المسلمون والعالم
الإسلاميون.. وساعة الحقيقة إمكانات هائلة
... وطاقات معطلة
(٢)
عبد العزيز كامل
kamil@albayan-magazine.com
هل نحن الإسلاميين حساسون بقدر زائد عن الحاجة؟ ! .. وهل هذه
الحساسية مطلوبة في كل الأوقات؟ ! وهل يجب علينا كلما أردنا أن ننقد أنفسنا
ذاتياً أو نخاطب أنفسنا خطاباً موضوعياً أن نتدسس ونتحسس إلى درجة الوسوسة
في كل كلمة وكل معنى وكل عبارة، حتى لا نغضب أحداً، ولا نخدش شعور أحد،
ولو كان هذا الأحد هو نحن جميعاً؟ !
إن الظروف الاستثنائية تحتاج إلى أساليب استثنائية في الكلام والطرح
والعرض، والذي أراه أن الظروف التي تمر بها الأمة لا تحتمل المجاملة والمحاباة
والاستخفاء بالحقائق أو الاختباء وراءها.
أُلخص وجهة النظر التي أردت المصارحة بها والمطارحة في شأنها بدءاً من
العدد السابق من مجلة (البيان) وهي: أننا نحن الإسلاميين لم نَرْقَ بعدُ إلى
مستوى خطورة المرحلة التي تمر بها أمتنا، وأن انشغالنا برصد خيبات العلمانية
العربية وتخبطاتها في شأن قضية العرب والمسلمين الأولى (قضية بيت المقدس)
هذا الرصد قد أنسانا وألهانا عن تقصيرنا نحن في حقها، وإهمالنا في القيام بشأنها.
ماذا قدمنا عبر نصف قرن؟
قدمت الحركات الإسلامية منذ أن اغتُصب بيت المقدس آلافاً مؤلفة من
الشهداء والضحايا في العديد من الأحداث والقضايا، وتلك القضايا التي قدمت فيها
تلك التضحيات لا توجد قضية فيها وأكرر لا توجد قضية واحدة فيها تبلغ في
الأهمية والخطورة حد أهمية وخطورة قضية فلسطين، ولا يبلغ الطرف المعادي في
أيٍ منها في شدة عداوته ما يبلغه الطرف المعادي اليهودي في فلسطين، بل إن
كثيراً من تلك القضايا الأخرى قُدِّمت فيها التضحيات بلا ثمن، أو بخسارة فادحة في
معظم الأحيان!
إن من العجيب أن التيارات والجماعات والمنظمات الإسلامية كافة كانت ولا
تزال مجمعة على اعتبار قضية فلسطين (القضية المركزية) و (القضية المحورية)
و (قضية العرب والمسلمين الأولى) ، ولو رحت تفتش عما قُدم لهذه القضية
على المستوى الإسلامي الخاص، لوجدت خليطاً من التفريط والتخبيط عند الأكثرية
إلا من رحم الله، بدءاً من قلة فهم أبعاد القضية، ومروراً بكمِّ المشاركة فيها،
وانتهاء بحجم الانشغال بها. خمسون عاماً من الصراع أو يزيد، ولا تزال الشريحة
الأكبر من الإسلاميين لا تعي شيئاً ذا بال عن (القضية المركزية) ، مع أن العدو
المناوئ فيها عدو لم تتوافر نصوص الشرع كتاباً وسنة في التحذير من عدوٍ آخر
كتحذيرها منه، وتفصيلها عنه، وتعريفها به، ومع أن ما يكتب وما يذاع عن هذا
العدو في الأوساط العامة يحتل المرتبة الأولى في المعالجات الجادة منذ عقود طويلة،
ومع هذا.. ومع أننا نحن الإسلاميين أوْلى الناس بفهم ومتابعة أبعاد تلك القضية
وذاك الصراع؛ فإننا للآن ما زلنا نتجادل في أمور كان مفترضاً أن نكون قد انتهينا
منها منذ زمن، كذاك التساؤل المكرور عن المعركة القائمة مع اليهود: هل هي
إقليمية أو عالمية ... وهل هي دينية أم دنيوية؟ ! وهل دولة اليهود القائمة الآن
عقائدية أم علمانية؟ ! وهل هم بالفعل أقوياء أم أننا نحن الجبناء؟ ! وهل قوتهم
المزعومة حقيقية أم خرافية أسطورية؟ !
لقد كان واجباً علينا ولو من باب العلم بالشيء أن نكون على قدر معقول من
الاهتمام بهذا الصراع المصيري: ما هدفه.. ما صفته.. ما صبغته ما برامجه..
وما أبعاده.. ماذا تحقق من مراحله.. وما هي حدود ما فيه من حقائق أو أوهام..
ما هي مخاطره الماضية ومحاذيره المستقبلة.. ما تفسير رموزه الدينية والاعتقادية،
ما دورنا تجاه مواجهته دينياً وفهم طبيعته شرعياً، ووضع ضوابط تلك المواجهة
علمياً، ورصد الإمكانات لأجلها عبر الآجال والأجيال باعتبارها صراعاً وجودياً لا
حدودياً.
قليل من الإسلاميين من يعلم، والأقل منهم من يعمل بالمستوى الرافع للإثم
فضلاً عن الجالب للأجر فيما يتعلق بتلك القضية الكبرى، اتكالاً على أن لها من
يديرها، واتكاء على أن لنا ما يشغلنا عنها.
أستثني من ذلك بالطبع، أُسْدَ الإسلام داخل فلسطين الذين قاموا في انتفاضتهم
الأخيرة بشق طريق من الدم وسط النار، ليقيموا الحجة علينا وعلى كل من يكتفي
بالمشاركة (الوجدانية) فقط في معركة الوحدانية مع كفر اليهود وشرك النصارى
في الأرض المقدسة.
لكننا لا بد أن نعترف أننا سلمنا الأمانة لمن نعرف أنهم يعرفون أنهم ليسوا
أهلاً لحفظها، ولا بد أن نعترف أيضاً أننا نحن الإسلاميين كنا من أكوام الرمال إلى
جنبتي الطريق الممهد الذي مشى فوقه اليهود ليعبروا إلى بيت المقدس، وكنا جزءاً
من الفراغات التي تولوا ملأها، والحواشي التي تولوا شرحها! حيث إنهم لم يُقابَلوا
منذ بدأت دولتهم بدعوة جهاد إسلامية جادة شاملة على مستوى الأمة التي استهدفوها؛
بحيث تستطيع أن تفلَّ حدهم أو توقف مسيرتهم.
إننا وبعد أكثر من خمسين عاماً لا زلنا ندور حول أنفسنا ونتساءل: (ماذا
نعمل؟ !) مع أننا لم نفرغ بعد من مرحلة: (ماذا نعلم؟ !) ، فحتى من ناحية
التصورات العلمية لا نزال متأخرين عن القضية نصف قرن؛ فالآن والآن فقط بعد
سقوط ألوف الضحايا، وضياع ملايين المشردين على يد اليهود، نبحث عن
شرعية العمليات الاستشهادية ضدهم أو سر المواقف والتواطآت النصرانية معهم!
اليوم فقط نستفهم عن الخلفيات الدينية لأكبر القضايا السياسية التي تملأ أخبارها
الآذان والأعين والأفئدة عبر أكثر من خمسين عاماً، وعندما حدثت واقعة وضع
حجر الأساس لهيكل سليمان الثالث، تساءل الناس وأكثرنا معهم: ما معنى هيكل..
ولماذا نسب لسليمان..؟ ولماذا عدوه ثالثاً لا ثانياً ولا رابعاً..؟ !
هل لاحظت معي أننا نطرح هذه التساؤلات (البريئة الساذجة) بعد خمسين
عاماً من قيام دولة تتخذ من الهيكل شعاراً لها؟ ! هل لاحظت أن هذا الهيكل الذي
جئنا نحن نتساءل عنه الآن، هو الذي جاؤوا لتنفيذ الفصل الأخير من مؤامرته
المتواصلة منذ مئة عام؟ !
إنني لا أتحدث عن عوام الناس في البلدان المحيطة بدولة (هيكل سليمان)
ولكنني أتحدث عن الشريحة الكبيرة من المثقفين الذين أحاطوا القضية بأحاسيس
صادقة مجملة ولكنهم لم يبذلوا الجهد المطلوب لمعرفة أبعادها مع أنهم كانوا هم أوْلى
الناس بمعرفة الأعداء والتعريف بالأعداء حتى تستبين سبيل المجرمين كما أمر الله؛
فالهيكل الذي هو رمز دولة اليهود منذ قامت هو نفسه جوهر الصهيونية، وشعار
الماسونية، ومنتهى آمال المخططات السرية والبرامج العملية لليهود على مدى
العقود الماضية، ومع هذا ظللنا غافلين عن أمره، حتى فاجؤونا بأنهم
يريدون الانتهاء من (الحل النهائي) لمشكلته عسكرياً، بعد أن لم يفلحوا في الكامب
الثاني في حله سياسياً! كل هذا، ونحن أو أكثرنا لا نتابع، لا نراجع، لأننا
(مشغولون) ! !
فهل نحن مقصرون ... ؟ ! لا، لا أقول بهذا.. بل نحن مفرِّطون.
أثمان التفريط:
كما أن لكل فعل رد فعل مساوياً له في القوة ومضاداً له في الاتجاه؛ فإن لكل
تفريط جزاءً مساوياً في الدنيا ومضاعفاً يوم الحساب إلا لمن تاب الله عليه أو عفا
عنه؛ ولا يظلم ربك أحداً، وهو القائل سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ
الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ
مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ] (الأنفال:
١٥-١٦) . فمن ولى الأدبار، صَلِيَ النار إن لم يكن معذوراً.
ولقد فرط المسلمون في الماضي في حفظ الأرض المقدسة، فسقطت تلك
الأرض في أيدي الصليبيين، واحتُل المسجد الأقصى ورُفعت الصلبان على مآذنه،
وفرط المسلمون في زمان تلا ذلك في كيانهم السياسي الجامع (الخلافة) فسقطت
عاصمة تلك الخلافة (بغداد) في أيدي التتار الهمجيين الوثنيين، وفرط المسلمون
في حفظ الأندلس، فضاعت الأندلس! وفي المحافظة على الهند فضاعت الهند
ومثلها الفلبيين وغيرها وغيرها.
وفي عصرنا يتوالى التفريط، ولكل تفريط هزيمة، وبكل هزيمة عار.. عار
هزيمة تركيا (الباب العالي) ١٩١٤م، وعار إلغاء الخلافة فيها ١٩٢٤م، وعار
ضياع فلسطين ١٩٤٨م، وعار ضياع القدس ١٩٦٧م، وأنا على يقين أنه كان
وراء كل عار فرار وتولية أدبار، وقبل ذلك الفرار وتولية الأدبار لا بد أنه كان
هناك خذلان من الله؛ وإلا فما معنى تلك الهزائم المتوالية، مع أن الله تعالى تكفل
لنا بفرار الأعداء من أمامنا إذا واجهناهم مستقيمين على أمره مستحقين لنصره:
تأمل هذا الحكم القدري الإلهي: قال تعالى عن الكفار عموماً: [وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ
كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِياًّ وَلاَ نَصِيراً * سُنَّةَ اللَّهِ الَتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ
وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً] (الفتح: ٢٢-٢٣) ، وقال سبحانه عن اليهود
خصوصاً: [لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ]
(آل عمران: ١١١) ولكنهم انتصروا ولا يزالون ينتصرون؛ فهل تخلفت السنن
الإلهية أم كنا نحن المتخلفين؟ !
حتى لا يلحقنا العار الأكبر:
المرحلة التي تمر بها أمتنا تشير كل أسهمها إلى أن اليهود ومن ورائهم
النصارى يريدون أن يُلحقوا بنا عاراً أكبر من كل ما مضى؛ إنه عار سقوط شعار
التوحيد الذي جاء به الأنبياء وفي أرض الأنبياء وهو المسجد الأقصى؛ نسأل الله
ألا يجعلنا محلاً لهذا العار؛ فخراب المسجد إن وقع ونتضرع إلى الله ألا يقع
بتفريطنا سيكون أكبر من عار سقوط بغداد على يد التتار، وأكبر من سقوط
الأندلس على يد الأسبان، وأكبر من سقوط القدس في يد الصليبيين، بل أكبر من
نكبة ١٩٤٨م، ونكسة ١٩٦٧م؛ أما لماذا؟ فلأن هذا إن حدث فسيكون تتويجاً
لانتصار أذل الأمم وأحقر الأمم على خير الأمم وأعز الأمم، يختمون به معركتهم
الدينية التي أداروها دينية من طرف واحد، ولأن ذلك سيعني أن نصيبنا من الذلة
في عصرنا قد فاق نصيب الأمة التي كتبت عليها الذلة، وإلا.. فكيف تتوالى
انتصاراتهم علينا بهذا الانتظام ونحن أمة خير الأنبياء التي ينيف عددها على ألف
وثلاثمائة من الملايين، وهم أمة قتلة وأعداء الأنبياء لا تزيد على بضعة عشر من
الملايين؟ !
أحذرك وأذكرك أخي الموحد وأحذر نفسي وأذكرها: أن العار الذي يتهددنا لا
يتهددنا بوصفنا أمة بمجموعها فقط، بل بآحادها ... وآحادها هم أنا وأنت، وهو
وهي، وهم وهن، وهذا وذاك؟ ! العار ليس شيئاً يستحيا منه في الدنيا فقط،
ولكنه إثمٌ إي وربي يُخشى علينا فيه من النار وغضب الجبار. ألم يقل علماؤنا
قديماً وحديثاً إن جهاد الأعداء بالأموال والأنفس وبكل المستطاع يأخذ حكم الواجب
المتعين على كل مسلم إذا دُهمت أرض من أراضي المسلمين؟ فكيف إذا كانت تلك
الأرض هي أرض الأنبياء والمرسلين؟ ! وكيف إذا كان مغتصبوها هم اليهود
الملعونين؟ !
صحوتنا تختبر:
نعم.. تختبر الآن بما يحدث في فلسطين.. إننا نتكلم منذ ما يزيد على ثلاثة
عقود من (الصحوة الإسلامية) التي أذهلت العالم، ولفتت انتباهه إلى أن هنا أمة
تبعث، ونهضة ستقوم، وعملاقاً على وشك الانطلاق ليحطم القيد ويكسر الأغلال،
وقد كان من المحتم بحسب سنن الله أن تختبر هذه المقالة عملياً؛ فالصحوة إفاقة في
الأمة تقود فيها الخاصةُ العامةَ إلى المرحلة الحتمية والطبيعية التالية لتلك الصحوة
وهي (النهضة) .
كان من المحتم أن تختبر مقالتنا نحن الإسلاميين بأننا نعيش صحوة كبرى في
أرجاء العالم الإسلامي وأنحاء العالم العربي، ولقد اختُبر إسلاميون كثيرون بأعداء
صرحاء ألِدَّاء في بلدان كثيرة من العالم.. وها نحن يجيء دورنا (نحن الإسلاميين
العرب) لنُختبر مثلهم. وهذا الاختبار ليس موكولاً إلى قوى عالمية معادية، ولا
نظم محلية عميلة، ولكنه اختبار الأقدار التي كانت تجري بها سنة الله في الذين
خلوا من قبل.
ولقد تواطأت نصوص الوحي على أن الإنسان يُبتلى ويُختبر، على مستوى
الفرد والجماعة والأمة، وحديث القرآن عن الاختبار في القرآن المكي يتناول في
الغالب أحوال الأفراد. أما في القرآن المدني فيتوجه إلى المجموع بعد أن تكونت
الأمة وقامت الدولة، ولقد اختُبرت تلك الأمة بعد تكوينها، واختُبرت بعد ذلك مرات
عديدة، وهي تختبر الآن ونحن في مقدمتها نختبر بما اختُبر به الجيل الأول الذي
كان أقل منا عدداً، وأضعف منا قوة، وأندر مالاً وثروة. بل وأصعب منا ظروفاً
وأكثر استضعافاً.
تأمل معي ملامح هذا الاختبار (الجماعي) الذي واجه مجتمع الأطهار
الأخيار ولَمَّا يشتد عوده، أو تنتشر في العالم دعوته أو تتعدد كياناته، أو تتضاعف
ثرواته أو يبلغ عدده ما يزيد على المليار! تأمل هذه الكلمات التي تنزلت عليهم ثم
توجهت لمن بعدهم، حتى وصلت إلينا.
أرجوك ألا تمر على هذه الآيات سريعاً ببصرك بل مررها وكررها على قلبك
وبصيرتك، ولاحظ معاني (الاختبار) في تكرار لفظ (يعلم) . يقول من يعلم
السر وأخفى :
[وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ
نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ
لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ] (آل عمران: ١٦٦-١٦٧) .
-[أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ
اللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] (التوبة: ١٦) .
-[وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ]
(محمد: ٣١) .
-[أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ
الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ]
(آل عمران: ١٤٢-١٤٣) .
-[وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ
وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ] (آل
عمران: ١٤٠-١٤١) .
-[قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن
تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَلاَ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا
أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] (النور:
٦٣-٦٤) .
-[قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ البَأْسَ
إِلاَّ قَلِيلاً * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي
يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الخَيْرِ
أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً] (الأحزاب: ١٨-
١٩) .
-[وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
أَعْمَالَكُمْ] (محمد: ٣٠) .
ماذا أعددنا للاختبار؟
بداية أقرر أنه ليس من الجائز أن نغمط أحداً حقه، أو ننتقص من عمله، أو
نتهم نواياه، ولكنا فقط نناقش مواقف عامة وأفكاراً مطروحة، وظواهر موجودة منذ
زمن، أو وجدت الآن، بعد أن بدأت سُحب الأزمة تخيم فوق رؤوس الجميع. لا
شك أن هناك من يعمل، وهناك من يبذل، وهناك من بدعائه وبكائه وصلاحه
وإصلاحه يستمطر الفرج ويستنصر على الأعداء، غير أن الدين النصيحة، والهمَّ
عام، والنازلةَ في اتساع، ولا يجوز هنا أن تترك الساحة نهباً للفوضى الفكرية بعد
أن اجتاحتها طويلاً الفوضى العملية والحركية.
هناك طروحات تتعدد وتزداد بين بعض الإسلاميين وهي مرشحة للتوسع
والازدياد، وهي تتعلق بسِمات المواقف المتخذة والمواقع المختارة حيال ما يحدث
في فلسطين، وأحاول هنا رصدها للتنبيه أو للتحذير أو حتى للتعريف؛ أما التحليل
والمناقشة والتقويم فله مجال آخر ومكان آخر. إنها ظواهر نظرية، ولكنها تتحول
إلى مواقف عملية، سلبية كانت أو إيجابية، والإيجابية هنا تعني التفاعل مع الفكرة
قبل استيفاء بحثها وتمحيصها وفق منهج علمي شرعي سديد، وفهم واقعي راشد.
إنها أفكار، والأفكار تحتاج دائماً إلى الاختبار قبل القبول والاعتبار.
أولاً: أفكار الانتظار:
هناك آراء ترُوج، وأفكار تموج تجعل الموقف الإسلامي الراهن قريباً من
الموقف الشيعي قبل الخمينية، والموقف اليهودي قبل الصهيونية! مع إثبات الفارق
في التشبيه والاعتذار عن التمثيل.
فالشيعة قبل الخميني كانوا يتدينون بالانتظار، ويعطلون فرص الانبعاث حتى
يُبعث (صاحب الزمان) ، وكان علماؤهم يجعلون من السعي نحو التمكين عملاً
منافياً لكمال اليقين في النصر القادم بقدوم المهدي، فجاء الخميني، وابتكر (ولاية
الفقيه) ليجعل فقيه الشيعة بمثابة النائب للإمام الغائب، يقوم بما ينبغي أن يقوم به
حتى يحضر ... ولا ضير بعد ذلك إذا تأخر خروج (الإمام الغائب) ما دام الركب
يتقدم!
وقبل الخميني بعشرات السنين، قاد (تيودور هرتزل) اليهود من تيه الترقب
المستمر منذ ألفي عام انتظاراً لخروج المسيح، إلى السير على طريق الانتصار
ملغياً فكر الانتظار، ووضع أسس (الصهيونية الحديثة) التي تناقض الفكر
الانتظاري، وبالفعل لم يمضِ على هلاكه بضعة عقود حتى أقيمت دولة اليهود التي
كانت مجرَّمة محرَّمة قبل ظهور المسيح عندهم!
في ديننا الحنيف ومنهجنا الصحيح لا مجال هناك لتعطيل شيء من واجبات
الشريعة بدعوى انتظار أحد ... صحيح أنَّا نؤمن بما أخبرت نصوص الشريعة
بحدوثه قَدَراً، ولكننا لا نبني عليه مواقفنا شرعاً؛ فمثلاً إذا كان مكتوباً للمسلمين
كوناً وقدراً أن ينتصروا على اليهود في النهاية، فليس معنى ذلك أن يعطلوا ما
أُمروا به من جهادهم ديناً وشرعاً حتى يجيء موعد هذه النهاية، وأيضاً إذا كان
مقدراً بحسب ما عندنا من نصوص صحيحة وصريحة أن تشهد الدنيا قيام دولة
خلافة عالمية راشدة في آخر الزمان، فلا يعني ذلك أن يبطل السعي الواجب لإقامة
الخلافة قبلها انتظاراً لمجيء أيام آخر الزمان.
هذه بدهيات لا أظنها تغيب عن فطنة الوعاة الدعاة، ولكن ما أكثر ما تتيه
البدهيات في خضم التفريعات والتفصيلات. ومما يدل على غياب بعض هذه
البدهيات وجود مثل هذه الطروحات التي يأتيك ذكرها:
* هناك نزعة (مهدوية) تتنامى هذه الآونة، زاعمة أن المهدي المبشر به
في الأحاديث، إن لم يكن بيننا الآن، فهو على الأقل وراء أقرب الأبواب، وأنه
سيتولى بنفسه جهاد (إسرائيل) وأعوانها، وسيأتي الخلاص على يديه قريباً،
وسوف نصلي خلفه في بيت المقدس عاجلاً غير آجل!
* هناك وجهة قريبة من تلك النزعة المهدوية، لكنها تتجه نحو
(السفيانية) [١] بمعنى انتظار انتصار السفياني على (إسرائيل) بعد غزوه لها
وحرقه لنصفها بجيش يخرج من الشرق أو بالتحديد من العراق، وهؤلاء ينتظرون
حدوث انتصار (السفياني) لا مجرد خروجه؛ لأن (القائد الركن) قد خرج بالفعل
منذ زمان! ! [٢] . إن هؤلاء يقولون: إن (أم المعارك) كانت أول الملاحم
الكبرى، ونحن بانتظار بقية العائلة بعد أن جاءت المعركة (الأم) !
* هناك من ينتظرون زماناً آخر، وهو زمان (الدجال) ، حيث يقولون: إن
القضاء على دولة اليهود لن يكون إلا في زمن الدجال؛ حيث سيقودهم في إفسادهم
الأخير، فيسلَّط عليهم المسلمون، وينطق عندها الحجر والشجر، أما قبل ذلك
(فلا أمل) هكذا يقولون في الانتصار على اليهود!
* وهناك موجة بدأت مؤخراً من الانهماك في عالم الرؤى والمنامات، ودنيا
التأويلات والتفسيرات التي تتنافس في تحديد أقرب المواعيد ليوم دخول القدس،
دون أن تحدد كيف وبمن ومع من؟ ولكنها تتفق جميعاً على أن ذلك الانتصار
الساحق (المجاني) سيكون أقرب مما نتصور؛ فبين متمهلٍ مطَمْئِنٍ بأنه سيحدث
بعد بضع سنين، وبين متعجل مبشِّر بأنه سيكون بعد عام أو أقل من عام!
* وهناك موجة موجودة منذ عقود وأعوام تتجه للغوص في الأرقام، للخروج
بنتائج (حاسمة) و (محددة) و (أكيدة) عن موعد زوال إسرائيل، باستخدام
خاصية بعض الأرقام تارة، وبمقارنة أرقام السور والآيات القرآنية تارة،
وباستقصاء خاصية الزمان تارة، وبالرجوع إلى بعض أخبار الفتن في كتبنا تارة،
أو في أخبارها عند أهل الكتاب تارة أخرى.
إن تلك الطروحات الخمسة التي تغلب عليها روح التفاؤل والانتظار والتبشير
عليها الملاحظات الآتية:
١ - لا حرج في التبشير بأن المستقبل للإسلام؛ فالفأل الحسن محمود، ولكن
بشرط ألا يكون موقفنا من هذا المستقبل مجرد انتظار استقباله؛ فنحن أمة تؤمن
بالغيب ولكنها لا تقبع وراء ذلك الغيب مستشرفة حدوثه وهي في عالم الشهادة
والتكليف؛ فالخشية كل الخشية من هذه الموجة (التبشيرية) أن تتحول إلى
جرعات تخديرية.
٢ - الأفكار المهدوية تنشئ أجواء تسمح بالادعاءات المهدوية، وقد كفى أمتنا
ما عانت من أدعياء المهدوية عبر العصور والقرون، وآخرها ما كان في بداية
القرن الهجري الحالي الذي عشناه وخبرناه، وما تكرر قبلها وبعدها من انتحالات
المحتالين وادعاءات المدعين لأنفسهم أو لغيرهم. إنه يكفينا من المهدي بعد
التصديق بما صح عنه أن نعمل بما سيخرج من أجله؛ وهو نصرة الدين، حتى إذا
ما خرج المهدي وجدنا مهديين عاملين، لا منتظرين خاملين.
٣ - الأفكار السفيانية تصادم بتحديداتها وتعييناتها الشخصية والزمانية مفاهيم
مهمة في الولاء والبراء وقواعد الإيمان بالغيب؛ فهي تفترض أن (جابر الأمة)
و (كاشف الغمة) سيكون بعثياً أو علمانياً، وأنه رغم علمانيته أو بعثيته سينال
(الشرف) الذي عجزت عنه، أو عوقبت بحرمانه جموع المسلمين الملتزمين
بالدين، وأنه سيتولى، تحت رايات البعث أو غيره من الرايات غير الإسلامية،
تحرير بيت المقدس! ولهذا فإن تلك الأفكار تحبذ إن لم تكن توجب على المسلمين
جميعاً أن ينضووا تحت هذا اللواء الفاسد والراية العِمِّية ريثما تتحول إلى راية
إسلامية!
٤ - القول بأن القضاء على دولة اليهود سيجيء مع مجيء زمان المسيح
مسيح الضلالة أو مسيح الهداية يبنيه أصحابه على فرضية أن جيل المسلمين
المعاصرين للمسيح هم فقط المطالبون غداً بدفع (فواتير) ما نجتنيه نحن اليوم،
وهم من حيث يدرون أو لا يدرون، قد جلبوا على طائفة الحق السنية مواقف
(انتظارية) قدرية، لا واقعية ولا شرعية، وقد تتخذ في بعض صورها قوالب
بدعية.
٥ - الرؤى والأحلام لها إطار ينبغي ألا تتعداه، وهي سلوى للعاملين
المجتهدين، لا طمأنة للخاملين القاعدين؛ فالذي يتصور أنه سيكون غداً أو بعد غد
في الصفوف الأولى ضمن من قال الله عنهم: [وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ
مَرَّةٍ] (الإسراء: ٧) ، الذي يتصور ذلك في منام أو أحلام، وهو لا يعد نفسه
وغيره لذلك اليوم من اليوم، هو حالم في أحسن الأحوال، وظالم في أسوئها [وَلَوْ
أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ
القَاعِدِينَ] (التوبة: ٤٦) ؛ إذ كيف يترك للمجاهدين اليوم في فلسطين مراكب
الهم والهدم والدم، ويدخر لنفسه غداً مواكب النصر والفخر والعز؟ ! ومع ذلك؛
ليحلم من شاء بما يشاء، ولنؤوِّله له بما نشاء أو يشاء إذا كنا معذرين إلى الله
قائمين في اليقظة بما أمر الله.
٦ - أما الحسابات والإحصاءات والمعادلات، فالذي أخشاه أن نظل مشغولين
بموعد نهاية اليهود حتى تأتي نهاية أعمارنا منصرفين أو مصروفين إلى ضرب
أخماسنا في أسداسهم، وطرح حقنا من باطلهم، وجمع قرآننا مع توراتهم في صعيد
التصديق والتأييد!
لقد حُددت سنون وأعوام ... ولكن، لا والله ما كلفنا الله بتحديد خطط الأقدار
الكونية، بل كلفنا بتحديد خطط المواجهة الشرعية لكيد الكفار والفجار!
إن بين يديَّ الآن ما لا يقل عن عشرة من الكتب والأبحاث المطبوعة والمنشورة
بخلاف ما لا يزال تحت الطبع أو تحت التأليف كلها تحدد أزمنة مختلفة لـ (زوال
إسرائيل) ، ولست في معرض الحديث عن تقييمها أو الحكم عليها؛ فبعضها هزيل
منهار، وبعضها جدير بالنظر للاعتبار لا للانتظار.
وفي كل الأحوال فنحن في حاجة إلى موازنة بين مقتضيات التصديق بأمور
الغيب، واعتبارات التطبيق في عالم الشهادة، ولا أظن أننا أكثر إيماناً وتصديقاً
بالغيب من الصحابة الذين لم تحجزهم نبوءات الفتوح الغيبية في دوائر الانتظار،
بل تعاملوا مع تنفيذ الشرائع (افعل ولا تفعل) قبل تفنيد الأخبار (صدق أو لا
تصدق) .
ثانياً: أفكار اليأس من الانتصار:
إذا كان التفاؤل والتبشير بلا عمل يلام، فإن التشاؤم واليأس ولو مع شيء من
العمل مدان، وفي ساحة الإسلاميين اليوم أفكار تشاؤمية جرها علينا شؤم التحرر
من الضوابط الشرعية، والبعد عن التأصيلات العلمية، وإذا كانت هذه الظاهرة
موجودة من أزمنة سابقة وفي أمكنة متعددة، فإنها اليوم تتفاعل بشكل يبعث على
القلق، وبخاصة مع تزايد حدة التحدي المزمن مع اليهود.
وإذا كانت الأفكار السابقة تصبغها صفة غيبية اعتقادية، فإن الأفكار التي
أوردها الآن تكتسي مسحة فقهية علمية، وهذه أمثلة من تلك المواقف:
* هناك من (يبشر) بأنه لا فائدة من دعم العمل الجهادي في فلسطين؛ لأن
ثمرة ذلك الجهاد مصيرها إلى الاختطاف بعد القطاف، والشريعة لم تأمر بإضاعة
المال أو بإلقاء النفس إلى التهلكة. ومن ثم فإن إضاعة الوقت والجهد مع قضية
(خاسرة) فيه إضافة خسارة جديدة إلى العمل الإسلامي الذي لم يعد يتحمل خسائر
أخرى! !
* وهناك من يشكك أصلاً في وجود هذا العمل الجهادي المرشح للاختطاف
على أساس أن الراية الآن ليست إسلامية خالصة، وما دام الأمر كذلك، (فلا
يجوز) القتال تحت راية عِمِّية! فلنبق مكاننا حتى ترتفع للجهاد راية حقيقية
شرعية. ويأخذ بعض هؤلاء على عوام الفلسطينيين وجماهيرهم أنهم (حليقون)
و (مسبلون) وقد يكونون (مدخنين) أو عصاة فاسقين [٣] !
* وهناك من يقول: ما لكم ولأمور السياسة؟ اتركوا أمرها للساسة،
وفوِّضوا الأمور لولاة الأمور من الرؤساء والزعماء في فلسطين وما حولها؛ فهم
أجدر بأن يخرجوا الأمة من الأزمة ويسيروا بها إلى بر الأمان! وإلى أن يأتي هذا
الأوان (فلا يحل) لأحد أن يتكلم.. أن يتبرم ... أن يتعلم أو يعلِّم شيئاً يؤدي إلى
(الخروج) على الإجماع العربي المنعقد على أسس متينة من (الشرعية) الدستورية
الجاهلية!
* هناك من يفلسف القعود عن نصرة المستنصرين المستضعفين بأن الله أمرنا
بالعدو الأقرب فالأقرب، فعلى (المجاهدين) في الجزائر مثلاً أن يظلوا مشغولين
بما هم فيه، ولا يشتتوا جهودهم أو جزءاً من جهودهم في معارك (فرعية) مع
اليهود أو غيرهم، وإذا كان الإسلاميون في بلدان أخرى قد أفرغوا الطاقات في
ساحات خاسرة، فهذا حسبهم، ولنترك مواجهة اليهود للأجيال القادمة! !
* وهناك من يعزِّي نفسه بأن الراية الجهادية في فلسطين هي راية (حزبية)
ولو كانت إسلامية، ولأن هذا (الحزب) غير موضوع في قائمة المصالحة أو
الحوار، حالياً ولا مستقبلاً، لشدة الخصومة، أو لعدم الثقة، أو لمواقف نفسية أو
شخصية؛ فإن الانحراف إلى تأييد هذا العمل (الحزبي) هو انحراف عن
«المنهج الصحيح» واعتراف بـ «المنهج المنحرف» وصواب خطه
وسداد سياسته، وهذا «الاعتراف» هو ما لن يكون أبداً، ولو كانت الضحية
فلسطين، أو ما تبقى من فلسطين بشعبها وأرضها ومقدساتها!
إن هذه الطروحات الخمسة أيضاً وغيرها تساهم في تفريغ طاقات شريحة
أخرى من الإسلاميين، وصرف هممهم عن الوقوف مع إخوانهم في محنتهم ومحنة
الأمة كلها معهم.
وعلى كل حال، فإن هذه الأفكار التيئيسية التعجيزية التي تشيع روح الوهن
والاستسلام لا يستحق أكثرها رداً علمياً بقدر ما تحتاج تذكيراً وعظياً؛ لأن الغالب
أن وراء طرحها والله أعلم مشاكل قلبية، لا مسائل خلافية.
قد تسأل أخي القارئ: وهل صحيح أن كل الإسلاميين على هذه المواقف
السلبية؟ وهل تمثل هذه الأفكار الشريحة العظمى من الإسلاميين؟ ! والجواب:
هي في الحقيقة لا تمثل الشريحة الكبرى، ولكن الشريحة الكبرى هي شريحة من
ليست لديهم أفكار أصلاً، لا سلبية ولا إيجابية، وهؤلاء يظنون فقط أن مجرد
متابعة الأخبار على الشاشات والإذاعات مع الحوقلة والاسترجاع يعفيهم من الإثم
عند الله، أو أن مجرد ترديدهم لكلمة (آمين) في القنوت في رمضان سيفتح القدس
بإذن الله! [٤] .
أعرف أنني قد فتحت ملفات كثيرة، وأثرت قضايا عديدة قد لا يصلح لمثلي
أن يثيرها أو يتحدث فيها، مع وجود أهل العلم والفضل من ذوي الحكمة
والاختصاص في أنحاء عالمنا الإسلامي، ولكن حسبي أن يكون فتح هذا الملف
نذيراً لنفسي ولمن يطلع عليه من الإسلاميين الصادقين، من الوقوع في هاوية
الانصراف عن الواجبات، أو الانجراف مع التوهمات والتخيلات والتوسمات، في
زمان نحن فيه أسرى واقع مرير مشاهد ومعاش، وفتنة تتطلب لدرئها جهد كل
عامل وداع ومذكِّر ومجاهد. إن فتح هذا الملف مجرد تحذير من المزيد من التخدير
وسط أمة ذات طاقات هائلة ولكنها معطلة.
إن قبساً صغيراً من الجهاد الإسلامي المفروض قد بدأ في اللمعان في ليل
فلسطين الطويل، وهو يحتاج إلى جهود تحوله من قبس صغير إلى شهاب جبار،
والهاجس الأكبر؛ أن يُضيِّع الإسلاميون فرصة استمرار اشتعال هذا القبس فضلاً
عن اتساعه، بتركهم القيام بحق النصرة الواجبة والدعم المفروض، إن الجهاد
القائم الآن، هو نبتة أمل إسلامية في صحراء اليأس العربية، وواجبنا أن نتعهدها
بالسقيا والري حتى يشتد عودها وتورف ظلالها، إنهم يقومون بواجبهم فلنقم بواجبنا.
قارئي العزيز: أراك تبادرني على عجل بالسؤال المنتظر: (وما العمل؟)
وأعاجلك بالجواب: أنت أعرف قبل كل الناس بحدود ما تستطيع أن تعمل، فأكثر
ميادين العمل مفتوحة ومشروعة، وما لم يفتح الآن فسوف يفتح عما قريب بإذن الله،
بحكم الواقع والتاريخ والسنن. فقط ... أرجو منك في وقت مناسب أن تجلس مع
نفسك في اجتماع مغلق مع عقل مفتوح وضمير حاضر لمدة عشر دقائق فقط عشر
دقائق وسل نفسك أمام ربك: هل أديتُ ما عليَّ؟ هل لديَّ جواب إذا استُجْوِبت يوم
الحساب؟ هل أنا بالفعل (عاجز) عن كل شيء ولا أستطيع فعل أي شيء؟ أم
أنني أستطيع أن أفعل كذا وكذا..؟ أنا على يقين أخي الصادق أن مثل هذا الحوار
المتجرد مع نفسك سيولد عندك فكرة أو فكرتين.. أو ثلاثاً أو خمساً، وهذه الخمس
يمكن أن تتحول إلى عشر لو شاورتَ بعد ذلك صديقاً صدوقاً، وهذه العشر يمكن
أن تتضاعف إلى مئة لو قضيت وقتاً أكبر في دائرة أوسع وشريحة أكثر جدية في
تحمل المسؤولية.
لا تظن أنني أتهرب من سؤالك الآنف: (ما العمل؟) فأعدك بأن أعرض
عليك بضاعتي المزجاة في لقاء قريب بإذن الله، وإلى أن يأتي أوان ذلك أطلب منك
طلباً محدداً:
تصور ... تمثل.. تخيل؛ تخيل بكل الجدية والتحقق أن هذه الأم الثكلى التي
تراها في عشرات الوجوه المختلفة هي أمك تبكي يوم فقدت أحد إخوانك ... أو أن
تلك البرعمة الصغيرة الناعمة ... المثقوبة الجسد، المحروقة الأطراف هي ابنتك
الساكنة في قلبك ... أو أن ذلك الصغير التائه الأفكار الزائغ العينين، المتعفر
الثياب باحثاً عن أبيه، هو ولدك المفدى بما تملك.. تخيل أن تلك الفتاة المنزوعة
الحجاب والأخرى المدفوعة بين الذئاب والكلاب هي أختك التي تحبها وتخاف عليها
وتحمي حماها، تصور أن تلك العجوز المرتعشة الأصابع، الضعيفة البصر،
الرافعة كفيها إلى السماء بالدعاء، بعد هدم بيتها وغياب عائلها هي جدتك أو خالتك
أو عمتك! تمثل تلك المرأة المملوءة البطن ... أو المشغولة الصدر التي يردها
أولئك النتنى من شارع إلى شارع، ومن حاجز إلى حاجز! بلى! هي زوجتك..
هي حرمك المستباح! ماذا كنت ستفعل لو أن هؤلاء هم أهلك..؟ ! ماذا كنت
ستفعل؟ هل كان مثلك سيأتي ليسأل مثلي: ماذا أفعل؟ ! أخي: إنهم أهلك!
ماذا كنت ستفعل لو كانوا أهلك؟ أوَ ليسوا أهلك؟ بلى إنهم أهلك وإخوتك
بوشيجة عُقِدت في السماء [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] (الحجرات: ١٠) .
نعم إنهم أهلونا! ولو خذلناهم لنُخْذَلَنَّ، ولئن أسلمناهم لَنَنْدََمَنَّ، ولئن بخلنا
عليهم لنفتقرنَّ ونُحرَمنَّ.
نعود إلى سؤال الساعة: (ما العمل؟) سؤال كبير، وهمٌّ شاخص،
ومسؤولية عظيمة؛ أسأل الله أن يفتح فيه ويعين على معالجته.
فإلى بقية في عدد قادم بإذن الله.
стр. 4062
المسلمون والعالم
تقرير ميتشيل: دعوة لإجهاض انتفاضة الأقصى
(٢ - ٢)
د. سامي محمد صالح الدلال
في العدد الماضي من البيان تحدث الكاتب عن قواعد وثوابت مطابقة للحق
على رأسها أن فلسطين كلها من النهر إلى البحر هي ملك للمسلمين، ثم تحدث عن
تقرير ميتشيل وعرف به وناقش مقدمته وفقراته بنداً بنداً، وها هو في مقاله اليوم
يتابع الحديث عما قالته لجنة ميتشيل، مع وقفات مع ما بقي من بنوده.
- البيان -
المستوطنات:
قالت اللجنة: «من الصعب تكريس وقف العنف الفلسطيني الإسرائيلي ما لم
تجمد الحكومة الإسرائيلية نشاطات البناء الاستيطاني كافة» .
«على امتداد نصف قرن من وجودها تلقت إسرائيل دعماً قوياً من الولايات
المتحدة، وفي المحافل الدولية.
» جيمس بيكر، وزير الخارجية الأمريكية في حينه قال في ٢٢ أيار (مايو)
١٩٩١م: في كل مرة من المرات الأربع التي ذهبت فيها إلى إسرائيل بشأن عملية
السلام، ووجهت بالإعلان عن نشاط استيطاني جديد، إنه أمر يخالف سياسة
الولايات المتحدة «.
ونقف مع هذا الكلام عدة وقفات:
١ - نفهم من تقرير اللجنة وما نقلته من أقوال لوزير الخارجية (جيمس بيكر)
أن إسرائيل ماضية قدماً في بناء المستوطنات ونشرها بسرعة رغم معارضة
جميع الأطراف لها في هذا التصرف.
٢ - نحن نعلم مدى ثقل الضغط الأمريكي على الكيان اليهودي فيما لو أراد
أن يضغط، وفي مسألتنا هذه نعتقد أنه لم يكن هناك ضغط جاد على الكيان اليهودي،
ولو حصل لاضطرت الحكومة اليهودية إلى الكف عن الاستمرار في التوسع
الاستيطاني.
٣ - إن التوسع اليهودي الاستيطاني يمثل حركة متحفزة في منظومة الخطوط
الاستراتيجية اليهودية؛ لأنه يمثل الحجر الأساس في بناء الدولة التوراتية.
٤ - هنا يأتي دور الانتفاضة التي فهمت كيف تتعامل مع الكيان اليهودي وفق
اللغة التي يفهمها، وهي لغة العنف، وهو عنف مشروع يدخل في إطار الدفاع عن
النفس.
٥ - هذا العنف الفلسطيني المضاد هو الذي أصابهم بالرعب، وأدخل في
روعهم ضرورة الهجرة المعاكسة، وترك المستوطنات؛ حيث إن الخدمات الحيوية
الهامة بدأت بالتراجع أو التوقف؛ مما دعا الحكومة اليهودية إلى اتخاذ إجراءات
أمنية ووضع خطط مضادة من مثل تكثيف الكمائن ضد الفلسطينيين وتحصين
السيارات التي تنتقل من وإلى المستوطنات وتفعيل الاستخبارات الجوية؛ غير أن
هذه الإجراءات لم تكن مجدية فعلياً؛ حيث استمر تدفق المستوطنين إلى داخل الخط
الأخضر (الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨م) ، وسيستمر بإذن الله.
٦ - إن استمرار الانتفاضة سيحول حياة المستوطنين إلى جحيم لا يطاق،
والذي اعتقده أن حكومتهم لن تبقى متفرجة على تعاظم كرة الثلج، وأغلب الظن
أنها قد تقرر الدخول في مغامرات عسكرية ستصل حتماً إلى إعلان حالة الحرب.
خفض التوتر:
قالت اللجنة:» إن تجديد الجهود لوقف العنف يمكن أن يمثل ولوقت محدود
فترة تهدئة يمكن من خلالها عدم تشجيع التظاهرات الجماهيرية في/ أو بالقرب من
نقاط الاحتكاك من أجل كسر دائرة العنف، وفي حال استمرار التظاهرات فإننا
نحض على أن يحافظ كل من المتظاهرين ورجال الأمن على المسافة التي تفصل
بينهما من أجل خفض احتمالات المواجهة المميتة «. انتهى كلام اللجنة.
تعليق:
اتفق الطرفان على فترة تهدئة ووقف لإطلاق النار، غير أن القوات اليهودية
لم تلتزم بذلك ولا ليوم واحد، وهذا يؤكد سبق الإصرار اليهودي على مواصلة
العنف ضد الفلسطينيين، وقد أدى عدم التزام الجيش اليهودي بوقف إطلاق النار
إلى أن تواصل الانتفاضة الدفاع عن شعبها الأعزل.
الفعل والرد:
تحت هذا العنوان ذكر التقرير كلاماً كثيراً لا يخرج في فحواه عن المذكور
سابقاً.
ولنا على ما سبق التعليقات الآتية:
١ - إن الزج بالشباب اليهودي في طليعة المتصدين للانتفاضة الفلسطينية
يضاعف إيقاع المسؤولية على الحكومة اليهودية، ومن ثم فليس فيه تبرئة لها بل
مزيد اتهام.
٢ - خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الانتفاضة كان إيقاع القتل من جانب
واحد، وهو الجانب اليهودي، وهذا يعني أن الشعب الفلسطيني قد صبر على تلقي
الرصاص القاتل لمدة تزيد على تسعين يوماً؛ فأين كانت الولايات المتحدة والأمم
المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا؟ !
لم يتحرك هؤلاء إلا بعد أن نفد صبر الشعب الفلسطيني وشرع يدافع عن
نفسه، فهبوا جميعاً للحيلولة بينه وبين الدفاع المشروع، فتتالت الوفود وترادفت
الاجتماعات وازدادت الضغوط، إنهم يريدون أن يذبح الشعب الفلسطيني كما تذبح
النعاج؛ فما أخطر هؤلاء على الإنسانية! !
٣ - اعترفت اللجنة بأن الجيش اليهودي يستخدم الأسلحة الثقيلة للرد على
نيران الفلسطينيين الخفيفة.
٤ - أقرت اللجنة استخدام الجيش اليهودي للرصاص المطاطي ليقتل به
الفلسطينيين، لكنها طلبت منه سحب القلب المعدني. يا سبحان الله! حتى اللجنة
تريد قتل الفلسطينيين لكن باستخدام الرصاص المطاطي فقط! !
كيف يمكن أن تكون هذه لجنة محايدة لتقصي الحقائق؟ ! !
التحريض:
قالت اللجنة:» في التقارير والأوراق التي قدمت إلى اللجنة، عبّر كل من
الطرفين عن قلقه في شأن اللغة والتصورات الكريهة التي يبثها الطرف الآخر، مع
تحديد العديد من الأمثلة على الخطاب الديني والعرقي المعادي في الإعلام الفلسطيني
و (الإسرائيلي) ، في المناهج الدراسية، وفي تصريحات القيادات الدينية
والسياسيين وغيرها «.
» إننا ندعو الطرفين إلى مراجعة التزاماتهم الرسمية، ورعاية التفاهم
المتبادل والتسامح، والابتعاد عن التحريض والدعاية المعادية «.
» نقترح على الطرفين أن يكونا حذرين بشكل خاص في شأن استخدام
الكلمات بطريقة توحي بالمسؤولية الجماعية «.
تعليق:
التحريض يلازم وجود الصراع، وهو أمر طبيعي، لكن في حالتنا هذه
التحريض من الجانب الفلسطيني يدعو إلى إحقاق الحق وإعادة الحقوق المشروعة
إلى أصحابها الأصليين وهم الفلسطينيون سكان الأرض وأصحابها، وأما التحريض
من الجانب اليهودي فهو يدعو إلى تمكين الباطل باستخدام القوة المسلحة بشكلها
المفرط، وذلك لتكريس الاحتلال وإدامة الهيمنة الباطشة على الأراضي المحتلة،
وسوم أصحابها سوء العذاب والتشريد والتنكيل عبر المجازر والإبادة الجماعية.
الآثار الاقتصادية والاجتماعية للعنف:
قالت اللجنة:» لقد فرض المزيد من القيود من قبل (إسرائيل) على حركة
الناس والبضائع في الضفة الغربية وقطاع غزة «.
» الإغلاقات تتخذ ثلاثة أشكال:
أ - تلك التي تقيد الحركة بين المناطق الفلسطينية وإسرائيل.
ب - تلك التي تقيد الحركة داخل المناطق الفلسطينية (بما في ذلك حظر
التجول) .
ج - تلك التي تقيد الحركة من المناطق الفلسطينية إلى البلدان الأخرى «.
» لقد تسببت هذه الإجراءات في:
* تمزيق وبث الفوضى في حياة مئات الآلاف من الفلسطينيين.
* رفعت معدل البطالة بين الفلسطينيين إلى ما يقدر بـ ٤٠% وذلك من خلال
منع ٤١ ألف فلسطيني من العمل في إسرائيل.
* أطاحت بحوالي ثلث إجمالي الإنتاج الفلسطيني المحلي.
* الآثار الضارة للإغلاقات (أي الحصار) :
١ - منع المدنيين من الحصول على العناية الطبية.
٢ - منع الطلبة من التوجه إلى مدارسهم «. انتهى كلام اللجنة.
ونعقب على ما ذكرنا بما يلي:
١ - أصابت اللجنة في ذكر بعض الآثار الاقتصادية والاجتماعية للعنف
اليهودي ضد الفلسطينيين. غير أن اللجنة ذكرت في العنوان لهذا المقطع كلمة
» للعنف «في حق الصهاينة باعتبارهم المعتدين.
٢ - إن الذي ذكرته اللجنة يدل على مدى الممارسات الهمجية واللاإنسانية
ضد الفلسطينيين.
٣ - إن ما يسمى المجتمع الدولي لم يهب لدفع الظلم الشديد الذي وقع ولا
يزال ضد الفلسطينيين، في حين ما أسرع ما كان تحركه في أزمة تيمور الشرقية
النصرانية؛ لأنه يكيل بعدة مكاييل، يختار منها ما يحقق مصالحه ومطامعه وإن
كانت على حساب الشعوب المستضعفة والمضطهدة.
٤ - إن تقرير اللجنة أغفل كثيراً من آثار التدمير اليهودية لمرافق
الفلسطينيين مما أدى إلى تشريد الأهالي، بالإضافة إلى ازدياد أعداد المعاقين بشكل
هائل، وتعاظم أعداد الأطفال، وتعاظم الأزمات النفسية التي أصابت الأطفال
الناجمة عن الخوف الذي تسببه الأصوات المدوية لتفجير القنابل وغير ذلك.
الأماكن المقدسة:
قالت اللجنة:» من المؤسف، بشكل خاص، أن الأماكن المقدسة مثل جبل
الهيكل، الحرم الشريف في القدس، قبر يوسف في نابلس، وقبة راحيل في بيت
لحم كانت مسرحاً للعنف والموت والإصابات، هذه أماكن للسلام، للصلاة، للتأمل،
ويجب أن تكون متاحة لجميع المتدينين «.
» إن الأماكن التي تعتبر مقدسة من قبل المسلمين واليهود والمسيحيين تستحق
الاحترام والحماية والحفظ، إن الاتفاقيات التي سبق أن تم التوصل إليها بين
الأطراف المعنية بشأن الأماكن المقدسة يجب أن يتم التزامها، ويجب تشجيع
الجهود الأمنية لتطوير الحوار بين الأديان «. انتهى كلام اللجنة.
ولنا مع كلام اللجنة الوقفات الآتية:
١ - جميع أعمال العنف التي وقعت في الأماكن المقدسة التي أشارت إليها
اللجنة تمت بواسطة اليهود، وهذا ما تم تجاهله، وجاءت بعبارات توحي أن العنف
في تلك الأماكن متبادل بين الأطراف كلها، وهذا تدليس واضح.
٢ - ليس صحيحاً ما ذكرته اللجنة من أن هذه الأماكن المقدسة ينبغي أن
تكون متاحة لجميع المتدينين، بل هي أماكن متاحة لأتباع كل دين بعينه، إن
الخطورة في الصياغة التي أوردتها اللجنة تكمن في أن ما يفهم منها هو أن المسجد
الأقصى ينبغي أن يكون متاحاً لجميع المتدينين، وهذا مرفوض لدى المسلمين كلية،
جملة وتفصيلاً.
٣ - إن تدنيس شارون المسجد الأقصى جاء مخالفاً لكل ما هو معلوم من
احترام جميع الأطراف للأماكن المقدسة، كما ينبغي أن تدين الاعتداء الذي حصل
على المسجد الإبراهيمي الذي أوقع عشرات القتلى من المصلين المسلمين أثناء
أدائهم للصلاة.
٤ - أما قضية تشجيع الجهود الأمنية لتطوير الحوار بين الأديان فلا محل لها
في المسألة المعروضة، وكان ينبغي للجنة أن توضحه وتجليه.
القوة الدولية:
قالت اللجنة:» لقد كان أحد أكثر المواضيع التي أثيرت خلال عملنا إشكالية
موضوع نشر قوة دولية في المناطق الفلسطينية، لحماية المدنيين الفلسطينيين
وممتلكاتهم من جيش الدفاع الإسرائيلي ومن المستوطنين، وهذا ما عارضته
الحكومة الإسرائيلية «.
» إننا نرى أن مثل هذه القوة تحتاج من أجل أن تكون فاعلة إلى دعم
الطرفين «.
» أثناء زيارتنا لمدينة الخليل تلقينا تقريراً من طاقم القوة الدولية المؤقتة فيها
PLPH، وهي قوة وافق عليها الطرفان. إن مهمة هذه القوة هي مراقبة الوضع
المتفجر وكتابة التقارير حول مشاهدتها، فإذا وافق الطرفان، كخطوة لبناء الثقة،
على الاستفادة من تجربة قوة الخليل لمساعدتهم على السيطرة على نقاط الاحتكاك
الأخرى، فإننا نأمل أن يلبي المساهمون في قوة الخليل هذا الطلب «. انتهى كلام
اللجنة.
وهنا نقف الوقفات الآتية:
١ - نحن لا نؤيد نشر قوات دولية في المناطق الفلسطينية؛ لأن تلك القوات
ستشكل استعماراً إضافياً للأراضي المحتلة بغطاء دولي.
٢ - لا نشك أن القوات الدولية ستكون متحيزة لصالح العدو اليهودي بحكم
توجهات النظام الدولي.
٣ - إن القوات الدولية ستشكل حماية للوضع اليهودي في الأراضي المحتلة؛
لأن الوصول إلى اليهود لطردهم من الأراضي المحتلة سيصطدم بهذه القوات أولاً،
مما يجعل الشعب الفلسطيني وكأنه هو المعتدي وليس المعتدى عليه.
٤ - الحكومة اليهودية لا تريد إدخال قوات دولية إلى الضفة وقطاع غزة؛
لأنها تريد هذه الأراضي لها وحدها ووجود هذه القوات يدخل الاضطراب على
مشاريعها الاستيطانية والتوسعية، ولأن القوات الدولية ستكون شاهد عيان على
الإجرام اليهودي الذي تمارسه قوات الدفاع الإسرائيلي والشرطة ضد المدنيين
العزل.
٥ - يلاحظ أن اشتراط اللجنة موافقة الطرفين يوحي ضمناً إلى أنها تميل إلى
الرأي اليهودي.
٦ - إن عدم توصية اللجنة باستجلاب قوات دولية للضفة الغربية وقطاع غزة
ينسجم ويتحد مع رأي أمريكا ذات الثقل في اللجنة.
مبادرات التقارب بين الشعبين:
قالت اللجنة:» على الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية أن ترعيا
وتدعما، بشكل مشترك، عمل المنظمات غير الحكومية الإسرائيلية والفلسطينية
المنخرطة في عملية بناء الثقة من خلال مبادرات تربط الطرفين، بما في ذلك
توفير الدعم الإنساني للقرى الفلسطينية من المنظمات غير الحكومية الإسرائيلية «.
انتهى كلام اللجنة.
ولنا تعليق:
إن الحكومة اليهودية تقوم بكل ما يقع تحت طائلة إمكاناتها في إيقاع التخريب
والدمار في الصفوف الفلسطينية؛ فهي التي تقوم بجرف آلاف الهكتارات من
الأراضي المزروعة، وهي التي تقوم بتدمير الأشجار المثمرة، وهي التي تقوم
بهدم المنازل على قاطنيها، وهي التي تلقي القنابل من الطائرات الحربية وتقذف
بالصواريخ من المروحيات العسكرية على المدن الفلسطينية الآهلة بالسكان، وهي
التي تقوم بعمليات الحصار والتجويع، وغير ذلك كثير، أقول: كيف لمثل هذه
الحكومة أن تخاطب بتشكيل لجان مشتركة للإغاثة والدعم الإنساني؟ ! !
استئناف المفاوضات:
قالت اللجنة:» لقد أعلن كلا الطرفين عن استمرارهما بالتزام اتفاقاتهما
وتعهداتهما، وعلى الطرفين إعلان عزمهما على اللقاء على هذا الأساس من أجل
استئناف مفاوضات شاملة وذات معنى، وبروحية تعهداتهما في شرم الشيخ في
عامي ١٩٩٩و ٢٠٠٠م «.
» إن على السلطة الفلسطينية، كما فعلت في ظروف دقيقة سابقة، أن تتخذ
خطوات تطمئن إسرائيل في شأن القضايا الأمنية، وعلى الحكومة الإسرائيلية اتخاذ
خطوات مماثلة «.
» على الإسرائيليين والفلسطينيين أن يتجنبوا في أفعالهم ومواقفهم إعطاء
الكلمة النهائية في تحديد مستقبلهم المشترك للمتطرفين والمجرمين العاديين والباحثين
عن الانتقام «.
» إن أساسات الثقة التي تتطلبها إعادة بناء شراكة فعالة تقوم على قيام كل
طرف بتقديم طمأنات استراتيجية للطرف الآخر «. انتهى كلام اللجنة.
ولنا الوقفات الآتية مع ما ذكر:
١ - رغم إعلان الطرفين عزمهما على استمرارهما بالتزام اتفاقاتهما
وتعهداتهما، فإن هذا الأمر لم يتم إلا من جانب السلطة الفلسطينية، أما الجانب
اليهودي فقد ضرب بكل تعهداته واتفاقاته عرض الحائط، وإلا فلماذا إذاً حصلت
مفاوضات واي ريفر، وواي بلانتيشن، وطابا، وشرم الشيخ، وكامب
ديفيد؟ ! !
٢ - ما هي الخطوات التي على السلطة الفلسطينية أن تتخذها لطمأنة
إسرائيل أمنياً؟ ! لقد سقنا عدداً من الخطوات التي اتخذتها تلك السلطة ضد شعبها
وكأنها جندي يعمل تحت إمرة اليهود بما في ذلك الاعتقال والمطاردة والتشريد؛
غير أن كل ذلك لم يكن كافياً للجنة؛ فيا للعجب! !
٣ - إن القضايا السياسية التي تطلب اللجنة من اليهود أن يتخذوا في شأنها
خطوات لطمأنة السلطة الفلسطينية غير واردة في التفكير اليهودي، وهم قد أعطوا
لاءاتهم منذ البداية، وهم مصرون عليها، ولا يظهر في الأفق أن هناك توجهاً
لإعادة النظر فيها.
٤ - تدعو اللجنة إلى ممارسة السرية المطلقة في اتفاقيات الوضع النهائي،
مما يعني ضمناً أن السبب في ذلك هو أن تلك الاتفاقات لن تكون منصفة للشعب
الفلسطيني، مما سيجعله رافضاً لها. لكن اللجنة عامدة، حادت بالعبارة عن ذكر
الشعب الفلسطيني إلى ذكر» المتطرفين والمجرمين العاديين والباحثين عن
الانتقام «.
٥ - مرة أخرى تتلاعب اللجنة بالألفاظ لتمرير معانٍ خطيرة والتي منها
» طمأنات استراتيجية «بين الأطراف فتأمل! !
ثالثاً: التوصيات:
لقد جاءت التوصيات خلاصة لمجمل ما قد ذكرناه في النقاش الذي أدارته لجنة
تقصي الحقائق عبر ما يزيد على ستة شهور، وقد جاء في مقدمة التوصيات:
» على الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية العمل بسرعة وحزم لوقف العنف
ثم إعادة بناء الثقة واستئناف المفاوضات «. أي ثلاثة محاور:
المحور الأول: وقف العنف:
قالت اللجنة:» على الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية التأكيد مجدداً
على التزامهما بالاتفاقيات والتعهدات القائمة والتطبيق الفوري لوقف العنف من دون
شروط، وعليهما أن يستأنفا التعاون الأمني فوراً، وأن يبحثا في توسيع مدى
التعاون الأمني ليعكس أولويات الشعبين «.
» إننا نقر بموقف السلطة الفلسطينية القائل بأن التنسيق الأمني يمثل صعوبة
سياسية في غياب سياق سياسي مناسب «.
المحور الثاني: إعادة بناء الثقة:
انقسمت التوصيات تحت هذا العنوان إلى ثلاثة أقسام: قسم موجه للسلطة
الفلسطينية، وقسم موجه للحكومة الإسرائيلية، وقسم موجه لهما معاً.
قالت اللجنة:
التوصيات للسلطة الفلسطينية:
١- على السلطة الفلسطينية أن توضح للفلسطينيين والإسرائيليين على
السواء، وعبر الفعل الملموس، أنها تستنكر الإرهاب وترفضه، وأنها ستبذل
جهدها الكامل لمنع العمليات الإرهابية ومعاقبة منفذيها.
٢ - على السلطة الفلسطينية أن تجدد التعاون الأمني مع الأجهزة الأمنية
الإسرائيلية حتى تضمن لأكبر مدى ممكن أن الفلسطينيين العاملين داخل (إسرائيل)
قد تم التأكد من أنهم ليست لديهم صلات بمنظمات أو علاقة بالإرهاب.
٣ - منع المسلحين من استخدام المناطق الفلسطينية المأهولة لإطلاق النار
على المناطق الإسرائيلية المأهولة ومواقع جيش الدفاع الإسرائيلي.
٤ - اتخاذ كل الخطوات اللازمة لإنشاء تسلسل واضح وصلب للضبط في
القوات المسلحة التي تعمل تحت السلطة.
٥ - فرض السلطة تنفيذ معايير للسلوك والمساءلة، سواء داخل القوات
الرسمية أو بين قوات الشرطة والقيادة السياسية التي تقدم تقاريرها إليها.
التوصيات للحكومة الإسرائيلية:
١ - على الحكومة الإسرائيلية تجميد جميع النشاطات الاستيطانية، بما في
ذلك النمو الطبيعي للمستوطنات.
٢ - على جيش الدفاع الإسرائيلي أن ينظر في الانسحاب إلى المواقع التي
كان يتواجد فيها قبل ٢٨ أيلول ٢٠٠٠م، الأمر الذي سيقلص عدد نقاط الاحتكاك
وإمكانيات المواجهات العنيفة.
٣ - على الحكومة الإسرائيلية أن تضمن أن يتبنى جيش الدفاع الإسرائيلي
وينفذ السياسات والإجراءات التي تشجع ردود الفعل غير القاتلة على التظاهرات
السلمية بهدف تقليص عدد الإصابات والصدامات بين الشعبين.
٤ - على الحكومة الإسرائيلية أن ترفع الأطواق، وأن تحول إلى السلطة
الفلسطينية كل عائدات الضرائب التي تدين لها بها، وأن تسمح للفلسطينيين الذين
كانوا يعملون في (إسرائيل) بالعودة إلى أعمالهم، وأن تضمن أن تكف قوات
الأمن والمستوطنين عن تدمير البيوت والطرق والأشجار وغيرها من الممتلكات
الزراعية في المناطق الفلسطينية.
٥ - على الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي أن يتبنيا ويضعا موضع
التنفيذ السياسات والإجراءات لتقليص الخطر على حياة وممتلكات المدنيين
الفلسطينيين؛ آخذين في الاعتبار أنه ربما يكون هدف المسلحين هو استدراج رد
فعل عنيف من الجيش الإسرائيلي.
٦ - على الحكومة الإسرائيلية اتخاذ كل الخطوات اللازمة لمنع أعمال العنف
من قبل المستوطنين.
التوصيات للطرفين:
١ - على السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية أن تعملا معاً من أجل
خلق» فترة تهدئة «، وأن تطبقا إجراءات لبناء الثقة سبق أن طرح بعضها.
٢ - عليهما استئناف جهودها لتحديد وإدانة ووقف التحريض بكل أشكاله.
٣ - على الطرفين التزام بنود اتفاق واي ريفر التي تحرم استخدام الأسلحة
غير المشروعة.
٤ - عليهما أن يبحثا في التزام مشترك المحافظة على الأماكن المقدسة عند
المسلمين واليهود والمسيحيين وحمايتها.
٥ - عليهما رعاية ودعم عمل المنظمات غير الحكومة الفلسطينية
والإسرائيلية العاملة في المبادرات المشتركة التي تربط بين الشعبين.
المحور الثالث: استئناف المفاوضات:
قالت اللجنة:» إن الجهد الكامل من أجل وقف العنف والعودة الفورية إلى
التعاون الأمني وتبادل إجراءات بناء الثقة هي أمور شديدة الأهمية من أجل استئناف
المفاوضات «.
» يجب ألا نؤجل المفاوضات أكثر مما يجب «.
» نوصي بأن يلتقي الطرفان ليعيدا تأكيد التزامهما بالاتفاقات الموقعة
والتفاهمات المتبادلة وليتخذا الخطوات العملية الملائمة «.
» إذا لم يعودا إلى طاولة المفاوضات فسيواجهان احتمال أن يستمرا في القتال
لسنوات طويلة، بحيث يغادر الكثير من مواطنيهما إلى شواطئ بعيدة ليعيشوا
حياتهم ويربوا أطفالهم «.
وقفتنا مع التوصيات:
أولاً: لقد جاءت التوصيات ظالمة بشكل سافر للشعب الفلسطيني؛ حيث إنها
طلبت من السلطة الفلسطينية:
١ - إيقاف الانتفاضة (تحت مسمى وقف العنف) .
٢ - التمهيد لذلك بـ» فترة تهدئة «.
٣ - استنكار ورفض ومنع العمليات الاستشهادية وعمليات الدفاع عن النفس،
(تحت مسمى استنكار الإرهاب) .
٤ - اعتقال وسجن ومعاقبة من يفعل ذلك من الفلسطينيين.
٥ - توفير الحراسة للمناطق اليهودية المأهولة ومواقع الجيش اليهودي
(وذلك بمنع المسلحين الفسلطينيين من مهاجمتهم من المناطق الفلسطينية المأهولة) .
٦ - التأكد من أن الفلسطينيين الذين يعملون داخل الخط الأخضر ليس لهم
علاقة مع المنظمات الفلسطينية المشاركة في الانتفاضة، وأن تقوم بفحصهم! !
٧ - اتخاذ إجراءات صارمة لضبط القوات المسلحة العاملة تحت إمرتها كي
لا تشارك في الانتفاضة أو تدعمها بل تمارس مهمتها في كبحها ولجم اندفاعها.
٨ - التعاون الأمني الكامل مع الحكومة اليهودية والتنسيق معها لتنفيذ كل ما
ذكر.
ثانياً: جاءت التوصيات معضدة ومدعمة ومؤيدة لكثير من مواقف الحكومة
اليهودية. ومن ذلك:
١ - إقرار وجود المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة (اللجنة طلبت
فقط تجميد النشاطات الاستيطانية) ، وطلبت اللجنة من الحكومة اليهودية منع
أعمال العنف من المستوطنين ولم تطلب منها إجلاءهم من المستوطنات، وهذا
إقرار منها بشرعية المستوطنات ووجود المستوطنين فيها.
٢ - إقرار وجود شبكة الطرق التي توصل بين المستوطنات فيما بينها أو مع
كافة المدن في داخل وخارج ما يسمى بالخط الأخضر، بل عدم الممانعة من
تدعيمها وزيادة فعاليتها، وعلى الحكومة اليهودية أن توضح للسلطة الفلسطينية أن
ذلك لن يشكل تهديداً للتواصل الجغرافي للدولة الفلسطينية! !
٣ - إقرار وجود الجيش اليهودي في المواقع التي أعاد احتلالها بعد بدء
الانتفاضة، وتكتفي اللجنة بالطلب منه إعادة النظر في ذلك.
٤ - أقرت اللجنة للجيش اليهودي قتل الفلسطينيين من حيث المبدأ، لكنها
طلبت منه تبني أساليب تقلص من عدد القتلى والمصابين! !
٥ - وافقت اللجنة وأقرت أن التدمير الشامل والقتل بأنواعه الذي قام به
الجيش اليهودي له ما يسوِّغه وهو الأسباب الأمنية. إن هذا الإقرار يعطي الضوء
الأخضر من اللجنة للقوات اليهودية بمواصلة أعمالها الهمجية، وممارستها الوحشية
تحت غطاء دولي.
٦ - أعطت اللجنة الحكومة اليهودية الحق في مباشرة ممارسات منوعة في
المسجد الأقصى والمساجد الأخرى، وكذلك الكنائس، وأضفت الشرعية عليها في
ذلك تحت مسمى الالتزام المشترك في المحافظة على الأماكن المقدسة.
ثالثاً: أبقت اللجنة دخول الأطراف في مفاوضات الوضع النهائي معلقاً، على
أن لا يتأجل لأكثر مما يجب؛ أي أنها أعطت فترة زمنية مفتوحة إلى حين القضاء
على الانتفاضة التي ينبغي أن يقضى عليها في فترة لا يجوز أن تمتد لأكثر مما
يجب! ! فتأمل! !
ماذا بعد تقرير ميتشيل؟ !
ما إن رفع ميتشيل تقرير (لجنة تقصي الحقائق) إلى الرئيس الأمريكي حتى
انصبت الجهود الدولية كلها في السعي لتنفيذه، ولقد أصبح بإمكاننا أن نطلق على
الفترة الحالية والتي قد تمتد لزمن طويل بأنها» مرحلة تقرير ميتشيل «، ورغم أن
هذا التقرير قد رفع بتاريخ ٣٠/٤/٢٠٠١م غير أن الجدل حول متى وكيف ومن
يبدأ تنفيذه لا يزال قائماً حتى كتابة هذه السطور.
لقد دعمت الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي تقرير ميتشيل،
وهلل له الجميع في العموم؛ غير أن استعراض وجهات نظر أهم الأطراف سيلقي
ضوءاً على مرحلة تقرير ميتشيل.
١ - السلطة الفسطينية:
* سارعت منظمة التحرير الفلسطينية إلى إعلانها الموافقة على هذا التقرير،
لكنها طلبت من الولايات المتحدة الأمريكية تحديد جدول زمني لتنفيذه بأسرع وقت
ممكن.
* ومع عدم حدوث أي تقدم في البدء في تنفيذ تقرير ميتشيل، أعلنت السلطة
الفلسطينية بتاريخ ١٥ ربيع الثاني ١٤٢٢ هـ الموافق ٦ يوليو ٢٠٠١م مبادرة
جديدة تستند إلى ثلاثة نقاط، هي:
١ - الإعلان الفوري من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بالالتزام بتنفيذ
توصيات لجنة ميتشيل واعتبارها» رزمة «واحدة وفق» جدول زمني «محدد
وقصير الأمد يتم الاتفاق عليه دون تحفظ من أي طرف.
٢ - إعادة تأكيد التزام الطرفين بوقف فوري لكل أعمال إطلاق النار
والاعتداءات والانتهاكات التي تشمل المدنيين والممتلكات وسواها.
٣ - قيام لجان من المراقبين الدوليين فوراً تعينهم لجنة دولية بالإشراف على
وقف إطلاق النار، وعلى تنفيذ الجدول الزمني لتطبيق التوصيات.
٢ - الحكومة اليهودية:
رغم أن تقرير ميتشيل جاء ليصب في تحقيق الرغبات اليهودية ويضفي عليها
شرعية دولية، إلا أن الحكومة اليهودية أعلنت تحفظها (أو قل رفضها) لهذا
التقرير خاصة فيما يتعلق بالمستوطنات.
ولما رأت الحكومة اليهودية أن موقفها هذا من التقرير سيعزلها دولياً وضعت
شروطاً لتنفيذ بنوده، ورسمت خطتها وفق عدة محاور:
الأول: الدعوة إلى» فترة تهدئة «لا يعلم أي طرف متى ستبدأ! !
ثم» فترة الاختبار «.
ومعنى الهدوء أن» لا يكون هناك إرهاب أو عنف أو تحريض «بحسب
تعبير شارون.
الثاني: التحرك الدولي لتسويق الفهم اليهودي لتقرير ميتشيل، وفي هذا
السياق قام شارون بزيارة الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وألمانيا؛
حيث قابل الزعماء: بوش، وشيراك، وبلير، وجير هارد شرودر طالباً منهم
الضغط على السلطة الفلسطينية لتتمسك بالهدنة! !
الثالث: شن هجوم كاسح على السلطة الفلسطينية ممثلة برئيسها ياسر عرفات
لتحقيق هدفين:
الأول: إعادة تلميع صورة عرفات أمام شعبه بعد أن احترقت تماماً.
الثاني: إظهارالسلطة الفلسطينية بأنها سلطة إرهابية، وأنها هي التي تعيق
تحقيق السلام.
الرابع: التراجع عن اتفاقيات أوسلو؛ حيث انتقد شارون اتفاقيات أوسلو
للحكم الذاتي للفلسطينيين الموقعة في ١٩٩٣م مؤكداً أن أوسلو لم تجلب لا السلام
ولا الأمن.
٣ - الولايات المتحدة الأمريكية:
منذ البداية وقفت الولايات المتحدة الأمريكية مع تقرير ميتشيل؛ لكنها تحاول
مسك العصا من الوسط؛ حيث قال ريتشارد باوتشر المتحدث باسم وزارة الخارجية
الأمريكية:» إن الجانبين بحاجة إلى بذل أقصى جهد من أجل وقف العنف،
وسنواصل دعوتهما لعمل ذلك «.
في هذا الإطار جاءت زيارة جورج تينيت مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية
للأرض المحتلة؛ حيث عقد عدة اجتماعات مع المسؤولين الأمنيين الفلسطينيين
واليهود في مكتب الارتباط الفلسطيني الإسرائيلي في رام الله. وقد نشرت وسائل
الإعلام اليهودية تفاصيل خطة تينيت بتاريخ ٢٣ ربيع الأول ١٤٢٢هـ الموافق
١٤ يونيو ٢٠٠١م، وقد تضمنت ما يلي:
أ - يجب عي الفلسطينيين التعهد بما يلي:
* توقيف واستجواب وسجن أعضاء المنظمات الفلسطينية الراديكالية الذين
تتهمهم سرائيل بالتحضير لعمليات إرهابية، والتي سلمت لائحة تتضمن عشرات
من أسمائهم إلى السلطة الفلسطينية.
* تقديم أسماء الأشخاص الموقوفين إلى لجنة أمنية مشتركة.
* مصادرة مدافع الهاون والأسلحة الأخرى التي يحوزها فلسطينيون بطريقة
غير شرعية في انتهاك لاتفاق أوسلو ١٩٩٣م.
* إغلاق ورشات صنع قنابل الهاون.
* تسليم إسرائيل جميع المعلومات الخاصة بالتخطيط لهجمات.
* منع تهريب الأسلحة.
* وضع حد للحض الرسمي على العنف والهجمات ضد إسرائيل
والمستوطنات اليهودية.
ب - يجب على إسرائيل التعهد بما يلي:
* الامتناع عن مهاجمة المؤسسات المدنية أو العسكرية التابعة للسلطة
الفلسطينية.
* الامتناع عن استخدام الأسلحة القاتلة لتفريق المتظاهرين.
* اتخاذ التدابير اللازمة ضد مواطنيها المسؤولين عن عمليات انتقام أو حض
على العنف ضد الفلسطينيين.
* التحقيق في مقتل الفلسطينيين الذين لم يتورطوا في أعمال إرهابية والذين
قتلوا أثناء مواجهات مع الجيش.
* الإفراج عن الموقوفين الفلسطينيين الذين لم يشاركوا في أعمال إرهابية
وخصوصاً المتظاهرين الذين رشقوا بالحجارة.
* إعادة نشر القوات الإسرائيلية في مواقعها السابقة لبدء الانتفاضة في ٢٨
سبتمبر الماضي.
* رفع الإغلاق عن الأراضي الفلسطينية والحصار الداخلي المفروض على
المدن الفلسطينية.
ج - يجب على الطرفين التعهد بما يلي:
* منع الأفراد والمجموعات من استخدام القطاعات التي تخضع لسيطرتها
كقواعد للقيام بأعمال عنف أو كملاذات بعد القيام بمثل هذه الأعمال.
* الالتقاء مرة في الأسبوع واتخاذ تدابير ملموسة لإعادة إطلاق تعاونهما
الأمني.
* إعادة تنشيط مكاتب الاتصال الإسرائيلية الفلسطينية.
* التشاور بانتظام على المستوى الأمني في مؤتمرات تعقد عبر أجهزة فيديو
بواسطة معدات تقدمها الولايات المتحدة. انتهى نص الخطة.
ولسنا بصدد مناقشة هذه الخطة؛ فهي في فحواها العام لا تكاد تخرج عما ورد
في تقرير لجنة ميتشيل. غير أن المسؤولين الأمريكيين اقترحوا وقفاً لإطلاق النار
غير مشروط تتبعه فترة هدوء لستة أسابيع قبل تطبيق توصيات ميتشيل، وقد وافق
الجانبان الفلسطيني واليهودي على خطة تينيت، ثم أعلن وقف إطلاق النار ابتداء
من ١٣ يونيو، غير أن هذا الوقف كان صورياً؛ حيث استمر الجيش اليهودي في
ممارسة هوايته اليومية في قتل الفلسطينيين وتدمير ممتلكاتهم.
٤ - مواقف دول أخرى:
* في بريطانيا أعلن متحدث رسمي أن بلير الذي اجتمع مع شارون لأول مرة
ذكر أنه صديق لإسرائيل، وأنه ليس بصدد أن يملي على أي من الجانبين ما يتعين
عليهما فعله في المرحلة القادمة.
* في فرنسا كانت زيارته فرصة لها لتؤكد تركيزها بالدرجة الأولى على
تطبيق» سريع وكامل «لتقرير ميتشيل.
* في مصر صرح وزير الخارجية أحمد ماهر أن على إسرائيل البدء في
اتخاذ إجراءات جادة وفقاً لما نص عليه تقرير ميتشيل، موضحاً أن التقرير يضع
خريطة توصل إلى مفاوضات الوضع النهائي استناداً إلى قرارات الأمم المتحدة
والأسس التي عقد بموجبها مؤتمر مدريد ومبدأ الأرض مقابل السلام.
* في سوريا قال الرئيس السوري بشار الأسد في حديث للفيغارو الفرنسية:
» نخشى أن تتقلص مبادرات ميتشيل وتينيت إلى مجرد تحركات للتوصل إلى وقف
لإطلاق النار، ثم تصبح بعد ذلك في مرحلة ثانية مرجعيات جديدة للسلام «.
آفاق مستقبل الانتفاضة بعد تقرير ميتشيل:
إن بؤرة الصراع تتأجج حالياً في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي هذه
البؤرة يوجد متصارعان رئيسان: الشعب الفلسطيني، والكيان اليهودي. ثم خارج
بؤرة الصراع هناك مغذيات ومؤثرات عليها، وهي قسمان:
١ - النظام الدولي (ممثلاً في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم
المتحدة) ، وتأثيره في بؤرة الصراع يصب لصالح الكيان اليهودي.
٢ - الدول العربية والإسلامية، وتأثيرها في بؤرة الصراع متفاوت من حيث
النوع والكم.
لكن كلا القسمين يقف بصف تقرير ميتشيل ولكن على أبعاد متفاوتة. وبغض
النظر عن كل ذلك فإن القرار النهائي في المسألة يتحدد في موقع البؤرة، والظاهر
في الأمر لحد الآن هو أن:
- الانتفاضة ستستمر.
- التصدي اليهودي لها سيستمر.
غير أن إمكانية الكيان اليهودي على استمرار التصدي للانتفاضة بدأ يعتريها
الخلل؛ لأن القضية ليست هي مجرد مواجهات عسكرية ضد جموع جماهيرية
عزلاء، بل هي قد تعدت ذلك إلى مرحلة النخر في البنية السياسية والنفسية
والاجتماعية والاقتصادية للكيان اليهودي بما يجعل إمكانية استمراره على هذه الحالة
الراهنة غير مستطاع، في حين أن الجماهير الفلسطينية لا تزال محتفظة بمخزون
هائل من طاقات المواجهة والصبر والتحمل؛ وعليه فإنا نرى أن استمرار الأمر
على نهجه الحالي سيرجح كفة الانتفاضة بإذن الله ولذلك فإن الحكومة الشارونية
الحالية لن تستجيب إلى هذا النوع من استمرارية المواجهة، بل ستسعى إلى
تطويرها بما يضعف كفة الانتفاضة أو يقضي عليها.
على هذا فإن تطوير المواجهة سيكون ضمن خطين:
الأول: محاولة إعادة احتلال المنطقة (أ) تدريجياً، وسحب البساط السياسي
الذي تقف عليه السلطة الفلسطينية، مما يعني مغادرتها للأراضي المحتلة أو
تعرضها للاعتقال أو التسفير القسري، وقد يتردد شارون في هذا الفعل بسبب
احتمالات المعارضة الدولية؛ غير أن شارون لا يعبأ كثيراً بذلك.
الثاني: تسخين الجبهات الأخرى (السورية واللبنانية) لتشتيت نظر الرأي
العام العالمي وصرفه عن التركيز عما تقوم به القوات اليهودية في محاولة إعادة
احتلالها للمنطقة (أ) .
ولكن أقول: لو حصل هذا، فإن احتلال المنطقة (أ) لن يوقف الانتفاضة،
بل سيزيد المواجهات مع العدو؛ وخاصة بعد زوال التأثير الكابح الذي تقوم به
قوات الشرطة الفلسطينية التي تنفذ سياسات السلطة. إن ذلك سيعمق آثار الانتفاضة
داخل الكيان اليهودي ويزيد كثيراً من خسائره. وأما تسخين الجبهات الأخرى فإنه
سيشكل ثقلاً إضافياً على الحكومة اليهودية ويزيد من أعبائها ويشتت تركيزها، بل
قد يبعثر كيانها السياسي بما سيحدث من اختلافات شديدة بين كتل الائتلاف الحاكم.
وإننا لا نشك أن هذه الاحتمالات جميعاً هي محل نظر ودراسة معمقة لدى
حكومة شارون، غير أن الخيارات المتاحة أمامها باتت قليلة حيث ضاقت عليها
الزاوية داخلياً وخارجياً، خاصة وقد بدأت توجهات الرأي العام العالمي تميل شيئاً
فشيئاً نحو كفة الفلسطينيين.
ولذلك؛ فإن آفاق المستقبل تشير والغيب يعلمه الله تعالى أن اليهود
سيضطرون في نهاية المطاف إلى الدخول في مفاوضات تقود في ختامها إلى
استقلال الضفة الغربية وقطاع غزة استقلالاً حقيقياً مرتبطاً بمعاهدات تعايش سلمي
وعدم اعتداء بين الدولة اليهودية وبين الدولة الفلسطينية.
هذا احتمال.
وهناك احتمال آخر، وهو أن استمرار الانتفاضة قد يفضي إلى حالات حرب
مستقبلية قريبة وبعيدة تهدد الكيان اليهودي ذاته، والله تعالى أعلم.
стр. 4063
المسلمون والعالم
رمال الجزائر المتحركة
أمير سعيد [*]
مرجل الجزائر اشتد غليانه طوال الأسابيع الماضية، وتناثر منه العديد من
الأسئلة التي لا يعرف اليقين سبيلاً للإجابة عنها: هل تتجه الأزمة الجزائرية
للتدويل؟ ما الأسباب الحقيقية لاضطرابات البربر الأخيرة؟ لماذا الآن بالذات
انفجرت الأوضاع في منطقة القبائل؟ ما حقيقة الصراع بين الرئيس الجزائري عبد
العزيز بوتفليقة وجنرالات الجيش؟ إلى أي مدى استفاد مسلحو الجماعة السلفية
للدعوة والقتال من تفجر الأوضاع في منطقة القبائل؟ هل تدفع الجزائر ثمن
تضارب المصالح بين الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا؟ لماذا لم تستفد الجزائر
من ارتفاع أسعار النفط في تبسيط المعادلة الاقتصادية الصعبة لديها؟ هل تفككت
الجبهة الإسلامية للإنقاذ؟ وهل يفطن المسلحون في الجبال إلى أن أمريكا وفرنسا
سيعارضان بشراسة وصول الأسلحة النووية والنفط إلى أيدي من يرفعون شعار
الدولة الإسلامية؟
للإجابة عن هذه الأسئلة يحسن أولاً التعرف على ماهية أحداث القبائل التي
أعادت الأزمة الجزائرية إلى صدارة الأخبار مرة أخرى.
انطلقت شرارة هذه الاضطرابات إثر مقتل شاب في مركز للدرك استُقدم
للتحقيق معه بسبب اتهامه بالسرقة، وفور ذيوع الخبر عن مقتل هذا الشاب الذي
قيل إنه تلميذ في المرحلة الثانوية اندلعت التظاهرات من ثانوية بني دوالة بالقرب
من (تيزي أوزو) كبرى مدن منطقة القبائل، ومن ثم تجاوبت معها ولاية (بجاية)
المجاورة، وقد أخذت هذه التظاهرات شكل الاضطرابات العنيفة؛ إذ أحرقت
العديد من مؤسسات الدولة وسياراتها، وقذفت سيارات الأمن والدرك وعناصرها
بالحجارة، وامتدت يد التخريب لتطال مقرات حزب القوى الاشتراكية بزعامة
حسين آيت أحمد، ومقرات حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بزعامة
الدكتور سعيد سعدي، وقد ردت قوى الأمن بعنف على هذه الاضطرابات مستخدمة
الذخيرة الحية لفضها مما أسفر عن مقتل ما بين ٦٠ - ٨٠ شخصاً معظمهم من
المدنيين، وإصابة المئات منهم، إضافة إلى حرق نحو ٢٥ قرية والعديد من
المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وقد تبع تلك الاضطرابات العنيفة العديد من
المسيرات الاحتجاجية على القمع الرسمي لانتفاضة القبائل بلغت ذروتها في مسيرة
العاصمة التي نظمتها جبهة القوى الاشتراكية، وتجاوزت سقف ربع مليون أمازيغي
(بربري) حضروا خصيصاً إلى العاصمة من معظم مدن وقرى الولايات الثلاثة
البربرية: تيزي أوزو - بجاية - جيجل.
هكذا انطلقت شرارة أحداث القبائل، وهكذا عادت مرة أخرى تحت رماد
الحياة الأمازيغية، وحتى إن بدت عفوية، فقد فجَّرتها قضية مقتل الشاب ماسنيا
على أيدي رجال الدرك؛ إلا أنها قد حدثت في الحقيقة نتيجة منطقية لتراكمات
اجتماعية وسياسية طال أمدها وبقيت دون معالجة من السلطة المركزية، ومن
أبرزها:
١ - غفلة كثير من ساسة وحكام الجزائر وخاصة الأخيرين منهم عن أن
الإسلام، والإسلام فقط هو الذي يجمع بين عرقي الشعب الجزائري (العرب
والبربر) . وإنه متى أخفق الحكام في توكيد هذه الوحدة عبر مظانها بالتطبيق
العادل لأحكام الإسلام خاصة فيما يتعلق برفض التمييز الاثني للشعوب، فإن
النعرات القبلية لا بد أن تجد آذاناً صاغية، والتاريخ الجزائري منذ فجر الإسلام
يبرهن على تلك الحقيقة متمثلة فيما عرف على مر التاريخ بـ (فتن البربر) ،
ولقد فطن الاحتلال الفرنسي لتلك الحقيقة وبذل جهده لتحقيقها حينما بث في روع
البربر من جديد أن العرب قد جاؤوا إليهم منذ ١٤٠٠ عام! ! فنهبوا ثروتهم،
وفرضوا حكمهم وحكامهم عليهم، وأن الخير لهم أن يديروا شؤونهم بأنفسهم.
ومما يؤسف له أن الثورة الجزائرية قد صاحبت مداً قومياً عربياً رهيباً إبان حكم
الرئيس المصري جمال عبد الناصر، فمارست منذ نشأتها عام ١٩٦٢م نوعاً من
التهميش والإقصاء لوجهاء البربر وأفرادهم، والملاحظ أنه منذ ذلك التاريخ وحتى
الآن تكررت اضطرابات البربر (أبرزها الربيع البربري ١٩٨٠م، مقتل المطرب
القبائلي معطوب الوناس ١٩٩٨م) بشكل لم يسبق له مثيل في تلك الفترة التي أبعد
فيها الإسلام باعتباره مقوماً ضامناً للوحدة الجزائرية.
٢ - الوضع الاقتصادي السيئ الذي يعيشه الأمازيغ وهو بالمناسبة ليس
بمعزل عن الأزمة الاقتصادية الطاحنة في عموم أرض الجزائر حيث جعل منطقة
القبائل في حالة غليان دائم، مع الأخذ بالاعتبار:
- وقوع أكثر من ٥٠% من الجزائريين تحت خط الفقر (بدخل يومي للفرد
أقل من دولار) ، وإخفاق جميع برامج النهوض الاقتصادي التي وعدت بها الدولة
في تلبية الحد الأدنى من متطلبات المواطن الأمازيغي والجزائري بصفة عامة.
- تبدد الأمل في الخروج من عنق الزجاجة بعدما التهم الفساد الزيادة التي
طرأت على أسعار النفط حين تجاوز الدخل القومي الجزائري العام الماضي ٢٢
بليون دولار منها ١٠ بلايين دولار من الضرائب على قطاع الهيدروكربونات (أي
ضعف ما تم الحصول عليه من ضرائب الكربونات العام الماضي) ، وهو ما يبرز
التناقض الكبير بين امتلاك الجزائر لإيجابيات اقتصادية تمكنها من تحقيق انطلاقة
اقتصادية وبين حالة الشلل الاقتصادي التام، والبطالة، وتناقص فرص العمل التي
تعيشها الجزائر اليوم.
٣ - الخصوصية القبلية الأمازيغية التي تفسر انفراد ولايات البربر دون
غيرها بتلك الاضطرابات؛ فالشعب الأمازيغي شعب تحرري (كلمة أمازيغ تعني
بلغة البربر: الرجل الحر) يجري الدم الثوري في عروقه، وبحسبه أن يشعر
بالظلم والمهانة لمقتل شاب على يد دركيين حتى يثور وتمتلئ نفسه رغبة في
التظاهر العنيف والتخريب والحرق؛ فالأمازيغيون بحسهم الثوري رأوا في تلك
الحادثة امتداداً لما يرونه إقصاءً وتهميشاً لدورهم واستبعاداً متعمداً لأبنائهم.
وعلى ذلك فإن الخصوصية القبلية والحالة الاقتصادية المتردية وتغييب
الإسلام عن أخذ دوره المحكم في ترصيص بُنى الشعب الجزائري إذن هي أهم
روافد اضطرابات القبائل، ولكن بعض المحللين رأوا من وراء تلك الأحداث تدبيراً
متعمداً من جنرالات الجيش لإحراج الرئيس بوتفليقة تمهيداً لإزاحته عن سدة الحكم،
ولاحظوا كذلك أن قمع التظاهرات بهذه الصورة المبالغ فيها (٦٠ - ٨٠ قتيل،
ونحو ٤٠٠ جريح) كان أيضاً متعمداً وبهدف صب الزيت على النار لإظهار
بوتفليقة بمظهر الديكتاتور القامع لشعبه، أو لإظهار عجزه أمام شعبه عن وضع حد
لهذه الاضطرابات؛ حتى إن الجميع وهم ينتظرون بشغف خطاب بوتفليقة للأمة
الجزائرية عن هذه الأحداث فوجئوا بالرئيس (اللبق) يخرج عليهم بكلام مكرر
يتهم الخونة في الخارج بإشعال الأزمة، ويعد بلجنة تحقيق يعرف الجميع أنها لن
تفضي إلى شيء؛ مما جسد لديهم الإحساس بعدم قدرة الرئيس على إدارة الأمور.
ويرى بعض المحللين أيضاً أن هذه الأزمة القبلية قد أذكى نيرانها أطراف خارجية
وداخلية ترى من مصلحتها انفصال منطقة القبائل، وأنها استغلت تلك الحادثة في
تأجيج ذلك التوجه، وذكروا في هذا الخصوص احتضان دول أوروبية لمطالب
البربر مثل فرنسا التي ما تفتأ تذكِّر البربر عبر وسائل إعلامها الموجه
بخصوصيتهم، وضرورة أخذ مطالب البربر الاستقلالية والثقافية في الاعتبار،
ومثل أسبانيا التي استضافت المؤتمر البربري العالمي مؤخراً على أراضيها والذي
عبأ جاليات الشتات البربري، وانطلقت فيها الدعوات صريحة تطالب بالانفصال
عن الجزائر الأم، وكذلك بلجيكا وإيطاليا اللتان توجد على أرضهما كذلك زعامات
الحركة الثقافية البربرية.
ثمة تحليل أخير لا يستبعد يداً خفية للاستخبارات الجزائرية وراء انتفاضة
البربر تهدف بالأساس إلى سحب البساط من تحت أقدام الأحزاب الأمازيغية لا سيما
جبهة القوى الاشتراكية التي تزعمها الزعيم التاريخي حسين آيت أحمد، وإظهارها
بمظهر العاجز عن تبني تطلعات البربر الثقافية والاجتماعية، وأن على البربر ألا
يعوِّلوا كثيراً على الأحزاب، وأن يتدبروا أمورهم بأنفسهم.
هذا الرأي على غرابته لا يشذ بعيداً عن الواقع الجزائري الذي يتزاحم في
ملعبه اللاعبون المحليون والمحترفون الذين تتنافر مصالحهم فيه إلى حد التناحر،
وهو ما يؤدي بدوره إلى توالد الأزمات في إثر بعضها: انفجار القبائل، كثرة
المجازر، افتقار النظام إلى النظام، تسرب الثروة الجزائرية إلى جيوب حفنة من
المنتفعين، عدم نجاح برامج الإصلاح الاقتصادي، عجز البرلمان عن أداء دوره،
تفاقم ظاهرة الانتحار ... إلى العديد والعديد من الأزمات والمشاكل الطاحنة التي
خلفها التضارب في مصالح المتنفذين في الشأن الجزائري.
يقول مجدي عمر وكيل أول مجلس للدفاع الوطني المصري في عهد الرئيس
عبد الناصر: إن الجزائر في موقف خطير؛ لأن هناك صراعاً خفياً وقديماً بين
أمريكا وفرنسا: من الذي يسيطر على الجزائر؟ وفي وقت ما قيل إن بعض
شركات البترول الأمريكية كانت على صلة بشخصيات في الثورة الجزائرية، وهذا
يصدق من حيث المنطق؛ فالجزائر دولة ضخمة في مواردها، وقربها من أوروبا،
ومن ثم نتساءل: مَنْ وراء هذه المذابح الرهيبة هناك؟ بعد انهيار الاتحاد
السوفييتي اشتد الصراع بين فرنسا وأمريكا على الجزائر، وبرغم أن فرنسا
وأمريكا في منظومة غربية واحدة إلا أن هذا لم يمنع التنافس الشرس على الجزائر؛
ففرنسا بحكم الارتباط الثقافي بينها وبين الجزائر. أما أمريكا فبحكم أنها الدولة
العظمى كان لا يمكنها أن تترك موقعاً كهذا، وانظر ما يحدث في منطقة القبائل،
ويقال إن المذابح تحدث بالقرب من معسكرات القوات المسلحة دون أن تحرك
ساكناً « [١] .
أمريكا التي زار قيادة قواتها في ألمانيا اللواء العماري رئيس الأركان
الجزائري، والتي قامت بوارجها الحربية بمناورات وتدريبات في المياه الإقليمية
الجزائرية، وازداد نفوذها النفطي والعسكري مؤخراً هي أحد أهم اللاعبين على
الخريطة الجزائرية.
لكن فرنسا كما هو معلوم الدخيل الأجنبي الأول على الساحة الجزائرية، لا
تقبل بحال التسلل الأمريكي لهذه الساحة، وهي ما تزال تحتفظ بمعظم أوراق اللعبة
الجزائرية عبر سيطرتها شبه الكاملة على جنرالات الجزائر، والجسور المتينة التي
تربط علاقاتها بالتيار العلماني الاستئصالي، والقبائلي، والثقافي، والفرانكفوني.
فرنسا وأمريكا إذن هما أبرز النافذين الخارجيين في الجزائر، أما في الداخل
فثمة قوى مؤثرة يمكن تلخيصها فيما يلي:
١ - جنرالات الشرق والغرب الجزائري:
وهم يُحكِمون سيطرتهم على القرار الجزائري، وأبرزهم الفريق محمد
العماري رئيس الأركان، واللواء مدين (توفيق) رئيس جهاز الاستخبارات،
واللواء إسماعيل العماري رئيس جهاز مكافحة التجسس (مهندس اتفاق الهدنة مع
الإنقاذ) بالإضافة إلى المتقاعدين: الجنرال العربي بلخير (وزير الداخلية الأسبق) ،
واللواء خالد نزار (وزير الدفاع الأسبق المسؤول عن إلغاء الانتخابات ١٩٩٠م،
التي فاز بها الإنقاذيون، وعن إقالة الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد) .
وهؤلاء الجنرالات يهيمنون على أربعة أجهزة أمنية هامة هي:
- جهاز مكافحة التجسس (يُعنى باختراق خلايا المسلحين) .
- جهاز الأمن العسكري (يُعنى بسلامة رجال المؤسسة العسكرية وثكناتها) .
- الأمن الخارجي (يُعنى بجمع معلومات عن المعارضة الإسلامية في
الخارج والداخل) .
- الأمن الخاص (يُعنى بوحدات مكافحة المسلحين وحماية شخصيات النظام) .
وغني عن القول أن الجنرالات يستمدون عظيم نفوذهم من القدرة على إبقاء
البلاد في حالة الاتزان بين العنف واللاعنف، وهو ما يدعمه المعلومات الموثوقة
التي تواترت عن تورط هؤلاء في ارتكاب المجازر سواء بصورة مباشرة أو من
خلال غض الطرف عن أفعال شطر في الجماعات المسلحة، أو المعلومات الظنية
التي تحدثت عن أيد لهم خفية في أحداث القبائل أو اغتيال العديد من الشخصيات
العامة (آخرهم رئيس قضاة المحكمة العليا ٢١/٦/٢٠٠١م، وأبرزهم الرئيس
بوضياف قاصدي مرباح رئيس الاستخبارات الأسبق عبد القادر حشاني الرجل
الثالث في الإنقاذ) .
ورغم قوة نفوذ الجنرالات والدعم الفرنسي لهم وسيطرتهم على معظم دخل
النفط الجزائري، إلا أن القلق قد بدأ يسري إليهم مما دفع ببعضهم إلى نقل معظم
ثرواتهم إلى سويسرا تحسباً لأي طارئ.
٢ - الرئيس بوتفليقة:
يحظى بدعم أمريكي وشعبي محدود، وقد أشيع مؤخراً أنه بدأ سراً في إجراء
اتصالات مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وجبهة القوى الاشتراكية، وبعض الدول
الأوروبية بهدف حشد الجهود الدولية والشعبية لاستبقائه في منصبه لا سيما بعد أن
خرجت خلافاته مع الجنرالات إلى حيز العلن، وتتردد معلومات تؤكد أن إطاحته
من منصبه مجرد وقت بعد أن شب عن الطوق العسكري.
٣ - الإسلاميون ومنتسبوهم:
جماعات متعددة أهمها:
- جماعات توصف بالاعتدال: من بينها حركة (حماس) ، وحركة
(النهضة) ، وأبرزها (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) ، وهذه الأخيرة برغم تعرضها
للتفكيك في الداخل، والانشقاق في الخارج، واستقطاب عناصرها المسلحة من قبل
الجماعة السلفية للدعوة والقتال، والاغتيالات من قبل الحكم والخوارج، والأسر
لقيادتها التاريخية إلا أنها ما زالت تمثل الحلم الإسلامي في الجزائر؛ حيث تملك
الجبهة الجيش المنظم، والغطاء السياسي، والشبكة الخارجية الواعية، وقبل ذلك
البرنامج الإصلاحي الشامل المؤسس على قواعد أيديولوجية رصينة.
- جماعات توصف بالتشدد: أبرزها اثنتان:
الأولى: الجماعة السلفية للدعوة والقتال بقيادة حسن حطاب، وهي تدعو
لإقامة دولة إسلامية، وتقتصر مجهوداتها العسكرية على استهداف العسكريين فقط؛
ولذا فهي تملك بعض الشعبية المتنامية (خاصة في أحداث القبائل التي هتف فيها
المتظاهرون!» معك يا حطاب «) لكنها لا تملك أي غطاء سياسي.
الثانية: الجماعة الإسلامية المسلحة بقيادة عنتر الزوابري: امتداد تاريخي
لجماعات الخوارج التي ظهرت في الجزائر من مئات السنين (تشاطر الاستخبارات
الجزائرية المجازر التي ترتكب بحق الأبرياء) .
٤ - جماعات الضغط البربرية:
أبرزها تجمعات (شيوخ القبائل) جبهة القوى الاشتراكية (تضغط بقوة
لتدويل الأزمة) التجمع من أجل الديمقراطية والثقافة (فرنسي النزعة شديد
العلمانية) : تلك الجماعات تتراوح مطالبها بين المطالب الاجتماعية والانفصال
مروراً بالخصوصية الثقافية واللغوية.
وهكذا تتباين القوى الفاعلة في الجزائر، وكلما تغيرت موازين القوى انعكس
ذلك على صور الأزمة؛ وبذلك تتعدد الصور لكنها لا تنتهي! !
وبعد: فكما تقدم يتضح كم تعاني الجزائر جراء التناقض الرهيب بين
الأطراف الداخلية والخارجية، وكم تعاني إثر ذلك من تبدل موازين القوى الذي
يؤدي بدوره إلى توالي السهام في صدر الجزائر!
стр. 4064
المسلمون والعالم
تركيا الكمالية تشترك مع الصهاينة في العداء للإسلام
د. إسماعيل المنصور
يمر الإسلام والمسلمون في تركيا الكمالية في هذه الأعوام الأخيرة ومنذ تسلم
فيها أربكان الحكم في سنة ١٩٩٦م لمدة قصيرة لا تزيد على أحد عشر شهراً؛
بأزمات ومصاعب تقشعرُّ منها الجلود، وتشمئز منها النفوس، ويعانون من
الحكومة التركية العلمانية ضغوطاً ومطاردات وملاحقات وتشريدات وتعذيبات لم
يشهدها التاريخ أبداً لا في أيام هولاكو ولا في أيام أتاتورك وعصمت إينونو اللذين
كُلِّفا في معاهدة (لوزان) من طرف سادتهما الغربيين بالقضاء على الإسلام قضاء
باتاً.
