← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

المسلمون والعالم الموساد هل يزج بالولايات المتحدة في أتون حرب عالمية ؟ د. سامي محمد صالح الدلال كان من العجائب القدرية أن يتم تصوير الحدث المروع في نيويورك ويبث تلفزيونياً على الهواء مباشرة وكأنه عرض لفيلم سينمائي؛ مما وسَّع وعمَّق دائرة رد الفعل الشعبي الأمريكي الذي أصيب بالصدمة الصاعقة، فهاج وماج الناس وعلاهم الخوف ودبَّ في نفوسهم القلق، مع ما صاحب ذلك من الحزن العميق على الأرواح المزهوقة تحت الأنقاض. وفيما كان ملايين الأمريكيين يتابعون الحدث الجلل كانوا يستذكرون ما تردده وسائل الإعلام عادة من إلصاق مثل هذه الأعمال بالمسلمين والعرب، فاسترجعوا ذلك كله دفعة واحدة، وقالوا: (لقد فعلوها) . هكذا بدون برهان ولا بينة؛ وفي خضم هذه الأمواج المتدفقة والمتلاحقة تعالت الصيحات من كل مكان للانتقام والأخذ بالثأر، ولكن من هم هؤلاء الذين يجب أن ينتقم منهم ويثأر من فعلهم؟ ! ! وبما أن الاتهام لأول وهلة توجه نحو المسلمين البالغ عددهم داخل الولايات المتحدة سبعة ملايين؛ فقد سارعت المنظمات والمراكز الإسلامية إلى إعلان إدانتها الشديدة للحدث الرهيب، وقد سارع إلى ذلك مجلس التنسيق السياسي الإسلامي الأمريكي MPACC الذي يضم في عضويته المنظمات المسلمة الأمريكية الأربع، وهي: مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (CAIR) ، والمجلس الإسلامي الأمريكي (AMC) ، ومجلس الشؤون العامة الإسلامية (MPAC) ، والاتحاد الإسلامي الأمريكي (AMA) ، وقد أصدر مجلس التنسيق بياناً، ومما جاء فيه: «مسلمو أمريكا يدينون بشدة ما يبدو كأنه حادث إرهابي آثم وجبان ضد المواطنين الأبرياء، نحن نتضامن مع كل الأمريكيين في المطالبة بالقبض السريع على الجناة، ليس هناك هدف سياسي يسوِّغ هذا العمل الخبيث» . غير أن ذلك لم يكن مقنعاً أو كافياً؛ إذ إن حدثاً بهذا الحجم لا يطفئ غيظ المصابين به مجرد بيان يسطَّر على ورقة واحدة، فلا بد من الانتقام من جهة ما يمكن أن يوقع فيها أعداداً كبيرة من القتلى والجرحى، كتلك الأعداد التي نجمت عن هذا الحدث الهائل. أين الـ CIA (وكالة المخابرات الأمريكية) والـ FBI (مكتب التحقيقات الفيدرالي) ؟ ! ! لقد شعر الأمريكيون بتغيظ شديد وحنق فظيع إزاء أداء الـ CIA و FBI، لقد أخفقت هاتان المؤسستان الاستخباريتان، ليس في اكتشاف الحدث قبل وقوعه فحسب، بل في توقع حصوله أصلاً، والواضح أن أبصارها وأسماعها قد صرفت تماماً عما يدبر في داخل أمريكا، في حين انفتحت بكليتها على تتبع كل ما يحصل في خارجها، وعجَّ الأمريكيون بالاحتجاجات على هاتين المؤسستين اللتين أشاعتا أنه ما من مكالمة هاتفية تتم عبر الهواتف المعتادة أو النقالة، وما من رسالة ترسل بالفاكس أو عبر الإنترنت، سواء في داخل الولايات المتحدة أو في أية بقعة في العالم إلا وهي مرصودة عندهم، ومسجلة نصوصها في أجهزتهم؛ فكيف والحال هذه تخفق هاتان المؤسستان الاستخباريتان الضخمتان في رصد هذا الحدث الذي لم يقع في منتصف الليل البهيم بل وقع في إشراقة الضحى الجميل، وليس أي حدث، بل حدث هائل لم يشهد العالم له مثيلاً على مر العصور، والذي لا يشك عاقل في أن التخطيط له قد استغرق سنوات، وتراتيب تنفيذه قد مرت تداولاته آلاف المرات عبر الهواتف والفاكسات؛ ففي أي فندق خمسة نجوم كانت ترقد الـ CIA و FBI؟ ! فإذا كان الحال على هذا النحو فهل حقاً أن الـ CIA و FBI قد أخفقتا في الحصول على المعلومات، أم أنهما مخترقتان؟ ! ! تحليلنا الآتي قد يوصل للإجابة. مَنْ وراء الحدث؟ ! ! إن الفاحص المحايد للحدث المروع الذي وقع يجد أنه يتكون من العناصر الآتية: ١ - تحديد الهدف الأولي بدقة بارعة، وهو ضرب برجي التجارة العالمي ومبنى البنتاجون. ٢ - دراسة متأنية للتفاعلات المحتملة بعد تحقيق الهدف وتوجيهها وتوظيفها لصالح الهدف النهائي. ٣ - وضع خطة تفصيلية محكمة لتنفيذ كلا الهدفين الأولي والنهائي تتضمن جميع العوامل الاستخباراتية اللازمة. ٤ - اختيار الجهاز التنفيذي القادر على تحقيق الهدف الأولي وتدريبه تدريباً عالي الكفاءة؛ بحيث يضمن بالتأكيد تحقيق الهدف الأولي. إن الجهاز التنفيذي المقصود يمثله الذين شاركوا في الأعمال التجهيزية والتدريبية ثم الذين شاركوا في عمليات خطف الطائرات المدنية بما فيهم الطيارون الذين قد خضعوا لتدريبات خاصة، كل بحسب نوع الطائرة التي سيقودها إلى هدفها بعد الخطف. أما الذين سيكون لهم شأن في الأعمال التكميلية بعد ذلك، فهؤلاء لم نرهم على الساحة بعد، ولا ندري ماهية أعمالهم التكميلية؟ إلا أن تصريحات المسؤولين الأمريكيين أشارت إلى تلك الأعمال، وقد تبين من الدقة التي تم بها تنفيذ الهدف الأولي أن الذين خطفوا الطائرات قد تدربوا على أداء أدوارهم التفصيلية بشكل ممتاز، تماماً كما يتدرب الممثل المسرحي على أداء دوره فوق خشبة المسرح أمام جمهور المتفرجين. ٥ - إن الذين أوصلوا تنفيذ الخطة إلى مرحلتها النهائية في هدفها الأولي هم أصحاب نفوذ ومراكز حساسة، وموزعون في مرافق كثيرة على مستويات عدة في مختلف الإدارات الأمريكية؛ حيث استطاعوا، بعلمهم أو بدون علمهم، أن يوفروا التسهيلات المطلوبة لمثل هذا العمل الضخم والكبير جداً. ٦ - بما أن الخطة ذات طابع انتحاري فإن الذين وضعوها أخذوا ذلك بعين الاعتبار فوظفوا لصالح تنفيذ خطتهم من هو مستعد للموت دون مبادئه وشعاراته. والذي يدل على عدم ارتباط هذا التنظيم بتنظيم القاعدة أمران: الأول: إخفاق الـ CIA والـ FBI في تقديم أي دليل مادي يربط المنفِّذين بتنظيم القاعدة. والثاني: أن أسامة بن لادن أصدر بيانات ينفي فيهما علاقته بما حدث، وسنأتي لاحقاً على تفصيل الحديث عن ذلك. يغلب على الظن أن الذين وراء هذه العمليات، هم منفذون من داخل الولايات المتحدة، فإن الذين نفَّذوا العملية هم الجماعة الذين نسفوا المجمع التجاري في أوكلاهما بتاريخ ١٩/٤/ ١٩٩٥م، عن طريق (تيموثي ماكفاي) ، وهذه الجماعة هي واحدة من مئات الجماعات والميليشيات المنظمة في الولايات المتحدة، والذين يقدر عددهم بما يزيد عن مائة ألف مواطن أمريكي، ويؤكد تقرير صدر عام ١٩٩٨ م عن مركز «ساوثرن بوفرتي لوسانتر» الأمريكي المستقل والمتخصص في مراقبة التحركات المعادية للسلطة أن المجموعات التي تحرض على الحقد (تحمل أسماء مثل: النازية الجديدة، فروة الرأس، المدافعون عن العرق الأبيض، الهوية النصرانية) ارتفع ما بين عامي ١٩٩٦، ١٩٩٧م بنسة ٢٠% ليصل إلى ٥٠٠ مجموعة تضاف إلى ٨٥٠ مجموعة أخرى، منها ٤٠٠ ميليشيا مسلحة منتشرة في أرجاء البلاد، ويقول التقرير إن عدد التحقيقات التي أجراها جهاز الاستخبارات الفيدرالي FBI خلال ثلاث سنوات من عمليات الإرهاب الداخلي ارتفع من ١٠٠ إلى أكثر من ٩٠٠ تحقيق، ويؤكد (مارك بوتوك) مسؤول المركز المذكور أن معدل المؤامرات الإرهابية الجوية يبلغ واحدة كل شهر، وتتعلق هذه المؤامرات بعمليات نسف جسور أو مبان، أو اغتيال شخصيات رسمية، أو اقتحام قواعد عسكرية، أو سرقة مصارف. وفي ١٨/٣/ ١٩٩٨م ألقت قوات الأمن القبض على ثلاثة أشخاص تابعين لميليشيا ميتشيجن أخطر الميليشيات المسلحة وهم يخططون لتفجير مبان فيدرالية ومحطة تلفزيون وأحد الجسور الكبيرة، وخلال الأسبوع نفسه أعلنت السلطات الفيدرالية عن سرقة طن كامل من المتفجرات في مدينة سليجو شمال شرق بنسلفانيا، ويقول (ميتشيل هاميرز) أحد خبراء الجامعة الأمريكية في واشنطن: إن الإرهاب الداخلي يشكل تهديداً متزايداً، وهو أكثر تنظيماً في أوساط الميليشيات. إنهم لا يستعملون فقط قنابل بسيطة كتلك التي استخدمت في أوكلاهوما سيتي، ولكن مخازنهم تتضمن أسلحة دمار أكثر تطوراً من الأسلحة الكيماوية أو البيولوجية [١] . وقد أشار مفرح سعود النومس صاحب كتاب «التهديد النووي في الإرهاب المستقبلي» في ص ١٨٣ إلى ما قاله (جون نوكلز) الرئيس السابق للمختبر الوطني الأمريكي الشهير (لورنس ليفرمول) في حديث له أمام لجنة الدفاع في الكونجرس الأمريكي، إنه باستطاعة الإرهابيين شراء رأس نووي من السوق السوداء التي اتسعت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ووضعه في سيارة متوقفة قرب مركز التجارة العالمي وولد ترايد سنتر في نيويورك مع جهاز توقيت لغرض إرهاب نووي، وقد أيده في تلك الأفكار (روبرت كوبر) من المتخصصين في السلاح النووي، والعامل في المختبر المنافس (لوس الالموس) ، وقد استوحى المؤلف غلاف الكتاب من هذه المعلومة؛ حيث يمثل مشهداً من منهاتن يختفي فيه برجا مركز التجارة العالمي بخلفية انفجارية [٢] . والسؤال الذي يجب أن تسأله الإدارة الأمريكية لنفسها هو: ألا يحتمل أن تكون هذه الجماعات والميليشيات المدربة والمسلحة والمنظمة وراء الحدث المريع؟ ! ! لماذا إذن لا تُوجه أصابع الاتهام لها؟ ! ألأنها جزء من الدولة بموجب الدستور الأمريكي الذي ينص في تعديله الثاني على أن «وجود ميليشيا منظمة أمر ضروري لتأمين حرية كل ولاية» ، والذي يعني أن الدستور الأمريكي مظلة رسمية لإرهاب هذه الجماعات والميليشيات؛ ولذا يغض الطرف عنها؟ ! ٧ - توفير التمويل اللازم لمثل هذا العمل الذي يبدو أن الإعداد له قد استغرق مدة طويلة ربما تكون سنوات. وهذا يعني أن الرصيد المالي للجهة التي وقفت وراء هذا العمل هو رصيد كبير جداً يوفر الاحتياجات المالية بدون حدود. تلك هي العناصر السبعة الرئيسة الكامنة وراء تنفيذ ذلك الحادث الرهيب. إن المتمعن في تلك العناصر يرى أنها لا يمكن أن توفرها في المنظور المعتاد أية دولة أو أي تنظيم خارج الولايات المتحدة فتتوجه إليه وتقوم بضربه بآلتها الحربية الجبارة. إن هذه العناصر لا تتوفر غالباً إلا لجهة واحدة فقط، هي جهاز الموساد الإسرائيلي، ذلك الجهاز الذي شعاره الغاية تسوِّغ الواسطة، فهو في سبيل الوصول إلى هدفه النهائي لا يهمه كم من ألوف الأرواح أزهقت، أو في أي واد تلك الأجساد هلكت أو أحرقت؟ ! وقد كان اليهود في البلدان العربية إبان حث اليهود على الهجرة إلى فلسطين في الأربعينيات يضعون القنابل في المقاهي التي يرتادها اليهود ثم يتهمون المسلمين بوضعها، وقصدهم من ذلك إخافة اليهود ودفعهم إلى الهجرة، وقد أظهر هذا الحدث المروع أن تغلغل جهاز الموساد الإسرائيلي في داخل بنية الـ CIA و FBI هو تغلغل محكم ومستشر ومنتشر كانتشار الشرايين والأوردة في جسم الإنسان، بل هو متلبس به كتلبس الجني بجسد الإنسي؛ حيث ينطق الجني مستخدماً لسان الإنسي، أي ينطق جهاز الموساد مستخدماً لسان الـ CIA و FBI وما أريد أن أصل إليه أن ما سأذكره الآن ولاحقاً كله أو غالبه على لسان CIA و FBI هو في حقيقته صادر من قِبَل الموساد، فماذا قالت الـ CIA، FBI بمجرد وقوع الحدث؟ ! قالوا: إن مثل هذا الحدث لا يقوم به إلا العرب والمسلمون. ثم بعد أربع ساعات ضيقوا المساحة وقالوا: إن هذا الحدث لا يمكن أن يقوم به إلا أسامة بن لادن، لكن الذي يتحمل المسؤولية الحقيقية هو من يأويه على أرضه وهم طالبان أفغانستان؛ إذن المسؤولية تقع عليهما معاً: أسامة والطالبان! ! هكذا قبل أي تحقيق أو الحصول على أية معلومات؛ فماذا يعني ذلك؟ إنه يعني التمهيد المباشر وتوظيف الحدث فوراً لصالح توجيهه نحو الهدف النهائي، لقد حددوا المتهم أولاً، ثم تسرعوا في جمع الأدلة التي جاءت فيما بعد تصب كلها في إثبات التهمة الملفقة. وحدث الكثير من التخبط والتسرع لأجل تمرير صحة نسبة هذا العمل لتنظيم القاعدة؛ فهل من المعقول لدى ذوي الحجا أن ينفّذ طيارون عملية بهذه الدقة والمهارة تلقوا علمهم في الطيران من كتيبات قرؤوها في مواقف المطارات، ثم تركوها في أماكنها؛ لأنهم متعجلون ركوب الطائرة وقيادتها بعد خطفها؟ ولقد عجب كل العقلاء في العالم من هذا الاتهام؛ حيث إن هذا العمل المخطط والمنظم والممول هو أكبر بكثير وكثير جداً من إمكانات ابن لادن المحاصر في بعض فيافي أفغانستان أو كهوفها، والمجرد حتى من وسيلة الاتصال بالهاتف النقال، والذي هو تحت الرصد المستمر والمتابعة الدائمة من قِبَل عملاء جميع أجهزة المخابرات الدولية ووكلائهم، وأولها الـ CIA و FBI لتحديد مكانه بالضبط لتتم تصفيته وقتله. وهكذا نجح الموساد عن طريق أجهزة الإعلام في شحن نفوس الأمريكيين بشكل مريع للضغط على الحكومة الأمريكية وخاصة الرئيس بوش ليأخذ بثأر قتلاهم وينتقم لهم من الطالبان ومن ابن لادن أشد الانتقام وأقساه وأبطشه، ولقد بلع بوش وحكومته وأعضاء الكونجرس ومجلس الشيوخ، بلعوا جميعهم هذا الطعم الموسادي وشرعوا في طريق المواجهة الكبرى، رغم أنه قد استفاضت الأخبار بأن أعداداً كبيرة من اليهود العاملين في مركز التجارة العالمي لم يتوجهوا إلى أعمالهم في ذلك اليوم؛ حيث قيل إن ذلك كان بناء على إيعازات جاءتهم؛ مما أثار شكوكاً لدى مسؤولين حكوميين أمريكيين يريدون معرفة كيف علم هؤلاء بنبأ الهجمات قبل وقوعها. ذكرت ذلك صحيفة البيان الإماراتية وقناة المنار الفضائية اللبنانية، وقد أكد ذلك الأستاذ أحمد منصور في مقابلة أجراها في برنامجه «بلا حدود» مع أستاذ في السوربون، بثتها محطة الجزيرة الفضائية بتاريخ ١٩/٩/٢٠٠١م، وأضاف أن زيارة لأمريكا كانت مقررة لشارون قد تم تأجيلها في آخر لحظة قبل الحادث. هذا، وقد تم القبض على مصورَيْن من اليهود كانا في مكان الحادث لحظة وقوعه، وقد أفرج عنهما لاحقاً بعد التحقيق معهما، وذلك بكفالة من عمدة نيويورك. أهداف الموساد إذا كانوا وراء الحدث؟ لا شك أن مصالح كبيرة وأهدافاً عظيمة يمكن أن يجنيها اليهود من وراء العملية التفجيرية المدمرة، ومن أهمها مايلي: ١ - إيجاد ظروف دولية خطيرة تشغل الرأي العام الدولي عن المجازر الهمجية التي تقوم بها حكومة الكيان اليهودي بزعامة السفاح شارون بغية وأد الانتفاضة. ٢ - إشغال الرأي العام العالمي بوقائع كبيرة، كحرب عالمية أو ما كان في حكمها تصرفه عن الاهتمام بحدث مثل هدم المسجد الأقصى الذي تخطط إسرائيل لهدمه خلال المرحلة القادمة وأثناء الحرب المتوقعة. ٣ - إقامة الهيكل المزعوم على أنقاض الأقصى. ٤ - إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام لتنفير العالم منه، وللحد من انتشاره. ٥ - تدمير الطالبان وتقويض الدولة الإسلامية في أفغانستان. ٦ - تهيئة ظروف في مرحلة ما من مراحل الحرب القادمة توجد فجوة أمنية في باكستان تتمكن إسرائيل من خلالها من ضرب المفاعلات النووية الباكستانية. ٧ - تقسيم العالم الإسلامي إلى كيانات متناحرة؛ وذلك بسبب اختلافها في الموقف من الحرب القادمة المخطط لها. ٨ - إيجاد ظروف مناسبة لشن عدوان واسع النطاق على سوريا ولبنان، وتهجير سكان الضفة الغربية إلى ما وراء نهر الأردن، وأهداف أخرى كثيرة يمكن أن نذكرها، ولكن نتجاوز عنها اختصاراً. إشعال الحرب العالمية الثالثة هدف يهودي لتحقيق النبوءة: يرتبط الفكر اليهودي في عودة المسيح بقيام الحرب العالمية الثالثة حيث يهدم الأقصى ويقام الهيكل على أنقاضه، وذلك بعد انقضاء الألفية الثانية وعند ابتداء الألفية الثالثة، وذلك حينما تبدأ الأيام الأخيرة، حيث تتمثل في إقامة قيامة صغيرة تهيئ للقيامة الكبرى، وتأويل هذا يجيء بإشعال حرب مدمرة تهلك فيها غالبية سكان الأرض. تقول التوراة التي عندهم: «في الأيام الأخيرة، عندما تتجمع إسرائيل من الأمم، سوف تتسبب في أمر ما سوف يحدث، إني سوف أضع صنارة في أفواه القوى المؤتلفة» . وجاء في التلمود: «قبل أن يحكم اليهود نهائياً، لا بد من قيام حرب بين الأمم، يهلك خلالها ثلثا العالم» [٣] . إن الجميع يعلم أن اليهود يخططون لهذه الحرب وفق هذه النبوءات ليخرجوها إلى أرض الواقع، وها نحن قد رأينا كيف وظفوا هذا الحدث ليشعلوا الحرب الضروس ليحققوا بها النبوءة. رد الفعل الرسمي: لا شك أن الإدارة الأمريكية قد أُخذت على حين غرة، وفوجئت بالحدث، وحجمه، وطريقة تنفيذه، ونتائجه المذهلة. وقد عكست تصريحات الرئيس الأمريكي بوش حجم تأثره الشديد بما حصل، فقال: «إن الولايات المتحدة تتعرض لكارثة وطنية من خلال هجمات إرهابية واضحة، هذه لحظة صعبة للشعب الأمريكي» ، وقال: «لقد أمرت بإتاحة كامل مصادر الحكومة الفيدرالية لمساعدة الضحايا وعائلاتهم، وإجراء تحقيقات شاملة لمطاردة والعثور على أولئك الذين ارتكبوا هذه الأعمال» ، وقال: «لن يستمر الإرهاب ضد أمتنا» . وفي اليوم الثاني، أي الأربعاء، تصاعدت حدة التصريحات الأمريكية مضيقة المساحة في اتجاه تهيئة الرأي العالم الدولي لتسويق قبول الهدف النهائي مع ملاحظة التمهيد لذلك عبر تصريحات نارية؛ إذ قال بوش بعد اجتماعه مع فريق الأمن القومي في البيت الأبيض: «الهجمات المتعمدة والقاتلة التي نفذت ضد بلادنا كانت أكثر من عمليات إرهاب، كانت عمليات حربية» . وفي اليوم الثالث من وقوع التفجيرات أي يوم الخميس تم الإفصاح رسمياً عن الهدف النهائي، حيث قال باول في مؤتمر صحفي: «إن أسامة بن لادن هو المشتبه به الرئيسي في الاعتداءات» . لكن اللافت للنظر حقاً أن هذا التصريح قد جاء مبكراً وقبل الانتهاء من التحقيقات. إذن منذ البداية، ومنذ اللحظة الأولى التي كان لا يزال فيها بوش في طائرته محلقاً في الجو، صدر الحكم الرئاسي قبل أي تحقيقات، ووجهت التهمة لابن لادن باعتباره المشتبه الرئيس ثم إلى حكومة طالبان. والحقيقة أن الولايات المتحدة كانت قد وضعت خططها للقضاء على الطالبان مسبقاً، وليست قضية ابن لادن إلا مجرد ذريعة للبدء في تنفيذ ما كانت قد عزمت عليه. وجاءت التفجيرات الأخيرة لتكون فتيلاً لإشعال الأزمة. أمريكا خططت للقضاء على الطالبان منذ شهور: ليس من المعتاد أن تزج الدول الكبرى نفسها في أتون حروب كبيرة على مستوى «العالمية» ، دون أن تكون قد حددت مسبقاً أهدافها ووسائلها، وفي حالتنا هذه فإن قرار القضاء على طالبان بواسطة حرب هائلة تبدأ في أواسط أكتوبر ٢٠٠١م قد تم إبلاغه لجهات عدة، منها باكستان. حيث ذكرت الـ BBC بتاريخ ١٩/٩/٢٠٠١م أن وزير الخارجية الباكستاني السابق صرح لها أن الولايات المتحدة كانت تخطط لعملية عسكرية ضد ابن لادن وطالبان قبل وقوع التفجيرات، وقال إن مسؤولين كباراً في الحكومة الأمريكية أبلغوه في منتصف شهر يوليو بأن الولايات المتحدة ستتخذ إجراءات عسكرية ضد أفغانستان بحلول منتصف شهر أكتوبر، وأنهم أبلغوه بالخطة أثناء انعقاد مؤتمر دول مجموعة الاتصال الخاصة بأفغانستان الذي عقد في برلين تحت راية الأمم المتحدة، وأشار المسؤول الباكستاني إلى أن الهدف الأوسع من تلك العملية سيكون إسقاط طالبان وتنصيب حكومة انتقالية من الأفغان المعتدلين، من الممكن أن يتزعمها ملك أفغانستان السابق ظاهر شاه، وقال إن واشنطن ستشن عملياتها من قواعد في طاجيكستان حيث يقيم عدد من المستشارين الأمريكيين، وأن أوزبكستان ستشارك في العمليات وروسيا أيضاً، وذلك قبيل سقوط الثلج في أفغانستان [٤] . ما ذنب أفغانستان؟ حتى كتابة هذه السطور أخفقت جميع الجهود الأمريكية في إيجاد أي دليل يدين أسامة بن لادن أو الطالبان في وقوع انفجارات أمريكا؛ إذن لماذا يجب ضرب الطالبان، وما هو ذنبها من وجهة نظر الإدارة الأمريكية الخاضعة لضغوط اللوبي الصهيوني؟ ! إن طالبان ليست مذنبة ذنباً واحداً فحسب، بل هي غارقة في ذنوب كثيرة حسب زعمهم! وهذه أهمها: ١ - حرصها على بدء تطبيق الشريعة الإسلامية بشكل شمولي. ٢ - إعداد جيشها من منطلق منظور إسلامي سواء في تحديد الأهداف أو استخدام الوسائل. ٣ - تركيزها الشديد على إعادة إعمار أفغانستان وتشييد بنيتها التحتية. ٤ - تمردها، وعدم خضوعها للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. ٥ - مناصرتها للفلسطينيين وعداؤها لدولة الكيان اليهودي التي ترى الطالبان وجوب إزالتها بالكامل واسترجاع فلسطين كلها من النهر إلى البحر. إن كل واحدة من هذه «الذنوب» تعدُّ لدى أمريكا والغرب واليهود «كبيرة من الكبائر» ؛ فكيف لو اجتمعت؟ ! إنها طامة عظيمة من وجهة نظرهم. ولقد كانت أمريكا تطمع في إسقاط حكم الطالبان عن طريق الحصار الذي فرضته عليها تحت مظلة الأمم المتحدة؛ غير أن ذلك لم يحدث رغم الأعداد الكبيرة التي قضت نحبها بسبب هذا الحصار الجائر الذي أدى إلى سقوط آلاف الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ، وتشرد مئات الآلاف ولجوئهم إلى باكستان وإيران باحثين عن الغذاء والكساء والمأوى؛ حيث إن هذا الحصار قد تسبب في عدم تمكن الطالبان من المسارعة في إعادة بث الحركة في البنية التحتية، وأعاق خطط التنمية واستئناف الإعمار. ولعل الغرب وخاصة أمريكا، يراهنون على أن يثور الشعب الأفغاني على الطالبان بسبب ذلك؛ غير أن هذا لم يحصل بل حصل ضده تماماً، فصبر الشعب الأفغاني. قررت الإدارة الأمريكية إعلان الحرب مستغلة ضغط هول الحدث بحد ذاته، ثم تحت ضغط الجماهير الأمريكية الغاضبة، ثم تحت ضغط مجلس الكونجرس والشيوخ؛ وبناء عليه ترأس بوش في يوم السبت ١٥/٩/٢٠٠١م مجلساً حربياً في مقره الريفي في كامب ديفيد من أجل النظر في التخطيط لهذه الحرب التي يندفع إليها على عجل لافت للنظر، ثم صرح بعد الاجتماع بتصريحات جاء فيها: «سنشن حملة صليبية طويلة الأمد لتخليص العالم من فاعلي الشر» ، (قيل إنها ستشمل ستين دولة) . «مما لا شك فيه أن أسامة بن لادن هو المشتبه به الرئيسي» . «إننا نخطط لعملية مدروسة وواسعة النطاق» . «لن أقرر القيام بعمل رمزي» . «ردنا يجب أن يكون شاملاً ومتواصلاً وفعالاً، سيكون ضرورياً تنفيذ سلسلة عمليات حاسمة للقضاء على الإرهاب لا عملية واحدة» . «إننا نطلب صبركم لأن الصراع لن يكون قصير المدى» . «نطلب منكم أن تكونوا عازمين؛ لأن الصراع لن يكون سهلاً» . «يجب أن تكونوا أقوياء لأن الطريق نحو النصر قد يكون طويلاً» . «إن الصراع المقبل سيكون مواجهة من نوع آخر مع عدو من نوع آخر» . «سنعثر على مرتكبي هذا العمل، ونخرجهم من أوكارهم، ونجعلهم يمثلون أمام القضاء» . «إن أي دولة تؤوي إرهابيين سوف تواجه غضباً عارماً من القوة العسكرية الأمريكية» . «من يعلن الحرب على الولايات المتحدة فقد اختار دماره» . «لقد حان الوقت الآن لكسب أول حرب في القرن الحادي والعشرين بطريقة حاسمة» . قال بوش هذا الكلام معلناً ملامح المرحلة القادمة، وهو محاط بأركان حكمه من أمثال نائبه ديك تشيني، ووزير خارجيته كولن باول، ووزير العدل جون اشكروفت، ومستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس. لكن هذه الحرب الضروس من ستطال بحسب الإعداد الأمريكي؟ إنها ستطال طرفين كما قالوا: الأول: الدول التي تتبنى الإرهاب أو تحتضنه أو تدعمه. الثاني: المنظمات الإرهابية في جميع أنحاء العالم: (أفغانستان، مصر، إيران، العراق، فلسطين، الأردن، لبنان، السودان، تركيا، الفلبين، فنزويلا، سريلانكا، بيرو، كولومبيا، فرنسا، أسبانيا، اليونان، اليابان) [٥] . وهذا يقودنا إلى التساؤل عن مفهوم الإرهاب لدى الولايات المتحدة حيث يبدو واضحاً أنه خلاف مفهومه المعروف لدى الأمم المتحدة والذي هو استعمال غير مشروع للقوة. فإسرائيل تمارس الإرهاب ضمن هذا التعريف في كل لحظة ورغم ذلك فالولايات المتحدة راعية لها ومدافعة عنها وممولة لها، وإذا قامت الولايات المتحدة بضرب أفغانستان دون تقديم دليل معترف به فإنه بموجب تعريف الأمم المتحدة للإرهاب سيكون هذا العمل إرهابياً لأنه استعمال غير مشروع للقوة، وأيضاً نقول: هل ستقوم الولايات المتحدة بضرب دولة مثل بريطانيا لكونها تؤوي إرهابيين من دول أخرى وتمنحهم حق اللجوء السياسي، أو تضرب سوريا لكونها تؤوي منظمات فلسطينية مصنفة على أنها إرهابية لدى الإدارة الأمريكية؟ ! أهداف أمريكا من الحرب: ما هي المكاسب التي ترمي إليها الولايات المتحدة من هذه الحرب، وما هي أهدافها منها؟ إنها كما يلي: ١ - إثبات التفرد الأمريكي في قيادة العالم بدون منازع. ٢ - الحد من النفوذ الإسلامي في أفغانستان أو القضاء عليه من خلال إلحاق هزيمة مدمرة بالطالبان. ٣ - إيجاد موطئ قدم مؤثر للنفوذ الأمريكي في منطقة شرق آسيا يكون له أثر واضح في تغيير موازين القوى في تلك المنطقة؛ حيث إن الوجود العسكري الأمريكي سيكون على حدود الصين وإيران وبعض الجمهوريات الإسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفييتي السابق. ٤ - منع قيام أي حكم إسلامي مستقبلاً في أية دولة من دول منطقة شرق آسيا أو الجمهوريات الإسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفييتي أو التي تفكر بالاستقلال عن روسيا كالشيشان وداغستان وغيرها. ٥ - وضع عبرة شاخصة أمام كل من يريد أن يلحق أي ضرر بالولايات المتحدة أو بمصالحها الحيوية أو بمنشآتها الاستراتيجية. إلا أن هذه الأهداف لو تحققت فإنها لن تمنع استمرار الإرهاب الذي تحشاه أمريكا، بل ستولد إرهاباً جديداً على طريقة حرب تلد حرباً. مسار الحرب ونتائجها المتوقعة لا نستطيع أن نجزم بمسار الحرب ولا بنتائجها، لكننا نحاول استشراف ذلك من خلال المعطيات القائمة؛ ولعلنا نسوق ذلك على منحى النقاط الآتية: ١ - ستشن الجهات المعتدية هجوماً رهيباً وعنيفاً جداً ضد القوات الإسلامية الطالبانية؛ وذلك باستخدام الطائرات المقاتلة، والقاذفة، وصواريخ كروز على مدار أسابيع عديدة بغية تقطيع أوصالها وقطع خطوط اتصالاتها، وتشتيت تجمعاتها. ٢ - ثم تقوم القوات البرية بمحاولة شق طريقها لاحتلال المدن الرئيسة وأولها العاصمة كابل، وسوف تتكبد خلال ذلك خسائر فادحة جداً، وأغلب الظن أنها ستخفق في احتلال أي مدينة كبيرة، مع ملاحظة أن تأمين أرض لانطلاق القوات البرية بحاجة إلى موافقة باكستانية أو طاجيكية وتأمين خطوط إمداد لوجستية؛ وهذا صعب جداً. ٣ - ثم تستدعي المعارضة الأفغانية بقيادة برهان الدين رباني أو ظاهر شاه، وتسلمه السلطة ضمن شروط ومعاهدات وتعهدات. ٤ - ستستمر حرب الاستنزاف والعصابات لفترة غير معلومة نرجو أن تنتهي بهزيمة ساحقة للقوات المعتدية كما انهزمت من قبلها القوات البريطانية مرتين في القرن قبل الماضي ثم القوات الروسية في أواخر القرن الماضي. ٥ - خلال ذلك فإن مصالح الدول المعتدية ستكون عرضة للخطر في كل أنحاء العالم وخاصة الإسلامي. وقد يؤدي ذلك إلى تغيُّر في الخرائط السياسية الدولية، وتبدل حاد في التحالفات، وسقوط أنظمة وقيام أخرى.

стр. 4097

المسلمون والعالم بدأت الحرب ولكنها.. بدون عنوان ! ! حسن قطامش في ظلام دامس لا يتبين فيه فرق كبير بين البشر والحجر، انطلقت القاذفات والطائرات الحربية وصواريخ كروز الأمريكية تدك الأراضي الأفغانية. ورأى العالم «غضب أمريكا الشديد» الذي وعد به «ديك تشيني» نائب الرئيس الأمريكي انتقاماً لجرح الكبرياء المسفوح على الأراضي الأمريكية. رسم الأمريكان لهذه الحرب مدى أفقياً بعيداً في الزمان والمكان والأعداء، وأرادوا تقسيم العالم إلى معسكرين! ! معسكر مع أمريكا، ومعسكر.. ليس مع أمريكا، ومن ليس معها فهو مع «الإرهاب» . تثير هذه الحرب عدداً من الأسئلة والاستفهامات لعلها تصل بنا إلى استنتاجات نفهم منها ماهية هذه الحرب: في بيان إعلان الحرب قال جورج بوش: «اليوم نركز أنظارنا على أفغانستان، ولكن المعركة أوسع، هناك خيار أمام كل أمة، ليس هناك منطقة محايدة في هذا النزاع» . وتبعه وزير الدفاع رامسفيلد بقوله: «في حين أن غاراتنا تركز على أفغانستان، فإن هدفنا أوسع بكثير، والعالم يقف متحداً في هذا المجهود. إن شركاءنا في هذا المسعى يمثلون أمماً وشعوباً من كل الثقافات والأديان والأعراق ... وهذه لن تكون حرباً نظيفة! ! وآسف بأن أقول ذلك، وستكون حرباً عسيرة محفوفة بالمخاطر، وهناك ترجيح بأن عدداً أكبر من الناس سيفقدون» . ومع تسارع الأحداث وشدتها تبدو لكثير من الناس هلامية وضبابية الأهداف الأمريكية في تلك الحرب، إلا أن الولايات المتحدة عودتنا على استغلال الأحداث لمصالحها الاستراتيجية بشكل جيد. وهذه الحرب الكبيرة التي «تعهد أصدقاء عظام مثل بريطانيا وكندا وأستراليا وألمانيا وفرنسا بمشاركة قواتها في هذه المعركة، إضافة إلى أربعين دولة في الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا وآسيا منحت أمريكا حرية استخدام مجالاتها الجوية أو حقوق الهبوط لطائراتها، إضافة كذلك للعديد من الدول التي وفرت لأمريكا معلومات استخباراتية» .. في هذه الحرب لم يكن هذا الإجماع العالمي المتنوع الثقافات والأعراق والأديان والذي لم يجتمع في الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن! ! لم يكن ليجتمع بهذه السرعة التي فاقت تجميع التحالف الدولي في حرب الخليج الثانية، ولم يكن الدافع لهذا التداعي الكثيف سيف أمريكا أو ذهبها فقط، بل كانت الأمور أشد تعقيداً وأكثر تآمراً من ذلك. فحين أعلنت الحرب، أعلنها الرئيس الأمريكي صليبية بحتة، ومهما قيل إن الكلمة كانت زلة لسان، فلا يمكن للمرء أن يغسلها من أدرانها، أو أن يقطعها من جذورها النصرانية الغربية، أو لا يستدعي لها أخواتها من الأقوال والأفعال التي تنوء بها سجلات العداء النصراني لدين الإسلام. وإذا تجاوزنا هذه النقطة، وكنا من أصحاب «النوايا المعولمة» الحسنة الظن بأمريكا، ونتساءل: أفهكذا يساق العالم إلى حرب أمام هدف مجهول.. مجهول التعريف، مجهول المكان، مجهول الزمان، مجهول التبعات؟ ! قالت الولايات المتحدة إن حربها ستشمل ستين دولة، وقالت إن الدول الإرهابية التي ضمتها قائمتها للدول الراعية للإرهاب لا يتجاوز عددها أصابع اليدين! ! فأين بقية الستين دولة؟ ! ! هذا.. وقد شكرت الولايات المتحدة تعاون بعض دول هذه القائمة في هذه الحرب كإيران والسودان! ! وقالت الولايات المتحدة إن المنظمات والأفراد الذين أدرجوا أخيراً ضمن قائمة الإرهاب، سبع وثلاثون منظمة وفرداً..؛ فأين بقية الستين هنا أيضاً؟ ! وكانت الولايات المتحدة حين أعلنت حربها على العراق لم تقل إن حربها ستشمل أكثر من هذه الدولة، وبرغم ذلك ما زالت الحرب معها قائمة لأكثر من عشر سنوات؛ فكم من الزمن تستغرق حرب أمريكا للستين دولة؟ ! ومتى تضع هذه الحرب أوزارها؟ ثم نتساءل عن هذا «المريب» الأمريكي الذي يكرر كل يوم أن هذه الحرب ليست ضد الإسلام، ولا تستهدف دين الإسلام، وليست بداية لصراع حضارات أو ثقافات بين الغرب والإسلام: لماذا كل هذا النفي اللافت والمريب؟ ! سؤال بريء من أصحاب النوايا.. المستريبة. وأخيراً.. عندما وقعت الانفجارات في واشنطن ونيويورك فزع الأمريكان إلى «كنائسهم» بداية من رؤسائهم إلى عامتهم يقيمون «القداس» الجنائزي. وعندما أرسل جورج الجنود الأمريكان لضرب أفغانستان قال: «إن القائد الأعلى للقوات المسلحة لا يرسل أبناء وبنات أمريكا في أرض غريبة إلا بعد أعظم قدر من الحرص ومن..» الصلاة «شكراً لكم، وليواصل الله مباركة أمريكا» ! ! فأول هذه الحرب كان قداساً في كنيسة، ثم ثانيها إعلانها حرباً صليبية، وثالثها بدء حرب بدعاء وصلاة صليبية.. فماذا نسمي تلك الحرب؟ ! سؤال لأصحاب النوايا الحسنة.

стр. 4098

المسلمون والعالم قراءة في الموقف الباكستاني ضد طالبان السيد أبو داود [*] أصيب الشارع العربي والإسلامي بالدهشة والغضب من موقف الرئيس الباكستاني برويز مشرف بالتعاون الكامل مع الولايات المتحدة في حربها المتوقعة ضد أفغانستان بعد التفجيرات المروعة التي وقعت في نيويورك وواشنطن في ١١/ ٩/٢٠٠١م، ونحن في هذه السطور سنحاول تحليل الأرضية التي اتخذ الرئيس مشرف على أساسها هذا القرار؛ حيث إن وراء الموقف الباكستاني بُعداً شخصياً للرئيس مشرف، وكذلك علاقات داخلية ساعدت عليه، وهناك أيضاً أمور خارجية ضغطت في اتجاهه. فبالنسبة للعامل الشخصي، فالتكوين العسكري الذي يغلب على الرجل جعله يسقط من أول مكالمة تليفونية من البيت الأبيض، وغابت عنه العقلية السياسية والاستراتيجية التي تقلب الأمور وتنظر في الدقائق والتفاصيل، كما أن القرار ترجمة طبيعية لحالة رجل قام بانقلاب وعطل مؤسسات الدولة، فكان القرار قراره ولا معقب له ولا ناقد، ولو كان الرجل يحتكم إلى دستور وقانون لأرجأ اتخاذ أي موقف إلى حين الرجوع إلى مؤسسات اتخاذ القرار والرأي العام بمختلف قنواته. تعقيدات الوضع الداخلي في باكستان: الوضع الداخلي في باكستان تحكمه محددات أساسية جعلته وضعاً صعباً معقداً ربما ضغط على الرئيس مشرف لاتخاذ قراره. المحدد الأول: هو الانقسامات القومية الشديدة، فهناك أربع قوميات أساسية موزعة على الأقاليم الباكستانية الأربعة وهي: إقليم البنجاب أكبر الأقاليم الباكستانية، وتسكنه أغلبية بنجابية، والشيء نفسه بالنسبة لإقليم السند، وبلوشتسان، وشيستان. وقد استمد كل إقليم سماته من القومية التي تعيش على أرضه، ورغم مضي أكثر من نصف قرن على تأسيس باكستان فإن البلاد لم تعرف انصهاراً كبيراً بين قومياتها في إطار الدولة الجديدة، بل إن زعماء القوميات ينفخون في هذه الانتماءات القومية لتحقيق المكاسب الانتخابية. المحدد الثاني: هو مشكلة المهاجرين المسلمين القادمين من الهند التي أضافت تحدياً جديداً للدولة، وقد نتجت عن الموجات المتتالية من المسلمين المهاجرين الذين قدموا من الهند على أثر الاضطهادات الواسعة التي تعرضوا لها على أيدي المتطرفين الهندوس، وما نجم عن ذلك من قتل أكثر من مليون مسلم في ذلك الوقت. وقد استوطن هؤلاء المهاجرون الذين بلغ عددهم عدة ملايين إقليم السند المتاخم للهند، وتمركزوا في مدينة كراتشي، وعاشوا مع سكان الإقليم في انصهار ووفاق، إلا أن الطابع الإثني والقومي الذي توظفه النخبة السياسية الباكستانية كرافد أساسي في بناء قواعدها الجماهيرية أخذ يتشكل بسرعة في صياغة علاقة متوترة بين القوميتين، راح على أثرها آلاف الضحايا وسط إخفاق حكومي في احتواء هذه المشكلة الخطيرة. المحدد الثالث: هو البيئة الأمية الفقيرة التي تعيش فيها غالبية السكان، فطبيعة المجتمع الباكستاني طبيعة إقطاعية وطبقية متجذرة، تكشف عن نفسها في صورة فقر يضرب أطنابه في رقعة واسعة، وثراء فاحش في قلة قليلة، إذ إن ما يقارب الثلاثين أسرة فقط تسيطر على غالبية الأراضي الزراعية في طول البلاد وعرضها، والشيء نفسه بالنسبة للجانب الصناعي والتجاري بصورة تنحسر معها أو تكاد الطبقة المتوسطة، ثم إن هناك حالة أمية تقترب من نسبة ٧٥% من السكان بما يعنيه ذلك من دلالات سياسية واجتماعية خطيرة. والمحدد الرابع: هو المشكلة الطائفية الناتجة عن هذا التباين العرقي يضاف إليها رؤى دينية شديدة التباين، فربما كانت باكستان البلد الوحيد في العالم الإسلامي الذي يموج بحشد كبير من القوى الدينية المتناحرة. والمحدد الخامس: هو أن الذي يسيطر على هذه العملية جهاز أمن ليس على درجة من القوة بل جهاز ضعيف غير قادر على التعامل مع التحديات الأمنية التي تواجه هذا الواقع المعقد والمتداخل، فهو جهاز مسيّس بمعنى أن كل حكومة تضع سياسات أمنية تتواءم مع مصالحها، ورجال الشرطة ينفذون ذلك سواء كانت هناك مسوغات أمنية تقتضي ذلك أم لا، كما يفتقد هذا الجهاز التقنية الحديثة لملاحقة المجرمين؛ ومن ثم يلجأ كثير من الهيئات والشركات المحلية والأجنبية إلى الاستعانة بشركات الأمن الخاصة لتأمين مصالحها. وهناك تدفق كبير وتنقل وامتلاك وتصنيع للأسلحة دون سيطرة تذكر من الدولة خاصة في المناطق الشمالية الغربية المتاخمة لأفغانستان. بيئة خارجية غير مناسبة: إن الوضع الخارجي والإقليمي لباكستان لا يقل توتراً وتعقيداً عن الوضع الداخلي حيث الأزمة الأفغانية والسباق النووي مع الهند ومشكلة كشمير، أما عن الأزمة الأفغانية فقد استضافت باكستان أكثر من ٣ ملايين مهاجر أفغاني كما كانت الراعي والموجه للقادة الأفغان أو ما كان يعرف في حقبة الاحتلال السوفييتي بزعماء المجاهدين، لكن خروج السوفييت وتغير معادلات القوى الداخلية الأفغانية أملى على باكستان أن تقيم علاقات تحالف وتعاون غير معلن مع القوى التي يمثلها البشتون الذين (تمثلهم طالبان ومن قبل حكمتيار) فهم أكبر القوميات، وتعيش أغلبية منهم في المناطق الشمالية الغربية الباكستانية المتاخمة لأفغانستان، ونتج عن ذلك أن فتحت القوى الأفغانية الأخرى وخاصة الطاجيك (الذين كان يتزعمهم أحمد شاه مسعود) خطوط اتصال مع الهند؛ مما أسهم في إيجاد جبهة جديدة معادية لباكستان أسعدت الهند، وخاصة أن الهند تتهم طالبان بدعم الثوار في كشمير؛ وعليه فيمكن أن يكون اللاجئون الأفغان قنبلة داخل باكستان تسبب الكثير من المشكلات والمتاعب إن لم يتم التعامل معها بحكمة بالغة. أما السباق النووي فعلى الرغم من أنه نقطة القوة الوحيدة فإن باكستان تعرضت بسببه للعقوبات الأمريكية والأحقاد الغربية الإسرائيلية الهندية، وفتح ملفاً جديداً من المشكلات الإقليمية والدولية لباكستان. أما المشكلة الكشميرية فقد أخفقت باكستان في حلها عبر هذه العقود، وأصبحت هي مصدر الأزمات الرئيسية، وقد خاضت باكستان بسببها ثلاث حروب مع الهند، وفقدت في أعقاب إحداها بنجلاديش التي كانت جزءاً من الأراضي الباكستانية، وتساهم هذه المشكلة في إضعاف الجبهة الداخلية، فقد نجحت الهند في بناء علاقات مع عناصر من القومية البشتونية التي روج الكثير من زعمائها للانفصال عن باكستان باعتبارهم جزءاً من أفغانستان، وتنفيذ العديد من العمليات التخريبية في باكستان، كما استثمرت الهند الخلافات الإثنية بين كل من حركة المهاجرين والقومية السندية بكراتشي في تجنيد وتمويل عناصر تخريبية في إقليمي السند والبنجاب المتاخمين للحدود الهندية. تغليب السلبيات: إن الرئيس الباكستاني مشرف غلّب كل السلبيات السابقة فخاف وارتعدت فرائصه حينما طلبت منه الإدارة الأمريكية أموراً ثلاثة هي: - السماح للقوات الأمريكية باستخدام المجال الجوي الباكستاني للوصول لأفغانستان. - وتوفير معلومات مخابراتية دقيقة عن المعسكرات داخل الأراضي الأفغانية التابعة لتنظيم القاعدة وتنظيمات أخرى. - وتقديم مساعدات لوجستية لتسهيل حركة القوات الأمريكية. وقالوا له: إما أن تفعل ذلك، وإما أن نستعين بالحلف الهندي الإسرائيلي لضرب أفغانستان وابن لادن؛ ولن تكون منشآتك النووية بمنأى عن هجماتنا، فأنت إما أن تكون معنا وتقدم لنا هذه التسهيلات، وإما أن تكون مع طالبان وابن لادن، وأنت الجاني على نفسك. نظر مشرف فقط إلى جوانب الضعف لديه، فهل كان معه جوانب للقوة؟ لقد كان مشرف يقف على أرضية الحق والعدل، فكان له أن يحتج بالهوية المشتركة والمصالح والتشابك والتداخل بين الشعبين، ثم يستند إلى الشارع الإسلامي الذي بدأ لأول مرة يأخذ موقفاً كاسحاً مؤيداً لطالبان وناقماً على مشرف. فكل المؤسسات الإسلامية وعلى رأسها شيخ الأزهر، ومفتي مصر، ورابطة علماء فلسطين، وجبهة العمل الإسلامي الأردنية، وكثير من علماء السنة بالإضافة إلى غالبية الشارع الباكستاني، كل هؤلاء ضد الموقف الأمريكي ويطالبون بعدم أخذ الأبرياء بذنب مرتكبي الحادث، وضد اتخاذ أية خطوة إلا بدليل دامغ، واتفقوا على أن أية دولة مسلمة تتعرض لهجوم وجب على المسلمين جميعاً مناصرتها بكل ما يملكون، وتحريم مساعدة عدوها وتقديم أية معونات له. لو اختار الرئيس الباكستاني الموقف المغاير وقال لا. كان سيكسب كل هؤلاء، بالإضافة إلى أن موقف الدول العربية وإن كان مغلفاً بالخوف من أمريكا فإنه كاره لغطرستها إذ قررت الضرب بعد ساعة من الهجوم، وقبل أن تبدأ التحقيقات، حتى في أوروبا هناك مواقف معارضة لأمريكا، وكذلك بدأت بوادر المعارضة ولو من طرف خفي من بعض جمهوريات آسيا الوسطى المسلمة رغم الضغوط والتخويفات الأمريكية. غليان الشارع الباكستاني: أصعب موقف اتخذه الرئيس مشرف هو أنه وضع نفسه في مواجهة الشارع الباكستاني، فكل الجماعات والفصائل الإسلامية الباكستانية على اختلاف مشاربها وأفكارها اتخذت موقف الوقوف بشدة ضد من يستهدف أفغانستان التي يعتبرونها جزءاً من الهوية والثقافة الدينية الإسلامية، ويقف معهم بعض الأحزاب والقوى الوطنية الأخرى متوعدين مشرف بسلسلة من المظاهرات والاحتجاجات والاضرابات في كل المدن والضواحي، مطالبينه بعدم خرق وانتهاك السيادة الوطنية والدينية لباكستان، معتبرين أمريكا ستتفرغ بعد ذلك لضرب باكستان بعد أن تقوض طالبان وتفرض حكومة أفغانية أخرى لن تربطها علاقة صداقة وود مع باكستان لتتكفل بحفظ المصالح الأمريكية في المنطقة. تجدر الإشارة هنا إلى أن الأحزاب الدينية الباكستانية يساندها مئات الآلاف من طلاب المدارس الدينية غير النظامية رفاق طالبان، وهؤلاء يمكن أن يقودوا حالة من العصيان المدني أو الانفجار الشعبي قد تطيح بمشرف أو تضغط على الجيش للتدخل والإطاحة بمشرف كما أطاح هو بنواز شريف. العجيب أن الحكومة والجيش في باكستان يراقبون تحركات الأحزاب والجماعات الدينية، ويقف معهم خمسمائة صحفي غربي جاؤوا لمراقبة الإسلاميين ووحش الإرهاب الإسلامي، وضد الشارع الباكستاني تقف النخبة السياسية العلمانية ومعها من تم صياغتهم على المفهوم الغربي، من هؤلاء وقف أحد المسؤولين الحكوميين يقول: «لا مناص من خسائر لباكستان ولكن الخلاف ينصب على حجمها؛ فالإصابة بجرح أفضل من القتل، والجرح نعرف حجمه ثم نتعافى منه، وهو أفضل من عاهة مستديمة» . وهذه هي البراجماتية النفعية التي دائماً يستخدمها العلمانيون، ودائماً تكون ضد مصلحة الأمة، والحمد لله الذي جعل مصالح أمة محمد لا تتحقق إلا بالالتزام بالشرع ولا يفيدها الانتهازية والنفعية، بل تفسد قضاياها على طول الخط. إن الرئيس مشرف يقول: إن باكستان أولاً، وإنها فوق طالبان وابن لادن. ونحن قد نوافقه في ذلك لو كان فيه خير لباكستان، ولكنه للأسف فيه السم الزعاف، لقد تقدمت مجموعة من الزعامات والقوى الدينية والسياسية في باكستان باقتراح يطالب أطراف النزاع بأن توافق على تسليم ابن لادن لجهات محايدة مثل مجلس التعاون الأوروبي، أو مؤتمر العالم الإسلامي لمحاكمته أمام محكمة دولية محايدة، وعلى رأس المجموعة الدكتور طاهر القاوري قائد الحركة الشعبية وإحدى أهم الأحزاب الدينية الصوفية، وأجمل ختك قائد الحزب القومي الشعبي (اليساري) ، وكبير علي واسطي من الزعامات السياسية، والجنرال حميد جول الرئيس الأسبق للمخابرات الباكستانية، وهذا خيار لن يجدي أيضاً؛ لأن أمريكا لن تسمح به ومشرف لن يملك الشجاعة لقبوله. لعبة استراتيجية: إن جانباً كبيراً من الحركة الإسلامية الباكستانية تدرك المعادلة الاستراتيجية الصحيحة التي لم يدركها الرئيس مشرف؛ وهي أن أمريكا تريد التخلص من طالبان وزرع حكومة عميلة برئاسة ظاهر شاه تكون عدواً جديداً لباكستان ليكمل الخناق عليها مع الهند، ولتكون الحكومة الأفغانية الجديدة شرطياً أمريكياً يحافظ على مصالح أمريكا والغرب، ووقتها سيدرك مشرف أنه أخطأ في رسم المستقبل السياسي والديني لبلاده، ولكن ذلك سيحدث بعد فوات الأوان، كما أن أمريكا ما تزال تضع باكستان في قائمة الدول التي ترعى الإرهاب باعتبار مساعدتها السابقة لطالبان والمجاهدين الأفغان من ناحية ثم دعمها لفصائل المجاهدين في كشمير، ودعم باكستان للتحركات الأمريكية معناه خسارتها لحليفها الاستراتيجي ومساعدتها في إيجاد عدو لنفسها. إن كثيراً من الإسلاميين في باكستان يعتقدون أن باكستان يراد لها أن تقع في حرب أهلية (مثل الوضع في لبنان والجزائر) حيث يشتعل فيها الصراع الطائفي والعرقي بمساعدة جهات أجنبية، وأن ذلك سيكون بداية لتنفيذ مخطط إزالة باكستان من خريطة المنطقة الجنوب آسيوية الذي يتوقع أن يتم في عام ٢٠١٠م حسب الدراسات التي أعدتها جهات غربية، مع تزايد المخاوف من أن باكستان ستسقط في أيدي الإسلاميين خلال السنوات الخمس القادمة مع امتلاكها للقدرة النووية؛ مما يجعل هذا السلاح أمراً خطيراً ومتاحاً للغول الإرهابي الإسلامي الذي سوف ينتشر ساعتها في مختلف البلاد الإسلامية حيث سينتقل إليها الحكومة الباكستانية وقتها هذا السلاح النووي، وفي ذلك خطورة كبيرة على إسرائيل والغرب نفسه. إزاء ذلك كله يفكر الغرب في ضربة قاصمة لباكستان بطريقة أو بأخرى قد لا تقل ضراوة عن ضربة أفغانستان المحتملة ولكن بعد اتخاذ باكستان معبراً ومعيناً في القضاء على طالبان، كما أن الهند لن تقف مشاهدة وربما استغلت أجواء التوتر التي تعيشها باكستان ووجهت لها ضربة قوية بمساعدة حليفتها إسرائيل، وبمعونة أمريكية أوروبية. بقي أن نشير إلى أن هناك نقطة على جانب كبير من الأهمية، وهي مناطق القبائل المتاخمة للحدود الأفغانية في شمال غرب باكستان التي تعد شبه حرة وغير منزوعة السلاح بل يتم فيها صناعة السلاح وتداوله على أوسع نطاق، ويبلغ عدد سكانها حوالي ٢٥ مليون نسمة، وتشترك مع القبائل البشتونية الأفغانية في اللغة والدين والعادات والتقاليد والتاريخ، هذه القبائل منحازة كلية لأفغانستان وطالبان، وتعيش حالة استعداد كامل للمواجهة الأمر الذي دعا الحكومة الباكستانية حشد قوتها العسكرية في هذه المناطق. وهو ما قد يفتح الباب على مصراعيه للعنف والتمرد، وهذه كلها أمور باكستان في غنى عنها.

стр. 4099

المسلمون والعالم مخاطر التعاون العسكري الهندوسي الصهيوني المتصاعد محمود عبد الله البنغالي [*] إن المتتبع لاتفاقات التعاون الهندي الإسرائيلي يلاحظ أن معظم العقود الموقعة بين الكيانين الهندي اليهودي تنص على تبادل الخبرة والتقنية المتطورة لصناعة الأسلحة الاستراتيجية والكيميائية الفتاكة. إن قصة هذا التعاون بين الدولتين العنصريتين: الهند وإسرائيل، والتي يتزايد الحديث عنها هذه الأيام بين وسائل الإعلام وما تتناقله مصادر الصحف والأنباء العالمية عن صور وأشكال لهذا التعاون العسكري السري والعلني بين الدولتين الإرهابيتين الهند وإسرائيل، والذي ظهر خبثه جلياً على الساحة الدولية بعد أن انكشف ستره، وولى ليله، وطفح كيله، واتضح أمره، وأصبح كضوء الشمس بالنهار بعد أن كان مختفياً عن الأعين والأنظار مدة طويلة. إن القليلين ممن يعلمون تاريخ العلاقات الهندية الإسرائيلية وتفاصيل هذا التعاون بين الجانبين يعلمون أنها ليست وليدة سنة أو سنتين، وإنما يعود تاريخها لأكثر من نصف قرن من الزمان؛ عندما قامت الهند باعترافها بالكيان الصهيوني على أرض فلسطين عام ١٩٤٨م؛ لتكون الهند بذلك أول بلد تعترف بدولة إسرائيل؛ فبعد ثلاثة شهور فقط من إنشاء إسرائيل حظيت بالاعتراف الهندي غير المعلن حينذاك حيث قال رئيس وزراء الهند آنذاك (جواهر لال نهرو) : «إن قيام دولة إسرائيل أصبح أمراً واقعاً؛ فلذا من البديهي الاعتراف بها دولة مستقلة» . ولم تكتف الهند باعترافها الضمني غير المعلن فقط بالكيان الصهيوني المغتصب لفلسطين، بل عملت على تطوير العلاقات والتعاون مع هذا الكيان المحتل لفلسطين في شتى المجالات والميادين العسكرية والصناعية والاستخباراتية والتجارية والدبلوماسية والثقافية. ١ - أول اتفاق علني تم بينهما في مجال التسلح النووي في عام ١٩٦٢م قامت بموجبه إسرائيل بإنشاء مفاعل نووي بمنطقة وتارابور «كالباكام» الهندية مقابل حصولها على المواد الخام لليورانيوم اللازمة لمفاعلاتها النووية. ٢ - وعلى صعيد التعاون الاستخباراتي خلال حرب يونيو (حزيران) بين العرب وإسرائيل عام ١٩٦٧م، قامت المخابرات الهندية «الترو» بتزويد وإحاطة إسرائيل بمعلومات سرية عن الجيش المصري وعن أماكن الطائرات المصرية المقاتلة؛ لتقوم إسرائيل بقصفها في قواعدها قبل إقلاعها وهي جاثمة على الأرض، وذلك عن طريق ضباط التدريب الهنود العاملين في سلاح الطيران المصري حينذاك. ٣ - وفي عام ١٩٨٥م التقى رئيس الوزراء الهندي الراحل راجيف غاندي نظيره الإسرائيلي، واجتمعا بالرئيس الأمريكي حينها «رونالد ريجان» وطالباه بوقف تزويد باكستان بالطائرات «إف ١٦» . ٤ - وفي عام ١٩٩١م تم الاتفاق بين الحكومتين على إرسال (٣٠٠) من رجال المخابرات الإسرائيلية (الموساد) للهند لتدريب الهنود على التحكم في الموقفبكشمير المحتلة. ٥ - وفي مايو عام ١٩٩٣م قام نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز بزيارة رسمية للهند وأجرى مباحثات رسمية للتعاون الصناعي في المجال العسكري، ومجال الأسلحة الاستراتيجية الفتاكة والهجومية التكتيكية، ومجال الاقتصاد، ومجال التجارة والثقافة وغيرها. ٦ - وفي عام ١٩٩٦م وقع البلدان اتفاقية الدولة الأكثر تفضيلاً لتقوية العلاقات الخاصة بينهما. ٧ - وفي عام ١٩٩٧م زار عزرا وايزمان رئيس الكيان الصهيوني الهند وأجرى مباحثات رسمية تم بموجبها إمداد إسرائيل للهند بالخبرة والتقنية المتطورة لإقامة مصنع الطائرات الإسرائيلية المقاتلة في ولاية «اندربراديش» الهندية (شرق هضبة الدكن) ، وأيضاً تقوم إسرائيل بتزويد الهند بطائرات «لاخشيا» الإسرائيلية، وطائرات صغيرة استطلاعية تطير من غير طيار، وهي في نفس الوقت مزودة بأجهزة متطورة ذات عدسات تعمل إلكترونياً وتستطيع تصوير المواقع العسكرية؛ وذلك لتمشيط وكشف مواقع المجاهدين في كشمير المغتصبة. ٨ - وفي إبريل عام ١٩٩٧م أيضاً ضبطت قوات خفر السواحل السريلانكية أربع حاويات قادمة من الهند في طريقها إلى إسرائيل تحمل ثمانية عشر طناً من مادة «بنكولفان» الفسفوري، وهي مادة كيميائية شديدة المفعول تستخدم في صناعة غاز مثير للأعصاب، وكانت هذه الحاويات قادمة من بومبي بالهند في طريقها لحيفا بإسرائيل حسب أوراق الشحن المضبوطة من قبل السلطات السريلانكية. ٩ - وفي العام نفسه نشرت جريدة «هندوستان تايمس» الهندية تقريراً يوضح أن إسرائيل عرضت على الهند زيادة التعاون العسكري بينهما في مجال الصناعات العسكرية الاستراتيجية، والتقنية الحديثة وخاصة لأنظمة الإنذار المبكر «الأواكس» لنظام طائرات الرصد المحلقة للمراقبة مقابل استخدامها لضرب باكستان عند الضرورة. ١٠ - وفي عام ١٩٩٨م قام رئيس أركان الجيش الهندي (ف. ب. ملليك) بزيارة رسمية لإسرائيل لتفقد وتبادل التقنية والخبرة العسكرية وللتعاون في مجال صناعات الأسلحة الاستراتيجية، ولتطوير الأسلحة الهجومية وتبادل الخبرة بين بلديهما ضمن برامج التعاون العسكري؛ وذلك رداً لزيارة نظيره الإسرائيلي للهند عام ١٩٩٧م. ١١ - وفي عام ١٩٩٩م قامت صحيفة «هآرتس» الإسرائلية بدراسة لإحصاء مجموع ما بلغ من الكسب الناشئ عن التعاون والتبادل التجاري بين الهند وإسرائيل حيث بلغ مجموعه أكثر من (٧٠٠) مليون دولار خلال العام نفسه. ١٢ - يوجد الآن في الهند أكثر من (١٥٠) شركة استثمارية إسرائيلية كبيرة تعمل في مجال الاقتصاد والصناعة والاستثمار، ويتوقع أن يتضاعف عددها في السنوات المقبلة. إن أهم قواعد التعاون بين هذين النظامين العنصريين: الهندوسي والصهيوني يقوم على الاغتصاب الغاشم والاحتلال الجائر لأراضي المسلمين وتدنيسهم للمقدسات وهدمهم للمساجد، والتعدّي على الحرمات، كما يتفق الكيانان الإرهابيان في قمع واضطهاد وقتل المسلمين العزل في كشمير وفلسطين المحتلتين، ويمارسان أبشع أنواع البطش والقهر والتعذيب والتنكيل والحقد الدفين لقهر المسلمين وإلحاق كل ألوان الأذى وأشكال العذاب، وأصناف الاضطهاد الوحشي والبربري بحق إخواننا المسلمين في كشمير وفلسطين الأسيرتين؛ فهم لا يتورعون عن ارتكاب الجرائم الوحشية والحيوانية القذرة والخبيثة، ونهب الممتلكات، واغتصاب الحرائر والنساء الثكالى، وقتل الأحياء والأبرياء، وهي السياسة الدائمة والمتبعة اللاإنسانية المستمرة للطرفين الهندوسي الصهيوني منذ ابتليت كشمير وفلسطين المغتصَبتان بالخضوع لسيطرتهم الجائرة. ومنذ أكثر من خمسين سنة وإلى أيامنا هذه لا زال الاحتلالان الهندوسي والصهيوني البغيضان يقومان بالاعتداء الوحشي المستمر على شعبي كشمير وفلسطين، وما زالا جاثمين على أرض كشمير وفلسطين المحتلتين؛ فما الذي سيفعله العرب والمسلمون لمواجهة مخاطر هذا الحلف الهندي اليهودي الذي يستهدفهم جميعاً؟

стр. 4100

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش qatamish١٠٠@yahoo.com أمريكا بين الانفجار والحرب من أشد منا قوة؟ ! س: هل تريدون خلاص العالم أم السيطرة العسكرية على العالم؟ ج: نحن لا نريد السيطرة العسكرية على العالم؛ فالسيطرة العسكرية على العالم موجودة الآن، ونراها كلنا أمام أعيننا، انظر إلى أي محيط أو بحر أو خليج ترى حاملات الطائرات الأمريكية، وانظر إلى أي سماء ترى المقاتلات الأمريكية، نحن نعمل الآن على تأسيس قوة عسكرية فضائية تحيط بكل العالم. س: هل هذه إمبريالية أمريكية من نوع جديد؟ ج: نعم هذه إمبريالية أمريكية، لكننا عندما نقول ذلك لا نقصد المعنى التاريخي القديم لكلمة «إمبريالية» لكننا نقصد أننا، نعم، قوة عملاقة، ونحن لا نريد من الشعوب الأخرى أن تشتمنا أو تعادينا وتصفنا بالإمبريالية؛ لكننا نريد منهم أن يقتنعوا بالأمر الواقع، وأن يفهموا أننا قوة عملاقة، بل ونحن أكبر من أي إمبريالية شهدها تاريخ العالم. س: هل هذا تأكيد لفكرة أن أمريكا هي شرطي العالم؟ ج: لا، شرطي العالم وظيفة أقل من مؤهلاتنا، الشرطي ينظم ونحن نسيطر، والشرطي ينفذ القانون ونحن نضع القانون، والشرطي هناك من هو أعلى وظيفة منه ونحن الأعلى وظيفة! ! س: شهد التاريخ إمبراطوريات كثيرة سادت ثم بادت فهل ستسقط الإمبريالية الأمريكية يوماً ما؟ ج: هذا هو التحدي الحقيقي ليس هناك جدل في أن حضارتنا أفضل من الحضارة اليونانية والرومانية مثلاً، ولكن لا بد أن نستمر في تحسين وتطوير حضارتنا، وما دمنا نحرص على ذلك، فسوف تقل احتمالات سقوطنا. وأي ميزان وأي قوة وأي دول كبرى؟ نحن ننطلق من حقيقة أننا الأكبر والأقوى. ألا تريد الملايين وسط كل شعب من شعوب العالم أن تأتي إلى بلادنا؟ ألا تعرف في أعماقها أن بلادنا هي الأكثر حرية؟ أنت تعرف أننا إذا فتحنا حدودنا لجاء إلينا ملايين الأجانب كالسيل، ولسبحوا عبر المحيط الهادي والمحيط الأطلسي ونهر الغرائد. [نائب مدير مركز معهد «القرن الأمريكي الجديد» توماس دونالي، قبل عشرة أيام من الأحداث، مجلة المجلة، العدد: (١١٢٦) ] إجماع على الكراهية والانتقام كراهية أمريكا هي هواية عالمية منذ سنوات طويلة، إلا أنها ازدادت حدة منذ أن تحولت أمريكا إلى الدولة الوحيدة الأعظم في الأرض، شدة هذه الكراهية تبعث على الخوف، وثراؤها يثير الغيرة، وثقافتها تسيطر على كل العالم، الكراهية والمقت لأمريكا أصبحت باستثناء إسرائيل وعدة دول شاذة عن القاعدة مثابة إجماع عام من العالم الثالث الجائع حتى الصالونات المتخمة في أوروبا. الرأي العام الأمريكي متعطش للانتقام وسيؤيد اليوم ما لم يكن يخطر بباله حتى فترة وجيزة بما في ذلك خوض حرب شاملة ضد العرب والمسلمين كائناً من كانوا، ولكن بوش أيضاً يعرف أنه إذا تشوشت الأمور ولم تنجح العملية فإن هذا الرأي نفسه الذي شجعه وحفزه سيقدم له حسابه للسداد. [جيمي شليف، صحيفة معاريف اليهودية، عن القدس العربي، العدد: (٣٨٣٩) ] والقوة في كل مكان أفادت مصادر البنتاجون أن الولايات المتحدة تنشر أكثر من ربع مليون عسكري في قواعد خارج أراضيها، ولا سيما في أوروبا والشرق الأوسط وشرق آسيا، أو على سفن حربية. وفي أواخر آذار (مارس) كان عدد هذه القوات ٢٦٥ ألفاً بينهم ٥٥ ألفاً على سفن البحرية الأمريكية يتوزعون على الشكل الآتي: ١٠٤٠٠٠ من القوات البرية و ٧١٠٠٠ من قوات البحرية و ٦٢٥٠٠ من سلاح الجو و ٢٧٥٠٠ من مشاه البحرية (المارينز) ، وبحسب ما أعلنه ناطق باسم وزارة الدفاع فإن هذا العدد لم يتغير منذ ذلك التاريخ، حيث إنه «لم يتم إجراء أي إعادة انتشار واسعة النطاق» . ويتمركز حوالي ١٢٠ ألف عسكري في أوروبا بينهم ٧٠٩٥٩ في ألمانيا و ١١٢٩٣ في بريطانيا. وتوجد اثنتان من القواعد الجوية الرئيسية للولايات المتحدة في إيطاليا: الأولى هي قاعدة افيانو في شمال البلاد التي وضعت في حالة تأهب قصوى فور وقوع الاعتداءات، والتي كانت تنطلق منها طائرات حلف الأطلسي أثناء عمليات القصف في يوغسلافيا في ١٩٩٩م، وتوجد الثانية، وهي من أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في المتوسط في سيغونيلا بجزيرة صقلية، وقد استخدمت كقاعدة دعم لوجستي في نزاعات الشرق الأوسط والبوسنة، وكقاعدة دعم للبحرية الأمريكية أثناء حرب الخليج في ١٩٩١م. ويتمركز حوالي ٢٠٠٠ جندي أمريكي في تركيا في قاعدة إنجرليك الجوية، وللولايات المتحدة حوالي ٣٠٠٠٠ عنصر في منطقة الخليج، ينتشر معظمهم على السفن الحربية (الأسطول الخامس) ، في حين يتمركز حوالي ٥٠٠٠ جندي في الكويت (٢٠٠٠ جندي من سلاح الجو والعدد نفسه تقريباً من القوات البرية) . وتنشر الولايات المتحدة قوات كبيرة أيضاً في آسيا حيث يتمركز في اليابان ٤٠٨٩١ جندياً نصفهم تقريباً (١٩٧٠٥) على جزيرة أوكيناوا، وقد وضعت القوات الأمريكية في أوكيناوا هي أيضاً في حالة التأهب القصوى على أثر الاعتداءات في الولايات المتحدة. ويوجد أكثر من ٣٦٠٠٠ جندي أمريكي في كوريا الجنوبية معظمهم من القوات البرية (٢٧٤٨٢ جندياً) . وأعلنت الفلبين عن استعدادها لإعادة فتح القاعدتين الأمريكيتين السابقتين في البلاد: قاعدة كلارك الجوية، وسوبيك باي البحرية شمال مانيلا أمام تحالف لمواجهة الإرهاب تقوده الولايات المتحدة، وكانت هاتان القاعدتان اللتان شكلتا حصناً للقوات الأمريكية في المحيط الهادي أثناء الحرب الباردة قد أغلقتا في مطلع التسعينيات. [صحيفة القدس العربي، العدد: (٣٨٤١) ] إدانة مسيحية أكدت شخصيتان من التيار المسيحي المحافظ في الولايات المتحدة أن الهجمات الإرهابية على التراب الأمريكي «مستحَقة» بسبب «تخلي الرب» عن الأمريكيين، متهمين التيارات النسوية والشواذ جنسياً ومؤيدي الحق في الإجهاض بأنهم مسؤلون عن هذه الهجمات، وأكد القس الإنجيلي جيري فالويل إلى شبكة «برودكاستنغ نتوورك» المسيحية أن هذه الهجمات الدامية يمكن أن تكون مقدمة لأمر أشد جللاً «إذا ما واصل الرب التخلي عنا والسماح لأعداء أمريكا بالتسبب لنا بما نستحق على الأرجح» . وقال بات روبرتسون مرشح جمهوري سابق لرئاسة الجمهورية: «أعتقد أننا لا نزال في بداية الرعب» . وأضاف: «إن هذا يحدث لأن الناس باعوا أنفسهم للشيطان» . [صحيفة القدس العربي، العدد: (٣٨٣٩) ] عداء مستمر منذ عقدين تقريباً استعرت الحرب بين الإرهاب والولايات المتحدة، وطالت مناطق مختلفة في العالم حتى المدن الأمريكية نفسها، المتهمون كثر، أجهزة استخبارات معادية وأخرى من مخلفات الحرب الباردة، منظمات سياسية ودينية متطرفة، حركات تحرر تأخذ على أمريكا وقوفها عثرة في طريق تحقيق أهدافها الوطنية، وأمريكيون ناقمون على نظامهم أو مستاؤون من اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، وباختصار قد يكون لأمريكا أصدقاء كثر في العالم، لكن أعداء سياستها أكثر وهنا الشريط: - ١٨ نيسان (إبريل) ١٩٨٢م سائق انتحاري يفجر السفارة الأمريكية في بيروت فيقتل ١٧ أمريكياً. - ٢٢ تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٨٢م، انتحاريان يفجران شاحنتين بمقر مشاة البحرية الأمريكية، والمقر العسكري الفرنسي في بيروت فيقتل ٢٤١ جندياً أمريكياً و٥٦ جندياً فرنسياً. - ١٢ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٣م، سيارتان ملغومتان أمام السفارتين الأمريكية والفرنسية في الكويت تقتلان خمسة أشخاص. - ٢٠ أيلول (سبتمبر) ١٩٨٤م سيارة ملغومة تنفجر أمام مبنى السفارة الأمريكية في عوكر شرق بيروت فتقتل ١٦ شخصاً وتجرح السفير. - ١٤ حزيران (يونيو) ١٩٨٥م، اختطاف طائرة تابعة لشركة «تي دبليو إي» الأمريكية إلى مطار بيروت وقتل أحد ركابها. - ٥ أيلول (سبتمبر) ١٩٨٦م، اختطاف طائرة أمريكية (بانام) على متنها ٣٥٨ راكباً في مطار كراتشي ومقتل ٢٠ شخصاً على متنها بعد اقتحام قوات الأمن الباكستانية لها. - ٢١ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٨م، طائرة أمريكية تنفجر في الجو فوق لوكربي، باسكتلندا أثناء رحلة بين لندن ونيويورك ويقتل ٢٧٠ شخصاً. - ٢٦ شباط (فبراير) ١٩٩٢م، قنبلة تنفجر في مرأب مركز التجارة العالمي في نيويورك فتقتل ستة أشخاص وتجرح أكثر من ألف. - ١٩ نيسان (أبريل) ١٩٩٢م، قنبلة تدمر مبنى الحكومة الاتحادية في أوكلاهوما سيتي فتقتل ١٦٨ شخصاً وتجرح أكثر من ٥٠٠ آخرين، إدانة (تيموثي ماكفاي) بتنفيذ الاعتداء وإعدامه في بداية العام الحالي. - ١٢ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٩٥م، سيارة ملغومة أمام مقر القيادة العسكرية الأمريكية في الرياض تقتل خمسة أمريكيين. - ٢٥ حزيران (يونيو) ١٩٩٦م، شاحنة ملغومة تنفجر في الخبر بالظهران فتقتل ١٩ عسكرياً أمريكياً وتجرح المئات. - ٧ آب (أغسطس) ١٩٩٨م، سيارتان ملغومتان تفجران السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام فتوقعان ٢٢٤ قتيلاً وآلاف الجرحى، وتوجيه التهمة إلى أسامة بن لادن. - ١٢ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٠م، قارب ملغوم يصدم المدمرة الأمريكية كول في ميناء عدن اليمني فيقتل ١٧ بحاراً، والولايات المتحدة تعتبر بن لادن المتهم الأول. [مجلة الوسط، العدد: (٥٠٣) ] وعقوق سياسي! ! من وراء عمليات الانفجارات الأخيرة التي هزت الولايات المتحدة؟ السؤال ابن شرعي للمشهد غير الشرعي الذي شاهده العالم فوق الأرض الأمريكية، وربما تتجه أصابع الاتهام إلى دول الشرق الأوسط والجماعات الأصولية التي تعمل فوق أراضيها باعتبار أنها مصدرة للإرهاب؛ ولكن ما الذي يمنع أن تتجه أصابع الاتهام إلى داخل الولايات المتحدة نفسها؟ ! فقبل خمس سنوات هز انفجار أوكلاهوما سيتي الذي راح ضحيته ١٦٨ شخصاً، منهم ١٩ طفلاً، وأصيب ٥٠٠ آخرون، وكالعادة اتجهت أصابع الاتهام في البداية نحو دول الشرق الأوسط التي تحمي الإرهاب، على حد قول الأمريكيين، ولكن كانت صدمة الشعب الأمريكي كبيرة عندما تكشفت لديه أبعاد المأساة التي يعيش فيها ولم يدركها قبل يوم التاسع عشر من إبريل ١٩٩٦م، فالمتهم بارتكاب الحادث كان مواطناً أمريكياً هو «تيموثي ماكفاي» ليس من أبناء الشرق الأوسط، كما أنه ليس شخصاً مختلاً عقلياً أو مهزوزاً نفسياً بل هو إنسان في كامل قواه العقلية ويعرف تماماً ما يفعل ومؤمن بأهدافه؛ إذ تلقى أعلى تدريب عسكري من خلال جماعات مدربة ومنظمة تمارس أنشطتها داخل الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، والأهم من هذا وذاك أنه يحمل كراهية علنية مدمرة للحكومة الفيدرالية الأمريكية. فالمتهم ماكفاي أحد ٥ ملايين أمريكي ينتمون إلى جماعات متطرفة تحمل أسماء مثل: «الوطن الآري» و «مالكو السلام في أمريكا» و «الجيش الشعبي» و «كوكلوس كلان» و «الفهود السود» و «الوطنيون المسيحيون» وغيرها. والجدير بالذكر أن هذه الجماعات المتطرفة قد عقدت اجتماعاً عام ١٩٩٢م في ولاية كولورادو لوضع استراتيجية تستهدف محاربة النظام العالمي الجديد وتكوين جمهورية مسيحية أصولية بيضاء في الولايات المتحدة هذا ما كشفته نتائج التحقيقات الأمريكية في انفجار مبنى أوكلاهوما سيتي ومن أجل بلوغ هذه الجماعات لأهدافها قررت تشكيل ميليشيات وطنية، وبدأت تنمو ليصل عدد أعضائها إلى ١٢ ألفاً وانتشرت في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وترمز إلى نفسها باسم «الميليشيات الحرة» ، وأصدرت بياناً في عام ١٩٩٤م، باسم «المبادئ التي تبرر تسليح الميليشيا» تحدد فيها أسس التنظيم الداخلي. وينص دستور الميليشيات الوطنية على عدم تجاوز الفرد لدوره في الجماعة وعليه ألا يتعرف على القائد الأعلى، كما يدين الأعضاء بالولاء الكامل للقيادات التي لا يقابلونها ولا يعلمون عنها شيئاً ولا طبيعة مناصبهم، بحيث إذا وقع عنصر في قبضة السلطات الأمنية لا يؤدي إلى سقوط العناصر الأخرى، كما يترك التدريب والعمليات العسكرية إلى عناصر صغيرة يتم تقسيم كل العناصر داخل الميليشيا الحرة إلى خلايا يمكن تكاثرها إلى خلايا أخرى منفصلة ولا يجوز معرفة أو نشر أسماء أعضاء كل خلية إلا لأعضاء الخلية وزعيمها فقط. [مجلة الأهرام العربي، العدد: (٢٣٤) ] الذراع.. «المقدسة» نحن لدينا اقتصاد عالمي ومصالح سياسية وأمنية تتطلب منا اشتراكاً فاعلاً في الخارج، لقد دفعت أجيال عديدة ثمناً غالياً دفاعاً عن حريتنا هو أعلى من أن ننسحب من العالم أو نتراجع متخلين عن قيمنا، وينبغي بالمعنى الحقيقي أن تبادر أمريكا نفسها لشن حربها المقدسة وهنا لا أعنى الحرب التي يؤججها طابع الكراهية أو تغذيها قطرات الدماء؛ بل هي الحرب التي يشتعل فتيلها كجزء من التزامنا بالحرية والتسامح وحكم القانون، والمدعومة برغبتنا باستخدام كل وسيلة ممكنة ومتاحة للدفاع عن تلك القيم. ولا يجب أن يكل لنا ساعد حتى نبلغ هذه الغاية تماماً، كما لا ينبغي أن يتقاعس من يطاردون الإرهاب حتى يدركوا هدفهم؛ فليس هناك من حد في مسعانا في اقتناص المسؤولين عن أعمال الإرهاب، وجاءت بالكثيرين إلى ساحة العدالة، فالذاكرة الأمريكية طويلة وذراعها أطول من تلك. [وليام كوهين، وزير الدفاع الأمريكي السابق، واشنطن بوست، عن البيان الإماراتية، العدد: (٧٧٦٢) ] كانت ثم بادت مركز التجارة: بلغ ارتفاع كل من البرجين التوأمين في مركز التجارة العالمي اللذين انهارا بعدما اجتاحتهما طائرتان ١٤٠ متراً، وهما من بين أعلى الأبنية في العالم بعد ناطحات السحاب في تورونتو (٥٤٤ متراً) وموسكو (٥٤٠ متراً) وشنغهاي (٤٦٨متراً) . وكان البرج رقم ١ تعرض في السادس عشر من شباط فبراير ١٩٩٣م لاعتداء في الطوابق السفلية. وبني البرجان في ١٩٧٢م بكلفة ٣٧ مليون دولار في أقصى شبه جزيرة مانهاتن في وسط حي الأعمال في نيويورك، ويتألف كل من البرجين اللذين صممهما المهندس المعماري مينورو ياماساكي وأطلق عليهما النيويوركيون تحبباً اسم: «التوأمان» من ١١٠ طوابق تشغل مساحة إجمالية تبلغ ٤٠٦ آلاف متر مربع. ويزن كل من البرجين اللذين بنيا بالحديد المثقل بالإسمنت ٢٩٠ ألف طن من بينها ١٢١٠٠ طن من الإسمنت، ويبلغ عمق أساساتهما أكثر من عشرين متراً في أرض ردمت في نهر هدسن، ويملك كل برج قواعد على الأرض طولها ١٩٢ متراً بجدران مزدوجة تتراوح سماكتها بين عشرين وتسعين سنتيمتراً. ولكل من البرجين ٢١٨٠٠ نافذة ونظام للصعود إلى قمته فريد من نوعه في العالم، يضم ثماني عربات تتسع كل منها لخمسة أشخاص، بينما يستخدم حوالي ١٥٠٠٠٠ يترددون على المبنى أو يعملون به حوالي ١٠٤ مصاعد. ويضم البرجان أكثر من ٥٠٠ شركة وهيئة حكومية فضلاً عن مكاتب هيئة الجمارك لولايتي نيويورك ونيوجيرزي، ولأسباب أمنية فإن النوافذ غير قابلة للفتح، ويمكن للبرجين أن يميلا ٢٨ سنتيمتراً على قاعدتيهما. وتضم الطبقات الواقعة تحت الأرض خصوصاً مركزاً تجارياً ومحطات للمترو ومحطة للقطارات وموقفاً للسيارات. موقع الشبكة الإسلامية www.islamweb.net مبنى البنتاجون البنتاجون اسم يطلق على سكرتارية الدفاع وقيادة الأركان العامة للقوات المسلحة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ وذلك بسبب شكل البناء الذي تعمل فيه هذه الأجهزة، وهو الشكل الهندسي الخماسي الأضلاع، والبنتاجون مقر وزارة الدفاع الأمريكية، واحد من أكبر مباني المكاتب في العالم، ومبنى البنتاجون عبارة عن مدينة قائمة بذاتها، إذ يعمل فيه ٢٣ ألف شخص تقريباً من المدنيين والعسكريين، يساهمون في وضع وتنفيذ خطط الدفاع عن الولايات المتحدة، ويحيط بالمبنى أكثر من ٢٠٠ فدان مخصصة لانتظار ٨٧٧٠ سيارة في ١٦ موقف سيارات، ويوجد بالمبنى ١٣١ سلماً و ١٩ مصعداً للوصول إلى المكاتب التي تصل مساحتها إلى أكثر من ٣. ٧ ملايين قدم مربع، ويوجد بداخل المبنى ٤٢٠٠ ساعة حائط و ٦٩١ نقطة لمياه الشرب و ٢٨٤ دورة مياه، ويستهلك العاملون في المبنى ٤٥٠٠ قدح من القهوة، و ٨٥٠ لتراً من الحليب ٤٥٠٠ قدح من القهوة، و٨٥٠ لتراً من الحليب المشروبات الخفيفة، ويعمل في المطعم ٢٣٠ من الطهاة ويجري العاملون في المبنى ٢٠٠ ألف مكالمة هاتفية يومياً عن طريق شبكة هواتف يصل طول توصيلاتها إلى ١٠٠ ألف ميل، ويتعامل مكتب البريد في البنتاجون مع ١. ٢ مليون رسالة بريدية شهرياً، المبنى غير عادي في تصميمه، وقد تم تشييده خلال السنوات المبكرة من الحرب العالمية الثانية، ويعتقد أنه واحد من أكثر المكاتب كفاءة في العالم؛ وعلى الرغم من أن الطول الإجمالي للممرات داخل المبنى يصل إلى ١٧. ٥ ميلاً؛ فإن الانتقال بين أي نقطتين في المبنى لا يستغرق أكثر من سبع دقائق، وحل البنتاجون محل أكثر من ١٧ من المباني التي كانت تستخدمها وزارة الحرب آنذاك، وقد استعاد المبنى تكلفته خلال ٧ سنوات فقط بعد توفير نفقات الإيجار والانتقال بين المباني المختلفة. [الملف السياسي، الإمارات، العدد: (٥٣٩) ] من الخسائر ١ - * ١. ١ بليون دولار تكلفة بناء مركز التجارة العالمي. * ٤٠ بليون دولار الميزانية التي اعتمدها الكونجرس في ١٤/٩/٢٠٠١م لمحاربة الإرهاب. * ٣٠ ألفاً عدد الأكفان التي جلبت إلى نيويورك بعد الحادث. [مجلة تايم الأمريكية، عن الشرق الأوسط، العدد: (٨٣٣٢) ] ٢ - قالت وزارة الدفاع الأمريكية إن نفقات إصلاح الدمار الذي لحق بمقرها «البنتاجون» ستصل إلى ٥٢٠ مليون دولار. [صحيفة الحياة، العدد: (١٤٠٦٧) ] ٣ - قدر حجم الخسائر التي تكبدتها بورصة نيويورك من جراء التوقف عن العمل ووقف التداول ٤ أيام بنحو ٤ بلايين دولار، تحقق من حجم أعمال يصل إلى نحو ١٠٠ بليون دولار يومياً. [صحيفة الحياة، العدد: (١٤٠٦٢) ] ٤ - وافتتحت بورصة نيويورك جلسة التداول في جو حماسي، حشدت له لفيفاً من الشخصيات الرسمية ذات الثقل مثل وزير الخزانة بول أونيل، وممثلين عن جهود الإنقاذ المستمرة على مسافة قريبة من وول ستريت لحض الوسط الاستثماري على تحدي الأحداث؛ لكن الجلسة انتهت بعدما سجل مؤشر «داوجونز الصناعي» الذي يمثل عمالقة الصناعة الأمريكية أكبر انخفاض في تاريخه مساهماً بذلك في رفع خسائر أسواق المال الأمريكية إلى زهاء ٥٠٠ بليون دولار في يوم واحد. [صحيفة الحياة، العدد: (١٤٠٦٦) ] ٥ - ازدادت الهوة التي تردت فيها صناعة الطيران الدولية عمقاً بعدما هوت أسهم شركات الطيران الأمريكية الإثنين في أول أيام التداول منذ الهجمات المدمرة على نيويورك وواشنطن. وبينما تتابعت بيانات الشركات عن الاستغناء عن آلاف الموظفين والعمال في الولايات المتحدة وأوروبا، طلبت شركات الطيران الأمريكية مساعدات حكومية قدرها ٢٤ بليون دولار لتصحيح أوضاعها المالية في أعقاب الهجمات التي تمت بطائرات ركاب مخطوفة. وذكرت رابطة النقل الجوي التي تمثل شركات الطيران الرئيسية أن الطلب الذي قدمته الشركات يمثل ضمانات قروض بقيمة ١١. ٢ بليون دولار، وإعفاءات ضريبية حجمها ٧. ٨ بليون دولار، ومساعدات مباشرة بحجم خمسة بلايين دولار، وأشارت الرابطة أيضاً إلى أن إجمالي عدد الموظفين الذين قد تستغني عنهم الشركات في الشهور القليلة المقبلة قد يتجاوز ١٠٠ ألف شخص. [صحيفة الحياة، العدد: (١٤٠٦٦) ] الرد الصليبي.. «المقدس» ! ! كشف الرئيس الأمريكي جورج بوش في تصريحات صريحة ومستهجنة، نقلتها إذاعة الـ «بي بي سي» البريطانية على شبكة الإنترنت، وأكدها مراسل لقناة الجزيرة الفضائية في الولايات المتحدة، كشف النقاب عن أن حرب الولايات المتحدة الأمريكية القادمة ستكون «صليبية» . وقال بوش في تصريحه حسب الـ «بي بي سي» : «تلك الحملة الصليبية، تلك الحرب على الإرهاب سوف تكون طويلة الأمد» ، وتوعد بوش في خطاب موجه للأمريكيين بشن ما أسماه: «حملة صليبية طويلة الأمد لتخليص العالم من فاعلي الشر» ، وهي حملة يقول مسؤولون إنها قد تشمل ستين دولة. [صحيفة السبيل، العدد: (٤٠٢) ] على أي شيء نعتذر؟ ! رغم أن جهود المنظمات الإسلامية في الولايات المتحدة نجحت بصورة نسبية في دفع الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ موقف متوازن، والدعوة إلى منع المساس بالمسلمين أو مساجدهم، فضلاً عن أن عمدة نيويورك وفر لهم حماية أمنهم، إلا أن ذلك لم يكن كافياً في وقف العدوان على المسلمين الأمريكيين وعلى العرب بعامة. المفارقة التي حدثت تتمثل في العرب والمسلمين، وهم يدينون ويستنكرون تعميم الاتهام عليهم، فإنهم تصرفوا في الواقع كما لو كانوا جميعاً متهمين، ويتعين عليهم أن يغسلوا أيديهم ويعلنوا براءتهم من التهمة، وهو ما تبدى في التسابق الذي حدث على استنكار ما جرى من جانب كل ذي شأن، وفي الإلحاح عبر وسائل الأعلام المختلفة على أن الإسلام دين السلام، وأنه يرفض العنف، وينهى حتى في الحرب عن المساس بالمدنيين الأبرياء ... إلخ. تنافس الجميع في الاعتذار عن شيء لم يفعلوه ولم يكونوا طرفاً فيه، بل لم يثبت بشكل قاطع من الذي فعله، وحتى إذا ثبت مسؤولية بعض المسلمين عما جرى، فليس مفهوماً لماذا لا يحاسب كل بجرمه، ولماذا تطالب كل فئة مسلمة بإعلان البراءة والتنصل من الفعل؟ ! ليس ذلك فحسب وإنما تصرف بعضنا كما لو أنه تعين علينا أن نحبس أنفاسنا، وننفض أيدينا من كل شيء انتظاراً لرد الفعل الأمريكي الذي لا نعرف مداه، ولسنا متأكدين من كل أهدافهم. والأمر كذلك؛ فهل لنا أن نقول إننا بصدد طور جديد في العلاقات الدولية تفرض فيه الولايات المتحدة أجنحتها على الجميع بحيث لا ننشغل إلا بهمومها ولا نفرح ولا نحزن إلا لأفراحها وأحزانها؟ ! [الكاتب: فهمي هويدي، صحيفة الأهرام، العدد: (٤١٩٢٤) ] الرئيس الفاشل تلعثم الرئيس الأمريكي جورج بوش، وهو يلقي كلمة أمام جمع من الموظفين في المقر الرئيسي لإدارة شؤون العمل بواشنطن، حين ذكر أن الولايات المتحدة «ستفشل» بمهمتها في محاربة الإرهاب، مفاجئاً جميع من استمعوا إليه، قبل أن يعود إلى تصحيح ما قال ويتابع كلمته. وكان بوش يتحدث عن الحرب ضد من سمّاهم: «الإرهابيين ومن يؤونهم» حين قال: «لا شك عندي أبداً ولا للحظة واحدة، بأننا سنفشل في مهمتنا» ثم صمت قليلاً وقال بعد أن اكتشف الهفوة: «طبعاً الفشل.. الفشل كلمة لا توجد في قاموسنا» . ومن أشهر تلعثمات الرئيس الأمريكي الجديد، ما حدث عندما كان لا يزال مرشحاً للانتخابات الرئاسية، خلال مقابلة تلفزيونية أعدتها معه إحدى المحطات التلفزيونية في أكتوبر العام الماضي، عندما سأله عن رأيه في «مجموعة طالبان» فتاهت المعلومات من ذهن بوش تلك اللحظة، وصمت لثوان ثم قال: «الحقيقة أنني لم أسمع إلا القليل من موسيقى هذه الفرقة قبل الآن، ولكني أعتقد بأنهم من بين أفضل الفرق في الروك أند رول الشعبي، نظراً لشهرتهم الكبيرة» ، إلا أن معد اللقاء كرر السؤال ثانية، مرفقاً ببعض المساعدة، فقال: «طالبان.. أقصد طالبان في أفغا.. إرها ... إرهاب» ، عندها استدرك بوش هفوته، وقال بعد أن استرجع الذاكرة: «نعم. طبعاً، طبعاً، إنهم إرهابيون» . [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٣٤٨)) ] التعاون على.. القتل والعدوان بأمر مني، بدأت القوات العسكرية الأمريكية توجيه ضربات عسكرية ضد معسكرات التدريب الإرهابية التابعة لمنظمة القاعدة والمنشآت العسكرية لنظام طالبان في أفغانستان. إن هذه العمليات المهدَّفة بحذر وعناية مصممة لتعطيل استخدام أفغانستان كقاعدة إرهابية للعمليات، ولمهاجمة القدرات العسكرية لنظام طالبان. وتنضم إلينا في هذه العملية صديقتنا الراسخة بريطانيا العظمى. وقد تعهد أصدقاء عظام آخرون لنا بما فيهم كندا وأستراليا وألمانيا وفرنسا، بمشاركة قواتها في هذه المعركة فيما تسير هذه العملية قدماً. وكذلك، فإن أكثر من ٤٠ دولة في الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا وآسيا منحت حرية استخدام مجالاتها الجوية أو حقوق الهبوط لطائراتنا. كما أن العديد من الدول وفرت لنا معلومات استخباراتية، وفضلاً عن ذلك، فإننا نحظى بتأييد الإرادة الجماعية للعالم. وفي الوقت ذاته فإن المضطهدين من أبناء أفغانستان سيعرفون كرم أمريكا وكرم حلفائنا؛ ففيما نقوم بتوجيه الضربات للأهداف العسكرية، سنقوم كذلك بإلقاء شحنات الغذاء والدواء والإمدادات من الجو للجياع والذين يعانون من الرجال والنساء والأطفال في أفغانستان. الرئيس الأمريكي: جورج دبليو بوش، موقع وزارة الخارجية الأمريكية http://usinfo.state.gov/arabic الدولة الثانية من.. الستين! ! يتوقع بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي أن يكون ضرب العراق الهدف الثاني للحرب الأمريكية المناهضة للإرهاب. وأوضح (ترنت لوت) زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ الأمريكي أنه يتوقع أن تبادر الولايات المتحدة إلى شن هجوم على العراق في وقت لاحق. وأكد السيناتور لوت الذي يمثل ولاية ميزوري دقة التصريحات الأخيرة التي أدلى بها (بول وولفويتر) مساعد وزير الدفاع الأمريكي التي أعرب فيها عن اعتقاده بأن الولايات المتحدة ستلجأ إلى ضرب العراق في وقت لاحق. وأعرب السيناتور لوت في حديث لشبكة التلفزيون الأمريكية (فوكس نيوز) عن خيبة أمله لرفض بعض الدول دعم المساعي الأمريكية المناهضة للإرهاب. وانتقد لوت فرنسا بشكل خاص لتراجعها عن دعم بلاده قائلاً: لقد عملت الولايات المتحدة الكثير خلال القرن الماضي لمساعدة فرنسا، وقد حان الوقت لكي ترد فرنسا هذا الجميل عن طريق دعم الحرب التي تشنها واشنطن ضد عدو مشترك. ومن جهة أخرى أوضح السيناتور الديمقراطي (جوزيف ليبرمان) ممثل ولاية كونكتيكيت والمرشح الديمقراطي السابق لمنصب نائب رئيس الجمهورية أن الارتباطات والاتصالات التي قيل إنها حصلت بين محتجزي الطائرات والمخابرات العراقية قد تسوِّغ استخدام القوة العسكرية ضد العراق. [جريدة الرياض، العدد: (١٢١٥٩) ] بلا أخلاق انتقد الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (الأب) العمليات الاستخباراتية الحالية في بلاده معتبراً أن أجهزة الاستخبارات الرئيسية ركزت أكثر من اللازم على التكنولوجيا المتقدمة في السنوات الأخيرة، وأقل من اللازم على تجنيد المخبرين «المرفوضين أخلاقياً» داخل المنظمات الإرهابية الأجنبية، وأعطت تصريحات جورج بوش (الأب) الذي كان نفسه رئيساً سابقاً لوكالة الاستخبارات المركزية «سي. آي. إيه» دفعاً قوياً لموجة التساؤلات المتزايدة عن سبب إخفاق أجهزة الاستخبارات التي يصل عددها إلى ١٣ جهازاً، وتحت تصرفها ميزانية مكافحة الإرهاب تبلغ ١٠ مليارات دولار في اكتشاف المؤامرة المعقدة التي أدت إلى الهجمات الانتحارية المنسقة في نيويورك وواشنطن. وركز بوش الذي كان يتحدث في لقاء عام في بوسطن على قوانين ولوائح «سي. آي. إيه» التي تتطلب حصول رجال المكتب الذين يعملون في الخارج على موافقة مقر الوكالة إذا استخدموا مخبرين يشتبه في ارتكابهم انتهاكات لحقوق الإنسان، وقد تم إقرار هذه الإجراءات عام ١٩٩٥م وسط فضائح حول انتهاكات ارتكبها جواسيس تابعون للوكالة في غواتيمالا، وأضاف بوش: «يجب أن نحرر شبكة الاستخبارات من بعض قيودها، إن الاستخبارات البشرية هي نوع من العمل القذر، وعليك التعامل مع العديد من الأشخاص المرفوضين أخلاقياً» . [صحيفة الشرق الأوسط، العدد: (٨٣٢٧) ]

