← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

البيان الأدبي عذراً ... أبي ! د. حمدي شعيب أفقتُ على صرخات الإمام، أرى المنبر يرتجُّ أسفل منه، اختلطت كلماته، تاهت صيحاته، وامتزجت بأصوات الباعة خارج المسجد، عجوزٌ بجواري يغط في نوم عميق، فيميل على جاره، يهزه الجار بعنف، لقد قطع عليه حبل أفكاره، فبعد الصلاة هو على موعد مع سامي بك خارج المسجد، ليساعده في الحصول على ترخيص تزويد عمارته الجديدة بالكهرباء. طفلٌ أمامي يعبث بشعر والده، شابٌّ خلفي يعاتب صديقه: لِمَ تخلفت عن سهرتنا أمس؟ ! ! ما زال الإمام يصيح: أيها الناس! أولادَكم، أولادَكم! «أعينوا أولادكم على البر، بالإحسان إليهم، وعدم التضييق عليهم، والتسوية بينهم في العطية، من شاء استخرج العقوق من ولده» [١] . إيهِ أيها الشيخ! هدير صيحاتك لا يجد مكاناً، توجيهاتك لا يصغي لها أحدٌ. ازدواجية شائهة، فصامٌ شاذ، انفصالٌ غريب بين القول والعمل، بين ما تنادي به وما هو واقع، بين دموعنا داخل المسجد وحياتنا خارجه! ؟ ما زال هدير الإمام يهز أركان المسجد، ويزلزل جنباته، ولا يتعدى جدرانه؛ هذا هو المسموح! وما زالت صيحات الباعة تهتز لها أركان المدينة، بل أركان الدنيا كلها، بما فيها المسجد! صراعٌ سرمدي، تدافعٌ أبدي، معركة خالدة. زاغت عيناي، لم تعد تتبين موقع ذلك الهدير، تزاحمت خواطري، لم أعد أشعر بصرخات الشيخ المسكين، التفتُّ إلى مروحة في سقف المسجد، فدارت معها أفكاري! سنواتٌ بعيدة في عمق التاريخ، محطات كثيرة، شقت أخاديد في طريق حياتي، آلمتني، أعاقت مسيرة حياتي، سأقف عند بعضها، أو عند أهمها، لقد نشأت في أسرة كثيرة العدد، متوسطة الحال، كنت خامسهم، ورابعنا كان من نصيبه بل من نصيبنا جميعاً أن يكون ولداً، بعد ثلاث بنات، فاستحوذ على النصيب الأعظم من الاهتمام الأسري، ومن الرعاية والمحاباة الأبوية، مالت به كفة الحنان والحب، حتى أثارت حفيظتنا جميعاً. فالحق ما يراه ماهر، والصواب ما يدلي به ماهر، والخير ما يأتي به ماهر! حاول بعضنا النصيحة، فكان من نصيبه الزجر، والاتهام بعدم تقدير المسؤولية، بل وعدم البصيرة! ذات يوم حاولت أمي القيام بدورها التقويمي، ومسؤوليتها التصحيحية: أبا ماهر! حذار من هذا الميل الزائد، والاهتمام الملموس، بل والمحاباة، والدعم لماهر، ولرغبات ماهر، ولآراء ماهر، يا رجل لا تنس أن له سبعة إخوة آخرين يحتاجون إلى برك وعطفك. يا رجل اعدل! أبا ماهر حذار أن ... ! قاطعها أبي صائحاً فيها: أم ماهر ... لا أريد فتح هذا الموضوع. سكتت أمي على مضض. تزوج ماهر، فزاد الطين بلة؛ حيث كثرت زيارات أبي له دون إخوتي! ذات يوم سمعت عمي يحادثه في هذا الأمر: أبا ماهر أليس لك من الأولاد سوى ماهر لتزوره؟ ! ! رد عليه أبي: يا أخي كما يقولون في المثل: (الرِّجْل تدب إلى ما تحب) . ابتلعت هذا الرد الغريب. لم أشأ أن أريهما نفسي. توقفت برهة، تنازعتني صراعات نفسية كثيرة، شعرت بالضيق، أحسست بألم رهيب يعتصرني، ظلامٌ مركب يهاجمني، ظلام الليل، وظلام غياب العدل، وظلام تلك الأمثال البغيضة وآثارها. ظلمات بعضها فوق بعض. تسللت كالقطا إلى صومعتي؛ إلى حجرتي الصغيرة. صورة إخوة يوسف ﵇ وهم يرفعون راية التمرد لم تفارق مخيلتي، لم أكن أتصور أن يتهم نبي كريم، بهذا الاتهام الرهيب [إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] (يوسف: ٨) هربتُ من أفكاري، إلى مكتبتي، قلَّبتُ محتوياتها، وقعت عيناي على إحدى روايات (شكسبير) ، على لسان (الملك لير) ، يقول كلمات حفرتها في ذاكرتي تجربة صعبة: (ليس أشد إيلاماً من ناب حية رقطاء غير ابن جحود! ولكن.. كيف بالله يشكر الأبناء ما لم نعودهم نحن الشكر؟ ! إن الجحود فطر، مثله مثل الأعشاب الفطرية. والشكر كالزهرة لا ينبتها إلا الري والسقيا. فإذا لم نعوِّد أبناءنا إجزال الشكر للآخرين، فكيف ننتظر منهم أن يشكرونا نحن؟ !) . ألقيتُ بالرواية جانباً سقطت من بين الكتب ورقة، كنت قد أهملتها أسابيع عدة. عقد عمل أرسله لي صديق يعمل بالخارج. لم تعد هناك مقاومة أو حجة لرفض هذا الصيد الثمين. فرصةٌ لتحقيق بعض خططي المستقبلية، أقصد للهروب، والانسحاب من هذا الواقع! سافرتُ، ولم تسافر أفكاري، ظلت مرتبطة بالماضي، وآثاره وآلامه. كنتُ على البعد تأتيني رسائل إخوتي، ولكن لم تزل الأحوال كما هي. حتى جاء يوم كئيب، برسالة كئيبة، أحضر حالاً، والداك في حالة خطرة، أثر حادث أليم. حملتُ حقائبي، وعدتُ في أقرب رحلة. رجعتُ وكلي أمل. لكن.. فات الأوان، وجدت الجميع ينتظرني، إخوتي المساكين، أحاطوني بالحب، فأحطتهم بالحنان. شد عمي على يدي، أنت الآن رجل الأسرة، أخوك المدلل ماهر لا خير فيه، بعد صلاة الجمعة سنذهب لزيارة قبر والديك! ؟ ؟ ما زال الإمام يصيح ويهدر. ولم تزل أصوات الباعة، كل الباعة، تعلو، وتحاصر كلماته، وتصارع صيحاته، لتظل حبيسة جدران المسجد. سكت الصياح، وانتهت الصلاة. خرجت مع الناس، بعد أن فتحت أبواب المسجد، أبواب كثيرة للمسجد، ومشارب كثيرة للناس، سبحان من وفق وجمع! على قبر أمي بكيتُ كثيراً. بكيتُ الحنان الذي لا يعرف تفرقة، الدفء الذي يكفي الجميع، يكفي العالم. بكيتُ صاحبة المحاولات التوفيقية، والمبادرات التصحيحية. بكيتُ الود الذي لا يعرف قيداً، الأمل الذي انطفأ! النور الذي خبا! بكيتُ الشمعة التي حاصرتها كتائب الضباب، فلم تقوَ على المقاومة. على بعد خطوات يرقد أبي. رجلاي لا تكادان تحملاني. صورة إخوة يوسف ﵇ تحاصرني، كلمات (الملك لير) تصم أذني أردتُ أن أزور قبر والدي، فلم تطاوعني قدماي. عذراً ... أبي، لقد تذكرت بعض ما علمتنيه: (الرِّجْلُ تدب إلى ما تحب) . أحس عمي بتثاقل قدميَّ أخذ بيدي إلى قبر والدي وهو يتلو قوله تعالى: [وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً] (العنكبوت: ٨) .

стр. 4027

مراجعات في السيرة والتاريخ أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ أ. د. جمال عبد الهادي شاع في العصر المتأخر في كثير من محافل العلم والثقافة عدد من المغالطات والأباطيل التي يراد من ورائها زحزحة المسلمين عن دينهم وحقهم، وتشويه العقائد الخالصة لصد الناس عنها، هذه المغالطات تقدم بصورة يحسبها بعضهم علماً وما هي كذلك؛ ولهذا يجب كشف مثل هذه المغالطات وإظهار ما يهدمها من حقائق، ومن بين هذه الأخطاء: ١ - أن الدين من اختراع العقل البشري، وأن الإنسان من سلالة القردة، وأنه لا إله، وأن الكون خُلِق من تلقاء نفسه. هذه المقولات من الأباطيل الشائعة التي تمتلئ بها غالب المصادر والمراجع التاريخية المقررة والمعتمدة في دور العلم الأجنبية والعربية؛ حيث يدعى أنه ليس من إله خالق لهذا الكون، ولا ملائكة، ولا وحي ولا رسل، والكون خلق مصادفة، والإنسان من سلالة الحيوان (القردة) التي تطورت عن الأحياء الدنيا التي نشأت في البرك والمستنقعات على مدار ملايين السنين، وأن الإنسان القرد كان في بداية نشأته محدود التفكير لا يتعدى تفكيره تفكير طفل صغير بلغ الخامسة من عمره، ولم يكن يميز بين الجمادات والكائنات الحية، وأن الدين من اختراع العقل البشري، وكذلك الزراعة واستئناس الحيوانات [١] . وتزداد الأباطيل شناعة حينما يزعم أدولف ارمان في كتابه: (ديانة مصر القديمة) الذي ترجمه أ. د. محمد أنور شكري، أ. د. محمد عبد المنعم أبو بكر، أن الإنسان تعلم التدين من الحيوانات، ومنها تعلم لغة التخاطب، ومنها تعلم الزواج وإنشاء الأسرة والدولة، والملفت للنظر أن المترجمَيْن وهما من أبناء المسلمين لم يحاولا الرد أو التصحيح في ضوء التصور الإسلامي؛ على كل لقد أفضوا إلى ما قدموا. العجيب أن هذه الترهات وغيرها تدرس لبني الإنسان في جميع أقسام التاريخ والآثار في العالم تحت مسميات: (تاريخ وحضارة الشرق الأدنى القديم، تاريخ العصر الحجري، عصور ما قبل التاريخ، بلاد ما بين النهرين، مصر الفرعونية، تاريخ الشام القديم، الجزيرة العربية قبل الإسلام، تاريخ اليونان، الرومان، إلى غير ذلك) بوصفها مقررات دراسية دون فحص أو تمحيص؛ مع أن الرسول ﷺ علمنا أن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. والذين قاموا ويقومون بهذا التزوير لتاريخ العقائد والكون والإنسان وهم المستشرقون ومن سار على نهجهم يهدفون من وراء ذلك إلى ما حذر الله سبحانه وتعالى منه: [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا] (البقرة: ٢١٧) وذلك تمهيداً للسيطرة الاقتصادية والسياسية وغيرها على ثروات الشعوب والأمم. ماذا يترتب على ذلك التفسير اللاديني لتاريخ العقائد والكون والإنسان؟ إن كُتَّاب التاريخ الديني الذين تبنوا هذا التفسير اللاديني اعتماداً على الحدس والتخمين، واستبعاداً للقرآن والسنة، حريصون وهم يتبنون ذلك التفسير على هدم الإسلام بوصفه عقيدة ونظام حياة شاملاً: اقتصادياً، وسياسياً، وثقافياً، وتعليمياً وجهادياً، وهو صالح لكل زمان ومكان، ومن ثَمَّ زعزعة ثقة بني الإنسان في رب العالمين، والملائكة والكتب والرسل ﵈؛ مع تشويه تاريخ الأمة المسلمة باعتباره واقعاً تطبيقياً لذلك الدين وتزييفه وبعثرته حتى لا تهتدي الأمة إلى ذاتها وغاياتها، منطلقين في ذلك من العداء للاتجاه الديني عامة والاتجاه الإسلامي على وجه الخصوص. ولقد ترتب على هذه المعتقدات الفاسدة قيام مقررات دراسية تتبنى هذه التصورات: علم الاجتماع، علم النفس والدراسات النفسية، علم الاقتصاد، وعلى هذه التصورات الفاسدة تقوم العلاقات الدولية وعلى سبيل المثال لا الحصر على أساس أن بني الإنسان (الحيوانات) يعيشون في غابةٍ البقاءُ فيها للأقوى لا للأصلح؛ ولعل هذا يفسر المنطق السائد الآن وهو اغتصاب أوطان بأكملها وثروات، وإبادة وتشريد لقطاع من بني الإنسان، بل واغتيال عقائد الأمم، إن هذا لا يثير حفيظة أحد خاصة إذا كان المغتصَب هو الإنسان المسلم، وإذا كان الوطن المغتصَب هو الوطن الإسلامي، والثروة المغتصبة هي الثروة التي ادخرها الله ببلاد المسلمين، لماذا؟ لأننا تعلمنا أننا في غابة مليئة بالحيوانات لا ضابط لها من دين أو خلق، والبقاء للأقوى، هذه هي المحصلة الثقافية التي تنشئها كتب التاريخ المزور في أذهان النشء على امتداد العالم. الشيء المؤسف والمحزن أن الذين قاموا بكتابة تاريخ الكون والعقائد والإنسان يشغلون أعلى المناصب في الجامعات ومراكز البحث العلمي، والذين قاموا بترجمة هذا الفكر الفاسد يحملون أعلى الدرجات العلمية، وهم الذين تحملوا تبعة تدريس هذا الفكر التاريخي الفاسد في الجامعات العربية والإسلامية، والذين ينتسبون إلى العروبة والإسلام لم يحاولوا إلا من رحم ربي أن يصححوا هذه الأخطاء. إن من حق البشرية الضالة اليوم أن تحصل على صورة صحيحة لتاريخ البشر على الأرض؛ ومن الإجرام في حقها تزوير ذلك التاريخ، وإعطاؤها معلومات مضللة وخاصة في مجال العقيدة. ومن الأمانة العلمية أن يمتنع العلماء وخاصة الذين يرسمون للناس صورة القرون الخوالي عن تقديم كتابات يعلمون أنها غير صحيحة، كما أن من واجب القادرين إزالة أخطاء التاريخ وإزالة آثارها، وتصحيحها التصحيح الواجب؛ لأنه ليس من مصلحة الإنسانية أن ترى الحياة كلها من زاوية واحدة لا تكشف عن كل جوانبها، وأن تسودها فِكَر خاطئة عن ماضيها وحاضرها، وأن تجهل الدوافع الكاملة لسيرها وتحركها، والقيم الإنسانية لحياتها وحضارتها، وإن هذا الجهل لينشِئ أخطاء عميقة الأثر، لا في التصور والتفكير فحسب، ولكن في علاقات الأمم بعضها ببعض، وفي علاقات الكتل الدولية بعضها ببعض، كما ينشئ أخطاء بعيدة المدى في تكييف سياسة كل أمة وتوجيهها. هذه الأخطاء ينشأ معظمها عن سوء دراسة التاريخ البشري، وسوء تقدير الدور الذي قام به الإسلام الذي يمثله العالم الإسلامي، هذا العالم الذي يمثل وحدة إنسانية شاملة لها خصائصها المستقلة، ويمثل قوة إنسانية ثابتة لا يؤثر ضعفها العسكري الطارئ إلا تأثيراً عارضاً في وزنها الحقيقي. وبعد: ما هو التصور الصحيح عن تاريخ العقائد وتاريخ الكون والإنسان، وكلها غيب؟ وما ينبني عليها من تكاليف؟ إن لهذا الكون إلهاً خالقاً متصفاً بكل صفات الجلال والكمال، وإنه خالق كل شيء: الكون والإنسان والملائكة والجن، وإليه يؤول مصير هذا الكون، وإن آدم هو أبو البشر خلقه الله وسواه على هذا النحو البديع، ورضي له الإسلام ديناً، واستخلفه في الأرض لمهمة وغاية وهي العبادة بمفهومها الشامل [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] (الذاريات: ٥٦) ، وأخذ عليه العهد والميثاق أن يخضع حياته لمنهاجه وشريعته. يقول الله تعالى: [وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ] (الأعراف: ١٧٢) . كما إنه لم يترك الإنسان هملاً، وإنما تعهده بالأنبياء والرسل يعرِّفونه بربه الحق ودين الحق (الإسلام) والسلوك الحق ( [وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ] (النحل: ٣٦) . ٢ - لم يعرف الإنسان والكون الإسلام قبل بعثة محمد ﷺ : وهذه أيضاً من الأخطاء الشائعة في مصادر ومراجع التاريخ المعتمدة في كثير من دور العلم؛ إذ يُدّعى أن التاريخ الإسلامي يبدأ ببعثة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وأن ما قبله عبارة عن تاريخ وثني جاهلي محض لا أثر فيه للإسلام؛ أي تجاهل الكون المسلم وتجاهل الرسالات السماوية التي حملها رسل الله عبر التاريخ.. فبعض المستشرقين يثيرون أن ما يسمى ب (العرب البائدة) ومنهم عاد وثمود على سبيل المثال ليس من التاريخ الحقيقي في شيء إنما هو جزء من (الميثولوجيا العربية أو التاريخ الأسطوري) الذي يسبق عادة التاريخ الحقيقي لكل أمة؛ كما قد زعم طه حسين أن: «للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً، ولكن ورود هذه الأسماء في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودها التاريخي» . وهذا غير صحيح؛ لأن نبيي الله إبراهيم وإسماعيل ﵉ كانا مسلمين وحمل الأول رسالة الإسلام إلى أهل العراق وأرض الشام وأرض مصر وأرض الحجاز: [رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ] (البقرة: ١٢٨) . والحقيقة التي لا مراء فيها أيضاً أن التاريخ الإسلامي يرتبط بخلق الكون والمخلوقات وكل ما فيه ما عدا الثقلين مستسلم طائع لله رب العالمين. يقول الله تعالى: [تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً] (الإسراء: ٤٤) . وفي الحديث: أن نملة قرصت نبياً من أنبياء بني إسرائيل، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: «أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح الله؟ !» [٢] . وثبت في صحيح البخاري عن أبي مسعود ﵁ أنه قال: «كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل» [٣] . وأن النبي يحدثنا: «إني أعرف حجراً بمكة كان يُسلم عليَّ قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن» [٤] . فالكون مسلم وكله مسجد كبير تتجاوب جنباته بالتسبيح والتعظيم والتمجيد للأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. هذه هي الصورة الحقيقية للكون لا كما يراها المزيفون.. إن الإسلام أصيل أصالة هذا الوجود الذي خلقه رب العالمين. التاريخ الإسلامي يرتبط بآدم وزوجه ﵉ وبنيه الذين شكلوا نواة أول مجتمع إسلامي على سطح الأرض، وبعشرة قرون على الإسلام بين آدم ونوح، ﵉. ويرتبط أيضاً بدعوة الأنبياء والرسل المسلمين إلى دين الإسلام الذي لا يقبل الله من الأولين أو الآخرين غيره، بداية بآدم ونوح ﵉ أول رسل الله إلى أهل الأرض، ونهاية بخاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ . فالرسالات تتعدد والدين واحد وهو الإسلام وإن كان لكل نبي شريعته كما يقول الله تعالى: [لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً] (المائدة: ٤٨) . يقول الله تعالى: [قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] (البقرة: ١٣٦) ويقول محمد ﷺ : «إنَّا معاشر الأنبياء ديننا واحد» [٥] . والتاريخ الإسلامي مرتبط بدين الإسلام الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين غيره. يقول رب العالمين: [إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ] (آل عمران: ١٩) [وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] (آل عمران: ٨٥) . والإسلام هو الدين الذي كان يتنزل به الوحي من السماء على جميع الأنبياء والمرسلين. يقول الله تعالى: [قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] (البقرة: ١٣٦) . وجميع الأنبياء والمرسلين وعلى رأسهم محمد ﷺ وإبراهيم ويعقوب (إسرائيل) وعيسى قد دعوا إلى دين واحد هو الإسلام، تتعدد الرسالات، والدين واحد، وإن اختلفت الشرائع. يقول الله تعالى: [لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً] (المائدة: ٤٨) . يقول الله تعالى عن إبراهيم ﵇: [وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ] (البقرة: ١٣٠) . ويعقوب ﵇ (إسرائيل) : [أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] (البقرة: ١٣٣) . وسليمان ﵇: [إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنِّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ] (النمل: ٣٠-٣١) . وعيسى ﵇: [فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ *] (آل عمران: ٥٢-٥٣) . ويقول الرسول محمد ﷺ : «إن الدين عند الله الحنيفية المسلمة» [٦] . ومن هنا كان توجيه النبي محمد ﷺ لأمته نحو الإسلام: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» [٧] ، و: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» [٨] . ٣ - اليهود ورثة فلسطين عن أبيهم وجدهم إبراهيم ﵇: ومن الأخطاء الشائعة في مصادر ومراجع التاريخ القديم والآثار المعتمدة في أقسام الآثار والتاريخ أيضاً، إسقاط سيرة إبراهيم ﵇ من تاريخ العراق القديم (دولة أور الثالثة) على اعتبار أنه غير حقيقي، وبعض المصادر التي تعالج سيرته تزعم أنه كان يدين باليهودية، وأن اليهود هم شعب الله المختار، وأن الله قد وعدهم أرض فلسطين بحدود من النيل إلى الفرات بعد إخراج الكنعانيين (العرب) منها. واستناداً إلى هذا الوعد المفترى، اغتصب اليهود فلسطين بيت المقدس على اعتبار أنهم ورثة هذا النبي الكريم إبراهيم ﵇ في زعمهم بعد أن أبادوا وشردوا شعب فلسطين، ويعملون بجد واهتمام لاستكمال اغتصاب ما تبقى من الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، واستطاعوا بتزويرهم للحقائق التاريخية أن ينتزعوا اعتراف المجتمع الدولي. وقد كشفت لنا المصادر الإسلامية هذا التزييف والتزوير الذي أوقعه المستشرقون ومن سار على نهجهم بتاريخ إبراهيم ﵇ وتاريخ الوعد الرباني له، وتاريخ الأرض التي بارك الله فيها للعالمين. القرآن الكريم يؤكد أن دين إبراهيم ﵇ هو الإسلام: يقول رب العالمين: [وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ] (البقرة: ١٣٠-١٣٢) . وينفي رب العالمين عن إبراهيم اليهودية والنصرانية: [مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِياًّ وَلاَ نَصْرَانِياًّ وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ] (آل عمران: ٦٧) . ويؤكد رب العالمين أن أبناء إبراهيم هم المسلمون وليسوا اليهود، ويسجل القرآن الكريم دعاء إبراهيم ﵇: [رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ] (البقرة: ١٢٨) . ويسجل أيضاً: [إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ] (آل عمران: ٦٨) ، [إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ] (المائدة: ٥٥) . واليهود ليسوا كذلك؛ لأنهم كفروا بالله والرسالات، وانتهكوا الحرمات، واستحلوا الدماء والأعراض والأموال، والكافر لا يرث مسلماً، وتتضح هنا الحقيقة الشرعية والتاريخية في رد الله تعالى على إبراهيم ﵇ حينما أكرمه الله بإمامة المسلمين؛ فطلب من الله أن تكون الإمامة في عقبه من بعده، وجاء الرد: [قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ] (البقرة: ١٢٤) . فكل من كان ظالماً، لم يكن نبياً ولا خليفة، ولا حاكماً ولا مفتياً، ولا إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تقبل شهادته في الأحكام. واليهود ظلمة، ومن ثم فلا حق لهم في وراثة إبراهيم ﵇. ويؤكد ذلك قول الله تعالى: [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ] (الأنبياء: ١٠٥) . نخلص من العرض السابق إلى الحقائق الآتية الغائبة عن مصادر ومراجع التاريخ القديم: ومن ذلك: إبراهيم ﵇ رسول مسلم وإلى الإسلام كان يدعو، وأن أتباعه وذريته هم المسلمون، وليسوا اليهود. إن أوْلى الناس بإبراهيم في وراثة فلسطين (المسجد الأقصى) ، وأوْلى الناس بالإمامة من بعده هم المسلمون وليسوا اليهود، وليسوا ممن يدينون بغير الإسلام مهما كانت جنسياتهم. إن اليهود مغتصبون لأرض الرسالات فلسطين والأقصى، مهما زوَّروا في حقائق التاريخ، ومهما حازوا من دعم المجرمين، ومهما نالوا من موافقات المنظمات الدولية والدول غير الإسلامية، ومهما حازوا من تنازلات من أصحاب الحق في بيت المقدس. المراجع: ١ - الإسلام دين الله في الأرض وفي السماء (مدخل إلى الدراسات التاريخية) د. جمال عبد الهادي، د. وفاء محمد رفعت، دار الوفاء للطباعة والنشر بالمنصورة. ٢ - تاريخ الأمة المسلمة الواحدة منذ أقدم عصورها وحتى القرن السابع قبل الهجرة، د. جمال عبد الهادي، د. وفاء محمد رفعت، دار الوفاء للطباعة والنشر بالمنصورة. ٣ - دائرة المعارف الإسلامية، ج ١٥ ص: ٤٥٢ ٤٥٤. ٤ - في الشعر الجاهلي، طه حسين، القاهرة ١٩٢. ٥ - الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، أ. د: محمد محمد حسين، دار النهضة العربية، بيروت ١٣٩٢هـ/ ١٩٧٢م، صفحة ٢٩٩. ٦ - سلسلة أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ: جزيرة العرب، ج ١، سيرة إبراهيم وإسماعيل وهاجر ﵈، وتاريخ حرم الله الآمن، د. جمال عبد الهادي، د. وفاء محمد رفعت، دار الوفاء. ٧ - جزيرة العرب، ج ٢، سيرة هود وصالح وشعيب ﵈، المؤلف نفسه ودار النشر. ٨ - ذرية إبراهيم والمسجد الأقصى، المؤلف، ودار النشر السابقين. ٩ - الطريق إلى بيت المقدس، ثلاثة أجزاء في مجلد واحد، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة. ١٠ - ليس لليهود حق في فلسطين، دار النشر السابقة. ١١ - هذه قضيتك يا ولدي: القدس إسلامية (للبراعم المسلمة) دار النشر السابقة.

стр. 4028

المسلمون والعالم الإسلاميون.. وساعة الحقيقة عبد العزيز كامل الإسلاميون هم - بعد الله الأمل الباقي لهذه الأمة، وبالرغم من كل هوانهم واستضعافهم وتفرق كلمتهم، فالأمل معقود على توحد كلمتهم وتبدل ضعفهم وذهاب هوانهم. * فماذا بعد أن سقطت كل أقنعة الرايات والزعامات والمناهج والبرامج العلمانية الجاهلية الكذَّابة؟ ماذا بعد أن ظهر لآحاد الناس أنهم لم يفلحوا في السلم بعد الحرب، وأصبحوا يتكففون الحماية من النصارى على اليهود؟ ماذا بعد أن بان أنهم باعوا الدين ولم يكسبوا الدنيا، فأفسدوا على الناس دينهم ودنياهم..؟ ! * ماذا بعد أن هتكوا كرامة خير الأمم أمام إذلال أذل الأمم؟ ! وماذا بعد أن ظهر أن ثورانهم لم يكن إلا على شعوبهم، وهياجهم وهمجيتهم لم تنل إلا من أحرار أمتهم، وطغيانهم وكبرياءهم لم يتألق ويتأنق فعلاً وقولاً إلا على محاولات الإصلاح التي تواصوا على وأدها أولاً بأول لصالح الأعداء والألدَّاء؟ * ماذا بعد أن كشفت أحداث الأشهر الأخيرة أن القوم دون مستوى المسؤولية ودون مستوى الكلمة، ودون مستوى الشبهات في الملمات؛ حتى إنهم لهم يثلجوا صدر الأمة بموقف سياسي ولا عسكري ولا اقتصادي فاعل لنصرة شعب ينكِّل اليهود المجرمون بهم أمام العالم على الهواء؛ ومع ذلك فلا سفارات أغلقت، ولا جيوش تأهبت، ولا شعوب أُعدت، بل ولا سماح بفتح أبواب الإعانة الجادة من الشعوب الغاضبة للوقوف مع إخوانهم المجاهدين المخلصين الذائدين وحدهم عن الحرمات والمقدسات؟ * ماذا بعد أن ظهر أننا نحن الإسلاميين كنا ولا نزال أشد الناس عداوة عند العلمانيين من اليهود والذين أشركوا، حتى إن ما أضير به الإسلاميون على مدى الخمسين عاماً الماضية قتلاً وأسراً وتشريداً وتهديداً لم ينل اليهود والكفار ربع مقداره، بل ولا عُشر معشاره؟ * ماذا بعد أن ظهر للناس جميعاً أن أعداءنا يحاربوننا بالدين وللدين، وفي أكثر بلادنا يحارب الدين وأصحاب الدين؟ ماذا بعد أن تبين أن التوراة والتلمود تحكمان مجتمع اليهود، بينما القرآن والسنة محجوبان محجوزان عن التحكيم في غالب بلاد المسلمين؟ * ماذا بعد أن تبين أن اليهود قد قطعوا من الشوط أطوله في الوصول إلى أمانيهم الدينية، ومخططاتهم التلمودية وبرامجهم السياسية والاقتصادية أمام أعيننا، دون أن يعوِّق المعوَّقون فكرياً من زعمائنا خلال ما مضى شيئاً من برنامج سيطرتهم الكاملة الشاملة على الأرض المقدسة وما حولها، حتى إنهم أي اليهود أقاموا الدولة (إسرائيل) واتخذوا العاصمة (القدس) وها هم يهمون بإعادة بناء قبلتهم المنسوخة (الهيكل الثالث) مكان قبلة المسلمين الأولى بعد أن وضعوا مؤخراً حجر الأساس لهيكلهم المزعوم؟ * ماذا بعد أن ظهر أن واقع دولة اليهود قد بلغ من الجبروت حداً جعل (الجماعة) يُجمعون، في كل لقاءاتهم ومؤتمراتهم على أن السلام هو الخيار (الوحيد) ؛ إذ إن الحرب كلمة قد عفى عليها الزمان عندهم بعد عقود من (سلام الشجعان) ؛ فالأمة العربية كما عوَّدونا ليست مستعدة للحرب، ولن تستعد للحرب، ولن تُستدرَج إلى حرب مهما كان إلا....! إذا كانت تلك الحرب حرباً عربية عربية! * ماذا بعد أن فوجئوا بأن (الصديق) الأمريكي، قد ألقى في وجوههم قناع السلام والوئام والابتسام، وأظهر ملامح التحرش وأنياب النهش والانتقام؟ ! وماذا بعد أن اكتشفنا نحن الشعوب أن ذلك (الصديق) اللدود، قد انتهى منذ زمن بعيد من تجنيد أكثر من زعيم من (الملهمين التاريخيين) لخدمة اليهود وحماية اليهود وإعادة مجد اليهود؟ ! * ماذا بعد أن تبين أن (العالم الحر) صار عبداً لليهود ينصرهم في المحافل الدولية، ويطوِّع لهم (الشرعية الدولية) ويتستر على إلغاء وليس انتهاك اليهود لحقوق الإنسان الفلسطيني، في أن يعيش آمناً على نفسه أو يسكن في أرضه، أو يدافع عن عرضه، أو يحمي أطفاله وحقوقه وحقوله.... . ولو بالحجارة؟ ! مَنْ لهذه التحديات؟ بداءة نقول: إن هذه التحديات العظمى لن تزول بنفسها، ولن تذوب بذاتها؛ بل إن حكمة الله تعالى تأبى أن تتعطل سُنة الأسباب لمجرد أن المسلمين مسلمون، والكافرين كافرون: [وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ] (محمد: ٤) ، وفي الوقت نفسه، فإن الله تعالى خالق الأسباب ومسبباتها يشترط علينا لكي يسخِّر لنا الأسباب أن نسخر له أنفسنا، ونعبِّدها له متبعين لرضوانه، مبتعدين عن كل ما لا يليق بأولياء يطلبون النصرة وضعفاء يستنزلون التأييد؛ وعندها أي عند اتباع رضوان الله فلا علينا لو اجتمع علينا من بأقطارها [الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] (آل عمران: ١٧٣-١٧٤) نعم [وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ] (آل عمران: ١٧٤) نعم [وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] (آل عمران: ١٧٤) . فَمَنِ المخاطَبُ بتلك الآيات؟ ! أهم اللادينيون العلمانيون؟ أهم اللهاة اللاعبون؟ أهم الطغاة الظالمون؟ ! أهم السكارى والحيارى والعرايا وبقية أصحاب البلايا؟ أهم الهائمون في الطرقات أو المنغمسون في الشهوات؟ ! ليسوا هؤلاء، وإن كانوا عن التوبة غير محجوزين، ولكن الخطاب يستهدف قلوب المخبتين، ويستشرف وجوه وعيون الوعاة الهداة المستمسكين بالدين، ولو كانوا في غفلة أو مشغلة صارفة، أو في فرقه أو خصومات عارضة؛ فأولئك الأولياء الذين يخوفهم الشيطان بالأعداء، فمن يكون أولئكم إلا أنتم أيها الإسلاميون؟ ! هل نحن منتبهون؟ إن الأحداث في العالم بعامة، وفي المناطق العربية والإسلامية بخاصة تشي بأن الإسلاميين قد وُضعوا، من حيث يدرون أو لا يدرون، ومن حيث يريدون أو لا يريدون، في وسط أتون الصراع الدائر في أكثر بقاع العالم؛ فما من منطقة توتر في الدنيا منذ انتهاء الحرب الباردة إلا وُضع الإسلاميون طرفاً أساسياً في النزاع فيها؛ فمن أفغانستان إلى السودان، ومن البوسنة إلى كوسوفا، ومن كشمير إلى فلسطين، ومن الشيشان إلى ألبانيا، ومن الصومال إلى مقدونيا إلى إريتريا إلى بورما إلى غير ذلك من البقاع والبلدان التي يجد فيها الإسلاميون أنفسهم في صدر الأحداث وفي صفها الأول، فإذا أضفنا إلى ذلك الصراعات الداخلية التي استُجر الإسلاميون إليها في أكثر الأحيان مع الأنظمة اللادينية واللاأخلاقية، لوجدنا أن الغالبية العظمى من المتدينين في العالم الإسلامي، قد حُشروا حشراً في معارك مع أولياء الشيطان قبل الأوان. ولكن العجيب في كل ذلك، أن الإسلاميين كانوا دائماً أو غالباً غير قادرين على تقدير قوة أعدائهم ولا تقدير قوة أنفسهم! حيث إن قوتهم تفوق أضعاف قوة أعدائهم لو وُجد الوفاق والاتفاق والتناصر والتناصح، ووجد الأخذ بقوانين القوة وأسباب التمكين وعوامله؛ فقد وعد الله به عباده ولو كانوا مستضعفين [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] (النور: ٥٥) هل نحن مستعدون؟ نعم! هل نحن مستعدون لليوم الذي سنجد أنفسنا فيه وجهاً لوجه مع اليهود، كما سبق للأفغان أن وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع الروس، وللبوسنيين والألبان عندما وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع الصرب، وللباكستانيين والكشميريين عندما وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع الهندوس، وللإسلاميين في العديد من الدول العلمانية عندما وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع الرافضين المحاربين للدين من المتسمين بأسماء المسلمين؟ والسؤال عن الاستعداد هنا ليس سؤالاً عن الاستعداد بالسلاح والعتاد؛ فهذا أمر له ظرفه وطبيعته، ولكن السؤال عن الاستعداد بحيازة أسلحة النصر الربانية؟ ! بمعنى آخر: هل الإسلاميون وهم جزء من الأمة على حال تستحق نصر الله..؟ ! هل لنا من أفعالنا وأقوالنا وأحوالنا ما نستنزل به رحمات الله وتأييده الذي يؤيد به أولياءه؟ ! أم أننا ما زلنا نحتفظ كبقية الأمة بحقوق الفشل، وعلى رأسها التنازع والتدابر والتنافر؟ هل نحن جادون؟ مهما بلغت بلاغة المتحدثين عن أسباب ضعفنا وهواننا وقلة حيلتنا وطول عجزنا أمام الأعداء، فلن تصل إلى الوصف الجامع البليغ في القرآن حيث حذرنا الله فقال: [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] (الأنفال: ٤٦) . إنه التنازع، ومعناه: حرص كل طرف على نزع ما بيد الآخر، حرصه على نزع ما بيده من قوة، من حجة، من جاه، من احترام، من فاعلية في التأثير، من قدرة على النجاح، من انتظام في العمل! ماذا يبقى بأيدي الإسلاميين عندما ينزع بعضهم عن بعض أسباب القوة والاحترام؟ ! لن يبقى إلا الفشل.. ثم الفشل ثم الفشل! حيث يكون هذا الفشل هو الإنجاز الأكبر، وعندها فما على أصحاب هذا (الإنتاج) إلا أن يتقاسموه فيما بينهم، فهو ثمرة طبيعية لبذرة صناعية تصنعها أيدي الغافلين، بتزيين من الشياطين [أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ] (فاطر: ٨) . إن الأصل أن يضيف بعضنا ما صنع من خير ولو قليلاً إلى جانب ما صنع إخوانه، لا أن ينزع بعضنا من الآخرين ما أنجزوه ليلقي به في تُرَعِ الضياع والضعف والضعة التي تصب جميعاً في نهر يحيا به الأعداء. ومع ذلك: ومع كل ذلك؛ فالإسلاميون هم أولياء الله على الرغم مما يسرق الشيطان من كمال ولايتهم، فلا نعرف لله ولياً إن لم يكن أولياؤه هم عُمَّارَ المساجد، ومقيمي الصلوات، والباذلين للجود، والداعين إلى التوحيد، والمعلمين الخير للناس. ولكن أولياء الله بشر ممن خلق، يضعفون ويقوون، ويجتمعون ويتفرقون، ويطيعون ويعصون، ولذلك فهم يُنصَرون ويُهزمون، ويَعِزُّون ويذلون، بمقدار ما أخذوه من أسباب الولاية وأركان الهداية، وعوامل النصرة وموجبات العزة، ولا بد لنا أن نقيس قدر ولايتنا بما يتحقق فينا من ثمرات الولاية، وأهم ثمرات الولاية الحقة أن يكون الله تعالى وليَّنا في الدنيا قبل الآخرة؛ فقد قال الله تعالى للذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا: [نَحْنُ أَوْلَيَاؤُكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ] (فصلت: ٣١) . الولاية والنصرة: من أخص صفات أولياء الله أنهم يوالون من والى الله، ولا يتورطون في أدنى أسباب الولاية لأعداء الله: قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ] (الممتحنة: ١) . وعلى عكس فعل أهل الإيمان يبذل أهل النفاق النصرة للأعداء، ويمنعونها عن الأولياء [الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً] (النساء: ١٣٩) . ونحن الإسلاميين بحاجة إلى أن نسأل أنفسنا بصدق: - هل نحقق شرط الولاية الحقة الدافعة للخوف والحزن بتحقيق معنى الربوبية لله والاستقامة على دينه كما هو مذكور في الآية: [إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا] (فصلت: ٣٠) . وهل نستشعر تنزُّل الملائكة لرفع الخوف والحزن عنا: [تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا] (فصلت: ٣٠) ؟ ؟ ! سؤال تجيب عنه أحوالنا! - هل يوالي بعضنا بعضاً، وينصر بعضنا بعضاً حتى يوالينا الله وينصرنا على أعدائنا؟ ! سؤال يجيب عنه واقعنا: - هل نعادي الأعداء حقاً، ونطيع أمر الله بالإعداد والاستعداد لهم؟ ! سؤال يجيب عنه أعداؤنا: - هل نؤدي واجب النصرة لإخواننا ضد أعدائهم وأعدائنا بما يرفع الكرب عنهم والإثم عنا؟ ! سؤال يجيب عنه إخواننا: - وقبل كل ذلك: هل نصرنا الله حتى ينصرنا؟ سؤال سيعاد علينا يوم بعثنا: إن هذه السؤالات وغيرها ستظل تتهاوش في فضاء واقعنا المؤلم، حتى نضع لها إجابات بالعمل قبل القول، وبالحركة مع التنظير، وبالاتقان المقترن بالنية؛ فالتحديات التي تواجه الإسلاميين اليوم وقبل اليوم، وفي الغد وبعد الغد، تفرض عليهم أن يكونوا على مستوى المرحلة، وعلى مستوى المسؤولية، وعلى مستوى الأمانة. الإسلاميون والرجولة: لن نناشد في الإسلاميين اليوم إلا الرجولة؛ فلنكن رجالاً وإلاَّ فلن نكون شيئاً مذكوراً، ولنكن رجالاً كما أراد الله؛ فالله أرادنا رجالاً في العبودية له، وأرادنا رجالاً في الانتصار لدينه [فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ] (النور: ٣٦-٣٧) ، [مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً] (الأحزاب: ٢٣) . إن واقعنا اليوم، وفي هذه المرحلة بالذات لا يحتاج منا إلا أن نكون رجالاً؛ بل يحتاج أن يكون نساؤنا وأطفالنا كالرجال في الثبات والعطاء والفداء. - ومن الرجولة أن نكون نحن الإسلاميين أفراداً وجماعات كالبنيان المرصوص كما يحب الله؛ فأين رصنا؟ بل أين بنياننا.. أين الذلة على المؤمنين مع العزة على الكافرين..؟ أين فريضة التعاون على البر والتقوى؟ ! أين سجية التراحم والتناصح والتسامح؟ ! أين إخباتنا وخشوعنا وضراعتنا إلى الله ومجافاة الهجوع بالدعاء والرجاء؟ - أين دعمنا للصامدين الصابرين الذين يدافعون نيابة عنا، ويخففون الإثم عن كواهلنا، ويدفعون الشر عن أبوابنا؟ ! أين وأين؟ ! - أين برامجنا في أحوال السلامة لمواجهة أيام الخطر؟ أين جهدنا في بلدان الرفاه والأمان لدفع الجوع والخوف عمن ابتلاهم الله وعافانا، وقَدَر عليهم رزقهم وأعطانا، واختبرنا معهم واستحفظنا أرضنا وديارنا وقدسنا وأقصانا؟ ! - هل نحدث أنفسنا بالغزو حتى لا نموت على شعبة من النفاق؟ أم تحدثنا هي بدلاً من الغزوات بالنزوات والشهوات واللذائذ والغرائز؟ - أين جهاد الروح وروح الجهاد والاستشهاد في ذواتنا وذرياتنا؟ أين نماذج الفداء والعطاء في زوجاتنا وأخواتنا وبناتنا عند مجيء الجد أو نزول الخطب؟ ! - نتساءل وحق لنا أن نتساءل: ألسنا مكلفين قبل سائر المكلفين بحمل أعباء هذا الدين، وحماية جنابه من شرور الأعداء الظالمين؟ أعداؤنا استعدوا بالدين الباطل لنا، فهل استعددنا بالدين الحق لهم..؟ ! أعداؤنا يطرقون أبوابنا وبأيديهم توراة وإنجيل محرفان؛ فهل أوصدنا تلك الأبواب، وصددنا ذلكم الطغيان وبأيدينا السُّنَّة والقرآن؟ ! متى نتصارح.. متى نتصالح؟ * يقولون: ما لك تنكأ جراح أمة مثخنة تحتاج إلى الضماد والدواء قبل الكلام عن الأمراض والأدواء؟ ! أقول: نعم! الأمة جريحة، ولكن أخشى أن نكون أخطر جراحها، ولو صلحنا لأصلح الله حالها بنا، ولأنزل النصر عليها إكراماً لسعينا وعملنا وجهادنا، ولغيَّر ما بها وبنا بتغييرنا لأنفسنا. * سيقولون: لسنا نحن سبب الهزيمة والعار الذي حاق بالأمة؛ إذ ليس لنا من الأمر شيء! ! أقول: وما الذي جعلنا في موقع من ليس له من الأمر شيء طيلة هذه العقود، إلاَّ أننا على مختلف مستوياتنا لا نريد الخروج من هذا الشيء، ونستمرئ أن نظل هكذا بتشرذمنا وتشعثنا واستنكاف بعضنا عن إجابة دعوة الله لنا جميعاً [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً] (آل عمران: ١٠٣) يا الله ماذا لو اعتصمنا بحبل الله (جميعاً) ماذا يكون حالنا؟ ! إننا سنكون كل شيء ولن يقف أمام اعتصامنا بالله أي شيء. * سيقولون: كيف تطالب الإسلاميين بأن يكونوا على مستوى المعركة المصيرية مع الأمة الغضبية، ونحن لم نفلح في كسب معركة واحدة فاصلة ضد العلمانية العربية؟ ! والجواب: لو نجحنا في هذه، لنجحنا في تلك، وأسباب الإخفاق هنا، هي أسباب الإخفاق هنالك، تنازعنا وفشلنا أمام العلمانيين، وتنازع العلمانيون ففشلوا أمام اليهود، وأخشى أن يظل التنازع سيد الموقف، حتى نغدو عبيداً لأذل العبيد، والفضل عندها يعود للتنازع! إننا نتنازع ونتنازع حتى في أسباب التنازع ونتائج التنازع، وأسباب وعلاج التنازع، فعندما نفشل، أو تذهب ريحنا، يرمي بعضنا بعضاً بتبعة الهزيمة والفشل على الآخرين! ! يا عزيزي! كلنا مهزومون..! وإلى إشعار آخر.. كلنا مغلوبون، فلِمَ التعالي فيما بيننا؟ ولِمَ التعامي عن أحوالنا، ولِمَ يظن بعضنا أنه الوحيد المعصوم عن أسباب الهزائم؟ ! صحيح أن الأمة مهزومة ولكننا طليعتها وخلاصتها وإن كنا بعد الله أملها ورجاءها. نصر الله قريب ... ولكن! كنت أريد ألا أستدرك بـ (لكن) ولكن: نحن أمام مسؤوليات جسام تستدعي تجييش أمة، وإعداد شعوب، وترتيب طاقات وحشد إمكانات، نحن أمام عدو عادٍ وعاتٍ متجبر مزود بأحدث وأخطر سلاح، ومدعوم من أخبث وأطغى القوى، ومجهز بأمكر وأكبر الخطط، والذين ولاَّهم الله أمر أمتنا المبتلاة يعلمون ذلك ولكنهم لا يعملون، والظاهر أن جعبتهم ما تزال ملأى بالمزيد من التفريط في حق الأمة، والتوريط لها في مزيد من المحن والنكبات.. ولا أمل بعد الله كما بدأت القول إلا في قيادة اعتبارية للأمة الإسلامية، من علمائها ودعاتها، وعامليها ومجاهديها، تكون بديلة للقيادات الشوهاء الرعناء على المدى القريب والبعيد، وهذا لن يكون إلا بأن يصبح الإسلاميون على مستوى رضا الله، فيحوزوا رضا الناس، ويستعيدوا احترامهم، فيسلموا لهم القيادة الاعتبارية في أوقات التحدي، كما هو حادث الآن في فلسطين، وما أكثر ما تعلِّمُنا فلسطين! إنني أتصور أن الأحداث في المنطقة قد دخلت منطقة اللاعودة، أما عودتنا نحن، فقد دخلت منطقة اللاتراجع وإلا [وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ] (محمد: ٣٨) . لنغتنم اللحظة ... ولننتهز الفرصة.. ولنوحد صفوفنا أمام التحديات والمحن؛ فتلك فريضة الوقت ... ولنطهر قلوبنا من البغضاء والشحناء والإحن؛ فتلك أمانة المرحلة ... ولننظر بعين المسؤولية إلى خطورة الواقع؛ فتلك رسالة الساعة، ورسالتنا بوصفنا مصلحين في الأمة، لن يؤديها غيرنا، مهما تمنينا على الله الأماني. إن هناك الكثير مما يقال لتسويغ واقع الحال، أو التملص من تبعته، حتى من بعض الإسلاميين؛ فهناك حجج وطروحات جعلت منا نحن الإسلاميين كغيرنا من بقية الناس سبباً لاستهانة الأعداء بالأمة، ولكن ذلك حديث يطول. فإلى بقية في لقاء آخر بإذن الله

стр. 4029

المسلمون والعالم تقرير ميتشيل: دعوة لإجهاض انتفاضة الأقصى (١ - ٢) د. سامي محمد صالح الدلال قبل أن ندخل في تفاصيل مناقشة تقرير ميتشيل لا بد أن نقرر القواعد والثوابت العشر التي ننطلق منها ونتحاكم إليها خلال المناقشة؛ وذلك من وجهة نظرنا التي نرى أنها مطابقة للحق وملتزمة بالحقيقة، ونلخصها على الوجه الآتي: ١ - فلسطين كلها، من النهر إلى البحر، هي ملك للمسلمين. ٢ - الأراضي الفلسطينية التي أقام عليها اليهود كيانهم بعد عام ١٩٤٨م، والأراضي التي احتلوها عام ١٩٦٧م، وهي الضفة الغربية وقطاع غزة، هي أراض محتلة مغتصبة عنوة باستخدام القوة العسكرية. ٣ - إن الكيان اليهودي الحالي في فلسطين يستمد قوته من وعود تلمودية ودعم صهيوني عالمي ومن النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة إضافة إلى قواه الذاتية العسكرية والمؤسسية. ٤ - إن الكيان اليهودي ضرب بجميع القرارات والمواثيق الدولية التي هي لصالح الشعب الفلسطيني عرض الحائط. ٥ - منذ بدء الاحتلال عام ١٩٤٨م، ولغاية هذه اللحظة فإن أساليب تثبيته لاحتلاله اتسمت بأعلى درجات الوحشية والقمع والإرهاب. ٦ - إن الشعب الفلسطيني يتمتع بالحق المطلق في استخدام كافة الوسائل التي تساعده على الدفاع عن نفسه ومقاومة الاحتلال وتحرير أراضيه المغتصبة. ٧ - إن مسؤولية تحرير فلسطين لا تقع على الشعب الفلسطيني وحده، بل هي مناطة بالمسلمين جميعهم، وإن الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي المفرِّطة في هذه الأمانة تضطلع بالوزر الأعظم. ٨ - الجهاد هو السبيل الوحيد لتحرير فلسطين، وإن الانتفاضات المتتالية للشعب الفلسطيني هي وجه من وجوهه، يتحتم على جميع المسلمين دعمها بكافة الوسائل المادية والمعنوية. ٩ - كل من يقف مع الكيان اليهودي ويدعم وجوده هو عدو تجب معاداته. ١٠ - إقامة الدولة الإسلامية الحاكمة بشرع الله تعالى على أرض فلسطين كلها، وإرجاع اليهود إلى حيث أتوا، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وتعويض جميع الفلسطينيين المتضررين، هدف أساس ومطلب ملح لا يملك أحد التنازل عنه أو المناداة بسواه. تلك هي الثوابت العشر في الصراع مع الكيان اليهودي الصهيوني وهو صراع عقدي في لحمته وسداه. ما هو تقرير ميتشيل؟ في السابع عشر من تشرين أول (أكتوبر) عام ٢٠٠٠م، اختتم مؤتمر الشرق الأوسط للسلام أعماله في شرم الشيخ مصر حيث كان المشاركون جميعاً على مستوى الزعماء لكل من السلطة الفلسطينية، ومصر، والأردن، والولايات المتحدة الأمريكية، والكيان اليهودي، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي. وفي هذا المؤتمر قال الرئيس الأمريكي: «إن الولايات المتحدة سوف تطور مع الإسرائيليين والفلسطينيين، وبالتشاور مع الأمين العام للأمم المتحدة لجنة لتقصي الحقائق أطلق عليها اسم:» لجنة شرم الشيخ لتقصي الحقائق «. وفي السابع من تشرين الثاني (نوفمبر) عام ٢٠٠٠م طلب الرئيس الأمريكي بعد التشاور مع باقي المشاركين من الأعضاء أن ينخرطوا في لجنة تقصي الحقائق [١] . وفي السادس من كانون أول (ديسمبر) عام ٢٠٠٠م وجه الرئيس الأمريكي رسالة إلى لجنة تقصي الحقائق إبان انعقادها، جاء فيها: إن هدف اللقاء والاتفاق الناتج عنه هو: أ - إنهاء العنف ومنع تكراره. ب - إيجاد طريق العودة إلى مسيرة السلام في إجراءاتها وطريقة عملها. وعن مهمة اللجنة قال: على اللجنة: أ - أن تسترشد بهذه الأهداف الملزمة. ب - محاولة قيادة الأمور بعيداً عن أي خطوة من شأنها تكثيف اللوم المشترك أو التأشير بإصبع الاتهام بين الفرقاء، ولا ينبغي أن تصبح مصدر خلاف أو نقطة تركيز للوم أو الاتهام. ج - أن تخدم ككابحة للعنف والمواجهة. د - أن تقدم عبراً للمستقبل. هـ - أن لا يكون هدفها تحديد جرم أو براءة أفراد أو فرقاء. و أن يكون هدف اللجنة تحديد ما حدث وكيفية منع تكراره في المستقبل. وانظلاقاً من هذه التوجيهات الإرشادية الأمريكية شرعت اللجنة في ممارسة مهمتها التي رفعت بشأنها تقريرها إلى الرئيس الأمريكي بتاريخ ٣٠/٤/٢٠٠١م فيما عرف بـ» تقرير ميتشيل «الذي سيكون محل تحليلنا ومناقشتنا في هذه الدراسة. رفع اللثام عن تشكيل اللجنة: ١ - إن تقرير ميتشيل جاء منسجماً مع توجهات أعضاء لجنة التقصي التي نعتبرها» غير محايدة «فأعضاؤها جميعاً لم يكن لهم في يوم من الأيام أي موقف متعاطف مع ما اصطلحوا على تسميته بـ» قضية فلسطين «؛ إذ إن جميع أعضاء اللجنة نصارى، ما عدا سليمان ديميريل الرئيس السابق لتركيا، والذي ضُربت الحركة الإسلامية إبَّان رئاسته بضربات مؤلمة وموجعة، كما أنها تضم اثنين من الأمريكان من مجموع خمسة أشخاص هم أعضاء اللجنة، إضافة إلى أنها رفعت تقريرها للرئيس الأمريكي وكأنه رئيس العالم؛ فاللجنة ذات ثقل أمريكي، وبناء عليه فإنها من حيث تركيبتها وتوجهاتها متحفظ عليها جداً، ولا يرقى تقريرها إلى مستوى الإنصاف كما سنرى. ٢ - لم تشر اللجنة في مقدمتها أو نقاشاتها إلى قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالانسحاب اليهودي غير المشروط من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧م، بل ناقشت المسألة من منطلق وجود» متصارعين «على تلك الأراضي وبينهما مشكلات تفاقمت إلى مرحلة استعمال» العنف «. وكان الصحيح من وجهة نظرنا إبراز أن الكيان اليهودي في فلسطين كلها هو حالة اغتصاب واحتلال واستعمار ينبغي إزالته، غير أن تشكيل اللجنة لم يكن ليصب في هذا الاتجاه بتاتاً. ٣ - إن العنف اليهودي قد ابتدأ منذ عام ١٩٤٨م، وسنأتي على بعض مظاهره لاحقاً، فلماذا لم تشكل هذه اللجنة إلا بعد أن ابتدأت الانتفاضة، وبعد أن ظهر أنها تتجه نحو الاستمرار، مع تصاعد لآثارها الخطيرة في المجتمع اليهودي نفسياً وسياسياً واقتصادياً؛ فالواضح أن هذه اللجنة اضطلعت بمهمة فرش البساط لاحتواء الانتفاضة وإنهائها. ٤ - إن اللجنة مجمعة على أهمية إيقاف الانتفاضة والتخلص من آثارها لإنقاذ الكيان اليهودي من ورطته مع الانتفاضة. ٥ - إن طبيعة تركيبة اللجنة وتوجهاتها قد انعكست على تقريرها الذي جاء غير متوازن من حيث النتائج رغم محاولة إبراز التوازن في بعض صياغة العبارات، وسيتضح عدم حيادية القرارات والتوصيات وميلانها بشكل واضح وفاضح لصالح الكيان اليهودي. أبرز نصوص تقرير ميتشيل: في تاريخ ٣٠/٤/٢٠٠١م رفعت لجنة شرم الشيخ لتقصي الحقائق تقريرها إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية (جورج دبليو بوش) : لقد طلبنا وتلقينا المعلومات والمشورة من قطاع واسع من الأفراد والمؤسسات والحكومات، وعلى رغم ذلك فإن النتائج والتوصيات صادرة عنا فقط. وبعد الديباجة وضع هيكل التقرير كما يلي: تكوَّن التقرير من: أولاً: مقدمة. ثانياً: النقاش والحوار: - أوقفوا العنف، استئناف التعاون الأمني. ثالثاً: التوصيات: وقد تضمنت: وقف العنف، إعادة بناء الثقة، استئناف المفاوضات. مناقشة أبرز نصوص التقرير: أولاً: المقدمة: نسوق أهم العبارات التي جاءت في المقدمة: » إن العنف لن يحل مشاكل المنطقة، إنه فقط سيزيدها سوءاً «. » إن الموت والدمار لن يأتيا بالسلام، بل سيعمقان الكراهية ويصلبان العزيمة لدى الجانبين «. » ثمة طريق واحد للسلام وللعدل وللأمن في الشرق الأوسط ألا وهو المفاوضات «. » إن بعض (الإسرائيليين) والفلسطينيين لا يتفهمون بشكل كامل مشاكل وهموم الطرف الآخر «. » يبدو واضحاً أن بعض (الإسرائيليين) لا يستوعبون الإذلال والإحباط الذي يتحمله الفلسطينيون بشكل يومي نتيجة اضطرارهم للعيش مع نتائج الاحتلال المدعوم بوجود قوات عسكرية إسرائيلية، ومستوطنات مغروسة في وسطهم، ولا يفهمون إصرار الفلسطينيين على الحصول على الاستقلال وتقرير مصير حقيقي «. » يبدو واضحاً أن بعض الفلسطينيين لا يفهمون مدى الخوف الذي يخلقونه في أوساط الشعب الإسرائيلي مما يضعف إيمانهم بإمكانية التعايش، أو إصرار الحكومة الإسرائيلية على عمل كل ما هو ضروري لحماية شعبها «. » إن الخوف والكراهية والغضب قد تصعد لدى الطرفين، إن الخطر الأعظم هو على ثقافة السلام التي تمت تغذيتها عبر العقد السابق، والتي تحطمت، وبدلاً منها هناك إحساس متعاظم من عدم الجدوى واليأس ولجوء متزايد نحو العنف «. » إن على القادة في كلا الطرفين التصرف والكلام بحزم لكبح هذه التوجهات الخطرة، عليهم أن يعيدوا إضاءة الرغبة والدافعية للسلام «. » إن شعبين لهما كبرياء يقتسمان الأرض والمصير، وقد أدت ادعاءاتهما وخلافاتهما الدينية إلى صراع مستعر أضعف الروح المعنوية، وضرب الفهم بقيمة الإنسان، وبإمكانهما أن يستمرا في الصراع، أو أن يتفاوضا لإيجاد طريق للعيش جنباً إلى جنب بسلام «. ولنسجل الوقفات الآتية مع» المقدمة «: ١ - اكتفت المقدمة بذكر» العنف «ولم تحدد الطرف الذي تسبب فيه، وذكرت» الموت والدمار «ولم تشر إلى مصدره، وأشارت إلى» السلام «ولم تبين ماهيته. ٢ - حددت اللجنة طريق المفاوضات باعتباره طريقاً وحيداً للسلام والعدل والأمن في الشرق الأوسط، وأغفلت أن ثماني سنين عجافاً قد مرت على الشروع في المفاوضات ابتداءً من مدريد وإلى طابا ولم يتحقق شيء مما ذكرته، وسبب ذلك أن مفهوم العدل والأمن والسلام لدى الكيان اليهودي مجموع في اصطلاح واحد هو استسلام الفلسطينيين، وقد جاء ذلك جلياً في اتفاقيات» أوسلو «وما تلاها. ٣ - وضعت اللجنة الفلسطينيين و (الإسرائيليين) على كفتي ميزان ونادت بينهما وادعت عدم تفهم كل منهما مشكلات وهموم الطرف الآخر، وهذا غير صحيح؛ فالفلسطينيون يفهمون ويعلمون أن هَمَّ اليهود ومشكلتهم تتلخص بإدامة الاحتلال ومصادرة إرادة الشعب الفلسطيني وتحقيق النبوءات التوراتية بزعمهم. واليهود يفهمون ويعلمون أن هَمَّ الفلسطينيين ومشكلتهم تتلخص بإقامة دولتهم الفلسطينية على كامل التراب الفلسطيني؛ فهذه المشاكل والهموم واضحة بجلاء لدى الطرفين. ٤ - أقرت اللجنة ب: * الإذلال والإحباط الذي يتحمله الفلسطينيون بشكل يومي نتيجة اضطرارهم للعيش مع نتائج الاحتلال المدعوم بوجود قوات عسكرية إسرائيلية ومستوطنات مغروسة في وسطهم. * إصرار الفلسطينيين على الحصول على الاستقلال وتقرير مصير حقيقي. الخوف الذي يضعه الفلسطينيون في أوساط الشعب الإسرائيلي، ثم ادعت أن اليهود لا يعلمون بالمذكور في (١) و (٢) وأن الفلسطينيين لا يعلمون بالمذكور في (٣) ، فهذا الاستنتاج غير صحيح ومغاير للواقع كما ذكرنا آنفاً، لكننا نسجل للجنة إقرارها بما جاء في (١) و (٢) وسنستعيد هذا الإقرار في مناقشتنا اللاحقة. ٥ - أقرت اللجنة بـ» إصرار (الحكومة الإسرائيلية) على عمل كل ما هو ضروري لحماية شعبها «. إن هذا تحيز صارخ من قبل اللجنة؛ إذ جعلت الشعب الفلسطيني معتدياً، ولذلك يحق للحكومة اليهودية أن تفعل ما هو ضروري لحماية شعبها، وهذا يعني ضمناً أن اللجنة موافقة على إجراءات الحكومة اليهودية في التنكيل بالشعب الفلسطيني. ٦ - تباكت اللجنة على» ثقافة السلام «التي تحطمت، ونحن نعلم أن المقصود بهذه العبارة هي مكاسب الاستسلام التي ظفر بها اليهود ثم جاءت انتفاضة الأقصى فاقتلعتها من جذورها. ٧ - قالت اللجنة:» هناك إحساس متعاظم من عدم الجدوى واليأس ولجوء متزايد نحو العنف « (أي لدى الطرفين) ، ونحن نعتبر هذا الكلام معبراً حقيقياً عن جاهزية وفاعلية» الحجارة «في مقابلتها للآلة العسكرية للعدو المتفوقة عدداً وعدة. ٨ - في الوقت الذي يريد فيه العلمانيون ومن في حكمهم جعل الصراع مع اليهود صراعاً وطنياً، وهو خلاف الواقع، فإن اللجنة أقرت بما لا شك فيه أن الصراع بين المسلمين واليهود هو صراع عَقَدي؛ حيث قالت بالحرف:» وقد أدت ادعاءاتهما وخلافاتهما الدينية إلى صراع مستعر «. نعم؛ لقد أصابت اللجنة في هذه العبارة كبد الحقيقة! ٩ - أقرت اللجنة بتكافؤ الطرفين في الصراع، وهذا يعني أن إرادة الشعب الفلسطيني في الاستقلال قد وقفت مع التفوق اليهودي العسكري والسياسي والاقتصادي موقف الند للند. ١٠ - انتهت المقدمة بالإشارة إلى وجود طريقين لا ثالث لهما، وهما استمرار الصراع أو المفاوضات. ونحن نقول: إن المفاوضات لن تحقق للشعب الفلسطيني ما يريد، في حين أن استمرار الصراع سيرجح كفة الفلسطينيين بإذن الله تعالى. ثانياً: النقاش والحوار: ماذا حدث؟ ولِمَ حدث ما حدث؟ قالت اللجنة:» جاءت معظم المعلومات التي تلقيناها من الفرقاء، ومفهوم أنها تميل إلى دعم وجهات نظرهم «. » في أواخر سبتمبر ٢٠٠٠م، تلقى الإسرائيليون والفلسطينيون ومسؤولون آخرون تقارير مفادها أن عضو الكنيست (الذي يشغل الآن منصب رئيس الوزراء) آرييل شارون يخطط لزيارة الحرم الشريف، جبل الهيكل في القدس وحث المسؤولون الفلسطينيون والأمريكيون رئيس الوزراء آنذاك، إيهود باراك، على منع تلك الزيارة، ثم قام شارون بزيارته تلك يوم ٢٨ سبتمبر يرافقه ما يزيد على ألف من قوات الشرطة الإسرائيلية، وفي اليوم التالي، وفي المكان نفسه، حدثت مواجهة بين عدد كبير من الفلسطينيين المتظاهرين غير المسلحين وعدد من قوات الشرطة الإسرائيلية، مما أدى إلى قتل أربعة أشخاص وإصابة حوالي مائتي شخص بجروح. ووفقاً لمصادر الحكومة الإسرائيلية فقد تم جرح أربعة عشر شرطياً إسرائيلياً، وقد حدثت تظاهرات عدة خلال الأيام اللاحقة، هكذا بدأ ما عرف فيما بعد بـ «انتفاضة الأقصى» (الأقصى هو مسجد في الحرم الشريف/ جبل الهيكل) «» أنكرت منظمة التحرير الفلسطينية الاتهامات بأن الانتفاضة كان مخططاً لها «. من النص أعلاه يتبين ما يلي: ١ - رغم أن اللجنة رفعت تقريرها بعد حوالي ستة أشهر من مباشرتها عملها فإنها تعترف أن معظم معلوماتها تقلتها من الفرقاء، أي لم تجمع معلوماتها من أرض ميدان الصراع، وهذا خلل كبير في أصل تقرير اللجنة. ٢ - اعترفت اللجنة أن تدنيس شارون للمسجد الشريف كان مخططاً له مسبقاً، وأن الإدارة الأمريكية والسلطة الفسلطينية كانا على علم به؛ علماً بأن الصحافة الإسرائيلية قد شرعت ابتداءً من أوائل سبتمبر ٢٠٠٠م بنشر تصريحات لمسؤولين يهود مدنيين وعسكريين بأن الحرب مع الفلسطينيين على وشك الاندلاع، ولم يكن ثمة انتفاضة بعد، غير أن الذي لم يحسب شارون وزبانيته له حساباً هو هذا الصمود العاتي الذي تجسد بأيدي الفلسطينيين حجارة وثابة تقذف بشدة أفراد الجيش اليهودي وشرطته ومستوطنيه. إن استمرار صمود الفلسطينيين سيبطل بإذن الله تعالى مخطط المكر والدهاء والدماء اليهودي. ٣ - إن منظمة التحرير الفلسطينية سارعت إلى نفي الاتهامات بأن الانتفاضة قد خطط لها؛ وهذا النفي صحيح من جانب واحد هو جانب السلطة الفلسطينية، لكن الانتفاضة لم تكن خارج حسابات الجانب اليهودي، بل هو كان بحاجة لها، غير أنها جاءت في ضخامتها وتوسعها وآثارها وصمودها على خلاف ما رسمته الزعامة اليهودية لها، فأوقعت الطرفين المتآمرَيْن عليها: الكيان اليهودي والسلطة الفلسطينية في» حيص بيص «. ٤ - أفاد تقرير اللجنة أن الذي ابتدأ بالعنف الذي فجر الانتفاضة هو شارون نفسه عندما اقتحم المسجد الأقصى على رأس ما يزيد على ألف شرطي يهودي، وأن الجيش الإسرائيلي هو الذي أطلق الرصاص المطاطي والذخيرة الحية على المحتجين الفلسطينيين، علماً بأن الاحتجاج الفلسطيني هو احتجاج مشروع في كل الأحوال؛ فاللجنة تعترف بشكل واضح غير قابل للبس أن اليهود هم الذين بدؤوا العنف الذي فجر الانتفاضة. ٥ - لا بد من الإشارة إلى أن الوجود اليهودي على هيئة دولة على أرض فلسطين هو بحد ذاته عنف شديد ينبغي مقابلته بعنف مقابل لإبطاله؛ لأنه اعتداء صارخ على أراضي غيرهم وممتلكاتهم، تم في ظل قتل للأبرياء وفتك بالنساء والأطفال والشيوخ وهتك للأعراض ومصادرة للأموال من خلال مجازر وحشية وممارسات همجية، وسنأتي على مزيد من تفاصيل ذلك عند مناقشتنا للفقرات الخاصة بالعنف. ٦ - لا بد من ملاحظة إشارة اللجنة إلى أن الأقصى ليس هو مجرد مسجد في ساحة المسجد بل هو أيضاً جبل الهيكل، وهذه دلالة واضحة على أن اللجنة معترفة بادعاء اليهود أن أرض جبل الهيكل هي نفسها المسجد الأقصى، وفي ذلك برهان ساطع على تحيز اللجنة إلى جانب الادعاءات اليهودية. قالت اللجنة:» من خلال وجهة نظر منظمة التحرير، استجابت (إسرائيل) لأحداث الشغب بعنف زائد واستخدام غير قانوني للأسلحة الفتاكة ضد المتظاهرين «. » من منظور الحكومة الإسرائيلية فإن التظاهرات كانت تنظم وتوجه من القيادة الفلسطينية «. » فرضت الحكومة الإسرائيلية قيوداً على حركة الناس والبضاعة في الضفة الغربية وقطاع غزة (الإغلاقات) تطور منذ ذلك الحين إلى مجموعة من الأعمال العنيفة وردود الفعل، كان هناك تبادل لإطلاق النار في منطقة مكتظة، وحالات قنص وصدامات بين المستوطنين الإسرائيليين والفلسطينيين «. » لا توجد أدلة للاستنتاج بأن السلطة الفلسطينية قامت بجهد متواصل للسيطرة على التظاهرات وعلى العنف لحظة حدوثه، أو أن الحكومة الإسرائيلية قامت بجهد متواصل للسيطرة على التظاهرات وعلى الفلسطينيين غير المسلحين «. من النص أعلاه يتبين ما يلي: ١ - اعترفت اللجنة أن الكيان اليهودي قام باستخدام غير قانوني للأسلحة الفتاكة وبعنف زائد. ٢ - قالت اللجنة:» التظاهرات كانت تنظم وتوجه من القيادة الفلسطينية « وهذا غير صحيح؛ فالمظاهرات التي أشعلت الانتفاضة والتي لا تزال مستمرة كانت رد فعل تلقائي من الشعب الفلسطيني وليس للسلطة الفلسطينية فيها نصيب، بل إن السلطة الفلسطينية وضعت كل ثقلها واستنفرت جميع عناصر أمنها وشرطتها لوقف الانتفاضة، لكنها لم تفلح؛ لأن الخرق اتسع على الراقع، وبناء عليه فإن ادعاء تقرير ميتشيل أنه لا توجد أدلة للاستنتاج بأن السلطة الفسلطينية قامت بجهد متواصل للسيطرة على التظاهرات ادعاء باطل وغير صحيح، بل إن السلطة الفلسطينية بذلت أقصى المساعي للتعاون مع حكومة شارون للقضاء على الانتفاضة؛ حيث كانت ولا تزال الاجتماعات بين مسؤولي أمن السلطة الفلسطينية ومسؤولي الأمن الإسرائيلي مستمرة لإيقافها. ٣ - أما أغرب وأعجب زعم اللجنة أن (الحكومة الإسرائيلية) لم تقم بجهد متواصل للسيطرة على التظاهرات؛ فقد بذلت الحكومة الإسرائيلية جهوداً حربية مضنية لإيقاف التظاهرات مستخدمة الرصاص الحي والقنابل والصواريخ والقصف بالطائرات الحربية والمروحية وهدمت المنازل، وجرفت مئات الآلاف من الأراضي الزراعية، وأتلفت المحاصيل، وحاصرت المدن، وقتلت مئات المدنيين، وركزت قتلها على الأطفال، وأوقعت أكثر من عشرة آلاف جريح، وأجاعت الناس وقطعت عنهم الكهرباء والمياه واعتقلت المئات وغير ذلك كثير جداً جداً؛ فماذا تريد اللجنة من الحكومة الإسرائيلية فعله أكثر من ذلك لتسيطر على المظاهرات؟ ! قالت اللجنة (في تعليلها لاندلاع الانتفاضة) : » الحكومة الإسرائيلية تؤكد أن الدافع الفوري للعنف كان انهيار محادثات كامب ديفيد يوم ٢٥ تموز (يوليو) ٢٠٠٠م، والتقدير المتزايد في المجتمع الدولي لمسؤولية الفلسطينيين عن الطريق المسدود (كامب ديفيد) «. » إن زيارة شارون لم تكن سبب انتفاضة الأقصى، لكن توقيتها لم يكن موفقاً، وكان بالإمكان التنبؤ بما يمكن «. وتعليقنا على هذا النص ما يلي: ١ - إن انهيار محادثات كامب ديفيد الثانية لم يكن أمنية الشعب الفلسطيني فقط، بل كان أمنية جميع الشعوب المسلمة؛ ذلك أن بوصلة توجهات تلك المحادثات قد ثبت مؤشرها على استعداد السلطة الفلسطينية لإعطاء تنازلات خطيرة لصالح اليهود فيما يخص الوضع النهائي، وخاصة فيما يتعلق بالقدس وعودة اللاجئين والمستوطنات وطبيعة كيان الدولة الفلسطينية المرتقبة، ولذلك عندما انهارت تلك المباحثات تنفس الشعب الفلسطيني، والشعوب الإسلامية بعد صعداء، مما جعلهم في انتظار أي حدث على أرض الواقع ليفجر تلك المشاعر المحتقنة في الصدور والناجمة عن استمرار الاحتلال اليهودي لفلسطين. ٢ - أشار التقرير إلى تحميل المجتمع الدولي الفلسطينيين مسؤولية وصول مباحثات كامب ديفيد ٢ إلى طريق مسدود، وهذا افتئات على الحقيقة؛ لأن الذي حال دون استمرار المباحثات هو إصرار حكومة الكيان اليهودي على لاءاتها المعروفة، وهي: لا لدولة فلسطينية مستقلة، لا لتقسيم القدس، لا لعودة اللاجئين، لا لإزالة المستوطنات؛ فمن الذي تقع عليه مسؤولية انهيار تلك المباحثات؟ ! وهل تكون هذه الحقائق فعلاً غائبة عن المجتمع الدولي، أم أن المجتمع الدولي هو الولايات المتحدة وبريطانيا فقط؟ ٣ - زعمت اللجنة أن زيارة شارون لم تكن سبب الانتفاضة، بل توقيتها هو السبب؛ فهل تريد تبرئة ساحة شارون وباراك وزبانيتهما من المسؤولية عن أحداث العنف اليهودي ضد الفلسطينيين؟ ! أم تريد الزعم أن مسبب الانتفاضة هو منظمة التحرير الفلسطينية؟ ! طبعاً لا تستطيع ادعاء ذلك بعد أن نفت هي تحميل المنظمة مسؤولية بدء الانتفاضة. إذن من المسؤول عن تفجير أحداث العنف سوى الجانب اليهودي، وشارون بالذات؟ علماً أن اللجنة قد أقرت بهذه المسؤولية عندما تحدثت في المقدمة عن بدء اشتعال الأحداث في الضفة الغربية وقطاع غزة. توقعات متباينة: قالت اللجنة:» لقد صدمتنا التوقعات المتباينة التي عبر عنها الفرقاء فيما يتعلق بتطبيق مسيرة أوسلو «. » لقد أعطت الحكومة الإسرائيلية أولوية للتحرك نحو اتفاق للوضع النهائي ضمن مناخ من عدم العنف «. » وترى منظمة التحرير أن إعاقة العملية نجم عن محاولات إسرائيل إطالة الاحتلال وتعزيزه «. » اعتقد الفلسطينيون أن اتفاق أوسلو سيؤدي إلى نهاية الاحتلال الإسرائيلي في غضون خمس سنوات «. » بدلاً من ذلك حسب وجهة النظر الفلسطينية وصلت الإعاقات الإسرائيلية المتكررة إلى ذروتها في قمة كامب ديفيد؛ فالعروض (الإسرائيلية) تضمنت بالإضافة إلى ضم أفضل المناطق الفلسطينية لإسرائيل، السيادة الدائمة لإسرائيل على القدس الشرقية، واستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية والسيطرة الإسرائيلية على المصادر الطبيعية الفلسطينية والأجواء والحدود الفلسطينية، وأخيراً عودة أقل من ١% من اللاجئين إلى موطنهم «. وتعليقنا على ذلك هو: ١ - منذ البداية لم يكن هناك فهم موحد لنصوص اتفاقيات أوسلو بين السلطة الفلسطينية والكيان اليهودي؛ ذلك أن الحكومة اليهودية تريد أن تفسر نصوص الاتفاقيات حسب فهمها هي؛ ولذلك عرقلت تنفيذ تلك الاتفاقيات بشدة، ومن المستغرب حقاً أن الطرفين قد شرعا في مفاوضات الحل النهائي في حين أن اتفاقيات أوسلو لم تكن قد طبقت بالكامل على الأرض بسبب التعنت اليهودي. ٢ - كيف تقول اللجنة إن (الحكومة الإسرائيلية) أعطت أولوية للتحرك نحو اتفاق للوضع النهائي ضمن مناخ من عدم العنف، وهي التي مارست كثيراً من مظاهر العنف ضد الفلسطينيين خلال الفترة الانتقالية. ٣ - لا نشك أبداً أن التوقعات متباينة بين الفلسطينيين و (الإسرائيليين) فيما يخص استعادة الفلسطينيين حقوقهم كاملة من اليهود؛ وهذا هو سبب الصراع؛ لكن ما ساقته اللجنة من المطالب اليهودية يكفي لنسف أي نوع من أنواع المفاوضات التي تعطي الكيان اليهودي كل شيء، ولم تُبقِ للفلسطينيين سوى الفتات. منظورات متباينة: تحت هذا العنوان ذكرت اللجنة المنظورين الفلسطيني و (الإسرائيلي) ، وعبرت عن تباينهما بالقول:» وجسَّد كل طرف، سواء بالتصريحات أو الأفعال منظوراً عجز عن إدراك أي حقيقة في وجهة نظر الآخر «. أولاً: المنظور الفلسطيني: قالت اللجنة: عن ذلك: ١ - فيما يتعلق بالفلسطينيين، بشرت مدريد وأوسلو بإمكان قيام الدولة وضمان نهاية الاحتلال، وقرارات حول القضايا الهامة ضمن مدة زمنية محددة. ٢ - الفلسطينيون غاضبون بصدق من النمو المستمر للمستوطنات، ويرى الفلسطينيون أن وجود المستوطنات والمستوطنين في مناطقهم لا يشكل فقط انتهاكاً لروح عملية أوسلو بل أيضاً تطبيقاً للقوة بشكل يتناسب مع عقلية الهيمنة الإسرائيلية العسكرية التي تبقي على هذه المستوطنات وتحميها. ٣ - كذلك ل١دى الفلسطينيين مشاعر غاضبة تجاه تجاربهم اليومية المريرة والمذلة والناجمة عن استمرار (الوجود الإسرائيلي) على الأراضي الفلسطينية. ٤ - ينص الاتفاق الانتقالي على أنه» يرى الطرفان بأن الضفة الغربية وقطاع غزة وحدة مناطقية واحدة يتم تحديد وضعها والسيادة عليها في المرحلة الانتقالية ويترافق مع ذلك نص في الاتفاق النهائي يمنع اتخاذ أي خطوات تعمل على تغيير وضعية المفاوضات الانتقالية، وتزعم منظمة التحرير أن القادة السياسيين الإسرائيليين لم يخفوا أن تفسيرهم لأوسلو تمت صياغته بحيث يتم فصل الفلسطينيين في مناطق غير متواصلة محاطة بحدود يسيطر عليها الإسرائيليون مع وجود مستوطنات وطرق خاصة بها تنتهك السيادة الفلسطينية. ٥ - كما تدعي منظمة التحرير الفلسطينية أن (حكومة إسرائيل) لم تذعن لالتزامات أخرى مثل الانسحاب اللاحق من الضفة الغربية والإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين. ٦ - عبر الفلسطينيون عن غضبهم تجاه الطريق المسدود بخصوص مسألة اللاجئين وتدهور الظروف الاقتصادية في الضفة الغربية وقطاع غزة «. انتهى كلام اللجنة. ثانياً: المنظور الإسرائيلي: قالت اللجنة: (عنه ما يلي) : ١ - إن توسيع النشاط الاستيطاني واتخاذ إجراءات لتسهيل حياة المستوطنين وأمنهم لا يعتبر ماساً بمفاوضات الوضع النهائي، وتتفهم إسرائيل معارضة الجانب الفلسطيني للمستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي تعترف بأن المستوطنات قضية مهمة يجب أن يتم التوصل لاتفاق بشأنها باعتبارها جزءاً من أي حل للوضع النهائي دون تمييز للوضع الرسمي الراهن للمستوطنات. ٢ - إن الأمن هو الهم الأول لحكومة إسرائيل، وتدعي الحكومة الإسرائيلية أن منظمة التحرير الفلسطينية أخلَّت بالتزاماتها التي قطعتها على نفسها؛ وذلك بالاستمرار في استخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية. إن الأمن كان وما يزال الهم الرئيسي في عملية السلام. وهو مسألة لن تساوم (إسرائيل) بشأنها أو تقدم تنازلات حولها. إن إخفاق الجانب الفلسطيني في الالتزام بنص وروح البنود المتعلقة بالأمن في العديد من الاتفاقيات كان ولأمد طويل مصدراً لعدم الاستقرار والانزعاج في (إسرائيل) ، وإن هذا الإخفاق يتمثل بتحريض مؤسساتي ضد (إسرائيل) واليهود وإطلاق سراح الإرهابيين من السجون، وعدم التمكن من السيطرة على الأسلحة في التظاهرات بالإضافة إلى اعتداءات إرهابية على مدنيين إسرائيليين. وإن منظمة التحرير خرقت بوضوح إدانتها للإرهاب وأعمال العنف الأخرى؛ وبهذا زعزعت الثقة بشكل كبير بين الفرقاء. هكذا عرضت اللجنة المنظورين المتباينين لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين. ولنا مع هذا العرض الوقفات الآتية: ١ - ما بشرت به مدريد وأوسلو بإقامة دولة فلسطينية وضمان نهاية الاحتلال لم يكن أكثر من سراب؛ بل هو وهمٌ اعترى أعضاء السلطة الفلسطينية، وحاولوا أن يوهموا به السذج من سواهم. ٢ - بعد توقيع اتفاقيات أوسلو استمر الكيان اليهودي في إقامة المستوطنات واستجلاب المستوطنين، ولم يكن هذا مستغرباً بل كان متوقعاً تماماً. فنقضهم للعهود والعقود والمواثيق هو ديدنهم على مر التاريخ، وقد سجله القرآن الكريم. ٣ - إن دعوى أن توسيع النشاط الاستيطاني واتخاذ إجراءات لتسهيل حياة المستوطنين وأمنهم لا يعتبر ماساً بمفاوضات الوضع النهائي كذب محض؛ فلقد دعمت إسرائيل بشدة إقامة المستوطنات وشقت لها الطرق وملأتها بالمستوطنين لوضع الفلسطينيين في مفاوضات الوضع النهائي أمام الأمر الواقع، وليس على الفلسطينيين إلا القبول بهذا الوضع شاءوا أم أبوا. إن فحوى هذا الطرح أن لا دولة يمكن إقامتها للفلسطينيين على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة؛ ذلك أن هذه الأراضي مزروعة الآن بالمستوطنات ولا سيادة عليها إلا للحكومة اليهودية فقط. ٤ - المسلمون يرون أن الأمن يتحقق بزوال دولة (إسرائيل) وعودة الفلسطينيين إلى ديارهم واستعادة حقوقهم المشروعة، ومنظمة التحرير ترى أن الأمن يتحقق بانسحاب اليهود من الضفة الغربية وقطاع غزة. والحكومة اليهودية ترى أن الأمن يتحقق بمزاولة منظمة التحرير أعلى درجات القمع للشعب الفلسطيني المطالب بالاستقلال، هذا يمثل مرحلة أولى. وأما الأمن الحقيقي الذي ترمي إليه الحكومة اليهودية (مهما كانت) ، هو إخلاء الضفة الغربية وقطاع غزة من سكانهما بتهجيرهم في الآفاق وإحلال المستوطنين بدلاً منهم. وعلى هذا فإن مفاهيم الأمن بين الفلسطينيين واليهود متضادة تماماً؛ ولذلك فلن يتحقق الأمن لأي من الطرفين إلا بانتصار ساحق لأحد الطرفين على الآخر. والذي نعلمه من موعود الله هو انتصار المسلمين على اليهود في نهاية مطاف الصراع، وهذا الذي نعلمه يعلمه أيضاً كثير من اليهود. ٥ - إن وجهات النظر المتباينة بين الفلسطينيين واليهود خلاصة عناوينها هي: الأمن، والمستوطنات، والقدس، واللاجئون، والدولة الفلسطينية المستقلة. وبما أن وجهات النظر في هذه المسائل الخمسة متباينة مائة في المائة بين الطرفين؛ فهذا يعني استمرار الصراع إلى أن تنتصر إرادة المسلمين على اليهود بإذن الله تعالى القائل: [وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً] (النساء: ١٤١) . أوقفوا العنف واستأنفوا التعاون الأمني: قالت اللجنة:» من خلال صلة القرابة والصداقة والدين والمجتمع والمهنة كان لكل شخص في كلا الجانبين صلة بشخص قتل أو أصيب إصابة خطيرة في أحداث العنف الأخيرة، ورواياتهم مؤثرة جداً «. » منذ ١٩٩١م التزم الطرفان وبصورة مستمرة في كل اتفاقاتهما (بعدم العنف) ؛ ولوقف العنف يجب اتخاذ خطوات فورية لإنهاء الصراع والتأكيد من جديد على الالتزامات المتبادلة والبدء في المفاوضات «. » المهم أن تقوم السلطة الفلسطينية بكل ما تستطيع من جهد لتطبيق وقف شامل للعنف وأن يكون هذا جلياً للحكومة (الإسرائيلية) ، وعلى الحكومة الإسرائيلية أن تقوم ببذل جهد كامل (مائة في المائة) لضمان عدم جعل نقاط الاحتكاك المحتملة؛ حيث يحتك الفلسطينيون (بالمسلحين الإسرائيليين) مسرحاً لعداء متجدد «. » إن انهيار التعاون الأمني في بداية أكتوبر (تشرين أول ٢٠٠٠م) قد عكس القناعة لدى كل طرف بأن الآخر قد ألزم نفسه بطريق العنف تجاه الآخر، وإنه من دون تعاون أمني فعال فإن الفريقين سيمضيان في اعتبار كل عمل من أعمال العنف قانونياً ورسمياً «. » إن الأمر متروك للفرقاء أنفسهم ليتحملوا عبء التعاون اليومي، إلا أن عليهم أن يبقوا منفتحين لقبول مساعدة من آخرين لتسهيل عملهم بمساعي أمريكا والاتحاد الأوروبي. ولنا مع ما ذكرته اللجنة الوقفات الآتية: ١ - أوحت اللجنة بالمساواة بين إصابات الطرفين، وهذا خروج سافر عن الحيادية؛ ففي حين بلغ عدد القتلى والجرحى من اليهود بضع عشرات فإن الشهداء (فيما نحسبهم) من الفلسطينيين قد فاق حتى الآن ستمائة وخمسين شهيداً، وفاق عدد الجرحى أحد عشر ألف جريح، فإن كان لدى اليهود بضع عشرات من الروايات المؤثرة فإن لدى الفلسطينيين بضع آلاف منها. ٢ - ليس صحيحاً أن الطرفين منذ عام ١٩٩١م التزما (اللاعنف) ؛ فالواقع خلاف ذلك؛ حيث تعرضت فصائل الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ ذلك التاريخ وقبله وبعده إلى إرهاب أمني شديد، وقد شملت الحملات الإرهابية مطاردة واعتقال ومحاكمة الناشطين ضد استمرار الاحتلال اليهودي ومن السلطة أيضاً. ٣ - بعد بدء انتفاضة الأقصى التزمت السلطة الفلسطينية ببذل كل جهد ممكن لإيقافها؛ حيث مارست ضغوطاً قوية على جميع الفصائل الفلسطينية لترك الشوارع والعودة إلى المنازل وعدم التعرض إلى قوات الاحتلال، وقامت بالتنسيق مع العدو اليهودي لتحقيق هذا الهدف، لكنها لم تفلح في ذلك بسبب إرادة التحدي لدى الشعب الفلسطيني وإصراره على مواصلة الانتفاضة إلى حين الحصول على الاستقلال، في حين أعطت الحكومة اليهودية أوامرها لقواتها باستخدام جميع أنواع الأسلحة لقمع الانتفاضة. ٤ - إن اللجنة لم تكن محايدة أبداً في معالجتها لقضية العنف؛ إذ إن العنف منذ بدء الانتفاضة كان يهودياً. أما ردود فعل الفلسطينيين فلم تتجاوز الدفاع عن النفس، وإننا نعتبر أن التصدي لأي جندي يهودي وطئت قدماه الأرض المحتلة هو دفاع عن النفس. ٥ - ربما نكون بحاجة إلى ضرب أمثلة عن العنف اليهودي ضد الفلسطينيين؛ ولو فعلنا ذلك لاحتجنا إلى مجلدات، ولكن يكفي تصفح أي جريدة لتجد القتلى الفلسطينيين يمثلون المسلسل اليومي بمعدل ٣ شهداء وأربعين جريحاً منذ بدء الانتفاضة في سبتمبر (أيلول) ٢٠٠١م. ٦ - إذاً! كان ينبغي على اللجنة أن توجه خطابها إلى الحكومة اليهودية لوقف العنف، أي كان عليها مطالبتها بالانسحاب الفوري من الأراضي المحتلة؛ فليس هناك معنى لوقف العنف سوى ذلك. إعادة بناء الثقة: قالت اللجنة: «لقد عبرت المصافحة التاريخية بين الرئيس عرفات ورئيس الوزراء إسحاق رابين التي تمت في البيت الأبيض في سبتمبر (أيلول) ١٩٩٣م عن آمال الطرفين بأن الباب نحو حل سلمي للخلافات قد بات مفتوحاً» . «وعلى رغم العنف الراهن وفقدان الثقة المتبادل عبَّر الجانبان مراراً عن رغبتهما في السلام، وقد تأكدت صعوبة تحويل هذه الرغبة إلى تقدم حقيقي؛ إذ إن استعادة الثقة أمر ملحّ» . «يتعين على الجانبين اتخاذ خطوات ثابتة لتحقيق هذا الغرض، وفي ضوء المستوى العالمي من العداء وفقدان الثقة فإن توقيت وتعاقب هذه الخطوات يتسم بالأهمية الواضحة» انتهى كلام اللجنة. ونعقب على هذا الكلام فنقول: ١ - الخلاف بين الفلسطينيين واليهود ليس خلافاً سياسياً بل هو خلاف عقدي؛ وعلى ذلك فإن المصالحة السياسية التي تمت لا تعبر عن حقيقة ما يضطرم في الساحة من صراع، ولا تعني أن الشعب الفلسطيني موافق عليها. وأما قول اللجنة إن تلك المصافحة عبرت عن آمال الطرفين نحو حل سلمي للخلافات؛ فهو كلام إنشائي لا يصف حقيقة الواقع بل يصف ظاهره فقط. ٢ - تأمل اللجنة في أن يستعيد الطرفان الثقة بينهما باعتبار ذلك أمراً ملحّاً، ولا بد من اتخاذ خطوات ثابتة لتحقيق هذا الغرض. مرة أخرى نقول: إن هذا كلام إنشائي ومجرد تلاعب بالألفاظ؛ إذ كيف يستعيد الفلسطينيون الثقة باليهود وهم يقتلونهم ويحتلون أرضهم وينتهكون أعراضهم؟ ثم ما هي الثقة المطلوبة من الفلسطينيين: هل هي ثقة بالحكومة اليهودية، أم ثقة بالمستوطنين، أم ثقة بعامة اليهود في أرض فلسطين المحتلة؟ إن جميع هؤلاء مشتركون في مصادرة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويكرهون الفلسطينيين أشد الكراهية، ويمقتونهم أعظم المقت. الصحافة اليهودية اليومية مملوءة وبشكل كثيف بهذه المعاني، وإن أمنية استعادة الثقة التي نادت بها اللجنة لا محل لها على ساحة الصراع طالما بقي يهودي واحد على أرض فلسطين. الإرهاب: قالت اللجنة: «في مذكرة شرم الشيخ التي صدرت في سبتمبر ١٩٩٩م تعهدت الأطراف بأن تبدأ العمل ضد أي عمل أو تهديد بالإرهاب أو القصف أو التحريض» . «ويشمل الإرهاب القتل والجرح المتعمد لأشخاص غير محاربين يتم اختيارهم عشوائياً لأهداف سياسية، وهو يهدف إلى الوصول إلى نتائج سياسية من خلال بث الرعب وإشاعة الفوضى في أوساط الجميع» . «إنه لأمر غير أخلاقي وسوف يرتد في النهاية على أصحابه» . «الحكومة الإسرائيلية وجهت اتهامها إلى السلطة الفلسطينية بدعم الإرهاب عبر إطلاق سراح إرهابيين كانوا محتجزين، والسماح لأفراد من أجهزة أمن السلطة بالتحريض، وأحياناً القيام بعمليات إرهابية، ووقف التعاون الأمني مع (الحكومة الإسرائيلية) ، ونفت السلطة الفلسطينية بشدة هذه الاتهامات» . «إننا نعتقد أن على السلطة الفلسطينية المساعدة في إعادة بناء الثقة عبر الإيضاح لكلا الشعبين بأن الإرهاب مدان ومرفوض، وعبر اتخاذ الإجراءات كافة لمنع العمليات الإرهابية ومعاقبة مرتكبيها، ويجب أن يشمل هذا الجهد خطوات فورية بمنع الإرهابيين من العمل داخل المناطق التي تخضع للسلطة الفلسطينية» انتهى كلام اللجنة. ونعقب على هذا الكلام بما يلي: ١ - إن المعتدي اليهودي هو إرهابي ابتداءً؛ فكيف إذا عبر عن اعتدائه بقصف المدنيين العزل بالصواريخ والقنابل ودك منازل الآمنين بالمدفعية، ولاحق الأطفال والنساء والشباب بالرصاص الحي المتفجر؟ ! فإذا كان الإرهاب يشمل القتل والجرح المتعمد لأشخاص غير محاربين كما قالت اللجنة، فمن هو الإرهابي سوى الحكومة اليهودية وشذاذ الآفاق الذين انتخبوها؟ إنهم هم الإرهابيون وهم المجرمون حقاً وصدقاً. ٢ - لقد كان تحيز اللجنة واضحاً في كلامها عن الإرهاب؛ إذ إنها ساقت الاتهامات الإسرائيلية، وغضت الطرف تماماً عن الإرهاب اليهودي الصهيوني وكأنه لم يقع أصلاً، بل إن اللجنة حملت الفلسطينيين مسؤولية الإرهاب وطلبت من السلطة الفلسطينية إدانته ورفضه بل ومعاقبة شعبها الذي يتصدى للعدوان اليهودي؛ لأنها إذا فعلت ذلك فستساعد في إعادة بناء الثقة! ! يا له من صلف وغرور وقلب للحقائق! ٣ - إن اللجنة بهذا الصدد قد تكلمت بالفم اليهودي، وهي تقصد العمليات الاستشهادية التي يقوم بها الفلسطينيون ليلجموا الإرهاب اليهودي عن الاستمرار في إراقة دماء الفلسطينيين. ٤ - إن العمليات الاستشهادية الفلسطينية في مجملها وتفصيلاتها لا تخرج عن كونها دفاعاً عن النفس، ضد الاعتداء اليهودي الصهيوني المستمر. * تُعِدُّ إسرائيل خطة تهدف إلى إقامة معسكرات اعتقال كبيرة للآلاف من الفلسطينيين الذين دخلوا الخط الأخضر واستقروا هناك، وقالت مصادر في ديوان شارون إنه لما كانت السجون القائمة مكتظة، فقد كلفت مصلحة السجون بإقامة مخيم اعتقال مفتوح لآلاف الأشخاص معظمهم من مواطني الأردن. هذه واحدة من حلقات المسلسل الإرهابي اليهودي اليومي ضد الفلسطينيين وقد شملت هذه الحلقة عمليات قتل وجرح جثة شهيد (نحسبه كذلك إن شاء الله) وإحراق بساتين الزيتون والتوغل في الأراضي الفلسطينية المعروفة بمناطق (أ) وهدم منازل وتشريد آمنين، واستخدام جرافات عسكرية وقصف بالدبابات، وإرسال جرحى إلى خارج الأراضي المحتلة، والإعداد لمعسكرات اعتقال ضخمة، كل ذلك في يوم واحد فقط، فمن هو الإرهابي؟ ! سؤال نوجهه إلى اللجنة! * لكن يؤسفنا أيضاً أن نقول: إن هذا الإرهاب الذي مارسته الحكومة اليهودية قد شاركت فيه السلطة الفلسطينية أيضاً ضد شعبها؛ فقد قال مسؤول فلسطيني: إن السلطة الفلسطينية وجهت تحذيراً شديد اللهجة لحركة المقاومة الفلسطينية «حماس» وتوعدت باتخاذ عمل جازم ضد أي جماعة أو أشخاص ينتهكون وقف إطلاق النار أو يحاولون التلاعب بالوضع الأمني. فماذا تريد اللجنة من السلطة أكثر من ذلك الإرهاب لشعبها لصالح دعم الإرهاب اليهودي له؟ !