إن الجمهورية التركية العلمانية البالغة من العمر ثمانية وسبعين عاماً عرفت
عبر عمرها الإسلام بمضمونه السياسي عدواً لدوداً وخصماً عنيداً لها، وربَّت
الجمهورية العلمانية جميع أبنائها المخلصين لها من الليبراليين العلمانيين
الديمقراطيين، وكذا ربت جميع حراسها من الضباط العسكريين كما يزعمون هم
أنفسهم أنهم حراس لنظام الجمهورية العلمانية الكمالية على دعوى أن أكبر الأخطار
الداخلية على النظام الجمهوري العلماني هو الإسلام والإسلاميون؛ فمن هنا ترى أن
جميع من في الجمهورية التركية من اليهود والنصارى واليزيديين والرافضة
والملاحدة والفسقة الفجرة حتى اللوطيين والزناة واللصوص والمرتشين يتمتعون
بحريات كاملة في الإعراب عن آرائهم، والإبانة عن وجهة نظرهم، والإفصاح
عن معتقداتهم، وتطبيق طقوسهم وعباداتهم، ولا يتعرض لهم أحد بشيء؛ حتى إن
اللوطيين رتبوا في أواسط التسعينيات مظاهرة اشترك فيها جميعهم في أكبر شوارع
إستانبول، ولم يتعرض لهم أحد بكلمة سوى أن شرطة الحكومة حرستهم من أن
يتعرض لهم أحد بسوء، وكذا لبعض الأقليات الدينية مدارس يصرف عليها ميزانية
ضخمة تؤمن من الداخل، وتستورد من الخارج مثل مدارس السريانيين في دير
الزعفران، ودير عمر في ماردين، ولا يحاسب أحد هؤلاء عن مصدر تلك
الموارد الضخمة، وكيف تصرف؟ ولكن إذا ساعدت إحدى الجماعات الخيرية من
الخارج هيئة إسلامية في داخل تركيا وعلمت بها سلطات الأمن التركي ترى كيف
تثور عنجهيتهم العلمانية الخرقاء، وتقوم قيامتهم، ويرون أن العلمانية وقعت في
خطر بالغ بذلك الدعم الإسلامي. ويعرب عن مدى حذر العلمانيين من المسلمين في
تركيا وعن بالغ قلقهم على مصير العلمنة ما قاله (حسام الدين جندورك) حينما كان
رئيس حزب الصراط المستقيم في أواسط الثمانينيات: «إننا لو أفسحنا المجال
للمسلمين وأعطيناهم الحرية الدينية لخرجوا أيام الجمعة من المساجد يرفعون
المصاحف طلباً للشريعة» .
فرغماً عن أن المسلمين في تركيا يشكلون ٩٨% من عدد السكان لكن لا تجد
لهم أي وزن لا في كفة السياسة، ولا في كفة الجيش، ولا في كفة الاقتصاد الذي
تقبله الجهات الرسمية، كما لا يعطى لهم أية حرية دينية سوى كونهم يصلون
ويصومون صلاة بلا روح وصياماً بلا وعي؛ حيث انتزع منهما فاعليتهما
الاجتماعية، وصارتا مجرد حركات تقليدية لا يفعلها كثير من الناس إلا لتقليد الآباء
والأمهات فقط. ترى المساجد تكتظ بالآلاف المؤلفة من الناس ولكنهم غثاء كغثاء
السيل لا خير في حشودهم ولا نفع في وجودهم، ولا يسمن ولا يغني من جوع إلا
ما شاء الله.
أول المحاولات للقضاء على الإسلام:
إن الجمهورية التركية أسست أول ما أسست على عداوة وخصومة شديدة
للإسلام، وكسيت تلك العداوة بلباس أعجوبة نظامية جعلت الأيديولوجية الوحيدة
للدولة الفتية ضد الإسلام والمسلمين ألا وهي العلمنة، فجعلت أيديولوجية العلمنة
الترس الوحيد الذي يحتمي خلفه جميع من له غرض على الإسلام والمسلمين من
الشيوعية والرافضة والدونمة اليهود والصليبيين الحاقدين أو من له غرض سيئ في
ثروات الدولة من اللصوص والناهبين الذين يتحينون الفرص في سلب أموال الدولة
وثرواتها. ورُبِّيَ على روح هذه العداوة الوقحة للإسلام حشد بالغ من المثقفين
والضباط والصحفيين وغيرهم من الليبراليين الذين يدعون أنهم ديمقراطيون؛ فهذا
الجيل الحاقد على الإسلام لا يشفي غيظ صدورهم إلا الهجوم الوقح على الإسلام،
وانتهاك قداسته وتشويه سمعته وتلويث كرامته في أية فرصة سانحة لهم كما سنذكر
ذلك.
أول الخطوات المشؤومة لهذه الدولة الأيديولوجية التي أسست بروح العداوة
البحتة للإسلام على أنقاض الإمبراطورية العثمانية كي تقر أعين الصليبيين الحاقدين
كان إلغاء الخلافة الإسلامية وشريعتها تماماً، وتبني العلمنة المادية التي هي أشبه
بالإلحاد العاتي في تطبيقاتها وسلوكياتها الموجودة في تركيا، وتثبيتاً لجذورها في
أعماق المجتمع حقق القائمون على الثورة الجمهورية وعلى رأسهم أتاتورك ثم بعده
عصمت إينونو ثورات غريبة الأصل والشكل هي فريدة في بابها ونسيج وحدها:
منها ثورة الأحرف أي الثورة على الأحرف العربية والعثمانية حتى لا تبقى للمجتمع
أية صلة بماضيه الإسلامي فيتولد منه وعي إسلامي؛ ومنها الثورة على التدريس
الإسلامي بتوحيد الدراسة وإغلاق جميع المدارس الشرعية والمؤسسات الإسلامية
وحذف المواد الإسلامية من المدارس الإسلامية. ومنها الثورة على الزي الإسلامي
في الملابس والثياب، فحظروا جميع الملابس الرجالية التي لها صلة بالإسلام من
العمامة والعباءة والجبة والثوب العربي، ومن الملابس النسائية حظروا الجلباب
وسائر ما تستر به المرأة بدنها الستر الكامل، وأوجبوا كشف الرأس على الرجل
والمرأة إذا كانت عاملة في الوظائف الحكومية، وكثروا ويسروا جميع الوسائل
لاختلاط النساء بالرجال في جميع الأماكن والمناسبات، وهذا بدوره أتى بفساد
عجيب وانهيار خلقي وانحلال أخلاقي عظيم؛ فكان ضربة قاسية أصابت مقتل
الأمة. ومنها الثورة على الأخلاق والأعراف والتقاليد الإسلامية كاملة؛ فكانت أول
خطوة في هذا المجال تأسيس معاهد تسمى بـ (معاهد القرى) ، وأسسوا بجنب
تلك المعاهد سكناً للطلاب أجبروا فيها الطلاب والطالبات على الإقامة والمبيت معاً
في الغرف نفسها حتى لا يبقى في نفوس الجيل الجديد أي وازع ديني أو رادع
خُلُقي من الحياء والحشمة والعفاف. ومنها منع بعض الشعائر الإسلامية مثل الأذان
العربي؛ فقد تمت ترجمته إلى التركية، وإغلاق الكثير من المساجد، وحول مسجد
آيا صوفيا إلى (متحف) و ... و ... و ...
وتنفيذاً لأهداف العلمنة وترسيخاً لجذور هذه الثورات التي تعد اللبنات الأولى
للجمهورية الكمالية العلمانية شنق فيما بين العشرينيات والأربعينيات جم غفير يعد
بالألوف من الصلحاء والعلماء وأرباب الهمم من المسلمين الذين رفضوا العلمنة
وإلغاء الخلافة والشريعة الإسلامية؛ وهاجر إلى خارج البلاد عدد آخر منهم فراراً
بدينهم من أمثال (مصطفى صبري) شيخ الإسلام للدولة العثمانية وغيره كثير.
الخطة الرهيبة التي تطبق في القضاء على الإسلام:
نعم! إن تلاميذ مدرسة أتاتورك وعصمت المعاصرين أنكى وأضر وأشد على
الإسلام منهما بكثير؛ لأن هؤلاء يأخذون مخططاتهم ومشاريعهم التي ينفذونها في
سبيل القضاء على الإسلام من مراكز استراتيجية عالمية درس فيها الصهاينة
والصليبيون الحاقدون ولا يزالون يدرسون جميع ما هو أنكى وأضر وأعظم مفعولاً
في استئصال شأفة الإسلام من مجتمعاته، وازداد وعي هذا المركز وخبرة الدارسين
فيه خاصة بعدما شوهد هنا وهناك على الصعيد العالمي تقدم الصحوة الإسلامية يوماً
فيوماً ونجاحها الواسع في شتى الميادين وخصيصاً ما وقع في إيران وأفغانستان
على رأس الثمانينيات، وتأسيس حركة حماس في فلسطين، والتقدم الهائل الذي
أحدثه الإسلاميون في كل من تونس وتركيا وسوريا والجزائر فيما بعد الثمانينيات
إلى أواسط التسعينيات، كل هذه التطورات على صعيد الصحوة الإسلامية أرّقت
الصهاينة وأنصارهم من الصليبيين الحاقدين؛ فمن هنا درسوا ويدرسون جميع ما
يمكن أن يقضوا به على الإسلام الذي يدعو الناس أن يرفضوا ويقضوا على
الاستعمار الغربي في ربوع العالم الإسلامي.
فترى اليوم أن الصهاينة وأنصارهم من الصليبيين يطبقون في شتى البلاد
الإسلامية بمكر ودهاء لا مثيل له على أيدي حفنة من المارقين الذين ضللت أدمغتهم
ورؤوسهم وصاروا أسرى التقليد للغرب يطبقون مخططاتهم في القضاء على الإسلام
واقتلاع جميع جذوره من جميع المجتمعات الإسلامية، وضمن هذا المخطط
المشؤوم يحاربون كل ما هو إسلامي من غير رفق ولا هوادة، وخير أنموذج لما
يطبق فيه ذلك المخطط الرهيب هو تونس وتركيا وأندونيسيا. ولكن نترك تلك
الدول جانباً ونتناول بشيء من التفصيل ما يجري اليوم على الساحة التركية من تلك
الخطة الرهيبة في القضاء على الإسلام وجميع شعائره كي نرى عن كثب ما يدبره
اليهود والصليبيون خلف الأبواب المسدودة ضد الإسلام، ويطبقه على رؤوس
الأشهاد أذنابهم المرذولون في المجتمعات الإسلامية.
ويمكن تلخيص هذه الخطة الرهيبة في كلمة واحدة وهي: تجفيف جميع
المنابع الإسلامية التي تستقي منها الشعوب الوعي الإسلامي.
إن الجيش التركي أسس من أول يوم ليكون حرباً على الدين وحراسة للعلمنة،
فترى أن الدستور الأساسي لتركيا ينص على ذلك من خلال المادة ١٣٦؛
فانطلاقاً من هذا صار الجيش التركي سيفاً مصلتا على الشعب التركي يمنعه من
جميع نشاطاته الإسلامية منذ أن أسس الجيش على يد أتاتورك إلى يومنا هذا.
العلمنة هي الأيديولوجية الوحيدة للجيش التركي كما أسلفنا ولكن ليست
بالصورة المطبقة في الغرب بحيث تعطي الحريات الدينية للناس حتى يطبقوا أوامر
دينهم كما يأمرهم به، بل هي علمنة شيوعية إلحادية تحارب الدين أكثر من محاربة
الشيوعية لها.
تقدم حزب الرفاه والكيد به:
إن من شدة عداوة الجيش التركي للإسلام أنه حينما أحس بتقدم حزب الرفاه
وفوزه في انتخابات ١٩٩٥م بدأ يستعين سراً بالرافضة الموجودين في تركيا الذين
هم قلة قليلة فجعلوهم في المناصب العليا، وسلموا لهم مناصب مهمة، وحقد هؤلاء
على المسلمين لا يقل عن حقد الصهاينة والصليبيين بل ربما أشد بكثير، فصارت
فرقة الرافضة يقيئون جميع سمومهم على المسلمين.
وإلى جنب هذا الاتفاق اللئيم السري بين الجيش والرافضة ضد المسلمين وقع
اتفاق آخر هو أشد من الأول وهو تحالف ضمني وقع بين القوى الثلاث في البلاد
التركية وهم: الوطنيون الطورانيون، والديمقراطيون الليبراليون، واليساريون
الشيوعيون الماركسيون. فتلك القوى الثلاث بما أنها تتجمع على بساط العلمنة
تحالفت وتآزرت أيضاً في الكفاح ضد المسلمين فكان ضرر هؤلاء أكبر على
المسلمين؛ لأن جميع القرارات التي كانت تحتاج إلى مسوِّغ قانوني من إغلاق
مدارس تحفيظ القرآن الكريم وإغلاق ثانوية (الأئمة والخطباء) وغيره إنما أخذت
وقننت على أيدي هؤلاء؛ فكان الجيش يوجه وهؤلاء كانوا يطبقون؛ فمنذ عام
١٩٩٥م والشغل الشاغل لجميع الكوادر الحكومية العليا في تركيا هو الكفاح ضد
الإسلام، وتجفيف منابع العمل الإسلامي في جميع المجالات، فمن هنا ترى أنهم
منعوا قانونياً تعليم القرآن الكريم لمن هم دون اثني عشر عاماً من العمر.
تجفيف المنابع:
إن ما يرتكبه اليوم الحاكمون بأمرهم في تركيا ضد الإسلام والمسلمين من
طرد وتشريد ذريع وتعذيب فظيع بحيث تقشعر منه الجلود وتشخص منه الأبصار
يفوق الوصف، ويمكننا أن نلمسه في المظاهر الآتية:
١ - تشويه سمعة الإسلام والمسلمين بكل ما أمكن من شتى الوسائل الإعلامية
وبخاصة على شاشات التلفاز كما رأينا ذلك بأم أعيننا في قصة تزويج المخابرات
التركية إحدى نسوانها (فاطمة شاهين) بواحد من رؤساء إحدى الجماعات
الإسلامية (مسلم كوندز) وفضح أمره على رؤوس الأشهاد بحيث تكلم به وكتب
عنه الناس أياماً عديدة.
٢ - اغتيال المسلمين وخصيصاً من رأوا فيه دراية وبصيرة ونشاطاً وحكمة
من أمثال عز الدين يلدريم رئيس وقف الزهراء الإسلامي وجماعة النورسيين
الزهراويين، وزكريا آي، وإسماعيل أوز يورت، وغيرهم من الكثير الكثير
حتى أخبرني من أثق به من ذوي المناصب العليا في الحكومة التركية أن جهات
المخابرات والأمن أعدت فيما بينها قائمة بأسماء المسلمين الذين يريدون أن يغتالوهم
تحتوي على أسماء ثمانية آلاف أو أحد عشر ألف مسلم، وقالت تلك الجهات: إننا
إذا قتلنا من هؤلاء الرجعيين هذا العدد فإننا نخلص البلد من الرجعية (الإسلام)
على حسب تعبيرهم ولا تزال الجهات الأمنية تتبع الطريق نفسه عند من يريدون
قتله؛ والكيد الذي يطبق الآن في اغتيال المسلمين في تركيا هو المخطط نفسه الذي
كان الفرنسيون يطبقونه ضد الجزائريين سنوات كفاحهم لتحرير بلادهم من
الاستعمار.
٣ - إغلاق جميع المؤسسات التي كان يجري فيها التعليم الإسلامي من
مدارس تحفيظ القرآن الكريم وثانوية (الأئمة والخطباء) والمدارس الإسلامية
الأخرى، أغلق أكثر من أربعة آلاف مدرسة من مدارس تحفيظ القرآن الكريم،
والآن يعملون لإغلاق كليات الإلهيات أيضاً التي ما يدرس فيها من العلوم الإسلامية
إلا القليل.
٤ - الحد من نشاطات جميع الأوقاف والجمعيات الخيرية والهيئات
الإسلامية؛ فمنعت كلها من جميع نشاطاتها الكثيرة العظيمة؛ فأغلقت هي نفسها،
لأنها لا تستطيع أن تستمر في نشاطاتها من كثرة متابعة الجهات الأمنية الكثيرة
وملاحقتها لها.
٥ - الحرب السافرة مع جميع أنواع الحجاب الإسلامي للمرأة، فأولاً فصلت
النساء المسلمات المتحجبات من العمل في الدوائر الرسمية، ثم في خطوة ثانية
فصلت الطالبات المتحجبات من الجامعات وجميع المدارس حتى الأهلية منها أيضاً،
ثم في خطوة شيطانية ثالثة منعت جميع نساء من يسكن في السكن الحكومي من
الاحتجاب؛ فمن لم يطبق ولم تسفر امرأته أخرجوه من السكن قسراً مع ما يرون
من العقوبة.
٦ - إخلاء الجيش بكامله من العناصر التي لها أدنى صلة بالإسلام، وفي
هذا السبيل ينتهجون نهجاً شيطانياً، وهو أن من وجدوا عليه أو على أسرته حتى
أبويه أدنى أمارة دينية عدُّوها له جريمة ولاحقوه وتابعوه وفي آخر الأمر فصلوه؛
فمثلاً لبس العسكري لخاتم الفضة دون الذهب أو تغطية امرأته لرأسها أو حمله أو
أحد من أبويه علماً إسلامياً أو حتى تغطية أمه لرأسها أو صلاة والده ولو في بيته أو
عدم شربه للخمر أو عدم ارتياده لبيوت الزنا والخلاعة أو عدم اشتراكه مع زوجته
حاسرة الرأس وعارية الجسد في الحفلات العسكرية أو غيرها من الحفلات الرسمية
كل هذه الأمور تعد للضابط الموظف في الجيش التركي جريمة لا تغفر، يكفي
بعض هذه الأمور أن تكون جريمة مسوِّغة لفصله عن الجيش.
وبعد عام ١٩٩٦م عدت جميع تلك الأمور جريمة للموظفين المدنيين الكبار في
المناصب الحكومية الهامة الأخرى من أمثال الوالي أو القائمقام أو المدير العام أو
المستشار في الوزارات، فيكفيهم جرماً عدم اشتراك نسائهم سافرات عاريات في
الاحتفالات، وعدم رقصهن مع الرجال الأجانب أو عدم احتسائهن للخمور،
وقس ...
٧ - إغلاق حزب الرفاه الذي كان يُرى ممثلاً للمسلمين على الساحة السياسية
في تركيا والحظر السياسي مدى العمر على زعيمه أربكان، وعلى رئيس بلدية
إسطنبول من حزب الرفاه رجب طيب أردوغان الذي فاز باستقبال شعبي هائل أرّق
العلمانيين في لياليهم الحمراء بما كانوا يجدون فيه خيراً وأملاً للمسلمين، وكان
حينذاك يعد هو الجماعة الإسلامية في تركيا بخير كثير ومتابعة جميع أعمال حزب
الفضيلة الذي أسس فيما بعد، وتجمع تحت سقفه كثير من مندوبي البرلمان التركي
المتدينين وجعل ذلك تحت المجهر.
٨ - مطاردة جميع الأثرياء والأغنياء الذين كانت الحكومة التركية العلمانية
تجد فيهم خيراً للإسلام والمسلمين، فكانت تسميهم أصحاب رأس المال الأخضر،
وكانت تزعجهم بجميع ما أمكن من وسائل العنف والإزعاج؛ بحيث اضطر الكثير
منهم إلى الهجرة من تركيا برأس ماله الأخضر إلى الخارج، والآن تحاول الحكومة
وأذنابها وتجدُّ وتسهر على مناورات شيطانية ينهار بها أرباب الرأس المال الأخضر.
٩ - ألغت مؤسسة التعليم العالي جميع الشهادات التي حصل عليه أربابها من
الجامعات الإسلامية في الخارج من أمثال جامعة الأزهر بمصر، وجامعات المملكة
العربية السعودية وغيرها، ففصلت عن الوظائف الحكومية أرباب تلك الشهادات
وإن حصلوا على مراتب عليا أو عناوين كبيرة، ومن الجانب الآخر لا تعترف
الحكومة التركية بأية معادلة لتلك الشهادات وإن وقع الاتفاق الثقافي بينها وبين البلد
المأخوذ منها الشهادة.
١٠ - تنظيف الجامعات (على حد تعبيرهم) من جميع كوادر أعضاء هيئة
التدريس المسلمين؛ فتراهم يفصلون من الجامعات من هم على رتبة الأستاذ الدكتور
بدون أية جريمة قانونية سوى أنهم يؤمنون بالله وكتابه ورسوله [وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ
إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ] (البروج: ٨) .
١١ - الملاحقة والمراقبة المزعجة من طرف رجال الأمن السري
والمخابرات السرية لجميع النشاطات الإسلامية بحيث يتبرم العاملون في الحقل
الإسلامي من الحياة، فترى أن كثيراً من المسلمين اضطروا إلى التنازلات البالغة
في كثير من أمور ديانتهم ومناهج حياتهم؛ فلهذا التجأ كثير منهم إلى حلق اللحى
والشوارب جميعاً إخفاء لشأنهم عن جبابرة العلمانيين.
١٢ - للتضعيف والتقليل من تأثير الشعائر الإسلامية وضع الحد عليها؛ فمن
هنا ترى أن العلمانيين الديمقراطيين الذين يتبجحون بأنهم لا يمسون حقوق الناس
وكراماتهم! ! منعوا المواعظ الإسلامية في المساجد والجوامع إلا في مسجد واحد
فقط يبث منه عن طريق الراديو إلى الجوامع والمساجد الأخرى، فيا ترى كيف
يكون مدى تأثير الخطاب الذي لا يرى السامعون الخطيب حتى يتأثروا بملامح
وجهه ونبرات صوته وأسارير جبينه، ومن هذه الجملة تحاول الآن تلك الحكومة
العلمانية أن تمنع الآذان أيضاً إلا من مركز واحد يبث منه إلى المساجد الأخرى.
١٣ - ومما يزيد الطين بلة والمرض علة هو ما ابتلي به مسلمو تركيا من أن
الحكومة العلمانية تسمح لبعض المغرضين الكارهين للإسلام من الأساتذة الجامعيين
أو شبههم ك (ياشار نوري أوز ترك) عميد كلية الإلهيات في إسطنبول،
و (زكريا بياض) عميد كلية الإلهية في جامعة مرمرا، تسمح لهم بإبداء وجهات
نظرهم بنشر بعض المسائل الإسلامية الفقهية والاعتقادية وغيرها عبر القنوات
التلفازية الكبرى حسبما تمليه عليهم أنفسهم وتميل إليه أهواؤهم، فيقيئون مرة بعد
أخرى عبر القنوات التلفازية جميع سمومهم الناقعة على الإسلام، يحرفون الكلم عن
مواضعه، يعتدون على علماء الأمة ومصادرها الرئيسة فيخالفون إجماع الأمة
ويشاقون الله ورسوله.
ألعوبة حزب الله وقتل آلاف الأبرياء من شباب المسلمين:
لمَّا رأى أعداء الإسلام في الداخل والخارج تقدم المسلمين يوماً فيوماً ونمو
وعيهم نحو ما يجري حولهم في العالم الإسلامي، وشاهدوا أنه تربى وترعرع كثير
من المسلمين في شتى الاختصاصات الفنية فتبوؤوا المراتب العليا ووصلوا إلى
المناصب المرموقة، فرأوا أن هؤلاء الفضلاء سيمنعونهم من نهبهم وسلبهم لخيرات
البلاد فبدؤوا يأخذون حذرهم بتدبير شتى المناورات ووضع مختلف الألاعيب
السياسية وبثها بواسطة عملائهم بين المسلمين من حيث لا يشعرون، ومن ذلك ما
دبروه في تركيا من أمر ما سمي بـ (حزب الله) الذي قتل تحت اسمه آلاف
شباب المسلمين الأكراد وقلة من الأتراك، وقصته هي أن الحكومة التركية لمَّا
عييت من حزب العمال الكردي، وكان الثوار الأكراد يلحقون بها الهزيمة تلو
الأخرى فرأت التدبير الناجع في أن تسلط على الأكراد عدواً من أنفسهم، فاستغلت
حماسة الشباب الأكراد الإسلامية ونفورهم من النظام العلماني والعصبية فأخذت
تحرضهم على التجمع تحت تنظيم سري سمي فيما بعد بـ (حزب الله) ، وطفقت
عناصر المخابرات التركية تحرض أولئك الشباب المتحمسين لدينهم على القتال ضد
حزب العمال حتى يخلص الشعب الكردي المسلم منهم ولا يستشري أمرهم أكثر
فأكثر، فلم يلبثوا إلا وقد نشبت الحرب بين الطرفين من غير رضى عناصر كثيرة
من الجانبين، فسنحت الفرصة الذهبية للقوات التركية فأوقعت بكلا الجانبين خسائر
فادحة في الدماء والأموال من غير علم منهما، وبدأت القوات الحكومية تلتقط
الرؤوس الفاهمة العاقلة من كلا الطرفين، وفي ذلك الوسط المكتظ بالدماء ذاع في
البلاد وبين العباد ما كان يسمى بـ «جنايات فاعلها مجهول» ، وتحت ذلك الاسم
قتل آلاف الشباب المسلمين الأكراد حتى اعترف وزير الداخلية السابق (محمد آغار)
أنه أجرى في منطقة الأكراد ألف عملية عسكرية دموية، فقتل في تلك الجنايات
المجهول فاعلها حسب الإحصاءات الرسمية أكثر من ثلاثة عشر ألف إنسان.
وللحكومة التركية هدف أهم من كل هذا وهو تشويه سمعة الحركات الإسلامية
الواعية التي تحاول أن تخلص الشعب المسلم من ظلم العلمانيين ومن تحت نير
العلمنة عند الشعب الكردي بما رآه الشعب ظاهراً في جماعة (حزب الله) ، ولم
تلبث القوات الحكومية أن كرت على (حزب الله) تفعل به الأفاعيل بين قتل،
وسجن، ولم تستطع جماعة حزب الله أن تقاومها بنقير ولا قطمير حيث كانت
القوات الحكومية تعرف أمرها جميعه، فأوقعت القوات الحكومية بها ما لم تكن
جماعة (حزب الله) تحسب له حسابًا قط، ولم ترقب الحكومة فيها إلاًّ ولا ذمة،
فأصابت الحكومة التركية من خلال تأسيس جماعة حزب الله أهدافاً ثلاثة هامة:
١ - استنفاد طاقات خيرة شباب المسلمين الأكراد الذين كان فيهم الأمل القوي
في مقاومة ما بدأ العلمانيون يفعلونه فيما بعد ويعيثون في الأرض فساداً.
٢ - تشويه سمعة الحركات الإسلامية في مناطق الأكراد الذين كانت
العواطف الدينية فيهم ملتهبة والمشاعر الإسلامية فيهم متقدة؛ لأن الأكراد بما كانوا
يجدونه على أيدي ظلمة رجال الحكومة العلمانيين من الظلم والجور والفساد لم
يميلوا يوماً إلى الحكومة التركية، ولم يثقوا بها، بل كانوا يطيعونها على كراهية
نفس لا عن طواعية؛ فلما ظهر (حزب العمال) وجد الكثير منهم في الحزب
وخصوصاً الذين ما كانوا يعرفون حقيقة (حزب العمال) ومبادئه الفكرية ومنطلقاته
الأساسية متنفساً لهم وبارقة أمل؛ فلما ظهر (حزب الله) في صورة كأنها ممالئة
للقوات الحكومية كرهها عامة الأكراد ونفروا من سائر الحركات الإسلامية باحتمال
أنها أيضاً ممالئة للحكومة.
٣ - وجدت القوات الحكومية فرصة ضرب الأسد في عرينه حين استكشفت
جميع مداخل ومخارج (حزب الله) .
هل من مغيث أو من مجيب؟ !
إن مسلمي تركيا يمرون اليوم بيوم عصيب ودهر رهيب أتلف الكثير من
دمائهم وأموالهم وانتهك الكثير من أعراضهم وكراماتهم، وضيع الكثير الكثير من
حقوقهم وحرياتهم؛ فاليوم يُمنعون على مرأى ومسمع من العالم الإسلامي من أبسط
حقوقهم وهو حق الحجاب الشرعي، وحق التعلم فلا يسمح لهم أن تدرس بناتهم
المتحجبات في المدارس والجامعات، ويمنع أغنياؤهم من أن يثروا ويكونوا
أصحاب أموال طائلة، ويمنعون من أن يدرِّس أبناءهم الصغار القرآن الكريم،
ويفصل الموظفون منهم عن الوظائف الحكومية بمجرد أن يصلي أحدهم أو تكون
زوجته متحجبة؛ هذا فضلاً عما يتعرضون له من ملاحقة ومطاردة وتشريد وتعذيب
وقتل ونفي وسجن وما إلى ذلك؛ فكل هذا يجري على الساحة التركية وإخوانهم
خارج تركيا لا تنبس شفاههم ولو بكلمة.. ألم يكن من واجب إخوانهم أن يبعثوا
بعض المراقبين إلى تركيا حتى يروا ما يجري عن كثب ويعلنوه على رؤوس
الأشهاد فيفضحوا أمره على الأقل بأن يكتبوا ذلك في مختلف الجرائد والصحف
العالمية، ويعربوا عن ذلك في كثير من القنوات التلفازية، ويذيعوا ذلك عبر كثير
من القنوات الإعلامية، ثم يبتهلوا إلى ربهم خلوة وجلوة سراً وعلانية لعل الله يفرج
عن إخوانهم؟ !
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
стр. 4065
مرصد الأحداث
يرصدها: حسن قطامش
qatamish@albayan-magazine.com
ليسوا على شيء جميعاً
دعا الفاتيكان إلى الاحترام المتبادل بين الدارسين الكاثوليك واليهود الذين
يبحثون في سلوك البابا أثناء الحرب العالمية الثانية، لكنه أنحى باللائمة مجدداً على
اليهود في توقف الدراسة. وانهار المشروع عندما طلب الدارسون الاطلاع على
مزيد من وثائق الفاتيكان لإلقاء الضوء على واحدة من أعقد القضايا بين الديانتين
فيما يتعلق بما إذا كان البابا بيوس السابع بذل جهوداً كافية لمساعدة اليهود أثناء ما
يطلق عليه «معسكرات الإبادة الجماعية لليهود» . وقال الكردينال وولتر كاسبر
رئيس لجنة الفاتيكان للعلاقات الدينية مع اليهود في بيان: «هذا النوع من البحث
العلمي يمكن تنفيذه فقط على أساس التأدب والثقة المتبادلة» ....
وكتب كاسبر: «التعقيبات الفظة من الجانب اليهودي غذت شعوراً من عدم
الثقة جعل من المستحيل مواصلة هذا البحث الثنائي» . وكان أحد الباحثين في
الفريق اليهودي اتهم مسؤولين عن السجلات في الفاتيكان بعدم الرغبة في «اتخاذ
خطوات أساسية نحو الكشف الكامل» ، وهو هجوم قال أحد الكرادلة إنه يعكس
«حملة تشويه» ضد الكنيسة الكاثوليكية.
[صحيفة الحياة، العدد: (١٤٠٤٢) ]
بشر بلا عقول
اختيرت طفلة في الرابعة من عمرها لتكون إلهة نيبال الحية الجديدة، وبذلك
تقضي طفولتها مبجلة بوصفها مصدراً للرخاء في مملكة الجبل.
وتوجت: (بريتي شاكيا) ، وهي ابنة عائلة فقيرة، لتكون الكوماري أو
الإلهة العذراء، وسوف تظل محتفظة باللقب حتى تصل إلى سن البلوغ، حيث
ترجع مجدداً مجرد شخص فانٍ. وأقيم حفل تتويجها في قصر الإلهة الصغير في
قلب العاصمة النيبالية كاثماندو، وتبجل الكوماري من قبل كل من الهندوس
والبوذيين الذين يعتقدون أنها تبارك الملك وسكان نبيال البالغ عددهم اثنين وعشرين
مليوناً بالسلام والرخاء. وقد قضى كهنة ملكيون ومسؤولون شهري إبريل ومايو
(٢٠٠١م) بحثاً عن الكوماري الجديدة لتحل محل السابقة التي ظهرت عليها
علامات البلوغ، ومن ثم فقدت حالتها الإلهية، وسوف تقدم الإلهة الجديدة إلى
العامة في أكتوبر القادم أثناء «الديزين» ، أكبر احتفالات نيبال. ورغم أن الإلهة
المختارة تعيش حياة مرفهة للغاية، فإنها أيضاً تعاني من عزلة شديدة. وتعزل
الكوماري في قصرها، ولا يسمح لها إلا بقليل من رفاق اللعب المختارين، ولا
ترى العالم الخارجي إلا مرات قليلة حين تنقل خلال العاصمة على مركبة يجرها
متطوعون، ولا ترتدي إلا ثياباً حمراء، ويعقد شعرها دائماً في منتصف الرأس،
كما ترسم لها عين ثالثة على الجبهة، وتقضي التقاليد بأن تنتمي الكوماري إلى قبيلة
(شاكيا) ، وهي القبيلة التي جاء منها بوذا، ويجب على المرشحات أن يجتزن
اختبارات قاسية، منها قضاء ليلة بين رؤوس ماعز وجاموس مذبوحة، ولا بد أن
تتمتع الكوماري ببشرة وشعر وعينين وأسنان ممتازة، وتشكو الكوماريات السابقات
من أنهن أعدن بلا إعداد إلى واقع صعب، وأهملن بمجرد أن وصلن لسن البلوغ،
ومعظم الإلهات السابقات الثمانية الأحياء لا يزلن غير متزوجات؛ إذ تقول
المعتقدات الشعبية: إن الرجال الذين يتزوجون إلهات سابقات يموتون في سن
مبكرة! !
موقع هيئة الإذاعة البريطانية
http://www.bbcarabic.com
وحتى اليابان! !
خلال السنوات العشر الماضية ازداد عدد العمال المهاجرين القادمين من بلدان
آسيا الإسلامية في اليابان، وفي العام الماضي طلب قسم كبير من هؤلاء العمال من
الحكومة اليابانية السماح لبناتهم بارتداء الحجاب، وقد أثار هذه الطلب غضب نسبة
كبيرة من اليابانيين واليابانيات، وخلال شهر مايو قام أحد المجهولين بتمزيق نسخة
من القرآن الكريم، ثم ألقى بها في مرآب للسيارات، وفي اليوم التالي لهذا الحادث
خرج آلاف من المسلمين إلى الشوارع للتعبير عن استنكارهم لهذه الفعلة الشنيعة،
ومنذ مطلع العام الحالي عاشت اليابان أحداثاً على علاقة بالإسلام والمسلمين،
وكتبت إحدى الصحف اليابانية تعليقاً على ذلك: «يبدو أن صموئيل هينتنجتون
على حق؛ إذ إن بوادر حروب بين الأديان بدأت تظهر في الأفق» . غير
أن صحيفة «أساهي شيمبون» المعروفة برصانتها، ردت على هذا التعليق
قائلة: «المسألة ليست في التصادم بين حضارتين، نعني بذلك الحضارة
البوذية والحضارة الإسلامية، وإنما في التسامح بين الأديان، وبين الثقافات
الأخرى.... وإذا لم نحاول أن نفهم حقيقة الدين الإسلامي، فإننا نكون قد ارتكبنا
خطأ فادحاً، ونشرنا في بلادنا الأفكار المسبقة والخاطئة» .
وأضافت الصحيفة قائلة: «إن العالم الإسلامي برمته يبدي اهتماماً كبيراً
باليابان: خصوصاً على المستوى الاقتصادي، وعلى اليابانيين أن يسعوا لفهم
مشاكل المسلمين في بلادنا عن طريق الحوار وليس عن طريق التصادم؛ لأن في
هذا الأمر الثاني ضرراً كبيراً لنا على جميع المستويات» .
[مجلة المجلة، العدد: (١١١٧) ]
جهنم في الدنيا والآخرة
على الرغم من حرص كل من شارون ووزير دفاعه بن إليعازر على أن
التصفية الشخصية هي الأسلوب الأمثل في التعامل مع قوى المقاومة الفلسطينية،
إلا أن وسائل الإعلام الإسرائيلية زخرت بالتعليقات التي تنصح شارون بأن لا
يصدق نفسه أن مثل هذا الأسلوب يمكن أن ينجح مع حماس؛ فقد قال يوسي ساريد
زعيم المعارضة الإسرائيلية: «إن كنا نحن نقف مع الحكومة في الحرب ضد
الإرهاب لا سيما عمليات حماس التي تودي بكثير من القتلى، إلا أن تصفية
عناصر حماس يعني في المقابل إصدار حكم الإعدام على عدد كبير من الإسرائيليين؛
لأن حماس ستنتقم، أنا لا يوجد عندي أدنى شك في أن انتقام حماس قادم لا محالة» .
فهل ما قام به شارون يدل على حكمة؟ الجنرال أورن شاحور الذي شغل في
السابق منصب منسق شؤون الضفة الغربية وقطاع غزة في وزارة الحرب قال:
«إن عمليات التصفية ضد عناصر حماس تعني أن إسرائيل قد فتحت أبواب جهنم
على مصراعيها في مدننا، يجب أن نعرف أن الانتقام الحماسي قادم وبقوة، نحن
سندخل مجدداً لعبة محصلتها صفر من ناحيتنا، لا يوجد لدينا القدرة على مجاراة
حماس في أساليبها» .
أما عوديد جوانوت المعلق للشؤون الفلسطينية في القناة الأولى فقد كان أكثر
تشاؤماً؛ إذ حذر (إسرائيل) من أن ما قامت به ضد عناصر حماس وما قام به
المستوطنون زاد إقبال الفلسطينيين على الاستشهاد، «إنهم مقبلون على الاستشهاد
بشكل جنوني، هناك المئات من الشباب يعرضون أنفسهم من أجل الاستشهاد،
وهناك فتيات يعرضن أنفسهن للاستشهاد» .
[صحيفة السبيل الأردنية، العدد: (٣٩٢) ]
حقوق.. ولكن للشواذ! !
رفع «المثليون» شعار: «يا شواذ العالم اتحدوا!» للتضامن مع أشباههم
المتهمين في قضية «قوم لوط» ولم تتوقع الحكومة المصرية وهي تحيل المتهمين
الاثنين والخمسين فيها على القضاء التلويح لها بحجب المعونة الأمريكية احتجاجاً
على قمع «حقوق الإنسان واضطهاد الشواذ» .
ونظم أعضاء ستين منظمةً للمثليين والمثليات في ١٥ دولة ومقاطعة فعاليات
لإعلان «الحداد والتضامن» مع زملائهم المصريين الذين ستواصل المحكمة النظر
في قضيتهم في الموعد المحدد.
وربما هي المرة الأولى التي يرفع فيها المثليون شعار الوحدة العالمية، وذلك
بعد النداء الذي وجهه شخص اسمه: (فيصل علام) يقود تجمعاً مزعوماً يطلق
عليه: «مجموعة المسلمين الشواذ» في الولايات المتحدة دعا فيه أشباهه في العالم
إلى «التضامن مع زملائهم المضطهدين في مصر» . وقال علام في أسباب النداء:
«إن العداء الحكومي للشواذ ليس جديداً؛ لكن تنظيم احتجاج دولي بهذا الشكل
ليس جديداً» ، ولم يفته انتقاد «تراخي الضغط الدولي على الحكومات المضطهدة
للشواذ» غير أنه في الوقت ذاته لفت إلى أن «حملة أعضاء الكونجرس الأمريكي
للتضامن معنا بداية طيبة» .
وفي استجابة سريعة اعتمدت تنظيمات المثليين ١٥ آب (أغسطس) «يوماً
للاحتجاج والحداد» ، وتنظيم فعاليات تضامن في أربع قارات، في مدن برلين،
وكانبيرا، وجنيف، وكمبالا، ولندن، ونيويورك، وباريس، وسان
فرانسيسكو، وأتلانتا، وفانكوفر، وواشنطن، ولم تتوقف استجابة واشنطن
للتضامن عند «المثليين» وإنما تجاوزتها إلى دوائر السياسة ورجال الكونجرس
وفي مقدمتهم باري فرانك عن ولاية ماستشوستس وهو من «المثليين» ومعه توم
لانتس المعروف عنه المشاركة في أي حملة ضد مصر؛ فهذان جمعا تواقيع خمسة
وثلاثين من زملائهم على خطاب وجه إلى الرئيس حسني مبارك.
المفاجأة كانت في تلويح أعضاء الكونجرس بالمعونة الأمريكية المقدمة إلى
مصر حينما بدأت الرسالة بالقول: «بما أننا من المساندين الأقوياء لتقديم المعونة
إلى مصر فإننا نحتج على محاكمة المثليين، ونعتقد بأن توجيه الاتهام إلى رجال
مارسوا الجنس بالتراضي مع أشخاص بالغين من الجنس نفسه موقف لا نستطيع
الدفاع عنه أو تفسيره» .
الطريف أن أعضاء الكونجرس عزوا الربط بين الاحتجاج والتلويح بحجب
بالمعونة إلى أنها تخصص من ضرائب الشعب الأمريكي وجزء لا يستهان به يسدده
الشواذ، وهذه المعونة يوافق عليها أعضاء الكونجرس المساندون لحق المثليين في
الحياة ورفض أي ممارسة أو تفرقة ضدهم.
[جريدة الحياة، العدد: (١٤٠٣١) ]
يوجد في الكويت
أكثر من ٣٧ كنيسة كبيرة غير مرخصة وغيرها العشرات في السر موجودة
بالكويت!
- بوذا الصنم يُعبد بالكويت في أكثر من ٣٠٠ موقع تقريباً!
- منصرون رجال ونساء متخصصون يزورون بعض الديوانيات.
- أول كنيسة في جزيرة العرب أُنشئت في الكويت بعد الاستقلال كانت
للكاثوليك، ثم أنشئت واحدة للأرثوذكس ومن بعدها ثالثة للبروتستانت أيضاً.
- بعض النصارى يحرص على عقد قداسهم في الأحمدي سراً منذ عام
١٩٤٦ م.
[مجلة المجتمع، العدد: (١٤٥٧) ]
يهود في (آسيا الوسطى)
الصراع العربي الإسرائيلي ليس صراعاً محصوراً في النضال الفلسطيني
ضد الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، أو صراعاً حول القدس على الرغم من أن
ذلك يمثل جوهر الصراع بين العرب وإسرائيل، كما أنه ليس صراعاً عسكرياً بين
دول الطوق العربية والدولة العبرية، إنما الصراع بمفهومه الاستراتيجي
والحضاري الأعمق يمتد ليشمل الدائرة المحيطة بالعالم العربي في آسيا وإفريقيا
والتي تدخل معظمها في نطاق الدول الإسلامية، ناهيك عن ضرورة إحداث التوازن
في المصالح والعلاقات مع أمريكا وأوروبا وشرق وجنوب آسيا على المدى الطويل.
لكن المؤكد أن العالم العربي الذي يواجه خللاً استراتيجياً في توازن القوى مع
إسرائيل يواجه أيضاً خللاً وربما بنفس القدر في علاقاته مع دول القرار في العالم
كله لصالح الكيان الصهيوني لأسباب قد تكون خارجة عن مسؤولية الدول العربية
تاريخية في معظمها.
غير أن المؤسف والمحير فعلاً أن تنجح إسرائيل في تحقيق اختراق كبير في
دول آسيا الوسطى التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي المنهار خلال عقد واحد فقط،
بل سارعت لهذا الاختراق بمجرد انهيار الاتحاد السوفييتي عام ١٩٩١م، بينما
نجد غياباً شبه كامل للعرب على نطاق المصالح في دول آسيا الوسطى رغم أنها
دول إسلامية وأوْلى بدعم الروابط معها.
[صحيفة المحايد، العدد: (١١) ]
كوابيس.. وراء الكواليس! !
اتسمت قمة «اجرا» بين الرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرف ورئيس
الوزراء الهندي اتال بيهاري فاجباي بتعتيم إعلامي «.
رغم ذلك يرى المحللون أن ثمة اتفاقيات وصفقات مسبقة ربما أبرمت وراء
الكواليس مهدت لهذه القمة التي لم تكن متوقعة. كما علمت» المجلة «من مصادر
دبلوماسية غربية أنه ليس في مصلحة باكستان أن تراهن على قضية واحدة في هذه
القمة قد تعرضها لخوض حرب ربما نووية مع جارتها الهند، خاصة أن وجهات
النظر بين البلدين لم تزل متباينة حولها، وثمة مصالح كثيرة وكبيرة مشتركة بينهما
تفرضها طبيعة الجوار والتاريخ المشترك لأكثر من عشرة قرون، مع الأخذ بعين
الاعتبار قضايا مهمة وملحة أخرى على رأسها توقيع اتفاقية الحظر الشامل لإجراء
التجارب النووية والاتفاقيات الأمنية لا سيما أن السلام أساس البقاء والأمن والتطور
الحضاري في شبه القارة الهندية التي تقدمت عسكرياً على حساب مصالحها الوطنية
حسب الدبلوماسيين.
ويبقى السؤال المطروح: هل يمكن أن يتحقق حلم الشعب الكشميري بالأمن
والسلام والاستقلال على يد الجنرال مشوف قائد عمليات» كارغيل «الشهيرة عام
١٩٩٩م التي كادت أن تشمل حرباً نووية بين البلدين بعد أن كلل ضريح داعية
السلام الهندي المهاتما غاندي بإكليل من الزهور فور وصوله إلى الهند، أم أن
قضية كشمير ستذهب ضحية المواقف الدبلوماسية بين البلدين؟
[مجلة المجلة، العدد: (١١١٩) ]
مسجد آخر.. يُهدم! !
في جريمة مماثلة لهدم المسجد البابري الأثري قبل عقد من الزمان، قام
متطرفون هندوس بهدم مسجد أثري يعود إلى العهد المغولي وبناء معبد هندوسي
مكانه في زمن قياسي، وقد تكتمت سلطات المنطقة على هذه الجريمة فلم تصل
أخبارها إلى عامة الناس إلا حين خرجت صحيفة (هيندو) بهذا الخبر على صدر
صفحتها الأولى وقد عزته إلى مراسلها بمدينة جايبور عاصمة ولاية راجستهان
بشمال الهند، وقالت الصحيفة إن تكتم السلطات به يعود إلى خوفها من تدهور
الوضع الأمني نظراً لوجود توتر شديد في المنطقة بين الطائفتين المسلمة
والهندوسية عقب هذا الحادث. وطبقاً للخبر فقد وقع هذا الحادث الإجرامي ببلدة
(اسيند) الواقعة بمديرية (بهيلوارا) بالولاية وهو مسجد أثري يسمى بـ» مسجد
سواي بهوج «، وقد أنشأه جيش الإمبراطور المغولي أكبر حين عسكر بهذه
المنطقة في القرن السادس عشر الميلادي، عند العودة من معركة تشيتوركره» .
وهذا المسجد يتبع مجلس الأوقاف بالولاية وهو تنظيم حكومي يرعى الأوقاف
الإسلامية.
[جريدة الرياض، العدد: (١٢٠٩٢) ]
هكذا يفكرون!
أكد الوزير الفلسطيني المكلف بملف القدس زياد أبو زياد، عبر الإذاعة
الرسمية الإسرائيلية أن نفوذ حركة المقاومة الإسلامية حماس يتزايد باستمرار على
حساب السلطة الفلسطينية. وقال زياد أبو زياد: «هناك تضامن ودعم متزايد من
الشعب الفلسطيني لحماس والجهاد الإسلامي» . وقال: «إن إسرائيل تشجع بذلك
المتطرفين وتضعف القيادة الفلسطينية المؤيدة لعملية السلام» . غير أنه أعتبر أنه
ليس هناك خطر على السلطة وعلى حياة الرئيس ياسر عرفات «. مشيراً بذلك إلى
عمليات التصفية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي وتستهدف زعماء فلسطينيين
متهمين بممارسة نشاطات إرهابية. من جهة أخرى أعرب الوزير الفلسطيني عن
معارضته تشكيل حكومة وحدة وطنية مع حماس والجهاد الإسلامي، كما اقترح
أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية مروان البرغوثي، وقال:» لا أعتقد أن
حكومة كهذه يمكن تشكيلها؛ إذ تعتبر منظمات المعارضة أن عملية السلام انهارت
وأنه لم يعد من الممكن إطلاقها مجدداً «. وأضاف الوزير الفلسطيني:» من
المستحيل أن نعلن أننا نريد الانسحاب من عملية السلام ونشكل في الوقت ذاته
حكومة وحدة وطنية. أعتقد من جهتي أنه يمكن على العكس إعادة إحياء عملية
السلام «.
[صحيفة القدس العربي، العدد: (٣٠٨٦) ]
والعَوْدُ.. أفجر! !
طرأ تغيير مفاجئ في الآونة الأخيرة على طبيعة البرامج والفقرات التي
تقدمها إذاعة صوت فلسطين وتلفزيون فلسطين الرسميين؛ فقد عادت الإذاعة
الفلسطينية إلى تقديم الأغاني العاطفية إلى جانب الأغاني الوطنية بعد أن امتنعت
عن تقديمها منذ اندلاع انتفاضة الأقصى. وعكفت الإذاعة الفلسطينية منذ اندلاع
الانتفاضة على تقديم الأغاني الوطنية ذات الطابع الحماسي التي تحرض بشكل
واضح على العمل المسلح ضد إسرائيل، واستأنف التلفزيون بث المسلسلات، ولم
يعد ينقل صوراً حية للشهداء الفلسطينيين والجرحى نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية
كما كان عليه الحال السابق؛ حيث كان التلفزيون يخصص وقتاً طويلاً لنقل صور
حية من المستشفيات الفلسطينية للشهداء والجرحى لحظة وصولهم إلى أقسام
الاستقبال.
[صحيفة الشرق الأوسط، العدد: (٨٢٧٧) ]
ألم تفهموا الرسالة! ؟
١ - زادت موافقة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على حل حزب إسلامي
من اقتناع تركيا بصوابية نضالها في سبيل العلمانية، لكنها شكلت مفاجأة
للإسلاميين والليبراليين على حد سواء، واعتبر قضاة المحكمة الأوروبية في
ستراسبورغ أن القيم التي كان ينادي بها قادة حزب الرفاه، مثل تطبيق الشريعة
الإسلامية» والجهاد «للوصول إلى أهدافهم، لا تتوافق مع الاتفاقية الأوروبية
لحقوق الإنسان.
وقال الصحافي التركي المعروف محمد علي بيراند: هذا يشكل ارتياحاً كبيراً
لدى العلمانيين في البلد، وقال إنه كان هناك تساؤل حول ما إذا كان مبدأ العلمانية
في تركيا يتوافق مع الاتفاقية الأوروبية، واليوم حسم الأمر. ويقول يوسل سايمان،
نقيب المحامين في اسطنبول هذا حكم سياسي بامتياز، يشكل انتهاكاً للديمقراطية
بمعناها المحدد، وأضاف سايمان: يفاجئني كثيراً صدور هذا الحكم؛ لأنه عندما
قررت المحكمة الدستورية (التركية) حل حزب الرفاه، سمعنا أصواتاً تستهجن
التعدي على مبادئ الديمقراطية في إشارة إلى الانتقادات الأوروبية في تلك الفترة،
ويقول أحمد انسيل، أستاذ الاقتصاد في جامعة غلطة سراي في إسطنبول: إن
ستراسبورغ حكمت على النوايا لا على الأفعال؛ لأنه لا يمكن القول إن تصرفات
حزب الرفاه في الحكم أو في المعارضة أكدت، ولو لمرة، الرغبة في تغيير النظام
السياسي في تركيا، أو مخالفة المبادئ الديمقراطية، وذكر انسيل بأن المحكمة
الأوروبية كانت قد أدانت تركيا على حل الحزب المؤيد للأكراد، مضيفاً أنه من
الواضح أننا نشهد سياسة الكيل بمكيالين.
وقال روسن كاكير، الخبير في الشؤون الإسلامية، رداً على أسئلة محطة
التلفزيون الخاصة (إن. تي. في) : هذا القرار يثبت أن أوروبا مستمرة في
اعتبار الأصولية تهديداً لها أيضاً.
[مجلة المشاهد السياسي، العدد: (٢٨٣) ]
٢ - خرج المنشقون عن التيار الإسلامي في تركيا بحزب جديد يتزعمه
الرئيس السابق لبلدية إسطنبول رجب طيب أرضوغان، ويصعب تصنيفه إسلامياً
أو يمينياً أو محافظاً أو حتى ليبرالياً، وبعدما تقدم أرضوغان و٧٢ من المؤسسين
بعريضة تشكيل الحزب إلى وزارة العدل عقد مؤتمراً صحافياً قدم فيه رفاقه
المؤسسين وفي عدادهم ١٣ امرأة بينهن أربع محجبات ومغنية مشهورة.
وضم الحزب الذي سمي:» العدالة والتنمية «٥٤ نائباً من حزب» الفضيلة «
المحظور وحزبي» الوطن الأم «و» الحركة القومية «.
وعقد الحزب اجتماعاً لتكريس انتخاب أرضوغان زعيماً، ويقوم أعضاؤه بعد
ذلك بزيارة جماعية لضريح مؤسس الدولة العلمانية مصطفى كمال أتاتورك ثم
يؤدون صلاة الجمعة، ويقر برنامج الحزب بأن العلمانية هي أساس الديمقراطية،
لكنه يصنفها بالطريقة المعروفة لدى الإسلاميين وهي عدم تدخل الدولة في شؤون
الدين أو العبادة، ويؤكد أهمية التزام سياسة حقوق الإنسان الأوروبية ونظام السوق
الحرة.
[جريدة الحياة، العدد: (١٤٠٣١) ]
كلهم شارون!
هل تؤيد سياسة رئيس الوزراء أرييل شارون لضبط النفس؟
شارون يفعل الشيء الصحيح بالجمع بين حملة نشطة ضد الإرهابيين وضبط
النفس فيما يتعلق بالعمليات الأوسع نطاقاً التي يمكن أن تؤذي السكان المدنيين.
[ايهود باراك، رئيس وزراء الكيان السابق، مجلة نيوزويك، العربية، العدد:
(٦٠) ]
стр. 4066
مقالات معربة
رعب اليهود من انتشار الإسلام في أوروبا وأمريكا
ترجمه من العبرية: ياسين حسام الدين
عرض وتحليل وتعليق: يوسف رشاد [*]
قديماً قال ياسر بن أخطب لأخيه حيي بن أخطب عندما قَدِم رسول الله صلى
الله عليه وسلم إلى المدينة النبوية: أَهُوَ هُوَ؟ قال: نعم والله! ! قال: تعرفه بنعته
وصفته؟ قال: نعم، والله! قال: فماذا في نفسك منه؟ قال: عداوته ما بقيت.
وصدق الله العظيم القائل: [لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ
وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا] (المائدة: ٨٢) .
وحديثاً قال حاييم بيالك وهو شاعر صهيوني: «إنني أكره أن أنظر إلى وجه
اليهودي الشرقي؛ لأنه يذكرني بوجه العربي» وحديثاً أيضاً قال الحِبْر اليهودي
زعيم حزب «شاس» عوفديا يوسف الذي يباشر بنفسه عملية تهويد القدس: إن
العرب حشرات وحيوانات ولا يستحقون العيش وأنهم غير آدميين؛ إلى غير ذلك
من قاموس البذاءات الذي يتقنه هذا اليهودي اللعين.
ومع حقدهم وكرههم وعداوتهم للإسلام والمسلمين فهم في الوقت نفسه يخافون
ويرهبون من انتشار هذا الدين في ربوع الأرض.
فقد كتبت صحيفة هآرتس الإسرائيلية تقول في عددها الصادر في آخر يونيو
عام ٢٠٠١م: «كما هو الحال في غرب أوروبا كذلك أدت الزيادة الكبيرة في
الولايات المتحدة في عدد المسلمين إلى ازدياد نفوذهم السياسي. ومن المستحيل
على سبيل المثال رفض أو معارضة التقدير الذي كان يقول: إن فرص آل جور
في الفوز في انتخابات الرئاسة الأمريكية كانت كبيرة لولا أن جزءاً من أصوات
الناخبين كانت متجهة إلى مرشح الخضر رالف نادر، كل هذا حدث؛ لأن نسبة
كبيرة من ناخبي نادر الذي هو من أصل عربي كانوا من أصل عربي أيضاً، ومن
المعتقد أنه لو لم يكن موجوداً لكان جزء كبير منهم على الأقل قد منح صوته للحزب
الديمقراطي الذي يجذب أصوات الأقليات العرقية بشكل تقليدي.
ومن المشكوك فيه أن تكون هذه الحقيقة قد استُوعبت جيداً في إسرائيل، أو
استوعبت دلالة تعاظم قوة الجماعات العرقية بشكل عام وعلى رأس هذه الجماعات
اللوبي العربي والإسلامي في أمريكا. إن قيمة وثقل اللوبي العربي والإسلامي لا
زالت أقل بكثير من قيمة وثقل اللوبي اليهودي، ويرجع ثقل الأخير إلى تركز
الناخبين اليهود في عدد من المناطق الجغرافية المهمة من حيث تأثيرها الانتخابي
كنيويورك وفلوريدا وكاليفورنيا، وإلى الانخراط الكبير لليهود في الحياة الأمريكية
العامة، وإلى نسبة التبرعات التي يقدمونها للأحزاب خاصة الحزب الديمقراطي.
بيد أن الزيادة في عدد المسلمين وتعاظم وتزايد وعيهم السياسي وخاصة
الطلاب العرب والذين يلاحظ أنهم من أكثر العرب نشاطاً وحركية من الناحية
السياسية وكذلك التضاؤل في عدد اليهود نتيجة لزيجاتهم المختلطة وذوبانهم في
المجتمع الأمريكي، كل ذلك سوف يلعب مستقبلاً دوراً في ميزان القوى المتنافسة
على النفوذ بواشنطن، وقد أصبح ذلك ملموساً ومحسوساً في نشاطات جماعات
الضغط العربية بالكونجرس؛ فقد كتب ديفيد هاريس مدير عام اللجنة اليهودية
الأمريكية في» الجيروزاليم ريپورت «: ينبغي ألا نتجرأ على التقليل (من أهمية)
جماعات الضغط العربية والإسلامية.
وفي المقابل يؤكد التقرير السنوي الأخير الذي أصدرته رابطة مكافحة التشهير
أنه حدثت زيادة كبيرة منذ تفجر انتفاضة الأقصى في عدد حوادث معاداة السامية في
الولايات المتحدة. وتعود نسبة هذه الزيادة صراحة إلى الوسط العربي؛ فإن التقرير
يقول: إن القفزة الحادة للغاية في عدد الحوادث (٥٠%) قد حدثت في نيويورك
» التي يعيش فيها العرب واليهود جنباً إلى جنب «.
إن التغييرات في النسب العددية بين العرب واليهود ينبغي أن نراها وأن
نضعها نصب أعيننا إزاء التغييرات الديمغرافية العامة التي تحدث في تشكيل
السكان الأمريكيين حالياً؛ فنسبة الأقليات العرقية التي لا تنتمي أو التي لا تنسب
نفسها ولا تدين بالولاء للأمريكيين ذوي الأصل الأوروبي تتزايد باضطراد.
إن التنبؤات والتوقعات التي تقول إن (البيض) سوف يصبحون بعد خمسين
عاماً أقلية بين سكان الولايات المتحدة قد وصفت في التحليل الذي نشرته صحيفة
» النيويورك تايمز «مؤخراً بأنها تكهنات مبالغ فيها، إلا أن (البيض بما
فيهم الأسبان) يمثلون حالياً نسبة تقترب من ٦٥% من مجموع السكان، وقد
انخفضت نسبتهم في العقد الأخير بمقدار ٥%.
هذه الظاهرة تبرز في المدن الكبيرة التي تمنح تجمعاتها اليهودية حالياً قوة
كبيرة لجماعات الضغط اليهودية. إن (البيض) قد أصبحوا أقلية في ٤٨ مدينة من
بين مائة من أكبر مدن الولايات المتحدة. وهذه الظاهرة تواكبها زيادة في عدد
المسلمين بين السكان السود، ويعد المسلمون السود بشكل عام أكثر عداءً تجاه
اليهود من السكان المسيحيين، وينعكس ذلك بصفة خاصة في العلاقة والمعاملة
لإسرائيل.
وتستطرد الصحيفة قائلة:» إن خوف اليهود من زيادة نفوذ المسلمين
وتأثيرهم على الكونجرس والرأي العام الأمريكي يعضده ويقويه الانخفاض الكبير
في عدد النواب اليهود في مجلس النواب، ولا يزال نصيب اليهود أكبر بكثير من
نصيبهم النسبي بين السكان، إلا أن عددهم انخفض من ٣٢ إلى ٢٥ منذ استيلاء
الجمهوريين على أغلبية المقاعد في مجلس النواب في عام ١٩٩٤م؛ فمن بين الـ
٢٥ نائباً يهودياً هناك اثنان فقط جمهوريان و ٢٢ ديمقراطياً، وواحد مستقل، وفي
ذلك كتب هاريس يقول: «إن الزعماء العرب والمسلمين الأمريكيين يدركون جيداً
الدور الحساس والرئيسي الذي يلعبه اليهود في منظومة العلاقات الخاصة التي تجمع
بين الولايات المتحدة وبين إسرائيل؛ وقد توصلوا إلى استنتاج مؤداه أن تخفيض
قوة الجالية اليهودية الأمريكية النسبية يعد أمراً مركزياً لتحقيق أهدافهم.
لقد قامت المنظمات الإسلامية بالمبادرة بعمليات مقاطعة ناجحة للشركات
الأمريكية التي تعمل من أجل إسرائيل ولصالحها، أو التي اتهمت بتأييدها ودعمها.
كذلك تقوم هذه المنظمات بالترويج القائل بأن عدد المسلمين في الولايات المتحدة قد
بلغ ستة ملايين مسلم. فخبراء علم السكان (الديمغرافية) يختلفون مع هذا الرأي
إلا أن هذا الرقم هدفه إثارة الانطباع (غير الصحيح) بأنه يوجد حالياً مسلمون
أكثر عدداً من اليهود الذين يبلغ عددهم حوالي خمسة ملايين يهودي.
هذا الخوف والهلع من انتشار الإسلام في الولايات المتحدة وأوروبا جعل
اليهود يرصدون كل صغيرة وكبيرة عن الإسلام في أصقاع الأرض؛ فقد ذكرت
نفس الصحيفة» هآرتس «نقلاً عن صحيفة البوسطن جلوب هذا الموضوع محذرة
من انتشار الإسلام بين الفتيات والنساء الأمريكيات والأوروبيات، فذكرت الصحيفة
في عددها الصادر بتاريخ ٢٥/٦/٢٠٠١م تقول:» كان والد سارة جارتسيانو
كاثوليكياً ابتعد عن الدين بينما كانت أمها تعمل في الكنيسة اليانتكوستية، بحيث
وجدت نفسها وهي في سن الرابعة عشرة متوزعة وممزقة بين عدم إيمان والدها
وأصولية والدتها، وأخذت تستعير من المكتبة كتباً عن البوذية والهندوسية
واليهودية، وكتباً عن الإسلام، ووجدت نفسها منجذبة إلى الإسلام الذي بدا لها
من خلال قراءاتها أكثر صدقاً وصراحة ووضوحاً من نصرانية أمها، وفي الثامن
من مارس الماضي قالت الأمريكية الشابة وهي طالبة في عامها الأول في وولسلي
كوليج عبارة واحدة: «أؤمن أنه لا إله غير الله وأن محمداً نبيه» [أي شهادة أن لا
إله إلا الله وأن محمداً رسول الله] ، وأصبحت مسلمة، وحينما سئلت عن سبب
اعتناقها الإسلام قالت: «إن النصرانية هي الذهاب مرة واحدة في الأسبوع إلى
الكنيسة ومحاولة أن تكون إنساناً طيباً، بينما الإسلام طريق حياة ومنهج حياة
متكامل» .
وتعد سارة واحدة من عدد يتنامى باضطراد من نساء بوسطن اللائي يعتنقن
الإسلام، وفي مسجد «الاتحاد الإسلامي» ببوسطن في كمبريدج ماستشوستس
يبلغ عددهم ضعف عدد الرجال المسلمين الجدد. وهذا الاتجاه يتناقض مع الصوة
العامة بالولايات المتحدة؛ فحسب بحث أجراه مؤخراً «مجلس العلاقات الإسلامية
الأمريكية» فإن ثلثي المسلمين الجدد بالولايات المتحدة هم من الذكور.
إن النسوة الأمريكيات اللاتي يلجأن إلى الإسلام على وعي وإدراك بأن
المحيطين بهن لا يفهمون سبب اختيار وتفضيل السيدة أو الفتاة الأمريكية للدين الذي
يوصف بأنه يقمع النساء ويضطهدهن، إلا أنهن يقلن إن هذا الوصف ما هو إلا
صورة كاذبة، وإن الإسلام على عكس هذه الصورة متقدم ومتطور بالفعل في
قضايا الحدود أكثر من تقاليد غربية كثيرة، ويقلن إن الإسلام سمح للنساء بحيازة
الممتلكات وامتلاك الثروات، ويشرن إلى أن الإسلام سبق بذلك ثقافات وحضارات
غربية بوقت طويل.
ويضفن أنه بتكوين وبرسم صورة أكثر مساواة للحضارة وللأدب الإسلامي
بالولايات المتحدة، على النقيض من أماكن أخرى في العالم، سيصبح بمقدورهن
التأثير على المسلمين في جميع أنحاء العالم.
وتقول كريستينا التي أصبحت فيما بعد (صفية طوبيا ناحي) وتبلغ من العمر
ثلاثين عاماً من سومرفيل وأمها يهودية علمانية وأبوها كاثوليكي، اعتنقت الإسلام
منذ ستة أعوام تقول: «لسوء الحظ أن الطريقة التي يطبق بها الإسلام اليوم في
العديد من الدول غير مثالية، إن دولاً كثيرة تتابع وتراقب تطبيق الإسلام هنا،
ونحن لدينا القدرة والإمكانية التي تجعلنا قدوة ونموذجاً قوياً يحتذي به الرجال
والنساء في الدول الأخرى» .
وحسب رأي النساء المسيحيات البيض اللائي يُعتبَرْن أغلبية بين معتنقي
الإسلام في مسجد الاتحاد الإسلامي بكمبريدج فإن تبني واعتناق الإسلام معناه بشكل
عام تغيير نمط الحياة والمعيشة حيث يغطين شعورهن بشال يسمى الحجاب،
ويتبعن قوانين الطعام والغذاء الإسلامية التي تتضمن حظراً على تناول لحم الخنزير
واحتساء الكحول، ويؤدين الصلاة خمس مرات في اليوم، والكثير من أبناء
عائلاتهن وأقاربهن يتألمون ويتحسرون على التغيير الذي حدث لهن. وتقول سارة:
«إن أبي قد جن جنونه بالفعل ويقول لي متهكماً: إنك لن تستطيعي الحصول
على عمل جيد إطلاقاً أو زوج حسن. أما أمي فقد بكت ورددت اسم يسوع أمامي»
وتضيف: «وعندما عدت إلى البيت في عطلة الربيع الماضي لم يرد أبي أن
يراني أبناؤه الآخرون بحجابي. إن الإسلام يولي قيمة كبيرة للعلاقات الأسرية،
ولا تزال سارة تتحدث عن محاولاتها إصلاح وتعديل علاقاتها إلا أنها لا زالت تجد
صعوبة في ذلك، لقد توقف والدها عن دفع رسوم دراستها في الكلية. وتستطرد
سارة بعد ارتدائها للحجاب الإسلامي قائلة:» فيما مضى اعتاد كل أنواع الطفيليين
الاقتراب مني يسألونني: «هل يمكن مداعبة شعرك؟ وكان ذلك يطيش عقلي
ويضايقني، وقد حررني الواقع الجديد؛ لأن الأشخاص لا ينظرون إليك ولا
يفكرون أو يتخيلون جسمك ولا تسريحة شعرك؛ ولا يشغلون أنفسهم بالتفكير في
كيفية البدء معك» .
تقول هدى الشرقاوي «مديرة جماعة الدعم وجماعة تعليم النساء المسلمات
الجديدات في مسجد كمبريدج» : إن حوالي الثلث من تلميذاتها يصلن إلى الإسلام
عن طريق زميل أو صديق مسلم، بينما تصل الأخريات عن طريق أصدقاء أو
بمبادرتهن البحتة، والكثيرات من النساء المسلمات الجديدات مثقفات وخريجات
جامعات معروفة بتسامحها الكبير، وفي كمبريدج معظم النساء المسلمات الجديدات
من البيض والقليل منهن من الأفريقيات الأمريكيات والهنود الحمر.
بعض المسلمات الجدد قلن إن خلفيتهن الدينية قد أصابتهن بالإحباط وخيبة
الأمل؛ فقد اعتنقت لاورا كوهون (٢٠ عاماً) وهي طالبة في جامعة هارفارد
الإسلام بعد أن درست كتباً بمساعدة زميل في المدرسة الثانوية، بعد ذلك وقبل
اعتناقها الإسلام عرفت معلومات أكثر عن الإسلام عن طريق الإنترنت وعن طريق
دورة دراسية بالكلية. وتقول: كل ما اكتشفته عن الإسلام بدا لي منطقياً وعقلانياً
عندئذ، وذات مساء جلست منذ أربعة أعوام بغرفتي بدار الطالبات أمام المنضدة
وأخذت أردد: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فأحسست أن حجراً ثقيلاً قد أُزيح
عن صدري. واتصلت بمسلمين آخرين؛ وأخذت تبعث برسائل بالبريد الإلكتروني
إلى مسجد كمبريدج طالبة النصح والمشورة، وتستطرد قائلة: وكان ذلك سهلاً
ويسيراً، لقد انتقلت إلى عالم جديد؛ لأنني ظللت أشعر لفترة طويلة أنني وحيدة،
وكان ولوجي عالم الإسلام الفسيح سهلاً بطريقة لا تصدق.
وأخيراً تتساءل الصحيفة: ما الذي يدفع الفتيات الأمريكيات إلى اعتناق
الإسلام؟ «ا. هـ.
وهذا السؤال لا يحتاج إلى كثير عناء للإجابة عليه، ولكن علينا بوصفنا دعاة
إلى الله أن نعيد قراءة هذا الموضوع بتأنٍّ لنقف على ما يحتاجه المسلمون
الجدد في أوروبا وأمريكا، وأن نقوم بمد يد المساعدة لهم وتقديم كل عون ومؤازرة،
وكذلك ندعو إلى تضافر كل الجهود لبذل أقصى ما يمكن تقديمه من وسائل
وأساليب حديثة لمساعدة القائمين على التعريف بدين الإسلام. كذلك ندعو إلى
النهوض بالمراكز الإسلامية في جميع أنحاء العالم، ولا بد من فتح أكثر من مركز
إسلامي في البلد الواحد وتدعيم هذه المراكز بكل الوسائل المتاحة والممكنة.
وهذا العبء يقع على كاهل الدول الإسلامية الحريصة على نشر هذا الدين في
ربوع الأرض، وكذلك على الهيئات والمؤسسات الإسلامية.
إن العبء الذي يتحمله القائمون على هذه المراكز ثقيل؛ فكم من تائه وضال
في تلك الدول يحتاج إلى من يرشده ويدله إلى الهداية والطريق المستقيم، وكم من
تائهة وحائرة تبحث عمن يمد لها يد المساعدة ليأخذ بيدها إلى نور الهداية وطريق
الإسلام، وكم من قائل من المسلمين الجدد: ما ذنب أبي وأمي أن أحداً لم يعرض
عليهم الإسلام؟ إن ذنبهم في رقاب الذين تقاعسوا عن التعريف بهذا الدين، إن
ذنبهم في رقاب الدول والحكومات الإسلامية التي تقاعست هي الأخرى عن نشر
رسالة الإسلام وانغلقت على نفسها.
إن المراكز الإسلامية المنتشرة في أوروبا وأمريكا بل وفي بقية دول العالم
تعمل معظمها إن لم يكن أكثرها بالمجهودات الذاتية، ويقع عبء ذلك على الهيئات
والمؤسسات الإسلامية التي تحتاج إلى من يتبناها ويمد لها يد المساعدة من الدول
الإسلامية لنشر الإسلام الصحيح القائم على الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة
الحسنة، والقائم على تعاليم القرآن والسنة الصحيحة بفهم السلف الصالح.
стр. 4067
في دائرة الضوء
بين حضارة عاد وحضارة الغرب
إبراهيم بن محمد الحقيل
في أخبار من مضوا قبلنا عبرةٌ لمن يتذكر منا، عبرةٌ تحثنا على سلوك طريق
الصالحين الناجين، ومجانبة سبل المكذبين الهالكين.
لقد قص القرآن علينا أنباء أقوام كانوا قبلنا، سكنوا الأرض وعمروها،
وحرثوها وزرعوها، كانوا أولي بأس وقوة وشدة، فكذبوا المرسلين غروراً بما
لديهم من قوة، وما عندهم من علم، فأخذهم الجبار أخذ عزيز مقتدر، فأصبحوا
أثراً بعد عين وعبرة للعالمين، قال الله تعالى: [أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ
فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي
الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ
رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقَابِ] (غافر: ٢١-٢٢) .
كان منهم عاد قوم هود ﵊ سكنوا الأحقاف بين عمان
وحضرموت [١] ، زمنهم بعد نوح ﵊؛ فهم أولُ أمة اضطلعت
بالحضارة والعمران بعد الطوفان [٢] الذي أغرق المكذبين من قوم نوح عليه الصلاة
والسلام.
قوة عاد وبأسهم:
أنعم الله على عاد بكل مقومات القوة والعمران، كما هو ظاهر في قول هود
لهم: [وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا
آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (الأعراف: ٦٩) ، والبسطة: الوفرة والسعة في أمر
من الأمور [٣] ؛ فالله تعالى زادهم قوة في عقولهم وأجسادهم، وسلمهم من الآفات
والعاهات. والعمرانُ في الأرض إنما يشيد بقوة أجساد البنائين، والصناعات لا
تزدهر إلا بذلك، وقد نُسبت الدروع والسيوف إلى قوم عاد فقيل: الدروعُ العاديّة،
والسيوفُ العادية [٤] ، وقوة عاد وجبروتهم مشهورة حتى إنهم لما جاءهم هود عليه
الصلاة والسلام بالنذارة استكبروا [وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً] (فصلت: ١٥) ،
ووصفهم نبيهم بقوله: [وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ] (الشعراء: ١٣٠) .
لقد بلغ من قوتهم وشدة بأسهم أنهم بنوا في طرق أسفارهم أعلاماً ومنارات
تدل على الطريق كيلا يضل السائرون في تلك الرمال المتنقلة التي تمحو الآثار،
واحتفروا وشيدوا مصانع للمياه تجمع ماء المطر في الشتاء ليشرب منها المسافرون
وينتفع بها الحاضرون في زمن قلة الأمطار، وبنوا حصوناً وقصوراً على أشرافٍ
من الأرض [٥] ، وفي شأن هذا العمران العظيم قال لهم نبيهم: [أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ
آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا
اللَّهَ وَأَطِيعُونِ] (الشعراء: ١٢٨-١٣١) .
إغراقهم بالنعم:
مع ما وصلوا إليه من حضارة وعمران وتقدم مادي بما أعطاهم الله من بسطة
في العقول والأجسام؛ فإنه تعالى أفاض عليهم الخيرات، وفتح لهم أبواب النعم،
من وفرة المياه إلى خصوبة الأرض، والبركة في الزرع وفي الحيوان وتكاثر
الذرية؛ وبهذه النعم العظيمة ذكَّرهم هود ﵇ فقال لهم: [فَاتَّقُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ]
(الشعراء: ١٣١-١٣٤) ، وبيَّن لهم أنهم إن أطاعوه وأخلصوا عبادتهم لله تعالى
واستغفروه زادهم قوة وثراء، ونعمة ورخاء. قال لهم: [َيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ
ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ]
(هود: ٥٢) .
تكذيبهم لهود ﵇:
إن عاداً غرتهم قوتُهم، وبطروا نعمتهم، فرانت على قلوبهم الغفلة،
واستحكمت فيهم الشهوة، فعميت أبصارهم عن رؤية الآيات، وصُمَّت آذانهم عن
سماع المواعظ، كما هي حال كثير ممن يوعظون فلا يستمعون ولا يتعظون، بل
يستكبرون ويستهزئون ويجاهرون بعصيانهم، ولا يخافون نقمة الله وعذابه، ولذا
قالوا لهود ﵇: [قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الوَاعِظِينَ * إِنْ
هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ] (الشعراء: ١٣٦-١٣٨) . لقد بلغت
جرأتهم على الله تعالى مبلغاً شنيعاً حتى قالوا: [مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ
الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ] (فصلت: ١٥) ، وكان
عذرهم في عدم استجابتهم للحق أقبح من ذنبهم؛ إذ تذرعوا باقتفاء آثار السالفين
الضالين منهم، وعدم الحيدة عن سبيلهم الذي اختطوه، ودينهم الذي ارتضوه ولو
كان ضلالاً وشركاً [قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا
تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ] (الأعراف: ٧٠) ، واتهموا هوداً بالجنون كما هي
سيرة المكذبين مع أنبيائهم، والمفسدين مع المصلحين، رميهم بكل نقيصة وباطل
لصرف الناس عن الحق.
وزعمت عاد أن الجنون أصابه بسبب العزوف عن عبادة أصنامهم [قَالُوا يَا
هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِن
نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا
تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ] (هود: ٥٣-٥٥) ، فما كان
عاقبة تكذيبهم إلا العذاب المهلك؛ حيث نجى الله هوداً والمؤمنين معه واستأصل
المكذبين المعاندين [فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا
وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ] (الأعراف: ٧٢) .
النهاية الأليمة:
لقد كانت نهاية عاد أليمة، وعاقبة كفرهم وخيمة، جمع الله لهم فيها عذاب
القلب مع عذاب البدن؛ فبينا هم ينتظرون الغيث بعد طول انقطاع وشدة ترقب،
فما كادوا يفرحون بسحائبه وبوادره وبداياته حتى كان مطر عذاب وليس غيث
رحمة [فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا
اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ
مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ] (الأحقاف: ٢٤-٢٥) . انتهت حضارتهم،
وذهب عمرانهم، وما أغنت عنهم قوتهم من عذاب الله شيئاً، وحقت عليهم لعنة
الله في الدنيا وفي الآخرة [وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ عَاداً
كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ] (هود: ٦٠) ، إنها لآية للمعتبرين وعظة
للمتعظين، ينتفع بها من ألقى لها سمعه، ووعاها قلبه فهل من مدَّكر؟ !
الحضارة المعاصرة:
لقد كانت قصة عاد من أعجب القصص التي تتكرر في بني البشر، وقليل
منهم من يعتبر، دلت على أن الإنسان إذا أنعم الله عليه، ولم يتترس بالإيمان ضد
الشياطين والشهوات كان الهلاك مصيره، والخسران عاقبته مهما بلغ ماله وجاهه،
ومهما كانت قوته وغلبته [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ * الَّتِي لَمْ
يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ] (الفجر: ٦-٨) .
إن الإنسان المعاصر الذي ينتظم في منظومة هذه الحضارة الزاهية، وينعم
بترفها قد أنعم الله تعالى عليه بنعم لا تحصى، ذلل له الأرض حتى مهدها وعبّدها،
والجبال فألانها وهدها، وأقام عليها بروجاً عظيمة، وشيد عمراناً كثيراً، ألان الله
له الحديد فابتنى به مصانع كثيرة، واستخدمه في منافع عديدة؛ حتى اتخذ المراكب
التي تنقله في البر والبحر والجو، فصار في مقدوره أن يقطع الأرض من شمالها
إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها في ساعات معدودة.
حفر الإنسان الأرض فاستخرج كنوزها، وشغّل الحديد بطاقتها، فدارت
الآلات في المزارع والمصانع تنتج للناس ما يأكلون وما يشربون وما يلبسون، وما
به يتنعمون ويترفون.
حضارة عتيدة، وعمران ضخم، وتقدم سريع، ولكن هل اعتبر الإنسان بمن
مضوا في القرون السالفة، والحضارات البائدة؟ فسخر ما أنعم الله به عليه فيما
يرضيه [كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى] (العلق: ٦-٧) .
طغى على ربه فجحد نعمته، وأعلن إلحاده وكفره حينما ظن أنه مركز الكون،
والمتصرف فيه كيف يشاء، وأن عصر تدفق المعلومات سيلغي ما يسمونه
بالأيديولوجيات بما فيها دين الإسلام والعياذ بالله!
وطغى الإنسان على الإنسان فحاربه وجوَّعه، حتى قُتلت أمم من بني الإنسان
لا تعلم لِمَ قُتِلَتْ، ولا فِيمَ قُتِلَتْ، وترمي الدول العظمى فائض الطعام في البحار في
الوقت الذي يموت فيه في كل لحظة بشر من الجوع، وتشيَّد في بلاد الغرب البيوت
والملاجئ والمستشفيات للقطط والكلاب في وقت يموت فيه بشر في العراء.
بل تجاوز طغيان الإنسان غيره حتى طغى على نفسه فارتكب ما يوبقها،
وصنع ما يهلكها من آلات لهو وفساد، وأسلحة دمار شامل وغير شامل.
كيف ستكون حضارة بني الإنسان إذا كان من يسيرها قد أعرض عن ذكر الله
وركب هواه؟ ! إنها إلى دمار ماحق، وهلاك عاجل أو آجل! !
أما كان لهم اعتبار في حضارة من سبقوا من عاد وثمود، وقوم إبراهيم وقوم
لوط، وفرعون وهامان وقارون، وحضارة اليونان وحضارة الرومان؟ أما كان
لهم في هؤلاء وغيرهم اعتبار، إنه لن ينجي البشرية من شقائها، ولن يحافظ على
حضارتها وعمرانها إلا التزام دين الله تعالى الذي ارتضاه لعباده والاستمساك به ولا
شيء غير ذلك، وهذا ما أفصح عنه العالم الأسباني (فيلا سبازا) بقوله: «إن
جميع اكتشافات الغرب العجيبة ليست جديرة بكفكفة دمعة واحدة، ولا خلق ابتسامة
واحدة، وليس أجدر من أمم الشرق المحتفظة بالثقافة العربية الإسلامية، والقائمة
على إذاعتها بوضع حد نهائي لتدهور الغرب المشؤوم الذي يجر الإنسانية إلى هوة
التوحش والتسلط المادي» [٦] .
стр. 4068
في دائرة الضوء
مؤتمر العولمة تفاعل ومقاومة
تقوم نظرية (العولمة) أساساً على مبدأ التبعية واستعباد الأمم، واكتساح
ثقافة الشعوب وخصوصياتها الفكرية والاجتماعية، واقتلاعها من جذورها؛ ليصبح
العالم كله مفتوحاً أمام قوة المنظومة الأمريكية التي راحت بكل استعلاء تفرض
رؤيتها الأحادية على شعوب العالم وحضاراته.
ينقسم العالم في ظل العولمة إلى معسكرين: دول منتجة اقتصادياً وثقافياً
وفكرياً وإعلامياً، ودول أخرى مستهلكة لكل ذلك، مشرعة الأبواب غير قادرة على
الحفاظ على هويتها وخصوصيتها.
لقد أدركت جماعات كثيرة من الغربيين على اختلاف مشاربهم وتباعد
معتقداتهم أن العولمة لا سيما الاقتصادية منها ما هي إلا صورة لاستعمار جديد في
ثوب قانوني. يقول ريتشارد هبوت في كتابه: (العولمة والأقلمة) : «العولمة
هي ما اعتدنا عليه في العالم الثالث ولعدة قرون أن نطلق عليه: الاستعمار!» .
وإننا شهود على تحولات حضارية وفكرية واجتماعية هائلة تشهدها الشعوب
الإسلامية في أنحاء المعمورة في ظل هذه العولمة المكتسحة، ولا يمكن أن ننأى
بأنفسنا عن تياراتها وتأثيراتها، ومن ثم فلا بد من فهم ظاهرة العولمة فهماً جيداً
ليتسنى للمسلمين مقاومتها والتقليل من آثارها، ومن ذلك أن نفهم أيضاً أن العولمة
ليست شراً محضاً بل قد تحمل بعض الجوانب الإيجابية التي يمكن استثمارها
والتفاعل معها وتوظيفها لخدمة المسلمين.
وقد تيسَّر ولله الحمد إقامة مؤتمر في المركز الرئيس للمنتدى الإسلامي في
لندن بعنوان: (العولمة تفاعل ومقاومة) في الفترة من ٦/٥/١٤٢٢هـ إلى ٨/٥/
١٤٢٢هـ، شارك فيه عدد من أهل الاختصاص والخبرة، وقدمت المحاور الآتية:
١ - العولمة وصراع الحضارات للأستاذ الدكتور جعفر شيخ إدريس.
٢ - عولمة أم استعمار؟ ! للأستاذ الدكتور محمد أمحزون.
٣ - العولمة الاجتماعية للمرأة والأسرة للأستاذ فؤاد آل عبد الكريم.
٤ - العولمة السياسية والاقتصادية للدكتور محمد حامد الأحمري.
٥ - العولمة الإعلامية للدكتور مالك الأحمد.
٦ - اليهود والعولمة للأستاذ عبد العزيز مصطفى كامل.
٧ - الإعلام الإسلامي وتحديات العولمة للأستاذ جمال سلطان.
ويسعدنا في مجلة البيان أن ننشر في هذا العدد مقالة للدكتور إبراهيم الناصر
بعنوان: (العولمة استثمار ومقاومة) لتكون بين يدي الملف الشامل الذي ينشر
بإذن الله تعالى في العدد القادم محتوياً على بعض الأوراق المقدمة في المؤتمر.
- مجلة البيان -
стр. 4069
في دائرة الضوء
العولمة مقاومة واستثمار
د. إبراهيم بن ناصر الناصر
هذه المقالة محاولة اجتهادية لطرح رؤية موضوعية لقضية العولمة، وهي
الجمع بين فكرة المقاومة والاستثمار؛ وذلك أن معظم الخطاب الإسلامي في هذه
القضية يتناول جانب المقاومة وبيان المخاطر الضخمة للعولمة؛ وهذا أمر مهم لا بد
منه. ولكن جانب الصورة الأخرى يبدو أنه لا يقل أهمية على الرغم من قلة من
يتطرق إليه؛ حيث نتلمس وجودنا الإسلامي من خلال خريطة العولمة الضخمة
والسريعة الإيقاع فيما نسميه في هذه المقالة بالاستثمار.
وهناك جانب آخر وهو جانب تصوريٌّ يساعد على التوصل إلى الحكم
السابق، وهو فهمنا لطبيعة هذه العولمة من خلال الملامح والواقع والمستقبل،
وأن فيها جانباً ليس إرادة مقصودة للأقوياء، وينبني على هذا الفهم أن بعض سلبياتها
قد يرتد على أصحابها؛ فهل تنجح هذه المقالة في تحويل بعض صور الخطاب
العاطفي حول هذه القضية ليكون أكثر موضوعية؟
مقدمة:
مصطلح العولمة مصطلح جديد ظهر في العالم الغربي في بداية عقد
التسعينيات، وقد سبقه حدثان ضخمان أثرا في حركة العلاقات الدولية واتجاهاتها
وعلى موازين القوى في العالم: الأول: سقوط المعسكر الشرقي الذي اتخذ من
سقوط جدار برلين رمزاً له في عام ١٩٨٩م، والذي أنهى فترة من الحرب الباردة
بين المعسكرين (وارسو / الأطلسي) بدأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية،
وصاحبها حالات من الاستقطاب والمد والجزر في علاقات هذين المعسكرين؛
بحيث وصلت في الجَزْر إلى التهديد بحرب عالمية ثالثة مباشرة أثناء أزمة
الصواريخ الكوبية، وفي المد وصلت إلى الاتفاق على تقسيم مناطق نفوذ في بعض
بقاع العالم، وبين ذلك حصلت حروب بالوكالة كما حصل في فيتنام وأفغانستان.
وقد أتاحت حالة الحرب الباردة والصراع والتنافس العالمي على مناطق النفوذ وجود
هامش من الحرية لما سمي بـ (دول عدم الانحياز) مكّن كثيراً من الدول من
الاستقلال عن الدولتين الكبيرتين أو إحداهما.
ثم جاء الحدث الآخر الكبير وهو حرب الخليج الثانية في عام ١٩٩١م، وهي
حرب شبه عالمية لكن من طرف واحد ودون تكافؤ في القوى. وانتهت هذه الحرب
بانتصار أمريكي غربي أضيف إلى ذلك النصر التاريخي على المعسكر الشرقي.
وهذان الانتصاران أتاحا لأمريكا نوعاً من السيادة العالمية مستغلة تقدمها التقني
والاقتصادي وقوتها العسكرية في تكريس هذه السيادة. فبدأ في هذا الظرف
التاريخي ظهور مصطلحات جديدة مثل «العالم الجديد» ومثل «العولمة» . وهذا
المصطلح الأخير أخذ حظه من الانتشار باعتبار أنه يمثل حركة الهيمنة والسيادة
الغربية بأسلوبها الحضاري الجديد، وظهرت أعمال وكتابات كثيرة لدى الغربيين
تؤدلج هذه الفكرة مثل فكرة «نهاية التاريخ» ، وكذلك فكرة «صراع
الحضارات» وإن كانت سابقة لفكرة نهاية التاريخ إلا أنها شُهرت أخيراً.
تعاريف:
البعد الاقتصادي يأخذ النصيب الأكبر في أدبيات الكُتَّاب الغربيين عن العولمة
لقوة تأثيره على الدول والمجتمعات وارتباط كثير من المجالات به. وكمثال لذلك
كتاب: «فخ العولمة» ؛ فإنه يركز على البعد الاقتصادي وأثره على المجتمعات
الغربية. كما أن العولمة الاقتصادية هي المجال الوحيد الذي اتفق على تعريف له؛
حيث تبنى مؤتمر الأمم المتحدة للإدارة والتنمية UNCTAD تعريفاً لها يقوم على
فكرة فتح الأسواق والتبادل الحر وتقليل سلطة الدولة على حركة الاقتصاد. لكن هذا
المصطلح اكتسب فيما بعد دلالات استراتيجية وثقافية مهمة من خلال تطورات
عديدة بدأت منذ أوائل التسعينيات. ومن هنا لا نستطيع أن نتوقف عند هذه النظرة
والرؤية الجزئية للعولمة، وإن كانت مهمة. ولذا عبر كثير من المفكرين والكتاب
عن رؤية أشمل للعولمة. وهذه النظرة الشمولية بدأت تظهر أخيراً حتى على
الكتابات الغربية. ومن الطريف أن كاتبين غربيين أصدرا في عام ٢٠٠٠م كتاباً
بعنوان: «إعادة النظر في العولمات» هكذا بصيغة الجمع Rethinking
Globazation (s) .
ونستطيع أن نلخص أهم توصيفات العولمة وملامحها بما يلي:
هي التوجه الأيديولوجي لليبرالية الجديدة التي تركز على قوانين السوق،
والحرية المطلقة في انتقال البضائع والأموال والأشخاص والمعلومات في الاقتصاد،
وعلى فكرة الديمقراطية في البعد السياسي، وعلى مفهوم الحرية والمساواة
المطلقة في البعد الاجتماعي والأخلاقي. فهي نظام عالمي يشمل المجالات السياسية
والفكرية والثقافية والاجتماعية، كما يشمل مجال التسويق والمبادلات والاتصال.
ويرى بعضهم أنها فكرة تعبر بصورة غير مباشرة عن إرادة الهيمنة على
العالم وتغريبه أو أمركته مستغلة مظاهر وآليات التطور الحضاري الذي يشهده
العصر: فالهيمنة العسكرية بواسطة الأحلاف العسكرية ومنها حلف الأطلسي،
والسياسية بواسطة الهيمنة على مجلس الأمن، والاقتصادية من خلال المنظمات
الدولية الاقتصادية مثل منظمة التجارة العالمية، والاجتماعية من خلال مؤتمرات
دولية وإقليمية، والفكرية من خلال القوانين والاتفاقيات والصكوك الدولية في هذا
المجال؛ مدعومة بقوة دفع ضخمة بواسطة إمبراطوريات إعلامية وشبكة معلومات
دولية (إنترنت) يسيطر الغربيون على معظمها؛ حيث اعتبر بعضهم (جارودي)
العولمة هي الاسم الجديد للاستعمار.
وفي المقابل يرى بعض آخر أن العولمة هي اتجاه فطري للإنسان يتسارع
أثره مع تطور آليات الاتصال بين المجتمعات وتركيز الصناعات وتجاوز المجتمع
التقليدي، وأنها مظهر من مظاهر التطور الطبيعي الحضاري المعاصر، وأن
المجتمعات الأكثر حضارة تفيض على المجتمعات الأقل حضارة بشكل تلقائي عبر
قنوات تصل بين المنبع والمصب. فهو نظام رأسمالي أكثر تكاملاً وليس رسملة
للعالم بالمفهوم الغربي أو الأمريكي. وقد يعبر عن ذلك بطريقة أخرى فيقال: إن ما
يحدث هو إفراز من إفرازات الدولة الحضارية في لحظة تضخم قوتها في المجالات
المختلفة على العالم من حولها.
ويتفق عدد من المفكرين بأنها آلية يمكن أن تؤدي بشكل متسارع إلى نشوء
نظام عالمي جديد بواسطة ثلاثية التكنولوجيا ورأس المال والإدارة، وتشمل السياسة
والاقتصاد والثقافة والاجتماع والأعراف، ليؤسس القرية الكونية الجديدة التي تقوم
على ثورة الكمبيوتر والاتصالات والثورة المعلوماتية والأسواق المفتوحة والشركات
متعددة الجنسيات لتوحيد مصير الإنسانية.
هذه أهم الأدبيات في توصيف واقع العولمة ومستقبلها؛ على أن الساحة
الفكرية المنظِّرة لفكر العولمة لا تخلو من اتهام لمثل هذه الأطروحات موجه إلى
بعض نقاد العولمة وإلى بعض مؤيديها بالمبالغة.
السؤال الآن:
هل العولمة مظهر من مظاهر التطور الحضاري الطبيعي الذي يشهده العصر
ولكنه يتم بمقاييس الأقوياء؟ أم أنها عقيدة تعبر بصورة مباشرة عن إرادة الهيمنة
على العالم من قِبَل الأقوياء؟ ليكن الحال مزيجاً من الأمرين والنتيجة واحدة وهي:
سيطرة الأقوياء مادياً وحضارياً على الضعفاء مستخدمين قدراتهم وسبقهم في
توظيف آليات العولمة وثمار التقنية لصالحهم؛ حتى تتم عملية «تغريب العالم»
كما وصفها أحد الكتاب الغربيين أو «أمركة العالم» حسب وصف أحد الكتاب
المسلمين، وهو ما دعا الرئيس الأمريكي السابق كلينتون إلى أن يقول: «إن
أمريكا تؤمن بأن قيمها صالحة لكل الجنس البشري، وإننا نستشعر أن علينا التزاماً
مقدساً لتحويل العالم إلى صورتنا» .
مجالات العولمة:
تظهر العولمة في مجالات عديدة من مجالات الحياة التي تشكل شبكة العلاقات
الدولية المعاصرة، وأهم هذه المجالات:
أولاً: المجال الاقتصادي:
وترتكز العولمة فيه على فكرة وحدة السوق، وإزالة العوائق أمام حركة رأس
المال، وحرية الاقتصاد، واتخاذ الدولار معياراً للنقد، وتحويل المجتمعات إلى
مجتمعات منتجة هي مجتمعات الدول الصناعية، ومجتمعات مستهلكة هي مجتمعات
الدول الأخرى؛ حتى أصبح مظهر التأثر الاستهلاكي للعولمة هو لبس الجينز
وشرب الكوكا كولا وأكل الهمبرجر ومشاهدة المحطة الأخبارية CNN، وكلها نتاج
أمريكي، لدرجة أن الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتيران وقف يخطب في
الجموع المحتشدة محذراً من تفشي ظاهرة لبس بنطلون الجينز بين الشباب الفرنسي؛
لأنه مظهر من مظاهر الغزو الأمريكي.
وتستخدم العولمة الاقتصادية عدداً من الوسائل والآليات:
١- صندوق النقد الدولي والبنك الدولي: وهما منظمتان أمميتان. فالأول
يقوم على ضبط النقد الدولي واستقراره، والآخر يمارس عمليات الإقراض
ودراسات الجدوى في مجال الإنشاء والتعمير للدول المتضررة من الحروب والدول
الفقيرة ضمن شروط قاسية.
٢ - منظمة التجارة العالمية: من خلال قوانينها في السلع والخدمات وحقوق
الملكية الفكرية، ومن خلال هيئة فض المنازعات والتحكيم؛ حيث تحوَّل مفهوم
التجارة لدى المنظمة من مفهوم تقليدي إلى مفهوم يشمل البيئة والعمل وحقوق
الإنسان والعمال. وهذه المؤسسات الثلاث تشكل ثالوثاً خطيراً يمكن أن يمسك
بخناق الدول الفقيرة حتى يجعلها في تبعية شبه كاملة للغرب وشركاته.
٣ - الإعلام والدعاية الإعلامية: وهي من أوضح الوسائل لترويج المنتجات
الاستهلاكية، وتروج معها بشكل غير مباشر البيئات المطلوبة التي هي إفراز
للثقافة والمصالح الغربية، وتقوم إمبراطوريات إعلامية على خدمة الدعاية
والإعلان، وتنفق الشركات الكبرى مئات الملايين من الدولارات سنوياً على هذه
الخدمة.
٤ - الشركات المتعددة الجنسيات: التي نجح الكثير منها في الهيمنة على
السوق بنوعية منتجاتها وخدماتها، وبضخامة رأس مالها، وباندماجاتها.
ولقد شهد العالم اندماجات ضخمة بين شركات عملاقة Mega Mergers
فمثلاً:
أ - في مجال السيارات: اندمجت مرسيدس مع كرايزلر.
ب - وفي مجال النفط: اندمجت شركة أكسون مع شركة موبيل.
ج - وفي مجال الاتصالات: اندمجت شركة AT& T مع برتش تلكوم.
د - وفي المجال المصرفي: اندمج Citi corp مع Travelers group.
ويكفي أن نعلم أن رأسمال الشركات المندمجة في مجال الحاسبات فقط على
مستوى العالم قد قفز إلى ٢٤٦ مليار دولار عام ١٩٩٩م بينما كان ٢١ مليار دولار
عام ١٩٨٨ م.
وهناك صناعات أخرى لم تذكر: كالتأمين، وصناعات الطائرات المدنية
والحربية. وفي المجالات المذكورة أمثلة أخرى مهمة جداً.
وقد يكون من المناسب التذكير بالتغير الذي طرأ على موقف الحكومات
الغربية من مثل تلك الممارسات؛ فقد كانت تلك الممارسات تعد صيغة احتكارية
يمنع منها القانون. ولكن اللعبة تغيرت، والسوق كبرت، وأصبح التحدي ليس
محلياً، بل ولا غربياً، بل على مستوى العالم كله، مما حدا بالدول الغربية إلى
تجاوز الفهم التقليدي للاحتكار في أسواقها لمساعدة شركاتها للحصول على نصيب
أكبر من السوق العالمية.
ثانياً: المجال الاجتماعي:
وذلك بتنميط العالم على نحو من نمط المجتمعات الغربية (تغريب العالم)
وبالذات أمريكا (الأمركة) ؛ وذلك بنقل قيم المجتمع الغربي والأمريكي بالذات
ليكون المثال والقدوة، سواء ما نقل منها بإرادة مقصودة، أو ما انتقل منها نتيجة
طبيعية لرغبة تقليد الغالب؛ لأن الأمة المغلوبة مولعة بتقليد الغالب؛ كما قال ابن
خلدون. وتسلك العولمة الاجتماعية وسائل لذلك منها:
أ - المؤتمرات الدولية في مجال المرأة والشباب والأطفال والسكان والتنمية
الاجتماعية والمستوطنات البشرية، التي شهدتها حقبة التسعينيات بشكل كبير وما
زالت متواصلة؛ حيث تطرح وثائقها وتوصياتها نموذج الحياة الاجتماعية الغربية.
ومثالاً على ذلك ما طرح في وثيقتي مؤتمر السكان في القاهرة ومؤتمر بكين عن
المرأة.
ب - نقل السلوكيات والعادات الغربية من خلال المواد الإعلامية في القنوات
الفضائية وشبكة الإنترنت. والمثال على ذلك عيد الحب Valentine، وهي عادة
غربية ذات أصول دينية وثنية وأخلاقية غربية، وقد بدأ ينتشر حتى في المجتمعات
المحافظة كدول الخليج.
ثالثاً: المجال الفكري والثقافي:
وذلك بترويج الأيديولوجيات الفكرية الغربية، وفرضها في الواقع من خلال
الضغوط السياسية والإعلامية والاقتصادية والعسكرية أيضاً؛ وذلك في مجالات عدة
كحقوق الإنسان، والديمقراطية، وحقوق الأقليات، وحرية الرأي. وتستخدم في
ذلك آليات ووسائل منها:
أ - إصدار الصكوك والاتفاقيات الدولية المصاغة بوجهة نظر غربية
والضغط من أجل التوقيع عليها، مثل (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مكافحة
التمييز ضد المرأة.. إلخ) . وهذه الاتفاقيات وإن كان فيها بعض الحق إلا أن فيها
الباطل، ويكفي أنها مصاغة بوجهة نظر غربية صرفة.
ب - إصدار القوانين من أجل استخدامها ضد دول العالم الثالث باسم حماية
الأقليات، مثل قانون التحرر من الاضطهاد الديني الصادر عن الكونجرس
الأمريكي.
ج - إصدار التقارير الدورية للضغط الإعلامي والسياسي والاقتصادي على
المجتمعات الأخرى، مثل إصدارات الكونجرس الأمريكي ووزارة الخارجية
الأمريكية الدورية، وإصدارات المنظمات العالمية الكبرى الدورية، بل حتى
الشركات التي تعنى بالتصنيف الائتماني (أي الملاءة المالية) للدول؛ حيث تستغل
لصالح الدول والبنوك والمؤسسات المالية الغربية.
