أو في غيرها من القضايا المشابهة.
أما حزب جبهة العمل الإسلامي الأردني (الممثل للإخوان المسلمين)
المسلمين فقريب منه، حيث يقول أمينه العام د. إسحق الفرحان في بيان عن
الحزب الوليد وقتها إنه «سيلتزم في أدائه الاستراتيجي والتكتيكي بالثوابت الشرعية
الإسلامية، وبالدستور والقانون والميثاق الوطني، وبالوسائل الديمقراطية السلمية،
والحوار العقلاني» [٣] .
ويأتي في قاعدة هذا الاتجاه: الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، خاصة
فيما يصدر عن رموزها السلفية مثل الشيخ علي بلحاج.
وعلى قمة الاتجاه التوفيقي يتربع الشيخ راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة
التونسي، ومعه الشيخ حسن الترابي والاتجاه الذي يتزعمه (الجبهة القومية سابقاً،
المؤتمر الشعبي حالياً) .
ونركز قليلاً على موقف الغنوشي وحزب النهضة لخطورته وقابليته للتطور،
والتي يتحدث عنها قائلاً: «وكان من مظاهر ذلك التطور، تحول النظرة إلى
النظام من مجرد نظرة عقائدية تركز على تكفيره، إلى نظرة اجتماعية عقائدية
شاملة تدين ديكتاتوريته وعمالته واستغرابه» [٤] ، وهذا الكلام يتعلق بفترة حكم
الحبيب بورقيبة الذي كفَّره علماء المسلمين.
ويذكر أيضاً من معالم التطور: «قبول الحركة منذ ١٩٧٨م الجلوس
جنباً إلى جنب مع أحزاب شيوعية وعلمانية والحوار معها من أجل دعم
الحريات» [٥] ، ويفتخر بتفرد حركته باتخاذها موقفاً «مدافعاً عن حق كل
الأطراف السياسية على اختلاف أيديولوجياتها في التعبير والتنظيم، حتى ولو كانوا
يمثلون النقيض العقائدي مثل الشيوعيين، بل تعلن الحركة استعدادها لاعتبار
حكمهم شرعياً إن اختارتهم أغلبية الشعب في استفتاء ديمقراطي» [٦] ، وفي
الطريق يعترف بمكانة المرأة وأنها «أصبحت ممثلة حتى في المؤسسات العليا
للحركة» [٧] .
أما ما يتعلق برموز الاتجاه التنويري، فرغم أننا لا ننكر جهود بعضهم في
خدمة الإسلام، ولا نطعن في نواياهم إلا أن الواقع يشهد بكونهم عاملاً أساسياً في
تشويه كثير من ثوابت الإسلام وتمييعها.
ونأخذ مثالاً واحداً منهم هو الأستاذ فهمي هويدي الذي يتضح من كتاباته مدى
تغلغل مفاهيم حقوق الإنسان في فكره فيما يتعلق بمجالات معينة؛ ففي سياق تعليقه
على اغتيال فرج فودة يرفض أقوال الرجل، ثم يقول: «لكن تلك الإدانة ينبغي ألا
تسقط من جانب أمرين: أنه إنسان له حقه في الحصانة، والكرامة، ثم إنه يمارس
حقاً مشروعاً في الاختلاف ينبغي أن نقر له به» [*] [٨] ، وفيما يتعلق بحرية
العلمانيين في تكوين حزب يدعو إلى الفصل بين الدين والسياسة يقول: «فعلى
الرغم من أننا نعارض هذا الرأي تماماً، إلا أننا نعتبره حقاً مشروعاً من الاختلاف
يتعين إفساح المجال له في ساحة التعبير والعمل السياسي، ونذهب في ذلك إلى أنه
ليس موقفاً ضد الدين في الأغلب» [٩] ، وعن حقوق الأقليات يقول: «فالمسيحي
الملتزم القابض على دينه نموذج مطلوب تماماً كالمسلم الملتزم، وشيوع ذلك
الالتزام الديني هو فرصتنا المنشودة لإشاعة المحبة والتراحم والدفاع عن مختلف
المثل العليا والقيم النبيلة التي بشرت بها الديانات السماوية» [١٠] .