стр. 4030

المسلمون والعالم حتى لا يقال: كان السودان بلداً سُنّياً ! ! عثمان عيسى ما كان السودان يعرف مذهب الشيعة على الإطلاق، لكن التشيع بدأ يتسلل إلى البلاد عن طريق ما تقدمه إيران من منح دراسية للطلاب السودانيين؛ حيث ولجت أفكار الرفض أرض السودان، وكانت تلك أرضية مناسبة لإنشاء ما يعرف الآن بـ (المراكز الثقافية الإيرانية) ؛ ونشطت السفارة الإيرانية في مجال تطوير العلاقات السودانية الإيرانية، وحرصت على إنشاء تلك المراكز ورعايتها بعناية. ومن أبرز أنشطة السفارة الإيرانية انضمامها لجمعية الصداقة الشعبية العالمية باسم: (جمعية الصداقة السودانية الإيرانية) ، وربطت هذه الجمعية بالسفارة الإيرانية مباشرة، وقد أسهمت هذه الجمعية في تنشيط المراكز الثقافية الإيرانية وغيرها من الأنشطة الدعوية، فيتوجه أعضاء هذه الجمعية إلى المكتبات التابعة لتلك المراكز. ولعل مما يجدر ذكره في بدايات دخول التشيع إلى السودان زياراتهم لشيوخ الطرق الصوفية وتوثيق العلاقة بهم؛ وخصوصاً من يدعي منهم أنه من آل البيت، والتظاهر لهؤلاء الشيوخ بأنهم يجتمعون وإياهم في محبة آل البيت ومناصرتهم، وادعاؤهم أن أساس اعتقادهم واحد، وهكذا تتوالى الزيارات لهؤلاء مع الإغراءات المادية لهم، فتكونت العلاقات المتينة؛ ومن خلال هؤلاء الشيوخ تم الوصول إلى مريديهم (حيرانيهم) وأتباع طرقهم، وسمح لهم بإلقاء المحاضرات في مساجدهم وقراهم، كل هذا حدث بسبب هذا المدخل وهو اجتماعهم مع الطرق الصوفية في ادِّعاء محبة آل البيت. أبرز المؤسسات والأنشطة: إن العمل المؤسسي من أشد الأنشطة تأثيراً على الفرد والمجتمع؛ إذ يجد الفرد نفسه عضواً في العمل بالتدريج، ولا بد أن يتشرب أثناء عمله شاء أم أبى أفكار صاحب العمل، وهذا ما اتجهت إليه أنظار الرافضة في السودان، فاستوعبوا أكبر قدر ممكن من الموظفين سواء في المراكز أو المعاهد التابعة لهم على شكل حراس ومستخدمين وسكرتاريين وسائقين ومترجمين وغير ذلك، وهذا التوظيف بهذه الكثرة ليس سببه كثرة العمل وضغوطه بقدر ما هو استيعاب أكبر قدر ممكن للتأثير المباشر عليهم عقدياً، وهذا ما حصل مع الأسف. بالإضافة إلى ذلك اتجه اهتمام الرافضة إلى الأساليب التي تمس المجتمع مباشرة، مثل إنشاء المدارس والمعاهد، والجمعيات. ونسوق هنا بعض ما يخص هذه الأنشطة بشيء من التفصيل: أولاً: المراكز الثقافية: تعتبر هذه المراكز آليات لتنفيذ الأنشطة في مجال نشر الرفض بين المثقفين، وهي في الوقت نفسه تمثل واجهات يتستر خلفها دعاة الرافضة لتشييع المجتمعات المستهدفة في السودان ومن أبرزها: أ - المركز الثقافي الإيراني بالخرطوم: يقع هذا المركز جوار السفارة الهندية، وهو بمثابة العقل المدبر لنشر الفكر الشيعي في السودان؛ ولهذا المركز عدة أقسام: ١ - قسم الإعلام والثقافة: يحتوي على مكتبة لأشرطة الفيديو، وأشرطة الكاسيت، والجرائد الإيرانية، ومن أهم عروض الفيديو التي تقدم: عروض عن ولاية الإمام علي رضي الله عنه، وعن بطلان بيعة أبي بكر ﵁ في السقيفة، وأنها كانت بمحاباة وقبلية، ويتم في هذا القسم نشر أشرطة فيها سبٌّ للصحابة ﵃ وخاصة الإمامين أبي بكر وعمر ﵄، كما توزع في هذا القسم الكتب الخاصة بفكر الرفض لزوار المركز وخاصة الطلاب. ومن أخطر أنشطة هذا القسم تقديم المنح الدراسية للجامعات الإيرانية، وأكثر المنح تكون لجامعة الإمام الخميني؛ لأن هذه الجامعة تقوم بتدريس ما يعرف بالفقه الجعفري، وقد تم خلال السنوات التسع الأخيرة إرسال عدد كبير جداً من الطلاب إلى تلك الجامعة، وخاصة الطالبات، وقد تخرج في تلك الجامعة عدد كبير، وتم تعيين أغلبهم في المراكز الثقافية الإيرانية، وبعضهم في السفارة الإيرانية بالخرطوم [١] ، وتعطى تلك المنح للطلاب الذين سبق التحاقهم بإحدى الدورات التي ينظمها المركز، والذين يبدو عليهم الاستعداد لمناقشة العقيدة، أو يظهر أن لديهم رغبة في المال مقابل التنازل عن عقيدتهم، ويقوم بمهمة مراقبة الطلاب مشرف مكلف رسمياً بتدوين ملاحظاته عن مدى تأثر الدارسين. ٢ - قسم الدورات: يقدم هذا القسم عدداً من الدورات حول عدد من الموضوعات والمهارات: أولاً: دورات في اللغة الفارسية: وهي للعامة والمثقفين، فيستشهدون أثناء تدريسها بأفكارهم، ويناقشون فكرة الإمامة والرجعة ومسح القدمين، وغيرها من عقائد القوم، ووقع بذلك كثير من الدارسين بسبب الدورات في شباكهم. ثانياً: دورات في الخط الفارسي: وعبرها يضعون السم في العسل [٢] بترسيخ أصولهم الرافضية في خطوط عريضة لا تغيب عن الذهن بتكرارها. ثالثاً: دورات في الفقه المقارن: يُدرس في منهجه كتاب اسمه: (الفقه على المذاهب الخمسة) ويعنُون بها المذاهب السنِّية الأربعة المعروفة: (الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي) ، بالإضافة لمذهب الرافضة الفقهي الذي يسمونه بـ (المذهب الجعفري) ، ويؤتى بالمعلمين الذين يقومون بتدريس هذا النوع من الدورات من إيران مباشرة. يقوم من يدرس في هذه الدورات بترجيح جانب المذهب الجعفري دوماً وفي كل قضية، مركِّزاً على أن الإمام جعفر الصادق إمام معصوم، وأن كل المذاهب السنية قد أخذت منه، ويحرصون على تكرار مقولة منسوبة للإمام أبي حنيفة أنه قال: «لولا السَّنَتان لهلك النعمان» ، ويعنون بذلك أن أبا حنيفة قد درس سَنَتين على الإمام جعفر الصادق. وقد أقيمت حتى الآن (خلال الأعوام العشرة الماضية) ٩٠ دورة في الفقه المقارن، نوقشت خلالها كثير من المسائل العقدية عند الرافضة مثل سبِّ الصحابة والطعن فيهم؛ بينما يلاحظ الضعف الكبير في أنشطة أهل السنة في السودان مقارنة بأنشطة الرافضة هناك من حيث أعداد الدورات، وتأهيل الدعاة، ونشر مذهب أهل السنة، مع الانفتاح الشديد جداً أمام أهل السنة في الدعوة إلى الله حكومة وشعباً. رابعاً: دورات في المنطق: يدرس فيها كتاب: (خلاصة المنطق) وهو مدخل للتشكيك في عقائد الطلاب، فبه يبدءون، ثم يدخلون في الفقه المقارن، ثم يُخرِجون الطلاب من السُّنَّة إلى الرفض، والله المستعان. خامساً: دورات في أصول الفقه: تقام هذه الدورات خاصة للطلاب الجامعيين، وبالأخص طلاب جامعة أم درمان الإسلامية، وجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية، فيقوم المدرس الإيراني بتدريس هذه المادة لأهميتها عندهم؛ ففي هذه المادة خاصة يتكلمون عن الخلاف بين السنة والشيعة، وعن الإمامين أبي بكر وعمر ﵄، وقد يتكلمون عن الوهابية بسوء القول في كل مناسبة بل وبغير مناسبة! ويكفِّرون الصحابة إلا قليلاً، فيثور النقاش بين الطلاب في مسألة لعن الصحابة [٣] ، وقد ينتهي هذا النقاش أحياناً بإقناع عدد ليس بالقليل من الطلاب. ٣ - قسم المكتبة: توجد في هذا المركز مكتبة عامة تحوي كميات من الكتب في كافة التخصصات؛ وذلك لجلب كل طبقات الطلاب والباحثين، واستقطاب كل فصائل المجتمع، ومن أقسام تلك المكتبة جناح خاص بالعلوم الشيعية باللغتين العربية والفارسية، وتتوفر فيها الصحف اليومية السودانية والإيرانية. ٤ - قسم المناسبات: وهو من الأقسام المهمة جداً في المركز؛ فهو يختص بإقامة المناسبات الدينية والسياسية، مثل إقامة ذكرى ميلاد الأئمة الاثني عشر، وذكرى ميلاد السيدة فاطمة الزهراء، ومولد علي بن أبي طالب ﵁، وذكرى الإسراء والمعراج، ويوم عاشوراء الذي يجتمعون فيه ويبكون ويسبُّون الصحابة، وتقام مناسبات أخرى مثل تأبين الأئمة، وكذلك الاحتفالات السياسية كذكرى تولي الحكم، وميلاد الخميني وموته، وعيد النيروز (وهو عيد وثني مجوسي معروف) ، وسائر الاحتفالات التي تقيمها الشيعة في العالم. ويتم أثناء تلك الاحتفالات عرض أفلام وثائقية حول الأئمة الاثني عشر، والخميني باسم: (من الميلاد حتى العروج) ، وفيلم يشتم الوهابية باسم: (الوثنية السعودية) ! وفي هذا الاحتفال يتم توزيع كتاب بنفس الاسم: (الوثنية السعودية) ، مع ٧٠ كتاباًَ آخر كلها حول الوهابية، ومن هذه الكتب كتاب مختلق باسم: (مذكرات مستر هنفر) وُزِّع منه حوالي مليون نسخة ما بين ١٩٩٠م ٢٠٠٠م، وقد تم خلال هذا العام عرض فيلم حول الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وفيه افتراءات لا تنطلي إلا على جاهل أو حاقد. ولا يكتفي هذا القسم بعرض تلك الأفلام بل يقوم بتوزيع كثير منها أيضاً. ومن أنشطة هذا القسم كذلك استقطاب المسؤولين والوجهاء وشيوخ الطرق الصوفية وأساتذة الجامعات بتوجيه بطاقات الدعوة في المناسبات، ودفع مبالغ لهم باسم الهدية، وتوجيه دعوات لهم لزيارة الجمهورية الإيرانية، وخلال السنوات الخمس الماضية قام مجموعة من أهم رجالات الحكومة بزيارة طهران، بالإضافة إلى زيارات على مستوى قيادات الجيش والطلاب وحفظة القرآن، إلى جانب أفراد من أساتذة الجامعات ومشايخ الطرق الصوفية. ويوجه هذا القسم دعوته للطلاب الأفارقة في (جامعة إفريقيا العالمية بالخرطوم) والتي كانت سابقاً تسمى: «المركز الإسلامي الإفريقي» وكان مركزاً هاماً من مراكز نشر السنة في إفريقيا عموماً، ولأن هناك محاولات جادة بل مثمرة لكسب هذه الجامعة والتأثير عليها مباشرة أو غير مباشرة؛ فقد ظهر هذا التأثير المباشر على إدارة الجامعة والمسؤولين فيها وتم كسبهم وكسب ولائهم، وليس من الغريب أن يكون أحد المسؤولين الكبار في هذه الجامعة هو أحد الأشخاص الذين كان لهم أكبر الأثر في إيجاد موطئ قدم للرافضة في السودان في بداية نشر مذهبهم فيه. ويأتي التركيز على هذه الجامعة؛ لأنها على غرار جامعة الأزهر في مصر والجامعة الإسلامية في السعودية؛ حيث إن نوعية غالب الطلاب من جنسيات أجنبية؛ فالتأثير عليهم سهل ومثمر في بلادهم بعد تخرجهم. وأما الطريقة غير المباشرة فهي أنه قد تم منحهم قطعة أرض كبيرة جداً وقريبة من هذه الجامعة لإقامة مركز إسلامي يحتوي على مسجد وسكن ومكتبة وقاعة محاضرات وأندية وسكن داخلي للطلاب ليتم من خلاله استقطاب الشباب الأفارقة لهذه الأنشطة والتأثير عليهم مع ملاحظة قرب هذا المركز الشديد من هذه الجامعة لحضور المناسبات المختلفة، ومع توفير وسائل المواصلات لكل الطلاب، ودفع الأموال للذين يروِّجون للرفض في الأوساط الطلابية بالجامعة. ب -المركز الثقافي الإيراني بمدينة أم درمان: تم إنشاء هذا المركز بإيحاء من الشيعة الذين يقطنون هذه المنطقة، وله أنشطة المركز الثقافي الإيراني نفسها بالخرطوم، ويستعين المركز في أنشطته بالذين سبق لهم أن نالوا دراسات في إيران ممن يتقنون اللغة الفارسية. ويقوم هذا المركز بعقد لقاءات جماعية أسبوعية كل يوم أربعاء، ويتوافد إلى هذه اللقاءات جم غفير من الطلاب، ويحضر بعض تلك اللقاءات زائرون من إيران، ويقومون بندوات لنشر فكر الشيعة [٤] . يتميز مدير مركز أم درمان (وهو سوداني) بالمبادرة إلى الأعمال، وله خبرة في أساليب استدراج الطلاب إلى فكر الرفض. ثانياً: المكتبات العامة: للاهتمام العظيم الذي يوليه الرافضة لأنشطة التشييع قاموا بإنشاء المكتبات العامة التي تمثل في السودان مأوى لكل الطلاب لاعتبارات عدة، ومن أبرز تلك المكتبات: ١ - مكتبة المركز الثقافي الإيراني بالخرطوم. ٢ - مكتبة المركز الثقافي الإيراني بأم درمان. ٣ - مكتبة الكوثر بحي السجانة (وسط الخرطوم) . ٤ - مكتبة مركز فاطمة الزهراء بحي العمارات (وسط الخرطوم) . ٥ - مكتبة مدرسة الجيل الإسلامي بحي مايو [٥] (جنوب الخرطوم) . ٦ - مكتبة معهد الإمام جعفر الصادق بحي العمارات (وسط الخرطوم) . وقد حققوا نجاحاً في استخراج إعفاءات جمركية (عبر الاتفاقيات بين السودان وإيران وللأنظمة والأعراف الدبلوماسية بين الدول) لإدخال الكتب والأشرطة المسموعة والمرئية، وقد أدخلوا ٨ ملايين نسخة من الكتب المختلفة التي تدعو إلى فكر الرفض، وقد نشرت منها كميات ووزعت على المتصوفة والطلاب والمعاهد الدينية بالسودان عبر مشرفي المعهد الإيراني بالخرطوم. وهذه قائمة بأهم تلك الكتب التي وزعت خلال الأعوام السابقة: الكتاب ... ... ... ... ... المؤلف ... ... ... ... ... ملاحظات ١- الوهابية في الميزان ... ... جعفر السبحاني ... وهذا الكتاب مغالطات حول عقيدة السلف عمومًا بدعوى نقدها ٢- معالم المدرستين - ٣أجزاء ... مرتضى العسكري وهذا الكتاب من أخطر الكتب الموزعة للمثقفين ثقافة عالية جدا، ويحتوي هذا الكتاب على شبه قوية جدًا في مذهب أهل السنة لا يستطيع التصدي لها إلا العلماء وطلبة العلم ٣- براءة الشيعة من افتراءات الوهابية محمد أحمد خير ... ... ... ... ... ... سوداني متشيع ٤- زبدة الأحكام ... ... ... ... الخميني ٥- القرآن ودعاوى التحريف ... ... رسول جعفريان ٦- مخالفة الوهابية للقرآن والسنة ... عمر عبد السلام ٧- الإسلام والوثنية في السعودية. ... فهد القحطاني ... هذا الكتاب يوزع بكثرة مع أن اسم هذا المؤلف اسم لا حقيقة له سوى الكذب المعروف عنهم علماً بأنه قد وزعت مليون نسخة من المصحف الشريف في مساجد العاصمة الخرطوم وبعض القرى وهي نسخة مزخرفة جميلة، واسم الجلالة مكتوب فيها بالأحمر. وعليها اسم الجمهورية الإيرانية، وهذه النسخ جاءت بعد أن قام أحد دعاتهم بصلاة الجمعة في أحد مساجد ولاية الجزيرة حيث سمع الخطيب يخطب عن الرافضة ويذكر من عقائدهم أنهم يعتقدون أن القرآن ناقص. فقام هذا الرافضي برفع برقية لمرجعه، فعمدت إحدى دور النشر في الشام بطباعة مليون نسخة مصحف طباعة فاخرة تم توزيع كميات كبيرة منها في هذا الجامع بالذات وفي السودان عموماً حتى تلغي هذه النظرة عن الرافضة من العامة، وحتى لا ينفضحوا في بداية مشوارهم التشييعي في السودان مع المكاسب التي حققوها. ثالثاً: المؤسسات التعليمية: أ - المدارس: وهي على النحو الآتي: ١ - مدرسة الإمام علي بن أبي طالب الثانوية للبنين بمنطقة الحاج يوسف في محافظة شرق النيل: أنشئت هذه المدرسة في هذه المنطقة الشعبية أملاً في إقبال الطلاب عليها نظراً للظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها أكثر الناس. ٢ - مدرسة الجيل الإسلامي لمرحلة الأساس للبنين بمنطقة مايو في محافظة الخرطوم: وهي أيضاً منطقة نائية في طرف العاصمة يقطنها النازحون إلى العاصمة من جنوب السودان وغربه. ٣ - مدرسة فاطمة الزهراء لمرحلة الأساس للبنات بمنطقة مايو في محافظة الخرطوم. ب: المعاهد: ١ - معهد الإمام علي العلمي الثانوي للقراءات بمنطقة الفتيحاب بمحافظة أم درمان: أنشئ في سنة ١٩٩٦م، لاستقطاب طلاب الخلاوي، وفي السنة الأولى وقعت في المعهد جريمة أخلاقية تم على إثرها إغلاقه؛ ولله الحمد. ٢ - معهد الإمام جعفر الصادق الثانوي للعلوم القرآنية والدينية بحي العمارات: محافظة الخرطوم. وهو من أخطر مراكز التشيع؛ إذ لا يقبل سوى حَفَظَة القرآن الكريم، ويلاحظ تركيزهم على حفظ القرآن ممن لا يحملون علوماً شرعية أخرى لهدف واحد وهو قبول الناس واحترامهم لحافظ القرآن الكريم وخصوصاً أبناء الأرياف والقرى، ومن ثم وبعد التأثير عليهم حيث يرسل من حفظ منهم القرآن إلى قريته ويتبنى إما فتح خلوة له أو بناء مسجد يؤمه هو، أو أن يكون إمام مسجد القرية القديم، ثم يبدأ التأثير على أهل قريته وقبيلته. مع ملاحظة شروط القبول في هذا المعهد التي تخدم هذا الهدف المراد، ومنها: أ - حفظ القرآن الكريم كاملاً. ب - أن يكون عمر الطالب أقل من سبعة عشر عاماً! ت - أن يكون الطالب سوداني الجنسية. ث - أن يكون الطالب معافى من العاهات المستديمة. ج - أن يكون الطالب صوفياً. وبالطبع يشترطون ألا يكون للطالب علاقة بالسلفية أو اتصال بالعلوم الشرعية [٦] . يتكون المعهد من طابقين، وفيه قسم داخلي كبير للطلاب يحوي كل وسائل الراحة، وفيه مطعم يقدم ثلاث وجبات يومية فاخرة مجاناً، وبه غرف وأسرَّة لكل الطلاب، وبالمعهد مكتبة ضخمة فيها جميع كتب الرافضة وكتب السنة، وفيها جهاز فيديو ومكبرات للصوت للأذان، ومن مرافق المعهد قاعة للمطالعة، ومسجد للصلاة. يقدم المعهد لطلابه كل ما يحتاجون من ملابس وأحذية وغذاء وعلاج ووسائل ترحيل. وللمعهد أقسام دراسية ثلاثة: ١ - قسم التجويد: ومدة الدراسة فيه سنتان، يمنح الطالب بعدها شهادة إجازة في التجويد. ٢ - قسم القراءات: ومدة الدراسة فيه أربع سنوات، يمنح الطالب بعدها شهادة إجازة أهلية في القراءات. ٣ - القسم الثانوي العلمي: ومدة الدراسة فيه ثلاث سنوات، يمنح بعدها الطالب شهادة إجازة أهلية في العلوم الدينية. ومن الجدير بالذكر أنهم يسعون لفتح كلية لعلوم اللغة العربية والشرعية، ويبذلون كل وسعهم في استصدار تصريح لذلك. رابعاً: الجمعيات والروابط والمنظمات ١ - رابطة أصدقاء المركز الثقافي الإيراني: هذه الرابطة ليست إلا (رابطة شيعة السودان) فهي واجهة شيعية تتم عبرها اللقاءات مع المدعوين للتشيع، ويتم في هذه اللقاءات إلقاء المحاضرات وتقديم الكتب والهدايا من قبل مدير المركز محمد الهادي تسخيري الذي خلف المدير السابق علاء الدين واعظي. ٢ - رابطة الثقلين. ٣ - رابطة آل البيت. ٤ - رابطة المودة. ٥ - رابطة الظهير: وهذه الروابط الأربع روابط طلابية يشرف عليها بعض خريجي الجامعات الإيرانية والسورية واللبنانية والتركية، ولها أنشطة مختلفة كإقامة الندوات والمحاضرات وإصدار مجلات حائطية ومطويات. ٦ - رابطة الزهراء: وهي رابطة خاصة بالطالبات في المدارس والمعاهد والجامعات، وتشرف عليها إحدى أهم الناشطات في الحركة الشيعية النسائية وممن امتزج التشيع فيها امتزاج الروح بالبدن، وهي أيضاً عضو مهم ومؤثر في الاتحاد النسائي الإسلامي السوداني العالمي. يقوم المركز الثقافي الإيراني بدفع مبالغ كبيرة لكل الروابط المذكورة من أجل تمويل الأنشطة؛ إضافة إلى الرسوم الدراسية للأعضاء، وتأمين ملابس وكتب دراسية ومبالغ مالية للمواصلات، وغير ذلك مما يحتاجه الطلاب. ٧ - جمعية الصداقة السودانية الإيرانية: نشأت هذه الجمعية بدعم بعض السياسيين من البلدين، ويرأسها حالياً الدكتور المكاشفي طه الكباشي وهو شخصية لها اعتبارها عند العامة من وجوه، منها: ارتباطه الكبير بالصوفية، فهو من كبار زعماء الصوفية في السودان ومن أشهر رجالاتها، وكان رئيساً للقضاء في فترة تطبيق الشريعة في عهد النميري، وقد أصدر حكماً نهائياً بقتل الهالك محمود محمد طه زعيم الحزب الجمهوري ومؤسسه ردةً، كما أن للمشرفة على رابطة الزهراء جهوداً كبيرة في نفس الجمعية. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن لهذه الجمعية صلة وثيقة بمجلس الصداقة الشعبية العالمية وهو أحد أهم الواجهات الرسمية التي تمارس ما يسمى بالدبلوماسية الشعبية إضافة إلى الدبلوماسية الرسمية [٧] ، ويرأس هذا المجلس أحد كبار الحزب الحاكم هو الدكتور أحمد عبد الرحمن الذي يبدي تعاطفاً كبيراً مع الشيعة ويدافع عنهم في المجالس والمنتديات، وقد تمكنوا من خلال هذا المجلس من الاتصال بجمعيات الصداقة الأخرى، وكذلك بالطلاب الوافدين خاصة من الدول الإفريقية، وقد تشيع طلاب من السنغال وإفريقيا الوسطى ومالي وبوروندي وموزمبيق ونيجيريا ممن يدرسون في جامعة إفريقيا العالمية. ٨ - منظمة طيبة الإسلامية: وهي تعنى بإنشاء المدارس والمعاهد، ويتبعها بعض المعاهد والمدارس سالفة الذكر، كما يتبعها ما يعرف بـ (مجلس أمناء المدارس الإيرانية بالسودان) والذي يضم عدداً كبيراًَ من الشخصيات السودانية الموالية للرافضة في السودان. خامساً: مؤسسات اقتصادية ومشاريع استثمارية: ١ - شركة إيران غاز: وهي إحدى أهم الشركات العاملة في تعبئة أنابيب الغاز ونقلها وتوزيعها في السودان، ويوجد في كل حي موزع أو أكثر لهذه الشركة؛ حيث يعمدون إلى إعطاء التوكيل في الحي لمن كان على مذهبهم ليكون مصدر دخل لأبناء ملتهم. ومن الجدير بالذكر أن المسؤولين الإيرانيين في هذه الشركة بدءاً من مديرها العام يشاركون في الأنشطة الدعوية الشيعية، ويباشرون الدعوة بأنفسهم في الأوساط التي يحتكون بها. ٢ - المطعم الإيراني: وقد أقيم في مبنى فخم من ثلاث طوابق يطل على شارع المطار، وشارع رقم ١٥ بحي العمارات، إلا أنه قد أخفق من ناحية اقتصادية وتم إغلاقه. ٣ - استثمارات في البترول: للإيرانيين استثمارات في مجال التنقيب عن البترول السوداني واستخراجه. وهكذا نرى السودان، البلد الإسلامي السني يتعرض لتلك الهجمة الرافضية، في ظل غفلة من أهل السنة وانشغال، فهل نترك لهم السودان ليكون إيران إفريقيا؟ !

стр. 4031

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش qatamish١٠٠@hotmail.com كم ثمن السيارة إذن! ! ؟ في أجواء تشبه تعاملات بورصة الأسهم، شهدت دبي مزادات على الأرقام المتميزة للسيارات، بلغت حصيلتها ٣١. ٨ مليون درهم، وطرحت في المزاد الأول الأرقام الأحادية من (٢) إلى (٩) والأرقام الثنائية المتماثلة، وكانت مفاجأة المزاد عند الرقم (٧) الذي رسا عند السعر ٩١٠ آلاف درهم للفريق أول الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وزير الدفاع وولي عهد دبي، وحقق الرقم (٢) أعلى سعر، وهو مليون و ٢٤٠ ألف درهم، تبعه الرقم (٣) بسعر مليون و ٤٠ ألف درهم، ثم الرقم (٩) بسعر مليون و٢٠ ألف درهم. وما أن بدأ أول مزاد، حتى علت الأيدي وتوهجت القاعة بالمزايدين، فبدأت المزايدة على الرقم (٩٩) ، الذي كان من نصيب أحد المزايدين الذي قال: لم أكن أتوقع أن يصل الرقم لهذا الحد، فكنت أتوقع ألا يزيد سعره عن ٢٨٠ ألفاً، لكن كان الارتفاع مفاجئاً، حيث وصل سعره إلى ٧٠٠ ألف درهم، وقامت مجموعة من الحضور تمثل مجموعة شركات كبيرة، تمتلك عدة فنادق بشراء أكثر من رقم، حيث تم شراء الرقم (٨٨) بسعر بلغ ٣٦٠ ألف درهم، وشراء الرقم (٧٧) بمبلغ ٤٠٠ ألف درهم. كذلك الرقم (٦٦) بلغت قيمته ٤١٠ آلاف درهم، وذكر صاحب الرقم أنه كان يتوقع أن تكون الأسعار أقل، لكنه أصر على خوض المزاد، واشترى آخر رقمين، إذ اشترى الرقم (٥٥) بمبلغ ٤٨٠ ألف درهم، إضافة إلى الرقم (٩) بمبلغ مليون و٢٠ ألف درهم، وذكر أن الرقم المميز يعني شخصية صاحب الرقم! ! واشترى أحد رجال الأعمال ثلاثة أرقام منها الرقم (٤٤) بقيمة ٥٥٠ ألف درهم، كذلك الرقم (٤) بقيمة ٩٨٠ ألف درهم، والرقم (٨) بقيمة ٩١٠ ألف درهم. وكان الرقم (٣٣) ثمنه ٥٥٠ ألف درهم، إضافة إلى الرقم (٢٢) بقيمة ٦١٠ آلاف درهم، ورسا المزاد على اللوحة (١١) على أحد الحضور، ودفع قيمتها ٨٤٠ ألف درهم، كما رسا عليه أيضاً الرقم (٢) ودفع مبلغ مليون و ٢٤٠ ألف درهم، إضافة إلى الرقم (٦) بقيمة ٨١٠ آلاف درهم، وقال الفائز بالرقم: إن الرقم المميز يوفر مظهراً جيداً لرجال الأعمال، والأرقام التي وقع عليها اختياره تعد أفضل الأرقام المعروضة، من وجهة نظره، تستحق أن تدفع فيها هذه المبالغ، وقام أحد المزايدين بشراء رقمين أحاديين بدأ بالرقم (٥) بقيمة ٩٣٠ ألف درهم، والرقم (٣) بقيمة مليون و٤٠ ألف درهم! ! وفي المزاد الثاني أثار أحد تجار الفحم مفاجأة بشرائه (١٢) رقماً بقيمة ١٤. ١١ مليون درهم من إجمالي (٨١) رقماً بلغت قيمتها ٣١. ٨ مليون درهم؛ فقد حرص تاجر الفحم على حضور المزايدة واقتناء أرقام متميزة، ومنذ بداية المزاد استطاع مع ابن أخيه لفت أنظار الحضور إليهما بسبب إصرارهما على الاستحواذ على الأرقام لدرجة أن المزايدين جلسوا معهما وحادثوهما لشراء أرقام رست عليهما. وقال: إنه حضر للمزايدة ليتحدى تجار العقارات ورجال الأعمال، مشيراً إلى أنه حصل على الأرقام المتميزة في كل مزايدة دخلها؛ لأنه راغب بشدة في امتلاك هذه الأرقام وهي: ٢٠، ٣٠، ٤٠، ٥٠، ٦٠، ٧٠، ٦٥، ٣٦، ٧٥، ٩١، ٩٥، ٩٨ بقيمة ١٤ مليون درهم. ويقول عندما سئل عن رقم (الموبايل) الذي يحمله، إنه لا يعرفه، ولا حتى رقم هاتف المنزل، ومحلاته التجارية! ! [مجلة المجلة، العدد: (١١١٥) ] أليسوا أكرم من لوحة السيارة؟ شهدت موازنة القسم الصحي لوكالة الأونروا غوث اللاجئين الفلسطينيين المخصصة للبنان تخفيضات حادة هذا العام بلغت أكثر من ثلاثة ملايين دولار. ومن المتوقع أن تشهد الموازنة العامة تخفيضات جديدة في الربع الأخير من هذا العام بسبب زيادة العجز في الميزانية العامة والبالغ ٦٠ مليون دولار. وقد ضاعف من حجم المشكلة في القسم الصحي ما تسرب من معلومات مؤكدة عن تزوير في الفواتير من قبل بعض الموظفين السابقين في الأونروا التي بلغت أكثر من ٦٥% من قيمة الموازنة المخصصة لهذا القسم. وبدلاً من أن تقوم إدارة الأونروا، ممثلة بشخص مديرها العام في لبنان، بزيادة الموازنة المخصصة للبنان والقيام بتحقيق جاد يكشف ملابسات مسألة التزوير ومحاسبة الفاعلين، اتخذت مجموعة من الإجراءات الشكلية. وأخطر ما قامت به «الأونروا» كان التوقف عن تغطية علاج ونفقات مرضى السرطان قبل ثلاثة أشهر، مما أدى إلى وفاة المواطن الفلسطيني مصطفى مراد والمواطنة أم حسين الأفندي إضافة إلى مواطن ثالث توفي داخل إحدى عيادات الأونروا بعد انتظاره لوقت طويل، وكل ذلك بسبب التوقف عن دفع نفقات العلاج. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٢٦٢) ] رفاهية! ! المصارف تجني الأرباح، والدولة تخسر الملايين. هذه المعادلة الصعبة والثقيلة كشفتها قضايا سجناء الديون والشيكات، السجين الواحد من هؤلاء حسب إدارة المؤسسات العقابية يكلف الدولة يومياً مئة درهم، وإذا كان العدد بالآلاف فإن الدولة تخسر الملايين، بينما البنوك تتضاعف أرباحها نظراً للتسهيلات غير المحسوبة التي تقدمها للقروض خصوصاً للشباب الذين يقعون نهباًَ لهذه القروض على مختلف مسمياتها حتى قرض شراء الدين. وقد أشارت دراسة حديثة عن حجم هذه الظاهرة المرعبة إلى أن ٩٥% من أفراد المجتمع في الإمارات مدينون للبنوك ومعظهم من الموظفين الحكوميين الذين تتراوح رواتبهم بين ثلاثة آلاف وعشرة آلاف درهم، أي المجتمع كله يعيش تحت رحمة البنوك ووطأة أقساط القروض ومن يتخلف فمصيره وراء القضبان! [جريدة الاتحاد الإماراتية، العدد: (٩٤٩١) ] سننتصر بإذن الله أعلنت موسكو عزمها اعتماد برامج خاصة لمكافحة «التطرف الإسلامي» وعقد لهذا الغرض اجتماع حضره رئيس النيابة العامة فلاديمير أوستينوف ووزير الأمن نيكولاي باتروشيف ورئيس المحكمة الدستورية مارات باغلاي ومسؤولون آخرون. وأعرب المشاركون في الاجتماع عن «القلق» لتزايد عدد المنظمات الإسلامية والصناديق الخيرية المسجلة رسمياً، وقال بيان صدر عن الاجتماع إن الهيئات المذكورة تعمل على «أسلمة» روسيا و «زرع الأيديولوجيا الأصولية» فيها. وأشار المكتب الإعلامي للنيابة العامة إلى أن الحاضرين أكدوا على أن «التطرف الإسلامي في روسيا يشكل خطراً فعلياً على الأمن الدستوري والاجتماعي» ، ومعلوم أن في روسيا زهاء ٢٠ مليون مسلم لهم هيئات دينية معترف بها رسمياً، ولم يسبق أن وجهت اتهامات لها بالتورط في أعمال مخالفة للقانون. ويبدو من المعلومات الأولية أن النية متجهة إلى الحد من نشاط المؤسسات التعليمية الإسلامية؛ إذ أعرب المشاركون في اجتماع عقد لهذا الغرض، عن الاستياء من ازدياد عدد هذه المؤسسات التي زعم أنها تستخدم كتباً ووسائل سمعية وبصرية «أصولية التوجه» وقال بيان النيابة العامة: إن المتفوقين من الشباب يتم اختيارهم وإرسالهم للدراسة إلى بلدان الشرق الأوسط حيث يقعون تحت التأثير الكامل للمنظمات الإسلامية المتطرفة. [جريدة الحياة، العدد: (١٣٩٩٦) ] تنصير.. رسمي! ! بطريقة غير مسبوقة وبشكل استفزازي قامت مجموعة من الإرساليات بتوزيع بعض المطبوعات وقصص وكتب تبشيرية خلال الأسابيع الماضية في مدينة معان بالأردن، الأمر الذي دفع الأهالي هناك إلى الاحتجاج والتوجه للمسؤولين للتعبير عن استيائهم الشديد من هذه التصرفات. الغريب في الأمر أن هذه الحملة التبشيرية جاءت على ما يبدو بتعاون رسمي كامل؛ حيث قامت مديرية التربية والتعليم في معان بإرسال كتب رسمية لمدراء ومديرات المدارس في المناطق المعنية بالنسبة للإرساليات التبشيرية للتعاون معها وجمع الطلبة لذلك. هذا بالإضافة إلى إشراف الهلال الأحمر فرع معان على عملية توزيع طرود على الطلبة يحتوي كل منها على مجموعة كبيرة من القصص مثل يسوع يدخل المدينة المقدسة، ويسوع يمشي على الماء، ودَعْ شعبي يرحل، والد الطفل يسوع، الدخول إلى أورشليم، وميلاد سعيد لي، وقصص أخرى تتحدث عن الهيكل وبنائه مثل «صموئيل طفل الهيكل» وهذه القصص تمجّد اليهود وتحاول إظهارهم بمظهر المظلوم والمضطهد وجميعها صادرة عن دار الكتاب المقدس والمركز اللوثري للخدمات الدينية في الشرق الأوسط. كما تم توزيع بعض القصص للتلوين والتي تحتوي على صور نساء عاريات وبلباس فاضح بالإضافة إلى كتب باللغة الإنجليزية هذا عدا عن توزيع رسائل تبشيرية للطلبة من طالبات مع صور شخصية لهن واحتوت الطرود على ألعاب متعددة عليها صلبان. التعاون والدعم الرسمي لهذه الإرساليات التبشيرية لم يتوقف عند ذلك حسب ذكر المواطنين حيث تم نقل أفراد من المبشرين بسيارات حكومية تابعة لمؤسسة سكة حديد العقبة واستضافتهم للمبيت في مدرسة البيضا الأساسية. وقال المواطنون إنه كان يتم في كل زيارة عرض مسرحية أطفال «دمى» عن الرب «يسوع» وكانت الفئة المستهدفة من الصف الأول وحتى الصف السادس الابتدائي، وقاموا بتعليمهم حركات الصلاة في الديانة المسيحية «الأب، والابن، والروح القدس» حيث كان يتم جمع الطلبة بعد انتهاء الدوام وأيام الجمعة مما حدا بالأهالي في منطقتي قرين والقاسمية إلى جمع تلك المطبوعات وحرقها في ساحة المدرسة وتوجيه اللوم الشديد لوزارة التربية والتعليم والهلال الأحمر لتقديمهم المساعدة والعون لهذه الإرساليات التبشيرية. الجدير بالذكر أن أحد المراكز التبشيرية يعمل بشكل رسمي في منطقة رأس النقب تحت اسم «مصح النور» ويقوم وبشكل علني بتوزيع مطويات ونشرات وكتب للمراجعين تحت ستار تقديم الرعاية الصحية المجانية؛ وإحدى الرسائل التي تم توزيعها على الطلبة من طالبات أجنبيات كاثوليكيات جاء فيها: «إن المسيح يعطيك الحب، إن الله الرب يحبك كثيراً وهو يعتني بك كثيراً أيضاً، ما هو عنوانك أريد أن أرسل لك الكثير من الرسائل، وإذا أردت أن تذهب إلى الجنة ما عليك إلا أن تقول هذه الكلمات عندما تصلي:» يا إلهي! أنا أحبك وأنا أؤمن أنك مت من أجلي، اشكرك يا إلهي «فقط قل هذه الكلمات وآمن بها فسوف تذهب إلى الجنة عندما تموت» . [صحيفة السبيل الأردنية، العدد: (٣٩١) ] تكريم.. كلب! ! حكم قاض في ولاية كاليفورنيا بالسجن ثلاث سنوات على رجل قتل كلباً بسيارته في نوبة من السياقة الرعناء. وقد أدين الرجل ويدعى أندرو بيرنيت بمعاملة حيوان بقسوة وذلك بالتسبب في قتل الكلب ليو وهو كلب أبيض صغير خارج مطار سان خوسيه الدولي العام الماضي؛ حيث أمسك به من سيارة مالكه ورمى به وسط السيارات في غمرة حركة المرور، وقال بيرنيت إنه فعل ما فعله رداً طبيعياً بعد أن عضه الكلب في يده على حد قوله للقاضي. ولكن القاضي قال مخاطباً أندرو بيرنت إنه حكم عليه بالسجن لأنه لم يظهر أي أسف أو حسرة على ما حدث، وقد هتف دعاة الرفق بالحيوان مبتهجين عند النطق بالحكم. موقع هيئة الإذاعة البريطانية http://www.bbcarabic.com وإهانة دين! ! فوجئ الذين وصلتهم الدعوات لحضور مهرجان الرقص الشرقي الدولي الذي شهده أحد فنادق القاهرة ببطاقات الدعوة عليها صورة راقصة بخلفية مسجد ذي مئذنة شاهقة وقبات عالية، وكان هذا المهرجان الذي نظمته جمعية الرعاية الاجتماعية لفناني الفنون الشعبية قد عقد دورته الثانية بمشاركة ٢٧٥ راقصة يمثلن ١٨ دولة من قارات العالم المختلفة، واستمر عشرة أيام تحت شعار «أهلاً وسهلاً» . وحرص منظمو المهرجان على إقامة عدد من المحاضرات في الرقص الشرقي بإشراف كبار الراقصات في مصر، وتم تقسيمها إلى مستويين: الدرجة الأولى: ولها أسعار تذاكر خاصة تصل إلى ١٤٠ دولاراً. الدرجة الثانية: وأسعارها ما بين ٧٠ و ١٠٠ دولار. [مجلة المجلة، العدد: (١١١٥) ] معاول هدم ألا يمكن أن نكون في حرب مع بريطانيا، مثلاً، وأن نكون في الوقت نفسه، في سلام مع شكسبير؟ ألا يمكن أن نعادي ألمانيا، أو فرنسا، أو إيطاليا، ونظل في الوقت نفسه أصدقاء لبيتهوفن وغوته، لديكارت ورامبو، لدانتي وليوناردو دافنشي؟ إذا كان الجواب نعم، وهو بالنسبة إليَّ كذلك، فلماذا لا يمكن أن نحارب إسرائيل ونسالم في الوقت نفسه الفن والأدب اللذين ينتجهما كبار الأدباء والفنانين اليهود، خارج إسرائيل وداخلها؟ كلا! ليس بالتجارة، أو بالسواعد، أو بالبنادق، أو بالعيون السود أو الزرق، تصادق أمة أخرى أو تحاربها. هكذا يتوجب أن يدرك أن معنى «العدو» في السياسة يختلف عنه في الكتابة، وأن الموقف إزاءه يختلف هو كذلك في السياسة شيء، وفي الكتابة شيء آخر. تُرى، ألم تعد لدينا قضية إنسانية تتجاوز حدود أنانياتنا، وحدود مصالحنا المباشرة؟ تُرى ألم يعد لأي منا عالم داخلي يشغله؟ ألم يعد لديه ما يقوله عن هواجسه، وأحلامه، عن رؤاه وحدوسه، عن ثورته على نفسه، وثورته فيها؟ تُرى ألم تعد لديه إلا قضية واحدة تملأ وجوده كله: أن يدمر غيره، في شكل أو آخر، بطريقة أو أخرى؟ [أدونيس صحيفة الحياة، العدد: (١٣٩٧٦) ] كرم الحزام الإنجيلي تعتبر ولايات الجنوب الأمريكي المعروفة باسم: (ولايات حزام الإنجيل) الأكثر كرماً في الولايات المتحدة، ورغم أن سكان هذه الولايات هم بشكل عام أكثر فقراً، فإنهم يقدمون لأعمال الخير أكثر بكثير مما تقدمه الولايات الأغنى. وجاءت ولاية ميسيسيبي على رأس قائمة أعمال الخير التي صدرت من خلال مؤسسة «كتالوج الأعمال الخيرية» التي وجدت أن متوسط الإنفاق السنوي للفرد على الأعمال الخيرية في الولاية يصل إلى ٤٠٧٠ دولاراً أمريكياً سنوياً، وقالت وكالة أنباء أسوشيتدبرس: إن ولايات أركنساس، ولويزيانا، وتينيسي، وآلاباما وأوكلاهوما جاءت ضمن المراكز العشرة الأولى. واحتلت ولاية ميسيسيبي رأس القائمة رغم أن متوسط الدخل الفردي السنوي فيما ٣١٠٥٦ دولاراً، بينما وصل متوسط الدخل السنوي في ولاية ماساشوستس، التي جاءت في المركز الخمسين في القائمة إلى ٥١٨١٢ دولاراً، لكن بقي متوسط الإنفاق الخيري فيها عند ٢٦٤٥ دولاراً، وقد أجرى المسح المركز الوطني لإحصاءات الأعمال الخيرية التابع لمعهد الدراسات الحضرية الذي قال إن الاختلافات الدينية كانت جزءاً من السبب الكامن وراء هذه التباينات، إلى جانب تباينات مستوى المعيشة وقوانين الضرائب في الولايات. [مجلة الكوثر، العدد: (٢١) ] آلام متجددة مدينة موانيلا من مدن المنطقة الوسطى في سيرلانكا وفيها حوالي ١٩ قرية مسلمة، ونسبة المسلمين فيها حوالي ٤٥% وهي موقع استراتيجي بالنسبة إلى التجارة حيث تخترق سوقها الرئيسي الطريق الرئيسي الذي يربط Colombo العاصمة بمدينة Kandy (أبرز وأشهر مدن سيرلانكا وكانت عاصمة من قبل) ومن الجدير بالذكر هنا أن المسلمين يمتلكون ٧٠% من المحلات التجارية في سوق موانيلا. وقد اعتادت فرقة من المتطرفين البوذيين أخذ الإتاوة من التجار المسلمين، وقامت هذه الفرقة بأعمالها الوحشية بمساندة من أحد الوزراء الحكوميين، كما استطاعت هذه الفرقة بمساندته إبطال المحاضر التي ترفع ضدهم في مراكز الشرطة، وعلى هذا المنوال خرجت مجموعة منهم يوم الثلاثاء الموافق ٣٠ إبريل ٢٠٠١م إلى مطعم «زاهرة Zahira Hotel) الذي يمتلكه أحد المسلمين في موانيلا وكانت الساعة آنذاك تشير إلى التاسعة والنصف مساء فطلبوا الإتاوة حسب عادتهم، ولكن الأخ المسلم رفض طلبهم فقام المتطرفون بالاعتداء عليه بوحشية ثم أخرجوه إلى موقف الأتوبيس المجاور وربطوه مع التمثال الموجود هناك كالمصلوب وجرحوا جميع جسده بالشفرة كما قاموا بشق بطنه بالسكين وأذاقوه كل ألوان الأذى. ولم يكن أمام المسلمين إلا الذهاب إلى مركز الشرطة والإخبار بجميع ما حدث، ولكن هذا الإخبار لم يحرك ساكناً، ولم تتخذ الشرطة أية إجراءات في شأن هؤلاء المجرمين، فقام المسلمون في صباح الأربعاء بمظاهرة احتجاجية مطالبين باتخاذ الإجراءات اللازمة في شأن المجرمين وإخضاعهم إلى الحكم العادل؛ فحشدت تلك الفرقة المتطرفة كل البوذيين باسم الصراع العرقي واتجهت نحو المسلمين واشتبك الفريقان وقتاً من الزمن حتى جاءت الشرطة وأطلقت الغازات المسيلة للدموع والرصاصات النارية وكانت خسائر المسلمين فادحة. [جميعة أنصار السنة المحمدية بسيرلانكا] وفي الصين مأساة اتهمت منظمة العفو الدولية السلطات الصينية باستهداف المسلمين في حمى تنفيذ الأحكام بالإعدام التي تجتاح الصين حالياً. وقال بيان صحفي صادر عن المنظمة التي تتخذ من لندن مقراً لها إن المسلمين في إقليم كسينجيانج الغربي هدف من أهداف الحملة وأن القمع ضدهم سيستمر بصرف النظر عن أي عامل آخر. وذكر البيان أن» عدد الذين أعدمتهم الصين في الشهور الثلاثة يربو عن عدد الذين تم إعدامهم في العالم كله خلال السنوات الثلاث الماضية «. وأفادت المنظمة أن هذا العدد أقل من العدد الحقيقي للأشخاص الذين أعدموا؛ لأن الصين لا تعلن عن كل حالات الإعدام، وذكر البيان:» أن الحملة لا يمكن وصفها بأقل من حمى مسعورة أدت إلى خسائر بشرية كبيرة «. وفي بكين قالت المتحدثة باسم وزارة الأمن العام: إن الحملة ستستمر لمدة عامين وقد تكون الأكبر منذ عام ١٩٤٩م. وأشار مسؤول آخر في الوزارة إلى حملتين كبيرتين أخريين في عامي ١٩٨٣، ١٩٩٦م وأضاف:» ستكون هذه حملة كبرى أيضاً «. وقالت منظمة العفو الدولية: إن السلطات في إقليم كسينجيانج الغربي الذي يشكل المسلمون غالبية سكانه، تنوي استخدام الحملة لمحاربة» الانفصالية والأنشطة الدينية غير المشروعة «. [جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٦٩٠) ] منظف جديد! ! ذكرت صحيفة» الزمان «التي تصدر في لندن أن مبعوثاً من رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون وصل إلى العاصمة القطرية الدوحة دون تحديد موعد ذلك. وقالت الصحيفة إن مبعوث شارون سلم خلال زيارته رسالة إلى الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وزير الخارجية القطري. وأضافت أن الرسالة تضمنت تصورات إسرائيلية بشأن كيفية العمل من أجل اختراق الاستياء الذي يعم الشارع العربي إزاء سياسة شارون وذلك عن طريق خطوة تقوم بها قطر تظهر شارون شخصية محبة للسلام ومتمسكة بالحوار. [جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٦٩٠) ] حرب صليبية غادر المبشر فرانكلين غراهام، نجل القس الأمريكي الشهير بيلي غراهام والصديق الحميم للرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش، بيته في مقاطعة كارولينا الشمالية بالولايات المتحدة الأمريكية، ملتحقاً بالمتمردين المسيحيين في جنوب السودان، ليقدم لهم» الدعم اللازم «حسب تعبيره في حربهم ضد حكومة الخرطوم، وهو لا يتردد في القول إنه سيقود» حرباً صليبية «حقيقية ضد ما أسماه بـ » النظام الأصولي «في السودان الذي حوَّل حسب رأيه مسيحيي جنوب السودان إلى » عبيد «، وهو يضيف قائلاً:» هذا النظام شن الجهاد ضد أبناء شعبه، وهذا شيء مرفوض. ويقود رجل الدين فرانكلين غراهام قوة ضغط أمريكية، وترى مجموعة الضغط هذه أن السودان لا بد أن يكون على رأس أولويات السياسة الأمريكية؛ ذلك أن الرئيس عمر البشير حسب رأيها يقود نظاماً يضطهد المسيحيين، ويرى فرانكلين غراهام، القائد القوي لهذه المجموعة أن الحرب الأهلية في السودان، ليست فقط «مسألة إنسانية» وإنما هي حرب بين الأصوليين الإرهابيين المسلمين والمسيحيين الطيبين الذين يحبون الله وأمريكا! وقد وصل فرانكلين غراهام إلى جنوب السودان بطائراته الخاصة ليقيم هناك قاعدة خاصة به، تقع على بعد أربعين كيلو متراً من جبهة القتال، كما بعث جمعية مسيحية تقوم بتسيير شؤون أفضل مستشفى في جنوب السودان، وتملك هذه الجمعية ثماني طائرات بينها طائرة هليكوبتر يستعملها فرانكلين غراهام في تنقلاته جنوب السودان، أما ميزانيتها فتبلغ ١٥٠ مليون دولار، وخلال المعارك قامت الجمعية المذكورة التي تحمل اسم «ساماريتانس بورس» بمداواة الجرحى من الجنود المتمردين. ويرتبط فرانكلين غراهام بعلاقة صداقة حميمة بالرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش منذ فترة طويلة، ويقول إن عائلته أمضت مع عائلة الرئيس عطلات كثيرة في مناطق مختلفة، وهو لا يخفي أنه تحدث إلى جورج بوش حول مسألة جنوب السودان أكثر من مرة حتى قبل أن يعين رئيساً، وأنه سيبذل كل ما في وسعه من جهد لإقناعه بضرورة تقديم المساعدات الكافية واللازمة لمساعدة المسيحيين السودانيين في حربهم ضد نظام الخرطوم، ويؤكد فرانكلين غراهام أنه حصل على دعم كبير من كولن باول وزير الخارجية الأمريكية الذي قال له: إن ما يجري في السودان يمكن أن يكون أفظع مأساة في العالم، ويختتم فرانكلين غراهام كلامه قائلاً: «إن هذا البلد، أي السودان، مجروح وهو ينزف دماً، وأنا سأضمد هذا الجرح!» . [مجلة المجلة، العدد: (١١١٨) ] الحل الوحيد ... ! ! أعلن رئيس الوزراء الأردني علي أبو الراغب أن التوصل إلى هدوء تام بين الإسرائيليين والفلسطينيين «أمر مستحيل» وأن السبيل الوحيد سيكون إعطاء الفلسطينيين «حبوباً منومة» . وقال أبو الراغب خلال لقاء في عمان مع نادي الصحافة الأجنبية في الأردن: «إن الطريقة الوحيدة لضمان الهدوء التام خلال سبعة أيام هو إعطاء الفلسطينيين حبوباً منومة ليناموا ويسيتقظوا بعد أسبوع» . [صحيفة البيان الإماراتية، العدد: (٧٦٩٩) ]

стр. 4032

مقالات معربة سيناريوهات صهيونية لما بعد: انهيار السلطة الفلسطينية المقال عن صحيفة معاريف الإسرائيلية ١٨/٦/٢٠٠١م. الكاتب الصهيوني: ناداف هيماتساني. ترجمه من العبرية: يوسف رشاد [*] بعد الضربات الموجعة التي شنها أبطال الانتفاضة في الآونة الأخيرة، وبعد العمليات الاستشهادية التي هزت إسرائيل وأصابت الشعب اليهودي بحالة من الهلع والفزع والرعب برز الآن مطلب شعبي يهودي يطالب بإسقاط ياسر عرفات ونظامه ظناً من هؤلاء البلهاء أن ياسر عرفات هو الذي يحرّك أبطال الانتفاضة، ومع الإلحاح على هذا المطلب إلا أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بما فيهم حكومة الخنزير «شارون» لا تستطيع أن تسقط ياسر عرفات؛ لأن البديل أمامهم صعب. وقد نشرت صحيفة معاريف بتاريخ ١٨/٦/٢٠٠١م بقلم المدعو ناداف هيماتساني موضوعاً في هذا الصدد قال فيه: «في الأسابيع الأخيرة أخذ ينطلق في فضاء واقعنا العام مطلب شعبي بإسقاط ياسر عرفات ونظامه، بيد أنه في كل مرة يطرح فيها هذا الاحتمال تهب كتائب من الساسة والمعلقين لتوضح سبب عدم التفكير حتى في هذا الاحتمال، أما ما لا يقوله هؤلاء الساسة والمعلقون فهو أنه سيحل محل عرفات أحمد ياسين، وأننا سوف نصطدم بدلاً من السلطة الفلسطينية، بعصابات وأن كل شيء سوف يصبح أسوأ بكثير مما يحدث الآن. وحتى عندما توجه الأسئلة لمتحدثي اليمين حول هذا الموضوع فإنهم يتلعثمون ويردون بإجابات مبهمة ويطرحون مقترحات غير جادة؛ وهذا التعلثم مرده إلى السطحية، والجهل؛ فهؤلاء يزعمون أن الكارثة الحالية لا تختلف عما كان سائداً قبل أوسلو؛ فهذا الطرح يعتمد على ذاكرة الإسرائيليين الضعيفة. ولنعد إلى الأعوام الخمسة عشر التي سبقت التوقيع على اتفاقيات أوسلو في عام ١٩٩٣م؛ ففي هذه الأعوام بلغت حصيلة ما قُتل في عمليات فدائية ٢٥٤ إسرائيلياً، وهذا الرقم يتضمن كل من قتل من الإسرائيليين أثناء الانتفاضة الحالية في حين بلغ عدد الإسرائيليين الذين قتلوا في العمليات الفدائية في الأشهر الثمانية الأخيرة ٢١٣ إسرائيلياً؛ حتى في السنوات الخمس الأولى التي تلت أوسلو قتل ٢٧٩ إسرائيلياً، أي أن عدد القتلى في» عصر السلام «كان أكبر بكثير من عدد القتلى في خمسة عشر عاماً مجتمعة. وبشكل عام، فإن عدد القتلى السنوي حتى نهاية الثمانينيات لم يتجاوز الأربعة عشر قتيلاً. ففي عام ١٩٨٢م قتل اثنان، وفي عام ١٩٨١م قتل خمسة، وفي عام ١٩٨٤م قتل سبعة. صحيح كانت عمليات المقاومة موجودة إلا أن عدد ضحاياها كان ضئيلاً جداً، وكان بالإمكان السيطرة عليها إلى حد أن إسرائيل ظلت حتى منتصف الثمانينيات تحتفظ في الضفة الغربية بلواء واحد يقدر عدده ببضع مئات من الجنود، وفي كل مدينة عربية كانت تقوم بأعمال الخفارة آنذاك سيارة جيب واحدة تابعة لسلاح الحدود في دورية واحدة. بل إن من الغريب أن نتذكر أنه لم تحدث أية مشكلة أمنية في الضفة وغزة قبل ذلك بعشرة أعوام، وأثناء حرب ١٩٧٣م. تحطيم العصابات: إن هذه الأرقام والمقارنات تؤكد ما يعرفه الكثير منا من أن ما تمخض عن اتفاقيات أوسلو، أي قيام السلطة الفلسطينية العرفاتية هو الذي يضع أمامنا اليوم عقبة جوهرية، ومن ثم فإنه لا مفر من أن نفكر في بدائل تدمير هذه السلطة وإعادة العجلة إلى الوراء. إلا أنه ونحن نبحث عن مخرج من الورطة الحالية لا يكفي التخطيط للإجراءات العسكرية التي ستمحو السلطة الفلسطينية من الوجود. وفي المقابل، فإنه ينبغي علينا أن نقيم أنموذجاً جديداً لمجموعة العلاقات التي ستسود بيننا وبين الفلسطينيين بعد انهيار سلطة عرفات. ويتردد الآن في الدهاليز السياسية والأوساط الشعبية أنه إذا ما حطمنا هيكل دولة عرفات فإنه سوف تتشكل عصابات ستنغص علينا حياتنا بشكل أشد قساوة، وفي هذا السياق فإنه من المفيد أن نذكِّر بمعلومة أخرى لم تُستوعب بذاكرتنا الجماعية لسبب أو لآخر؛ ففي نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات وأثناء الانتفاضة الأولى الشهيرة كانت ترتع أيضاً» عصابات «مسلحة مختلفة ومتعددة، بل إن هذه العصابات احتلت أجزاء من الضفة وغزة لفترات زمنية، وقد قام الجيش الإسرائيلي بتحطيم هذه العصابات قبل التوقيع على اتفاقيات أوسلو بوقت طويل. وقد أحسست بوفاة الانتفاضة جيداً عندما ذهبنا إلى قرية» عربة «شمال السامرة بسيارتي العادية غير المصفحة أثناء عام ١٩٩٢م، وكانت هذه المنطقة قبل ذلك بشهرين فقط بمثابة قلاع» الفهود السود القوية «التي لم يجرؤ الجيش الإسرائيلي على دخولها بشمال السامرة، وبعد معارك خاضتها وحدات الصفوة بالجيش الإسرائيلي في هذه المنطقة في أواخر أيام شامير وآرنز صدرت الأوامر أخيراً بالقضاء تماماً على الانتفاضة وبتعاون إهود باراك وبوجي ياعلون رئيس الأركان آنذاك تم القضاء على آخر معاقل المقاومة للعصابات المسلحة، وفي النصف الثاني من عام ١٩٩٢م لم يبق أثر للمظاهرات والعصابات. وبشكل عام فإن القتال ضد العصابات يعد عملاً سهلاً؛ حيث لا قيود تُقيِّد يد الجيش، وليس هناك بحث عن» شريك «سياسي أو خوف من حماية دولية تفرض على» جنين «الدولة الفلسطينية، كذلك أيضاً العصابات لا تتمتع بحرية العمل التي تتمتع بها بقية الأجهزة العسكرية الخاصة بالسلطة. الانتفاضة: والزعم التالي أو السيناريو الثاني الذي يتردد في هذا الصدد يتمثل في المقولة الآتية: حسناً، فلتطردوا ولتحطموا، ولكن انتفاضة أخرى سوف تنشب بعد بضعة أعوام كما حدث عام ١٩٨٧م، ووفقاً لهذه المقولة فقد كان لا بد من تفجر هذه الانتفاضة بسبب» الاحتلال «إلا أن من يتابع عن كثب ما حدث في الضفة الغربية في الأعوام التي سبقت عام ١٩٨٧م رأى كيف جلبنا على أنفسنا هذه الانتفاضة. ففي نهاية عام ١٩٨٤م صُدمت وأنا في بداية عملي مراسلاً في الضفة وغزة حينما اكتشفت ما تسمح به حكومة شامير في القدس الشرقية، وكيف كانت تسمح لمنظمة التحرير بالسيطرة بالقوة وبالمال على مفترق الطرق وأدوات التأثير والنفوذ الرئيسية على الصحف وعلى مجالس واتحادات الطلبة والنقابات المهنية، وقد كان جهاز الدفاع (وزارة الدفاع والاستخبارات الحربية وجهاز الأمن العام الداخلي) يحذر من ذلك، ولم يبد الشعب اليهودي اهتماماً بذلك بل إن الحكومة كانت لا تبالي أيضاً. وقد أسهمت بعض الأحداث الدرامية في هذه السيطرة مثل الإفراج عن ١١٥٠ فدائياً في صفقة» جبريل «وقد استقر المئات منهم وهم قتلة خطرون ومحنكون، داخل أراضي يهودا والسامرة (الضفة وغزة) وبلوروا المعسكر الذي نظم صفوفه ضدنا، وجنباً إلى جنب دفعوا السكان العاديين وجندوهم في التنظيمات التابعة لمنظمة التحرير، وقد حدث كل ذلك نتيجة للعجز الحاد عن التعامل مع المحرضين وللعقوبة الجماعية التي كانت تفرض على الأبرياء. المبادرات: لقد أمضينا قرابة عشرين عاماً من التصرفات الحمقاء والسياسات الخرقاء منذ عام ١٩٦٧م إلى أن أدى تعاملنا مع الفلسطينيين إلى بلورة وتكوين جبهة أعداء مع عرب إسرائيل عام ١٩٨٧م، ولم نكن في حاجة إلى تشكيل هذه الجبهة، ولم يكن الواقع يفرض ذلك. فمنذ الأسابيع الأولى التي تلت حرب الأيام الستة (يونيو عام ١٩٦٧م) أخذ قادة الجماهير العربية في إسرائيل يطرقون أبوابنا ويتقربون إلينا؛ فقد تقدم رئيس بلدية» بيت لحم «آنذاك» إلياس بندق «، مع رئيس بيت جالا وبيت ساحور بطلب ضم أراضي بلدياتهم إلى دولة إسرائيل مع ضم القدس، وبعد ذلك بعدة أشهر في بداية عام ١٩٦٨م تقدم لقادة الإدارة العسكرية رئيسا بلدية جبل الخليل وبيت لحم باقتراح بالتوقيع على اتفاقية حكم ذاتي كانت ستعطيهم صلاحيات أشد تواضعاً وأقل بكثير من الصلاحيات التي عرضها مناحيم بيجن في كامب ديفيد، وقد شكلت هذه المبادرات جزءاً من عدد لا حصر له من مظاهر الود والصداقة التي أبداها عرب الضفة وغزة لنا، من ذلك على سبيل المثال، كان سكان مستوطنة» قريات أربع « يتوجهون سيراً على الأقدام إلى الضفة وغزة ليقوموا بالتسوق وشراء حاجياتهم، ثم يتوجهون بسيارات تاكسي عربية إلى القدس. إلا أن هذه المبادرات دُفعت وتحطمت بسبب عدم وجود سياسة تستجيب لها وتستغلها في كل من حكومات العمل والليكود على حد سواء. لقد بادر عرب إسرائيل بمد يدهم للتعايش تحت سلطتنا وحكمنا إلا أن هذه الأيادي كانت ترد، وكانت المبادرة شبه الوحيدة التي استخدمت في الاتجاه الصحيح هي مبادرة إقامة الجمعيات القروية في نهاية السبعينيات وقد بذلت آنذاك محاولة لتكوين زعامة بديلة لزعامة وقادة منظمة التحرير، بيد أنه وقعت أخطاء تكتيكية وانتهت المبادرة بإخفاق ذريع. البوتقة: من هنا فإن هدف اليوم التالي لرحيل عرفات هو العودة إلى الوضع الذي كان سائداً هنا في منتصف السبعينيات، وهي الفترة التي كان من الممكن فيها بلورة الأحداث، حسبما نريد وكيفما نشاء بشكل أو بآخر. إن الاتجاه المرغوب يقود إلى أنموذج الحكم الذاتي الذي لا يمكن أن يكون دولة مستقبلاً بأي حال من الأحوال. صحيح أنه ليس لنا أية مصلحة في العمل بإزالة القمامة من نابلس أو الاهتمام بمضامين الكتب الدراسية والعملية التعليمية في غزة طالما أنه سيكون بإمكاننا التحكم في عدم التحريض ضدنا هناك. ومن ثم فإنه بعد الانفجار الكبير الذي ينتظر بالأبواب سوف نضطر لأن نعطي لأنفسنا ولعرب إسرائيل فرصة ثانية، فمن جانب سيتعين علينا الاحتفاظ بقوة الردع، ومن ناحية أخرى منح خيار معقول للعيش معنا وبجانبنا. بعبارة أخرى: ينبغي أن نمسك بعصا كبيرة، ونقدم جزرة كبيرة، وتظل السيطرة على الشؤون الخارجية والدفاع والأمن والأرض والأبنية في أيدينا، وسوف يتعين علينا أيضاً أن نوطن عدداً من اليهود في أراضي الدولة، بيد أننا سنحرص باستثناء كل ذلك إلى فعل النقيض تماماً مما فعلناه منذ عام ١٩٦٧م. فكيف نعيد الواقع إلى ما كان قبل ٢٥ عاماً؟ إن الإجابة على هذا التساؤل تكمن في طابع الأحداث المفاجئة والقوية التي من المنتظر أن نشهدها قريباً، وليس ثمة شك في أن ذلك لن يصبح ممكناً ومتاحاً بدون أن تحدث صدمة عنيفة وهزة قوية للفلسطينيين، حتى لو كانت في شكل نكبة جديدة مصغرة، ولكن من المفيد أن نذكِّر من لا يصدق أنه كان من الصعب في عام ١٩٤٨م أن نعتقد وأن نقدر أننا سوف نستولي على الضفة الغربية بعد ٢٥ عاماً بعدد قليل من الجنود. لقد نشأ واقع السبعينيات نتيجة للصدمة العربية التي وقعت في عام ١٩٤٨م، وعام ١٩٦٧م، وليس ثمة شك في أن الفلسطينيين يحتاجون مرة أخرى إلى علاج من الصدمة. وهذه الصدمة ستحدث تلقائياً إن عاجلاً أو آجلاً؛ إذ إننا سوف نضطر خلال فترة غير طويلة إلى إعادة بسط سجادة دماء أوسلو مرة أخرى، عندها سوف يكون من المهم أن نتأكد من أننا سوف نسير فوق هذه السجادة إلى آخرها. من المهم أن نعد خططاً ومشاريع دقيقة، والإجهاز تماماً على كل من سيطلق النار علينا وطرد كل المسارات القيادية وزمرة القيادة المركزية التابعة لعرفات ومنظمة التحرير وبقية المنظمات» حماس، والجهاد الإسلامي «كل هؤلاء سوف يدعون لتلقي تذكرة إياب إلى تونس أو إلى إقامة غزة جديدة في» مرج الزهور «بجنوب لبنان. وبلا أية علاقة بإغلاق حسابنا العادل معهم، فإن صدمة تحطيم السلطة سوف تكون بمثابة طرقة حديد قوية في بوتقة صب النحاس، وذلك كما أعيد تشكيل ملامح وتربية ألمانيا النازية القاتلة بالقوة بعد الحرب العالمية الثانية. إن الحل موجود في أيدينا؛ فمن الممكن أن ننتصر وأن نسيطر أيضاً بشكل محتمل ومعقول، لا بشكل مثالي بالضرورة، ومن دون أي حاجة إلى دليل مادي للتعامل الجديد الممكن مع الفلسطينيين يكفيه أن ينظر إلى هدوء عرب القدس الشرقية؛ فهؤلاء لديهم الكثير الذي يمكن أن يخسروه وقد آثروا الانضمام الآن بالذات إلى جانبنا. البديل: ولن يكون من الممكن تجاهل الحساسية الدولية في عصر التلفزيون؛ لكن من ناحية أخرى لا ينبغي أن نحبط أنفسنا بسبب ذلك، فإذا ما وجهنا الدفة وأدرناها إلى هذه الأهداف بتكتيك ذكي، فإننا سنمنع أيضاً حدوث تدخل دولي، والأهم من ذلك أن نقوم بعدة تدريبات داخلية استعداداً لهذا السيناريو؛ لأننا نعلم أنه ليس لدينا أي بديل حقاً بعد ثماني سنوات» سلام «على الطراز العرفاتي» ا. هـ.