رابعاً: المجال السياسي:
وذلك من خلال استخدام الأمم المتحدة بعد الهيمنة عليها وعلى مؤسساتها
السياسية المؤثرة خاصة مجلس الأمن الذي تعتبر قرارته ملزمة عالمياً، واستخدام
حق النقض (الفيتو) المجحف عند الضرورة أو التلويح باستخدامه لمنع أي قرار
لا يريده الغرب وخاصة أمريكا. ولعل ما يجري الآن من تعسف أمريكي بدعم
بريطاني ومجاملة من بقية الأعضاء الدائمين في استعمال هذه المنظمة العالمية
لتكريس هيمنة أمريكا دليل على ذلك. وما كشفه بطرس غالي الأمين العام السابق
للأمم المتحدة في كتابه: «بيت من زجاج» بعد خلافه مع أمريكا هو غيض من
فيض.
خامساً: المجال العسكري:
وذلك من خلال الأحلاف والمعاهدات العسكرية التي تعقدها الدول الكبرى
وبالذات أمريكا مع الدول الصغيرة، ومن خلال الأحلاف الإقليمية التي تكون هذه
الدول طرفاً فيها، وكذلك من خلال حلف الأطلسي الذي حددت أهدافه تجاه الجنوب
بعد أن كان تجاه الشرق بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي
وانحلال حلف وارسو.
آليات العولمة التقنية:
وهي الوسائل التقنية التي تعتبر ثمرة المعرفة العلمية، ونتاجاً للثورة التقنية
الضخمة التي يشهدها الغرب؛ حيث تضاعفت الاختراعات التقنية بشكل كبير ربما
يصل إلى معدل اختراع أو اكتشاف جديد كل دقيقتين. وأبرز مجال يشهد ثورة
تقنية ضخمة هو مجال الاتصالات. ومن مظاهر ذلك ما يلي:
- سوف يدور قريباً حول الأرض حوالي ٢٠٠٠ قمر صناعي للاتصالات
المدنية سوى أقمار التجسس والأقمار ذات الأغراض العسكرية. ويكفي أن نعرف
أن (بل جيتس) صاحب شركة مايكروسوفت وعد بمفرده بإطلاق ٥٠٠ قمر
صناعي لخدمة الاتصالات ونقل المعلومات.
- تضاعف استخدام هذه التقنية عالمياً حتى جاوز الوقت الذي استهلك في
الاتصالات ٦٠ مليار دقيقة في عام ١٩٩٥م، وتضاعف سوقها حتى قارب الآن من
نصف مليار دولار سنوياً، ويزداد بنسبة ١٠% سنوياً.
- ستقل تكلفة الاتصالات إلى أن تصبح شبه مجانية في غضون السنوات
العشر القادمة. فعن طريق الإنترنت الآن بإمكان أي شخص في منطقة الخليج
الاتصال بأوروبا وأمريكا بتكلفة لا تزيد عن ٤ سنتات للدقيقة.
- صرحت شركة كيوويست Qwest للاتصالات الأمريكية أن نظامها التقني
الحديث يستطيع نقل كم هائل من المعلومات يوازي ما تحويه مكتبة الكونجرس من
واشنطن إلى أي مكان في العالم خلال مدة لا تتجاوز عشرين ثانية.
- التطور التقني القادم سيشمل أجهزة التلفاز خاصة بعد تطوير الشاشة عالية
الوضوح (High definition TV) . وسيكون الدخول إلى الإنترنت عن طريق
التلفاز والتحكم بالبرامج أسهل. وقد بدأت الكثير من القنوات التلفزيونية بث
برامجها عبر شبكة الإنترنت Web TV مثل قناة CNN، وقناة الجزيرة،
وغيرهما.
- ومع تطور كاميرات الفيديو الرقمية سيكون بإمكان الأشخاص العاديين بث
برامج ومعلومات عبر قنوات ومحطات شخصية خاصة بهم كما هو الحال في مواقع
شبكة الإنترنت.
- وفي مجال الإنترنت وهي الشبكة التي حطمت القيود والحواجز وحققت
وحدة معلوماتية نرى أهمية هذه الشبكة وخطورتها من خلال سعتها ومحتوياتها
وحرية استخدامها وسهولته، ومن ذلك:
- مستخدمو الإنترنت حوالي ٥٠٠ مليون مستخدم؛ كما أن مواقع الإنترنت
Web Sites التجارية والحكومية والخاصة قد زادت على ٢٠٠ مليون موقع
(عام ١٩٩٩ م) ، وهي تزداد يومياً بشكل سريع.
- طرحت بدائل جديدة للتجارة تسمى الآن التجارة الإلكترونية
Commerce E-ونشأت الأسواق الإلكترونية، وتحققت وحدة للسوق
العالمي وضُخت مليارات الدولارات في هذا السوق. ولمثل هذا الغرض أنشأت
إمارة دبي مدينة الإنترنت. وقد يكون هذا بعض معنى ما روي عن النبي صلى الله
عليه وسلم في تقارب الأسواق في آخر الزمان.
- زادت صفحات الإنترنت (في نهاية عام ٢٠٠٠م) على ٥ر١ مليار
صفحة، والمستخدمون العرب أقل من ١% من مجموع المستخدمين.
- محركات البحث لا تغطي سوى ١٥% من سعة الشبكة؛ فمحرك ياهو
Yahoo مثلاً لا يغطي إلا حوالي ٥ر٧% تقريباً من الشبكة.
ومع أن هذه الإحصائيات ليست دقيقة؛ وذلك لصعوبة تحقيق ذلك في مثل
نظام الشبكة، لكن المقصود هو تقريب الصورة.
مخاطر العولمة:
للعولمة مخاطر ضخمة ومفاسد جمة من خلال تحوُّل العالم إلى غابة إلكترونية
يستعلي فيها الكبار على الصغار؛ وتظهر هذه المخاطر داخل المجتمع للدولة
الواحدة، وكذلك داخل المجتمع العالمي. ومن أهم المخاطر:
الخطر المجتمعي:
يحذر علماء الإصلاح الاجتماعي من أن أسوأ ما يقع على الأمم هو انقسام
مجتمعها إلى طبقات الأغنياء والفقراء، وأن الآثار السيئة لتكدس الأموال في أيدي
قلة من الناس تسبب تسلطهم وتحكمهم في مصير الكثرة، وتسخرهم لخدمتهم بغير
حق. وكمثال لذلك أمريكا ذات النظام الديمقراطي، وكيف يؤثر المال على امتلاك
وسائل الإعلام ومن ثم التأثير على العملية الانتخابية؛ بحيث لا تعبر في النهاية عن
رأي الأغلبية. ولهذا كان منهج الإسلام هو وجود تشريعات تمنع أن يبقى المال
دُولة بين الأغنياء؛ وقد ظهرت الطبقية والاحتكار من خلال إيجاد آليات وهياكل
ومؤسسات اجتماعية، سواء كانت اقتصادية أو قانونية أو تشريعية، يتم من خلالها
توجيه المال والسلطة والتأثير للأغنياء دون الفقراء، وتكرس انعدام الفرص أمام
الفقراء في مزاحمة الأغنياء. بل ويكون المال والغنى معياراً لكثير من المناصب
والمهام. ومن ذلك التشريعات الخاصة ببعض الأسواق التجارية والبورصات
والتشريعات القانونية (غير المكتوبة) في أمريكا والمنحازة إلى فئة دون أخرى،
ومن ذلك ما يظهر في طبيعة هيكلة الأحزاب السياسية. وقد حذرت مجلة
Foreign Affairs الأمريكية في عدد سابق من نشوب ثورة اجتماعية عالمية بعد
نقدها لفكرة العولمة؛ لأنها تترك وراءها الملايين من العمال الساخطين، وحالات
اللامساواة، والبطالة، والفقر المستوطن، واختلال التوازن الاجتماعي، بالإضافة
إلى تخلي الدولة عن مواطنيها، ونشوء الطبقية الفاحشة داخل مجتمع الدولة الواحدة
كذلك تسبب تكريس الهوة بين الدول النامية والدول المتقدمة وبين أغنياء العالم
وفقرائه.
ومن مظاهر الخطر الاجتماعي:
- ثلاثة أغنى أغنياء أمريكا ثروتهم أكثر من ثروة قارة إفريقيا كلها التي فيها
٦٠٠ مليون نسمة.
- ٣٠% من سكان العالم دخلهم اليومي يقل عن دولارين، و٢٠% من سكان
العالم يقل دخلهم اليومي عن دولار واحد، وكلهم من الدول النامية.
- ٢٠% من سكان العالم يملكون ٨٠% من ثروته، والباقي من السكان
يملكون الباقي من الثروة.
- حركة المال العالمي اليومي تزيد على ١٠ تريليون دولار يملك معظمه عدد
محدود من الشركات والأشخاص في هذا العالم، معظمهم في العالم الغربي.
- التجارة الإلكترونية (السوق الإلكتروني) شبه محتكرة للغربيين خاصة
أمريكا التي تحصل على نصيب الأسد من هذه التجارة، حيث بلغت حصتها من
هذه السوق نسبة قريبة من النصف والباقي لبقية العالم وخاصة الدول الغربية
الأخرى، بينما الدول النامية لا تحصل إلا على واحد بالألف.
- خمس دول غربية فيها ١٧٢ شركة من أصل ٢٠٠ شركة كبرى في العالم،
وهي أمريكا، واليابان، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا.
- في العالم ٣٥٨ شخصاً يملكون ما يملك ٤٥% من سكان العالم أي ٦ر٢
مليار شخصاً.
- هناك توقعات بازدياد البطالة والفقر مستقبلاً؛ فحوالي ٣٠% من طاقات
العمل تكفي عندما تدخل التقنية الإلكترونية في الإدارة وفي سوق العمل.
- الأرباح المتوقعة من اتفاقيات منظمة التجارة العالمية قد تصل إلى ٢٠٠
مليار دولار، معظمها يذهب إلى الشركات الغربية بينما لن يحصل العالم العربي إلا
على ١% منها.
- كل خمس دولارات في العالم يملك الغرب أربعة منها ويترك دولاراً واحداً
فقط لبقية المناطق.
- وفي مجال التكنولوجيا نجد أن ٤٠% من كمبيوترات العالم توجد في أمريكا؛
بينما نجد واحداً من كل ثلاثمائة أفريقي يملك خطاً هاتفياً واحداً، ونجد أن ٨٠ %
من مالكي الهواتف الخلوية هم من العالم الغني بينما توصف بنغلادش بأنها صحراء
هاتفية.
الخطر الثقافي:
محاولة صهر الثقافات الموجودة في ثقافة واحدة هي الثقافة الغربية وبالذات
الأمريكية، وجعلها النموذج العالمي مستغلة التقدم التكنولوجي في مجال الاتصالات،
وما ترسله عبر الفضائيات من سيل جارف من المواد الإعلامية، وتفريغ العالم
من الهوية الوطنية والقومية والدينية.
ومن مظاهر ذلك أيضاً:
- يوجد في العالم ٦٠٠٠ لغة، لكن ٩٠% من برامج الإنترنت تبث باللغة
الإنجليزية مما يسبب تهميشاً للغات الأخرى حتى الحية منها؛ مما دعا الرئيس
الفرنسي شيراك إلى الدعوة إلى إقامة تحالف بين الدول التي تعتمد لغات من أصل
لاتيني للتصدي بشكل أفضل لهيمنة اللغة الإنجليزية لدى افتتاحه منتدى حول
تحديات العولمة في ٢٠/٣/٢٠٠١م. ومن المعلوم أن الوكالة الفرنكفونية والمنظمة
الدولية للفرنكفونية أُنشئتا لهذا السبب. كما أفادت دراسة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة
نشرت في ٨/٢/٢٠٠١م أن نصف اللغات المحلية في العالم في طريقها للزوال،
وحذرت الدراسة من أن ٩٠% من اللغات المحلية سوف تختفي في القرن الحادي
والعشرين.
- استخدام بعض الصكوك الدولية والقوانين عند بعض الدول للضغط من أجل
تغيير الهويات وصهر الثقافات، وكمثال على ذلك قانون (التحرر من الاضطهاد
الديني) الأمريكي الذي تستخدمه في التدخل بشؤون العالم الإسلامي بدعوى حماية
الأقليات، وإتاحة حرية ممارسة العبادة وإقامة دور لها.
- الآثار الثقافية السلبية التي يمكن أن تنشأ من السير في فلك منظمة التجارة
العالمية؛ حيث تتيح تفسيرات قوانينها الاعتداء على الخصوصيات الثقافية بدعوى
تسهيل انسياب حركة التجارة العالمية.
الخطر الأخلاقي:
- وذلك بما يبث عبر شبكات التلفزة والإنترنت من أفلام جنسية ومواد
إعلامية تروج الفاحشة والرذيلة. وقد بلغ هذا النوع من المواد والأفلام من الكثرة
لدرجة أن ألمانيا التي يسمح قانونها بعرض العملية الجنسية على المسرح مباشرة
أمام المشاهدين قامت بإغلاق ٢٠٠ موقع إباحي عام ١٩٩٦م. وبلغت تلك البرامج
رواجاً كبيراً لدرجة أن استفتاءً في بريطانيا أظهر أن نسبة ١: ٣ من طلاب
المدارس الثانوية يشاهدون أفلاماً إباحية.
- هناك نصف مليون موقع على الإنترنت تتعامل مع الصور المخلة بالآداب،
وتشرح طرق استعمال المخدرات، ووسائل استخدام العنف (١٩٩٧م) .
- استخدام جسد المرأة أداة نفعية مادية؛ وذلك بتضخيم الجانب الشهواني؛
حيث تعتبر المرأة سلعة يمكن تسويقها من خلال العروض التلفزيونية والإعلانات.
وكذلك تعتبر المرأة آلة لتسويق السلع الاستهلاكية لمستحضرات التجميل والأزياء،
ويظهر ذلك من خلال عروض الأزياء، ومسابقات ملكات الجمال، وقد توسعت
مسابقات ملكات الجمال لتشمل ملكات جمال الإنترنت.
الخطر الاجتماعي:
ويتمثل ذلك بمحاولات الدول الغربية تحت مظلة الأمم المتحدة أن تفرض
أنموذجها الاجتماعي، وأن تفرض على العالم قيم المجتمع الغربي المختلة في مجال
الأسرة والمرأة من خلال المؤتمرات الدولية في المجالات الاجتماعية المختلفة،
ومن خلال المؤتمرات الإقليمية ولجان المتابعة لتوصيات هذه المؤتمرات المتعددة
والمنتشرة، والتي تدعو إلى اعتماد النموذج الغربي في الحياة الاجتماعية والسكان،
كما أن توصيات هذه المؤتمرات قد تصل إلى ما يشبه القرارات الملزمة.
ومن أبرز توصيات هذه المؤتمرات:
- الحرية الجنسية وإباحة العلاقات الجنسية خارج إطار الأسرة، وتقليل قيمة
الزواج.
- تكريس المفهوم الغربي للأسرة، وهو أنها تتكون من شخصين فأكثر ولو
كانا من نوع واحد.
- إباحة الشذوذ الجنسي بكل أنواعه، ومن المعلوم أنه مُقَرٌّ في بعض القوانين
الغربية.
- فرض مفهوم المساواة الشكلي بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات
والحياة العامة.
ومن مظاهر الاستجابة لهذه العولمة الاجتماعية في العالم العربي نلاحظ:
- تزايد النشاط النسوي الوافد بما يحمله من فكر تغريبي، ومثاله: الخطة
الوطنية لإدماج المرأة في التنمية في المغرب (٢٠٠٠م) .
- الاتجاه لإعادة النظر في قوانين الأسرة في العالم الإسلامي، كما حصل في
مصر أخيراً.
- تزايد التمويل الأجنبي المشبوه لمنظمات وهيئات نسوية أو معنية بشؤون
الأسرة والمرأة.
- طرح مناقشات وبرامج حول المرأة في المجتمعات المحافظة، كما حصل
في بعض دول الخليج أخيراً.
خطر الفوضى العالمية وعدم السيطرة:
تتيح التقنية وسائل جديدة للمجرمين واللصوص وتجار المخدرات؛ حيث إن
توحد السوق وضخامة ما يضخ فيه من مال يغطي عمليات السرقة وغسيل الأموال،
فتكثر عصابات المافيا وأساليب الاحتيال، وقد تغري بدخول أجهزة استخبارات
لبعض الدول وسط معمعة الفوضى لتحقيق أغراض مالية أو سياسية. ومن مظاهر
ذلك:
- مواقع على الإنترنت فيها إرشادات للإرهابيين؛ حتى وصل الأمر إلى أن
يناقش هذا الموضوع في الكونجرس الأمريكي تحت عنوان: «الإنترنت وعلاقته
بالإرهاب» .
- عشرات الألوف من المواقع على الإنترنت تشرح طرق استعمال المخدرات
ووسائل استخدام العنف.
- سرقة البرامج؛ حيث قدرت قيمة البرامج المسروقة في عام ١٩٩٣م
ببليوني دولار.
- سرقة أرقام بطاقات الائتمان؛ حيث قامت عصابة واحدة بسرقة ٠٠٠.
١٤٠ بطاقة عام ١٩٩٤م، وتم نشرها على لوائح.
- إفساد البرامج داخل أنظمة الكمبيوتر. وبحكم ترابط شبكات الكمبيوتر
والمعلومات يعظم الإفساد. وكمثال قريب لذلك فيروس «الحب» . وما زالت
محاولات نشر الفيروسيات عبر الإنترنت والبريد الإلكتروني مستمرة.
هذه جوانب من المخاطر، وهناك جوانب أخرى لم نتطرق إليها لوضوحها
للمراقب والمتابع، ومنها خطر العولمة الاقتصادية ذلك الغول الخطير الذي يهدد
دول الجنوب عامة، ويمكن أن يحولها إلى شبه ملكية خاصة للشركات الغرببة
العملاقة المتعددة الجنسيات.
مستقبل العولمة:
يظهر والله أعلم أن هيمنة الغرب وبالذات أمريكا الدولة المركزية على عملية
العولمة لن تستمر طويلاً؛ وذلك بحسب استشراف الأمريكان أنفسهم لمستقبل
دولتهم، وإن كانت ستبقى ذات مركز عالمي مهم لكن ليس مهيمناً، للأسباب
الآتية:
١ - أن فكرة العولمة ليست مثاقفة بين المجتمعات وحواراً بين الحضارات،
والتي من شأنها أن تتلاقح فيها الحضارات مع الاحتفاظ بالخصوصيات، وإنما هي
هيمنة نمط حضارة واحدة بكل ما تحمله من ازدواجية في المعايير، وتناقض في
القيم، وفوضى في الحياة الاجتماعية، وهذا يؤدي إلى روح المقاومة والمغالبة من
الآخرين، عندما تبدأ عملية الاختراق والتحدي الثقافي والفكري والاقتصادي
والسياسي.
٢ - أن طبيعة الإنسان عندما يملك القوة ولا يضبطه منهج رباني، ولا يجد
مقاومة مكافئة فهو كما قال الله تعالى عنه: [إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً] (الأحزاب:
٧٢) ، وقال: [إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ
الخَيْرُ مَنُوعاً] (المعارج: ١٩-٢١) . ولذلك سيكثر الظلم والبغي والابتزاز
ومحاولة السيطرة على موارد الآخرين من قِبَل الأقوياء. وأما دعاوى الحرية
والمساواة وحقوق الإنسان فتلك داخل مجتمعاتهم، وتستخدم خارجها من أجل مزيد
من الهيمنة في الغالب، وهذا سيزيد من حجم العداء وإثارة روح المقاومة.
٣ - أن أيديولوجية العولمة التي تقوم على الترغيب بمجتمع الليبرالية الغربية
كما في فكرة (نهاية التاريخ) عند فوكوياما، وعلى الترهيب من الصدام الحضاري
كما في أطروحة (صدام الحضارات) عند هنتنجتون، وهما مفكران أمريكيان
يستشرفان علاقة الغرب بالعالم الآخر، هما فكرتان توحيان بأن هذه الأيديولوجية
التي تسعى إلى محاولة إلغاء الخصوصيات الحضارية بالترغيب والترهيب يخالف
طبيعة الأشياء، مما يسبب قيام تيار معاكس في كل حضارة، وبالذات الحضارات
التي تملك عناصر القوة والمنعة، ثم يحصل الصراع الذي يعتقده هنتنجتون،
والإسلام في طليعة تلك الحضارات، وخاصة في ظل استهداف الإسلام بخصومة
ضخمة بالرغم من حالة ضعف المسلمين.
٤ - إن توقع أن العالم سيتحول إلى ولايات أمريكية كما يعتقد أحد مؤلفي
«فخ العولمة» في ندوة له بالرياض هذا العام هو مخالف للسنة الإلهية التي تحكم
هذا الكون، ولسنة التدافع والصراع التي تحكم العلاقة بين الحق والباطل منذ
وجود الإنسان على هذه الأرض. فالاختلاف والتدافع والصراع كانت من سمات
الحياة البشرية عبر التاريخ بسبب الاختلاف بين الحق الذي جاء به الأنبياء والباطل
الذي تدعو إليه الشياطين، أو بسبب نوازع النفس البشرية وأنانيتها وعنصريتها
وظلمها وبغيها على الآخرين. قال الله تعالى: [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم
بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ] (البقرة: ٢٥١) وقال تعالى: [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ
بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً]
(الحج: ٤٠) ، وقال تعالى: [وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ
مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ] (هود: ١١٨-١١٩) .
٥ - إن وجود الطائفة المنصورة التي أخبر عنها النبي ﷺ
إلى نهاية الزمان والتي هي بعض قدر الله في هذه الأرض يتناقض مع الدعوى
العريضة لهذه العولمة والمبشرين بها. بل فيه إشارة إلى أن ظهور هذه الطائفة
سيكون في بعض المراحل على ظلمات وظلم هذه العولمة، وأن عدم تضررهم بمن
خالفهم وخذلهم إشارة إلى بعض الفئام من المسلمين الذين سيركبون قطارها.
وعلى أرض الواقع نشاهد ما يلي:
١ - المشكلات الداخلية مثل التفكك الأسري المخدرات الطبقية: ٦٠مليون
في أمريكا تحت خط الفقر، وفي الاتحاد الأوروبي ٥٠ مليون تحت خط الفقر،
وفي أمريكا ١% من الناس يملكون ٤٠% من الثروة.
٢ - الأمراض الناتجة من التحلل الأخلاقي (الإيدز) : تشير تقديرات
منظمة الصحة العالمية (الغرب له نصيب كبير من هذه الأرقام) :
- حتى عام ٢٠٠٠م هناك ٤٠ مليون مصاب بالإيدز، والنساء أكثر إصابة
بهذا المرض.
- عدد المتوفين بسبب الإيدز منذ بداية المرض في أواخر السبعينيات حتى
عام ٢٠٠٠م حوالي ٢٢ مليون، أكثر من ٤ ملايين منهم من الأطفال.
- ٢٥٠ مليون حالة جديدة من حالات الإصابة بأمراض انتقلت عن طريق
الاتصال الجنسي.
٣ - الفوضى الأخلاقية:
وهي إحدى مظاهر القصور في مجتمعات الحضارة المعاصرة، وهذا المظهر
مع غيره من جوانب قصور أخرى تخفف من بريق هذه المجتمعات وتزهد فيها،
ومن أمثلة ذلك:
- في بعض الدول الأوروبية ٦٥% من النساء العاملات يتعرضن للتحرش
الجنسي في أماكن عملهن، وعلى مستوى كل دول الاتحاد الأوروبي تبلغ النسبة
٣٥%، وهذا بحسب مسؤولة التوظيف والسياسة الاجتماعية في المجلس الأوروبي
في بروكسل.
- حوالي ١٨% من النساء في أمريكا اغتصبن أو تعرضن لمحاولة اغتصاب
في مرحلة من مراحل عمرهن، وأكثر من نصف الضحايا كن تحت سن ١٧ سنة
عندما تعرضن للاغتصاب للمرة الأولى، وهذا بحسب دراسة أعدت بتكليف من
وزارات العدل والصحة والشؤون الاجتماعية في أمريكا.
- كثر التحرش الجنسي في السنوات الأخيرة في اليابان حتى بات من
الضروري وضع قانون وطني لمكافحته، وذلك بحسب رأي خبيرة القضايا القانونية
في الحزب الديمقراطي. وجاء في هذا الصدد أن شركة القطارات في اليابان تفكر
جدياً بتخصيص عربات خاصة بالنساء، وقد بدأ تطبيق ذلك أخيراً، علماً أن
عربات النساء الليلية موجودة منذ سنين.
٤ - ظهور ملامح صراع بين أمريكا وبعض الدول الغربية بسبب الاختراق
الثقافي والاقتصادي كما حصل مع فرنسا ومع كندا عندما احتجتا على الهيمنة
الأمريكية على حساب الثقافة المحلية والامتيازات الاقتصادية. وسبق ذكر موقف
الرئيس الفرنسي السابق ميتيران من ظاهرة لبس الجينز، وموقف الرئيس شيراك
من الغزو اللغوي.
٥ - توقع ظهور مراكز قوى جديدة عسكرية واقتصادية (الصين، الاتحاد
الأوروبي، اليابان) يمكن أن تنافس أمريكا وتنهي بذلك حقبة القطبية الأحادية؛
وخاصة مع ما يتوقع من أن أمريكا ستبدأ مرحلة انكفاء على الذات على حساب
الهيمنة العالمية في غضون السنوات العشرين القادمة حسب دراسات أمريكية.
٦ - مقاومة العديد من دول العالم خاصة النامية للعولمة أو على الأقل عدم
الاستسلام لشروطها القاسية؛ وذلك لما ترى لها من أثر على تقليص السيادة الوطنية
في مجال صنع السياسات الاقتصادية وغيرها؛ وخاصة أن هذه الدول ترى أن
الأزمات المالية والاقتصادية الطاحنة التي ألمت بالمكسيك عام ١٩٩٤م، والبرازيل
عام ١٩٩٩م وفي غيرهما كانت نتيجة حتمية للعولمة والاندفاع إلى الاندماج فيها
دون قيد وشرط، وأن الطبقية التي تحصل في بعض الدول كمصر، والمتوقعة في
أخرى كدول الخليج التي سارت في قطار العولمة أو التي تستعد لركوبه مؤشر آخر
على ذلك. وكمثال على ذلك السعودية التي كان من المقرر أن تنضم لمنظمة
التجارة العالمية في نهاية عام ٢٠٠٠م، لكنها قاومت الانصياع للشروط واستمرت
في المفاوضات إلى الآن.
٧ - الأزمات العسكرية والثقافية والاجتماعية والشعور بالتفكك الداخلي لدى
الغرب تزداد عمقاً، كما أنه يزداد عجزاً عن فرض سياسته، وإن تم له ذلك
فبتكاليف باهظة.
٨ - ازدياد وعي جماهير العالم الثالث وخاصة العالم الإسلامي، وازدياد فهم
النخب لقواعد اللعبة الدولية، وبروز روح تمرد عند دوله على الهيمنة الغربية
(نموذج ليبيا في ما يسمى مشكلة لوكربي) ، حيث تمردت دول منظمة الوحدة
الأفريقية على الحصار الجوي المفروض على ليبيا، وتهديد الدول العربية بالتمرد
أيضاً كما في توصيات مؤتمر القمة العربي في عمان.
٩ - إخفاق بعض الأطروحات الغربية (تحرير المرأة) في تلك المجتمعات
لدرجة أن باحثة أمريكية أصدرت كتاباً باسم: «أخوات في الجريمة» ترى أن
تحرر المرأة سوف يزيد من إجرامها، وأنه يمكن التعامل مع الحالة الإجرامية
للمرأة كمؤشر على درجة التحرر التي تحققها في المجتمع. وأوردت بعض
الإحصائيات التي تدعم وجهة نظرها، وكمثال لذلك خريطة النساء في البرلمانات:
إحصائية عام ١٩٩٣م الصادرة عن الاتحاد البرلماني الدولي:
أمريكا ١١% بريطانيا ٩% فرنسا ٦%
روسيا ٨% اليابان ٢% مصر٢% تركيا ٢%
ويمكن القول إن معدل وجود المرأة في البرلمانات والمجالس الشعبية في العالم هو
١٠% بالرغم من الدعاوى والجهود المبذولة منذ مطلع القرن من أجل تحقيق مساواة
بين الرجل والمرأة وإلغاء التخصص بين الجنسين على أساس وظيفي.
١٠ - مصيدة الديمقراطية وحقوق الإنسان جعلت الغرب يظهر بعدم صدقه
فيما يدعو له، وبأنه صاحب معايير مزدوجة، وهو كذلك كما حصل مع الصين
ومع الاتحاد السوفييتي أيام الحرب الباردة، وهو كذلك الآن عندما تأتي الديمقراطية
بخصوم الغرب إلى الحكم أو تأتي حقوق الإنسان على حساب بعض أصدقائهم في
دول العالم الثالث، ولذا سكت الغرب عن انقلاب العسكر على الديمقراطية في كل
من نيجيريا والجزائر، وهذا يظهر الغرب بعدم صدقه في ادعائه حماية القيم.
١١ - ظهور بوادر إخفاق وعود العولمة ومبشريها في تقليل الفجوة بين
الشمال والجنوب على مستوى العالم وعلى مستوى الدولة الواحدة؛ فالعولمة تمنح
الفرص للشريحة الغنية الضيقة وتظل الشرائح الكبيرة على مستوى الدول والأفراد
تعاني ويلات العولمة مما يعني تكريس الظلم واللامساواة الاجتماعية. ومن طريف
ما كتب في كتاب: (عالم منفلت Runway World) أن العولمة التي توصف
بأنها حولت العالم إلى قرية معولمة صغيرة global village قد حولته أيضاً إلى
عملية نهب معولمة صغيرة global pillage.
١٢ - ظهور تيار عالمي مناوئ للعولمة له جمعياته ومنظماته ومنتدياته داخل
الدول الصناعية مثل المنتدى الاجتماعي العالمي المناهض لمنتدى (دافوس)
والتنسيق العالمي المناهض لمنظمة التجارة العالمية. ويقوم هذا التيار بدور التوعية
بمخاطرها وآثارها السيئة على المجتمعات، ويحاول الاحتجاج عليها وإبطال أي
فعالية لدفع ودعم تيارها مثلما حدث في (سياتل، ودافوس، ومونتريال، وجنوا
أخيراً) . وتظهر عدائية عدد من منظمات المجتمع المدني الغربي للعولمة في
الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أقوى كالمنظمات العمالية واتحادات الشغل التي
تراقب أثر عولمة الاقتصاد على معدلات أجور العمال وعلى نسبة البطالة.
كيف نستثمر آليات العولمة؟
كما أن للعولمة أخطارها الضخمة فإن هناك كثيراً من المكاسب والفرص التي
هي جزء من الحركة الفاعلة والإيقاع السريع لمعطيات العصر؛ فالموقف العقلاني
الرشيد ليس فقط المقاومة، وإنما نضيف إلى ذلك ما ينبغي أن يكون عليه موقفنا من
استثمار الفرص السانحة باستخدام آليات العولمة بما يخدم المسلمين ويحافظ على
هويتهم ويبرز موقفهم ويحمي كيانهم. ومن أمثلة هذا الاستثمار:
في مجال الإعلام والاتصالات:
- إن سهولة الاتصالات ونقل المعلومات ستُحدِث نقلة نوعية في أساليب
الإدارة والعمل، فيستطيع الأفراد العمل من منازلهم في بعض الوظائف. وقد بدأت
عدد من الشركات الأمريكية والأوروبية بتخصيص أوقات معينة لكي ينجز
الموظفون أعمالهم الموكلة بهم من منازلهم دون الحاجة للحضور، وأغلب الذين
يعملون بهذا الأسلوب من النساء. فهذا الأسلوب سيتيح الفرصة أمام الأسر
المحافظة والمجتمعات المحافظة لإنجاز أعمال كثيرة عن طريق الإنترنت دون
الحاجة لخروج المرأة من منزلها وترك بيتها وأطفالها، وخاصة إذا علمنا أن نسبة
استخدام النساء للإنترنت في مجتمع محافظ كالسعودية نسبة عالية بحسب إحصائية
أخيرة.
- تحرير وسائل الإعلام وتطورها وسهولة امتلاكها وإنشاء القرى الإلكترونية
الحرة سيتيح مجالاً لأي فرد أو مجموعة أو منظمة تريد أن تقيم محطات فضائية أو
وسائل إعلام أخرى لنشر الإسلام والدعوة إلى الله، ونشر العلم، والدفاع عن
المسلمين، والرد على الشبهات بحرية دون وصاية أو رقابة رسمية أو الخضوع
لأنظمة مقيدة، ومن أمثلة ذلك الجهود الحثيثة في أكثر من جهة لإنشاء قنوات
فضائية إسلامية مستقلة داخل القرى الإعلامية الحرة المقامة في بعض الدول.
- التغطيه الإعلامية الواسعة للأحداث من خلال الفضائيات أتاحت تغطية
واسعة لقضايا المسلمين، وقلل من فرصة الإعلام الغربي أن يعتم إعلامياً على
قضايا المسلمين أو يعرضها من وجهة نظره المنحازة في أغلب الأحيان، وكمثال
على ذلك التغطية الواسعة لما يجري في فلسطين المحتلة بحيث وضع العالم في
صورة ما يحدث لحظة لحظة، وكشف ممارسات الصهاينة هناك، ولا شك أن
الإعلام له تاثير مباشر على صنع الرأي العام الذي يؤثر على الأنظمة السياسية في
سبيل تعديل مواقفها، ومما هو جدير بالذكر أن صورة مقتل (محمد الدرة) التي
أثرت بشكل ملحوظ على الرأي العام العالمي كانت لقطة لمصور وكالة الصحافة
الفرنسية، وهذا أمر أغضب اليهود، وأغضبهم أكثر أن تكون من مصور وكالة
غربية.
وفي المجال الاقتصادي:
مع التسليم بخطورة العولمة الاقتصادية على اقتصاديات الدول الضعيفة،
وخطورة فتح الأسواق وتحرير التجارة في هذه الدول والذي سيكون لصالح
الشركات الكبرى الغربية إلا أن كثيراً من هذه الدول إذا أحسنت استخدام إمكاناتها
وما تتميز فيه من موارد على غيرها من الدول الغربية، ورشدت سياساتها
الاقتصادية، وحاربت الفساد المالي والإداري المستشري، فإنه يمكنها أن توظف
جانباً من هذه العولمة الاقتصادية لصالحها فمثلاً:
- الانضمام لمنظمة التجارة العالمية يمنع أوروبا من وضع رسم ١٢% على
المستوردات البتروكيمائية من بعض الدول الإسلامية البترولية؛ فمثلاً الإنتاج
السعودي من البتروكيمائيات يزيد على ٥% من الإنتاج العالمي؛ فكم ستكون الفائدة
إذا أزيلت الحواجز الجمركية أمام هذه السلعة المتوفرة لدى الدول المنتجة للنفط
ومعظمها دول إسلامية؟
- يتيح انضمام الدول المنتجة للنفط إلى المنظمة الفرصة للضغط بمعاملته
باعتباره سلعة صناعية من سلع المنظمة، فتزول الضرائب المفروضة عليه في
الدول المستوردة. ففي تقرير لمنظمة الأوبك مؤخراً أظهر أن أكثر من ٧٠% من
سعر النفط المصدر إلى دول الاتحاد الأوروبي يذهب إلى الخزائن الحكومية بينما
يحصل منتجو النفط على أقل من ٣٠%. كما أوضحت تقارير أخرى أن عائدات
أربع دول أوروبية من ضرائب النفط في عام ١٩٩٨م يفوق عائدات كل دول أوبك
من تصدير النفط في ذلك العام. فإذا علمنا أن معظم الدول المنتجة هي دول
إسلامية، ومنها السعودية التي يعادل إنتاجها ١٣% من الإنتاج العالمي يتبين مدى
الفائدة المرجوة.
- كذلك فالانضمام إلى المنظمة سيدفع إلى إزالة معوقات كثيرة تقف في وجه
التنمية، وإلى تحديث الأنظمة وإلى وجود الشفافية لتصحيح مسارات التنمية، وإلى
تحديث الإجراءات القضائية، وتخليص الأنظمة الحمائية التي لا تتمشى مع روح
النظام الاقتصادي الإسلامي وتضعف هياكل الإنتاج.
- انفتاح السوق مع ما يجلبه من سلبيات إلا أنه سيدفع إلى التنافس الذي
سيحكم طبيعة السوق الحر المفتوح، وهذا سيدفع إلى تخصيص مؤسسات عامة
كثيرة؛ وخاصة قطاع الخدمات الذي يعاني من سوء في الإدارة وضعف في
الإنتاجية في معظم دول العالم الثالث، لتكون أقدر على المنافسة وأوضح للمحاسبة،
مما يؤدي إلى ارتفاع مستوى الخدمات وتحسين مستوى المعيشة والرفاهية،
وسيخلق بيئة عمل حيوية وفعالية أكثر للمجتمع.
- انفتاح السوق وإزالة العوائق النظامية سيتيح طرح البدائل الإسلامية في
الخدمات، كالبنوك الإسلامية التي قيد انتشارها في عدد من البلدان مع نجاح
التجربة، بحيث ستجد فرصتها في سوق الخدمات الحر، كذلك بدائل التأمين
التعاوني الشرعي في مواجهة التأمين التجاري بصورته الرأسمالية.
- تتيح التقنية الحديثة للاستثمار (التجارة الإلكترونية) لمشاركة عدد من
مستثمري دول العالم الثالث عبر القنوات المفتوحة، خاصة إذا استحدثت قنوات
آمنة للاستثمار من الناحية الشرعية في أسواق البورصات العالمية، مثل محاولة
عدد من المتخصصين في الاقتصاد الإسلامي إيجاد مؤشر إسلامي على «مؤشر
داوجونز» باسم Dowjones' Islamic Index.
وفي مجال الإنترنت:
- الإنترنت ثمرة من ثمار التقنية كسرت احتكار الغرب للمعلومات، وأتاحت
فرصة الوصول إلى المعلومات في المجالات المختلفة بنفس السرعة المتاحة
للغربيين سواء كانت معلومات علمية أو إخبارية. وإذا كانت مقولة أن العصر هو
عصر المعلومات، وأن هيمنة الغرب هي بالمعلومات وذلك باستخدامه الفاعل لها؛
فإن هذه الفرصة أصبحت متاحة لغيرهم، فإذا أحسنا استخدام المعلومة، وعرفنا
طرق الوصول إليها فسنستطيع أن نقلل الهوة بيننا وبين الغربيين في مجالات عدة.
- كذلك فالإنترنت منبر حر دون رقيب، وميدان فسيح دون قيود لكل من
يحسن استثماره واستغلاله، ويستطيع أي مفكر مسلم أو داعية مسلم أن يطرح ما
يريد من خلال صفحات لا حصر لها، ويمكن نشر الإسلام والعلم الشرعي وإتاحته
لكل من يطلبه دون عناء. ويمكن أن تصدر صحف ومجلات دورية دون قيد أو
شرط. وكمثال على ذلك موقع القوقاز الذي يغطي أخبار المجاهدين الشيشان على
شبكة الإنترنت؛ فلقد استطاع أن يحطم حاجز التعتيم الإعلامي عليهم، وأن يضع
العالم في صورة ما يحدث هناك بشكل شبه يومي، وشكَّل مصدراً مهماً لأخبار
المجاهدين الشيشان لوكالات الأنباء العالمية.
- كذلك نستطيع استخدام هذه الشبكة في مجال الاحتساب العام من خلال
توسيع مجاله وتطوير مفهومه ليتلاءم مع الآليات المتطورة. وبذلك نستطيع رفع
فعالية المصلحين والمحتسبين على المنكرات العامة الدولية منها والإقليمية.
ومن أمثلة هذه المحاولات: إصدار وثيقة تستنكر أفعال الصهاينة بالفلسطينيين
في بداية الانتفاضة الثانية والتي وقعها مئات العلماء والدعاة والمفكرين والمثقفين في
أنحاء العالم عن طريق الإنترنت. كذلك ما تجريه بعض القنوات الفضائية من
التصويت على قضية من القضايا وموقف من المواقف الهامة تجاه مستقبل الأمة
ومصيرها، وما تطرحه بعض المواقع على هذه الشبكة من حشد التواقيع ضد
قضية ظلم تجاه المسلمين وإرسالها إلى الظالمين. وكذلك ما تقوم به المنظمات
الإسلامية في أمريكا والمدافعة عن حقوق المسلمين مثل منظمة «كير» CAIR
في واشنطن واستخدامها الفعال للإنترنت في الاحتساب على منتهكي حقوق الإسلام
والمسلمين. ومن أبرز الأمثلة في هذا الجانب كيفية توظيف معارضي العولمة أثناء
قمة سياتل عام ١٩٩٩م أدوات العولمة لمواجهتها، حيث نظم المعارضون جهودهم
ونسقوها عبر شبكة الإنترنت مما أربك المؤتمر وساعد على هزيمته.
- استثمار تقنيات نقل المحاضرات، مثل تقنية غرف PAL TALK في
نظام هذه الشبكة، حيث تستطيع أن تلقي دروساً وتقدم محاضرات وتجري حوارات
وتدفع بردود على الهواء مباشرة بشكل مرئي ومسموع، ويُستمع إليك من كل أنحاء
العالم. وإذا علمت أن المشتركين في هذا النظام بلغ حتى الآن خمسة ملايين
مشترك ويزيدون باطراد؛ فلك أن تتصور مقدار المصالح التي يمكن أن تتحقق في
باب الدعوة ونشر العلم وإزالة الشبهات وترسيخ المنهج. وقد استخدم هذا النظام في
نقل بعض دروس الحلقات العلمية الصيفية بالرياض فكان المستمعون لها من كل
أنحاء العالم يتابعون دروسها في الوقت نفسه الذي يستمع لها المشاركون في المسجد
نفسه، ويطرح البعيدون أسئلتهم كما يطرحها القريبون.
وفي المجال الثقافي والفكري والاجتماعي:
- نستطيع أن نوظف المشاركة في هذا النوع من المؤتمرات واللجان في
طرح الرؤى الإسلامية في المجالات الفكرية والثقافية الاجتماعية، ونبين مخاطر
قيادة الغرب للعالم في هذه المجالات، ببيان الآثار في الواقع وأن ذلك ثمرة لحَيْدة
البشرية عن مصدر الهدى والرشاد وهو الوحي. كما أن منتديات حوار الحضارات
ستكون ميداناً فسيحاً للغزو الفكري المضاد، وسنجد أننا استطعنا القيام بواجب
الدعوة إلى الله والشهادة على الناس من خلال هذه المنتديات والفعاليات. وسنجد
أننا نملك ما لا يملكه الآخر، وأنه أتيحت الفرصة لنا لإبراز جوانب القوة التي
نملكها أمام قوة الغرب المادية والتقنية. ولعله أن يهتدي من أراد الهدى من خلال
الدعوة إلى المنهج الحق وبيان محاسنه ومقارنته بفساد مناهج الآخرين في هذه
المجالات.
والملاحظ أنه رغم تأثيرات الإعلام الغربي والأمريكي بالذات في نشر نمط
الثقافة والحياة الأمريكية في العالم عبر الفضائيات والأفلام والمجلات والإنترنت فإن
الدعوات الدينية والأخلاقية المضادة ما تزال تكسب أنصاراً جدداً في غير مكان من
العالم وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ وهذا يجعلنا نتفق مع تأكيد صاحب
كتاب: «توالد العولمة: التحولات والممانعة» بتلازم التحولات العولمية مع
ازدياد تحولات الممانعة والمقاومة لها، وأن المنظومات الدينية تعتبر من أكبر
المنتفعين من العولمة لا سيما من جهة استثمار وسائل الاتصال الحديثة وتوظيفها
لنشر رسالتها الدينية.
- كذلك يستطيع العرب المسلمون أن يحدثوا عولمة للغة العربية خاصة في
أوساط المسلمين، وذلك بما يضخونه من مواد علمية وفكرية وشرعية وقرآنية
مكتوبة أو مسموعة بحيث يعتاد المسلمون من غير العرب قراءة هذه المواد وسماعها
مما ينعش حيوية اللغة العربية؛ خاصة إذا استحضرنا العلاقة الوثيقة بين اللغة
العربية والدين الإسلامي. ومن جهة أخرى يمكن أن يؤدي ذلك إلى تقليل شأن
اللهجات المحلية والقطرية لصالح الفصحى.
وخلاصة القول:
هناك فرص أخرى كثيرة يمكن للمتأمل أن يجدها فيما تتيحه المعطيات الجديدة
المشكِّلة لبيئة العولمة، ولكن لا نعقلها وندرك كيفية استثمارها إلا بفهم عميق
وإدراك ذكي لقوانين هذا العالم وطبيعة هذه العولمة، ومعرفة جوانب القوة وجوانب
الضعف في مراكز القوى، وكيف ينشأ القرار العالمي، واستيعاب استخدام التقنية
وتعميمها بحيث لا تبقى في محيط النخبة فقط.
الموقف:
إذا استثنينا اتجاه فريق يرى المقاومة بالانعزال عن هذا العالم لضعف تأثيره
وقلة مؤيديه وعدم قدرته على الصمود الطويل؛ فهناك اتجاهان بارزان يحددان
مواقف النخب الفكرية من تيار العولمة:
الأول: اتجاه الذوبان، وهو الذي ينطلق من أن العولمة محتوى وآليات هي
خيار وحيد وحتمي لهذا العالم ولا بد من الذوبان فيها والانصهار الحتمي معها؛
ويمثله طائفة من المفكرين العلمانيين.
والثاني: اتجاه نقدي عقلاني رشيد يحاول تفهم قوانين العولمة دون التسليم
بحتمية القيم التي تجلبها، ويعرف كيفية مواجهة تحدي المحافظة على الهوية
الإسلامية والثوابت العقدية والثقافية مع معايشة العصر بفكر متفتح ورأي مستنير
وسلوك رشيد. وهذا الموقف الصحيح يقوم على مقاومتها موضوعًا ومحتوى،
واستثماره وسائل وآليات.
ولذا نحتاج إلى ما يلي:
أ- تعميق الوعي العقدي والديني والخلقي؛ ذلك أن العولمة تحمل روحًا
علمانية مادية، وتؤسس حياة استهلاكية دنيوية تختزل الإنسان في بعده المادي
والاستهلاكي، وتهون من شأن القيم والمعايير الأخلاقية والثوابت الدينية. والتركيز
على التربية الدينية والأخلاقية للحماية من تيار الشهوات الجارف الذي تغذيه وتدفع
به فكرة العولمة من جهة الآليات والمحتوى.
ب- إنعاش قيم التفوق الثقافي والفكري والأدبيات الحضارية المكافئة
والملائمة لقيم العولمة الثقافية والحضارية، مثل الشورى والعدل وحقوق الإنسان
بأصولها الشرعية بدلاً عمَّا يقابلها من القيم الغربية بأصولها العلمانية.
ج- المحافظة على الخصوصية الثقافية مع الانفتاح الفكري الذي يجعلنا
نستوعب ما عند الآخرين من علوم وفهوم ومنجزات حضارية، ونمتنع عن التأثر
السلبي لهذا الانفتاح.
د- قيام حركة تأصيلية نشطة لبعض قضايا المنهج، وتحرير بعض المواقف
العلمية، والتفريق بين قضايا الاجتهاد وقضايا الافتراق، ومواجهة النوازل
المستجدة التي تفرضها طبيعة العصر، والردود العلمية على الشبهات التي تنشرها
بعض وسائل الإعلام.
هـ - الحذر من ظهور تيارات عقلانية ومدارس منحرفة متأثرة بالاكتساح
الحضاري تفسر الإسلام وأحكامه وقيمه تفسيرًا يتلاءم ويتوافق مع قيم وفلسفة
الحضارة الغربية، ويستجيب للروح المنهزمة التي يعيشها كثير من المسلمين.
و الانفتاح والحوار الفكري والحضاري؛ بحيث تمتد أيدي الحوار،
والصراع الحضاري حيث تشرئب أعناق الهيمنة الحضارية.
ز- الاستعلاء بالإيمان، والثقة بأن المستقبل لهذا الدين ولهذه الأمة، وتحرير
العقل من ثقافة الغرب والولع به، واعتبار ذلك من الثوابت الدينية التي لا بد من
الإيمان بها، وأنها من مقتضيات الدين الصحيح، وهي من لب الرسالات وكلام
المرسلين، وقد توصل لهذه الحقيقة من أراد أن يحرر شعبه من هذه التبعية عندما
قال (مانديلا) : " حرروا عقولكم من ثقافة الرجل الأبيض تحرروا أرضكم من
هيمنته ".
ح- استخدام وسائل التقنية وآليات العولمة بكفاءة من أجل عولمة مضادة،
وذلك في معركة المشروع الغربي (التغريبي) بكل مفرداته وبين المشروع
الإسلامي الشامل بكل مفرداته، وذلك من خلال عولمة الرؤى والمواقف الإسلامية،
وتجاوز الروح والنظرة الإقليمية الضيقة في النظر إلى مستقبل الإسلام في أتون
الصراع العالمي.
стр. 4070
الباب المفتوح
عصا موسى
خالد عبد الحميد
إن أسلوب التربية والبناء الإيماني للشخصية يتنوع بتنوع المستويات
واختلافها، ويرتبط بنضج الفكر وقصوره؛ ولذلك تنوعت أساليب الدعوة والتربية
في القرآن على يد الأنبياء؛ فعلى سبيل المثال كانت آليات التفكير عند شعب بني
إسرائيل غير مكتملة المكونات، وغير ناضجة التصور، ضعيفة في بنائها، هشة
في مكوناتها، ضحلة في عمقها، فاستتبعت أن يكون منطق معجزة نبيهم قوة ربانية
تخرق نواميس الكون لتنشط الذهن، وتشحذ هذه العقول للعودة إلى ربها، واليقظة
من سباتها، وتمثلت هذه العودة الربانية إلى عصا تتحول إلى ثعبان يلقف ما بأفكار
السحرة، ويرعب فرعون وملأه، عصا تفلق البحر وتشقه فيتفرق كل فرق كالطود
العظيم، عصا يضرب بها الحجر فتنبجس منها اثنتا عشرة عيناً.
وتلاحظ أن الله لم يطالب الفئة المؤمنة في هذه المراحل بأي جهد؛ فلم يكلفوا
بحفر الأرض واستخراج الماء وقد كان ممكناً؛ ولم يكلفوا بمجاهدة فرعون وقتاله،
أو صنع فلك، أو حتى السباحة في الماء وقد كان ممكناً، ولم يكلفوا من قبل
بمجابهة سحر فرعون بدعوة الناس وإظهار زيف وبطلان ما يروجه، ولأن أتباع
موسى رفضوا تحمل تبعة هذا الدين منذ أن قالوا: [أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن
بَعْدِ مَا جِئْتَنَا] (الأعراف: ١٢٩) ؛ فلقد لعبت عصا موسى دوراً بارزاً في
حياتهم، فاستحقت أن يخلَّد ذكرها في القرآن الكريم، وتبقى في ذاكرة التاريخ
شاهدة على التخاذل اليهودي في تحمل المسؤولية، وما سمعنا عن واحد من ذرية
بني إسرائيل ممن برزوا في حياة موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة
والسلام جاهد مع موسى وأيده في دعوته؛ فقد كان مؤمن آل فرعون قبطياً مصرياً،
وكذلك امرأة فرعون، أما الرجلان فلم تأتنا التفاصيل عن هويتهما، كما قال الله
عن قارون معلناً نسبه: [إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ]
(القصص: ٧٦) .
وما ذلك إلا لأنهم كانوا يعتمدون في منهج حياتهم على منطق العصا الذي
يعني عندهم عدم المشاركة في تحمل المسؤولية لتحقيق الغاية التي تستلزم الإعداد،
والتخطيط، والأداء. ولما نضجت البشرية أُرسل إليها محمد ﷺ
حيث نُسِخَ منطق العصا إلى منطق المواجهة، منطق [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن
قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] (الأنفال: ٦٠) ، وإلى
منطق [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ
يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ]
(الأنفال: ٦٥) ، فيترجمه الصحابة إلى واقع: «والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن
نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد
لفعلنا» [١] .
وإلى منطق «تجرع مر الهزيمة» [٢] في أحد لتتعلم الفئة المؤمنة أن من
أحسن الدنيا أخذها ولو كان كافراً، وليتربى الموحدون على تحمل المسؤولية.
وإلى منطق «حفر الخندق» ليحفر النبي ﷺ بيده الشريفة،
وما كلف بضرب الأرض لتنشق عن خندق، رغم أن حفر بئر أيسر من حفر خندق
يحيط بالجهة الشمالية للمدينة.
وتتجلى ثمار هذه التربية الناضجة في أوضح صورها في غزوة مؤتة يوم أن
واجه المسلمون وهم ثلاثة آلاف مائتي ألف في أحدث أسلحتهم وأكمل عدتهم،
فصمدوا أمامهم وحسبهم ذلك.
لذلك فحق للتاريخ أن يتغنى بسِيَر هؤلاء الأعلام الأبطال، مخلداً ذكرهم،
شاهداً ببطولاتهم، فلم نسمع عن عصا محمد [٣] ﷺ ؛ لكن سمعنا
عن صاحب الغار، وعن فاروق الأمة، وعن مجهز جيش العسرة، وعن الفدائي
الأول، وعن أمين الأمة، وعن أسد الله، وعن رجل اهتز عرش الرحمن لوفاته،
وعن سيف الله المسلول، وعن الكثير والكثير ممن لا ينساهم الزمان وإن تناستهم
الأمة.
ولكن العجيب أن إخوان القردة والخنازير وأشباههم يتعاملون اليوم بمنطق
[وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ] (الأنفال: ٦٠) ليترجموها إلى تفكير عميق،
وبحث دقيق، وتخطيط جيد، وتنفيذ وأداء ليباغتوك بتحقيق أهدافهم؛ فتدمَّر
الخلافة الإسلامية، وتبنى دولة المسيخ الدجال أعني إسرائيل وتعرى المرأة،
ويسعى في طمس هوية المسلمين ليتحول الكثير الكثير إلا من رحم الله إلى أذيال
وببغاوات، فتمسخ هويتهم؛ سواء كانوا ممن يدَّعون العلم، أو من البسطاء السذج.
أما الأولون فيتحولون إلى متسولين على موائد الفكر الغربي في شتى مجالاته،
يقنعون بالفتات مما يستجدونه من أسيادهم، أمثال: رفاعة الطهطاوي، طه
حسين، رشاد خليفة، سلمان رشدي، فرج فودة، وغيرهم.
ثم وقف المضللون الذين خدعوا وغرر بهم أعني من المفكرين فمسخت
هويتهم إلا بقايا من أصول الدين والفطرة ينتظرون عصا موسى لتحل لهم مشاكلهم
وتغير أوضاعهم، فوقفوا بذلك على مفرق طريق ليخيروا أنفسهم بين ضلالين:
- إما التبعية العمياء، والرضى بالمذلة والمهانة، وطمس ما تبقى من الفطرة
السليمة وقواعد الدين.
- وإما التخاذل والاعتزال عن طريق الكفاح، واتباع منطق: [لِمَ تَعِظُونَ
قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً] (الأعراف: ١٦٤) ، وانتظار عصا
موسى التي ستعيد لهم المجد المسلوب واللبن المسكوب.
وأما السذج والعوام فينغمسون في محاكاة عدوهم، فيهم همج رعاع يتبعون
كل ناعق؛ فإن تكلم فيهم الرويبضة فدعا إلى خلع الدين على أعتاب المساجد،
صفقوا وهللوا، وإن قيل لقانون «الله» : إنك لا تصلح! وقيل لقانون
«نابليون» : إنك أنت الأصلح رضوا واستحسنوا، وإن دعي إلى حكم الشعب
بالشعب لأجل الشعب ونسيان الرب وافقوا وأيدوا.
وإن نودي بالتفسخ، والإباحة الجنسية، وعدم الختان، وشرب المسكرات،
رأيت من يصفق ويهلل، أو يُسر ويتكتم لكن القلب أسود، مربادٌّ، كالكوز مجخياً،
لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرب من هواه.
فإن دعوتهم وناصحتهم ادعوا عجزهم وسيطرة أهل الهوى عليهم، وأجابوا
بمنطق «عصا موسى» : «لا أمل في النجاة إنا لمدركون» . فإن قلت: فلنبدأ!
قالوا: [فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ] (المائدة: ٢٤) ، فإن
كررت لهم الدعوة شفقة عليهم وحباً لهم؛ [جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا
ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً] (نوح: ٧) ، واعتقد كل واحد أن الكلام
لكل الناس إلا هو.
فإن دعوتهم ليلاً ونهاراً عسى القلوب أن تلين والعقول أن تفهم جاء جوابهم
النهائي: [لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا] (إبراهيم: ١٣) ، فإذا
وجدوا ثبات أهل الحق قالوها عياناً بياناً: [أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ
يَتَطَهَّرُونَ] (الأعراف: ٨٢) « [٤] .
فإن تبين لبعضهم الحق حتى عاينوه تأثروا برواسب الجاهلية، وضعفت
الهمة، وعجزت عن نصرة الحق، وتأثرت النفوس بمنطق عصا موسى الذي
يعني عندهم السلبية وعدم تحمل المسؤولية، ولعلك تتلمح ذلك في مصطلحاتهم
اللغوية خذ مثلاً:
أ - (هو أنت ستغير الكون) : والمعنى أنت لا تملك عصا موسى، فلن
تغير شيئاً فلا تتعب نفسك!
أما من دعوة، نصيحة، أمر بمعروف، نهي عن المنكر، إنشاء البيت
المسلم.. لا ... لا ما دمت لا تملك العصا!
ب - (كن بجانب الحائط) : والمعنى أغلق فمك، واترك دعوتك؛ لأنك لا
تملك عصا موسى التي تنجيك من الهلاك.
ج - (من عاش جباناً مات مستوراً) : والمعنى أنت لا تملك عصا موسى
التي تمنحك القوة؛ فكيف تتأتى منك الشجاعة؟ فالأسلم أن تتخلى عن شجاعتك
حتى لا يمثل بجثتك.
ولكن فليعلم الجميع أن سر العصا لم يكن في ذاتها، بل لأنها في يد موسى
النبي الكليم ﵇ وليعلموا أن عصا موسى قد استبدلها الله بقرآن بلغة محمد
ﷺ وليس سر إعجاز القرآن وقوته في أن يتلوه محمد صلى الله
عليه وسلم، ولكن أن يُفهَم كما فهمه محمد ﷺ ، وأن يُطبق كما
طبقه محمد ﷺ ، وأن تتربى عليه الأجيال كما ربى محمد صلى
الله عليه وسلم أصحابه، عندئذ سيلقف ما يأفكه السحرة، وسيشق البحر، ويفجر
الحجر، وسيحل المشاكل الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، وسينقلنا من
التبعية العمياء والتخلف الحضاري، والتأخر التكنولوجي، والنفعية المتسمة بالسلبية
وعدم تحمل المسؤولية إلى ريادة العالم وقيادة الشعوب.
فيا أمة القرآن! عَوْداً إلى القرآن نفهمه ونتدبره ونطبقه كما فهمه وتدبره
وطبقه رسولنا محمد ﷺ .
стр. 4071
الباب المفتوح
التنصير بالمراسلة أسفٌ مزدوجٌ
أبو بكر بن عبد القادر سيسي
من الأساليب التي اعتمدها المنصِّرون حديثاً في التنصير: الدروس
بالمراسلة؛ فيوجد اليوم عدد كبير من المؤسسات التنصيرية متخصصة في هذا
المجال.
نذكر منها على سبيل المثال: (التاريخ والحياة) مقرها مرسيليا بفرنسا،
(نداء الرجاء) مقرها ستيغارت بألمانيا الغربية، (دار الهداية) مقرها ريكون
بسويسرا، (نور الحياة) مقرها فيلاش بأستراليا.
وأما كيفية ممارسة هذه الوسيلة فهذه أضواء على نشاط المؤسستين الأوليين.
أولاً: مؤسسة: (التاريخ والحياة) :
يوزَّع عنوان هذه المؤسسة في بعض الإذاعات والمجلات والمراكز الثقافية؛
وترسل سلسلة دروسهم النصرانية والأناجيل عن طريق البريد الجوي إلى الراغبين؛
حيث يمدّون دارسيهم بالظروف وبدل الطوابع البريدية، وللدارس جائزة كلما
أنهى مرحلة من سلسلتهم التعليمية ونجح في اختبارها، ويحصل الدارس في نهاية
كل ثلاثة أشهر على مجلة مجاناً تسمى: «مفتاح المعرفة» تحتوي على القصص
ومشاكل الحياة وحلولهم لها، والتوعيات النصرانية، وتقارير إنجازاتهم المضللة في
تنصير الأفراد والأسر في المجتمعات الإسلامية وغيرها وبخاصة في شمال إفريقيا،
وللمؤسسة محطة إذاعية تشرح فيها دروسهم التعليمية صباحاً ومساءً.
وهذه إرشادات المؤسسة في أول بريدهم إلى الدارس:
١ - جميع دروسنا مجانية وهي بالمراسلة لا حضورياً.
٢ - تعطى دروسنا بلغة واحدة: العربية أو الفرنسية، وننصحك أن تدرس
باللغة التي تتقنها أكثر، أما إذا اخترت لغة ووجدت ثقافتك بهذه اللغة غير كافية
فيمكنك تبديلها.
٣ - نحن مستعدون دائماً للجواب عن كل سؤال تطرحه بشرط أن يكون
متعلقاً بالدرس.
٤ - إن استحسنت هذه الدروس واستفدت منها، فلماذا لا تعرِّف بها أهلك
وأصدقاءك، وتعطيهم عنواننا لنرسل إليهم بعض دروسنا.
ثانياً: مؤسسة: (نداء الرجاء) :
وهذه المؤسسة بدورها أيضاً ترسل الأناجيل والكتب النصرانية مقسمة إلى
حلقات تعليمية عن طريق البريد الجوي إضافة إلى الأشرطة والمفكرات والآيات
الإنجيلية المزخرفة بالطراز الإسلامي التي تلصق على الجدران والأدوات، وتبث
دروسها أيضاً مع تشجيع الدارسين في إذاعتها «صوت الرجاء» ، ودراستها
مجانية بالعربية أو الإنجليزية، ويحصل الدارس في نهاية كل حلقة على شهادة.
وهذه المؤسسة من أشد المنظمات التنصيرية هجوماً على الإسلام ونيلاً منه؛
إذ إن من نشاطاتها طباعة ونشر أي كتاب أو مطوي فيه الطعن في الإسلام، سواء
كان له علاقة بالنصرانية أم لا، وسواء كان كاتبه نصرانياً أو غير نصراني.
وإليكم نموذجين عن كيفية إغرائهم الناس بالمشاركة في دروسهم:
النموذج الأول:
أ - أتحب تطهير ماضيك؟
إن أردت المصالحة مع الله وتنقية نفسك فنحن على استعداد لنرسل إليك مجاناً
الإنجيل حسب البشير لوقا، بمقياس ٢٠ * ٣٠ سنتيمتراً بالصور الموضحة لحياة
المسيح إن طلبت ذلك منا.
ب - هل لديك سؤال ما؟
إذا أقلقك سؤال ما حول الإيمان وخلاص نفسك، فاكتبه إلينا صريحاً نجاوبك
بإخلاص ومحبة.
ج - أتريد مصالحة أصدقائك مع الله؟
إذا أعجبتك هذه النشرة وأردت تطبيقها في حياتك وحياة الآخرين فنحن على
استعداد أن نرسلها إليك مجاناً بشرط أن لا تطلب عدداً أكثر مما توزعه عملياً،
اكتب إلينا بخط وعنوان واضحين.
النموذج الثاني:
أ - اقرأ الكتاب المقدس يومياً.
إن قررت التعمق في كلمة الله فنحن مستعدون أن نرسل لك تفاسير الكتاب
المقدس إن طلبتها منا.
ب - ارفع كلمة الله في بيتك.
إن أعجبتك الآية الذهبية التي على الصفحة الأولى من هذه النبذة فنحن على
استعداد أن نرسلها لك مجاناً مطبوعة على كرتون ملون بمقياس أكبر إن طلبتها.
ج - استمع إلى البشارة.
إذا أحببت الاستماع إلى بشارة الإنجيل والكلمات التي تفتح لك أبواب السعادة
بأجمل الأصوات وأحسن الترانيم، فاطلب ذلك منا نرسل أشرطتها لك مجاناً.
ج - وزع بشرى الخلاص في محيطك:
إن أثَّرت فيك هذه النبذة وأنت على استعداد لتوزيع مثلها فنرسل لك العدد
الذي تطلبه منها مجاناً بشرط ألا تطلب منا أكثر مما توزعه عملياً.
أرسل طلباتك بخط واضح وعنوان كامل.
وبعد: فهذه الوسيلة التنصيرية تثير فينا أسفاً مزدوجاً، أو بعبارة أخرى
تؤسفنا من ناحيتين:
الأولى: ما يحصل من جراء الدروس بالمراسلة من التضليل ومحاربة العقيدة
الإسلامية.
الثانية: عدم استخدام المسلمين لهذا الأسلوب الدعوي الذي يتسابق ويتحمس
المنصرون فيه اليوم ويستبشرون بثمراته؛ علماً أن مرده ومصدره السيرة النبوية
ومنهج صدر هذه الأمة السلف الصالح.
فقد اهتم المصطفى ﷺ بالمراسلة في تعريف الناس بالإسلام
وتصحيح معتقداتهم ودعوتهم إليه، وكان يتحرى في ذلك الأسلوب المناسب، وكمية
المادة، المرسلة، وطبيعة المرسل إليه.
ونماذج التعليم والدعوة بالمراسلة كثيرة جداً في كتب السنة والتاريخ
الإسلامي؛ فهذه صورة درس نبوي بالمراسلة: «من محمد رسول الله إلى
النجاشي ملك الحبشة. أسلم أنت؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك
القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح من الله وكلمته
ألقاها إلى مريم الطهور الطيبة الحصينة، فخلقه الله تعالى من روحه ونفخه كما
خلق آدم بيده ... وإني أدعوك وجنودك إلى الله » .
وهذه صورة رسالة جوابية من المقوقس عظيم القبط على كتاب النبي صلى
الله عليه وسلم الذي أرسل إليه:
«فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد أكرمت
رسولك، وقد بعثت إليك بجارية لها مكان في القبط عظيم» [١] .
فإن طبيعة الحال تدعو المسلمين إلى انتهاج هذا الأسلوب الدعوي صداً
للزحف التنصيري في العالم الإسلامي وإحياءً للتراث الإسلامي، مع وقفات علمية
صادقة عند السيرة النبوية لفقه أساليبها الدعوية المتنوعة وتطبيقها بالوسائل الحديثة؛
ففيها ما يكفي ويشفي.
стр. 4072
المنتدى
إضاءة لموقف ابن تيمية من المجاز
رضوان بوزيدي
إن المطَّلع على تاريخ الإسلام ورجاله يجد نفسه وسط بحر زاخر من
الشخصيات اللامعة، والنجوم الساطعة ممن سطع نجمهم في سماء العلوم الدينية
والدنيوية، وعلت هممهم حتى ناطحت الجوزاء، ومن هذه الشخصيات الفذة فيما
تراءى لي شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية الذي يعد نادرة من نوادر الزمان،
قلما يجود الدهر بمثله؛ فالرجل له إحاطة نادرة بعلوم الإسلام، من الكتاب والسنة،
وفقه الصحابة، وآراء الأئمة، والمذاهب، تميز بنفاذ في الفكر، وقدرة على
التمحيص والتدقيق، وفهم النصوص، وعلم متين بالعربية، وقدرة عجيبة على
استنباط مقاصد الشريعة، والتوفيق بين النصوص ومقاصدها، والحياة ومصالحها،
فاستطاع أن ينتقل من دائرة التقليد المذهبي الذي كان رائجاً في عصره إلى مجالات
الاستدلال والاستنباط، ثم إلى الترجيح والاجتهاد، كما أنه استطاع أن يقف في
وجه الانحرافات الفكرية والعلمية التي حدثت في المجتمع الإسلامي، من شتى
الطرق، وعمل على إحياء روح التوحيد الصافية في الفكر والاعتقاد والسلوك،
شاقاً الطريق لعلم العقيدة، مبرأ من تأثير الفلسفة اليونانية أو غيرها. وقد كانت له
في ذلك مواقف وآراء تحتاج منا إلى وقفات ومتابعة، ولكني سأقتصر هنا على
واحد منها ألا وهو: رفضه لكثير من المصطلحات الحادثة في عصره التي أقحمت
في أمور العقيدة إقحاماً، فجنت على أصل الإيمان لدى جمهور العامة؛ لأنها تحمل
في طياتها نوعاً من الغموض والالتباس على عقول العوام من المسلمين، فتثير فيهم
تساؤلات مريبة؛ وهذا ما أشار إليه ﵀ في كتابه القيم الذي وسمه بـ «درء
التعارض بين النقل والعقل» ، قائلاً: «ما رفضنا المصطلحات الحادثة كالجوهر
والعرض إلا مخافة وقوع الناس في الالتباس» [١] . وقد عد ﵀ مصطلح
المجاز، ضمن هذه المصطلحات الحادثة، وهذا المصطلح هو الذي سنتناوله
بالبحث والدراسة. فيقول ﵀ في أحد كتبه: «إن مصطلح المجاز اصطلاح
حادث [٢] بعد انقضاء القرون الأولى» [٣] ، وإن القول بوقوعه في القرآن الكريم
والسنة النبوية، قد يؤدي إلى إثارة الشكوك والشبهات من حولهما، وهذا ليس من
مصلحة الإسلام والمسلمين في شيء؛ ولذلك أنكر ﵀ وقوعه في كتاب الله
وسنة نبيه ﷺ .
وربما يتساءل بعض الناس عن مكمن الالتباس والغموض الموجود في هذا
المصطلح، ولن يدفعنا هذا التساؤل إلى الخوض في التعريف بمصطلح المجاز،
ومدلولاته اللغوية والاصطلاحية؛ فذلك موضّح في كتب البلاغة وهي أملك به
وأوفى.
بيد أنني أكتفي بذكر العلاقة الموجودة بين الحقيقة والمجاز، وأهم فارق
جوهري يوجد بينهما؛ لأنه يمثل منشأ الغموض والالتباس في هذا المصطلح.
فالمجاز يجوز نفيه باعتبار الحقيقة، دون الحقيقة فلا يجوز نفيها، فتقول مثلاً لمن
قال: رأيت أسداً على فرسه. هو ليس بأسد، وإنما هو رجل شجاع، ومن ثم فقد
وقعنا في إشكالية، وهي أن المجاز يساوي النفي والكذب، وهذا باعتبار أن المجاز
يقابل الحقيقة، بالإضافة إلى أن المجاز يحمل صفة العجز في المتكلم باعتبار أن
المجاز هو نقل اللفظ من معناه الأصلي إلى معنى جديد.
ولو طبقت هذه المعادلة على القرآن الكريم أو السنة النبوية، للزم منه أن في
كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ما يجوز نفيه؛ وهذا باطل قطعاً.
وبهذا الباطل توصل المعطلون إلى نفي صفات الكمال والجلال الثابتة لله
تعالى في كتابه وسنه نبيه ﷺ بدعوى أنها مجاز. هذا من جهة،
ومن جهة أخرى قد يُظن أن في القرآن الكريم أو السنة النبوية أشياء كاذبة،
باعتبار المعيار الأخلاقي الذي يحكم العلاقة بين مصطلحي الحقيقة والمجاز، وهذا
الأمر مخالف لما كان عليه صحابة رسول الله ﷺ الذين فهموا كل
آية في الجانب الذي جاءت تصفه أو تقرره؛ فكانت منسجمة في واقعها، وفي
نفوسهم، وقد آمنوا بها وصدقوها.
فالقول بهذا المصطلح في نظر ابن تيمية لا يخدم عقيدة السلف رضوان الله
عليهم بل هو مدعاة لإثارة الشكوك والشبهات، من حول العقيدة الإسلامية؛ وخاصة
إذا علمنا أن عقائد المسلمين في ذلك العصر قد تعرضت إلى غزو الفلسفة اليونانية،
وظهر أثر ذلك في كتب الفلاسفة والمتكلمين الذين فتنهم الإعجاب بما نقله إليهم
التراجمة من ثمرات العقل اليوناني.
وقد تفطَّن لهذه القضية الخطيرة شيخ الإسلام ابن تيمية، وتعامل معها بعقليته
المقاصدية، فأنكر وقوع هذا المصطلح في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ
مخافة أن ينساق العامة وراء هذه المفاهيم الحادثة، وما تحمله من الالتباس، وهذا
بطبيعة الحال يؤثر على عقيدتهم التي تعد هي الأصل، وما عداها فرع لها، وأن
الحفاظ عليها، هو حفظ للدين، وهو أحد المقاصد التي جاء بها الإسلام، وربما
يظن بعض القراء من كلامي هذا أن ابن تيمية ﵀ قد ألغى هذا المصطلح من
قاموس اللغة العربية، وهذا ليس بصحيح، بل عده أسلوباً من أساليبها، وإنما أنكر
وقوعه في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ مخافة وقوع العامة في الالتباس
كما ذكرت سابقاً.
بيد أنه استخدم مصطلحاً آخر بدل مصطلح المجاز، وهو: (الحقيقة العرفية)
أي ما يمكن أن يتعارف الناس عليه بعد ذلك، ولا مشاحَّة في الاصطلاح، كما
يقول علماء الأصول.
وراح ﵀ يفصِّل الحقيقة العرفية، فجعلها على مراتب ثلاث، وهي:
أولاً: الحقيقة العرفية الخاصة: وتكون خاصة عند أهل العلم الواحد،
يصطلحون على الشيء فيما بينهم، كالنحو مثلاً له حقيقة لغوية وهي القصد والجهة،
وله أيضاً حقيقة عرفية خاصة عند النحويين، وهو العلم بالقواعد والضوابط التي
تقيد الكلام العربي.
ثانياً: الحقيقة العرفية العامة: وهي ككلمة: (كثير الرماد) للدلالة على كثرة
الكرم.
ثالثاً: الحقيقة العرفية المباينة: وهي التي تختلف اختلافاً كلياً ومبايناً عن
أصلها الذي وضعت له.
ولعل أحد القراء الكرام يعترض عليَّ بقوله: إن ابن تيمية ﵀ قد أنكر
وقوع هذا المصطلح في القرآن الكريم أو السنة النبوية من منطلق يقوم على أساس
أن اللغة توقيفية، وليست اصطلاحية. وأجيب القارئ الكريم بقول ابن تيمية رحمه
الله في أحد كتبه: «إن اللغات ليست متلقاة كلها عن آدم ﵇» [٤] ، وهذا
جواب كاف على هذا الاعتراض.
стр. 4073
المنتدى
أنا المدينة
أحمد عبد الرحمن الليفان
أنا المدينة من في الكون يجهلني؟ ! ... أم من يروم من الثقلين إنكاري
أنا المدينة أعلى الله منزلتي ... وأبهج الكون من حسني وأنواري
لا غرو إذ كنت؛ فالوحيان قد نزلا ... بي واستضفت قديماً صاحب الغارِ
وقبل ذلك بي الآيات قد لهجت ... فاستفتها تلق فيها صدق آثاري
إن الحديث جميل حين أذكره ... عني؛ فدونك من مكنون أزهاري
لما أتاني رسول الله أيقظني ... من غفلة وفساد ساد أفكاري
وكان مني رجال طالما صدقوا ... ما عاهدوا الله في جهر وإسرارِ
وإن منهم رسول الله أفضل من ... يمشي على الأرض من بدو وحُضَّارِ
صلى الإله عليه كلما امتلأت ... بطحاء مكة من ضيف وزوارِ
هل بعد ذلك لي في الكون منقبة ... إذ كان أحمد من أهلي وأصهاري؟
من ذلك الحين كان الدين منتصراً ... ولا ثبات لأمر غير نصارِ
стр. 4074
المنتدى
يا قلبي الدامي
محمد عبد السلام الباشا
نبراتُ صوتي عاكستْ أسراري ... وتواصلتْ فبدتْ بها أخباري
ونوازعُ الشرِّ المريبةِ هاجمتْ ... كلَّ المواقع هدَّمَتْ أسواري
الغربُ يا وطني يُسابقُ أنجماً ... والكونُ ملعبُهُ وفيه يُباري
الغربُ يا وطني غزا أسواقَنا ... بصناعةٍ وبباهظِ الأسعارِ
بتْنا نُقَلِّدُهُ بتافهِ أمرِهِ ... في الجدِّ نبني خالصَ الأعذارِ
يا ويلتي من سلَّةٍ عادتْ بلا ... عنبٍ ولم أحمِلْ بها أزهاري
يا قلبيَ الدامي لكلِّ تخلُّفٍ ... أينَ البناةُ بِمُعظمِ الأقطارِ؟
أنا لا أُريدُ لأمتي تبعيَّةً ... هُمْ بائعونَ ونحنُ فيها الشاري
فكّر بِحلٍّ.. نستعيدُ مكانةً ... قد نستعيد نضارة الأزهارِ
إنْ بالغَ الإنسانُ في طفراتِهِ ... عادتْ وبالاً، أنكرتْ إيثارِي
إنْ لم نكنْ أهلَ الحضارِة.. مَنْ لَها؟ ... من ذا سيرعى خُضرةَ الأشجارِ؟
من ذا سيعطي في الشهامةِ قدوةً؟ ... إن لم أكنْ عَوناً لحاجةِ جاري؟
من ذا سيحمي موطني مِنْ غادرٍ ... من ذا سيوقفُ هجمةَ استعمارِ؟
من ذا سيُعطي للصِغارِ معارفا ... من ذا يحققُ مُجْمَلَ الأوطارِ؟
من ذا سيبني مَصنعاً في موطني ... من ذا سيُمْسِكُ دفةَ الإبحارِ؟
إنْ كنتَ حراً فاستمعْ لمقالتي ... وطنيتي تبني بنا إصراري
قومي هُم الأوْلى بكل حضارةٍ ... كونوا لها أهلاً بكل مدار
стр. 4075
المنتدى
ظلم الأزواج للزوجات حقيقة أم خيال ؟
عبد الرحمن التميمي
قلّ أن تخلو المجتمعات من بعض الظواهر الاجتماعية السيئة حتى في الأزمنة
الطاهرة أزمنة النبوات، ومن هذه الظواهر السيئة على سبيل المثال المشاكل
الأسرية والخلافات الزوجية؛ حيث وقوع الظلم من الزوج للزوجة أو العكس، أو
وقوع الظلم على الأولاد من الزوجين أو العكس، أو وقوع الظلم بين الأولاد أنفسهم
وهكذا. ولكن من خلال متابعتي للصحافة منذ مدّة رأيت تركيزاً على قضية ظلم
الأزواج للزوجات سواء من قبل الكتاب أو الكاتبات أو رسّامي الكاريكاتير، حتى
خيّل لبعض القراء أنه لا يمكن أن يوجد بيت في بلدان المسلمين يعيش الحياة
الزوجية المستقرة المطمئنة، فأحببت أن أبدي وجهة نظري حيال هذا الموضوع
فأقول:
١ - إن من الثوابت التي ينبغي أن يفهمها ويحرص عليها المسلم المحب
لمجتمعه وأمته المسلمة هو مفهوم (الأمن الاجتماعي) ومن متطلباته الاجتماع
والوئام ووحدة الكلمة، ومن متطلبات ذلك الكف عن إثارة الصراعات والنزاعات
لتقوم الحياة على المودة والرحمة [وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً] (الروم: ٢١) ،
وعلى التكامل والتداخل والتشاور والتناصح، وعلى الموالاة الإيمانية والتعاون على
مكارم الأعمال [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ
سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] (التوبة: ٧١) .
٢ - إن ظلم بعض الأزواج للزوجات ووجود الصراع فيما بينهم أمر وارد
بل هو موجود؛ لكن بنظرة العقلاء المنصفين المتجردين من الهوى: هل هو يشكل
ظاهرة في مجتمعاتنا الإسلامية تستحق هذا الزخم من الطروحات؟ أظن أن جواب
المنصف المتجرد: (لا) بملء فيه.
٣ - إن عرض صور المجتمعات الغربية فيما يحدث بين الأزواج والزوجات
هناك من الصراعات كأنموذج لمجتمعنا المسلم المحافظ أمر مرفوض من قبل العقلاء
الصالحين؛ لأن المجتمع هناك غالبه مبني على الخيانة والضياع والشقاق، وما
حادثة رئيس أكبر دولة في العالم منا ببعيدة. وإليك بعض الإحصائيات مما تعانيه
المرأة هناك؛ فمثلاً في بريطانيا تستقبل شرطة لندن وحدها مائة ألف مكالمة سنوياً
من نساء يضربهن أزواجهن، على مدار السنين الخمس عشرة الماضية، وأن
٧٩ % من الأمريكيين يضربون زوجاتهم، و ٨٣% دخلن المستشفى سابقاً مرة
واحدة على الأقل للعلاج من أثر الضرب، وإن مائة ألف ألمانية يضربهن الرجال
سنوياً، ومليوني فرنسية يضربهن الرجال سنوياً [١] . كل هذا في أرقى
المجتمعات كما يُزعَم؛ فما بالك في المجتمعات الغربية الضعيفة والجاهلة؟ بعد
هذا؛ هل يعقل أن تقاس مجتمعاتنا المسلمة الواعية بتلك المجتمعات التائهة
الضائعة؟
٤ - إن تكرار مثل هذه المعاني عبر الصور الكاريكاتيرية والكتابات
والتحقيقات يحكي التعميم على كل طبقات المجتمع، والتعميم في الأحكام دون علم
وتدقيق أمرٌ نهى عنه شرعنا الحكيم؛ فما بالك في التعميم في أمر يخل بأمن البيوت
ومن ثم أمن المجتمعات الإسلامية كلها؟
٥ - إن الخلافات الزوجية سنّة إلهية قديمة قدم البشرية يمتحن فيها الزوجان،
وقد نزلت آيات عديدة من أجلها، بل سميت سور بها كسورة الطلاق مثلاً. فهل
تضيق المجتمعات الإسلامية ذرعاً بكل مؤسساتها وأفرادها ببعض هذه الخلافات
الطبيعية التي لها حل في شرعنا الكامل الشامل الموافق للفطرة حتى تعلن هزيمتها
أمام الملأ؟
٦ - إن الذين ينظرون هذه القضية «ظلم الأزواج للزوجات ووجود
المشكلات والنزاعات» . سواء من الكتّاب أو الكاتبات أو رسّامي الكاريكاتير لا
يخرجون عن أحد صنفين:
أ - إما عن حسن نية وقصد للإصلاح وتنبيه بعض الأزواج لفداحة ما يقعون
به؛ فهم مأجورون إن شاء الله.
ب - أما الصنف الثاني فهم الذين يتخذون افتعال الخصومة والنزاع فيما بين
النساء والرجال مطية ووسيلة إلى هدف آخر ممقوت وهو مناداة المرأة لإعلان
التمرد على الأزواج، ونفي القوامة الشرعية! فهذه دعاية تصادم الشرع من أدعياء
تحرير المرأة.
٧ - أقول لكل مسلم رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً: قد كفيت همّ
حقوق المرأة؛ فشرعك قد تكفَّل للمرأة بكامل حقوقها؛ فما عليك سوى الاطلاع على
شرعك والنهل من معينه الصافي العذب، فستجد فيه الدواء الشافي والجواب الكافي
وإليك مثالاً واحداً يبين قدر تحميل الإسلام الرجل مسؤولية المرأة: قال صلى الله
عليه وسلم فيما صح عنه: «اللهم إني أحرّج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة» [٢] .
ولو أن المجال يتسع لذكرت من الآيات والأحاديث الشيء الكثير. وحسبي
أن الجميع يعرف مثل هذه الأمور في مجتمعاتنا الإسلامية والحمد لله.
стр. 4076
المنتدى
ردود
* الإخوة: مبارك بن عبد الله المحيميد، محمد سعد دياب، وليد حرفوش،
عبد الرازق المبارك، عبد العزيز بن عبد الله العزاز: وصلتنا مشاركاتكم بارك الله
فيكم ونفيدكم بأنها مجازة للنشر فى الملف الأدبي.
* الإخوة والأخوات: معاذ بن سلمان العودة، عبد الله بن صالح الخضيري،
عبد الكريم بن سعيد حاوة، أبو محمد الشيشاني، عبد الله العزام المطيري، شوحو
فيصل إبراهيم، سامي سالم حمدان المحمادي، أم أنس بنت عبد الله بن يوسف
الوابل: وصلتنا مشاركاتكم بارك الله فيكم ونفيدكم بأنها مجازة للنشر في المنتدى.
* الإخوة: محمد جلال، عبد الإله الكثيري، علي بن محمد الدهامي، محمد
إياد العكاري: وصلتنا مشاركاتكم بارك الله فيكم ونفيدكم بأنها مجازة للنشر في الباب
المفتوح.
* الإخوة: عبد الله بن عبد العزيز المحسن، فتحي الجندي، عبد العزيز
يحيى معافا، عبد الحميد بن حمد بريكة، عبد الله بن سعد الغانم، عبد الله عطية
عبد الله الزهراني، خالد المعبوف، صديق عبد الله النعمة، عبد الرزاق دحيم
الحربي: نرجو التكرم بإفادة المجلة بعناوينكم الخاصة، وجزاكم الله خيراً.
стр. 4077
الورقة الأخيرة
الصحافة وقضايا الأمة المصيرية
أ. د. محمد يحيى [*]
قضايا الأمة الإسلامية المصيرية معروفة؛ فمن قضية العدوان اليهودي
المتوسع والمهدد لكيان الأمة ذاتها بأسلحة الدمار الشامل إلى الزحف الصليبي
المتربص ليس فقط بأطرافها ولكن إلى قلبها، ومن تربص هندوكي يشهر هو الآخر
أسلحة الدمار الشامل نحو الكتلة الإسلامية المجاورة إلى اجتياح غربي علماني تحت
شعارات قديمة وجديدة من التحديث إلى العولمة، ومن التقدم إلى النظام العالمي
الجديد وإلى اقتصاديات السوق، ومن ضياع للهوية والعقيدة ذاتها إلى ضياع لمفهوم
الأمة الواحدة وتشرذمها إن لم يكن تصارُع أبنائها.
وإذا كانت قضايا الأمة معروفة واضحة فإنه يمكن القول كذلك إن الصحافة
تتابعها وتلاحق تطوراتها على مدى ساحة الأمة الإسلامية؛ فأين تكمن المشكلة إذن؟
القضية هي أن الصحافة باعتبارها مهنة ومؤسسة لا تستطيع أن تخدم وتساند
قضايا الأمة الحيوية الكبرى، وهي حتى في متابعتها لها تفعل ذلك من الجانب
المضاد أي من الجانب الذي يسهم في التعمية على هذه القضايا وطرحها من
المنظور الذي يخدم أعداء الأمة، ويشيع التضليل حول حقيقتها، ويبعد الجماهير
الإسلامية عن فهمها الفهم الصحيح ودفعها نحو الوجهة الصائبة التي تحلها وتؤدي
بها إلى خير الأمة.
والمشكلة الجوهرية التي تعترض سبيل مهنة الصحافة وتبعدها عن خدمة
قضايا الأمة المصيرية أو عن تناولها على النحو الصحيح تنقسم إلى جزئين رئيسين:
أولهما: هو درجة الاستقلال التي تتمتع بها المهنة.
والثاني: وقوع المهنة تحت هيمنة العلمانية ليس فقط من ناحية المضمون
الإخباري أو المنظور التحليلي؛ وإنما كذلك من ناحية المفاهيم الحاكمة للممارسات
الصحفية.
والواقع أن الجانبين مترابطان؛ ففقدان الاستقلال للصحافة في عالمنا
الإسلامي سواء كانت صحافة خاضعة للسلطات أم خاضعة لمصالح خاصة يصب
في صالح العلمانية المسيطرة بوضوح أو من وراء ستار على شتى المؤسسات
السلطوية أو الفاعلة في قطاعات واسعة في عالمنا الإسلامي.
ومن المفارقات أنه في بلدان إسلامية عديدة نجد أن صحافة الحكومة وصحافة
المعارضة التي يقال عنها إنها تعارض توجهات الإعلام الحكومي تتفقان في ترويج
الفكر والمفاهيم العلمانية نفسها وفي درجة رفض المنظور الإسلامي؛ حتى إن
اختلف الطرفان حول قضايا جزئية وفرعية تظل مع ذلك داخل إطار المجال
العلماني. وهكذا تصبح المشكلة الرئيسية التي تحول بين الصحافة وبين المعالجة
الصحيحة لقضايا الأمة المصيرية هي تغلغل الفكر العلماني وفرضه في شتى
جوانب العملية الصحفية من النقل والتغطية الخبرية إلى التعليق والتحليل
بمستوياتهما المتعددة.
والقضايا المصيرية التي أشرنا إليها في أول هذه الكلمة تجد لها مكاناً بالفعل
على صفحات الإعلام وبرامجه لكنه مكان مخطط ومعين سلفاً وواقع تحت منظور
معين يؤدي في نهاية المطاف إلى إجهاض وإحباط الفهم الحقيقي لهذه القضايا
وخدمتها؛ كما يؤدي إلى إفساد أي محاولة لدفعها نحو الحل أو التقدم. خذ مثلاً
قضية الوحدة الإسلامية تجد الصحافة تتحدث عنها إما في صورة شعارات حماسية
خالية من المضمون مما ينفر الناس ويشيع بينهم اليأس من إمكانية تحققها، أو
بصورة تبعث الشك في هذه الوحدة، وتطرح بديلاً عنها ولو في طرح تمهيدي
قضايا الوحدة الإقليمية والاقتصادية.
وفي قضية تجديد فكر الأمة وحيويتها تجد أن الطرح السائد في الإعلام
المعلمن هو التجديد بمعنى التغريب وتحويل الإسلام إلى نسخة من مذاهب الغرب
السائدة تحت ضجة المجاراة للعصر وما أشبه ذلك. وفي قضايا الغزو الصليبي
للأمة سواء كان بالتبشير أو بالثقافة الغربية تجد الصحافة تنفي حدوث مثل هذا
الغزو، وتتحدث عن تفاعل حضاري مزعوم، وتبشر بالحوار بين الإسلام والغرب
متجاهلة أن هذا الحوار يجري في ظل عملية غزو مستمرة من الجانب الغربي
ومؤسساته.
القضايا الحيوية للأمة إذن قد تكون حاضرة في الصحف لكن فقدان الاستقلال
المادي والفكري ثم تغلغل المنظور والمفاهيم العلمانية في ذهن القائمين عليها (أو
الذين يسمح لهم وحدهم ويرخص لهم وحدهم بالعمل فيها) يؤدي إلى المعالجة
العكسية لتلك القضايا بما يجهضها أو يميعها إن لم يكن مصيرها التهميش أو الإهمال
أما الصحافة الإسلامية فهي الآن في مشاكلها الخاصة المادية والفنية حتى الفكرية
أعجز من أن تقاوم هذا التيار أو تمثل قوة مضادة ترده، وهذه بالطبع قضية أخرى.
стр. 4078
شعبان - ١٤٢٢هـ
نوفمبر - ٢٠٠١م
(السنة: ١٦)
стр. 4079
كلمة صغيرة
إنما الصبر عند الصدمة الأولى
التفجيرات التي هزت الولايات المتحدة الأمريكية كانت صدمة عنيفة
للأمريكيين خصوصاً، ولدول العالم عموماً، صدمة للساسة والمفكرين وعلماء
النفس والاجتماع، بل هي صدمة حتى للإسلاميين على مختلف اتجاهاتهم.
وقد ظهر أثر هذه الصدمة في ردود الأفعال الأولية على الحدث؛ حيث اضطرب
توازن كثير من الناس، وانتشر فيهم القيل والقال، وطاشت بهم الآراء والمواقف،
والتبس عندهم الحق بالباطل، واختلف تفسيرهم للأحداث وموقفهم منها، ولا شك
بأن (الصبر عند الصدمة الأولى) .
ومما يحسن تأكيده بعد أن أخذت الأحداث بعداً جديداً أدى إلى اجتماع قوات
الحلف الأمريكي، وتوجيهها لضربات شاملة لعدد من المدن الأفغانية، زادت من
مأساة الشعب الأفغاني المنهك بالفقر والمرض والمجاعة: ضرورة الالتزام
بالنصوص الشرعية في القبول أو الرد، والاعتصام بحبل الله المتين، وإحياء
عقيدة الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين؛ فالمواقف يجب أن تبنى بناءً شرعياً
محكماً بعيداً عن الضغوط الإعلامية والاجتماعية، قال الله تعالى: [وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] (التوبة: ٧١) . ولزوم الاعتدال في حال
السراء والضراء، في المنشط والمكره، هو الموقف الذي يوزن به الرجال،
وتظهر به معادنهم. قال الله تعالى: [وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ
مُّسْتَقِيمٍ] (آل عمران: ١٠١) .
وهذا العدد من (البيان) جاء حافلاً بالعديد من التحليلات والآراء الاجتهادية
لنخبة من الكتاب كُتب معظمها قبل أن تبدأ مرحلة الهجوم على أفغانستان، نرجو أن
تكون إضافة مفيدة في ظل الصخب الإعلامي الذي طغى كثير منه على صوت
العقل والحكمة.
لقد بدأت الحرب على أفغانستان وهذا العدد في المطبعة، ولا يخفى على
القارئ اللبيب أن المطبوعة الشهرية لا يمكن أن تلاحق الأخبار المتسارعة، ولكن
نرجو أن يستمر تواصل المجلة معكم بالتحليلات واستشراف المستقبل قدر
الاستطاعة، ولعلَّ هذا يكون لنا عذراً أمام قرائنا الأفاضل الذين وعدناهم في عددنا
السابق بنشر ملف (العولمة.. مقاومة وتفاعل) ، ونحن بإذن الله تعالى على الوعد
في عدد قادم.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين.
стр. 4080
الافتتاحية
وذكّرهم بأيام الله !
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه ومن
والاه، وبعد:
فلم تكن الأحداث التي وقعت في أمريكا وأفغانستان مؤخراً هي الأولى من
الأحداث الفارقة في التاريخ، ولن تكون الأخيرة؛ فتاريخ البشر حافل بأقدار من
الخير والشر دارت بشأنها سنن، وجرت بسببها ابتلاءات، وحصلت بعدها تغيرات
في أحوال الأفراد والمجتمعات والأمم.
كان بوسعنا في هذه الافتتاحية أن نسجل عدداً من الآراء في نقاط تُظهر ما
تتبناه المجلة من موقف تجاه الأحداث، ولكنا آثرنا أن نستخرج من خلال نصوص
الوحي مواقفنا جميعاً؛ فما أشد احتياجنا واحتياج الناس كلهم في أزمنة الشدائد إلى
النظر في الثوابت الشرعية والسنن الإلهية؛ لنقيس عليها الأمور ويعتبروا بها في
التغيير، وينطلقوا منها في التأملات والتوقعات والتحليلات؛ ومن ثم في التحركات
والتصرفات وأداء الواجبات.
فالأيام لا تزال تتوالى بجديد، بين خير وشر، ونفع وضر، ومحن ومنح
يُختبر بها العالمون [لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ] (المائدة: ٩٤) .
ومخافة الله بالغيب تعني الالتزام بطاعته طمعاً في ثوابه وخوفاً من عقابه؛
وهذا لا يكون إلا بالإذعان لأحكامه الشرعية الدينية، والإيمان بأحكامه القدرية
الكونية. إن هذا الالتزام دعت إليه الرسالات كلها تحقيقاً للمعنى الشامل للتوحيد
المتضمن إفراد الله تعالى بالطاعة تحقيقاً لعبادته والإيمان المطلق بقيُّوميته، وهذا
هو المعنى الذي هتف به يوسف ﵇: [إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ
إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٤٠) ؛ فالدين القيِّم
يتضمن إفراد الله تعالى بالحكم شرعاً وقَدَراً، وقد صرَّح بهذا المعنى قبل يوسف
أبوه يعقوب ﵉ فقال: [إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
المُتَوَكِّلُونَ] (يوسف: ٦٧) ، وهو المعنى نفسه الذي أمر الله تعالى خير الأنبياء
وسيد المرسلين محمداً ﷺ أن يعلنه في العالمين بأفصح لسان
وأصرح بيان: [قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ
أَهُوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ * قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ
مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ]
(الأنعام: ٥٦-٥٧) .
حكم الله إذن يتضمن نوعين: حكماً تشريعياً للعمل والامتثال، وحكماً كونياً
يُجري به الله تعالى المقادير في الدنيا بحسب مواقف الناس من الحكم الشرعي.
وأحكام الله القدرية تتضمن ما يُطلق عليه: السنن الإلهية، وهي تلك القوانين التي
تجري على وفقها المقادير؛ فلا تقبل التخلف ولا تتعرض للتبديل [سُنَّةَ اللَّهِ الَتِي
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً] (الفتح: ٢٣) ، [سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا
قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً] (الإسراء: ٧٧) ، [فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ
سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً] (فاطر: ٤٣) .
والله تعالى أراد من عباده أن يفقهوا سننه الكونية مثلما هداهم إلى سننه
الشرعية، فقال سبحانه: [يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم وَيَتُوبَ
عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] (النساء: ٢٦) ، قال ابن كثير: «عليم حكيم في شرعه
وقدره، وأفعاله وأقواله» [١] .
إن من سنن الله التي تجري عليها الوقائع والحوادث هي المسماة في القرآن:
(أيام الله) ، وكما أن السنن تحتاج إلى من يستخرجها، ويعرِّف بها؛ فإن أيام الله
تحتاج إلى من يلحظها ويذكِّر الناس بها، وهي تجري على البر والفاجر، والمؤمن
والكافر. قال تعالى عن نبيه موسى ﵇: [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ
أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ
شَكُورٍ] (إبراهيم: ٥) ، ومعنى أيام الله في الآية: «وقائع الله في الأمم السالفة،
والأيام التي انتقم فيها من الأمم الخالية» [٢] ، وقال الطبري في معنى:
[وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ] : «وعِظْهُم عما سلف في الأيام الماضية لهم بما كان في أيام
الله من النعمة والمحنة» [٣] .
إن ها هنا معنى عظيماً، وهو أن أيام الله هي تفسير لسنن الله؛ فتلك السنن
ليست معاني مجردة أو افتراضات محضة، بل هي حُكم وتطبيق، ودرس وشرح،
وعظة وعبرة، ولكن ها هنا أيضاً معنى أعظم، يحتاج إلى تأمل وتدبر وهو أن:
(أيام الله) التي تفسر سنن الله ليست ماضية فقط، بل هي حاضرة أيضاً ومستقبلة؛
فكما جرت بشأن السنن أيام ووقائع في الماضي الغائب عنا؛ فهي تجري في
الحاضر المحيط بنا والمستقبل البعيد منا.
وكل هذا يؤكد الفائدة العظمى والأهمية القصوى للنظر في تلك السنن
واستحضار الحقائق المحتفَّة بها؛ لأنها حكم الله الذي لا يُخالَف ولا يستطيع أحد
عصيانه؛ فلئن كان بإمكان العصاة أن يخالفوا حكم الله الشرعي؛ فإن أحداً من
الخلق لا يستطيع الخروج قيد أنملة عن حكمه القدري، وتجيء (أيام الله) بما فيها
من محن أو منح لتثبت ذلك.
ما أحوجنا في أزمنة الأحداث الجسام إلى أن نذكِّر أنفسنا ونذكِّر الناس بأيام
الله، وأن نبصِّر أنفسنا ونبصِّر الناس بسنن الله الكونية القدرية مع إرشادهم إلى
سننه الدينية الشرعية؛ فالأحداث الكبرى قد تطيش فيها عقول، وتذهل فيها أفئدة،
وقد تزل فيها أقدام أقوام، وتضل أفهام آخرين، ولا يثبت إلا من ثبَّته الله،
[يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ
الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ] (إبراهيم: ٢٧) .
إن تلك الآية نفسها تشير إلى عدد من الأحكام القدرية والسنن الإلهية؛ فهي
تفيد أن الله تعالى قضى قدراً بأنه لا يثبت أمام فتن الدنيا والآخرة إلا من يثبته الله،
وتثبيت الله إنما يكون لمن هداه إلى كلمة لا إله إلا الله بمعناها الشامل المقتضي
إفراده سبحانه بالمحبة والخوف والرجاء؛ فمن أحب الله وحده، ورجا الله وحده،
ولم يخف إلا من الله وحده فذلكم الثابت بتثبيت الله. والآية أيضاً تفيد أن الثبات
يذهب عمن أخل بذلك فظلم نفسه بمحبة غير الله على وجه التعبد أو صرف رجاءه
أو خوفه لغير الله [وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ] .
إن الزمان كلما تقارب كان فعل الفتن في الناس عجيباً؛ لأنها تتوارد وتتكاثر
حتى يرقق بعضها بعضاً، وتتابع بالهلاك على أقوام ما كانوا يظنون أو يظن الناس
فيهم أنهم يفتنون حيث تجيء الفتنة، فيقول المؤمن كما جاء في الحديث: «هذه
مهلكتي ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه» [٤] ، ولا يزال الأمر
في تصاعد وتزايد حتى تتغير الأحوال من تنقُّل بين فتنة وفتنة إلى تقلُّب بين كفر
وإيمان عياذاً بالله؛ حيث «يصبح الرجل مؤمناً أو يمسي كافراً، ويمسي مؤمناً
ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا» [٥] .
فالناس مواقف في أزمنة الشدائد، ومواقفهم بحسب معادنهم؛ فالمعادن
الأصيلة تجلِّيها نار الاختبار، أما الرخيصة فتُنفى مع الخبث.
إن كل موقف من المواقف له حكم شرعي، وعلى كل موقف ديني ينبني حكم
قدري كوني في الدنيا وحكم جزائي في الآخرة؛ ذلك أن الأحكام الجزائية في الآخرة
ثواباً أو عقاباً هي امتداد للأحكام الكونية والسنن الإلهية في الدنيا، وكلاهما يُبنى
على الطاعة أو العصيان.
نحن هنا لا نتحدث عن أحداث أمريكا الأخيرة، أو ما تولدت عنه، حيث إن
ذلك قد أفاض الناس في الكلام عنه منددين أو مؤيدين، ولكنا نتحدث عن صراعات
ستجري وأحداث ستتفاقم خلال مراحل يبدو أنها ستتتابع على شكل سلسلة من
التغيرات الحادة في العالم والله أعلم؛ فما الذي يحكم كل ذلك؟
أولاً: سنن الله في موجبات التغيير:
حركة التغيير على مستوى الأمم والجماعات والأفراد لا تتوقف؛ فإما أن
تكون إلى الأحسن وإما أن تكون إلى الأسوأ؛ فأما التي إلى الأحسن، فتحكمها السنة
القائلة: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: ١١) .