مآخذ على التوفيقيين:
الذين يتبنون المنهج التوفيقي في التعامل مع مبادئ حقوق الإنسان يخطئون
من أوجه:
أولاً: تعاملهم السطحي مع تلك المبادئ دون النظر إلى الفلسفة والتصورات
التي انبعثت منها، وهذا الاجتثاث للمبادئ عن الفكر الذي أنبتها يجعلنا نتعامل مع
ألفاظ ومصطلحات مجردة مجهولة المقصد.
ثانياً: التصور الإسلامي الصحيح لا نحتاج معه إلى إعادة هيكلة أو قولبة أو
صياغة مفاهيم ومبادئ إسلامية بصورة تتناسب مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
أو تحاكيه.
ثالثاً: هذا التكلف الساذج لمحاكاة أو موافقة حقوق الإنسان لا يعود بأي فائدة
تذكر على الإسلام أو المسلمين في عالم الفكر أو الواقع، فمروِّجو الإعلان العالمي
ومؤيدوه لا يحتفون كثيراً بإثبات توافق أي دين أو تطابقه مع مبادئهم، اللهم إن كان
ذلك خطوة على طريق استبدال شرائع الدين بقوانين حقوق الإنسان، وعلى ذلك
تمثل جهود هؤلاء التوفيقيين خطوة للوراء في عالم الأفكار، بينما تدفع أنصار
حقوق الإنسان خطوة للإمام في عالم الواقع.
رابعاً: في حين يبدي التوفيقيون استعداداً - متفاوتاً - للعبث في مقررات
وثوابت إسلامية للتقريب بين الإسلام وحقوق الإنسان، لا يبدي دعاة الحقوق تجاوباً
مماثلاً للعبث بمبادئهم وثوابتهم.
خامساً: هذا الموقف المائع رغم إفادته لدعاة حقوق الإنسان، إلا أنه لا يزيد
غالباً من خطوة متخذيه ومكانتهم عندهم، ويتبين ذلك بجلاء من استعراض كتابات
بعضهم خاصة الصريحين منهم في مجال موقف الإسلاميين من حقوق الإنسان،
وبين أيدينا نموذج عبارة عن بحث لعلماني سوداني هو (الباقر العفيف) من
ناشطي حقوق الإنسان، يصنف ويحلل فيه موقف الإسلاميين من حقوق الإنسان،
فينتهي إلى تحديد مناهج يتبعها الإسلاميون بمختلف توجهاتهم في التعبير عن موقفهم
من هذه القضية، من أهمها:
المنهج الإخفائي ويذكر فيه محمد عمارة والترابي، والمنهج الاعتذاري،
والمنهج المراوغ، والمنهج الملتوي ويذكر فيه فهمي هويدي، والمنهج الانتقائي،
والمنهج الصريح [١١] .
تسرب مفاهيم حقوق الإنسان:
بعيداً عن المواقف المعلنة والرسمية المكتوبة والمسموعة، فإن التداخل
والتشابك فيما يتعلق بمشروعية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان - في ظل الارتهان
الفكري للغرب - قد أحدث لغطاً وفوضى فكرية عارمة نتج عنها تسرب كثير من
هذه المفاهيم بمعناها ومضمونها بعيداً عن أَسْر الألفاظ والمصطلحات، وهو ما يمكن
أن نلحظه بقوة في خطاب كثير من الدعاة، بل والعلماء؛ حيث ظهرت تعبيرات
وتوصيفات لم نسمع بها من قبل على ألسنة العلماء، وإن لم تنسب مباشرة إلى
مبادئ حقوق الإنسان، إلا أنها لا شك ناتجة ومتسربة عنها، فتسمع على ألسنتهم
مصطلحات مثل: الحرية الشخصية، المواطنة، الإرث الحضاري العالمي،
التراث الإنساني. ومن أمثلة ذلك ما ذكره الشيخ يوسف القرضاوي في لقاء
جماهيري متلفز من أن مصطلح: (أهل الذمة) أصبح يثير كثيراً من اللغط
والضيق، فلا بأس باستبداله بمصطلح: (المواطنة) ، واستشهد بأن عمر -
﵁ قد أسقط من قبلُ مصطلح الجزية! هكذا [١٢] .