стр. 4033

بأقلامهن ويبقى الود ما بقي العتاب سارة بنت عبد الله الزامل نستبشر معشرَ النساء ونُسَرُّ ونبتهج حين نرى إخوة لنا يسارعون ويسعون لطرح قضايا إصلاحية زوجية تُعنى بتأسيس البناء الأُسري وتشييده، ليشتد عوده ويقوى ويصلب أمام العوادي، ولتؤدى رسالة الحياة من خلاله في ظل أجواءٍ آمنةٍ مطمئنةٍ سعيدةٍ، فنسأل الله للبقية المصلحة هذه أن يجزل لهم الأجر والثواب، ويرزقنا وإياهم الصدق والعدل والثبات والإخلاص، وأن يحفظهم ويحفظ بهم مجتمعنا المسلم. ومع تقربنا إلى الله بموالاتهم، وبالدعاء لهم في ظهر الغيب؛ إلا أنه وكما تقتضيه هذه الموالاة؛ كانت هذه المقالة التي تحمل تنبيهات، وإشارات مختصرة حول بعض السلبيات المؤثرة على فاعلية هذه الأطروحات الإصلاحية، مقروءة كانت أو مسموعة، والتي قد تضعف ثقة المتلقي بها وبأهليتها، وتجعل الرباط بينهما واهناً. وحَرِيٌّ بصاحب منبر التوجيه والإرشاد الذي يروم تقويم مادته، وإلى أي شيء بلغت، أن يصغي إلى من يعينه على ذلك، حتى وإن كانوا دونه فضلاً وعلماً، لذا ندعكم دعاة الحق مع أولى هذه الإشارات: وإن طلبت مهذباً رمت الشطط: حينما يقوم بعضهم مجتهداً محتسباً للأخذ بالحياة الزوجية إلى درب السلامة والأمان، ولتطهيرها من الشوائب والأكدار، يريد أن يصل بها درجة من العلو والكمال، فتراه يتعجل الأمر، ويحسب أن ليس بينه وبين تحقيقه إلا أن ينثر بين يدي الزوجين جملة من شمائل الأخلاق وعلوها وفضائلها ونفائسها، مطالباً بتمثلها وبالتحلي بها، ليرتفع عنهما ما كان وكان! وأنى وكيف الفوز بذلك وهو يغفل مراعاة الظروف والأحوال، ويغفل أيضاً عنصر الزمن في تكوين الأزمات وتراكمها، ويغيب عن ذهنه تقلب النفسيات وتفاوت الشخصيات؟ فمن الشخصيات كما هو معلوم مشاهد من تأسره هذه المعاني أسراً، ومنها من تزيده هذه اللمسات ترفعاً وتجبراً، وعُجباً بالذات. وحيناً تجد من يطالب الزوجة بصور شتى وبألوان وطرق من فنون التعامل الزوجي، دون الالتفات إلى بشرية وضعف من يخاطب، ودون الالتفات إلى أن فاقد الشيء لا يعطيه، ودون مراعاة بعض هذه المطالب التي يثقل على المرأة القيام بها ما لم تجد عوامل مساعدة من الطرف الآخر، وإن بقي هذا التغافل والتجاهل عن هذه الحقائق، وبقيت معه تلك المنى والمطالب فلن يكون إلا الشطط؛ فيوم تسمع مثلاً: «من الفن في تعامل الزوجة مع زوجها أن تعتذر منه وإن كان مخطئاً، وإن رفض العذر والاسترضاء فاعتذري، وكرري، وكرري حتى يقبل ويرضى» وفضلاً عن أن في هذه المقولة إجازةً لأن يخطئ الرجل وهو مطمئن، ففيها أيضاً كَسْرٌ لنفس المرأة وتحميلها ما لا تحتمل، وإن بلغت في خلقها وتقواها، فلن تبلغ درجة الصدِّيقة بنت الصدِّيق ﵂ والتي حين قالت لها أمها في حادثة الإفك: قومي إلى رسول الله وهو يزفُّ لها بشرى البراءة قالت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي. فبقيت مضطجعة على فراشها لم تقم إليه، وهو الذي ﷺ صعد المنبر يواجه العصبة المؤمنة، والعصبة المنافقة يذبُّ عن عرضها ويقول: «والله ما علمت على أهلي إلا خيرا» [١] ومع هذا فإنها لم تقم إليه! أترى أن في خلق عائشة شكّاً؟ ! أم ترى أن عشير اليوم أوْلى وأجل؟ ! أم هي المثاليات التي كثيراً ما تشل البناء وتُعيقه؟ ! كم هو جميل بالداعية الذي ينشد الإصلاح والإحسان أن يتوسط في قوله ومُراده، وأن يلتمس من الكلمات أطيبها وألينها، ويؤلف بينها ثم يسوقها إلى أهلها سوقاً، وكم هو لطيف لو همس في آذان الأزواج رجالاً ونساءً: خُذ من خليلك ما صفا ... ودع الذي فيه الكدر فالعمر أقصر من معاتبة ... الخليل على الغِيَر وهْم الحياة السعيدة: وحيناً تأخذك الحيرة من بعضهم وهو يَعِدُ النساء اللاتي يعانين مشكلات زوجية بحياة سعيدة، وبعاقبة حسنة حميدة، إن هي كظمت الشكوى، وأقالت العثرات والسقطات، وتركت السؤال عن حقها ... و ... و ... في حين أن نبيهم ﷺ يوم كانت تأتيه النساء بمثل هذا كُنّ لا ينصرفن من عنده إلا وقد وجد لهن مخرجاً، فلا يدع العِلَل الموجعة معلقة في النفوس تفتك بأمنها واستقرارها؛ فها هي امرأة ثابت بن قيس تأتي إليه لتقول: إنها لا تعيب على زوجها خلقاً ولا ديناً إلا أنها لا تطيق البقاء معه؛ فما كان منه ﷺ إلا أن أمرها برد حديقته إليه ليكون الفراق الذي تريده، وتعود من عنده وقد ألقى عنها ما تجد. ويوم جاءته هند تشكو شحّ زوجها أبي سفيان قال لها ﷺ : خذي من ماله ما يكفيك وبنيك بالمعروف، فتعود هي الأخرى وقد طابت نفسها بحكم نبيها. وأبلغ من ذلك ما كان من نسائه يوم اجتمعن يسألنه النفقة، ويراجعنه فيها، وشق عليه الأمر ووجد عليهن ما وجد؛ إلا أنه لم يشأ أن يكرههن على العيش الذي هو فيه، ولم يلزمهن بالبقاء عنده، لعلمه ﷺ أن الإكراه والإلزام لا يأتي بخير، وأن ما يرد على النفس من أمور لا يُدفع بذلك، فما كان إلا التخيير، والتخيير لهنّ كان من العليم الحيكم: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً] (الأحزاب: ٢٨-٢٩) فما كان منهن ﵅ إلا أن عُدن واخترن الله ورسوله، والدارالآخرة، عُدن يوم أن أُتِيَ الأمر من بابه. يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في معنى قوله سبحانه: [وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً] (الأحزاب: ٢٨) : «أي أفارقكن من دون مغاضبة ولا مشاتمة، بل بسعة صدر وانشراح بال، قبل أن تبلغ الحال إلى ما ينبغي» . ويعلق ﵀ على آية التخيير هذه، ويذكر أن من فوائده: «أن هذا التخيير داع وموجب للقناعة التي يطمئن لها القلب، وينشرح لها الصدر، ويزول عنهنّ جشع الحرص، وعدم الرضا الموجب لقلب القلب واضطرابه وهمّه وغمّه» . لذا إن هي أوهام هذه التي ترى أن قسر النفس وكظمها للذي تجد أو تهميشه وتعليق قضاياها في سقف البيت هو العلاج لها، وهو طريق سعادتها. بل وتعجب أيضاً من حزمة وصايا وتوجيهات تُساق للمرأة، ويراها بعضهم أنها سمات للزوجة الصالحة الناجحة، المخلصة لزوجها، وأن الحياة بها تطيب وتتلاشى المنغصات! - وإن كان بعض من هذه التوجيهات فيها تلطف وتأدب يحسن بالمرأة القيام به تجاه زوجها، إلا أن فيها من التهويل الشيء الكثير فتسمع مثلاً: * أن حق الزوج، وحق أقاربه مقدم على حقك، وعلى حق أقاربك، وعلى رضى والديك. * آثري هواه على هواك، ورضاه على رضاك؛ فأحبي ما يحب، واكرهي ما يكره «وكأن الولاء والبراء أصبح في الزوج وما يهوى» . * الحذر أن تقع جوارحه الأذنان والأنف والعينان على ما يكره «ومن ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط» . * احتملي توتره، وقدري مشاكله في عمله وكثرة مشاغله، وإياك وبث هموم البيت والأولاد عنده «طيّبٌ هذا من المرأة وحسن، لكن هي الأخرى تجد المشاكل والمتاعب في البيت ومن والأولاد؛ فلمن تبثها؟ ! بل إن معاناتها ليلة من الليالي من جنينها الذي في أحشائها أو من رضيعها وهو بين يديها، أو من مراهق لها لا تدري على أي شيء يبيت، لتعدل متاعب شهر كامل مما يجده بعض الرجال وهو في مكتبه أو متجره» . وتسمع أيضاً: * لا يسبقك أحد لاستقباله عند دخوله، وأيضاً لتوديعه عند خروجه. * لا تنامي في حضرته ولا حتى في غيبته، فتهملي بيته وأولاده. * تجب طاعته مطلقاً بالمعروف ولو أمرك بنقل جبل من مكانه. * ولو قمت على رأسه ولم تجلسي حتى يفرغ من غدائه وعشائه؟ ! والقائمة طويلة، وطويلة من أشباه هذه التوصيات، والتوجيهات التي يُراد بها إصلاح البيوت، وتهذيب النفوس، وجلب المحبة والمودة بين القلوب. والسؤال: أتُرى أن هذا يكون ويتحقق؟ ! وأن بمثل هذا ستبرأ الجراح وتُجبر الكسور، وتقوم البيوت على السمع والطاعة بالمعروف؟ ! أيكون هذا والطرح بهذه الصورة وبهذا البعد عن الواقع المشاهد؟ ! إننا نخشى ضد ذلك! فقد تتراجع الزوجة عن بعض ما كانت عليه، يوم تسمع بأنها ليست هي الزوجة الصالحة المخلصة الناجحة، إلا إذا قامت بمثل تلك الهالات من التعظيم والتفخيم لزوجها وهي التي تدري أهذا يزيده قرباً منها أم تمرداً. وأما الرجل حين يسمع مثل هذه النداءات لزوجه، فقد تتعالى نفسه وتعظم وتكبر في عينه ويستقل ويستصغر كل حسنة وفضيلة من صاحبته، ويحدث عنده خلط في حقيقة القوامة التي شُرعت له، وبين العلو والكبر الذي ليس هو له، حتى إنه وتحرزاً من تسرب هذا الشعور عنده؛ فقد ختم الحكيم الخبير آية القوامة بقوله تعالى: [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِياًّ كَبِيراً] (النساء: ٣٤) تحرزاً من ذاك، وبياناً منه سبحانه أن العلوّ والكبر لله وحده لا ينازعه فيهما منازع. فيا دعاة الخير والإصلاح! سددوا وقاربوا، واتقوا وارفقوا بأخواتكم المسلمات اللاتي يُقرئنكم السلام ويُذكرنكم بحديث نبيكم ﵊: «إن الله تعالى لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً» [٢] . رويداً.. رويداً: وتزداد المعاناة حين تُنادى [٣] النساء بالتزين، والتجمل للزوج، وليس هو التزين والتجمل المعتاد، لا إنما وكما يعبر بعض المصلحين للتفوق على نساء المجلات، وفتيات الفضائيات، حتى لا يفتن الزوج! ويقع في المكروه والحرام!! وعجباً منكم أيها المصلحون! أوَمَا كان الأجدر والأوْلى أن تكون ثمة التفاتة صادقة حازمة لذاك الطَّرَف كي يغض الطَّرْف عن تلك المفاتن؟ ! ثم لو أن الحياة الزوجية يوم وليلة تقضى والسلام؛ فلربما أمكن هذا، أمَّا وهي حياة طويلة، سنوات العمر كلها، والتي فيها يتم بناء الدارين معاً الأولى والآخرة ولكل بناء عدته وأدواته، وفيها يتم تنشئة وإعداد جيل يُعلم من حاله ما يُعلمُ، وفيها أيضاً وكما توجبه الحياة بناء علاقات بشرية علاقات لها حقوق وتبعات، وفيها مع ذلك كله مرض وضعف، وهم وحزن، وفتور وإدبار، يلحق بالنفس، فيها هذا كله وأنتم تعلمونه فما الذي دهى حتى تطالب المرأة أن تتجمل وتتزين للتفوق على هؤلاء النسوة؟ ! ثم لا بد إذن ولتحقيق ذلك من تجاوزات شرعية كثيراً ما نددتم بها ونفَّرتم منها: التشبه، الترجل، التنمص ... إلخ هذه المحاذير؟ ! ثم أيضاً أتريدون بالمرأة المؤمنة الحيية العفيفة الحافظة للغيب بما حفظ الله أن تنزل ميدان السباق والمنافسة مع هؤلاء النسوة؟ ! مع هؤلاء اللاتي لا همّ لهن إلا الجسد والجسد لا غير، تُعطيه وتعطي به [٤] ، ولا همّ لهن إلا زعزعة مرضى القلوب؟ ! أتريدون بأمَةِ الله أن تهبط بعقلها وفكرها لتنافس هذه؟ ! لتنافس من تستوي عندها الظلماء والنور؟ ! أهذا كله حتى لا يفتن زوجها وتبوء بإثمه؟ ! [أَلاَ فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا] (التوبة: ٤٩) : فيوم زاغ البصر، وغلب الهوى وتدنت الهمة سقط الرجل في الفتنة؛ هو سقط وليست زوجه هي المسؤولة عن ذاك. فاتقوا الله دعاة الحق، [وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا] (الأنعام: ١٥٢) ؛ [َلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى] (الأنعام: ١٦٤) . وأين هي بقية الكنوز النبوية؟ ثم ومع أن غاية ما يريده إخوتنا هؤلاء هو الإصلاح والنصح والنفع للعباد ولا شك في ذلك إلا أن ثمة تساؤلاً لا نجد له جواباً؟ ! فبينما الأخذ والعطاء فيما على الرجل والمرأة من حقوق وواجبات، إذا بالألسنة تجري وتجري ولا تتعثر ولا تتلعثم وهي تكيل لنفسها الحقوق والواجبات، وإذا بها تسرد جملة مفصلة من أحاديث النبي ﷺ ما يدعون منها ضعيفاً ولا صحيحاً إلا تشفعوا بها، وحاجُّوا النساء بها، وحيَّ هلا بها، وهي من عند محمد الزوج الوفي الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم. إلا أن الذي نأسف له، ونعجب منه إذا جاء الحديث عن حق أخواتهم المسلمات، إذا بالأصوات تخبو، وإذا بالشفاه تطبق عن درر وكنوز نبوية من سيرة حياته الزوجية، والتي بلغت في سموها ورقتها، وفي جمالها وكمالها، وإنصافها ما حدا بزوج من أزواجه أن تدين له بذلك، وتحفظ له ذلك، وتقول يوم سئلت عن خُلقه: كان خلقه القرآن، ولو علمت ﵂ ثناء أبلغ وأعظم من ذلك لوسمته به، وذلك للذي رأته منه في الذي بينها وبينه. ثم ولو تصفحنا بعضاً من الأحداث الأسرية في بيت النبوة، والتي من المفيد المُجْدِي أن تكون ثمة وقفات معها وتأملات لها؛ ليدرك المتلقي حقيقة بشرية نبيه ورسوله ﷺ الذي هو قدوته وبشرية أزواجه ﵅. كأن تكون مثلاً وقفات مع آيات سورة التحريم، والتي نزلت إبَّان حدث أُسري في ذلك البيت، ثم أُحسن عرض الحدث واستثماره وكيف أن هذا حدث في بيت النبوة من تدبير خفي وتواطؤ مرتب له، وإفشاء لحديث النبي صلى الله عليه وسلم في بيت رجل يحمل همَّ أمة، ويقود أمة ليخرجها من الظلمات إلى النور. ثم من كان خلف هذا الحدث؟ وابنتا من هما تلك المرأتان؟ ثم كيف أن الله يفتح لهما خط العودة والأوبة ... ثم ... إلخ ما في هذه القصة من دروس وعبر، هنا سيخرج المتلقي بشعور هادئ متوازن يواجه به أحداثه البيتية، ويتعامل معها بشيء من الإنصاف والواقعية. العتاب الأخير: وحين تضيق أَمَةٌ من إماء الله وهن كثير بالحال التي تعيشها مع زوجها، وبالذي تجده في بيتها من ظلم، وبخس لا يحتمل، هي لا تشكو هيئته الرثة، ولا تشكو تفوُّق رجل الشاشة عليه لطفاً وحسناً ولا تشكو الحرمان العاطفي، لا؛ إنما تشكو ما هو أشد من ذاك، تشكو تنصله الكامل من مسؤولياته: الزوجية، أو الأبوية أو البيتية أو ربما نفض يديه من ذلك كله حتى ألحقها بركاب السائلين أو الغارمين، أو أنها تشكو فساداً في دينه، فساداً يصل إليها وإلى أبنائها الشيء الكثير منه، وينتزع من شعب إيمانها ما ينتزع، أو تجد سوءاً في خلقه، حيث السخرية والتجريح والازدراء والتشهير والتهديد لها بكل ما يروعها، يكيل لها هذه المعاني كيلاً، ويستذلها ويستحقرها، ويحرمها أن تعيش لا نقول عيشاً حين تضيق هذه وتجد أن الصبر لا مكان له، وأن العيش جد لا يطاق، والمواجع تتجدد عليها تجدد الليل والنهار، عند ذاك تريد مخرجاً. فها هي تطرق أبواب إخوة لها في الله، سمعت لهم كثيراً واستجابت لهم كثيراً تطرق أبوابهم حاملة بين يديها مظلمتها هذه عسى أن يرفعوها ويلقوها بعيداً عنها، وعسى أن تجد النصرة والشفاعة الحسنة وعسى.. وعسى؛ ظناً منها أن الجسد واحد والشعور واحد كما هو الأصل. وإذا بها تفاجأ ببعضهم؛ فهذا يهوِّن من شأن ما تحمله، وذاك يشك في صدقه، والثالث يرى أن الصورة ضخمة مبالغ فيها، والرابع والخامس. حتى إذا ما وصلت إلى العاشر الذي رق لها قلبه وظهر له صدق ما تقول وأنها أمَةٌ مستضعفة، مظلومة، مهضومة الحقوق، قام وأسرع يغيثها من كأس طالما سقى منه عشرات النساء قبلها، والذي لا ندري أهم لا يملكون غيره؟ ! أم لا يريدون لنا غيره؟ ! اصبري واحتسبي أمة الله! ! فتدافع الدموع والعبرات وتراجعه، وتراجعه ولا يزيد على: اصبري واحتسبي، احتسبي واصبري. عند ذلك تعود هذه من حيث أتت، وتعود بالذي أتت به ومعه غيره.. معه أسف وألم وعتاب: أهذه نجدة الإخوان؟ ! أهذه نصرة من علموا السنة والكتاب؟! مسكينة هذه التي لولا أنها تخاف الله وتخشى لقاءه لوجدت لها ألف مخرج ومخرج، ولولا أنها تريده مخرجاً شرعياً سامياً سماوياً لاستفتت أرباب الهوى ودعاته. مسكينة هي، لكنها أمة ترجو الله واليوم الآخر، وتعلم أن الأمر كله لله، وبيد الله وأنه سبحانه عالم الغيب والشهادة العزيز العلي الكبير المتعال مالك يوم الفصل والحساب يوم ترد فيه المظالم، يوم سيأخذ الله بحقها ويوفيها أجرها ويظهرها على من ظلمها وخذلها يوم كانت في الدنيا. وتبقى كلمة: دعاتنا الفضلاء! ومع ما سبق إلا أن في الخاطر كلمة.. كلمة حق ووفاء. إذ إن لكم عندنا صنائع بر وخير، وإحسان صنائعكم محفوظة لم تُنسَ، ولكم علينا بعد الله فضل ومنة؛ فما صحوتنا هذه، وما عودتنا إلى طريق الحق والدعوة إليه والاعتزاز به إلا ثمرة عطائكم وجهودكم، وما من نعمة نتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى وإلا ولكم من الأجر مثلها بإذنه ﷻ . فلكم في السر والعلن دعوات صالحات بأن يحفظكم مولاكم ويثبتكم ويسددكم، وينزل لكم القبول، ويفتح لكم القلوب، ويُظهر بكم الحق، ويزيح بكم الباطل، ويجزيكم خير الجزاء وأوفاه.

стр. 4034

الباب المفتوح بناؤنا الذاتي رؤى وتصورات عبد الله العزام المطيري تشهد الأمة الإسلامية اليوم تراجعاً ملموساً على مستويات كثيرة، كما أنها تشهد على صعيد آخر احتدام الضرام، وصليل السيوف، وهي لا زالت في انتظارٍ قديم إلى من يشق الصفوف، ويكتسح الساحة ليكون في مقدمة القادة ضارباً على صدره بيده قائلاً: «ها أنذا» . ذلك الشخص الذي دأب المربون في جهد جهيد إلى بنائه، والبحث عن مقوماته ليس شخصاً يعيش في كوكب آخر، ولا شخصية أسطورية خلقت على غير خلقنا وذواتنا، كلاَّ! بل هو شخص منا وينتسب إلينا، لكنَّ فرق ما بينه وبين من سبق أن أولئك ارتقوا وذا لا زال يقبع بين السهوب. ومن يتهيب صعود الجبال ... يعش أبد الدهر بين الحفر لذا كان من اللازم علينا أن نتجة إلى حرث الذوات، والزرع فيها. قال أحد الحكماء: «إن من تفرَّس في نفسه فعرفها، صحت له الفراسة في غيره وأحكمها» فثمة ذوات تمتلك معدات كثيرة ولكنها تنتظر من يوصل لها الإمداد، أشخاص كثيرون بمقدراتهم أن يبصموا في تاريخهم بصمات كثيرة، لكن مشكلتهم تكمن في ذواتهم، فهيا أيها الإخوة إلى تحرير الذات من رِقِّ الشيطان وأعوانه، في انطلاقة إلى عالم الروح لنخرجها مما هي فيه، وننقلها إلى الاطمئنان بعد أن كانت لنا لائمة؛ واسمع إلى الفضيل بن عياض ﵀ وهو يخبرك عن ضعف ذاتك؛ إذ قال: «ما حُلِّيت الجنة لأحد ما حُلِّيت لهذه الأمة، ثم لا ترى لها عاشقاً» . فهناك رؤى وتصورات في هذا الجانب، نسأل الله أن ينفع بها قائلها وقارئها: أولاً: إننا نؤمن بأن كل شيء بيد الله سبحانه، وأنه هو المصرف والمدبر. والمُشاهَد في ساحات الكثير ضعف صلتهم بربهم وسؤاله الهدى والرشد والتسديد. إنه بمقدار ما تعظم صلتنا بخالقنا نصبح أقوياء؛ ولهذا حثّ الله نبيه أن يكون على اتصال به حينما يهجع الهاجعون، ويسكن الساكنون؛ لأن له في النهار سبحاً [إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً * رَّبُّ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً] (المزمل: ٧-٩) واليوم نرى إكثار الدعاة من أعمالهم، ولكننا نجد هذا المعنى أبعد ما يكون عن أذهانهم، فلا عجب أن تُظلِمَ عليهم الأمور، وأن تتشابك عليهم المسائل ليكثر التخبط والتراجع، وما ذلك دأب المؤمنين؛ بل اللوذ بربك هو تمام المفترق. قال الشاعر أحمد المختار واصفاً للنفس للمؤمنة: ساكنة في صمتها أبين ممن ينطق ... وإن ونت وقفتها أعجلها المنطلق ... لكم رأت خيالها ماج به المنبثق ... كأنه النجم يَرُفُّ والمياه الأفق ... فحوَّمت ترنو، تودُّ لو به تَعْتَلِق ... وأوشكت لو لم تفق يقضي عليها الغرق ... لكنها مؤمنة هيهات لا تستحق ... بين الضلال والهدى يبدو لها المفترق ... وهكذا، ما لم تكن أنت كذلك، فقل لي: من أين ستعرف المفترق؟ ثانياً: النفس بطبعها ميالة إلى العطاء والتصدُّر، وأنت إذ ذاك ينبغي لك أن تكبح الجماح، وأن تدرك أن صاحب البضاعة القليلة لا بد لبضاعته يوماً من انقضاء، وحينما يأخذ لبَّكَ جمالُ الاستئناس بما تحدث وتعطي، فتذكَّرْ أن في القوم لك سابقاً وإنما هي ضحكات لسانك، فلا تغتر وأنت الفطن، ولا تُعمينَّك العتمة أن تتدبر، كما أعمت من سبقك. لا أيها الإخوة لا نريد شجرة واحدةً فقط، إنما نريد جناتٍ وبساتين، فاحذر أن تنزلق في الاستعجال بالعطاء وأنت بعدُ لم تشتد، ولقد نبهك حبيب فقال: اضرب وجوه الخيل واكبح زحفها ... ليضيء فجر الأمنيات ظلامها ثالثاً: في حال ثوران الفتن، أنت مطالب أن تبني قلعة الإيمان مع إخوانك، وليس هذا هو كل شيء، إخوانك عزماتٌ عند الشدائد هذا صحيح، ولكن ما لم تكن لك روافدك الذاتية فلا يؤمن عليك الغرق. ألا ترون من يعلل دائماً: «بضعف برامجنا، إخواننا مقصرون في حقنا، الفائدة قليلة.. أخوتنا مبنية على الارتياحة» وهذا حقٌّ لا نماري فيه، ولكن هذا الكلام يحدو بنا إلى أن نقول: أ - أين موقعك أنت في محاولة تغيير ذاتك، وتغيير الآخرين؟ ولو كنت في الساقية فإن دورك عظيم، فلو لم تسقهم لمات القادة عطشاً، ولو علل كل واحد بهذا واكتفى لانصرف القوم ولم يبق لنا أحد. ب - إخوانك لا تنظر إليهم دائماً نظرة الكُمَّلِ؛ فمن أكبر أخطائنا أننا نذكر عِدَة إخواننا، ولا نذكر حاجتنا إلى ربنا. أيها الأخ: اجعل إخوانك روافد لك؛ فليسوا هم أصل المستقى، وإنما إرشاد ربك وهدايته لك وتوفيقه ورحمته هو المستقى؛ فكم ممن عاش بين الألمعيين ولكنه لم يظفر منهم بشيء، وكم ممن عاش بين قوم أشبه بالعاديين ولكنه بزَّ فأحرق عيون غيره بجمال ذاتيته، وقوة أفعاله. رابعاً: بقدر ما تقدم يبين لك الخطأ، وإذا بإمكانك أن تتخلص مما يثقل عليك الصعود لتبقى نقياً، وفي نظري أنه لا يعضد تقدمك ويقويه مثل شيئين: أ - القراءة: فالعيش مع السابقين يطيل عمرك بالبقاء معهم وتجرب أقواماً لم ترهم، لكن من خبرهم عندك غنية، وتجمع بين شيئين: معرفة الصواب لتبني فوقه، ومعرفة الخطأ لترميه وراءك ثم تتقدم. ب - الخلوات: نقل من أخبار الأفذاذ أن لهم خلوات مع ذواتهم يراجعون فيها ويمحصون، ويحمون فيها البَيْضَة من بطش السهام وتراكم الأيام. من المهم لك إذا أردت التقدم أن تخلو بنفسك في غرفتك، في سيارتك، في مزرعتك، في أي مكان شئت، المهم أن تكفينا همَّ الفواجع بك. خامساً: احذر عدوك أن يلتف من ورائك، بينما أنت تجاهد منشغلاً بتدبير أمورك، وتحصين المواقع. احذر من فِكْرك أن يلتف عليك من الوراء فيذكرك (بالمستقبل) ونعني به حمل همِّ المال والمركب والوظيفة والزوجة، والعلاقات الاجتماعية، ورعاية الأولاد. شغلت هذه البلية تفكير بعضٍ من بني قومنا، فهزت عروشهم بعد أن عجزت الصعاب والشدائد أن تحرك لها ساكناً. ليس عيباً أيها الإخوة أن يفكر الإنسان فيما أمامه بل هو مطلب أي مطلب، لكن أن يغلب على فكرنا، فنضطرب، ونقلب الأوراق رأساً على عقب فليس من طبع المهتدين، وإنما أنت ابن يومك وللغد ما له، وكيف تخاف وأنت داعية مخلص نحسبك أبداً؟ أيها الأخ أحسن الظن بربك واطمئن إليه واعمل وتقدم وأنت واثق برحمة أرحم الراحمين أن يحقق لك ما تصبو إليه. وتأمل، ولكل منا أمله «ولكنه لو نظر ببصيرته لعرف أن أمله الوضاء إنما يلفه محيط أسود حالك، يتيه فيما دونه من الظلمات ما لم يتتبع في مشيته مخرجاً تدل عليه التقوى؛ فهو ترقب جميلٌ لكنه يتنغص، وظلٌّ ظليل لكنه يتقلص، ومطامع وراء الأودية والمفاوز، وليس هو لما قُدِّرَ له بمجاوز» [١] . سادساً: إنما يشتد عودك حينما تكون لك التجارب؛ فالأخذ والرد في قضية الأفكار، وإعمال التجارب في صالح فكر وتصور سليم قضيةٌ جوهرية في بناء الذاتية وتحسين المستوى، وكلما تقدم بك العمر فإن ركام المعلومات الذي عندك يتمحص إلى آراء تقرب إلى السداد والتوفيق من آراء غيرك، أذهاننا ليست هي مجرد (ارشيفات) تحفظ ما يوضع فيها، بل هي ذات اقتدار كبير على أن تستفيد من الماضي الاستفادة الكاملة لتنير به طريقها الذي تسير فيه، فخذ من حياتك معملاً تُخْرِج لنا به أنواعاً من روائع التجارب. وبعد: أيها الأخ المسدد.. وما أنت بالمستسيغ القعود ... ولو كبلوك بهذي الحفر فلا يهولنّك كثرة الحفر في الطريق؛ فإن معك نوراً من ربك وسنة من نبيك ﷺ ، ولا تضجر حينما تتنفس خيلك الصعداء؛ فإنما هي استراحة يعقبها تجدد، وأنت وحدك قادر على أن تخرج لنا سيفك من غمده، وأن تضرب بسهمك لنراك يوماً من طلائع الفاتحين والمجددين، [وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ] (إبراهيم: ٢٠) . ولكن: [إنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: ١١) . جعلنا الله أعواناً على الحق، وأنصاراً له، ومذكرين به إذا غفل الغافلون، كما قال عمر ﵁: «إن لله عباداً يحيون الحق بذكره» . جعلنا الله منهم.

стр. 4035

قضايا ثقافية نظرة في سنن الكون وقوانين التاريخ عبد الباري أحمد العطار إن المسلم الحق ليعلم أن التاريخ ليس مجرد ماض مسجل على أوراق قديمة أو جديدة؛ وإنما ينبغي تجريد أحداثه من قيود الزمان والمكان ليتمكن من الإفادة منه في التعامل مع الحاضر ويرى المستقبل أيضاً من خلاله؛ ولذلك يقول ابن خلدون وهو المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع وليس «أوجست كونت» أو «هربرت سبنسر» أو من حذا حذوهما ك «أميل دور كايم» كما يزعم مغسولو الدماغ من المنتسبين إلى الفكر الإسلامي، يقول ﵀ وهو يقسم التاريخ إلى ظاهر وباطن: «إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتُطرف بها الأندية إذا غصَّها الاحتفال، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان فيهم الزوال، وفي باطنه أي حقيقته نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصل في الحكمة عريق، وجدير بأن يُعد في علومها خليق» [١] . فالوعي التاريخي من أهم الموارد الثقافية والمعرفية لثقافة الحاضر ورؤية المستقبل، وإن القطيعة التاريخية تجعل التعامل مع الحياة نوعاً من الخبط الأعشى «لذلك كان من معطيات منهج القرآن والحديث في هذا المجال، البحث في سند الحدث التاريخي والتحقيق فيه لمعرفة صدقه ومن ثم التفسير والتقويم والتعليل والمراجعة لدوافع الحدث ونتائجه وعواقبه» [٢] . ويقول الشيخ محمد الخضري (*) في سبب دراسة التاريخ: «فلا بد أن نجعل أمام أعيننا أننا ندرس تاريخ أمم إن كانت أخطأت في بعض تصرفاتها فليس علينا من تبعة ذلك الخطأ شيء، ليس لنا إلا أن نعرفه ونستفيد منه، وإن كانت أصابت المحجة فإن ذلك أيضاً لا ينفعنا إذا لم يكن لنا مثل أعمالهم، لذلك يحتاج دارسو التاريخ إلى سعة صدر تحتمل كل ما يرد على تاريخ قومه من نقد حتى لا تبقى حقائق الأشياء محجوبة بسحب عاطفتي الحب والبغض» [٣] . وإذا نظرنا في كتاب الله باعتباره المصدر الأول للتشريع لنستدل منه على أهمية دراسة التاريخ والاعتبار بحوادثه وتقلباته وجدنا قوله تعالى: [قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ] (آل عمران: ١٣٧) ، ثم يقول تعالى موضحاً حتمية هذا الإرشاد والتوجيه وضرورته: [هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ] (آل عمران: ١٣٨) ، ويقول جل شأنه مبيناً ميزة من يستفيد من التاريخ في تقويم حياته: [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ] (يوسف: ١١١) . وكأنه لا يعتبر بالحدث التاريخي وينتفع بالوقائع الماضية إلا أصحاب العقول النيِّرة، وبمفهوم المخالفة يصبح كل من لم ينتفع بما مضى وبأحوال من سلفوا ليس له عقل يؤهله لقيادة غيره أو حتى نفسه في المحكات الاجتماعية بحنكة ودراية، ويتكرر الإرشاد بقوله تعالى: [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ] (العنكبوت: ٢٠) ، وأوجب تعلُّم سِيَر الصالحين بقوله آمراً نبيه ﷺ ؛ والأمر للقدوة أمر لاتباعه وهو من الخاص الذي يُراد به العموم [٤] كقوله تعالى: [لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ] (الزمر: ٦٥) ، وما كان للرسول ﷺ أن يشرك أبداً، وهو المصطفى والمجتبى الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولكنه خطاب من الله للتحذير من الشرك، وغير الرسول ﷺ أوْلى بهذا التحذير، وقد أوجب علينا سبحانه اتباع النبي ﷺ في كثير من الآيات؛ فتارة يخبرنا جل شأنه أن لنا في الرسول ﷺ الأسوة الحسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وتارة يأمرنا بأن نأخذ كل ما أتانا به صلى الله عليه وسلم وننتهي عن كل ما نهانا عنه، وتارة بأمره لرسول الله ﷺ أن يعلمنا أن اتباعه دليل على حبنا لله . يقول تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم بعد الكلام عمن سبقه من الأنبياء: [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ] (الأنعام: ٩٠) . ولئن كان هناك بعض العذر قديماً للإنسان عامة في الإلمام بأحداث التاريخ ووقائعه؛ فقد انقشع ذلك العذر في وقتنا الراهن بعد أن أصبحت الكرة الأرضية قرية كونية، وأصبحنا نعيش في ثورة معلوماتية تمكننا من استقراء كل ما يدور حولنا سواء على المستوى المحلي أو الدولي العالمي. أما ما يتعلق بماضي الأمم الغابرة فقد وصَلْنا أيضاً إلى أزهى عصور التدوين الورقي والإلكتروني، وإن كنا نعتبر هذه الوسائل كلها إضافية لا أساسية؛ فإن الوحي من قرآن وسنة يستوعب التاريخ الإنساني في خطوطه العريضة، ويرسم حركته على الأرض ليس فقط في ماضيه بل في مستقبله أيضاً [٥] ؛ وتلك خاصية من خصائصه لا تشاركه فيها المعارف الإنسانية مجتمعة باعتباره أحكاماً إلهية يقينية نهائية قاطعة تظهر في صيغة الخبر عما كان وما سوف يكون بشكل قطعي من شاهد للأحداث وليس بغائب؛ كما قال تعالى: [فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ] (الأعراف: ٧) ، وقوله تعالى: [قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى] (طه: ٥٢) . وفي هذه الخطوط العريضة التي جاء بها الوحي من «قرآن وسنة» تغطية كاملة لحياة الإنسانية الممتدة في أعماق التاريخ، وفيه إضاءة لجوانب حضارية اجتماعية وسياسية ومالية وقانونية وأخلاقية وأسرية ودينية ... إلخ. ففيه الكشف عن نُظُم قانونية كانت سائدة عند الأمم السالفة كالقصاص في التشريع: [وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ] (المائدة: ٤٥) ، وبعض الأخلاقيات السيئة التي انتشرت في عهود مضت: [وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ] (النمل: ٥٤- ٥٥) والوثنية وقتل الأنبياء وإباحة المحرمات عند بني إسرائيل لما انتهكوا حرمة السبت وطلبوا من موسى ﵇ أن يجعل لهم إلهاً، وعبدوا العجل لما ذهب للقاء ربه، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم قلوبنا غلف. وفيه الكشف أيضاً عن ظاهرة التقليد واتباع الموروث وإن كان باطلاً، والترف والظلم والاستبداد في الحكم، ووأد البنات، وظهور الطبقية في مجتمع ما قبل الإسلام. كما كشف أيضاً عن الجوانب المتعلقة بالحياة الدينية وأنواع العبادات والمعتقدات كتحريم ظهور الأنعام وقتل الأولاد افتراءاً على الله، ووصف الصراع الذي اشتد بين أنصار عقيدة التوحيد الإسلامية القائمة على التوجه بالعبادة لله وحده وأصحاب العقائد الشركية كما في قصة موسى وفرعون وشعيب وقومه وخاتم الأنبياء محمد ﷺ ، وكأن التاريخ يعيد نفسه والحوادث تتكرر ولا تتغير باستثناء اختلاف الأماكن والأشخاص. وحينما نتكلم عن الاستفادة من التاريخ والاعتبار به في الحاضر والمستقبل فإننا ندعو بالقصد التابع إلى ضرورة وجود عقليات سليمة ووجوب تصحيح العقليات السقيمة؛ فإن العقل السليم هو الذي يقود صاحبه إلى الإيمان بوحدانية الخالق المدبر، وصدق التوجه إليه بكل صور العبادة من شعائر ونسك وحكم وولاء، كما أن العقل المجرد عن هذه الخاصية خاصية السلامة يظل عقلاً معتلاً مهما كان دقيقاً في الكشف عن أسرار الكون ونظامه، وسبب ذلك الاعتلال أنه أعرض عن الدلائل المبثوثة في الكون بوصفها شواهد على الربوبية والألوهية ومن موجبات تأملها الإيمان بالحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والإيمان بمُنزل ذلك الحق والنور؛ كما قال تعالى: [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ] (فصلت: ٥٣) . فلم يفهم العقل المعتل عن الله أدلته وآياته «والقرآن يصور العلاقة بين العلم والإيمان بأنها علاقة توافق واتحاد، ويصور العلاقة بين الإيمان والجهل بأنها علاقة اختلاف وتضاد، فحسَّن العلم ورغَّب فيه، وقبَّح الجهل وحذَّر منه، ووصف العلم بمستلزماته من النور والضياء، وبعث الحياة كما وصف الجهل بمستلزماته من الظلمة والشر والهلاك. قال تعالى: [أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا] (الأنعام: ١٢٢) [٦] . ولكننا للأسف نلحظ في غالب التوجهات الفكرية القائمة اليوم والمتمسحة بالإسلام نلحظ الاهتمام بالتاريخ لاستخراج الجزئيات المنحرفة والإشكاليات الغامضة كتضخيم التراث الفلسفي أو الصوفي المنحرف بالإضافة إلى التيارات الباطنية، وتمجيد الحركات السرية العميلة أو الضالة التي نشأت واستهدفت تقويض المجتمع الإسلامي؛ وكل ذلك على حساب التاريخ الفكري للتراث المنبثق عن الفهم الإسلامي الواضح المستنير، وهذا يؤدي بالضرورة إلى تعطيل الإفادة من هذا التاريخ وحجب للتراث الصحيح النافع عن القيام بدوره الريادي وبروز عناصر القوة منه؛ فإن الكثير من علمائنا أصحاب هذا التراث نبغوا في بيئة ثقافية ولدت معها شروط نهضتها الحضارية. أما الدوران في فلك جزء من الترفيه العقلي الخالي من مقومات التفكير العملي القادر على العطاء والاستمرارية كفلسفات الكلاميين أو تشدقات المتصوفة وترهاتهم أو انحرافات الباطنية بحجة الحفاظ على التراث وإحياء الموروث القديم فهو انتقاء مخل ودور سلبي خالٍ تماماً من الإيجابية العلمية والنفع الذي كتب له الدوام [فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ] (الرعد: ١٧) . ومنذ الاحتكاك الثقافي الكثيف بين العالم الإسلامي وأوروبا و» أنصار التجديد «دعاة العلمانية يحاولون الفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي، أو بين العلوم التجريبية وما جاء به الوحي. وفي جل الجوانب الثقافية قالوا بوجوب الاحتلال الكامل للعلوم داخل ما جاء به الوحي. على أنه تراث يجب تنقيته [٧] ؛ فقد أرادوا انتزاع الحكم والسياسة والاقتصاد والتربية والاجتماع مرة واحدة من مملكة الوحي لكي تستأثر بها علوم الإنسان وخبراته الحياتية وشهواته الدنيئة، والدليل عندهم على هذا كله هو التاريخ حتى وإن جاء متواتراً في مصادره الصحيحة؛ فما ينبغي أن نصدِّق أن النار لم تحرق إبراهيم ﵇ لأن تخلُّف خاصية الإحراق عنها يخالف مقررات العلم التجريبي، ثم كيف يواجه موسى عليه السلام عنجهية فرعون واستكباره بعصاه، وفرعون صاحب الجيوش الجرارة التي لا تهزم؟ وكيف يُحيي عيسى ﵇ ويصنع من الطين كهيئة الطير فيكون طيراً بعد أن ينفخ فيه، وكيف يبرئ الأكمه والأبرص؟ بل كيف نصدِّق أن محمداً ﵇ قد أُسري به روحاً وجسداً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في جزء من الليل ولم تكن الطائرة قد اخترعت بعد، وكانت وسائل المواصلات الوحيدة حينئذٍ هي الفرس أو الناقة؟ إن هذه الحقائق التاريخية كلها من وجهة نظر هؤلاء الذين يدَّعون الإصلاح الفكري والثقافي كما يزعمون خرافات غير علمية ويجب علينا اقتلاعها من تربتنا الثقافية من أجل استنبات زرع جديد بريء منها ومتسق مع النتائج المعملية التجريبية [٨] ، وصدق الله حينما قال: [يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقِينَ] (البقرة: ٢٦) . نسي هؤلاء أن الذي أعطى النار خاصية الإحراق قادر على انتزاعها منها في قصة إبراهيم، وتناسوا أن الله أيد أنبياءه بالمعجزات لإقامة الحجة على أقوامهم كما جاء في قصة موسى ﵇ وعصاه، ونسوا أن الإحياء والإماته وإبراء الأكمه والأبرص من خصائص الرب وأنه قادر على منحها لمن يشاء من عباده و [ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ] (المائدة: ٥٤) ، وهي أفعال لا يستقل العبد بها، بل بمشيئة الله تجري على يديه كما كرر عيسى ﵇ جملة » بإذن الله «بعد كل فعل وهو مشابه لقول الخضر ﵇: [وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي] (الكهف: ٨٢) . » فالكون بتاريخه المديد خاضع لسنن الله؛ لكن الخالق جلَّت قدرته يخرق هذه السنَّة عبر لحظات مدهشة قصيرة، لكي يضع في أيدي أنبيائه دليلاً محسوساً على صدق بعثتهم، وليس في هذا ما يقدح في إيمان المسلمين باطراد القوانين الطبيعية والاجتماعية، وليس فيه ما يمنع العلماء المسلمين من الكشف عند هذه القوانين وتطبيقاتها، وهذه الصورة العلمية للكون رسمها القرآن في آيات محكمات فنصَّ على السنة ونصَّ على المعجزة ولا معنى للسنة دون المعجزة « [٩] [فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ] (الحج: ٤٦) . كما أخبر سبحانه والمعجزة تمثل الاستثناء من القانون الطبيعي كولادة عيسى ﵇ من أمٍّ بلا أب، أما بيع الدين بالدنيا وتشكيك المسلمين في معتقداتهم من خلال استنتاجات تاريخية واهية وساقطة، وإخضاع السنن الخارقة لمعطيات العلوم الحديثة؛ فهي عمالة مكشوفة يعرفها ويدركها كل من آمن بما جاء من عند الله إيماناً صادقاً مستلزماً لليقين، أما السنن العادية التي تمثل جل ما جاء به الوحي فلا تناقض أبداً بينها وبين سائر معطيات العلوم التجريبية والنظرية الصحيحة، ويستطيع المسلم أن يحصِّن نفسه من هذا الغزو المتعمَّد والعمالة الفكرية المكشوفة باستيعاب التاريخ ومعرفة أصول السنن وقواعدها؛ لأن الثقافة التاريخية تبرز أهميتها فيما يلي: ١ - الاعتبار الذاتي للمكلف. ٢ - إقامة المعيار الفقهي الحاكم. ٢ - معرفة سنة الله في الخلق. ٤ - فهم قوانين بناء المجتمعات وما تتميز به كل أمة عن غيرها. ٥ - التمكن من ردِّ هذه الاعتداءات الغاشمة على تاريخ المسلمين وهو من أعظم صور الجهاد في سبيل الله. ٦ - الأمان من الوقوع في الزلات أو اتباع العثرات والاجتهاد الخاطئ. ٧ - تصويب الخطوات المستقبلية نظراً وتطبيقاً. ولا بد أن يكون الإيمان بالله وقدرته على كل شيء كما نطق بذلك القرآن مقروناً بدراسة التاريخ الإنساني بشكل عام والإسلامي بالأخص لكي يتمكن المسلم من استيعاب الحقب التاريخية وما تميز به المسلمون عن غيرهم على مدى الدهور مما هو خاضع لمشيئة الله وإرادته، حتى وإن كان صعب التصور كتحطيم المسلمين الأوائل لنظرية MAN TO MAN الحربية التي لا مجال لإعمالها الآن في ظل التسليح النووي والكيماوي والبيولوجي، على الرغم من أنها كانت هي الحاكمة والمسيطرة في إدارة الحروب؛ حتى إن العالم تعجَّب من نسف المسلمين لتلك القاعدة في الغزوات والسرايا بالإيمان، فرأوا القلة القليلة تهزم الكثرة الكاثرة كما قرر القرآن وثبت في كتب السيرة؛ وتلك مسألة حينما يكون المسلمون طرفاً فيها؛ فهي غير خاضعة لحسابات البشر؛ فالإيمان بنصر الله لعباده موجود في ضوء قوله تعالى: [وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ] (الصافات: ١٧١-١٧٣) وبمقتضى الثقة في العلماء الأثبات والأئمة الثقات الذين جمعوا السنة أوردوا هذه الأخبار بعد تحقيق وتمحيص وعمل دؤوب واصلوا فيه الليل بالنهار واحمرت عيونهم، وهزلت أجسادهم حباً في السعي والسهر لجمع العلم والتشديد في صحة الرواية حتى قال أحدهم [١٠] : سَهَري لتنقيح العلوم ألذُّ لي ... من وَصْل غانيةٍ وطِيبِ عناقِ وتمايلي طرباً لحل عويصة ... في الدرس أشهى من مدامة ساقي وألذُّ من نقر الفتاة لدُفِّها ... نقري لألقي الرمل عن أوراقِ وأَبِيتَ سهران الدُّجى وتبيته ... نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي [١١] وخلاصة القول: أننا هنا لا نتكلم عن التفسير المادي للتاريخ أو كما يسميه بعضهم: (المادية التاريخية) وتعني عندهم وجود نمط من الانتظام في التطور التاريخي أو الاجتماعي، ويفسرون تطور المجتمع البشري على أنه تركيب يتكون من عمليات ديالكتيكية يكون الحافز الأصلي فيها هو التفاعل بين الإنسان والبيئة المادية في عملية الإنتاج الاجتماعية [١٢] . ولم نتكلم أيضاً في التفسير المثالي للتاريخ، وهو ما يقابل الأول كما يقول» ماكس فيبر «أحد رواد مدرسة» ماركس «و» هيجل « ويعني عندهم أن لكل عصر تاريخي روحه التي تنحصر في مجموعة من الاتجاهات السيكيولوجية (النفسية) البشرية التي تضفي على ذلك العصر طابعه الخاص، فجعلوا الاتجاهات النفسية في التعريف الثاني بديلة للقوى الإنتاجية في التعريف الأول، ولم نقصد أيضاً مناقشة هذه التفسيرات أو الرد عليها وإنما ما أردناه لفت النظر إلى سنن الكون ونواميسه العامة والقوانين التاريخية الحاكمة على حركات الأمم وسكناتها في محاولة لتنمية الإيجابيات، وقمع السلبيات للحصول على رشد التعبد الذي يقودنا في النهاية إلى التمكين في الدنيا ورضوان الله في الآخرة، وحتى يتجرد التوحيد من كل شائبة، وتتوحد الوجهة، ويتحقق قوله تعالى: [لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً] (النور: ٥٥) ؛ وبذلك تعود لنا هيبتنا، ونسترد كرامتنا، ويؤول إلينا مجدنا وحضارتنا المفقودة في عزٍّ بلا وَهَن، والله الغني ونحن الفقراء؛ فإن تولينا استبدل قوماً غيرنا ثم لا يكونوا أمثالنا [١٣] .

стр. 4036

مصطلحات ومفاهيم الإنسانية أ. د. محمد يحيى يتسم هذا المصطلح بدرجة من الغموض والعمومية؛ لتوزُّعه بين مجالات عدة لكننا طبعاً نهتم بالمجال الفلسفي الفكري منه؛ لأن استعماله في المجال الخيري مثلاً بمعنى المعونات الإنسانية أي الإغاثة والعون واضح. كذلك فإن استعماله للدلالة على نزعة محبة عطوفة على البشر واضح. أما في مجال الفكر ونعني به الفكر الأوروبي الغربي فإن المصطلح يعود إلى عصر النهضة أي إلى القرون من الخامس عشر إلى السابع عشر؛ حيث اتسم ذلك العصر بظهور وسيادة ما عرف بالنزعة الإنسانية، وكانت تلك النزعة ذات وجود متشعب في ميادين عدة؛ ففي فن الرسم والنحت مثلاً كانت تعني اتخاذ موضوعات بين البشر والعناية بهم في مقابل الموضوعات الدينية (المسيحية) التي هيمنت على الفترات السابقة، وكانت تعني التصوير الواقعي والمثالي في آن واحد لتلك الموضوعات البشرية، أما في ميدان الفكر فكانت النزعة الإنسانية تعني الاحتفاء بالبشر وشؤونهم الدنيوية في مقابل الانكباب السابق على الأمور الدينية والتحلق حولها وإعلائها. ويجب أن يكون واضحاً أن هذا الاهتمام بالبشر أو الإنسان لم يأت على خلفية من نزعة الخير والعطف على الناس والمحبة لهم والحَدَب عليهم؛ بل كان مجرد اعتناء عامٍّ وتركيز على الأمور البشرية بمعنى الدنيوية في مواجهة الدينية؛ منبعه ما شعر به مفكرو تلك الحقبة في الغرب من اهتمام الفترات السابقة بالدين وشؤونه، والعقيدة والآخرة على حساب الأمور الدنيوية حسب تصورهم، ومن هنا كانت النزعة الإنسانية ومنذ نشأتها مرتبطة بتوجه علماني دنيوي يبعد الدين عن مجال اهتمامه، ويقلل حجم المساحة التي يحتلها في بؤرة الضوء إن لم يناصبه العداء. وتطورت تلك النزعة في العصور التالية، وتلقت الدعم من حركات العقلانية والتنوير في القرنين السابع عشر والثامن عشر؛ حيث وضعت العقلانية العقل البشري موضع التأليه، وحولته إلى معيار الحكم على الأشياء، ووضع القيم والمبادئ الحاكمة لسلوك المجتمعات ليحل محل الوحي الإلهي عند أهل الغرب الذي أصبح موضع الشك الجسيم بعد حركات نقد نصوص كتابهم المقدس بكل ما يحتويه من عقائد وقيم. وجاءت حركة التنوير لتعمق تَوَجُّهَ العقلانية هذا، ولترسِّخ النزعة الإنسانية بما وجهته إلى الدين المسيحي من ضربات قاصمة مست عقائده وهدمتها؛ مما جعل الساحة خالية من أي مصدر للقيم والتوجيه يمكن تسميته أو وصفه بالوحي الإلهي، ولم يتبقَّ إلا الإنسان وعقله مصدراً وحيداً للعناية والاهتمام، ولم يتبق سوى الدنيا مجالاً وحيداً للاهتمام وبؤرة تتعلق بها الأفكار، وميداناً يسعى الجميع لتحويله إلى جنة على الأرض بعد أن ضاع الإيمان بجنة في الآخرة. وبهذا ارتبطت النزعة الإنسانية بالتدريج ليس فقط بالإقلال من أهمية الدين ومكانته أو حتى بالعلمانية (الاتجاه الدنيوي) ؛ وإنما أيضاً وفي نهاية المطاف بالتوجه الإلحادي المفارق للدين. وليس من قبيل المصادفة أن جمعيات الملحدين وروابطهم في الغرب أصبحت تعرف في العقود الأخيرة بروابط الإنسانيين في محاولة لتجنب لفظ الإلحاد الذي ما زال يصدم المشاعر حتى في البلدان التي اعتمدت العلمانية منذ عقود وسنين طويلة. والواقع أن النزعة الإنسانية بمعنى التحلق حول الأمور البشرية الدنيوية في معارضة حادة مع أي وحي إلهي أو ديني كانت سمة ميزت الفكر الغربي على مر القرن التاسع عشر ومعظم العشرين منه، وهو ما نشير إليه عادة بهيمنة النزعة العلمانية. ولكن في العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة نشأت اتجاهات فلسفية مثل البنيوية والتفكيكية، أصبحت توصف في الفكر بأنها معادية للنزعة الإنسانية. والمقصود بهذا المصطلح الفلسفي الجديد ليس الرجعة عن العلمانية أو التوجه الدنيوي، بل على العكس هي تعني الإيغال فيه. ومعنى هذا المصطلح الجديد هو القول بأن الظواهر اللغوية والاجتماعية والثقافية تتآلف وتتشكل من عناصر تتجمع في قوانين أو كما تسمى (شِفْرات) خاصة بها، وتعلو على الفرد أو الجماعة بحيث يصبح لها قوة وأثر وفعل متميز. والعداء للإنسانية في هذا الصدد يعني أن الأفراد وحتى الجماعات لا يتمتعون بأي قوة منفردة وفاعلة في تشكيل الظواهر والأحداث اللغوية والاجتماعية والثقافية، وإنما يتمتع بهذه القوة وهذا الأثر هو تلك القوانين أو (الشِفْرات) العامة. وعلى الرغم من سيادة هذا الاتجاه في السنوات الأخيرة إلا أنه أخذ يتعرض لنقد متصاعد من جانب تيارات الفكر الأقدم التي تنتمي إلى النزعة الإنسانية التي يجب رغم ذلك أن نعتبرها التيار الأكثر حضوراً في الفكر الغربي العام. والنزعة الإنسانية عند طرحها في بلاد المسلمين في إطار عملية النقل والترجمة تمر بعملية خداع وتمويه كبرى؛ فالذين يروِّجون لهذا المصطلح يوهمون المتلقين بأنهم في الحقيقة ليسوا سوى مدافعين عن الإنسان والعقل، وهي أمور في صميم جوهر الدين؛ أفلم يكرم الإسلام العقل والإنسان في آيات قرآنية عديدة؟ وهذه الخدعة تستخدم في تمرير العلمانية بحجة أن الاهتمام بالدنيا وبالبشر الذي هو جوهر العلمانية (حسب المفهوم المموه لها) وهو أيضاً جوهر الإسلام عندهم ولم يكن غريباً في هذا الصدد أن نسمع دعوة تتردد منذ سنوات (وحتى يرددها بعض الإسلاميين المزعومين) من أن الإسلام دين علماني أو أن الإسلام والعلمانية شيء واحد لا لسبب إلا لأن المذهبين يهتمان بالدنيا! ولا يهم بعد ذلك أن يكون هذا الاهتمام بالدنيا مدفوعاً من ناحية بأنها مزرعة للآخرة، وعلى الناحية الأخرى بأنه لا توجد آخرة ولا إله! وهذه الخدعة أو التمويه تستخدم ليس فقط لتسويغ النزعة الإنسانية في الفكر الغربي (حسب تعريفها هنا فيما سبق) وإنما كذلك لتسويغ نزعات أخرى كالعقلانية (حسب المفهوم المادي التشكيكي) والدنيوية ومما يتفرع عنهما، وذلك الخداع والتمويه يأتي من الخلط بين مفهوم الإنسانية بوصفها دعوة للخير ومحبة البشر وبذل العون والغوث ... إلخ (وهو ليس وارداً هنا) وبين المعنى الحقيقي للنزعة الإنسانية في الفكر الغربي، من الإعلاء المطلق لمفاهيم وتوجهات الدنيوية والعقلانية المادية المتشككة، والإنسان المنفصل عن الوحي الإلهي وعن أي دين أو توجيه سماوي.