فما من أهل قرية ولا بيت ولا بلد كانوا على ما كره الله من المعصية، ثم
تحوَّلوا عنها إلى ما أحب من الطاعة إلا حوَّلهم الله عما يكرهون من العذاب إلى ما
يحبون من الرحمة [٦] ، وأما التغيير إلى الأسوأ فتحكمه السنة القائلة: [ذَلِكَ بِأَنَّ
اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
* كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا
آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ] (الأنفال: ٥٣-٥٤) .
ثانياً: سنن الله في موجبات العز أو الذل:
العزة لله وإلى الله كلها، وقد كتب العزة قدراً للمستقيمين على دينه شرعاً،
فبقدر استقامتهم تكون عزتهم، قال سبحانه: [وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ
المُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] (المنافقون: ٨) ، وقد أخبر سبحانه أنه وحده الذي يعز
ويذل: [وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ] (آل عمران: ٢٦) ؛
ولهذا فإن من أراد العزة فليستمدها منه وحده: [مَن كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ
جَمِيعاً] (فاطر: ١٠) ، أما الذين يريدون أن يستمدوا العزة من عند غير الله،
فأولئك لهم شأن آخر مع الله. قال سبحانه: [بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً *
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ
جَمِيعاً * وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ
تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ
وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً] (النساء: ١٣٨-١٤٠) . وهذا ذل الدنيا والآخرة،
الذي أعلم الله به كل من يحادُّ دينه ويعادي أولياءه: [إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ] (المجادلة: ٢٠) .
ثالثاً: سنن الله في موجبات النجاة:
يتطلع الناس إلى النجاة إذا جاء أمر الله بالانتقام أو العذاب الشديد بالكوارث
والمحن أو الحروب والفتن، وقد يعم العذاب بذلك في الدنيا، ثم ينجي الله تعالى من
أراد نجاته في الآخرة، ولكن تقوى الله تعالى في أوقات الرخاء تنجي وقت الشدة؛
تنجي على الأقل من الفتنة، وهي أعظم النجاة. قال تعالى: [ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا
وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقاًّ عَلَيْنَا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ] (يونس: ١٠٣) . وقد نجى الله
أصنافاً وأصنافاً من المؤمنين من الرسل وأتباع الرسل (عليهم صلوات الله وسلامه)
من أنواع شتى من المحن والفتن، نجى نوحاً: [فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ
الكَرْبِ العَظِيمِ] (الأنبياء: ٧٦) ، وهوداً: [وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ
آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا] (هود: ٥٨) ، وصالحاً: [فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً
وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ] (هود: ٦٦) ، وإبراهيم: [فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا
اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ] (العنكبوت: ٢٤) ، ولوطاً: [وَإِنَّ لُوطاً
لَّمِنَ المُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ] (الصافات: ١٣٣-١٣٤) ، ويونس:
[فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي المُؤْمِنِينَ] (الأنبياء: ٨٨) ،
وموسى: [وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً] (طه: ٤٠) ، وعيسى:
[وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ] (النساء: ١٥٧) ، [بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ]
(النساء: ١٥٨) ، ومحمداً (صلوات الله عليه وعلى جميع رسل الله) : [إِلاَّ
تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ
لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا] (التوبة: ٤٠) ، نجَّى الله هؤلاء الرسل ونجَّى
أتباعهم من نوائب وشدائد ومصائب حلت بأقوامهم، وقد كان الدعاء بالنجاة بعد
تحقيق الإيمان هو أقرب سبل النجاة، ولا يشابهه في الأثر إلا القوة في القيام بالحق
وقت الفتن، والجرأة على إنكار المنكر رغم المحن. قال تعالى عن رهط من قوم
موسى ﵇: [فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا
فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ] (الأنعام: ٤٤) .
رابعاً: سنن الله في موجبات الهلاك:
القانون في ذلك، أن الله تعالى لا يهلك أمة ظلماً، ولا يهلك أمة بغير نذير
وتحذير. قال سبحانه: [ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ]
(الأنعام: ١٣١) ، فلا بد من انحرافٍ ما يستوجب الهلاك، وقد نص القرآن على
عدد من الانحرافات المستوجبة للهلاك الذي قد يكون هلاك استئصال أو هلاك
تعذيب واختبار، وقد يسلط العذاب على الكافرين، وقد يُبتلى به بعض المسلمين؛
إذ إنهم لا يخرجون عن السنن الإلهية إذا فرطوا في الشرائع الدينية.
ومن موجبات الهلاك التي تجري بها سنن الله:
* الظلم والطغيان: قال تعالى: [وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا
وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ] (يونس:
١٣) ، وقال: [فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا
وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ] (الحج: ٤٥) . [وَتِلْكَ القُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا
وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً] (الكهف: ٥٩) ، وقد أخبر القرآن أن الظلم والطغيان
كانا يقبعان خلف إهلاك أمم عظمى وقوى كبرى كانت ذات عمارة وحضارة. قال
سبحانه [وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا
هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى] (النجم: ٥٠-٥٤) .
* البطر والأشر وعدم الشكر: قال تعالى عن قارون: [قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى
عِلْمٍ عِندِي أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ
جَمْعاً وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ
يُرِيدُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ]
(القصص: ٧٨-٧٩) ، وقال سبحانه: [وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ
مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الوَارِثِينَ] (القصص:
٥٨) .
* الجبروت والبطش: قال تعالى: [وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم
بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي البِلادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ] (ق: ٣٦) ، وقال: [فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم
بَطْشاً وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ] (الزخرف: ٨) .
* التجاوز في السفاهة والتعالي بالترف والفسوق: قال تعالى عن قومٍ:
[قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ * وَمَا
نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ]
(الشعراء: ١٣٦-١٣٩) ، وقال سبحانه عن موسى وقومه: [وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ
سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ
أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ
أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الغَافِرِينَ] (الأعراف: ١٥٥) .
وقال سبحانه: [وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ
عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً] (الإسراء: ١٦) .
* السكوت عن قول الحق وترك الإصلاح: قال تعالى: [فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ
القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ
وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ
وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ] (هود: ١١٦-١١٧) .، وقال سبحانه: [وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ
تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً] (الأنفال: ٢٥) ، والفتنة هنا هي المحن التي
تصيب المسيء وغيره إذا لم تُدفع وتُرفع [٧] .
* موالاة الظالمين: قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ
اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ القُبُورِ] (الممتحنة:
١٣) ، وقال: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن
يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ] (المائدة:
٥١-٥٢) . وقال سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ
المُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً] (النساء: ١٤٤) .
* معاداة المؤمنين: قال تعالى: [وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ
تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ] (الأنفال: ٧٣) .
خامساً: سنن الله في موجبات الهزيمة والخذلان:
* التفرق والتنازع: قال تعالى: [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ] (الأنفال: ٤٦) .
* طاعة الأعداء واتخاذ البطانة منهم: قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ
تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ
وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ] (آل عمران:
١١٨) . وقال: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ
فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ] (آل عمران: ١٤٩) ، وقال: [إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم
مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ
كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ
المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وَجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا
رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ] (محمد: ٢٥-٢٨) .
سادساً: سنن الله في موجبات النصر والتمكين:
رُبط تحقيق النصر لأهل الإسلام بتحقيق الإيمان ونصرة الدين. قال تعالى:
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] (محمد: ٧) ،
وقال: [إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ
بَعْدِهِ] (آل عمران: ١٦٠) ، وقال: [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ
عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) ، وقال: [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ
فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ]
(الروم: ٤٧) ، وقال: [أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ
لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ
النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ
كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٣٩-٤٠) ، ونصرة
الدين تتضمن الامتثال له، والقيام به، ووحدة الصف من أجله والصبر عليه،
والجهاد في سبيله.
وأخيراً: لا بد أن يعلم الناس أن هذا الدين منصور، وأن الله تعالى قد قيَّض
له طائفة لا يخلو منها زمان إلى آخر الزمان، ومن صفات هذه الطائفة:
١ - أنها على الحق والسنة.
٢ - أنها ظاهرة على هذا الحق معلنة به.
٣ - أنها منصورة بالحق مقاتلة عليه.
٤ - أنها محفوفة بمن يسلمونها ويخذلونها.
٥ - أنها محاطة بالمخالفين.
٦ - أنها لا يضرها هذا الخذلان وتلك المخالفة.
٧ - أنها جامعة لشرائح مختلفة من الأمة.
٨ - أن الله يبعث منها المجددين للدين.
٩ - أنها لا تنحصر بمكان واحد؛ ولكن تتنقل عبر الزمان في أكثر من مكان.
١٠ - أنها باقية إلى يوم القيامة. قال رسول الله ﷺ : «لا
تزال عصابة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي
أمر الله وهم ظاهرون على الناس» [٨] .
إن كل السنن الإلهية المذكورة، وغيرها كثير تحققت بشأنها أقدار ووقائع،
وتواريخ وحوادث هي من (أيام الله) وقد مضت بها سنة الأولين وستمضي عليها
سنن الآخرين، وقد ظل الإسلام عزيزاً شامخاً، وسيبقى كذلك إلى ما شاء الله؛
فلنتدارس هذه الأيام والسنن، ولنذكِّر الناس بها، فالخوف ليس على الإسلام، ولكن
على من يتخلف عن ركب الإسلام.
والله الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 4081
دراسات في الشريعة والعقيدة
رسالة في تعظيم الله
أديب بن محمد المحيذيف
إن الناظر في أحوال الناس ليعجب من هذه النفوس التي إذا ذُكِّرت بالله لم
تتذكر، وإذا وُعظتلم تتعظ، وإذا قُرئت عليها آيات الوعد والوعيد لم تبك ولم تتأثر ولا شك أن هذا نذير خطر على العبد إذا لم يراجع نفسه ويحاسبها ويذكرها بالله
تعالى، ولعله من أعظم الأسباب التي أوصلت الإنسان إلى هذه الحالة المتردية عدم
استشعار عظمة الله في القلوب والبعد عن خشيته والخوف منه سبحانه.
ولعلي في هذه المقالة المختصرة أن أبين هذه المسألة المهمة ألا وهي تعظيم
الله، فأقول:
ذكر الفيروز أبادي في القاموس المحيط في معنى التعظيم قال: العِظم بكسر
العين خلاف الصِغر، وعظَّمه تعظيماً وأعظمه أي فخمه وكبره، واستعظمه أي رآه
عظيماً [١] .
وقال الرازي في مختار الصحاح: عظُم الشيء أي كبُر فهو عظيم [٢] .
وقال ابن منظور في لسان العرب: العظيم الذي جاوز قدره وجلَّ عن حدود
العقول [٣] .
إن الله تعالى لم يخلق الخلق ولم يرسل الرسل ولم ينزل الكتب إلا من أجل
تحقيق غاية من أسمى الغايات ألا وهي عبادته سبحانه وتحكيم شرعه، ولا يمكن
أن تصل العبادة إلى أعلى كمالها إلا بتعظيم المعبود؛ فقد ذكر المناوي في تعريف
العبادة أنها فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيماً لربه. وقيل أي العبادة هي
تعظيم الله وامتثال أوامره [٤] . فمن هذا التعريف تتضح أهمية تعظيم الله، وأنها
العبادة التي خلقنا الله لتحقيقها.
ولقد جاءت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة في بيان فضل تعظيم الله؛
فمنها قوله تعالى: [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] (الفاتحة: ٥) ، قال القرطبي
﵀: ثم الآية الرابعة جعلها الله بينه وبين عبده؛ لأنها تضمنت تذلل العبد
لربه وطلب الاستعانة منه؛ وذلك يتضمن تعظيم الله تعالى [٥] .
ومنها قوله تعالى في معرض ذكر صفات عباده المؤمنين: [وَالَّذِينَ صَبَرُوا
ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِراًّ وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ
بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ] (الرعد: ٢٢) ، قال ابن جرير الطبري
﵀: ابتغاء وجه ربهم أي طلب تعظيم الله وتنزيهاً له أن يخالف في أمره أو
يأتي أمراً كره إتيانه فيعصيه به [٦] .
ومنها قوله تعالى في قصة نوح ﵇ مع قومه: [مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ
لِلَّهِ وَقَاراً] (نوح: ١٣) ، قال أبو السعود: أي ما لكم لا تؤملون له تعالى توقيراً
أي تعظيماً لمن عبده وأطاعه [٧] .
ومنها قوله تعالى لما ذكر قصة أصحاب الجنة: [قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ
لَوْلا تُسَبِّحُونَ] (القلم: ٢٨) ، قال الثعالبي: قيل هي عبارة عن تعظيم الله
والعمل بطاعته سبحانه [٨] .
ومنها حديث جبير بن مطعم ﵁ حيث قال: أتى رسولَ الله صلى
الله عليه وسلم أعرابي، فقال: يا رسول الله! جُهدت الأنفس، وضاعت العيال،
ونُهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا؛ فإنا نستشفع بك على الله
ونستشفع بالله عليك. فقال رسول الله ﷺ : «ويحك أتدري ما
تقول؟» ، وسبح رسول الله ﷺ ، فما زال يسبح حتى عرف ذلك
في وجوه أصحابه، ثم قال: «ويحك إنه لا يُستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن
الله أعظم من ذلك..» [٩] ؛ فالأعرابي لما قال: (فإنا نستشفع بالله عليك) جعل
الله في مقام الشافع عند رسوله، وهذا تنقيص من قدره جل وعلا؛ ولهذا سبَّح
الرسول ﷺ ونبَّه الأعرابي إلى هذا الخطأ الفادح لما قال:
«ويحك! أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك» إلى آخر الحديث.
ولكي نتصور أخي الكريم حقيقة وكنه التعظيم فإن علينا أن نتفكر في هذا
المثال: انظر إلى حال رفقاء الملوك والأمراء والرؤساء إلا من رحم الله تجد أحدهم
لا يستطيع أن يرد لهذا الملك أو لهذا الرئيس أمراً ولا أن يرتكب نهياً حتى وإن كان
هذا الأمر والنهي يضره في بدنه أو ماله أو أهله، وعندما نسأله عن سر هذه
الطاعة العمياء نجد أن تعظيمه لهذا الرئيس هو السبب الحقيقي لهذه الطاعة. إذاً
فالتعظيم يولِّد في النفس الخوف من المعظَّم.
ولهذا ما فتئ علماء الأمة يجتهدون في تذكير الناس بمسألة تعظيم الله؛ فها هو
شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ يصنف كتاب التوحيد، ويقرر فيه
مسائل العقيدة ثم يختم كتابه بأبواب عديدة كلها تتعلق بتعظيم الله، مثل: باب فيمن
لم يقنع بالحلف بالله باب التسمي بقاضي القضاة باب احترام أسماء الله باب لا يرد
من سأل الله باب قوله: [وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ] (الزمر: ٦٧) . وهذا آخر
باب ذكره الشيخ في كتابه القيم.
لكن هل نحن معظمون لله أم لا؟ للإجابة عن هذا التساؤل لا بد أن ننظر إلى
حالنا عند الإقدام على فعل طاعة من الطاعات: هل نؤديها رغبة ورهبة، خوفاً
وطمعاً؟ أم أن الطاعة أصبحت عادة من العادات نعملها كل يوم دون استشعار
الهدف من أدائها؟ وهل المرأة حين تلبس الحجاب الشرعي تلبسه لأنه شرعٌ من الله
أم أنه تراث وتقاليد؟ كذلك ننظر إلى حالنا عند فعل المعصية: هل نحس كأننا
تحت جبل يكاد أن يسقط علينا أم كذبابة وقعت على أنف أحدنا فقال بها هكذا؟
كذلك لننظر إلى حالنا أثناء أداء الصلاة والقيام لرب العالمين هل نستشعر عظمة من
نقابله فنخشع في صلاتنا أم تشغلنا الأفكار والهواجس؟ وهل إذا قابلنا ملكاً من ملوك
الدنيا صنعنا عنده مثل ما نصنع في صلاتنا؟ إذا أجبنا عن هذه التساؤلات بكل
تجرد فسنعرف يقيناً هل نحن معظمون لله أم لا؟
أخي الكريم! لنتأمل حال أولئك المعظمين لله تعالى عند قيامهم للصلاة؛ فقد
قال مجاهد ﵀: كان إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يشد بصره إلى
شيء، أو أن يلتفت أو يقلب الحصى، أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه من شأن
الدنيا إلا ناسياً ما دام في صلاته، وكان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود من
الخشوع، وكان يسجد فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه وهو في الصلاة لا يرفع
رأسه، وكان مسلمة بن بشار يصلي في المسجد فانهدم طائفة منه فقام الناس وهو
في الصلاة لم يشعر. وكان علي بن أبي طالب ﵁ إذا حضرت الصلاة
يتزلزل ويتلون وجهه، فقيل له: ما لك؟ فقال: جاء والله وقت أمانة عرضها الله
على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتها. وكان
سعيد التنوخي إذا صلى لم تنقطع الدموع من خدَّيه على لحيته. وكان شيخ الإسلام
ابن تيمية ﵀ إذا دخل في الصلاة ترتعد أعضاؤه حتى يميل يمنة
ويسرة [١٠] وهذا غيض من فيض من أخبار وأحوال أولئك المعظمين لله، اللهم
كما رزقتهم تعظيمك فارزقنا إياه يا سميع الدعاء.
بل إن من العجيب أن كفار قريش كان في قلوبهم شيءٌ من تعظيم الله، وإليك
بعض الشواهد على ذلك:
١ - قصة عتبة بن ربيعة حينما قرأ عليه الرسول ﷺ فواتح
سورة فصلت فلما بلغ قوله تعالى: [فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ
صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ] (فصلت: ١٣) ، وضع يده على فم رسول الله صلى الله
عليه وسلم وناشده الله والرحم ليسكتن [١١] .
٢ - قصة جبير بن مطعم أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ
في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: [أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ
* أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ
المُسَيْطِرُونَ] (الطور: ٣٥-٣٧) كاد قلبي أن يطير [١٢] .
٣ - كان الرسول ﷺ عند الكعبة وحوله صناديد قريش فقرأ
عليهم سورة النجم فلما وصل إلى السجدة في آخر السورة سجد فسجدوا معه [١٣] .
فهذه الشواهد تدل على أن كفار قريش رغم كفرهم وإشراكهم كان في قلوبهم
شيء من تعظيم الله. قال شيخ الإسلام: «والمشركون ما كانوا ينكرون عبادة الله
وتعظيمه ولكن كانوا يعبدون معه آلهةً أخرى» [١٤] .
أخي الكريم! إن عدم تعظيم الله في القلوب سيُسأل عنه كل فرد منا؛ فلا بد
من المحاسبة والمراجعة وتقويم النفس والنظر في علاقتنا بربنا جل وعلا.
ولعل من أعظم أسباب عدم تعظيم الله ما يلي:
١ - الوقوع في المعاصي، وهذه هي المعضلة، وهي السبب في كل بلاء
ومحنة وبعد عن الله تعالى. قال ابن القيم ﵀: «وكفى بالعاصي عقوبةً أن
يضمحل من قلبه تعظيم الله ﷻ وتعظيم حرماته، ويهون عليه حقه، ومن
بعض عقوبة هذا أن يرفع الله مهابته من قلوب الخلق ويهون عليهم
ويستخفُّون به كما هان عليه أمره واستخف به» [١٥] ، وقال بشر بن الحارث: لو
تفكر الناس في عظمة الله لما عصوا الله.
٢ - التساهل في أوامر الله؛ فتجد كثيراً من الناس لا يؤدون العبادات على
الوجه المطلوب؛ فلو كانوا يعظمون الله حق التعظيم لعظموا أمره كذلك.
٣ - عدم تدبر القرآن حال قراءته، وعدم الوقوف عند وعده ووعيده،
وأصبح همُّ القارئ آخر السورة فحسب دون اعتبار للهدف الذي أُنزل من أجله
القرآن. قال تعالى [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ]
(ص: ٢٩) .
٤ - الغفلة عن ذكر الله فتجد أحدنا في المستشفيات أو في إحدى الدوائر
الحكومية جالساً على كرسي الانتظار زمناً طويلاً وهو لا يذكر الله ولا يسبحه ولا
يكبره؛ حتى وإن سبح وكبر فهو لا يعي معنى هذا التسبيح وهذا التكبير، وهذه
مشكلة لا بد أن نعالجها في نفوسنا.
٥ - النظر فيما حرم الله تعالى؛ فالنظر الحرام يولد في القلب القسوة والجفاء،
وهذا لا يتأتى مع التعظيم؛ لأن التعظيم لا يكون إلا من قلب خاضع خاشع لين
مقبل على الله بكليته.
ولهذا فلا عجب أن يكون السلف الصالح رضوان الله عليهم من أشد الناس
تعظيماً لله؛ لأنهم أحرص الناس على طاعته وأبعدهم عن معصيته. قال القنوجي:
وهم أي السلف الصالح أشد تعظيماً لله وتنزيهاً له عما لا يليق بحاله [١٦] . وقال ابن
منده في كتاب الإيمان: والعباد يتفاضلون في الإيمان على قدر تعظيم الله في القلوب
والإجلال له، والمراقبة لله في السر والعلانية [١٧] .
أخي الكريم! وبعد هذا كله فحريٌ بنا أن نتطرق إلى الأمور المعينة على
تعظيم الله وهي كثيرة ولله الحمد؛ ولكن قبل أن نذكرها ننبه إلى نقطة مهمة وهي
أن المسلم إذا أراد أن يكون ممن يعظم الله حق التعظيم، فلا بد من وجود نية
صادقة تدفعه دفعاً للوصول إلى هذه الغاية، وأن يكون حرصه على تعظيم الله نابعاً
من استشعاره لأهمية التعظيم، وأن يريد بعمله وجه الله تعالى لا أن يمدحه الناس
ويثنوا عليه.
أما الأمور المعينة على تعظيم الله فنذكر منها:
١ - تحقيق العبودية الكاملة لله تعالى؛ فالعبد كلما تقرب إلى ربه بأنواع
العبادات وأصناف القرُبات عظُم في قلبه أمر الله؛ فتراه مسارعاً لفعل الطاعات
مبتعداً عن المعاصي والسيئات. قال شيخ الإسلام: «وكلما ازداد العبد تحقيقاً
للعبودية ازداد كماله وعلت درجته» [١٨] .
٢ - التدبر الدقيق للقرآن الكريم وما فيه من حِكم وأحكام، والنظر فيما فيه
من الدروس والعبر، وأن نتدبر في الآيات التي تتحدث عن خلق الله وبديع صنعه،
والآيات التي تتحدث عن عقوبته وشديد بطشه، وآيات الوعد والوعيد، فإن تدبر
القرآن يؤثر في القلب ولا شك، ويُذكي فيه عظمة الخالق والخوف منه. قال الشيخ
عبد الرحمن بن قاسم صاحب حاشية الروض ﵀: بل قراءة آية بتدبر وتفهُّم
خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهُّم، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان
وذوق حلاوة الإيمان، وهكذا قراءة النبي ﷺ والسلف من بعده،
حتى إنه ليردد الآية إلى الصباح، وهذا هو أصل صلاح القلب، ومن مكائد
الشيطان تنفير عباد الله من تدبر القرآن لعلمه أن الهدى واقع في التدبر [١٩] .
٣ - التفكر في خلق السماوات والأرض؛ فإن الناظر فيها ليدهش من بديع
صنعها وعظيم خلقها واتساعها؛ ومع هذا فهو لا يرى فيها شقوقاً ولا فطوراً قال
تعالى: [الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ
البَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ
حَسِيرٌ] (الملك: ٣-٤) .
ولهذا أثنى الله على عباده الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض؛ قال
تعالى: [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ
لأُوْلِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي
خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ]
(آل عمران: ١٩٠-١٩١) .
ومن الأحاديث الدالة على عظمة السماوات ما رواه أبو ذر الغفاري رضي الله
عنه قال: قال الرسول ﷺ : «ما السماوات السبع في الكرسي إلا
كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك
الحلقة» [٢٠] . فهذا الحديث يبين عظمة السماوات وعظمة الكرسي والعرش؛
ونحن بني آدم لا نساوي شيئاً أمام هذه المخلوقات العظيمة، ومع ذلك يقول الله
تعالى في السماء والأرض: [ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ
ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ] (فصلت: ١١) ، قال الشوكاني: أي
أتينا أمرك منقادين [٢١] ؛ فيا سبحان الله! كيف بالإنسان هذا الضعيف الذليل يتكبر
ويتبجح ويقارع جبار السماوات والأرض بالمعاصي والآثام؟ ! نسأل الله السلامة
والعافية.
٤ - النظر في حال من غبر؛ فلقد عاش على هذه الأرض أقوام وشعوب
أعطاهم الله بسطة في الجسم وقوة في البدن لم يعطها أمة من الأمم ولكنها كفرت
بالله وكذبت بالرسل؛ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ودمرهم تدميراً؛ فها هم قوم
عاد الذين قالوا: من أشد منا قوة؟ ! أهلكهم الله [بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا
عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى القَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ
خَاوِيَةٍ] (الحاقة: ٦-٧) ، وها هم ثمود الذين كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً
فارهين أهلكهم الله بالصيحة [فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ] (هود: ٦٧) ، فالله
سبحانه لم يتكلف في عذاب هذه الأمم ولم يكن له سبحانه أن يتكلف؛ إنما أمره إذا
أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون؛ فما بالنا نحن الأضعف والأقل قوة وبطشاً لا
نخشى أن يصيبنا مثل ما أصاب أولئك؟
٥ - الدعاء: وهو أنفع الأدوية وأقوى الأسباب متى ما حضر القلب وصدقت
النية؛ فإن الله لا يخيب من رجاه قال تعالى: [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يَرْشُدُونَ]
(البقرة: ١٨٦) .
فاللهم إنا نسألك تعظيمك والخوف منك، وأن تمن علينا بتوبة صادقة تعيننا
على طاعتك واجتناب معصيتك.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4082
دراسات تربوية
سبل مواجهة الفتن
عبد الحكيم بن محمد بلال
belal١٤٢٢. yahoo. com
من المتقرر شرعاً أن المسلم يبقى منذ بلوغه التكليف إلى مفارقته الحياة عبر
أحواله المختلفة في دائرة الابتلاء والاختبار التي خلق من أجلها لينظر الله عمله
ويحصيه عليه ليجازيه به حين المصير إليه . قال :
[تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ] (الملك: ١-٢) .
وحقيقة الابتلاء والتكليف تتطلب من المسلم السعي الحثيث إلى النجاح في هذا
الامتحان الطويل أمده، المختلفة صوره، فهو مستمر في الرخاء والسراء كما هو
في البلاء والضراء [وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ] (الأنبياء:
٣٥) ، والابتلاء باقٍ مع الغنى كما أنه مع الفقر، يرافق المسلم في سره وعلانيته،
في حله وترحاله، في غضبه ورضاه، في بيته وعمله.. لا يخرج عنه ما دام
عقله معه لم يفارقه بنوم أو جنون، ولكل حال تمر بالمسلم عبودية تخصها.
وتبقى حالات الفتن أشد حالات الابتلاء؛ نظراً لالتباس الحق بالباطل، وكثرة
الدعاة على أبواب جهنم، وكثرة الصوارف عن الحق، وارتفاع ضريبة الثبات
عليه ومتابعته، وبسبب انشغال كثير من الناس عن العبادة بمتابعة الأحداث وتناقل
الأخبار والاستجابة للإثارة، في ظل تتابع الأحداث، واضطراب الأمور، وانقلاب
المواقف، وتوالي الهموم الدنيوية، من نجاة النفس والأهل، وسلامة الدور
والأموال والتجارات، وتوفير المعيشة، مع اشتداد دواعي الأثرة، والشعور بالندرة.
ويبدو أن تفجيرات أمريكا حدث كبير له ما بعده؛ فهو بالنسبة للأمريكان
والأوروبيين بداية حقبة تاريخية جديدة، ومرحلة من الصراع متقدمة، تجعلهم
يعيدون كثيراً من حساباتهم، وخاصة مع المسلمين مع أن الاتهامات ضدهم لم
تثبت؛ والظاهر أن مساحات الحرية الممنوحة لهم هناك ستكون بعد اليوم هامشاً في
بلاد الديمقراطية!
وقد بدأت الممارسات الشعبية لهذا على شكل مضايقات شخصية وعامة في
المساجد والمراكز بلغت درجة إحراق بعض المساجد، وخلع حجاب بعض
المسلمات ... ، في الحين الذي انطلقت فيه الإجراءات الرسمية، متمثلة في
الملاحقات والاعتقالات الواسعة نسبياً من أجل التحقيق، وفي الحملة المسعورة
لتجفيف المنابع، وتضييق الخناق المالي الذي بدأت دائرته تتسع في الغرب
والشرق؛ مما يؤذن بفتنة جديدة من الحرب مع المسلمين عموماً والصحوة
خصوصاً، هي أشرس وأوسع نطاقاً. نسأل الله العافية.
تستدعي تلك الحالة تأملات دقيقة للوقوف مع الحدث وتحليله ودراسته
وتقويمه، والبحث في أسبابه وتداعياته ونتائجه القريبة والبعيدة، وكيفية التعامل
معه.. وليس يمكن لهذه المقالة أن توفي شيئاً من ذلك حقه.
إنما تهدف المقالة إلى ذكر وقفات في التعامل مع الفتن عموماً.
أولاً: الاستعانة بالله تعالى والاعتصام بحبله:
يقين المسلم بأن الكون لله، وأن الخلق خلقه، والأمر أمره، يوجب عليه
التوجه إلى الملك المدبر لصلاح شؤون الدنيا والدين. وذلك هو الباب
الوحيد الذي من ضل عنه لم يجد مخرجاً ولا خلاصاً؛ لأن الله يكله إلى نفسه رمز
العجز والضعف.
واجتماع أمر الناس وصلاح شأنهم أمر من المستحيل تحققه دون الاعتصام
بحبل الله، والقيام بدينه.
ومع توجه العبد إلى عبادة الله وطاعته فإنه لا غنى له عن عون الله طرفة
عين؛ ولذا أمر العبد أن يقول: [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] (الفاتحة: ٥) ،
وقال : [فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ] (هود: ١٢٣) . وهكذا سائر شأن
الإنسان ما لم يستعن فيه بربه تفرق عليه أمره واستعصى عليه أسهل الأمور،
فكيف بالفتن والشدائد.
ومشروعية الاستعاذة بالله من الفتن كل صلاة تنبؤك عن مسيس الحاجة إلى
ذلك، وإذا كان المعصوم ﷺ يدعو ربه قائلاً: «اللهم إني أعوذ
بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس
يموتون» [١] فنحن أحوج إلى هذا.
ثانياً: التعامل مع الفتنة بذكاء:
من المقاتل التي تصيب الناس في الأزمات: الانشغال بردود الأفعال التي لا
تنتهي في ظل توالي الأحداث. وخطورة الأمر تكمن في إمكانية تحويل المسار من
قِبَل الخصم الذي يجره عدوه إلى معركة ليست في صالحه، أو ساحة لا يحسن فيها
النزال، أو يشغله بقضية تحوِّل مساره وتلهيه عن رسالته، وعلى أحسن الأحوال
لا تخدم أهدافه.
ومن الذكاء: التخطيط لمواجهة الأزمة بحيث لا يُلغى الأصل بحالة الطوارئ،
والتحلي بالعقل والتؤدة والعمق في النظرة، واستشراف المستقبل، وحساب
المصالح الشرعية الحقيقية لا الوهمية بدقة، والسعي إلى الاستفادة من الحدث
بكل وسيلة.
فالمرء عليه من الواجبات ما يوجب عليه السعي للتوازن بينها؛ إذ من
الخطورة بمكان أن ينشغل المرء عن إصلاح نفسه ومحاسبتها والقيام بالفرائض
الواجبة عليه، وكذا أن يعطل مشاريعه التربوية والتنموية الحية التي يرتبط بها
مصيره ومصير الأمة كلها ... وليشعر كل فرد يعي مسؤوليته أنه على ثغر؛
فليحذر أن يؤتى الإسلام من قِبَله!
ومن الذكاء المطلوب: تجاوز ضغط الشائعات، والتحرر من أسرها، بإحياء
منهج تلقي الأخبار وروايتها، ومعرفة أن من الكذب والإثم أن ينقل الإنسان
ويتحدث بكل ما يسمع [٢] دون فحص وتمحيص. وكم بنيت مواقف وأُقيمت
علاقات وقُطعت أخرى وحدثت أزمات من جراء تلقف الشائعات! وما أجل الأمر
الرباني للمؤمنين بالتبين والتثبت [٣] لئلا يصيبوا قوماً بجهالة فيندموا! !
ورحم الله الإمام مالكاً حين قال: «اعلم أنه ليس يسلم رجل حدَّث بكل ما
سمع، ولا يكون إماماً أبداً، وهو يحدِّث بكل ما سمع» [٤] .
ومن الذكاء ما يأتي في النقطة التالية.
ثالثاً: تجنب مواجهة الفتنة بفتنة أخرى:
الأسلوب الذي يقع فيه صاحبه في مثل ما فرّ منه أو أشد أسلوب قديم [وَمِنْهُم
مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا] (التوبة: ٤٩) ، رداً على من
اعتذر عن الخروج في غزوة تبوك؛ خشية الافتتان بنساء الروم فوقع في فتنة
القعود عن الجهاد [٥] .
ولتتضح الفكرة: فإن الفتنة في أصلها تدل على الابتلاء والاختبار [٦] ، ومن
معانيها: «الضلال، والإثم، والكفر، والفضيحة، والعذاب، وإذابة الذهب
والفضة، والإضلال، والجنون، والمحنة، والمال، والأولاد، واختلاف في
الآراء» [٧] . «وعلى هذا فالسكوت على المنكر، وتفرق الكلمة، والقعود عن
الجهاد، وتقليد اليهود والنصارى، كل هذا من الفتن» [٨] .
وكم كان فقه الفاروق ﵁ عظيماً، بعدما طُعن وأيقنوا موته، حين
دخل عليه شاب قد أطال إزاره، فناداه وقال: «ابن أخي: ارفع ثوبك؛ فإنه أبقى
لثوبك، وأتقى لربك» [٩] . وهذا يدل على غاية اليقظة لأمر الله وشرعه، وتجنب
السكوت على المنكر، حتى عند مجيء وقت فتنة الموت!
ومن الفتنة: الافتتان بالحدث وتضخيمه، وكأنه كل شيء، حتى يفقد الإنسان
توازنه، فتختل أحكامه، وربما كال بمكيالين، هذا من جهة. ومن جهة أخرى:
تجد آخرين يذهلون عن فرض الوقت وواجبه، والمطلوب: الإفاقة السريعة
وتجاوز الانبهار بالحدث والانتقال لمرحلة أخرى؛ فإن من يعيش روح الأزمة
وظلالها لربما أصابته بالشلل.
رابعاً: ضرورة تدارس أسباب الأزمة للخروج منها حالياً والاستفادة منها
مستقبلاً:
الظن بأن الأحداث وليدة نفسها خطأ كبير في التفكير؛ لأنها وإن بدت أحياناً
منبتَّة الصلة بما قبلها، إلا أن حقيقة الأمر ارتباطها بالأسباب والممهدات
والإرهاصات ارتباطاً وثيقاً، بمقتضى العقل والشرع.
وبمحاولة تجزئة المشكلة الواقعة الآن وتلمس أسبابها وهذا ما يحتاج إلى
دراسة مستقلة من ذوي الاختصاص، فإنه على كل حال لا يجوز قطع النظر عن
الممارسات الأمريكية التي صنعت العداوات في كل اتجاه، وخاصة مع المسلمين
في بلدان عدة، وبشكل فجّ مع القضية الفلسطينية.
ومن جهة أخرى: فإنه لا ينكر ما بالمسلمين من ضعف في شتى الجوانب:
الشرعية والفكرية والاقتصادية والإعلامية والسياسية والاجتماعية والعسكرية
والتقنية والتربوية والدعوية.
ودلائل هذا الضعف كثيرة في مثل هذه الأزمة، ومن ذلك:
* التأخر في بيان الحكم الشرعي لما وقع، من كثير من المعنيين.
* النظرة القاصرة التي تنظر إلى الحدث دون أسبابه وملابساته؛ مما يؤدي
إلى الكيل بمكيالين.
* العجز عن مواجهة الحملة الإعلامية المسعورة في اتهام المسلمين دون بينة.
* العجز عن القرار القوي المستقل أو الذي يخرج بأكثر المكاسب وأقل
الخسائر على الأقل.
* ظاهرة ضعف الأخوة الإيمانية والشعور بالجسد الواحد في بعض البقاع.
* التقصير في عرض الإسلام، وبيان حقيقة الصراع، واستغلال الحدث.
ولعل من الشواهد على أن جوانب الضعف تورث تسلط الأعداء أن ما وقع
من بيانات العلماء بحرمة التحالف مع أمريكا ضد الأفغان، ومن تحركات الشعب
الباكستاني وغيره من الأسباب التي جعلت أمريكا تتريث في ضرب أفغانستان وتعيد
حساباتها في طريقة الضربة وأهدافها.. وبالعكس كان تسلطها سيزداد بغياب مثل
هذه التحركات الإيجابية؛ مما يدل على أن ضعفنا سبب أزمتنا.
ومن ضعفنا أن لا ندرك أننا ضعفاء، فنعزو كل مصائبنا إلى أعدائنا
وتآمرهم، وتوضيحه في المسألة التالية.
خامساً: الحذر من طغيان فكرة المؤامرة ونسيان التقصير:
يحلو لكثيرين أن يعزوا مصائب المسلمين إلى مكائد الأعداء دائماً، فيُخرجوا
من دائرة تفكيرهم الأسباب الداخلية التي تصنع مناخاً مناسباً لنفاذ مكائد الأعداء
وفاعليتها وأثرها الذي لا ينكر.
والحقيقة أن «اليأس ... ، والخور المميت، والثقة المفقودة.. كل ذلك هو
العدو الحقيقي والعقبة الكبرى التي تواجه المسلمين. أما العدو الخارجي:
الصهيونية والصليبية والدعوات الملحدة؛ فكلها أمرها يهون إذا استطعنا أن نغير ما
بأنفسنا، لنقرّ فيها معاني الإيمان واليقين والصبر والجلد والثقة والعمل» .
«إن أكبر الأخطار التي تواجه المسلمين اليوم، كامنة في النقص في تربية
أفرادهم، والضعف الذي أصيب به أبناؤهم. وأكبر المصائب أن يصاب الفرد في
نفسه؛ وذلك أن معالجة أي خطر ممكنة ميسرة حينما تكون تربية الأفراد تربية قوية
تستطيع أن تجابه الصعاب وتصمد للشدائد» [١٠] .
وفي القرآن الكريم تجلية لهذه الحقيقة؛ فحين ذكر الله كيد الأعداء وشدته قال:
[وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً] (آل عمران: ١٢٠) ، وحين
ذكر مدده وعونه ربطه بالصبر والتقوى فقال: [بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم
مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ] (آل عمران:
١٢٥) .
فلا بدّ من الشعور بالخطر الداخلي في المجتمع المسلم، وكشف مخططات
الأعداء في الداخل، ومكر الغزو الفكري الذي يناصرونه، ويعين على ذلك:
دراسة التاريخ التي تكشف عن عوامل الانحراف، ودراسة الحركات الإصلاحية
والعقبات التي قامت في وجهها.
كما أن من المهم إدراك مصائب النفوس الداخلية التي تسمح بتمرير مخططات
أعداء الداخل والخارج، كالسطحية، والأثرة والفردية، وضعف التعاون والتكافل،
وروح التردد والحذر، والخور والجبن، وعدم الإقدام، وفقدان روح المغامرة
والدافع للعمل [١١] .
سادساً: الإيجابية في التعامل مع الحدث:
أُمر المسلم باعتزال الفتن، لخطورتها على دين المرء؛ فهي مرحلة تمحيص
يخشى المرء فيها الهلكة؛ نسأل الله السلامة والعافية والهدى والسداد.
وينبغي أن لا يعرض العبد نفسه للفتن اعتماداً على الثقة بنفسه وقدراته
وتمكنه من العلم وثباته في دينه؛ ففي الفتن تنقلب الموازين، ويلتبس الأمر وتختلط
الأوراق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فعن عمران بن حصين ﵁ قال: «من سمع بالدجال فلينأ عنه؛
فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث من الشبهات أو لما
يبعث به من الشبهات» [١٢] .
هذا هو نهج الصحابة رضوان الله عليهم في الفتن الواقعة في زمنهم، بين
علي ومعاوية ﵄، كما قال محمد بن سيرين: «هاجت الفتنة
وأصحاب رسول الله ﷺ عشرات الألوف، فلم يحضرها منهم مائة،
بل لم يبلغوا ثلاثين» [١٣] .
وإنما يجب اعتزال الفتنة حينما يلتبس الأمر، فلا ينحاز المرء مع رأي أو
جانب حتى تتضح الأمور، وتتمايز الرايات. أما إذا اتضح الحق فلا يجوز التذرع
بهذا إلى السكوت عن الحق والجهر به، وترك القيام بالواجب الشرعي في نصرة
الحق وأهله. هذا أمر.
وأمر آخر هو أن اعتزال الفتنة شيء، واعتزال الناس وترك العمل في زمن
الفتنة شيء آخر.
إن اعتزال الناس زمن الفتنة إنما يكون للضعفاء العاجزين عن فعل شيء،
وليس كذلك أهل العلم والدعوة والفكر الصحيح، وإذا كان يجب عليهم السعي في
شؤون الناس عموماً؛ فذلك أوكد عليهم زمان الفتنة التي هي أزمة كبيرة تفتقر
لجهود ضخمة متكاتفة؛ سعياً في إزالتها أو التخفيف من وطأتها.
قال الإمام النووي في حديث «خير الناس في الفتن رجل آخذ بعنان فرسه أو
قال: برسن فرسه خلف أعداء الله يخيفهم ويخيفونه، أو رجل معتزل في بادية
يؤدي حق الله تعالى الذي عليه» [١٤] ، قال النووي: «فيه بيان فضل العزلة في
أيام الفتن، إلا أن يكون له قوة على إزالة الفتن، فيلزمه السعي في إزالتها عيناً
وكفاية» [١٥] .
وصاحب القوة على إزالتها هم أهل العلم والفكر والدعوة والتربية وأصحاب
القدرات والطاقات والقيادة، وكل من له قدرة على شيء توجب عليه القيام به..
ولا خيار له في ذلك، ولا يجوز له التهرب من المسؤولية المتعلقة به، ولا التعلل
بتقاعس الآخرين، ولا الاحتجاج بالقدر.. إلى آخر قائمة فنون التهرب من
المسؤولية [١٦] .
أسهل شيء على الإنسان أن يلقي باللائمة على غيره ليبرئ ساحته،
ويتخلص من تأنيب الضمير وحالة الشعور بالخطأ التي تقلقه وتُذهب راحته وتؤثر
في اتزانه.
وتسمع كثيراً تساؤلات عن دور العلماء والقادة، وهذه التساؤلات لها ما
يسوِّغها؛ لكن هل تخاذُلُ فئة عن واجبها يجيز للآخرين مزيداً من التخاذل
والانسحاب والتقصير؟
إن رعاية الأمة وإصلاح شأنها وقيادتها زمن فتنتها واجب كبير لا يكفي فيه
دور شريحة دون أخرى، وهل سمعت أن أمة تقوم بفرد أو أفراد ما لم توجد الرغبة
والجدية لدى مجموع أفرادها؟ !
وإذا كان العمل والإصلاح والسعي في مواجهة الفتنة محفوفاً بالمخاطر، فذلك
شأن كل مناحي الحياة وشؤون المعاش زمان الفتنة؛ فهل يمتنع المتذرع بهذا عن
الخروج والسعي في شأنه الخاص؟ !
سابعاً: البحث عن المنح في رحم المحن:
اعتاد بعض الناس النظرة السوداوية إلى كثير من الأمور والأوضاع، في ظل
غلبة التشاؤم والسلبية والريبة في تقويم أعمال الآخرين.. وإذا كان الحال كذلك فما
ظنك بنظرتهم إلى الفتن التي لا يبدو منها سوى السوء والشر؟ !
غير أن يقين المسلم بحكمة الله وأنه تعالى لا يخلق شيئاً عبثاً، بل لا
يخلق شراً محضاً.. يجعله يصحح نظرته لكثير من الأمور وطريقة تعامله معها،
بحيث يستكشف محاسنها وحِكَمها بنظرته الشمولية، ويحاول الاستفادة منها
وتوظيفها في التوجه والتوجيه نحو الأفضل.
فالشيطان الذي يسعى في إضلال الناس وإغوائهم وصدهم عن الصراط
المستقيم إنما كان خَلْقُه لحكمة بالغة، مما ندرك منها: تحقق الابتلاء وكماله، فالله
بيَّن للناس الطريقين، وجعل للعبد ملائكة تدفعه للخير، وشياطين تؤزه
إلى الشر؛ ليتبين الراغب في الخير المقبل عليه من عكسه.. وهذا مقتضى حديث
النبي ﷺ : «والشر ليس إليك» [١٧] .
وحادثة الإفك التي أزعجت بيت النبوة وهزت أطهر مجتمع قال الله في شأن
الإفك الذي قيل فيها: [لاَ تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ] (النور: ١١) .
وصلح الحديبية الذي لم يرُق لبعض المسلمين، كان بداية فتح مكة، بل سمَّاه
الله فتحاً، فأنزل في طريق رجوع النبي ﷺ منه: [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ
فَتْحاً مُّبِيناً] (الفتح: ١) .
إن يقين المرء بذلك معين له في تحقيق العبودية لله تعالى والنجاح في الابتلاء،
والصبر على المصائب، وسعادة القلب واطمئنانه، وسلامته من أمراض الخوف
والطمع والشحناء والحسد.
ومن الفوائد المرجوة في الفتن: تمحيص الصفوف، وتمايز المؤمنين من
المنافقين والكافرين، وتميز الصديق من العدو، ومراجعة النفس ومحاسبتها،
واختبار بعض الوسائل والأساليب، وإدراك آثار الأخطاء والتقصير في العلم
والعمل والتربية، وتصحيح كثير من المفاهيم والمواقف.
ومن أهمها: التعرف على سنن الله تعالى في خلقه وأقداره، وسننه في
التغيير للسير على هداها، مثل: أن الصراع بين الحق والباطل حتمي لا بد منه،
وأن العاقبة للمتقين وأن الغلبة والنصرة لهذا الدين، وأن الله لا يغير ما بقوم حتى
يغيروا ما بأنفسهم، وأن عاقبة العصيان الذل والهلاك [١٨] .
وهذا ما نرى أن كثيراً منه قد يتضح أكثر وأكثر في هذه المحنة وغيرها.
ومن الواجب: بث الطمأنينة في قلوب الناس وتبشيرهم بوعد الله ونصره،
وشروط تنزله، من واقع القرآن والسنة والتاريخ والواقع لترتفع معنوياتهم، وتزداد
فاعليتهم؛ وإلا فإن الدنيا تسودّ في أعين كثير من الناس، حتى الصالحين أحياناً،
إلى درجة تمني الموت! والإسلام لا يدعو «أتباعه إلى الموت، ولكنه يدعوهم
إلى الحياة، وليس في معاني الإسلام معنى تمني الموت، وإن اشتدت الفتن، وليس
في الإسلام فقدان كل أمل وضياع كل رجاء، ولكن روح الإٍسلام: روح الأمل،
وروح الجهاد، وروح القوة المستمدة من عند الله، والثقة بنصره، والاطمئنان إلى
عونه. أين يقع تمني الموت من قوله تعالى: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ
الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٣٩) » [١٩] .
ثامناً: التفكيرالعميق في الخروج من الأزمة:
هذه المسألة مما يستحق حديثاً خاصاً بل دراسات واسعة وجهوداً تراكمية
متتابعة، غير أن هذا لا يمنع من بعض الوقفات العجلى:
١ - قراءة التاريخ ضرورة ملحّة، لمعرفة الفتن التي مرت بالمسلمين
وأسبابها، وكيف استطاعوا تجاوزها والخروج منها. وأبرز ذلك غزو الصليبيين
والتتار [٢٠] ؛ فنجاح من قادوا الأمة إلى بر الأمان يدعو إلى دراسة تلك التجارب
دراسة تحليلية عميقة.
٢ - ضرورة إحياء مفهوم الأخوة الإيمانية ولوازمها؛ فهذه الفرقة سببتها
الإقليميات والوطنيات؛ فلا بد من بعث مفهوم الأمة الذي تجتمع به القلوب، وتشعر
بشعور الجسد الواحد، والبنيان المرصوص، بحيث نعدُّ التكافل واجباً لم نقم به بعدُ
كما ينبغي؛ فمهما قُدِّم لإخواننا فذلك جزء من واجب الأخوة، ولا يجوز أن ننظر
إليه على أنه تفضل ومنة.
٣ - الإسهام في صناعة الرموز المنتجة الفاعلة لتكون نماذج يقتدى بها في
وقت تضعف فيه الفاعلية، ويستشري التخاذل، ويكثر المشاهدون الذين ينتظرون
(صلاح الدين) دون أن يهيئوا النفوس والأوضاع لتكون رصيداً لـ (صلاح الدين)
وعوناً له في أداء مهمته الكبيرة التي لا بد أن تتكاتف فيها الأمة.
٤ - ضرورة السعي في استثمار الحدث والحذر من تضييع الفرصة.
وتقدَّمَ في طيات هذه المقالة عدد من الوسائل والآليات المعينة على الخروج
من الأزمات. أسأل الله أن يلهمنا رشدنا، ويعيذنا من شر أنفسنا.
стр. 4083
دراسات تربوية
عملية لا تعرف التوقف.. حتى في الفتن
عبد اللطيف بن محمد الحسن
Alhasan١٤٢٢@yahoo.com
مهما قيل في مواجهة الفتن، فإن تغيير النفوس هو بداية التغيير وطريقه
الصحيح: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: ١١) .
وعملية بناء النفس عند الموفَّقين الجادّين: مسألة لا تعرف التوقف والملل،
فهي مستمرة بتوالي الأنفاس، [وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ] (الحجر: ٩٩)
(أي: الموت) ؛ ليقينهم بأن اللحظة التي لا تساهم في البناء فإنها تشرع في الهدم
[لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ] (المدثر: ٣٧) ، [قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا *
وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا] (الشمس: ٩-١٠) .. حالان لا ثالث لهما!
والملاحظ: أنه في الوقت الذي يتطلب مراجعة جدية للنفوس، وتجديداً
لإيمان القلوب، واستمراراً لبناء النفس الشمولي المتكامل.. بشكل أكثر إلحاحاً؛
لربما وقع إهمال لذلك بسبب ازدحام الأحداث، واضطراب الأمور، وافتقاد
التوازن، وتكاثر الأعباء، وتزاحم الأولويات جداً. ويكتسب التنبيه على أمر
مزيداً من الأهمية بارتفاع أهمية ذلك الأمر، وازدياد الصوارف عنه. وهذا ما
يدعو إلى الوقفات الآتية، في مثل هذه الظروف، والله المستعان.
أولاً: رعاية الإيمان:
المتأمل في الصراعات على مر التاريخ يبصر أن الأثر العقدي المحرك الأول
للصراع، ومع موجة التدين العامة التي يشهدها العالم بجميع ملله ونحله يتأجج
الدافع العقدي، وتتكشف كثير من الأقنعة عنه، وتزداد مع الأيام الأدلة الشاهدة على
الداء المتأصل عند جميع الملل في الكيد لدين الإسلام وأهله، وكما تحركت حروب
صليبية في القرون الوسطى تتحرك مثيلتها اليوم في قرن الصراع! !
حقيقة من لم يفهمها بالأمس فهمها اليوم، ومن لم تتكشف له اليوم تبدت له غداً
[لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ] (الأنفال: ٤٢) . حقيقة هي
من الجلاء بحيث شهد بها التنزيل الحكيم في مواضع عديدة، كقوله تعالى: [وَلَن
تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) ، وقوله:
[وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداًّ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ
بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ] (البقرة: ١٠٩) ، [وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ
العَزِيزِ الحَمِيدِ] (البروج: ٨) .
فإذا كان الإيمان محور الصراع فما أمام المسلم إلا خياران لا ثالث لهما:
متابعة أعدائه وإزالة أسباب التوتر بينه وبينهم، أو الاستعلاء بإيمانه وعقيدته،
والتحصن بذلك الحصن الحصين، وتحقيقه بالعمل قلباً وجوارح، والقيام بحقه
ولوازمه.
وإذا كان قيام الصراع من أجل الإيمان، فهل يرتضي عاقل أن يفقد الصراع
جوهره، ويتخلى عن محور تميزه وعقدة عداء الأعداء له؟
ولن تكون هناك وسيلة لرعاية الإيمان مثل مجاهدة النفس على فعل أمر الله
واجتناب نهيه، وتعاهد محاسبتها، وتجديد التوبة، وتفتيش القلب على الدوام.
ثانياً: الإقبال على العبادة:
يضعف أمر الدين في النفوس، ويقل الاعتناء به في حال الفتن، وينصرف
الناس إلى أمر دنياهم ومعاشهم..، ومن هنا عظم شأن العبادة في تلك الحال.
قال النبي ﷺ : «العبادة في الهرْج كهجرة إليّ» [١] .
قال النووي: «المراد بالهرج هنا: الفتنة واختلاط أمور الناس [٢] ، وسبب
كثرة فضل العبادة فيه: أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا
أفراد» [٣] ، وهذا من مظاهر غربتهم «فمن تشاغل بالعبادة في تلك الحال كان
متشاغلاً بما أمر بالتشاغل به، تاركاً لما قد تشاغل به غيره من الهرج المنهي عن
الدخول فيه والكون من أهله، فاستحق بذلك الثواب العظيم» [٤] .
ووجه تمثيله بالهجرة: أن الناس في زمن النبي ﷺ كانوا
يفرُّون من دار الكفر وأهله إلى دار الإيمان وأهله، فإذا وقعت الفتن وجب على
المرء أن يفر بدينه من الفتنة إلى العبادة [٥] ، لترجع النفوس إلى طبيعتها وسجيتها
بهذه الجرعات المهدئة من طاعة الله وذكره، حتى تفكر بشكل صحيح، وتعمل
بشكل صحيح أيضاً.
وإني أدعو القارئ الكريم إلى تدبر مثل سورة [أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ]
(الشرح: ١) ، التي «فيها البشرى.. باليسر والفرج، وفيها التوجيه إلى سر
اليسر وحبل الاتصال الوثيق» [٦] ، إنها العبادة الحقة.
أنواع العبادة:
إذا عرفنا أن لفظ العبادة يشمل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال
الظاهرة والباطنة.. أمكننا أن نستوعب دخول أمور لا حصر لها من أعمال القلب
والجوارح واللسان في مفهوم العبادة، وسواء كانت تلك من العبادات اللازمة
الخاصة بالفرد، أو المتعدية التي يمتد أثرها إلى غيره، وسواء كانت من الفرائض
والواجبات أو النوافل..
ومما يتأكد من العبادات:
١ - تطهير القلوب وعمارتها:
من أخطر أسباب فتنة العبد عن الحق ووقوفه مع الباطل أو وقوعه فيه:
أمراض قلبه، وتقصيره في القيام بالواجبات القلبية، الأمر الذي لا يشعر به كثير
من الناس، ولا يلقون له بالاً! رغم أن القلب موضع نظر الرب تعالى، وسبب
صلاح الجوارح أو فسادها.
وللتحصن من الفتن: فإنه يتأكد تطهير القلوب من أمراض الرياء والعُجب
والغش والحقد والحسد وسوء الظن والتعلق بالدنيا وشهواتها وملذاتها، والسعي
الحثيث إلى إصلاح القلب وعمارته بمعرفة الله تعالى بالتعرف على أسمائه الحسنى
وصفاته العليا ومعانيها وآثارها، لتتحقق العبودية له تعالى [٧] :
- حباً له ولدينه وأمره ونهيه، فيقدم محبته على محبة كل شيء سواه حين
يشتد امتحان المحبة، ومحبة لحزبه وموالاة لهم ونصرة على أعدائهم.
- وخوفاً منه وحذراً من وعيده ليكون رادعاً عن الزيغ عن الحق في زمن
تكثر فيه الصوارف عنه والاستجابة لاستهواء الباطل في وقت تقوى فيه الدوافع إليه.
- ورجاء لموعوده دنيا وأخرى الذي يهون كل أذى في سبيله.
- وتوكلاً عليه يقوِّي القلب على الصعاب، ويعظم أمله في تحقق موعود الله
، في زمن يكثر فيه اليائسون القانطون.
- واستعانة به على طاعته، وعلى شؤون الحياة كلها.
- وصبراً على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره.
- ورضىً بقضائه وقدره، حلوه ومره.
- واعتقاداً بحكمته البالغة في كل أفعاله.
- ويقيناً في قدرته على كل شيء، وفي صدق خبره بنصرة حزبه، وفي
تفرده بالتدبير والتصرف.. .
- وإقبالاً على أمره، واستسلاماً له، وسعياً في مراضيه، وتجنباً لمساخطه.
وما لم تتوجه الرعاية المركزة إلى القلوب؛ فما أسرع الفتن إليها! وما أبعد النجاة
منها! ؛ إذ إن إهمال ذلك سبب خيانة القلب لصاحبه وقت الشدائد والفتن، وتكمن
الخطورة في تأصل الأمراض واستفحالها، واشتداد تعلق الإنسان بمكاسب الدنيا
وملذاتها، وخوفه من فواتها وإلفه لها، حتى تقف عقبة كؤوداً دون اتباع الحق
وتقديمه على النفس والمال والولد.
٢ - العناية بالفرائض والواجبات:
وهي أحب ما تقرب به العبد إلى ربه في السراء والضراء [٨] .
وأشعر أنّا بحاجة إلى وقفة مراجعة صادقة، ونظرة فاحصة في مدى رعايتنا
لتلك الفرائض؛ لندرك الهوة بين الواقع والواجب.
فصلاتنا مثلاً تفتقر لمزيد من العناية بالاستعداد لها، والتبكير إليها،
واستشعار معانيها وأسرارها وحكمها، واستكمال خشوعها وسننها.. وتأمل في حال
كثير من الصالحين اليوم مع صلاة الفجر، وصلاة الجمعة تَرَ عجباً.. وعلى هذا
فقِس.
والملاحظ أن الله تعالى لم يمتدح المؤمنين بمجرد أدائهم لها، بل بالمداومة
والمحافظة عليها، وهي تقتضي شيئاً فوق مجرد الأداء، وهكذا الأركان الأربعة
كلها وسائر الواجبات.
٣ - الاستكثار من أعمال البر المصلحة للقلب والعمل:
وهي طريق محبة الله لعبده: «ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل
حتى أحبه» [٩] ، وبها يزيد الإيمان، وترتفع الدرجات، وتصان الواجبات.
ومن أعمال البر المتأكدة في زمان الفتنة:
أ - دخول جنة القرآن:
وذلك بالإقبال على تلاوة كتاب الله تعالى، وتدبره وتفهمه، واستلهام العبر
منه، وترسيخ الحقائق، وتوضيح المبادئ، وتصحيح المفاهيم، وبيان المواقف من
الأحداث والمستجدات.
ولحكمةٍ كان القرآن يتنزل على حسب الوقائع والأحداث.. وأنت ترى أن
فهمك للآيات يختلف تماماً حينما تجيء مناسباتها، حتى كأنك لم تسمعها من قبل..
وهذا ما وقع لعمر بن الخطاب ﵁ بعد موت النبي ﷺ ،
حين تلا أبو بكر ﵁ قوله تعالى: [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن
قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ] (آل عمران: ١٤٤) ،
فاندهش، وقال بعد: «والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعَقِرت حتى ما
تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي
ﷺ قد مات» [١٠] .
فهنيئاً لمن رزق إقبالاً على كلام الله وتدبراً له، فأبصر الحقائق قبل فوات
الأوان.
ب - الزاد الليلي:
قيام الليل.. تلك العبادة مفزع المؤمنين في الملمات، وقد أوجبها الله تعالى
على المؤمنين أول الإسلام عاماً كاملاً، ثم بقيت واجبة على النبي صلى الله عليه
وسلم، فصارت دأب الصالحين وسنة المصلحين يستمدون منها قوتهم، باستلهامهم
عون الله وتأييده، فكان ذلك سر قوة قلوبهم وثباتهم وهدايتهم، وخاصة مع
استفتاحهم صلاتهم بما كان النبي ﷺ يستفتح به صلاة الليل:
«اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم
الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف
فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» [١١] .
ج - الذكر:
وهو وصية الله لعباده عند اشتداد البأس: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً
فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (الأنفال: ٤٥) .
والذكر يستجلب تعرُّف الله على عبده حال الشدة، إذ يكون له عند الله تعالى
ما يذكِّر به.
عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: «الذين يذكرون من جلال الله من تسبيحه وتحميده وتكبيره وتهليله،
يتعاطفون حول العرش، لهن دوي كدويّ النحل، يذكرن بصاحبهن؛ ألا يحب
أحدكم أن لا يزال له عند الله تعالى شيء يذكر به؟» [١٢] .
د - الدعاء والتضرع وإظهار الافتقار:
كل خير يحصل للعبد فأصله التوفيق، والتوفيق بيد الله لا بيد العبد، ومفتاحه
الدعاء والافتقار، وصدق اللجأ والرغبة والرهبة إليه. فإذا منح الله عبده ذلك
المفتاح فقد أراد أن يفتح له، وإذا أغفله عنه فقد أُغلق باب الخير دونه. ولذا قال
عمر بن الخطاب ﵁: «إني لا أحمل همّ الإجابة، ولكن همّ الدعاء،
فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه» [١٣] . وعليه فإن من خاب فخيبته من
إعراضه عن ربه؛ ومن ظفر ونجح فبصدق افتقاره ودعائه وقيامه بالشكر على ما
يعطيه ربه. والله لا يخيب من دعاه مقبلاً عليه: [أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ
وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ] (النمل: ٦٢) .
والمتأسي بالنبي ﷺ يجد من شأنه عجباً في دعائه وضراعته،
وخاصة يوم بدر الذي قد وعده الله النصرة فيه، ومع ذلك فقد اشتدت ضراعته،
«فما زال يهتف بربه، مادّاً يديه، مستقبلاً القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه،
فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا
نبي الله! [كفاك] مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك» [١٤] .
ومن قام بذلك وهو في حال الرخاء نفعه ذلك حال الشدة: «تعرف إلى الله
في الرخاء يعرفك في الشدة» [١٥] ، وكل شدة بالنظر إلى ما هو أشد منها تعدُّ رخاء،
فليغتنمها العبد لئلا يشبه حال المشركين الذين لا يدعون إلا وقت الشدة، وهو
حال استنكره الله تعالى فقال: [وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا
خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ] (الزمر: ٨) ، وقال: [وَإِذَا
أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ]
(فصلت: ٥١) .
وأشد نكارة منه حال المعرضين كلية: [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ
فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن
قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا
عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ]
(الأنعام: ٤٢-٤٤) .
«وقد جاء أثر معناه: أن العبد المطيع الذاكر لله تعالى إذا أصابته شدة أو
سأل الله تعالى حاجة، قالت الملائكة: يا رب! صوت معروف من عبد معروف،
والغافل المعرض عن الله إذا دعاه وسأله قالت الملائكة: يا رب! صوت
منكر من عبد منكر» [١٦] .
٤ - العناية بالعبادات المتعدية:
مفهوم ضيق أن نقصر العبادات على ما تقدم مما يخص المرء في نفسه،
وذلك المفهوم لوثة علمنة، منشؤها: نظرة قاصرة في تصور العبادة وفهم الإسلام
الذي أراد الله له أن يصلح الدين والدنيا.
ومن أبرز العبادات المتأكدة هنا:
١ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٢ - الدعوة إلى الله تعالى ونشر الخير.
٣ - القيام بتعليم العلم ونشره.
٤ - الاجتهاد في تربية الأمة على الإسلام بجميع فئاتها، وخاصة الشباب
ذكوراً وإناثاً.
قال الله تعالى في كل ذلك: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] (آل عمران: ١٠٤) .
٥ - العناية بتربية الأهل والأولاد ووقايتهم من النار، بتعريفهم حقيقة الإسلام،
وآثار التوحيد، وفوائد العبادة، ومضار الشرك والمعاصي، وتعريفهم بحال أمتهم،
وتحذيرهم من سبل الشر والفتنة والفساد وأسبابه وكيد المفسدين في تحسينه
والدعوة إليه.
٦ - الاجتهاد في القيام بالعدل، وأداء الحقوق والسعي في ردها لأصحابها
مادية كانت أم معنوية.
٧ - حسن الخلق من سعة الصدر واحتمال الأذى، وبذل الندى، والكلمة
الطيبة.
٨ - الإحسان بكل صوره، وخاصة بر الوالدين وصلة الأرحام وأداء حقوق
الأخوة والجوار.
٩ - نصرة المستضعفين والاستعداد للتضحية والقيام بالواجب.
١٠ - بذل المعروف والجود والإنفاق والتكافل:
وما أجمل تلك الصورة الرائعة التي أثنى عليها النبي ﷺ ،
فقال: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة.. جمعوا
ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية؛ فهم مني
وأنا منهم» [١٧] .
ثالثاً: محاسبة النفس وتجديد التوبة:
من السنن الإلهية الجارية: أن الذنوب من ترك مأمور أو فعل محظور
تستنزل المصائب، ولم يخرج عن تلك السنة خير الأجيال ﵃، فحين
ذكَّرهم الله بمصيبتهم يوم أحد قال: [قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ] (آل عمران:
١٦٥) ، وبيَّن تعالى سبب هلاك الأمم فقال: [وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا
ظَالِمُونَ] (القصص: ٥٩) .
وكم كان فقه أحد الصحابة ﵃ عظيماً حين بكى لما فتح المسلمون
إحدى المدن؛ فعن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه قال: «لما فتحت
قبرص فُرِّق بين أهلها؛ فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء جالساً وحده
يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء! ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال:
ويحك يا جبير! ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره؛ بينما هي أمة
قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى» [١٨] وعلى هذا
النهج أوصى عمر جنده فقال: إنما سُلِّطتم على عدوكم بعصيانهم الله، فإذا
شاركتموهم المعصية فاقوكم بالعدد والعُدد.
وغير خاف على من عرف حال الأمة وما هي فيه من بعد عن كتاب الله في
واقع حياتها؛ فصور تضييع الفرائض، وشيوع المنكرات، وانتشار الظلم،
وتحكيم القوانين، وقلة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، مع سكوت كثير
من المعنيين عن قول الحق والصدع به.. كلها تدعو إلى وقفة مراجعة لعودة صادقة.
رابعاً: كف اللسان وترك ما لا يعني من قول أو فعل:
والذي لا يعني هو: كل ما لا تعود على الإنسان منه منفعة لدينه ولا لآخرته.
فالخوض في أعراض المسلمين والتخرص في الأحكام وتناقل الشائعات..
أمر يتفاقم في الفتن، وهو شيء آخر تماماً غير الحديث الجاد في تحليل الحدث،
واستخراج الدروس، واستنباط العبر، وتوجيه الناس وتحذيرهم. والاشتغال بما لا
يعني ينقص حسن الإسلام والإيمان، ويضيع على الإنسان فرص النجاح في الحياة؛
لأنه اشتغل بغير رسالته فانحرف مساره [١٩] .
وبهذا الإجراء حفظ المصلحون والجادون جهودهم عن الهدر؛ فهذا عمر بن
عبد العزيز على نهج أهل السنة يقول في الفتنة بين الصحابة: «تلك دماء طهَّر
الله منها سيوفنا، فلا نخضِّب بها ألسنتنا» [٢٠] ، وهذا الربيع بن خيثم لما قُتل
الحسين بن علي ﵁ استرجع، وقرأ قول الله تعالى: [قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ] (الزمر: ٤٦) ، قال ابن العربي: «ولم يزد على هذا أبداً؛ فهذا
العقل والدين، والكف عن أحوال المسلمين، والتسليم لرب العالمين» [٢١] .
وأراد رجل أن يستخرج منه سيئة فقال: «ما تقول؟ فقال: ما أقول؟ إلى
الله إيابهم، وعليه حسابهم» [٢٢] .
قارن هذا بإطلاق الألسن في كل صوب بما يندم عليه الإنسان أو يتراجع عنه
عجلاً؛ فكيف إذا جاء وقت الحساب؟
خامساً: استمرار بناء النفس الشمولي المتكامل:
«التحديات التي تواجه الأمم كالتحديات التي تواجه الأفراد هي غالباً داخلية،
والأفراد العظماء كالأمم العظيمة حين يشتد عليهم الهجوم من الخارج لا ينهمكون
في أنشطة خارجية لصده، وإنما يرتدون إلى الداخل تنمية وتحصيناً وتنظيماً
وتطهيراً» [٢٣] .
وتنمية الأمة والفرد تستلتزم الشمول والتكامل في الجوانب الفكرية والمعرفية
والشخصية والخلقية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها [٢٤] . مع التوازن، والعناية
بالعمل والتدريب على تطبيق المعارف والعلوم، وإلا أصيبت التربية في مقتل.
وختاماً: قبل أن نتذكر شدة الهول حين لا ينفع التذكر: [كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ
الأَرْضُ دَكاًّ دَكاًّ * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفاًّ صَفاًّ * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ
الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي] (الفجر: ٢١-٢٤) .
فلتكن الذكرى من هذه اللحظة.
стр. 4084
ندوات ومحاضرات
مع الانتفاضة في عامها الأول
(٢ - ٢)
ضيوف الندوة:
* فضيلة الشيخ: حسن يوسف: من القيادات البارزة في حركة حماس في
الضفة الغربية رام الله.
* الدكتور: محمد صالح: عضو مؤسس في حركة حماس، ممن شهد النكبة
عام ١٩٤٨م.
* الأستاذ الدكتور: سيف عبد الفتاح: أستاذ العلوم السياسية، كلية الاقتصاد
والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.
* الأستاذ الدكتور: عبد الستار فتح الله سعيد: أستاذ التفسير بجامعتي الأزهر
وأم القرى سابقاً.
في القسم الأول من هذه الندوة دار الحديث حول المحور الأول، وكان عن
المرحلة السابقة من العمل الإسلامي في فلسطين قبل الانتفاضة الأخيرة، أما
المحور الثاني فكان عن ملامح التعامل مع المرحلة الحالية في حال استمرار
الانتفاضة، وقد تقدم في القسم الأول جزء من الحديث عن المحور الثاني، وفي
هذه القسم تتمة للمحور الثاني؛ إضافة إلى المحور الثالث الذي يدور حول الآفاق
المستقبلية للأوضاع في فلسطين.
- البيان -
البيان: هل هناك تصور لتفادي خطف ثمرات الانتفاضة مرة أخرى أو
تحويل نتائجها لغير صالح الفلسطينيين عموماً والإسلاميين منهم خصوصاً؟
الدكتور محمد صالح:
لقد استفادت حركة حماس داخل فلسطين من تجربة الانتفاضة الأولى بشأن
خطف ثمرات الانتفاضة، واحتمال الانحراف بها عن أهدافها من خلال الإجراءات
الآتية:
أ - الحرص على تكوين قيادة وطنية إسلامية للانتفاضة تلتقي حول أهداف
محددة للانتفاضة.
ب - اتفاق القيادة الوطنية والإسلامية على أهداف الحد الأدنى للانتفاضة
وهي دحر الاحتلال، وإقامة دولة فلسطينية على المناطق المحتلة عام ١٩٦٧م،
وعاصمتها القدس لا يترك مجالاً للانحراف عن هذه الأهداف.
ج - حرصت الحركة على تكثيف تواصلها مع الشارع الفلسطيني من أجل
توعيته وتعبئته ضد الاحتلال؛ حتى تتحقق أهداف الانتفاضة من جانب، وتضمن
التعاطف مع الحركة ليحميها من عدوان السلطة عليها في حال توقف الانتفاضة من
جانب آخر.
د - تأكيد حركة حماس على تجنب أي مواجهة مباشرة مع السلطة، وأن
تكون المواجهة في حال حدوثها معارضة سياسية، ومن خلال موقف موحد بينها
وبين القوى الوطنية والإسلامية والشارع الفلسطيني.
وتدرك حركة حماس أن احتمال انحراف السلطة عن أهداف الانتفاضة وارد
في ظل المعطيات الحالية، وهو احتمال بعيد في عهد شارون الذي يرفض إعطاء
الفلسطينيين أي حقوق سياسية، ويرفض بشكل صريح قيام دولة فلسطينية مستقلة.
البيان: ماذا عن أموال الدعم، وهل من سبيل لطمأنة من يريدون تقديم الدعم
المالي من الخوف المزمن من عدم وصول هذا الدعم إلى من يخدمون القضية
بالفعل؟
الدكتور محمد صالح:
أموال الدعم التي تصل إلى السلطة الفلسطينية ظلت دوماً بعيدة عن الرقابة
الدقيقة، وفي مرحلة الانتفاضة أصبحت الضغوط المادية على السلطة كبيرة كما
زادت حاجات الناس.
أما أموال الدعم التي تصل عن طريق الجمعيات الخيرية ولجان الزكاة في
الأراضي المحتلة فإنها مأمونة ولا مجال لسوء توزيعها أو عدم وصولها؛ لأن
القائمين عليها ثقات، وهم حريصون على أن تصل الأموال إلى من يقوم على
كاهلهم عبء الانتفاضة ومقاومة الاحتلال، وإلى الفقراء وأبناء الشهداء وعائلاتهم.
ويضيف الشيخ: حسن يوسف:
هناك بالتأكيد عناوين موثوقة تتولى شأن تلقي الاعتمادات والتبرعات المالية،
سواء كانت شخصيات معتبرة مشهود لها بالجهاد ونقاء اليد والصدق والإخلاص،
أو لمؤسسات إسلامية هي أصلاً تعمل في صلب الخدمة المجتمعية العامة.
البيان: ما مدى جدية اليهود في ضرب العناصر المنتسبة للسلطة والتي تريد
أن تظهر بمظهر المقاومة الحقيقية؟ وبماذا تفسرون ضرب مراكز السلطة؟
الشيخ حسن يوسف:
ضرب اليهود لمراكز السلطة الهدف منه واضح، وهو جعل السلطة عنواناً
وحيداً يتولى شؤون الفلسطينيين؛ ومن ثم فإن ضربه بالأساس هو لإحداث التأثير
عليه بالدرجة الأولى، وفي حال أفلح ضربه فإن إسكات بقية قطاعات الشعب
الفلسطيني تصبح أسهل، وهو الدور الذي لا يؤيد اليهود جميعهم أن يدخلوه،
ويتركوه للسلطة في الأيام المقبلة في حال حصول توافق بين السلطة والاحتلال،
على غرار ما حدث في السنوات الفائتة، وسيكون الحال أشد في هذه المرة
لاعتبارات كثيرة. على أنه من الملاحظ أن ضرب أهداف السلطة هو مقصور على
المقرات والمراكز الرئيسة للأجهزة الأمنية؛ وذلك من أجل إظهار الصراع وكأنه
بين طرفين عسكريين! ثم إن العناصر التي تطالها إسرائيل هي الجنود والعناصر
الفاعلة من شباب فتح وهم بالعادة يتخذون وقوداً لمثل هذه المعركة، ولغاية الآن لم
تستهدف إسرائيل باغتيالاتها أحداً من المستوى السياسي سوى الشهيد ثابت ثابت،
مسؤول تنظيم طولكرم.
البيان: ننتقل في الحوار إلى الأستاذ الدكتور سيف عبد الفتاح:
ما تقييمكم لما جرى في كامب ديفيد الثانية؟
حينما نتحدث عن كامب ديفيد الثانية فإنه ينبغي ألا نذكر إسرائيل فحسب؛
ولكن الولايات المتحدة الأمريكية؛ لأنها كانت برعاية أمريكية، مثلما كانت كامب
ديفيد الأولى، وبين الأولى والثانية صلات وثيقة وتشابه وتناغم؛ فبين تدشين
الأولى والثانية ضاعت الأهداف الامريكية.. لا بد أن نؤكد ذلك.. أن الانتفاضة
استطاعت أن تضع الأهداف الأمريكية الاستراتيجية موضع تساؤل، وهي التي
تتعلق بالنفط والأمن الإسرائيلي واستقرار منطقة الشرق الأوسط.
أما النفط فما زال الأمر بين شد وجذب؛ فالأوبك الآن استعادت دورها
لمصلحتها وإن صادف ذلك أن يكون مقترناً بعدم استقرار في منطقة الشرق الأوسط،
وعدم الاستقرار في المنطقة هو السمة السائدة على عكس ما كانت ترغب
الولايات المتحدة.
أما أمن إسرائيل فلا أحد يستطيع أن يقول إن هناك أمناً.
آخر هذا الأمر ما تؤكده تصريحات شارون بأنه أعطى الضوء الأخضر
لبيريز أن يقوم بالتفاوض مع الفلسطينيين؛ ومعنى ذلك أنه اعتقد تماماً خطأ ما قام
به من أفعال سعياً وراء الأمن؛ لأنه عندما أراد أن يوجد الأمن إذا به يفقد الأمن من
أوسع الأبواب.
الأمن لا يأتي من الحرب.. التجارب تخبرنا بذلك.. إسرائيل دائماً تنتصر
في المفاوضات؛ لأن لديها لجاجة في المفاوضات.. لديها قدرة على الجدل
والالتفاف على مائدة المفاوضات، أما في الحرب فأستطيع أن أقول لك إن الحرب
لو تمت على شكل المواجهة كما تتم في العملية الانتفاضية فإن إسرائيل دائماً تخسر
على الرغم من أنها تستخدم قدرات قتالية وسلاحاً وعتاداً بشكل مركز ومكثف لا
يتناسب مع العتاد الموجود على الجانب الفلسطيني، لكن يظل هنا أن للقوة سقفاً
وللضعف قوة!
وهذه القضية غاية في الأهمية كما رأينا في المقاومة اللبنانية التي استطاعت
أن تفرض عناصر المعادلة الخاصة بها على إسرائيل؛ لأن إسرائيل لا تعرف إلا
هذه اللغة.. لا بد أن يألموا كما نألم ويتضرروا كما نتضرر، ومن يقل إن بين
هؤلاء مدنيين فهو واهم وتفكيره فاسد في حقيقة الأمر.
علينا أن نصحح للعالم المفاهيم. لماذا يموت المدنيون على الجانب الفلسطيني
بلا حساب؛ وحينما يموت مدني واحد لإسرائيل تقوم الدنيا؟
الولايات المتحدة تظل صامتة عندما تأخذ إسرائيل في تصفية العناصر النشطة
أو في تصفية البشر أو في ضرب المدنيين الفلسطينيين، لكنها خرجت عن صمتها
وتحاول أن تحتوي الموقف من أجل إسرائيل وبصراحة. إن دفع الولايات المتحدة
لاتخاذ موقف لا يتأتى إلا بمزيد من هذه العمليات؛ لأن مثل هذه العمليات هو الذي
سيجعل الولايات المتحدة تبعث مراقبين دوليين لا لحماية الفلسطينيين ولكن لحماية
اليهود.
البيان: هل يتوقع في المستقبل القريب أن يزج بحلفاء إسرائيل في الصراع
الدائر الآن؟
أ. د. سيف عبد الفتاح:
هذه المنطقة بحكم التاريخ وبحكم الجغرافيا منطقة مستهدفة؛ لأنها قلب الدنيا،
ليس نحن الذين نقول ذلك ولكن التاريخ والجغرافيا، ولذلك قال العلماء
الاستراتيجيون: إن من يريد السيطرة على الدنيا عليه أن يسيطر على هذه المنطقة،
وإن هذه المنطقة إذا قوي أهلها ملكوا الدنيا. هذه المسألة مسألة أصبحت من
الأمور المتعارف عليها، وفي هذا المقام لا نستطيع بأي حال من الأحوال إلا أن
نقول: إن هذه المنطقة بطبيعتها عقدة استراتيجية.
البيان: هناك تصور يفترض أن اليهود حريصون على استمرار التوتر وعدم
إيقاف الانتفاضة لاستغلالها لأغراض أخرى؛ فهل توافقون على هذا التصور؟
الدكتور محمد صالح:
إن استمرار التوتر وتصاعد العنف في ظل تخبط السلطة الفلسطينية وتذبذب
الموقف العربي الرسمي، وقدرة إسرائيل الفائقة على كسب الجولة إعلامياً على
المستوى العالمي من خلال تحميل الفلسطينيين بطريقة مباشرة وغير مباشرة
مسؤولية استمرار العنف، إلى جانب تغليب العامل الأمني على حساب السياسي
والإنساني إضافة إلى التعتيم الإعلامي على الأهداف السياسية للانتفاضة والضبابية
الكثيفة التي تحجب بها عن العالم رؤية الأحداث في الأراضي المحتلة وتطور
الانتفاضة ومستقبلها؛ كل ذلك قد أتاح لإسرائيل أن تجعل العالم ينظر للانتفاضة
على أنها عنف ضدها، وأن إجراءاتها تمثل رداً على العنف حماية لأمنها.
في ظل هذه السياقات الدولية غير المواتية بالنسبة للانتفاضة ومع استمرار
موقف السلطة الفلسطينية المتردد تجاه الانتفاضة، والذي بات يشكل عبئاً على
الانتفاضة؛ فإنه يبدو أن إسرائيل مستفيدة من الانتفاضة بما تتيحه لها من ذرائع
لتقطيع أوصال الضفة والقطاع وتصعيد عمليات الاغتيال للقيادات الفلسطينية،
كما يغطي على إجراءات الحصار الاقتصادي والضغط على الفلسطينيين، وهو
الأمر الذي سيؤدي لهجرة معاكسة إلى خارج فلسطين في نهاية المطاف.
وبالنسبة لشارون فإن الانتفاضة هي التي جاءت به إلى الحكم؛ فإن
استمرارها بوتيرة منخفضة يضمن له الاستمرار في الحكم؛ لأنه الأقدر في نظر
الإسرائيليين على تحقيق الأمن الشخصي لهم، وأما تصاعد العمل العسكري فيمثل
بالنسبة لشارون ذريعة أمام العالم وأمام قوى اليسار الإسرائيلي لاجتياح مناطق
السلطة الفلسطينية والقضاء على مؤسساتها، وهو هدف يسعى إليه شارون واليمين
الإسرائيلي المتطرف؛ لأن وجود مؤسسات السلطة بشكلها الحالي يعني استمرار
التواصل الدولي في الخارج ومع الفلسطينيين داخل فلسطين، وهو ما يعمل شارون
على إنهائه من أجل إعادة الأحوال إلى ما كانت عليه قبل عام ١٩٩٣م، أو إقامة
سلطة وطنية محدودة تنحصر مهمتها في إدارة الشؤون الفلسطينية المدنية وبدون أن
تكون لها أي صلاحيات سياسية.
أما في حال استمرار الانتفاضة مع تزايد آثارها الضارة على إسرائيل وعدم
القدرة على إخمادها فإن ذلك سيعطي ذريعة لشارون ودافعاً للإسرائيليين أن
يخوضوا حرباً إقليمية ضد سوريا ولبنان وربما العراق بدعم من أمريكا؛ لأن
تحقيق نصر حاسم على الجبهة الشرقية في رأي القيادة الإسرائيلية الحالية يصبح
هو الأسلوب الوحيد لتهديد النظام العربي بمجمله وفرض شروط إسرائيل على
العرب وعلى الفلسطينيين لإيقاف الانتفاضة، وهذا أمر يستبعد حدوثه قبل سنتين أو
ثلاثة.
يتبين مما سبق أن استمرار الانتفاضة دون تطوير لمواقف السلطة الفلسطينية
من الانتفاضة، ومواقف القوى الوطنية والإسلامية المشاركة في الانتفاضة، ومن
دون تطوير الموقف العربي والإسلامي نحو وضع برنامج وخطط عمل مرحلية أو
استراتيجية فإن النتائج الإيجابية للانتفاضة ستتآكل وتتراجع.
المحور الثالث: الآفاق المستقبلية للأوضاع في فلسطين:
البيان: هل هناك خطة أو تصور للانطلاق من المرحلة الحالية بطبيعتها إلى
مرحلة جديدة بطبيعة جديدة في التعامل مع اليهود؟ وهل سيظل طرح حماس هو
(المقاومة) ، أم يمكن أن يتطور إلى (التحرير) ؟
الدكتور محمد صالح:
الانتقال من مرحلة المقاومة إلى مرحلة التحرير يحتاج إلى مقومات ذاتية
وظروف إقليمية وعالمية، وأهم المتطلبات على المستوى الذاتي للبدء في مرحلة
التحرير هو:
- أن تتحقق الوحدة الوطنية الراسخة أولاً حول ميثاق تجمع عليه الأمة
وتلتزم به قيادة الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، وهو ما حرصت عليه
وعملت من أجله حركة حماس منذ نشأتها.
- والأمر الثاني هو أن يكون هناك إجماع عربي وإسلامي على تقديم الدعم
اللوجستي للمقاومة، والإعداد والاستعداد لصد أي عدوان إسرائيلي على الأمة
العربية، وهو أمر يحتاج إلى بناء ثقافي وسياسي واقتصادي للأمة إلى جانب القوة
العسكرية.
- والأمر الثالث متعلق بالموقف الدولي ومدى تفهمه للمطالب الفلسطينية
وتخليه عن دعم موقف إسرائيل.
أمام هذا الواقع يتبين أن المرحلة ما زالت مرحلة مقاومة، وهذا لا يمنع من
رفع شعار التحرير سواء مرحلياً أو نهائياً؛ لأن ذلك يساهم في حشد العون والدعم
للمقاومة.
البيان: ما هي الاحتمالات أو السيناريوهات المتوقعة للأحداث في المنطقة،
وما هو التحرك المناسب لكل احتمال منها؟
أ. د. سيف عبد الفتاح:
السيناريوهات المتوقعة كثيرة بعضها سيئ، وبعضها أسوأ، وبعضها أفضل
بحكم تفضيلات معينة.. لكن أستطيع القول إن الانتفاضة أحدثت تطوراً نوعياً
وكيفياً وكمياً بحيث أصبحنا نبصر سنناً للعمل الانتفاضي وقواعد يستطيع من خلالها
المواطن الفلسطيني أن يقدم دوراً وشكلاً ونشاطاً وفاعلية رائدة في هذا المقام.
ومن ثم أنا لا أحب فكرة السيناريو؛ لأن هذه الفكرة مأخوذة من الجانب الفني
والتخيلي وربط الأمور بعضها ببعض بطريقة لا تصلح لتصور المستقبل.
وعموماً علينا دائماً أن نتصور الأمور ليس في إطار سيناريوهات ولكن في
إطارها السنني؛ أي أننا لو فعلنا كذا وكذا لوجدنا كذا وكذا؛ ومن ثم هناك احتمالان
لما يمكن أن تؤول إليه الأمور:
الأول: أن تستمر الانتفاضة وتتعاظم وتنضج، وأنا أظن أن هذا هو الطريق
إلى الحصول على بعض الحقوق.
الثاني: أن تحدث عملية التفافية حول الانتفاضة بل مؤامرة، ومن ثم تظل
هذه الانتفاضة موجودة، تخبو حين يجتمع عليها الأطراف في الداخل والخارج
بشكل من الأشكال في محاولة جديدة لوأدها، لكن يبقى أن هذه الانتفاضة لن
تموت.. ستسير.. ستنمو، وهذه طبيعة الصراع الذي يستمر أجيالاً.. يجب ألا
ننظر إلى الصراع على أنه معركة واحدة وتنتهي سواء بهزيمتنا أو بهزيمتهم.. لن
تنتهي هذه المعارك إلا بعد فناء طرف لحساب آخر؛ لأنه صراع وجود وما يحدث
اليوم هو مداولة بين الطرفين.
وأنا أحسب أن الانتفاضة تتحدث عن نفسها الآن باعتبارها الجولة الأكثر
فاعلية بالنسبة للعرب والمسلمين، نحن عرفنا الآن الطريق.. الطريق هو العقيدة
القتالية التي تحترق معها أمريكا قبل إسرائيل.
الدكتور محمد صالح:
في رأيي أنه في ظل العنجهية الإسرائيلية المستندة إلى التفوق في الإمكانات،
والاستناد إلى التأييد الأمريكي الاستراتيجي لها في مقابل ضعف فلسطيني وعربي،
إلى جانب تعدد القوى المؤثرة بشكل مباشر وغير مباشر على الانتفاضة بشكل
خاص وعلى مجمل مسار القضية الفلسطينية بشكل عام؛ فإن هذا كله يفتح المجال
أمام عدة سيناريوهات محتملة تنتهي إليها الانتفاضة، نشير إليها فيما يلي:
١ - استمرار الانتفاضة على هذه الوتيرة لعدة سنوات إذا استمر موقف
السلطة السياسي يراوح مكانه، واستمر الدعم العربي للشعب الفلسطيني بصيغته
الحالية، وبقيت (إسرائيل) عاجزة عن حسم الموقف سلمياً بالتنازل للفلسطينيين
أو حربياً باجتياح مناطق السلطة الفلسطينية نتيجة لظروف دولية وضغوط أمريكية
تمنع ذلك الاجتياح.
٢ - تطوير الانتفاضة وتصاعدها في حال قيام وحدة وطنية إسلامية تقود
الانتفاضة لتصبح العنصر الأساسي في قيادة مسيرة الحرب والسلام مع (إسرائيل) ،
وإن إمكانية ظهور مثل تلك القيادة لا تحدث إلا في حال اجتياح الجيش الإسرائيلي
لمناطق السلطة وانهيار مؤسسات السلطة الفلسطينية دون أن تتمكن إسرائيل من عقد
صفقة مع التيار الفلسطيني المتصهين في السلطة تتولى فيه تلك الشرذمة قيادة
الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال؛ وطبيعي ألا يحدث هذا إلا بعد تصفية عرفات
أو غيابه عن الساحة الفلسطينية.
٣ -أن تشن (إسرائيل) حرباً إقليمية تُخرِج سوريا من معادلة الصراع مع
(إسرائيل) ، وتحاصر حزب الله في لبنان، وتنتهي بإتمام تسوية إقليمية لا تترك
للفلسطينيين الخيار وتفرض عليهم الاستسلام، وهذا السيناريو يقتضي تقاطع الخطة
الإسرائيلية تجاه سوريا وحزب الله مع الخطة الأمريكية ضد العراق.
٤ - استئناف المفاوضات سواء كان ذلك في ظل استمرار الانتفاضة ولكن
بشرط توقف المقاومة المسلحة أو بشرط توقف الانتفاضة، وتعهد السلطة بالتصدي
للمقاومة المسلحة.
ويتحدد السيناريو بحسب معطيات الموقف الأمريكي والإسرائيلي وموقف
عرفات بشكل رئيسي، ومدى صمود الشعب الفلسطيني وإمكانية وحدة القوى
الفلسطينية المشاركة في الانتفاضة إلى جانب مواقف الدول العربية من السيناريو
المطروح.
وحيث إن التوجه الأساسي للرئيس الأمريكي الجديد (بوش) في المنطقة هو
الحفاظ على التوازن الإقليمي في المنطقة وضمان أمن إسرائيل وتفوقها؛ ولذلك فإن
السيناريو المفضل أمريكياً هو استئناف المفاوضات بشروط إسرائيل وبالشكل الذي
يقلل من العداء لأمريكا في المنطقة.
وبناءً على ذلك يصبح السيناريو المحتمل هو محصلة الاستراتيجيات الآتية:
الاستراتيجية الإسرائيلية وتوجهات شارون، والاستراتيجية الفلسطينية في حال قيام
قيادة وطنية موحدة، وتوجهات عرفات، إلى جانب موقف النظام العربي والمجتمع
الدولي خلال هذه المرحلة التي تمتد لعامين أي حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية
القادمة.
وفي ظل المعطيات القائمة تظهر أهمية امتلاك رؤية لهذه المرحلة ابتداءً،
وهي استمرار المقاومة من أجل تكريس الرفض الشامل للاحتلال الإسرائيلي،
وتوحيد الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وتفعيل الدعم العربي والإسلامي
للانتفاضة والمقاومة، وعزل إسرائيل عربياً ودولياً، وإرهاقها سياسياً واقتصادياً.
وانطلاقاً من مثل هذه الرؤية يصبح التحرك المناسب على المستوى الفلسطيني هو
الوحدة الوطنية، واستمرار الانتفاضة، وتهديف المقاومة المسلحة وتصعيدها بشكل
مدروس ما أمكن.
أما على المستوى العربي فهو الإعداد والاستعداد لمواجهة عدوان إسرائيلي
محتمل إلى جانب إعداد الشعوب وتوعيتها بمثل هذا الاحتمال.
ولا بد من العمل بقوة وفاعلية على المستوى الدولي من أجل لجم إسرائيل عن
تصعيد عدوانها على الشعب الفلسطيني وتحذيرها من العدوان على الدول العربية.
البيان: متى ينتقل العمل الإسلامي في فلسطين وغير فلسطين من دائرة رد
الفعل إلى دائرة الفعل؟
الشيخ: حسن يوسف:
عندما تتجه قدرات الإسلاميين إلى تنظيم وتطوير واقعهم وتنمية هذا التطوير
بشكل علمي راشد؛ بحيث يتجاوزون مرحلة الخطاب، والارتفاع إلى مستوى
العصر واحتياجاته بما هو منسجم مع عقيدتنا، وبلورة أهداف واضحة، ووضع
وسائل مناسبة لبلوغها، والسير نحو تحقيق الأهداف بثبات ولو كان ذلك بطيئاً،
وأن نحترم هذه الأهداف ونكون أرضاً لها، ثم أن يتميز أداؤنا بالجدية والالتزام.
الدكتور محمد صالح:
سيحدث الانتقال إن شاء الله حين يصلح حال الشعوب ثقافة ووعياً، ويصلح
حال الأنظمة تطوراً وتتخلص من هيمنة الغرب عليها، وتتحقق لشعوبها الحرية
السياسية والاقتصادية، وتكون هناك شفافية تحول دون الاستبداد والفساد.
أ. د. سيف عبد الفتاح:
الذي أراه أن الظاهرة الإسلامية الآن هي في طريقها لأن تكون أكثر نضوجاً،
وأكثر فاعلية، وأكثر رسوخاً على الأرض؛ بمعنى أنها تقدم اليوم أطروحات،
ليس فقط حركية وإنما أطروحات فكرية، وأنا أظن أن الأطروحات الفكرية في هذا
الوقت لها أهميتها؛ لأن حركة بلا فكر لا يمكنها الوصول إلى مقصدها النهائي،
وفكر من غير حركة لا يمكنه أن ينشط ويحيا طويلاً في هذا السياق؛ ومن ثم على
ما أعتقد أن الحركة الإسلامية الآن تمر بمرحلة أكثر نضجاً، ودليلي على ذلك ما
يحدث للانتفاضة. إن خطاب القوى الإسلامية في الانتفاضة أصبح أكثر نضجاً؛
والقوى الإسلامية أصبحت تتعامل مع القوى الوطنية والقوى الوطنية، أصبحت
تعترف بالقوى الإسلامية وبفاعليتها على الأرض بحيث أصبحنا في سفينة واحدة.
البيان: لكن أما ترى في التجارب السابقة أنه في أوقات الأزمات دائماً
تُستخدم القوى الإسلامية وقوداً وعنصر دفاع حتى إذا ما انتهت الأزمة يلقى
الإسلاميون المصير المكرور؛ فما هي الضمانة لجدوى الوثوق في القوى الوطنية
إلى هذا الحد؟
أ. د. سيف عبد الفتاح:
القوى الإسلامية لها فضل دائماً على أن تظهر في الفترات التي تَهِنُ فيها الأمة،
فتكون الصورة التي تحمل لواء المقاومة في وقت ساد فيه الوهن، لكن لا ينبغي
للقوى الإسلامية أن تدخل في نزاع جانبي الآن مع القوى الوطنية؛ لأن الإسلاميين
رواد أمة.. ومن هنا كان ابن تيمية حريصاً على وحدة الصف إلى جانب السلطان
في حال وجود العدو الخارجي، وأنا أعلم أن الحركة الإسلامية على أرض فلسطين
تعرف كيف تواجه عدوها الخارجي وهو عدو استئصالي.. استيطاني، ولهذا فلنا
الفخر أن يحمل هؤلاء لواء الجهاد والمقاومة حينما تضعف وتخبو الأمة، وهذه
سلطة ما بعدها سلطة، سلطة في التاريخ قبل أن تكون سلطة بالمفهوم السائد اليوم.
البيان: هل يمكن التحكم من قبل الأعداء في رد فعل الأمة الإسلامية، إذا ما
تعرضت المقدسات في فلسطين لاعتداء تخريبي مباشر؟
الأستاذ الدكتور عبد الستار سعيد:
حين يكون الكلام عن المسجد الأقصى فحينئذ يستفز الناس ويستنفرون من كل
مكان في غضبة لا يستطيع أحد أن يقف أمامها، ومع ذلك حتى لا نخادع أنفسنا فإن
اليهود يستطيعون مع الأسف الشديد أن يفعلوا أشياء كثيرة في المسجد الأقصى ولا
يمنعهم من ذلك إلا أنهم يحسبون ألف حساب للرد الفعلي الفوري للأمة الإسلامية،
وهذا ما ينبغي أن تعلمه كافة الدوائر على المستوى الدولي وعلى المستوى الغربي
والعربي رسمياً وشعبياً؛ وهو أن المسألة إذا مست الأوتار الدينية فلا يستطيع أحد
أن يتنبأ على الإطلاق بما سيكون عليه الناس تلقائياً، بل قد يهدد هذا الدول التي
ستمنع رعاياها من مناصرة الفلسطينيين. ثم ينبغي أن يكون مفهوماً أيضاً للجميع
مسبقاً أن الأمة لن تستكين أبداً إذا ووجهت بخطر ديني.. قد تستدرج للَّهو واللعب؛
أما إذا هددت في دينها فالانتفاضة هي النموذج الحي، والحسابات الغربية لردود
الأفعال ثبت خطؤها مراراً؛ لأن العقول القابعة خلف أجهزة التكييف والحواسب
الإلكترونية لا يمكنها أن تحسب أثر العواطف الدينية.. سيظل الناس يقاتلون ولو
لألف سنة من أجل المسجد الأقصى، وهذه بشارة النبي ﷺ ماثلة
أمامنا: «الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال؛ لا يبطله
جور جائر، ولا عدل عادل» [١] ، والبشارات على أن العالم الإسلامي سيؤوب
إلى الله كثيرة؛ ولعل إرهاصات ذلك قد بدت، وجيل صلاح الدين غالباً سيتكرر
بإذن الله.
стр. 4085
تأملات دعوية
الحدث الساخن
محمد بن عبد الله الدويش
www. dweesh. com
الموضوع الذي يستحوذ على مجالس الناس هذه الأيام [١] هو الحدث الذي هز
العالم بأسره، وهو الهجوم على الأهداف الأمريكية في نيويورك وواشنطن.
ورغم عدم وجود أدلة حول اتهام الإسلاميين [٢] بالمسؤولية عن هذه الأحداث
إلا أن سيطرة اللغة الإعلامية التي تعدهم المسؤول الأول عنها ترك أثره في
النقاشات وربما المواقف العملية مما يفرض علينا التعامل مع هذه الأثار رغم عدم
تسليمنا بمسؤوليتهم.
وبعيداً عن الموقف من الحدث وتداعياته نشير إلى بعض الوقفات الدعوية
المهمة، ومنها:
* سيطرت لغة حادة ومتطرفة على حديث طائفة ممن تناولوا الحدث ما بين
مرحِّب ومستبشر بهذا النصر للمسلمين، وما بين باك على الضحايا الأبرياء،
ومندد بوحشية المنفذين الذين هم كما قالت وسائل الإعلام الغربية التي لا تحيد عن
الحق قيد أنملة إسلاميون. أفلا يوجد خطاب أكثر اعتدالاً يبين الموقف الشرعي من
العمل، وفي الوقت نفسه يشير إلى الظلم الذي يرتكبه الغرب بحق المسلمين، وأن
ما حصل جزء من عقوبة الله لهم، وتقريرنا لخطأ الفعل لا ينفي كونه عقوبة
وانتقاماً إلهياً.
* بغضِّ النظر عن الموقف من الحدث؛ لماذا يتعاطف العالم كله مع ضحايا
هذا الحدث، ويتعامل بعفوية مع الإرهاب المنظم الذي يحصد عشرات الآلاف،
ويحاصر الشعوب لأجل الاختلاف مع زعامتها؟ وكيف يسوغ للأمة المسلمة أن
تسير في التيار نفسه متجاهلة مظالمها؟ إن الظلم مرفوض حتى تجاه الكفار، لكن
من العدل أن يعدل في التعامل مع الظالمين.
* هذه القضايا تترك آثارها على الأمة أجمع، ولا تقتصر على قُطْر بعينه؛
ومن ثم فالاجتهاد في تقريرها لا يسوغ أن يترك لفرد أو فئة محدودة، فضلاً عمن
لا يملك التأهيل العلمي الشرعي لمثل ذلك، وحري بعلماء الأمة أن يتداعوا إلى
رابطة تجمعهم ليجتهدوا من خلالها في قضايا الأمة.
* ما زال بعضنا يخلط بين التعاطف مع مسلم مظلوم مضطهد، وبين تسويغ
أعماله، ويخلط بين تفسير الحدث وبين تصويب من يرتكبه، وهو يعكس مشكلة
في التفكير لدينا.
* هذا الحدث هزَّ الشارع الأمريكي؛ والشارعُ الأمريكي له أثره على سياسة
أمريكا؛ فأين الإسلاميون من توجيه خطاب مكثف للرجل الأمريكي عبر وسائل
إعلامه هو يوقفه على الأسباب الحقيقية وراء كره العالم لدولته، ويدفعه إلى
ممارسة حقه في كفِّ قادته عن الجبروت والتسلط؟
* تناول بعض الخطباء الحدث مذكِّرين ببطش الله بالظالمين وعقابه لهم،
مستشهدين بالقرآن الكريم ونصوصه؛ فما أحوج الأمة إلى أن تُربط بكتاب ربها،
وأن تُستثمر الأحداث في تربيتها!