قسمة القرد:
تقدم شرعة حقوق الإنسان منهجاً كاملاً لتوزيع تلك الحقوق وصيانتها بما
يحسبونه عدلاً ومساواة، وهم لا يرضون في سبيل ذلك بتطبيق جزئي أو نسبي،
بل يعتبرون أن الاعتراف ببعض الحقوق والإعراض عن أخرى «ينطوي على
فوضى عقلية، قبل أن ينطوي على فوضى أخلاقية وعملية» [١٣] .
وهم يدخلون في «صراع فكري صارم مع كل الأفكار الشمولية الدينية منها
واللادينية، وتلك التي لا تخدم أصلاً حقوق الإنسان وحرياته أو تنتقص منها» [١٤] ،
فهل من الممكن أن يصل هؤلاء الحقوقيون إلى ما يريدون؟ حقيقة لا نجد في
تمثيل واقعنا وموقف الغرب منا ومن حقوقنا في ظل إعلانه العالمي أفضل من تلك
القصة الرمزية التي تحكي عن قرد (الغرب) اختصم إليه فأران في قسمة قطعة
من الجبن، فادَّعى مطلق العدل والمساواة في قسمتها، وكان ذلك بأنه ظل يأخذ من
قسميها سعياً لتساويهما في الوزن، حتى انتهى الأمر بانتهاء الجبن، وضياع
الحقوق!
стр. 3993
ملفات
حقوق الإنسان بين الحق والباطل
التفسير الغربي لحقوق الإنسان
شرور المواءمة ومقتضيات المفاصلة
محمود سلطان
يثير طرح موضوع «حقوق الإنسان» بصيغته المعترف بها دولياً الآن على
العالم الإسلامي حزمة من التحديات والإشكاليات التي تمسه مساً مباشراً في ثقافته
وسمعته وسيادته، ولعل أبرز هذه الإشكاليات حضوراً، والتي من المفترض أن
يدرجها العقل المسلم على رأس قائمة أولوياته هي إشكالية «المرجعية» : بمعنى أن
السؤال عن المعايير والضوابط والأحكام التي تقرر ماهية «الحق الإنساني» من
عدمه، يظل هو السؤال الذي من الواجب شرعاً أن تكون إجابته واضحة ومحددة
سلفاً، قبل الانسياق وراء أية دعاوى عن حقوق الإنسان، تكون صادرة عن
«اجتهاد بشري» ، علماني أو لا ديني، فالمرجعية في مثل هذا الموضوع، أو
في غيرها بالنسبة للمسلم ليست ترفاً فكرياً أو سفسطة فلسفية، وإنما هي قضية
تمس عقيدة التوحيد في جوهرها.
وفيما يتعلق بالتفسير السائد الآن لـ «حقوق الإنسان» ، والمفروض علينا منذ
نصف قرن تقريباً، فإن الموقف منه لا يحتمل التردد، وإنما يحتاج إلى ما يشبه
«المفاصلة» معه، دونما اكتراث بعبارات التوبيخ التي عادة ما يطلقها العلمانيون
لإرهاب خصومهم فكرياً وثقافياً: [وَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ
عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً] (الأحزاب: ٤٨) ؛ إذ إن المرجعية المعتمدة الآن
عالمياً، في تأطير نمط «الحق الإنساني» المشروع، وتقرير ما هو دون ذلك،
هي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته الأمم المتحدة منذ خمسين عاماً
تقريباً. هذا «الإعلان المرجعية» ، هو في واقع الحال: وثيقة غربية متحيزة،
استجابت فقط لرغبات وشهوات الإنسان الغربي، وتبنت تفسير الأخير لـ «حقوق
الإنسان» الذي ينظر إلى الإنسان باعتباره مخلوقاً نفعياً، مبلغ همه في الدنيا تحقيق
أقصى درجات «اللذة والاستمتاع» ! ! وهو منحى ينزل الإنسان منزلة تجعله أكثر