стр. 4037

في دائرة الضوء إشكال المصطلحات من المنظور الحضاري د. أحمد محمد الدغشي [*] على كثرة العاهات الفكرية والنفسية والتربوية التي تعاني منها الأمم المغلوبة، فإن ثمة مشكلة ما انفكت تفتك بنخبها وعامتها على حدّ سواء، وذلك فيما يتصل بغزو المصطلحات الأجنبية الوافدة لتلك المجتمعات. ويسعى بعضهم لتبسيط هذا الإشكال، فيما يسعى آخرون ليجعل منه عنوان الثقافة المستنيرة، وسمة التحديث، ويكاد القاسم المشترك بين جميع هؤلاء يبرز في صورة تسويغ ساذج مفاده أن مسألة المصطلحات عبارة عن أداة تواصل إنساني مشتركة لا تعرف وطناً أو ديناً أو حضارة، حيث غدت لغة عالمية مشتركة، من تخلَّف عن استعمالها كتب على نفسه الانزواء، والبحث خارج دائرة الحدث، وبقي في ذيل القافلة في حين يتقدم كل شيء حوله، لا بل إن من نازع في أهمية التفاعل مع مصطلحات الآخر على نحو لا يؤمن بخصوصية، ولا يعترف بأي فارق فيها يكون قد حكم على نفسه بالإعدام الحضاري! ويضيف بعض المفتونين بالآخر قائلاً: إن التشدد في ضبط المصطلحات، والبحث عن خصوصياتها، اهتمام سطحي لا قيمة له، ولا جدوى من ورائه، والواقع الموضوعي. والنظر العلمي الفاحص يخالفان كلاهما ذلك الزعم، ويكشفان أن الاهتمام بالمصطلحات وضبطها وتحديدها ليس اهتماماً ترفياً، ولا قضية هامشية، فضلاً عن أن يكون انغلاقاً أو اهتماماً بالأشكال والصور على حساب الجوهر، أو بالمباني والألفاظ على حساب المعاني والدلالات. إن دراسة هذه المسألة بحث في جانب علمي منهجي معقد ذي ارتباط نفسي وتربوي وثيق بين شخصية الباحث وموضوع البحث، أو بين الذات العارفة والموضوع المعروف، أو بين التعبير والتفكير. ولعله لم يصب البحث العلمي في عصرنا الحاضر بآفة منهجية أكثر مما أصيب بالعشوائية في استخدام المصطلحات العربية، على حين يجري اللهث والانتقاء وراء استعمال المصطلحات الأجنبية الوافدة، مع ورود مصطلحات أصلية حيناً، ومعربة بديلة حيناً آخر، غير أن الجهل بالذات، والانهزام أمام الآخر، وفقدان حرية الإرادة، دفع بالكثير من النخب المثقفة والمتخصصة للأخذ بألفاظ الآخر ومفرداته من غير ضرورة منطقية وبدون أدنى ضابط منهجي، بدعوى أنها مفردات علمية، وأنها باتت حقاً مشاعاً للجميع، ولم تعد حكراً على ذويها وبيئاتها الأولى. عولمة اللغة: من هذا المنطلق يمكن استيعاب مدلول النهي القرآني الصريح عن استخدام مفردة عربية لا غبار عليها من حيث الأصل هي «راعِنا» ؛ لكن لما غدا استخدامها دالاً على معنى سلبي غير حسن استحال استخدامها في النهي، ثم جاء الأمر باستخدام مفردة عربية أخرى هي «انظرنا» ؛ كما في قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ] (البقرة: ١٠٤) . وتفسير ذلك أن اليهود عدّوا اللفظ «راعِنا» دالاً على الرعونة وهي الحمق، رغم أنه موضوع في الأصل للدلالة على الإنظار والإمهال، فقام التوجيه باستعمال مفردة جديدة صريحة في دلالتها هي الإنظار والإمهال وهي قوله: «انظرنا» [١] . وليس من قبيل الاهتمام بالأشكال تشديد الإسلام على تسمية المواليد بالأسماء الحسنة، وكراهيته الأسماء غير المستحبة، حتى إنه دعا إلى تغيير الاسم غير الحسن إلى اسم حسن، حتى لو كان صاحبه قد عرف به ونشأ على ذلك فيما ذهب من حياته [٢] . تأمل هذا وقارنه بالاستهانة بدلالة المفردات اليوم لدى بعض الكتاب والمتحدثين في قضايا كبيرة وخطيرة تتصل بالأمة وسيادتها، ظناً منهم أنه لا داعي للتشدد والضبط في الأشكال، وعلينا أن نوفر ذلك للاهتمام بالمضامين وليس العناوين، ومع أن بعض هؤلاء قد فرّط بالمضامين قبل العناوين، إلا أن قسماً كبيراً هو الذي يعنينا الحديث معهم لم يفرّط ولن يفرط بإذن الله في المضامين؛ بيد أنه يتوسع قليلاً أو كثيراً في استخدام المفردات التي يعلم الجميع عند التأمل بأن التهاون فيها يقود تدريجياً إلى التهاون في المضامين [٣] ، ومع أني سأفرد الحديث المستقل لمصطلحين شائعين كبيرين فيما بعد، إلا أني أشير هنا إلى مصطلح «الشرق أوسطية» و «إسرائيل» فعلى حين ما يزال بعضنا محتشماً وغير راضٍ عن استخدام الأول فإنه قد تساهل كثيراً في استخدام الثاني، وكأنه بذلك يقر دعاوي الصهيونية في تقرير أمر واقع، له جذوره التاريخية الجغرافية، وما هو قائم على الأرض خير دليل! ! ولأن الأمر قائم على عاطفة مجردة أو تقليد ساذج يمثل سمة الخطاب العربي في مرحلة معينة، فإنه من غير المستبعد أن يزول ذلك التحفظ المتبقي مع الزمن، ما دام الأمر ليس نابعاً من الإدراك الحضاري القائم على بعدي المبدأ والمعرفة العلمية، وليس مقبولاً منطقياً المضيّ في الترويج والمشايعة لمصطلح «إسرائيل» عَلَماً على كيان مغتصب لقيط، ثم التحفظ على مصطلح «الشرق أوسطية» مع أن المدلول يكاد يكون واحداً تماماً! أما حين يصر بعضنا على أن اللغة تفقد هويتها وتصبح مفردة علمية مشاعة فإن من حقنا المطالبة بالإجابة الموضوعية عن السؤال الموضوعي المنطقي الآتي: كيف لنا أن نسلِّم أن تلك المصطلحات فقدت هويتها، وأصبحت أداة تواصل عالمي، ثم نجدها وحدها هي السائدة، تبعاً لسيادة لغتها، وهيمنة أهلها ذوي النفوذ والتفوق والقوة؛ أولئك الذين أصبحوا أوصياء على البشرية اليوم تحت شعار «النظام العالمي الجديد» بعد أن أخفق حلفاؤهم بالأمس في فرض الثقافة ومن بينها اللغة بقوة السلاح. إن سيطرة لغة واحدة وإقصاء ما عداها في البحث والدراسة، ومحافل العلم، وحلقات النقاش وسائر المؤتمرات والندوات، إنما يؤكد حالة الاستلاب الحضاري لدى الشعوب المهزومة، ويعزِّز من هيمنة أقوياء الحضارة الغربية، ولعله لم يتمحض الأمر في هذا الجانب كما تمحض اليوم في صورة ما يسمى بالعولمة التي لا تبقي على مقوم حضاري ذي خصوصية إلا أتت عليه بالوصاية والفرض لأنموذجها السائد المهيمن، والذي تمثل اللغة فيه أداة التأثير الفاعلة سلباً إلى حد لا يكاد يتصوره من أغفل العلاقة العضوية بين طريقة التعبير ومنهجية التفكير. درس مزدوج من فرنسا: إن العاقل من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه، والمفترض فينا جميعاً أن نستخلص العبر من تلك البلدان التي استعمرت ردحاً من الزمن في الشمال الإفريقي حتى نشأت فيها أجيال كاملة لا تعرف لغتها الأصلية تماماً؛ إذ هي نشأت على لغة الآخر ليس في مجال العلم فقط، ولكن تدخلت حتى في نطاق التعامل الأسري، وخصوصيات أفراد العائلة وداخل غرف النوم. وأدركت حكومات بعض تلك البلدان غداة الاستقلال حجم التركة الاستعمارية الكبرى التي خلَّفها المستعمر أثناء احتلاله فيما يتعلق باللغة وما يرتبط بها من قيم معرفية وسلوكية بعيدة عن العمق الحضاري والأصالة والهوية والاستقلال والخصوصية.. مما دفع ببعض تلك الحكومات لبذل جهود مضنية في سبيل العودة إلى الذات عن طريق التأهيل اللغوي بالعربية، ولا شك أن الأمر قد كلفها الكثير وما يزال. ومن المفارقات العجيبة الجديرة بالتأمل والتوقف عندها طويلاً في هذا السياق أنه على حين يراد لنا قبول لغة الآخر بلا تحفُّظ؛ بدعوى أنها سبيل نهضتنا الحتمية، نجد أن الحكومة الفرنسية اتخذت قراراً (في مايو ١٩٩٤م) يقضي بالعقوبة سجناً، أو تغريماً مالياً يصل إلى ما يعادل ألفي دولار بحق كل من تثبت عليه (جريمة) استخدام غير الفرنسية في الوثائق والمستندات والإعلانات المسموعة والمرئية، وكافة مكاتبات الشركات العاملة على الأرض الفرنسية، وخاصة المحلات التجارية، والأفلام الدعائية التي تبث عبر الإذاعة والتلفاز. وقد جاء هذا القرار في مواجهة هجمة اللغة الإنجليزية، التي أوصلتها الأقمار الصناعية إلى البيوتات الفرنسية [٤] . إن قرار الحكومة الفرنسية يدل على رفض محاولة الهيمنة: فرض الأنموذج الثقافي الأمريكي على الفرنسيين كما يراد له أن يفرض على غيرهم.. والأمم الحية هي التي ترفض وتنازع ولا تستسلم، في حين أن الأمم المغلوبة مولعة بتقليد الغالب وتقمص شخصيته الحضارية في كل مظهر من مظاهره. التفاعل لا الاستلاب: وقد يتصور بعض المتعجلين في إصدار الأحكام وتصنيف الناس أن في الدعوة إلى الانعتاق والاستقلالية دعوة ضمنية إلى الانعزال والتقوقع والجمود، وهم بهذا يؤكدون وقوعهم في فخّ الاستلاب الحضاري، الذي أفقدهم حتى إصدار أحكام موضوعية متأنية في حق كل مخالف لسيادة الغرب الحضارية وهيمنته الثقافية، فالتواصل المعرفي أمر مشروع، بل وفريضة حضارية، وإغفال أداة هذا التواصل يمثل غيبوبة حضارية، وتخلفاً عن قافلة الركب الحضاري، وتجاهل ما وصل إليه الغرب في نواح معرفية وتقنية كثيرة، وهذا استعلاء أهوج مرفوض، وليس عزة إيمانية أو استقلالاً حضارياً سليماً.. كما تعي هذه الدعوة استحالة النهوض الحضاري بغير إفادة من المعرفة التراكمية والخبرة الجادة التي بلغها الغرب، ولكنها تعي كذلك أن هذا كله أمر آخر يختلف عن الاستلاب الحضاري الذي من شأنه أن يسهم في مزيد من التخلف والنكوص، وإن زعم ذوو الجهل المركب أنه وحده طريق التقدم الحتمي وسفينة النجاة. نماذج النهوض الشرقية: ومن النماذج الحيّة على زيف الدعوة إلى استعارة لغة الآخر ومفردات خطابه وجعل ذلك شرطاً لازماً للنهوص الحضاري، ما شهدته التجربة اليابانية من تفوق وتنمية شاملة، دفعت بها إلى مصاف الدول العملاقة التي بات الغرب وبالأخص الولايات المتحدة يضع لها ألف حساب، ولأن أجواء التحدي تصنع الإبداع؛ فقد أفاق اليابانيون بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية، فاندفعوا لبناء نهضة ذاتية قائمة على خصوصيات المجتمع الياباني فيما يتعلق بلغة التعليم؛ حيث لم يستعر اليابانيون لغة الغرب، ولكن تم الاعتماد كلياً على اللغة اليابانية رغم صعوبتها التي يكاد ألاَّ يتصورها أي منا ممن لم يحط علماً بها. فهل يتصور أحد أن عدد حروف هذه اللغة يبلغ عشرة آلاف حرف، وأنه يشترط لقراءة صحيفة يومية يابانية أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة حرف [٥] . هذا مع إفادتهم من التقنية الغربية التي تم نقلها وتعلمها، وكانت بحد ذاتها دافعاً لاستحداث نظام تعليمي جديد يكفل لليابانيين اللحاق بالدول الغربية الكبرى [٦] . ومن الملفت للنظر أن اليابانيين الذين يتعلمون اللغة الإنجليزية يعدون أنفسهم إعداداً جيداً لمعرفة قواعدها التي عادة ما تشملها الاختبارات، دون الاهتمام بالقدر نفسه بتعليم اللغة عملياً وقراءتها [٧] . والأمر ذاته ينطبق على التجربة الصينية وتجربة الكوريتين؛ فسرُّ النهوض فيها جميعاً يرجع إلى جملة أسباب جوهرية من بينها لغة التعليم الذي مثل مفتاحاً للتقدم وعموداً للنهوض في الوقت ذاته. والسؤال المفترض هنا: هل ثمة أوجه للمقارنة من حيث الصعوبة بين هذه اللغات وبين العربية؟ ! أقسام المصطلحات: والمصطلحات الوافدة قسمان رئيسان: الأول: مصطلحات العلوم الطبيعية والتطبيقية، والثاني: مصطلحات العلوم الإنسانية والاجتماعية، والتعامل مع الأول ليس أمراً هيناً كما قد يتصور بعضنا؛ حيث لا يقف في مدلوله عند حدود المعنى الموضوع له من قبل مكتشفيه وذوي السبق إلى صناعته، بل لا يخلو من إيحاءات ودلالات نفسية وذهنية تحمل معنى الغلبة والانبهار لأصحابه، والضعف والتبعية لمن لم يسهموا في الاكتشاف والسبق. ومع التشديد على ضرورة أن يكون للمسلم المعاصر مشاركة إيجابية أو فعل حضاري في هذا القسم كي لا يظل مستهلكاً عالة على الآخر، فإنه لا مناص من التعريب، والبحث عن ألفاظ عربية مناسبة، مع عدم إغفال ضرورة المبادرة إلى الاكتشاف والإبداع، كي يسهل الوصف العربي النابع من الذات الفاعلة لا المستهلكة المتسولة! وهنا يأتي دور المجامع اللغوية العربية وذوي الشأن من المختصين والمهتمين بهذا الجانب. يجب أن يقدم مجمع اللغة العربية طبعة جديدة مستوعبة للمستجدات العلمية في معجمه الوسيط. ولا بد من الإشارة هنا إلى التجربة السورية الرائدة في هذا المجال، أعني مجال تعريب العلوم الطبيعية والتطبيقية، والإفادة من ذلك ضرورة عينية؛ إذ التجربة السورية تمثل رداً عملياً على المتشككين في استيعاب المفردات اللغوية العربية للكم الهائل من المعرفة العلمية الطبيعية والتطبيقية المعاصرة. وتعدّ الاستهانة بالجهود المبذولة في هذا السبيل استسلاماً لسيل الغزو الثقافي الجارف، كما يعد استهجان المفردات العربية التي تبدو غريبة أو مشكلة أو ثقيلة على اللسان العربي المعاصر عيباً كبيراً في المستهجنين لا في اللغة العربية. إن قدرة الغربيين البارعة في تضخيم ما يرغبون في تضخيمه، وتقليل ما يودون التقليل من شأنه ينسى بعضنا ممن يحمل تجربة في التعلم لأي لغة أجنبية ما يواجهه من الصعوبات في البداية، سواء من حيث حفظ حروف الكلمة، أو نطقها نطقاً سليماً تماماً، أو تطبيقها في الواقع العملي، أو اختيار اللفظ المناسب في السياق المناسب، أو المقدرة على الاستيعاب الجيّد عند السماع. والغريب حقاً أن الأمر لا يبعث على الاستغراب أو الاستهجان، بل إن وقوع المتعلم المبتدئ أو غير المبتدئ في خطأ ما يتعلق بأي من تلك الجوانب يدفع كل ذوي الخبرة اللغوية لهذه اللغة المتعلمة للتصويب، ويكون ذلك علامة الثقافة والنبوغ، ولا يجد المتعلم حرجاً في قبول تلك التصويبات مصحوباً بشكر جزيل وامتنان بالغ، ولا يشعرون بأدنى حرج، بل إن الحرج قد يلحق من يفكر بالاستدراك عليهم، وقد يسمع من ألفاظ الاستخفاف والاتهام بالشكلية والسطحية، دون أن يكلف هؤلاء المتهمون المستخفون أنفسهم السؤال: لماذا ينزه المستدركون على الخطأ في إنقاص حرف، أو في زيادته، أو في النطق به خطأ ... إلخ بالنسبة للغة الإنجليزية مثلاً عن الاتهام بالشكلية والتسطيح ... إلخ، في حين يصب ذلك كله لمن يفعل الشي نفسه بالنسبة للغة الأصلية؟ ضوابط المصطلحات: ثمة قواعد أربع أساسية حيال إشكال التعامل مع المصطلحات. ولكن قبل البدء بها يحسُن التأكيد على ما يلي: إن المصطلحات الإنسانية والاجتماعية تمتاز بحساسية أشد من قريناتها المستخدمة في إطار الدراسات العلمية الطبيعية والتطبيقية؛ إذ إن من المسلّم به في نطاق هذه الدراسات مدى الخصوصية والتداخل والإلباس على نحو يستلزم معه أهمية ضبط التعامل مع هذه المصطلحات وفق قواعد قد لا تمتلك اتفاقاً نهائياً. أما حين تتصل تلك المصطلحات بمفردات الشريعة وأحكام الدين فإن الأمر يكون أكثر حساسية وأدعى للضبط، والحفاظ على تلك المصطلحات. القاعد الأولى: إن المصطلح الحضاري ينبغي أن يؤخذ في سياق منظومته الحضارية؛ إذ هو يعبّر تمام التعبير عنها، وإن محاولة إخراج المصطلح من سياقه الحضاري لاستخدامه في سياق منظومة حضارية أخرى يؤدي إلى التداخل في المفهومات وإلى زعزعة المنطق الداخلي فيها. وبذلك فليس من المنهج في شيء إغفال تطور المصطلح الحضاري في إطار منظومته الحضارية [٨] . القاعدة الثانية: إن المصطلح المتعلق بالعلوم الإنسانية والاجتماعية يمثل مفردة من مفردات اللغة المعبرة عن الاتصال والتفاهم، إلا أنه قد ينقلب إلى أداة لسوء التفاهم؛ إذ للاستخدام العرفي اعتبار يوحي بمدلولات وإيحاءات اجتماعية تعلق بها ذلك المصطلح من جراء الاستخدام العرفي الخاص في بيئة اجتماعية ما، ومن هذا القبيل مصطلح «خلافة» فإنه لفظ عربي معروف في الميراث السياسي الإسلامي، ولكن من المعلوم أن تمثل هذا المصطلح على نحو مشرق لا غبار عليه إنما كان في عهد الخلفاء الراشدين الأربعة، مما اضطر الفقهاء والمؤرخين لتمييز حكم الخلفاء الأربعة الأوائل بـ «الخلافة الراشدة» [٩] . ومن هنا ندرك مدى الأهمية والخطورة التي قد يتسبب فيها الاستهانة في تحديد المصطلح المطلوب وتحديده باستصحاب جميع الملابسات التي تكتنفه نشأةً وتطوراً وعرفاً. القاعدة الثالثة: تظل هذه المصطلحات محتفظة بأسسها ومنطلقاتها الفكرية وبملابساتها وظروفها التاريخية والبيئية إذا أريد لها الانتقال إلى بيئة حضارية أخرى ما دامت حالة الانكسار الحضاري هي السائدة لدى ذوي الرغبة في النقل إلى بيئاتهم الجديدة؛ بخلاف ما لو كانت هذه البيئة الأخرى قد بلغت مرحلة العزّ الحضاري، فإن هذه المصطلحات في هذه المرحلة ستذوب، وستصاغ على نحو يتمشى مع المنظومة الحضارية المستعيرة، ولعل هذا يفسر مغزى التحذير النبوي من تقليد غير المسلمين في عاداتهم وأنماط سلوكهم المتعلقة بالمأكل والمشرب والملبس وما إلى ذلك، للتحرر من الهيمنة الثقافية والسلوكية لغير المسلمين، ولكن اختلف الأمر بعض الشيء عند أمن الفتنة فيما بعد؛ فحين سادت القيم الإسلامية على الحياة استعار المسلمون نظم الدواوين والتراتيب الإدارية والعملية، كما توسعت لغتهم بالاشتقاقات الذاتية وبالتوليد والتعريب [١٠] . القاعدة الرابعة: هناك ألفاظ مجملة عربية وغير عربية يحددها السياق وطبيعة الاستخدام. فألفاظ مثل: الثورة أو الطبقة أو التقدم، ألفاظ عربية كانت وما تزال تستخدم في مختلف الثقافات إما مطلقة وإما مقيدة؛ فحين ترد مطلقة يجب أن نبحث عن مقصود السياق الذي وردت فيه، مثل قول الماركسي: «ثورة الطبقة» ، والرأسمالي: «الثورة الفرنسية» ، والإسلامي: «جاء الإسلام ثورة على المجتمع الجاهلي» . فمراد الماركسي: ثورة الطبقة الكادحة على البرجوازية، ومراد الرأسمالي ثورة الشعب الفرنسي على الظلم الذي كان سائداً قبل الثورة، ومراد الإسلامي: اقتلاع الإسلام لجذور الجاهلية [١١] . وأحسب أن التباساً قد يكتنف هذه القاعدة (الرابعة) على نحو يستدعي البيان المناسب للمقام؛ فعلى حين نجد المفكر الإسلامي الدكتور محسن عبد الحميد يتبنى هذه القاعدة ويورد تلك الأمثلة عليها، نراه يفرق بينها وبين مصطلحات أخرى وضعها جميعاً في سياق واحد كالاشتراكية، والدكتاتورية، والرجعية، والتقدمية؛ فهو يذهب إلى أن هذه المصطلحات «ثمرة تطور النمط الحضاري الغربي، لا علاقة لها بتاريخ الإسلام وحضارته وتطور الحياة فيه» [١٢] . والواقع أن ليس من الدقة في تقديري اقتران مصطلح الاشتراكية بتلك المصطلحات التي أوردها الدكتور عند إجازته التلفظ بها بحسبان أن السياق سيكون المحدد للمراد منها، كما أنه ليس هناك ما يستدعي التفريق بين تلك المصطلحات عينها وبين هذه المقرونة بالاشتراكية وهي: (الدكتاتورية والرجعية والتقدمية) . فالعبرة بالمعنى الغالب المتبادر إلى الذهن أول ما يطرق السمع. ومن المعلوم أن الأنظمة السائدة كانت ثلاثة: الاشتراكية بهذا المعنى والرأسمالية، والإسلام، ولم يكن يتبادر إلى ذهن أحد أن الاشتراكية تعني النزعة الإنسانية في العدالة الاجتماعية على النحو غير المطبق في الاتحاد السوفييتي (السابق) أو الصين. إن هذا المدلول المذكور للاشتراكية ليس إسلامياً بأي معنى، حتى لو قُيِّدَ بلفظ الإسلام أو العروبة؛ لأن المسلمين أو العرب لم يعرفوا هذا المدلول على مدى تاريخهم، ولأن أصل المدلول الذي وضعت من أجله فلسفي معروف بارتباطه بمذهبية غير إسلامية من الأساس. ولئن وجدت بعض الجوانب المشتركة بين فلسفة الإسلام وبين الاشتراكية من الناحية الاقتصادية فإن ذلك لا يغير من حقيقة الجذور المختلفة كلية لنشأة كل منهما ومقاصده. إما إدراج مصطلح «الاشتراكية» والدكتاتورية والرجعية والتقدمية في سياق واحد فأمر لا يستقيم؛ إذ إن هذه المصطلحات (غير الاشتراكية) لا تمثل فلسفة لأي مذهب وإن استخدمتها بعض المذاهب أكثر من غيرها، لكن يظل السياق هو المحدد المنهجي للمقصود عند الإطلاق. أرأيت استعمال مصطلح «الرجعية» ؟ فإن الماركسي يعني به مناهضة الإقطاعية الزراعية التي كانت سائدة قبل قوانين الإصلاح في الدول الشيوعية يوماً ما، كما أنه إذا استعمل مصطلح «الديكتاتورية» فسيعني به ديكتاتورية «البروليتاريا» أما إذا استعمل مصطلح «التقدمية» فسيعني به المضي نحو المستقبل بعيداً عن أفكار وممارسات ماضوية صبغت مرحلة الإقطاع. أما بالنسبة للمسلم فإنه إذا أطلق مصطلح «الرجعية» فإنه يعني به: العودة إلى أفكار وممارسات الجاهلية الأولى، و «الديكتاتورية» تعني الظلم والاستبداد الذي يقاومه الإسلام وعدالته. أما «التقدمية» فتعني بالنسبة له: المضي بأفكار الإسلام وسلوكياته نحو المستقبل الإسلامي. إذن فالسياق وحده هو الذي يحدد المراد؛ وأحسب أن مصطلحات كهذه ليست أعلاماً ملازمة للشيوعية أو لغيرها، بل قاسماً مشتركاً بين الجميع. وحاصل القول يلخصه الدكتور محسن عبد الحميد بقوله: إن «المذهبية الإسلامية بكلياتها ومصطلحاتها غدت غريبة في مجتمعاتنا الإسلامية؛ فالمسلمون لا يعيشون في إطارها. فلا بد لمنهج التغيير الذي يتبناه الإسلاميون أن يلتزم بإطار المصطلحات الإسلامية حتى ترجع الأصالة الفكرية إلى مجتمعاتنا، فلا نعيش إلى الأبد على فتات موائد المذهبيات المادية التي توجه الحضارة الغربية المعاصرة. إن المذهبية الإسلامية تعيش اليوم في معركة ضارية مع المذهبيات المادية العلمانية، واستعمال المصطلحات التي تعبر عنها لن يكون في صالح تمكين أفكارها ونمطها الثقافي في مجتمعاتنا الإسلامية» [١٣] . وللتدليل العملي على خطورة التساهل في استعمال المصطلحات الوافدة، لا بأس من الاستشهاد بنموذجين هما: التقويم المسيحي (الميلادي) ، ومصطلح الديمقراطية. أولاً: أنموذج التقويم النصراني (الميلادي) : كم من المسلمين يعلمون في أي شهر هجري نحن، فضلاً عن اليوم؟ وهل ثمة احتفاء أو احتفال بأي عام هجري جديد يمكن مقارنته من أي وجه مع حجم الاهتمام بأي عام ميلادي، ناهيك عن هذا الهوس غير المسوَّغ من قبل العرب والمسلمين للاحتفاء بقرن ميلادي نصراني جديد، ولو تذكرنا استقبالنا للقرن الخامس عشر الهجري الإسلامي قبل عشرين عاماً لأدركنا مدى الكارثة الحضارية التي تمكن الطرف الحضاري الغالب أن يفرضها علينا حتى غدونا مستلبين حضارياً حتى في توثيق أحداثنا الخاصة وقضايانا الإسلامية المختلفة، في حين لا يخطر ببال أي من الغربيين على أي مستوى أن يوثق حدثاً خاصاً أو عامّاً يعنيهم أو يعني سواهم بالتقويم الهجري الإسلامي. والواقع أن الاتهام المنتظر عند طرق هذا الموضوع من قِبَل المستلبين حضارياً من حيث يدرون أو لا يدرون قد يرد في صورة استخفاف واستهجان يصم المهتمين بإثارة موضوع كهذا بالسطحية والشكلية، بل لربما يقول قائلهم: إن علينا الاهتمام بصناعة الأحداث التي تستحق الرصد، ثم نبحث بعد ذلك بأي التقويمين توثق؟ ! وذلك الاتهام هو صناعة ذوي المنزع السطحي من هؤلاء المستلبين استلاباً مركباً، ولعل ذلك يتضح من خلال هذه المحاورة لهم. إن قضية الاستقلال وترسيخ الهوية والإصرار على الخصوصية الحضارية تشمل ضمن ما تشمل الاحتفاظ بذاكرة الأمة عن طريق توثيق أحداثها من منطلق تاريخها الذاتي الذي ينتسب إلى حدث كبير غيَّر مجرى التاريخ في العهد الإسلامي الأول؛ وذلك الحدث هو هجرة الرسول الأعظم محمد ﵌؛ كما أن مسألة الاستقلال تعني استقلالاً شاملاً عن الغرب لا يقف عند حدود تحرير الأرض فحسب، ولكنه يتجاوز ذلك إلى تحرير منهج التفكير وأسلوب العمل. ولنا أن نوجه جملة من التساؤلات المنطقية إلى كل من ينازع في اتصال هذه المسألة بالبعد الحضاري: * هل يقبل الغربيون النصارى إن كانت المسألة هامشية سطحية أن يرصدوا أحداثهم بالتقويم الهجري الإسلامي بحيث لا يترددون أن يوثقوا تاريخ الحملة الصليبية الأولى عام ٤٩٨ هـ بدلاً من ١٠٩٦م، ومعركة حطين التي انتصر فيها المسلمون على الصليبيين عام ٥٨٣ هـ بدلاً من ١١٨٧م أو أن الحرب العالمية الأولى اندلعت عام ١٢٩٠ هـ بدلاً من ١٩١٤م، أو أنه قد حدث في رمضان أو محرم أو ذي الحجة من عام كذا حدث كذا وكذا ... إلخ؟ ألا ترون أن حديثنا سيكون ضرباً من الهراء، بحيث بدا مستحيلاً إقناعهم بأهمية وجدوى ومعنى العدول عما هم عليه إلى ما عليه غيرهم خاصة من ذوي النزاع الحضاري معهم؟ والسؤال المفترض هنا: إذن لماذا يصمم بعضنا على أن المسألة هامشية وإثارتها أمرٌ غير مفهوم ومستهجن لدى بعضهم الآخر؟ أليست المسألة إذن راجعة إلى «سُنَّة ولع المغلوب بتقليد الغالب أبداً» كما نص على ذلك العلاَّمة ابن خلدون؟ * هل للاحتفاء والاهتمام المبالغ فيه اليوم بقدوم الألفية الثالثة أو دخول القرن الحادي والعشرين أي منطق إسلامي مقبول خاصة في ظل تاريخ صراع حضاري متعدد الوجوه مع الغرب عرفه المسلمون الأولون باسم «الحروب الصليبية» ، وعرفناه نحن في «القرن العشرين» باسم «الاستعمار الغربي» وحلت بنا في ظله كوارث تهتز لها الجبال الشوامخ، ولعل أكبرها ما كان يعرف بـ «القضية المركزية» هل ما تزالون تذكرونها؟ وهل نسيتم وعد بلفور؟ أم هل نسيتم الحليف الاستراتيجي للكيان الصهيوني وراعي عملية السلام؟ ! ! أم هل غفلنا عن اللون الجديد للصراع وهو صراع الثقافات والحضارات وغزو العولمة (Glabolisation) خصوصاً؟ * هل يعي الذين يهونون فداحة الخطأ المرتكب بحق ذاكرة الأمة أن الأمر بلغ ببعض الكتاب والمتحدثين أن يطلقوا مصطلح «العصور الوسطى» على نحو يشعر ظاهره بالوقوف ضد هذا العصر وأحداثه جميعاً؛ لأنه رمز الرجعية والتخلف والجمود. وهم بهذا يؤكدون أنهم ضحية الغزو الثقافي الغربي ومركزيته المتطرفة التي تفترض في نفسها الكون كله، وأنه لا يسع الآخرين إلا متابعتها في كل شيء؟ * إن مصطلح العصور الوسطى أو النهضة أو التنوير أو سواهما مما هو نبتة غربية خالصة، لا يعني المسلم المعاصر من قريب أو بعيد؛ لأنه يطلق عندهم على الفترة الواقعة بين سقوط روما في القرن الرابع الميلادي وبين عصر النهضة الأوروبية في القرن الخامس عشر، وتمثل هذه الفترة أسوأ مراحل الضعف والتخلف بالنسبة للأوروبيين، في حين شهد التاريخ الإسلامي في الفترة الواقعة في القرن السادس الميلادي تحديداً فجر الإسلام وعصر الرسالة ومبعث الوحي المحمدي وبدء انطلاقة التحرر وغزوات الرسول ﷺ ، وسرايا الصحابة وفتوحاتهم. وامتداد الحضارة الإسلامية بعد ذلك يعد امتداداً لرسالة الإسلام الأولى؛ فكيف تم تقبل ذلك المصطلح والترويج له؟ ! ألا ترون خطورة التقليد الأعمى. * ألا ترون أننا نقع في التناقض المعيب حين تحصل أحداث مباركة كحرب رمضان ١٣٩٣ هـ، وتشتهر عقب المعركة بحرب ١٠ رمضان، ثم ما تلبث أن تختفي، وتصبح مشتهرة بحرب ٦ أكتوبر ١٩٧٣م؟ * أيستطيع أحدٌ اليوم في بلد كاليمن، ولا أقول مصر أو الشام أو المغرب العربي، أن يؤرخ لحدث محلي بالتقويم الهجري وحده؟ ناهيك أن يكتب تاريخ الحدث بالتقويم الهجري الإسلامي دون الإشارة إلى كونه هجرياً كأن يرمز له بالحرف (هـ) ، في حين أنه بوسع أي مؤرخ أو كاتب اليوم أن يكتب أي تاريخ لأي حدث من غير ذكر كون التقويم ميلادياً أو أن يرمز له بالحرف (م) ، وذلك يعني بلا نزاع أن الميلادي النصراني أضحى الأصل الذي لا يحتاج إثارة أو تمييزاً، والهجري الإسلامي هو الاستثناء الذي يستحق ذلك، وبهذا انقلبت موازين الأصيل والدخيل حقاً، فغابت ذاكرة الأمة الحضارية تماماً أو تكاد. * نظراً لهذا الاستغفال الصارخ للعقل المسلم المعاصر بلغ الأمر ببعض الدعاة والمفكرين والكتاب الإسلاميين أن يجاروا هذا الاتجاه الغازي، بل أن يزيدوا عليه مع الأسف تأصيلاً غاية في الغرابة، وذلك حين يستشهد بعضهم على حديث المجدد الذي يبعثه الله على كل قرن كما ثبت ذلك عند أبي داود والحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» [١٤] ، فيتحدثون عن فلان أو فلان أو.... إلخ أنه أو أنهم مجددون للإسلام في القرن العشرين! ! وإنما مثلهم في هذا كمثل الذي يفهم أن القرآن إذ يتحدث عن الشهور [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ] (التوبة: ٣٦) ، أو الأشهر الحرم: [فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ] (التوبة: ٥) ، فيستخلص أن الاثني عشر شهراً أو الأشهر الحرم المنصوص عليها في الآيتين محمولة على التقويم الميلادي المسيحي وأشهره الحرم! ! وليس المقصود هنا الشماتة بل الإشارة إلى مدى الغيبوية الحضارية التي لم يسلم من الوقوع في شركها حتى دعاة ورواد التغيير الإسلامي! * قد يقال: إن أحداثاً ضخمة شهدها القرن الميلادي السابق، مما دعا إلى الاهتمام به على ذلك النحو، ورغم سذاجة اعتراض كهذا فإن أقرب رد بديهي عليه هو طرح السؤال الآتي: هل تمت تلك الأحداث خارج نطاق القرن الهجري؟ وهل استباق الهجري بعشرين عاماً على الميلادي مسوِّغ مقبول ومعقول لكل هذا العبث؟ ثم ما نسبة ما حدث في العشرين عاماً الأخيرة مقارناً بثمانين عاماً مرت فيها حربان عالميتان وأحداث جسام لا يمكن لذاكرة التاريخ نسيانها؟ عودة لضوابط المصطلحات: وإذا تذكرنا قواعد المصطلحات الأربعة الضابطة لمنهجية التعامل مع الوافد منها، فإننا سنجد القاعدة الأولى منها القاضية بضرورة أخذ المصطلح في سياق منظومته الحضارية تدفعنا نحو ضرورة التحرر الشامل من التبعية في استعمال التقويم الأوروبي النصراني؛ لأنه بالفعل جزء من سياق حضاري مختلف تماماً. كما أن القاعدة الثانية التي فحواها أن الاستخدام العرفي قد يحيل اللغة من أداة اتصال وتفاهم إلى أداة سلبية لسوء التفاهم، تؤكد أن الاستخدام الشائع للتقويم النصراني جعل منه عُرفاً مسيطراً أفضى إلى هيمنة الطرف الحضاري الغالب القوي؛ ففرض بذلك جزءاً من ثقافته على الطرف المغلوب الضعيف. أما القاعدة الثالثة التي تميز بين حالتي العز والانكسار الحضاريين، فإن واقع الحال يشهد بأن الأمة تعيش حالة انكسار حضاري لا تخفى، رغم الجهود المبذولة لحركة البعث الإسلامي المعاصر، غير أن مخالب الوحشية الغربية عموماً والإمبريالية الأمريكية على وجه الخصوص ما تزال ناشبة في جسد الأمة الإسلامية وقلبها الثقافي، والتخلص من حالة كهذة يتطلب إرادة وسلوكاً يتأبى على التبعية الفكرية والسلوكية والانعتاق من ربقة التقليد، ونزع قابلية الاستعمار. وأما القاعدة الرابعة القاضية بأن السابق هو الذي يحدد مقصود الألفاظ المجملة؛ فإن التقويم الأوروبي إياه ليس مجملاً يحدده السياق بل هو تفصيلي موضوع للدلالة على معنى حضاري معروف. الأنموذج الثاني: الديمقراطية: ولعلي مضطر في البدء أن أقرر حقيقتين على غاية من الأهمية قبل المضي في تفصيلات هذا المصطلح: الحقيقية الأولى: أن مناقشة المصطلح تنطلق من سياقه الحضاري المنهجي دون أن يعني ذلك منازعة من أبَى إلا أن يسطح القضايا المعقدة والإشكالات الفلسفية الكبيرة ليظهر أمام أرباب صيحة الديمقراطية ودعاتها الصادقين أو سواهم بمظهر المناصر لقضايا العدل والحرية والمساواة؛ فهذه المسائل الثلاث لا يجوز النزاع فيها ولا الخلاف حول جوهرها، ومن أبَى إلا المنازعة والخلاف فذلك شأنه وحده؛ غير أن ذلك لا يعني من جانب آخر مرادفة حرفية بينها وبين الديمقراطية، كما يعلم دارسو الفكر السياسي الحديث [١٥] . الحقيقة الثانية: تنطلق مناقشة المصطلح من مسلَّمة أن ليس للغرب وصاية على العالمين؛ فلئن انتزعت الشعوب هناك حقوقها الديمقراطية بعد نضال مرير مديد فذلك أمر مشرف لها، بيد أن ذلك لا يعطي دوائر القرار الغربية اليوم حق فرض هذا الأنموذج على الإنسانية جميعاً؛ لأنه نتاج كفاح أوروبي خالص دفعت إليه ظروف وملابسات وإشكالات لا تنطبق بالضرورة على نمط حضاري آخر كالنمط الحضاري الإسلامي. ولنشرع بعد هذا في مناقشة المصطلح ابتداءً من جذوره. مفهوم الديمقراطية: الديمقراطية كلمة يونانية الأصل تتركب من مقطعين: الأول بمعنى شعب، والثاني بمعنى حكم، ويقصد بها حكم الشعب إما عن طريق نفسه بما يعرف بالديمقراطية المباشرة، أو عن طريق ممثلين له ويعرف بالديمقراطية غير المباشرة، وتمثل الأمة مصدر السلطات جميعها في هذا النظام [١٦] . اتفاق واختلاف: هذا المفهوم للديمقراطية يلتقي مع نظام الشورى الإسلامي في العملية الآلية بيد أنه يختلف معه في نقطة جوهرية أخرى هي المصدرية. أما بالنسبة لعملية الاتفاق فتتمثل في منح الأفراد حقهم في انتخاب من يمثلهم ليحكمهم بمحض إرادتهم، وفق عقد اجتماعي يحق للحاكم في ضوئه ممارسة صلاحياته في إدارة شؤون البلاد عن طريق الموافقة الشرعية الحرة التي تعرف في الفكر السياسي الإسلامي بالبيعة. ثم إن نظام الشورى لا يختلف مع الديمقراطية من حيث المباشرة وغير المباشرة، ولا فرق حقيقياً بين أن يكون هذا الحاكم منتخباً مباشرة من الأمة، أو عن طريق ترشيح أهل الحل والعقد الذين يتَّسمون بجملة من الخصائص والمؤهلات، ويتكونون من «الأمراء الحكماء والعلماء ورؤساء الجند، وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة» وهذا التعريف لأهل الحل والعقد يعد من أجمع التعريفات، وقد انتهى إليه الأستاذ محمد عبده حسبما نقله عنه تلميذه محمد رشيد رضا [١٧] . أما جوهر الخلاف بين النظامين الديمقراطي الغربي والشورى الإسلامي فيتجلى في مفهوم المصدرية الشعبية للسلطان؛ فإن قصد بها ممارسة الحكم من قِبَل أفراد الشعب فذلك أمر لا يستدعي النزاع، ولا أحسب أن أمره يمثل إشكالاً في الفكر السياسي القديم أو المعاصر، ولكنه خلاف المتبادر المقصود من اصطلاح: (الشعب مصدر السلطات جميعاً) في سياق الحديث عن النظام الديمقراطي. إذن المقصود بداهة بالنسبة لأهل المصطلح اشتقاق النظام التشريعي من الشعب وحاجاته ومصالحه وآماله وطموحاته، وليس من أي مصدر آخر، سماوياً كان أو غير سماوي، والواقع أن هذا مفصل الخلاف الجوهري بين النظامين؛ حيث إن الشورى تستمد تشريعاتها من الوحي الإلهي (الكتاب الكريم، وصحيح السنة المطهرة) وتعدّ جميع المصادر الثانوية الأخرى تابعة لهذين المصدرين، محكومة بمرجعيتهما، والمصلحة أو الحاجة أو الأمل والطموح الذي يشعر ظاهره بمخالفة النص الصحيح الصريح في وروده ودلالته أمر موهوم مردود لا يلتفت إليه. ضبط المصطلح في ضوء قواعد التعامل: تجدنا حيال مصطلح غازٍ مستأسر لهوى كثيرين نظراً إلى بريق الحضارة الغربية المعاصرة بصورة عامة من جهة، ولوضعية الاستبداد والتخلف السياسي العام الذي يغشى مناطق العالم العربي والإسلامي من جهة أخرى؛ وهنا لا مناص من التذكير بقواعد التعامل الأربع التي سبق أن حاكمنا في ضوئها مصطلحات سابقة؛ لأنها في رأينا تمثل معيارية أحسبها منضبطة إلى حد كبير؛ فإذا رجعنا إليها فسنجد ما يلي: أولاً: إن مصطلح الديمقراطية ينتسب إلى منظومة حضارية غير عربية ولا إسلامية؛ ومحاولة استعارته بكليته لأمتنا أمر لا يستقيم ولا يؤدي مدلوله المنشود منهجياً إلا بقدر من الاعتساف والتداخل وزعزعة المصطلح الحضاري الأصيل، وهو الشورى، ولا يوجد مسوِّغ موضوعي منهجي لذلك إلا بوصفه أمراً واقعاً، وهذا منطق هش فرضه أقوياء الحضارة الغربية، وتابعهم المستلَبون التابعون عندنا، وهو أمر يشبه فرض الأنموذج الأمريكي اليوم في مختلف المجالات الحياتية عبر فكر وسياسة «العولمة» . ثانياً: بالنظر في منطق القاعدة الثابتة المؤكدة على أن مفردات اللغة تعبير عن الاتصال الإنساني والتفاهم؛ بيد أن ذلك قد ينقلب إلى العكس بفعل الاستخدام العرفي للمصطلح. إذا أعملنا هذه القاعدة في مصطلح الديمقراطية فسنجد أن العرف السائد لاستخدامها في بلد المنشأ يقوم على عناصر أربعة رئيسية هي: الحرية، والمساواة، والتمثيل النيابي، والواقع الدستوري [١٨] . وكل واحد من هذه العناصر غير مقيد بضوابط الدين، بل متروك لتقديرات البشر واجتهاداتهم المراعية لملابسات الواقع وإشكالاته؛ وذلك اتساقاً مع منطق فكرة الديمقراطية ونشأتها. إن محاولة نقل هذه العناصر من بيئتها إلى بيئات أخرى مغايرة سيصطدم بجملة من المعتقدات الفكرية والسياسية والقيم والأعراف المناهضة لكثير من متضمنات تلك العناصر، كما أن السعي نحو تكييف أي منها وفق معتقدات وقيم وأعراف البيئة الجديدة سيفقد مضمون المفهوم الديمقراطي فاعليته، وسيستحيل إلى شيء آخر (مسخ) يمكن تسميته أي شيء آخر، إلا أن يكون ديمقراطية. ويلاحظ اليوم أن ثمة أصواتاً في مجتمعاتنا الإسلامية (المحافظة) تدعو إلى إحلال القيم والسلوكيات الديمقراطية كمنظومة متكاملة، لا أن تؤخذ بانتقائية، تتخير ما تشتهي وترفض ما عداه. والواقع يشهد بوجود أصناف ثلاثة في مجتمعاتنا ترغب في التعامل مع المسألة الديمقراطية، بيد أنها تختلف في منطلقاتها ودوافعها: فالصنف الأول: يسعى لتكييف فلسفتها وفق أهوائه وبما لا يتعارض مع مصالحه بحيث يفقده مجداً، أو يسقطه من موقع اكتسبه بطريق مشروع أو غير مشروع. والصنف الثاني: يروم تكييف الديمقراطية مع معتقدات الأمة، وقيم المجتمع؛ بحيث يُزال أي تعارض قد ينشأ بين تعاليم الدين وفلسفة الديمقراطية، حرصاً منه على الإفادة من إيجابياتها، وحتى لا يظهر أمام الآخر خصماً للحريات العامة؛ وذا موقف سلبي من مضامين الديمقراطية دون أن يعني ذلك تسليمه المطلق لكل مستلزماتها، ولذا فإنه يسعى كثيراً لإقران المصطلحين ببعضهما؛ فلا ينفك يذكر الشورى إلا مقرونة بالديمقراطية أو العكس (الديمقراطية الشوروية أو الشورى الديمقراطية أو الشوروقراطية) . أما الصنف الثالث: فيدعو صراحة حيناً، وضمناً حيناً آخر للتعاطي مع المسألة الديمقراطية منظومة واحدة متكاملة، وما عدا ذلك في نظره تلفيق وترقيع لا ينسجم وأهداف التغيير الاجتماعي المنشود، معللاً ذلك بأن أوروبا والغرب عموماً إنما حقق منجزاته السياسية تحديداً حين قَبِلَ بها جملة واحدة لا تحتمل التجزؤ. وفي مقابل هذه المواقف الثلاثة يبرز موقف مضاد لها جميعاً يعلن رأيه الرافض صراحة لفلسفة الديمقراطية جملة وتفصيلاً، ويرى أن وجود الديمقراطية في المجتمع الإسلامي أمر لا ينسجم مطلقاً وروح الإسلام وتشريعاته وأحكامه. وإزاء ذلك التباين في الموقف من المصطلح نرانا حيال تعارضات وتناقضات لا مسوغ لترجيح بعضها على بعض أياً ما اختلفت نسبة الصواب أو الشطط في بعضها مقارناً بالبعض الآخر. إن القبول بأي من هذه المواقف لا يسلم من جموح أو انغلاق أو توسع لا يتسع له منطق البحث أو منهج الموضوع الذي نتوخى بلوغه في هذه الدراسة، وعليه نقول: أجل لا تتعارض الديمقراطية مع الإسلام في جانب هام من التوجهات الآلية كما أشرنا قبلاً، أما من حيث المضامين فيدير كل منهما ظهره للآخر تماماً، ويقعان في التعارض البيّن، والتنافر التام، وكون الديمقراطية تشترك مع الإسلام في بعض الجوانب الآلية فإن ذلك لا يؤذن بالقول: إن الديمقراطية باتت إسلامية المقصد والمنزع والهدف؛ إذ الاشتراك في جزئيات الفكرة لا يصير أصل القضية أمراً مشتركاً متفقاً عليه؛ فمن المعروف أن أصل مصطلح الثيوقراطية على سبيل المثال وتعني الحكم الإلهي لا يختلف مع مفهوم حاكمية الإسلام إذا استبعدنا حكم طبقة رجال الدين باسم وصاية السماء، أو سواها من الادعاءات المعروفة في تاريخ الكنيسة الغربية؛ فالحكم لمن يهيمن به على البشر، والاحتكام إلى شريعته أمر واجب في المجتمع المسلم؛ فهل يعني ذلك الاشتراك في هذه الجزئية الإذن بوصف الإسلام بأنه ثيوقراطي، أو أن هناك ما يمكن تسميته بالثيوقراطية الإسلامية، أو ثيوقراطية الإسلام أو نحو ذلك؟ ! [١٩] . ويذهب بعض الباحثين في سياق بيان الفروق الجوهرية بين المصطلحين إلى التشديد على ضرورة إدراك اختلاف مصدرية النظامين من جهة، وحقيقة فلسفة الحكم على الأشياء والظواهر من جهة أخرى [٢٠] . على أننا لو أمعنا النظر في جوانب الاتفاق والاختلاف بين الإسلام والديمقراطية لكان المنطق الأكثر معقولية قبولاً يقودنا إلى القول: إن وجود قدر من التشابه بين آليات العمل السياسي وسواه بين النظامين يجعل من الديمقراطية نظاماً أقرب إلى الإسلام في تلك الجوانب وليس العكس؛ فالإسلام من الناحية التاريخية يتقدم الديمقراطية بما يزيد على ألف عام والفرق التاريخي يقضي بأن اللاحق يتبع السابق وليس العكس [٢١] . ثالثاً: أما إذا طبقنا القاعدة الثالثة الضابطة لقواعد التعامل مع المصطلحات الوافدة من حيث وضعية العز أو الانكسار، فالواقع الراهن يشهد بأن الأمة الإسلامية رغم صحوتها الكبيرة ما برحت ترزح تحت نير أحوال التخلف والانكسار، وهو ما يجعل منها الجانب الأضعف في معادلة التوازن بين القوى الحضارية على الساحة العالمية اليوم. ومع إقرار أحد الباحثين في مجال القانون الدستوري والنظم السياسية بأن مصطلح الديمقراطية طاغٍ على حياتنا المعاصرة؛ غير أنه يرى أن حضور الأمة الإسلامية اليوم قد تجاوز مرحلة غربة الإسلام وغلبة المفهومات الغربية بكل ملابساتها ومضامينها وظلالها، فلا بأس من الاستعانة بمصطلح الديمقراطية وإدراجه في سياق الدعوة إلى الإسلام ولفه بأطر التصورات الإسلامية حيث العبرة بالمعاني وليس بالمباني، وبالمقاصد وليس بالصور والألفاظ [٢٢] . ولست أدري ما وزن هذا الحضور وما مقدار تجاوز الغربة الحضارية، وهل هما يؤهلان حقاً لاستعارة مصطلحات الآخر الغالب المهيمن بلا تحفظ؟ ثم هل يمكن القول بأن مصطلحات كهذه من قبيل عدم المشاحَّة في استعمالها؟ ! إن القول بأن واقع الأمة أضحى في حال لا يُخشى عليه فيها من التأثير بالغالب نظراً لوضع العز وليس الانكسار والقوة وليس الضعف لكأنما يرتفع بهذا الواقع إلى موقع الازدهار والنِّدِّية، وليس التخلف والتبعية. وصحيح أن الأمة تشهد تقدماً نحو العز الحضاري بفعل الصحوة المباركة، لكن ذلك لا يمنحنا استنتاجاً منطقياً وواقعياً بأنها ارتقت إلى مواقع الندية أو ما يشبهها. وإذا كان مفكر بحجم رجاء جارودي يقر صراحة في بعض الحوارات الصحفية معه بأن فرنسا باتت اليوم تابعة صغيرة لهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية سيدة النظام العالمي الجديد ويعد حوارهما غير متكافئ فهو في نظره أشبه بحوار السيد مع العبد؛ فكيف يستقيم القول بأن الأمة الإسلامية تجاوزت حالة الغربة إلى حالة العز والازدهار؟ إن كلاماً كهذا فضلاً عن تجاوزه لمنطق الواقع السائد، فإنه يورث قبولاً ضمنياً لا شعورياً بمصطلح أجنبي في سياق فلسفي مغاير، ويخل بأداة التواصل الحضارية عبر اللغة. رابعاً: إن مصطلح الديمقراطية ليس من الألفاظ المجملة غير العربية التي يحددها السياق، بل هو لفظ غير عربي ولا مجمل، ولا يختلف استخدام المسلم له عن غير المسلم من الناحية المنهجية والموضوعية، اللهم إلا في نظر فئة من الإسلاميين التي لا تولي جانب المنهجية والموضوعية من الاهتمام ما يستحق، وتعد هذا الاهتمام ضرباً من الهدر واللغو، وإخال أن ذلك عندها يرجع إلى سببين جوهريين: أحدهما: حرصها على أن يظهر الإسلام براءً من الاستبداد والأحادية والفردية، مناصراً لقضايا الحرية والعدالة والمساواة والتعددية والتقدم وهو ما ترمز إليه الديمقراطية. والآخر: ضعف التربية العلمية المنضبطة بصوارم المنهج، وآفاق الواقع، وعمق الوعي؛ مما أنتج خللاً في ضبط قاعدة المصطلحات المنهحية، ويندرج في إطار هؤلاء بعض حملة الشهادات العليا؛ فرب حامل علم لا يلتزم بمقتضياته، نزولاً عند واقع طاغٍ بالإعجاب وربما الانهزام النفسي الخفي أمام بريق الغالب المهيمن وطغيان نفوذه.. والله من وراء القصد.

стр. 4038

المنتدى يا من يريد نزع حجاب المرأة ! ! ظافر بن محمد بن فهاد المنديل ما زال الإسلام مستهدفاً قديماً وحديثاً من أعدائه؛ فهم وإن اختلفت مذاهبهم ومشاربهم لكنهم يجتمعون على حرب المسلمين، وكان من أعظم وسائلهم لتحقيق هدفهم وهو صد المسلمين عن دينهم، وتشويه صورته في أذهانهم: هجومهم العنيف على تعاليم الإسلام المتعلقة بالمرأة بشكل عام، وبحجابها وعفافها ووقارها بشكل خاص، فاستطاعوا إلى حد كبير زعزعة الثقة في النفوس بحجاب المرأة المسلمة، وساعدهم على ذلك غياب الفهم الحقيقي لحكمة الحجاب، وتساهل المرأة المسلمة ذلك التساهل الذي أغاض ماء الحياء، وقلب الموازين، وهبط بالمستوى الفكري لكثير من الفتيات، فأصبح الاهتمام ينصب على أمور تافهة؛ ومن هنا وَجَدَت المجلات سوقاً واسعة لنشر كتاباتهم بل رذائلهم. وكذلك استهدف أعداء الإسلام المرأة المسلمة في عصر حرب الأفكار والمبادئ؛ وذلك بعد أن أُحبطوا في حرب المواجهة عبر تاريخ الإسلام الطويل، فكان لا بد من إشاعة الفتنة في المجتمع الإسلامي. ولما كانت المرأة هي أخطر وسائل الدمار على الرجال وعلى الأمة جمعاء، فقد جندها العدو لتكون سلاحاً فتاكاً، وذلك بعد نزعها حياءها وعفتها؛ ولذا أثاروا شبهاً في مشروعية الحجاب، ومن هذه الشبه: ١ - زعم بعضهم أن الحجاب مشروع لكنه خاص بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم. ٢ - قالوا: إن ذكر الحجاب وارد في القرآن الكريم، وهو تشريع عام للمسلمين، ولكن أين في القرآن ذكر تغطية الوجه؟ وغيرها من الشبه الكثيرة التي يثيرها أعداء الإسلام. وإذا استمر الإنسان مستسلماً لهذه الشبه فستؤدي به في النهاية إلى الانسلاخ عن دينه؛ إذ إن الدين الإسلامي عقيدة وشريعة؛ والتزام المسلم بما شرعه الله دليل على سلامة ما في صدره، ودليل على تقواه وقوة عقيدته. ونقول لمن يقولون: إن الحجاب ليس أمراً واجباً: كذبتم وافتريتم على الكتاب والسنة؛ والدليل من الكتاب على مشروعية الحجاب قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً] (الأحزاب: ٢٨) . وقوله تعالى: [وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ] (الأحزاب: ٥٣) . وغيرها كثير. وكذلك من الأدلة: قوله تعالى: [وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ] (الأحزاب: ٥٣) ، وسبب نزول هذه الآية أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه طلب من الرسول ﷺ أن يأمر زوجاته بالحجاب كما روى أنس ﵁ قال: «قال عمر بن الخطاب ﵁: قلت: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب. فأنزل الله آية الحجاب [١] » . قالت عائشة ﵂: «يرحم الله نساء المهاجرات الأُوَلَ لما أنزل الله: [وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ] (النور: ٣١) شَقَّقْن مُروطَهُنَّ فاختمرن بها» [٢] .

стр. 4039

المنتدى سأثأر عبد العزيز الخالدي إلى كم يُهان الدين والعِلْجُ يطربُ ... وحتى متى يا قومُ ننعي ونشجبُ وحتى متى يستأسد الفأر في الربى ... ويزرع فينا الخوفَ والحقَ يَسلبُ أفي كل يوم يشتكي الظلم إخوتي ... وفي كل صقعٍ من بلادي معذّبُ وفي كل يوم تستباح حقوقنا ... وما عاد فينا من يذود ويغضبُ أللخائن العربيد ألفُ تحيةٍ ... وللعالم المغوار سيفٌ مذرّبُ أننعم والإسلام يشكو مصابهُ ... ونضحك والرحمن للحق يغضبُ فمن يا ترى للحق يأسو جراحهُ ... ومن في سبيل الله للنفس يُتعبُ أهذا أوان النوم يا ابن عشيرتي ... ودمع ذوي القربى على الخد يُسكبُ أهذا أوان النوم يا شبل خالدٍ ... وأنفاسنا في اللوح تحصى وتكتبُ فقم يا حفيد الصحب واثأر لأمةٍ ... يسوم لها الباغي وفي المجد يلعبُ وقل لبني الإسلام واصرخ بجمعهم ... سأنصر دين الله والحقّ أطلبُ سأثأر للحق الذي بات يشتكي ... فلا القيدُ يثنيني ولا السوطُ يُرهبُ سأنصرُ هذا الدين مهما تكالبت ... عليه الأعادي أو على العود أُصلبُ سأثأر علّي أن أموت مجاهداً ... شهيداً إلى الجنات أسعى وأذهبُ فمن يا ترى للذل يحني جبينهُ ... ومن ذا عن الهيجاء يرضى ويرغبُ لئن كان للشر المبجَّل صولة ... فإن هدى الرحمن أعلى وأغلبُ

стр. 4040

المنتدى رسالة إلى مُبحر فيصل بن خالد بن جابر الغريب كانوا على الشاطئ.. في أمن ودعة.. سحرتهم الأمواج الزرقاء.. وطيور النورس البيضاء.. سلب لبَّهم التقاء الماء بالسماء.. فقدوا الاتزان لحظة الغروب.. تسللوا دوني إلى قارب.. صغير.. صغير.. لا يكاد يحتويهم.. ألواحه متآكلة.. مجاديفه متكسرة.. لكنها النشوة الهوجاء.. دفعوه.. طفا فوق الموج الهادئ.. توغل في المحيط.. فتح المحيط فاه ليبتلع قرص الشمس.. ثارت الأمواج.. وهم في غفلة.. أطلت رؤوس أشباح الظلمات.. ورفعت رايات الغدر.. أحبائي حتى هذه اللحظة لم يشعروا بما يدور من حولهم.. صرخت بأعلى صوتي.. لم يسمعوني.. لم يكترثوا بي.. سأصارع جنود اليأس.. سوف أصمد.. سيفيقون من غفلتهم يوماً ما.. لكني.. أخشى فوات الأوان.. ولات حين مندم.. وهل بعد اليقين من عودة؟ ! .. وليت شعري هل من يعرف مَرَدَّه؟ ! .. رعب وظلام.. تجلجل في أعماق القتام.. وهل من يفيق من سكرته لتخبره الأيام أن تلك الأنسام لم تكن سوى أحلام؟ !

стр. 4041

المنتدى الزنازين المتجولة وأثر الدعاة عبد العزيز بن عبد الله الوايلي الدعوة إلى الله حقل يُزرع فيه أنواع من الأشجار والنباتات والزهور، ليقطف المجتمع بعد ذلك ثماراً يانعة وأزاهير فواحة، وهذه الدعوة لا تعرف مكاناً دون مكان ولا أشخاصاً دون أشخاص؛ فهي دعوة عامة للكبير والصغير، وللذكر والأنثى، وللقوي والضعيف. وإن هناك مسلكاً دعوياً يفيد الدعاة وهو إرشاد سجناء الزنازين المتجولة وتوجيههم، وهؤلاء يتشكلون من فئات: فمنها فئة الحيارى الذين يبحثون عن الدين الحق والطريق المستقيم فأصبحوا في دوامة لم يجدوا منها مخرجاً ولا محيصاً. ومنها فئة العصاة الذين انغمسوا في بحر المعاصي فندموا على ذلك؛ بيد أن عندهم هواجس شيطانية لم يستطيعوا منها خلاصاً أو فكاكاً. ومنها فئة الضعفاء الذين فيهم خير وصلاح؛ إلا أن هناك أناساً يتسلطون عليهم ولا يرضون منهم السير في ركاب الصالحين. وهؤلاء جميعاً وغيرهم يعيشون في زنازين ولكنها متجولة، وقد يُستغلون من قبل أولياء الشيطان ليصرفوهم عن الخير الذي يتأجج في صدورهم، وعن فطرة الله التي فطر الناس عليها. ولو صنفهم دعاة الهدى والصلاح ضمن خططهم الدعوية لوجدوا الإقبال من هؤلاء على كلامهم، ولزالت عنهم هذه القيود بإذن الله. فيا دعاة الحق! خذوا بأيدي هؤلاء ووضِّحوا لهم سبيل النجاة، وبيِّنوا لهم سعة رحمة الله، ولا يغلبنكم أهل الباطل والضلال؛ فإنهم لا يملكون من وسائل الإقناع إلا مثل فتات الخبز.

стр. 4042

المنتدى نور القلوب محمد حماد وأحمد سأركب ناقتي وأسير حُرّاً ... طليقاً سالكاً كل الدروب سأنطق بالحقائق في ضميري ... على سنن الهدى رغم الخطوب سأُعرض جاهداً عن كل قول ... وفعل مائل نحو الغروب سأبقى شاعراً يشدو بلحن ... يؤلف عنوة بين الشعوب ومهما هبت الأقدار يوماً ... فإني صابر عند الهبوب أنا المسكين للقرآن أتلو ... تلاوة مسلم وجل هيوب سأحيا مؤمنا بالله حقاً ... وأنشر حكمتي بين القلوب ولست أريد بالإحسان مالاً ... ولا جاهاً على أهل الذنوب ويكفيني بأن الله ربي ... ورب الكون يهدي في الكروب لك الحمد الذي يبقى دهوراً ... فإنك خالقي نور القلوب

стр. 4043

المنتدى الجمال بين الجوهر والمظهر عبد الله بن خضر الغامدي قد تتغير المفاهيم، وتنقض المُسلّمات عند الكثير من الناس في حكمهم على الأشياء وقناعتهم بها، ولكن رؤية هذه الأشياء بمنظارٍ سليم كفيلة بأن تبقيها داخل أطر ثابتة بدون تغيّر، واضحة بدون غبش، مهما طال الزمان أو تغيّر المكان. والجمال من الأشياء التي تختلف آراء الناس في تحديده والوقوف على حقيقته، فما كان في نظر بعض الناس جميلاً قد يكون في نظر الآخرين قبيحاً! وما كان في نظر بعضهم قبيحاً قد يكون في نظر الآخرين جميلاً! ولذلك قيل: «للناس فيما يشتهون مذاهبُ» وهذه المذاهب وتلك الاختلافات نابعة من الرواسب التي نشأت مع هذا الإنسان ونمت في أفكاره حتى أصبحت معياراً يقيس من خلاله الأمور، ويسبر به غور الأحداث. ولكن بماذا يقيس الشرع الجمال؟ وما الجميل في معياره وما القبيح؟ ! روى الإمام البخاري في صحيحه عن سهل ﵁ قال: مرَّ رجل غني على النبي ﷺ فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريٌّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يُشفّع، وإن قال أن يستمع، قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريٌّ إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يسمع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا» [١] . يقصد الأول. إذن ليس الجمال بالأشكال ولا الصور، ولا في زهرة الدنيا وزينتها! إن الأمر أعظم من ذلك، إن الإنسان بقدر استقامته على شرع الله تعالى وتمسكه بسنة رسوله ﷺ يكون جماله ورونقه مع هذا الكون العظيم المنقاد لله تعالى الطائع لأمره المسبح بحمده. لا والذي جمعَ الخلائقَ في (منى) ... وبدا فأعطى من أحلَّ وأحرما ما في ربوعِ الكونِ أجملُ منظرٍ ... من مؤمنٍ للسعدِ جدَّ ويمّما [٢] ولهذا يقول ﵊: «فاظفر بذات الدين تربت يداك» [٣] ؛ لأن الدين هو الجمال الحقيقي، أما المال والنسب وغيرها فهو جمال زائف ومتاع زائل. يقول الله تعالى: [وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ] (المنافقون: ٤) ، ثم بيَّن تعالى ذلك بأن جمال الأجسام وعذوبة اللسان ليس مقياساً ولا معياراً، فقال: [هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ] (المنافقون: ٤) ، وقال في موضع آخر: [وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا] (التوبة: ٨٥) . (فتدبّر) . وهب أنك ظفرت بزوجةٍ حسناء ذات مالٍ ونسب، ولكنها لا تتورع عن قول الزور أو العمل به، فما قيمة جمالها ومالها! أو أنك وجدت صديقاً يمتاز بقوة الجسم وعذوبة اللسان ووفرة المال، ولكنه منتهك لحرمات الله، متعدٍّ لحدوده، فيما قيمة قوته وماله وعذوبة لسانه؟ ! وقد يكون هناك رجل أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره [٤] .

стр. 4044

المنتدى الهمة العالية محمد صلاح صالح بدا لنا مقبلاً بالمجد صداحا ... بهمة تبدل الأتراح أفراحا النار في كفه اليسرى لنا ظهرتْ ... والنور في كفه اليمنى لنا لاحا مغامراً في خطوب الهول مدّرعاً ... وعائماً في سماء المجد سبَّاحا وقانعاً بالردى إن فات مطلبه ... وعائداً بالعلا إن نال إنجاحا والمجد يصحب مَنْ يسعى ليدركه ... بعزمه، وبطيء اليأس، ملحاحا وليس مَنْ يقطع الأيام في دعةٍ ... يشيد أحلامه بالنوم مرتاحا وليس مَنْ جرَّب الأمجاد واحدةً ... فملَّها جازعاً، للبذل كبَّاحا وليس مَنْ يحسب العليا مدارجه ... قد زُرْكِشَتْ بزهور الروض فوَّاحا وليس مَنْ ينصب الميزان منتقداً ... لمن سعى للعلا، للمجد طمَّاحا كثعلبٍ جال يوماً في حدائقنا ... ولم يطلْ شجر الأعناب، قد طاحا فقال: تفٌّ عليكِ أنت حامضةٌ ... وإنني أنثني للظبي جرَّاحا والمجد مقتربٌ في القرب مبتعدٌ ... وعطره بالشذى في الكون قدْ فاحا لكنما دونه الأشواك واضحةٌ ... ولست تجني بغير البذل أرباحا تناله فتيةٌ في الأمر حازمةٌ ... بعزمها تجعل الإظلام إصباحا يناله فارس للصعب مطَّرحٌ ... يناله بالسرى والصبر مفتاحا

стр. 4045

المنتدى ردود * الإخوة: عمر بن عبد الرحمن العمر، فهد بن عبد العزيز الدحيّم، مصطفى سعيد سنكر: نشكر لكم تواصلكم الكريم مع مجلة البيان، كما نشكر لكم ملاحظاتكم واقتراحاتكم. وجزاكم الله خيراً. * الأخ: مَيَاح نسيم بن لشْهَبْ: نشكر لك تواصلك الطيب مع المجلة، والأسئلة نرجو توجيهها إلى الجهات المختصة بالفتوى، وجزاكم الله خيراً. * الأخوين: ياسر بن محمد بابطين، أسعد التهامي: وصلتنا مشاركاتكما، جزاكما الله خيراً، ونفيدكما بأنها مجازة للنشر بإذن الله. * الأخ: صلاح أحمد العواضي، عبد الرشيد محمود وان جمال: جزيت خيراً على تواصلك الطيب مع المجلة، ومشاركتك ستعد للنشر في المنتدى بإذن الله.

стр. 4046

الورقة الأخيرة تيار الحداثة وقضايا المرأة د. رقية طه جابر العلواني الحداثة حركة ثقافية غربية المنبت والمنشأ، من أهم مرتكزاتها عقدة التمحور الأوروبي على الذات، والعلمانية، وفقدان القيم الدينية لصدقها الضروري كموجهات للحياة البشرية، والنزعات العقلانية المتطرفة Rationalism Deism فالعقل مقياس الأشياء كلها، واللاهوت الطبيعي Natural Theology المنكر للوحي والنبوة والمعجزات وكل أمر خارق لقانون العِلِّية المادية.. إلى آخر ذلك من قضايا تبنتها الحداثة وقامت بتوظيفها. وقد برزت الحداثة في العرف الغربي في أواسط القرن السابع عشر، وبلغت ذروتها في القرن التاسع عشر، وانتهت وانحسرت مع الحرب العالمية الأولى، وتجاوب المفكرون في العالم الإسلامي لتحديات تلك الفلسفة التي غلب على صياغتها إما: تقمُّص مبادئ فلسفة الحداثة وتنزيلها كما هي في المجتمعات المسلمة، أو ردّها ونقضها، أو التكيف معها ومحاولة التلفيق والجمع بينها وبين مبادئ ومقومات الهوية الإسلامية، وبهذا باتت الحداثة مرجعية مطلقة تستفتيها جميع الاتجاهات بقصد أو بدون قصد خاصة فيما يتعلق بقضايا المرأة. وتوجهت جهود العديد من المفكرين ممن تبنوا فلسفة الحداثة نحو وضع المرأة في العالم الإسلامي، فطالبوا بحقوقها في التعليم والعمل والمشاركة في مختلف المناحي العامة من سياسية واجتماعية وثقافية من تلك الزاوية، كما حاربوا وضع المرأة في مختلف المجتمعات المسلمة، وأكدوا على ضرورة إعادة كرامتها عن طريق الإصلاح القانوني والتربوي على حد سواء. والحداثة في مفهومها الأساسي ومعالجتها لقضايا المرأة لم تنبثق من نظرة أصيلة تستحضر مفهوم القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة لتلك القضايا وكيفية معالجتها، بقدر ما راحت تروم الإصلاح والتطوير من خلال المقارنة بالآخر الخارجي البعيد عن منطق الإسلام ومقاصده ابتداءً. ومن هنا باتت تطرح أدبيات تتسم بالمقارنة حيناً والمقاربة حيناً آخر بين المفاهيم الغربية والإسلامية دون محاولة جادة للكشف عن مفاهيم الإسلام الأصيلة في قضايا المرأة وما يتعلق بمشاركتها في بناء المجتمع والنهوض به، فوقعت في محاولات الجمع والتلفيق بين ضدين غير متشابهين. وقد أغفلت تلك الأدبيات حقيقة هامة وهي أن المفاهيم الكلية لأية دائرة حضارية وليدة عنصرين متضايفين: الوضع التاريخي الذي أفرز تلك المفاهيم، والجهد الجمعي المشترك للجماعة الذي قام بصياغتها، والواقع الإنساني يشهد باستحالة استزراع مفاهيم حضارةٍ مَّا لها مكوناتها وخصائصها في دائرة حضارة أخرى لها خصائصها الذاتية كذلك، فمعالجة قضايا المرأة وغيرها مما يتعلق بالمجتمعات المسلمة لا يتم البحث فيها بمنظار الآخر وتطلعاته، بل ينبغي أن تتم المعالجة من خلال نظرة شمولية متوازنة تستحضر القيم الإسلامية العليا التي جاءت بها نصوص القرآن الكريم والسنة من جهة، وتحديات الواقع ومفرزاته من جهة أخرى.

стр. 4047

رجب - ١٤٢٢هـ أكتوبر - ٢٠٠١م (السنة: ١٦)

стр. 4048

كلمة صغيرة حديث الحجارة في عام ١٤٠١هـ /١٩٨٠م التقى عدد من رجال الثقافة والأدب بمصر الرئيس الإسرائيلي آنذاك إسحاق نافون، وأسرف بعضهم في الإشادة بالرئيس الذي وُصف بالاعتدال وحب السلام، وبعد العشاء قال أحد كبار معاوني الرئيس الإسرائيلي للوفد: إن الحديث كان رائعاً، وإن كل كلمة قالها الكتّاب وصلت إلى قلب الرئيس، فقال الكتّاب: «لأنها صادرة من قلوبنا!» (الأهرام ٣٠/١٠/ ١٩٨٠م) . ومنذ ذلك الحين انفتح باب التطبيع الثقافي بلا حياء ولا خجل، حتى قال كبيرهم (نجيب محفوظ) بمناسبة عرض قصته (ثرثرة على النيل) بالعبرية على أحد المسارح اليهودية: «التطبيع الثقافي أمر هام؛ لأن فيه تلاقي الفكر في إطار من النقاء والصفاء، عند ذلك تذوب سحب التقاتل والصراعات التي تثير جواً من القلاقل وفقدان الثقة» (مجلة أكتوبر ٢٥/٤/١٩٨٢م) . وفي ذلك العام نفسه (١٩٨٢م) جاءت مذبحة (صبرا وشاتيلا) لتصفع أولئك المستهترين بحرمات الأمة ومقدساتها، لكنهم بلا مبالاة أداروا رؤوسهم وكأن شيئاًَ لم يكن..! ! وبعد تأسيس (مجموعة كوبنهاجن) أخذ المطبعون بُعداً جديداً يجاهر بكل صفاقة، ويدعو إلى الوئام الثقافي مع اليهود، وبدأنا نرى الأيام الثقافية التي تقيمها مكاتب الارتباط الإسرائيلي تنتشر في تونس والمغرب والأردن ... ثم تأتي مذبحة (قانا ١٩٩٦م) صفعة جديدة على وجوههم، ولكنهم دفنوا رؤوسهم في التراب، وأغلقوا عيونهم وآذانهم، واستمروا في الترويج لثقافة التطبيع. وبعد أحد عشر شهراً من الانتفاضة الحالية ما زالت هذه الأصوات النشاز تصيح هنا وهناك، وتتهم الحركات الإسلامية في فلسطين بالتطرف والتعنت والسذاجة السياسية، وغاية تحليلها لما تراه من مذابح وانتهاكات للحرمات والحقوق أنه (تطرف وتطرف مضاد.. عنف وعنف يقابله..!) ، والحل الوحيد عند هؤلاء هو تغليب صوت العقل في زعمهم، والجلوس على طاولة المفاوضات..! إن هذه المواقف المخزية للتيارات العلمانية فرصة كبيرة للمصلحين من أبناء هذه الأمة لكشف تلك الأقنعة وإبراز الصورة الحقيقية للمعركة، ونحسب أن أبلغ رد عليهم هو في حجارة أولئك الأبطال في أكناف بيت المقدس. طفل صغير والمدافع حوله ... مبهورة والغاصبون تبرّموا في كفه حجر وتحت حذائه ... حجر ووجه عدوه متورم سكت الرصاص فيا حجارة حدثي ... أن العقيدة قوة لا تهزم

стр. 4049

الافتتاحية انحياز أم عداء لكن.. حتى متى ؟ ! الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن المتابع للواقع المأساوي الذي يعيشه إخواننا في فلسطين من العدوان الصهيوني عليهم والحرب الهمجية التي لم يبق بيت ولا حقل ولا سكن إلا ناله من جرائها الكثير، من قتل الرجال والنساء والأطفال والشيوخ بأساليب وحشية على مسمع العالم وبصره بدعوى مقاتلة المجاهدين الفلسطينيين الذين ضاقوا ذرعاً بالقتل والحصار والاستئصال الصهيوني بكل الوسائل الحربية المحرمة دولياً حتى السلاح الأمريكي (الممنوع استخدامه للاعتداء على المدنيين) استخدموه، ولم يحرك ذلك شعرة لدى الإدارة الأمريكية! وبدلاً من أن تحذر أمريكا ربيبتها (إسرائيل) وتُوقفها عند حدها وتستخدم الوسائل التأديبية التي استخدمت مع بعض الطواغيت أمثال (صدام، وميلوسوفيتش) نجد الإدارة الأمريكية تتحاشى حتى الإدانة الكلامية، ونجد (نائب الرئيس الأمريكي تشيني) يقول: «إن لـ (إسرائيل) الأسباب التي تسوِّغ ما تقوم به من عمليات ضد (الإرهابيين) ! !» وهي في مؤتمر الأمم المتحدة لمكافحة العنصرية ترفض وصف الصهيونية بالعنصرية مع أنه سبق للأمم المتحدة أن أصدرت قراراً بذلك وألغي بضغوط أمريكية عام ١٩٩٣م. ونتساءل وبكل صراحة: أين الحرية، وأين حقوق الإنسان، وأين حقوق الشعوب في تقرير مصيرها التي طالما جعجع بها الغرب وعلى رأسه أمريكا حيث اتخذت حيال تجاوزها المواقف الصلبة كالحصار والقصف الجوي؟ أم أن ذلك لشعوب دون شعوب، ولدول دون دول؟ وهذا هو الحاصل أمام المذابح الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني. والأعجب أن تصطنع الولايات المتحدة الأمريكية ما تسميه بالدول المارقة! وتعني بها بعض الدول الخارجة عن نطاق سيطرتها والتي ترفض الآستكانة لضغوطها الجائرة، وللدول الإسلامية النصيب الأكبر كما هو معروف للجميع، نعم! قد يكون لبعض الدول تصرفات ومواقف لا تُرضى؛ لكن ما بال الشعوب تهان وتحاصر وتحطم مقدراتها؛ بينما دولة الكيان الصهيوني تعربد وتضرب بما يسمى عندهم بالشرائع والقوانين عرض الحائط وتستهتر بكل الأنظمة المرعية ولا تمس منها شعرة وهي لا تقلّ انحرافاً ولا همجية عما تسميه أمريكا: (الدول المارقة) ؟ هذه الانحرافات اليهودية البشعة التي لا يصدقها عاقل حتى ضج منها بعض الغربيين أنفسهم. ولا يغيب عن الذهن البرنامج الوثائقي الذي بثه التلفزيون البريطاني عن جرائم رئيس الوزراء الصهيوني (شارون) والمذابح التي تبين ضلوعه فيها مما يفوق بدرجات كبيرة ما يسمونه بالهلوكست. وأذاعت القناة الرابعة للتلفزيون البريطاني مؤخراً برنامجاً آخر بعنوان: (الحكام السريون في العالم) الذي أذاعه المذيع البريطاني المعروف (ديفيد إيك) وقال عن هؤلاء الحكام: (إنهم الذين يمسكون بلجام القوة في العالم ويعيثون فساداً فيه) ، ومع إيماننا بأن مثل هذه الأمور مبالغ فيها وتشكل دعاية غير مباشرة لليهود، ومع أن المذيع المذكور لم يشر لليهود في برنامجه ومع ذلك فإنه تعرض لحملة صهيونية مضادة بدعوى الإساءة لهم، غير أن هذا البرنامج قد أحدث ردود فعل إيجابية ضد الغطرسة اليهودية كما جاء في المقال المنشور في صحيفة الحياة الصادرة في ٢/٤/١٤٢٢هـ هذه سلوكيات الصهاينة التي لا يقبلها شرع ولا عقل، ومع ذلك نجد الغرب بعامة وأمريكا بخاصة يتجاهلون هذه الحرب العنصرية والهمجية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وللمرة الثانية تعلن أمريكا الفيتو ضد إيجاد قوة دولية لحماية الفلسطينيين وكأنها تصر على تصفية للفلسطينيين بتلك الحرب الوحشية القائمة بدون مراعاة حتى لآداب اللياقة الدولية مع الدول التي تربطها بهم مصالح وعلاقات؛ ولكن كما قيل: من أمن العقاب أساء الأدب. ونحن لا نطمع في انحياز الغرب بعامة وأمريكا بخاصة ليكونوا معنا ضد (اليهود) ؛ وإنما نرغب ونطالب بالعدالة والعدالة وحدها، وإن كان ذلك فيما نحسب مستبعداً لأسباب عقائدية وتاريخية ونفسية من أهمها: ١ - ما ذكره الله جل وعلا في كتابه: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) . ٢ - ما ترسب في النفسيات الغربية من آثار الحروب الصليبية التي سُجِّلت برؤى معادية للإسلام والمسلمين مما لا يستغرب معها عداؤهم للأمة الإسلامية؛ مع أن الحقيقة خلاف ذلك؛ فالصليبيون هم المعتدون؛ وقد تم طردهم من ديار الإسلام بقوة الإسلام والمسلمين. ٣ - العقلية النصرانية الصهيونية التي أوجدت اتجاهاً كبيراً له وزنه حتى عند كبار صناع القرار في الغرب؛ فهم يوقنون بأن وجود دولة العدو في فلسطين وقيام هيكلهم المزعوم يؤذن بعودة المسيح ﵇، وهذا الاتجاه مصادم للعقل والنقل، والصحيح أن المسيح عند نزوله سيكون مصدقاً لرسالة الإسلام، وسيكسر الصليب ويقتل الخنزير، كما روته كتب الصحاح والسنن النبوية ضمن أشراط الساعة. ٤ - التمسك بأي عذر حتى ولو كان كاذباً ومن ذلك ما يزعم أن محاربة العدو الصهيوني معاداة للسامية، تلك الدعوى التي تولى كبرها الصهاينة لمصلحتهم؛ وإلا فإن شعوب المنطقة هم أقرب للسامية إن كان لها وجود من الصهاينة الوافدين من شتى الآفاق والذين هم أبعد ما يكونون عن السامية حسب التصنيف المشهور لكونهم من شذاذ الآفاق. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: لماذا يكون أعداؤنا أكثر إيماناً بعقائدهم الباطلة منا نحن المسلمين بعقائدنا الصحيحة؟ ولماذا يكونون أكثر التزاماً بمنطلقاتهم الدينية في الموالاة والمعاداة لبني دينهم؟ فهذا حال أمريكا مع عدونا اليهودي، وتلك الحال نفسها بين روسيا والصرب السلافيين في حربهم للمسلمين في البوسنة والهرسك والبلقان؛ فهم يؤيدون ويدعمون بني دينهم غير آبهين لما يسمى بالقوانين الدولية ولا مبالين بمعاناة المسلمين من جراء ما يوجه إليهم من عدوان وحشي معروف. إن عداء أعدائنا لأمتنا وديننا لم يعد خافياً إلا على من ختم الله على قلوبهم وأبصارهم؛ ومن ثم فإن التساهل مع الأعداء في انحيازهم ضد إخواننا المسلمين في العقيدة والمصير غير مقبول؛ ولا بد للمسلمين بعامة أن يقفوا مواقف صلبة من المنحازين ضدهم ومفاتحتهم بأن عدوانهم ولا مبالاتهم بما يُكاد لنا ولإخواننا هو تواطؤ ضدنا غير مقبول؛ ولا بد له من مواجهة مؤثرة بالمقاطعة التي يجب أن تَفُعَّل من جميع الشعوب الإسلامية ضد كل عدو لنا حتى ولو كان من أمريكا أو روسيا. نعم! قد تدعي بعض الدول بأن لها من الصلات والعلاقات مع الدول المعادية لنا ما يصعب معه المقاطعة لها، ومع عدم قناعتنا بهذا العذر إلا أنه يجب تشجيع الشعوب على مقاطعة كل من يعادينا باعتبار أن ذلك من حق الشعوب حيال كل من يعاديها ويستهتر بمقدساتها أو يكون نصيراً لأعدائها؛ فمن حق الشعوب أن تثأر لكرامتها، وأن تقف مواقف صلبة مع كل من يعاديها أو يقف في سبيل نهضتها وقوتها. إن هذه المواقف التي تقوم بها الدول الغربية ضد أمتنا وشعوبنا بالانحياز لأعدائنا ليست محل المقت من شعوبنا المسلمة فقط بل هي محل مقت واستنكار كثير من المنصفين في الغرب حتى في أمريكا نفسها؛ فهذا الدبلوماسي الأمريكي (وليام ستولزفوس) وقد كان سفيراً لأمريكا سابقاً في الإمارات واليمن والكويت يقول منتقداً السياسة الأمريكية لبلاده انتقاداً مريراً: «إن المصالح الأمريكية تختلف اختلافاً بيِّناً بين المبادئ العامة التي تنادي بها واشنطن مثل مناصرة الديمقراطية والدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان.... وعندما تصطدم المصالح الأمريكية بالمبادئ لن تتردد واشنطن في التضحية بالمبادئ من أجل المصالح؛ وخاصة إذا كان ذلك يهدد المصالح الأمريكية والإسرائيلية» [١] . ويقول الكاتب الأمريكي (تشارلز ريس) : «إن مفتاح السلام في الشرق الأوسط هو واشنطن وليس (القدس) ؛ ذلك أن حكوماتنا هي التي تتحكم وتوجه الحكومة الإسرائيلية، ومن العبث أن يستمر الناس في نداءاتهم بتجديد عملية السلام لكونها ماتت وانتهت» (الوطن العدد: ٣٢١) . ولا يغيب عن الذهن نداءات وتحذيرات السياسي الأمريكي عضو مجلس الشيوخ السابق (بول فندلي) في كتابه: (من يجرؤ على الكلام؟) الذي فضح فيه اللوبي الصهيوني وأدواره المشبوهة في الحياة الأمريكية وائتمار الإدارة الأمريكية بأوامره. فلماذا يضيق أولئك المنصفون بانحياز بلادهم لـ (إسرائيل) ونحن متساهلون وغير مبالين! ! يجب أن تُفهِم الشعوب المسلمة أمريكا ومن لف لفها أن انحيازها لعدونا سيكون له ثمنه الكبير، وحينها لن تكون شعوبنا العربية ألعوبة في أيدي العدو وحلفائه كائناً من كانوا. فاحتياجاتهم لعالمنا العربي والإسلامي أكبر من احتياجنا لهم؛ وعندها سيفكرون وبعمق بمدى خطورة الصهاينة على مصالحهم؛ فالمسألة حرب مصالح؛ وتفريطنا في ذلك تساهل وتصاغر لا يليق بأمة الإسلام التي كتب الله لها العزة. ويجب ألا يفتَّ في عضدنا بعض ما يكتبه بعض المنهزمين ممن يزعم صعوبة وعدم إمكانية المقاطعة لأعدائنا ونقول لهم: [وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] (المنافقون: ٨) . نعم! لقد جعل الله العزة صنو الإيمان في القلب المؤمن، العزة المستمدة من عزته تعالى التي لا تهون ولا تهن ولا تنحني ولا تلين ولا تزايل القلب المؤمن في أحرج اللحظات إلا أن يتضعضع فيه الإيمان؛ فإن استقر الإيمان ورسخ فالعزة معه مستقرة راسخة [٢] . فضلاً عن الآثار الكبيرة والخطيرة للمقاطعة قبل دعاوى السلام؛ ولذلك كثيراً ما يطالبون بإيقافها لدورها المؤثر والخطير على مصالحهم؛ ومن ثم فإن من يدعون للتطبيع مع العدو على شتى اتجاهاتهم في ظل الغطرسة والهمجية الصهيونية لا شك أنهم خائنون لله وللمؤمنين، ويجب أن يُفضَحوا على رؤوس الأشهاد؛ لأن موالاة الكفار ناقض من نواقض الإسلام، وصدق الله العظيم: [لاَ يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ] (آل عمران: ٢٨) .