* ثمة طوائف من الشباب المسلم المتحمس للخير الغيور على دينه ينقصه
الفقه في الدين، وتعوزه النظرة الشرعية للمصالح والمفاسد؛ فحري بالدعاة وأهل
العلم الذين كتب لهم القبول أن يعنوا بتوجيه هؤلاء، والأخذ بأيديهم حتى لا ينجرفوا
وراء أعمال وتصرفات تفسد أكثر مما تصلح، وتقود المجتمعات إلى نفق مظلم من
الفتن والصراعات، والأمر يحتاج إلى رفق بهم، وتحمل لهم، وحسن خطاب،
وإيجاد بدائل عملية تفتح لهم الميدان للعمل الدعوي المنتج. ولا يظن المصلحون أن
اللهجة الساخنة ستصلح هؤلاء بل هي تزيد النار اشتعالاً.
* لقد امتنع النبي ﷺ عن قتل المنافقين لئلا يتحدث الناس
أن محمداً يقتل أصحابه، وأذِن لأهل الحبشة أن يلعبوا في المسجد وعلَّل ذلك بقوله:
«لتعلم يهود أنَّ في ديننا فسحة» [٣] . إن هذه النصوص وغيرها تعني أن إبراز
الإسلام أمام الآخرين بصورة حسنة تدعوهم لاعتناقه، إن هذا مقصد شرعي، وهو
أمر ينبغي أن يؤخذ بالاعتبار حين تقرير الموقف من هذه الأحداث والتعليق عليها.
* يتحدث الإسلاميون عن الآثار المحتملة للحدث على بلدانهم في حال كون
الفاعل من الإسلاميين ومن الأوْلى أن نتجاوز مرحلة التحليل والتنبؤ إلى المبادرة
والتفكير بجدية في التأثير على القرار من خلال وسائل متنوعة، والسعي لخروج
مجتمعات المسلمين بأقل خسائر.
* يسيطر على كثير من الغيورين والخيرين الخوف من أن تؤثر هذه الأحداث
على مستقبل الإسلام؛ ومع تقديرنا لهذه المشاعر فلا بد من تقرير أن الدين لله،
وأنه متم نوره كما قال : [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] (التوبة: ٣٣) .
стр. 4086
الإسلام لعصرنا
لا تحسبوه شراً لكم !
أ. د. جعفر شيخ إدريس
رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة
ظلت وسائل الإعلام الأمريكي منذ سنين تربط الإسلام في أذهان الأمريكيين
بالإرهاب، وقد نجحت إلى حد كبير في جعل الصورة النمطية للمسلم هي صورة
الرجل الإرهابي الذي لا همَّ له إلا قتل الأبرياء من الغربيين وتحطيم حضارتهم.
ثم جاءت حوادث يوم الثلاثاء ١١/٩/٢٠٠١م لتؤكد هذه الصورة، وليستغلها أعداء
الإسلام في داخل أمريكا وخارجها أسوأ استغلال، وليردد الجاهلون والسفهاء منهم
ما يقوله أئمة الضلال أولئك. وبدأ المسلمون يشعرون بالخوف الشديد حتى إن
بعض المساجد ألغت صلاة الجمعة خوفاً على أرواح المسلمين. ثم بدأ الشعور
بالعداء للمسلمين يتحول إلى صورة عملية من سبٍّ وشتمٍ وتهديدٍ وضربٍ بل وقتلٍ
وتخريب. لكنني وكثيرين غيري ممن خطبوا الجمعة التي تلت الحوادث حاولنا أن
نذكِّر إخواننا الذين شهدوا الصلاة وكانوا أقل من العدد المعهود وأن ننصحهم بالدعاء
واللجأ إلى الله تعالى. وكان مما قلت كلاماً فحواه أن الله تعالى قد يجعل من
المصائب أبواباً يأتي منها خير كثير، وذكرتهم بقول الله تعالى لرسوله والمسلمين
بعد حادثة الإفك: [لاَ تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ] (النور: ١١) ،
وبحديث الرسول ﷺ الذي يقول فيه: «عَجِبْتُ لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ
أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ إِنْ أَصَابَهُ مَا يُحِبُّ حَمِدَ اللَّهَ وَكَانَ لَهُ خَيْرٌ، وَإِنْ أَصَابَهُ مَا يَكْرَهُ
فَصَبَرَ كَانَ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ أَمْرُهُ كُلُّهُ لَهُ خَيْرٌ إِلا الْمُؤْمِنُ» [١] .
وقلت لهم كما قلت لغيرهم قبل الخطبة وبعدها: إنني أرى في هذه المصيبة
فرصة كبيرة للدعوة إلى الله، وتصحيح الصورة المشوهة للإسلام في أذهان
الأمريكان. وتذكرت أنواع كيد كثيرة فتح الله بها أبواب النصر لدينه. تذكرت
وقوف الكفرة على مداخل المسجد الحرام يحذِّرون الناس من الاستماع للرسول صلى
الله عليه وسلم، فإذا الدعاية ضد الرسول ﷺ تتحول إلى دعاية له
ما كان المسلمون المستضعفون ليقدروا على مثلها. ثم قلت كلاماً فحواه أنني كما
نصحت المسلمين نصيحة خاصة فأريد أن أنصح الشعب الأمريكي ولا سيما قادته
نصيحة عامة. قلت لهم: إنني أريد لكم أن تعرفوا الحقائق، وأن تبحثوا بحثاً
موضوعياً في ما يأخذه الناس عليكم؛ فإن أعداداً هائلة من المسلمين، وإن اختلفت
مع الذين قاموا بالتفجيرات في وسائلهم إلا أنهم يشاركونهم (إن صح أنهم مسلمون)
في مآخذهم عليكم. وقلت: إنكم تفاخرون كثيراً بنظامكم الديمقراطي وبما عندكم من
حرية والتزام بالقانون. لكن ينبغي أن تتذكروا أن هذا ليس هو الذي يراه الناس
فيكم باعتباركم قوة عالمية. بل إنكم بهذا الاعتبار تتصرفون تصرف الحكام
الدكتاتوريين المحليين. فأنتم في الداخل ديمقراطيون، وعلى الصعيد العالمي
دكتاتوريون يرى الناس فيكم كثيراً من خصال الدكتاتوريات المحلية؛ ففيكم كما فيهم
الصلف والغرور، فأنتم لا تكفُّون عن الفخر بأنكم أقوى دولة، وأن التاريخ البشري
لم ير مثلكم. لكن القرآن يذكرنا بأن أمماً قبلكم كانت هي الأخرى أقوى من غيرها
في زمانها، وأنهم قالوا كما تقولون اليوم: [مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً] (فصلت: ١٥)
فجاءهم الرد الإلهي: [أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً]
(فصلت: ١٥) . وفيكم كما في الحكومات الدكتاتورية الظن بأنه بمثل هذه القوة
وبالعنف تحل كل المشكلات، وفيكم كما فيهم الاعتقاد بأن قوتكم تجعلكم فوق القانون،
مع أن الواجب عليكم باعتباركم قوة عالمية أن تكونوا مثالاً يحتذى في الالتزام
بالقانون الدولي. وذكَّرتهم بأن العدل ليس كله أرضياً، بل هنالك عدل سماوي،
وأنه إذا كان بعض الشعوب كأفغانستان لا تستطيع أن تقابل قوتكم المادية بقوة مثلها؛
فإنهم سيرفعون أيديهم إلى السماء مستجيرين بمن هو أشد منكم قوة.
ثم تتالت الأحداث وما تزال تتالى. زادت الاعتداءات على الأفراد من الرجال
والنساء والأطفال، وعلى الجماعات والمنظمات والمراكز والمساجد حتى اضطر
الناس لأن يغيروا مظهرهم الإسلامي، بل اضطرت بعض النساء إلى خلع الحجاب،
وتوقف كثير من طلاب المدارس والجامعات عن الدراسة. ولكن صاحَبَ هذا كله
اهتمام بالإسلام لم تشهد له أمريكا مثيلاً في تاريخها. توزعت وسائل الإعلام
كبيرها وصغيرها على مساجد أمريكا كلها تقريباً لتستمع إلى ما يقوله الخطباء،
(وقد علمت أن قناة CNN نشرت بعض ما ذكرت في خطبتي) . ثم استمر الحديث
عن الإسلام والاتصال بالمسلمين والتحذير من الاعتداء عليهم. لكن الأهم من ذلك
كله هو إثارة الرغبة في نفوس الأمريكان لمعرفة المزيد عن الإسلام. فما زال
الدعاة يدعون للحديث عن الإسلام في الكنائس والمدارس والجامعات، وما زالت
المراكز توزع ما عندها من مواد دعوية حتى نفد ما عند بعضها فهرعت تطلب
المزيد. حكى لي بعض الأصدقاء أن بعض المستمعين في إحدى الكنائس قالوا له:
إننا لا نعرف شيئاً عن دينكم، ونقترح عليكم أن تقفوا في الشوارع توزعون مواد
تعرِّف به. وحكى الكثيرون من المسلمين أنه لأول مرة في تاريخهم يتصل بهم
جيرانهم ليعبِّروا لهم عن أسفهم لما حصل للمسلمين، وعن إنكارهم الشديد له. إن
المعروف أن الإسلام هو أكثر الأديان انتشاراً بين الناس في هذه البلاد؛ فما يمر
يوم إلا ويدخل فيه عدد منهم، يقدِّره بعضهم بأكثر من خمسين شخصاً، بل ذكر لنا
أحد إخواننا الأمريكان ممن حباهم الله تعالى بنعمة اتخاذهم وسيلة لهداية الناس إلى
دينه، أنه قد أسلم على يديه في هذه الأيام العصيبة أكثر من عشرين شخصاً.
لو كان للمسلمين قيادة واحدة، ولو كان أمرهم شورى بينهم، لما قدم أحد منهم
على عمل يعرقل سير هذا الخير؛ إذ المعروف أن الدعوة مقدمة على القتال؛ لأن
القتال إنما يشرع حين يكون وسيلة لازمة لها. أما حين تتيسر بدونه، فإن عاقلاً
عالماً بدينه لا يلجأ إليه، فكيف إذا كان معرقلاً لها؟
ألم يقل الرسول ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁ في
الحديث المتفق عليه وهو يعطيه راية الجهاد: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ
بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ
لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» [٢] .
لكننا نرجع فنقول لإخواننا الدعاة بأمريكا: [لاَ تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ
لَّكُمْ] (النور: ١١) ، نقولها تفاؤلاً ورجاءً لا تحقيقاً؛ فالعلم بالعواقب عند علام
الغيوب.
وهذا يقودني إلى موضوع تحدثت عنه في مناسبات كثيرة خاصة وعامة،
وكنت أنوي جعله موضوع مقالي لمجلة البيان هذا الشهر. وها قد شاء الله تعالى أن
يجعل هذه الحوادث أحسن مناسبة لذلك الحديث. كنت أريد أن أوجه للمحسنين من
المسلمين رجاءً ملحاً أن يبذلوا أموالهم بسخاء لتوفير الآلاف المؤلفة، إن لم تكن
الملايين من ترجمة كتاب الله الكريم إلى اللغة الإنجليزية. والسبب في ذلك أننا
وجدنا بالتجربة، ووجد بعض إخواننا بالدراسة العلمية أن أكثر ما يُدخِل الناس في
دين الله هو قراءتهم لترجمة هذا الكتاب العزيز. ولو رحت أحدثكم عمَّا سمعت أنا
وحدي عن مشاعر الرضى والطمأنينة واليقين لبعض من هداهم الله تعالى بالاطلاع
على ترجمة تنزيل رب العالمين لطال الحديث. لكنني سأكتفي ببعض ذلك عسى أن
تكون فيه لنا ذكرى، وزيادة إيمان ويقين.
فهذا شاب هو الآن في صحبتنا يحدثنا أنه قرأ كتاباً لمؤلف غير مسلم عن
الأديان في العالم، وكان مما كتبه عن الإسلام ترجمة لسورة الفاتحة. يقول الشاب
إنني كثيراً ما كنت أتأثر تأثراً فكرياً ببعض ما أقرأ، لكنني حين قرأت ترجمة هذه
السورة شعرت بالتأثير في قلبي. ذهب الشاب يبحث عن المسلمين، فأسلم ثم انتقل
من بلده إلى واشنطن ليلتحق بمعهد العلوم العربية والإسلامية ليدرس اللغة العربية،
وليتعلم دينه. ومن قبله فتاة قالت: إنها لأبوين لا اهتمام لهما بالدين، لكنها عثرت
في بيتها على كتاب ديني قديم أثار اهتمامها فبدأت تبحث عن الأديان، فكان مما
قرأته شيئاً عن الإسلام. قالت وهي تسكن في مدينة نائية أشبه بالقرية إنها صحبت
بعض زميلاتها في الذهاب إلى سوق خارج القرية، لم تصحبهن إلا لتبحث عن
ترجمة للقرآن الكريم. عثرت على طلبتها، ثم بدأت تقرأ. تقول الفتاة إنها لم
تتجاوز الآية الثانية من سورة البقرة [ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ]
(البقرة: ٢) حتى وضعت المصحف المترجم، وشهدت بأن لا إله إلا الله وأن
محمداً رسول الله. ثم ذهبت تسأل عن المسلمين. ثم جاءت لواشنطن لإكمال
دراستها بجامعة جورج واشنطن وهي محجبة حجاباً كاملاً. ومن قبلها شاب لأبوين
كاثوليكيين كان يدرس الثانوية بمدرسة كاثوليكية، وكان مع ذلك يشهد دروساً دينية
خاصة. لكن عقله لم يقبل أبداً القول بأن لله ولداً؛ لذلك قرر أن يبحث عن دين
آخر. فكَّر في اليهودية لكنه لم يقتنع بها. ثم دخل الجامعة، وكان مما درسه مقرر
في التاريخ شمل الشرق الأوسط، وكان من ضمن ما ذكر لهم المحاضر من
المراجع القرآن الكريم. يقول إنه لم يكن قبل ذلك يظن أن هنالك ديناً يزعم أنه
سماوي إلا اليهودية والنصرانية! ولم يكن يعرف شيئاً عن الإسلام ألبتة؛ لكنه
حينما بدأ يقرأ في الترجمة اهتدى.
إن هذا الكتاب هو حقاً كلام الله تعالى، يميل كل قلب مهتدٍ إلى ما يناسب
حاله منه. فما علينا نحن إلا أن نوفره لهم ليتناولوا منه ما يشتهون فيهتدون. لقد
وجدنا بالتجربة مصداق قول الرسول ﷺ : «كل مولود يولد على
الفطرة» [٣] ، فما من أمة إلا وفيها من لا يزال قلبه ينبض بهذه الفطرة؛ ولولا ذلك
لما تحركت قلوبهم عند استقبالها للحق. إن نور الفطرة الداخلي هو الذي يستجيب
لنور الوحي الخارجي [نُّورٌ عَلَى نُورٍ] (النور: ٣٥) .
فالذي أقترحه:
* طباعة الترجمة مجردة عن الأصل القرآني؛ وذلك لسببين أولهما: أن
المدعوين لا يقرؤون العربية. ثم إننا لا ندري ماذا سيفعلون به إذا ما وزعناه على
نطاق واسع؛ فقد يرميه بعضهم في أماكن غير مناسبة، وقد يقرؤه بعضهم في دورة
المياه كما هي عادتهم.
* أن تكون الغالبية العظمى منها طبعات شعبية ذات غلاف ورقي؛ لكي تقل
تكلفتها ويسهل حملها وتوزيعها.
* أن توزع بكميات كبيرة على كل المساجد والمراكز بالولايات المتحدة، بل
وعلى أكبر عدد من الأفراد المعروفين باهتمامهم بالدعوة.
كل هذا عمل يمكن أن يقوم به أفراد من المحسنين من غير تنسيق بينهم. لكن
الوضع الأمثل أن تكون لهذا الغرض مؤسسة حبذا لو كانت بالولايات المتحدة نفسها
تتولى هي طبع هذه المصاحف بأحجام وجَوْدات مختلفة، كما تتولى هي توزيعها
على سائر المؤسسات الإسلامية وغير الإسلامية. وحبذا لو استطاعت المؤسسة أن
توفر عدداً من المؤهلين للإجابة عن أسئلة من يطلعون على الترجمة ويرغبون في
مزيد تفسير وتوضيح.
لكن هذه ليست دعوة لأن تحل هذه المؤسسة محل مجمع الملك فهد لطباعة
القرآن، وإنما هي إضافة وتعضيد لها حتى لا يفوت عامة الناس فضل المشاركة
في هذا العمل العظيم الذي تقوم به الحكومة السعودية جزاها الله كل خير. إن
المجمع مهتم أساساً بطباعة المصحف الشريف نفسه، وهو عمل عظيم قد سدَّ وما
يزال يسدُّ حاجة ماسة في البلاد الإسلامية ولا سيما الفقيرة منها. ثم هو مهتم
بترجمة الكتاب العزيز إلى كل اللغات. أما الذي ندعو إليه فمؤسسة مختصة
بالترجمة الإنجليزية.
أيها الإخوة المحسنون! إن هذا والله لعمل مبارك، وإن الثواب عليه والله
لعظيم. كيف لا وقد تكون كل نسخة من ترجمة تنفق عليها سبباً في هداية إنسان
إلى الإسلام. ووالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم، كما
أخبرنا الصادق المصدوق. وإذا كان خيراً لك من حمر النعم فهو خير لك من كل ما
تملك من مال إلا مالاً تنفقه في سبيل الله. فالبدار البدار ما دامت أبواب الدعوة إلى
الإسلام قد فتحت الآن على مصاريعها. والله الموفق والهادي إلى سبيل الرشاد.
стр. 4087
المسلمون والعالم
بعد الزلزال الأمريكي
الهيمنة الأمريكية في مفترق طرق
حسن الرشيدي
«إنها واحدة من تلك اللحظات التي ينقسم فيها التاريخ ومعها العالم إلى ما قبل
وما بعد. مركز التجارة العالمي أبرز وأضخم معالم عاصمة العالم الرأسمالي يتهاوى
تحت هجوم الطائرات الانتحارية ليتحول إلى ركام من الزجاج والحديد، وها هو
البنتاجون رمز الأمن الأميركي يتعرض هو الآخر لهجوم انتحاري وينهار الجزء
الذي يؤوي قيادة الجيش الأميركي. حتى طائرة الرئيس، (آرفورس) كانت لفترة
طويلة تبدو كما لو أنها تتنقل وسط البلاد (بعيداً عن العاصمة) ، بحثاً عن الأمن» .
بهذه الكلمات تعبِّر أشهر صحيفة أمريكية (النيويورك تايمز) عن خيبة الأمل
الأمريكية في أعقاب أحداث الثلاثاء الدامي في الولايات المتحدة.
لقد جاءت هذه الأحداث في غير السياق المرسوم للتفوق الأمريكي، هذا النجم
الذي ظن أصحابه أنه سيبقى ببقاء الحياة؛ فقبل شهر من هذه الأحداث ذكر تقرير
لوزارة الخارجية البريطانية أن من شبه الأكيد أن الولايات المتحدة ستظل حتى عام
٢٠٣٠م القوة العسكرية والاقتصادية العظمى الوحيدة في العالم؛ حتى جاءت هذه
الضربة.
ولكن هل ما حدث يأذن بتغيير موازين القوى العالمية، واهتزاز للهيمنة
الأمريكية على العالم؟
إن أي إطار تحليلي يحاول استجلاء تلك التطورات لا بد فيه من الإحاطة
بثلاث ظواهر:
الأولى: تتبع تاريخي لصعود الولايات المتحدة في العصر الحديث حتى
وصولها لهذه المكانة.
الثانية: أبرز خصائص التفوق الأمريكي، وأدوات هيمنتها على العالم.
الثالثة: دلالة الضربة التي تلقتها الولايات المتحدة.
ودراسة تلك العوامل تمكننا من تقدير أثر الضربة على الهيمنة الأمريكية؛
ومن ثم توقُّع حجم التغيُّر في هيكلة النظام العالمي وموازين القوى فيه.
تشكل النظام العالمي مع مطلع القرن العشرين:
حَفَل القرن العشرون بعدد من التغيرات الهائلة المدوية؛ ففي نصفه الأول
اندلعت حربان عالميتان، وانفجرت ثورتان كبيرتان في روسيا والصين، وانهارت
خمس إمبراطوريات هي «العثمانية والألمانية والإيطالية واليابانية والنمساوية
المجرية» ، وحدث تراجع هائل لقوتين من أهم القوى الاستعمارية العالمية ألا
وهما الاستعمار البريطاني والاستعمار الفرنسي. والخلاصة أنه طرأ تغير
جوهري على طبيعة النظام الدولي. ولو ألقينا نظرة على القرون السابقة
لوجدنا أن النظام الدولي اتسم دائماً بتعدد القطبية وتوازن القوى، حيث لم يكن
يسمح لدولة بمفردها أن تحقق تفوقاً أو سيطرة، لا يستطيع تحالف الدول الأخرى
التصدي لها بدرجة أكبر من القوة والجبروت. ونجح هذا النظام آنذاك في الحيلولة
دون ظهور قوة مهيمنة واحدة، لكنه مني بالإخفاق في نهاية المطاف؛ مما أدى إلى
نشوب الحرب العالمية الأولى التي أعقبتها فترة من الفوضى، ظهرت بعدها الفاشية،
واندلعت الحرب العالمية الثانية. ثم انكشف غبار هذه الحرب عن تبلور نظام
دولي ثنائي القطبية.
لقد كان هناك سببان رئيسان وراء التحول نحو القطبية الثنائية:
أولهما: التراجع الهائل في قوة العديد من الأطراف التي كانت تشكل الثقل
الأساسي خلال حقبة توازن القوى أي حقبة ما قبل الحرب العالمية الأولى بعد أن
انهزمت ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وانحسرت قوة بريطانيا وفرنسا.
السبب الثاني: أن هذه التطورات رافقها تغير مهم، تمثل في انتقال القوة
النسبية إلى أيدي الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي السابق، وزيادة
تدخلهما في الشؤون العالمية. وكانت هذه التغيرات نتاجاً لمجموعة معقدة من
العوامل التي أفرزت نظاماً عالمياً جديداً ثنائي القطبية. وكانت السمة الرئيسة لهذا
النظام هي أن قطبيه الجديدين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة يمثلان نظامين
مختلفين، لكل منهما قيم وأنماط معيشية مختلفة؛ ومن ثم أفرز هذا النظام عدداً من
القضايا التي تختلف إلى حد كبير عن قضايا عصر توازن القوى المتعدد القطبية
(أي ما قبل الحرب العالمية الأولى) . وأدت الأيديولوجيا الماركسية الثورية،
والإحساس بالدور التاريخي إلى تحفيز موسكو لكي تتبوأ مكانها في النظام الجديد.
وبعد فترة من الغموض والتردد قررت الولايات المتحدة أن تأخذ على عاتقها
مهمة احتواء المد السوفييتي؛ ومن ثم اندلع هذا الصراع الذي عرف باسم الحرب
الباردة، وترافق ذلك مع تطوير أسلحة الدمار الشامل.
وهكذا هيمنت أجواء الحرب الباردة على السياسة الخارجية الأمريكية
واستراتيجية الأمن القومي الأمريكي، وألقت بظلالها على القرارات الدفاعية
الرئيسية، بما فيها مشتريات أنظمة الأسلحة وحجم القوات والوجود العسكري في
الخارج والتحالفات. وبسبب القطبية الثنائية التي تميزت بها حقبة الحرب الباردة
أصبح على الولايات المتحدة أن تهيئ نفسها لاحتواء المد السوفييتي على النطاق
العالمي؛ مما كان له أكبر الأثر على تعاملات الولايات المتحدة مع مختلف المناطق.
ولكن الحرب الباردة انتهت نهاية مدوية، حينما حدث الانهيار المفاجئ
للاتحاد السوفييتي بوصفه إمبراطورية ودولة؛ ونتيجة لذلك تحول التوازن النسبي
للقوى السياسية والعسكرية ليصبح في صالح الولايات المتحدة الأمريكية. ومن
المعروف أن الولايات المتحدة خلال ما يزيد على أربعة عقود من الحرب الباردة
حققت منزلة سياسية عظيمة وقدرات عسكرية هائلة، فلم يعد أمامها أي منافس
دولي أو أي تحالفات معادية ذات شأن. بل إن معظم الدول التي تمتلك قدرات
اقتصادية متميزة، وتتمتع بارتفاع متوسط في دخل الفرد والناتج المحلي الإجمالي،
مثل ألمانيا واليابان، هي دول حليفة للولايات المتحدة. ويمكن القول بالفعل إن
الولايات المتحدة وحلفاءها قد أقاموا منطقة يعدُّ فيها نشوب الحرب فيما بينهم أمراً
غير وارد إطلاقاً. وإن ظلت الولايات المتحدة صاحبة أكبر اقتصاد في العالم،
وبذلك أصبحت هي القوة العظمى الوحيدة.
ولكن في داخل الولايات المتحدة نفسها كانت هناك تيارات فكرية تتنازع في
محيط صناعة القرار السياسي الأمريكي:
التيار الأول تيار انعزالي: وهو يدعو إلى التخلي عن السيطرة والتفوق
والانطواء على الذات، وهذا التيار كان هو المسيطر على الفكر السياسي الأمريكي
طيلة القرن التاسع عشر حتى بدايات القرن العشرين، وهذه الانعزالية وفي نظر
هذا التيار تسهم في تخفيض الإنفاق الدفاعي في مواجهة عجز الميزانية؛ مما يحسن
القدرة التنافسية الاقتصادية للولايات المتحدة، وكذلك يقلل من احتمالات مقتل عدد
متزايد من الجنود الأمريكيين؛ غير أن هذا التوجه الانعزالي في نظر مركز أبحاث
راند الأمريكي «يزيد على المدى الطويل من خطر نشوب الصراعات الكبرى؛
مما يتطلب قيام الولايات المتحدة بمجهود دفاعي أكبر، كما أنه في النهاية
يقوّض الازدهار الأمريكي بتقليص الفرص التجارية الناتجة عن الهيمنة» .
أما التيار الثاني: فهو يدعو إلى العودة إلى تعدد القطبية وتوازن القوى
للحيلولة دون ظهور قوة مهيمنة جديدة. والقوى المحتملة في المنظور الأمريكي هي
الصين واليابان وأوروبا وروسيا، وقد تتغير هذه القوى في المستقبل. وقد ثبت
أنه من المستحيل اتباع هذا النهج التوازني حتى بالنسبة للدول ذات الثقافات
المتشابهة خلال القرن التاسع عشر؛ فالمرجح أن تزداد حدة الخلافات بين الدول
الآن في ظل توجهات القوى الكبرى، واختلاف ثقافاتها؛ مما يجعل هذه القوى
بعيدة عن المرونة الكافية التي يتطلبها نظام توازن القوى هذا.
والتيار الأخير: السائد في الفكر السياسي الأمريكي هو الزعامة العالمية أو
الهيمنة الشاملة، وهي تقتضي منع ظهور منافس عالمي آخر يكون معادياً لها،
وتحول في الوقت نفسه دون العودة إلى تعدد القطبية. وأصبح هذا هو الاختيار
الأول بالنسبة للساسة في أمريكا خاصة منذ عهد ريجان في أوائل الثمانينيات من
القرن الماضي.
أدوات الهيمنة الأمريكية:
هذا الهدف الأسمى لدى الطبقة السياسية في أمريكا، وهو فرض الهيمنة
الأمريكية على العالم كان لا بد له من استراتيجية لتطبيقه، ويمكن تلخيص تلك
الاستراتيجية بكلمة واحدة أطلقت عليها ظاهرة العولمة؛ هذه العولمة لها عدة أذرع
وأوجه، ومنها:
عولمة اقتصادية: وغرضها السيطرة على رأس المال، وربط الاقتصاد
العالمي بالاقتصاد الأمريكي عن طريق آليات ومنظمات مثل الشركات المتعددة
الجنسيات، ومنظمة التجارة العالمية، والبنك الدولي، وصندوق النقد، واتفاقية
الجات، وغيرها.
عولمة سياسية: وهدفها النهائي تذويب الحدود بين الدول، والإلغاء التدريجي
لسلطان الحكومات على شعوبها بطرق كثيرة؛ أهمها تشجيع الأقليات العرقية
والدينية على التمرد، وإرسال الوفود والبعثات لتقصي الحقائق، وتقسيم العالم إلى
مناطق جيوبوليتيكية، ورسم إطار استراتيجي لهذه المناطق تراعى فيه المصالح
الحيوية لأمريكا، وتبقى هذه المناطق تدور دائماً في الفلك الأمريكي.
وكذلك اعتمادها بشكل أساسي على أداتين رئيسيتين لتحقيق السيطرة على
العالم، ويتلخصان في فرض العقوبات الاقتصادية على دول مختلفة من ناحية،
والتدخل العسكري المباشر في مناطق متفرقة من العالم من ناحية أخرى.
عولمة تكنولوجية: فأمريكا لديها الطاقة التكنولوجية الهائلة القادرة على إنتاج
مستويات أعلى وأرقى من المنتجات على مستوى العالم كله، وفي مجالات قائدة
مثل الاتصالات، والهندسة الوراثية، والفضاء، والطب، والدواء تزيد بكثير على
كل ما ينتجه منها العالم أجمع، مع قدرة غير مسبوقة على نشر هذه المخترعات
لكي تكون مكوناً رئيسياً لسوق الإنتاج والاستهلاك العالمي، وحتى نقرب الصورة
إلى الأذهان، فإن اختراعاً أمريكياً وحيداً مثل الكمبيوتر أصبح الآن جزءاً من
العمليات الإنتاجية والاستهلاكية الدولية حتى في البلدان التي تقوم بإنتاج الكمبيوتر،
والتي أصبح عليها أن تجعله متوافقاً مع المنتج الأمريكي لشركة IBM وشركة
مايكروسوفت حتى يمكن تسويقه على مستوى العالم.
عولمة قانونية: وغايتها وضع تعريفات قانونية لأوضاع سياسية يتم على
أساسها تصنيف الشعوب والدول والحركات؛ فمصطلح الإرهاب مثلاً لا ينطبق إلا
على كل ما تعده أمريكا مناوئاً لها ولسياساتها، وكذلك محكمة جرائم الحرب بلاهاي
تطبق عن طريقها التعريفات الأمريكية الانتقائية، فيتم محاكمة رئيس الصرب
السابق ميلوسوفيتش بتهمة ارتكاب مذابح ولا يحاكم شارون بالرغم من أن الاثنين قد
ارتكبا مجازر بشعة، وخاصة ضد المسلمين، ولكن لأن الأول وقف عقبة كأداء في
وجه الهيمنة الأمريكية.
عولمة ثقافية وإعلامية: عن طريق فرض النموذج الغربي، وخاصة الأمريكي
في التفكير وطرائق الحياة على شعوب العالم. ومن الملاحظ أنه توجد
جملة مدارس متضاربة في الداخل الأميركي خاصة وفي الغرب عموماً تحاول
تفسير الصراع بين الإسلام وما يسمى بالحضارة الغربية:
* هناك مدرسة صدام الحضارات التي يرّوج لها كما هو معروف المفكر
الأميركي (صموئيل هنتنجتون) ، والتي لا ترى في الإرهاب الإسلامي المزعوم
سوى تعبير من تعبيرات الحرب الحتمية بين الحضارتين الإسلامية والغربية.
* وهناك المدرسة التاريخية الواقعية التي يمثلها المؤرخ (برنارد لويس) ،
وهي ترى ضرورة التمييز بين القلة الأصولية المتطرفة وبين الأكثرية الإسلامية
المعتدلة، وقد نشر لويس مؤخراً دراسة في مجلة «فورين أفيرز» الشهيرة،
اعتبر فيها تفسيرات أسامة بن لادن اللاهوتية «تشويهاً تاماً للدين الإسلامي الذي لا
توجد في نصوصه أبداً ما يشجع على الإرهاب والقتل» . وكان ملفتاً أن ينهي
لويس دراسته هذه بالكلمات الآتية: «من الواضح أنه يتعيّن على الغرب أن يدافع
عن نفسه (ضد ابن لادن وأضرابه) بشتى الوسائل الفعالة. لكن وحين وضع
الاستراتيجيات لمقاتلة الإرهابيين سيكون من المفيد فهم الدوافع التي تحركهم» .
* وثمة مدرسة ثالثة حضارية اقتصادية يعبر عنها المفكر (بول كينيدي) ،
وتدعو الغرب إلى تفهم تظلمات العالم الإسلامي منه. ويقول كينيدي في كتابه
الأخير (التحضير للقرن الحادي والعشرين) : «إن الغرب، بإبحاره على طول
السواحل العربية، ومساعدته على تدمير الإمبراطورية المغولية، واختراق النقاط
الاستراتيجية للمنطقة بالسكك الحديدية والقنوات، والتقدم دوماً نحو إفريقيا الشمالية
ووادي النيل والخليج الفارسي (العربي) والهلال الخصيب ثم شبه الجزيرة العربية
نفسها، وتقسيم الشرق الأوسط وفق حدود غير طبيعية، وزرع إسرائيل في وسط
الشعوب العربية، وعدم الاهتمام بالمنطقة سوى بسبب نفطها؛ كل هذا جعل الغرب
يلعب أكثر من دور في تحويل العالم الإسلامي إلى ما هو عليه الآن. وهذا ما لا
يبدو أن الغربيين مستعدون للاعتراف به» .
* وأخيراً هناك المدرسة التاريخية الاجتماعية التي يجسدها الكاتب الأميركي
الليبرالي (وليام بفاف) ، والتي تدعو إلى حلول عادلة للمشاكل الإقليمية وإلى
الالتفات إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعوب العربية والإسلامية،
باعتبارها وسيلة وحيدة.
عولمة تربوية: وذلك بالتدخل في المناهج التعليمية في الدول المختلفة،
وتغيير عقول الناشئة، وتذويب هوياتهم العقائدية ليسهل على وسائل الإعلام بث
القيم الأمريكية البديلة؛ ففي مصر على سبيل المثال تقول الأرقام إن هيئة المعونة
الأمريكية قدمت ٩٠ مليار جنيه منحاً ومعونات للحكومة المصرية خلال الـ ٢٥
سنة الأخيرة، وإنه منذ عام ١٩٨١م قدمت الهيئة الأمريكية ١٨٥ مليون دولار
للتعليم فقط، باعتبار أن الجانب الأمريكي وضع مصر من بين الدول التي تتلقى
المساعدات التعليمية منحاً وقروضاً، ومعها بالطبع خبراء وبرامج وتوصيات لا بد
من تطبيقها بوصفها شروطاً للحصول على المعونة ولم تتوقف المساعدات عند هذا
الحد وإنما تجاوزته لتشمل مشروعات أخرى مثل مشروع التدريب الفني بتكلفة
(١٨٠) مليون دولار، ومشروع تعليم الإناث (٦٠) مليون دولار، ومشروع
آخر يسمى: (المشاركة من أجل البنات والنساء) بتمويل قدره ٥. ٢ مليون
دولار.
المشكلة هنا أن المساعدات الأمريكية لا يتم إيقافها إلا وفقاً للتصور الأمريكي
بما يطرحه من برامج ونظم محددة يجب تطبيقها بدقة.
عولمة أمنية أو مخابراتية: وهي تقوم على التعاون بين مخابرات الدول
المختلفة في ضرب كل من تسول له نفسه الوقوف أمام الهيمنة الأمريكية، وتحاول
في الوقت نفسه منع الاعتداء على المواطنين في أمريكا سواء في الداخل أم في
الخارج، وعلى رأس أدوات أمريكا في تنفيذ هذا الشق العولمي وكالة الاستخبارات
المركزية الأمريكية (سي. آي. إيه) التي تعد نموذجاً لأجهزة المخابرات في
العالم؛ وذلك بفضل الوسائل التي توفر لها المعلومات بغزارة من شتى أنحاء الكون؛
بالإضافة إلى جيش العاملين بها من الخبراء في الشؤون الدولية، والمحللين
للمعلومات التي ترد إليها يومياً ساعة فساعة للوقوف على اتجاهات الدول
والمنظمات المختلفة؛ بهدف استشعار أي خطر وهو في المهد لإجهاضه، وهي
السياسة الأمريكية المعروفة بـ (الضربات الوقائية) ، وهي السياسة التي مكنت
أجهزة الأمن الداخلية من تتبع العديد من المخططات التي تستهدف المصالح
الأمريكية، وآخرها مخطط تفجيرات واحتفالات الألفية الثالثة الذي أحبط بسبب
التعاون الوثيق بين الـ (سي آي إيه) ومكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي (إف
بي آي) ، ويتولى عملاؤه (ويقدرون بالآلاف) جمع المعلومات الداخلية ومراقبة
وإحباط أي محاولات عدوانية داخلية.
عولمة عسكرية: وذلك بامتلاك أحدث الأسلحة في جميع المجالات العسكرية
التقليدية، منها وغير التقليدية معتمدة على أذرع طويلة في البحر من حاملات
طائرات ومدمرات وغواصات، وفي الجو من طائرات الشبح، وفي الفضاء درع
صاروخي.
وهذا الاستعراض السريع لمفردات الهيمنة الأمريكية لا ينسينا أن كثيراً من
المحللين السياسيين يعتبرون أن النظام العالمي بعد انتهاء عصر الثنائية القطبية لم
يوجد بعد، وأنه في طور التشكل، وأن بوش الأب ومن بعده كلينتون لم ينجحا في
بناء أسس كاملة لنظام عالمي جديد قائم على المفهوم الأمريكي؛ حتى ذهب صمويل
هنتنجتون نفسه إلى وصف النظام العالمي الراهن بنظام: (الواحد والمتعدد
الأقطاب) أي النظام الذي يقوم على وجود قوى عظمى متفردة في عالم متعدد
الأقطاب. فالنظام متعدد الأقطاب يعني التساوي النسبي في قوى الدول الكبيرة في
العالم، وهو أمر لم يتوافر بعد إذا قيست هذه القوى بالقوة الأمريكية. كما أنه من
الصعب وصف النظام العالمي بالنظام «أحادي القطبية» بشكل كامل؛ لأن هذا
الأخير يعني وجود قوى عظمى وحيدة في العالم، وبجانبها قوى أخرى صغيرة
متعددة، وينفي في المقابل وجود قوى كبيرة يكون لها وزن تحسب له القوى
العظمى حساباً في القضايا الدولية والإقليمية المختلفة، وهذا أيضاً ليس واقع الحال
ولذلك ربما تكون هذه التسمية هي الأقرب إلى وصف الواقع الحالي الذي يمر به
النظام العالمي ولكن بالرغم من وجاهة هذه النظرة فإنها لا تنسينا التفوق الأمريكي
أو محذولة الولايات المتحدة الظهور بمظهر القوة العالمية الوحيدة، وخاصة مع
الضعف الظاهر للقوى التقليدية كأوروبا والصين وروسيا.
ثم جاء الرئيس الأمريكي الحالي بوش الابن الذي سيطرت عليه النزعة
الأمريكية بالسيادة والتفوق، وفي نفس الوقت لم يتمتع بالخبرة الكافية والعلم بواقعه
جيداً، فأحاط نفسه بمجموعة من الاستشاريين وتبنى أفكارهم، وهي في غالبها
أطروحات أكاديمية بعيدة عن الواقع، فحاول وضع أسس جديدة للنظام العالمي:
* أراد بناء الدرع الصاروخية لحماية أميركا من صواريخ الدول المارقة،
ضارباً بذلك معاهدة الـ (آي بي إم) التي كانت عامل استقرار بين القطبين منذ
تاريخ توقيعها عام ١٩٧٢م وشكّل قرار بوش هذا قلقاً لدى الأعداء والأصدقاء على
السواء، فخاف الأوروبيون أن يشكل هذا الأمر سبباً لتسريع عملية سباق تسلّح
جديد، وأقلق الأمر الصين الصاعدة لكونه يبطل مفعول ردعها النووي فتصبح
عرضة للابتزاز السياسي الأميركي. يُضاف إلى هذا اعتباره الصين منافساً بدل أن
تكون حليفاً استراتيجياً كما كانت أيام كلينتون.
* رفض معاهدة كيوتو التي تحدّ من نفث ثاني أوكسيد الكربون في الفضاء،
متجاهلاً الرأي العالمي حول البيئة، ناسياً أن الولايات المتحدة هي أكبر مسبّبي هذا
التلوّث.
* رفض اقتراح التسوية حول الأبحاث الجرثومية والبيولوجية.
* تمنّع عن دفع المتوجبات للأمم المتحدة مخالفاً بذلك شرعة هذه المنظمة التي
هي من صنيعة الولايات المتحدة.
* آثر عدم الانخراط في مشاكل العالم ما دامت لا تؤثر على زعامة أمريكا أو
تمس مصالحها مباشرة، كمشكلة الشرق الأوسط.
* حاول عبر وزير دفاعه إعادة تنظيم القوات العسكرية الأميركية وتسليحها
وهيكلتها، فأدخل هذا الأخير أبعاداً جديدة على الصراع مضيفاً إلى الفضاء بعداً
رابعاً، وهو ما يعاكس الاتفاقات المعقودة حول عدم عسكرة الفضاء.
كل هذا فعله بوش من منطلق النظرة الاستعلائية المبنية على الإحساس
بالتفوق الأمريكي، ومقدار ما وصلت إليه هذه الهيمنة.
تأثير الضربة على الزعامة الأمريكية:
والآن بعد الضربة التي تلقتها أمريكا يبقى السؤال المهم وهو: كيف أثرت
هذه الضربة على بنية النفوذ الأمريكي في العالم، ومحاولات فرض الزعامة
العالمية؟
لا شك أن هناك تغييرات حدثت في جميع جوانب هذه الزعامة:
أولاً: في الجانب العسكري: يقول خبراء في الشؤون العسكرية: إن ما
شهدته الولايات المتحدة هو تعبير بارز عن مفهوم الحرب غير المتكافئة التي هي
حرب القرن الحادي والعشرين.
وهذه الحرب غير المتكافئة تدور بين طرفين أحدهما دولة محددة واضحة
المعالم، وطرف آخر مبهم جغرافياً، بدليل أن وزير الخارجية الأميركي كولن باول
أعلن رسمياً أن ما حصل هو إعلان حرب على الولايات المتحدة، من دون أن
يكون قادراً على تحديد الجهة التي أعلنت هذه الحرب.
هذه الحرب غير متكافئة؛ لأنها لا تعلن على أرض المعركة بين جيشين بل
في المدن المكتظة أو ضد مصالح معينة وحساسة أو ضد عصب الدولة، ولا
تستعمل فيها الأسلحة التقليدية وإنما أسلحة تكتيكية ووسائل سهلة وسريعة ونقالة،
وهي حرب غير منطقية بالمعنى التكتيكي؛ لأن المشاركين فيها ليسوا سوى أفراد
يحركهم الشعور بالنقمة أو مشاعر عقائدية.
ويعتبر الباحث الفلسطيني مروان بشارة «أن هذه الحرب هي حرب القرن
الحالي وخصوصاً أن فريقاً من المحللين العسكريين الأميركيين يعتبرون أن آخر
حرب متكافئة هي الحرب على الرئيس العراقي صدام حسين الذي خاض حرباً
متكافئة على الأرض مع الولايات المتحدة، وأنه منذ حوالي ثلاثة أعوام بدأ هؤلاء
المحللون يعتبرون أن الحروب المستقبلية المحتملة لن تكون متكافئة» .
إنه منذ انتهاء الحرب الباردة بدأ الخبراء الأميركيون يميلون إلى القول بأن
أعداء الولايات المتحدة المباشرين على الأرض ليسوا كثيرين، وأن الردع المتبادل
يجعل من الصعب على أي دولة القيام بحرب مباشرة ضدها، وأن التهديد الفعلي
مصدره ما يسمى بـ (الدول المنحلة) ، وأن أرض المعركة هي منطقة رمادية:
غير معروف من هو الجندي، ومن هو الفرد، ومن هو المتطوع، ومن هو
الإنسان العادي؟
لقد شهدت المؤسسة العسكرية الأميركية على مدى السنوات الماضية نقاشاً في
شأن الصعيد الذي ينبغي أن يحظى بالأولوية، الصعيد الدولي الشمولي وما يمثله
من تهديدات بواسطة الصواريخ الباليستية والأسلحة الكيماوية والجرثومية، أم
ينبغي تكريس الأولوية لتهديدات الحرب غير المتكافئة؟
لقد انتخب الرئيس الأميركي جورج بوش على أساس برنامج يسعى لرفع
مستوى الاستثمار في الصناعات العسكرية، ومن هذا المنطلق أعطيت الأولوية
للدرع المضاد للصواريخ الباليستية؛ مما أثار العديد من الاحتجاجات في أوساط
الخبراء العسكريين المتنبهين لمخاطر الحرب غير المتكافئة، وفقاً لما أظهره مثلاً
حادث تفجير الـ (يو إس إس كول) .
وحذر هؤلاء الخبراء مراراً من أعمال إرهابية من نوع جديد تستند إلى
شبكات دولية تحظى بدعم مالي مهم، وتستخدم وسائل حديثة للاتصال والمواصلات،
وما جرى في نيويورك وواشنطن لا بد أن يرجح كفة الخبراء الذين تحدثوا عن
الحرب غير المتكافئة.
ويقر خبراء أمريكيون أن استهداف مقر وزارة الدفاع الأميركية وضرب قلب
نيويورك، جاءا بمثابة تحطيم لأسطورة، وإن ذلك جزء من الحرب النفسية التي
تشكل أحد أبرز العناصر المستخدمة في الحرب غير المتكافئة، وأن ما حصل
يوحي بأننا على عتبة مرحلة جديدة في تاريخ المواجهات الحديثة.
لقد ركزت المؤسسة العسكرية في أمريكا على سياسة خاطئة تماماً؛ فمنذ
اعتلائه سدة الحكم قدم الرئيس الأميركي جورج بوش الابن دعماً لا محدوداً
للمشاريع التي أعدها الصقور داخل البنتاجون، والذين يرون أن الحل الأمثل
لمشاكل أمريكا الأمنية هو درع الصواريخ الدفاعي، وقد أصر البنتاجون والجناح
المتشدد فيه بالذات على أن ذلك سيضمن أمن الولايات المتحدة في العالم، ويخلصها
من أخطار «الدول المارقة» التي قد تقدم على شن حرب على أمريكا. ولكن كم
كانوا مخطئين حتى قبل أن يظهر النموذج البدائي لمشروع الدرع الصاروخي
الأمريكي إلى الوجود فقد تحول حلم رونالد ريغان المعروف باسم: (مشروع حرب
النجوم) إلى خطة أخرى أقل تعقيداً تركز بشكل أساسي على السبل الكفيلة بتعقب
وتدمير الصواريخ بعيدة المدى قبل وصولها إلى الأهداف الحيوية داخل الولايات
المتحدة. وحتى الآن لم يتم وضع كافة التفاصيل الدقيقة لكيفية إدخال هذا المشروع
حيز التنفيذ، وإن كان التصور الأخير يتمحور حول نظام يتعقب الصواريخ في
«مرحلة الإطلاق» أي قبل خروجها من المجال الجوي للبلد الذي أطلقت منه عندما
تكون سرعتها بطيئة نسبياً. وبمجرد تعقبه وتحديد مساره يتم تدمير الصاروخ
المعادي بصواريخ موجهة ودقيقة تطلق إما من الأرض أو من الغواصات الأميركية
المنتشرة في جميع أنحاء العالم. ورغم عدم تأكدهم من هذه التكنولوجيا الجديدة إلا
أن صناع القرار الأميركيين يصرون على أنه وحده هذا النظام قادر على توفير
الأمن لأمريكا رغم أنها قد أثبتت أن هذه المغامرة العسكرية الكبيرة التي تسمى
بالدرع الصاروخي لن تأتي بالنتائج المرجوة في نهاية المطاف فضلاً عن تكاليفها
الباهظة على الصعيدين الاقتصادي والدبلوماسي.
في الجانب الاستخباراتي: تم اختراق الحواجز الأمنية لأكبر قدرة معلوماتية
واستخباراتية في العالم؛ بحيث أتى الأمر كله مفاجأة فوق تصور الجميع، وهو ما
جعل الأمريكيين وغيرهم يصابون بالذهول ويتساءلون: ماذا لو كان هذا الهجوم من
قوة عظمى أو حتى من إرهابيين يملكون أسلحة فتاكة كالأسلحة النووية أو
الجرثومية أو غيرها؟ واستتبع ذلك ازدياد التنسيق الذي تقوم به الأجهزة الأمنية
المختلفة مع أجهزة الاستخبارات العالمية لملاحقة أصحاب الاتجاهات الإسلامية
خاصة الجهادية منها؛ فقد أفادت تقارير صحفية مختلفة بحدوث اجتماع مفاجئ
سري يوم الأحد ١٦/٩/٢٠٠١م أي بعد حوادث التفجير بخمسة أيام حضره رؤساء
الاستخبارات في عدد من الدول الأوروبية والشرق أوسطية مع رئيس وكالة
الاستخبارات الأمريكية بهدف وضع خطوط أساسية للتنسيق المقبل بين أجهزة الأمن
في الدول المختلفة من أجل محاصرة الإرهابيين وتسليمهم.
الجانب الاقتصادي: تدمير مركز اقتصادي ضخم، وكان من نتيجته موت
كثير من العقول التي تصنع الحياة الاقتصادية في أمريكا، وضياع قدر من الوثائق
والأموال ناهيك عما لحق كثيراً من الشركات من خسائر فادحة تقدر بالمليارات،
وهذا بلا شك سيضعف إلى وقت طويل المنظومة الاقتصادية العالمية التي كانت
أمريكا تريد ضم العالم إليها.
وكمثال واحد فقط؛ فإن مؤسسة (مورغان ستانلي آند دين وتر) كانت تحتل
خمسين طابقاً في أحد برجي مركز التجارة العالمي. ولك أن تتصور مدى الخسارة
المالية والبشرية التي ستواجهها مؤسسة استثمارية بهذا الحجم. هذه المؤسسة واحدة
من أكبر ثلاث أو أربع شركات أميركية تتعامل مع أسهم الأسواق المالية والسندات،
ليس فقط في الولايات المتحدة بل في آسيا وأوروبا كذلك.
الجانب الاستراتيجي: يحاول الرئيس الأمريكي وإدارته استثمار ما جرى في
نيويورك وواشنطن في ١١/٩/٢٠٠١م؛ لينتزعوا من العالم كله، صغيره وكبيره،
دولاً وشعوباً وأمماً، استسلاماً تاماً للمشيئة الأمريكية، ومباركة الهيمنة الأمريكية
على مقدرات العالم، ومصائر الشعوب، والتسليم لأمريكا بأنها سيدة القرن الحادي
والعشرين؛ مما يعني انتصار أمريكا لا في الحرب الباردة وحسب، ولكن في
حرب السيادة على العالم كله، مدشنة مطلع القرن الحادي والعشرين مدخلاً لزمن
أمريكي يستمد مشروعيته من القوة التي تمتلكها أمريكا، والتي بدأت باستعراضها
وهي تذهب لحربها التي يعرف الجميع في العالم أهدافها، ولا يقتنع كثيرون جداً
بمسوغاتها، ولا بالتهم التي تسوقها لتسويغ هذه الحرب، ولا لقائمة الأعداء
المفتوحة تخويفاً وابتزازاً، والتي تتهدّد أي طرف يبدي اعتراضاً، أو يتمنع، أو
حتى يطالب بجواب عن السؤال: إلى أين بالضبط؟
وفي نفس السياق تحاول أمريكا بحجة مطاردة الإرهاب السيطرة على منطقة
آسيا الوسطى ومد النفوذ الأمريكي فيها، وكشف رئيس الاستخبارات الباكستاني
السابق في حديث صحفي الأهداف الأمريكية قائلاً: هناك هدفان لأمريكا الأول،
يرمي إلى ضرب ظهور حلف إسلامي يضم كلاً من باكستان وأفغانستان. أما
الهدف الثاني فهو تفعيل الخطة البريطانية القديمة في المنطقة والقاضية باحتواء
روسيا وعدم السماح لها بالوصول إلى المياه الدافئة، إضافة إلى احتواء شمال
غربي الصين الطامحة إلى الحصول على ممر إلى المحيط الهندي عبر باكستان
وأفغانستان.
وبالإضافة إلى ما سبق فهناك نفط بحر قزوين حيث تضم المنطقة حسب
التقديرات الغربية أكبر احتياطي للنفط في العالم وأمريكا تريد من خلال القاعدة
الأفغانية المزمع إنشاؤها جعل لها اليد الطولى على هذه الثروة.
الجانب الثقافي: بعد التفجيرات الأمريكية الأخيرة بدأت نظرية هنتنجتون في
صدام الحضارات هي التي تطغى على العقلية الأمريكية في تفسير صراعها مع
الإسلام؛ فقد لاحظت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، على سبيل المثال،
أنها حين حاولت معرفة رأي بعض المسؤولين الأميركيين حول الفكرة بأن السياسة
الأميركية الخاطئة في الشرق الأوسط كانت وراء تفاقم ظاهرة الإرهاب، جوبهت
بثورات غضب رافضة لأي بحث في هذه المسألة. وكان رد الجميع «أنهم
يكرهون أمريكا، ليس لأنها تدعم إسرائيل بل لأسباب ثقافية» .
وفي هذا الاتجاه نشرت صحيفة نيس الفرنسية الصباحية مقالة للكاتب اليميني
المعروف بتوجهاته (مارك شيفانش) يذكر فيها أن ما حدث يعكس تماماً ما تنبأ
بحدوثه هنتنجتون في صراع الحضارات، وعلينا أن ننظم أنفسنا لمواجهة مثل هذه
التهديدات الحضارية التي تواجهنا؛ فإن هذه التفجيرات ما هي إلا مقدمة لمواجهات
حضارية.
حتى إن كاتباً آخر ذا ميول يسارية، وهو (جان دانيل) رئيس تحرير مجلة
(لونوفل أبرزفاتور) لم يتردد بدوره من تحليل الأحداث بالقياس إلى عالمية
إسلامية بحسب رأيه، والتي يرى أنها معادية للغرب بشدة، ومعادية في الأغلب
للمسيحية، وهي معادية بضراوة للأميركان وبالقياس إلى فكرة صدام الحضارات
يرى أن هذه العالمية الإسلامية لا تملك هدفاً آخر غير ضرب الغرب، وخاصة
الولايات المتحدة.
ويؤكد حول هذا المعنى، بأن هذه النظرية التي كانت محل استخفاف حتى
الآن، عادت لسطح الأحداث بقوة، وسارع لتبنيها خبراء البنتاجون، ووزارة
الخارجية الأميركية، ومختلف أجهزتها.
وحول المعنى نفسه كتب (فرانسيس بروشيه) في جريدة (لوبروغريه)
مؤكداً أن مسلسل صراع الحضارات قد بدأ مع لحظة انفجارات واشنطن ونيويورك؛
فإن ما حدث بالنسبة له ما هو إلا الحلقة الأولى من سلسلة من المواجهات التي
ستنهض بعنف بين العالم الإسلامي والغربي.. وما خروج الفلسطينيين إلى
الشوارع بعد هذه الأحداث راقصين فرحين، ما هو إلا دليل على ذلك! !
إن عقلية الهيمنة والسيطرة لا زالت تغشى أعين صناع القرار الأمريكي
وغرور القوة الذي دفعها إلى التطلع دائما إلى مواصلة بسط هيمنتها على شتى بقاع
العالم أنساها الالتفات إلى أولئك الذين داست أعناقهم بوحشية في طريقها لتكريس
الهيمنة، كما أسفر عن التراخي الأمني الداخلي الذي مارسته أجهزتها، وكما كانت
إمبراطوريات الماضي تنحدر إلى فنائها وسقوطها دون أن تدري؛ فإن أمريكا
ماضية على الدرب نفسه وهذه سنة من سنن الله [وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً]
(الأحزاب: ٦٢) .
стр. 4088
المسلمون والعالم
الإسلامفوبيا والعدالة الأمريكية
(تساؤلات حول الحقيقة المحترقة)
خالد محمد حامد
وسط الغبار المتصاعد من الركام الناتج عن انهيار مبنى التجارة العالمي
بنيويورك وجناح مقر البنتاجون بواشنطن يوم ١١/٩/٢٠٠١م.. تصاعدت
تساؤلات عديدة، وبرزت علامات الدهشة والتعجب حول أكثر من نقطة:
- من وراء هذه التفجيرات؟
- ما أهدافهم منها؟
- كيف نفذوا هذه العمليات بهذه الدقة والكفاءة؟
- هل بهذه السهولة يمكن تهديد أمن أمريكا؟
- أين كانت أجهزة الأمن الأمريكية المتعددة المدربة على أعلى مستوى والتي
أنفق عليها مليارات الدولارات؟
- هل حدث اختراق لمؤسسات رسمية أمريكية؟
- كيف ستعيد أمريكا هيبتها أمام شعبها أولاً، ثم أمام حلفائها وأصدقائها ثانياً،
ثم أمام أعدائها ثالثاً وليس أخيراً؟
تساؤلات كثيرة ومعقدة وخيوط كثيرة ومتشابكة، من المفترض أن حل
ألغازها والوصول إلى إجابات صحيحة لها قد يستغرق شهوراً وربما سنوات
وخصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار أن حادث تفجير مبنى أوكلاهوما سنة (١٩٩٥م)
وهو أقل تعقيداً بكثير استغرقت التحقيقات والمحاكمات فيه زهاء ست سنوات،
وتكلفت ١٨٠ مليون دولار.
ولكن المراقبين المحايدين فوجئوا أنه في سرعة مدهشة وربما قبل اكتمال
وصول المحققين إلى أماكن الحوادث أشار المسؤولون الأمريكيون بأصابع الاتهام
وإن أسموه اشتباهاً تجملاً للعدالة إلى جهة محددة ذات صفة معينة، بل إن ذلك قيل
بثقة من الرئيس الأمريكي أو مساعد بارز له وهم على طائرة الرئاسة عقب
التفجيرات مباشرة يوم الثلاثاء، بحسب رواية النائب الجمهوري دان ميلر الذي كان
مرافقاً للرئيس.
ونحن وإن لم نجزم بأنهم بهذه التصريحات أثروا على (اتجاه التحقيق) ، إلا
أنهم بلا شك أطلقوا بتلك الإشارات العنان للآلة الإعلامية ذات النفوذ الواسع على
الرأي العام للتهويل والتحذير مما دعوه (الإرهاب الإسلامي) وحده وإلصاق التهمة
به قبل التثبت من ذلك، ولأجل إحكام إلصاق التهمة وإغلاقه أشاعت وسائل الإعلام
عن أجهزة التحقيق ما قالت عنه إنه أدلة تصب في هذا الاتجاه.
وإذا استطعنا الخروج من تأثير الإرهاب الإعلامي الواسع والناشط باسم
محاربة الإرهاب، والذي يهدف إلى تعطيل أو التأثير على تعقل الأمور، ومن ثم:
الاندفاع خلف عاطفة غوغائية غير متزنة وقائمة على حجب الحقائق لتصب في
تحقيق أهداف معدة سلفاً ... إذا استطعنا الخروج من تأثير هذا الإرهاب فإن المنطق
يقتضي أن نمحص الأدلة التي راجت في وسائل الإعلام لاتهام إسلاميين بهذه
العمليات، وأن نبحث عن احتمالات منفذين آخرين لها، وأن ننقب وراء دوافع
أمريكا أو أهدافها، أو مصالحها من التسارع في إلصاق التهمة بهذه الجهة والتحرك
نحو (المواجهة) بهذه السرعة
ونحن حين نقوم بذلك لا نقوم به من منطلق عاطفة الدفاع عن إسلاميين بحق
أو بباطل بقدر ما نقوم به بحثاً عن حقيقة قد تغيب وسط التراشق الإعلامي
والألاعيب السياسية.
(سيناريو) مضطرب لحوادث غير خيالية:
إن أي منصف ومتابع للأحداث و (التسريبات) التي أعلنتها وسائل الإعلام
على شكل سيل من الأخبار والمعلومات: يدرك أن الغموض يكتنف كثيراً من
جوانب هذه الحوادث، ويدرك أيضاً أن لائحة الاشتباه والأدلة التي قدمت على
تورط الجهة التي حددتها السلطات الأمريكية.. إنما هي أدلة من الناحية القضائية
العدلية من الدرجة الثالثة يستطيع أي محام تحت التدريب أن يفندها بسهولة؛ فهي
في حقيقتها ليست أدلة للإثبات بقدر ما هي أدلة للإقناع.. إقناع الرأي العام
الأمريكي أولاً، والعالمي ثانياً.. بخطر الإسلام (الأصولي) على المدنية
والحضارة، وإقناعه بأن مجريات الأمور رغم كل ما حدث ما زالت تحت سيطرة
أجهزة الأمن والتحقيق الأمريكية، وإقناعه بأن تحركات أمريكا التالية لهذه الحوادث
تحركات مبنية على (العدالة المطلقة) ، ولتثبت أدلة هذه العدالة فيما بعد!
فالشكوك تبدأ من أول نقطة في (السيناريو) المحكي عن الحادث، من كونها
حوادث اختطاف طائرات أصلاً، ومن أن خاطفيها عرب مسلمون، وقد شكك
وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جورج شولتز في هذه النقطة متسائلاً: «منذ
عشر سنوات لم يتم اختطاف طائرة أمريكية؛ فكيف يتم اختطاف (٥) طائرات
خلال ساعة واحدة؟ !» .
- فهناك شكوك في كون تفجير مبنى البنتاجون تم باستخدام طائرة سقطت
عليه، حيث بينت صحيفة (كيهان) الإيرانية - كما ذكر موقع الجزيرة نت -
«أنه وبعد تفجير مبنى البنتاجون ذكر صحفيون أنه لا يوجد أي أثر لحطام طائرة
في الموقع، وشككوا في كون الانفجار ناجماً عن ارتطام طائرة، وخاصة أن
شبكة التلفزة الأمريكية لم توفر حتى الآن أي صورة لحطام الطائرة في مبنى
البنتاجون كما هو الحال في نيويورك» .
- وإذا كان الانفجار حدث بسبب طائرة مختطفة كما قيل فإن هناك تساؤلات
حول الأسباب التي دعت خاطفي تلك الطائرة إلى (التلكؤ) في ضرب المبنى لمدة
٦٠ دقيقة وقد كانوا قرب الهدف المقصود من البداية، وحول كيفية معرفة هؤلاء
الخاطفين بالجناح الذي يضم موظفي عمليات الجيش والبحرية دون الأجنحة الثانوية
الأخرى، رغم أن مبنى البنتاجون ليس مزاراً سياحياً - خصوصاً للعرب
والمسلمين -، وعن السر في عدم أخذ البنتاجون الاحتياطات الأمنية اللازمة رغم
وجود فارق زمني يقدر بـ (٥٥) دقيقة بين انفجار الطائرة الأولى في نيويورك
وانفجار البنتاجون الذي يقال عنه إنه أحصن قلعة في العالم!
- كما أن الطائرة الرابعة التي قيل إنها سقطت بعد شجار مع الخاطفين،
ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية أنها لم تسقط ولكن أسقطت بواسطة مقاتلات أمريكية،
ويؤيد ذلك ما أكدته قناة (TN) من أن إحدى قطع الطائرة المذكورة عثر عليها
على بعد مسافة أربعة أميال من القطع الأخرى للطائرة، وهذا ما يثبت فرضية
إسقاط الطائرة بحسب المصدر السابق ويشكك في رواية الخطف.
- ثم إن منطقة مثلث بوسطن نيويورك واشنطن التي وقعت فيها حوادث
(الاختطاف) والتفجيرات تعد من أكثر الأجواء ازدحاماً، ومن أكثر المناطق في
العالم حماية ومراقبة، ومن الصعب جداً خروج طائرة عن مسارها وقطعها
للاتصالات مع أبراج المراقبة من غير رصد وتتبع لها واستنفار ضدها.
- وتدور علامات استفهام كثيرة حول (عملية الاختطاف) ذاتها؛ فكيف
استطاع عدة أشخاص لا يملكون سوى المدى السيطرة على عشرات الأشخاص بمن
فيهم طاقم الطائرة الذي يفترض أنه مدرب لمواجهة مثل هذا (الشغب) ؟ ولماذا لم
يستخدم الطيارون الأربعة أزرار إعلان حالة الخطر عند إحساسهم بما يدور؟ كما
أن المهارات المهنية التي تتطلبها قيادة طائرات ركاب تجارية كبيرة كالتي نفذت بها
التفجيرات، والتنفيذ الفائق الدقة والكفاءة في إصابة الأهداف وخاصة ما ذكر عن
طائرة البنتاجون؛ حيث أدار قائدها الطائرة بزاوية ٢٧٠ درجة نحو اليمين
وانخفض بها إلى مستوى متدن لا يسمح لأجهزة الرادار برصده وليكون في مستوى
المبنى المنخفض (خمسة أدوار) مما لا يستطيعه سوى الطيارين الحربيين، بل
يصعب على كثير منهم تنفيذه بواسطة طائرة مدنية، على حسب ما ذكره أحد
مدرسي الطيران ... كل ذلك يثير الشك الكبير في الرواية الرسمية عن خاطفين
قادوا الطائرات رغم أنهم من عينة التلميذ بليد الفهم الذي أخذ معه كتاب تعليم قيادة
الطائرات (باللغة العربية) إلى المطار ليراجع دروسه ويتذكر معلوماته قبل دخوله
(الامتحان) ، ثم يتركه في سيارته في مرآب المطار، أو أن يكونوا تدربوا على
قيادة الطائرات باستخدام إحدى ألعاب الفيديوجيم كما افترض بعض الصحفيين.
- وأيضاً من هم الذين يستطيعون معرفة واستخدام «شيفرة أمريكية خاصة،
كما كانوا على علم بمكان الرئيس بوش وبتحديد مكانه، وهو الأمر الذي جعل
السلطات الأمريكية تعلن فيما بعد أن طائرة الرئاسة كانت مستهدفة. وحسب
المعلومات الجديدة فإن معاوني الرئيس ورجال الاستخبارات شعروا بالقلق الشديد
بعدما تبين لهم أن منفذي العمليات كانوا على علم بالشيفرة الخاصة وبمكان وجود
الرئيس ... وأشارت المعلومات إلى أن رجال الأمن المرافقين للرئيس في طائرته
تلقوا رسالة استخدمت فيها الشيفرة الخاصة - ومصدرها من منفذي العمليات! -
بأن طائرة الرئيس ستكون الهدف التالي» (الشرق الأوسط، ١٦/٩/٢٠٠١م) .
خاطفون أم مخطوفون؟
وما سبق يجرنا إلى الحديث عن قائمة أسماء المختطفين الأولى التي أعلنت
سلطات التحقيق الأمريكية أنها لأشخاص عرب على صلة بتنظيم القاعدة وأسامة بن
لادن، لنجد أن إعلان هذه القائمة يمثل إخفاقاً ذريعاً لـ (FBI) مثلما كان الحدث
نفسه سقوطاً مدوياً لـ (CIA) .
فقد ذكرت صحفية (كيهان) الإيرانية «أن الركاب العرب لم يرد لهم أي
ذكر في قائمة أسماء الركاب التي نشرتها شركتا الخطوط الجوية الأمريكيتان،
ويبدو من خلال هذه الشواهد كما أشارت إلى ذلك صحيفة نيويورك تايمز أن
موضوع الاختطاف لم يكن سوى سيناريو غير حقيقي يهدف إلى إخفاء حقيقة كون
الحادث قضية داخلية» .
- ورغم ذلك أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) أسماء خاطفين
مزعومين، وذكر حينها روبرت مولر مدير (FBI) أن المكتب «على ثقة كبيرة»
بأن أسماء الخاطفين التي أذاعها ليست أسماء حركية، ولا ندري ما الذي يدعو
(إرهابيين) يملكون كل هذه الإمكانات ويتقنون فنون التزوير والاحتيال وسرقة
الهويات كما يذكر عنهم إلى استخدام أسمائهم الحقيقية وهم يقدمون على عمل بهذا
الحجم، مما يعرضهم للخطر قبل العملية وخاصة أن فيهم من هم على قائمة
المطلوبين من الشرطة الأمريكية ويعرض شبكتهم للملاحقة بعد العملية؟ !
- وبعد ذلك بقليل تهاوت مصداقية هذه الأسماء، عندما ظهر أن أحدها لطيار
مات منذ سنتين (أمير بخاري) ، وبعضها لأناس أحياء يعيشون خارج أمريكا،
وهم: عبد العزيز العمري (مهندس كهربائي بالرياض، وذكر في اللائحة تاريخ
ميلاده بدقة) ، عامر كنفر (مهندس طيار موجود في مكة المكرمة) ، عبد الرحمن
سعيد العمري (طيار موجود في جدة) ، عدنان بخاري (طيار موجود في جدة) ،
أحمد حيدر محمد النعمي (مشرف طاقم ملاحين بالخطوط السعودية بالرياض) ،
سعيد حسين الغامدي (طيار سعودي موجود في تونس، وكانت الصورة المنشورة
له حقيقية، وأعلن أنه لم يفقد جواز سفره سابقاً) ، وممن أعلن اسمه ضمن قائمة
المشتبه في ضلوعهم بالتفجيرات أيضاً الطيار السعودي (وليد أحمد الشهري) الذي
نشرت صورته (صورة حقيقية له بالفعل) ، ثم تبين عدم صلته بالهجمات وأنه
مقيم في المغرب حيث يعمل في الخطوط المغربية، وقد تم تقديم اعتذار أمريكي
رسمي له فيما بعد!
- وهذا مما يشكك ليس في هذه الأسماء فحسب، بل في حقيقة جميع الأسماء
المعلنة للخاطفين، ويطرح تساؤلات قوية ومشروعة حول الأساس والمصدر الذي
تم بناءً عليه إعلان هذه الأسماء، كما إن هذه الشكوك تزيد الغموض حول الهوية
الحقيقية للخاطفين (أيكونون عرباً ومسلمين أم غير ذلك؟) وتعيد الافتراضات مرة
أخرى إلى نقطة الصفر.
- كما أن السيرة الشخصية التي ذكرتها أجهزة الإعلام لبعض هذه الأسماء لا
تتناسب أبداً مع الاتجاه الفكري والأخلاقي الذي يُزعَم انتماؤهم إليه؛ فليس معروفاً
في أوساط الإسلاميين أن من بينهم من يشرب الخمور ويرتاد ملاهي ليلية ويراقص
النساء ويحتفظ بصورة (زعيمه) على سبيل الذكرى، إنما يوجد ذلك فقط في
مخيلة من اعتادوا رؤيته في أوساط (المنظمات النضالية) العلمانية والميكيافيللية،
ومن أجل ترقيع هذه الثغرة ودرء هذا التعارض خرج بعض المحللين والكتَّاب
بتفسير سمج يدَّعي أن مثل هؤلاء يعيشون بشخصيتين في الحياة: شخصية
المتكيف مع الحياة الأمريكية، وشخصية الورع صاحب المبدأ، وهو افتراض قائم
على محض التخمين؛ حيث لم يعايش من يذكر ذلك هؤلاء الأشخاص ويطلع على
الجانب الآخر من حياتهم الذي يدَّعي وجوده، وهذا التفسير فوق خياليته يجعل كل
منتسب إلى الإسلام إرهابياً افتراضياً حتى ولو كان من أفسق الناس.
- ولو افترضنا جدلاً أنه كان على الطائرات المتفجرة أشخاص عرب
ومسلمون بالفعل؛ فما الذي يثبت أن هذه الطائرات تم اختطافها؟ وإذا ثبت ذلك فما
الذي يثبت أن هؤلاء العرب والمسلمين هم الذين اختطفوها، فحتى لو زعم أنه
ظهرت تسجيلات شجار دار بين أصوات عربية وأخرى في غرفة القيادة: فلماذا
يستبعد احتمال أن هؤلاء العرب كانوا هم الذين يقاومون مختطفين آخرين؟ وإذا
ثبت جدلاً أن هؤلاء العرب هم الخاطفون فهل يعني ذلك تلقائياً أنهم ينتمون إلى
جماعات وتنظيمات إسلامية؟ ، ألا يمكن أن يكونوا عملاء لجهة غير عربية؟ ثم:
أليس في العرب من يعادي أمريكا غير هذه الجماعات؟ وخاصة في ضوء عدم
صدقية الأسماء المعلنة وذوبان الجثث مما يصعب إن لم ينف إمكانية التعرف على
حقيقة انتماء هؤلاء الأشخاص، وإذا افترضنا أن هؤلاء الخاطفين ينتمون إلى
جماعة أو أخرى فهل يعني ذلك بالضرورة أنهم نفذوا تلك العمليات بناء على
مخططات تلك الجماعة وأوامر قائدها؟ ألا يمكن أن يكونوا تصرفوا بصورة فردية؟
إننا هنا في معرض اتهام ينبني عليه إدانة أو براءة، ليس لأشخاص، بل
لجماعات وربما لشعوب ودول، بمعنى أننا في معرض تحقيق (عدالة) لا يكفي
فيها مجرد الزعم بحدوث اتصال هاتفي (يتطور مضمونه حسب معطيات ما بعد
الحادث) بين راكب وأحد أقربائه أو أصدقائه، ولا يكفي فيها أيضاً مجرد وجود
اسم عربي في سجلات معاهد الطيران؛ فهناك المئات من العرب والمسلمين
وأصحاب الجنسيات والديانات الأخرى الذين يتدربون في مدارس عديدة للطيران
في أنحاء أمريكا.. ولا بد قبل إعلان اسم مشتبه فيه أن تتوفر قرائن أو أدلة قوية
تؤكد ذلك، وهذا ما دعا بعض المسؤولين في (FBI) إلى الإقرار بأن عدداً من
أسماء قائمة التسعة عشر المعلنة أولاً ربما يكون الخاطفون استخدموها بعد سرقة
هوياتهم، وأن أسماءهم الحقيقية قد تظل مجهولة.
ومع ذلك فإن السياسيين والعسكريين مصحوبين بتظاهرات إعلامية كبيرة لا
ينتظرون حتى انتهاء التحقيقات، وتتسارع جهودهم لتوجيه الضربات للجهة التي
حددوها من قبل بدء التحقيقات.. غير معتبرين بتجربة حادث أوكلاهوما عندما
أشارت أصابع الاتهام بتلقائية إلى المسلمين، بل تبارى (الخبراء) في تقديم الأدلة
على ذلك، ثم اتضح بعد ذلك أن الجاني أمريكي (مسيحي) (أبيض) ، وبعد
القبض على الجاني الحقيقي (مصادفة) وإجراء تحقيقات ومحاكمات استمرت ٦
سنوات، وقبيل تنفيذ حكم الإعدام في المدان (تيموثي ماكفي) اعترف مدير
(FBI) وقتها لويس فريه بارتكاب مكتبه أخطاء كبيرة لعدم تقديم جميع مستندات
الأدلة (والتي تقدر بالآلاف) إلى محامي المتهم المدان!
ويشار أيضاً إلى قضية العالم الصيني الأصل (وين هو لي) الذي اتهمه
(FBI) بالتجسس وتسريب التصاميم النووية إلى الصين، فأودع السجن لمدة
تناهز العام، ثم أخلي سبيله بعد أن تبين للقاضي أن الإفادات التي تقدم بها بعض
رجال (FBI) كاذبة.
ولم يعتبر السياسيون والعسكريون - ومعهم جوقة الإعلاميين - من تجربة
قصف مصنع أدوية الشفاء بالسودان عقب تفجير سفارتي أمريكا في كينيا وتنزانيا،
حيث أكدوا وقتها أن لديهم (أدلة قاطعة) على أنه مصنع أسلحة كيماوية، وأن
صاحبه على علاقة بابن لادن، وبعد قصفه اعترفوا بخطأ أدلتهم واعتذروا عن
قصفه ودفعوا تعويضات لصاحبه.
ولكن يبدو أن الأمر يتجاوز هدف الوصول إلى الحقيقة، فبحسب الخبراء فإن
الكشف عن الفاعل الحقيقي سيستغرق وقتاً طويلاً، وبعد هذا الوقت أيضاً لن
تستطيع الأجهزة الأمنية أن تجزم واثقة بأن هذه الجهة بعينها أو غيرها هي التي
نفذت أو خططت للعملية.
ولكن في الوقت نفسه لا بد من استعادة هيبة أمريكا في العالم واستعادة إحساس
المواطن الأمريكي بالأمان وبقوة دولته.. في أسرع وقت.. لذا: كان لا بد من
تحديد جهة ما تفرغ فيها طاقة الغضب والثأر الأمريكي، ثم: ليكن إثبات مسؤولية
هذه الجهة فيما بعد.
من أحرق أمريكا:
ما ذكرناه سابقاً عن (السيناريو) المضطرب والأدلة المتهافتة يشير إلى أن
رواية الاختطاف قد تكون غير صحيحة، وأنها ذكرت لعدة أهداف: منها: ما ذكر
سابقاً من استعجال إرسال ضربة تعيد هيبة أمريكا وتطمئن مواطنيها، ومنها: ما
ذكره بعض المراقبين من أنه قد تكون للتغطية على احتمالات أخطر بكثير من
(سيناريو الاختطاف) ، كمحاولة انقلاب، أو حدوث انشقاقات وصراعات داخل
أجنحة السلطة والأجهزة الأمنية الأمريكية ذاتها، أو ضلوع جهات أجنبية أخرى لا
يسمح بالكشف عنها الآن.
وعموماً فإننا إذا قلنا إن تورط جهات إسلامية في هذه الأحداث احتمال وارد
فإننا نستطيع القول أيضاً إنه ليس الاحتمال الوحيد وليس هو الاحتمال الذي يحتل
رأس القائمة؛ فكون بن لادن أو غيره لهم دوافع للقيام بمثل هذه الحوادث أو أنهم
توعدوا أمريكا قبلها وابتهجوا بفاجعتها بعدها.. لا يعد ذلك مسوغاً كافياً لاتهامهم بها،
ولا لحشد عاطفة الغرب ضدهم، ثم حشد جيوشه لحربهم؛ فليس بن لادن ولا
العرب أو الإسلاميون وحدهم الذين لهم دوافع عداء مع أمريكا، فأعداء أمريكا
وخصومها كثر داخلها وخارجها، ومن توعدوا بإحراق أمريكا كثر أيضاً ومن
مشارب وأديان شتى، ومن ابتهج بهذه الحوادث متنوعون: صينيون وعرب ويهود!
وحدهم الإسلاميون والعرب الذين سلطت عليهم الأضواء وأشارت إليهم الأصابع
من أول يوم، وهذا يجعلنا نعيد إضاءة الاحتمالات الأخرى التي حجب عنها الضوء
وصرفت عنها الأنظار عمداً؛ لأن المنطق والتحليل السياسي يفترض طرحها ضمن
الجهات المحتمل وقوفها وراء الهجوم، مع ملاحظة أن ترتيب الاحتمالات التالية لا
يعني ترتيبها حسب قوتها:
أولاً: فأولى هذه الاحتمالات: أن يكون الطيارون أنفسهم هم الذين قاموا بهذه
التفجيرات، حيث يجمع الطيارين الأربعة (تشارلز برلينجيم، وجو أجوتاوسكي،
وفيكتور ساراسيني، وجيسون داهل) كونهم ضباطاً سابقين في سلاح الجو
الأمريكي (طيارين مقاتلين) ، ثلاثة منهم شاركوا في حرب فيتنام، والرابع قتل
أخوه في الحرب نفسها، مع ملاحظة حدوث تناقض في المعلومات بشأنهم بين تلك
التي نشرتها عنهم شركتا الطيران اللتان كانوا يعملون فيهما وبين المعلومات التي
نشرتها الشرطة الفيدرالية الأمريكية، وهذا يفسر المهارة (القتالية) التي نفذت بها
العمليات، كما يفسر عدم استخدامهم لأزرار حالة الخطر أو الطيران الآلي، كما
يفسر ما ذكر عن أن (الخاطفين) استطاعوا فك واستخدام الشيفرة الأمريكية
الخاصة، وهو ما لا يستطيعه إلا أشخاص نافذون على مستوى عال في الأجهزة
الأمريكية، وهو اختراق يصعب جداً إن لم يكن مستحيلاً أن يقوم به خاطفون
(أجانب) أو شركاء لهم أجانب أيضاً.
أما دوافع هؤلاء الطيارين وهوية الشبكة التي تقف وراءهم ويعملون فيها،
فهي احتمالات متعددة أيضاً:
أ - فقد يكونون طليعة الانقلاب العسكري (المفترض) أو أحد أدوات
الصراع بين أجنحة السلطة أو أجهزة الأمن المتنافسة التي تريد بسط نفوذها أو
إحراج خصومها بتحدي السلطة الأمريكية؛ لإثبات أن هذا الجناح هو الذي يملك
السلطة الحقيقية في أمريكا.
ب - وقد يكونون أعضاء في مجموعات ومنظمات معارضة داخلية، كمنظمة
(الجنود المعارضين لحرب فيتنام) ومنظمة (أعداء الإمبريالية) .
ج - وذكرت صحيفة الوطن القطرية (١٧/٩/٢٠٠١) أن مصادر غربية
مطلعة (جداً) سربت لمراسلها في لندن «أنباء عن توفر معلومات دقيقة لدى
القيادة الأمريكية بأن طيارين من الصرب من الموالين للرئيس اليوغسلافي السابق
سلوبودان ميلوسوفيتش هم الذين نفذوا العمليات الانتحارية الأخيرة انتقاماً من
الولايات المتحدة لدورها في حرب البلقان أولاً، وأيضاً لإجبارها الإدارة
اليوغسلافية الحالية على تسليم الرئيس السابق لمحكمة مجرمي الحرب في لاهاي.
ووفقاً لمصادر عليا فإن الطيارين الصرب يحملون الجنسيات الأمريكية، وأن الأمر
أعد ورتب بالاتفاق مع أطراف داخلية مهمة تدين بالولاء لميلوسوفيتش الذي يقال:
إنه أقسم على أن يجعل الولايات المتحدة تدفع ثمن كل يوم يمضيه في السجن
بلاهاي» .. لماذا يفترض الأمريكان أن الطيار المصري جميل البطوطي الذي
سقطت أو أسقطت طائرته قبالة الساحل الأمريكي الشرقي.. هو وحده الذي يمكن
أن ينتحر، رغم أن جيمع المعطيات لا تشير إلى هذا الاحتمال سوى ما ذكره
الأمريكان من أنه قال: (توكلت على الله) ؟ !
- وقد يكون الطيارون أعضاء في إحدى المنظمات اليمينية المتطرفة، وهي
منظمات متعددة ومتشعبة ومسلحة تسليحاً جيداً، ويتغلغل أعضاؤها المقدرون
بالآلاف في مؤسسات المجتمع الأمريكي، ولأهمية هذا الاحتمال نفرده بحديث
خاص.
ثانياً: فاحتمال أن يكون أعضاء في هذه الجماعات قاموا بهذه العمليات
(سواء كانوا طيارين أم خاطفين) احتمال لا يمكن تجاهله، فهذه الجماعات تضم
آلاف المنظمات التي تتعدد في أشكالها وخطاباتها السياسية وحركاتها، وفوق أن هذه
المنظمات تضم عشرات الآلاف من الأمريكيين فإنها تشكل ميليشيات مسلحة،
وتقوم بتدريب أعضائها على استعمال السلاح والمتفجرات الحية في معسكرات أو
مزارع خاصة أو غابات.
وبحسب كتاب (جنود الله - اليمين العنصري والديني المتطرف في أمريكا)
فإن هذه الجماعات تجمعها مبادئ مشتركة، أهمها:
أ - سمو العرق الآري الأبيض (الأنجلوساكسون الجرمان الغال
الإسكندنافيون، التيتونيون) باعتبارهم وحدهم أبناء آدم ﵇ ؛ ومن ثم:
فإنهم يعدون العرق الأبيض هو شعب الله المختار، ويعدون أمريكا هي إسرائيل
البيضاء، وعلى ذلك فهم يقاومون اختلاط الأعراق الذي تسوغه التعددية الثقافية
وعملية الصهر داخل المجتمع الأمريكي.
ب - الهوية المسيحية هوية دينية، بمعنى أن أمريكا المسيحية هي إسرائيل
الحقيقية وريثة مملكة يهوه إله الكتاب المقدس التي تطبق قوانين يهوه.
ج - الهوية القومية الأمريكانية: لتكون أمريكا أمة آرية بيضاء مسيحية
خالصة: لا بد من تحريرها من جميع الأعراق والأديان الأخرى؛ ولذا: فهم
يشعرون بفخر وطني شاذ، وأن لديهم تفويضاً إلهياً بهذا التحرير.
د - تقديس الحريات الفردية، وعلى رأسها: الحرية الدينية، وحرية التعبير،
وحرية حمل السلاح، وحق الدفاع عن النفس، وحق تقرير المصير، ويرون أن
هامش الحريات في مجتمعهم خاضع لأهواء الحكومة الفيدرالية.
ومن تفاعل المبادئ السابقة لدى تلك الجماعات فإن أفرادها يعتقدون أنهم
مستعمرون في ظل حكومة شيطانية ماسونية صهيونية تصادر حرياتهم وتحكمهم
بأسلوب ديكتاتوري بهدف السيطرة على أمريكا لصالح اليهود، ضمن مخطط عالمي
تديره الأمم المتحدة يهدف إلى القضاء على الجنس الآري أو إخضاعه على الأقل.
لذا فهم يرون أنه: يجب الانفصال عن هذه الحكومة وعن غير البيض
ومقاومتهم والثورة عليهم ولو بالعنف المسلح وتشكيل مؤسسات حكومية خاصة،
فينص يمين الولاء الذي يقسمه أفرادها على الآتي: «نقسم بأن واجبنا المقدس هو
أن نقوم بكل ما هو ضروري لتحرير شعبنا من اليهود وتحقيق النصر الكامل للعرق
الآري.. إننا نتعهد بدمائنا ونعلن أننا في حالة حرب كاملة» .
ومن ثم: فقد شجعت هذه الجماعات العمل المسلح، وشاع فيها ثقافة العنف
والعنصرية والانتحار، بل إن بعض قادتهم أعلنوا مراراً أن الحرب الأهلية
الأمريكية لم تنته، وأن هناك ثورة أمريكية ثانية، وأنهم يعدون العدة للزحف نحو
واشنطن! وقد انخرطت هذه التنظيمات في عمليات عنف وقتل عديدة وخطيرة،
ليوجهوا الكراهية والعداء وأعمال العنف ضد رموز الحكومة الفيدرالية وضد
الأقليات العرقية والأجانب.
وهناك ثلاثة حوادث عنف كبرى تسجل في ملف هذه الجماعات:
الأول: عام ١٩٩٢م وعرف باسم حادث روبي ريدج وأسفر عن مقتل ثلاثة
أشخاص.
الثاني: عام ١٩٩٣م، وعرف باسم حريق مجمع الديفيديين في واكو بتكساس،
وأسفر عن مقتل أكثر من ثمانين شخصاً معظمهم من الديفيديين، الذين يقال إنهم
انتحروا حرقاً.
والثالث: انفجار المبنى الفيدرالي في أوكلاهوما عام ١٩٩٥م، وأسفر عن
مقتل ١٦٨ شخصاً وجرح ٥٠٠ آخرين.
وقد اعترف (تيموثي ماكفي) مدبر انفجار أوكلاهوما بأنه قام بهذا العمل
انتقاماً وثأراً لمقتل الديفيديين في واكو (قام به في يوم ١٩/٤ يوم الذكرى الثانية
للحادث، وليلة ميلاد الزعيم النازي هتلر ٢٠/٤/١٨٨٩م) ، حيث كان عضواً في
ميليشيا ميتشجان، كما إنه أعلن مراراً حتى ساعة إعدامه: عدم إبدائه أي ندم أو
أسف على سقوط ضحايا، مبيناً أكثر من مرة أنه قام بهذا العمل «للحد من سوء
استغلال الحكومة للسلطة؛ إذ أخفق الآخرون في وقف القوة المتغطرسة التي تعربد
بلا حدود» ، وموضحاً أنه «قرر مخاطبة الحكومة بلهجتها» ، وأضاف قائلاً:
«قررت أن أبعث برسالة إلى حكومة تزداد عداء، بتفجير مبنى حكومي والموظفين
الذين يمثلون الحكومة بداخله!» .
ونأتي إلى حوادث تفجير نيويورك وواشنطن لنجد أنها ذات دلالات رمزية لا
تهمل:
أ - فالحوادث وقعت في أمريكا وحدها رغم اشتراك دول غربية أخرى وحلف
الأطلسي في مقومات العداء، وكان يمكن لمن في هذا المستوى من الدقة والتنسيق
من القيام بضربات في دول أخرى لإيصال رسالة أعمق.
ب - والحوادث من أكبر ما شهدته أمريكا لمناطحة غطرسة حكومتها وإسقاط
هيبتها، وطالت رموزاً واضحة لهذه الغطرسة وتلك الهيبة، عندما استهدفت مبنى
البنتاجون رمز القوة الأمريكية، واخترقت النظام الأمني الأمريكي.
ج - كما أنها دمرت مركز التجارة العالمي الذي يعد رمزاً للعولمية وذوبان
الجنسيات والقوميات في مكان واحد، ويعد أيضاً رمزاً للسيطرة اليهودية المالية.
د - كما أنه لم يعلن أحد مسؤوليته عن الهجوم مثلما لم يعلن ماكفي عن
مسؤوليته (إن كان وحده) عن تفجير أوكلاهوما.
هـ - ومن هنا: يمكن توزيع الاتهامات على (أجانب) أو (غير مسيحيين) ،
وشن حملات كراهية وعنف ضدهم لحملهم على الخروج من أمريكا وتطهيرها من
دنسهم!
و وأيضاً فإن هذه التفجيرات مدعاة إلى الدعوة إلى المحافظة على وإحياء
حق تسلح الأفراد، بدعوى وجود خطر عليهم وعلى حياتهم، وهو ما يشير إلى
التقاء مصالح اليمين الأمريكي مع مافيا السلاح القوية والنافذة.
ز - ونفذها انتحاريون مدعومون بقدرات وإمكانات واسعة ودعم لا ينقصه
التغلغل داخل المجتمع الأمريكي واختراق المؤسسات الرسمية.
ح - وقد جاءت التفجيرات بعد تنفيذ حكم الإعدام في ماكفي الذي فجر
أوكلاهوما ثأراً لحريق معسكر واكو.
وهذا الاحتمال ذهب إليه (توماس جرومكه) الخبير الألماني في شؤون
اليمين الأمريكي، حيث ذكر في حوار مع جريدة (ديرتاجيس شبيجل) نقل
ملخصه موقع محيط أن لديه معلومات بأن سلطات الأمن الأمريكية تقوي تحرياتها
في اتجاه مسؤولية اليمين المتطرف المعروف بالتعصب وبالأيديولوجية المتطرفة
اللازمة للقيام بمثل هذا الهجوم (الكاميكازي) ، ولديهم أيضاً الإمكانيات
الاستراتيجية الهائلة، مضيفاً أن الدقة غير العادية التي تم بها الهجوم تتجاوز قدرة
المنظمات الإرهابية العادية، كما أنها تشير إلى استحالة إتمام هذه العمليات بدون
مساعدة عديد من الأمريكيين الذين يشغلون مناصب حساسة في الأجهزة الأمنية
بصورة كاملة، وليس فقط عن طريق الدعم اللوجيستي الهائل الذي يمكن من خطف
عدة طائرات في وقت واحد، بل أيضاً الهروب من أجهزة الرادار، وهذا أمر غير
ممكن بدون خبرة تكنولوجية عالية من داخل المؤسسات الأمريكية نفسها ... مضيفاً
أنه لا يمكن المرور هكذا وبسهولة فوق البنتاجون بدون أن يشعر بك أحد! !
ويضيف جرومكه أن اليمين المتطرف متغلغل بالجيش بصورة كبيرة،
ويحصلون على تعاطف غير محدود؛ مما يمكنهم من الحصول على دعم لوجيستي
كبير، كما يستبعد وجود تعاون بين هذه المنظمات ومنظمات شرق أوسطية ...
ويضيف أن إليكس تورتس مؤسس جماعة (المراقب الوطني) كان قد عرض على
الإنترنت أدلة تشير إلى قدرته على إنتاج أسلحة بيولوجية، بينما تم القبض منذ
عامين على أحد أعضاء منظمة (أمة آريان) وهو ينقل فيروسات (الجمرة الخبيثة)
في سيارته.
والاحتمال نفسه رجحه جان فرانسوا جوزان أحد أبرز المتخصصين في
الإرهاب الدولي والخبير في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية في باريس، وذلك في
حديث مع صحيفة (ليبراسيون) الفرنسية.
ثالثاً: وليس اليمين الأمريكي وحده الذي يملك إمكانات القيام بمثل هذا العمل
ويتغلغل أفراده في نسيج المجتمع الأمريكي، فهناك أيضاً جهاز الموساد الإسرائيلي
واليهود الأمريكان؛ فمن المعروف أن الموساد متغلغل في الأجهزة الأمنية الأمريكية،
من خلال وجود اليهود باعتبارهم مواطنين أمريكيين في أعلى المناصب والمراكز
الأمريكية الحساسة، ويتيح لهم ذلك الوجود التحرك والتنسيق والعمل بهدوء ومن
غير إثارة شبهات.
ويشار هنا إلى أن بعض المسؤولين الأمريكيين ومنهم وزير الدفاع ألمحوا إلى
احتمال وجود دور لدولة ما في الاعتداءات؛ وإن كانوا بالطبع لا يقصدون إسرائيل
وفي الاتجاه ذاته أكد الخبير العسكري (الإسرائيلي) الذي تم تعريفه باسم
(ميراري) في حديث للإذاعة العبرية صباح يوم ١٢/٩ استحالة وقوف منظمة
لوحدها وراء تلك الهجمات، مشيراً إلى أن هناك دولاً تقف وتدعم تلك المنظمات
في تنفيذ عملياتها، ذاكراً العراق بالاسم، الذي أضاف إليه بعض المسؤولين
الآخرين: إيران وليبيا.
وتأكيد أن يكون لدولة ما دور في الأحداث يصاحبه تجاهل تام لاحتمال أن
تكون هذه الدولة هي (إسرائيل) باعتبار أن ذلك غير وارد (بداهة) لعلاقة
إسرائيل الخاصة والمعروفة بأمريكا، ولكن (سوابق) اليهود الإرهابية قبل قيام
(إسرائيل) وأثنائه وبعده، والتي تم فيها تصفية أصدقاء - بل يهود - بأيدي أجهزة
مخابراتهم لتحقيق مصالح محددة وأهداف بعيدة تجعلنا نقف أمام هذه (البداهة)
موقف الريبة والشك.
وإذا كان للمذكورين في الاحتمالات السابقة دوافع للقيام بمثل هذه التفجيرات
فإن لـ (إسرائيل) مصالح من ورائها، أهمها:
١ - تخفيف الضغط السياسي والإعلامي عن (إسرائيل) ، وصرف الأنظار
عن الممارسات الصهيونية في فلسطين، واستغلال الفرصة لتصفية الانتفاضة بلا
رحمة، بل لتصفية القضية الفلسطينية برمتها.
٢ - وضع الحركات الجهادية في فلسطين في مأزق عدم القيام بعمليات سوف
ينظر إليها العالم كله على أنها إرهاب مماثل لما تم في أمريكا، ومن ثم: يكون لدى
الصهاينة مسوغ أخلاقي وسياسي - من وجهة نظر غربية لتصفية الفلسطينيين
الناشطين بلا هوادة.
٣ - تجييش العالم - وخاصة الغربي ضد الحركات الإسلامية بزعم أنها
منظمات إرهابية يجب محاربتها؛ وبذا: يخسر العالم الإسلامي المقاوم الحقيقي
للخطر الصهيوني.
٤ - قطع الطريق على تحول الرأي العام الغربي نحو تفهم أفضل لمأساة
الفلسطينيين، وخاصة بعد ممارسات شارون الأخيرة، وذلك عن طريق تشويه
صورة العرب والمسلمين جميعاً.
٥ - تعضيد التيار الأصولي المسيحي في الإدارة الأمريكية الذي يرى
ضرورة دعم إسرائيل لإقامة إسرائيل الكبرى وإعادة بناء الهيكل المزعوم للتعجيل
بمجيء المسيح، وذلك بإشعال عدائه للإسلام والمسلمين أكثر مما هو مشتعل.
وهكذا انطلق القادة الصهاينة في يوم الحادث نفسه لاستغلال الحدث استغلالاً
سافراً، ولقطف ثمار هذه العمليات: ففي اليوم نفسه أعلن وزير دفاعهم أن
(الإرهاب الإسلامي) هو المسؤول عن هذه العمليات، وكأنه يريد صرف الأنظار
عمداً عن احتمال تورط يهود في التفجيرات ويسابق لإلصاقها بالمسلمين لتحقيق
الأهداف السابق ذكرها.. ثم رأينا اليهود ينطلقون عقب الحادث مباشرة على ثلاثة
محاور لاستثمار الحادث:
الأول: محور عسكري سياسي لاقتناص (الفرصة الذهبية) «للقضاء على
أوكار الإرهاب، عصاباتٍ ودولاً» على حد تعبير رئيس الوزراء الأسبق نتنياهو
الذي عددها قائلاً: «السلطة الفلسطينية أولاً، ثم حزب الله وإيران والعراق
وأفغانستان، وغيرها!» ، وفي إطار هذا التحرك علت أصوات سياسييهم
وعلى رأسهم شارون بالدعوة «لإقامة تحالف يضم كل الدول ذات الحضارة
الديمقراطية لمكافحة الإرهاب» ، وأضاف بعضهم كلمة الإرهاب العربي، وبعضهم
الآخر كلمة الإرهاب الإسلامي.
الثاني: محور إعلامي عالمي؛ حيث يملك اليهود معظم وسائل الإعلام،
نشطوا فيه لتشويه صورة المسلمين والعرب والطعن في دينهم وحضارتهم بكل
وسيلة، وتسعير حملة كراهية وعداء للمسلمين والعرب.
الثالث: إظهار التعاطف مع الشعب الأمريكي والألم لما حدث له بإرسال
المساعدات الإغاثية، وعرض خدماتهم الإنقاذية والأمنية التي استفادوها من مواجهة
(الإرهاب الإسلامي والعربي) ، والتركيز على أنهم والأمريكان ضحايا عدو واحد
ويقفون في خندق واحد، ضد ذلك الإرهاب.
وفي هذا الإطار تطرح عدة تساؤلات تثير الشكوك حول عدم نفي احتمال
تورط (إسرائيل) وجهاز (الموساد) في هذه الأحداث، ومن تلك التساؤلات:
١ - هل هناك علاقة لهذه التفجيرات بتهديد كان رئيس الوزراء الأسبق
نتنياهو قد أطلقه عام ١٩٩٨م بأنه سوف يشعل النار في قلب واشنطن لبيل كلينتون
إذا أجبرت الإدارة الأمريكية على ممارسة الضغوط على إسرائيل للقبول بمبادرتها
المتعلقة بالانسحاب من الضفة الغربية.
فما هي النار التي كان يقصدها نتيناهو؟ وهل يهدد رئيس وزراء دولة بما لا
يمكن لهذه الدولة فعله؟ ! ولماذا يهدد حليف حليفه؟
وجدير بالذكر أن بعض الأنباء الصحفية ذكرت أن مصادر في الإدارة
الأمريكية كشفت عن أن وزير الخارجية الأمريكي كان سيعلن في خطابه أمام الدورة
السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة مبادرة سلام أمريكية ترتكز على تأييد فكرة قيام
دولة فلسطينية، لكن تفجيرات نيويورك وواشنطن حالت دون ذلك بعد أن ألغيت
الجلسات برمتها (الشرق الأوسط، ٣/١٠/٢٠٠١م) .
٢ - ومن هذه التساؤلات: ما ذكر عن علم أجهزة المخابرات الإسرائيلية
السابق بهذه التفجيرات، وتورَد حول هذه النقطة معلومتان:
الأولى: ما ذكرته صحيفة (معاريف) الإسرائيلية يوم ١٣/٩ من أن مصدراً
أمنياً إسرائيلياً نقل إلى جهات استخبارية أمريكية تحذيرات عن احتمال وقوع
عمليات تفجيرية قوية في الولايات المتحدة ضد أهداف أمريكية، ونقلت (معاريف)
عن صحيفة (إيل يوليو) الإيطالية الصادرة في اليوم السابق أن جهاز المخابرات
الخارجية الإسرائيلي (الموساد) كان أول من حذر الأسبوع الماضي من احتمال
انتقال ما وصفها بالأعمال الإرهابية من الشرق الأوسط إلى الدول الأوروبية
والولايات المتحدة.
ومن الممكن جداً أن يكون نقل هذه التحذيرات إلى أمريكا دون تحديد دقيق لها
هو لمجرد (إيجاد يد) على أمريكا من غير تأثير على العمليات نفسها التي تم
تعميتها تماماً.
الثانية: ما نقلته صحيفة (الحياة) اللندنية يوم ١٥/ ٩ عن صحيفة (يديعوت
أحرونوت) الإسرائيلية من أن جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) رفض قبل
أسبوع طلب رئيس الحكومة إرييل شارون السفر إلى نيويورك للمشاركة في
مهرجان تضامن مع إسرائيل أعدت له المنظمات اليهودية والوكالة اليهودية، وكان
مفروضاً أن يبدأ في ٢٣/٩، ويضيف المعلق (الإسرائيلي) برنياع: أن منظمي
المهرجان التضامني الذين سعوا إلى تجنيد الأموال لدعم الدولة العبرية من خلال
حضور مئة ألف يهودي من أرجاء الولايات المتحدة كافة، اتفقوا رسمياً مع رئيس
الحكومة أن يكون هو الخطيب في الافتتاح، وهو عبر عن غبطته ووقَّع شخصياً
بطاقة الدعوة.. ويضيف: أن قادة (الشاباك) فاجؤوا المنظمين بإبلاغهم رفضهم
ظهور شارون في اجتماع حاشد «لأن مكان عقده يشكل خطراً كبيراً على سلامته» ،
ولم تفلح محاولات شارون ورئيس الوكالة اليهودية في عدول قادة الشاباك عن رأيهم؛
مما حدا بسكرتيرة شارون إلى إبلاغ المنظمين إلغاء مشاركة شارون قبل يوم
واحد من وقوع التفجيرات.