قرباً من «الحيوانية» التي أدانها القرآن الكريم في قوله - تعالى -: [وَالَّذِينَ
كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ] (محمد: ١٢) ، وفي
الوقت نفسه فهي شديدة التناقض في كثير من جوانبها مع الرؤية الإسلامية التي
تنظر إلى الإنسان بوصفه مخلوقاً صاحب رسالة، ومكلفاً بإعمار الأرض والدفاع
عن الحق والفضيلة؛ فضلاً عن أنها تأسست على مبدأ «النسبية» الذي يرفض
الاعتقاد بثبات القيم والأخلاق والعقائد الدينية؛ فما يراه الناس اليوم بأنه «غير
أخلاقي» قد ينال غداً اعتراف الجماعة الغربية به على أنه «أخلاقي» ، وما كان
بالأمس عملاً تدينه التقاليد والأعراف بل والقوانين السائدة قد يتحول بمضي الوقت
في العالم الغربي إلى عمل مشروع، وقد يمسي حقاً من «حقوق الإنسان» التي
يوفر لها الغرب المشروعية بل الحماية الدولية أيضاً؛ فعلى سبيل المثال كانت
ممارسة الجنس قبل الزواج تواجه معارضة شديدة وقوية في الغرب حتى فترة ما
بعد الحرب العالمية الثانية، كما كان هناك قوانين تحظر مثل هذه الممارسة مع غير
الزوج؛ أما اليوم فقد أصبح الجنس قبل الزواج أمراً شائعاً بموافقة المجتمع
والوالدين أيضاً. وفي هذا الإطار فإن أفعال الشذوذ الجنسي بين الذكور كانت تعتبر
جريمة في بريطانيا العظمى حتى الستينيات، على الرغم من أن الشذوذ بين الإناث
(السحاق) لم يكن ممنوعاً قانوناً. أما الآن فقد أصبحت مثل هذه الأفعال بين
البالغين والتي تتم برضاهم، سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً قانونية في معظم دول
الغرب؛ بل باتت غالبية العالم الغربي ترى أن القوانين الصادرة ضد الشذوذ
الجنسي ما هي إلا انتهاك لـ «الحقوق الإنسانية» للشواذ من الرجال أو النساء!!
بل إن الكنيسة في عدد من الدول الغربية أباحت «الزواج» المثلي بين
الشواذ، وسنت القوانين والتشريعات التي تحفظ «الحقوق» المترتبة على عقد
الزواج في النفقه والميراث وتبنِّي الأطفال وغير ذلك..! ! ومنذ ثلاثة عقود
مضت اتخذ المجتمع الغربي موقفاً مشدداً إزاء عملية إنجاب أطفال من نطفة
مجهولة النسب، واستند في ذلك إلى أن هذا المنحى يعد عملاً غير أخلاقي يخلِّف
مشكلات اجتماعية ونفسية بالغة القسوة للأطفال الذين يجري إنجابهم على هذا النحو؛
أما الآن فقد بات من «الحقوق الإنسانية» - بل القانونية - للمرأة أن تلجأ إلى
إحدى بنوك الحيوانات المنوية المنتشرة هذه الأيام في طول البلاد الغربية
وعرضها، وتقوم بعملية تلقيح صناعي تنجب على إثره أطفالاً لا يعرف بالتحديد من
هم آباؤهم، والتفسير الغربي لحقوق الإنسان الذي يتبناه الإعلان العالمي المشار
إليه فيما تقدم تتسع مظلته لحضانة كل ما يفرزه تصور الإنسان الغربي
بنسبية القيم العليا للمجتمع، من تحولات أخلاقية وما شابه؛ وهو على هذا
النحو يتعارض تعارضاً جوهرياً مع ما يعتقده الإنسان المسلم بكمال مصدري
التشريع الأساسيين وقداستهما: كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ .
ومن هنا تتجلى لنا المخاطر والمحاذير من التعاطي مع المرجعية الغربية
لحقوق الإنسان على النحو الذي: إما أن يرفعها إلى مرتبة التقديس (الرؤية
العلمانية العربية التي تعتقد «كمال» الغرب و «عصمته» ، لتفوقه المادي
والعسكري على العرب والمسلمين، وإما مواءمة المفاهيم الإسلامية في ذلك الشأن
مع الطرح الغربي لحقوق الإنسان (الاتجاهات التوفيقية داخل التيار الإسلامي التي
تجتهد في إطار المواءمة بين الوافد والموروث) . ولعل المنحى الأخير يعد أكثر
الخيارين خطراً على نقاء وصفاء البنية العقدية والفكرية للإنسان المسلم. فالأول
صادر عن التيار التغريبي الذي يستدعي مجرد ذكر اسمه معاني الشكوك والريبة في
روع الإنسان المسلم بسبب الارتباط الروحي والنفسي والفكري لهذا التيار بالغرب؛
ولهذا السبب فهو أقل خطراً من الثاني الذي يتحدث باسم الإسلاميين، إن لم يكن
باسم الإسلام؛ إذ لوحظ أن كثيراً من «الاجتهادات» التي تصدر بدعوى «تطوير
الفقه» تارة وباسم «التنوير» تارة أخرى من داخل هذا التيار التوفيقي (أو التلفيقي)
كما يطلق عليه منتقدوه قد دأبت على القيام بعمليات مواءمة بين مفاهيم إسلامية
وبين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ما يعني أن تلك الاجتهادات تستبطن بلا وعي
منها الطرح الغربي لحقوق الإنسان، وتعتقد اعتقاداً خفياً بثباته وعصمته، وهو
منحى قد ورط أصحابه بالفعل في تقديم سلسلة من التنازلات على حساب دينهم
ابتغاء مرضاة الغرب أو أذياله من العلمانيين أو اللادينيين في العالمين العربي
والإسلامي، أو ابتغاء التجمل بمظاهر الحداثة والاستنارة، ولقد بلغ الأمر بأحدهم،
أن زعم بأن شهادة الرجل لا تعدل شهادة امرأتين إلا في حال إثبات واقعة الزنى
فحسب! وزعم أيضاً أنه ليس في كل حالات الميراث يكون «للذكر مثل حظ
الأنثيين» ، وأنه - بحسب زعمه - في حالات أخرى يتساوى حظ الأنثى مع حظ
الذكر. وأن الأولى قد تفوق حظ الأخير في حالات لم يسمها أيضاً..! ! ولبيان ما
سوف تجلبه المواءمة على المسلمين من شرور، ومعصية لله ولرسوله صلى الله
عليه وسلم فلنتأمل هذين المثالين:
الأول: تقر وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن من «الحق الإنساني»
للمرأة أياً كان دينها أن تتزوج ممن تحب بغض النظر عن دين الزوج. ونظير ذلك
فإن الإسلام يحرم على المرأة المسلمة الزواج من الرجل الكتابي (نصرانياً كان أو
يهودياً) ، أو من غير المسلم بصفة عامة، ومن ثم فإن هذا التحريم يعتبره
«الإعلان العالمي» والغرب من ورائه «تعدياً» على أحد الحقوق الإنسانية للمرأة
المسلمة! !
المثال الثاني: في مسألة تزويج الإناث، فإن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لا يعتد بأية شروط في هذه المسألة، ويعطي للمرأة الحق في تزويج نفسها بنفسها
دون اشتراط الولي لصحة عقد الزواج، ومن ثم وبغض النظر عن الخلاف الفقهي
بين الجمهور والأحناف في هذه المسألة فإن قوله ﷺ : «لا نكاح
إلا بولي» ، وقوله: «أيما امرأة نكحت (أي تزوجت) بغير إذن وليها فنكاحها
باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من
فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» [١] .
سيعتبر هذا الحديث الشريف - من وجهة نظر الإعلان العالمي لحقوق
الإنسان - إكراها وتعدياً على حرية المرأة، وعلى حق من حقوقها الإنسانية حال
إقدامها على الزواج! !
ولعلنا نتساءل الآن: كيف يمكن المواءمة بين الرؤيتين (الغربية والإسلامية)
في المثالين المشار إليهما قبل قليل؟ !
إن المواءمة هنا مسألة بالغة الصعوبة إن لم تكن مستحيلة، إنها تضعنا أمام
خيارين لا ثالث لهما: إما التمسك بثوابتنا الدينية، وإما التخلي عنها نزولاً على ما
يراه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ولذا فإن قولنا في مستهل هذه المقالة بأن هذه
القضية تحتاج إلى ما يشبه المفاصلة لم يكن مشوباً - في اعتقادي - بالمبالغة أو
بالشطط، وإنما كان من أجل ضبط موقفنا من المرجعية الغربية في ذلك الشأن؛
فمن الثابت بالنسبة لنا نحن المسلمين أن المرجعية العليا والمهيمنة على ما عداها من
المرجعيات، ولها سلطة الأمر والنهي، ولا نعصي لها أمراً، ولا نقبل بأي حال
من الأحوال أن تكون موضوعاً للمواءمة أو التسوية السياسية أو الفكرية مع الغرب
هي كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فإذا قالت الآية: [لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ
الأُنثَيَيْنِ] (النساء: ١١) فلا خيار لنا إلا أن نقول: سمعنا وأطعنا امتثالاً
لقوله تعالى: [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن
يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً]
(الأحزاب: ٣٦) .