стр. 4050

دراسات في الشريعة والعقيدة وسطية الإسلام والأمة المسلمة د. عثمان جمعة ضميرية [*] تمهيد: برزت في حياتنا المعاصرة بعض ظواهر الانحراف في العقيدة والفكر والسلوك، وانطلقت الأصوات تدعو للوقوف في وجه تلك الانحرافات ومعالجتها، وتوسّلت إلى ذلك من جملة ما توسّلت به بالدعوة إلى الوسطيّةِ وعدمِ التطرف، وفي أثناء ذلك جمح الحماس ببعضهم فوصموا كلّ ملتزم بدينه وبخاصة في الأمور المظهرية بالتطرف والتنطّع ومجانبة الوسطية؛ فالذي يحافظ على السنن والآداب في عباداته ومعاملاته: متشدّد، والذي يبتعد عن الخنا والفجور: متزمّت متحجّر، والذي يجتهد في الطاعة والعبادة: غالٍ في الدين، والذي يدعو إلى تصحيح المفاهيم ووضع الأمور في نصابها: متنطّع متحذلق، والذي يرتفع إلى مستوىً عالٍ وأفقٍ وضيء: خياليّ مثاليّ. أما التفريط في الدين؛ بحيث لا يتعرف المرء على دينه ولا يفهمه كما هو في مصادره الأساسية الموحى بها، أو لا يحمل نفسَه على الالتزام بآدابه وسلوكه، ولا يأخذ نفسه بالطاعة والعبادة، ولا يبالي بما يرتكب من آثام وموبقات؛ حيث يطلق العنان لشهواته وأهوائه؛ فهذا وأمثاله ليس تطرفاً في الجهة المقابلة، بل هو عندهم سَعةٌ في الأفق، وواقعيةٌ في السلوك، وإدراكٌ لحقّ النفس ومطالبها، وانفتاحٌ على الحياة والمدنية المعاصرة. وبين هذا الفهم وذاك ضاعت معاني الوسطية الصحيحة والتبست بمفاهيم أخرى، وغدت حلاً وسطاً، أو انحلالاً وانخلاعاً من أحكام الدِّين؛ فكان من الخير أن نعود بالأمر إلى نصابه لنتعرَّف على الوسطية بمفهومها الصحيح من خلال المصادر الأصلية في ذلك، وبخاصة إذا أدركنا أنَّ هذه الوسطية هي السِّمَة العامة لهذا الدِّين الذي أكرمَنا اللهُ تعالى به، ولهذه الأمة التي جعلها الله تعالى خيرَ أمةٍ أخرجت للناس، وجعلَها الأمة الرائدة الشّاهدة على الناس، بما منحها الله تعالى من مؤهلات القيادة والرّيادة والشهادة، ويزكّي هذا الموضوع ويزيده أهمية: أن تحديد المصطلح في البحث العلميِّ يرفع الخلاف الواقع بين المختلفين، ويوفر الجهد والوقت، وينأى بالباحث عن اللبس والخلط في المفاهيم؛ ولذلك نعقد لهذا الموضوع فقرات عن معنى الوسطية في اللغة العربية، ووجوه استعمالها في القرآن الكريم، وفَهْمِ العلماء لمعنى الإسلام ووسطيته بين الأديان، ووسطية الأمة المسلمة، ودور هذه الأمة ومسؤوليتها. والله الموفق (١) الوسط والوسطية في اللغة العربية: الواو والسين والطاء: بناءٌ في اللغة صحيحٌ يدلُّ على العدل والنَّصَف، وأعْدلُ الشيء: أوسَطُه ووسَطُه. وشيءٌ وسَط: بين الجيّد والرديء. ووَسَطُ الشيء: ما بين طرفيه. قال الشاعر: إذا رحلتُ فاجعلوني وسَطاً ... إنّي كبيرٌ، لا أطيق العُنَّدا أي اجعلوني وسطاً لكم ترفُقُون بي وتحفظونني؛ فإني أخاف إذا كنت وحدي أن تفرُط دابتي أو ناقتي فتصرعني. والوسَط والأوسط: المعتدلُ من كل شيء، والعدلُ والخير. والوسط: ما يكتنفه أطرافه ولو من غير تساوٍ، يوصف به المفرد وغيره. وهو من وسط قومه ومن أوسطهم: من خيارهم. وفلانٌ وسيط في قومه: إذا كان أوسطهم نسباً وأرفعَهم محلاً. قال العَرْجِيُّ: كأنِّي لم أكنْ فيهم وسيطاً ... ولم تَكُ نِسْبَتي في آلِ عَمْرِو قال أبو محمد بن بَرّي من علماء اللغة: إن «الوسَط» بالتحريك اسم لما بين طرفي الشيء، وهو منه، كقولك: قبضت وسَط الحبْل وكسرت وسَط الرمح. وجاء الوسَط محركاً أوسطُه على وزان يقتضيه في المعنى وهو الطَّرَف؛ لأن نقيض الشيء يتنزّل منزلَة نظيرِهِ في كثيرٍ من الأوزان نحو جَوْعان وشَبْعان، وطَويل وقَصير. والوسط قد يأتي صفةً، وإن كان أصله أن يكون اسماً، من جهة أن أوسط الشيء: أفضله وخياره، ومنه «خيار الأمور أوساطها» ، فلما كان وسَطُ الشيء أفضلَه وَأَعدله جاز أن يقع صفة، وذلك في مثل قوله تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] (البقرة: ١٤٣) أي عدلاً وقال بعضهم: خياراً، اللفظان مختلفان والمعنى واحد؛ لأنَّ العدل خير، والخير عدل. فهذا تفسير الوسط وحقيقة معناه، وأنه اسم لما بين طرفي الشيء، وهو منه. وأما «الوَسْط» بسكون السين فهو ظرفٌ لا اسم، جاء على وزان نظيره في المعنى وهو «بَيْن» ، تقول: جلست وسْط القوم. أي بينهم، قال سَوَّار بن المُضَرَّب: إنّي كأنّي أرى مَنْ لا حَياءَ له ... ولا أمانةَ، وسْطَ الناسِ، عُرْيانا ولما كانت «بين» ظرفاً كانت «وسْط» ظرفاً، ولهذا جاءت ساكنة الأوسط لتكون على وزنها، ولما كانت «بين» لا تكون بعضاً لما يضاف إليها بخلاف «الوسَط» الذي هو بعض ما يضاف إليه، كذلك «وسْط» لا تكون بعض ما تضاف إليه. ألا ترى أن وَسَط الدار منها، ووسْطَ القومِ غيرُهم؟ هذا، وقد يقع أحد اللّفظين مكان الآخر على جهة الاتساع والخروج عن الأصل، وقيل: كلٌّ منهما يقع موقع الآخر، وهو الأشبه والأقوى. والأصل في الوسط أن يُستعمل وصفاً للأمور الحسيّة المادية، كما في الأمثلة السابقة: وسط الدار، وسط الحبل، وسط الرمح، ثم يُستعار ذلك لوصفِ الأمور المعنوية نحو: أوسطهم نسباً وعلماً، والدين الوسط [١] . (٢) وجوه الوسطية في القرآن الكريم: وقد عُني علماء التفسير وغريب القرآن ببيان معنى الوسط ووجوه استعماله في القرآن الكريم، فقال الرَّاغبُ الأصفهانيُّ: «والوسط تارة يقال فيما له طرفان مذمومان كالجود الذي هو بين البخل والسَّرَف، فيستعمل استعمالَ القصد المصون عن الإفراط والتفريط، فيمدح به نحو السواء والعدل والنَّصَف، نحو قوله: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] (البقرة: ١٤٣) . وعلى ذلك قوله تعالى: [قَالَ أَوْسَطُهُمْ] (القلم: ٢٨) . وتارة يقال فيما له طرف محمود وطرف مذموم كالخير والشر، ويكنى به عن الرَّذِل، نحو قولهم: فلان وسط من الرجال، تنبيهاً أنه قد خرج من حدّ الخير» [٢] . وقال أبو عبد الله الدّامَغانيّ: «تفسير الوسط على وجهين: العدل، الوسط بعينه» . فوجه منهما: (وسطاً) : أي عدلاً، كما في قوله تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] (البقرة: ١٤٣) . يعني عدلاً، وقوله تعالى: [مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ] (المائدة: ٨٩) ، يعني أعدل. والوجه الثاني: الوسط بعينه، كقوله : [حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى] (البقرة: ٢٣٨) . يعني: صلاة العصر. وقيل: الصبح « [٣] . (٣) الإسلام بمعنييه العام والخاص: والإسلام بمعناه العام هو إسلام الوجه لله تعالى، بمعنى التذلُّلِ لطاعته والإذعان لأمره والخضوعِ الكامل له بالجوارح ظاهراً وباطناً، والخلوصُ من الشرك بكلِّ صوره وأشكاله. قال الله تعالى: [بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] (البقرة: ١١٢) . وقد أخبر الله تعالى في غير موضعٍ من كتابه الكريم: أن الإسلام هو دينُ جميعِ الأنبياء والمرسلين من أولهم إلى آخرهم، وهو دين مَن اتّبعهم من الأمم السابقة؛ وبذلك أعلن الوحدة الكبرى للدين من لدن آدمَ ونوح إلى موسى وعيسى ﵈ إلى أن خُتموا بمحمد ﷺ [٤] ، ثم خصَّ الله تعالى الدعوة التي أنزلها على محمد ﷺ باسم» الإسلام «وجعلها دعوة عامة للناس جميعاً ختم بها الرسالات السابقةَ كلَّها، وتكفّل بحفظ مصدرها وكتابها المنزّل، وجعله مصدِّقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، وخصّ أتباعها باسم » الأمة المسلمة «وباسم» المسلمين «: تشريفاً لها، واستجابة لدعوة إبراهيم ﵇، وإظهاراً لمعنى الاستسلام لله والانقياد لربِّ العالمين، فأصبحت كلمة الإسلام هكذا معرَّفة بالألف واللام مطلقاً لا تنصرف إلا إلى هذا الدين، وأصبحت كلمة» المسلمين «عَلَماً على هذه الأمة التي جعلها الله تعالى خير أمة أخرجت للناس، وجعلها الأمة القائدة الرائدة الشاهدة على الأمم جميعها؛ لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، وهي أمة العدل والوسط، تحمل ميزان العدالة من منتصفه ولا تلوي على الحافات والأطراف. وهذا» الدين «:» الإسلام «منهجٌ إلهيٌّ للبشر ينبغي أن يصرّف حياة الناس وينظمها؛ ولذلك يشمل عقيدةً تستقرُّ في قلب المسلم ويكونُ لها أثرها في حياته وتصرُّفاته، وعبادةً تحدّد صلة العبد بربه ﵎، وشريعةً أو منهجاً تستقيم به حياةُ الإنسان، وسلوكاً أو أخلاقاً تتم بها المكارم التي تعاقَبَ الأنبياء والرسل على الدعوة إليها، ويشمل أيضاً الأصولَ السليمةَ التي نتخذها للنظر والاستدلال في معرفة هذه العقيدة والعبادة والسلوك [٥] . (٤) وسطية الإسلام بين الأديان: ومن أهم خصائص هذا الإسلام الذي أكرمنا الله تعالى به أنه وسط في المِلَل والأديان، جعله الله تعالى وسطاً بين الإفراط والتفريط، أو بين الغلوِّ والتقصير؛ وتظهر هذه الوسطية في المجالات أو النواحي التي ألمحنا آنفاً إلى أن الدين يشملها كلّها: أ - ففي العقيدة: المسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين؛ فهم لم يغلوا فيهم غلوَّ البوذيين وغلوَّ النصارى الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم، ولا جَفَوْا عنهم كما جفَت اليهود فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذّبوا فريقاً وقتلوا فريقاً، وكذَبوا على ربهم، بل المؤمنون المسلمون: آمنوا برسل الله جميعاً، وعزّروهم ووقّروهم، وأحبُّوهم وأطاعوهم، ولم يعبدوهم ولم يتّخذوهم أرباباً، وآمنوا بجميع الكتب المنزلة على الرسل والأنبياء، فكان ذلك وسطية وتوازناً بين أمرين مذمومين. وكذلك الوسطية والتوازن بين عبودية الإنسان المطلقة لله، ومقام الإنسان الكريم في الكون؛ فقد نأى الإسلامُ بعقيدته الصافية عن كلِّ الإفراطات والتفريطات وعن كلِّ الهزات والأرجحات التي تعاورت المذاهب والمعتقدات والتصورات ما بين تأليه الإنسان في صُوَره الكثيرة، وتحقير الإنسان إلى حدّ الزراية والمهانة. ويبدأ الإسلام فيفصل فصلاً تاماً بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، وبين خصائص الألوهية وخصائص العبودية، بينما تقول الكنيسة بألوهية المسيح عليه السلام على اختلاف المذاهب الكنسية كما أن المذاهب والفلسفات الأوروبية وما قام عليها من مناهج التفكير، لما أعلنت رفعة الإنسان ومقامه جعلت ذلك على حساب إيمانها بألوهية الربّ سبحانه وما ينبغي له. وكذلك توسطت العقيدة الإسلامية في الاهتمام بالمجالات المادية والروحية، ونأت عن الإفراط والتفريط في كليهما؛ فوازنت بين الجانبين موازنة دقيقة، وضبطت العلاقةَ والنسبةَ بينهما، وبذلك يلتقي العمل للدنيا والعمل للآخرة، وكلٌّ منهما عبادة لله تعالى، وتحقيقٌ لغاية الوجود الإنساني، ضمن شروط معينة. بينما تأرجحت المذاهب الأخرى بين الاهتمام بالنواحي المادية الذي يظهر في المدنية الغربية الحديثة التي لا تقرّ الحاجة إلى خضوع مّا إلا لمقتضيات اقتصادية أو اجتماعية، وأصبح معبودها هو المال والقوة والرفاهية والرقي الماديّ - وبين الإزراء بهذا الرقيّ المادي والمتاع الدنيوي، كما هو الشأن في المذاهب التي تدعو إلى الرهبنة وتعذيب الجسد من أجل رقيّ الروح وتهذيبها للوصول إلى مرحلة الفناء. ب - وفي مجال العبادة والتحليل والتحريم: جاء الإسلام وسطاً بين الرهبانية التي قطعت كل صلة بالحياة وانقطعت للعبادة وبين الإغراق في المجال المادي والاهتمام بالنواحي الحسية والمادية والطغيان المالي والانصراف عن العبادة وترقية النفس، كما أنَّ أمر التحليل والتحريم جاء في الإسلام وسطاً بين اليهود الذين حُرّم عليهم كثير من أنواع الطعام واللباس، بسبب ظلمهم؛ فلا يأكلون ذوات الظفر مثل الإبل والبط.. والنصارى الذين استحلّوا الخبائث وجميع المحرمات وباشروا النجاسات، أما المؤمنون المسلمون فقد أحلَّ الله لهم الطيبات وحرَّم عليهم الخبائث. ج - وفي التشريع: جاء الإسلام وسطاً بين اليهود الذين حرَّموا على الله أن ينسخ ما يشاء ويمحو ما يشاء ويُثْبت، وبين النصارى الذين أجازوا لأكابر علمائهم وعُبَّادهم أن يشرعوا بالتحليل والتحريم من دون الله. د - وفي مجال السلوك والأخلاق: جاءت شريعة الإسلام وسطاً بين الإفراط والتفريط في الإلزام الأخلاقي، بين الجنوح إلى المثالية الخيالية والواقعية المتزمتة؛ فهي لا تترك الحياة كلها للمشاعر والضمائر، ولا الترف والميوعة والهوى الذي يعصف بها في تيارات الخلاعة والمجون، ولكنها ترفع الضمائر بالتهذيب والتوجيه، تعمرها بتقوى الله ومراقبته، وسلوك محاسن الأخلاق تأسياً بنبينا صلى الله عليه وسلم الذي مدحه الله تعالى بعظمة الخُلُق؛ وهكذا في سائر العلاقات الفردية والاجتماعية، والمصلحة الذاتية والجماعية. هـ - وأما في منهج النظر والاستدلال: فإن الإسلام وَازَنَ بين مصادرِ المعرفة، وهي الوحيُ والعقلُ والحسُّ، ولم يسمح بالصراع بين هذه المصادر، ولم يكن إعلاء شأن أحدها سبباً لإهمال الأخرى، فلكلٍّ مجاله ودوره وخصائصه، بخلاف ما وقع من صراع بينها في الكنيسة الأوروبية، وفي المذاهب المادية الوضعية، فإن الاعتراف بمصدر عندهم معناه إلغاء المصادر الأخرى، وكذلك جاء الإسلام وسطاً يوازن بين أمور الغيب وأمور عالم الشهادة، وفي سائر الأمور المتقابلة [٦] . الوسطية والاقتصاد في أعمال الخير: وهذه الوسطية، لم تكن بمنأى عن اهتمام علمائنا ﵏؛ فقد أوْلَوْهَا جُلّ عنايتهم في مباحث كثيرة، وحسبنا هنا مقتطفات من كلام سلطان العلماء العز بن عبد السلام ﵀ حيث عقد لها فصلاً في كتابه:» القواعد الكبرى «بعنوان: » فصل في الاقتصاد في المصالح والخيور «، قال فيه:» الاقتصاد رتبة بين رتبتين، ومنزلة بين منزلتين، والمنازل ثلاثة: التقصير في جلب المصالح، والإسراف في جلبها، والاقتصاد بينهما، قال تعالى: [وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً] (الإسراء: ٢٩) . وقال حذيفة بن اليمان ﵁: «الحسنة بين السيئتين» ، ومعناه: أن التقصير سيئة، والإسراف سيئة، والحسنة: ما توسط بين الإسراف والتقصير، وخير الأمور أوساطها، فلا يكلف الإنسان نفسه من الطاعات إلا ما يطيق المداومة عليه، ولا يؤدي إلى الملالة والسآمة، ومن تكلف من العبادة ما لا يطيقه فقد تسبب إلى تبغيض عبادة الله إليه، ومن قصَّر عما يطيقه فقد ضيع حظّه مما ندبه الله إليه وحثَّه عليه، وقد نهى رسول الله ﷺ عن التنطع في الدين وقال: «هلك المتنطعون» [٧] . ثم قال: «وللاقتصاد أمثلة: منها: الاقتصاد في استعمال مياه الطهارات، فلا يستعمل من الماء إلا قدر الإسباغ ولا ينقص منه. ومنها الاقتصاد في المواعظ، فإذا كثرت المواعظ لم تؤثر في القلوب فتسقط بإكثارها فائدة الوعظ، ومنها الاقتصاد في قيام الليل، والاقتصاد في العقوبات والحدود والتعزيرات، فيعاقب كل واحد من الجناة على حسب قوته وضعفه، وكذلك الاقتصاد في الضرب، ومنها الاقتصاد في الدعاء؛ لأن الغالب على أدعية رسول الله ﷺ الاختصار فكان يدعو دعوات مختصرات جامعات، ومنها الجهر بالكلام: لا يخافت بحيث لا يسمعه حاضروه ولا يرفعه فوق حدّ أسماعهم؛ لأنه فضول لا حاجة إليه، ومنها الأكل والشرب: لا يتجاوز فيهما حدّ الشبع والرّي، ولا يقتصر فيهما على ما يضعفه ويضنيه، ومنها زيارة الإخوان: لا يكثر منها بحيث يملُّونه ويستثقلونه، ولا يقلل منها بحيث يشتاقونه ويعتبونه، ومنها دراسة العلوم: لا يكثر منها بحيث يؤدي إلى السآمة والكراهة، ولا يقللها بحيث يُعدُّ مقصِّراً فيها، وكذلك المزاح والضحك واللعب، وكذلك المدح المباح. وعلى الجملة: فالأوْلى بالمرء أن لا يأتي من أقواله وأعماله إلا بما فيه جَلْب مصلحة أو درء مفسدة، مع الاقتصاد المتوسط بين الغلو والتقصير» [٨] . ثم كان للإمام أبي إسحاق الشاطبي ﵀ نظرٌ دقيق نافذ أبانَ فيه أنَّ الشريعةَ جاريةٌ في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعْدل الآخذ من الطرفين بقسط لا مَيْلَ فيه، الداخلِ تحت كسب العبد من غير مشقة عليه ولا انحلال، بل هو تكليفٌ جارٍ على موازنةٍ تقتضي في جميع المكلَّفين غاية الاعتدال كتكاليف الصلاة، والصيام، والحج، والجهاد، والزكاة، وغير ذلك مما شُرع ابتداء على غير سبب ظاهر اقتضى ذلك، أو شرع لسبب يرجع إلى عدم العلم بطريق العمل؛ كقوله تعالى: [يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ] (البقرة: ٢١٥) ، وأشباه ذلك. فإن كان التشريع لأجل انحراف المكلّف، أو وجود مظنّة انحرافٍ عن الوسط إلى أحد الطرفين، كان التشريع رداً إلى الوسط الأعدل؛ لكن على وجه يميل فيه إلى الجانب الآخر ليحصل الاعتدال فيه، فِعْلَ الطبيب الرفيق يحمل المريضَ على ما فيه صلاحه بحسب حاله وعادته، وقوة مرضه وضعفه، حتى إذا استقلت صحته هيّأ طريقاً في التدبير وسطاً لائقاً به في جميع أحواله. فإذا نظرت في كلية شرعية فتأمّلْها تجدْها حاملة على التوسط، فإن رأيت ميلاً إلى جهة طرف من الأطراف، فذلك في مقابلة واقعٍ أو متوقَّع في الطرف الآخر. فطرف التشديد وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين. وطرف التخفيف وعامة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد، فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحاً، ومسلك الاعتدال واضحاً. وهو الأصل الذي يرجع إليه، والمعقل الذي يلجأ إليه. وعلى هذا: إذا رأيت في النقل من المعتَبَرِين في الدِّين مَنْ مال عن التوسط فاعلم أنَّ ذلك مراعاةٌ منه لطرف واقع أو متوقع في الجهة الأخرى؛ وعليه يجري النظر في الورع والزهد، وأشباهها، وما قابلها [٩] . الوسطية تعرف بالشرع: ومعرفة الوسطية والتوسط لا تخضع للأهواء أو التقديرات الذاتية وإنما تُعْرَف بالشرع، وقد تعرف بالعوائد وما يشهد به معظم العقلاء، وإذا كنا قد ألمحنا إلى معاني الوسطية ووجوه استعمالها، فإن ذلك يشير إلى أنَّ الوسطية هي: كون الإنسان في دائرة المشروع، وهي الخير والعدل، فإذا وقف المرء دون هذه الدائرة ولم يعمل فيها كان مقصِّراً مفرّطاً، وإذا تجاوزها كان مُفْرِطاً مغالياً متطرفاً إلى الجهة الأخرى المذمومة، فليس معنى الوسطية إذن أن يكون الإنسان دائماً في نقطة الوسط المادي بين جهتين أو صفتين، فقد يتعدى هذه النقطة ليصل إلى ما هو أعلى منها دون أن يُخْرِجَه ذلك عن دائرة الوسطية، وليس هناك ما يمنع شرعاً من تجاوز العدل إلى الفضل، بل هنا ما يحمل أصحاب النفوس العالية والهمم القوية على الارتقاء دائماً والسموِّ والتطلُّع نحو الآفاق العالية الكبيرة التي لا يستطيعها المهازيل أو ضعاف النفوس، ويحملُهم أيضاً على الاستكثار من الأعمال الصالحة والتمسك بأحكام الكتاب والسنة. وقد جعل الله تعالى هذه الأمة، التي ورثت الكتَاب والوحيَ، ثلاثة أصناف: الأول: ظالمٌ لنفسه، وهو الذي يطيع الله تعالى، ولكنه يقصّر في العمل بالكتاب وفي فعل بعض الواجبات، ويسرف على نفسه بارتكاب بعض المحرمات وإن كان قائماً بما أوجب الله عليه، وتربو سيئاتُه في العمل على حسناته، ووَجْه كونه ظالماً لنفسه في هذه الحال: أنه فوَّت عليها الثواب، ونقَصَها منه بما فعل من الصغائر؛ فإنه لو عمل مكان تلك الصغائر طاعاتٍ، لكان لنفسه فيها من الثواب حظ عظيم. ويصْدُق هذا الظلمُ للنفس على من يظلم غيره أيضاً؛ وذلك لأنه يعرّض نفسه للعقاب الذي يترتب على ظلم الآخرين. الثاني: مقتصدٌ في فعل الخيرات، وهو الذي يطيع الله تعالى ولا يعصيه، فيؤدي الواجبات ويترك المحرمات، ولكنه لا يتقرَّب إلى الله تعالى بالنوافل من الطاعات، ويترك بعض المستحبَّات، ويفعل بعض المكروهات؛ فهو يتردد بين العمل ومخالفته، فيعمل تارة ويخالف أخرى، دون أن يصيب كبيرة من الكبائر، وهو بهذا وسطٌ بين السابق والمقصِّر، تتعادل سيئاته وحسناته. الثالث: سابقٌ بالخيرات بإذن الله، وهو الذي كثر عمله بكتاب الله، وزادت حسناته على سيئاته، ويقوم بالواجبات ويتقرب إلى الله بالنوافل والمستحبات، ويجتنب المحرمات والمكروهات وبعض المباحات، فيتقدم إلى ثواب الله وجنته بالأعمال الصالحة، ويسبق بها الصنفين السابقين، في الدرجات بسبب الخيرات وإحراز الفضل بسببها. وهذه الرتبة التي يصل إليها هذا القسم من الأمة المسلمة عزيزةُ المنال صعبة المأخذ، لا ينالها إلا من كان ذا همّة عالية تتوق إلى ما عند الله تعالى من الجنة والرضوان، ومن كان له رسالة سامية في هذه الحياة فهو يسعى للقيام بها [١٠] . وهذه الأصناف الثلاثة هي التي جاءت في الآية الكريمة من سورة فاطر، في سياق الحديث عن الكتاب المنزل، وما فيه من الحق، وتوريث الكتاب لهذه الأمة المسلمة، ودرجات الوارثين، قال الله تعالى: [ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ] (فاطر: ٣٢) . (٧) نقد نظرية الوسط في فلسفة الأخلاق: واعتبار الخُلُق أو الفضيلة وسطاً بين طرفي الإفراط والتفريط، ليس قاعدة إسلامية مسلَّمة، وإنما هي نوع من التحليل اليوناني لفلسفة الأخلاق اقتبسه بعض الأخلاقيين الإسلاميين؛ لأنه أقرب إلى ما يوضح فكرة الآداب العامة عند المسلمين، وليس في الإسلام ما يجعل التجاوز والسموَّ في الخلق مذموماً؛ فالمؤمنون درجات، كلٌّ يعمل على أن يرتقي في معارج السالكين إلى أن يصل إلى أعلى درجات اليقين والمحبة، وهم يقولون: إن الولاية لله لا تُحَدُّ مراتبها، وكلٌّ يعمل للوصول إلى أسمى منازلها دون أن ينال ذلك، والكمال لا نهاية له، وهل يعقل أن يقال لمن أنفق جميع ماله في سبيل الله: إنه مبذّر، أو إنه ارتكب مذموماً؟ أرأيت أبا بكر الصديق ﵁ وقد جاء بكل ماله ووضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة في سبيل الله، فدعا له النبي ﷺ وقال: بارك الله لك في أهلك ومالك؟ فهل كان بذلك مسرفاً متجاوزاً للحدّ في الإنفاق؟ وإنما يقال ذلك في مجال الإنفاق الشخصي، أما في مجال الخير والتسابق فإنه لا إسراف فيه ولا تبذير؛ بينما لو أنفق درهماً واحداً في وجه غير مشروع لكان ذلك تبذيراً مذموماً منهياً عنه. وكذلك خُلُق الشجاعة، أليست هي بذل النفس في سبيل الخير، أو الإقدام والجرأة؟ فهل يقال إن الشجاعة جزء من الجبن أو التهور حتى تكون وسطاً أو طرفاً؟ وقد علمنا أن الوسط هو بعض ما يضاف إليه؛ فإن وسط الدار جزء منها كما تقدم فلو كانت الشجاعة وسطاً بين الجبن والتهور لكانت جزءاً من الجبن والتهور [١١] . وفي هذا المعنى يقول الأستاذ عباس محمود العقاد ﵀: «ومذهب الفلسفة اليونانية ينتهي بنا إلى مقياس للأخلاق شبيه بمقاييس الهندسة والحساب؛ بعيداً عن تقدير العوامل النفسية والقيم الروحية؛ في الأخلاق العليا على التخصيص، وقد تصدق هذه الفلسفة إذا كان المطلوب من الإنسان أن يختار بين رذيلتين محققتين، فإنه في هذه الحالة يحسن الاختيار بين طرفين متقابلين كلاهما مذموم ومتروك، إلا أننا لا نقول مع ذلك: إن الكرم نقص في رذيلة البخل أو نقص في رذيلة السَّرف، ولا نقول مع ذلك: إن الكرم إذا زاد أصبح سَرَفاً، وإن السَّرف إذا نقص أصبح كرماً، بل تكون الزيادة في الكرم كرماً كبيراً، والنقص في السرف سرفاً قليلاً، ولا يكون الكرم أبداً درجة من درجات السرف، ولا البخل درجة من درجات الكرم، بل هي أخلاق متباينة في القيمة، يتقارب الطرفان فيها أحدهما من الآخر؛ ولا يتقارب الطرف من الوسط كما يظهر من قياس الهندسة أو قياس الحساب. ولقد رأينا في مباحث العلل النفسية التي كشفها العلم الحديث أن الشذوذ يقرِّب بين المسرفين والبخلاء في أعراض متشابهة. إلى أن يقول: ولن يشذ الإنسان عن الاعتدال في الطبع إذا هو آثر أن يذهب في كل فضيلة إلى نهايتها القصوى؛ فماذا يعاب في جمال الوجوه مثلاً، إذا انتهى إلى مثل تلك الغاية في معهود البصائر؟ إن كلمة من كلمات اللغة العربية العامرة بمدلولاتها النفسية والفكرية لَتَهْدِينا إلى قسطاس الحمد في كلِّ حسنةٍ مأثورةٍ بكلمة (ناهيك) ؛ حين نقول: ناهيك من رجل، أو ناهيك من عمل، أو ناهيك من خلق! هو قسطاس الثناء فيما تنشده النفوس الإنسانية من كل فضل منشود» [١٢] . (٨) معنى الوسط في آية سورة البقرة: وتلك المعاني التي أسلفت إنما هي قبس من الآية الكريمة التي وصفت هذه الأمة «الوسط» بهذا الوصف؛ حيث قال الله تعالى في سياق آيات تحويل القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام، وبها تحولت قيادة البشرية إلى هذه الأمة: [سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُل لِّلَّهِ المَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ] (البقرة: ١٤٢- ١٤٣) . يعني بقوله: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] (البقرة: ١٤٣) أي: كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد ﷺ وبما جاءكم به من عند الله، فخصصناكم بالتوفيق لقبلة إبراهيم وملته وفضلناكم على من سواكم من أهل الملل، كذلك خصصناكم وفضّلناكم على غيركم من أهل الأديان، بأن جعلناكم أمة وسطاً. وقد اختلفت عبارات العلماء في معنى «الوسط» في الآية الكريمة فذكروا أقوالاً أربعة: الأول: الوسط هو العدل، ويدل على هذا قوله تعالى: [قَالَ أَوْسَطُهُمْ] (القلم: ٢٨) أي أعدلهم. وصح عن النبي ﷺ في قوله: [أُمَّةً وَسَطاً] (البقرة: ١٤٣) قال: عدولاً. وهو منقول عن أئمة اللغة، وقال زهير ابن أبى سُلْمى: هم وَسَطٌ تَرْضى الأنامُ بِحُكْمِهمْ ... إذا نزلتْ إحدى الليّالي بِمُعْظَم ويؤيد هذا من حيث المعنى: أن الوسط حقيقة هو البعد عن الطرفين، ولا شك أن طرفي الإفراط والتفريط رديئان؛ فالمتوسط في الأخلاق يكون بعيداً عن الطرفين، فكان معتدلاً فاضلاً. ثانياً: إنما سمي العدل وسطاً؛ لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين، وثالثاً: لا شك أن المراد بالآية المدحُ للأمة؛ فلما مدحهم بهذا الوصف دلَّ على أنه يتعلق بالمدح في الدين، ولا يمدح الله تعالى الشهودَ حال حكمه عليهم بكونهم شهوداً إلا بكونهم عدولاً، ورابعاً: أن أعدل الأمور الوسط البعيد عن الأطراف التي يتسارع إليها الخلل والفساد، والوسط محميَّة أطرافه. القول الثاني: الوسط من كل شيء: خياره، وهذا أوْلى من القول السابق كما قال بعضهم لأنه مطابق لقوله تعالى: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] (آل عمران: ١١٠) . القول الثالث: الوسط: الأكثر فضلاً، فإذا قيل: فلان أوسطنا نسباً، فالمعنى أنه أكثر فضلاً، وهذا وسط فيهم كواسطة القلادة. القول الرابع: يجوز أن يكون وسطاً على معنى أنهم متوسطون في الدين بين المُفْرط والمفرّط والغالي والمقصر في الأشياء؛ فهم وسط بين اليهود والنصارى كما تقدم. وبالنظر في هذه الأقوال نجدها متقاربة غير متباينة؛ فهي تؤدي معنى واحداً، أو تتلاقى في المعنى والنتيجة وإن اختلفت في العبارة، وهذا ما يسميه العلماء اختلاف التنوع [١٣] . والله أعلم. (٩) الأمة الوسط في «ظلال القرآن» : وفي ظلال هذه الآية الكريمة يقول صاحب الظلال يرحمه الله: «إنها الأمة الوسط بكل معاني الوسط سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل، أو من الوسط بمعنى الاعتدال والقصد، أو من الوسط بمعناه المادي الحسي. [أُمَّةً وَسَطاً] (البقرة: ١٤٣) في التصور والاعتقاد، لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي، إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد، أو جسد تتلبس به روح، وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات حقَّه المتكامل من كل زاد، وتعمل لترقية الحياة ورفعها في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها، وتطلق كل نشاط في عالم الأشواق وعالم النوازع، بلا تفريط ولا إفراط، في قصد وتناسق واعتدال. [أُمَّةً وَسَطاً] (البقرة: ١٤٣) في التفكير والشعور، لا تجمد على ما عملت، ولا تغلق منافذ التجربة والمعرفة، ولا تتبع كذلك كل ناعق، أو تقلد تقليد القردة المضحك، إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول، ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب، وشعارها الدائم: الحقيقة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها، في تثبت ويقين. [أُمَّةً وَسَطاً] (البقرة: ١٤٣) في التنظيم والتنسيق، لا تدع الحياة كلها للمشاعر والضمائر، ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب، إنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب، وتكفل نظام المجتمع بالتشريع والتأديب، وتزاوج بين هذه وتلك، فلا تكل الناس إلى سوط السلطان، ولا تكلهم كذلك إلى وحي الوجدان، ولكن مزاج من هذا وذاك. [أُمَّةً وَسَطاً] (البقرة: ١٤٣) في الارتباطات والعلاقات لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته، ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة؛ ولا تطلقه كذلك فرداً أَثِراً جشعاً لا همَّ له إلا ذاته، إنما تطلق من الدوافع ثم تضع من الكوابح ما يقف دون الغلو، ومن المنشطات ما يثير رغبة الفرد في خدمة الجماعة؛ وتقرر من التكاليف والواجبات ما يجعل الفرد خادماً للجماعة، والجماعة كافلة للفرد في تناسق واتساق. [أُمَّةً وَسَطاً] (البقرة: ١٤٣) في المكان في سُرَّة الأرض، وفي أوسط بقاعها، وما تزال هذه الأمة التي غَمَرَ أرضَها الإسلامُ إلى هذه اللحظة هي الأمة التي تتوسط أقطار الأرض بين شرق وغرب، وجنوب وشمال، وما تزال بموقعها هذا تشهد الناس جميعاً، وتشهد على الناس جميعاً، وتعطي ما عندها لأهل الأرض قاطبة، وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة وثمار الروح والفكر من هنا إلى هناك، وتتحكم في هذه الحركة مادّيها ومعنويّها على السواء. [أُمَّةً وَسَطاً] (البقرة: ١٤٣) في الزمان.. تنهي عهد طفولة البشرية من قبلها، وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها، وتقف في الوسط تنفض عن البشرية ما علق بها من أوهام وخرافات من عهد طفولتها، وتصدها عن الفتنة بالعقل والهوى، وتزاوج بين تراثها الروحي من عهود الرسالات، ورصيدها العقلي في النماء، وتسير بها على الصراط السويِّ بين هذا وذاك» [١٤] . مسؤولية الأمة المسلمة ودورها: وهذه الوسطية للأمة المسلمة هي التي حددت وظيفتها الضخمة في هذه الأرض، ودورها الأساسي في حياة الناس؛ فهي تشهد على الناس جميعاً، فتقيم بينهم العدل والقسط، وتضع لهم الموازين والقيم، وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد، وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها، وتقول: هذا حق وهذا باطل، وهي لا تقوم بهذه الوظيفة إلا إذا كانت حاضرة شاهدة؛ فإن الشهادة تدل على حضور وعلم وإعلام أو إخبار، وبهذه الشهادة تقام الحقوق وتصان العدالة، وتحفظ الكرامة للإنسان، وتبنى الحضارة الإنسانية التي تتطلع إليها الأجيال المعاصرة، بعد أن أنهكها الصراع، وتقاذفتها الأنظمة والأهواء البشرية، ومزقت كيانها النفسي في رحلة الضياع التي تقلبت فيها بين طغيان الكنيسة الأوروبية ورجالها إلى عقلية أوروبية مثالية، إلى حسية وضعية ومنفعة مادية، وعندئذ شقيت البشرية بما عرفت من استعمار وأطماع، وبما وصلت إليه من سقوط أخلاقي تجده ظاهراً في تفاهات الجنس والعري والمخدرات وانتشار كل أنواع الجرائم والموبقات. ولئن آل حال هذه الأمة المسلمة إلى ما نعرفه اليوم من تخلف وحرمان؛ حيث سبقتنا الأمم الأخرى أشواطاً كبيرة في مجال العلم والصناعة والمادة، وأصبحنا نقتات على فتات موائدهم، لئن كان ذلك فإن مقومات الشهادة والريادة مرة أخرى متوفرة كامنة في هذه الأمة؛ فهي وإن لم تستطع الآن على الأقل أن تقدم للعالم علماً مادياً وتقنية ومدنية، فإنها تستطيع أن تقدم للبشرية الحائرة نظاماً إلهياً يستنقذها مما تعاني منه، ويرتفع بها إلى مستوى إنسانيتها. ويعبّر عن هذا خير تعبير كلمة الأستاذ إيرفنج، الأستاذ بجامعة (تنسي) الأمريكية، حينما وقف مخاطباً تجمعاً للمسلمين في مدينة (جلاسجو) ببريطانيا منذ سنوات، فقال: «إنكم لن تستطيعوا أن تنافسوا الدول الكبرى علمياً، أو تقنياً، أو اقتصادياً، أو سياسياً، أو عسكرياً، ولكنكم تستطيعون أن تجعلوا تلك الدول تجثو على ركبها أمامكم بالإسلام. أفيقوا من غفلتكم لقيمة هذا النور الذي تحملون، والذي تتعطش إليه أرواح الناس في مختلف جنبات الأرض! تعلموا الإسلام وطبّقوه، واحملوه لغيركم من البشر تنفتح أمامكم الدنيا، ويَدِنْ لكم كل ذي سلطان. أعطوني أربعين شاباً ممن يفهمون هذا الدين فهماً عميقاً، ويطبقونه على حياتهم تطبيقاً دقيقاً، ويحسنون عرضه على الناس بلغة العصر وأسلوبه وأنا أفتح بهم الأمريكتين [١٥] . ويقول الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا في محاضرة قيمة ألقاها في قاعة المؤتمرات بوزارة الخارجية البريطانية في ديسمبر (كانون الأول) من عام ١٩٩٦ م، تحمل دلالة واضحة بالنسبة للمعنى الذي أشرنا إليه:» إن المادية المعاصرة تفتقر إلى التوازن، وأضرار عواقبها بعيدة في تزايد، إن القرون الثلاثة الأخيرة شهدت في العالم الغربي على أقل تقدير انقساماً خطيراً في طريقة رؤيتنا للعالم المحيط بنا؛ فقد حاول العلم بسط احتكاره، بل سطوته المستبدة، على طريقة فهمنا للعالم، وانفصل الدين والعلم بعضهما عن بعض؛ بحيث صرنا الآن كما قال الشاعر «وردزورث» : «لا نرى إلا القليل في أمنا الطبيعة التي نملكها» . لقد سعى العلم إلى انتزاع الطبيعة من الخالق، فجزّأ الكون إلى فرق، وأقصى «المقدّسَ» إلى زاوية نائية ثانوية من مَلَكةِ الفهم عندنا، وأبعده عن وجودنا العمليّ. والآن فقط بدأنا نقدر العواقب المدمِّرة، ويبدو أننا نحن أبناء العالم الغربي قد فقدْنَا الإحساسَ بالمعنى الكليِّ لبيئتنا، وبمسؤوليتنا إزاء الكون كله الذي خلقه الله، وقادنا ذلك إلى إخفاق ذريع في تقدير أو إدراك التراث وحكمة السلف، ذلك التراث المتراكم على مدار القرون. والحق أن ثَمَّةَ تحاملاً شديداً على التراث، كما لو كان جذاماً اجتماعياً منفراً. وثَمَّة الآن في نظري حاجة إلى مقابلةٍ كلية شاملة. لقد أدى العلم لنا خدمة جليلة في تبيانه لنا أن العالم أعقد بكثير مما كنا نتخيل، ولكن العلم في شكله المادي الحديث، الأحادي، عاجز عن تفسير كل شيء. إن الخالق ليس ذلك الرياضي الذي تخيّله نيوتن، وليس صانعَ الساعة الأول [١٦] . إن انفصال التكنولوجيا عن القيم والموازين الأخلاقية والمقدسة قد بلغ حداً مريعاً مفزعاً، وهذا ما نراه في التلاعب بالمورثات (الجينات) أو في عواقب الغطرسة العلمية التي تتجلى في أبشع صورها في مرض جنون الأبقار. لقد كنت أستشعر دائماً أن التراث في حياتنا ليس من صنع الإنسان، إنما هو إلهام فطري وهبه الخالق لنا لإدراك إيقاع الطبيعة، والتناغم الجوهري الذي ينشأ عن وحدة أضداد متفرقة، ماثلة في كل مظهر الطبيعة. إن التراث يعكس النظام السّرمدي للكون، ويشدّنا إلى الوعي بالأسرار العظيمة للكون الفسيح، بحيث نستطيع كما قال الشاعر «وليم بليك» أن نرى كامل الكون في ذرة، ونرى الأبدية في لحظة. إن الثقافة الإسلامية في شكلها التراثي جاهدت للحفاظ على هذه الرؤية الروحية المتكاملة للعالم بطريقة لم نجدها نحن خلال الأجيال الأخيرة في الغرب موائمة للتطبيق، وهناك الكثير مما يمكن أن نتعلمه من رؤية العالم الإسلامي في هذا المضمار. إننا نحن أبناء الغرب نحتاج إلى معلمين مسلمين ليعلمونا كيف نتعلم بقلوبنا كما نتعلم بعقولنا، وإن اقتراب الألف الثالثة قد يكون الحافز المثالي الذي يدفعنا لاستكشاف هذه الصِّلات وتحفيزها. وآمل ألا تفوتَ الفرصة السانحة لإعادة اكتشاف الجانب الروحي في رؤيتنا لوجودنا بأجمعه « [١٧] . ويعزّز هذا أن علماء أوروبيين في تخصصات شتى يتطلّعون إلى هذه الأمة ومنهجها وشريعتها لترسم لهم طريق الخلاص مما يعانونه من مشكلات فكرية وخلقية وحضارية وقانونية، ويرى كثير من القانونيين الغربيين أن أحكام الشريعة الإسلامية في المسائل الدولية يمكن الاستفادة منها وبخاصة في مجالين رئيسيين: الأول: تطوير أحكام القانون الدولي في شأن مركز الفرد فيه والاعتراف به شخصاً من أشخاص القانون الدولي. المجال الثاني: إدخال المبادئ الأخلاقية في القانون الدولي؛ لأن الشريعة الإسلامية غنية بالمسائل التي تتصل بهاتين المسألتين، وهما من الحاجات الملحَّة لقانون العلاقات الدولية المعاصرة [١٨] . وهذا كله يلقي على علماء الإسلام ومفكّريه وقادته مسؤوليةً ضخمة أمام الله تعالى، وأمام دينهم وأمتهم والأجيال القادمة، ولعلهم يقدّرون هذه المسؤولية حقّ قدرها. [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) .

стр. 4051

دراسات في الشريعة والعقيدة البَرَكة أهميتها، ضوابطها، وسائلها، نواقضها سليمان بن محمد الهذال إن حياة المسلم محدودة ومعدودة؛ ومهما بلغ من حرص وجهد لكسب الحسنات والتسابق في الخيرات والعمل في مرضاة الله تعالى فلا يزال عمره قصيراً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أعمار أمتي ما بين ستين وسبعين، وأقلهم من يجوز ذلك» [١] . وإذا كان عمر الإنسان بهذا الحد وبهذا الحال فلا بد من بذل الجهد الذي يمكننا من حصول البركة في أعمالنا وأوقاتنا، ولا سيما أن الأعمال المنوطة بالإنسان كثيرة؛ فتجد كثيراً من الدعاة وطلاب العلم الذين يحترقون لنصرة هذا الدين والنجاة من عذاب الآخرة تجدهم كثيراً ما يشتكون من عجزهم عن القيام ببعض الأعمال، وذلك لعدم وجود الوقت الذي يتمكنون فيه من القيام بهذا العمل. وإنك لتتعجب أشد العجب من حال السلف وعظم ما أنجزوه وصنفوه؛ إلاَّ أنك تجد أن هناك سراً في حياتهم وهو تمكنهم من حصول البركة في جميع شؤونهم؛ فكانت البركة في حياتهم أنهم جمعوا من العلم الشيء الكثير حتى قيل: إن الإنسان لو أفنى عمره في قراءتها فلن ينتهي منها؛ فكيف درسوا هذا العلم وسجلوه؟ ! ومن ذلك حال شيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول عنه تلميذه ابن القيم: «وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وكتابه أمراً عجيباً؛ فكان يكتب في اليوم من التصانيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر، وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمراً عظيماً» [٢] . بل لم يكن هذا العمل هو الوحيد عند شيخ الإسلام وإنما كان صاحب عبادة وتعليم وإنكار للمنكرات وجهاد، وسجن في آخر عمره، وخلف بعد وفاته مشروعاً عظيماً لا يزال العلماء وطلبة العلم عيال عليه؛ فما السر في ذلك؟ ! لا شك أنه من البركة في الوقت والعمل. وهذا الموضوع يحتاج إليه العالم والمتعلم والمربي، والداعية إلى الله، وأصحاب الأعمال، وأصحاب الأموال وغيرهم من الأمة الإسلامية، يحتاجون إليه وخاصة الدعاة والعلماء وطلبة العلم، وحتى يتمثلوا بقول الله تعالى: [وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَياًّ] (مريم: ٣١) . في أي مكان وزمان؛ فالبركة جعلها الله في تعليم الخير والدعوة إليه، والنهي عن الشر، والدعوة إلى الله في أقواله وأفعاله؛ فكل من جالسه أو اجتمع به نالته بركته، وسعد به مصاحبه « [٣] . أهمية الموضوع: ١ - أن العبرة في كثير من الأعمال والأمور إنما هو بالكيف وحصول البركة، وليست بالكثرة مع عدمها، وقد ذم الله ذلك فقال: [وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ] (غافر: ٦١) . ٢ - قلة الإنتاجية في بعض الأعمال الدعوية وغيرها مع كثرة الجهود المبذولة في ذلك. ٣ - حاجة الدعاة والمربين وطلاب العلم والعباد إلى حصول البركة في أعمالهم. ٤ - حاجة عامة المسلمين إلى حصول البركة في أعمالهم وأرزاقهم. تعريف البركة لغةً: ١- أصل البركة الثبوت واللزوم. قال الراغب الأصفهاني:» برك البعير: ألقى ركبه. واعتبر منه معنى اللزوم فقيل: ابتركوا في الحرب أي ثبتوا ولازموا موضع الحرب « [٤] . ٢ - النماء والزيادة. وفي معجم مقاييس اللغة:» قال الخليل: البركة من الزيادة والنماء « [٥] . وفي حديث أم سليم:» فحنكه وبرَّك عليه «أي: دعا له بالبركة. وروى ابن عباس: ومعنى البركة الكثرة في كل خير. وقال ابن الأثير في حديث:» وبارك على محمد وعلى آل محمد «أي: أثبت له وأدم ما أعطيته من التشريف والكرامة. وهو من برك البعير إذا أناخ في موضع فلزمه، وتطلق أيضاً على الزيادة والأصل الأول [٦] . ويمكن أن نخلص بتعريف للبركة بأنها: الزيادة في الخير والأجر وكل ما يحتاجه العبد في دينه ودنياه بسبب ذات مباركة أو زمان مبارك [٧] . أو هي: أن تعمل في الزمن القصير ما لا يعمله غيرك في الزمن الكثير. ضوابط في البركة: ١ - البركة كلها من الله كما أن الرزق من الله؛ فلا تطلب البركة إلا من الله؛ ويدل على هذا قوله تعالى: [قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ] (هود: ٤٨) ، وقوله: [رَحْمةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ] (هود: ٧٣) . وما رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال:» كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفاً، وكنا مع رسول الله ﷺ في سفر فقلَّ الماء فقال: اطلبوا فضلة من ماء. فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: حَيَّ على الطهور المبارك والبركة من الله. فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ « [٨] . فإذا كانت من الله فطلبُها من غيره شرك. ٢ - أن ما يُتبرك به من الأعيان والأقوال والأفعال التي ورد الشرع بها إنما هو سبب للبركة وليس هو البركة. كما أن ما يُتداوى به من الأدوية إنما هو سبب للشفاء وليس هو الشفاء، وما ذكر الشرع أن فيه بركة فيُستعمل استعمال السبب الذي قد يتخلف تأثيره لفقد شرط أو وجود مانع كما هو معلوم في قاعدة الأسباب الشرعية. وما تضاف البركة إليه إنما هو من باب إضافة الشيء إلى سببه! كما قالت عائشة ﵂ عن جويرية بنت الحارث ﵂:» فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها « [٩] . أي: هي سبب للبركة وليست المعطية للبركة؛ فلذلك لما تزوجها ﷺ أعتق الصحابة من سَبَوْهُ من قومها بني المصطلق لكونهم أصهار رسول الله ﷺ ؛ فهذه بركة عظيمة من الله والسبب هو جويرية بنت الحارث؛ فهكذا الأشياء المباركة سبب للخير والنماء والزيادة. ٣ - أن التماس البركة في شيء من الأشياء مبني على التوقيف؛ فالذي يدل على حصول البركة من عدمها إنما هو الدليل الشرعي فحسب [١٠] . ٤ - أن البركة التي توجد في بعض المخلوقات من الذوات أو الأماكن وغيرها أن هذا من فضل الله اختصها الله بذلك لحكمة يعلمها [١١] . فيما تُجلب به البركة: ١- طلب البركة بأمور عبادية: ومنها: أ - التقوى: تقوى الله ومراقبته في السر والعلن سبب رئيس في حصول البركة؛ فلهذا قال عز من قائل عليم: [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] (الأعراف: ٩٦) . وقوله تعالى: [وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاًّ] (الطلاق: ٢) . وقوله تعالى: [وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً] (الطلاق: ٤) . قال الواحدي: أي: يسهل عليه أمر الدنيا والآخرة. فلهذا لو تأملنا حال السلف الذين مُكِّنوا من البركة فإن الواحد منهم كان له نصيب من تقوى الله في جميع شأنه؛ فلو نظرنا إلى نموذج واحد منهم وهو شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله حيث يقول عنه تلميذه ابن القيم:» وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد سقطت قوتي «أو كلاماً قريباً من هذا. وقال لي مرة:» لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر؛ أو كلاماً هذا معناه « [١٢] . ب - كثرة الاستغفار: قال تعالى: [فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً] (نوح: ١٠-١٢) . وقوله تعالى: [وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى] (هود: ٣) . ج - الصلاة وإقامتها بالخشوع: قال تعالى: [وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى] (طه: ١٣٢) . وقال وهب:» كانت الكُرَبُ العظام تكشف عن الأولين بالصلاة «. د - البر وصلة الأرحام وحسن الجوار: وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:» من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصِلْ رحمه « [١٣] . واختلف العلماء في معنى الإطالة الواردة في الحديث. قيل: البركة في عمره، والتوفيق للطاعات، وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة، وصيانتها عن الضياع في غير ذلك. وهذا القول اختاره ابن حجر والطيبي [١٤] . الثاني: أنه بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة وفي اللوح المحفوظ ونحو ذلك؛ فيظهر لهم في اللوح المحفوظ أن عمره ستون سنة إلا أن يصل رحمه، فإن وصلها زيد له أربعون. الثالث: قيل المراد بقاء ذكره الجميل بعده فكأنه لم يمت، وهذا ضعيف أو باطل [١٥] . واختار شيخ الإسلام:» أن الله يكتب للعبد أجلاً في صحف الملائكة فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب « [١٦] . وقال الألباني:» الحديث على ظاهره: أي أن الله جعل بحكمته صلة الرحم سبباً شرعياً لطول العمر، وكذلك حسن الخلق وحسن الجوار كما في بعض الأحاديث الصحيحة، ولا ينافي ذلك ما هو معلوم من الدين بالضرورة أن العمر مقطوع به؛ لأن هذا بالنظر للخاتمة « [١٧] . وقال ﷺ :» تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم؛ فإن صلة الرحم منجاة في الأهل، منسأة في الأثر، مثراة في المال « [١٨] . وقال ابن عمر ﵁:» من اتقى ربه، ووصل رحمه أنسئ له في عمره يعني يزاد له في عمره وينمو ماله يعني يكثر ويحبه أهله « [١٩] . وعن عائشة ﵂ قالت:» إن حسن الخلق، وحسن الجوار، وصلة الرحم تعمر الدار وتزيد في الأعمار « [٢٠] . وقال أبو الليث:» وفي صلة الرحم خصال محمودة: أولها: رضا الله؛ لأنه أمر بتقواه وصلة الرحم فقال: [وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ] (النساء: ١) . الثاني: إدخال السرور عليهم. وأفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن. الثالث: فرح الملائكة، وحسن الثناء من المسلمين، وزيادة في العمر، وبركة في الرزق « [٢١] . هـ - ذكر الله وتلاوة القرآن: ومن ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» إن لله ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر؛ فإذا وجدوا قوماً يذكرون تنادوا: هلموا إلى حاجتكم. قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا. قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك. قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا، والله ما رأوك. قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيداً وأكثر لك تسبيحاً. قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة. قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا، والله يارب ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبة. قال: فمِمَّ يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار. قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا، والله ما رأوها! قال يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً، وأشد لها مخافة. قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم. قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة! قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم « [٢٢] . فانظر إلى بركة الذكر؛ حيث كان سبباً لمغفرة الذنوب ودخول الجنة، بل إن هذه البركة لم تقتصر على الذاكرين وحدهم بل شملت حتى الجالس معهم. وقال تعالى: [وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ] (الأنعام: ٩٢) . وقوله تعالى: [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] (ص: ٢٩) . قال الآلوسي:» قوله [مُبَارَكٌ] (ص: ٢٩) أي كثير الفائدة والنفع لاشتماله على منافع الدارين وعلوم الأولين والآخرين صفة بعد صفة « [٢٣] . وروى مسلم في صحيحه عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال رسول الله ﷺ :» اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه. اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهم غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صوافٍّ تحاجَّان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تسطيعها البَطَلَة « [٢٤] . ٢ - طلب البركة في الأمكنة المباركة، ومنها: ١ - المساجد: لِمَا ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال:» أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله تعالى أسواقها « [٢٥] . وطلب البركة في المسجد؛ وذلك يكون من خلال الاعتكاف فيه، وانتظار الصلوات وصلاة الجماعة، وحضور مجالس الذكر [٢٦] ، ونحو ذلك مما هو مشروع. فمن المساجد التي لها مزية وزيادة في البركة: المسجد الحرام، ومسجد رسول الله ﷺ ، والمسجد الأقصى، ومسجد قباء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين:» صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام « [٢٧] . وعند الإمام أحمد بزيادة:» وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا « [٢٨] . ولقوله ﷺ :» لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى « [٢٩] . ولقوله ﷺ :» من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء وصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة « [٣٠] . ٢ - مكة والمدينة والشام واليمن: قال تعالى عن مكة: [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ] (آل عمران: ٩٦) . قال القفال في تأويل البركة هنا:» يجوز أن تكون بركته ما ذكر في قوله: [يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ] (القصص: ٥٧) . وقيل: «بركته دوام العبادة فيه ولزومها» [٣١] . وقال الطبري: «لأن الطواف به مغفرة للذنوب» [٣٢] . وقال القرطبي: «جعله مباركاً لتضاعف العمل فيه؛ فالبركة كثرة الخير» [٣٣] . ولقوله ﷺ : «والله إنكِ لخير أرض الله وأحب أرض إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت» [٣٤] . وقال ﷺ عن المدينة: «اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي ثمارنا، وفي مُدِّنا، وفي صاعنا، بركة مع بركة» [٣٥] . وقال ﷺ : «إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلَيْ ما دعا إبراهيم لأهل مكة» [٣٦] . وأما الشام فقال ﷺ : «طوبى للشام. فقلت: لأي شيء ذاك؟ فقال: لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه» [٣٧] . وقال تعالى: [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ] (الإسراء: ١) . واختصت الشام بهذه البركة؛ لأن أكثر الأنبياء ﵈ بُعثوا فيها، وانتشرت في العالم شرائعهم. وأما اليمن فقال ﷺ : «اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا» [٣٨] . فمن سكن مكة أو المدينة أو الشام أو اليمن ملتمساً لبركات الله فقد وفق لخير كثير. ٣ - طلب البركة في أزمنة مباركة: ١ - كشهر رمضان: قال ﷺ : «قد جاءكم رمضان شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغَلُّ فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، مَن حُرم خيرها فقد حرم» [٣٩] . ومن بركات هذا الشهر: ١ - أنه سبب لمغفرة الذنوب: قال ﷺ : «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» [٤٠] . ٢ - فيه ليلة خير من ألف شهر. ٣ - ما يحصل فيه من المنافع الدينية والدنيوية [٤١] . وفيه ليلة القدر التي قال الله فيها: [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ] (الدخان: ٣) ؛ ولبركة هذه الليلة وعظم شأنها أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتماسها فقال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» [٤٢] . ومن بركات هذه الليلة: ١ - فيها يفرق كل أمر حكيم؛ فيكتب فيها ما هو كائن في السنة من الخير والشر. ٢ - مضاعفة العمل فيها ومغفرة ذنوب من قامها. ٣ - إنزال القرآن. ٤ - تنزل الملائكة فيها [٤٣] . ٢ - عشر ذي الحجة: كما قال ﷺ : «ما العمل في أيام أفضل منها في هذا العشر. قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء» [٤٤] . ومن بركات هذه العشر: ١ - فضل العمل الصالح في هذه الأيام. ٢ - أن فيها يوم عرفة، ومن صامه حصل له تكفير سنتين، وفيها يوم النحر وأيام التشريق. ٣ - يوم الجمعة: قال ﷺ : «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة» [٤٥] . ومن بركات هذا اليوم: ١ - أن فيه ساعة الإجابة؛ كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه» [٤٦] . واختلف أهل العلم في تحديد هذه الساعة على أقوال أرجحها قولان: أ - أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة. ب - أنها آخر ساعة بعد العصر [٤٧] . ٢ - أن من أدى صلاة الجمعة بآدابها غفر له ما بين الجمعتين. لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام» [٤٨] . ٤ - يوم الإثنين والخميس: قال ﷺ : «تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شئياً إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظِروا هذين حتى يصطلحا» [٤٩] . ومن بركة هذين اليومين: ١ - تفتح أبواب الجنة في هذين اليومين. ٢ - أعمال الناس تعرض في هذين اليومين. ٥ - الثلث الأخير من الليل: كما قال ﷺ : «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» [٥٠] . ٤ -طلب البركة ببعض المطعومات، ومنها: ١ - الزيت: لقوله تعالى: [يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ] (النور: ٣٥) . ولقوله صلى الله عليه وسلم: «كلوا الزيت وادَّهِنوا به؛ فإنه من شجرة مباركة» [٥١] . ٢ - اللبن: لما روي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أُتي باللبن قال: «كم في البيت بركة أو بركتين» [٥٢] . ٣ - الحبة السوداء: لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام» [٥٣] . ٤ - العجوة: قال ﷺ : «من تصبَّح سبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر» [٥٤] . «قال الخطابي: كون العجوة تنفع من السم والسحر إنما هو ببركة دعوة النبي ﷺ لتمر المدينة لا لخاصية في التمر. وقال النووي: في الحديث تخصيص عجوة المدينة بما ذكر، وأما خصوص كون ذلك سبعاً فلا يعقل معناه كما في عدد الصلوات ونُصُب الزكوات» ا. هـ. وقال القرطبي: «ظاهر الأحاديث خصوصية عجوة المدينة بدفع السحر والسم، والمطلق منها محمول على المقيد» ا. هـ. وقال ابن حجر: «والأوْلى أن ذلك خاص بعجوة المدينة» [٥٥] . وقال ابن القيم: «وهذا الحديث من الخطاب الذي أريد به الخاص كأهل المدينة ومن جاورهم، ولا ريب أن للأمكنة اختصاصاً بنفع كثير من الأدوية في ذلك المكان دون غيره» [٥٦] . ٥ - الكمأة: قال ﷺ : «الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين» [٥٧] . ٦ - العسل: قال تعالى: [يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ] (النحل: ٦٩) . ٧ - ماء زمزم: قال ﷺ : «إنها مباركة، إنها طعام طُعم» [٥٨] . وكان عبد الله بن المبارك إذا أتى زمزم استقبل القبلة ثم قال: اللهم إن ابن أبي الموال حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «ماء زمزم لِمَا شُرِبَ له» ، وهذا أشربه لعطش القيامة. ثم شربه « [٥٩] . ولما سئل ابن خزيمة: من أين أتيت العلم؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» ماء زمزم لما شُرِبَ له «، وإني لما شربت سألت الله علماً نافعاً [٦٠] . ٨ - ويلحق بما سبق: أ - الخيل: لقوله ﷺ :» الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر، والمغنم « [٦١] . ب - الغنم: لأن الرسول ﷺ سئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال:» صلوا فيها؛ فإنها بركة « [٦٢] . وقد ذكر القرطبي ﵀ وجوه البركة في الغنم:» ما فيها من اللباس والطعام والشراب وكثرة الأولاد؛ فإنها تلد في العام ثلاث مرات، إلى ما يتبعها من السكينة، وتحمل صاحبها عليه من خفض الجناح، ولين الجانب « [٦٣] . ج - النخل: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: بينما نحن عند النبي ﷺ جلوس إذا أُتي بجمار نخلة فقال النبي صلى الله عليه وسلم:» إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم « [٦٤] . ٥ - طلب البركة في خصال حميدة، ومنها: أ - الاجتماع على الطعام والأكل من جوانب القصعة، ولعق الأصابع، وكيل الطعام [٦٥] ، لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال:» فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه « [٦٦] . وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» كلوا جميعاً ولا تفرقوا؛ فإن طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة، كلوا جميعاً ولا تفرقوا؛ فإن البركة في الجماعة « [٦٧] . وقال ﷺ :» البركة تنزل في وسط الطعام، فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه « [٦٨] . وقال ﷺ :» إذا أكل أحدكم فليلعقن أصابعه؛ فإنه لا يدري في أيتهن البركة « [٦٩] . ويقول الشيخ الألباني:» وفي الحديث أدب جميل من آداب الطعام الواجبة ألا وهو لعق الأصابع ومسح الصحفة بها، وقد أخل بذلك أكثر المسلمين اليوم متأثرين بعادات أوروبا الكافرة وآدابها القائمة على الاعتداد بالمادة ... إلخ « [٧٠] . وقال ﷺ :» كيلوا الطعام يبارك لكم « [٧١] . ب - الصدق في المعاملة: جاء في الصحيحين عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ :» البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا؛ فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما « [٧٢] . ومعنى قوله:» بورك لهما في بيعهما «أي: كثر نفع البيع والثمن [٧٣] . ت - سخاوة النفس في طلب المال: قال ﷺ :» إن هذا المال خضرة حلوة؛ فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع « [٧٤] . ث - التسمية في جميع الأعمال: لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:» فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه « [٧٥] . ج - شكر الله على نعمه: قال تعالى: [لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] (إبراهيم: ٧) . وحقيقة الشكر: أن تُظهِر في قلبك الفرح بالله وبنعمته وفضله عليك، ثم تخوض في العمل بموجبه، وذلك بالجوارح والقلب واللسان. أما الجوارح فباستعمالها في طاعة الله، والقلب فشكره دوام المراقبة، واللسان فشكره ذكر الله [٧٦] . د - استغلال أوقات البكور: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : بورك لأمتي في بكورها» [٧٧] . وعن صخر بن وادعة الغامدي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها» ، وكان إذا بعث سرية أو جيشاً بعثهم في أول النهار، وكان صخر رجلاً تاجراً، وكان يبعث تجارته في أول النهار فأثرى وكثر ماله [٧٨] . ما يُذهِب البركة: ١ - الذنوب والمعاصي: قال تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: ١١) . وقوله تعالى: [ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الأنفال: ٥٣) ، ومن له معرفة بأحوال العالم ومبدئه يعرف أن جميع الفساد في جوّه ونباته وحيوانه وأحوال أهله حادث بعد خلقه بأسباب اقتضت حدوثه، ولم تزل أعمال بني آدم ومخالفتهم للرسل تحدث لهم من الفساد العام والخاص ما يجلب عليهم من الآلام والأمراض، والأسقام والطواعين، والقحوط والجدوب، وسلب بركات الأرض وثمارها ونباتها، وسلب منافعها أو نقصانها أموراً متتابعة يتلو بعضها بعضاً « [٧٩] . ٢ - الحرص وكثرة الطمع والرغبة في الدنيا: قال ﷺ :» إن هذا المال خضرة حلوة؛ فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع « [٨٠] . ويقول الحافظ:» ضرب المثل لما يعقله السامع من الأمثلة؛ لأن الغالب من الناس لا يعرف البركة إلا في الشيء الكثير؛ فبيَّن بالمثال المذكور أن البركة هي خلق من خلق الله تعالى، وضرب لهم المثل بما يعهدون؛ فالآكل إنما يأكل ليشبع؛ فإذا أكل ولم يشبع كان عناء في حقه بغير فائدة، وكذلك المال ليست الفائدة في عينه وإنما هي لما يتحصل به من المنافع؛ فإذا كثر عند المرء تحصل منفعة كان وجودها كالعدم « [٨١] . ٣ - البعد عن أسباب جلب البركة: وهي ما ذكرناه سابقاً.

стр. 4052

دراسات في الشريعة والعقيدة مسائل مهمة في باب القضاء والقدر فؤاد بن عبده أبو الغيث تعريف القضاء والقدر والعلاقة بينهما: القدر: ما اقتضاه علم الله وحكمته في تسوية أمر الكائنات [١] . والقضاء: وقوع الخلق على وزن الأمر المقدر السابق، وقيل العكس [٢] . معنى الإيمان بالقضاء والقدر: معنى الإيمان بالقضاء والقدر يتضمن الإيمان بأربعة أركان [٣] تسمى مراتب القدر وهي: ١ - الإيمان بأن الله عالم بكل شيء جملةً وتفصيلاً، أزلاً وأبداً، سواء كان ذلك مما يتعلق بأفعاله أو بأفعال عباده. فالله يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون! ٢ - الإيمان بأن الله تعالى كتب ما سبق به علمه من مقادير الخلائق إلى يوم القيامة في اللوح المحفوظ. ٣ - الإيمان بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن لعدم المشيئة لا لعدم القدرة. ٤ - الإيمان بأن الله خالق كل شيء لا خالق غيره، ولا رب سواه خلق الخلق وأعمالهم. فأفعال العباد من الطاعات والمعاصي كلها داخلة في خلق الله وقضائه وقدره، وهي من العباد فعلاً وكسباً، والله هو الخالق لأفعالهم وهم الفاعلون لها. مسائل مهمة في هذا الباب: المسألة الأولى: لا يجوز قياس أفعال الله تعالى على أفعال خلقه [٤] ؛ فلا يصح أن يوجب أحد على الله شيئاً ولا أن يُحَرِّم؛ فالله له الملك التام؛ أما المخلوق فملكه ناقص؛ فإذا اقتضت حكمة الله فعلاً في خلقه يتضمن شراً من وجه وهو سبحانه لا يخلق شراً محضاً لم يكن سبحانه مسؤولاً عن ذلك بخلاف المخلوق؛ فالله لا يُسأل عما يفعل؛ ليس لأنه الخالق المالك المتصرف وحده فحسب، بل لكمال علمه وحكمته أيضاً، ولكن لا يلزم أن نعلم الحكمة في كل فعل؛ إذ قد تخفى الحكمة في بعض الأفعال فيجب التسليم بها مطلقاً. وإذا تقرر أنه لا أحد يوجب على الله شيئاً ولا يحرم فقد أوجب سبحانه على نفسه بعض الأمور وحرَّم بعضاً باختياره لا أن هذه الأمور واجبة الصدور عنه لذاتها وإنما هي صادرة عن إرادته وعلمه [٥] . المسألة الثانية: دعوى الجبر باطلة؛ فلا أحد يشعر أنه مجبر على ما يفعل بالقوة، ولا أحد إلا وهو يميز أن حركاته وسكناته على نوعين: ١ - إرادية اختيارية كالقيام إلى الصلاة والامتناع عن الزنا. ٢ - لا إرادية اضطرارية إجبارية كالارتعاش من البرد وغلبة النعاس. فمن زعم أنه مجبر على عدم القيام إلى الصلاة وعلى فعل الزنا فقد سوَّى بين النوعين؛ وكفى به بهتاناً وإثماً مبيناً [٦] . المسألة الثالثة: «القدرة» نوعان، و «ما لا يطاق» له إطلاقان، ومن الخلط بين هذه الأنواع، والإجمال في الإطلاق وقعت الإشكالات: فنوعا القدرة: ١ - القدرة المصححة للتكليف، وهي: سلامة آلة العبد التي يتمكن بها من الفعل، وصحة أعضائه ووجود قواه، وتمكينه من أسباب الفعل وتهيئة طريق فعله وفتح الطريق له، وتكون قبل الفعل مثل شرط الاستطاعة في الحج. ٢ - القدرة الموجبة للفعل المستلزمة له التي لا يتخلف الفعل عنها، ولا تكون إلا مع الفعل. والأولى عدل تقوم بها حجة الله على عبده، والثانية فضل يؤتيه الله من يشاء. وأما «ما لا يطاق» فله إطلاقان: ١ - ما لا يطاق لاستحالته؛ كالجمع بين النقيضين. أو للعجز عن فعله؛ كتكليف الأعمى بنقط الكتاب. ٢ - ما لا يطاق لتركه والاشتغال بضده؛ كالكافر كلفه الله الإيمان حال كفره؛ لأنه غير عاجز عنه ولا مستحيل منه؛ فهو كالذي لا يقدر على العلم لاشتغاله بالمعيشة. فالأول لا يجوز تكليف العبد به. أما النوع الثاني فلا مانع من تكليفه [٧] . المسألة الرابعة: إذا كان الأمر مفروغاً منه وما من أحد إلا كُتب مقعده من النار أو من الجنة؛ ففيمَ العمل، ألا نتكل على القدر ونحتج به؟ ! استشكل بعض الصحابة ﵃ هذا فأوردوه على الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: «لا أي لا تتكلوا على القدر اعملوا؛ فكل ميسر» [٨] ؛ فالعاقل لا ينشغل بالبحث عن سر لا يمكن أن يكتشفه ويدع ما هو مأمور به وفي مقدوره أن يعمله. إن الله قد أراد بنا وأراد منا، فما أراده بنا طواه عنا، وما أراده منا أمر بالقيام به [٩] ، وهو الذي كتب المقادير وأوجب العمل بالشرائع؛ فتوهُّم المنافاة بين القدر والشرع يعني نسبته إلى خلاف العلم والحكمة، تعالى الله عن ذلك. فقد قدَّر الأمور على نحو لا تبقى معه حجة لمحتج أو اعتراض لمعترض؛ فالقدر سر مكتوم لا يعلمه العبد؛ فكيف يحكم بمنافاته للشرع؟ ! وعلم الله بالضال والمهتدي لا ينافي الأمر والنهي؛ لأن العلم ليس صفة مؤثرة، ولأن ما علم الله عدم وقوعه جعله مقدوراً للعبد بالقدرة المصححة للتكليف، وإذا قيل للعبد: أمرناك بأمر ونحن نعلم أنك لا تفعله لم يكن في ذلك تنافياً أو تكليفاً بما لا يطاق [١٠] .

стр. 4053

دراسات في الشريعة والعقيدة مسؤولية الكلمة.. دعوة لتصحيح ألفاظنا كما نصحح نياتنا د. السيد العربي العقيدة أو التوحيد أو الإيمان وهي مسميات لقضية واحدة تتضمن الاعتقاد القلبي والكلام اللساني وعمل الجوارح، وهذا يعني أن الكلام أو الكلمة من مهمات الاعتقاد؛ وقد دل الدليل الشرعي من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يفوق الحصر على أن الكلام من أعمال المسلم التي يحاسب بمقتضاها، وأنه يترتب عليه من الثواب أو العقاب ما الله به عليم. قال تعالى: [مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] (ق: ١٨) ، وقال: [سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ] (الزخرف: ١٩) ، وقال: [سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا] (آل عمران: ١٨١) وقال: [وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ] (الانفطار: ١٠- ١٢) ، وقال: [كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَداًّ] (مريم: ٧٩) ، وقال: [إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ] (الجاثية: ٢٩) . إن هذه النصوص القرآنية الجامعة وغيرها تبين خطورة الكلمة والكلام في دين الله ، وأنها معدودة على قائليها، مسجلة عليهم، وأنهم محاسبون على ما يتكلمون؛ لأن الكلام من جملة الدين الذي يُسأل الإنسان عنه. وكذلك جاء في السنة المطهرة الكثير من الأحاديث التي تثبت خطر الكلام وأثره في دين العبد ثواباً أو عقاباً؛ فمن ذلك ما أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد من حديث معاذ بن جبل أنه قال: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال ﷺ : «ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم يوم القيامة إلا حصائد ألسنتهم» [١] . وأخرج الترمذي وابن ماجه والحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في النار» [٢] . وأخرج الترمذي وابن ماجه وابن حبان عن بلال ابن الحارث المزني أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه» [٣] . من هذه النصوص وغيرها يتبين أن الكلمة في دين الله عظيمة الشأن، من حيث الربح أو الخسارة؛ ولله در صاحب الداء والدواء ابن القيم عندما قال في ذلك الكتاب: «وأما اللفظات فحفظها بألا يخرج لفظة ضائعة، بألا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه، فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر: هل ربح فائدةً أم لا؟ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن كان فيها ربح نظر: هل تُفَوَّت بها كلمة هي أربح منها فلا يضيعها بهذه؟» إلى أن قال: «ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر، ومن النظر إلى المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحرز من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالاً، ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد ما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري أعراض الأحياء والأموات ولا يُبالي ما يقول؛ وإذا أردت أن تعرف ذلك فانظر فيما رواه مسلم في صحيحه من حديث جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان! فقال الله :» من ذا الذي يتألى [٤] عليَّ أني لا أغفر لفلان؟ قد غفرت له وأحبطت عملك «. فهذا العابد الذي عَبَدَ الله ما شاء أن يعبده، أحبطت هذه الكلمة الواحدة عمله كله، ثم قال أبو هريرة صاحب الرواية الأخرى من الحديث:» تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته « [*] [٥] . كل منا على خطر دائم مما يجنيه لسانه، ولو كان مجرد كلام فيما لا يعنيه، وما أكثر ما نتكلم به فيما لا يعنينا، وقد روى الترمذي في جامعه من حديث أنس ﵁ قال:» توفي رجل من الصحابة، فقال رجل: أبشرْ بالجنة! فقال رسول الله ﷺ : «وما يدريك؟ فلعله تكلم فيما لا يعنيه، أو بخل بما لا ينقصه» ، وفي لفظ: «إن غلاماً استشهد يوم أحد، فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع، فمسحت أمه التراب عن وجهه وقالت: هنيئاً لك يا بني الجنة، فقال النبي ﷺ :» وما يدريك؟ لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، ويمنع ما لا يضره «. لهذا كان الصمت أحياناً أضمن طريق للنجاة من ورطات اللسان؛ حيث يمتنع الإنسان عن التكلم إلا فيما يعلم حقاً أنه خير، وهذه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أخرجها الشيخان في صحيحيهما؛ فقد قال ﵊: » من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت « [٦] . لقد كان رسول الله ﷺ يتخوف علينا من ألستنا، ويأمرنا بالاستقامة التي يدخل فيها استقامة اللسان، فقد طلب سفيان بن عبد الله الثقفي من رسول الله ﷺ طلباً عزيزاً: قال له: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال: قل: آمنت بالله، ثم استقم» [٧] ، وفي رواية للترمذي: «قل: ربي الله، ثم استقم» . فقال: يا رسول الله! ما أخوف ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: «هذا» [٨] . فاحذر أخي رحمني الله وإياك أن تخرج من فمك الألفاظ الضائعة التي لا تعي معناها؛ فقد تكون من كلام الشر والسوء التي تضرك في دنياك وآخرتك؛ فالله تعالى يقول: [وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ] (النور: ١٥) . لقد فقه السلف مسؤولية الكلمة، وعرفوا أمانتها، ووعوا خطورتها؛ فهذا صدِّيق هذه الأمة: أبو بكر ﵁ كان يضع حصاة في فيه يمنع بها نفسه عن الكلام، وكان يشير إلى لسانه ويقول: «هذا الذي أوردني الموارد» . وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: «والله الذي لا إله إلا هو! ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان» ، وقال طاووس: «لساني سَبُع؛ إن أرسلته أكلني» [٩] . لقد فهم سلفنا الصالح مراد الله تعالى من قوله: [لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً] (النساء: ١١٤) . وعلموا أن النجاة في كف اللسان إلا من ذلك الذي أشار إليه القرآن في التناجي بين الناس؛ ولهذا سأل عقبة بن عامر الجهني رسول الله ﷺ قائلاً: «ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك، ولْيسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك» [١٠] . قال النووي ﵀: «اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاماً ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة؛ فالسنة الإمساك عنه؛ لأنه قد ينجرُّ الكلام المباح إلى حرام أو مكروه؛ وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء» [١١] . وقد يقول قائل عند التنبيه بما تقدم: إنني عند تكلمي بالكلمة السيئة الخبيثة المحرمة؛ فإن نيتي تكون حسنة، ولا أعتقد ما وراء هذه الكلمة من اعتقاد سيئ خبيث، ولا أعتقد حِلَّها بل أعتقد حرمتها؛ لأن نيتي وقصدي حسن؛ فهل أعاقب بما أقول والحال كذلك؟ والجواب أنه ينبغي أن يصحح العبد لفظه كما يصحح نيته؛ فمتى علم أن الكلمة في دين الله حرام، وجب عليه تصحيحها، أو التخلي عنها، وإن لم يعتقد حل القول بها أو جوازها، وهذا ما أجاب بنحوه الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ عندما سئل: «بعض الناس يقول: إن تصحيح الألفاظ غير مهم مع سلامة القلب؛ فهل هذا صحيح؟ فأجاب ﵀: إن أراد بتصحيح الألفاظ إجراؤها على اللغة العربية؛ فهذا صحيح؛ فإنه لا يهم أن تكون الألفاظ غير جارية على اللغة العربية ما دام المعنى مفهوماً سليماً، أما إذا أراد بتصحيح الألفاظ ترك الألفاظ التي تدل على الكفر والشرك، فكلام غير صحيح، بل تصحيحها مهم، ولا يمكن أن تقول للإنسان: أطلق لسانك في قول كل شيء ما دامت النية صحيحة، بل نقول: الكلمات مقيدة بما جاءت به الشريعة الإسلامية» ا. هـ[١٢] . ومن أخطر ما يمكن أن يجري على لسان الإنسان أن يقع في الاستهزاء بدين الله أو شيء من دين الله ظاناً أن ذلك يجوز على سبيل الفكاهة واللعب. يقول ابن تيمية ﵀ محذراً من عاقبة ذلك في أثناء بيانه لمعنى قول الله تعالى: [وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ] (التوبة: ٦٥) : «فاعترفوا واعتذروا، ولهذا قيل لهم: [لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ] (التوبة: ٦٦) ؛ فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفراً، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبيَّن أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه؛ فدل على أنهم كان عندهم إيمان ضعيف ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم، ولكن لم يظنوه كفراً، وكان كفراً كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه» [١٣] . فانظر يرحمني الله وإياك خطورة الكلمة، حيث لا يصح الاعتذار بالنية؛ فإن ذلك تلبيس إبليس؛ فالكلام الفاسد والعمل الفاسد، لا تشفع له النية الصالحة، والنية السيئة الخبيثة لا يشفع لها العمل الصحيح والكلام الحسن، وصدق من قال: احفظ لسانك أيها الإنسان ... لا يلدغنك إنه ثعبان كم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تهاب لقاءه الشجعان وقال آخر: يصاب الفتى من عثرة لسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرِّجِل فعثرة في القول تُذهب رأسه ... وعثرة في الرِّجل تبرأ على مَهَل