٣ - ومن الحوادث التي تثير الاستغراب والتساؤل أيضاً: ما تناقلته الصحف
عن القبض على (٥) سياح إسرائيليين بعد استدعاء السكان للشرطة عندما
شاهدوهم وهم يصورون البرجين المهدومين وهم ينكتون ويتضاحكون ويسخرون
من الأمريكيين المفزوعين، ثم راحوا يصيحون ويغنون ويرقصون وهم يتفوهون
بكلمات ساخرة! والجدير بالذكر أن رئيس بلدية نيويورك (سامحهم) ولم يحاكمهم
وأفرج عنهم بعد أن كانت الشرطة تحقق معهم للاشتباه بانتمائهم للموساد بعد تدخل
القنصلية الإسرائيلية لديه ولدى حاكم الولاية وإقناعهما بأن هؤلاء مجرد شباب
طائشين!
٤ - ومن التساؤلات: ما ذكر عن حدوث تلاعب كبير وغير عادي في
مضاربات الأسهم عبر عمليات بيع على المكشوف في أسواق البورصات العالمية
خلال الأيام القليلة السابقة للتفجيرات؛ مما مكن هؤلاء المضاربين من جني أرباح
طائلة تقدر بمليارات الدولارات، وقد تركزت المضاربات المشبوهة حول ثلاث
شركات تأمين أوروبية، وشركتين للاستثمار في وول ستريت، وشركتي الطيران
يونايتد إيرلاينز وأمريكان إيرلاينز دون غيرهما، وهما اللتان تم اختطاف طائرتين
من كل منهما واستخدمتا في التفجيرات.
وقد حاول بعض المسؤولين تركيز الاشتباه في هذه المعاملات على ما أسموه
بشبكة بن لادن، غير أنه من غير المعروف عن إسلاميين مشاركتهم في أنشطة
اقتصادية من هذه النوع ابتداءً، ويبقى ذلك الاحتمال تجاههم مجرد تخمين غير
مبني على دلائل أو قرائن، وخاصة أن خبراء ماليين يستبعدون تورط متعاملين
ماليين يعملون لحساب بن لادن؛ لأن ذلك يعد (انتحاراً) بسبب مخاطر هذه العملية
المالية وسهولة كشف مدبريها، ويبقى بعد ذلك الاحتمال الآخر، وهو: أن أطرافاً
مخابراتية تقف وراءها، ومن المعروف أن الدوائر المالية اليهودية من أكبر
المتعاملين في البورصات العالمية.
ويطرح مع هذا التساؤل تساؤل آخر حول إن كانت هناك علاقة أو دلالة لبيع
هيئة الموانئ وهي هيئة يسيطر عليها اليهود لبرجي التجارة العالمية بمبلغ ٣٠٧
مليار دولار قبل سبعة أشهر من وقوع التفجيرات!
٥ - ومن التساؤلات أيضاً: مدى وجود علاقة بين أحداث التفجيرات الأخيرة
ولغز الاختفاء الغامض للمتدربة اليهودية في الكونجرس الأمريكي شاندرا، حيث
كانت على علاقة سرية وغير مشروعة مع عضو الكونجرس الأمريكي كونديت
الذي هو في الوقت نفسه عضو لجنة الاستخبارات المسؤولة عن ثلاث عشرة وكالة
مخابرات، ويقال إن شاندرا حصلت من كونديت على أسرار خطيرة، سواء منه
مباشرة أو عن طريق قراءتها أو تصويرها لتقارير وكالة الاستخبارات المركزية
(CIA) ووكالة الأمن القومي (NSA) ، فهل تدخل هذه الأحداث وهذا الاختفاء
الغامض في إطار الحروب المخابراتية الخفية؟ .. يحتمل! .
أخيراً: نقول في هذا الاحتمال: إن صحيفة (نيوز امبرجو) الكندية كشفت
عن أن مصادر من الـ (CIA) أكدت لها أن لديها معلومات شبه أكيدة بتورط
جهاز الموساد في الهجمات الأخيرة على مبنيي مركز التجارة العالمي والبنتاجون،
وقد أكد المصدر ... أن هذه الاحتمالات واردة، وأن أجهزتهم كشفت وجود تهديد
(إسرائيلي) بضرب منشآت في الولايات المتحدة من أجل إثارة الرأي العام ضد
العرب ...
وقال المصدر: إن هذا الهجوم يتطلب دقة عسكرية عالية جداً في التنفيذ،
وأن العمل تم تنفيذه من قبل جيش أو جهة استخباراتية عالمية لا من قبل إرهابيين
لا يملكون ما تملكه الدول العظمى في هذا المجال.
رابعاً: وهناك عدة احتمالات أخرى متساوية في القوة أو في الضعف نوردها
في النقاط الآتية:
أ -أن يكون هناك دور لدول (شرق أوسطية) أخرى في هذه الأحداث،
وعلى رأسها العراق وإيران، وقد سربت بعض الأخبار عن التقاء المشتبه في
اتهامه محمد عطا بضابط مخابرات عراقي في أوروبا قبل أشهر، وأن بغداد تقوم
بتمويل إسلاميين متهمين بـ (الإرهاب) كالمصري أيمن الظواهري واللبناني
عمار مغنية، كما ألمحت مصادر أخرى إلى أن منشقاً إيرانياً كان قد أبلغ السلطات
الألمانية قبل أسبوع من التفجيرات عن معلومات لديه عن حدوث عمليات إرهابية
في واشنطن ونيويورك، وحاول تحذير أجهزة الاستخبارات الأمريكية، إلا أن
السلطات لم تأخذ أقواله بجدية، ثم صرح بعض المسؤولين الأمريكيين باستبعاد
وجود دور لمثل هذه الدول في التفجيرات، وربما يكون هذا الاستبعاد وتلك
التسريبات بقصد إبقاء هذه الدول تحت حد السلاح الأمريكي المسلط لضربها إذا
استدعت الأحداث ذلك.
ب - أن يكون وراء هذه التفجيرات مافيا تهريب المخدرات، حيث جاءت
هذه التفجيرات بعد أسبوع واحد من تسليم (فابيو أشوا) أحد كبار مهربي
المخدرات الكولومبيين إلى السلطات الأمريكية، وكان أنصاره قد هددوا بـ
«تحويل أمريكا إلى جحيم» في حالة تسليمه، وبأنهم سيجعلون الحكومة الأمريكية
تندم على محاكمته، وقد تزامنت هذه التفجيرات مع زيارة كان وزير الخارجية
الأمريكي كولن باول في طريقه للقيام بها إلى كولومبيا في خطوة تأييد لمساعي
الحكومة الكولومبية لمحاربة عصابات تهريب المخدرات، ومن المعروف أن
شبكات هذه العصابات داخل أمريكا وخارجها ذات انتشار واسع ونفوذ قوي
وإمكانات كبيرة تمكنها من القيام بمثل هذا العمل، وإن افتقرت إلى دافع عقائدي
يدفع أفرادها للقيام بمثل هذه العمليات (الانتحارية) .
ج - كما يشار إلى احتمال وجود علاقة بين التفجيرات وموقف أمريكا من
مؤتمر مكافحة العنصرية في ديربان، وقد ثارت تكهنات صحفية بهذا الخصوص
عقب الحوادث مباشرة؛ مما دعا الوزير في رئاسة جمهورية جنوب أفريقيا
(إيسهوب بهاد) إلى رفض هذه التكهنات.
د - ومن هذه الاحتمالات: ما ذكره السياسي الروسي المعروف فلاديمير
جيرينوفسكي في مؤتمر صحفي عقده في موسكو، حيث اتهم ما أسماه (النخبة
المالية الدولية) بالتخطيط للهجمات ضد منشآت أمريكية وتنفيذها لإحداث صدام بين
الغرب والعالم الإسلامي، وقال: إن هذه العمليات الإرهابية «جرى التحضير لها
في أمريكا نفسها، ولا علاقة لأي دولة أخرى بها» ، وأكد أن «العديد من
المؤشرات» تدل على ذلك، واعتبر أن اتهام أسامة بن لادن بالوقوف خلف
التفجيرات أمر لا دليل عليه حتى الآن.
العدالة الأمريكية المحترقة والإسلامفوبيا:
لا يفهم من كلامنا السابق أننا ننفي وجود احتمال بأن يكون إسلاميون وراء
هذه التفجيرات، وقد كفتنا أجهزة الإعلام الأخرى والعديدة الخوض في الحديث عن
هذا الاحتمال، ولكن الذي نريد إضافته هو أن الاحتمالات حول هوية من قام بهذه
التفجيرات عديدة ومتقاربة القوة، ورغم ذلك فمن دون كل هذه الاحتمالات لم يرق
للأجهزة الأمريكية إلا اتهام الإسلاميين وحدهم وأفغانستان (ضمناً) ، حيث ركزت
الجهود، وسلطت الأضواء على هذا الاحتمال دون غيره، مع استبعاد جميع
الاحتمالات الأخرى رغم وجود قرائن قوية تجعلنا لا نستبعدها.
ويمكننا القول إنه - إذا كان هناك بقية من حرص وخوف على المصالح
الأمريكية والأمن القومي الأمريكي - فإن التحقيقات الحقيقية - غير المعلنة - ربما
لا يكون لها علاقة بكل ما هو معلن، وأن ما أعلن وما يعلن وما سوف يعلن يهدف
إلى أهداف أخرى لا علاقة لها بمعرفة حقيقة مدبر هذه الانفجارات، حتى وإن
صادف ذلك الإعلان الحقيقة في النهاية، لأن المستهدف هو استخدام ما يعلن
للتغطية على هذه الأهداف وترضية الرأي العام الأمريكي وإيجاد الذريعة أمام الرأي
العام العالمي.
وقد أعلن الرئيس بوش يوم ٢٥/٩/٢٠٠١م رفضه للكشف عن أدلة تورط بن
لادن وتنظيمه في التفجيرات، وفي الوقت نفسه ما زالت أمريكا تطالب العالم
بمشاركتها في حربها ضد ما تسميه الإرهاب، وإلا فإن الممتنع عن المشاركة في
هذا التحالف سيكون داعماً للإرهاب.
والحقيقة أن أمريكا لا تشعر بحاجتها إلى وجود أدلة؛ لأن حالة الخوف
المرضي من الإسلام (الإسلامفوبيا) التي تعيشها، والتي عبرت عنها بالإشارة إلى
ضلوع الإسلاميين في الحادث قبل انتهاء عمل ٧ آلاف محقق من البحث في ٢٥٠٠
خيط تحقيق كما أعلن؛ هذه الحالة تجعلها تسعى للقضاء على هذا الخطر سواء كان
وراء هذه الأحداث أو لم يكن.
كما أنها لا تشعر بحاجتها إلى تقديم أدلة إلى من تطالبهم بالتحالف معها؛ لأن
الغرور الأمريكي يفترض أن الآخرين يثقون بلا تحفظ في نزاهة العدالة الأمريكية،
ويفترض أن خوف أمريكا من عدو يشاركها فيه الآخرون أو هكذا ينبغي وأن
مصالح أمريكا هي نفسها مصالح العالم أجمع؛ وهكذا فهي تحسم خيارها وتريد من
العالم اتباعها عليه وهو مغمض العينين.
إننا في النهاية إذا لم نقل إن الأجهزة الأمريكية نفسها لها ضلع في هذه
الأحداث - وهذا غير وارد في ضوء المعطيات التي بين أيدينا -، وإذا لم نقل إن
بعض الأطراف والقوى داخل النظام الأمريكي متورط في الأحداث بنفسه أو عن
طريق أطراف أخرى وهذا غير مستبعد فإننا نستطيع القول باطمئنان: إن الإدارة
الأمريكية استغلت الحدث أياً كان فاعله - لتحقيق أهداف وتنفيذ مخططات معدة سلفاً
قبل الحوادث، وقد تكون هذه الحوادث عجلت بإخراج هذه المخططات التي قد
يستغرق تنفيذها سنوات، ولكنها ليست هي التي أوجدتها.
ويمكننا في عجالة تلخيص هذه الأهداف والمخططات كما ظهرت من الدوافع
والتحركات الأمريكية فيما يأتي:
١ - القضاء على قوة التيارات الإسلامية وخاصة الدعوية المتنامية في العالم
الإسلامي باسم محاربة الإرهاب، بما يفسح المجال لتوغل أمريكي وغربي
حضاري وسياسي واقتصادي وعسكري في هذا العالم؛ حيث إن هذه التيارات هي
المعارض الحقيقي لهذا التوغل.
٢ - إحداث اضطرابات وقلاقل داخل دول العالم الإسلامي عن طريق إقحام
حكوماتها في مواجهات عدائية شاملة وقاسية مع التيارات الإسلامية المعارضة، بما
يضعف هذه الحكومات ويجعلها رهينة للحماية الأمريكية المستمرة، ويقضي على
هذه التيارات في الوقت نفسه.
٣ - تهيئة الأجواء والتوطئة على أرض الواقع لإعادة رسم خارطة المنطقة،
وتعديل موازين القوى للوصول في المستقبل القريب إلى إقامة دولة إسرائيل الكبرى
وبناء هيكل سليمان، وهذا هدف ملح للتيار الأصولي في الإدارة الأمريكية.
٤ - القضاء على دولة أفغانستان الخارجة عن (الإجماع الدولي) وما تمثله
من خطر وجود قواعد آمنة لتفريخ مسلمين (خطرين) .
٥ - محاصرة إيران (القوة العسكرية المتنامية) من الشمال والشرق إلى
جانب القوات الموجودة في الغرب والجنوب.
٦ - استهداف باكستان وبرنامجها النووي خشية وقوعه في أيدي إسلاميين
(متطرفين) ، حيث لا يؤمَن عدم وقوع ذلك في ظل نظام حكم هش متقلب.
٧ - إكمال تطويق العالم الإسلامي بحلف هندي روسي (أو من الجمهوريات
السوفييتية السابقة) تركي إسرائيلي إثيوبي.
٨ - التواجد في منطقة آسيا الوسطى لمحاولة أن يكون لأمريكا نصيب في
كعكة ثروات بحر قزوين، الذي أسفرت التنقيبات فيه عن وجود احتياطات
استراتيجية ضخمة من النفط والغاز وثروات أخرى فاقت كل التصورات، ويتنافس
عليها - بحكم الموقع الجغرافي - خمس دول: روسيا، وإيران، وكازخستان،
وأذربيجان، وتركمانستان.
٩ - تعزيز أداء الاقتصاد الأمريكي؛ حيث يرى الخبراء أن الإنفاق الحكومي
في حرب - بشرط ألا تكون برية طويلة الأمد سيعطي على الأرجح دفعة قوية
لقطاعات من الاقتصاد، كما أن التركيز الجديد على الأمن ونشاطات الاستخبارات
قد يحوِّل جزءاً من هذه الفوائد إلى تكنولوجيا المعلومات، بحيث لا تقتصر على
العتاد التقليدي. ويقول أكاديميون: إن الحرب ساعدت في الماضي على انتشال
أمريكا من براثن الكساد بفضل الانتعاش الاقتصادي الناتج عن الإنفاق الحكومي
على الأسلحة والإمدادات.
هذه - بحسب ما أرى - هي أهم ملامح الأهداف والمخططات الأمريكية التي
يراد تحقيقها حتى ولو أدى ذلك إلى إحراق العالم الإسلامي مع العدالة الأمريكية.
стр. 4089
المسلمون والعالم
الإسلاميون.. وساعة الحقيقة
(٣)
الورطة الكبرى لقوى التخالف
عبد العزيز كامل
kamil@albayan-magazine.com
كان من المفترض أن يكون هذا المقال جواباً عن السؤال الذي كان ماثلاً أمام
الجميع ومطروحاً من الجميع وهو: (ماذا نفعل) بشأن قضية المسلمين الأولى في
بيت المقدس؟ وهو السؤال الذي ختمت به المقال الثاني من حلقات: (الإسلاميون
وساعة الحقيقة) ولكن الأحداث التي وقعت في أمريكا ثم أفغانستان دهمت الجميع،
وقلبت أوراق الجميع؛ فقبل أن ننتهي من مواجهة أنفسنا بـ (ساعة الحقيقة) إذا
بها تواجهنا في ساحة الخطر الدقيقة التي لم يتفاجأ بها الإسلاميون وحدهم، بل
فجأت الأمة الإسلامية جميعاً على حين غرة، وعلى غير استعداد في كل
المستويات.
لقد تكاثرت الآراء، وتباينت التحليلات حول أبعاد وتداعيات ما حدث في
الولايات المتحدة الأمريكية في العام الأول من الألفية الثالثة؛ حيث لم يكن يخطر
ببال أحد من الناس حتى أكثرهم تشاؤماً أن تختتم الألفية الثانية بأحداث الانتفاضة
الدامية الباكية، والتي لا يعرف أحد إلى أي شيء ستنتهي، ولم يكن يخطر ببال
أحد أيضاً أن تفتتح الألفية الثالثة [١] بأحداث تفجيرات أمريكا التي لا يعرف أحد
أيضاً إلى أي شيء ستقود العالم؟
إلا أن الشعور يتزايد بأن العالم كله أصبح على شفا ورطة كبرى تتوزع
أجزاؤها على مختلف الدول المهمة، بحيث لا يتصور أن دولة مهمة واحدة يمكن
أن تفلت من نصيبٍ قل أو كثر من تلك الورطات.
الورطة الأمريكية: لا حدود للورطة الأمريكية بسبب ما وقع على أرض
أمريكا في الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م؛ فالخسائر العسكرية أكبر من خسائر
أي حرب حقيقية خاضتها أمريكا؛ لأن تدمير مركز القيادة العسكرية في قلعة
(البنتاغون) قد حصد أرواح ما لا يقل عن ٨٠٠ من كبار موظفي إدارة الجيش
الأمريكي وهو أثمن عند أمريكا من الدبابات وأغلى من الغواصات والطائرات
والصواريخ، فهؤلاء الضحايا العسكريون قد قضوا وقضت معهم خبرات وأخبار،
وخطط وأسرار لن تستطيع أمريكا بشكل شبه مؤكد تعويض خسارتها فيهم على
المدى القريب، أما ما هو مؤكد بالفعل، فإن أمريكا ستخوض حربها الأولى في
القرن الحادي والعشرين محرومة من تلك الإمكانات والكفاءات.
ومن الناحية الاقتصادية لا شك أن الكسر الذي أصاب الاقتصاد الأمريكي غير
قابل للجبر على المدى القريب، وقد لا ينجبر أبداً ليعود كما كان؛ حيث دخلت
أمريكا والعالم معها مجاهل أزمة اقتصادية مجهولة الأبعاد، ربما تحرمها إلى الأبد
من ميزة الرفاه الزائد، والفائض المتراكم الذي كانت تتمتع به لأكثر من ربع قرن.
أمريكا دخلت الحرب ضد أفغانستان، ومجرد الدخول في تلك الحرب هو في
حد ذاته ورطة كبيرة ذات فروع؛ فمن فروعها أن أمريكا اضطرت للدخول في تلك
الحرب بشكل شبه ارتجالي، وبتحالفات غير متينة ولا واضحة المعالم، وقد
اضطرت لهذه العجلة وذلك الارتجال تحت ضغط الداخل الأمريكي الثائر، والخارج
الأمريكي الشامت، فلم يكن بوسع الإدارة الأمريكية إلا أن تتخذ قرار الحرب، ولم
يكن بوسعها إلا أن تبدأ تلك الحرب خارج حدودها وهي غير آمنة للمرة الأولى في
تاريخها على ما هو داخل حدودها، وتلك ورطة أخرى؛ فالحرب قد تطول فتطول
معها حالة الطوارئ داخل أمريكا، وفي هذا ما فيه من ضغط هائل على الإدارة
الأمريكية لكي تنتهي في أسرع وقت من تلك الحرب! وكيف يمكن لأمريكا أن
تنتهي (بسرعة) من تلك الحرب التي استمر مثلها مع الاتحاد السوفييتي عشر
سنوات قبل أن تحسم لصالح الأفغان؟ !
وكيف تنتهي منها بسرعة وتخرج فيها منتصرة وقد تعهدت أمام العالم بتحقيق
أهداف محددة وهي القضاء على كل أعدائها في أفغانستان على عجل لتتفرغ للقضاء
على بقيتهم في كل بقاع العالم! لقد اعتبر قادة أمريكا أن تحقيق النصر لا يتم إلا
بتحقيق هذا الهدف، ولهذا تعهد بوش أمام شعبه والعالم بتحقيق النصر وقال:
(سننتصر حتماً) ! ! ولكن: بما أن النصر من عند الله وليس من عند بوش؛ فإن
هذا الرئيس قد ألجأ بلاده بهذا التعهد المعلن إلى أضيق طريق، وأوقع نفسه وإدارته
في حرج بالغ؛ لأن الأمر في أفغانستان ليس مجرد إخراج قوات غازية ستنتهي
الحرب بإخراجها كما حدث في العراق ولكنه هدف صعب إن لم يكن مستحيل
التحقيق لأن القضاء على أفراد معينين يعدون بالآلاف، ويمكن أن يظلوا متنقلين
من مكان إلى مكان في أرجاء التضاريس الوعرة لأفغانستان ولفترات قد تستمر
لسنوات، مهمة في غاية التعقيد لا يستطيع بوش أن يثبت انتصاره دون أن يثبتها،
وإثباتها يعني حقيقةً إفناء أفغانستان؛ فهذا هو الطريق الوحيد والمستحيل طبعاً
للقضاء على مقاومة هذا الشعب.
فالحرب في رأينا وعلى خلاف ما أعلن برويز مشرف ستطول وتطول، وقد
تستمر لسنوات أو لعقود، وطيلة هذا الاستمرار؛ من يضمن لأمريكا ألا يجرها
ساستها إلى مزيد من الورطات؟ !
لقد دشنت أمريكا حرباً (عالمية) ليست مقصورة داخل حدودها، وأمريكا
نفسها ليست محصورة داخل أرضها؛ لأنها دولة كوكبية المصالح، عالمية المرافق،
سرطانية الانتشار، فكيف تستطيع دولة بهدا الاتساع أن تفرض لصالحها حالة
(الطوارئ) على العالم؟ !
إن أمريكا في الوقت الذي لا تزال تحشد فيه لتحالف دولي (معها) لحروب
أخرى في غير أفغانستان فإنها تحشد بنفسها في الوقت نفسه تحالفاً آخر ضدها؛
ذلك لأنها رفضت مبدأ الحياد، واشترطت في صرامة واضحة أن من ليس معها
فهو ضدها.
وهذا توريط للعالم فالعالم.. إن العالم في كل تاريخه لم يشهد حرباً واحدة
تحقق فيها ذلك الشرط الأمريكي؛ بل كان هناك دائماً محايدون، أو حتى متفرجون؛
فكيف تريد أمريكا من عالم اليوم المعقد في علاقاته المتشابك في مصالحه أن يقف
صفاً واحداً معها في حرب ستستمر كما قالت عشر سنوات وتشمل ستين دولة؟ !
سوف ننتظر لنرى ماذا ستفعل أمريكا في الدولة رقم (واحد) وهي أفغانستان،
وهل ستقنعها ورطتها في أفغانستان باستئناف المسيرة (الصليبية) إلى الدولة رقم
(٦٠) أم ستغير رأيها؟ !
الورطة الأوروبية التركية: نجحت أمريكا طوال العقود التي تلت الحرب
العالمية الثانية في أن تجعل من أوروبا تابعاً لها، غير قادرة على منافستها فضلاً
عن مواجهتها، ولما جاءت الضربات المسقطة للهيبة الأمريكية، فرح الأوروبيون
متظاهرين بالحزن العميق بمن فيهم بريطانيا التي قال أحد المسؤولين فيها: «إن
سلاحنا النووي سلاح أمريكي؛ ولو لم نكن مع أمريكا في خندق واحد لحرمتنا من
هذا السلاح» .
ولما كان سقوط أمريكا سقوط الجريح لا سقوط القتيل بعد ضربات نيويورك
وواشنطن، فقد عزمت على الثأر، وشرعت في الترتيب لتفعيل تحالف عسكري
مشترك مع أوروبا يقاتل معها في قضية لا تخص الأوروبيين، يريد الأمريكيون أن
يحاربوا فيها عدواً خفياً حتى آخر جندي أوروبي! ! في البداية سيداهن الأوروبيون
أمريكا، وأغلب الظن أن أكثرهم سيكتشف خطأ الانسياق الأعمى وراء رغباتها
الانتقامية التي ستفسد علاقات أوروبا مع الكثير من الدول المستهدفة، بل قد تقود
إلى تعريض أوروبا للخطر في حالة اتساع الحرب واختلاط أوراقها على مستوى
الدول، وخاصة أن التقارير العسكرية كانت تحذر قبل الهجوم بأيام من أن أي
صواريخ يمكن أن توجه لأمريكا إذا واجهت حرباً من عدوٍ ما، يمتلك الصواريخ
العابرة للقارات، فإنها سوف تسقط على المدن الأوروبية قبل أن تصل إلى المدن
الأمريكية. فهل تقبل أوروبا كلها باختراق جدران عواصمها من أجل جبران
الخواطر الأمريكية؟ هذا ما لا يترجح للآن إلا إذا وجد الأوروبيون أنفسهم في
مواجهة الخطر الأمريكي ذاته. ومن أوجه تورط أوروبا، أن خيار كثير من دولها
صعب بين أن تكون (مع) أمريكا أو (ضد) أمريكا؛ فأمريكا التي رفضت مبدأ
الحياد في الأزمة، ستضطر بعض الدول اضطراراً للنزول على أوامرها، ودول
أخرى ستضطر إلى إعلان معارضة الدخول في التحالف معها، وهذا بحد ذاته
ورطة أخرى ستهدد الوحدة الأوروبية أو تغير مسارها على الأقل.
أما عن الدولة التركية المسلمة السكان، الأوروبية الهوى، فإن ورطتها مع
أوروبا حادة؛ لأن الأوروبيين الذين رفضوا بإباء أن يضموها لدول المجموعة
الأوروبية الاقتصادية لدواعٍ (ثقافية) هم الذين يريدون الآن منها أن تدفع من
سيادتها ثمناً باهظاً مقابل ضمها لـ (حلف شمال الأطلسي) فالقوات الأمريكية
العسكرية في قاعدة (إنجرليك) التركية كانت منطلقاً لخوض الحرب وستصبح
تركيا طرفاً فيها. وهذا التورط التركي في الأزمات الراهنة والمقبلة قد ينعش
حركات التمرد داخل تركيا، وقد يعيد شرق أوروبا إلى توترات ظنت أوروبا
الغربية أنها قد فرغت من جُل مشاكلها في بلاد البلقان وما حولها.
إن أوروبا الغربية ذات الأغلبية الكاثوليكية، وأوروبا الشرقية ذات الأغلبية
الأرثوذكسية لن تسلسا قيادهما بسهولة لصالح أمريكا البروتستانتية في حربها الألفية،
وخاصة أن الفرصة القائمة الآن لإنزال أمريكا من فوق كرسي التفرد بزعامة
العالم، قد لا تعوض إذا فُوتت، وإذا فاتت فعلى أوروبا أن ترضى دوماً بالتبعية
الذليلة لأمريكا، كما ترضى تركيا بالتبعية الذليلة لأوروبا. نستطيع أن نقول: إن
كل الورطات الأمريكية في الحروب المقبلة بالأصالة، ستكون أوروبية بالتبعية.
الورطة الروسية الصينية: عاشت روسيا عقود النصف الثاني من القرن
الماضي على أمل الوصول إلى المياه الدافئة قرب الخليج العربي، لتنعم بمشاركة
الغرب في نهب العرب، ولكن ملحمة الجهاد الأفغاني الأولى خيبت مسعاها وعطلت
خطاها، وتبع ذلك انفراط عقدها الفريد الذي نظمته في سلك الظلم والطغيان؛
فهوى اتحاد الإلحاد السوفييتي الذي أقامته روسيا، وتبع ذلك ضعف وفاقة اقتصادية
هددت الاتحاد الروسي نفسه بالتفكك، حتى أصبح الروس يتكففون الدول الغنية.
وجاء الهجوم على أمريكا ليضع روسيا على محك الابتزاز الغربي؛ حيث تطمعها
أمريكا الآن في الدعم الاقتصادي مقابل التعاون العسكري بالاشتراك في التحالف،
إضافة إلى الدعم السياسي بالسكوت عنها في الشيشان مقابل أن تتعاون روسيا في
غزو أفغانستان، ولكن الدب الروسي سيظل متردداً في دخول تلك المصيدة فلا
تزال مخالبه دامية من جراء التورط في أفغانستان، الذي جر على روسيا كل ما قد
كان، ثم إن السكوت على (احتلال) أمريكا لأفغانستان تحت مسمى أي حكومة
وطنية (مخلصة) لا يعني لروسيا إلا الانتحار؛ حيث ستضطر للقبول بوجود
أمريكي دائم على حدودها، وهذا ما لم يخطر لقادة الكرملين السابقين واللاحقين ولو
في الكوابيس، ثم أن روسيا التي حرمتها أمريكا من المشاركة في ثروات الخليج
بعد أن أشركتها في التحالف ضد العراق، تريد أمريكا منها الآن أن تتحالف معها
ضد أفغانستان من أجل أن تنفرد هي بثروات بحر قزوين، فهل سترضى روسيا
بأن تضحك عليها أمريكا مرتين. وما يقال عن تخوف روسيا من التقارب الإجباري
مع أمريكا، يقال عن الصين التي حرصت أن تجعل من باكستان وأفغانستان جُنة
واقية، وساحة فاصلة عن أي اقتراب غربي أمريكي يمكن أن يزعج أحلام المارد
الأصفر المسترخي في عزلته. فهل ستسلم الصين لأمريكا في تثبيت نظام عميل لها
كما تريد في بلد لها حدود مع الصين؟ وهل ترتكب أمريكا حماقة فتح جزء من
الردم في بناء من يعتبرهم الشعب الأمريكي قوم يأجوج ومأجوج؟ !
الورطة الباكستانية الهندية: الهند والباكستان دولتان نوويتان متجاورتان،
حازتا السلاح النووي لكي تحميا نفسيهما به، ولكنهما وجدتا نفسيهما في حاجة إلى
حماية ذلك السلاح، أو بالأدق حماية نفسيهما منه، بعد أن تبين أنه أصبح يشكل
تهديداً داخلياً أكثر منه رادعاً خارجياً، وقد تأكد ذلك في الأيام الأولى من الهجوم
على أمريكا، حيث كشف مسؤولون باكستانيون كبار أن أمريكا مارست على الإدارة
الباكستانية إذا لم تتحالف معها ضغوطاً ترهيبية، منذرة إياها بأن (إسرائيل) لديها
خطط جاهزة لتفجير المحطة النووية الباكستانية. ولم يشأ الأمريكيون أن يذكروا
الهند صراحة، مع أن التهديد بها أقرب؛ لأن باكستان تعي نوايا الهند العدوانية
المبيتة، ولم يكن هناك لدى باكستان من خيار في الأمر إلا الأمرّ منهما، فاختارت
الوقوف مع أمريكا ضد أفغانستان، وقد كان في هذا القرار خطر لا يقل عن الخطر
النووي على المدى البعيد؛ لأن باكستان دولة تتحكم فيها العرقية حتى النخاع،
ومعنى ضرب أفغانستان من داخل باكستان أن ملايين الباكستانيين من أصحاب
العرقية البشتونية التي ينتمي إليها جمهور طالبان سيكونون أعداء للحكومة
الباكستانية، وإذا سعوا إلى إسقاطها فقد تقع البلاد في دوامة حرب أهلية لا تنتهي
بسهولة. يضاف إلى ذلك أن أفغانستان لو أقيم فيها حكم ممالئ للأمريكان ومناوئ
لباكستان؛ فإن الأخيرة سوف تضطر لإعادة كل حساباتها الداخلية والخارجية، بما
في ذلك إعادة نشر قواتها على كامل الحدود المشتركة مع أفغانستان، وهي حدود
في غاية الطول ٢٥٠٠ كم؛ بحيث تكاد تستحيل السيطرة عليها. أما الهند فقد تجد
نفسها في مواجهة نووية مباشرة مع باكستان إذا عزمت على اقتناص فرصة الرغبة
المشتركة مع أمريكا في القضاء على المقاومة الباكستانية الإسلامية في كشمير،
والتي تعد بالنسبة لباكستان قضية حياة أو موت، إضافة إلى أن كشمير ستتحول
إلى طالبان أخرى في خاصرة الهند حتى لو بسطت الهند سيطرتها عليها.
الورطة الإيرانية الأفغانية: ظلت إيران متوجسة بعد مجيء حكومة طالبان
في أفغانستان من عدم الاستقرار على حدودها الشرقية، وقد تدعمت تلك المخاوف
بعد سقوط المواقع الشيعية في (باميان) الأفغانية على أيدي القوات الطالبانية في
العام ١٩٩٨م، وأقبلت إيران بالاشتراك مع الهند وروسيا على دعم قوى التحالف
الشمالي (المجاهدين سابقاً) ضد حكومة طالبان، وجاءت الأحداث الأخيرة لتوقع
إيران في شراك فخ خطير؛ فإيران التي لا تريد حكومة سنِّية قوية بجوارها لا تقبل
بحكومة عميلة للأمريكان على بعد خطوات منها، خاصة إذا قبلت تلك الحكومة
وذلك أمر مؤكد بوجود أمريكي دائم في أفغانستان على غرار الوجود الأمريكي في
البلقان. ولكن هذا الخطر المتوقع لا يمكن أن يدفع إيران إلى التعاون مع أفغانستان،
ولا يمكن أيضاً أن يدفعها إلى التحالف مع الأمريكان؛ فماذا تفعل إيران في هذه
الورطة؟
الراجح أنها ستركز على الوقوف مع المقربين منها من مناوئي طالبان؛ ولكن
مشكلة هؤلاء أيضاً أنهم لا ولاء عندهم لأحد، ولا ثبات في مواقفهم مع أحد؛ ولهذا
ستظل إيران واقعة في هذا الشَرَك الذي يبدو شَرَكاً أصغر بجانب الشَرَك الأكبر
المتمثل في النوايا المبيتة من الغرب تجاه إيران؛ فإيران أحد البلدان المرشحة
للتضحية بها على عتبة مقام الرضا الإسرائيلي، حتى تطمئن تلك (الإسرائيل)
إلى عدم وجود خطر مستقبل محتمل عليها في المنطقة بعد زوال الخطر العراقي.
لن تعدم الإدارة الأمريكية حيلة في مرحلة لاحقة أن تورط إيران في حرب مع
الغرب بالنيابة أو الأصالة، والذرائع جاهزة: فدعم إيران لشيعة لبنان، أو التحالف
مع شيعة سوريا، أو حتى رفض الدخول في التحالف المنعقد حالياً ضد أفغانستان،
قد يمثل بعضها ذريعة مناسبة لتصفية حسابات طال تأجيلها بين أمريكا وإيران التي
وجدت نفسها فجأة مدعوة للتحالف العسكري مع (الشيطان الأكبر الأمريكي)
لصالح (الشيطان الأصغر الإسرائيلي) ؛ فهل تجازف إيران بدعم أعداء طالبان،
أم تقع في شَرَك عائلة الشيطان؟ إنها فعلاً ورطة خطيرة، ولا تقل عنها خطورة
ورطة التحالف الشمالي المغضوب عليه من الجميع؛ فهو يحاول إثبات دور في
الأحداث، ولكن الراجح أن الدور سيأتي عليه فيجرد من قواه؛ لأن الغربيين
يريدون التخلص نهائياً من أي ذكرى لـ (الجهاد الأفغاني) ، ولهذا استدعوا
(ظاهر شاه) من على حافة القبر، لمحاولة تنصيبه ملكاً بعد غيبوبة استمرت ثلاثين
عاماً، ومن العجيب أن التحالف الشمالي (الإسلامي جداً) تورط في التحالف مع
ظاهر شاه الذي (كان) خائناً؛ ليقدم الطرفان للأمريكان قربان عرفان من دماء
الأفغان.
الورطة العراقية الخليجية: الخيوط تنسج من الآن لتوريط العراق في مشكلة
جديدة أقلها مضاعفة الحصار، وأقصاها العودة إلى الحرب والدمار؛ فالإشارات
تأتي من أمريكا باتهام العراق بأن له ضلعاً قوية في تدبير الهجوم على أمريكا من
خلال تعاون أجهزة مخابراته مع بعض الجماعات الإسلامية. وهذه التهمة مهما
كانت فضفاضة جاهزة لأن يُلبسها الأمريكيون للمسؤولين العراقيين ويجعلوها على
مقاسهم، ولا أشك أبداً في أن حرب السنوات العشر التي يراد لها أن تدوم حتى
تحقق كل الأهداف الأمريكية، سيكون العراق أحد ميادينها الرئيسة حتى يكمِّل بوش
الثاني ما بدأه بوش الأول. وقد بدأ الأمريكيون في حشد قواتهم مرة أخرى لتنفيذ
خططهم الجديدة التي لم يفصحوا عنها هذه المرة، مع أن دول الخليج التي تحملت
وحدها ثمن الحماقة العراقية والغطرسة الأمريكية، ما كانت لتريد التورط في حرب
أخرى، ولكنها الورطة! ! الورطة التي بدأها العراق قبل عشر سنين والتي ظن
نفسه قد تجاوزها بعد أن بدت تباشير الانفراج مع بعض جيرانه، وبعد أن ظهر له
خطأً قبل الأحداث أن الأمريكان ربما استغرقتهم المشاغل الداخلية عن المشاكل
الخارجية، فراح يعد نفسه لمواجهة (حاسمة) لتحرير القدس، فإذا به ينكبُّ الآن
للبحث عن سبل الدفاع عن بغداد!
الورطة المصرية السودانية: ضربت أمريكا السودان عقب تفجير السفارتين
الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا، واتهمت بعض الدوائر السودانية الحكومة المصرية
بالسماح للطائرات أو الصواريخ الأمريكية بعبور الأجواء المصرية لتنفيذ الضربة،
ولكن الطرفين تجاوزا تلك الأزمة تخوفاً من أزمات أعقد، كانت الحكومتان
المصرية والسودانية قد عزمتا على حلها أو تجميدها لتفويت الفرصة على الخطة
الخبيثة المبيتة لتقسيم السودان؛ فالوفاق متفق عليه ولو تصنعاً تفادياً للخطر الأكبر
على البلدين من جراء قيام حكومة نصرانية في الجنوب.
السودان لا يزال مدرجاً على قائمة الدول الراعية للإرهاب وإن رفعت عنه
بعض العقوبات وقد حاول المسؤولون السودانيون جهدهم أن ينفوا عن أنفسهم تهمة
الإرهاب بما يحل وما لا يحل، وبما يعقل وما لا يعقل، ولكن المترجح أن اتهام
السودان بالإرهاب هو أحد الذرائع المقسمة بدقة على عدد من الدول الإسلامية
لترتيب أوضاع مستقبلية تخدم الأهداف الأمريكية. إن من الأهداف الأمريكية في
إفريقيا أن يكون لها وجود عسكري دائم في القرن الأفريقي وما حوله، وقد حاول
الأمريكيون ذلك أثناء الحرب الصومالية التي تدخل فيها الأمريكيون مباشرة،
ولكنهم دُحِروا، وهم يراهنون من وقتها على الاعتماد على ما يسمى بـ (جيش
تحرير السودان) بزعامة جون قرنق؛ فماذا لو أراد الأمريكيون تحقيق الهدف
المبيت في دفع هذا (الجون) لتحقيق الهدف؟ ! إنهم سيلقون بثقلهم خلف أي
محاولة إجرامية يقوم بها لـ (تحرير السودان) ! وعند ذلك: ماذا تفعل مصر مع
تلك الورطة التي قد تهدد عصب الحياة فيها إذا تحكم هؤلاء الحاقدون الموالون
لليهود في منابع النيل؟ ! وماذا تفعل مصر لو خيرت بين الخيارين الأمريكيين
الوحيدين (معنا أو ضدنا) ؟ ! هل يكونون ضد السودان التي تعد بوابة الأمن
الجنوبي لمصر؟ أم يضحون بصداقة أمريكا مع كل ما يعنيه ذلك من خسارة
اقتصادية ومخاطر عسكرية؟ وماذا يفعل السودان في مواجهة أمريكا التي لم تثبت
تهمته في تفجيرات إفريقيا ولم تنفها وإنما سكتت عنها؟ مع من يتحالف السودان..؟
وضد من سيحارب؟ ضد خطر شمالي محتمل أم ضد خطر جنوبي مؤكد؟ ! حقاً
إنها ورطة!
الورطة اليمنية العمانية: كانت التحقيقات بشأن تفجير المدمرة (كول) قد
تعقدت قبيل حدوث تفجيرات أمريكا؛ حيث تطاول المحققون الأمريكيون فيما يبدو
على شؤون سيادية يمنية، وبالرغم من أن اليمن ليس مدرجاً ضمن الدول الراعية
للإرهاب، إلا أن الحكومة الأمريكية تلمح إلى أن فيه معسكرات للتدريب على
الإرهاب، وهذا يرشح اليمن كما أكدت مصادر عديدة أن يكون مستهدفاً في حرب
أمريكا على (الإرهاب) . وهذه الحرب ضد اليمن قد لا تكون بالضرورة عسكرية؛
فقد تكون سياسية أو اقتصادية، ومع هذا فلا ينبغي استبعاد كونها عسكرية في
ضوء ما أذاعته وكررته الإدارة الأمريكية من أن حربها الصليبية قد تشمل ستين
بلداً، وأنها لن تستأذن أحداً في ضرب ما أسمته (معاقل الإرهاب) .
فإذا نوت أمريكا ذلك؛ فما هي أقرب البلدان التي تحوي قواعد عسكرية
أمريكية تصلح لضرب اليمن؟ ! قد تكون عُمان هي المرشحة لذلك وبخاصة أنه قد
أُجريت فيها مناورات عسكرية بريطانية كبيرة قريباً، وعُمان التي لم تدخل حرباً
خارجية منذ حروبها ضد المستعمرين البرتغاليين، والتي يتمركز فيها ٢٠ ألف
جندي بريطاني ستجد نفسها في خيار مُرّ، إذا ما أُجبرت على السماح بانطلاق
ضربات من أراضيها ضد الجارة الآمنة اليمن؛ وهذا الحرج البالغ على عُمان،
سوف يتكرر مع أي دولة عربية أو غير عربية أخرى يريد الأمريكيون أن يصفُّوا
من فوق أراضيها حساباتهم مع البلد التي دمرت على ضفافه وفي ضيافته المدمرة
(كول) التي سُجلت القضية فيها للآن ضد مجهول.
الورطة السورية اللبنانية: اقترنت لبنان طوعاً أو كرهاً بالنفوذ السوري
السياسي والعسكري؛ حيث تطابق الموقف اللبناني طوعاً أو كرهاً أيضاً مع الموقف
السوري في الصراع العربي الإسرائيلي. وقد ساعدت سوريا بالاشتراك مع إيران
في بناء الوجود الشيعي القوي في جنوب لبنان، وأصبح لبنان مضطراً للاعتراف
العلني باحترام حزب الشيعة واعتباره جزءاً من القوى الوطنية اللبنانية.
ولكن (إسرائيل) ومن ورائها أمريكا تنظر لحزب الشيعة باعتباره نموذجاً
للتنظيم الإرهابي المدعوم من الدول، وخاصة أن له أراضيه ومواقعه وبرامجه
وقياداته المعلنة والمستخفية؛ فهو هدف سهل مؤجل، أُجِّلت مواجهته فقط لاستثمار
مشاغباته لمراحل لاحقة. والحاصل الآن بعد الهجوم على أمريكا أن حزب الشيعة
اللبناني توضع حوله إحدى دوائر الاتهام الحمراء، وقد أبرز المحققون الأمريكيون
اسم (عماد مغنية) الشيعي اللبناني مع اسم الطبيب المصري (أيمن الظواهري)
باعتبار أنهما كما يقول المحققون متورطيْن مع المخابرات العراقية في التخطيط
للهجمات على أمريكا! لهذا لا يبعد أن يُستهدف ذلك الحزب المعدود في القوى
الوطنية اللبنانية التحررية ضمن مرحلة من مراحل الحرب الأمريكية على
(الإرهاب) ، وإذا حصل ذلك فماذا سيكون موقف لبنان الرسمي، وهل سيقبل أن
يتحالف مع أمريكا ضد جبهة وطنية تحريرية طالما افتخر اللبنانيون في الفترة
الأخيرة بأنها أحرزت أول نصر عربي حقيقي في الصراع العربي الإسرائيلي؟ !
وماذا ستفعل سوريا عندما تطالَب بكشف حساب عن دعمها للحزب الذي يُزعم أنه
شارك في ضرب أمريكا، ويُجزم بأنه يعمل ضد وجود (إسرائيل) ؟ ! إن سوريا،
منذ إخفاق مؤتمر كامب ديفيد الثاني، بل ومنذ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب
لبنان مستهدفة بانتقام إسرائيلي معلن؛ فهل تقوم إسرائيل بهذا الانتقام، أم تقوم
بالنيابة عنها أمريكا كما حدث في العراق؟ ! وهل تقوى كل من سوريا ولبنان الآن
أن تقولا لأمريكا: لا، فتسمحا بذلك بكشف الغطاء عنهما أمام الذئب المتربص في
تل أبيب؟ ! وهل ستقف الأطراف العربية الأخرى إذا ما ضربت إسرائيل سوريا
أو لبنان موقف المتفرج أو تنضم إليهما في التحالف ضد أمريكا؟ ! إنها ورطة
سورية لبنانية سبق أن نسجت شباكها بأيد إسرائيلية.
الورطة الفلسطينية الأردنية: توهم (الواقعيون) العرب، أن تنفرج الأزمة
الفلسطينية بعد حدوث الكارثة الأمريكية، وتمنوا على العالم أن يتنادى إلى إنصاف
الفلسطينيين في (مدريد ثانية) تتمخض عن إعلان دولة فلسطينية مستقلة رئيسها
عرفات وعاصمتها القدس، مكافأة للفلسطينيين على عام من الانتفاضة! !
ويبدو أن القوم كذبوا وصدَّقوا أنفسهم، فراحوا يتسلقون مرة أخرى مع السلطة
جدران عملية السلام المتهالكة، لعلهم (يضحكون) على أمريكا وإسرائيل معاً! !
ولأجل إنجاح هذه الخطة الذكية نادى بعضهم بفض الانتفاضة، لبيع ثمراتها
المختطفة مرة أخرى في سوق الوهم والهراء. ولكن شارون أرسل بالإشارات تلو
الإشارات لعرفات لعله يفهم، عندما اتهمه صراحة وعلناً بأنه أسامة بن لادن
الفلسطيني! ! وأنه يقود منظمة إرهابية تريد تقويض إسرائيل من الداخل كما حدث
لأمريكا! ولكن عرفات لم يفهم الرسالة كعادته وراح يصافح يد بيريز الذي سلم
عليه (بقرف) كما ظهر في الصور أثناء اللقاء (الأمني) الأخير بينهما. إن
المطلوب من عرفات إسرائيلياً أن يسلم قوائم بـ (إرهابيين) فلسطينيين من حماس
والجهاد وغيرهما، والمطلوب منه أمريكياً أن يكون عضواً فاعلاً في التحالف ضد
الإرهاب، وقد قبل عرفات العرض الثاني بسرعة، ظاناً أن سرعة الاستجابة، مع
شيء من التبرع بقطرات الدم السخي، ستشغلان الأمريكان عن الطلب الإسرائيلي
بإلقاء القبض عن ما لا يقل عن مئة وثمانية من الفعاليات الجهادية الفلسطينية
وتسليمهم لإسرائيل، ولكن عرفات المتورط والمشهور تقليدياً بقدرته الفائقة على
التخلص من الأزمات يبدو أنه قد أُلجئ هذه المرة إلى أضيق الزوايا فلا خيار أمامه
إلا (ضد) أو (مع) ، فإما أن يرضي إسرائيل وأمريكا بمحاربة شعبه وتسليم
قيادته الحقيقية لليهود أو يخوض مع شعبه مواجهة مسلحة مع إسرائيل، قد سبق أن
تبرع عبر ثماني سنوات مضت بإبطال مفعولها وقهر أبطالها.
إنه خيار محيِّر، لا أظن أن صحة عرفات النفسية والبدنية ستصمد أمامها
طويلاً، وخاصة أن الجميع الآن مشغولون عنه بما حل أو سيحل بهم من هموم
أخرى بعيدة عن الهم الفلسطيني الذي بدأ إسلامياً ثم غدا عربياً حتى أصبح هماً
فلسطينياً وحيداً طريداً بفضل إصرار (الختيار) على الزعامة المنفردة. ستنفرد
(إسرائيل) على الأرجح بالفلسطينيين، لا كعمل ضمن التحالف ضد الإرهاب،
ولكن في إطار عمليات داخلية بحتة لا شأن للمجتمع الدولي (المشغول) بها. وهي
أي إسرائيل لن تفوت أيضاً فرصة ضرب الفلسطينيين بالأردنيين عندما تقدم
لأمريكا قائمة بمطلوبين أردنيين من أصل فلسطيني في الغالب بتهمة الإرهاب؛
فالأردن خياراته ضيقة في أن يكون مع أو ضد الولايات المتحدة في حربها ضد ما
يزعم عن (الإرهاب) الفلسطيني. وشارون صاحب مشروع (الوطن البديل)
الذي يقول إن الأردن هو دولة الفلسطينيين، ما زال حياً يرزق وعلى رأس السلطة
وما زالت همجيته ودمويته متعطشة للمزيد، وبخاصة بعد أن لاحت فرصة الفرص
في حرب عالمية ضد (الإرهاب) لا يصلح لقيادتها في الشرق الأوسط إلا أبو
الإرهاب (شارون) .
هل هناك ورطة إسرائيلية؟ نسأل الله أن يصب الورطات فوق رؤسهم صباً
ولكن للآن لم تتضح لي معالم أي ورطة وقع فيها الإسرائيليون بشأن ما حدث في
واشنطن ونيويورك، بل على العكس، كل الشواهد تثبت أنهم مستفيدون من كل
المصائب التي حلت أو ستحل على أي طرف في الحرب الدولية المتوقعة، ولهذا
فإنهم يتجهون بأي وسيلة إلى إسدال الستار على مسلسل (الحرب القائمة) المحلية
ضد الانتفاضة في فلسطين ليتفرغوا لـ (الحرب القادمة) الإقليمية ضد الإسلام في
المنطقة، وهنا أريد التنبيه على أن دولة اليهود لم تتخل عن برامجها، أو ما تبقى
من برامجها الدينية التسلطية في المنطقة العربية وعلى رأسها ابتلاع القدس نهائياً
بصفة (رسمية) و (دولية) والتخلص من المسجد الأقصى لبناء هيكلهم الثالث
الذي دشنوا منذ شهور قليلة مرحلة البدء فيه بوضع حجر الأساس (الرمزي) !
هل سيجد اليهود ظروفاً أنسب أو فرصة أرحب من تلك المتاحة الآن، أو بعد
الآن إذا انخرطت المنطقة في حروب أخرى؟ وهل مرّ على العالم الإسلامي الذي
طالما تخوفت (إسرائيل) من رد فعله مرحلة هو أشد ضعفاً وأشل قوة منه في
مرحلته الراهنة؟ !
والآن: كيف ستواجه الأمة هذه التحديات المتعددة الأبعاد والمتوالية المراحل؟
كيف ستصمد أمام تلك الحرب الطويلة التي بدأت ولا نعلم متى ولا كيف ستنتهي؟
كيف سيديرون معركتهم ويدبرون أمرهم في صراع لم يسبق لهم به عهد، ولم
يظهر لهم فيه بُعد؟ كيف سيدخلون تلك المعركة الكبرى بلا راية ولا دراية ولا
هدف ولا غاية؟
إن الحملة التي تواجه المسلمين اليوم باسم محاربة الإرهاب أخطر من الغزو
الصليبي، والاجتياح التتاري، وهي أكثر مكراً من الهجمة الصهيونية وأفدح
ضرراً من الموجة الاستعمارية الليبرالية والشيوعية؛ وذلك لسبب بسيط وهو أنها
تجمع بين إجرام كل هؤلاء إضافة إلى لؤم المنافقين وغشم الوثنيين، إننا كثيراً ما
كنا نردد قول النبي ﷺ : «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما
تداعى الأكلة إلى قصعتها» [٢] ونظن أنه ينطبق على مرحلة من المراحل الزمنية
القريبة المعاصرة، ولكنا الآن نرى هذه النبوءة رأي العين، وبصورة لم تكتمل من
قبل على هذا النحو؛ فماذا نفعل؟ !
إن المرحلة أكبر من أي كلام بلا عمل، ومن أي عمل بلا فقه، ومن أى فقه
بلا إخلاص، وهي أخطر من أن تطغى فيها الاجتهادات الفردية، أو العصبيات
الحزبية أو النعرات القومية والوطنية والقبلية، إنها أشق من أن تتحمل مسؤوليتها
جهة أو جبهة واحدة، وأدق من أن تقوم بشأن مواجهتها سلطة أو دولة واحدة،
ولهذا أقول إنه لا بد من تحرك يتناسب مع حجم الورطة الكبرى التي وقع فيها
المسلمون ضمن بقية العالم.
مطلوب فوراً:
أولاً: من الحكومات والأنظمة: أن ترقى إلى مستوى وعي الشعوب؛ فقد
أثبتت الأحداث أن هناك شعوباً أوعى من حكوماتها، وأكثر شعوراً بحقيقة المواقف
منها؛ فتلك الشعوب، وبرغم كل عمليات التدليس والتلبيس والتجهيل الثقافي
والتعمية الإعلامية والدجل السياسي تثبت أن الخير أصيل في أمة محمد صلى الله
عليه وسلم، إنني اعتقد أن تلك الأمة بمن فيها من متعلمين وعاميين، وإسلاميين
وعاديين على استعداد للانضواء تحت لواء أية دولة أو حكومة تعلن ولاءها الصادق
لله ولرسوله والمؤمنين، وذلك بنفس القوة والحماس الذي ستعلن به عداوتها
ورفضها لكل من يعلن عداءه لله ورسوله والمؤمنين [إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ] (المائدة: ٥٥-٥٦) .
ثانياً: مطلوب من الشعوب والمجتمعات: أن ترتفع بنفسها عن مستنقعات
السفاسف وانشغالات التوافه وصغائر الأمور؛ فالحرب المعلنة والتي بدأت بصورة
(حرب أمنية) ضد الإسلاميين ستتحول شيئاً فشيئاً إلى صورة عنصرية ضد
العرب لتنتهي صريحة إلى حرب دينية علنية ضد كل المسلمين بلا أية خدع سياسية
ولا رتوش دبلوماسية؛ وعندها سوف يرى الجميع أن أمة الإسلام سوف تستهدف
بانتظام في دينها وثرواتها، ومقدساتها وسائر حرمانها: [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ
حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ
فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]
(البقرة: ٢١٧) .
ثالثاً: مطلوب من المثقفين والمنظِّرين: أن يقفوا دون تغييب وعي الأمة،
ويكفوا عن شغلها بما يضرها ويكتفوا بما ينفعها؛ لأن هذه الأمة التي طالما
استهدفت بـ (التثقيف) اللاديني واللاأخلاقي لحقب طويلة، قد غدت شرائح كبيرة
منها غير مدركة للفرق بين العدو والصديق، وبين الآمر بالخير والمعروف،
والمتآمر بالشر والمنكر، وليعلم كل صاحب فكر وثقافة أن فكره وثقافته، إما أن
تكون أداءً لأمانة، أو اقتراف لخيانة، ولا أخونَ من خائن يفسد العقول بما يخالف
قول الله وهدي الرسول ﷺ وبخاصة إذا كان يتقاضى على تلك
الخيانة أجراً [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ] (الأنفال:
٢٧-٢٨) .
رابعاً: مطلوب من الحركيين والتنظيميين: أن يدركوا أن التحديات الكبار
التي تواجهها الأمة اليوم لا تحتمل المزيد من المبادرات الفردية أو التحركات
المرتجلة أو التصرفات العجلى؛ فليكن تحرك الجميع مضبوطاً بضوابط الشرع،
وأفهام المخلصين من أهل العلم، وخبرات المحنكين من أهل التجربة؛ فأحوال
الأمة الآن لا تحتمل أنانية في الأخذ بزمام الأمة كلها إلى حيث لا تعلم ولا تفهم،
ولا إلى حيث لا تستطيع أو تريد؛ فلا خير في أثرة تلبس ثوب الإيثار، ولا بركة
في عمل لا يقوم على المشورة، [وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ
شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ] (الشورى: ٣٨) .
خامساً: مطلوب من العلماء والدعاة: وهم أهم من كل مهم ممن ذُكر،
مطلوب من هؤلاء الأجلاء أن يراعوا حق الله في التوقيع عنه، وحق الرسول
ﷺ في الوراثة منه، وحق الأمة في البيان لها والنصيحة المخلصة
في أمورها. فإذا كان الدين النصيحة كما أخبر الرسول ﷺ وكانت
تلك النصيحة لله ولرسوله ولخاصة المسلمين وعامتهم، فإن هذا يدل على أن نصح
(الخاصة) من الدين، والعلماء من الخاصة، بل هم خاصة الخاصة، ولكن هذه
الخصوصية لم تعفهم من أثقل أنواع المسؤولية؛ حيث قال الله تعالى لهم آخذاً
الميثاق الغليظ عليهم: [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ
تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ]
(آل عمران: ١٨٧) .
فليتذكر العلماء المسموع لهم أن الله يسمع لقولهم ويعلم سرهم وجهرهم،
والأمة أحوج إليهم اليوم من المتخصصين الاستراتيجيين والقادة العسكريين؛ بل
ومن القادة السياسيين؛ لأن كل هؤلاء لا يصلحون إلا بصلاح أهل العلم، فإذا
كانت أمتنا اليوم تحتاج إلى أمثال المعتصم وصلاح الدين وبيبرس وقطز، فإن
حاجتها أشد لأمثال الإمام أحمد وابن تيمية والعز بن عبد السلام، محمد بن عبد
الوهاب.
إن علماءنا مدعوون في سائر أقطار العالم إلى البحث عن صيغة يستطيعون
بها أن يباشروا ما أسنده إليهم من الولاية الواجبة بإيجاب الله تعالى في قوله سبحانه:
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ]
(النساء: ٥٩) .
وأولوا الأمر: هم العلماء والأمراء [٣] .
ولهذا فإن أوجب واجبات المرحلة فيما أرى تشكيل قيادة علمية من المخلصين
والمتجردين على مستوى الأمة تتفرع عنها سائر القيادات؛ وهذا الواجب وكل ما
سبقه من واجبات لا يستطيع ترتيب خطواته وترتيب فعالياته إلا العاملون الصادقون
من الإسلاميين، وعندها سنبدأ في السير الصحيح لمواجهة التبعات الثقيلة لساعة
الحقيقة.
ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا. آمين.
стр. 4090
المسلمون والعالم
حرب الولايات المتحدة الأخيرة
د. يوسف بن صالح الصغير
Yosof@albayan-magazine.com
حقاً لقد أصبح العالم قرية واحدة تفرح لفرح المختار، وتحزن لحزنه؛ فالحق
قوله، والعدل فعله وحكمه، مطالبه مجابة، الخارج عن القانون هو من تمرد على
سلطانه، وسيئ الأدب من طالبه ببرهان على أحكامه، ومجلس القرية لا يسمع
شكاية أحد من الرعية إلا بإذنه، ولا يلام أحد من أبنائه على فعله أو فكره. كل ما
سبق هو الحال معه في وقت الرضا، أما في حال السخط والغضب فعلى الجميع
ترديد ما يقول والسير معه في طريق المجهول.
إنه وقت عصيب ومصيري هذا الذي تمر به الأمة الإسلامية؛ حيث تجري
حالياً محاولة جرها إلى صراع دامٍ غير محدود لا في الوسائل ولا في الغايات؛ فلقد
تعرضت رموز الهيمنة الأمريكية العسكرية والاقتصادية الممثلة بمقر وزارة الدفاع،
وبرجي مركز التجارة العالمي للهجوم، وعاشت أمريكا وقتاً عصيباً وحالة من
الارتباك؛ حيث تنقل الرئيس بين القواعد السرية، وتم إخفاء نائب الرئيس عن
الأنظار؛ وما زال محظوراً اجتماع الرئيس مع نائبه خوفاً من التصفية مما يدل
على شعور الإدارة بأن هناك تهديداً جدياً للحكومة الفيدرالية، ولا يمكن أن يكون
هذا إلا من الداخل؛ ومع ذلك وقبل تحديد كيفية الهجوم وأبعاده سارعت السلطات
إلى تلفيق سريع وغير متقن، وتم نشر لائحة المتهمين اعتماداً على استعراض
أسماء الركاب العرب في الطائرات، وعلى أسماء العرب الذين تدربوا على
الطيران، وحاولوا إيهام أنفسهم والعالم أن مجرد التدريب السريع على طائرة
صغيرة يؤهل لقيادة طائرات الركاب الضخمة المعقدة، وتنفيذ مناورات صعبة لا
يمكن أن يقوم بها إلا طيارون متمرسون؛ ومع انكشاف أن أحد المتهمين قد مات
قبل الحادثة وأن آخرين موجودون وأحياء في أماكن أخرى فإننا نلاحظ الإصرار
على دق طبول الحرب ضد جهات لم تتبنَّ العملية ولم يثبت عليها شيء؛ وكان رد
الحكومة الأمريكية على طلب طالبان المنطقي بإبراز الأدلة أن هذا الأمر غير قابل
للتفاوض، وحتى عندما أحرج وزير الخارجية وصرح بأنه سيتم إطلاع الحلفاء
الغربيين على أدلة فإن بوش تراجع من الغد، وليس هناك تفسير لهذا إلا أنه في
الحقيقة لا توجد أدلة تدعم مزاعم أمريكا، وأيضاً فإن من المريب أن الاستعدادات
الضخمة واستغلال الفرصة للتمركز في قواعد أجنبية حول العالم لا يتناسب مع
الهدف المعلن وهو القبض على شخص متهم لاجئ في بلد فقير مطحون! !
لقد أعلن الرئيس شعار: (حرب الإرهاب) ، وأرفق ذلك بتهديد جميع دول
العالم بأن من لم يقف مع أمريكا فهو في صف الإرهاب، وسرت الرعشة في
أوصال العالم، وأصبحت كلمة الإرهاب، تردد على كل لسان؛ ولا بأس في
استخدام الإرهاب من أجل محاربة الإرهاب، وأُجبر الفلسطيني الذي ينزف دمه
يومياً بسلاح أمريكا أن يتبرع بدمه لأمريكا ولسان حال الجميع أنه لا يمكن ضرب
بلد وقتل آلاف الناس بدون دليل ظاهر أو خفي، وأنه لا يمكن لدولة ترفع شعار
حقوق الإنسان والحرية أن تستغل هذا الحدث من أجل تحقيق مكاسب مادية
واستراتيجية، صحيح أنه لم يتم تحديد مفهوم الإرهاب، ولكن الذي نعرفه أنه في
بعض بقاع الدنيا يكون فيه الطفل الذي يرمي الحجر على جندي مسلح يحتل أرضه
إرهابياً، والمجاهد الذي يفجر نفسه بين جنود العدو إرهابياً؛ بينما يعتبر إطلاق
الجندي النار عمداً على رأس الطفل الأعزل دفاعاً عن النفس! أما استعمال
الطائرات في هدم المباني السكنية على رؤوس ساكنيها فهو حق مشروع، والسؤال
الملحُّ: هل لدى أمريكا مبدأ واحد تسير عليه؟ وهل تاريخ أمريكا وممارستها
يؤهلها لتحديد مفهوم الإرهاب قبل أن تكون جديرة بمحاربته؟ ولنستعرض بعض
الوقائع التاريخية:
أولاً: لقد قامت أمريكا أساساً على مبدأ استعماري حيث تلازم توطين
المستعمرين الأوروبيين على عمليات إبادة وطرد سكان البلاد الأصليين الذين
تناقص عددهم من ٢٠ مليون في القرن السادس عشر الميلادي إلى حوالي ٤٠٠
ألف فقط بعد خمسة قرون، بل الأنكى من ذلك أن البقية الباقية منهم معزولة
بصورة مقننة؛ فهي محرومة من أبسط الحقوق التي يتمتع بها حتى المهاجرون
الجدد.
أما الطامة الأخرى فهي استعباد ملايين الأفارقة واستمرار التمييز ضدهم حتى
وقتنا الحاضر.
ثانياً: بعد حرب الاستقلال بدأت مرحلة التوسع على حساب المكسيك، ثم
تطورت الفكرة إلى مشروع تصفية الاستعمار الأسباني والحلول محله، وبدأت منذ
عام ١٨٩٨م ما يسمى بالحرب الأسبانية الأمريكية، وكانت النتيجة هي سيطرة
أمريكا على المستعمرات الأسبانية في أمريكا الوسطى والفلبين، وما تزال أمريكا
إلى يومنا هذا تعتبر أمريكا الجنوبية مجالاً حيوياً حيث تتمتع الدول باستقلال اسمي
يسمح لأمريكا بالتدخل المباشر؛ لإسقاط الأنظمة المتمردة بل حتى اعتقال رؤساء
الدول وجلبهم للعدالة في أمريكا! مثل أحداث جرينادا ١٩٨٣ ١٩٨٤م، وبنما
١٩٨٩ ١٩٩٠م، وهاييتي ١٩٩٤ ١٩٩٦م.
ثالثاً: بعد الحرب العالمية الأولى وبروز أمريكا عالمياً دخلت حلبة التنافس
الاستعماري، وبدأت بمضايقة التوسع الياباني في منشوريا والصين في الثلاثينيات
الميلادية، وأثناء الحرب العالمية الثانية واحتلال اليابان لجنوب آسيا حتى حدود
الهند شرقاً وأندونيسيا جنوباً؛ فقد دخلت أمريكا في مواجهة مباشرة مع المستعمر
الآسيوي بهدف تحطيمه أولاً ووراءه الاستعمار القديم في المنطقة ثانياً. ويعترف
المؤرخون في أمريكا أن هناك تفرقة في التعامل الأمريكي أثناء الحرب مع كل من
الألمان واليابانيين؛ فقد كان التعامل مع الألمان يراعي إمكانية التحالف المستقبلي،
ولم يتم التعرض للأمريكان ذوي الأصول الألمانية. أما الأمريكيون ذوو الأصول
اليابانية؛ فقد تحركت آلة الكراهية ضدهم، وتم تجميعهم في معسكرات معزولة.
أما في مسارح العمليات؛ فقد كانت الحرب غير متكافئة خاصة في المراحل الأخيرة؛
ومع ذلك فقد كان هناك إصرار أمريكي على إبادة القوات اليابانية وتعداه إلى
ارتكاب إبادة جماعية للمدنيين؛ وذلك بإلقاء قنبلتين نوويتين على مدينتي هيروشيما
ونجازاكي بفارق ثلاثة أيام، وكان استعمال هذا السلاح جريمة مضاعفة؛ لأنه ليس
له ضرورات عسكرية؛ حيث إن اليابان المثخنة بالجراح تقف وحيدة بعد استسلام
ألمانيا، وكان استسلامها مسألة وقت. وحتى يعرف القارئ كيف كانت الحرب
تسير قبل استعمال هذا السلاح الرهيب نضع أمامه نتائج العمليات الكبيرة السابقة
لتدمير المدينتين:
- في احتلال جزيرة أبوجيما خسر اليابانيون ٢٢. ٣٠٠ قتيل و١٠٠٠ أسير،
وخسر الأمريكيون ٦٠٠٠ قتيل.
- في احتلال جزيرة أوكيناوا خسر اليابانيون ١١٠ آلاف قتيل، ٧٨٠٠
طائرة، ١٢ ألف طيار، وخسر الأمريكيون ٧١٦٣ قتيلاً فقط.
- وكانت الطائرات الأمريكية تقصف القواعد البحرية والأهداف الصناعية
والمدن بدون مقاومة تقريباً نظراً لتدمير سلاحَي البحرية والطيران اليابانيين، وفي
٢٦ يوليو عرض الرئيس الأمريكي (ترومان) فرصة الاستسلام دون قيد أو شرط
وإلا تعرضت لدمار شامل لم يحدد نوعه.
- وفي ١٦ أغسطس تم إلقاء القنبلة الأولى على مدينة هيروشيما التي تدمرت
بنسبة ٦٠% وقتل فيها ١٥٠ ألفاً، وبعد ثلاثة أيام تم إلقاء قنبلة أخرى على
ناجازاكي.
والسؤال هنا: هل كانت هناك ضرورة لهذه المجزرة؟ لقد قدم حوالي ٦٠
عالماً عريضة للرئيس الأمريكي يطلبون عدم استخدام هذا السلاح ولكن تم رفض
حتى استعمال هذا السلاح على جزيرة مهجورة في اليابان، وكان رد فعل الرئيس
الأمريكي على أنباء نجاح التفجير فوق هيروشيما هو أنه أخذ يصيح في غبطة وهو
يقول: «أيها الأولاد! لقد رميناهم ببلاطة تساوي قوة ٢٠. ٠٠٠ طن من
الديناميت» . والحقيقة أن أمريكا استعملت القنبلة لهدفين أساسيين هما:
أولاً: إظهار القوة والانفراد بامتلاك هذا السلاح الرهيب؛ وفي هذا إشارة
للعالم، وإنها القطب الأوحد.
والثاني: هو دراسة ميدانية لآثارها على البشر والمنشآت. وللعلم فحتى الآن
لم تتفضل أمريكا بالاعتذار عن هذه الجريمة للشعب الياباني بل تتضايق من إحياء
اليابان لهذه الذكرى.
رابعاً: لقد عاشت أمريكا فترة الانفراد بالقوة النووية حتى عام ١٩٤٩م،
وبعدها بدأت تدخل في صراع جديد مع المد الشيوعي المدعوم من الاتحاد السوفييتي
والصين، ودخلت حرب كوريا التي استمرت حوالي ٣ سنوات وقتل فيها ٣ ملايين
من البشر وكادت تتطور إلى حرب شاملة، وتشير يوميات الحرب إلى أنها حرب
أمريكية تحت راية الأمم المتحدة؛ فقد كانت الدول المشاركة إلى جانب الولايات
المتحدة ١٥ دولة تقدم حوالي ٩% فقط من القوات، وكان دخول الصين الحرب
بصورة مباشرة عاملاً أساسياً في عرقلة المشروع الأمريكي الذي يتلخص في تدمير
قوات كوريا دون التورط باجتياز حدود الصين أو الاتحاد السوفييتي، وصدر قرار
قاتل في الأمم المتحدة بتحديد هدف للحرب وهو: «خلق كوريا موحدة
مستقلة ديمقراطية» أي دولة تابعة للغرب، وذلك في ١٧/١٠/١٩٥٠م واستمرت
الحرب سجالاً حتى انتهت في ٢٧/٧/١٩٥٣م؛ مما أدى إلى تدخل صيني مباشر.
خامساً: في أثناء الحرب الكورية كان هناك حرب طاحنة تدور في الهند
الصينية بين القوات الفرنسية والقوات الفيتنامية المدعومة من الشيوعيين، ووصل
عدد القوات الفرنسية إلى ٢٥٠ ألف جندي يدعمهم ١٣٠ ألف جندي فيتنامي،
وكانت الحرب خليطاً من الحرب النظامية وحرب العصابات، وفي النهاية تعرضت
فرنسا لهزيمة مشينة في معركة (ديان بيان فو) في ٧/٥/١٩٥٤م وتم عقد اتفاقية
في جنيف في يوليو ١٩٥٤م، ونصت على انسحاب قوات الطرفين إلى جانبي خط
العرض ١٧، والاعتراف بأربع دول مستقلة هي: كامبوديا، ولاووس، وفيتنام
الشمالية وفيتنام الجنوبية. ونص الإعلان على أن فيتنام ستتوحد بعد انتخابات
عامة تتم في يوليو ١٩٥٦م تحت إشراف لجنة دولية، وقد رفضت الولايات المتحدة
وفيتنام الجنوبية التوقيع على هذا الإعلان، وبدأت مرحلة التدخل الأمريكي المباشر
في المنطقة بعد خروج الفرنسيين، وكونت حلف جنوب شرق آسيا للمشاركة في
الصراع المنتظر، وكان جيش فيتنام الجنوبية يدرب على يد مستشاريين أمريكيين
على أساليب الحرب الكورية، ولكن التورط الأمريكي بدأ يتزايد نتيجة إخفاق جيش
كوريا الجنوبية في مواجهة حرب العصابات الشرسة التي كانت تشنها قوات
الفييتكونغ (الثوار الفيتناميين الجنوبيين المدعومين من الشمال) ، وارتفع عدد
القوات الأمريكية من ٣٣ ألف فقط عام ١٩٦٥م يدعمون نصف مليون جندي جنوبي
إلى نصف مليون جندي أمريكي عام ١٩٦٨م، وتوسعت الحرب إلى لاووس
وكمبوديا، وقامت القوات الجوية الأمريكية بعمليات قصف مستمرة لفيتنام الشمالية
بطائرات ب ٥٢ (القلاع الطائرة) وتم تلغيم شواطئ فيتنام، ومع ذلك استمرت
الحرب حتى اضطرت الولايات المتحدة إلى الانسحاب وترك فيتنام الجنوبية
لمصيرها؛ حيث اجتاحتها قوات فيتنام الشمالية، وما تزال آثار حرب فيتنام
محفورة في ذاكرة الأمريكيين ووجدانهم.
سادساً: لقد كان سقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار الشيوعية مع الانتصار
السهل في حرب الخليج الثانية عاملاً أساسياً في عودة أحلام السيطرة على العالم إلى
أذهان المخططين الاستراتيجيين، وكانت النجاحات السريعة للتمدد الأمريكي ماثلة
للعيان في توسع حلف الأطلسي شرقاً ومحاصرة روسيا وإضعافها وخاصة مع
تورطها في حرب الشيشان الثانية التي لا يخفى فيها التشجيع الغربي والإسرائيلي،
واستمرار فرض العولمة، وتحطيم الاقتصاديات الناشئة في آسيا، واستخدام منظمة
التجارة العالمية من أجل كسر الحواجز بين الدول، وإجبار الاقتصاديات الناشئة
على خوض منافسة غير متكافئة.
ومع إملاء الغرب لمبادئه وأخلاقياته على الشعوب الأخرى واستغلال الأمم
المتحدة في تمرير هذه المخططات التي يقصد منها تحطيم المجتمعات الأخرى
وتذويبها، فإن أمريكا في هذا الخضم كانت بحاجة لعدو يبقي حالة التحفز ويحافظ
على فاعلية المجتمع الأمريكي عن طريق بث روح التحدي المستمر؛ ولم يكن هذا
العدو سوى الحضارة الإسلامية؛ فبدأ الحديث عن صراع الحضارات، وبدأت
أمريكا تتجه شيئاً فشيئاً نحو رفع راية الحضارة الغربية ذات الجذور النصرانية
واليهودية، وكان هناك شحن مستمر للفرد الغربي بأن الخطر القادم هو الإسلام
وكانوا يتحينون الفرص لشحن الأفراد عاطفياً، وكانت الاتهامات جاهزة عند تفجير
أوكلاهوما وسفارتي أمريكا في كينيا وتنزانيا، وإذا كان الفاعل قد كُشف في
أوكلاهوما أنه أمريكي أبيض؛ فإن منفذي الهجوم على السفارتين لم يتم التأكد منهم
حتى الآن؛ ومع ذلك فقد تم فرض حظر على السودان وأفغانستان من مجلس الأمن
الموقر؛ بل قامت أمريكا بشن هجمات استعراضية ضد أهداف منتقاة في السودان
وعشوائية في أفغانستان، ومع اعتراف أمريكا أنها قد أخطأت بضرب مصنع
الشفاء للأدوية في الخرطوم؛ فإنها لم تقم بدفع أي تعويضات للمالك أو للبلد الذي
انتهكت سيادته دون وجه حق! أما أفغانستان فقد كانت الرمز الذي يمثل العدو
الأول في مرحلة صراع الحضارات القادم ولذا فقد استمر الحصار، وحظر
الطيران، ومحاولة منع توريد أو تهريب السلاح، ومحاولة نشر مراقبين
«دوليين!» على الحدود الباكستانية الأفغانية لضبط تطبيق العقوبات «الدولية!» ،
وكانت أحداث نيويورك وواشنطن فرصة لا تعوض في تسريع المخطط؛ ولذا
نجد أن اتهام ابن لادن ومن ثم طالبان أعلن بينما كانت طائرة الرئيس تبحث عن
ملجأ؛ ولم يكن لدى المسؤولين في تلك اللحظات إحاطة حتى بمدى العملية؛ وهنا
تبرز الحقيقة الناصعة وهي أنه إذا كان الاتهام الأولي جدِّياً فهو يعني معرفة
الحكومة بالعملية قبل وقوعها؛ أما إذا كانت لا تعلم بالعملية فكيف تمت معرفة
المنفذ قبل إجراء أي تحقيق؟ ! حقاً إنه أمر مريب أن تقوم دولة تدعي أنها زعيمة
الديمقراطية بإصدار الاتهام قبل التحقيق، ثم الإصرار على هذا الاتهام وتلفيق
الأدلة والمسارعة بخطوات عملية تصب في اتجاه حرب غير محددة المعالم وغير
واضحة الأبعاد ولكنها كما يقول بوش: حرب شاملة عسكرية واقتصادية وفكرية؛
أي باختصار حرب موجهة ضد حضارة أخرى وفكر آخر؛ إنها حرب ضرورية
لإكمال وتثبيت السيطرة النهائية على العالم. وأرى أن المواجهة يجب أن تقع
بسرعة قبل تزايد المطالبة بأدلة وبراهين وإفاقة العالم من حالة الصدمة التي
يعيشها، وعندما تقوم الحرب فلن يتحدث أحد عن مصداقية الاتهام الأولي؛ لأنه
ستستجد أحداث تنسي العالم أصل المشكلة، نعم إنها حرب حتمية؛ لأنها في
الأصل تعشش في أذهانهم، ويتحرقون لحدوثها، وينتهزون أي فرصة لإشعال
الملحمة؛ إنها هدف مشترك لليهود وأصوليي النصارى؛ حيث لا بد من حدوث
الملحمة لنزول المسيح، ولا يظن ظان أن رئيس دولة كبرى في ظروف
مصيرية يزل لسانه بالحديث عن حرب صليبية، أو أن رئيس وزراء
دولة أوروبية يقرأ من ورقة مكتوبة في مؤتمر رسمي قد أساء التعبير عن
النظرة الدونية للحضارة الإسلامية. نعم! الحقيقة أنها ليست قضية ابن
لادن أو طالبان؛ إنها حرب حضارات تحت راية الصليب في جانب، أما
الجانب الآخر فهو لم يتشكل بعدُ ومن ثم لم ترفع الراية.
وأخيراً: إذا كانت الولايات المتحدة قد خرجت في حرب كوريا بدون نصر،
وخرجت من حرب فيتنام بهزيمة مدوية؛ فما هي توقعات الحرب القادمة إن وقعت؟!
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي النظر في بعض الملاحظات حول ملامح
الحروب السابقة وتوقعات الحرب المقبلة:
١ - إن مجال الحروب في كوريا وفيتنام لم يتعد نطاق هذين البلدين، وكان
الجندي الأمريكي يقضي إجازته في بانكوك القريبة بكل اطمئنان.
٢ - على الرغم من شجاعة الكوريين والفيتناميين فإن هناك إجماعاً على
تفوق المجاهد الأفغاني عليهم، وكما قال أحد قادة الروس في أفغانستان: إن حرب
أمريكا في أفغانستان ستنسيهم حرب فيتنام التي ستكون كنزهة.
٣ - أن عجز أمريكا عن كسب حرب فيتنام المحدودة يوضح مدى إمكانية
ثبات أمريكا في حرب شاملة في المنطقة الإسلامية.
٤ - أن حديث أمريكا عن مواجهة شاملة تغطي حوالي ستين دولة يعني أنه
ستتكون جبهة مقابلة تشمل كل المتضررين من سياسات أمريكا، وإذا كان كثير من
الشعوب مبتهجة بالضربة المهينة لأمريكا فإن الصراع القادم سيكون شاملاً غير
محدود المكان ولا الزمان، ولله عاقبة الأمور من قبل ومن بعد.
٥ - إذا كان التوازن النووي مانعاً لأمريكا من استعمال سلاحها النووي في
حربي كوريا وفيتنام فإن توازن الرعب سيمنع أمريكا من استعمال هذه الأسلحة
خوفاً من استهداف المدن الأمريكية بحرب بيولوجية أو كيميائية، وهو خطر جدي
بالإضافة إلى أن نوعية الحرب القادمة ستحرم أمريكا من استعمال مؤثر لأسلحتها
المتطورة من حاملات ومدرعات.. حقاً إنها حرب من نوع جديد تحتاج إلى أسلحة
وأساليب جديدة؛ فمن سيكون المنتصر؟ !
стр. 4091
المسلمون والعالم
السلوك الأمريكي بعد ضربات الثلاثاء المريعة
الدوافع والأهداف
كمال حبيب
المفاجأة التي مثلتها ضربة يوم الثلاثاء ١١/٩/٢٠٠١م وضعت أمريكا بكل
قوتها بالمفهوم الشامل في الميزان، ويذهب المؤرخ الأمريكي المعروف: (بول
كيندي) إلى أن البداية الحقيقية للقرن الواحد والعشرين تم تدشينها بعد الضربات
القاتلة؛ ومن ثم فهذه الهجمات هي حدث فارق في التاريخ الإنساني؛ لذلك ومهما
حاولت أمريكا استعادة توازنها وتأكيد هيمنتها فلن تعود كما كانت قبل انهيار
أكبر رموزها.. البنتاجون مبنى وزارة الدفاع الأمريكية القوة العظمى في التاريخ
البشري، ومركز التجارة العالمي الذي يناطح السحاب، ويمثل عنواناً على
السطوة الاقتصادية والهيمنة المالية المرعبة للرأسمالية الأمريكية بكل جبروتها
وبشاعتها. إن قوة الضربة وجسامتها وخطورتها لم تتمثل فقط في عنفها وقوتها؛
وإنما أيضاً في عدم توقعها وفجاءتها؛ فقد دهمت الهجمات أمريكا من حيث لم
تحتسب أو تقدِّر؛ فكل الهم الأمريكي قبل الضربة كان مركزاً على تحقيق الأمن
المطلق للمواطن الأمريكي ببناء درع صاروخي يواجه أي هجوم محتمل من دولة
خارج الحدود من التي تطلق علىها أمريكا الدول المارقة rough-state؛ فإذا
بالهجوم الكاسح الشرس يأتيها من داخلها، وهو ما لم يعرفه المواطن الأمريكي
المعاصر منذ الحرب الأهلية الأمريكية في أواسط القرن التاسع عشر.
لقد توارت تماماً فكرة القارة الحصينة الآمنة التي يحميها محيطان عظيمان
هما الأطلنطي والهادي، وتحميها القنابل النووية، كما تعرضت الهيبة الأمريكية
للاهتزاز والشك إلى حد اختفاء رئيس الدولة عن العاصمة ذعراً وهلعاً، وبدت
الولايات المتحدة الأمريكية بكل جبروتها في حالة فراغ كامل من السلطة، وكأننا
إزاء مشهد من مشاهد الانقلابات العسكرية في أفريقيا. لقد بدت نيويورك
وواشنطن عاصمتا السياسة والمال وكأنهما مدينتان للأشباح، ولم تكن آثار الضربة
سياسية ومعنوية واستراتيجية فحسب؛ وإنما كان لها آثارها الاقتصادية الهائلة التي
ضربت قطاعات حيوية تمثل عصب الرأسمالية الغربية في الصميم، مثل التأمين،
والطيران، والبنوك، والبورصات، والاتصالات.
لقد جاءت الهجمات الأخيرة لتعيد أمريكا من جديد إلى وضعها الطبيعي دولة
يجري علىها ما يجري على الدول الأخرى من عوادي الأزمان وصوارف الدهور،
ولعلي لا أكون مبالغاً إذا قلت إن أمريكا قبل الهجمات الأخيرة تلبستها روح التأله
والشعور بأنه لا يعجزها شيء [وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ
نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ] (يونس: ٢٤) ، ومن ثم فإن فهم
السلوك الأمريكي الذي نشاهده أمامنا كل يوم في صورة تحركات وقرارات وضغوط
ومساومات وتصريحات وتهديدات لا يمكن أن نفصله عن عمق ما أحدثته الضربة
من تأثير عميق في التاريخ الأمريكي وإلى الأبد.
بيد أن الدافع الأساسي الذي نعتقد أنه يحرك السلوك الأمريكي هذه الحركة
العصبية الواسعة المضطربة يتمثل في الإحساس الأمريكي بأن الهجمة الأخيرة هي
مؤشر لا يمكن تجاهله لتأكيد أن القوة الأمريكية دخلت بالفعل طوراً جديداً من أطوار
بدايات الهبوط والانحطاط. والمتأمل في تاريخ الأمم وصعود القوى وهبوطها سوف
يلاحظ أن بلوغ أي قوة عظمى لمنتهى قوتها يواكبه في نفس التوقيت بدايات حركة
عوامل الضعف فالانحطاط، وهذا في العادة يكون أمراً غير محسوس؛ إذ إن آثاره
قد لا تبدو إلا بعد عقود طويلة؛ لكنه في الحالة الأمريكية يعلن عن نفسه أمام الدنيا
كلها وكأن الله يذكِّر أهل الأرض جميعاً بأن سننه لا تغالَب، وقدرته
لا تقاوَم، وأن أمره بين الكاف والنون إذا أراد شيئاً فإنه يقول كن فيكون.
سمات السلوك الأمريكي في الأزمة الراهنة:
١ - أهم سمات السلوك الأمريكي التي تؤكد ضعفه ورعونته هي التردد
والتخبط؛ فالرئيس الأمريكي يعلن أن الحرب التي تشنها أمريكا على أفغانستان
وعلى الإرهاب على حد زعمه هي حرب صليبية، وليس الأمر كما يقال هو أن
قصد الرئيس الأمريكي من كلمة صليبية هو التجييش الهائل، ولكن الصليبية تعني
المعنى الحرفي الحقيقي لكلمة الصليب كما عبرت عنها الحروب الصليبية في
العصور الوسطي، فكما يذكر مؤلفا كتاب (الدين والسياسة في الولايات المتحدة) :
«كان منهج الحرب المقدسة أو حرب الصليب هو أحد المظاهر المهمة للمواقف في
الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الحروب، ومصطلح الحرب المقدسة يعني حرباً
مقدسة يشنها الصالحون نيابة عن الرب ضد الكفار والمهرطقين سياسياً ودينياً» ،
فحين يتعلق الأمر عند الأمريكان بإيجاد تفسير أو معنى للحروب فإن نموذج الحرب
الصليبية يكون هو التعبير الحاضر في الوعي الأمريكي. تراجع الرئيس الأمريكي
بسرعة عن كلمة الحرب الصليبية هو نوع من التخبط، وهو في النهاية حيلة من
أجل عدم إثارة الدول والحكومات الإسلامية التي أرغمها الأمريكان على الدخول
معها في التحالف الدولي ضد أفغانستان المسلمة بزعم محاربة الإرهاب، ومن ناحية
أخرى نجد العنوان الذي اختاره الأمريكان لحربهم الصليبية الجديدة هو: (النسر
النبيل) ثم عادوا واختاروا عنوان: (العدالة المطلقة أو العدالة بلا حدود) لكنهم
تراجعوا؛ لأن العدالة المطلقة هي عند الله ثم عادوا أخيراً وجعلوا
عنوان حربهم: (الحرية الدائمة) ، ولا نعرف أي حرية يقصدون، ولا لمن تكون
هذه الحرية؟
ومن مظاهر التردد والتخبط الأمريكي إعلان الرئيس الأمريكي ووزير
خارجيته أنهم سيقدمون للعالم أدلة الاتهام ضد ابن لادن حتى تطمئن الدول الإسلامية
الداخلة في التحالف الصليبي ضد عالمها، ثم التراجع عن ذلك بحجة أن نشر هذه
المعلومات سيجعل الحرب صعبة، فكما قال وزير الخارجية الأمريكي: (لا نريد
أن نجعل الحرب أكثر صعوبة مع نشر معلومات تعتبر سرية) . هذا فضلاً عن
التخبط في نشر أسماء لمتهمين مزعومين هم على قيد الحياة يعيشون في بلدانهم
ويمارسون حياتهم ولا علاقة لهم بأي تفجيرات، وكل هؤلاء المواطنين من العرب
في الخليج أو المنطقة العربية. علماً أنه لم يعلن ولو على سبيل الخطأ أي اسم
لمتهم من جنسية غير عربية وغير مسلمة.
٢ - استثارة المخزون الديني الكامن في الثقافة الغربية ضد الإسلام والمسلمين
عبر المقولات التي جرى الترويج لها عقب نهاية الحرب الباردة، مثل مقولات:
نهاية التاريخ، والعدو البديل، والعدو الأخضر، وصراع الحضارات، والتي
تعتبر الإسلام عدواً والمسلمين معادين لقيم الحضارة الغربية ومناهضين لها. وهناك
داخل الولايات المتحدة نوع من هوس العداء ضد الإسلام والمسلمين باعتبارهم
تهديداً لقيم الحداثة الغربية؛ والذي يراجع ما تكتبه الصحف الأمريكية والكتَّاب
الأمريكان سوف يجد ذلك واضحاً جداً، وهو ما يؤكد البعد الديني في الصراع، كما
يؤكد التحيز الكامن في العقل الغربي ضد الإسلام وضد المسلمين، ولسنا نبالغ إذا
قلنا إن أمريكا استغلت هذا التحيز ضد الإسلام، فأسرعت إلى إعلان التهمة ضد
أحد أبنائه وضد دوله دون التحقق من هذه التهمة؛ وأمريكا في هذا تقدم العدو
الإسلامي كبش فداء لتهدئة خواطر مواطنيها، وعودة الهيبة والثقة التي تمرغت في
الوحل بصرف النظر عن صحة الاتهام أو عدمه.
٣ - اعتبار الحرب الصليبية الجديدة على العالم الإسلامي حرباً بين الخير
والشر، وأن على العالم أن ينضم إلى أمريكا في هذه الحرب، وإلا فإنه مع قوى
الشر والإرهاب؛ فمن ليس مع الخير الذي تمثله أمريكا فهو مع الشر وهو هنا
الإرهاب الذي يمثله المسلمون. وفي الواقع فإن العقل الأمريكي لكي تكون الحرب
مسوغة عنده وعادلة فيجب أن يكون هدفها زيادة الخير وتقليص الشر، وهنا
الحرب العادلة هذه عند الأمريكان تكون حرباً مقدسة وتستبطن في الواقع الدفاع عن
الدين الحق الذي تمثله المسيحية هنا؛ فنظرية الخير والشر والحرب العادلة جذورها
دينية وأرساها في العقل الأمريكي مارتن لوثر وكالفن؛ ومن ثم فالحرب التي
يجري الإعداد لها الآن والتي يصفها كثير من المحللين الأمريكان وعلى رأسهم
(تماس فريدان) وثيق الصلة بدوائر صنع القرار الأمريكي ووثيق الصلة بدوائر
لوبي رجال المال والصناعة الأمريكان بأنها الحرب العالمية الثالثة ليست بعيدة عن
كونها حرباً بين المسيحية والإسلام، أو حرب الخير المسيحي والشر الإسلامي.
٤ - فقدان الهدف وغموض العدو وتمييع المصطلحات ومعلوم أن الأمريكان
واليهود بارعون فيما يطلق علىه الغموض البنَّاء الذي يتلاعب بالألفاظ لكي يلبس
الحقائق ويضيعها؛ لكن من الواضح أن العبارات التي يطلقها كل يوم الرئيس
الأمريكي ومساعدوه تؤكد أنهم عاجزون فعلاً عن تحديد ومعرفة خصمهم، ولذا لا
تسعفهم بضاعتهم اللغوية؛ فكل يوم يخرج الرئيس على الشعب الأمريكي ليفحمه
بخطبة عصماء أشبه ما تكون بمواعظ القسس لكنها لا تحدد من العدو الذي تسعى
أمريكا إلى محاربته هل هو ابن لادن وحده، أم أفغانستان وحدها، أم ستون دولة
تلك التي تعتقد أمريكا أنها تؤوي إرهابيين وفقاً للمفهوم الأمريكي؟ ! وأخيراً انتهى
وزير الخارجية الأمريكي باول إلى القول بأنهم يفرقون بين العملية العسكرية التي
يجري الإعداد لها وهي غزو أفغانستان والقبض على (ابن لادن) وبين الهجوم
الأمريكي الشامل على الإرهاب الدولي والذي يتطلب استخدام وسائل اقتصادية
وسياسية ودبلوماسية.
٥ - عدم التكافؤ الواضح بين القوة العسكرية الجبارة التي حركتها أمريكا
وبين الأهداف المعلنة، كما يبدو عدم التكافؤ الواضح بين الدولة المقصودة بالحرب
وهي أفغانستان وبين أمريكا والحلف الدولي الذي صاغته بالإكراه من ورائها؛ لذا،
ومن منظور نفسي فإن الحركة الضخمة للآلة العسكرية الأمريكية مقصود بها إثبات
الوجود، وتأكيد القوة حتى لا يظن ظان أن القوة العسكرية الأمريكية في حالة
ضعف أو استرخاء.
أهداف الحملة الأمريكية على أفغانستان:
تستهدف الحملة العسكرية على أفغانستان باعتبارها السلوك الأمريكي موضع
الفهم عدة أهداف في تقديرنا، وهي:
١ - القبض على (ابن لادن) حياً أو قتله باعتباره وفق المنظور الأمريكي
المتهم بتنفيذ الهجمات الأخيرة والتي راح ضحيتها وفق التقديرات المعلنة حتى الآن
أكثر من ٦٠٠٠ آلاف أمريكي، وهو ضعف العدد الذي راح في الاعتداء على
بيرل هاربر.
٢ - إسقاط حكومة طالبان الإسلامية التي تمثل قمة التحدي للصلف الأمريكي،
وهو ما يعني رفض قيم التحديث الغربي ونمط الحياة الأمريكي الذي تريد أمريكا أن
تفرضه على العالم كله دون نظر أو اعتبار للخصوصيات الثقافية والدينية بين الأمم،
وهو ما يعبر عنه كيسنجر برفض قيم العالم المعولم. يقول بوش في معرض
تسويغه الحرب ضد أفغانستان: (إن طالبان حكومة قمعية تقهر النساء) ، ولا
نعرف من الذي نصب الرئيس الأمريكي ليكون محامياً عن المرأة الأفغانية؟ !
٣ - بناء تحالف دولي ضد الإسلاميين الذين يمثلون تهديداً لأمريكا تحت
مظلة مكافحة الإرهاب في البداية، ثم استخدام هذا التحالف ضد العالم الإسلامي فيما
بعد وخاصة الدول التي تسميها أمريكا دولاً مارقة أو منظمات إرهابية مثل حماس
والجهاد الإسلامي الفلسطيني على وجه الخصوص دون تمييز بين حق استخدام
القوة لمكافحة المحتل وبين استخدام القوة لمجرد الترويع، وبمراجعة لقائمة
المنظمات والدول والأفراد والجهات التي أعلنتها أمريكا ممثلة للإرهاب من
منظورها أو تلك المتعاونة معها فإنها تشمل جهات خيرية إسلامية ليس لها أي صلة
بالإرهاب المزعوم، كما أن حماس والجهاد على قوائم وزارة الخارجية الأمريكية
باعتبارهما منظمتين إرهابيتين. وبشكل عام فإن العقل الغربي لا يمكنه التمييز أو
التحليل، ومخزونه الثقافي يجعله يرى في الإسلام وحده هو الدين الذي يغذي ثقافة
الإرهاب.
٤ - إعادة رسم الحدود والجغرافيا السياسية لمنطقة آسيا الوسطى لصالح
الشركات البترولية الكبرى التي تتنافس على المخزون البترولي الهائل في بحر
قزوين كما تتنافس على مد خطوط الأنابيب لتوصيل هذا البترول لأوروبا وأمريكا
والعالم الغربي، وتشير التقديرات أن المخزون النفطي الهائل في بحر قزوين يبلغ
حوالي ٢٠٠ مليار برميل، ومعظم الشركات التي لها عقود للتنقيب في المنطقة هي
شركات أمريكية مثل سيفرون، أيكسون، وكوبيل. وليس خافياً أن أباطرة البترول
في أمريكا هم الذين يصنعون حكام أمريكا، وهم الذين يصنعون السياسة الأمريكية
وفق مصالحهم.
٥ - توسيع حدود حلف الأطلنطي شرقاً لمحاصرة الصين وكوريا الشمالية،
وتثبيت مواقع جديدة في منطقة آسيا الوسطي تحاصر روسيا في خاصرتها الجنوبية
ومن المعروف أن الثقل الكوني بدأ يتحرك مؤخراً في آسيا في نفس الوقت الذي
تعاظمت فيه كراهية الوجود الأمريكي في البلدان الآسيوية؛ ومن ثم محاولة استعادة
هذا الوجود في مناطق استراتيجية جديدة.
الخبراء والمراسلون يتحدثون عن القدرة الأمريكية والإرادة الأمريكية؛ لكننا
نعود فنؤكد أن أمريكا لن تعود كما كانت قبل يوم الثلاثاء الفارق الذي تلقت فيه
أمريكا صفعة قاسية ومهينة رغم التقدم الأمريكي، لكن الحرب تظل دائماً معلومة
البداية غير معروفة النتائج ولا النهاية. ونحن نعتقد أن أفغانستان ربما تكون
الأرض التي تشهد للمرة الثالثة هزيمة أكبر إمبراطورية عرفها التاريخ المعاصر،
وربما تكون بدايات النهوض لعالم المستضعفين [وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ
اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ] (القصص: ٥) .
стр. 4092
المسلمون والعالم
الإرهاب يباع ولا يعلَّم
دعوة للسلام ومواجهة الإرهاب ومحاكم التفتيش
د. محمد حامد الأحمري [*]
بعد أكثر من عقد من الزمان وقف بوش الابن موقف والده لينذر العالم من
عربي إرهابي آخر، فأما الأول فحاول ضرب مصالح أمريكا خارج أمريكا، وأما
الثاني إن كان الاتهام صحيحاً فقد كان موجعاً أكثر، حيث قام بحرب أمريكا على
أرضها؛ ولذا قامت وسائل الإعلام الغربية بحملة تجريم للعرب والمسلمين ووضعهم
في صندوق الإرهاب مهما رفضوه، وقد بادر الغربيون بالاتهام كما فعلوا من قبل
في حادثة أوكلاهوما، وبادر العرب والمسلمون بالشعور بالذنب وتقمص الدفاع قبل
ظهور أي دليل على متهم.
وليس هناك توجه للوقوف عند من الذي فعل الآن؟ ومذكرة الحكومة
الأمريكية الموعودة التي وعد بها باول ألغاها الرئيس، وقد يكون السبب صعوبة
معرفة ذلك الآن، أو لأن تعليق الأمر حرباً أو سلماً على المعرفة سوف يعطل
مشروعاً أكبر من مجرد الانتقام لما حدث، وما تلا حرب الخليج شاهد قريب.
جذور الإرهاب:
لم يكن من الممكن أن يتحدث أحد في الحكومة الأمريكية ولا الإعلام الأمريكي
عن جذور الإرهاب في المشرق العربي المسلم، تلك البلاد التي عاشت سلاماً وأمناً
قروناً طويلة، حتى بدأت الحملة العنصرية الصهيونية.. وجاءت بالقنابل وأدخلتها
في مخَّاضات الحليب إلى فندق داود في القدس لتفجرها في البريطانيين، ثم لتقوم
بحملة إرهابية واسعة لإخراج مليون عربي ونصف مليون من دورهم، ثم بعد ذلك
تقوم حملة لإرهاب اليهود المقيمين في القاهرة وبغداد وغيرهما من اليهود الذين
رفضوا الهجرة لإسرائيل، وإخراجهم قسراً إلى إسرائيل، ولم تقتنع الدول العربية
ولا اليهود أن يهوداً سيرهبون ويقتلون بني جنسهم حتى أثبتت التحقيقات
والاعترافات أن هذه هي الوسيلة الوحيدة التي يتقنها الصهاينة لجمع شتات قومهم
من العالم، وإقامة دولة الكراهية والعنصرية، وهي الثقافة التي سوف ينشرونها،
ولتبدأ سرطاناً مدمراً يصنع الإرهاب أو يجبر الآخرين على ممارسته، وسيبقى
مرهقاً للغرب والشرق ما بقيت هذه العنصرية.
ولا يملك بوش الاعتراف بالحقيقة الأخرى: أن الإرهاب المصبوب نيراناً
على الفلسطينيين ليلاً ونهاراً بطائرات إف ١٦ والأباتشي، وهدم البيوت على
الأرامل والأطفال، وحملات الاغتيال ودعم أمريكا لهذا الإرهاب، ثم قتل خمسمائة
ألف طفل عراقي، وتبجُّح أولبرايت في مقابلتها لدايان سوير عن جريمة قتل هذا
العدد الذي يفوق ضحايا هيروشيما قائلةً: «إنه ثمن يستحق» ، وتدمير العراق
وإعادته للعصور الحجرية، أن ذلك وغيره من أسباب الإرهاب الأولى.
ثم شعور المسلمين بالاستنزاف لثرواتهم، وغبنهم السياسي المستمر،
والمحاربة لإخوانهم المسلمين، من مثل تدبير وتأييد الانقلاب على الديموقراطية في
الجزائر والمجيء بضباط فرنسا، ثم بتأييد روسيا في تدمير الشيشان وتحويلها إلى
مجازر وكهوف للأشباح، والحرص على تقسيم السودان واستخدام المسيحيين
والعملاء لتمزيقه وإفقاره، وتدمير مصنع الدواء الوحيد دون سبب إلا الانتقام من
الأبرياء؛ إذ لم تقدم أمريكا دليلاً سابقاً ولا لاحقاً على صفة المصنع. ثم تحريم
حقوق الإنسان للمسلمين ومنع أي وسيلة للشورى أو الديمواقراطية في العالم
الإسلامي، وتأييد النظم العسكرية والاستبدادية، والموقف المعادي من علماء
الإسلام ومفكريه والإغراء بمطاردتهم وقتلهم، وبعضهم نجا من محاولات اغتيال
كما أشار (بوب وود ورد) في كتاب الحجاب ومنعهم من أي وسيلة للتعبير، وهم
روح الأمة وعقلها النابض، وقصر التوجيه على المتغربين الأتباع؛ مما أشعر
الأمة بأن دينها وحريتها وثروتها مستباحة محرومة منها، ومحرم عليها فوق هذا
حتى أبسط حق للتعبير. تلك جذور الإرهاب التي يحرم بوش واليهود نقاشها،
ويتكلمون عن سلوك ونتائج بلا أسباب.