стр. 4101

المنتدى الإسلامي التقرير السنوي لعام ١٤٢٢ ه ـ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد، ها نحن نجدد اللقاء معكم من خلال تقريرنا السنوي لعام ١٤٢٢هـ لأنشطة المنتدى الإسلامي الذي يمتد عمره بفضل الله تعالى إلى سبعة عشر عاماً، بادئاً من عام ١٤٠٦هـ حتى الآن. نسأل الله تعالى أن يستمر في عطائه. أخي الحبيب: لقد خطا المنتدى في مسيرته السابقة خطوات واسعة وثابتة كمّاً وكيفاً. كمّاً: من حيث تعدد الأنشطة وتنوعها من مشروعات إنشائية، تعليمية، دعوية، تربوية، إعلامية، وإغاثية، وكلها تصب في هدف واحد هو خدمة هذا الدين وتبليغ دعوة الله . كيفاً: وذلك بتطور الأداء وتحسينه والتوجه نحو العمل المؤسسي القائم على التخطيط المبرمج زمنياً حيث حاجة الواقع والإمكانات المتاحة. تم ذلك بفضل الله تعالى ثم بجهود أهل العلم من العلماء والدعاة وطلبة العلم، وبدعم أهل الخير الذين يبذلون من أموالهم ويقدمون من جهودهم وأوقاتهم في سبيل الله تعالى. إن المنتدى الإسلامي إذ يضع بين يديك هذا التقرير ليحمد الله تعالى على فضله ومنِّه، وندعوه سبحانه أن يتقبل منا ومنكم صالح العمل، وأن يوفق الجميع لما يحب ويرضى. المنتدى الإسلامي * المنتدى والعمل المؤسسي بداية نود أن نضع بين أيديكم صورة واضحة للأسلوب الذي يتبعه المنتدى في العمل: أولاً: العمل المؤسسي: حيث يقوم العمل في المنتدى على أساس من هيكل تنظيمي يقوم على فكرة المجالس التي تشكل الأمانة العامة: ويتكون كل مجلس من المجالس الخمسة من عدد من الأعضاء، يختارون من بينهم أميناً للمجلس، معتمدين مبدأ الشورى، وقراراته ملزمة بالتصويت. ثانياً: التخطيط: وكل مجلس من هذه المجالس يعمل وفق خطة معدة بناءً على دراسة واقع العمل واحتياجاته، ومراعاة الإمكانات والقدرات المتاحة لنا، ثم توزيع هذه الخطة على جدول زمني لمدة خمس سنوات. كذلك لكل مكتب من مكاتب المنتدى خطة سنوية يعمل على أساسها؛ حتى يكون العمل منظماً مثمراً بعيداً عن الارتجال والفردية التي من أخطر سلبياتها توقف العمل إذا تغيب القائم عليه. * النشاط التعليمي لحكمة عظيمة كان أول ما نزل من القرآن الكريم قول الله تعالى: (اقرأ) وكان قسمه سبحانه بالقلم في قوله: [ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ] (القلم: ١) . ومن حرصه ﷺ على تعليم الصحابة جعل فداء الأسير من المشركين في بدر أن يعلِّم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة. من هنا كان اهتمام المنتدى الإسلامي بالتعليم من حيث إنشاء المدارس والمعاهد، وتشغيلها، وتوزيع المناهج الدراسية على الطلاب، وإعداد المعلمين وغير ذلك. وقد كان للمنتدى في ذلك أنشطة متعددة منها: إنشاء المدارس: وهي تنقسم إلى قسمين: ١ - المدارس الشرعية: العلم الشرعي هو سبيل المسلم لعبادة ربه عبادة صحيحة، وهو حصن المسلم وسلاحه في مواجهة الشيطان ووساوسه، من هنا كان اهتمام المنتدى الإسلامي بإنشاء المدارس الشرعية والإشراف عليها لإعداد وتخريج مجموعات من الطلاب لهم علم بأحكام الدين ليقوموا بدورهم بتعليم غيرهم، قال تعالى: [وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ] (التوبة: ١٢٢) وقد أنشأ المنتدى حتى الآن بحمد الله (٤) مدارس شرعية في مراحل التعليم المختلفة، يدرس فيها (٥٩٢) طالباً، هي: م ... اسم المدرسة ... ... موقعها ... ... مرحلتها ... عدد طلابها ١ ... ثانوية البيان ... ... نيجيريا ... ... ثانوي ... ... ١٠٤ ٢ ... متوسط البيان ... ... نيجيريا ... ... متوسط ... ... ٣٥ ٣ ... دار الحديث ... ... مالي ... ... ... ابتدائي ... ... ٤٠٠ ٤ ... الإمام مالك ... ... ... مالي ... ... ... ثانوي ... ... ٥٣ ٢ - المدارس النظامية: ويدرس فيها الطالب العلوم المقررة في بلده إضافة إلى العلوم الشرعية المعدة من قِبَل المنتدى. ويهدف المنتدى بهذا النوع من المدارس إلى تأهيل أبناء المسلمين بالعلوم الشرعية والطبيعية ليتمكنوا من مواصلة الدراسة في الجامعات الحكومية في مختلف التخصصات. وقد بلغ عدد المدارس النظامية التابعة للمنتدى (٢٦) مدرسة منها: م ... اسم المدرسة ... ... الموقع ... ... ... المرحلة ... عدد الطلاب ١ ... مدرسة كينيا الابتدائية ... كينيا ... ... ... ابتدائي ... ... ١٢٠٠ ٢ ... مجمع الصديق التعليمي ... غانا ... ... ... ابتدائي ... ... ... ... ... ... ... ... ... متوسط ... ... ٧٥٠ ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ثانوي ٣ ... ابتدائية تنزانيا ... ... تنزانيا ... ... ... ابتدائي ... ... ٢٠٠ ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... متوسط ٤ ... مدرسة عمر بن الخطاب ... مالي ... ... ابتدائي ... ... ١٥٠ ٥ ... مدرسة أبخ الإسلامية ... جيبوتي ... ... ... ابتدائي ... ... ٦ ... مدرسة دار الحنان ... ... الصومال ... ... ابتدائي ... ... ٢٣٢ ٧ ... مدرسة الطيبة ... ... ... بنجلاديش ... ... ابتدائي ... ... ١٥٠ المعاهد الشرعية: وهي معاهد تهتم بتعليم العلم الشرعي القائم على الكتاب والسنة لتخريج دعاة مؤهلين بالعلم النافع لهذه الأمة، وقد حرص المنتدى على تشغيل معهدين شرعيين أنشأهما البنك الإسلامي للتنمية في الصومال وهما: - معهد للمرحلتين المتوسطة والثانوية، يبلغ عدد طلابه (١٧٥) طالباً. - معهد لإعداد المعلمين ويبلغ عدد طلابه (١٢٠) طالباً. ولم يكن المنتدى بعيداً عن مستحدثات العصر وتقنياته، بل كان متفاعلاً معها ومتواكباً مع كل جديد؛ ومن هنا كان التفكير في إنشاء كلية لندن المفتوحة سنة ١٤٢٠هـ لتدريس العلوم الشرعية باستخدام وسائل الاتصال والتقنية الحديثة، كالإنترنت والفاكس تيسيراً على الدارسين أينما كانوا. وتمنح الكلية درجتي الدبلوم والبكالوريس باللغتين العربية والإنجليزية، وقد بلغ عدد الطلاب المسجلين فيها هذا العام (١٣٣) طالباً من (٢٦) دولة. توزيع المناهج الدراسية: تفتقر كثير من المدارس الإسلامية في كثير من الدول إلى المناهج الدراسية؛ مما قد يؤدي لضعف المستوى العلمي للطلاب؛ لذا سعى المنتدى إلى توفير الكتب الدراسية وإرسالها إلى المدارس المحتاجة إليها. وقد تم هذا العام بحمد الله توزيع (١٧٧٤٨) كتابًا، في (٧) دول يوضحها الرسم البياني الآتي: رفع كفاءة المعلمين: ولأن المعلم هو الأساس في العملية التعليمية كان لا بد من الاهتمام به اهتماماً خاصاً من حيث الاختيار أولاً ثم التدريب والتأهيل من خلال الدورات التربوية والشرعية والإدارية لرفع كفاءتهم وتحسين أدائهم ليحققوا الأهداف المرجوة من العمل، وقد تم هذا العام عقد (٨) دورات في (٤) دول استفاد منها أعداد كبيرة من المعلمين. * النشاط الدعوي [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] (فصلت: ٣٣) . يحرص المنتدى الإسلامي على تبليغ دعوة الله تعالى إلى القاصي والداني بالوسائل المنوعة، ومهما تنوعت الوسائل إلا أنها لا تغني أبداً عن الدعاة المؤهلين. من هنا حرص المنتدى على بث دعاته في كثير من دول العالم. وبالتجربة كان الدعاة المحليون هم الأجدى والأكثر أثراً في دعوة بني جلدتهم؛ ولذلك يحرص المنتدى على حسن اختيار دعاته من المؤهلين علمياً، وإعدادهم إعداداً جيداً من خلال دورات متخصصة وملتقيات شهرية وأبحاث شرعية متنوعة خلال العام، ثم متابعتهم متابعة دقيقة بشكل دائم، ويقوم هؤلاء الدعاة بأعمال وأنشطة دعوية متعددة، من أهمها: التدريس في المدارس الإسلامية، وإمامة المصلين في المساجد، وإلقاء خطب الجمعة، وإلقاء الدروس العلمية والمحاضرات العامة، ومن أنشطتهم البارزة أيضاً القوافل الدعوية التي أثمرت بفضل الله خلال العام الماضي إسلام (٨٩٢) شخصاً. وتبين الأشكال البيانية المرفقة تطور أعداد الدعاة خلال الفترة من (١٤١٢ - ١٤٢٢هـ) . وكذلك تصنيف الدعاة من حيث مؤهلاتهم العلمية. * الاهتمام بالقرآن [الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ] (إبراهيم: ١) . يهتم المنتدى الإسلامي بالقرآن الكريم اهتماماً خاصاً، ويسعى لتربية النشء المسلم على آدابه وتوجيهاته؛ ليكونوا صالحين مصلحين بوسائل متعددة منها: حلقات التحفيظ: حيث يتبنى المنتدى (٣١١) حلقة لتحفيظ القرآن الكريم، موزعة في (٩) دول. ينتظم فيها (٨٩١٦) طالباً وطالبة، وكان من بعض نتائج هذا العام: إتمام (٣١٢) طالباً حفظ القرآن الكريم، نسأل الله تعالى أن يكونوا من العاملين به. والرسم البياني المرفق يوضح عدد الحلقات خلال السنوات الماضية: تأهيل معلمي الحلقات: * ويقوم على حلقات التحفيظ هذه مجموعة من المحفظين المؤهلين حيث يتم اختيارهم وتأهيلهم من خلال دورات علمية وتربوية، وقد أقام المنتدى (٨) دورات في عدة دول خلال العام الماضي. هذا فضلاً عن توزيع كتاب (نحو أداء متميز لحلقات تحفيظ القرآن الكريم) . * ولا يقتصر الاهتمام بالقرآن الكريم مع الصغار فقط بل يشمل جميع الفئات؛ حيث تقام المسابقات التي يشارك فيها جميع فئات المجتمع تشجيعاً للمسلمين على حفظ القرآن الكريم. * وكذلك من صور الاهتمام بالقرآن الكريم توزيع المصاحف، وقد تم بحمد الله هذا العام توزيع (٩٤٥٩) مصحفاً في (١٠) دول منها (٣٥٠٠) نسخة من العشر الأخير من رمضان. * المشروعات الإنشائية بناء المساجد: للمسجد دوره المهم في المجتمع المسلم، ومن أجل تحقيق هذا الدور يحرص المنتدى على بناء المساجد ورعايتها مع الحرص على حسن اختيار الموقع المناسب له من حيث الكثافة السكانية ونسبة المسلمين، والبعد عن المشكلات الإدارية والأهلية، ولا يكتفي المنتدى بمجرد إنشاء المسجد فقط؛ بل يحرص على الإشراف عليه ومتابعة الأنشطة الدعوية التي تقام فيه؛ وذلك بتعيين إمام مؤهل والإشراف عليه، والتواصل معه من خلال الدورات الشرعية والتربوية التي يعقدها المنتدى.. وقد أنشأ المنتدى بحمد الله هذا العام (٢٤) مسجداً في (١١) دولة ليصبح عدد المساجد التي بناها المنتدى بشكل عام (٤٤١) مسجداً، ويبين الرسم البياني الآتي تطور بناء المساجد خلال السنوات العشر السابقة: * المراكز الإسلامية كذلك يهدف المنتدى إلى إنشاء المراكز الإسلامية لما توفره من مرافق متعددة؛ حيث تشتمل على مسجد جامع، فصول دراسية، مكتبة عامة، قاعة محاضرات، مكاتب إدارية، دار للضيافة وغيرها تسهيلاً في تنفيذ البرامج الدعوية والتعليمية. وقد بلغ بحمد الله عدد المراكز التي بناها المنتدى حتى الآن (٢٤) مركزاً. * الأنشطة التربوية حرصاً من المنتدى على توفير المناخ التربوي المناسب للشباب المسلم ليتحول العلم إلى عمل وممارسة عملية يقوم المنتدى بعقد برامج تربوية مختلفة منها: ١ - المخيمات الطلابية: وهي تهتم بشريحة الشباب والطلاب بهدف تربيتهم على مبادئ الإسلام وآدابه. وقد تم بفضل الله في العام الماضي إقامة (١٣) مخيماً ومركزاً، استفاد منها (١١٦٠) طالباً في (٦) دول. ٢ - المحاضن التربوية: عبارة عن مجموعة طلاب يجمعهم سكن واحد، وتقام فيه برامج علمية وتربوية ودعوية؛ وذلك لإعدادهم لتحمل مسؤولية العمل الدعوي بعد ذلك في بلادهم وبين ذويهم. ٣ - برامج الاعتكاف: لما للعشر الأواخر من رمضان من ثواب وروحانية عالية تسمو بالنفوس إلى الخير والصلاح. فإن المنتدى يقوم خلال شهر رمضان من كل عام بالإشراف على برامج الاعتكاف في عدة تجمعات في دول مختلفة حرصاً منه على تحقيق المردود النفسي والتربوي للاعتكاف. * البرامج الإغاثية لم يكن المنتدى غائباً عن مجريات الأحداث التي تمس المسلمين في أنحاء العالم؛ بل كان مبادراً لمد يد العون والإغاثة لهم في كل مكان؛ ومن ذلك إقامة (١٠) برامج إغاثية في كل من بنين وتشاد، استفاد منها ما يقارب (١١٦٠٠٠) متضرر. قال ﷺ : «من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» رواه البخاري ومسلم. مخيمات مكافحة العمى: نظراً لقلة ذات اليد يعجز كثير من المسلمين عن طلب العلاج لأمراضهم، ومن الأمراض المنتشرة في العالم (أمراض العيون) التي يعاني من ابتُلى بها معاناة كبيرة قد تؤدي به إلى الحرمان من نعمة البصر؛ ولذا يحرص المنتدى على نفع المسلمين بإقامة مخيمات مكافحة العمى بالتعاون مع مؤسسة البصر الخيرية العالمية، وقد أقيم بفضل الله هذا العام (٥) مخيمات لمكافحة العمى في (٤) دول استفاد منها (٢٤٦٥٤) شخصاً ما بين كشف وجراحة وعلاج، نسأل الله أن يشفي مرضى المسلمين. إفطار الصائمين: كذلك كان المنتدى قريباً من الفقراء والمحتاجين خاصة في مواسم الخير والعطاء في شهر رمضان؛ حيث قدم المنتدى بحمد الله (١. ١٤٢. ٨٥٠) وجبة إفطار للصائمين المحتاجين في (٥٦) دولة، وكان من أثرها على غير المسلمين أن أسلم (٣٤٠) شخصاً نتيجة ما رأوا من ترابط المسلمين وتعاطفهم. توزيع الأضاحي: كذلك قام المنتدى بتوزيع (٣٩٩٩) أضحية استفاد منها (٤٢. ٧٠٠) مسلم في (١٧) دولة. * المحطات والآبار عيون الحياة: يهدد الجفاف كثيراً من الدول الإسلامية وخاصة في إفريقيا، ولأن الماء هو أصل الحياة لكل كائن حي؛ فإن المنتدى يحرص على المساهمة في تخفيف معاناة المسلمين من خلال إنشاء محطات المياه وحفر الآبار: محطات المياه: وهي تتكون من بئر إرتوازية، ومضخة رفع المياه، ومولد كهرباء، غرفة لحفظ المضخة والمولد، خزان كبير، تمديدات توصيل المياه إلى عدة نقاط في القرى المستهدفة وقد تم إنشاء (٦) محطات في شرق السودان. مشروع سلسبيل: وهو عبارة عن خزانات كبيرة تنشأ في الأحياء الفقيرة التي تعاني من قلة الماء، ويتم تغذيتها يومياً بواسطة صهريج كبير، وقد أنشأ المنتدى (٦) خزانات في منطقة (كسلا) بالسودان. حفر الآبار: وقد تم حفر (٩٥) بئراً إرتوازية في (٨) دول خلال هذا العام بحمد الله ليصبح مجموع الآبار التي تم حفرها (٦٦٩) بئراً. والرسم البياني الآتي يوضح تطور حفر الآبار في السنوات العشر الأخيرة. * المنابر الإعلامية مجلة البيان: مجلة تصدر باللغة العربية تهتم بالدراسات والأبحاث الشرعية وهموم المسلمين في العالم، وهي تخاطب شريحة الدعاة وطلبة العلم، وقد صدر العدد الأول منها في ذي الحجة ١٤٠٦هـ. يوزع منها ما يزيد على أربعين ألف نسخة شهرياً منها (٥٠٠٠) نسخة مجاناً للدعاة وطلبة العلم، والمراكز الإسلامية في عدة دول، وأخيراً صدرت موسوعة البيان الإلكترونية على قرص كمبيوتر يحتوي على (١٥٠) عدداً من مجلة البيان. كتاب المنتدى: وهي سلسلة كتب تعالج قضايا الأمة المسلمة على تنوعها: دينية واقتصادية واجتماعية وسياسية من وجهة النظر الإسلامية. وقد بلغ المطبوع منه حتى الآن (٣٤) عنواناً طبع بعضها (عشر طبعات) ويوزع كثير منها مجاناً في الدول الإسلامية، وفي هذا العام تم بحمد الله طباعة ثمانية كتب جديدة يوضحها البيان الآتي: مجلة الجمعة: ناطقة باللغة الإنجليزية، وتوزع ما يقارب (١٥) ألف نسخة شهرياً، وتهتم بقضايا المسلمين ومشاكلهم وتخاطب عامة المسلمين. كتاب الجمعة: لأن الإسلام دين عالمي وليس للعرب فقط كان لا بد من الاهتمام بغير العرب، ومن ذلك إصدار سلسلة كتب مترجمة إلى لغات مختلفة منها: سلسلة كتاب الجمعة وهي تصدر باللغة الإنجليزية. وقد تم طباعة وتوزيع سبعة كتب، وتوجد مجموعة أخرى تحت الطبع، ويبين الرسم الآتي كمية توزيع الكتب المترجمة. المطويات: وتصدر باللغات المحلية من مكاتب المنتدى في الدول المختلفة. الطاولات الدعوية: وتوضع هذه الطاولات في أماكن تجمع الناس أيام العطلات خاصة في مدينة لندن، وقد آتت هذه الطاولات ثماراً جيدة في الأعوام السابقة. الصحافة والإذاعة والتلفاز: ويحرص دعاة المنتدى على الاستفادة من وسائل الإعلام المختلفة كلما أمكن ذلك؛ لما لها من أثر كبير على قطاعات كبيرة ومتنوعة من المجتمع.

стр. 4102

الورقة الأخيرة حول صراع الحضارات أ. د. محمد يحيى [*] منذ فترة قريبة خرج أحد أساتذة السياسة الأمريكيين بمقالة تحدَّث فيها عن وقوع ما أسماه بـ (صراع الحضارات) كشكل حديث للصراع يحل محل الصراع العسكري أو السياسي أو الدعائي الذي ساد حتى وقت قريب بين الكتلة الشرقية السابقة والمعسكر الغربي، وتحدث هذا الباحث وهو «صمويل هنتنجتون» عن صراع بين الغرب والحضارة الإسلامية الناهضة وبين الغرب وكتلة آسيوية كبرى ناشئة. وعلى الرغم من أن هذه المقالة لم تكن ذات وزن كبير في موازين الفكر والفلسفة إلا أنها استثارت ردود فعل عديدة وحادة في عالمنا العربي الإسلامي ربما كانت أكبر من حجم الطرح الذي قدمه الأستاذ الأمريكي، والذي لم يكن سوى تحديد متوقع لمسار السياسات الغربية في الآونة القادمة. وأكاد أقول إن ردود الفعل الصادرة عندنا على هذه المقالة أو المقولة كانت أكثر أهمية من ناحية كشفها عن مستويات وتوجهات معينة في التفكير. ومن هذه الردود مثلاً ما ذهب إليه نفر من الرموز الدينية الرسمية حيث صرحوا بأن التعاون والتقارب بين الحضارات والثقافات هو الذي يجب أن يسود وليس الصراع والتنافس، ثم زادوا بالقول إن الإسلام ما جاء إلى الدنيا إلا ليؤسس هذا التعاون بين الحضارات والثقافات، ويستبعد الصراع والتنافس. وتكشف سطحية هذا الرد وتهافته عن نوعية من التفكير الضحل يراد لها أن تسيطر على عقول المسلمين وتصوراتهم في هذه الفترة إزاء كل ما يصدر عن الغرب، وأقصد بها عقلية الاستخدام والاستضعاف والخنوع؛ فأصحاب هذه العقلية لا يتصورون أن يكون الإسلام منافساً لعقائد الباطل أو مصارعاً لثقافات التغريب والعلمنة والإلحاد والانحلال. وهم يريدونه خانعاً ذليلاً منزوياً لا يحرك ساكناً، بل إذا جاء كاتب من الغرب ليكشف عن أن سياسة قومه في المرحلة القادمة تجاه الإسلام هي سياسة صراع وحرب ونزال جاء هؤلاء مرتعشين خائفين ليؤكدوا أن الإسلام دين محبة وسلام تجاه دعاة الحرب والصراع. والواضح من متابعة أجهزة الإعلام، ووضع السياسات، ومن السياسات الفعلية المنفذة على الأرض أن مقولة: «صراع الحضارات والثقافات» هي فعل مطبق وليس تصوراً مستقبلياً؛ فالكنائس وأصحابها من بابوات وأساقفة يجوبون مناطق إسلامية يروجون لمذاهبهم حتى وهم يرفعون شعارات التقارب والحوار بين الأديان، والمؤامرات تدور على قدم وساق وعلى نطاق استراتيجي واسع لضرب الإسلام وتقزيمه بوصفه ديناً وعقيدة؛ ولعل أبرزها ما يدور في وسط إفريقيا وشرقها حيث استنفرت وسلحت جماعات متفرقة من جنوب السودان إلى إريتريا من ناحية وزائير من الناحية الأخرى؛ بهدف إنشاء دولة كبرى لقبائل التوتسي أو قبائل غير مسلمة تحول دون انتشار الإسلام في تلك الأقاليم، بل تعمل بعد ذلك على رده ودحره إلى الشمال، وتشارك في هذا المخطط بجانب القبائل والجماعات المحلية دول إفريقية وبلدان غربية وكنائس عالمية، وتجري في إطاره أحداث جسيمة تراوحت من مذابح بوروندي ورواندا إلى الحرب في زائير وفي جنوب السودان، وإلى غزوات مسلحة هنا وهناك، وتشجيع للتمرد وتسليح لجماعات المعارضة إلى آخره. يحدث كل هذا أمام أعين الجميع مصداقاً لمقولة: «صراع الحضارات» ، ويحدث مثله في أمكنة أخرى كأندونيسيا، وجمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية، وأخيراً الباكستان وأفغانستان؛ ومع ذلك يستميت بعضٌ عندنا وحتى من الرموز الدينية في إنكار حدوث هذا الصراع، والدعوة إلى التقارب والتعاون مع الغير من المهاجمين؛ فلماذا؟ إن الإنكار الملحَّ لوقوع صراع بين الثقافات والحضارات حتى مع وقوعه الفعلي أمام أعين الجميع يعبر عن اتجاهات متعددة يراد لها أن تلوِّن فكر المسلمين كما قلت. أولها: أن الإسلام دين أشبه بما يدعى البوذية وبعض العقائد والمذاهب الروحانية الخاملة التي لا تتخذ مواقف في الحياة، ولا تدافع عن أنفسها (رغم أن البوذية ليست بذلك المذهب) ، وفي إطار هذا التصور يكون مقبولاً أن تكون للنصرانية جيوش تحارب في الصرب أو أثيوبيا أو في روسيا، ويكون مقبولاً أن تكون لليهودية قنابل ذرية، ولا يكون مقبولاً أن تكون للإسلام قوة تدافع عنه وإلا اعتبر ذلك دعوة للصراع والحرب، وانتهاكاً لقيمة التعاون بين الحضارات التي يجب أن تعلو على كل شيء آخر! وثانيها: أن الإسلام يجب ألاَّ يدعي لنفسه هوية مميزة في العقيدة والشريعة والتعاليم والأخلاق تفصله عن غيره بحكم أنها الحق الذي يعلو على باطل الآخرين فهذا المذهب أيضاً هو خروج عن قيمة المحبة بين الحضارات، ودعوة إلى الصراع والحرب الذي ما جاء الإسلام إلا ليستبعده. ويكون من المقبول هنا أن يدافع الغربي عن حضارته وثقافته ويروِّج لها، بل ويفرضها بشتى وسائل الإعلام والدعاية والقهر السياسي منه والثقافي، بل ويكون مقبولاً للهندوكي أن يفعل الشيء نفسه، ولا يكون مقبولاً من المسلم أن يتمسك بثقافة متميزة (ولا أقول: بدين) وإلا عُدَّ ذلك تحريضاً على صراع الحضارات والثقافات. وثالثها: أن منكري صراع الثقافات الماثل أمام أعينهم هم من ذوي النزعة العلمانية المادية (حتى إن كانوا من أرباب المناصب الرسمية الدينية) التي تقبل بأن يكون هناك صراع بين الدول والشعوب على أسس من الاقتصاد والأطماع المادية أو حتى على أسس معنوية كالقومية؛ لكنها لا تتصور أن يكون الدين على قدر من الأهمية يسمح له بأن يكون محور بناء وهوية للدول فضلاً عن أن يكون محور صراع. وقد يتحدثون في النصرانية واليهودية عن حروب (ومنها حرب نهاية العالم المشهورة فيما يسمى الفكر الديني الأصولي في الغرب) وصراعات تنشأ بسبب الدين والثقافة. أما عند أصحاب النزعة العلمانية فحرام أو غير متصور أن تنشب صراعات حضارية أو ثقافية حتى وهي تدور أمامهم لكنهم لا يرونها، أو لعلهم يرونها لكنهم يريدون للمسلمين أن يقفوا إزاءها صامتين حتى ينهزموا وهم يسبحون بالتقارب مع ثقافات قاتليهم!

стр. 4103

رمضان - ١٤٢٢هـ ديسمبر - ٢٠٠١م (السنة: ١٦)

стр. 4104

كلمة صغيرة بل هذا هو الإرهاب ..! منذ أن بدأ القصف الأمريكي العشوائي الاستعراضي على أفغانستان سالت دموع الإدارة الأمريكية حزناً (! !) على مئات الآلاف من المشردين والعجزة والشيوخ والنساء، والأطفال الذين فروا من هول الحرب الحضارية الجديدة، وفاضت أيديهم الإنسانية الرحيمة بلقيمات من المعونات الغذائية والطبية خوفاً على المسلمين الأفغان من شبح المجاعة القادمة! لقد سَخِرَت الولايات المتحدة الأمريكية من شعوب العالم وخاصة المسلمين منهم وهي تمطر أرض الأفغان المسلمة بوابل من الأسلحة، ثم سَخِرَت منهم ثانية وهي تتحدث عن المأساة الإنسانية، وهذه الصفة الغادرة صفة أصيلة قديمة في الإدارة الأمريكية؛ ففي عام (١٩٥٠م) أعرب وزير الخارجية الأمريكي ومعه بعض النواب الأمريكيين عن هذا المبدأ، فقالوا: (إذا حلت المجاعة في القارة الصينية؛ وجب على الولايات المتحدة تقديم القليل من المساعدة، لا لمقاومة المجاعة نفسها، ولكن فقط بقدر ما تكون كافية لإحراز نقطة في الحرب النفسية) [١] . وفي عام (١٩٤٧م) رصدت إحدى الدراسات أنَّ المعونة الأمريكية توجه فقط: (إلى البلدان ذات الأهمية الاستراتيجية الأساسية للولايات المتحدة، إلا في حالات نادرة جداً؛ حيث تسنح الفرصة للولايات المتحدة عن طريق هذه المعونة للحصول على الرضا العالمي نتيجة فعل إنساني استعراضي!) [٢] . إن ترويع شعب كامل من الآمنين، وسحقه بالقنابل والصواريخ، وتدمير قرى بأكملها وأحياء مأهولة بالسكان، وتشريد مئات الآلاف من العجزة والمستضعفين في أراض مقفرة ضربها الجفاف حتى أتى عليها من جذورها ... إن ذلك كله هو الإرهاب عينه، ولكنه الإرهاب الحضاري الذي تباركه هيئة الأمم المتحدة، وتطرب له الدول التقدمية، ويتواطأ المتحضرون للتستر عليه..! إن منطق القوة الإرهابي يتباكى على ضحايا أمريكا الأبرياء (!) أما ضحايا أفغانستان فلا بواكي لهم، ويستحقون ما أصابهم..! ! وصدق المولى جل وعلا: [كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ] (التوبة: ٨) . إننا نذكِّر أمريكا بأنَّ الشعوب المستضعفة لن تبقى كذلك، بل إنَّ التفنن في إهانتها واستذلالها هو الذي سوف يحييها بإذن الله تعالى، وما أجمل قول الشاعر العربي: وإذا الذئاب استنعجت لك مرة ... فحذار منها أن تعود ذئابا!

стр. 4105

الافتتاحية رسالة من القلب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يقف الإخوة الأفغان في خنادقهم ثانية لمواجهة الحرب الشرسة التي شنتها عليهم هذه المرة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها؛ ومن حكمة الله تعالى أن جعل أرضهم موطئاً لملاحم كثيرة وطويلة جداً؛ فبعد هزيمة بريطانيا العظمى مرات متتالية، ثم الاتحاد السوفييتي البائد، جاءت إليهم أمريكا بطغيانها وجبروتها، والفرق في هذه الحرب عن الحروب الأولى أن العالم كله بشرقه وغربه اجتمع عليهم هذه المرة، وراح الناس كل الناس يتحدثون عن سقوطهم وهزيمتهم، وشكل الحكومة الأفغانية القادمة قبل أن تبدأ الحرب..! ! فكانت من البيان هذه الرسالة. أيها الإخوة الأفغان: إننا نعلم أنكم تعيشون أياماً قاسية عصيبة، وأنتم الآن في شغل وأي شغل! وليس من الحكمة أن نلقي عليكم المواعظ، ونظهر أمامكم بمظهر المشيخة والأستاذية، وأنتم تبيتون على أصوات الانفجارات والقنابل العنقودية والصواريخ المدمرة، ثم تصبحون على حساب الخسائر وكفكفة الجراح..! ولكن عذرنا أن الله تعالى أوجب علينا محبتكم فيه، وأن نتألم لألمكم ونحزن لحزنكم، ومن واجبنا أن نخلص النصيحة لكم بمحبة وإشفاق، لعلَّ ذلك يكون زيادة في تثبيتكم والشدّ من أزركم، وهذا خطاب لنا ولكم ولجميع قرائنا. نسأل الله تعالى أن يستعملنا جميعاً في طاعته، وأن يجعلنا وإياكم مفاتيح للخير، مغاليق للشر. أولاً: ففروا إلى الله: قال الله تعالى: [وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ] (آل عمران: ١٢٦) . وقال تعالى: [وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] (الأنفال: ١٠) . وقال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] (محمد: ٧) . فعليكم بالعودة الصادقة إلى الله تعالى فما خاب من استعان به ، [فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ] (الذاريات: ٥٠) ، والمنصور من نصره الله تعالى. قال الله تعالى: [إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ] (آل عمران: ١٦٠) ، وفتشوا في قلوبكم، وأعلنوها توبة صريحة صادقة من كل اعتقاد أو عمل أو قول لا يرضي الله تعالى، وليس موافقاً لشرعه، وأخلصوا له العمل وحده لا شريك له، وأفردوا نبينا محمداً ﷺ بالمتابعة؛ فإن ذلك من أعظم العدة، وأقوى العتاد. قال تعالى: [فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً] (الكهف: ١١٠) . وإنّ من أعظم ما ينبغي تجريد النية له الجهاد لإقامة الدين ورفع لواء التوحيد . قال الله تعالى: [وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ] (الأنفال: ٣٩) ، وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه؛ فمن في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» [١] . ثانياً: إياكم والقنوط: حذار.. حذار من اليأس والقنوط، مهما طال الطريق أو تكالب الأعداء؛ فإن ذلك بداية السقوط والهلاك أعاذكم الله من ذلك، وأهل الإيمان الراسخ يملكون يقيناً عامراً لا تهده الفتن ولا تزلزله الأعاصير. إنّ الهزيمة النفسية من أشد وأنكى أنواع الهزائم، فترى المرء يسقط قبل أن يبدأ المعركة. كما أن الانتصار النفسي من أعظم أنواع النصر، ولهذا ترى العبد المؤمن يُقبل على الله تعالى بنفس واثقة مطمئنة يرجو ما عند الله والدار الآخرة، يحدوه قول الله تعالى: [قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ] (التوبة: ٥٢) . والثبات عند الفتن من أعظم الأدلة على صدق الإيمان، قال الله تعالى: [الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ] (العنكبوت: ١-٣) . وقال تعالى: [وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ] (آل عمران: ١٤١ - ١٤٢) . إنّ طريق الجهاد في سبيل الله طريق طويل لا يقوى على تحمل تبعاته إلا الرجال الأشداء ذوو القلوب المؤمنة، والنفوس الكبيرة، والهمم الشماء. أما النفوس الهزيلة، والقلوب الخاوية؛ فإنها تتراجع في بداية الطريق، [لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ] (التوبة: ٤٢) .. نعم كثيرون أولئك الذين تدفعهم العاطفة لخدمة هذا الدين، لكن قلَّة قليلة منهم تتماسك وتثبت عند المحن، وتتجرع الآلام والمصاعب دون خور أو ضعف أو قنوط، وهنا يتجلى أثر الإيمان الحق في النفوس الأبيّة، والقلوب المخلصة. قال الله تعالى: [مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً] (الأحزاب: ٢٣) . وقال تعالى: [وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ] (آل عمران: ١٤٦-١٤٨) ونصر الله لا يتنزل على أوليائه إلا بتحقيق أمرين عظيمين هما: الصبر، والتقوى؛ فهما أعظم بواعث النصر والتمكين. قال الله تعالى: [بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ] (آل عمران: ١٢٥-١٢٦) ، وقال تعالى: [لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ] (آل عمران: ١٨٦) . والصبر ليس موعظة تتلى، أو خطبة تنتفخ لها الأوداج، بل هي عقيدة راسخة ضاربة بأطنابها في أعماق القلب، وتثمر بإذن الله إقبالاً صادقاً على البذل والعطاء، والجود بالنفس والنفيس ابتغاء وجه الله. ثالثاً: فلا تخافوهم: لا يهولنكم ذلك الجمع الدولي، ولا يهولنكم تواطؤ أمم الأرض عليكم، ولا تهولنكم أمريكا بقواتها العسكرية وترسانتها الجوية؛ فإن قوَّتهم لا تساوي شيئاً أمام قوة الله تعالى جبَّار السماوات والأرض، ولا يهولنكم ذلك الإرجاف الإعلامي الذي طغى ضجيجه في كل مكان؛ فإنما ذلك من تخذيل الشيطان وأوليائه. قال الله تعالى: [الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوَهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٧٣-١٧٥) . وقال تعالى: [وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ العِقَابِ] (الأنفال: ٤٨) . وإنَّ لكم في هود ﵊ قدوة حسنة؛ حيث قال الله تعالى على لسانه: [قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (هود: ٥٤-٥٦) . وإننا على يقين راسخ بأن النصر متحقق لهذه الأمة إن عاجلاً أو آجلاً. قال الله تعالى: [سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ] (القمر: ٤٥) ، وقد يتأخر النصر لحكمة يريدها الله تعالى؛ فقد قال : [حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ] (يوسف: ١١٠) . وقال تعالى: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] (البقرة: ٢١٤) . وكيف تنهزم أمة يؤمن رجالها بأن ريح الجنة يفوح عبيره بين الصفوف، فيتتبعون الموت مظانه مقبلين غير مدبرين..؟ ! وكيف تنهزم أمة يؤمن رجالها بأن استشهادهم في سبيل الله تعالى هو طريق الحياة والعزة والتمكين..؟ ! نعم ربما يحرز الكفر نصراً على المسلمين، ولكنه نصر بارد مؤقت، ومن حكمة الله تعالى أنه قد يقدر على بعض المؤمنين انكساراً في وقت ما من الأوقات، ليبلوهم بذلك، كما حصل للنبي ﷺ وصحبه في غزوة أحد [٢] ، ثم يُعدِّهم لنصر قادم بقوته وتأييده، وفي قصة صاحب الأخدود مثل عظيم؛ إذ إن قتله وتحريقه أدى إلى انتشار عقيدته. إنَّ أول مراحل النصر: الانتصار على النفس، وطرد الخوف من القلب؛ فما دب الخوف في قلب إلا تصدع كيانه، وتزلزلت أركانه، وألبسه الله لباس الذل والهوان. والخوف الحابس عن العمل آية من آيات النفاق؛ أعاذنا الله من ذلك. قال الله تعالى: [أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً] (الأحزاب: ١٩) . وكل كريهة ترفع، أو مكرمة تكتسب لا تتحقق إلا بالشجاعة. وبقوة القلب يقتحم المرء الأمور الصعاب، وبقوة القلب يتحمل أثقال المكاره، وبقوة القلب تنفذ كل عزيمة أوجبها الحزم والعدل [٣] . ولن يُستلَّ الخوف من القلب إلا بصدق اليقين والإيمان. قال تعالى: [وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً] (الجن: ١٣) . وأهل التوحيد الخالص هم أعظم الناس قوة وثباتاً، وكيف يخاف من أمَّنه الله تعالى وهداه؟ ! قال الله تعالى على لسان إبراهيم ﵊: [وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ] (الأنعام: ٨١-٨٢) ؛ ولهذا ترى المؤمن يقبل على الله تعالى بقلب ثابت ثبوت الجبال الرواسي لا يخاف إلا الله ، وإن الجبن آفة سائدة تنخر القلوب المريضة، ولهذا كان النبي ﷺ يستعيذ منه في دعائه قائلاً: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن ... الحديث» [٤] . فما وجفت تلك القلوب ولم تكن ... كأخرى لها من هدة الرعب زلزال رجال رسا الإيمان ملء نفوسهم ... فلا الجبن منجاة ولا البأس قتَّال ولا الموت مكروه على العز ورده ... ولا العيش مورود إذا خيف إذلال تداعوا فقالوا: حسبنا الله إنه ... لما شاء من نصر الهداة فعَّال لقد خلع الخوف قلوب كثير من الناس في هذا الزمان، وارتعدت فرائصهم جبناً وهلعاً، لِمَا رأوا من اجتماع الحشود الكافرة، وهم يبعدون عنهم مفاوز؛ فهل يمكن أن تنتصر أمة شلّها الخوف والهلع بهذه الصورة المحبطة..؟ ! وصدق رسول الله ﷺ : «شرُّ ما في رجل: شح هالع، وجبن خالع» [٥] . رابعاً: ادعوني أستجب لكم: إن الدعاء من أعظم الأسلحة التي تظهر بركتها عند التحام الصفوف واحتدام القتال؛ فهو استغاثة بمن لا يُردُّ قضاؤه، ولا يهزم جنده، وقد أمر الله باللجوء إليه في مثل هذه المواطن خاصة. قال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (الأنفال: ٤٥) . وقال تعالى: [أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ] (النمل: ٦٢) ، وقد كان من هدي النبي ﷺ أنه يستغيث بالله تعالى، ويستجير به بإلحاح، ويطلب منه المدد والعون، وخاصة عندما يحمى الوطيس؛ ففي غزوة بدر قال رسول الله ﷺ وهو في قبَّة: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد بعد اليوم» . فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك يا رسول الله! ألححت على ربك.. الحديث « [٦] ، وفي رواية مسلم: فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مدَّ يديه فجعل يهتف بربه:» اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض «فما زال يهتف بربه مادّاً يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه من منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله : [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ] (الأنفال: ٩) ، فأمده الله بالملائكة [٧] . وإن من أعظم النصرة التي يحتاجها الإخوة الأفغان دعاء إخوانهم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، في خلواتهم وسجودهم، وفي آخر الليل، وعند الإفطار، ونحوها من مواطن وأوقات الإجابة. خامساً: لنستثمر الحدث: على العلماء والدعاة والمصلحين في جميع أنحاء العالم أن يستثمروا هذه النازلة في استنهاض الهمم والطاقات، وإحياء الغيرة في النفوس؛ فتتابع الفتن وتكالب الأعداء يمكن أن يكون محبطاً مقعداً عن العمل، ويمكن أن يكون بإذن الله من أعظم الأسباب المحركة للنفوس، المستحثة للعمل والمدافعة إذا أُحْسِنَ استثمارها وتوظيفها لخدمة الأمة. ونعني بالاستثمار: تشجيع جميع المسلمين كبيرهم وصغيرهم، ذكرهم وأنثاهم لبذل المعروف والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى المقصرين بل والعصاة منهم، وها هو ذا أبو محجن الثقفي يُسجَن ويقيد لشربه الخمر في معركة القادسية، ولكن الغيرة على الدين وأهله تأججت في صدره فيبلي بلاءً حسناً في نصرة الدين وقتال الكافرين [٨] . ومن الاستثمار أيضاً: إحياء وعي الأمة بحقيقة المعركة التي توجه ضدها من النصارى وأنصارهم، والملحدين وأشياعهم، وبيان سبيل النهوض والعزة، وأنه بالعودة الصادقة إلى دين الله تعالى. ومن الاستثمار أيضاً: تذكير الدعاة والصالحين بوجوب رصِّ الصفوف، والتعاون على البر والتقوى، وعلاج الخلافات اليسيرة بعلم ومحبة بعيداً عن التقاطع والتهارش الذي آذى الأمَّة أذى عريضاً. سادساً: لا يضرهم من خذلهم: أحزن الغيورين كثيراً إرجاف المخذلين، وربما كان أثرهم في النفوس أشد إيلاماً من العدو الكافر نسأل الله السلامة كما قال الشاعر: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على الحر من وقع الحسام المهنَّدِ لكن المؤمن الحق لا يفتُّ ذلك في عضده؛ فهو واثق الخطى، خالص التوكل، عظيم الثبات، يلهج لسانه بقوله الله تعالى: [فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ] (التوبة: ١٢٩) ، وقوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ] (الأنفال: ٦٤) . إن الاستسلام لإرجاف الناس، وتخذيل المخذلين يجر الإنسان إلى حضيض الانتكاس، ويسقطه في دركات الهزيمة، وقد حفظ الله تعالى أولياءه من ذلك؛ فقد صح عن النبي ﷺ قوله:» لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك « [٩] . والناظر في سير الأنبياء عليهم أزكى الصلاة والسلام يجد أنهم ثبتوا على الحق، وعضوا عليه بالنواجذ، على الرغم مما أصابهم؛ فها هو ذا أبو الأنبياء إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام يصدع بالحق، ويعلن براءته من قومه ومن معبوداتهم. قال الله تعالى: [قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ] (الممتحنة: ٤) . سابعاً: من القلب إلى المجاهدين القدامى في المعارضة الشمالية: لقد وقف المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها معكم عندما رفعتم راية الجهاد في سبيل الله لمواجهة الشيوعيين، وكان الناس ينظرون إليكم بإكبار وإعزاز؛ فالتضحيات التي قدمتموها كانت تضحيات جليلة أحيت في الأمة علم الجهاد. ثم لمَّا حصل ما حصل من التنابذ والصراع بين الفصائل الجهادية ضاقت صدور المسلمين بذلك؛ فثمرة الجهاد كادت أن تصبح سراباً..! وازداد ضيقهم لمَّا كان بعض المنتسبين إلى الجهاد يسقطون في لعبة التوازنات السياسية ويتحالفون مع الشيوعيين تارة ومع الغرب تارة أخرى، وكان يصدر من بعضكم كلاماً شديداً في حق هؤلاء [١٠] ، ثم دارت الأيام وحصل التنازع والتهارش، وتحزبت الجموع هنا وهناك لأغراض لا تخفى عليكم.. ولكن ما كنا نظن أن الجسد الواحد سيصيبه هذا الشرخ النازف؛ فها هم بعض المجاهدين القدامى (! !) يعودون لقتال إخوانهم، لتحقيق مكاسب دنيوية حزبية وقبلية وشخصية رخيصة..! على رِسْلكم أيها الناس! أليس من المخجل جداً أن يضع المسلم يده بيد الأعداء لحرب إخوانه..؟ ! ألم تقاتلوا تلك السنين المتتابعة، وتضحوا تلك التضحيات المشهودة من أجل إخراج الشيوعيين من دياركم؟ ! فما بالكم الآن تقاتلون المسلمين؟ ! أتطيب نفوسكم وأنتم ترون تلك الحشود الزاحفة تجتمع لقصف المسلمين بالقنابل الانشطارية والعنقودية، وتدمير ديارهم وأهليهم بالصواريخ والطائرات المدمرة باسم الحرب على (الإرهاب الإسلامي) الذي كنتم تعتزون به فيما مضى من سالف الأيام..؟ ! لقد عطرت دماؤكم ربى أفغانستان وجبالها لإخراج الشيوعيين.. ولكنكم ها أنتم تنكصون على أعقابكم وتعودون ثانية لإدخالهم أرضكم وتسليمهم أمركم..! ! نعم.. اختلفتم مع إخوانكم وصارت بينكم محن ومنازلات لا ترضينا، وهَبُوا أنهم أخطؤوا في حقكم أو ظلموكم، أيكون ذلك مسوغاً لظلمهم والجور عليهم؟ ! أيكون ذلك مسوغاً لمناصرة الكافرين عليهم؟ ! ألا تقرؤون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:» المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يُسْلِمُه « [١١] ؟! إنهم إخوانكم مهما اختلفتم معهم بنص القرآن الكريم؛ فالله تعالى وصف الطائفتين المتقاتلتين بأنهم إخوة ما دام الإيمان يجمعهم [١٢] . أتضيع تلك الثوابت الشرعية المسلَّمة في دين الله وتتحالفون مع العدو الكافر لتصفية إخوانكم وإبادتهم عن بكرة أبيهم؟ ! آلله يرضى لكم ذلك..؟ ! أين المروءة ومكارم الأخلاق فضلاً عن العقيدة والدين..؟ ! يا سبحان الله! ألا تقرؤون القرآن..؟ ! إننا نناشدكم بالله العلي العظيم أن تقرؤوا قول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ] (آل عمران: ١١٨) ، وقوله تعالى: [لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ] (المجادلة: ٢٢) . وقوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] (المائدة: ٥١) . أتظنون أن الأمريكان والروس وأعداء الملَّة يقاتلون من أجلكم ولتحقيق أهدافكم، أو أنهم راضون عنكم أو يحبون نصرتكم..؟ ! لا والله؛ فإنَّ صدورهم تغلي بالحقد عليكم وعلى إخوانكم كغلي المرجل، ولكنها تستخدمكم لأهداف رخيصة مؤقتة، حتى إذا تحققت مآربهم رموكم بأقدامهم الحاقدة كما رموا غيركم..! إننا نربأ بكم أن تكونوا كما قال الشاعر: قطيع يساق إلى حتفه ... ويمضي ويهتف للسائقين إن معاشر المسلمين في أصقاع الأرض يناشدونكم من كل قلوبهم.. فاتقوا الله.. ولا تنظروا إلى خلافات حزبية أو قبلية عارضة، ولا إلى مصالح دنيوية زائلة.. ولكن انظروا إلى دينكم فاحفظوه، وانظروا في أيديكم أين تضعونها..! إننا نعلم أن بعض ذوي النفوس المريضة والأهواء الوضيعة قد جرّوكم لمثل هذه الكبوة وراحوا يتاجرون بشعاراتكم، وصدق الله تعالى: [فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ] (المائدة: ٥٢) ، فالله الله.. نرجو الله أن تكونوا صادقين مع الله، وأن تؤوبوا إلى الحق؛ فالعودة إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ووالله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم لن ينفعكم شيء من أعمالكم إذا كان الدافع لها مغنماً زائداً من مغانم الدنيا، [مَن كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً * كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً] (الإسراء: ١٨-٢٠) . أيها المسلمون: اعقدوا قلوبكم وأيديكم بعضها ببعض؛ فهذا هو طريق النصر بإذن الله [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ] (الأنفال: ٤٦) .

стр. 4106

إشراقات قرآنية فاعتبروا يا أولي الأبصار ما أشبه الليلة بالبارحة د. أحمد بن عبد الله الزهراني [*] إن الله تعالى قد بيَّن لعباده أن سنته لا تتبدل ولا تتحول؛ كما أخبر سبحانه أنه جعل الأيام دولاً. قال تعالى في شأن المنافقين: [لَئِن لَّمْ يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً] (الأحزاب: ٦٠-٦٢) . فإن الله سبحانه ذكر ثلاثة أصناف من الخلق كلهم محل اتهام ومرض، وصرح باسم المنافقين وهم الذين يبطنون السوء للإسلام والمسلمين، ويظهرون خلافه ثم ذكر الذين في قلوبهم مرض أي مرض من حب المعاصي، أو الأمراض القلبية المتنوعة من الغل والحقد والحسد والغيبة، وغير ذلك. ثم ذكر الصنف الثالث وهم أهل الإرجاف الذين ينشرون الأقاويل الكاذبة والتخريفات والتحذيرات للمؤمنين من الأعداء. قال ابن كثير: «يعني الذين يقولون: جاء الأعداء، وجاءت الحروب. وهو كذب وافتراء» [١] . ولذا نهى الله سبحانه المؤمنين أن يتخذوا بطانة من هؤلاء المنافقين والمرضى والمخذلين، فقال : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ] (آل عمران: ١١٨) ؛ لأن اتخاذ هؤلاء بطانة فيه مضرة على الإسلام والمسلمين؛ حيث لا ينصحون في مشورتهم، ويأمرون بالسوء، ويحضون عليه، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف، وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه؛ فالمعصوم من عصمه الله تعالى» [٢] . ويقول سبحانه في شأن الكافرين: [وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً * اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً] (فاطر: ٤٢- ٤٣) . لقد كذب أولئك الكافرون في أيْمانهم، وفَجَروا في خصومتهم، وتنكروا للمصطفى ﷺ لما جاءهم بذكر من عند ربهم وقالوا: [لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ الأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ * فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ] (الصافات: ١٦٨-١٧٠) . وصدوا وصدفوا عنه كما قال تعالى: [أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ] (الأنعام: ١٥٧) . ومع وجود أولئك المنافقين ومن سار في ركبهم من المرضى والمرجفين، ووجود الكفار الأصليين، وما يخطط الجميع للصد عن سبيل الله، بشر الله تعالى عباده المؤمنين أن الدولة لهم على أولئك، وأن تلك سنة الله التي لا تتبدل، ولا تتغير. قال تعالى: [وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً * وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً * وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِياًّ وَلاَ نَصِيراً * سُنَّةَ اللَّهِ الَتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً] (الفتح: ٢٠-٢٣) . إن أتباع الأنبياء مبتلون؛ وأعظم الابتلاء أن يدفع المسلم بنفسه في سبيل الله مقبلاً غير مدبر ولا متردد في طريقه إلى الله. قال تعالى: [هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ * وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٣٨-١٣٩) . لقد أمرنا الله سبحانه في محكم التنزيل أن نعتبر بما وقع للمؤمنين والكافرين، فقال سبحانه في شأن فرعون: [فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى] (النازعات: ٢٥-٢٦) . ويقول سبحانه في شأن نبينا صلى الله عليه وسلم مع أعدائه يوم بدر: [قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ] (آل عمران: ١٣) . ويقول في شأنه يوم حاصر يهود بني النضير: [هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ] (الحشر: ٢) . يقول ابن تيمية ﵀: «فأمرنا أن نعتبر بأحوال المتقدمين علينا من هذه الأمة، وممن قبلها من الأمم، وذكر في غير موضع أن سنته في ذلك سنة مطردة، وعادته مستمرة ... فينبغي للعقلاء أن يعتبروا لسنة الله وأيامه في عباده، ودأب الأمم وعاداتهم» [٣] . ولقد تسلط العدو الكافر على أحوال المسلمين، فأفسد عليهم عقائدهم وتصوراتهم، واقتصادهم وتعليمهم وإعلامهم، وصاروا له تبعاً في كل شيء، وساعده على ذلك وجود العدو الداخلي من صفوف المسلمين من المنافقين والمتصوفة والباطنية والرافضة والزنادقة من العلمانيين والملحدين الذين يتعاونون معهم في تنفيذ المؤتمرات والمعاهدات والمخططات باسم المصالح المشتركة، والتعايش السلمي للجميع، وتطبيع الثقافات وغير ذلك، ولقد أشبه حال العالم الإسلامي اليوم بحال العالم الإسلامي عند دخول الحروب الصليبية سنة ٤٩٠ هـ عليه من عدة أمور: ١ - وجود الخلاف بين أمراء المدن العربية، حتى إن كل أمير لا يهمه إلا الحفاظ على إمارته دون النظر إلى غيره. وقد سطر هذا الخلاف ابن الأثير رحمه الله حيث قال في حوادث سنة ٤٩٧ هـ: «لما استطال الفرنج خذلهم الله تعالى بما ملكوه من بلاد الإسلام، واتفق لهم اشتغال عساكر الإسلام وملوكه بقتال بعضهم بعضاً؛ فتفرقت حينئذ بالمسلمين الآراء، واختلفت الأهواء، وتمزقت الأموال» [٤] . ومن الأمثلة على هذا ما وقع بين الأخوين دقاق والي مدينة دمشق، وأخيه رضوان والي مدينة حلب؛ حيث تشيَّع هذا الأخير وهادن الإسماعيلية والصليبيين [٥] . يقول ابن الأثير: «وكانت أمور رضوان غير محمودة قتل أخويه أبا طالب وبهرام، وكان يستعين بالباطنية في كثير من أموره لقلة دينه» [٦] . ٢ - وليت الأمر وقف عند الحفاظ من كل أمير على إمارته، بل تطاول بينهم الخلاف حتى نشبت بينهم الحروب، وأخذ بعضهم يسطو على بعض، وساءت أحوال الناس، وعم الفساد جميع أنحاء البلاد حتى طمع فيهم العدو. يقول ابن الأثير ﵀ في قصة الصلح الذي تم بين السلطانين بركيارق ومحمد بن ملكشاه قال: «في هذه السنة في ربيع الآخر وقع الصلح بين السلطانين بركيارق ومحمد بن ملكشاه، وكان سببه أن الحروب تطاولت بينهما، وعم الفساد فصارت الأموال منهوبة، والدماء مسفوكة، والبلاد مخربة، والقرى محرقة، والسلطنة مطموعاً فيها محكوماً عليها، وأصبح الملوك مقهورين بعد أن كانوا قاهرين، وكان الأمراء الأكابر يؤثرون ذلك ويختارونه ليدوم تحكمهم وانبساطهم وإدلالهم» [٧] . بئس التحكم والانبساط والإدلال إذا كانت دماء المسلمين تسفك، وأموالهم تنهب، وأركان عقيدتهم تهدم، وأطراف مملكتهم تسلب. ٣ - لقد وصل الحال بأولئك السلاطين المغفلين إلى الارتماء في أحضان العدو الصليبي، وتعاونوا معهم ضد إخوانهم المسلمين، وأُبرمت المعاهدات فيما بينهم وبين عدوهم ضد بعضهم بعضاً. يقول ابن الأثير ﵀ في وصف الفرنج بعد أن احتلوا معرة النعمان: «وساروا إلى عرقة فحاصروها أربعة أشهر، ونقبوا سورها عدة نقوب فلم يقدروا عليها، وراسلهم منقذ صاحب شيزر فصالحهم عليها، وساروا إلى حمص وحاصروها فصالحهم جناح الدولة» [٨] . وصاحب شيزر هذا هو الأمير عز الدين أبو العساكر سلطان بن منقذ قد عمل اتصالات مع قائد الفرنج المدعو «ريموند» عندما كان في كفر طاب، ووعده بعدم اعتراض الصليبيين عندما يمرون بسلطنته بل وعده أن يقدم لهم ما يكفيهم من الأطعمة، وأن يرسل دليلاً لهم يرشدهم الطريق حتى يمروا من مملكته [٩] ، وذكر ابن الأثير أن صاحب دمشق المسمى «طغتكين» هادن الفرنج سراً خوفاً على ذهاب مملكته عندما شعر من أقرانه بعدم النصح [١٠] . يقول ابن الأثير: «وكان طغتكين أيضاً استوحش من السلطان؛ لأنه نسب إليه قتل مودود فاتفقا على الامتناع والالتجاء إلى الفرنج والاحتماء بهم فراسلا صاحب أنطاكية وحالفاه» [١١] . ويقول عن الملك رضوان إنه: «كتب إلى طنكري صاحب أنطاكية يعرفه ما هو جارٍ عليه من الغدر، والمكر، والخداع، ويحذره منه، ويعلمه أنه على قصد حلب، وأنه إن ملكها لا يبقى للفرنج معه بالشام مقام، وطلب منه النصرة والاتفاق على منعه فأجابه طنكري إلى منعه» [١٢] . وعندما حاصر نور الدين زنكي مدينة دمشق وكان الوالي عليها يدعى «معين الدين أنر» فقام هذا الأخير بملاحقة الصليبيين، وطلب منهم العون والنصرة، ودفع نور الدين زنكي عن دمشق، وبذل لهم أموالاً على ذلك وأن يسلمهم مدينة بانياس، وبالفعل تم لهم ما وعدهم به [١٣] . «وقد فرح بنو منقذ أصحاب شيزر، وبنو عمار أصحاب طرابلس وهم من البيوت العربية العريقة بهزيمة السلاجقة، وأقبلوا يمدون يد المعونة للغزاة من الصليبيين» [١٤] . ولقد صدق دكتور حسن حبشي عندما قال: «إن مصيبة العالم الإسلامي لم تكن في ضعف قواته أو تخاذل أبنائه، ولكنها كانت في الأمراء الذين حكموا نواحيه المختلفة وفي مطامعهم الخاصة، دون أن تظهر من بينهم تلك الشخصية القوية التي تجمعهم، وتسير بهم نحو هدف مشترك» [١٥] . ٤ - تمكين البطانة السيئة بل المنحرفة فكرياً وعقائدياً وسلوكياً عن منهج أهل السنة والجماعة من إدارة أمور المسلمين واستشارتهم وتسليطهم على رقاب المسلمين مما كان لهم الأثر السيئ في التعاون مع الأعداء ضد المسلمين، وإضعاف شوكة المسلمين والتربص بهم والوقوف ضد الحق وأهله. فمن ذلك أن الملك الرحيم «ضره فيروز» لما تولى الملك بعد أبيه «أبي كاليجار» أقطع الرافضي دبيس بن مزيد الملقب «نور الدولة» حماية نهر الصلة، ونهر الفضل من أعمال واسط. ورفض الواسطيون قبوله لما علموا به، وثاروا عليه؛ لكنه تحايل عليهم حتى غدر بهم وقتل منهم عدداً كبيراً [١٦] ، ومع أن الملك الرحيم هو الذي أقطعه نهر الصلة ونهر الفضل ومكنه؛ إلا أن نور الدولة الرافضي دبيس خذله مع البساسيري يوم أراد المواجهة مع السلطان طغرل بك [١٧] ، ولما وقعت الفتنة بين السنة والشيعة في إحراق المشاهد البدعية، عظم ذلك على نور الدين دبيس الرافضي «وبلغ منه كل مبلغ؛ لأنه وأهل بيته وسائر أعماله من النيل وتلك الولاية كلهم شيعة» [١٨] ، وهو الذي تعاون مع البساسيري ضد قرسيس بن بدران صاحب الموصل، وكاتبوا الخليفة الفاطمي بمصر المستنصر بالله بالطاعة فأرسل إليهم الخلع [١٩] . والبساسيري كان «مملوكاً تركياً من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة، تقلبت به الأمور حتى بلغ هذا المقام المشهور، واسمه أرسلان وكنيته أبو الحارث، وهو منسوب إلى» بسا «مدينة بفارس، والعرب تجعل عوض الباء فاء فتقول: » فسا «والنسبة إليها فساوي، ومنها أبو علي الفارسي النحوي، وكان سيد هذا المملوك أولاً من» بسا «فقيل له: البساسيري لذلك، وجعل العرب الباء فاءً فقيل: فساسيري» [٢٠] . ٥ - إن وجود هذه الفوضى بين الناس وتسلط الأعداء عليهم من داخلهم وخارجهم كان يوجب على المرجعية العلمية أن تمسك بزمام الأمور وتقود الناس إلى ساحات الجهاد، ليقفوا سداً منيعاً أمام جحافل الصليبيين الغادرين، وسيجدون من الأمة من يسمع ويطيع لهم؛ لكن مع الأسف الشديد لم تسلم ساحتهم من الخلاف، وبدلاً من أن يرصوا الصفوف للجهاد في سبيل الله اشتغلوا بالخلافات المذهبية والانتصار لها. يقول ابن الأثير ﵀ في حوادث سنة ٤٤٧ هـ: «في هذه السنة وقعت الفتنة بين الفقهاء الشافعية والحنابلة ببغداد، ومقدم الحنابلة أبو يعلى ابن الفراء، وابن التميمي، وتبعهم من العامة الجم الغفير، وأنكروا الجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) ، ومنعوا من الترجيع في الأذان، والقنوت في الفجر، ووصلوا إلى ديوان الخليفة، ولم ينفصل حال، وأتى الحنابلة إلى مسجد باب الشعير فنهوا إمامه عن الجهر بالبسملة، فأخرج مصحفاً وقال: أزيلوها من المصحف حتى لا أتلوها» [٢١] . ويقول ابن كثير ﵀ في حوادث ٤٤٧ هـ: «وفيها وقعت الفتنة بين الأشاعرة والحنابلة، فقوي جانب الحنابلة قوة عظيمة؛ بحيث إنه كان ليس لأحدٍ من الأشاعرة أن يشهد الجمعة ولا الجماعات» [٢٢] . إنها مأساة عظيمة أن يكون هذا الشقاق والخلاف والتناحر والتدابر في مسائل يسع الخلاف فيها، وسواء فعلت أم لم تفعل فإن مباني الإسلام قائمة فيما بين الطرفين، وأن تصل الحال بهم إلى ترك ما هو أعظم من تلك المسائل المثارة مثل ترك الجمعة والجماعات؛ فإنه الفقه النظري وليس هو الفقه العملي؛ وإذا اجتمع الفقه نظرياً وعملياً في شخص فذلك هو التوفيق والبصيرة في الدين. وفي سنة ٤٨٨ هـ وقعت فتنة عظيمة بين طائفة الكرامية والشوافع والأحناف في خراسان ذهب ضحيتها عدد من القتلى، وخربت مدارسهم [٢٣] . لقد خرجت دول الإفرنج على بلاد الإسلام سنة ٤٧٨ هـ حيث ملكوا طليطلة من بلاد الأندلس وغيرها. وفي سنة ٤٨٤ هـ قصدوا جزيرة صقلية واستولوا عليها. وفي سنة ٤٩٠ هـ قصدوا بلاد الشام، ودخلوها من طريق القسطنطينية [٢٤] . ومع الأسف أن تجد بعض العلماء الكبار كأبي حامد الغزالي يترك التدريس في المدرسة النظامية وينيب عنه أخاه، ويذهب إلى زيارة بيت المقدس، ثم يتزهد ويلبس الخشن والساحة تغلي من الشرق والغرب؛ وذلك في سنة ٤٨٨ هـ[٢٥] . وإذا نظرت إلى بعض الشعراء رأيت همته وأعلى أمنيته أن يفوز بمنحة أو عطية من وزير أو حاكم غير عابئ بما يقع حوله من الأحداث مع إسفاف في المدح والثناء، وعثرة لسان فيما يقول من بعض الكلام. يقول الشاعر علقمة بن عبد الرزاق العليمي: «قصدت بدراً الجمالي بمصر فرأيت أشراف الناس وكبراءهم على بابه قد طال مقامهم ولم يصلوا إليه. قال: فبينا أنا كذلك إذ خرج بدر يريد الصيد، فخرج علقمة في أثره، وأقام إلى أن رجع من صيده، فلما قاربه وقف على نشز من الأرض وأومأ برقعة في يده وأنشأ يقول: نحن التجار وهذه أعلامنا ... در وجود يمينك المبتاع قلِّب وفتشها بسمعك إنما ... هي جوهر تختاره الأسماع كسدت علينا بالشآم وكلما ... قلَّ النفاق تعطل الصناع فأتاك يحملها إليك تجارها ... ومطيها الآمال والأطماع حتى أناخوها ببابك والرجا ... من دونك السمسار والبياع فوهبت ما لم يعطه في دهره ... هرم ولا كعب ولا القعقاع وسبقت هذا الناس في طلب العلى ... فالناس بعدك كلهم أتباع يا بدر أقسم لو بك اعتصم الورى ... ولجوا إليك جميعهم ما ضاعوا» [٢٦] نعوذ بالله من الشرك وأهله؛ فمن اعتصم بمخلوق وكله الله إليه. إن الاعتبار بحال من سبق وأخذ الدروس والعبر منه مطلوب شرعاً؛ لأن سنة الله مطردة، وعادته مستمرة كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى، وإن واقع العالم الإسلامي اليوم شبيه بواقع العالم الإسلامي قبل الحروب الصليبية وبعدها من عدة وجوه: ١ - وجود الخلافات بين حكامه وأمرائه؛ فكل قطر منه يحكي انتفاخاً صولة الأسد، له جامعة تخص العالم العربي وتسمى جامعة الدول العربية، فخرجت منها بقية دول العالم الإسلامي التي ليست عربية وهي أكثر؛ لكنها دخلت تحت شعار رابطة العالم الإسلامي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وكل قراراتها مجرد شجب واستنكار وليس لها واقع عملي. وإذا نظرت إلى أقطار العالم الإسلامي تجد التناحر والتنازع فيما بينهم على أشده أحياناً، ويطفو أحياناً؛ بل بعض دوله تتربص ببعض، مثل غزو العراق للكويت، وغزو مصر لليمن، وغزو سوريا للبنان، وغزو إيران لبعض دول الخليج، وغير ذلك. وإذا حصل لأي دولة أي اعتداء عقدت المؤتمرات الجوفاء، وأصدرت بيانًا بعد التي واللتيا، يحمل في طياته الشجب والاستنكار فقط، وهذا كلٌّ يجيده ويقوم به حتى القواعد في داخل بيوتهن يستطعن أن يقمن بهذا الدور، بل الصحيح والحق أن هذا هو دور العجائز. [وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ] (الحج: ١٨) . لقد وصل بهم الحال إلى أن طمع فيهم العدو الخارجي وسامهم سوء العذاب. وزعماء هذا العالم منعمون تحت المكيفات ويستأثرون بكل ما لذ وطاب من العيش وشعوبهم تحت وطأة القهر والخذلان. إن دولة إسرائيل خُطط لها من قبل دول الكفر لتكون في الأرض المباركة، وما ذلك التخطيط إلا امتداد للحروب الصليبية التي اجتاحت العالم الإسلامي في القرن السادس الهجري، وهي دولة صغيرة في مواردها المالية والبشرية لا تستغرق ساعة واحدة من ساعات النهار في حياة عماد الدين زنكي أو من قواده مثل نور الدين محمود زنكي أو صلاح الدين ﵏، لكنه الخذلان والبعد عن منهج الله وحب الأنانية والتمتع بلذات الدنيا وتمكن الهوان في قلوبهم. وليتهم وقفوا عند هذا الحد؛ لكنهم ارتموا في أحضان الأعداء، فعقدوا معهم المعاهدات المتعددة والمتنوعة، وتبادلوا السفارات فيما بينهم؛ وركعوا وخضعوا لطواغيت الكفر؛ وانطبق عليهم قول الله تعالى: [وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ فَزَادُوَهُمْ رَهَقاً] (الجن: ٦) . إنهم لجؤوا إلى طواغيت الأرض شرقاً وغرباً، فمنوهم ووعدوهم [وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً] (الإسراء: ٦٤) . لقد ارتمى الشريف حسين بن علي والي مكة في أحضان الإنجليز، ومنته ووعدته بإعادة الخلافة وإرجاعها إلى العرب في سبيل أن يتخلص من سيطرة الخلافة العثمانية عليه وعلى غيره من العرب، وتمت المراسلات بين الشريف بواسطة أبنائه عبد الله وفيصل وبين الإنجليز بواسطة السير مكماهون نائب ملك بريطانيا في مصر [٢٧] ، وقد تنازل الشريف عن أجزاء من العالم العربي الإسلامي في مقابل أن تفي له بريطانيا بما منته من إعادة الخلافة للعرب. وهيهات؛ فقد خدعته وخدعت العرب عموماً؛ ولا غرابة في ذلك؛ فالعدو هو العدو، والذئب هو الذئب ولو أنه في صورة قط أليف. يقول الدكتور محمد فاروق الخالدي: «لقد خدعت بريطانيا العرب خدعة كبيرة فأبرمت اتفاقات معاكسة لاتفاقاتها مع العرب مع حكومات تطمع بأراضي العرب...، فلم يطمع الإنجليز والفرنسيون بجزء من الوطن العربي، بل طمعوا به كله، ومن ثم تقاسموه كله، وقرروا أن يمارسوا درجات مختلفة من السلطة السياسية فوق البلاد العربية الآسيوية كلها باستثناء الحجاز» [٢٨] . إن دولة الخلافة ضعفت أمام العدو الخارجي والداخلي، وقويت الصلة بين العدوين في الإطاحة بمركز الخلافة والقضاء عليه، ودخلت حملات العدو الخارجي إلى بعض أقطار العالم الإسلامي، بدأ بدخول الحملة الفرنسية إلى القطر المصري ثم توالت بعد ذلك حملاته وتوزع العالم الإسلامي وسامه سوء العذاب وساسه بقوانينه وتشريعاته الكافرة، وأرهقه بتقنياته ومعداته الحربية، واقتنص أبناءه وأرسلهم إلى بلاده لكي يتلوثوا بمبادئه وأفكاره، وتم له كل ما خططه وتمناه، واستخدم أبناء العالم الإسلامي في تحقيق مخططاته وأهدافه رويداً رويداً حتى تمت له السيطرة الفكرية والعقدية السلوكية مع السيطرة الاقتصادية والسياسية والإعلامية والتعليمية في جميع أقطار العالم الإسلامي [٢٩] عبر سنين عديدة [٣٠] ، وتولى زعامة العالم الإسلامي تلامذته، فواصلوا السير في تنفيذ مخططاته وتحقيق أهدافه بروح وثابة، ونفوس تواقة إلى موالاته واحترام قراراته، وصار الغرب والشرق مرجعاً لهم في تشريعاتهم وحماية أوطانهم وحل مشاكلهم. وانحصرت المرجعية العلمية في أقطار العالم الإسلامي في إقامة الزوايا الصوفية، والموالد البدعية، والخلافات المذهبية حتى وصل الحال بهم في أرض الحرمين أن يكون لكل مذهب من مذاهب أهل السنة محراب ومنبر مستقل عن الآخر يؤدي الصلاة فيه على مذهبه؛ لأنه يرى بطلانه على المذهب الآخر. يقول الأمير الصنعاني: «بل أضرب لك مثلاً آخر: هذا حرم الله الذي هو أفضل بقاع الدنيا بالاتفاق، وإجماع العلماء، أحدث فيه بعض ملوك الشراكسة الجهلة الضُّلاَّل هذه المقامات التي فرقت لعبادات العباد، واشتملت على ما لا يحصيه إلا الله من الفساد، وفرقت عبادات المسلمين، وصيرتهم كالملل المختلفة في الدين؛ بدعة قرت بها عين إبليس اللعين؛ وصيرت المسلمين ضحكة للشياطين، وقد سكت الناس عنها، ووفد علماء الآفاق والأبدال والأقطاب إليها، وشاهدها كل ذي عينين، وسمع بها كل ذي أذنين؛ فهذا السكوت دليل على جوازها. هذا لا يقوله من له إلمام بشيء من المعارف. كذلك سكوتهم عن هذه الأشياء الصادرة من القبوريين» [٣١] . بل كان الناس يقعون في الشرك الأكبر من الاستغاثة والاستعانة بغير الله تعالى، وبناء المساجد والقباب على الأضرحة ودعوتها من دون الله، والذبح والنذر لغير الله، وغيرها من البدع والشركيات التي هيمنت على حياة الناس، ولا تجد لمن عندهم علم دور فعال في إنكارها وبيان خطرها. يقول الدكتور علي بخيت الزهراني بعد أن ذكر بعضاً منها: «والداهية أن تهيمن هذه البدع لا على حياة العوام فحسب ولكن على حياة كثير من العلماء الذين شايعوها ونصروها، وهكذا أصبحنا نرى البدع في كل مكان تكاد تحتل منزلة الصدارة من حياة الناس، يعمل بها الجاهلون، ولا يستنكف عن تأييدها العالمون، حتى لقد انتهينا إلى اليوم الذي ورد ذكره في حديث ابن مسعود إذ قال: يأتي على الناس زمان تكون السنة فيه بدعة، والبدعة سنة. وقد كان الناس عند حلول الأزمات والشدائد يفرون إلى هذه البدع كي تزول أزمتهم، وتنكشف شدتهم، ومن ذلك قراءة صحيح البخاري عند وقوع الأحداث، وكذلك ما كان يقوم به أرباب الطرق والعوام من أذكار مبتدعة، ومجالس مخترعة، وقد كان سلاطين المسلمين وملوكهم يرسلون إلى العلماء في زمن الحروب ليقرؤوا لهم صحيح البخاري» [٣٢] . وذكر الجبرتي أن السلطان العثماني أرسل ألف قرش رومي «تفرق على طلبة العلم بالأزهر، ويقرؤون له صحيح البخاري ويدعون له بالنصر» ، قال الجبرتي: «وفي يوم الجمعة كتبوا قائمة أسماء المجاورين والطلبة وأخبروا الباشا أن الألف قرش لا تكفي طائفة من المجاورين، فزادها ثلاثة آلاف قرش من عنده، فوزعها بحسب الحال: أعلى، وأوسط، وأدنى، فخص الأعلى عشرون قرشاً، والأوسط عشرة، والأدنى أربعة، وكذلك طوائف الأروقة بحسب الكثرة والقلة، ثم أحضروا أجزاء البخاري وقرؤوا» [٣٣] . إنها مأساة! الفرنسيون يدخلون القاهرة من كل باب والمسلمون بزعامتهم ومرجعياتهم الدينية يقرؤون صحيح البخاري تبركاً به من أجل أن يرد العدو! وأنى له ذلك إذا لم يكن له رجال يحملونه هادياً لهم والسيف ناصراً له كما هو هدي المصطفى ﷺ ؟ ! يقول الدكتور علي بخيت الزهراني: «واحتل الفرنسيون القاهرة فلم يكن لمثل هذه الجموع الفوضوية التي كانت في البدع والخرافات أن تقاوم الجيش الفرنسي في قوته وتدريبه ونظامه، وكان الأوْلى بهؤلاء الطرقية وغيرهم أن يلقوا بطبولهم وأشايرهم ومزاميرهم، ويحملوا السلاح ليقاتلوا به الفرنسيين بدلاً من صخبهم وضجيجهم وصياحهم بأذكار المبتدعة، كما كان الأوْلى بعلماء الأزهر الذين كانوا يعكفون على قراءة الصحيح لحصول النصر أن ينظروا ما بين دفتي صحيح البخاري من أحاديث وسنن وسير ومغازٍ فيقتدوا بما فيها ويقوموا بواجبهم في نصح الأمة وقيادتها وتوعيتها وحثها على الجهاد ولإعداد وبذل جميع الأسباب بدلاً من تجزِّي صحيح البخاري وقراءته فيما بينهم. وقد ظل علماء الأزهر وشيوخه يحافظون على هذه البدعة كلما ألمت بالبلاد مصيبة أو داهمتها كارثة؛ فبعد مرور ما يقارب تسعين عاماً على مجيء الفرنسيين إلى مصر قام الأسطول الإنجليزي بقصف مدينة الإسكندرية، وتمكن من احتلالها. يقول القباني وهو من شيوخ الأزهر:» وعندما انتشبت الحرب بين الإنجليز وأهل الوطن العزيز اجتهدوا غاية الاجتهاد في سبيل المدافعة والجهاد بأخذ الأهبة والاستعداد، وكانت السادة العلماء الأعلام ولا سيما أستاذنا شيخ الإسلام يقرؤون كتاب البخاري الشريف في الجامع الأزهر الأنور المنيف «؛ فهل كان يقف دور علماء الأزهر عند هذا الحد مكتفين بقراءة البخاري معتقدين أن فعلهم ذلك من أعظم أسباب النصر على الأعداء؟ !» [٣٤] . إن مواقف جماهير العلماء الذين هم المرجعية العلمية للأمة في الرخاء والشدة كانت مؤلمة ووخيمة، ولو أردت الاستطراد في ذكر مواقفهم المخزية في جميع أنحاء العالم الإسلامي لطال بي المقام، ولكن فيما ذكرنا إشارة تفيد ولا تغني، ومن أراد التوسع والاطلاع فعليه بمراجعة كتاب (الانحرافات العقدية العلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر) ، الفصل التاسع: (مواقف العلماء) ، من صفحة (٥٩٣- ٦٢٥) حيث أورد نماذج وشواهد متعددة ومتنوعة. وبناءً على ضعف مواقف العلماء في مقارعة الباطل والإنكار عليه بل وقوعهم في التلبس به ظهرت الفرق الضالة في الساحة وبثت سمومها وأفكارها، وكانوا عوناً للمستعمر الخبيث كما كانوا عوناً للصليبيين في وقتهم، وحوادثهم الشنيعة كثيرة ومواقفهم من أهل السنة خبيثة. لقد ظهرت الباطنية في اليمن فأثاروا القلاقل والفتن تحت زعيمهم وداعيتهم (المكرمي) الذي استمرت ولايته قرابة ثلاثين عاماً. وفي سوريا قام الإسماعيلية في سلمية يقاتلون بجانب الاستعمار الفرنسي، كما قاموا في إيران تحت زعامة (حسن علي شاه) وذاع صيته واتصل به الإنجليز ومنوه حكم فارس، كما تفاقم أمر النصيرية في بلاد الشام وغذّى الفرنسيون هذه النحلة الضالة ورعوها حتى صار زمام الملك بيدها، ونبتت بجوارهم طائفة الدروز الذين كانوا عوناً كبيراً لمحمد علي باشا عندما أرسل ابنه إبراهيم بجيش لاحتلال دمشق من أيدي العثمانيين بعد أن نزع يد الطاعة منهم عام ١٢٤٧ هـ، وكان زعيم الدروز يدعى (بشير الشهابي ت ١٢٦٦ هـ) ، وهم الذين مدوا يد التعاون مع قائد الحملة الفرنسية إلى الأقطار العربية (نابليون) وصاروا عوناً له للدخول إلى بعض مدن بلاد الشام. وانتشرت الزيدية في بلاد المسلمين وصار بينها وبين أهل السنة مواقف ومشادات حتى إن أهل السنة لما علموا وتحققوا من ذهاب العثمانيين عن بلادهم خافوا على أنفسهم من الزيدية؛ لأن مقاليد الحكم كانت بأيديهم، واستغل الإنجليز هذا الخلاف الذي نشب بين أهل السنة والزيدية في تهييج العداء وإشعال الحريق بينهما حتى تضعف شوكة الطرفين وهم يقطفون ثمرة ذلك بالتمكين لأقدامهم في المنطقة. وكانت فرقة اليزيدية المعروفون بعبدة الشياطين يقطنون العراق، وقد قاموا بثورات على بعض ولاة الأتراك، وروعوا الآمنين ونهبوا وقطعوا الطريق. كما نشأت فرق البهائية والقاديانية في العالم الإسلامي ورعتها بعض دول الكفر، وتهاونت دولة الخلافة في القضاء على هذه النحل المنحرفة، ومن أمن العقوبة أساء الأدب [٣٥] . أما دور الرافضة قديماً وحديثاً فغير خاف على من له شبه إلمامة بتاريخهم المشين [٣٦] . إن هذه العوامل الداخلية والخارجية كان لها الأثر السلبي على حياة الناس؛ حيث ضعفت الأمة في أهم وأقوى ما تحمله وهي عقيدتها، فأصبحت تحمل شعارات إسلامية دون المضامين لتلك الشعارات، ومن أبرز ذلك القضاء على عقيدة الولاء والبراء. وقضى العدو على طريق العزة والكرامة في نفوسهم ألا وهو الجهاد في سبيل الله، كما تضامن العدو الداخلي والخارجي على إيجاد الفساد الخلقي في صفوف الأمة الإسلامية وتقنينه ورعايته وحمايته، وسعى سعياً حثيثاً في إقصاء التحاكم إلى الشريعة الإلهية واستبدالها بقوانين وضعية، فحققوا من خلال هذا هدفين عظيمين الأول: تنحية الشريعة الإلهية من حياة الناس، والثاني: تحقيق أهدافهم من خلال الأنظمة والقوانين التي اختاروها بديلاً للناس عن هذه الشريعة الغراء. وتسلط العدو على الموارد المالية، فخطط للاستفادة منها، وجعل له حق الامتياز فيها، واتبع مع أهلها الأصليين قول عبد الله بن أُبَيّ بن سلول: «سمِّنْ كلبك يأكلك، وجوِّع كلبك يتبعك» . وبث العدو سمومه الثقافية من خلال أجهزة الإعلام المتعددة والمتنوعة المرئية والمقروءة، وما من بيت من بيوت المسلمين إلا وقد وصله الإعلام، ودخل عليه بدون استئذان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 4107