стр. 4054

قضايا دعوية التقنية والعمل الدعوي ضرورة شرعية ملحة د. سليمان بن محمد بن فالح الصغيّر [*] المتأمل واقعََ العمل الدعوي ومناشطه يرى ولله الحمد أنه يجري من خلال قنوات عديدة ونشاطات متميزة في الدعوة والإرشاد إلى دين الحق، وتمثله هيئات ومؤسسات حافلة بالأعمال الإسلامية المختلفة، وساحاته الإعلامية آخذة في شق طريقها بقوة وثبات ترعاها بتوفيق الله أيدٍ مخلصة حتى علا بعضها منابر دعوية انتشر صيتها وارتفع ذكرها، ولا نملك إزاء تقصيرنا تجاهها إلا أن ندعو لهؤلاء بأن يخلص الله لهم العمل، ويحقق الهدف الذي يؤمَّل من رجالها وأنصارها بل وعامة الأمة الإسلامية. ولكن الملاحظ أن الساحة الإعلامية الإسلامية قلما تتطرق في صحفها ومنابرها إلى الحديث عن التقنية ومنجزاتها، وإن تطرقت فبشكل نادر؛ وغالباً ما يكون ذلك من جهة عامة باعتبار أنها ليست الغاية أو الجانب الأهم في حياة الإنسان، وهي وإن كانت كذلك، فليس معناه أن يكون موقف العمل الدعوي سلبياً، وفي المقابل حينما نتأمل الأعمال المهنية والتقنية وساحاتها الإعلامية نجدها بعيدة عن ربط مبادئ الإسلام وقيمه وآدابه وأحكامه في ذلك الشأن، وبمعنى أدق: لماذا نرى النشاطات التقنية تكاد تخلو من ربط التقنية بمفاهيم الإسلام وآدابه وأحكامه وبخاصة في المجلات والصحف التي تعنى بالجوانب التقنية، وغالباً ما يصطبغ طرح الموضوعات المهنية والتقنية فيها بصبغة دنيوية جافة ليس فيها ذكر للإيمان والنية وابتغاء وجه الله والدار الآخرة. إن ذلك فيما أرى يستوجب مضاعفة الجهود وتكاتف فئات المجتمع. ويعظم دور العلماء والدعاة في ضرورة توجيه أعمال المهن في منظومة العمل الدعوي ومجالاته الرئيسة، والسعي إلى ترابط الجهود الدعوية والتنسيق التعاوني بين ساحاتها الإعلامية ومع جهود رجالات الدعوة وإسهاماتهم من خلال مجالات تخصصاتهم التقنية والمهنية والفنية، وتشجيع البحث العلمي والتقني بين المسلمين بإنشاء المراكز للبحوث العلمية والتقنية، والعمل على نشر العلوم التطبيقية والتقنية انطلاقاً من تصور إسلامي صحيح، وإحياء المفهوم الصحيح للبحث العلمي والتقني في الإسلام وتعميقه في نفوس المسلمين، وإبراز الإشارات العلمية في القرآن الكريم، ووضع سياسات علمية وتقنية دقيقة ومستقرة للعالم الإسلامي. أليس الإسلام دين العلم؟ بل لم يعرف التاريخ أمة من الأمم رفعت من شأن العلم وأهله كأمة الإسلام؟ فَلِمَ لا تُربَط العلوم الحديثة بأهداف الإسلام وغاياته ومبادئه وأحكامه كلما طرحت؟ ولماذا لا يركز العلماء والدعاة على هذا الجانب الهام في العمل الدعوي؟ لا نجد مسوغاً يجعل العمل الدعوي بمنأى عن العمل المهني والتقني؛ فالعصر عصرها، وضرورة توضيح قيمة هذه الأعمال المهنية والتقنية في الإسلام قائمة وملحة؛ فإن تعزيز العلاقة وتنمية روابطها بين كل من العملين من شأنها أن توحد الجهود ويعظم تأثيرها. نعم! قد نرى شيئاً من ذلك الربط في مجلة (الإعجاز) مثلاً التي تصدر عن هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة برابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، وإن كانت ذات توجه تخصصي أكثر؛ مما قد يكون أثَّر على انطلاقها المأمول في الساحة الإعلامية والدعوية. فمن هنا تبرز أهمية طرح المفهوم الإسلامي للعمل التقني والمهني وربطهما بالمفهوم الإسلامي والمبادئ والقيم والآداب والأحكام التي جاء بها حتى تتبين أهدافه وتتضح غاياتهُ وتَمَيُّزُ أحكامِهِ واختصاصه بالشمولية. ونظرة الإسلام إلى العلم بعامة والحِرَف والمهن التقنية بخاصة نظرة كلها تكريم وإجلال تكمن في أنه جعلها ضرورة من ضروريات الحياة، كما رتب عليها الأجر وجعلها من أفضل وسائل الكسب، ورفع من شأن تعلمها وتعليمها حتى جعلها في ذاتها عبادة ما دامت في حدود ما شرعه الله تعالى، وجعل أداءها وإتقانها والإخلاص فيها غاية يجب أن يسعى إليها المسلم، وإذا أدرك الإنسان حقيقة الإيمان وجد باعثاً من داخل نفسه إلى العمل في مجالات الحياة المختلفة ليقوم بمهمته في عمارة الأرض؛ وأعرض على سبيل المثال بعض ما تضمنته مبادئ الإسلام وما جاء به من قيم وأحكام في أداء العمل، وبخاصة العمل المهني الذي هو أصل التقنية ويلتحق به كل جديد في عالمها اليوم. إن ارتباط السعادة بالعمل في الإسلام ليس مقصوراً على الدار الآخرة وحدها، بل يجري الجزاء عليه في الدنيا؛ فمن سنن الله فيها أن يُعطي كل عامل مجدٍّ ثمرة عمله؛ فالطالب أو المدرس أو الصانع أو المزارع أو التاجر يدعوه دينه إلى أن يكون عاملاً مثابراً مخلصاً متقناً لعمله؛ لأن الله يحب إذا عمل أحدنا عملاً أن يتقنه، ولهذا نستطيع أن نقول: إن العمل التقني سبب لحصول ثمرته من سعادة وأجر دنيوي وأخروي فيما إذا سُخِّر لصالح الأمة. ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتقنون مهن الحياة: زراعة، وتجارة، وصناعة، ولم يكن إيمانهم بالآخرة مانعاً لهم من العمل للدنيا، قال تعالى: [وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا] (القصص: ٧٧) . وقيمة العمل اليدوي والمهني والتقني استمراريته حتى آخر لحظة من العمر؛ فالأخذ بأسباب عمارة الأرض حتى آخر لحظة من العمر هو شأن المسلم؛ إذ يقول ﷺ : «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها» [١] . العمل التقني ضرورة شرعية وحضارية حيوية؛ فقد نظر الإسلام إليه نظرة كلها تكريم وإجلال تكمن في أن جعل العمل ضرورة من ضرورات الحياة بها ينعم الإنسان ويعمر الأرض، ومما يدل على ذلك أن الإسلام قرن العمل بالجهاد؛ حيث قال تعالى: [وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] (المزمل: ٢٠) . وقد فُسِّر الضرب بأنه التقلب في التجارة، والتجارة تُعَدُّ من أصول الأعمال المهنية والفنية. ومما يؤكد ذلك أيضاً اقترانه بالصلاة والحج، كما في قوله تعالى: [فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ] (الجمعة: ١٠) . وفسر بعض العلماء (المنافع في الحج) في قوله تعالى: [لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ] (الحج: ٢٨) بأنها «الأجر في الآخرة والتجارة في الدنيا» ، ولم يكتف الإسلام بهذا القدر في بيان قيمة العمل والحث عليه بل اعتبر العمل جهاداً؛ فقد قال بعض الصحابة حين رأوا شاباً قوياً يسرع إلى عمله: لو كان هذا في سبيل الله! فرد رسول الله ﷺ عليهم بقوله: «لا تقولوا هذا؛ فإنه إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفُّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان» [٢] . أجر العمل اليدوي والمهني في الإسلام دنيوي وأخروي: إذ حث الإسلام على العمل ووعد صاحبه بالأجر العظيم في قوله ﷺ : «من بنى بنياناً من غير ظلم ولا اعتداء، أو غرس غرساً في غير ظلم ولا اعتداء كان له أجرٌ جارٍ ما انتفع به من خلق الله تعالى» [٣] . وقال أيضاً: «ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة» [٤] ؛ فالزراعة أصل من أصول الأعمال الفنية المهنية. أما حكم العمل المهني والتقني فيعد من فروض الكفاية التي إذا قام بها بعض أفراد المجتمع قياماً يسد حاجة المجتمع ويدفع عجلته للتقدم والرقي سقط الإثم عن الباقين، وإلا أثمت الأمة كلها، وتحوَّل فرض الكفاية هذا إلى فرض عين على كل من يستطيع. والأعمال التقنية من أولويات ذلك؛ ولذلك قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: «لهذا قال غير واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعي، وأحمد ابن حنبل وغيرهم كأبي حامد الغزالي وأبي الفرج ابن الجوزي وغيرهم: إن هذه الصناعات فرض على الكفاية؛ فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها» ، ثم يقول: «والمقصود هنا أن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه، لا سيما إن كان غير عاجز عنها» . والعمل ضده البطالة والكسل، وكان موقف الإسلام منهما أن حاربهما وسعى إلى القضاء عليهما بجميع أشكالهما سواء كانت البطالة بطالة ظاهرة أو بطالة مقنعة، بطالة إجبارية كعدم الحصول على العمل مع وجود الرغبة والقدرة، أو بطالة اختيارية بسبب عدم الرغبة وتفضيل الكسل والخمول. وهناك عدد من الأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي عن البطالة والقعود بلا عمل كقوله صلى الله عليه وسلم: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكفَّ الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» [٥] . وقد ذم السلف الصالحُ العاطلَ عن العمل، كقول ابن مسعود ﵁: «إني لأكره الرجل فارغاً لا في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة» [٦] . يقدم لنا الإسلام القدوة والمثل الأعلى على الاهتمام بالعمل وبيان شرفه حتى إن الله تعالى جعل العمل نوعاً من الشكر له؛ فبه تتحقق فائدة ما أنعم به وما أوجده في هذا الكون. قال تعالى: [اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ] (سبأ: ١٣) . والرسول ﷺ ربى المسلمين على هذا الاهتمام، فبين شرف العمل وأهميته عند الله في مناسبات شتى. إن احترام العمل وتقديره والنظر إليه بصفته مبدأ إسلامياً بحد ذاته سبب رئيس في قيام الحضارة الإسلامية؛ فالعمل هو الثروة الدائمة لأية أمة من الأمم، وهو الطريق الأقوى لبناء الاقتصاد والتقدم العلمي وتحقيق القوة والسيادة، ولقد أدرك المسلمون الأولون ذلك جيداً وطبقوه في شكل ممارسات واقعية لم يُستثن أحد لمكانته أو ثروته مما أدى بهم إلى بناء مجتمع إسلامي قوي استطاع أن يفرض وجوده على العالم أجمع. وإحياء مثل هذا المبدأ واجب لتخليص الأمة الإسلامية من الافتقار إلى موارد الغذاء والآلات والمصنوعات. إن إصلاح النظرة الدونية تجاه العمل والعمال يكمن في سيادة القيم الدينية الإسلامية داخل برامج التعليم العام وبخاصة برامج التعليم اليدوي والمهني والتقني. إن العمل التقني في الإسلام يتطلب مهارة ودقة وإتقاناً، بل إن الإتقان والإحكام مطلوب في كل شيء يعمله الإنسان، ولا تستقر الحياة، ولا تتقدم الأمم، ولا تنضبط الأمور إلا عندما تكون متقنة ومحكمة، والإسلام حث على الإتقان؛ ففي الحديث: «إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» [٧] ، وفي رواية: «إن الله يحب من العامل إذا عمل عملاً أن يحسن» [٨] . ولقد كان من أهم أسباب نجاح الصناعات الحديثة في بعض الدول وتفوقها على غيرها اهتمامها بمراقبة الجودة النوعية، ثم انتشار أسلوب وجود قسم متخصص في كل مصنع لمراقبة جودة الإنتاج واستبعاد أي قطعة ليست في غاية الإتقان، ثم عقد اجتماعات دورية للجان الجودة النوعية لاقتراح ما يرونه مناسباً لتحسين نوعية المنتجات، بل تطور الأمر فيما بعد إلى إيجاد فريق متابعة الجودة خارج المصنع، وذلك باكتشاف أي خلل أو قصور في أي سلعة، واستبدالها وتعويض المستهلك عن أية خسارة تحملها نتيجة لذلك. وقد أوجدت تلك الدول جائزة سنوية تمنح للشركات التي تحقق أعظم تحسن في الجودة والنوعية؛ ولأهمية ذلك فقد أنشئت رابطة دولية لحلقات مراقبة الجودة النوعية [٩] . وإذا كان هذا حال الإنسان الذي لا يهمه إلا الكسب المادي في هذه الحياة فما أحرانا نحن المسلمين بمثل هذا السلوك، لننال القوة في الدنيا والفوز في الآخرة. إن كل عمل لا بد له من هدف في هذه الحياة؛ فالإنسان وجد في هذه الحياة لهدف وغاية، ولم يوجد عبثاً، ولذا يجب أن تكون أعماله لأهداف وغايات، ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف إلا بإتقان العمل. اهتم الإسلام بالعمل المهني والتقني بمفهومه العام والاصطلاحي، وجعله من القيم التي حرص عليها؛ وذلك أنه يدفع إلى تطور البلاد وزيادة الإنتاج؛ ففي مخاطبة الله نبيه نوحاً ﵇ مغزى صريح لأهمية الصناعة في حياة الإنسان والمجتمع. قال تعالى: [فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا] (المؤمنون: ٢٧) . وفي قصص الأنبياء وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم توجيهات تربوية تقدم ذكر بعضها نستوحي منها أهمية الصناعة والزراعة والتجارة والمهن الأخرى في حياة المجتمعات، وقد حرص الغرب على أن يبقى المسلمون محتاجين إلى علومهم وصناعاتهم وإنتاجاتهم التقنية التي غزت أسواقنا ووفرت الاحتياجات الأساسية والكمالية، ولا سيما الكمالية منها، مما أضعف اشتغالنا بالصناعة، ولئلا يكون ذلك هدماً لحضارتهم. ولنستمع إلى أحد الساسة الفرنسيين في هذا الشأن؛ إذ يقول: «إن العالم الإسلامي يقعد اليوم فوق ثروة خيالية من الذهب الأسود والمواد الأولية الضرورية للصناعة الحديثة؛ فلنعط هذا العالم ما يشاء، ولنقوِّ في نفسه عدم الرغبة في الإنتاج الصناعي والفني؛ فإذا عجزنا عن تحقيق هذه الخطة وتحرر العملاق من قيود جهله وعقدة الشعور بعجزه عن مجاراة الغرب في الإنتاج، فقد بؤنا بالإخفاق السريع، وأصبح الخطر الذي يصيب العالم العربي وما وراءه من الطاقات الإسلامية الضخمة خطراً داهماً يتعرض به التراث الغربي لكارثة تاريخية ينتهي بها الغرب وتنتهي معه وظيفته القيادية» [١٠] . وقد اعتنى القرآن الكريم بالعمل المهني وجعله نعمة تستوجب الشكر؛ حيث قال تعالى: [لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ] (يس: ٣٥) ، قال الإمام الرازي: «يحتمل أن تكون (ما) موصولة بمعنى: وما عملته، أي: بالتجارة كأنه ذكر نوعي ما يأكل الإنسان بهما وهما الزراعة والتجارة» [١١] . يقول سيد قطب ﵀: «مشيئة الله في عمارة هذه الأرض اقتضت أن تكون للناس حاجات لا ينالونها إلا بالعمل والكد، وفلاحة هذه الأرض، وصناعة خاماتها، ونقل خيراتها من مكان إلى مكان، وتداول هذه الخيرات وما يقابلها من سلعة أو نقد أو قيم تختلف باختلاف الزمان والمكان» [١٢] . وقد نوه القرآن الكريم بشأن كثير من الصناعات، ومن ذلك: - صناعة الحديد: [وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ] (الحديد: ٢٥) ، وقوله تعالى: [يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ] (سبأ: ١٣) . - صناعة الأكسية: [وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ] (النحل: ٨٠) . - صناعة الدروع: [وَأَلَنَّا لَهُ الحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ] (سبأ: ١٠-١١) . - قالوا: درع سابغ تام واسع [١٣] ، والسرد: خرز ما يخشن ويغلظ كنسج الدروع وخرز الجلد، واستعير هنا لنظم الحديد [١٤] . - صناعة الجلود: [وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ] (النحل: ٨٠) . - صناعة السرابيل: [وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ] (النحل: ٨١) ، وقوله تعالى: [وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ] (الأنبياء: ٨٠) . - قالوا: السربال: القميص من أي شيء كان [١٥] ، فقد يكون من القطن والكتان وغيرها، وقيل: هي ما لبس من قميص ودروع فهو سربال « [١٦] . - الصناعات الإنشائية: [وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الجِبَالَ بُيُوتاً] (الأعراف: ٧٤) . - صناعة السفن والمراكب: [فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا] (المؤمنون: ٢٧) . يقول الفارابي:» إن فضيلة العلوم والصناعات تكون بإحدى ثلاث: إما بشرف الموضوع، وإما باستقصاء البراهين، وإما بعظم الجدوى التي فيه. وأما ما يفضل على غيره بعظم الجدوى التي فيه فالعلوم الشرعية والصنائع « [١٧] . ومن خلال ذلك تتبين قيمة تعلم الصناعات والحرف والأعمال اليدوية والتقنية، وأنها مطلب شرعي قبل أن تكون ضرورة حضارية وأرضاً خصبة للعمل الدعوي. دور القيم في تطوير أداء العمل: وإنه ليتحقق دور هذه المبادئ والقيم في تطوير أداء العمل التقني وتسخيره لصالح الدعوة وإقامة بناء المجتمع الإسلامي على أصول ثابتة وأسس حضارية من خلال القنوات والاعتبارات الآتية: ١ - الإخلاص في العمل يجعل العمل الدنيوي قربة وعبادة إلى الله تعالى وهذا بدوره حافز لمضاعفة الجهد والإنتاج. ٢ - إيجاد الشخصية الإنسانية الصالحة المسلمة السوية التي تؤدي عملها وتقدر دورها التنموي في المجتمع الذي تعيش فيه وتتعامل معه. ٣ - التوصل إلى جهود علماء المسلمين في مجال ترسيخ قيمة العمل المهني، ومن ثم إبراز هذه المجهودات في هذا المضمار؛ إذ استطاعت النظرة الإسلامية من خلال هذه المجهودات أن تفتح ذراعيها لجميع التجارب الإنسانية الصالحة. ٤ - إذا أدرك الإنسان حقيقة الإيمان وجد باعثاً من داخل نفسه يدعوه إلى العمل في مجالات الحياة المختلفة ليقوم بمهمته في الأرض، وسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة مرهونة بعمله، ولا مجال في الإسلام أن يعيش المسلم على الأماني. ٥ - سد الاحتياجات المعرفية والمتطلبات من الطاقات المهنية والفنية التي تحتاجها الأمة لتنفيذ خططها الإنمائية في شتى مجالات الحضارة الإنسانية وتطبيقاتها العملية. ٦ - الإسهام في تطوير المجتمع وزيادة إنتاجية المنتجين للعمل على تقليل نسبة البطالة المبطنة والواضحة. ٧ - التخصص في الأعمال يعني المهارة لدى المختصين؛ وهذا بلا شك يعني أن إنتاج المتخصص فيما تخصص به أجود من إنتاج غير المتخصص، وفي هذا العصر تبرز وتتأكد أهمية التخصصات التقنية والفنية في تجويد الإنتاج الذي حض عليه الرسول ﷺ بقوله:» إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه « [١٨] . ٨ - القيم الإسلامية للعمل تجعل المجتمع يرتكز على قاعدة صلبة من الدراسات العملية والتطبيقية القادرة على التعاون مع التكنولوجيا ومنجزاتها تعامل المدرك لأسرارها والعالم بمكنوناتها. ٩ - قيمة احترام العمل وتقديره تخلِّص الأمة الإسلامية من الافتقار إلى موارد الغذاء والآلات والمصنوعات؛ فاحترام العمل وتقديره وإتقانه والنظر إليه بصفته مبدأً إسلامياً سبب رئيس وطريق قوي لبناء الاقتصاد والتقدم العلمي، واللبنة الأولى في إصلاح القيم السلبية تجاه العمل والعمال. ١٠ - إن إدراك الإنسان لمسؤوليته عن نفسه وسعيه وكسبه ومجتمعه وعن مواهبه أيضاً وملكاته واستعداداته العقلية والجسمية النفسية يجعله يعمل بروح عالية فيما يعود على نفسه ومجتمعه ووطنه وأمته بالخير، ورفع مستويات ذلك من الناحية المادية والمعنوية، كما يجعله مجالاً خصباً للدعوة. ١١ - إتقان العمل من قيم الإسلام التي تعد من أهم أسباب نجاح الصناعات التقنية الحديثة. ١٢ - ومن آثار القيم الإسلامية أنها يوجب الاهتمام بالعمل المهني والفني والتقني؛ إذ سيسهم ذلك في الحد من نمو القوى العاملة غير المسلمة، كما يؤدي الاعتماد على قوة العمل الإسلامية إلى رفع درجة تأهيلها للتكيف مع المتطلبات التقنية الحديثة. ١٣ - إدراك قيمة المسؤولية يوجب على المسؤولين تحديد احتياجات المجتمع الإسلامي تحديداً واضحاً وفق استراتيجية مرسومة على المدى الطويل تراعي النواحي التنموية والتطورات الحضارية؛ لتتضح الرؤية تماماً، وتتحدد الأهداف الكمية والنوعية، وتأتي الخطط المرحلية وافية بحاجات المجتمعات الإسلامية. إن هذه القنوات والاعتبارات لتؤكد مسؤولية القائمين على العمل الدعوي بخاصة والأمة الإسلامية بعامة دولاً ومجتمعات وأفراداً أن تتدارك هذا التهور التقني؛ فقد خصها الله وميزها بخصائص ومزايا تؤهلها لكبح جماح ذلك التهور والوقوف به على تطويره وتسخيره في عمارة الأرض. ولكن السؤال المطروح هو: كيف يتم ذلك وهي في مؤخرة الركب، ويسود معظم أفرادها ومجتمعاتها التخلف والرضا بالواقع المكاني دون ركب التقنية الذي يقوده تطوره إلى تهوره؟ والإجابة عن هذا السؤال تدعونا أن نتأمل أولاً موقف غالبية الأمة من التطور التقني المعاصر إعلامياً وعملياً! والواقع أنه موقف مرير؛ فنحن بين مهتمين بنظريات ودعوات وندوات وخطب ومواعظ ليس للتقنية وجود فيها ولا ذكر، وبين مهتمين بالتقنية غير مبالين بالآداب والمبادئ والأخلاق الإسلامية. وثانياً ما حال العمل الدعوي؟ وأين مكان التقنية الشاغر في ساحاته الإعلامية ومؤسساته الخيرية والتربوية؟ وماذا أعدت لشباب الأمة: هل استهدفت تأهيلهم ليملكوا زمام كبح جماح التهور التقني وضبطه في عالم اصطبغ بملوثاته، وعانى من أضراره التي باتت تخيم في سماء البشرية أجمع؟ أسباب التخلف: ومما يتوجب على القائمين بالعمل الدعوي دراسة أسباب التخلف، ودراسة مقومات التقنية ووسائل ضبطها وإبقائها في مستوى التطور بما يخدم البشرية جمعاء؛ وذلك بالعمل الجاد لإعداد أبناء الأمة لمعرفة أسرار التقنية ومنجزاتها، وإدراك أسرارها وخفاياها. وأشير هنا إلى بعض عوائق التقدم وأسباب التخلف والتأخر التقني في عالم المسلمين المعاصر؛ علها تفتح أبواب العمل الدعوي لدراسة جادة لمقومات التقدم التقني ووسائله ضمن مشروعاته ونشاطاته واهتماماته. فمن العوائق ما يكون مادياً مثل: ١ - الأمية المنتشرة بين المسلمين وتمزق العالم الإسلامي المعاصر إلى دول وأقليات. ٢ - إهمال الدراسات التقنية في دول العالم الإسلامي، واعتمادهم على الغرب والشرق في ذلك نظراً لعدم توفر وسائل البحث العلمي والتقني من الأجهزة والمواد والقوى الفنية. ٣ - فقدان التنسيق والتعاون والتشاور بين المؤسسات الدعوية والعلمية والتقنية. وإذا تجاوزنا هذه العوائق المادية وجدنا أهم العوائق المتصلة بذات المسلمين ومن أهمها غياب التطبيق الصحيح للإسلام بصفته التشريع الشامل لجميع شؤون الحياة، وغياب الفهم الصحيح لدور الإنسان المسلم، وانعدام الشعور بالمعنى الحقيقي للأخوة الإسلامية ومتطلباتها. إننا إذا أدركنا ذلك وأدركنا أن العالم الإسلامي يمتلك من المقومات المختلفة للتقدم ما يؤهله للقيام بدوره فليس من العسير استخلاص الوسائل والطرق الكفيلة باللحوق بركب الحضارة بل والتقدم التقني في عالمنا الإسلامي.

стр. 4055

تأملات دعوية سلامة المنهج والعصمة محمد بن عبد الله الدويش www. dweesh. com مع انتشار الصحوة الإسلامية اليوم، وفشوِّ العلم الشرعي، كثر الحديث عن المنهج والاعتناء بسلامته. والمنهج يرتبط بالدعوة والتغيير ارتباطاً وثيقاً؛ ولذا فقد جاء ذلك في وصف الطائفة المنصورة القائمة بالحق إلى قيام الساعة، وورد تحديد ذلك بقتال الدجال؛ ففي رواية أبي داود: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرُهم المسيحَ الدجال» [١] . وجاءت صفة هؤلاء أنهم من كانوا على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته. وخط الاهتمام بسلامة المنهج يتجه نحو الرقي والتصاعد، وهو أمر باعث للفأل والاستبشار بمستقبل التغيير. لكن الحرص على المنهج ليس وحده كافياً؛ فثمة أمور كثيراً ما يحصل الخلط فيها، ومنها: الربط بين المنهج والعصمة: ونشأ عن ذلك الربط عدة ممارسات منها: التعامل مع الاتجاهات التي تسير وفق المنهج السلفي على أنها معصومة وإن كان ذلك لا يقرر على المستوى النظري فالنقد يتعامل معه بحساسية مفرطة، وردَّة الفعل تجاهه تركز حول الطعن في السلفية وكراهيتها. وفي الطرف المقابل يتعامل مع كل من يبدو عليه خلل منهجي بالرفض والنفور، وتتحول النظرة إلى أحكام قاطعة بالرفض المطلق والقبول المطلق. الخلط بين المنهج والأسلوب: تتفاوت الاتجاهات الإسلامية اليوم في مدى انضباطها الشرعي والمنهجي؛ وثمة اتجاهات لها تجربة ثرية في مواقع عدة من العمل الإسلامي، وقد تكون حققت جوانب من النجاح وسدت ثغرات عدة، إلا أن التحفظ المنهجي عليها قد يعوق بعض الغيورين على سلامة المنهج عن الاستفادة من تجربتها، بل ربما تحول الأمر إلى اعتبار المخالفة أمراً مقصوداً لذاته. وفي المقابل قد يكون لدى بعض الاتجاهات التي تتسم بالانضباط الشرعي والمنهجي إخفاق وفشل في تجارب ووسائل وبرامج عملية، فينشغل أصحابها عن المراجعة والتقويم بالحديث عن سلامة المنهج، وقد يتلقى بعض المعجبين والمحبين لهم الأمر مجملاً دون تمييز بين المنهج وبين الممارسة والأسلوب. إن سلامة المنهج لا تغني أبداً عن سلامة أسلوب تقديمه للناس، والخطوة الأخيرة لا تتم بمجرد وضوح معالم المنهج بل لا بد من الاعتناء ببرامج العمل التي تتيح تقبل الناس له، وتجنب الدعاة تكرار الإخفاقات والتجارب غير الناجحة التي كثيراً ما ينسبها الآخرون إلى المنهج ذاته، وقد أشار طائفة من أهل العلم إلى ذلك عند حديثهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ واصفاً حال من يفتقر إلى الفقه في أمره ونهيه: «فيأتي بالأمر والنهي معتقداً أنه مطيع في ذلك لله ورسوله وهو معتدٍ في حدوده» [٢] . والخلاصة أنه لا بد من الاعتناء بالانضباط الشرعي والمنهجي، ولا بد من دعوة العاملين للإسلام جميعاً إليه، ولا بد أن يضاف إلى ذلك تقديمه للناس بالقالب والإطار المناسب، كما ينبغي ألا تشغلنا سلامة منهجنا عن التقويم والمراجعة الجريئة لأساليب عملنا. ولا بد من الارتقاء بالتفكير، وسعة الأفق وإلاَّ فسوف يتجاوزنا القطار، ونفوِّت على أنفسنا فرصاً ثمينة.

стр. 4056

فتاوى أعلام الموقعين حكم ترشيح المرأة حسنين محمد مخلوف من المشكلات المزمنة: إقحام المرأة في ميادين تصادم طبيعتها وجِبِلَّتها، وتضاد شرع الله المنزل، ومن ذلك أن تسند الولايات العامة للمرأة كالولاية العظمى والقضاء ونحوهما، وقد سئل الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية ﵀ سنة ١٩٥٢م، عن حكم ترشيح المرأة نفسها ودخولها مجالس النواب أو الشيوخ أو الشورى ونحو ذلك فأجاب فضيلته: بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله. عُني الإسلام أتم عناية بإعداد المرأة الصالحة للمساهمة مع الرجل في بناء المجتمع على أساس من الدين والفضيلة والخلق القويم، وفي حدود الخصائص الطبيعية لكل من الجنسين، فرفع شأنها وكوَّن شخصيتها، وقرر حريتها، وفرض عليها كالرجل طلب العلم والمعرفة، ثم ناط بها من شؤون الحياة ما تهيئها لها طبيعة الأنوثة وما تحسنه؛ حتى إذا نهضت بأعبائها كانت زوجة صالحة، وأماً مربية، وربة منزل مدبرة، وكانت دعامة قوية في بناء الأسرة والمجتمع. وكان من رعاية الإسلام لها حق الرعاية أن أحاط عزتها وكرامتها بسياج منيع من تعاليمه الحكيمة، وحمى أنوثتها الطاهرة من العبث والعدوان، وباعد بينها وبين مظانِّ الريْب وبواعث الافتتان؛ فحرم على الرجل الأجنبي الخلوة بها والنظرة العارمة إليها، وحرم عليها أن تبدي زينتها إلا ما ظهر منها، وأن تخالط الرجال في مجامعهم، وأن تتشبه بهم فيما هو من خواص شؤونهم، وأعفاها من وجوب صلاة الجمعة والعيدين مع ما عرف عن الشارع من شديد الحرص على اجتماع المسلمين وتواصلهم، وأعفاها في الحج من التجرد للإحرام، ومنعها الإسلام من الأذان العام، وإمامة الرجال للصلاة، والإمامة العامة للمسلمين، وولاية القضاء بين الناس، وأثَّم من يوليها، بل حكم ببطلان قضائها على ما ذهب إليه جمهور الأئمة، ومنع المرأة من ولاية الحروب وقيادة الجيوش، ولم يبح لها من معونة الجيش إلا ما يتفق وحرمة أنوثتها. كل ذلك لخيرها وصونها وسد ذرائع الفتنة عنها والافتنان بها حذراً من أن يحيق بالمجتمع ما يفضي إلى انحلاله وانهيار بنائه؛ والله أعلم بما للطبائع البشرية من سلطان ودوافع، وبما للنفوس من ميول ونوازع، والناس يعلمون والحوادث تصدق. ولقد بلغ من أمر الحيطة للمرأة أن أمر الله تعالى نساء نبيه صلى الله عليه وسلم بالحجاب وهن أمهات المؤمنين حرمةً واحتراماً، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تمس يده (وهو المعصوم) أيدي النساء اللاتي بايعنه، وأن المرأة لم تُوَلَّ ولاية من الولايات الإسلامية في عهده ولا في عهد الخلفاء الراشدين ولا في عهود من بعدهم من الملوك والأمراء، ولا حضرت مجالس تشاوره ﷺ مع أصحابه من المهاجرين والأنصار؛ ذلك شأن المرأة في الإسلام ومبلغ تحصينها بالوسائل الواقية فهل تريد المرأة الآن أن تخترق آخر الأسوار، وتقتحم على الرجال قاعة البرلمان فتزاحم في الانتخاب والدعاية والجلسات واللجان والحفلات والتردد على الوزارات والسفر إلى المؤتمرات والجذب والدفع، وما إلى ذلك مما هو أكبر إثماً وأعظم خطراً من ولاية القضاء بين خصمين وقد حرمت عليها؟ ! واتفق أئمة المسلمين على تأثيم من يوليها تاركة زوجة وأطفالها وبيتها وديعة في يد من لا يرحم؛ إن ذلك لا يرضاه أحد ولا يقره الإسلام؛ بل ولا الأكثرية الساحقة من النساء؛ اللهم إلا من يدفعه تملُّق المرأة أو الخوف من غضبتها إلى مخالفة الضمير والدين ومجاراة الأهواء، ولا حسبان في ميزان الحق لهؤلاء. على المسلمين عامة أن يتعرفوا حكم الإسلام فيما يعتزمون الإقدام عليه من عمل؛ فهو مقطع الحق وفصل الخطاب، ولا خفاء في أن دخول المرأة في معمعة الانتخاب والنيابة غير جائز لما بيناه. وإننا ننتظر من السيدات الفضليات أن يعملن بجد وصدق لرفعة شأن المرأة من النواحي الدينية والأخلاقية والاجتماعية والعلمية الصحيحة في حدود طبيعة الأنوثة والتعاليم الإسلامية قبل أن يحرصن على خوض غمار الانتخاب والنيابة، وأن نسمع منهن صيحة مدوية للدعوة إلى وجوب تمسك النساء عامة بأهداب الدين والفضيلة في الأزياء والمظاهر والاجتماعات النسائية وغير ذلك مما هو كمال وجمال للمرأة المهذبة الفاضلة. ولهن منا جميعاً إذا فعلن ذلك خالص الشكر وعظيم الإجلال. ذلك خير لهن والله يوفقهن لما فيه الخير والصلاح [١] .

стр. 4057

نص شعري ثورة ألم صالح علي العَمري العينُ تبكي على إخوانها ألما ... والقلب في هذه الدُّنيا ينزُّ دما والكون مكتئب الأنفاس منتكسٌ ... وكان في سالف الأيام مبتسما كان الهدى والتقى والنصر مؤتلقاً ... فأصبح البؤسَ والآهاتِ والندما ما غيّر الكون لا خسفٌ ولا غرقٌ ... إلا معاصٍ فَشَت في الكون فاضطرما يا عينُ جودي بدمعٍ صادقٍ ودمٍ ... وابكي المآثر والأمجاد والقيما وارْثي دياراً من الإسلام خاليةً ... كانت تشعُّ الهدى والحبَّ والكرما وساحة الحق تشكو الظلم في أسفٍ ... ألاّ ترى من عدو الله منتقما كأننا ما ركبنا الخيل مُسرجةً ... وجيشنا في سبيل الله ما انتظما كنا نصون على حصبائها ذمماً ... فانظر لأعدائنا لا تحفظ الذمما أجدادنا طوّعوا الدنيا لخالقها ... وعلّموها معاني خلقها قِدَما تألقوا في رؤى الأخلاق كوكبةً ... وإن شدا البأس كانوا الشهب والرجما تحدثي يا رُبا الشيشان وانتحبي ... ويا فلسطين أفدي ذلك الحرما يا روضة الصين. . يا كشمير عزتنا ... قولا لقلبي المعنَّى كيف حالكما؟! وهل يجيبك في البلقان من أحدٍ ... إلا دماءٌ زكياتٌ وأيُّ دِمَا؟! ما با لنا ما حفظنا عهد خالقنا ... وما رعينا عرى الإيمان والرحما؟! كأن في العين عن أشلائكم حجباً!! ... أو أن في السمع عن آهاتكم صمما!! ماذا أُسطّر والتاريخ يشهدني ... وقد قتلنا على أشداقنا الكلما؟ ! نوح الأرامل يا تاريخ يفضحني ... قد مُتن في البيد من جوعٍ وطول ظما كم زهرةٍ في يد الطغيان ذابلةٍ ... باتت تناجي الغضا والريم والسلما هل من ثرى نجد من يهفو لنجدتنا ... أو من ربا النيل من يستنهض الهمما أو حملة من بني عثمان صادقة ... تحمي حمانا فيغدو شعثنا لمما الله. . يا رهبة الأشلاء داميةً!! ... يا شيبةً لم يجد في الأرض من رحما يا مرضعاً قتلت في جوف مسكنها!! ... يا طفلةً هُتكت لم تبلغ الحُلُما!! يا ألف أمٍّ أهان العِلْجُ عفّتها ... وطفلها بلظى الرشَّاش قد فُطما لو أُنطقت قسوة الأحجار في زمني ... لأسمعتنا الأسى والحزن والألما تصيح مهتوكة الأستار في فزعٍ ... فما نقلنا إلى إنقاذها قدما ويجأر الشيخ في ضعفٍ وفي قلقٍ ... ويشعل الضير في أعماقه حمما ما بال إخوتنا. . هانت مصيبتنا ... إن المصيبة ألا يرفعوا علما يدحرجون على آلامنا كرةً ... ويعزفون على أشلائنا نغما من أين للعين أن تُجلى بدمعتها ... وفي العيون عن النور المبين عمَى!! لقد قُتلت فما أبكيت ذا كبدٍ ... وقد صرخت فما أسمعت معتصما أدعوك يا رب دعوى من يموت أسى ... ومن رآك تزيل الضرّ فاعتصما أدعوك دعوة من تنهلّ عبرته ... من كان في عزّةٍ فانذل وانظلما أن تكشف الكرب يا ربي وتنصرنا ... وأن تسخّر للثارات منتقما ما لي سوى الله والدنيا تناوشني ... والأرض تقذف من بركانها حمما ما لي سوى الله والأمواج تصرعني ... وقاربي في لجاج الهمّ قد هُزما ظننت أني بكُثر القوم مغتبطٌ ... فصرت من بعض قومي أبتغي العدما لو كنت أمضي بشرع الله معتصماً ... لكان ذكري على الأيام محترما!! قد يصمد السدُّ يثني كل هائجةٍ ... لكنْ إذا شيك في أركانه انهدما!!

стр. 4058

البيان الأدبي قصة قصيرة ... قارب النجاة إسلام دعدوشة خرج من الفندق الضخم الذي غالباً ما ينزل فيه مدة إجازته رغم أن لديه شقة في القرية. لقد قرر أن يُجشِّم نفسه مشقة السفر إلى قريته بين حين وآخر ليزور بعض الأهل، ويتفقد أحوال صديق صباه وشبابه؛ فمنذ أن بدأت رحلة الغربة لم يزر القرية التي ترتمي في أحضان الحقول الخضراء، ولم يملأ رئتيه من أريج أشجار التفاح. الطريق موحش ومترب، غاصتْ قدماه في طريقها المترب الطويل. وطافت بذهنه وهو يتهاوى في كلل وسأم ذكرى يوم أن عزم على السفر والغربة وصوت صديقه الهامس يدوي: - أخاف عليك من هذه الغربة.. إنها مغامرة. - سأجرب حظي. اختار صديقه كلية الطب، فلقد كان مولعاً بشفاء الأبدان من أدوائها وأسقامها، وليخفف من أتراح الملهوفين وأناتهم، واختار غريب كلية التربية ليعالج الصدور من أمراضها وجواها، ولتحيا قلوبهم وأرواحهم بنور البصائر.. إنها رسالة واحدة؛ فبالطب تحصل حياة الأبدان والأشباح، وبالعلم تحصل حياة القلوب والأرواح؛ فالظلام والفقر والمرض ثالوث مرعب يخيم على أهل القرية. ويتردد صوت صابر وهو يودعه بكلماته المؤثرة: - أتمنى ألا تخرج من أحلامك كما خرجت من قريتك. - لا تخف.. سنة أو بعض سنة ونعود لنكمل رسالتنا. وطالت رحلة الاغتراب لكنه عازم على أن يضع حداً لغربة طالت؛ فهل تنتهي غربته عن نفسه حين يضع عصا الرحيل والسفر؟ ! نعم! إن جيوبه الآن ممتلئة بالدراهم لكن قلبه فارغ من الأهداف، خالٍ من المشاعر، إنه يستطيع أن ينثر الدراهم التي جمعها في أعين الآخرين، ويمكنه أن يدسّها في جيوبهم ليحقق مآربه وأمانيه، ووسط هذا الشرود اعترض طريقه بعض أهل القرية فحياهم ببرود وفتور. وقاده أحدهم إلى منزل صديقه. وهرول الصديقان فتعانقا، وأجلسه صابر إلى جانبه قليلاً. - كيف حالك يا غريب؟ منذ وقت طويل لم نتقابل. - لكن قدر الله أن نلتقي ثانية. وجاء ابن صديقه بالشاي، فراحا يحسوانه، وأخذا يقلبان صفحات ذكريات ثرّة.. وابتدره صابر: - ترى هل قررت أخيراً الاستقرار وإنهاء هذه الغربة؟ - نعم! لكن الاستقرار سيكون في المدينة، فلم أعد أطيق هذا الموات! - آه ... لقد تغيرت كثيراً. - لا بل أفكارك أنت لا تزال تقليدية تماماً مثل هذه القرية الموحشة. اغتصب ضحكة وواصل: - حدثني عن أحوالك وأفكارك بالتفصيل. - أنوي بناء مستشفى أهلي خمسة نجوم، فهل تضع يدك في يدي؟ - عظيم.. لكن.. - أعرف أنك ستقول: لِمَ لا نجعل هذا المشروع في القرية؟ - ولِمَ لا؟ الأقربون أوْلى بالمعروف، وليكن بجانب المستشفى «معهد ديني» ينشر النور في ربوع القرية؟ فردَّ متململاً: - ألا زلت قائماً على هذه الأوهام؟ أتظن أني مجنون أنثر الصدقات وألقيها على كل من هب ودب؟ ! ساد صمت مطبق، لقد أصبح شخصاً غريباً، إنه تاجر لا مجال عنده للعواطف، يحمل في جيبه آلة صغيرة تحسب له كل شيء الربح والخسارة، لم يعد يقنع إلا بحديث الأرقام. - وهل خُلق أمثالنا ليعيشوا لأنفسهم كما يعيش الرعاع البشري الهائم؟ - الإنسان يعيش مرة واحدة، ليعبر قنطرة الفقر المخيم على القرية. وصل غريب إلى الثراء الذي كان يحلم به ويرغب فيه.. ولكنه انسلخ من القرية الفقيرة، تغيرت أفكاره، وتبدلت نظرته للحياة؛ فأحاديثه كلها عن شراء قطعة أرض هنا أو بناء عمارة هناك.. لكنَّ وجهه تعلوه سحابة من الضجر والأرق، وعيناه يكحلها القلق، فطفق يشعل السيجارة من السيجارة. فانطلق صوت صديقه يهدئ من روعه: - يكاد القلق يحرق قلبك كما أحرق الدخان شفتيك؟ ! - لا أدري إني خائف ألاَّ يكفينا راتبي الذي سأحصل عليه هنا - الأمر بسيط.. غيِّر قليلاً من عاداتك. - لكني أفكر في مستقبل الأولاد الثلاثة.. وكيف أضمن لهم مستقبلهم فلا يتعبون مثلي. - إن تأمين مستقبل أولادك لا يكون إلا بشيء واحد. - وما هو؟ .. لكن لتكن واقعياً. - أن تكون رجلاً صالحاً، فتفكر في غيرك وتعيش للآخرين. - آه.. كف عن هذه المثاليات.. وانشغل بتأمين مستقبل أولادك. لكنَّ صابراً رد في ثقة وهدوء: - صدقني يا غريب! صلاح الآباء هو التأمين الحقيقي لمستقبل الأبناء، وجرب مرة أن تعيش لغيرك ولأمتك. وافترقا دون أن يقتنع كل منهما بوجهة نظر صاحبه. وبدأ الجو يعبق بجنان الشتاء المولي وبشائر الربيع، وتوارت الشمس خلف الأفق تسكب دماً قانياً على الوجود الذي تلفع بالسواد. وارتفع صوت المؤذن فوق المئذنة القديمة المتهالكة. ودلف غريب إلى المسجد ليصلي مع المصلين لعله يجد برد الراحة، ويسكت عنه القلق. واختلط صوت المؤذن بكلام صديقه الذي يدوي في مسامعه: - التأمين الحقيقي أن تكون رجلاً صالحاً تعيش للناس. وانطلق صوت العم رمضان إمام المسجد يتلو آيات من سورة الكهف. يا له من صوت عذب افتقده منذ سنين! تذكر سورة الكهف التي تعود أن يهذها هذَّ الشعر غداة يوم الجمعة بلا أدنى فهم أو تدبر وكأنه يسمعها لأول مرة، وانتهى العم رمضان إلى قوله تعالى: [وَأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ] (الكهف: ٨٢) . كاد عقله يطيش وهو يسمع هذه الآيات، لقد حفظ الله الغلامين بصلاح الأب.. هكذا يجني الولدُ صلاحَ الوالد. جلس يستغفر، وبدأ برد السكينة يدب في عروقه، لقد أعادت هذه الآيات الكريمة روحه إلى جسده المتعب، لقد انتهت غربته على عتبة هذا المسجد، فليست السعادة كما تخيل في فراشٍ وثير ومالٍ وفير. وبات يتساءل: - كيف استحالت نفوسنا قبوراً تحمل أرماس رسالة خالدة؟ فمَن لمن أشله الجهل وأعماه؟ ومَن للقطيع الشارد عن مولاه؟ ومَن للتائهين في لجج الحياة؟ من لكل هؤلاء إذا انكفأ أهل الخير على مرآة ذواتهم، وعاشوا لأنفسهم؟ ! حقاً إن هذا اللهاث المادي، والعيش في سرداب الذات جعل من روح الإنسان العلوية نفساً دنية دنيوية، تنتهي كحمار الرحى لا ينقطع عن الدوران لحظة ليل أو نهار. لا والله لن يبرح القرية بعد اليوم، الآن فقط انتهت غربته الحقيقية، واهتدى أخيراً إلى الطريق.

стр. 4059

الإسلام لعصرنا حُماة الرذيلة أ. د. جعفر شيخ إدريس رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة يبدو أنه ما من مجتمع بشري إلا وفيه دعاة إلى نوع من الفضيلة وحماة للرذيلة، وأن حال المجتمع ومصيره رهين بغلبة أحد الفريقين. وأعني بالفضيلة أشياء مثل الصدق والعدل والأمانة والعفة وعدم الانغماس في الشهوات، والتحذير من كل ما يؤدي إلى ذلك من وسائل. هذه الأمور من الفضائل التي ركزها الله في طبيعة البشر، والتي تأتي أنوار الرسالات لتؤكدها وتشرع للناس ما يتناسب معها من عقائد وعبادات ومعاملات. أريد أن أعطي القارئ الفاضل أمثلة من هذا لبعض ما اطلعت عليه في الغرب في الأسابيع الأخيرة من غير بحث ولا تنقيب. قرأت قبل بضعة أسابيع مقالاً بجريدة (نيويورك تايمز) يسخر فيه صاحبه من كثير من الفضائل التي يتميز بها المجتمع السعودي، ويقول إنها تعوق فتح باب السياحة للأجانب، ويرى أن الاستفادة من هذه السياحة تتطلب التخلص من تلك الفضائل، وأن تستبدل بها الرذائل التي اعتاد عليها في بلده والتي أصبح كثير من أمثاله حتى في بلادنا يرونها ضربة لازب لكل مجتمع يريد أن يرتقي إلى مصاف الدول المتحضرة بزعمهم. يسخر من الحجاب، ومن قتل القاتل، ومن منع اختلاط الرجال بالنساء، ومن توقف العمل لأداء الصلاة. ويقول: إن فكرة تجوال امرأة شابة غير متزوجة وهي لا ترتدي إلا ... هو مما يراه السعوديون أمراً مرعباً. لم أعرف تلك اللبسة التي ذكرها حتى سألت عنها، فإذا بها لبسة لا تغطي من جسم المرأة إلا شيئاً من صدرها، وشيئاً قليلاً مما فوق ركبتيها بكثير إلى ما تحت خاصرتها! هذا الذي يراه هذا المطموس الفطرة أمراً طبيعياً، بينما يرى الحجاب أمراً منكراً. ثم قرأت بعد أسابيع من ذلك في جريدة (الواشنطن بوست) مقالاً يقول: إن تلك اللبسة صارت اليوم معروضة في كبرى المحلات التجارية ضمن ألبسة طالبات المدارس حتى اللائي لم يبلغن سن العاشرة! لكنه يذكر أن كثيراً من الآباء احتجوا على الدعاية لها، وأن بعض الأمهات رفضن أن يشترينها لبناتهن رغم إلحاحهن الشديد، وأن بعض مدراء المدارس يفكر الآن في فرض زي معين للطالبات. فمن الذي سينجح في هذه المعركة إن كانت معركة؟ أغلب ظني أنهم حماة الرذيلة. وكنت قد ذهبت قبل أسبوعين إلى لندن للمشاركة في مؤتمر عن العولمة نظمه المنتدى الإسلامي. وأثناء وجودي بالفندق كنت أقرأ بعض الصحف اليومية وبعض المجلات، كما أشاهد التلفاز. فوجدت في تلك الأخبار العجب العجاب. سمعتهم يتحدثون عن برنامج عرضته إحدى القنوات التجارية أثار سخط الآباء والأمهات، بل سخط بعض الوزراء والوزيرات. أتدرون عما كان البرنامج؟ كان عن المبتلين بالميل الجنسي إلى الأطفال. ويبدو أنه عرضت فيه صور فاضحة وأنه سخر من الاعتراض على هذا الانحراف. لكن حماة الرذيلة وعلى رأسهم المسؤول عن القناة جاء يدافع عنه ويزعم أنه لا يرى فيه منافاة للأخلاق! ثم قرأت في إحدى الجرائد عن فيلم سيعرض بعد أسابيع يشاهد فيه الشعب الإنجليزي لأول مرة الفاحشة تمارس على شاشات السينما. بل إن الدعاية له التي نشرتها الجريدة والتي رأيتها بعد ذلك معلقة في الأماكن العامة تتضمن شيئاً من ذلك المنكر. قالت إحدى الكاتبات في تلك الجريدة: هل نحن مقبلون على ممارسة الجنس في قارعة الطريق؟ وتذكرت كما أن القارئ لا بد أن يكون قد تذكر الحديث الذي رواه أبو يعلى عن رسول الله ﷺ وهو يتكلم عن آخر الزمان: «والذي نفسي بيده لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق؛ فيكون خيارهم يومئذ من يقول: لو واريتَها وراء هذا الحائط» [١] . لكن منتجي الفيلم، وكاتب القصة التي بني عليها ظهروا على شاشات التلفاز يدافعون عن هذا المنكر ولا يرون فيه شيئاً منافياً للأخلاق. ثم قرأت بإحدى المجلات مقالاً طويلاً بعنوان: (عصر الانحطاط) ذكَّرني بكتاب جديد في تاريخ الثقافة الغربية عنوانه: (من الفجر إلى الانحطاط) ، عرفت من صاحبة المقال أن ذينك البرنامجين المذكورين آنفاً كاناً ضمن سلسلة من المنكرات التي توالت في مدى بضعة أسابيع بتلك البلاد، منها اعتراف أحد الكبار بأنه أقسم أمام القضاء كاذباً، واعتراف بعض المتزوجين لوسائل الإعلام بأنهم زنوا، ومنها كثرة العلاقات الجنسية بين أقرب المحارم. لكن هذا الكلام لم يعجب إحدى حاميات الرذيلة فكتبت في إحدى جرائد التابلويد تسخر من الكاتبة ومن المجلة التي نشرت المقال. وكان مما قالته: إن زنا المتزوجين ليس بالخطيئة الجديدة؛ فلا يعد معياراً لانحطاط الأمم. أقول: نعم! إنه ليس بالخطيئة الجديدة؛ بل قد يحدث في أكثر المجتمعات عفة. لكن هناك فرق بين أن يكون حوادث شاذة متناثرة، وبين أن تعم به البلوى فيكون سمة للمجتمع. وأقول للكاتبة: ما رأيها فيما نشرته الجرائد عن مسرحية ظهر فيها أحد الممثلين عرياناً أمام الجمهور، ثم أعطاهم قفاه و ... تخيلوا ماذا؟ تغوط! أترى هذا أيضاً لا يدل على الانحطاط حتى في الأذواق؟ إن الإجرام دركات؛ ففرق بين أن يرتكب الإنسان جرماً محصوراً في نفسه، وبين أن يتباهى به ويعلنه على الناس، ثم بين هذا وبين من يدعو إليه ويسعى للدفاع عنه وحماية مرتكبيه. هؤلاء هم شرار الخلق وهم سبب انحطاط الأمم وهلاكها. وقد أعطانا ربنا صورة واضحة عنهم لنسعى جاهدين لقمعهم ودفع باطلهم تعلمنا من كتاب ربنا أن بعض الناس لا يفعل الغواية فحسب، بل يحبها ويكره الهداية. [وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى] (فصلت: ١٧) ، وأن بعض الناس لا يرتكب الفاحشة فحسب بل يحب لها أن تنتشر ولا سيما بين الصالحين. [إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا] (النور: ١٩) ، وأن بعض الناس يحب الكفر والفسوق والعصيان إلى درجة تجعله مستعداً لأن يبذل كل ما في وسعه للدفاع عنها بالحجة والمال، بل بالنفس وكل رخيص وغال. [كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ] (المائدة: ٦٤) . [وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوَهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ] (الأنعام: ١٢١) . [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] (الأنفال: ٣٦) . [الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أُوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً] (النساء: ٧٦) . وأنت ترى في هذه الآيات الكريمة وغيرها كيف أن الله تعالى لا يكتفي بإخبارنا عن باطلهم، بل يحثنا على مدافعته وتغييره. فعلى المؤمنين بالحق أن لا يقفوا عند حدود الاستمساك السلبي به، بل أن يكونوا متعاونين في الدعوة إليه، والدفاع عنه، والسعي لقمع أعدائه بالحجة والبرهان، وبذل النفس والنفيس. [وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ] (الأنفال: ٧٣) . إن حماة الرذيلة لا يقفون عند حد الدفاع عنها، بل يسعون لمحو معالم كل فضيلة مضادة لها. لكن الذي يمنعهم من ذلك هم جنود الحق المدافعون عنه الباذلون الجهد لإعلاء كلمة الله. [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ] (البقرة: ٢٥١) .

стр. 4060

ندوات ومحاضرات مع الانتفاضة في عامها الأول (١ - ٢) ضيوف الندوة: * فضيلة الشيخ: حسن يوسف: من القيادات البارزة في حركة حماس في الضفة الغربية رام الله. * الدكتور: محمد صالح: عضو مؤسس في حركة حماس، ممن شهد النكبة عام ١٩٤٨م. * الأستاذ الدكتور: سيف عبد الفتاح: أستاذ العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة. * الأستاذ الدكتور: عبد الستار فتح الله سعيد: أستاذ التفسير بجامعتي الأزهر وأم القرى سابقاً. المحور الأول: حول المرحلة السابقة من العمل الإسلامي في فلسطين قبل الانتفاضة الأخيرة: البيان: ما هي قصة الانتفاضة السابقة عام (١٤٠٨هـ / ١٩٨٧م) ، وما هي أهم ثمراتها التي قطفت، وما أهم ثمراتها التي خطفت؟ يجيب الدكتور محمد صالح: في الحقيقة لم تكن الانتفاضة الأولى وليدة ساعتها ولكنها كانت ثمرة تنامي العمل الإسلامي داخل فلسطين بعد أن تراجع دور منظمة التحرير في المقاومة على إثر خروجها من لبنان نتيجة للاجتياح الإسرائيلي للجنوب اللبناني عام ١٩٨٢م. ونتيجة لانتشار الحركة الإسلامية الواسع داخل فلسطين أصبحت الحركة في مواجهة مع الأحداث؛ فبدأت بتشكيل أجهزة أمنية عسكرية ومجموعات مقاومة مدنية على مستوى الأحياء والقرى والمدن قبل عدة سنوات من انفجار الانتفاضة، وقد بلغت تلك التشكيلات مرحلة متقدمة في قطاع غزة على وجه الخصوص قبل الانتفاضة بأكثر من عام. ومنذ عام ١٩٨٤م قام جناح الحركة الإسلامية خارج فلسطين بتشكيل أجهزة عديدة من أبناء فلسطين في الشتات للقيام بأنشطة متعددة أهمها الجهاز المالي والسياسي وكذلك الإعلامي؛ وذلك قبل الانتفاضة بنحو ثلاثة أعوام، وقد تنامى هذا العمل في كافة ساحات الشتات الفلسطيني وخاصة في العالم العربي وفي الغرب. لقد تزايد التوتر ضد الاحتلال في أواخر عام ١٩٨٧م، وتزامن ذلك مع قرار الحركة الإسلامية بالبدء بمقاومة الاحتلال، فتفجرت الانتفاضة على إثر حادث السيارة المعروف، وذلك عندما قام مستوطن إسرائيلي بصدم ثلاثة فلسطينيين عمداً في قطاع غزة، مما أدى إلى استشهادهم. وثار الشارع الفلسطيني في قطاع غزة على إثر هذا الحادث الاستفزازي؛ فبدأت الانتفاضة في القطاع بشكل قوي ومنظم تقودها الحركة الإسلامية بشكل ظاهر ولكن غير معلن، لتمتد بعد ذلك إلى الضفة الغربية بالنهج المتمثل في التصدي لقوات الاحتلال الإسرائيلية بالحجارة، وقد ظهر ذلك إلى العلن مع صدور أول بيان عن الحركة الإسلامية بخصوص الانتفاضة بعد أسبوعين من بدايتها. ظلت حركة فتح والمنظمات الفلسطينية الأخرى مترددة حيال الانتفاضة؛ لأنها لا تعلم شيئاً عنها، إلى أن اتخذت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية المنعقدة في بغداد قراراً بدعم الانتفاضة والمشاركة فيها بعد نحو شهر من بدايتها. ثم إنه وعلى إثر اجتماع بين قيادات الحركة الإسلامية داخل فلسطين وخارجها بعد نحو أسبوعين من بداية الانتفاضة تم الاتفاق على قيام حركة المقاومة الإسلامية حماس، وتشكلت في حينها قيادة عليا للحركة في خارج فلسطين وقيادة ميدانية في كل من الضفة وقطاع غزة، وصدر في حينها أول بيان لحركة حماس من داخل فلسطين. وتشكلت بعد ذلك (كتائب الشهيد عز الدين القسام) الجناح العسكري للحركة داخل فلسطين، وكان تركيز عملياتها على القوات الإسرائيلية المسلحة بما في ذلك المستوطنون، وكانت معظم عملياتها خارج المدن، ولقد استمر ذلك النهج في نمط العمليات حتى عام ١٩٩٣م، حين اتخذت قيادة كتائب القسام قراراً بمعاملة المدنيين الإسرائيليين بالمثل، وذلك على إثر قيام الإسرائيليين بقتل أعداد كبيرة من الفلسطينيين العزل، وبدأت كتائب عز الدين القسام بتنفيذ عملياتها الاستشهادية ضد العسكريين والمدنيين، ولقد أعلنت كتائب القسام أكثر من مرة بأنه في حال توقُّف الجيش الإسرائيلي والمستوطنين عن استهداف المدنيين العزل من الفلسطينيين فإنه يمكن لكتائب عز الدين القسام أن توقف عملياتها الاستشهادية ضد المدنيين الإسرائيليين. البيان: ما هي في رأيكم أهم ثمرات الانتفاضة التي قطفت؟ يجيب الشيخ حسن يوسف من قيادات حماس في رام الله: من هذه الثمرات: عبور الإسلاميين إلى ميدان العمل الجهادي في فلسطين، وما يحمله ذلك من وزن ومغزى يعطي الصراع عمقه العقائدي والحضاري، وهو ما كان غائباً تقريباً طيلة الفترة من ١٩٤٨ ١٩٨٧م باستثناء الحضور المؤثر في حرب ١٩٤٨م، ثم النشاط الإخواني في النصف الأول من الخمسينيات في قطاع غزة. وكان للحضور الإسلامي الفاعل في انتفاضة ١٩٨٧م دوراً أساسياً في إعادة الاعتبار للإسلاميين في العالم العربي والإسلامي تجاه مشاركتهم في الساحة الفلسطينية وحمل همِّ القضية والجهاد والنضال في جبهاتها المختلفة، وكان لهذا الحضور أيضاً الدور المقرر في أن يعترف الوطنيون/ العلمانيون في الساحة الفلسطينية بشرعية الوجود الإسلامي الذي طالما كان منفياً ومشكوكاً فيه حتى اندلاع انتفاضة ١٩٨٧م. وأيضاً غدا الإسلاميون ومن خلال تصاعد تجربتهم الجهادية وبروزها خلال الانتفاضة العنوان الوحيد الحامل لمشعل مقاومة المشروع الصهيوني الذي تعاقب على حمله أجيال الفلسطينيين في مائة العام الماضية، وخاصة حينما حان وقت الحلول وتصفية القضية، ولو أن انتفاضة ١٩٨٧م تركت دون عوائق الاتفاقيات والمؤامرات على العمل الجهادي لأصبح الإسلاميون؛ ليس فقط قادة الساحة الفلسطينية دونما منازع، بل لأمكن بعون الله انتزاع حقوق على الأرض. ونذكر أيضاً أنه في انتفاضة ١٩٨٧م ارتفعت نسبة التدين والإقبال على الله، وانتشار قيم التماسك والتضامن الاجتماعي التي يُعتبر الإسلام وقيمه وأخلاقياته حاضنها وراعيها، وفي حالتنا غدا الدين الحامي الأهم لهويتنا الوطنية أمام الاحتلال وقيمه المادية والعنصرية. البيان: وما هي أهم ثمراتها التي خطفت؟ يجيب الدكتور محمد صالح: - كان مقرراً أن تستمر الانتفاضة وتتصاعد في المناطق المحتلة (الضفة والقطاع) ، وأن تتطور المقاومة المسلحة إلى أن يتم دحر الاحتلال، ولكن اتفاق أوسلو عاجل الانتفاضة وأجهض أهدافها. وتتحمل منظمة التحرير الفلسطينية المسؤولية الكاملة عن هذا الإخفاق، وخاصة أنه لم يكن هناك مسوِّغ سياسي أو اقتصادي أو حتى عسكري لتوقيع ذلك الاتفاق المهين، اللهم إلا خوف منظمة التحرير الفلسطينية وقياداتها من صعود نجم الحركة الإسلامية ومنافستها على قيادة الشعب الفلسطيني بعد أن شاخت قياداتها وعجزت عن احتواء تقدم حركة حماس جماهيرياً وعسكرياً وسياسياً على مستوى الداخل ومستوى العالم العربي والإسلامي. - كان من أهداف الانتفاضة الإعلان عن وحدة الشعب الفلسطيني حول هدف التحرير، وحشد طاقات الأمة العربية والإسلامية لدعم المقاومة داخل فلسطين، وزيادة الحصار حول (إسرائيل) وصولاً إلى الحصول على التأييد العالمي لمساندة الحق الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وإقناع الغرب بأن (دولة إسرائيل) لا تحقق أهدافهم بالسيطرة على الشرق الأوسط بل تؤدي إلى تزايد العداء ضدهم في حال استمرار دعمهم لـ (إسرائيل) ، وجاء اتفاق أوسلو ليخرج بالسلطة الفلسطينية عن الإجماع العربي، ويفتح الباب أمام الاختراق الإسرائيلي للعالم العربي والإسلامي ودول عدم الانحياز، كما تسبب في ضرب وحدة الشعب الفلسطيني. - وكان من أهم أهداف الانتفاضة دفع اليهود إلى الهجرة المعاكسة من (إسرائيل) ؛ فجاء اتفاق أوسلو ليفتح الباب أمام هجرة يهودية كبيرة جديدة، وليؤدي إلى تزايد وتيرة الاستيطان في القدس والضفة الغربية وغزة. البيان: كيف توقفت الانتفاضة تلك الأولى، وما الأطراف التي تسببت في ذلك التوقف؟ يجيب الدكتور محمد صالح: لقد توقفت الانتفاضة على إثر توقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات وبين الدولة العبرية؛ فانسحبت حركة فتح والمنظمات الفلسطينية التي قبلت خيار السلام مع (إسرائيل) من ساحة المواجهة ومن المشاركة في فعاليات الانتفاضة الجماهيرية، وأعلنت معارضتها لأي عمل عسكري ضد (إسرائيل) . وبانتقال قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من تونس إلى فلسطين وقيام السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة توقفت فعاليات الانتفاضة الشعبية تماماً، ولكن العمليات العسكرية بشكل عام والعمليات الاستشهادية بشكل خاص لم تتوقف، بل تزايدت وتصاعدت وتيرتها بشكل كبير، حتى بلغت ذروتها في عام ١٩٩٦م؛ مما أدى إلى عقد مؤتمر مقاومة الإرهاب (أو مؤتمر السلام) بقيادة الولايات المتحدة في شرم الشيخ، وحينئذ تعهدت السلطة الفلسطينية بالتصدي لحركة حماس وقامت باعتقال كافة عناصرها العاملة في مجال العمل الخيري والسياسي والإعلامي إلى جانب كل من يشتبه بعلاقته بالعمل الجهادي، ولقد تعاونت كل من السلطة الفلسطينية والأردن والولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا مع (إسرائيل) في ملاحقة أبطال المقاومة المسلحة وكل من له صلة بها داخل فلسطين وخارجها وخاصة في الأردن وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. ويضيف الشيخ حسن يوسف: وفعلت السياسات الاحتلالية فعلها في إنهاك الناس؛ فقد كانت تقتل، وتعتقل الآلاف، وتبعد بالعشرات، وفي مرات بالمئات، هذا فضلاً عن نسف البيوت، وفرض الغرامات والضرائب، والتنكيل بالناس، وفرض الحصارات المتكررة. واجتمعت عوامل القوى التي كان لها تأثير كبير على المجتمع الفلسطيني ورسم مستقبله لتعمل على تطويع الانتفاضة وتوقفها عن المضي، وإذا كانت أوسلو هي اللحظة التي يشار إليها على انتهاء انتفاضة ١٩٨٧م فما كانت لتحدث لولا ما يجمع عليه المحللون فضلاً عن صانعي القرار أنفسهم (انظر في ذلك ما كتبه كل من بيرس، أوري سبير، ايهود باراك، محمد حسنين هيكل، عزمي بشارة، توفيق أبو بكر، إيليا زريق، المستشرق اليهودي باروخ كيمرلينج، الباحثة الأمريكية سارة روي، وغيرهم الكثير) من أن سببها المباشر كان الخوف من تعاظم قوة الإسلاميين التي كانت آنذاك آخذة في التصاعد، أي إن الانتفاضة كانت مرشحة على يد الإسلاميين إلى تطور جديد من المقاومة والمواجهة، إلا أن مصالح الإسرائيليين وقيادة عرفات آنذاك ومصر والأردن وغالب الدول العربية كانت متوافقة مع نتائج اتفاق أوسلو، وهي بهذا شبيهة بالكتاب الأبيض الذي تمخض عن لقاء الدائرة المستديرة عام ١٩٣٩م الذي أنهى ثورة ١٩٣٦م؛ حيث اتفقت آنذاك القوى المؤثرة في المستقبل الفلسطيني على حل لم يوافق عليه آنذاك الفلسطينيون ولا اليهود على السواء. البيان: هل يمكن أن يتكرر سيناريو الإيقاف وهذا السؤال نتوجه به إلى الأستاذ الدكتور سيف عبد الفتاح؟ أ. د. سيف عبد الفتاح: يمكن أن نقول بالفعل كما قال أحد المحللين متحدثاً عن ثلاثة أطوار مر بها العمل الفلسطيني في الفترة الماضية: الطور الأول: هو الذي يتعلق بانتفاضة من غير سلطة واستغرق فترة سبع سنين. ثم الطور الثاني: سبع سنين أخرى سلطة بغير انتفاضة. ثم المرحلة الأخيرة: جاءت فيها الانتفاضة مع السلطة. أنا أظن أن هذا مفتاح جيد للإجابة عن التساؤلات حول الواقع الانتفاضي. الأمر الذي يتعلق بالانتفاضة الأولى؛ هل توقفت الانتفاضة الأولى؟ نستطيع القول إن الانتفاضة الأولى لم تتوقف تلقائياً ولكن الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه هو أنه حدث ما يسمى بالالتفاف حول الانتفاضة، كان ذلك في إطار وعد من سلطة فلسطينية أتت على الأرض تحاول أن تروِّج لهؤلاء أن السلام قادم لا محالة، وأن السلام مع (إسرائيل) ممكن، وأن ذلك سينعكس على الحياة المعيشية داخل الأراضي الفلسطينية، من هنا ظل هؤلاء الناس يصبرون على الأوضاع التي تولدت مع السلطة، لكن السنوات السبع في الحقيقة شهدت تصعيداً خطيراً على الأرض في إطار أن (إسرائيل) بمشروعها الصهيوني وبمشروعها التهويدي في القدس وبمشروعها في وأد كل إمكانات المقاومة. وحينما نتأمل الوضع الالتفافي الذي كان من المفترض أن يؤدي إلى إيقاف المقاومة والجهود التي تواطأت من أجل ذلك نجد أنها زادت المقاومة اشتعالاً ولو بعد حين.. الانتفاضة إذن لم تتوقف! إذن من الوارد الالتفاف من جديد حول الانتفاضة؟ د. سيف: من الوارد بلا شك، وقد حدث ذلك على سبيل المثال؛ فإن إدانة السلطة الفلسطينية لعمليات المقاومة تحت مسمى إدانة قتل المدنيين من الجانبين هو نوع من الالتفاف والمغالطة؛ لأنه وفق التعريف ليس هناك مدني في إسرائيل سوى الأطفال الذين لا يعون؛ فما عدا الأطفال فإن كل فئات الشعب الإسرائيلي محاربة ومقاتلة.. وإن واجب المقاومة غاية في الأهمية؛ والانتفاضة في أشكالها المختلفة بما فيها العمليات الاستشهادية عمل مشروع بل واجب، ولا يستطيع أي أحد بأي حال من الأحوال أن يتحدث عن عدم مشروعيته أو عدم جدواه. البيان: لكن يبدو أن الدكتور صالح له رأي آخر؟ الدكتور صالح: نعم، من الصعب أن يتكرر الإيقاف بالشكل الذي حدث سابقاً؛ لأنه من غير الممكن خداع الشعب الفلسطيني بالوعود كما حدث بشأن الانتفاضة الأولى، وخاصة أن (إسرائيل) تصر على موقفها حول القدس والدولة المستقلة وعودة اللاجئين. وإن انتهاء مؤتمر كامب ديفيد الأخير بين عرفات وباراك دون اتفاق لم يترك مجالاً لخداع الشارع الفلسطيني. فإذا أضيف إلى ذلك قوة الموقف العربي والإسلامي الرسمي والشعبي الداعم سياسياً للانتفاضة ولمطالب الشعب الفلسطيني العادلة، فإن هذه الأمور جميعاً تجعل من المستبعد أن تتوقف الانتفاضة دون تحقيق الحد الأدنى من أهدافها، وهو: دحر الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس بإذن الله. ولكن في حال اجتياح الجيش الإسرائيلي لمناطق السلطة الفلسطينية يمكن للانتفاضة الشعبية أن تتوقف قسراً، وحينئذ تتحول الانتفاضة إلى مقاومة مسلحة شاملة ضد الاحتلال؛ ولذا يستبعد أن تبادر (إسرائيل) إلى إسقاط السلطة نهائياً، بل يحتمل أن تعمد إلى تغيير القيادات لتأتي بمن يقبل أن يكون عميلاً لها أكثر. الاحتمال الأكثر خطورة على الانتفاضة هو قيام (إسرائيل) بإشعال حرب إقليمية بدعم أمريكي يتم من خلالها احتلال غرب سوريا وصولاً إلى نهر الفرات، وفي حال تحقيق نصر حاسم لـ (إسرائيل) على سوريا في مثل هذه الحرب سينهار النظام العربي على الجبهة الشرقية، ليؤدي إلى إحباط الانتفاضة الفلسطينية. هذا الاحتمال يحتاج إلى عدة سنوات من الإعداد المشترك بين (إسرائيل) والولايات المتحدة الأمريكية، ويحتاج إلى ظروف موضوعية ومسوغات دولية تتيح لأمريكا أن تشارك في مثل هذه الخطة. البيان: يبدو أن طبيعة الصراع مع اليهود بالغة التعقيد، فما هي برأيكم فضيلة الدكتور عبد الستار سعيد مصادر هذا التعقيد؟ الأستاذ الدكتور عبد الستار سعيد: أهم مصادر هذا التعقيد التواء طبيعة الشعب اليهودي في القديم والحديث والتي صورها لنا القرآن في وضوح وجلاء، وهي كما عرفها التاريخ ليست في الشرق وحده بل في كل مكان، ومما يعبر عن ذلك نموذج (شايلوك) في رواية شكسبير الشهيرة. بل وكتبهم أيضا تبين لنا قدراً كبيراً من هذه الطبيعة، وهي في غاية الحقد ليس على المسلمين وحدهم بل على البشرية كلها، وما زالت أجيالهم يستقون من منابع الضلالة وكأنه شيء في دمائهم. الأمر الثاني: الذي يزيد في تعقيد هذا الصراع هو ظروف المرحلة، وهي غير مسبوقة في تاريخنا. إن الأمة الإسلامية في كل مرة كانت تصاب في المعارك كما حدث في الغزوة التترية والحروب الصليبية كانت تستفيق إلى أنها انحرفت عن طريق الله فتسرع الفيئة إلى دين الله، أما هذه المرة عندما دخل الكفار بلادنا فإنهم تركوا طبقات تدمر الإسلام في العالم الإسلامي: المرأة أصبحت عارية.. أصبح الربا في كل شُعَبِ الاقتصاد.. أصبح القانون الوضعي يحكمنا في اتجاهات الحياة وفي العالم الإسلامي كله ما عدا بعض البلاد.. كيف نستمد النصر من الله ونحن لم نتب ولم نرجع إليه؟ الأمر الثالث: التدخلات الدولية ومصالح الدول الكبرى وخنوع بعض القيادات التي في المنطقة إما خوفاً وإما حرصاً على مظاهر الحياة والأبهة التي هم فيها. أنا لا أتكلم عن قوة الدول الكبرى وأسلحتها وجيوشها وإنما أتحدث عن الشعوب حين تؤمن بقضية، حتى الشعوب الكافرة تستطيع أن تذل القوى العظمى؛ فهذه فيتنام أذلت فرنسا وأمريكا خلال ١٥ سنة وهما من الدول الكبرى، وهم لا يؤمنون بدين ولا بيوم آخر، وعندنا الشعب الأفغاني وهو شعب مسلم طيب فقير لا يملك مقومات الحرب بل ولا الحياة استطاع بإذن الله أن يحطم عنجهية روسيا وهي دولة مجاورة لحدوده ليست كأمريكا التي كانت تسير آلاف الأميال لتنقل معداتها إلى فيتنام، ولهذا لا بد أن تمكن الشعوب من أن تقول كلمتها، ولا بد أن تتحرك.. نعم! ستكون هناك تضحيات هائلة ومغارم كبيرة؛ لكن نحن أمة تؤمن بالله واليوم الآخر ولا يضيع لنا ذرة عند الله؛ من مات منا فهو شهيد، ومن عاش فهو في رعاية الله. الشعوب الآن لا تملك حتى التظاهر ولا جمع التبرعات علناً في أغلب بلادنا خوفاً من الأنظمة، ويجرم من يفعل ذلك ويحاكم مع أن هذا هو أدنى صور النصرة.. الأمر الرابع: هو وجود نخب حاكمة في بلادنا لا تملك ولا تحسن التعبير عن قضايا الأمة ولا تسعى بل ربما لا تريد أن تسعى لحل هذه القضايا، وأبلغ دليل على هذا هو سلسلة التردي التي تحياها الأمة على مستوى الأنظمة وعلى مستوى الدول، ومتى ما تستفيق هذه الحكومات وتعطي الشعوب نوعاً من الحركة والحرية في أن تتبنى هذه القضية فإنه باستطاعتها بإذن الله أن توقف الخطر اليهودي عند حدود محددة إلى أن يتم لفظه خارج أرضنا بإذن الله في يوم ما. البيان: ما هي الفروق الجوهرية بين طبيعة العمل بالداخل الفلسطيني قبل مجيء السلطة وبعده؟ الدكتور محمد صالح: لم تحدث فروق سياسية جوهرية في الداخل الفلسطيني قبل مجيء السلطة الفلسطينية وبعده بالرغم من وجود مجلس تشريعي منتخب إلا فيما يخص بعض جوانب الحياة المدنية التي تولاها الفلسطينيون بأنفسهم تحت إشراف غير مباشر من السلطات الإسرائيلية. أما على مستوى المقاومة فقد أصبحت الأمور أكثر صعوبة؛ لأن أجهزة الأمن الفلسطيني تنسق بشكل مباشر مع قوى الأمن في (إسرائيل) ، وبذلك اجتمع على المقاومة عبء الموساد، وعبء الأمن الفلسطيني. إضافة إلى ذلك عملت السلطة على منع أي عون أو تأييد شعبي فلسطيني لحركات المقاومة الإسلامية داخل فلسطين من خلال الترغيب والترهيب والتضليل بمقولة أن المقاومة تتعارض مع المصالح العليا للشعب الفلسطيني، وأن المقاومة تعطي ذرائع وحججاً لـ (إسرائيل) لعدم تنفيذ بنود اتفاق أوسلو. يضيف الشيخ حسن يوسف: ومع مجيء السلطة يمكن لنا القول بأننا دخلنا إلى حد كبير في العصر العربي بما فيه من بيروقراطية وأمراض ومحسوبية وكبت واحتكار التعبير باسم وحدانية السلطة ومشروعيتها؛ ومن هنا فإن هامش الحركة والمناورة انحسر كثيراً في ظل وجود طرف داخلي فلسطيني (السلطة) إضافة للاحتلال وتصفياته. جاءت الانتفاضة الحالية في البداية، وبالدرجة الأولى متناغمة مع التوجه الرسمي للسلطة الفسلطينية، وذلك بعدما أعلن عن انهيار قمة كامب ديفيد؛ حيث كانت هذه القضية نهاية شوط طويل من المفاوضات التي بدأت منذ عام ١٩٩٣م، وكانت السلطة ومنذ أيار (مايو) ١٩٩٩م، تمر في حالة فراغ قانوني، وشكلت الإعلانات المتكررة والممجوجة حول النية بإعلان استقلال الدولة محاولة تكتيكية للسلطة من أجل الضغط واتخاذها ورقة بيدها، وذلك من أجل ملء الفراغ السياسي، ولما استنفدت هذه الورقة أغراضها، تزامن ذلك مع انتهاء قمة كامب ديفيد التي لا نعلم على التحديد ماذا جرى فيها والتي سمعنا بعد انتهائها مباشرة عن سيناريوهات عنيفة متوقعة من أجل التحريك، وتهيئة الأوضاع لحل غامض لا نعرف ماهيته ولا كيفيته. ولقد جهدت السلطة الفلسطينية ومنذ بداية عام ٢٠٠٠م على التهيئة لدخول الشعب الفلسطيني في أجواء من التصادم مع الاحتلال، تمثل ذلك في مناسبتي يوم الأرض وذكرى يوم النكبة من عام ٢٠٠٠م، وتحرك الشارع في أيار (مايو) وقبل ذكرى النكبة بأسبوع؛ وذلك لتزامن المناسبة بالإضراب عن الطعام الذي كان المعتقلون في سجون الاحتلال قد أعلنوه مما جعل هناك هبة جماهيرية صاحبت الإضراب حتى نهايته في أواخر أيار، ولكن ومع التحضيرات التي كانت تجري من أجل قمة كامب ديفيد في بداية حزيران (يونيو) التي قيل بأنها ستكون واعدة، عملت السلطة على إنهاء تلك المواقف على ضوء الاتفاقات بينها وبين اليهود. البيان: ما هي ظروف إخراج قيادات حماس من الأردن قبل الانتفاضة؟ وهل هناك إمكانية للعودة؟ الدكتور محمد صالح: لم يكن خروج قيادات حماس من الأردن لأسباب أردنية داخلية أو نتيجة لتجاوزات قامت بها الحركة على الساحة الأردنية، أو تجاوزت لبنود اتفاق الحركة مع الحكومة الأردنية في عام ١٩٩٣م، وإنما كان خروجهم نتيجة لضغوط (إسرائيلية، أمريكية، فلسطينية) على النظام الأردني توافقت مع رغبة النظام الأردني الجديد في التخلص من أي ارتباط رسمي بالقضية الفلسطينية بعد مباحثات الملك عبد الله الثاني وعرفات حول القضايا العالقة بشأن الأردنيين من أصول فلسطينية. وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى ما تعلنه الأردن حول الآثار السلبية لوجود قيادات حركة حماس في عمان على المعاهدة الأردنية الإسرائيلية (معاهدة وادي عربة) ، وحرصها على عدم إعطاء ذريعة أو مسوغات لـ (إسرائيل) لتنفيذ خطة ترانسفير من الضفة الغربية إلى الأردن في حال استمرار نشاط حركة حماس في الأردن. لذا فإن عودة قيادات حركة حماس مرتبطة بعدم السماح لهم بممارسة نشاط سياسي أو إعلامي من الأراضي الأردنية. البيان: هل هناك تنسيق بين حماس، وبين المقاومة اللبنانية في جنوب لبنان؟ ولماذا لم يكن هناك وجود للعمل الفلسطيني لمواجهة (إسرائيل) في الجنوب اللبناني طيلة السنوات الماضية؟ هناك تواصل بين حركة حماس وكافة القوى الوطنية والإسلامية على الساحة اللبنانية، ولكن لا يوجد أي تنسيق مع المقاومة اللبنانية في جنوب لبنان، وذلك لأسباب سياسية؛ لأن وجود قوى فلسطينية على الأرض اللبنانية لم يعد ممكناً بعد الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٨٢م بين الحكومة اللبنانية و (إسرائيل) والذي تم بموجبه إنهاء حصار (إسرائيل) لبيروت مقابل خروج القوات الفلسطينية نهائياً من لبنان. المحور الثاني: ملامح التعامل مع المرحلة الحالية في حال استمرار الانتفاضة. البيان: هل كان لمنظمة (حماس) دور مبكر في تفعيل الانتفاضة الثانية؟ وهل كان مخططاً أن تبدأ الانتفاضة بهذا الشكل؟ الدكتور محمد صالح: إن تمسك حركة حماس بثوابتها واستراتيجيتها في مقاومة الاحتلال هو الأساس الذي هيأ لانطلاق الانتفاضة وتصاعدها. إن اهتمام الحركة بالمحافظة على الذاكرة الفلسطينية والعربية تجاه المقدسات وتجاه الحقوق الوطنية ومواجهة جميع محاولات طمس هذه المفاهيم وإضعافها طوال (مرحلة أوسلو) كان الأرضية التي انطلقت منها انتفاضة الأقصى؛ حيث قامت حركة حماس بحشد طاقاتها ودعت الشعب الفلسطيني في الداخل للتصدي لزيارة شارون دفاعاً عن حرمة المسجد الأقصى منذ اللحظة الأولى للإعلان عن تلك الزيارة. وتجدر الإشارة إلى أن الشارع الفلسطيني وكافة القوى الفلسطينية كانت غاضبة، وكانت تشعر أنها مقبلة على مواجهة مع الاحتلال في أعقاب انهيار مؤتمر كامب ديفيد الأخير، ووصول مسيرة السلام إلى طريق مسدود، وخاصة أن الإجراءات الإسرائيلية التعسفية تزايدت وتصاعدت منذ نهاية ذلك المؤتمر. لم يكن مخططاً أن تبدأ الانتفاضة بهذا الشكل؛ لأنه لم يكن متوقعاً أن يقوم الإسرائيليون بمثل هذا الاستفزاز للمشاعر الدينية وبهذه الطريقة، وقد جعل الله من زيارة شارون شرارة فجرت المشاعر الدينية والوطنية جميعاً، في داخل فلسطين وخارجها وعلى امتداد العالم العربي والإسلامي، وذلك فضل الله أولاً وأخيراً. البيان: هل يمكن القول بأن زيارة شارون جاءت عفوية دون تخطيط مسبق؟ الأستاذ الدكتور عبد الستار سعيد: من طبيعة اليهود كما قال ربنا تعالى: [أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ] (البقرة: ١٠٠) يأتي نتنياهو لينقض ما عقده رابين، ويأتي باراك ليتنصل من خطوات نتنياهو، وهذا المجرم السفاح شارون جاؤوا به ليوصل القضية إلى الحلم الأكبر مسقطاً جميع الاتفاقات المسبقة؛ وهذا ليس غريباً على طبيعة اليهود كما حدثنا القرآن، كما في الآية الأخرى: [الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ] (الأنفال: ٥٦) وهذا كلام القرآن ينبغي أن نفهمه جيداً في كل مرة.. لا يتخلف مرة، وقد كانوا في مفاوضتهم لنبيهم موسى عليه الصلاة والسلام بشأن البقرة في غاية الإتعاب، ولهذا كانت النتيجة المراوغة والأكاذيب والتلاعب في كل شيء. ولما انكشف الأمر واستبان سبيلهم للجميع ودنس أشقاهم باحة المسجد الأقصى في زيارة لها ما بعدها هب الشعب وانتفض بعد أن طفح الكيل، وأيقنت السلطة أنها وصلت إلى طريق مسدود.. وجاءت الانتفاضة تلقائية حين أحس الناس بالخطر بعد أن ضُيق الخناق عليهم وظن اليهود أنهم قاربوا النجاح في أن يُلجِئوا هذا الشعب إلى الهجرة إلى مصر أو إلى الأردن أو أي قطر آخر. لكن من رحمة الله أن هب الشعب وانتفض دفاعاً عن دينه وحقوقه وهو عارٍ من كل سلاح إلا قوة الإيمان واليقين في نصر الله . هذه الانتفاضة هي المدخل الآن الذي هز اليهود وهز العالم وأمد القضية الفلسطينية بنبض جديد وقوة جديدة عسى أن تبلغ مداها المأمول إن شاء الله. البيان: ما مدى الدور الذي تقوم به حماس مقارنة بالدور الذي تقوم به المنظمات الفلسطينية الأخرى؟ ومتى دخلت تلك المنظمات على خط الانتفاضة؟ الدكتور محمد صالح: تعتبر حركة حماس ثاني أكبر القوى الوطنية داخل فلسطين، وهي أكبر القوى الإسلامية الفلسطينية داخل فلسطين وخارجها وعلى امتداد العالم العربي والإسلامي. ودور حركة حماس والحركات الإسلامية الأخرى مثل الجهاد الإسلامي العقدي والثقافي والتربوي هو الأخطر في تفعيل الانتفاضة واستمراريتها؛ ومن ثم فإن دور حركة حماس المباشر وغير المباشر في تفعيل الانتفاضة الجماهيرية هو كبير وفاعل جداً، ودورها على مستوى المقاومة المسلحة هو الأكثر فاعلية والأعظم خطراً على الدولة العبرية وعلى المستوطنين؛ لأن عملياتها تهدد الأمن الشخصي لكل يهودي يقيم على أرض فلسطين. وتجدر الإشارة إلى أن المنظمات الأخرى وفي مقدمتها حركة فتح قد لحقت خط الانتفاضة بعد تفجرها واندلاع موجة الغضب الشعبي العام من كافة طوائف الشعب الفلسطيني، وأصبح لفتح بعد ذلك دور فاعل في الانتفاضة وفعاليات المقاومة. البيان: يعني هل كانت الانتفاضة هذه المرة من قبيل رد الفعل؟ بمعنى: هل يصح القول بأن اليهود استدرجوا الفلسطينيين لهذه المواجهة غير المتكافئة لأغراض أكبر؟ الدكتور محمد صالح: لقد بدا للمراقبين أن هذه الانتفاضة كانت ردة فعل على زيارة شارون لباحة المسجد الأقصى، ولكن الحقيقة أنها القشة التي قصمت ظهر البعير؛ لأن هذه الزيارة قد وضعت السلطة في مأزق حرج أمام الشارع الفلسطيني من حيث أن قبولها بالوضع الحالي يعني أنها ستصبح أداة بيد الاحتلال؛ لأنه بدون مواجهة مع الاحتلال ستفقد السلطة احترامها وتفقد بذلك مسوِّغ وجودها في نظر أبناء فلسطين. أما الحكومة الإسرائيلية برئاسة باراك التي كانت تدرك آثار الزيارة السلبية عليها فإنها لم تكن راغبة في زيارة شارون تلك، ولكنها لم تكن قادرة على منعها؛ لأن القدس بحكم الدستور الإسرائيلي تعتبر جزءاً من إسرائيل، ولذلك فإن إلغاء زيارة شارون مخالف للدستور الصهيوني ويتعارض مع عقيدة كل إسرائيلي. أما شارون فكان يسعى إلى استفزاز الفلسطينيين، وكان يريد أن تحدث انتفاضة تؤدي إلى سقوط حكومة باراك ليتقدم نحو الإمساك بالسلطة في أجواء ثورة فلسطينية توحد المجتمع الإسرائيلي خلفه، وتعطيه ذريعة للتنصل من جميع الاتفاقات السابقة مع الفلسطينيين. أما القول بأن الفلسطينيين قد استُدرِجوا لهذه المواجهة غير المتكافئة لأغراض أكبر: فهو أمر وارد إسرائيلياً. أما على الجانب الفلسطيني فيمكن أن يكون هذا صحيحاً لو أن الانتفاضة توقفت بعد فترة قصيرة أو أن السلطة الفلسطينية خضعت لتهديدات (إسرائيل) وتنازلت، ولكن الواقع يشير إلى أن الانتفاضة التي أدخلت السلطة في مأزق، قد أدخلت (إسرائيل) أيضاً في مأزق سياسي وأمني واقتصادي. وحركة حماس لا تعتبر أي مواجهة مع الاحتلال استدراجاً، بل إنها تعتبر الاستدراج الأخطر هو الاستمرار في مسيرة السلام العبثية، أما الانتقال إلى المواجهة مع الاحتلال فهو الخيار الصحيح، سواء كان ذلك مطلوباً أو مرفوضاً بالنسبة لـ (إسرائيل) خصوصاً في ظل وحدة وطنية إسلامية ودعم عربي وإسلامي ودولي للانتفاضة. ويضيف الأستاذ الدكتور عبد الستار سعيد: لست مع هذا الرأي القائل بأن الفلسطينيين استُدرجوا، وهذا ليس بصحيح بدليل أن اليهود اليوم يسعون سعيهم لإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الانتفاضة، كما أن الانتفاضة الأولى ما زالت تمثل كابوساً مزعجاً للعقل اليهودي يخشى أن يتكرر، وهو يعلم أنه لو تكرر فإن رد الفعل سيكون حركة شعب وربما أمة وليس حركة سلطة يمكن أن تستدرج. إن الآلام والمتاعب المروعة التي تعرضت لها إسرائيل من جراء الانتفاضة الثانية تؤكد أن اليهود شعباً ودولة يحيون أزمة يحاولون الفكاك منها بكل سبيل لا يدخرون في ذلك محرماً ولا غيره ولا يرعون عهداً ولا يقدرون رأياً؛ فهم كما قال القرآن: [الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ] (الأنفال: ٥٦) ، فلا يتقون الله ولا يتقون ما يسمى بالرأي العام العالمي أو القانون الدولي. هذه الانتفاضة أوقعت باليهود أشد أنواع الألم والرعب رغم كل ما يمارسونه ضد المسلمين هناك من سياسات الإرهاب والتقتيل والتخريب والوقيعة مستخدمين الطائرات الحربية والدبابات والصواريخ؛ فمع أن المعركة غير متكافئة إلا أن رصيد الإيمان والصبر يعدلان الكفة بفضل الله، والله تعالى يقول: [وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً] (آل عمران: ١٢٠) . البيان: ظهر تفاعل من فلسطينيي ١٩٤٨م في بداية الانتفاضة، ثم توقف، فما هي الأسباب؟ وهل أفلح اليهود في تشويه هوية أولئك بدعوى أنهم عرب إسرائيل؟ الشيخ حسن يوسف: لفلسطينيي ١٩٤٨م ظروفهم وسياستهم الخاصة، وهم منذ أوسلو ومن قبله طبعاً يطورون حركتهم السياسية والاجتماعية في مواجهة العدو، ولكن على نار هادئة؛ إلا أن تطورات الأحداث في السنين الماضية، وفي هذه الانتفاضة على وجه الخصوص، رفعت درجة مشاركتهم لتغدو بإذن الله في قابل الأيام من أكثر الساحات الفلسطينية تمركزاً للعمل الوطني الفلسطيني والصبر على القضية، من هنا يأتي دور القوى الحية المعنية في مقارعة العدو للاستنفار في هذه الساحة. البيان: ما هو تقييمكم لحجم المشاركة الإسلامية الرسمية وغير الرسمية خارج فلسطين في تفعيل الانتفاضة، وما السبيل في رأيكم لضمان استمرار هذه المشاركة وعدم ترك القضية تبرد مرة أخرى؟ الشيخ حسن يوسف: في الحقيقة كان لاستفزاز شارون وهو يتحدى مشاعر مسلمي الأرض، وللمناظر الفظيعة التي ارتكبتها حكومة باراك مثل الشهيد محمد الدرة، الدور الكبير في رفع درجة التعاطف الذي لقيته الانتفاضة، ومع أن صور هذا التعاطف أفضل بكثير منها في الانتفاضة الأولى إلا أنها لا تتناسب مطلقاً مع حجم التحدي القائم، وهو بالتأكيد دون التعاطف الذي تلقاه إسرائيل من يهود العالم فضلاً عن تعاطف الحكومات والشعوب الغربية النصرانية معها! وفي أضعف الإيمان يجب أن يرقى التعاطف مع الانتفاضة إلى درجة المتعاطفين مع العدو. والعتب هنا كبير على إخواننا في الحركات الإسلامية؛ لأن موضوعنا هو موضوعهم، ولأن مشاكلهم الداخلية مع نظمهم متداخلة مع طبيعة قضيتنا، ولأن الثورة السياسية والاجتماعية المكبوتة منذ أكثر من قرن من الزمان في ربوع عالمنا العربي والإسلامي، هي مسألة متشابكة جداً مع القضية الفلسطينية لدرجة الالتحام؛ ففلسطين كقضية مركزية للمسلمين في الأرض والإحساس بها سواء بالسلب أو الإيجاب من قبل شعوب المسلمين تعبر عن مؤشر الضمير بين صحوته ويقظته أو نومه وغفلته، بإمكان الحركات الإسلامية أن تحرك جماهيرها أسبوعياً من خلال المساجد، أو من خلال تفعيلها للحركة الطلابية، أو النقابات أو غير ذلك.