إن مقارنة سريعة بين خطبة بوش الأب وخطبة بوش الابن وخطبة نابليون
للمصريين تكاد تكون واحدة، في نفس السياق حماية ورعاية، وعدلاً وخيراً يعد به
المستعمر، ولم نرَ فيما شاهدنا في بلاد المسلمين من نتائج الاحتلال إلا الخوف
والفقر والجهل، والإرهاب والحروب، وزيادة الاستعمار العسكري، والقهر
والتخلف السياسي، ونجاح الاستثمارات والبنوك الغربية وزيادة نفوذها وتحكمها في
القرارات.
وجاءت الحرب السابقة ببوش الصغير، جاءت به أموال كنائس تكساس
الغنية، ومواقف حزبية أخرى، وجاءت شركات البترول بوزير الدفاع السابق
تشيني نائباً ولكنه عملياً الحاكم الفعلي لأمريكا، والرئيس يتولى المظاهر وديكور
الإخراج، خَطَبَ بوش الابن ومدح الإسلام، ولم يكن قادراً ولا شجاعاً على أن
يعيد مسرحية نابليون ويكمل الصورة التاريخية فيعلن عن وزير مسلم في حكومته
أو أن يسلم أحد وزرائه ثم يزوجه واحدة من آل البيت كما فعل نابليون، فيفرح
ساذجون بنصر للإسلام والمسلمين وظهور الحامي الأمين. أما الخطاب فقد كان
نصاً تهييجياً فيه قليل من الحقيقة وكثير من الترويع والإرهاب والغرور والتعالي،
ولا أظن خطيباً قبله خطب بمثل هذه العنجهية والثقة، وأهمية الخطاب تبرز في
استعادة ماء الوجه، والتسلية عن المصيبة، وهذا واجب المرحلة، مع إعادة الثقة
بشخصه، وأنه ليس ديكوراً أو واجهة لغيره. وقد أصبح حكمه وضعف شخصيته
مثار سخرية من قبل التنصيب ومن بعده؛ مما يذكر بالمثل التركي: «إن وصلت
للحكم فسوف يعطيك الله عقلاً يناسبه» . غير أن أمريكا ليست بلد الحاكم المنفرد.
الحاجة للحرب وصناعة عدو:
قامت الولايات المتحدة على الحروب المتوالية، وكسب قادتها وزعماؤها
المؤسسون زعامتهم من صفاتهم الحربية ومن شجاعتهم، ومواجهتهم للهنود الحمر
ثم من مواجهتهم للحكومة البريطانية، ولا تكاد تجد تاريخاً لبطولة أمريكية منفصلة
عن القتل، والغارات على الأقليات أو على الحكومات المعارضة لتجارتهم. وبرز
من رجال الحكومة الأمريكية حكام دخلوا في مبارزات شخصية، وممن دخلها
الرئيس جاكسون، ووافق لينكولن على الدخول فيها، ولما خرجت القرعة عليه
ليختار السلاح الذي يبارز به خصمه اختار السيف، وقرينه قصير مما جعله يوقن
بالهزيمة بسبب الطول فانسحب، وكانت المبارزة بالسيف أو بالمسدس وجهاً لوجه
من مسافة قريبة، تلك كانت تقاليد الرجولة. وفي الحرب الأمريكية مع العراق
خرج كتاب يتحدث عن حرب السيد بوش يؤكد فيه الكاتب أن العامل الشخصي
والبحث عن البطولة، والدخول في أمجاد التاريخ الأمريكي تاريخ المحاربين كان
من موقدات الحرب. ولم تخل الأيام الماضية من الحديث عن حظ بوش الجيد أن
تشب حرب في عهده، والبكاء على الزعيم المحبوب عندهم كلينتون الذي لم يحالفه
الحظ بحرب في زمانه. وقد ترسخت ثقافة العنف في المجتمع الأمريكي كما لم
تترسخ في مجتمع آخر على وجه الأرض. واختلطت الحرية بالدين بالعنف
بالعنصرية في تشكيل هذه الثقافة.
ولربما كانت هذه الثقافة هي ثقافة شائعة بين المنتصرين الفاتحين الأقوياء
عبر الدهور؛ غير أننا لم نعرفها ولم نرها عند غيرهم لذا نراها أجنبية على
الإنسان، ومريعة ومخيفة أن تحكم العالم، وأن تكون هي السائدة، ثم قاعدة الرفاه
بعد الحروب دافع مهم أيضاً، وأمريكا عاشت أحسن أيامها بعد الحروب، ودرت
الأموال عليها نتيجة لذلك؛ ففيها البنوك التي يثق فيها المنهزمون، وفيها الحكومة
التي ترعب الجبناء، وكما قال بوش الابن: تأتي بخصومها إلى العدالة أو تحمل
العدالة إليهم. حسب منطق: «القوة حق» ، أو «قوي الغابة عادل» .
ثم خطب بلير رئيس الحكومة البريطانية من بعد ذلك بطريقة أعادت أيام
تشرشل، وتمسك إمبراطورية غاربة بحضور مكلف، ويحاول بلير أن ينقذ بلده
ولو بصحوة الموت، واعترف أن بلده أصبح مقوداً منذ خمسين عاماً، وهو يحاول
أن يرده للقيادة، فأرسلت الحكومة البريطانية من القوات ما لفت نظر المراقبين؛
حيث يرى بلير أن هذه الحرب هي حرب بريطانيا، وقد كان الشارع البريطاني
ينظر للحدث في وقته بعين المراقبة الباحثة عن السبب، ولكن رئيس الوزراء حمل
الميكرفون وشن حملة إعلامية كبيرة، وأصبح يخرج بطريقة أعاد بها ذكريات أحمد
سعيد في تهييجه للناس أيام عبد الناصر.
فهو يواجه أزمة ترسيخ سلطته الشخصية والحزبية، ويرى نفسه وذكاءه
وقدراته تبز بوش الذي يحكم أمريكا وليس قريباً من مستواها. ويواجه ظرفاً يتمنى
أن يكون فيه تشرشل القرن المسيحي الجديد، وأن يلقي بظلاله على فترة جديدة
يرى نفسه فيها الرجل المناسب للمرحلة وللحرب مع العالم الإسلامي الذي نال به
بريطانيون كثيرون أمجاد الفتوح، وليس زعيماً دينياً مثل جلادستون قبل أكثر من
قرن، ولكنه يتولى المنصب التنفيذي للقب الملكة الرسمي «حامية المسيحية» ،
فهو تنفيذياً حامي المسيحية البريطانية. وقد لا تكون الدوافع الدينية محركاً أكبر من
أزمة بريطانيا الداخلية والعالمية؛ فهذه فرنسا وألمانيا تسحب بساط أوروبا من
تحت أقدام الإمبراطورية، وأمام أي حاكم بريطاني تحد أكبر مما يتوقع وهو إعادة
بريطانيا لطريق التاريخ.
ومن الإجراءات التي بدأها جون ميجر في عهده إعادة الروح الدينية
لبريطانيا، وقد خطب منتقداً التعليم الذي لا يهتم بهوية بريطانيا وثقافتها قاصداً
الهوية الدينية ويقبل حتى حزب العمال على الثقافة المسيحية، وهو الحزب الذي
عاش لفترة مرتعاً للملحدين وخصوم المحافظين من غير المتدينين.
لقد أعلن بوش أنه يقود كما قال حرباً صليبية؛ فكيف يجمع معه المسلمين في
حرب صليبية؟ ثم أكد في خطابه أنه سينشر عملاً قد يكون أشبه بمحاكم التفتيش
ويروج لإرهاب جديد في كل مكان، وقبل خطابه هذا رأى أحد القساوسة حرب
المسلمين فرصة، ودعا لمواجهة المسلمين في العالم، وقتلهم وتنصير الباقين،
هكذا يخاطبون ملياراً وثلثاً من البشر، وأكثر من خمسين دولة مسلمة، حتى لقد
اغتنم النصارى الصغار المناسبة فاعتقلوا المسلمين، واستغلوها لحرب المعارضة
السياسية لفسادهم حتى في إرتيريا، وتلك أنسب الأوقات لتصفية الحسابات القديمة
والخروج على الأعراف، وإشباع الأحقاد، وقد استغل الهندوس أيضاً الحدث كما
فعل حاقدون آخرون ورأوا في هذا بدء بناء معبد على حطام المسجد، وستنطلق
أحقاد أخرى مؤجلة.
صعود الحساسية الدينية:
وللغربيين وبخاصة البريطانيين بعض العذر في الموقف المنفعل تجاه الإسلام،
وهو ما حدث أخيراً من مواجهات في بعض المدن البريطانية بين المسلمين
والمتطرفين البيض، وكثرة المهاجرين، حتى أصبحت بعض أحياء لندن من
المسلمين فقط، وفي بعض المدن أصبحوا الأغلبية من السكان مثل برادفورد، ثم
إقبال العديد من الناس على الإسلام؛ مما يهدد مع الزمن الهوية التي يخاف عليها
بعض المسيحيين. فوقفة زعيم بهذا الحجم تمثل عنده وعندهم وقفة إنذار تاريخي
من الهجرة الإسلامية إلى أوروبا من الجنوب.
والذي يعمل له الغربيون في خارج بلادهم فيما يراه بعض المحليين أنه موقف
حاسم من الشعوب الإسلامية التي عليها أن تقر القيم الغربية بالإكراه والعنف،
وتقبل بالمسيحية مشكلة للمجتمع الإسلامي ومؤثرة فيه، والبابا يبشر ويتجول في
العالم الإسلامي كما لم يحدث لزعيم مسيحي من قبله وبنفس الجرأة والتوسع والقوة،
والتأثير السياسي والاقتصادي للكنيسة الكاثوليكية، وفي تعاملها وتسامحها مع
خصومها البروتستانت والاتجاه لكسب بلاد جديدة وسياسة ودول. وقد يعجب المسلم
من المبادرة البابوية في عقد مؤتمر عن الموقف من القتلى حضره ممثلون من الدول
الإسلامية زعماء ومشايخ وسياسيين، ولا يجد للمؤسسات الإسلامية ولا للمنظمات
الإسلامية حضوراً، ولا اسماً ولا موقفاً دولياً مؤثراً، مع أنها المحاصرة بالجيوش
النصرانية تسد عليها الآفاق في كل صقع، وهي المتهمة.
ونظرية صراع الديانات كما بشروا بها تأخذ دوراً كبيراً حتى على ألسنة
المعلقين والعامة. والغربيون لا يمكن أن يقبلوا بقولنا إنهم هم الذين يصنعون من
أقليةٍ مسلمة أقليةً إرهابية، ويدفعون بها قسراً أن تحتج بهذه الطريقة وكل هذا القول
مبني على تصديق تُهم الإعلام؛ فالحكومة الأمريكية لم تصدر التهمة بعد وقد بدأت
المواجهة الحضارية للمسلمين قبل عرض الأدلة.
هل قصد بوش حرباَ صليبية؟
اعتذر الناطق في البيت الأبيض عن كلمة بوش في وصف حربه بالحرب
الصليبية، وأبقت البي بي سي الخبر يوماً ثم غيرته واعتذرت عنه، ومن العدل ألا
نهيج لمعنى قيل لعله لم يقصده، ولكن ما لنا وللألفاظ وترك الحقائق والمعاني؛ فإن
المدارس الإسلامية والجامعات في الغرب أغلقت، والمساجد عطلت فيها الصلوات،
وحل الخوف، وتركت نساء الحجاب، وقلَّ رواد صلاة الجمعة، وأرهقت
المؤسسات الإسلامية، وأصبح الراكب المسلم يُخرَج من الطائرة، ويوقَف القطار
بسبب وجود معمم سيخي فيه ظنُّوه مسلماً، ويضيق الأمر على المسلمين، واعتقلت
أعداد كبيرة، وقد أصبحت الضجة سبباً للمطاردة. ولم يأبه صاحب متجر أن يكتب
لوحة على بابه تقول: (اقتلوهم جميعاً يعني المسلمين ثم الله يميز بينهم فيما بعد) .
وقد كان نداء الحكومة الأمريكية ومسؤوليها مشجعاً، وتعاطف عدد كبير من
عامة الناس طيباً، وبعضهم أعلن إسلامه، غير أننا نراقب حال الإسلام عموماً،
وليس في بلد محدد بل في كل مكان؛ فالاعتقالات ومواجهة البنية المؤسسية
والدعوية الإسلامية في خطر كبير في كل مكان، وتصرف الحكومة الأمريكية مع
الدين ومؤسساته في الغرب وفي المناطق الإسلامية هو الذي يحدد هل هي حملة
صليبية تجتث الإرهاب أم تهدف لحرب الإسلام، وشل قوته، ومحاصرته بالنشاط
الكنسي والمليارات الكريمة المتدفقة على التبشير؟ يقابل ذلك أن الحكومات في
العالم الإسلامي ليس لها وجود رسالي دعوي.
أمريكا الظالمة لن تقف أمام هذه الحقيقة ولكن سيخطب بوش ويسترضي
بعض الناس، ثم تخالف قوته المرعبة لبيوت الأبرياء في العالم، مطاردة وترويعاًَ
لإجراء حملة تفتيش وإرهاب على الأفراد والحكومات في العالم الإسلامي،
وستستغل هذه الحادثة إلى أقصى الحدود لتعيير الحكومات العربية وهجائها،
وانتقاص سيادتها، وإضعاف مكانتها ومطالبتها بتنفيذ حملة الإرهاب والتفتيش في
كل مدينة.
إننا ضد الفساد والتدمير وقتل الأبرياء نقولها دائماً، والآن نؤكد، وضد قيام
حملة صليبية مرعبة حول العالم، تستخدم الدول العربية والإسلامية طواعية أو
قسراً، وسوف يحرِّمون الأوصاف الصحيحة لما يجري، ويمنعون الناس من ترديد
هذا اللفظ الذي اختاره بوش، ولن يسمحوا لنا أن نستخدم كلامه العفوي مستقبلاً،
وسيقولون إننا متعصبون ومتهورون ومتطرفون؛ لأننا صدقنا قوله، وكان علينا أن
لا نصدق أنه قال. إن لغة وثقافة جديدة يجب أن تسود، وسلوك المكارثية الجديدة
سيكون أشنع من مجرد المحاسبة على الأفكار.
التحيز ضد الإسلام:
يستغرب أحد المراقبين كيف يختلف تعامل المجتمعات الغربية مع حوادث
الإرهاب؛ فعندما يضرب الجيش الإيرلندي لندن لا تخرج الأصوات باتجاه طلب
تفجير نيويورك، ولا السؤال عن تمويل الجيش الإيرلندي، بل يتعاونون على
معرفة المطالب، والجلوس إلى مائدة الصلح، ومواجهة العنف بالعدل، وانتخاب
الممثلين للمعارضة، أما يوم حدث تفجير أوكلاهوما فكان الرد من بعضهم بطلب
ضرب العالم الإسلامي، وزاغت القلوب والعيون وأحرقت مساجد، ولما تبين من
الذي كان سبب الإرهاب وأنه واحد منهم جاء الرد متعقلاً مؤدباً وحضارياً، لأنه لن
يبنى على هذه الحركة حرباً استعمارية، فقد جاء الأمر بطلب بدء البحث عن
الأشخاص الذين فجروا، ولم تعلن الحرب على الولايات التي أنتجت الإرهابيين،
ولا جيش البيض المسلحين الذين بقوا بأسلحتهم إلى هذه اللحظة. أما بعد التفجير
الأخير فكانت الحملة موجهة مباشرة للعالم الإسلامي قبل أي أدلة، مع تهييج العالم
كله، ووضع الدول والأشخاص والأحلاف الدولية جزءاًً من العملية، نعم إنها
مرعبة من حيث الحجم! ولكن لو تبين بعد فترة عدم مسؤولية المسلمين فلن يتعامل
الغرب بالطريقة نفسها.
أبعد من طالبان ومن تخريب الخرائب:
أصول بعض المتهمين ومكانهم تسوِّغ إلى حد كبير الموقف المتشدد ضد
طالبان وبعض الدول العربية، غير أن المطلوب لا يمكن أن توافق عليه حكومة
ذات سيادة وطنية، إذ تواجه طالبان موقفاً تدميرياً لوجودها، وإنهاءً لحكمها،
ولكنها لو سلّمت ابن لادن لما وقفت شهية الغرب النصراني عند هذا، ولو أنهت
القواعد المدعى وجودها لما قبل الغرب بذلك، ليس فقط لأن الغرب كما يقول سيد
قطب: «لا يقبل بدولة إسلامية ولو جزيرة في المحيط» ، وليس فقط بسبب
بعض التشدد والأخطاء التي مارستها طالبان. ولكن لأسباب مختلفة لا تذكر هذه
الأيام، وهي خطورة وجود دولة إسلامية مستقلة في مناطق وسط آسيا الإسلامية
وقد بدأت تصحو وتتفلت من الاستعمار الروسي الطويل، وتنذر بحياة إسلامية
جديدة في بلدان واسعة وثروات ضخمة، ومستقبل يعد بالكثير؛ ما لم تدمر هذه
التوجهات في مهدها.
وقامت طالبان بموقف آخر أثار الغرب أيما إثارة، وهو العالم الذي تؤثر
كثيراً في قراراته الجمعيات غير الحكومية الكنائس تحديداً هذا الموقف هو الإقدام
على سجن مجموعة من المبشرين ومشروع محاكمتهم، ومحاكمة المرتدين
للنصرانية، وهذه جريمة دولية عند النصارى تفوق في حساسيتها ما يتوقع
المسلمون؛ فمن قبل ذلك كلَّف تصرف عيدي أمين مع قسيس بريطاني منصبَه،
وسُلِّمت أوغندا للنصارى بسبب إثارة حمقاء لبريطانيا التي تحمل ملكتها لقب حامية
الكنيسة، وبريطانيا تحمي وترعى مصالح النصرانية حقيقة لا مجرد لقب.
حرب طويلة المدى:
يقول طرف الحرب الغربي إن هذه الحرب قد تستمر لعشر سنوات، ومنهم
من يراها أقصر أو أقل، فأما عملية مواجهة شخص بن لادن وحكومة طالبان فقد
تكون قصيرة، ومثلها مواجهة الجماعات المتهمة بالعنف، ولكن الطول المقصود قد
يراد به المواجهة التي يسمونها حضارية وهي عند العرب «الدينية» فهذه لم تهدأ
منذ أربعة عشر قرناً ليقول أحد أنها ستقف، بل ستكون أبعادها الأمنية والمالية
مرهقة لجميع الأطراف، ما لم يتوقف الغرب عن إيقادها في كل مكان، ويوقف
الترويع والإرهاب الرسمي من الشيشان إلى فلسطين والسودان وغيرها من المناطق
التي يسود فيها الإرهاب المحمي بالقوة الدولية الكبرى.
رؤية العالم لأمريكا:
إن أمريكا دخلت بجيشها أكثر من مائتين وستة عشر مرة لبلاد أجنبية،
وقتلت أكثر من اثني عشر زعيماً لدولة، ودمرت الديموقراطية في المستعمرات،
وأقامت انقلابات ضد الشعوب، وقتلت الحكام المنتخبين ونصبت خدمها وجواسيسها
من أمثال بينوشيه، وبأوامر من كيسنجر قتل آلاف الناس في العالم من المعارضين
لأمريكا ولسياستها، عندما كانوا مقرين لقانون الاغتيال للمعارضين السياسيين
يناقش الآن إعادة هذا القانون ولم تدنها هيئة الأمم، ويوم أدانتها محكمة العدل
الدولية فمر الخبر وكأنه نكتة عابرة، وعندما تريد أمريكا أن تدين المحكمة الدولية
بلداً مسلماً فإنه يحاصر، ويمنع منه الرزق ويوقف الطيران، وتشل الحياة، حتى
يركع المعترضون أذلاء وهم غالباً دول مسلمة تحت أقدام طغيان هذا الصنم
المسيحي الذي يسمى هيئة الأمم المتحدة.
وتدمير البنى الثقافية والسياسية والعلمية والاقتصادية في العالم الإسلامي هدف
تعلنه الدول الغربية أحياناً وتكتمه أحياناً أخرى، بحسب الحاجة لمنافقة الضحايا،
ثم تسلب أموالهم مرة أخرى لإعادة البناء، كما فعلت فرنسا التي سلبت مال العراق،
ثم هاجمته مع المهاجمين ثم تطالب بالعقود لإعادة بنائه، وهكذا أفغانستان مكسب
للجيش الأمريكي: أن يحارب هناك ولو جوياً، ثم مكسب بعد الهدم ثم يأتي الخير
فيما بعد لعقود وصفقات البناء، وحكومة عميلة وهكذا دواليك.
المسلمون والحادثة:
تعلَّم المسلمون من حادثة صدَّام السابقة أنهم كانوا ضحية المعركة الأولى،
سواء بسبب تصرفاتهم، أو بسبب الموقف المسبق منهم، ولا فرق هنا بين حركة
قومية صادقة، أو وطنية مخلصة أو إسلامية هادية، فكلها لن يغفر لها الاستعمار
أن توجد، ولا أن تؤثر، وكلها حركات معادية في نظر المحتلين، وبحكم أن
الإسلاميين كانوا الأعلى صوتاً أخيراً، والأنفذ أثراً، فقد تلقوا العقوبات الأشد قتلاً
ومطاردة وتشويهاً للسمعة؛ فالمستعمر لا يقبل إلا صداه. والحملة الجديدة لا تبحث
عن غيرهم، ويجب أن يوضعوا في صندوق الإرهاب، ويلحق بهم كل ذي كرامة
وحس وطني حتى وإن لم يكن مسلماً في عالم الإسلام.
فإن من المهم للمسلمين أن يعلموا أنهم قد رُموا عن قوس واحدة، وأنهم قد
دخلوا طوراً جديداً من العلاقة بينهم وبين الغرب، وهذا يلزم بتغيير طريقة التعامل،
وبتوفير النفس والمصالح، وعدم توجيه السهام كلٌّ إلى نحر قريبه؛ فقد أثبت
الموقف أن هؤلاء لا تقف شهيتهم عند حد من حيث الرغبة في تدمير الكيان
الإسلامي بأي وسيلة، ولو كانت مجرد تهمة، والطريق الصحيح هو البحث عن
وجوه الخلاص من الظاهرة الإرهابية السياسية الجديدة، والبحث عن السلم والأمن
والثقة، وتجاوز المواقف الخاطئة السابقة التي أثمرت ذلاً وفقراً وتبعية؛ لأن
الموقف الإرهابي الغربي الجديد لا يفرق بين الأطراف، وقد بدا ذلك صريحاً جداً،
لا يقبل المساومة مع أمريكا أو ضدها، وللحكومات قيم ومجتمع ومصالح ودين
وظروف مختلفة، ولكن السياسة المعلنة لأمريكا مقلقة لكل عاقل، حتى ولو رغب
في ولائها ومجاملتها. فهذه اللغة السياسية متطرفة منفعلة إرهابية تنذر بعنتريات
وبمجازر كمجازر رعاة البقر للهنود الحمر، وتنذر بالقضاء على الحريات وكرامة
الشعوب والأديان الأخرى؛ لأنهم يختلفون مع أمريكا فقط.
وما هي حدود الإرهاب؟ وما هو تعريفه؟ إن كان قتل المدنيين وإرهابهم،
فهذا الإرهاب قائم مرعي تدفع له معونات من دافعي الضرائب الأمريكيين،
ويحصل كل بيت إسرائيلي على ما معدله ألف دولار من المعونات الأمريكية، ربما
لأنهم يقومون بعمليات إرهاب وقتل للأطفال والنساء الآمنين العرب. وتقتل أمريكا
في العراق مائة وخمسين طفلاً يومياً، وتمطر الأُسر بالإرهاب كل ليل، وتحافظ
على صدَّام وسيلة لاستمرار ما تسميه بالإرهاب، وتمنع الثورة عليه كما في محاولة
سفيان الغريري؛ فهي تكرهه ولكنه خير وسيلة لاستمرار الإرهاب المحمود،
وأحسن الطرق لاستثمار المنطقة.
إننا لم نشهد الرحمة المسيحية تمتد لنصف مليون طفل مقتول في العراق، ولا
نرى عدل المسيحية يمتد للإنسان، بل نراه سيفاً مسلطاً على المساكين المستضعفين،
وها هو دور المسيحية في البلقان وغيرها لا تخطئه عين. فهل الإنسانية فقط
تعني المسيحي؟ ثم ترسل بعد ذلك إغاثات رمزية، ومساعدات تافهة لذر الرماد في
العيون.
أين الرحمة المسيحية من التحالفات الدينية المسلحة المقدسة ضد المسلمين في
كل مكان، أين المسيحية من الحشود البربرية في البلقان؟ ! أم أنها مشروع انتهى
ونجح وبقي أن تتباكى الكنيسة في أعين الترك المطرودين وبقايا الألبان، وتدعو
العرب أن يحضروا مؤتمرات تسوية ومؤتمرات إدانة، ومؤتمرات سخرية؟ !
إيطاليا أزعجها قتل مبشرين في الجزائر وهو قتل أزعج المسلمين أيضاً، ولكن لِمَ
لا تقف ضد فرنسا وتطالبها بإنهاء احتلال عساكرها للجزائر، لتنتهي المأساة مأساة
القساوسة، ومأساة الشعب الجزائري؟ ! ولكن البابا وإيطاليا وفرنسا تكسب
باستعمارها أكثر من خسائرها بموت عدد قليل.
والرعب والإرهاب لا بد أن يكون إسلامياً، حتى وإن كان في أعمال تحررية
يقرها القانون الدولي؛ فقانونهم الذي أقروه يقول بحق الناس في تحرير بلادهم،
وهذه البلاد قد وافق عليها مجلس الأمن، وقرر أنها للفلسطينيين، فكيف لا يحق
لهم حسب ميثاقهم الذي سنوه أن يواجهوا الغزاة، وأن يوقفوا الإرهاب؟ وكلما قتل
من المسلمين مقتلة قالوا أوقفوا الإرهاب الإسلامي.
من المستفيد من هذه الأحداث:
هناك المستفيدون الأولون من هذه الحرب أو هذه المواجهات، وقد ظهر على
الساحة الأمريكية استفادة اليهود الكبيرة من الحدث، وحاولوا أن يقولوا للناس إنهم
الهادئون الطيبون، المظلومون، واستنفدوا كل الوسائل وأصبحوا الخطباء
والمعلقين والمستشارين، وقد يبدؤوها مرحلة استثمارية جديدة من بيع الإرهاب.
ولكنها مع الزمن ليست لصالحهم؛ فبالرغم من خداعهم للشعوب الغربية
والزعم أن السبب هو أن المسلمين يرفضون النموذج الغربي للحياة وما يمثله، وأن
السبب هو الرفض للغرب، وليس لما حدث علاقة بالإرهاب الصهيوني مما
يحاولون به تبرئة ساحتهم، ولكن من النصارى من يرى في هذه الأحداث رابطاً
بينه وبين الهمجية الصهيونية، والإرهاب الذي يمارسه الجيش الإسرائيلي.
وأمريكا تحرص على تحالف سريع هادف على المدى الطويل، وتثق من أن
العرب ينسون، ولا يحتملون الصبر الطويل على العمل ولا المشاريع الدائمة،
فسرعان ما ينسون سخطهم، وشروطهم، ويعملون تحت الشروط الجديدة، وقد
نسوا كثيراً في الماضي شروطهم، وسينسون مستقبلاً أكثر.
يتضح من المواقف الحاجة لمزيد من الوجود العسكري في وسط آسيا، وبناء
قواعد عسكرية أمريكية في المنطقة حماية للحكومات الموالية وخوفاً من الشعوب أن
تستقل أو تحكم بلادها. وهناك مخاوف من الصين وعلاقاتها بالباكستان، والقوى
النووية الصاعدة، وهذه تقتضي سيطرة عسكرية وسياسية على الجيش الباكستاني،
وهذا ما يثير قلقاً كبيراً على كل الأصعدة؛ فهو موقف مريب ومخيف في الباكستان
وأمريكا، ومزعج للهند، ولو قامت حرب كبيرة قد لا تقف عند حرب هندية
باكستانية بل قد تصنع عالماً جديداً تماماً يشبه التغيرات بعد الحرب الأولى، إن لم
يستعمل أحد الأطراف قوته النووية.
إسرائيل الغائبة الحاضرة:
لم يتحدث بوش عن إسرائيل؛ لأنه يريد أن يبني تحالفاً عالمياً لمصلحتها
ولمصلحة سياستها وسياسة أمريكا وهي عامل مزعج في الحديث والسياسة؛ إذ لا
يملك رئيس أمريكي مهما تكن شجاعته إن كان حريصاً على انتخابه وعلى مصلحة
حزبه أن يعالج المشكلة الحقيقية وهي النفوذ والسيطرة الإسرائيلية على الكثير من
المواقف السياسية الخارجية لأمريكا، وهي كلمة قالها الرئيس (ترومان) بوضوح:
«معذرة أيها السادة، ولكن ليس ثمة آلاف من العرب بين الناخبين في دائرتي»
فالأمر في خطاب (ترومان) لا يخضع إلا للناخبين الذين إن لم يحقق لهم رغباتهم
صوَّتوا لغيره. وذلك عامل أساس في السياسة الأمريكية. ولكن اليوم هناك عوامل
كبر دورها وليس بإمكان العالم الإسلامي تجاهلها، ومنها: التكاتف الديني بين
الصهيونية وبعض النصارى، والتهويد لمواقف أغلبية البروتستانت في أمريكا
وأوروبا وأستراليا، ثم بروز حقيقة صراع الديانات أو كما سمي: (صراع
الحضارات) ، ثم سقوط المعارضة العالمية للغرب إلا في عالم الإسلام.
إن إسرائيل من أهم المستفيدين من المواجهة بين الغرب والإسلام، وأول
فوائد الإرهاب الأخير أن الانتفاضة وقفت أو كادت تقف.
واليوم يستغلون حادثة نيويورك أبشع استغلال، والاستغلال الأول تمثل في
هجوم كاسح ليلة الحادثة على جنين وأريحا، وقتلوا العشرات، والاستغلال الثاني
الأطول مدى وهو أنهم سوف يستثمرون الحادثة ودماء الأمريكان مالاً ومشاريع
وعقوداً؛ فهذا نتنياهو يبحث عن وظيفة وارتزاق لمحاربة الإرهاب، وقد سارعوا
من قبل لفتح هذه المتاجر التي تدعي مواجهة الإرهاب، ومعاهد السلام، وسوف
ينجلي الموقف عن صناعة الإرهاب كما انجلى عن صناعة الهولوكوست «مذبحة
هتلر» ، وتكتب الكتب بعد زمن عن استغلال اليهود لدماء الأمريكان، ونستمع إلى
حكيم آخر يقول: «إن الإرهاب يباع ولا يعلَّم» .
ولكن إبقاء إسرائيل قاعدة عسكرية لحملات صليبية قادمة أمر مصيري يغرى
به المتطرفون النصارى، والحالمون من اليهود، ويغفل اليهود عن حقيقة مصيرهم
الكئيب، فسيدفع اليهود أنهار دماء ثم يتبين لهم أن النصارى سوف يتركونهم
يواجهون مصيراً وحشياً من شعوب عاشت تحت إرهابهم زمناً لا نعلمه. ومن
اليهود أنفسهم من يتنبأ لهم بمصائر أسوأ من قصص التاريخ السالفة.
أهمية تغيير التركيبة الدولية وهيئة الأمم المتحدة:
يرى كثيرون أن هذه المواجهات هي مواجهات دولية، يسميها الغرب
حضارية، وهي تعديل لكلمة دينية، وليكن ذلك كما يشاؤون، ولكن السؤال: لماذا
تكون المسيحية هي الدين الوحيد المحرك للسياسة الدولية ويحرم العالم من ذلك؟
فمثلاً مجلس الأمن مكون من خمسة أعضاء (دائمي العضوية) أربعة منهم
للنصرانية، وخامس للصين، أما العالم الإسلامي الذي سكانه أكثر من مليار فليس
له ممثل واحد؛ بينما يمثل في المجلس فرنسا وبريطانيا وسكانها مجتمعة أقل من
سكان الباكستان، والمسلمون يزيد عددهم عن خمس البشرية وليس لهم قيمة مقابل
فرنسا أو بريطانيا؛ فهم إلى الآن أسواق فقط.
إيقاظ العملاق:
سيطرة فكرة الصراع الحضاري الإسلامي المسيحي من أسباب الوعي التي
سوف تعم العالم الإسلامي، وسياسة القهر التي سوف تواجه بها أمريكا دول العالم
الإسلامي ومشاريع إفقاره وتجويعه، وجلب السلاح لهلاكه وحروبه الداخلية، قد
تجعله يستيقظ، من خداع طويل دخل في ظلماته ثم لم يخرج منه. لقد دخل العرب
في الحرب العالمية الأولى مع بريطانيا، وقاتلوا الأتراك فكافأتهم بريطانيا
بالاستعمار وإعطاء فلسطين للصهاينة، واليوم تتحول الحرب إلى حرب تدميرية
داخلية أعنف وأخبث من كل حرب عرفها المسلمون في السابق، إنها تقتضي
المزيد من خضوع المسلمين للمستعمرين، وقهر الشعوب وتحويل الثروات للغرب،
إنها سياسة: «أرسلوا أموالكم واقمعوا أولادكم» . إن سارت أمريكا فيما أعلنه
رئيسها في حرب صليبية يحرك بها عواطف الغرب، ويغوي عامته، فسوف يعي
العالم الإسلامي الخطر، وسوف تسقط الحملة على أعتاب الوعي، أما إن كان يريد
كف الخطر عن بلاده فله الحق، وللمسلمين الحق في كف الخطر أيضاً ويعيش
العالم في سلام.
الدور القادم:
إن المسلمين لا يريدون الشر بالناس شرقيين أو غربيين، بل يريدون لهم
الخير والحق والهداية، والدين نزل لسعادة البشر، ويريد الله بكم اليسر ولا يريد
بكم العسر، وإن لم يسلم اليهودي والنصراني فالإسلام يحترم كرامة الناس ودماءهم،
وليس ديناً للدمار والقتل كما توهم الثقافة الغربية وتلزم؛ وذلك بوصم الإسلام
بالقوة حتى يسوِّغوا لأنفسهم العنف تجاه المسلمين وإرهابهم، ومن واجب المسلمين
أن يعملوا على أن يكونوا رحمة للعالمين، وهؤلاء الرحماء يجب ألا يكونوا أغبياء،
ولا الأغبياء يخدعونهم.
стр. 4093
المسلمون والعالم
الإرهاب المسكوت عنه والمحمي بالدستور
أحمد العويمر
الإرهاب ليس كلمة حديثة كما يقوله أحد الباحثين؛ بل كلمة قديمة ذكرها
القرآن الكريم في أكثر من آية منها: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ
الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] (الأنفال: ٦٠) بمعنى تخيفون به عدو الله
وعدوكم. والإرهاب حديثاً كما جاء في المعجم الوسيط: وصف يطلق على الذين
يسلكون سبل العنف لتحقيق أهدافهم السياسية، ومنه ما يقوم به بعض الأفراد
والجماعات والدول بالقتل وإلقاء المتفجرات والتخريب، والحكم الإرهابي نوع من
الحكم الاستبدادي يقوم على سياسة الشعب بالشدة والعنف بحجة القضاء على
النزعات وحركات التحرير والاستقلال [١] .
هذا الإرهاب الذي أقض مضاجع العالم، وكثيراً ما تحدثت عنه وسائل
الإعلام، ولا يكاد يعرفه الناس إلا منسوباً لأناس من العرب والمسلمين؛ حتى
أصبح ذلك السلوك نمطاً سلوكياً لا ينفك الأعداء عن وصفنا به وإلصاقه بنا زوراً
وبهتاناً.
بينما هناك إرهاب لا يقل قسوة ولا وحشية وهمجية عما يعرف بالإرهاب
النمطي المعروف في منطقتنا، ومنه الإرهاب المتمثل في جماعات وفئات إرهابية
متطرفة، وهذا ما سأوضحه للقارئ الكريم ليعرف هذا النوع المسكوت عنه من
الإرهاب.
قد يخطر على بال القارئ الكريم أني سأتحدث عن الإرهاب الصهيوني الذي
يتمثل في العصابات الصهيونية الحاكمة في (الدولة العبرية) ، والمتمثلة في حكام
وضباط ورجال الأمن (الصهيوني) ، وهذا معروف للجميع، لكني أقصد:
(الجماعات الإرهابية الأمريكية المتطرفة، والمتمثلة في قطاع كبير من اليمين
الأمريكي) بمنظماته وميليشياته المسلحة بما فيها الجماعات العنصرية التي تعتبر
أن العرق الأبيض يمثل (إسرائيل الحقيقية) ، ومنهم جماعة (كوكلوكس كلان)
التي ما زالت موجودة بعد أكثر من مائة عام كمثال لمنظمات الكراهية والعنصرية
التي تحدث عنها مؤلفو كتاب: (جنود الله: اليمين العنصري والديني المتطرف في
أمريكا) [٢] .
وفي الكتاب مقابلة مع (شارلزلي) الذي ظل عضواً في الجماعة ذاتها ثم
انضم إلى جماعة (التنين العظيم) التي انبثقت عنها قال: (أنا نصراني الهوية،
أعتقد أن النصارى هم فقط من سلاسلة آدم، ولم أعتقد أبداً في أن تختلط بذرتنا مع
الأعراق الأخرى) . و (جماعة الهوية النصرانية) تضم آلاف المنظمات التي
تتعدد في أشكالها وخطاباتها السياسية والفكرية، ومنها (المقاومة الآرية البيضاء) ،
و (التحالف القومي) و (الأخوة الآرية) ، و (جماعة حليقي الرؤوس) ،
و (العذارى البيض) ، و (نساء من أجل الوحدة الآرية) ، وتتفق هذه الجماعات
على أن العرق الأبيض هو العرق الأسمى بين كل الأعراق على الأرض،
واختلاط الأعراق كما يرون يلوث العرق الأبيض؛ ومن ثم يدمر هذه السلالة؛ فهم
يقاومون التعددية الثقافية داخل المجتمع الأمريكي. وإلقاء نظرة على القسَم لدى
(جماعة الأمم الآرية) يكشف عن ذلك الالتزام، ونص القسم: (نقسم بأن واجبنا
المقدس هو أن نقوم بكل ما هو ضروري لتحرير شعوبنا من اليهود! وتحقيق النصر
الكامل للعرق الآري، وأننا نتعهد بدمائنا ونعلن أننا في حالة حرب كاملة) .
وبغضهم لليهود راجع لاعتقادهم أنهم هم (شعب الله المختار) وليس
اليهود.
وهذه الجماعة الإرهابية المتطرفة تعتقد أن المساواة بين الأعراق (أسطورة) ؛
فهناك فئات منها تعتقد (أن الحرية الفردية في أمريكا هي أسطورة أخرى) ،
وتسوغ (العنف ضد الحكومة الفيدرالية) التي تطاولت على حريات الأفراد، أو
على الأقل (الانعزال) عن الحكومة، ويسوِّغ القس: (بيتي بيترز) راعي كنيسة
(المسيح في لابورت: كلورادو) أن الأمريكين يجري استعبادهم بترخيصات
وموافقات وضرائب وقيود وأوامر ونواه مقابل حريات أساسية تخضع لأهواء
الحكومة الفيدرالية، ويقول (جولد بي) عضو إحدى الميليشيات في تكساس: (إن
الأمريكيين قلقون من فقدان حرياتهم، ويجب أن يقلقوا؛ لأنه لم يعد لدينا إلا قليل
من الحريات، إننا نعيش في ظل الديكتاتورية) ، وفي اعتقاد تلك الجماعات الدينية
المتطرفة أن الحكومة الفيدرالية هي عدو ماسوني! وتهديد للحريات الأمريكية مثل
الحرية الدينية وحرية التعبير، وتهديد لحق الدفاع عن النفس وحق تقرير المصير!
وكان وراء هذا الاعتقاد المتطرف اتجاه إرهابي تمثل في ثلاثة أحداث أو عمليات
إرهابية خلال عقد التسعينيات وهي:
١ - الحادث الإرهابي الأول عام ١٩٩٢م، وعرف بحادث (روي لايدج)
ويرتبط الحادث بحصار فريق إنقاذ الرهائن التابع لمكتب المباحث الفيدرالية
لشخص يدعى (راندي ويفر) وزوجته وبناته الثلاث وصديق العائلة؛ حيث كان
(ويفر) وعائلته من (الانفصاليين) أتباع الهوية النصرانية، وكانوا يعتقدون أن
الحكومة الفيدرالية هي (معبد الشيطان) ، وأنهم نصارى بيض منشقون على
الحكومة الفيدرالية وجرى اشتباك بالنيران بين (ويفر) ورجال المباحث الفيدرالية
الذين أرادوا تفريق المجموعة المتهمة بتخزين الأسلحة وتوزيعها على الأعوان
لمواجهة الحكومة.
٢ - الحادث الإرهابي الثاني عام ١٩٩٣م، وعرف بحريق (الديفيديين) في
واكو، ويقترن الحادث باسم (ديفيد قورش) وهو زعيم جماعة يدَّعون أنهم فرع
من نسل داود، وهي جماعة انعزالية نشأت في واكو بتكساس، وأقامت مجمعاً على
مساحة ٣٧٥ هتكاراً أطلقت عليه اسم: (جبل الكرمل) ، وزعيمهم انضم إلى
الجماعة عالم ١٩٨١م وهو (فيرمون واين هاول) راعي الكنيسة السبتية في تايلور
بتكساس ثم أصبح رئيساً للجماعة وغير اسمه عام ١٩٩٠م إلى (ديفيد قورش) ،
وكان هو وجماعته يعتقدون أنهم يمثلون فرع داود، وسيحولون اليهود إلى
النصرانية ليشملهم ما يزعمونه من (خلاص المسيح) وأن (قورش) هو المسيح
المنتظر، وكانوا يجمعون الأسلحة في انتظار المعركة الكبرى مع حكومة الشيطان
(الفيدرالية) ، ولما أطلقت الشرطة الفيدرالية النار على المجمع في ٢٨/٤/١٩٩٣م
حدث تبادل لإطلاق النار أدى إلى قتل ٣ من رجال الشرطة وأربعة من الجماعة؛
ولذا حاصرتهم الشرطة الفيدرالية لمدة ٥١ يوماً بهدف استسلام الجماعة وزعيمها؛
لكنهم رفضوا وهدد زعيمهم بإحراق الشرطة والمجمع ومن فيه، وأخفقت محاولات
الضغط العصبي عليهم بقطع الكهرباء وإغراق المجمع بالماء، ورد عليهم الزعيم
المتطرف بأنه يتبع مشيئة الرب الواردة في (الكتاب المقدس) فأحرق المجمع؛
مما أدى إلى قتل ٧٤ من أنصاره بما فيهم (الزعيم) و (٢١ طفلاً، تسعة منهم
تقل أعمارهم عن ١٥ سنة! !) .
٣ - الحادث الإرهابي الثالث: عام ١٩٩٥م، وراح ضحيته ١٦٨ قتيلاً
وحوالي ٥٠٠ جريح حينما دمر (المبنى الفيدرالي) في أكلاهوما في
١٩/٤/١٩٩٥ م، وهو اليوم الذي يتوافق مع الذكرى السنوية من إحراق مجمع
(فرع الديفيديين) في واكو، وفي ليلة ميلاد الزعيم النازي (هتلر) . وقد سبق
أن ألصق الحادث بالمسلمين زوراً وبهتاناً، ونال المسلمون من الأذى والمضايقات
الكثير جداً، حتى بانت الحقيقة بأن مفجر المبنى المتطرف الإرهابي (تيموثي
ماكفي) الذي يتبع أفكار (سمو العرق الأبيض) ، وأن الحكومة الفيدرالية
(شيطانية) ؛ فقد كان عضواً في ميليشيا (متشيجان) ، وكانت تربطه علاقات
بجماعات ومعسكرات المتطرفين في (ألوهيم سيتي) على الحدود بين أركنساس
وأوكلاهوما، كما تأثر (ماكفي) بكتاب (تيرنر) الذي ألفه الدكتور (وليام بيرس)
تحت اسم مستعار هو: (أندرو ماكدونالد) والكتاب عبارة عن كراس روائي
سياسي يصف فيه المؤلف مجموعة من الأشخاص المتشددين الذين ينفِّذون
عمليات تفجيرات ذات دوافع سياسية ضد منشآت فيدرالية، وبين تلك العمليات
هجوم بقنبلة مصنعة من أسمدة كيماوية ضد مقر مكتب (المباحث الفيدرالية) في
واشنطن، وهو يشبه في صورة ملفتة حادث تفجير المبنى الفيدرالي في أوكلاهوما،
وقد وُجدت نسخة من الكتاب في سيارة (ماكفي) الذي ألقي القبض عليه، وبينت
التحقيقات معه أنه قام بتوزيع أعداد من نسخ الكتاب المذكور.
جماعات النصرانية اليهودية:
تعتقد جماعة (الهوية النصرانية) أن العرق الآري ليس (اليهود) هم
(إسرائيل) الحقيقية، ويتعلق من ينحدرون من هذا العرق كما يزعمون من الناطقين
الأوائل باللغة (الهندأوروبية) ، وتحدد جماعات التفوق الآري منذ مرحلة هتلر
الشعوب الآرية في شعوب (الإنجلو ساكسون) و (الجرمان) ، و (الغال) ،
و (الاسكندنافيون) ، و (التيتونيون) ، ويزعمون أن عرقهم متفوق وأنهم (شعب
الله) ! وذلك الارتباط بما يعنيه من (معاداة السامية) صاحَبَ نشأة أمريكا منذ
هاجر إليها الإنجليز والبيورتيانيون (التطهريون) وحملوا معهم عقيدة
(الإسرائيلية البريطانية) أو (الإسرائيلية الإنجلو ساكسونية) ، ويزعمون أنهم
أسلاف القبائل الإسرائيلية المفقودة بمعنى أنهم (شعب الله المختار) ! !
ومما يلفت النظر أن حركة (الإنجلو الإسرائيلية) الأمريكية تغلب عليها تيار
معاداة السامية الذي استبعد اليهود المعاصرين من القبائل الإسرائيلية المفقودة، وكان
ضمن هذا التيار (رابن ساوير) الذي اعتبر أن اليهود المعاصرين أدعياء خطرين،
وساهم في تأسيس (الفيدرالية العالمية الأنجلو إسرائيلية) وأصبح أحد قادة منظمة
(كوكلوكس كلان) في (أريجون) ، وكان وراء انتشار تيار معاداة السامية
واعتبار (اليهود أبالسة) لأنهم يحاولون السيطرة على أمريكا.
دعوى (الآريون) أنهم وحدهم نسل آدم: يقول (ريتشارد باتلر) مؤسس
كنيسة (يسوع المسيح) وزعيم جماعة الأمة الآرية فيما بعد: (إن كل الأعراق لم
تنحدر من آدم، فآدم هو أبو العرق الأبيض فقط) ، ويقول: (ديفيد ديفيدسون)
أحد نشطاء الآرية المسيحية أن هناك أعراق قبل آدم لم تنحدر من آدم، وإنما
تنحدر مما يسمونه: (كاين) المنحدر من الشيطان، وهدفهم بهذا الزعم إثبات أن
اليهود المعاصرين لا ينتمون إلى القبائل الإسرائيلية، وإنما يرجعون إلى أصل
آسيوي هو (الخزر) الذين كانوا يعيشون في شرق روسيا وتحولوا لليهودية في
القرن التاسع.
الكوكلوكس كلان الجديدة وإرهابهم:
نشأت هذه المنظمة عام ١٨٦٦م لترفع لواء حماية النصارى البيض من القهر
والحفاظ على طريقة حياة الجنوبيين الأمريكيين، ومقاومة تحرير العبيد. وبعد ذلك
نجد هذه المنظمة ما زالت مثالاً لجماعات الهوية النصرانية مثل (فرسان الكاميليا
البيضاء) التي تحمل الكراهية للسود، وتوسع نطاق كراهيتها وعدائها ليشمل
المختلفين في العرق والدين. غير أن ما يثير القلق في أمريكا الآن جماعة (حليقي
الرؤوس) والميليشيات الذين لا تخطئهم عيناك فهم شباب يرتدون سترات جلدية،
وشارات نازية، وهم حليقو الرؤوس، يزينون أذرعتهم بالوشم، وهم يرون أنفسهم
أنهم: (الشباب الآري) و (جنود الرايخ الرابع) ، وقد انخرطوا في عمليات
عنف وقتل، ويجاوزوا عداء (الكوكلوكس كلان) السوداء ليوجهوا عداءهم
وكراهيتهم ضد كل الأقليات العرقية والأجانب.
الميليشيات الأمريكية:
تشترك هذه الميليشيات في مضمون (الوطنية النصرانية) من جهة، والعداء
للحكومة الفيدرالية من جهة أخرى، ومن جهة ثالثة فإنهم للمحافظة على أمريكانية
ونصرانية أمريكا ومواجهة الحكومة، يرون أنه لا بد من تسلحهم للدفاع عن أمريكا
ودستورها، وتبني هذه الميليشيات شرعية وجودها وحركتها على التعديل الثاني
للدستور الذي ينص على أن وجود الميليشيا حسنة التنظيم ضروري لأمن أي ولاية
حرة، وأنه لا يجوز التعرض لحق الناس في اقتناء أسلحة وحملها، ويعتبرون أن
الدستور الأمريكي وتعديلاته العشرة الأولى في لائحة الحقوق مصدرها إلهام إلهي.
أما التعديلات الباقية من الحادي عشر إلى السادس والعشرين فهي مجرد قوانين لا
قدسية لها، وحسب هذا التصور العجيب بأن النصارى البيض وحدهم هم
المواطنون العضويون الذين وهبهم الله مقوماتهم حسب الدستور ولائحة الحقوق،
أما غيرهم فيتبعون التعديل (١٤) الذي يسمى قانوناً إلهياً، وتتسم هذه الميليشيات
بالنزعة الانفصالية عن غير البيض ومن الحكومة الفيدرالية؛ فميليشيات (مونتانا
مزيمين) أسست محاكم مواطنين، وأعلن رجالها أنهم أمة منفصلة، وأن الرب
كلفهم بمهمة حمائية في مواجهة الأعداء خاصة الحكومة والمباحث الفيدرالية،
وميليشيا (فايبرر) في أريزونا تدرب رجالها على القيام بتفجيرات في الصحراء
انتظاراً للمواجهة مع الحكومة، وميلشيا (ميتشجان) أعلنت أن هناك مؤامرة كونية
تشارك فيها الحكومة لإخضاع الشعب الأمريكي وتشكل فكرة المؤامرة الكونية على
الشعب الأمريكي لمصلحة حكومة عالية تديرها الأمم المتحدة بما يستوجب التسلح
الذي هو فكرة مشتركة بين كل الميليشيات.
الإنجيليون العسكريون:
وهم يؤمنون بأنه لا بد من محرقة نووية (هرمجدون) تحضّر لعودة المسيح،
وأنه لا بد أن يذوب في هذه المحرقة كل أولئك الذين ينكرون المسيح من الملحدين
والشيوعيين والنصارى العلمانيين والنصارى غير الإنجيليين والمسلمين! ، ولعل
هذا وراء قرار إضعاف العرب والمسلمين وضرورة تعزيز القوة العسكرية لـ
(إسرائيل) وراء حتمية الاستجابة إلى جميع مطالبهم بالدعم المالي والسياسي
والعسكري، وهم يقومون بالكتاب المقدس وبخاصة (أسفار الرؤيا، وحزقيال،
ويوحنا) ، وتضم هذه الحركة أكثر من ٤٠ مليون أمريكي، منهم رئيس أمريكا
السابق (رونالد ريجان) ، وهذه الجماعة فضحتها الكاتبة (جريس هالسل) في
كتابها: (النبوءة والسياسة) ، وحاورت قادتها وفلاسفتها، وذكرت في دراستها
أسماء شخصيات ومنظمات ومؤسسات وكنائس، هذه المنظمات الإرهابية التي
تعمل من أجل مصلحة (إسرائيل) لا حباً في اليهود بالضرورة ولكن للمساعدة على
تحقيق النبوءات التوراتية التي تمهد لعودة المسيح، وهذه المؤسسات المتطرفة تعمل
داخل أمريكا، وتعطي صورة واضحة عن كيفية عمل هذه الحركة الدينية، وتقدم
خريطة مفصلة لمواقع نفوذها. يقول أحد المنتمين لهذه الجماعة: (إن الله قضى
علينا أن نخوض غمار حرب نووية (هرمجدون) . وهذا ما يبشر به كبار
المنصرين منهم أمثال: ريتشار دي هان، وسويجارت الذي يقول: (إن
هرمجدون مقبلة، إنها قادمة، إنني لا أكترث بما تسببه هرمجدون من القلق
والمتاعب إنها تنعش روحي) [٣] .
الحرب النووية القاتلة لملايين الخلق تنعش روح هذا المنصر البليد، ومن
يقرأ كتاب (النبوءة والسياسة) سيعجب كثيراً من الرؤى المتطرفة والإرهابية
لهؤلاء الصهاينة النصارى الذين يعملون في وضح النهار وبحماية الدستور
الأمريكي، وبالرغم من جرائمهم وعنفهم وبخاصة مواقفهم حيال الحكومة الفيدرالية
ولا سيما تدميرهم المبنى الفيدرالي في أوكلاهوما فإن مفجر المبنى وهو أحدهم بقي
عدة سنوات يُحاكم ثم أعدم مؤخراً، ولم تؤخذ تلك الجماعات بمواقف متشنجة أو
تستأصل تلك الجماعات من الوجود.
والأعجب أن المسؤولين في الإدارة الأمريكية يقولون دون خجل: إن السكان
المدنيين يمكن أن يقعوا ضحية لضربات وقائية أمريكية في عمليات عسكرية لوحدة
مكافحة الإرهاب التابعة للمخابرات المركزية والتي ذهب ضحيتها الآلاف من
الأبرياء المدنيين في مختلف أنحاء العالم.
ولمعرفة المزيد: انظر: (كتاب الإرهاب العالمي) [٤] .
هذا هو الوجه الآخر لأمريكا، وهو إرهاب وعنف وتطرف لكنه مسكوت عنه
من الإعلام الغربي بعامة والأمريكي بخاصة، ومما يؤسِف أن الإعلام العلماني
العربي يتبع أكاذيب الإعلام الغربي ويساعدهم في تشويه صورة الدعاة المسلمين
بزعم أنهم إرهابيون ليبقى التطرف والإرهاب سمة وماركة مسجلة للإسلام
والمسلمين وحدهم، والغربيون بهذا يصيدون عدة عصافير بطلقة واحدة؛ فهم
يحاولون الإساءة للإسلام والمسلمين، ويحاولون إيقاف مد الإسلام والجماعات
الإسلامية بعامة وبدون تفريق؛ حتى تتم لهم النبوءات المزورة؛ وهي في نظرنا
قادمة؛ لكن سيعرف فيها من الرابح ومن هو ذو الخسران المبين.
[إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً]
(الطارق: ١٥-١٧) .
стр. 4094
المسلمون والعالم
فليستقل جورج الثالث عشر !
خالد أبو الفتوح
abulfutoh@hotmail.com
عندما كانت رحى المعركة الانتخابية الأخيرة دائرة في أمريكا كانت تصاحبها
معركة إعلامية بين أنصار المرشحَيْن: الجمهوري جورج دبليو بوش،
والديمقراطي آل جور. وكانت تدور على الألسن تهكمات عليهما أطلقها الإعلام
الأمريكي نفسه، أهمها أن هذه المعركة إنما هي تنافس بين (غبي) و (كذاب)
على رئاسة أقوى دولة في العالم، لم يكن كثير منا يأبه لهذه التهكمات أو
(التجاوزات) باعتبار أننا متفرجون على هذه المشاهد وأن الأمر لا يعنينا؛ لأننا في
جميع الأحوال علينا الرضا وطلب الرضا!
ولكن الأحداث أثبتت وما زالت تثبت خطأ هذا السلوك، ولفتت أنظارنا إلى
أهمية الاهتمام بمعرفة وربما البحث عن عدو عاقل الذي هو خير من صديق أحمق.
فالواقع أننا شئنا أم أبينا نعاني من انعكاسات قرارات هذا الرئيس أو ذاك
ومجموعة مستشاريه ومعاونيه وخبرائه، التي يكون من عوامل التأثير فيها أي تلك
القرارات قدرات هؤلاء الأشخاص وميولهم وقناعاتهم وأخلاقهم.
وهكذا شاهدنا حدوث (تحولات) ضمن ثوابت معينة صاحبت كل رئيس
وإدارته، وكان من أبرز مظاهر هذه التحولات في عهد الرئيس الأمريكي الحالي
هو تبنيه خيارات اليمين الجمهوري (الذي هو يمين سياسي أصلاً) المتمثل في
ثالوث: الرأسمالية في أقصى صورها تسلطاً، والقوة العسكرية في أشد صورها
عجرفة، ومنظومة الأمن القومي..
وعلى إثر ذلك رأينا ظواهر لتلك التحولات، مثل: التسارع المحموم في
تبني مشروع (الدرع الصاروخي) الذي استفيد فيه من مشروع الرئيس الجمهوري
الأسبق ريجان والمسمى (بحرب النجوم) والذي أُنفق عليه سابقاً زهاء ثلاثين
مليار دولار، ورأينا أيضاً محاولات الرئيس بوش وإدارته لإلغاء معاهدة الحد من
الأسلحة الباليستية الموقعة مع الاتحاد السوفييتي السابق عام ١٩٧٢م، التي تشكل
عائقاً أمام المشروع السابق ذكره، وكذلك الجدل الثائر حول اتفاقية كيوتو للحد من
الاحتباس الحراري الناتج عن الغازات الصناعية، والأقاويل التي ذكرت بخصوص
إلغاء حكم تقسيم شركة مايكروسوفت العملاقة، كما رأينا موقف الإدارة الأمريكية
من مؤتمر مكافحة العنصرية بديربان ... إلى آخر الظواهر التي شكلت مظهر
السياسة الأمريكية، وأفرزت معها في زمن قياسي عداوات (أو إزعاجات) متعددة
بين قطاعات كثيرة من الناس في بقاع شتى من العالم.
ولكن ساعد على إشعال هذه العداوات أيضاً: شيوع الأخطاء الناتجة عن
ضعف (دبلوماسية) الرئيس الأمريكي وانخفاض مستوى لباقته (أو لياقته) ،
ويأتي في هذا السياق ما تحدث به في حديقة البيت الأبيض عقب عودته من
مناقشات عقدها مع مستشاريه المقربين في كامب ديفيد يوم ١٦/٩/٢٠٠١م؛ حيث
دشن إعلان حرب أمريكا على الإرهاب متوعداً «بشن ما سماه حملة صليبية طويلة
الأمد لتخليص العالم ممن وصفهم بفاعلي الشر» [١] .
فهو باستعماله هذا المصطلح أعطى انطباعاً عنه يتجاوز ما هو سائد عن
سلوك راعي البقر الأمريكي الذي يكون زناد مسدسه أقرب إليه من طرف لسانه،
ليلفت النظر إلى أن في القادة الأمريكان من يعيشون أجواء القرون الوسطى، على
ما ينطوي في ذلك من إرث تعصبي ومضامين عنصرية تهدر وتتعارض مع جميع
مواثيقهم الدولية لحقوق الإنسان، بل تصطدم مع القيم التي يعلن قيام المجتمع
الأمريكي نفسه عليها.
إننا لا نرى أن هذا التصريح نشاز في خطاب السياسيين والإعلاميين
الغربيين عندما يكون هذا الخطاب موجهاً للغرب؛ فهو متناغم مع ثقافتهم وخلفياتهم
المشوهة عن الإسلام والمسلمين. ولكن الجديد هو تسرب مثل ذلك إلى مسامعنا،
وأيضاً الجرأة على إعلانه بهذه الصورة الفجة، وهو ما نبهه عليه مستشاروه، فعاد
واعتذر أو أسف.
فقد سبقه إلى هذه الاستفزازات يوم (١٤/٩) كاتب صهيوني يدعى (ريوفن
كورت) في مجلة (Israel Insider) (إسرائيل من الداخل) عندما دعا إلى
الرد على تفجيرات نيويورك وواشنطن التي طالت رموزاً للحضارة الغربية حسب
تعبيره بتفجيرات مماثلة لرموز إسلامية قائلاً: «وبالمثل فإن الغرب يتعين عليه
إيجاد وسائل أخرى لردع الجهاديين، ويجب أن نفعل ذلك من خلال فهمهم وإجابتهم
بمعايير نظام القيم الذي يؤمنون به، لا الذي نؤمن نحن به، فما الذي يجدي قصف
مطار كابول أو قواعد طالبان العسكرية؟ ... ففي مكة يوجد برجان طويلان في
شكل منارتين شامختين تحيطان بعلبة سوداء عريضة! يعبدها المؤمنون! ويتجهون
إليها في حجهم المقدس، وإلى هذا الشيء الرمزي يتجه كل المسلمين في
صلواتهم ... » .
ثم تبع تصريحات بوش تصريحات أخرى لرئيس الوزراء الإيطالي سيليفيو
بيرلوسكوني عندما قارن يوم ٢٦/٩ بين (الإرهاب الإسلامي) والحركة المضادة
للعولمة قائلاً: إن الأول حاول استفزاز العالم الغربي لدفعه لرد فعل عنيف، بينما
سعى الآخر لدفع العالم الغربي للشعور بالذنب، معللاً ذلك بأنه راجع إلى سمو
الحضارة الغربية على غيرها من الحضارات؛ لأن الغرب يضمن حقوق الإنسان
وحرية الأديان؛ وهو ما لا وجود له في العالم الإسلامي! .
ورغم محاولته التراجع كما حاول بوش مدعياً أن تصريحاته أسيء تفسيرها،
إلا أنه لم يستطع إيقاف توابع تصريحه التي تتابعت من مسؤولين (حكوميين)
آخرين، فقال وزير الثقافة جوليانو إرباني: «إن الفرق كبير بين أولئك الذين
يقترفون المجازر وأولئك الذين لا يقترفونها» ، وقالت نائبة وزير الدولة للشؤون
الخارجية مارجيتا يونيفر: «ليس هناك من شك بأن هذا التفوق يظهر بقوة في
مجال حقوق النساء..» ، أما وزير الشؤون الأوروبية روكو بوتيليوني فقد قال:
«إن حضارتنا هي حضارة تصون أكثر من غيرها القيم الأساسية التي تجعل الحياة
جديرة بأن تحياها» .
وكان بيرلوسكوني قد تفوه بكلام مماثل لم يثر زوبعة؛ لأنه صدر أثناء
اجتماع (مغلق) خلال انعقاد قمة استثنائية للمجلس الأوروبي في عاصمة بلجيكا
بروكسل يوم ٢١/٩، حتى إن صحيفة (لوفيجارو) الفرنسية علقت ساخرة على
موقف رؤساء الدول والحكومات الأوروبية من تصريحه (الحضاري) الأخير
فتساءلت: «كيف أنهم استمعوا لـ (خطبة) بيرولوسكوني ولم يتجرأ أن يرد
عليه أحد؛ لأن الاجتماع كان مغلقاً، وليقينهم أن كلام الإيطالي لن يسمعه أحد
غيرهم!» .
والحقيقة أن تصريحات مثل هؤلاء ومنهم بوش لا تخرج صريحة إلا في حالة
عبر عنها وزير الشؤون الأوروبية الإيطالي بقوله: «إن بيرلوسكوني يطلق
التصريحات دون أن يزنها، أو بعبارة أخرى: هو يتحدث أحياناً من القلب ولا
يحكم عقله» [قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ]
(آل عمران: ١١٨) .
نعود إلى تصريح جورج بوش؛ حيث لم يكتف بهذا التصريح الفج، بل
أطلق تصريحاً لا يقل خطورة عن سابقه، عندما أعلن أن من ليس مع أمريكا في
هذه الحرب فهو ضدها، أو مع الإرهاب، وهي محاولة لإرغام جميع دول العالم
على التورط في الحرب لا محالة، بل هي تهديد صريح لدول مستقلة ذات سيادة،
وفرض سافر على هذه الدول بتبني مفهوم أمريكا للإرهاب، وتبني تحديدها
لأطرافه، وطريقتها لمعالجته، وتحمل عواقب ذلك كله صاغرة ومرغمة؛ فهي
محاولة لإكراه الآخرين على الانخراط في (حملة) أمريكا العسكرية، بعد أن
وضعت نفسها موضع الضحية والمحقق والمدعي والقاضي والجلاد في آن واحد،
وهو منطق شريعة الغاب التي يعلو فيها صوت القوة على الحق.
ثم زاد بوش وأعلن أن أمريكا لن تعلن دليلاً على اتهاماتها، وكأنه يطالب
الأمم (غير الإرهابية) بإغماض عينيها والسير خلفه منقادة بلا نقاش.
إن أمريكا ومعها الغرب في سعيها المحموم للبحث عن عدو بعد سقوط الاتحاد
السوفييتي تشحذ به إرادتها في التحدي الحضاري، وتنفذ من خلال مواجهته
مخططاتها وتحقق من تحت ستار القضاء عليه مصالحها الحيوية ومفهومها
(الواسع) للأمن القومي.. تضع العالم جميعه على شفا حرب عالمية مهلكة، ربما
لم يسبق لها مثيل، بما في ذلك من مخاطر ليس على المسلمين فقط، بل على
البشرية جمعاء، وإذا نظرنا إلى تصريحات رموز الإدارة الأمريكية من أن هذه
الحرب سوف تشمل أكثر من ستين دولة، وأنها قد تستمر أكثر من عشر
سنوات، ومرصود لها ٤٠ مليار دولار (دفعة تحت الحساب) ، وأن زمن
(الحروب النظيفة) قد ولى ... لأدركنا حجم الكارثة التي اشتعل فتيلها من غير
تروٍّ وبالأخذ بالشبهات.
وإذا كان الرئيس الأمريكي جورج بوش يشاع عنه أنه لا تسعفه قدراته إلى
حسن اختيار كلماته، ومن ذلك: زلة الصدق التي أطلقها مؤخراً (الحروب
الصليبية) ؛ فكيف يحسن اختيار قرارات تتوقف عليها إزهاق أرواح آلاف -
وربما ملايين - من البشر، وتدمير لأراض ومنشآت، وخراب لبلدان، وإعادة
رسم لخريطة مناطق بأكملها، بل قد يتوقف عليها مستقبل البشرية؟ .. كيف يُؤمَن
على كل ذلك من يفتقر إلى مثل ذلك؟
إننا في ضوء كل ما سبق نرى أن من حقنا، بل من حق جميع الشعوب
المعنية، لا أن نطالب الرئيس بوش بالشجاعة التي كان يتحلى بها بعض أسلافه من
القادة الصليبيين، وهو الذي أعلن عقب التفجيرات في نيويورك وواشنطن عدم
عودته إلى واشنطن، وذهب إلى لويزيانا ثم إلى نبراسكا ليختبئ في أحد الأقبية
المحصنة ضد الهجمات النووية.. ولكن نطالبه بالتحلي بقدر من الشجاعة الأدبية
تتيح له الجرأة على تقديم استقالته من قيادة العالم نحو الهاوية؛ لأنه كما قيل عنه
ليس على مستوى الأزمة، وعندها سوف يدخل التاريخ السياسي على أنه
(سان جورج) بدل أن يدخله على أنه (جورج الثالث عشر) .
стр. 4095
المسلمون والعالم
أمريكا بعد الكارثة
بين أخذ الدروس وبداية السقوط
إبراهيم بن محمد الحقيل
لم يخطر على بال أحد من البشر أن أجل مركز التجارة العالمي في نيويورك
قد حددت نهايته بيوم الثلاثاء ٢٣/٦/١٤٢٢هـ ١١/٩/٢٠٠١م، وأن ذلك المبنى
الشاهق الذي يدل على قوة البشر وشدة بأسهم سيكون حطاماً بعد كان عمراناً، كما
لا أظن أن أحداً من الناس مهما بلغت قوة تحليله للأحداث كان يتوقع أن عملية
ضخمة كهذه العملية الانتحارية تنجح، وأين؟ ! في بلد الأقمار الاصطناعية،
والمخابرات المركزية، ومصدرة الأجهزة التجسسية الدقيقة! !
لا يكاد أحد أن يصدق أن بلداً مثل نيويورك، ودولة كأمريكا ستتوقف فيها
حركة الطيران، وتغلق الأجواء، وهي البلد التي طائراتها إقلاعاً وهبوطاً كسيارات
الأجرة في بلد يزدحم بالسواح، وفي نيويورك تقلع طائرة وتهبط أخرى كل دقيقة
تقريباً.
كما لا يصدق أحد أن المبنى الذي تصدر منه الأوامر العسكرية للتحرك إلى
أي بلد لضربها أو حصارها أو تخويفها قد غزي في عقر داره، وضرب في محله،
ولم يستطع الدفع عن نفسه في لحظة من اللحظات.
كل ذلك كان عند الناس ضرباً من الخيال، وأعجوبة من العجائب؛ حتى إن
شخصاً لو تنبأ بنصفه أو ربعه لوصف بالجنون؛ ولكن ذلك وقع وأدهش العالم،
وصرف اهتمامهم إلى قضيته دون غيرها، واستحوذ على اهتمام وسائل الإعلام من
مقروء ومسموع ومشاهد حتى إنك لا تسمع ولا تقرأ إلا عن هذا الحدث.
وهذه المقالة تستخلص بعض الدروس والعبر التي قد يغفل عنها كثير من
الناس في خضم أحداث هذه الفاجعة التي فجعت الأمة الأمريكية بخاصة، والغربية
بعامة، والله أسأل التسديد والتوفيق.
الكبرياء لله تعالى وحده:
اتصف ربنا ﷻ بالكبرياء والعظمة والملك والجبروت كما قال سبحانه:
[فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ العَالَمِينَ * وَلَهُ الكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] (الجاثية: ٣٦-٣٧) .
ومن نازع الله تعالى في الكبرياء والعظمة والملك والجبروت كان حقيقاً
بالعذاب، جديراً بالعقوبة كما قال النبي ﷺ فيما يروي عن ربه
﵎ أنه قال: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري؛ فمن نازعني واحداً
منهما قذفته في النار» ، وفي رواية: «فمن ينازعني عذبته» [١] .
وجاء في حديث آخر عن عائشة ﵂ أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: «ستة لَعَنتُهم ولَعَنَهم الله، وكل نبي مجاب» ، وذكر منهم: «والمسلَّط
بالجبروت ليُذل بذلك من أعز الله، وليعز به من أذل الله» [٢] ، وفي حديث آخر
عن فضالة بن عبيد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«ثلاثة لا تسأل عنهم ... » ، وذكر منهم: «رجل نازع الله رداءه؛
فإن رداءه الكبرياء وإزاره العز» [٣] .
وهذه الأربعة التي هي من خصائص الرب ﵎ قد نازعه بعض
البشر فيها [٤] ، فتجبروا وتعاظموا وتكبروا، وعبّدوا الناس لهم لمّا كان لهم الملك
والقوة والقدرة عليهم؛ ولذا فإن الله تعالى يذكرها يوم القيامة إذا نفخ في الصور،
وهلك خلقه، ولم يبق سواه لبيان أنه المتفرد بها، والمستحق لها كما
جاء في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم
يقول:أنا الملك، أين ملوك الأرض؟» [٥] وفي حديث ابن عمر ﵄
قال: قال رسول الله ﷺ : «يطوي الله السموات يوم
القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين
المتكبرون؟ ثم يطوي الأرض بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين
المتكبرون؟» [٦] ، وفي رواية قال ابن عمر ﵄ يحكي صفة النبي
ﷺ وهو يحدث بهذا الحديث على المنبر: «حتى نظرت إلى
المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله صلى الله
عليه وسلم؟ !» [٧] .
وهذه الصفة التي ذكرها ابن عمر عن النبي ﷺ وهو يقول
هذا الحديث تدل على تعظيمه لله تعالى؛ حتى إنه يهتز على المنبر وينتفض
انتفاضاً شديداً خشي معه ابن عمر ﵄ أن يسقط المنبر برسول الله
ﷺ .
وكان ﵊ يقول في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت
والملكوت والكبرياء والعظمة» [٨] .
من ينازع الله فيما يختص به؟ !
منازعة الله تعالى في الملك والجبروت والكبرياء والعظمة قد تصدر من
شخص، وقد تصدر من جماعة أو من أمة، ومن صدرت منه هذه المنازعة فهو
مستحق للعقوبة فرداً كان أم جماعة أم أمة، والعذاب قد يؤجل إلى الآخرة كما في
رواية أبي داود: «فمن نازعني واحداً منها قذفته في النار» ، وقد يعجل في الدنيا
فيكون سبباً لتوبة هذا المنازع، وقد يجمع الله تعالى له العذاب في الدنيا والآخرة،
وقد جاء في رواية مسلم: «فمن ينازعني عذبته» ، وهذا يحتمل الدنيا كما يحتمل
الآخرة ويحتمل الجمع بين العذابين؛ إذ الأصل بقاء المطلق على إطلاقه إذا كان
المعنى يحتمله، وهو هنا يحتمله كما هو معضد بتاريخ البشر ومصير المنازعين لله
تعالى في كبريائه في القديم والحديث الذين عذبوا في الدنيا قبل الآخرة.
فهذا فرعون رفض دعوة موسى ﵇ زاعماً أن قصد هذه الدعوة سلب
الكبرياء والجبروت من فرعون وجنده، لتكون لموسى ومن معه كما قال الله سبحانه:
[قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا
نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ] (يونس: ٧٨) . فاستحق عقوبة الله تعالى، فأهلكه الله تعالى
بالغرق.
وغالب الذين رفضوا دعوات الأنبياء ﵈ ويرفضون دعوة
المصلحين في كل عصر ويحاربونها إنما هو لأجل الكبرياء والجبروت واستعباد
الناس وتسخيرهم لهم. وهذا ما فعلته أمريكا منذ أن قامت إلى يومنا هذا؛ فهي ما
قامت إلا على أجساد أكثر من ستين مليون أفريقي أسود كانوا يُجلبون من إفريقيا في
سفن يحشرون فيها حشراً، فيموت أكثرهم، ومن يصل منهم يسخر لخدمتهم؛
ناهيك عما فعلته بأهل البلاد الأصليين الهنود الحمر الذين كانوا يعاملون بالحديد
والنار.
وهذه النظرة الاستعلائية لساسة أمريكا لازمتهم رغم التقدم والتكنولوجيا،
ورغم تطور مفاهيم حقوق الإنسان والحرية وسيادة النظام الديمقراطي الذي يدعون
إليه، ورأى ساستها عقب سقوط المنافس الشيوعي أن نظامهم هو أصلح ما يكون
للبشر؛ ولذلك سعوا لفرضه باستعلاء وكبرياء وبمنتهى الغرور والاعتداد بالنفس
وبحضارة الرجل الأبيض، فأعلنوا عن النظام العالمي الجديد على لسان بوش الأب
عقب انتصار الحلفاء على العراق في حرب الخليج الثانية حينما ألقى خطاباً في
إحدى القواعد العسكرية في ١٣/٤/١٩٩١م فقال: «إن النظام العالمي الجديد لا
يعني تنازلاً عن سيادتنا الوطنية، أو تخلياً عن مصالحنا، إنه ينم عن مسؤولية
أملتها علينا نجاحاتنا» ، ثم صرح في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في
٢٣/٩/١٩٩١م أن أمريكا ستقود العالم [٩] .
وهذه القيادة التي أعلن عنها بوش الأب في نظام عالمي لم تكن على الطريقة
الديمقراطية الأمريكية، ولم يكن للآخرين اختيار حيالها؛ بل هي مفروضة على
الجميع، ولذا قال بوش الأب مخاطباً مجلس الشيوخ الأمريكي: «كانت الولايات
المتحدة على مدى قرنين من الزمان هي مثل العالم الأعلى في الحرية والديمقراطية،
وقد حملت أجيال متعددة راية النضال للحفاظ على الحرية وتعظيم المكاسب التي
حققتها ... واليوم وفي عالم يتحول بسرعة شديدة فإن زعامة الولايات المتحدة لا
غنى عنها» [١٠] .
وهذه الزعامة تنطلق من الشعور الأمريكي بالتفوق على الآخرين، والتميز
عن باقي البشر؛ وهو ما حدا ببوش الأب أن يقول: «لقد أنقذنا أوروبا، وتغلبنا
على الشلل، ووصلنا إلى القمر، وأضأنا العالم بثقافتنا.. والآن ونحن على
مشارف قرن جديد نسأل: لمن سينسب هذا العصر؟ ! إنني أؤكد أنه سيكون
عصراً أمريكياً آخر» [١١] .
وهذا الشعور بالفوقية والاستعلاء جعلهم ينظرون إلى نظمهم وثقافتهم العلمانية
الإلحادية المادية نظرة كمال مطلق، قرروا بموجبها تعميمها على العالم بأجمعه،
وليس تعميمها سيكون عن طريق التبشير بها، والدعوة إليها، وإقناع غيرهم
بصلاحيتها لهم كما كان يحدث في السابق قبل سقوط الشيوعية وإنما سيكون
بفرضها بالقوة على اعتبار أنهم أدرى بمصالح البشر، دون اعتبار لثقافات الآخرين
وأديانهم وأعرافهم، وهذا الفرض تم ربطه بمؤسسات أممية ليكتسب الشرعية
خاضعة للأمريكان، تحت شعار العولمة أو الأمركة أي عولمة الاقتصاد والثقافة
والنظام الاجتماعي؛ ليصبح في كل العالم على النمط الأمريكي أو خاضعاً له،
وهذا جعل جموعاً من الغربيين يناهضون العولمة ويتظاهرون ضدها أثناء
اجتماعات قادتها في سياتل ثم في جوتنبرج ثم في جنوا، منادين بتجارة عادلة
وليس بتجارة حرة كما تريد أمريكا.
ولا شك في أن العولمة أو الأمركة الثقافية والاجتماعية أخطر من الاقتصادية
والسياسية؛ لأنها مسخ كامل للأمم، وتحويل لها من أصل دينها وثقافتها ومنظومتها
الاجتماعية إلى ثقافة أخرى ودين آخر ونظام اجتماعي آخر، ولو نجحوا في
مخططهم ووصلوا إلى ما يريدون فإن ذلك يعني: انتقال المسلمين من الإسلام إلى
العلمانية، لتكون الأسرة المسلمة مثل الأسرة الغربية في تفككها وشذوذها وكثرة
اللقطاء، والزواج المثلي الرجال بالرجال والنساء بالنساء. والخلاصة: إلغاء دين
الإسلام وإقصاء هيمنته على حياة المسلمين في الاقتصاد والسياسة والأسرة، وهذا
من أعظم أوجه منازعة الرب ﷻ في كبريائه وعظمته وأمره وشرعه الذي
ارتضاه لعباده المؤمنين. فلم يكتف أرباب العولمة أو الأمركة بكفرهم الظاهر،
وإلحادهم الصارخ، وإنما يريدون فرضه بالقوة على جميع البشر بمن فيهم من
يدينون بدين الله تعالى الذي شرعه وأمر به عباده على طريقة فرعون حينما قال:
[مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ] (غافر: ٢٩) .
الظلم مبيد الأمم ومقوض الحضارات:
من طبيعة البشر أنهم إذا تكبروا تجبروا، وإذا تجبروا ظلموا، ومن المعلوم
في الأخلاق أن العلو والاستكبار يقود إلى الظلم والعسف، وقلَّ أن تجد عالياً
مستكبراً يقيم العدل في الناس وينصفهم من نفسه، وكيف يكون منه ذلك وهو يرى
أنه أعلى منهم، ويتميز عليهم؟ !
ومن السنن الكونية التي أخبر عنها القرآن، وتكررت في البشر: هلاك
الأفراد، وزوال الأمم والحضارات بسبب الظلم.
والقرآن مليء بأخبار الغابرين المعذبين الذين أرداهم ظلمهم، وأهلكهم علوُّهم،
كما كان الحال مع قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وقوم شعيب،
وفرعون وهامان وقارون وغيرهم من أمم الأرض؛ فأين هم؟ ! وأين ممالكهم،
وأين عمرانهم؟ أنزل الله تعالى بهم ألواناً من العذاب، وأحلَّ بهم أنواعاً من
العقوبات، [وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ]
(الرعد: ١١) .
وحضارات أخرى سلط الله تعالى عليها جنداً أولي بأس شديد، لا يخافون الله
فيها ولا يرحمونها؛ فاستباحوا ديارها، وأبادوا خضراءها كما حصل لليونان حينما
طغوا وظلموا واستعبدوا غيرهم حتى قال فيلسوفهم أرسطاطاليس: «إن اليونانيين
ينبغي لهم أن يعاملوا الأجانب بما يعاملون به البهائم» [١٢] ؛ فسلط الله تعالى عليهم
الرومان فغزوهم وذبحوا رجالهم وباعوا نساءهم وأطفالهم وغنموا ثرواتهم [١٣] ، ولم
تقم للأمة اليونانية بعدها قائمة، وأصبحت آثارها المنقولة في الفلسفات والعقليات
شاهدة على وجودها يوماً من الدهر.
ولم يكن الرومان أحسن حالاً من اليونان؛ إذ سلكوا مسلكهم في الاستكبار
والظلم، فوردوا موردهم في العذاب والهلاك، فسلط الله بعضهم على بعض
فأنهكتهم الحروب والثارات، وسلط الله عليهم الفُرس، ثم سلط الله المسلمين على
الأمتين الفارسية والرومانية في الشرق فأنهوا هاتين المملكتين الظالمتين، ودخلت
شعوبهم في دين الإسلام.
إنها سنة كونية، وآية ربانية جعلها الله تعالى لمن يعتبر من البشر، وذكرها
القرآن العظيم في قصص كثيرة ليستفيد المسلمون من ذلك؛ ففي سورة هود عليه
السلام ذكر الله تعالى قصص الأنبياء، نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب
وموسى ﵈، ثم في آخر السورة عقب انتهاء قصص هؤلاء الأنبياء وما
جرى لأقوامهم قال : [ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ القُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ
وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَتِي يَدْعُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوَهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ * وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا
أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ] (هود: ١٠٠-١٠٢) .
لقد غدا الظلم سنَّة من سنن الله تعالى في إهلاك الأجيال، وتقرر سبباً في
سقوط الحضارات، وإبادة المدنيات، وإزالة الدول والحكومات؛ حتى قال الله
تعالى: [وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ] (هود: ١١٧) ،
وقال سبحانه: [وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ
آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ] (القصص: ٥٩) .
من ألوان الظلم الأمريكي:
١ - الظلم السياسي: فرغم أن أمريكا اختارت النظام الديمقراطي منهجاً
سياسياً على ما فيه من خلل وانتقائية فإن هذا النظام ينعدم في سياستها الخارجية
التي تكرس الظلم والاستبداد، وتقدم مصلحتها على أية قيمة تهتف بها وتدعو إليها،
وكم من نظام مستبد مكنت له وأيدته؛ لأنه ضمن لها مصلحتها ولو كان ذلك على
حساب الديمقراطية، كما فعلت في تشيلي حينما أسقطت النظام الديمقراطي لصالح
نظام (بينوشيه) العسكري الذي جاء على جثث عشرات الآلاف من البشر الذين
يتم اكتشاف بقاياهم حتى اليوم في حفر منتشرة في أنحاء تشيلي. ولقد قال قائل
الأمريكان: «إن دكتاتوراً يرعى مصالحنا خير ألف مرة من نظام ديمقراطي لا
يرعى مصالحنا» ؛ ولو قامت الديمقراطية في العالم الثالث لزالت كثير من
المصالح الأمريكية؛ فهم أعداؤها في البلاد التي ينهبونها.
لسنا من دعاة الديمقراطية، ولا نحفل بها؛ لأنها نظام كفري انتقائي؛ ولكن
نحاول تذكير المنبهرين برعاة البقر أنهم هم أول من يخالف ديمقراطيتهم،
وأخريات ذلك انسحاب أمريكا من مؤتمر (ديربان) حول مناهضة العنصرية؛
لأنه يدين إسرائيل وعنصريتها، مع أن أمريكا من أكثر الدول تشدقاً بالمساواة ونبذ
العنصرية.
وأكثر أمة عانت من ظلمها وعسفها هي الأمة المسلمة، وأكثر شعب اكتوى
بظلمها هو الشعب الفلسطيني؛ إذ وقفت منحازة كل الانحياز مع إسرائيل،
واستخدمت حق النقض (الفيتو) في كل قرار ضد إسرائيل، حتى القرارات التي
تدينها مجرد إدانة، إضافة إلي سياسة التهديد الدائم بمقاطعة هذا ومحاربة ذاك،
وإثارة القلاقل والمشكلات في كل دولة حاولت الاستقلال والخروج عن طاعتها
لإدخالها إلى بيت الطاعة.
٢ - الظلم الاقتصادي: أمريكا قارة أنعم الله تعالى عليها بخيرات وفيرة،
وثروات طائلة وأراض خصبة فلم تكتف بذلك حتى مدت ذراعها الاقتصادي لينهب
ثروات الشعوب الأخرى، وكان من المفترض وهي زعيمة العالم أن تنفق على
الدول الفقيرة لا أن تنهب ثرواتها، وترمي فائض زراعاتها وصناعاتها في البحار
حفاظاً على ثبات الأسعار في الوقت الذي يموت فيه أمم بجوارها في المكسيك
وسائر أمريكا اللاتينية من الجوع؛ فضلاً عمن يموتون في إفريقيا؛ وهذا من أعظم
الظلم والبغي والفساد الذي يمارسه الغرب عموماً وأمريكا على وجه الخصوص؛
إضافة إلى تعميمها النظام الرأسمالي القائم على الربا والاحتكار والحرية المطلقة في
الأموال، مما أدى إلى تفشي الربا، وانتشار الفساد المالي، والظلم الاجتماعي،
وازدياد فقر الفقراء، وأضحى ٢٥% من سكان العالم يتمتعون بـ ٨٠% من ثرواته،
و٧٥% من البشر لا يملكون سوى ٢٠% من خيرات بلادهم، والإحصائيات
تذكر أن مليار نسمة من بينهم مئة مليون طفل يعيشون في حالة نقص تغذية ومجاعة
مزمنة، وهم يعيشون لأنهم غير قادرين على الموت طوعاً حسب قول أحد العاملين
في منظمات الإغاثة، ويعترف رئيس البنك الدولي (باربركونابل) بأن البؤس
الذي يسود كوكبنا فضيحة أخلاقية وعار، لا من الزاوية الإنسانية فحسب، بل من
الزاوية الاقتصادية أيضاً [١٤] .
٣ - الظلم العسكري: فأمريكا تملأ مستودعات إسرائيل بكل أنواع الأسلحة
الفتاكة بما فيها الأسلحة النووية، وتمنع جيرانها من امتلاك عُشر ما تمتلكه إسرائيل،
وتلزم الدول بالتوقيع على معاهدة نزع أسلحة الدمار الشامل والتخلص منها وهي
ترفض التوقيع على ذلك، وتحمي إسرائيل من إلزامها بالتوقيع عليها، بل إن
باكستان لما امتلكت السلاح النووي عوقبت بالحصار والتجويع، حتى صار حلالاً
لها ولربيبتها إسرائيل ما هو حرام على سائر البشر! ! وهذا من أبين الظلم،
ناهيك عن الاستفراد بالقرار دون الرجوع إلى المنظمات الدولية التي ارتضتها،
وعينت أمناءها، كما حصل في ضرب مصنع الشفاء في الخرطوم وضرب
أفغانستان، والضرب الدائم للعراق الذي يتضرر من جرائه الشعب المقهور، ولا
يضر صدَّام وحزبه البعثي الكافر.
٤ - الظلم الاجتماعي والأخلاقي: لم تترك أمريكا للناس حياتهم الاجتماعية
التي اختاروها؛ فهي تضغط على الدول الإسلامية لإفساد الأسرة وإخراج المرأة من
بيتها، وإقحامها في الميادين السياسية. وجمعياتُها الماسونية المشبوهة تدعم
المنحرفات من النساء في الأقطار العربية بكل سبل الدعم، ورغم أن نظام أمريكا
الديمقراطي يأبى هذه السياسة الظالمة فإنها تمارسها بقوة في البلاد الإسلامية، حتى
رأينا نساءً لا قيمة لهن من الناحية الثقافية والاجتماعية والشعبية يتصدرن المنابر
الإعلامية والثقافية بل والسياسية في كثير من دول الإسلام. ومن الظلم العظيم الذي
تمارسه أمريكا ربط خطوات إفساد المرأة والأسرة في بلاد المسلمين بما تقدمه من
مساعدات اقتصادية، ودعم سياسي؛ مما جعل أكثر أصحاب القرار في دول
الإسلام يصادرون اختيار شعوبهم نظام الإسلام في سبيل إرضاء شرذمة قليلة من
المنحرفين؛ لأن في إرضائهم إرضاءً للعم سام الذي تأتي منه المعونات المنهوبة في
الأصل من بلادهم.
أمريكا لم تحفظ الوصية:
كان المؤسسون للإمبراطورية الأمريكية يعلمون خطر اليهود على المجتمعات،
ويدركون مدى إفسادهم في الأرض التي يسكنونها؛ ولذلك حذروا من اليهود ومن
تغلغلهم في الأمة الأمريكية، يجسد ذلك خطاب بنجامين فرانكلين في المؤتمر المنعقد
لإعلان دستور الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٧٨٩م، فقال في خطابه: «هناك
خطر عظيم يتهدد الولايات المتحدة الأمريكية؛ وذلك الخطر العظيم هو خطر اليهود
أيها السادة: في كل أرض حلَّ بها اليهود أطاحوا بالمستوى الخلقي، وأفسدوا
الذمة التجارية فيها، ولم يزالوا منعزلين لا يندمجون بغيرهم، وقد أدى بهم
الاضطهاد إلى العمل على خنق الشعوب مالياً كما هي الحال في البرتغال وأسبانيا» .
وقال: «إنني أحذركم أيها السادة إنكم إن لم تبعدوا اليهود نهائياً فلسوف
يعلنكم أبناؤكم وأحفادكم في قبوركم، إن اليهود لن يتخذوا مثلنا العليا ولو عاشوا بين
ظهرانينا عشرة أجيال، فإن الفهد لا يستطيع إبدال جلده الأرقط ... إن اليهود خطر
على هذه البلاد إذا ما سُمح لهم بحرية الدخول، إنهم سيقضون على مؤسساتنا،
وعلى ذلك لا بد أن يستبعدوا بنص الدستور» [١٥] .
لم يحفظ الأمريكان وصية فرانكلين، وسمحوا لليهود بالهجرة إلى أمريكا [١٦] ؛
حتى تغلغلوا فيها وسيطروا على الاقتصاد والإعلام، وهذا قادهم إلى السيطرة
على السياسة أيضاً.
والكارثة التي حلت بأمريكا المرجح أن المتسبب فيها اليهود؛ فقد ذكرت
بعض التقارير والتحليلات أن احتمال أن يكون وراءها الموساد اليهودي وارد. فإن
كان المنفدون لها مسلمين، أو عرباً حسبما تناقلته الوكالات الإخبارية وذلك ما لم
يتبين فضلاً عن ثبوته إلى ساعة كتابة هذه المقالة؛ فإن المترجح أنهم ما قاموا بها
إلا انتقاماً من أمريكا على سياستها المنحازة لليهود في فلسطين رغم المجازر التي
ارتكبها شارون وعصبته، ورغم الدمار الذي حلَّ بالفلسطينيين من هدم ديارهم،
وغصب أراضيهم، وإتلاف زروعهم، وقصفهم بالدبابات والطائرات، وتنفيذ
عمليات اغتيال واسعة بالقادة والنشطاء في مقاومة الاحتلال اليهودي، فعلى كلا
الاحتمالين فاليهود سبب رئيس في تلك الكارثة [١٧] .
فأمريكا بهذا الاعتبار بدأت تجني نتائج احتضانها لليهود ودعمهم رغم ظلمهم
وعلوهم، والمعين للظالم على ظلمه ظالم، وهو مستوجب لغضب الله تعالى ونقمته
وعقوبته؛ مع قدرة أمريكا على إقامة العدل بين الناس ولاسيما أن أمم الأرض
وحكوماتها خاضعة لها، وقد آتاها الله تعالى قوة سياسية وعسكرية واقتصادية،
وليست محتاجة لليهود حتى تنساق وراء ظلمهم، وتدمر قوتها بنفسها.
لا يُقَدّر الله تعالى شراً محضاً:
يرى كثير من المحللين السياسيين والإعلاميين وغيرهم ممن أبدوا رأياً حول
كارثة أمريكا أن الخاسر الأكبر منها المسلمون، ولا سيما أنها نسبت إلى أسامة بن
لادن وتنظيمه، وأن الرابح منها هم اليهود الذين سخروا الإعلام العالمي لتأليب
شتى الأمم ضد المسلمين، وظهرت آثار ذلك على الجاليات المسلمة في أمريكا
وأوروبا، وما واجهته من مضايقات وإيذاء بسبب إسلامها.
وهذه الكارثة تخص أمريكا، وهي التي تتضرر من جرائها، لكن نسبتها إلى
المسلمين جعلهم مشاركين للأمريكان في الضرر الذي حاق بهم، بل أصبح ضرر
المسلمين أعظم كما يراه بعضهم، حتى إن بعض الدول الإسلامية خافت سطوة
أمريكا وشدة انتقامها، وسارعت بالتحالف معها قبل أن تتبين حقيقة الفاعلين.
ورغم هذا الضرر العظيم الذي أصاب المسلمين من جراء نسبة تلك الحادثة
لهم فإن في ثناياهم خيراً كثيراً للمسلمين، ومعتقد أهل السنة والجماعة أن الله تعالى
لا يقِّدر شراً محضاً، وكل ما يقدره لا بد أن يكون فيه خير بوجه من الوجوه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وأما السيئة فهو إنما يخلقها
بحكمة، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه؛ فإن الرب لا يفعل سيئة قط؛ بل
فعله كله حسن وحسنات، وفعله كله خير؛ ولهذا كان النبي ﷺ
يقول في دعاء الاستفتاح:» والخير بيديك، والشر ليس إليك « [١٨] ، فإنه لا
يخلق شراً محضاً، بل كل ما يخلقه ففيه حكمة هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون
فيه شر لبعض الناس، وهو شر جزئي إضافي، فأما شر كلي، أو شر مطلق،
فالرب منزه عنه، وهذا هو الشر الذي ليس إليه، وأما الشر الجزئي الإضافي فهو
خير باعتبار حكمته؛ ولهذا لا يضاف الشر إليه مفرداً قط» [١٩] .
ومن المنافع التي ظهرت لي ما يلي:
١ - أخذ العبرة والعظة؛ فكثير من المسلمين قد لا يتعظ بما في القرآن
والسنَّة من مواعظ بسبب الغفلة ومقارفة الشهوات المباح منها والمحرم، فتوقظه
مثل هذه الحوادث الكبرى.
٢ - عدم التعويل على متاع الدنيا مهما كان الإنسان يملك منها؛ إذ قد تزول
في لحظة واحدة كما تهدم بيت المال العالمي.
٣ - إظهار حقيقة أمريكا ومدى قوتها للمغترين بها؛ فكثير من مرضى
القلوب قد اقتنعوا بأن أمريكا تدير شؤون الناس، وتدبر الكون، وحاولوا إقناع
الناس بذلك عبر المنابر الإعلامية المختلفة، ودعوهم إلى لزوم الانضواء تحت
لوائها، والقبول بمشاريعها في العولمة، وأنه لا مفر من ذلك، وقد أسهمت
الصناعة السينمائية الأمريكية في تهويل قوتها وقدرتها، وبطولات أفرادها، فإذا
هذه الأسطورة تُضرب في عقر دارها ضربة مؤلمة، إن نجت من تداعياتها فقد لا
تنجو من غيرها.
٤ - ما أصاب المسلمين نتيجة إلصاق هذه الحادثة بهم سبَّب ضرراً كبيراً
عليهم خاصة من كانوا في أمريكا وأوروبا لكن في ثنايا ذلك رحمة ومنافع قد لا
ينتبه إليها كثير من الناس، ومن هذه المنافع:
أ - إقبال الغربيين على شراء الكتب الإسلامية، وكتب صِدام الحضارات،
ونحوها، وهذا سيعرِّف على الإسلام الذين لا يعرفونه منهم، ولعلهم يدخلون في
دين الله أفواجاً إذا عرفوا حقيقة الإسلام، وقد نشرت الصحف أن الكتب التي
تتحدث عن الإسلام نفذت من مكتبات أمريكا اللاتينية، وصار عليها إقبال شديد في
أوروبا، وارتفعت نسبة مبيعات ترجمات القرآن الكريم إلى ٣٠% [٢٠] .
وامتلأت المراكز الإسلامية بالذين يسألون عن الإسلام، ويودون التعرف
عليه، وعقدت دروس ودورات يحضرها آلاف للتعريف بالإسلام، واستضافت
كبريات المحطات التلفازية والإذاعية الأمريكية عدداً من رؤوساء المراكز الإسلامية
لعرض سماحة الإسلام وحقيقته لو أنفق المسلمون الملايين لما استطاعوا النفوذ
إلى هذه الوسائل الإعلامية وتأثر الشعب الأمريكي بذلك كثيراً، وتكررت
الحوادث التي يبكي فيها أمريكان من قراءة القرآن ... إلخ.
ب - كثير من المسلمين قد صدَّقوا العلمانيين في مقولتهم بخرافة العداء
الغربي للإسلام والمسلمين، وأظهرت هذه الحادثة حقيقة الغربيين وما يكنونه في
صدورهم من بغضاء، مما نفَّسوا عنها من خلال أقوالهم وكتاباتهم بل ومن خلال
أفعالهم بحرق المساجد والمراكز الإسلامية والاعتداءات المتكررة على المسلمين،
وسقطت المقولة العلمانية.
ج - كثير من المسلمين المقيمين في الغرب قد عزموا على الإقامة الدائمة بين
ظهراني الكفار، مع عدم الضرورة الملجئة لهم، ورغم حرمة ذلك شرعاً، ورأوا
أنهم في بحبوحة من العيش ويقيمون دينهم مما يجعل عودتهم إلى بلادهم أمراً
مستبعداً، حتى انصهر أولادهم في الحضارة الغربية، وتفلتوا من الإسلام شيئاً
فشيئاً، وكثير من المسلمين في البلاد الفقيرة ليس لهم أمنية إلا أن يجدوا سبيلاً إلى
الهجرة إلى أوروبا للتنعم بما فيها من حريات وفرص عمل، حتى إن كثيراً منهم
يغرق في البحر في هجرات غير نظامية من بلاد المغرب العربي، بغية الوصول
إلى الشواطئ الأوروبية، وحُرِمت البلاد الإسلامية من خدمات كثير من أبنائها
المتخصصين في علوم الطب والهندسة والحاسب، وغيرها من العلوم التجريبية؛
لأنهم وجدوا ما يغريهم في بلاد الغرب، وقد ألفت كتبٌ في الأدمغة العربية
التي ساعدت في تسيير الحضارة الغربية وأسهمت في نموها وازدهارها.
أولئك صاروا يعيدون النظر في إقامتهم في أوروبا وأمريكا بعد الإيذاء الذي
تعرضوا له، وأيقنوا أن الأمن دائم والخوف ساعة، وأن القوانين الغربية والنظم
الديمقراطية لن تستطيع حمايتهم على الدوام من كراهية الغربيين لدينهم ولونهم
وجنسهم، وكثير ممن كانوا يفكرون في الهجرة إلى الدول الغربية صرفوا النظر
عن ذلك أو على الأقل أجّلوا ذلك إلى هدوء موجة العداء.
وكل ذلك فيه خير عظيم للإسلام والمسلمين، وحفظ لدينهم من الضياع،
والاستفادة من عقول المتخصصين الذين نفعوا الغرب طيلة السنوات الماضية.
٥ - أن العداء للإسلام والمسلمين عقب هذه الحادثة من الغرب عموماً وأمريكا
خصوصاً سيكون سبباً في عودة كثير من الناس إلى دينهم؛ لأنه حينئذ سيصبح
تحدياً بين الحق والباطل، وهذا سيؤدي إلى هزيمة المشاريع العلمانية والتغربية في
بلاد المسلمين؛ لأنه في حال الهدوء والسلم يستطيع العلمانيون خداع الناس وجرهم
إلى مشاريعهم التغريبية، تحت مسميات الإنسانية، وتلاقح الأفكار، وقبول الآخر،
أما في حالة إعلان الغرب العداء السافر للإسلام والمسلمين ولو على المستوى
الشعبي فقط، فإن كل دعوة إلى التآخي والمحبة والإنسانية ونحو هذه الشعارات لن
تجد آذاناً صاغية في أوساط المسلمين، وهذا من أعظم النعم العظيمة من هذه
المحنة الكبيرة، لأن الأمة المسلمة قد عانت من منافقيها أكثر من معاناتها من اليهود
والنصارى.
٦ - لو استمر العداء الغربي للإسلام والمسلمين على النحو الذي نشهده هذه
الأيام فإن ذلك كفيل بإحياء شعيرة الجهاد للذود عن حياض الدين، ودفع شر
النصارى واليهود الحاقدين، تلك الشعيرة التي أميتت منذ اتفاقية (سايكس بيكو)
ونشوء عصبة الأمم المتحدة ثم هيئة الأمم المتحدة، وإحياء تلك الشعيرة العظيمة من
أعظم المنافع، وهو كفيل برفع الذلة عن المسلمين؛ لأن الذلة ما ضربت على
المسلمين إلا بعد تعطيل الجهاد في سبيل الله تعالى، كما دلت على ذلك النصوص
الشرعية.
стр. 4096
المسلمون والعالم
الموساد هل يزج بالولايات المتحدة في أتون حرب عالمية ؟
د. سامي محمد صالح الدلال
كان من العجائب القدرية أن يتم تصوير الحدث المروع في نيويورك ويبث
تلفزيونياً على الهواء مباشرة وكأنه عرض لفيلم سينمائي؛ مما وسَّع وعمَّق دائرة
رد الفعل الشعبي الأمريكي الذي أصيب بالصدمة الصاعقة، فهاج وماج الناس
وعلاهم الخوف ودبَّ في نفوسهم القلق، مع ما صاحب ذلك من الحزن العميق على
الأرواح المزهوقة تحت الأنقاض.