دراسات في الشريعة والعقيدة الإصلاح التشريعي في مصر نماذج من جهود العلماء والمفكرين في توظيف أدوات إصلاحية عبد العزيز بن محمد القاسم [*] azalgasem@hotmail.com تقدم في الحلقة الماضية عرض بعض جهود العلماء في إصلاح التشريع، ونستكمل في هذه الحلقة قراءة نماذج أخرى في هذه المسيرة الإصلاحية. ٤ - تيسير مصادر الفقه للمتخصصين والقانونيين: لم تكن صياغة المادة الفقهية وتدوينها في مصادر الفقه المختلفة أمراً توقيفياً يجب احتذاؤه، بل لم يكن الفقه مدوناً إلا بعد انقراض جيل الصحابة تقريباً، وكان هذا شأن السنَّة في الجملة؛ وما كان من الكتابة فهو استثناء، وكان العمل في تلك الفترة على الرواية والمشافهة والنقل المباشر، ثم بدأ تدوين فقه الصحابة والتابعين في المصنفات ونحوها ككتب أخبار القضاة. ثم بدأ التدوين مع تأسيس المذاهب، وكان التوجه العام هو النهي عن تدوين الفقه كما هو معلوم، ولذلك لم يكن للإمام أبي حنيفة في الفقه كتاب بقلمه، وكذا الإمام مالك لم يدون فقهه تدويناً فقهياً، ثم جاءت الكتب المنسوبة للإمام الشافعي وهي إملاؤه على تلاميذه في الغالب، فجمعوها؛ ولهذا تتكرر فيها عبارة: «قال الشافعي» ، وفي كثير من الفصول نجد عبارة: «أخبرنا الربيع قال الشافعي» ، أما الإمام أحمد فكان ينهى عن كتابة رأيه ويأمر بالأخذ من المصادر. ثم جاء عصر التدوين، والتهذيب، والجمع، والشرح، والاستدلال، والجمع، والتفريق، وقدمت تلك المناهج المختلفة ثروة علمية عظيمة، وقد غلبت عليها ظاهرة التدوين الفروعي إلى أن نشأ علم القواعد الفقهية بمراحله المعروفة، ثم جاءت العناية بالكتابة في الكليات العامة للشريعة بناء على تقسيمها المصلحي وإجمال الشريعة في رعاية الضروريات الخمس، وقسمت المصالح إلى ضرورية وحاجية وتكميلية، وكان هذا هو بدء النظر الكلي في تنظيم فقه الشريعة وتدوينه بما يجمع الفقه في نظام كلي مصلحي [١] . وفي هذا المقام لا بد من الإشارة إلى اتجاه الفقه الإسلامي نحو التدوين الفروعي واختلافه بهذا عن الدراسات القانونية اللاتينية لسبب جوهري هو أن الفقه الإسلامي لم يكن يعاني من معضلة مشروعية المرجعية؛ إذ كانت مرجعية النص الشرعي قاعدة قطعية مجمعاً على مصدريتها لهذا الفقه، بل ربما اعتبرنا الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه تفسيراً لممكنات النص الشرعي وأحوال التعامل معه حسبما وضحها العلماء في مناقشتهم لمسألة أسباب الاختلاف في الفقه بمعناه العام، أما في الدراسات القانونية اللاتينية بشكل خاص فقد كانت تعاني من معضلة المرجعية؛ فحاول تأسيس مرجعيته عبر الوضوح النظري، فأدى ذلك إلى التوسع في التنظير وشد الفروع إلى أصول كلية تتفرع عنها تلك الكثرة من المسائل، وإن كانت مصادر تلك النظريات قد جاءت من مصادر شتى ليس هذا موضع الحديث عنها. وما يهمنا في هذا السياق هو علاقة مناهج التدوين بمشكلات التأسيس للمشروعية؛ فحين كان التأليف الفقهي يخاطَب به مجتمع متفق على مرجعية النص الشرعي وحجية المصادر الفقهية وفق قواعد الترجيح والاختيار المذهبي كان التدوين الفقهي يعتمد على السرد الفروعي، وحين يتطرق الخلاف والجدل إلى حجية المصدر كان العلماء يبادرون إلى التدوين وفق المنهجية التي تعالج الأسئلة الجديدة، فحينما كانت منهجية تلقي الفقه متفقاً عليها في الجملة كان العلماء يتداولون الفقه بوصفه مسائل متفرقة، وحين نشأ الخلاف في منهجية الاستدلال كتب الشافعي في منهجية الاستدلال رسالته الشهيرة، وحين تعرض الاستدلال القياسي لمعضلات مخالفة المقصود الشرعي للحكم تصدى الجويني لإعادة إعمال المقاصد، وتلقف آراءه العلماء الكبار فحذوا حذوه في العناية بإعمال المقاصد كما فعل الغزالي وابن عبد السلام والقرافي وابن تيمية وابن القيم وتوَّج ذلك الشاطبي. وفي العصر الحديث حين تعرض الحقل الفقهي للمزاحمة العنيفة من قِبَل القوانين الغربية ومدارسها، ونشأت عقول المتخصصين على التقسيمات الحديثة للمادة الفقهية مما أدى إلى صعوبة اطلاع القانونيين على مصادر الفقه وكنوزه [٢] ؛ عند ذلك اتجه العلماء لتقريب الفقه؛ وذلك عبر عدد من أدوات التقريب منها إصدار الموسوعات الفقهية منذ سنة ١٩٥٦م حين صدر أمر جمهوري سوري يكلف كلية الشريعة في الجامعة السورية بإصدار موسوعة للفقه الإسلامي فصدرت بعض الفهارس التمهيدية، ثم تبنت وزارة الأوقاف المصرية مشروع الموسوعة سنة ١٩٦٠م [٣] ، وصدر منها بضع وعشرون جزءاً، ثم تعثر المشروعان السوري والمصري بعد إصدارات قليلة، فاحتضنت وزارة الأوقاف الكويتية المشروع وأصدرت الموسوعة الفقهية المعروفة، ثم شارك مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في جهود تقريب الفقه الإسلامي وتبنى مجموعة من الإجراءات منها إعداد موسوعة للقواعد الفقهية، وإعداد موسوعة فقهية؛ لكن ذلك لم يكتب له التنفيذ لضآلة موارد المجمع، ثم تحقق للمشروع قفزة كبيرة بتعاون وزارة الأوقاف الكويتية، والبنك الإسلامي للتنمية المتفرع عن منظمة المؤتمر الإسلامي وشركة صخر فصدر برنامج جامع الفقه الإسلامي وحقق بذلك تيسيراً لمصادر الفقه الإسلامي؛ إذ تضمن فهرسة موضوعية لمصادر الفقه الإسلامي الرئيسية قامت بإعداد خريطته العامة كلية الشريعة في الكويت، وقد تضمنت الخريطة ما يصل إلى سبعة وعشرين ألف مدخل فقهي ضمن ترتيب فقهي حديث يعتبر من أرقى ما قدم من تيسير للبحث في الفقه الإسلامي المعاصر، كما تضمن البرنامج توظيفاً متقدماً لآليات التحليل الصرفي التي تمكن الباحث من الوصول إلى المفردات الفقهية بنصها واشتقاقاتها ولواحقها، ولا زال البرنامج بحاجة إلى منهجية استراتيجية يمكن أن تقدم أداة بحثية تحقق نقلة عملاقة في الدراسات الفقهية، نسأل الله تعالى أن يأخذ بأيدي القائمين عليه لتحقيقها. ومن جهود العلماء في تقريب الفقه الإسلامي للقائمين على التشريع والاجتهاد تدوين الفقه وفق مناهج تدوين النظريات القانونية الحديثة باعتبارها أوعية تنظيمية للمادة الفقهية تجمع متفرقها وتستكشف أصولها كتدوين الأحكام العامة للعقد في نظرية للعقد، وأحكام الخيار في نظرية للخيار، وأحكام البطلان في نظرية عامة للبطلان، وأحكام الضرر، والتعسف، وهكذا، وربما يعتبر بشكلٍ ما مؤسس هذا التدوين الشيخ الأزهري أحمد إبراهيم بك ولد سنة ١٢٩١هـ في بدايات القرن الميلادي الماضي بكتابه في الالتزامات وما يتعلق بها، ثم كتب الشيخ محمود شلتوت ولد سنة ١٣١٠هـ بحثه المقدم إلى مؤتمر (لاهاي) بعنوان: (المسؤولية المدنية والجنائية في الشريعة) ، وإن كانت مجلة الأحكام العدلية قد سبقت؛ لكنها نموذج مختلف من حيث طابعها التشريعي، وتتميز منهجية أحمد إبراهيم ومن جاء بعده بطابعها الفقهي، ثم انتشرت هذه المناهج فصارت منهجية شائعة في البحوث الجامعية، وتبنته الكليات الشرعية في العالم الإسلامي [٤] . وقد أدى التحول لكتابة المادة الفقهية وفق المناهج الحديثة في بعض الأحيان إلى مشكلات عميقة خاصة حين تصدت الدراسات الجامعية لمقارنة الفقه الإسلامي بالقوانين والنظريات الغربية، فأوقع ذلك في مشكلة محاكاة النظريات الغربية وتقليدها، إلا أن تلك العيوب لا تنفي الفائدة العظيمة؛ حيث حققت الكتابة بالمناهج الحديثة وَصْلَ القانونيين بفقه الشريعة، وقد أدى تراكم الدراسات إلى منهجية نقدية تمحص الإنتاج وتكشف الانحراف، ولا زال هذا الميدان بحاجة لمراجعات عميقة تؤدي إلى سيطرة مقاصد الشريعة على اتجاهات التشريع؛ لاتقاء الإغراق في المقارنات الجزئية التي تنقاد في كثير من الأحيان إلى اصطناع موافقة الفقه الإسلامي للنظريات الغربية، وقد أبدى بعض المتخصصين في الدراسات القانونية قلقه من هذا الاتجاه، فكان السنهوري على سبيل المثال يدعو إلى بناء المقارنة الفقهية على أصالة الفقه الإسلامي وتميزه عن النظريات الغربية ويقول: «لن يكون همنا في هذا البحث إخفاء ما بين الفقه الإسلامي والفقه الغربي من فروق في الصنعة والأسلوب والتصوير، بل على النقيض من ذلك سنُعنى بإبراز هذه الفروق حتى يحتفظ الفقه الإسلامي بطابعه الخاص، ولن نحاول أن نصطنع التقريب ما بين الفقه الإسلامي، والفقه الغربي على أسس موهومة أو خاطئة؛ فإن الفقه الإسلامي نظام قانوني عظيم له صنعة يستقل بها، ويتميز عن سائر النظم القانونية في صياغته، وتقتضي الدقة والأمانة العلمية علينا أن نحتفظ لهذا الفقه الجليل بمقوماته وطابعه. ونحن في هذا أشد حرصاً من بعض الفقهاء المحدثين، فيما يؤنس فيهم من ميل إلى تقريب الفقه الإسلامي من الفقه الغربي، ولا يعنينا أن يكون الفقه الإسلامي قريباً من الفقه الغربي، فإن هذا لا يكسب الفقه الإسلامي قوة، بل لعله يبتعد به عن جانب الجدة والابتداع، وهو جانب للفقه الإسلامي منه حظ عظيم [٥] . وكان السنهوري نفسه قد نادى سنة ١٩٣٧م أي بعد توقيع معاهدة ١٩٣٦م وهي معاهدة الاستقلال مع بريطانيا التي نادى بسببها طه حسين إلى احتذاء التشريعات الغربية مستنداً إليها متبنياً وجوب الرجوع إلى الشريعة الإسلامية عند مراجعة التشريع المصري، وأن العودة إلى الفقه الإسلامي تمليه متانته العلمية والفنية والاعتبار الوطني والقومي، وقرر أنه يجب أن يكون القانون الإسلامي المشتق من الفقه الإسلامي:» في منطقه وفي أسلوبه فقهاً إسلامياً خالصاً لا مجرد محاكاة للقوانين الغربية، وليس يجوز الخروج عن أصول الشريعة بدعوى أن التطور يقتضي هذا الخروج « [٦] . ونجد مثل هذا التحذير لدى الشيخ عبد القادر عودة، والمستشار طارق البشري، وقد حرر الدكتور محمد النبهان مجموعة شروط لتوظيف مناهج التدوين القانوني الحديثة في الفقه الإسلامي وهي: ١ - الاحتفاظ بالشخصية المتميزة للفقه الإسلامي من حيث طبيعة الأحكام، والمنطلقات، والأهداف. ٢ - الاقتصار في مجال الاستفادة على الجانب الشكلي المتعلق بالتبويب والتقسيم والترقيم. ٣- عدم استخدام المصطلحات القانونية بديلاً أصيلاً عن المصطلحات الفقهية، وينحصر استعمالها في مجال التوضيح والتفسير للمصطلحات الفقهية الأصيلة ذات الدلالة المحددة؛ نظراً لأهمية الاحتفاظ بالمصطلحات الشرعية، ولأن الاستمرار في استعمال تلك المصطلحات يعمق معناها في نفوس المشتغلين بالدراسات القانونية وييسر لهم الرجوع للمصادر الفقهية التي لا يمكن أن تفهم إلا بعد معرفة دلالات المصطلحات التي استخدمها الفقهاء [٧] . وربما كان أهم جوانب توظيف المناهج الجديدة يكمن في استخلاص أسئلة الواقع من خلال قلب أجوبة المناهج الحديثة إلى أسئلة يتضح بها مجال البحث الفقهي الشرعي المطلوب ليقدمه إلى طلبة العلم مرشداً لحاجات الواقع وقضاياه. وربما كانت مشكلة تأثير المقارنات الجزئية في شد الفقه الإسلامي نحو الفكر القانوني الغربي من أسباب اتجاه الباحثين والعلماء نحو العناية بالكليات لما تتميز به من وضوح منهجي يضيء مجال النظر ويشده نحو الكليات المحكمة التي تجمع الفروع وتوجهها اتجاهاً مستقلاً عن الفكر الغربي، ولا تختص بهذه الظاهرة الدراسات الفقهية، بل نجد مشكلة تأثير الفكر الحديث في المجالات الإنسانية المختلفة، بل ربما تتجلى بوضوح باهر لدى الهاربين من هذا التأثر؛ إذ يتقمصون مبادئ وأصولاً غربية للفرار من الحداثة الغربية فيقعون في شباكها بأدوات غربية أخرى، ومن أعجب أمثلة هذا تأثير مفاهيم الفكر الشمولي في مجمل الخطاب الإسلامي، وتقمص كثير من أدواته بما يخالف أصول الشريعة القطعية، وسيأتي لهذا الموضوع بيان لجوانبه المتعلقة بالإصلاح التشريعي إن شاء الله. جاء إحياء علم مقاصد الشريعة ليقود الفكر الإسلامي والبحث الفقهي من الإغراق الجزئي إلى تحديد الاتجاهات الكلية لتكون الدراسات الفروعية خادمة لتميز الشريعة، وأصالة مناهج فقهها بدلاً من اتجاهات المتابعة والمحاكاة، والمتتبع للدراسات المقاصدية يلحظ اتجاهها نحو التميز باعتبار كليتها واتساع أصولها، وإن كادت بعض توجهات أبحاث المقاصد قد وسعت بعض أصول المحاكاة والتقليد لكنه اتجاه يضيق مع تراكم الدراسات المقاصدية وتعدد مناهج البحث فيها، والمأمول أن تتحول الدراسات المقاصدية من التنظير والتأريخ المقاصدي إلى التطبيق المقاصدي في مجالات الإصلاح، وبخاصة في مجالاته الحيوية وهو ما تظهر بوادره في مواقع عديدة [٨] . ٥- بناء مؤسسات فقهية حديثة: أظهرت تطورات الحياة الحديثة واكتشاف النظم الغربية الحاجة إلى تجديد النظر الفقهي بحيث يقدم للواقع أجوبة شرعية تضيء الطريق وتقدم هداية الوحي لتنتظم بها الحياة العامة، فأسست أقسام الدراسات الفقهية المقارنة لتكتشف مناهج الاجتهاد الفقهي وتوازن بين الآراء، وتقدم للناس الاجتهاد الموائم لحاجتهم المتسق مع دلالة النصوص وقواعد الترجيح، وقد أثمرت تلك الأقسام آلاف الدراسات الفقهية التي تتناول موضوعات الفقه والموضوعات الفقهية التي يعيشها الناس في واقعهم اليوم، وقد تفاوتت الجامعات في العناية بقضايا الفقه الحديثة؛ فبينما نجد في بعضها عناية فائقة ودراسات متتابعة لمشكلات التطبيق اليومية، نفاجأ في بعضها الآخر بصدود عجيب عن قضايا الواقع ومشكلاته حتى يتبين أن الجامع الأصلي لموضوعات بعض الكليات الشرعية هو ابتعادها عما يمس الواقع ويناقش قضاياه، فانكفأت على كتب التراث بحثاً وتحقيقاً ومقارنة، دون ترتيب للأولويات. وربما كان من المفارقات الغريبة أن يكون خريجو الكليات الشرعية الذين يتصدون لقضايا الواقع الحديث في القضاء والتقنين والاستشارات هم أبعد الناس عن الدراسات الفقهية الحديثة بقضاياها ومناهجها المتعددة، وقد أدى هذا إلى ضعف تأثيرهم وتراجع مواقعهم في قيادة تلك المؤسسات. ومن مؤسسات الفقه الحديثة المجامع الفقهية، وقد أوجدت فرصة كبيرة للحوار الفقهي وتأسيس مرجعية معتبرة في البلدان الإسلامية؛ إلا أن ضعف إمكاناتها المالية، وعدم تفرغ قادتها وأعضائها أدى إلى ضحالة منجزات تلك المجامع وندرة القضايا التي عالجتها. ومن مؤسسات الفقه الحديثة هيئات الرقابة الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية كهيئات الرقابة الشرعية في المصارف، ومؤسسات التأمين والتكافل والاستثمار. ومن مؤسسات الفقه الحديثة المعنية بالإصلاح التشريعي المجلات الفقهية المتخصصة؛ ويصعب حصر هذه المجلات؛ إذ تصدر من الكليات الشرعية ومؤسسات الفتوى والمجامع، وربما كان من أكثرها تميزاً من حيث اتساع اهتمامها بالقضايا الحديثة مجلة المسلم المعاصر، وغيرها. ومن المؤسسات الحديثة التي يمكن استثمارها بشكل حيوي الجمعيات العلمية الجامعية، ويجري تأسيس جمعية للعلوم الفقهية في كلية الشريعة بجامعة الإمام بالرياض ربما تؤدي في حالة استثمارها إلى إحياء العناية بالمجال التشريعي لتسهم فيه ببحوثها وجهودها التوعوية والإصلاحية. ٦- توعية الجمهور للمطالبة بالعودة إلى تحكيم الشريعة: لقد فُجع الجمهور المسلم بتنحية الشريعة وإحلال القوانين الوضعية لتكون لها السيادة على رقاب المسلمين وحقوقهم، فكانت ردود فعل الجمهور كبيرة ومؤثرة، وقد أسهم في إيقاظهم أعمال التوعية التي قام بها العلماء والمفكرون والكتاب والخطباء، ويصعب تتبع هذا الجهد؛ لكنه أسهم بشكل ملحوظ في دعم جهود التصحيح، وكانت لتلك الجهود آثارها في توجه الجمهور لدعم الدعوة لتحكيم الشريعة، ولم يتخلف عن هذا الجهد أكثر العلماء والمفكرين عبر التأليف والبيانات والمقالات الصحفية والبحوث الموثقة [٩] . ٧ - توظيف أدوات العمل السياسي الحديثة للعمل على تحقيق تطبيق الشريعة: لقد أدت ضخامة انحراف الحكام عن تطبيق الشريعة واتجاهها لتبني القوانين الغربية وتغريب المجتمعات تبعاً لذلك إلى تغيرات كبيرة في المجتمعات، وكان من آثارها تأسيس الجمعيات السياسية والاجتماعية التي تخصصت في معارضة هذه الاتجاهات التغريبية، فشارك محمد رشيد رضا في عدد من هذه المؤسسات، وقام الشيخ حسن البنا بتأسيس إحدى هذه المؤسسات وهي جماعة الإخوان المسلمين وقد كُتِبَ لها بخلاف العديد من الجمعيات التي أسست فأخفقت نجاح هائل استطاع أن يجمع جمهوراً عريضاً يقود الدعوة إلى تطبيق الشريعة والعودة إلى حكمها، كما أسست جهات عديدة أشكالاً جماعية أخرى تقوم على التعاون بالمعروف لتحقيق هيمنة الشريعة مثل جمعية السنة وجمعيات العلماء في عدد من البلاد الإسلامية، وقد تحول بعضها إلى تنظيمات اجتماعية ضاربة أدت فيما بعد إلى ظاهرة الصحوة الإسلامية لتوجد ضغطاً اجتماعياً يواجه انفراد الدول بالأمر والنهي، فأسفر ذلك عن نفوذ اجتماعي استطاع أن يوجد آليات اجتماعية تقاوم كثيراً من آثار التغريب التشريعي، وقد تطورت تلك الحركات على مدى عقود طويلة لتوجد لها منابر مستقلة في كثير من المجتمعات، ولم تتطور بعد تلك التجمعات لتؤسس لنفسها حضوراً اجتماعياً فاعلاً على مستوى النظم وأدوات التأثير العضوية في بنى الدولة والمجتمع، وربما يستثنى من هذا حالات قليلة وبدرجات متفاوتة من التأثير ومن ذلك التيارات الإسلامية في الكويت؛ حيث توصلت مع السلطة إلى تأسيس لجنة تعمل على ضخ قيم الشريعة، وأحكامها في نظم المجتمع ومؤسساته، وتشريعاته سميت:» اللجنة الاستشارية العليا لاستكمال تطبيق الشريعة «أنجزت مراجعة القانون المدني، وأخذت التعديلات موضعها في التطبيق؛ كما أنجزت مشروعاً تربوياً وطنياً يرعى قيم وآداب الشريعة في مؤسسات التربية المختلفة من الأسرة إلى المدرسة إلى وسائل الإعلام، وأنجزت مجموعة من أدوات تمويل العجز في الميزانية بأدوات إسلامية؛ وربما حققت التيارات الإسلامية في ماليزيا نجاحاً مماثلاً وخاصة في المجال المالي. ولا يتسع المجال لتتبع هذه التطورات الحديثة، وربما تتيسر دراسة نماذج من تطور الحركات والجمعيات الإسلامية وتتبع جوانب من نجاحاتها وإخفاقاتها. ٨ - استثمار الأدوات المعرفية الحديثة في دراسة الفقه الإسلامي وأصوله: إن استثمار الأدوات المعرفية الحديثة في دراسة الفقه الإسلامي وأصوله تنظيراً وتطبيقاً يعتبر من أهم اتجاهات الإصلاح التشريعي من الناحية المعرفية لكونها تستهدف منهجية التفكير والاجتهاد وآلياتها المعرفية، ومن ذلك على سبيل المثال تتبع آليات توليد المعاني الشرعية ومقارنتها بالتحولات السياسية والاجتماعية التي رافقت تطور تلك الآليات، وقد كتبت دراسات عديدة في هذا المجال كان بعضها منحرفاً انحرافاً كبيراً لتجاهله لحقيقة الوحي ودوره في تكوين الأمة الإسلامية وأدوات تفكيرها؛ ومن أبرز قادة هذا الاتجاه المفكر الجزائري محمد أركون؛ لكنه انغمس في أدوات المستشرقين ومشروعاتهم النقدية، فقدم مشروعاً نقدياً لم يكتب له النجاح لضخامة تحامله على فكر الأمة واستئثاره لأدواته النقدية الغربية التي حجبته عن النقد المنصف، وقد تلقى نقداً عنيفاً من مختلف التيارات الفكرية؛ غير أن أعماله هو ومفكرون آخرون لفتت الأنظار إلى أدوات الدراسة والتحليل الحديثة. ومن مشروعات النقد ما قدم تحليلاً عميقاً لتداخل الثقافات البشرية مع مدلولات النصوص وكشف مسارب تلك التداخلات كما فعل الدكتور محمد عابد الجابري في مشروعه الضخم: (نقد العقل العربي) في مجلداته الأربعة، ومع وقوعه في أخطاء كبيرة لكن ما قام بكتابته يعتبر إنجازاً كبيراً يمكن مواصلة تصحيحه وتقويمه وهو ما حدث فعلاً بأقلام عدد من المفكرين والنقاد، كما نجد لدى مفكر آخر مشروعاً حاول تعويض انصراف المفكرين العرب عن أثر النصوص الشرعية في تكوين الأمة الإسلامية وتحولاتها التاريخية، فقدم أبحاثاً عميقة تكشف علاقة النصوص بتحولات الفكر في الأمة الإسلامية وهو المفكر اللبناني رضوان السيد، كما قام المفكر المغربي طه عبد الرحمن بتقديم مراجعة كبيرة لأهم المشروعات النقدية فقدم مشروعاً فكرياً كبيراً انتقد فيه انحرافات المشروعات السابقة، فأصدر كتابه: (تقويم المنهج في نقد التراث) ، انتقد فيه المشروعات السابقة التي حاولت تجزئة التراث ونقده من خلال آليات تتجاهل إلى حد ما طبيعة التراث نفسه، وطبيعة أدوات إنتاج المعرفة فيه، وبرهن على وجود آليات تراثية لاستلهام المعرفة الإنسانية، وتطويعها لحقائق الوحي وطبيعة اللغة العربية، وخاصية الأمة الإسلامية التي تميزها وهي اقتران العلم بالعمل، وقدم مجموعة من وسائل النقد التراثية، وهي أدوات تندرج ضمن آليات أسلمة المعرفة، ثم قدم مشروعاً نقدياً تأسيسياً للفلسفة العربية انتقد فيه عقم المشروعات الفلسفية العربية، وأثبت علاقة هذا العقم بانحراف هذه الفلسفة عن مكونات الأمة المعرفية والعقدية واللغوية، وحاول تأسيس منهجية التفكير التي تحقق التلاؤم مع تلك الخصائص وذلك في كتابه: (فقه الفلسفة) بجزئيه. وتبقى هذه المشروعات لَبِناتٍ أساسيةً لفهم الفكر المعاصر، وطريقة فهمه للتراث، كما تعتبر المشروعات التصحيحية التي قام بها نقاد تلك المشروعات خاصة طه عبد الرحمن ورضوان السيد أعمالاً مهمة لتكوين ملكة نقدية حديثة، وهي أعمال بشرية يقارنها الخطأ والتقصير، لكن تلك العيوب لا تعفي من دراستها تمهيداً للتصحيح والإضافة في مشروع الأمة الكبير لتطويع المعارف الحديثة لحقائق الوحي أو ما يسمى حديثاً لدى علماء التخصصات الإنسانية بأسلمة المعرفة، وإن لم يقم الإسلاميون بدورهم في قيادة تطوير تلك المشروعات فسيكون حظهم منها ملاحقة انحرافاتها والبقاء على هوامشها. وتعتبر هذه المشروعات النقدية والتأسيسية امتداداً من الناحية الوظيفية لما نجده في مصادر التراث الفقهي والأصولي من أبحاث تتناول جوانب من المعاني التي تدرسها المناهج الحديثة؛ غير أن تلك البحوث وما تبنته من آراء وإصلاحات لم تكن بالطريقة الشمولية التي وفرتها المناهج الحديثة، كما لم يتحقق لها الانتشار والشهرة ما عدا بعض المشروعات النقدية الكبيرة مثل نقد الجويني لجوانب من التفكير الفقهي في كتابه: (الغياثي) ، ومشروعات ابن تيمية في نقد المنطق، ونقد الفكر الفلسفي في كتابه: (درء تعارض العقل والنقل) ، وغيرها من المشروعات النقدية التي كان لها أكبر الأثر في تصحيح عيوب المناهج التي نقدتها. ولنضرب بعض الأمثلة للملاحظات النقدية لدى بعض الفقهاء السابقين في منهجية التفكير الفقهي: أ - نقد اتجاه الفقه نحو الاجتهاد الجزئي والتركيز على دراسة الفروع وما يؤدي إليه ذلك من تفويت للكليات من جهة ومخالفة لمقاصد الشريعة من جهة أخرى، وقد لاحظ ذلك العلماء بشكل يمكن الوصول إليه في فتاوى الفقهاء وتعقيباتهم بشكل متناثر إلى أن جاء الجويني ﵀ في كتابه: (الغياثي) فدرس آثار تفويت الكليات ومقاصد الشريعة انشغالاً بفروعها ومصالحها الجزئية، فكان بذلك أول من تحدث بشكل منهجي عن ضرورة العودة إلى فقه المقاصد والكليات، ثم جاء بعده الشاطبي وقرر ذلك بشكل تأصيلي مفصل في كتابيه: (الموافقات) و (الاعتصام) . وكان من أهم آثار التنبيه لذلك توجيه العناية بفقه المقاصد والكليات والعمل على تحصيلها لما يترتب على ذلك من ضبط التوجهات الكلية حتى لا تتحول الفروع عن المقاصد الكلية إلى الاسترسال تبعاً للأقيسة والتخاريج الجزئية وهو ما كان مسيطراً على مصادر الفقه؛ ويكفي لمعرفة ذلك مراجعة مطولات المذاهب لنقف على تعدد الأقوال في المسألة الواحدة بحيث يسمح ذلك بمشروعية خيارات متعددة متناقضة، يظهر خطرها عند التعسف في تطويعها للأهواء والمصالح، وكان من نتائج تلك المخاطر التشديد في معايير الاجتهاد وفرض التقليد وتوجيه الأقوال في المذاهب لتعيين الراجح والإلزام به لتتحول بعد ذلك المذهبية بمفهومها الضيق إلى نوع من التسلط العلمي الذي يمنع من الاجتهاد ورعاية المصالح وتفويت النصوص الشرعية التي تقرر ذلك؛ وهو ما قاد إلى توسع السلاطين والولاة في العمل بالسياسة ذات المصالح الضيقة المقابلة للنصوص ومصالحها المنضبطة، فيستحل القتل باسم: » الإرهاب الذي يسميه ولاة الظلم سياسة وهيبة وأبهة الملك « [١٠] . وهو ما نجده عند الجويني قبل ابن تيمية؛ إذ يقول مبيناً عدم مشروعية سياسات الولاة في سفك الدماء، وأنه من:» سنن الأكاسرة والملوك المنقرضين « [١١] . وتقدم في الحلقة الأولى من هذه السلسلة كلام ابن تيمية في العلاقة بين الضعف الفقهي ولجوء العباسيين للعمل بالسياسة يشير بذلك إلى التشريعات الوضعية العباسية التي تخالف الشريعة، وتتبع كلام العلماء في هذا يطول. ب - نقد تشديد الفقهاء في رعاية القيود المذهبية وطردها بما يشبه التعامل مع النصوص الشرعية مما أدى إلى نوع من العزلة عن واقع الناس ومصالحهم وتصرفاتهم اليومية، وقد أدت تلك الاتجاهات إلى إعراض العامة عن تلك القيود المذهبية والمسائل التفصيلية، ورعاية مصالحهم عبر ألوان الحيل والمخارج الفقهية حتى تحولت الحيل إلى علم يؤلف فيه، ثم تحول الوعي بخطورته إلى حقل علمي يؤلف العلماء المصنفات المفصلة للتحذير منه، وهذا كله من مظاهر إشكالات الفقه وهو جوهر الفكر التشريعي. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:» ولقد تأملت أغلب ما أوقع الناس في الحيل فوجدته أحد شيئين.. وإما مبالغة في التشديد لما اعتبروه من تحريم الشارع فاضطرهم هذا إلى الاعتقاد إلى الاستحلال بالحيل؛ وهذا من خطأ الاجتهاد « [١٢] . كما أدى من جهة أخرى إلى ضعف تقلب المسلمين في وسائل تحصيل القوة؛ وهو ما دفع الجويني إلى التحذير من التشديد الذي قد يؤدي إلى:» الإفضاء إلى ارتفاع الزرع والحراثة وطرائق الاكتساب وإصلاح المعايش التي بها قوام الخلق قاطبة « [١٣] ، وهو ما يؤدي:» إلى بوار أهل الدنيا، ثم يتبعها اندراس الدين « [١٤] . ج - تحليل مكونات النصوص الشرعية من حيث الإلزام والإطلاق، وتمييز ما له صفة الإلزام والإطلاق عما له طبيعة غير ملزمة، أو خاصة، وذلك كتفريق الأصوليين بين ما له صفة تشريعية من تصرفاته ﷺ ، وما ليس له تلك الصفة مثل التصرفات الجِبِلِّية، وتصرفه بالعادة كطبيعة اللباس، وتصرفه بالتشريع كالتيامن مثلاً، ومن أبحاث علم الأصول التفريق بين تصرفات النبي عليه الصلاة والسلام بالإمامة والقضاء والسياسة والتشريع لتنزيل كل قسم منها منزلته التشريعية من حيث الإطلاق والإلزام، وقد صُنف في هذا مؤلفات عديدة ككتاب: (الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام) للقرافي. د - تحليل الجوانب الإنسانية والفروق الفردية وتأثيرها في التعامل مع الفكر التشريعي والفقهي، وهو ما نلاحظه في كلمات العلماء وتحليلاتهم، ونجد آثار هذه الفروق في فقه الصحابة، حتى عُرف لدى العلماء ابن عمر بنوع من الشدة في الأخذ بالنصوص، وعُرف ابن عباس بالفقه والتيسير، وهكذا يمكن استقراء تأثير الفروق الفردية في الفكر التشريعي بشكل عام. ثم تظهر الكتابة النقدية في هذا المجال؛ فنجد لدى ابن الجوزي نقداً قوياً لبعض مظاهر العمل الديني ومنها العمل الفقهي في كتابه: (تلبيس إبليس) ، ثم يأتي الذهبي في كتابه: (زغل العلم) ليقوم بمراجعة عامة موجزة لكنها ثمينة، وكان من عناصر الكتاب النقدية تتبع العوامل النفسية في نشاط الفقهاء وغيرهم. وهكذا نتبين جوانب عديدة من الدراسات الفكرية المنهجية والتاريخية والنفسية تتضافر لتقدم نماذج من الفكر النقدي في التراث للعلوم الفقهية والتشريعية، وكان أكثر تحولاتها أهمية ما يظهر عند تدهور الأحوال، أو بتعبير الجويني: عند هجوم المحن [١٥] . وقد تطورت حديثاً أدوات الدراسات التاريخية، والاجتماعية والاقتصادية والنفسية والمنهجية في الثقافة المعاصرة، فقدم ذلك للمسلمين وسائل هائلة للدراسات النقدية والتحليلية يمكن استثمارها كمتممات لعلم أصول الفقه تعمق جوانبه المتعلقة بهذه الجوانب للمضي بالدراسات الفقهية إلى أعلى مدى من تحقيق معاني النصوص ومقاصد الشريعة وتخليص الفقه من آثار مراحل التقليد والجمود وتأثير الفلسفات اليونانية والفارسية والصوفية، غير أن ممارسة هذا النوع من الدراسات النقدية محفوف بمخاطر منهجية عويصة يصعب تجاوزها دفعة واحدة، كما يستحيل تجاهل تلك المناهج لكونها وسيلة فعالة من وسائل تمكين الشريعة وتعميق معرفة نظمها وكيفية استثمارها. وقد سبقت التيارات التحديثية إلى استثمار تلك الأدوات، منتجة بذلك طيفاً عريضاً من النتائج تبدأ من تطويع الشريعة للفلسفات المعاصرة ماركسية وليبرالية واشتراكية وباطنية إلى التيارات التي تسعى لتأكيد صحة الانحرافات التراثية عبر الوسائل المعرفية الحديثة، وبين ذينك الطرفين اتجاهات متعددة تقذف إلى المطابع سنوياً مئات الدراسات التي تشكل عقول المثقفين والإسلاميين بمختلف اتجاهاتهم مهما بدت سلامتهم من التأثر بتلك الأفكار؛ إذ كثيراً ما تشيع الفكرة الإنسانية الحديثة فيتبناها بعض الإسلاميين، ثم يسبغون عليها تأصيلاً يربطها بالنصوص حتى رأينا قراءة حركية للسيرة واستقراءً فقهياً لثورية الإسلام، وتوظيفًا لجوانب من مفاهيم الغربة الماركسية بنصوص نبوية. وهذه التداخلات سنة طبيعية يتعذر الاحتياط لمنع وقوعها بالكلية؛ لكن ذلك لا يعفي من ضرورة إحياء النقد والمبادرة إلى الدراسة العميقة للأفكار وتحولاتها وتسربها، وضبطها بما يمنع مناقضتها للنصوص الشرعية ومقاصدها حتى لا تتحول الشريعة إلى مادة فكرية يتم تشكيلها لتتواءم مع مختلف المذاهب والمرجعيات بحيث تفقد الشريعة وظيفتها في قيادة الفكر الإنساني وهدايته، وسيكون لهذا الموضوع بحث مستقل بعون الله تعالى. والله الموفق.

стр. 4108

دراسات في الشريعة والعقيدة معالم غائبة في الولاء والبراء د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف [*] ما كان لشعيرة الولاء والبراء أن تندرس وتضعف في واقع الكثير من المسلمين إلا بسبب ضعف عبوديتهم ومحبتهم لله تعالى؛ فإن عبادة الله ومحبته هي الأصل، ويتفرع عنها الحبّ والولاء في الله، والبغض والبراء في الله تعالى؛ فكلما كان الشخص أكمل عبودية ومحبة لله تعالى كان أكثر تحقيقاً للولاء والبراء. ولما غلب على الكثير الولعُ بالشهوات من الأموال والنساء والمناصب وأُشربوا حبّ الهوى صاروا يوالون ويوادون على حسب أهوائهم وعقولهم المعيشية؛ فضعفت عبوديتهم لله تعالى بسبب الانهماك في تلك المحبوبات والشهوات، فزاحمت عبوديةَ الله تعالى ومحبته، ومن ثم ضعف حبهم في الله تعالى، وبغضهم في الله؛ فالحب في الله والبغض في الله ولوازمهما متفرع عن حب الله تعالى وعبادته. يقول العلامة عبد الرحمن السعدي: «أصل التوحيد وروحه إخلاص المحبة لله وحده، وهي أصل التأله والتعبد له؛ بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكمل محبة العبد لربه، وتسبق محبته جميع المحابِّ وتغلبها، ويكون لها الحكم عليها بحيث تكون سائر محاب العبد تبعاً لهذه المحبة التي بها سعادة العبد وفلاحه. ومن تفريعها وتكميلها الحب في الله؛ فيحب العبد ما يحبه الله من الأعمال والأشخاص، ويبغض ما يبغضه الله من الأشخاص والأعمال، ويوالي أولياءه، أو يعادي أعداءه، وبذلك يكمل إيمان العبد وتوحيده» [١] . ولما كان الخليلان (إبراهيم ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام) أكمل الناس عبادة لله تعالى، حتى خُصّا بمرتبة الخلّة، وكانا أكمل وأعظم الناس تحقيقاً للولاء والبراء. قال تعالى: [إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِّلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ] (النحل: ١٢٠) [٢] . وقال : [قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ] (الممتحنة: ٤) . وأما عن عبادة نبينا ﷺ لربه سبحانه فكان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، ويستغفر الله في اليوم مائة مرة، وقالت عائشة ﵂ عن عمل رسول الله ﷺ : «كان عمله ديمة، وأيكم يطيق ما كان رسول الله ﷺ يطيق؟» [٣] . وقد حفلت سيرته الشريفة بأمثلة رائعة في تحقيق الولاء والبراء، وقد قال تعالى: [مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] (الفتح: ٢٩) .، فكان نبي المرحمة، ونبي الملحمة، وهو الضحوك القتّال. فأما عن موالاته للمؤمنين فقال تعالى: [لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] (التوبة: ١٢٨) . وعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة، مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعّر (تغيّر) وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذَّن وأقام فصلَّى، ثم خطب فقال: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً] (النساء: ١) ، [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] (الحشر: ١٨) ، تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع برّه، من صاع تمره حتى قال: ولو بشق تمرة. قال: فجاء رجل من الأنصار بصُرَّة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيتُ كومين من طعام وثياب، حتى رأيتُ وجه رسول الله ﷺ يتهلل (يستنير) كأنه مُذْهَبة، فقال رسول الله ﷺ : «من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء» [٤] . قال النووي ﵀: «وأما سبب سروره ﷺ ففرحاً بمبادرة المسلمين إلى طاعة الله تعالى، وبذل أموالهم لله، وامتثال أمر رسول الله ﷺ ، ولدفع حاجة هؤلاء المحتاجين، وشفقة المسلمين بعضهم على بعض، وتعاونهم على البر والتقوى. وينبغي للإنسان إذا رأى شيئاً من هذا القبيل أن يفرح ويُظهر سروره ويكون فرحه لما ذكرناه» [٥] . وأما عن بغضه لأعداء الله تعالى، فقد قال تعالى في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: [وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ] (الفتح: ٢٩) . وفي صلح الحديبية «نحر رسول الله ﷺ في جملة هديه جملاً كان لأبي جهل ليغيظ به المشركين، وكان هذا الجمل قد غنمه صلى الله عليه وسلم يوم بدر» [٦] . واستنبط ابن القيم من هذه القصة: استحباب مغايظة أعداء الله تعالى [٧] . ولما منّ ﷺ على أبي عزة الجمحي وعاهده ألا يعين عليه فغدر به، ثم قدر عليه بعد ذلك وطلب أن يمنّ عليه، فقال ﷺ : «لا تمسح عارضيك وتقول: سخرت بمحمد مرتين» ، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين؛ اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت! فضرب عنقه» [٨] . والمقصود أن ننظر في هديه ﷺ بعلم وشمول؛ فلا يقتصر على جانب كونه نبي الرحمة أو التسامح أو المحبة، كما لا يقتصر على الطرف المقابل، بل إن المتعيّن أن نشتغل باتباع هديه وسيرته في الحب والبغض، والولاء والبراء. ولما كان الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان كما قال المصطفى ﷺ : «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله» [٩] ، ولما كان الإيمان له ظاهر وباطن؛ فكذا الحبّ والبغض والولاء والبراء؛ فالحبّ والبغض هما الأصل وهما أمران قلبيان، والولاء والبراء أمران ظاهران؛ فلازم الحبّ الولاء، ولازم البغض البراءة والعداء. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «أصل الموالاة هي المحبة، كما أن أصل المعاداة البغض؛ فإن التحاب يوجب التقارب والاتفاق، والتباغض يوجب التباعد والاختلاف» [١٠] . ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: «أصل الموالاة الحبّ، وأصل المعاداة البغض، وينشأ عنهما من أعمال القلب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد والهجرة ونحو ذلك من الأعمال» [١١] . ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: «فالولاء والبراء تابع للحب والبغض، والحبّ والبغض هو الأصل» [١٢] . فالولاء والبراء لازم الحبّ والبغض، وإذا تخلّف اللازم تخلّف الملزوم؛ فالظاهر والباطن متلازمان، ولا يكون الظاهر مستقيماً إلا مع استقامة الباطن، وإذا استقام الباطن فلا بد أن يستقيم الظاهر [١٣] . ومن لوازم الحب في الله: النصح للمسلمين والإشفاق عليهم، ونصرتهم، والدعاء لهم، وتفقد أحوالهم. ومن لوازم البغض في الله: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وعدم التشبه بهم، وعدم مشاركتهم في أعيادهم. ولما كان الإيمان شُعَباً متعددة، فيمكن زوال بعضها مع بقاء بعضها الآخر، ويجتمع في الشخص الواحد بعض شُعَب الإيمان مع بعض شعب الكفر الذي لا يخرج من الملة؛ فكذا الولاء والبراء وهو من الإيمان فيجتمع في الشخص الواحد موجب الولاية من جهة، وموجب العداوة من جهة أخرى، كما هو حال الكثير منا معشرَ المسلمين ممن خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً؛ فالواجب أن نحبهم ونواليهم لما معهم من إيمان وصلاح، كما نبغضهم على قدر معاصيهم وتفريطهم. يقول ابن تيمية: «أما أئمة السنة والجماعة فعلى إثبات التبعيض في الاسم والحكم، فيكون مع الرجل بعض الإيمان، لا كله، ويثبت له من حكم أهل الإيمان وثوابهم بحسب ما معه، كما يثبت له من العقاب بحسب ما عليه، وولاية الله بحسب إيمان العبد وتقواه؛ فيكون مع العبد من ولاية الله بحسب ما معه من الإيمان والتقوى» [١٤] . ويقول أيضاً: «والمؤمن عليه أن يعادي في الله، ويوالي في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه، فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية، قال تعالى: [وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ * إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] (الحجرات: ٩-١٠) ، فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم، ... وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، ... وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وبر، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويُعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته» [١٥] . ومما يبيّن هذا الأمر ما جاء في هدي النبي ﷺ ؛ فقد حقق ﵊ موجب العداوة والولاية في قصة ذاك الرجل الذي كان يشرب الخمر، واسمه عبد الله، وكان كثيراً ما يُؤتى به فيجلد، فأتي به في إحدى المرات فقال أحد الحاضرين: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به! فقال ﵊: «لا تلعنوه! فوالله ما علمتُ إنه يحب الله ورسوله» [١٦] . ومن المعالم المهمة أن نتجرد لله تعالى في حبّنا وبغضنا، وأن نُخلِّص الولاء والبراء من حظوظ النفس وشهواتها؛ فلا بد من المجاهدة والمحاسبة حتى يكون الولاء والبراء ابتغاء وجه الله. سئل الإمام أحمد بن حنبل ﵀ عن الحبّ في الله، فقال: «ألاَّ تحبه لطمع في دنياه» [١٧] . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «من أحب إنساناً لكونه يعطيه فما أحب إلا العطاء، ومن قال إنه يحب من يعطيه لله فهذا كذب ومحال وزور من القول، وكذلك من أحب إنساناً لكونه ينصره إنما أحبّ النصر لا الناصر، وهذا كله من اتباع ما تهوى الأنفس؛ فإنه لم يحبّ في الحقيقة إلا ما يصل إليه من جلب منفعة أو دفع مضرة؛ فهو إنما أحبّ تلك المنفعة ودفع المضرة، وإنما أحبّ ذلك لكونه وسيلة إلى محبوبه وليس هذا حباً لله ولا لذات المحبوب. وعلى هذا تجري عامة محبة الخلق بعضهم مع بعض، وهذا لا يثابون عليه في الآخرة ولا ينفعهم؛ بل ربما أدى ذلك إلى النفاق والمداهنة؛ فكانوا في الآخرة من الأخلاَّء الذين بعضهم لبعض عدو إلا المتقين. وإنما ينفعهم في الآخرة الحبّ في الله ولله وحده، وأما من يرجو النفع والنصر من شخص ثم يزعم أنه يحبه لله فهذا من دسائس النفوس» [١٨] . ومما يجدر تقريره أن هذه الوشائج الإيمانية تبقى أو تدوم؛ لأن الولاء والبراء يراد به وجه الله تعالى، والله تعالى هو الآخر ليس بعده شيء فلا يفنى ولا يبيد؛ بخلاف الصِّلات التي ليست لله تعالى؛ فسرعان ما تنقلب إلى عداوات في الدنيا والآخرة. قال ابن عباس ﵄: «من أحبّ في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله؛ فإنما تُنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبدٌ طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا؛ وذلك لا يجدي على أهله شيئاً» [١٩] . وقال ابن تيمية: «والناس إذا تعاونوا على الإثم والعدوان أبغض بعضهم بعضاً، وإن كانوا فعلوه بتراضيهم، قال طاووس: ما اجتمع رجلان على غير ذات الله إلا تفرقا عن تَقَالٍ (بغضاء) ، وقال الخليل ﵇: [إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ] (العنكبوت: ٢٥) . وهؤلاء لا يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضاً لمجرد كونه عصى الله، بل لما حصل له بمشاركته ومعاونته من الضرر» [٢٠] . ومما قاله ابن القيم في هذا المقام: «كل من اتخذ من دون الله ورسوله وليجة وأولياء، يوالي لهم ويعادي لهم، ويرضى لهم ويغضب لهم، فإن أعماله كلها باطلة يراها يوم القيامة حسرات عليه مع كثرتها وشدة تعبه فيها ونصبه؛ إذ لم يجرد موالاته ومعاداته، ومحبته، وبغضه، وانتصاره وإيثاره لله ورسوله؛ فأبطل الله ذلك العمل كله، وقطع تلك الأسباب، فينقطع يوم القيامة كل سبب وصلة ووسيلة ومودة وموالاة كانت لغير الله تعالى» [٢١] . ونختم هذه المقالة بالجواب عما يظنه بعضهم أن تحقيق الولاء والبراء قد يؤدي إلى نفور الكفار عن الإسلام؛ وليس الأمر كذلك؛ فإن الله تعالى هو أرحم الراحمين، وهو سبحانه أحكم الحاكمين؛ حيث شرع بغض الكفار وعداوتهم [أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ] (الملك: ١٤) ، فلا يتوهم أن تحقيق شعيرة البراءة من الكافرين يؤول إلى مجانبة الإسلام، بل إن الالتزام بهذه الشعيرة وسائر شرائع الإسلام سبب في ظهور الإسلام وقبوله، كما وقع في القرون المفضلة، ومن ذلك أن اليهود خافت وذلت من يوم قتل رئيسهم كعب بن الأشرف على يد محمد بن مسلمة ﵁ [٢٢] . ويقول ابن تيمية: «وكان عدد من المشركين يكفُّون عن أشياء مما يؤذي المسلمين خشية هجاء حسان بن ثابت؛ حتى إن كعب بن الأشرف لما ذهب إلى مكة كان كلما نزل عند أهل بيت هجاهم حسان بقصيدة، فيخرجونه من عندهم، حتى لم يبق بمكة من يؤويه» [٢٣] . وجاء في سيرة ابن هشام: «إن رسول الله ﷺ قال:» من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه « [٢٤] ، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سُنَيْنَة رجل من تجار اليهود يبايعهم فقتله، وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يُسلم، وكان أسنّ من محيصة، فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله! أقتلته؟ أما والله لربّ شحم في بطنك من ماله، قال محيصة: والله! لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك، قال: فوالله إن كان لأول إسلام حويصة، قال: آلله لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني؟ قال: نعم! والله لو أمرني بضرب عنقك لضربتها، قال: والله إن ديناً بلغ بك هذا لعجب. فأسلم حويصة» [٢٥] . وها هم الكثير من بني جلدتنا قد ارتموا في أحضان الكفار، وتنازلوا عن دينهم مداهنة لأعداء الله تعالى؛ فما زاد الكفار إلا عتواً ونفوراً عن الإسلام، واستخفافاً وامتهاناً للمنتسبين له. ولما عمد علماء السوء إلى تحليل ما حرم الله تعالى بأدنى الحيل كان ذلك سبباً في الصدّ عن دين الله تعالى، وامتناع الكثيرين من الدخول فيه، كما بينه ابن القيم ﵀ [٢٦] . بل إن المشركين، وأهل الكتاب إذا رأوا المسلم القائم بالإسلام عظموه وأكرموه [٢٧] . يقول ابن تيمية: «مثل الآصار والأغلال التي على أهل الكتاب وإذلال المسلمين لهم، وأخذ الجزية منهم، فهذا قد يكون داعياً له أن ينظر في اعتقاده: هل هو حق أو باطل؟ حتى يتبين له الحق، وقد يكون مرغباً له في اعتقاد يخرج به من هذا البلاء، وكذلك قهر المسلمين عدوهم بالأسر يدعوهم للنظر في محاسن الإسلام» [٢٨] .

стр. 4109

دراسات في الشريعة والعقيدة هكذا كان ﷺ في رمضان فيصل بن علي البعداني albadani@hotmail.com أمر الله تعالى عباده باتباع نبيه ﷺ ، وأوجب عليهم طاعته. وسبيل العبد للوصول إلى تحقيق ذلك هو التعرف على هديه ﷺ ، والحال التي كان عليها ﷺ في شأنه كافة. وليس بخاف على مسلم أن الهدي النبوي هو أكمل ما عُرف من هدي وأعظمه، وأنه بمقدار قرب العبد منه ﷺ وعمله بمثل عمله ﷺ يتدرج في سلم الوصول إلى العلا، ويصعد في مراقي الكمال البشري. ولما كان شهر رمضان من أعظم مواسم الإسلام وأجلها، ومن أكثر الفرص السانحة أمام العبد لكي يتقرب من الله تعالى وينال رضاه، كانت هذه المحاولة للتعرف على هديه ﷺ في رمضان، علّها تكون دليلاً للعاملين ونبراساً للسائرين، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. وخشية من طول الموضوع [*] ، ولأن المراد الإشارة مع نوع تركيز على الجوانب التي تهم المسلم عملاً ودعوة فسأجعل الموضوع مقتصراً على محاور أربعة: أولاً: حاله ﷺ مع رمضان قبل قدومه: كان ﷺ شديد الزهد في الدنيا عظيم الرغبة فيما عند الله تعالى والدار الآخرة، وخير دليل على ذلك: قيامه ﷺ عملياً بالاستعداد للأمر وتهيئته النفس لاستقبال رمضان مقبلة على الخير، نشيطة في الطاعات؛ لتغتنم الفرصة كاملة، وتهتبل الموسم كله. هكذا كان هدي سيد الورى ﷺ مع رمضان؛ إذ قام ﷺ بالعديد من الأمور قبله، لعل من أبرزها: * إكثاره ﷺ من الصيام في شعبان [١] . قالت عائشة: «لم أره صائماً من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً» [٢] . * تبشيره ﷺ أصحابه بقدومه وتهيئتهم للاجتهاد فيه بذكر بعض خصائصه وتضاعف الأجور فيه؛ ومن ذلك قوله ﷺ : «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل! ويا باغي الشر أقصر! ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة» [٣] . * بيانه ﷺ لأصحابه بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالصيام: وفي هذه المقالة جملة من ذلك. * عدم دخوله ﷺ في صيام رمضان إلا برؤية شاهد أو إتمام عدة شعبان ثلاثين، عن ابن عمر قال: «تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصامه، وأمر الناس بصيامه» [٤] . فأين أنت من التهيؤ لرمضان قبل نزوله، فهو ضيف غنيمة لهذه الأمة، ينزل عليهم، فيذكر غافلهم، ويعين ذاكرهم، وينشِّط عالمهم، ويشحذ همهم للطاعات، فتمتلئ مساجدهم، وتجود نفوسهم، وينتصر مجاهدهم.. فما أحقه بأن تعدّ العدة لاستقباله! ثانياً: أحواله ﷺ مع ربه في رمضان: كان نبي الهدى ﵊ أعرف الخلق بربه سبحانه، وأعظمهم قياماً بحقه.. تدرج في سلم الكمال البشري فبلغ مبلغاً يعجز عن فهمه أكثر العالمين، فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر! ثم هو يقوم من الليل حتى تنتفخ وتتفطر قدماه. كان له ﷺ بكاء المذنبين وأنين العاصين ودعاء المكروبين. وأحواله مع ربه في رمضان أنموذج حي يصوِّر عبادته صلى الله عليه وسلم وأشكال خضوعه لبارئه فينطق محدِّداً جوانب عدة، أبرزها: * صيامه ﷺ لشهر رمضان: وهذا بيِّن، والمراد من إيراده مع بداهته التذكير بشيء من صفة صيامه ﷺ ، ومن ذلك: ١ - سحوره ﷺ ، وتأخيره للسحور، حيث كان صلى الله عليه وسلم يتناوله قبل أذان الفجر الثاني بقليل، وكذا إفطاره، وتعجيله للإفطار، حيث كان ﷺ يفطر قبل أن يصلي المغرب، وكان يفطر على رطب أو تمر أو ماء. وأيضاً: تواضع إفطاره وسحوره ﷺ . ندرك هنا أن التكلف الذي نشهده اليوم في إفطار الناس وسحورهم هو أبعد شيء عن هديه ﷺ ؛ ذلك أنه يوسّع حظ النفس بما يلهي ويثقل عن الطاعة. فحري بالكيس الحازم أن يضبط الأمر ويحدَّ منه، دون التذرع بالواهي من الحجج، من تناول الطيب وإكرام الضيف.. بما يفوت خيراً كثيراً. وليتأس بنبيه ﷺ فيما عرف من أحواله. ٢ - دعاؤه ﷺ عند الإفطار، بقوله: «ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله» [٥] . ٣ - سواكه ﷺ في حال الصيام، لما رُوِيَ عن عامر بن ربيعة قال: «رأيت النبي ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو ... صائم» [٦] . ٤ - صبه ﷺ الماء على رأسه وهو صائم، لحديث أبي بكر ابن عبد الرحمن قال: «عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعرْج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر» [٧] . ٥ - وصاله ﷺ الصيام أحياناً ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة [٨] . عن أنس أن النبي ﷺ قال: «لا تواصلوا. قالوا: إنك تواصل، قال: لست كأحد منكم، إني أُطعم وأُسقى أو إني أبيت أُطعم وأُسقى» [٩] . ٦ - سفره ﷺ في رمضان، وصومه ﷺ في حين وفطره في آخر. عن طاوس عن ابن عباس قال: «سافر رسول الله ﷺ في رمضان فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بإناء من ماء فشرب نهاراً ليريه الناس فأفطر حتى قدم مكة، قال: وكان ابن عباس يقول: صام رسول الله ﷺ في السفر وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر [١٠] . قال ابن القيم:» ولم يكن من هديه ﷺ تقدير المسافة التي يفطر فيها الصائم بحدِّ، ولا صح عنه في ذلك شيء ... وكان الصحابة حين ينشئون السفر يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت، ويخبرون أن ذلك سنته وهديه ﷺ ... قال محمد بن كعب: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً، وقد رُحِّلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة، ثم ركب « [١١] . ومهما نقل عن أئمة الفقه، وأهل العلم في الأفضل من الفطر، أو الصوم في السفر فيبقى أن الصوم والفطر في السفر، كل ذلك من هديه ﷺ ، وهذا ما ينبغي أن يراعيه المتعجلون بالإنكار على المفطرين أو الصائمين في السفر.. فلكل مأخذه وحجته. ٧ - خروجه ﷺ من الصيام برؤية محققة أو بإتمام الشهر ثلاثين، يدل لذلك قوله ﷺ :» صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانسكوا لها، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا « [١٢] . هذه بعض الجوانب التي تجلي للمسلم شيئاً من صفة صومه صلى الله عليه وسلم، والتي يظهر ﷺ من خلالها حريصاً على الإتيان بمستحبات الصوم وآدابه. وهذا ما يدفع المسلم إلى أن يتأمل في صيامه، ويعمل على تحسين حاله، ليكون أشد تأسياً بالنبي ﷺ ، وأكثر قرباً منه. * قيامه ﷺ الليل في رمضان. ولعل أبرز ما تميز به قيامه ﷺ ما يلي: ١ - أنه ﷺ لم يكن يزيد في قيامه على إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، كما يدل لذلك حديث عائشة قالت:» ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة « [١٣] ، وحديثها الآخر قالت:» كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين « [١٤] . ٢ - أنه ﷺ لم يكن يقوم الليل كله، بل كان يخلطه بقراءة قرآن وغيره، يدل لذلك حديث عائشة قالت:» ولا أعلم نبي الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله في ليلة، ولا قام ليلة حتى أصبح، ولا صام شهراً كاملاً غير رمضان « [١٥] ، وحديث ابن عباس، وفيه:» وكان جبريل يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه ﷺ القرآن « [١٦] . ٣ - أن غالب قيامه ﷺ كان منفرداً؛ خشية أن يُفرض القيام على أمته. لقد كان شديد الخوف أن يفرض عليها القيام فيقصِّر فيه أناس فيأثموا.. هذا مع شدة حرص صحابته الكرام على أن يقوم بهم غالب الليل أو كله، لكنه ينظر لمن بعدهم، وكأنه يرى ضعفنا وشدة عجزنا. وفي هذا درس بليغ للدعاة أن يجمعوا مع الاجتهاد وبذل غاية الوسع في هداية الأمة ودعوتها.. خوفاً شديداً من وقوعها في الإثم رحمة بها. ٤ - إطالته ﷺ لصلاة القيام؛ فقد سئلت عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله في رمضان؟ فقالت:» ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة: يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً، فقلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ قال: يا عائشة! إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي « [١٧] . وبذا يتجلى لنا خطأ كثير من الحريصين على الاقتداء به ﷺ ، والذين يحرصون على التأسي به في العدد دون الكيفية: من إطالة وخشوع وطمأنينة، نسأل الله تعالى التوفيق للصواب. * مدارسته ﷺ القرآن مع جبريل ﵇ فعن ابن عباس: » كان جبريل ﵇ يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه ﷺ القرآن « [١٨] . وفي رواية: (فيدارسه) [١٩] : وهذه صيغة فاعلة تفيد وقوع الشيء من الجانبين [٢٠] . فإذا كان هذا الحرص وتلك العناية بمدارسة القرآن ممن جمع الله له القرآن في صدره، وتولى تفهيمه إياه، فما أحوجنا إلى مثل هذه المدارسة لننعم بهداية القرآن الكريم؟ * تواضعه وزهده ﷺ : وشواهده كثيرة، منها: سيلان ماء المطر من سقف المسجد على مصلاه ﷺ وسجوده في ماء وطين [٢١] ، وصلاته ﷺ قيام الليل على حصير [٢٢] ، واعتكافه ﷺ في قبة تركية على سدتها حصير [٢٣] ، واعتكافه ﷺ في بيت من سعف [٢٤] ، وتواضع فطوره وسحوره صلى الله عليه وسلم، كما تقدم، ومنها: قلة طعامه ﷺ . قال عبد الله بن أنيس:» ... فأُتي [أي: النبي ﷺ في رمضان] بعشائه فرآني أكفُّ عنه من قلِّته ... « [٢٥] . ومن هذا يتبين أن الأقرب إلى هديه ﷺ هو التواضع والزهد (وهو: ترك ما لا ينفع في الآخرة) ، والتقلل من نعيم الدنيا، والحرص على الاخشيشان والبذاذة والتبسط وترك التكلف الذي يكون دافعه تواضع القلب لله تعالى وإخباته له، وإقباله عليه، وطمأنينته ورضاه به، وتعلقه بنعيم الآخرة الباقي، وهذه حقيقة الزهد، لا أن نترك ذلك ظاهراً والقلوب شغوفة متطلعة إليه مشغولة به، فتلك عبودية الدنيا كعبودية الدرهم والدينار. * إكثاره ﷺ من الإحسان والبر والصدقة. قال ابن عباس: » كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلَرَسُولُ الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة « [٢٦] . وعلة زيادة جوده ﷺ في رمضان:» أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الجود « [٢٧] . إنه أثر القرآن.. وثمرة الزهد، وكفى! ! * جهاده ﷺ في رمضان، وجعله منه شهر بلاء وبذل وفداء، ويتجلى ذلك بأمرين: الأول: غزوُه ﷺ للمشركين في رمضان، وكون أعظم انتصاراته ﷺ وأجلّها والمعارك الفاصلة التي تمت في حياته كانت فيه. قال أبو سعيد الخدري:» كنا نغزو مع رسول الله ﷺ في رمضان « [٢٨] ، وقال عمر بن الخطاب قال:» غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان غزوتين يوم بدر والفتح، فأفطرنا فيهما « [٢٩] . الثاني: السرايا والبعوث العديدة التي كانت في رمضان، وهي كثيرة [٣٠] . وجهاده ﷺ وأصحابه مع اجتهادهم في العبادات الأخرى دلالة على أثر الصيام الإيجابي فيما يورثه لصاحبه من قوة في النفس تورث قوة في الجسد. على أن ما يحتاجه الجسم من الغذاء أقل مما نتصوره اليوم، وإنما تخور قوى الصائمين المترفين الذين ألفوا الملذات فجهدت نفوسهم بغياب ملذاتها وشهواتها وتأخرها عنهم؛ إذ لنفوسهم على قلوبهم غلبة وسلطان، والله المستعان. اعتكافه ﷺ وخلوته بربه سبحانه: والمتأمل في حاله في الاعتكاف يلحظ ما يلي: ١ - اعتكافه ﷺ في المدينة في رمضان من كل سنة، وتقلبه ﷺ في الاعتكاف في كل عشر من الشهر، ثم استقراره في آخر الأمر على الاعتكاف في العشر الأواخر منه، لإدراك ليلة القدر. ٢ - أمره ﷺ بأن يُضرب له خباء في المسجد يلزمه يخلو وحده فيه بربه» [٣١] . قال ابن القيم: «كل هذا تحصيلاً لمقصود الاعتكاف وروحه، عكس ما يفعله الجهال من اتخاذ المعتكف موضع عشرة ومجلبة للزائرين، وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، فهذا لون، والاعتكاف النبوي لون، والله الموفق» [٣٢] . ٣ - دخوله ﷺ معتكفه إذا صلى فجر اليوم الأول من العشر التي يريد اعتكافها، يدل لذلك قول عائشة: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه» [٣٣] . ٤ - حرصه ﷺ وهو معتكف على حسن مظهره ونظافة جسده، كما في ترجيل عائشة شعره. ٥ - زيارة أزواجه ﷺ في حال اعتكافه وحديثه معهن، يدل لذلك حديث صفية قالت: «كان رسول الله ﷺ معتكفاً فأتيته أزوره ليلاً فحدثته ثم قمت ... » [٣٤] . ٦ - عدم خروجه ﷺ من معتكفه إلا لحاجة، يدل لذلك قول عائشة: أنه ﷺ «كان لا يدخل البيت إلا لحاجة، إذا كان معتكفاً» [٣٥] وربما أخرج بعض جسده من المعتكف لحاجة، كترجيل رأسه [٣٦] . ٧ - خروجه ﷺ من معتكفه مصبحاً لا ممسياً من الليلة التي تلي اعتكافه، كما في حديث أبي سعيد الخدري «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاماً حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه» [٣٧] . وفي اعتكافه ﷺ وانقطاعه من نفسه ليجتهد في ذكر ربه وعبادة مولاه مع كونه المنتصب لدعوة الناس القائم بشؤون الأمة: دليل على مسيس حاجة الدعاة إلى أوقات خلوة ومراجعة ومحاسبة، وإن التقصير في ذلك يرسخ عيوب النفس ويزيد أمراضها، حتى تكون مزمنة، كما أن حرمان القلب من زادِهِ مورث لقسوته وغفلته وقلة بصيرته وفُرقَانه، وأيضاً فإن ترك استمداد عون المعين طريق الخذلان. ومن أفضل السبل لتدارك ذلك: الخلوة بالنفس لتجديدها، ولا أفضل من الاعتكاف لتحقيق ذلك. وقد كثر في الناس ترك هذه السنة المباركة، قال الإمام الزهري: «عجباً للمسلمين! تركوا الاعتكاف، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم، ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله » [٣٨] . * حرصه ﷺ على تحري ليلة القدر. * اجتهاده ﷺ في العشر الأواخر وتركه النوم في لياليها. قالت عائشة: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر» [٣٩] . * حرصه ﷺ على مخالفة أهل الكتاب في أعمال رمضان، وهذا بيِّن من قوله ﷺ : «لا يزال الناس بخير ما عَجَّلُوا الفطْر. عَجِّلُوا الفطر فإن اليهود يؤخرون» [٤٠] . * إكثاره ﷺ من العمل في رمضان في آخر حياته. عن أبي هريرة قال: «كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف كل عام عشراً، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه» [٤١] . تلك معالم بارزة وصور مضيئة في صون الحبيب ﷺ لأشرف علاقة في حياة الإنسان، وتحقيقه لغاية المحبة لمولاه بقيامه بأمره ورعايته لدينه وتكميله لطاعته. إنها النبراس لسالك الصراط المستقيم، من حاد عنها اضطرب أمره وتفرق شأنه، ولم يزل في عوج ولُجَج حتى يبغي طريقاً إلى سنته ﷺ . ثالثاً: أحواله ﷺ مع زوجاته في رمضان: من تتبع حاله ﷺ مع زوجاته في رمضان علم مدى التوازن الضخم الذي كان محققاً له ﷺ في حياته؛ إذ كان صلى الله عليه وسلم كما وصف نفسه: «إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» [٤٢] ، «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» [٤٣] . وتبرز أحواله مع أهله مما يلي: * تعليمهن: ومن ذلك: أن عائشة قالت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني» [٤٤] ، وحديثها «أنه ﷺ قال: إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال، وكان بلال يؤذن حين يرى الفجر» [٤٥] ، بل إن إخبارهن بجانب من عشرتهن وما علمنه من حاله ﷺ كان طريق الأمة لمعرفة كثير من هديه ﷺ في رمضان وذلك لا يخفى. * حثه ﷺ لهن على فعل الخير وإتيان العمل الصالح؛ حيث أرسل إليهن للصلاة مع الناس خلفه [٤٦] . من هذه الآثار ندرك حكمة من حِكَم تعدد أزواج النبي ﷺ وكثرتهن مع انشغاله بأمر الأمة؛ فقد كان ذلك جزءاً أساساً من عملية إرشاد الأمة وتعليمها الإسلام كافة بكل جوانبه الشمولية، ولم يكن شيء من ذلك يتحقق لولا عنايته ﵊ بتعليمهن: إرشاداً وتوجيهاً وإجابة وبياناً وترغيباً وترهيباً. وهذا فوق أنه منطلق دعوي مهم، فهو رعاية للمسؤولية الأولى، وحفظ لكيان البيت والأسرة من الجهل والكسل. فَحَيَّ على أسركم يا أتباع محمد ﷺ و [قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ] (التحريم: ٦) . * حسن عشرته ﷺ لهن. ومن الأمور الدالة على ذلك: ١ - مواقعته ﷺ لهن في غير العشر الأواخر، يشهد لذلك حديث عائشة قالت: «كان ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله» [٤٧] ، قال ابن حجر: «قوله: شد مئزره: أي: اعتزل النساء» [٤٨] . ٢ - تقبيله ﷺ لزوجاته ومباشرته لهن وهو صائم، قالت عائشة: «كان رسول الله ﷺ يقبِّل في شهر الصوم» [٤٩] ، وسألها الأسود ومسروق: أكان رسول الله ﷺ يباشر وهو صائم؟ قالت: «نعم، ولكنه كان أملككم لإربه» [٥٠] . ٣ - مراعاته ﷺ لهن وحرصه على الاستقرار الأسري؛ إذ ترك الاعتكاف في سنة كما تقدم، خشية على نسائه من أن يقع بينهن أو في نفوسهن شيء [٥١] . ٤ - زيارة نسائه ﷺ له في معتكفه وتبادله الحديث معهن ساعة، وخوفه ﷺ عليهن وحمايته لهنَّ، قالت صفية: «كان ﷺ في المسجد وعنده أزواجه فَرُحْن، فقال لصفية بنت حيي: لا تعجلي حتى أنصرف معك، وكان بيتها في دار أسامة، فخرج ﷺ معها» [٥٢] . ٥ - اعتناؤه ﷺ بمظهره وتنظيفه لجسده. فأين هذا ممن حظ أهله من أخلاقه أسوؤها، ومن أوقاته آخرها، ومن تفكيره فضلته، ومن اهتمامه ثمالته.. حتى ما عادوا يطمعون في بره، ولا يأملون في خيره؟ ! ثم هو يرجو منهم براً وإحساناً! إنك لا تجني من الشوك العنب! . * خدمة نسائه ﷺ له، ومن ذلك: تغسيل زوجه ﷺ رأسه وترجيلها لشعره وهو صلى الله عليه وسلم معتكف كما عرف، وضرب زوجه الخباء له ﷺ في المسجد ليعتكف فيه [٥٣] ، وضرب زوجه الحصير له ﷺ ليصلي عليه وطيها له [٥٤] ، ومنه: إيقاظ أهله ﷺ له، كما في حديث أبي هريرة «أن رسول الله ﷺ قال: أُريت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر» [٥٥] . * إذنه ﷺ لزوجاته بالاعتكاف معه. * قيامهن ببعض العبادات معه ﷺ ، ومن ذلك: ١ - الاعتكاف؛ والظاهر أن غالب زوجاته لم يكن يعتكفن معه صلى الله عليه وسلم في حياته، أما بعد وفاته ﷺ فالظاهر اعتكافهن بعده، يدل لذلك حديث عائشة: «أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده» [٥٦] . ٢ - قيام الليل في بعض ليالي رمضان جماعة في المسجد، يدل لذلك حديث أبي ذر، وفيه: «ثم لم يصلِّ بنا حتى بقي ثلاث من الشهر وصلى بنا في الثالثة، ودعا أهله ونساءه فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح، قلت له: وما الفلاح؟ قال: السحور» [٥٧] . * زواجه ﷺ ببعض نسائه في رمضان. كزينب بنت خزيمة أم المساكين [٥٨] ، وحفصة، وزينب بنت جحش، [٥٩] . وبعد: فإن من أوكد الواجبات بداية الرجل عموماً والداعية خصوصاً بتعليم أهله وقرابته، قال تعالى: [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] (الشعراء: ٢١٤) ، وإذا كان إنفاق الرجل على أهله أفضل من الصدقة وأعظم منها أجراً [٦٠] ، فإن تعليمه وحسن معاملته لهم أفضل وأعظم أجراً من تقديم ذلك لغيرهم مع الأهمية في كلٍ، فنحن بحاجة إلى إحياء شعار: «ابدأ بمن تعول» [٦١] ، مع بَعْثِ منهج التوازن والوسطية النبوية التي لا تهمل جانباً على حساب آخر. رابعاً: أحواله ﷺ مع أمته في رمضان: حاله ﷺ مع أمته في رمضان هو جزء لا يخرج عن الصورة العامة لهديه في سائر العام، مع مزيد توجيه وتعليم فيما يخص رمضان. وقد تقلب ﷺ مع صحابته في هذا الشهر بين أحوال عدة، جملتها فيما يأتي: * تعليمه ﷺ لأصحابه. ومن ذلك: حديث شداد بن أوس «أن رسول الله ﷺ أتى على رجل بالبقيع، وهو يحتجم، وهو آخذ بيدي، لثماني عشرة خلت من رمضان، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم» [٦٢] . والتعليم مهمة الأنبياء وأتباعهم، قال ﷺ : «إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً» [٦٣] ، وقال الأسود بن يزيد: «أتانا معاذ بن جبل اليمن معلماً وأميراً» [٦٤] ، وهي مهمة شريفة عليَّة الرتبة، بها يرتفع شأن صاحبها، ويعظم أجره، ويزيد برُّه، ويعم خيره، ويبقى ذكره ... وللدعاة في رمضان فرصة دعوية سانحة حريّة بالاغتنام مع بذل غاية الجهد في تعليم الناس وتفقيههم وتعريفهم حقيقة الإسلام والإيمان، واستغلال إقبالهم على المساجد في استصلاح قلوبهم وأعمالهم. * إرشاده ﷺ لأصحابه وتوجيهه ووعظه لهم. ومن ذلك: حديث ابن عمر قال: «اعتكف رسول الله ﷺ في العشر الأواخر من رمضان، فاتُّخِذَ له فيه بيت من سعف، قال: فأخرج رأسه ذات يوم، فقال: إن المصلي يناجي ربه فلينظر أحدكم بما يناجي ربه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة» [٦٥] . * تحفيزه ﷺ لأصحابه على المبادرة في العمل الصالح وبيان ثواب ذلك لهم. ومنه: حديث أبي هريرة في الحث على الصيام، وفيه: «والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها» [٦٦] . وتحفيزه ﷺ : دليل على حرصه على نفع صحبه الكرام، وعلى أن النفوس مهما بلغت من الكمال والمسابقة في الخيرات لا تستغني عن النصح والتوجيه ترغيباً وترهيباً. وقد أفرط قوم في ذلك فصار حديثهم يكاد لا يخرج عن ذلك في رمضان وغيره! حتى ألفته النفوس وملَّته، وفرّط آخرون فصار حديثهم جافاً غليظاً لما أهملوا خطاب القلوب وتحريك العاطفة، في الوقت الذي أهمل فيه الأولون خطاب العقل وتحريك الفكر. ومنهج القرآن بين هذين، فليكن لأتباعه منهجاً. * إفتاؤه ﷺ لمن سأله من أصحابه، وعدم معاتبته لمن أذنب وجاء تائبا مستفتياً. فعن عائشة قالت: «أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد في رمضان، فقال: يا رسول الله! احترقت احترقت! فسأله رسول الله ﷺ ما شأنه؟ فقال: أصبت أهلي، قال: تصدَّق، فقال: والله يا نبي الله! ما لي شيء وما أقدر عليه، قال: اجلس فجلس، فبينا هو على ذلك أقبل رجل يسوق حماراً عليه طعام، فقال رسول الله ﷺ أين المحترق آنفاً؟ فقام الرجل فقال رسول الله ﷺ : تصدق بهذا، فقال: يا رسول الله! أغيرنا؟ فوالله! إنا لجياع ما لنا شيء! قال: فكلوه» [٦٧] ، ومثله حديث سلمة بن صخر الأنصاري [٦٨] . وهذا الموقف وأشباهه في حياة المصطفى ﷺ داع لحَمَلةِ رسالته أن تمتلئ قلوبهم رحمة بالمدعوين تورث رقة في التعامل معهم، ورفقاً بسائلهم، وشفقة على مذنبهم. تلك الميزة التي تضعف لدى بعض المنتسبين للعلم والدعوة والإصلاح حيث يظنون أن المقصر لا يستحق إلا التوبيخ والتقريع والذم والإسقاط جزاء تقصيره، ويغيب عن أذهانهم هديه ﷺ وصنيعه مع من واقع زوجته في رمضان، وغير ذلك كالذي بال في المسجد، والذي تكلم في الصلاة؛ بل حتى مع من طلب الإذن له بالزنا! والدافع إلى ذلك كله الرغبة في هداية الخلق ورحمتهم والعطف عليهم. ويتأكد الأمر في رمضان حين يقبل عامة الناس على المساجد، وتكثر أسئلتهم عن أحكام الصيام، وعما اقترفوا من الذنوب ... إن هؤلاء يفتقرون إلى قلوب حانية رقيقة تمسح موضع الداء بلطف، وتعالجه برفق وتخفف المصاب حتى يظهر للمخطئ الصواب، فيعود إليه. * إمامته ﷺ بالناس. وقد أَمَّ أصحابه في قيام الليل في بعض ليالي رمضان، وما منعه من الاستمرار إلا خشيته ﷺ من أن تفرض عليهم فيعجزوا عنها. * خطبته ﷺ فيهم وحديثه إليهم عقب بعض الصلوات [٦٩] . * جعله ﷺ من نفسه قدوة لأصحابه، ومن الدلائل على ذلك: ١ - خروجه ﷺ إلى المسجد ليصلي فيه من الليل، كما في حديث عائشة «أن رسول الله ﷺ خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته ... » [٧٠] . ٢ - اعتكافه ﷺ لتحري ليلة القدر، وحثه لأصحابه على ذلك. * إفطاره ﷺ في السفر بعد العصر ليراه أصحابه، وذلك بعد أن بلغ بهم الجهد مبلغه. إن بإمكان الداعية أن يدبج خطباً رنانة ومواعظ بليغة لكنها لن تجد طريقها إلى القلوب كما لو رأت العيون ذلك برؤيتها تطبيق ما سمعت الأذن. * رحمته ﷺ بأصحابه. ومن الأمور الدالة على ذلك: ١ - أمره ﷺ لأصحابه بالإفطار في السفر قبل ملاقاة العدو، فعن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر، وقال: تقووا لعدوكم. وصام رسول الله ﷺ » [٧١] . ومن رحمته: نهيه ﷺ لأصحابه عن الوصال رحمة بهم، وحثه ﷺ لأصحابه على تعجيل الفطر وتناول السحور، وتركه ﷺ الصلاة بأصحابه جماعة في قيام الليل خشية من أن تفرض عليهم، وتخفيفه ﷺ الصلاة حين كان إماماً بهم. * حثه ﷺ لأصحابه على طهارة النفس وتوقي الذنوب. ولذا قال: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر» [٧٢] . لقد توجهت عناية كثير إلى إصلاح الظاهر والشدة فيه وإنكار المعاصي والذنوب الجليَّة، مع ضعفٍ في تناول ذنوب القلب وأمراضه التي تورث ذنوب الجوارح، مع أن النبي ﷺ يقول: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» [٧٣] ، وهذا يعني أن من الصعب النجاح في إصلاح الظاهر ما لم يُعتن بالباطن العناية التي يستحقها مع تجنب إهمال الظاهر، حتى يتهيأ لنظرة الرضى من الرب تعالى؛ كما قال ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» [٧٤] . * مخالطته ﷺ لأصحابه واستماعه إليهم وعدم ترفعه عنهم. ومضى من هذا كثير. ومخالطة الداعية للناس شرط لا يتحقق التأثير والإصلاح بدونه. والمخالطة ليست مرادة لذاتها، وإنما لما تثمره من تعليم للخير، وتوجيه نحو الصواب والأفضل، وتصحيح للمفاهيم، ووقوف على الخطأ، وتهذيب للسلوك، ومعاونة على الخير وتقوية لأهله، فالمهم هو المخالطة الواعية الموظَّفة توظيفاً حسناً. كما أن من المهم أن لا يستغرق الداعية في المخالطة حتى تذهب الهيبة، وتفقد المخالطة روحها، وحتى ينسى نفسه وأهله، ولذا اعتنى الداعية الأول ﷺ بالاعتكاف؛ لما يحقق من عزلة وخلوة لا غنى للداعية الرصين عنها. فليتوازن الداعية، والله المعين. * تأديبه ﷺ لمن خشي عليه التعمق، كما واصل بمن أبوا إلا الوصال [٧٥] . إن شريعة الإسلام شريعة اليسر والسهولة «ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه» [٧٦] ، ولطالما تواردت النصوص على هذا الأصل: أصل التيسير ورفع الحرج.. وهذه خاصية الدين الواقعي الملائم للفطرة، والذي أراد الله له البقاء حتى تقوم الساعة. وتنكيله ﷺ بمن أرادوا الوصال ينسجم مع ذلك الأصل؛ إذ خشي ﷺ عليهم العنت والمشقة، لكن لما كانت بعض النفوس لا يكفيها الكلام احتاج ﷺ إلى العقوبة، ولم تكن تلك العقوبة على أمر محرم، فلو كان محرماً ما فعلوه، ولما أقرّهم عليه، بل إنه زادهم من جنس ما رغبوا فيه، حتى يدركوا الفرق بينهم وبينه ﷺ . * استقباله ﷺ لمن وفد عليه. قال ابن إسحاق: «وقدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف» [٧٧] . إن مخالطته ﷺ للناس في رمضان صفحة من جهده الدعوي فيه، وهو ما يحتاجه الدعاة للتأسي به. * أمره ﷺ لأصحابه بإخراج زكاة الفطر من رمضان. * إيكاله ﷺ بعض الأعمال إلى أصحابه، كما وكّل أبا هريرة بحفظ زكاة رمضان [٧٨] . وفي هذا تخفيف من الجهد عليه؛ لأن الشخص بمفرده لا يطيق القيام بجميع المهام، فلا مفرّ من توكيل الآخرين وتفويضهم في القيام بالأعمال وإنجاز المهام، وهذا يعكس في الوقت نفسه ثقة الداعية في أصحابه، وهكذا كان صلى الله عليه وسلم يعامل صحبه الكرام، حتى كانوا رجال أمة ودولة. وأخيراً: فأحسب تلك الصفحات قد أطلعتنا على جزء يسير من سيرته العطرة ﷺ . فما أمسَّ حاجتنا إلى التنعم في ظل سيرته صلى الله عليه وسلم والعيش مع أخباره، والتعرف على أحواله، وترسم هديه وطريقته ... كيف لا؛ وذلك الطريق هو السبيل الأوحد لنيل محبة الخالق تعالى والقرب منه، كما قال : [قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (آل عمران: ٣١) .