стр. 4061

المسلمون والعالم الإسلاميون.. وساعة الحقيقة إمكانات هائلة ... وطاقات معطلة (٢) عبد العزيز كامل kamil@albayan-magazine.com هل نحن الإسلاميين حساسون بقدر زائد عن الحاجة؟ ! .. وهل هذه الحساسية مطلوبة في كل الأوقات؟ ! وهل يجب علينا كلما أردنا أن ننقد أنفسنا ذاتياً أو نخاطب أنفسنا خطاباً موضوعياً أن نتدسس ونتحسس إلى درجة الوسوسة في كل كلمة وكل معنى وكل عبارة، حتى لا نغضب أحداً، ولا نخدش شعور أحد، ولو كان هذا الأحد هو نحن جميعاً؟ ! إن الظروف الاستثنائية تحتاج إلى أساليب استثنائية في الكلام والطرح والعرض، والذي أراه أن الظروف التي تمر بها الأمة لا تحتمل المجاملة والمحاباة والاستخفاء بالحقائق أو الاختباء وراءها. أُلخص وجهة النظر التي أردت المصارحة بها والمطارحة في شأنها بدءاً من العدد السابق من مجلة (البيان) وهي: أننا نحن الإسلاميين لم نَرْقَ بعدُ إلى مستوى خطورة المرحلة التي تمر بها أمتنا، وأن انشغالنا برصد خيبات العلمانية العربية وتخبطاتها في شأن قضية العرب والمسلمين الأولى (قضية بيت المقدس) هذا الرصد قد أنسانا وألهانا عن تقصيرنا نحن في حقها، وإهمالنا في القيام بشأنها. ماذا قدمنا عبر نصف قرن؟ قدمت الحركات الإسلامية منذ أن اغتُصب بيت المقدس آلافاً مؤلفة من الشهداء والضحايا في العديد من الأحداث والقضايا، وتلك القضايا التي قدمت فيها تلك التضحيات لا توجد قضية فيها وأكرر لا توجد قضية واحدة فيها تبلغ في الأهمية والخطورة حد أهمية وخطورة قضية فلسطين، ولا يبلغ الطرف المعادي في أيٍ منها في شدة عداوته ما يبلغه الطرف المعادي اليهودي في فلسطين، بل إن كثيراً من تلك القضايا الأخرى قُدِّمت فيها التضحيات بلا ثمن، أو بخسارة فادحة في معظم الأحيان! إن من العجيب أن التيارات والجماعات والمنظمات الإسلامية كافة كانت ولا تزال مجمعة على اعتبار قضية فلسطين (القضية المركزية) و (القضية المحورية) و (قضية العرب والمسلمين الأولى) ، ولو رحت تفتش عما قُدم لهذه القضية على المستوى الإسلامي الخاص، لوجدت خليطاً من التفريط والتخبيط عند الأكثرية إلا من رحم الله، بدءاً من قلة فهم أبعاد القضية، ومروراً بكمِّ المشاركة فيها، وانتهاء بحجم الانشغال بها. خمسون عاماً من الصراع أو يزيد، ولا تزال الشريحة الأكبر من الإسلاميين لا تعي شيئاً ذا بال عن (القضية المركزية) ، مع أن العدو المناوئ فيها عدو لم تتوافر نصوص الشرع كتاباً وسنة في التحذير من عدوٍ آخر كتحذيرها منه، وتفصيلها عنه، وتعريفها به، ومع أن ما يكتب وما يذاع عن هذا العدو في الأوساط العامة يحتل المرتبة الأولى في المعالجات الجادة منذ عقود طويلة، ومع هذا.. ومع أننا نحن الإسلاميين أوْلى الناس بفهم ومتابعة أبعاد تلك القضية وذاك الصراع؛ فإننا للآن ما زلنا نتجادل في أمور كان مفترضاً أن نكون قد انتهينا منها منذ زمن، كذاك التساؤل المكرور عن المعركة القائمة مع اليهود: هل هي إقليمية أو عالمية ... وهل هي دينية أم دنيوية؟ ! وهل دولة اليهود القائمة الآن عقائدية أم علمانية؟ ! وهل هم بالفعل أقوياء أم أننا نحن الجبناء؟ ! وهل قوتهم المزعومة حقيقية أم خرافية أسطورية؟ ! لقد كان واجباً علينا ولو من باب العلم بالشيء أن نكون على قدر معقول من الاهتمام بهذا الصراع المصيري: ما هدفه.. ما صفته.. ما صبغته ما برامجه.. وما أبعاده.. ماذا تحقق من مراحله.. وما هي حدود ما فيه من حقائق أو أوهام.. ما هي مخاطره الماضية ومحاذيره المستقبلة.. ما تفسير رموزه الدينية والاعتقادية، ما دورنا تجاه مواجهته دينياً وفهم طبيعته شرعياً، ووضع ضوابط تلك المواجهة علمياً، ورصد الإمكانات لأجلها عبر الآجال والأجيال باعتبارها صراعاً وجودياً لا حدودياً. قليل من الإسلاميين من يعلم، والأقل منهم من يعمل بالمستوى الرافع للإثم فضلاً عن الجالب للأجر فيما يتعلق بتلك القضية الكبرى، اتكالاً على أن لها من يديرها، واتكاء على أن لنا ما يشغلنا عنها. أستثني من ذلك بالطبع، أُسْدَ الإسلام داخل فلسطين الذين قاموا في انتفاضتهم الأخيرة بشق طريق من الدم وسط النار، ليقيموا الحجة علينا وعلى كل من يكتفي بالمشاركة (الوجدانية) فقط في معركة الوحدانية مع كفر اليهود وشرك النصارى في الأرض المقدسة. لكننا لا بد أن نعترف أننا سلمنا الأمانة لمن نعرف أنهم يعرفون أنهم ليسوا أهلاً لحفظها، ولا بد أن نعترف أيضاً أننا نحن الإسلاميين كنا من أكوام الرمال إلى جنبتي الطريق الممهد الذي مشى فوقه اليهود ليعبروا إلى بيت المقدس، وكنا جزءاً من الفراغات التي تولوا ملأها، والحواشي التي تولوا شرحها! حيث إنهم لم يُقابَلوا منذ بدأت دولتهم بدعوة جهاد إسلامية جادة شاملة على مستوى الأمة التي استهدفوها؛ بحيث تستطيع أن تفلَّ حدهم أو توقف مسيرتهم. إننا وبعد أكثر من خمسين عاماً لا زلنا ندور حول أنفسنا ونتساءل: (ماذا نعمل؟ !) مع أننا لم نفرغ بعد من مرحلة: (ماذا نعلم؟ !) ، فحتى من ناحية التصورات العلمية لا نزال متأخرين عن القضية نصف قرن؛ فالآن والآن فقط بعد سقوط ألوف الضحايا، وضياع ملايين المشردين على يد اليهود، نبحث عن شرعية العمليات الاستشهادية ضدهم أو سر المواقف والتواطآت النصرانية معهم! اليوم فقط نستفهم عن الخلفيات الدينية لأكبر القضايا السياسية التي تملأ أخبارها الآذان والأعين والأفئدة عبر أكثر من خمسين عاماً، وعندما حدثت واقعة وضع حجر الأساس لهيكل سليمان الثالث، تساءل الناس وأكثرنا معهم: ما معنى هيكل.. ولماذا نسب لسليمان..؟ ولماذا عدوه ثالثاً لا ثانياً ولا رابعاً..؟ ! هل لاحظت معي أننا نطرح هذه التساؤلات (البريئة الساذجة) بعد خمسين عاماً من قيام دولة تتخذ من الهيكل شعاراً لها؟ ! هل لاحظت أن هذا الهيكل الذي جئنا نحن نتساءل عنه الآن، هو الذي جاؤوا لتنفيذ الفصل الأخير من مؤامرته المتواصلة منذ مئة عام؟ ! إنني لا أتحدث عن عوام الناس في البلدان المحيطة بدولة (هيكل سليمان) ولكنني أتحدث عن الشريحة الكبيرة من المثقفين الذين أحاطوا القضية بأحاسيس صادقة مجملة ولكنهم لم يبذلوا الجهد المطلوب لمعرفة أبعادها مع أنهم كانوا هم أوْلى الناس بمعرفة الأعداء والتعريف بالأعداء حتى تستبين سبيل المجرمين كما أمر الله؛ فالهيكل الذي هو رمز دولة اليهود منذ قامت هو نفسه جوهر الصهيونية، وشعار الماسونية، ومنتهى آمال المخططات السرية والبرامج العملية لليهود على مدى العقود الماضية، ومع هذا ظللنا غافلين عن أمره، حتى فاجؤونا بأنهم يريدون الانتهاء من (الحل النهائي) لمشكلته عسكرياً، بعد أن لم يفلحوا في الكامب الثاني في حله سياسياً! كل هذا، ونحن أو أكثرنا لا نتابع، لا نراجع، لأننا (مشغولون) ! ! فهل نحن مقصرون ... ؟ ! لا، لا أقول بهذا.. بل نحن مفرِّطون. أثمان التفريط: كما أن لكل فعل رد فعل مساوياً له في القوة ومضاداً له في الاتجاه؛ فإن لكل تفريط جزاءً مساوياً في الدنيا ومضاعفاً يوم الحساب إلا لمن تاب الله عليه أو عفا عنه؛ ولا يظلم ربك أحداً، وهو القائل سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ] (الأنفال: ١٥-١٦) . فمن ولى الأدبار، صَلِيَ النار إن لم يكن معذوراً. ولقد فرط المسلمون في الماضي في حفظ الأرض المقدسة، فسقطت تلك الأرض في أيدي الصليبيين، واحتُل المسجد الأقصى ورُفعت الصلبان على مآذنه، وفرط المسلمون في زمان تلا ذلك في كيانهم السياسي الجامع (الخلافة) فسقطت عاصمة تلك الخلافة (بغداد) في أيدي التتار الهمجيين الوثنيين، وفرط المسلمون في حفظ الأندلس، فضاعت الأندلس! وفي المحافظة على الهند فضاعت الهند ومثلها الفلبيين وغيرها وغيرها. وفي عصرنا يتوالى التفريط، ولكل تفريط هزيمة، وبكل هزيمة عار.. عار هزيمة تركيا (الباب العالي) ١٩١٤م، وعار إلغاء الخلافة فيها ١٩٢٤م، وعار ضياع فلسطين ١٩٤٨م، وعار ضياع القدس ١٩٦٧م، وأنا على يقين أنه كان وراء كل عار فرار وتولية أدبار، وقبل ذلك الفرار وتولية الأدبار لا بد أنه كان هناك خذلان من الله؛ وإلا فما معنى تلك الهزائم المتوالية، مع أن الله تعالى تكفل لنا بفرار الأعداء من أمامنا إذا واجهناهم مستقيمين على أمره مستحقين لنصره: تأمل هذا الحكم القدري الإلهي: قال تعالى عن الكفار عموماً: [وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِياًّ وَلاَ نَصِيراً * سُنَّةَ اللَّهِ الَتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً] (الفتح: ٢٢-٢٣) ، وقال سبحانه عن اليهود خصوصاً: [لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ] (آل عمران: ١١١) ولكنهم انتصروا ولا يزالون ينتصرون؛ فهل تخلفت السنن الإلهية أم كنا نحن المتخلفين؟ ! حتى لا يلحقنا العار الأكبر: المرحلة التي تمر بها أمتنا تشير كل أسهمها إلى أن اليهود ومن ورائهم النصارى يريدون أن يُلحقوا بنا عاراً أكبر من كل ما مضى؛ إنه عار سقوط شعار التوحيد الذي جاء به الأنبياء وفي أرض الأنبياء وهو المسجد الأقصى؛ نسأل الله ألا يجعلنا محلاً لهذا العار؛ فخراب المسجد إن وقع ونتضرع إلى الله ألا يقع بتفريطنا سيكون أكبر من عار سقوط بغداد على يد التتار، وأكبر من سقوط الأندلس على يد الأسبان، وأكبر من سقوط القدس في يد الصليبيين، بل أكبر من نكبة ١٩٤٨م، ونكسة ١٩٦٧م؛ أما لماذا؟ فلأن هذا إن حدث فسيكون تتويجاً لانتصار أذل الأمم وأحقر الأمم على خير الأمم وأعز الأمم، يختمون به معركتهم الدينية التي أداروها دينية من طرف واحد، ولأن ذلك سيعني أن نصيبنا من الذلة في عصرنا قد فاق نصيب الأمة التي كتبت عليها الذلة، وإلا.. فكيف تتوالى انتصاراتهم علينا بهذا الانتظام ونحن أمة خير الأنبياء التي ينيف عددها على ألف وثلاثمائة من الملايين، وهم أمة قتلة وأعداء الأنبياء لا تزيد على بضعة عشر من الملايين؟ ! أحذرك وأذكرك أخي الموحد وأحذر نفسي وأذكرها: أن العار الذي يتهددنا لا يتهددنا بوصفنا أمة بمجموعها فقط، بل بآحادها ... وآحادها هم أنا وأنت، وهو وهي، وهم وهن، وهذا وذاك؟ ! العار ليس شيئاً يستحيا منه في الدنيا فقط، ولكنه إثمٌ إي وربي يُخشى علينا فيه من النار وغضب الجبار. ألم يقل علماؤنا قديماً وحديثاً إن جهاد الأعداء بالأموال والأنفس وبكل المستطاع يأخذ حكم الواجب المتعين على كل مسلم إذا دُهمت أرض من أراضي المسلمين؟ فكيف إذا كانت تلك الأرض هي أرض الأنبياء والمرسلين؟ ! وكيف إذا كان مغتصبوها هم اليهود الملعونين؟ ! صحوتنا تختبر: نعم.. تختبر الآن بما يحدث في فلسطين.. إننا نتكلم منذ ما يزيد على ثلاثة عقود من (الصحوة الإسلامية) التي أذهلت العالم، ولفتت انتباهه إلى أن هنا أمة تبعث، ونهضة ستقوم، وعملاقاً على وشك الانطلاق ليحطم القيد ويكسر الأغلال، وقد كان من المحتم بحسب سنن الله أن تختبر هذه المقالة عملياً؛ فالصحوة إفاقة في الأمة تقود فيها الخاصةُ العامةَ إلى المرحلة الحتمية والطبيعية التالية لتلك الصحوة وهي (النهضة) . كان من المحتم أن تختبر مقالتنا نحن الإسلاميين بأننا نعيش صحوة كبرى في أرجاء العالم الإسلامي وأنحاء العالم العربي، ولقد اختُبر إسلاميون كثيرون بأعداء صرحاء ألِدَّاء في بلدان كثيرة من العالم.. وها نحن يجيء دورنا (نحن الإسلاميين العرب) لنُختبر مثلهم. وهذا الاختبار ليس موكولاً إلى قوى عالمية معادية، ولا نظم محلية عميلة، ولكنه اختبار الأقدار التي كانت تجري بها سنة الله في الذين خلوا من قبل. ولقد تواطأت نصوص الوحي على أن الإنسان يُبتلى ويُختبر، على مستوى الفرد والجماعة والأمة، وحديث القرآن عن الاختبار في القرآن المكي يتناول في الغالب أحوال الأفراد. أما في القرآن المدني فيتوجه إلى المجموع بعد أن تكونت الأمة وقامت الدولة، ولقد اختُبرت تلك الأمة بعد تكوينها، واختُبرت بعد ذلك مرات عديدة، وهي تختبر الآن ونحن في مقدمتها نختبر بما اختُبر به الجيل الأول الذي كان أقل منا عدداً، وأضعف منا قوة، وأندر مالاً وثروة. بل وأصعب منا ظروفاً وأكثر استضعافاً. تأمل معي ملامح هذا الاختبار (الجماعي) الذي واجه مجتمع الأطهار الأخيار ولَمَّا يشتد عوده، أو تنتشر في العالم دعوته أو تتعدد كياناته، أو تتضاعف ثرواته أو يبلغ عدده ما يزيد على المليار! تأمل هذه الكلمات التي تنزلت عليهم ثم توجهت لمن بعدهم، حتى وصلت إلينا. أرجوك ألا تمر على هذه الآيات سريعاً ببصرك بل مررها وكررها على قلبك وبصيرتك، ولاحظ معاني (الاختبار) في تكرار لفظ (يعلم) . يقول من يعلم السر وأخفى : [وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ] (آل عمران: ١٦٦-١٦٧) . -[أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] (التوبة: ١٦) . -[وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ] (محمد: ٣١) . -[أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ] (آل عمران: ١٤٢-١٤٣) . -[وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ] (آل عمران: ١٤٠-١٤١) . -[قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَلاَ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] (النور: ٦٣-٦٤) . -[قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ البَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً] (الأحزاب: ١٨- ١٩) . -[وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ] (محمد: ٣٠) . ماذا أعددنا للاختبار؟ بداية أقرر أنه ليس من الجائز أن نغمط أحداً حقه، أو ننتقص من عمله، أو نتهم نواياه، ولكنا فقط نناقش مواقف عامة وأفكاراً مطروحة، وظواهر موجودة منذ زمن، أو وجدت الآن، بعد أن بدأت سُحب الأزمة تخيم فوق رؤوس الجميع. لا شك أن هناك من يعمل، وهناك من يبذل، وهناك من بدعائه وبكائه وصلاحه وإصلاحه يستمطر الفرج ويستنصر على الأعداء، غير أن الدين النصيحة، والهمَّ عام، والنازلةَ في اتساع، ولا يجوز هنا أن تترك الساحة نهباً للفوضى الفكرية بعد أن اجتاحتها طويلاً الفوضى العملية والحركية. هناك طروحات تتعدد وتزداد بين بعض الإسلاميين وهي مرشحة للتوسع والازدياد، وهي تتعلق بسِمات المواقف المتخذة والمواقع المختارة حيال ما يحدث في فلسطين، وأحاول هنا رصدها للتنبيه أو للتحذير أو حتى للتعريف؛ أما التحليل والمناقشة والتقويم فله مجال آخر ومكان آخر. إنها ظواهر نظرية، ولكنها تتحول إلى مواقف عملية، سلبية كانت أو إيجابية، والإيجابية هنا تعني التفاعل مع الفكرة قبل استيفاء بحثها وتمحيصها وفق منهج علمي شرعي سديد، وفهم واقعي راشد. إنها أفكار، والأفكار تحتاج دائماً إلى الاختبار قبل القبول والاعتبار. أولاً: أفكار الانتظار: هناك آراء ترُوج، وأفكار تموج تجعل الموقف الإسلامي الراهن قريباً من الموقف الشيعي قبل الخمينية، والموقف اليهودي قبل الصهيونية! مع إثبات الفارق في التشبيه والاعتذار عن التمثيل. فالشيعة قبل الخميني كانوا يتدينون بالانتظار، ويعطلون فرص الانبعاث حتى يُبعث (صاحب الزمان) ، وكان علماؤهم يجعلون من السعي نحو التمكين عملاً منافياً لكمال اليقين في النصر القادم بقدوم المهدي، فجاء الخميني، وابتكر (ولاية الفقيه) ليجعل فقيه الشيعة بمثابة النائب للإمام الغائب، يقوم بما ينبغي أن يقوم به حتى يحضر ... ولا ضير بعد ذلك إذا تأخر خروج (الإمام الغائب) ما دام الركب يتقدم! وقبل الخميني بعشرات السنين، قاد (تيودور هرتزل) اليهود من تيه الترقب المستمر منذ ألفي عام انتظاراً لخروج المسيح، إلى السير على طريق الانتصار ملغياً فكر الانتظار، ووضع أسس (الصهيونية الحديثة) التي تناقض الفكر الانتظاري، وبالفعل لم يمضِ على هلاكه بضعة عقود حتى أقيمت دولة اليهود التي كانت مجرَّمة محرَّمة قبل ظهور المسيح عندهم! في ديننا الحنيف ومنهجنا الصحيح لا مجال هناك لتعطيل شيء من واجبات الشريعة بدعوى انتظار أحد ... صحيح أنَّا نؤمن بما أخبرت نصوص الشريعة بحدوثه قَدَراً، ولكننا لا نبني عليه مواقفنا شرعاً؛ فمثلاً إذا كان مكتوباً للمسلمين كوناً وقدراً أن ينتصروا على اليهود في النهاية، فليس معنى ذلك أن يعطلوا ما أُمروا به من جهادهم ديناً وشرعاً حتى يجيء موعد هذه النهاية، وأيضاً إذا كان مقدراً بحسب ما عندنا من نصوص صحيحة وصريحة أن تشهد الدنيا قيام دولة خلافة عالمية راشدة في آخر الزمان، فلا يعني ذلك أن يبطل السعي الواجب لإقامة الخلافة قبلها انتظاراً لمجيء أيام آخر الزمان. هذه بدهيات لا أظنها تغيب عن فطنة الوعاة الدعاة، ولكن ما أكثر ما تتيه البدهيات في خضم التفريعات والتفصيلات. ومما يدل على غياب بعض هذه البدهيات وجود مثل هذه الطروحات التي يأتيك ذكرها: * هناك نزعة (مهدوية) تتنامى هذه الآونة، زاعمة أن المهدي المبشر به في الأحاديث، إن لم يكن بيننا الآن، فهو على الأقل وراء أقرب الأبواب، وأنه سيتولى بنفسه جهاد (إسرائيل) وأعوانها، وسيأتي الخلاص على يديه قريباً، وسوف نصلي خلفه في بيت المقدس عاجلاً غير آجل! * هناك وجهة قريبة من تلك النزعة المهدوية، لكنها تتجه نحو (السفيانية) [١] بمعنى انتظار انتصار السفياني على (إسرائيل) بعد غزوه لها وحرقه لنصفها بجيش يخرج من الشرق أو بالتحديد من العراق، وهؤلاء ينتظرون حدوث انتصار (السفياني) لا مجرد خروجه؛ لأن (القائد الركن) قد خرج بالفعل منذ زمان! ! [٢] . إن هؤلاء يقولون: إن (أم المعارك) كانت أول الملاحم الكبرى، ونحن بانتظار بقية العائلة بعد أن جاءت المعركة (الأم) ! * هناك من ينتظرون زماناً آخر، وهو زمان (الدجال) ، حيث يقولون: إن القضاء على دولة اليهود لن يكون إلا في زمن الدجال؛ حيث سيقودهم في إفسادهم الأخير، فيسلَّط عليهم المسلمون، وينطق عندها الحجر والشجر، أما قبل ذلك (فلا أمل) هكذا يقولون في الانتصار على اليهود! * وهناك موجة بدأت مؤخراً من الانهماك في عالم الرؤى والمنامات، ودنيا التأويلات والتفسيرات التي تتنافس في تحديد أقرب المواعيد ليوم دخول القدس، دون أن تحدد كيف وبمن ومع من؟ ولكنها تتفق جميعاً على أن ذلك الانتصار الساحق (المجاني) سيكون أقرب مما نتصور؛ فبين متمهلٍ مطَمْئِنٍ بأنه سيحدث بعد بضع سنين، وبين متعجل مبشِّر بأنه سيكون بعد عام أو أقل من عام! * وهناك موجة موجودة منذ عقود وأعوام تتجه للغوص في الأرقام، للخروج بنتائج (حاسمة) و (محددة) و (أكيدة) عن موعد زوال إسرائيل، باستخدام خاصية بعض الأرقام تارة، وبمقارنة أرقام السور والآيات القرآنية تارة، وباستقصاء خاصية الزمان تارة، وبالرجوع إلى بعض أخبار الفتن في كتبنا تارة، أو في أخبارها عند أهل الكتاب تارة أخرى. إن تلك الطروحات الخمسة التي تغلب عليها روح التفاؤل والانتظار والتبشير عليها الملاحظات الآتية: ١ - لا حرج في التبشير بأن المستقبل للإسلام؛ فالفأل الحسن محمود، ولكن بشرط ألا يكون موقفنا من هذا المستقبل مجرد انتظار استقباله؛ فنحن أمة تؤمن بالغيب ولكنها لا تقبع وراء ذلك الغيب مستشرفة حدوثه وهي في عالم الشهادة والتكليف؛ فالخشية كل الخشية من هذه الموجة (التبشيرية) أن تتحول إلى جرعات تخديرية. ٢ - الأفكار المهدوية تنشئ أجواء تسمح بالادعاءات المهدوية، وقد كفى أمتنا ما عانت من أدعياء المهدوية عبر العصور والقرون، وآخرها ما كان في بداية القرن الهجري الحالي الذي عشناه وخبرناه، وما تكرر قبلها وبعدها من انتحالات المحتالين وادعاءات المدعين لأنفسهم أو لغيرهم. إنه يكفينا من المهدي بعد التصديق بما صح عنه أن نعمل بما سيخرج من أجله؛ وهو نصرة الدين، حتى إذا ما خرج المهدي وجدنا مهديين عاملين، لا منتظرين خاملين. ٣ - الأفكار السفيانية تصادم بتحديداتها وتعييناتها الشخصية والزمانية مفاهيم مهمة في الولاء والبراء وقواعد الإيمان بالغيب؛ فهي تفترض أن (جابر الأمة) و (كاشف الغمة) سيكون بعثياً أو علمانياً، وأنه رغم علمانيته أو بعثيته سينال (الشرف) الذي عجزت عنه، أو عوقبت بحرمانه جموع المسلمين الملتزمين بالدين، وأنه سيتولى، تحت رايات البعث أو غيره من الرايات غير الإسلامية، تحرير بيت المقدس! ولهذا فإن تلك الأفكار تحبذ إن لم تكن توجب على المسلمين جميعاً أن ينضووا تحت هذا اللواء الفاسد والراية العِمِّية ريثما تتحول إلى راية إسلامية! ٤ - القول بأن القضاء على دولة اليهود سيجيء مع مجيء زمان المسيح مسيح الضلالة أو مسيح الهداية يبنيه أصحابه على فرضية أن جيل المسلمين المعاصرين للمسيح هم فقط المطالبون غداً بدفع (فواتير) ما نجتنيه نحن اليوم، وهم من حيث يدرون أو لا يدرون، قد جلبوا على طائفة الحق السنية مواقف (انتظارية) قدرية، لا واقعية ولا شرعية، وقد تتخذ في بعض صورها قوالب بدعية. ٥ - الرؤى والأحلام لها إطار ينبغي ألا تتعداه، وهي سلوى للعاملين المجتهدين، لا طمأنة للخاملين القاعدين؛ فالذي يتصور أنه سيكون غداً أو بعد غد في الصفوف الأولى ضمن من قال الله عنهم: [وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ] (الإسراء: ٧) ، الذي يتصور ذلك في منام أو أحلام، وهو لا يعد نفسه وغيره لذلك اليوم من اليوم، هو حالم في أحسن الأحوال، وظالم في أسوئها [وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ] (التوبة: ٤٦) ؛ إذ كيف يترك للمجاهدين اليوم في فلسطين مراكب الهم والهدم والدم، ويدخر لنفسه غداً مواكب النصر والفخر والعز؟ ! ومع ذلك؛ ليحلم من شاء بما يشاء، ولنؤوِّله له بما نشاء أو يشاء إذا كنا معذرين إلى الله قائمين في اليقظة بما أمر الله. ٦ - أما الحسابات والإحصاءات والمعادلات، فالذي أخشاه أن نظل مشغولين بموعد نهاية اليهود حتى تأتي نهاية أعمارنا منصرفين أو مصروفين إلى ضرب أخماسنا في أسداسهم، وطرح حقنا من باطلهم، وجمع قرآننا مع توراتهم في صعيد التصديق والتأييد! لقد حُددت سنون وأعوام ... ولكن، لا والله ما كلفنا الله بتحديد خطط الأقدار الكونية، بل كلفنا بتحديد خطط المواجهة الشرعية لكيد الكفار والفجار! إن بين يديَّ الآن ما لا يقل عن عشرة من الكتب والأبحاث المطبوعة والمنشورة بخلاف ما لا يزال تحت الطبع أو تحت التأليف كلها تحدد أزمنة مختلفة لـ (زوال إسرائيل) ، ولست في معرض الحديث عن تقييمها أو الحكم عليها؛ فبعضها هزيل منهار، وبعضها جدير بالنظر للاعتبار لا للانتظار. وفي كل الأحوال فنحن في حاجة إلى موازنة بين مقتضيات التصديق بأمور الغيب، واعتبارات التطبيق في عالم الشهادة، ولا أظن أننا أكثر إيماناً وتصديقاً بالغيب من الصحابة الذين لم تحجزهم نبوءات الفتوح الغيبية في دوائر الانتظار، بل تعاملوا مع تنفيذ الشرائع (افعل ولا تفعل) قبل تفنيد الأخبار (صدق أو لا تصدق) . ثانياً: أفكار اليأس من الانتصار: إذا كان التفاؤل والتبشير بلا عمل يلام، فإن التشاؤم واليأس ولو مع شيء من العمل مدان، وفي ساحة الإسلاميين اليوم أفكار تشاؤمية جرها علينا شؤم التحرر من الضوابط الشرعية، والبعد عن التأصيلات العلمية، وإذا كانت هذه الظاهرة موجودة من أزمنة سابقة وفي أمكنة متعددة، فإنها اليوم تتفاعل بشكل يبعث على القلق، وبخاصة مع تزايد حدة التحدي المزمن مع اليهود. وإذا كانت الأفكار السابقة تصبغها صفة غيبية اعتقادية، فإن الأفكار التي أوردها الآن تكتسي مسحة فقهية علمية، وهذه أمثلة من تلك المواقف: * هناك من (يبشر) بأنه لا فائدة من دعم العمل الجهادي في فلسطين؛ لأن ثمرة ذلك الجهاد مصيرها إلى الاختطاف بعد القطاف، والشريعة لم تأمر بإضاعة المال أو بإلقاء النفس إلى التهلكة. ومن ثم فإن إضاعة الوقت والجهد مع قضية (خاسرة) فيه إضافة خسارة جديدة إلى العمل الإسلامي الذي لم يعد يتحمل خسائر أخرى! ! * وهناك من يشكك أصلاً في وجود هذا العمل الجهادي المرشح للاختطاف على أساس أن الراية الآن ليست إسلامية خالصة، وما دام الأمر كذلك، (فلا يجوز) القتال تحت راية عِمِّية! فلنبق مكاننا حتى ترتفع للجهاد راية حقيقية شرعية. ويأخذ بعض هؤلاء على عوام الفلسطينيين وجماهيرهم أنهم (حليقون) و (مسبلون) وقد يكونون (مدخنين) أو عصاة فاسقين [٣] ! * وهناك من يقول: ما لكم ولأمور السياسة؟ اتركوا أمرها للساسة، وفوِّضوا الأمور لولاة الأمور من الرؤساء والزعماء في فلسطين وما حولها؛ فهم أجدر بأن يخرجوا الأمة من الأزمة ويسيروا بها إلى بر الأمان! وإلى أن يأتي هذا الأوان (فلا يحل) لأحد أن يتكلم.. أن يتبرم ... أن يتعلم أو يعلِّم شيئاً يؤدي إلى (الخروج) على الإجماع العربي المنعقد على أسس متينة من (الشرعية) الدستورية الجاهلية! * هناك من يفلسف القعود عن نصرة المستنصرين المستضعفين بأن الله أمرنا بالعدو الأقرب فالأقرب، فعلى (المجاهدين) في الجزائر مثلاً أن يظلوا مشغولين بما هم فيه، ولا يشتتوا جهودهم أو جزءاً من جهودهم في معارك (فرعية) مع اليهود أو غيرهم، وإذا كان الإسلاميون في بلدان أخرى قد أفرغوا الطاقات في ساحات خاسرة، فهذا حسبهم، ولنترك مواجهة اليهود للأجيال القادمة! ! * وهناك من يعزِّي نفسه بأن الراية الجهادية في فلسطين هي راية (حزبية) ولو كانت إسلامية، ولأن هذا (الحزب) غير موضوع في قائمة المصالحة أو الحوار، حالياً ولا مستقبلاً، لشدة الخصومة، أو لعدم الثقة، أو لمواقف نفسية أو شخصية؛ فإن الانحراف إلى تأييد هذا العمل (الحزبي) هو انحراف عن «المنهج الصحيح» واعتراف بـ «المنهج المنحرف» وصواب خطه وسداد سياسته، وهذا «الاعتراف» هو ما لن يكون أبداً، ولو كانت الضحية فلسطين، أو ما تبقى من فلسطين بشعبها وأرضها ومقدساتها! إن هذه الطروحات الخمسة أيضاً وغيرها تساهم في تفريغ طاقات شريحة أخرى من الإسلاميين، وصرف هممهم عن الوقوف مع إخوانهم في محنتهم ومحنة الأمة كلها معهم. وعلى كل حال، فإن هذه الأفكار التيئيسية التعجيزية التي تشيع روح الوهن والاستسلام لا يستحق أكثرها رداً علمياً بقدر ما تحتاج تذكيراً وعظياً؛ لأن الغالب أن وراء طرحها والله أعلم مشاكل قلبية، لا مسائل خلافية. قد تسأل أخي القارئ: وهل صحيح أن كل الإسلاميين على هذه المواقف السلبية؟ وهل تمثل هذه الأفكار الشريحة العظمى من الإسلاميين؟ ! والجواب: هي في الحقيقة لا تمثل الشريحة الكبرى، ولكن الشريحة الكبرى هي شريحة من ليست لديهم أفكار أصلاً، لا سلبية ولا إيجابية، وهؤلاء يظنون فقط أن مجرد متابعة الأخبار على الشاشات والإذاعات مع الحوقلة والاسترجاع يعفيهم من الإثم عند الله، أو أن مجرد ترديدهم لكلمة (آمين) في القنوت في رمضان سيفتح القدس بإذن الله! [٤] . أعرف أنني قد فتحت ملفات كثيرة، وأثرت قضايا عديدة قد لا يصلح لمثلي أن يثيرها أو يتحدث فيها، مع وجود أهل العلم والفضل من ذوي الحكمة والاختصاص في أنحاء عالمنا الإسلامي، ولكن حسبي أن يكون فتح هذا الملف نذيراً لنفسي ولمن يطلع عليه من الإسلاميين الصادقين، من الوقوع في هاوية الانصراف عن الواجبات، أو الانجراف مع التوهمات والتخيلات والتوسمات، في زمان نحن فيه أسرى واقع مرير مشاهد ومعاش، وفتنة تتطلب لدرئها جهد كل عامل وداع ومذكِّر ومجاهد. إن فتح هذا الملف مجرد تحذير من المزيد من التخدير وسط أمة ذات طاقات هائلة ولكنها معطلة. إن قبساً صغيراً من الجهاد الإسلامي المفروض قد بدأ في اللمعان في ليل فلسطين الطويل، وهو يحتاج إلى جهود تحوله من قبس صغير إلى شهاب جبار، والهاجس الأكبر؛ أن يُضيِّع الإسلاميون فرصة استمرار اشتعال هذا القبس فضلاً عن اتساعه، بتركهم القيام بحق النصرة الواجبة والدعم المفروض، إن الجهاد القائم الآن، هو نبتة أمل إسلامية في صحراء اليأس العربية، وواجبنا أن نتعهدها بالسقيا والري حتى يشتد عودها وتورف ظلالها، إنهم يقومون بواجبهم فلنقم بواجبنا. قارئي العزيز: أراك تبادرني على عجل بالسؤال المنتظر: (وما العمل؟) وأعاجلك بالجواب: أنت أعرف قبل كل الناس بحدود ما تستطيع أن تعمل، فأكثر ميادين العمل مفتوحة ومشروعة، وما لم يفتح الآن فسوف يفتح عما قريب بإذن الله، بحكم الواقع والتاريخ والسنن. فقط ... أرجو منك في وقت مناسب أن تجلس مع نفسك في اجتماع مغلق مع عقل مفتوح وضمير حاضر لمدة عشر دقائق فقط عشر دقائق وسل نفسك أمام ربك: هل أديتُ ما عليَّ؟ هل لديَّ جواب إذا استُجْوِبت يوم الحساب؟ هل أنا بالفعل (عاجز) عن كل شيء ولا أستطيع فعل أي شيء؟ أم أنني أستطيع أن أفعل كذا وكذا..؟ أنا على يقين أخي الصادق أن مثل هذا الحوار المتجرد مع نفسك سيولد عندك فكرة أو فكرتين.. أو ثلاثاً أو خمساً، وهذه الخمس يمكن أن تتحول إلى عشر لو شاورتَ بعد ذلك صديقاً صدوقاً، وهذه العشر يمكن أن تتضاعف إلى مئة لو قضيت وقتاً أكبر في دائرة أوسع وشريحة أكثر جدية في تحمل المسؤولية. لا تظن أنني أتهرب من سؤالك الآنف: (ما العمل؟) فأعدك بأن أعرض عليك بضاعتي المزجاة في لقاء قريب بإذن الله، وإلى أن يأتي أوان ذلك أطلب منك طلباً محدداً: تصور ... تمثل.. تخيل؛ تخيل بكل الجدية والتحقق أن هذه الأم الثكلى التي تراها في عشرات الوجوه المختلفة هي أمك تبكي يوم فقدت أحد إخوانك ... أو أن تلك البرعمة الصغيرة الناعمة ... المثقوبة الجسد، المحروقة الأطراف هي ابنتك الساكنة في قلبك ... أو أن ذلك الصغير التائه الأفكار الزائغ العينين، المتعفر الثياب باحثاً عن أبيه، هو ولدك المفدى بما تملك.. تخيل أن تلك الفتاة المنزوعة الحجاب والأخرى المدفوعة بين الذئاب والكلاب هي أختك التي تحبها وتخاف عليها وتحمي حماها، تصور أن تلك العجوز المرتعشة الأصابع، الضعيفة البصر، الرافعة كفيها إلى السماء بالدعاء، بعد هدم بيتها وغياب عائلها هي جدتك أو خالتك أو عمتك! تمثل تلك المرأة المملوءة البطن ... أو المشغولة الصدر التي يردها أولئك النتنى من شارع إلى شارع، ومن حاجز إلى حاجز! بلى! هي زوجتك.. هي حرمك المستباح! ماذا كنت ستفعل لو أن هؤلاء هم أهلك..؟ ! ماذا كنت ستفعل؟ هل كان مثلك سيأتي ليسأل مثلي: ماذا أفعل؟ ! أخي: إنهم أهلك! ماذا كنت ستفعل لو كانوا أهلك؟ أوَ ليسوا أهلك؟ بلى إنهم أهلك وإخوتك بوشيجة عُقِدت في السماء [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] (الحجرات: ١٠) . نعم إنهم أهلونا! ولو خذلناهم لنُخْذَلَنَّ، ولئن أسلمناهم لَنَنْدََمَنَّ، ولئن بخلنا عليهم لنفتقرنَّ ونُحرَمنَّ. نعود إلى سؤال الساعة: (ما العمل؟) سؤال كبير، وهمٌّ شاخص، ومسؤولية عظيمة؛ أسأل الله أن يفتح فيه ويعين على معالجته. فإلى بقية في عدد قادم بإذن الله.

стр. 4062

المسلمون والعالم تقرير ميتشيل: دعوة لإجهاض انتفاضة الأقصى (٢ - ٢) د. سامي محمد صالح الدلال في العدد الماضي من البيان تحدث الكاتب عن قواعد وثوابت مطابقة للحق على رأسها أن فلسطين كلها من النهر إلى البحر هي ملك للمسلمين، ثم تحدث عن تقرير ميتشيل وعرف به وناقش مقدمته وفقراته بنداً بنداً، وها هو في مقاله اليوم يتابع الحديث عما قالته لجنة ميتشيل، مع وقفات مع ما بقي من بنوده. - البيان - المستوطنات: قالت اللجنة: «من الصعب تكريس وقف العنف الفلسطيني الإسرائيلي ما لم تجمد الحكومة الإسرائيلية نشاطات البناء الاستيطاني كافة» . «على امتداد نصف قرن من وجودها تلقت إسرائيل دعماً قوياً من الولايات المتحدة، وفي المحافل الدولية. » جيمس بيكر، وزير الخارجية الأمريكية في حينه قال في ٢٢ أيار (مايو) ١٩٩١م: في كل مرة من المرات الأربع التي ذهبت فيها إلى إسرائيل بشأن عملية السلام، ووجهت بالإعلان عن نشاط استيطاني جديد، إنه أمر يخالف سياسة الولايات المتحدة «. ونقف مع هذا الكلام عدة وقفات: ١ - نفهم من تقرير اللجنة وما نقلته من أقوال لوزير الخارجية (جيمس بيكر) أن إسرائيل ماضية قدماً في بناء المستوطنات ونشرها بسرعة رغم معارضة جميع الأطراف لها في هذا التصرف. ٢ - نحن نعلم مدى ثقل الضغط الأمريكي على الكيان اليهودي فيما لو أراد أن يضغط، وفي مسألتنا هذه نعتقد أنه لم يكن هناك ضغط جاد على الكيان اليهودي، ولو حصل لاضطرت الحكومة اليهودية إلى الكف عن الاستمرار في التوسع الاستيطاني. ٣ - إن التوسع اليهودي الاستيطاني يمثل حركة متحفزة في منظومة الخطوط الاستراتيجية اليهودية؛ لأنه يمثل الحجر الأساس في بناء الدولة التوراتية. ٤ - هنا يأتي دور الانتفاضة التي فهمت كيف تتعامل مع الكيان اليهودي وفق اللغة التي يفهمها، وهي لغة العنف، وهو عنف مشروع يدخل في إطار الدفاع عن النفس. ٥ - هذا العنف الفلسطيني المضاد هو الذي أصابهم بالرعب، وأدخل في روعهم ضرورة الهجرة المعاكسة، وترك المستوطنات؛ حيث إن الخدمات الحيوية الهامة بدأت بالتراجع أو التوقف؛ مما دعا الحكومة اليهودية إلى اتخاذ إجراءات أمنية ووضع خطط مضادة من مثل تكثيف الكمائن ضد الفلسطينيين وتحصين السيارات التي تنتقل من وإلى المستوطنات وتفعيل الاستخبارات الجوية؛ غير أن هذه الإجراءات لم تكن مجدية فعلياً؛ حيث استمر تدفق المستوطنين إلى داخل الخط الأخضر (الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨م) ، وسيستمر بإذن الله. ٦ - إن استمرار الانتفاضة سيحول حياة المستوطنين إلى جحيم لا يطاق، والذي اعتقده أن حكومتهم لن تبقى متفرجة على تعاظم كرة الثلج، وأغلب الظن أنها قد تقرر الدخول في مغامرات عسكرية ستصل حتماً إلى إعلان حالة الحرب. خفض التوتر: قالت اللجنة:» إن تجديد الجهود لوقف العنف يمكن أن يمثل ولوقت محدود فترة تهدئة يمكن من خلالها عدم تشجيع التظاهرات الجماهيرية في/ أو بالقرب من نقاط الاحتكاك من أجل كسر دائرة العنف، وفي حال استمرار التظاهرات فإننا نحض على أن يحافظ كل من المتظاهرين ورجال الأمن على المسافة التي تفصل بينهما من أجل خفض احتمالات المواجهة المميتة «. انتهى كلام اللجنة. تعليق: اتفق الطرفان على فترة تهدئة ووقف لإطلاق النار، غير أن القوات اليهودية لم تلتزم بذلك ولا ليوم واحد، وهذا يؤكد سبق الإصرار اليهودي على مواصلة العنف ضد الفلسطينيين، وقد أدى عدم التزام الجيش اليهودي بوقف إطلاق النار إلى أن تواصل الانتفاضة الدفاع عن شعبها الأعزل. الفعل والرد: تحت هذا العنوان ذكر التقرير كلاماً كثيراً لا يخرج في فحواه عن المذكور سابقاً. ولنا على ما سبق التعليقات الآتية: ١ - إن الزج بالشباب اليهودي في طليعة المتصدين للانتفاضة الفلسطينية يضاعف إيقاع المسؤولية على الحكومة اليهودية، ومن ثم فليس فيه تبرئة لها بل مزيد اتهام. ٢ - خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الانتفاضة كان إيقاع القتل من جانب واحد، وهو الجانب اليهودي، وهذا يعني أن الشعب الفلسطيني قد صبر على تلقي الرصاص القاتل لمدة تزيد على تسعين يوماً؛ فأين كانت الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا؟ ! لم يتحرك هؤلاء إلا بعد أن نفد صبر الشعب الفلسطيني وشرع يدافع عن نفسه، فهبوا جميعاً للحيلولة بينه وبين الدفاع المشروع، فتتالت الوفود وترادفت الاجتماعات وازدادت الضغوط، إنهم يريدون أن يذبح الشعب الفلسطيني كما تذبح النعاج؛ فما أخطر هؤلاء على الإنسانية! ! ٣ - اعترفت اللجنة بأن الجيش اليهودي يستخدم الأسلحة الثقيلة للرد على نيران الفلسطينيين الخفيفة. ٤ - أقرت اللجنة استخدام الجيش اليهودي للرصاص المطاطي ليقتل به الفلسطينيين، لكنها طلبت منه سحب القلب المعدني. يا سبحان الله! حتى اللجنة تريد قتل الفلسطينيين لكن باستخدام الرصاص المطاطي فقط! ! كيف يمكن أن تكون هذه لجنة محايدة لتقصي الحقائق؟ ! ! التحريض: قالت اللجنة:» في التقارير والأوراق التي قدمت إلى اللجنة، عبّر كل من الطرفين عن قلقه في شأن اللغة والتصورات الكريهة التي يبثها الطرف الآخر، مع تحديد العديد من الأمثلة على الخطاب الديني والعرقي المعادي في الإعلام الفلسطيني و (الإسرائيلي) ، في المناهج الدراسية، وفي تصريحات القيادات الدينية والسياسيين وغيرها «. » إننا ندعو الطرفين إلى مراجعة التزاماتهم الرسمية، ورعاية التفاهم المتبادل والتسامح، والابتعاد عن التحريض والدعاية المعادية «. » نقترح على الطرفين أن يكونا حذرين بشكل خاص في شأن استخدام الكلمات بطريقة توحي بالمسؤولية الجماعية «. تعليق: التحريض يلازم وجود الصراع، وهو أمر طبيعي، لكن في حالتنا هذه التحريض من الجانب الفلسطيني يدعو إلى إحقاق الحق وإعادة الحقوق المشروعة إلى أصحابها الأصليين وهم الفلسطينيون سكان الأرض وأصحابها، وأما التحريض من الجانب اليهودي فهو يدعو إلى تمكين الباطل باستخدام القوة المسلحة بشكلها المفرط، وذلك لتكريس الاحتلال وإدامة الهيمنة الباطشة على الأراضي المحتلة، وسوم أصحابها سوء العذاب والتشريد والتنكيل عبر المجازر والإبادة الجماعية. الآثار الاقتصادية والاجتماعية للعنف: قالت اللجنة:» لقد فرض المزيد من القيود من قبل (إسرائيل) على حركة الناس والبضائع في الضفة الغربية وقطاع غزة «. » الإغلاقات تتخذ ثلاثة أشكال: أ - تلك التي تقيد الحركة بين المناطق الفلسطينية وإسرائيل. ب - تلك التي تقيد الحركة داخل المناطق الفلسطينية (بما في ذلك حظر التجول) . ج - تلك التي تقيد الحركة من المناطق الفلسطينية إلى البلدان الأخرى «. » لقد تسببت هذه الإجراءات في: * تمزيق وبث الفوضى في حياة مئات الآلاف من الفلسطينيين. * رفعت معدل البطالة بين الفلسطينيين إلى ما يقدر بـ ٤٠% وذلك من خلال منع ٤١ ألف فلسطيني من العمل في إسرائيل. * أطاحت بحوالي ثلث إجمالي الإنتاج الفلسطيني المحلي. * الآثار الضارة للإغلاقات (أي الحصار) : ١ - منع المدنيين من الحصول على العناية الطبية. ٢ - منع الطلبة من التوجه إلى مدارسهم «. انتهى كلام اللجنة. ونعقب على ما ذكرنا بما يلي: ١ - أصابت اللجنة في ذكر بعض الآثار الاقتصادية والاجتماعية للعنف اليهودي ضد الفلسطينيين. غير أن اللجنة ذكرت في العنوان لهذا المقطع كلمة » للعنف «في حق الصهاينة باعتبارهم المعتدين. ٢ - إن الذي ذكرته اللجنة يدل على مدى الممارسات الهمجية واللاإنسانية ضد الفلسطينيين. ٣ - إن ما يسمى المجتمع الدولي لم يهب لدفع الظلم الشديد الذي وقع ولا يزال ضد الفلسطينيين، في حين ما أسرع ما كان تحركه في أزمة تيمور الشرقية النصرانية؛ لأنه يكيل بعدة مكاييل، يختار منها ما يحقق مصالحه ومطامعه وإن كانت على حساب الشعوب المستضعفة والمضطهدة. ٤ - إن تقرير اللجنة أغفل كثيراً من آثار التدمير اليهودية لمرافق الفلسطينيين مما أدى إلى تشريد الأهالي، بالإضافة إلى ازدياد أعداد المعاقين بشكل هائل، وتعاظم أعداد الأطفال، وتعاظم الأزمات النفسية التي أصابت الأطفال الناجمة عن الخوف الذي تسببه الأصوات المدوية لتفجير القنابل وغير ذلك. الأماكن المقدسة: قالت اللجنة:» من المؤسف، بشكل خاص، أن الأماكن المقدسة مثل جبل الهيكل، الحرم الشريف في القدس، قبر يوسف في نابلس، وقبة راحيل في بيت لحم كانت مسرحاً للعنف والموت والإصابات، هذه أماكن للسلام، للصلاة، للتأمل، ويجب أن تكون متاحة لجميع المتدينين «. » إن الأماكن التي تعتبر مقدسة من قبل المسلمين واليهود والمسيحيين تستحق الاحترام والحماية والحفظ، إن الاتفاقيات التي سبق أن تم التوصل إليها بين الأطراف المعنية بشأن الأماكن المقدسة يجب أن يتم التزامها، ويجب تشجيع الجهود الأمنية لتطوير الحوار بين الأديان «. انتهى كلام اللجنة. ولنا مع كلام اللجنة الوقفات الآتية: ١ - جميع أعمال العنف التي وقعت في الأماكن المقدسة التي أشارت إليها اللجنة تمت بواسطة اليهود، وهذا ما تم تجاهله، وجاءت بعبارات توحي أن العنف في تلك الأماكن متبادل بين الأطراف كلها، وهذا تدليس واضح. ٢ - ليس صحيحاً ما ذكرته اللجنة من أن هذه الأماكن المقدسة ينبغي أن تكون متاحة لجميع المتدينين، بل هي أماكن متاحة لأتباع كل دين بعينه، إن الخطورة في الصياغة التي أوردتها اللجنة تكمن في أن ما يفهم منها هو أن المسجد الأقصى ينبغي أن يكون متاحاً لجميع المتدينين، وهذا مرفوض لدى المسلمين كلية، جملة وتفصيلاً. ٣ - إن تدنيس شارون المسجد الأقصى جاء مخالفاً لكل ما هو معلوم من احترام جميع الأطراف للأماكن المقدسة، كما ينبغي أن تدين الاعتداء الذي حصل على المسجد الإبراهيمي الذي أوقع عشرات القتلى من المصلين المسلمين أثناء أدائهم للصلاة. ٤ - أما قضية تشجيع الجهود الأمنية لتطوير الحوار بين الأديان فلا محل لها في المسألة المعروضة، وكان ينبغي للجنة أن توضحه وتجليه. القوة الدولية: قالت اللجنة:» لقد كان أحد أكثر المواضيع التي أثيرت خلال عملنا إشكالية موضوع نشر قوة دولية في المناطق الفلسطينية، لحماية المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم من جيش الدفاع الإسرائيلي ومن المستوطنين، وهذا ما عارضته الحكومة الإسرائيلية «. » إننا نرى أن مثل هذه القوة تحتاج من أجل أن تكون فاعلة إلى دعم الطرفين «. » أثناء زيارتنا لمدينة الخليل تلقينا تقريراً من طاقم القوة الدولية المؤقتة فيها PLPH، وهي قوة وافق عليها الطرفان. إن مهمة هذه القوة هي مراقبة الوضع المتفجر وكتابة التقارير حول مشاهدتها، فإذا وافق الطرفان، كخطوة لبناء الثقة، على الاستفادة من تجربة قوة الخليل لمساعدتهم على السيطرة على نقاط الاحتكاك الأخرى، فإننا نأمل أن يلبي المساهمون في قوة الخليل هذا الطلب «. انتهى كلام اللجنة. وهنا نقف الوقفات الآتية: ١ - نحن لا نؤيد نشر قوات دولية في المناطق الفلسطينية؛ لأن تلك القوات ستشكل استعماراً إضافياً للأراضي المحتلة بغطاء دولي. ٢ - لا نشك أن القوات الدولية ستكون متحيزة لصالح العدو اليهودي بحكم توجهات النظام الدولي. ٣ - إن القوات الدولية ستشكل حماية للوضع اليهودي في الأراضي المحتلة؛ لأن الوصول إلى اليهود لطردهم من الأراضي المحتلة سيصطدم بهذه القوات أولاً، مما يجعل الشعب الفلسطيني وكأنه هو المعتدي وليس المعتدى عليه. ٤ - الحكومة اليهودية لا تريد إدخال قوات دولية إلى الضفة وقطاع غزة؛ لأنها تريد هذه الأراضي لها وحدها ووجود هذه القوات يدخل الاضطراب على مشاريعها الاستيطانية والتوسعية، ولأن القوات الدولية ستكون شاهد عيان على الإجرام اليهودي الذي تمارسه قوات الدفاع الإسرائيلي والشرطة ضد المدنيين العزل. ٥ - يلاحظ أن اشتراط اللجنة موافقة الطرفين يوحي ضمناً إلى أنها تميل إلى الرأي اليهودي. ٦ - إن عدم توصية اللجنة باستجلاب قوات دولية للضفة الغربية وقطاع غزة ينسجم ويتحد مع رأي أمريكا ذات الثقل في اللجنة. مبادرات التقارب بين الشعبين: قالت اللجنة:» على الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية أن ترعيا وتدعما، بشكل مشترك، عمل المنظمات غير الحكومية الإسرائيلية والفلسطينية المنخرطة في عملية بناء الثقة من خلال مبادرات تربط الطرفين، بما في ذلك توفير الدعم الإنساني للقرى الفلسطينية من المنظمات غير الحكومية الإسرائيلية «. انتهى كلام اللجنة. ولنا تعليق: إن الحكومة اليهودية تقوم بكل ما يقع تحت طائلة إمكاناتها في إيقاع التخريب والدمار في الصفوف الفلسطينية؛ فهي التي تقوم بجرف آلاف الهكتارات من الأراضي المزروعة، وهي التي تقوم بتدمير الأشجار المثمرة، وهي التي تقوم بهدم المنازل على قاطنيها، وهي التي تلقي القنابل من الطائرات الحربية وتقذف بالصواريخ من المروحيات العسكرية على المدن الفلسطينية الآهلة بالسكان، وهي التي تقوم بعمليات الحصار والتجويع، وغير ذلك كثير، أقول: كيف لمثل هذه الحكومة أن تخاطب بتشكيل لجان مشتركة للإغاثة والدعم الإنساني؟ ! ! استئناف المفاوضات: قالت اللجنة:» لقد أعلن كلا الطرفين عن استمرارهما بالتزام اتفاقاتهما وتعهداتهما، وعلى الطرفين إعلان عزمهما على اللقاء على هذا الأساس من أجل استئناف مفاوضات شاملة وذات معنى، وبروحية تعهداتهما في شرم الشيخ في عامي ١٩٩٩و ٢٠٠٠م «. » إن على السلطة الفلسطينية، كما فعلت في ظروف دقيقة سابقة، أن تتخذ خطوات تطمئن إسرائيل في شأن القضايا الأمنية، وعلى الحكومة الإسرائيلية اتخاذ خطوات مماثلة «. » على الإسرائيليين والفلسطينيين أن يتجنبوا في أفعالهم ومواقفهم إعطاء الكلمة النهائية في تحديد مستقبلهم المشترك للمتطرفين والمجرمين العاديين والباحثين عن الانتقام «. » إن أساسات الثقة التي تتطلبها إعادة بناء شراكة فعالة تقوم على قيام كل طرف بتقديم طمأنات استراتيجية للطرف الآخر «. انتهى كلام اللجنة. ولنا الوقفات الآتية مع ما ذكر: ١ - رغم إعلان الطرفين عزمهما على استمرارهما بالتزام اتفاقاتهما وتعهداتهما، فإن هذا الأمر لم يتم إلا من جانب السلطة الفلسطينية، أما الجانب اليهودي فقد ضرب بكل تعهداته واتفاقاته عرض الحائط، وإلا فلماذا إذاً حصلت مفاوضات واي ريفر، وواي بلانتيشن، وطابا، وشرم الشيخ، وكامب ديفيد؟ ! ! ٢ - ما هي الخطوات التي على السلطة الفلسطينية أن تتخذها لطمأنة إسرائيل أمنياً؟ ! لقد سقنا عدداً من الخطوات التي اتخذتها تلك السلطة ضد شعبها وكأنها جندي يعمل تحت إمرة اليهود بما في ذلك الاعتقال والمطاردة والتشريد؛ غير أن كل ذلك لم يكن كافياً للجنة؛ فيا للعجب! ! ٣ - إن القضايا السياسية التي تطلب اللجنة من اليهود أن يتخذوا في شأنها خطوات لطمأنة السلطة الفلسطينية غير واردة في التفكير اليهودي، وهم قد أعطوا لاءاتهم منذ البداية، وهم مصرون عليها، ولا يظهر في الأفق أن هناك توجهاً لإعادة النظر فيها. ٤ - تدعو اللجنة إلى ممارسة السرية المطلقة في اتفاقيات الوضع النهائي، مما يعني ضمناً أن السبب في ذلك هو أن تلك الاتفاقات لن تكون منصفة للشعب الفلسطيني، مما سيجعله رافضاً لها. لكن اللجنة عامدة، حادت بالعبارة عن ذكر الشعب الفلسطيني إلى ذكر» المتطرفين والمجرمين العاديين والباحثين عن الانتقام «. ٥ - مرة أخرى تتلاعب اللجنة بالألفاظ لتمرير معانٍ خطيرة والتي منها » طمأنات استراتيجية «بين الأطراف فتأمل! ! ثالثاً: التوصيات: لقد جاءت التوصيات خلاصة لمجمل ما قد ذكرناه في النقاش الذي أدارته لجنة تقصي الحقائق عبر ما يزيد على ستة شهور، وقد جاء في مقدمة التوصيات: » على الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية العمل بسرعة وحزم لوقف العنف ثم إعادة بناء الثقة واستئناف المفاوضات «. أي ثلاثة محاور: المحور الأول: وقف العنف: قالت اللجنة:» على الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية التأكيد مجدداً على التزامهما بالاتفاقيات والتعهدات القائمة والتطبيق الفوري لوقف العنف من دون شروط، وعليهما أن يستأنفا التعاون الأمني فوراً، وأن يبحثا في توسيع مدى التعاون الأمني ليعكس أولويات الشعبين «. » إننا نقر بموقف السلطة الفلسطينية القائل بأن التنسيق الأمني يمثل صعوبة سياسية في غياب سياق سياسي مناسب «. المحور الثاني: إعادة بناء الثقة: انقسمت التوصيات تحت هذا العنوان إلى ثلاثة أقسام: قسم موجه للسلطة الفلسطينية، وقسم موجه للحكومة الإسرائيلية، وقسم موجه لهما معاً. قالت اللجنة: التوصيات للسلطة الفلسطينية: ١- على السلطة الفلسطينية أن توضح للفلسطينيين والإسرائيليين على السواء، وعبر الفعل الملموس، أنها تستنكر الإرهاب وترفضه، وأنها ستبذل جهدها الكامل لمنع العمليات الإرهابية ومعاقبة منفذيها. ٢ - على السلطة الفلسطينية أن تجدد التعاون الأمني مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية حتى تضمن لأكبر مدى ممكن أن الفلسطينيين العاملين داخل (إسرائيل) قد تم التأكد من أنهم ليست لديهم صلات بمنظمات أو علاقة بالإرهاب. ٣ - منع المسلحين من استخدام المناطق الفلسطينية المأهولة لإطلاق النار على المناطق الإسرائيلية المأهولة ومواقع جيش الدفاع الإسرائيلي. ٤ - اتخاذ كل الخطوات اللازمة لإنشاء تسلسل واضح وصلب للضبط في القوات المسلحة التي تعمل تحت السلطة. ٥ - فرض السلطة تنفيذ معايير للسلوك والمساءلة، سواء داخل القوات الرسمية أو بين قوات الشرطة والقيادة السياسية التي تقدم تقاريرها إليها. التوصيات للحكومة الإسرائيلية: ١ - على الحكومة الإسرائيلية تجميد جميع النشاطات الاستيطانية، بما في ذلك النمو الطبيعي للمستوطنات. ٢ - على جيش الدفاع الإسرائيلي أن ينظر في الانسحاب إلى المواقع التي كان يتواجد فيها قبل ٢٨ أيلول ٢٠٠٠م، الأمر الذي سيقلص عدد نقاط الاحتكاك وإمكانيات المواجهات العنيفة. ٣ - على الحكومة الإسرائيلية أن تضمن أن يتبنى جيش الدفاع الإسرائيلي وينفذ السياسات والإجراءات التي تشجع ردود الفعل غير القاتلة على التظاهرات السلمية بهدف تقليص عدد الإصابات والصدامات بين الشعبين. ٤ - على الحكومة الإسرائيلية أن ترفع الأطواق، وأن تحول إلى السلطة الفلسطينية كل عائدات الضرائب التي تدين لها بها، وأن تسمح للفلسطينيين الذين كانوا يعملون في (إسرائيل) بالعودة إلى أعمالهم، وأن تضمن أن تكف قوات الأمن والمستوطنين عن تدمير البيوت والطرق والأشجار وغيرها من الممتلكات الزراعية في المناطق الفلسطينية. ٥ - على الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي أن يتبنيا ويضعا موضع التنفيذ السياسات والإجراءات لتقليص الخطر على حياة وممتلكات المدنيين الفلسطينيين؛ آخذين في الاعتبار أنه ربما يكون هدف المسلحين هو استدراج رد فعل عنيف من الجيش الإسرائيلي. ٦ - على الحكومة الإسرائيلية اتخاذ كل الخطوات اللازمة لمنع أعمال العنف من قبل المستوطنين. التوصيات للطرفين: ١ - على السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية أن تعملا معاً من أجل خلق» فترة تهدئة «، وأن تطبقا إجراءات لبناء الثقة سبق أن طرح بعضها. ٢ - عليهما استئناف جهودها لتحديد وإدانة ووقف التحريض بكل أشكاله. ٣ - على الطرفين التزام بنود اتفاق واي ريفر التي تحرم استخدام الأسلحة غير المشروعة. ٤ - عليهما أن يبحثا في التزام مشترك المحافظة على الأماكن المقدسة عند المسلمين واليهود والمسيحيين وحمايتها. ٥ - عليهما رعاية ودعم عمل المنظمات غير الحكومة الفلسطينية والإسرائيلية العاملة في المبادرات المشتركة التي تربط بين الشعبين. المحور الثالث: استئناف المفاوضات: قالت اللجنة:» إن الجهد الكامل من أجل وقف العنف والعودة الفورية إلى التعاون الأمني وتبادل إجراءات بناء الثقة هي أمور شديدة الأهمية من أجل استئناف المفاوضات «. » يجب ألا نؤجل المفاوضات أكثر مما يجب «. » نوصي بأن يلتقي الطرفان ليعيدا تأكيد التزامهما بالاتفاقات الموقعة والتفاهمات المتبادلة وليتخذا الخطوات العملية الملائمة «. » إذا لم يعودا إلى طاولة المفاوضات فسيواجهان احتمال أن يستمرا في القتال لسنوات طويلة، بحيث يغادر الكثير من مواطنيهما إلى شواطئ بعيدة ليعيشوا حياتهم ويربوا أطفالهم «. وقفتنا مع التوصيات: أولاً: لقد جاءت التوصيات ظالمة بشكل سافر للشعب الفلسطيني؛ حيث إنها طلبت من السلطة الفلسطينية: ١ - إيقاف الانتفاضة (تحت مسمى وقف العنف) . ٢ - التمهيد لذلك بـ» فترة تهدئة «. ٣ - استنكار ورفض ومنع العمليات الاستشهادية وعمليات الدفاع عن النفس، (تحت مسمى استنكار الإرهاب) . ٤ - اعتقال وسجن ومعاقبة من يفعل ذلك من الفلسطينيين. ٥ - توفير الحراسة للمناطق اليهودية المأهولة ومواقع الجيش اليهودي (وذلك بمنع المسلحين الفسلطينيين من مهاجمتهم من المناطق الفلسطينية المأهولة) . ٦ - التأكد من أن الفلسطينيين الذين يعملون داخل الخط الأخضر ليس لهم علاقة مع المنظمات الفلسطينية المشاركة في الانتفاضة، وأن تقوم بفحصهم! ! ٧ - اتخاذ إجراءات صارمة لضبط القوات المسلحة العاملة تحت إمرتها كي لا تشارك في الانتفاضة أو تدعمها بل تمارس مهمتها في كبحها ولجم اندفاعها. ٨ - التعاون الأمني الكامل مع الحكومة اليهودية والتنسيق معها لتنفيذ كل ما ذكر. ثانياً: جاءت التوصيات معضدة ومدعمة ومؤيدة لكثير من مواقف الحكومة اليهودية. ومن ذلك: ١ - إقرار وجود المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة (اللجنة طلبت فقط تجميد النشاطات الاستيطانية) ، وطلبت اللجنة من الحكومة اليهودية منع أعمال العنف من المستوطنين ولم تطلب منها إجلاءهم من المستوطنات، وهذا إقرار منها بشرعية المستوطنات ووجود المستوطنين فيها. ٢ - إقرار وجود شبكة الطرق التي توصل بين المستوطنات فيما بينها أو مع كافة المدن في داخل وخارج ما يسمى بالخط الأخضر، بل عدم الممانعة من تدعيمها وزيادة فعاليتها، وعلى الحكومة اليهودية أن توضح للسلطة الفلسطينية أن ذلك لن يشكل تهديداً للتواصل الجغرافي للدولة الفلسطينية! ! ٣ - إقرار وجود الجيش اليهودي في المواقع التي أعاد احتلالها بعد بدء الانتفاضة، وتكتفي اللجنة بالطلب منه إعادة النظر في ذلك. ٤ - أقرت اللجنة للجيش اليهودي قتل الفلسطينيين من حيث المبدأ، لكنها طلبت منه تبني أساليب تقلص من عدد القتلى والمصابين! ! ٥ - وافقت اللجنة وأقرت أن التدمير الشامل والقتل بأنواعه الذي قام به الجيش اليهودي له ما يسوِّغه وهو الأسباب الأمنية. إن هذا الإقرار يعطي الضوء الأخضر من اللجنة للقوات اليهودية بمواصلة أعمالها الهمجية، وممارستها الوحشية تحت غطاء دولي. ٦ - أعطت اللجنة الحكومة اليهودية الحق في مباشرة ممارسات منوعة في المسجد الأقصى والمساجد الأخرى، وكذلك الكنائس، وأضفت الشرعية عليها في ذلك تحت مسمى الالتزام المشترك في المحافظة على الأماكن المقدسة. ثالثاً: أبقت اللجنة دخول الأطراف في مفاوضات الوضع النهائي معلقاً، على أن لا يتأجل لأكثر مما يجب؛ أي أنها أعطت فترة زمنية مفتوحة إلى حين القضاء على الانتفاضة التي ينبغي أن يقضى عليها في فترة لا يجوز أن تمتد لأكثر مما يجب! ! فتأمل! ! ماذا بعد تقرير ميتشيل؟ ! ما إن رفع ميتشيل تقرير (لجنة تقصي الحقائق) إلى الرئيس الأمريكي حتى انصبت الجهود الدولية كلها في السعي لتنفيذه، ولقد أصبح بإمكاننا أن نطلق على الفترة الحالية والتي قد تمتد لزمن طويل بأنها» مرحلة تقرير ميتشيل «، ورغم أن هذا التقرير قد رفع بتاريخ ٣٠/٤/٢٠٠١م غير أن الجدل حول متى وكيف ومن يبدأ تنفيذه لا يزال قائماً حتى كتابة هذه السطور. لقد دعمت الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي تقرير ميتشيل، وهلل له الجميع في العموم؛ غير أن استعراض وجهات نظر أهم الأطراف سيلقي ضوءاً على مرحلة تقرير ميتشيل. ١ - السلطة الفسطينية: * سارعت منظمة التحرير الفلسطينية إلى إعلانها الموافقة على هذا التقرير، لكنها طلبت من الولايات المتحدة الأمريكية تحديد جدول زمني لتنفيذه بأسرع وقت ممكن. * ومع عدم حدوث أي تقدم في البدء في تنفيذ تقرير ميتشيل، أعلنت السلطة الفلسطينية بتاريخ ١٥ ربيع الثاني ١٤٢٢ هـ الموافق ٦ يوليو ٢٠٠١م مبادرة جديدة تستند إلى ثلاثة نقاط، هي: ١ - الإعلان الفوري من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بالالتزام بتنفيذ توصيات لجنة ميتشيل واعتبارها» رزمة «واحدة وفق» جدول زمني «محدد وقصير الأمد يتم الاتفاق عليه دون تحفظ من أي طرف. ٢ - إعادة تأكيد التزام الطرفين بوقف فوري لكل أعمال إطلاق النار والاعتداءات والانتهاكات التي تشمل المدنيين والممتلكات وسواها. ٣ - قيام لجان من المراقبين الدوليين فوراً تعينهم لجنة دولية بالإشراف على وقف إطلاق النار، وعلى تنفيذ الجدول الزمني لتطبيق التوصيات. ٢ - الحكومة اليهودية: رغم أن تقرير ميتشيل جاء ليصب في تحقيق الرغبات اليهودية ويضفي عليها شرعية دولية، إلا أن الحكومة اليهودية أعلنت تحفظها (أو قل رفضها) لهذا التقرير خاصة فيما يتعلق بالمستوطنات. ولما رأت الحكومة اليهودية أن موقفها هذا من التقرير سيعزلها دولياً وضعت شروطاً لتنفيذ بنوده، ورسمت خطتها وفق عدة محاور: الأول: الدعوة إلى» فترة تهدئة «لا يعلم أي طرف متى ستبدأ! ! ثم» فترة الاختبار «. ومعنى الهدوء أن» لا يكون هناك إرهاب أو عنف أو تحريض «بحسب تعبير شارون. الثاني: التحرك الدولي لتسويق الفهم اليهودي لتقرير ميتشيل، وفي هذا السياق قام شارون بزيارة الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وألمانيا؛ حيث قابل الزعماء: بوش، وشيراك، وبلير، وجير هارد شرودر طالباً منهم الضغط على السلطة الفلسطينية لتتمسك بالهدنة! ! الثالث: شن هجوم كاسح على السلطة الفلسطينية ممثلة برئيسها ياسر عرفات لتحقيق هدفين: الأول: إعادة تلميع صورة عرفات أمام شعبه بعد أن احترقت تماماً. الثاني: إظهارالسلطة الفلسطينية بأنها سلطة إرهابية، وأنها هي التي تعيق تحقيق السلام. الرابع: التراجع عن اتفاقيات أوسلو؛ حيث انتقد شارون اتفاقيات أوسلو للحكم الذاتي للفلسطينيين الموقعة في ١٩٩٣م مؤكداً أن أوسلو لم تجلب لا السلام ولا الأمن. ٣ - الولايات المتحدة الأمريكية: منذ البداية وقفت الولايات المتحدة الأمريكية مع تقرير ميتشيل؛ لكنها تحاول مسك العصا من الوسط؛ حيث قال ريتشارد باوتشر المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية:» إن الجانبين بحاجة إلى بذل أقصى جهد من أجل وقف العنف، وسنواصل دعوتهما لعمل ذلك «. في هذا الإطار جاءت زيارة جورج تينيت مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية للأرض المحتلة؛ حيث عقد عدة اجتماعات مع المسؤولين الأمنيين الفلسطينيين واليهود في مكتب الارتباط الفلسطيني الإسرائيلي في رام الله. وقد نشرت وسائل الإعلام اليهودية تفاصيل خطة تينيت بتاريخ ٢٣ ربيع الأول ١٤٢٢هـ الموافق ١٤ يونيو ٢٠٠١م، وقد تضمنت ما يلي: أ - يجب عي الفلسطينيين التعهد بما يلي: * توقيف واستجواب وسجن أعضاء المنظمات الفلسطينية الراديكالية الذين تتهمهم سرائيل بالتحضير لعمليات إرهابية، والتي سلمت لائحة تتضمن عشرات من أسمائهم إلى السلطة الفلسطينية. * تقديم أسماء الأشخاص الموقوفين إلى لجنة أمنية مشتركة. * مصادرة مدافع الهاون والأسلحة الأخرى التي يحوزها فلسطينيون بطريقة غير شرعية في انتهاك لاتفاق أوسلو ١٩٩٣م. * إغلاق ورشات صنع قنابل الهاون. * تسليم إسرائيل جميع المعلومات الخاصة بالتخطيط لهجمات. * منع تهريب الأسلحة. * وضع حد للحض الرسمي على العنف والهجمات ضد إسرائيل والمستوطنات اليهودية. ب - يجب على إسرائيل التعهد بما يلي: * الامتناع عن مهاجمة المؤسسات المدنية أو العسكرية التابعة للسلطة الفلسطينية. * الامتناع عن استخدام الأسلحة القاتلة لتفريق المتظاهرين. * اتخاذ التدابير اللازمة ضد مواطنيها المسؤولين عن عمليات انتقام أو حض على العنف ضد الفلسطينيين. * التحقيق في مقتل الفلسطينيين الذين لم يتورطوا في أعمال إرهابية والذين قتلوا أثناء مواجهات مع الجيش. * الإفراج عن الموقوفين الفلسطينيين الذين لم يشاركوا في أعمال إرهابية وخصوصاً المتظاهرين الذين رشقوا بالحجارة. * إعادة نشر القوات الإسرائيلية في مواقعها السابقة لبدء الانتفاضة في ٢٨ سبتمبر الماضي. * رفع الإغلاق عن الأراضي الفلسطينية والحصار الداخلي المفروض على المدن الفلسطينية. ج - يجب على الطرفين التعهد بما يلي: * منع الأفراد والمجموعات من استخدام القطاعات التي تخضع لسيطرتها كقواعد للقيام بأعمال عنف أو كملاذات بعد القيام بمثل هذه الأعمال. * الالتقاء مرة في الأسبوع واتخاذ تدابير ملموسة لإعادة إطلاق تعاونهما الأمني. * إعادة تنشيط مكاتب الاتصال الإسرائيلية الفلسطينية. * التشاور بانتظام على المستوى الأمني في مؤتمرات تعقد عبر أجهزة فيديو بواسطة معدات تقدمها الولايات المتحدة. انتهى نص الخطة. ولسنا بصدد مناقشة هذه الخطة؛ فهي في فحواها العام لا تكاد تخرج عما ورد في تقرير لجنة ميتشيل. غير أن المسؤولين الأمريكيين اقترحوا وقفاً لإطلاق النار غير مشروط تتبعه فترة هدوء لستة أسابيع قبل تطبيق توصيات ميتشيل، وقد وافق الجانبان الفلسطيني واليهودي على خطة تينيت، ثم أعلن وقف إطلاق النار ابتداء من ١٣ يونيو، غير أن هذا الوقف كان صورياً؛ حيث استمر الجيش اليهودي في ممارسة هوايته اليومية في قتل الفلسطينيين وتدمير ممتلكاتهم. ٤ - مواقف دول أخرى: * في بريطانيا أعلن متحدث رسمي أن بلير الذي اجتمع مع شارون لأول مرة ذكر أنه صديق لإسرائيل، وأنه ليس بصدد أن يملي على أي من الجانبين ما يتعين عليهما فعله في المرحلة القادمة. * في فرنسا كانت زيارته فرصة لها لتؤكد تركيزها بالدرجة الأولى على تطبيق» سريع وكامل «لتقرير ميتشيل. * في مصر صرح وزير الخارجية أحمد ماهر أن على إسرائيل البدء في اتخاذ إجراءات جادة وفقاً لما نص عليه تقرير ميتشيل، موضحاً أن التقرير يضع خريطة توصل إلى مفاوضات الوضع النهائي استناداً إلى قرارات الأمم المتحدة والأسس التي عقد بموجبها مؤتمر مدريد ومبدأ الأرض مقابل السلام. * في سوريا قال الرئيس السوري بشار الأسد في حديث للفيغارو الفرنسية: » نخشى أن تتقلص مبادرات ميتشيل وتينيت إلى مجرد تحركات للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، ثم تصبح بعد ذلك في مرحلة ثانية مرجعيات جديدة للسلام «. آفاق مستقبل الانتفاضة بعد تقرير ميتشيل: إن بؤرة الصراع تتأجج حالياً في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي هذه البؤرة يوجد متصارعان رئيسان: الشعب الفلسطيني، والكيان اليهودي. ثم خارج بؤرة الصراع هناك مغذيات ومؤثرات عليها، وهي قسمان: ١ - النظام الدولي (ممثلاً في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) ، وتأثيره في بؤرة الصراع يصب لصالح الكيان اليهودي. ٢ - الدول العربية والإسلامية، وتأثيرها في بؤرة الصراع متفاوت من حيث النوع والكم. لكن كلا القسمين يقف بصف تقرير ميتشيل ولكن على أبعاد متفاوتة. وبغض النظر عن كل ذلك فإن القرار النهائي في المسألة يتحدد في موقع البؤرة، والظاهر في الأمر لحد الآن هو أن: - الانتفاضة ستستمر. - التصدي اليهودي لها سيستمر. غير أن إمكانية الكيان اليهودي على استمرار التصدي للانتفاضة بدأ يعتريها الخلل؛ لأن القضية ليست هي مجرد مواجهات عسكرية ضد جموع جماهيرية عزلاء، بل هي قد تعدت ذلك إلى مرحلة النخر في البنية السياسية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية للكيان اليهودي بما يجعل إمكانية استمراره على هذه الحالة الراهنة غير مستطاع، في حين أن الجماهير الفلسطينية لا تزال محتفظة بمخزون هائل من طاقات المواجهة والصبر والتحمل؛ وعليه فإنا نرى أن استمرار الأمر على نهجه الحالي سيرجح كفة الانتفاضة بإذن الله ولذلك فإن الحكومة الشارونية الحالية لن تستجيب إلى هذا النوع من استمرارية المواجهة، بل ستسعى إلى تطويرها بما يضعف كفة الانتفاضة أو يقضي عليها. على هذا فإن تطوير المواجهة سيكون ضمن خطين: الأول: محاولة إعادة احتلال المنطقة (أ) تدريجياً، وسحب البساط السياسي الذي تقف عليه السلطة الفلسطينية، مما يعني مغادرتها للأراضي المحتلة أو تعرضها للاعتقال أو التسفير القسري، وقد يتردد شارون في هذا الفعل بسبب احتمالات المعارضة الدولية؛ غير أن شارون لا يعبأ كثيراً بذلك. الثاني: تسخين الجبهات الأخرى (السورية واللبنانية) لتشتيت نظر الرأي العام العالمي وصرفه عن التركيز عما تقوم به القوات اليهودية في محاولة إعادة احتلالها للمنطقة (أ) . ولكن أقول: لو حصل هذا، فإن احتلال المنطقة (أ) لن يوقف الانتفاضة، بل سيزيد المواجهات مع العدو؛ وخاصة بعد زوال التأثير الكابح الذي تقوم به قوات الشرطة الفلسطينية التي تنفذ سياسات السلطة. إن ذلك سيعمق آثار الانتفاضة داخل الكيان اليهودي ويزيد كثيراً من خسائره. وأما تسخين الجبهات الأخرى فإنه سيشكل ثقلاً إضافياً على الحكومة اليهودية ويزيد من أعبائها ويشتت تركيزها، بل قد يبعثر كيانها السياسي بما سيحدث من اختلافات شديدة بين كتل الائتلاف الحاكم. وإننا لا نشك أن هذه الاحتمالات جميعاً هي محل نظر ودراسة معمقة لدى حكومة شارون، غير أن الخيارات المتاحة أمامها باتت قليلة حيث ضاقت عليها الزاوية داخلياً وخارجياً، خاصة وقد بدأت توجهات الرأي العام العالمي تميل شيئاً فشيئاً نحو كفة الفلسطينيين. ولذلك؛ فإن آفاق المستقبل تشير والغيب يعلمه الله تعالى أن اليهود سيضطرون في نهاية المطاف إلى الدخول في مفاوضات تقود في ختامها إلى استقلال الضفة الغربية وقطاع غزة استقلالاً حقيقياً مرتبطاً بمعاهدات تعايش سلمي وعدم اعتداء بين الدولة اليهودية وبين الدولة الفلسطينية. هذا احتمال. وهناك احتمال آخر، وهو أن استمرار الانتفاضة قد يفضي إلى حالات حرب مستقبلية قريبة وبعيدة تهدد الكيان اليهودي ذاته، والله تعالى أعلم.

