← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

ملفات حقوق الإنسان بين الحق والباطل حقوق الإنسان والخدعة الجديدة أ. د. محمد يحيى [*] أصبحت قضية حقوق الإنسان في طرحها في البلاد العربية والإسلامية تجتذب الاهتمام لا من حيث مضامين الأفكار الواردة فيها؛ وإنما من حيث الأهداف والتحركات السياسية المتنوعة المرتبطة بها وبمن يطرحونها. فالجماعات والجمعيات والفئات الكثيرة التي نشأت على مدى العقد الماضي مروِّجة لما يسمى بمسألة حقوق الإنسان أضحت نفسها مسألة منفصلة من ناحية توجهات أفرادها، ومصادر تمويلها، وأساليب عملها، وأهدافها السياسية القريبة والبعيدة والظاهرة والباطنة، وعلاقاتها وخلافاتها مع الأنظمة ومع التيارات الفكرية والاجتماعية والسياسية الأخرى ولا سيما الحركات الإسلامية. ومن المعهود الآن أن نجد التفاصيل الضافية والكاشفة لمصادر تمويل هذه الجماعات من الهيئات والسفارات والمؤسسات الأجنبية ومنها الكنسية، والاستخباراتية والمصالح المالية والاقتصادية الكبرى ودوائر السياسات الخارجية في أوروبا وأمريكا. وأصبح من المعروف أن القائمين على هذه الفئات ليسوا ممن هم فوق مستوى الشبهات، وأن جُلَّهم يتألف من العلمانيين الكارهين للإسلام، أو بقايا اليسار الذين يبحثون لأنفسهم عن دور جديد، وتبين أن الهدف الأسمى الذي تعمل معظم تلك الروابط والجمعيات لأجله يتعلق بأي شيء آخر إلا حقوق الإنسان بمعنى حقوق وحريات وكرامة الأفراد العاديين الذين يشكلون سواد المجتمع. فالمقصود بحقوق الإنسان عند تلك المجموعات هو حقوق إنسان بعينه أو مجموعات محددة دون غيرها، كما أن المقصود حقوق وفق مبادئ معينة (علمانية) دون مبادئ أخرى، وهكذا فحقوق الإنسان عند هذه الجمعيات تعني حقوق اليساريين والشيوعيين والعلمانيين فقط أو حقوق الأقليات غير المسلمة في بلاد المسلمين التي يزعمون على عكس الواقع أنها انتهكت، أو حقوق مجموعات قليلة تشذ عن سواء السبيل تحت مزاعم التحرر الاجتماعي والتقدم الفكري أو حقوق من يستغلون الفكر أو الفن لترويج الكفر والإباحية أو حقوق النساء (في زعمهم) دون حقوق الرجال أو حقوق مجموعات إقليمية أو جغرافية أو مهنية أو لغوية في مواجهة الأغلبيات. ولا يقف الأمر عند حد طرح مفاهيم محدودة وفئوية ومنحازة حول حقوق الإنسان تخلو من عموم الانطباقية التي يتصورها من يسمع عبارة حقوق الإنسان؛ بل إن الخطورة تكمن في المراد والمقصود من هذا المفهوم. إن عبارة «حقوق الإنسان» لمن يسمعها تعني حقوقاً بديهية واضحة مبدئية تشمل كل البشر ويتفق عليها الجميع، وهذا المعنى هو مصدر الجاذبية في ذلك الشعار لدى أفراد المجتمع ولا سيما المثقفين. ولكن الاقتراب التحليلي منها حسب ما يروج في أوساط الفكر والثقافة يبين أن المعنى المحتوى في تضامين وأفرع «حقوق الإنسان» ليس من العمومية والإطلاق المتصور، بل هو معنى مؤسس على مبدأ وعقيدة معينة هي الفكر العلماني الغربي الحديث منذ نشأته في القرن الثامن عشر الميلادي وحتى الآن. إن مفاهيم «حقوق الإنسان» التي تروج الآن على تنوعها وتفاصيلها ليست سوى التجسيد الأمني للفكر العلماني الغربي في فرديته وماديته وكراهيته للدين والألوهية والشرائع السماوية، ونزوعه نحو أفكار آلية رتيبة عن المساواة والحق والكرامة والسعادة. والخدعة الكبرى التي نواجهها في هذا المجال هي أن ذلك الفكر المتسربل بدعاوى العمومية والشمولية والإطلاق يخفي وراءه حقيقة أنه ليس سوى التعبير عن عقيدة بعينها نسبية وجزئية وتاريخية تصطدم مع العقائد الأخرى وبالذات الإسلامية، وهذا الفكر يروج بيننا على أنه صالح لكل زمان ومكان، وبصرف النظر عن اختلاف الأديان والمفاهيم، بل إننا نجد توجهاً عند بعضهم لإيجاد مزاوجة بين هذا الفكر وبين تعاليم وشريعة الإسلام. فالشائع الآن ولا سيما عند من يرفع شعار «الاستنارة» و «التقدمية» في الدين القول بأنه لا تعارض بين فكرة «حقوق الإنسان» وبين الإسلام، بل إن الإسلام - حسب هذا الزعم - هو الذي وضع أسس هذه الفكرة، وأن الدعوة إليها هي من صميم مقاصد الإسلام، وأن ترويجها والدفاع عنها هو في حقيقته ترويج للدين ودفاع عنه. والخدعة الجديدة هذه تعتمد على تعتيم متعمد على الطابع الجزئي النسبي التاريخي المرتبط بالعلمانية الغربية في مفاهيم حقوق الإنسان التي تروج في البلاد الإسلامية، ثم على زعم خاطئ بأن هذه المفاهيم عالمية شمولية «إنسانية» مما يعني عمومية انطباقيتها. ومع تصديق هذا الزعم من جانب البعض في المجال الإسلامي تبدأ عملية ترقيع واسعة النطاق هدفها إثبات أن كل ما تنطوي عليه تلك المفاهيم يقبله ويباركه الإسلام إن لم يكن قد جاء به وأسسه. ومن الأمثلة البارزة على هذه الحيلة الفكرية ما يحدث في القضية المسماة بـ (حقوق المرأة) والتي أصبحت الآن مفروضة وبقوة السلاح على كل المجتمعات الإسلامية بدون استثناء، والتي يراد لها أن تطبق المفاهيم نفسها السائدة الآن في الغرب بالنسبة لأوضاع المرأة، «وهي ليست المفاهيم الوحيدة هناك، بل هي فقط سائدة لأسباب لا مجال للخوض فيها هنا» بحجة أن هذه المفاهيم عالمية الانطباقية فوق أنها «عصرية» و «حديثة» تَجُبُّ ما ساد قبلها من أفكار رجعية لبست ثوب الإسلام! والذي يحدث الآن هو أن البعض على الجانب الإسلامي يتقبل هذا الزعم، ويروح يجهد النفس ويلوي عنق الشريعة لكي يخرج «باجتهادات» عصرية تثبت أن الإسلام وشريعته يباركان ويدعوان لنفس وضع المرأة الذي تدعو له الآن مفاهيم حقوق الإنسان. وتحت هذا المسمى الاجتهادي الجديد أخذ المجتهدون يؤكدون أن «صحيح الدين» الإسلامي لا يعترف بتعدد الزوجات، ويرفض أن يعطى الرجل حق تطليق الزوجة، ويرفض قوامة الرجل على الزوجة والأسرة، ويسمح بل ويدعو إلى اشتغال المرأة بالأعمال كلها ولا سيما الشاقة، ويبارك اختلاط الرجال والنساء في الحياة العامة. . . إلخ مع سائر ما تبشر به مفاهيم «حقوق الإنسان» . وبصرف النظر عن ضعف وتهافت هذه «الاجتهادات» فإن نقطة الخطورة فيها هي أنها تنطلق من تقبل أهوج لمزاعم العالمية والشمولية لمفاهيم دعوى «حقوق الإنسان» ، وتتأسس من ثم على نفس أسس تلك الدعوى وهي العلمانية الغربية بدلاً من أن تنطلق من أسس الإسلام نفسه وأصول شريعته، ومن هنا نجد في جوهر الخدعة الجديدة أن الإسلام يعاد تفسيره أو بالأصح يساء تفسيره، لكي يتمشى مع مفاهيم حقوق الإنسان ذات الأسس العلمانية بل لكي يتمشى مع تلك الأسس نفسها ويلغي وجوده. وإنهاء الخدعة الجديدة لا يكون بالقول بعدم وجود حقوق للإنسان في الإسلام، بل بالقول بوجود حقوق للإنسان عامة، وليس لجنس أو عنصر أو فئة دون أخرى، وبوجود حقوق الإنسان تتأسس على مفاهيم وتعاليم وعقيدة الإسلام، وليس على شتى مذاهب العلمانية، وبوجود حقوق وواجبات إسلامية وليس علمانية، وإذا قبلنا هذا الرأي وأسقطنا خدعة التخفي وراء مزاعم العالمية لفكر علماني غربي تاريخي النشأة نسبي الوضع فلن نخجل أو نخشى من أن نرفض مفاهيمَ لحقوق الإنسان تروج الآن بيننا، ونضطر تحت ابتزاز أو إرهاب أصحاب طرح حقوق الإنسان أن نقبلها ونلوي عنق الإسلام ونزيف شريعته لكي نخرج بتقبلها خوفاً من تهمة الرجعية أو الاستبداد.

стр. 3992

ملفات حقوق الإنسان بين الحق والباطل الحركات الإسلامية وحقوق الإنسان أحمد فهمي نستطيع القول إن أهم إشكاليات العمل الإسلامي في السنوات الأخيرة هو ما يمكن تسميته بظاهرة: هلامية الثوابت، وقابليتها للتشكل وفق متغيرات الواقع ومستجدات الأحداث. ويأتي الالتزام بالتأصيل الشرعي الدقيق لعمل الحركة الإسلامية وخطابها الدعوي والسياسي على رأس قائمة الثوابت التي تعرضت للهلامية. وإلى حد كبير يمكن إرجاع التباين في مواقف الحركات الإسلامية من قضية مثل: حقوق الإنسان إلى منهجهم في التأصيل الشرعي للعمل الإسلامي، ومدى التقيد به. والأزمة تتضح باكتشاف أن التأصيل الشرعي بات شكلياً في أحيان كثيرة، ولم يعد الفاعل الأساس في بلورة موقف ثلة من التيارات الإسلامية من مفردات الواقع. هذا الضعف في دور التأصيل الشرعي - أو بعبارة أخرى الاحتكام لعموميات الشرع واعتبار المقاصد مع إهمال النظر في الأدلة الثابتة - يؤول في معظمه إلى حالة الاهتزاز الفكري والنفسي التي طالت العديد من رموز الفكر والعمل الإسلامي، جرّاء تزايد الهوة الفاصلة بين ثوابت الإسلام ومقتضيات الشرع كما تعرضها بوضوح نصوص الكتاب والسنة، وبين متغيرات الواقع العلماني، وإفرازاته المتلاحقة على المستويين المحلي والعالمي. لقد أصيب الكثيرون بالارتهان الفكري للغرب، والذي يعبر عنه علماني عربي بقوله: «منذ زمن طويل ظل الغرب هو الحاكي وعالمنا يصدر الصدى، الغرب يفعل الأشياء وعالمنا ينفعل بها، الغرب يضع الآلة والأفكار وأنماط السلوك ويصدرها جميعاً، وعالمنا يستوردها للاستهلاك. إذن فالغرب يرتب الدنيا برؤاه، وعالمنا يترتب وفق مقتضيات تلك الرؤى، وبعبارة واحدة: الغرب يطلق التحدي وراء التحدي، وعالمنا يلهث ليستجيب» [١] . وإن كانت تلك الشكوى علمانية، فلنا أن نعجب حينما نجد في الطرف المقابل أصحاب الدين الخاتم - المؤهل وحده لمقارعة زيف الحضارة الغربية، وإثبات إخفاقها، وكشف أوهامها - ينزلق طائفة غير محدودة منهم ليصابوا بهذا الارتهان المخزي لمنتجات الغرب الفكرية والسياسية والاجتماعية، والذي إن تمثلت بوادره في تناول قضايا مثل تحرير المرأة والديمقراطية، فلن تكون نهايته قضية الإرث الحضاري وتماثيل بوذا في أفغانستان. وتأتي قضية حقوق الإنسان في مقدمة القضايا التي حاكها الغرب، وكان على عالمنا أن يستجيب ويرجع الصدى، وعادة ما يتبدَّى نمط الاستجابات في انقسام الرأي العام الإسلامي إلى ثلاث شرائح: التأييد المطلق، الرفض المطلق، شريحة التوفيقيين الذين يريدون أن يفسحوا لبعض المفاهيم الغربية مكاناً في النسيج الثقافي الإسلامي بدعوى عدم تعارضها مع الإسلام. الحركات الإسلامية وحقوق الإنسان: على مستوى التيارات الإسلامية نستطيع استبعاد شريحة التأييد المطلق، فلا يمكن تصور حركة تقبل نتاج الغرب بعُجَره وبُجَره ثم تدَّعي كونها إسلامية بل وتنتمي إلى فصائل الصحوة. وبذلك يتوزع الإسلاميون بالنسبة لموقفهم من حقوق الإنسان إلى اتجاهين عامين: اتجاه الرفض، واتجاه التوفيق. اتجاه الرفض: وباعتبار الاتجاهات العامة لمناهج التغييز المطروحة: الاتجاه العلمي السلفي، واتجاه العمل السياسي، واتجاه العمل الجهادي، نقول: إن اتجاه الرفض يتمثل غالباً في الاتجاه العلمي السلفي، وهذا أمر بديهي ناتج من اعتماد منهج شرعي واضح في الحكم على المستجدات، كما أن هذا الاتجاه بطبيعته بعيد إلى حد ما عن ضغوط المواجهة السياسية أو العسكرية مع أي من الأنظمة القائمة، وهو ما يحفظ له رؤيته الشرعية ثابتة، مع مراعاة تفاوت الرؤى والاجتهادات. أما اتجاه العمل الجهادي، وإن كان يصنف من مجمله ضمن اتجاه الرفض، إلا أن ظروف المواجهة الناتجة عن طبيعته ومنهجه في التغيير، تُحوج رموزه وأتباعه إلى الاحتجاج بحقوق الإنسان لدفع أو تخفيف آثار التعذيب والاعتقال ونحوها، خاصة أولئك المقيمين أو اللاجئين في الدول الغربية، بيد أن الاتكاء على بعض حقوق الإنسان في هذا المجال قد يترتب عليه مع الاستمرار والتراكم أن تتحول إلى ثابت يصعب تجاوزه أو الخروج عليه خاصة في الخطاب العام، وفي الواقع يُعتبر هذا الباب (استخدام حقوق الإنسان في مواجهة قضايا التعذيب والاعتقال) مدخلاً هاماً لترويج وتسريب مفاهيم حقوق الإنسان وإكسابها القبول لدى الإسلاميين، وهو ما يدعو إلى الانتباه لدفع خطر هذا التسرب، وسيأتي الكلام عليه بتفصيل أكثر إن شاء الله. ويمكن أن يدرج في قائمة الرافضين بعض الاتجاهات والرموز التي ترفض في العموم مفاهيم حقوق الإنسان، وإن كانت تستخدم في أدبياتها وكتاباتها هذا المصطلح في سياق الدلالة على سبق الإسلام في طرحه وبسطه بما لا يدع مجالاً لتفوق الغرب فيه، ومن أمثلة هؤلاء: الشيخ أبو الأعلى المودودي، وكتابه: حقوق الإنسان في الإسلام. ونحن نرفض هذا الأسلوب في تناول القضية؛ لأننا لا نحتاج أن نعيد ترتيب أحكامنا الشرعية ومبادئنا الإسلامية وفق سياقات غربية، حتى إن اقتصرت على استخدام المصطلح، أو الشكل دون المضمون، فلا فائدة ترجى من ذلك - والله أعلم - لأن المسلم يكفيه دينه، أما الغربي فما نبرزه نحن على أنه حق، قد ينظر إليه هو على أنه سلب لحق، كما في الحقوق المتعلقة بحرية الدين، والمساواة بين الرجل والمرأة، وغيرها، ولا شك أن هذا الاتجاه - الرفض - في عمومه يمثل الموقف الصحيح الواجب اتخاذه في هذه القضية. ويتضح ذلك بمعرفة أنه يصدر عن عدة مبادئ: أولاً: التناول الشرعي الدقيق لبنود وفقرات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي هو شرعة المنادين بها والداعين لها. ثانياً: استغناء الإسلام بربانيته وكماله وتمامه عن نتاجات البشر وأطروحاتهم الخائبة، وما أطرف ما قاله باحث إسلامي - تهكماً - في مناظرة حول حقوق الإنسان من أنه لا يجد في بنود الإعلان العالمي ما يتوافق مع الإسلام إلا ما يتعلق بالحق في تحديد ساعات العمل والأجور [٢] . ثالثاً: الاعتقاد الجازم بأن هذه الشرعة المزخرفة إنما تمثل قمة هرم تنطوي قاعدته المخفية على تآمر وخداع وأوهام. شريعة التوفيقيين: أو كما يحلو لهم التسمي والاتصاف بـ (الوسطية والاعتدال) . وينبني المنهج التوفيقي لهذه الشريحة على عدة نقاط: أولاً: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فيه من الخير ما فيه، وفيه كذلك من الشر، فهو ليس خيراً محضاً أو شراً محضاً. ثانياً: ما يتوافق من هذه المبادئ مع الإسلام ولو بصورة عامة فلا بأس به، وحتى إن كان هذا التوافق لن يتحقق إلا بإضفاء فهم خاص لهذه المبادئ - لا يرضاه واضعوها أصلاً - فلا بأس كذلك. ثالثاً: استخدام هذه المبادئ وهذا الإعلان للضغط على الحكومات والأنظمة نحو مزيد من الحرية خاصة في ممارسة العمل السياسي. رابعاً: الحذر من الاتهام بالتطرف أو التشدد أو الإرهاب من أطراف داخلية أو خارجية - بنسب متفاوتة - وسهولة التأثر بالضغط المتضمن لمثل هذه الاتهامات. وهذه الشريحة بذاتها تنقسم إلى اتجاهات شتى تقترب في أحد طرفيها من الرفض لمبادئ حقوق الإنسان بينما تدنو في الطرف الآخر من القبول التام بها، ويغلب على هؤلاء الانتماء إلى: جماعات العمل السياسي، أو رموز الاتجاه التنويري الذين لا يتبعون لجماعة معينة. فبالنسبة لجماعات العمل السياسي يتفاوت منهجها التوفيقي فيما يتعلق بحقوق الإنسان، وتمثل جماعة الإخوان المسلمين تيار الوسط في هذا التوجه، وإن كانت التعقيدات الداخلية والخارجية التي تمر بها الجماعة خاصة في مصر فيما يتعلق بكينونتها وتماسكها ونشاطها الدعوي والسياسي، تجعل هناك تعددية في الخطاب يصعب معها تحديد موقف دقيق للجماعة، وإن كانت هذه التعددية تندرج بكاملها داخل الاتجاه التوفيقي، سواء في هذه القضية أو في غيرها من القضايا المشابهة. أما حزب جبهة العمل الإسلامي الأردني (الممثل للإخوان المسلمين) المسلمين فقريب منه، حيث يقول أمينه العام د. إسحق الفرحان في بيان عن الحزب الوليد وقتها إنه «سيلتزم في أدائه الاستراتيجي والتكتيكي بالثوابت الشرعية الإسلامية، وبالدستور والقانون والميثاق الوطني، وبالوسائل الديمقراطية السلمية، والحوار العقلاني» [٣] . ويأتي في قاعدة هذا الاتجاه: الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، خاصة فيما يصدر عن رموزها السلفية مثل الشيخ علي بلحاج. وعلى قمة الاتجاه التوفيقي يتربع الشيخ راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة التونسي، ومعه الشيخ حسن الترابي والاتجاه الذي يتزعمه (الجبهة القومية سابقاً، المؤتمر الشعبي حالياً) . ونركز قليلاً على موقف الغنوشي وحزب النهضة لخطورته وقابليته للتطور، والتي يتحدث عنها قائلاً: «وكان من مظاهر ذلك التطور، تحول النظرة إلى النظام من مجرد نظرة عقائدية تركز على تكفيره، إلى نظرة اجتماعية عقائدية شاملة تدين ديكتاتوريته وعمالته واستغرابه» [٤] ، وهذا الكلام يتعلق بفترة حكم الحبيب بورقيبة الذي كفَّره علماء المسلمين. ويذكر أيضاً من معالم التطور: «قبول الحركة منذ ١٩٧٨م الجلوس جنباً إلى جنب مع أحزاب شيوعية وعلمانية والحوار معها من أجل دعم الحريات» [٥] ، ويفتخر بتفرد حركته باتخاذها موقفاً «مدافعاً عن حق كل الأطراف السياسية على اختلاف أيديولوجياتها في التعبير والتنظيم، حتى ولو كانوا يمثلون النقيض العقائدي مثل الشيوعيين، بل تعلن الحركة استعدادها لاعتبار حكمهم شرعياً إن اختارتهم أغلبية الشعب في استفتاء ديمقراطي» [٦] ، وفي الطريق يعترف بمكانة المرأة وأنها «أصبحت ممثلة حتى في المؤسسات العليا للحركة» [٧] . أما ما يتعلق برموز الاتجاه التنويري، فرغم أننا لا ننكر جهود بعضهم في خدمة الإسلام، ولا نطعن في نواياهم إلا أن الواقع يشهد بكونهم عاملاً أساسياً في تشويه كثير من ثوابت الإسلام وتمييعها. ونأخذ مثالاً واحداً منهم هو الأستاذ فهمي هويدي الذي يتضح من كتاباته مدى تغلغل مفاهيم حقوق الإنسان في فكره فيما يتعلق بمجالات معينة؛ ففي سياق تعليقه على اغتيال فرج فودة يرفض أقوال الرجل، ثم يقول: «لكن تلك الإدانة ينبغي ألا تسقط من جانب أمرين: أنه إنسان له حقه في الحصانة، والكرامة، ثم إنه يمارس حقاً مشروعاً في الاختلاف ينبغي أن نقر له به» [*] [٨] ، وفيما يتعلق بحرية العلمانيين في تكوين حزب يدعو إلى الفصل بين الدين والسياسة يقول: «فعلى الرغم من أننا نعارض هذا الرأي تماماً، إلا أننا نعتبره حقاً مشروعاً من الاختلاف يتعين إفساح المجال له في ساحة التعبير والعمل السياسي، ونذهب في ذلك إلى أنه ليس موقفاً ضد الدين في الأغلب» [٩] ، وعن حقوق الأقليات يقول: «فالمسيحي الملتزم القابض على دينه نموذج مطلوب تماماً كالمسلم الملتزم، وشيوع ذلك الالتزام الديني هو فرصتنا المنشودة لإشاعة المحبة والتراحم والدفاع عن مختلف المثل العليا والقيم النبيلة التي بشرت بها الديانات السماوية» [١٠] . مآخذ على التوفيقيين: الذين يتبنون المنهج التوفيقي في التعامل مع مبادئ حقوق الإنسان يخطئون من أوجه: أولاً: تعاملهم السطحي مع تلك المبادئ دون النظر إلى الفلسفة والتصورات التي انبعثت منها، وهذا الاجتثاث للمبادئ عن الفكر الذي أنبتها يجعلنا نتعامل مع ألفاظ ومصطلحات مجردة مجهولة المقصد. ثانياً: التصور الإسلامي الصحيح لا نحتاج معه إلى إعادة هيكلة أو قولبة أو صياغة مفاهيم ومبادئ إسلامية بصورة تتناسب مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو تحاكيه. ثالثاً: هذا التكلف الساذج لمحاكاة أو موافقة حقوق الإنسان لا يعود بأي فائدة تذكر على الإسلام أو المسلمين في عالم الفكر أو الواقع، فمروِّجو الإعلان العالمي ومؤيدوه لا يحتفون كثيراً بإثبات توافق أي دين أو تطابقه مع مبادئهم، اللهم إن كان ذلك خطوة على طريق استبدال شرائع الدين بقوانين حقوق الإنسان، وعلى ذلك تمثل جهود هؤلاء التوفيقيين خطوة للوراء في عالم الأفكار، بينما تدفع أنصار حقوق الإنسان خطوة للإمام في عالم الواقع. رابعاً: في حين يبدي التوفيقيون استعداداً - متفاوتاً - للعبث في مقررات وثوابت إسلامية للتقريب بين الإسلام وحقوق الإنسان، لا يبدي دعاة الحقوق تجاوباً مماثلاً للعبث بمبادئهم وثوابتهم. خامساً: هذا الموقف المائع رغم إفادته لدعاة حقوق الإنسان، إلا أنه لا يزيد غالباً من خطوة متخذيه ومكانتهم عندهم، ويتبين ذلك بجلاء من استعراض كتابات بعضهم خاصة الصريحين منهم في مجال موقف الإسلاميين من حقوق الإنسان، وبين أيدينا نموذج عبارة عن بحث لعلماني سوداني هو (الباقر العفيف) من ناشطي حقوق الإنسان، يصنف ويحلل فيه موقف الإسلاميين من حقوق الإنسان، فينتهي إلى تحديد مناهج يتبعها الإسلاميون بمختلف توجهاتهم في التعبير عن موقفهم من هذه القضية، من أهمها: المنهج الإخفائي ويذكر فيه محمد عمارة والترابي، والمنهج الاعتذاري، والمنهج المراوغ، والمنهج الملتوي ويذكر فيه فهمي هويدي، والمنهج الانتقائي، والمنهج الصريح [١١] . تسرب مفاهيم حقوق الإنسان: بعيداً عن المواقف المعلنة والرسمية المكتوبة والمسموعة، فإن التداخل والتشابك فيما يتعلق بمشروعية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان - في ظل الارتهان الفكري للغرب - قد أحدث لغطاً وفوضى فكرية عارمة نتج عنها تسرب كثير من هذه المفاهيم بمعناها ومضمونها بعيداً عن أَسْر الألفاظ والمصطلحات، وهو ما يمكن أن نلحظه بقوة في خطاب كثير من الدعاة، بل والعلماء؛ حيث ظهرت تعبيرات وتوصيفات لم نسمع بها من قبل على ألسنة العلماء، وإن لم تنسب مباشرة إلى مبادئ حقوق الإنسان، إلا أنها لا شك ناتجة ومتسربة عنها، فتسمع على ألسنتهم مصطلحات مثل: الحرية الشخصية، المواطنة، الإرث الحضاري العالمي، التراث الإنساني. ومن أمثلة ذلك ما ذكره الشيخ يوسف القرضاوي في لقاء جماهيري متلفز من أن مصطلح: (أهل الذمة) أصبح يثير كثيراً من اللغط والضيق، فلا بأس باستبداله بمصطلح: (المواطنة) ، واستشهد بأن عمر - ﵁ قد أسقط من قبلُ مصطلح الجزية! هكذا [١٢] . قسمة القرد: تقدم شرعة حقوق الإنسان منهجاً كاملاً لتوزيع تلك الحقوق وصيانتها بما يحسبونه عدلاً ومساواة، وهم لا يرضون في سبيل ذلك بتطبيق جزئي أو نسبي، بل يعتبرون أن الاعتراف ببعض الحقوق والإعراض عن أخرى «ينطوي على فوضى عقلية، قبل أن ينطوي على فوضى أخلاقية وعملية» [١٣] . وهم يدخلون في «صراع فكري صارم مع كل الأفكار الشمولية الدينية منها واللادينية، وتلك التي لا تخدم أصلاً حقوق الإنسان وحرياته أو تنتقص منها» [١٤] ، فهل من الممكن أن يصل هؤلاء الحقوقيون إلى ما يريدون؟ حقيقة لا نجد في تمثيل واقعنا وموقف الغرب منا ومن حقوقنا في ظل إعلانه العالمي أفضل من تلك القصة الرمزية التي تحكي عن قرد (الغرب) اختصم إليه فأران في قسمة قطعة من الجبن، فادَّعى مطلق العدل والمساواة في قسمتها، وكان ذلك بأنه ظل يأخذ من قسميها سعياً لتساويهما في الوزن، حتى انتهى الأمر بانتهاء الجبن، وضياع الحقوق!

стр. 3993

ملفات حقوق الإنسان بين الحق والباطل التفسير الغربي لحقوق الإنسان شرور المواءمة ومقتضيات المفاصلة محمود سلطان يثير طرح موضوع «حقوق الإنسان» بصيغته المعترف بها دولياً الآن على العالم الإسلامي حزمة من التحديات والإشكاليات التي تمسه مساً مباشراً في ثقافته وسمعته وسيادته، ولعل أبرز هذه الإشكاليات حضوراً، والتي من المفترض أن يدرجها العقل المسلم على رأس قائمة أولوياته هي إشكالية «المرجعية» : بمعنى أن السؤال عن المعايير والضوابط والأحكام التي تقرر ماهية «الحق الإنساني» من عدمه، يظل هو السؤال الذي من الواجب شرعاً أن تكون إجابته واضحة ومحددة سلفاً، قبل الانسياق وراء أية دعاوى عن حقوق الإنسان، تكون صادرة عن «اجتهاد بشري» ، علماني أو لا ديني، فالمرجعية في مثل هذا الموضوع، أو في غيرها بالنسبة للمسلم ليست ترفاً فكرياً أو سفسطة فلسفية، وإنما هي قضية تمس عقيدة التوحيد في جوهرها. وفيما يتعلق بالتفسير السائد الآن لـ «حقوق الإنسان» ، والمفروض علينا منذ نصف قرن تقريباً، فإن الموقف منه لا يحتمل التردد، وإنما يحتاج إلى ما يشبه «المفاصلة» معه، دونما اكتراث بعبارات التوبيخ التي عادة ما يطلقها العلمانيون لإرهاب خصومهم فكرياً وثقافياً: [وَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً] (الأحزاب: ٤٨) ؛ إذ إن المرجعية المعتمدة الآن عالمياً، في تأطير نمط «الحق الإنساني» المشروع، وتقرير ما هو دون ذلك، هي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته الأمم المتحدة منذ خمسين عاماً تقريباً. هذا «الإعلان المرجعية» ، هو في واقع الحال: وثيقة غربية متحيزة، استجابت فقط لرغبات وشهوات الإنسان الغربي، وتبنت تفسير الأخير لـ «حقوق الإنسان» الذي ينظر إلى الإنسان باعتباره مخلوقاً نفعياً، مبلغ همه في الدنيا تحقيق أقصى درجات «اللذة والاستمتاع» ! ! وهو منحى ينزل الإنسان منزلة تجعله أكثر قرباً من «الحيوانية» التي أدانها القرآن الكريم في قوله - تعالى -: [وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ] (محمد: ١٢) ، وفي الوقت نفسه فهي شديدة التناقض في كثير من جوانبها مع الرؤية الإسلامية التي تنظر إلى الإنسان بوصفه مخلوقاً صاحب رسالة، ومكلفاً بإعمار الأرض والدفاع عن الحق والفضيلة؛ فضلاً عن أنها تأسست على مبدأ «النسبية» الذي يرفض الاعتقاد بثبات القيم والأخلاق والعقائد الدينية؛ فما يراه الناس اليوم بأنه «غير أخلاقي» قد ينال غداً اعتراف الجماعة الغربية به على أنه «أخلاقي» ، وما كان بالأمس عملاً تدينه التقاليد والأعراف بل والقوانين السائدة قد يتحول بمضي الوقت في العالم الغربي إلى عمل مشروع، وقد يمسي حقاً من «حقوق الإنسان» التي يوفر لها الغرب المشروعية بل الحماية الدولية أيضاً؛ فعلى سبيل المثال كانت ممارسة الجنس قبل الزواج تواجه معارضة شديدة وقوية في الغرب حتى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كما كان هناك قوانين تحظر مثل هذه الممارسة مع غير الزوج؛ أما اليوم فقد أصبح الجنس قبل الزواج أمراً شائعاً بموافقة المجتمع والوالدين أيضاً. وفي هذا الإطار فإن أفعال الشذوذ الجنسي بين الذكور كانت تعتبر جريمة في بريطانيا العظمى حتى الستينيات، على الرغم من أن الشذوذ بين الإناث (السحاق) لم يكن ممنوعاً قانوناً. أما الآن فقد أصبحت مثل هذه الأفعال بين البالغين والتي تتم برضاهم، سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً قانونية في معظم دول الغرب؛ بل باتت غالبية العالم الغربي ترى أن القوانين الصادرة ضد الشذوذ الجنسي ما هي إلا انتهاك لـ «الحقوق الإنسانية» للشواذ من الرجال أو النساء!! بل إن الكنيسة في عدد من الدول الغربية أباحت «الزواج» المثلي بين الشواذ، وسنت القوانين والتشريعات التي تحفظ «الحقوق» المترتبة على عقد الزواج في النفقه والميراث وتبنِّي الأطفال وغير ذلك..! ! ومنذ ثلاثة عقود مضت اتخذ المجتمع الغربي موقفاً مشدداً إزاء عملية إنجاب أطفال من نطفة مجهولة النسب، واستند في ذلك إلى أن هذا المنحى يعد عملاً غير أخلاقي يخلِّف مشكلات اجتماعية ونفسية بالغة القسوة للأطفال الذين يجري إنجابهم على هذا النحو؛ أما الآن فقد بات من «الحقوق الإنسانية» - بل القانونية - للمرأة أن تلجأ إلى إحدى بنوك الحيوانات المنوية المنتشرة هذه الأيام في طول البلاد الغربية وعرضها، وتقوم بعملية تلقيح صناعي تنجب على إثره أطفالاً لا يعرف بالتحديد من هم آباؤهم، والتفسير الغربي لحقوق الإنسان الذي يتبناه الإعلان العالمي المشار إليه فيما تقدم تتسع مظلته لحضانة كل ما يفرزه تصور الإنسان الغربي بنسبية القيم العليا للمجتمع، من تحولات أخلاقية وما شابه؛ وهو على هذا النحو يتعارض تعارضاً جوهرياً مع ما يعتقده الإنسان المسلم بكمال مصدري التشريع الأساسيين وقداستهما: كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ . ومن هنا تتجلى لنا المخاطر والمحاذير من التعاطي مع المرجعية الغربية لحقوق الإنسان على النحو الذي: إما أن يرفعها إلى مرتبة التقديس (الرؤية العلمانية العربية التي تعتقد «كمال» الغرب و «عصمته» ، لتفوقه المادي والعسكري على العرب والمسلمين، وإما مواءمة المفاهيم الإسلامية في ذلك الشأن مع الطرح الغربي لحقوق الإنسان (الاتجاهات التوفيقية داخل التيار الإسلامي التي تجتهد في إطار المواءمة بين الوافد والموروث) . ولعل المنحى الأخير يعد أكثر الخيارين خطراً على نقاء وصفاء البنية العقدية والفكرية للإنسان المسلم. فالأول صادر عن التيار التغريبي الذي يستدعي مجرد ذكر اسمه معاني الشكوك والريبة في روع الإنسان المسلم بسبب الارتباط الروحي والنفسي والفكري لهذا التيار بالغرب؛ ولهذا السبب فهو أقل خطراً من الثاني الذي يتحدث باسم الإسلاميين، إن لم يكن باسم الإسلام؛ إذ لوحظ أن كثيراً من «الاجتهادات» التي تصدر بدعوى «تطوير الفقه» تارة وباسم «التنوير» تارة أخرى من داخل هذا التيار التوفيقي (أو التلفيقي) كما يطلق عليه منتقدوه قد دأبت على القيام بعمليات مواءمة بين مفاهيم إسلامية وبين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ما يعني أن تلك الاجتهادات تستبطن بلا وعي منها الطرح الغربي لحقوق الإنسان، وتعتقد اعتقاداً خفياً بثباته وعصمته، وهو منحى قد ورط أصحابه بالفعل في تقديم سلسلة من التنازلات على حساب دينهم ابتغاء مرضاة الغرب أو أذياله من العلمانيين أو اللادينيين في العالمين العربي والإسلامي، أو ابتغاء التجمل بمظاهر الحداثة والاستنارة، ولقد بلغ الأمر بأحدهم، أن زعم بأن شهادة الرجل لا تعدل شهادة امرأتين إلا في حال إثبات واقعة الزنى فحسب! وزعم أيضاً أنه ليس في كل حالات الميراث يكون «للذكر مثل حظ الأنثيين» ، وأنه - بحسب زعمه - في حالات أخرى يتساوى حظ الأنثى مع حظ الذكر. وأن الأولى قد تفوق حظ الأخير في حالات لم يسمها أيضاً..! ! ولبيان ما سوف تجلبه المواءمة على المسلمين من شرور، ومعصية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فلنتأمل هذين المثالين: الأول: تقر وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن من «الحق الإنساني» للمرأة أياً كان دينها أن تتزوج ممن تحب بغض النظر عن دين الزوج. ونظير ذلك فإن الإسلام يحرم على المرأة المسلمة الزواج من الرجل الكتابي (نصرانياً كان أو يهودياً) ، أو من غير المسلم بصفة عامة، ومن ثم فإن هذا التحريم يعتبره «الإعلان العالمي» والغرب من ورائه «تعدياً» على أحد الحقوق الإنسانية للمرأة المسلمة! ! المثال الثاني: في مسألة تزويج الإناث، فإن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يعتد بأية شروط في هذه المسألة، ويعطي للمرأة الحق في تزويج نفسها بنفسها دون اشتراط الولي لصحة عقد الزواج، ومن ثم وبغض النظر عن الخلاف الفقهي بين الجمهور والأحناف في هذه المسألة فإن قوله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي» ، وقوله: «أيما امرأة نكحت (أي تزوجت) بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» [١] . سيعتبر هذا الحديث الشريف - من وجهة نظر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان - إكراها وتعدياً على حرية المرأة، وعلى حق من حقوقها الإنسانية حال إقدامها على الزواج! ! ولعلنا نتساءل الآن: كيف يمكن المواءمة بين الرؤيتين (الغربية والإسلامية) في المثالين المشار إليهما قبل قليل؟ ! إن المواءمة هنا مسألة بالغة الصعوبة إن لم تكن مستحيلة، إنها تضعنا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التمسك بثوابتنا الدينية، وإما التخلي عنها نزولاً على ما يراه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ولذا فإن قولنا في مستهل هذه المقالة بأن هذه القضية تحتاج إلى ما يشبه المفاصلة لم يكن مشوباً - في اعتقادي - بالمبالغة أو بالشطط، وإنما كان من أجل ضبط موقفنا من المرجعية الغربية في ذلك الشأن؛ فمن الثابت بالنسبة لنا نحن المسلمين أن المرجعية العليا والمهيمنة على ما عداها من المرجعيات، ولها سلطة الأمر والنهي، ولا نعصي لها أمراً، ولا نقبل بأي حال من الأحوال أن تكون موضوعاً للمواءمة أو التسوية السياسية أو الفكرية مع الغرب هي كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فإذا قالت الآية: [لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ] (النساء: ١١) فلا خيار لنا إلا أن نقول: سمعنا وأطعنا امتثالاً لقوله تعالى: [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً] (الأحزاب: ٣٦) .

стр. 3994

نص شعري الفجر الصادق أحمد عبد الله محمد العاطفي ليلٌ يمد رواقه ويهمهمُ ... والفجرُ يخنقه الظلامُ الأَسْحَمُ ليل طويل كم تُعَذّبُ أمتي ... بالقيد أُثقِلَ جيدُها والمِعْصَمُ! ليل طويل كيف يسفر فجرنا ... وزمامنا بيَد العميل مُسَلَّمُ؟ ! فإلى متى يا أمتي وحديثنا ... ألَمٌ وأنكاد وهمٌّ أبكمُ سيف الأعادي سُلَّ فوق رقابنا ... وسيوفنا يا أمتي تتثلَّمُ يا أمتي هذي الدموع هواتن ... فمتى وربك يستفيق النُوَّمُ؟ بالأمس كوسوفا الحزينة تشتكي ... ظلماً يباركهُ الدعيُّ المجرمُ واليوم داغتسان ينبض جرحُها ... ألماً ونحن على الأرائك ننعم! ! شتان من يبكي ويخضبُ عَنبراً ... والآخر الباكي يُخَضِّبُهُ الدَّمُ * * * كانت سيوف الحق تَقْرَعُ والقنا ... ما بالُها في الساح لا تتقدمُ كانت صواعقَ مرسلاتٍ في العِدى ... فتحيلُ ليلَ الظلم فجراً يَبْسمُ كانت تكلَّمُ حين تَحْمَرُّ القنا ... ما بالُهَا سكتت فليس تكلَّمُ كانت معالمنَا معالِمَ عِزَّةٍ ... لكنها اندرستْ وضاعَ المعْلَمُ هذي مآتمنا وقصةُ أُمةٍ ... ضلت، وليلٌ عابسٌ متجهِّمُ هي قصة مكتوبة ومدادها ... دمع الفؤاد وسفرها لا يختمُ هي قصة ممزوجة بمشاعري ... أحكي بها ألَم الفؤاد وأنظمُ هي قصة لغة الظلام حديثها ... وقصيدةٌ مجروحةٌ تتألمُ

стр. 3995

البيان الأدبي صرخة مسلمة دعوا في هدأة عرضي سالم الرزيق خذوا مالي خذوا كنزي خذوا الأرض التي من إرث أجدادي * * * خذوا الملبوس من جلدي خذوا زادي خذوا القرطاس مكتوباً بأحرف نوره أمجاد أمجادي * * * خذوا الدرهم خذوا الدينار خذوا المقطور والقنطار خذوا التفاح والرمان خذوا الكادي مع الريحان * * * خذوا - إن شئتمُ - الألوان من ثوبي خذوا الأنهار تسقي في الحمى دربي خذوا الأزهار تذكي في السهى حبي خذوا الأطيار تحكي في السما خطبي خذوا الأنوار تهدي في السرى قلبي * * * أخا الطغيان ما في القلب من رحمة أما لك في الورى أهلٌ ولا بنت ولا أخت ولا أمة أما لك يا سليب العار من حرمةْ؟ * * * أخا الطغيان إن لي أهلاً ولي ولدا ولي زوجاً وراء سلاحكم فُقِدَا ولي إخوة وراء البحر تحمي وحدة الأمة ولي ثروة أما تخشى جحافلهم وصولتهم وجولتهم فتغدو هاهنا خاسر وما لك في الورى ناصر ويمسي السحر في الساحر * * * خذوا مالي خذوا كنزي خذوا الأرض التي من إرث أجدادي خذوا ما شئتمُ ما شئتمُ ودعوا في هدأة عرضي

стр. 3996

نص شعري خففي اللوم عبد الرحمن بن معيض عبد الله الغامدي مليحة زيّن الرحمنُ صورتها ... جاءتْ إليّ تبث الهمّ والكدرا دنتْ وقالتْ بصوت هدّه نَصَبٌ: ... يا شاعري ما أطقتُ البعدَ والسفرا غريبةٌ في بلادِ الله راحلةٌ ... زادي جراحٌ ومجدٌ كان مفتخرا أُحدِّثُ الناس عن مجدٍ يسير معي ... عن الرَّسولِ وعن بدرٍ وعن عُمَرا أُحدِّثُ الناسَ والآذانُ مُطْرِقةٌ ... لعازفٍ يُرقِص الأجسامَ والوترا يا شاعري قومُنا في حالهم عَجَبٌ ... من حالنا يا أَنِيسي تُبصرُ العِبَرا دماؤنا دونَ كلِّ الناس مُهْدرةٌ ... وبؤسنا يا صديقي يُنْطِقُ الحجرا شبابُنا من بلاد العُجْم قدوتُهم ... فلستَ تسمع قولاً أو ترى أثرا فكيف نضحك والأعماقُ مُجْدِبةٌ؟ ... ماذا نقول بيوم يجمع البشرا؟ يا شاعري يكتب التاريخُ مَهْزَلةً ... فالذئبُ يحكمُ غابَ الليثُ أو حضرا اليوم نُسبى فقل لي أين معتصمٌ؟ ... إني أُسائل عنه الشمس والقمرا من أنت؟ سائلتها، قُولي؛ فبي وَلَهٌ ... ما بال قلبك بالأحزان قد عُصِرا؟ ماذا دهى السُّهْدَ في عينيك مضطجعاً؟ ... لِمَ التشاؤم يغزو الحال والخبرا؟ أما قرأت أحاديثاً لنا حُفظت ... عن سيد الخلق من صلّى ومن شكرا من يبتغ العزَّ، والإسلامُ منهجُه ... فسوف يحظى بعزٍ يحصُد الدُرَرا فخففي اللَّوْمَ يا حسناءُ واصطبري ... «لن نبلُغ المجدَ حتى نَلْعَقَ الصَبِرا» غداً ستشرق شمسُ الأمس زاهيةً ... ستُنِبتُ الأرضُ يغدو الذلُّ محتضرا غداً سيظهرُ جيلٌ دينهم عملٌ ... فعالهم يا سميري تَعْقُب النُذُرا غداً نَرَدِّدُ في الآفاق في دعةٍ ... الله أكبرُ؛ طال الدهرُ أم قصُرا!

стр. 3997

المسلمون والعالم الولايات المتحدة تخطط للقضاء على الانتفاضة أنت السيف والحكم ! ! عبد الملك محمود مقدمة: بينما كان المصورون يلتقطون الصور التذكارية للدبلوماسيين في قاعة المؤتمرات في (واي بلانتيشن) قبل انطلاق مباحثات السلام بين الفلسطينيين واليهود منذ ثلاثة أعوام تقريباً، كان مدير المخابرات الأمريكية اليهودي (جورج تينيت) ومدير مكتب الوكالة في تل أبيب بعيدين عن الأنظار في الطابق العلوي في انتظار خروج المصورين والصحافيين للانضمام إلى المباحثات دون لفت الانتباه [١] . لا يبدو الأمر غريباً؛ فهذا هو الدور المعتاد للمخابرات ذات الطابع السري. والمخابرات الأمريكية - كما هو معروف - منذ نشأتها عام ١٩٤٧م ارتبط نشاطها بالمؤامرات والدسائس، وولغت في الحروب عالمياً خاصة تجاه شعوب العالم الثالث - وعامة بلاد المسلمين منها - وحركات التحرر الوطني التي لا تخضع للإرادة الأمريكية. وقد كانت مؤامرات المخابرات الأمريكية وحروبها تتسم بالسرية أو تجري وراء الكواليس. غير أن ما حدث مؤخراً من ظهور علني في قضية الصراع مع اليهود يعتبر شيئاً جديداً؛ فما الذي تغير فدعا الإدارة الأمريكية إلى أن تخرج عن طورها وتزج بمدير مخابراتها بصورة علنية مكشوفة، وتتدخل بقوة في قضية أمن اليهود ودولتهم المسخ بخطة تحمل اسمه ويشرف هو عليها شخصياً بل ويتابعها في المنطقة؟ الواقع أن دور المخابرات الأمريكية في هذا الصراع لم يكن غائباً؛ فقد ظهر بوضوح مع الانتفاضة الأولى قبل سنوات، ومع وصول عرفات وقيادته إلى الأراضي الفلسطينية والإدارة الأمريكية حاضرة وحريصة على إنجاح مساعي تأمين سلامة اليهود، فأنشأت في قطاع غزة مكتباً للمخابرات الأمريكية للمتابعة ووضع الخطوط الحمراء والخضراء ورصد وتجميع التقارير التجسسية عن الشخصيات المؤثرة والفاعلة في المجتمع، والقيام بمهمة التنسيق بين السلطات اليهودية والفلسطينية فيما يتعلق بالخطط الأمنية. لسنا بحاجة إلى كشف حجم وطبيعة العلاقة بين الكيان اليهودي والحكومة الأمريكية؛ فكل المؤشرات العلنية والسرية تؤكد أن المشاريع الأمريكية الحالية في المنطقة هي حماية الشعب اليهودي ودولة اليهود.. سواء ظهر ذلك على صيغة اتفاقات دولية كشرم الشيخ، أو جاء على هيئة تعليمات أو اتصالات أمنية، أو حمل أي مسمى آخر. ولكن لعل من المناسب الإشارة إلى الأهداف القريبة للاتصالات والمشاريع الجديدة. التحركات الأمريكية الجديدة وأهدافها: مضى الآن عشرة أشهر على هذه الانتفاضة المباركة وهي لا تزداد إلا إصراراً، ولا شك أنها كما هو الحال في الانتفاضة السابقة قد أفرزت واقعاً ضخماً في التأثير على العدو بصورة بالغة دعته إلى الاستنجاد وطلب العون من حلفائه وأوليائه في الغرب - خصوصا الأمريكان - حيث لم يستطع الجيش اليهودي إيقافها، وكذلك الأمر بالنسبة للسلطة؛ حيث صدرت الأوامر أكثر من مرة بضرورة وقف (أعمال العنف!) . وقد استشاط السفاح (آرييل شارون) غضباً من عدم قدرة عرفات على ذلك، وصرح أكثر من مرة بأن عرفات قاتل ومجرم وخائن لعملية السلام. كما انتهت مدة الـ ١٠٠ يوم التي وعد المجرم (شارون) بها لإنهاء الانتفاضة حيث مارس خلالها أشنع الجرائم.. واستعمل فيها كل أنواع الأسلحة حتى طائرات F١٦.. ولم يتبق من الأسلحة التي لم تستعمل سوى الأسلحة النووية فقط. ظهرت أفكار عجيبة للقضاء على الانتفاضة - أو في أقل الأحوال - الحد من آثارها على الكيان الصهيوني كعمل جدار إلكتروني فاصل بين المستوطنات ومناطق الفلسطينيين، وفكرة تقسيم المناطق إلى ٤ كانتونات، والتفاوض مع كل منها على حدة.. فضلاً عن عمليات القتل والإصابات بالمدافع والدبابات بل والقصف بالطائرات. وكما نتج بعد الانتفاضة الأولى من مؤتمرات واتفاقات (مدريد) و (أوسلو) و (شرم الشيخ) واستقدام منظمة التحرير من تونس لإخضاع المجاهدين أو اعتقالهم، كذلك اضطرت هذه الانتفاضة الثانية المباركة إن شاء الله اليهود وحلفاءهم إلى الضغط لاعتقال المجاهدين ومحاولة القضاء على الانتفاضة. وها هي الولايات المتحدة تكشر عن أنيابها، ويظهر مدير مخابراتها (ذو الأصول اليهودية البلقانية) [٢] والمتخصص في موضوعات من نوع حماس والجهاد الإسلامي، على هذا المستوى من العلنية فيما يعطي دلائل واضحة على خطورة الأوضاع مما لم تحسب لها حسابات في الخطط السابقة خصوصاً بعد عجز السفاح شارون عن تطبيق وعوده في أمن المستوطنين بل وأمن اليهود داخل الخط الأخضر، وبعد تصاعد العمليات والنقلة النوعية فيها، فبدأت خيوط مؤامرة جديدة تحاك لإجهاض الانتفاضة والقضاء على النشاط الإسلامي برمته، وقد صرح (تينيت) بذلك بصفاقة. وخطة (تينيت) ليست أولى الخطط في جعبة الإدارة الأمريكية وربما لا تكون آخرها؛ خصوصاً ونحن نراها تترنح حالياً تحت وطأة العنف والاعتداء الصهيوني، وقد ذكرنا في مقال سابق [٣] خطة (كلينتون) في آخر أيامه في البيت الأبيض، والجهود التي بذلت فيها الإدارة الأمريكية السابقة عصارة خبراتها، وركزت كامل جهودها. وها نحن نشاهد في عهد بوش الثاني زيادة التمادي في الظلم، فتتوقف الإدارة عن الخوض أو التدخل، وترفض استقبال عرفات للضغط عليه حتى يساهم في قمع الانتفاضة بصورة كبيرة ويقوم باعتقال الإسلاميين ومن يساهم في تحريك الانتفاضة، ولإعطاء الفرصة لـ (شارون) ليقوم بما بدا له. وتكثف الولايات المتحدة حجم تحركاتها، وترسل عدة مبعوثين من أبرزهم وزير الخارجية (كولن باول) أكثر من مرة، وفي هذا السياق جاءت مبادرة مدير المخابرات الذي وصل إلى المنطقة في ٦/٦/٢٠٠١م (بعد ذكرى هزيمة حزيران ١٩٦٧م بيوم واحد) . من جهة أخرى فبعد شهور طويلة من اللف والدوران تمخض المسعى الأمريكي تحت الضغط في تقرير لجنة السناتور (ميتشل) «لتقصي الحقائق» وبعد شهور عجاف من تضييع الوقت جاء التقرير المشوه المجحف، وأمام الظلم الفادح الواضح فإنه أظهر في ثناياه بعض الحقيقة وألقى باللوم على اليهود، وهذا ما دفعهم إلى رفض التقرير. مع تصاعد وتيرة الانتفاضة والنقلة النوعية فيها كاستعمال مدافع الهاون، وكثرة العمليات البطولية مثل عملية مرقص تل أبيب التي نفذتها كتائب القسام حيث أسفرت عن مقتل ٢١ شخصاً وإصابة أكثر من ١٢٠ حسب المصادر اليهودية، ومع دور بعض كوادر فتح فضلاً عن دور حماس والجهاد الإسلامي ... سقطت أسطورة النظرية الأمنية لدولة إسرائيل، وصار كثير من المستوطنين يتدهور نفسياً وأمنياً [٤] .. بل إن بعضاً ممن تملكهم الرعب أصبح يفكر في الهجرة خارج فلسطين، والصحف الإسرائيلية التي صدرت عقب الانفجار الأخير تحدثت عن نزوح عدد من قطعان المستوطنين إلى البلاد التي قدموا منها، والقصص حول آثار الانتفاضة عموماً على الشخصية اليهودية كثيرة وليس هذا مكان الحديث عنها [٥] ، هذا فضلاً عن الآثار الاقتصادية الضخمة التي أظهرتها التقارير عن أثر الانتفاضة. في هذه الأجواء جاءت التحركات الأمريكية الأخيرة التي تسارع كالعادة في إنقاذ الحليف اليهودي، مما يذكرنا بالجسر الجوي الأمريكي لإسرائيل في حرب رمضان عام ١٣٩٣هـ (أكتوبر ١٩٧٣م) لإنقاذ دولة اليهود. يرمي المشروع الأمريكي الجديد إلى أهداف صغيرة داخل الهدف الأساسي، مثل: ١ - إيقاف الانتفاضة والعمليات النوعية التي أحدثت تغييرات ضخمة في الشارع الفلسطيني والإسلامي عموماً. ٢ - جمع الأسلحة خصوصاً أسلحة الهاون التي برزت مؤخراً، وقد جن جنون اليهود عند ظهورها وبعض مسؤوليهم صرح تصريحات هستيرية بسببها. ٣ - إشعال فتيل الحرب بين الفلسطينيين بالتحريض على اعتقال المجاهدين، خصوصاً بعدما تبين أن جزءاً من كوادر فتح متعاطفون مع الإسلاميين أو أنهم سئموا من سياسات عرفات الخيانية. وخطة المخابرات الأمريكية وضعت لتحقيق هذه الأهداف وهي لا تعدو أن تكون صورة من مطالب شارون الثلاثة التي من بينها اعتقال النشطين الذين أفرجت عنهم السلطة. وفي تقريره الذي قدمه مدير المخابرات الأمريكية إلى مجلس النواب الأمريكي قبل بضعة اشهر حذر «تينيت» من مخاطر الانتفاضة وآثارها حتى على الشارع العربي عموماً [٦] ، وبالطبع فإنه وضع خططاً للقضاء على الانتفاضة منذ فترة طويلة؛ فهي ليست خطة جديدة إلا في توقيت تطبيقها فقط. الشرق الأوسط يعج بالوفود: نود الإشارة أولاً إلى الجو المحموم الذي اكتنف المنطقة؛ حيث أصبحت تعج بالوفود والمراسلين من شتى بقاع العالم؛ فعلى صعيد المساعي الغربية مثلاً رأينا وفوداً كثيرة جابت المنطقة. وطوال أشهر الانتفاضة لم تحرك عمليات القتل والقصف والهدم والإصابات اليومية كوامن الإنسانية الغربية، ولكنها تستيقظ عند قتل أي يهودي.. فتتحرك الإنسانية الحانية و.. بعد عملية تل أبيب تحرك الغرب كله، فازدحمت المنطقة بالوفود والمبعوثين من أمريكا وأوروبا.. خافير سولانا المتعصب، وموراتينوس، وبيرسون.. ودبلوماسيين من روسيا، ثم مبعوث جديد هو أندريه فدوفين.. حتى ألمانيا الباردة عادةً تحركت فأرسلت وزير خارجيتها يوشكا فيشر ثم مدد زيارته إلى المنطقة [٧] .. وفود أمريكية كثيرة ترسل فيها أمريكا أكبر شخصياتها: مثل وزير خارجية أمريكا كولن باول والمبعوث الخاص وليام بينز، وأخيراً مدير المخابرات CIA، ولم تكتف الإدارة الأمريكية بذلك فقررت أيضاً إدخال رئيس أعلى منظمة دولية في العالم كوفي عنان الذي يسير حسب المطلوب. فلماذا جاء هؤلاء يتوسطون؟ أمن أجل دمائنا وأطفالنا؟ هل آلمهم قتل العجائز والأطفال؟ أم حركتهم صور محمد الدرة وإيمان حجو والعشرات من الأطفال؟ أم أحزنتهم صور الشيوخ والعجائز الجالسين على ركام بيوتهم المهدمة بفعل الجرافات الإسرائيلية؟ الحقيقة التي يعرفها كل الناس أنه لم يحركهم لا هذا ولا ذاك. لا بد من وقفة هنا: ما هو الأمر الذي دعا الإدارة الأمريكية إلى التدخل بهذه الصورة الصارخة، بحيث يقوم مدير مخابراتها الذي يفترض في طبيعة عمله السرية التامة والمحكمة إلى الظهور هكذا والتدخل في الترتيبات الأمنية لليهود؟ نعود الى موضوعنا لنتابع بعض تحركات الإدارة الأمريكية التي تتحرك كلها برئيسها ووزرائها ومندوبيها وسفرائها في المنطقة، ونعطي صورة عن مدى التحالف اليهودي الأمريكي. خطة (تينيت) بوصفها نموذجاً عملياً: هُرِعَ مدير المخابرات الأمريكية إلى المنطقة راكباً حمار بطرس الناسك، ومكث فيها أسبوعاً كاملاً، فالتقى المسؤولين الأردنيين أولاً، ثم توجه إلى الأراضي الفلسطينية وعقد لقاءات مع المسؤولين اليهود؛ حيث تم تدارس الخطة، ثم التقى القيادة الفلسطينية في رام الله، ثم توجه بعد ذلك إلى القاهرة حيث التقى الرئيس المصري وأبلغه بها أيضاً [٨] . الجدير بالذكر أنه لم يصرح أي مسؤول مصري أو أردني أو غيرهم بالاعتراض على الخطة، بل على العكس فإن الأخبار تؤكد أنه كان هناك اتفاق على الضغط على الفلسطينيين لقبولها وإلقاء القبض على مقاتلي حماس والجهاد ومن يسمونهم بالإرهابيين، وقد حمل (تينيت) في جعبته قائمة بأسماء اكثر من ٣٠٠ شخص من المطلوب القبض عليهم [٩] ممن لهم علاقة بالتخطيط لعمليات استشهادية أو بعض الأسماء البارزة في الجناح العسكري لحماس مثل محمد ضيف قائد الجناح العسكري في غزة ومحمود أبو الهنود القائد في الضفة [١٠] . وقد أشارت بعض الصحف إلى التقارير الدالة على أن ضغوطاً عربية مورست على الفلسطينيين لقبول الخطة كما ذكرت ذلك صحيفة جيروزاليم بوس [١١] واتفقت معها صحيفة الحياة (بنفس التاريخ) على المضمون ذاته. وقد سبق ذلك ضغوط مماثلة لقبول تقرير (ميتشل) [١٢] ، وهو أسلوب متبع طوال الأعوام السابقة.. ضغوط هائلة لقبول كل تنازل جديد. ولا يعني هذا بالطبع تبرئة عرفات ورجاله مطلقاً، وهذا له حديث آخر طويل؛ فالقيادة الفلسطينية مثلاً ساهمت بشكل مباشر في رسم الإطار السياسي لمسيرة الأحداث، والمنظمة ليس لديها خطط واضحة، بل تصريحات فضفاضة بدون معالم، كما أن سوابق المنظمة في اعتقال الإسلاميين والتعاون الأمني مع إسرائيل لا تخالف هذا النهج. قراءة لبنود الخطة (المكيال الأمريكي) : النقاط الأساسية لخطة وقف إطلاق النار التي توصل إليها الفلسطينيون والإسرائيليون مع رئيس وكالة المخابرات الأمريكية، يبدو أن الصحافة الإسرائيلية هي أول من نشرها، ثم نقلتها عنها الوكالات والصحف، وقد نشرت تفصيلاتها البي بي سي [١٣] وصحيفة الحياة وغيرها. ولا يتسع المقام هنا لذكر تفاصيل الخطة، ولكن هذه بعض البنود باختصار: - التزام الطرفين بوقف لإطلاق النار وجميع أعمال العنف [الذي يدافع عن نفسه أمام الدبابة والبندقية ماذا يسمى عمله؟ عنف أم دفاع عن النفس؟ قتل خلال الانتفاضة نحو ٦٠٠ شخص، كم جندي إسرائيلي تم القبض عليه؟ أم أن كل القتلى كانوا يرتكبون اعمال عنف؟] . - يستأنف الفلسطينيون والإسرائيليون على الفور (! !) التعاون الأمني، مع مسؤولين أمنيين أمريكيين، يليه عقد اجتماع كل أسبوع (! !) . [لاحظ صيغة الفورية، والعجلة، والحرص الأمريكي على الحضور حتى في التفاصيل للاطمئنان] . - يعمل الجانبان على منع الأفراد والجماعات من شن هجمات من مناطقهم أو الهرب إليها بعد تنفيذ أي أعمال عنف [المقصود بالطبع الفلسطينيين، وإلا فإن اليهود يأتون على هيئة جنود] . يمد كل طرف الطرف الآخر والمسؤولين الأمريكيين بأي معلومات (! !) عن وجود تهديدات بشن هجمات إرهابية، وأن يجري التعامل فوراً معها، وتبلغ لجنة التعاون الأمني بجهود إجهاض تلك التهديدات ونتائجها [الأمريكان حاضرون هنا أيضا للاطمئنان، ولا تكتفي الخطة بتزويد المعلومات بل الإبلاغ أيضاً عن جهود إجهاض المحاولات الإرهابية ونتائجه أيضاً] . - يحدد الطرفان قائمة بمناطق وقوع المصادمات، وتطبق آلية لجعلها مناطق عازلة يحظر فيها قيام المظاهرات (! !) . إعادة تفعيل دور مكاتب الارتباط المحلية، والوصول إلى مستوى التعاون الذي كان قائماً قبل الانتفاضة، وتزال جميع معوقات التنسيق بين الجانبين، بما في ذلك الحواجز، ويبدأ تسيير الدوريات المشتركة [مطلوب من الفلسطينيين أن يكونوا حراساً مشاركين في أمن إسرائيل وسجانين لشعبهم] . - توضع إجراءات محددة لضمان أمن وسلامة المسؤولين الأمنيين عند انتقالهم إلى المناطق غير الخاضعة لسيطرتهم، على أن تزود الولايات المتحدة الجانبين بدوائر تلفزيونية مغلقة لتيسير الاتصال [من صور الكرم الأمريكي] . - في غضون أسبوع واحد (! !) من استئناف التعاون يتفق الطرفان على جدول زمني لعودة القوات الإسرائيلية إلى مواقعها قبل اندلاع الانتفاضة [هذا هو أهم الإنجازات التي سيحصل عليها الفلسطينيون] ويتفق الطرفان على جدول زمني لرفع الحصار عن المناطق الفلسطينية وفتح الطرق الداخلية وجسر اللَّنبي ومطار وميناء غزة والمعابر الحدودية، وتقليص عدد نقاط التفتيش المقامة على الطرق. - وبعد مضي ٤٨ ساعة (! !) من الأسبوع الأول ينبغي البدء في تنفيذ إجراءات عملية، ويتواصل التنفيذ أثناء فترة التفاوض حول الجدول الزمني. - على الجانب الفلسطيني أن يعتقل فوراً (! !) منفذي العمليات الإرهابية في الضفة الغربية وقطاع غزة [قرار لا يحتمل التأخير] . - يقدم المسؤولون الفلسطينيون قائمة بأسماء هؤلاء المعتقلين وبالإجراءات المتخذة ضدهم [! !] . - يتعين على أجهزة الأمن الفلسطينية مصادرة مدافع الهاون وكافة الأسلحة غير القانونية، ومنع أنشطة تهريب الأسلحة [يبدو أن المخطط نسي منع سكاكين المطبخ، حيث إن المطلوب أن يكون الضحية مجرداً من أية وسيلة للدفاع عن نفسه أمام الدبابات والمدافع الإسرائيلية] . - يجب (! !) على السلطة الوطنية الفلسطينية أن تدعو المسؤولين الأمنيين للتوقف عن تحريض الفلسطينيين أو تمكينهم من تنفيذ هجمات ضد الأراضي الإسرائيلية أو المستوطنات [لاحظ صيغة الأمر: يجب] . - على القوات الإسرائيلية أن تكف عن مهاجمة قوات السلطة الوطنية الفلسطينية ومنشآتها المدنية ومراكز قيادتها، وأن تتوقف عن شن عمليات عسكرية ضد المدنيين الأبرياء [يلاحظ أن التركيز فقط على الحفاظ على السلطة ومنشآتها] . - على القوات الإسرائيلية أن تستخدم أسلحة غير قاتلة في تفريق المظاهرات [لكم أن تفسروا هذا البند بما تعرفونه، يعني ما هو حكم استخدام طائرات إف ١٦ مثلاً؟ أو الرصاص الذي يتفجر داخل الجسم؟ أو أن لا يموت الشخص على الفور وإنما يتوفى في المستشفى بعد يومين؟ هناك تشكيلة واسعة من الأسلحة يمكن استخدامها حتى لا تسمى الأسلحة بأنها قاتلة، يكفي أن تؤدي الإصابة إلى عاهات مستديمة كالشلل مثلاً أو كسور أو عمى] . - يجب على السلطات الإسرائيلية أن تتخذ إجراءات ضد المواطنين الإسرائيليين الذين يشنون هجمات انتقامية على الفلسطينيين، أو يحرضون على إيذائهم. - على السلطات الإسرائيلية أن تحقق (! !) في حوادث قتل الفلسطينيين الذين لم يتورطوا في أعمال إرهابية أو مواجهات مع الجيش الإسرائيلي. [ولِمَ هذه التكاليف الباهظة؟] . - ينبغي أن تطلق إسرائيل سراح السجناء الفلسطينيين غير المتورطين في أعمال إرهابية [ما حكم الأشخاص الذين اعتقلوا بسبب إلقائهم الحجارة على الجنود الإسرائيليين] . من مجمل البنود.. لعل القارئ الكريم لاحظ حجم ما هو مطلوب من الجانب الفلسطيني.. ومدى إجحافها بل إجرامها.. كما يلاحظ صيغ الأمر الفوري الذي لا يحتمل التأجيل.. مثل صيغ: فوراً.. فوراً.. و٤٨ ساعة.. والأسبوع الأول.. وتحت ذريعة «وقف التحريض» فإن على السلطة اتخاذ كل الإجراءات للقضاء على الانتفاضة، فهي إذن ما يطلبه شارون. وأترك للقارئ قراءة ما وراء السطور، والتأمل مرة أخرى في الخطة وأهدافها. وكما أشرنا سابقاً فقد وافق عرفات بصورة تدعو إلى الاشمئزاز على بنود الخطة التي ذكرت بعض الأنباء أن فيها بنوداً سرية لم تكشف أيضاً، ولم يبد إلا اعتراضات بسيطة مثل النص الذي يدعو إلى إقامة مناطق عازلة بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧م. واعتراض آخر حول النص الذي أشار إلى أن السلطة الوطنية ستلقي القبض على من يشتبه في أنهم شاركوا في هجمات وقعت في السابق [١٤] ؛ لأن هذا في الواقع سيسبب له إحراجاً بالغاً في هذه المرحلة. وربما أبدت القيادة الفلسطينية ملاحظات على استمرار خطة شارون في بناء المستوطنات، ولكن السلطة عودتنا منذ بداية الانتفاضة على أن أكبر مطالبها أشياء أخرى مثل موضوع الأموال التي تحتجزها إسرائيل من مستحقات السلطة. ودعت قيادة السلطة عناصر فتح وغيرهم إلى الالتزام بخطة المخابرات الأمريكية لوقف إطلاق النار وعدم القيام بأية إجراءات تحدث خللاً في الوضع العام. وذكر بيان اللجنة المركزية لفتح بعد اجتماع طارئ في رام الله مساء ١٥/٦/ ٢٠٠١م في إطار تسويقه لخطة المخابرات الأمريكية: بأن التفاهمات التي توصل إليها جورج (تينيت) في المجال الأمني خطوة مهمة وأولية لتنفيذ تقرير (ميتشل) وتفاهمات قمة شرم الشيخ، ويتوجب الالتزام بما ورد فيها وتطبيقه بكل مسؤولية. ولم ينس البيان وضع كليشة المنظمة المعروفة: دعوة أمريكا وروسيا والاتحاد الأوروبي ودول عدم الانحياز وكافة الدول والأطراف المحبة للسلام في العالم للضغط على إسرائيل للعودة إلى طاولة المفاوضات. كما رحبت اللجنة المركزية ببيان القمة الأوروبية الأمريكية الذي صدر في نفس اليوم. وفي اليوم نفسه شهدت كافة المدن بعد صلاة الجمعة ١٥/٦/٢٠٠١م مسيرات حاشدة بدعوة من لجنة التنسيق الوطنية والإسلامية (تمثل ١٣ تنظيماً) للتعبير عن رفض الخطة. ولو أن عرفات أجرى استفتاء حقيقياً لوجد أن غالبية الشعب ترفض الخطة وتشعر بالمرارة لما يحاك من مؤامرات لإجهاض الانتفاضة. ويتساءل المرء بدهشة عن هذا الخنوع والتنازل السريع ونسيان الجرائم اليهودية البشعة طوال الفترة الماضية وعن دماء الشهداء وإصابات آلاف الجرحى.. هل تمحى هكذا بدون ثمن؟ تستطيع المنظمة أن تكون في موقف أقوى من هذا بكثير. من ناحية أخرى فقد كانت حماس وفتح قد أعلنتا قبل ذلك عن وقف مشروط لإطلاق النار بحيث تقبل إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام ١٩٦٧ م. وذكر أحد قياديي حماس إسماعيل أبو شنب للبي بي سي أن القرار يهدف إلى حمل الشارع الإسرائيلي على دعوة حكومته لوقف العمليات ضد الفلسطينيين والانسحاب من الأراضي الفلسطينية [١٥] . الصف الفلسطيني: لسنا من أنصار ما يسمى بالوحدة الوطنية، أو التحالف مع العلمانيين.. ولكننا نقدر اجتهادات إخواننا في حماس تجاه المواجهة مع السلطة وعدم فتح جبهات جديدة ضدهم. ومن هذه الرؤية فإننا نعتقد بأن الخطة اليهودية الأمريكية حريصة على وجود شرخ بين الفلسطينيين وهو مسعى إسرائيلي قديم، وقد كتب أحد المسؤولين اليهود يقول: سترون خلال أيام أننا نجحنا في إشعال حرب أهلية بين الفلسطينيين. والتاريخ الطويل لليهود يثبت أنهم يتقنون هذه الصناعة الحقيرة من زرع العداوات والأحقاد في الأمم. وقد ذكر د. عبد العزيز الرنتيسي: أن مدير الـ CIA سوف يخفق في إجهاض الانتفاضة، وأن جورج (تينيت) يحاول تحويل الصراع إلى صراع فلسطيني فلسطيني من خلال تحريض السلطة الفلسطينية ضد شعبها، معتبراً أنه سوف لن ينجح في ذلك؛ لأن السلطة لن تخضع لضغوطه [١٦] . هذا التماسك الفلسطيني أغاظ شارون وبيريز واليهود وحلفاءهم، ومطلوب فلسطينياً من الوطنيين الذين لا يسيرون في ركاب عرفات (وهم في تزايد) تفويت الفرصة، ومراجعة أنفسهم ومعرفة واجبهم تجاه دينهم؛ فالإسلام ليس وقفاً على جماعة أو حزب، بل هو همُّ كل مسلم؛ فهي فرصة لمراجعة النفس وتحديد المسار الذي يرضي الله سبحانه. لا نعتقد أن اليهود والسفاح شارون سيلتزمون باتفاقات وعهود، بل سرعان ما سينقضون الاتفاقات، وقد سبقها الكثير، ولن يلتزموا منها إلا بمقدار ما تحقق مصالحهم، وسيلجؤون إلى أساليبهم في الاحتيال والغدر ونقض العهود.. إنها أبرز خصائصهم التي اخبرنا عنها ربنا . وقد أوضح وزير الحكم المحلي صائب عريقات أن تحريك الدبابات الإسرائيلية تم فقط أمام كاميرات التلفزيون، لكن لم يتغير شيء على الأرض.. وأشار في١٧/٦/٢٠٠١م إلى عدم التزام إسرائيل بالاتفاق، وان الوضع كما كان عليه قبل ١٠ أيام. كما قامت الجرافات الإسرائيلية بتدمير بعض المباني في غزة قرب الحدود المصرية مع وصول (تينيت) [١٧] . والاتفاق لا يُعنى بالحلول وإنما يهتم فقط بآلية حماية اليهود وعدم تعرضهم للأذى، ولا تتحدث الخطة عن أي شيء آخر: لا القدس ولا اللاجئين ولا المعتقلين ولا وقف بناء المستوطنات ولا قضية المياه ولا ... لا شيء مطلقاً؛ فهي خطة أمنية ولا شيء غير ذلك كتطبيق للبند الأول في تقرير ميتشل لتهدئة الأمور والتمهيد للعودة إلى طبخة الحصى القديمة (طاولة المفاوضات) .. وفقاً لصيغة التنازلات الجديدة في تقرير لجنة السناتور الأمريكي ميتشل بعد ٦ أسابيع من بدء تطبيق خطة (تينيت) . كانت مطالب السلطة أن يكون هناك تدخل دولي، فاستعملت أمريكا حق النقض (الفيتو) ، ثم رتبت مؤتمر قمة شرم الشيخ بالتواطؤ مع إسرائيل والاتحاد الأوروبي وأطراف أخرى لإنهاء الانتفاضة، وضغط على عرفات جماعياً، وعند نهاية الاجتماع كان سقف المطلب المطروح فلسطينياً قد هبط من مستوى «قوة مراقبة دولية» الى مستوى «لجنة دولية للتحقيق» ليستقر أخيراً إلى «لجنة دولية لتقصي الحقائق» . وما أن غادر الزعماء شرم الشيخ حتى فاجأ كلينتون العالم بانفراد واشنطن بتشكيل «لجنة تقصي الحقائق الدولية» ومن هنا جاءت لجنة السناتور الأمريكي جورج ميتشل لجنة أمريكية تنتهي مرجعيتها إلى الرئيس الأمريكي لا غير [١٨] . والسلطة الفلسطينية وافقت على تقرير ميتشل وهي تعلم يقيناً هزاله، وكيف أنه قزَّم القضية حتى عما تريده السلطة من أفق دولي وصراع ضخم في المنطقة إلى مجرد ملف تابع للمخابرات الأمريكية التابعة لليهود! أما تقرير ميتشل ومساواة الضحية بالجزار ولم يسجل التقرير أية إدانة لإسرائيل على أنها دولة محتلة، كما أنه يسعى إلى وضع نهاية للانتفاضة والمقاومة. وبعد ذلك جاء مدير المخابرات الأمريكية للنزول درجة أخرى ولقمع الانتفاضة ميدانياً تمهيداً للبدء في ورقة ميتشل ... وأمريكا هي السيف والحكم. ويعود باول وزير الخارجية الأمريكية مرة أخرى - وهو لم ينقطع باتصالاته وتحركاته منذ زيارته الأولى - ليطالب عرفات بإلقاء القبض على العناصر التي يمكن أن تقوم بتنفيذ هجمات مسلحة على اليهود، وطالب عرفات بأن يقرن الأقوال بالأفعال [١٩] . دور عرفات والسلطة: لقد أجرمت السلطة في حق قضية فلسطين بما لو كتب فيه مجلدات لكان قليلاً، وكان من أبرز ما ارتكبته الإبعاد المتعمد للطابع الإسلامي للقضية.. والسير في مسيرة تنازلات للأعداء بما لا نهاية مما لا يقبله أي حريص على وطنيته فضلاً عن دينه. صورة قبيحة كالحة يمثلها عرفات الذي يراهن على أعداء الله من اليهود والنصارى، مراهنة على سراب بيريز الداهية، وعلى الدور الأمريكي الحاقد.. فهل هناك أعجب من هذا؟ ! وإلى متى يصر عرفات على المراهنة على الدور الأمريكي الحيادي (!) ؟ وهل بقي شيء لدى الحكومة الأمريكية لم تفعله في عداوتنا؟ هل يوجد مثلاً قرار صوتت فيه أمريكا لمصلحة حق المسلمين على حساب باطل اليهود منذ نشأة هيئة الأمم المتحدة؟ قام شارون بزيارة واشنطن مرة أخرى لينسق مع الإدارة الأمريكية سبل القضاء على الانتفاضة والإسلاميين؛ بينما ترفض هذه الإدارة محاورة السلطة أو استقبال عرفات، وعرفات لا زال يراهن بصورة غريبة على الدور الأمريكي ... ثم ها هو بوش في استقباله لشارون يثني على صبره (! !) في التعامل مع الفلسطينيين [٢٠] ! وترفض الإدارة فكرة محاكمة شارون باعتباره مجرم حرب؛ لأنه زعيم منتخب بطريقة حرة لدولة ديمقراطية (! !) . وتشير مصادر البيت الأبيض إلى أن محادثاتهما كانت (منفتحة وجدية) وأن الجو كان (دافئاً) واتسم بـ (الصداقة) لأن الرجلين (يكنان الإعجاب أحدهما بالآخر) [٢١] ، ولا ندري ما سبب إعجاب (بوش) بالسفاح (شارون) ؟ غير أننا نتعجب من عرفات الذي لم يَصْحُ بعدُ أمام هذه الوقاحات الأمريكية واللكمات التي تكيلها الإدارة في واشنطن للعرب صباح مساء وتقلب الحق باطلاً والباطل حقاً! ونحن هنا ذكرنا مثالاً على موقف عرفات في مسلسل التنازلات وهو قبوله بخطة (تينيت) والتي سارت الجماهير الحاشدة من الشعب الفلسطيني بفصائله المختلفة معترضة عليها. إنها صورة جديدة للسير في مؤامرة تحاك للقضاء على الانتفاضة والتراجع عن كل المكتسبات والتضحية بدماء الشهداء وآلام الأطفال والعجائز، أبعد هذه المسيرة الهائلة من التضحيات يصل الأمر إلى تضيع كل ذلك في سبيل مكاسب تافهة للسلطة والرجوع إلى ما كانت عليه الأوضاع قبل شهور؟ ! لقد أصبح الآن الطموح هو تطبيق بنود تقرير ميتشل فقط.. إنها صورة مكرورة لمسلسل التنازلات التي مشت فيها قيادات المنظمة العلمانية منذ سنوات طويلة. فمتى يستيقظ الغافلون الذين يحسنون الظن بهذه السلطة؟ ونحن لا نتخيل أن عرفات سيتعظ ويرجع، كما أن من ورائه طائفة منتفعة لا يهمها شيء إلا مصالحها الآنية ولا يرجى أن تسعى لمصالح الشعب الفلسطيني. هذه الطائفة مارست كل صور الموالاة والمداهنة الخطيرة للكفار مثل طاعتهم في حرب دين الله والمتدينين، والتآمر مع الكفار على مصالح الأمة والسير في تنفيذ مخططاتهم، وبعضهم تكشف الكثير عن علاقاته بالموساد. ونقول لإخواننا في الأرض المباركة: إن هذه التحركات والمؤامرات بشرى خير، لقد أخفتم أعداء الله وأرعبتموهم على مسيرة شهر وشهرين.. فهي معركة إسلامية صادقة إن شاء الله.. ليست من أجل أرض أو تراب بل من أجل دين الله وبيته المقدس.. إنها معركة الإيمان في مواجهة الباطل وأعداء الله، بل أشد أعداء الله اليهود وأعوانهم. ماذا سيحدث لو أن المعركة تطورت قليلاً أو كان هناك جيش مسلم ولو صغيراً في مواجهة هؤلاء الجبناء؟ وختاماً: فإنها دعوة لكل مسلم حتى يساهم في تفويت مخططات الأعداء، ويساهم في نصرة إخوانه المظلومين، ويساهم في النكاية في العدو ... فإن هناك طرقاً عدة لهذه الأهداف ومنها تفعيل عقيدة الولاء والبراء ومن مفرداتها سلاح المقاطعة.