стр. 4110

دراسات في الشريعة والعقيدة حتى لا تصبح صلاة التراويح عادة سلمان بن عمر السنيدي يقيم المسلمون شعيرة قيام الليل في ليالي رمضان، وقد كان السلف يطيلونها، حتى إنهم يستريحون في أثنائها ليجددوا النشاط والعزم؛ فاصطُلح بعد ذلك على تسميتها: (صلاة التراويح) ، والمسلم يقيمها ويحرص على حضورها كاملة مع إمامه، لينال فضائل عديدة. فضائل صلاة التراويح: من أهم فضائل صلاة التراويح ما يلي: فضيلة قيام رمضان: لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه» [١] ، وقوله: «إيماناً» يعني: إيماناً بما وعد الله من الثواب للقائمين، وقوله: «احتساباً» يعني: طلباً لثواب الله لا رياءً ولا سمعة ولا طلباً لجاه [٢] ، ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قام مع إمامه حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» [٣] . فضيلة قيام الليل: لقوله تعالى: [تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (السجدة: ١٦-١٧) . ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة صلاة الليل» [٤] ، ولحديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة» [٥] . فضيلة كثرة السجود: لقوله ﷺ لثوبان ﵁: «عليك بكثرة السجود لله؛ فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط بها عنك خطيئة» [٦] ، وعن ربيع بن كعب الأسلمي ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ ، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سل. فقلت: مرافقتك في الجنة، قال: أَوَ غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود « [٧] . فضيلة إكمال نقص الفرائض بالتطوع: لقوله ﷺ :» إن أول ما يحاسب العبد عنه يوم القيامة الصلاة؛ فإن كان أتمها كتبت له كاملة، وإن لم يكن أتمها قال الله : انظروا! هل لعبدي من تطوع فتكملون بها فريضته « [٨] . وبرغم هذه المقاصد والفضائل فقد اعتاد بعض المصلين لصلاة التراويح على أدائها بطريقة معتادة، مع غفلة عن الفضائل، أو ذهول عن المقاصد التي شرع من أجلها قيام رمضان، أو ربما أدوها مع هجر لبعض السنن التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يواظب عليها أو يفعلها أحياناً، أو التزموا فيها سنناً لم يلتزمها صلى الله عليه وسلم كالتزامهم للواجبات؛ فربما أصبحت حال بعضهم كما وصف الرسول ﷺ :» إن العبد ليصلي الصلاة ما يكتب له منها إلا عُشرها، تُسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها « [٩] ، ولهذا توجه التنبيه على ما يعين المصلين على حسن أدائهم لصلاتهم. والأئمة على ثغر: ولما كان لأئمة المساجد مكانة في تعليم الناس السنن؛ فهم محل الاقتداء، وإليهم يَرِدُ العامة وعنهم يصدرون؛ وبصلاتهم يتعلم الصغير والكبير، وبانصرافهم من صلاة التراويح يتم لمن خلفهم قيام ليلة؛ ولأثرهم البالغ ومكانتهم دعا النبي ﷺ لهم في قوله:» الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين! « [١٠] ، ومما يوقظ همة الإمام للعناية بصلاة الجماعة وبصلاة التراويح خاصة أمور كثيرة لعل من أهمها: ١ - الإمام مع خاصة نفسه: * الإخلاص مطلب: وكمال الإخلاص الحذر من غوائله والبعد عما يخل به [١١] ، كما حذر من ذلك رسول الله ﷺ صحابته بقوله: » ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الشرك الخفي: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل « [١٢] ، والتحذير لمن بعدهم آكد وأشد، والآيات والأحاديث وأقوال السلف في هذا الباب أشهر من أن يذكر به الأئمة، ولكن لابن مفلح ﵀ تذكير وتساؤل يحسن إيراده؛ حيث قال:» تُرى بماذا تحدث عنك سواري المسجد في الظُّلَم من خوف الوعيد والتذكر للآخرة؟ إذا تحدثت عن أقوام ختموا في بيوتهم في الظُّلَم من خوف الوعيد والتذكر للآخرة؟ إذا تحدثت عن أقوام ختموا في بيوتهم الختمات اتباعاً للنبي ﷺ ؛ حيث انسل من فراش عائشة رضي الله عنها إلى المسجد، لا شموع، ولا جموع، طوبى لمن سمع هذا الحديث، فانزوى إلى زاوية بيته، وانتصب لقراءة جزء في ركعتين، بتدبر وتفكر؛ فيا لها من لحظةٍ ما أصفاها من كدر المخالطات، وأقذار الرياء! « [١٣] . * وللتميز سبيل: حيث قال الخطيب البغدادي ﵀:» ينبغي لطالب الحديث أن يتميز في عامة أموره عن طرائق العوام باستعمال آثار الرسول صلى الله عليه وسلم ما أمكنه، وتوظيف السنن على نفسه؛ فإن الله تعالى يقول: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] (الأحزاب: ٢١) « [١٤] . * صلاة الإمام لوحده أطول: لقوله ﷺ :» إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء « [١٥] ، وهو تصريح بتخفيف صلاة الفريضة على الناس، وفيه إشارة إلى أن صلاة الإمام لنفسه ستكون أطول من صلاته بالناس؛ حيث داعي الأجر موجود، والمانع من التطويل قد زال، فإذا حدث العكس فإن ذلك خلاف للأصل، ولعله عارض لا يدوم. * وله أوقات لجلاء قلبه: لأنه لا زاد له سواه [يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ] (الشعراء: ٨٨-٨٩) ؛ ولذلك حين أوصى ابن دقيق العيد ﵀ أخاً له في الله أكد عليه برعاية أحوال قلبه ودله على ما يعينه، فقال: » وهذه والله أحوال تنال بالخضوع والخشوع، وبأن تظمأ وتجوع، وتحمي عينيك الهجوع، ومما يعينك على هذا الأمر الذي قد دعوتك إليه، ويزودك في سفرك للعرض عليه أن تجعل لك وقتاً تعمره بالتذكر والتفكر، وأياماً تجعلها معدة لجلاء قلبك؛ فإنه متى استحكم صداه صعب تلافيه، وأعرض عنه من هو أعلم بما فيه، فاجعل همتك الاستعداد للمعاد، والتأهب لجواب الملك الجواد؛ فإنه يقول: [فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (الحجر: ٩٢-٩٣) ، ومهما وجدت من نفسك قصوراً، واستشعرت من نفسك عما بدا لها نفوراً، فاجأر إليه، وقف ببابه؛ فإنه لا يعرض عمن صدق، ولا يعزب عنه خفاء الضمائر [أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ] (الملك: ١٤) « [١٦] . ٢ - الاقتداء بالنبي ﷺ : لقوله ﷺ :» صلوا كما رأيتموني أصلي « [١٧] ، وقوله ﷺ :» تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم « [١٨] ، وقيل في معنى الحديث: تعلموا مني أحكام الشريعة، وليتعلم منكم التابعون بعدكم، وكذلك أتباعهم إلى انقراض الدنيا [١٩] . وفي الحرص على سنة المصطفى فضائل جمة وكثيرة يجملها ابن قدامة رحمه الله بقوله:» وفي اتباع السنة بركة موافقة الشرع، ورضى الرب ورفع الدرجات، وراحة القلب، ودَعَة البدن، وترغيم الشيطان، وسلوك الصراط المستقيم « [٢٠] . ٣ - أهمية العمل بالسنن: للعمل بالسنن والمستحبات أجور وغنائم من علم بها شمَّر عن ساعد الجد، وابتدر ميدان التنافس، وسابق إلى خيرات ربه، ومن أعظم ما يحفز المرء على ذلك الحديث القدسي العظيم الذي قال فيه النبي ﷺ :» إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً، فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، وكنت رجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه « [٢١] . ٤ - آثار هجر السنن: لهجر السنن آثار متعددة؛ فمن ذلك أنه لما اعتاد كثير من الناس أداء صلاة التراويح بطريقة ثابتة شب عليها الصغير، وهرم عليه الكبير، حسبوا أن السنة المشروعة لصلاة الليل لا تكون إلا كذلك؛ وهذا فيه خلل كبير؛ ولهذا حذر الأئمة من هذا المسلك؛ فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية:» هجرُ ما وردت به السنة وملازمة غيره قد يفضي إلى جعل السنة بدعة « [٢٢] ،» ولهذا أكثرُ المداومين على بعض الأنواع الجائزة، أو المستحبة، لو انتقل منه لنفر عنه قلبه وقلب غيره، أكثر مما ينفر عن ترك كثير من الواجبات؛ لأجل العادة التي جعلت الجائز كالواجب « [٢٣] ، حتى إنه قال ﵀:» ومن أصر على ترك السنن الرواتب دل ذلك على قلة دينه، وردت شهادته في مذهب أحمد الشافعي وغيرهما « [٢٤] . وقال عبد الله بن منازل ﵀: لم يُبتلَ أحدٌ بتضييع السنن إلا يوشك أن يبتلى بالبدع [٢٥] . بل عد ابن مسعود ﵁ أن ملازمة نوع من السنة وهجر نوع آخر من كيد الشيطان وتلاعبه على ابن آدم، فقال ﵀:» لا يجعل أحدكم نصيباً للشيطان في صلاته أن لا ينصرف إلا عن يمينه، قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما ينصرف عن شماله « [٢٦] يعني بعد السلام، ولذلك قال ابن الجوزي ﵀:» ولبَّس الشيطان على آخرين منهم؛ فهم يطيلون الصلاة، ويكثرون القراءة، ويتركون المسنون في الصلاة، ويرتكبون المكروه فيها « [٢٧] ؛ فما الشأن إذا كان» كثير من الناس اليوم يصلون التراويح بسرعة عظيمة، لا يأتون فيها بواجب الهدوء والطمأنينة التي هي ركن من أركان الصلاة، ولا تصح الصلاة بدونها، فيخلون بهذا الركن، ويتعبون من خلفهم من الضعفاء، والمرضى، وكبار السن؛ يجنون على أنفسهم، ويجنون على غيرهم. وقد ذكر العلماء ﵏ أنه يكره للإمام أن يسرع سرعةً تمنع المأمومين فعل ما يسن؛ فكيف بسرعة تمنعهم فعل ما يجب، نسأل الله السلامة « [٢٨] . قال النووي ﵀ في صفة التراويح:» كصفة باقي الصلوات، ... كدعاء الافتتاح واستكمال الأذكار الباقية، واستيفاء التشهد والدعاء بعده ... وإن كان هذا ظاهراً معروفاً فإنما نبهت عليه لتساهل أكثر الناس فيه، وحذفهم أكثر الأذكار « [٢٩] ، و» ما اعتاده أئمة المصلين في التراويح من الإدراج في قراءتها والتخفيف في أركانها ... وسبب جميع ذلك إهمال السنن، واندراسها لقلة الاستعمال، حتى صار المستعمل لها مجهّلاً عند كثير من الناس لمخالفته ما عليه السواد الأعظم « [٣٠] . ٥ - من دعا إلى خير فله مثل أجره: إن مما هيأ الله للأئمة من فضل في رمضان [٣١] ، وفي غيره: فرصة تعليم الناس ودلالتهم على الخير؛ فقد كان النبي ﷺ يتخول الصحابة بالموعظة، ويستثمر اجتماع الناس للصلاة، فيحدثهم نساءً، ورجالاً، وكفى الإمام حافزاً لذلك أن الملائكة تستغفر لمعلم الناس الخير، وأن من تعلم منه سنة بقوله أو فعله فله أجر من عمل بها، لقوله ﷺ :» من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً « [٣٢] . وغير خاف أن تذكير الناس بما هم يباشرونه من عبادة مقدم في التعليم؛ وذلك للحاجة إليه؛ وخاصة إذا كثرت المخالفات جهلاً أو إهمالاً، كأحكام الصلاة والصيام، فريضة ونفلاً، وأن يخص هنا التنبيه إلى أهمية تعليم الناس هدي المصطفى ﷺ قبل العمل به إذا كان سنة مهجورة، أو غير مألوفة عند عامة المصلين؛ فإن ذلك أدعى لقبول الحق، وأحرى بحسن التسليم والانقياد. حتى لا تنحسر روح العبادة في صلاة التراويح: ومن أجل أن لا تصبح صلاة التراويح، وقيام الليل عادة، تنحسر فيها روح العبادة، يتأكد التنبيه على الأمور الآتية [٣٣] : ١ - الاستفتاح بصلاة خفيفة: لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:» إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين « [٣٤] ، وروت عائشة ﵂ مواظبة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك فقالت:» كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين « [٣٥] . ٢ - تنويع أدعية الاستفتاح: وإن طال السكوت بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة اقتداءً بالنبي ﷺ ؛ فعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: » بأبي وأمي يا رسول الله! أرأيت إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد « [٣٦] . وثبت عن عمر ﵁ أنه كان يجهر بدعاء الاستفتاح: » سبحانك اللهم وبحمدك « [٣٧] . وعن عائشة ﵂ قالت: كان ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته:» اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي إلى صراط مستقيم « [٣٨] . وأحاديث الاستفتاح كثيرة [٣٩] ، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: » فالأفضل أن يستفتح بكل واحد؛ فلكل استفتاح حاجة ليست لغيره، فيأخذ المؤمن بحظه من كل ذكر « [٤٠] . ٣ - قراءة الفاتحة آية آية: فعن قتادة ﵀ أنه قال:» سألت أنس ﵁ عن قراءة النبي ﷺ فقال: كان يمد مداً. ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: يمد بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم « [٤١] . وعن يعلى بن مَملكٍ أنه سأل أم سلمة ﵂ عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلاته؟ قالت:» ما لكم وصلاته؟ ثم نعتت قراءته؛ فإذا هي تنعت قراءةً مفسرةً حرفاً حرفاً « [٤٢] . وذلك والله أعلم هو المقصود من قوله تعالى: [وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً] (الإسراء: ١٠٦) . وقال ابن الجوزي: [عَلَى مُكْثٍ] (الإسراء: ١٠٦) : على تؤدة وترسُّل ليتدبروا معناه» [٤٣] . وقوله: [أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً] (المزمل: ٤) . قال البغوي ﵀: ترتيل القراءة: التأني والتمهل، وتبيين الحروف والحركات، تشبيهاً بالثغر المرتل، وهو المشبه بنَوْر الأقحوان « [٤٤] ، وقال القرطبي:» أي لا تعجل بقراءة القرآن، بل اقرأه في مهل وبيان مع تدبر المعاني « [٤٥] . ٤ - الوقوف عند الآيات: بالتسبيح والسؤال والتعوذ، كما روى حذيفة بن اليمان ﵁ ذلك عن رسول الله ﷺ ؛ فقد قال: » صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقرأها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مر بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. ثم قام طويلاً قريباً من ركوعه، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريباً من قيامه « [٤٦] . ونحو ذلك روى عوف بن مالك ﵁ قال:» قمت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقام فقرأ البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ آل عمران، ثم قرأة سورة سورة « [٤٧] . وعن حفصة أم المؤمنين ﵂ قالت:» كان ﷺ يقرأ بالسورة فيرتلها، حتى تكون أطول من أطول منها « [٤٨] . ٥ - عدم قصر البكاء على أحوال مخصوصة: كمن يقصر تأثره على آيات العذاب والترهيب، أو يقصر خشوعه عند تأثر لإمام وبكاء، أو يقصر خشوعه وتأثره وتأمله لما يسمع في دعاء القنوت. ٦ - تنويع العمل بكيفية قيام الليل: اقتداءً بالنبي ﷺ ونشراً لسنته، وإحياء لما اندرس منها أو هُجِرَ؛ ولقد ثبت عنه ﷺ عدة كيفيات لصلاة الليل من فعله وقوله، ولما سألت عائشة ﵂: » بكم كان رسول الله ﷺ يوتر؟ قالت: كان يوتر بأربع وبثلاث، وست وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأقصر من سبع، ولا بأكثر من ثلاثة عشر « [٤٩] ، وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :» الوتر حق؛ فمن شاء فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة « [٥٠] . ومن تلك الكيفيات الثابتة [٥١] ما يلي: أولاً: يصلي ثلاث عشرة ركعة، يفتتحها بركعتين خفيفتين، يسلم من كل ركعتين، ثم يوتر بواحدة. ثانياً: يصلي ثلاث عشرة ركعة، منها ثمانٍ يسلم بين كل ركعتين، ثم يوتر بخمس لا يجلس ولا يسلم إلا في الخامسة. ثالثاً: يصلي إحدى عشرة ركعة، لما روته عائشة ﵂ قالت: » كان ﷺ يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً « [٥٢] . رابعاً: يصلي إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً بتسليمة واحدة، ثم أربعاً بتسليمة واحدة ثم ثلاثاً. خامساً: يصلي إحدى عشرة ركعة، منها ثماني ركعات لا يقعد فيها إلا في الثامنة، يتشهد ثم يقوم ولا يسلم، ثم يأتي بركعة ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين وهو جالس. سادساً: يصلي تسع ركعات، منها ست لا يقعد إلا في السادسة، ثم يتشهد ولا يسلم، ثم يقوم ثم يأتي بثلاث ركعات. قال الحافظ ابن نصر المروزي ﵀:» العمل عندنا بهذه الأخبار كلها جائز، وإنما اختلفت لأن الصلاة بالليل تطوع، الوتر وغير الوتر، فكان النبي ﷺ تختلف صلاته بالليل ووتره على ما ذكرنا: يصلي أحياناً هكذا، وأحياناً هكذا، فكل جائز حسن « [٥٣] . ٧ - العمل بأدعية السجود والركوع المأثورة: وهي كثيرة مشهورة، ومنها ما يقال فيهما مثل: ما ورت عائشة ﵂ قالت:» كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه، وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي؛ يتأول القرآن « [٥٤] ، وتأمل أنه يكثر أن يقول هذا الذكر وأقل الكثير ثلاثة، وأيضاً قوله:» سبوح قدوس رب الملائكة والروح « [٥٥] ، ومما ثبت قوله في الركوع:» اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي « [٥٦] ، وتقدم في حديث حذيفة طول ركوعه وسجوده أنه بمقدار قيامه. ومما يستوحش منه فعل بعض الأئمة حين يطيل دعاء القنوت، حتى إذا سجد ظننته خاشعاً، فإذا به يعجل سجوده، ونسي الأمر بإكثار الدعاء في السجود؛ حيث يكون العبد أقرب ما يكون إلى ربه؛ فربما فوت على المصلين هذا الفضل. ٨ - إطالة ما بين السجدتين والرفع من الركوع: وذلك عملاً بالسنة المروية عن النبي ﷺ ، كما تقدم في حديث حذيفة ﵁ قال: » ثم قال: سمع الله لمن حمده. فقام قياماً نحواً من ركوعه «، وفي رواية: » فقام قياماً طويلاً « [٥٧] ، وإن لم يداوم الإمام على ذلك فليفعله أحياناً، تعليماً للناس، وتذكيراً لهم، وإحياءً للسنة، ومما ثبت مما يقال بين السجدتين قوله: » رب اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، واجبرني، وارزقني « [٥٨] ، ومما ثبت مما يقال بعد الرفع من الركوع، قوله:» اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض، ملء ما شئت من شيء بعد « [٥٩] ، ونحوه بزيادة: » اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ « [٦٠] . ولذلك إنك لتعجب ممن أطال الصلاة ينقر هذا الموطن فيفوِّت عليه فضيلة هذه الأدعية، ثم إذا قام للقنوت وعزم على إطالته لم يكن لهذه الأدعية نصيب ولا وقت. ٩ - ترك القنوت أحياناً: ومما يلفت النظر أنه لم يثبت حديث من فعله صلى الله عليه وسلم أنه قنت بالصحابة في صلاة الليل في رمضان، فضلاً أن يثبت أنه داوم عليه ﷺ ، ولذلك كان على من أراد بيان السنة عملياً للمصلين أن يترك القنوت أحياناً لبيان أنه غير واجب، وأن في الصلاة مواطن للدعاء تزيد عليه في الفضيلة كالسجود ومواطن أخرى كالركوع وقبل السلام وغيرها، وكذلك في تركه أحياناً تعليق أذهان المصلين بحسن التلقي عن النبي ﷺ ؛ حيث يلتزم ما ثبت أنه التزمه، وأن يفعل أحياناً ما كان يفعله أحياناً. ١٠- القنوت قبل الركوع أحياناً: وكذلك فعل القنوت قبل الركوع، فقد ثبت فعله ﷺ ؛ ففعله في صلاة التراويح تعليم للناس، وترك للعادة، واستحضار لروح العبادة» لأن كثيراً من الناس إذا أخذ بسنة واحدة صار يفعلها على سبيل العادة، ولكن إذا كان يعوِّد نفسه أن يقول أو يعمل هذا مرة وهذا مرة، صار منتبهاً للسنة « [٦١] . ١١ - الدعاء في القنوت بالمأثور: والمأثور ولله الحمد مشهور معروف، وكثير من الأدعية القرآنية تكاد تهجر، وقد حض الله على أدعية كثيرة، ورغب فيها بأساليب مختلفة؛ فمن ذلك قوله تعالى: [وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الحِسَابِ] (البقرة: ٢٠١-٢٠٢) ، وفي ذكر أدعية الأنبياء ﵈ وأن الله أجاب دعوتهم أعظم ترغيب، وكذلك ذكر أدعية الصالحين دون ذكر أعايانهم تهييج على اللهج بأدعيتهم كقوله عن دعاء الراسخين في العلم: [رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ] (آل عمران: ٨) ، وكذلك ذكر دعاء الحواريين أتباع الأنبياء في سورة آل عمران، قال تعالى: [وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ] (آل عمران: ١٤٧) ، وما يقال في الأدعية القرآنية يقال في الأدعية النبوية؛ حيث كان ﷺ يكثر من أدعية ويرددها حتى لفت ذلك أنظار الصحابة ﵃ ونقلوا ذلك عنه.

стр. 4111

دراسات تربوية أطفالنا والفصحى [١] المأساة والحل د. معن عبد القادر [*] الحمد لله القائل: [خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ] (الرحمن: ٣-٤) . وتعليم الإنسان البيان من آيات الله الباهرة. قال القرطبي: «البيان الكلام والفهم، وهو ما فضل به الإنسان على سائر الحيوان» . وقال السدي: «علَّم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به» ، «وقيل علَّمه اللغات كلها» . وقال الشنقيطي: «التحقيق فيه أن المراد بالبيان الإفصاح عما في الضمير» . ويقول سيد قطب: «إننا نرى الإنسان ينطق ويعبِّر ويبين، ويتجاوب مع الآخرين، فننسى بطول الألفة عظمة هذه الهبة، وضخامة هذه الخارقة، فيردنا القرآن إليها ويوقظنا لتدبرها في مواضع شتى» . كيف يكون البيان؟ وكيف يتعلم الطفل اللغة التي يعرب بها عما في ضميره؟ جهاز اكتشاف قواعد اللغة: تشير الدراسات العلمية المبنية على الملاحظة والتحليل أن الله زود الطفل من جملة ما زوده به بالقدرة على اكتشاف قواعد اللغة التي يتعرض لها باستمرار، ويسمي العلماء جزء الدماغ المسؤول عن هذه العملية: جهاز اكتشاف اللغة (LAD) Language Acquidition Device، فيقوم هذا الجهاز بهداية الله له باكتشاف قواعد اللغة من جملة المفردات والتراكيب التي تعرض عليه، وقد يخطئ القاعدة في البداية لقلة الأمثلة والعينات، ولكنه ما يلبث أن يراجع نفسه ويعدل القاعدة حتى يتقن اللغة تماماً فيكاد ألاَّ يخطئ فيها؛ وهذا ملاحظ في الأطفال؛ فتجد الطفل مثلاً وقد طرق سمعه كلمات الجمع مثل: نائمين، قاعدين، فيقول: رجّالين جمع رجّال (رجل بالعامية) وكَلْبين جمع كلب. وأمثلة هذا معلومة لدى الأبوين، ويتخذون منها مادة للتفكه والتندر. ومع زيادة الأمثلة، وتكرار السماع، يصحح الطفل هذه الأخطاء من تلقاء نفسه حتى يصل إلى رتبة الإتقان. والطفل حين يتقن اللغة لا يدرك قواعدها؛ بل هذا الأمر صحيح في حق الكبير أيضاً. ولنأخذ على ذلك مثالاً من العامية الشامية: يقول أهل الشام: خزانِة، وبوابِة، ورمانِة. بكسر ما قبل التاء المربوطة؛ ولكنهم يقولون: تفاحَة ومطاطَة بالفتح. ولا يمكن أن يخلطوا بينهما فيقولون تفاحِة مثلاً، بل إذا قال الرجل ذلك علم أنه يحاول تقليد اللهجة الشامية وينفضح أمره! لا شك أن وراء هذه الطريقة في النطق قاعدة لغوية؛ فما هي؟ ربما لم يخطر لكثير من الناس أن يبحثوا عن القاعدة، ولكنهم غير محتاجين لذلك؛ فإنهم ينطقون بها صحيحة حسب لهجتهم بالسليقة كما يقول العامية أو لأن جهاز اكتشاف اللغة (LAD) قد أراحهم من ذلك! كما يقول العلماء. وكل موهبة ذهنية أو جسدية وهبها الله للإنسان جعل لها دورة حياة، تنشأ وتقوى، ثم تبلغ ذروتها وأوجها، ثم تضمحل وتموت؛ فما هي دورة حياة جهاز اكتشاف اللغة (LAD) ؟ يقول العلماء إنها تبدأ مع خلق الإنسان، وتبلغ ذروتها في سني حياته الأولى، وتبدأ بالضمور والاضمحلال بعد سن السادسة، لتموت قريباً من سن البلوغ! وقد أيدوا هذه النظرية بالدراسات العلمية، والكشوفات الطبية والاستقراء الدقيق. وهذا يعني أن السن المثلى التي يكتشف فيها الإنسان قواعد اللغة التي يسمعها حوله عندما يكون طفلاً دون السادسة، وأنه بعد ذلك إن لم يكن قد أتقن قواعد اللغة يحتاج إلى من يلقنه ويعلمه إياها؛ إذ لا يكون قادراً على اكتشافها بنفسه، كما أنه في الغالب لن يستطيع أن يصل إلى درجة الإتقان التي يبلغها من اكتشف قواعد اللغة في السن التي يكون مهيأ لها (وهذا يدل على الموهبة الخارقة لجهاز اكتشاف قواعد اللغة الرباني) . والجدير بالذكر أن هذا الجهاز لا تنحصر قدرته على اكتشاف لغة واحدة، بل يمكنه أن يكتشف قواعد عدة لغات، وبنفس الدرجة من الإتقان، إذا تيسر له القدر الكافي من السماع والممارسة. وقد لاحظنا هذا الأمر بجلاء في الطفل الذي ينشأ لأب عربي وأم إنجليزية مثلاً، وقد التزم الأب الحديث باللغة العربية في بيته فينشأ الطفل متقناً للعربية/ العامية لغة أبيه، والإنجليزية لغة أمه، بطلاقة تامة. المأساة: وهنا تظهر مأساة الطفل العربي المعاصر، إنه في سني حياته الأولى يتعرض للعامية، فيتعرف على مفرداتها، ويتقن تراكيبها وقواعدها، حتى إذا ذهب إلى المدرسة وجد أن عليه أن يطلب المعرفة بغير اللغة التي يتقنها. واللغات العامية والتي اصطلح على تسميتها لهجات مختلفة إلى حد كبير عن اللغة الفصحى في المفردات والتراكيب والقواعد. أما الاختلاف في الألفاظ والمفردات فأشهر من أن يمثل له، وأما الاختلاف في القواعد والتراكيب فإن الفارق أكبر بكثير مما يظنه الإنسان للوهلة الأولى، وهذه بعض الأمثلة: في العامية يستخدم الطفل (اللي) كاسم موصول للمفرد والمثنى والجمع مذكراً كان أو مؤنثاً، بينما تقابله في الفصحى ثمانية صيغ: الذي، التي، اللذان، اللتان، اللذَين، اللتَين، الذين واللاتي أو اللواتي. وقد تعلم أن يقول: (كتابَك، قلمَك، رأسَك) بفتح الحرف الأخير قبل الضمير للدلالة على المذكر، وكسره (كتابِك، قلمِك، رأسِك) للدلالة على المؤنث، ثم نعلمه في الفصحى أن ذلك الحرف لا دلالة له على التذكير والتأنيث؛ وإنما يظهر ذلك في حركة الضمير المتصل. فعندما يُطلب من طفل المرحلة الابتدائية أن يقرأ جملة بسيطة نحو: «جلست الفتاة قرب النافذة» تجده يتهجؤها تهجئة؛ لأن المفردات ليست من مخزونه، وإنما يألف الحروف فقط فيقرؤها حرفاً حرفاً؛ فإذا مللنا من بطئه في القراءة نهرناه وقلنا له: «ما لك يا غبي، إنما نعني: قعدت البنت جنب الشباك» ، هكذا نترجمها له إلى العامية! والحقيقة أن الطفل مسكين، ومعرفته بالحروف الأبجدية ليست كافية للانطلاق في القراءة. إن الكبير حين يقرأ لا يعتمد على تهجئة الكلمة، وإنما يستعين بمخزونه من الكلمات والتراكيب، فيقرأ بسرعة. أعط رجلاً كبيراً نصاً فارسياً أو باكستانياً مكتوباً بالحروف العربية، فماذا يصنع؟ إنه يهجئها حرفاً حرفاً كالصغير تماماً. ونتج عن هذه المأساة أمران: ١ - عزوف الطفل عن القراءة؛ فإنها تكلفه مجهوداً شاقاً، ولا يفهم كل ما يقرأ، فلا يستمتع بها، والنتيجة ألا يُقبِل على القراءة إلا مضطراً كاستذكار لامتحان أو نحوه، ويصبح هناك نوع من العداء بين الطفل ثم الشاب والكتاب. ٢ - صعوبة التحصيل المعرفي والعلمي؛ لأن الطفل غير متمكن من أداته، وهي اللغة الفصحى. ولتعويض هذا النقص قام التربويون وواضعو المناهج في الدول العربية بحشد عدد كبير من حصص قواعد اللغة العربية وما يتعلق بها في جميع المراحل الدراسية، ولكن النتيجة أن هذه الحصص جميعاً لم تصل بخريج المدرسة الثانوية إلى مرتبة الإتقان. وقد عقد بعض المختصين مقارنة مفيدة بين عدد حصص اللغة العربية وما يتعلق بها في بعض الدول العربية، من الصف الأول المتوسط وحتى الثالث الثانوي، وبين عدد حصص اللغة الإنجليزية (ليس هناك فصيح وعامي في الإنجليزية) في بريطانيا في الفترة ذاتها؛ فوجد أن عددها في الدول العربية يتراوح بين ١٠٥٠ و١٢٥٠ حصة؛ بينما لا يزيد عددها عن ٥٨٠ حصة في بريطانيا؛ وبإجراء حسابات مباشرة يتبين أن الفارق يتمثل بما يعادل ثلاث ساعات أسبوعياً، على مدى ست سنوات. هذه الساعات الثلاث يقضيها الطفل العربي في تعلم قواعد لغته والتعرف على مبادئها؛ بينما تتاح للطفل الإنجليزي الفرصة لاستثمارها في دراسة موضوعات أخرى. وبالإضافة إلى الفارق البيِّن في عدد الحصص هناك فارق جوهري في طبيعة المادة المعطاة؛ فبينما يقضي الطفل العربي معظم الحصص في تعلم القواعد والنحو والإعراب فإن الطفل الإنجليزي يقضيها في تحليل النصوص، واستخلاص الأفكار الأساسية وأساليب التعبير وغيرها. فلا غرابة إذن أن تكون فرص الطفل الإنجليزي للإبداع أكبر من فرص قرينه العربي، وأن نجد في العرب عموماً عزوفاً عن القراءة؛ بينما الأوروبيون والأمريكان يقرؤون في كل مكان (الحافلة، القطار، الطائرة) ، وتجارة الروايات لديهم مزدهرة. الحل: الحل يكمن في أن يتقن أطفالنا الفصحى قبل دخول المدرسة بالإضافة إلى العامية؛ كيلا يكون موضع استغراب في المجتمع ولكن كيف يتم ذلك وقد تأصلت العامية في المجتمعات العربية؟ الجواب أنه لا بد أن نعرِّض الطفل في سني عمره الأولى لساعات طويلة من ممارسة الفصحى سماعاً وتحدثاً. والوضع الأمثل في ذلك أن يلتزم أحد الأبوين ولعل الأب هو الأنسب الحديث مع الطفل بالفصحى منذ ولادته، وستُدهش حين تسمع الطفل يحدث والده بالفصحى منذ أن ينطق! وإذا بدئ مع الطفل في سن متأخرة نسبياً بعد الرابعة مثلاً فقد يجد الطفل بعض الصعوبة في البداية، ولكن بالمواظبة والتوجيه والتصحيح من جانب الوالد، سرعان ما يألف الطفل ذلك. فإذا قال الطفل: (يلاَّ نروح) قال له أبوه: (هيَّا نذهب) وهكذا. وقد جربت هذه الطريقة حتى مع أطفال في سن الخامسة فكانت النتيجة مدهشة. ولكن في كثير من بيوت العرب اليوم لا يحسن أي من الأبوين الفصحى. وهنا يأتي الحل البديل: روضات الفصحى، وذلك بأن ينشئ الفضلاء الغيورون، والتربويون الصادقون، روضات تتلقف الطفل من سن الثالثة، ويكون الحديث داخل أسوار الروضة بالفصحى تماماً، ويختار المدرسات المؤهلات لذلك، ويتم تدريبهن تدريباً جيداً. وهذا الحل مجرب أيضاً، وقد أثبت نجاحاً باهراً [٢] . بحث ذو مغزى: مدرِّسة أمريكية تقوم بتدريس اللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها. وقد لاحظت أن الأطفال العرب بالذات يفرُّون من القراءة بشكل ملحوظ مقارنة بأقرانهم من الأعراق الأخرى، وقد لمست نفس الملاحظة عند زملائها من المدرسين الآخرين. ولما أعياها البحث عن سبب ذلك توجهت بالسؤال الآتي من خلال شبكة الإنترنت: Please help me to answer this question: why arabs do not like to read ? وترجمته: لماذا لا يحب العرب القراءة؟ وقد قام أحد الفضلاء بإجابتها عن تساؤلها؛ حيث شرح لها الفصام الذي يعيشه الطفل العربي بين العامية والفصحى، ثم أحالها على تجربة روضة الأزهار العربية [٣] . وقد اهتمت بالموضوع أيما اهتمام، إلى الحد الذي عزمت فيه أن تعد رسالة ماجستير بعنوان: «أثر تعليم الفصحى قبل السادسة عند العرب على التحصيل الدراسي» . وفعلاً قامت بزيارة الروضة في دمشق، ومكثت عدة أشهر، تقابل الأطفال، وتدرس أوضاعهم، كما تتبعت جميع الأطفال الذين تخرجوا من الروضة والتحقوا بالمدارس العامة، ودرست أداءهم وتحصيلهم، وعقدت مقابلات مع أساتذتهم وأولياء أمورهم، ثم توصلت إلى أن معدل التحصيل الدراسي لهؤلاء الأطفال أفضل بكثير من معدل التحصيل الدراسي لأقرانهم، وفي جميع المواد الدراسية. وأخيراً: فهناك مكسب ثمين من وراء تعويد أطفالنا على الفصحى في سن مبكرة يفوق كل ما سبق؛ وهو تقريبهم إلى تذوق كتاب الله، واستشعار حلاوته، واستسهال حفظه ومراجعته.

стр. 4112

آفاق إدارة التناقض د. عبد الكريم بكار [*] وجود نوع من التناقض بين الأفراد داخل الأمة، وبين أمة وأمة، هو معقد من معاقد الابتلاء في هذه الحياة، وهو أيضاً مدخل كبير للتطور والتقدم الحضاري؛ فالوعي يتقدم من خلال اختلاف المستويات أكثر بكثير مما لو ساد الحياة التشابه والتماثل. والتناقض بعد هذا وذاك أداة كبرى للتميز؛ فمن غيره لا يشعر الأفراد، كما لا تشعر الأمم بالخصائص والميزات الفارقة بينها. أمة الإسلام هي آخر الأمم، ورسالتها هي خاتمة الرسالات؛ ولهذا فنحن ورثة تراث الهداية في البشرية، وتاريخ البشرية هو تاريخ الرسل والرسالات والنبوة والأنبياء؛ وهذا يلقي علينا مسؤولية خاصة نحو العالم؛ إنها مسؤولية الدعوة والهداية والإصلاح والإنقاذ. وحتى نستطيع القيام بهذه المهمة على الوجه الصحيح فإننا بحاجة إلى العديد من الأمور والتي من أهمها: ١ - السعي المتواصل للمحافظة على الهوية التي تعني دائماً وضوح الميزات التي تميّز أمة الإسلام عن غيرها من الأمم على مستوى العقائد والأحكام والآداب، وهذا سيكون قليل النفع إذا ظل وضوحه على مستوى الكلام، وإنما يجب أن يتجسد في حياة أكبر شريحة ممكنة من المسلمين، وهذا ما يؤمِّنه الالتزام الدقيق. ٢ - ينبغي أن يهيمن على علاقاتنا بغير المسلمين الإحساس بواجب التبليغ؛ فأمتنا صاحبة حاجة لدى الأمم الأخرى، وهذه الحاجة تتمثل في حرصها على أن تصل دعوة الإسلام إذا أمكن إلى كل شخص في العالم؛ فأهل عصرنا يعيشون أزمات صامتة خانقة، والإسلام هو المنقذ الوحيد لهم من تلك الأزمات. ٣ - التناقض بين الأمم كثيراً ما يفرض أشكالاً من العداء والصراع، وهناك شواهد كثيرة قديمة ومعاصرة على أن الصراع حين يقوم كثيراً ما يكون قيامه على أسس من الخلاف العقدي أو العنصري أو التاريخي ... لكنه في الغالب يتحول بعد مدة إلى صراع من أجل المصالح، ومن الضروري عند هذه النقطة أن يظل الصراع مرتبطاً بالتناقض العقدي؛ لأن ذلك ينبه الخصم إلى أننا نصارع من أجل القيام بواجب ديني دعوي، وليس من أجل تحقيق مصلحة مادية خاصة؛ وحين يأخذ الصراع طابع تحقيق المصالح يفقد الكثير من مشروعيته، ويفقد المساندة التي يحتاجها من عموم الأمة. ٤ - في حالة التناقض تكون مقولات المتناقضين أقرب إلى الجلاء والوضوح، وحين يبدأ الصراع كثيراً ما ينطمس التناقض المنهجي، وتسود روح الثأر والانتقام؛ ولذا كان من أدبيات الصراع المسلح لدى المسلمين أن يبدؤوا بدعوة الخصم إلى الإسلام أولاً إعلاناً منهم أنه قتال بسبب التناقض وما يستلزمه، وليس من أجل مصلحة دنيوية، وحين أوصى أبو بكر ﵁ جيشه وصيته المشهورة بعدم قتل النساء والأطفال إلخ ... كان يهدف إلى ألاَّ تضيع ميزات جيش المسلمين وأخلاقياته وأهدافه الأصلية من الجهاد في خضم الصراع ومحاولات الغلب والظفر. ٥ - الدعوة إلى الله تعالى هي الأساس وانتشارها هو الهدف. وحتى نتيح للناس سماعها، فيجب أن نهيِّئ الأجواء الملائمة للتبليغ. وحين ينشب صراع فيجب أن يستهدف على المدى البعيد تحقيق تلك الأجواء؛ ولذا فإن الصراع الشديد والطويل كثيراً ما يطمس معالم التناقض، ويحرم الدعوة من الهدوء الذي تحتاجه، وربما كان قبول النبي ﷺ بشروط قريش المجحفة في صلح الحديبية من أجل تأمين الجو الهادئ الذي يتيح لقريش التعرف على الإسلام. ٦ - يأخذ الصراع شكل الطفرة وشكل الانقلاب، ويتسم القائمون عليه بالحدة وقصر النفس، وتسيطر عليهم العاطفة، أما التميز المنهجي والحضاري فيأخذ شكل العمل المتراكم، ويتحلى أصحابه بروح الثورة والاستمرارية والعطاء على المدى البعيد؛ ومن المهم ألا نفقد هذه الروح في حمأة الغضب. ٧ - نقطة التفوق الكبرى لدى أمة الإسلام اليوم تتمثل في المنهج الرباني الذي تشرُف بحمله؛ على حين أنها في الميادين الاقتصادية والتقنية العسكرية ضعيفة وعالة على الأمم الأخرى؛ ولذا فإن من المهم أن نكثّف المجابهة في الساحة التي نملك عناصر القوة فيها، وأن نكون على حذر، من أن يجرنا الخصم إلى ساحة تفوُّقه، فنفقد ميزاتنا، وتضطرب أمورنا. والله ولي التوفيق.

стр. 4113

قضايا دعوية من التولي يوم الزحف خالد أبو الفتوح ماذا نقول عن جندي مقاتل يترك ساحة المعركة من غير ضرورات تكتيكية عندما يحمى الوطيس وتشتد الملحمة؟ نقول عنه: إنه جبن وهرب وقت اللقاء، وهو فعل مشين عند أصحاب النخوة والرجولة، وزيادة على ذلك فهو عند المسلمين فعل متوعد عليه في الكتاب والسنة أكبر وعيد؛ حيث يقول جل وعلا: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ] (الأنفال: ١٥-١٦) ، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ ، قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» .. وذكر فيهن «التولي يوم الزحف» . ولا يغني عن مقترف هذا الفعل أن يأتي (في غير يوم الزحف) ويستعرض مهاراته القتالية ويطلب النزال مع أشجع الناس، أو أن يتحسر على ذهاب العدو وعدم إعطائه فرصة أخرى لإظهار ثباته وإقدامه. ومثل ذلك يقال عن الطبيب الذي يتخلى عن المرضى وقت الأوبئة والكوارث، ثم (يتطوع) لمعالجتهم بعد ذلك، أو عن الموسر الذي يشح وقت المجاعات وأزمنة العسرة، ثم ينفق بسخاء وقت الرخاء والسعة. فهؤلاء جميعاً والأمثلة في غيرهم كثيرة لم يراعوا (واجب الوقت) ، وكما يقول ابن القيم ﵀: «فالأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه» [١] ، وهو ما يعبر عنه آخرون بأن الإسلام عمل اللحظة الراهنة. وبهذه المراعاة لواجب الوقت وعدم التخلف عنه برز من برز من الصحابة الشوامخ ﵃؛ فتصديق أبي بكر ﵁ للرسول ﷺ في وقت لم يصدقه الناس لا يساويه تصديق آخر في وقت يدخل الناس فيه في دين الله أفواجاً، وصدع عمر ﵁، وجهره بالحق في وقت تشتد فيه سطوة أهل الباطل واستضعاف أهل الحق، لا يساويه إعلان الناس للحق في مجتمع يسوده ذلك الحق، وكذا يقال في مساندة السيدة خديجة ﵂ وإنفاق أغنياء السابقين من الصحابة كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ﵄ وهكذا يمكن النظر إلى كثير من مناقب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وقد قدر الله هذا السبق كما جاء في قوله تعالى: [لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ] (الحديد: ١٠) ، وقدره رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث. بل إن رسول الله ﷺ كان يوجه عموم المسلمين إلى مثل ذلك، فجعل ﷺ أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر؛ حيث حاجة الأمة وهذا السلطان في وقت الجور أشد منها وأوكد في غيره، إضافة إلى أن جور هذا السلطان قد يمنع كثيرين من القيام بهذا الواجب في هذا الوقت بخلاف ما لو كان عادلاً؛ حيث سيكثر الناصحون لأمنهم من جوره، ولعل ذلك ما جعل من يقوم بهذه المهمة عند السلطان الجائر: أفضل الشهداء لو قتله هذا السلطان. وهكذا أيضاً فهم عامة الصحابة (واجب الوقت) وقاموا به بحسب ما يقتضيه هذا الوقت منهم، سواء كان هذا الوقت وقت معركة أو وقت معاهدة؛ ففي أعقاب غزوة أحد اشرأبت أعناق المشركين وأرادوا أن يختموا تقدمهم العسكري بنصر معنوي ونفسي، فقال أبو سفيان يُسمِع المسلمين: اعلُ هُبَل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه! قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجلُّ. قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي ﷺ : أجيبوه! قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم [٢] . فما كان يغني عن المسلمين أن يصمتوا عن إجابة أبي سفيان حتى ولو بذريعة الحكمة وعدم استفزاز العدو ثم يرجعوا إلى المدينة ويهتفوا في طرقاتها: «الله أعلى وأجل» ، و «الله مولانا ولا مولى لكم» ؛ فواجب الرد كان وقت إعلان المشركين بباطلهم بعد المعركة، وليس وسط مسلمين يؤمنون بذلك. وأثناء المفاوضات بين المسلمين والمشركين التي تمخض عنها معاهدة صلح الحديبية.. استعمل كل طرف ما يمكنه من أساليب الضغط على الطرف الآخر للحصول على تنازلات، وكان من ذلك قول عروة بن مسعود الثقفي لرسول الله ﷺ : «فإني والله لا أرى وجوهاً، وإني لأرى أشواباً من الناس [يقصد الصحابة] خليقاً أن يفروا ويدَعوك» ، وفوق رد أبي بكر الحاسم عليه فإن الصحابة الكرام فهموا ما يمليه عليهم واجب الوقت وقاموا به خير قيام: «ثم إن عروة جعل يرمق النبي ﷺ بعينه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدُّون إليه النظر تعظيماً له» .. ولا شك أن الصحابة ﵃ كانوا يعظمون الرسول ﷺ في كل وقت وكل حين، ولكن لم ينقل هذا التسابق الجماعي إلى مثل ما ذكر إلا في هذا الموطن فيما أعلم؛ لأن ذلك كان واجب الوقت في تلك اللحظة لهدف محدد تحقق بالفعل عندما «رجع [عروة] إلى أصحابه فقال: أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه مثل ما يعظم أصحاب محمد محمداً» [٣] . وإذا أردت أن تتأكد أن هذه الصور من (إظهار) التعظيم كانت مقصودة لتوصيل (هذه الرسالة) إلى قادة المشركين أثناء المفاوضات فراجع موقف هؤلاء الصحابة أنفسهم بعد عقد معاهدة الصلح مباشرة؛ حيث اعترض كثير منهم على بنودها التي أمضاها الرسول ﷺ ، وامتنعوا في أول الأمر عن الاستجابة لأمر الرسول ﷺ بالتحلل من الإحرام حزناً على عدم اعتمارهم بالبيت الحرام وأملاً في تراجع الرسول ﷺ عن العودة إلى المدينة من غير اعتمار.. إلى أن أفاقوا من ذلك وندموا عليه. والمقصد هنا أنه عندما تكون المواجهة مواجهة بين الخير والشر أو بين الحق والباطل، أو تكون مواجهة (حضارية) كما يقولون، فإنها تكون مواجهة متعددة الأبعاد ومتشعبة الاتجاهات، ويكون جنودها أيضاً متنوعين وأدواتها ومجالاتها كثيرة، ومن هذه المجالات الكثيرة مجال الدعوة والتوجيه والإعلام خاصة أوقات الفتن والمحن وانتشار الجهل والدعايات والدعوات المضادة، وجنود هذا المجال هم العلماء والدعاة والمفكرون، وأدواتهم هي الكلمة والنصيحة المكتوبة والمسموعة. وكما يقال فإن الفتنة إذا أقبلت لم يعرفها إلا العاقل (أو العالم) وإذا أدبرت عرفها كل الناس، فإذا لم يقم هؤلاء بواجبهم من إرشاده الناس وقيادهم إلى الخير في ذلك الوقت فمن يقوم به غيرهم؟ ! إنهم إذا نكصوا عن أدائهم لواجبهم في هذا الوقت الذي ينتظر الناس فيه كلمة أو توجيهاً منهم؛ فإنهم بذلك يكونون كمن تولى يوم الزحف؛ فهذا يوم زحفهم، وهذه ساحة معركتهم؛ فإذا فروا من أداء واجبهم فيه فسوف يتقدم العدو ليحتل عقول ونفوس المسلمين الذين كشفت ظهورهم الفكرية والمعنوية عندما فر الرماة بالحق؛ وعندما يفر هؤلاء فإنهم سوف يفقدون ثقة المسلمين فيهم فيما بعد، وسوف يبرز المخلَّفون والقاعدون والمتهورون على أنهم فرسان الساحة، وقد حذر الله من انحراف من سبقونا من أهل الكتاب عندما لم يقوموا ببيان دينه بوضوح وقوة، فقال: [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ] (آل عمران: ١٨٧) . ثم لن ينفع أهل الحق والوسطية من هؤلاء العلماء والدعاة والمفكرين أن يقوموا في غير هذا الوقت بتوجيه الناس وتعليمهم عقيدتهم ودينهم وردهم على شبهات أعدائهم ونصحهم بسبل مواجهة الفتن؛ لأنه كما يقول علماؤنا: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ووقت الحاجة لم يقم فيه أهل البيان بالصدع بالبيان المطلوب. إنهم إذا قاموا بهذا البيان والتعليم فيما بعد إنما يكونون كذلك الأعرابي الذي سرق اللصوص إبله، فعاد إلى أهله قائلاً: سرقوا الإبل ولكني أوسعتهم سباً! .. فعار أن يفوت وقت الواجب ولا يقوم أهل الحق بواجب وقتهم.. عار أن يولي بعضهم يوم الزحف! ..

стр. 4114

قضايا دعوية من أمراضنا الاجتماعية: كثرة النقد وقلة العمل هشام بن عبد القادر آل عقدة من أمراضنا الاجتماعية الذميمة: حب النقد مع ترك العمل، وقد فشت هذه الظاهرة المَرَضية في مختلف طبقات المجتمع؛ فلا يختص بها المثقف دون الأمي، ولا الأمي دون المثقف، ولا يختص بها الذين ينتسبون للدعوة دون من لا ينتسبون إليها، بل هي سمة في مجتمعاتنا بمختلف فئاتها. ويكاد الكثير في مجتمعاتنا ألاَّ يسمعوا بعالم من العلماء أو بداعية من الدعاة أو بمجاهد من المجاهدين أو بخطيب من الخطباء أو برجل بذل ما بوسعه لنصرة الإسلام أو اجتهد اجتهاداً معيناً لخدمة الدين، يكادون ألا يسمعوا بشيء من ذلك حتى ينصِّب بعضهم من نفسه مفتياً وهو على أريكته أو في منتداه أو في مقهاه ليتناول هؤلاء العاملين بالنقد والحديث مستعلياً ومتعالماً ومتفاصحاً ومتعاظماً ومستهزئاً، ويملأ شدقيه بالكلام ويتفيهق ويتفلسف ويتشبع بما لم يُعط، ولكن هيهات أن يعمل أو يتحرك! أقلوا اللَّوم عليهم لا أبا لأبيكم ... أو سدُّوا من الخلل مثل الذي سدّوا صابرون ومساكين هؤلاء الذين يعملون ويبذلون في مجتمعاتنا؛ أولئك الذين ينقذون المواقف ويأخذون بزمام المبادرة حين يتخلف الكسالى سواء كانوا من القادرين أو غير القادرين. قد تجد قوماً لا يجدون لهم إماماً يصلي بهم، ويهرب الجميع من ذلك ضعفاً وعجزاً لا ورعاً، فإذا ما اضطر أحدهم للتقدم إذ لا بد من هذا تحول الهاربون إلى علماء نقَّاد، وذاق الإمام من ألسنتهم الأمرّين، أو لا يجدون لهم خطيباً فإذا اضطر أحدهم إنقاذاً لعبادتهم من التعطيل فبادر لأداء الخطبة صار الباقون على الفور أهل علم بالخطابة وكيف تكون وكيف تؤدى، وإذا نكص الناس عن الدعوة والتعليم والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله فقام دعاة يؤدون ما بوسعهم تناولتهم الألسن ولاكتهم مع قلة الناصر والمعين لهم من الخَلْق، هكذا حالنا! لا نريد أن نكون في الميدان ولكن نحب أن ننظر من خلف الزجاج، ثم نعلق وننقد ونحلل! يثقل علينا أن نكون في ساحة العمل والبذل والعطاء ولكن نشتهي أن نشرف من وراء المكاتب! نريد أن ننقد ولا نريد أن نعمل! فأين ذهب الذين يتكلمون بأفعالهم لا بألسنتهم وأقلامهم؟ نريد أولئك الذين تتكلم أعمالهم وبذلهم وعَرَقُهم ودماؤهم لا الثرثارين المتشدقين المتفلسفين المتقمصين من الأدوار ما ليس لهم. روى الترمذي بسند حسن عن جابر ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تحلَّى بما لم يُعْطَ كان كلابس ثوبَيْ زور» [١] . وروى الترمذي أيضاً بسند صحيح عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أحبِّكم إليَّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون» . قالوا: يا رسول الله! قد علمنا الثرثارين والمتشدقين فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون» [٢] . ورسول الله ﷺ في تفسيره المتفيهقين بالمتكبرين يعطينا خلاصة حال هؤلاء والدافع إلى تفيهقهم وتشدقهم وتكلفهم ألا وهو ما في قلوبهم من الكبر، وإلا فالمتفيهقون في اللغة هم الذين يتوسعون في الكلام ويفتحون به أفواههم، وهو مأخوذ من الفهق وهو الامتلاء والاتساع؛ فالمتفيهق يملأ فمه بالكلام ويتوسع فيه إظهاراً لفصاحته وفضله واستعلاء على غيره، ولهذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم المتفيهق بالمتكبر، والمتفيهق بمعنى المتشدق؛ فالمتشدق هو المتكلم بملء شدقيه تفاصحاً وتعظيماً لكلامه، وقيل: المتشدقون هم المتوسعون في الكلام من غير احتياط واحتراز، وقيل أراد بالمتشدق المستهزئ بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم، والشدق جانب الفم، وأما الثرثارون فهم الذين يكثرون الكلام تكلفاً وخروجاً عن الحق [٣] . فإلى متى يظل همُّ أحدنا الكلام والتعالم والنقد والاستعلاء على الخلق والاستهزاء بعمل العاملين؟ فهلاَّ خفضنا من تشدقنا وتعالمنا وتفاصحنا، واتجهنا شيئاً فشيئاً إلى العمل! لا نقول إن المسلم يجب أن يترك النقد كله، لكن ليكن شعارنا: «قليل من النقد وكثير من العمل» ؛ فإن الأمة تشتكي من قلة من يعيشون لها وكثرة من يعيشون لأنفسهم، وقد وجدنا حال من يكثرون النقد وحال عموم المجتمع أنهم يعيشون لأنفسهم فيؤمِّنون مصالحهم أولاً ويتعلقون بدنياهم ثم ينقدون الآخرين في وقت التسلية والراحة. إذا كنت أيها الإنسان لا تبذل شيئاً لدعوة الإسلام ولا تقدم شيئاً لنصرة الدين فما لك وللآخرين الذين يقدِّمون ويبذلون ما في استطاعتهم! ما لك ولهم؛ فإن الإسلام أباح التيمم عند فقد الماء، وأباح إمامة الأمي لمثله؛ وتلك الصحوة التي تحمل عليها، وعمل أولئك الدعاة الذين تنال منهم بالنسبة إلى الصورة المثالية كالتيمم عند فقد الماء. أوْلى بك أيها المسلم أن تتحرك لدينك، تحرك إن كان في قلبك إيمان.. ماذا تنتظر؟ أما أزعجك غياب شرع الله عن الهيمنة على حياتنا؟ أما أتاك نبأ الشركيات والبدع في مجتمعاتنا؟ أما أزكمت أنفك رائحة المعاصي والمنكرات في كل مكان؟ أما أعمتك المتبرجات في الطرقات؟ إلى متى تعيش لنفسك؟ إلى متى تعيش للأكل والشرب والنكاح والأولاد؟ [وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ] (الأنفال: ٢٨) . أما بلغتك دعوته ﷺ : «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أُعطي رضي وإن لم يُعْطَ سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع» ، والخميصة: ثياب خز أو صوف معلَّمة، والساقة: الذين يحفظون الجيش من ورائه [٤] . أين دور كل واحد منا تجاه دعوة الله جل وعلا؟ أين الدافع الذاتي؟ إيمانك الذي في قلبك، ألم يحركك؟ أليس كافياً لدفعك للدعوة إلى الله؟ أين غيرتك على الدين؟ هل اكتفيت بأن اسمك معدود في المسلمين؟ ألم يأتك نبأ أبي بكر الصديق ﵁؟ ! ما إن أسلم ﵁ وعلم بما دخل فيه من دين الله تعالى حتى أخذ يتصل بخيار رجالات قريش، لم يجلس في بيته، ولم ينتظر تكليفاً من رسول الله ﷺ أن ينطلق للدعوة إلى الدين الذي اعتنقه، وإنما أتاه التكليف من إيمانه وصدق إسلامه، فأخذ يتصل بخيار رجالات قريش في مكة يعرض عليهم الإسلام سراً، فأجابه وأسلم على يديه صفوةٌ كان لها الأثر الكبير في نشر الدعوة داخل مكة وخارجها، وأفراد هذه الصفوة كلهم من العشرة المبشرين بالجنة [٥] ؛ فمنهم عثمان بن عفان الخليفة الراشد الذي تزوج بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم: رقية ثم أم كلثوم، والزبير بن العوام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته صفية، وعبد الرحمن بن عوف الذي دعم الدعوة بماله وجهاده، وسعد بن أبي وقاص الأمير المجاهد، وطلحة بن عبيد الله من خيرة الصحابة أيضاً وأحد العشرة المبشرين بالجنة كأصحابه؛ أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا أولاً إلى الإسلام ثلاثة رجال هم: أبو بكر وعلي وزيد، فحمل هؤلاء الدعوة من فورهم وبدافع من إيمانهم، فدعا أبو بكر خمسة رجال هم الذين سبقت الإشارة إليهم، أي أنه أسلم على يديه خمسة في وقت كان جميع من سبق فيه إلى الإسلام ثمانية رجال بالإضافة إلى أم المؤمنين خديجة ﵂. هكذا يدفع الإيمان أهله لحمل الدعوة، وأنت أخا الإسلام كم من منحرف تعرفه ولا تفكر في دعوته وإنقاذه، وكم من شاب في مقتبل العمر بحاجة إلى من يأخذ بيده قبل أن تتقاذفه الأمواج فتتغافل عنه متشاغلاً بدنياك وخصوصياتك! إن الأمة بحاجة لمن يعيش لها وينزل إليها، ويقترب من جمهورها، يسمع إليهم، ويأخذ بيدهم للثبات أمام الفتن، ويسوقهم بعيداً عن المزالق والانحرافات، ويجيبهم عن أسئلتهم، ويخرجهم من حيرتهم، ويريحهم ويمسح عنهم متاعبهم، باذلاً في ذلك طاقته وجهده، وماله وراحته، وصلى الله وسلم على رسولنا محمد الذي كان صدراً حانياً لأصحابه، يجدون فيه طمأنينتهم وارتياحهم، والحل لمشكلاتهم والإجابة عن تساؤلاتهم؛ فينصرف كل منهم سعيداً منشرحاً. أما هو ﷺ فكان كل ذلك يأخذ من صحته ومن قوته. نعم كان يعيش لهم لا لنفسه، ويقتطع من صحته وقوته من أجلهم، ورضي الله عن زوجه أم المؤمنين عائشة ﵂ إذ تقول وذلك لما قيل لها: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وهو قاعد؟ : نعم! بعدما حطمه الناس « [٦] . الله أكبر.. بعدما حطمه الناس أي كأنه بما حمله من أمورهم وأثقالهم والاعتناء بمصالحهم صيَّروه شيخاً محطوماً [٧] ، بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه [لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] (التوبة: ١٢٨) .. وما فقد الماضون مثل محمد ... ولا مثله حتى القيامة يفقد صلوات ربي وسلامه عليه. إن الذي يعيش لنفسه يعيش صغيراً ويموت صغيراً، والذي يعيش لأمته يعيش عملاقاً ويموت عملاقاً. لقد شاء الله جل وعلا أن يكرمنا ويتفضل علينا بأن نكون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمة محمد ﷺ لا يعيش أفرادها لأنفسهم، وإنما هي أمة أخرجت للناس، ولها وظيفة عظيمة تؤديها للبشرية [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ] (آل عمران: ١١٠) وذلك يقتضي أن يشمر أفراد هذه الأمة عن سواعدهم ليقوموا بهداية الخلق إلى الحق، إنما حياة النفس لشهواتها ورغباتها ولهوها ولعبها فلا خير فيها، يقول صلوات الله وسلامه عليه:» الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً أو متعلماً « [٨] . فاحذروا من عاقبة التفريط في دوركم ورسالتكم، ولا تلهينكم شهوات نفوسكم، أو أموالكم وأولادكم عن أسباب فلاحكم ونجاتكم [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ] (المنافقون: ٩) آية عظيمة مخيفة تهز القلوب لو كان فيها حياة، لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون، إنها لآية شديدة ولكنها تصور واقعنا فعلاً؛ فكم تلهينا دنيانا عن ذكر الله! وذكر الله أمر عظيم وباب واسع يدخل فيه كما ذكر الحافظ ابن القيم ﵀ الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأشياء أخرى عظيمة كثيرة ذكرها مع الذكر باللسان. فاحذروا إخوة الإسلام أن تعطوا الدنيا أكثر مما تستحق [كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَالإِكْرَامِ] (الرحمن: ٢٦-٢٧) ، [يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ] (غافر: ٣٩-٤٠) . ويا ليت كل من احتوته دنياه فأقعدته عن نصرة دينه ودعوته، يا ليته خفف من طعنه في دعاة والعاملين في ظهرهم، يا ليت من فرَّط في حمل رسالته وفي أداء دوره تجاه الأمة.. يا ليته عاش محافظاً على التزامه كما ينبغي ولم يفرِّط في حق نفسه. وفي ختام هذه المقالة أذكِّر نفسي وإخواني بأن العاقبة ستكون وخيمة إذا ما تدرجنا في الانحدار شيئاً فشيئاً؛ فإن الأمر يبدأ بترك دورنا ورسالتنا التي شرفنا بها وجعلنا الله من أجلها [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] (آل عمران: ١١٠) ، ثم ننحدر بعد هذا الكسل والتفريط فنطلق ألستنا متشدقين فلا ينجو منا العاملون والدعاة الذين حملوا الرسالة بقدر استطاعتهم، ثم ننحدر أكثر فأكثر فنترك من التزامنا شيئاً فشيئاً، أقول إن عاقبة ذلك لوخيمة. [فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ] (غافر: ٤٤) . نعوذ بالله من الخذلان وسوء الخاتمة، ومن خزي الدنيا وخزي يوم القيامة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4115

نص شعري مَنْ مِثلُ كابول ؟ مروان كجك أوَّاهُ أوَّاهُ يَا كَابُولُ فَانْتَظِمِ ... فِي سِلْكِ قَوْمٍ وُفَاةِ الْعَهْدِ وَالذِّمَمِ فَقَدْ بَغَتْهَا جُيُوشُ الغَدْرِ قَاطِبَةً ... مَا بَيْنَ مُغْتَبِطٍ مِنْهُمْ وَمُنْتَقِمِ فَثِبْ هَصُوراً وَلا تَحْفِلْ بِمَنْ جَفَلُوا ... عَنِ الطَّرِيقِ وَلَمْ يُصْغُوا لِمُعْتَصِمِ وَلا تَخَفْهُم؛ فَإنَّ اللَّهَ جَامِعُنَا ... يَوْمَ الْحِسَابِ غَداً فِي مَحْفِلٍ أَزِمِ وَلا تَخَفْهُمْ فَإنَّ الْعُمْرَ مَرْجِعُهُ ... لِوَاهِبِ الْعُمْرِ لا لِلنَّبْلِ وَالْهَرَمِ سَتُشْرِقُ الشَّمْسُ يَا كَابُولُ سَاطِعَةً، ... مَنْ مِثْلُ كَابُولَ مَهْدِ الْعِزِّ وَالشَّمَمِ؟ وَيُسْرِعُ النَّصْرُ خَلْفَ النَّصْرِ يَتْبَعُهُ ... وَيُدْحَرُ الْقَهْرُ مِنْ رَحْضٍ إلَى قِمَمِ سَلُوا الكِرِمْلِنَ مَنْ أَطْفَا قَنَادِلَهُ ... فَصَارَ ذِكْرَى ذَمِيمَ الصِّيتِ وَالْقِيَمِ أَلَيْسَ كَابُولُ قَدْ قَضَّتْ مَضَاجِعَهُ ... وَأَلْقَمَتْهُ زُؤَاماً رَاسِخَ الْقَدَمِ؟ وَأَرْسَفَتْهُ وَقَدْ كَانَتْ بَيَارِقُهُ ... خَفَّاقَةً فِي دِيَارِ الْعُرْبِ والْعَجَمِ يَا بُؤسَ قَوْمٍ طَغَوْا فِي الأَرْضِ وَانْتَشَرُوا ... بِجَيْشِ حِقْدٍ وَجَمْعٍ غَيْرِ مُنسَجِمِ يَبْغِي التَشَفِّي مِنَ الْحَقِّ الَّذِي غَلَبَت ... آيَاتُهُ الزُّهْرُ أَهْلَ الظُّلْمِ وَالظُّلَمِ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ أَطَلَّ الزَّيْفُ وَانْتَشَرَتْ ... فِي الأَرْضِ حُمَّى جُنُونِ الكُفْرِ وَالْبُهُمِ هَا قَدْ تَدَاعَتْ جُمُوعُ الْغَدْرِ يَدْفَعُهَا ... حِقْدٌ دَفِينٌ وَغَيظٌ غَيْرُ مُنْفَطِمِ لَوْ كَانَ يُحْفِظُهَا فَرْدٌ لَمَا حَشَدَتْ ... هَذِي الْحُشُودَ وَلَمْ تُهْرِقْ بِحَارَ دَمِ لَكِنَّهُ صَلَفٌ فِي الْقَلْبِ مُنْجَدِلٌ ... حِقْدُ الصَّلِيبِ وَما يُزْجِيهِ مِنْ ضَرَمِ اللَّهُ أَكْبَرُ مَا مِنْ غَالِبٍ أَبَداً ... إلاَّ المُعَلِّمُ بالْوَحْيَيْنِ وَالَقَلَمِ وَالْمُؤْمِنُونَ به والسَّائِرُونَ عَلَى ... نَهْجِ السَّخِيِّينَ بِالأَمْوَالِ وَاللِّمَمِ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ مَهْمَا طَارَ طَائِرُهُمْ ... وَحَوَّطُوهُ بِزَيْفِ الْقَوْلِ وَالْحِكَمِ وَيُكْشَفُ الْكَذِبُ الْمَعْسُولُ أَجْمَعُهُ ... وَيُفْرَزُ السُّمُّ عَمَّا شِيبَ مِنْ دَسَمِ

стр. 4116

تأملات دعوية الأحداث ومشكلة التفكير محمد بن عبد الله الدويش www. dweesh. com الأحداث تثير النفوس وتكشف كوامن وخبايا فيها، وهي فرصة لاكتشاف أمراض نعاني منها، أو تقرير معان تربوية غائبة؛ وعلى سبيل المثال كان لحادث الإفك أثر في تقرير معان شرعية وبنائها في النفوس ما كانت لتتقرر بالقدر نفسه لو جاء الحديث عنها ابتداءاً. ولعل قراءة سريعة في الأحداث الأخيرة تكشف لنا عن بعض الثغرات في طريقة تفكير بعضنا، ومنها: * الإصرار على التعامل مع الموضوع جملة واحدة دون فصل عناصره، وثمة فرق بين حادث الاعتداء، وبين الحرب والصراع، وبين التحالف ضد ما يسمى بالإرهاب، والموقف منه وأسلوب التعامل معه. * لا تزال العاطفة تؤثر كثيراً في أحكامنا ومواقفنا؛ فمع أهمية العواطف، وعدم إهمالها، بل قسوة من يفتقدونها، وربما ضعف إيمانهم، مع ذلك كله ينبغي أن تكون أحكامنا ومواقفنا تستند إلى النصوص الشرعية، والمعايير الموضوعية. * النظرة القريبة والآنية للأحداث في التعامل معها، وفي قياس آثارها وتقويمها، والذين يفقدون العمق في التعامل مع الأحداث سيفقدونه في نظرتهم للمستقبل وتخطيطهم له، وحين نضيف ذلك إلى زيادة مساحة تأثير العاطفة لدينا يتولد من هذا مواقف متعجلة ومتسرعة يدفعها ضغط الواقع والتبرم به إلى مواقف وأعمال ضررها أكثر من نفعها. * الغلو في الآراء والتطرف فيها؛ فكثير ممن يبدي رأيه في الموقف والحادث يبالغ في الحماس له وفي تقريره، وعبارة: هذا الرأي أرجح في وجهة نظري من غيره، أو هذا الرأي يمكن أن يقبل بنسبة معينة ... وغيرها، هذه العبارات التي تدل على نسبية الرأي عبارات نادرة في حوارنا وحتى في كتاباتنا. * لا نزال نعاني من عدم استيعاب الاجتهاد المخالف والرأي الآخر؛ فثمة جوانب في الحدث يمكن بل لا بد من أن تختلف فيها الآراء؛ ومع ذلك فثمة من يضيق عطنه بالرأي الذي يخالف ما يراه هو، بل يتجاوز الأمر في ذلك إلى تكوين مواقف من الأشخاص نتيجة آرائهم. وإذا كان هذا المسلك في التعامل مع موقف فكيف به في التعامل مع آراء واجتهادات أخرى؟ وهل نعتقد أننا سنصل إلى حال نتفق فيها على جميع المسائل الاجتهادية والمسائل النسبية؟ * لا تزال نظرية المؤامرة تسهم إلى حد كبير في التأثير على تفكيرنا؛ فنفترض أن الحدث مؤامرة حيكت خيوطها بدقة بالغة، وأن التحركات التي أعقبت الحدث هي الأخرى لها أهداف.. إلخ، إننا لا ننكر أن هناك مؤامرات تحاك في الظلام، وكم كشف التاريخ عن تفسير لبعض الأحداث كان غائباً عن معاصريه، لكن لا بد من الاعتدال والنظرة الموضوعية للأحداث مع اعتبار احتمال المؤامرة في حدث من الأحداث فرضاً ضمن الفروض يجري اختباره وفحصه على ضوء أدلة موضوعية. * نعاني من فقد النقد والتمحيص الموضوعي للأخبار والروايات؛ فثمة أخبار وروايات تلقى رواجاً ويعتمد عليها؛ مع أنها تبدو غير منطقية حين نُخضعها للمحاكمة العقلية المنطقية. * في تعاملنا مع الأخبار نميل إلى الحماس للأخبار التي تتفق مع إطارنا المرجعي، ونحرص على أن تكون النتيجة كما نريد أكثر من حرصنا على الوصول للحقيقة بغض النظر عن موقفنا منها.

стр. 4117

وقفات هموم صغيرة أحمد بن عبد الرحمن الصويان alsowayan@albayan-magazine.com التحديات الحضارية التي تواجه الأمة الإسلامية سياسياً واقتصادياً وفكرياً واجتماعياً.. كثيرة وكثيرة جداً، ومن أبرز المشكلات التي نعاني منها غياب الوعي في إدراك هذه التحديات الكبرى وأبعادها العميقة في واقع الأمة. ومظاهر غياب الوعي عديدة، أذكر منها: أولاً: اشتغال كثير من طلبة العلم والباحثين والمنتسبين إلى الدعوة بالأمور المفضولة على حساب الأمور الفاضلة، فتهدر أوقات كثيرة، وتستهلك طاقات عديدة في أمور غيرها أفضل منها، وتصبح القضايا الكلية الكبرى التي تحتاجها الأمة من القضايا الغائبة التي لم يلتفت إليها أولئك المصلحون؛ لأنهم استُهلكوا في مسائل أخرى مرجوحة. وكثيراً ما يغفل الصالحون عن هذه الآفة؛ لأنهم يرون أنفسهم إنما يشتغلون في أعمال صالحة، ولكنهم لم يفقهوا أن ذلك حجبهم عن أعمال أصلح وأكثر نفعاً للأمة. قال العز بن عبد السلام: «لا يقدم الصالح على الأصلح إلا جاهل بفضل الأصلح، أو شقي متجاهل لا ينظر إلى ما بين المرتبتين من التفاوت» [١] . وذكر ابن القيم أن هذه من أحابيل الشيطان التي يوقع فيها الصالحين؛ فإن الشيطان أمر العبد بالأعمال المرجوحة المفضولة، «وحسنها في عينه، وزينها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسباً وربحاً؛ لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، وبالمرضي عن الأرضى له» [٢] . ولم يسلم من هذه المشكلة بعض المحافل العلمية المتخصصة التي ينتظر منها توجيه الأمة وقيادتها، كالجامعات الإسلامية ومراكز البحث العلمي؛ حيث ما زال بعضها يجتر بعض الموضوعات التقليدية، ويُشققها بتكلف ظاهر، بعيداً عن التحديات الحقيقية التي تواجهها الأمة، وإلا فأين طلاب أصول الدين وأقسام العقيدة والدعوة من التيارات الفكرية التي تجتاح الأمة وتصدع أركانها وتتخطف شبابها؟ ! وأين طلاب الشريعة وأقسام الفقه من النوازل الاقتصادية التي تعبث بها المؤسسات البنكية ومنظمة التجارة العالمية ونحوها؟ ! وإن وُجِدَ شيء من ذلك فَلِمَ لا ينزل في واقع الأمة، ويتحول من الأطر النظرية والجدلية إلى الممارسة العملية..؟ ! وما أشبه كثير من هؤلاء المشتغلين بالأعمال المفضولة بمن تحدث عنهم ابن الجوزي بقوله: «من ذلك أنَّ قوماً استغرقوا أعمارهم في سماع الحديث والرحلة فيه وجمع الطرق الكثيرة وطلب الأسانيد العالية والمتون الغريبة، وهؤلاء على قسمين: قسم قصدوا حفظ الشرع بمعرفة صحيح الحديث من سقيمه، وهم مشكورون على هذا القصد، إلا أن إبليس يُلبِّس عليهم بأن يشغلهم بهذا عمَّا هو فرض عين من معرفة ما يجب عليهم، والاجتهاد في أداء اللازم والتفقه في الحديث.. فترى المحدِّث يكتب ويسمع خمسين سنة، ويجمع الكتب ولا يدري ما فيها، ولو وقعت له حادثة في صلاته لافتقر إلى بعض أحداث المتفقهة الذين يترددون إليه لسماع الحديث منه! ..» [٣] . إنَّ تصدر الأكفاء من المتخصصين والمثقفين لمواجهة التحديات الفكرية ليس ترفاً معرفياً؛ بل هو أمانة عظيمة يجب أن يتصدروا لها، وقديماً ودَّ بعض المحدِّثين أن لو كان يعلم كيف يرد على بعض شبهات المتكلمين وأن ثلث مروياته ساقطة عنه..! [٤] . ومن فقه الإمام ابن تيمية ﵀ أن بعض أصحابه التمس منه تأليف نصٍّ في الفقه يجمع اختياراته وترجيحاته، ليكون عمدة في الإفتاء، لكن الإمام رأى أن الفروع أمرها قريب، وأن الأوْلى بالتقديم هو الرد على المبتدعة وأهل الأهواء، وقال: «يجب على كل من يقدر على دفع شبههم وأباطيلهم، وقطع حجتهم وأضاليلهم أن يبذل جهده ليكشف رذائلهم، وزيف دلائلهم، ذباً عن الملة الحنيفية، والسنَّة الصحيحة الجلية» [٥] . ثانياً: السلبية المفرطة من بعض الأكفاء وأهل الاختصاص؛ فترى كثيراً منهم ينزوي ويبتعد عن واجباته الشرعية في مدافعة المبطلين، ويتهرب من المسؤولية، ولا يُرى له أثر. وربما تسمع أحياناً من بعض هؤلاء في مجالسه الخاصة ودوائره الضيقة كلاماً عظيماً في الرد على بعض رموز التيارات الفكرية المنحرفة، ويعجبك منطقه وقوة تأصيله، وإلمامه بالخلفيات الفكرية والجذور التاريخية الفكرية للطروحات العلمانية، لكنه لا يكاد يُذكر في المحافل العامة التي ينبغي فيها إظهار الحق ورفع راية الدين، ولا شك بأن هذا من أعظم الخذلان والتقصير في نصرة الدين؛ فما فائدة هذا العلم إذا لم يُسخَّر لخدمة الأمة، والذبِّ عن حياضها..؟ ! وما فائدة التشكي والتحزن على واقع الأمة وتغلُّب المفسدين إذا كان القادرون على قمع الباطل ورد شبهاته رضوا بالقعود والتشاغل..؟ ! وهل يمكن أن تواجه الأمة تلك التحديات الفكرية والحضارية بهذه النفوس الصغيرة العاطلة..؟ ! لقد كان الإمام ابن القيم واضحاً صريحاً في وصف حال هؤلاء القوم، فقال: «وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك، وحدوده تضاع، ودينه يترك، وسنَّة رسوله ﷺ يرغب عنها وهو بارد القلب، ساكت اللسان، شيطان أخرس كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق؟ !» [٦] . ثالثاً: افتعال معارك صغيرة فكرية وحزبية وشخصية أطاحت بهمم كثير من الدعاة، وأقعدتهم عن مواطن العطاء والإنجاز، وصرفتهم عن مواقع البلاء الحقيقية، واستهلكت طاقاتهم في القيل والقال..! وإذا أردت أن تقف على بعض أمثلة ذلك فانظر إلى بعض ما يطرح في مواقع ساحات الحوار الإسلامية والعربية في الشبكة العالمية (الإنترنت) ؛ ففي الوقت الذي تشتعل فيه الأرض المباركة في فلسطين بمكائد اليهود، وتتكالب القوى الغربية على المسلمين في أفغانستان؛ ترى شباب الأمة وعقلها المبدع يلوك بعض المسائل الجزئية الباردة التي لا تقدم ولا تؤخر، ويفتعل لها الخصومات، ويجمع حولها الأنصار، ويصنف وراءها المخالفين، وكأنها من معاقد الولاء والبراء..! وترى الحوار يتحول عند كثير من البطَّالين إلى ضرب من ضروب الهوى والاعتداد بالنفس والتطاول على الآخرين. وأحسب أن كثيراً من الجدل الدائر لا يبعد كثيراً عن قول الإمام ابن القيم: «ولا عبرة بجدل من قلَّ فهمه وفتح عليه باب الشك والتشكيك؛ فهؤلاء هم آفة العلوم، وبلية الأذهان والفهوم!» [٧] . رابعاً: الانغلاق الحزبي الذي يري الإنسان الأمور بمنظار مختلف يجره إلى مستويات هزيلة متدنية من الهموم؛ فالهم الأكبر الذي يتعب له العبد وينصب لا يتجاوز حدود التوجهات الحزبية التي تنتقل في الدوائر التنظيمية الضيقة، أما التحديات الكبرى للأمة، والقضايا المصيرية التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية فهي في حسه قضايا هامشية شكلية ليس هذا وقتها ... !