وفيما كان ملايين الأمريكيين يتابعون الحدث الجلل كانوا يستذكرون ما تردده
وسائل الإعلام عادة من إلصاق مثل هذه الأعمال بالمسلمين والعرب، فاسترجعوا
ذلك كله دفعة واحدة، وقالوا: (لقد فعلوها) . هكذا بدون برهان ولا بينة؛ وفي
خضم هذه الأمواج المتدفقة والمتلاحقة تعالت الصيحات من كل مكان للانتقام والأخذ
بالثأر، ولكن من هم هؤلاء الذين يجب أن ينتقم منهم ويثأر من فعلهم؟ ! !
وبما أن الاتهام لأول وهلة توجه نحو المسلمين البالغ عددهم داخل الولايات
المتحدة سبعة ملايين؛ فقد سارعت المنظمات والمراكز الإسلامية إلى إعلان إدانتها
الشديدة للحدث الرهيب، وقد سارع إلى ذلك مجلس التنسيق السياسي الإسلامي
الأمريكي MPACC الذي يضم في عضويته المنظمات المسلمة الأمريكية الأربع،
وهي: مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (CAIR) ، والمجلس الإسلامي
الأمريكي (AMC) ، ومجلس الشؤون العامة الإسلامية (MPAC) ، والاتحاد
الإسلامي الأمريكي (AMA) ، وقد أصدر مجلس التنسيق بياناً، ومما جاء فيه:
«مسلمو أمريكا يدينون بشدة ما يبدو كأنه حادث إرهابي آثم وجبان ضد المواطنين
الأبرياء، نحن نتضامن مع كل الأمريكيين في المطالبة بالقبض السريع على الجناة،
ليس هناك هدف سياسي يسوِّغ هذا العمل الخبيث» .
غير أن ذلك لم يكن مقنعاً أو كافياً؛ إذ إن حدثاً بهذا الحجم لا يطفئ غيظ
المصابين به مجرد بيان يسطَّر على ورقة واحدة، فلا بد من الانتقام من جهة ما
يمكن أن يوقع فيها أعداداً كبيرة من القتلى والجرحى، كتلك الأعداد التي نجمت عن
هذا الحدث الهائل.
أين الـ CIA (وكالة المخابرات الأمريكية) والـ FBI (مكتب التحقيقات
الفيدرالي) ؟ ! !
لقد شعر الأمريكيون بتغيظ شديد وحنق فظيع إزاء أداء الـ CIA و FBI،
لقد أخفقت هاتان المؤسستان الاستخباريتان، ليس في اكتشاف الحدث قبل وقوعه
فحسب، بل في توقع حصوله أصلاً، والواضح أن أبصارها وأسماعها قد صرفت
تماماً عما يدبر في داخل أمريكا، في حين انفتحت بكليتها على تتبع كل ما يحصل
في خارجها، وعجَّ الأمريكيون بالاحتجاجات على هاتين المؤسستين اللتين أشاعتا
أنه ما من مكالمة هاتفية تتم عبر الهواتف المعتادة أو النقالة، وما من رسالة ترسل
بالفاكس أو عبر الإنترنت، سواء في داخل الولايات المتحدة أو في أية بقعة في
العالم إلا وهي مرصودة عندهم، ومسجلة نصوصها في أجهزتهم؛ فكيف والحال
هذه تخفق هاتان المؤسستان الاستخباريتان الضخمتان في رصد هذا الحدث الذي لم
يقع في منتصف الليل البهيم بل وقع في إشراقة الضحى الجميل، وليس أي حدث،
بل حدث هائل لم يشهد العالم له مثيلاً على مر العصور، والذي لا يشك عاقل في
أن التخطيط له قد استغرق سنوات، وتراتيب تنفيذه قد مرت تداولاته آلاف المرات
عبر الهواتف والفاكسات؛ ففي أي فندق خمسة نجوم كانت ترقد الـ CIA
و FBI؟ !
فإذا كان الحال على هذا النحو فهل حقاً أن الـ CIA و FBI قد أخفقتا في
الحصول على المعلومات، أم أنهما مخترقتان؟ ! ! تحليلنا الآتي قد يوصل للإجابة.
مَنْ وراء الحدث؟ ! !
إن الفاحص المحايد للحدث المروع الذي وقع يجد أنه يتكون من العناصر
الآتية:
١ - تحديد الهدف الأولي بدقة بارعة، وهو ضرب برجي التجارة العالمي
ومبنى البنتاجون.
٢ - دراسة متأنية للتفاعلات المحتملة بعد تحقيق الهدف وتوجيهها وتوظيفها
لصالح الهدف النهائي.
٣ - وضع خطة تفصيلية محكمة لتنفيذ كلا الهدفين الأولي والنهائي تتضمن
جميع العوامل الاستخباراتية اللازمة.
٤ - اختيار الجهاز التنفيذي القادر على تحقيق الهدف الأولي وتدريبه تدريباً
عالي الكفاءة؛ بحيث يضمن بالتأكيد تحقيق الهدف الأولي. إن الجهاز التنفيذي
المقصود يمثله الذين شاركوا في الأعمال التجهيزية والتدريبية ثم الذين شاركوا في
عمليات خطف الطائرات المدنية بما فيهم الطيارون الذين قد خضعوا لتدريبات
خاصة، كل بحسب نوع الطائرة التي سيقودها إلى هدفها بعد الخطف. أما الذين
سيكون لهم شأن في الأعمال التكميلية بعد ذلك، فهؤلاء لم نرهم على الساحة بعد،
ولا ندري ماهية أعمالهم التكميلية؟ إلا أن تصريحات المسؤولين الأمريكيين أشارت
إلى تلك الأعمال، وقد تبين من الدقة التي تم بها تنفيذ الهدف الأولي أن الذين
خطفوا الطائرات قد تدربوا على أداء أدوارهم التفصيلية بشكل ممتاز، تماماً كما
يتدرب الممثل المسرحي على أداء دوره فوق خشبة المسرح أمام جمهور المتفرجين.
٥ - إن الذين أوصلوا تنفيذ الخطة إلى مرحلتها النهائية في هدفها الأولي هم
أصحاب نفوذ ومراكز حساسة، وموزعون في مرافق كثيرة على مستويات عدة في
مختلف الإدارات الأمريكية؛ حيث استطاعوا، بعلمهم أو بدون علمهم، أن يوفروا
التسهيلات المطلوبة لمثل هذا العمل الضخم والكبير جداً.
٦ - بما أن الخطة ذات طابع انتحاري فإن الذين وضعوها أخذوا ذلك بعين الاعتبار
فوظفوا لصالح تنفيذ خطتهم من هو مستعد للموت دون مبادئه وشعاراته.
والذي يدل على عدم ارتباط هذا التنظيم بتنظيم القاعدة أمران:
الأول: إخفاق الـ CIA والـ FBI في تقديم أي دليل مادي يربط المنفِّذين
بتنظيم القاعدة.
والثاني: أن أسامة بن لادن أصدر بيانات ينفي فيهما علاقته بما حدث،
وسنأتي لاحقاً على تفصيل الحديث عن ذلك.
يغلب على الظن أن الذين وراء هذه العمليات، هم منفذون من داخل الولايات
المتحدة، فإن الذين نفَّذوا العملية هم الجماعة الذين نسفوا المجمع التجاري في
أوكلاهما بتاريخ ١٩/٤/ ١٩٩٥م، عن طريق (تيموثي ماكفاي) ، وهذه الجماعة
هي واحدة من مئات الجماعات والميليشيات المنظمة في الولايات المتحدة، والذين
يقدر عددهم بما يزيد عن مائة ألف مواطن أمريكي، ويؤكد تقرير صدر
عام ١٩٩٨ م عن مركز «ساوثرن بوفرتي لوسانتر» الأمريكي المستقل
والمتخصص في مراقبة التحركات المعادية للسلطة أن المجموعات التي تحرض
على الحقد (تحمل أسماء مثل: النازية الجديدة، فروة الرأس، المدافعون عن العرق
الأبيض، الهوية النصرانية) ارتفع ما بين عامي ١٩٩٦، ١٩٩٧م بنسة ٢٠%
ليصل إلى ٥٠٠ مجموعة تضاف إلى ٨٥٠ مجموعة أخرى، منها ٤٠٠ ميليشيا
مسلحة منتشرة في أرجاء البلاد، ويقول التقرير إن عدد التحقيقات التي أجراها
جهاز الاستخبارات الفيدرالي FBI خلال ثلاث سنوات من عمليات الإرهاب
الداخلي ارتفع من ١٠٠ إلى أكثر من ٩٠٠ تحقيق، ويؤكد (مارك بوتوك)
مسؤول المركز المذكور أن معدل المؤامرات الإرهابية الجوية يبلغ واحدة كل شهر،
وتتعلق هذه المؤامرات بعمليات نسف جسور أو مبان، أو اغتيال شخصيات
رسمية، أو اقتحام قواعد عسكرية، أو سرقة مصارف. وفي ١٨/٣/ ١٩٩٨م ألقت
قوات الأمن القبض على ثلاثة أشخاص تابعين لميليشيا ميتشيجن أخطر الميليشيات
المسلحة وهم يخططون لتفجير مبان فيدرالية ومحطة تلفزيون وأحد الجسور الكبيرة،
وخلال الأسبوع نفسه أعلنت السلطات الفيدرالية عن سرقة طن كامل من
المتفجرات في مدينة سليجو شمال شرق بنسلفانيا، ويقول (ميتشيل هاميرز) أحد
خبراء الجامعة الأمريكية في واشنطن: إن الإرهاب الداخلي يشكل تهديداً متزايداً،
وهو أكثر تنظيماً في أوساط الميليشيات. إنهم لا يستعملون فقط قنابل بسيطة كتلك
التي استخدمت في أوكلاهوما سيتي، ولكن مخازنهم تتضمن أسلحة دمار أكثر
تطوراً من الأسلحة الكيماوية أو البيولوجية [١] .
وقد أشار مفرح سعود النومس صاحب كتاب «التهديد النووي في الإرهاب
المستقبلي» في ص ١٨٣ إلى ما قاله (جون نوكلز) الرئيس السابق للمختبر
الوطني الأمريكي الشهير (لورنس ليفرمول) في حديث له أمام لجنة الدفاع في
الكونجرس الأمريكي، إنه باستطاعة الإرهابيين شراء رأس نووي من السوق
السوداء التي اتسعت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ووضعه في سيارة متوقفة قرب
مركز التجارة العالمي وولد ترايد سنتر في نيويورك مع جهاز توقيت لغرض
إرهاب نووي، وقد أيده في تلك الأفكار (روبرت كوبر) من المتخصصين في
السلاح النووي، والعامل في المختبر المنافس (لوس الالموس) ، وقد استوحى
المؤلف غلاف الكتاب من هذه المعلومة؛ حيث يمثل مشهداً من منهاتن يختفي فيه
برجا مركز التجارة العالمي بخلفية انفجارية [٢] .
والسؤال الذي يجب أن تسأله الإدارة الأمريكية لنفسها هو: ألا يحتمل أن
تكون هذه الجماعات والميليشيات المدربة والمسلحة والمنظمة وراء الحدث
المريع؟ ! ! لماذا إذن لا تُوجه أصابع الاتهام لها؟ ! ألأنها جزء من الدولة بموجب
الدستور الأمريكي الذي ينص في تعديله الثاني على أن «وجود ميليشيا
منظمة أمر ضروري لتأمين حرية كل ولاية» ، والذي يعني أن الدستور
الأمريكي مظلة رسمية لإرهاب هذه الجماعات والميليشيات؛ ولذا يغض
الطرف عنها؟ !
٧ - توفير التمويل اللازم لمثل هذا العمل الذي يبدو أن الإعداد له قد استغرق
مدة طويلة ربما تكون سنوات. وهذا يعني أن الرصيد المالي للجهة التي وقفت
وراء هذا العمل هو رصيد كبير جداً يوفر الاحتياجات المالية بدون حدود.
تلك هي العناصر السبعة الرئيسة الكامنة وراء تنفيذ ذلك الحادث الرهيب.
إن المتمعن في تلك العناصر يرى أنها لا يمكن أن توفرها في المنظور المعتاد
أية دولة أو أي تنظيم خارج الولايات المتحدة فتتوجه إليه وتقوم بضربه بآلتها
الحربية الجبارة.
إن هذه العناصر لا تتوفر غالباً إلا لجهة واحدة فقط، هي جهاز الموساد
الإسرائيلي، ذلك الجهاز الذي شعاره الغاية تسوِّغ الواسطة، فهو في سبيل الوصول
إلى هدفه النهائي لا يهمه كم من ألوف الأرواح أزهقت، أو في أي واد تلك الأجساد
هلكت أو أحرقت؟ ! وقد كان اليهود في البلدان العربية إبان حث اليهود على
الهجرة إلى فلسطين في الأربعينيات يضعون القنابل في المقاهي التي يرتادها اليهود
ثم يتهمون المسلمين بوضعها، وقصدهم من ذلك إخافة اليهود ودفعهم إلى الهجرة،
وقد أظهر هذا الحدث المروع أن تغلغل جهاز الموساد الإسرائيلي في داخل بنية الـ
CIA و FBI هو تغلغل محكم ومستشر ومنتشر كانتشار الشرايين والأوردة في
جسم الإنسان، بل هو متلبس به كتلبس الجني بجسد الإنسي؛ حيث ينطق الجني
مستخدماً لسان الإنسي، أي ينطق جهاز الموساد مستخدماً لسان الـ CIA و FBI
وما أريد أن أصل إليه أن ما سأذكره الآن ولاحقاً كله أو غالبه على لسان CIA
و FBI هو في حقيقته صادر من قِبَل الموساد، فماذا قالت الـ CIA، FBI بمجرد
وقوع الحدث؟ !
قالوا: إن مثل هذا الحدث لا يقوم به إلا العرب والمسلمون. ثم بعد أربع
ساعات ضيقوا المساحة وقالوا: إن هذا الحدث لا يمكن أن يقوم به إلا أسامة بن
لادن، لكن الذي يتحمل المسؤولية الحقيقية هو من يأويه على أرضه وهم طالبان
أفغانستان؛ إذن المسؤولية تقع عليهما معاً: أسامة والطالبان! !
هكذا قبل أي تحقيق أو الحصول على أية معلومات؛ فماذا يعني ذلك؟ إنه
يعني التمهيد المباشر وتوظيف الحدث فوراً لصالح توجيهه نحو الهدف النهائي، لقد
حددوا المتهم أولاً، ثم تسرعوا في جمع الأدلة التي جاءت فيما بعد تصب كلها في
إثبات التهمة الملفقة.
وحدث الكثير من التخبط والتسرع لأجل تمرير صحة نسبة هذا العمل لتنظيم
القاعدة؛ فهل من المعقول لدى ذوي الحجا أن ينفّذ طيارون عملية بهذه الدقة
والمهارة تلقوا علمهم في الطيران من كتيبات قرؤوها في مواقف المطارات، ثم
تركوها في أماكنها؛ لأنهم متعجلون ركوب الطائرة وقيادتها بعد خطفها؟
ولقد عجب كل العقلاء في العالم من هذا الاتهام؛ حيث إن هذا العمل المخطط
والمنظم والممول هو أكبر بكثير وكثير جداً من إمكانات ابن لادن المحاصر في
بعض فيافي أفغانستان أو كهوفها، والمجرد حتى من وسيلة الاتصال بالهاتف النقال،
والذي هو تحت الرصد المستمر والمتابعة الدائمة من قِبَل عملاء جميع أجهزة
المخابرات الدولية ووكلائهم، وأولها الـ CIA و FBI لتحديد مكانه بالضبط لتتم
تصفيته وقتله. وهكذا نجح الموساد عن طريق أجهزة الإعلام في شحن نفوس
الأمريكيين بشكل مريع للضغط على الحكومة الأمريكية وخاصة الرئيس بوش ليأخذ
بثأر قتلاهم وينتقم لهم من الطالبان ومن ابن لادن أشد الانتقام وأقساه وأبطشه، ولقد
بلع بوش وحكومته وأعضاء الكونجرس ومجلس الشيوخ، بلعوا جميعهم هذا الطعم
الموسادي وشرعوا في طريق المواجهة الكبرى، رغم أنه قد استفاضت الأخبار بأن
أعداداً كبيرة من اليهود العاملين في مركز التجارة العالمي لم يتوجهوا إلى أعمالهم
في ذلك اليوم؛ حيث قيل إن ذلك كان بناء على إيعازات جاءتهم؛ مما أثار شكوكاً
لدى مسؤولين حكوميين أمريكيين يريدون معرفة كيف علم هؤلاء بنبأ الهجمات قبل
وقوعها. ذكرت ذلك صحيفة البيان الإماراتية وقناة المنار الفضائية اللبنانية، وقد
أكد ذلك الأستاذ أحمد منصور في مقابلة أجراها في برنامجه «بلا حدود» مع أستاذ
في السوربون، بثتها محطة الجزيرة الفضائية بتاريخ ١٩/٩/٢٠٠١م، وأضاف أن
زيارة لأمريكا كانت مقررة لشارون قد تم تأجيلها في آخر لحظة قبل الحادث.
هذا، وقد تم القبض على مصورَيْن من اليهود كانا في مكان الحادث لحظة
وقوعه، وقد أفرج عنهما لاحقاً بعد التحقيق معهما، وذلك بكفالة من عمدة نيويورك.
أهداف الموساد إذا كانوا وراء الحدث؟
لا شك أن مصالح كبيرة وأهدافاً عظيمة يمكن أن يجنيها اليهود من وراء
العملية التفجيرية المدمرة، ومن أهمها مايلي:
١ - إيجاد ظروف دولية خطيرة تشغل الرأي العام الدولي عن المجازر
الهمجية التي تقوم بها حكومة الكيان اليهودي بزعامة السفاح شارون بغية وأد
الانتفاضة.
٢ - إشغال الرأي العام العالمي بوقائع كبيرة، كحرب عالمية أو ما كان في
حكمها تصرفه عن الاهتمام بحدث مثل هدم المسجد الأقصى الذي تخطط إسرائيل
لهدمه خلال المرحلة القادمة وأثناء الحرب المتوقعة.
٣ - إقامة الهيكل المزعوم على أنقاض الأقصى.
٤ - إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام لتنفير العالم منه، وللحد من انتشاره.
٥ - تدمير الطالبان وتقويض الدولة الإسلامية في أفغانستان.
٦ - تهيئة ظروف في مرحلة ما من مراحل الحرب القادمة توجد فجوة أمنية
في باكستان تتمكن إسرائيل من خلالها من ضرب المفاعلات النووية الباكستانية.
٧ - تقسيم العالم الإسلامي إلى كيانات متناحرة؛ وذلك بسبب اختلافها في
الموقف من الحرب القادمة المخطط لها.
٨ - إيجاد ظروف مناسبة لشن عدوان واسع النطاق على سوريا ولبنان،
وتهجير سكان الضفة الغربية إلى ما وراء نهر الأردن، وأهداف أخرى كثيرة يمكن
أن نذكرها، ولكن نتجاوز عنها اختصاراً.
إشعال الحرب العالمية الثالثة هدف يهودي لتحقيق النبوءة:
يرتبط الفكر اليهودي في عودة المسيح بقيام الحرب العالمية الثالثة حيث يهدم
الأقصى ويقام الهيكل على أنقاضه، وذلك بعد انقضاء الألفية الثانية وعند ابتداء
الألفية الثالثة، وذلك حينما تبدأ الأيام الأخيرة، حيث تتمثل في إقامة قيامة صغيرة
تهيئ للقيامة الكبرى، وتأويل هذا يجيء بإشعال حرب مدمرة تهلك فيها غالبية
سكان الأرض.
تقول التوراة التي عندهم: «في الأيام الأخيرة، عندما تتجمع إسرائيل من
الأمم، سوف تتسبب في أمر ما سوف يحدث، إني سوف أضع صنارة في أفواه
القوى المؤتلفة» . وجاء في التلمود: «قبل أن يحكم اليهود نهائياً، لا بد من قيام
حرب بين الأمم، يهلك خلالها ثلثا العالم» [٣] .
إن الجميع يعلم أن اليهود يخططون لهذه الحرب وفق هذه النبوءات ليخرجوها
إلى أرض الواقع، وها نحن قد رأينا كيف وظفوا هذا الحدث ليشعلوا الحرب
الضروس ليحققوا بها النبوءة.
رد الفعل الرسمي:
لا شك أن الإدارة الأمريكية قد أُخذت على حين غرة، وفوجئت بالحدث،
وحجمه، وطريقة تنفيذه، ونتائجه المذهلة.
وقد عكست تصريحات الرئيس الأمريكي بوش حجم تأثره الشديد بما حصل،
فقال: «إن الولايات المتحدة تتعرض لكارثة وطنية من خلال هجمات إرهابية
واضحة، هذه لحظة صعبة للشعب الأمريكي» ، وقال: «لقد أمرت بإتاحة كامل
مصادر الحكومة الفيدرالية لمساعدة الضحايا وعائلاتهم، وإجراء تحقيقات شاملة
لمطاردة والعثور على أولئك الذين ارتكبوا هذه الأعمال» ، وقال: «لن يستمر
الإرهاب ضد أمتنا» .
وفي اليوم الثاني، أي الأربعاء، تصاعدت حدة التصريحات الأمريكية
مضيقة المساحة في اتجاه تهيئة الرأي العالم الدولي لتسويق قبول الهدف النهائي مع
ملاحظة التمهيد لذلك عبر تصريحات نارية؛ إذ قال بوش بعد اجتماعه مع فريق
الأمن القومي في البيت الأبيض: «الهجمات المتعمدة والقاتلة التي نفذت ضد بلادنا
كانت أكثر من عمليات إرهاب، كانت عمليات حربية» .
وفي اليوم الثالث من وقوع التفجيرات أي يوم الخميس تم الإفصاح رسمياً عن
الهدف النهائي، حيث قال باول في مؤتمر صحفي: «إن أسامة بن لادن هو
المشتبه به الرئيسي في الاعتداءات» . لكن اللافت للنظر حقاً أن هذا التصريح قد
جاء مبكراً وقبل الانتهاء من التحقيقات.
إذن منذ البداية، ومنذ اللحظة الأولى التي كان لا يزال فيها بوش في طائرته
محلقاً في الجو، صدر الحكم الرئاسي قبل أي تحقيقات، ووجهت التهمة لابن لادن
باعتباره المشتبه الرئيس ثم إلى حكومة طالبان.
والحقيقة أن الولايات المتحدة كانت قد وضعت خططها للقضاء على الطالبان
مسبقاً، وليست قضية ابن لادن إلا مجرد ذريعة للبدء في تنفيذ ما كانت قد عزمت
عليه. وجاءت التفجيرات الأخيرة لتكون فتيلاً لإشعال الأزمة.
أمريكا خططت للقضاء على الطالبان منذ شهور:
ليس من المعتاد أن تزج الدول الكبرى نفسها في أتون حروب كبيرة على
مستوى «العالمية» ، دون أن تكون قد حددت مسبقاً أهدافها ووسائلها، وفي حالتنا
هذه فإن قرار القضاء على طالبان بواسطة حرب هائلة تبدأ في أواسط أكتوبر
٢٠٠١م قد تم إبلاغه لجهات عدة، منها باكستان. حيث ذكرت الـ BBC بتاريخ
١٩/٩/٢٠٠١م أن وزير الخارجية الباكستاني السابق صرح لها أن الولايات المتحدة
كانت تخطط لعملية عسكرية ضد ابن لادن وطالبان قبل وقوع التفجيرات، وقال إن
مسؤولين كباراً في الحكومة الأمريكية أبلغوه في منتصف شهر يوليو بأن الولايات
المتحدة ستتخذ إجراءات عسكرية ضد أفغانستان بحلول منتصف شهر أكتوبر،
وأنهم أبلغوه بالخطة أثناء انعقاد مؤتمر دول مجموعة الاتصال الخاصة بأفغانستان
الذي عقد في برلين تحت راية الأمم المتحدة، وأشار المسؤول الباكستاني إلى أن
الهدف الأوسع من تلك العملية سيكون إسقاط طالبان وتنصيب حكومة انتقالية من
الأفغان المعتدلين، من الممكن أن يتزعمها ملك أفغانستان السابق ظاهر شاه، وقال
إن واشنطن ستشن عملياتها من قواعد في طاجيكستان حيث يقيم عدد من
المستشارين الأمريكيين، وأن أوزبكستان ستشارك في العمليات وروسيا أيضاً،
وذلك قبيل سقوط الثلج في أفغانستان [٤] .
ما ذنب أفغانستان؟
حتى كتابة هذه السطور أخفقت جميع الجهود الأمريكية في إيجاد أي دليل
يدين أسامة بن لادن أو الطالبان في وقوع انفجارات أمريكا؛ إذن لماذا يجب ضرب
الطالبان، وما هو ذنبها من وجهة نظر الإدارة الأمريكية الخاضعة لضغوط اللوبي
الصهيوني؟ !
إن طالبان ليست مذنبة ذنباً واحداً فحسب، بل هي غارقة في ذنوب كثيرة
حسب زعمهم! وهذه أهمها:
١ - حرصها على بدء تطبيق الشريعة الإسلامية بشكل شمولي.
٢ - إعداد جيشها من منطلق منظور إسلامي سواء في تحديد الأهداف أو
استخدام الوسائل.
٣ - تركيزها الشديد على إعادة إعمار أفغانستان وتشييد بنيتها التحتية.
٤ - تمردها، وعدم خضوعها للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.
٥ - مناصرتها للفلسطينيين وعداؤها لدولة الكيان اليهودي التي ترى الطالبان
وجوب إزالتها بالكامل واسترجاع فلسطين كلها من النهر إلى البحر.
إن كل واحدة من هذه «الذنوب» تعدُّ لدى أمريكا والغرب واليهود «كبيرة
من الكبائر» ؛ فكيف لو اجتمعت؟ ! إنها طامة عظيمة من وجهة نظرهم.
ولقد كانت أمريكا تطمع في إسقاط حكم الطالبان عن طريق الحصار الذي
فرضته عليها تحت مظلة الأمم المتحدة؛ غير أن ذلك لم يحدث رغم الأعداد الكبيرة
التي قضت نحبها بسبب هذا الحصار الجائر الذي أدى إلى سقوط آلاف الضحايا من
الأطفال والنساء والشيوخ، وتشرد مئات الآلاف ولجوئهم إلى باكستان وإيران
باحثين عن الغذاء والكساء والمأوى؛ حيث إن هذا الحصار قد تسبب في عدم تمكن
الطالبان من المسارعة في إعادة بث الحركة في البنية التحتية، وأعاق خطط التنمية
واستئناف الإعمار. ولعل الغرب وخاصة أمريكا، يراهنون على أن يثور الشعب
الأفغاني على الطالبان بسبب ذلك؛ غير أن هذا لم يحصل بل حصل ضده تماماً،
فصبر الشعب الأفغاني.
قررت الإدارة الأمريكية إعلان الحرب مستغلة ضغط هول الحدث بحد ذاته،
ثم تحت ضغط الجماهير الأمريكية الغاضبة، ثم تحت ضغط مجلس الكونجرس
والشيوخ؛ وبناء عليه ترأس بوش في يوم السبت ١٥/٩/٢٠٠١م مجلساً حربياً في
مقره الريفي في كامب ديفيد من أجل النظر في التخطيط لهذه الحرب التي يندفع
إليها على عجل لافت للنظر، ثم صرح بعد الاجتماع بتصريحات جاء فيها:
«سنشن حملة صليبية طويلة الأمد لتخليص العالم من فاعلي الشر» ، (قيل
إنها ستشمل ستين دولة) .
«مما لا شك فيه أن أسامة بن لادن هو المشتبه به الرئيسي» .
«إننا نخطط لعملية مدروسة وواسعة النطاق» .
«لن أقرر القيام بعمل رمزي» .
«ردنا يجب أن يكون شاملاً ومتواصلاً وفعالاً، سيكون ضرورياً تنفيذ
سلسلة عمليات حاسمة للقضاء على الإرهاب لا عملية واحدة» .
«إننا نطلب صبركم لأن الصراع لن يكون قصير المدى» .
«نطلب منكم أن تكونوا عازمين؛ لأن الصراع لن يكون سهلاً» .
«يجب أن تكونوا أقوياء لأن الطريق نحو النصر قد يكون طويلاً» .
«إن الصراع المقبل سيكون مواجهة من نوع آخر مع عدو من نوع آخر» .
«سنعثر على مرتكبي هذا العمل، ونخرجهم من أوكارهم، ونجعلهم يمثلون
أمام القضاء» .
«إن أي دولة تؤوي إرهابيين سوف تواجه غضباً عارماً من القوة العسكرية
الأمريكية» .
«من يعلن الحرب على الولايات المتحدة فقد اختار دماره» .
«لقد حان الوقت الآن لكسب أول حرب في القرن الحادي والعشرين بطريقة
حاسمة» .
قال بوش هذا الكلام معلناً ملامح المرحلة القادمة، وهو محاط بأركان حكمه
من أمثال نائبه ديك تشيني، ووزير خارجيته كولن باول، ووزير العدل جون
اشكروفت، ومستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس. لكن هذه الحرب الضروس
من ستطال بحسب الإعداد الأمريكي؟ إنها ستطال طرفين كما قالوا:
الأول: الدول التي تتبنى الإرهاب أو تحتضنه أو تدعمه.
الثاني: المنظمات الإرهابية في جميع أنحاء العالم: (أفغانستان، مصر،
إيران، العراق، فلسطين، الأردن، لبنان، السودان، تركيا، الفلبين، فنزويلا،
سريلانكا، بيرو، كولومبيا، فرنسا، أسبانيا، اليونان، اليابان) [٥] .
وهذا يقودنا إلى التساؤل عن مفهوم الإرهاب لدى الولايات المتحدة حيث يبدو
واضحاً أنه خلاف مفهومه المعروف لدى الأمم المتحدة والذي هو استعمال غير
مشروع للقوة. فإسرائيل تمارس الإرهاب ضمن هذا التعريف في كل لحظة ورغم
ذلك فالولايات المتحدة راعية لها ومدافعة عنها وممولة لها، وإذا قامت الولايات
المتحدة بضرب أفغانستان دون تقديم دليل معترف به فإنه بموجب تعريف الأمم
المتحدة للإرهاب سيكون هذا العمل إرهابياً لأنه استعمال غير مشروع للقوة،
وأيضاً نقول: هل ستقوم الولايات المتحدة بضرب دولة مثل بريطانيا لكونها تؤوي
إرهابيين من دول أخرى وتمنحهم حق اللجوء السياسي، أو تضرب سوريا لكونها
تؤوي منظمات فلسطينية مصنفة على أنها إرهابية لدى الإدارة الأمريكية؟ !
أهداف أمريكا من الحرب:
ما هي المكاسب التي ترمي إليها الولايات المتحدة من هذه الحرب، وما هي
أهدافها منها؟ إنها كما يلي:
١ - إثبات التفرد الأمريكي في قيادة العالم بدون منازع.
٢ - الحد من النفوذ الإسلامي في أفغانستان أو القضاء عليه من خلال إلحاق
هزيمة مدمرة بالطالبان.
٣ - إيجاد موطئ قدم مؤثر للنفوذ الأمريكي في منطقة شرق آسيا يكون له
أثر واضح في تغيير موازين القوى في تلك المنطقة؛ حيث إن الوجود العسكري
الأمريكي سيكون على حدود الصين وإيران وبعض الجمهوريات الإسلامية المستقلة
عن الاتحاد السوفييتي السابق.
٤ - منع قيام أي حكم إسلامي مستقبلاً في أية دولة من دول منطقة شرق آسيا
أو الجمهوريات الإسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفييتي أو التي تفكر بالاستقلال
عن روسيا كالشيشان وداغستان وغيرها.
٥ - وضع عبرة شاخصة أمام كل من يريد أن يلحق أي ضرر بالولايات
المتحدة أو بمصالحها الحيوية أو بمنشآتها الاستراتيجية.
إلا أن هذه الأهداف لو تحققت فإنها لن تمنع استمرار الإرهاب الذي تحشاه
أمريكا، بل ستولد إرهاباً جديداً على طريقة حرب تلد حرباً.
مسار الحرب ونتائجها المتوقعة
لا نستطيع أن نجزم بمسار الحرب ولا بنتائجها، لكننا نحاول استشراف ذلك
من خلال المعطيات القائمة؛ ولعلنا نسوق ذلك على منحى النقاط الآتية:
١ - ستشن الجهات المعتدية هجوماً رهيباً وعنيفاً جداً ضد القوات الإسلامية
الطالبانية؛ وذلك باستخدام الطائرات المقاتلة، والقاذفة، وصواريخ كروز على
مدار أسابيع عديدة بغية تقطيع أوصالها وقطع خطوط اتصالاتها، وتشتيت تجمعاتها.
٢ - ثم تقوم القوات البرية بمحاولة شق طريقها لاحتلال المدن الرئيسة وأولها
العاصمة كابل، وسوف تتكبد خلال ذلك خسائر فادحة جداً، وأغلب الظن أنها
ستخفق في احتلال أي مدينة كبيرة، مع ملاحظة أن تأمين أرض لانطلاق القوات
البرية بحاجة إلى موافقة باكستانية أو طاجيكية وتأمين خطوط إمداد لوجستية؛ وهذا
صعب جداً.
٣ - ثم تستدعي المعارضة الأفغانية بقيادة برهان الدين رباني أو ظاهر شاه،
وتسلمه السلطة ضمن شروط ومعاهدات وتعهدات.
٤ - ستستمر حرب الاستنزاف والعصابات لفترة غير معلومة نرجو أن تنتهي
بهزيمة ساحقة للقوات المعتدية كما انهزمت من قبلها القوات البريطانية مرتين في
القرن قبل الماضي ثم القوات الروسية في أواخر القرن الماضي.
٥ - خلال ذلك فإن مصالح الدول المعتدية ستكون عرضة للخطر في كل
أنحاء العالم وخاصة الإسلامي.
وقد يؤدي ذلك إلى تغيُّر في الخرائط السياسية الدولية، وتبدل حاد في
التحالفات، وسقوط أنظمة وقيام أخرى.
стр. 4097
المسلمون والعالم
بدأت الحرب ولكنها.. بدون عنوان ! !
حسن قطامش
في ظلام دامس لا يتبين فيه فرق كبير بين البشر والحجر، انطلقت القاذفات
والطائرات الحربية وصواريخ كروز الأمريكية تدك الأراضي الأفغانية.
ورأى العالم «غضب أمريكا الشديد» الذي وعد به «ديك تشيني» نائب
الرئيس الأمريكي انتقاماً لجرح الكبرياء المسفوح على الأراضي الأمريكية.
رسم الأمريكان لهذه الحرب مدى أفقياً بعيداً في الزمان والمكان والأعداء، وأرادوا
تقسيم العالم إلى معسكرين! ! معسكر مع أمريكا، ومعسكر.. ليس مع أمريكا،
ومن ليس معها فهو مع «الإرهاب» .
تثير هذه الحرب عدداً من الأسئلة والاستفهامات لعلها تصل بنا إلى استنتاجات
نفهم منها ماهية هذه الحرب:
في بيان إعلان الحرب قال جورج بوش: «اليوم نركز أنظارنا على
أفغانستان، ولكن المعركة أوسع، هناك خيار أمام كل أمة، ليس هناك منطقة
محايدة في هذا النزاع» .
وتبعه وزير الدفاع رامسفيلد بقوله: «في حين أن غاراتنا تركز على
أفغانستان، فإن هدفنا أوسع بكثير، والعالم يقف متحداً في هذا المجهود. إن
شركاءنا في هذا المسعى يمثلون أمماً وشعوباً من كل الثقافات والأديان والأعراق ...
وهذه لن تكون حرباً نظيفة! ! وآسف بأن أقول ذلك، وستكون حرباً عسيرة
محفوفة بالمخاطر، وهناك ترجيح بأن عدداً أكبر من الناس سيفقدون» .
ومع تسارع الأحداث وشدتها تبدو لكثير من الناس هلامية وضبابية الأهداف
الأمريكية في تلك الحرب، إلا أن الولايات المتحدة عودتنا على استغلال الأحداث
لمصالحها الاستراتيجية بشكل جيد.
وهذه الحرب الكبيرة التي «تعهد أصدقاء عظام مثل بريطانيا وكندا
وأستراليا وألمانيا وفرنسا بمشاركة قواتها في هذه المعركة، إضافة إلى أربعين دولة
في الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا وآسيا منحت أمريكا حرية استخدام مجالاتها
الجوية أو حقوق الهبوط لطائراتها، إضافة كذلك للعديد من الدول التي وفرت
لأمريكا معلومات استخباراتية» .. في هذه الحرب لم يكن هذا الإجماع العالمي
المتنوع الثقافات والأعراق والأديان والذي لم يجتمع في الأمم المتحدة ولا مجلس
الأمن! ! لم يكن ليجتمع بهذه السرعة التي فاقت تجميع التحالف الدولي في حرب
الخليج الثانية، ولم يكن الدافع لهذا التداعي الكثيف سيف أمريكا أو ذهبها فقط، بل
كانت الأمور أشد تعقيداً وأكثر تآمراً من ذلك.
فحين أعلنت الحرب، أعلنها الرئيس الأمريكي صليبية بحتة، ومهما قيل إن
الكلمة كانت زلة لسان، فلا يمكن للمرء أن يغسلها من أدرانها، أو أن يقطعها من
جذورها النصرانية الغربية، أو لا يستدعي لها أخواتها من الأقوال والأفعال التي
تنوء بها سجلات العداء النصراني لدين الإسلام.
وإذا تجاوزنا هذه النقطة، وكنا من أصحاب «النوايا المعولمة» الحسنة
الظن بأمريكا، ونتساءل: أفهكذا يساق العالم إلى حرب أمام هدف مجهول..
مجهول التعريف، مجهول المكان، مجهول الزمان، مجهول التبعات؟ !
قالت الولايات المتحدة إن حربها ستشمل ستين دولة، وقالت إن الدول
الإرهابية التي ضمتها قائمتها للدول الراعية للإرهاب لا يتجاوز عددها أصابع
اليدين! ! فأين بقية الستين دولة؟ ! !
هذا.. وقد شكرت الولايات المتحدة تعاون بعض دول هذه القائمة في هذه
الحرب كإيران والسودان! !
وقالت الولايات المتحدة إن المنظمات والأفراد الذين أدرجوا أخيراً ضمن قائمة
الإرهاب، سبع وثلاثون منظمة وفرداً..؛ فأين بقية الستين هنا أيضاً؟ !
وكانت الولايات المتحدة حين أعلنت حربها على العراق لم تقل إن حربها ستشمل
أكثر من هذه الدولة، وبرغم ذلك ما زالت الحرب معها قائمة لأكثر من عشر
سنوات؛ فكم من الزمن تستغرق حرب أمريكا للستين دولة؟ ! ومتى تضع هذه
الحرب أوزارها؟
ثم نتساءل عن هذا «المريب» الأمريكي الذي يكرر كل يوم أن هذه الحرب
ليست ضد الإسلام، ولا تستهدف دين الإسلام، وليست بداية لصراع حضارات أو
ثقافات بين الغرب والإسلام: لماذا كل هذا النفي اللافت والمريب؟ ! سؤال بريء
من أصحاب النوايا.. المستريبة.
وأخيراً.. عندما وقعت الانفجارات في واشنطن ونيويورك فزع الأمريكان
إلى «كنائسهم» بداية من رؤسائهم إلى عامتهم يقيمون «القداس» الجنائزي.
وعندما أرسل جورج الجنود الأمريكان لضرب أفغانستان قال: «إن القائد الأعلى
للقوات المسلحة لا يرسل أبناء وبنات أمريكا في أرض غريبة إلا بعد أعظم قدر من
الحرص ومن..» الصلاة «شكراً لكم، وليواصل الله مباركة أمريكا» ! !
فأول هذه الحرب كان قداساً في كنيسة، ثم ثانيها إعلانها حرباً صليبية،
وثالثها بدء حرب بدعاء وصلاة صليبية.. فماذا نسمي تلك الحرب؟ !
سؤال لأصحاب النوايا الحسنة.
стр. 4098
المسلمون والعالم
قراءة في الموقف الباكستاني ضد طالبان
السيد أبو داود [*]
أصيب الشارع العربي والإسلامي بالدهشة والغضب من موقف الرئيس
الباكستاني برويز مشرف بالتعاون الكامل مع الولايات المتحدة في حربها المتوقعة
ضد أفغانستان بعد التفجيرات المروعة التي وقعت في نيويورك وواشنطن في
١١/ ٩/٢٠٠١م، ونحن في هذه السطور سنحاول تحليل الأرضية التي اتخذ
الرئيس مشرف على أساسها هذا القرار؛ حيث إن وراء الموقف الباكستاني بُعداً
شخصياً للرئيس مشرف، وكذلك علاقات داخلية ساعدت عليه، وهناك أيضاً أمور
خارجية ضغطت في اتجاهه.
فبالنسبة للعامل الشخصي، فالتكوين العسكري الذي يغلب على الرجل جعله
يسقط من أول مكالمة تليفونية من البيت الأبيض، وغابت عنه العقلية السياسية
والاستراتيجية التي تقلب الأمور وتنظر في الدقائق والتفاصيل، كما أن القرار
ترجمة طبيعية لحالة رجل قام بانقلاب وعطل مؤسسات الدولة، فكان القرار قراره
ولا معقب له ولا ناقد، ولو كان الرجل يحتكم إلى دستور وقانون لأرجأ اتخاذ أي
موقف إلى حين الرجوع إلى مؤسسات اتخاذ القرار والرأي العام بمختلف قنواته.
تعقيدات الوضع الداخلي في باكستان:
الوضع الداخلي في باكستان تحكمه محددات أساسية جعلته وضعاً صعباً معقداً
ربما ضغط على الرئيس مشرف لاتخاذ قراره.
المحدد الأول: هو الانقسامات القومية الشديدة، فهناك أربع قوميات أساسية
موزعة على الأقاليم الباكستانية الأربعة وهي: إقليم البنجاب أكبر الأقاليم
الباكستانية، وتسكنه أغلبية بنجابية، والشيء نفسه بالنسبة لإقليم السند،
وبلوشتسان، وشيستان.
وقد استمد كل إقليم سماته من القومية التي تعيش على أرضه، ورغم مضي
أكثر من نصف قرن على تأسيس باكستان فإن البلاد لم تعرف انصهاراً كبيراً بين
قومياتها في إطار الدولة الجديدة، بل إن زعماء القوميات ينفخون في هذه
الانتماءات القومية لتحقيق المكاسب الانتخابية.
المحدد الثاني: هو مشكلة المهاجرين المسلمين القادمين من الهند التي أضافت
تحدياً جديداً للدولة، وقد نتجت عن الموجات المتتالية من المسلمين المهاجرين الذين
قدموا من الهند على أثر الاضطهادات الواسعة التي تعرضوا لها على أيدي
المتطرفين الهندوس، وما نجم عن ذلك من قتل أكثر من مليون مسلم في ذلك الوقت.
وقد استوطن هؤلاء المهاجرون الذين بلغ عددهم عدة ملايين إقليم السند
المتاخم للهند، وتمركزوا في مدينة كراتشي، وعاشوا مع سكان الإقليم في انصهار
ووفاق، إلا أن الطابع الإثني والقومي الذي توظفه النخبة السياسية الباكستانية كرافد
أساسي في بناء قواعدها الجماهيرية أخذ يتشكل بسرعة في صياغة علاقة متوترة
بين القوميتين، راح على أثرها آلاف الضحايا وسط إخفاق حكومي في احتواء هذه
المشكلة الخطيرة.
المحدد الثالث: هو البيئة الأمية الفقيرة التي تعيش فيها غالبية السكان،
فطبيعة المجتمع الباكستاني طبيعة إقطاعية وطبقية متجذرة، تكشف عن نفسها في
صورة فقر يضرب أطنابه في رقعة واسعة، وثراء فاحش في قلة قليلة، إذ إن ما
يقارب الثلاثين أسرة فقط تسيطر على غالبية الأراضي الزراعية في طول البلاد
وعرضها، والشيء نفسه بالنسبة للجانب الصناعي والتجاري بصورة تنحسر معها
أو تكاد الطبقة المتوسطة، ثم إن هناك حالة أمية تقترب من نسبة ٧٥% من السكان
بما يعنيه ذلك من دلالات سياسية واجتماعية خطيرة.
والمحدد الرابع: هو المشكلة الطائفية الناتجة عن هذا التباين العرقي يضاف
إليها رؤى دينية شديدة التباين، فربما كانت باكستان البلد الوحيد في العالم الإسلامي
الذي يموج بحشد كبير من القوى الدينية المتناحرة.
والمحدد الخامس: هو أن الذي يسيطر على هذه العملية جهاز أمن ليس على
درجة من القوة بل جهاز ضعيف غير قادر على التعامل مع التحديات الأمنية التي
تواجه هذا الواقع المعقد والمتداخل، فهو جهاز مسيّس بمعنى أن كل حكومة تضع
سياسات أمنية تتواءم مع مصالحها، ورجال الشرطة ينفذون ذلك سواء كانت هناك
مسوغات أمنية تقتضي ذلك أم لا، كما يفتقد هذا الجهاز التقنية الحديثة لملاحقة
المجرمين؛ ومن ثم يلجأ كثير من الهيئات والشركات المحلية والأجنبية إلى
الاستعانة بشركات الأمن الخاصة لتأمين مصالحها. وهناك تدفق كبير وتنقل
وامتلاك وتصنيع للأسلحة دون سيطرة تذكر من الدولة خاصة في المناطق الشمالية
الغربية المتاخمة لأفغانستان.
بيئة خارجية غير مناسبة:
إن الوضع الخارجي والإقليمي لباكستان لا يقل توتراً وتعقيداً عن الوضع
الداخلي حيث الأزمة الأفغانية والسباق النووي مع الهند ومشكلة كشمير، أما عن
الأزمة الأفغانية فقد استضافت باكستان أكثر من ٣ ملايين مهاجر أفغاني كما كانت
الراعي والموجه للقادة الأفغان أو ما كان يعرف في حقبة الاحتلال السوفييتي
بزعماء المجاهدين، لكن خروج السوفييت وتغير معادلات القوى الداخلية الأفغانية
أملى على باكستان أن تقيم علاقات تحالف وتعاون غير معلن مع القوى التي يمثلها
البشتون الذين (تمثلهم طالبان ومن قبل حكمتيار) فهم أكبر القوميات، وتعيش
أغلبية منهم في المناطق الشمالية الغربية الباكستانية المتاخمة لأفغانستان، ونتج عن
ذلك أن فتحت القوى الأفغانية الأخرى وخاصة الطاجيك (الذين كان يتزعمهم أحمد
شاه مسعود) خطوط اتصال مع الهند؛ مما أسهم في إيجاد جبهة جديدة معادية
لباكستان أسعدت الهند، وخاصة أن الهند تتهم طالبان بدعم الثوار في كشمير؛
وعليه فيمكن أن يكون اللاجئون الأفغان قنبلة داخل باكستان تسبب الكثير من
المشكلات والمتاعب إن لم يتم التعامل معها بحكمة بالغة.
أما السباق النووي فعلى الرغم من أنه نقطة القوة الوحيدة فإن باكستان
تعرضت بسببه للعقوبات الأمريكية والأحقاد الغربية الإسرائيلية الهندية، وفتح ملفاً
جديداً من المشكلات الإقليمية والدولية لباكستان.
أما المشكلة الكشميرية فقد أخفقت باكستان في حلها عبر هذه العقود،
وأصبحت هي مصدر الأزمات الرئيسية، وقد خاضت باكستان بسببها ثلاث حروب
مع الهند، وفقدت في أعقاب إحداها بنجلاديش التي كانت جزءاً من الأراضي
الباكستانية، وتساهم هذه المشكلة في إضعاف الجبهة الداخلية، فقد نجحت الهند في
بناء علاقات مع عناصر من القومية البشتونية التي روج الكثير من زعمائها
للانفصال عن باكستان باعتبارهم جزءاً من أفغانستان، وتنفيذ العديد من العمليات
التخريبية في باكستان، كما استثمرت الهند الخلافات الإثنية بين كل من حركة
المهاجرين والقومية السندية بكراتشي في تجنيد وتمويل عناصر تخريبية في إقليمي
السند والبنجاب المتاخمين للحدود الهندية.
تغليب السلبيات:
إن الرئيس الباكستاني مشرف غلّب كل السلبيات السابقة فخاف وارتعدت
فرائصه حينما طلبت منه الإدارة الأمريكية أموراً ثلاثة هي:
- السماح للقوات الأمريكية باستخدام المجال الجوي الباكستاني للوصول
لأفغانستان.
- وتوفير معلومات مخابراتية دقيقة عن المعسكرات داخل الأراضي الأفغانية
التابعة لتنظيم القاعدة وتنظيمات أخرى.
- وتقديم مساعدات لوجستية لتسهيل حركة القوات الأمريكية.
وقالوا له: إما أن تفعل ذلك، وإما أن نستعين بالحلف الهندي الإسرائيلي
لضرب أفغانستان وابن لادن؛ ولن تكون منشآتك النووية بمنأى عن هجماتنا،
فأنت إما أن تكون معنا وتقدم لنا هذه التسهيلات، وإما أن تكون مع طالبان وابن
لادن، وأنت الجاني على نفسك.
نظر مشرف فقط إلى جوانب الضعف لديه، فهل كان معه جوانب للقوة؟
لقد كان مشرف يقف على أرضية الحق والعدل، فكان له أن يحتج بالهوية
المشتركة والمصالح والتشابك والتداخل بين الشعبين، ثم يستند إلى الشارع
الإسلامي الذي بدأ لأول مرة يأخذ موقفاً كاسحاً مؤيداً لطالبان وناقماً على مشرف.
فكل المؤسسات الإسلامية وعلى رأسها شيخ الأزهر، ومفتي مصر، ورابطة
علماء فلسطين، وجبهة العمل الإسلامي الأردنية، وكثير من علماء السنة بالإضافة
إلى غالبية الشارع الباكستاني، كل هؤلاء ضد الموقف الأمريكي ويطالبون بعدم
أخذ الأبرياء بذنب مرتكبي الحادث، وضد اتخاذ أية خطوة إلا بدليل دامغ، واتفقوا
على أن أية دولة مسلمة تتعرض لهجوم وجب على المسلمين جميعاً مناصرتها بكل
ما يملكون، وتحريم مساعدة عدوها وتقديم أية معونات له.
لو اختار الرئيس الباكستاني الموقف المغاير وقال لا. كان سيكسب كل
هؤلاء، بالإضافة إلى أن موقف الدول العربية وإن كان مغلفاً بالخوف من أمريكا فإنه
كاره لغطرستها إذ قررت الضرب بعد ساعة من الهجوم، وقبل أن تبدأ التحقيقات،
حتى في أوروبا هناك مواقف معارضة لأمريكا، وكذلك بدأت بوادر المعارضة ولو
من طرف خفي من بعض جمهوريات آسيا الوسطى المسلمة رغم الضغوط
والتخويفات الأمريكية.
غليان الشارع الباكستاني:
أصعب موقف اتخذه الرئيس مشرف هو أنه وضع نفسه في مواجهة الشارع
الباكستاني، فكل الجماعات والفصائل الإسلامية الباكستانية على اختلاف مشاربها
وأفكارها اتخذت موقف الوقوف بشدة ضد من يستهدف أفغانستان التي يعتبرونها
جزءاً من الهوية والثقافة الدينية الإسلامية، ويقف معهم بعض الأحزاب والقوى
الوطنية الأخرى متوعدين مشرف بسلسلة من المظاهرات والاحتجاجات
والاضرابات في كل المدن والضواحي، مطالبينه بعدم خرق وانتهاك السيادة
الوطنية والدينية لباكستان، معتبرين أمريكا ستتفرغ بعد ذلك لضرب باكستان بعد
أن تقوض طالبان وتفرض حكومة أفغانية أخرى لن تربطها علاقة صداقة وود مع
باكستان لتتكفل بحفظ المصالح الأمريكية في المنطقة.
تجدر الإشارة هنا إلى أن الأحزاب الدينية الباكستانية يساندها مئات الآلاف
من طلاب المدارس الدينية غير النظامية رفاق طالبان، وهؤلاء يمكن أن يقودوا
حالة من العصيان المدني أو الانفجار الشعبي قد تطيح بمشرف أو تضغط على
الجيش للتدخل والإطاحة بمشرف كما أطاح هو بنواز شريف.
العجيب أن الحكومة والجيش في باكستان يراقبون تحركات الأحزاب
والجماعات الدينية، ويقف معهم خمسمائة صحفي غربي جاؤوا لمراقبة الإسلاميين
ووحش الإرهاب الإسلامي، وضد الشارع الباكستاني تقف النخبة السياسية العلمانية
ومعها من تم صياغتهم على المفهوم الغربي، من هؤلاء وقف أحد المسؤولين
الحكوميين يقول: «لا مناص من خسائر لباكستان ولكن الخلاف ينصب على
حجمها؛ فالإصابة بجرح أفضل من القتل، والجرح نعرف حجمه ثم نتعافى منه،
وهو أفضل من عاهة مستديمة» .
وهذه هي البراجماتية النفعية التي دائماً يستخدمها العلمانيون، ودائماً تكون
ضد مصلحة الأمة، والحمد لله الذي جعل مصالح أمة محمد لا تتحقق إلا بالالتزام
بالشرع ولا يفيدها الانتهازية والنفعية، بل تفسد قضاياها على طول الخط.
إن الرئيس مشرف يقول: إن باكستان أولاً، وإنها فوق طالبان وابن لادن.
ونحن قد نوافقه في ذلك لو كان فيه خير لباكستان، ولكنه للأسف فيه السم الزعاف،
لقد تقدمت مجموعة من الزعامات والقوى الدينية والسياسية في باكستان باقتراح
يطالب أطراف النزاع بأن توافق على تسليم ابن لادن لجهات محايدة مثل مجلس
التعاون الأوروبي، أو مؤتمر العالم الإسلامي لمحاكمته أمام محكمة دولية محايدة،
وعلى رأس المجموعة الدكتور طاهر القاوري قائد الحركة الشعبية وإحدى أهم
الأحزاب الدينية الصوفية، وأجمل ختك قائد الحزب القومي الشعبي (اليساري) ،
وكبير علي واسطي من الزعامات السياسية، والجنرال حميد جول الرئيس الأسبق
للمخابرات الباكستانية، وهذا خيار لن يجدي أيضاً؛ لأن أمريكا لن تسمح به
ومشرف لن يملك الشجاعة لقبوله.
لعبة استراتيجية:
إن جانباً كبيراً من الحركة الإسلامية الباكستانية تدرك المعادلة الاستراتيجية
الصحيحة التي لم يدركها الرئيس مشرف؛ وهي أن أمريكا تريد التخلص من
طالبان وزرع حكومة عميلة برئاسة ظاهر شاه تكون عدواً جديداً لباكستان ليكمل
الخناق عليها مع الهند، ولتكون الحكومة الأفغانية الجديدة شرطياً أمريكياً يحافظ
على مصالح أمريكا والغرب، ووقتها سيدرك مشرف أنه أخطأ في رسم المستقبل
السياسي والديني لبلاده، ولكن ذلك سيحدث بعد فوات الأوان، كما أن أمريكا ما
تزال تضع باكستان في قائمة الدول التي ترعى الإرهاب باعتبار مساعدتها السابقة
لطالبان والمجاهدين الأفغان من ناحية ثم دعمها لفصائل المجاهدين في كشمير،
ودعم باكستان للتحركات الأمريكية معناه خسارتها لحليفها الاستراتيجي ومساعدتها
في إيجاد عدو لنفسها.
إن كثيراً من الإسلاميين في باكستان يعتقدون أن باكستان يراد لها أن تقع في
حرب أهلية (مثل الوضع في لبنان والجزائر) حيث يشتعل فيها الصراع الطائفي
والعرقي بمساعدة جهات أجنبية، وأن ذلك سيكون بداية لتنفيذ مخطط إزالة باكستان
من خريطة المنطقة الجنوب آسيوية الذي يتوقع أن يتم في عام ٢٠١٠م حسب
الدراسات التي أعدتها جهات غربية، مع تزايد المخاوف من أن باكستان ستسقط في
أيدي الإسلاميين خلال السنوات الخمس القادمة مع امتلاكها للقدرة النووية؛ مما
يجعل هذا السلاح أمراً خطيراً ومتاحاً للغول الإرهابي الإسلامي الذي سوف ينتشر
ساعتها في مختلف البلاد الإسلامية حيث سينتقل إليها الحكومة الباكستانية وقتها هذا
السلاح النووي، وفي ذلك خطورة كبيرة على إسرائيل والغرب نفسه.
إزاء ذلك كله يفكر الغرب في ضربة قاصمة لباكستان بطريقة أو بأخرى قد لا
تقل ضراوة عن ضربة أفغانستان المحتملة ولكن بعد اتخاذ باكستان معبراً ومعيناً في
القضاء على طالبان، كما أن الهند لن تقف مشاهدة وربما استغلت أجواء التوتر
التي تعيشها باكستان ووجهت لها ضربة قوية بمساعدة حليفتها إسرائيل، وبمعونة
أمريكية أوروبية.
بقي أن نشير إلى أن هناك نقطة على جانب كبير من الأهمية، وهي مناطق
القبائل المتاخمة للحدود الأفغانية في شمال غرب باكستان التي تعد شبه حرة وغير
منزوعة السلاح بل يتم فيها صناعة السلاح وتداوله على أوسع نطاق، ويبلغ عدد
سكانها حوالي ٢٥ مليون نسمة، وتشترك مع القبائل البشتونية الأفغانية في اللغة
والدين والعادات والتقاليد والتاريخ، هذه القبائل منحازة كلية لأفغانستان وطالبان،
وتعيش حالة استعداد كامل للمواجهة الأمر الذي دعا الحكومة الباكستانية حشد قوتها
العسكرية في هذه المناطق.
وهو ما قد يفتح الباب على مصراعيه للعنف والتمرد، وهذه كلها أمور
باكستان في غنى عنها.
стр. 4099
المسلمون والعالم
مخاطر التعاون العسكري
الهندوسي الصهيوني المتصاعد
محمود عبد الله البنغالي [*]
إن المتتبع لاتفاقات التعاون الهندي الإسرائيلي يلاحظ أن معظم العقود الموقعة
بين الكيانين الهندي اليهودي تنص على تبادل الخبرة والتقنية المتطورة لصناعة
الأسلحة الاستراتيجية والكيميائية الفتاكة.
إن قصة هذا التعاون بين الدولتين العنصريتين: الهند وإسرائيل، والتي
يتزايد الحديث عنها هذه الأيام بين وسائل الإعلام وما تتناقله مصادر الصحف
والأنباء العالمية عن صور وأشكال لهذا التعاون العسكري السري والعلني بين
الدولتين الإرهابيتين الهند وإسرائيل، والذي ظهر خبثه جلياً على الساحة الدولية
بعد أن انكشف ستره، وولى ليله، وطفح كيله، واتضح أمره، وأصبح كضوء
الشمس بالنهار بعد أن كان مختفياً عن الأعين والأنظار مدة طويلة.
إن القليلين ممن يعلمون تاريخ العلاقات الهندية الإسرائيلية وتفاصيل هذا
التعاون بين الجانبين يعلمون أنها ليست وليدة سنة أو سنتين، وإنما يعود تاريخها
لأكثر من نصف قرن من الزمان؛ عندما قامت الهند باعترافها بالكيان الصهيوني
على أرض فلسطين عام ١٩٤٨م؛ لتكون الهند بذلك أول بلد تعترف بدولة إسرائيل؛
فبعد ثلاثة شهور فقط من إنشاء إسرائيل حظيت بالاعتراف الهندي غير المعلن
حينذاك حيث قال رئيس وزراء الهند آنذاك (جواهر لال نهرو) : «إن قيام دولة
إسرائيل أصبح أمراً واقعاً؛ فلذا من البديهي الاعتراف بها دولة مستقلة» . ولم
تكتف الهند باعترافها الضمني غير المعلن فقط بالكيان الصهيوني المغتصب
لفلسطين، بل عملت على تطوير العلاقات والتعاون مع هذا الكيان المحتل لفلسطين
في شتى المجالات والميادين العسكرية والصناعية والاستخباراتية والتجارية
والدبلوماسية والثقافية.
١ - أول اتفاق علني تم بينهما في مجال التسلح النووي في عام ١٩٦٢م
قامت بموجبه إسرائيل بإنشاء مفاعل نووي بمنطقة وتارابور «كالباكام» الهندية
مقابل حصولها على المواد الخام لليورانيوم اللازمة لمفاعلاتها النووية.
٢ - وعلى صعيد التعاون الاستخباراتي خلال حرب يونيو (حزيران) بين
العرب وإسرائيل عام ١٩٦٧م، قامت المخابرات الهندية «الترو» بتزويد وإحاطة
إسرائيل بمعلومات سرية عن الجيش المصري وعن أماكن الطائرات المصرية
المقاتلة؛ لتقوم إسرائيل بقصفها في قواعدها قبل إقلاعها وهي جاثمة على الأرض،
وذلك عن طريق ضباط التدريب الهنود العاملين في سلاح الطيران المصري
حينذاك.
٣ - وفي عام ١٩٨٥م التقى رئيس الوزراء الهندي الراحل راجيف غاندي
نظيره الإسرائيلي، واجتمعا بالرئيس الأمريكي حينها «رونالد ريجان» وطالباه
بوقف تزويد باكستان بالطائرات «إف ١٦» .
٤ - وفي عام ١٩٩١م تم الاتفاق بين الحكومتين على إرسال (٣٠٠) من
رجال المخابرات الإسرائيلية (الموساد) للهند لتدريب الهنود على التحكم في
الموقفبكشمير المحتلة.
٥ - وفي مايو عام ١٩٩٣م قام نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون
بيريز بزيارة رسمية للهند وأجرى مباحثات رسمية للتعاون الصناعي في المجال
العسكري، ومجال الأسلحة الاستراتيجية الفتاكة والهجومية التكتيكية، ومجال
الاقتصاد، ومجال التجارة والثقافة وغيرها.
٦ - وفي عام ١٩٩٦م وقع البلدان اتفاقية الدولة الأكثر تفضيلاً لتقوية
العلاقات الخاصة بينهما.
٧ - وفي عام ١٩٩٧م زار عزرا وايزمان رئيس الكيان الصهيوني الهند
وأجرى مباحثات رسمية تم بموجبها إمداد إسرائيل للهند بالخبرة والتقنية المتطورة
لإقامة مصنع الطائرات الإسرائيلية المقاتلة في ولاية «اندربراديش» الهندية
(شرق هضبة الدكن) ، وأيضاً تقوم إسرائيل بتزويد الهند بطائرات «لاخشيا»
الإسرائيلية، وطائرات صغيرة استطلاعية تطير من غير طيار، وهي في نفس
الوقت مزودة بأجهزة متطورة ذات عدسات تعمل إلكترونياً وتستطيع تصوير المواقع
العسكرية؛ وذلك لتمشيط وكشف مواقع المجاهدين في كشمير المغتصبة.
٨ - وفي إبريل عام ١٩٩٧م أيضاً ضبطت قوات خفر السواحل السريلانكية
أربع حاويات قادمة من الهند في طريقها إلى إسرائيل تحمل ثمانية عشر طناً من
مادة «بنكولفان» الفسفوري، وهي مادة كيميائية شديدة المفعول تستخدم في
صناعة غاز مثير للأعصاب، وكانت هذه الحاويات قادمة من بومبي بالهند في
طريقها لحيفا بإسرائيل حسب أوراق الشحن المضبوطة من قبل السلطات
السريلانكية.
٩ - وفي العام نفسه نشرت جريدة «هندوستان تايمس» الهندية تقريراً
يوضح أن إسرائيل عرضت على الهند زيادة التعاون العسكري بينهما في مجال
الصناعات العسكرية الاستراتيجية، والتقنية الحديثة وخاصة لأنظمة الإنذار المبكر
«الأواكس» لنظام طائرات الرصد المحلقة للمراقبة مقابل استخدامها لضرب
باكستان عند الضرورة.
١٠ - وفي عام ١٩٩٨م قام رئيس أركان الجيش الهندي (ف. ب. ملليك)
بزيارة رسمية لإسرائيل لتفقد وتبادل التقنية والخبرة العسكرية وللتعاون في مجال
صناعات الأسلحة الاستراتيجية، ولتطوير الأسلحة الهجومية وتبادل الخبرة بين
بلديهما ضمن برامج التعاون العسكري؛ وذلك رداً لزيارة نظيره الإسرائيلي للهند
عام ١٩٩٧م.
١١ - وفي عام ١٩٩٩م قامت صحيفة «هآرتس» الإسرائلية بدراسة
لإحصاء مجموع ما بلغ من الكسب الناشئ عن التعاون والتبادل التجاري بين الهند
وإسرائيل حيث بلغ مجموعه أكثر من (٧٠٠) مليون دولار خلال العام نفسه.
١٢ - يوجد الآن في الهند أكثر من (١٥٠) شركة استثمارية إسرائيلية
كبيرة تعمل في مجال الاقتصاد والصناعة والاستثمار، ويتوقع أن يتضاعف عددها
في السنوات المقبلة.
إن أهم قواعد التعاون بين هذين النظامين العنصريين: الهندوسي والصهيوني
يقوم على الاغتصاب الغاشم والاحتلال الجائر لأراضي المسلمين وتدنيسهم
للمقدسات وهدمهم للمساجد، والتعدّي على الحرمات، كما يتفق الكيانان الإرهابيان
في قمع واضطهاد وقتل المسلمين العزل في كشمير وفلسطين المحتلتين، ويمارسان
أبشع أنواع البطش والقهر والتعذيب والتنكيل والحقد الدفين لقهر المسلمين وإلحاق
كل ألوان الأذى وأشكال العذاب، وأصناف الاضطهاد الوحشي والبربري بحق
إخواننا المسلمين في كشمير وفلسطين الأسيرتين؛ فهم لا يتورعون عن ارتكاب
الجرائم الوحشية والحيوانية القذرة والخبيثة، ونهب الممتلكات، واغتصاب الحرائر
والنساء الثكالى، وقتل الأحياء والأبرياء، وهي السياسة الدائمة والمتبعة اللاإنسانية
المستمرة للطرفين الهندوسي الصهيوني منذ ابتليت كشمير وفلسطين المغتصَبتان
بالخضوع لسيطرتهم الجائرة. ومنذ أكثر من خمسين سنة وإلى أيامنا هذه لا زال
الاحتلالان الهندوسي والصهيوني البغيضان يقومان بالاعتداء الوحشي المستمر على
شعبي كشمير وفلسطين، وما زالا جاثمين على أرض كشمير وفلسطين المحتلتين؛
فما الذي سيفعله العرب والمسلمون لمواجهة مخاطر هذا الحلف الهندي اليهودي الذي
يستهدفهم جميعاً؟
стр. 4100
مرصد الأحداث
يرصدها: حسن قطامش
qatamish١٠٠@yahoo.com
أمريكا بين الانفجار والحرب
من أشد منا قوة؟ !
س: هل تريدون خلاص العالم أم السيطرة العسكرية على العالم؟
ج: نحن لا نريد السيطرة العسكرية على العالم؛ فالسيطرة العسكرية على
العالم موجودة الآن، ونراها كلنا أمام أعيننا، انظر إلى أي محيط أو بحر أو خليج
ترى حاملات الطائرات الأمريكية، وانظر إلى أي سماء ترى المقاتلات الأمريكية،
نحن نعمل الآن على تأسيس قوة عسكرية فضائية تحيط بكل العالم.
س: هل هذه إمبريالية أمريكية من نوع جديد؟
ج: نعم هذه إمبريالية أمريكية، لكننا عندما نقول ذلك لا نقصد المعنى
التاريخي القديم لكلمة «إمبريالية» لكننا نقصد أننا، نعم، قوة عملاقة، ونحن لا
نريد من الشعوب الأخرى أن تشتمنا أو تعادينا وتصفنا بالإمبريالية؛ لكننا نريد منهم
أن يقتنعوا بالأمر الواقع، وأن يفهموا أننا قوة عملاقة، بل ونحن أكبر من أي
إمبريالية شهدها تاريخ العالم.
س: هل هذا تأكيد لفكرة أن أمريكا هي شرطي العالم؟
ج: لا، شرطي العالم وظيفة أقل من مؤهلاتنا، الشرطي ينظم ونحن نسيطر،
والشرطي ينفذ القانون ونحن نضع القانون، والشرطي هناك من هو أعلى وظيفة
منه ونحن الأعلى وظيفة! !
س: شهد التاريخ إمبراطوريات كثيرة سادت ثم بادت فهل ستسقط الإمبريالية
الأمريكية يوماً ما؟
ج: هذا هو التحدي الحقيقي ليس هناك جدل في أن حضارتنا أفضل من
الحضارة اليونانية والرومانية مثلاً، ولكن لا بد أن نستمر في تحسين وتطوير
حضارتنا، وما دمنا نحرص على ذلك، فسوف تقل احتمالات سقوطنا. وأي
ميزان وأي قوة وأي دول كبرى؟ نحن ننطلق من حقيقة أننا الأكبر والأقوى. ألا
تريد الملايين وسط كل شعب من شعوب العالم أن تأتي إلى بلادنا؟ ألا تعرف في
أعماقها أن بلادنا هي الأكثر حرية؟ أنت تعرف أننا إذا فتحنا حدودنا لجاء إلينا
ملايين الأجانب كالسيل، ولسبحوا عبر المحيط الهادي والمحيط الأطلسي ونهر
الغرائد.
[نائب مدير مركز معهد «القرن الأمريكي الجديد» توماس دونالي، قبل عشرة
أيام من الأحداث، مجلة المجلة، العدد: (١١٢٦) ]
إجماع على الكراهية والانتقام
كراهية أمريكا هي هواية عالمية منذ سنوات طويلة، إلا أنها ازدادت حدة منذ
أن تحولت أمريكا إلى الدولة الوحيدة الأعظم في الأرض، شدة هذه الكراهية تبعث
على الخوف، وثراؤها يثير الغيرة، وثقافتها تسيطر على كل العالم، الكراهية
والمقت لأمريكا أصبحت باستثناء إسرائيل وعدة دول شاذة عن القاعدة مثابة إجماع
عام من العالم الثالث الجائع حتى الصالونات المتخمة في أوروبا. الرأي العام
الأمريكي متعطش للانتقام وسيؤيد اليوم ما لم يكن يخطر بباله حتى فترة وجيزة بما
في ذلك خوض حرب شاملة ضد العرب والمسلمين كائناً من كانوا، ولكن بوش
أيضاً يعرف أنه إذا تشوشت الأمور ولم تنجح العملية فإن هذا الرأي نفسه الذي
شجعه وحفزه سيقدم له حسابه للسداد.
[جيمي شليف، صحيفة معاريف اليهودية، عن القدس العربي، العدد:
(٣٨٣٩) ]
والقوة في كل مكان
أفادت مصادر البنتاجون أن الولايات المتحدة تنشر أكثر من ربع مليون
عسكري في قواعد خارج أراضيها، ولا سيما في أوروبا والشرق الأوسط وشرق
آسيا، أو على سفن حربية. وفي أواخر آذار (مارس) كان عدد هذه القوات ٢٦٥
ألفاً بينهم ٥٥ ألفاً على سفن البحرية الأمريكية يتوزعون على الشكل الآتي:
١٠٤٠٠٠ من القوات البرية و ٧١٠٠٠ من قوات البحرية و ٦٢٥٠٠ من سلاح
الجو و ٢٧٥٠٠ من مشاه البحرية (المارينز) ، وبحسب ما أعلنه ناطق باسم
وزارة الدفاع فإن هذا العدد لم يتغير منذ ذلك التاريخ، حيث إنه «لم يتم إجراء أي
إعادة انتشار واسعة النطاق» . ويتمركز حوالي ١٢٠ ألف عسكري في أوروبا
بينهم ٧٠٩٥٩ في ألمانيا و ١١٢٩٣ في بريطانيا. وتوجد اثنتان من القواعد الجوية
الرئيسية للولايات المتحدة في إيطاليا: الأولى هي قاعدة افيانو في شمال البلاد التي
وضعت في حالة تأهب قصوى فور وقوع الاعتداءات، والتي كانت تنطلق منها
طائرات حلف الأطلسي أثناء عمليات القصف في يوغسلافيا في ١٩٩٩م، وتوجد
الثانية، وهي من أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في المتوسط في سيغونيلا
بجزيرة صقلية، وقد استخدمت كقاعدة دعم لوجستي في نزاعات الشرق الأوسط
والبوسنة، وكقاعدة دعم للبحرية الأمريكية أثناء حرب الخليج في ١٩٩١م. ويتمركز
حوالي ٢٠٠٠ جندي أمريكي في تركيا في قاعدة إنجرليك الجوية، وللولايات
المتحدة حوالي ٣٠٠٠٠ عنصر في منطقة الخليج، ينتشر معظمهم على السفن
الحربية (الأسطول الخامس) ، في حين يتمركز حوالي ٥٠٠٠ جندي في الكويت
(٢٠٠٠ جندي من سلاح الجو والعدد نفسه تقريباً من القوات البرية) . وتنشر
الولايات المتحدة قوات كبيرة أيضاً في آسيا حيث يتمركز في اليابان ٤٠٨٩١ جندياً
نصفهم تقريباً (١٩٧٠٥) على جزيرة أوكيناوا، وقد وضعت القوات الأمريكية في
أوكيناوا هي أيضاً في حالة التأهب القصوى على أثر الاعتداءات في الولايات
المتحدة. ويوجد أكثر من ٣٦٠٠٠ جندي أمريكي في كوريا الجنوبية معظمهم من
القوات البرية (٢٧٤٨٢ جندياً) . وأعلنت الفلبين عن استعدادها لإعادة فتح
القاعدتين الأمريكيتين السابقتين في البلاد: قاعدة كلارك الجوية، وسوبيك باي
البحرية شمال مانيلا أمام تحالف لمواجهة الإرهاب تقوده الولايات المتحدة، وكانت
هاتان القاعدتان اللتان شكلتا حصناً للقوات الأمريكية في المحيط الهادي أثناء الحرب
الباردة قد أغلقتا في مطلع التسعينيات.
[صحيفة القدس العربي، العدد: (٣٨٤١) ]
إدانة مسيحية
أكدت شخصيتان من التيار المسيحي المحافظ في الولايات المتحدة أن
الهجمات الإرهابية على التراب الأمريكي «مستحَقة» بسبب «تخلي الرب» عن
الأمريكيين، متهمين التيارات النسوية والشواذ جنسياً ومؤيدي الحق في الإجهاض
بأنهم مسؤلون عن هذه الهجمات، وأكد القس الإنجيلي جيري فالويل إلى شبكة
«برودكاستنغ نتوورك» المسيحية أن هذه الهجمات الدامية يمكن أن تكون مقدمة لأمر
أشد جللاً «إذا ما واصل الرب التخلي عنا والسماح لأعداء أمريكا بالتسبب لنا بما
نستحق على الأرجح» .
وقال بات روبرتسون مرشح جمهوري سابق لرئاسة الجمهورية: «أعتقد أننا
لا نزال في بداية الرعب» .
وأضاف: «إن هذا يحدث لأن الناس باعوا أنفسهم للشيطان» .
[صحيفة القدس العربي، العدد: (٣٨٣٩) ]
عداء مستمر
منذ عقدين تقريباً استعرت الحرب بين الإرهاب والولايات المتحدة، وطالت
مناطق مختلفة في العالم حتى المدن الأمريكية نفسها، المتهمون كثر، أجهزة
استخبارات معادية وأخرى من مخلفات الحرب الباردة، منظمات سياسية ودينية
متطرفة، حركات تحرر تأخذ على أمريكا وقوفها عثرة في طريق تحقيق أهدافها
الوطنية، وأمريكيون ناقمون على نظامهم أو مستاؤون من اتساع الهوة بين الأغنياء
والفقراء، وباختصار قد يكون لأمريكا أصدقاء كثر في العالم، لكن أعداء سياستها
أكثر وهنا الشريط:
- ١٨ نيسان (إبريل) ١٩٨٢م سائق انتحاري يفجر السفارة الأمريكية في
بيروت فيقتل ١٧ أمريكياً.
- ٢٢ تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٨٢م، انتحاريان يفجران شاحنتين بمقر
مشاة البحرية الأمريكية، والمقر العسكري الفرنسي في بيروت فيقتل ٢٤١ جندياً
أمريكياً و٥٦ جندياً فرنسياً.
- ١٢ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٣م، سيارتان ملغومتان أمام السفارتين
الأمريكية والفرنسية في الكويت تقتلان خمسة أشخاص.
- ٢٠ أيلول (سبتمبر) ١٩٨٤م سيارة ملغومة تنفجر أمام مبنى السفارة
الأمريكية في عوكر شرق بيروت فتقتل ١٦ شخصاً وتجرح السفير.
- ١٤ حزيران (يونيو) ١٩٨٥م، اختطاف طائرة تابعة لشركة «تي دبليو
إي» الأمريكية إلى مطار بيروت وقتل أحد ركابها.
- ٥ أيلول (سبتمبر) ١٩٨٦م، اختطاف طائرة أمريكية (بانام) على متنها
٣٥٨ راكباً في مطار كراتشي ومقتل ٢٠ شخصاً على متنها بعد اقتحام قوات الأمن
الباكستانية لها.
- ٢١ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٨م، طائرة أمريكية تنفجر في الجو فوق
لوكربي، باسكتلندا أثناء رحلة بين لندن ونيويورك ويقتل ٢٧٠ شخصاً.
- ٢٦ شباط (فبراير) ١٩٩٢م، قنبلة تنفجر في مرأب مركز التجارة
العالمي في نيويورك فتقتل ستة أشخاص وتجرح أكثر من ألف.
- ١٩ نيسان (أبريل) ١٩٩٢م، قنبلة تدمر مبنى الحكومة الاتحادية في
أوكلاهوما سيتي فتقتل ١٦٨ شخصاً وتجرح أكثر من ٥٠٠ آخرين، إدانة (تيموثي
ماكفاي) بتنفيذ الاعتداء وإعدامه في بداية العام الحالي.
- ١٢ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٩٥م، سيارة ملغومة أمام مقر القيادة
العسكرية الأمريكية في الرياض تقتل خمسة أمريكيين.
- ٢٥ حزيران (يونيو) ١٩٩٦م، شاحنة ملغومة تنفجر في الخبر بالظهران
فتقتل ١٩ عسكرياً أمريكياً وتجرح المئات.
- ٧ آب (أغسطس) ١٩٩٨م، سيارتان ملغومتان تفجران السفارتين
الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام فتوقعان ٢٢٤ قتيلاً وآلاف الجرحى، وتوجيه
التهمة إلى أسامة بن لادن.
- ١٢ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٠م، قارب ملغوم يصدم المدمرة
الأمريكية كول في ميناء عدن اليمني فيقتل ١٧ بحاراً، والولايات المتحدة تعتبر بن
لادن المتهم الأول.
[مجلة الوسط، العدد: (٥٠٣) ]
وعقوق سياسي! !
من وراء عمليات الانفجارات الأخيرة التي هزت الولايات المتحدة؟ السؤال
ابن شرعي للمشهد غير الشرعي الذي شاهده العالم فوق الأرض الأمريكية، وربما
تتجه أصابع الاتهام إلى دول الشرق الأوسط والجماعات الأصولية التي تعمل فوق
أراضيها باعتبار أنها مصدرة للإرهاب؛ ولكن ما الذي يمنع أن تتجه أصابع الاتهام
إلى داخل الولايات المتحدة نفسها؟ ! فقبل خمس سنوات هز انفجار أوكلاهوما
سيتي الذي راح ضحيته ١٦٨ شخصاً، منهم ١٩ طفلاً، وأصيب ٥٠٠ آخرون،
وكالعادة اتجهت أصابع الاتهام في البداية نحو دول الشرق الأوسط التي تحمي
الإرهاب، على حد قول الأمريكيين، ولكن كانت صدمة الشعب الأمريكي كبيرة
عندما تكشفت لديه أبعاد المأساة التي يعيش فيها ولم يدركها قبل يوم التاسع عشر من
إبريل ١٩٩٦م، فالمتهم بارتكاب الحادث كان مواطناً أمريكياً هو «تيموثي
ماكفاي» ليس من أبناء الشرق الأوسط، كما أنه ليس شخصاً مختلاً عقلياً أو
مهزوزاً نفسياً بل هو إنسان في كامل قواه العقلية ويعرف تماماً ما يفعل ومؤمن
بأهدافه؛ إذ تلقى أعلى تدريب عسكري من خلال جماعات مدربة ومنظمة تمارس
أنشطتها داخل الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، والأهم من هذا وذاك أنه يحمل
كراهية علنية مدمرة للحكومة الفيدرالية الأمريكية. فالمتهم ماكفاي أحد ٥ ملايين
أمريكي ينتمون إلى جماعات متطرفة تحمل أسماء مثل: «الوطن الآري»
و «مالكو السلام في أمريكا» و «الجيش الشعبي» و «كوكلوس كلان»
و «الفهود السود» و «الوطنيون المسيحيون» وغيرها. والجدير بالذكر أن هذه
الجماعات المتطرفة قد عقدت اجتماعاً عام ١٩٩٢م في ولاية كولورادو لوضع
استراتيجية تستهدف محاربة النظام العالمي الجديد وتكوين جمهورية مسيحية أصولية
بيضاء في الولايات المتحدة هذا ما كشفته نتائج التحقيقات الأمريكية في انفجار مبنى
أوكلاهوما سيتي ومن أجل بلوغ هذه الجماعات لأهدافها قررت تشكيل ميليشيات
وطنية، وبدأت تنمو ليصل عدد أعضائها إلى ١٢ ألفاً وانتشرت في جميع أنحاء
الولايات المتحدة، وترمز إلى نفسها باسم «الميليشيات الحرة» ، وأصدرت بياناً
في عام ١٩٩٤م، باسم «المبادئ التي تبرر تسليح الميليشيا» تحدد فيها أسس
التنظيم الداخلي. وينص دستور الميليشيات الوطنية على عدم تجاوز الفرد
لدوره في الجماعة وعليه ألا يتعرف على القائد الأعلى، كما يدين الأعضاء
بالولاء الكامل للقيادات التي لا يقابلونها ولا يعلمون عنها شيئاً ولا طبيعة
مناصبهم، بحيث إذا وقع عنصر في قبضة السلطات الأمنية لا يؤدي إلى
سقوط العناصر الأخرى، كما يترك التدريب والعمليات العسكرية إلى عناصر
صغيرة يتم تقسيم كل العناصر داخل الميليشيا الحرة إلى خلايا يمكن تكاثرها إلى
خلايا أخرى منفصلة ولا يجوز معرفة أو نشر أسماء أعضاء كل خلية إلا
لأعضاء الخلية وزعيمها فقط.
[مجلة الأهرام العربي، العدد: (٢٣٤) ]
الذراع.. «المقدسة»
نحن لدينا اقتصاد عالمي ومصالح سياسية وأمنية تتطلب منا اشتراكاً فاعلاً في
الخارج، لقد دفعت أجيال عديدة ثمناً غالياً دفاعاً عن حريتنا هو أعلى من أن
ننسحب من العالم أو نتراجع متخلين عن قيمنا، وينبغي بالمعنى الحقيقي أن تبادر
أمريكا نفسها لشن حربها المقدسة وهنا لا أعنى الحرب التي يؤججها طابع الكراهية
أو تغذيها قطرات الدماء؛ بل هي الحرب التي يشتعل فتيلها كجزء من التزامنا
بالحرية والتسامح وحكم القانون، والمدعومة برغبتنا باستخدام كل وسيلة ممكنة
ومتاحة للدفاع عن تلك القيم. ولا يجب أن يكل لنا ساعد حتى نبلغ هذه الغاية تماماً، كما لا ينبغي أن يتقاعس من يطاردون الإرهاب حتى يدركوا هدفهم؛ فليس هناك
من حد في مسعانا في اقتناص المسؤولين عن أعمال الإرهاب، وجاءت بالكثيرين
إلى ساحة العدالة، فالذاكرة الأمريكية طويلة وذراعها أطول من تلك.
[وليام كوهين، وزير الدفاع الأمريكي السابق، واشنطن بوست، عن البيان
الإماراتية، العدد: (٧٧٦٢) ]
كانت ثم بادت
مركز التجارة:
بلغ ارتفاع كل من البرجين التوأمين في مركز التجارة العالمي اللذين انهارا
بعدما اجتاحتهما طائرتان ١٤٠ متراً، وهما من بين أعلى الأبنية في العالم بعد
ناطحات السحاب في تورونتو (٥٤٤ متراً) وموسكو (٥٤٠ متراً) وشنغهاي
(٤٦٨متراً) . وكان البرج رقم ١ تعرض في السادس عشر من شباط فبراير
١٩٩٣م لاعتداء في الطوابق السفلية. وبني البرجان في ١٩٧٢م بكلفة ٣٧ مليون
دولار في أقصى شبه جزيرة مانهاتن في وسط حي الأعمال في نيويورك، ويتألف
كل من البرجين اللذين صممهما المهندس المعماري مينورو ياماساكي وأطلق عليهما
النيويوركيون تحبباً اسم: «التوأمان» من ١١٠ طوابق تشغل مساحة إجمالية تبلغ
٤٠٦ آلاف متر مربع. ويزن كل من البرجين اللذين بنيا بالحديد المثقل بالإسمنت
٢٩٠ ألف طن من بينها ١٢١٠٠ طن من الإسمنت، ويبلغ عمق أساساتهما أكثر
من عشرين متراً في أرض ردمت في نهر هدسن، ويملك كل برج قواعد على
الأرض طولها ١٩٢ متراً بجدران مزدوجة تتراوح سماكتها بين عشرين وتسعين
سنتيمتراً. ولكل من البرجين ٢١٨٠٠ نافذة ونظام للصعود إلى قمته فريد من نوعه
في العالم، يضم ثماني عربات تتسع كل منها لخمسة أشخاص، بينما يستخدم
حوالي ١٥٠٠٠٠ يترددون على المبنى أو يعملون به حوالي ١٠٤ مصاعد. ويضم
البرجان أكثر من ٥٠٠ شركة وهيئة حكومية فضلاً عن مكاتب هيئة الجمارك
لولايتي نيويورك ونيوجيرزي، ولأسباب أمنية فإن النوافذ غير قابلة للفتح،
ويمكن للبرجين أن يميلا ٢٨ سنتيمتراً على قاعدتيهما. وتضم الطبقات الواقعة
تحت الأرض خصوصاً مركزاً تجارياً ومحطات للمترو ومحطة للقطارات وموقفاً
للسيارات.
موقع الشبكة الإسلامية
www.islamweb.net
مبنى البنتاجون
البنتاجون اسم يطلق على سكرتارية الدفاع وقيادة الأركان العامة للقوات
المسلحة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ وذلك بسبب شكل البناء الذي تعمل فيه
هذه الأجهزة، وهو الشكل الهندسي الخماسي الأضلاع، والبنتاجون مقر وزارة
الدفاع الأمريكية، واحد من أكبر مباني المكاتب في العالم، ومبنى البنتاجون عبارة
عن مدينة قائمة بذاتها، إذ يعمل فيه ٢٣ ألف شخص تقريباً من المدنيين
والعسكريين، يساهمون في وضع وتنفيذ خطط الدفاع عن الولايات المتحدة،
ويحيط بالمبنى أكثر من ٢٠٠ فدان مخصصة لانتظار ٨٧٧٠ سيارة في ١٦ موقف
سيارات، ويوجد بالمبنى ١٣١ سلماً و ١٩ مصعداً للوصول إلى المكاتب التي تصل
مساحتها إلى أكثر من ٣. ٧ ملايين قدم مربع، ويوجد بداخل المبنى ٤٢٠٠ ساعة
حائط و ٦٩١ نقطة لمياه الشرب و ٢٨٤ دورة مياه، ويستهلك العاملون في المبنى
٤٥٠٠ قدح من القهوة، و ٨٥٠ لتراً من الحليب ٤٥٠٠ قدح من القهوة،
و٨٥٠ لتراً من الحليب المشروبات الخفيفة، ويعمل في المطعم ٢٣٠ من الطهاة
ويجري العاملون في المبنى ٢٠٠ ألف مكالمة هاتفية يومياً عن طريق شبكة
هواتف يصل طول توصيلاتها إلى ١٠٠ ألف ميل، ويتعامل مكتب البريد
في البنتاجون مع ١. ٢ مليون رسالة بريدية شهرياً، المبنى غير عادي في
تصميمه، وقد تم تشييده خلال السنوات المبكرة من الحرب العالمية الثانية،
ويعتقد أنه واحد من أكثر المكاتب كفاءة في العالم؛ وعلى الرغم من أن الطول
الإجمالي للممرات داخل المبنى يصل إلى ١٧. ٥ ميلاً؛ فإن الانتقال بين أي
نقطتين في المبنى لا يستغرق أكثر من سبع دقائق، وحل البنتاجون محل أكثر من
١٧ من المباني التي كانت تستخدمها وزارة الحرب آنذاك، وقد استعاد المبنى
تكلفته خلال ٧ سنوات فقط بعد توفير نفقات الإيجار والانتقال بين المباني المختلفة.
[الملف السياسي، الإمارات، العدد: (٥٣٩) ]
من الخسائر
١ - * ١. ١ بليون دولار تكلفة بناء مركز التجارة العالمي.
* ٤٠ بليون دولار الميزانية التي اعتمدها الكونجرس في ١٤/٩/٢٠٠١م
لمحاربة الإرهاب.
* ٣٠ ألفاً عدد الأكفان التي جلبت إلى نيويورك بعد الحادث.
[مجلة تايم الأمريكية، عن الشرق الأوسط، العدد: (٨٣٣٢) ]
٢ - قالت وزارة الدفاع الأمريكية إن نفقات إصلاح الدمار الذي لحق بمقرها
«البنتاجون» ستصل إلى ٥٢٠ مليون دولار.
[صحيفة الحياة، العدد: (١٤٠٦٧) ]
٣ - قدر حجم الخسائر التي تكبدتها بورصة نيويورك من جراء التوقف عن
العمل ووقف التداول ٤ أيام بنحو ٤ بلايين دولار، تحقق من حجم أعمال يصل إلى
نحو ١٠٠ بليون دولار يومياً.
[صحيفة الحياة، العدد: (١٤٠٦٢) ]
٤ - وافتتحت بورصة نيويورك جلسة التداول في جو حماسي، حشدت له لفيفاً
من الشخصيات الرسمية ذات الثقل مثل وزير الخزانة بول أونيل، وممثلين عن جهود
الإنقاذ المستمرة على مسافة قريبة من وول ستريت لحض الوسط الاستثماري على
تحدي الأحداث؛ لكن الجلسة انتهت بعدما سجل مؤشر «داوجونز الصناعي»
الذي يمثل عمالقة الصناعة الأمريكية أكبر انخفاض في تاريخه مساهماً بذلك في
رفع خسائر أسواق المال الأمريكية إلى زهاء ٥٠٠ بليون دولار في يوم واحد.
[صحيفة الحياة، العدد: (١٤٠٦٦) ]
٥ - ازدادت الهوة التي تردت فيها صناعة الطيران الدولية عمقاً بعدما هوت
أسهم شركات الطيران الأمريكية الإثنين في أول أيام التداول منذ الهجمات المدمرة
على نيويورك وواشنطن. وبينما تتابعت بيانات الشركات عن الاستغناء عن آلاف
الموظفين والعمال في الولايات المتحدة وأوروبا، طلبت شركات الطيران الأمريكية
مساعدات حكومية قدرها ٢٤ بليون دولار لتصحيح أوضاعها المالية في أعقاب
الهجمات التي تمت بطائرات ركاب مخطوفة. وذكرت رابطة النقل الجوي التي
تمثل شركات الطيران الرئيسية أن الطلب الذي قدمته الشركات يمثل ضمانات
قروض بقيمة ١١. ٢ بليون دولار، وإعفاءات ضريبية حجمها ٧. ٨ بليون
دولار، ومساعدات مباشرة بحجم خمسة بلايين دولار، وأشارت الرابطة أيضاً إلى
أن إجمالي عدد الموظفين الذين قد تستغني عنهم الشركات في الشهور القليلة المقبلة
قد يتجاوز ١٠٠ ألف شخص.
[صحيفة الحياة، العدد: (١٤٠٦٦) ]
الرد الصليبي.. «المقدس» ! !
كشف الرئيس الأمريكي جورج بوش في تصريحات صريحة ومستهجنة،
نقلتها إذاعة الـ «بي بي سي» البريطانية على شبكة الإنترنت، وأكدها مراسل
لقناة الجزيرة الفضائية في الولايات المتحدة، كشف النقاب عن أن حرب الولايات
المتحدة الأمريكية القادمة ستكون «صليبية» .
وقال بوش في تصريحه حسب الـ «بي بي سي» : «تلك الحملة الصليبية،
تلك الحرب على الإرهاب سوف تكون طويلة الأمد» ، وتوعد بوش في خطاب
موجه للأمريكيين بشن ما أسماه: «حملة صليبية طويلة الأمد لتخليص العالم من
فاعلي الشر» ، وهي حملة يقول مسؤولون إنها قد تشمل ستين دولة.
[صحيفة السبيل، العدد: (٤٠٢) ]
على أي شيء نعتذر؟ !
رغم أن جهود المنظمات الإسلامية في الولايات المتحدة نجحت بصورة نسبية
في دفع الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ موقف متوازن، والدعوة إلى منع المساس
بالمسلمين أو مساجدهم، فضلاً عن أن عمدة نيويورك وفر لهم حماية أمنهم، إلا أن
ذلك لم يكن كافياً في وقف العدوان على المسلمين الأمريكيين وعلى العرب بعامة.
المفارقة التي حدثت تتمثل في العرب والمسلمين، وهم يدينون ويستنكرون
تعميم الاتهام عليهم، فإنهم تصرفوا في الواقع كما لو كانوا جميعاً متهمين، ويتعين
عليهم أن يغسلوا أيديهم ويعلنوا براءتهم من التهمة، وهو ما تبدى في التسابق الذي
حدث على استنكار ما جرى من جانب كل ذي شأن، وفي الإلحاح عبر وسائل
الأعلام المختلفة على أن الإسلام دين السلام، وأنه يرفض العنف، وينهى حتى في
الحرب عن المساس بالمدنيين الأبرياء ... إلخ.
تنافس الجميع في الاعتذار عن شيء لم يفعلوه ولم يكونوا طرفاً فيه، بل لم
يثبت بشكل قاطع من الذي فعله، وحتى إذا ثبت مسؤولية بعض المسلمين عما
جرى، فليس مفهوماً لماذا لا يحاسب كل بجرمه، ولماذا تطالب كل فئة مسلمة
بإعلان البراءة والتنصل من الفعل؟ !
ليس ذلك فحسب وإنما تصرف بعضنا كما لو أنه تعين علينا أن نحبس أنفاسنا،
وننفض أيدينا من كل شيء انتظاراً لرد الفعل الأمريكي الذي لا نعرف مداه،
ولسنا متأكدين من كل أهدافهم.
والأمر كذلك؛ فهل لنا أن نقول إننا بصدد طور جديد في العلاقات الدولية
تفرض فيه الولايات المتحدة أجنحتها على الجميع بحيث لا ننشغل إلا بهمومها ولا
نفرح ولا نحزن إلا لأفراحها وأحزانها؟ !
[الكاتب: فهمي هويدي، صحيفة الأهرام، العدد: (٤١٩٢٤) ]
الرئيس الفاشل
تلعثم الرئيس الأمريكي جورج بوش، وهو يلقي كلمة أمام جمع من الموظفين
في المقر الرئيسي لإدارة شؤون العمل بواشنطن، حين ذكر أن الولايات المتحدة
«ستفشل» بمهمتها في محاربة الإرهاب، مفاجئاً جميع من استمعوا إليه، قبل
أن يعود إلى تصحيح ما قال ويتابع كلمته. وكان بوش يتحدث عن الحرب ضد
من سمّاهم: «الإرهابيين ومن يؤونهم» حين قال: «لا شك عندي أبداً ولا
للحظة واحدة، بأننا سنفشل في مهمتنا» ثم صمت قليلاً وقال بعد أن اكتشف
الهفوة: «طبعاً الفشل.. الفشل كلمة لا توجد في قاموسنا» . ومن أشهر
تلعثمات الرئيس الأمريكي الجديد، ما حدث عندما كان لا يزال مرشحاً للانتخابات
الرئاسية، خلال مقابلة تلفزيونية أعدتها معه إحدى المحطات التلفزيونية في أكتوبر
العام الماضي، عندما سأله عن رأيه في «مجموعة طالبان» فتاهت المعلومات من
ذهن بوش تلك اللحظة، وصمت لثوان ثم قال: «الحقيقة أنني لم أسمع إلا القليل من
موسيقى هذه الفرقة قبل الآن، ولكني أعتقد بأنهم من بين أفضل الفرق في
الروك أند رول الشعبي، نظراً لشهرتهم الكبيرة» ، إلا أن معد اللقاء كرر
السؤال ثانية، مرفقاً ببعض المساعدة، فقال: «طالبان.. أقصد طالبان في أفغا..
إرها ... إرهاب» ، عندها استدرك بوش هفوته، وقال بعد أن استرجع الذاكرة:
«نعم. طبعاً، طبعاً، إنهم إرهابيون» .
[جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٣٤٨)) ]
التعاون على.. القتل والعدوان
بأمر مني، بدأت القوات العسكرية الأمريكية توجيه ضربات عسكرية ضد
معسكرات التدريب الإرهابية التابعة لمنظمة القاعدة والمنشآت العسكرية لنظام
طالبان في أفغانستان. إن هذه العمليات المهدَّفة بحذر وعناية مصممة لتعطيل
استخدام أفغانستان كقاعدة إرهابية للعمليات، ولمهاجمة القدرات العسكرية لنظام
طالبان. وتنضم إلينا في هذه العملية صديقتنا الراسخة بريطانيا العظمى. وقد تعهد
أصدقاء عظام آخرون لنا بما فيهم كندا وأستراليا وألمانيا وفرنسا، بمشاركة قواتها
في هذه المعركة فيما تسير هذه العملية قدماً. وكذلك، فإن أكثر من ٤٠ دولة في
الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا وآسيا منحت حرية استخدام مجالاتها الجوية أو
حقوق الهبوط لطائراتنا. كما أن العديد من الدول وفرت لنا معلومات استخباراتية،
وفضلاً عن ذلك، فإننا نحظى بتأييد الإرادة الجماعية للعالم. وفي الوقت ذاته فإن
المضطهدين من أبناء أفغانستان سيعرفون كرم أمريكا وكرم حلفائنا؛ ففيما نقوم
بتوجيه الضربات للأهداف العسكرية، سنقوم كذلك بإلقاء شحنات الغذاء والدواء
والإمدادات من الجو للجياع والذين يعانون من الرجال والنساء والأطفال في
أفغانستان.
الرئيس الأمريكي: جورج دبليو بوش، موقع وزارة الخارجية الأمريكية
http://usinfo.state.gov/arabic
الدولة الثانية من.. الستين! !
يتوقع بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي أن يكون ضرب العراق الهدف
الثاني للحرب الأمريكية المناهضة للإرهاب. وأوضح (ترنت لوت) زعيم الأقلية
الجمهورية في مجلس الشيوخ الأمريكي أنه يتوقع أن تبادر الولايات المتحدة إلى
شن هجوم على العراق في وقت لاحق. وأكد السيناتور لوت الذي يمثل ولاية
ميزوري دقة التصريحات الأخيرة التي أدلى بها (بول وولفويتر) مساعد وزير
الدفاع الأمريكي التي أعرب فيها عن اعتقاده بأن الولايات المتحدة ستلجأ إلى ضرب
العراق في وقت لاحق. وأعرب السيناتور لوت في حديث لشبكة التلفزيون
الأمريكية (فوكس نيوز) عن خيبة أمله لرفض بعض الدول دعم المساعي
الأمريكية المناهضة للإرهاب. وانتقد لوت فرنسا بشكل خاص لتراجعها عن دعم
بلاده قائلاً: لقد عملت الولايات المتحدة الكثير خلال القرن الماضي لمساعدة فرنسا،
وقد حان الوقت لكي ترد فرنسا هذا الجميل عن طريق دعم الحرب التي تشنها
واشنطن ضد عدو مشترك. ومن جهة أخرى أوضح السيناتور الديمقراطي
(جوزيف ليبرمان) ممثل ولاية كونكتيكيت والمرشح الديمقراطي السابق لمنصب
نائب رئيس الجمهورية أن الارتباطات والاتصالات التي قيل إنها حصلت بين
محتجزي الطائرات والمخابرات العراقية قد تسوِّغ استخدام القوة العسكرية ضد
العراق.
[جريدة الرياض، العدد: (١٢١٥٩) ]
بلا أخلاق
انتقد الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (الأب) العمليات الاستخباراتية
الحالية في بلاده معتبراً أن أجهزة الاستخبارات الرئيسية ركزت أكثر من اللازم
على التكنولوجيا المتقدمة في السنوات الأخيرة، وأقل من اللازم على تجنيد
المخبرين «المرفوضين أخلاقياً» داخل المنظمات الإرهابية الأجنبية، وأعطت
تصريحات جورج بوش (الأب) الذي كان نفسه رئيساً سابقاً لوكالة الاستخبارات
المركزية «سي. آي. إيه» دفعاً قوياً لموجة التساؤلات المتزايدة عن سبب إخفاق
أجهزة الاستخبارات التي يصل عددها إلى ١٣ جهازاً، وتحت تصرفها ميزانية
مكافحة الإرهاب تبلغ ١٠ مليارات دولار في اكتشاف المؤامرة المعقدة التي أدت إلى
الهجمات الانتحارية المنسقة في نيويورك وواشنطن. وركز بوش الذي كان يتحدث
في لقاء عام في بوسطن على قوانين ولوائح «سي. آي. إيه» التي تتطلب
حصول رجال المكتب الذين يعملون في الخارج على موافقة مقر الوكالة إذا
استخدموا مخبرين يشتبه في ارتكابهم انتهاكات لحقوق الإنسان، وقد تم إقرار هذه
الإجراءات عام ١٩٩٥م وسط فضائح حول انتهاكات ارتكبها جواسيس تابعون
للوكالة في غواتيمالا، وأضاف بوش: «يجب أن نحرر شبكة الاستخبارات من
بعض قيودها، إن الاستخبارات البشرية هي نوع من العمل القذر، وعليك التعامل
مع العديد من الأشخاص المرفوضين أخلاقياً» .
[صحيفة الشرق الأوسط، العدد: (٨٣٢٧) ]