стр. 3998

المسلمون والعالم الطالبان بين تطبيق الشريعة وبناء أفغانستان د. سامي محمد صالح الدلال طالبان والتمكين: من رَحِمِ المدارس الشرعية في قندهار، وبفتوى من علماء «منطقة مايوان» خرجت طالبان يوم الجمعة ١٥ محرم ١٤١٥هـ الموافق ٢٤/٦/١٩٩٤م إلى ساحة الصراع التغييري، وكانت نواتها بضعة عشر طالباً شرعياً يقودهم الملا محمد عمر، ثم التحق بهم كثير من الطلاب الذين تخرجوا من الجامعة الحقانية في بيشاور الباكستانية. وفي جمع غفير ضم ١٥٠٠ من علماء أفغانستان تم اختيار زعيم حركة الطالبان ومؤسسها الملا محمد عمر أميراً للمؤمنين، وشرعت حركة طالبان تفتتح الولايات الأفغانية الواحدة تلو الأخرى مبتدئة بولاية روزجان بجيش قوامه ٣١٣ رجلاً، اتسع فيما بعد شيئاً فشيئاً، ولا زالت على ذلك حتى استولت على معظم الولايات، فانهزمت أمامها كافة الفصائل والأحزاب التي كانت قد تصارعت فيما بينها منذ اندحار الروس عام ١٩٨٩م وهزيمتهم، وقد أتمت حركة الطالبان ليومنا هذا الاستيلاء على حوالي ٩٥% من مجمل الأراضي الأفغانية، ولا تزال المعارضة بقيادة أحمد شاه مسعود تسيطر على أجزاء من المنطقة الشمالية تشكل مساحتها حوالي ٥% من أفغانستان. وقد أعلنت حركة طالبان أنها ستطبق الشريعة الإسلامية في كافة الأراضي التي تحت سيطرتها متخذة من كابل العاصمة التي استولت عليها في ٢٧/٩/١٩٩٦م قاعدة لحركتها السياسية، ومن قندهار مقر أمير المؤمنين قاعدة لحركتها التشريعية والتنظيمية؛ حيث تشمل الدائرة التشريعية «مجلس شورى العلماء» الذي يضم سبعة علماء مهمتهم الإفتاء في القضايا الشرعية، وتشمل الدائرة التنظيمية «مجلس شورى الوزراء» الذي يضطلع بالجوانب العملية التي تتعلق بدورالطالبان في تطبيق الشريعة الإسلامية والنهوض بأعباء الخدمات من خلال إعادة بناء البنية التحتية التي دمرها الروس عن بكرة أبيها، وزاد طينتها بلة الصراع بين الأحزاب حتى اتسع الخرق على الراقع. أما حركة الجيوش الطالبانية على مختلف الجبهات القتالية فإنها تلقى اهتماماً كبيراً لدى أمير طالبان حيث يضطلع بنفسه بكافة شؤونها واحتياجاتها وتحركاتها على مدار الساعة. غير أنه بات من المعروف أن المناوشات العسكرية في أطراف الشريط الشمالي لم يعد لها أي أثر على سير الحياة الطبيعية في سائر الأراضي الأفغانية. أهداف طالبان: لم تكن طالبان قبل عام ١٩٩٤م شيئاً مذكوراً، بل كان المذكور على الألسنة وأجهزة الإعلام هو ما يدور من صراع مسلح تستخدم فيه كافة أصناف الأسلحة بين فصائل كثيرة من أبرزها: * الجمعية الإسلامية بقيادة برهان الدين رباني ومسؤوله العسكري أحمد شاه مسعود. * الحزب الإسلامي بقيادة حكمت يار. * حزب الاتحاد الإسلامي بقيادة عبد رب الرسول سياف. * حزب الوحدة الشيعي بقيادة عبد العلي مزاري. * حزب النهضة القومية بقيادة عبد الرشيد دوستم. وجماعات أخرى صغيرة، وكان «الكل ضد الكل» مما أدى إلى إشاعة الخوف والرعب في مجمل الأراضي الأفغانية، وقد استغل ذلك ضعاف النفوس فراحوا يفرضون الضرائب والإتاوات على جميع الناس، وانتشرت الدوريات تجوب الشوارع الداخلية والخارجية تجمع المكوس بالقوة من المارين بسياراتهم، وصار لكل فصيل من تلك الأحزاب جباة يمارسون هذا النوع من «ألمافيا» ، فشاعت الجرائم بشتى أنواعها، وخاف الناس على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم وممتلكاتهم؛ فبقي من بقي وهاجر من هاجر، وتفاقمت الأزمة، وتوسعت المخيمات، وازدادت الآلام، وتلاشت الآمال، وقد استمر هذا الحال عدة سنوات، وأصاب الناس اليأس من الانفراج؛ إذ لم يكن ثمة بصيص ضوء في الأفق، ولا قبس أمل في الصدور، بل ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض، وليل بهيم شديد السواد يخيم على أفغانستان، ينوء بكلكله على صدور أبناء ذلك البلد المسلم الذي أنهكته الحرب وقضمته بأنيابها الحادة، فبات كمضغة تلوكها ألسن الحاقدين، أو كرة تتقاذفها أرجل المجرمين. وعلى حين غرة، وبغير تخطيط من أحد من البشر، جاء الفرج من الله تعالى، فبرزت الطالبان على سطح الأحداث بأفراد قياديين قلائل، وأعداد عسكرية ضئيلة لتقول لجميع هؤلاء: كُفُّوا أيديكم وانسحبوا من الميدان، وأفسحوا المدن والميادين والطرق والساحات، سلماً أو حرباً، ففعلوا راغمين صاغرين. وفي زمن قياسي سادت الطالبان أراضي أفغانستان كلها تقريباً (ما عدا الشريط الشمالي الذي نوهنا عنه) معلنة أهدافها الآتية: ١ - تحقيق السيادة الشاملة على أراضي أفغانستان لطالبان. ٢ - تطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقاً شمولياً. ٣ - نشر الأمن والطمأنينة في جميع ربوع البلاد الأفغانية. ٤ - الاضطلاع بالمهام الدعوية لإعادة التأهيل الجماهيري إسلامياً. ٥ - إعادة بناء وتشييد البنية التحتية في كافة المرافق في جميع أصقاع البلاد الأفغانية. ٦ - أن تتبوأ أفغانستان مكانتها اللائقة بها في منظومة العالم الإسلامي والساحة الدولية. أَخْرَجُوا أضغانهم: لقد بذلت دول الكفر قاطبة، ومن ورائها طوائف الحاقدين على الإسلام والمسلمين من منافقين وعلمانيين ومبشرين، من يهود ونصارى وشيوعيين ووثنيين، وغيرهم من أصناف المفسدين بذل هؤلاء كلهم جميع إمكاناتهم ووظفوا جل طاقاتهم، وأنفقوا خزائن أموالهم، وأحكموا أمكر خططهم، وشحذوا عزائم هممهم ليُبقوا أُوار صراع الأحزاب في أفغانستان مشتعلاً، ولهيب المعارك ملتهباً، ليأكل المسلمون في ذلك البلد المنكوب بعضهم بعضاً، فلا تقوم لهم بعد ذلك قائمة، فتتعاظم المجاعات، وتتتالى المناحات، وتخيم الأحزان، وتهجر الأوطان. هكذا أرادوا أفغانستان أن تكون، هكذا فقط أو لا تكون! ! غير أن الله - تعالى - أراد بفضله ومنّه وكرمه أن يفسد على هؤلاء آمالهم ويبطل مكرهم ومكائدهم، ويكرم دماء الشهداء الذين روَّوْا بها البلاد وخضبوا بها أعالي الجبال وامتدادات الوهاد، فأخرج لهم هؤلاء الطلبة الذين لم يكن أحد يحسب لهم أي حساب، فقالوا للجميع: أتيناكم بكتاب الله، وجئناكم بسنة رسول الله ﷺ ؛ فأقلِعوا عما أنتم عليه من الفساد والإفساد، فما أن تفوَّهوا بهذا الكلام، واستعلنوا به بين الزحام، حتى فض الله - تعالى - الناس عن أولئك الأحزاب وجمع قلوبهم على هؤلاء الطلبة الكرام فاتبعوهم من كل الأصقاع، وبادروهم بالطاعة والاحترام، فخضعت لهم في أفغانستان الأرض، فأمن الناس على النفس والمال والعرض. فما أن حصل ذلك حتى هاج أعداء الله - تعالى - في كل قطر وبلد وماجوا، فأخرجوا أضغانهم، وسددوا سهامهم، لعلهم يصيبون الطالبان في مقتل، أو يقزمونهم على الأقل، فابتدؤوهم بتوجيه التهم الآتية: ١ - الخروج بأفغانستان من نور الحضارة الباهر إلى ظلام الشريعة الغامر بزعمهم. ٢ - منع المرأة من التعلم والتعليم وإغلاق أبواب البيوت عليها للحيلولة دون خروجها إلى المدارس والجامعات. ٣ - منع المرأة من العمل أو ممارسة المهن. ٤ - فرض الحجاب على المرأة. ٥ - منع تعاطي الخمور في كل أفغانستان. ٦ - منع الموسيقى والغناء على المسارح أو الأفناء. ٧ - إيواء الإرهابيين وتدريب جموع المجاهدين. ٨ - استزراع المخدرات ثم تصديرها لمختلف الجهات. ٩ - عدم الخضوع للقوانين الأممية والأعراف الدولية. ١٠ - الوقوف مع القضايا الإسلامية وخاصة انتفاضة الأقصى الفلسطينية. وهذه التهم، كما تلاحظ - أخي القارئ - قد خلطوا فيها الحق بالباطل، وتلاعبوا فيها بالألفاظ بين مُحْجم وصائل؛ فمعظم التهم المذكورة ليس لأي منها أساس من الصحة، بل هي كذب محض وافتراء رخيص، وكثير منها إنما هو إكليل غار على جبين الطالبان يشع بالأنوار! ! أما الجهات التي وقفت وراء تلك التهم فهي: - الولايات المتحدة الأمريكية. - الاتحاد الأوروبي. - روسيا الاتحادية. - الجمهوريات الإسلامية التي استقلت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. - الهند. - الكيان اليهودي في فلسطين. - معظم دول المنظومة الإسلامية. - الأمم المتحدة. - العلمانيون في جميع البلدان، وذلك من خلال الصحافة والمجلات والكتاب والإذاعة والتلفزيون والإنترنت والفضائيات وغيرها من وسائل الإعلام والتأثير. وبعد مرور حوالي خمس سنوات على حكم الطالبان لأفغانستان لم تعترف بها سوى ثلاث دول هي باكستان، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة. لقد اجتمعت توجهات تلك الجهات التي ذكرناها على إسقاط حكم الطالبان مهما بلغ الثمن، ومهما تفاقمت بين شعب أفغانستان المحن ونزلت به الإحن. فأبرزوا أحقادهم، واستتروا بمظلة الأمم المتحدة، فأعلنوا الحصار الشامل الكامل على أفغانستان الطالبان، وضربوا عليها أسوار التكبيل والتنكيل براً وجواً، ليقتلوا الشعب الأفغاني جوعاً وقهراً، ثم يقولوا بعد ذلك: قتلته وقهرته الطالبان! ! وأما في الداخل فقد بثوا جماعاتهم التنصيرية تجوب مجمل الأراضي الأفغانية بحجة إنقاذ الشعب الأفغاني الذي أحكموا تجويعه وترويعه ثم جاؤوا له منقذين، كالثعلب في لباس الصالحين. وقد بلغت أعداد المنظمات التنصيرية العاملة حالياً في أفغانستان والتي ورثت الطالبان وجودها من العهود السابقة حوالي مائتين وأربعين منظمة، منها ستة وخمسون منظمة تعمل في حقل التعليم فقط، هاكم أسماؤها: ١- AFRANCE (Amite France - Afghan Aide Numanitareted information) . ٢- AG-TTP (Afghan - German Techincal Training programme) . ٣- AICF (Action Interantional control firm) . ٤- AMI-A (Alde Medical Interntional- Afghanistan) . ٥- ANH (Afghanistan Nothilfe) . ٦- ARC (Austrian Relief Committee) . ٧- AVICEN (Afghanistan - vaccination and Immunization Centre) . ٨- BAT (British Afghanistan Trust for education and development) . ٩- BEFARe (Basic Education for Afghan Refugees) . ١٠- CARITAS (CARITIAS - Afghan Refugee Programme) *. ١١- CAWC (Central Afghanistan Welfare Committee) . ١٢- CHA (Coordination of Humanitarian Assistance) . ١٣- CI (Care International) *. ١٤- DACAAR (Danish Committee for Afghan Refugee) . ١٥- DS (Darus Salam) . ١٦- ECAR (Eye clinic for Afghan Refugee) *. ١٧- ERU (Emergency rellief Unit) . ١٨- GAF (German Afghanistan Foundation) . ١٩- GP (Global Partners) (UK) . ٢٠- HAF (Help the Afghans Foundation) . ٢١- HCI (Human concern International) . ٢٢- HG (Help Germany) . ٢٣- HI (Handicap International) . ٢٤- HT (Halo Trust) *. ٢٥- IAM (International Assistance Mission) *. ٢٦- IFRCS (International Federation of Red Cross and Red Crescent Societies) . ٢٧- IMC (International Medical Corps) *. ٢٨- IOC (International Orphans Care) . ٢٩- IRC (Interantional Rescue Committee) . ٣٠- JAMS (Japan Afghan Medical Service) . ٣١- JIFF (Japanese International Welfare Foundation) . ٣٢- JWMM (Jacobs Well Medical Mission) . ٣٣- LRO (Lifeline and Relief Organization) . ٣٤- MADERA. ٣٥- MCI (Mercy Corps International) . ٣٦- MDM (Medicines Du Monde) . ٣٧- MERLIN (Medical Emergency Relief International) *. ٣٨- MRCA (Medical Refresher Courses For Afghan) . ٣٩- NAC (Norwegian Afghan Committee) *. ٤٠- NCA/NRC (Norwegian Church Aid/ Norwegian Refugee Council) *. ٤١- NPO (Norwegian Porject Office) . ٤٢- ORA (Orphans Regugees and Aid International) *. ٤٣- OV (Ockenden Venture) . ٤٤- OXFAM. ٤٥- PSF (Pharmaciens sans Frontieres) . ٤٦- RBS (Radda Barnen) . ٤٧- SAA (Swiss Aid for Afghanistan) . ٤٨- SC-Us (Save the chicldred - USA) . ٤٩- SCA (Swedish Committee for Afghan istan) . ٥٠- SCF-UK (Save the children Fund - UK) . ٥١- SERVE (Serving Emergency Relief And Vocational Enterprises) . ٥٢- SGAA (Sandy Galls Afghanistan Appeal) . ٥٣- SNI (Shelter Now Internatinal) *. ٥٤- TDH (TERRE DES HOMMES) . ٥٥- TODAI (a Japanese Christian Organization) *. ملاحظة: العلامة (*) تعني أن المنظمة المذكورة تعمل في حقل التنصير إضافة إلى حقل التعليم. وقد أوردت صحيفة «فرينتير بوست» الصادرة في بيشاور باللغة الإنجليزية في عددها الصادر في ١٠ ديسمبر ١٩٩٧م أن منظمة «NGO Men» قد نجحت في تنصير «مائة ألف» أفغاني خلال سبعة الأعوام الماضية (أي منذ عام ١٩٩٠ م وحتى عام ١٩٩٧م) . إن هذه المنظمات لها أهداف كثيرة منها: ١ - بذل الجهد لبث عقائد النصارى بين أفراد الشعب الأفغاني. ٢ - تطعيم التعليم بما هو مناف للعقيدة الإسلامية. ٣ - تشكيك الطلبة، بل والشعب كله، بصلاحية الشريعة الإسلامية للحكم أو التحاكم. ٤ - التجسس على الطالبان. ٥ - معرفة أفغانستان عن كثب لوضع الخطط لإدامة الكيد لها. ٦ - إقناع الشعب الأفغاني بأن سعادته مرتبطة بأمريكا والغرب. ٧ - أن الكوارث التي حلت بالشعب الأفغاني إنما سببها تطلعه للاحتكام للإسلام. ٨ - أن الحصار المضروب على أفغانستان سببه الطالبان. ٩ - تفريغ أفغانستان من الكفاءات العلمية والمهنية؛ وذلك بإغرائهم برواتب عالية ومجزية ليتركوا البلاد ويعملوا في الخارج. ١٠ - ربط مشاعر المساكين من المهاجرين والمشردين، القاطنين في المخيمات أو المعسكرات، بالنصارى الغربيين الذين يسهرون على راحتهم ويقدمون لهم الطعام ولأولادهم الهدايا، وينثرون بين أيديهم الدواء والعلاج، ولسان مقالهم وحالهم: ها نحن الذين ننقذكم، فأين منكم المسلمون؟ ! ! وأين هم من معاناتكم وسوء أحوالكم؟ ! ! وخلاصة القول أن أهداف التهم الموجهة للطالبان هي: ١ - الحيلولة دون قيام دولة إسلامية في أفغانستان تحتكم إلى الكتاب، والسنة. ٢ - ادعاء مسوِّغات لإبقاء الحصار على أفغانستان. ٣ - إشغال الطالبان عن خوض معركة البناء بإبقاء حالة الصراع مستمرة مع أحمد شاه مسعود ودوستم ومن في فلكهما. ٤ - بذل الجهد الدولي والعالمي لإسقاط الطالبان. ٥ - إرجاع الحكم في أفغانستان إلى مظلة العلمانية. ٦ - استخدام أفغانستان بعد ذلك رأس جسر لتحقيق المصالح الأمريكية والغربية في منطقة آسيا الوسطى. لكن هل حققت هذه التهم وتلك التوجهات أهدافها وفعلت في طالبان أفاعيلها؟ ! الجواب: لا، وسنتبين ذلك من خلال السطور القادمة. لماذا يخافون من طالبان: إن القوى الدولية المعادية للإسلام والمسلمين قد بذلت الغالي والنفيس للحيلولة دون قيام دولة إسلامية حقة تحتكم شمولياً إلى الدين القويم، غير أن طالبان قد صمدت لتلك الجهود، وأسست دولتها على الكتاب والسنة مجتهدة في تحقيق ذلك ما وسعها الاجتهاد، ومن أبرز ما يذكر لها بهذا الصدد: ١ - إحياء مؤسسة الشورى بدل الديمقراطية. ٢ - إرساء التعامل الداخلي والخارجي على قاعدة الولاء والبراء. ٣ - إبطال المحاكم المدنية وإحلال المحاكم الشرعية بدلاً منها. ٤ - إقامة الحدود الشرعية. ٥ - فرض الحجاب ومنع الاختلاط. ٦ - إبطال البنوك والتعاملات الربوية بكافة صورها، وافتتاح البنوك الإسلامية. ٧ - منح المرأة حقوقها الشرعية في كافة المرافق التعليمية والصحية والمالية وغيرها على وفق ما أقره الإسلام لها وشرعه. ٨ - السعي لتأمين فرص العمل والقضاء على البطالة (وقد قطعت الإمارة الإسلامية الأفغانية شوطاً واسعاً في هذا المجال) . ٩ - فرض الأمن واحترام هيبة الدولة. ١٠ - الاستمرار في مقاتلة البغاة والمرتدين دون هوادة. ١١ - تقديم الخدمات الضرورية والحاجية بل وأحياناً التحسينية لكافة الولايات الأفغانية. ١٢ - إيجاد مجتمع إسلامي نظيف من الموبقات، تتقاصر فيه المعاصي والسيئات، وتتعاظم فيه المحاسن والصالحات. وقد تم بعض ذلك من خلال القضاء على الخمور والخمارات، ومنع زراعة الخشخاش وأنواع المخدرات، ومنع ألوان الفنون التي يؤديها الخاسرون والخاسرات، سواء منها ما كان بآلات الطرب أو مختلف الأدوات، فانحسر سوق المغنيين والمغنيات والراقصين والراقصات، ومن سار على دربهم أو سلك طريقهم من المفسدين والمفسدات، فما أجمل أن تتجول في مدن الأفغان وقد خلت من ألوان المعاصي، فلا ترى امرأة إلا وقد تحجبت، ولا رجلاً إلا وقد أرخى لحيته! وتلمح في أعين الناس قرار الطمأنينة، وفي وجوههم انبساطة الأمن والأمان، فتفرغوا إلى أعمالهم ونهضوا بشؤونهم، بعد أن كانوا أعداء متخاصمين، وألدَّاء متناكرين. وصدق فيهم قول الله - تعالى -: [وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ] (الأنفال: ٦٣) . فعمرت المساجد بالمصلين رغم انكفاء بنيانها بقذائف المتربصين، وافتتحت الأسواق واكتظت الشوارع بالساعين على أعمالهم وبأصناف السيارات ووسائط النقل وخاصة «التاكسيات» ، ونشطت حركة التبادل التجاري بين كافة المدن الأفغانية عبر الشاحنات، رغم ما حل في الطرق التي كانت معبدة من تدمير وإتلاف بواسطة قذائف وصواريخ الروس ودباباتهم ومدرعاتهم المجنزرة. فلهذه الأسباب التي ذكرتها ولغيرها التف الشعب الأفغاني بكافة قبائله وأعراقه حول الطالبان سامعين طائعين. واللافت للنظر أن هذا الالتفاف قد أدى إلى تقليص شديد في دوريات الأمن، حيث يمتثل كافة الناس إلى أوامر أمير المؤمنين حباً وهيبة، وإذا كان منع التجول في أية دولة لا يتم إلا من خلال بث الدبابات والمدرعات وكافة ألوية الجيش والشرطة للسيطرة على الشوارع العامة والحارات فإن شيئاً من ذلك لا وجود له في أفغانستان؛ حيث إن الشعب يمتثل أمر أمير المؤمنين بالامتناع من التجول ابتداء من العاشرة مساءً إلى الخامسة صباحاً دون حاجة حتى إلى وضع دورية واحدة في شارع رئيسي، فضلاً عن أي حارة داخلية، حتى المنافقين كف الله أيديهم بالهيبة الإسلامية والخوف من العقوبة الشرعية. وحقاً؛ إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. الطالبان تخوض معركة إعادة الإعمار والبناء والتنمية: أينما حللت، وفي أية ولاية من ولايات أفغانستان نزلت، فإنك سترى مندهشاً كيف أن الروس قد أحالوا مدناً وقرى إلى أطلال مهشمة، لا تنعق فيها غربان، ولا تجري بين جدرانها المهدمة جرذان، لعدم وجود أي شيء يستبقي لها ولو حتى رمق الحياة، لقد أحالوا الأخضر يابساً، والشاهق قاعاً صفصفاً، والمعامل حديد خردة، وحولوا الطرق المعبدة إلى أكوام من الصخور وبقايا قار، وأمعنوا في التدمير ونشر الخراب، فتوقفت المصانع، وتهشمت السدود وانطفأت الكهرباء، واندثرت المشاريع، ويبست الأشجار وتلفت المزارع والزروع وأرهقها الجفاف والذبول ونشفت العروق الخضراء في الحقول، وانهالت القذائف والصواريخ على السكان الآمنين من الرجال والنساء والأطفال الأبرياء الذين هم في بيوتهم قاطنون، فأحالتهم إلى أشلاء متناثرة، وإلى عظام وأعضاء في جميع الأصقاع الأفغانية مبعثرة، فكثرت في المدن والقرى المدافن، واكتظت القبور بالشهداء من قتلى المعارك والأسارى والرهائن، وإذا ما قمت بجولة في أية مدينة أفغانية فيا هول ما سوف ترى من أعداد المقابر التي ترتفع على شواهدها الأعلام الخضراء التي ترمز إلى أن المدفون هنا شهيد إن شاء الله - تعالى -. ثم جاء بعد الروس دوستم ومن معه فحذوا حذوهم، وساروا في التخريب والتدمير على نهجهم. هذه هي الصورة المؤلمة البائسة التي أخذت طالبان على عاتقها إعادة رسمها لتكون مشرقة وأغصانها مورقة. إن معركة إعادة البناء والتعمير لا تقل أهمية عن معركة الجهاد والتحرير، وإن الفعالية الإسلامية لن تكون مكتملة إلا إذا تحاذت القذتان وتوازنت الكفتان. لقد ورثت الطالبان إرثاً صعباً مدمراً مهشماً، وأخذت على عاتقها إنجاز المهمة مع ما يرافقها من تحد وعنت واقتحام. إن ألوان إعادة التشييد كثيرة جداً، نذكر منها ما يلي: ١ - بناء السدود الجديدة، وترميم السدود القديمة وإصلاح السدود المدمرة. ٢ - توفير المياه لري مئات الآلاف من الهكتارات من الأراضي الصالحة للزراعة. ٣ - شق القنوات الطويلة لإيصال مياه الشرب والزراعة إلى كافة الولايات. ٤ - تشييد محطات كهرباء جديدة وإصلاح المحطات المعطبة وترميم وإعادة صيانة المحطات المعطلة. ٥ - مد شبكات الكهرباء الرئيسية والفرعية لإيصال الكهرباء للمستهلكين والمصانع ومضخات المياه في البساتين والحقول. ٦ - إعادة بناء المدارس والمعاهد والجامعات التي طالها التدمير والخراب. ٧ - إعادة تعبيد آلاف الكيلومترات من الطرق. ٨ - مد شبكات الهاتف العادي، وتشييد مقاسم شبكات الهواتف المتنقلة. ٩ - إعادة بناء وتعمير كافة الأبنية والمرافق الحكومية. ١٠ - بناء معامل تكرير النفط. ١١ - استخراج البترول والغاز. ١٢ - استخراج الحديد والنحاس والذهب والمعادن المختلفة، حيث تعد أفغانستان من أغنى دول العالم بهذه المعادن. ١٣ - بناء معامل قطاع الخدمات بكافة أصنافها وأنواعها وخاصة الخدمات الغذائية والصحية والتعليمية وغيرها. ١٤ - إعادة تجهيز الإذاعة الأفغانية بأجهزة البث الحديثة، حيث إن الإذاعة الأفغانية ضعيفة البث جداً ولا تكاد تغطي مساحة بثها بعض أراضي الإمارة. كما أن الوسائل الإعلامية الأخرى من صحافة وغيرها بحاجة إلى تحديث ودعم. نداء إلى المستثمرين العرب والمسلمين: أيها المستثمرون العرب والمسلمون، ها قد بينا لكم احتياجات إعادة بناء إمارة أفغانستان الإسلامية، فإن كان ركب الجهاد بالنفس قد فاتكم، فإن قطار الجهاد بالمال واقف في محطته في انتظاركم. إن فرص الاستثمار المربح جداً في أفغانستان أبوابها مفتوحة على مصراعيها ترحب بكم، ولكم في ذلك بإذن الله - تعالى - مصلحتان: الأولى: عاجلة بما ستربحونه من أموال وفيرة وكثيرة. الثانية: آجلة بما سيثيبكم الله - تعالى - على نية إعمار دولة إسلامية في القرن الخامس عشر الهجري، الحادي والعشرين الميلادي. وإننا نخشى إن تخلفتم عن هذا الواجب المؤكد أن يلحقكم إثم التخلي عن دعم إقامة وتشييد صرح الإسلام في بلاد الأفغان، فلا يخفى عليكم أهمية أن تستظل دولة هامة كأفغانستان بشريعة الإسلام، حيث إن ذلك ستنعكس آثاره إيجابياً على مجمل الدعوة الإسلامية في آسيا الوسطى، وليست هذه الدراسة المقتضبة محل تفصيل ذلك. إننا نهيب بالأغنياء والمستثمرين والمؤسسات والشركات أن تتوجه جموعهم لإعمار أفغانستان، وأن يستغلوا هذه الفرصة المربحة. وإننا لا نذيع سراً إذا قلنا إن الشركات الصينية واليابانية والألمانية بل والأمريكية أيضاً سبقتكم إلى تلك الديار وشرعت في أخذ المشاريع المنوعة، وبينما التنافس بينها شديد، فإن المستثمرين العرب والمسلمين لا يزالون يعيشون تحت وطأة المخدر الأمريكي والأوروبي الذي يبث الدعاية في كل أنحاء العالم ضد أفغانستان ليستفردوا هم بها وبمشاريع إعمارها، فقولوا لي بربكم: ما معنى أن تعلن الولايات المتحدة حصارها لأفغانستان في الوقت الذي تسمح لشركاتها في الاستثمار في أفغانستان؟ ! ! أيها المستثمرون العرب والمسلمون: ماذا يصرفكم عن الاستثمار في أفغانستان؟ ! إن مقومات الاستثمار هي: - الأمن بمعناه الشامل. - وجود المشاريع. - وجود القوى العاملة. - وجود أدوات البناء والإعمار. - وجود البنوك وإمكانية التعامل بالعملة الصعبة. إن جميع هذه المقومات متوافرة الآن في أفغانستان بضمانات كاملة وشاملة من الحكومة الأفغانية، ولولا ذلك لما ذهبت الشركات الأجنبية إلى تلك البلاد واستثمرت أموالها في إعمارها، وإن المناوشات الحدودية هي سمة كثير من البلدان، فأوروبا أمنها مهدد انطلاقاً من البلقان، والشرق الأوسط أمنه مهدد انطلاقاً من الدولة المسخ اليهودية، والخليج أمنه مهدد من حاكم بغداد، وباكستان أمنها مهدد انطلاقاً من كشمير، وسيرلانكا أمنها مهدد انطلاقاً من التاميل، وإندونيسيا أمنها مهدد انطلاقاً من تزعزع وضعها السياسي، وهكذا، ومع كل تلك التهديدات فلم يقل أحد بعدم التعامل مع تلك البلدان بسبب عدم استتباب الأمن، إلا أفغانستان فإنهم يصدون الناس عنها بهذه الحجة الواهية! ! وقد علمنا أنه قد تشكلت في العاصمة الأفغانية كابل ما أطلق عليها «المجموعة الإسلامية لإعادة إعمار أفغانستان» حيث إن هذه المجموعة على صلة مباشرة مع الحكومة الأفغانية، ومهمتها أن تأخذ على عاتقها تنفيذ المشاريع الإعمارية في كافة الولايات الأفغانية، سواء بصفتها كمباشر في التنفيذ أو كوسيط في ذلك بين المستثمرين والحكومة الأفغانية. وقد نمى إلى علمنا أن هذه المجموعة تضم بين أعضائها كفاءات مهنية عالية، وأنها مؤهلة أيضاً للقيام بالدراسات الميدانية وإعداد التقارير الفنية لأي مشروع مهما كان نوعه أو حجمه. إن المؤسسات النصرانية التبشيرية التي ذكرناها تضطلع حالياً بالقيام بأدوار هامة في خدمة الشعب الأفغاني مقابل استلابه دينه، وإنها لن تخرج من ذلك البلد إلا إذا أديتم واجبكم، وقدمتم نفس تلك الخدمات أو أفضل منها لتسحبوا البساط من تحت أقدامها، فتلملم أمتعتها وترحل إلى غير رجعة بإذن الله - تعالى -. نداء إلى جمعيات ولجان الأعمال الخيرية والتطوعية: إننا أيضاً نوجه نداءنا إلى جميعات ولجان العمل الخيري والتطوعي كي تقف مع الطالبان في معركة البناء كما وقفت مع الأفغان في معركة الجهاد، وإن هذا الوقوف مأجور عند الله - تعالى - محمود عند عباده الصالحين، إن اللجان الخيرية تستطيع القيام بتمويل كثير من المشاريع التنموية والإعمارية في أفغانستان في كافة المجالات، مثل: * الزراعة وذلك بتمويل استصلاح الأراضي الزراعية. * الري وذلك بتمويل مشاريع شق القنوات وإقامة السدود. * الصناعة وذلك بتمويل إعادة تشغيل المصانع المتوقفة، وبناء مصانع جديدة. * الكهرباء وذلك بتمويل إعادة تشغيل بعض المحطات الكهربائية المتوقفة، وبناء محطات جديدة ومد خطوط القدرة وشبكات التوزيع في مختلف المناطق الأفغانية. * الطرق وذلك بتمويل إعادة ترميم الطرق الرئيسة الموصلة إلى العاصمة الأفغانية أو شبكة الطرق الرابطة بين مختلف الولايات. * التعليم وذلك بتمويل إعادة فتح المدارس والمعاهد والجامعات. * الإعلام وذلك بتمويل تجهيز الإذاعة بالأجهزة الحديثة التي تقوي بثها وتنهض بمستواها. فيا أيها القائمون على الجمعيات واللجان الخيرية في مختلف البلاد الإسلامية هبوا إلى بناء وتشييد وتثبيت مقومات الدولة الإسلامية في بلاد الأفغان، فإن تلك البلاد ستكون منطلقاً إسلامياً عظيماً تمتد أشعته لتضيئ كثيراً من بلاد المسلمين والعالم بإذن الله - تعالى -. نداء إلى العلماء وطلبة العلم والدعاة: إلى الآن قد لاحظنا: ١ - أن الطالبان تركت منفردة لتواجه دول الكفر والاستكبار. ٢ - أن الطالبان تركها معظم المسلمين لتواجه مواقف دولية متعنتة وظالمة ومتجبرة. ٣ - أن الطالبان لم تعترف معظم الحكومات الإسلامية بها رغم أنها هي الحاكمة في إمارة أفغانستان الإسلامية، وأنها مكتملة الأوضاع الدستورية. ٤ - أن الطالبان لم يتحرك أحد من المسلمين لمساعدتها في إعادة تأهيل الشعب الأفغاني دعوياً. فأين أنتم يا علماءنا الأجلاء وطلبة العلم النبلاء والدعاة النقباء! ! لسنا نحن من نشير عليكم بما ينبغي أن تقوموا به، فأنتم أهل للاضطلاع بمسؤولياتكم الشرعية وأداء الأمانة التي قلدها الله - تعالى - رقاب حاملي راية دعوته والمنافحين عن شريعته ومنهاجه. غير أننا نود أن نبسط بين أيديكم ما هو عصف ذهني لعله يتفتح عن بعض الاقتراحات التي نجد أنها جد هامة، أسوقها لكم على النسق التالي: ١ - القيام بزيارات ميدانية متتابعة إلى إمارة أفغانستان الإسلامية، والاطلاع عن كثب على أوضاعها واحتياجاتها في كافة المرافق، وخاصة التعليم الديني، مدارسه ومعاهده ومناهجه. ٢ - البقاء في أفغانستان لفترات طويلة، سنة أو أكثر، بغية القيام بالمسؤوليات الدعوية لنشر العقيدة الصحيحة في الربوع الأفغانية ولإبطال البدع، وبث العلم الشرعي. ويمكن أن يتم ذلك من خلال التنسيق مع منظمة الوفاء الخيرية العاملة الآن داخل الأراضي الأفغانية. ٣ - توجيه الكتب والرسائل إلى كافة المهتمين في العالم الإسلامي والتي توضح الضرورة الشرعية لدعم حكومة الطالبان القائمة على تطبيق الشريعة الإسلامية، والوقوف معها وتأييدها ومناصرتها في كافة المحافل الإقليمية والدولية. ٤ - دعم مجلس شورى العلماء ومجالس الشورى المحلية؛ وذلك بزيادة أعضاء تلك المجالس من خلال انضمام بعض العلماء العرب إليهم؛ وبغية المشاركة والمساهمة في ضبط توجيه بوصلة قرارات مجالس الشورى ليكون مؤشرها منطبقاً على خط مسار ومنحى الصواب المنضبط بالقواعد الشرعية. ٥ - كما نتمنى على العلماء وطلبة العلم والدعاة أن تكون لهم صلات مباشرة مع أمير طالبان الملا محمد عمر، والوزراء، وعلماء أفغانستان، من خلال الرسائل المتبادلة للاستفادة والتوجيه والنصح. ٦ - إن الطالبان لها اهتمامات قوية جداً بعموم مجريات الأحداث في العالم الإسلامي، وخاصة انتفاضة الأقصى، غير أن العالم لا يسمع شيئاً عن تلك الاهتمامات وذلك بسبب الصدوع الكثيرة في القدرات الإعلامية لدى الطالبان والضعف الواضح في إمكاناتها، وهنا يبرز دور العلماء وطلبة العلم والدعاة في رأب تلك الصدوع، وجبر ذلك الضعف من خلال إيضاح المواقف الطالبانية إزاء تلك القضايا عبر المنابر الإعلامية المتوفرة في دولهم. وبعد: فلقد قمنا بجولة ميدانية منوعة عبر الشؤون والشجون الطالبانية، سائلين المولى القدير العلي الكريم أن يبارك بهذه الجولة ويجعلها سبباً من أسباب ازدهار دولة الإسلام الطالبانية على الربوع الأفغانية.

стр. 3999

المسلمون والعالم انتفاضة الأقصى مكاسب جلبتها وإخفاقات كشفتها أمير سعيد [*] مضت مرحلة انتفاضية أولى قلبت فيها طاولة المفاوضات في وجه المتآمرين على فلسطين، وأسقطت رئيس وزراء إسرائيل أيهود باراك وأرغمت أنفه في ثرى فلسطين، ورفعت قادة النضال الحقيقيين إلى مكانهم السامق اللائق، وسمت بأرواح لتحلق فوق قبة الصخرة فوق سماء القدس المباركة لتعلن بكل ما آتاها الله من عزة وكرامة أن النصر مع الصبر، ولتُؤْذِن بمرحلة جهادية جديدة يكون الشهيد هو عنوانها وموقد نورها، ولتضع الأمور في مكانها الصحيح: هذا اختيار الأمة؛ فأين المفاوضون منه، وأين الحكام منه، وأين المطبعون منه؟ إن من أخطر وأعظم ما كشفته انتفاضة المسرى المبارك هو أن مصير العالم كله أصبح مرهوناً بمصير هذا المسجد وتلك المدينة المباركة؛ فلقد تحرك شارون خطوات تفصل بين بيته وبين المسجد الأقصى، فما كانت الطامة إلا مجرد خطوات نقلته بعدها إلى سدة الحكم في (إسرائيل) ، وخلعت عليه لقب (ملك إسرائيل) حسبما يقول عنه حلفاؤه.. خطوات أطاحت بخصمه باراك - ربما للأبد - وأشعلتها ثورة عارمة في فلسطين والعالم العربي والإسلامي. الكثير فعلته وكشفت عنه الزيارة وما استتبعها من انتفاضة لا تزال تدور رحاها حتى الآن، تدفعنا - لأهميتها - إلى إلقاء الضوء عليها عبر عرض أهم ما حققته الانتفاضة من مكاسب، وما كشفت عنه من إخفاقات ومن سلبيات. أولاً: المكاسب التي ساقتها الانتفاضة: ١ - تربية جيل جهادي جديد: أضحت الانتفاضة من أهم الأسباب التي عملت على تكوين جيل قادر على حمل الحجر والمقلاع والسلاح والمتفجرات، جيل مؤمن بقضيته إيماناً راسخاً يحيا لها ويموت في سبيلها. هذا الجيل صاغته انتفاضة الأقصى من جديد، ورسمت معالمه وأعادته إلى صدر القضية مرة أخرى، وجعلته رقمها الصعب الذي لا يمكن بحال تجاوزه بشهادة أعدائه قبل المنتصرين له، فباراك مثلاً كان يرى أن عليه التفاوض مع أطفال الحجارة - الطرف الأقوى فلسطينياً - ليتمكن من وقف الانتفاضة. لقد ترسخ لدى هذا الجيل الناشئ من شباب فلسطين وأطفالها أن الله - سبحانه- قد وضع الأقصى أمانة في أعناقهم وحدهم، وأنهم إن ضيعوه فلن يقوم مقامهم أحد في الدفاع عنه؛ فما لانت لهم قناة، واسترخصوا أن تزهق أرواح المئات منهم ليبقى الأقصى قائماً مطهراً. ولئن كانت انتفاضة ١٩٨٧م قد أفرزت شباباً مجاهداً وقادة ميدانيين على مستوى رفيع كيحيى عياش، ومحمد أبو ضيف، وعماد عقل؛ فلقد أضحت انتفاضة الأقصى هذه مفرخة للعشرات من هذا الطراز، ولعل كثيراً من المحللين يلحظون الخلفية الدينية التي تبدت ملامحها بصورة أكثر وضوحاً في هذا الجيل الانتفاضي الجديد مقارنة بجيل ١٩٨٧م، ومن بين الذين لاحظوا بروز الخلفية الدينية بشكل لافت في الانتفاضة الأخيرة (داني روبنشتاين) الخبير الإسرائيلي في الشؤون الفلسطينية الذي أكد أن المتظاهرين الفلسطينيين لم يعودوا يمتثلون للسلطة؛ ملمِّحاً إلى أن أعلام الإسلام الخضراء - على حد وصفه - أصبحت هي التي تغطي جنازات الشهداء بدلاً من أعلام السلطة الوطنية الفلسطينية. شباب الانتفاضة هو جيل جديد يستشرف النصر ويرفع شعار الانتفاضة لدحر الاحتلال دون قيد أو شرط. جيل لا يثق بالسلطة الوطنية وإنما يثق بربه وحده، وينطلق بعد ذلك مستعيناً بالحجر والمقلاع. ٢ - تنامي الوعي بالقضية الفلسطينية لدى شعوب العالمين العربي والإسلامي وتفاعلهم معها: أسهمت انتفاضة الأقصى بشكل لافت في تنامي الوعي الإسلامي والعربي بالقضية الفلسطينية؛ إذ لم يخلُ بلد إسلامي أو عربي بارز من مظاهر ذلك الوعي، ولقد بدا ذلك جلياً من خلال: ١ - التظاهرات الضخمة المنددة بالعدوان الإسرائيلي على مدن فلسطين وقراها، والتي عمت معظم الدول العربية والإسلامية، وامتدت إلى الجاليات الإسلامية في أنحاء العالم. ٢ - لجان مقاومة التطبيع التي انبثقت عن النقابات المهنية في غير ما بلد عربي. ٣ - الندوات والتجمعات والمهرجانات التي أقامتها الاتحادات الطلابية والنقابات المهنية بهدف دعم الانتفاضة والتنديد بقامعيها، وكان جديراً بالاهتمام شمول المساندة الشعبية للانتفاضة في بعض البلدان العربية لجميع النقابات المهنية. ورأى الناس في العالم العربي أشخاصاً بعيدين كل البعد عن الهم الفلسطيني وهم يبكون محمد الدرة وغيره من الشهداء أمام شاشات التلفزيون. وامتد الغضب الشعبي كذلك إلى المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية التي جاب أبناؤها الشوارع والميادين في معظم مدن تلك البلاد منددين بالقمع الإسرائيلي. وغني عن القول أن انتفاضة الأقصى أسهمت بشكل فعال في إسكات أصوات المطبعين مع اليهود، وضاعفت من حجم الرفض الشعبي للكيان الصهيوني، وأعادت بلورة جزئيات القضية في قلوب وعقول جيل من العرب والمسلمين على نحو فعال ومغاير للشكل الذي ارتسمت ملامحه في تلك القلوب والعقول لسنوات طوال. ٣ - الخسائر البشرية الكبيرة نسبياً التي لحقت بإسرائيل: من الصعب على المقاومة الفلسطينية على اختلاف توجهاتها إحصاء عدد القتلى والجرحى الإسرائيليين التي تخلفها عملياتها الفدائية؛ ولذا فإن أي إحصاء ولو تقريبي مرهون بإعلان السلطات الأمنية الإسرائيلية عنه، وهو ما تتجنبه هذه السلطات بشكل مريب خلال تلك الانتفاضة، وقد أثار ذلك الشكوك لدى العديد من المراقبين العسكريين، ودفعهم إلى الظن بأن إخفاء (إسرائيل) لأعداد قتلاها وجرحاها لا يستشف منه سوى فداحتها، وهو ما أكده مصدر في كتائب عز الدين القسام الذراع العسكري لحماس، وتؤكده يومياً الأنباء المتلاحقة عن تعرض دوريات إسرائيلية ومستوطنات لإطلاق النيران من قِبَل فدائيين فلسطينيين يستبعد أن تبوء جميع عملياتهم بالإخفاق. الذي يمكننا تأكيده في هذا السياق أن (إسرائيل) تتعرض لحرب استنزاف حقيقية أسفرت - بحسب مصادر إسرائيلية - عن مقتل عشرات الجنود والمستوطنين الإسرائيليين، وعن جرح العديد منهم، وكذلك مقتل عدد كبير من عملاء (إسرائيل) منذ بدء الانتفاضة في ٢٩/٩/٢٠٠٠م، ولعل ما يدعم ذلك القدرة المتوافرة لهذه الانتفاضة على الصمود في وجه القمع الإسرائيلي، وهي لن تتأتى إذا استمر نزيف الدم من جانب واحد فقط. ٤ - الخسائر المادية والمعنوية التي منيت بها إسرائيل: لم يكن الفلسطينيون وحدهم الخاسرين اقتصادياً بسبب انتفاضة الأقصى؛ فالإسرائيليون تكبدوا هم الآخرون خسائر فادحة قدرت بأكثر من ملياري دولار منذ بدء الانتفاضة أصابت العديد من مرافق إسرائيل ومواردها، نشير إلى جانب منها فيما يلي: أ - أدى استمرار الانتفاضة إلى انهيار مناطق صناعية للاحتلال مثل منطقة شمال القدس الصناعية التي أصيبت بالشلل التام. ب - ارتفعت ميزانية الجيش الإسرائيلي بمقدار ٢ مليار شيكل بالإضافة إلى ٠. ٥ مليار شيكل طلبتها قيادة الجيش الإسرائيلي للسنة الحالية بسبب استمرار الانتفاضة، وتكبد الجيش خسائر فادحة نتيجة لزيادة عدد أيام الاحتياط فيه بمقدار مليون يوم مقارنة بالسنة الماضية. ج - تراجع معاملات الشيكل في غزة نتيجة الانتفاضة. د - تأثر السياحة الإسرائيلية (مورد أساسي من موارد الاقتصاد الإسرائيلي) تأثراً بالغاً من جراء تدهور الأوضاع الأمنية؛ حيث قل عدد زوار إسرائيل بنحو ٨٠%. وإلى الجانب المادي، ثمة جانب يفوقه تأثيراً وهو الجانب المعنوي الذي يمثل عنصراً هاماً من عناصر الصراع تبدو أوضح ملامحه في اتساع الهوة بين التنازلات الرسمية الفلسطينية وبين الواقع الشعبي المقاوم لها. وفي السياق ذاته تأتي الانتكاسة التي منيت بها علاقة (إسرائيل) الرسمية مع الأنظمة العربية حتى أضحت (إسرائيل) كما وصفت (بلداً داخل بحيرة من الكره) ، وتلقت (إسرائيل) أقوى صفعة دبلوماسية لها - حسب صحيفة معاريف الإسرائيلية - حينما قررت مصر استدعاء سفيرها في تل أبيب، وذلك إلى جانب إحجام الأردن عن إرسال سفير جديد في تل أبيب، وقطع كل من سلطنة عمان وتونس والمغرب علاقاتهم مع (إسرائيل) ، وإغلاق مكاتب التمثيل التجاري لـ (إسرائيل) في كل من عمان وقطر. ٥ - بروز الإعلام الفلسطيني والعربي عبر القنوات الفضائية، والأرضية، وشبكة المعلومات الدولية إنترنت، سلاحاً مقاوماً لأول مرة في تاريخ الصراع: غلامُ أصحاب الأخدود الذي أشار القرآن الكريم إلى قصته حينما جمع قومه ليشهدوا مقتله على نحوٍ يجعلهم يؤمنون بفكرته، هذا الغلام تذكرته جيداً وأنا أشاهد مع مئات الملايين غيري مقتل غلام فلسطين محمد الدرة على شاشات التلفزة؛ إذ لم يُعلم عن غلام في التاريخ الحديث كان لمقتله ذلك التأثير مثلما كان لهذا الغلام. والحق كما يشهد على ذلك العديد من الإعلاميين العرب البارزين أن مشهد مقتل محمد الدرة لم يكن بدعاً في تاريخ فلسطين، ولم تكن جريمة قتله هي الأبشع بين الجرائم الصهيونية الرهيبة على مدى أكثر من نصف قرن؛ بيد أنها كانت الأبرز والأوضح على مر التاريخ الجهادي؛ حيث التقط مصور عربي وقائعها وتلقت تسجيلها المتلفز العديد من شبكات التلفزة العالمية ليتم عرضها بعد ذلك على شاشات العالم بأسره مؤذنة بنقطة غالية جداً يسجلها الإعلام العالمي، ولتفتح الطرق للإعلام العربي والإسلامي ليدخل في حلبة الصراع بعد أن غيب عنها عشرات السنين. لا شك أن الإعلام العربي والإسلامي لا يضاهي الإعلام الغربي في إمكاناته عالمياً لكنه إقليمياً أصبح قوة لا يستهان بها، وبرغم التحفظات الكثيرة التي تسجل على الإعلام العربي وفضائياته، إلا أن الانتفاضة بفيضها الدافق أرغمت فضائيات العرب على احتلال جانب كبير من برامجها مما أسهم بشكل فعال في تعريف العرب بقضيتهم الأولى، وإلهاب حماس الشباب منهم، وكسب تعاطف الرجال والنساء والأطفال والشيوخ. الخبير الإسرائيلي في الشؤون الفلسطينية (داني روبنشتاين) قال من جهته: إن أحد الفوارق بين الانتفاضة السابقة والحالية وجود عشرات قنوات التلفزة العربية مضيفاً: أن هناك ٢٢ محطة فضائية عربية جميعها تتناول بالتفصيل أحداث انتفاضة الأقصى. مشيراً إلى أنه بواسطة انتفاضة الأقصى يكتشف الشباب الذي لم يسمع شيئاً عن فلسطين من جيل ١٩٤٨م - الذي لم يعد معظمه على قيد الحياة - يكتشف الآن المشكلة الفلسطينية مجدداً؛ فالأجيال الشابة من المحيط إلى الخليج تشاهد الآن برامج عن معاناة الفلسطينيين والمجازر الإسرائيلية مثل مجازر: (دير ياسين، وكفر قاسم، وصبرا وشاتيل ا) ، ويشاهد كذلك بث برامج عن أوضاع اللاجئين المأساوية في لبنان وغيرها مما يعيد تعريف النشء العربي بالقضية الفلسطينية. كما نوه روبنشتاين بالبرامج الدينية التفاعلية في الفضائيات العربية الداعية إلى الجهاد ضد (إسرائيل) بالسلاح وبالمال عبر التبرع للانتفاضة، والتي لاقت تجاوباً عالياً خاصة في الخليج العربي. ولا يفوتنا في هذا الإطار الإشارة إلى عدد كبير جداً من المواقع العربية والإسلامية على شبكة الإنترنت الداعمة إعلامياً للانتفاضة، والمنددة بالقمع اليهودي لها، والتي أعطت بدورها بعداً إعلامياً متميزاً للانتفاضة. ٦ - النجاح الجزئي لسلاح المقاطعة للبضائع الإسرائيلية: لاقت الدعوات المتواترة لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية والأمريكية صدى عالياً في عدد غير قليل من الدول العربية والإسلامية ما لبث أن خبت حدته بعد ذلك بسبب اعتمادها على العاطفة وعدم التنسيق بين لجان التطبيع المتناثرة في أرجاء العالمين العربي والإسلامي؛ ووقوف العديد من الأنظمة حائلاً دون نجاحها في كثير من الأحيان؛ ورغم ذلك فقد وجهت تلك المقاطعة ضربات موجعة لعدد من الشركات العالمية في منطقة الشرق الأوسط، مثل مجموعة سوبر ماركت (سنسبري) ، ومطاعم (ماكدونالدز) و (بيتزاهت) ، وشركات (كوكاكولا) وإريال وغيرها، ولو لم تقض تلك المقاطعة على الوجود الاقتصادي اليهودي الأمريكي في المنطقة إلا أنها أرسلت رسالة واضحة جداً تمثل الغضب الشعبي والإسلامي من ممارسات (إسرائيل) القمعية فهمتها تلك الشركات بحاستها الاقتصادية بسرعة؛ فراحت تغازل مؤيدي الانتفاضة بمشاركتهم الدعم الصحي للفلسطينيين، وفهمتها كذلك دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية و (إسرائيل) من وراء تلك الشركات. وعسى أن تكون تجربة المقاطعة مدعاة لإحسان تفعيلها عند استخدامها مرة أخرى بشكل يوجع الاقتصاد الأمريكي والإسرائيلي، ويحد من كبريائهما السياسي والعسكري. ٧ - تخفيف وطأة الضغوط التي تمارس ضد المعارضة العربية والإسلامية واستفادة المعارضة من ذلك: أعطت الانتفاضة زخماً عظيماً ودفعة هائلة لقوى المعارضة في الدول العربية والإسلامية لا سيما المعارضة الإسلامية منها لأسباب منها: ١ - أظهرت بُعد نظر تلك المعارضة في عدم جدوى المفاوضات لعدم وفاء الإسرائيليين بالمعاهدات والمواثيق، وللانحياز الكامل من جانب الولايات المتحدة لـ (إسرائيل) ، ولأن المفاوضات لم تمنع (إسرائيل) من تنفيذ مخططاتها الاستيطانية، ولم تعد اللاجئين الفلسطينيين البالغ عددهم أكثر من ٣,٧ ملايين فلسطيني إلى ديارهم، كما لم تحد من غلواء العصابات الصهيونية في سعيها الحثيث لهدم المسجد المبارك، بُعد نظر تلك المعارضة ترجمته بصدق أربع انتفاضات في مرحلة المفاوضات: (١٩٩٤م انتفاضة الحرم الإبراهيمي، ١٩٩٦م انتفاضة النفق، ١٩٩٧م انتفاضة جبل أبو غنيم، ٢٠٠٠م انتفاضة الأسرى) ، وجسدته أعظم الانتفاضات: انتفاضة الأقصى الحالية التي وصفت بأنها جاءت بمثابة حرق لجثة السلام. ٢ - تنعم المعارضة في الدول العربية - لا سيما المعارضة الإسلامية منها - بهامش حرية أكبر كلما ابتعدت أنظمة تلك الدول عن الارتباط بالكيان الإسرائيلي، أو كلما أرادت تلك الأنظمة أن تستغل ورقة المعارضة لديها. ٣ - تعد قضية الأقصى ببعدها الديني تربة خصبة لأحزاب وقوى المعارضة تستنبت فيها أيديولوجياتها المختلفة التي ترى وفقها كل منها حلاً للمعضلة الفلسطينية يتنافر بطبيعة الحال مع رؤية الأنظمة الحاكمة التي لم تستطع أن تقدم سوى مفاوضات عرجاء لا تتجاسر تلك الأنظمة على الدفاع عنها الآن. ٤ - استغلت تلك الأحزاب والقوى السياسية عدم قدرة الأنظمة العربية على قمع تظاهراتها وندواتها في قضية واضحة المعالم تتمثل في الدفاع عن الأقصى الشريف وعن حراسه، وهي قضية لا يتناطح علانية فيها عنزان. ٨ - زيادة الوعي العالمي بالقضية الفلسطينية: تقول صحيفة دي فيلت الألمانية: إن إطفاء النيران المشتعلة في الشرق الأوسط ليس بالأمر الذي يسمح بتركه للإسرائيليين والفلسطينيين فقط، وتحذر تلك الصحيفة من مغبة تفجر الصراع في الشرق الأوسط وانعكاساته على العالم بأسره، مذكرة بتفجير المدمرة الأمريكية كول - مركز التجارة العالمي - سفارتي أمريكا في نيروبي ودار السلام - الاعتداء على كنيس يهودي في فرنسا - الاعتداء على سفارة بريطانيا في صنعاء. لقد شعر العالم بمستوييه الرسمي والشعبي بخطورة تدويل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأحس بذلك - خصوصاً - في الأيام الأولى للانتفاضة، وكادت الدولة العظمى الأولى تمنى بخسارة عسكرية فادحة جراء تفجير المدمرة كول، وأغلقت معظم سفاراتها وقنصلياتها في الشرق الأوسط وإفريقيا، ولم تستطع الآلة الإعلامية اليهودية العملاقة ممارسة التدليس الكامل على شعوب العالم في شأن القضية الفلسطينية بل أرغمت على بث جانب من الحقيقة المدينة لـ (إسرائيل) ؛ فاكتسبت المقاومة الفلسطينية بذلك تعاطفاً محدوداً في الدول الغربية لم تكن تطمح إليه سابقاً، ودبت الروح مجدداً في الجاليات المسلمة والعربية في الغرب، واستشعرت دوراً حيوياً لها في المهجر، فسيرت التظاهرات، وأحيت الندوات، وجمعت التبرعات. وقد أدى ذلك كله إلى نمو وعي العالم بالقضية الفلسطينية، وتعاطف البعض معها حتى إن التبرعات التي جمعت في دول أوروبا على المستويين الرسمي والشعبي بلغت نحو نصف ما قدمه العرب للفلسطينيين. ٩ - جسارة حراس الأقصى تقطع الطريق على الداعين لهدمه: من إيجابيات الانتفاضة الأخيرة أنها أثبتت لليهود أن للأقصى رجالاً يذودون عن حماه، وأن على متدينيهم ومتطرفيهم التفكير ألف مرة قبل الإقدام على هدمه. لقد كانت زيارة مسؤول إسرائيلي للأقصى الشريف قمينة بأن تلهب الغضب في فلسطين، وأن تتدافع الجماهير مسترخصة الأرواح والأنفس للحيلولة دون تدنيسه فضلاً عن هدمه. لا ريب أن نزيف الدم كان ضرورياً لحرف جماعات التطرف اليهودي عن مسارها الشيطاني الهادف إلى هدم المسجد الأقصى، وما ينبغي للعرب أو المسلمين أن يندموا على دم طاهر أريق على أعتاب القدس أبداً. ١٠ - الكشف عن مدى فساد السلطة الفلسطينية الأمني والمالي، واهتزاز ولاء صغار الجنود للزعيم: فساد السلطة الأمني والمالي هما من أهم ما أماطت الانتفاضة الفلسطينية اللثام عنه؛ إذ أسقطت به السلطة الفلسطينية أسهماً كثيرة من رصيدها لدى الشعب الفلسطيني المناضل؛ فحين كان القصف الإسرائيلي الرهيب يمطر قطاع غزة والضفة الغربية كان محمد دحلان يطلق تصريحه مفاخراً: (دافعنا عن إسرائيل ٦ سنوات كاملة) ، وكان جنوده يعتقلون كوادر حماس والجهاد الإسلامي، ومن بينهم مخططو انفجار الخضيرة الكبير بعد أيام من تنفيذه، وكانوا يحررون ويا لبؤسهم رئيس مجلس بلدية (بيرتيبالا) من عملية اختطاف، ولا يخفى على ذي عينين أن الفلسطينيين وهم ذوو حس نضالي رفيع لم ينظروا بارتياح إلى مشهد القادة والمفاوضين وهم يبتسمون لأعدائهم أمام شاشات التلفزة، ويلوحون للصحفيين وهم مع الإسرائيليين في مركب واحد وسيارات فارهة. كشفت انتفاضة الأقصى عن هوة سحيقة بين الجهاد والنضال الذي يمارسه الفلسطينيون وبين الخيانة التي تقوم بها سلطتهم (الوطنية) ، وفتحت ملفات حرصت السلطة كثيراً على إخفائها، وهبت القوى الفلسطينية بـ ١٣ تنظيم إسلامي ووطني لتوقع على وثيقة تدعو عرفات لوضع حد لكل مظاهر الفساد؛ حتى إن عرفات تلقى تحذيراً شديداً من داخل حركته (حركة فتح) للقضاء على كل مظاهر الفساد بالسلطة، أتبعه مقتل هشام مكي مسؤول التلفزة الفلسطينية على يد منظمة مجهولة تدعى: (كتائب الأقصى) متهمة إياه بالفساد، وتنادت جهات رسمية وشعبية عربية وإسلامية تدعو إلى منع السلطة من بسط سيطرتها على أموال التبرعات التي تلقتها منظمة التحرير الفلسطينية منذ إنشائها قبل نحو ٣٥ سنة. مظاهر الفساد التي كشفتها الانتفاضة حدت بمسؤول أوروبي رفيع إلى التحذير من انهيار السلطة الفلسطينية منوهاً في الوقت ذاته إلى أن ذلك يعني أن (إسرائيل) تكون قد فقدت شريكها في عملية السلام مما سيهدد أمنها. ١١ - تضامن فلسطينيي الأرض المحتلة عام ١٩٤٨م: خرجت جماهير فلسطين ١٩٤٨م في انتخابات يوم ٦ فبراير عام ٢٠٠١م لتصوت للانتفاضة لا لباراك ولا لشارون ولا حتى للسلطة الفلسطينية التي دعتهم صراحة لتأييد باراك لمواصلة ما تبقى من عملية السلام، هبت تلك الجماهير هبة وثابة إبان الانتفاضة والانتخابات الإسرائيلية لتؤكد بكل حسم ما يلي: ١ - عمق الفجوة بين المواطن الفلسطيني الذي أرغم على الانتماء (ورقياً) إلى (دولة إسرائيل) وبين هذه (الدولة) وهو ما يعني هشاشة المجتمع الإسرائيلي الزاعم بأنه استوعب عرب ١٩٤٨م. ٢ - رغم كل محاولات إسرائيل (أسرلة) عرب ١٩٤٨م إلا أنهم لما رأوا الخطب عظيماً، وأحسوا بأن القدس في خطر هبوا بكل قوة مشاركين في الانتفاضة الغراء حتى سقط منهم ١٣ شهيداً. ٣ - أن السلطة الفلسطينية تفتقر إلى الشعبية في صفوف عرب ١٩٤٨م وقد باءت دعوتها بالإخفاق لعدم التصويت لصالح شارون إخفاقاً مخجلاً حينما أصر عرب ١٩٤٨م على وضع بطاقات بيضاء في صناديق الاقتراع مصرِّين بذلك على معاقبة باراك لقتل ١٣ منهم، ومصرِّين في الوقت نفسه على عدم إعطاء أي مزية للسفاح شارون، لتأكيد أن لا مصلحة لهم في نجاح هذا ولا ذاك. ٤ - أن الانتفاضة وما استتبعها من انتخابات إسرائيلية قد أعطت وضعاً فائق التميز لعرب ١٩٤٨م داخل المجتمع الإسرائيلي حيث أخذ الساسة الإسرائيليون يخطبون ودهم ويحاولون استقطابهم؛ لدرجة أن السفاح شارون نفسه عمل على ذلك قبل وأثناء وبعد الانتفاضة الإسرائيلية، أما الاستخبارات الإسرائيلية؛ فقد بدا عليها الانزعاج إزاء ما أسمته الطابور الخامس العربي؛ وهو ما يعني مزيداً من القلق الإسرائيلي. ٥ - وحدت الانتفاضة عرب ١٩٤٨م، وأعادت إليهم هويتهم شبه الذائبة، وبصرتهم بدورهم الهام الذي ينبغي لهم أن يضطلعوا به، فكانت صرختهم مدوية، وكان لها مردودها الطيب على الفلسطينيين في داخل فلسطين ١٩٤٨م، ١٩٦٧م. ١٢ - إحراز الفلسطينيين ومحازبيهم تقدماً نوعياً في حربهم الإلكترونية ضد إسرائيل على شبكة المعلومات الدولية إنترنت: باستخدام (البت والبايت) إلى جانب الحجارة والرصاص تمكن الفلسطينيون ومحازبوهم من المسلمين العرب من تحقيق نصر رمزي ومادي على (إسرائيل) قدر بأكثر من مليون دولار جراء تعطيل واختراق عدد كبير من مواقع (إسرائيل) ، من أهمها موقع الكنيست الإسرائيلي على شبكة إنترنت، وبالرغم من أن (إسرائيل) قد داهمت عدداً من المواقع الفلسطينية والعربية والإسلامية إلا أن مجرد تحقيق تقدم للجانب الفلسطيني في هذا المضمار يعد انتصاراً كبيراً لهم بالنظر إلى الإمكانات الإلكترونية الهائلة لليهود في العالم. ١٣ - استخدام الأسلحة بشكل متناغم مع الحجارة في الانتفاضة: تميزت انتفاضة سبتمبر ٢٠٠٠م عن سابقاتها بتنوع أسلحة المقاومة وتدرجها من الجانب السلمي (قذف الحجارة) إلى الجانب العسكري (استخدام البنادق والمتفجرات والهاون) ، حيث تم جر إسرائيل إلى حرب استنزاف تهدف إلى العمل على إفقاد (إسرائيل) التدريجي لقدرتها على المقاومة، ودفعها إلى اتخاذ موقف مشابه لمثل الذي اتخذته في الجنوب اللبناني. ١٤ - الاضطراب السياسي وتعاقب الحكومات الضعيفة في إسرائيل: بالطبع ليس الأمر مقصوراً على هذه الانتفاضة الأخيرة وحدها؛ وإنما جاءت انتفاضة الأقصى لتتم عملاً سبقتها إليه سلسلة من الانتفاضات أدت جميعها إلى اضطراب الساحة السياسية الإسرائيلية، وعدم قدرتها على إيجاد حكومة إسرائيلية واحدة قوية تستطيع أن ترسم مشاريعها وتنفذها على أرض الواقع، وإذ يعمل كل رئيس حكومة إسرائيلي وسط فسيفسائية حزبية إن أرضى وزيراً وحزباً أغضب آخرين؛ فليس بمقدوره أن ينفذ سياسة واضحة المعالم؛ ولقد بدا ذلك جلياً في شخص رئيس الوزراء السابق أيهود باراك حينما بدأ حكمه بصفة بديل سلمي لنتنياهو فإذا به ينتهي أسوأ منه؛ فالهدف الأسمى عند أي رئيس حكومة إسرائيلي أصبح هو أن يبقي حكومته قائمة دون اقتراع برلماني لحجب الثقة عنها فقط. ١٥ - العالمان العربي والإسلامي في الميزان: قد كانت شعوب العالمين العربي والإسلامي بحاجة لأن تضع نفسها وأنظمتها في الميزان لتعلم مدى جديتها في التعامل مع القضايا المصيرية، ومنذ وطئت قدما شارون أرض الحرم وردود الفعل تتوالى في العالمين العربي والإسلامي، وبدا ما يلي: ١ - لهث الرسمي وراء الشعبي محاولاً إثبات وطنيته وعروبته وإسلامه؛ لكن لغة السياسة ما لبثت أن فضحته؛ فرد فعله على المستوى الأقصى لم ولن يتجاوز سقف القرارات الدولية والمؤتمرات والشجب والتنديد. ٢ - مثلت غالبية الأنظمة القائمة حاجزاً مريراً يحول بين الشعوب ومناصرة الشعب الفلسطيني الأعزل. ٣ - ظلت بعض الدول العربية - على المستوى الرسمي - مصرة على السباحة ضد التيار الرافض لـ (إسرائيل) ، ولم تبال بالغضب الشعبي، بل عملت على إسكاته، ومن هذه الدول الأردن الرسمي الذي لم تهزه الأحداث فراح يعتقل بعض جرحى الانتفاضة، وأوقف عدداً من مناهضي التطبيع لديه لنشرهم قائمة بالمطبعين طالت عدداً من المسؤولين رفيعي المستوى، ووجه إلى المناهضين عدداً من الاتهامات قد تصل إلى الإعدام. ٤ - تفاعلت الشعوب العربية والإسلامية على اختلاف تركيبتها مع قضية الأقصى؛ بيد أن ذلك التفاعل تفاعل عاطفي ما يلبث أن تخبو جذوته بمجرد إزاحة صور الأحداث عن شاشات التلفزة. ٥ - سلاح المال هو السلاح الفعال الأوحد الذي استخدمته الحكومات والشعوب لدفع الشعور بالتقصير. ١٦ - بث الرعب في قلوب الإسرائيليين ودفعهم إلى الشعور الدائم بعدم الاستقرار: ذكرت مصادر إسرائيلية في جيش إسرائيل أن ١٨ إسرائيلياً انتحروا منذ بدء الانتفاضة، وعدد المنتحرين هذا هو ضعف العدد المسجل في العام الماضي كله. الانتفاضة أصابت ٤٠% من الإسرائيليين بأمراض نفسية، وتضاعف عدد المتعرضين للكوابيس، والمصابين بالتبول اللاإرادي لدى أطفال اليهود. المستوطنون ينزلون إلى الملاجئ بكثرة إثر قصف الفلسطينيين للمستوطنات اليهودية بقذائف الهاون. الفتيات اليهوديات يرفضن الزواج من مستوطنين أو ممن يصرون على الاستقرار في المستوطنات. سيل من الأنباء تقذفها الوكالات كل يوم قاسمها المشترك هو الرعب الشديد الذي يشعر به الإسرائيليون؛ مما يؤكد أن الانتفاضيين يدفعون الإسرائيليين إلى الإحساس بأنهم ليسوا في جنة الله الموعودة، وأنهم ببساطة لا يحيون في بلد ينعم بالاستقرار. ١٧ - الالتفاف عربياً وإسلامياً حول قضية واحدة: توافر لانتفاضة الأقصى حجم هائل من التأييد والمؤازرة لم تشهد الأمتان العربية والإسلامية له نظيراً منذ زمن بعيد، ورُئِيت شعوبنا وهي تنتفض انتفاضة موازية لانتفاضة الأقصى، وكشفت تلك المحنة عن أن شعبنا العربي لم يمت بعد. لقد كانت الأمة بحاجة إلى هذه الانتفاضة لتلتف حول قضية واحدة، وليستبين لها كم تُعادى وكم يُتآمر عليها؟ وكم تثمن في سوق الأمم؟ الأمتان العربية والإسلامية مريضتان الآن بمرض العولمة، وإنما يرجى لهما العلاج من خلال الصدمات الكهربية، ولقد كانت انتفاضة الأقصى إحدى هذه الصدمات. ١٨ - التطور النوعي في أسلحة المقاومة: شهدت الانتفاضة الميمونة تطوراً نوعياً في أسلحتها واستجلاباً لخبرات جهادية جديدة؛ حيث لوحظ أن عسكريي الانتفاضة قد استخدموا للمرة الأولى التفجير عن بعد بواسطة الهاتف، واستخدموا تفجير عربة كارو، وقذفوا للمرة الأولى أيضاً المستوطنات الإسرائيلية بقذائف الهاون.. إلى غير ذلك من مظاهر التطور، وقد أدى ذلك التطور إلى توزيع كبير في العمليات العسكرية مكنها من مضاعفة عددها ليصل في أربعة أشهر إلى أكثر من ٨٠ عملية عسكرية بحسب خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس. ثانياً: إخفاقات وسلبيات أماطت الانتفاضة اللثام عنها: ١ - الخسائر الاقتصادية والعوز المالي للفلسطينيين: ضحى الفلسطينيون بمبالغ طائلة من أجل أن تستمر انتفاضتهم، قدرت بنحو ٣ مليارات من الدولارات توزعت على القطاعات والموارد الآتية وفقاً للمركز الفلسطيني للإعلام: ١ - قطاع الصناعة: تأثر بسبب تدمير الكثير من المصانع وعدم توافر الخامات للمصانع وصعوبة التسويق. ٢ - قطاع الزراعة: خضع للتدمير الإسرائيلي، وتأثر بانشغال رماة الحجارة عنه، وأسفر عن خسائر قدرت بـ ١٢٧ مليون دولار. ٣ - قطاع العمالة: أسفرت الانتفاضة عن وجود نحو مليون عاطل عن العمل. ٤ - الصيد البحري: منعت إسرائيل الصيد البحري في المناطق الجنوبية من فلسطين. ٥ - قطاع المواصلات: يمثل ١٥% من واردات فلسطين، تأثر هو الآخر تأثراً كبيراً نتيجة للانتفاضة. ٦ - قطاع السياحة: أحجم السياح عن زيارة فلسطين فأدى ذلك إلى خسائر قدرت بـ ١٠٠ مليون دولار. ٧ - قطاع الخدمات: تأثر بشدة نتيجة الزيادة الكبيرة في غياب الموظفين. ٨ - قطاع الصحة: ارتفاع عال في المصروفات نتيجة للاستهلاك المرتفع للأدوية الطبية. ٩ - المدخرات: حدث استهلاك منتظم لمدخرات الفلسطينيين مما قلل من فرص استثمارهم أموالهم. ١٠ - الاستثمار: تأثر جداً نتيجة لإحجام المستثمرين عن ضخ أموالهم في منطقة مهتزة اقتصادياً. ١١ - المشاريع التنموية الكبرى: توقفت تماماً. خسر الفلسطينيون كثيراً ولا غرو؛ فالثورات لم تقم يوماً لتحسين مستوى المعيشة فحسب؛ وإنما قامت لتحرر الإنسان من ربقة العبودية التي يحكم قيدها الاحتلال وأذنابه. ٢ - كثرة الشهداء والجرحى الفلسطينيين في الانتفاضة: ليست الشهادة مغرماً ولا سيما إذا جاءت دفاعاً عن الأقصى الشريف؛ بيد أن المتتبع لأحداث الانتفاضة لا بد أن يلحظ الكم من القتلى والجرحى في صفوف الفلسطينيين؛ فالحصيلة الأولى المبدئية للشهور الأربعة الأولى للانتفاضة يزيد عدد القتلى فيها عن ٣٥٠ قتيلاً، وعدد جرحى أكثر من ١٠٠٠٠ جريح، ويتجاوز عدد الأسرى ٦٠٠٠ أسير فلسطيني. أما القوى الفلسطينية الرئيسة (حماس فتح الجهاد الإسلامي) فقد فقدت أكثر من ٢٠ من أبرز نشطائها؛ هذه الفاتورة العالية نسبياً نتجت عن لقاء الشباب الفلسطينيين أعداءهم بصدور عارية وأيد خالية، وليس لهذا ما يسوِّغه في كثير من الأحيان، ومن غير السديد أن يكون المؤشر على غليان الانتفاضة وفتورها هو عدد ضحايانا، بل الصواب أن يكون مؤشر ذلك هو بمقدار النكاية في صفوف اليهود، فنعلم أن الانتفاضة في وضع جيد إذا ما زاد عدد قتلى اليهود، أو بمقدار إرهاق الجيش الإسرائيلي، وبث الرعب في قلب المجتمع الإسرائيلي، ولا شك أن لكل هذا ضحاياه، لكن ينبغي ألاَّ تبلغ فاتورة القتلى والجرحى حد الانتكاسة، فيُرى في الفعل الانتفاضي ذاته خسارة. ٣ - اقتصار الدعم الخارجي على الجانب المالي فقط، وخفوت الصوت الداعم للانتفاضة: الثورة العربية والإسلامية التي أتت مواكبة للانتفاضة انكفأت على دريهمات تلقى في يد الطفل المنتفض، وعوض أن تتعدد صور المؤازرة العربية والإسلامية للقضية الفلسطينية انسحبت على تبرعات مالية وصوت زاعق ما لبث أن خفت حدته بمرور الوقت، مما يشي بعجز الانتفاضة في أقصى درجات تطورها عن قلب الاندفاع العاطفي العربي الإسلامي إيماناً صادقاً وصموداً واثقاً وثباتاً دائماً والحق أن ذلك ليس عيب الانتفاضة، وإنما قدرها أن تأتي لتكون بمثابة العدسة التي تظهر الصورة البائسة بكل ما فيها من عوار لأمة لم تحرك فيها جلالة المصيبة سوى الزفرات والدمعات وقليل من الدريهمات. ٤ - حالة سلبية مقيتة للتخاذل الإسلامي في حال الإقدام على هدم الأقصى الشريف: لقد عُدَّت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي قبل انتخابه إلى المسجد الأقصى الشريف بمثابة بالون اختبار أريد منه قياس ردود الأفعال العربية والإسلامية داخل وخارج فلسطين، فجاءت ردود الأفعال من الداخل الفلسطيني مخيبة لآمال الإسرائيليين، وجاءت ردود الأفعال الخارجية مخيبة لآمال حراس الأقصى على المستوى الرسمي. ومع هذا لم يحرك العرب لها ساكناً بل مرت الأنباء الآتية عليهم مرور الكرام: - نائب بطريريك الكنيسة الكاثوليكية يصرح لأخبار العرب: (هيكل سليمان) جاهز في أمريكا لا ينقصه سوى النقل والتركيب وينتظر النقل إلى القدس؛ فيما اليهود منهمكون في مخططهم الإجرامي لهدم الأقصى. - خطة (إسرائيل) لعزل القدس عن المناطق الفلسطينية. - قوات مارينز أمريكية تشارك في تدريبات مع الجيش الإسرائيلي في احتلال الأراضي الفلسطينية، وتشمل تلك التدريبات تدريب اليهود على القنص. هذه الأنباء ومثيلاتها من ذوات الوزن الثقيل سيقت إبان الانتفاضة ومررها اليهود على مسامع العرب والمسلمين قادة ومحكومين؛ ومع هذا طاب للأولين أن يدوروا في ذات حلقاتهم المفرغة. ٥ - جرأة (إسرائيل) في قمع الانتفاضة واستخدام أسلحة فتاكة: كان من الغريب أن تُقدِم (إسرائيل) على إصابة أكثر من ١٥٠٠ فلسطيني بقذائف اليورانيوم المستنفذ من غير وازع، وأن تسترسل في قصف قرى ومدن فلسطين بالدبابات والطائرات والمدفعية من دون أن تلقي بالاً لبث وقائع الانتفاضة ساعة بساعة على شاشات التلفزة العالمية. وتبجُّح (إسرائيل) السافر أثناء انتفاضة الأقصى إنما يعني أن (إسرائيل) لم يعد لديها ما تخشى نشره وإذاعته. وبعدُ: فالانتفاضة على ما ذكرت قد دفعت من الشر أكثر مما استجلبت من مآس، لقد كان في صدر برنامج أيهود باراك الانتخابي الذي أسقطته الانتفاضة نقاط لا تدل إلا على التراجع الإسرائيلي أمام سيل المنتفضين المنهمر، ومن ذلك: - فك الارتباط الأمني. - ضم التكتلات الاستيطانية. - سحب المستوطنات المعزولة. - إقامة منطقة أمنية في غور الأردن. هذه النقاط الأربع ترسم الصورة البائسة التي تبدى بها الساسة ومسؤولو التخطيط الإسرائيلي إزاء عجزهم عن تحقيق مطلبهم الأسمى بالأمن في الأرض الفلسطينية المحتلة، وبحسب الانتفاضة أنها وحدت الفلسطينيين، ووحدت العرب على نحو معين، وبصرت الجميع بمن يعمل لمصلحة أمته ومن يخونها، وبثت الرعب في قلوب اليهود، وعزلتهم سياسياً واقتصادياً في منطقة الشرق الأوسط، ودفعت أقدام المجاهدين خطوات وثابة في طريق النصر.