стр. 4118

حوار حوار مع السفير السابق لأفغانستان في دولة الإمارات العربية المتحدة البيان: نرحب بسعادة الأخ السفير مولوي عزيز الرحمن عبد الأحد، القائم بأعمال سفارة أفغانستان الإسلامية بدولة الإمارات العربية المتحدة سابقاً، ونشكره على تلبية دعوة مجلة البيان لإجراء هذا الحوار: * بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: وأنا أرحب بمجلة البيان الإسلامية التي خدمت الساحة بجهدها وبتأصيلها لكثير من القضايا الإسلامية من وقت نشأتها وإلى اليوم، ولهذا نرى إقبال المسلمين على قراءتها والبحث عنها والاشتراك فيها من جميع أنحاء العالم، حتى في أفغانستان نفسها. وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أهمية مجلة البيان وإخلاص القائمين والعاملين فيها؛ فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ونسأل الله أن يوفقنا وإياهم إلى الاستمرار في هذا السبيل وخدمة الإسلام والمسلمين في أي مكان. البيان: بعد أحداث نيويورك وواشنطن أصرت حكومة أفغانستان على نفي أية صلة لها بتلك الأحداث، بل استبعدت أن يكون ضيوفها هم الفاعلين؛ ولذلك فهل تعتبر طالبان نفسها ضحية ظلم وقع عليها بسبب تهمة غير صحيحة؟ * في الحقيقة لا شك في أن إمارة أفغانستان الإسلامية وزعامتها سواء قبل أحداث أمريكا أو بعدها، ما كان لها أي تخطيط لأن تقوم بمثل هذه الأعمال، وخاصة أنها منشغلة بنفسها وتعمل داخل بيتها، وهناك حرب مسلطة عليها من داخل أفغانستان بإيعاز وبدعم من خارج أفغانستان، فلم يكن في نيتها إحداث مشاكل، بل هي بنفسها قررت وأعلنت سابقاً ولاحقاً وإلى اليوم في جميع المناسبات أنهم ليسوا بصدد مثل هذه الأمور، ولا يرون تقرير مثل هذه الأمور لأن تنطلق من إمارتهم، وأيضاً استبعدت ونفت عمن يعيش في داخل الأرض الأفغانية ومن هم ضيوف عليها فعل ذلك؛ لأنها تدرك أن أفغانستان بوضعها وظروفها وباتصالاتها وإمكانياتها ليست مهيأة لأن تنطلق من أرضها مثل هذه الأمور، وأيضاً كان هناك تطمين من ضيوف أفغانستان أنهم لن ينطلقوا من أرض أفغانستان، ولن يسببوا لها مشاكل؛ فبعد هذه التأكيدات صرحت إمارة أفغانستان بذلك وأعلنت على الملأ أن إمارة أفغانستان لن تكون مصدر إزعاج للدول جميعاً؛ ولهذا تعتبر حكومة أفغانستان نفسها أنها وقعت ضحية هذا الظلم وهذه الغطرسة وهذه الكبرياء التي تدعيها أمريكا. وأمريكا نفسها وجهت التهمة من أول يوم إلى ضيوف أفغانستان، ولا شك أن هذا في أي ملة وفي أي قانون أرضي أو سماوي غير مقبول، هذا ما دامت التهمة لم تثبت، حتى في قوانين أمريكا ومحاكمها وفي كل العالم أن المتهم لا يدان إلا بعد أن تثبت التهمة عليه، أما أمريكا فبمجرد حدوث هذه الحوادث وقبل التثبت وقبل حدوث شواهد أو دلائل أعلنت التهمة، وإلى اليوم مصرة عليها، وسيرت الجيوش لذلك، وهذا دليل واضح على الغطرسة، وعلى الكبرياء وعلى الغرور، ودليل واضح أيضاً على أنه كانت هناك نوايا مبيتة ومسبقة تجاه إمارة أفغانستان الإسلامية، استغلت لها هذه الظروف إرضاء للشعب الأمريكي، ولتوسيع شحنة الغضب، ولهذا ضحوا بالشعب الأفغاني وسيروا الجيوش تجاهه استجابة لنفسية الغطرسة والغرور الذي دفع بأمريكا نفسها إلى مفارقة العقل السليم، وسيؤدي إلى دمارها وهلاكها، وهذا بسبب الظلم الواقع الآن على أفراد الشعب الأفغاني الذي كان بحاجة إلى المساعدة، ولكنهم اليوم يدمرون ويشردون الأفغان، ويدمرون بيوتهم ويقتلون نساءهم ورجالهم وأطفالهم، وهناك الحصار الاقتصادي الذي كان مفروضاً عليهم قبل الأحداث، وكل ذلك بسعي وبدعم من أمريكا؛ فبناء على ذلك نحن نعتبر أنفسنا ضحية لهذا الغرور وهذه الغطرسة الأمريكية. البيان: ما دمتم تنفون مسؤولية حكومة أفغانستان عن أحداث أمريكا؛ فما هي خلفية علاقة حكومتكم بأسامة بن لادن؟ * ليست هناك أي خلفيات لتلك العلاقة، سواء كانت مالية أو مصلحية أو تنظيمية أو غير ذلك، إلا أن الشعب الأفغاني فقط من طبيعتهم أنهم لا ينسون المعروف لكل من فعل المعروف معهم، وهؤلاء الضيوف فعلوا معروفاً مع الشعب الأفغاني وشاركوا في الجهاد معهم، وضحوا بأنفسهم وأموالهم وأوقاتهم، وكثير منهم سالت دماؤه في الجهاد الأفغاني ضد الروس والشيوعية؛ فالعلاقة وخلفيات هذه العلاقة هي فقط إسلامية وإسلامية بحتة، ومع ذلك فقد تكفلت حكومة أفغانستان بعد الأحداث وحتى قبلها بأن أي مسؤولية أو التزام أو أي شواهد تثبت على أحد، فإن إمارة أفغانستان مستعدة من خلال المحاكم الشرعية أن يحاكم من تثبت ضده مسؤولية شرعية في ظل الحكم الإسلامي، ولكن إمارة أفغانستان تحس أن عدم الإصغاء لطلبها بتقديم أدلة يدل على الرغبة في إذلال وإهانة ما قامت به إمارة أفغانستان من إقامة لحكم الله على أرض أفغانستان؛ فهذا التطبيق للحكم الإسلامي هو شوكة في حلوق أعداء الإسلام والمسلمين؛ ولذا يريدون إذلال هذه الإمارة وإهانتها بأي طريقة وتحت أي ذريعة، وعرضت الإمارة أيضاً تسليم المتهمين لطرف ثالث محايد في دولة إسلامية ليحاكموا محاكمة شرعية، وعرضت أيضاً تسليمهم لمنظمة المؤتمر الإسلامي لتقوم بتشكيل محكمة من علماء وقضاة إسلاميين يتولون المحاكمة، ولكن لم نجد آذاناً صاغية ولم يُستجب لنا، وكل هذا يدل على استضعاف إمارة أفغانستان والاستهانة بها، وهي بالفعل ضعيفة بإمكانياتها ومادياتها، ولكن في الحقيقة قوية بإيمانها وبموقفها الإسلامي وتمسكها بدينها؛ لأن هذا أساس وجودها وجهادها وتضحياتها ولن تفرط فيها ولن تتنازل عنها. البيان: بماذا تعللون إصرار الولايات المتحدة على رفض عروض حكومة أفغانستان التفاوض بشأن تسليم الذين تتهمهم أمريكا إلى طرف محايد؟ * تعليلنا لإصرار الولايات المتحدة المتكرر على رفض عروض طالبان، هو أنه إذا عُرضت هذه المواضيع أو فوضت إلى محكمة محايدة في دولة إسلامية أو أي تجمع إسلامي؛ فإن أمريكا لن تستطيع أن تحقق أهدافها من خلالها؛ لأنه ليس عندها أي شواهد أو إثباتات تقدمها لها، وهذه المحاكم بدورها لا بد أن تقول كلمتها في ضوء عدم وجود أدلة؛ فتكون أمريكا بذلك هي الخاسرة؛ فلذا ترفض كل هذا، ولو كانت أمريكا تملك أدلة وشواهد لرضيت بمحاكمة عادلة في أي مكان، وهذا يدل على غرورها وغطرستها وعدم احترامها لأي شيء إسلامي؛ فكل دولة في العالم من حقها أن تحاكم المتهمين من مواطنيها أو رعاياها على أرضها، فلماذا تستثنى أفغانستان من ذلك؟ البيان: هنا سؤال آخر مرتبط بما سبق، وهو متعلق بموقف الأمم المتحدة وإصرارها على أن لا تعطي لدولة أفغانستان مقعدها في المنظمة الدولية؛ فعلامَ يدل هذا التمييز في المواقف؟ وما تعليقكم على هذا الأمر على رغم معرفتنا بأن حكومتكم ليست متلهفة إلى عضوية تلك المنظمة؟ * هذا يرجع أيضاً إلى السؤال الأول؛ فكل هذه المواقف ترجع إلى أن أصحابها لا يريدون النظام الذي تطبقه إمارة أفغانستان الإسلامية على أرضها، ويريدون من ذلك محاصرة هذا النظام، وقيادة طالبان قد أعلنت منذ ظهورها على الأمر في أفغانستان، أنها تتعامل مع المنظمات والأعراف والقوانين الدولية من منظور إسلامي، ولا تقبل أن يُفرض عليها شيء مخالف للإسلام؛ ولذلك فإن طلبها لهذا المقعد لم يكن إذعاناً لقوانينهم التي يشرعونها، ولكن هدفها الأساس من ذلك كان لأمرين: الأول: أن ذلك المقعد كان ولا يزال يستخدم لصالح المعارضة؛ حيث يبثون منه النواقص والتهم ضد إمارة أفغانستان. والأمر الثاني: أن إمارة أفغانستان كانت تستطيع من خلال مندوبيها أن تتكلم بكل ما يكون من مواقفها، وتعبر عن آرائها من خلال هذا المقعد، وحتى نستطيع أن نتعامل مع المجتمع الدولي من خلال قنواته. ولكن الإصرار على عدم إعطاء الإمارة مقعد أفغانستان في الأمم المتحدة يمثل نوعاً آخر من الحصار السياسي حتى لا تتعامل أية دولة مع دولتنا سياسياً أو اقتصادياً أو ثقافياً، ومن التناقض أن المعارضة التي لا تسيطر إلا على شيء بسيط من الأرض يتعاملون معها سياسياً واقتصادياً وثقافياً من خلال هذا المقعد؛ وهذا سر بقائها إلى اليوم، وإلا فإنها على الأرض تعتبر ميتة. البيان: هل نستطيع أن نقول إن هذه المعارضة لو كانت مسيطرة الآن على كل أرض أفغانستان، ولكن بنهج إسلامي صحيح وواضح، هل كانت ستستهدف بالعداء مثلما هو حاصل الآن مع حكومة أفغانستان الحالية؟ * لا شك في ذلك، ولكن المعارضة كان يتوقع منها أن تتنازل عن مبادئها إرضاءً للغرب مثلما هو حاصل الآن، أما إمارة أفغانستان فليس همها إرضاء الناس ولكن إرضاء رب الناس؛ فكما يقول الحديث: «من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس» [١] ولهذا لما سعت حكومة طالبان إلى إرضاء رب الناس بتطبيق أحكامه فإننا نرى أن كثيراً من الشعوب بدأت ترضى عن هذه الإمارة وتتفاعل معها وتحترمها رغم قلة إمكاناتها وضعف إعلامها وعدم اتصال العالم بها، أما الذين خذلوهم من أجل مصالحهم الشخصية فإن نظرة الناس إليهم يظهر فيها السخط الذي يزداد يوماً بعد يوم. البيان: هناك من يشكك حتى في أوساط الإسلاميين في التوجه المنهجي أو الاعتقادي لرموز حركة طالبان أو من أصبحوا بعد ذلك يمثلون حكومة أفغانستان، بل بعضهم يقول إنهم خرافيون أو مبتدعة، ومع أننا ننظر في بعض أسماء المسؤولين في أفغانستان، فنرى أن منهم من درس في الجامعات الإسلامية التي تنتهج منهاجاً عقدياً صحيحاً؛ فهل توضحون هذه النقطة لكي يزول هذا اللبس عن كثير من الناس في تلك القضية؟ * جزاك الله خيراً؛ فلقد أشرت إلى نقطة مهمة جداً، وهي مما يشغل بال كثير من إخواننا المسلمين الصالحين الصادقين، وفي الحقيقة كنت أتمنى أن تبلغ كلمتنا إلى مثل هؤلاء من خلال منبر من المنابر، ولكن والحمد لله من خلال مجلتكم الغراء لعله إن شاء الله يكون توضيحاً لهذا الموقف وإلقاء للضوء على هذه القضية المهمة والمهمة جداً. أولاً: الشعب الأفغاني المسلم المجاهد الصادق مثل كل الشعوب الإسلامية؛ فليسوا شعباً آخر؛ فقد أصابهم ما أصاب الشعوب الإسلامية بما لها وما عليها؛ ففي أفغانستان مظاهر غير مُرضية وغير شرعية، وهذا شيء موجود في كل الشعوب الإسلامية في أي مكان وفي أي بقعة، وهذا من بقايا الاستعمار الذي تسلط على بلاد المسلمين لعقود من الزمن من خلال أنظمة عميلة؛ حيث فرقوا بين المسلمين بهذه الأمور وهذه المظاهر. ثانياً: أبشركم وأوضح لكم حقيقة غائبة ربما شُوِّهت عند كثير من إخواننا المسلمين، وهي أن إمارة أفغانستان الإسلامية والمسؤولين فيها يسعون سعياً حثيثاً لتغيير جذري في هذه الظواهر وهذه المخالفات والأمور التي لا ترضي ربنا ولا توافق ديننا وقرآننا وسنة نبينا محمد ﷺ ، وأكبر دليل على هذا ما سمعتم وما قرأتم وما رآه بعض من زار أفغانستان أن هناك تغييراً جذرياً؛ حيث بدأنا أولاً باتجاه تغيير المظاهر الشركية مثل القبور والطواف عليها والاستغاثة بأهلها وتقديم النذور إليهم وتقديم القرابين والاستعانة بهم ومثل هذه الأشياء الخارجة عن دين الله، والتي تعد شركاً بالله ومن نواقض الإسلام؛ فالمظاهر الشركية في أنحاء إمارة أفغانستان الإسلامية كلها قضي عليها من دون تردد، ودون أي توقف أو حتى أي معارضة من أحد من مجلس الشورى لعلماء أفغانستان الإسلامية المعتمد عليه في إصدار القرارات؛ فهذه المظاهر الشركية اتفق على أنها لا تحتمل أي تأخير أو أي تردد. ومن خلال ترددي ومن خلال زياراتي ووجودي هناك؛ فالمظاهر التي كنت أراها سابقاً تغيرت الآن بالكامل، ومنعت منعاً باتاً بقرار من وزارة العدل، ووزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالموافقة من أمير أفغانستان بقرار معلن في الإذاعة الأفغانية. إن كل من يزور أفغانستان سيرى هذه المظاهر أزيلت، وألغيت الاحتفالات السنوية لهذه المزارات، وكذلك ألغيت إقامة حفلات الفيروز والتي كانت من بقايا المجوس التي كان معمولاً بها قبل مجيء طالبان، وكذلك أبطلت الإمارة ما كان يحدث في مدينة مزار الشريف بعد فتحها؛ حيث كانت تقام فيها احتفالات عند ما يُتوهم أو يُدَّعى أنه قبر علي ﵁، فأُلغيت هذه المظاهر من أول يوم بقرار من مجلس العلماء، ومنعت النساء كذلك من زيارة المقابر، وعلقت لوحات على مداخل المقابر توضح آداب الزيارة الشرعية. وزيادة على ذلك ما سمعتم وما قرأتم من تدمير أصنام بوذا التي قامت الدنيا لأجلها ولم تقعد، والتي من أجلها توسطت الوفود وجرت مساومة الإمارة بالمال والمبالغ الطائلة، حتى إن اليابان عرضت على إمارة أفغانستان أن يرسلوا وفداً فنياً ليقطِّعوا هذه الأصنام تقطيعاً ويحملوا هذه القطع ليعيدوا تركيبها في اليابان التي تدين بعبادة بوذا، مقابل مئتي مليون دولار أمريكي، ولو قبلت إمارة أفغانستان الإسلامية المساومة وساومتهم لبلغ العرض مئات الملايين بل ربما إلى مليار دولار، ولكن إمارة أفغانستان لصلابة مواقفها وسلامة مبادئها، والقيام بمعتقداتها والدفاع عن توحيدها؛ فقد قالت الشيء الذي أفتى به علماء أفغانستان، وهو رفض هذه العروض؛ لأنه لا يجوز بيع هذه الأصنام، وكذلك عُرض على الحكومة مقابل الإبقاء على تلك الأصنام أن تقوم الدول الشرقية البوذية بالمشاركة في إعمار أفغانستان؛ لكن ولاة الأمر في أفغانستان ومن خلال معتقداتهم ودينهم عارضوا ذلك بقوة وقالوا: إن اعتمادنا ومصادر رزقنا على ربنا الذي خلقنا. ثالثاً: نكرر أنه لا تزال هناك بعض المظاهر البدعية موجودة، ولكن العلماء ينظرون في طرق معالجتها من حيث المصالح والمفاسد؛ لأن الناس هناك لا يزال عندهم جهل كبير، وهذه الأمور هناك من بُلوا بها وعشعشت في أدمغتهم، وتخشى طالبان أيضاً أن يقوم هؤلاء بثورات ضدها في الوقت الذي كانت لا تزال تواجه حرباً من الشمال يريد أصحابها أن يستغلوا أي معارضين لطالبان؛ ليسلحوهم ويوجهوهم لحرب طالبان؛ ولهذا توصل العلماء إلى أن بعض المظاهر البدعية غير الشركية تحتاج إلى توعية وإلى وقت، ومع ذلك منع نشاط الطرق الصوفية المنحرفة مثل القادرية وغيرها؛ فقد منعوا من الأنشطة الظاهرة المعلنة وتلك التي تسمى حلقات الذكر وما هي بذكر، حتى إن بعض تلك الطرق لما لم يستطيعوا التعايش مع طالبان خرجوا من أفغانستان إلى باكستان وأعلنوا الحرب ضد حكومة أفغانستان. رابعاً: أعلن مسؤولو طالبان موقفهم العقدي صراحة من خلال مجلة (الطالب) سابقاً التي تصدر باللغة العربية وتكتب فيها حلقات في العقيدة، ومستمرة من ذلك الوقت وإلى اليوم، وكان يكتبها سابقاً مولوي بير محمد الذي كان مسؤولاً في وزارة الإعلام الأفغانية، وجان محمد مدني المسؤول في وزارة الخارجية، وهؤلاء كلهم أعضاء في مجلس الشورى ومتخرجون من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ولهم ثقلهم ولهم دورهم، ولكن هناك من لهم مصالح شخصية في التشويش على الأوضاع الدينية في أفغانستان لتشويه سمعتهم أمام الصادقين من المسلمين. وأحب أن أبلغ كل من ينخدع بدعاوى خصوم الإمارة الإسلامية أن يفهموا الواقع من خلال معاينة أو معايشة، وأريد أن أقول لهم إن ما يعرف في المجتمعات العربية بالدعوة السلفية في أفغانستان، هي جماعة الدعوة إلى القرآن والسنة التي أسسها وتولاها ورباها وطورها الشيخ جميل الرحمن ﵀ ذلك المجاهد الذي ضحى بحياته وجهد جهاده، والعالم الذي خدم العقيدة السلفية في أفغانستان، هذا الشيخ: نائبه المعروف في هذه الجماعة غلام الله الذي يعرفه الكثير من العلماء خارج أفغانستان، أما داخل أفغانستان فيعرفه الجميع، هذا الرجل الذي يمثل عملياً مرجعية في جماعة الدعوة للقرآن والسنة انضم من أول يوم لبروز طالبان وإلى اليوم بكل قوته وبكل جهده إلى حركة طالبان، بل كانت له مدرسة في بيشاور بباكستان كان يدرس فيها قرابة ثلاثمائة طالب، فأغلقها وأمر طلابه بأن ينضموا لحركة طالبان ويجاهدوا معهم ويدعموهم ويساعدوهم، وإلى اليوم وأنا قد رأيت هذا الرجل قريباً ما زال بكل حماس يدافع عن مواقف طالبان، ويقف معهم، وهذا دليل مقنع لصالح طالبان؛ أن يقف معهم مثل هؤلاء الناس الذين وقفوا حياتهم لخدمة الدين والعقيدة، وأخيراً فإن خلاف ذلك من التصرفات والمواقف الفردية الخاطئة إذا وجدت فإنها لا تحسب على طالبان، وهذا موجود في الأمة في كل مكان؛ فالنفاق موجود، والفسق موجود، والتقصير موجود في كل مكان وزمان، لكن لا يوجد شيء من ذلك يمثل مبدأً ولا ظاهرةً عندهم، وقد أطلت في هذه الإجابة لتطمين الأمة الإسلامية وأصحاب الإخلاص والجهد والجهاد فيها، وأبشرهم بأنهم لن يروا ولن يسمعوا عنا إلا ما يقر أعينهم ويثلج صدورهم وأفئدتهم بكل ما يخدم العقيدة الصحيحة على مذهب السلف الصالح. البيان: ذكرتم أن قوة طالبان تُستمد أولاً من قوة الله ومن الاستمساك بدينه، ولكن هذا الدين يأمر بالإعداد والاستعداد؛ فبعد أن بدأت الحرب ضدكم كيف تقوِّمون إمكانات أفغانستان العسكرية، وما هي نقاط القوة ونقاط الضعف في هذا الصراع غير المتكافئ؟ * لا شك أن إمارة أفغانستان الإسلامية ستقاوم بكل قوة وبكل ما تستطيع، ولن يكون مصير الهجوم الأمريكي بإذن الله بأفضل من مصير الغزو البريطاني والغزو السوفييتي، ومقومات النصر الحسية والمعنوية في يد الشعب الأفغاني أقوى منها في يد أمريكا وحلفائها؛ فالمعنويات عالية، والحرب إيمانية من طرفنا ونعدها جهاداً ضد قوى ظالمة لنا ومعتدية علينا، والسلاح أيضاً متوفر والظروف الطبيعية لبلادنا مناسبة لجهادنا، إضافة إلى أن الرأي العام الإسلامي على مستوى الشعوب يقف معنا؛ فلذا نرى إمكاناتنا أقوى وأفضل من أي وقت مضى؛ فكلمة غالبية الشعب الأفغاني موحدة تحت رأي مجلس شورى علماء أفغانستان، وهم قرروا مجتمعين أن أي هجوم غربي أمريكي صليبي على أفغانستان وأي اعتداء فهو يوجب إعلان الجهاد من جانب أفغانستان، وبناء على ذلك أُعلن الجهاد، والشعب الأفغاني المسلم المجاهد لبى هذا النداء بأغلبية ساحقة وحمل السلاح ونذر نفسه لدعم هذا الجهاد، وهناك الملايين الآن يتمنون الشهادة لنصرة الإسلام، والسلاح متوفر بجميع أنواعه من بقايا التركة الروسية الشيوعية في أفغانستان، والشعب متعود على ذلك الجهاد، وزعامته زعامة مجاهدة، وقبل ذلك وبعده فنحن نعتمد على الله، ونطلب النصر منه ونثق بوعده بالنصر في حربنا هذه التي هي معركة الإسلام ومعركة القرآن. ولكن هناك نقطة ضعف خطيرة تعاني منها حكومة أفغانستان وتشكو منها، وهي خذلان الدول الإسلامية لهم وهم ما كانوا يتوقعون ذلك، بل كانوا ينتظرون موقفاً أقوى من ذلك وأشرف، وبهذه المناسبة أريد أن أنصح الدول الإسلامية ألا يتركوا أمريكا تضرب أفغانستان وشعبها المظلوم، وإلا فإنهم سوف يقولون في القريب العاجل: (أُكلت يوم أكل الثور الأبيض) . أما نقاط القوة الأمريكية فمعروفة، وهي مادية فقط وتقوم على الغطرسة، ولكنهم مع ذلك يفتقدون إلى المعنويات وإلى الروح وإلى الهدف، يود أحدهم لو يعمر ألف سنة؛ فالمهم عندهم هو الحياة، ومن يريد الحياة فلن يستطيع الإقدام على الموت. البيان: في ضوء ما يظهر من إصرار الأمريكيين على إطالة أمد الحرب، كيف تتغلبون على صعوبة جلب السلاح وشرائه وصيانته لمواجهة هذا التحدي المفتوح؟ * سبق أن أشرت إلى توفر جميع الأسلحة لدى حكومة أفغانستان من خفيفة إلى ثقيلة ومن أرضية إلى جوية؛ فهي متوافرة في المخازن وتكفي لسنوات لا إلى أشهر، وصيانتها لها ترتيبات داخلية، وأما توفيرها لو كانت هناك حاجة لذلك؛ فهناك أيضاً مصانع لتصنيع الذخائر في الداخل ورتب ذلك خلال السنوات الماضية، وهناك قنوات أخرى متوفرة وموجودة، سواء من دول الجوار أو في داخل أفغانستان؛ فكل ما ينفق على ما يسمى بمعارضة الشمال، كثيراً ما يؤول إلى إمارة أفغانستان على شكل غنائم، بل كثيراً ما نشتري منهم الأسلحة، فهم يبيعونها لنا؛ فالمجاهدون عندنا يقاتلوهم بسلاحهم وبعتادهم الذي يزوِّدهم به أعداء أفغانستان وأعداء الإسلام، ويتحقق بذلك قول الله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ] (الأنفال: ٣٦) ومن ضمن الحسرة أننا نحاربهم اليوم بسلاحهم ومعداتهم. البيان: ذكرتم أن السلاح لديكم يكفي لسنوات لا لشهور، فكيف حصلت حكومة طالبان على هذه الكميات الضخمة من الأسلحة؟ * كما تعرفون فإن إمارة أفغانستان الإسلامية سيطرت على أكثر من ٩٠% من أرض أفغانستان، وأفغانستان في وقت سقوط الحكومة الشيوعية كانت مخزناً من مخازن السلاح؛ فالقوات الروسية عندما انسحبت تركت من ورائها دعماً للحكومة الأفغانية الشيوعية في شكل مخازن ما كنا نتصورها، ومهما تخيلنا لا نستطيع أن نتصور مثل هذه المخازن لدعم استمرار الحكومة الشيوعية للرئيس السابق نجيب الله؛ لأنهم كانوا يعلمون أنهم عندما ينسحبون سيكون من الصعب تقديم مثل هذا الدعم، ففتحوا مخازنهم لدعم ذلك النظام، حتى بعض مخازن تلك الأسلحة اكتشفت بعد بروز حركة طالبان، أي أنها لم تكتشف حتى في زمن حكومة رباني فاستمرت غير معروفة لمدة خمس سنوات بعد سقوط الحكومة الشيوعية، وبعدما جاءت حكومة الطالبان عثرت على تلك المخازن، ودلهم كثير من الموظفين السابقين عليها، وإلى اليوم يبدو أن هناك مخازن لم تكتشف، ومن جانب آخر، فالمنظمات الجهادية السابقة كانت تُدعم من دول الجوار من الدول الإسلامية حتى من أمريكا عندما كانت مصالحها مع مقاومة الغزو الروسي، فكانت كل منظمة تخزن أسلحة فوق التصور، حتى إن مخزناً من مخازن إحدى المنظمات عندما سقط في أيدي طالبان حملت عنها أكثر من سبعمائة لوري من الأسلحة ومن الذخيرة؛ فهذا مخزن واحد لمنظمة واحدة؛ فقس على ذلك. البيان: كيف تقوِّمون موقف باكستان من الحرب ضدكم على المستوى الرسمي وعلى المستوى الشعبي؟ * في الحقيقة إن تغيير باكستان موقفها في التعامل مع الجارة أفغانستان مستغرب، وخاصة بعد دعمها وتعاونها مع أفغانستان في السابق منذ بداية الجهاد؛ حيث كانت منطلقاً للحركة الجهادية وكانت مأوى للمهاجرين، وقدمت الكثير للقضية الأفغانية، وضحت معها، وقامت معها قومة مشكورة، لكن اليوم نحن في الحقيقة لا ندرك ماذا أصابهم على المستوى الرسمي، وماذا يتوقعون عندما يقولون إن مصالحنا العليا هي في الوقوف ضد دولة جارة مسلمة مشاركة معهم في أفراحهم وأتراحهم؟ لا شك أنه سيكون لهذا الموقف سلبيات مستقبلية عظيمة وتأثير سلبي على باكستان؛ فعند الحديث عن مصالح لباكستان في الحقيقة نجد أنه لا توجد أي مصالح لباكستان من التحالف مع أمريكا، إلا أن تكون مصالح مادية عاجلة، ولكن هذه أيضاً لا وزن لها قياساً بتأثيرها المستقبلي على علاقات الشعوب ومجريات التاريخ. ونقول أيضاً إنه حتى هذه المصالح المادية، لو دُعمت باكستان بها من الغرب؛ فالخسائر التي تتحملها من جراء تحالفها معهم حتى من الناحية المادية تزيد على الدعم الغربي، وما أعلن للآن من خسائر باكستان يزيد على مليارين ونصف دولار، وأنا أتوقع أن تتضاعف؛ ولهذا لا نتفهم هذا الموقف الرسمي الذي يجلب على دولتهم خسائر أكبر من المكاسب، ولا نستطيع تفسير ذلك إلا أن يكون انهزامية داخلية أو نفسية لمن قرروا هذا القرار. أما الموقف الشعبي الباكستاني، فكما تسمعون وترون فهو يجسد تعاوناً ودعماً كاملاً على المستوى السياسي والاقتصادي والدعوي؛ فعلماء باكستان أفتوا بالدعم الكامل لأفغانستان وفرضية الجهاد إلى جانبها ضد الغزاة؛ ولهذا عمت المظاهرات كافة المدن الباكستانية التي قد تهدد بعصيان مدني عام، وحتى الكثير من غير الإسلاميين يتحول موقفهم إلى موقف التعاطف مع أفغانستان ويدافعون عن موقفها، وحتى على مستوى الجنرالات الكبار؛ حيث وجهوا ولا زالوا يوجهون انتقادات واسعة لقرار حكومتهم بالوقوف مع أمريكا ضد أفغانستان، وهذا الموقف الشعبي عظيم ومشرف ونتمنى من الشعوب الإسلامية كلها أن يكون لها مثل هذا الموقف المشرف المنطلق من معاينة حقيقة الأمر ومعرفته عن قرب. البيان: نريد منكم أن توضحوا لنا في لمحات سريعة مواقف جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق المحيطة بأفغانستان مما يدور الآن، وهل يوجد فيها حركات إسلامية متعاطفة معكم؟ * تجاورنا من الشمال ثلاث جمهوريات: جمهورية أوزبكستان، وجمهورية طاجيكستان، وجمهورية تركمانستان. تركمانستان كانت محايدة، ولا تزال للآن محايدة، ولها تعامل تجاري واقتصادي مع حكومة الإمارة الإسلامية في أفغانستان، وهي لم تدخل للآن ضمن التحالف الأمريكي، وهناك جهود تبذل لضمها إلى ذلك التحالف ولكن لم ينضموا، وهذا موقف جيد ويتماشى مع مصلحتهم هم. أما جمهورية أوزبكستان فهي من أول يوم أعلنت العداء لإمارة أفغانستان، وبرغم أنها دولة مجاورة لكن ضررها كبير على دولة أفغانستان؛ فقد أغلقت الحدود منذ وقت مبكر، وحاولت إمارة أفغانستان أن تقيم معها علاقة طبيعية تنطلق من مصالح الجوار، ولكنهم أصروا على موقفهم العدائي، بل ذهبوا يدعمون المعارضة ضد إمارة أفغانستان، وخاصة عبد الرشيد دوستم، وهم لا يزالون يلتزمون الوقوف مع الشيوعية، والآن هم العنصر الفعال إلى جوار دول التحالف الأمريكي، فأعطوهم الأراضي وأبرموا معهم الاتفاقيات وأعطوهم مطار ترمذ الواقع على مقربة من الحدود الأفغانية، وقد نزلت فيه القوات البرية الأمريكية، فموقفهم مخزٍ ومخجل، ونتوقع أن تكون سلبياته عليهم رغم ما يتوقعونه منهم. ولكن مع ذلك نبشركم أن هناك جماعة إسلامية قوية من داخل أوزبكستان، وقد أعلنوا مقاومة الموقف الحكومي المعادي للشعب الأفغاني المسلم، وأعلنوا أنهم سيوجهون جهادهم ضد القوات الغربية المتمركزة في أوزبكستان، وسترون إن شاء الله كيف سيكون تأثيرها لصالح المسلمين، وسيكون هذا من نتائج جني ثمار اتفاقيات أمريكا مع حلفائها. أما الجمهورية الثالثة فهي جمهورية طاجيكستان، وهي لا تقل في عدائها عن جمهورية أوزبكستان، بل إنها تقوم بدور أخطر في دعم ما يسمى بالمعارضة الشمالية؛ فهذه المعارضة تعمل من داخل طاجيكستان، ومنطلقهم منها، وهي تزودهم بكل الدعم السياسي والعسكري، ومع الأسف فإن طاجيكستان التي أعلنت دولة مستقلة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، هي ليست مستقلة إلا بالاسم؛ فنظامهم لا يزال شيوعياً، وجيشهم وعملتهم لا تزال روسية، وهناك ما يقدر بنحو ثلاثين إلى خمسين ألف جندي روسي مرابطين على الحدود الأفغانية الطاجيكية لحراسة الحدود؛ فهي تعتبر حكومة روسية، والمخابرات الروسية لا تزال نشطة في تلك الجمهورية، وقد أبدوا استعدادهم للتعاون الكامل مع التحالف الأمريكي، ولكن للآن لم يتم هذا التعاون بسبب حساسيات روسية، ونعتقد أن أي موقف عدائي من جمهورية طاجيكستان ضدنا سيضرُّ بهم؛ لأن هناك مجاهدين في داخل طاجيكستان غير راضين عن الأوضاع، وهم مسلحون ومنتشرون في داخل طاجيكستان، وقد ينحازون إلى الموقف الذي تتبناه إمارة أفغانستان؛ لأن الشعب الطاجيكي لا يستفيد شيئاً لا من الروس ولا من الأمريكان. البيان: على ذكر دعمهم للمعارضة الشمالية، هل يتمركز حزب رباني عندهم؟ * نعم! فقد وقع اتفاقاً مشتركاً منذ وقت قريب للتعاون العسكري بين المعارضة الشمالية وروسيا وطاجيكستان، وشوهد رباني في وسائل الإعلام وهو يوقع هذا الاتفاق مع كل من الرئيس الروسي بوتين والطاجيكي علي رحمانوف، وتقرر دعم المعارضة بالأسلحة الجديدة والثقيلة، وخصصوا لذلك ميزانية قدرت بمليار دولار؛ وهذا أمر خطير أن يصدر ذلك من رباني الذي كان يتكلم في يوم من الأيام باسم الجهاد والدفاع عن الإسلام ووحدة أفغانستان. . فأين الوحدة؟ وأين الإسلام؟ وأين الجهاد؟ بوتين رئيس الاستخبارات الشيوعي السابق، وروسيا التي هي دمرت أفغانستان والتي جلبت على أفغانستان كل هذه المهالك، وقتلت وشردت وعذبت وهو يدرك ذلك ولكن اليوم ولأجل مصالح فردية يلعب بمصير الأمة كل هذه الألاعيب، ويحسن الظن ببوتين! فهل يساعده بوتين لسواد عينه؟ أم لمصالح تعود على الروس الذين تتطابق مصالحهم مع كل ما يضر بالإسلام والمسلمين؟ ! فماذا كان يضره لو أعلن كغيره من قادة الأحزاب وقوفه مع مصالح شعبه ضد الغزو الجديد، وبخاصة أنه في هذه السن وهذه المرحلة المقبلة على الموت؟ لقد وُجه له النداء وأُرسل له وفد لطي مرحلة الماضي وبدء مرحلة جديدة من التنسيق لمواجهة الغزو الجديد، ولكنه رفض ذلك وحمله على محمل الضعف من إمارة أفغانستان، وهذا غير صحيح لأن حكومة أفغانستان أرسلت له قبل هذه الظروف الوفود للمصالحة، وكاد أن يوافق ولكنه بعد الأحداث عاد وقال إن كل شيء قد تغير، ورجع ينادي الأمريكان ويطالبهم بالتنسيق في المواقف ضد إخوانه في الدين، وهذا خزي يضر بالإسلام والمسلمين؛ فأنا في الحقيقة أنصحه بأن يعيد النظر في موقفه ويتذكر ما وراءه من حساب الله في الآخرة. البيان: إيران تقوم بدور مشبوه في الأزمة فهي تتظاهر بمعارضة أمريكا من جهة، وفي الوقت نفسه لا تخفي شماتتها بحكومة أفغانستان؛ فماذا وراء ذلك الموقف في رأيكم؟ * والله يا أخي نحن لا نفهم موقف إيران، يعني ماذا يريدون وماذا يفعلون؟ فهم يدّعون أن جزءاً من معتقدهم التقية، وما يزالون إلى اليوم ينطلقون من هذا المنطلق؛ فظاهرهم أمر وباطنهم أمر، يظهرون شيئاً ويبطون شيئاً، ويفعلون شيئاً في العلن ويفعلون في السر شيئاً آخر، وقد أظهروا إعلامياً أنهم ينتقدون الموقف الأمريكي ويرفضون ضرب أفغانستان؛ لكنهم مع ذلك وإلى اليوم لهم اتصالات لتقديم التسهيلات للقوات الأمريكية لضرب أفغانستان، وفي هذا تناقض شديد بين ظاهرهم وباطنهم، ومما يدل على رضا أمريكا عنهم الآن على الأقل أنها قررت رفع الحصار الاقتصادي عنهم في مقابل الانضمام إلى التحالف. وهم يذرفون كما يقال دموع التماسيح على الشعب الأفغاني، ولكنهم بالنسبة لحكومة أفغانستان الإسلامية، فموقفهم المعلن هو العداء؛ فأين دعاواهم الثورية الإسلامية؟ وأين ادعاؤهم للوقوف مع المستضعفين ضد قوى الاستكبار العالمي؟ ولماذا يعادون دولة إسلامية مستضعفة لم تُلحق بهم أي أذى ولم تضر بمصالحهم؟ لكنهم مع حكومتنا بعكس ذلك، حتى إن وزير الدفاع الروسي عندما زارهم أعلنوا تقديم الدعم المسلح للمعارضة الخارجة على حكومة أفغانستان، وهذا متناقض حتى مع الأعراف الدولية التي لا تسمح لدولة بأن تقدم دعماً لمعارضين من دول أخرى؛ فماذا لو قدمت إمارة أفغانستان دعماً لمثل منظمة (مجاهدي خلق) ، أليس من حقنا الآن أن ندعمهم ضد إيران، وهم حزب أقوى من أحزاب المعارضة الشمالية ضد حكومة أفغانستان؟ ولعلِّي أذيع سراً لأول مرة وهو أن منظمة مجاهدي خلق اتصلوا أكثر من مرة بحكومة إمارة أفغانستان لاستخدام أراضيها ضد إيران، ولكنهم رفضوا ذلك بشدة، وكان ينبغي لإيران أن تقدر هذا الموقف، وتكف عن دعم المعارضين لإمارة أفغانستان وبخاصة حزب إسماعيل خان الشيعي، إن منظمة مجاهدي خلق لو سمح لها فقط أن تنطلق من أراضي أفغانستان من جهة الشرق، لفعلت بإيران الأفاعيل ولأشغلتهم وحمَّلتهم الكثير من الخسائر، ولكن إمارة أفغانستان الإسلامية من خلال منطلقها العقدي والديني لا تنظر لهذه المنظمة نظرة احترام؛ لأنها منظمة غير إسلامية، فلم تلبِّ لها طلبها، ورغم علم إيران بهذا الموقف الكريم من أفغانستان فإنها لا تزال تقول علناً إنها ستظل تؤوي المعارضة وتزودهم بالسلاح وتقف معهم سياسياً، وهي لا تزال تعترف بحكومة رباني المخلوعة التي تعيش على غير أرض أفغانستان أو في الهواء. ونقول أيضاً: إن هذه المواقف ليست في صالح إيران مستقبلاً؛ ففي داخل إيران مسلمون سُنة يمثلون ٤٠% من السكان، وهؤلاء قد يمثلون آثاراً سلبية على إيران من الداخل في وقت قريب. البيان: نأتي للحديث عن روسيا؛ فروسيا من المعروف أنها لا يمكن أن تسمح بوجود أمريكي قريب منها، ومع ذلك فهي تبالغ في إظهار التوحد في الموقف مع أمريكا في الوقوف ضد الحكومة الأفغانية؛ فما هو برأيكم تفسير هذا الموقف الروسي؟ * هذا أيضاً موقف غريب من روسيا؛ فكيف أصبحوا لا يفكرون حتى في مصالحهم؟ وأنا في رأيي أن مواقف روسيا متناقضة، وأيضاً ستكون مضار هذه المواقف عليها قبل غيرها؛ فأمريكا عندما تأتي بهدف القضاء على إمارة أفغانستان الإسلامية فإن لها أهدافاً أعظم وأكبر من ذلك؛ فهي تريد إقامة حكومة عميلة وموالية لها، بحيث تسمح لها أن تطوق إيران من الشرق، فتخسر بذلك إيران، وتسمح لها أن تراقب البرنامج النووي الباكستاني من الشمال، وتسمح لها كذلك بأن تقيم قواعد متقدمة أمام الصين وعلى حدودها، وأيضاً تريد أمريكا أن تقيم قواعد في جنوب روسيا والجمهوريات الإسلامية لترتيب نقل الغاز، ولتؤمن نقل البترول من منطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى ذات المخزون الاستراتيجي العالمي الذي تخطط أمريكا منذ زمن لأن تكون أفغانستان هي الممر الآمن لهذه التجارة الدولية، وهذا إذا حصل فسوف يكون من الخسائر المباشرة على روسيا، وسيهدد الهيمنة الروسية على تلك المنطقة، بل ستكون هي الخاسر الأول والأكبر إذا حققت أمريكا هذا الهدف؛ فبعد أن كانت تمثل نداً لأمريكا أثناء الحرب الباردة، فإنها ستصبح ذَنَباً تابعاً لأمريكا. إن البعض عندما نظروا إلى غرابة الموقف الروسي اتهموا بوتين بأنه عميل لأمريكا يريد إسقاط روسيا تحت أقدام أمريكا، وقد جربت روسيا نتائج الوقوف مع أمريكا في حرب الخليج، وكيف أنها خرجت بخفي حنين. البيان: أطراف التحالف الشمالي معروفون بشدة العدوان والتنافس فيما بينهم؛ فكيف ترون مستقبل هذا التحالف في ظل هذه العلاقات المعقدة؟ * سؤال جيد في الحقيقة: هذا التحالف الشمالي قد ضحى أصحابه بأنفسهم وأضروا بها، وأضروا الأمة كلها بمواقفهم الأخيرة؛ فهم مختلفون فيما بينهم؛ فكل منهم يسعى أن يسابق الآخر، وبينهم خلافات وعداوات وثارات قديماً وحديثاً؛ فعندما كان رباني في كابول أعلن الجهاد ضد عبد الرشيد دوستم، وهو الآن متحالف معه، وكان قبل ذلك قد فضحه فضائح كثيرة ونشر الأفلام التي تكشف فجوره وسكره وعربدته، ثم رضي عنه في فترة أخرى وعينه وزيراً للدفاع في حكومته ثم نائباً له؛ فالكل مختلفون متعادون، ولا يتفقون إلا على نقطة واحدة، وهي محاربة النظام الإسلامي في إمارة أفغانستان، واتفاقهم ضد طالبان ليس لهدف سامٍ أو مبدأ، ولكن لأجل الانتقام والتشفي، وقد بدأ دوستم بعد عودته بالهجوم، ولكن والحمد لله هُزم شر هزيمة، وجاء رباني يسعى بعده بالتنسيق مع الرئيس الروسي والطاجيكي ومع إيران؛ وكل ذلك من أجل التسابق على الحصول على نصيب أكبر في المستقبل، ولكن الله خذلهم جميعاً، وسوف يكتَشف أمرهم وسيُفتضَحون وسيخسرون. ولكن بالمقابل أقول لأمريكا، ولمن يتحالف معها، ومن ينتظر إسقاط حكومة إمارة أفغانستان: إنهم لو تم لهم إسقاطها فسوف يرون أمراً أفظع وأعظم؛ فستكون فوضى أكبر مما كان في السابق من جراء الاختلافات الداخلية بين المنظمات وبين القيادات العسكرية وبين القبائل وبين القوميات وبين الأعراق، ولا يمكن أن يسيطروا على الوضع، ولا يمكن أن يجدوا بديلاً آخر لطالبان يسيطر على الوضع؛ فعليهم أن يتعاملوا مع طالبان، وأن يعيدوا حساباتهم، وأن يفكروا بجدية في طرح جاد؛ فلا يوجد في الحقيقة أي بديل؛ فظاهر شاه العميل الهالك الذي ينادي الآن بالقوات المشتركة للسيطرة على كابل ليأتي هو تحت مظلة الأمم المتحدة التي أجابتهم بأنها لا تستطيع أن ترسل قوات إلى أفغانستان. ولا يجوز لأمريكا أن تتصور أن أفغانستان مثل البلقان أو البوسنة أو كوسوفا؛ بحيث تأتي قواتها لتعيش فيها وتأمر وتنهى وتفتش وتعمل ما تشاء، لا يمكن أن تكون أفغانستان مثل ذلك؛ فكل من يأتي للشعب الأفغاني ويريد أن يفرض عليهم شيئاً لا يريدونه، فإنهم يلقون به إلى الهلاك، ولا بد لمن يريد فعل ذلك الآن أن يلقى مثل مصير السابقين. البيان: نعود مرة أخرى لباكستان فيما يتعلق بعلمائها: هل هناك علاقة بينهم وبين علماء أفغانستان؟ وهل موقف علماء باكستان موحد حيال ما يجري في أفغانستان؟ وهل يمكن أن يمثل هذا الموقف ثقلاً عملياً يمكن أن يؤثر على توجيه الأحداث والمواقف في باكستان؟ * باكستان أو ما يسمى القارة الهندية، كان للعلماء دورهم وجهادهم فيها ضد الإنجليز، فهم أدوا دوراً مهماً في إخراجهم، ولا يزال لهم دورهم في هذه القارة، ولهم استقلاليتهم، ولهم منظماتهم، ولهم مدارسهم الخاصة التي تدرس دون أي وصاية حكومية؛ فهم أحرار وإلى اليوم، ويدافعون عن هويتهم في مدارسهم وفي مناهجهم، وهم الذين هيؤوا المجموعات الجهادية الكشميرية، والجهاد السابق ضد الشيوعية في أفغانستان هم الذين أفتوا بفرضيته ضد روسيا، واليوم بين إمارة أفغانستان وبين علماء باكستان علاقات قوية ومتينة، وكثير من علماء باكستان هم أساتذة لقيادات إمارة أفغانستان، وقد درسوا في مدارسهم؛ فالترابط بينهم ديني وعقدي وليس ترابطاً مادياً، أو عرقياً أو قبلياً. وبناء على ذلك فإن أول خطوة خطتها هي تشكيل مجلس شورى لعلماء أفغانستان، ولأول مرة يعطى للعلماء في عصرنا مثل هذا الدور ومثل هذه الأهمية، وأن يقرروا هم المصير السياسي لدولتهم في أدق الأمور، بعد أن صار إبعادهم عن الأمور السياسية أمراً تقليدياً في العصور الأخيرة. وقرارات العلماء في ذلك ليست استشارية بل إنها قرارات ملزمة، وهذا المجلس الذي شكل في أفغانستان للعلماء، أنا أعتبره أقوى وأعظم من مجلس الشيوخ الأمريكي الذي يُختار أعضاؤه في انتخابات مزورة تعتمد على رؤوس الأموال والرشاوى في الحملات الانتخابية، أما مجلس علماء أفغانستان فليس هناك أي تزوير أو أي رشوة أو محسوبية، بل يُختارون من خلاصة العلماء البارزين والمعروفين من جميع العرقيات، ومن جميع الولايات، وهذا جاء امتداداً للترابط مع علماء باكستان. ولا ننسى لعلماء باكستان أنهم أصدروا قريباً فتوى بوجوب مناصرة الشعب الباكستاني لإمارة أفغانستان، وأفتوا بوجوب انضمامهم إليهم في الجهاد، وأفتوا بتحريم التعاون مع أمريكا في حربها ضد أفغانستان، ومعروف أن لعلماء باكستان تأثيراً على رجل الشارع ولهم تأثيرهم على الدولة، وقد رأيتم تفاعل الشارع، الباكستاني مع دعوات العلماء بوجوب النصرة لشعب أفغانستان، وظهر أثر ذلك في حرص الحكومة الباكستانية على إخفاء تفاصيل تعاونها مع التحالف الأمريكي؛ فمواقف العلماء سواء في أفغانستان أو في باكستان هي ساعد قوي وكبير لنا سيكون له تأثير كبير في مجريات الأحداث بإذن الله. البيان: ما هي خياراتكم المستقبلية في ضوء إصرار أمريكا وتحالفها على إسقاط حكومتكم؟ * بالنسبة للخيارات نحن نعتبر هذه المعركة معركة الإيمان، ونعتبرها جهاداً في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله ماض سواء عاش الإنسان به أو ذهبت فيه روحه وماله وجاهه وحتى حكومته، والجهاد لن يكون محدود الزمن؛ لأنه مبدأ من المبادئ، والمبادئ الإيمانية لا مساومة عليها ولا تبديل ولا تغيير؛ فمن نظرتنا المبدئية للجهاد ولقضيتنا فنحن مستمرون في الدفاع عن ديننا وعن أرضنا وأعراضنا بكل ما نستطيع، والأمور ولله الحمد مهيأة لذلك، وحتى لو تطورت الأمور بإصرارهم وضُربت المدن، واضطروا الحكومة للخروج منها، فالترتيبات المستقبلية موجودة، والشعب كما ذكرت لكم كله مجاهد، وكله يحمل السلاح؛ فقد وزعنا عليهم السلاح في بيوتهم وفي قراهم وفي مدنهم، وكل الشعب سيشارك في حرب العصابات لو اضطررنا للخروج من المدن، وأنتم تعرفون آثار حرب العصابات؛ فهي لا يمكن القضاء عليها، فستكون خسارة ودماراً لأمريكا وستلحق بها وبسمعتها ومعنوياتها ومصالحها مشاكل أكثر وأكثر مما تتصور، وأيضاً سيلحق بحلفائها إن لم يعيدوا حساباتهم؛ فالشعب الأفغاني ليس شعباً مترفاً، والقيادة التي على رأس الحكم هي قيادة مجاهدة، وحياتها دائماً هي حياة الجبهة، ولو صعدوا في الجبال وتخندقوا فيها فسيكونون مجاهدين، وهذا ليس جديداً عليهم، ومهما هددت أمريكا وساومت فإمارة أفغانستان بقيادتها وشعبها ترى أنها بين خيارين اثنين فقط، وليس خيارات عديدة كما ذكرتم وهما: إما النصر، وإما الشهادة. والشهادة هي أكبر أمنية لنا، وإذا ذهب الإنسان إلى أمنيته يكون ذاهباً إليها بفرح وسرور وبلا أي تردد، أما أعداؤنا فلن تفيدهم القوات الخاصة ولا قوات التحالف ولا ظاهر شاه ولا غيره، وربما يقوم الشعب الأمريكي على حكومته ويسقطها عندما يظهر إخفاقها؛ فنحن متفائلون بالمستقبل، ولكن نطلب من المسلمين أن يؤدوا دورهم؛ فالقضية قضيتنا جميعاً، وفي الحقيقة نحن ننظر لطائفتنا وفئتنا أنها جزء من الطائفة المنصورة التي تقاتل على الحق حتى تقوم الساعة رضيت أمريكا وغيرها أم لم يرضوا؛ وذلك حكم الله وقدره، وقوانين النصر توحي بهزيمة أمريكا بفئتها الباطلة الكثيرة على يد فئتنا القليلة الصابرة على الحق، وإن شئتم فاقرؤوا قول الحق تبارك وتعالى: [كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] (البقرة: ٢٤٩) ، وقوله تعالى: [وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ] (القصص: ٥-٦) . فما علينا إلا الصبر والمصابرة كما أمرنا الله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (آل عمران: ٢٠٠) . وأختم أخيراً بكلمة واحدة لعلكم تنقلونها عني وهي أن قيمة حكومة أفغانستان الإسلامية اليوم ومهما حدث في أنها تدفع الثمن وتؤدي الضريبة لذنبها الوحيد الذي أغضب أمريكا والغرب؛ وهو أنها البلد الوحيد الذي قال لا، في زمن الانبطاح. البيان: نشكركم أخي على هذا الحوار المثمر، ونسأل الله أن يمدكم بعونه وتأييده، وأن ينصر الشعب الأفغاني، ويعز الإسلام والمسلمين.

стр. 4119

المسلمون والعالم انتحار أمريكا تأملات في (نهاية التاريخ) الأمريكي عبد العزيز كامل kamil@albayan-magazine.com سأستأذن القارئ الكريم للمرة الأولى وأرجو أن لا يتكرر ذلك في أن أعود إلى مقالٍ سبق أن كتبته في مجلة البيان قبل أكثر من ثلاث سنوات، في العدد (١٣٠) ، وكنت قد تحدثت فيه عن بعض توقعات المراحل المقبلة في ضوء أحداث تلك الفترة، تحت عنوان: (حرب القرن القادم) وأنقل منه الآن هذه الفقرة لأستنتج منها نتائج مهمة تفيد في موضوعنا هنا. جاء في ذلك المقال بالحرف الواحد وذلك بعد الضربات الجوية السابقة ضد أفغانستان والسودان عام ١٤١٩هـ/ ١٩٩٨م: (كم كانت عجيبة غريبة ومريبة تلك التصريحات التي أطلقها الرئيس الأمريكي ووزيرة خارجيته بُعيد توجيه تلك الضربات. قال كلينتون: «لقد بدأنا حربنا ضد الإرهاب.. وعلينا الاستعداد لحرب طويلة» ! في حين زادت في الصراحة والوقاحة وزيرة خارجيته اليهودية (مادلين أولبرايت) فقالت: «على الأمريكيين أن يعدوا أنفسهم للحرب ضد الإرهاب.. إنها حرب القرن القادم» ! بينما تحدث وزير الدفاع عن حرب تشبه الحرب العالمية الأولى والثانية. والظاهر أن الصراع الذي بشر به (هنتنجتون) في كتابه (صراع الحضارات) والسيناريو الذي وضع خطوطه (واينبرجر) في كتابه: (الحرب القادمة) والظروف المواتية التي تحدث عنها نيكسون في كتابيه (عام ١٩٩٩ نصر بلا حرب) و (اغتنموا الفرصة) والنهاية المزعومة التي نظَّر لها (فوكوياما) في كتابه: (نهاية التاريخ) يبدو أن تلك الاحتفالية الألفية قد قص شريط افتتاحها الرئيس المراهق (كلينتون) ! فما هي ملامح تلك الحرب المرتقبة، أو التي أعلنت بالفعل؟ يمكننا من خلال أولى جولاتها في السودان وأفغانستان أن نلمح أبرز معالم تلك الحرب فيما يلي: * أنها ستكون صليبية عالمية، بأسلحة غربية وتوجيهات يهودية. * أن العدو الوحيد فيها هم: الإسلاميون باعتبارهم عدو الغرب الباقي الذي لم يركع. * أن تلك الحرب لن تقيم وزناً لما يسمى بـ (الشرعية الدولية) إلا إذا خدمت أهداف تلك الحرب المعدة سلفاً. * أنها ستكون حرباً ذرائعية، تتصيد الفرص وتصطنعها إن لم تجدها. * أن تأييد العالم أو تنديده سيستويان، ولن يقيم الأمريكان وزناً لمعارض أياً كان. * أنها ستدوس على سيادة الدول وحريتها في أراضيها، إذا ما تعارضت مع خطوات هذه الحرب. * أنها ستعتمد أسلوب الغدر والمباغتة حتى لا تترك أحداً في مأمن.. أما عن هدف تلك الحرب والاستمرار فيها، فالواضح أنها ترمي إلى إبقاء المسلمين في ذيل الأمم، ومؤخرة الركب، وتجريدهم من أي قدرة على المبادرة أو المبادأة. سواء كانت على مستوى مجموع دولهم أو بعضها أو حتى على مستوى التجمعات التي تتطلع إلى الخروج من الأزمة المصيرية التي تعيشها أمتنا الإسلامية.. إن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الغربيين لا يخفون إصرارهم العنيد على فرض الحصار الحضاري على أمة الإسلام بمنعها من كل أسباب التقدم، وشغلها بمشكلاتها الداخلية والخارجية لتنعم دولة اليهود بعد ذلك بالاستقرار والقوة والعلو. نعم! يجب ألا نتجاهل الرمز الذي تشير إليه كلمات (مادلين) و (كوهين) اليهوديين في الإلحاح على إعطاء الحرب بُعداً كونياً وزمنياً أبعد مما يتصور.. فنحن نعتقد جازمين أن وقود تلك الحرب المعلنة يُستمد من حقد اليهود.. وليست أحقادهم القديمة وتصريحاتهم العدائية بأفصح ولا أصرح من تصريحاتهم التحريضية الجديدة؛ ففي عام ١٩٩٣م قال (حاييم هيرتزوج) الرئيس الإسرائيلي السابق أثناء زيارة قام بها لبريطانيا: «إن الأصولية الإسلامية هي الخطر الأكبر على العالم الحر» ، وأعاد التحريض بأسلوب آخر زعيم آخر هو الهالك (رابين) فقد قال في مؤتمر لاتحاد المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة (إيباك) في إبريل/ نيسان ١٩٩٣م: «إننا نريد التأكد من أن الرئيس كلينتون وفريقه يدركان تماماً خطر (الأصولية الإسلامية) والدور الإسرائيلي الحاسم في محاربتها» ، واستطرد قائلاً: «إن مقاومتنا ضد الإرهابيين المسلمين القتلة مقصود منها أيضاً إيقاظ العالم الذي يرقد في سبات عميق على حقيقة أن هذا خطر جاد وحقيقي يهدد السلام العالمي، والآن نقف نحن الإسرائيليين في خط النار الأول ضد الإسلام الأصولي، ونحن نطالب كل الدول وكل الشعوب أن يكرسوا انتباههم إلى الخطر الضخم الكامن في الأصولية الإسلامية» . ولما جاءت الأغلبية اليهودية إلى الكونجرس الأمريكي بدأت تترجم هذه الصيحات التحذيرية إلى سياسات عملية، حتى إن رئيس مجلس النواب الأمريكي (جينجريتش) ترأس جلسة للمجلس عرض فيها برنامجاً شاملاً للسياسة المقترحة لمواجهة الأصولية الإسلامية في العالم، وضمت الجلسة التي عقدت في واشنطن ما يزيد على ٤٠٠ من كبار الخبراء في الشؤون الأمنية والعسكرية، وقدم خطة من أربعة بنود تهدف إلى كسر شوكة الإسلاميين في العالم، وقال (جينجرتش) في هذا المؤتمر بالحرف الواحد: «الأصولية تعني إعلان الحرب علينا وعلى الحضارة الغربية؛ فيجب التعامل معها من واقع الحرب المعلنة) . انتهى النقل. جديد وليس بجديد: أما ما ينبني على ذلك النقل من الرصد القديم للحدث الجديد فهو على ما يلي: ١ - أن أمريكا أعلنت تلك الحرب بالفعل قبل أن تبدأ أحداث سبتمبر/ أيلول الماضي في نيويورك وواشنطن، بل قبل أحداث كينيا وتنزانيا، وأنها اعتبرت نفسها صراحة في حالة حرب مع الإسلاميين الذين أسمتهم إرهابيين. ٢ - أن اليهود في أمريكا وغيرها قد احتلوا موقعهم في (خط النار الأول) ضد المسلمين في تلك الحرب قبل أن تبدأ، وأنهم كانوا الأسبق إلى رسم معالمها ووضع برامجها والتحريض عليها انتظاراً لوجود أو إيجاد الذريعة إلى إشعالها تحت مواصفات دولية ودينية شاملة. ٣ - أن وصف هذه الحرب بأنها (عالمية) وأنها (صليبية) وأنها (طويلة الأمد) وأنها أشبه في شمولها بالحربين العالميتين الأولى والثانية؛ كل ذلك قد تم التصميم عليه سلفاً قبل أن تحدث الأحداث التي من أجلها اعتبرت أمريكا أن من حقها خوض تلك الحرب، وقبل أن تتوافر الدواعي لجعلها عالمية أو صليبية أو طويلة الأمد. ٤ - أن النية كانت فيما يبدو مبيتة لإشعال أوار تلك الحرب في مبتدأ القرن الجديد استغلالاً للمشاعر الدينية الألفية لدى اليهود والنصارى؛ ولذلك أسمتها أولبرايت: (حرب القرن القادم) ؛ وحتى يمكن بسببها إثارة شعوب الغرب ضد العرب والمسلمين وإقناعهم بأن ما سيحدث في تلك الحرب إنما هو إرادة الإله الذي قدر سلفاً أن يَهلك ثلثا العالم في حرب مدمرة بين (قوى الخير) و (قوى الشر) [١] عند حلول الألف السعيد الأخير [٢] ! لقد كنت مقتنعاً ولا أزال أن تفجيرات أمريكا الأخيرة، حتى وإن ثبت أن لبعض العرب والمسلمين ضلعاً في تنفيذها، فإن هناك في داخل الولايات المتحدة من رفعوا لها حواجز البوابات، ودلوا فيها على دقائق الأسرار والمعلومات، وأعطوا لبدئها الضوء الأخضر بعد أن هيؤوا المسرح كاملاً، وجهزوا القفازات والأقنعة جيداً، واختاروا الأهداف والأدوات والتوقيت؛ وإلا فمن للذين نفذوا هذا العمل بتقديم الشفرات السرية والأسرار التفصيلية والمعلومات المتوافرة التي من شأنها أن تخترق عشرات بل مئات الحواجز الأمنية سياسياً وعسكرياً واستخباراتياً؛ بحيث تتهيأ الفرصة لتنفيذ مثل ذلك العمل بصورة استعراضية يصعب تنفيذ مثلها ولو في الأعمال السينمائية؟ ! لا أقصد بداهة المسؤولين الظاهرين في الإدارة الأمريكية، ولكن الأعداء المستترين لها ولشعبها وللإنسانية بعامة، ولأهل الإسلام خاصة، وهؤلاء لن يخرجوا عن جماعات التحالف الشيطاني المعاصر، والمكون من اليهود والمتهودين، أعني الجماعات الصهيونية اليهودية والجماعات الصهيونية النصرانية البروتستانتية الإنجيلية داخل أمريكا. ولعل المراحل المقبلة تثبت صحة هذه المقولة فلا تزال الأحداث في بدايتها. صحيح أن نوايا شن حرب من هذا النوع متوافرة مسبقاً على المستويات العليا، ولكن ما حدث كان بمثابة شاحن تفجير لها أعطاها كل المسوغات لأن تأخذ هذا الشكل الذي بدأت به والأهداف التي ستنتهي إليها بحسب ما يعلنون. إنه لأمر لافت ومستغرب ألا يعلن الأمريكيون منذ بدأت الأحداث وإلى الآن عن إيقاف أحد من مواطني أمريكا يهوداً أو نصارى حتى ولو بتهمة التسهيل، أو التواطؤ أو حتى الإهمال فيما يتعلق بمسلسل التحرك لبدء عمليات نيويورك وواشنطن منذ التخطيط المحكم فيها مروراً بالإعداد الطويل لها وانتهاء بالتنفيذ الدقيق لمراحلها! ! ألم توجد خلال تلك المسيرة المعقدة ولو ثغرة واحدة مرت من خلال أناس غير عرب ولا مسلمين ولو عن طريق الإهمال الجسيم؟ ! ذلك الإهمال الذي كان يكفي لتقديم العشرات منهم إلى المحاكمة وعلى رأسهم (جورج تينت) رئيس الاستخبارات العامة الذي بلغ الغرور به ومنه إلى حد إقحامه في حل أعقد القضايا السياسية بطريقة أمنية فيما يسمى بـ (خطة تينت) لحل القضية الفلسطينية! ! إنك تعجب أيضاً من أن السلطات الأمريكية رجحت حتى كتابة هذه السطور أن الضربات (البرية) في العمق الأمريكي ببكتريا الجمرة الخبيثة والتي تزامنت مع الضربات (الجوية) لأفغانستان هي من تدبير تلك الجماعات الدينية النصرانية اليمينية؛ ومع ذلك لم توقف أحداً منهم علناً للتحقيق؛ مجرد التحقيق، مع أن تلك الضربات لم تدع مؤسسة هامة من مؤسسات الدولة الأمريكية إلا ومارست معها تلك الهواية الجديدة: (القتل بالمراسلة) ! أعود فأقول: إن هناك في داخل الولايات المتحدة كما يعلم كل مراقب كتلة متحالفة متراصة من الجماعات والأحزاب والتنظيمات الدينية اليهودية والنصرانية، وهي المنظمة دائماً والمسلحة أحياناً؛ تترقب منذ زمن اللحظة التي تحني فيها أمريكا ظهرها كي يركبوها، وليسيروا بها وبالعالم من ورائها نحو هاوية الانتحار تحقيقاً لأساطير حولوها إلى عقائد. سيقولون: هذه (نظرية المؤامرة) ..! ! وليكن؛ فهل خلا تاريخ اليهود والنصارى يوماً من التآمر؛ بل هل خلا أو سيخلو تاريخ الإنسان منذ أزمنة قابيل وإبرهة وحتى زمان الدجال وذي السويقتين الحبشي من التآمر؟ ! إننا نتساءل: إلى متى سيظل سيف تلك النظرية الوهمية (نظرية المؤامرة) [٣] التي لا يعرف واضعها ولا يُعرف نصها ولا روحها، ولا يُعرف متى ولا أين ولا كيف ولا لماذا وضعت؟ إلى متى سيظل هذا السيف المسلط حائلاً دون مجرد الشعور بأن هناك من يتآمر علينا؟ إنهم يستكثرون على هذه الأمة مجرد الشعور باحتمال وجود متآمرين عليها، فضلاً عن أن تواجه أو تجابه أو حتى تملك إرادة التحدي أو تمسك بزمام إدارة الصراع مع المتآمرين! نظرية المقامرة: صحيح أن هناك من يبالغون في اعتبار أن وراء كل حدث مؤامرة، ولكن ذلك لا يمنع من أن هناك من ينظِّرون ويخططون وينفذون المؤامرات تلو المؤامرات، والذين يتجاهلون ذلك أو ينفونه أو يميِّعون من شأن التآمر يقامرون بمستقبل الأمة، وهم أحق لذلك بأن يوصفوا بأنهم (أصحاب نظرية المقامرة) ! ؛ لأنهم يراهنون دائماً على صداقة الأعداء، وعلى وفاء الخونة وعلى شجاعة الجبناء وإخلاص غير الأمناء، في زمن (يخوَّن فيه الأمين ويؤتمن فيه الخائن، ويتكلم فيهم الرويبضة) [٤] . فماذا يطلب أصحاب التهويش والتلويح بـ (نظرية المؤامرة) ؟ ! من أمة تحيط بها المؤامرات من فوقها ومن تحتها وعن أيمانها وعن شمائلها بشكل متواصل منذ ما يزيد عن قرن؟ ! ماذا يريد أصحاب ذلك (التفسير التآمري للتآمر) أن يقولوا لهذه الأمة؟ ! أيريدون أن يثبتوا لها أنها أمة بلا أعداء؟ أو أنها تعيش في عالم من الأخلاَّء والأصدقاء؟ إن التآمر عند هؤلاء وبخاصة بعض أصحاب الأعمدة البارزة في الإعلام الملوث هو خرافة ... وتخيلات.... واختزال للحقائق، إلا إذا كان (المتآمرون) إسلاميين! ! فعندها ينظِّرون ويفلسفون ويشرِّقون ويغرِّبون في إثبات التآمر (الإسلامي) ! لا يمكن لعاقل أن يفصل بين ما يحدث الآن ضد الإسلاميين في العالم الإسلامي، وما سبق فعله ضد هذا العالم منذ عقود، بل منذ قرون؛ فهذا العالم الإسلامي الذي أشرفت على تمزيقه دول النصارى بزعامة إنجلترا، والذي أصر الغرب على تقطيع أواصر الأخوة فيه بالاحتلال العسكري ثم بالغزو الثقافي، هذا العالم الذي حسده النصارى على وحدته تحت منظومة عالمية واحدة ممثلة في دولة الخلافة الإسلامية، هو نفس العالم الذي أصرت الدول النصرانية على فرض التخلف عليه بتنصيب أنظمة عميلة بديلة لسلطة الإسلام لا تقيم لقيم شعوبها وعقيدتها وشريعتها وزناً، حتى إذا ما أرادت شعوب ذلك العالم الإسلامي أن تستيقظ وتعود إلى هويتها في صور صحوات إسلامية بدأت تنتعش بعد نصف قرن من سقوط الخلافة، إذا بذلك الغرب، وعن طريق أذنابه يحاولون بكل ما استطاعوا من قوة وبطش، الحيلولة دون تلك العودة. ظهرت تلك الصحوات التي قادها إسلاميون فأطلق عليهم الغرب وصف (الأصولية) وتبعه على ذلك أذنابه في بلاد المسلمين، ثم حوَّل الغرب وصف (الأصوليين) إلى (إرهابيين) فتبعه على ذلك أذنابه في بلاد المسلمين، وأوحى هذا الغرب إلى أذنابه ومواليه بأن يحاربوا تلك (الأصولية) تحت مسمى (الإرهاب) فبدأت تلك الحرب أولاً من بلاد المسلمين! ! ويشهد الله، ثم يشهد التاريخ وتشهد الأجيال المعاصرة بأن الإرهاب في تلك الحرب ما بدأت به إلا الأنظمة العميلة، فجاءت الردود (المحدودة) عليها ثأراً يائساً تحوَّل في بعض صوره إلى غلو لم يولد إلا في غياهب السجون وأقبية الزنازين، ومع ذلك بقيت الشريحة الكبرى من الإسلاميين على منهاج الاعتدال والسلامة، مع احتفاظها بحق الرد جهاداً ضد من اعتدى على دينها وشرفها وكرامتها عند الاستطاعة، وآثر الكثيرون العفو والصفح، واختيار طريق الحكمة والدعوة السلمية، وبدت آثار ذلك في الجزائر ومصر واليمن وباكستان وإندونيسيا وغيرها، وحتى في فلسطين؛ بدأت الحركات الإسلامية سلمية، ولكن ذلك أيضاً لم يُقبل عند الأكثرين من الأذناب في أنحاء العالم الإسلامي، وبدأ الإسلاميون يُستدرجون بانتظام إلى معارك مفتعلة في أكثر من مكان بتواطؤ مفضوح من دول الغرب (المتحضر) ، وحتى بعض الدول التي حاولت الميل إلى النهج الإسلامي في السنوات الأخيرة، رماها الأعداء عن قوس واحدة، مرة في السودان، ومرة في الشيشان وفي أوزبكستان وأخيراً في أفغانستان، هذا بعد سلسلة أخرى متعددة الحلقات من ضرب الحركات (السلمية) حتى في أوروبا، مثلما حدث في تركيا وفي البوسنة والهرسك وألبانيا وكوسوفا وغيرها! ! ومع كل هذا الإصرار على الإضرار بمسيرة العمل الإسلامي، كان رد الإسلاميين في أكثر بقاع العالم هو الأخذ بمذهب ابن آدم الأول [لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ] (المائدة: ٢٨) ، ولكن ذلك أيضاً لم ينفع، واستمرأ الجبارون صفع الخد الأيسر كلما أُدير لهم بعد الخد الأيمن، مع أن هؤلاء الإسلاميين لم يكونوا مجبرين شرعاً على أن يسلكوا هذا المسلك الكريم مع كل عدو لئيم، إلا أن لؤم الأعداء، وكرههم، وبغضهم لله ورسوله والمؤمنين جعلهم يتمادون في الاستكبار، ويبالغون في الاحتقار لكل ما يمت إلى الإسلام والإسلاميين بصلة؛ انظر حولك في أنحاء العالم الإسلامي لترى مظاهر هذا الكبر والازدراء لرغبات شعوب العالم الإسلامي في إزالة آثار العدوان الغربي على بلدانهم وأوطانهم وعقيدتهم وثقافتهم: - فالحكم الشرعي الإسلامي معطل قسراً رغم أنف الشعوب في أكثر بلدان العالم الإسلامي. - والحكم الوضعي المبدل مفروض ومحمي بالسيف والسنان والجيش والشرطة. - ولا يسمح بحزب إسلامي في أكثر بلدان العالم الإسلامي بحكم الدستور مع السماح لأحزاب يسارية وعلمانية وإلحادية! ! - لا تُحترم شعائر الإسلام الظاهرة في أكثر بلدان العالم الإسلامي، في الوقت الذي يسمح فيه لشعائر الكفر والفجور بالاستعلاء والظهور استفزازاً للمشاعر وتعدياً على الثوابت. - لا مكان ولا أمل في وصول حاكم أو حزب يحمل برنامجاً إسلامياً بطريقة سلمية أو كما يقولون ديمقراطية مع عدم ممانعة الدساتير في وصول حَمَلة البرامج الشيوعية أو اليسارية أو العلمانية الشيطانية التي يحملها رجال أو أشباه رجال أو نساء أو أشباه نساء. - المشورة مقصورة على أصحاب البطانات والزعامات والامتيازات والثقافات، باستثناء الإسلاميين، أما أن يكون هناك أهل حل وعقد مختارون على أسس من الدين الذين تدين به الأمة، فذلك (تراث) مهجور، وابتداع مستبعد! - أكثر شعوب وجماهير العالم الإسلامي لا رأي لها ولا وزن لقولها في أي قضية من قضاياها المصيرية، فلا تستشار في حرب، ولا تُستفتى في سلام، ولا تطلع على معاهدات، ولا يؤخذ رأيها في اتفاقات أو تعهدات. - الأنشطة الشعبية الإسلامية المبالغة في السلمية، لم تأمن من المحاصرة والمحاربة و (تجفيف المنابع) و (الإجهاض المبكر) و (المواجهة الشاملة) ؛ فهذا خطيب يُمنع، وذاك داعية يُعتقل، وهذه محجبة تُضايَق، وهذا ملتحٍ يغيَّب، وهذه جمعيةُ تُحل، وتلك أنشطة تحظر بدعوى: عدم السماح (بتفريخ) الأصولية والإرهاب! ومع كل هذا: ظلوا يطلبون من الأمة أن تبقى بكماء خرساء عمياء، تتنكر لدينها، وتأكل بعرضها، وتذل لأعدائها، وتخضع وتركع لكل طاغية جبار يريد ذبحها والتضحية بها. لقد ولَّدت كل تلك الضغوط حالة من الاحتقان والغليان، بدأت تنفِّس عن نفسها بهبَّات هنا أو هناك كردات للفعل لا منشئات له، وكان كل رد تتلوه ردود عنيفة عنيدة من الأنظمة، وقد رأينا ذلك في أنحاء كثيرة من العالم، حتى وجد الإسلاميون أنفسهم في معارك مفروضة عليهم في أكثر بقاع الدنيا، فزاد الغليان وتضاعف الاحتقان، وبخاصة عندما وجد الإسلاميون أنفسهم مغضوباً عليهم حتى وهم يدفعون عن الأمة الكفار الصرحاء، والنابذين بالعداء؛ فالوصف الجاهز لهم: (متطرفون وإرهابيون) حتى ولو كان دفاعاً مشروعاً في الدين والقانون كما في الشيشان أو البلقان أو كشمير أو فلسطين! ! وجاء دور أمريكا: جاءت أمريكا بعد أمها العجوز بريطانيا لترث العداء للمسلمين، ولتسكب الزيت على النار ولتعلنها حرباً (عالمية) على الإسلاميين بعد أن استقر وصفهم بـ (الإرهابيين) ، وجاءت لتعلن تلك الحرب باسم الصليبية بعد أن سبقتها حروب عديدة باسم اليهودية، بدعم غربي أوروبي وأمريكي، وكأن أمريكا وحلفاءها لم تكفهم تلك الحرب المستعرة على الإسلاميين في أكثر بلدانهم، حتى أعلنوها عليهم في سائر بلدان العالم! ! وكانت أحداث (سبتمبر/ أيلول) إشارة البدء لتلك الحرب المبيتة بليل. إنها لا تستهدف كما يشاع حكومة أفغانستان أو تنظيم القاعدة فقط، وإنما تستهدف كل حركة نشطة على وجه الأرض تسعى لاستعادة حق من حقوق المسلمين؛ ولهذا أعلنت أن حملتها قد تشمل ستين دولة، وقد تستغرق عشر سنوات، أو ربما خمسين سنة، كما قال رئيس الأركان البريطاني. لقد تعهدت أمريكا بمحاربة ما أسمته (الإرهاب) في العالم كله، ومهدت منذ زمن لذلك بإدراج ست دول عربية وإسلامية ضمن ثماني دول صنفتها بأنها (راعية للإرهاب) هذا على مستوى الدول، وأما على مستوى الجماعات والمنظمات فقد تناوبت أمريكا مع بريطانيا في ذلك عندما أعدت قائمة تضم ستين منظمة (إرهابية) في العالم يشتمل أكثرها على جماعات إسلامية. ثم أعلنت بريطانيا مؤخراً قائمة أخرى أضافت فيها جماعات (حماس والجهاد) الفلسطينية و (حزب الله) اللبناني؛ وهذا يتيح لـ (إسرائيل) مباشرة أن تحاربهم بالشراسة التي تحارب بها أمريكا في أفغانستان دون نكير من المجتمع الدولي؛ لأنها تحارب (الإرهاب) ! إذن فالحرب التي أعلنتها أمريكا وحلفاؤها على الإسلاميين لم تترك بقعة ساخنة في العالم الإسلامي إلا وشملته؛ فهم يريدون أن يحاربوا أو بالأحرى أن يقضوا على الإسلاميين الذين يتصدون لجهاد الأعداء في كل البلدان حتى تلك التي تمارس جهاداً مشروعاً بمقتضى ما يسمى بـ (الشرعية الدولية) ؛ فهم يريدون أن يقضوا عليها في فلسطين، وفي جنوب لبنان، وفي كشمير، وفي الشيشان، وفي البلقان، والقوقاز، وبلدان آسيا الوسطى، ولكن البداية كانت من أفغانستان. وكأن أمريكا تريد أن تخوض حروباً بالنيابة أو الاشتراك للدفاع عن اليهود وعن الروس وعن الهندوس وعن سائر الكفار والمشركين، وهي إذ تعلن البدء بالإسلاميين في تلك المناطق التي يمارس فيها الجهاد الإسلامي المشروع، لا تخفي نيتها في التثنية بالجماعات الإسلامية التي لم تجاهد بعد في بقاع أخرى من العالم، مدعية أن تلك (ملاذات للإرهاب) ! ! فهي تريد فعلاً أن تحارب كل الإسلاميين في كل أنحاء العالم! وهذا والله وتالله وبالله هو الانتحار عينه! لماذا؟ ! لأن أمريكا بذلك قد فتحت على نفسها أبواب الجحيم، وستجعل نفسها محلاً لجهاد كل الموحدين في كل أرض ستعتدي عليها، وهؤلاء الموحدون إن كانوا يعدون اليوم بالآلاف، فإن إعلان أمريكا للحرب ضدهم سيحولهم إلى ملايين؛ فهل لأمريكا قِبَلٌ بأن تواجه ملايين المجاهدين؟ ! إن الجهاد في الإسلام فريضة مكتوبة على كل مسلم إذا دهم الأعداء أرضاً من أراضي المسلمين؛ فهل تفهم أمريكا ذلك؟ وهل تعي أنها ستفرض بنفسها على المسلمين أن يوجهوا جهادهم ضدها كلما دهمت أراضيهم؟ ! الجهاد واجب إدا دُهمت أرض واحدة للمسلمين؛ فما الحال إذا دهمت أمريكا بنفسها أو تحت إشرافها إلى جانب أفغانستان أرض كشمير، وأرض الشام، وأرض اليمن، وأرض السودان، وأرض باكستان، وأرض الشيشان، وغيرها وغيرها من بلدان المسلمين؟ ! إنه الجنون.. إنه الانتحار! ألا يوجد عقلاء يبلغونها هذه الرسالة؟ إنه ومهما كان بحوزة أمريكا من السلاح والعتاد، ومهما توافر لديها من الكبرياء والغطرسة والعناد، فإنها ليس لديها رجال، ليس لديها (مجاهدون) ! وإذا كان لديها بعض رجال فهم لا يقدَّرون بالملايين، ولا ينتشرون في سائر أرض الله كالمسلمين. إن أمريكا تنتحر بإصرارها على المضي في هذا القرار الفائر الجائر بمحاربة كل الإسلاميين المجاهدين الساعين إلى التحرر في العالم، وليس هذا القرار فقط هو سبب قطعنا وتأكيدنا بأن أمريكا تنتحر، بل إن هناك أسباباً بعد أسباب تقف وراء التأكيد بأن أمريكا تنتحر وقد رصدت أبرزها، وأترك للقارئ أن يتابع ما لم أذكره وما سوف يتجدد منها: خطوات نحو الانتحار: * أمريكا تنتحر: عندما تُقدِم على أكبر وأخطر أسباب الهلاك وهي: إعلان الحرب على الله ... ! فهل أعلنت أمريكا الحرب على الله؟ ! .. نعم أعلنت ذلك بإعلانها العداء والحرب على أولياء الله، وقد حدَّث رسول الله الناس جميعاً عليه الصلاة والسلام عن جبريل ﵇ عن الرب ﵎ أنه قال:» من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة « [٥] ، والمسلمون الصادقون العاملون كلهم أولياء الله، وأمريكا لم توجه عداءها واعتداءها على ولي واحدٍ من أولياء الله، بل أعلنت ذلك على الملايين من أولياء الله بعد أن أسمتهم إرهابيين؛ ولهذا نؤمن أن الله تعالى قد آذنها أيضاً بالحرب، كما جاء في الرواية الأخرى الأشهر من الحديث: » من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب « [٦] ؛ فمن ينصر أمريكا من بأس الله إن جاءها؟ ! * وأمريكا تنتحر: عندما تجعل نفسها عرضة لجريان سنن الله على الظالمين الجبارين من أهل المكر والبغي، وفي الحديث:» أسرع الشر عقوبة: البغي وقطيعة الرحم « [٧] ، وفي الأثر: ثلاث من كن منه كن عليه: المكر والبغي والنكث، قال تعالى: [وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ] (الأنعام: ١٢٣) ، وقال: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم] (يونس: ٢٣) وقال: [فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ] (الفتح: ١٠) ، ونحن نعتقد أن خطة المكر الكبرى من أمريكا وحلفائها ضد الإسلاميين في العالم سوف تقابل بتدبير أكبر وأعظم ممن له المكر جميعاً : [وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ] (النمل: ٥٠-٥١) . * وأمريكا تنتحر: عندما تصر على كسب المزيد من عداء المخلوقين بعد سخط الخالق جل وعلا؛ فبدلاً من أن ترجع عن أسباب كراهية الناس لها من سياسات الحصار الظالم والعقوبات الجائرة، ونصرة الظالمين على المظلومين، وفرض الهيمنة والإذلال على الدول والشعوب، إذا بها تضاعف من جرعات ذلك الظلم، وهذا سيجعل ضحاياها يستعجلون بطش الله بها وانتقامه منها، ويعملون ضد مصالحها سراً، لو عجزوا عنه علناً. * وأمريكا تنتحر: عندما تتخبط داخلياً، فتخسر شعبها بعد خسارتها لشعوب العالم، وقد بدأت بوادر ذلك بتذمر السود من سوء التعامل معهم بعد الضربات الجرثومية التي يتركز خطرها عليهم؛ لأنهم أكثر موظفي البريد، ومع ذلك لا يلقون من الاهتمام الحكومي بسلامتهم ما يماثل الاهتمام الذي يلقاه البيض، وقد بدأت تتزايد الانتقادات العلنية لإدارة بوش السيئة في معالجة كل الأزمات الأخيرة سياسياً واقتصادياً وإعلامياً وثقافياً وعسكرياً وأمنياً. * أمريكا تنتحر سياسياً: عندما تضرب بعرض الحائط القوانين والأعراف وأسس التعامل السياسي بين الدول مصرة على فرض أطروحتها المثيرة للسخرية والسخط: (من ليس معنا فهو ضدنا) ، وكذلك عندما ترسي مبادئ مناقضة بصورة عملية لما درجت على التشدق به باسم (الشرعية الدولية) فأين الشرعية الدولية في دك المدن على المدنيين؟ وأين هي في التدخل العسكري المباشر في الشؤون الداخلية للدول؟ وأين الشرعية الدولية في الإجراءات المفروضة لتثبيت الحكومات المرفوضة من شعوبها؟ وأين الشرعية الدولية في التنكيل بما يسمى بـ (قيم الديمقراطية الغربية) خارج أمريكا، تلك التي تسحقها أمريكا الآن في أفغانستان بتدبير أقذر انقلاب عسكري في التاريخ؟ ! تحت سمع وبصر منظمة الفيتو الخماسي، الظالمة المتحدة علينا! * وأمريكا تنتحر اقتصادياً: عندما تصر على المضي إلى النهاية في حرب تبدو خاسرة، ستكلفها شهرياً ١. ٢ مليار دولار، كما قال غوردون آدمز مدير قسم السياسات الأمنية بجامعة جورج واشنطن، وهي الحرب التي رصد لها بوش مبدئياً ٤٠ مليار دولار، وقد تتضاعف بتزايد مدة الحرب هذا بخلاف الخسائر الخيالية لشركات التأمين والتكلفة الدبلوماسية والأمنية والصحية لمجابهة الآثار الداخلية لشن الحرب، وكل هذا لا يساوي شيئاً إذا ما قورن بالآثار الحالية والمستقبلية لضربات سبتمبر التي قال عنها بوش في (٣٠/١٠/٢٠٠١م) :» إنها ضربت أسس الاقتصاد الأمريكي «! وقد أظهرت الدراسات أن الناتج الأمريكي انكمش بنسبة ٤ % بعد الأسابيع الثلاثة الأولى من أحداث واشنطن ونيويورك، وينظر المحللون إلى هذا الانخفاض على أنه مؤشر رسمي إلى أن أكبر اقتصاد في العالم في طريقه إلى التراجع، وقد يحتاج كما قال بوش إلى ١٠٠ مليار دولار لمحاولة إدخاله إلى غرفة الـ (إن عاش) ! والغريب أن أمريكا ماضية رغم ذلك في نفس الطريق الذي أوصلها إلى منحدر ١١ سبتمبر! * وأمريكا تنتحر إعلامياً: بعدما بدأ دولابها الإعلامي الهائل يفقد المصداقية والاحترام، فهو بدلاً من أن يقوم بتغطية الأحداث بتجرد كما يحب أن يشتهر إذا به يغطي على حقائقها، ويعتم على مشاهد الخراب والقتل والدمار الذي يتعرض له المدنيون في أفغانستان، وأصبحت محطات التلفزة الإعلامية العملاقة في أمريكا ترى في الوسيلة الإعلامية الوحيدة التي تطل منها أفغانستان على العالم وهي (قناة الجزيرة) منافساً عنيداً لها؛ لأنها اكتسبت ثقة الحكومة الأفغانية فسمحت لها بتغطية الأحداث، ولأول مرة يجد الإعلام الأمريكي نفسه في حرج بالغ وهو يضطر لعرض مؤتمرات الكذب اليومية التي يظهر فيها وزير الدفاع الأمريكي (دونالد رامسفيلد) وهو ينافس مسيلمة الكذاب في قلب الحقائق، كأي ضابط متخلف في نظام دموي جاء إلى السلطة بانقلاب عسكري، وتزداد فضيحة الإعلام الأمريكي وهو يتستر على أخبار النكسات العسكرية التي منيت بها أمريكا وحلفاؤها في أسابيع الشهر الأول من الحرب؛ حتى بدا وكأنه يخضع لرقابة صارمة كتلك التي طالما عيرت أمريكا بها دول العالم الثالث! * وأمريكا تنتحر ثقافياً وحضارياً: عندما تجعل من ثقافتها الهليودية السينمائية القائمة على عبادة القوة، وتأليه الآلة وتقديس الثروة مثالاً للتندر والتفكه، بعد أن رأى العالم عجز تلك الثقافة عن إيجاد نموذج حضاري محترم؛ فها هي قيم أمريكا (الحضارية) تتهاوى وتتساقط بعدد سقوط القنابل الانشطارية والعنقودية على الأيتام والأرامل والمدنيين العزل في أفغانستان، وها هي تلك (القيم) تستخرج من خزائن قارون العصر فتاتاً من الطحين والبسكوت موضوعة في مغلفات صفراء تتطابق في شكلها ولونها مع القنابل الانشطارية، لتطعم أطفال أفغانستان وجبات قاتلة مشفوعة برسائل (ثورية) تدعو الأفغان للتمرد واستعجال مجيء المستعمر الجديد! * وأمريكا تنتحر عسكرياً: عندما تعرِّض سمعتها العسكرية (المهيبة) للتنكيل على جبال أفغانستان؛ فتداعيات الحرب تظهر أن الآلة الجهنمية الجبارة بصواريخها الذكية والغبية تبدو عاجزة عن حسم المعركة، لا ضد معسكر شرقي، أو تحالف غربي أو جبهة دولية أو قوة عظمى ولكن ضد (حركة) ! ! فطالبان التي لا تريد أمريكا ولا العالم معها أن يعترفوا بها إلا كحركة ازدراء واحتقاراً يشاء القهار الجبار أن يجعلها سبباً في تمريغ كرامة الجيش الأمريكي في التراب، بإسقاط مروحياته وقتل جنوده وأسر عملائه، واضطراره لفترة أسابيع طويلة لأن يختبئ بطائراته الجبانة فوق السحاب، ممطراً حمم الموت على رجال يخشى الأمريكيون رؤيتهم إلا بالمناظير المكبرة من ارتفاع آلاف الأميال! * وأمريكا تنتحر أمنياً ومخابراتياً: عندما يتتابع فشلها في اكتشاف أو مواجهة الأخطار التي هددت ولا تزال تهدد الأمن القومي الأمريكي في الداخل والخارج؛ فبعد أن أُخذت على غرة في أحداث سبتمبر في وقت كانت تخمِّن فيه أن الضربات ضد مصالحها ستكون في اليابان أو كوريا أو الشرق الأوسط إذا بها تتخبط في الوصول إلى منفذي عمليات (الحُمام) الزاجل المرسل كالطير الأبابيل. ولا يختلف الأمر كثيراً إذا كان ذلك الإخفاق حقيقياً في الوصول إلى الفاعلين أو مجرد تستر على المنفذين إذا كانوا أمريكيين؛ بل إن ذلك سيكون إخفاقاً مزدوجاً؛ لأنه تستر غير محكم، ولا بد أن ينكشف عن فضيحة مدوية لجهاز الـ (سي. آي. إيه) ذلك الجهاز الرهيب الذي طلب لفرط فشله» مخبرين «من الشرق الأوسط ليقدموا له مساعدتهم وخبرتهم في الكشف عن الأخطار التي تهدد الأمن القومي الأمريكي! * وأمريكا تنتحر: عندما تتجاهل بغباء أو بعناد خطر الإرهاب الصهيوني الداخلي المزدوج، بشقيه النصراني واليهودي؛ فالجماعات والمنظمات الدينية: اليهودية والإنجيلية، تتربص بوحدة أمريكا منذ فترة طويلة، وعندما تصر أمريكا على التعامي عن هذا الخطر، فإن ذلك سيعجل بتحقيق هدف تلك الجماعات على نحو قريب جداً مما فعله اليهود بتركيا، عندما نخروا فيها من الداخل لكي يسقطوها ثم يعتلوها سهلة وطيئة، وذلولة للراكبين! ! * وأمريكا تنتحر: عندما تبالغ في جر حلفائها طوعاً أو كرهاً إلى ما تراه في صالحها دون اعتبار لمصالحهم، فتخرج بذلك أضغان الشعوب عليها، حتى الغربية منها، وما خروج مئة وخمسين ألف متظاهر في بريطانيا وآلاف أخرى في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، وأضعاف ذلك في باكستان وإندونيسيا وماليزيا، إلا دليلاً ساطعاً على عدم وجود فرص كبيرة للنجاح أمام (التخالف الدولي) الذي تريد أمريكا أن تتكئ عليه في محاربة الإسلاميين في العالم؛ مما سيعني في المستقبل القريب أن أمريكا قد تضطر إلى وضع بعض القوى المتحالفة معها في عداد القوى المخالفة لها، فيزيد بذلك معسكر (الضد) على معسكر (الإمعة) . * وأمريكا تنتحر: عندما تبالغ في إحراج (أصدقائها) بإخراجهم في صورة الواقفين ضد أماني شعوبهم في الكرامة والاستقلال الحقيقي؛ وهي إذ تطلب من أنظمة الدول العربية والإسلامية أن تعطي برهاناً عملياً علنياً على انحيازها للأمريكان، تصنع بذلك وقيعة بينهم وبين شعوبهم بما يمكن أن يخلخل استقرارها الذي يخدم مصالح أمريكا ويطيل عمرها، وأمريكا تفقد بذلك أكبر سند يمكن أن يحول بينها وبين غضب الشعوب. * وأمريكا تنتحر: عندما تعرِّض قاعدتها الأولى في الشرق الأوسط (إسرائيل) لسيف الإسلام الضارب في بيت المقدس وما حوله؛ فهي بعد أن أطلقت كلابها اليهودية ضد رموز الإسلام ومقدساته وحرماته في فلسطين، ستجد نفسها آجلاً أو عاجلاً أمام حرب دينية صريحة بين الإسلام واليهودية في الأرض المقدسة، وهذا من شأنه أن يخلط بل يحرق، كل أوراق (اللعبة) الأمريكية في المنطقة. * وأمريكا تنتحر: عندما تفجر غضب الضعفاء والفقراء، وهم القطاع الأكبر من سكان الأرض، وهي لا تضمن أن يتحول هذا الضعف إلى قوة خارقة حارقة في أرجاء العالم، وبخاصة إذا تمادى بوش في بعث أوباشه في أنحاء متفرقة من الأرض لفرض واقع الهيمنة الجديد بالنار والحديد على المسلمين بعامة والإسلاميين منهم بخاصة، وقد أظهر بعض معالم تلك الهيمنة مهندس السياسة الأمريكية الخارجية لفترة طويلة شارون أمريكا اليهودي المخضرم المجرم (هنري كيسنجر) في مقالة بشر فيها صحيفة العرب الدولية عن مستقبل (الأصولية) بتاريخ (٢٨/ ١٠/٢٠٠١م) حيث قال:» في طريقة المعالجة الجديدة سيجري النظر إلى الإرهابيين بمنظور خاص ملائم، إنهم متوحشون، لكنهم ليسوا كثيرين، وهم لا يسيطرون على أرض بشكل دائم، وإذا ما جرت محاصرة ومحاربة نشاطاتهم من جانب قوات الأمن في جميع البلدان، في حال عدم وجود بلد يؤويهم، فإنهم سيصبحون خارجين على القانون، وطريدي العدالة، ويرغمون على نحو متزايد على تكريس جهودهم لمجرد البقاء على قيد الحياة، وإذا ما حاولوا اغتصاب جزء في بلد ما، كما حدث إلى حد ما في أفغانستان، فيمكن ملاحقتهم واصطيادهم بعمليات عسكرية. إن المسألة الرئيسية في استراتيجية مكافحة الإرهاب هي إزالة الملاذات الآمنة «. ثم أردف قائلاً:» إن الحرب ضد الإرهاب لا تعني فقط تعقب الإرهابيين واصطيادهم؛ إنها تعني قبل كل شيء اصطياد الفرصة الاستثنائية التي تتوافر الآن لإعادة صياغة النظام الدولي «! إنها.. أسرع وسيلة للانتحار الأمريكي على الطريقة اليهودية الشارونية. * وأخيراً: فإن أمريكا ستنتحر، وتنحر كل من يحالفها بالتعرض لقذائف الدعاء اليومي الذي يرمي الصالحون بسهامه في نحرها في جوف الليل وفي العشي والإبكار، وتسارعها إلى الانتحار سيزداد باستخفافها بنداءات من ينصحونها بإيقاف جرائمها في أفغانستان خلال شهر رمضان؛ لأنها ستستمطر بذلك دعوات مئات الملايين من الصائمين والقائمين والعاكفين والركع السجود، والله تعالى يقول لهؤلاء: [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] (غافر: ٦٠) فلندعُ ... ولنلحَّ في الدعاء بأن يجيبنا الله ويحيينا حتى نسمع ونرى تفاصيل ذلك المشهد المثير لـ (انتحار أمريكا) ... ! [قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ] (التوبة: ٥٢) .