стр. 4063

المسلمون والعالم رمال الجزائر المتحركة أمير سعيد [*] مرجل الجزائر اشتد غليانه طوال الأسابيع الماضية، وتناثر منه العديد من الأسئلة التي لا يعرف اليقين سبيلاً للإجابة عنها: هل تتجه الأزمة الجزائرية للتدويل؟ ما الأسباب الحقيقية لاضطرابات البربر الأخيرة؟ لماذا الآن بالذات انفجرت الأوضاع في منطقة القبائل؟ ما حقيقة الصراع بين الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة وجنرالات الجيش؟ إلى أي مدى استفاد مسلحو الجماعة السلفية للدعوة والقتال من تفجر الأوضاع في منطقة القبائل؟ هل تدفع الجزائر ثمن تضارب المصالح بين الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا؟ لماذا لم تستفد الجزائر من ارتفاع أسعار النفط في تبسيط المعادلة الاقتصادية الصعبة لديها؟ هل تفككت الجبهة الإسلامية للإنقاذ؟ وهل يفطن المسلحون في الجبال إلى أن أمريكا وفرنسا سيعارضان بشراسة وصول الأسلحة النووية والنفط إلى أيدي من يرفعون شعار الدولة الإسلامية؟ للإجابة عن هذه الأسئلة يحسن أولاً التعرف على ماهية أحداث القبائل التي أعادت الأزمة الجزائرية إلى صدارة الأخبار مرة أخرى. انطلقت شرارة هذه الاضطرابات إثر مقتل شاب في مركز للدرك استُقدم للتحقيق معه بسبب اتهامه بالسرقة، وفور ذيوع الخبر عن مقتل هذا الشاب الذي قيل إنه تلميذ في المرحلة الثانوية اندلعت التظاهرات من ثانوية بني دوالة بالقرب من (تيزي أوزو) كبرى مدن منطقة القبائل، ومن ثم تجاوبت معها ولاية (بجاية) المجاورة، وقد أخذت هذه التظاهرات شكل الاضطرابات العنيفة؛ إذ أحرقت العديد من مؤسسات الدولة وسياراتها، وقذفت سيارات الأمن والدرك وعناصرها بالحجارة، وامتدت يد التخريب لتطال مقرات حزب القوى الاشتراكية بزعامة حسين آيت أحمد، ومقرات حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بزعامة الدكتور سعيد سعدي، وقد ردت قوى الأمن بعنف على هذه الاضطرابات مستخدمة الذخيرة الحية لفضها مما أسفر عن مقتل ما بين ٦٠ - ٨٠ شخصاً معظمهم من المدنيين، وإصابة المئات منهم، إضافة إلى حرق نحو ٢٥ قرية والعديد من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وقد تبع تلك الاضطرابات العنيفة العديد من المسيرات الاحتجاجية على القمع الرسمي لانتفاضة القبائل بلغت ذروتها في مسيرة العاصمة التي نظمتها جبهة القوى الاشتراكية، وتجاوزت سقف ربع مليون أمازيغي (بربري) حضروا خصيصاً إلى العاصمة من معظم مدن وقرى الولايات الثلاثة البربرية: تيزي أوزو - بجاية - جيجل. هكذا انطلقت شرارة أحداث القبائل، وهكذا عادت مرة أخرى تحت رماد الحياة الأمازيغية، وحتى إن بدت عفوية، فقد فجَّرتها قضية مقتل الشاب ماسنيا على أيدي رجال الدرك؛ إلا أنها قد حدثت في الحقيقة نتيجة منطقية لتراكمات اجتماعية وسياسية طال أمدها وبقيت دون معالجة من السلطة المركزية، ومن أبرزها: ١ - غفلة كثير من ساسة وحكام الجزائر وخاصة الأخيرين منهم عن أن الإسلام، والإسلام فقط هو الذي يجمع بين عرقي الشعب الجزائري (العرب والبربر) . وإنه متى أخفق الحكام في توكيد هذه الوحدة عبر مظانها بالتطبيق العادل لأحكام الإسلام خاصة فيما يتعلق برفض التمييز الاثني للشعوب، فإن النعرات القبلية لا بد أن تجد آذاناً صاغية، والتاريخ الجزائري منذ فجر الإسلام يبرهن على تلك الحقيقة متمثلة فيما عرف على مر التاريخ بـ (فتن البربر) ، ولقد فطن الاحتلال الفرنسي لتلك الحقيقة وبذل جهده لتحقيقها حينما بث في روع البربر من جديد أن العرب قد جاؤوا إليهم منذ ١٤٠٠ عام! ! فنهبوا ثروتهم، وفرضوا حكمهم وحكامهم عليهم، وأن الخير لهم أن يديروا شؤونهم بأنفسهم. ومما يؤسف له أن الثورة الجزائرية قد صاحبت مداً قومياً عربياً رهيباً إبان حكم الرئيس المصري جمال عبد الناصر، فمارست منذ نشأتها عام ١٩٦٢م نوعاً من التهميش والإقصاء لوجهاء البربر وأفرادهم، والملاحظ أنه منذ ذلك التاريخ وحتى الآن تكررت اضطرابات البربر (أبرزها الربيع البربري ١٩٨٠م، مقتل المطرب القبائلي معطوب الوناس ١٩٩٨م) بشكل لم يسبق له مثيل في تلك الفترة التي أبعد فيها الإسلام باعتباره مقوماً ضامناً للوحدة الجزائرية. ٢ - الوضع الاقتصادي السيئ الذي يعيشه الأمازيغ وهو بالمناسبة ليس بمعزل عن الأزمة الاقتصادية الطاحنة في عموم أرض الجزائر حيث جعل منطقة القبائل في حالة غليان دائم، مع الأخذ بالاعتبار: - وقوع أكثر من ٥٠% من الجزائريين تحت خط الفقر (بدخل يومي للفرد أقل من دولار) ، وإخفاق جميع برامج النهوض الاقتصادي التي وعدت بها الدولة في تلبية الحد الأدنى من متطلبات المواطن الأمازيغي والجزائري بصفة عامة. - تبدد الأمل في الخروج من عنق الزجاجة بعدما التهم الفساد الزيادة التي طرأت على أسعار النفط حين تجاوز الدخل القومي الجزائري العام الماضي ٢٢ بليون دولار منها ١٠ بلايين دولار من الضرائب على قطاع الهيدروكربونات (أي ضعف ما تم الحصول عليه من ضرائب الكربونات العام الماضي) ، وهو ما يبرز التناقض الكبير بين امتلاك الجزائر لإيجابيات اقتصادية تمكنها من تحقيق انطلاقة اقتصادية وبين حالة الشلل الاقتصادي التام، والبطالة، وتناقص فرص العمل التي تعيشها الجزائر اليوم. ٣ - الخصوصية القبلية الأمازيغية التي تفسر انفراد ولايات البربر دون غيرها بتلك الاضطرابات؛ فالشعب الأمازيغي شعب تحرري (كلمة أمازيغ تعني بلغة البربر: الرجل الحر) يجري الدم الثوري في عروقه، وبحسبه أن يشعر بالظلم والمهانة لمقتل شاب على يد دركيين حتى يثور وتمتلئ نفسه رغبة في التظاهر العنيف والتخريب والحرق؛ فالأمازيغيون بحسهم الثوري رأوا في تلك الحادثة امتداداً لما يرونه إقصاءً وتهميشاً لدورهم واستبعاداً متعمداً لأبنائهم. وعلى ذلك فإن الخصوصية القبلية والحالة الاقتصادية المتردية وتغييب الإسلام عن أخذ دوره المحكم في ترصيص بُنى الشعب الجزائري إذن هي أهم روافد اضطرابات القبائل، ولكن بعض المحللين رأوا من وراء تلك الأحداث تدبيراً متعمداً من جنرالات الجيش لإحراج الرئيس بوتفليقة تمهيداً لإزاحته عن سدة الحكم، ولاحظوا كذلك أن قمع التظاهرات بهذه الصورة المبالغ فيها (٦٠ - ٨٠ قتيل، ونحو ٤٠٠ جريح) كان أيضاً متعمداً وبهدف صب الزيت على النار لإظهار بوتفليقة بمظهر الديكتاتور القامع لشعبه، أو لإظهار عجزه أمام شعبه عن وضع حد لهذه الاضطرابات؛ حتى إن الجميع وهم ينتظرون بشغف خطاب بوتفليقة للأمة الجزائرية عن هذه الأحداث فوجئوا بالرئيس (اللبق) يخرج عليهم بكلام مكرر يتهم الخونة في الخارج بإشعال الأزمة، ويعد بلجنة تحقيق يعرف الجميع أنها لن تفضي إلى شيء؛ مما جسد لديهم الإحساس بعدم قدرة الرئيس على إدارة الأمور. ويرى بعض المحللين أيضاً أن هذه الأزمة القبلية قد أذكى نيرانها أطراف خارجية وداخلية ترى من مصلحتها انفصال منطقة القبائل، وأنها استغلت تلك الحادثة في تأجيج ذلك التوجه، وذكروا في هذا الخصوص احتضان دول أوروبية لمطالب البربر مثل فرنسا التي ما تفتأ تذكِّر البربر عبر وسائل إعلامها الموجه بخصوصيتهم، وضرورة أخذ مطالب البربر الاستقلالية والثقافية في الاعتبار، ومثل أسبانيا التي استضافت المؤتمر البربري العالمي مؤخراً على أراضيها والذي عبأ جاليات الشتات البربري، وانطلقت فيها الدعوات صريحة تطالب بالانفصال عن الجزائر الأم، وكذلك بلجيكا وإيطاليا اللتان توجد على أرضهما كذلك زعامات الحركة الثقافية البربرية. ثمة تحليل أخير لا يستبعد يداً خفية للاستخبارات الجزائرية وراء انتفاضة البربر تهدف بالأساس إلى سحب البساط من تحت أقدام الأحزاب الأمازيغية لا سيما جبهة القوى الاشتراكية التي تزعمها الزعيم التاريخي حسين آيت أحمد، وإظهارها بمظهر العاجز عن تبني تطلعات البربر الثقافية والاجتماعية، وأن على البربر ألا يعوِّلوا كثيراً على الأحزاب، وأن يتدبروا أمورهم بأنفسهم. هذا الرأي على غرابته لا يشذ بعيداً عن الواقع الجزائري الذي يتزاحم في ملعبه اللاعبون المحليون والمحترفون الذين تتنافر مصالحهم فيه إلى حد التناحر، وهو ما يؤدي بدوره إلى توالد الأزمات في إثر بعضها: انفجار القبائل، كثرة المجازر، افتقار النظام إلى النظام، تسرب الثروة الجزائرية إلى جيوب حفنة من المنتفعين، عدم نجاح برامج الإصلاح الاقتصادي، عجز البرلمان عن أداء دوره، تفاقم ظاهرة الانتحار ... إلى العديد والعديد من الأزمات والمشاكل الطاحنة التي خلفها التضارب في مصالح المتنفذين في الشأن الجزائري. يقول مجدي عمر وكيل أول مجلس للدفاع الوطني المصري في عهد الرئيس عبد الناصر: إن الجزائر في موقف خطير؛ لأن هناك صراعاً خفياً وقديماً بين أمريكا وفرنسا: من الذي يسيطر على الجزائر؟ وفي وقت ما قيل إن بعض شركات البترول الأمريكية كانت على صلة بشخصيات في الثورة الجزائرية، وهذا يصدق من حيث المنطق؛ فالجزائر دولة ضخمة في مواردها، وقربها من أوروبا، ومن ثم نتساءل: مَنْ وراء هذه المذابح الرهيبة هناك؟ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي اشتد الصراع بين فرنسا وأمريكا على الجزائر، وبرغم أن فرنسا وأمريكا في منظومة غربية واحدة إلا أن هذا لم يمنع التنافس الشرس على الجزائر؛ ففرنسا بحكم الارتباط الثقافي بينها وبين الجزائر. أما أمريكا فبحكم أنها الدولة العظمى كان لا يمكنها أن تترك موقعاً كهذا، وانظر ما يحدث في منطقة القبائل، ويقال إن المذابح تحدث بالقرب من معسكرات القوات المسلحة دون أن تحرك ساكناً « [١] . أمريكا التي زار قيادة قواتها في ألمانيا اللواء العماري رئيس الأركان الجزائري، والتي قامت بوارجها الحربية بمناورات وتدريبات في المياه الإقليمية الجزائرية، وازداد نفوذها النفطي والعسكري مؤخراً هي أحد أهم اللاعبين على الخريطة الجزائرية. لكن فرنسا كما هو معلوم الدخيل الأجنبي الأول على الساحة الجزائرية، لا تقبل بحال التسلل الأمريكي لهذه الساحة، وهي ما تزال تحتفظ بمعظم أوراق اللعبة الجزائرية عبر سيطرتها شبه الكاملة على جنرالات الجزائر، والجسور المتينة التي تربط علاقاتها بالتيار العلماني الاستئصالي، والقبائلي، والثقافي، والفرانكفوني. فرنسا وأمريكا إذن هما أبرز النافذين الخارجيين في الجزائر، أما في الداخل فثمة قوى مؤثرة يمكن تلخيصها فيما يلي: ١ - جنرالات الشرق والغرب الجزائري: وهم يُحكِمون سيطرتهم على القرار الجزائري، وأبرزهم الفريق محمد العماري رئيس الأركان، واللواء مدين (توفيق) رئيس جهاز الاستخبارات، واللواء إسماعيل العماري رئيس جهاز مكافحة التجسس (مهندس اتفاق الهدنة مع الإنقاذ) بالإضافة إلى المتقاعدين: الجنرال العربي بلخير (وزير الداخلية الأسبق) ، واللواء خالد نزار (وزير الدفاع الأسبق المسؤول عن إلغاء الانتخابات ١٩٩٠م، التي فاز بها الإنقاذيون، وعن إقالة الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد) . وهؤلاء الجنرالات يهيمنون على أربعة أجهزة أمنية هامة هي: - جهاز مكافحة التجسس (يُعنى باختراق خلايا المسلحين) . - جهاز الأمن العسكري (يُعنى بسلامة رجال المؤسسة العسكرية وثكناتها) . - الأمن الخارجي (يُعنى بجمع معلومات عن المعارضة الإسلامية في الخارج والداخل) . - الأمن الخاص (يُعنى بوحدات مكافحة المسلحين وحماية شخصيات النظام) . وغني عن القول أن الجنرالات يستمدون عظيم نفوذهم من القدرة على إبقاء البلاد في حالة الاتزان بين العنف واللاعنف، وهو ما يدعمه المعلومات الموثوقة التي تواترت عن تورط هؤلاء في ارتكاب المجازر سواء بصورة مباشرة أو من خلال غض الطرف عن أفعال شطر في الجماعات المسلحة، أو المعلومات الظنية التي تحدثت عن أيد لهم خفية في أحداث القبائل أو اغتيال العديد من الشخصيات العامة (آخرهم رئيس قضاة المحكمة العليا ٢١/٦/٢٠٠١م، وأبرزهم الرئيس بوضياف قاصدي مرباح رئيس الاستخبارات الأسبق عبد القادر حشاني الرجل الثالث في الإنقاذ) . ورغم قوة نفوذ الجنرالات والدعم الفرنسي لهم وسيطرتهم على معظم دخل النفط الجزائري، إلا أن القلق قد بدأ يسري إليهم مما دفع ببعضهم إلى نقل معظم ثرواتهم إلى سويسرا تحسباً لأي طارئ. ٢ - الرئيس بوتفليقة: يحظى بدعم أمريكي وشعبي محدود، وقد أشيع مؤخراً أنه بدأ سراً في إجراء اتصالات مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وجبهة القوى الاشتراكية، وبعض الدول الأوروبية بهدف حشد الجهود الدولية والشعبية لاستبقائه في منصبه لا سيما بعد أن خرجت خلافاته مع الجنرالات إلى حيز العلن، وتتردد معلومات تؤكد أن إطاحته من منصبه مجرد وقت بعد أن شب عن الطوق العسكري. ٣ - الإسلاميون ومنتسبوهم: جماعات متعددة أهمها: - جماعات توصف بالاعتدال: من بينها حركة (حماس) ، وحركة (النهضة) ، وأبرزها (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) ، وهذه الأخيرة برغم تعرضها للتفكيك في الداخل، والانشقاق في الخارج، واستقطاب عناصرها المسلحة من قبل الجماعة السلفية للدعوة والقتال، والاغتيالات من قبل الحكم والخوارج، والأسر لقيادتها التاريخية إلا أنها ما زالت تمثل الحلم الإسلامي في الجزائر؛ حيث تملك الجبهة الجيش المنظم، والغطاء السياسي، والشبكة الخارجية الواعية، وقبل ذلك البرنامج الإصلاحي الشامل المؤسس على قواعد أيديولوجية رصينة. - جماعات توصف بالتشدد: أبرزها اثنتان: الأولى: الجماعة السلفية للدعوة والقتال بقيادة حسن حطاب، وهي تدعو لإقامة دولة إسلامية، وتقتصر مجهوداتها العسكرية على استهداف العسكريين فقط؛ ولذا فهي تملك بعض الشعبية المتنامية (خاصة في أحداث القبائل التي هتف فيها المتظاهرون!» معك يا حطاب «) لكنها لا تملك أي غطاء سياسي. الثانية: الجماعة الإسلامية المسلحة بقيادة عنتر الزوابري: امتداد تاريخي لجماعات الخوارج التي ظهرت في الجزائر من مئات السنين (تشاطر الاستخبارات الجزائرية المجازر التي ترتكب بحق الأبرياء) . ٤ - جماعات الضغط البربرية: أبرزها تجمعات (شيوخ القبائل) جبهة القوى الاشتراكية (تضغط بقوة لتدويل الأزمة) التجمع من أجل الديمقراطية والثقافة (فرنسي النزعة شديد العلمانية) : تلك الجماعات تتراوح مطالبها بين المطالب الاجتماعية والانفصال مروراً بالخصوصية الثقافية واللغوية. وهكذا تتباين القوى الفاعلة في الجزائر، وكلما تغيرت موازين القوى انعكس ذلك على صور الأزمة؛ وبذلك تتعدد الصور لكنها لا تنتهي! ! وبعد: فكما تقدم يتضح كم تعاني الجزائر جراء التناقض الرهيب بين الأطراف الداخلية والخارجية، وكم تعاني إثر ذلك من تبدل موازين القوى الذي يؤدي بدوره إلى توالي السهام في صدر الجزائر!

стр. 4064

المسلمون والعالم تركيا الكمالية تشترك مع الصهاينة في العداء للإسلام د. إسماعيل المنصور يمر الإسلام والمسلمون في تركيا الكمالية في هذه الأعوام الأخيرة ومنذ تسلم فيها أربكان الحكم في سنة ١٩٩٦م لمدة قصيرة لا تزيد على أحد عشر شهراً؛ بأزمات ومصاعب تقشعرُّ منها الجلود، وتشمئز منها النفوس، ويعانون من الحكومة التركية العلمانية ضغوطاً ومطاردات وملاحقات وتشريدات وتعذيبات لم يشهدها التاريخ أبداً لا في أيام هولاكو ولا في أيام أتاتورك وعصمت إينونو اللذين كُلِّفا في معاهدة (لوزان) من طرف سادتهما الغربيين بالقضاء على الإسلام قضاء باتاً. إن الجمهورية التركية العلمانية البالغة من العمر ثمانية وسبعين عاماً عرفت عبر عمرها الإسلام بمضمونه السياسي عدواً لدوداً وخصماً عنيداً لها، وربَّت الجمهورية العلمانية جميع أبنائها المخلصين لها من الليبراليين العلمانيين الديمقراطيين، وكذا ربت جميع حراسها من الضباط العسكريين كما يزعمون هم أنفسهم أنهم حراس لنظام الجمهورية العلمانية الكمالية على دعوى أن أكبر الأخطار الداخلية على النظام الجمهوري العلماني هو الإسلام والإسلاميون؛ فمن هنا ترى أن جميع من في الجمهورية التركية من اليهود والنصارى واليزيديين والرافضة والملاحدة والفسقة الفجرة حتى اللوطيين والزناة واللصوص والمرتشين يتمتعون بحريات كاملة في الإعراب عن آرائهم، والإبانة عن وجهة نظرهم، والإفصاح عن معتقداتهم، وتطبيق طقوسهم وعباداتهم، ولا يتعرض لهم أحد بشيء؛ حتى إن اللوطيين رتبوا في أواسط التسعينيات مظاهرة اشترك فيها جميعهم في أكبر شوارع إستانبول، ولم يتعرض لهم أحد بكلمة سوى أن شرطة الحكومة حرستهم من أن يتعرض لهم أحد بسوء، وكذا لبعض الأقليات الدينية مدارس يصرف عليها ميزانية ضخمة تؤمن من الداخل، وتستورد من الخارج مثل مدارس السريانيين في دير الزعفران، ودير عمر في ماردين، ولا يحاسب أحد هؤلاء عن مصدر تلك الموارد الضخمة، وكيف تصرف؟ ولكن إذا ساعدت إحدى الجماعات الخيرية من الخارج هيئة إسلامية في داخل تركيا وعلمت بها سلطات الأمن التركي ترى كيف تثور عنجهيتهم العلمانية الخرقاء، وتقوم قيامتهم، ويرون أن العلمانية وقعت في خطر بالغ بذلك الدعم الإسلامي. ويعرب عن مدى حذر العلمانيين من المسلمين في تركيا وعن بالغ قلقهم على مصير العلمنة ما قاله (حسام الدين جندورك) حينما كان رئيس حزب الصراط المستقيم في أواسط الثمانينيات: «إننا لو أفسحنا المجال للمسلمين وأعطيناهم الحرية الدينية لخرجوا أيام الجمعة من المساجد يرفعون المصاحف طلباً للشريعة» . فرغماً عن أن المسلمين في تركيا يشكلون ٩٨% من عدد السكان لكن لا تجد لهم أي وزن لا في كفة السياسة، ولا في كفة الجيش، ولا في كفة الاقتصاد الذي تقبله الجهات الرسمية، كما لا يعطى لهم أية حرية دينية سوى كونهم يصلون ويصومون صلاة بلا روح وصياماً بلا وعي؛ حيث انتزع منهما فاعليتهما الاجتماعية، وصارتا مجرد حركات تقليدية لا يفعلها كثير من الناس إلا لتقليد الآباء والأمهات فقط. ترى المساجد تكتظ بالآلاف المؤلفة من الناس ولكنهم غثاء كغثاء السيل لا خير في حشودهم ولا نفع في وجودهم، ولا يسمن ولا يغني من جوع إلا ما شاء الله. أول المحاولات للقضاء على الإسلام: إن الجمهورية التركية أسست أول ما أسست على عداوة وخصومة شديدة للإسلام، وكسيت تلك العداوة بلباس أعجوبة نظامية جعلت الأيديولوجية الوحيدة للدولة الفتية ضد الإسلام والمسلمين ألا وهي العلمنة، فجعلت أيديولوجية العلمنة الترس الوحيد الذي يحتمي خلفه جميع من له غرض على الإسلام والمسلمين من الشيوعية والرافضة والدونمة اليهود والصليبيين الحاقدين أو من له غرض سيئ في ثروات الدولة من اللصوص والناهبين الذين يتحينون الفرص في سلب أموال الدولة وثرواتها. ورُبِّيَ على روح هذه العداوة الوقحة للإسلام حشد بالغ من المثقفين والضباط والصحفيين وغيرهم من الليبراليين الذين يدعون أنهم ديمقراطيون؛ فهذا الجيل الحاقد على الإسلام لا يشفي غيظ صدورهم إلا الهجوم الوقح على الإسلام، وانتهاك قداسته وتشويه سمعته وتلويث كرامته في أية فرصة سانحة لهم كما سنذكر ذلك. أول الخطوات المشؤومة لهذه الدولة الأيديولوجية التي أسست بروح العداوة البحتة للإسلام على أنقاض الإمبراطورية العثمانية كي تقر أعين الصليبيين الحاقدين كان إلغاء الخلافة الإسلامية وشريعتها تماماً، وتبني العلمنة المادية التي هي أشبه بالإلحاد العاتي في تطبيقاتها وسلوكياتها الموجودة في تركيا، وتثبيتاً لجذورها في أعماق المجتمع حقق القائمون على الثورة الجمهورية وعلى رأسهم أتاتورك ثم بعده عصمت إينونو ثورات غريبة الأصل والشكل هي فريدة في بابها ونسيج وحدها: منها ثورة الأحرف أي الثورة على الأحرف العربية والعثمانية حتى لا تبقى للمجتمع أية صلة بماضيه الإسلامي فيتولد منه وعي إسلامي؛ ومنها الثورة على التدريس الإسلامي بتوحيد الدراسة وإغلاق جميع المدارس الشرعية والمؤسسات الإسلامية وحذف المواد الإسلامية من المدارس الإسلامية. ومنها الثورة على الزي الإسلامي في الملابس والثياب، فحظروا جميع الملابس الرجالية التي لها صلة بالإسلام من العمامة والعباءة والجبة والثوب العربي، ومن الملابس النسائية حظروا الجلباب وسائر ما تستر به المرأة بدنها الستر الكامل، وأوجبوا كشف الرأس على الرجل والمرأة إذا كانت عاملة في الوظائف الحكومية، وكثروا ويسروا جميع الوسائل لاختلاط النساء بالرجال في جميع الأماكن والمناسبات، وهذا بدوره أتى بفساد عجيب وانهيار خلقي وانحلال أخلاقي عظيم؛ فكان ضربة قاسية أصابت مقتل الأمة. ومنها الثورة على الأخلاق والأعراف والتقاليد الإسلامية كاملة؛ فكانت أول خطوة في هذا المجال تأسيس معاهد تسمى بـ (معاهد القرى) ، وأسسوا بجنب تلك المعاهد سكناً للطلاب أجبروا فيها الطلاب والطالبات على الإقامة والمبيت معاً في الغرف نفسها حتى لا يبقى في نفوس الجيل الجديد أي وازع ديني أو رادع خُلُقي من الحياء والحشمة والعفاف. ومنها منع بعض الشعائر الإسلامية مثل الأذان العربي؛ فقد تمت ترجمته إلى التركية، وإغلاق الكثير من المساجد، وحول مسجد آيا صوفيا إلى (متحف) و ... و ... و ... وتنفيذاً لأهداف العلمنة وترسيخاً لجذور هذه الثورات التي تعد اللبنات الأولى للجمهورية الكمالية العلمانية شنق فيما بين العشرينيات والأربعينيات جم غفير يعد بالألوف من الصلحاء والعلماء وأرباب الهمم من المسلمين الذين رفضوا العلمنة وإلغاء الخلافة والشريعة الإسلامية؛ وهاجر إلى خارج البلاد عدد آخر منهم فراراً بدينهم من أمثال (مصطفى صبري) شيخ الإسلام للدولة العثمانية وغيره كثير. الخطة الرهيبة التي تطبق في القضاء على الإسلام: نعم! إن تلاميذ مدرسة أتاتورك وعصمت المعاصرين أنكى وأضر وأشد على الإسلام منهما بكثير؛ لأن هؤلاء يأخذون مخططاتهم ومشاريعهم التي ينفذونها في سبيل القضاء على الإسلام من مراكز استراتيجية عالمية درس فيها الصهاينة والصليبيون الحاقدون ولا يزالون يدرسون جميع ما هو أنكى وأضر وأعظم مفعولاً في استئصال شأفة الإسلام من مجتمعاته، وازداد وعي هذا المركز وخبرة الدارسين فيه خاصة بعدما شوهد هنا وهناك على الصعيد العالمي تقدم الصحوة الإسلامية يوماً فيوماً ونجاحها الواسع في شتى الميادين وخصيصاً ما وقع في إيران وأفغانستان على رأس الثمانينيات، وتأسيس حركة حماس في فلسطين، والتقدم الهائل الذي أحدثه الإسلاميون في كل من تونس وتركيا وسوريا والجزائر فيما بعد الثمانينيات إلى أواسط التسعينيات، كل هذه التطورات على صعيد الصحوة الإسلامية أرّقت الصهاينة وأنصارهم من الصليبيين الحاقدين؛ فمن هنا درسوا ويدرسون جميع ما يمكن أن يقضوا به على الإسلام الذي يدعو الناس أن يرفضوا ويقضوا على الاستعمار الغربي في ربوع العالم الإسلامي. فترى اليوم أن الصهاينة وأنصارهم من الصليبيين يطبقون في شتى البلاد الإسلامية بمكر ودهاء لا مثيل له على أيدي حفنة من المارقين الذين ضللت أدمغتهم ورؤوسهم وصاروا أسرى التقليد للغرب يطبقون مخططاتهم في القضاء على الإسلام واقتلاع جميع جذوره من جميع المجتمعات الإسلامية، وضمن هذا المخطط المشؤوم يحاربون كل ما هو إسلامي من غير رفق ولا هوادة، وخير أنموذج لما يطبق فيه ذلك المخطط الرهيب هو تونس وتركيا وأندونيسيا. ولكن نترك تلك الدول جانباً ونتناول بشيء من التفصيل ما يجري اليوم على الساحة التركية من تلك الخطة الرهيبة في القضاء على الإسلام وجميع شعائره كي نرى عن كثب ما يدبره اليهود والصليبيون خلف الأبواب المسدودة ضد الإسلام، ويطبقه على رؤوس الأشهاد أذنابهم المرذولون في المجتمعات الإسلامية. ويمكن تلخيص هذه الخطة الرهيبة في كلمة واحدة وهي: تجفيف جميع المنابع الإسلامية التي تستقي منها الشعوب الوعي الإسلامي. إن الجيش التركي أسس من أول يوم ليكون حرباً على الدين وحراسة للعلمنة، فترى أن الدستور الأساسي لتركيا ينص على ذلك من خلال المادة ١٣٦؛ فانطلاقاً من هذا صار الجيش التركي سيفاً مصلتا على الشعب التركي يمنعه من جميع نشاطاته الإسلامية منذ أن أسس الجيش على يد أتاتورك إلى يومنا هذا. العلمنة هي الأيديولوجية الوحيدة للجيش التركي كما أسلفنا ولكن ليست بالصورة المطبقة في الغرب بحيث تعطي الحريات الدينية للناس حتى يطبقوا أوامر دينهم كما يأمرهم به، بل هي علمنة شيوعية إلحادية تحارب الدين أكثر من محاربة الشيوعية لها. تقدم حزب الرفاه والكيد به: إن من شدة عداوة الجيش التركي للإسلام أنه حينما أحس بتقدم حزب الرفاه وفوزه في انتخابات ١٩٩٥م بدأ يستعين سراً بالرافضة الموجودين في تركيا الذين هم قلة قليلة فجعلوهم في المناصب العليا، وسلموا لهم مناصب مهمة، وحقد هؤلاء على المسلمين لا يقل عن حقد الصهاينة والصليبيين بل ربما أشد بكثير، فصارت فرقة الرافضة يقيئون جميع سمومهم على المسلمين. وإلى جنب هذا الاتفاق اللئيم السري بين الجيش والرافضة ضد المسلمين وقع اتفاق آخر هو أشد من الأول وهو تحالف ضمني وقع بين القوى الثلاث في البلاد التركية وهم: الوطنيون الطورانيون، والديمقراطيون الليبراليون، واليساريون الشيوعيون الماركسيون. فتلك القوى الثلاث بما أنها تتجمع على بساط العلمنة تحالفت وتآزرت أيضاً في الكفاح ضد المسلمين فكان ضرر هؤلاء أكبر على المسلمين؛ لأن جميع القرارات التي كانت تحتاج إلى مسوِّغ قانوني من إغلاق مدارس تحفيظ القرآن الكريم وإغلاق ثانوية (الأئمة والخطباء) وغيره إنما أخذت وقننت على أيدي هؤلاء؛ فكان الجيش يوجه وهؤلاء كانوا يطبقون؛ فمنذ عام ١٩٩٥م والشغل الشاغل لجميع الكوادر الحكومية العليا في تركيا هو الكفاح ضد الإسلام، وتجفيف منابع العمل الإسلامي في جميع المجالات، فمن هنا ترى أنهم منعوا قانونياً تعليم القرآن الكريم لمن هم دون اثني عشر عاماً من العمر. تجفيف المنابع: إن ما يرتكبه اليوم الحاكمون بأمرهم في تركيا ضد الإسلام والمسلمين من طرد وتشريد ذريع وتعذيب فظيع بحيث تقشعر منه الجلود وتشخص منه الأبصار يفوق الوصف، ويمكننا أن نلمسه في المظاهر الآتية: ١ - تشويه سمعة الإسلام والمسلمين بكل ما أمكن من شتى الوسائل الإعلامية وبخاصة على شاشات التلفاز كما رأينا ذلك بأم أعيننا في قصة تزويج المخابرات التركية إحدى نسوانها (فاطمة شاهين) بواحد من رؤساء إحدى الجماعات الإسلامية (مسلم كوندز) وفضح أمره على رؤوس الأشهاد بحيث تكلم به وكتب عنه الناس أياماً عديدة. ٢ - اغتيال المسلمين وخصيصاً من رأوا فيه دراية وبصيرة ونشاطاً وحكمة من أمثال عز الدين يلدريم رئيس وقف الزهراء الإسلامي وجماعة النورسيين الزهراويين، وزكريا آي، وإسماعيل أوز يورت، وغيرهم من الكثير الكثير حتى أخبرني من أثق به من ذوي المناصب العليا في الحكومة التركية أن جهات المخابرات والأمن أعدت فيما بينها قائمة بأسماء المسلمين الذين يريدون أن يغتالوهم تحتوي على أسماء ثمانية آلاف أو أحد عشر ألف مسلم، وقالت تلك الجهات: إننا إذا قتلنا من هؤلاء الرجعيين هذا العدد فإننا نخلص البلد من الرجعية (الإسلام) على حسب تعبيرهم ولا تزال الجهات الأمنية تتبع الطريق نفسه عند من يريدون قتله؛ والكيد الذي يطبق الآن في اغتيال المسلمين في تركيا هو المخطط نفسه الذي كان الفرنسيون يطبقونه ضد الجزائريين سنوات كفاحهم لتحرير بلادهم من الاستعمار. ٣ - إغلاق جميع المؤسسات التي كان يجري فيها التعليم الإسلامي من مدارس تحفيظ القرآن الكريم وثانوية (الأئمة والخطباء) والمدارس الإسلامية الأخرى، أغلق أكثر من أربعة آلاف مدرسة من مدارس تحفيظ القرآن الكريم، والآن يعملون لإغلاق كليات الإلهيات أيضاً التي ما يدرس فيها من العلوم الإسلامية إلا القليل. ٤ - الحد من نشاطات جميع الأوقاف والجمعيات الخيرية والهيئات الإسلامية؛ فمنعت كلها من جميع نشاطاتها الكثيرة العظيمة؛ فأغلقت هي نفسها، لأنها لا تستطيع أن تستمر في نشاطاتها من كثرة متابعة الجهات الأمنية الكثيرة وملاحقتها لها. ٥ - الحرب السافرة مع جميع أنواع الحجاب الإسلامي للمرأة، فأولاً فصلت النساء المسلمات المتحجبات من العمل في الدوائر الرسمية، ثم في خطوة ثانية فصلت الطالبات المتحجبات من الجامعات وجميع المدارس حتى الأهلية منها أيضاً، ثم في خطوة شيطانية ثالثة منعت جميع نساء من يسكن في السكن الحكومي من الاحتجاب؛ فمن لم يطبق ولم تسفر امرأته أخرجوه من السكن قسراً مع ما يرون من العقوبة. ٦ - إخلاء الجيش بكامله من العناصر التي لها أدنى صلة بالإسلام، وفي هذا السبيل ينتهجون نهجاً شيطانياً، وهو أن من وجدوا عليه أو على أسرته حتى أبويه أدنى أمارة دينية عدُّوها له جريمة ولاحقوه وتابعوه وفي آخر الأمر فصلوه؛ فمثلاً لبس العسكري لخاتم الفضة دون الذهب أو تغطية امرأته لرأسها أو حمله أو أحد من أبويه علماً إسلامياً أو حتى تغطية أمه لرأسها أو صلاة والده ولو في بيته أو عدم شربه للخمر أو عدم ارتياده لبيوت الزنا والخلاعة أو عدم اشتراكه مع زوجته حاسرة الرأس وعارية الجسد في الحفلات العسكرية أو غيرها من الحفلات الرسمية كل هذه الأمور تعد للضابط الموظف في الجيش التركي جريمة لا تغفر، يكفي بعض هذه الأمور أن تكون جريمة مسوِّغة لفصله عن الجيش. وبعد عام ١٩٩٦م عدت جميع تلك الأمور جريمة للموظفين المدنيين الكبار في المناصب الحكومية الهامة الأخرى من أمثال الوالي أو القائمقام أو المدير العام أو المستشار في الوزارات، فيكفيهم جرماً عدم اشتراك نسائهم سافرات عاريات في الاحتفالات، وعدم رقصهن مع الرجال الأجانب أو عدم احتسائهن للخمور، وقس ... ٧ - إغلاق حزب الرفاه الذي كان يُرى ممثلاً للمسلمين على الساحة السياسية في تركيا والحظر السياسي مدى العمر على زعيمه أربكان، وعلى رئيس بلدية إسطنبول من حزب الرفاه رجب طيب أردوغان الذي فاز باستقبال شعبي هائل أرّق العلمانيين في لياليهم الحمراء بما كانوا يجدون فيه خيراً وأملاً للمسلمين، وكان حينذاك يعد هو الجماعة الإسلامية في تركيا بخير كثير ومتابعة جميع أعمال حزب الفضيلة الذي أسس فيما بعد، وتجمع تحت سقفه كثير من مندوبي البرلمان التركي المتدينين وجعل ذلك تحت المجهر. ٨ - مطاردة جميع الأثرياء والأغنياء الذين كانت الحكومة التركية العلمانية تجد فيهم خيراً للإسلام والمسلمين، فكانت تسميهم أصحاب رأس المال الأخضر، وكانت تزعجهم بجميع ما أمكن من وسائل العنف والإزعاج؛ بحيث اضطر الكثير منهم إلى الهجرة من تركيا برأس ماله الأخضر إلى الخارج، والآن تحاول الحكومة وأذنابها وتجدُّ وتسهر على مناورات شيطانية ينهار بها أرباب الرأس المال الأخضر. ٩ - ألغت مؤسسة التعليم العالي جميع الشهادات التي حصل عليه أربابها من الجامعات الإسلامية في الخارج من أمثال جامعة الأزهر بمصر، وجامعات المملكة العربية السعودية وغيرها، ففصلت عن الوظائف الحكومية أرباب تلك الشهادات وإن حصلوا على مراتب عليا أو عناوين كبيرة، ومن الجانب الآخر لا تعترف الحكومة التركية بأية معادلة لتلك الشهادات وإن وقع الاتفاق الثقافي بينها وبين البلد المأخوذ منها الشهادة. ١٠ - تنظيف الجامعات (على حد تعبيرهم) من جميع كوادر أعضاء هيئة التدريس المسلمين؛ فتراهم يفصلون من الجامعات من هم على رتبة الأستاذ الدكتور بدون أية جريمة قانونية سوى أنهم يؤمنون بالله وكتابه ورسوله [وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ] (البروج: ٨) . ١١ - الملاحقة والمراقبة المزعجة من طرف رجال الأمن السري والمخابرات السرية لجميع النشاطات الإسلامية بحيث يتبرم العاملون في الحقل الإسلامي من الحياة، فترى أن كثيراً من المسلمين اضطروا إلى التنازلات البالغة في كثير من أمور ديانتهم ومناهج حياتهم؛ فلهذا التجأ كثير منهم إلى حلق اللحى والشوارب جميعاً إخفاء لشأنهم عن جبابرة العلمانيين. ١٢ - للتضعيف والتقليل من تأثير الشعائر الإسلامية وضع الحد عليها؛ فمن هنا ترى أن العلمانيين الديمقراطيين الذين يتبجحون بأنهم لا يمسون حقوق الناس وكراماتهم! ! منعوا المواعظ الإسلامية في المساجد والجوامع إلا في مسجد واحد فقط يبث منه عن طريق الراديو إلى الجوامع والمساجد الأخرى، فيا ترى كيف يكون مدى تأثير الخطاب الذي لا يرى السامعون الخطيب حتى يتأثروا بملامح وجهه ونبرات صوته وأسارير جبينه، ومن هذه الجملة تحاول الآن تلك الحكومة العلمانية أن تمنع الآذان أيضاً إلا من مركز واحد يبث منه إلى المساجد الأخرى. ١٣ - ومما يزيد الطين بلة والمرض علة هو ما ابتلي به مسلمو تركيا من أن الحكومة العلمانية تسمح لبعض المغرضين الكارهين للإسلام من الأساتذة الجامعيين أو شبههم ك (ياشار نوري أوز ترك) عميد كلية الإلهيات في إسطنبول، و (زكريا بياض) عميد كلية الإلهية في جامعة مرمرا، تسمح لهم بإبداء وجهات نظرهم بنشر بعض المسائل الإسلامية الفقهية والاعتقادية وغيرها عبر القنوات التلفازية الكبرى حسبما تمليه عليهم أنفسهم وتميل إليه أهواؤهم، فيقيئون مرة بعد أخرى عبر القنوات التلفازية جميع سمومهم الناقعة على الإسلام، يحرفون الكلم عن مواضعه، يعتدون على علماء الأمة ومصادرها الرئيسة فيخالفون إجماع الأمة ويشاقون الله ورسوله. ألعوبة حزب الله وقتل آلاف الأبرياء من شباب المسلمين: لمَّا رأى أعداء الإسلام في الداخل والخارج تقدم المسلمين يوماً فيوماً ونمو وعيهم نحو ما يجري حولهم في العالم الإسلامي، وشاهدوا أنه تربى وترعرع كثير من المسلمين في شتى الاختصاصات الفنية فتبوؤوا المراتب العليا ووصلوا إلى المناصب المرموقة، فرأوا أن هؤلاء الفضلاء سيمنعونهم من نهبهم وسلبهم لخيرات البلاد فبدؤوا يأخذون حذرهم بتدبير شتى المناورات ووضع مختلف الألاعيب السياسية وبثها بواسطة عملائهم بين المسلمين من حيث لا يشعرون، ومن ذلك ما دبروه في تركيا من أمر ما سمي بـ (حزب الله) الذي قتل تحت اسمه آلاف شباب المسلمين الأكراد وقلة من الأتراك، وقصته هي أن الحكومة التركية لمَّا عييت من حزب العمال الكردي، وكان الثوار الأكراد يلحقون بها الهزيمة تلو الأخرى فرأت التدبير الناجع في أن تسلط على الأكراد عدواً من أنفسهم، فاستغلت حماسة الشباب الأكراد الإسلامية ونفورهم من النظام العلماني والعصبية فأخذت تحرضهم على التجمع تحت تنظيم سري سمي فيما بعد بـ (حزب الله) ، وطفقت عناصر المخابرات التركية تحرض أولئك الشباب المتحمسين لدينهم على القتال ضد حزب العمال حتى يخلص الشعب الكردي المسلم منهم ولا يستشري أمرهم أكثر فأكثر، فلم يلبثوا إلا وقد نشبت الحرب بين الطرفين من غير رضى عناصر كثيرة من الجانبين، فسنحت الفرصة الذهبية للقوات التركية فأوقعت بكلا الجانبين خسائر فادحة في الدماء والأموال من غير علم منهما، وبدأت القوات الحكومية تلتقط الرؤوس الفاهمة العاقلة من كلا الطرفين، وفي ذلك الوسط المكتظ بالدماء ذاع في البلاد وبين العباد ما كان يسمى بـ «جنايات فاعلها مجهول» ، وتحت ذلك الاسم قتل آلاف الشباب المسلمين الأكراد حتى اعترف وزير الداخلية السابق (محمد آغار) أنه أجرى في منطقة الأكراد ألف عملية عسكرية دموية، فقتل في تلك الجنايات المجهول فاعلها حسب الإحصاءات الرسمية أكثر من ثلاثة عشر ألف إنسان. وللحكومة التركية هدف أهم من كل هذا وهو تشويه سمعة الحركات الإسلامية الواعية التي تحاول أن تخلص الشعب المسلم من ظلم العلمانيين ومن تحت نير العلمنة عند الشعب الكردي بما رآه الشعب ظاهراً في جماعة (حزب الله) ، ولم تلبث القوات الحكومية أن كرت على (حزب الله) تفعل به الأفاعيل بين قتل، وسجن، ولم تستطع جماعة حزب الله أن تقاومها بنقير ولا قطمير حيث كانت القوات الحكومية تعرف أمرها جميعه، فأوقعت القوات الحكومية بها ما لم تكن جماعة (حزب الله) تحسب له حسابًا قط، ولم ترقب الحكومة فيها إلاًّ ولا ذمة، فأصابت الحكومة التركية من خلال تأسيس جماعة حزب الله أهدافاً ثلاثة هامة: ١ - استنفاد طاقات خيرة شباب المسلمين الأكراد الذين كان فيهم الأمل القوي في مقاومة ما بدأ العلمانيون يفعلونه فيما بعد ويعيثون في الأرض فساداً. ٢ - تشويه سمعة الحركات الإسلامية في مناطق الأكراد الذين كانت العواطف الدينية فيهم ملتهبة والمشاعر الإسلامية فيهم متقدة؛ لأن الأكراد بما كانوا يجدونه على أيدي ظلمة رجال الحكومة العلمانيين من الظلم والجور والفساد لم يميلوا يوماً إلى الحكومة التركية، ولم يثقوا بها، بل كانوا يطيعونها على كراهية نفس لا عن طواعية؛ فلما ظهر (حزب العمال) وجد الكثير منهم في الحزب وخصوصاً الذين ما كانوا يعرفون حقيقة (حزب العمال) ومبادئه الفكرية ومنطلقاته الأساسية متنفساً لهم وبارقة أمل؛ فلما ظهر (حزب الله) في صورة كأنها ممالئة للقوات الحكومية كرهها عامة الأكراد ونفروا من سائر الحركات الإسلامية باحتمال أنها أيضاً ممالئة للحكومة. ٣ - وجدت القوات الحكومية فرصة ضرب الأسد في عرينه حين استكشفت جميع مداخل ومخارج (حزب الله) . هل من مغيث أو من مجيب؟ ! إن مسلمي تركيا يمرون اليوم بيوم عصيب ودهر رهيب أتلف الكثير من دمائهم وأموالهم وانتهك الكثير من أعراضهم وكراماتهم، وضيع الكثير الكثير من حقوقهم وحرياتهم؛ فاليوم يُمنعون على مرأى ومسمع من العالم الإسلامي من أبسط حقوقهم وهو حق الحجاب الشرعي، وحق التعلم فلا يسمح لهم أن تدرس بناتهم المتحجبات في المدارس والجامعات، ويمنع أغنياؤهم من أن يثروا ويكونوا أصحاب أموال طائلة، ويمنعون من أن يدرِّس أبناءهم الصغار القرآن الكريم، ويفصل الموظفون منهم عن الوظائف الحكومية بمجرد أن يصلي أحدهم أو تكون زوجته متحجبة؛ هذا فضلاً عما يتعرضون له من ملاحقة ومطاردة وتشريد وتعذيب وقتل ونفي وسجن وما إلى ذلك؛ فكل هذا يجري على الساحة التركية وإخوانهم خارج تركيا لا تنبس شفاههم ولو بكلمة.. ألم يكن من واجب إخوانهم أن يبعثوا بعض المراقبين إلى تركيا حتى يروا ما يجري عن كثب ويعلنوه على رؤوس الأشهاد فيفضحوا أمره على الأقل بأن يكتبوا ذلك في مختلف الجرائد والصحف العالمية، ويعربوا عن ذلك في كثير من القنوات التلفازية، ويذيعوا ذلك عبر كثير من القنوات الإعلامية، ثم يبتهلوا إلى ربهم خلوة وجلوة سراً وعلانية لعل الله يفرج عن إخوانهم؟ ! عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب

стр. 4065

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش qatamish@albayan-magazine.com ليسوا على شيء جميعاً دعا الفاتيكان إلى الاحترام المتبادل بين الدارسين الكاثوليك واليهود الذين يبحثون في سلوك البابا أثناء الحرب العالمية الثانية، لكنه أنحى باللائمة مجدداً على اليهود في توقف الدراسة. وانهار المشروع عندما طلب الدارسون الاطلاع على مزيد من وثائق الفاتيكان لإلقاء الضوء على واحدة من أعقد القضايا بين الديانتين فيما يتعلق بما إذا كان البابا بيوس السابع بذل جهوداً كافية لمساعدة اليهود أثناء ما يطلق عليه «معسكرات الإبادة الجماعية لليهود» . وقال الكردينال وولتر كاسبر رئيس لجنة الفاتيكان للعلاقات الدينية مع اليهود في بيان: «هذا النوع من البحث العلمي يمكن تنفيذه فقط على أساس التأدب والثقة المتبادلة» .... وكتب كاسبر: «التعقيبات الفظة من الجانب اليهودي غذت شعوراً من عدم الثقة جعل من المستحيل مواصلة هذا البحث الثنائي» . وكان أحد الباحثين في الفريق اليهودي اتهم مسؤولين عن السجلات في الفاتيكان بعدم الرغبة في «اتخاذ خطوات أساسية نحو الكشف الكامل» ، وهو هجوم قال أحد الكرادلة إنه يعكس «حملة تشويه» ضد الكنيسة الكاثوليكية. [صحيفة الحياة، العدد: (١٤٠٤٢) ] بشر بلا عقول اختيرت طفلة في الرابعة من عمرها لتكون إلهة نيبال الحية الجديدة، وبذلك تقضي طفولتها مبجلة بوصفها مصدراً للرخاء في مملكة الجبل. وتوجت: (بريتي شاكيا) ، وهي ابنة عائلة فقيرة، لتكون الكوماري أو الإلهة العذراء، وسوف تظل محتفظة باللقب حتى تصل إلى سن البلوغ، حيث ترجع مجدداً مجرد شخص فانٍ. وأقيم حفل تتويجها في قصر الإلهة الصغير في قلب العاصمة النيبالية كاثماندو، وتبجل الكوماري من قبل كل من الهندوس والبوذيين الذين يعتقدون أنها تبارك الملك وسكان نبيال البالغ عددهم اثنين وعشرين مليوناً بالسلام والرخاء. وقد قضى كهنة ملكيون ومسؤولون شهري إبريل ومايو (٢٠٠١م) بحثاً عن الكوماري الجديدة لتحل محل السابقة التي ظهرت عليها علامات البلوغ، ومن ثم فقدت حالتها الإلهية، وسوف تقدم الإلهة الجديدة إلى العامة في أكتوبر القادم أثناء «الديزين» ، أكبر احتفالات نيبال. ورغم أن الإلهة المختارة تعيش حياة مرفهة للغاية، فإنها أيضاً تعاني من عزلة شديدة. وتعزل الكوماري في قصرها، ولا يسمح لها إلا بقليل من رفاق اللعب المختارين، ولا ترى العالم الخارجي إلا مرات قليلة حين تنقل خلال العاصمة على مركبة يجرها متطوعون، ولا ترتدي إلا ثياباً حمراء، ويعقد شعرها دائماً في منتصف الرأس، كما ترسم لها عين ثالثة على الجبهة، وتقضي التقاليد بأن تنتمي الكوماري إلى قبيلة (شاكيا) ، وهي القبيلة التي جاء منها بوذا، ويجب على المرشحات أن يجتزن اختبارات قاسية، منها قضاء ليلة بين رؤوس ماعز وجاموس مذبوحة، ولا بد أن تتمتع الكوماري ببشرة وشعر وعينين وأسنان ممتازة، وتشكو الكوماريات السابقات من أنهن أعدن بلا إعداد إلى واقع صعب، وأهملن بمجرد أن وصلن لسن البلوغ، ومعظم الإلهات السابقات الثمانية الأحياء لا يزلن غير متزوجات؛ إذ تقول المعتقدات الشعبية: إن الرجال الذين يتزوجون إلهات سابقات يموتون في سن مبكرة! ! موقع هيئة الإذاعة البريطانية http://www.bbcarabic.com وحتى اليابان! ! خلال السنوات العشر الماضية ازداد عدد العمال المهاجرين القادمين من بلدان آسيا الإسلامية في اليابان، وفي العام الماضي طلب قسم كبير من هؤلاء العمال من الحكومة اليابانية السماح لبناتهم بارتداء الحجاب، وقد أثار هذه الطلب غضب نسبة كبيرة من اليابانيين واليابانيات، وخلال شهر مايو قام أحد المجهولين بتمزيق نسخة من القرآن الكريم، ثم ألقى بها في مرآب للسيارات، وفي اليوم التالي لهذا الحادث خرج آلاف من المسلمين إلى الشوارع للتعبير عن استنكارهم لهذه الفعلة الشنيعة، ومنذ مطلع العام الحالي عاشت اليابان أحداثاً على علاقة بالإسلام والمسلمين، وكتبت إحدى الصحف اليابانية تعليقاً على ذلك: «يبدو أن صموئيل هينتنجتون على حق؛ إذ إن بوادر حروب بين الأديان بدأت تظهر في الأفق» . غير أن صحيفة «أساهي شيمبون» المعروفة برصانتها، ردت على هذا التعليق قائلة: «المسألة ليست في التصادم بين حضارتين، نعني بذلك الحضارة البوذية والحضارة الإسلامية، وإنما في التسامح بين الأديان، وبين الثقافات الأخرى.... وإذا لم نحاول أن نفهم حقيقة الدين الإسلامي، فإننا نكون قد ارتكبنا خطأ فادحاً، ونشرنا في بلادنا الأفكار المسبقة والخاطئة» . وأضافت الصحيفة قائلة: «إن العالم الإسلامي برمته يبدي اهتماماً كبيراً باليابان: خصوصاً على المستوى الاقتصادي، وعلى اليابانيين أن يسعوا لفهم مشاكل المسلمين في بلادنا عن طريق الحوار وليس عن طريق التصادم؛ لأن في هذا الأمر الثاني ضرراً كبيراً لنا على جميع المستويات» . [مجلة المجلة، العدد: (١١١٧) ] جهنم في الدنيا والآخرة على الرغم من حرص كل من شارون ووزير دفاعه بن إليعازر على أن التصفية الشخصية هي الأسلوب الأمثل في التعامل مع قوى المقاومة الفلسطينية، إلا أن وسائل الإعلام الإسرائيلية زخرت بالتعليقات التي تنصح شارون بأن لا يصدق نفسه أن مثل هذا الأسلوب يمكن أن ينجح مع حماس؛ فقد قال يوسي ساريد زعيم المعارضة الإسرائيلية: «إن كنا نحن نقف مع الحكومة في الحرب ضد الإرهاب لا سيما عمليات حماس التي تودي بكثير من القتلى، إلا أن تصفية عناصر حماس يعني في المقابل إصدار حكم الإعدام على عدد كبير من الإسرائيليين؛ لأن حماس ستنتقم، أنا لا يوجد عندي أدنى شك في أن انتقام حماس قادم لا محالة» . فهل ما قام به شارون يدل على حكمة؟ الجنرال أورن شاحور الذي شغل في السابق منصب منسق شؤون الضفة الغربية وقطاع غزة في وزارة الحرب قال: «إن عمليات التصفية ضد عناصر حماس تعني أن إسرائيل قد فتحت أبواب جهنم على مصراعيها في مدننا، يجب أن نعرف أن الانتقام الحماسي قادم وبقوة، نحن سندخل مجدداً لعبة محصلتها صفر من ناحيتنا، لا يوجد لدينا القدرة على مجاراة حماس في أساليبها» . أما عوديد جوانوت المعلق للشؤون الفلسطينية في القناة الأولى فقد كان أكثر تشاؤماً؛ إذ حذر (إسرائيل) من أن ما قامت به ضد عناصر حماس وما قام به المستوطنون زاد إقبال الفلسطينيين على الاستشهاد، «إنهم مقبلون على الاستشهاد بشكل جنوني، هناك المئات من الشباب يعرضون أنفسهم من أجل الاستشهاد، وهناك فتيات يعرضن أنفسهن للاستشهاد» . [صحيفة السبيل الأردنية، العدد: (٣٩٢) ] حقوق.. ولكن للشواذ! ! رفع «المثليون» شعار: «يا شواذ العالم اتحدوا!» للتضامن مع أشباههم المتهمين في قضية «قوم لوط» ولم تتوقع الحكومة المصرية وهي تحيل المتهمين الاثنين والخمسين فيها على القضاء التلويح لها بحجب المعونة الأمريكية احتجاجاً على قمع «حقوق الإنسان واضطهاد الشواذ» . ونظم أعضاء ستين منظمةً للمثليين والمثليات في ١٥ دولة ومقاطعة فعاليات لإعلان «الحداد والتضامن» مع زملائهم المصريين الذين ستواصل المحكمة النظر في قضيتهم في الموعد المحدد. وربما هي المرة الأولى التي يرفع فيها المثليون شعار الوحدة العالمية، وذلك بعد النداء الذي وجهه شخص اسمه: (فيصل علام) يقود تجمعاً مزعوماً يطلق عليه: «مجموعة المسلمين الشواذ» في الولايات المتحدة دعا فيه أشباهه في العالم إلى «التضامن مع زملائهم المضطهدين في مصر» . وقال علام في أسباب النداء: «إن العداء الحكومي للشواذ ليس جديداً؛ لكن تنظيم احتجاج دولي بهذا الشكل ليس جديداً» ، ولم يفته انتقاد «تراخي الضغط الدولي على الحكومات المضطهدة للشواذ» غير أنه في الوقت ذاته لفت إلى أن «حملة أعضاء الكونجرس الأمريكي للتضامن معنا بداية طيبة» . وفي استجابة سريعة اعتمدت تنظيمات المثليين ١٥ آب (أغسطس) «يوماً للاحتجاج والحداد» ، وتنظيم فعاليات تضامن في أربع قارات، في مدن برلين، وكانبيرا، وجنيف، وكمبالا، ولندن، ونيويورك، وباريس، وسان فرانسيسكو، وأتلانتا، وفانكوفر، وواشنطن، ولم تتوقف استجابة واشنطن للتضامن عند «المثليين» وإنما تجاوزتها إلى دوائر السياسة ورجال الكونجرس وفي مقدمتهم باري فرانك عن ولاية ماستشوستس وهو من «المثليين» ومعه توم لانتس المعروف عنه المشاركة في أي حملة ضد مصر؛ فهذان جمعا تواقيع خمسة وثلاثين من زملائهم على خطاب وجه إلى الرئيس حسني مبارك. المفاجأة كانت في تلويح أعضاء الكونجرس بالمعونة الأمريكية المقدمة إلى مصر حينما بدأت الرسالة بالقول: «بما أننا من المساندين الأقوياء لتقديم المعونة إلى مصر فإننا نحتج على محاكمة المثليين، ونعتقد بأن توجيه الاتهام إلى رجال مارسوا الجنس بالتراضي مع أشخاص بالغين من الجنس نفسه موقف لا نستطيع الدفاع عنه أو تفسيره» . الطريف أن أعضاء الكونجرس عزوا الربط بين الاحتجاج والتلويح بحجب بالمعونة إلى أنها تخصص من ضرائب الشعب الأمريكي وجزء لا يستهان به يسدده الشواذ، وهذه المعونة يوافق عليها أعضاء الكونجرس المساندون لحق المثليين في الحياة ورفض أي ممارسة أو تفرقة ضدهم. [جريدة الحياة، العدد: (١٤٠٣١) ] يوجد في الكويت أكثر من ٣٧ كنيسة كبيرة غير مرخصة وغيرها العشرات في السر موجودة بالكويت! - بوذا الصنم يُعبد بالكويت في أكثر من ٣٠٠ موقع تقريباً! - منصرون رجال ونساء متخصصون يزورون بعض الديوانيات. - أول كنيسة في جزيرة العرب أُنشئت في الكويت بعد الاستقلال كانت للكاثوليك، ثم أنشئت واحدة للأرثوذكس ومن بعدها ثالثة للبروتستانت أيضاً. - بعض النصارى يحرص على عقد قداسهم في الأحمدي سراً منذ عام ١٩٤٦ م. [مجلة المجتمع، العدد: (١٤٥٧) ] يهود في (آسيا الوسطى) الصراع العربي الإسرائيلي ليس صراعاً محصوراً في النضال الفلسطيني ضد الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، أو صراعاً حول القدس على الرغم من أن ذلك يمثل جوهر الصراع بين العرب وإسرائيل، كما أنه ليس صراعاً عسكرياً بين دول الطوق العربية والدولة العبرية، إنما الصراع بمفهومه الاستراتيجي والحضاري الأعمق يمتد ليشمل الدائرة المحيطة بالعالم العربي في آسيا وإفريقيا والتي تدخل معظمها في نطاق الدول الإسلامية، ناهيك عن ضرورة إحداث التوازن في المصالح والعلاقات مع أمريكا وأوروبا وشرق وجنوب آسيا على المدى الطويل. لكن المؤكد أن العالم العربي الذي يواجه خللاً استراتيجياً في توازن القوى مع إسرائيل يواجه أيضاً خللاً وربما بنفس القدر في علاقاته مع دول القرار في العالم كله لصالح الكيان الصهيوني لأسباب قد تكون خارجة عن مسؤولية الدول العربية تاريخية في معظمها. غير أن المؤسف والمحير فعلاً أن تنجح إسرائيل في تحقيق اختراق كبير في دول آسيا الوسطى التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي المنهار خلال عقد واحد فقط، بل سارعت لهذا الاختراق بمجرد انهيار الاتحاد السوفييتي عام ١٩٩١م، بينما نجد غياباً شبه كامل للعرب على نطاق المصالح في دول آسيا الوسطى رغم أنها دول إسلامية وأوْلى بدعم الروابط معها. [صحيفة المحايد، العدد: (١١) ] كوابيس.. وراء الكواليس! ! اتسمت قمة «اجرا» بين الرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرف ورئيس الوزراء الهندي اتال بيهاري فاجباي بتعتيم إعلامي «. رغم ذلك يرى المحللون أن ثمة اتفاقيات وصفقات مسبقة ربما أبرمت وراء الكواليس مهدت لهذه القمة التي لم تكن متوقعة. كما علمت» المجلة «من مصادر دبلوماسية غربية أنه ليس في مصلحة باكستان أن تراهن على قضية واحدة في هذه القمة قد تعرضها لخوض حرب ربما نووية مع جارتها الهند، خاصة أن وجهات النظر بين البلدين لم تزل متباينة حولها، وثمة مصالح كثيرة وكبيرة مشتركة بينهما تفرضها طبيعة الجوار والتاريخ المشترك لأكثر من عشرة قرون، مع الأخذ بعين الاعتبار قضايا مهمة وملحة أخرى على رأسها توقيع اتفاقية الحظر الشامل لإجراء التجارب النووية والاتفاقيات الأمنية لا سيما أن السلام أساس البقاء والأمن والتطور الحضاري في شبه القارة الهندية التي تقدمت عسكرياً على حساب مصالحها الوطنية حسب الدبلوماسيين. ويبقى السؤال المطروح: هل يمكن أن يتحقق حلم الشعب الكشميري بالأمن والسلام والاستقلال على يد الجنرال مشوف قائد عمليات» كارغيل «الشهيرة عام ١٩٩٩م التي كادت أن تشمل حرباً نووية بين البلدين بعد أن كلل ضريح داعية السلام الهندي المهاتما غاندي بإكليل من الزهور فور وصوله إلى الهند، أم أن قضية كشمير ستذهب ضحية المواقف الدبلوماسية بين البلدين؟ [مجلة المجلة، العدد: (١١١٩) ] مسجد آخر.. يُهدم! ! في جريمة مماثلة لهدم المسجد البابري الأثري قبل عقد من الزمان، قام متطرفون هندوس بهدم مسجد أثري يعود إلى العهد المغولي وبناء معبد هندوسي مكانه في زمن قياسي، وقد تكتمت سلطات المنطقة على هذه الجريمة فلم تصل أخبارها إلى عامة الناس إلا حين خرجت صحيفة (هيندو) بهذا الخبر على صدر صفحتها الأولى وقد عزته إلى مراسلها بمدينة جايبور عاصمة ولاية راجستهان بشمال الهند، وقالت الصحيفة إن تكتم السلطات به يعود إلى خوفها من تدهور الوضع الأمني نظراً لوجود توتر شديد في المنطقة بين الطائفتين المسلمة والهندوسية عقب هذا الحادث. وطبقاً للخبر فقد وقع هذا الحادث الإجرامي ببلدة (اسيند) الواقعة بمديرية (بهيلوارا) بالولاية وهو مسجد أثري يسمى بـ» مسجد سواي بهوج «، وقد أنشأه جيش الإمبراطور المغولي أكبر حين عسكر بهذه المنطقة في القرن السادس عشر الميلادي، عند العودة من معركة تشيتوركره» . وهذا المسجد يتبع مجلس الأوقاف بالولاية وهو تنظيم حكومي يرعى الأوقاف الإسلامية. [جريدة الرياض، العدد: (١٢٠٩٢) ] هكذا يفكرون! أكد الوزير الفلسطيني المكلف بملف القدس زياد أبو زياد، عبر الإذاعة الرسمية الإسرائيلية أن نفوذ حركة المقاومة الإسلامية حماس يتزايد باستمرار على حساب السلطة الفلسطينية. وقال زياد أبو زياد: «هناك تضامن ودعم متزايد من الشعب الفلسطيني لحماس والجهاد الإسلامي» . وقال: «إن إسرائيل تشجع بذلك المتطرفين وتضعف القيادة الفلسطينية المؤيدة لعملية السلام» . غير أنه أعتبر أنه ليس هناك خطر على السلطة وعلى حياة الرئيس ياسر عرفات «. مشيراً بذلك إلى عمليات التصفية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي وتستهدف زعماء فلسطينيين متهمين بممارسة نشاطات إرهابية. من جهة أخرى أعرب الوزير الفلسطيني عن معارضته تشكيل حكومة وحدة وطنية مع حماس والجهاد الإسلامي، كما اقترح أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية مروان البرغوثي، وقال:» لا أعتقد أن حكومة كهذه يمكن تشكيلها؛ إذ تعتبر منظمات المعارضة أن عملية السلام انهارت وأنه لم يعد من الممكن إطلاقها مجدداً «. وأضاف الوزير الفلسطيني:» من المستحيل أن نعلن أننا نريد الانسحاب من عملية السلام ونشكل في الوقت ذاته حكومة وحدة وطنية. أعتقد من جهتي أنه يمكن على العكس إعادة إحياء عملية السلام «. [صحيفة القدس العربي، العدد: (٣٠٨٦) ] والعَوْدُ.. أفجر! ! طرأ تغيير مفاجئ في الآونة الأخيرة على طبيعة البرامج والفقرات التي تقدمها إذاعة صوت فلسطين وتلفزيون فلسطين الرسميين؛ فقد عادت الإذاعة الفلسطينية إلى تقديم الأغاني العاطفية إلى جانب الأغاني الوطنية بعد أن امتنعت عن تقديمها منذ اندلاع انتفاضة الأقصى. وعكفت الإذاعة الفلسطينية منذ اندلاع الانتفاضة على تقديم الأغاني الوطنية ذات الطابع الحماسي التي تحرض بشكل واضح على العمل المسلح ضد إسرائيل، واستأنف التلفزيون بث المسلسلات، ولم يعد ينقل صوراً حية للشهداء الفلسطينيين والجرحى نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية كما كان عليه الحال السابق؛ حيث كان التلفزيون يخصص وقتاً طويلاً لنقل صور حية من المستشفيات الفلسطينية للشهداء والجرحى لحظة وصولهم إلى أقسام الاستقبال. [صحيفة الشرق الأوسط، العدد: (٨٢٧٧) ] ألم تفهموا الرسالة! ؟ ١ - زادت موافقة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على حل حزب إسلامي من اقتناع تركيا بصوابية نضالها في سبيل العلمانية، لكنها شكلت مفاجأة للإسلاميين والليبراليين على حد سواء، واعتبر قضاة المحكمة الأوروبية في ستراسبورغ أن القيم التي كان ينادي بها قادة حزب الرفاه، مثل تطبيق الشريعة الإسلامية» والجهاد «للوصول إلى أهدافهم، لا تتوافق مع الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وقال الصحافي التركي المعروف محمد علي بيراند: هذا يشكل ارتياحاً كبيراً لدى العلمانيين في البلد، وقال إنه كان هناك تساؤل حول ما إذا كان مبدأ العلمانية في تركيا يتوافق مع الاتفاقية الأوروبية، واليوم حسم الأمر. ويقول يوسل سايمان، نقيب المحامين في اسطنبول هذا حكم سياسي بامتياز، يشكل انتهاكاً للديمقراطية بمعناها المحدد، وأضاف سايمان: يفاجئني كثيراً صدور هذا الحكم؛ لأنه عندما قررت المحكمة الدستورية (التركية) حل حزب الرفاه، سمعنا أصواتاً تستهجن التعدي على مبادئ الديمقراطية في إشارة إلى الانتقادات الأوروبية في تلك الفترة، ويقول أحمد انسيل، أستاذ الاقتصاد في جامعة غلطة سراي في إسطنبول: إن ستراسبورغ حكمت على النوايا لا على الأفعال؛ لأنه لا يمكن القول إن تصرفات حزب الرفاه في الحكم أو في المعارضة أكدت، ولو لمرة، الرغبة في تغيير النظام السياسي في تركيا، أو مخالفة المبادئ الديمقراطية، وذكر انسيل بأن المحكمة الأوروبية كانت قد أدانت تركيا على حل الحزب المؤيد للأكراد، مضيفاً أنه من الواضح أننا نشهد سياسة الكيل بمكيالين. وقال روسن كاكير، الخبير في الشؤون الإسلامية، رداً على أسئلة محطة التلفزيون الخاصة (إن. تي. في) : هذا القرار يثبت أن أوروبا مستمرة في اعتبار الأصولية تهديداً لها أيضاً. [مجلة المشاهد السياسي، العدد: (٢٨٣) ] ٢ - خرج المنشقون عن التيار الإسلامي في تركيا بحزب جديد يتزعمه الرئيس السابق لبلدية إسطنبول رجب طيب أرضوغان، ويصعب تصنيفه إسلامياً أو يمينياً أو محافظاً أو حتى ليبرالياً، وبعدما تقدم أرضوغان و٧٢ من المؤسسين بعريضة تشكيل الحزب إلى وزارة العدل عقد مؤتمراً صحافياً قدم فيه رفاقه المؤسسين وفي عدادهم ١٣ امرأة بينهن أربع محجبات ومغنية مشهورة. وضم الحزب الذي سمي:» العدالة والتنمية «٥٤ نائباً من حزب» الفضيلة « المحظور وحزبي» الوطن الأم «و» الحركة القومية «. وعقد الحزب اجتماعاً لتكريس انتخاب أرضوغان زعيماً، ويقوم أعضاؤه بعد ذلك بزيارة جماعية لضريح مؤسس الدولة العلمانية مصطفى كمال أتاتورك ثم يؤدون صلاة الجمعة، ويقر برنامج الحزب بأن العلمانية هي أساس الديمقراطية، لكنه يصنفها بالطريقة المعروفة لدى الإسلاميين وهي عدم تدخل الدولة في شؤون الدين أو العبادة، ويؤكد أهمية التزام سياسة حقوق الإنسان الأوروبية ونظام السوق الحرة. [جريدة الحياة، العدد: (١٤٠٣١) ] كلهم شارون! هل تؤيد سياسة رئيس الوزراء أرييل شارون لضبط النفس؟ شارون يفعل الشيء الصحيح بالجمع بين حملة نشطة ضد الإرهابيين وضبط النفس فيما يتعلق بالعمليات الأوسع نطاقاً التي يمكن أن تؤذي السكان المدنيين. [ايهود باراك، رئيس وزراء الكيان السابق، مجلة نيوزويك، العربية، العدد: (٦٠) ]
следующие страницы →