стр. 4000

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش qatamish١٠٠@hotmail.com أمريكيون أكثر من الأمريكان مع الأسف أن بعض سياسيينا، حتى المخضرمين منهم، يندفعون وينجرفون وراء تيار العواطف والخطب العاصفة، وهم أعلم الناس بعدم جدواها، بل ومضرتها على مصالح الكويت. مؤتمر مقاومة التطبيع مع إسرائيل الذي عقد مؤخراً في الكويت دليل على ذلك؛ فقد ارتفعت نغمات وانفعالات غير مسؤولة، وأجزم بأن كثيراً من الكويتيين غير معنيين بها، وتنم عن الغضب العارم بسبب ممارسات إسرائيل الظالمة والموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية الذي يثير كثيراً من الحنق، فلولا وقوف أمريكا مع الغطرسة الإسرائيلية وتغاضيها عن ممارستها الإجرامية لاستطاعت الأمم المتحدة إنقاذ أطفال الحجارة، ولمنعت الاستيطان، بل وقد تتحرر فلسطين. هناك إشكالية واحدة نرجو وننصح سياسيينا وخطباءنا الكويتيين ألا تغيب عن بالهم ووجدانهم، وهي أن مصالح الكويت الأمنية ووجودها تتعارض ومصالح أصحاب الخطب الرنانة، وتمادي بعض البرلمانيين الكويتيين بالدعوة إلى مقاطعة أمريكا غير مقبول. من حقهم أن يحتجوا ويتذمروا من سياسات أمريكا المنحازة ضد العرب في قضية فلسطين، عندما وقعت طامة الغزو وجدنا أنفسنا وحيدين، وقد أنشب صدام براثنه فينا، ولولا فضل الله، وقوة أمريكا وحلفاؤها لما استطاع هؤلاء المؤتمرون عقد مؤتمرهم هذا في الكويت، ولما استطاع منظموه الكويتيون الدعوة إليه. مقاطعة أمريكا أسطوانة مشروخة، كنا نسمعها منذ عقود، لكنه مجرد كلام وشعارات، حتى الاتحاد السوفييتي في أوج عظمته وخصومته لها لم يستغن عن القمح الأمريكي، الكويت لا تستطيع مقاطعة أمريكا، لا نريد مقاطعة أمريكا، ولا نريد إغضابها، أمريكا تعلم بذلك، لنكن واقعيين، هل تريدون التخلي عن الأمن الكويتي من أجل الآخرين؟ لنقاطع إسرائيل، وليتوقف التطبيع معها، مع أن الكويت غير معنية به، ولتذهب الصهيونية إلى الجحيم، أما أمريكا فلا أرانا الله بها مكروهاً. [الكاتب الكويتي: طلال عبد الكريم العرب، جريدة القبس، العدد: (١٠٠٦٠) ] والتفكير الأمريكي بينما كنت اقرأ عن كل حوادث العداء لأمريكا التي واجهها الرئيس بوش خلال جولته الأوروبية الأخيرة تذكرت أغنية راندي نيومان التي غناها في السبعينيات وعنوانها: «العلوم السياسية» ، وكانت أبياتها تقول: «لا أحد مثلنا، لا أدري لماذا. ربما لا نكون مثاليين، ولكن الله يعلم أننا نحاول أن نكون. ولكن كل من حولنا، حتى أصدقاؤنا القدامى يحطون من قدرنا. دعنا نلقي قنبلتنا تلك الأكبر ونرى ما سيحدث، آسيا مزدحمة، وأوروبا هرمة، إفريقيا حارة جداً، وكندا شديدة البرد، وأمريكا الجنوبية سرقت اسمنا، دعنا نلقي قنبلتنا تلك الأكبر. فلن يبقى أحد على قيد الحياة ليلومنا» . أغنية نيومان القصيرة هذه تذكر بأن العداء لأمريكا قديم ولم يبدأ في الظهور مع تولي جورج «دوبايا» الرئاسة. [الكاتب الأمريكي توماس فريدمان، جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٢٣٩) ] الثمن الغالي الشعب الفلسطيني عاش طوال سنوات الاحتلال الوضع نفسه، وتحمل وقاوم من أجل وطنه وأرضه، إننا نعيش تحت الاحتلال، والاحتلال أسوأ أنواع الذل، وحياة الذل لا يمكن أن يتحملها أحد، نحن أصحاب حق، صحيح أننا ضعفاء عسكرياً أمام عدو مدجج، لكن هذه هي معادلة التاريخ: الضعفاء الذين يقعون تحت الاحتلال يقاومون ويقاومون ويدفعون ثمناً باهظاً ثم ينتصرون ونحن سنستمر في المقاومة، والمقاومة ستتصاعد وستبتكر وسائل جديدة؛ فابتكار المادة الجديدة التي استعملت في العملية الأخيرة أدى إلى قتل عشرين شخصاً. وبدون شك فإن استمرار المقاومة سيؤدي إلى المزيد من الابتكارات الموجعة للعدو الصهيوني، يجب ألا يعتقدوا أن الاحتلال درب مفروش بالورود وإنما بالقنابل. ولن تكون المقاومة بلا ثمن، بل ستدفع ثمناً باهظاً في طريقها، ولكنها الطريق الوحيدة التي ستصل بنا إلى حقوقنا المشروعة، وهذه المقاومة ستوقظ أمتنا العربية من سباتها، وإذا حدثت هذه اليقظة فستؤدي إلى خطر داهم على العدو الذي يسخر من أمة عددها مليار وثلاثمائة مليون مسلم ويغتصب أرضها، نحن دفعنا ثمناً ليس فقط من أجل قتل العدو وإيلامه إنما أيضاً من أجل إيقاظ الأمة العربية والإسلامية لتقف على أقدامها من جديد وتدافع عن أرضها المغتصبة وكرامتها وحضارتها. إن مقاومة الشعوب لا تنتهي في أشهر، فالاتحاد السوفييتي تكوَّن وانهار في سبعين سنة ويعتبر أنه انهار وهو في سن الطفولة ونحن اليوم لا طريق أمامنا سوى استمرار المقاومة، وإلا فسنصحو بعد عشرين سنة ونقول: لنبدأ من جديد. [عبد العزيز الرنتيسي، مجلة الوسط، العدد: (٤٨٩) ] سلاح إلهي ينتاب الخوف والقلق الإسرائيليين ويغلف حياتهم الآن بالهواجس والاكتئاب بسبب كثرة العمليات الاستشهادية التي يقوم بها الفلسطينيون لإجبار قوات الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب من أراضيهم. وتقول إحدى الإسرائيليات إنها تقوم بعد نهوضها من الفراش بفتح النافذة للتأكد من عدم وقوع انفجار وأنها تشعر بالخوف من ركوب الحافلة، وحين تستقلها تجلس فيها وعيناها تدوران حولها لترى ما إذا كان هناك شخص ما يحمل حقيبة كبيرة، وفي المحصلة تقول إنها لا تشعر بالرغبة في الخروج من المنزل وتفضل الجلوس داخله. كما تنتاب الحيرة طالبة أخرى حول أي من خطوط المواصلات أفضل من الناحية الأمنية حتى لا أعود للمنزل دون أيد أو رجل، نحن نشعر بأننا داخل نفق مظلم، لقد أصبحنا أسرى دواخلنا في انتظار الهجوم القادم، ونفضل البقاء في أماكننا دون التطلع نحو شيء جديد. ويقول غسان الخطيب مدير مركز القدس للإعلام والاتصالات: إن العمليات الاستشهادية داخل الأراضي المحتلة تهدف إلى بث القلق والخوف في نفوس الإسرائيليين حيث إنها تندرج في إطار رحلة مقاومة طويلة الأمد ترمي في ختام المطاف إلى هزيمة إسرائيل وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وترك انطباع لدى الإسرائيليين بأن عليهم دفع الثمن غالياً في حالة عدم السعي إلى إقامة السلام. [جريدة الاتحاد، العدد: (٩٤٦٥) ] الحياد الأمريكي قالت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية إن وزارة الخارجية الأمريكية أقرت عقداً يقدم إمدادات نقل، وإيواء قيمتها ثلاثة ملايين دولار للمعارضة السودانية. ونقلت الصحيفة عن مصادر حكومية على دراية بالترتيبات قولها إنه في إطار عقد مع شركة دينكورب للمقاولات الدفاعية ستقدم إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش التمويل اللازم لإقامة المكاتب ومحطات الإذاعة وتدريب أعضاء التجمع الوطني الديمقراطي وهو تحالف بين أحزاب المعارضة الشمالية، وحركة قرنق التي تقاتل في الجنوب. وأبلغت المصادر الصحيفة بأن هدف الإدارة الأمريكية هو تقوية موقف التجمع في مواجهة الحكومة السودانية في الخرطوم، وذكرت الصحيفة أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون وافقت على البرنامج الذي سيتكلف ثلاثة ملايين دولار، وأنه لا علاقة له بمساعدات أخرى قيمتها عشرة ملايين دولار وافق الكونجرس العام الماضي على تقديمها كمساعدات للنقل والإيواء للجيش الشعبي لتحرير السودان، وهو أكبر الميليشيات المسلحة التي تقاتل قوات الحكومة السودانية منذ عام ١٩٨٣م بزعامة جون قرنق. [جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٢٦/٥/٢٠٠١م] أبناء الشيوعية يعاني كل الأطفال الروس تقريباً في سن انتهاء حياتهم المدرسية من مرض مزمن أو أكثر، بينما يتجه كثيرون نحو الإدمان على الكحول طبقاً لتقرير نشرته وزارة الصحة الروسية. وقالت الدراسة إن طفلاً واحداً من كل عشرة يمكن اعتباره يتمتع بصحة جيدة، وذلك من بين الأطفال تحت سن السابعة عشرة. وحسب التقرير الذي أعد لمناسبة يوم الطفل العالمي، فإن الاضطرابات العقلية بين الأطفال والمراهقين زادت بنسبة ٢٥% خلال السنين الخمس الأخيرة. ويعيش أكثر من مليونين ونصف المليون طفل تخلى عنهم آباؤهم الذين لم يعودوا قادرين على تربيتهم، ومن بين مئة ألف طفل، يسجل سبعمائة وستون كمتعاطين للكحول أو المخدرات، وتظهر الدراسة البلاد بعد عشر سنوات من بدء الإصلاحات الاقتصادية غير قادرة على رعاية مواطنيها. موقع هيئة الإذاعة البريطانية http://bbcarabic.com رسالة إلى الدعاة أكدت دراسة أعدتها شركة بارنا لاستطلاعات الرأي في ولاية كاليفورنيا الأمريكية تزايد عدد مستخدمي الإنترنت، لأغراض دينية أو روحية، حيث إن ٨% من البالغين، و١٢ % من المراهقين في أمريكا يستخدمونه لهذا الغرض، هذا بالإضافة إلى ٢% ممن شملهم الاستطلاع يستخدمونه كبديل عن الذهاب إلى الكنيسة كما أشار ٦٦% من هؤلاء أنهم يشتركون في ممارسة بعض الأنشطة الدينية عبر الإنترنت. ومن بين الأنشطة التي اعتبروها أكثر جاذبية، الاستماع إلى دروس دينية وأداء صلوات عبر الإنترنت، وشراء منتجات ذات طابع ديني، وتتنبأ الشركة بزيادة هذه النسب خلال السنوات العشر القادمة ليمارس ١٠% من سكان الكرة الأرضية أنشطتهم الدينية عبر الإنترنت. [مجلة الأهرام العربي، العدد: (٢١٩) ] تسويق التسوية في رأي بشار الأسد ليس ممكناً أن توقع بلاده قبل أن يصل الفلسطينيون إلى حل، وهذه مشكلة عويصة، فمن يضمن أن هناك حلاً للموضوع الفلسطيني في عشر سنين مقبلة؟ ! ماذا لو أن الرئيس الراحل أنور السادات قال الشيء نفسه في عام ١٩٧٩م عندما عُرض عليه استرداد كل ما احتل من أرض بما في ذلك بترول سيناء الثمين وقناة السويس المهمة استراتيجياً ومالياً والأرض المحتلة في شبه الجزيرة الضخمة؟ هل كان ضرورياً أن ينتظر المصريون إلى عام ٢٠٠٢م مثلاً حتى يصبح مناسباً أن يوقعوا على سلام ويستردوا سيناء؟ ولا يعقل أن يلوموا سورية، وهي الصامدة كل هذه السنين الطويلة، لو شاءت أن توقع على اتفاق عادل وإن لم يكن شاملاً، فأبو عمار نفسه وقع على اتفاق سلام في أوسلو. ومع تقديري لموقف دمشق، فإن الامتناع السوري لا يفيد الفلسطينيين كثيراً؛ لأن الفلسطينيين أخطؤوا عندما رفضوا اقتراح السوريين بربط المسارين، بعد إغلاق المسار اللبناني. والسبب أنه كان بإمكان الفلسطينيين استخدام الورقة السورية للحصول من الإسرائيليين على عرض أفضل. لكن العكس ليس صحيحاً، أعني أنه لم يعد للسوريين شيء آخر يطلبونه من الإسرائيليين، وليس عند الفلسطينيين شيء يمنحونه سوى شرعية المشاركة ومباركة أي اتفاق مقبل. فهو مشروع زواج مناسب لأن سورية عملياً وعدت بما تريد، وما تبقى هو حبر القلم وستوقع في وقت ما بـ أو بدون الفلسطينيين. لا جدال في أن ربط المسار الفلسطيني سيكون لصالح الثاني. [عبد الرحمن الراشد، رئيس تحرير جريدة الشرق الأوسط، جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٢٣٧) ] بعض عقاب يتهافت الإسرائيليون على المهدئات ومضادات الاكتئاب، ويزداد ترددهم على عيادات الأطباء النفسانيين على ما كان عليه الأمر قبل الانتفاضة التي اندلعت في ٢٨/٩/٢٠٠٠م. ويؤكد الطبيب عومير بورات من شركة سوبر فارم التي تملك عدداً من الصيدليات أن الوضع ملموس في صيدلياتنا التي سجلت زيادة كبيرة في المبيعات حتى إننا نعجز أحياناً عن تلبية الطلبات على المهدئات. وفي القدس حيث يرتفع التوتر الأمني سجلت شركة سوبر فارم زيادة بنسبة ١٠٠% في مبيعات المهدئات بالنسبة للعام الماضي في حين تراوحت الزيادة في المناطق الأخرى ما بين ٣٥، ٥٠%. أما صيدليات نيوفارم المنافسة فسجلت زيادة بنسبة ٣٠% في المبيعات الأدوية تبعاً لوصفة طبية، لا سيما الشبيهة بدواء بروزاك الذي يستخدم كمهدئ ومضاد للاكتئاب. وتنتشر حالياً الإعلانات الخاصة بهذه الأدوية على الطرق الرئيسية. وتقول إن الذين يطلبون المساعدة يرون في الهجمات كوارث قابلة للتكرار تدفعهم إلى فقدان السيطرة والأمان. وتفرد الصحف صفحات لتحليل الاعتداءات نفسياً، وتستقبل الإذاعات طيلة النهار ناجين وشهوداً أو أقرباء أو حتى مستمعين خائفين توصلهم بطبيب نفساني على الهواء، ويؤكد الأطباء النفسانيون أن تقليد الحداد اليهودي الذي يستمر سبعة أيام (الشيفا) تستقبل خلالها العائلة المعزين من الأقارب يلعب دوراً إيجابياً في مساعدتها على تخطي الأزمة. وقال طبيب نفسي مؤخراً في حديث للإذاعة أن الشيفا تتيح لأهل الفقيد البكاء وإفراغ الشعور بالخسارة بمساعدة الأقارب والأصدقاء قبل العودة إلى الحياة اليومية رغم المعاناة والذكريات. [جريدة الاتحاد، العدد: (٩٤٧٧) ] انظروا إلى هولندا! ! ١ - أثار قرار «فان هوف» سكرتير الدولة للدفاع بحظر ارتداء الجنود للأقراط وأنواع الحلي الذهبية كافة، أثار موجة عارمة من الغضب والتذمر بين أفراد الجيش، وهددت أعداد كبيرة منهم بالاستقالة وترك الخدمة نظير عدم التضحية بخلع ما يرتدونه من حلي؛ حيث يعتبر نظام التجنيد في هولندا طواعية وغير إجباري أو ملزم للشباب، الأمر الذي بات يهدد أكثر من نصف الجنود الهولنديين بالخروج من الخدمة حال تنفيذ تهديداتهم. وعلى الرغم من أن قرار سكرتير الدولة للدفاع قد استنثى خاتم الزواج من القرار، ليشمل الحظر الأقراط التي يرتديها نسبة كبيرة من الجنود بآذانهم على السواء بجانب المجندات، وكذلك الأساور الذهبية والسلاسل والخواتم، إضافة إلى تزيين مناطق غريبة في وجوههم وأجسادهم بوضع أقراط في الجوانب والأنف والشفاه وبجلد البطن وغيرها. [جريدة الوطن السعودية، العدد: (٢٣٣) ] ٢ - أعلن رئيس مجلس النواب بالبرلمان الهولندي السماح للنواب تبادل السب والشتائم وتسجيلها في محاضر الجلسات الرسمية، على أن يتم الاحتفاظ بها واطلاع المواطنين على الألفاظ النابية التي يتفوه بها ممثلو الشعب. وأضاف أنه من حق الجماهير الحالية والأجيال القادمة معرفة كيفية وأساليب الممارسات الديمقراطية حتى لو كانت خارجة عن إطار الآداب العامة المتفق عليها، كما أنه اعتباراً من الآن فصاعداً لن يستخدم رئيس مجلس النواب الهولندي حقه القانوني في منع تسجيل الشتائم، وكذلك إتاحة الفرصة لمحطات الإرسال الإذاعي والبث التلفزيوني في نقل جلسات البرلمان كاملة دون قيود. [جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٦٦٤) ] الإنسانية الغربية تكشفت أخيراً فضيحة جديدة حول استخدام البشر في التجارب النووية، حيث ذكرت صحيفة ساوث تشاينا مورننج التي تصدر في هونج كونج أن العلماء البريطانيين طلبوا في الفترة من الخمسينيات إلى السبعينيات الحصول على قطع آدمية من جثث الأطفال من هونج كونج، لإجراء تجارب نووية عليها. وذكرت الصحيفة أن البريطانيين والأمريكيين استخدموا القطع الآدمية لإجراء اختبار لتأثير الغبار النووي والإشعاعي الناتج عن التجارب النووية عليها. وأضافت الصحيفة أن المسؤولين في هونج كونج وافقوا على استخدام جثث الأطفال المتوفين في إجراء التجارب دون موافقة أهاليهم، وتم إرسال نحو ٦ آلاف جثة رضيع من أستراليا وكندا وهونج كونج وأمريكا الجنوبية، إلى الولايات المتحدة وبريطانيا، لإجراء التجارب عليها على مدى ١٥ عاماً. [جريدة الأهرام، العدد: (٤١٨٣٠) ] اللهم انصرهم في تصريح للقائد الروسي في شمال الشيشان ذكر أن القتلى وصل عددهم إلى أحد عشر ألف جندي روسي وهذا في عام ألفين، وقد مضى الآن على هذه الإحصائية عام، وأتوقع أن تكون زادت إلى عشرين ألف، وهناك مسألة أثارت ضجة كبيرة في البرلمان الروسي في كثرة الجرحى والمعاقين من الجنود الروس والذي يصل اليوم عددهم إلى سبعين ألف جندي من جراء الحرب في الشيشان والجرحى مشاكلهم أكبر من القتلى. فهذه إحصائيات وتقارير عسكرية تخرج من روسيا؛ فقتلاهم وجرحاهم كثيرون جداً بسبب كثرة عددهم، أما بالنسبة للآليات فهي كثيرة جداً، فكل يوم يدمر ما بين ثلاث إلى خمس آليات والحساب على من يقرأ. القائد خطاب، موقع صوت القوقاز www.qoqaz.com أصحاب اليمين.. هم أصحاب الشمال! ! على طريق النازيين الجدد في ألمانيا والمتطرف اليميني الفرنسي جان ماري لوبان وصعود الحزب اليميني إلى السلطة في النمسا، يعود بيرلسكوني اليميني المتطرف إلى الواجهة في إيطاليا خلال الانتخابات التي جرت أخيراً، ممثلاً للتيار الصاعد في أوروبا منذ بداية التسعينيات، مقلداً التجربة التاتشرية في بريطانيا الثمانينيات عندما وصلت ابنة البقال مارجريت تاتشر إلى داوننج ستريت في بريطانيا. وبانتخابات بيرلسكوني المتطرف الذي لا يخفي عنصريته ضد الأجانب في إيطاليا، ورفعه شعار تطهير أوروبا من غير الأوروبيين خاصة العرب والمسلمين المقيمين في إيطاليا، وبرغم أن بعض المهاجرين العرب منذ عقود طويلة رشحوا أنفسهم للانتخابات لكسر حدة العنصرية المتنامية، إلا أن هذا لم يجعل الإيطاليين يغيرون آراءهم ولا ينتخبون بيرلسكوني، وهو ما رحبت به أمريكا، رغم أنه يمثل طريق موسوليني إبان الحرب العالمية الثانية، لأن بيرلسكوني سوف يعيد القواعد الأمريكية إلى إيطاليا، بعد أن كانت أحزاب اليسار قد أخرجتها من قبل، على جانب آخر، أعلن بيرلسكوني أنه لن يلتزم الحياد في قضايا الشرق الأوسط وسينحاز إلى إسرائيل ضد العرب، وهو ما سيفقد إيطاليا ميزة الحياد التي اتسمت بها في الصراع العربي الإسرائيلي، وفي هذا الإطار كان بيرلسكوني قد اختار عدداً من الخبراء اليهود في حملة دعايته للانتخابات، وهم من أوصلوه إلى رئاسة الوزارة. وقد أدهش المراقبين أن ينتخب الشعب الإيطالي المتطرف بيرلسكوني خاصة أنه الشعب نفسه الذي أسقطه قبل سبع سنوات بعد فضيحة تورطه في قضايا رشوة وفساد، وعدم إخفائه نزعته العنصرية ضد كل ما هو أجنبي، وبعض المراقبين عزا فوزه إلى أن الإيطاليين رغبوا في تغيير حكومات اليسار غير المستقرة، واختيار طريق اليمين المتصاعد في أوروبا، خاصة أن اقتصاد إيطاليا أقل من مثيلاتها، في الدول الأوروبية الأخرى. [مجلة الأهام العربي، العدد: (٢١٧) ] الطبع التركي مرة أخرى تؤكد تركيا أن التطبع لم يغلب الطبع يوماً، ومرة أخرى تحظر حزباً سياسياً أثبتت آخر انتخابات برلمانية أنه ثالث قوة سياسية في البلاد، وأن تياره قادر على إيصال مائة ونائبين إلى البرلمان بتأييد الناخب التركي، وقراره الحر. حزب «الفضيلة» الذي حظرت أنقرة نشاطاته، هو الحزب السياسي الثالث والعشرون الذي يلقى هذا المصير في تركيا بقرار من المحكمة الدستورية منذ تأسيس هذه المحكمة عام ١٩٦٢م، الأمر الذي يعني بعملية حسابية بسيطة أن هذه المحكمة أتمت على مدى الأربعين سنة الماضية مهمة إزالة ٢٣ حزباً تركياً من الوجود الشرعي. أما الذريعة، فلم تكن يوماً عقبة كأداء في وجه مهمتها «التنظيفية» : مرة تلغي أحزاباً لأن توجهاتها شيوعية، ومرة ثانية لأنها محابية للأكراد، ومرة لأنها تبيت مشاعر إسلامية تهدد نظام عراب الدولة العلماني كمال أتاتورك، وكأن حظر الأحزاب السياسية هوايتها لا مسؤوليتها. تعددت الأسباب والموت واحد بسيف المحكمة الدستورية. [وليد أبي مرشد، جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٢٤٤) ] هدف السيدة الأولى! ! س: هل تنظرين إلى نفسك كناشطة في حركة المساواة من وجهة النظر الغربية؟ ج: لا؛ لأن ذلك يعني أنني أريد أن أصبح رأسمالية أو إشتراكية، فأنا ناشطة في حركة المساواة بين الجنسين وفقاً لأيديولوجية الدولة القائمة على أساس، بمعنى أن نشاطي وعملي قائمان على أساس معتقداتي كمسلمة، وعلى أساس قبول الأديان الأخرى الموجودة في إندونيسيا علاوة على ذلك، أناضل من أجل الديمقراطية والحقوق المتساوية للجميع. هدفي هو المساواة بين الرجال والنساء. [نوريا واحد، زوجة الرئيس الإندونيسي، جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٢٠٨) ]

стр. 4001

في دائرة الضوء الأمة الحائرة بين تصادم الحضارات وعلمانية العالم ..! عطية فتحي الويشي في إطار نظرية المفكر الأمريكي صموئيل. ب. هانتنجتون عن تصادم الحضارات: انصبت جهوده في استعداء الحضارات الإنسانية على الإسلام باعتبار ما يتمثل خطره - على حد قوله - في التيارات الأصولية المتشددة، تلك التيارات التي ألمح إليها في مطاوي نظريته، مشيراً إلى مقولة أخيه المفكر اليهودي الأمريكي برنارد لويس Luis، التي يقرر فيها: «إننا نواجه حالة نفسية، وحركة تتجاوز إلى حد بعيد مستوى القضايا والسياسات التي تنتهجها الحكومات، وهذا ليس بأقل من صدام الحضارات، وهذا إن كان رد فعل غير عقلاني، ولكنَّ له جذوراً تاريخية مناوئة لتراثنا اليهودي المسيحي، وحاضرنا العلماني، والتوسع العالمي لكليهما» ا. هـ. ووفق هذا التصور الغربي الذي تغلب على جل أدبياته - الفكرية والسياسية وغيرها - مسحة الكراهية والرفض والتشويه، يُعَدُّ الإسلام مصدر تهديد، ومبعث قلق وتوجُّس غير مقرون ببينة؛ فمن ناحية الواقع السياسي والاقتصادي الإسلامي: فإنه ليس ثمة مدعاة للخوف والترقب من جهة الغرب بأي حال. قد تكون قضية الوعي التاريخي التي انفتحت ملفاتها مع وخز الاستفزاز الغربي المعاصر، أنعشت خيالنا المثقل بالقضايا والهموم: تاريخ الصليبيات والاستعمار والعلمانية، وكلها ذكريات بالغة في إيلامها الحس الإسلامي مبلغاً مروعاً، ذلك الوعي الذي تجسده بصورة أو بأخرى: ظاهرة الصحوة الإسلامية التي تمتد على طول عالمنا الإسلامي المترامي الأطراف وعرضه..! ولعل كراهية هانتنجتون وبرنارد لويس، وحقدهما الفريد على الإسلام لا يمنعان بحال من التوقف والتأمل فيما يعنُّ لحاضرنا العربي والإسلامي من منغصات وحساسيات علائقية بين بعض الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني، وقد بلغت في جانب منها حد المواجهات المسلحة تلبية لداعية الفتنة وتمشياً مع تخطيط المركز السياسي العالمي للحيلولة دون عملية التبلور الحضاري داخل النسق الإسلامي..! وتنطوي مقولة لويس هذه على بعض المعاني والدلالات التي نرى أن تبيانها من الأهمية بمكان كبير، ومنها: أولاً: إن الأحداث الكائنة على المسرح العالمي المعاصر تمخض المفاهيم الإنسانية مخضاً شديداً، فتنفض عنها غبار العوارض والملابسات الأيديولوجية الآتية، وتعود بها سيرتها الحضارية الأولى؛ فبعد طلاق تاريخي موغل في القدم، ورغم عوارض العلمانية على مجتمعنا: نلحظ ثمة إرهاصاً بحالة «رجعة» مسيحية إلى فراش الزوجية اليهودي، وعلى الرغم من كون تلك الرجعة تكتيكية، بيد أنها كما تبدو: حالة فريدة من التناغم المفاهيمي، والانسجام الفكري، والتنسيق الاستراتيجي المؤسس على قواعد وأصول عقدية وحضارية، والذي لا حيلة في الافتراق من بعدُ مرة أخرى. هذا، ولن يصبح الدعم الغربي للكيان الصهيوني مؤسساً على المصالح الاستراتيجية فحسب، وإنما على العقائد الدينية والأفكار كذلك، وهو ما يؤمن بقوة مسيرة تلك العلاقة نحو أهدافها المنشودة في دنيا الوجود! ثانياً: أن المرء يتشكك كثيراً إزاء المقولات التي تذهب إلى أن ميراث ما بعد القرون الوسطى من عداء للدين لا يزال يلقي بظلاله على الوضع السياسي الأوروبي. ويجدر في هذا السياق أن نشير إلى أن موقف العلمانية الغربية من المسيحية قد خضع بدوره لمنطق المنفعة بصفة عامة؛ فتارة نراها تعادي الدين إلى حد «شنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس» ، وتارة تهادنه، حين تنص دساتيرها على احترام المشاعر الدينية للمجتمع، وعدم المساس بحرية العقيدة والعبادة، وتارة أخرى تسخره لخدمة أغراضها، كما حدث في حملاتها الاستعمارية على الشرق المسلم، مثلاً؛ حيث كانت الإرساليات التنصيرية بمثابة «هراوات حضارية» لضرب الفكر الإسلامي، وتفريغ جوهر التوحيد من مضامينه ومعانيه، جاعلة من ذلك نوعاً من الإحلال الحضاري في البلاد المستعمرة، ولكن الكنيسة الغربية في كل الأحوال والكنيسة البريطانية بصفة خاصة استطاعت أن تتكيف مع البيئة العلمانية، فوفقت أوضاعها على نحو قد سهَّل لها وعبَّد كثيراً من صعوبات التغلغل بصورة أو بأخرى - وبمرور الوقت - إلى عمق المؤسسة السياسية في الغرب المعاصر! وقد يتأكد هذا الزعم في ضوء الضغوط الغربية اللحوحة على بعض حكومات الدول الإسلامية لتقويض أركان الصحوة الإسلامية، وتثبيط تيارها المتدفق بالخير على امتداد القرن العشرين، بل وصل الأمر إلى حد التلويح بالعقوبات والمضايقات السياسية للدول التي تبدي تجاوباً مع ظاهرة الصحوة، ليس هذا فحسب، بل إن عصا الاتهام الغربي باضطهاد الأقليات غير الإسلامية لا تزال ممتدة ومرفوعة من حين لآخر في وجه بعض البلاد المسلمة؛ ذلك فضلاً عن حالات فرض الثقافة الغربية من غير سبيل على بعض بلادنا، كالترويج لتيار الفرانكفونية في الشرق المسلم، وتحبيب التشيع لثقافة العولمة والطريق الثالث، وكلها وسائل للخروج بالعالم الإسلامي عن إطار خصوصياته الحضارية، وللحد من شعوره بذاتيته الإسلامية، وقد وصل الأمر بالغرب إلى استصناع أنماط نخبوية في بيئاتنا المحلية حملت على عاتقها رسالة إنسانية - بزعمهم - تعنى بتجميل تاريخ الاستعمار الغربي إلى درجة الجهر في كل واد وصعيد - دون حياء - بالدعوة إلى الاحتفال بالمئوية الثانية للحملة الفرنسية على مصر، إيماناً منها وإيهاماً بأن للحملة الفرنسية فضلاً سابغاً ليس على مصر وحسب، وإنما على الشرق الإسلامي كله..! كل هذا يحدث على حساب ذكرى مرور أربعة عشر قرناً على الفتح الإسلامي لمصر، تلك الذكرى التي تلقى من جانب طيور العقوق كل جحود..! وهكذا تغرر التيارات العلمانية بالأمة المسلمة لترديها في حفر التبعية وأغوار المهانة والضياع والتلاشي والانمحاء..! ولعل ميلاد تلك الحالة النفسية الإسلامية المناوئة للغرب ليست مسؤولية المسلمين بقدر ما هي إفرازات التعصب الغربي لثقافته وقيمه وأيديولوجياته السياسية المدججة بأقلام وحركات ومنظمات تدندن حول أفكار استفزازية وانفعالية من أخطر ما فيها أنها مؤسسية، ليس بوسع أحد أن ينكرها، أو أن يجهل مدى نفوذها، وعظم تأثيرها في مجتمعها الغربي، وكل مجتمع ينتمي للحضارة الغربية الممتدة أفقياً ورأسياً، حتى لم يعد للجغرافيا الغربية أي حيلة إزاء زخمها التاريخي - الحضاري الطاغي..! ومما يُستغرَب له: أن تلك الحالة النفسية الإسلامية التي يتحدث عنها برنارد لويس، وهذا الشعور بالهضم والاحتواء الذي يعم المجتمع الإسلامي ويسوده، لم يصل حتى الآن إلى الدوائر العليا الحكمية في كثير من بلداننا المسلمة؛ إذ لم تزل معظم هذه الدوائر تنظر إلى الغرب باعتباره مركزاً للقيم كما هو مركز للتقنيات الواجب تبنيهما معاً، ولا جدوى لإحداهما دون الأخرى..! وفيما ضمن نظريته اتصالاً بالعلمانية: يزعم هانتنجتون أن «اقتلاع العلمانية من العالم هي إحدى حقائق الحياة الاجتماعية المهيمنة في أواخر القرن العشرين» اهـ. ومن جملة اعتباراتنا نقرر أن ظاهرة اقتلاع العلمانية من العالم تنم في حقيقتها عن عمق في التصورات الدينية، وتعاظم في الشعور بحتمية صياغة الذات الحضارية لدى الأمم والشعوب على نحو صحيح يرتقي بنظرة الآخر الحضاري إليها وفق ما يتناسب وقدرها الذي تحسه وتشعر به، وأبلغ ما توصف به هذه الظاهرة: أنها حركة «تفلية» حضارية..! ومن غير الموضوعية أن نبدي إزاء ولاء هانتنجتون المطلق لليهودية أي شك هذا ولن يغرنا بتدثره بلباس مسيحي باهت تبدو بغير قصد منه في بعض الأحيان أنياب تلمودية زرقاء..! ومن ثم فهو حين يرصد أفكاراً من قبيل ظاهرة اقتلاع العلمانية من العالم: إنما يكرس العلمانية ذاتها بدهاء شديد..! فهو يرمي إلى أن الفائدة من بث وترويج الأفكار والفلسفات التي تدفع بالعالم بعيداً عن الدين والتدين: تتجلى في استئمان جانب الكيان الصهيوني الغاصب من خطر أي مواجهة حضارية مع الأغيار - لا سيما العرب والمسلمين - في ظل فريضة اقتلاع العلمانية من العالم..! ومن ثم فهو يستحث من جهة أخرى بل يعنى بتحفيز آلة الفكر السياسي الغربي للتصدي ومواجهة تلك التيارات التي سماها بالأصولية الرجعية..! وذلك بحسبانها لديه الخطر الحقيقي الذي يتهدد فلسفة النظام العالمي الجديد التي يسعى روادها إلى تكريس آليات العلمنة داخل الأنساق الإنسانية، لا سيما عند نقاط التماس الحضاري الساخنة، ولدى البؤرة الأشد سخونة هناك في فلسطين المحتلة بصفة خاصة..! والحقيقة أنه من يوم أن تجردت القضية الفلسطينية من بُعدها الديني الحضاري، والأوضاع لا تزداد إلا خبالاً وتعقيداً، ومضياً نحو أفق مسدود، ولئن عولجت تلك القضية في سياق مفاهيم التدافع لكان أوْلى وأجدر ألا تدخل في تضاعيف الانتكاس والإخفاق الذريع! ولعل ما يعفينا من الاستطراد بهذا الخصوص ما صرح به الزعيم الكوبي فيديل كاسترو Kastro حين قال: «على إسرائيل أن تسعى لتجعل كل دولة عربية غير إسلامية، كأن تكون وطنية أو اشتراكية؛ فإن منتهى المطاف لأي حركة مقاومة عربية ذات طابع علماني هو التعايش السلمي مع الدولة الإسرائي [١] . لماذا؟ لأنه في ظل العلمانية تتجاوز المؤسسات السياسية كثيراً من الثوابت الحضارية، وقد تتجاهلها إلى حد الرفض الصريح في بعض البلدان؛ وذلك تلافياً لأي أفكار من قبيل القيم الدينية التي تظنها تصادمية: [إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً] (يونس: ٣٦) . العلمانية وأوهام الحل: إن خرق سنن التعددية ونواميس التنوع والاختلاف والتمايز بين الأمم والشعوب الإنسانية، إنما ينم عن اتجاه ما إلى تحييدها قسراً وإخصائها، وتغييبها عن وعيها، فتفقد عناصر تكافئها ومقومات تنافسها، مما يعد تكريساً لمنطق الأحادية والاحتكار الحضاري بكافة صوره وأنماطه السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، وهو ما يتأكد في خِضَمِّه حدوث حالة من الحساسية وفقدان معايير الصواب في سياق التدافع الإنساني، وهو ما يستدرج خطى البشرية إلى شفا الحروب والمشاحنات الإنسانية غير المحكومة باعتبارات مقبولة..! وهذه واحدة من أخطر مثالب العلمانية. ولعل أي مشروع بإزاء عزل الدين عن حركة الحياة بمختلف وجوهها - ولو بصورة نسبية - إنما يمثل في حقيقته انتحاءً بهذه الحياة عن سياقها الفطري، وخروجاً على مألوفها. والعلمانية بطبيعة الحال تعد انحرافاً في التصور الإنساني لطبيعة الوجود؛ ذلك فضلاً عن كونها مظنة قوية لتصادم الحضارات باعتبار ما سيقدر للقيم المادية والتوسع والانتشار في الأرض، وهو ما يعد ذريعة لسنَّة كونية جديدة من التدافع الإنساني، ويبزغ من ثم فجر جيل رباني جديد يقود دورة جديدة من التاريخ الإنساني بشيء من الوعي والتحضر والتفاعل الإيجابي المثمر بين حضارات هذا العالم، وتفلت من ثم البشرية من كلاليب التصادم الأعمى، وسفك الدماء بغير حق. ومن ثم فإن الفرضية القائلة بوجود» علاقة وثيقة بين تصادم الحضارات وعدم علمانية العالم «إنما تطوي دلالات بالغة الخطورة - حسب رؤية هانتنجتون ولويس - فبمقتضى تلك الرؤية تعمد كل من الأنساق الحضارية إلى تقلد خصال الحقد والطمع والجور والنهب والاغتصاب والتحرش والاصطدام، وتلك مغالطة فاحشة وزيف منكور، ثم هي على جانب آخر: مدعاة للخوف والترقب. ولكن إذا ساغ للبعض أن يتخوف من عواقب تلاشي العلمانية من العالم، ويلقي ببذور الرعب والترقب في روع الفكر الإنساني، فحري بهم أن يُبدوا تخوفاً أعظم من سلطان المفاهيم المادية، ومن غلبة الشهوات والنوازع الشريرة على أدمغة البشر أجمعين التي بلغ الصراع بزخمها ذروة الهمجية والتوحش بين الأمم والشعوب على اختلافها، والحروب الأهلية الأوروبية التي لم تهدأ نارها منذ بدايات القرن السابع عشر، وانتهاءً بالحربين العالميتين: الأولى، والثانية ليست بخافية على أحد. ولم يكن للتاريخ على امتداد عصوره أي نظرة إيجابية إزاء قضية التعايش السلمي بمنأى عن بيئة القيم الدينية الربانية، ولقد كانت قيم العلمانية في المقابل على مدار تاريخها: مثاراً للأحقاد والبغضاء والتحرش والاحتكاك، والتصادم بين مختلف الحضارات، ولعله في ظل تلاشي العلمانية - على عكس مذهب هانتنجتون - أن يدرك العالم الراحة والسلام والتفاهم والحوار؛ لأنه كلما اقترب منحنى الوعي الحضاري من خط القيم الدينية والروحية تحرك مؤشر التفاعل الإنساني ليسجل نتائج تثير التفاؤل والاستبشار بمستقبل إنساني كريم. ونحن إذ نعني بمصطلح تلاشي العلمانية من العالم؛ فإنما نريد أن تتجه المجموعات الحضارية - على اختلافها - إلى تعاطي مناهجها وقيمها ومأثوراتها الدينية تعاطياً إيجابياً وافياً بغير ابتسار أو اجتزاء، فتكون هذه المناهج وتلك القيم معياراً وقاسماً مشتركاً للسلوك الإنساني والتفاعل بمختلف أنماطه واتجاهاته، مما يعني ترسيخاً جاداً لمبادئ التسامح والتراحم. وتأصيلاً لمرجعية التفاهم والمجادلة بالتي هي أحسن. يقول أرنولد توينبي Twinpy:» إن مستقبل الإنسانية يتوقف على أخوة روحية لا يمنحها غير الدين، وهو الشيء الذي يحتاج إليه النوع الإنساني في هذا الوقت. الشيوعية تزعم أنها تستطيع أن توحد النوع البشري، وقد أخفقت في ذلك، كما أن الإسلام يثبت صلاحيته بوصفه قوة موحدة للإنسان، والمسيحية أيضاً تستطيع أن تلعب هذا الدور إذا عملت بمبادئها، ولكن القومية لا تستطيع أبداً أن توحد الإنسانية، بل إنها توزعها وتشتت شملها، ومن أجل ذلك ليس لها مستقبل؛ وإنها لا تستطيع إلا أن تدفن الإنسانية في ركامها « [٢] . وهنا ينبغي التقرير بأن حاجة الإنسانية إلى الدين بعامة، والإسلام بوصفه رسالة عالمية بخاصة: ليست حاجة ثانوية من قبيل الترف والكماليات.. كلا، بل ضرورة ملحة؛ فلقد أنبأت الخبرة التاريخية عن الصلاحية المطلقة لذلك الدين لتأسيس علاقة إنسانية سوية ومتوازنة بكل من الكون والحياة، علاقة ترفد البشرية بقيم الحق والعدل والحرية والمساواة، تفصل بكل صرامة في تلك علاقة تفتح أبواب الحوار المتكافئ بين الحضارات، وتسد ذرائع الصراع والمشاحنات الفوضوية التي تقتل في الإنسانية المؤمنة كل طموح إلى عمارة الأرض بمنهج السماء. وغاية ما نخلص إليه: أن العقائد الدينية التي يسعى العلمانيون إلى تحييدها، ونزع مؤثراتها من واقع الحركة الإنسانية المؤرقة بهواجس تصادم الحضارات هذه العقائد: إن لم تطلها يد التحريف، ولم تعبث بها الأهواء، أو تحركها النوايا الفاسدة، كانت بحقٍّ مأمنَ الإنسانية، وملاذَها الوحيد مما يلاحقها من ويلات التناحر وهواجس الأحقاد، بل إن تلك العقائد والعقائد الإسلامية على وجه الخصوص تعد من أهم مقومات اندفاع التيارات الحضارية في مسارات سوية ومعقولة: [وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (يونس: ٢٥) . وعلى الصعيد العلمي: حقق المسلمون في ظلال عقيدة التوحيد ثورة علمية هائلة قد أثمرت منتجات حضارية فريدة لم يكن للإنسانية إلْفٌ بها في أزمنتها الغابرة؛ تلك الثورة التي امتدت هداياتها العلمية والتطبيقية إلى العالم أجمع، حتى لقد أوعزت تلك العقيدة إلى حركة النهضة الغربية الحديثة بالفكاك من إسار الجهل وأغلال الفكر الظلامي الشائه الذي غرقت في بركه الآسنة قروناً طويلة. يقول (مونتجمري وات) في تقييم الظاهرة الإسلامية بأوروبا:» حين يصبح الإنسان على بينة من كامل التجربة العربية والتفكير العربي (يعني التفكير الإسلامي) ؛ فإن المرء يقول: إنه لولا العرب لما كان لعلم أوروبا وفلسفتها أن يتطورا، وحين أصبحت أوروبا مهتمة بالعلم والفلسفة: كان عليها أن تتعلم كل ما يمكن من العرب قبل أن تتمكن من تحقيق خطوة إلى الأمام « [٣] . ولقد أخطأت أوروبا - كما أخطأ مقلدوها - حين خاصمت السماء بالعلمانية، وأبدت لقيمها تنكراً بيناً بوازع من ضغوطات كنسية موتورة، مورست ضد سنَّة العلوم الكونية باسم المسيحية، وبدلاً من أن تتجه دفة التقدميين الغربيين إلى الإسلام إقراراً بالفضل وعرفاناً بالجميل، نابذته الجحود والنكران والإلحاد، بل ظاهرت عليه بالإثم والعدوان، فحق عليها الحرمان من مدد الله، وأوكلت في مواجهة سعار ماديتها التي اصطنعتها بأيديها: إلى تدبير فلسفتها التي انتحت بالغرب كله - في حين من الزمن - شطر الضلالة والتمزق الضياع. ولقد امتدت يد العلمانية الآثمة إلى كيان الخلافة الإسلامية، فطعنت قلبه، وصدعت أركانه، ومزقت أوصاله، وأقصت نخب الفكر الإسلامي ورموز الوفاء عن دائرة الحضور والفاعلية في بلدانهم، وكان في هذا الإجراء الحنون ردم لرافد حضاري ثري، وتدمير لمنهج مدني مؤسس على الضمير والفكر والروح الإنسانية المؤمنة، وكان في إبعادهم والقضاء على بعضهم والتغرير ببعض آخر حكم على طبيعة الحياة الإنسانية في هذه البقعة الممتدة بالموت البطيء، كان في هذا الإجراء كما في الفلسفة العلمانية سلخ للروح عن الجسد، ونزع للعقل عن الضمير، وتغييب للقيم الأخلاقية النبيلة عن دنيا الناس أجمعين إلا من رحم الله. والذي تجدر إثارته في هذا السياق عدة أسئلة: ماذا بوسع الإنسانية تحقيقه من مكاسب بعيداً عن الدين والتدين؟ وماذا جنت بانتكاسها عن قيم السماء، وإعراضها عن منهج الفطرة وتنكبها سبيل الأخلاق الفاضلة؟ أو بتعبير آخر: ماذا كسبت الاتجاهات العلمانية بعد أن خسرت الله؟ ! وهل كانت العلمانية عند حسن الظن بها في تجنيب العالم مشكلات التصادم وفواجع الحروب؟ ! لقد مضينا والعلمانية في بلداننا الإسلامية قرابة قرن من الزمان، فهل حققت العلمانية وعودها إلى الجماهير من نهضة منشودة، وصحوة ممدودة، ومدنية موعودة، وعيشة مرغودة؟ ! وهل تحرك مؤشر هذه المدنية التي زعم العلمانيون تحولها بفارغ وسعهم وغاية جهدهم: نحو الصعود بدرجة أو بأخرى؟ أم أننا لا زلنا منزوين في خانة التبعية والانحسار دون أن نلوي على شيء مما كنا نتطلع إليه بعيداً عن الله؟ ! ! إن القيم الربانية بأبياتها الخلاَّقة المبدعة وآلياتها الفاعلة هي وحدها مدعاة بلوغ الإنسانية أمر رشدها الذي لا ضلال معه ولا سبيل إلى تصادمها وتناحرها به! فالعلمانية إذن» ليس لها مكان في وجود الإنسان مع الإسلام: فإما أن يوجد الإسلام ولا علمانية، أو توجد العلمانية ولا إسلام « [٤] ؛ فالتركيبة الحضارية الإسلامية ذات خواص متميزة ومضادة للعلمانية، ومفطورة على مجافاة الابتذال الحضاري على هذا النمط الغربي الكريه، ولأن هذه التركيبة اختلطت بعناصر غريبة فقد غيرت من طبيعتها نوعاً ما؛ فإن ظواهر الصحوة الإسلامية على مر السنين كانت بمثابة عنصر التوازن المنشود الذي يعيد إلى هذه التركيبة حيويتها المدهشة الفعالة. والإسلام في هذا السياق كله: لا يعتد بأنصاف الحلول ولا بأرباعها؛ فإما علمانية وإما إسلام؛ فلا تملق ولا تلفيق، ولا عوج أو انحراف. يقول - تعالى -: [فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ] (هود: ١١٢-١١٣) . إنني لأرى العالم بأسره شارعاً سفائنه - طوعاً أو كرهاً - باتجاه رياح العولمة والطريق الثالث وغيرهما، وكلها صوارف وذواهل عن طريق الله المستقيم، وكأنني بالله ينادي هذه القطعان الشاردة: [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] (الأنعام: ١٥٣) . يناديها فلا تلقي له سمعاً أو تعيره أي انتباه، ثم ما يلبث نداء الله يتكرر باتجاه تلك الجموع السادرة لا سيما أولئك الذين بينهم وبينه عهد وميثاق، ولكنَّ وَهَنَ التبعية لغيره جل وعلا أعياهم، وصرفهم بريق الحول عنه سبحانه فهل سيصغي المعنيون بنداء الله، فيفيئوا إلى مرافئ الهداية وشطآن النجاة؟ ! أم أنهم سيظلون سادرين حتى تمخر بهم سفائنهم في لجج التخبط والحبوط، فيمضوا إلى المجهول غير مأسوف عليهم، فإذا بنداء رباني عاتب وأخير: [أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ] (يس: ٦٠-٦١) .