стр. 4120

المسلمون والعالم الحرب البيولوجية (الجرثومية) د. ضيف الله بن محمد الضعيان [*] مقدمة: مع حلول موسم الأنفلونزا باقتراب فصل الشتاء يزداد الهلع في الشارع الأمريكي، وتكتظ عيادات الأطباء بالمراجعين ولا تتوقف هواتفهم عن الرد على المستفسرين عما إذا كان ما يعانون من إنفلونزا وذبحة صدرية والتهاب حلقي يعني أنهم بحاجة إلى أن يخضعوا للكشف عن جرثومة الجمرة الخبيثة (أنثراكس) التي تأكد إصابة عدد من الأشخاص بها في بعض الولايات الأمريكية بعد أن شنت الولايات المتحدة حرباً على أفغانستان على خلفية اتهام حكومتها بإيواء أفراد تنظيم القاعدة الذين تتهمهم أمريكا بالوقوف خلف هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول على كل من واشنطن ونيويورك. ويخشى الأمريكيون أن حرباً جرثومية قد شنت عليهم انتقاماً من ممارسات جيوشهم في أفغانستان، ومن وقوف حكومتهم ونواب كونجرسهم ومجلس شيوخهم مع الدولة الصهيونية في حربها الدموية الشرسة على الشعب الفلسطيني الأعزل. إلا أن المسؤولين في واشنطن يفضلون عدم الربط بين القضيتين ويستبعدون أن تكون حالات الإصابة في الجمرة الخبيثة التي تم اكتشافها جاءت نتيجة ممارسات إرهابية، في محاولة لتخفيف موجة الرعب والهلع التي تجتاح المدن الأمريكية. لكن إخفاق السلطات الأمنية الأمريكية في تحديد مصدر هذه الجرثومة بعد أسابيع من ظهورها يفتح الباب أمام كل التكهنات، ويزيد حالة القلق والترقب في الشارع الأمريكي الذي لم يخرج بعد من هول الصدمة التي حلت به إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول. إن القلق الذي يجتاح الشارع الأمريكي له ما يسوِّغه في ظل التقارير التي ما فتئت تصدرها وكالة المخابرات الأمريكية الـ CIA بين فترة وأخرى خلال السنوات القليلة الماضية عن قدرة الجماعات التي تصفها بالإرهابية على امتلاك أسلحة بيولوجية وكيميائية وحتى نووية؛ خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الشرقي؛ مما عزز الشكوك في أن جزءاً من ترسانة هذه الدول من أسلحة الدمار الشامل ربما تسرب إلى أيدي الجماعات المناوئة للغرب ولواشنطن على وجه الخصوص. تعريف الحرب البيولوجية: هي الاستخدام العسكري للكائنات الحية المجهرية (البكتيريا أو الفطريات أو الفيروسات) بقصد إحداث الأمراض الوبائية أو الموت للإنسان أو الحيوان أو المحاصيل. ويمكن استخدام العناصر البيولوجية أيضاً لإصابة جنود العدو بالمرض لشل قدرتهم على القتال، أو إتلاف مخزون العدو من الأغذية. وتعتمد القدرة التدميرية للميكروبات على قدرتها الهائلة على الانقسام؛ حيث تنقسم الجرثومة الواحدة إلى ملايين من مثيلاتها في اليوم الواحد. شروط السلاح البيولوجي الفعال: ١ - سهولة زراعة جراثيم المرض المراد نشره. ٢ - قدرة هذه الجراثيم على البقاء بوجود الرطوبة والجفاف وعند درجات حرارة متوسطة (يفضل القيام بالهجوم البيولوجي ليلاً خصوصاً في أشهر الصيف) . ٣ - سرعة الانتشار والوصول إلى الأهداف المنشودة. ٤ - فاعلية الجراثيم بحيث يسبب العدوى أقل عدد ممكن منها. ٥ - أن تكون الأمراض الناتجة عنها ليس لها علاج أو أمصال أو لا يمتلكها العدو. ٦ - قدرتها على إحداث أكبر عدد من الإصابات والوفيات والإعاقات. أنواع الأسلحة البيولوجية: يوجد عدة أنواع من الجراثيم التي تصلح للاستخدام سلاحاً بيولوجياً، منها الجراثيم المسببة لوباء الجدري، والطاعون، والكوليرا، وشلل الأطفال، والحمى الصفراء، وداء الكلب وغيرها. وتعتبر جرثومة (باسلس أنثراكس) المسببة لمرض الجمرة الخبيثة من أكثر الأسلحة شيوعاً في الحروب الجرثومية، وهي تصيب الجلد، ويسهل معالجتها عن طريق جرعات كبيرة من المضادات الحيوية. إلا أن استنشاق الهواء الملوث بها يسبب إصابة الرئتين بالمرض، ويفضي إلى الموت في أغلب الحالات، وقد ينجو المصاب من الموت لو تم علاجه بالسرعة الكافية. وفي حالة ابتلاع الجراثيم فإن المعدة والأمعاء تصابان بالمرض ويؤدي ذلك إلى الموت في أكثر من نصف الحالات. وسائل إطلاق الأسلحة البيولوجية: هناك تقنيات عدة يمكن استخدامها لنشر هذه الجراثيم في صفوف العدو، منها: ١ - نشرها في الهواء على شكل ضباب أو دخان عن طريق راجمات الصواريخ أو طائرات الرش أو قذائف المدفعية. ٢ - تلويث المياه أو الأغذية بالجراثيم. ٣ - استخدام الحشرات والقوارض الحاملة للجرثومة. ٤ - إسقاطها خلف صفوف العدو بين المدنيين على شكل لعب أطفال أو أغذية أو عملات معدنية وغيرها. تاريخ استخدامها: * خلال القرن الرابع عشر الميلادي كانت بعض الجيوش التي تحاصر المدن تقذف بالمنجنيق جثث المصابين بالطاعون أو الجدري، وكذا بعض النباتات الملوثة من فوق سور المدينة بقصد نشر الوباء داخل صفوف العدو. * نشر الأوروبيون وباء الجدري والحمى بقصد بين صفوف الهنود الحمر (السكان الأصليين لأمريكا) خلال مبادلاتهم التجارية معهم في القرنين السابع عشر والثامن عشر. * في القرن العشرين استخدم السلاح البيولوجي في عدد من الحروب، فاستخدمته ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، ونشرت اليابان وباء الطاعون خلال الحرب العالمية الثانية في عدد من المدن الصينية عن طريق إنزال كميات من الجرذان المصابة بالوباء بواسطة المظلات؛ مما أدى إلى مقتل عدد كبير من الناس. كما استخدمت اليابان سجناء الحرب الصينيين لتجريب بعض أنواع الأسلحة البيولوجية. * تشير بعض المصادر إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية قد استخدمت السلاح البيولوجي ضد كوريا الشمالية والصين خلال الحرب الكورية ١٩٥٠ - ١٩٥٣م، وفي فيتنام. * يتهم الاتحاد السوفييتي بأنه استخدم الأسلحة البيولوجية ضد أفغانستان خلال احتلاله لها في عقد الثمانينيات من القرن الماضي. * يُظن أن النظام العراقي قد استخدم السلاح البيولوجي إلى جانب السلاح الكيميائي ضد الأكراد في حلبجة عام ١٩٨٨، وقد تم تدمير خمسة مخازن ومختبرات سرية لتصنيع الأسلحة الجرثومية منها الأنثراكس خلال عقد التسعينيات بعد هزيمة العراق في حرب عاصفة الصحراء. * فجرت بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية (عام ١٩٤٣م) قنبلة محشوة بجراثيم الجمرة الخبيثة في جزيرة جريونارد الأسكتلندية على سبيل أنه من تجاربها على الأسلحة الجرثومية؛ مما أدى إلى مقتل كثير من الحيوانات والنباتات، وظلت منذ ذلك الوقت منطقة محرمة حتى أعلن مؤخراً خلوها من الجرثومة القاتلة. اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية: في العاشر من أبريل/ نيسان عام ١٩٧٢م تم التوقيع في جنيف على اتفاقية دولية تحظر استخدام الأسلحة البيولوجية، وتمنع إنتاج أو امتلاك أو استخدام مثل هذه الأسلحة، وكان قد سبقتها عدة اتفاقيات كانت أولاها اتفاقية جنيف عام ١٩٢٥م المحرمة للأسلحة الكيميائية والبيولوجية. وقد وقعت على اتفاقية عام ١٩٧٢م ١٤٣ دولة بما فيها الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية. إلا أن الاتفاقية لم تتضمن إمكانية التفتيش على الدول المصادقة عليها بسبب أجواء الحرب الباردة التي كانت سائدة في ذلك الوقت. الأقطار التي تخرق الاتفاقية: يعتقد بعض المحللين الغربيين أن عدداً من الدول الموقعة على اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية تمتلك هذا السلاح تأتي في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي تمتلك أكبر ترسانة من هذه الأسلحة؛ وإن كانت تزعم أنها مخصصة فقط للأغراض البحثية والدفاع عن النفس، رغم أن الرئيس ريتشارد نيكسون قد تعهد عام ١٩٦٩م بأن لا تلجأ الولايات المتحدة الأمريكية إلى الأسلحة البيولوجية ضد أي دولة حتى وإن استخدمت تلك الدولة مثل هذه الأسلحة ضد الولايات المتحدة. وأمر نيكسون بتدمير المخزون الأمريكي من تلك الأسلحة. ومن الدول الأخرى التي يعتقد امتلاكها لهذه الأسلحة: بريطانيا وفرنسا والصين وروسيا وكوبا والعراق (سابقاً) وإيران وليبيا وإسرائيل، ودول أخرى مشكوك في امتلاكها للسلاح البيولوجي منها كوريا الشمالية ومصر وسوريا والهند وتايوان. أمريكا ترفض التفتيش الدولي: بعد سبع سنوات من المفاوضات في جنيف، وفيما اعتبر آخر جولة قبل التوقيع على معاهدة جديدة تضيف بنداً تم إهماله في اتفاقية عام ١٩٧٢م وهو التفتيش الدولي على منشآت الدول التي تصادق على المعاهدة؛ فقد انتهت الجولة الأخيرة من المفاوضات يوم ١٧ أغسطس/ آب من هذا العام (٢٠٠١م) إلى فوضى واضطراب وبلبلة داخل أروقة المؤتمر؛ إذ فوجئ مندوبو ٥٥ دولة مشتركة في المفاوضات بوقوف رئيس الوفد الأمريكي معلناً رفض إدارة الرئيس بوش للمعاهدة وامتناعها عن التوقيع عليها، فيما اعتبر نكوصاً عن عهد نيكسون المشار إليه آنفاً. وتفادياً للانتقادات الدولية كتلك التي تعرضت لها الولايات المتحدة حين رفضت التوقيع على معاهدة كيوتو في اليابان الخاصة بالحد من حرارة الأرض، فقد أعلن البيت الأبيض أن وفده إلى مفاوضات جنيف سيبقى حتى تنتهي جولة المفاوضات الأخيرة لمنع الدول الأخرى عن التوقيع على المعاهدة الجديدة. وكان التفسير الذي قدمته حكومة بوش مخادعاً ويهدف إلى تضليل الرأي العام، وهو أن المعاهدة ضعيفة رغم أن بنودها التي تتسم بالضعف كما يقول المراقبون جاءت استجابة لإصرار الوفد الأمريكي خلال جولات المفاوضات السابقة. ويجادل الأمريكيون بأن المعاهدة لا تملك الإجراءات الكافية لكشف الدول التي تخرقها رغم أن رئيس الوفد الأمريكي لمفاوضات جنيف كان قد قال عكس ذلك أمام أعضاء الكونجرس. وتزعم الإدارة الأمريكية أن المعاهدة تهدد سرية المعلومات الخاصة بالأمن القومي، رغم أن المعاهدة تتضمن إجراءات مشددة فيما يخص أسرار الدول، وأن جميع حلفاء أمريكا الأوروبيين وفي أمريكا اللاتينية واليابان وغيرهم قد وافقوا عليها. ويرى المعارضون لإدارة بوش من الأمريكيين أن امتناع إدارة بوش عن التوقيع على المعاهدة وسعيها لإحباطها يضر حقيقة بالأمن القومي؛ إذ إن أمريكا ستكون هدفاً رئيساً لأي هجوم استراتيجي أو إرهابي بالأسلحة الجرثومية، ويرون أن تصنيع هذه الأسلحة وتوليد جرثوماتها وتخزينها قد يتسبب، نتيجة خطأ بشري أو تقني أو بفعل متعمد، بكارثة وطنية تتمثل بانتشار عدد من الأوبئة التي لا يمكن التحكم بها، ولن تفلح ترسانة أمريكا كلها من الأسلحة في وقفها. وسائل الوقاية من الأسلحة الجرثومية: ١ - استخدام الأقنعة الواقية (الكمامات) فإن لم توجد فقطعة قماش مبللة بالماء. ٢ - البعد عن المياه والمأكولات الملوثة. ٣ - الحذر من الحشرات المحتمل حملها للجرثومة. ٤ - أخذ اللقاحات المناسبة ضد الجراثيم المتوقع استخدامها من قِبَل العدو. ٥ - التأكد من توفر المضادات وعلاجات الأمراض المتوقعة. ٦ - عزل المرضى والموبوئين عن الأصحاء. ٧ - يستخدم محلول الـ (فورمالدهيد) لقتل جميع جراثيم الجمرة الخبيثة في التربة، وهو مادة كيميائية عضوية متوفرة ورخيصة، وغير ضارة بالبيئة. ٨ - يتم الكشف عن الأسلحة الجرثومية في الجو بواسطة جهاز ليزر تعمل أشعته على تكسير هذه الجراثيم فتمر على مطياف الكتلة لمعرفة نوعها. مخاطر الحرب الجرثومية: إن مما يعزز المخاوف من خطر الحرب البيولوجية هو الدمار الشامل الذي يمكن أن تحدثه لشعب بأكمله قبل أن يكون لديه الوقت الكافي للدفاع عن نفسه، بخلاف الحرب التقليدية التي تستخدم فيها القنابل المتفجرة ويكون دمارها فقط على الذين تقع فوق رؤوسهم، أو حتى الحرب الكيميائية التي تصيب منطقة معينة وتتحكم عوامل الطبيعة في مدى اتساع المنطقة التي تجتاحها. ومن أخطر ما تتميز به الأسلحة الجرثومية مقارنة بالأسلحة هو استيطان هذه الجراثيم المنطقة الملوثة بها، ومكثها مدة طويلة تصل إلى عشرات السنين. ورغم أن جرثومة الجمرة الخبيثة لا تنتقل من شخص لآخر إلا أن خطرها يكمن في إمكانية انتشارها في منطقة واسعة، وسهولة نشرها في مساحة مكتظة بالسكان أو في سوق تجاري أو ملعب رياضي بهدف إصابة عدد كبير من الناس بجرثومتها القاتلة من خلال تنفس الهواء الملوث بها دون أن يشعر المصابون في الأيام الأولى إلا بانفلونزا خفيفة تتحول بعد أيام إلى وحش قاتل. وبالنسبة للأزمة الأمريكية فإن المواطن الأمريكي العادي يشعر الآن، وسيظل يشعر على المدى القصير على الأقل أنه معرض لخطر الحرب الجرثومية؛ لأنه لم يتم تطعيم أفراد الشعب بلقاح جرثومة الجمرة الخبيثة، وإنما اقتصر الأمر على تطعيم أفراد الجيش فقط. ولا تملك الدولة إلا احتياطياً قليلاً من هذه الأمصال تفضل إبقاءه لاستخدام أفراد القوات المسلحة. أما ما تحويه مخازن الدولة البيولوجية من أمصال الجدري المجمدة (تتراوح بين ٧ و١٥ مليون لقاح) فمخصصة لأفراد الجيش ولحالات الطوارئ فقط، وهي لا تشكل إلا نسبة ضئيلة من اللقاحات اللازمة فيما لو تعرضت البلاد لهجوم بيوإرهابي واسع. وقد يكون ما اكتشف من حالات قليلة حتى الآن من إصابات بالجمرة الخبيثة عملاً متعمداً وتحت سيطرة الأجهزة الأمنية؛ بقصد صرف أنظار الرأي العام العالمي عما يحدث من مجازر للمدنيين في أفغانستان، ولأجل حشد تأييد الشارع الأمريكي ضد من تسميهم واشنطن بالإرهابيين.

стр. 4121

المسلمون والعالم اقتلوهم.. إنهم مسلمون ..! ! د. أحمد بن سالم الحميدان بعد التفجير الأول في مركز التجارة العالمي في نيويورك عام ١٩٩٣م شنت وسائل الإعلام الأمريكية حملة مركَّزة لتشويه الإسلام، وإبراز الصورة الدموية الإرهابية التي ينظرون بها إلى العرب والمسلمين. وكان من أشهر البرامج التي تؤكد هذا برنامج وثائقي أعده (ستيف إمرسون) العضو السابق في لجنة العلاقات الخارجية المنبثقة من مجلس الشيوخ الأمريكي. عرض البرنامج باسم: (الجهاد في أمريكا) ، وبثته شبكة (P. B. C) الأمريكية عام ١٩٩٤م، حيث أُظهِر فيه المسلم إرهابياً متعطشاً لسفك الدماء يغلي قلبه بالحقد على غير المسلمين، وأبرز الفيلم الولايات المتحدة الأمريكية على أنها أرض يتدرب عليها الإرهابيون المسلمون وأن شبكة من الأصوليين المتطرفين موجودة بقوة داخل أمريكا [١] . وفي العام نفسه عرض الفيلم السينمائي: (أكاذيب حقيقية) ، وفيه يقف الممثل الأمريكي الشهير (أرنولد شوارتز) وهو يقتل بالرصاص عشرات الإرهابيين من المسلمين العرب الذين يخططون لتفجير قنبلة نووية على سواحل فلوريدا..! وتوالت الأفلام والبرامج التي تسخر من العرب والمسلمين بصورة لافتة للأنظار [٢] ، وقد نشرت صحيفة (لوس أنجلوس تايمز) في ٢٨/٧/١٩٩٧م مقالاً ذكرت فيه كاتبته الطرق التي تتبعها السينما الأمريكية في تشويه الإسلام وأهله؛ فقالت: (ينبغي تصويرهم على أنهم مجموعة من القرويين أصحاب اللحى، ولا بد لهم جميعاً من ارتداء الكوفية بصرف النظر عن البلد التي أتوا منها، وقد يكتفى بارتداء بعضهم للغترة والعقال، ولا بد لهم من التحدث بالإنجليزية الركيكة، وأن تبدو الوقاحة واضحة في معاملاتهم ... ولن يحتاجوا إلا إلى مصاحف وأسلحة تبعاً للموقف السينمائي، ويفضل أن يظهروا مدخنين لكي يطفئوا السجائر في أيدي ضحاياهم، ومن الضروري أن يهددوا بتفجير شيء ما، ومن المهم إظهار ضحية بريئة لهذا التفجير، وأن يبين بشكل واضح أن هذا هو الجهاد ... ومن المهم أن تصرخ المجموعة في إحدى اللقطات: الموت للكفار، قبل نهاية الفيلم ... ! !) . إنَّ هذه الحملة الإعلامية الشرسة نجحت في تشويه صورة الإسلام في أمريكا؛ فقد أظهرت دراسة علمية تبنتها جامعة نيويورك عام (١٩٩٥م) : أنَّ الإسلام يكثر الحديث عنه في الإعلام الأمريكي المكتوب، ولكن في معرض الحديث عن العنف أو التطرف، أما الحديث عن الإسلام باعتباره ديناً وقيماً ثقافية وأخلاقية فإنه قليل جداً [٣] . وتزداد حدة التهويل والترهيب من الإسلام في بعض المجلات والجرائد التنصيرية، أو من بعض الكتاب اليمينيين؛ فقد كتب (كارل إليس) في عام ١٩٩٦م مقالة قال فيها: (إذا أخفقنا في مواجهة التحدي الإسلامي بجدية فإننا قد نجد أنفسنا يوماً ما وقد أصبحنا تحت النظام الذمِّي، وقد أحاط بنا أناس يركعون في اتجاه مكة؛ فالكنيسة في أكثر المجتمعات التي أصبح الإسلام فيها الدين السائد تعرضت للاضطهاد!) . ومن فضول القول تأكيد أن تلك الحملة استغل اليهود استثمارها وتوجيهها للتأثير على الرأي العام وصنَّاع القرار في الإدارة الأمريكية، وقد أدرك ذلك الكاتب الشهير (آرثر لوري) في مقالة له في مجلة (Middle East policy) الصادرة في سبتمبر ١٩٩٥م، حيث قال: (طبيعة الحملة ضد الإسلام هذه تدل على أن النظرة التي تتبناها إسرائيل أصبحت متبناة بشكل كبير في أمريكا من قِبَل الموالين لها والداعمين لوجودها. وقد ظهر جلياً أن الحملة موجهة للرأي العام ولصنَّاع القرارات على حد سواء!) . وبلغت الحملة ضد ما سمي بـ (الإرهاب الإسلامي) مداها عندما وافق الكونجرس الأمريكي في عهد الرئيس السابق (بيل كلينتون) على تخصيص ميزانية قدرها مليارا دولار لتغطية تكاليف أعباء حملة مكافحة الإرهاب، ثم وافق الكونجرس على قانون (الأدلة السرية!) الذي قدمه كلينتون، والذي وضع غطاء لملاحقة العمل الإسلامي وكبته تماماً، كقانون الطوارئ الذي تمارسه بعض الدول الديكتاتورية المتخلفة في عالمنا الثالث؛ ولهذا ليس غريباً أن يكون ٩٥% من المعتقلين تحت مظلة العمل بهذا القانون من المسلمين! كل تلك الحملة كانت قبل ١١/٩/٢٠٠١م، أما بعد هذا التاريخ فإن الموازين اختلفت جذرياً، والحملة على الإسلام وأهله اشتد سعيرها، وتطاير شررها، وفقد الجميع اتزانهم، حتى أصبح مصطلح (الإرهاب الإسلامي) من أكثر المصطلحات الدارجة حالياً في اللغة السياسية والإعلامية والاجتماعية، بل أصبح الإرهاب قريناً للإسلام والحركات الإسلامية دون استثناء أي توجه إسلامي في أي مكان كان..! وأصبح الهجوم على الإسلام مادة رخيصة سافرة يتبارى فيها الإعلاميون بكل جرأة وصفاقة. ولم يقتصر الأمر على الصحافة الشعبية أو على بعض الكتاب المغمورين أو طالبي الشهرة أو ممَّن لهم علاقات وثيقة باللوبي اليهودي، بل امتد هذا العداء المتشنج ليخترق أعلى قمة في هرم الإدارة السياسية، ويتغلغل في مراكز البحث والدراسات الاستراتيجية، وعند كثير من الكتاب المرموقين الذين كانوا يُظهرون للناس حيادهم وموضوعيتهم..! ! وليس أدل على ذلك من التصريحات المتشنجة التي خرجت عن نطاق اللياقة الدبلوماسية للرئيس الأمريكي (جورج بوش) ، ومن بعده رئيس الوزراء الإيطالي (سيليفيو بير لوسكوني) ، ثم رئيسة وزراء بريطانيا السابقة (مارجريت تاتشر) . ثم انفرط عقد الكراهية وراح الساسة والإعلاميون بمختلف تخصصاتهم يخرجون بعض كمائن نفوسهم؛ ففي جريدة (صنداي تيلجراف) الرصينة عادةً يُنشر في ٧/١٠/٢٠٠١م مقال بعنوان: (هذه الحرب ليس موضوعها الإرهاب.. بل الإسلام!) كتبه (ديفيد سيلبورن) افتتحه بقوله: «حرب الساعة هذه هي ضد الإرهاب العالمي كما تم إخبارنا، وكما أعلن الرئيس الأمريكي في حديثه إلى الكونجرس في ٢٠/٩/٢٠٠١م، وتوني بلير في خطابه لمؤتمر حزبه في الأسبوع الأخير، إلا أنها ليست شيئاً من هذا القبيل؛ لقد كان الاتحاد السوفييتي ذات مرة إمبراطورية الشر المتحدية للغرب، أما الآن فإن تمرد الإسلام أو ولادته الجديدة هي التي تمد ظلالاً من الفزع على العالم غير الإسلامي، لقد ظل زخم الإحياء الإسلامي يحشد خطوه منذ الخمسينيات على الأقل، مع أن تخوُّف الغرب المسوّغ من هذا الانبعاث، ورغبته في تجنب إهانة الدين الإسلامي جعل قياداتنا تخطو على قشر البيض خلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر..!» ، ثم يواصل تحذيره من الإسلام قائلاً: «بدءاً من الخمسينيات، وخصوصاً عندما حرَّر سقوط الشيوعية الدول المسلمة في الكتلة السوفييتية من قيودها، أخذ الإسلام الصدارة في النشاط المعادي للغرب سياسياً ودينياً وعسكرياً، إنه يهدد بالبنادق في يد، والنصوص المقدسة في يد أخرى، محيلاً أمريكا والصهيونية والمسيحية إلى شياطين» . وامتد هذا التحريض إلى شتى الدول الغربية؛ ففي هولندا نشرت مجلة (هاخسابوست) في منتصف أكتوبر ٢٠٠١م، مقالة للبروفيسور (باول فيتروب) دعا فيها إلى: (مراجعة جذرية للوجود الإسلامي في هولندا، وإلغاء مدارس المسلمين) ، وقال فيتروب: (إن الوقت حان للتأكد من إمكان التعايش مع الدين الإسلامي كدين يحترم القيم الديموقراطية للدولة الغربية والنظام الدستوري والقانون) ثم قال: (إذا ثبت عكس ذلك فإن علينا أن نواجه استحقاقاتنا بتحريم الإسلام في هولندا) . أما في فرنسا فقد شنَّ الإعلام هجوماً شرساً على الإسلام وأهله، ففي صحيفة (لونوفيل أو بسر فاتور) نشر ملف خاص بعنوان: (الإسلام زمن النقد الذاتي) في ٤/١٠/٢٠٠١م كتبت فيه (جوزيت آليا) مقالاً دعت فيه إلى تحالف دولي يضم المثقفين المسلمين المعتدلين ليقاتلوا القرآن كافة كما يقاتل العالم الأفغان كافة، ثم قالت: «عليهم أن يُظهروا كيف يزكي القرآن العنف، عليهم أن يعتبروا أن النص القرآني ما هو إلا إنتاج بشري يحتوي على أخطاء جسيمة في الأخلاق والتاريخ والعلوم، إنه نص بني على مبادئ متجاوزة! !) . أما صحيفة (لوموند) فقد خصصت ملفاً ضخماً عن الإسلام في ٦/١٠/ ٢٠٠١م، ثم وسعت الملف في العدد الشهري الخاص المسمى (لوموند ٢) وعنوان العدد: (الأزمة، الفعل الثاني) ، وكذلك نشرت صحيفة (لوبوان) في ٥/١٠/ ٢٠٠١م ملفاً بعنوان: (الحقيقة عن الإسلام في فرنسا) ، وحشيت هذه الملفات بهجوم شرس على الإسلام والقرآن والثوابت الشرعية [٤] . إن هذا التحريض المتكرر في وسائل الإعلام الغربية [٥] ظهرت ثمرته جلية واضحة في التصرفات العنصرية المتشنجة التي لم تخل منها ولاية أمريكية أو دولة أوروبية بعد حادثي نيويورك وواشنطن، وها هو ذا رجل أمريكي من عامة الناس يعلق على سيارته في مدينة لوس أنجلوس عبارة كتب فيها: (اقتلوهم.. إنهم مسلمون!) [٦] . ولم يقتصر هذا التأثير على أوساط العامة أو اليمينيين المتعصبين، بل ظهر هذا التأثير في قلب الإدارة الأمريكية الحالية التي حوّلت قانون (الأدلة السرية) المحلي إلى قانون دولي صارم تفرض سلطانه بالعصا الغليظة على كافة الشعوب والحكومات، وتمارس به أقصى ألوان الديكتاتورية والتسلط وسحق كرامة الشعوب وحقوقها، ومن لم يخضع ويستسلم للإرادة الأمريكية فإنه إرهابي يجب أن تجتمع الدول المتحضرة لترويضه ومسخ هويته أو القضاء عليه! ولهذا أعلنها الرئيس الأمريكي بكل صلف وعنجهية بأن من لم يكن معهم؛ فهو مع الإرهاب..! ! إننا معاشرَ المسلمين ندرك سبب ظهور كل هذا الحقد والتحريض على الإسلام فنحن نقرأ قول الله تعالى: [إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ] (الممتحنة: ٢) ، وقوله تعالى: [وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداًّ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم] (البقرة: ١٠٩) وقوله تعالى: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) ، وقوله تعالى: [قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ] (آل عمران: ١١٨) ؛ ولهذا فإن الآلة الإعلامية الغربية تفيدنا حينما تهاجم الإسلام وأهله بهذه الصفاقة المستفزة؛ لأنَّ ذلك سيكون بإذن الله تعالى أحد الأسباب الرئيسة التي توقظ قلوبنا، وتبصرنا بحقيقة المعركة القادمة، وتحيي الوعي في صفوفنا التي علاها الوهن وغشَّاها الخور بسبب الشعارات العلمانية التي غيبت وعي الأمة، وسلكت بها سبيلاً منحرفاً أبعدها عن منابعها الكريمة وحياضها الشريفة.

стр. 4122

المسلمون والعالم آسيا الوسطى وتلاقي المصالح على حرب الإسلام حسن الرشيدي في السابع من أكتوبر جيَّشت الولايات المتحدة جيوشها، وأقبلت بأساطيلها وحاملات طائراتها، واستنهضت همم حلفائها أو أذيالها، وقامت بشن غارات وحشية بالصواريخ والطائرات على بلاد الأفغان في حملة تسميها أمريكا: «حرب الإرهاب» . وتحير كثير من المراقبين حول حقيقة الأهداف التي تنوي أمريكا تحقيقها من هذه الحملة وخاصة أنها أي الولايات المتحدة حريصة على إحاطة هجماتها تلك بالغموض والتعتيم الإعلامي من حيث نوايا هذه الحملة؛ فانهالت كثير من التحليلات المتضاربة التي تضرب أخماساً بأسداس في حقيقة النوايا الأمريكية، وهل هدفها فقط تحطيم الإرهاب وجذوره، أم أن الأمر أبعد من ذلك بكثير؟ وباستقراء الاستراتيجية الأمريكية في العالم وخاصة منذ نهاية الحرب الباردة يمكن تلمس أهداف ما يعرف بقطب العالم الأول أو الأوحد في هذه الحرب الجارية الآن؛ حيث يمكن تقسيمها لأهداف معلنة وأخرى خفية. أما المعلنة فظاهرها القضاء على ما يسمى بخطر مجموعة القاعدة وعلى رأسها أسامة بن لادن وخاصة عندما قال الرئيس بوش في تعبير غريب جداً على رئيس دولة عظمى وحيدة في العالم: أريد رأس أسامة بن لادن حياً أو ميتاً.. وكأن القضية تم تشخيصها وتجسيدها في شخص واحد هو ابن لادن إضافة إلى تنظيم القاعدة.. وهذا هو الهدف الأمريكي قصير الأمد. ومنها أيضا إزاحة حركة طالبان من السلطة في أفغانستان وتفكيك أوصالها. أما الأجندة الخفية فعلى رأسها تمدد الهيمنة الأمريكية لتشمل آسيا الوسطى باعتبار أن الهدف الاستراتيجي لأي حرب يكمن في إحداث تغيير في ميزان القوى والوضع السياسي في إقليم بكامله، وبذلك أصبحت منطقة آسيا الوسطى التي كانت من أكثر مناطق العالم انزواء وهدوءاً منذ أكثر من ١٠٠ سنة خلت أصبحت واحدة من المناطق الحامية في عالم اليوم.. ولكن ما سر هذا الاهتمام بهذه المنطقة الذي يبدو في نظرنا مفاجئاً، ولكنه في واقع الأمر غير ذلك؟ آسيا الوسطى: يقسم الجغرافيون آسيا إلى ست مناطق جغرافية متباينة هي: جنوبي آسيا (الهند، وباكستان، وبنجلاديش، وبوتان، ونيبال، وسريلانكا، ومالديف) ، وشمال شرقي آسيا (اليابان، والصين، والكوريتان، ومنغوليا) ، وجنوبي شرقي آسيا (تايلاند، وكمبوديا، ولاوس، وفيتنام، وماليزيا، وسنغافورة، وإندونيسيا، وبروناي، والفليبين) ، وجنوب غربي آسيا (أفغانستان، وإيران، والعراق، وتركيا، وسوريا، ولبنان ودول شبه الجزيرة العربية) ، ووسط آسيا والقوقاز (قازاخستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان، وقيرغيزيا، وتركمانستان وأذربيجان، وجورجيا، وأرمينيا) وأخيراً آسيا الروسية بما في ذلك سيبيريا. فمع انهيار وزوال الاتحاد السوفييتي في أوائل عقد التسعينيات من القرن الماضي، ظهرت إلى الوجود حقيقة جيوسياسية جديدة تمثلت في خمس دول أعيد إدماجها في خريطة العالم المعاصر، وتقع في منطقة وسط آسيا، وكانت تسمى بالجمهوريات السوفييتية الآسيوية وهي: كازاخستان، وأوزبكستان، وتركمانستان، وطاجيكستان، وقرغيزستان. هذه الجمهوريات هي في الواقع مناطق تصنف تاريخياً في مربع الإسلام؛ فمن ذا الذي ينسى دور حواضر إسلامية مثل بخارى وسمرقند وغيرها الكثير التي خرَّجت العلماء والدعاة، وسطرت صفحات مجيدة في الزود عن الإسلام وأهله. ولكن مع قدوم الحقبة السوفيتية في أوائل القرن العشرين تغيرت كثيراً ديموغرافية هذه البلدان وتركيبتها السكانية؛ ففي كازاخستان ذات السبعة عشر مليوناً بلغت نسبة الروس فيها ٣٨% ويشكل الكازاخستانيون٤٠% معظمهم كانوا بدواً استقروا في القرن العشرين؛ والنسبة الباقية يتوزعها الأوزبكيون والتركمان. وتأتي أوزبكستان بالدرجة الأولى من ناحية السكان؛ إذ يبلغ تعداد نفوسها ٢٢ مليون نسمة، منهم ٧١% أوزبكيون والنسبة الباقية تتوزع بين الروس وفئة قليلة من التركمان. أما تركمانستان التي يبلغ تعدادها أكثر من أربعة ملايين نسمة، فيحتل التركمان نسبة ٧٢% منها، والروس١٠% والباقي أوزبكيون. ودولة قيرغيزستان التي تضم اكثر من أربعة ملايين نسمة فتنقسم تركيبتها السكانية إلى ٢١% من الروس، ١٢% من الأوزبك، و ٥٢% من القيرغيز، ولا يزال قرابة مليون قيرغيزي عبر تخوم الصين. وفي طاجيكستان التي يقترب عدد سكانها من ستة ملايين نسمة نجد أنهم يتوزعون بين ١١% من الروس، ٢٣% من الأوزبك، ٨٥.٨ % من الطاجيك، والباقي يتوزعون بين اليوغرور والقيرغيز وسكان البامير من الشيعة، وللطاجيك في كسينج بانج الصينية أكثر من ٣٠٠ ألف طاجيكي. ويتوضح من ذلك أن الخليط السكاني في وسط آسيا تشكل نتيجة الضم القسري الروسي لهذه الدول، وحرص الاتحاد السوفييتي السابق على خلخلة الهيمنة الإسلامية على هذه الجمهوريات بتهجير الروس إليها، ومنحهم امتيازات كبرى في الوظائف العامة وغيرها. وبالرغم من ذلك توضح دراسة قامت بها جامعة هارفارد الأمريكية أن هذه الجمهوريات تشترك في العقيدة الإسلامية السائدة وفي اللغة ذات الأصل التركي (باستثناء طاجيكستان) . وكان من الطبيعي أن يحدث اندماج بين هذه الجمهوريات الخمس ذات الأصول الإسلامية؛ ولكن مع تولي النخب العلمانية وأغلبها شيوعية سابقة مقاليد الحكم في هذه الجمهوريات تراجع الرابط العقيدي إلى أدنى مستوياته؛ وخاصة بين النظم التي تسوس أمور هذه الدول. هذه الدول الخمس الفقيرة سياسياً والغنية بثرواتها وموقعها الاستراتيجي؛ فضلاً عن الصحوة الإسلامية القائمة على أراضيها والتي انتعشت بوصول طالبان لحكم أفغانستان؛ جعلها نهباً لنزاع يجري بين أحلاف توشك أن تقوم في آسيا وبين أحلاف قائمة تريد أن تزداد قوة على قواعد آسيا. فبين أمريكا وهيمنتها العالمية، والصين وطموحاتها الإقليمية، والروس وأحلامهم القومية، والإيرانيين وتطلعاتهم الرافضية، والأتراك وروابطهم العرقية والثقافية بين ذلك كله تتمزق دول آسيا في الداخل الصغير والخارج الكبير؛ مما أدى إلى انقسام هذه الجمهوريات إلى كتلتين: الأولى: تحمل اسم: «رابطة (كومنولث) الدول المستقلة» ، وتضم روسيا وبيلاروس (روسيا البيضاء) وأرمينيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان. الكتلة الثانية: وتحمل اسماً غير مطروق إلى حد ما وهو (جووآم) وتضم جورجيا، وأوكرانيا، وأوزبكستان، وأذربيجان، ومولدوفا. وهكذا حدث تكريس لانقسام عميق وخطير في منطقة آسيا الإسلامية الوسطى بعد أن أصبحت كل من كازاخستان وأوزبكستان وهما أكبر وأهم الكيانات السياسية في المنطقة منضمة إلى كتلتين تقف كل منهما في مواجهة الأخرى. ولفهم حقيقة الصراع على آسيا الوسطى لا بد لنا من شرح أسباب الصراع ومكوناته، ثم استعراض الرؤى الاستراتيجية للقوى الطامعة في هذه المنطقة. أسباب الصراع: تنحصر أسباب الصراع (مكونات الصراع) في حقيقتين تتنازع عليهما الأطراف المختلفة لتحقيق الهيمنة، وكما يقول تقرير ألماني: «إن الصمود القوي للإسلام بعد زوال الاتحاد السوفييتي السابق والاكتشافات النفطية والغازية هما أبرز عاملين زادا من تحفيز الدوائر الغربية واهتمامها بهذه المنطقة» . أولاً: المد الإسلامي: عندما سقط الاتحاد السوفييتي السابق وانهارت العقيدة الشيوعية وجدت شعوب آسيا الوسطى نفسها في حالة فراغ روحي كبير؛ ذلك أنه على مدى سبعة عقود متوالية لم تسمح سلطات الكرملين ببناء مسجد، أما المساجد التي كانت قائمة قبل الثورة البلشفية فقد تحول معظمها إما إلى مخازن ومستودعات أو إلى مكاتب ومحطات للنقل الداخلي أو حتى إلى مسارح محلية. السكان الأصليون في هذه الدول يدينون بالإسلام؛ ولكن أكثريتهم لا تفقه منه سوى بعض العادات والتقاليد؛ وبالرغم من ذلك فإن الأنظمة العلمانية التي استلمت الحكم بعد الانهيار الشيوعي اتخذت طريق مجابهة الإسلام والجماعات التي تدعو إليه وإلى تطبيقه في دنيا الواقع، وغرقت الحكومات العلمانية كغيرها في الشرق الأوسط في مطاردة الحركات الإسلامية المحلية، ويكاد يسود اعتقاد بأن كل من يتردد على المسجد يشكل قنبلة موقوتة؛ حتى إن لجنة الحريات الدينية في وزارة الخارجية الأمريكية أخذت تبحث عن أكبر اضطهاد للمسلمين في العالم لكي تخرج تقريراً متوازناً فلم تجد إلا دولة تركمانستان؛ حيث أدرجتها على لائحة الدول التي تنتهك الحريات الدينية؛ ليس لأنها تمنع أو تعترض على عمل المبشرين الإنجيليين القادمين من الولايات المتحدة وأوروبا؛ ولكن لأنها تسرف في اضطهاد المسلمين من أهل البلاد حسب ما يقول التقرير. وقد سجلت مؤسسة حقوق الإنسان الدولية ثمانمائة انتهاك للحريات الدينية في أوزبكستان في عام ١٩٩٩م وحده وكان معظم ضحاياها من المسلمين أيضاً، وينص القانون هناك على فرض عقوبة السجن على كل من يصلي في غير المساجد التابعة للدولة. وشهدت هذه الدولة ظهور الحركة الإسلامية فيها بقيادة جمعة نامنغاني، بالإضافة إلى ظهور حزب التحرير. وقد دعت الحركتان إلى الإطاحة بالحكومة العلمانية في أوزبكستان وإقامة جمهورية إسلامية تضم كافة الأراضي الواقعة ضمن وادي فيرغانا. ودخلت جمهورية طاجكستان في دوامة حرب أهلية بين الإسلاميين بزعامة حزب النهضة، والحكومة التي ورثت الحكم في طاجكستان بعد زوال الاتحاد السوفييتي، وبدا واضحاً أن حكومات هذه الدول تسير في اتجاهين لمحاربة المد الإسلامي: الأول: عن طريق المشاركة مع الدول الأخرى مثلما حدث في منتدى شنغهاي التي تضم عضويته خمس دول هي: الصين وروسيا وطاجكستان وكازخستان وقيرغستان، في عام ١٩٩٦م، وقد تمثل الغرض الرسمي لتكوينه في حل النزاعات الحدودية القائمة والمحتملة بين هذه الدول التي نشأت عقب استقلال جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. لكن الحقيقة هي أن الهدف الأساس لتوحد هذه الدول الآسيوية هو مواجهة الحركات الإسلامية في أراضيها؛ فالصين تعاني مشاكل مع المسلمين في تركستان الشرقية، وروسيا مع الشيشان، ودول آسيا الوسطى الثلاث تواجه مداً إسلامياً مسلحاً. كذلك حدث اتفاق بين دول (كومنولث الدول المستقلة) بحضور رؤساء ست دول أعضاء في هذا التجمع هي روسيا وكازاخستان وقرغيزستان وروسيا البيضاء وطاجيكستان إلى جانب أرمينيا؛ وذلك بالاتفاق على تشكيل قوة تدخل عاجلة مؤلفة من وحدات روسية وقرغيزية وكازاخية وطاجيكية للوقوف بوجه ما وُصف بأنه «غارات المجموعات الإسلامية» . وكانت الفكرة هي أن تعاون هذه الدول المتجاورة يمكن أن يكون كافياً لعزل المجاهدين، ولقيت فكرة استخدام أمن الحدود والتعاون الإقليمي بوصفها «تكتيكاً» وغطاء دبلوماسياً لما يجري من اضطهاد كثيف لسكان هذه الدول لقيت ترحيباً حاراً من قِبَل الحكومات الشيوعية السابقة لدول آسيا الوسطى التي أقلقها انبعاث حركة الإحياء الإسلامي من جديد إثر سقوط مبدأ الإلحاد الذي كانت تدعمه وتفرضه الإدارة السوفييتية السابقة. والثاني: يتمثل في تشجيع المنظمات التنصيرية البروتستانتية والكاثوليكية؛ حيث تحركت مجموعتان تنصيريتان: واحدة كاثوليكية انطلقت من الفاتيكان ومن مجلس الأساقفة الكاثوليك في أوروبا. أما الثانية فإنجيلية انطلقت من الولايات المتحدة وهولندا والدول الإسكندنافية؛ حتى إن تعاظم نشاط هاتين الكنيستين أغضب الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا، وأثار نشاط الحركتين قلق الكرملين الذي أعطى الضوء الأخضر إلى مجلس النواب الروسي الدوما فأقر المجلس تشريعاً يحظر التبشير الديني في الاتحاد الروسي. وحدد التشريع الأديان الرسمية للدولة بثلاثة فقط هي: الأرثوذكسية، والإسلام، والبوذية. وبموجب هذا التشريع الذي مر علي إقراره عدة سنوات فإن أي عمل تبشيري يقوم به غير أتباع هذه الأديان الثلاثة يعتبر انتهاكاً للوحدة الوطنية للدولة. من أجل ذلك نددت الولايات المتحدة بالتشريع الروسي واعتبرته انتهاكاً لحرية الممارسة الدينية. ومن أجل ذلك أيضاً رفض البطريرك الأرثوذكسي ولا يزال يرفض مجرد لقاء البابا يوحنا بولس الثاني؛ حتى إن زيارة البابا الأخيرة إلى أوكرانيا اعتبرتها الكنيسة الأرثوذكسية الروسية تحدياً لها واستفزازاً، وتعرضت بسبب ذلك إلى الكثير من النقد الجارح. هذه الكنائس تتسلح بعاملين أساسيين: العامل الأول: هو القدرة المالية الإغرائية التي تتمتع بها وخاصة أن معظم شعوب دول آسيا الوسطى وحتى روسيا نفسها تعاني من الفقر المدقع. أما العامل الثاني: فهو تفاني الشباب المثقف من المنتمين إلى هذه الكنائس في العمل التبشيري؛ حتى إن مدرسي اللغة الإنجليزية في العديد من مدارس كازاخستان مثلاً هم من هؤلاء المبشرين الذين يعملون بتفان دون أن يتقاضوا أي تعويض. ثانياً: بحر قزوين: في قزوين ثروة نفطية يتراوح احتياطيها بين ٣٠ مليار برميل وفق التقديرت الرسمية، و٢٠٠ مليار برميل حسب تقديرات وزارة الخارجية الأمريكية في تقرير قدمته للكونجرس عام ١٩٩٧م. وأصل المشكلة حوله تنبع من سببين: - من يتحكم فيه من الدول المطلة عليه. - والحاجة إلى مد خطوط أنابيب جديدة لنقله وتوزيعه بأقل تكلفة إنتاجية ممكنة؛ أي مالك البترول وناقله. فأما الدول المطلة عليه فهي إيران، أذربيجان، روسيا، كازاخستان، وتركمانستان، وهي مختلفة فيما بينها: هل بحر قزوين بحيرة أم بحر؟ فاذا كان قزوين بحيرة فإن الدول المطلة عليه تتمتع بحقوق متساوية في هذه الثروة أياً كان موقعها من الآبار المكتشفة؛ أي أن الثروة النفطية تصبح ملكاً مشتركاً بين هذه الدول، وهي إيران، أذربيجان، روسيا، كازاخستان، وتركمانستان.. أما إذا كان قزوين بحراً، فعند ذلك ترسم الحدود البحرية للدول المشاطئة بموجب القانون الدولي. وكل ثروة نفطية يعثر عليها في المياه الإقليمية التابعة لكل دولة تصبح بكاملها حقاً وطنياً لها وحدها. في نظر إيران وروسيا (وهما الدولتان الوحيدتان اللتان تملكان قوة بحرية في قزوين) وتركمانستان، أن قزوين بحيرة؛ ولذلك تدعو هذه الدول الثلاث إلى استثمار مشترك لثروته من النفط والغاز، أما أذربيجان وكازاخستان فتعتبران أنه بحر، ولذلك اتفقتا على رسم حدودهما البحرية المتقابلة، وعقدت كل منهما اتفاقيات مع شركات نفط دولية للتنقيب، والاستثمار داخل هذه الحدود. وبموجب هذا التخطيط يقع حقل النفط الوف الغني جداً في القسم الجنوبي من المياه الإقليمية لأذربيجان أي قريباً من مياه إيران الإقليمية، وتتولى شركة بريطانية استثماره بموجب اتفاق عقدته مع حكومة باكو؛ وقد انتقلت المعارضة الإيرانية لهذا الاتفاق من الاحتجاج الدبلوماسي (سحب السفير) إلى القيام بمظاهرة مسلحة في منطقة عمل الشركة البريطانية مما حملها على التوقف. أما مسألة نقله فهي العقبة الرئيسة في تطوير وتصدير بترول منطقة بحر قزوين؛ فبحر قزوين محاط بالأراضي من كل جانب، وخط الأنابيب الموجود منذ عهد الاتحاد السوفييتي السابق لا يمكنه نقل سوى حجم محدود من بترول المنطقة عبر روسيا التي تعتبر في حد ذاتها مشكلة باعتبارها دولة عبور للخط؛ ولذلك فإن تطوير طرق جديدة للتصدير احتل أسبقية أولى بالنسبة للشركات والدول التي تستضيفها على حد سواء. ويكمن في جذور المشكلة أن الخطوط العابرة للحدود تواجه مشاكل اقتصادية وسياسية؛ فلكي ينجح خط أنابيب يتكلف الملايين يجب أن يحظى بدعم سياسي من الدول المعنية التي سيمر بها الخط، ويجب أن يكون هذا الدعم قوياً بالقدر الذي يمكنه أن يتغلب على أي معارضة سياسية من بعض الدول الخارجية، وفي الوقت ذاته يجب أن يحظى الخط بدعم من الكيانات التجارية التي لها صلة بالمشروع، وهذه الكيانات التجارية تتكون أساساً من الشركات التي ستقوم بإنتاج ونقل البترول؛ كما تشمل الهيئات التي تمد بالمال أو المستثمرة في المشروع؛ هذا بالإضافة إلى دعم الدول الأجنبية ذات المصلحة في هذا البترول. تتمحور مشاريع نقل البترول حول التمدد بثلاثة خطوط برية محمية ومأمونة: المسار الأول: عبر إيران، ومنها إلى مضيق هرمز ثم المحيط الهندي. المسار الثاني: عبر روسيا، ومنها إلى البحر الأسود، ثم مضيق الدردنيل وإلى البحر المتوسط. المسار الثالث: عبر أفغانستان ثم باكستان إلى الهند والصين وبقية دول جنوب شرق آسيا وحتى اليابان. أي أن هذه المسارات يقع أحدها في يد روسيا، والآخر مفتاحه إيران، أما الثالث فيبدو أن الصين هي المتحكمة فيه. استراتيجيات القوى المختلفة بالنسبة لآسيا الوسطى: الولايات المتحدة: بعد نهاية الحرب الباردة وسقوط الإمبراطورية السوفييتية كان أمام صُنَّاع السياسة الأمريكية ثلاثة خيارات: إما العزلة والتقوقع داخل أمريكا؛ أو العودة إلى تعدد القطبية وتوازن القوى، والخيار الثالث هو الزعامة العالمية أو الهيمنة الشاملة، وهي تقتضي منع ظهور منافس عالمي آخر يكون معادياً لها وتحول في الوقت نفسه دون العودة إلى تعدد القطبية، وأصبح هذا هو الاختيار الأول بالنسبة للساسة في أمريكا خاصة منذ عهد ريجان في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي. هذا الهدف الأسمى لدى الطبقة السياسية في أمريكا، وهو فرض الهيمنة الأمريكية على العالم كان لا بد له من استراتيجية لتطبيقه، ويتضمن الشق السياسي في هذه الاستراتيجية رسم إطار استراتيجي لهذه المناطق تراعى فيه المصالح الحيوية لأمريكا، وتبقى هذه المناطق تدور دائما في الفلك الأمريكي. وهذا يتم عن طريق الآلة العسكرية والعقوبات. أما الشق الاقتصادي من استراتيجية الهيمنة فغرضه السيطرة على رأس المال وربط الاقتصاد العالمي بالاقتصاد الأمريكي عن طريق آليات ومنظمات. ومنذ استقلال جمهوريات آسيا الوسطى في بداية التسعينيات وخروجها من الفلك السوفييتي نظرت الولايات المتحدة لهذه المنطقة بعدة اعتبارات: ١ - أنها منطقة خارج النفوذ الأمريكي ويجب إدخالها في نطاق الهيمنة. ٢ - وجود النفط فيها باحتياطات كبيرة؛ وصناع السياسة الأمريكية حريصون في مجال النفط على الآتي: أولاً: تعدد مصادر النفط والطاقة عموماً، أي عدم الاعتماد بصفة أساسية على بترول الخليج الذي يشكل حوالي ثلثي الاحتياطي العالمي من النفط، وهنا نجد أن نفط بحر قزوين الذي يقدر مخزونه بحوالي ٢٠٠ مليار برميل هو الداعم الأساسي لأمن طاقتها. ثانياً: تعدد طرق النقل وخطوط الإمداد؛ إذ لا يكفي تعدد المصادر بل يجب تعدد المسارات لتقليل احتمال تعرضها للمخاطر، ومن هنا كان رفض واشنطن القاطع لمرور خط بترول قزوين بإيران رغم قلة تكاليفه؛ لأنه في النهاية سيصب في الخليج العربي ليمر بناقلاته مع بترول الخليج عبر مضيق هرمز فتزداد مخاطر تأثير أي صراعات أو تغييرات في الخليج على إمدادات المصدرين معاً، وللسبب ذاته رفضت واشنطن مروره بروسيا؛ فالبحر الأسود، فمضيق البوسفور. ثالثاً: الحصول على النفط بأسعار مناسبة «رخيصة» وهو ما يوفره تعدد المصادر وتعدد الطرق الآمنة، وقد كان لضخامة تقديرات بترول قزوين الأثر في دفع الدول المنتجة إلى المسارعة بزيادة إنتاجها قبل دخول بحر قزوين حلبة الإنتاج فتنخفض الأسعار. رابعاً: حرمان أعداء واشنطن من تكنولوجيا النفط. خامساً: استخدام النفط ورقة مساومة لفرض الهيمنة الأمريكية على بقية الدول الكبرى كالصين واليابان وأوروبا. ويزيد من الاهتمام الأمريكي وفق مصادر كثيرة أن حاجة الولايات المتحدة والمجتمعات الغربية للنفط تزايدت؛ ففي عام ١٩٩٨م بلغت حاجة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان ٣٧ مليون برميل من البترول يومياً، استوردت منه ٢٥ مليون برميل، أي أن هذه الدول حصلت على ٦٨% من احتياجاتها من النفط عن طريق الاستيراد. وتصدر دول الخليج ١٨ مليون برميل من إنتاجها النفطي الذي يبلغ ٤٠ مليوناً في اليوم إلى هذه الدول، وحسب تقديرات وزارة الطاقة الأمريكية فإن حصة دول الخليج من تصدير النفط العالمي التي بلغت ٤٥% عام ١٩٩٨ سترتفع الى ٦٥ % في عام ٢٠٢٠م؛ ومن هنا تأتي أهمية نفط بحر قزوين في العقدين المقبلين. وتبقى المشكلة بالنسبة للولايات المتحدة في مسارات نقل النفط؛ فالولايات المتحدة لا تريد أن تكون مسارات النفط في يد روسيا أو إيران، أو أن يتجه النفط والغاز إلى الصين وسط غابة من الدول ليس بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية اتفاقات وتحالفات واضحة ومحددة. وأخيراً نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في إقناع الشركات البترولية، وكذلك دول منطقة القوقاز، وبحر قزوين، بقبول مشروعين لنقل النفط والغاز على النحو الآتي: المشروع الأول: لنقل الغاز عبر خط أنابيب يبدأ من تركمانستان ثم أذربيجان، وعبر جورجيا، وينتهي عند تركيا، وأطلق عليه اسم: خط أنابيب ترانزكاسبيان لنقل الغاز. المشروع الثاني: لنقل البترول الخام عبر خط أنابيب من كازاخستان وأذربيجان وتركمانستان عبر جورجيا، وينتهي عند تركيا أيضاً، وأطلق عليه اسم خط أنابيب قزوين لنقل النفط. وكلا الخطين يمتدان لمسافة طويلة جداً، لا تقل عن ١٧٠٠ كيلو متراً. وقد تمت مراسم التوقيع على المشروعين بقصر شيجاران الفخم العثماني الطراز بالعاصمة التركية أنقرة أواخر الخريف من السنة الفائتة وبحضور رؤساء جمهوريات: تركيا، أذربيجان، كازاخستان، تركمانستان، جورجيا، والولايات المتحدة الأمريكية ممثلة في الرئيس السابق بيل كلينتون الذي ذكر في كلمته بعد انتهاء مراسم الاحتفال: هذان الخطان من الأنابيب يشكلان معاً بوليصة تأمين العالم أجمع، ويتيح ذلك إمكانية تصدير النفط والغاز عبر بدائل عدة لا تمر بأي عوائق أو مناطق اختناق. وبطبيعة الحال فإن (بوليصة) التأمين هذه ستحتاج لحماية، سواء بوسائل عسكرية لتلك الغابة من خطوط نقل الغاز، والنفط عبر ذلك العدد الهائل من الكيلومترات، أو بتوافر نفوذ سياسي قوي لا تملكه سوى قوة كبرى تحمي مصالح الشركات البترولية العاملة هناك وسط الخلافات السياسية والقانونية بين دول القوقاز وبحر قزوين. ولو أن الحملة العسكرية الحالية نجحت في تثبيت الوجود الأمريكي في آسيا الوسطى، فمن شأنه هيمنة الولايات المتحدة على خروج النفط من هذه المنطقة إلى العالم الخارجي، ثم إن الوجود الأمريكي سوف يهيمن على البديل الآسيوي لمسار الغاز من القوقاز وبحر قزوين إلى الصين، ويقلب بذلك الحسابات الاقتصادية الصينية بالنسبة لخطتها التنموية. ٣ - احتواء الصين: بدأ أكبر شرخ في العلاقة الصينية الأمريكية سنة ١٩٩٦م بإلغاء اتفاق البلدين على قيام الاتحاد السلمي بين الصين وتايوان وفق مبدأ بلد واحد في نظامين. ومع تنامي معارضة تايوان للاتحاد أصبحت الصين أكثر ميلاً لاستخدام القوة العسكرية خصوصاً بعد أن اعتمدت الولايات المتحدة برنامج مبيعات سلاح متطور تقنياً لتايوان في الوقت الذي تعلن فيه أنها مع إعادة الوحدة سلمياً! مما أفسد المكاسب التكتيكية الصينية في مضيق تايوان. ومن أحدث التطورات احتمال توسيع أمريكا لبرنامج الدفاع الصاروخي ليشمل تايوان، وبدء الصين مقاومة التحالف العسكري الجديد الذي يهدد مصالحها في شرق آسيا. وفي حين كانت الصين وأمريكا تحاولان حل المشكلات النووية في كوريا الشمالية وجنوب آسيا كان نظام الدفاع الصاروخي الأمريكي يركز على احتواء الصين بعد زوال الخطر التقليدي السوفييتي نهائياً، ولم تعد هناك قوة عظمى تستطيع أن تحل محله سوى الصين. أدرك الصينيون ذلك بوضوح أكبر من السابق، ودفعهم طموحهم أن تكون دولتهم قوة إقليمية إلى مقاومة محاولة السيطرة الأمريكية التي تقضي على عزمهم في بناء عالم متعدد الأقطاب. وقام القادة الصينيون منذ منتصف ١٩٩٦م بالتأكيد على أن الصناعات الدفاعية لديهم ضيقت الفجوة التكنولوجية مع الغرب، وجعلتها في وضع مواز لأعلى المستويات في العالم. وهذا ما دفع وزارة الخارجية الأميركية والبنتاغون إلى إلغاء بيع التكنولوجيا العالية إلى الصين. وكان الصينيون في الوقت نفسه مدركين أن الصناعات العسكرية الأمريكية لا تستطيع الاعتماد على البنتاغون لشراء كل إنتاجها، وصارت ذات مصلحة كبرى في سوق السلاح الصينية المتوسعة. بدأ رد الفعل الصيني على الضغط الأمريكي بلعب ورقة السوق الصينية، فتوجه الزعماء الصينيون إلى أوروبا وصناعاتها الدفاعية في الوقت الذي شجعوا الصناعات الدفاعية الأمريكية للضغط لتغيير موقف واشنطن تجاه هذا الموضوع، وإن كان احتمال النجاح في ذلك ضعيفاً. ثم لجأت الصين إلى إسرائيل، فعقدت معها صفقة لتحديث صواريخ بتقنيات أمريكية متقدمة؛ مما أغضب واشنطن؛ فعنفت تل أبيب على تسريبها بعض أسرار سلاحها الذي قد يستخدم ضد حليفتها تايوان، وهذا ما أثبتته الأحداث اليوم. وجاءت حادثة طائرة التجسس الأمريكية لتشعل حرب المعلومات بين الصين وأمريكا. ٤ - وقف المد الإسلامي في وسط آسيا: بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أضحى الإسلام العدو الأول لأمريكا والغرب، والمتتبع للدراسات المنشورة والمعبرة عن مفكري الغرب أمثال فوكوياما وهنتنجتون يلحظ أن تلك المسألة باتت تسيطر على عقلية الغرب؛ وهذا الموضوع ليس جديدًا ولكنه منذ قرون طويلة وهو يستعر في نفسية الغربي حتى إن مصطلح الحروب الصليبية الذي أطلقه بوش مؤخراً واصفاً حملته على أفغانستان، وكذلك تصريحات رئيس وزراء إيطاليا بريلسكوني تدخل في هذا السياق. والتحذير من الإسلام السياسي في منطقة آسيا الوسطى جاء في الدراسة المنشورة بقلم شيرين أكنر بمجلة هارفارد الأمريكية للشؤون الدولية في عدد ربيع عام ٢٠٠٠م يصف الاتجاه إلى الإسلام في جمهوريات آسيا الوسطى: أنه يشمل حركة مترامية وفضفاضة تضم عديداً من دعاة التجديد والإصلاح، ومنهم من تتمثل مقولاته وطروحاته في العودة إلى الجذور النقية الأولى للعقيدة الإسلامية، وفي هذا الإطار لا يتورع هؤلاء الدعاة عن توجيه النقد إلى الحكومات وسياساتها، بل عن أن يرشقوا بألسنة حداد أحياناً بعض قادة المؤسسات الدينية؛ إذ يتهمونهم بالفراغ الروحي وربما التواطؤ مع الساسة والنخب الحاكمة. وعندنا أن رصد ومتابعة هذه الجماعات أمر مطلوب علمياً وأكاديمياً وسياسياً من أجل فهم دعواتهم واستباق ما قد تسفر عنه هذه الدعوات، وبعضها مقبول ومفهوم، وبعضها الآخر متشدد إلى حد منذر بأخطار التطرف والغلو في تشكيل مصائر الشعوب المسلمة في آسيا الوسطى؛ فمن هؤلاء من يبشرون بالإسلام النقي الخالص الذي يتخذ إطاره المرجعي في حقبة الراشدين رضوان الله عليهم، ومنهم من يتبنى دعوة إحياء الخلافة بوصفها مؤسسة سياسية، ومنهم من يرفض استخدام العنف سبيلاً لإقامة النظام الإسلامي الذي ينشده. ويلاحظ أن تواجد أمريكا في آسيا الوسطى من خلال القواعد التي وفرتها لها حكومات هذه الدول أتاح لها احتواء المد الإسلامي ليس في هذه الجمهوريات فقط ولكن في أفغانستان وباكستان كذلك. ويجب علينا ملاحظة مدى خطورة هذه الدراسات وأثرها الكبير في صناعة القرار السياسي الأمريكي. هذه الأهداف الاستراتيجية الأربعة كانت أهم ملامح المصالح الأمريكية في آسيا الوسطى، ولتحقيق تلك الاستراتيجية اعتمد الرئيس الأسبق بوش الأب على التحالفات الثنائية التي كانت قائمة آنذاك. واستندت هذه الرؤية وفق دراسات كثيرة ومتنوعة إلى فرضية مفادها أن أفضل بنية أمنية للمنطقة تتألف من تكوين يشبه المروحة قاعدته في أمريكا الشمالية وتمتد أذرعه غرباً عبر المحيط الهادي إلى شركاء الولايات المتحدة في منطقة آسيا - المحيط الهادي. وقد أكدت إدارة كلينتون حينها على التحالفات الأمنية القائمة رغم ذلك، ودعت إلى إيجاد آلية جديدة ذات طبيعة متعددة الأطراف لدعم الترتيبات الأمريكية الثنائية عند التعامل مع المشاكل الأمنية القائمة والمحتملة؛ حيث كان ذلك واضحاً في سياسة كلينتون الذي قال: «إن التحدي الذي يواجه منطقة آسيا في هذا العقد يتمثل في وضع ترتيبات جديدة متعددة الأطراف لمواجهة التهديدات المتعددة والظروف المختلفة، وهذه الترتيبات تعمل كصفائح الدروع الواقية المتداخلة بعضها بعض؛ إذ يوفر كل منها الحماية المنفردة لكل دولة على حدة، ثم تتكامل معاً لحماية الجسد بكامله ضد التهديدات الأمنية المشتركة التي تواجهنا. يجب أن تتحول التهديدات الأمنية التي تواجهنا إلى تهديدات تشاركنا بها آسيا. إن المصيرين ينبغي أن يرتبطا معاً؛ هذه استراتيجيتنا» ، إلا أن وجود هذه المنظمات أو الترتيبات بدأ يقلق الولايات المتحدة عندما أوشكت أن توجه طاقاتها للاستفادة من اقتصادها ودفع القوات الأمريكية ومصالحها بعيداً عن المنطقة. فما الذي أثار قلق واشنطن بعد أن كانت سياساتها الهادفة تدمجها تدريجياً في التشكيلات الآسيوية؟ ظهور التحالفات والاتفاقيات الاقتصادية الجديدة كان له الأثر في التعجيل بالوجود الأمريكي المكثف في المنطقة وتغيير منهجها في تنفيذ استراتيجيتها من سياسة الخطوة خطوة إلى سياسة الاقتحام. كان أولاً التحالف الاقتصادي التجاري الـ «آسيوي روسي إسلامي» على طريق الحرير الجديد، وهو مشروع طموح لربط البنى التحتية للنقل والطاقة بين دول القارتين: أوروبا وآسيا. ثم وقعت روسيا والصين معاهدة الصداقة الاستراتيجية قبل أشهر معدودة؛ حيث هدفت إلى تقوية التعاون السياسي والاقتصادي بين الدولتين في مجالات النقل والطاقة والتجارة والتبادل التكنولوجي والتسليحي خلال العشرين سنة المقبلة. وكانت كل من الهند وروسيا قد أسستا في ١٥ مايو الماضي «اتحاد النقل الأورو آسيوي» ، وهي اتفاقية ترانزيت تجارية لنقل البضائع، ويعني فتح ممر تجاري بين آسيا وأوروبا يختصر مدة نقل البضائع بمقدار الثلث، وفي الوقت نفسه تقوية التحالف الإيراني الدولي؛ يضاف إلى ذلك تأسيس منظمة شانغهاي للتعاون في يونيو الماضي. وعلاقات الدول حول بحر قزوين أو وسط آسيا بدول آسيا المحيطة متشابكة ومعقدة لتعقد المصالح وتشابكها، وقد غيرت فترة ما بعد الحرب الباردة طبيعة هذه العلاقات مثلما تغيرت التحالفات الاقليمية. ولذلك رأت أمريكا ضرورة التدخل العسكري مباشرة في هذه المنطقة. ويلاحظ أن قرار التدخل جاء منذ مدة طويلة ولكن كان في انتظار الظروف المناسبة؛ حيث جاءت عمليات تفجيرات ١١ سبتمبر مسوِّغاً للتدخل المنتظر. روسيا: لا تزال روسيا تميل إلى بسط هيمنتها على دول ما يعرف بالاتحاد السوفييتي السابق وبالذات منطقة آسيا الوسطى؛ وذلك من خلال منظور استراتيجي قائم على عدة ركائز أهمها: * الأمن القومي الروسي؛ حيث يعد علماء الاستراتيجية منطقة آسيا الوسطى بمثابة البطن لروسيا. * تخشى روسيا من خطورة امتداد النزاعات داخل هذه الجمهوريات إليها. * الدفاع عن مصالح الأقليات الروسية الكبيرة العدد داخل هذه الجمهوريات. مارست روسيا شتى الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية لجعل هذه الدول تدور في فلكها ولا تبتعد عن سياساتها؛ وفي هذا الصدد نشرت صحيفة «إزفستيا» الروسية وثيقة صادرة عن هيئة الشؤون الدولية لمجلس السوفييت الأعلى جاء فيها: «بصفته وصياً معترفاً به دولياًً على الاتحاد السوفييتي السابق، ينبغي على الاتحاد الروسي أن يستند إلى مبدأ يقوم على أساس إعلان المجال الجيوسياسي للاتحاد السوفييتي بأسره دائرة نفوذ حيوية، وينبغي على روسيا أن تحصل من المجتمع الدولي على الاعتراف بدورها الضامن للاستقرار السياسي والعسكري في أراضي الاتحاد السوفييتي السابق. ومن المناسب الحصول من بلدان» مجموعة السبع «على المساعدة للقيام بهذه المهمة، وحتى لتمويل قوات التدخل الروسية» . لقد تعامل الروس مع هذه المنطقة في مرحلتين: الأولى كانت تقوم على الاعتماد على روسيا وحدها في فرض الهيمنة والبروز بدور شرطي المنطقة التي يضبط إيقاعها، وقد سلمت الولايات المتحدة لروسيا بهذا الدور وخاصة في عهد بوش الأب وكلينتون؛ حيث أثبتت السياسات الروسية حينئذ نجاعتها؛ حيث تمكنت من بسط هيمنتها على طاجيكستان وجورجيا وباتت روسيا البيضاء محمية طبيعية للروس، ولكن مع بروز العامل الإسلامي بوضوح والتأثير الكبير لطالبان على المنطقة، وعجز روسيا وحليفاتها من المعارضة الشمالية الأفغانية على بسط هيمنتها على أفغانستان مفتاح استقرار المنطقة ومنذ عدة سنوات كشفت الصحيفة الروسية «روسيا» عن وجود تقرير أعدته المخابرات الألمانية لا يستبعد أن يتورط الكرملين في حرب قد تشتعل في جمهوريات آسيا الوسطى السوفيتية سابقاً بعد أن تقوم جماعات مسلحة بغزو أوزبكستان وطاجيكستان وقرغيزيا. وتشير الجريدة إلى أن خبراء جهاز المخابرات الألمانية يتكهنون بأن تغزو هذه الجماعات منطقة آسيا الوسطى في الربيع المقبل ويقدرون عدد المهاجمين بـ ٢ إلى ٣ آلاف شخص. والهدف من الغزو المرتقب وفقاً لتقرير المخابرات الألمانية والذي سوف تسانده حركة طالبان الأفغانية هو إقامة الخلافة في المنطقة؛ ولهذا لن تجد روسيا مفراً من الدخول في المعارك. وتابعت الصحيفة الروسية قولها: إن وزير الخارجية الألماني (يوشكا فيشر) أثناء زيارته الأخيرة لروسيا أبلغ القيادة الروسية بتقرير الاستخبارات الألمانية؛ وأعرب عن قلقه من الوضع في آسيا الوسطى. ويرى الخبراء الألمان أن القوات الروسية الموجودة في آسيا الوسطى حالياً لا تستطيع صد غزو المجموعات المسلحة ولا بد لها من جلب المزيد من قواتها. كما تشير الاستخبارات الألمانية إلى صعوبة محاربة الغزاة في هذه المنطقة لكونها منطقة جبلية لا يمكن استخدام الأسلحة الثقيلة فيها. لقد ظهر جلياً للغرب العجز الروسي عن صد الأخطار المحدقة بآسيا الوسطى؛ وبذلك بدأت روسيا تدخل المرحلة الثانية وهي الدخول في المظلة الأمريكية على وسط آسيا مع حفظ مصالحها في المنطقة، ويبدو أن هناك صفقة بين أمريكا وروسيا تحصل روسيا بمقتضاها على منطقة القوقاز تاركة آسيا الوسطى للولايات المتحدة بالإضافة إلى المكاسب الاقتصادية الناشئة مع هذا التحالف، وتخفيف ديونها المتراكمة، واحتمال انضمامها لحلف الناتو. إيران: نظرت إيران لمنطقة آسيا الوسطى من خلال منظورين: منظور اقتصادي يرمي إلى استغلال ثروات المنطقة بشتى الوسائل؛ فقد اقترحت إيران مد خطوط سكك حديدية وطرق مواصلات ووسائل اتصال بينها وبين الجمهوريات الداخلية في آسيا الوسطى، وصولاً إلى ربطها بمياه الخليج، ومن ثم المياه الدولية الحرة. وقد تجسد هذا العرض في اتفاقية وقعت في ديسمبر ١٩٩١ تلتها اتفاقية أخرى بين إيران وروسيا لإنهاء القيود الحدودية بين إيران وتلك الجمهوريات. كذلك تحدث مسؤولون إيرانيون عن إنشاء سوق اقتصادية مشتركة تتطور في مرحلة لاحقة إلى توحيد الأهداف السياسية فيما بين هذه الدول، وأشاروا إلى التكامل فيما بين دول الإقليم دون الإيحاء بأن هذا يتضمن إنشاء سلطة إقليمية فوق الدول. وقد دفعت إيران في هذا الاتجاه من خلال ضمن قنوات أخرى منظمة التعاون الاقتصادي التي كانت إيران قد أسستها مع تركيا وباكستان من قبل؛ فعقب انضمام أفغانستان لهذه المنظمة سرعان ما لحقت بها الجمهوريات المسلمة في آسيا الوسطى وأذربيجان في نوفمبر ١٩٩٢م، إلا أن إيران نسقت فيما بعد مع باكستان سياسات البلدين تجاه جمهوريات آسيا الوسطى؛ وخاصة الأسواق والاستثمارات هناك، في وجه المنافسة التركية. ورغم ظروفها الاقتصادية الصعبة وتعثر تنفيذ مشروع مد خط الغاز الطبيعي التركماني ما زالت إيران تمتلك موارد كافية لتقديم بعض أشكال الدعم لشركائها الجدد في منظمة التعاون الاقتصادي. ولكن العقبة الكأداء بالنسبة لإيران هو نفط بحر قزوين؛ حيث تسعى إيران إلى امتلاك الجزء الكبير منه أو على الأقل مروره عبر أراضيها. أما المنظور الثاني فهو منظور مذهبي يرمي إلى نشر المذهب الرافضي في هذه الجمهوريات، ولم تتردد إيران في المساعدة في بناء مساجد ومدارس دينية شيعية في مختلف الجمهوريات المسلمة في الإقليم، وبدأت في توجيه إرسال إذاعي موجه لهذه الجمهوريات. وبحلول نهاية ١٩٩٢م، نجحت إيران في إنشاء تجمع ثقافي للدول الناطقة بالفارسية، (إيران، أفغانستان وطاجيكستان) . ونظمت إيران لاحقاً مؤتمراً حول التقاليد اللغوية والأدبية الفارسية ودعت إليه الجمهوريات المسلمة المستقلة في آسيا الوسطى وبحر قزوين. ويجب أن نذكر هنا عقد الحكومة الإيرانية بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) مؤتمراً حول التعاون الثقافي والتربوي والعلمي مع جمهوريات آسيا الوسطى في نوفمبر ١٩٩٢م، مع التركيز على اللغة الفارسية والثقافة الإيرانية باعتبارها روابط إقليمية. وقد ركز المسؤولون الإيرانيون الذين خاطبوا المؤتمر على مركزية دور الإسلام الرافضي في علاقة بلادهم مع دول الإقليم؛ حيث إن العامل الديني يحمل في طياته عنصري التاريخ والثقافة. وقد دعا أولئك المسؤولون بمن فيهم وزير الخارجية د. علي أكبر ولاياتي إلى إحياء الهوية الأصيلة لشعوب الإقليم؛ وتعزيز التعاون الإقليمي والأمن الجماعي من خلال إقامة إطار مؤسسي للتعاون الاقتصادي والسياسي والعلمي والثقافي الذى سيكون معادياً للهيمنة ويجمع بين خصوصية احتياجات كل دولة والمصالح المشتركة فيما بين دول الإقليم. وقد أشار الدكتور ولاياتي إلى الدوافع العرقية، والثقافية، التاريخية والدينية للدور الإيراني في آسيا الوسطى وبحر قزوين مؤكداً على الانسجام الثقافي في ضوء الإرث الرافضي والثقافة الإيرانية واللغة الفارسية بوصفها سبلاً لتحقيق الاستقلال السياسي وتأكيده. ولذلك تقوم استراتيجية إيران للحفاظ على هذه المصالح على التحالف مع روسيا، وتشديد التعاون معها لتكون من خلالها جسراً إلى هذه الجمهوريات، فشجبت أعمال المجاهدين في الشيشان وطاجيكستان وغيرهم من الجماعات الجهادية داخل هذه الجمهوريات. يقول أحد زعماء حركة النهضة الإسلامية الطاجيكية: «سمعت كثيراً عن تورط إيران في حركة الإسلام السياسي في آسيا الوسطى؛ ولكنني لم أعثر على أي علامة أو أثر مع الأسف؛ إن إيران ترفض عموماً التدخل في شؤون آسيا الوسطى» . وفي بداية الحرب الأمريكية على الشعب الأفغاني تخوفت إيران من مقدم القوات الأمريكية وتأثيرها على مصالحها في المنطقة، ولكن يبدو أن الإدارة الأمريكية قد طمأنت إيران لتشركها في اللعبة القادمة في آسيا الوسطى طرفاً معترفاً به له دور إقليمي في الترتيبات التي ستتم في المنطقة على غرار الدور الروسي؛ وهذا ما ستكشفه الأيام القادمة.

стр. 4123

المسلمون والعالم القضية الكشميرية رهينة نتائج العدوان الأمريكي على أفغانستان كمال حبيب ربما تكون القضية الكشميرية هي أكثر القضايا تأثراً بما يجري على الأرض الأفغانية منذ العدوان الأمريكي عليها في ٧/١٠/٢٠٠١م، ولسنا نبالغ إذا قلنا إن قضية كشمير رهينة بالفعل بالنتائج التي تسفر عنها الحرب الدائرة على أرض أفغانستان بين أمريكا القوة العظمى في العالم وبين حركة طالبان الإسلامية ... ذلك أن الحرب الأمريكية على طالبان هي في الواقع حرب على العالم الإسلامي كله، بل هي حرب على الإسلام ذاته. وتبدو القضية الكشميرية أكثر القضايا شبهاً بالقضية الفلسطينية؛ فهناك قوة احتلال ذات طابع استيطاني ترفض الاعتراف بحق أهل البلاد الأصليين في الحرية والاستقلال، وهناك قوة تحرر وطني يقودها المجاهدون لانتزاع حقهم في تقرير مصيرهم وإعادة بلدانهم المغتصبة، وهناك إعلان للجهاد من منطلق إسلامي لاستعادة الحقوق المشروعة للشعبين من القوى الاستعمارية، وهناك ما يمكن أن نطلق عليه: (انتظام صفوف قوى الاستكبار المجرمة في مواجهة جهاد المسلمين لاستعادة أوطانهم المحتلة) ؛ فنجد تحالف الهند والكيان الصهيوني وروسيا في مواجهة المجاهدين في كشمير؛ بينما في فلسطين نجد نفس القوى تتقدمهم جميعاً أمريكا. بيد أن القضية الكشميرية تبدو في تقديرنا أكثر تأثراً بالحملة العسكرية الأمريكية الظالمة على أفغانستان للأسباب الآتية: أولاً: التجاور الجغرافي بين كشمير وأفغانستان وبينها وبين باكستان، ولا بد أن يؤثر هذا التجاوز بقوة في الأعمال السياسية ونتائجها وخاصة أن مصير باكستان الحليف الاستراتيجي للمجاهدين في كشمير بيد الأمريكان، وتعد أرض باكستان نقطة انطلاق للهجمات العسكرية على طالبان، كما أن طالبان كانت تمثل سنداً معنوياً واستراتيجياً هائلاً للقضية الكشميرية. ثانياً: الارتباط السياسي والعسكري بين القضية الكشميرية والقضية الأفغانية من ناحية، وبينهما وبين ما يجري على الساحة الباكستانية؛ وخاصة أن الأحزاب الإسلامية في باكستان لها ما يمكن أن نطلق عليه «رءوس حراب جهادية» في كشمير باعتبارها قضية إسلامية وقضية أمن قوي لباكستان لا يمكن التفريط بها أو التغاضي عنها؛ ولذا فكل الحركات الجهادية في كشمير موجودة في باكستان، وتتخذ من خطوط التماس المباشرة مع الهند ساحة للمواجهة والاستنزاف للقوة الهندوسية العسكرية. ثالثاً: دخول الهند وروسيا ودول آسيا الوسطى العلمانية في حسبة استراتيجية مع التحالف الذي تقوده أمريكا ضد الإرادة الإسلامية في أفغانستان تحت دعوى محاربة الإرهاب، ولكل منها وجهته وهدفه؛ فالهند دخلت وقدمت تسهيلات لوجستية ومخابراتية بلا حدود من أجل مقايضة ما تقدمه بتنازلات أمريكية في المسألة الكشميرية، كما أن روسيا تهدف إلى الضغط على المجاهدين في الشيشان. أما دول آسيا الوسطى فهي تسعى بالإضافة للتقرب من أمريكا إلى القضاء على الحركات الإسلامية في المنطقة والتي تمثل تهديداً حقيقياً للأنظمة العلمانية الديكتاتورية في منطقة آسيا الوسطى؛ بيد أن الذي يجعل المسألة الكشميرية هنا أكثر حساسية لما يجري في تقديرنا هو دخول باكستان الحليف الاستراتيجي للقضية الكشميرية في الحلف الأمريكي ضد الإرهاب المزعوم؛ وهو ما يفرض مأزقاً على النظام العسكري في باكستان بقيادة «برويز مشرف» ؛ إذ إنه سيجد نفسه بين تيارين أحلاهما مرّ وهما: إما التفريط بالقضية الكشميرية وفق ما تمليه قواعد اللعبة الاستراتيجية الجديدة للتحالف الذي تقوده أمريكا، وإما الحفاظ على مصالحه الحيوية وأمنه القومي الذي يجعل من كشمير فناء متقدماً لباكستان لا يمكن التلاعب به أو التفريط فيه. ويكفي أن نشير إلى أن مياه باكستان تأتي بالأساس من كشمير، كما أن القضية الكشميرية في الوجدان الباكستاني هي قضية وطن لا يمكن لأي نظام سياسي أن يساوم عليه. مفهوم الإرهاب وتأثيره على القضية الكشميرية: تشن أمريكا حملتها العسكرية تحت عنوان الحرب على الإرهاب، ومن المؤكد أن أمريكا اندفعت في حملتها وأطلقت شعاراتها تحت ضغط ضربة يوم الثلاثاء ١١/٩/٢٠٠١م، القاتلة التي استهدفت العصب الاقتصادي والعسكري للقوة الأمريكية، لكن أمريكا لم تحدد ما هو المقصود بالضبط بالإرهاب، وسرعان ما ربطت بين الإرهاب والجمعيات الإسلامية الخيرية والجهادية، وأعلنت عن ٢٧ جمعية إسلامية مسجلة قانونياً أنها مطلوبة لأمريكا باعتبار أن لها صلة بأسامة بن لادن، ومن بين هذه الجمعيات «حركة المجاهدين الكشميرية» التي يتزعمها الشيخ فضل الرحمن خليل باعتبار أن الشيخ كان قد وقَّع على البيان الذي أطلقه بن لادن عام ١٩٩٨م والذي أطلق عليه: «إعلان الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين» ، وبعدها قامت السلطات الباكستانية بالقبض على الشيخ والإعداد لمحاكمته باتهامات وصفت بأنها خيانة عظمى، وقرر البنك المركزي الباكستاني تجميد حسابات حركة المجاهدين في إطار التعاون الباكستاني مع الحملة الأمريكية على الإرهاب المزعوم، كما اعتبرت باكستان الحركة محظورة رغم أنها كانت تعمل بشكل قانوني في باكستان. وتسعى الهند إلى تبني المفهوم الأمريكي للإرهاب الذي يعتبر بعض حركات التحرر الوطني إرهابية رغم أن المواثيق والأعراف الدولية تؤكد حق حركات التحرر الوطني في مقاومة المحتل حتى الحصول على حق تقرير المصير؛ ومن هنا فإن الهند تحاول أن تصم حركات المجاهدين في كشمير بأنها حركات إرهابية بلا قضية، وحين زار «كولن باول» وزير الخارجية الأمريكي الهند مؤخراً قال: «الولايات المتحدة تتعهد بمحاربة كل أنواع الإرهاب بما في ذلك الذي يستهدف الهند» ، وأضاف باول في مؤتمر صحفي مشترك مع «جاسوانت سينغ» وزير الخارجية الهندي «إننا نستنكر الإرهاب أينما وجد سواء الذي حدث في ١١ سبتمبر أو الأول من أكتوبر في» سرينجار «في إشارة إلى هجوم المجاهدين الذي استهدف المجلس التشريعي في كشمير المحتلة، وأكد باول إن أمريكا والهند متحدتان ضد الإرهاب بما في ذلك الإرهاب الموجه إلى الهند، مشيراً إلى أن البلدين يقفان كتفاً إلى كتف في مواجهة الظاهرة، وفي هذا السياق قبل رئيس وزراء الهند» أنال بيهاري فاجباي «الدعوة التي وجهها له» باول «لزيارة أمريكا الشهر الحالي، كما وقعت الهند وأمريكا اتفاقية لمكافحة الإرهاب بهدف تبادل المساعدة وتقوية التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا، وقال وزير الخارجية الهندي: » إننا نعتبر زيارة باول جزءاً من الحملة على منفذي الهجمات على الديمقراطية والحضارة، ونتفهم ذلك، ونؤكد أن موقفنا ثابت، ونقف جنباً إلى جنب معهم في مواجهة التهديد العالمي. وقد شهدت الفترة الأخيرة تصعيداً في العمل الجهادي الكشميري، كما شهدت توتراً في العلاقة بين الهند وباكستان واتهامات متبادلة بإطلاق النار على طول خط الهدنة الذي يفصل بين البلدين، وأطلق بعض المتعصبين من الهندوس في الحكومة الهندية مثل وزير الداخلية «لال كريشنا أوفاني» [١] تصريحات لا بد من أخذها بعين الاعتبار مثل قوله: «إن الحرب على الإرهاب سوف تستهدف المقاتلين في كشمير» ، وأكد أن بلاده تلقت تأكيدات أمريكية بأنه سيتم توجيه ضربات لمعسكرات تدريب الكشميريين في باكستان، وقال في تصريحات صحفية: «إن العملية الأمريكية ستشمل توجيه ضربات لوقف ما وصفه بالإرهاب عبر الحدود في ولاية جامو وكشمير» [٢] ، ونشطت الهند للمطالبة بتشريع قوانين جديدة دولية تسهل تسليم المطلوبين في أعمال إرهابية معتبرة أن الطريقة الوحيدة لذلك هي تفعيل دور الشرطة الدولية [٣] . وقال وزير الدفاع الهندي (جورج فرنانديز) : «إن مواقع المجاهدين سوف تقصف بالطائرات» ، بينما قال رئيس وزراء القسم المحتل من كشمير فاروق عبد الله [٤] : «الهند ستهاجم المجاهدين داخل معسكراتهم في باكستان معتبراً أن عهد التفاوض قد انتهى» . ورغم أن تصريحات المسؤولين الهنود المتشددة ليست جديدة؛ لكن سياق اللحظة الحاضرة يوحي بأن الهند تحاول الاستفادة من الحملة العالمية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية ضد طالبان وتوسيعها لتشمل كشمير؛ بحيث يوصَم المجاهدون بالإرهاب. ويجري الضغط على باكستان لرفع يدها عن مساندة القبضة الكشميرية، ويتأكد الأمر الواقع بما انتهت إليه الأوضاع هناك بحيث يبقى ثلثا كشمير المحتلة تحت القضية الهندية، والثلث الآخر تحت القبضة الباكستانية رغم أن الطرف الأصيل في الموضوع هو شعب كشمير نفسه الذي يسعى للحصول على حريته وتكوين دولته المستقلة عن جارتيه الكبيرتين الهند وباكستان، كما أن الأمم المتحدة أصدرت ما لا يقل عن اثني عشر قراراً رسخت بشكل كامل ونهائي مبدأ حق تقرير المصير لمواطني كشمير عبر الاستفتاء، وتريد الهند أن لا يكون للأمم المتحدة أو أي أطراف دولية أخرى صلة بالقضية الكشميرية؛ إذ تعتبرها مسألة ثنائية بينها وبين الباكستان تحل عبر موازين القوى العسكرية المدعومة بالتحالفات الدولية. سيناريوهات القضية الكشميرية: ١ - تبدو مسألة استمرار المجاهدين الكشميريين في جهادهم لاستنزاف القوة العسكرية للهند قضية مصيرية لأجل فرض وضع اقتصادي عليها لا يمكنها معه الاستمرار في احتلال كشمير، أو بمعنى آخر: تعظيم الأحلاف العسكرية للوجود العسكري الهندي في كشمير المحتلة؛ وخاصة أن أكثر من نصف الجيش الهندي موجود بكشمير (حوالي ٦٠٠ ألف جندي وهي أعلى نسبة عسكرية في العالم بل وفي التاريخ) فلكل مدني واحد ستة جنود، وبقدر ما يمثل هذا عسكرة وعدواناً هندياً غاشماً لكنه في الوقت نفسه يعني تكلفة اقتصادية؛ فالتقديرات تشير إلى أن الجيش الهندي يكلف ميزانية الهند ٢٥٠ مليون روبية يومياً مع أن المواطنين الهنود الذين يعيشون تحت خط الفقر يبلغون حوالي ٣٥٠ مليوناً، هذا بالإضافة إلى أن استمرار الجهاد الكشميري في مواجهة الاحتلال العسكري الهندي يهدد شرعية وجودها؛ بحيث تبدو الهند التي تقدم نفسها للعالم باعتبارها أكبر ديمقراطية قوة احتلال غاشمة عنصرية تحاول فرض وجودها الهندوسي على أغلبية مسلمة ترفضها، كما أن العنف والعدوان الهندي منذ تفجر ثورة المجاهدين عام ١٩٨٩م وضع الجنود الهنود في وضع نفسي سيئ جعلهم يفرون ويرفضون الخدمة في كشمير، ولو حاولنا استقصاء التقارير المحايدة التي تتحدث عن الوحشية الهندية لكتبنا مجلدات؛ لكن يكفي أن هذه التقارير تصف أعمال الاغتصاب والقتل بدون محاكمة والتعذيب الوحشي والتطهير العرقي بأنه أسوأ من أعمال النازية، ونستشهد هنا فقط بما كتبه صحفي أمريكي محايد هو «مارتن شوغرمان» حيث قال: «إن ما يحدث في كشمير المحتلة ليس له مثيل في أي مكان آخر؛ فهو أسوأ مما يحدث في البوسنة؛ ففي البوسنة يوجد على الأقل مناطق آمنة للمسلمين؛ غير أنه لا يوجد للمسلمين ملاذ البتة في كشمير» . فاستمرار الجهاد في كشمير سوف يفرض على أرض الواقع ما تريد الهند نفيه وهو وجود تصفية لشعب كامل أعطته قرارات الأمم المتحدة الحق في تقرير مصيره، وهذه القضية ليست مجرد مسألة ثنائية بين الهند وباكستان لكنها قضية دولية عادلة يهدد استمرارها الأمن والاستقرار في آسيا والعالم. ٢ - بالطبع تسعى الهند ومعها الحلف الروسي تتبعه دول آسيا الوسطى ثم الكيان الصهيوني [٥] إلى محاصرة المجاهدين والقضاء عليهم عبر التعاون العسكري والمخابراتي؛ كي يسعى هذا الحلف نفسه لمحاصرة طالبان والقضاء على نظامها الإسلامي. فالعلاقة وثيقة جداً بين أفغانستان المجاهدة والإمارة الإسلامية الأفغانية وبين الجهاد في كشمير، وتكفي الإشارة إلى أن تفجر المقاومة الكشميرية الجهادية جاء أثراً من آثار الجهاد الأفغاني ضد الروس، ويطل هذا الحلف الإجرامي الذي تقوده الهند برأسه اليوم ليلقي بثقله خلف الحملة العسكرية الأمريكية للقضاء على إمارة أفغانستان الإسلامية واستبدالها بنظام سياسي آخر؛ وجزء من هذه المسألة في الإدراك الهندي مرتبط بحرمان المجاهدين في كشمير من قاعدة إسلامية خلفية تمدهم بالزاد المعنوي والعسكري معاً. ٣ - الموقف في باكستان التي دخلت جزءاً من التحالف الدولي ضد حكومة أفغانستان يبدو كأنه نوع من مقايضة هذا الموقف باستمرار الدعم الباكستاني لحركة المقاومة في كشمير؛ ذلك لأن مسألة كشمير بالنسبة لباكستان هي قضية مصير وحياة وأمن قومي حقيقي لا يمكن التفريط فيها أو المساومة. وفي الواقع فإن حركة الجهاد الكشميرية هي حركة مستقلة بالأساس فجَّرها الكشميريون، ثم استغلتها باكستان بوصفها جزءاً من حربها وصراعها مع الهند. وفي الواقع فإن الحركات والجماعات الإسلامية في باكستان لها امتداداتها أو ما يقابلها في كشمير، كما أن المواطن الباكستاني يشعر أن قضية كشمير هي مسألة حياة أو موت بالنسبة له، وقد قال محمد علي جناح أول رئيس جمهورية لباكستان بعد الاستقلال عن كشمير: «إنها شريان باكستان؛ فثلاثة أنهار تمدنا بالماء تنبع منها» . وهنا فإن باكستان لا يمكنها المساومة على كشمير، بل ربما يكون موقفها كما نعتقد جزءاً من محاولة الحفاظ على وضعها قوياً في كشمير. وفي كل الأحوال فإن استمرار الجهاد الكشميري بلا هوادة هو ضمان بقاء القضية الكشميرية حية لا تموت.