стр. 3994
نص شعري
الفجر الصادق
أحمد عبد الله محمد العاطفي
ليلٌ يمد رواقه ويهمهمُ ... والفجرُ يخنقه الظلامُ الأَسْحَمُ
ليل طويل كم تُعَذّبُ أمتي ... بالقيد أُثقِلَ جيدُها والمِعْصَمُ!
ليل طويل كيف يسفر فجرنا ... وزمامنا بيَد العميل مُسَلَّمُ؟ !
فإلى متى يا أمتي وحديثنا ... ألَمٌ وأنكاد وهمٌّ أبكمُ
سيف الأعادي سُلَّ فوق رقابنا ... وسيوفنا يا أمتي تتثلَّمُ
يا أمتي هذي الدموع هواتن ... فمتى وربك يستفيق النُوَّمُ؟
بالأمس كوسوفا الحزينة تشتكي ... ظلماً يباركهُ الدعيُّ المجرمُ
واليوم داغتسان ينبض جرحُها ... ألماً ونحن على الأرائك ننعم! !
شتان من يبكي ويخضبُ عَنبراً ... والآخر الباكي يُخَضِّبُهُ الدَّمُ
* * *
كانت سيوف الحق تَقْرَعُ والقنا ... ما بالُها في الساح لا تتقدمُ
كانت صواعقَ مرسلاتٍ في العِدى ... فتحيلُ ليلَ الظلم فجراً يَبْسمُ
كانت تكلَّمُ حين تَحْمَرُّ القنا ... ما بالُهَا سكتت فليس تكلَّمُ
كانت معالمنَا معالِمَ عِزَّةٍ ... لكنها اندرستْ وضاعَ المعْلَمُ
هذي مآتمنا وقصةُ أُمةٍ ... ضلت، وليلٌ عابسٌ متجهِّمُ
هي قصة مكتوبة ومدادها ... دمع الفؤاد وسفرها لا يختمُ
هي قصة ممزوجة بمشاعري ... أحكي بها ألَم الفؤاد وأنظمُ
هي قصة لغة الظلام حديثها ... وقصيدةٌ مجروحةٌ تتألمُ
стр. 3995
البيان الأدبي
صرخة مسلمة دعوا في هدأة عرضي
سالم الرزيق
خذوا مالي
خذوا كنزي
خذوا الأرض التي
من إرث أجدادي
* * *
خذوا الملبوس
من جلدي
خذوا زادي
خذوا القرطاس
مكتوباً بأحرف نوره
أمجاد أمجادي
* * *
خذوا الدرهم
خذوا الدينار
خذوا المقطور
والقنطار
خذوا التفاح
والرمان
خذوا الكادي
مع الريحان
* * *
خذوا - إن شئتمُ - الألوان
من ثوبي
خذوا الأنهار تسقي
في الحمى دربي
خذوا الأزهار تذكي
في السهى حبي
خذوا الأطيار تحكي
في السما خطبي
خذوا الأنوار تهدي
في السرى قلبي
* * *
أخا الطغيان
ما في القلب من رحمة
أما لك في الورى
أهلٌ ولا بنت
ولا أخت ولا أمة
أما لك يا سليب العار
من حرمةْ؟
* * *
أخا الطغيان
إن لي أهلاً ولي ولدا
ولي زوجاً وراء سلاحكم
فُقِدَا
ولي إخوة
وراء البحر
تحمي وحدة الأمة
ولي ثروة
أما تخشى جحافلهم
وصولتهم وجولتهم
فتغدو هاهنا خاسر
وما لك في الورى
ناصر
ويمسي السحر في
الساحر
* * *
خذوا مالي
خذوا كنزي
خذوا الأرض التي
من إرث أجدادي
خذوا ما شئتمُ
ما شئتمُ
ودعوا في هدأة
عرضي