стр. 4002

في دائرة الضوء الحرب النفسية ومفاهيم جديدة لممارسات قديمة محمد أحمد منصور تعد الحرب النفسية في العصر الحديث أخطر الحروب التي تواجه الحركات الإصلاحية أين وكيف كانت فهي تحاول أن تصيب الأفكار والتعاليم الناهضة، وتحول بينها وبين الوصول إلى العقول والرسوخ في القلوب، وهى تبذر بذرة الفرقة والانقسام، وتضع العقبات أمام التقدم والتطور، وتعمل في الظلام، وتطعن من الخلف، وتلجأ إلى تشويش الأفكار، ونشر الإشاعات، واتباع وسائل الترغيب والتهديد، مما يجعل هذه الحرب أشد خطورة من حروب المواجهة العسكرية في ميادين القتال [١] . عرف هذا النوع منذ أن قال ابن آدم لأخيه: (لأقتلنك) ، وذكره القرآن في معرض آيات جهاد الأنبياء لأقوامهم وتكذيبهم لهم، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وحروب التاريخ مليئة بنماذج قوية، ولهذا فليس عجباً أن يشير إليها سون تسي (٥٥١ ٤٧٩ ق. م) في كتابه: «فن الحرب» [٢] ، ولعل أقرب مثال يعبر عن حال المسلمين اليوم هو ما قام به المغول في العالم الإسلامي [٣] ، وروى طرفاً منه المؤرخون. ويمكن لذلك أن نقدم أمثلة من العصر الحديث: أولها: انهيار الجيش الفرنسي أمام قوات هتلر حين سيطرت عليه بل على الشعب كله روح الانهزامية إلى حد اعتراف رئيسها آنذاك بأن فرنسا لم تستطع مقاومة الاحتلال، وبعد أن سقطت باريس لم تستطع أن تسترد إمبراطوريتها بجيوشها وإنما بجيوش الحلفاء. ثانياً: موقف مخالف وهو صلابة قوات المقاومة الفيتنامية وصمودها عشر سنوات أمام نصف مليون جندي أمريكي على أعلى كفاءة قتالية وبأعلى تجهيز حربي تساندهم مئات الطائرات من سلاح الجو الأمريكي. أقسم زعيم المقاومة أنه لن يذعن ولو استمرت الحرب ربع قرن، واستمرت الحرب لتسقط رئيسين أمريكيين هما جونسون ونيكسون، وانشق المجتمع الأمريكي على نفسه أمام طول نفس المقاتل الفيتنامي. ظلت هذه السقطة الأمريكية ساكنة في الوجدان الأمريكي حتى جاء ريجان وخطط لحرب الخليج الثانية. وعُرفت الحرب النفسية بشكل جلي عن طريق اللاسلكي، لكن النازية بقيادة هتلر وبدهاء جوبلز وزير الإعلام النازي ومع توفر اختراع المذياع بدأت الحرب النفسية تنتقل نقلة واسعة وتتميز بسِماتٍ لم تكن فيها من قبل، ومن أهم تلك السمات ما يلي: ١ - أن الحرب النفسية ارتقت من كونها وسيلة ثانوية في الحرب العسكرية إلى أن أصبحت وسيلة أساسية لا تقل عن الترسانة الحربية. ٢ - ظهور مفهوم الحرب الشاملة مع اختراع قاذفات القنابل التي لا تفرق بين مدني وعسكري، وهذا الأمر وسَّع مفهوم الحرب النفسية ليوجه للمدنيين مثلما يوجه للعسكريين. ٣ - ظهور المذياع كآلة جماهيرية ساعد على كون الحرب النفسية أخذت طابع الجماهيرية والتكرار اليومي مما ضاعف من أثرها، وكان مبدأ جوبلز الشهير: «اكذب واكذب عسى أن يصدقك الناس» . ٤ - ظهور فكر منظم وتكوُّن مدارس تقدم نظريات مختلفة في هذا المجال، وقد ساعد على ذلك أن الحلفاء استخدموه بكفاءة، إلاَّ أن السبب الأول كان للدعاية للنازي. لكن سقوط القنبلة النووية على هيروشيما ونجازاكي كان بمثابة إسدال الستار على حقبة وبدء حقبة جديدة عرفت بحقبة (الحرب الباردة) التي أصبحت فيها الحرب النفسية هي الوسيلة الأولى للحرب يدعمها الآلة العسكرية والحروب التي تشن بالوكالة على مسرح ما عرف بالعالم الثالث. ولهذا رأى بعضهم أن الحرب النفسية عبارة عن قذائف من الكلمات التي تُختار بعناية وتُصاغ بحساب دقيق مستهدفة تشكيك شعب دولة العدو وجنوده في قضيتهم، وهدم ثقتهم في قياداتهم، وفي حكومتهم وفي قدرتهم على تحقيق النصر، فبقدر ما يسعى طرف إلى تأكيد عدالة قضيته الخاصة والمحافظة على إيمان شعبه وجنوده بها وثقتهم بقياداتهم وحكومتهم وفي قدرتهم على تحقيق النصر، فإنه يسعى إلى النقيض تماماً في دعايته الموجهة إلى الأعداء. وفي النظم الشمولية القائمة على القهر يشيع ما يسمى بـ «غسيل أدمغة» شعوبهم، عن طريق حملات دعائية دائمة كاسحة، متكررة العناصر وثابتة الاتجاه لشحن عقول الشعب - وجنوده - بصورة «الزعيم» وأقواله وأفكاره، كما نرى في الدعاية الهتلرية والستالينية [٤] . لكن الدولة التي تدير حربها ودعايتها بكفاءة أعلى من حيث المعلومات والاستفادة من العلوم الإنسانية والهندسية ومقدار الحبكة والتناسق في التدفق والتكرار، والتنسيق بين أدوات الحرب، وتوظف الجميع لخدمة الهدف وتوضحه لهم بدقة، وتنجح في توفير المعرفة الدقيقة بنفسية العدو وسلوكه الفردي والاجتماعي، ومكامن قوته وضعفه، ومراعاتها للمتغيرات الداخلية، فإذا ما واكب ذلك آلة حربية متخمة، وآلة إعلامية ذات صدى عال، وقدرة سياسية على المناورة، فيمكن القول إن هذه الدولة هي التي يمكنها أن تكسب الجولة قبل إطلاق الرصاصة الأولى. لكن يمكن القول أيضاً إن العلم بالإنسان هو السر في ذلك كله. يقول أحد الخبراء اليهود: نحن نعتقد أن أكثر الأسلحة فعالية ضد الثائر العربي هو معرفة عقليته وردود فعله المحتملة على مختلف المواقف؛ فيجب أن نعرف طريقته في الهجوم والدفاع والتمويه والهرب، وحبه للسلطة، وقدرته على الصمود في وجه الرشاوى، ومدى إخلاصه، وميله إلى الجدل والتخلي عن رفاقه وقت الشدة، وتأثير النزاعات الاجتماعية، ومدى استعداده لخيانة رئيسه، وموقفه من عدوه ومن جاوره، وما هي قواعده القتالية، وما الذي يثير أعصاب المقاتل العربي، وما هي أكثر الوسائل فعالية في ضربه، ثم متى يكون الهجوم عليه شخصياً فعالاً، ومتى يكون الهجوم على أملاكه أفضل [٥] ؟ ومن هنا عملت أجهزة الاستخبارات جنباً إلى جنب مع الإعلاميين وعلماء النفس والاجتماع والعسكريين والسياسيين في أداء هذه المهمة. كيف تفرَّد الغرب: كان لسقوط القطب الشرقي أثر واضح في تفرُّد دول الغرب في العالم وسعيها عبر وسائل إعلامها في فرض سيطرتها على العالم بتشكيل المواقف والسياسات والرؤى وأنماط الحياة بالشكل الذي يحقق أهدافها. وقد أوضحت حرب الخليج أن صناعة الأخبار، بصفتها إحدى أدوات الحرب النفسية تفوق في أهميتها صناعة السلاح، وأن آلة الإعلام قد تكون أقوى من آلة الحرب، وأن الحرب يمكن أن تدور عبر شاشات التلفزيون وصفحات الصحف، وغير ذلك فتهزم الشعوب والأنظمة داخلياً، وتفقد ثقتها في نفسها، وتنهار قدرتها على الحرب. والهزيمة النفسية تفوق بكثير في آثارها ونتائجها الهزيمة العادية؛ فقد تتحول تلك الأخيرة إلى نصر يوم أن تنطلق الإدارة لتواجه التحدي، لكن الهزيمة النفسية تظل تقيد إرادة الإنسان وتعطل قدراته على المقاومة. والأمر الذي لا شك فيه هو أنه لو خيرت دول الشمال بين أن تتخلى عن جيوشها وقنابلها الذرية وقاذفات صواريخها، وبين أن تتخلى عن وكالات الأنباء الأربع الكبرى، وشاشات التلفزيون، والأقمار الصناعية والصحف الكبرى، فإنها لن تتردد في أن تتخلى عن الأولى. وعلى أي حال فهذا افتراض خيالي وسفسطة غير منطقية، فدول الشمال ستظل تهدد العالم بآلة حربها وآلة إعلامها معاً وفى الوقت ذاته [٦] . الحرب النفسية وأخواتها: تطوُّر مفهوم الحرب اليوم يواكب كل القفزات في العلم الحديث ليشمل إلى جانب الحرب العسكرية الميدانية - الحرب النفسية - الحرب الإلكترونية - حرب الصواريخ - الحرب البيولوجية - الحرب الكيماوية - الحرب النووية ... إلخ. والحرب النفسية لا شك في أنها تعتبر أحد المكونات الأساسية لإصدارات الحرب المتتالية التي تفرزها قرائح الغرب وتطورها بعقول قد تكون غير غربية. وإذا كانت الحرب النفسية لا يمكن فهم أبعادها دون معرفة العلاقة بين أجهزة الإعلام التي تتولى عملياً مهمة الدعاية لأهداف ومصالح الدولة الوطنية في مراحل الإعداد للحرب أو في أثناء الحرب أو حتى في وقت السلم - معرفة هذه بأجهزة الرقابة المسؤولة عن حماية كل أسرار الدولة وقواتها المسلحة ومصالحها القومية العليا. إذا كانت الحرب النفسية لا يمكن فهمها إلا في هذا الإطار، فلا يمكن فهمها كذلك بمعزل عن أخواتها التي ظهرت كمسميات أفرزها اختلاف التجارب في بعض الأحيان أو التكامل في أحيان أخرى أو مجرد الاختلاف في التسمية دون مشاحَّة في الدور. ومن هذه المسميات: الدعاية - حرب الأعصاب - الحرب المعنوية - حرب الأفكار - حرب الإرادات - حرب الدعاية - الحرب الباردة - حرب الإشاعات - الحرب السياسية - غسيل الدماغ - الحرب الأيديولوجية - الحرب السيكولوجية - الحرب الثورية - الاستعمار النفسي ... إلخ. قد تستخدم هذه الألفاظ بمعنى الحرب النفسية ذاته في بعض الكتابات، وقد تشير إلى دور وظيفي مكمل ومستقل في كتابات أخرى؛ ف (الحرب النفسية) هو المصطلح الأشهر والأدق والأكثر شهرة، وقد تم استخدامه لأول مرة عام ١٩٤١م في ملحق معجم (وبستر) الدولي الجديد للغة الإنجليزية، وهي نوع من القتال النفسي الذي لا يتجه إلا إلى العدو، ولا يسعى إلا إلى القضاء على إيمانه المستقل بذاته وبثقته بنفسه. وبعبارة أخرى هي تسعى لا إلى الإقناع والاقتناع وإنما تهدف إلى تعظيم الإرادة الفردية. أما الدعاية: فيقصد بها عملية الإثارة النفسية بقصد الوصول إلى تلاعب معين في المنطق؛ فإذا بنا إزاء استجابة ما كان يمكن أن تحدث لو لم تحدث الإثارة العاطفية. وهي كما تتجه إلى الصديق فإنها تتجه إلى غيره، وكما توظف خارجياً توظف داخلياُ. وقد تتخذ شكل تمثال أو مبنى، أو قطعة من النقود، أو رسماً، أو طابع بريد، أو فناً، كما يمكن أن تأخذ شكل الخطاب أو المواعظ أو الأغاني أو الفنون عبر موجات الإذاعة أو صور التلفزيون، وهي ببساطة عملية يجري من خلالها توصيل فكرة أو رأي ما إلى شخص آخر من أجل غرض محدد. لكن الحرب النفسية هدفها أكثر اتساعاً بينما دائرة فاعليتها أكثر تحديداً من الدعاية وهي التي تسعى إلى القضاء على الإرادة ولكنها لا تتجه إلا إلى الخصم أو العدو. أما الحرب الأيديولوجية: فيُقصَد بها نوع من أنواع الصراع النفسي أساسه الرغبة في سيادة أيديولوجية على أخرى. وأما غسيل المخ: فأسلوب من أساليب التعامل النفسي يدور حول تحطيم الشخصية الفردية بمعنى قتل الشخصية المتكاملة، أو ما في حكم المتكاملة، إلى حد التمزق العنيف؛ بحيث يصير من الممكن التلاعب بتلك الشخصية للوصول بها لأن تصير أداة طيعة في يد المهيِّج أو مثير الفتن والقلاقل. التحويل العقيدي: صورة من صور غسيل المخ لكنها تتجه إلى المجتمع الداخلي بقصد خلق الأصدقاء المتعصبين. التسميم السياسي: زرع قيم جديدة وأفكار معينة من خلال الخديعة والكذب؛ بحيث تؤدي إلى تصور معين للموقف يختلف عن حقيقته مما يترتب عليه عند اكتشاف تلك الحقيقة نوعٌ من الصدمة النفسية، مما يؤدي إلى شلل نفسي، ومن ثم إلى عدم القدرة على عملية المواجهة. والتسميم السياسي بهذا المعنى قد يكون مقدمة لمعركة أو قد يكون لاحقاً لها، يقدم بحيث يسمح بتحقيق النصر العضوي بأقل تكلفة، أو يأتي لاحقاً لها بحيث يكمل الانتصار بالقضاء المطلق على الخصم بوصفه وجوداً ذاتياً لا يزال يناضل في سبيل التمسك ببقائه الحضاري. حرب المعلومات: وهو اصطلاح برز في العقدين الأخيرين أساسه تخزين المادة الإعلامية وإطلاقها في لحظة معينة بحيث تؤدي إلى فقد الثقة في الأخبار [٧] . ومع تعدد الأشكال والأساليب يبدو أن التعامل النفسي أضحى عنصراً من عناصر الحركة وأداة من أدوات السيطرة على إرادة الصديق أو الخصم قبل احتوائه أو تحطيمه. والواقع أن الاهتمام بالتعامل النفسي ليس بجديد في تاريخ الإنسانية إلا أنه في الربع الأخير من القرن الفائت فرض على تلك الظاهرة تطورات ضخمة بحيث جعلنا من هذا العامل المنطلق الحقيقي ليس في العلاقات الفردية وحدها؛ بل أيضاً في مجال العلاقات الدولية، ولهذا فقد أضحت علوم النفس بفروعها: التربوي السلوكي الاجتماعي ... إلخ أحد أبرز عوامل التطور في هذا المجال. وإذا كانت البشرية تسعى اليوم بجد للوصول إلى الجذر الأصغر في سائر العلوم سواء الكيميائية أو الوراثية أو النفسية أو السلوكية ... فإننا نجد على سبيل المثال بأن إسرائيل استفادت من جميع المدارس النفسية الدعائية في التاريخ القديم والحديث، ومن التجارب المعاصرة كالتجربة النازية، بل طبقت التجربة نفسها مع عرب فلسطين. وعلى أيدي مجموعة من الأساتذة المتخصصين (الأكاديميين والممارسين) تم تطوير مجموعة من الأصول والقواعد التي تستهدف الإقناع السياسي والأيديولوجي والنفسي في مختلف الظروف. ولهذا نجد أن أقسام علم النفس تحظى في الجامعات الإسرائيلية بما لا يحظى به الطب؛ إذ لا يقبل فيه إلا ذوو التقديرات العالية والقدرات الخاصة. وفي بعض الأقسام ربما يتقدم ١٥ طالباً فلا يقبل منهم إلا واحد. وهذه الأقسام تحتوي على كافة تخصصات علم النفس المعاصر، ومن بين الاهتمامات البحثية لأعضاء هيئة التدريس الآن: علم النفس العصبي، العمليات العقلية، الإدراك الاجتماعي، الذكاء الاصطناعي، التفكير الاستنباطي، الاضطرابات الوسواسية القهرية، الأسرة والاكتئاب، الانفصال، علم نفس الطفل الإكلينيكي، الإرشاد المهني، الموهبة والإبداع، الحكم تحت الضغوط، قياس الشخصية، التأثير الدائم للمحرقة اليهودية، علم النفس الإعلامي، العدوان الاجتماعي، العدوان السياسي، الإرهاب [٨] . ولذلك فإن جمع المعلومات حول شخصيات الزعماء ورؤساء الحكومات وزعماء المعارضة وقادة العمل السياسي وكل ما يتعلق بالهيئات والتنظيمات السياسية ونظم الحكم والأحزاب السياسية وتأثيرها ومدى الدور الذي تلعبه الأقليات ... كل ذلك يتم توظيفه بتقنية حديثة ووفق منهجية علمية عالية من أجل البقاء فى محيط عدائي بل السيطرة وحدها على مفاتيح المنطقة الإسلامية. وهذا هو منطق عالم الاجتماع الأمريكي أرنولد جرين (عالم الاجتماع الأمريكي في منتصف الثلاثينيات) : إذا كانت حكومة الولايات المتحدة ترغب في إقامة روابط اقتصادية وسياسية وعسكرية وثيقة مع بلدان وشعوب العالم بأسره، فإن علينا نحن علماء الاجتماع أن نعرف أكثر مما نعرف عن هذه البلاد وعن شعوبها وما هي ثقافتها، وما هي الاتجاهات السائدة نحو الولايات المتحدة، وما هي معتقداتهم وانحيازاتهم التي يمكن التعرف عليها والإفادة منها لجذبهم إلى فلك نفوذنا [٩] . وللأسف فقد نجحت الولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل إلى حد كبير ليس في الوصول فقط إلى الجذر الثقافي والنفسي والاجتماعي وإنما في اللعب فيه أيضاً بدأت هناك وانتهت هنا، كما يقول (أديان أركند) في خطاب له: «بواسطة وكالات الأنباء العالمية يغسل اليهود (أدمغتكم) ويفرضون عليكم رؤية العالم وأحداثه كما يريدون هم، لا كما هي الحقيقة، وبواسطة الأفلام السينمائية؛ فخلال ساعتين من الزمن، وهي مدة عرض فيلم سينمائي، يمحو اليهود من عقول شبابنا وأجيالنا الطالعة، ما قضى المعلم والمدرسة والبيت والمربي ستة أشهر في تعليمهم وتثقيفهم وتربيتهم؛ قال هذا الكلام عام ١٩٣٧م في نيويورك؛ واليوم زاد الأمر واستفحل؛ إذ إن وسائل الاتصال فرضت إلغاء عامل الانفصال المكاني والزماني بين الشعوب مع تغليف الفكرة بعامل العاطفة والالتقاء المعنوي وتوفر صفة التكرار اليومي التي مكنت منها التطورات الإعلامية، وفتحت المجال أمام الجميع ليحارب الجميع عبر الكلمة، وعلى حد تعبير (ألبير كامي) :» على اتساع خمس قارات خلال السنوات المقبلة سوف ينشب صراع لا نهاية له بين العنف وبين الإقناع الودي.... ومن هنا سيكون السبيل المشرق الوحيد هو رهن كل شيء في مغامرة حاسمة مؤداها أن الكلمات أقوى من الطلقات «، وصدق النبي ﷺ في قوله إذ قال:» إن من البيان لسحراً « [١٠] . الدوائر المتقاطعة: حين تتقاطع دوائر الحرب النفسية المختلفة التي يشنها الجميع ضد الجميع فإن مجال التقاطع يحدد هوية عدو الجميع، أو على أحسن تقدير من يناله أذى الجميع. والملاحظ دون جهد أن الشخصية المسلمة هي التي تتبوأ وحدها هذه المنزلة وفق سنة التداعي. فهي مستهدفة من الملل الأخرى، ومستهدفة من الأنظمة الغربية، ومستهدفة من المنظمات والتكتلات والتنظيمات العالمية؛ وإلى هذا ينالها ظلم ذوي القربى فيما تشنه الأنظمة العربية المتعارك بعضها ضد بعض، أو ما تمارسه الأنظمة من عمليات كبت أو قمع أو تقزيم أو تهميش أو تشويه أو تعتيم أو إقصاء ضد الإسلاميين في داخل الأوطان. وهي في نظري أكبر خطيئة؛ إذ المفترض أن تؤدي مثل هذه الأنظمة الدور المناسب من خلال أجهزتها في رفع الروح المعنوية لرجل الشارع، ودفع ما يمكن أن يتعرض له من غزو وحرب نفسية، لكن الواقع يحكي عكس ذلك تماماً؛ إذ تمارس هذه الأجهزة دورها في تشويه الإسلام ورموزه عن حسن نية أو عن فساد طوية، فيأتي دورها مكملاً لما لم تستطع الوسائل الأجنبية الوصول إليه لولاها. ومن جهة أخرى نجد أن الحرب موزعة الأدوار بدءاً من القادة والسياسيين؛ فهؤلاء لهم رسائلهم الخاصة التي تناسبهم، ومروراً بالأكاديميين والمثقفين سواء الذين تربوا في الغرب ورضعوا الكره للإسلام وعادوا لينفثوه سماً، أو أولئك المعجبون حتى الحياديون [١١] ، وعروجاً إلى العسكريين على مختلف اختصاصاتهم ومستوياتهم، ووصولاً إلى رجل الشارع بمختلف فئاته واهتماماته وانتماءاته، من شيوخ ورجال وشباب وفتيات ونساء وصغار؛ كل هؤلاء ينالهم خطاب عام إلى جانب خطابات خاصة موجهة لكل نوع، وانتهاءً بالمربين والدعاة الذين ينالهم نصيبهم الأوفر غير منقوص من التشويه والتخذيل والملاحقة وسائر صنوف هذا المجال وفنونه. ومهما تصورنا المصيبة فلن تكون كمقارنة بسيطة نجريها بين شخصية عربية ضعيفة مذبذبة وبين شخصية غربية أو شرقية مرفوعة الرأس معتدة بدينها وقوميتها وانتمائها، فيظهر مدى الانسحاق النفسي والروحي الذي وقعت فيه منطقتنا وجماهيرنا، وإذا ما أجرينا مقارنة كذلك بين جيل الثلاثينيات وجيل التسعينيات والمواقف هنا وهناك نجد الفارق السلبي واضحاً مع أن المفروض كان العكس بأن تتزايد درجة وعينا لخطر العدو الذي لم يكن في ذلك الوقت غير مئات مهاجرة لا جذور لها، وكان المفروض أن تتعاظم المقاومة لهذا العدو بما يوازي درجة خطره، ولكن الذي حصل أن الذي كان خائفاً تجرأ، والذي كان جريئاً خاف؛ فالذين لم يكونوا يجرؤون على التصريح بالتعايش مع اليهود صاروا هم أصحاب الصوت الأعلى إن لم يكن الأوحد، وأصحاب النجدة الذين عرفوا بهيبتهم لنصرة إخوانهم صار جناحهم مهيضاً وصوتهم خفيضاً. إن الأمر ليس أمر تطور القوة الإسرائيلية فحسب؛ ولكن قبل ذلك وأهم من ذلك أمر تدهور النفسية العربية حين غُيِّبت عقيدتها، وتآكلت آمالها في مواجهة إسرائيل. وكما قال تشرشل: كثيراً ما غيرت الحرب النفسية وجه التاريخ. وهذا ما يسميه بعض الباحثين بالاستعمار النفسي، والذي يعمد إلى استعمار النفوس والعقول بدلاً من استعمار الأرض؛ ذلك أن السيطرة على النفوس والعقول والأفئدة تعني السيطرة على كل شيء فلا تكاد النفوس ترى إلا بعينه ولا تسمع إلا بإذنه ولا تفكر إلا بعقله، تكره ما يكره وتهوى ما يهوى وتقضي حياتها في سبيل رضاه، وليتها تحظى به؛ فربما كان نصيبها النقمة والازدراء [١٢] .

стр. 4003

قضايا ثقافية العلم والدين علاقة ارتباط أم انفصام ؟ ! محمود محمد دبش ما زالت مقولة (العلم والدين) منظورة من قِبلَ بعض الباحثين عن المتقابلات والثنائيات الحديثة في محيطنا الثقافي، من أمثلة (العقل والنقل) و (التراث الحداثة) و (التخلف التطور) و (الإسلام الغرب) ، ولا تنتمي هذه المتقابلات في تنوعها إلى حقل معرفي موحد، بل هي ربما تستمد سلطانها المعرفي من أفق مختلف كل الاختلاف عن مقابلتها الحديثة. ومن اللافت للنظر أن المقولة التي يمليها مدار بحثنا قد انطلقت وتناوشتها العقول مع التماسِّ المباشر مع الغرب؛ فلذلك تراها انبثقت من تصادمية أخرى وهي الإسلام باعتباره مفهوماً حضارياً ودينياً؛ والغرب من قبيل أنه مفهوم إقليمي تتحدد سلطته المعرفية في انتمائه للدين النصراني - اليهودي. وثنائية العلم - الدين نشطت في ظل هذا التماسِّ مع ما يكتنفه من خلفية تصادمية سابقة على هذا التماس؛ مما ولَّد العديد من الفصائل الفرعية التي ربما لا تكون حقيقية في واقع أمرها، بل جاءت من ظلال هذه الحالة التصادمية التي عززت موقعها من بنات أفكار بعض الباحثين مستلهمين في ذلك الوازع الأيديولوجي الذي يكون منطلقاً لباقي الأفكار والتصورات؛ وهذا مما أدى في حقيقة الأمر إلى ارتباك في المفاهيم، وبناء المصطلحات على غير بنية علمية مؤكدة. بل إن طرح المشكلة على شكل مواجهة حادة بين العلم على إطلاقه، وبين الدين عموماً، ما هو إلا تنظير غربي محض من واقع تجربته المريرة مع الدين ورجاله، والتي أفرزت هذه المواجهة الحادة التي لا نهاية لها في واقع الأمر. وقد تم نقل هذه الثنائية على أيدي المفكرين العرب، من دون ردها إلى حيثياتها الأساسية المسوغة للواقع التاريخي لهذا التصادم الحاد. وقد ساد تصوير هذه العلاقة على هذا الشكل، وتحديدها ضمن هذه الأطر والمفاهيم المستلة من ثقافة الغرب لكي تخدم الموقف الغربي في بسط تصوراته وآليات تفكيره على المجتمعات الخاضعة لسيطرته؛ وفي ذلك تأبيد لهذه السيطرة الاحتكارية للحقائق والمفاهيم، وهو الأمر الذي يسلم له موقفه من العلم والدين، وهو مَفْصل الإشكال الذي يرد على هذه القضية من حيث الأساس، وما عدا ذلك إن هو إلا حلقات في تعزيز المفهوم الأساسي الذي يستند إلى واقع منفصم عن الحقائق والتصورات الصحيحة التي يستند إليها الدين والعلم معاً. وفي هذا المقال سوف نحلل هذا الارتباط المتعاكس بين العلم والدين، وتقرير حقيقة العلاقة التعاضدية التواصلية بينهما، ولا أقول علاقة توأمية كما يدعي بعضهم؛ بل هي حقيقة واحدة تبتدئ بالعلم وتنتهي بالدين، وهي خط بياني واحد متواصل مهما امتد شوط العلم في مساره تألقت له الحقيقة الدينية في ذروة شوطه بأجلى مظاهرها وأينع ثمارها، والعلم - مهما تفرع في بيداء المعرفة - سوف يقطف ثمار معرفته في كنف الحقيقة الدينية الربانية. وهذا مما يساعد على تبديد وهم الانفصام النكد الذي رسمه لنا الوهم الغربي عن العلم والدين معاً. العلم في منظوره الغربي: العلم كما صورته المصادر الغربية والموالية لها قد انحصرت يقينياته فيما يخضع لسيطرة الحواس الإنسانية وما عداه من اليقينيات فهي لا تخضع لمقولة هذا العلم أو توزن بموازينه، وهذا يشمل بطبيعة الحال المفاهيم الدينية ومرتكزاتها الغيبية. وقد امتد هذا الرفض حتى شمل كل المفاهيم التجريدية غير التجريبية التي لا يصادق عليها الواقع أو مما يتيسر قياسه أو تجربته، وامتد سلطان التجريبية في شتى معاهد العلم الغربية، واستقرت الأخلاق والقيم على مبادئ وأسس جديدة بعيدة عن الدين وأحكامه وصارت المعايير الأخلاقية والقيمية تقاسي من حيث مدى نفعها على الذات الإنسانية بغض النظر عما تسببه للآخرين، وهو ما نشأت عليه الذرائعية على أنها فلسفة للحياة تتوافق مع المنهج التجريبي حين فرَّغت العلم من مفهومه الحقيقي، وصبته في قوالبها التجريبية البحتة. والذرائعية لا تملك مفهوماً محدداً في بيئتها المعرفية طالما كل الأفكار والقيم ممكن استخدامها في نظرهم ذرائعياً، وبذلك تكون القيم ومنها الدينية مجرد حامل للتوجهات والغايات التي ترتبط بالمراد النفسي للإنسان مهما كان باعثه عاطفياً أو عقلانياً! بهذا المدى وتحت تكييف هذه الشروط أصبح للعلم مفهوم مختلف لدى الغرب عما هو عليه في الحقيقة، وبات هذا المنظور هو السائد وهو ما يجب اعتناقه طوعاً أو كرهاً؛ وهو ما تحاول الجهات العلمية والسياسية بجميع اختصاصاتها أن تسوِّقه وتروِّج له في المحافل العلمية محاولةً إخضاع الشعوب وموروثاتهم الدينية والثقافية والقيمية لهذا المقياس الكمي، وهو التوجه الحالي للعولمة المعاصرة. الدين من المنظور الغربي: بالمقابل كان للدين في المفهوم الغربي في (المخيال الاجتماعي) سلطة كهنوتية لا تستمد من المفاهيم الدينية الموجودة أو الثابت علمياً ونطقت به وقائع الحياة، فعادوا بنتيجة مفادها أن هذا المسمى: (ديناً) ليس له من حقيقة الدين إلا الإشباع الغريزي لهذه العاطفة الإنسانية الكامنة؛ فهو غير مستند إلى دليل عقلي مقنع أو حجة نقلية صادقة، بل ما هو إلا أفكار بشرية صيغت بلبوس ديني لكي يتم القبول بها؛ فاللجوء إلى مقولات دينية هو الوجه الآخر لنفي صفة العلمية عنها والعكس بالعكس، ومن هنا تولد التضاد بين المسارين وما زال. وهذا الشكل من التقنين للمسألة هو نتيجة منطقية لفساد المفهومين معاً في المنظور العلمي الغربي؛ حيث لا العلم الذي اعتنقوه تصوراً وتطبيقاً يحصر بذلك الذي فهموه منه كمّاً وقياساً وحساً فقط، ولا الدين في عمومه الذي صُوّر لهم بمفاهيم الكنيسة هو الدين الحق بدلائله الصادقة، والذي يمكن أن يركن إليه العلم ويصل إليه بوسائله العديدة، ويميز الحق من الباطل منه.

стр. 4004

الباب المفتوح كأنك تراه عادل بن سعد الحسيكي الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه؛ إنه الله إنه الملك، إنه السميع البصير، إنه الذي يعلم السر وأخفى، إنه الرقيب علام الغيوب. لماذا كأنك تراه عياناً بياناً أمام ناظريك؟ أليس لتستحي منه وترقبه في أقوالك وأفعالك؟ ! إن هذه المقولة الإيمانية عندما نتملاّها تنقلنا إلى آفاق عالية، آفاق تجعلنا على أفعالنا وأقوالنا حراساً، وعلى أفكارنا وخواطرنا مراقبين. ألا ترى أن كل الوشائج تلاشت في ظل هذا الدين، لتبقى [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] (الحجرات: ١٣) خفاقة فوق كل رابطة، ومداد كل شرف ومكرمة. يقول النبي ﷺ : «اتق الله حيثما كنت» [١] ، إنه الحياء من الله ، إنها الرقابة التي تسمو بها النفس فوق أعمال الجوارح وفلتات اللسان، وخطرات الأفئدة، قمة الحياء، ومعيار الكرامة والشرف؛ لأن هذا الدين ليس دين المظاهر والأشكال، وليس دين العنصرية ومراعاة الأعين والنظرات. إنه دين التربية، دين أكمله الله وجعله مهيمناً على جميع الأديان والمذاهب المنحلة التي غصت بها عصور سالفة، وتجرعت مرارتها عصور حاضرة، ظناً منها أن هذا الدين قاصرٌ عن متطلبات كل مكان وزمان، فحارت في مفاوز التخلف والرجعية، وتاهت في ظلم الأحكام والقوانين الوضعية. ترى! ما عسى أن تفعل النفس الأمارة بالسوء إذا انفلتت من هذا الحصن الحصين، وهذا القيد المتين وتعرت من أثواب الحياء؟ أليست ستقع في مهاوي الردى، ودركات المعاصي، ولجج الدناءة واللامبالاة؟ ! إن هذه قضية مشهودة، وواقعة ملحوظة، فلا نبعد عن مجتمعنا الإسلامي، فضلاً عن مجتمعات الكفر والإلحاد، فيوم أن تخلى المسلمون عن هذا المنهج النبوي القويم رأيت المعاصي تُقتَرف آناء الليل وآناء النهار، من سب للدين، واستهزاء به في مقالات سافلة، وأدبيات حوت دسائس عداء متأصل دفين، إلى قتل وإجرام علني مجاهر به، في شتى مجالات الحياة ومختلف معتركات العمل. إن المجتمع النبوي يوم أن رسخ في سويداء قلبه هذا المنطلق التربوي العظيم كان خير القرون، عز فيه الإسلام وقويت شوكته، فساد المعمورة وأرسى فيها قواعد عزه؛ فهذا شاب في الثامنة عشرة من عمره يقود جيشاً، وآخر يمتلئ قلبه غضباً على فرعون هذه الأمة؛ لأنه علم أنه يؤذي رسول الله ﷺ فيجندله صريعاً قتيلاً، وآخر يهتز لموته عرش الرحمن، ورابع تغسله الملائكة بين السماء والأرض، إنها نفوس شبت على الخوف من الله والحياء منه، واستشعار مراقبته وإحاطته - سبحانه - في السر والعلن، جعلت نصب أعينها: [إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً] (النساء: ١) ؛ فهلا كان لنا فيها أسوة وقدوة. إن الإسلام في حاجة ماسة إلى رجال مخلصين يملأ الإيمان قلوبهم، ويتملك الاعتصام بالله والخوف منه أفئدتهم حتى يقيم لبنات عزة على أكتافهم، يحتاج إلى سواعد بناءة تعمل جاهدة في رفعة هذا الدين، والذود عن حياضه، والصمود في وجه أعدائه. وختاماً: تشبث بالصبر، وتحلَّ بالإقدام، وكن دائماً كأنك تراه.

стр. 4005

الباب المفتوح لفظ التوحيد في السنة النبوية طلال بن علي الجابري استقر التوحيد بأقسامه الثلاثة - عند أهل الحق -: ١- توحيد الألوهية. ٢- توحيد الربوبية. ٣- توحيد الأسماء والصفات. ووفقهم الله للعمل بمقتضى هذه العقيدة السمحة، إلا أنه لا بد لأهل الحق من المدافعة والمنابذة من أهل الزيغ أو الجهل بين الحين والآخر [سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ] (الأحزاب: ٦٢) ، ومن ذلك: ١- إنكار تقسيم التوحيد من بعض أهل البدع وادعاؤهم أن أول من جاء به شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن عبد الوهاب؛ رحم الله الجميع. وقد تولى الرد على هذه الفرية جمعٌ من العلماء. قال الشيخ بكر أبو زيد: (هذا التقسيم الاستقرائي لدى متقدمي علماء السلف أشار إليه ابن منده وابن جرير والطبري وغيرهم، وقرره شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقرره الزبيدي في تاج العروس، وشيخنا الشنقيطي في أضواء البيان في آخرين؛ رحم الله الجميع، وهو استقراء تامٌّ لنصوص الشرع، وهو مطرد لدى أهل كل فن كما في استقراء النحاة كلام العرب إلى اسم وفعل وحرف، والعرب لم تَفُهْ بهذا، ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب، وهكذا من أنواع الاستقراء) [١] . ٢- تسمية أقسام التوحيد اصطلاحاً. وهذا خطأ؛ والصواب أنه استقراء من نصوص القرآن الكريم وليس اصطلاحاً أنشأه بعض العلماء من عندهم؛ ولهذا نجد أن العلماء لا يسمون ذلك اصطلاحاً، بل يقولون إنه استقراء كما في (أضواء البيان ٣/٤١٠ ٤١٤) وما تقدم من كلام الشيخ بكر أبو زيد وغيرهما، وقد سمعت الشيخ عبد الله الغنيمان يرد هذه التسمية ويسميها: استقراء. ٣- زعم بعضهم أن لفظ التوحيد مصطلح عليه (أي أنه من عند العلماء) ولم يرد في القرآن ولا في السنة، كما صرح بعضهم في درسه بذلك، وقد نبهته ورجع جزاه الله خيراً. ثم وجدت الخطأ نفسه من بعض الفضلاء في كتاب له، وهذا لا نشك أنه ناشئ من عدم الاستقراء. ورحم الله أهل الاستقراء التام «كدت لا أراهم إلا في كتاب أو تحت تراب» . وها هنا بعض الأحاديث النبوية الثابتة في ذكر لفظ التوحيد ولن آتي به إلا صريحاً؛ لأن بعضهم قال إنه جاء متصرفاً، أما صريحاً فَلَمْ يأت. فإلى الأحاديث: ١- أخرج الإمام أحمد عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُعذب ناسٌ من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا حُمماً، ثم تدركهم الرحمة فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنة، قال: فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما ينبت القثاء في حمالة السيل ثم يدخلون الجنة» [٢] . ٢- وجاء في صحيح مسلم وغيره في كتاب الحج عن جابر - رضي الله عنه -: « ... فأهلَّ بالتوحيد ... » [٣] . ٣- أخرج أبو داود وغيره، وصححه الحاكم والذهبي وحسنه النووي والعسقلاني؛ أن النبي ﷺ قال لبعض النسوة: «عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، ولا تغفلن فتنسين التوحيد (وفي رواية: الرحمة) ، واعقدن بالأنامل؛ فإنهن مسؤولات ومستنطقات» [٤] . وفي الجملة فقد يكون هناك أكثر وأكثر من الأحاديث النبوية الصحيحة في ذكر لفظ التوحيد؛ وإنما أردت إثبات هذا اللفظ الشريف، ويكفي في ذلك حديث واحد؛ ولله الحمد. كما أني أنصح الجميع بعدم النفي لبعض القضايا أو الأسماء إلا بعد الاستقراء التام والاعتماد على العلماء المتقدمين في ذلك؛ لأنهم أهل الاستقراء حقيقة من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما، ﵏. وأذكر في هذا المقام أن بعض أهل البدع قال: لم يرد تسمية صفات الله بلفظ (صفة) ، أما الأسماء فقد وردت! ! وهو بهذا الزعم يشوش على بعض البسطاء من العامة والله المستعان، وغاب عنه حديث في صحيح البخاري عن عائشة أن النبي ﷺ بعث رجلاً على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ[قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ] (الإِخلاص: ١) ، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: «سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟» فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي ﷺ : «أخبروه أن الله يحبّه» [٥] . [سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ] (الصافات: ١٨٠-١٨٢) .

стр. 4006

بأقلامهن من أحكام العِدَّة والحِداد أمل القصيمي العدة لغةً: بكسر العين، جمع (عِدَد) [١] ، وهو إحصاء الشيء. يقال: عددتُ الشيء عِدةً، أي أحصيته إحصاءً [٢] . واصطلاحاً: «اسم لمدة تتربصها المرأة عن التزويج بعد وفاة زوجها أو فراقه لها: بالولادة، أو الأقراء، أو الأشهر» [٣] ، وقيل: «التربص المحدود شرعاً مأخوذ من العدد؛ لأن أزمنة العدة محصورة مقدورة» [٤] . فتبين لنا من التعريفين أن سبب وجوب العدة أحد أمرين: طلاق أو موت.. ومدار حديثنا عن عدة الموت وأحكام الحادة.. فما هو الحداد؟ الحداد لغةً: الترك [٥] ، وقيل: المنع. لأن الإحْداد صفة تتعلق بالمرأة المحدّة، فهو يمنعها من كثير مما كان مباحاً لها قبله. واصطلاحاً: تجنب المرأة المعتدة المتوفى عنها زوجها، كل ما يدعو إلى نكاحها ورغبة الآخرين فيها من طيب، وكحل، ولبس مطيّب، وخروج من منزل من غير حاجة [٦] . أحكام الحِداد من حيث الوجوب والإباحة: أولاً الوجوب: «فيجب على كل امرأة متوفى عنها زوجها، في نكاح صحيح [٧] ، سواء المدخول بها أو غير المدخول بها» لما روى أحمد وأهل السنة أن رسول الله ﷺ قضى في (بروع بنت واشق) امرأة عقد عليها زوجها ومات قبل الدخول بها، بأن عليها العدة، ولها الميراث «الصغيرة، والكبيرة [٨] ، حامل أو حائل» فأمّا عدّة الحائل: فأربعة أشهر وعشر بلياليهن. لقوله - تعالى -: [وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً] (البقرة: ٢٣٤) . وقوله ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليالٍ إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» [٩] ، وأجمع المسلمون عليه. أما ذات الحمل فقد خُصّصت بقوله - تعالى -: [وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ] (الطلاق: ٤) ، وحديث المِسوْر بن مخرمة: أن سُبيعة الأسلمية - ﵂ نفست بعد وفاة زوجها بليال، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم، فاستأذنته أن تنكِح، فأذن لها، فنكحت « [١٠] ، فالحديث دليل على أن الحامل المتوفى عنها زوجها تنقضي عدتها بوضع الحمل، وإن لم يمضِ عليها أربعة أشهر وعشر، ويجوز بعده أن تنكح. وفي المسألة خلاف، وهذا الذي أفاده الحديث قول جماهير العلماء من الصحابة وغيرهم لهذا الحديث ولعموم قوله - تعالى -: [وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ] (الطلاق: ٤) [١١] . ويُشترط لانتهاء العدة على المرأة الحامل أن يكون الحمل الذي وضعته ليس مضغة أو نطفة أو دماً لم تظهر فيه الخلقة، وإنما يكون الحمل الذي وضعته هو ما يتبين منه شيء من خلق الآدمي. فإذا وضعت حملها الذي تبين فيه خلق آدمي خرجت من العدة، ولا عبرة بالأيام للحديث آنفاً، حتى ولو وضعت بعد الوفاة بنصف يوم فإنها تخرج من العدة. حتى وإن كان سقطاً لقول ابن المنذر - رحمه الله تعالى -:» أجمع كل من نحفظ من أهل العلم على أن عدة المرأة تنقضي بالسقط إذا عُلِم أنه ولد « [١٢] ، وأكثر مدة الحمل أربع سنين وهو ظاهر مذهب الحنابلة، ونقل ابن القيم:» أنه وجد لخمس وأكثر إلى سبع، ووُجد في عصرنا لثلاث عشرة وعاش «اهـ وأقلها ستة أشهر [١٣] . ثانياً: الإباحة: أولاً: يباح الحداد على قريب المرأة من أب وأخ وابن وغيره ثلاثاً؛ لقوله ﷺ :» لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم والآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا « [١٤] ، فدل الحديث على جواز الإحداد على القريب الميت وأن مدة ذلك ثلاثة أيام [١٥] فما دونها، وتحريمه فيما زاد عليها، كأن هذا القدر أُبيح لأجل حظ النفس ومراعاتها وغلبة الطباع البشرية [١٦] . ثانياً: كما يباح الإحداد لبائن من حي، ولا يُسن لها بالإجماع كمطلقة ثلاثاً والمختلعة. ثالثاً: لا يجب الحداد على المطلقة الرجعية بلا خلاف، بل ولا يُسن؛ لأنها في حكم الزوجة التي لها أن تتزين لزوجها الحي وتستشرف له ليرغب فيها، ولا على موطوءة بشبهة أو زنا في نكاح فاسد أو نكاح باطل أو ملك يمين؛ لأنها ليست زوجة متوفى عنها [١٧] . ولكن هل يجب الحداد على الكتابية؟ أئمة الفتوى اتفقوا على إباحة الحداد لها، لكنهم اختلفوا في الوجوب، أو السنية فالجمهور يرى وجوب الحداد على الكتابية، وذهب المالكية، وبعض الفقهاء إلى عدم الوجوب سواء كان زوجها مسلماً، أو ذمياً [١٨] . بدء وقت الحداد: الجمهور يرى أن عدة المتوفى عنها تبدأ منذ موت الزوج وهو زمن الإحداد، سواء علمت بذلك حين الوفاة أو لم تعلم إلا بعد ذلك ما لم تنقض أربعة أشهر وعشر. فإن انقضت قبل علمها فلا عدة عليها ولا إحداد، وهناك قول لعلي - رضي الله عنه - أن العدة تبدأ وقت علمها بالوفاة [١٩] . أما حكم تأخير العدة لغير عذر شرعي فهو عمل محرم؛ لأن الواجب على المرأة أن تبدأ بالعدة والإحداد من حين علمها بوفاة زوجها، ولا يحل لها أن تتأخر عن ذلك لقوله - تعالى -: [وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ] (البقرة: ٢٣٤) [٢٠] . وتتم العدة بمضي زمانها أي زمان العدة؛ لأن الإحداد ليس شرطاً لانقضاء العدة [٢١] . أين تعتد المتوفى عنها زوجها؟ المتوفى عنها زوجها تعتد في المنزل الذي بلغها نعي زوجها وهي فيه [٢٢] ساكنة [٢٣] ، ولا تخرج منه إلى غيره [٢٤] بلا عذر سواء كان المسكن لزوجها، أو بإجارة، أو عارية [٢٥] ، لحديث فُريعة بنت مالك أن زوجها خرج في طلب أعبُدٍ له فقتلوه. قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يترك لي مسكناً يملكه ولا نفقة. فقال:» نعم «. فلما كُنت في الحجرة ناداني، فقال:» امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله «، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً، قالت: فقضى به بعد ذلك عثمان» [٢٦] . فاستُدِل بحديثها على أن المتوفى عنها تعتد في المنزل الذي بلغها نعي زوجها وهي فيه ولا تخرج منه إلى غيره [٢٧] ، بلا عذر، فإن تحولت خوفاً على نفسها أو مالها أو حُوّلت قهراً، أو حُوّلت بحق - يجب عليها الخروج من أجله - (كتحول لأذاها) ، أو بتحويل مالكه لها، أو طلبه فوق أُجرته، أو لا تجد ما تكتري به إلا من مالها، انتقلت حيث شاءت للضرورة [*] . حكم خروجها زمن عدتها: يجوز للمعتدة أن تخرج في حوائجها نهاراً لما ثبت من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: طُلّقت خالتي فأرادت أن تَجُدَّ نخلها، فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي ﷺ فقال: «بلى! فجُدّي نخلك، فإنك عسى أن تصَدَّقي أو تفعلي معروفاً» [٢٨] ، قال ابن قدامة ﵀ مفسراًِ: «وللمعتدة الخروج في حوائجها نهاراً سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها حتى قال:» وليس لها المبيت في غير بيتها ولا الخروج ليلاً إلا لضرورة؛ لأن الليل مظنة الفساد بخلاف النهار لأنه مظنة قضاء الحوائج « [٢٩] . قال الشيخ ابن باز - طيب الله ثراه -:» فيجوز لها تبعاً للضرورة مراجعة المستشفى عند المرض وشراء حاجتها من السوق كالطعام ونحو ذلك إذا لم يكن لديها من يقوم بذلك « [٣٠] . وإذا كانت طالبة فيجوز لها أن تذهب إلى المدرسة لحاجتها إلى تلقي الدروس، وفهم المسائل، وتحصيلها، مع التزام اجتناب ما يجب على المعتدة عدة الوفاة اجتنابه [٣١] . وقد سُئل ابن تيمية - رحمه الله تعالى، وطيب ثراه - عن امرأة معتدة عدّة الوفاة، لم تعتدّ في بيتها بل كانت تخرج في ضرورتها الشرعية فهل يجب عليها الإعادة؟ فأجاب:» العدة انقضت بمضي أربعة أشهر وعشر من حين الموت، ولا تقضي العدة، فإن كانت خرجت لأمر يُحتاج إليه ولم تثبت إلا في منزلها فلا شيء عليها، وإن كانت قد خرجت لغير حاجة، أو باتت في غير ضرورة، أو تركت الإحداد فلتستغفر الله وتتوب إليه من ذلك ولا إعادة عليها « [٣٢] . مكان عدة الرجعية والبائن: وعدة الرجعية في لزوم مسكن كمتوفى عنها، وتعتد البائن بمكان مأمون من البلد حيث شاءت، ولا تجب عليها العدة في منزله لحديث فاطمة بنت قيس، قالت: » طلّقني بعلي ثلاثاً، فأذن لي ﷺ أن أعتدّ في أهلي « [٣٣] ، ولا تبيت البائن إلا به أي المسكن المأمون ولا تسافر [٣٤] . نفقة المحادّة: من المعلوم أن الحادّة وهي المتوفى عنها لا تخلو من أحد أمرين: إمّا أن تكون حائلاً، أو حاملاً. فإن كانت حائلاً [٣٥] فلا نفقة لها ولا سكنى [٣٦] ، لانتهاء الزوجية بالموت [٣٧] ، ولأن المال انتقل من الزوج إلى الورثة ولا حق لها على الورثة، ولا سبب لوجوب النفقة [٣٨] ، أمّا إن كانت حاملاً: فالجمهور على عدم وجوب النفقة لها مطلقاً سواء كانت حاملاً أو حائلاً. وهناك رواية عند الحنابلة في لزوم النفقة للحادّة إذا كانت حاملاً؛ لأنها حامل من زوجها؛ فكانت لها النفقة كالمفارقة في الحياة [٣٩] . حكم خطبة المحادّة: يُحرّم التصريح بخطبة المعتدة كقوله:» أُريد أن أتزوجك « [٤٠] ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -:» ولا مانع من التعريض لها من غير تصريح لقوله - تعالى -: [وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ] (البقرة: ٢٣٥) « [٤١] . ما تجتنب المحادّة وما رُخص لها فيه: لما علمنا أن العدة هي اسم الزمن الذي تتربص به المرأة مدة معلومة، علمنا أن الحداد هو اجتناب الحادّة مظاهر الزينة في بدنها وفي ثيابها.. فمما يحرم على الحادّة: أولاً: الطِّيب: بجميع أنواعه، فلا تتطيب في بدنها ولا ثوبها ولا تستعمل الأشياء المطيّبة لقوله ﷺ :» ولا تمس طيباً « [٤٢] متفق عليه، قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:» وعلى هذا فالصابون ذو الرائحة الطيبة لا يجوز استعماله للمحادّة، وفي الصابون الخالي من الطيب ما يُغني عنه « [٤٣] ، ويدخل في الطيب البخور إلا إذا طهرت من الحيض؛ فإن المحدّة تتبع أثر الدم [٤٤] بنحو أظفار؛ فقد ثبت عن أم عطية الأنصارية ﵂ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت:» كنا نُنهى أن نحدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً، ولا نكتحل، ولا نتطيب، ولا نلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عَصْبٍ، وقد رُخِّص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نُبْذة من كُسْت أظفار « [٤٥] . وفي رواية:» قُسْط وأظفار «، وهما نوعا بخور. ثانياً: تجنب الزينة: من حلي كقلائد أو أساور ولو خاتم ذهب أو فضة [٤٦] ، لحديث:» المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا المُمَشَّقة، ولا الحَلْيَ، ولا تكتحل، ولا تختضب « [٤٧] . وقد سُئِلت اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية عن حكم لبس الساعة فأجابت:» لها ذلك لأن الأمر يتبع القصد، وتركها أوْلى لأنها تشبه الحلي « [٤٨] . ثالثاً: تجنب ثياب الزينة: كلبس الثوب المطيّب والمصبوغ بالأحمر أو الأصفر [٤٩] للحديث السابق واختُلف في الحرير؛ فذهبت الشافعية في الأصح إلى المنع لها منه مطلقاً مصبوغاً أو غير مصبوغ [٥٠] . ورخّص بعضهم في لبس الحرير الأبيض. أما تخصيص لبس السواد حداداً على المتوفى وخاصة إذا كان الزوج فأجاب عن المسألة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ بقوله:» لبس السواد عند المصائب شعارٌ باطل لا أصل له، وهو أمر باطل ومذموم « [٥١] ، فتلبس المرأة من الثياب ما لا زينة فيه ولا يتعين لون خاص مما جرت العادة بلبسه [٥٢] . رابعاً: تجنب الكحل: لقوله ﷺ :» ولا تكتحل «متفق عليه، لما فيه من زينة للعين [٥٣] ، فليس لها أن تكتحل ولا ما يكون في معنى الكحل من التجميل للوجه [٥٤] كمساحيق التجميل، ويُستثنى من الكحل ما كان تداوياً لا زينة؛ فلها أن تكتحل ليلاً وتمسحه نهاراً، ولا بأس أن تداوي عينيها بغير الكحل مما لا زينة فيه [٥٥] . خامساً: تجنب الخضاب: وهو الحناء لقوله ﷺ :» ولا تختضب «متفق عليه، وهو شامل لكل أنواع الخضاب والصباغ. لحديث:» ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب « [٥٦] . سادساً: الدهن: وتجنب الحادّة الدهن المطيّب وغير المطيّب؛ لأن فيه زينة الشعر، ولا يخلو الدهن من نوع طيب [٥٧] . أمّا ما يباح للحادة: قال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -:» ولا تُمنع من تقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق الشعر المندوب إلى حلقه، ولا عن الاغتسال بالسدر والامتشاط به « [٥٨] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -:» ويجوز لها أن تأكل كل ما أباحه الله كالفاكهة واللحم وكذلك شرب ما يباح من الأشربة « [٥٩] إلى أن قال: » ولا يحرم عليها عمل شغل من الأشغال المباحة مثل التطريز والخياطة والغزل وغير ذلك مما تفعله النساء، ويجوز لها سائر ما يُباح لها في غير العدة مثل كلام من تحتاج إلى كلامه من الرجال إذا كانت متسترة وغير ذلك، وهذا الذي ذكرته هو سنة رسول الله ﷺ الذي كان يفعله نساء الصحابة إذا مات أزواجهن « [٦٠] . أفعال لا صحة لها: وقد ذكر منها إمام العصر ابن باز - رحمه الله تعالى - بقوله:» أمّا ما قد يظنه بعض العامة ويفترونه من كونها لا تتكلم بالهاتف، ومن كونها لا تغتسل في الأسبوع إلا مرة، ومن كونها لا تمشي في بيتها حافية، ومن كونها لا تخرج في نور القمر، وما أشبه هذه الخرافات فلا أصل لها بل لها أن تمشي في بيتها حافية ومنتعلة، تقضي حاجتها في البيت تطبخ طعامها وطعام ضيوفها، تمشي في ضوء القمر، في السطح، وفي حديقة البيت، تغتسل متى شاءت، تُكلّم من شاءت كلاماً ليس فيه ريبة، تُصافح النساء وكذلك محارمها، أمّا غير المحارم فلا، ولها طرح خمارها عن رأسها إذا لم يكن عندها غير محرم، ولا تستعمل الحنّاء، ولا الزعفران ولا الطيب لا في الثياب، ولا في القهوة؛ لأن الزعفران نوع من أنواع الطيب « [٦١] . ومن أفعال الجُهّال كذلك الخروج في آخر أيام العدة لإعطاء أول من تلاقيه صدقة، وتغطية جميع مرايات البيت طوال أيام العدة، وبعضهن تمكث أيام الحداد كلها في غرفتها وتلبس السواد والقفازين وجراب الأرجل، وكذلك منع الصبي الصغير غير المكلّف من الدخول على المعتدّة، وتحريم الإجابة على الهاتف، والذبح عند انتهاء العدة. فهذا كله من البدع ومن التشدد وهو مأخوذ من كلام الجهّال [٦٢] . هذا.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.

стр. 4007

المنتدى المسلم والتميز نهى بنت عبد الله العريني إننا اليوم نواجه تياراً من تيارات مسخ الهوية بدأ يسيطر على جل مقدرات الأمة، فقلَّ من ينجو منه، فأصبح يحيطه بسلاسل من القيود والتبعية الممقوتة بحيث يسير وقد تخلَّى عن كل مظاهر ذلك التميز، وليس ذاك إلا من مظاهر الضعف في بنيان الذات المسلمة التي استشرى فيها الوباء فأضعفها. ولا غرو أن قوة التيارات والأعاصير تزلزل الجبال؛ ولكن هناك قوة تتصدَّى لها وهي القوة الثابتة المحافظة على تميزها المتحررة من قيود التبعية «حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم» [١] ولكن عجباً! ! كيف كان لهذا التيار الخبيث الكثير من الانتشار والذيوع في مجتمعاتنا المحافظة؟ بالطبع إنه تلبس بأقنعة الحضارة الزائفة ذات الشعاع الكاذب، وكثير ممن كان طابعهم التقليد يتأثرون بتلك البهارج، ولكنهم حتماً سيصطدمون بمسلَّماتهم التي نشؤوا عليها مما تقوم عليه معالم الشخصية المسلمة؛ فإمِّا أن تعود إلى الأصل وإمِّا أن يستمر التذبذب بها إلى أن تأتي موجة فتبتلعها وينتهي خبرها؛ وهو الأكثر والأغلب مع الأسف. فما أجمل المسلم أن يحافظ على تميزه في كل جوانب حياته، وأن يتخلص من تلك القيود «فإن مسلماً نودي بالسير مع الهمم العالية، فانتفض وأفلت من قيود الأرض، وحلق بجناح العزة هو مسلم حري به أن تتم انتفاضته بخطوة تميز واضحة» [٢] ، ولكن المسلم قد يستشكل عليه ماهية التميز المطلوب؛ فقد يتشبث بأنواع مختلفة من السلوك ظناً منه أن ذلك تميز وهو في الحقيقة وهم. إن التميز الحق هو المنبثق من أقاصي الذات، ومن بنيات أفكارها، إن تميزها في مبادئها الأصيلة التي لا تبلى ولا تتحلل مع مرور الزمن؛ فتتأصل فيها، وتترسخ حتى تسري مسرى الدم في العروق، فيعمَّ الجسد كله، وتعمل به الجوارح في ثبات ورسوخ؛ حينها لن يجرفه أي تيار مهما عظم بعد تثبيت الله - تعالى - له. ولعل أكبر مثال على ذلك ثبات الصحابة ﵃ وتميزهم في الحبشة، في زمن الهجرة من أرض الوطن، وهم في موضع التجاء وطلب معونة من أهلها بعد طلبها من الله - تعالى - حيث كانوا فارين بدينهم من عذاب المشركين وملاحقتهم لهم؛ فبعد طول المشوار ولجوئهم إلى الحبشة، ومنها إلى النجاشي ملكها الذي كان آنذاك نصرانياً ابتدرهم الرهبان والقساوسة أن اسجدوا للملك! فأجاب جعفر بن أبي طالب وهو على رأسهم، وانطلقت منه تلك الأحرف الشجاعة المتميزة: «نحن قوم لا نسجد إلا لله» ، في عزة وأنفة، في يقين بالمبادئ، في أحلك الأحوال وأكثرها إظلاماً، لكن يبقى التميز المتأصل في النفس يعمل دوره، فماذا كان رد هذا الملك أمام ذلك الثبات؟ هل قتله.. هل وبخه.. أم طرده؟ كلا، أتدرون ماذا فعل به؟ ! ! لقد أكرمه ورفعه، ورد عليه بالحسنى، ومنحه امتياز الأمان والجوار فلا يُعتدى عليه هو ومن معه. أرأيتم كيف يصنع التميز بالمواقف! ! أرأيتم كيف يصنع الثبات بالرجال؟ ! ! وبالمقابل نرى كيف تفعل الانهزامية فيما نراه من رموز التغريب أمثال رفاعة الطهطاوي، وقاسم أمين، وسلامة موسى وغيرهم ممن تترفع أقلامنا عن تسطير أسمائهم؛ فما كان لهم إلا الخسران والسقوط في تلك الأوحال النتنة. بقي القول: إن مثل هذا التميز المنشود يعزُّ وجوده في هذه الأجواء إلا لمن رحم الله.

стр. 4008

المنتدى الشعوذة وألوانها علي أحمد الخلب أمقت هذه الكلمة، وأمقت كل من يعمل بألوانها؛ فقد كنت وأنا صغير السن عندما أسمع هذه الكلمة يسبح عقلي في الخيال، وأرى صورة شخص يتصاعد من أمامه دخان كثيف يعمي القلوب قبل العيون أحياناً، ويلبس ثياباً رثة قذرة عفنة تستنكرها العقول قبل أن تستنشقها الأنوف. هذه الصورة التي ظهرت لي وأنا صغير خدعتني عن حقيقة الشعوذة والمشعوذين؛ فكنت أعتقد أن من يكون بهذه الصورة وبهذا الأسلوب هو المشعوذ؛ وإذا بي أرى أنه كالحرباء يتلون حسب البيئة التي يقطن فيها، ويطور أساليبه ويغير من هيئته، فهناك من هو مشعوذ بالقلم الساحر وإن من البيان لسحراً والإبداع الماكر، وهناك من يروي تاريخه المزيف على أنه بطل زمانه، ويصنع له قصصاً مخترعة من نسج خياله يقنعك أنه يحرر البشرية، ومنهم من يوهمك بقوته وأنت تراه يفر ولا يصمد أمام طفل يحمل حجارة التقطها من الأرض، ومنهم من يقنعك أنه يعالج قضاياك المستعصية رغم أنك ترى بأم عينيك بأن مشكلاتك تزداد بقدر معالجته لها، ومنهم ومنهم ... إلخ. إنها شعوذة القرن العشرين، أشعلت أبخرتها وتصاعدت في الفضاء وانتشرت في الأثير لكي نستنشقها، لتنفذ بطقوسها الحديثة حواسنا وتسيطر على عقولنا وقلوبنا، تنفذ من خلال البصر فتعمي البصيرة وتخترق أسماعنا فتخرق قلوبنا وتخل بتوازننا واعتقاداتنا وتراثنا. إن مشعوذ القرن العشرين استنفر قوى الطبيعة بكل معنى لهذه الكلمة، وسخر كل مارد يتجاوز الحدود، لا تقتله طلقة، ولا سيف يقطعه، ولا قرار يمنعه. مشعوذ القرن العشرين والمشعوذ القديم وجهان لعملة واحدة، لم يتغير أسلوبه وإن غيّر من هيئته، الكذب مبدؤه، والخداع منهجه، والمال مقصده، وقلب الحقائق غايته. لقد استطاع المشعوذون أن يرسموا في مخيلتنا صورتهم القديمة، استطاعوا أن يجعلونا كمن يحلم داخل الحلم كلما أراد أن يستيقظ منه وجد نفسه في حلم آخر، إنهم مبدعون في فن الخداع وفي قلب الحقائق كيلا نكتشف حقيقتهم فنحذر من شعوذتهم وألوانها.

стр. 4009

المنتدى انتفاضة الأقصى الحزين عبد القادر الزين أهدي إليك تحية ... يا أيها الأقصى الحزين حيّاك ربكَ قبلَها ... سبحان ربِّ العالمين أسرى إليكَ بعبده ... ليلاً مع الوحي الأمين صلَّى إماماً قدوةً ... صلَّى بجمع المرسلين أُهدي إليك تحية ... يا أيها الطفل الحزين ألق الحجارةَ مِدفعاً ... لتهزَّ عرشَ المعتدين طفلاً أراك مشمراً ... ما للجنود المقعدين؟ سلمت ذراعك مُدَّها ... سلمت حصاتك واليمين اِرم الجمار مكبراً ... قلِّد حجيج المسلمين قوَّاك ربُّك فاغزُهميا ... وسلمتَ يا بنَ الأكرمين

стр. 4010

المنتدى ردود * الأخ: حمد بن عبد الرحمن السالم: نشكر لك تواصلك الطيب مع مجلتك، كما نشكر لك ملاحظاتك وجزاك الله خيراً. * الإخوة: محمد بن عائض، متعب بن سريان العصيمي، خالد الهديب: وصلتنا مشاركتكم بارك الله فيكم، ونفيدكم بأنها مجازة للنشر في المنتدى. * الإخوة: د. فهد بن محمد الخضيري، عبد الله بن عبد العزيز الحميدة، محمد عبد الله الباردة، ناصر عبده وحان، عبد الإله الكثيري: نرجو التكرم بإفادة المجلة بعناوينكم الخاصة، وجزاكم الله خيراً.

стр. 4011

المنتدى من رسائل القر اء - أخي في الله رئيس تحرير مجلة البيان المباركة المحترم؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أكتب إليك - أخي - هذه الكلمات البسيطة من فيضٍ لا ينقطع معينه من الكلمات النابعة من صميم قلب محب يحمل لكم كل معاني الود والعرفان والشكر الجزيل على ما تجودون به علينا من هباتكم المتتالية والتي نتطلعها مع هلال كل شهر ونحن مبتهلون إلى الله «اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى - ربي وربك الله -. هلال خير ورشد - اللهم إني أسألك من خير هذا الشهر وخير القدر، وأعوذ بك من شره» . وبفضل الله نبدأ بتطلع أولى هبات خير شهرنا؛ وذلك من خلال عطائكم الوفير من خلال مجلتنا المباركة البيان. فجزاكم الله خير الجزاء، وجعل عملكم هذا في ميزان حسناتكم. لا يخفاكم - أخي - أن مجلتنا هذه «البيان» كالدوحة العظيمة المليئة بالثمار اليانعة الطيبة، ونحن آكلون هذا الثمر وأنتم أصحاب السدانة لهذه الشجرة، فأنتم أصحاب الجهد الكبير الذي لا يخفى على كل ذب لب، وأذكر لك أخي موقفاً طريفاً حدث لي مع هذه المجلة المباركة وكان ذلك في يوم من أيام شهر المحرم الحرام لهذه السنة حيث حصلت على عدد البيان من أحد الأصدقاء بعد أن طلبته منه فأخذت أتصفحها، لم أدرِ إلا وشعور غريب ينتابني وإذا بي أريد أن أمزق المجلة بأسناني وأبتلعها، وكل السبب في ذلك أنني لم أدرِ كيف أعبر عن صدق حبي للمجلة وشدة إعجابي بها؛ وهذا مصداق لمثل عندنا هنا في اليمن: «الهرة إذا أحبت أولادها أكلتهم» وهذا الشعور نفسه الذي عانيته. أخي العزيز: أُشهد الله أني أحبكم فيه، والسلام. صلاج بن أحمد مصلح العواضي - أحسن المنتدى الإسلامي بإصدار كتابه: «حقوق النبي صلى الله عليه وسلم بين الإجلال والإخلال» ، وأحسنت مجلة البيان صنعاً عندما جعلته هدية مجانية مع العدد (١٦٣) الصادر في ربيع الأول ١٤٢٢هـ. وهو كتاب طيب نفيس وجاء توزيعه في وقت مناسب جداً حيث يحتفل الغوغائية والدهماء بالمولد الموافق ١٢ من ربيع الأول؛ هذا المولد الذي ابتدعه وأحدثه العبيديون الشيعة الباطنية، ثم قلدهم الرسميون والقبورين والصوفية، وساعدهم على كل ذلك من يظن أنهم علماء من الدكاترة وأصحاب المناصب؛ حيث أفهموهم شرعية ذلك وعدم بدعيته؛ بل وصل الأمر بالسواد الأعظم منهم أن قاموا بالسب واللعن للعلماء الربانيين أهل السنة والجماعة السائرين على منهاج السلف؛ حتى إنهم سفهوا أقوالهم وتطاولوا عليهم وانتقصوا من فتاواهم، واتهم هؤلاء المبتدعة أهل السنة والجماعة العلماء الربانيين السائرين على منهاج السلف بكره وبغض النبي ﷺ : [كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً] (الكهف: ٥) . وفي الفصل الأول «دمعة على حب النبي صلى الله عليه وسلم» ذكر الكاتب - حفظه الله - بعضاً من مظاهر الجفاء مع النبي صلى الله عليه وسلم: وذكر منها ترك الصلاة عليه ﷺ . وأقول: مما يؤسف له أن ثمة بدعة عصرية منتشرة جداً جداً ولا يلتفت إليها كثير من الناس حتى صار بعض الناس يعتبرها أمراً عادياً وهي صورة من ترك الصلاة عليه ﷺ . وهذه البدعة اللفظية هي الاكتفاء بلفظة (صلعم) أو الحرف (ص) في معرض الصلاة على النبي ﷺ . محمد نجيب لطفي

стр. 4012

الورقة الأخيرة حذار.. الأسرة في خطر عبد العزيز بن محمد التميمي أصدقكم القول إنني مندهش جداً؛ فثمة خطر حقيقي مفزع يلوح في الأفق ... قد بدت نذر هبوبه ومع ذلك فلا يبالي أحد - على الأقل حتى الآن - ولا يتحدث عنه أحد - إلا النذر اليسير - بينما يشكو الكثير من تفشي الجريمة وتعاطي المخدرات والتحلل الخلقي وغير ذلك من العلل والأمراض ... المخدرات التي تبذل لأجلها حكومة الولايات المتحدة وأوروبا المليارات، وتجند لها مئات الألوف من رجال الأمن والتحري والدوريات و.... دون جدوى! ! تعقد الكثير من المنتديات والمؤتمرات حول السبل الناجعة لمواجهة هذا الخطر المرعب، وتتخذ الكثير من التوجيهات والقرارات، ولا يزداد الأمر إلا خطورة واستفحالاً ... الحل الحقيقي هو الأسرة ... ! والخطر الحقيقي المخيف ... هو تقويض الأسرة. يؤمن الناس في الغرب أن وراء كل عظيم «امرأة» لكن إيماني عميق بأن وراء كل عظيم أسرة عظيمة؛ ولذلك فكل ما من شأنه دعم كيان الأسرة وتعزيزها يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار ويعطى الأولوية. الأسرة هي ملاذ الأمن الاجتماعي المطلوب، وأي خطر يتهددها هو خطر في نواة الأمن الاجتماعي الصلبة الذي يجب أن تقام من حوله القلاع وتبنى من حوله المتاريس ... في الماضي كانوا يقولون عن الرجل إذا بالغوا في الثناء عليه: «فلان ولد حمولة» أي أنه نتاج أسرة كريمة [وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ] (الأعراف: ٥٨) ، ولما كان حاله كذلك فلا عجب أن يكون على خير صفات الكمال ... فالشيء من معدنه لا يستغرب ... واليوم بدأت تتحطم القبيلة لحساب «الوطنية» ، ويتمزق كيان الأسرة لحساب «الحرية الفردية» . في الماضي كانت الأجيال الثلاثة تسكن بيتاً واحداً ... الجد وابنه وأحفاده ... في الماضي لم تكن الأسرة تتناول طعامها إلا مجتمعة ... واليوم تتكفل محلات الوجبات السريعة «Fast Food» المهمة، لا يجمع الناس في البيت الواحد إلا لحظات النوم ... وحتى هذه اللحظات متفاوتة؛ فمن أفراد الأسرة من لا ينام إلا مع بواكير الفجر الأولى بعدما يمل من مراقبة «القنوات الفضائية» المتنوعة، أو ينتهي من حوارات «الدردشة Chatting» في الإنترنت تلك التي لا تكاد تنتهي ... ! ! ! ومنهم من ينام من أول الليل حتى «يلحق بالدوام الباكر» ، ومنهم من لا ينام حتى ترتفع الشمس في كبد السماء ويزداد الحر فيفر منه إلى سكينة النوم عاكساً قانون الله الكوني في جعل الليل سكناً ... !! يا سادة! هل تصدقون أن نسبة الطلاق في المدن الكبرى تجاوزت «٣٠%» أي أنه بين كل ثلاث زيجات تنتهي واحدة بالطلاق بعد مدة ... تنبهوا ها هو حصن الأمن تتقوض أسواره ... هل تبحثون عن الأسباب....؟ ! ثمة أسباب كثيرة ... ربما يساعدنا إدراك أن هذه الظاهرة - أعني ظاهرة الطلاق والتمزق الأسري - ظاهرة عالمية تتزايد في كل مكان في هذا العالم، ولما كنا وكم يؤلمني ذلك نعيش في عصر العولمة «عولمة وسائل الاتصال والنقل، والمعلومات وعولمة الجريمة والتحلل الأسري، وهيمنة النموذج الغربي ... لما كنا نعيش هذا العصر فلا ريب أن علله الأخلاقية تعدينا تماماً» كما يعدي الصحيح الأجرب «. زرت العديد من الدول الأوروبية ... ورأيت أنك تتمكن بسهولة من ملاحظة رجل يسير مع امرأة، أو امرأة تسير مع أطفالها ... بل الرجل يسير مع أطفاله، لكنك من الصعب جداً أن تجد أسرة مكونة من الأم والأب والأطفال! ! لقد تخيل بعضنا أنا بدأنا نستهلك الغرب ... ، وأذبناه - ويا للمفاجأة - نحن الذين تستهلكهم الحضارة الغربية ... ، ثم تلفظهم مشتتين ممزقين، واهني القوى ... تشتكي الكثير من الأمهات من عدوانية أطفالهن التي لا تطاق ... ولا غرابة ... فالطفل الذي يمضي سحابة نهاره في حضن خادمته المكدودة طوال نهارها في العناية بالمنزل، تعاني الكثير من الآلام في بعدها عن زوجها وأطفالها؛ فكيف لها أن تكون مصدر حنان يكفي لطفل قذفت به أمه بين يدي هذه المربية، ثم انطلقت لا تلوي تعمل في هذه الوظيفة أو تلك! ! كيف لا يكون الطفل عدوانياً ... وأمه تنتظر كالنمرة عودة زوجها مكدوداً مرهقاً من عمل النهار كي تنطلق نحوه بأعيرة كلامية لا تنتهي حول تقصيره في بيته وإهماله لها.... أو حول تصرفات أهله أو أقاربه معها أو ... أو ... كيف يمكن لهذا الطفل المسكين أن يكون ودوداً لطيفاً مبدعاً معطاءاً؟ ! ثم كيف يمكن لهذه الأم التي يكيل لها زوجها الصاع صاعين ... كيف يمكن لها أن ترضخ له، وهي الموظفة المرموقة التي تملك السيارة والسائق والخادمة والمربية.... إلخ، إنها ليست في حاجة إليه ... بل هو الذي يحتاجها ... وإن لم يحترمها وصبر على» نكدها «فليذهب إلى الجحيم ولا عليها أن تكون بلا زوج ... فأزواج هذه الأيام - كما يقلن كثيراً - البعد عنهم خير من القرب منهم! ! الضحية في النهاية هم هؤلاء الأطفال المساكين ... إنني عاجز عن أن أكف تفكيري الدائم في المستقبل المجهول الذي ينتظر هؤلاء المساكين الذين لم يجدوا حظاً من الرعاية والاهتمام في طفولتهم الأولى ... أي نوع من الرجال سيكونون؟ وأي نوع من الأُسَر سوف يشكلونها؟ ! ثم هذا الغلاء الفاحش في تكاليف المعيشة، وهذه النفقات الباهظة للزواج من يطيق احتمالها والقيام بها؟ ! إنني أعتقد اعتقاداً لا أشك فيه أن أجراس الخطر لا بد أن تقرع الآن، وأنه آن للعقلاء من هذه الأمة أن يبدؤوا بتشكيل الملتقيات والندوات والجمعيات الخيرية ومنظمات التوعية التي تواجه هذا الصدع الخطير في بنيان الأسرة التي نواجهها اليوم ... وتذكروا معي جيداً أن» وراء كل عظيم أسرة عظيمة «.