стр. 4124

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش qatamish١٠٠@yahoo.com الجنون الأمريكي! لست متأكداً بعد أن العالم قد استوعب بالفعل ما تعنيه أحداث ١١/٩/٢٠٠١م، بالنسبة للأمريكيين. نحن لا نقاتل الآن من أجل كوسوفا، أو البوسنة، أو الصومال، أو الكويت، نحن نقاتل من أجل وطننا، والأمريكيون مستعدون للقتال من أجل وطنهم والموت في سبيله، والقضية هي كيف نخوض هذه الحرب، ونحقق للأمريكيين ما يريدون، وهو ليس الثأر بل العدالة والأمن، إن هذا يستدعي أسلوباً جديداً للاستعداد للحرب وأسلوباً جديداً في خوضها. نحن نحتاج إلى مقدرة عالية على التركيز، ودرجة قصوى من الجدية، وبعض الجنون، ومنذ هذه اللحظة، سنفعل كل ما تقتضيه الضرورة للدفاع عن نهجنا في الحياة، وأن الرعب يجب أن يكون منذ هذه اللحظة من نصيب الأشرار، وألا يفارقهم هذا الرعب في كل لحظات صحوهم. في الواقع نحن سنطلب مساعدة عصابات المخدرات؛ فهي تملك الخصائص الثلاث التي نحتاجها ونرغب فيها. أي إنها تعرف كيف تدبر شبكة سرية وكيف تستأصل شبكة منافسة، وهي معروضة للبيع وتعرف كيف تشتري الآخرين، وهي تعرف أننا عندما نقول إننا نريد شخصاً ما «حياً أو ميتاً» فإننا نعني أننا نريده «ميتاً أو ميتاً» . إن الرئيس وأعوانه، وهم يخوضون هذه الحرب، يفعلون خيراً كثيراً لأنفسهم وللآخرين، بالإقلال من الكلام، فهم بدؤوا منذ الآن يناقضون أنفسهم ويقيدون أياديهم وأرجلهم، وأقول لهم: كونوا كالإرهابين، ودعوا أفعالكم تتحدث عنكم؛ فهذا أفدح ثمناً وأبلغ إرهاقاً للعدو. [توماس فريدمان، رئيس تحرير نيويورك تايمز، جريدة الشرق الأوسط، العدد : (٨٣٤٤) ] وقذف في قلوبهم الرعب في جميع الأحوال، لا يمكننا أن نلوم هذا الشعب المنغلق إلى حد بعيد على تخبطه لقد كانت المفاجأة أكبر من قدرته على الاستيعاب، كما أنها أدخلته في حالة من الرعب والصدمة النفسية التي تجعله غير قادر تماماً على مواجهة الأمر عما يعلنه السياسيون؛ فإن المواطن الأمريكي بالفعل يشعر بالهزيمة، ويواجه آلاماً نفسية ليس مؤهلاً للتفاعل معها والمحصلة أن مراكز العلاج النفسي فتحت أبوابها لاستقبال الآلاف ممن أصابتهم صدمات نفسية عميقة، سواء ممن شاهدوا الحادث، أم ممن فقدوا أحد أقاربهم أو عزيزاً عليهم في مواقع التفجيرات وبعضاً من أفراد قوات الإنقاذ أنفسهم لم يسلموا من الصدمات النفسية الحادة. عشرات المستشفيات الأمريكية فتحت مراكز لعلاج طوارئ الحالات النفسية وسجلت أعلى معدلات إصابة بما يسمى مرض (صدمة القذائف) ويذكر أنها لم تسجل مثل هذه الأعداد من قبل حتى ولا بعد معركة بيرل هاربر التي قتل فيها الآلاف من الأمريكيين. وفي تعريف جمعية الطب النفسي الأمريكية لما يسمى بصدمة القذائف أو الـ ptsd، إنه اضطراب عصبي أو عقلي يتميز بفقدان الذاكرة أو الكلام أو البصر ويصيب بعض الجنود وحديثي العهد بالمعارك ولم يكن غريباً أن تذكر بعض التقاير الإخبارية، أن العديد من رجال الشرطة والإنقاذ والإطفاء رفضوا العودة إلى مكان الحادث بالقرب من مبنى مركز التجارة العالمي، في محاولة لما أسماه علماء النفس بحماية الذات من أي صدمة عاطفية ونفسية مشابهة لما حدثت لهم في أول تجربة مع الحادث وهذه الحالة تمثل أحد أعراض «صدمة القذائف» . [مجلة الأهرام العربي، العدد: (٢٣٦) ] بلا أخلاق وبلا فضيلة قال ايجل بيرجر، وزير الخارجية السابق، في حديث تلفزيوني هنا في أمريكا: «لا مفر من أن نقتل بعض الذين لم يعلنوا الحرب علينا، بالإضافة إلى الذين أعلنوا الحرب علينا» وهناك جانب آخر خطير لهذا الغضب الأمريكي، وهو الاعتقاد أن أمريكا دائماً على حق، وأن غيرها دائماً على خطأ، ذلك جزء من التراث الديني والحضاري القائم على الاعتقاد بأن مجرد تأسيس أمريكا شيء عظيم، وفي هذا قال الصحافي رتش لاوري: (يجب أن لا نعلم الحرب فقط، لكن يجب أن نعلنها على أسس (أخلاقية) . نحن لا نحارب حباً في الحرب والقتل بل لنشر الفضيلة في العالم، ونحن لا نغضب؛ لأن الأذى أصابنا بل لأنه أذى الجاهلين والضالين) . [مجلة المجلة، العدد: (١١٣٠) ] الورطة الأفغانية يجب على الجمهور الأمريكي ونحن جميعاً أيضاً، أن نكون مستعدين لإمكانية أن تتدهور المرحلة البرية في «القصة الأفغانية» إلى ورطة مرهقة ومتواصلة على النمط الفيتنامي، إن تشكيلة القوات واستعدادات القوات الأمريكية البرية تدل على أن الجيش الأمريكي سيقلد أسلوب «فتش ودمر» الذي اتبع في فيتنام، والأسلوب يستند على سلسلة طويلة ومتواصلة من الاجتياحات المنقولة جواً في عمق أراضي العدو في محاولة لتمشيط مناطق وتشخيص قوات معادية في حالتنا هذه رجال طالبان ورجال القاعدة ومفاجأتهم في المغارات وأماكن الاختباء أو خلال تنقلهم، وإبادتهم، وذلك من منطلق الأمل بأن عدد الجثث وسط العدو سيؤدي في نهاية الأمر إلى تآكل في قوته وإرادته القتالية وانحلاله. إن نجاح القوات البرية في تنفيذ عمليات تمشيط وتدمير منوط بالمعلومات الأمنية والاستخبارات الدقيقة والحديثة التي تتلقاها، وإذا لم يتم الحصول على هذه المعلومات فإن القوة ستقع في الفخ، أو ستذهب مع الريح مثلما حصل في فيتنام، وسيكون الطقس عائقاً كبيراً أمام العمليات البرية، ويحدو الأمريكيين الأمل بأن تنفذ المهمة الدنيا - إسقاط حكومة طالبان - بالسرعة الممكنة، وإلا فإن الأمريكيين سيبقون لفترة طويلة هي الأراضي الأفغانية. [إليكس فيشمان، يديعون أخرونوت، عن القدس العربي، العدد: (٣٨٦٢) ] مكافأة باكستان قالت صحيفة (تايمز اوف انديا) في رسالة لـ (شيداناند راجغاتا) مراسلها بواشنطن أن الخطة البعيدة المدى للولايات المتحدة بعد القضاء على أسامة بن لادن ونظام طالبان هو احتواء القوة النووية الباكستانية أو القضاء عليها إن تطلب الأمر. وقالت الصحيفة إن إدارة بوش تعمل حالياً خلف الكواليس لتأمين نوع من السيطرة على القوة النووية الباكستانية، وقالت الصحيفة نقلاً عن مصادر أمريكية إن باكستان قد رفضت بالفعل عرضاً أمريكياً بتوفير تدابير لأمن وحماية قوتها النووية لاعتقاد إسلام أباد بأن هذا سيفتح الباب لتفتيش قوتها النووية بصورة دقيقة، ولتهدئة مخاوف واشنطن أكدت لها باكستان بأنها قد أتقنت نظام التحكم والمراقبة لتأمين أسلحتها النووية؛ ولذلك فلا ضرورة لأي قلق أمريكي، ولكن أمريكا لم تقتنع بهذا الكلام حسب قول الصحيفة الهندية التي نقلت عن خبراء أمريكيين في مجال انتشار الأسلحة النووية أن هناك خطراً حقيقياً لوقوع هذه الأسلحة في أيدي «الجهاديين» الذين يمكن أن يطيحوا بحكومة الجنرال مشرف، ونقلت الصحيفة عن بعض الخبراء الأمريكيين قولهم بأنه يجب على الولايات المتحدة تعبئة قواتها لنقل الأسلحة النووية الباكستانية إلى مكان آمن لو نجح «الجهاديون» في الاستيلاء على السلطة هناك، ونقلت الصحيفة عن جون وولفستال الخبير بمؤسسة كارنيغي قوله: لو لم توافق باكستان على قبول المساعدة الدولية لتأمين برنامجها النووي فينبغي على الولايات المتحدة أن تضع فوراً خططاً طارئة تشمل القدرة على تعبئة قوات التدخل السريعة في باكستان للبحث عن أية مواد نووية مفقودة والاستيلاء عليها، وعليها - كخيار نهائي - القيام بنقل هذه الأسحلة غلى مكان آمن خارج باكستان. [جريدة الرياض، العدد: (١٢١٧٤) ] البحث الحربي! ! تنفق الولايات المتحدة الأمريكية مليارات الدولارات من ميزانيتها للبحث العلمي على أبحاث لتطوير أجهزة ليرز وأجهزة أخرى متقدمة بهدف كسب حروب القرن الواحد والعشرين، وحسمها بسرعة أكثر من ذي قبل. وقال مسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون إن البحث يشمل أسلحة لم يحددوها تستخدم براً وبحراً وجواً وتحت الماء وفي الفضاء، وتهدف إلى التصدي لتهديدات نشأت خلال العقد الماضي، ومن المتوقع أن تزيد ميزانية البحث العلمي لعام ٢٠٠٢م، في إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش وفقاً لخطة مؤقتة بنسبة ٥٨.١ % لتصل إلى ٤٨.٦ مليار دولار. يعمل في البنتاجون ٢٨٥٠٠ عالم ومهندس موزعين على ٨٤ مختبرًا ومركزًا للأبحاث والتطوير، وهذا العدد شكل انخفاضا قدرة ٤٢% عن عدد الباحثين الذين كانوا يعملون في البنتاجون نهاية عام ١٩٩٠م؛ حيث بلغ عددهم ٤٣٨٠٠ شخص. موقع قناة الجزيرة www.aljazeera.nat تكاليف الأمن قدر خبراء اقتصاديون تكاليف فاتورة تعزيز الإجراءات الأمنية الأمريكية والخسائر المتوقعة عن خفض الإنتاج الأمريكي بسبب رعب الجمرة الخبيثة بنحو ١١٠ مليارات دولار. وازدادت الإجراءات حدة بسبب الخوف من الإرهاب البيولوجي وعدوى الجمرة الخبيثة، وأقام عدد من الشركات نظاماً لمراقبة البريد وهو الوسيلة الوحيدة للإرهابيين البيولوجيين لنشر العدوى حتى الآن، وبدأ إغلاق عدد من مكاتب البريد والفرز يتسبب في عرقلة التوزيع مما أدى إلى تخوف من تأخر في عمليات سداد الفواتير بالنسبة لشركات عديدة. [جريدة البيان، العدد (٧٧٩٩) ] الكراهية لماذا؟ ! إن وصف الإرهابيين بأنهم مجرد مجانين هو محاولة لخداع النفس، ابن لادن وأتباعه المتشددون هم نتاج مجتمعات محبطة تولد غضبهم، إن أمريكا بحاجة إلى خطة لا تؤدي فقط إلى هزيمة الإرهاب، بل وإلى إصلاح العالم العربي. لنتوجه مباشرة إلى السؤال: لماذا يكرهنا الإرهابيون؟ بوسع الأمريكيين أن يردوا على السؤال بسؤال آخر: ولماذا يهمنا ذلك؟ إن رد الفعل الفوري على قتل ٥٠٠٠ من الأبرياء هو الغضب وليس التحليل، ولكن الغضب ليس كافياً لمساعدتنا على تجاوز ما سيكون بالتأكيد صراعاً طويلاً، إننا بحاجة إلى أجوبة، والأجوبة التي سمعناها حتى الآن مريحة لنا، ولكنها معهودة، إننا نمثل الحرية وهم يكرهونها، إننا أغنياء وهم يحسدوننا، إننا أقوياء وهم يمقتون ذلك. كل هذا صحيح، ولكن هناك بلايين الفقراء والضعفاء والمظلومين في أرجاء العالم المختلفة، ولكنهم لا يحولون الطائرات إلى قنابل، إنهم لا يقتلون أنفسهم في عمليات تفجير انتحارية من أجل قتل آلاف المدنيين. أسامة بن لادن لديه الجواب: إنه الدين؛ فبالنسبة إليه وإلى أتباعه هذه حرب مقدسة بين الإسلام والعالم الغربي، المشكلة ليست في أن أسامة بن لادن يعتقد أن هذه حرب دينية ضد أمريكا، إنها تتمثل في أن ملايين المسلمين في العالم الإسلامي يبدو أنهم يوافقونه على ذلك. حين تصل إلى الشرق الأوسط تتبدى لك بألوان ناصعة كل صور الخلل التي تتجمع في ذهن الناس حين يفكرون في الإسلام اليوم؛ ففي إيران ومصر وسوريا والعراق والأردن والأراضي المحتلة والخليج، تجد بعثاً قاسياً للأصولية الإسلامية، كما تجد مشاعر فجة من العداء لأمريكا في كل مكان. هذه بلاد الانتحاريين مفجري القنابل وحارقي الأعلام الأمريكية، والخطب الملتهبة. إن شيئا حدث في تلك الأرض، ومن أجل فهم جذور العداء لأمريكا في الشرق الأوسط، فإن علينا أن نبحث لا في السنوات الـ ٣٠٠ الماضية، بل في السنوات ٣٠ الأخيرة. [فريد زكريا، رئيس تحرير مجلة نيوزويك، العدد (٧١) ] هو تحالف الشمال تشكلت الجبهة المتحدة الإسلامية القومية لتحرير أفغانستان أو ما يعرف بالتحالف الشمالي عقب التقدم السريع والكاسح لحركة طالبان وسيطرتها على العاصمة الأفغانية كابول عام ١٩٩٦م؛ فبينما كانت الفصائل الأفغانية مختلفة فيما بينها على الحكم في البلاد عقب انسحاب الاتحاد السوفييتي عام ١٩٨٩م، وسقوط آخر حكومة موالية لها والتي كان يترأسها نجيب الله عام ١٩٩٢م، توحدت هذه الفصائل على هدف مرحلي واحد هو انتزاع كابول من بين فكي طالبان، وتأجيل الصراع البيني إلى إشعار آخر. وفيما يلي معلومات حول التحالف والفصائل المشاركة فيه وأبرز قادتها ومناطق نفوذها وأخيراً قدراتها العسكرية. - الجمعية الإسلامية الأفغانية: تأسست على يد غلام محمد نيازي، وخلفه في قيادتها برهان الدين رباني منذ عام ١٩٧٢م حتى الآن. وقد شهدت الجمعية انقساماً عام ١٩٧٥م، على خلفية التعامل مع نظام الرئيس الأفغاني آنذاك محمد داود، وتشكل عن هذا الانقسام حزب جديد بقيادة قاضي محمد أمين أطلق عليه اسم الحزب الإسلامي والذي اختير قلب الدين حكمتيار رئيساً له فيما بعد. - الاتحاد الإسلامي لتحرير أفغانستان: وظهر هذا الحزب عام ١٩٨٥م، بعد أن تم حل الاتحاد الذي ضم عدداً من الأحزاب الإسلامية واختير في حينه لرئاسته عبد رب الرسول سياف الذي كان رئيساً لوزراء أول حكومة منفى للمجاهدين بعد انسحاب الجيش الأحمر من أفغانستان. - الحركة الإسلامية الشيعية: وتأسست عام ١٩٨٠م، حيث قام مؤسسها آصف محسني بتوحيد عدد من الأحزاب الشيعية الصغيرة، إلا أنه لم تربطه بإيران علاقة قوية إذ كان محسني على خلاف مع خامنئي، وتعد الحركة من أحد حلفاء الجمعية الإسلامية التاريخيين. - الحركة القومية: أسسها الجنرال عبد الرشيد دوستم عام ١٩٩٢م، بعد تمرده على آخر حكومة شيوعية في كابول برئاسة نجيب الله. - حزب الوحدة الإسلامي: أسسه عبد العلي مزاري عام ١٩٩٠م، ويتألف من ثمانية فصائل شيعية، وقتل عبد العلي على يد طالبان عام ١٩٩٥م، ويترأس الحزب الآن عبد الكريم خليلي. - مجلس شورى الشرق: وهو استمرار لمجلس شورى جلال أباد، ومن أهم شخصياته حاجي عبد القدير الذي كان والياً على ننجهار، وعاصمتها مدينة جلال أباد بعد سقوطها في أيدي المجاهدين. أهم شخصيات التحالف: ١ - برهان الدين رباني: وهو ثاني رئيس لدولة المجاهدين في كابول بعد سقوط الحكم الشيوعي فيها عام ١٩٩٢م، وخرج من كابول عام ١٩٩٦م، ثم ظل متنقلاً في ولايات الشمال التابعة له، وينتمي إلى العرقية الطاجيكية السنية. ٢ - عبد الرشيد دوستم: أقوى قائد عسكري في آخر حكومة شيوعية في أفغانستان، وينتمي إلى العرقية الأوزبكية السنية. ٣ - عبد الكريم خليلي: زعيم حزب الوحدة الشيعي وقاد معارك عديدة ضد طالبان في ولاية باميان تراجع بعدها إلى المناطق الشمالية، ثم عاد إلى باميان من جديد. وينتمي إلى الهزارة. ٤ - عبد رب الرسول سياف: سجنته الحكومة الشيوعية في كابول في الفترة من ١٩٧٤-١٩٨٠م، وبعد خروجه من السجن انضم إلى المجاهدين وأسس حزبه الإسلامي، وبعد سيطرة طالبان على كابول انضم إلى الجبهة المتحدة، ويقيم حالياً في قاعدته بمنطقة قلبهار شمالي كابول، وينتمي إلى العرقية البشتونية. ٥ - يونس قانوني: من أهم رجال القائد الراحل أحمد شاه مسعود وكان له دور رئيسي في الاتصالات بين الجمعية الإسلامية وجهاز المخابرات في كابول، وتولى عدة مناصب منها رئيس اللجنة السياسية لمجلس القادة الميدانيين الذي شكله مسعود في الثمانينيات، وكان وزيراً للداخلية، وينتمي إلى العرقية الطاجيكية السنية. ٦ - محمد فهيم: تولى منصب وزير الدفاع لحكومة الجبهة المتحدة خلفاً للقائد أحمد شاه مسعود، كما تولى في السابق العديد من المناصب أهمها مسؤول المخابرات ونائب أحمد شاه مسعود، وينتمي غلى العرقية الطاجيكية السنية. [جريدة السبيل، العدد (٤٠٧) ] الحلف والحلفاء.. والوفاء ١ - الفاتيكان: سوَّغ أمين سر الفاتيكان (وزير الخارجية) المونسنيور جان لوي توران التدخل الأمريكي في أفغانستان معتبراً أن الحكومة الأمريكية «تمارس حقها في الدفاع المشروع عن النفس» . وقال توران في حديث إلى صحيفة «لاكروا» إن «من أسباب الأزمة الضباب الذي يلف مسيرة السلام في الشرق الأوسط» داعياً إلى معاودة إطلاق ديناميكية السلام التي يفترض أن تقود إلى إنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة «. وأعرب عن اعتقاده بأن استعمال القوة في أفغانستان» له أهداف محددة بوضوح «، وحض على» حماية أرواح الأبرياء وعدم استهداف المدنيين مباشرة في الهجومات «، وإلى عدم اللجوء إلى استعمال أسلحة الدمار الشامل. وقال:» إن الحكومة الأمريكية مثل بقية الحكومات تمارس حقها في الدفاع المروع عن النفس؛ لأن من واجبها ضمان أمن مواطنيها «. [جريدة الحياة، العدد: ١٤٠٩٠] ٢ - بريطانيا: أعلنت بريطانيا أن أعداداً من قواتها العسكرية التي شاركت مؤخراً في مناورات بسلطنة عمان سوف تبقى في المنطقة لفترة أطول، وسوَّغت المملكة المتحدة هذا القرار بأنها تريد أن تشرك تلك القوات مع القوات الأمريكية التي تهاجم أفغانستان، ولم يذكر المسؤول البريطاني عدد القوات التي قررت بلاده إبقاءها في سلطنة عمان، ولا المواقع التي ستتواجد فيها بالضبط، واكتفى بالقول: إن تلك القوات ستتعاون مع القوات الأمريكية في إطار التحالف الذي تم تشكيله للقضاء على بن لادن. وكان الوزير المسؤول عن القوات المسلحة البريطانية آدم إنجرام قد صرح أن مائتين من القوات الملكية البريطانية الخاصة سترسل للمشاركة مع القوات البرية الأمريكية في أفغانستان، وأن أربعمائة من تلك القوات الخاصة سيعودون إلى بريطانيا من سلطنة عمان، وسيكونون على أهبة الاستعداد لهذه المشاركة في أي لحظة. موقع قناة الجزيرة www.aljazeera.net ٣ - فرنسا: أفادت مصادر فرنسية أن باريس أرسلت إلى منطقة بحر العرب باخرة للقصف والالتقاط هي الباخرة» لوبوغنفيل «كما أنها أرسلت طائرة» سي ١٦٠ «غابريل للتنصت الإلكتروني، وبالإضافة إلى ذلك فإن طائرات تزويد الوقود وأخرى للتجسس قامت بعدة مهمات فوق أفغانستان. وقال شيراك إن هذه الوسائل الإضافية» تسمح لفرنسا بأن تساهم بشكل أفضل في العمليات الجارية في أفغانستان للقضاء على الشبكات الإرهابية وعلى الدعم الذي تحظى به «. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٣٦٨) ] ٤ - ألمانيا: أعلن المستشار الألماني جيرهارد شرويدر أن ألمانيا» ستقدم قريباً مساعدة أكثر تكاملاً تشمل التصعيد العسكري «في المعركة ضد الإرهاب. وقال شرويدر إن ألمانيا» ستقدم قريباً مساعدة أكثر تكاملاً من تلك التي طلبت منا حتى الآن، تشمل الصعيد العسكري «. وتابع الزعيم الألماني متحدثاً عن الائتلاف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الإرهاب:» إننا ندافع عن أسلوبنا في العيش وهذا حق لنا «. [جريدة البيان، العدد: (٧٧٩٢) ] ٤ - الاتحاد الأوروبي: أكد رئيس وزراء بلجيكا جي فيرهوفستاد أن الاتحاد الأوروبي متمسك بمحاربة كافة أشكال الإرهاب في جميع أنحاء العالم وخاصة أفغانستان من خلال القضاء على تنظيم القاعدة الذي رفض نظام طالبان الحاكم في كابول تسليم قادته. وأضاف: إن تنظيم القاعدة هو المسؤول عن العمليات الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية في ١١ /٩ /٢٠٠١م. موقع شبكة محيط moheet.com ٥ - أستراليا: أعلنت أستراليا أنها سترسل ١٥٥٠ جندياً من القوات الخاصة للانضمام للحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة ضد أفغانستان. وقال رئيس الوزراء الأسترالي جون هوارد في خطاب متلفز لشعبه إن حكومته سترسل جنوداً للمشاركة في الحرب التي تخوضها أمريكا، وبريطانيا ضد الإرهاب. ويشمل التعهد الذي قدمه رئيس الوزراء الأسترالي للرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، إرسال أربع طائرات مقاتلة طراز إف. إيه ١٨ وطائرتي استطلاع طراز (بي ٣) بعيد المدى، وطائرتين للتزود بالوقود في الجو، وثلاث فرقاطات مسلحة بصواريخ موجهة؛ إلى جانب سفينة قيادة. وتضم الفرقة الأسترالية المزمع إرسالها ١٥٠ جندياً من قوات الصاعقة من فوج الخدمات الجوية الخاصة (ساس) الذين من المحتمل أن يشاركوا في غارات » اقتحام «شديدة الخطورة ضد ميليشيا طالبان الحاكمة ومقاتلي أسامة بن لادن في أفغانستان. وقال هوارد» لا شيء يمكن أن يوصف بأنه رمزي في هذه المساهمة، إنها مساهمة ذات مغزى ومهمة للغاية تقدمها أستراليا «محذراً من احتمال سقوط قتلى من الجنود الأستراليين. موقع هيئة الإذاعة البريطانية www.bbcarabic.com ٦ - كندا: أفادت مصادر في هيئة قناة السويس أن الفرقاطة الكندية» إتش إم سي اس هاليفاكس «عبرت القناة باتجاه منطقة الخليج للانضمام إلى التحالف العسكري المضاد للإرهاب. وكانت مصادر رسمية كندية أعلنت أن الفرقاطة كانت تشارك في مهمة لحلف شمال الأطلسي في البحر الأبيض المتوسط لكنها تلقت أوامر بالتوجه إلى الخليج وتعهدت كندا المساهمة في التحالف العسكري المضاد للإرهاب عبر ست سفن حربية وست طائرات نقل أو مراقبة وألفي جندي حداً أقصى. ويجري حالياً تمركز القوات الكندية المشاركة في التحالف، وأطلق عليها اسم » أبولو «أ. ف. ب. [جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٧٩٨) ] ٧ - روسيا: قالت كوندوليزا رايس مستشارة الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي: إن روسيا كانت كريمة جداً، وأعربت عن استعدادها للتعاون في المجالات المختلفة بما في ذلك تبادل المعلومات الأمنية وفتح المجال الجوي وإعلان الاستعداد للمشاركة في عمليات البحث والإنقاذ، مضيفة أنها لا تستبعد ظهور أشكال أخرى للتعاون بقدر توسع إطار عملية مكافحة الإرهاب. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٣٥٨) ] ٨ - أوزبكستان: توصلت الولايات المتحدة لاتفاق مع حكومة أوزبكستان يتبح للقوات الأمريكية شن هجمات على أفغانستان من الأراضي الأوزبكية. أعلن الجانبان أن الاتفاق يهدف لمكافحة الإرهاب الدولي، ويعطي القوات الأمريكية الحق في استخدام المجال الجوي الأوزبكي، وقاعدة جوية داخل أوزبكستان. وتوفر أوزبكستان التي يبلغ عدد سكانها: سكان كاليفورنيا ٢٥ مليون نسمة، معبراً استراتيجياً إلى شمال أفغانستان بحدود مشتركة تصل إلى ٨٥ ميلاً، ويظل حجم الوجود العسكري الأمريكي الكلي هناك غير واضح، ولكن كل المؤشرات تفيد بأنه في تزايد وسيظل في مكانه لأشهر وربما لسنوات. موقع هيئة الإذاعة البريطانية www.bbcarabic.com ٩ - جورجيا: أكدت مصادر مطلعة أن جورجيا ذهبت أبعد من دول آسيا الوسطى بكثير من خلال تقديم تسهيلات غير مشروطة للقوات الأمريكية في الأراضي والأجواء الجورجية، وقد تم التوصل إلى ذلك إبان لقاء الرئيس الجورجي شيفاردنادزة الذي زار الولايات المتحدة الأمريكية بالرئيس الأمريكي جورج بوش. [جريدة الرياض، العدد: (١٢١٥٨) ] ١٠ - طاجيكستان: قررت طاجيكستان، الجمهورية السوفييتية السابقة، فتح مجالها الجوي للطائرات الأمريكية، وعززت إجراءاتها الأمنية على الحدود مع أفغانستان تخوفاً من عمليات تسلل وتدفق اللاجئين إثر الضربات الأمريكية والبريطانية، وأشار بيان الحكومة الطاجيكية أن دوشانبيه قررت أيضاً فتح مطاراتها للطائرات الأمريكية» وقت الضرورة «. ووصل خبراء أمريكيون إلى طاجيكستان في وقت سابق لدراسة إمكان استخدام المطارات الطاجيكية، واعتبر خبير عسكري غربي في دوشانبيه أن القواعد الجوية الطاجيكية قد تكون مفيدة جداً للأمريكيين في حال أرادوا استخدام طائرات هجومية لقصف مواقع برية في عملياتهم ضد أفغانستان. [جريدة البيان، العدد: (٧٧٨٣) ] ١١ - أذربيجان: اعترف نوروز ماميدوف مسؤول قسم العلاقات الخارجية في إدارة الرئيس الأذربيجاني بأن بلاده تفتح مجالها الجوي للطائرات الأمريكية المشاركة في عملية مكافحة الإرهاب في أفغانستان. وقال ماميدوف في تصريحات لوكالة إيتار تاس:» لقد استخدمت الطائرات التي نقلت معونات إنسانية إلى أفغانستان وكذلك معدات لدعم عملية مكافحة الإرهاب مجالنا الجوي وستواصل ذلك «. وكان الرئيس الأذري حيدر علييف أكد بأن أذربيجان تقف في صف واحد مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب الدولي، وقال إن أذربيجان ستساهم بقسطها في مكافحة الإرهاب. [جريدة البيان، العدد: (٧٧٩٦) ] ١٢ - تركيا: ذكرت وسائل الإعلام التركية أن تركيا تستعد لإرسال وحدات من القوات الخاصة إلى أفغانستان لتدريب قوات التحالف الشمالي التي تسعى للإطاحة بنظام طالبان الحاكم. وقالت صحيفة» الجمهوريت «التركية إنه سيتم إرسال ٣٠٠ جندي كحد أقصى من الوحدات الخاصة لتدريب قوات التحالف الشمالي على مكافحة الأعمال الإرهابية، وبرغم أن الحكومة التركية أعلنت بالفعل عن استعدادها لتدريب قوات التحالف الشمالي غير أن مسؤولين أكدوا أن الولايات المتحدة لم تتقدم بطلب في هذا الصدد. [جريدة البيان، العدد: (٧٧٨٤) ] ١٣ - إيران: أ - ذكرت صحيفة» فايننشل تايمز «البريطانية أن إيران مستعدة للتعاون مع الولايات المتحدة في حملتها لمكافحة الإرهاب شرط أن تكون بقيادة الأمم المتحدة، وصرح محسن رضائي، أمين عام مجلس تشخيص النظام في إيران للصحيفة أن طهران قد تتقاسم مع واشنطن المعلومات التي تجمعها أجهزة الاستخبارات. وقال رضائي:» إذا كان الأمريكيون يجدون أنفسهم متورطين في أفغانستان، فهم حقاً بحاجة إلى إيران «، وهذه المرة الأولى التي يلمح فيها مسؤول إيراني من مستوى رفيع إلى احتمال أن تعمل إيران والولايات المتحدة اللتان لا تقيمان علاقات دبلوماسية منذ عام ١٩٨٠م، حسب الصحيفة. واعتبرت» فايننشل تايمز «أن كلام رضائي الذي قاد حراس الثورة الإسلامية (باسدران) خلال ١٦ عاماً يحمل على الاعتقاد بأن إيران تريد اغتنام الفرصة التي أوجدتها اعتداءات ١١/ ٩ /٢٠٠١م لوضع حد لعشرين عاماً من المواجهة بين البلدين. [جريدة القدس العربي، العدد: (٣٨٦٥) ] ب - أعلن كمال خرازي وزير الخارجية الإيراني إثر محادثات أجراها مع الرئيس الطاجيكي علي رحمانوف أن مكافحة الإرهاب» ضرورية ومبررة «. وشدد على أن طهران ترفض أن تضم الحكومة الأفغانية المقبلة ممثلين عن حركة » طالبان «التي قال» إن لها ماضياً أسود «. من جهتها أكدت الولايات المتحدة أنها ليست قلقة من انعقاد اجتماع لمندوبين عن الدول المجاورة لأفغانستان في طهران. وصرح مساعد المتحدث باسم الخارجية فيليب ريكر» لا نرى أي تضارب « مذكراً بأن الدول المجاورة لأفغانستان (باكستان، وإيران، وأوزبكستان، وطاجيكستان، وتركمانستان، والصين) فضلاً عن روسيا والولايات المتحدة تجري مشاورات فيما بينها منذ سنوات. [جريدة الحياة، العدد: (١٤٠٩٧) ] ١٤ - مجلس الأمن: أكد رئيس مجلس الأمن الدولي ريتشارد راين أن أعضاء المجلس أعربوا بالإجماع عن تأييدهم للعمليات العسكرية التي تنفذها الولايات المتحدة وبريطانيا في أفغانستان، وقال السفير الإيرلندي الذي يرأس المجلس في أكتوبر، للصحافيين: إن الإجماع الذي ظهر بعد الاعتداءات على واشنطن ونيويورك في ١١/٩/٢٠٠١م بقي على حاله بخصوص الضربات الأمريكية البريطانية ضد أفغانستان. [جريدة البيان، العدد: (٧٧٨٣) ] تباطؤ اقتصادي غير مسبوق أظهرت تقارير رسمية في الولايات المتحدة أن الصناعة الأمريكية تمر بأطول فترة انخفاض تعرفها منذ الحرب العالمية الثانية. قالت الأرقام التي أصدرها مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) إن ناتج المصانع والمنشآت والمناجم الأمريكية انخفض بنسبة ١%، إن الانخفاض استمر بذلك لمدة اثني عشر شهراً على التوالي. تشير الأرقام إلى أن هذا الفترة هي الأطول التي يتعرض فيها الإنتاج الصناعي للانخفاض منذ سلسلة التراجع التي سجلها في الفترة من نوفمبر (تشرين الثاني) عام ١٩٤٤م وحتى أكتوبر (تشرين الأول) من عام ١٩٤٥م، قد اعتبر الخبراء في وول ستريت هذه الأرقام أسوأ مما كانوا يتوقعون، وقال نائب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي روجر فيرجسون في مؤتمر لرابطة تجار السندات إنه إذا كان مدى الخسائر الذي خلفته الهجمات على الاقتصاد الأمريكي غير معروف، فإن الفترة التي ستمضي قبل أن يعود الاقتصاد إلى انتعاشه ستظل أيضاً غير معروفة. موقع هيئة الإذاعة البريطانية www.bbcarabic.com كل هذه القوة؟ ! ! ٤٠ ألف بحار، مع وصول حاملة الطائرات الأمريكية (ثيودور روزفلت) مع طاقمها الحربي يكون الوجود الأمريكي في بحر العرب قد بلغ ٤٠ ألفاً من جنود البحرية الأمريكية، موزعين على ما يقرب من ٥٠ سفينة. وقد قدمت مجموعة السفن الحربية الأخرى إلى المنطقة، وعلى رأسها حاملة الطائرات» انتر برايز «التي جاءت من نورفولك بولاية فيرجينيا، وحاملة » كارل فنسون «التي جاءت من بريميرتون في ولاية واشنطن، وحاملة» كيتي هوك «التي وصلت من يوكوسوكا باليابان، وكل واحدة من هذه الحاملات تضم طواقم بحرية، وكل مجموعة حربية في المنطقة تضم ما يقرب من عشرين سفينة. وتوجد في المنطقة أيضاً السفينة العملاقة المقاتلة» بيليليو «وهي حاملة تضم على متنها دبابات» أبرامس «والطائرات المقاتلة» كوبرا «ومقاتلات جوية من نوع» هاريير «وغيرها من المقاتلات الأخرى، وعلى متن هذه السفينة العملاقة يوجد كذلك ٢٢٠٠ من أفراد الوحدة الخاصة في البحرية الأمريكية، وهي فرقة تستطيع القيام بمهام حربية خاصة. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٣٦٦) ]

стр. 4125

في دائرة الضوء ثقافة النخبة.. مساحات وفواصل محمد أحمد منصور جعلت الحداثة من الثقافة العربية جُزراً وسط محيط، كل جزيرة معزولة في ذاتيتها بينما هي تحوي كيانات، وكل كيان يزعم أنه وحده الذي يملك المطلق الثقافي! وفي كل كيان نماذج بشرية ما تختلف فيه أكثر مما تتلاقى عليه، وداخل كل نموذج مساحات من التاريخ والفكر والتقليد، وهي على ما بينها من فواصل تشكل كل منها ظاهرة جديرة بالتأمل والتنقيب عن القاسم المشترك بين هذه الظواهر على علاتها واختلافها. وفي هذه الدراسة نحاول أن نكشف أهم ملامح الخريطة بصورة كلية دون أن يمنعنا هذا من حرث بعض هذه المساحات. فرنَسَةُ العمامة! رفاعة الطهطاوي: خطوط كثيرة في واقعنا الثقافي يمكن القول عنها إنها تمر عبر رفاعة بوصفه رمزاً وشخصيةً تكررت في العديد من البلدان التي استهلكت التنوير، حين ذهب الشاب واعظاً للبعثة العلمية، كان الفرنسيون يدركون جيداً أن حاجتهم إلى هذا الشاب أضعاف حاجتهم لسائر أفراد بعثته؛ لأن تطويعه يعني الكثير والكثير مما ستكشفه الأيام. ومن ثم فقد مورس عليه دور الأستاذية [١] بذكاء ودقة واقتدار؛ إذ وُكل الدور لمجموعة متكاملة من الخبراء الفرنسيين ذوي الاطلاع والمعرفة بأحوال المسلمين في الشمال الإفريقي المسلم كان من بينهم: (كوسيه دي برسفال، وسيلفستر دي ساس، وفرانسوا جومار) وثلاثتهم كان له دور كبير في الحملات على مصر وبلاد الشام والشمال الإفريقي. لقد دارت سلسلة من النقاشات الطويلة التي تهدف إلى ترسيخ وبناء قناعات جديدة: تخلف العقل العربي (ويُعنى به الإسلامي طبعاً) أن هذا التخلف له سبب تاريخي هو الدين (الإسلامي) أن التقدم له طريق أدق، وهذا الطريق غير ممكن إلا عن طريق فرنسا، وها هي الفرصة قد لاحت له، وهو الشغوف بها. لقد بدأ رفاعة أول الأمر مستعصياً لكنه ما لبث أن لان؛ ومن هنا بدأت رحلة الأَوْربة التي لم تفلح فيها مدافع نابليون، وإن عباراته في كتابه: «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» تكشف قدراً من الاهتمام الحافل به. لكن الذي نريد أن نبينه هنا هو النقلة الكبيرة حين يقول: «فالفرنساويون أقرب إلى العرب من الترك» ، ولا شك في أن الجملة تثير تساؤلات عديدة؛ لكن مفرداتها تثير تساؤلات أكثر وأكبر (الفرنساويون العرب الترك) ! ولعله أيضاً من المهم أن نشير إلى نص ليس وحيداً في كتابه؛ فقد كان يستخدم في مسوداته كلمة «الكفرة» تعبيراً عن «النصارى» يقول مثلاً: «فبلاد أوروبا أغلبها نصارى أو كفرة» . ثم يتحدث عن القوانين الفرنسية فيقول: «لتعرف كيف حكمت عقول الكفرة بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد» . كان هذا النص في المسودات لكن على حد تعبير رفعت السعيد: لكن سلفستر دي ساس [٢] يعترض على وصف الكفرة ويتواصل النقاش ويوافق رفاعة ويشطب كلمة «الكفرة» [٣] . تعميم الفرنسة: كانت تلك السابقة الأولى لعمامة تغطي رأساً فرنسياً عاد لتوه ليقيم مدرسة للألسن ينتقي فيها رفاعة ١٥٠ شاباً من مختلف قرى مصر ليكونوا نواة لمشروع التطوير الذي تبناه محمد علي، وحين تخرج هؤلاء وجدوا أنفسهم من بين كبار الدولة التي منحتهم النياشين، وأسبغت عليهم الهبات ليصبحوا من كبار الملاك أيضاً، وقامت على أكتافهم عملية ترجمة واسعة للأدب، والتاريخ؛ وقليل من العلوم الأوروبية كان لها أثرها خاصة في عهد إسماعيل الذي افتخر بأن بلاده قد صارت قطعة من أوروبا. ويعلق الرافعي المؤرخ على ذلك: «ومن تهكم الأقدار أن تصبح مصر على ما يقول إسماعيل قطعة من أوروبا في الوقت الذي فقدت فيه استقلالها المالي، وضربت أوروبا وصايتها القهرية عليها، ولعمري ليس مما يفخر به صاحب العرض أن يجعل بلاده جزءاً من أوروبا على الطريقة المعكوسة» ! كان بلا شك عصر إسماعيل هو الأكثر تأثيراً في عملية الاختراق الثقافي الكامل لمصر، بل كان أكثر تأثيراً على الشخصية المصرية حتى الآن. ولأول مرة يشهد المجتمع المصري ازدواجاً في ثقافته؛ فمنذ ذلك التاريخ تحولت الثقافة من ثقافة المجتمع بكل فئاته إلى ثقافة الدولة، ومن ثقافة الجماهير العريضة من أبناء الأمة إلى ثقافة النخبة التي مارست نوعاً من الوصاية باسم التنوير. ولقد ظلت هذه النخبة منعزلة عن ثقافة الجماهير في مصر منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم تقبع في المكاتب والجامعات ومراكز البحوث ودور النشر، وتعكف على صياغة نظريات بعيدة عن عقيدة الجماهير منبتَّة الصلة بأحاسيسها واتجاهاتها. إن طبيعة الدور الذي قاموا من أجله جعلهم آخر من يفكر فيما يحدث ويتشكل، وأقل من ينتج في عالم الأفكار التي يتداولونها في خطاباتهم؛ إذ كانوا يفكرون من الشمال إلى اليمين، ثم يصوغون ذلك بعربية لا تخلو من رطانة. الأستاذية: الانبهار الذي لف رفاعة بالشخصية الأوروبية الإنسان والمكان سرى ليشمل كل ما هو أوروبي وجعل الأستاذية عنده شيئاً مقدساً يرقى في بعض نماذجه لأن يتقمص دور النبي والتابع. فحسن حنفي طالب السوربون كان يسمي أستاذه (جان جيتون) العلماني المقدس بـ «المسيح» ، بينما يسميه أستاذه: «تلميذي الحبيب» كما سمى المسيح ﵇ يوحنا: «الحبيب» على نحو ما نقرأ في الجزء السادس من كتاب الدين والثورة في مصر [٤] ؛ فالاستعارة الإنجيلية قد غلفت هذا الانبهار بنوع من القداسة ليس للشخص فقط وإنما للأفكار والنظريات، ومن هنا كان الانبهار (أو الانسحاق) في مقابل الأستاذية هي الثنائية التي حكمت علاقة التلقي عن الآخر كما يسميه حنفي والتي أوجدت الثنائيات الشقية أو وطنت لها: العقل الوحي، الحداثة أو المعاصرة الأصالة، العلم الدين، التنوير التقليد والتخلف. السلطة الجديدة: إن الجيل الذي مورس عليه دور الأستاذية باقتدار قد عاد بعدها ليمارس نفس الدور على بني جلدته ولعل نظرية عدوى السلوك تمدنا بتغير لبعض ما يحصل؛ فرطانة اللسان والنظريات المحفوظة والتفسيرات الجاهزة، كل ذلك أمر جديد على مسامع الناس لم يألفوه إلى جانب المناصب الكبيرة في الدولة التي من خلالها يمكن فرض ما يريد الأستاذ الجديد قوله ولو بالقوة! ومن هنا بدأ نوع جديد من فرض الوصاية يقوم به التلميذ المفتون بأستاذه الغربي على مجتمعه لنشر ما ادعاه الأستاذ الأول أنه رسالة الغرب في تنوير الشعوب، ومن هنا أيضاً استغل التلميذ علاقته بالغرب وما تلقاه عنه في تكريس سلطته على الشعب في مواجهة المعترضين، ولا بأس حينئذ من استخدام فعل الشرطي بدلاً من رأس المفكر كلما لزم الأمر. كان ذلك نوعاً من التجهيل المركب الذي مورس باقتدار أيضاً على المجتمع المسلم؛ حيث استفرغت قوى المجتمع بين المعارضة وبين تعلم نظريات لا يمكن تطبيقها في الواقع الشرقي الإسلامي، ومن ثم لم تنجح خطط التنمية الحقيقية والتنمية البديلة عندما وقع الصدام، وفرضت الوصاية على عقل المجتمع. إننا لا نجد مثقفاً عربياً واحداً نجح في الكلام بصورة جديدة غنية أو فريدة عن المقولات التي يتداولها المثقفون في خطاباتهم منذ عقود كالديمقراطية والحداثة والعقلانية والعلمانية والتنوير والاشتراكية؛ هكذا جرت الأمور من الأفغاني حتى حسن حنفي، ومن محمد عبده حتى محمد أركون، ومن شبلي شميل حتى محمود أمين العالم؛ لقد تعامل أهل الفكر مع أنفسهم كدعاة ومبشرين أو كمناضلين وثوريين يهمهم بالدرجة الأولى قلب الأوضاع وتغيير المجتمعات أو تحرير الشعوب وفق تصورهم، ولعلنا نجد نموذجاً لذلك في كلام سلامة موسى شيخ المتغربيين؛ إذ يرى أن الصراع الدائر بين النخبة وهم قلة معزولة وبين المجتمع يجري لهدف ووفق تصور: «إن في العالم العربي صراعاً بين المبادئ التي ينصرها ويذود عنها رجال الدين، والمبادئ التي تدين لها، وتعمل على نشرها» طبقة صغيرة « عدداً، ولكنها كبيرة حرمة وجاهاً، باعتبار أن في يدها مقاليد الحكم؛ فهذه الطبقة تستطيع أن تحضر العالم العربي بسن القوانين ثم يشرح كأن تعاقب المرأة المحجبة، ولا قبل لنا بانتظار المنظور الاجتماعي؛ لأن العالم يثب إلى الإمام» [٥] . فهكذا التنويري ليس عن طريق التفكير والإبداع وإنما عبر القهر والقسر! ومن هنا نجد أن هذه الأدوار مورست على حساب النشاط المفهومي والإنتاج المعرفي، بل مورست على حساب هذا النشاط والإنتاج، بل مورست ضد إرادة المعرفة وعلى حساب الفهم؛ ولهذا فلا يحتاج المرء إلى بيانات لكي يقول بأن هذه المهمة الطليعية قد ترجمت على الأرض فشلاً ذريعاً وإحباطاً مميتاً؛ فالمثقفون حيث مضوا إلى تغيير الواقع، من خلال مقولاتهم، فوجئوا دوماً بما لا يتوقع؛ فحين حاولوا تحرير المجتمع من التبعية والجهل لم يزد المجتمع العربي إلا تبعية وجهلاً، وحين طالبوا بالوحدة، فإذا بالواقع ينتج مزيداً من الفرقة، وناضلوا من أجل الحرية، فإذا الحريات تتراجع، وآمنوا بالعلمنة؛ فلم يزدادوا إلا بعداً من مجتمعاتهم [٦] . الحرمان العلماني: الحرمان الكنسي الذي مارسته الكنيسة خلال القرون الوسطى كان مثاراً للسخرية وسبباً للخروج على الكنيسة؛ إذ من خلاله استطاعت الكنيسة أن تفرض رؤيتها وحقها في تبديل نصوص الإنجيل وتفسيرها على سائر قوى المجتمع بأسره؛ فقد مورست باسمه أبشع المحاكمات وعمليات التصفية لكل من يخالف الكنيسة أو تشك في أمره؛ هذا الوضع أفرز ظروفاً بالغة السوء من التسلط والتخلف والظلم الاجتماعي والفساد السياسي والقانوني، وكان مما أفرز الثورة على الكنيسة نفسها باسم العلم. هذه الصورة التي ثار من أجلها علمانيو الغرب هي عين ما يحاول علمانيو الشرق بسطه تحت مسمى التحرير أو التنوير، وليس باسم الدين طبعاً، وإنما باسم العقل أو العلم وفي مواجهة الدين الإسلام بالطبع بتأليب ودعم من الغربيين. لقد مورس الحرمان العلماني من خلال السلطة النخبوية كما تصور سلامة موسى من خلال القانون والفكر، ومن خلال أساليب أخرى ضد جميع المناهضين للمشروع التغريبي وعلى رأسهم دعاة الإسلام والمتمسكون به، وتعرضوا لكل صور الحرمان التي مارستها الكنيسة في القرون الوسطى، والفارق الوحيد هو أن هذا باسم العلم وذاك باسم الدين، وكلاهما يحمل نفس القدر من الخداع والتسويغ وأساليب القهر وأدواته، والدوافع في كلتا الحالتين هو الحفاظ على أحدية المرجعية داخل المجتمع مرة لحفنة من الباباوات، وأخرى للقلة التي أشار إليها سلامة موسى. وإذا كانت الكنيسة قد أضفت القداسة على نصوص «الكتاب المقدس» فإن للعلمانية من المقولات ما تدعي له القداسة. ولهذا نجد أن ثورتهم على تقليد علماء الشريعة كرمز للإسلام بدعوى الإبداع في الفكر والاستقلال في النظر إلى المعارف لا تعني إلا التمرد على سلطان الشريعة بدعوى محاربة التقليد، ومن ثم فإن هذا المنهج يفترض أن يأتي بطرح علمي جديد غير قائم على التقليد؛ إلا أن الحقيقة غير ذلك؛ حيث نجد المتمرد على الأقربين قد انقلب مقلداً للأبعدين بصورة تستثير الضحك عند تجريده والتدقيق فيه. فاصلة: الثورة على الدين هي حقيقة جامعة ما بين النخبة الغربية والنخبة المتغربة؛ فالأخيرة ما هي إلا ترجمة ركيكة للأولى مع فارق أن هؤلاء هاجموا صورة مزيفة من الدين لم يعرفوا غيرها، وعمموها جهلاً على الدين كله، بينما المتغربون التنويريون يهاجمون الدين الحق فيقولون فيه ما قاله أولئك في بضاعتهم المزيفة، فيرتكبون في الواقع حماقتين: التقليد بغير بصيرة، وحماقة وضع الكلام في غير مواضعه التي يمكن أن يصح فيها، وما كان من كتاباتهم ضد الإسلام بالذات فهو ترديد لما يقوله المستشرقون حرفاً حرفاً، وافتراء محضاً، فيرتكبون مرة أخرى حماقتين «عقلانيتين» : حماقة التقليد بغير بصيرة، وحماقة أخذ الحكم على الشيء من أعداء ذلك الشيء الذين هم بداهة حكام غير أمناء؛ لأنهم أعداء! ظاهرة صوتية: الثقافة في بلادنا ظاهرة صوتية؛ فإن ما لا يقل عن ٩٥% ممن يسمون أنفسهم بالمفكرين لا يستحقون هذا الاسم. إنك تقرأ للواحد منهم مقالة فلا تجد إلا كلاماً مرصوصاً لا يؤدي إلى نتيجة، لم يجدوا من يكتب عنهم، فقرروا أن يكتبوا عن أنفسهم، ولم يجدوا من يعرف أسماءهم ووجوههم، فقرروا أن يسلط بعضهم الضوء على وجوه بعضهم، ويلمعوا أسماء رفاقهم، ولم يجدوا من يشتري مجموعاتهم الشعرية، فقرروا أن يجروا عليها تخفيضات انتحارية تصل إلى ٩٠% أي بأقل من ثمن الورق الذي طبعت عليه، وأخيراً لم يجدوا من يحضر أمسياتهم، فقرروا أن يستأجروا من يسمعهم. ومن هنا فإن مشروع المثقف أعني المثقف ذاته بات أعجز من أن يقوم بتنوير الناس؛ إذ هو أي المثقف يحتاج إلى التنوير بنقد دوره وتفكيك خطابه عن العقل والاستنارة إن كان له خطاب وذلك بقدر ما تعامل مع فكرة التنوير بصورة غير تنويرية وفق مقاييس التنوير التي يدَّعونها! ومن هنا فإن مشكلة النخبة الثقافية هي في نخبويتها بالذات؛ ذلك أن النخبوية قد آلت إلى العزلة والهامشية، وأنتجت التفاوت والاستبداد بقدر ما جسدت الاصطفاء والنرجسية [٧] لدى النخب الثقافية، ولهذا لم يعد بوسع المثقفين أن يؤدوا الدور الطليعي بعد الإخفاق النضالي والعقم الفكري الذي يؤذن بنهاية المثقف [٨] ؛ لأن معظمهم ما زالوا غارقين في سباتهم الأيديولوجي رغم انتهاء الأيديولوجيات وسقوطها لا يحسنون سوى نقض الوقائع لكي تصح مقولاتهم أو نظرياتهم. إنهم يرون الصلة في الواقع لا في الأفكار أو في أنماط الفهم أو طريقة التعامل مع الحقائق، ومن هنا يأتي سعيهم الدائم لمطابقة الوقائع مع مقولاتهم المتحجرة، أو قولبة المجتمع حسب أطرهم الضيقة وتصنيفاتهم الجاهزة؛ وبهذا المعنى مارس المثقفون دكتاتوريتهم الفكرية أو عنفهم الرمزي باسم الحقيقة أو الحرية، أو تحت شعار الديمقراطية هكذا؛ فهم بدلاً من أن يثقلوا على عقولهم لفهم ما يحدث أو لاستباق ما قد يقع، كانوا فعلاً بمثابة «شرطة للأفكار» ، ولعل هذا يفسر لنا كيف أن الحرية تتراجع مع كثرة المطالبة بها، وكيف أن النهوض يترجم تقهقراً، وكيف أن المناداة بالتنوير العقلي تفضي إلى انتعاش اللامعقول، وكيف أن مقاومة الغزو تؤول إلى زيادة التبعية للغرب [٩] . تنوي (ر أم م) ! نعود لنكرر أن مشروع رفاعة التنويري القائم على الترجمة هو عين ما نادى به أحمد لطفي السيد وشركاؤه؛ إذ نادى بوجوب تأسيس النهضة العلمية على الترجمة قبل التأليف؛ فقد صنفت علة مجتمعاتنا كما يدعي سلامة موسى أنها ما زالت تعتقد أن هناك مدنية غير المدنية الأوروبية، ومن ثم تمت حركة الترجمة الواسعة، ولاكتها الألسن مرة بعد مرة دون هضمها، وقد أثبتت النتيجة أن الاندماج في ثقافة الآخر ليست صكاً للمعاصرة والتقدم؛ لأن أوروبا بتاريخها ومنهجها الإمبريالي لا توزع التقدم على غير أبنائها الذين صنعت وتصنع لهم وبهم حضارة التقدم؛ هذا فضلاً عن أن مريديها من أبناء العالم الثالث ومنهم مثقفونا لا يفعلون أكثر من أنهم يستهلكون أوروبا في أوطانهم دون أن ينتجوا المعاصرة تماماً كما يفعل اقتصادهم. وقد أكدت التحولات العالمية والمحلية أن النخبة ليست على قدرة حقيقية على إقامة مشروع نهضة قادرة على تنوير العقول تنويراً حقيقياً والتأثير في الرأي العام بصورة بناءة؛ وذلك لأنه لم يكن يوماً صاحب عقيدة صلبة قادرة على قيادة الناس لتطوير المجتمع وتغيير العالم. شاكلة شايلوك: الصراع داخل المجال الثقافي اليوم صراع على هامش الفكرة وليس صراعاً معها أو حولها؛ بحيث أصبح مجال الثقافة مجالاً للتنافس والنزاعات بين علاقات القوى والتجمعات ذات المصالح التي تدار في كثير من الأحيان بعقلية المافيا؛ حيث يحتمي كل طرف فيها بقوة ويحاول توظيفها في صالحه، وفي هذا الخضم تنزلق الخطابات الثقافية إلى مهوى استخدام كل ألوان التضليل والتمويه والانتهازية التي تخرج التمايزات الثقافية من دائرة الاختلاف المعرفي الذي يثري الساحة ويقدم نماذج وصور البناء إلى واقع الحرب التي تدور في كثير من الأحيان في ساحة اللامعقول، وحول اللاشيء إلا إثبات الذات واحتكار المركزية وجعل الآخرين في الأطراف. هذا بعض واقع النخب الثقافية في ندواتها ومجلاتها وصحفها ووسائلها المختلفة تقرأ كل شيء فلا تخرج بشيء، وهكذا يترسخ الانفصام الذي يحياه المثقف بين مثالياته التي ينظر لها في كتاباته، وبين نشاطه المجتمعي حين يلقي عن وجهه مساحيق التجميل التي يظهر بها أمام جمهوره. موت المثقف! ومن هنا فإن فقدان المثقف لمصداقيته ليس لمجرد أن المجتمع متخلف أو يأبى التطور، أو أنه حتى متمسك بدينه، وقد يكون هذا بعض الأسباب؛ ولكن السبب الحقيقي هو موت أيديولوجيات المثقف حين استوردها ميتة لا روح فيها، وتوقف نشاطه العقلي في إطارها بحيث تحولت أفكاره إلى أسماء على غير مسمياتها؛ فما هي إلا مطلقات خاوية أشبه بالمثالب لا المثال. إن الكتابات التي قالت بموت الأيديولوجيات الوضعية إنما تعني موت المثقف الذي فقد آلته وتحول إلى طاقة عاطلة معطلة داخل المجتمع. وإخفاق آخر يضاف إلى هذا الإخفاق هو أن المثقف حين تحول إلى شرطي للأفكار، وحكم بالحديد والنار، وأدى دور الحرمان ضد الاتجاهات الإسلامية بحيث جفف منابعها وصادر منابرها فإن ذلك لم يُخْلِ له الجو كما توقع؛ لأن بديله لم يكن سوى إغراق في الشهوات وجذب الناس عبر فروجهم وبطونهم، وهو أمر لا يجدي في مواجهة الحق. وقد شهد عدد من الكتاب والمثقفين بأن المشروع التنويري أخفق فكرياً واجتماعياً لصالح المشروع الإسلامي الذي هو آخذ في الصعود رغم ما يحيطه من عقبات وتشويه وتعتيم، هذا إلى جانب الإخفاق بالقياس إلى الذات أو بالقياس إلى الآخر. استراحة الختام: هذه قصة أطبع بها بسمةً على وجه القارئ أختم بها مقالي، وهي ذات دلالات عميقة وخطيرة في ذاتها أولاً، ثم في تكرارها وذيوعها في الأوساط الثقافية، يرويها أديب ومثقف له احترامه، هو د. محمد رجب البيومي. يقول: كنت في أوائل الستينيات أقضي شهرَيِ الصيف بالإسكندرية، ولي بها صديقان أثيران، هما الأستاذ صديق شيبوب والأستاذ نقولا يوسف وكلاهما من ذوي الكفاية المشهورة في الأدب والنقد والتاريخ، وذات يوم زرت الأستاذ شيبوب في مكتبه بإدارة جريدة البصير، فوجدت الأستاذ نقولا معه، وأمامهما كتابان يضمان مجموعة من القصص، وقد أهدى المؤلف لهما هذين الكتابين، ولكن انقباضهما النفسي كان ملحوظاً لا يخفى على مثلي، فتساءلت، فقال الأستاذ شيبوب: قد يكون السكوت أفضل، ولكن نقولا قال: وماذا لو علم رجب بما نأسف له، ثم توجه بالحديث إليَّ قائلاً: كنا منذ عامين ثلاثة من المحكَّمين في مسابقة قصصية أقامها نادي الثقافة بالإسكندرية، أنا والأستاذ شيبوب وصاحب هذه المجموعة القصصية، وقد قرأنا أكثر من ثلاثين قصة واخترنا ثلاثاً للجوائز المقررة، ووكلنا إلى الزميل تقديم الأصول إلى النادي، لكنه لم يفعل، وقد تسلمت بالأمس مجموعته التي لم يخجل من إهدائها إلينا معاً! فماذا رأينا؟ رأينا عشراً من القصص المرفوضة التي بدلت عناوينها وبعض العبارات التي لا تقدم ولا تؤخر، ثم جمعت في هذا السِّفر البائس وليس لصاحبها منها غير اسمه فقط! وهي كل ما في الكتاب! قلت: ولماذا لا تواجهانه؟ فصاح نقولا: نحن لم نسلم من شره دون أن نجاهره بسوء! فما ظنك لو جابهناه بما اقترف! إنه بطل الشكاوى الكيدية للمباحث وصاحب الدعايات المسمومة، ولخطره البالغ تقبله المجتمع الأدبي بيننا بمرارة؛ إنه يعيش بين الناس كما يعيش الثعبان في برج الحمام، يعيش ليلدغ، قال عني: إني بهائي، وأنا لا أعرف شيئاً عن البهائية، وقال عن صديق شيبوب إنه ينشر الإعلانات للمرابين في البصير بأجر مضاعف يأخذ نصفه، وصديق له غير الصفحة الأدبية التي تصدر يوم السبت؛ فما له وللإعلان أهو صاحب الجريدة؟ فتوجهت إلى صديق سائلاً: وهل توافق أنت على الصمت أيضاً؟ قال: أرجو أن ينكشف الأمر على غير أيدينا [١٠] . وما زالت القصة تتكرر بين سرقة وصمت. ختامه: أما آخر المقال فقد اكتشف أحد الباحثين أن وزارة الثقافة في بلاده تعيش أزمة؛ وليست الأزمة بالطبع أعشاب البحر، فإن الوزير سئل في إحدى لقاءاته عن استراتيجية لمستقبل الثقافة فاكتشف الجميع أن الوزير لا يملك أي استراتيجية، وعندما وجه السؤال ذاته إلى عدد كبير من المثقفين كان الجواب السكوت، وقد علق أحد الظرفاء بأن الاستراتيجية موجودة ومحفوظة ودائمة، وقد صاغها شيخ الماركسية محمود أمين العالم في أغنية الإنسان: لا أدري عما أبحث ... بل أتحدث، أتحدث ... أتسول تأويلاً ... أنسج بالشعر بديلاً ... وإن كان لدينا على الأقل سؤال عن كل مقطع إلا أنَّا نكتفي بالسكوت أمام حيرة المتحدث وتسوُّل البديل!

стр. 4126

الورقة الأخيرة الاعتكاف والنقلة الإيجابية محمد بن يحيى مفرح عن أبي هريرة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام؛ فلما كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يوماً» [١] . لقد حرص رسول هذه الأمة على هذه العبادة تاركاً لمن ينتهجون نهجه درساً عظيماً في أهمية الانقطاع إلى الله تعالى والتحرر من الشواغل والمسؤوليات كائناً من كان صاحبها في الدعوة والعلم والتربية والجهاد فضلاً عن أمور الدنيا. قال صاحب الظلال: «لا بد لأي روح يراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة أخرى، لا بد لهذه الروح من خلوة وعزلة بعض الوقت» إلى أن يقول: «فالاستغراق في واقع هذه الحياة يجعل النفس تألفه وتستنيم له فلا تحاول تغييره، أما الانخلاع منه فترة والانعزال عنه والحياة في طلاقة كاملة من أسر الواقع الصغير، ومن الشواغل التافهة فهو الذي يؤهل الروح الكبير لرؤية ما هو أكبر منه، ويدربه على الشعور بتكامل ذاته بدون حاجة إلى عرف الناس» [٢] . إننا يمكن أن ننظر إلى هذه العبادة لتحقيق أمور هامة لعل منها ما يلي: ١ - استدراك كل نقص، وتعويض كل تقصير يحصل للمرء في علاقته بالله تعالى من جراء كثرة الانشغالات الدعوية والعلمية ونحوها، أو من باب أوْلى: المشاغل الناتجة عن العلائق الدنيوية كالزوجة والأبناء والوظيفة. ٢ - زيادة الصلة الإيمانية بالله، وفتح المزيد من الأبواب التعبدية التي تزكي النفس وتؤهلها لمواجهة الفتن واستنقاذ الآخرين منها بإذن الله. ٣ - الاعتكاف فرصة عظيمة لطلبة العلم الذين اشتغلوا بالتحصيل والتعليم عن كثير من التطبيق والعمل، ولا سيما أن العقلاء يرفضون أن يعلِّم الناس امرؤ ما فيه نجاتهم ثم ينصرف هو عن ذلك. قال النبي ﷺ : «مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها» [٣] . ٤ - الاعتكاف موسم عظيم للدعاة والمربين؛ أولاً: لسد النقص الذي اعتراهم لانشغالهم بالخلق. وثانياً: لاستغلال الفرصة للرقي بالمستوى الإيماني والتعبدي عند المدعوين والمتربين. إنه من الوضوح بمكان وجود حالة ضعف عامة في همم الصالحين فيما يتعلق بالجوانب التعبدية والسلوكية مقارنة بما يراد منها لإصلاح المجتمع والارتقاء به إلى مشابهة مجتمع السلف الصالح؛ ولذلك فإننا بحاجة لانتهاز موسم رمضان عموماً وعبادة الاعتكاف خصوصاً لتحسين الصورة العامة من خلال مخاطبة الأفراد. ٥ - وهو فرصة عظيمة لاختبار الإخلاص المحض لله تعالى في كل الأعمال والحركات والسكنات، وهذه النقطة أكبر من أن ينظر إليها من زاوية فردية؛ فالإخلاص هو مدار قبول جميع الأعمال الموافقة للشريعة ومنها كل ما يتعلق بالدعوة والتربية والتعليم. وإنه لمن الخسران العظيم أن تنفق وتبذل الأموال وتبذل الجهود ثم يكون المانع من تحقيق الأهداف المطلوبة شرعاً دخل في إخلاص العاملين؛ والإخلاص على خطر عظيم في أوساط الجماعة الواحدة كما هو معلوم. ٦ - الاعتكاف فرصة للخلوة الفكرية التي يستطيع بها الداعية أن يحكم على مساره ويقيم إنجازاته: هل ما زال يسير وفق الخطوة المرسومة إلى الهدف المحدد، أم مال عنه؟ وما نسبة الميل؟ وهل تراه يحتاج إلى تعديل المسار أم مراجعة الهدف وإعادة صياغته؟ إن فترة الخلوة الروحية في الاعتكاف عظيمة لتحقيق الخلوة الفكرية؛ إذ تكون النفس أقرب إلى التجرد من حظوظ النفس وأوْلى بمحاكاة المثالية التي تلفظ العادة الدارجة، ولكونها محطة توقف عن العمل يسهل استئنافه بعدها وفق الشكل الجديد الأسلم. ٧ - وهو فرصة عظيمة لتجاوز إشكالية شديدة الحساسية وهي مشكلة قولبة المتربي في حدود إطار المربي، وهذا أمر على عظيم مرارته حقيقة خطيرة واضحة في كون بعض المحاضن التربوية تقوم بتخريج أفراد كأنهم نسخ طبق الأصل من شخصيات القائمين على المحاضن، والرسول ﷺ إنما كان يربي قادة لا عبيداً، ثم من تراه الذي يذكر أولئك المربين الذين خرَّجوا للأمة أصحاب المذاهب وأصحاب التفسير وأئمة الحديث والتاريخ والجهاد وغيرهم. إن الاعتكاف فرصة للبدء في توجيه المتربي لينطلق بلا قيد في أبواب العبادات وصقل الشخصية وتوجيه الاهتمامات وجدية نمطية التفكير وشق طريق بناء الاستقلال المنضبط، وحسبنا في هذه العجالة لفت النظر للمسألة. ينبغي أن نشير إلى أن الاعتكاف المطلوب لتحقيق ما سبق وغيره ليس الاعتكاف الذي يجعل المساجد مهاجع للنائمين، وعناوين للمتزاورين، وموائد للآكلين، وحلقات للتعارف وفضول الكلام. إن الاعتكاف المطلوب هو ذلك الذي ينقل المرء إلى مشابهة حياة السلف الصالح في كل همسة ولفتة. نعم إنه الاعتكاف الذي تسيل فيه دموع الخاشعين المتدبرين، وترفع فيه أكف الضارعين المتبتلين، ويسعى فيه صاحبه جاهداً لئلا تضيع من ثواني هذه الأيام لحظة واحدة في غير طاعة؛ إنه الاعتكاف الذي يحقق مفهوم التربية الذاتية لمشابهة المحسنين يستغله المرء ليصل إلى مرتبة عالية، فيكون لسانه رطباً من ذكر الله تعالى، ويستعرض كتاب الله تلاوة وتأملاً وتفسيراً، ويصل إلى المراتب العليا في المحافظة على الصلاة تبكيراً وخشوعاً، ويألف مكابدة قيام الليل تلذذاً وخشية، إنه الاعتكاف الذي يحرر المرء من كثير من سوالب السمت والحكمة من فضول كلام، وكثرة هزل، وزيادة خلطة من أعظم مفاسدها أنها تقصر همة المرء عند همة أصحابه؛ إنه الاعتكاف الذي يربي النفس على التقلل والتزهد في أصناف المطعومات والمشروبات؛ فيوجب رقة القلب، وانكسار النفس، والتحرر من قيود الهوى والدعة والكسل. قال ابن القيم ﵀: «إذا طلع نجم الهمة في ليل البطالة، وردفه قمر العزيمة، أشرقت أرض القلب بنور ربها» [٤] . فلنجعل الاعتكاف فرصة للنقلة الإيجابية المطلوبة على أن نحذر طلب الكمالات المحضة التي تسبب انتكاسة في الهمة وانصرافاً عن الخير كلية. نسأل الله أن يوفقنا لطاعته، ويعيننا على أدائها بالشكل الأصوب، ويتقبلها منا برحمته وفضله.

стр. 4127

شوال - ١٤٢٢هـ يناير - ٢٠٠٢م (السنة: ١٦)

стр. 4128

كلمة صغيرة إنها حملة على الإسلام وتستمر الحملة على ما أسمته الدول الغربية بـ (الإرهاب الأصولي) لتتجاوز الحملة العسكرية على أفغانستان إلى حملة أكثر ضراوة وشراسة ظهرت علاماتها الأولى بالحملة على المناهج الدينية والتاريخية، والمدارس الشرعية، ومدارس تعليم القرآن الكريم. ولئن كانت الحملة على المناهج الدينية قد بدأت فعلياً في كثير من الدول العربية والإسلامية قبل أحداث (الحادي عشر من سبتمبر الماضي) بنَفَس طويل صبور كتلك الضربات التي وُجِّهت إلى الأزهر وجامعة الزيتونة ونحوهما، فإن الأحداث الأخيرة استنفدت أنفاسهم، وقطعت صبرهم، وراحوا بكل استبداد يفرضون سياساتهم التغريبية على مناهج التعليم، ومن أبرز معالم ذلك: ١ - المبادرة للقضاء على المدارس الدينية، والمعاهد الشرعية، ومدارس تعليم القرآن الكريم. ٢ - تغيير مناهج التربية الدينية في مراحل التعليم العام، وحذف كل ما له صلة بالموالاة والمعاداة، والتحذير من اليهود والنصارى، ونحو ذلك مما ينبغي أن يتلاءم مع ثقافة (العالم المتحضر الجديد!) . ٣ - تغيير مناهج التاريخ الإسلامي، وحذف تاريخ الصراع بين المسلمين والصليبيين، وإبراز تاريخ الحضارات البائدة كالحضارة الفرعونية والبابلية ونحوهما. وإن كان لازماً أن يُدرس التاريخ الإسلامي فلا بأس أن يُدرس الإبداع الفني المعماري في القصور والمساجد ونحو ذلك مما لا صلة له بروح الأمة وحياتها. ٤ - إقصاء الخيّرين من أهل الاختصاص عن زمام العملية التعليمية والتربوية، والمجيء بأناس من أهل الأهواء الذين لا يرقبون في الأمة إلاًّ ولا ذمَّة. ٥ - تشجيع التعليم المختلط بين الجنسين، وتذليل كل العقبات التي قد تعترض هذا المشروع. والهدف من ذلك كله: صياغة التعليم في البلاد العربية والإسلامية صياغة علمانية، وتجفيف منابع التدين التي يتربى في أحضانها (الإرهاب الأصولي) ! ! بل خطا بعض العلمانيين خطوات أبعد من ذلك حينما دعا إلى صياغة مناهج التعليم في البلاد العربية والإسلامية في أحضان هيئة الأمم المتحدة؛ لكي يضمن الوصول إلى مناهج تقدمية بعيدة عن مؤثرات القرون الوسطى الظلامية..! ! إن الحملة المحمومة على مناهج التعليم الديني تعني: بناء ثقافة أجيال الأمة بناءً مادياً منقطع الصلة بعقيدة الأمة وجذورها التاريخية؛ فهل يدرك الغيورون خطورة هذه الحملة وأبعادها الحضارية..؟ ! !

стр. 4129

الافتتاحية ليست مأساة دولة بل مأساة أمة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن تسارع الأحداث في أفغانستان بهذا الشكل السريع لأمر مؤسف؛ فبعد صمود شهر كامل أمام القصف الأمريكي الهمجي الذي لم يتورع عن ضرب المدن والمساجد والمستشفيات ومستودعات الإغاثة فضلاً عن ضرب القواعد العسكرية والمطارات والخطوط الأمامية، مع القصف بالطائرات العسكرية وبالقنابل الانشطارية وغيرها من الأسلحة المحرمة دولياً بالتعاون بين (المعارضة الشمالية) ليدخلوا على جثث إخوانهم في الدين والعقيدة؛ أدى كل ذلك بحكومة طالبان للانسحاب حتى لا تحصل مجازر لسكان المدن التي سيكون وقودها المدنيين الأبرياء. وهذه الكارثة المؤسفة تذكرنا بواقعة تاريخية مشابهة حينما ترك المسلمون في الأندلس العصابات النصرانية في الشمال تهاوناً بشأنها بينما النصارى يمدونها بالعدد والعتاد فكَرُّوا هاجمين على المسلمين حتى طردوهم من (الفردوس المفقود) ، وهذا ما حصل بالفعل حينما تركت (طالبان) تلك العصابات الخارجة تنعم بدعم الروس والدول الشيوعية المحاذية لها. والمسألة قد لا تكون بمثل هذا الوصف تماماً؛ لأن تدهور الأوضاع في أفغانستان له أسباب جوهرية أخرى ساعدت على تداعي الأمور بهذا الشكل السريع والمريع؛ فلقد قامت دولة طالبان على أنقاض دولة قادها زعماء فصائل متنازعين بعد أن كانوا متوحدين وقت الانتصار على الاتحاد السوفييتي البائد؛ فبينما كان الشعب الأفغاني يلملم جراحه ويمنِّي النفوس بقيام دولة إسلامية فوجئ أنها ليست سوى (كانتونات حزبية) متناحرة، بل إن السلبيات العقدية والاجتماعية ما زالت قائمة، فزادت معاناة الشعب الأفغاني، ثم قامت دولة طالبان بشكل سريع أثار إعجاب الجميع، ورحب بها الأفغانيون حيث شاع الأمن وقضي على (مافيا المخدرات) ، ولولا مشاغلات المعارضة الشمالية من ناحية ومقاطعة العالم لها من ناحية أخرى لأمكن قيامها بشكل مستقر وقوي، وهذا ما سبق أن تطرقنا إليه وبيناه في البيان في أكثر من مقالة [١] . ومع أن قيام دولة طالبان يرمز للدولة الإسلامية التي لم تستكمل كل مقوماتها؛ إلا أن الغرب فوجئ بقيام هذه الظاهرة الجديدة؛ وهذا بالطبع لا يسره ولا سيما بعد إخفاقه في محاولات استغلالها ومحاولات تدجينها ليمرر من خلالها مصالحه القريبة والبعيدة؛ لكن (طالبان) وقفت بشموخ ضد القوم وعلى رأسهم (أمريكا) التي بدأت بالعمل المتواصل لاحتوائها؛ فقد كانت تحاول الاعتراف بها وفتح سفارة لها في (كابل) ، وهذا ما أشار إليه مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون آسيا الجنوبية المدعو (رابين روفائيل) باعتبارها القوة المحلية القادرة على الاحتفاظ بالسلطة؛ فما الذي أوقف هذا الاتجاه بالرغم من أنها سيطرت على أكثر من ٩٥% من أراضي أفغانستان؟ لا شك أن رفض طالبان الائتمار بأمرها والسير وفق رغباتها جعلها تتنكر لها وتعمل على الإيقاع بها بعد رفضها أن تكون منفذاً سهلاً لمصالحها الاقتصادية، ولفوات أهدافها في استغلال مناجم الذهب في وادي الوحوش، وهي ثروات يسيل لها اللعاب الأمريكي فضلاً عن حرمانها لموطئ قدم في منطقة استراتيجية بالقرب من (روسيا والصين) والهند وباكستان. ولذا عملوا على منع جل دول العالم من الاعتراف بها، واستصدروا قراراً من مجلس الأمن باعتبار الدولة السابقة هي المعترف بها وحدها، وحرضوا أعداءهم ومناوئيهم في الشمال بالدعم والتشجيع المنقطع النظير. ونعتقد أن تراجع طالبان كدولة بالأسباب آنفة الذكر تدعمه أسباب أخرى يمكن أن نجملها فيما يلي: * أن هذه الدولة بالرغم من إسلاميتها وتبنيها للجهاد منطلقاً للبناء فقد جابهت تحدياً كبيراً بواقع الشعب الأفغاني بأعراقه وطوائفه وأحزابه المختلفة التي لم تستطع أن تنسى خلافاتها أو تخفف منها. * أن جل قواتها العسكرية والأمنية هم من (طلاب العلم) الذي شاركوا في حرب التحرير، فما عندهم من الخبرة الحياتية والعلمية والعملية مع الضغوط والمحاصرة الخارجية ربما لم يكن كافياً في مجالات التنمية والإعمار والتحديث. * أن قطاعاً كبيراً من جيشها كان في الأصل من أتباع الأحزاب الجهادية السابقة مثل (الحزب الإسلامي) التابع للشيخ يونس خالص، و (الانقلاب الإسلامي) للشيخ محمد نبي محمدي، ولعل هذا كان سبباً في أن صفوف طالبان، وتكوينها التفصيلي لم يشكل نسيجاً مؤتلفاً واحداً يمكنه أن يكون جميعاً على قلب رجل واحد أمام واحدة من أشد التحديات التي تعجز عن مواجهتها التكتلات الدولية فضلاً عن الدول الضعيفة. * الإعلام الغربي والشرقي الذي كثيراً ما شوه وشنع على (طالبان) ووصفهم بأقذع الأوصاف من دعوى العدوانية والتعصب، وإهانة المرأة، وإذلال الأقليات، وراح الإعلام العربي العلماني يردد دعاوى أسياده بشكل أكثر حدة وحقداً بلا خوف من الله ولا وازع من ضمير، وهذا بلا شك كان لا بد أن يؤثر على معنويات القائمين على تلك الدولة، فهُم بشر يحزنون ويغضبون. * حصار هذه الدولة ومنع استفادتها من مستحقاتها في البنوك الدولية فضلاً عن عدم الاعتراف بها كل ذلك أعجز اقتصادها وقعد بطموحاتها عن أن تتمكن من إعادة بناء ما تدمر من البنى التحتية وبناء مقوماتها الحياتية. * كان لزعماء طالبان رؤيتهم الخاصة في الإعلام مما جعل حركتهم تقاطع وسائل الإعلام طوال الفترة التي سبقت الأحداث الأخيرة، إلا أنها غيرت من ذلك أخيراً حينما اتفقت مع محطتي (الجزيرة) والـ (سي إن إن) لنقل واقع الحياة والأحداث بها ولا سيما بعد الحرب المجنونة ضدها، والتي كشفت البربرية الغربية والعدوانية الصليبية حيالها؛ مما كان سبباً في ضرب (فرع محطة الجزيرة) بشكل بشع أثار استياء كل المتابعين، وأظهر في الوقت نفسه أن الأعلام الدولي يريد صورة واحدة أمام العالم هي الصورة التي يراها هو فقط. والعجيب أن أحداث ١١/٩/٢٠٠١م ألقيت مسؤوليتها على دولة طالبان بدعوى إيوائها (للمشتبه فيهم) ، مع أن حكومة أفغانستان طالبت بكشف الأدلة المقنعة وحينها ستسلم المتهمين ليتم محاكمتهم في دولة محايدة، لكن الأهداف المرسومة سلفاً لتدمير هذه الدولة الإسلامية لم يعد معها أي مسوِّغ لإيقاف الحرب لتحقيق أهداف عديدة، منها: - خداع الشعب الأمريكي وإقناعه بأن إدارته الحاكمة ستنتقم لهم من المشتبه فيهم! ! - استثمار الحدث لتأديب (طالبان) لخروجها عن سيطرتها وعدم قبول أوامرها. - ضرب المد الإسلامي في الغرب والعالم كافة بدءاً من طالبان؛ ولذا لم تكتف بعدم تحديد وقت لإنهاء حربها المزعومة ضد الإرهاب؛ بل أدخلت كل الجماعات الإسلامية بدعوى أنها حركات إرهابية؛ في الوقت الذي لم تحدد حقيقة الإرهاب حتى لا تدان بمساعدة الإرهاب الصهيوني وتحاسَب من العالم على الكيل بمكيالين، وهذا لم يعد مجهولاً لأحد. إن انسحاب طالبان من المدن الرئيسية كما قال زعماؤها ليس إلا رحمة بالمدنيين الأبرياء، وإن كان على حساب كيانها بوصفها دولة قائمة، وهذا في نظرنا يُحسَب لها، وإن انكمشت في بقاع محدودة؛ فهي ما زالت وحتى كتابة هذه الافتتاحية متمسكة بمعقلها في قندهار ولا ندري ماذا سيكون بعد ذلك؛ فالحرب قائمة؟ نسأل الله أن يُحدث بعد ذلك أمراً لجنده المؤمنين ضد الكافرين والمنافقين. ومما يؤسف له أن (المعارضة الشمالية) التي من ضمن زعمائها بعض قادة الجهاد القدامى دخلوا تحت حماية القصف الأمريكي يحتلون المدن ويسومون جيش طالبان وأنصارهم سوء العذاب بصور يندى لها جبين كل مسلم؛ مما جعلهم يعيشون في حالة لا يحسدون عليها حين أصبحوا بين مطرقة القصف الأمريكي وسندان القوات الشمالية الحاقدة؛ مما لا يخالف ما يسمى بالقانون الدولي فحسب؛ بل يخالف تعاليم الإسلام في ضمان استسلام الأسرى وعدم قتلهم بل إعطائهم الأمان؛ ليتم ذلك بصورة كريمة كما توضحها أحكام وتشريعات الجهاد في الإسلام. ولكن أين القوم من أخلاق الإسلام وقد وضعوا أيديهم بأيدي أعدائهم لقتال إخوانهم في الدين والعقيدة؟ ! إن هذا الواقع المؤلم الذي آلت إليه الأوضاع في أفغانستان ليس مأساة لهذه الدولة التي تسلَّط الأعداء عليها في الداخل والخارج فحسب؛ بل هي مأساة أمتنا الإسلامية التي جعل الله رسالتها للناس كافة، وجعلها أمة واحدة من دون الناس، وصدق الله العظيم: [إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ] (الأنبياء: ٩٢) . - إن أمتنا مع الأسف ما زال يسودها في كثير من البلدان النزعات الجاهلية التي تعمل على تفتيت لُحمتها، كالروابط القومية والطائفية المنحرفة. بل إن الروابط المصلحية كالروابط الاقتصادية والتعاونية هي أضعف ما تكون فيما بينها. - تفتت الرابطة العقدية إلى حد أن بعض الدول الإسلامية تتحالف مع الأعداء ضد المسلمين كما حصل من (التعاون التركي الصهيوني) و (العربي الصهيوني) فإلى الله المشتكى. - إن أمتنا ما زالت خانعة تحت هيمنة الدول الغربية تدين بما يُطلب منها بألاَّ تتسلح بالأسلحة الخطرة كالسلاح النووي بدعوى الالتزام بما صدر من قرارات أممية والقصد منها أن تبقى أمتنا دائماً ذليلة خائفة. لكن الخروج من هذا الحصار كما حصل في باكستان بتملكها القوة النووية كان يعد بادرة طيبة ينبغي أن يتم السير على منوالها ما دام أن الحصار مفروض على الدول الإسلامية في الدرجة الأولى لصالح الأعداء. - أن الشعوب المسلمة بتأثير الكثير من حكوماتها العلمانية سائرة وفق مخططات مدروسة لتبقى تابعة ذليلة؛ مع العمل المتواصل لإفسادها وتغريبها عن طريق الإعلام والتعليم، والقاعدة المعروفة تبيِّن أن المغلوب أبداً مولع باتباع الغالب. - فلولا هوان أمتنا لما شُقت صفوفنا بجنودنا، وضُربت قوتنا بسلاحنا، ودُمرت مقدراتنا بأموالنا. - ولولا هوان أمتنا لما ضربت أمريكا القلعة التي فيها المئات من أسرى طالبان لتقتلهم من الجو، لو كان هؤلاء الأسرى روساً أو صينيين لما تجرأت على ضربهم بهذه الوحشية. - ولولا هوان أمتنا لما كان حل مشكلاتها يتم في المنتديات الدولية التي يسيطر عليها اليهود والنصارى، كما حدث في المؤتمرات التي عقدت في ألمانيا لحل (المشكلة الأفغانية) ، وكأنه ليست هناك منظمة تسمى (منظمة المؤتمر الإسلامي) ، تلك المنظمة التي لم يشأ القائمون عليها والمؤتمرون فيها أن يدينوا مجرد إدانة بدء الضربات الأمريكية ضد أفغانستان أثناء عقد مؤتمرهم في الدوحة، بل إنما طالبوا فقط ويا للخزي! بأن يقتصر الضرب على أفغانستان! ! - ولولا هوان أمتنا لما طالبت الجامعة العربية على لسان أمينها في أكثر من مناسبة، ألا تشمل الحرب ضد (الإرهاب) دولاً عربية، وكأن تلك الجامعة ما صنعت إلا لتكريس الانفصام بين كل ما هو عربي وإسلامي. - ولولا هوان أمتنا لما تجاهلت أمريكا هذه المناشدات العربية وتوعدت علناً بضرب العراق واليمن والسودان، إمعاناً في إذلال (الإرادة العربية) التي بدت كأنها من مخلفات الماضي الثوري البائد. - ولولا هوان أمتنا لما تجلى ذلك الواقع المؤلم على ساحات العمل الإسلامي نفسه؛ حيث ظهر للجميع أن إعلان المواقف تجاه الأحداث المتتابعة لم ينبع من الثوابت العقدية والأصول الإسلامية بقدر ما كان انعكاساً للانتماءات الحزبية أو الحساسيات الحكومية أو القناعات الشخصية. فإلى من نشكو ضعف قوتنا، وتفرق كلمتنا، وهواننا على الناس؟ ! إننا لن نشكوه إلا إلى ربِّ الناس، عازمين بلا تردد ولا كلل ولا ملل على الدعوة إلى تصحيح المسيرة ومن قبلها إلى تصحيح النية، وعندها نقول لمن نشكو إليه حالنا : إن لم يكن بك غضب علينا فلا نبالي.