стр. 4013

جمادى الآخرة - ١٤٢٢هـ سبتمبر - ٢٠٠١م (السنة: ١٦)

стр. 4014

كلمة صغيرة ظاهر الدعم وباطنه تفاعل رئيس تحرير إحدى الصحف العربية مع ما يحدث للمسلمين على أرض فلسطين، فقد استحى من عمليات المتابعة المكثفة التي يقوم بها الصحافة الأجنبية ومحطات التلفاز والقنوات الفضائية خارج دائرة الوطن العربي، وهو لم يرسل حتى الآن أي صحفي للتغطية الميدانية للأحداث.. ولكن ما السبيل وصحيفته رسمية أو شبه رسمية؟ والموقف الرسمي واضح المعالم في دعم القضية الفلسطينية وهو كالموقف العربي كله يريد السلام ويحرص عليه أيما حرص. بيد أن غليان المسلمين - غير الرسمي - أقلق الكثيرين من الرسميين، فاقترح رئيس التحرير، وهو " رئيس تحرير " جريدة لا تحرير أرض سليبة أن يجاري أولئك الأغيار في حميتهم، وأسال دماء حبره الأسود على الصفحة الأولى مهاجمًا السياسة الإسرائيلية البغيضة، وندد بالتخاذل العربي، ونادى التضحية بالأرواح دفاعًا عن الأقصى الشريف، ودعا لتطهيره من رجس اليهود الغاصبين، ونادى بالتعبئة العامة لتحرير الأرض. تفاعلت الجماهير مع كلمات الرجل، وعندها جاراه غيره من الصحف الرسمية وشبه الرسمية، وخاصة عندما ارتفعت نسبة توزيع الصحف. عند ذلك استُدعي رئيس التحرير إلى مكتب أحد المسئولين الذي منحه مكافأة كبيرة لنجاحه في تلميع الصورة الرسمية! !

стр. 4015

الافتتاحية الطريق إلى التغيير سلسلة الهزائم والنكسات الحضارية والعسكرية التي تشهدها الأمة الإسلامية في هذا العصر أصابت قطاعًا عريضًا من المسلمين بالإحباط والوهن والتخاذل العقدي والاجتماعي، وجعلتهم يستسلمون للواقع مكبلين بآصار ثقيلة من العجز أقعدتهم عن الحركة والعمل، وسلبت قدرتهم على الصمود والثبات. وساعد هذا الواقع في هيمنة المشروع الحضاري العلماني والتغريبي الذي انطلق في بلادنا الإسلامية كالطوفان الجارف حتى طغى وبغى وراح يعيد صياغة القيم والمثل صياغة جديدة لا تعدو أن تكون محاكاة مسوخة للتيارات الليبرالية الغربية. وأشد أنواع الهزيمة الاستسلام للواقع، والركون إليه؛ لأنه يفت في عضد الأمة ويحطم قدراتها وطاقاتها. وسبيل النهوض بهذه الأمة من كبوتها واضح المعالم؛ فمن الحقائق البينة الثابتة التي تواترت فيها النصوص الشرعية أن الاستقامة على دين الله - تعالى - هي طريق النصر والتمكين، قال الله - تعالى - [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) . والمؤمن بحق لا يمكن أن يغلبه اليأس أو يشعر بالإحباط المطلق؛ لأنه يعلم يقينًا أنه يستمد قوته من إيمانه بالله العلي الأعلى؛ ولهذا قال الله - تعالى - للمؤمنين لما خرجوا منكسرين بعد غزوة أحد [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٣٩) . فالاستعلاء بالإسلام، والاعتزاز بالدين، هو الطريق الصحيح لنهضة الأمة وعزتها. ومن سنن الله - تعالى - الثابتة التي لا تتبدل ولا تتحول أن نهضة الأمة لن تتم بمعجزة خارقة، بل بسنة جارية بيَّنها ربنا في قوله: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: ١١) . ولكن من أيد يبدأ تغيير واقع الأمة ... ؟ ! لقد تعددت مناهج المدارس الدعوية المعاصرة في تغيير ذلك الواقع، وتباينت مسالكها وأطروحاتها، ونحسب أن إعادة بناء الإنسان وتربيته هي الطريق الصحيح للتغيير الحضاري المنشود، وهي بداية لكل التحولات الإنسانية. التي نطمح إليها؛ فالإنسان أساس البناء والنهوض، وعليه تقوم الحضارات والأمم؛ ولهذا توجهت دعوة النبي ﷺ لبناء الإنسان وتزكيته، قال الله - تعالى -[هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ] (الجمعة: ٢) . وتحطيء الحركات الإسلامية خطأ بالغًا عندما تبدأ في تغيير الواقع دون تغيير الإنسان نفسه..! إن الإنسان بما وهبه الله - تعالى - من ملكات يملك طاقات هائلة قادرة على صناعة التاريخ، ولهذا حمله ربنا أمانة من أعظم الأمانات، [إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً] (الأحزاب: ٧٢) . وبناء الإنسان من أعقد وأشق ألوان التغيير والبناء، ويتطلب قدرًا كبيرًا من الجدية والمثابرة وطول النَّفَس، كما يتطلب قدرًا كبيرًا من سعة الأفق ويُعد النظر، وبقدر ضخامة المهمة التي سيقوم بها الإنسان يكون مقدار التربية وطبيعتها، ولهذا كانت ريادة البشرية وقيادة الشعوب والحضارات تتطلب نوعية من الرجال مختلفة، قال الله - تعالى -: [وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ] (البقرة: ١٢٤) . وقال الله - تعالى -[وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ] (السجدة: ٢٤) . وتأمل التربية النبوية الكريمة للرعيل الأول من جيل الصحابة - رضي الله عنهم - فأولئك الأعراب الحفاة أصبحوا رواد الأمم، وقادة الشعوب، لما آمنوا بالله حق الإيمان واعتصموا بحبله المتين، وها هو ذا خباب بن الأرت - رضي الله عنه - يقول: «أتيت النبي ﷺ وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة - وقد لقينا من المشركين شدة -، فقلت: يا رسول الله! ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: لقد كان من قبلكم ليًمشط بمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك على دنيه، وليًتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه» [١] . إنها تربية إيمانية عظيمة تبنى الإنسان وترفعه عن زخارف الدنيا وأهوائها، وترسى في نفسه عائم صلبة راسخة الجذور، قادرة على تحمل تبعات الطريق، ويسمو هذا الإنسان بعد ذلك على الفتن والأهواء، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض. ومن هنا يكون التغيير المنشود بإذن الله تعالى.

стр. 4016

دراسات في الشريعة والعقيدة الربا.. آثام وأضرار إبراهيم بن محمد الحقيل بناء النفس والأسرة، وبناء المجتمع والأمة لا يكون إلا باكتساب، ولا اكتساب إلا بعمل. والعمل لا يكون إلا بالتعامل مع الآخرين، سواء كان العمل والاكتساب مشروعًا أم غير مشروع، أخلاقيًا أم غير أخلاقي. وأحكام الإسلام لم تكن كنظريات الاشتراكيين التي ألغت الملكية الفردية، وقتلت أبناءها، وأدت بهم إلى العطالة والبطالة. وهي كذلك ليست رأسمالية تعطي الحرية المطلقة في الأموال ليسحق الأقوياء والضعفاء، ويكونوا بمثابة العبيد والخدم لهم، والعمال لديهم. كلا! ليست أحكام الإسلام في التعاملات كذلك؛ إذ وازنت بين حق الفرد في الملكية الخاصة وبين حاجة المجتمع بما يحقق التقارب والألفة والأمن، فأعطت الفرد حق تنمية ماله بالكسب المشروع، ولم تحرمه من ابتكارات في التجارة ما دامت في حدود الحلال. وفي الوقت ذاته أغلقت تشريعات الإسلام منافذ الاستبداد المالي، والاحتكار التجاري، واستغلال الطبقات الفقيرة وحاجاتها إلى المال، وفتحت أبواب الإحسان والقرض والصدقة، والمضاربة المشروعة.. إلخ. وفي هذه المقالة عرض لبعض آثام الشرعية، وأضراره الدينية والدنيوية؛ تلك الكبيرة من الذنوب التي عمت وطمت في العصر الرأسمالي، وتمت عولمتها قبل عولمة أي شيء آخر؛ إذ إن الربا انتشر في كل بلاد العالم انتشار النار في الهشيم منذ عشرات السنين، أي قبل أن يتحدث الناس عن العولمة. ومع بالغ الأسف فإن انتشار هذه الجريمة النكراء هُوَّن وقعها على القلوب، حتى ألفتها فلم تعد تنكرها؛ بل صار الإنكار على من ينكرها في عصر أصبح الباطل فيه حقًا ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومن كان يظن أن هذه الكبيرة المقيتة ستوجد لها المسوغات وتوضع لها المبررات؟ وممن؟ من شيوخ معممين يحملون أعلى الإجازات العلمية في الدراسات الإسلامية، ويتربعون على سدة مناصب الإفتاء في بلادهم. وأضحت اليوم كثير من المعاملات المحرمة بالأمس تصنع لها المخارج الشرعية، وتتحول تدريجيا من دائرة الحرمة المغلظة إلى الأخف إلى المشتبه، إلى مسائل خلافية يجيزها بعض ويحرمها الأكثر، ثم العكس يجيزها الأكثر ويحرمها بعض، حتى يخفت صوت المُحرَّم لها شيئًا فشيئًا فتصبح حلالاً. ولإقناع جمهور الأمة التائه في غابة تلك التعاملات التي تخرج لنا الآلة الرأسمالية كل يوم منها عشرات الصور، عمدت كثير من صروح الربا المشهورة - التي تحاد الله ورسوله وتعلن الربا صراحة - إلى إقناع الواقفين على عتبتها مترددين بفتاوى تجيز بعض أساليبهم وتعاملاتهم. تصورها وتوزعها وتعلقها على جدران الصرح الربوي الشامخ، وإنها لمهزلة أن يكون سند من يجاهر بحرب الله ورسوله فتوى خطتها أنامل من يدعو إلى الله - تعالى - وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. أضرار الربا الشرعية: ١- الربا من معاملات اليهود والمشركين: كان من أعظم أمور الجاهلية، وتعاملاتهم المالية ممارسة الربا وكسب الأموال عن طريقة، ولذا فإن النبي ﷺ أعلن إلغاءه على مسمع من الناس في حجة الوداع حينما خطبهم فقال: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ثم قال: وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا العباس ابن عبد المطلب فإنه موضوع كله) [١] . واليهود يتعاملون بالربا حتى كان أكلهم له سببًا من أسباب عقوبتهم كما قال الله - تعالى -: [فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً] (النساء: ١٦٠-١٦١) . قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى -: (أي أن الله قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع الحيل وصنوف من الشبه) [٢] . ولم يفارق اليهود عادتهم القديمة؛ فأباطرة الربا في هذا العصر وملاك كبريات مؤسساته ومصارفه هم من اليهود، وهم الذين أفسدوا اقتصاد العالم، ونشروا المعاملات المحرمة، وحطموا أسعار كثير من العملات، وأفقروا كثيرًا من الشعوب. فمن تعامل بالربا فقد تشبه بأعداء الله - تعالى - من المشركين واليهود، وكفى بذلك إثمًا وخسرانا. ٢- أنه محاربة لله تعالى ولرسوله ﷺ : جاء الزجر عن الربا في كتاب الله - تعالى - عنيفًا شديدًا؛ إذ هو من الذنوب العظائم القلائل [٣] التي وصف اقترافها بمحاربة الله ورسوله. وإذا كان قطاع الطريق يحاربون الله - تعالى - بإشهار السلاح، وإزهاق الأرواح، واغتصاب الأموال، وترويع الآمنين، وقطع السبيل؛ فإن أكلة الربا يحاربون الله - تعالى - بدمار المجتمعات، والإفساد في الأموال مما يؤدي إلى الفساد في الأرض، وتوسيع الهوة بين الطبقات مما يلزم منه حدوث الجرائم وكثرة الخوف، وقلة الأمن. إن أكلة الربا لا يرفعون السلاح كما يرفعه قطاع الطريق، ولا يأخذون المال عنوة؛ ولكنهم يمتصون دماء الفقراء وهم يبتسمون لهم! ! وينتبهون أموال الناس وهم يربتون على أكتافهم! ! إنها محاربة ماثلت في بشاعتها محاربة قطاع الطريق؛ ولكنها أوسع نطاقًا، وأكثر تنظيمًا ومخادعة؛ ففاقت في انتشارها وقبحها رفع السلاح وانتهاب الأموال بالقوة، وقد قال الله - تعالى - محذرًا منها: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ] (البقرة: ٢٧٨-٢٧٩) . وويل ثم ويل لمن حارب الله - تعالى - وهو يمشي على أرضه، ويأكل رزقه، وينعم بفضله، قال ابن عباس ﵄: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب [٤] . وعنه ﵁ قوله في معنى الآية: [فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ] (البقرة: ٢٧٩) [٥] . وقال قتادة السدوسي - رحمه الله تعالى - (أوعدهم الله بالقتل كما تسمعون؛ فجعلهم بهرجا أينما ثقفوا) [٦] ويرى بعض المفسرين أن هذه الآية قد أومأت إلى سوء خاتمة أكلة الربا [٧] . ٣- أن فيه كفرًا لنعمة المال: لم يكتف المتعامل بالربا بما رزقه الله من مال، ولم يشكر نعمة الله - تعالى- به عليه؛ فأراد الزيادة ولو كانت إثمًا، فكان كافرًا لنعمة ربه عليه؛ فمال ماله إلى الحق ومزع البركة، كما قال الله - تعالى -: [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كُفَّارٍ أَثِيمٍ] (البقرة: ٢٧٦) . قال ابن كثير ﵀ تعالى: (أي لا يحب كفور القلب، أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل) [٨] . ٤- أن الربا مخل بالإيمان: كل معصية تخل بإيمان العبد، وعلى قدر المعصية يكون اختلال الإيمان؛ إذ إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية كما هو مذهب السلف الصالح وأتباعهم بإحسان، وقد قال الله - تعالى - في شأن الربا: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (البقرة: ٢٧٨) ، قال القاسمي - رحمه الله تعالى - (فبين أن الربا والإيمان لا يجتمعان) [٩] . ولذا كان المتعامل حقيقًا باللعن والطرد من رحمة الله ﵎. قال جابر ﵁: (لعن رسول الله ﷺ أكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) [١٠] . ٥- أنه من المهلكات للأفراد والأمم: أما الأفراد فقد عدّ النبي ﷺ الربا من التسع الموبقات [١١] ، ثم عده في السبع الموبقات [١٢] التي حذر منها وأمر باجتنابها. وأما على مستوى الأمم فقد أخبر ﷺ أنه: ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أخلوا بأنفسهم عقاب الله [١٣] ، وكفى بذلك زاجرا عنه للأمم التي تود المحافظة على اقتصادها، وتخشى الكوارث والنوازل. ٦ - الربا أعظم إثمًا من الزنا: ورد في السنة النبوية أحاديث كشفت حقيقة تلك الجريمة النكراء، وأبانت بشاعتها وقبحها بما يردع كل مؤمن بالله - تعالى - والدار الآخرة عن مقاربتها بله مقارفتها؛ ومنها حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الربا ثلاثة وسبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم) [١٤] وكذا حديث عبد الله بن حنظلة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية) [١٥] . قال الشوكاني - رحمه الله تعالى -: (وله: أشد من ست وثلاثين ... إلخ يدل على أن معصية الربا من أشد المعاصي؛ لأن المعصية التي تعدل معصية الزنا هي في غاية الفظاعة والشناعة بمقدار العدد المذكور، بل أشد منها؛ لا شك أنها قد تجاوزت الحد في القبح) [١٦] ومن نظر في هذين النصين وشواهدهما من السنة النبوية تبين له أن قليل الربا أعظم من كثير الزنا، مع ما في الزنا من فساد الدين والدنيا؛ حيث سماه الله - تعالى - فاحشة وساء سبيلا، ونهى عن الاقتراب منه كما قال - تعالى -: [وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً] (الإسراء: ٣٢) ، وحرمت الشريعة الطرق المفضية إليه، وسدت الذرائع الموصلة له، وفيه خيانة كبرى لزوج المزني بها ووالديها وأسرتها، ويؤدي إلى فساد الأخلاق وارتفاع الحياء، واختلاط الأنساب، وفشو الأمراض، وحصول الشكوك، وتبرؤ الزوج من نسبة ابن زوجته الزانية وملاعنتها على ذلك، وربما حصل عنده شك في أولاده من زوجته قبل زناها إلى غير ذلك من المفاسد العظيمة التي استوجبت أن يكون حد الزناة المحصنين الرجم بالحجارة حتى الموت. وحد غير المحصنين الجلد والتغريب، ورد شهادتهم ووصفهم بالفسق إلا أن يتوبوا، ومصيرهم في البرزخ إلى تنور مسجور تشوي فيه أجسادهم. رغم ما تقدم كله فإن الدرهم من الربا أعظم من ست وثلاثين زنية؛ فإذا كان هذا في درهم واحد فكيف بحال من يأكلون الألوف من الربا بل الملايين والمليارات؟ وكم هي خسارة من أسس تجارته على الربا، ومن كان كسبه من فوائد الربا الخبيثة، ومن كانت وظيفته كتابة الربا، أو الدعاية له، أو حراسة مؤسسته؟ وما هو مصير جسد ما نبت إلا ما نبت إلا من ربا، وأولاد ما أطعموا إلا من كسبه الخبيث وما غٌذّيت أجسادهم إلا عليه، فما ذنبهم أن تبنى أجسادهم بالسحت؟ الصلة بين الربا والزنا: إن المتأمل للحديثين السابقين وما في معناهما يجد أن ثمة علاقة وثيقة بين جريمتي الربا والزنا، وأن الربا أشد جرمًا من الزنا؛ فما هو السر في ذلك يا ترى؟ إن الذي يظهر لي - والعلم عند الله تعالى - أن من أهم أسباب انتشار الزنا في الأمم تعامل أفرادها بالربا، ودرهم الربا ضرره على الأمة كلها، أما الزنا فضرره مقصور على الزاني والزانية وأسرتها وولدها ولا يتعدى ذلك في الغالب إذا لم يكن ثمة مجاهرة به، وإقرار له [١٧] . إن الطبقية التي يصنعها الربا بين أبناء الأمة الواحدة، والفجوة بين الفقراء والأغنياء التي تزداد اتساعًا وانتشارًا كلما تعامل الناس بالربا تجعل الفقير لكما اقترض تضاعفت ديونه، وازداد فقره وأشتد جوعه؛ حتى يٌضعٍفَ الفقر والجوع والحاجة غيرته على عرضه، فلا يأبه إن زنت محارمه إذا كان من وراء ذلك عائد مالي يقلل فقره ويشبع بطنه. وما زنت الزانية المحتاجة أول ما زنت إلا لما جاع بطنها، وصاح رضيعها واحتاج أهلها، ولربما أمرها وليها بالزنا - عوذًا بالله - من أجل أن تطعم أسرتها. وإذا انكسر حياؤها مرة فلن ينجبر أبدًا حتى تتخذ الزنا مهنة لها إلا أن يشاء الله تعالى؛ والواقع يشهد ذلك في كل البلاد التي عمّ فيها الربا، وزال من أفرادها الإحسان؛ حتى أصبح المال في أيدي عدد قليل من عصابات المرابين، وأما بقية الناس فيغرقون في ديونهم، ويموتون جوعًا وفقرًا. فالربا ليس سببًا في وقوع الزنا فحسب؛ بل هو سبب لانتشاره في الأمم، وإذا كان الزنا جريمة أخلاقية؛ فإن الربا جريمة أخلاقية مالية تجر إلى كوارث عدة من انتشار البطالة والفقر والجوع والأحقاد بين أبناء الأمة الواحدة. ٧- المتعامل بالربا يُعذَّب في قبره وعند نشره: الربا من المعاملات التي أجمعت الشرائع السماوية كلها على تحريمه، الآخذ والمعطي فيه سواء. وآكل الربا يٌبعث يوم القيامة وهو يتخبط في جنونه كما قال - تعالى -: [الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ] (البقرة: ٢٧٥) . قال سعيد بن جبير - رحمه الله تعالى -: (بعث آكل الربا يوم القيامة مجنونًا يخنق) [١٨] ، وقال وهب بن منبه: (يريد أن بُعث الناس من قبورهم خرجوا مسرعين لقوله: [يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ] (المعارج: ٤٣) ، إلا أكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، وذلك لأنهم أكلوا الربا في الدنيا، فأرباه الله في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم، فهم ينهضون ويسقطون ويريدون الإسراع ولا يقدرون [١٩] . ويشهد لهذا المعنى حديث مرفوع فيه ضعف عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : (أتيت ليلة أسرى بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها حيات تُرى من خارج بطونهم؛ فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلةُ الربا) [٢٠] . وأما عذابه في البرزخ فكما جاء في حديث المنام عن سمرة بن جندب - ﵁ وفيه: قال النبي ﷺ : فأتينا على نهر - حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم - وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، فيأتي ذلك السابح إلى ذلك الذي جمع الحجارة عنده، فيغفر له فأه فيلقمه حجرًا حتى يذهب به سباحة إلى الجانب الأخر وذكر في تفسيره في آخر الحديث أن ذلك السابح الناقل للحجارة أكل الربا [٢١] . قال ابن هبيرة - رحمه الله تعالى -: (إنما عوقب أكل الربا بسباحته في النهر الأحمر وإلقامه الحجارة؛ لأن أصل الربا يجري في الذهب، والذهب أحمر. وأما إلقام الملك له الحجر فإنه إشارة إلى أنه لا يغني عنه شيئًا، وكذلك الربا فإن صاحبه يتخيل أن ماله يزداد والله من ورائه يمحقه) [٢٢] . ٨- أن المتعامل به ملعون على لسان رسول الله ﷺ : عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء) [٢٣] . قال النووي - رحمه الله تعالى -: (هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابين، والشهادة عليهما، وفيه تحريم الإعانة على الباطل) [٢٤] . وقال الصنعاني: (أي دعا على المذكورين بالإبعاد عن رحمة، وهو دليل على إثم من ذكر وتحريم ما تعاطوه، وخص الأكل لأنه الأغلب في الانتفاع، وغيره مثله) [٢٥] . أضرار الربا الدنيوية: إذا تلوثت الأجواء أصاب كل من يتنفس الهواء نصيب من هذا التلوث، وإذا تكدرت المياه دخل شيء من كدرتها جوف كل شارب منها، وهكذا يقال في كل شيء متلوث يباشره الناس، حتى الأموال إذا داخلها الكسب الخبيث أصاب المتعاملين بها بيعًا وشراءً، وأخذًا وعطاءً شيء من خبثها وسحتها؛ فكيف إذا كانت بنية الاقتصاد العالمي على الكسب الخبيث؛ وفقًا للنظرية الرأسمالية المبنية على الحرية المطلقة في الأموال، والمقررة أن الغاية تسوِّغ الوسيلة؟ فلا شك - والحال ما ذكر - أن تتلوث الأموال عالميًا بالكسب الخبيث؛ حتى إن من حاول الاحتراز والتوقي يصيبه رذاذ خبث الأموال، وغبار الربا المتصاعد منها، مصداقًا لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليأتين على الناس زمان لا يبقى فيه أحد إلا أكل الربا، فإن لم يأكله أصابه من غباره) [٢٦] . وإذا كان الأمر كذلك فإن حصول أضرار دنيوية اقتصادية واجتماعية وغيرها متحقق ولا مفر مه في كل أمة انتشر فيها الربا وما يتبعه من كسب خبيث كما دلت على ذلك النصوص والعقل وواقع حال البشر في هذا العصر الذي علا فيها شأن الاقتصاد المبني على الربا على الشؤون الأخرى. ومن تلكم الأضرار الدنيوية ما يلي: ١- أن الربا سبب للعقوبات ومحق البركات: قال الله - تعالى -: [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كُفَّارٍ أَثِيمٍ] (البقرة: ٢٧٦) . ونظير هذه الآية قوله - تعالى -[وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ] (الروم: ٣٩) . والآياتان دالتان على مباركة المال بالصدقة لترغيبهم فيها، ومحقه بالربا لترهيبهم وتنفيرهم منه، ولا سيما أن النفوس البشرية تحب تملك المال وتنمية له؛ فبين الله - تعالى - أن البركة تحصل بالصدقة، والمحق يحصل بالربا. قال الرازي: (لما بالغ في الزجر عن الربا وكان قد بالغ في الآيات المتقدمة في الأمر بالصدقات ذكر ههنا ما يجري مجرى الداعي إلى ترك الصدقات وفعل الربا، وكشف عن فساده، وذلك لأن الداعي إلى فعل الربا تحصيل المزيد في الخيرات، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان الخير؛ فبين - تعالى - أن الربا وإن كان في زيادة في الحال إلا أنه نقصان في الحقيقة، وأن الصفة وإن كانت نقصانًا في الصورة إلا أنها زيادة في المعنى، ولما كان الأمر كذلك كان اللائق بالعاقل ألا يلتفت إلى ما يقضي به الطبع والحس من الدواعي والصوراف، بل يعول على ندبه الشرع إليه من الدواعي والصوارف) [٢٧] . والظاهر أن محق الربا للمال يكون في الدنيا والآخرة؛ لعموم النصوص وعدم تخصيصها المحق بدار دون أخرى: ومن صور محقه في الدنيا: عدم بركته، وإنفاقه فيما لا يعود على صاحبه بالنفع بل فيها يصره؛ ليقينه أنه كسب خبيث فينفقه في خبيث أيضًا، فيكتسب به إثمين: إثمًا في الاكتساب وإثمًا في الإنفاق؛ ذلك أن كسب المال في حرام لا يجيز إنفاقه في الحرام كما يظن كثير ممن يتخوضون في الحرام. ثم إن من استغل حاجة الفقراء وأكل أموال الناس بالربا فإنهم يبغضونه ويلعنونه ويدعون عليه؛ مما يكون سببًا لزوال الخير والبركة عنه في نفسه وماله، وإذا جمع مالاً عظيمًا بالباطل توجهت إليه أطماع الظلمة والغاصبين، ويشجعهم على ذلك أنهم لا يرون أحقيته بالمال، فيسوغون لأنفسهم أخذه منه أو مشاركته فيه. ومن صور محقه في الآخرة: عدم تسخيره في الطاعة لعلمه أنه محرم، ولو تصدق به أو حج أو أنفق في وجوه البر لكان حريًا بالرد وعدم القبول؛ لأن الله - تعالى - طيب لا يقبل إلا طيبا، ثم إن ما يحصل له من شدة الحساب والعذاب المرتب على الربا في البرزخ وعند النشر من أعظم المحق، ذلك أن الأصل في المال منفعة ينفع صاحبه، والمرابي عاد عليه ماله بالضرر. وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قلٍّ) [٢٨] . قال المناوي ﵀: (أي أنه وإن كان زيادة في المال عاجلاً يؤول إلى نقص ومحق آجلا بما يفتح على المرابي من المغارم والمهالك؛ فهو مما يكون هباء منثورا. قال الطيبي: والكثرة والقلة صفتان للمال لا للربا؛ فيجب أن يقدر: مال الربا؛ لأن مال الربا ربا) [٢٩] . ولا يشك مؤمن أن القليل المبارك من المال خير من الكثير الممحوق البركة ولو كان الكثير محل إعجاب الناس وتطلعاتهم ورغباتهم؛ ولذا قال الله - تعالى - [قُل لاَّ يَسْتَوِي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (المائدة: ١٠٠) . والواقع المشاهد يؤكد هذه الحقيقة التي قررتها نصوص الشريعة سواء على المستوى الفردي أو الجماعي والأممي. أما على المستوى الفردي فإن أكثر الناس في هذا العصر - عصر الربا - يشكون من قلة بركة أموالهم رغم كثرة دخولاتهم وتعدد سبل كسبها. أما على المستوى الأممي - العالمي - فرغم اختراع الآلة، واستغلال ثروات الأرض، وتنوع الصناعات، وتعدد الزراعات التي أصبح الإنسان المعاصر ينتج منها في اليوم ما لم يستطع إنتاجه من قبل في سنوات؛ حتى صارت أرقام الإنتاج الزراعي والصناعي أرقامًا عالية جدًا؛ رغم ذلك كله فإن أكثر سكان الأرض يعيشون فقرًا، ولا يجدون كفافًا وفي كل يوم يموت منهم جموع من الجوع والمرض، فأين هي المنتجات الزراعية والصناعية؟ لِمَ لَمْ تسد جمع الملايين من البشر وهي تبلغ ملايين الملايين من الأطنان؟ فما كانت إذن قلة إنتاج، ولكنها قلة بركة فيما ينتجون ويزرعون ويصنعون! ! وأما حلول العقوبات، فإن المحسوس المشاهد منها الذي يعاني منه البشر في عصر الربا من التنوع والكثرة بما لا يعد. وهناك عقوبات معنوية يعاني منها أكثر الناس ولم يكتشفوا سر تلك المعاناة ومنها: استعباد المادة للإنسان بحيث تحولت من كونها وسيلة لراحته وهنائه إلى غاية ينصب في تحصيلها، ثم يشقى بحفظها، ويخشى فواتها. وتلك عقوبة أيًُّ عقوبة! ! إن الإنسان في العصر الرأسمالي الذي أساسه الربا يريد الاستغناء بالأشياء، فإذا ما استغنى بها سيطر عليه هاجس زوالها فيظل شقيًا في تحصيلها، شقيًا في الحفاظ عليها، وهل يجد لذة الحياة من نعم جسده، وعذّب قلبه، وأي عذاب أعظم من عذاب القلب؟ وقد كان الإنسان قبل العصر الرأسمالي يستغني عما لا يستطيع تحصيله، ويقنع بما كتب له، فيرتاح باله، ويطمئن قلبه. ٢- الربا سبب لازدياد الفقر: سيطرة المادة على الناس، وخوفهم من الفقر والحاجة، وانعدام قناعتهم بالضروري من العيش، وتطلعهم إلى كماليات لا يحتاجونها، إلى غير ذلك انتشر وساد في العصر الرأسمالي الربوي، وكل ذلك وتوابعه ليست أخلاقا ذميمة فحسب؛ بل هو عقوبات وعذاب يتألم الناس من جرائها في زمن انتشار الربا؛ حتى أصبح الفقير يريد الغنى، والغني يريد أن يكون أكثر ثراء، وصاحب الثراء الفاحش يريد السيطرة على أسواق المال في سلسلة لا تنتهي من الجشع وحب الذات وكراهية المتنافسين، وغير ذلك من الأخلاق الرديئة، وصار في الناس مستورون لا يقنعون، وأغنياء لا يحسنون ولا يتصدقون إلا من رحم الله تعالى. وإذا ما استمر العالم على هذا النحو من تفشي الربا، وارتباط المعاملات المالية به فإن النهاية المحتومة ازدياد الفقر والجوع حتى يهلك أكثر البشر، واجتماع المال في خزائن فئة معدودة من كبار المرابين، وهذا ما جعل أحد كبار الاقتصاديين الأوروبيين يطلق على الربا: تجارة الموت، فيقول: (الربا تجارة الموت، ومن شأنه أن يشعل الرأسماليون الحرب وإن أكلت أكبادهم في سبيل مضاعفة رأس المال ببيع السلاح) [٣٠] وما حطم قيمة الأوراق النقدية، وقضى على أسعار العملات إلا الربا الذي يقوم عبره عصابة من المرابين بضخ المال في عملة من العملات ثم سبحه من رصيدها لتقع قيمتها من القمة إلى الحضيض، فيصيب الفقر شعوبًا وأممًا لا تملك سوى عملتها التي ما عادت تساوي شيئًا، وليس ببعيد عن الأذهان ما حصل لبعض دول شرق آسيا. ٣- الربا سبب لرداءة النقود وضعفها: المتخصصون في الاقتصاد يقررون أن النقود هي دماء الاقتصاد، والنقود السليمة هي التي تجعل الاقتصاد سليمًا؛ ولكن نقود العالم الحالية مريضة بالتضخم الناتج عن الربا، ولا يمكن علاجها إلا بمعالجة التضخم، ولن يتم علاجه إلا بإلغاء فوائد الربا. ويشخص هذه الحقيقة الاقتصادي الألماني: (جوهان فيليب بتمان) مدير البنك الألماني (فرانكفورت) فيقولك: كلما ارتفعت الفائدة تدهور النقد، فكما يؤدي الماء إلى رداءة النقود. قد يبدو الأمر أننا نسوق تعبيرات أدبية، أو أننا نبسط المسألة ونسطحها؛ ولكن الحقيقة أن هذه العبارة السهلة البسيطة هي في الواقع معادلة سليمة وصحيحة تدل عليها التجربة، ويمكن إثباتها؛ فالفائدة العالية تدمر قيمة النقود، وتنسف أي نظام نقدي ما دامت تزيد كل يوم، وتتوقف سرعة التدمير وحجمه على مقدار الفائدة ومدتها [٣١] . وهكذا صارت عاقبة الربا وإن كثر إلى قِلٍّ وهذه صورة من صور المحق التي يسببها الربا للأموال المتعاملين به. وبسبب انتشار الربا في المعاملات المالية أضحت البورصات العالمية وكأنها صالة قمار واسعة، ليس الأمر فيها يتصل بالمقامرات غير المحسوبة فحسب؛ بل إن هناك من يبيع دائمًا ما لا يملك، ومن يشتري من دون أن يدفع ثمنًا. ومن يتظاهر بأن هناك أسهما لشركات وما هي في الواقع بشركات، ومن يقيد بالدفاتر مليارات كبيرة دون أن يراها، ودون أن يقابلها رصيد من أي نوع، إنها الفائدة الملعونة المسؤولة عن المصائب الكبرى في النظام النقدي العالمي، وهي المسؤولة عن التضخم، وعن ضياع الأموال، وعن عجز دفع المدينين ديونهم، كما قرر حقيقة ذلك الاقتصادي الغربي (موريس آليه) الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد [٣٢] . ٤- الربا سبب لرفع الأمن وانتشار الخوف: تسود الأنانية وحب الذات وانعدام الرحمة كل المجتمعات التي ينتشر فيها الربا؛ فالموسرون المرابون يقرضون الفقراء المحتاجين بفوائد الربا التي تزداد مع طول المدة وشدة الحاجة، مما يجعلهم عاجزين عن السداد. والنتيجة النهائية: إما أن يسرقوا لسداد القروض الربوية، وإما أن تصادر أملاكهم وتباع للمقرضين؛ ليعيشوا وأسرهم بقية أعمارهم على قارعة الطريق يتكففون الناس، أو في الملاجئ والدور الاجتماعية مما يكون سببًا في قتل كرامتهم، وحرمان المجتمع من عملهم وإنتاجهم. إن الربا هو السبب الرئيس في انتشار الجريمة والانتقام بين أصحاب رءوس الأموال وكبار المرابين، مما يكون سببًا في رفع الأمن، وبسط الخوف والذعر في المجتمعات. وواقع كثير من البلدان التي ينتشر فيها الربا شاهد على ذلك، وهل يستطيع إنسان بِيعَ بيتُه، وشُرِّدَ هو وأولاده لسداد ما عليه من قروض الربا أن يصبر عن الانتقام؟ وماذا يبقى له في الدنيا إذا كان يريد العيش لها إلا أنه فقدها فجأة؟ ! . وأخيرًا.. اجتناب الربا أهون من التخلص منه: إن المتعامل بالربا يعز عليه الخلاص منه بعد الغرق فيه، ولا سيما إذا كانت تجارته كلها مؤسسة عليه. ولا ينجو من ذلك بعد الانغماس فيه، ويبادر بالتوبة والخلاص منه إلا من هدي للرشاد ووفق للخير. قد يغتر المبتدئ في حياته الوظيفية أو التجارية بالقروض الربوية الميسرة أو بالفوائد المركبة والبسيطة التي تعلن عنها بين حين وآخر البنوك الربوية؛ بقصد أكل أموال الناس بالباطل، ويتولى إثم الإعلان عنها، والدعاية لها المؤسسات الإعلامية المختلفة من مشاهد ومسموع ومقروء؟ ولكن ذلك المسكين الذي أغتر بها حين يفرق في الربا ربحًا أو خسارة فلن ينجو بسهولة، وكان الأسهل عليه أن يجتنب طريقها أولاً. إنه قد يربح الفوائد من الإيداع ولكنه سيخسر بركة ماله، ولقمة الحلال ودينه وآخرته، وإن كان مقترضًا فسيجني أغلال الديون مع الإثم والفقر. والشاب الذي يغريه راتب الوظيفة الربوية وسيارتها وبعثاتها وميزاتها عليه أن يتذكر أن عاقبة ذلك خسران في الدنيا والآخرة، والرضى بالقليل الحلال خير وأعظم بركة من الكثير الحرام، ولن يندم عبد تحرى الحلال في كسبه وإن فاته الكثير من المال؛ لكنه سيندم أشد الندم إن أدخل في جوفه حرامًا، وقد يكون ندمه متأخرًا لا ينفعه. والله - تعالى - قال: [فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] (البقرة: ٢٧٥)

стр. 4017

دراسات في الشريعة والعقيدة رسالة إلى المفتي والمستفتي عثمان عبد الله حمد آل عبد الله يقول الله - تعالى -: [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] (النحل: ٤٣) ، هنا يوجب الله على عباده أن يتوجهوا إلى العلماء حين تعرض لهم أمور أو مسائل يجهلون الحكم الشرعي فيها؛ فكما أن المريض يتجه للطبيب فكذا الجاهل بأمور الشرع ينبغي أن يتجه إلى العلماء والفقهاء ليسألهم ويستوضحهم. ولكن السؤال المهم هنا: إلى من يتجه المستفتي؟ أو بمعنى آخر: هل كل من تصدى للإفتاء يعد أهلاً له؟ طبعًا لا؟ وهذا ما سوف نناقشه فيما بعد. إن على المستفتي أن يتقي الله ويسأل أهل العلم الموثوقين الذين يضعون تقوى الله نصب أعينهم، والكتاب والسنة دليلهم ومنهجهم، وفي هذا يقول محمد بن سيرين ومالك بن أنس وغيرهم ﵏: (إن هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم) [١] . ويتأكد هذا الأمر في هذا الزمان الذي فشا فيها الجهل وقلَّ العلم، كما أخبر بذلك نبينا الكريم ﷺ ؛ حيث قال: (من أشراط الساعة أن يًرفع العلم) [٢] ، كما هو مشاهد في هذا الزمان، وقد بين ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْق عالمًا أتخذ الناس رؤوسًا جهالاً فسُئلوا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) [٣] . وعلى من يتصدى للإفتاء في أي زمان أن يعلم خطورة هذا المقام وعظم شأنه، ويتجلى ذلك في أمور منها: أ- أن المفتي مُوَقِّع عن الله - تعالى - أمره ونهيه (فإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات) ، و (كيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب فقال - تعالى -: [وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ] (النساء: ١٢٧) ، وكفى بما تولاه الله - تعلى - بنفسه شرفًا وجلالة [٤] . ب - إن القول على الله بغير علم أعظم من الشرك، يقول - تعالى -: [قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] (الأعراف: ٣٣) . يقول ابن القيم ﵀: (فرتب المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثني بما هو أشد تحريمًا منهما وهو الشرك به سبحانه، ثم ربَّع بما هو أشد تحريمًا من ذلك كله، وهو القول عليه بلا علم وهذا يعم القول عليه - سبحانه - بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه) [٥] . ج- تخوف السلف - رضوان الله عليهم - من الصحابة والتابعين من الفتيا، وتمني كل واحد منهم أن يكفيه غيره إياها، وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن أبي ليلى ﵀: (أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منهم رجل يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه ولا مقت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا) . وبناء على عظم مكانة الفتيا وعلة شأنها فقد وضع العلماء شروطًا كثيرة ينبغي توافرها فيمن يتصدى للإفتاء، كالإسلام والعلم والعدالة في الأقوال والأفعال، وحسن الطريقة وسلامة المسلك، وطلب المشورة من أهل العلم والدين، وشهادة الناس له بهذا المنصب، وغير ذلك من الشروط المطلوبة وهي مبثوثة في مظانَّها. ولكن لَعَلِّي أُفَصِّل القول عن بعض النقاط الهامة التي ينبغي على المفتين أن يلموا بها ويكونوا على دراية بها، وهي كما يلي: أ - تعظيم نصوص الشريعة واحترامها وعد تأويلها أو تحريفها عن وجهتها الصحيحة بدعوى مخالفتها للعقل أو الواقع؛ فهذه شبه باطلة يبثها ضعاف العقول وأنصاف المتعلمين الذين لم يرسخوا في العلم الشرعي ولم يتمكنوا منه، وإلا لم تقًدهم عقولهم إلى هذه المسالك الباطلة؛ فإن النقل الصحيح لا يعارض العقل السلم ألبتة. ب- فهم الكتاب والسنة على ما فهمه السلف الصالح رضوان الله عليهم، وتفسير نصوص الوحيين على ما ذكروا وبينوا، فهم الحجة في ذلك، لأنهم الأقرب إلى عهد النبوة والصحابة رضوان الله عليهم، وفي ذلك يقول عبد الله بن مسعود - ﵁: (اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتهم) . ج- أن يحذر المفتي من أن يكون همه مقتصرًا على تخليص السائل، بل عليه أن يعمل على تخليص نفسه أولاً، فيفكر في السؤال؛ ف، وجد لنفسه مخرجًا تكلم، وإلا فليقل: (الله أعلم) فذلك هو الأسلم، فإن يوقع عن الله أمره ونهيه، وهو موقوف ومسؤول عن ذلك أمام الله ولعل من المؤسف حقًا ما يسلكه بعض المفتين في زماننا من التساهل مع الناس في أمور الدين بدعوى التيسير والوسطية، وأن الإسلام دين اليسر والسهولة، وهذا كلام حق أريد به غير مراده الصحيح، فإن الوسطية والسماحة لا تعني تمييع أمور الدين وتعريتها من أحكامها الشرعية المنصوص عليها في الكتاب والسنة وقد بدا جليًا أثر هذا المنهج الخاطئ في شيوع المنكرات والمحرمات في المجتمع لدى كثير من المسلمين بسبب فتاوى ضعيفة لا يسعفها دليل من كتاب أو سنة صحيحة. مع أنه كان ينبغي على كل مفتٍ في هذا الزمان أن يسلك سبيل الحزم مع الناس وعدم التساهل معهم كما كان منهج سلفنا الصالح - رضوان الله عليهم - حيث كانوا يتشددون في الفتيا عند تساهل الناس وتهاونهم بأمور الشرع كما ورد ذلك عن الإمام أحمد ﵁ وغيره، ولعل في فعل عمر - رضي الله عنه - وغيره، ولعل في فعل عمر ﵁ وفتواه في مسألة الطلاق الثلاث دليل واضح على ذلك؛ فما أوسع علمه وفقهه ﵁! . د - معرفة أحوال الناس والتفطن لتصرفاتهم واليقظة التامة للطرق التي يسلكونها؛ وذلك لينكشف للمفتي مكر بعض المستفتين وخداعهم؛ فلا يغتر بظواهر ما يدلون به في إفتائهم تبعًا لذلك [٦] ؛ وذلك أن بعض المستفتين يعرض سؤاله بصيغة معينة يتحايل بها على الحكم الشرعي تحريمًا أو وجوبًا، وقد انطلت هذه الطريقة على بعض المفتين مما سبب إشكالات كثيرة. وهنا أمر مهم ينبغي على جميع المستفتين العناية به ألا وهو قضية (زلة العالم) فإن (العالم يزلُّ ولا بد؛ إذ ليس بمعصوم؛ فلا يجوز قبول كل ما يقوله ويُنزل قوله منزلة قول المعصوم؛ فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض وحرمه وذموا أهله) [٧] . وفي الحديث المروي عن رسول الله ﷺ : (أشد ما أتخوف على أمتي ثلاث: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، والتكذيب بالقدر) [٨] . يقول الشاعر: أيها العالم إياك الزلل ... واحذر الهفوة فالخطب جلل هفوة العالم مستعظمة ... إن هفا أصبح في الخلق مثل إن تكن عندك مستحقرة ... فهي عند الله والناس جبل أنت ملح الأرض ما يصلحه ... إن بدا فيه فساد وخلل ختامًا: ينبغي ألا يترك باب الإفتاء مفتوحًا لكل من أراد؛ بل الواجب أن توضع له قواعد أساسية وشروط محكمة يقوم بها الأشخاص، ويعلم من خلالها مدى صلاحيتهم لهذا الأمر العظيم. وعلى الجميع - المفتي والمستفتي - أن يراقبوا الله - تعالى - في أقوالهم وفتاواهم، فإنهم محاسبون على جميع ذلك: [مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] (ق: ١٨) . أسأل الله أن يمن على الجميع بتقواه ويوفقنا لرضاه؛ والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4018

قضايا دعوية الفتور الدعوي عند الشباب.. الأسباب والحلول د. عبد الله بن علي الجعيثن الدعوة إلى الله اليوم واجب الأمة الإسلامية جمعاء لا يشذ عن ذلك إلا عاجز، كل على حسب قدرته وما وهبه الله من استعدادات وإمكانات. والناظر في حال شباب الأمة يجد تقهقرًا عن القيام بهذا الواجب وتراجعًا عن الاشتغال بتلك الأعباء فإننا نجد أنها ترجع إلى أمور كثيرة يمكن الإشارة إلى شيء منها في هذا المقام: ١- ضعف استشعار المسؤولية والغفلة عن استحضار ذلك الواجب، فلا نشعر المرء بأنه مطالب بعينه بالنهوض بالأمة ومداراة عللها وتضميد جراحها. ٢- اعتقاد بعضهم أن في الساحة من يكفي، إذن فلا حاجة إليه. ٣- الاشتغال بالدنيا وملذاتها من الأموال والبنين والمراكب والمساكن والمناصب. ٤- الانهزامية والشعور بالضعف أمام تيارات الفساد، وتطرق الإحباط إلى النفوس من جراء كثرة الشر والباطل وتفنن أهله في عرضه وترويجه، فوق في بعض النفوس أن الأمر أكبر مما يمكن أن يقدمه، وأنه يتطلب جهودًا ليس هو من أهلها ولا من القادرين عليها، ووصل الحال بآخرين بعد بذل شيء من الأسباب إلى أن يقول بلسان الحال: إما أن تصلح الأوضاع ويستقيم أمر الناس أو ننسحب من الميدان ونخلي المكان. ٥- تصور بعضهم ضيق ميدان الدعوة وأنه محصور في خطبة على منبر أو محاصرة مرتجلة أو كلمة أمام الجماهير، وهو غير قادر على شيء من ذلك، فينصرف عن الدعوة بالكلية. ٦- الصدمات التي قد يتعرض لها بعض العاملين في حقل الدعوة والمضايقات التي قد تحصل لبعض الدعاة، فربما كان ذلك سببًا في تطلب بعضهم للسلامة بزعمه، وقد وقع في العطب! ٧- تقصير المنظِّرين والدعاة في تحفيز الشباب نحو العمل الدعوي وفتح الآفاق أمامهم للولوج إلى ميدان الدعوة الفسيح كل على حسب ما آتاه الله من علم ومقدرة وموهبة. ٨- دعوى بعضهم أن المشكلة ليس من أسبابها جهل الناس وحاجتهم إلى التعليم والدعوة والبيان، بل إن الناس - بزعمهم - عاصون على بصيرة ومعاندون للحق؛ فما ثمرة السعي في تعليمهم ما يعلمون وتبصيرهم فيما لا يجهلون؟ ! . ٩- ميل الكثيرين إلى الكسل والبطالة أو كثرة الرحلات والمخالطات، وبعدهم عن الجدية في عموم أحوالهم وأمورهم؛ ومن ذلك أمر الدعوة إلى الله؛ فليس عند الواحد منهم استعداد لأن يناط به علم أو يتحمل مسئولية؛ لا عجزًا، ولكن تهاونًا وكسلا. ١٠- اشتغال بعضهم بالجدل والمراء في بعض القضايا الفكرية، وبعض الأطروحات المعاصرة مما شغله عن الاهتمام بالنهوض بالأمة في أعمالها وسلوكها وأخلاقها. ١١- اشتغال بعضهم بالتنقيب عن عيوب الناس وخصوصًا العاملين في حقل الدعوة، وإظهار تلك العيوب ونشرها وتضخيمها، وربما ليس عليه الشيطان بأن هذا في سبيل الإصلاح وأنه محسن في ذلك قائم بأمر الدعوة. ١٢- اشتغال بعضهم بالنظر في الواقع وتتبع ما يجري في الساحة والمبالغة في ذلك إلى حد الانهماك فيه، ثم يظن أنه بذلك قدم شيئًا للأمة بمجرد هذه المتابعة وحصوله على هذا الفقه. وهو بهذا قد لا يعدو أن يكون نسخة مما تحتفظ به أجهزة الإعلام من أخبار وتقريرات وتحليلات! ! . ١٣- عدم التوازن والاعتدال لدى بعض الشباب في توزيع الحقوق والواجبات؛ فربما انهماك في جانب على حساب الجوانب الأخرى، كمن ينهمك في طلب العلم أو في تربية النفس وتهذيبها أو في جانب من جوانب الخير على حساب أبواب أخرى من الخير كالدعوى إلى الله سبحانه؛ حتى ربما أعتقد أنه إذا خرج عن هذا الأمر الذي رسمه لنفسه قد ضيع زمانه وأهدر جهده فيما لا ينفع. ١٤- تثبيط القاعدين وتحبيط المتقاعسين عن القيام بأمر الدعوة، فلا يكتفي أولئك بقعودهم وتقاعسهم، بل ربما سعوا إلى تثبيط غيرهم والحط من قدر أعمالهم، وأنه لا فائدة من جهودهم، فربما قاد ذلك بعض الضعفاء إلى التأثر بذلك الهذيان ومن ثم إخلاء الميدان. ١٥- اشتراط بعض الشباب أن يكون في موقع معين في المشروع الدعوي؛ فإن لم يتحقق له ذلك المكان، ولم يحصل له المركز الذي يريده أنف أن يكون في موضع أقل مما يطمح له، فيكون البديل أن يولي الأدبار، وينأى بجانبه، ويترك المجال برمته، وهو الخاسر بكل حال. العلاج: بمعرفة الأسباب يتضح العلاج. وهناك بعض الأدوية التي تداوى بها تلك العلة منها: ١- استشعار المسؤولية العظمى المناطة بكل مسلم تجاه دينه وأمته، وخصوصًا الشباب الصالح الذي تربى على الخير واغترف من معين الحق؛ فهو أجدر من يتصدى للنهوض بأمته ورفع الجهل عنها ورأب صدعها ومعالجة عللها وأدواتها. ويزيد من عظم الأمر أن واقع الأمة الإسلامية اليوم بحاجة ملحة إلى دعاة كثيرين بل إلى استنفار عام من قِبَل كل طالب علم وصاحب غيرة ليؤدي دوره وبخاصة أن الدعاة الموجودين اليوم لو اجتمعوا في بلد واحد لما سدوا الحاجة القائمة؛ فكيف مع قلتهم وتوزعهم؟ ثم على فرض وجود من يكفي ألا يسر المرء ألا يكون من جملة قافلة الدعاة وركاب سفينة النجاة؟ ٢- معرفة حقارة الدنيا وأنها لا تستحق انصراف القلب إليها وانهماك البدن في الاشتغال بها، وأن قيمتها الحقيقية تكمن في كونها ميدانا للأعمال الصالحة والجهود المباركة التي تنفع المرء في آخرته. ومن ذلك العمل الدعوي ونفع الخلق بجميع صور النفع. ٣- الثقة بنصر الله واليقين بوعده وأنه - تعالى - يؤيد حملة هذا الدين، وأنه مهزوم أمام قدرة الله وقهره، ولكن لا بد من الابتلاء، والامتحان. قال - تعالى - ( [وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ] (محمد: ٤) . ٤- إدراك اتساع ميادين الدعوة والعمل لهذا الدين يتيح للجميع فرصة المشاركة، كل فيما يخصه وما أعطاه الله من مواهب وقدرات. ومن ذلك: - النصيحة الفردية ملفوظة ومكتوبة. - الكلمة القصيرة. - المراسلة لهواة المراسلة. - كتابة المقالات في الصحف والمجلات. - التعقبات والردود على بعض الكتابات المغرضة في الصحف والمجلات وأجهزة الإعلام الأخرى. - المشاركة في الكلمات والندوات في الإذاعة والتلفاز. - كتابة القصص الهادفة. - تأسيس قناة تلفازية أو مجلة إسلامية أسبوعية أو شهرية في شبكة الإنترنيت وعرض البرامج التربوية والعلمية والمقالات الهادفة من خلال ذلك. - توزيع الشريط النافع والكتاب الهادف والمطويات والنشرات الجيدة. - نظم الشعر في مناصرة الدعوة الإسلامية وقضايا المسلمين. - الأعمال الإغاثية داخل البلاد وخارجها. - معالجة قضايا الشباب ومشكلاتهم. - تربية الشباب من خلال الحلقات القرآنية ومكتبات المساجد ومجموعات الأحياء. - الدراسة والتخطيط للبرامج الدعوية، ووضع الخطط للمشروعات الخيرية، واقتراح الأمور النافعة في حق الدعوة التي يقوم بها غيره من القادرين الأكفاء. وهذا الإدراك لاتساع ميادين الدعوة يقطع الطريق على كل معتذر ويسد الباب أمام أي متنصل. ٧- فهم أن ابتلاء أصحاب الدعوات سنة ماضية، ولا بد من توطين النفس على التعرض لشيء من الابتلاء القولي وربما الفعلي. [يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ] (لقمان: ١٧) . وإن كان الملحوظ في عصرنا أن ممارسة الكثير من ميادين الدعوة ومجالات العمل الإسلامي الأصل فيه السلامة وعدم التعرض للفتنة. ٨- التفاؤل في الأعمال الدعوية مطلب، وهو حافز للعمل ودافع إليه، ومع ذلك فلا تفترض سلفًا عدم جدوى شيء من هذه الأعمال، ولا تُصب بالإحباط حينما لا ترى الثمرة ماثلة للعيان، لأنك مطالب ببذل الأسباب، والنتيجة أمرها إلى رب الأرباب، وليس بالضرورة أن يرى المرء ثمرة دعوته وقد يراها غيره، وربما كان الغرس على يده وجنى الثمار على يد غيره. ٩- واجب على من ولاّهم الله أمر تعليم الأمة وتوجيهها من العلماء والدعاة أن يوجهوا الشباب إلى الانخراط في مجال العمل الإسلامي وأن يحفزوهم إلى ذلك، ويفتحوا لهم الآفاق الدعوية التي يمكنهم العمل من خلالها. ١٠- لا بد من معرفة أن الناس، وإن كان الغالب عليهم أنهم متعلمون إلا أنهم يجهلون الكثير الكثير من أمور دينهم ولا سيما في المناطق والهجر النائية؛ فواجب على كل من يحمل علمًا ولو قليلا - أن يقوم بوظيفة البلاغ؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (بلغوا عني ولو آية) رواه البخاري [١] . ثم إنه ليس المقصود بالدعوة التعليم فحسب، بل الناس بحاجة إلى تذكيرهم بما يعلمون وهم عنه غافلون، والله - تعالى - يقول: [وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ] (الذاريات: ٥٥) . وما أكثر ما يقع فيه الناس من المخالفات والأخطاء؛ فإذا ذكروا بالله تذكروا فإذا هم مبصرون. ١١- الجدية وعلو الهمة مطلب في حياة الشاب الملتزم: فلا بد من البعد عن مظاهر الكسل والبطالة والإخلاد إلى الراحة، بل المبادرة بملء الوقت بمعالي الأمور من علم وعمل ودعوة، مع إجمام النفس الفينة بعد الأخرى. على أن الأمر كما قال الشاعر: وإذا كانت النفوس كبارًا ... تعبت في مرادها الأجسام ١٢- إدراك أن الاشتغال بالجدل والمراء مما يورث قسوة القلب والضغائن بين الناس ويصمد القلب عن الاشتغال بما ينفع العبد وينفع أمته، فليبتعد المرء عن المراء والجدال، وليشتغل بنشر الخير وتأليف القلوب على الحق. ١٣- التنقيب عن عيوب الأنام سمة اللئام، وليست من خصال أهل الإسلام، وتزداد قبحًا وسوءًا حينما يصورها الشيطان بأنها من مناصرة الحق وتقويم الخلق، فيصد العبد بذلك عن نشر الخير وإيصاله إلى الناس بتتبع عثراتهم وإبراز عيوبهم، خصوصًا القائمين بالحق منهم، فعلى من كانت هذه سمته أن يتقي الله ويشتغل بعيبه عن عيوب الناس، ويمحض الناس النصح والتوجيه، ويجتهد في إيصال الخير إليها بكل طريق. ١٤- معرفة الواقع والاطلاع عليه وسيلة وليس غاية في نفسه؛ فإن لم يكن اطلاعك عليه طريقًا إلى القيام بالمسؤولية تجاهه وبذل الأسباب في معالجته فلا تعدو أن تكون أقمت الحجة على نفسك، وأعلنت أمام الله والملأ بقلة مبالاتك! ! فاتق الله ولا تجعل الاشتغال بتتبع الأخبار ورصد الواقع غاية في نفسه فتظن أنك بذلك قدمت شيئًا للإسلام؛ بل استثمر ذلك في القيام بما يجب عليك نحوه حسب استطاعتك. ١٥- التوازن في الأمور مطلب شرعي، فلا يكن اشتغالك بجانب من جوانب الخير سببًا في اشتغالك عن جوانب أخرى ربما كانت واجبة كالدعوة إلى الله تعالى وليست العبرة في ذلك بالميول القلبية والرغبات النفسية، فالشرع هو الميزان في ترتيب الأولويات وتوزيع الواجبات. ١٦- مجانبة المتقاعسين والبعد عن مخالطة القاعدين؛ فالمرء على دين خليله فإذا بُليت بمثل أولئك فكن معهم ببدنك لا بقلبك، ولا تكترث بتثبيطهم، وأحمد الله الذي عافاك مما ابتلاهم به، من غير أن يصيبك الإعجاب بالنفس؛ فالله هو المانُّ عليك بذلك. ١٧- الإخلاص أعظم الحوافز نحو العمل الدعوي ونفع الخلق، لما يرجوه العبد من الثواب ويؤمله من الأجر. كما أنه سبب من أسباب الثبات على الطريق مهما حصل من إخفاقات كالارتباك والعي أثناء إلقاء الكلمات، أو كان ذلك في حصول أخطاء غير متعمدة في المشروع الدعوي؛ لأن العامل حينئذ يشعر أنه بذل ما يستطيع وصدق في ذلك وأراد الخير فلا يقلق حينما يقع أمر بغير اختياره أو لم يتمكن من إنجاز ما يريد إنجازه، وهو لا يرجو من الناس ثناء ولا شكورا؛ فلا يضيره إن لم يحصل على شيء من ذلك. كما أن الإخلاص من عوامل الاستمرار في دعوة الناس مهما أعرضوا؛ لأن المخلص لا يزال يؤمل صلاحهم، كما أنه يرجو الثواب في استمراره في دعوتهم، فلا يضيره إعراضهم. وكذلك فإن الإخلاص يجعل المرء يرضى بما يناط به من عمل في أي مشروع خيري أو دعوي؛ فهو لا يشترط منصبًا أو مكانًا معينًا إن حصل له وإلا فإنه لا يعمل؛ لأن همَّ المخلص أن يقدم خيرًا لأمته في أي موقع كان، كما قال النبي ﷺ : (طوبى لعبد آخذ بعناه فرسه في سبيل الله أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة) [٢] فهمه الجهاد ونصرة هذا الدين، فلا يبالي في أي موقع وُضِعَ، وحيثما وضع نفع؛ وهذا لا يعني أن لا يسعى المرء إلى أن يقدم لهذا الدين وينفع الأمة من خلال القدرات والمواهب التي يحسنها؛ لكن الكلام هنا في أن المخلص لا يسعى للصدراة والظهور والرئاسة، بل هو مجتهد مستجيب لكل ما يناط به مما له قدرة عليه. ١٨- علم المرء بفضائل وثمرات الدعوة إلى الله من أعظم ما يدفعه نحو الاشتغال بذلك. ومن ذلك قوله - تعالى -: [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] (فصلت: ٣٣) ، قال - عليه الصلاة والسلام -: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم) متفق عليه [٣] . وقال أيضًا: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) [٤] . فكم يكون لك من الأجر إذا كانت الأعداد الكبيرة من الناس تعمل على ضوء ما أرشدتهم إليه! وكم من الأجر يلحقك من آثار ذلك حتى وأنت مفارق للدنيا في قبرك! أسال الله أن يجعلني وإياك من الهداة المهتدين، والصالحين المصلحين، وأن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر منه وكرمه. وصل اللهم على الهادي البشير وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 4019

قضايا دعوية إطلالة من نافذة العَظمة سلطان عبد الله الشهري يقف الداعية أحياناً في منتصف الطريق الذي يسير عليه، يوقفه طوله، وتضنيه مشقته، فيلتفت يميناً فيأسر نظره كثرة الناقدين الحاقدين من بني قومه الذين أجلبوا بخيلهم ورجلهم ليرسموا الخطط وينصبوا الشراك، ويندهش حين يلتفت شمالاً ليرى أَكفّ الأعداء تتحد لتوقع به. سهرٌ بالليل لإعداد العدة والعتاد، وعملٌ بالنهار لرصد الحراك، ثم يدير وجهه للخلف رجاء أن يجد من يزكي فيه روح الأمل الذي يشكو وطأة الألم، ولكن للأسف فهو لا يرى إلا نفراً قليلاً يسيرون معه، ويرون ما يرى. فتنثني قدماه تدريجياً، ليهبط مكانه، وكأنه آلة نفد وقودها! ! ثم تلهمه الفطرة لأن يتجه ببصره إلى السماء لعلّ صفاءها يزيح كآبة أرست بثقلها على فؤاده، ويشاء الله أن تتلبد السماء بالضباب الذي وضع آخر حلقة في سلسلة الحزن التي تخنق ذلك القلب الشجي. ثم يطلق تلك الزفرات الحارة، لتنساب إثرها دمعات ثقيلة تكتب على وجهه قصيدة اليأس، يلقيها الشيطان بلسان الشفقة والعطف، وما أن ينتهي حتى يوسوس في ذهنه بهذه الكلمات: «أيها المسكين أنت تبذل وتزرع ... ولكن أين الثمرة؟ ! ! تعمل وتتعب ... فهل ترى من مجيب! ! ؟ تمدُّ يدك فترى الإعراض ... تنادي ولا مستمع؟ ! ! أنت في الطريق وحيد ... فلِمَ الشقاءُ والحرمان؟» . ليوقع إبليس بهذه الشبهات الفصل الأخير من سيناريو تلك المسرحية! ! معاشرَ الدعاة.. إنّ من الأبجديات التي يجب أن نعلمها ونفهمها جيداً من أول خطوة نضعها في هذا الطريق أنْ نعلم ماهية هذا الطريق وحقيقته وما واجبنا؟ ! ! ومن يمد العون لنا؟ ! أما حقيقة الطريق فلأنه طريق الجنة؛ فهو محفوف بالمكاره، لا يستمر في المسيرة عليه إلا الجادون، قال فيه ابن القيم ﵀: «أين أنت والطريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمي في النار الخليل، واضطجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمنٍ بخس ولبث في السجن بضع سنين، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضرَّ أيوب، وزاد على المقدار بكاءُ داود، وسار مع الوحوش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد صلى الله عليه وسلم» [١] . هذا هو طريق الأنبياء ومن حمل الرسالة وسار على نهجهم من الدعاة والصالحين من بعدهم، ومع وعورته، وقلة الثابتين عليه: هل هذا يعني أن يخالج صدورنا رعشة خوف، أو هزة رعب؟ كلاَّ وألف كلاَّ؛ لأن أعمالنا وتحركاتنا إنما هي نتائج أخيرة لدوافع الحب والشوق الذي يسير في عروقنا لهذه الدعوة، وهذه الوظيفة الربانية. نسير على الدرب وليس في عقولنا إلا الجنة وكيف السبيل إليها! ! وما هو مهرها؟ ! ! نعمل دون خوف ولو هددونا بإراقة الدماء..! سبحان الله بالموت يخوفوننا! ! وهل الموت عندنا إلا أمنية؟ ! وطرفة زماننا! ! يهددوننا بالفقر والجوع! ! سبحان الله أهم يملكون خزائن رحمة الله! ؟ يتوعدوننا بالإهانة والتعذيب.. هل نهدأ لحظة واحدة؟ ! ! قولوا غيرها. فهناك من يهتف من جانب الأفق بصوت عالٍ: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٣٩) أعلون منزلة، أعلون قيماً، أعلون منهجاً، أعلون لأن ارتباطنا سماوي علوي بربنا، هذه الآية تجعلنا ننطلق ونصرح بالحق دون أن نبالي ولو وقفت أمم الأرض بآلياتها ودباباتها، لتعيق طريقنا نحو الأمام؛ فالصدارة والرفعة مكان شاغر حتى نأتيه؛ لأنه باختصار: مكاننا الذي يجب أن نكون فيه! ! وأنّى لمن هم أرضيو المبادئ، سفليو الهمم أن يزعزعوا عزمتنا، وعندنا عقيدة منقوشة في صميم قلوبنا أن العاقبة للمتقين، فمِمَّ الخوف! ! ولمن الوهن! ! إذن مساكين أهل الدنيا ما علموا أن الجماجم التي قدمناها في بدر، واليمامة، وعين جالوت، وحطين وما زلنا نقدمها في أفغانستان والشيشان والبوسنة إنما هي براهين أشواقنا لموعود ما في السماء، وبهذه الدماء نسبك تاريخنا الذهبي المجيد. يقول سيد قطب ﵀: «نحن في الدنيا نتحرك، تحركنا أشواق وهواتف، ومطامح ومطامع، وآلام وآمال وإن هي إلا الأسباب الظاهرة للغاية المضمرة، والستار الذي تراه العيون، لليد التي لا تراها الأنظار، ولا تدركها الأبصار، يد المدبر المهيمن القهار» [٢] . أما عن واجبنا ووظيفتنا الحقيقية فهي أن ننقل البشرية من براثن الجاهلية في أشكالها المتعددة، ومجالاتها المختلفة السياسية والثقافية والاجتماعية إلى رياض الإسلام والاستشراف الروحي عبادة الله وحده. إن البشرية تنحدر نحو هوة سحيقة حفرتها أسنة الحضارة الغربية الزائفة، ولا نجاة للعالم إلا بالإسلام، وليس غير الإسلام ينقذ الكون والأمم من الخطر المحدق بها؛ فمن يمد يد النجاة.. غير الدعاة؟ ! وكيف ستكون المصيبة عظيمة إذا تخلى الدعاة عن هذه المهمة؟ ! «نحن الذين نمنح للحياة جمالها ومعناها ومغزاها، ونحن الثقل الذي يمنع الأرض أن تميد، وما من منصفٍ إلا ويتساءل معنا أن: كيف الحياة إذا خلت منّا الظواهر والبطاح؟ ! ... أين الأعزة والأسنة عند ذلك والسماح؟ ! ستعوج الحياة، وتغيب المروءة بغيابنا، والمقارنة توضح ذلك جلياً. ففي غياب دعوة الإسلام اليوم عن الصدارة ساد غير الأعزة فيها، فترى تبعية للدول الكبرى، وخوفاً من يهود، وترقيعاً فكرياً، وانهزامية نفسية، وبغيابنا غابت الأسنة، وما عادت رءوس الحراب تلمع بين الروابي ولا النبال، وافتقد السماح، وحصر للناس التعذيب والحديد والحبال» [٣] . نحن لا نملك عصا موسى ﵇ وليس بأيدينا خاتم سليمان لكي نحقق الهداية للبشرية لكن الذي نملكه هو العمل لهذا الدين والاجتهاد كل قدر استطاعته وحسب موضعه الذي يشغله، فإذا ما عملنا واجتهدنا فلسنا مسؤولين عن الثمرة، وليست بأيدينا النتائج النهائية، إنما تدير تحركاتنا إرادة الله، والله بحكمته يقدر ما يشاء، هذا هو الميزان الذي به نحاسب أنفسنا لا يضيرنا أنَّا على الدرب قليل، ولن نشتط غضباً إذا نادينا الناس: الطريق من هاهنا، فسلكوا فجّاً غيره، سنسير ونحن ننشد ما قاله الشاعر: عجبت لهم قالوا: تماديت في المنى ... وفي المثل العليا والمرتقى الصعبِ فاصبر ولا تجهد يراعك إنما ... ستبذر حبّاً في ثرى ليس بالخصبِ فقلت لهم: مهلاً فما اليأس شيمتي ... سأبذر حبي والنبات من الربِّ إذا أنا بلَّغت الرسالة جاهداً ... ولم أجد السمع المجيب فما ذنبي؟ هذه معذرتنا أمام الله نقدمها بين يديه. حياتنا ومماتنا لله رب العالمين، الدعوة إلى الله دمٌ يجري في عروقنا، فلله درُّ لمؤمن حين يستعلي بإيمانه في تواضع، ويخالط الناس في تميز. أمّا الركن الذي إليه نأوي فهو ركن شديد، تكلؤنا عناية الله يراقبنا، ينظر إلينا، يدافع عنا [إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا] (الحج: ٣٨) سنظل نبتسم للكروب، نقبِّل جبين الحتوف؛ فمن رَحِمِ الظلام سيولد الفجر بإذن الله.

стр. 4020

تأملات دعوية نظارة خضراء محمد بن عبد الله الدويش www. dweesh. com «أحدهم كانت لديه شاة (مترفة) لا ترضى أن تأكل غير البرسيم الأخضر، وصاحبها لا يملك إلا العلف الجاف (التبن) كما تسميه العامة فاحتال عليها، وألبسها نظارة خضراء فصارت ترى العلف الجاف أخضر اللون فتظنه برسيماً فتقبل عليه وتأكله» . كانت هذه طرفة نستمع إليها حين كنا صغاراً، ولم أكن أظن أني سأحتاج إلى تسطيرها في مقالة جادة. حين تأملت واقعنا رأيت أننا أحياناً نرتدي هذه النظارة، لكننا نرتديها حول عقولنا وتفكيرنا؛ فكثيراً ما ننظر إلى الأمور من حولنا من خلال منظار صغير نجتهد أن نحشر كل شيء داخله. وقد يكون هذا المنظار الذي ننظر من خلاله إطارنا المرجعي وتجربتنا الشخصية المحدودة، وقد يكون مدرسة دعوية أو فكرية، وقد يكون مجتمعاً نشأنا وعشنا فيه وهذا المجتمع له خصوصيات وطبيعة تميزه عن غيره. والنظر من خلال منظار محدد يؤطِّر التفكير، ويزيد من مساحة الأحكام الذاتية على حساب الأحكام الموضوعية التي تمثل أهم شروط التفكير الصحيح؛ وهذا يعني أننا سنصل في أحيان كثيرة إلى مواقف خاطئة منشؤها الخطأ في آلية التفكير والاجتهاد، أكثر من مجرد القصور البشري. ومن الأمثلة على ذلك: ١ - على المستوى النظري نستوعب كثيراً تعدد المجالات والميادين، ونعتقد أن ذلك مطلب بل ضرورة، بل نتحدث عنه وننادي إليه وندعو له؛ لكن حين ننتقل إلى الميدان العملي فإننا نضخم ما يتفق مع اقتناعاتنا من ميادين أو بعبارة أخرى ما يستوعبه منظارنا المصغر ونهمش تأثير ما سواه. ويترك هذا أثره على مواقفنا؛ فقبولنا أو رفضنا لتلك الميادين ربما ينطلق من خلال مدى تأثيرها وتأثرها بالميدان الذي يتفق مع رؤيتنا. ٢ - حين نقيم مواقف الآخرين، أو جهودهم وأعمالهم وإنتاجهم فإنما نقيمها من خلال هذا المنظار المصغر؛ فنحن على سبيل المثال حين نتفاعل مع فكرة وتسيطر علينا، يزداد إعجابنا بمن يتفق معنا فيها، ونهوِّن شأن من يخالفنا. أليس بعض شباب الصحوة اليوم يقبل أو يرفض العلماء من خلال آرائهم في مسائل محدودة يعتقد هو أن لها الأولوية؟ فالذين يتفاعلون معها لهم المنزلة والعلم والمكانة، ومن لهم فيها رأي آخر فهم قوم لا يفقهون حديثاً ... إلخ. ٣ - حين ننظر إلى مشكلات الأمة أو مشكلات الأفراد فإننا ننظر إليها أحياناً من خلال هذا المنظار، سواء في تقدير حجمها وخطورتها؛ فقد نهوِّن من شأن بعض المشكلات والظواهر، وقد نبالغ فيها ونعطيها أكبر من حجمها، كما أننا ننظر إليها من خلاله حين نتناول العلاج، فيتأثر العلاج الذي نقدمه إلى الناس بنظرتنا، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما نقدمه من حلول لمشكلات الناس التربوية؛ فكثير من حلولنا غير واقعية؛ لأنها تنطلق من نظرتنا وواقعنا نحن. إن الشخص الجاد المتزن الذي يتطلع إلى تربية جيل متميز يقدم خدمة جليلة للأمة، ويسد ثغرة لا غنى عنها، لكن حين يصدر أحكامه على جهد موجه لمجموع الناس ممن لا تستوعبه تلك الدائرة التي يتحرك من خلالها، فإنه قد يصدر حكمه من منظاره هو، فيرى أن من يسعى لاستيعاب الناس، والحفاظ على جوانب الخير لديهم وتأصيلها، أو من يسعى لحماية الناشئة من التأثر والانجراف، أن هؤلاء يهدرون أوقات الأمة ويهمشون اهتماماتها. إن لكل امرئ ما يحسنه، بل لكل امرئ ما يتلاءم مع اجتهاده ورؤيته للأمور، ولا يطالب البشر أن يستوعبوا كل التجارب، أو أن يتقنوا كل الميادين؛ لكن لنحذر أن نجعل من اجتهاداتنا ورؤيتنا منظاراً ننظر للجميع من خلاله.

стр. 4021

دراسات تربوية نحو تدريس فعّال نظرة إلى معاهدنا العلمية إبراهيم بن عبد العزيز الخميس ثمة أمور تدعونا للحديث عن واقع معاهدنا العلمية [١] التعليمي: * أهمية المراجعة المستمرة لطرقنا ووسائلنا التعليمية والتربوية، مع التنبيه على أن حديثنا عن هذه المعاهد المباركة ليس إلا نقداً للذات ومحاولة لتصحيح المسار. * اعتماد كثير منها على التلقين مما أنتج طلاباً ضعيفي العزم غير قادرين على البحث والتحليل، و «لن تستطيع مدارسنا وجامعاتنا فعل شيء ذا قيمة إلا إذا كفّت عن تلقين المعلومات» [٢] . * الفوضوية والعشوائية في طلب العلم؛ فهذا يقرأ في شروح الألفية وهو لم يتقن الآجرومية، وذاك يتدارس مباحث الطحاوية قبل المرور على كتاب التوحيد أو الواسطية.. وهكذا [٣] . * في زمن ضعفت فيه الهمة وكثرت فيه الملهيات يصرُّ المعلمون على التدريس بنفس الطريقة التي تعلموا بها دون مراعاة لاختلاف الزمان، وتدني الهمم؛ فمن الصور الشائعة لنا جميعاً: «قراءة المعلم خلف مكتب مائل أمام الفصل، حيث يصل للطلاب صوت المعلم، بينما يغط الطلاب أو بعضهم في نوم عميق! !» [٤] . ومما يزيد الطين بلة غفلة كثير منهم عن أهمية التنويع والتجديد في طرح وتدريس العلوم الشرعية أو عدم قناعتهم بذلك، وزعمهم أن الحديث عن (تقنيات التعليم) وطرق التدريس ضرب من الهذيان والكلام الفارغ، بل هو تقليد للكفار وإعجاب بهم! ! فهؤلاء هم السلف حازوا العلم ونشروا العلوم ولم يقرءوا ما كتبه «رونتري» عن تكنولوجيا التعليم، ولا ما كتبه «بلوم» عن الأهداف؛ فنحن على خطاهم نسير وبهداهم نقتدي! ! والجواب عن ذلك من عدة أوجه: أولاً: أن الحكمة ضالة المؤمن، وإذا كان في كلام القوم ما ينفعنا فلماذا لا نستفيد منه؟ ثانياً: زماننا يختلف عن الزمان الذي عاشه أسلافنا، بل المتتبع لأحوالهم يلحظ اختلافهم في طريقة تحصيل العلم [*] ؛ وهل قال أحد: إن ابن عباس رضي الله عنه، وابن حنبل، وابن حجر، وابن إبراهيم رحمة الله عليهم أجمعين طلبوا العلم بنفس الطريقة وبنفس الأسلوب؟ ! ثم أين همم هؤلاء من همم أبنائنا؟ ! ثالثاً: إن من تمام التبليغ أن ننشر العلم بصورة لا تخالف الشرع وتناسب روح العصر، وهل من أداء الأمانة أن تدرَّس الرياضيات والفيزياء والأحياء ونحوها باستخدام أفضل الوسائل التعليمية مع توظيف أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا التعليم من بحوث ودراسات، بينما نظل على الأسلوب التقليدي التلقيني؟ أليس من المحزن أن تطل على الطلاب في درس العلم الشرعي فترى رءوسهم تخفق من النوم وقد علاهم الملل، بينما تراهم بعدها شعلةً من النشاط مع مدرس الكيمياء؟ ! ! إن كثيراً من المعلمين قد يفرِّط في أداء الأمانة بحجة اتباعه السلف، والله الهادي إلى سواء السبيل. رابعاً: على الرغم من أن أكثر الدراسات الأكاديمية في هذا الباب هي دراسات غربية إلا أن أغلبها مفيد ونافع، بل كثير مما ذكروه إسلامي أصيل؛ إلا أن السلف لم يفردوه في كتابة مستقلة؛ فأنت لا تجد لهم حديثاً مفصلاً عن (التخطيط الجيد لعرض الدروس) ، أو التصريح بأهمية (تحديد الأهداف) أو (التقويم) ، لكنك تجد مفهوم ذلك وأكثر مبثوثاً في كتبهم. وما أحوجنا إلى دراسة متخصصة تجمع شتات هذا الموضوع (تقنيات التعليم) من كتب علمائنا وأئمتنا. لذا كان لزاماً علينا أن نسعى لتفعيل دروسنا. لكن ما هو التدريس الفعّال؟ ! قد تختلف الإجابات طولاً وقِصراً في تفصيل سمات الدرس الفعّال وذكر أبعاده، لكن ما ينبغي علينا ألاَّ ننساه أثناء تشعبات الإجابة أن التعليم الفعّال هو التعليم الذي ينتج عنه تعلّم فعّال! والتعلم الفعّال هو الذي تتوفر فيه السمات الآتية: ١ - أن تدوم آثاره ونتائجه، بعد دخوله وجدان المتعلم. ٢ - أن يستفيد منه المتعلم في حياته، ويطبقه في أرض الواقع [٥] . العملية التعليمية تقوم على ثلاثة عناصر: معلم، ومتعلم، وتعليم. وفي هذا المقال سأحاول إلقاء الضوء على هذه العناصر مبيناً دورها في تفعيل الدروس، مقارناً ذلك بما يعايشه طلابنا في معاهدنا العلمية؛ ومع أنه ليس لديَّ إحصائيات دقيقة حول وضعها التعليمي إلا أن المنصف لن ينكر وجود شيء مما سأذكره إن شاء الله. ولنبدأ الحديث عن منهجنا التعليمي. تكنولوجيا التعليم والتدريس الفعال [٦] : نتيجة لإحساس النخب التربوية بأهمية تطوير طرقنا ومناهجنا التعليمية ظهر منهج (تكنولوجيا التعليم) في النصف الأول من القرن العشرين، وازدهر حتى أصبح علماً مستقلاً وركناً أساسياً في العملية التعليمية. إن تكنولوجيا التعليم لا تعني مجرد استخدام الآلات والأجهزة الحديثة، بل هي «طريقة منظومية في التخطيط والتنفيذ والتقويم لجميع عناصر عمليتي التعليم والتعلم في ضوء أهداف محددة، تقوم أساساً على البحوث في تعلم الإنسان وتواصله، وتستخدم جميع المصادر المتاحة البشرية وغير البشرية وذلك لإحداث تعلم فعّال» [٧] . وغاية تكنولوجيا التعليم هي الوصول إلى تعلم فعّال كما هو واضح من التعريف السابق؛ وذلك من خلال أسسه الأربعة (تحديد الأهداف ثم تصميم مادة التعلم ثم التقويم ثم التحسين) . إذا طبقنا هذا المفهوم (تكنولوجيا التعليم) ، وراعينا أسسه عند تخطيطنا للدروس فإننا ننتج بعون الله تعليماً فعّالاً. أولاً: الأهداف: الهدف من المنظور التربوي هو ما يكون الطالب قادراً على أدائه بعد تعرضه لعملية تعليم. وللأهداف درجات من حيث التعميم؛ ولذا عمد علماء التربية إلى وضع مسميات تضع فواصل بين تلك الدرجات هي: الغايات والمرامي، الأهداف العامة، الأهداف الخاصة (السلوكية) ؛ والأخيرة تركز على ما يتعلمه الطالب في كل درس. تصنيف الأهداف: أشهر تصنيف للأهداف هو تصنيف بلوم Bloom؛ حيث صنف الأهداف إلى ثلاثة مجالات، هي: المجال الإدراكي (المعرفي) ، والمجال الوجداني، والمجال المهاري. ولكل مجال من هذه المجالات مستويات تتدرج من البسيط إلى المركب [٨] . أهمية تحديد الأهداف: تحديد الأهداف من الركائز المهمة لنجاح الدرس وفعاليته؛ وذلك لما يلي: ١ - في دراسة أجراها ميجر Mager وكلارك Clark أوضحت أن الطلاب الذين يعرفون الأهداف الرئيسية للمقرر الدراسي والذين يزودون بقائمة بالمراجع المناسبة، يمكن أن يقوموا بتدريس أنفسهم في نصف الوقت الذي يستغرقونه بطرق التدريس العادية. ٢ - عند تحديد الأهداف فإنها تصبح هاجساً للمعلم يفكر في كيفية تحقيقها. ٣ - عند تحديد الأهداف يساعد المعلم في اختيار المحتوى؛ إذ إنها تحدد له النقاط المهمة والمحتوى المناسب. ٤ - تحديد الأهداف يساعد على اختيار طريقة التدريس المناسبة، واختيار أنسب الوسائل لتحقيقها. ٥ - تحديد الأهداف يساعد في تحديد أنسب الطرق لعمليات القياس والتقويم والاختبارات. معايير الهدف الصحيح: الصياغة السليمة للهدف تمكن المعلم من معرفة ماذا يريد تماماً! ويُشترَط لصحة صياغة الهدف شروط من أهمها ما يلي: ١ - أن يصاغ الهدف من خلال التلميذ، مثل: أن يذكر الطالب نوع التوحيد الذي أقرَّ به الكفار زمن النبي ﷺ ، ولا يصح الهدف التالي: أن أبين للتلاميذ نوعاً.. أو أن أشرح.. ٢ - أن يعكس الهدف سلوكاً مشاهداً، إما أن يكتب أو يتكلم أو يقوم بنشاط عملي، مثل: أن يكتب الطالب ما لا يقل عن ثلاثة أسطر يعبر فيها عن بغضه للنفاق الاعتقادي، أن يعدد الطالب نواقض الوضوء، أن يتوضأ الطالب وضوءاً لا يخل بأركانه الستة، ولا يصح مثلاً: أن يبغض الطالب النفاق الاعتقادي، أن يَعْرِف الطالب نواقض الوضوء، أن يفهم الطالب أركان الوضوء. ٣ - أن يحوي معياراً للأداء المناسب: وذلك لنتمكن من قياس مدى تحقق هذا الهدف، مثل: أن يذكر الطالب نسب الرسول ﷺ كما في الكتاب ص.. خلال نصف دقيقة، ولا يصح: أن يذكر الطالب نسب الرسول ﷺ . بعد هذا العرض الموجز نتساءل: في معاهدنا العلمية هل يستحضر المعلمون الأهداف العامة للمنهج؟ وهل يحددون الأهداف السلوكية التي يرجونها بعد الدرس؟ ! الكثير منهم هدفه الأساس: إعطاء الطالب أكبر كمية من المعلومات! ثانياً: تصميم مادة التعلم: في معاهدنا العلمية: تصميم مادة التعلم معناه إعداد المادة العلمية اللازمة لشرح الدرس؛ وذلك بالرجوع إلى المراجع وقراءة ما يتعلق بالموضوع. وفي الواقع أن هذا العمل خطوة مهمة لا غنى عنها، لكنها لا تكفي لإعداد درس فعّال! ! عند تصميم مادة التعلم ينبغي الإجابة على الأسئلة الآتية: ما هي الطريقة المناسبة لتدريس هذا الدرس؟ ما هو المحتوى المناسب لتحقيق الأهداف؟ ما هي الوسائل التعليمية المناسبة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي أهم ما يواجه المعلم عند تصميم مادة التعلم: ١ - طريقة التدريس: نجاح العملية التعليمية مرهون إلى حد كبير بنجاح الطريقة؛ فالطريقة الجيدة تغطي عيوب الكتاب المدرسي، وتتغلب على ضعف التلاميذ، وتحقق الأهداف بأيسر جهد وأسرع وقت، وتدفع التلاميذ إلى التعلم. وطرق التدريس كثيرة، منها: الإلقائية، والحوارية، والاستنتاجية، وطريقة المشروع، وحل المشكلات، والقصة، ولكل طريقة مميزاتها وعيوبها، وعلى المدرس أن يختار منها ما يناسب، ويحاول التقليل من عيوب الطريقة المختارة. وثمة أمور ينبغي للمعلم التنبه لها عند اختيار طريقة التدريس، أُجمل منها ما يلي: طبيعة المادة، طبيعة التلاميذ والفروق الفردية بينهم، المرحلة الدراسية ومستوى خبرات التلاميذ، وضوح الهدف لدى التلاميذ، ربط الدروس بالبيئة، إثارة الدافعية لدى المتعلم، المرونة في الطريقة؛ فإذا اتصفت الطريقة بالجمود وسارت على وتيرة واحدة دون تعديل أو تكيف فقد آلت إلى الإخفاق؛ ولذا يقال: إذا أردت أن يرسخ الدرس في أذهان الطلاب فاشرحه بطريقة غير مألوفة! وطرق التدريس متنوعة إلا أن المعلمين في معاهدنا العلمية لا يستخدمون غالباً إلا الطريقة الإلقائية، وهي مع جودتها في بعض الدروس إلا أنها ليست الطريقة المثلى [٩] . ٢ - المحتوى: وهو المادة العلمية التي تعرض لتحقيق الأهداف. وقد طغى المحتوى على كثير من المعلمين بَلْهَ المؤسسات التعليمية حتى نشأ ما يعرف بالتعليم الببغائي ROTE LEARNING الذي ينعكس سلباً على طريقة أداء الدارس وقدرته على ترتيب الأفكار والتعبير عن نفسه بمنطقية وإيجاز، وكذلك قدرته على استدعاء المعلومات وقت الحاجة إليها، كما تقلل فيه ملكات الإبداع والخيال والابتكار والتحليل وربط الأسباب بالنتائج [١٠] . ويسعى منهج تكنولوجيا التعليم إلى الابتعاد عن العشوائية والمزاج الشخصي للمعلم في نقل المعارف، بل يجب أن تخضع عملية نقل المعرفة لتحديد دقيق للمراد توصيله إلى الدارس، وذلك من خلال الأهداف التي حددها المعلم مسبقاً. وحينئذٍ نعلم الارتباط الوثيق بين الأهداف السلوكية والمحتوى (مادة التعلم) . وعند تصميم المحتوى لا بد من مراعاة أمرين مهمين: الأول: التسلسل السهل والمنطقي والابتعاد عن القفزات التي لا يسهل استيعابها أو متابعتها من قِبَل الدارسين متوسطي الذكاء. الثاني: مراعاة معدلات التعلم (السرعة التي يتم بها تعلم المادة التعليمية) . ٣ - الوسائل التعليمية: وهي كل أنواع الوسائط التي تعين المعلم على توصيل المعلومات. ولا يختلف اثنان في أهمية الوسائل التعليمية ودورها في تفعيل الدروس، ومن فوائدها ما يلي: ١ - تساعد على استثارة اهتمام الطلاب، وتعزز الدافعية لدى المتعلم وتجعله أوفق مزاجاً للتعلم. ٢ - إشباع حاجتهم للتعليم وزيادة خبراتهم. ٣ - اشتراك جميع الحواس عند المتعلم يؤدي إلى ترسيخ وتعميق التعلم؛ فالإنسان يتعلم عن طريق حواسه بالنسب الآتية: البصر ٧٥%، السمع ١٣%، اللمس ٦%، الشم ٣%، الذوق ٣%. وهذا ببساطة يعني أن عملية التعلم ترتفع إلى ٨٨% عندما تشترك في ذلك حاستا السمع والبصر، وبدخول أي حاسة ثالثة ترتفع النسبة إلى أكثر من ٩٠% [١١] . ٤ - تساعد على ترتيب وتسلسل الأفكار لدى التلاميذ. ٥ - زيادة قدرة الطالب التأملية، وزيادة قدرته على الملاحظة. وهناك عوامل عديدة ومتداخلة تؤثر في اختيار الوسيلة في أي عملية تعليم أو تعلم، منها: ١ - الأهداف التعليمية المحددة، وهي تؤثر بشكل مباشر في اختيار الوسيلة فإذا كان هدف الدرس: أن يذكر الطالب أعمال الحاج الأساسية في أيام التشريق، فربما كان عرض شكل تخطيطي لهذه الأعمال أفضل من عرض فيلم وثائقي عن الحج. ٢ - خصائص ومميزات الدارسين، فإن العدد يعتبر عنصراً مهماً في اختيار الوسيلة، وكذا نوعية الطلاب وأعمارهم ومستواهم الدراسي. ٣ - موضوع الدرس؛ ففي درس (حكم موالاة مَنْ حادّ الله ورسوله) لا تستطيع أن تجري تجربة عملية كما هو الحال في صفة الوضوء. ٤ - التكلفة المالية؛ فكلما كانت الوسيلة تحقق الهدف بتكلفة مالية قليلة كانت أنسب. وتعتبر الوسائل البصرية (خاصة السبورة) من أفضل وأسهل الوسائل لتحقيق أكثر الأهداف؛ ومع أهمية الوسائل التعليمية إلا أننا نلحظ على مدرسي معاهدنا العلمية عزوفاً عنها، وذلك لأمور منها: ١ - الفهم الخاطئ لمعنى الوسيلة، وأنها تعني استخدام الأجهزة التعليمية (السبورة الضوئية Over-head Projector، جهاز عرض المواد المعتمة Opaque Projector، جهاز عرض الشرائح Slides Projector..) ومع أهمية استخدام هذه الأجهزة إلا أن الوسيلة التعليمية أعم من ذلك بكثير؛ فقد يستخدم المعلم وسيلة تعليمية من الإمكانيات البيئية المحيطة به. ٢ - اعتقاد أن استخدام الوسائل التعليمية في تدريس العلوم الشرعية يخالف منهج وطريقة السلف، مع أن الرسول ﷺ استخدم ما يسمى (تقمص الأدوار) ووسيلة تعليمية من الواقع كما في قصة الجدي الأسكِّ [١٢] ، واستخدم الرسوم التوضيحية كما في حديث ابن مسعود عن طول الأمل [١٣] . والواقع أن إمكانية استخدام الوسائل في العلوم الشرعية أقرب منها في غيرها من العلوم؛ لأنها تمس الواقع، وتحتاج إلى تطبيق مباشر. ٣ - إحساس المعلم بأن العلوم الشرعية سهلة الفهم لا تحتاج إلى كبير إعداد أو وسائل تعليمية، وينسى أن الوسيلة مهمة في ترسيخ الأهداف في نفس المتعلم. ٤ - تكاسل المدرس وعدم اهتمامه بأداء الأمانة التي ألقيت على عاتقه، وتأثره ببيئته والواقع التعليمي الحالي. ٥ - عدم تأهيل معلمي معاهدنا العلمية (في طرق التدريس وتكنولوجيا التعليم) ، وكثير من خريجي الجامعات الإسلامية التي تؤهل المعلمين الأكفاء لا يشاهدون الأجهزة التعليمية إلا بعد تخرجهم! ! وقد أوضحت دراسة متواضعة قمت بها على عدد من معلمي المواد الدينية في التعليم العام أن ٩٠% من أفراد العينة لا يعرفون كيفية تشغيل تلك الأجهزة أو تشغيل أغلبها! ! ٦ - عدم توفر الأجهزة التعليمية في كثير من معاهدنا التعليمية؛ وذلك ربما يرجع إلى عدم الوعي الكامل بأهمية مثل هذه الأجهزة في العملية التعليمية [١٤] . ثالثاً: التقويم [١٥] : المفهوم الشامل للتقويم: أنه عملية تشخيصية علاجية هدفها الكشف عن مواطن الضعف أو القوة بقصد تطوير عمليات التعليم والتعلم بالصورة التي تسهم في تحقيق الأهداف المنشودة. فالتقويم له ركنان لا يغني أحدهما عن الآخر: ١ - التشخيص، ويسمى (القياس) ASSESSMENT ويعني: تقدير المستويات تقديراً كمياً رقمياً أو وصفياً، وله أدوات مختلفة أهمها: الاختبارات (موضوعية ومقالية) ، والتقارير الذاتية (المقابلات، والاستبانات) ، والملاحظة بأنواعها. ولا يتسع المجال لبسطها؛ لكني أؤكد هنا على أهمية كون القياس صورة صادقة لأهداف المادة التعليمية. ٢ - العلاج، ويطلق عليه (التقويم) EVALUATION وكثيراً ما تستخدم نتائج القياس في عمليات التقويم. وللتقويم بمعناه العام أنواع، من أهمها: ١ - التقويم القَبلي: وهو عملية تقويمية منظمة تتم قبل دراسة الطالب لوحدة دراسية أو مقرر دراسي، أو موضوع جديد؛ بغرض معرفة ما لدى الطالب من معلومات وخبرات سابقة. وهو يفيد المعلم بمعرفة الفروق الفردية بين التلاميذ، والاستفادة من الخبرات السابقة إن وجدت، وغالباً ما يؤثر التقويم القبلي على طريقة التدريس، والمحتوى اللازم للدرس. في معاهدنا العلمية يندر وجود هذا النوع من التقويم، بل غالباً ما يبدأ المعلم بعرض المعلومات التي جمعها متجاهلاً الخبرات السابقة التي لدى الطلاب، مع أن معرفته لذلك قد تختصر له الكثير من الوقت. ٢ - التقويم البنائي: وهو عملية تقويمية منظمة تتم أثناء التدريس بغرض الوقوف على نقاط الضعف وعلاجها، وله فوائد عديدة، منها: اكتشاف نقاط الضعف عند الدارس وعلاجها، وتطوير طريقة التدريس والبرنامج التعليمي، وتعزيز نشاط الطالب القوي. ويعتمد بشكل رئيس على الملاحظة المستمرة والأسئلة الصفية التي يوجهها المعلم للطلاب؛ ويفضل عند توجيه الأسئلة ألا يكون السؤال معرفياً خالصاً بل يفضل أن يقيس قدرة الطالب على توظيف ما درسه، مثلاً: نسيت الاستفتاح، ولم تتذكر إلا بعد انتهاء الركعة الثانية؛ فماذا تفعل؟ وهذا النوع (التقويم البنائي) يؤكد على أهمية تحديد أهداف يمكن قياسها. ٣ - التقويم التشخيصي: ويهدف إلى تشخيص حالة الطالب وتحديد نقاط الضعف لديه، وتحديد أسباب المشكلات الدراسية التي يعاني منها الطالب. ٤ - التقويم النهائي التجميعي (الختامي) : وهو عملية تقويمية منظمة تحدث في نهاية التدريس؛ وعادة ما تكون في نهاية الفصل الدراسي أو المرحلة الدراسية بغرض تحديد اجتياز الطالب من عدمه. والملاحظ هنا إلى أن دروس المساجد والدورات العلمية تهمل جميع أنواع التقويم؛ فلا نستغرب أبداً إذا شاهدنا فيها طلاباً في مستويات علمية مختلفة ومراحل عمرية متفاوتة، ومع هذا يتلقون نفس المادة التعليمية! ! وبعد انتهاء الدورة العلمية أو الكتاب المقرر لا يُجرى للطلاب اختبار نهائي للتأكد من استفادتهم. وقد كان علماؤنا إلى عهد قريب يراعون مثل هذا التفاوت؛ فلا يقرأ الطالب في المطولات حتى يتقن المختصرات، وهكذا. يحتاج المعلم إلى تقويم جميع عناصر العملية التعليمية الستة، وهي: المعلم، والطالب، والأهداف، وطرق التدريس، والمحتوى، والتقويم. بينما نلاحظ في معاهدنا العلمية أن المعلمين يقتصرون على جزء من أجزاء أحد هذه العناصر! ! فهم لا يقومون غالباً إلا بتقويم تحصيل الطالب العلمي فقط؛ على ما يشوب هذا التقويم من نقص وقصور. ونادراً ما يقوّم المعلم نفسه مثلاً، أو طريقته في التدريس، أو أساليبه في التقويم وتوظيفه لأنواعه وأدواته المختلفة في خدمة العملية التعليمية. رابعاً: التحسين: التقويم هو الذي يضع مؤشرات التحسين، والتحسين يعني تلافي الأخطاء والنقص لاحقاً، وهو لا يتم مرة أو مرتين فحسب بل هو عملية مستمرة ما بقيت المادة أمام الطلاب يدرسونها. وغالباً ما يكون التحسين منصباً على تصميم مادة التعلم بعناصره الثلاثة: (طريقة التدريس، والمحتوى، والوسائل المستخدمة) ؛ إلا أن المعلم قد يحتاج إلى مراجعة الأهداف التي حددها مسبقاً لاكتشافه مثلاً عدم مناسبتها أو مناسبة شيءٍ منها لمستوى الطلاب أو للزمن المتاح، وقد يحتاج بعد تقويمه لعمليات التقويم التي قام بها إلى تطويرها وتحسينها وتلافي عيوبها مستقبلاً. وهكذا يتبين أن التحسين يعود إلى الأسس الثلاثة في حلقة دائرية مستمرة لا تتوقف عند حدٍّ معين، وذلك لما فطر الله الإنسان عليه من نقص دائم ملازم له يجعله دائماً محتاجاً إلى التطوير والتحسين. وتبين بعد هذا كله أن المعلم إذا خطط لدرسه تخطيطاً جيداً فرسم الأهداف السلوكية وحددها تحديداً دقيقاً، وصمم مادة التعلم، ونفذها على أتم وجه وتأكد من تحقق الأهداف عن طريق التقويم السليم؛ إذا فعل ذلك كله فلا نقول إنه بعد هذا الدرس (النموذجي) قد وظّف تكنولوجيا التعليم، بل لا يكون كذلك حتى يحسِّن من مستوى الأداء في المرات القادمة؛ فتكنولوجيا التعليم ليست درساً منظماً مبنياً على أسس علمية فحسب، بل هي عملية مستمرة متواصلة لا تتحقق إلا بمواصلة الجهود وتحسين النتائج بشكل مستمر. ومن نافلة القول أن هذا الدرس الذي أُعد ونُفذ بطريقة جيدة لا يصح تطبيقه على مجموعة أخرى من الطلاب؛ وذلك لأن تغيراً في عنصر من عناصر العملية التعليمية يؤثر بالتأكيد على بقية العناصر. بقي أن نشير أخيراً إلى أن هذه العملية تتأثر بمؤثرات خارجية ينبغي على المعلم مراعاتها عند التخطيط للعملية التعليمية؛ فالمنظومة التدريسية إحدى منظومات التعليم وليست المنظومة الوحيدة في العملية التعليمية. المعلم: يعتبر المعلم (مهندس) العملية التعليمية؛ فعلى حسب تأهيله وخبرته وإخلاصه تكون الدروس فعّالة مثمرة، أو مملة ومحدودة الفائدة. لذا نود تسجيل النقاط الآتية: * لا يكفي لنجاح المعلم أن يكون ملماً بفنه الذي يدرسه؛ بل لا بد من توفر صفات كثيرة قوامها الإخلاص والتقوى كي ينفع الله بعلمه، كما قال الشافعي: «ليس العلم ما حُفِظ؛ العلم ما نفع!» [١٦] . * ينبغي هنا التأكيد على المعلم بأهمية التخطيط الجيد لكل درس، ويحتاج المعلم في الجملة إلى نوعين من أنواع الخطط: الأول: التخطيط العام، وهو ما يسمى (توزيع المنهج) [١٧] . الثاني: التخطيط لكل درس. والتخطيط بأنواعه المختلفة مهم، ومفيد للمعلم فهو: ١ - يوفر للمعلم الأمن والطمأنينة النفسية؛ فالمعلم الذي خطط للتدريس تخطيطاً جيداً يظل بعيداً عن التوتر والقلق، واثقاً من أدائه، مطمئناً للخطوة التي هو مقبل عليها. ٢ - يوفر للمعلم خبرة تعليمية، فيبدأ بالأهم، ويعرف متى يجب عليه أن ينتقل إلى خطوة قادمة. ٣ - يتيح للمعلم التغلب على صعوبات التعلم والفروق الفردية بين الطلاب. ٤ - يوفر للمعلم استراتيجية للتعليم، وأسلوب عمل في التدريس. وفيما يلي بعض العوامل التي تساعد على رفع مستوى التخطيط لدى المعلم: أولاً: أن يكون التخطيط كتابياً قدر الإمكان، وهذا يفيد المعلم أثناء الشرح، وبعده عند تقويم عمله وتقويم خطته التدريسية، ويفيده أيضاً عند وضع أسئلة التقويم الختامي (الاختبارات النهائية) . ثانياً: أن يعمل المعلم على تطوير اتجاهاته في التخطيط، وذلك بقراءاته التربوية المتنوعة في هذا الموضوع، واشتراكه بالدورات التربوية المتخصصة، وقبل ذلك كله يجب عليه أن يتابع أداءه باستمرار، ويحاول أن يرفع من مستواه التربوي والتعليمي. ثالثاً: أن يخصَّص للمعلم الوقت الكافي للتخطيط، فإذا كنا نريد من المعلم أداءً جيداً فلنمنحه وقتاً كافياً، وإذا أردنا منه أن يمارس ثلاث ساعات تعليمية في اليوم فلنمنحه مثلها ليُعد ويخطط، وينفذ أنواع الأنشطة. * «لا بد من تدريب المعلم تدريباً مستمراً ليواكب ما يدور حوله في العالم، من وسائل وطرائق وتكنولوجيا وغيرها من مستجدات، في عصرٍ يوصف بعصر الانفجار المعرفي. وغني عن القول أن المعلم الذي يتوقف عن المواكبة والمتابعة والتجديد، ومن ثم الابتكار والإبداع في طرائقه يسعى بقدميه إلى تحنيط نفسه في قوالب الطرق النمطية القديمة التي كان يدرِّس بها الناس قبل خمسين سنة خلت، ويجد نفسه بعد فترة أنه قد تجاوزه الزمن وأصبح خارج خارطة التقدم البشري، وحينها يصبح اللحاق أمراً عسيراً إن لم يكن مستحيلاً» [١٨] . المتعلم: المتعلم هو أهم عناصر العملية التعليمية؛ حيث تُسخَّر جميع عناصر العملية التعليمية من أجله ولخدمته، والمعلم الفعّال لا يقاس بأسلوبه وطريقته، أو بالأدوات والوسائل التي يستخدمها، بل بسلوك تلاميذه والخبرات التي معهم [١٩] . لذا كان لا بد من معرفة حاجات التلاميذ لإشباعها، ومشكلاتهم والمعوقات التي تحول بينهم وبين التعلم الفعَّال لحلها والتخلص منها، ولا بد من زيادة دافعية الطالب للتعلم. ولإيجاد دافعيّة قوية لدى الطالب لا بد من مراعاة أمور منها: ١ - المعهد العلمي (مدرسة، جامعة، مسجد ... ) : مظهره الداخلي والخارجي، ومظهر غرفة الدراسة ونظافتها. وراحة الطالب فيها وحبه لها. وهذا يوجب على معاهدنا العلمية إعادة النظر في (الضرب) وتقنينه بما يعود على الطالب بالفائدة خاصة في زمن قلَّت فيه الحوافز وكثرت الملهيات، وتخلى كثير من أولياء الأمور عن تربية أبنائهم. ٢ - المقرر (الكتاب) : يحتاج المعلم (أو المعهد) إلى تفكير عميق ودراسة واسعة عند اختيار الكتاب المناسب لقدرات الطلاب. ٣ - تعزيز السلوك لدى المتعلم، وعلى المعلم معرفة أنواع التعزيز، وطرقه، ليحفز الطالب دوماً نحو التعلم [٢٠] . ٤ - التشويق والتنويع في عرض المادة، وكلما كان عرض الدرس بطريقة غير مألوفة كان ذلك أدعى لرسوخه في أذهان الطلاب. ومن ذلك تكثيف الأنشطة المتعلقة بالمادة العلمية المدروسة. ٥ - ترغيب المتعلم بطلب العلم؛ وذلك ببيان فضله، وإشعاره بحاجته إليه. ٦ - قبول الطالب للمعلم وثقته به وحبه له، وقد سبقت الإشارة إلى السمات المهمة في المعلم. ٧ - جلساء الطالب في المعهد العلمي يؤثرون على دافعيته للتعلم. ٨ - المنزل بعجره وبجره، وللأسف فالبيت أصبح لا يساعد المعهد العلمي في كثير من الأحيان في أداء رسالته، بل يهدم في لحظات ما بناه المعهد في سنوات، ووسائل الإعلام، وسائر الملهيات تتحمل المسؤولية العظمى في تقليل دافعية الطالب للتعلم. ٩ - المجتمع، والشارع، والأندية الرياضية تكمل ما تبقى، وتلتهم بقايا الجد لدى الطلاب، ثم يسلم بعد ذلك للمعهد، ويطالب بالتعلم والجدية! ! فإن أخفق المعهد في إحياء روح أماتتها المسلسلات الماجنة، والصور العارية، وإيقاظ نفسٍ أنهكها طول السهر وكثرة اللهو، رمي بالتقصير؛ لأنه لم يستطع إحياء الموتى! ! لقد أسمعتَ لو ناديتَ حياً ... ولكن لا حياةَ لمن تنادي! ! ولو ناراًَ نفختَ بها أضاءت ... ولكنْ كنتَ تنفخ في رمادِ.

стр. 4022

الإسلام لعصرنا حوار عن العلمانية الديمقراطية بين مثقفين عربيين أ. د. جعفر شيخ إدريس رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة قال الأول لصاحبه: إنه من حسنات البلاد الديمقراطية العلمانية أنها تعاملنا من حيث الدين معاملة أحسن من معاملتنا لها. أجاب الأول: من أمثلة ذلك أنهم يسمحون لنا بأن نبني المساجد ونقيم فيها الصلوات، ويسمحون بحرية الدعوة إلى الإسلام بينما لا نسمح نحن لهم بشيء من ذلك في بلادنا. قال الثاني: أولاً: إن ما ذكرته عنا ليس بصحيح على إطلاقه؛ ففي العالم العربي والإسلامي نصارى ويهود يمارسون دينهم في كنائسهم وبيعهم في حرية كاملة. ألم تزر بلاداً كمصر والسودان؟ قال الأول: ولكن ماذا عن السعودية؟ الثاني: للسعودية وضع خاص؛ فهي جزء من الجزيرة التي أمر الرسول ﷺ أن لا يكون فيها دين غير الإسلام. وينبغي أن لا يكون هذا أمراً غريباً حتى على الدول الغربية التي أراك تدافع عنها. الأول: ماذا تعني؟ الثاني: ألم تسمع ببلد اسمه الفاتيكان؟ هل تجد فيه من مساجد أو دور للعبادة غير دور الكاثوليك؟ الأول: كلاَّ. الثاني: الأمر الثاني الذي كنت أود أن أنبهك إليه هو أنهم لا يسمحون لنا بما يسمحون بدافع الإحسان إلينا، أو مجاملة لنا كما يظن بعض الذين لا يعلمون، وإلا لقالوا لنا: إما أن تسمحوا لنا بما نسمح به لكم وإلا منعناكم كما تمنعوننا. الأول: هذا ما كنت أظنهم فاعليه، وقد ازداد تقديري لهم إذ لم يفعلوه. الثاني: إن ما يسمحون لنا به من قدر من الحرية الدينية هو أمر يسمحون به لكل صاحب معتقد مصدقاً بوجود الخالق أو منكراً لوجوده، مؤمناً كان أم مشركاً، عابد وثن أو عابد بشر. وكما يسمحون بهذا القدر من الحرية الفكرية فإنهم يسمحون بقدر مثله أو أكبر منه لدعاة الرذيلة من الشواذ والزناة وراسمي الصور الفاضحة. يفعلون كل هذا؛ لأنهم يرونه في مصلحة بلادهم بحسب تصورهم للحرية. وأما الأمر الثالث فهو أنهم يستعملون كثيراً من قوانينهم ليحدوا من هذه الحرية سواء لزائريهم من البلاد الإسلامية أو القاطنين فيها. الأول: أوافقك. ولكن ألا ترى مع ذلك أن نظامهم خير من نظامنا من حيث إن القدر الذي يسمح به من الحرية أكبر مما نسمح به نحن؟ الثاني: كلاَّ! لست أرى ما ترى؛ لأن الحريات لا تقاس كمِّياً، وإلا لكان أحسن النظم هو الذي يترك الناس سدى لا يأمر أحدهم بشيء ولا ينهاه عن شيء ألبتة. الأول: بِمَ تقاس إذن؟ الثاني: تقاس بمدى نفعها وضررها. فالنهي عن السرقة هو حد من الحرية، لكنه حد مفيد. أما النهي عن أكل السمك مثلاً فهو حد لا فائدة فيه، بل قد يكون ضرره بالغاً بالنسبة لبعض الناس. ولذلك وصفت النواهي الإسلامية بأنها حدود إذا تجاوزها الإنسان وقع في ما يضره. وبإمكانك أن تتصورها كالحدود التي توضع على جنبتي الجسر؛ فهي أيضاً تحد من حرية السائر أو السائق، لكنها مفيدة له؛ لأنها تمنعه من الوقوع في البحر أو الهوي في واد سحيق. الأول: لا شك في ذلك. لكن من الذي يصدر هذه القوانين التي تحل وتحرم؟ إن النظام الديمقراطي يكل ذلك للناس؛ فهم الذين يحددون ما يصلحهم وما يضرهم في حرية كاملة. أما النظم الدينية، ومنها النظام الإسلامي، فإنها لا تعطي الناس هذه الحرية، بل تكل الأمر إلى الدين. الثاني: أتعني أن كل قانون يحل أو يحرم إنما يصدر بإجماع الناس؟ الأول: كلاَّ؛ فأنت تعلم أن الأمر ليس كذلك، وإنما الذي يصدره هم غالبية الناس. الثاني: لكن غالبية الناس ليست هي التي تصدر القوانين في البلاد الديمقراطية العلمانية، وإنما الذي يصدرها هو المجالس التشريعية. الأول: نعم! لكن هذه المجالس تتكون من أفراد اختارهم الناس بالأغلبية؛ فهم يعبرون عن أفكارهم. الثاني: تعنى أنهم يعبرون عن أفكار من صوَّت لهم. الأول: لكن يستحيل واقعاً أن يكون الأمر على غير ذلك. الثاني: نعم! ولكنك تعلم أيضاً أنه حتى قولنا بأنهم يعبِّرون عن رأي الأغلبية التي انتخبتهم ليس بصحيح؛ لأن هذه الأغلبية لا تستشار، ولو استشيرت لما كان لأغلبيتها رأي في غالبية القوانين؛ لأنها تحتاج إلى معرفة لا تتوفر لهم. الأول: لكن تبقى مع ذلك الحقيقة بأن هؤلاء قوم رضيهم الناس حكاماً لهم، وأوكلوا إليهم إصدار ما يرونه مناسباً من القوانين. الثاني: إذن؛ فالناس في البلاد الديمقراطية العلمانية رضوا بأن يكون المشرعون لهم بشراً مثلهم. الأول: أجل! وهذا ما يمتازون به. الثاني: واشترطوا عليهم أن تكون تشريعاتهم في إطار الدستور، ولم يتركوهم أحراراً يشرعون ما شاؤوا. الأول: نعم! لأن الاستقرار السياسي لا يتوفر إلا بشيء كهذا. الثاني: ما الفرق بيننا وبينهم؟ نحن أيضاً يمكن أن تكون لنا مجالس تشريعية يختار الناس أعضاءها ويعطونهم حق التشريع على شرط أن لا يكون مخالفاً للقانون الأعلى للبلاد الذي يسمى دستوراً. والذي هو بالنسبة لنا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . الأول: لكن دستورهم هو نفسه من وضعهم، وبإمكانهم أن يغيروا فيه ما شاءوا. الثاني: لكن دستورهم أيضاً يتضمن مواد كتلك المتعلقة بما يسمونه حقوق الإنسان ليس لأحد أن يغيرها. الأول: نعم! لأن هذه حقوق لكل إنسان بما هو إنسان، فلا يجوز لأحد أن يجور عليها. الثاني: من الذي أعطاها هذه المكانة؟ وعلى كل فأنا لا أريد أن نخرج عن موضوعنا لنتحدث عن حقوق الإنسان، فلعلنا نفعل ذلك في مناسبة أخرى. فلنعد إلى موضوعنا إذن! الأول: حسن. الثاني: أردت أن أقول لك إنه ليس لهم علينا فضل في كون دستورهم من اختراعهم؛ لأنه إذا كانوا هم بمحض اختيارهم رأوا أنه من مصلحتهم أن يشرِّع لهم بشر مثلهم؛ فنحن أيضاً فكَّرنا لأنفسنا ورأينا أنه من مصلحتنا أن نرضى بما شرعه لنا ربنا الذي خلقنا، والذي هو أعلم منا بما هو مفسد أو مصلح لنا، والذي هو رحيم بنا لا يأمرنا إلا بما ينفعنا، ولا ينهانا إلا عما فيه ضرر علينا. لا فرق إذن بيننا وبينهم من حيث مبدأ الاختيار. فكما أنهم اختاروا بحريتهم، فنحن كذلك اخترنا بحريتنا، ولم يجبرنا ربنا على الرضى بما شرع لنا، وإنما ترك الأمر لنا نحن البشر [فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ] (الكهف: ٢٩) ونحن اخترنا بتوفيق من ربنا أن نؤمن. فلا فضل لهم علينا إذن من حيث مبدأ حرية الاختيار، وإنما الفضل لنا نحن الذين أرانا الله الحق حقاً ووفقنا لاتباعه. الأول: لكن الذي اخترتموه دين، والناس يختلفون في أديانهم، ومجتمعاتنا المعاصرة مجتمعات متعددة الأديان، ولا بد لكل مواطن فيها من أن تكون له حقوق مساوية لغيره بغض النظر عن دينه. الثاني: فكيف حلت العلمانية هذا الإشكال؟ الأول: حلته حلاًّ يسيراً، هو أن تُقصَى الأديان عن الحكم حتى يكون لكل مواطن الحق في أن يتقلد أي منصب سياسي من رئاسة الدولة إلى ما دونها مهما كان دينه أو اعتقاده. الثاني: ونحن أيضا نفعل ما فعلوا: نقصي كل الأديان عدا الإسلام عن الحكم وكما ... الأول مقاطعاً: لكنهم أقصوها كلها ولم يستثنوا منها واحداً كما تفعلون. الثاني: تعني أنهم أقصوها كلها ما عدا الدين العلماني. الأول: لكن العلمانية ليست ديناً. الثاني: أجل إنها واللهِ لَدينٌ بمفهومنا العربي الإسلامي! لكنها شر دين. الأول:ماذا تعني؟ الثاني: أعني أن الدين عندنا هو كل أمر يدين به الناس ويعتادونه ويمارسونه في أي جانب من جوانب حياتهم المادية والروحية سواء كان من عند ربهم أو كان من اختراعهم. ألم تسمع قول الشاعر العربي عن ناقته التي اجهدها بكثرة الترحال: إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين تقول إذا شددت لها وضيني: ... أهذا دينه أبداً وديني؟ أكل الدهر حل وارتحال؟ ... أما يبقي عليَّ وما يقيني؟ الأول: لكنك تعلم أن الشاعر استعمل الدين هنا بمعنى العادة؛ فما علاقة ذلك بأنظمة الحكم؟ الثاني: لا جدال في أنه استعمله بمعنى العادة؛ ولكن ألا ترى أنه إذا كان اعتياد الحل والترحال وهو أمر واحد في حياة رجل وناقته يسمى ديناً، فمن باب أوْلى أن يسمى كذلك اعتياد ما كان أشمل نطاقاً وأكثر عدداً. ثم إن القرآن الكريم استعمل الدين بهذا المعنى العربي، ألم تسمع قول الله تعالى عن يوسف وأخيه: [مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ المَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ] (يوسف: ٧٦) فالمقصود بالدين هنا ما نسميه الآن بالقانون. وفي القرآن الكريم أيضاً يطلق الدين على الهدي الذي أنزله الله تعالى وأرسل به رسوله، كما يطلق على ما يدين به الناس في الواقع سواء كان موافقاً لذلك الدين الحق أو مخالفاً له. يبين لك ذلك بوضوح حديث الرسول ﷺ الذي ذكر فيه أن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة عام من يجدد لها دينها؛ فالدين الذي يجدد هو ما يدين به الناس. أما الدين النازل من السماء فلا يحتاج إلى تجديد؛ لأنه لا يَخْلَق. وتجديد ما يدين به الناس هو جعله موافقاً للدين الحق. الأول: هذا تفسير غريب للدين، وهو مخالف لما اصطلح عليه الناس، ولا سيما في البلاد الغربية العلمانية التي هي موضوع حديثنا. الثاني: لكن هل من الإنصاف أن يكون النقاش دائماً وفق تصوراتهم ومصطلحاتهم؟ لماذا لا نفهمهم أن هنالك اختلافاً بيننا حتى في تصورنا للدين؟ على كل أنا لا أريد للحوار أن يتحول إلى جدل عن الألفاظ. المهم أن تتضح المعاني؛ وإذا اتضحت فلا مُشاحَّة في الألفاظ. ألا يمكن أن نترك كلمة الدين ونستعمل بدلاً عنها كلمة تنطبق على العلمانية وما يسمونه هم ديناً؟ ما رأيك في عبارة منهاج الحياة؟ الأول: لا بأس بها. الثاني: أرجو أن يتضح لنا من استعمالها أن القول بأن النظام العلماني نظام محايد بين الأديان إنما هو خرافة راجت على كثير من الناس. الأول: أظنني من المصدقين بهذه الخرافة؛ فهلاَّ أوضحت لنا ياسيدي المنكر للخرافات دليلك على كونها خرافة؟ الثاني: هب أننا قلنا لإنسان منصف: إن هنالك نظامين (أ) و (ع) وأعطيناه الجدول الآتي: النظام أ ... ... ... ... ... ... النظام ع - إنِ الحكمُ إلا الله ... ... ... ... - إن الحكم إلا للشعب - يباح للرجل أن يتزوج مثنى ... ... - لا يجوز للرجل أن يتزوج أكثر من ... ... وثلاث ورباع ... ... ... ... ... واحدة - يأخذ الورثة حقهم أوصى بذلك ... - إنما يرث من أوصى له المورث ولو ... ... ... ... ... ... ... ... المورث أم لم يوص ... ... ... ... كان حيواناً، وإذا لم يوص فللدولة أن ... ... ... ... ... ... ... تتصرف في ماله - الخمر حرام ... ... ... ... - الخمر حلال - لا تكون علاقة جنسية إلا ... ... - تباح العلاقة الجنسية بين كل بالغين ... ... ... ... ... بين متزوجين ... ... ... ... تراضيين رجلاً وامرأة أو رجلين أو ... ... ... ... ... ... ... ... امرأتين - الربا حرام ... ... ... ... ... - الربا حلال الأول: ما أظنه سيستطيع إذا وضع الأمر بهذه الطريقة. الثاني: ولا طريقة غيرها. إذن فيجب على من يريد أن يكون مسلماً أن لا يخدع نفسه. إنه لا يمكن للإنسان أن يكون مؤمناً ويكون مع ذلك راضياً بالعلمانية نظاماً للحكم. فإما هذا أو ذاك. الأول: نعم! إن منهاج الحكم العلماني يُقصي غيره من مناهج الحكم؛ لأنك لا يمكن أن تطبق منهجين مختلفين في وقت واحد كما يتضح ذلك من جدولك. لكن ميزته على المناهج الأخرى ومنها المنهج الإسلامي أنه يفرق بين إقصاء الأفراد وإقصاء المناهج. الثاني: ماذا تعني؟ الأول: أعني أنه يعامل الأفراد جميعاً معاملة متساوية باعتبارهم مواطنين من حق كل واحد منهم أن يتقلد أي منصب سياسي في الدولة إذا ارتضاه الناس. الثاني: بشرط أن يكون حكمه وفقاً للدستور العلماني الذي يُقصي منهجه عن الحكم إذا كان مسلماً. الأول: أجل! وأظننا قد اتفقنا على الأمر البدهي الذي يقضي باستحالة الجمع بين منهجين في الحكم مختلفين. الثاني: لكن معنى هذا أنك تعطي المسلم الأمريكي مثلاً الحرية في أن يكون رئيساً بشرط أن يتخلى عن دينه. الأول: كلاَّ! فبإمكانه أن يظل مسلماً يصلي ويصوم ويحج ويفعل كل ما يأمره به دينه. الثاني: إلا في ما يتعلق بالحكم. الأول: نعم. الثاني: لكن المسلم المخلص لدينه العارف به لا يرضى بهذا؛ لأنه يعرف أن دينه كلٌّ لا يقبل التجزئة؛ فالذي ينكر بعضَه فقد أنكره كلَّه. قال تعالى: [أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ العَذَابِ] (البقرة: ٨٥) وهذا هو الذي يشترطه النظام العلماني على المسلم. الأول: لكن النظام الإسلامي لا يعطيه حتى هذا القدر. الثاني: النظام الإسلامي لا يمنع غير المسلم أن يكون مسلماً، وأن يتأهل بذلك أن يكون حاكماً للمسلمين. لكن الإنسان كما ذكرنا لا يكون مسلماً إلا إذا آمن بالدين كله؛ لأن نظام الحكم في الإسلام غير منفصل عن شرائعه الأخرى؛ بل إن هذا هو الحال في الديانات الأخرى، وما زال هو الذي يراه بعض اليهود وبعض النصارى الرافضين للنظام العلماني، والذين يصفون العلمانية كما نصفها بكونها ديناً محارباً لأديانهم. الأول: نعم! إنهم ليفرضون عليهم هذا باعتباره الدستور الذي ارتضته الأغلبية، لكنهم بعد ذلك يسمحون لهم بما لا يتعلق من دينهم بأمر الحكم. الثاني: ونحن أيضاً نسمح لهم بما ذكرت، بل إننا لنعطيهم أكثر مما تعطيهم العلمانية الديمقراطية. الأول: لكنهم يرون أن نظام الحكم الذي تفرضونه عليهم هو دينكم وهم لا يرضون أن يُفرَض عليهم دين ليس بدينهم. الثاني: نحن لا نفرضه عليهم بكونه ديناً بمعنى كونه عبادة يتقربون بها إلى الله، وإنما نفرضه عليهم باعتباره نظاماً للحكم ارتضته أغلبية المواطنين؛ ولا فرق في هذا بيننا وبين النظام العلماني الديمقراطي. فإذا كانوا وهم الأغلبية في البلاد الغربية العلمانية قد رضوا بأن يُقصوا دينهم عن الحكم، ويرضَوا بالعلمانية بديلاً؛ فما الذي يمنعهم حيث يكونون أقلية في البلاد الإسلامية من أن يرضوا بإقصاء دينهم عن الحكم والرضى بالحكم الإسلامي باعتباره اختيار الأغلبية في البلد الذي يعيشون فيه. الأول: يبدو من كلامك هذا أنك تكاد ألاَّ ترى في الحياة العلمانية الغربية الديمقراطية أي حسنة. الثاني: أنا لم أقل ذلك وإنما كنت أرد ظنك بأن نظامهم يفضُل النظام الإسلامي. الأول: أفهم من ذلك أنك ترى في الحياة الغربية جوانب حسنة؟ الثاني: لا شك في ذلك. بل أرى أن في كل أمة من الأمم بعض الجوانب الخيرة. أقول هذا ديناً؛ لأنني أعتقد أنه لا يمكن لإنسان لا خير فيه ألبتة أن يرى الخير الذي في الدين الحق فيؤمن به. وما دام هذا الدين قد جاء للناس جميعاً، فلا بد أن الله جعل فيهم من الخير ما يمكِّنهم من رؤيته حقاً. الأول: هلاَّ ذكرتَ لي بعض هذه الجوانب الخيرة؟ الثاني: الحديث في هذا قد يطول؛ فلأكتف لك بذكر أحسن ما أراه عندهم، أحسن ما عندهم هو هذا التطور الكبير في العلوم الطبيعية وما بني عليه من تقنية في شتى جوانب الحياة ومنها الجانب العسكري. وقد كنت أتمنى لو أننا ركَّزنا على هذا الجانب العلمي التقني فيما نأخذه من الغرب، لكن العلمانيين في بلادنا شغلونا بمثل هذه القضايا التي كنا نتحدث عنها الآن؛ لأنهم لسذاجتهم ظنوا أن السبب الأساس لتطور الغرب هو فصله للدين عن الدولة. وقد كان هذا التركيز على الجانب الثقافي في التجربة الغربية هو السبب الأساس لضعفنا وعدم تطورنا؛ لأنه كان السبب الأساس في النزاع بيننا؛ وأنت تعلم أن الأمم لا تستطيع أن تحقق إنجازاً كبيراً دينياً أو دنيوياً وهي منقسمة على نفسها متنازعة فيما بينها. فأسأل الله تعالى أن يجمعنا على الخير، وأن يوفقنا إلى الأخذ بأسباب النهضة والقوة والرفعة في كل جوانب حياتنا المادية والروحية. الأول: آمين.

стр. 4023

قراءة في كتاب حرب المعلومات الحرب القادمة المؤلف: الدكتور عبد الرحمن بن عبد العزيز المنيف. عرض: حسن الرشيدي. اسم الكتاب: حرب المعلومات الحرب القادمة الدليل الشامل لحرب المعلومات المؤلف: الدكتور عبد الرحمن بن عبد العزيز المنيف. الناشر: المؤلف. حجم الكتاب: ٣٣٨ صفحة. مقاس: ١٧ X ٢٤. «إن العالم لم يعد يُدار بالأسلحة بعد الآن أو الطاقة أو المال، إنه يدار بالأرقام والأصفار الصغيرة ... إن هناك حرباً تحدث الآن.... إنها ليست من يملك أكثر رصاصاً؛ إنها حول من يسيطر على المعلومات: ماذا نسمع أو نرى، كيف نقوم بعملنا، كيف نفكر؟ إنها حول المعلومات» . هذه مقولة صدرت في بيان خاص من اتحاد العلماء الأمريكيين يعلنون فيه أن البشرية قد غدت في طور جديد ومرحلة لها طابعها الخاص وخصائصها المميزة. وهذا الكلام لا يقال على سبيل المبالغة أو إعطاء موضع اهتمام لا يستحقه بل أضحى حقيقة تتوالى فصولها بسرعة لاحقة. وفي هذا السياق تأتي المواجهة الأخيرة بين الصين والولايات المتحدة لتدشن في الواقع العملي عصراً جديداً من الحروب، ونوعية غير مألوفة من المواجهات. هذه الحرب لا بد أن تأخذ الدراسة الكافية والبحث المعمق لكشف أبعادها وخلفياتها. ويعتقد كثير من المحللين أننا دخلنا بهذه المواجهة نوعاً جديداً من حرب المعلومات: فمن طائرة مزودة بأحدث ما وصلت إليه التقنية في مجال الاستطلاع والتجسس، بداخلها فريق عمل له القدرة على التقاط هذه المعلومات أو بصورة أدق: (البيانات) ثم تحليلها وغربلتها لاستنتاج الخطوط العريضة وتفاصيل دفاعات الطرف الآخر. ثم تندلع بعدها حرب الفيروسات واختراقات أنظمة المعلومات على الإنترنت بين الطرفين التي لا زالت تتوالى فصولها حتى اليوم. ويأتي كتاب «حرب المعلومات الحرب القادمة» ليعطي خلفية شبه كاملة عن طبيعة تلك النوعية من الحروب ومراحلها وخصائصها. ففي الفصل الأول تناول مفهوم حرب المعلومات بوصفه إطاراً نظرياً شاملاً أنماط هذه الحرب المتعددة الأهداف، وفي الفصل الثاني ناقش هذه الحرب من حيث نشأتها وتطورها، ولماذا وجدت هذه الحرب. والفصل الثالث نظر إلى حرب المعلومات ومنطقة الشرق الأوسط بوصفها أحد أكثر مناطق العالم تأثراً بالصراعات منذ مئات السنين. هذا وقد طرح في هذا الفصل سيناريو عملية العاصفة الرقمية كأحد الاحتمالات التي قد تواجهها هذه المنطقة؛ بينما في الفصل الرابع تطرق إلى حرب المعلومات والرؤيا الإدارية مع بعض المفاهيم الأساسية، وتناول في الفصل الخامس أسلحة حرب المعلومات وتأثيراتها والمستويات المختلفة لهذه الحرب؛ وفي الفصل السادس جاء باحتمالات من سيستخدم حرب المعلومات. وناقش في الفصل السابع الأسس والقضايا الاستراتيجية ذات الصلة بصناع القرار والخطوات اللازمة التي تنطوي تحت هذه القضايا الاستراتيجية. وفي الفصل الثامن ناقش بنية المعلومات التحتية وأسس ومقومات الحماية والردع والتفادي، مع ذكر للأخطار الكامنة والتهديدات اليومية لهذه البنية وقضايا الدفاع وكيفية الدفاع عن هذه البنية. وفي الفصل التاسع تطرق إلى الجانب الاجتماعي وحرب المعلومات مع التأثيرات والنتائج، إضافة إلى التقنية ومجتمعات العالم الثالث والعالم الرابع الآخذ في الظهور، مع ذكر للجانب الأخلاقي لهذه الحرب. ويختتم الفصل العاشر بتناول النظرة الاستراتيجية والإنترنت، والنشاطات السياسية الدولية في الإنترنت. هذا وقد اشتمل هذا الفصل كذلك على رحلة حقيقية مع أحد قراصنة المعلومات. وهكذا يبدو هذا الكتاب موسوعة حقيقية لحرب المعلومات. مفهوم حرب المعلومات: قبل أن نبدأ في تعريف هذه الحرب لا بد لنا من من الإحاطة بمصطلح المعلومات نفسه. يقول الكاتب: إنه من الصعوبة التحدث عن حرب المعلومات بدون تعريف المفهوم المركزي؛ ألا وهو المعلومات؛ فالمعلومات مشتقة من ظاهرة، والظاهرة تعتبر حقائق أو أحداثاً يمكن مشاهدة كل شيء يحدث حولها. فالظاهرة يجب أن يتم تلقيها وتفسيرها لتصبح معلومات. إذاً فالمعلومات هي نتاج شيئين هما: ظاهرة تم تلقيها (بيانات) ، والتعليمات المطلوبة لتفسير تلك البيانات وإعطاؤها معنى. إن هذا التمييز مهم، وكثير من الباحثين يتجاوزونه في الكثير من التحليلات؛ إذاً فإن الظاهرة تصبح معلومات من خلال الملاحظة والتحليل، ولذا فإن المعلومات تعتبر خلاصة مجردة للظاهرة ونتاجاً لمفهوم وتفسيرات البشر. وبغض النظر عن ذلك فإن تعريف المعلومات يتطلب صفتين أساسيتين هما: ١ - المعلومات، بيانات وتعليمات. وهنا فإن تعريف المعلومات يختلف تماماً عن تعريف التقنية. لكن ماذا نفعل بهذه المعلومات؟ إن مدى سرعتها في ذلك يعتمد اعتماداً كلياً على هذه التقنية. هذه التقنية وبشكل سريع طورت قدراتنا في الملاحظة مع قدرتها على التوسع والتركيز؛ في حيز التخزين مع السرعة في إجراء العمليات. لذا فإن الصفة الأساسية الثانية تستخدم لاحتواء اعتماد التقنية على العناصر المرتبطة بالمعلومات. ٢- وظائف المعلومات: أية نشاطات تتعلق بالحصول على المعلومات ونقلها وتخزينها أو تمويلها. ثم ينتقل الكاتب بعد ذلك للبدء في إشكالية تعريف حرب المعلومات فيقول: هناك العديد من التعريفات لحرب المعلومات، وأحد هذه التعريفات ينص على الآتي: «الفصل أو إيجاد الحدث للوصول إلى التفوق المعلوماتي لإسناد الاستراتيجية العسكرية من خلال التأثير على معلومات الخصم وأنظمة معلوماته وفي نفس الوقت حماية المعلومات وأنظمة المعلومات لصاحب الحدث» . تعريف آخر ينص على الآتي: أي فعل لحجب واستغلال وتدمير معلومات العدو وأهدافه مع حماية صاحب الفعل من ذلك الإجراء واستغلال جميع القدرات المعلوماتية المتوفرة لعمل ذلك. إن الهدف من هذه التعريفات هو رؤية حرب المعلومات هذه من منظور فني واجتماعي. لذا فإنه يجب النظر إلى العناصر التي تحتوي على البشر والتقنية (أنظمة المعلومات) والمنشآت والثقافة أو الحضارة. هذا وعلى الرغم من أن ذلك يعقِّد النظر في هذه المسائل إلا أنها تضفي أسساً غنية ليس فقط لتعريف حرب المعلومات لكن لطبيعة أنواع هذه الحرب المختلفة. وبذلك يحاول الكاتب تعريف هذه الحرب من خلال ذكر أنواعها فيقول: لقد أشار الدكتور مارتن ليبيكي إلى سبعة أنواع لحرب المعلومات وهي: ١- حرب القيادة والسيطرة. ٢- الحرب الاستخبارية. ٣ - الحرب الإلكترونية. ٤ - حرب العمليات النفسية. ٥ - حرب قراصنة المعلومات. ٦ - حرب المعلومات الاقتصادية. ٧ - حرب المعلومات الافتراضية. هذا وعلى الرغم من الكثير من الدراسات والأبحاث والمناقشات ذات الصلة بمفهوم حرب المعلومات، إلا أنه توجد الكثير من التعقيدات والمشاكل للتفريق بين ما هو حقيقي وما هو محض توقعات. لكن هناك الكثير من الأدلة التي تشير إلى حقيقة ما أفرزته وستفرزه التقنية الحديثة. إن الوصول إلى تعريف جازم وصحيح في هذه الفترة من تطور التقنية سيؤدي إلى صياغة سياسات غير مكتملة النمو لما هو حرب معلومات وما هو غير حرب معلومات. على كل حال فإنه من الأهمية وضع بعض التعريفات التي ستساعد في الوصول إلى تعريف أدق وأشمل. وهذا لا يتأتى إلا بتفصيل كل نوع سابق فيكون التعريف الشامل الذي يتضمن جميع هذه الأنواع: حرب القيادة والسيطرة: إن النشاطات المصاحبة لحرب المعلومات لا تقتصر على ما تقوم به المؤسسات العسكرية في هذا المجال؛ لأن الأمر يتطلب نشاطات الكثير من المؤسسات الحكومية وتعاونها؛ لأنه لا يمكن لمؤسسة واحدة أو قسم واحد أن يكون قادراً على القيام بنشاطات حرب المعلومات. إن الإجراء الوحيد الذي سيحقق نجاح هذا المفهوم هو إذا استطاعت أية دولة استخدام واستغلال جميع ما لديها وبتنسيق متوافق ومتزامن من القيام بشن هذه الحرب على بلد معادٍ. لذا فإن حرب القيادة والسيطرة تعكس محاولة استمرار السيطرة على مقدرات أنظمة معلومات القيادة والسيطرة التابعة للعدو. الحرب الاستخبارية: إن حرب المعلومات تعتبر لعبة جديدة وفريدة من نوعها على البيئة الاستخبارية، ويعزى هذا التفرد إلى قلة أو ندرة المعلومات التي يمكن الأخذ بها لمعرفة أنماط نشاطات هذه الحرب. وقد أدى ذلك إلى بروز العديد من الصعوبات بسبب تعدد المؤشرات حيال ذلك؛ ففي حرب المعلومات، وعلى أقل تقدير في نظم المعلومات والشبكات، فإن أدلة هذه الحرب تصنف بأنها حرب عابرة على أفضل تقدير، ومن الصعب ملاحظتها بالمفهوم المادي. الحرب الإلكترونية: إن البناء المادي لأنظمة المعلومات بما فيها الحاسبات الآلية الصغيرة والمحمولة يعتمد في إدارة مهامه على الحقول الكهرومغناطيسية والاختلاف في الطاقة والبيئة المقننة والجودة المصاحبة للأجهزة والبرامج. لذا فإن أحد مفاهيم الحرب الإلكترونية في مجال حرب المعلومات يركز على تعديل أو تحريف بيئة النظام الكهرومغناطيسية؛ حتى إن هناك بعض التقارير التي تحدثت عن استخدام تلك النوعية من الحروب في حرب الخليج الثانية. حرب العمليات النفسية: نتيجة لاعتماد الكثير من المجتمعات على أنظمة معلومات معقدة كأحد إفرازات عصر المعلومات، فقد بدأ التركيز على مناطق الضعف في هذه الأنظمة في مجال جرائم الحاسب الآلي. ونظراً لطبيعة هذه الأنظمة المتطورة وما تتطلبه من خبرات وقدرات فنية في مجال التطوير، فإنه من غير المستغرب أن يتم الانتباه بشكل قوي لمناطق الضعف هذه والحلول المرادفة من قبل الكثير من الخبراء والمختصين في مجال التقنية. إنهم البشر الذين استطاعوا تطوير هذه الأنظمة، وهم القادرون على مهاجمتها بكافة أسلحة الحرب المعلوماتية. لذا فإنه من المهم معرفة وفهم الوضع النفسي لمجرمي أنظمة المعلومات من أجل حماية هذه الأنظمة. هناك جانب آخر لحرب المعلومات النفسية يعني بمحاولة طمس الحقائق عن أية مجتمع وتغليفها بأكاذيب أو التأثير على الخصم من أجل أن يقوم بعمليات عدوانية. هناك العديد من حرب العمليات النفسية والتي منها على سبيل المثال العمليات النفسية ضد الجنود، ضد القيادات، ضد إرادة المجتمع؛ وعمليات نفسية صممت لفرض ثقافة معينة على دولة ما. لقد أتاحت شبكة الإنترنت مجالاً واسعاً للكثير من الجماعات مثل جماعة السلام الأخضر والجيش الجمهوري الإيرلندي وغيرهم لاستخدام الحرب النفسية للتأثير على المجتمعات بأهدافها ومبادئها. حرب قراصنة المعلومات: إن مجال قرصنة المعلومات يحمل العديد من التعريفات ووجهات النظر المختلفة. ولو نظرنا بشيء من التبسيط لتعريف هذه القرصنة، فإنه يمكن القول إنه يكمن في طرح الكثير من الأسئلة مع عدم الكف عن السؤال، ولهذا فإن أنظمة المعلومات تعتبر مثالية لفضولية هؤلاء القراصنة. ولكن هذه القرصنة تعتبر استخداماً لأنظمة المعلومات والشبكات بطرق غير شرعية. فمصطلح قراصنة المعلومات كانت تعني في الأصل مبرمجين موهوبين، لكن في السنوات الأخيرة ومع كثرة أنظمة المعلومات وسهولة الوصول إليها بدأ هذا المصطلح يحمل طابعاً سلبياً. حرب المعلومات الاقتصادية: بسبب العديد من الخصائص المميزة، فإن الاقتصاد سيكون بلا شك هدفاً لحرب المعلومات الاستراتيجية لأي بلد. إن المؤسسات المالية تعتمد على قاعدة معلوماتية تقنية متطورة لا مركزية، يعتمد بعضها على بعض، وتدير منتجات مالية غير محسوسة معتمدة على قيمتها الاقتصادية. هذه الخصائص تخلق من نفسها هدفاً طبيعياً في مجال حرب المعلومات لما تملكه من أهمية سلامة الاقتصاد ونفعه لأي مجتمع. ولذا فإن مهاجمة نظام دولة اقتصادية كبرى كالولايات المتحدة الأمريكية قد يتيح مجالاً لحدوث أزمة داخلية ستكون عواقبها خطيرة بلا شك. إنه عندما تتوقف أجهزة الصرف الآلي، وبطاقات الائتمان، والشيكات وتحويل الأموال، فهذا يعني أن حركة الاقتصاد بكاملها قد توقفت. حرب المعلومات الافتراضية: إن حرب المعلومات الافتراضية تعني القيام بالعمليات العسكرية بناء على مبادئ مرتبطة بالمعلومات. وهذا يعني تعطيل وإتلاف أنظمة المعلومات والاتصالات، إنها تعني كذلك محاولة معرفة كل شيء عن الخصم مع إبعاد هذا الخصم عن معرفة ما لديك. إنها تعني أيضاً قلب التوازن في مجال المعلومات والمعرفة لصالحك خاصة إذا كانت موازين القوى العسكرية ليست في صالحك. معنى آخر يعني استخدام المعرفة للتقليل من المصاريف المالية والقوة البشرية. إن هذا النمط من الحروب قد يعني إدخال عناصر تقنية متنوعة خاصة في مجال القيادة والسيطرة، وجمع ومعالجة وتوزيع المعلومات الاستخبارية بغرض الاتصالات التكتيكية، وتحديد ومعرفة الأصدقاء من الأعداء وأنظمة الأسلحة الذكية. وقد يعني كذلك إدخال عناصر التعتيم الإلكتروني على هيئة: تعطيل، خداع، وتحميل، والتدخل في أنظمة المعلومات ودوائر الاتصالات الإلكترونية للخصم. مجالات حرب المعلومات: يقصد الكاتب بالمجالات: الجهات التي توجه والمستهدفة من هذه الحرب وقسمها إلى ثلاثة مستويات: ١ - حرب المعلومات الشخصية. ٢ - حرب معلومات الشركات. ٣ - حرب المعلومات العالمية. المستوى الأول: حرب المعلومات الشخصية: هذا المستوى يصف الهجوم ضد الخصوصية الإلكترونية للفرد والذي يشمل الإفصاح عن السجلات والمعلومات المخزنة في قواعد المعلومات. إن الفرد العادي في الوقت الراهن لا يملك إلا القليل للحفاظ على سرية وسلامة معلوماته الشخصية والمخزنة داخل جهازه الخاص إذا كان مرتبطاً بالشبكة الدولية. حتى إن هذا الفرد لا يملك السيطرة على كمية المعلومات التي تخصه سواء كانت صحيحة أم خطأ. في السابق كان التجسس على الإنسان يتطلب وضع أجهزة تجسس على تليفونه واستخدام كاميرات تصوير صغيرة الحجم وميكروفون للحصول على المعلومات المطلوبة. أما في هذه الأيام، فبالإضافة إلى استخدام أجهزة التجسس والكاميرات والميكروفونات المتطورة، فإن المعلومات المطلوبة حول هذا الإنسان مخزنة في قواعد المعلومات. ولابتزاز شخص ما، فإن الأمر لا يتطلب مراقبة لعدة أشهر، وما على محاربي المعلومات أو قراصنة المعلومات للحصول على هذه المعلومات سوى استخدام حاسب آلي وخط تليفون. المستوى الثاني: حرب معلومات الشركات: هذه الحرب توصف بحرب التنافس بين الشركات حول العالم. إنه لمن السهل تخيل أن شركة ما تستثمر مليون دولار أمريكي لبناء نظام يستطيع كسر الحواجز الأمنية والدخول على قاعدة معلومات الشركة المنافسة ونسخ نتائج الأبحاث التي قيمتها خمسة عشر مليون دولار للتأكد من أن الشركة المنافسة لن تكون الشركة الأولى في طرح إنتاجها في الأسواق. حتى إن الأمر قد يصل إلى تدمير قاعدة المعلومات وإظهار ذلك على أنه حادث عرضي بفيروس على النظام الرئيسي. إن هذا المشهد من هذه الحرب التنافسية ليس جديداً، هذا النوع من التجسس معروف أيام الحرب الباردة ولا زال حتى وقتنا الحاضر؛ بل إن حرب معلومات الشركات أخذت بعداً جديداً هذا البعد لا يقتصر على الحصول على المعلومات، بل إنه قد يصل إلى نشر هذه المعلومات سواء كانت صحيحة أم لا. إن الاحتمالات متوفرة فيما لو أقدمت شركة أدوية منافسة على نشر معلومات تفيد بأن الدواء (ح) لمعالجة الربو والمستخدم على نطاق واسع يسبب سرطان الرئتين، فإن معظم الأطباء سيوقفون استخدامه لمرضاهم حتى تتم دراسة هذا الموضوع، ونشر هذه الدراسة قد تكون مزورة وجزءاً من حملة كبيرة ومصممة للكذب؛ إذاً فقد حصل التأثير وملايين الدولارات ستخسرها الشركة حتى يتم إثبات العكس. المستوى الثالث: حرب المعلومات العالمية: هذا المستوى من حرب المعلومات يعمل ضد المؤسسات الصناعية، وضد المؤسسات المصرفية وحتى ضد الدول، هذه الحرب لا تقتصر فقط على التسلل (إلكترونياً) على معلومات الأبحاث للمنافسة، لكن لسرقة الأسرار وتمويل هذه السرقة ضد أهلها. في هذا المستوى بإمكانك أن تقوم بضرب المستوى الأول والمستوى الثاني بعامل كبير، ولن تكون قادراً على تخيل الأضرار التي ستنجم عن حرب معلومات على مستوى المسرح الدولي. وهنا؛ فإن المال والبشر لا يمثلون عاملاً مهماً. إن الدول الصناعية ودول العالم الثالث ينفقون بلايين الدولارات الأمريكية على الطائرات والقنابل والذخيرة؛ فماذا سيحدث لو أن أي بلد قرر أن ينفق مائتي مليون دولار على أسلحة الموجة الثالثة (ثورة المعلومات) من ميزانية أسلحة الموجة الثانية (الثورة الصناعية/ الأسلحة) . وكمثال على ذلك: لو قام أحد زعماء الدول الني لا ترضى عنها أمريكا بإنفاق مبلغ مائتي مليون دولار في السنة على أسلحة حرب المعلومات (الموجة الثالثة) ، فإنه قد يكون قادراً على إحداث أضرار بالغة بالصناعة الأمريكية والأنظمة الفيدرالية لا يمكن تخيلها. هذا المستوى الثالث من حرب المعلومات قادر على شن الهجمات من مسافات تصل لآلاف الكيلو مترات وبتأثير قوي، وباستطاعة هذا الزعيم تحطيم أسواق المال في نيويورك، والأنظمة المصرفية في أي بلد. والأبعد من ذلك أن آثار هذه الهجمات ستجعل تحطيم وول ستريت شيئاً ثانوياً إذا ما قورن بنتائج ذلك على المسرح الدولي.

стр. 4024

نص شعري طريق المجد د. عبد الرزاق بن حمود الزهراني ساروا على عجلٍ وما وصلوا..! ! ... وتمهلوا.. فتضاعفَ العملُ..! ! هم يعلمون وليس ينفعهمْ.. ... إلا الذي صلُحتْ به الأُوَلُ..؟ ؟ ! ! وتعطلت لغة العقولِ فما ... كانوا على هديٍ ولم يزلوا..! ! يا أمةً طال الطريق بها.. ... وأصابها في نهجها خلل..! ! يا أمةً ترجو النجاح وفي ... أعضائها تتسابق العللُ..! ! ماذا أصاب العزمَ؟ ؟ ! ! هل حفروا ... قبراً له ... أم هدَّهُ شللُ..؟ ؟ ! ! المجدُ عند بنائهِ تعبٌ.. ... لكن وقت حصادهِ عسلُ.. كلٌّ يرى أن الطريق له..! ! ... وبأنه في دربه البطلُ..! ! المجدُ: لا تُبنى قواعدُهُ ... حتى يكونَ أساسَه العملُ.. المجدُ: إنجازٌ وأبنيةٌ ... ... لغراسها تتسابقُ الدولُ.. المجدُ: مدرسةٌ وجامعةٌ ... ومنابرٌ تسمو بها المُثُلُ.. المجدُ: تجربةٌ إذا عثرت ... قامت.. ويحدو دربها الأملُ.. ومصانعٌ.. ومعاملٌ.. ورؤىً.. ... وعلى جناح الصدق ينتقلُ.. المجدُ: في الأعماقِ منبعهُ ... وإذا سقاه النورُ يكتملُ ...

стр. 4025

نص شعري الليل القرمزي محمد مهاوش الظفيري وتمطر السماء ... رغم الشجا ... دما على صحرائنا القاحلة ويصرخ الطفل، وينتابه ... خوف جنونيٌّ من القابلة وتخجل الحروف من شكلها ... وتخرب النقاط والفاصلة وفي عيوني ينتهي المبتدا ... وتبدأ النهاية العاجلة تقلب الكلام في منطقي ... واحتبست نظراتيَ الذاهلة وفي المدى.. ترمقني أعينٌ ... زرقاء.. والموت.. بها قاتلة وكل شيء في يدي يكتسي ... ذل المصير، والرؤى الذابلة تكسّر التاريخ في داخلي ... واحترقت نفحاته الباسلة وثمّ حلم فوضوي هزني ... بعثر أوراقي على الطاولة لا ليلنا يشبه ليل الورى ... وصبحنا هدّ الردى كاهلهْ أحاول السير ولم أستطع ... وضيّع الحادي خطا الراحلة وبين شطريْ ليلنا القرمزي ... وصبحنا البنفسجي.. نازلة أبو رغالٍ صافح السامري ... وانفلتت من يده القافلة

стр. 4026

البيان الأدبي عذراً ... أبي ! د. حمدي شعيب أفقتُ على صرخات الإمام، أرى المنبر يرتجُّ أسفل منه، اختلطت كلماته، تاهت صيحاته، وامتزجت بأصوات الباعة خارج المسجد، عجوزٌ بجواري يغط في نوم عميق، فيميل على جاره، يهزه الجار بعنف، لقد قطع عليه حبل أفكاره، فبعد الصلاة هو على موعد مع سامي بك خارج المسجد، ليساعده في الحصول على ترخيص تزويد عمارته الجديدة بالكهرباء. طفلٌ أمامي يعبث بشعر والده، شابٌّ خلفي يعاتب صديقه: لِمَ تخلفت عن سهرتنا أمس؟ ! ! ما زال الإمام يصيح: أيها الناس! أولادَكم، أولادَكم! «أعينوا أولادكم على البر، بالإحسان إليهم، وعدم التضييق عليهم، والتسوية بينهم في العطية، من شاء استخرج العقوق من ولده» [١] . إيهِ أيها الشيخ! هدير صيحاتك لا يجد مكاناً، توجيهاتك لا يصغي لها أحدٌ. ازدواجية شائهة، فصامٌ شاذ، انفصالٌ غريب بين القول والعمل، بين ما تنادي به وما هو واقع، بين دموعنا داخل المسجد وحياتنا خارجه! ؟ ما زال هدير الإمام يهز أركان المسجد، ويزلزل جنباته، ولا يتعدى جدرانه؛ هذا هو المسموح! وما زالت صيحات الباعة تهتز لها أركان المدينة، بل أركان الدنيا كلها، بما فيها المسجد! صراعٌ سرمدي، تدافعٌ أبدي، معركة خالدة. زاغت عيناي، لم تعد تتبين موقع ذلك الهدير، تزاحمت خواطري، لم أعد أشعر بصرخات الشيخ المسكين، التفتُّ إلى مروحة في سقف المسجد، فدارت معها أفكاري! سنواتٌ بعيدة في عمق التاريخ، محطات كثيرة، شقت أخاديد في طريق حياتي، آلمتني، أعاقت مسيرة حياتي، سأقف عند بعضها، أو عند أهمها، لقد نشأت في أسرة كثيرة العدد، متوسطة الحال، كنت خامسهم، ورابعنا كان من نصيبه بل من نصيبنا جميعاً أن يكون ولداً، بعد ثلاث بنات، فاستحوذ على النصيب الأعظم من الاهتمام الأسري، ومن الرعاية والمحاباة الأبوية، مالت به كفة الحنان والحب، حتى أثارت حفيظتنا جميعاً. فالحق ما يراه ماهر، والصواب ما يدلي به ماهر، والخير ما يأتي به ماهر! حاول بعضنا النصيحة، فكان من نصيبه الزجر، والاتهام بعدم تقدير المسؤولية، بل وعدم البصيرة! ذات يوم حاولت أمي القيام بدورها التقويمي، ومسؤوليتها التصحيحية: أبا ماهر! حذار من هذا الميل الزائد، والاهتمام الملموس، بل والمحاباة، والدعم لماهر، ولرغبات ماهر، ولآراء ماهر، يا رجل لا تنس أن له سبعة إخوة آخرين يحتاجون إلى برك وعطفك. يا رجل اعدل! أبا ماهر حذار أن ... ! قاطعها أبي صائحاً فيها: أم ماهر ... لا أريد فتح هذا الموضوع. سكتت أمي على مضض. تزوج ماهر، فزاد الطين بلة؛ حيث كثرت زيارات أبي له دون إخوتي! ذات يوم سمعت عمي يحادثه في هذا الأمر: أبا ماهر أليس لك من الأولاد سوى ماهر لتزوره؟ ! ! رد عليه أبي: يا أخي كما يقولون في المثل: (الرِّجْل تدب إلى ما تحب) . ابتلعت هذا الرد الغريب. لم أشأ أن أريهما نفسي. توقفت برهة، تنازعتني صراعات نفسية كثيرة، شعرت بالضيق، أحسست بألم رهيب يعتصرني، ظلامٌ مركب يهاجمني، ظلام الليل، وظلام غياب العدل، وظلام تلك الأمثال البغيضة وآثارها. ظلمات بعضها فوق بعض. تسللت كالقطا إلى صومعتي؛ إلى حجرتي الصغيرة. صورة إخوة يوسف ﵇ وهم يرفعون راية التمرد لم تفارق مخيلتي، لم أكن أتصور أن يتهم نبي كريم، بهذا الاتهام الرهيب [إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] (يوسف: ٨) هربتُ من أفكاري، إلى مكتبتي، قلَّبتُ محتوياتها، وقعت عيناي على إحدى روايات (شكسبير) ، على لسان (الملك لير) ، يقول كلمات حفرتها في ذاكرتي تجربة صعبة: (ليس أشد إيلاماً من ناب حية رقطاء غير ابن جحود! ولكن.. كيف بالله يشكر الأبناء ما لم نعودهم نحن الشكر؟ ! إن الجحود فطر، مثله مثل الأعشاب الفطرية. والشكر كالزهرة لا ينبتها إلا الري والسقيا. فإذا لم نعوِّد أبناءنا إجزال الشكر للآخرين، فكيف ننتظر منهم أن يشكرونا نحن؟ !) . ألقيتُ بالرواية جانباً سقطت من بين الكتب ورقة، كنت قد أهملتها أسابيع عدة. عقد عمل أرسله لي صديق يعمل بالخارج. لم تعد هناك مقاومة أو حجة لرفض هذا الصيد الثمين. فرصةٌ لتحقيق بعض خططي المستقبلية، أقصد للهروب، والانسحاب من هذا الواقع! سافرتُ، ولم تسافر أفكاري، ظلت مرتبطة بالماضي، وآثاره وآلامه. كنتُ على البعد تأتيني رسائل إخوتي، ولكن لم تزل الأحوال كما هي. حتى جاء يوم كئيب، برسالة كئيبة، أحضر حالاً، والداك في حالة خطرة، أثر حادث أليم. حملتُ حقائبي، وعدتُ في أقرب رحلة. رجعتُ وكلي أمل. لكن.. فات الأوان، وجدت الجميع ينتظرني، إخوتي المساكين، أحاطوني بالحب، فأحطتهم بالحنان. شد عمي على يدي، أنت الآن رجل الأسرة، أخوك المدلل ماهر لا خير فيه، بعد صلاة الجمعة سنذهب لزيارة قبر والديك! ؟ ؟ ما زال الإمام يصيح ويهدر. ولم تزل أصوات الباعة، كل الباعة، تعلو، وتحاصر كلماته، وتصارع صيحاته، لتظل حبيسة جدران المسجد. سكت الصياح، وانتهت الصلاة. خرجت مع الناس، بعد أن فتحت أبواب المسجد، أبواب كثيرة للمسجد، ومشارب كثيرة للناس، سبحان من وفق وجمع! على قبر أمي بكيتُ كثيراً. بكيتُ الحنان الذي لا يعرف تفرقة، الدفء الذي يكفي الجميع، يكفي العالم. بكيتُ صاحبة المحاولات التوفيقية، والمبادرات التصحيحية. بكيتُ الود الذي لا يعرف قيداً، الأمل الذي انطفأ! النور الذي خبا! بكيتُ الشمعة التي حاصرتها كتائب الضباب، فلم تقوَ على المقاومة. على بعد خطوات يرقد أبي. رجلاي لا تكادان تحملاني. صورة إخوة يوسف ﵇ تحاصرني، كلمات (الملك لير) تصم أذني أردتُ أن أزور قبر والدي، فلم تطاوعني قدماي. عذراً ... أبي، لقد تذكرت بعض ما علمتنيه: (الرِّجْلُ تدب إلى ما تحب) . أحس عمي بتثاقل قدميَّ أخذ بيدي إلى قبر والدي وهو يتلو قوله تعالى: [وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً] (العنكبوت: ٨) .

стр. 4027

مراجعات في السيرة والتاريخ أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ أ. د. جمال عبد الهادي شاع في العصر المتأخر في كثير من محافل العلم والثقافة عدد من المغالطات والأباطيل التي يراد من ورائها زحزحة المسلمين عن دينهم وحقهم، وتشويه العقائد الخالصة لصد الناس عنها، هذه المغالطات تقدم بصورة يحسبها بعضهم علماً وما هي كذلك؛ ولهذا يجب كشف مثل هذه المغالطات وإظهار ما يهدمها من حقائق، ومن بين هذه الأخطاء: ١ - أن الدين من اختراع العقل البشري، وأن الإنسان من سلالة القردة، وأنه لا إله، وأن الكون خُلِق من تلقاء نفسه. هذه المقولات من الأباطيل الشائعة التي تمتلئ بها غالب المصادر والمراجع التاريخية المقررة والمعتمدة في دور العلم الأجنبية والعربية؛ حيث يدعى أنه ليس من إله خالق لهذا الكون، ولا ملائكة، ولا وحي ولا رسل، والكون خلق مصادفة، والإنسان من سلالة الحيوان (القردة) التي تطورت عن الأحياء الدنيا التي نشأت في البرك والمستنقعات على مدار ملايين السنين، وأن الإنسان القرد كان في بداية نشأته محدود التفكير لا يتعدى تفكيره تفكير طفل صغير بلغ الخامسة من عمره، ولم يكن يميز بين الجمادات والكائنات الحية، وأن الدين من اختراع العقل البشري، وكذلك الزراعة واستئناس الحيوانات [١] . وتزداد الأباطيل شناعة حينما يزعم أدولف ارمان في كتابه: (ديانة مصر القديمة) الذي ترجمه أ. د. محمد أنور شكري، أ. د. محمد عبد المنعم أبو بكر، أن الإنسان تعلم التدين من الحيوانات، ومنها تعلم لغة التخاطب، ومنها تعلم الزواج وإنشاء الأسرة والدولة، والملفت للنظر أن المترجمَيْن وهما من أبناء المسلمين لم يحاولا الرد أو التصحيح في ضوء التصور الإسلامي؛ على كل لقد أفضوا إلى ما قدموا. العجيب أن هذه الترهات وغيرها تدرس لبني الإنسان في جميع أقسام التاريخ والآثار في العالم تحت مسميات: (تاريخ وحضارة الشرق الأدنى القديم، تاريخ العصر الحجري، عصور ما قبل التاريخ، بلاد ما بين النهرين، مصر الفرعونية، تاريخ الشام القديم، الجزيرة العربية قبل الإسلام، تاريخ اليونان، الرومان، إلى غير ذلك) بوصفها مقررات دراسية دون فحص أو تمحيص؛ مع أن الرسول ﷺ علمنا أن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. والذين قاموا ويقومون بهذا التزوير لتاريخ العقائد والكون والإنسان وهم المستشرقون ومن سار على نهجهم يهدفون من وراء ذلك إلى ما حذر الله سبحانه وتعالى منه: [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا] (البقرة: ٢١٧) وذلك تمهيداً للسيطرة الاقتصادية والسياسية وغيرها على ثروات الشعوب والأمم. ماذا يترتب على ذلك التفسير اللاديني لتاريخ العقائد والكون والإنسان؟ إن كُتَّاب التاريخ الديني الذين تبنوا هذا التفسير اللاديني اعتماداً على الحدس والتخمين، واستبعاداً للقرآن والسنة، حريصون وهم يتبنون ذلك التفسير على هدم الإسلام بوصفه عقيدة ونظام حياة شاملاً: اقتصادياً، وسياسياً، وثقافياً، وتعليمياً وجهادياً، وهو صالح لكل زمان ومكان، ومن ثَمَّ زعزعة ثقة بني الإنسان في رب العالمين، والملائكة والكتب والرسل ﵈؛ مع تشويه تاريخ الأمة المسلمة باعتباره واقعاً تطبيقياً لذلك الدين وتزييفه وبعثرته حتى لا تهتدي الأمة إلى ذاتها وغاياتها، منطلقين في ذلك من العداء للاتجاه الديني عامة والاتجاه الإسلامي على وجه الخصوص. ولقد ترتب على هذه المعتقدات الفاسدة قيام مقررات دراسية تتبنى هذه التصورات: علم الاجتماع، علم النفس والدراسات النفسية، علم الاقتصاد، وعلى هذه التصورات الفاسدة تقوم العلاقات الدولية وعلى سبيل المثال لا الحصر على أساس أن بني الإنسان (الحيوانات) يعيشون في غابةٍ البقاءُ فيها للأقوى لا للأصلح؛ ولعل هذا يفسر المنطق السائد الآن وهو اغتصاب أوطان بأكملها وثروات، وإبادة وتشريد لقطاع من بني الإنسان، بل واغتيال عقائد الأمم، إن هذا لا يثير حفيظة أحد خاصة إذا كان المغتصَب هو الإنسان المسلم، وإذا كان الوطن المغتصَب هو الوطن الإسلامي، والثروة المغتصبة هي الثروة التي ادخرها الله ببلاد المسلمين، لماذا؟ لأننا تعلمنا أننا في غابة مليئة بالحيوانات لا ضابط لها من دين أو خلق، والبقاء للأقوى، هذه هي المحصلة الثقافية التي تنشئها كتب التاريخ المزور في أذهان النشء على امتداد العالم. الشيء المؤسف والمحزن أن الذين قاموا بكتابة تاريخ الكون والعقائد والإنسان يشغلون أعلى المناصب في الجامعات ومراكز البحث العلمي، والذين قاموا بترجمة هذا الفكر الفاسد يحملون أعلى الدرجات العلمية، وهم الذين تحملوا تبعة تدريس هذا الفكر التاريخي الفاسد في الجامعات العربية والإسلامية، والذين ينتسبون إلى العروبة والإسلام لم يحاولوا إلا من رحم ربي أن يصححوا هذه الأخطاء. إن من حق البشرية الضالة اليوم أن تحصل على صورة صحيحة لتاريخ البشر على الأرض؛ ومن الإجرام في حقها تزوير ذلك التاريخ، وإعطاؤها معلومات مضللة وخاصة في مجال العقيدة. ومن الأمانة العلمية أن يمتنع العلماء وخاصة الذين يرسمون للناس صورة القرون الخوالي عن تقديم كتابات يعلمون أنها غير صحيحة، كما أن من واجب القادرين إزالة أخطاء التاريخ وإزالة آثارها، وتصحيحها التصحيح الواجب؛ لأنه ليس من مصلحة الإنسانية أن ترى الحياة كلها من زاوية واحدة لا تكشف عن كل جوانبها، وأن تسودها فِكَر خاطئة عن ماضيها وحاضرها، وأن تجهل الدوافع الكاملة لسيرها وتحركها، والقيم الإنسانية لحياتها وحضارتها، وإن هذا الجهل لينشِئ أخطاء عميقة الأثر، لا في التصور والتفكير فحسب، ولكن في علاقات الأمم بعضها ببعض، وفي علاقات الكتل الدولية بعضها ببعض، كما ينشئ أخطاء بعيدة المدى في تكييف سياسة كل أمة وتوجيهها. هذه الأخطاء ينشأ معظمها عن سوء دراسة التاريخ البشري، وسوء تقدير الدور الذي قام به الإسلام الذي يمثله العالم الإسلامي، هذا العالم الذي يمثل وحدة إنسانية شاملة لها خصائصها المستقلة، ويمثل قوة إنسانية ثابتة لا يؤثر ضعفها العسكري الطارئ إلا تأثيراً عارضاً في وزنها الحقيقي. وبعد: ما هو التصور الصحيح عن تاريخ العقائد وتاريخ الكون والإنسان، وكلها غيب؟ وما ينبني عليها من تكاليف؟ إن لهذا الكون إلهاً خالقاً متصفاً بكل صفات الجلال والكمال، وإنه خالق كل شيء: الكون والإنسان والملائكة والجن، وإليه يؤول مصير هذا الكون، وإن آدم هو أبو البشر خلقه الله وسواه على هذا النحو البديع، ورضي له الإسلام ديناً، واستخلفه في الأرض لمهمة وغاية وهي العبادة بمفهومها الشامل [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] (الذاريات: ٥٦) ، وأخذ عليه العهد والميثاق أن يخضع حياته لمنهاجه وشريعته. يقول الله تعالى: [وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ] (الأعراف: ١٧٢) . كما إنه لم يترك الإنسان هملاً، وإنما تعهده بالأنبياء والرسل يعرِّفونه بربه الحق ودين الحق (الإسلام) والسلوك الحق ( [وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ] (النحل: ٣٦) . ٢ - لم يعرف الإنسان والكون الإسلام قبل بعثة محمد ﷺ : وهذه أيضاً من الأخطاء الشائعة في مصادر ومراجع التاريخ المعتمدة في كثير من دور العلم؛ إذ يُدّعى أن التاريخ الإسلامي يبدأ ببعثة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وأن ما قبله عبارة عن تاريخ وثني جاهلي محض لا أثر فيه للإسلام؛ أي تجاهل الكون المسلم وتجاهل الرسالات السماوية التي حملها رسل الله عبر التاريخ.. فبعض المستشرقين يثيرون أن ما يسمى ب (العرب البائدة) ومنهم عاد وثمود على سبيل المثال ليس من التاريخ الحقيقي في شيء إنما هو جزء من (الميثولوجيا العربية أو التاريخ الأسطوري) الذي يسبق عادة التاريخ الحقيقي لكل أمة؛ كما قد زعم طه حسين أن: «للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً، ولكن ورود هذه الأسماء في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودها التاريخي» . وهذا غير صحيح؛ لأن نبيي الله إبراهيم وإسماعيل ﵉ كانا مسلمين وحمل الأول رسالة الإسلام إلى أهل العراق وأرض الشام وأرض مصر وأرض الحجاز: [رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ] (البقرة: ١٢٨) . والحقيقة التي لا مراء فيها أيضاً أن التاريخ الإسلامي يرتبط بخلق الكون والمخلوقات وكل ما فيه ما عدا الثقلين مستسلم طائع لله رب العالمين. يقول الله تعالى: [تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً] (الإسراء: ٤٤) . وفي الحديث: أن نملة قرصت نبياً من أنبياء بني إسرائيل، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: «أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح الله؟ !» [٢] . وثبت في صحيح البخاري عن أبي مسعود ﵁ أنه قال: «كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل» [٣] . وأن النبي يحدثنا: «إني أعرف حجراً بمكة كان يُسلم عليَّ قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن» [٤] . فالكون مسلم وكله مسجد كبير تتجاوب جنباته بالتسبيح والتعظيم والتمجيد للأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. هذه هي الصورة الحقيقية للكون لا كما يراها المزيفون.. إن الإسلام أصيل أصالة هذا الوجود الذي خلقه رب العالمين. التاريخ الإسلامي يرتبط بآدم وزوجه ﵉ وبنيه الذين شكلوا نواة أول مجتمع إسلامي على سطح الأرض، وبعشرة قرون على الإسلام بين آدم ونوح، ﵉. ويرتبط أيضاً بدعوة الأنبياء والرسل المسلمين إلى دين الإسلام الذي لا يقبل الله من الأولين أو الآخرين غيره، بداية بآدم ونوح ﵉ أول رسل الله إلى أهل الأرض، ونهاية بخاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ . فالرسالات تتعدد والدين واحد وهو الإسلام وإن كان لكل نبي شريعته كما يقول الله تعالى: [لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً] (المائدة: ٤٨) . يقول الله تعالى: [قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] (البقرة: ١٣٦) ويقول محمد ﷺ : «إنَّا معاشر الأنبياء ديننا واحد» [٥] . والتاريخ الإسلامي مرتبط بدين الإسلام الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين غيره. يقول رب العالمين: [إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ] (آل عمران: ١٩) [وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] (آل عمران: ٨٥) . والإسلام هو الدين الذي كان يتنزل به الوحي من السماء على جميع الأنبياء والمرسلين. يقول الله تعالى: [قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] (البقرة: ١٣٦) . وجميع الأنبياء والمرسلين وعلى رأسهم محمد ﷺ وإبراهيم ويعقوب (إسرائيل) وعيسى قد دعوا إلى دين واحد هو الإسلام، تتعدد الرسالات، والدين واحد، وإن اختلفت الشرائع. يقول الله تعالى: [لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً] (المائدة: ٤٨) . يقول الله تعالى عن إبراهيم ﵇: [وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ] (البقرة: ١٣٠) . ويعقوب ﵇ (إسرائيل) : [أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] (البقرة: ١٣٣) . وسليمان ﵇: [إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنِّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ] (النمل: ٣٠-٣١) . وعيسى ﵇: [فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ *] (آل عمران: ٥٢-٥٣) . ويقول الرسول محمد ﷺ : «إن الدين عند الله الحنيفية المسلمة» [٦] . ومن هنا كان توجيه النبي محمد ﷺ لأمته نحو الإسلام: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» [٧] ، و: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» [٨] . ٣ - اليهود ورثة فلسطين عن أبيهم وجدهم إبراهيم ﵇: ومن الأخطاء الشائعة في مصادر ومراجع التاريخ القديم والآثار المعتمدة في أقسام الآثار والتاريخ أيضاً، إسقاط سيرة إبراهيم ﵇ من تاريخ العراق القديم (دولة أور الثالثة) على اعتبار أنه غير حقيقي، وبعض المصادر التي تعالج سيرته تزعم أنه كان يدين باليهودية، وأن اليهود هم شعب الله المختار، وأن الله قد وعدهم أرض فلسطين بحدود من النيل إلى الفرات بعد إخراج الكنعانيين (العرب) منها. واستناداً إلى هذا الوعد المفترى، اغتصب اليهود فلسطين بيت المقدس على اعتبار أنهم ورثة هذا النبي الكريم إبراهيم ﵇ في زعمهم بعد أن أبادوا وشردوا شعب فلسطين، ويعملون بجد واهتمام لاستكمال اغتصاب ما تبقى من الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، واستطاعوا بتزويرهم للحقائق التاريخية أن ينتزعوا اعتراف المجتمع الدولي. وقد كشفت لنا المصادر الإسلامية هذا التزييف والتزوير الذي أوقعه المستشرقون ومن سار على نهجهم بتاريخ إبراهيم ﵇ وتاريخ الوعد الرباني له، وتاريخ الأرض التي بارك الله فيها للعالمين. القرآن الكريم يؤكد أن دين إبراهيم ﵇ هو الإسلام: يقول رب العالمين: [وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ] (البقرة: ١٣٠-١٣٢) . وينفي رب العالمين عن إبراهيم اليهودية والنصرانية: [مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِياًّ وَلاَ نَصْرَانِياًّ وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ] (آل عمران: ٦٧) . ويؤكد رب العالمين أن أبناء إبراهيم هم المسلمون وليسوا اليهود، ويسجل القرآن الكريم دعاء إبراهيم ﵇: [رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ] (البقرة: ١٢٨) . ويسجل أيضاً: [إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ] (آل عمران: ٦٨) ، [إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ] (المائدة: ٥٥) . واليهود ليسوا كذلك؛ لأنهم كفروا بالله والرسالات، وانتهكوا الحرمات، واستحلوا الدماء والأعراض والأموال، والكافر لا يرث مسلماً، وتتضح هنا الحقيقة الشرعية والتاريخية في رد الله تعالى على إبراهيم ﵇ حينما أكرمه الله بإمامة المسلمين؛ فطلب من الله أن تكون الإمامة في عقبه من بعده، وجاء الرد: [قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ] (البقرة: ١٢٤) . فكل من كان ظالماً، لم يكن نبياً ولا خليفة، ولا حاكماً ولا مفتياً، ولا إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تقبل شهادته في الأحكام. واليهود ظلمة، ومن ثم فلا حق لهم في وراثة إبراهيم ﵇. ويؤكد ذلك قول الله تعالى: [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ] (الأنبياء: ١٠٥) . نخلص من العرض السابق إلى الحقائق الآتية الغائبة عن مصادر ومراجع التاريخ القديم: ومن ذلك: إبراهيم ﵇ رسول مسلم وإلى الإسلام كان يدعو، وأن أتباعه وذريته هم المسلمون، وليسوا اليهود. إن أوْلى الناس بإبراهيم في وراثة فلسطين (المسجد الأقصى) ، وأوْلى الناس بالإمامة من بعده هم المسلمون وليسوا اليهود، وليسوا ممن يدينون بغير الإسلام مهما كانت جنسياتهم. إن اليهود مغتصبون لأرض الرسالات فلسطين والأقصى، مهما زوَّروا في حقائق التاريخ، ومهما حازوا من دعم المجرمين، ومهما نالوا من موافقات المنظمات الدولية والدول غير الإسلامية، ومهما حازوا من تنازلات من أصحاب الحق في بيت المقدس. المراجع: ١ - الإسلام دين الله في الأرض وفي السماء (مدخل إلى الدراسات التاريخية) د. جمال عبد الهادي، د. وفاء محمد رفعت، دار الوفاء للطباعة والنشر بالمنصورة. ٢ - تاريخ الأمة المسلمة الواحدة منذ أقدم عصورها وحتى القرن السابع قبل الهجرة، د. جمال عبد الهادي، د. وفاء محمد رفعت، دار الوفاء للطباعة والنشر بالمنصورة. ٣ - دائرة المعارف الإسلامية، ج ١٥ ص: ٤٥٢ ٤٥٤. ٤ - في الشعر الجاهلي، طه حسين، القاهرة ١٩٢. ٥ - الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، أ. د: محمد محمد حسين، دار النهضة العربية، بيروت ١٣٩٢هـ/ ١٩٧٢م، صفحة ٢٩٩. ٦ - سلسلة أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ: جزيرة العرب، ج ١، سيرة إبراهيم وإسماعيل وهاجر ﵈، وتاريخ حرم الله الآمن، د. جمال عبد الهادي، د. وفاء محمد رفعت، دار الوفاء. ٧ - جزيرة العرب، ج ٢، سيرة هود وصالح وشعيب ﵈، المؤلف نفسه ودار النشر. ٨ - ذرية إبراهيم والمسجد الأقصى، المؤلف، ودار النشر السابقين. ٩ - الطريق إلى بيت المقدس، ثلاثة أجزاء في مجلد واحد، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة. ١٠ - ليس لليهود حق في فلسطين، دار النشر السابقة. ١١ - هذه قضيتك يا ولدي: القدس إسلامية (للبراعم المسلمة) دار النشر السابقة.

стр. 4028

المسلمون والعالم الإسلاميون.. وساعة الحقيقة عبد العزيز كامل الإسلاميون هم - بعد الله الأمل الباقي لهذه الأمة، وبالرغم من كل هوانهم واستضعافهم وتفرق كلمتهم، فالأمل معقود على توحد كلمتهم وتبدل ضعفهم وذهاب هوانهم. * فماذا بعد أن سقطت كل أقنعة الرايات والزعامات والمناهج والبرامج العلمانية الجاهلية الكذَّابة؟ ماذا بعد أن ظهر لآحاد الناس أنهم لم يفلحوا في السلم بعد الحرب، وأصبحوا يتكففون الحماية من النصارى على اليهود؟ ماذا بعد أن بان أنهم باعوا الدين ولم يكسبوا الدنيا، فأفسدوا على الناس دينهم ودنياهم..؟ ! * ماذا بعد أن هتكوا كرامة خير الأمم أمام إذلال أذل الأمم؟ ! وماذا بعد أن ظهر أن ثورانهم لم يكن إلا على شعوبهم، وهياجهم وهمجيتهم لم تنل إلا من أحرار أمتهم، وطغيانهم وكبرياءهم لم يتألق ويتأنق فعلاً وقولاً إلا على محاولات الإصلاح التي تواصوا على وأدها أولاً بأول لصالح الأعداء والألدَّاء؟ * ماذا بعد أن كشفت أحداث الأشهر الأخيرة أن القوم دون مستوى المسؤولية ودون مستوى الكلمة، ودون مستوى الشبهات في الملمات؛ حتى إنهم لهم يثلجوا صدر الأمة بموقف سياسي ولا عسكري ولا اقتصادي فاعل لنصرة شعب ينكِّل اليهود المجرمون بهم أمام العالم على الهواء؛ ومع ذلك فلا سفارات أغلقت، ولا جيوش تأهبت، ولا شعوب أُعدت، بل ولا سماح بفتح أبواب الإعانة الجادة من الشعوب الغاضبة للوقوف مع إخوانهم المجاهدين المخلصين الذائدين وحدهم عن الحرمات والمقدسات؟ * ماذا بعد أن ظهر أننا نحن الإسلاميين كنا ولا نزال أشد الناس عداوة عند العلمانيين من اليهود والذين أشركوا، حتى إن ما أضير به الإسلاميون على مدى الخمسين عاماً الماضية قتلاً وأسراً وتشريداً وتهديداً لم ينل اليهود والكفار ربع مقداره، بل ولا عُشر معشاره؟ * ماذا بعد أن ظهر للناس جميعاً أن أعداءنا يحاربوننا بالدين وللدين، وفي أكثر بلادنا يحارب الدين وأصحاب الدين؟ ماذا بعد أن تبين أن التوراة والتلمود تحكمان مجتمع اليهود، بينما القرآن والسنة محجوبان محجوزان عن التحكيم في غالب بلاد المسلمين؟ * ماذا بعد أن تبين أن اليهود قد قطعوا من الشوط أطوله في الوصول إلى أمانيهم الدينية، ومخططاتهم التلمودية وبرامجهم السياسية والاقتصادية أمام أعيننا، دون أن يعوِّق المعوَّقون فكرياً من زعمائنا خلال ما مضى شيئاً من برنامج سيطرتهم الكاملة الشاملة على الأرض المقدسة وما حولها، حتى إنهم أي اليهود أقاموا الدولة (إسرائيل) واتخذوا العاصمة (القدس) وها هم يهمون بإعادة بناء قبلتهم المنسوخة (الهيكل الثالث) مكان قبلة المسلمين الأولى بعد أن وضعوا مؤخراً حجر الأساس لهيكلهم المزعوم؟ * ماذا بعد أن ظهر أن واقع دولة اليهود قد بلغ من الجبروت حداً جعل (الجماعة) يُجمعون، في كل لقاءاتهم ومؤتمراتهم على أن السلام هو الخيار (الوحيد) ؛ إذ إن الحرب كلمة قد عفى عليها الزمان عندهم بعد عقود من (سلام الشجعان) ؛ فالأمة العربية كما عوَّدونا ليست مستعدة للحرب، ولن تستعد للحرب، ولن تُستدرَج إلى حرب مهما كان إلا....! إذا كانت تلك الحرب حرباً عربية عربية! * ماذا بعد أن فوجئوا بأن (الصديق) الأمريكي، قد ألقى في وجوههم قناع السلام والوئام والابتسام، وأظهر ملامح التحرش وأنياب النهش والانتقام؟ ! وماذا بعد أن اكتشفنا نحن الشعوب أن ذلك (الصديق) اللدود، قد انتهى منذ زمن بعيد من تجنيد أكثر من زعيم من (الملهمين التاريخيين) لخدمة اليهود وحماية اليهود وإعادة مجد اليهود؟ ! * ماذا بعد أن تبين أن (العالم الحر) صار عبداً لليهود ينصرهم في المحافل الدولية، ويطوِّع لهم (الشرعية الدولية) ويتستر على إلغاء وليس انتهاك اليهود لحقوق الإنسان الفلسطيني، في أن يعيش آمناً على نفسه أو يسكن في أرضه، أو يدافع عن عرضه، أو يحمي أطفاله وحقوقه وحقوله.... . ولو بالحجارة؟ ! مَنْ لهذه التحديات؟ بداءة نقول: إن هذه التحديات العظمى لن تزول بنفسها، ولن تذوب بذاتها؛ بل إن حكمة الله تعالى تأبى أن تتعطل سُنة الأسباب لمجرد أن المسلمين مسلمون، والكافرين كافرون: [وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ] (محمد: ٤) ، وفي الوقت نفسه، فإن الله تعالى خالق الأسباب ومسبباتها يشترط علينا لكي يسخِّر لنا الأسباب أن نسخر له أنفسنا، ونعبِّدها له متبعين لرضوانه، مبتعدين عن كل ما لا يليق بأولياء يطلبون النصرة وضعفاء يستنزلون التأييد؛ وعندها أي عند اتباع رضوان الله فلا علينا لو اجتمع علينا من بأقطارها [الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] (آل عمران: ١٧٣-١٧٤) نعم [وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ] (آل عمران: ١٧٤) نعم [وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] (آل عمران: ١٧٤) . فَمَنِ المخاطَبُ بتلك الآيات؟ ! أهم اللادينيون العلمانيون؟ أهم اللهاة اللاعبون؟ أهم الطغاة الظالمون؟ ! أهم السكارى والحيارى والعرايا وبقية أصحاب البلايا؟ أهم الهائمون في الطرقات أو المنغمسون في الشهوات؟ ! ليسوا هؤلاء، وإن كانوا عن التوبة غير محجوزين، ولكن الخطاب يستهدف قلوب المخبتين، ويستشرف وجوه وعيون الوعاة الهداة المستمسكين بالدين، ولو كانوا في غفلة أو مشغلة صارفة، أو في فرقه أو خصومات عارضة؛ فأولئك الأولياء الذين يخوفهم الشيطان بالأعداء، فمن يكون أولئكم إلا أنتم أيها الإسلاميون؟ ! هل نحن منتبهون؟ إن الأحداث في العالم بعامة، وفي المناطق العربية والإسلامية بخاصة تشي بأن الإسلاميين قد وُضعوا، من حيث يدرون أو لا يدرون، ومن حيث يريدون أو لا يريدون، في وسط أتون الصراع الدائر في أكثر بقاع العالم؛ فما من منطقة توتر في الدنيا منذ انتهاء الحرب الباردة إلا وُضع الإسلاميون طرفاً أساسياً في النزاع فيها؛ فمن أفغانستان إلى السودان، ومن البوسنة إلى كوسوفا، ومن كشمير إلى فلسطين، ومن الشيشان إلى ألبانيا، ومن الصومال إلى مقدونيا إلى إريتريا إلى بورما إلى غير ذلك من البقاع والبلدان التي يجد فيها الإسلاميون أنفسهم في صدر الأحداث وفي صفها الأول، فإذا أضفنا إلى ذلك الصراعات الداخلية التي استُجر الإسلاميون إليها في أكثر الأحيان مع الأنظمة اللادينية واللاأخلاقية، لوجدنا أن الغالبية العظمى من المتدينين في العالم الإسلامي، قد حُشروا حشراً في معارك مع أولياء الشيطان قبل الأوان. ولكن العجيب في كل ذلك، أن الإسلاميين كانوا دائماً أو غالباً غير قادرين على تقدير قوة أعدائهم ولا تقدير قوة أنفسهم! حيث إن قوتهم تفوق أضعاف قوة أعدائهم لو وُجد الوفاق والاتفاق والتناصر والتناصح، ووجد الأخذ بقوانين القوة وأسباب التمكين وعوامله؛ فقد وعد الله به عباده ولو كانوا مستضعفين [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] (النور: ٥٥) هل نحن مستعدون؟ نعم! هل نحن مستعدون لليوم الذي سنجد أنفسنا فيه وجهاً لوجه مع اليهود، كما سبق للأفغان أن وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع الروس، وللبوسنيين والألبان عندما وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع الصرب، وللباكستانيين والكشميريين عندما وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع الهندوس، وللإسلاميين في العديد من الدول العلمانية عندما وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع الرافضين المحاربين للدين من المتسمين بأسماء المسلمين؟ والسؤال عن الاستعداد هنا ليس سؤالاً عن الاستعداد بالسلاح والعتاد؛ فهذا أمر له ظرفه وطبيعته، ولكن السؤال عن الاستعداد بحيازة أسلحة النصر الربانية؟ ! بمعنى آخر: هل الإسلاميون وهم جزء من الأمة على حال تستحق نصر الله..؟ ! هل لنا من أفعالنا وأقوالنا وأحوالنا ما نستنزل به رحمات الله وتأييده الذي يؤيد به أولياءه؟ ! أم أننا ما زلنا نحتفظ كبقية الأمة بحقوق الفشل، وعلى رأسها التنازع والتدابر والتنافر؟ هل نحن جادون؟ مهما بلغت بلاغة المتحدثين عن أسباب ضعفنا وهواننا وقلة حيلتنا وطول عجزنا أمام الأعداء، فلن تصل إلى الوصف الجامع البليغ في القرآن حيث حذرنا الله فقال: [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] (الأنفال: ٤٦) . إنه التنازع، ومعناه: حرص كل طرف على نزع ما بيد الآخر، حرصه على نزع ما بيده من قوة، من حجة، من جاه، من احترام، من فاعلية في التأثير، من قدرة على النجاح، من انتظام في العمل! ماذا يبقى بأيدي الإسلاميين عندما ينزع بعضهم عن بعض أسباب القوة والاحترام؟ ! لن يبقى إلا الفشل.. ثم الفشل ثم الفشل! حيث يكون هذا الفشل هو الإنجاز الأكبر، وعندها فما على أصحاب هذا (الإنتاج) إلا أن يتقاسموه فيما بينهم، فهو ثمرة طبيعية لبذرة صناعية تصنعها أيدي الغافلين، بتزيين من الشياطين [أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ] (فاطر: ٨) . إن الأصل أن يضيف بعضنا ما صنع من خير ولو قليلاً إلى جانب ما صنع إخوانه، لا أن ينزع بعضنا من الآخرين ما أنجزوه ليلقي به في تُرَعِ الضياع والضعف والضعة التي تصب جميعاً في نهر يحيا به الأعداء. ومع ذلك: ومع كل ذلك؛ فالإسلاميون هم أولياء الله على الرغم مما يسرق الشيطان من كمال ولايتهم، فلا نعرف لله ولياً إن لم يكن أولياؤه هم عُمَّارَ المساجد، ومقيمي الصلوات، والباذلين للجود، والداعين إلى التوحيد، والمعلمين الخير للناس. ولكن أولياء الله بشر ممن خلق، يضعفون ويقوون، ويجتمعون ويتفرقون، ويطيعون ويعصون، ولذلك فهم يُنصَرون ويُهزمون، ويَعِزُّون ويذلون، بمقدار ما أخذوه من أسباب الولاية وأركان الهداية، وعوامل النصرة وموجبات العزة، ولا بد لنا أن نقيس قدر ولايتنا بما يتحقق فينا من ثمرات الولاية، وأهم ثمرات الولاية الحقة أن يكون الله تعالى وليَّنا في الدنيا قبل الآخرة؛ فقد قال الله تعالى للذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا: [نَحْنُ أَوْلَيَاؤُكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ] (فصلت: ٣١) . الولاية والنصرة: من أخص صفات أولياء الله أنهم يوالون من والى الله، ولا يتورطون في أدنى أسباب الولاية لأعداء الله: قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ] (الممتحنة: ١) . وعلى عكس فعل أهل الإيمان يبذل أهل النفاق النصرة للأعداء، ويمنعونها عن الأولياء [الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً] (النساء: ١٣٩) . ونحن الإسلاميين بحاجة إلى أن نسأل أنفسنا بصدق: - هل نحقق شرط الولاية الحقة الدافعة للخوف والحزن بتحقيق معنى الربوبية لله والاستقامة على دينه كما هو مذكور في الآية: [إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا] (فصلت: ٣٠) . وهل نستشعر تنزُّل الملائكة لرفع الخوف والحزن عنا: [تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا] (فصلت: ٣٠) ؟ ؟ ! سؤال تجيب عنه أحوالنا! - هل يوالي بعضنا بعضاً، وينصر بعضنا بعضاً حتى يوالينا الله وينصرنا على أعدائنا؟ ! سؤال يجيب عنه واقعنا: - هل نعادي الأعداء حقاً، ونطيع أمر الله بالإعداد والاستعداد لهم؟ ! سؤال يجيب عنه أعداؤنا: - هل نؤدي واجب النصرة لإخواننا ضد أعدائهم وأعدائنا بما يرفع الكرب عنهم والإثم عنا؟ ! سؤال يجيب عنه إخواننا: - وقبل كل ذلك: هل نصرنا الله حتى ينصرنا؟ سؤال سيعاد علينا يوم بعثنا: إن هذه السؤالات وغيرها ستظل تتهاوش في فضاء واقعنا المؤلم، حتى نضع لها إجابات بالعمل قبل القول، وبالحركة مع التنظير، وبالاتقان المقترن بالنية؛ فالتحديات التي تواجه الإسلاميين اليوم وقبل اليوم، وفي الغد وبعد الغد، تفرض عليهم أن يكونوا على مستوى المرحلة، وعلى مستوى المسؤولية، وعلى مستوى الأمانة. الإسلاميون والرجولة: لن نناشد في الإسلاميين اليوم إلا الرجولة؛ فلنكن رجالاً وإلاَّ فلن نكون شيئاً مذكوراً، ولنكن رجالاً كما أراد الله؛ فالله أرادنا رجالاً في العبودية له، وأرادنا رجالاً في الانتصار لدينه [فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ] (النور: ٣٦-٣٧) ، [مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً] (الأحزاب: ٢٣) . إن واقعنا اليوم، وفي هذه المرحلة بالذات لا يحتاج منا إلا أن نكون رجالاً؛ بل يحتاج أن يكون نساؤنا وأطفالنا كالرجال في الثبات والعطاء والفداء. - ومن الرجولة أن نكون نحن الإسلاميين أفراداً وجماعات كالبنيان المرصوص كما يحب الله؛ فأين رصنا؟ بل أين بنياننا.. أين الذلة على المؤمنين مع العزة على الكافرين..؟ أين فريضة التعاون على البر والتقوى؟ ! أين سجية التراحم والتناصح والتسامح؟ ! أين إخباتنا وخشوعنا وضراعتنا إلى الله ومجافاة الهجوع بالدعاء والرجاء؟ - أين دعمنا للصامدين الصابرين الذين يدافعون نيابة عنا، ويخففون الإثم عن كواهلنا، ويدفعون الشر عن أبوابنا؟ ! أين وأين؟ ! - أين برامجنا في أحوال السلامة لمواجهة أيام الخطر؟ أين جهدنا في بلدان الرفاه والأمان لدفع الجوع والخوف عمن ابتلاهم الله وعافانا، وقَدَر عليهم رزقهم وأعطانا، واختبرنا معهم واستحفظنا أرضنا وديارنا وقدسنا وأقصانا؟ ! - هل نحدث أنفسنا بالغزو حتى لا نموت على شعبة من النفاق؟ أم تحدثنا هي بدلاً من الغزوات بالنزوات والشهوات واللذائذ والغرائز؟ - أين جهاد الروح وروح الجهاد والاستشهاد في ذواتنا وذرياتنا؟ أين نماذج الفداء والعطاء في زوجاتنا وأخواتنا وبناتنا عند مجيء الجد أو نزول الخطب؟ ! - نتساءل وحق لنا أن نتساءل: ألسنا مكلفين قبل سائر المكلفين بحمل أعباء هذا الدين، وحماية جنابه من شرور الأعداء الظالمين؟ أعداؤنا استعدوا بالدين الباطل لنا، فهل استعددنا بالدين الحق لهم..؟ ! أعداؤنا يطرقون أبوابنا وبأيديهم توراة وإنجيل محرفان؛ فهل أوصدنا تلك الأبواب، وصددنا ذلكم الطغيان وبأيدينا السُّنَّة والقرآن؟ ! متى نتصارح.. متى نتصالح؟ * يقولون: ما لك تنكأ جراح أمة مثخنة تحتاج إلى الضماد والدواء قبل الكلام عن الأمراض والأدواء؟ ! أقول: نعم! الأمة جريحة، ولكن أخشى أن نكون أخطر جراحها، ولو صلحنا لأصلح الله حالها بنا، ولأنزل النصر عليها إكراماً لسعينا وعملنا وجهادنا، ولغيَّر ما بها وبنا بتغييرنا لأنفسنا. * سيقولون: لسنا نحن سبب الهزيمة والعار الذي حاق بالأمة؛ إذ ليس لنا من الأمر شيء! ! أقول: وما الذي جعلنا في موقع من ليس له من الأمر شيء طيلة هذه العقود، إلاَّ أننا على مختلف مستوياتنا لا نريد الخروج من هذا الشيء، ونستمرئ أن نظل هكذا بتشرذمنا وتشعثنا واستنكاف بعضنا عن إجابة دعوة الله لنا جميعاً [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً] (آل عمران: ١٠٣) يا الله ماذا لو اعتصمنا بحبل الله (جميعاً) ماذا يكون حالنا؟ ! إننا سنكون كل شيء ولن يقف أمام اعتصامنا بالله أي شيء. * سيقولون: كيف تطالب الإسلاميين بأن يكونوا على مستوى المعركة المصيرية مع الأمة الغضبية، ونحن لم نفلح في كسب معركة واحدة فاصلة ضد العلمانية العربية؟ ! والجواب: لو نجحنا في هذه، لنجحنا في تلك، وأسباب الإخفاق هنا، هي أسباب الإخفاق هنالك، تنازعنا وفشلنا أمام العلمانيين، وتنازع العلمانيون ففشلوا أمام اليهود، وأخشى أن يظل التنازع سيد الموقف، حتى نغدو عبيداً لأذل العبيد، والفضل عندها يعود للتنازع! إننا نتنازع ونتنازع حتى في أسباب التنازع ونتائج التنازع، وأسباب وعلاج التنازع، فعندما نفشل، أو تذهب ريحنا، يرمي بعضنا بعضاً بتبعة الهزيمة والفشل على الآخرين! ! يا عزيزي! كلنا مهزومون..! وإلى إشعار آخر.. كلنا مغلوبون، فلِمَ التعالي فيما بيننا؟ ولِمَ التعامي عن أحوالنا، ولِمَ يظن بعضنا أنه الوحيد المعصوم عن أسباب الهزائم؟ ! صحيح أن الأمة مهزومة ولكننا طليعتها وخلاصتها وإن كنا بعد الله أملها ورجاءها. نصر الله قريب ... ولكن! كنت أريد ألا أستدرك بـ (لكن) ولكن: نحن أمام مسؤوليات جسام تستدعي تجييش أمة، وإعداد شعوب، وترتيب طاقات وحشد إمكانات، نحن أمام عدو عادٍ وعاتٍ متجبر مزود بأحدث وأخطر سلاح، ومدعوم من أخبث وأطغى القوى، ومجهز بأمكر وأكبر الخطط، والذين ولاَّهم الله أمر أمتنا المبتلاة يعلمون ذلك ولكنهم لا يعملون، والظاهر أن جعبتهم ما تزال ملأى بالمزيد من التفريط في حق الأمة، والتوريط لها في مزيد من المحن والنكبات.. ولا أمل بعد الله كما بدأت القول إلا في قيادة اعتبارية للأمة الإسلامية، من علمائها ودعاتها، وعامليها ومجاهديها، تكون بديلة للقيادات الشوهاء الرعناء على المدى القريب والبعيد، وهذا لن يكون إلا بأن يصبح الإسلاميون على مستوى رضا الله، فيحوزوا رضا الناس، ويستعيدوا احترامهم، فيسلموا لهم القيادة الاعتبارية في أوقات التحدي، كما هو حادث الآن في فلسطين، وما أكثر ما تعلِّمُنا فلسطين! إنني أتصور أن الأحداث في المنطقة قد دخلت منطقة اللاعودة، أما عودتنا نحن، فقد دخلت منطقة اللاتراجع وإلا [وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ] (محمد: ٣٨) . لنغتنم اللحظة ... ولننتهز الفرصة.. ولنوحد صفوفنا أمام التحديات والمحن؛ فتلك فريضة الوقت ... ولنطهر قلوبنا من البغضاء والشحناء والإحن؛ فتلك أمانة المرحلة ... ولننظر بعين المسؤولية إلى خطورة الواقع؛ فتلك رسالة الساعة، ورسالتنا بوصفنا مصلحين في الأمة، لن يؤديها غيرنا، مهما تمنينا على الله الأماني. إن هناك الكثير مما يقال لتسويغ واقع الحال، أو التملص من تبعته، حتى من بعض الإسلاميين؛ فهناك حجج وطروحات جعلت منا نحن الإسلاميين كغيرنا من بقية الناس سبباً لاستهانة الأعداء بالأمة، ولكن ذلك حديث يطول. فإلى بقية في لقاء آخر بإذن الله

стр. 4029

المسلمون والعالم تقرير ميتشيل: دعوة لإجهاض انتفاضة الأقصى (١ - ٢) د. سامي محمد صالح الدلال قبل أن ندخل في تفاصيل مناقشة تقرير ميتشيل لا بد أن نقرر القواعد والثوابت العشر التي ننطلق منها ونتحاكم إليها خلال المناقشة؛ وذلك من وجهة نظرنا التي نرى أنها مطابقة للحق وملتزمة بالحقيقة، ونلخصها على الوجه الآتي: ١ - فلسطين كلها، من النهر إلى البحر، هي ملك للمسلمين. ٢ - الأراضي الفلسطينية التي أقام عليها اليهود كيانهم بعد عام ١٩٤٨م، والأراضي التي احتلوها عام ١٩٦٧م، وهي الضفة الغربية وقطاع غزة، هي أراض محتلة مغتصبة عنوة باستخدام القوة العسكرية. ٣ - إن الكيان اليهودي الحالي في فلسطين يستمد قوته من وعود تلمودية ودعم صهيوني عالمي ومن النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة إضافة إلى قواه الذاتية العسكرية والمؤسسية. ٤ - إن الكيان اليهودي ضرب بجميع القرارات والمواثيق الدولية التي هي لصالح الشعب الفلسطيني عرض الحائط. ٥ - منذ بدء الاحتلال عام ١٩٤٨م، ولغاية هذه اللحظة فإن أساليب تثبيته لاحتلاله اتسمت بأعلى درجات الوحشية والقمع والإرهاب. ٦ - إن الشعب الفلسطيني يتمتع بالحق المطلق في استخدام كافة الوسائل التي تساعده على الدفاع عن نفسه ومقاومة الاحتلال وتحرير أراضيه المغتصبة. ٧ - إن مسؤولية تحرير فلسطين لا تقع على الشعب الفلسطيني وحده، بل هي مناطة بالمسلمين جميعهم، وإن الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي المفرِّطة في هذه الأمانة تضطلع بالوزر الأعظم. ٨ - الجهاد هو السبيل الوحيد لتحرير فلسطين، وإن الانتفاضات المتتالية للشعب الفلسطيني هي وجه من وجوهه، يتحتم على جميع المسلمين دعمها بكافة الوسائل المادية والمعنوية. ٩ - كل من يقف مع الكيان اليهودي ويدعم وجوده هو عدو تجب معاداته. ١٠ - إقامة الدولة الإسلامية الحاكمة بشرع الله تعالى على أرض فلسطين كلها، وإرجاع اليهود إلى حيث أتوا، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وتعويض جميع الفلسطينيين المتضررين، هدف أساس ومطلب ملح لا يملك أحد التنازل عنه أو المناداة بسواه. تلك هي الثوابت العشر في الصراع مع الكيان اليهودي الصهيوني وهو صراع عقدي في لحمته وسداه. ما هو تقرير ميتشيل؟ في السابع عشر من تشرين أول (أكتوبر) عام ٢٠٠٠م، اختتم مؤتمر الشرق الأوسط للسلام أعماله في شرم الشيخ مصر حيث كان المشاركون جميعاً على مستوى الزعماء لكل من السلطة الفلسطينية، ومصر، والأردن، والولايات المتحدة الأمريكية، والكيان اليهودي، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي. وفي هذا المؤتمر قال الرئيس الأمريكي: «إن الولايات المتحدة سوف تطور مع الإسرائيليين والفلسطينيين، وبالتشاور مع الأمين العام للأمم المتحدة لجنة لتقصي الحقائق أطلق عليها اسم:» لجنة شرم الشيخ لتقصي الحقائق «. وفي السابع من تشرين الثاني (نوفمبر) عام ٢٠٠٠م طلب الرئيس الأمريكي بعد التشاور مع باقي المشاركين من الأعضاء أن ينخرطوا في لجنة تقصي الحقائق [١] . وفي السادس من كانون أول (ديسمبر) عام ٢٠٠٠م وجه الرئيس الأمريكي رسالة إلى لجنة تقصي الحقائق إبان انعقادها، جاء فيها: إن هدف اللقاء والاتفاق الناتج عنه هو: أ - إنهاء العنف ومنع تكراره. ب - إيجاد طريق العودة إلى مسيرة السلام في إجراءاتها وطريقة عملها. وعن مهمة اللجنة قال: على اللجنة: أ - أن تسترشد بهذه الأهداف الملزمة. ب - محاولة قيادة الأمور بعيداً عن أي خطوة من شأنها تكثيف اللوم المشترك أو التأشير بإصبع الاتهام بين الفرقاء، ولا ينبغي أن تصبح مصدر خلاف أو نقطة تركيز للوم أو الاتهام. ج - أن تخدم ككابحة للعنف والمواجهة. د - أن تقدم عبراً للمستقبل. هـ - أن لا يكون هدفها تحديد جرم أو براءة أفراد أو فرقاء. و أن يكون هدف اللجنة تحديد ما حدث وكيفية منع تكراره في المستقبل. وانظلاقاً من هذه التوجيهات الإرشادية الأمريكية شرعت اللجنة في ممارسة مهمتها التي رفعت بشأنها تقريرها إلى الرئيس الأمريكي بتاريخ ٣٠/٤/٢٠٠١م فيما عرف بـ» تقرير ميتشيل «الذي سيكون محل تحليلنا ومناقشتنا في هذه الدراسة. رفع اللثام عن تشكيل اللجنة: ١ - إن تقرير ميتشيل جاء منسجماً مع توجهات أعضاء لجنة التقصي التي نعتبرها» غير محايدة «فأعضاؤها جميعاً لم يكن لهم في يوم من الأيام أي موقف متعاطف مع ما اصطلحوا على تسميته بـ» قضية فلسطين «؛ إذ إن جميع أعضاء اللجنة نصارى، ما عدا سليمان ديميريل الرئيس السابق لتركيا، والذي ضُربت الحركة الإسلامية إبَّان رئاسته بضربات مؤلمة وموجعة، كما أنها تضم اثنين من الأمريكان من مجموع خمسة أشخاص هم أعضاء اللجنة، إضافة إلى أنها رفعت تقريرها للرئيس الأمريكي وكأنه رئيس العالم؛ فاللجنة ذات ثقل أمريكي، وبناء عليه فإنها من حيث تركيبتها وتوجهاتها متحفظ عليها جداً، ولا يرقى تقريرها إلى مستوى الإنصاف كما سنرى. ٢ - لم تشر اللجنة في مقدمتها أو نقاشاتها إلى قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالانسحاب اليهودي غير المشروط من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧م، بل ناقشت المسألة من منطلق وجود» متصارعين «على تلك الأراضي وبينهما مشكلات تفاقمت إلى مرحلة استعمال» العنف «. وكان الصحيح من وجهة نظرنا إبراز أن الكيان اليهودي في فلسطين كلها هو حالة اغتصاب واحتلال واستعمار ينبغي إزالته، غير أن تشكيل اللجنة لم يكن ليصب في هذا الاتجاه بتاتاً. ٣ - إن العنف اليهودي قد ابتدأ منذ عام ١٩٤٨م، وسنأتي على بعض مظاهره لاحقاً، فلماذا لم تشكل هذه اللجنة إلا بعد أن ابتدأت الانتفاضة، وبعد أن ظهر أنها تتجه نحو الاستمرار، مع تصاعد لآثارها الخطيرة في المجتمع اليهودي نفسياً وسياسياً واقتصادياً؛ فالواضح أن هذه اللجنة اضطلعت بمهمة فرش البساط لاحتواء الانتفاضة وإنهائها. ٤ - إن اللجنة مجمعة على أهمية إيقاف الانتفاضة والتخلص من آثارها لإنقاذ الكيان اليهودي من ورطته مع الانتفاضة. ٥ - إن طبيعة تركيبة اللجنة وتوجهاتها قد انعكست على تقريرها الذي جاء غير متوازن من حيث النتائج رغم محاولة إبراز التوازن في بعض صياغة العبارات، وسيتضح عدم حيادية القرارات والتوصيات وميلانها بشكل واضح وفاضح لصالح الكيان اليهودي. أبرز نصوص تقرير ميتشيل: في تاريخ ٣٠/٤/٢٠٠١م رفعت لجنة شرم الشيخ لتقصي الحقائق تقريرها إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية (جورج دبليو بوش) : لقد طلبنا وتلقينا المعلومات والمشورة من قطاع واسع من الأفراد والمؤسسات والحكومات، وعلى رغم ذلك فإن النتائج والتوصيات صادرة عنا فقط. وبعد الديباجة وضع هيكل التقرير كما يلي: تكوَّن التقرير من: أولاً: مقدمة. ثانياً: النقاش والحوار: - أوقفوا العنف، استئناف التعاون الأمني. ثالثاً: التوصيات: وقد تضمنت: وقف العنف، إعادة بناء الثقة، استئناف المفاوضات. مناقشة أبرز نصوص التقرير: أولاً: المقدمة: نسوق أهم العبارات التي جاءت في المقدمة: » إن العنف لن يحل مشاكل المنطقة، إنه فقط سيزيدها سوءاً «. » إن الموت والدمار لن يأتيا بالسلام، بل سيعمقان الكراهية ويصلبان العزيمة لدى الجانبين «. » ثمة طريق واحد للسلام وللعدل وللأمن في الشرق الأوسط ألا وهو المفاوضات «. » إن بعض (الإسرائيليين) والفلسطينيين لا يتفهمون بشكل كامل مشاكل وهموم الطرف الآخر «. » يبدو واضحاً أن بعض (الإسرائيليين) لا يستوعبون الإذلال والإحباط الذي يتحمله الفلسطينيون بشكل يومي نتيجة اضطرارهم للعيش مع نتائج الاحتلال المدعوم بوجود قوات عسكرية إسرائيلية، ومستوطنات مغروسة في وسطهم، ولا يفهمون إصرار الفلسطينيين على الحصول على الاستقلال وتقرير مصير حقيقي «. » يبدو واضحاً أن بعض الفلسطينيين لا يفهمون مدى الخوف الذي يخلقونه في أوساط الشعب الإسرائيلي مما يضعف إيمانهم بإمكانية التعايش، أو إصرار الحكومة الإسرائيلية على عمل كل ما هو ضروري لحماية شعبها «. » إن الخوف والكراهية والغضب قد تصعد لدى الطرفين، إن الخطر الأعظم هو على ثقافة السلام التي تمت تغذيتها عبر العقد السابق، والتي تحطمت، وبدلاً منها هناك إحساس متعاظم من عدم الجدوى واليأس ولجوء متزايد نحو العنف «. » إن على القادة في كلا الطرفين التصرف والكلام بحزم لكبح هذه التوجهات الخطرة، عليهم أن يعيدوا إضاءة الرغبة والدافعية للسلام «. » إن شعبين لهما كبرياء يقتسمان الأرض والمصير، وقد أدت ادعاءاتهما وخلافاتهما الدينية إلى صراع مستعر أضعف الروح المعنوية، وضرب الفهم بقيمة الإنسان، وبإمكانهما أن يستمرا في الصراع، أو أن يتفاوضا لإيجاد طريق للعيش جنباً إلى جنب بسلام «. ولنسجل الوقفات الآتية مع» المقدمة «: ١ - اكتفت المقدمة بذكر» العنف «ولم تحدد الطرف الذي تسبب فيه، وذكرت» الموت والدمار «ولم تشر إلى مصدره، وأشارت إلى» السلام «ولم تبين ماهيته. ٢ - حددت اللجنة طريق المفاوضات باعتباره طريقاً وحيداً للسلام والعدل والأمن في الشرق الأوسط، وأغفلت أن ثماني سنين عجافاً قد مرت على الشروع في المفاوضات ابتداءً من مدريد وإلى طابا ولم يتحقق شيء مما ذكرته، وسبب ذلك أن مفهوم العدل والأمن والسلام لدى الكيان اليهودي مجموع في اصطلاح واحد هو استسلام الفلسطينيين، وقد جاء ذلك جلياً في اتفاقيات» أوسلو «وما تلاها. ٣ - وضعت اللجنة الفلسطينيين و (الإسرائيليين) على كفتي ميزان ونادت بينهما وادعت عدم تفهم كل منهما مشكلات وهموم الطرف الآخر، وهذا غير صحيح؛ فالفلسطينيون يفهمون ويعلمون أن هَمَّ اليهود ومشكلتهم تتلخص بإدامة الاحتلال ومصادرة إرادة الشعب الفلسطيني وتحقيق النبوءات التوراتية بزعمهم. واليهود يفهمون ويعلمون أن هَمَّ الفلسطينيين ومشكلتهم تتلخص بإقامة دولتهم الفلسطينية على كامل التراب الفلسطيني؛ فهذه المشاكل والهموم واضحة بجلاء لدى الطرفين. ٤ - أقرت اللجنة ب: * الإذلال والإحباط الذي يتحمله الفلسطينيون بشكل يومي نتيجة اضطرارهم للعيش مع نتائج الاحتلال المدعوم بوجود قوات عسكرية إسرائيلية ومستوطنات مغروسة في وسطهم. * إصرار الفلسطينيين على الحصول على الاستقلال وتقرير مصير حقيقي. الخوف الذي يضعه الفلسطينيون في أوساط الشعب الإسرائيلي، ثم ادعت أن اليهود لا يعلمون بالمذكور في (١) و (٢) وأن الفلسطينيين لا يعلمون بالمذكور في (٣) ، فهذا الاستنتاج غير صحيح ومغاير للواقع كما ذكرنا آنفاً، لكننا نسجل للجنة إقرارها بما جاء في (١) و (٢) وسنستعيد هذا الإقرار في مناقشتنا اللاحقة. ٥ - أقرت اللجنة بـ» إصرار (الحكومة الإسرائيلية) على عمل كل ما هو ضروري لحماية شعبها «. إن هذا تحيز صارخ من قبل اللجنة؛ إذ جعلت الشعب الفلسطيني معتدياً، ولذلك يحق للحكومة اليهودية أن تفعل ما هو ضروري لحماية شعبها، وهذا يعني ضمناً أن اللجنة موافقة على إجراءات الحكومة اليهودية في التنكيل بالشعب الفلسطيني. ٦ - تباكت اللجنة على» ثقافة السلام «التي تحطمت، ونحن نعلم أن المقصود بهذه العبارة هي مكاسب الاستسلام التي ظفر بها اليهود ثم جاءت انتفاضة الأقصى فاقتلعتها من جذورها. ٧ - قالت اللجنة:» هناك إحساس متعاظم من عدم الجدوى واليأس ولجوء متزايد نحو العنف « (أي لدى الطرفين) ، ونحن نعتبر هذا الكلام معبراً حقيقياً عن جاهزية وفاعلية» الحجارة «في مقابلتها للآلة العسكرية للعدو المتفوقة عدداً وعدة. ٨ - في الوقت الذي يريد فيه العلمانيون ومن في حكمهم جعل الصراع مع اليهود صراعاً وطنياً، وهو خلاف الواقع، فإن اللجنة أقرت بما لا شك فيه أن الصراع بين المسلمين واليهود هو صراع عَقَدي؛ حيث قالت بالحرف:» وقد أدت ادعاءاتهما وخلافاتهما الدينية إلى صراع مستعر «. نعم؛ لقد أصابت اللجنة في هذه العبارة كبد الحقيقة! ٩ - أقرت اللجنة بتكافؤ الطرفين في الصراع، وهذا يعني أن إرادة الشعب الفلسطيني في الاستقلال قد وقفت مع التفوق اليهودي العسكري والسياسي والاقتصادي موقف الند للند. ١٠ - انتهت المقدمة بالإشارة إلى وجود طريقين لا ثالث لهما، وهما استمرار الصراع أو المفاوضات. ونحن نقول: إن المفاوضات لن تحقق للشعب الفلسطيني ما يريد، في حين أن استمرار الصراع سيرجح كفة الفلسطينيين بإذن الله تعالى. ثانياً: النقاش والحوار: ماذا حدث؟ ولِمَ حدث ما حدث؟ قالت اللجنة:» جاءت معظم المعلومات التي تلقيناها من الفرقاء، ومفهوم أنها تميل إلى دعم وجهات نظرهم «. » في أواخر سبتمبر ٢٠٠٠م، تلقى الإسرائيليون والفلسطينيون ومسؤولون آخرون تقارير مفادها أن عضو الكنيست (الذي يشغل الآن منصب رئيس الوزراء) آرييل شارون يخطط لزيارة الحرم الشريف، جبل الهيكل في القدس وحث المسؤولون الفلسطينيون والأمريكيون رئيس الوزراء آنذاك، إيهود باراك، على منع تلك الزيارة، ثم قام شارون بزيارته تلك يوم ٢٨ سبتمبر يرافقه ما يزيد على ألف من قوات الشرطة الإسرائيلية، وفي اليوم التالي، وفي المكان نفسه، حدثت مواجهة بين عدد كبير من الفلسطينيين المتظاهرين غير المسلحين وعدد من قوات الشرطة الإسرائيلية، مما أدى إلى قتل أربعة أشخاص وإصابة حوالي مائتي شخص بجروح. ووفقاً لمصادر الحكومة الإسرائيلية فقد تم جرح أربعة عشر شرطياً إسرائيلياً، وقد حدثت تظاهرات عدة خلال الأيام اللاحقة، هكذا بدأ ما عرف فيما بعد بـ «انتفاضة الأقصى» (الأقصى هو مسجد في الحرم الشريف/ جبل الهيكل) «» أنكرت منظمة التحرير الفلسطينية الاتهامات بأن الانتفاضة كان مخططاً لها «. من النص أعلاه يتبين ما يلي: ١ - رغم أن اللجنة رفعت تقريرها بعد حوالي ستة أشهر من مباشرتها عملها فإنها تعترف أن معظم معلوماتها تقلتها من الفرقاء، أي لم تجمع معلوماتها من أرض ميدان الصراع، وهذا خلل كبير في أصل تقرير اللجنة. ٢ - اعترفت اللجنة أن تدنيس شارون للمسجد الشريف كان مخططاً له مسبقاً، وأن الإدارة الأمريكية والسلطة الفسلطينية كانا على علم به؛ علماً بأن الصحافة الإسرائيلية قد شرعت ابتداءً من أوائل سبتمبر ٢٠٠٠م بنشر تصريحات لمسؤولين يهود مدنيين وعسكريين بأن الحرب مع الفلسطينيين على وشك الاندلاع، ولم يكن ثمة انتفاضة بعد، غير أن الذي لم يحسب شارون وزبانيته له حساباً هو هذا الصمود العاتي الذي تجسد بأيدي الفلسطينيين حجارة وثابة تقذف بشدة أفراد الجيش اليهودي وشرطته ومستوطنيه. إن استمرار صمود الفلسطينيين سيبطل بإذن الله تعالى مخطط المكر والدهاء والدماء اليهودي. ٣ - إن منظمة التحرير الفلسطينية سارعت إلى نفي الاتهامات بأن الانتفاضة قد خطط لها؛ وهذا النفي صحيح من جانب واحد هو جانب السلطة الفلسطينية، لكن الانتفاضة لم تكن خارج حسابات الجانب اليهودي، بل هو كان بحاجة لها، غير أنها جاءت في ضخامتها وتوسعها وآثارها وصمودها على خلاف ما رسمته الزعامة اليهودية لها، فأوقعت الطرفين المتآمرَيْن عليها: الكيان اليهودي والسلطة الفلسطينية في» حيص بيص «. ٤ - أفاد تقرير اللجنة أن الذي ابتدأ بالعنف الذي فجر الانتفاضة هو شارون نفسه عندما اقتحم المسجد الأقصى على رأس ما يزيد على ألف شرطي يهودي، وأن الجيش الإسرائيلي هو الذي أطلق الرصاص المطاطي والذخيرة الحية على المحتجين الفلسطينيين، علماً بأن الاحتجاج الفلسطيني هو احتجاج مشروع في كل الأحوال؛ فاللجنة تعترف بشكل واضح غير قابل للبس أن اليهود هم الذين بدؤوا العنف الذي فجر الانتفاضة. ٥ - لا بد من الإشارة إلى أن الوجود اليهودي على هيئة دولة على أرض فلسطين هو بحد ذاته عنف شديد ينبغي مقابلته بعنف مقابل لإبطاله؛ لأنه اعتداء صارخ على أراضي غيرهم وممتلكاتهم، تم في ظل قتل للأبرياء وفتك بالنساء والأطفال والشيوخ وهتك للأعراض ومصادرة للأموال من خلال مجازر وحشية وممارسات همجية، وسنأتي على مزيد من تفاصيل ذلك عند مناقشتنا للفقرات الخاصة بالعنف. ٦ - لا بد من ملاحظة إشارة اللجنة إلى أن الأقصى ليس هو مجرد مسجد في ساحة المسجد بل هو أيضاً جبل الهيكل، وهذه دلالة واضحة على أن اللجنة معترفة بادعاء اليهود أن أرض جبل الهيكل هي نفسها المسجد الأقصى، وفي ذلك برهان ساطع على تحيز اللجنة إلى جانب الادعاءات اليهودية. قالت اللجنة:» من خلال وجهة نظر منظمة التحرير، استجابت (إسرائيل) لأحداث الشغب بعنف زائد واستخدام غير قانوني للأسلحة الفتاكة ضد المتظاهرين «. » من منظور الحكومة الإسرائيلية فإن التظاهرات كانت تنظم وتوجه من القيادة الفلسطينية «. » فرضت الحكومة الإسرائيلية قيوداً على حركة الناس والبضاعة في الضفة الغربية وقطاع غزة (الإغلاقات) تطور منذ ذلك الحين إلى مجموعة من الأعمال العنيفة وردود الفعل، كان هناك تبادل لإطلاق النار في منطقة مكتظة، وحالات قنص وصدامات بين المستوطنين الإسرائيليين والفلسطينيين «. » لا توجد أدلة للاستنتاج بأن السلطة الفلسطينية قامت بجهد متواصل للسيطرة على التظاهرات وعلى العنف لحظة حدوثه، أو أن الحكومة الإسرائيلية قامت بجهد متواصل للسيطرة على التظاهرات وعلى الفلسطينيين غير المسلحين «. من النص أعلاه يتبين ما يلي: ١ - اعترفت اللجنة أن الكيان اليهودي قام باستخدام غير قانوني للأسلحة الفتاكة وبعنف زائد. ٢ - قالت اللجنة:» التظاهرات كانت تنظم وتوجه من القيادة الفلسطينية « وهذا غير صحيح؛ فالمظاهرات التي أشعلت الانتفاضة والتي لا تزال مستمرة كانت رد فعل تلقائي من الشعب الفلسطيني وليس للسلطة الفلسطينية فيها نصيب، بل إن السلطة الفلسطينية وضعت كل ثقلها واستنفرت جميع عناصر أمنها وشرطتها لوقف الانتفاضة، لكنها لم تفلح؛ لأن الخرق اتسع على الراقع، وبناء عليه فإن ادعاء تقرير ميتشيل أنه لا توجد أدلة للاستنتاج بأن السلطة الفسلطينية قامت بجهد متواصل للسيطرة على التظاهرات ادعاء باطل وغير صحيح، بل إن السلطة الفلسطينية بذلت أقصى المساعي للتعاون مع حكومة شارون للقضاء على الانتفاضة؛ حيث كانت ولا تزال الاجتماعات بين مسؤولي أمن السلطة الفلسطينية ومسؤولي الأمن الإسرائيلي مستمرة لإيقافها. ٣ - أما أغرب وأعجب زعم اللجنة أن (الحكومة الإسرائيلية) لم تقم بجهد متواصل للسيطرة على التظاهرات؛ فقد بذلت الحكومة الإسرائيلية جهوداً حربية مضنية لإيقاف التظاهرات مستخدمة الرصاص الحي والقنابل والصواريخ والقصف بالطائرات الحربية والمروحية وهدمت المنازل، وجرفت مئات الآلاف من الأراضي الزراعية، وأتلفت المحاصيل، وحاصرت المدن، وقتلت مئات المدنيين، وركزت قتلها على الأطفال، وأوقعت أكثر من عشرة آلاف جريح، وأجاعت الناس وقطعت عنهم الكهرباء والمياه واعتقلت المئات وغير ذلك كثير جداً جداً؛ فماذا تريد اللجنة من الحكومة الإسرائيلية فعله أكثر من ذلك لتسيطر على المظاهرات؟ ! قالت اللجنة (في تعليلها لاندلاع الانتفاضة) : » الحكومة الإسرائيلية تؤكد أن الدافع الفوري للعنف كان انهيار محادثات كامب ديفيد يوم ٢٥ تموز (يوليو) ٢٠٠٠م، والتقدير المتزايد في المجتمع الدولي لمسؤولية الفلسطينيين عن الطريق المسدود (كامب ديفيد) «. » إن زيارة شارون لم تكن سبب انتفاضة الأقصى، لكن توقيتها لم يكن موفقاً، وكان بالإمكان التنبؤ بما يمكن «. وتعليقنا على هذا النص ما يلي: ١ - إن انهيار محادثات كامب ديفيد الثانية لم يكن أمنية الشعب الفلسطيني فقط، بل كان أمنية جميع الشعوب المسلمة؛ ذلك أن بوصلة توجهات تلك المحادثات قد ثبت مؤشرها على استعداد السلطة الفلسطينية لإعطاء تنازلات خطيرة لصالح اليهود فيما يخص الوضع النهائي، وخاصة فيما يتعلق بالقدس وعودة اللاجئين والمستوطنات وطبيعة كيان الدولة الفلسطينية المرتقبة، ولذلك عندما انهارت تلك المباحثات تنفس الشعب الفلسطيني، والشعوب الإسلامية بعد صعداء، مما جعلهم في انتظار أي حدث على أرض الواقع ليفجر تلك المشاعر المحتقنة في الصدور والناجمة عن استمرار الاحتلال اليهودي لفلسطين. ٢ - أشار التقرير إلى تحميل المجتمع الدولي الفلسطينيين مسؤولية وصول مباحثات كامب ديفيد ٢ إلى طريق مسدود، وهذا افتئات على الحقيقة؛ لأن الذي حال دون استمرار المباحثات هو إصرار حكومة الكيان اليهودي على لاءاتها المعروفة، وهي: لا لدولة فلسطينية مستقلة، لا لتقسيم القدس، لا لعودة اللاجئين، لا لإزالة المستوطنات؛ فمن الذي تقع عليه مسؤولية انهيار تلك المباحثات؟ ! وهل تكون هذه الحقائق فعلاً غائبة عن المجتمع الدولي، أم أن المجتمع الدولي هو الولايات المتحدة وبريطانيا فقط؟ ٣ - زعمت اللجنة أن زيارة شارون لم تكن سبب الانتفاضة، بل توقيتها هو السبب؛ فهل تريد تبرئة ساحة شارون وباراك وزبانيتهما من المسؤولية عن أحداث العنف اليهودي ضد الفلسطينيين؟ ! أم تريد الزعم أن مسبب الانتفاضة هو منظمة التحرير الفلسطينية؟ ! طبعاً لا تستطيع ادعاء ذلك بعد أن نفت هي تحميل المنظمة مسؤولية بدء الانتفاضة. إذن من المسؤول عن تفجير أحداث العنف سوى الجانب اليهودي، وشارون بالذات؟ علماً أن اللجنة قد أقرت بهذه المسؤولية عندما تحدثت في المقدمة عن بدء اشتعال الأحداث في الضفة الغربية وقطاع غزة. توقعات متباينة: قالت اللجنة:» لقد صدمتنا التوقعات المتباينة التي عبر عنها الفرقاء فيما يتعلق بتطبيق مسيرة أوسلو «. » لقد أعطت الحكومة الإسرائيلية أولوية للتحرك نحو اتفاق للوضع النهائي ضمن مناخ من عدم العنف «. » وترى منظمة التحرير أن إعاقة العملية نجم عن محاولات إسرائيل إطالة الاحتلال وتعزيزه «. » اعتقد الفلسطينيون أن اتفاق أوسلو سيؤدي إلى نهاية الاحتلال الإسرائيلي في غضون خمس سنوات «. » بدلاً من ذلك حسب وجهة النظر الفلسطينية وصلت الإعاقات الإسرائيلية المتكررة إلى ذروتها في قمة كامب ديفيد؛ فالعروض (الإسرائيلية) تضمنت بالإضافة إلى ضم أفضل المناطق الفلسطينية لإسرائيل، السيادة الدائمة لإسرائيل على القدس الشرقية، واستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية والسيطرة الإسرائيلية على المصادر الطبيعية الفلسطينية والأجواء والحدود الفلسطينية، وأخيراً عودة أقل من ١% من اللاجئين إلى موطنهم «. وتعليقنا على ذلك هو: ١ - منذ البداية لم يكن هناك فهم موحد لنصوص اتفاقيات أوسلو بين السلطة الفلسطينية والكيان اليهودي؛ ذلك أن الحكومة اليهودية تريد أن تفسر نصوص الاتفاقيات حسب فهمها هي؛ ولذلك عرقلت تنفيذ تلك الاتفاقيات بشدة، ومن المستغرب حقاً أن الطرفين قد شرعا في مفاوضات الحل النهائي في حين أن اتفاقيات أوسلو لم تكن قد طبقت بالكامل على الأرض بسبب التعنت اليهودي. ٢ - كيف تقول اللجنة إن (الحكومة الإسرائيلية) أعطت أولوية للتحرك نحو اتفاق للوضع النهائي ضمن مناخ من عدم العنف، وهي التي مارست كثيراً من مظاهر العنف ضد الفلسطينيين خلال الفترة الانتقالية. ٣ - لا نشك أبداً أن التوقعات متباينة بين الفلسطينيين و (الإسرائيليين) فيما يخص استعادة الفلسطينيين حقوقهم كاملة من اليهود؛ وهذا هو سبب الصراع؛ لكن ما ساقته اللجنة من المطالب اليهودية يكفي لنسف أي نوع من أنواع المفاوضات التي تعطي الكيان اليهودي كل شيء، ولم تُبقِ للفلسطينيين سوى الفتات. منظورات متباينة: تحت هذا العنوان ذكرت اللجنة المنظورين الفلسطيني و (الإسرائيلي) ، وعبرت عن تباينهما بالقول:» وجسَّد كل طرف، سواء بالتصريحات أو الأفعال منظوراً عجز عن إدراك أي حقيقة في وجهة نظر الآخر «. أولاً: المنظور الفلسطيني: قالت اللجنة: عن ذلك: ١ - فيما يتعلق بالفلسطينيين، بشرت مدريد وأوسلو بإمكان قيام الدولة وضمان نهاية الاحتلال، وقرارات حول القضايا الهامة ضمن مدة زمنية محددة. ٢ - الفلسطينيون غاضبون بصدق من النمو المستمر للمستوطنات، ويرى الفلسطينيون أن وجود المستوطنات والمستوطنين في مناطقهم لا يشكل فقط انتهاكاً لروح عملية أوسلو بل أيضاً تطبيقاً للقوة بشكل يتناسب مع عقلية الهيمنة الإسرائيلية العسكرية التي تبقي على هذه المستوطنات وتحميها. ٣ - كذلك ل١دى الفلسطينيين مشاعر غاضبة تجاه تجاربهم اليومية المريرة والمذلة والناجمة عن استمرار (الوجود الإسرائيلي) على الأراضي الفلسطينية. ٤ - ينص الاتفاق الانتقالي على أنه» يرى الطرفان بأن الضفة الغربية وقطاع غزة وحدة مناطقية واحدة يتم تحديد وضعها والسيادة عليها في المرحلة الانتقالية ويترافق مع ذلك نص في الاتفاق النهائي يمنع اتخاذ أي خطوات تعمل على تغيير وضعية المفاوضات الانتقالية، وتزعم منظمة التحرير أن القادة السياسيين الإسرائيليين لم يخفوا أن تفسيرهم لأوسلو تمت صياغته بحيث يتم فصل الفلسطينيين في مناطق غير متواصلة محاطة بحدود يسيطر عليها الإسرائيليون مع وجود مستوطنات وطرق خاصة بها تنتهك السيادة الفلسطينية. ٥ - كما تدعي منظمة التحرير الفلسطينية أن (حكومة إسرائيل) لم تذعن لالتزامات أخرى مثل الانسحاب اللاحق من الضفة الغربية والإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين. ٦ - عبر الفلسطينيون عن غضبهم تجاه الطريق المسدود بخصوص مسألة اللاجئين وتدهور الظروف الاقتصادية في الضفة الغربية وقطاع غزة «. انتهى كلام اللجنة. ثانياً: المنظور الإسرائيلي: قالت اللجنة: (عنه ما يلي) : ١ - إن توسيع النشاط الاستيطاني واتخاذ إجراءات لتسهيل حياة المستوطنين وأمنهم لا يعتبر ماساً بمفاوضات الوضع النهائي، وتتفهم إسرائيل معارضة الجانب الفلسطيني للمستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي تعترف بأن المستوطنات قضية مهمة يجب أن يتم التوصل لاتفاق بشأنها باعتبارها جزءاً من أي حل للوضع النهائي دون تمييز للوضع الرسمي الراهن للمستوطنات. ٢ - إن الأمن هو الهم الأول لحكومة إسرائيل، وتدعي الحكومة الإسرائيلية أن منظمة التحرير الفلسطينية أخلَّت بالتزاماتها التي قطعتها على نفسها؛ وذلك بالاستمرار في استخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية. إن الأمن كان وما يزال الهم الرئيسي في عملية السلام. وهو مسألة لن تساوم (إسرائيل) بشأنها أو تقدم تنازلات حولها. إن إخفاق الجانب الفلسطيني في الالتزام بنص وروح البنود المتعلقة بالأمن في العديد من الاتفاقيات كان ولأمد طويل مصدراً لعدم الاستقرار والانزعاج في (إسرائيل) ، وإن هذا الإخفاق يتمثل بتحريض مؤسساتي ضد (إسرائيل) واليهود وإطلاق سراح الإرهابيين من السجون، وعدم التمكن من السيطرة على الأسلحة في التظاهرات بالإضافة إلى اعتداءات إرهابية على مدنيين إسرائيليين. وإن منظمة التحرير خرقت بوضوح إدانتها للإرهاب وأعمال العنف الأخرى؛ وبهذا زعزعت الثقة بشكل كبير بين الفرقاء. هكذا عرضت اللجنة المنظورين المتباينين لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين. ولنا مع هذا العرض الوقفات الآتية: ١ - ما بشرت به مدريد وأوسلو بإقامة دولة فلسطينية وضمان نهاية الاحتلال لم يكن أكثر من سراب؛ بل هو وهمٌ اعترى أعضاء السلطة الفلسطينية، وحاولوا أن يوهموا به السذج من سواهم. ٢ - بعد توقيع اتفاقيات أوسلو استمر الكيان اليهودي في إقامة المستوطنات واستجلاب المستوطنين، ولم يكن هذا مستغرباً بل كان متوقعاً تماماً. فنقضهم للعهود والعقود والمواثيق هو ديدنهم على مر التاريخ، وقد سجله القرآن الكريم. ٣ - إن دعوى أن توسيع النشاط الاستيطاني واتخاذ إجراءات لتسهيل حياة المستوطنين وأمنهم لا يعتبر ماساً بمفاوضات الوضع النهائي كذب محض؛ فلقد دعمت إسرائيل بشدة إقامة المستوطنات وشقت لها الطرق وملأتها بالمستوطنين لوضع الفلسطينيين في مفاوضات الوضع النهائي أمام الأمر الواقع، وليس على الفلسطينيين إلا القبول بهذا الوضع شاءوا أم أبوا. إن فحوى هذا الطرح أن لا دولة يمكن إقامتها للفلسطينيين على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة؛ ذلك أن هذه الأراضي مزروعة الآن بالمستوطنات ولا سيادة عليها إلا للحكومة اليهودية فقط. ٤ - المسلمون يرون أن الأمن يتحقق بزوال دولة (إسرائيل) وعودة الفلسطينيين إلى ديارهم واستعادة حقوقهم المشروعة، ومنظمة التحرير ترى أن الأمن يتحقق بانسحاب اليهود من الضفة الغربية وقطاع غزة. والحكومة اليهودية ترى أن الأمن يتحقق بمزاولة منظمة التحرير أعلى درجات القمع للشعب الفلسطيني المطالب بالاستقلال، هذا يمثل مرحلة أولى. وأما الأمن الحقيقي الذي ترمي إليه الحكومة اليهودية (مهما كانت) ، هو إخلاء الضفة الغربية وقطاع غزة من سكانهما بتهجيرهم في الآفاق وإحلال المستوطنين بدلاً منهم. وعلى هذا فإن مفاهيم الأمن بين الفلسطينيين واليهود متضادة تماماً؛ ولذلك فلن يتحقق الأمن لأي من الطرفين إلا بانتصار ساحق لأحد الطرفين على الآخر. والذي نعلمه من موعود الله هو انتصار المسلمين على اليهود في نهاية مطاف الصراع، وهذا الذي نعلمه يعلمه أيضاً كثير من اليهود. ٥ - إن وجهات النظر المتباينة بين الفلسطينيين واليهود خلاصة عناوينها هي: الأمن، والمستوطنات، والقدس، واللاجئون، والدولة الفلسطينية المستقلة. وبما أن وجهات النظر في هذه المسائل الخمسة متباينة مائة في المائة بين الطرفين؛ فهذا يعني استمرار الصراع إلى أن تنتصر إرادة المسلمين على اليهود بإذن الله تعالى القائل: [وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً] (النساء: ١٤١) . أوقفوا العنف واستأنفوا التعاون الأمني: قالت اللجنة:» من خلال صلة القرابة والصداقة والدين والمجتمع والمهنة كان لكل شخص في كلا الجانبين صلة بشخص قتل أو أصيب إصابة خطيرة في أحداث العنف الأخيرة، ورواياتهم مؤثرة جداً «. » منذ ١٩٩١م التزم الطرفان وبصورة مستمرة في كل اتفاقاتهما (بعدم العنف) ؛ ولوقف العنف يجب اتخاذ خطوات فورية لإنهاء الصراع والتأكيد من جديد على الالتزامات المتبادلة والبدء في المفاوضات «. » المهم أن تقوم السلطة الفلسطينية بكل ما تستطيع من جهد لتطبيق وقف شامل للعنف وأن يكون هذا جلياً للحكومة (الإسرائيلية) ، وعلى الحكومة الإسرائيلية أن تقوم ببذل جهد كامل (مائة في المائة) لضمان عدم جعل نقاط الاحتكاك المحتملة؛ حيث يحتك الفلسطينيون (بالمسلحين الإسرائيليين) مسرحاً لعداء متجدد «. » إن انهيار التعاون الأمني في بداية أكتوبر (تشرين أول ٢٠٠٠م) قد عكس القناعة لدى كل طرف بأن الآخر قد ألزم نفسه بطريق العنف تجاه الآخر، وإنه من دون تعاون أمني فعال فإن الفريقين سيمضيان في اعتبار كل عمل من أعمال العنف قانونياً ورسمياً «. » إن الأمر متروك للفرقاء أنفسهم ليتحملوا عبء التعاون اليومي، إلا أن عليهم أن يبقوا منفتحين لقبول مساعدة من آخرين لتسهيل عملهم بمساعي أمريكا والاتحاد الأوروبي. ولنا مع ما ذكرته اللجنة الوقفات الآتية: ١ - أوحت اللجنة بالمساواة بين إصابات الطرفين، وهذا خروج سافر عن الحيادية؛ ففي حين بلغ عدد القتلى والجرحى من اليهود بضع عشرات فإن الشهداء (فيما نحسبهم) من الفلسطينيين قد فاق حتى الآن ستمائة وخمسين شهيداً، وفاق عدد الجرحى أحد عشر ألف جريح، فإن كان لدى اليهود بضع عشرات من الروايات المؤثرة فإن لدى الفلسطينيين بضع آلاف منها. ٢ - ليس صحيحاً أن الطرفين منذ عام ١٩٩١م التزما (اللاعنف) ؛ فالواقع خلاف ذلك؛ حيث تعرضت فصائل الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ ذلك التاريخ وقبله وبعده إلى إرهاب أمني شديد، وقد شملت الحملات الإرهابية مطاردة واعتقال ومحاكمة الناشطين ضد استمرار الاحتلال اليهودي ومن السلطة أيضاً. ٣ - بعد بدء انتفاضة الأقصى التزمت السلطة الفلسطينية ببذل كل جهد ممكن لإيقافها؛ حيث مارست ضغوطاً قوية على جميع الفصائل الفلسطينية لترك الشوارع والعودة إلى المنازل وعدم التعرض إلى قوات الاحتلال، وقامت بالتنسيق مع العدو اليهودي لتحقيق هذا الهدف، لكنها لم تفلح في ذلك بسبب إرادة التحدي لدى الشعب الفلسطيني وإصراره على مواصلة الانتفاضة إلى حين الحصول على الاستقلال، في حين أعطت الحكومة اليهودية أوامرها لقواتها باستخدام جميع أنواع الأسلحة لقمع الانتفاضة. ٤ - إن اللجنة لم تكن محايدة أبداً في معالجتها لقضية العنف؛ إذ إن العنف منذ بدء الانتفاضة كان يهودياً. أما ردود فعل الفلسطينيين فلم تتجاوز الدفاع عن النفس، وإننا نعتبر أن التصدي لأي جندي يهودي وطئت قدماه الأرض المحتلة هو دفاع عن النفس. ٥ - ربما نكون بحاجة إلى ضرب أمثلة عن العنف اليهودي ضد الفلسطينيين؛ ولو فعلنا ذلك لاحتجنا إلى مجلدات، ولكن يكفي تصفح أي جريدة لتجد القتلى الفلسطينيين يمثلون المسلسل اليومي بمعدل ٣ شهداء وأربعين جريحاً منذ بدء الانتفاضة في سبتمبر (أيلول) ٢٠٠١م. ٦ - إذاً! كان ينبغي على اللجنة أن توجه خطابها إلى الحكومة اليهودية لوقف العنف، أي كان عليها مطالبتها بالانسحاب الفوري من الأراضي المحتلة؛ فليس هناك معنى لوقف العنف سوى ذلك. إعادة بناء الثقة: قالت اللجنة: «لقد عبرت المصافحة التاريخية بين الرئيس عرفات ورئيس الوزراء إسحاق رابين التي تمت في البيت الأبيض في سبتمبر (أيلول) ١٩٩٣م عن آمال الطرفين بأن الباب نحو حل سلمي للخلافات قد بات مفتوحاً» . «وعلى رغم العنف الراهن وفقدان الثقة المتبادل عبَّر الجانبان مراراً عن رغبتهما في السلام، وقد تأكدت صعوبة تحويل هذه الرغبة إلى تقدم حقيقي؛ إذ إن استعادة الثقة أمر ملحّ» . «يتعين على الجانبين اتخاذ خطوات ثابتة لتحقيق هذا الغرض، وفي ضوء المستوى العالمي من العداء وفقدان الثقة فإن توقيت وتعاقب هذه الخطوات يتسم بالأهمية الواضحة» انتهى كلام اللجنة. ونعقب على هذا الكلام فنقول: ١ - الخلاف بين الفلسطينيين واليهود ليس خلافاً سياسياً بل هو خلاف عقدي؛ وعلى ذلك فإن المصالحة السياسية التي تمت لا تعبر عن حقيقة ما يضطرم في الساحة من صراع، ولا تعني أن الشعب الفلسطيني موافق عليها. وأما قول اللجنة إن تلك المصافحة عبرت عن آمال الطرفين نحو حل سلمي للخلافات؛ فهو كلام إنشائي لا يصف حقيقة الواقع بل يصف ظاهره فقط. ٢ - تأمل اللجنة في أن يستعيد الطرفان الثقة بينهما باعتبار ذلك أمراً ملحّاً، ولا بد من اتخاذ خطوات ثابتة لتحقيق هذا الغرض. مرة أخرى نقول: إن هذا كلام إنشائي ومجرد تلاعب بالألفاظ؛ إذ كيف يستعيد الفلسطينيون الثقة باليهود وهم يقتلونهم ويحتلون أرضهم وينتهكون أعراضهم؟ ثم ما هي الثقة المطلوبة من الفلسطينيين: هل هي ثقة بالحكومة اليهودية، أم ثقة بالمستوطنين، أم ثقة بعامة اليهود في أرض فلسطين المحتلة؟ إن جميع هؤلاء مشتركون في مصادرة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويكرهون الفلسطينيين أشد الكراهية، ويمقتونهم أعظم المقت. الصحافة اليهودية اليومية مملوءة وبشكل كثيف بهذه المعاني، وإن أمنية استعادة الثقة التي نادت بها اللجنة لا محل لها على ساحة الصراع طالما بقي يهودي واحد على أرض فلسطين. الإرهاب: قالت اللجنة: «في مذكرة شرم الشيخ التي صدرت في سبتمبر ١٩٩٩م تعهدت الأطراف بأن تبدأ العمل ضد أي عمل أو تهديد بالإرهاب أو القصف أو التحريض» . «ويشمل الإرهاب القتل والجرح المتعمد لأشخاص غير محاربين يتم اختيارهم عشوائياً لأهداف سياسية، وهو يهدف إلى الوصول إلى نتائج سياسية من خلال بث الرعب وإشاعة الفوضى في أوساط الجميع» . «إنه لأمر غير أخلاقي وسوف يرتد في النهاية على أصحابه» . «الحكومة الإسرائيلية وجهت اتهامها إلى السلطة الفلسطينية بدعم الإرهاب عبر إطلاق سراح إرهابيين كانوا محتجزين، والسماح لأفراد من أجهزة أمن السلطة بالتحريض، وأحياناً القيام بعمليات إرهابية، ووقف التعاون الأمني مع (الحكومة الإسرائيلية) ، ونفت السلطة الفلسطينية بشدة هذه الاتهامات» . «إننا نعتقد أن على السلطة الفلسطينية المساعدة في إعادة بناء الثقة عبر الإيضاح لكلا الشعبين بأن الإرهاب مدان ومرفوض، وعبر اتخاذ الإجراءات كافة لمنع العمليات الإرهابية ومعاقبة مرتكبيها، ويجب أن يشمل هذا الجهد خطوات فورية بمنع الإرهابيين من العمل داخل المناطق التي تخضع للسلطة الفلسطينية» انتهى كلام اللجنة. ونعقب على هذا الكلام بما يلي: ١ - إن المعتدي اليهودي هو إرهابي ابتداءً؛ فكيف إذا عبر عن اعتدائه بقصف المدنيين العزل بالصواريخ والقنابل ودك منازل الآمنين بالمدفعية، ولاحق الأطفال والنساء والشباب بالرصاص الحي المتفجر؟ ! فإذا كان الإرهاب يشمل القتل والجرح المتعمد لأشخاص غير محاربين كما قالت اللجنة، فمن هو الإرهابي سوى الحكومة اليهودية وشذاذ الآفاق الذين انتخبوها؟ إنهم هم الإرهابيون وهم المجرمون حقاً وصدقاً. ٢ - لقد كان تحيز اللجنة واضحاً في كلامها عن الإرهاب؛ إذ إنها ساقت الاتهامات الإسرائيلية، وغضت الطرف تماماً عن الإرهاب اليهودي الصهيوني وكأنه لم يقع أصلاً، بل إن اللجنة حملت الفلسطينيين مسؤولية الإرهاب وطلبت من السلطة الفلسطينية إدانته ورفضه بل ومعاقبة شعبها الذي يتصدى للعدوان اليهودي؛ لأنها إذا فعلت ذلك فستساعد في إعادة بناء الثقة! ! يا له من صلف وغرور وقلب للحقائق! ٣ - إن اللجنة بهذا الصدد قد تكلمت بالفم اليهودي، وهي تقصد العمليات الاستشهادية التي يقوم بها الفلسطينيون ليلجموا الإرهاب اليهودي عن الاستمرار في إراقة دماء الفلسطينيين. ٤ - إن العمليات الاستشهادية الفلسطينية في مجملها وتفصيلاتها لا تخرج عن كونها دفاعاً عن النفس، ضد الاعتداء اليهودي الصهيوني المستمر. * تُعِدُّ إسرائيل خطة تهدف إلى إقامة معسكرات اعتقال كبيرة للآلاف من الفلسطينيين الذين دخلوا الخط الأخضر واستقروا هناك، وقالت مصادر في ديوان شارون إنه لما كانت السجون القائمة مكتظة، فقد كلفت مصلحة السجون بإقامة مخيم اعتقال مفتوح لآلاف الأشخاص معظمهم من مواطني الأردن. هذه واحدة من حلقات المسلسل الإرهابي اليهودي اليومي ضد الفلسطينيين وقد شملت هذه الحلقة عمليات قتل وجرح جثة شهيد (نحسبه كذلك إن شاء الله) وإحراق بساتين الزيتون والتوغل في الأراضي الفلسطينية المعروفة بمناطق (أ) وهدم منازل وتشريد آمنين، واستخدام جرافات عسكرية وقصف بالدبابات، وإرسال جرحى إلى خارج الأراضي المحتلة، والإعداد لمعسكرات اعتقال ضخمة، كل ذلك في يوم واحد فقط، فمن هو الإرهابي؟ ! سؤال نوجهه إلى اللجنة! * لكن يؤسفنا أيضاً أن نقول: إن هذا الإرهاب الذي مارسته الحكومة اليهودية قد شاركت فيه السلطة الفلسطينية أيضاً ضد شعبها؛ فقد قال مسؤول فلسطيني: إن السلطة الفلسطينية وجهت تحذيراً شديد اللهجة لحركة المقاومة الفلسطينية «حماس» وتوعدت باتخاذ عمل جازم ضد أي جماعة أو أشخاص ينتهكون وقف إطلاق النار أو يحاولون التلاعب بالوضع الأمني. فماذا تريد اللجنة من السلطة أكثر من ذلك الإرهاب لشعبها لصالح دعم الإرهاب اليهودي له؟ !

стр. 4030

المسلمون والعالم حتى لا يقال: كان السودان بلداً سُنّياً ! ! عثمان عيسى ما كان السودان يعرف مذهب الشيعة على الإطلاق، لكن التشيع بدأ يتسلل إلى البلاد عن طريق ما تقدمه إيران من منح دراسية للطلاب السودانيين؛ حيث ولجت أفكار الرفض أرض السودان، وكانت تلك أرضية مناسبة لإنشاء ما يعرف الآن بـ (المراكز الثقافية الإيرانية) ؛ ونشطت السفارة الإيرانية في مجال تطوير العلاقات السودانية الإيرانية، وحرصت على إنشاء تلك المراكز ورعايتها بعناية. ومن أبرز أنشطة السفارة الإيرانية انضمامها لجمعية الصداقة الشعبية العالمية باسم: (جمعية الصداقة السودانية الإيرانية) ، وربطت هذه الجمعية بالسفارة الإيرانية مباشرة، وقد أسهمت هذه الجمعية في تنشيط المراكز الثقافية الإيرانية وغيرها من الأنشطة الدعوية، فيتوجه أعضاء هذه الجمعية إلى المكتبات التابعة لتلك المراكز. ولعل مما يجدر ذكره في بدايات دخول التشيع إلى السودان زياراتهم لشيوخ الطرق الصوفية وتوثيق العلاقة بهم؛ وخصوصاً من يدعي منهم أنه من آل البيت، والتظاهر لهؤلاء الشيوخ بأنهم يجتمعون وإياهم في محبة آل البيت ومناصرتهم، وادعاؤهم أن أساس اعتقادهم واحد، وهكذا تتوالى الزيارات لهؤلاء مع الإغراءات المادية لهم، فتكونت العلاقات المتينة؛ ومن خلال هؤلاء الشيوخ تم الوصول إلى مريديهم (حيرانيهم) وأتباع طرقهم، وسمح لهم بإلقاء المحاضرات في مساجدهم وقراهم، كل هذا حدث بسبب هذا المدخل وهو اجتماعهم مع الطرق الصوفية في ادِّعاء محبة آل البيت. أبرز المؤسسات والأنشطة: إن العمل المؤسسي من أشد الأنشطة تأثيراً على الفرد والمجتمع؛ إذ يجد الفرد نفسه عضواً في العمل بالتدريج، ولا بد أن يتشرب أثناء عمله شاء أم أبى أفكار صاحب العمل، وهذا ما اتجهت إليه أنظار الرافضة في السودان، فاستوعبوا أكبر قدر ممكن من الموظفين سواء في المراكز أو المعاهد التابعة لهم على شكل حراس ومستخدمين وسكرتاريين وسائقين ومترجمين وغير ذلك، وهذا التوظيف بهذه الكثرة ليس سببه كثرة العمل وضغوطه بقدر ما هو استيعاب أكبر قدر ممكن للتأثير المباشر عليهم عقدياً، وهذا ما حصل مع الأسف. بالإضافة إلى ذلك اتجه اهتمام الرافضة إلى الأساليب التي تمس المجتمع مباشرة، مثل إنشاء المدارس والمعاهد، والجمعيات. ونسوق هنا بعض ما يخص هذه الأنشطة بشيء من التفصيل: أولاً: المراكز الثقافية: تعتبر هذه المراكز آليات لتنفيذ الأنشطة في مجال نشر الرفض بين المثقفين، وهي في الوقت نفسه تمثل واجهات يتستر خلفها دعاة الرافضة لتشييع المجتمعات المستهدفة في السودان ومن أبرزها: أ - المركز الثقافي الإيراني بالخرطوم: يقع هذا المركز جوار السفارة الهندية، وهو بمثابة العقل المدبر لنشر الفكر الشيعي في السودان؛ ولهذا المركز عدة أقسام: ١ - قسم الإعلام والثقافة: يحتوي على مكتبة لأشرطة الفيديو، وأشرطة الكاسيت، والجرائد الإيرانية، ومن أهم عروض الفيديو التي تقدم: عروض عن ولاية الإمام علي رضي الله عنه، وعن بطلان بيعة أبي بكر ﵁ في السقيفة، وأنها كانت بمحاباة وقبلية، ويتم في هذا القسم نشر أشرطة فيها سبٌّ للصحابة ﵃ وخاصة الإمامين أبي بكر وعمر ﵄، كما توزع في هذا القسم الكتب الخاصة بفكر الرفض لزوار المركز وخاصة الطلاب. ومن أخطر أنشطة هذا القسم تقديم المنح الدراسية للجامعات الإيرانية، وأكثر المنح تكون لجامعة الإمام الخميني؛ لأن هذه الجامعة تقوم بتدريس ما يعرف بالفقه الجعفري، وقد تم خلال السنوات التسع الأخيرة إرسال عدد كبير جداً من الطلاب إلى تلك الجامعة، وخاصة الطالبات، وقد تخرج في تلك الجامعة عدد كبير، وتم تعيين أغلبهم في المراكز الثقافية الإيرانية، وبعضهم في السفارة الإيرانية بالخرطوم [١] ، وتعطى تلك المنح للطلاب الذين سبق التحاقهم بإحدى الدورات التي ينظمها المركز، والذين يبدو عليهم الاستعداد لمناقشة العقيدة، أو يظهر أن لديهم رغبة في المال مقابل التنازل عن عقيدتهم، ويقوم بمهمة مراقبة الطلاب مشرف مكلف رسمياً بتدوين ملاحظاته عن مدى تأثر الدارسين. ٢ - قسم الدورات: يقدم هذا القسم عدداً من الدورات حول عدد من الموضوعات والمهارات: أولاً: دورات في اللغة الفارسية: وهي للعامة والمثقفين، فيستشهدون أثناء تدريسها بأفكارهم، ويناقشون فكرة الإمامة والرجعة ومسح القدمين، وغيرها من عقائد القوم، ووقع بذلك كثير من الدارسين بسبب الدورات في شباكهم. ثانياً: دورات في الخط الفارسي: وعبرها يضعون السم في العسل [٢] بترسيخ أصولهم الرافضية في خطوط عريضة لا تغيب عن الذهن بتكرارها. ثالثاً: دورات في الفقه المقارن: يُدرس في منهجه كتاب اسمه: (الفقه على المذاهب الخمسة) ويعنُون بها المذاهب السنِّية الأربعة المعروفة: (الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي) ، بالإضافة لمذهب الرافضة الفقهي الذي يسمونه بـ (المذهب الجعفري) ، ويؤتى بالمعلمين الذين يقومون بتدريس هذا النوع من الدورات من إيران مباشرة. يقوم من يدرس في هذه الدورات بترجيح جانب المذهب الجعفري دوماً وفي كل قضية، مركِّزاً على أن الإمام جعفر الصادق إمام معصوم، وأن كل المذاهب السنية قد أخذت منه، ويحرصون على تكرار مقولة منسوبة للإمام أبي حنيفة أنه قال: «لولا السَّنَتان لهلك النعمان» ، ويعنون بذلك أن أبا حنيفة قد درس سَنَتين على الإمام جعفر الصادق. وقد أقيمت حتى الآن (خلال الأعوام العشرة الماضية) ٩٠ دورة في الفقه المقارن، نوقشت خلالها كثير من المسائل العقدية عند الرافضة مثل سبِّ الصحابة والطعن فيهم؛ بينما يلاحظ الضعف الكبير في أنشطة أهل السنة في السودان مقارنة بأنشطة الرافضة هناك من حيث أعداد الدورات، وتأهيل الدعاة، ونشر مذهب أهل السنة، مع الانفتاح الشديد جداً أمام أهل السنة في الدعوة إلى الله حكومة وشعباً. رابعاً: دورات في المنطق: يدرس فيها كتاب: (خلاصة المنطق) وهو مدخل للتشكيك في عقائد الطلاب، فبه يبدءون، ثم يدخلون في الفقه المقارن، ثم يُخرِجون الطلاب من السُّنَّة إلى الرفض، والله المستعان. خامساً: دورات في أصول الفقه: تقام هذه الدورات خاصة للطلاب الجامعيين، وبالأخص طلاب جامعة أم درمان الإسلامية، وجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية، فيقوم المدرس الإيراني بتدريس هذه المادة لأهميتها عندهم؛ ففي هذه المادة خاصة يتكلمون عن الخلاف بين السنة والشيعة، وعن الإمامين أبي بكر وعمر ﵄، وقد يتكلمون عن الوهابية بسوء القول في كل مناسبة بل وبغير مناسبة! ويكفِّرون الصحابة إلا قليلاً، فيثور النقاش بين الطلاب في مسألة لعن الصحابة [٣] ، وقد ينتهي هذا النقاش أحياناً بإقناع عدد ليس بالقليل من الطلاب. ٣ - قسم المكتبة: توجد في هذا المركز مكتبة عامة تحوي كميات من الكتب في كافة التخصصات؛ وذلك لجلب كل طبقات الطلاب والباحثين، واستقطاب كل فصائل المجتمع، ومن أقسام تلك المكتبة جناح خاص بالعلوم الشيعية باللغتين العربية والفارسية، وتتوفر فيها الصحف اليومية السودانية والإيرانية. ٤ - قسم المناسبات: وهو من الأقسام المهمة جداً في المركز؛ فهو يختص بإقامة المناسبات الدينية والسياسية، مثل إقامة ذكرى ميلاد الأئمة الاثني عشر، وذكرى ميلاد السيدة فاطمة الزهراء، ومولد علي بن أبي طالب ﵁، وذكرى الإسراء والمعراج، ويوم عاشوراء الذي يجتمعون فيه ويبكون ويسبُّون الصحابة، وتقام مناسبات أخرى مثل تأبين الأئمة، وكذلك الاحتفالات السياسية كذكرى تولي الحكم، وميلاد الخميني وموته، وعيد النيروز (وهو عيد وثني مجوسي معروف) ، وسائر الاحتفالات التي تقيمها الشيعة في العالم. ويتم أثناء تلك الاحتفالات عرض أفلام وثائقية حول الأئمة الاثني عشر، والخميني باسم: (من الميلاد حتى العروج) ، وفيلم يشتم الوهابية باسم: (الوثنية السعودية) ! وفي هذا الاحتفال يتم توزيع كتاب بنفس الاسم: (الوثنية السعودية) ، مع ٧٠ كتاباًَ آخر كلها حول الوهابية، ومن هذه الكتب كتاب مختلق باسم: (مذكرات مستر هنفر) وُزِّع منه حوالي مليون نسخة ما بين ١٩٩٠م ٢٠٠٠م، وقد تم خلال هذا العام عرض فيلم حول الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وفيه افتراءات لا تنطلي إلا على جاهل أو حاقد. ولا يكتفي هذا القسم بعرض تلك الأفلام بل يقوم بتوزيع كثير منها أيضاً. ومن أنشطة هذا القسم كذلك استقطاب المسؤولين والوجهاء وشيوخ الطرق الصوفية وأساتذة الجامعات بتوجيه بطاقات الدعوة في المناسبات، ودفع مبالغ لهم باسم الهدية، وتوجيه دعوات لهم لزيارة الجمهورية الإيرانية، وخلال السنوات الخمس الماضية قام مجموعة من أهم رجالات الحكومة بزيارة طهران، بالإضافة إلى زيارات على مستوى قيادات الجيش والطلاب وحفظة القرآن، إلى جانب أفراد من أساتذة الجامعات ومشايخ الطرق الصوفية. ويوجه هذا القسم دعوته للطلاب الأفارقة في (جامعة إفريقيا العالمية بالخرطوم) والتي كانت سابقاً تسمى: «المركز الإسلامي الإفريقي» وكان مركزاً هاماً من مراكز نشر السنة في إفريقيا عموماً، ولأن هناك محاولات جادة بل مثمرة لكسب هذه الجامعة والتأثير عليها مباشرة أو غير مباشرة؛ فقد ظهر هذا التأثير المباشر على إدارة الجامعة والمسؤولين فيها وتم كسبهم وكسب ولائهم، وليس من الغريب أن يكون أحد المسؤولين الكبار في هذه الجامعة هو أحد الأشخاص الذين كان لهم أكبر الأثر في إيجاد موطئ قدم للرافضة في السودان في بداية نشر مذهبهم فيه. ويأتي التركيز على هذه الجامعة؛ لأنها على غرار جامعة الأزهر في مصر والجامعة الإسلامية في السعودية؛ حيث إن نوعية غالب الطلاب من جنسيات أجنبية؛ فالتأثير عليهم سهل ومثمر في بلادهم بعد تخرجهم. وأما الطريقة غير المباشرة فهي أنه قد تم منحهم قطعة أرض كبيرة جداً وقريبة من هذه الجامعة لإقامة مركز إسلامي يحتوي على مسجد وسكن ومكتبة وقاعة محاضرات وأندية وسكن داخلي للطلاب ليتم من خلاله استقطاب الشباب الأفارقة لهذه الأنشطة والتأثير عليهم مع ملاحظة قرب هذا المركز الشديد من هذه الجامعة لحضور المناسبات المختلفة، ومع توفير وسائل المواصلات لكل الطلاب، ودفع الأموال للذين يروِّجون للرفض في الأوساط الطلابية بالجامعة. ب -المركز الثقافي الإيراني بمدينة أم درمان: تم إنشاء هذا المركز بإيحاء من الشيعة الذين يقطنون هذه المنطقة، وله أنشطة المركز الثقافي الإيراني نفسها بالخرطوم، ويستعين المركز في أنشطته بالذين سبق لهم أن نالوا دراسات في إيران ممن يتقنون اللغة الفارسية. ويقوم هذا المركز بعقد لقاءات جماعية أسبوعية كل يوم أربعاء، ويتوافد إلى هذه اللقاءات جم غفير من الطلاب، ويحضر بعض تلك اللقاءات زائرون من إيران، ويقومون بندوات لنشر فكر الشيعة [٤] . يتميز مدير مركز أم درمان (وهو سوداني) بالمبادرة إلى الأعمال، وله خبرة في أساليب استدراج الطلاب إلى فكر الرفض. ثانياً: المكتبات العامة: للاهتمام العظيم الذي يوليه الرافضة لأنشطة التشييع قاموا بإنشاء المكتبات العامة التي تمثل في السودان مأوى لكل الطلاب لاعتبارات عدة، ومن أبرز تلك المكتبات: ١ - مكتبة المركز الثقافي الإيراني بالخرطوم. ٢ - مكتبة المركز الثقافي الإيراني بأم درمان. ٣ - مكتبة الكوثر بحي السجانة (وسط الخرطوم) . ٤ - مكتبة مركز فاطمة الزهراء بحي العمارات (وسط الخرطوم) . ٥ - مكتبة مدرسة الجيل الإسلامي بحي مايو [٥] (جنوب الخرطوم) . ٦ - مكتبة معهد الإمام جعفر الصادق بحي العمارات (وسط الخرطوم) . وقد حققوا نجاحاً في استخراج إعفاءات جمركية (عبر الاتفاقيات بين السودان وإيران وللأنظمة والأعراف الدبلوماسية بين الدول) لإدخال الكتب والأشرطة المسموعة والمرئية، وقد أدخلوا ٨ ملايين نسخة من الكتب المختلفة التي تدعو إلى فكر الرفض، وقد نشرت منها كميات ووزعت على المتصوفة والطلاب والمعاهد الدينية بالسودان عبر مشرفي المعهد الإيراني بالخرطوم. وهذه قائمة بأهم تلك الكتب التي وزعت خلال الأعوام السابقة: الكتاب ... ... ... ... ... المؤلف ... ... ... ... ... ملاحظات ١- الوهابية في الميزان ... ... جعفر السبحاني ... وهذا الكتاب مغالطات حول عقيدة السلف عمومًا بدعوى نقدها ٢- معالم المدرستين - ٣أجزاء ... مرتضى العسكري وهذا الكتاب من أخطر الكتب الموزعة للمثقفين ثقافة عالية جدا، ويحتوي هذا الكتاب على شبه قوية جدًا في مذهب أهل السنة لا يستطيع التصدي لها إلا العلماء وطلبة العلم ٣- براءة الشيعة من افتراءات الوهابية محمد أحمد خير ... ... ... ... ... ... سوداني متشيع ٤- زبدة الأحكام ... ... ... ... الخميني ٥- القرآن ودعاوى التحريف ... ... رسول جعفريان ٦- مخالفة الوهابية للقرآن والسنة ... عمر عبد السلام ٧- الإسلام والوثنية في السعودية. ... فهد القحطاني ... هذا الكتاب يوزع بكثرة مع أن اسم هذا المؤلف اسم لا حقيقة له سوى الكذب المعروف عنهم علماً بأنه قد وزعت مليون نسخة من المصحف الشريف في مساجد العاصمة الخرطوم وبعض القرى وهي نسخة مزخرفة جميلة، واسم الجلالة مكتوب فيها بالأحمر. وعليها اسم الجمهورية الإيرانية، وهذه النسخ جاءت بعد أن قام أحد دعاتهم بصلاة الجمعة في أحد مساجد ولاية الجزيرة حيث سمع الخطيب يخطب عن الرافضة ويذكر من عقائدهم أنهم يعتقدون أن القرآن ناقص. فقام هذا الرافضي برفع برقية لمرجعه، فعمدت إحدى دور النشر في الشام بطباعة مليون نسخة مصحف طباعة فاخرة تم توزيع كميات كبيرة منها في هذا الجامع بالذات وفي السودان عموماً حتى تلغي هذه النظرة عن الرافضة من العامة، وحتى لا ينفضحوا في بداية مشوارهم التشييعي في السودان مع المكاسب التي حققوها. ثالثاً: المؤسسات التعليمية: أ - المدارس: وهي على النحو الآتي: ١ - مدرسة الإمام علي بن أبي طالب الثانوية للبنين بمنطقة الحاج يوسف في محافظة شرق النيل: أنشئت هذه المدرسة في هذه المنطقة الشعبية أملاً في إقبال الطلاب عليها نظراً للظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها أكثر الناس. ٢ - مدرسة الجيل الإسلامي لمرحلة الأساس للبنين بمنطقة مايو في محافظة الخرطوم: وهي أيضاً منطقة نائية في طرف العاصمة يقطنها النازحون إلى العاصمة من جنوب السودان وغربه. ٣ - مدرسة فاطمة الزهراء لمرحلة الأساس للبنات بمنطقة مايو في محافظة الخرطوم. ب: المعاهد: ١ - معهد الإمام علي العلمي الثانوي للقراءات بمنطقة الفتيحاب بمحافظة أم درمان: أنشئ في سنة ١٩٩٦م، لاستقطاب طلاب الخلاوي، وفي السنة الأولى وقعت في المعهد جريمة أخلاقية تم على إثرها إغلاقه؛ ولله الحمد. ٢ - معهد الإمام جعفر الصادق الثانوي للعلوم القرآنية والدينية بحي العمارات: محافظة الخرطوم. وهو من أخطر مراكز التشيع؛ إذ لا يقبل سوى حَفَظَة القرآن الكريم، ويلاحظ تركيزهم على حفظ القرآن ممن لا يحملون علوماً شرعية أخرى لهدف واحد وهو قبول الناس واحترامهم لحافظ القرآن الكريم وخصوصاً أبناء الأرياف والقرى، ومن ثم وبعد التأثير عليهم حيث يرسل من حفظ منهم القرآن إلى قريته ويتبنى إما فتح خلوة له أو بناء مسجد يؤمه هو، أو أن يكون إمام مسجد القرية القديم، ثم يبدأ التأثير على أهل قريته وقبيلته. مع ملاحظة شروط القبول في هذا المعهد التي تخدم هذا الهدف المراد، ومنها: أ - حفظ القرآن الكريم كاملاً. ب - أن يكون عمر الطالب أقل من سبعة عشر عاماً! ت - أن يكون الطالب سوداني الجنسية. ث - أن يكون الطالب معافى من العاهات المستديمة. ج - أن يكون الطالب صوفياً. وبالطبع يشترطون ألا يكون للطالب علاقة بالسلفية أو اتصال بالعلوم الشرعية [٦] . يتكون المعهد من طابقين، وفيه قسم داخلي كبير للطلاب يحوي كل وسائل الراحة، وفيه مطعم يقدم ثلاث وجبات يومية فاخرة مجاناً، وبه غرف وأسرَّة لكل الطلاب، وبالمعهد مكتبة ضخمة فيها جميع كتب الرافضة وكتب السنة، وفيها جهاز فيديو ومكبرات للصوت للأذان، ومن مرافق المعهد قاعة للمطالعة، ومسجد للصلاة. يقدم المعهد لطلابه كل ما يحتاجون من ملابس وأحذية وغذاء وعلاج ووسائل ترحيل. وللمعهد أقسام دراسية ثلاثة: ١ - قسم التجويد: ومدة الدراسة فيه سنتان، يمنح الطالب بعدها شهادة إجازة في التجويد. ٢ - قسم القراءات: ومدة الدراسة فيه أربع سنوات، يمنح الطالب بعدها شهادة إجازة أهلية في القراءات. ٣ - القسم الثانوي العلمي: ومدة الدراسة فيه ثلاث سنوات، يمنح بعدها الطالب شهادة إجازة أهلية في العلوم الدينية. ومن الجدير بالذكر أنهم يسعون لفتح كلية لعلوم اللغة العربية والشرعية، ويبذلون كل وسعهم في استصدار تصريح لذلك. رابعاً: الجمعيات والروابط والمنظمات ١ - رابطة أصدقاء المركز الثقافي الإيراني: هذه الرابطة ليست إلا (رابطة شيعة السودان) فهي واجهة شيعية تتم عبرها اللقاءات مع المدعوين للتشيع، ويتم في هذه اللقاءات إلقاء المحاضرات وتقديم الكتب والهدايا من قبل مدير المركز محمد الهادي تسخيري الذي خلف المدير السابق علاء الدين واعظي. ٢ - رابطة الثقلين. ٣ - رابطة آل البيت. ٤ - رابطة المودة. ٥ - رابطة الظهير: وهذه الروابط الأربع روابط طلابية يشرف عليها بعض خريجي الجامعات الإيرانية والسورية واللبنانية والتركية، ولها أنشطة مختلفة كإقامة الندوات والمحاضرات وإصدار مجلات حائطية ومطويات. ٦ - رابطة الزهراء: وهي رابطة خاصة بالطالبات في المدارس والمعاهد والجامعات، وتشرف عليها إحدى أهم الناشطات في الحركة الشيعية النسائية وممن امتزج التشيع فيها امتزاج الروح بالبدن، وهي أيضاً عضو مهم ومؤثر في الاتحاد النسائي الإسلامي السوداني العالمي. يقوم المركز الثقافي الإيراني بدفع مبالغ كبيرة لكل الروابط المذكورة من أجل تمويل الأنشطة؛ إضافة إلى الرسوم الدراسية للأعضاء، وتأمين ملابس وكتب دراسية ومبالغ مالية للمواصلات، وغير ذلك مما يحتاجه الطلاب. ٧ - جمعية الصداقة السودانية الإيرانية: نشأت هذه الجمعية بدعم بعض السياسيين من البلدين، ويرأسها حالياً الدكتور المكاشفي طه الكباشي وهو شخصية لها اعتبارها عند العامة من وجوه، منها: ارتباطه الكبير بالصوفية، فهو من كبار زعماء الصوفية في السودان ومن أشهر رجالاتها، وكان رئيساً للقضاء في فترة تطبيق الشريعة في عهد النميري، وقد أصدر حكماً نهائياً بقتل الهالك محمود محمد طه زعيم الحزب الجمهوري ومؤسسه ردةً، كما أن للمشرفة على رابطة الزهراء جهوداً كبيرة في نفس الجمعية. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن لهذه الجمعية صلة وثيقة بمجلس الصداقة الشعبية العالمية وهو أحد أهم الواجهات الرسمية التي تمارس ما يسمى بالدبلوماسية الشعبية إضافة إلى الدبلوماسية الرسمية [٧] ، ويرأس هذا المجلس أحد كبار الحزب الحاكم هو الدكتور أحمد عبد الرحمن الذي يبدي تعاطفاً كبيراً مع الشيعة ويدافع عنهم في المجالس والمنتديات، وقد تمكنوا من خلال هذا المجلس من الاتصال بجمعيات الصداقة الأخرى، وكذلك بالطلاب الوافدين خاصة من الدول الإفريقية، وقد تشيع طلاب من السنغال وإفريقيا الوسطى ومالي وبوروندي وموزمبيق ونيجيريا ممن يدرسون في جامعة إفريقيا العالمية. ٨ - منظمة طيبة الإسلامية: وهي تعنى بإنشاء المدارس والمعاهد، ويتبعها بعض المعاهد والمدارس سالفة الذكر، كما يتبعها ما يعرف بـ (مجلس أمناء المدارس الإيرانية بالسودان) والذي يضم عدداً كبيراًَ من الشخصيات السودانية الموالية للرافضة في السودان. خامساً: مؤسسات اقتصادية ومشاريع استثمارية: ١ - شركة إيران غاز: وهي إحدى أهم الشركات العاملة في تعبئة أنابيب الغاز ونقلها وتوزيعها في السودان، ويوجد في كل حي موزع أو أكثر لهذه الشركة؛ حيث يعمدون إلى إعطاء التوكيل في الحي لمن كان على مذهبهم ليكون مصدر دخل لأبناء ملتهم. ومن الجدير بالذكر أن المسؤولين الإيرانيين في هذه الشركة بدءاً من مديرها العام يشاركون في الأنشطة الدعوية الشيعية، ويباشرون الدعوة بأنفسهم في الأوساط التي يحتكون بها. ٢ - المطعم الإيراني: وقد أقيم في مبنى فخم من ثلاث طوابق يطل على شارع المطار، وشارع رقم ١٥ بحي العمارات، إلا أنه قد أخفق من ناحية اقتصادية وتم إغلاقه. ٣ - استثمارات في البترول: للإيرانيين استثمارات في مجال التنقيب عن البترول السوداني واستخراجه. وهكذا نرى السودان، البلد الإسلامي السني يتعرض لتلك الهجمة الرافضية، في ظل غفلة من أهل السنة وانشغال، فهل نترك لهم السودان ليكون إيران إفريقيا؟ !
следующие страницы →