стр. 4130

دراسات في الشريعة والعقيدة بلاغ الرسالة القرآنية معالم في المنهج الدعوي د. فريد بن الحسن الأنصاري [*] [هَذَا بَلاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] (إبراهيم: ٥٢) . مقدمة: عندما نهمل التدبر لبعض المنطلقات المنهجية للعمل الإسلامي بحجة أنها من البَدَهِيّات الإسلامية، ومن المعلومات من الدين بالضرورة؛ فإننا كثيراً ما نقع في الانحراف عنها تدريجياً، فلا نشعر بذلك إلا بعد فوات الأوان! ذلك أن الانغماس في الشأن اليومي السياسي، والنقابي، والاجتماعي العام للحركة الإسلامية؛ قد يصنع مناخاً سيئاً لتربية الخَلَف من النشء الإسلامي. وكذلك الدوران الداخلي حول الذات الحركية عندما تثقل أعباء العمل الإدارية والتنظيمية الداخلية؛ فكل ذلك قد ينسي الجيل الجديد أنه يشتغل ضمن حركة إسلامية قامت أساساً على أصل تعبدي، وقد يعصف الصراع السياسي الدائر في المجتمع بالبقية الباقية من الإحساس التعبدي في العمل لدى كثير من الشباب، فتبدأ النتوءات المنحرفة في الفكر والممارسة تبدو من هنا وهناك، وهو ما لاحظناه فعلاً في بعض القطاعات الطلابية والنقابية والسياسية التي أنشأها العمل الإسلامي أساساً لإقامة الدين وعدم التفرق فيه؛ مما يفرض على ذوي الرأي والتوجيه في الحركة الإسلامية ضرورة الحرص في العمل التربوي على تجديد الوعي بالمنطلقات المنهجية، والثوابت الدينية في كل عمل يراد له أن يكون إسلامياً. وأحسب أن أول ما ينبغي أن نأخذه من المفهومات بقوة، هو:مفهوم (القرآن) ؛ من حيث هو المتن الرئيس لرسالة الله إلى الناس، والمؤسِّس لمقاصد التعبد في كل عمل. هذا خطاب الشباب اليوم في المنتديات، والجامعات، وسائر أنواع التجمعات، هو في أغلبه خطاب فكري متخشب، لا نداوة فيه ولا طراوة. فيه كل شيء من النصوص والاستشهادات والمرجعيات إلا آيات القرآن العظيم ونصوص السنة النبوية! تفرقت بهم الأهواء بين أقوال المفكرين والسياسيين من الزعماء والعلماء، حتى أحلُّوها في أنفسهم في بعض الأحيان محل القرآن، تقديساً وتوقيراً، ولو ذكرت له: (قال الله، قال رسوله) لوجدت منه استهجاناً على المستوى النفسي والعياذ بالله قد لا يشعر به هو نفسه؛ لأنك إنما تحدثه بما هو (معروف) ، وبما هو (متداول) لا بما هو (جديد) ، هكذا! ولقد بلغ الزيغ والضلال ببعض النابتة ممن يُحسَبون على الحركة الإسلامية أن صاروا إلى تمجيد كتابات بعض العلمانيين المتلبسين بالمسوح الإسلامية، من أمثال الدكتور نصر حامد أبو زيد، والدكتور حسن حنفي! أما النهل من كتابات الروافض خاصة في الظروف السياسية الراهنة المعروفة فحدث ولا حرج! فماذا إذن تنتظر من حركة ينهل شبابها من كتابات أمثال هؤلاء؟ ! إن عدم توحيد المرجعية، وعدم ضبط المنطلقات لن يضمن استمرار التوجه الإسلامي الصرف لأي حركة قامت في الأصل على منهج كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ثم غفلت عن (بدهياتها) . إن القول بوجوب رجوعنا إلى القرآن الكريم ليس بمعنى تزيين الكلام بآية أو أخرى هكذا اعتباطاً، ولكنه رجوع منهجي مبدئي يجب أن يتقرر في الأذهان، ويستقر في الوجدان؛ ليكون فعلاً نوراً يمشي به المسلم في طريقه إلى الله، ويبقى ذاكراً جيداً أنه بهذا العمل السياسي، أو النقابي، أو الاجتماعي، أو الإعلامي ... إلخ، إنما يعبد الله. هذا هو الأصل العظيم الذي كثيراً ما يغيب، فيغيب معه كل شيء؛ لأنه (الفصل الجوهري) على حد تعبير المناطقة الذي يَسِمُ العمل بوصف (الإسلامية) . الإسلام بلاغ: من أخطر مزالق العمل الإسلامي أن يغيب عنه في خضم الصراع السياسي، والتدافع الاجتماعي، أن طبيعة مشروعه قائمة أصلاً على أنه (رسالة ربانية) بالقصد الأول، وجب على حملتها الانضباط إلى شروط الأمانة في تبليغها، كما تقتضيه شروطها هي، لا كما تقتضيه أمزجتهم هم حسب أغراضهم وأهوائهم. إن (البلاغ) بمفهومه القرآني هو أصل العمل الدعوي؛ ذلك أنه بصيغته هذه مشترك الدلالة بين معنيين: لازم، ومتعد. فهو بلاغ في ذاته، أي أنه مضمون رسالي جاء من رب العالمين يحمل عدداً من البلاغات الربانية إلى الناس أجمعين، ثم هو مقصود بـ (البلاغ) تكليفاً، أي بالتبليغ؛ ذلك أن (البلاغ) يرد في العربية بمعنى (التبليغ، والإبلاغ) أيضاً؛ فهو لفظ مزدوج الدلالة، وكذلك ورد في القرآن كما سترى بحول الله. جاء في لسان العرب: (والبَلاغُ: الإبْلاغُ. وفي التنزيل: [إِلاَّ بَلاغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ] (الجن: ٢٣) ، أي لا أَجِدُ مَنْجى إلا أن أُبَلِّغَ عن اللهِ ما أُرْسِلْتُ به. والإبلاغُ: الإيصالُ، وكذلك التَبْلِيغُ، والاسم منه البَلاغُ) [١] . قلت: هذا أصل عظيم في الدين وجب الثبات على تذكره والتذكير به، بلا ملل ولا خجل، والتأكد من سلامة استقراره في الوجدان الحركي للعمل الإسلامي؛ ذلك أن دوَّامة التدافع الدولي والاجتماعي المعاصر كفيلة بجرف الماء عن أبسط منطلقاته، وأوضح مبادئه، في أي لحظة من لحظات انغماسه الإداري والتنظيمي في وطيس الاستفزازات السياسية، والمنافسات التنظيمية، إلا أن يعتصم بالمناط الرسالي لعمله، يدور معه حيث دار وجوداً وعدماً، في كل أمره، جليله وحقيره، وبيان ذلك كما يلي: سألني أحد المحبين يوماً في غمرة الحيرة التي انتابته؛ إذ لاحظ ما آل إليه الوضع الإيماني من انحطاط، في بعض مظاهر العمل الإسلامي الراجعة إلى نوع من الاستفزازات، وبعض ردود الأفعال، قال: كيف نجدد ديننا؟ قلت: هناك سؤالان كبيران يرتبطان بوجود الإنسان في الكون، ويحددان مصيره فيه، وهما أول الخطو في طريق المعرفة الربانية التي هي مرجع كل عمل إسلامي، وأساس كل تجديد ديني، لكن قلما نضعهما نحن المسلمين اليوم على أنفسنا؛ لأننا نزعم أننا نعرف الجواب بداهة؛ فهل حصل لك أن جردت نفسك من نفسك وسألتها يوماً كأنها شخص آخر: السؤال الأول: هل تعرفين الله؟ السؤال الثاني: هل تعرفين القرآن؟ المشكلة هي أننا عندما نكتفي بـ (نعم) نكف بها عن البحث، وننقطع عن السير في طريق المعرفة الربانية، واستكشاف هذا القرآن العظيم؛ ومن ثم نفقد بوصلة الصراط المستقيم في عملنا الدعوي. افترض إذن أنك مثلي لا تملك الحقيقة كاملة، ولنتابع البحث معاً: ألسنا مسلمين؟ ألسنا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ بلى طبعاً. هذا شيء حسن؛ فدين الإسلام الذي هو باب النجاة يوم القيامة إنما ينبني بعد الإيمان بالله على شهادة أن محمداً رسول الله. هذا بدهي، ومعلوم من الدين بالضرورة، نعم، ولكن تأمل: عبارة (رسول الله) ، هذا الوصف للنبي محمد ﷺ هو مناط الدين الذي قال عنه الله : [إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ] (آل عمران: ١٩) ، [وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] (آل عمران: ٨٥) . فكل الإسلام قائم على شهادة أن محمداً رسول الله؛ فنتج عن هذا الوصف (رسول) أن الدين كل الدين أعني الإسلام هو عبارة عن (رسالة) . وهذا شيء عظيم جداً، ندرك رسمه، وقلما نتذوق حقيقته. وإليك البيان: عندما نقول: (محمد رسول الله) فإن الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية كلتيهما تقتضيان أن محمد بن عبد الله قد جاء برسالة معينة؛ أي أنيطت به مهمة يقوم بتبليغها، فكان بذلك (رسولاً) ، ولولا ذلك لما كان له شأن في الكون ولا في التاريخ. نعم هذه بدهيات.. ولعل عدم تأملنا لهذا الذي نسميه (بدهيات) ، أو معلومات من الدين بالضرورة، هو سبب شرودنا بعيداً عن حقائق الإسلام. إن (الرسالة) أي رسالة، مهما كانت لها أربعة أركان هي: الأول: المرسِل وهو من قام بإرسال الرسالة. والثاني: المرسَل إليه، وهو الطرف المعني بها والمخاطب بفحواها. والثالث: الرسول، وهو حامل الرسالة المبلغ لها، بتكليف من المرسِل. ثم الرابع: وهو الخطاب المرسَل وهو مضمونها، أي متن الرسالة، ونصها اللغوي الحامل لمقاصد مرسلها. وهذا كله لو تدبرت منطبق على الإسلام من حيث هو رسالة. فالخلاصة إذن، هي أن الإسلام: رسالة مضمنة في متنها، أي في خطابها الحامل لمضمونها الرسالي، وهو القرآن الكريم الذي هو متن الرسالة، ثم السنة النبوية التي هي ملحقها الشارح، تلك هي أول مراتب [اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ] (الفاتحة: ٦) ، لو تدبرت قليلاً. إنك لو قرأت القرآن بهذا المنطق لوجدت عجباً! إن تجديد الدين يقوم أساساً على تبين ما [الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ] (الفاتحة:٦) ثم كيف الاستقامة عليه؟ وبغير ضبط (الحقيقة الرسالية) للقرآن يكون كل فعل من محاولات التصحيح خارج ﴿الصٌَرّاطّ الًمٍسًتّقٌيمّ﴾ . وليس عبثاً أن يكون ذلك هو دعاء المسلم في كل صلاة، سبع عشرة مرة في اليوم والليلة على الأقل. مهم جداً أن تستحضر في ذهنك ووجدانك أن القرآن يخبرنا عن نفسه، أنه رسالة، جاءت تحمل (الهداية) للناس الحيارى وكل الناس لولا الدين حيارى ويرسم لهم معالم الصراط المستقيم، فتدبر قوله تعالى: [وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ] (الشورى: ٥٢-٥٣) . هذه أول درجات الوعي التي يجب أن تحققها لذاتك وللآخرين: (الإسلام رسالة) ، متنها القرآن. إن الشعور بالمعنى الرسالي للقرآن إنما يتحقق لك على المستوى النفسي إذا تصورت طبيعة الوجود البشري؛ ذلك أن الإنسان وقد جاء من عالم الغيب، قد أحاطت به حجب عالم الشهادة ففقد الاتصال بأصله الغيبي إلا ما كان من نداء الفطرة الخفي في قلبه. إن ميلاد كل شخص من بطن أمه ونزوله إلى الدنيا هو كنزول آدم ﵇ من الجنة في عالم الغيب إلى الأرض؛ حيث تبدأ حجب الحياة الدنيا تنسج عليه غلائل النسيان وتغرقه في جزئياتها اليومية، فيضرب بعيداً عن استشراف السماء مرة أخرى؛ ومن هنا اقتضت رحمة الرب العظيم وهو الرحمن الرحيم أن يرسل الرسل إلى الناس: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ] (البقرة: ٢١-٢٢) ، جاءت الرسالة من عالم الغيب لتربط الإنسان بأصله الحقيقي، ولتشعره بسعة الكون، وربوبية الخالق المحيطة بكل شيء ثم لتعلمه بقصته كاملة من النشأة حتى المصير، وما له في ذلك كله وما عليه، فجاء القرآن لذلك في صورة (بلاغ) رباني. هذا مصطلح مهم جداً للتعرف إلى طبيعة القرآن: إنه (بلاغ) فيه دلالة عميقة جداً على (قصد التبليغ) لمضمون الرسالة؛ حتى يتم العلم بها على التمام عند من قُصدوا بالتبليغ والإعلام، قال : [هَذَا بَلاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] (إبراهيم: ٥٢) . بلاغ قادم من عالم الغيب، من فوق سبع سماوات إلى عالم الشهادة، إلى الإنسان المتحرك فوق هذه الأرض، وبين العالمَيْن مسافة رهيبة، لا تستطيع النفس استيعابها مهما أوتيت من قدرة على الخيال، فجاء القرآن رسالة تعبر تلك المسافات كلها لتلقي على الإنسان خطاباً ربانياً عظيماً يحمل قضايا محددة قصدَ (إبلاغها) للإنسان، قضايا أو إن شئت فقل: (بلاغات) هي مناط مسؤوليته ووظيفته في الأرض. ولقد كان أول هذه البلاغات هو القرآن نفسه، أعني أن أول ما جاء القرآن ليبلغه إلى الناس هو هذا المعنى الرسالي للقرآن، حتى لا يقرأه أحد أو يستمع إليه بعيداً عن هذه الحقيقة الكونية الكبرى، فلا يستفيد من بلاغاته الربانية شيئاً. إن أول ما يجب أن يعرفه الإنسان من القرآن هو طبيعة هذا القرآن، من حيث هو رسالة رب الكون مرسلة إلى واحد من أهم سكان الكون: أنت، وأنا، وكل إنسان.. فكان ذلك هو البلاغ الأول للقرآن. ومن هنا فما كان رسول الله ﷺ يدعو إلى الله إلا بهذا القرآن استجابة لقوله تعالى: [فَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً] (الفرقان: ٥٢) ، وكذلك كان صحابته الكرام على هديه؛ فما أسلم أغلب من أسلم من الصحابة إلا بعد سماع القرآن، وهذا أمر متواتر في كتب السنن، وكتب السير والمغازي لمن استقرأه وتتبعه، ومن أشهر الأمثلة على ذلك قصة مفاوضة قريش للنبي ﷺ ؛ إذ بعثت إليه ممثلها الوليد بن عتبة، فكلمه في أن يكف عن تسفيه أحلامهم، حتى إذا فرغ من مقالته قال له الرسول ﷺ : «أفرغتَ؟» قال: نعم! قال: فقال رسول الله ﷺ : [حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] (فصلت: ١-٢) حتى بلغ: [فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ] (فصلت: ١٣) [٣] . وكذلك كانت سفارة النبي ﷺ في البلاد؛ إذ يرسل صحابته إلى الأقاليم والأمصار؛ فإنما كانوا يدعون الناس بالقرآن، كما هو الشأن في بعث أصحابه إلى المدينة؛ فعن البراء بن عازب ﵁ قال: «أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرئاننا القرآن» [٤] . في اكتشاف البلاغ القرآني تدبراً وتفكراً: لا سبيل إلى معرفة الحقيقة إلا عبر هذا القرآن أولاً، ولا يكون ما دونه من طرق المعرفة إلا توابع له وملاحق؛ فهو متن الرسالة التي أرسلها رب العالمين إلى الخلق، وما سواه شروح وتفاسير، ويا لتعاسة من ضل عن هذا الأصل العلمي العظيم! إذن يضرب في التيه على غير هدى.. قال : [إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً * وَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً] (الإسراء: ٩-١٠) . وقال مستدركاً بقوة على الذين حرفوا وبدلوا وغيروا: [مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ] (آل عمران: ٧٩) . ذلك سبيل الربانية الأوحد، لا سبيل سواه، فتدبر. ومن هنا وجب أن تكون خطوتك الأولى في طريق المعرفة الربانية أن تتعرف إلى القرآن، بل أن تكتشفه؛ ولذلك جاء الخطاب القرآني يحمل أمر القراءة للقرآن تلاوة وترتيلاً، وأمر التعلم للقرآن مدارسةً وتدبراً. والتدبر هو غاية كل ذلك ونتيجته؛ ولذلك قال : [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] (ص: ٢٩) . فجعل غاية الإنزال للقرآن التدبر والتذكر، ولولا التدبر لما حصل التذكر الذي هو يقظة القلب، وعمران الوجدان بالإيمان؛ فالتدبر هو المنهج القرآني المأمور به لقراءة القرآن العظيم؛ ومن هنا زجره تعالى للناس الذين لا يتدبرونه. قال سبحانه: [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] (محمد: ٢٤) ، [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً] (النساء: ٨٢) فما التدبر إذن؟ تَدَبَّرَ الشيء في اللغة يَتَدبَّرُه: تتبع دبره، أي نظر إلى أواخره وعواقبه ومآلاته، كيف هو إذا صار إليها؟ وكيف يكون؟ جاء في لسان العرب: (ودَبَّرَ الأَمْرَ وتَدَبَّره: نظر في عاقبته، واسْتَدْبَرَه: رأى في عاقبته ما لم يرَ في صدره، وعَرَفَ الأمْرَ تَدَبُّراً أي بأَخَرَةٍ. والتَّدْبِيرُ في الأمر: أن تنظر إلى ما تَؤُول إليه عاقبته. والتَّدَبُّر: التفكر فيه) [٤] . فتدبر القرآن وآيات القرآن: هو النظر إلى مآلاتها وعواقبها في النفس وفي المجتمع؛ وذلك بأن تقرأ الآية من كتاب الله، فتنظر إن كانت متعلقة بالنفس إلى موقعها من نفسك، وآثارها في قلبك وعملك، تنظر ما مرتبتك منها؟ وما موقعك من تطبيقها أو مخالفتها؟ وما آثار ذلك كله في نفسك، وما تعانيه من قلق واضطراب في الحياة الخاصة والعامة؟ تحاول بذلك كله أن تقرأ سيرتك في ضوئها، باعتبارها مقياساً لوزن نفسك وتقويمها، وتعالج أدواءك بدوائها، وتستشفي بوصفاتها. وأما إن كانت تتعلق بالمجتمع، فتنظر في سنن الله فيه كيف وقعت؟ وكيف تراها اليوم تقع؟ وكيف ترى سيرورة المجتمع وصيرورته في ضوئها، عند المخالفة وعند الموافقة؟ ثم تنظر ما علاقة ذلك كله بالكون والحياة والمصير؟ وهنا تلج إلى باب آخر من أبواب القرآن رديف للتدبر، بل هو منه، ذلك هو: التفكر. إن التفكر غالباً ما يرد مذكوراً في القرآن في سياق النظر في خلق الله، والتأمل في بديع صنعه، كما في قوله تعالى: [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ المِيعَادَ] (آل عمران: ١٩٠-١٩٤) ؛ فكل هذه الأدعية العابدة، الحارة، الخاشعة، الباكية؛ إنما هي نابعة عن الإحساس الحاصل للعبد بُعَيد التفكر في خلق الله، فاقرأ الآيات وتدبر تجد أن المؤمن لمَّا يسيح في جنبات الكون الفسيح فإنه يشعر بعظمة الله الواحد القهار، وتأخذه الرهبة من جلال ملكه وعظمة سلطانه، فيسرع هارباً إلى مساكن رحمته، وجمال غفرانه. وبما أن القرآن كتاب يحيل المتدبر له إلى امتدادات الكون، ويرجع به إلى كشف كثير من أسرار الوجود، وغرائب الخلق؛ فإن (التدبر) الذي هو المنهج الرباني لقراءة القرآن، يحيل الإنسان إلى (التفكر) الذي هو المنهج الرباني لقراءة الكون، فيكون كل متدبر للقرآن متفكراً في الكون، فيقرأ بقراءة القرآن كل آيات الله المنظورة والمقروءة سواء. هكذا وجب أن تقرأ القرآن آية آية، اقرأ وانظر.. عسى أن ترى ما لم تر، وتدرك من حقائقه ما لم تدرك من قبل، فتكون له متدبراً.. فتدبر. ولنسأل الآن: ما القرآن؟ ما هذا الكتاب الذي هزَّ العالم كله، بل الكون كله؟ أجمع العلماء في تعريفهم للقرآن على أنه (كلام الله) ، واختلفوا بعد ذلك في خصائص التعريف ولوازمه، ولا نقول في ذلك إلا بما قال به أهل الحق من السلف الصالح. وإنما المهم عندنا الآن ها هنا بيان هذا الأصل المجمع عليه بين المسلمين: (القرآن كلام الله) . هذه حقيقة عظمى، ولكن لو تدبرت قليلاً. الله ﷻ خالق الكون كله، هل تستطيع أن تستوعب بخيالك امتداد هذا الكون في الآفاق؟ طبعاً لا أحد له القدرة على ذلك إلا خالق الكون ؛ فالامتداد الذي ينتشر عبر الكون مجهول الحدود، مستحيل الحصر على العقل البشري المحدود.. هذه الأرض وأسرارها، وتلك الفضاءات وطبقاتها، وتلك النجوم والكواكب وأفلاكها، وتلك السماء وأبراجها، ثم تلك السماوات السبع وأطباقها، إنه لضرب في غيب رهيب لا تحصره ولا ملايين السنوات الضوئية. أين أنت الآن؟ اسأل نفسك.. أنت هنا في ذرة صغيرة جداً تائهة في فضاء السماء الدنيا: الأرض. وربك الذي خلقك، وخلق كل شيء، هو محيط بكل شيء قدرة وعلماً.. هذا الرب الجليل العظيم، قدَّر برحمته أن يكلمك أنت، أيها الإنسان، فكلمك بالقرآن.. كلام الله رب العالمين، أوَ تدري ما تسمع؟ الله ذو الجلال رب الكون يكلمك [فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى] (طه: ١٣) ، أيُّ وجدان، وأيُّ قلب، يتدبر هذه الحقيقة العظمى فلا يخر ساجداً لله الواحد القهار رغباً ورهباً؟ اللهم إلا إذا كان صخراً أو حجراً. كيف، وهذا الصخر والحجر من أخشع الخلق لله؟ [لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] (الحشر: ٢١) ، وهي أمثال حقيقية لا مجاز، ألم تقرأ قول الله تعالى في حق داود ﵇: [إِنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ] (ص: ١٨-١٩) ، وقوله تعالى: [فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ المُؤْمِنِينَ] (الأعراف: ١٤٣) . كلام الله هو كلام رب الكون، وإذا تكلم سبحانه تكلم من عَلُ: أي من فوق؛ لأنه العلي العظيم فوق كل شيء، محيط بكل شيء علماً وقدرة. إنه رب الكون.. فتدبر، [أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ] (فصلت: ٥٤) . ومن هنا جاء القرآن محيطاً بالكون كله، متحدثاً عن عجائبه. قال تعالى في سياق الكلام عن عظمة القرآن: [فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ * أَفَبِهَذَا الحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ] (الواقعة: ٧٥-٨٢) . سبحانك ربنا ولا بأي من آياتك نكذب. ذلك هو القرآن.. كلام من أحاط بمواقع النجوم؛ خلقاً، وأمراً، وعلماً، وقدرة، وإبداعاً، فجاء كتابه بثقل ذلك كله، أنزله على محمد ﷺ ، من بعدما هيأه لذلك، وصنعه على عينه فقال له: [إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً] (المزمل: ٥) . ومن هنا لما كذَّب الكفار بالقرآن نعى الله عليهم ضآلة تفكيرهم، وقصور إدراكهم، وضعف بصرهم، عن أن يستوعبوا بُعده الكوني الضارب في بحار الغيب، فقال تعالى: [وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً] (الفرقان: ٥-٦) ، وإنه لرد عميق جداً؛ ومن هنا جاء متحدثاً عن كثير من السر في السماوات والأرض. قال : [وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا القُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً] (الكهف: ٥٤) . وقال: [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ] (فصلت: ٥٣-٥٤) . فليس عجباً أن يكون تالي القرآن متصلاً ببحر الغيب، ومأجوراً بميزان الغيب، بكل حرف حسنة والحسنة بعشر أمثالها، والحرف إنما هو وحدة صوتية لا معنى لها في اللغة، نعم في اللغة، أما في القرآن فالحرف له معنى، ليس بالمعنى الباطني المنحرف، ولكن الرباني المستقيم، أوَ ليس هذا الحرف القرآني قد تكلم به الله؟ إذن! يكفيه ذلك دلالة وأي دلالة! ويكفيه ذلك عظمة وأي عظمة! فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» [٥] ، [ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ] (الجمعة: ٤) . إنه تعالى تكلم، وهو متكلم، سميع، بصير، عليم، خبير، له الأسماء الحسنى والصفات العلىا، نثبتها كما أثبتها السلف، بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه. لقد تكلم ، وكان القرآن من كلامه الذي خص به هذه الأمة المشرفة أمة محمد ﵊، فكان صلة بين العباد وربهم، صلة متينة، مثل الحبل الممدود من السماء إلى الأرض، طرفه الأعلى بيد الله، وطرفه الأدنى بيد من أخذ به من الصالحين. قال ﵊ في خصوص هذا المعنى، من حديث لطيف تشد إليه الرحال: «كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض» [٦] ، وقال في مثل ذلك أيضاً: «أبشروا.. فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به؛ فإنكم لن تهلكوا، ولن تضلوا بعده أبدا» [٧] . وروي بصيغة أخرى صحيحة أيضاً فيها زيادة ألطف، قال ﷺ : «أبشروا.. أبشروا.. أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟» قالوا: نعم! قال: «فإن هذا القرآن سببٌ طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به؛ فإنكم لن تضلوا، ولن تهلكوا بعده أبداً» [٨] . ذلك أن القرآن جاء وهو من رب العالمين بلاغاً إلى الناس أجمعين، يحمل رسالة ذات مضامين من النبأ الرباني العظيم، نبأ الخلق، ونبأ الكون، ونبأ الغيب، ونبأ الشهادة، ونبأ الحياة، ونبأ الموت، ونبأ البعث القريب، ونبأ الأمر الإلهي الحكيم في ذلك كله، وكلف رسوله ببلاغه جميعاً إلى الناس، فقال له : [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ] (المائدة: ٦٧) ، وقال أيضاً: [قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً * إِلاَّ بَلاغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً] (الجن: ٢٢-٢٣) ، وقال سبحانه: [هَذَا بَلاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] (إبراهيم: ٥٢) ، وقال: [فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ وَعَلَيْنَا الحِسَابُ] (الرعد: ٤٠) ، ومن أشد المعارض القرآنية لهذا المعنى وقعاً على النفس، قوله تعالى للمؤمنين من هذه الأمة بعد آية تحريم الخمر مباشرة: [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلاغُ المُبِينُ] (المائدة: ٩٢) ، ونحو ذلك كثير في القرآن الكريم مما ينطق عن طبيعته (البلاغية) بالمعنى الرسالي للكلمة، وما ينتج عن ذلك كثير من إعذار وإنذار، ومن ثقل الأمانة الملقاة على عاتق كل مسلم، بل كل إنسان (بلغته) الرسالة. ها هي الرسالة وصلت من رب العالمين إليك أيها الإنسان؛ فاحذر أن تظنك غير معني بها في خاصة نفسك، أو أنك واحد من ملايين البشر، لا يُدْرَى لك موقع من بينهم؛ كلا، كلا، إنه خطاب رب الكون، فيه كل خصائص الكلام الرباني من كمال وجلال. أعني أن الله يخاطب به الكل والجزء في وقت واحد، ويحصي شعور الفرد والجماعة في وقت واحد، [قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (آل عمران: ٢٩) ؛ فهو سبحانه ﷻ لا يشغله هذا عن ذاك، وإلا فما معنى الربوبية وكمالها؟ وكما أنه قدير على إجابة كل داع، وكل مستغيث، من جميع أصناف الخلق، فوق الأرض وتحت الأرض، وفي لجج البحر، وتحت طبقاته، وفي مدارات السماء ... إلخ، كل ذلك في وقت واحد وهو تعالى فوق الزمان والمكان لا يشغله شيء عن شيء، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، فبذلك المنطق نفسه أنت إذ تقرأ القرآن تجد أنه يخاطبك أنت بالذات، وكأنه لا يخاطب أحداً سواك، فاحذر أن تخطئ هذا المعنى.. تذكر أنه كلام الله، وتدبر. قال ﷻ : [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] (محمد: ٢٤) ، [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً] (النساء: ٨٢) .. فتدبر! ذلك هو القرآن: الكتاب الكوني العظيم، اقرأه وتدبر؛ فوراء كل كلمة منه حكمة بالغة، وسر من أسرار السماوات والأرض، وحقيقة من حقائق الحياة والمصير، ومفتاح من مفاتيح نفسك السائرة كرهاً نحو نهايتها، فتدبر؛ فإن فيه كل ما تريد. ألست تريد أن تكون من أهل الله؟ إذن، عليك بالقرآن، اجعله صاحبك ورفيقك طول حياتك، تكن من (أهل الله) كما في التعبير النبوي الصحيح. قال ﷺ : «إن لله تعالى أهلين من الناس: أهل القرآن هم أهل الله، وخاصته» [٩] . هذا غاية ما عندي عن القرآن، فلا تغتر بما عندي، إنه لا يحدثك عن القرآن إلا القرآن، فتدبر.. اقرأه آية فآية، وتدبر. خاتمة: القرآن إذن هو متن رسالة الله يمنحك أول مقاصده الإرسالية: معرفة الله، مرسل الرسالة إلى الخلق، تلك حقيقته الأولى، وهي أول ما يرفع بصيرتك إليه، عسى أن تبصر جمال الخالق ﷻ ، فتكون له من العابدين. فاسأل نفسك: هذه هي الرسالة: القرآن، ولكن هذا المرسل.. من يكون؟ ومن هو؟ هذا أول المعرفة الربانية، وهو في مقاصد؛ الخطاب القرآني، البلاغ الأول من بلاغات القرآن، ذلك من حيث الرتبة لمقاصد الإرسال، وهو ها هنا من حيث ترتيب السير المنهجي في التعرف إلى معالم الطريق، ومنازل السير يحتل الرتبة الثانية منهجياً لا مقاصدياً؛ إذ لا يعرف الله إلا بمعرفة القرآن، كما أنه لا يمكن أن يعبد الله عملياً إلا باتباع رسوله، وإن شئت فقل: معرفة الله وتوحيده هو غاية الغايات، ومنتهى الخطوات، ولكن أولاها قطعاً وإنجازاً هي معرفة القرآن، فإذا أنت عرفت ما القرآن؟ وبدأت تغرف من مأدبة الله، وجدت الله جل وعلا أول المقاصد التي يدعوك القرآن لتعرفها، ومن هنا لم تكن الأمة لتنبعث من جديد إلا ببعث القرآن فيها من جديد؛ ذلك صمام الأمان لسلامة السير في كل عمل إسلامي، والمقياس الفاصل بين الحق والباطل في كل استقامة أو انحراف عن الصراط المستقيم من المنهج الدعوي العام، والله الموفق للحق والمعين عليه، فتدبر!

стр. 4131

دراسات في الشريعة والعقيدة غربة تطبيق السنة محمد بن عبد الله الهبدان alhabdan@email.com من ظواهر الغربة التي فشت وانتشرت في الأمة فقدان تطبيق سنن النبي ﷺ في الحياة اليومية ليس عند العامة، بل حتى عند بعض طلاب العلم، «وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان، ووقت دون وقت، وبين أقوام دون قوم» [١] ، وقد ذكر النبي ﷺ أن «من صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي ﷺ : التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس، وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم، وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس» [٢] . روى الترمذي من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «إن الدين ليأزر إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل، إن الدين بدأ غريباً ويرجع غريباً فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي» [٣] . وروى ابن وضاح في البدع والنهي عنها عن بكر بن عمرو المعافري قال: قال رسول الله ﷺ : «طوبى للغرباء الذين يمسكون بكتاب الله حين يترك، ويعلمون [٤] بالسنة حين تطفأ» [٥] ، وقال أبو بكر بن عياش: «السنة في الإسلام أعز من الإسلام في سائر الأديان» [٦] ، ويقول يونس بن عبيد رحمه الله تعالى: «ليس شيء أغرب من السنَّة، وأغرب منها من يعرفها» [٧] . حال السلف في الشكوى من غربة تطبيق السنة: لقد تكاثرت أقوال السلف في بيان هذه الغربة في أزمان تُعد من أفضل الأزمان، وقرون هي من أفضل القرون بشهادة من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، يقول أبو الدرداء ﵁: «لو خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم ما عرف شيئاً مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة» . وقال الأوزاعي: فكيف لو كان اليوم؟ وقال عيسى بن يونس: فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان؟ وعن أنس بن مالك ﵁ قال: ما أعرف منكم ما كنت أعهده على عهد رسول الله ﷺ غير قولكم: لا إله إلا الله. قلنا: بلى يا أبا حمزة! قال: قد صليتم حتى تغرب الشمس، أفكانت تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ! وعن ميمون بن مهران قال: «لو أن رجلاً أُنْشِرَ فيكم من السلف ما عرف غير هذه القبلة» ، وعن سهل بن مالك عن أبيه قال: «ما أعرف شيئاً مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة» [٨] . وهذه حقيقة واقعة في هذا الزمن، ليس بين عوام الأمة، بل حتى بين طلاب العلم أحياناً، فإذا ما قام أحدهم بتطبيق سنة من سنن المصطفى ﷺ إذا بنظرات الاستغراب تنهال من كل حدب وصوب، وكأنك فعلت أمراً منكراً، بل أشد من ذلك أحياناً ولا وحول ولا قوة إلا بالله أن يكون المنكر أخف؟ ! ! فكم من الناس من يرتكب المعاصي ومع ذلك لا تجد من ينكر عليهم، ويحتسب في مناصحتهم، أما لو طبق سنة من سنن المصطفى ﷺ فهذا إن سلم من العقوبة أحياناً فقد لا يسلم من السكوت عنه وأقل الأحوال أن توجه إليه الأنظار! وهذه القضية ليست في عصرنا فحسب بل حتى في العصور الماضية، فعلى سبيل المثال: يقول الشاطبي ﵀ في الاعتصام: «فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة، وأن الناس لن يُغنوا عني من الله شيئاً، فأخذت في ذلك على حكم التدريج في بعض الأمور، فقامت عليَّ القيامة، وتواترت عليّ الملامة، وفوّق إليّ العتاب سهامه، ونُسبت إلى البدعة والضلالة، وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة» [٩] ، وكما قال ابن عباس ﵄: «ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع، وتموت السنن» [١٠] . وسأذكر لك أخي القارئ نماذج من هذه الغربة، فمن ذلك: ما يفعله الإنسان عند الغضب: روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي ذر قال: كان يسقي على حوض له فجاء قوم فقال: أيكم يورد على أبي ذر ويحتسب شعرات من رأسه؟ فقال رجل: أنا، فجاء الرجل فأورد عليه الحوض فدقه، وكان أبو ذر قائماً فجلس، ثم اضطجع! ! فقيل له: يا أبا ذر! لِمَ جلستَ ثم اضطجعت؟ ! قال: فقال: إن رسول الله ﷺ قال لنا: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع» [١١] . فهذه سنة من سنن النبي ﷺ يغلب على ظني أنها قد هجرت من كثير من الناس حتى لو أردت أن تفعلها ذات يوم والغضب جِبِلَّة في الناس لأصبحت محل استغراب الناس، وكأن حالهم يقول: يأتي إليه رجل فيغضبه ويتكلم عليه أو يكسر له متاعاً، ثم يجلس أو يضطجع على جنبه؟ ! ثم تلحظ حرص السلف رحمهم الله تعالى على التطبيق العملي للسنة؛ فأبو ذر قبل أن يعلِّم الناس قام هو بفعل السنة ثم علَّمهم، وهذا يعطينا درساً في تعليم الناس ودعوتهم أن نحرص على التطبيق العملي لأن تأثر الناس به أكثر. السنة في المشي حافياً: روى أبو داود في سننه عن عبد الله بن بريدة أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر فقدم عليه فقال: «أما إني لم آتك زائراً ولكني سمعت أنا وأنت حديثاً من رسول الله ﷺ رجوت أن يكون عندك منه علم. قال: وما هو؟ قال كذا وكذا، قال: فما لي أراك شعثاً وأنت أمير الأرض؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهانا عن كثير من الإرفاه. قال: فما لي لا أرى عليك حذاء؟ قال: كان النبي ﷺ يأمرنا أن نحتفي أحياناً» [١٢] . وهذه سنة مهجورة، ولو فعلها الإنسان أحياناً لقيل: ما هذا التخلف والرجعية؟ فكيف لو فعلها مسؤول كبير أو أمير أو وزير كفضالة بن عبيد ﵁؟ ! إعفاء اللحية: من السنن الواجبة إعفاء اللحية لقول النبي ﷺ : «وفِّروا اللحى، وأحفوا الشوارب» [١٣] ، وقوله ﷺ : «أنهكوا الشوارب، وأعفوا اللحى» [١٤] ، وغيرها من النصوص الشرعية الدالة على تركها وإعفائها، ومع ذلك فبعض المجتمعات تكاد ألاَّ تجد فيها من يستطيع إعفاءها بسبب ما يواجه من ضغط وإكراه، فنسأل الله تعالى أن ينصر دينه، وأن يخذل أعداءه، وأن يعز أولياءه. السنة في لباس الرجل: روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر قال: «مررت على رسول الله ﷺ وفي إزاري استرخاء فقال: يا عبد الله! ارفع إزارك. فرفعته، ثم قال: زد. فزدت؛ فما زلت أتحراها بعدُ. فقال بعض القوم: إلى أين؟ فقال: أنصاف الساقين» [١٥] ، وروى ابن ماجه في سننه عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قلت لأبي سعيد: هل سمعت من رسول الله ﷺ شيئاً في الإزار؟ قال: نعم! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه ما بينه وبين الكعبين، وما أسفل من الكعبين في النار يقول ثلاثاً: لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطراً» [١٦] . ولعلك أخي القارئ تلحظ عدم الاستنكار على من يسبل إزاره، أو على الأقل تبلد الإحساس لدى الناس، ولكن من رفع إزاره كما أمر النبي ﷺ ؛ فانظر ما تجد من ملاحقة الأنظار، ومن العتب والتوبيخ، والله المستعان. البدء بركعتين في المسجد عند القدوم من السفر: روى البخاري ومسلم من حديث كعب بن مالك، وفيه: «فكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس» [١٧] . إعادة السلام وتكراره إذا حال بينهما شيء ولو يسيراً: روى أبو داود في سننه عن أبي هريرة قال: «إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه أيضاً» [١٨] . تعميم السلام: روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رجلاً سأل النبي ﷺ أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» [١٩] ، وهذا حاصل والله المستعان فلو سلمت على أحد من الناس ورحبت به لقال بلسان الحال أو المقال: لعلك قد شبهت عليّ! ! وقد جاء في المسند أن سلام الخاصة من علامات الساعة، فروى الأسود بن يزيد قال: أقيمت الصلاة في المسجد فجئنا نمشي مع عبد الله بن مسعود، فلما ركع الناس ركع عبد الله وركعنا معه ونحن نمشي، فمر رجل بين يديه فقال: السلام عليك يا أبا عبد الرحمن! فقال عبد الله وهو راكع: صدق الله ورسوله. فلما انصرف سأله بعض القوم: لِمَ قلت حين سلم عليك الرجل: صدق الله ورسوله؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أشراط الساعة إذا كانت التحية على المعرفة» [٢٠] . لعق الأصابع والصحفة بعد الانتهاء من الطعام، ومسح اللقمة إذا وقعت على الأرض ثم أكلها: روى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: «إنكم لا تدرون في أيه البركة» [٢١] ، وفي حديث جابر أيضاً أن النبي ﷺ قال: «إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان» [٢٢] ، وبعض الناس لو رأى رجلاً يلعق أصابعه بعد الطعام أو يلعق الصحفة لاستقذر ذلك منه وعدها عادة سيئة، وطريقة رجعية! أسباب هذه الغربة: أولاً: الجهل بالسنن: فكما قيل: الإنسان عدو ما يجهل، فينشأ المسلم على أنها سنة من سنن المصطفى ﷺ فإذا جاء من يحيي السنة قابله بالإنكار، ورماه بالجهل والبوار. قال الشاطبي ﵀: «سبب الخروج عن السنة الجهل بها والهوى المتبع الغالب على أهل الخلاف، فإذا كان كذلك حمل على صاحب السنة أنه غير صاحبها ورجع بالتشنيع عليه والتقبيح لقوله وفعله» [٢٣] . ويقول ابن القيم ﵀: «قد غلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل، وخفاء العلم، فصار المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقلّ العلماء، وغلب السفهاء، ولكن مع هذا لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، لأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين» [٢٤] . وقال محمد بن الفضل البلخي: «ذهاب الإسلام من أربعة: لا يعملون بما يعلمون، ويعملون بما لا يعلمون، ولا يتعلمون ما لا يعلمون، ويمنعون الناس من التعلم» [٢٥] . ثانياً: التعصب المذهبي: قد يؤدي التعصب للمذهب إلى مخالفة سنة النبي ﷺ ، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أمثلة كثيرة على ذلك [٢٦] وقد بلغ الأمر في ذلك إلى الكذب على رسول الله ﷺ أحياناً كبعض الحنفية حينما أحرج في مسألة رفع اليدين في الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه، وذكرت له الأحاديث الصحيحة التي قد تصل إلى درجة التواتر في هذا، وضع على النبي ﷺ في عدم رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه، كل هذا لينتصر لمسألة فقهية، نعوذ بالله من الزلل [٢٧] . ثالثاً: الانبهار بحضارة الغرب الكافر: أدى هذا السبب إلى ترك بعض السنن النبوية، وخاصة في هذا الزمن الذي غزا الإعلام الغربي ديار الإسلام وهيمن عليها، فأصبح يصور للناس أن ما خالف حضارتهم يعد تخلفاً ورجعية، وتقهقراً ووحشية، ورجوعاً إلى العصور الحجرية، فإذا بفئام من الناس تستحي أن تطبق سنة النبي ﷺ خشية أن يوصموا بهذه الصفات، ولذلك تلحظ عندما يذهب بعض المسلمين إلى ديار الكفر أن بعضهم يتخلى عن بعض معالم دينه، فإذا بالمرأة مثلاً تدع حجابها، وإذا بالرجل أحياناً يتخلف عن أداء الصلوات، ويستحي من رفع الأذان في المطارات أو في أماكن عامة كالحدائق والمنتزهات. والله المستعان. رابعاً: عدم تعظيم السنة في القلوب: ولذلك يسأل كثير من الناس عن العمل الذي توجهه إليه: هل هو سنة أم واجب؟ فإذا قلت: سنة. قال: الأمر يسير، والدين يسر، والله تعالى غفور رحيم. وهكذا يتساهل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم حتى تنعدم بين الناس ويعد من يفعلها غريباً. خامساً: خوف العجب والشهرة: فبعض الناس قد يترك السنة في زمن الغربة خوفاً من فساد نيته بما يدخل عليه من العجب والشهرة المنهي عنها! فكأنه يقول: أترك السنة في زمان الغربة خوف الشهرة ودخول العجب [٢٨] ! وهذا لا شك خطأ فادح؛ فلو قلنا به لتُرِكَ كثير من الأحكام الشرعية بحجة خوف العجب والشهرة؛ وكما قيل: ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك. سادساً: عدم وجود من يعمل بها: فيخشى من يطبقها الإنكار عليه، وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام الشاطبي حينما قال: «كان بعضهم تسرد عليه الأحاديث الصحيحة في خيار المجلس ونحوه من الأحكام، فلا يجد له معتصماً إلا أن يقول: هذا لم يقل به أحد من العلماء» [٢٩] . ثمرات التمسك بالسنة في زمن الغربة: أولاً: دخول الجنة: فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي» قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» [٣٠] . ثانياً: مضاعفة الأجر والثواب: روى الترمذي وغيره عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كَنتُمْ تَعْمَلُونَ] (المائدة: ١٠٥) قال: أما والله لقد سألتَ عنها خبيراً؛ سألتُ عنها رسول الله ﷺ فقال: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنياً مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام؛ فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم» . قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة: قيل: يا رسول الله! أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: «بل أجر خمسين منكم» [٣١] . ثالثاً: أنه لا يُخاف عليه من سوء الخاتمة: من استقام على سنة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يُخاف عليه من أن تختم له خاتمة سيئة. يقول عبد الحق الإشبيلي ﵀: «إن سوء الخاتمة لا يكون لمن استقام ظاهره، وصلح باطنه، ما سُمِعَ بهذا قَطُّ، ولا عُلمَ به، والحمد لله، وإنما يكون لمن كان له فساد في العقل، وإصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، أو لمن كان مستقيماً ثم يتغير عن حاله، ويخرج عن سننه ويأخذ في غير طريقه، فيكون عمله ذلك سبباً لسوء خاتمته، وشؤم عاقبته والعياذ بالله، قال تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: ١١) [٣٢] . رابعاً: ثناء النبي ﷺ عليه: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:» بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ؛ فطوبى للغرباء « [٣٣] . وعن عبد الرحمن بن سَنَّة أنه سمع النبي ﷺ يقول:» بدأ الإسلام غريباً ثم يعود غريباً كما بدأ؛ فطوبى للغرباء. قيل: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: «الذين يصلحون إذا فسد الناس» [٣٤] . وفي حديث آخر بلفظ: «قيل: ومَن الغرباء؟ قال: النُّزَّاع من القبائل» [٣٥] . خامساً: الهداية والتوفيق: قال تعالى: [وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا] (النور: ٥٤) ، وروى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن؛ فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم» [٣٦] . فتأمل كيف جعل ترك السنة ضلالة! فإذن التمسك بها هداية وسعادة. سادساً: قوة الفراسة، والنطق بالحكمة: قال أبو عثمان الحيري [٣٧] : «من أمَّر السنة على نفسه قولاً وفعلاً، نطق بالحكمة، ومن أمَّر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً، نطق بالبدعة، قال الله تعالى: [وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا] (النور: ٥٤) » [٣٨] ، وقال أبو العباس بن عطاء وهو من أقران الجنيد: «من ألزم نفسه آداب السنة، نورَّ الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب ﷺ في أوامره وأفعاله وأخلاقه» [٣٩] ، وقال شاه الكرماني: «من غض بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشهوات، وعمَّر باطنه بالمراقبة وظاهره باتباع السنة، وعوَّد نفسه أكل الحلال، لم تخطئ له فراسة» [٤٠] . دورنا في إحياء السنن: أخي القارئ: يبقى علينا تجاه سنة نبينا ﷺ : ماذا نفعل لها؟ وما دورنا؟ أولاً: أن نحيي سنة النبي ﷺ ، وذلك بنشر العلم بين الناس وتطبيقها. يقول النبي ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعُمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء» [٤١] . قال الإمام النووي ﵀ في شرح الحديث: «قوله ﷺ : (من سن سنة حسنة) ، (ومن سن سنة سيئة) الحديث؛ وفي الحديث الآخر: (من دعا إلى الهدى) ، (ومن دعا إلى الضلالة) . هذان الحديثان صريحان في الحث على استحباب سن الأمور الحسنة، وتحريم سن الأمور السيئة، وأن من سن سنة حسنة كان له مثل أجر من يعمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة، وأن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه، أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه، سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه، أم كان مسبوقاً إليه، وسواء كان ذلك تعليم علم، أو عبادة، أو أدباً، أو غير ذلك. قوله ﷺ : (فعمل بها بعده) معناه: إن سنها؛ سواء كان العمل في حياته أو بعد موته. والله أعلم» ، وقال عبد الله ابن الحسن: قلت للوليد بن مسلم: ما إظهار العلم؟ قال: إظهار السنة، إظهار السنة [٤٢] . ثانياً: ترهيب الناس من مخالفة سنة النبي ﷺ وتذكيرهم بذلك: روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه، فقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ ! لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني» [٤٣] . ثالثاً: أن نبين للناس أن الأعمال لا تُقبل إلا إذا وافقت سنة النبي صلى الله عليه وسلم: لِمَا جاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد» [٤٤] ، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» ، قال النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث: «هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات، وفي الرواية الثانية زيادة وهي أنه قد يعاند بعض الفاعلين في بدعة سبق إليها، فإذا احتج عليه بالرواية الأولى يقول: أنا ما أحدثت شيئاً، فيحتج عليه بالثانية التي فيها التصريح برد كل المحدثات، سواء أحدثها الفاعل، أو سُبق بإحداثها، وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به» . رابعاً: أن يبين للناس أن المحبة للنبي ﷺ تقتضي متابعته: قال تعالى: [قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (آل عمران: ٣١) ، قال ابن كثير ﵀: «هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله» [٤٥] . والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 4132

تأملات دعوية اعبدوا الله مالكم من إله غيره محمد بن عبد الله الدويش www. dweesh. com كان الأنبياء أجمعون يدعون أقوامهم بدعوة واحدة هي دعوة التوحيد، وفي القصص القرآنية التي ساقت أخبار دعوتهم كان كل نبي يقول لقومه: [يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ] (الأعراف: ٥٩) . وأخبر ﵎ أنه بعث الأنبياء في أممهم لهذه الغاية: [َلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ] (النحل: ٣٦) [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ] (الأنبياء: ٢٥) . ولا غنى للدعاة إلى الله تعالى أن يتأسوا بالأنبياء ويسيروا وفق منهجهم، وأن يراجعوا مناهجهم وأساليبهم الدعوية بين آونة وأخرى ليدركوا مدى قربها أو بعدها عن منهج الأنبياء. ونحن في هذا النص لسنا أمام مسألة فرعية أو قضية جزئية، بل نحن أمام قضية منهجية رئيسة، وثمة لوازم عدة لهذه القضية المنهجية منها: * أن يكون أساس الدعوة ومنطلقها تعبيد الناس لله ﵎، وتحقيق التوحيد له ؛ ومن ثم فالدعوة للتوحيد سواء لتحقيق أصله أو لتصحيح واقع المسلمين نحوه لا بد أن تكون هي الأساس والمنطلق، ومهما كانت الأمور الأخرى من الأهمية بمكان فلا يسوغ أن تعلو منزلتها على منزلة التوحيد. * كان الأنبياء مع دعوتهم للتوحيد يدعون قومهم لترك المنكرات التي كانت لهم شعاراً، كالتطفيف، والبغي على الناس، وإتيان الفواحش، قال صلى الله عليه وسلم عن بعثته: «أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يُوحَّد الله لا يُشرك به شيء» [١] . وهكذا الدعاة إلى الله اليوم يجب أن يكون التوحيد أساس دعوتهم ومنطلقها، ومع ذلك يعنون بعلاج المشكلات المتفشية في عصرهم. * الإخلاص والصدق في الدعوة والبعد عن الأغراض الأخرى، فالداعية قد تبدو أمامه أغراض اجتماعية أو سياسية أو مادية، فكلما ذكَّر نفسه بعنوان دعوته عادت الأمور إلى نصابها. * الوضوح والجلاء في الدعوة، فليس لدى الدعاة إلى الله ما يُخفونه عن الناس، وليس لديهم ما يستحون من إعلانه وذكره. * الحذر من الانجراف بالدعوة ذات اليمين وذات الشمال؛ فطائفة من الذين ولجوا العمل السياسي للإصلاح نسوا أنفسهم، ونسوا غاية دعوتهم، وتحولوا إلى حزب سياسي بحت يستخدم المنطق السياسي السائد، واللغة الشائعة دون تمحيص أو مراجعة، حتى تكاد لا تفرق بينهم وبين أي حزب علماني آخر. * الحذر من أن تطغى الحزبيات والولاءات، فيتحول الداعية إلى حامل لفكرة حزب أو اتجاه، وإلى ساع لكسب الأتباع والأعوان ناسياً حقيقة دعوته وغايتها. * ربط الناس بالله ﵎ والبعد عن ربطهم بالأشخاص، والاعتناء بتعليمهم فقه الكتاب والسنة أكثر من الاعتناء بتعليمهم آراء الرجال وأقوالهم، ومن صور الغلو الممقوت في الأشخاص الغلو في السلاطين، حتى تتحول طاعتهم إلى أصل بعد أن كانت تبعاً لطاعة الله ، وحتى تكون معصيتهم أشد من معصية الله تعالى.

стр. 4133

ملفات العولمة.. مقاومة وتفاعل العولمة.. مقاومة وتفاعل ما زال مصطلح (العولمة) من المصطلحات الغامضة التي لم تُحدَّد معالمها بدقة؛ على الرغم من كثرة الكتب والدراسات التي كتبت فيه. لكن يبدو أن هناك رأياً سائداً عند جمهرة من الساسة والمفكرين يشير إلى أن مصطلح (العولمة) قرين لمصطلح (الأمركة) ، وهذا ما أشار إليه مؤلفا كتاب (فخ العولمة) عندما قالا: (إن ثمة جهوداً خارقة تبذل لكي يتخذ العالم صورة واحدة؛ ولا ريب في أن المحصلة النهائية لمثل هذا التطور ستكون في المجال الثقافي كما يتبناها ابن نيويورك الفنان «كورت روي ستون» بسيادة الصراخ والزعيق الأمريكي بمفرده في العالم أجمع) [١] . لقد انهارت أوروبا أمام الغزو السينمائي والتلفزيوني الأمريكي كما ذكر ذلك بعض المفكرين [٢] ، ولم يحمها شعار الاستثناء الثقافي الذي رفعه وزير الثقافة الفرنسي، وشعرت كثير من الدول بالقلق من هذه التحولات الثقافية والحضارية التي يشهدها العالم؛ حتى قال وزير الخارجية الكندي: (لئن كان الاحتكار أمراً سيئاً في صناعة استهلاكية؛ فإنه أسوأ إلى أقصى درجة في صناعة الثقافة؛ حيث لا يقتصر الأمر على تثبيت الأسعار، وإنما تثبيت الأفكار!) . فإذا كان هذا الانهيار والقلق قد حصل في الدول الكبرى التي تدرك خطورة العولمة؛ فما بالك في الدول المهزومة التي ترى أن نهضتها إنما تكون بالانسلاخ من هويتها، والوقوع في شرك التبعية، خاصة بعد إرهاب الأمركة الذي امتد هديره بعد أحداث نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر ليجرف بطوفانه ما بقي من كرامة الشعوب..؟ ! إن سراب العولمة وأكاذيبها المتتالية خاصة في المجال الاقتصادي بدأت تتضح وتنكشف سوءاتها؛ ولهذا فإن مستقبل العولمة (الأمركة) أصبح مهدداً بالسقوط التدريجي، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي زلزلت الكيان الأمريكي وأسقطت هيبته. لقد أشرنا في العدد (١٦٧) إلى المؤتمر [٣] الذي عقده المنتدى الإسلامي في لندن بعنوان: (العولمة.. مقاومة وتفاعل) ، ونشرنا مقالة تمهيدية للدكتور إبراهيم بن ناصر الناصر بعنوان: (العولمة.. استثمار ومقاومة) ، ووعدنا بنشر بقية الأوراق التي قدمت في المؤتمر، وها نحن بحمد الله نفي بالوعد وننشر الملف بعد انعقاد مؤتمر الدوحة لـ (منظمة التجارة الدولية) التي تعد إحدى الأذرع الرئيسة للعولمة.

стр. 4134

ملفات العولمة.. مقاومة وتفاعل العولمة وصراع الحضارات أ. د. جعفر شيخ إدريس [*] [الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) فالصراع سنة ماضية، والصراع بين الحضارات إنما هو في جوهره صراع بين معتقدات لا بين طبقات ولا عرقيات. فأصحاب الطبقة الواحدة، والمنتمون إلى قومية واحدة بل قبيلة واحدة قد يقتل بعضهم بعضاً إذا اختلفت معتقداتهم. على هذا تدل الآية الكريمة التي تشير إلى اعتداء أناس من قبيلة هي أشرف قبائل العرب على أناس آخرين من هذه القبيلة نفسها؛ لأنهم خالفوهم في معتقدهم. وهذا هو الذي توصل إليه دارسو الحضارات من الغربيين؛ فإنهم يكادون أن يكونوا مجمعين على أن الحضارة وإن تكونت من عناصر كثيرة إلا أن أهم عنصر فيها هو العنصر الثقافي، وأن أهم عنصر في الثقافة هو الدين. ويلاحظون أن كبرى الحضارات كانت إلى حد كبير مرتكزة على أديان. فما الحضارة؟ وما الثقافة؟ وما العولمة؟ وما علاقة الصراع بين الحضارات بها؟ الحضارة والثقافة والعولمة: كلمات الحضارة والمدنية والثقافة والعولمة وإن كانت عربية إلا أنها جعلت في استعمالنا الحديث رموزاً تدل على المعاني والمفهومات نفسها التي تدل عليها الكلمات الغربية التي جعلناها ترجمة لها. فلننظر في تلك المعاني والمفهومات كما هي عند أهلها. وأنسب ما نبدأ به هو الأمريكي هنتنجتون أول من أشاع تعبير صراع الحضارات في مقال مشهور نشر في صيف عام ١٩٩٣م في مجلة Foreign Affairs بهذا العنوان، ثم نشر موسعاً في كتاب بالعنوان نفسه. ينقل هنتنجتون عن عدد كبير من العلماء الغربيين تعريفهم لما أطلقنا عليه كلمة المدنية أو الحضارة civilization، والفرق بينها وبين ما نسميه ثقافة culture؛ فما الحضارة أو المدنية وما الثقافة؟ يمكن أن نلخص مجمل أقوال من نقل عنهم هنتنجتون في مفهوم الحضارة والثقافة فيما يلي: يضع المفكرون الألمان حداً فاصلاً بين الحضارة والثقافة، فالحضارة عندهم تشمل التقنية وسائر العوامل المادية، أما الثقافة فتشمل قيم المجتمع ومثله العليا وخاصياته الفكرية والفنية والخلقية الكبرى. لكن سائر المفكرين الغربيين خالفوا الألمان في هذا؛ فهم يرون أن الحضارة والثقافة كليهما تشيران إلى منهاج حياة أمة من الناس، وأن الحضارة إنما هي الثقافة مكبرة، وأن كليهما يشمل القيم والمعايير والمؤسسات وطرائق التفكير السائدة في أمة من الناس، وأن الدين هو أهم العناصر المكونة للحضارة، وأن الحضارة ليست متطابقة مع العرق؛ فأصحاب العرق الواحد قد ينتمون إلى حضارات مختلفة، كما أن الحضارة الواحدة كالحضارة الإسلامية قد تضم مجتمعات مختلفة الأعراق والألوان والأشكال. والحضارة هي أوسع وحدة ثقافية؛ فأهل قرية إيطالية مثلاً قد يتميزون ثقافياً عن قرية إيطالية أخرى لكنهم يشتركون في ثقافة إيطالية تميزهم عن أهل القرى الألمانية. والألمان والإيطاليون ينتمون إلى ثقافة أوروبية تميزهم عن الجماعات الصينية والهندية. هذا الذي يجمع الأوروبيين هو حضارتهم التي تميزهم عن الحضارات الصينية والهندية. فالحضارة هي أعلى تجمُّع ثقافي للناس، وأوسع مستوى للهوية الثقافية لهم. وليس فوق الانتماء الحضاري للناس إلا انتماؤهم إلى الجنس البشري [١] . أما العولمة فيمكن أن نقول: إنها في أساسها تصيير المحلي عالمياً؛ فهي وصف لعمل مستمر تدل عليه كلمة Globalization لكنها في الوقت نفسه وصف لبعض نتائج هذا التعولم. النتيجة النهائية المثالية للتعولم أن تكون للعالم كله لغة أو لغات مشتركة، وأن تكون التجارة فيه مفتوحة ومتيسرة بين كل بلدان العالم، وأن يسود فيه نظام اقتصادي واحد، ونظام سياسي واحد، وأن تسود فيه عقيدة واحدة، وأن تكون للناس فيه قيم مشتركة في مسائل كحقوق الإنسان والعلاقة بين الجنسين، وأن يكون هنالك أدب عالمي يتذوقه الناس كلهم، وأن يسود فيه تبعاً لذلك نظام تعليمي واحد، وهكذا. وأن تكون كل هذه الأمور التي تعولمت مناسبة للناس من حيث كونهم بشراً، ومساعدة لهم على تحقيق طموحاتهم المادية والروحية، أي تكون للعالم حضارة عالمية واحدة. هذا هو الهدف النهائي المثالي، لكن العولمة قد تكون ناقصة، وقد تكون تامة من غير أن تكون مناسبة للبشر بل مفروضة عليهم لظروف طارئة. المهتمون بقضية العولمة متفقون تقريباً على أنه وإن كانت الكلمة جديدة إلا أن ما تصفه ليس بجديد، بل يرى بعضهم أن السير نحو هذه العالمية بدأ منذ مئات السنين. فإذا كانت هذه هي العولمة فما وسائلها التي تجعلها ممكنة وتحركها؟ يذكر بعض المؤرخين أنه كان للعولمة في الماضي سببان رئيسان هما الهجرة والغزو. ولكن لنا أن نسأل: لماذا يهاجر الناس، ولماذا تغزو بعض البلاد بعضاً؟ إنهم يفعلون ذلك؛ لأنهم يرونه بحسب قيمهم في مصلحتهم المادية أو الروحية. هذا إذن هو الدافع الأول المحرك للهجرة أو الغزو أو أي نوع آخر من أنواع الاتصال بين أمة وأمة. لكن الناس إنما يقررون الهجرة إلى مكان معين أو غزو أمة معينة بحسب ما يصلهم من معلومات عنها، وبحسب إمكانية الوصول إليها. هذان إذن عاملان آخران هما المعلومات ووسائل الانتقال؛ وهذان يعتمدان كثيراً على مستوى التقنية الذي تصل إليه الأمة المهاجرة أو الغازية أو الساعية لأي نوع آخر من أنواع العلاقات أو التأثير. دوافع أمة لغزو أمة أخرى أو هجرة بعضهم إليها هي في غالبها دوافع اقتصادية، لكن بعضها قد يكون ثقافياً. والأمران متشابكان؛ فحتى الغازي لأسباب اقتصادية ينقل معه ثقافته وقد يفرضها على المهزومين إذا كان غازياً ذا إمكانات كبيرة، وقد يتأثر بثقافة من غزاهم، بل وقد يتبناها ويترك ثقافته، وقد يكون التأثر والتأثير متبادلاً. والمهاجر أو الغازي لأسباب ثقافية قد يستفيد فوائد اقتصادية، وقد يحدث لثقافته التي هاجر من أجلها ما يحدث للمهاجر. كان غزو المسلمين للعالم مثالاً للغزو بدافع حضاري؛ فقد كانوا يعدون أنفسهم أصحاب رسالة موجهة للعالم كله كلفوا هم بتبليغها إليه بالوسائل السلمية ما أمكن، وإلا باللجوء إلى الحرب. لكن حتى المسلمين الذين كانوا يهاجرون طلباً للرزق كانت مهمتهم الرسالية ماثلة أمامهم، فأثروا في البلاد التي هاجروا إليها تأثيراً كبيراً، فنقلوا إليها كما نقل الغزاة قبلهم دينهم ولغتهم ولم يتأثروا بهم إلا في أمور لا تتعارض مع دينهم، بل قد يكون بعضها من مقتضيات الدعوة إليه، كتعلم لغتهم. أما المسلمون الذين يهاجرون إلى البلاد الغربية في أيامنا هذه فإنهم يفعلون ذلك لأسباب في غالبيتها العظمى اقتصادية، وتجربتهم تدل على أن الغالبية العظمى منهم تفقد هويتها الثقافية لغة ومظهراً وديناً وتذوب في المجتمعات الغربية. لكن أكثر ما يحتفظون به ويؤثرون به في تلك المجتمعات هو طعامهم. غير أن قلة من هؤلاء الذين هاجروا لأسباب اقتصادية كانت مع القلة التي تسافر لأسباب دعوية أو دراسية سبباً في قبول بعض الغربيين للإسلام، وفي انتشار بعض المظاهر الإسلامية كالمساجد والمدارس والمكتبات والحجاب. أما الغربيون الذين ذهبوا إلى العالم الإسلامي غزاة أو لأسباب اقتصادية فإن قلة قليلة منهم هي التي تأثرت بالثقافة الإسلامية أو اعتنقت الإسلام. ولذلك كان دخول بضعة آلاف من الجنود الأمريكان في الإسلام في المدة القصيرة التي قضوها في السعودية إبان حرب الخليج أمراً ملفتاً للنظر شاذاً عن القاعدة. لكن دخول غير الغربيين المهاجرين إلى العالم الإسلامي كان ولا يزال أمراً معتاداً. أما غزو الغرب للعالم فقد كان في أساسه لأسباب اقتصادية، لكن الدافع الرسالي كان أيضاً حاضراً فيه حضوراً بيناً. فالغربيون كانوا يرون أن لهم رسالة هي أن يحضِّروا العالم ويجعلوه نصرانياً. وهم يرون أن حضارتهم تفوق الحضارات الأخرى لما تمتاز به من عقلانية لا توجد في غيرها، وأن هذه الميزة هي التي تؤهلها لأن تكون الحضارة العالمية. يرى أحد الأساتذة الأرجنتينيين أن أحسن من يعبر عن هذا الاعتقاد هو هيجل وينقل عنه قوله: «إن الروح الألمانية هي روح العالم الجديد» . ويقول: إن هيجل يرى أن الروح الأوروبية التي هي روح ألمانيا هي الحقيقة المطلقة التي تحقق نفسها بنفسها من غير أن تكون مدينة لأحد سواها. ويقول أعني الكاتب: إن هذه القضية يعني قضية هيجل لم تفرض نفسها على أوروبا والولايات المتحدة فحسب؛ بل على كل المجال الفكري لأطراف العالم [٢] . ويقول أستاذ بجامعة ديوك الأمريكية: «إنه لأمر عجيب وإنها لحركة في غاية التعصب العنصري أن تعتقد أوروبا أن عليها منذ عام ١٥٠٠م أن تحضِّر عالماً ظلت فيه منذ قرون حضارات (مثل الحضارة الصينية والهندية والإسلامية ... ) قبل أن تجعل من نفسها مركزاً جديداً للعالم باسم النصرانية وأوروبا زمرة من الجماعات الهمجية الصاعدة» [٣] ، وأحسن من عبر عن الجمع بين الدافعين الاقتصادي والحضاري هو المؤرخ الأسباني الذي سوغ ذهابه وزملاءه لغزو الجزر الهندية بقوله: «خدمة لله ولصاحب الجلالة، ولنقل النور إلى أولئك الجالسين في الظلام، ولنصير أغنياء كما أن كل إنسان يريد أن يصير» [٤] . استطاعت أوروبا أن تفرض نفسها وكثيراً من جوانب حضارتها على تلك الحضارات بالغزو والاحتلال والاستعمار، ثم بوسائل الإعلام والضغوط الاقتصادية، والتهديدات العسكرية. يقول مؤرخهم المعاصر بشيء من الزهو: «إن التغيير الذي حدث في تاريخ العالم بعد عام ١٥٠٠م لم يكن له سابقة. لم يحدث من قبل ذلك أبداً أن انتشرت حضارة واحدة في أرجاء الأرض كلها؛ فمنذ أقدم مسارح ما قبل التاريخ المشاهدة كان الميل دائماً نحو التنوع. أما الآن فإن التيار الثقافي بدأ يتحول. إن جوهر ما كان يحدث كان بادياً حتى منذ أواخر القرن الثامن عشر. فالأمم الأوروبية بما فيها روسيا كانت في ذلك الوقت قد ادعت لنفسها أكثر من نصف سطح الأرض، وكانت بدرجات متفاوتة قد سيطرت بالفعل على ما يقرب من ثلثه. ففي غرب الكرة الأرضية كانوا قد ازدرعوا جماعات مستوطنة تكفي بأعدادها الكبيرة لإنشاء مراكز حضارية جديدة؛ فقد خرجت أمة جديدة من المقاطعات البريطانية السابقة في أمريكا الشمالية، وفي الجنوب استطاع الأسبان أن يحطموا حضارتين ناضجتين ليغرسوا حضارتهم» [٥] . ثم يذكر أنه كان هنالك في ذلك التاريخ ما يقرب من عشرين ألف هولندي في جنوب أفريقيا، وأن أستراليا كانت قد بدأت تستقبل مستوطنيها الجدد. وأن الزائر الأوروبي لشرق أفريقيا وإيران والهند وأندونيسيا كان سيجد فيها أوروبيين جاءوا ليتاجروا ثم ليرجعوا إلى بلادهم في المدى القريب أو البعيد ليستمتعوا بالأرباح التي حققوها. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان الاستعمار الغربي قد شمل أفريقيا كلها، وأحكم سيطرته على شبه القارة الهندية وبقية آسيا. وفي أوائل القرن العشرين أخضع الشرق الأوسط كله عدا تركيا لسيطرته المباشرة، ومع نهاية عام ١٩٢٠م كانت الإمبراطورية العثمانية قد قسمت بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا. في غضون هذا التوسع قضى الغرب قضاءً كاملاً على حضارتي (Meso american) و (Andean) ، وأخضعت الحضارات الهندية والإسلامية وأخضعت أفريقيا. وتوغل في الصين وجعلت تابعة للنفوذ الغربي لمدة أربعمئة عام تمثلت العلاقة بين الحضارات في خضوع المجتمعات غير الغربية للحضارة الغربية [٦] . ذلك ما كان حتى عام ١٩٢٠م؛ فماذا حدث بعده؟ استمر الغرب في تفوقه التقني واستمر في تأثيره الكبير على كل مجتمعات العالم لا سيما بعد الطفرة التي حدثت في تقنية الاتصالات والانتقال والتي زادت في إمكانية العولمة. تتمثل هذه الهيمنة الغربية الآن كما لخصها كاتب أمريكي في أن الأمم الغربية: - تملك وتدير النظام المصرفي العالمي. - وتسيطر على كل أنواع العملة الصعبة. - وأنها هي الزبون العالمي الأول. - وأنها هي التي توفر للعالم معظم بضائعه الجاهزة. - وأنها تسيطر على أسواق الرأسمال العالمية. - وأنها تمارس قدراً كبيراً من القيادة الأدبية في كثير من المجتمعات. - وأن لها قدرة على التدخل العسكري العظيم. - وأنها تسيطر على المضايق البحرية. - وأنها تقوم بمعظم البحوث والتطوير للتقنية المتقدمة. - وأنها المتحكمة في التعليم التقني الفائق. - والمهيمنة على المدخل إلى الفضاء. - وعلى صناعة الطيران. - وعلى وسائل الاتصال العالمية. - وعلى التقنية العالية لصناعة الأسلحة [٧] . العولمة لم تكن كما كان يرجى لها إذن أن تسود في العالم ثقافة إنسانية تناسب كل الناس وتساعد على تعاونهم وتطورهم والاستفادة من خيرات بعضهم بعضاً. بل كادت العولمة وكاد التحديث أن يكون تغريباً بسبب هذا التفوق الغربي وعدم تسامح حضارته مع الحضارات الأخرى. إلى متى سيستمر هذا التفوق وهذه الهيمنة الغربية؟ يرى كثير من المفكرين الغربيين أنها لن تستمر طويلاً على الأقل بهذا القدر الكبير. لماذا؟ هذا موضوع كبير لا يسعنا هنا إلا أن نشير إليه مجرد إشارات، فنقول: ١ - لأن سبب تلك القوة لم يكن لمجرد أسباب داخلية في الحضارة الغربية، وإنما كان أيضاً لظروف خارجية مواتية. أما الآن فإن ظروفاً خارجية أخرى لا قِبَلَ للغرب بتغييرها جعلته يضعف ضعفاً نسبياً للازدياد النسبي في القوة الاقتصادية والتقنية لبلاد غير غربية. ٢ - يزداد تقديرنا لأهمية هذا الضعف النسبي للقوة المادية للدول الغربية إذا ما تذكرنا ما يقوله كثير من مفكريها بأن السبب الأساس لسيطرتها لم يكن قيماً ولا فكراً ولا ديناً وإنما كان هذه القوة. يقرر هنتنجتون هذه الحقيقة في صراحة عجيبة إذ يقول: لم يغلب الغرب العالم بتفوق في أفكاره أو قيمه أو دينه (الذي لم تعتنقه إلا قلة من أبناء الحضارات الأخرى) وإنما غلب بتفوقه في العنف المنظم. إن الغربيين كثيراً ما ينسون هذه الحقيقة، لكن غير الغربيين لا ينسونها أبداً [٨] . بيد أننا يمكن أن نستدرك على هنتنجتون ومن يرى رأيه بأن الغرب وإن لم يكن في نفس الأمر متفوقاً في تلك المجالات إلا أن أهله كانوا يعتقدون فيه هذا التفوق، وأن هذا الاعتقاد الباطل كان دافعهم، مع الدوافع الاقتصادية للخروج لغزو العالم كما ذكرنا سابقاً. ٣ - أما الآن فإن هذا الضعف النسبي في القوة المادية للغرب يصحبه وربما سبقه فتور في الدافع الرسالي؛ فحماس الغربيين لدينهم المسيحي في بداية قرنهم الواحد والعشرين لم يعد كما كان في القرن الثامن عشر، ولم يطرأ هذا الفتور في الحماس الديني بسبب التأثر بالحضارات الأخرى في المكان الأول، وإنما كان في أساسه: - بسبب دراساتهم العلمية لأصول دينهم التاريخية، تلك الدراسات التي شككت في الثبوت التاريخي لكثير من نصوصه، والتي أثبتت أن في هذه النصوص تناقضاً ومخالفة لبعض الحقائق العلمية نشأ عنه انقسامهم إلى أصوليين أكثرهم من العوام يؤمنون بحرفية ما في كتابهم المقدس، وليبراليين يعتقدون أنه ما كل ما فيه من عند الله، وأنه تأثر بالظروف الثقافية للزمن الذي كتب فيه. - ثم كان التطور في مجال العلوم الطبيعية سبباً آخر؛ لأن منهج هذه العلوم يقوم على عقلانية لا وجود لها في دينهم. - ثم زاد من ضعف الإقبال على الدين أو الاهتمام به النظام السياسي العلماني الذي يفصله عن الدولة، بل وعن الحياة العامة كلها. ٤ - كان كثير من المفكرين الغربيين يأملون في أن يحل العلم الطبيعي محل الدين، وينجح في حل مشاكل البشرية التي عجز الدين عن حلها. لكن تجربة الحربين العالميتين العظميين، واعتمادهما على التقنية الحربية التي وفرها العلم الطبيعي أضعفت من هذا الأمل. ثم كانت كارثة هيروشيما فاقتنع كثير من المفكرين والعوام الغربيين بأن العلم الطبيعي إنما هو سلاح يعتمد حسن استعماله أو سوؤه على قيم لا تؤخذ منه هو، فلا بد أن يكون لها مصدر آخر. ٥ - والشيوعية التي هي نتاج غربي والتي تعلق بأوهامها الآلاف المؤلفة من الناس في الشرق والغرب، باءت هي الأخرى بإخفاق ذريع. ٦ - لم يبق للغرب الآن مبدأ يتعلق به ويدافع عنه ويعتز به إلا الديمقراطية الليبرالية وما يصاحبها من نظام رأسمالي. لكن حتى هذين يجدان كثيراً من النقد والمراجعة لعدم وفائهما ببعض القيم الإنسانية، ولا سيما إنصاف الفقراء، ولما نتج عنهما من تعميق للروح الفردية وما يصحبها من مشكلات اجتماعية. ٧ - الروح السائدة في الغرب الآن ليست روحاً متفائلة، بل إن التشاؤم قد يصل بهم إلى الحد الذي عبر عنه كاتب فرنسي أزعج ذلك الشعب وأثار تشاؤمه حين كتب يقول كما نقل عنه مؤلف إنجليزي: «إن أوروبا بدأت تدخل في عصر ظلام جديد يتميز بالأوبئة والمتسولين وانهيار المدن، وبعث الخرافة، وعودة التهديد القادم من الشرق من آسيا ومن الإسلام» [٩] . ولعلنا نستطيع أن نقول: إنه حتى لو لم يطرأ هذا الفتور في حماس الغربيين لدينهم ولرسالتهم، فإنه ما كان لحضارتهم أن تصير حضارة عالمية إذا ما فقدت القوة المادية؛ لأنها لا تملك في نفسها مقومات العالمية. لكن هذا موضوع آخر لا يسعنا الدخول في تفاصيله الآن، غير أن كثيراً من هذا القصور سيتضح إذا ما أظهرنا بعض مقومات عالمية الإسلام؛ إذ بضدها تتميز الأشياء. إلى هذا نتجه الآن وبه نختم مقالنا هذا. ما الذي يؤهل الحضارة الإسلامية لأن تكون حضارة عالمية؟ أرى أننا ينبغي أن نميز أولاً بين الإسلام والحضارة الإسلامية؛ لأنه إذا كانت الحضارة هي في جوهرها المعتقدات والقيم والتصورات المتمثلة فعلاً أو قل إلى حد كبير في واقع أمة من الأمم، فما كل ما جاء به الدين المنزل من عند الله متمثلاً في الأمة التي تعلن إيمانها به. فالدين دينان: دين منزل من عند الله لا يتغير ولا يتبدل [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] (الحجر: ٩) ين متمثل في واقع الناس يقترب من الدين المنزل أو يبتعد عنه، ولا يطابقه إلا في الرسول الذي جاء به، والذي صدق عليه قول زوجه أم المؤمنين: «كان خلقه القرآن» [١٠] ، أما غيره فمنهم من يقرب منه قرباً شديداً، ومنهم من يبتعد عنه بعداً كبيراً وإن كان منتسباً إليه. فالحضارة الإسلامية المتمثلة في واقع المسلمين تتأهل للعالمية بقدر قربها من الدين المنزل الذي تنتسب به. فما مقومات العالمية في هذا الدين؟ إنها مقومات كثيرة وعظيمة، لكننا نكتفي في هذا المقال بالإشارة إلى بعضها: ١ - أنه بينما كان الرسل من أمثال موسى وعيسى عليهم صلوات الله وسلامه يرسلون إلى أقوامهم خاصة فإن محمداً ﷺ أرسل إلى الناس كافة، أرسل رحمة للعالمين، وجعله الله خاتماً للنبيين. فحتى لو كان اليهود والنصارى المنتسبون إلى هذين الرسولين مستمسكين بدينهم الحق، لما جاز لهم أن يجعلوا منهما دينين عالميين بعد نزول الدين الخاتم؛ لأن الله تعالى إنما أرسل هذين الرسولين إلى قومهما خاصة وإلى فترة محدودة. فالمسلم المستمسك بدينه العارف بهذه الحقيقة يستبشر بالتطور الذي حدث في وسائل الاتصال والانتقال الذي جعل من العالم قرية واحدة كما يقولون. يستبشر به؛ لأنه يرى فيه تصديقاً لنبوة محمد ﷺ ؛ فلا أحد غير الله كان يمكن أن يعلم أن العالم سيتقارب هذا التقارب فلا يحتاج إلا إلى رسول واحد. ٢ - أن إمكانية تقريب المسافات أمر حاضر في حس المؤمن الذي يقرأ قوله تعالى: [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ] (الإسراء: ١) ، وحين يذكر كيف أن المكذبين به ﷺ ضاقت أعطانهم عن أن يروا إمكان ذلك، وحسبوا أن الممكن محصور في المألوف. ويقرأ المؤمن في كتاب ربه أن رجلاً عنده علم من الكتاب استطاع أن ينقل عرشاً بأكمله في أقل من طرفة عين من اليمن إلى الشام، ثم يقرأ في كتاب ربه ما هو أعجب من ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عُرج به إلى السماء السابعة ورجع في ليلة واحدة؛ وهي مسافة لو قطعها مخلوق بسرعة الضوء لاستغرقت منه البلايين من السنين الضوئية. ويصدق المسلم قول رسوله ﷺ : «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها» [١١] . ٣ - أن هذا الدين هو فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ فهو يخاطبهم بوصفهم بشراً وضع الله في قلوبهم أساسه؛ فهو ليس بالأمر الغريب عليهم. وما أكثر الذين شعروا بهذا حين أسلموا وفاضت أعينهم مما عرفوا من الحق. ٤ - ومما يزيد المسلم اقتناعاً بعالمية دينه أنه أثبت في الواقع أنه ليس بالدين الذي تحده ظروف جغرافية أو مناخية، أو زمانية أو ثقافية؛ فقد اعتنق هذا الدين أناس بينهم كل أنواع تلك الاختلافات، فلم يجدوا في شيء منها ما يحول بينهم وبين الإيمان به أو وجدانهم شيئاً غريباً عليهم. فالمسلمون في كل بقاع الأرض الآن أقرب إلى دينهم من النصارى أو اليهود لدينهم. فما زال المسلمون رغم كل تلك الظروف المختلفة يصلون الصلوات الخمس، ويصومون شهر رمضان، ويحجون إلى بيت الله الحرام، ويقرؤون الكتاب المنزل على رسولهم من غير تحريف ولا تبديل. ٥ - وإذا كان تطور العلوم الطبيعية يقف الآن حجر عثرة في طريق بعض الأديان الباطلة، فإنه يقف شاهداً على صدق هذا الدين؛ لأنه لا يجد فيه ما يخالف شيئاً من حقائقه، بل يجد فيه تقريراً لبعض تلك الحقائق قبل أن يتمكن الإنسان من اكتشافها بوسائله البشرية. ولا يجد فيه مخالفة لمنهجه العقلاني التجريبي؛ إذ يجده ديناً لا يأتي بمحالات العقول، ولا ينكر ما يشهد به الحس. فإذا ما شعر الناس بأهمية الدين كما يشعر بذلك كثير منهم الآن وإذا ما صدهم عما عرفوه من أديان تناقضها المنطقي، أو مخالفتها للواقع المحسوس فسيجد ديناً فيه كل ما يريد من هدى واستقامة وراحة نفسية، وهو خال من تلك النقائص. فسيكون العلم الطبيعي بإذن الله تعالى سبباً من أسباب دخول الناس في هذا الدين على المستوى العالمي. ٦ - والغرب وإن كان في مجموعه مهيمناً تلك الهيمنة التي ذكرناها سابقاً إلا أنه ليس شيئاً واحداً منسجماً متعاوناً، وإنما هو شعوب ودول وجماعات تختلف مصالحها ويثور التنافس والتحاسد بينها، ويرتاب بعضها من قوة بعضها ويخشى من سيطرتها. إذا كانت تلك هي بعض المقومات التي تؤهل الإسلام ليكون دين القرية العالمية، ومركز حضارتها، فإن في واقع الأمة المنتمية إليه الآن ما يعرقل سيرها بدينها نحو تلك العالمية: ١ - أول تلك العوائق هو كون الحضارة الغربية قد نجحت في جعل بعض المنتسبين إليه عملاء لها في داخل الأوطان الإسلامية، ومكنت لهم فيها؛ فهم الذين قسموا الأمة وجعلوها متنازعة، وشغلوها بصراعات داخلية سياسية واجتماعية، فحالوا بذلك بينها وبين أن تسعى متكاتفة إلى الأخذ بأسباب التقدم المادي من علم طبيعي وتقنية وإنتاج؛ لأن وحدة الأمة وإن كانت كافرة شرط في هذا كما تشهد بذلك تجارب اليابان والأمم الغربية. ٢ - وثانيها أن هذا النزاع كان وما يزال السبب في فقدان القدر اللازم من الحرية التي هي أيضاً شرط لذلك التقدم. لكن الغربيين الذين كانوا سبباً في فقدانها يعزون هذا الفقدان الآن إلى طبيعة العرب أو طبيعة الإسلام! وقديماً قال العربي: «رمتني بدائها وانسلَّت» . ٣ - وثالثها أن كثرة كاثرة من المنتمين إلى الإسلام قد حادوا عن جوهره التوحيدي، ففقدوا بذلك الشرط الذي علق الله تعالى نصره لهم عليه في مثل قوله تعالى: [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] (النور: ٥٥) . ٤ - ورابعها أن الغرب يبالغ في خوفه من الإسلام، ويزيد في هذا التخويف أناس يبالغون في خطر البعث الإسلامي الجديد متخذين من هذا التخويف وسيلة لتحقيق مآرب لهم لا تمت إلى مصلحة الغرب في شيء؛ وأكثر من يعينهم على هذا ويعطيهم أدلة يفرحون بها أناس لا عقل لهم ينتمون إلى حركة البعث هذه يكثرون من التهديد والوعيد للغرب من غير أن تكون لهم مقدرة على تحقيق أدنى شيء منه . وبسبب هذا الخوف المَرَضي من الإسلام ييالغ الغرب في ضغطه على الدول الإسلامية والتدخل في شؤونها ليقضي على كل بادرة نهضة إسلامية تطل برأسها فيها، [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) . ٥ - مع كل هذا الخطر الغربي فإن بعض الدعاة عندنا يتصرفون وكأنه لا وجود للغرب نفسه؛ فلا يتتبعون أخباره ولا يهتمون بمعرفة سياساته ومخططاته، ولا يفكرون في الرد على أفكاره، وكأنهم لم يسمعوا بمثل ما قال عالم الجزيرة الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: «إن معرفة أحوال الكفار من أعظم أبواب الجهاد» . وصار هؤلاء الدعاة بسبب هذه الغفلة مشغولين بمحاربة أناس هم معهم في صف البعث الإسلامي. إن نقد الخطأ ولا سيما ما كان في مسائل العقيدة أمر واجب وعمل عظيم؛ لكن نقد أخطاء المسلمين شيء، وجعلها الشغل الشاغل عن الخطر الداهم شيء آخر.

стр. 4135

ملفات العولمة.. مقاومة وتفاعل العولمة الاجتماعية للمرأة والأسرة فؤاد بن عبد الكريم آل عبد الكريم [*] أصبحت «المرأة» و «الأسرة» محورين أساسيين من محاور عمل التجمعات والفعاليات الاجتماعية في العالم، ولدى كثير من المنظمات والجمعيات (الحكومية وغير الحكومية) التي ترفع لواء ورداء الحرية والمساواة وحقوق الإنسان. كما أصبح الشغل الشاغل لتلك التجمعات والمنظمات: السعي لعولمة الحضارة الغربية ممثلة في الحياة الاجتماعية لتلك الدول؛ وذلك من خلال تقنين الإباحية والرذيلة، ومن خلال محاولة تعميم الشذوذ باسم حقوق الإنسان والحرية الشخصية، وتقويض بناء الأسرة؛ لأنها في زعمهم أكبر عائق من عوائق التقدم والرفاهية؛ فهي أقدم مؤسسة اجتماعية يدَّعون أن الرجل يتسلط من خلالها على المرأة، ويمارس عليها أشكال القهر، ومن أجل التحرير المزعوم للمرأة فإنهم يرون ضرورة التخلص من شيء اسمه «الأسرة» ، ولو أدى ذلك إلى التمرد على كل التعاليم الدينية، والمبادئ الفطرية، التي أرست دعائم الشعوب والأمم على مر التاريخ البشري. تلك هي رؤيتهم التي دأبوا على بثها بكل وسيلة ممكنة، وذلك هو برنامجهم الذي لم يسأموا من السعي لتحقيقه في الواقع، وفرضه بالقوة [١] مستعينين بأمور منها: أولاً: وسائل الإعلام بمختلف أشكالها وأنواعها (المقروءة والمسموعة والمرئية) ، وهذا الأمر معلوم للجميع ومشاهد على أرض الواقع. ثانياً: الاستعانة بمؤسسات الهيمنة الدولية، وفي مقدمتها هيئة الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وهذا ما سيدور حوله الكلام إن شاء الله؛ حيث إنه يقع في دائرة الاهتمام والمتابعة الشخصية. ففي السنوات الأخيرة وخاصة في التسعينيات الميلادية، كما سيتبين ذلك بعد قليل كثفت الحركات النسوية جهودها، وكذلك نشطاء حقوق الإنسان من أجل نقل تصوراتها وأفكارها من حيز الكلام التنظيري إلى حيز التنفيذ العملي، ومن الأطر الثقافية، والأخلاقية، والاجتماعية الخاصة ببعض الشعوب والحضارات الغربية إلى النطاق العالمي العام مستغلين طغيان موجة العولمة؛ وذلك بإقامة مؤتمرات من خلال هيئة الأمم المتحدة بعضها خاص بالمرأة، وبعضها الآخر تصبح المرأة فيه جزءاً مهماً من قضاياها. أولاً: أجهزة الأمم المتحدة المعنية بالمرأة: هناك أجهزة وهيئات تابعة للأمم المتحدة معنية بالمرأة تشارك في الإعداد والتجهيز لهذه المؤتمرات، منها: أ - لجنة مركز المرأة التابعة للأمم المتحدة. ب - صندوق الأمم المتحدة للسكان [٢] . ج - صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة. د - برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. هـ - المعهد الدولي للبحث والتدريب من أجل النهوض بالمرأة. و جامعة الأمم المتحدة. ز - معهد الأمم المتحدة لبحوث التنمية الاجتماعية. ح - اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة. ط - منظمة الأمم المتحدة للطفولة. ي - مركز الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الموئل) . ك - مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ل - منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة. وهذه المنظمة الأخيرة التي تعرف باسم: «منظمة اليونسكو» ، لها دور فاعل ومميز في هذه المؤتمرات من حيث الإعداد والمشاركة فيها؛ فقد قرر المدير العام لهذه المنظمة إنشاء لجنة استشارية معنية بالمرأة، وعهد إلى هذه اللجنة بإعداد ما يمكن لهذه المنظمة الإسهام به في مؤتمر المرأة الرابع في بكين ١٩٩٥م، وتهدف هذه المساهمة إلى ما يلي: - تعزيز نشاط اليونسكو وتفكيرها بشأن موضوعات المؤتمر الثلاثة: المساواة، والتنمية، والسلام، وإبرازها بصورة أوضح. - تعزيز أهمية نوعية التعليم المقدم إلى البنات والنساء على جميع المستويات، وفي جميع المجالات. - إشاعة صور إيجابية عن المرأة تبرز مواهبها، وخبراتها، وقدراتها، وإسهامها الفعلي بصفتها عاملاً من عوامل التغيير الاجتماعي. - تعزيز إمكانيات المرأة في اتخاذ القرار في جميع مجالات اختصاص اليونسكو كالتربية، والاتصال، والعلوم، والثقافة، ومكافحة جميع أشكال التمييز والعنف تجاه المرأة. - الإسهام في القضاء على القوالب الجامدة التي لا تزال تحدد أدوار وسلوك الرجال والنساء، وتبقي من ثم على أشكال التفاوت والتمييز التي تستند إلى الجنس [٣] . ثانياً: تاريخ موجز لهذه المؤتمرات: بدأ اهتمام هيئة الأمم المتحدة بالمرأة منذ عام ١٩٤٦م، حين أُنشئت لجنة مركز المرأة (وهي هيئة رسمية دولية تتألف من خمس وأربعين من الدول الأعضاء تجتمع سنوياً بهدف عمل مسودات وتوصيات وتقارير خاصة بمكانة المرأة وتقويم تلك الأعمال) . وقد أكد دستور هيئة الأمم المتحدة وميثاقها [٤] الذي أبرم بتاريخ ٢٦/٦/ ١٩٤٥م مبدأ عدم التفرقة بين الناس بسبب الجنس، فجعل للرجال والنساء حقوقاً متساوية، كما ورد في نصوص موادها: الأولى والثامنة. ونشير هنا إلى تركيز الأمم المتحدة في اتفاقياتها ومؤتمراتها على قضية المساواة بين المرأة والرجل بالمفهوم الغربي [٥] بوصفها قيمة عليا من القيم التي قامت عليها الحضارة الغربية، والتي أصبحت من القضايا المسلَّمة التي لا تقبل النقاش حولها، واستخدمت قضية المساواة هذه في تمرير كثير من القضايا التي تنادي بها الأمم المتحدة لعولمة النموذج الغربي للمرأة في جميع مجالات الحياة السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والإعلامية.. إلخ. وقد أكدت المادة الثامنة هذا المفهوم؛ حيث جاء فيها: (لا تفرض الأمم المتحدة قيوداً تحد بها جواز اختيار الرجال والنساء للاشتراك بأي صفة وعلى وجه المساواة في فروعها الرئيسية والثانوية) [٦] . وفي عام ١٩٤٨م صدر (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) شاملاً كافة حقوق الإنسان المدنية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية التي يجب أن يتمتع بها كل فرد رجلاً كان أو امرأة. ففي المادة الثانية مثلاً من هذا الإعلان: (لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أي نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسياً وغير سياسي، أو الأصل الوطني، أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أي وضع آخر) [٧] . كما أكدت الأمم المتحدة [٨] ضمن بنود دستورها (ل) و (م) ، على حقوق المرأة السياسية والاجتماعية، وحقها في الزواج والاتفاق على الرضا بالزواج والتوصية بذلك، بالإضافة إلى حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والمنازعات المسلحة. وفي عام ١٩٥١م اعتمد المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية: (اتفاقية المساواة في الأجور بين العمال والعاملات) [٩] . وفي عام ١٩٥٢م أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة (الاتفاقية الخاصة بالحقوق السياسية للمرأة) ، وذلك بناء على توصية اللجنة الخاصة بمركز المرأة. وبالنظر إلى (العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) المتفق عليه، والذي أصدرته الأمم المتحدة في عام (١٩٦٦م) ، نجد أن المادة الثالثة من هذا العهد [١٠] تنص على ما يلي: (تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بضمان مساواة الذكور والإناث في حق التمتع بجميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المنصوص عليها في هذا العهد) [١١] . وكذلك صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة (العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية) في عام ١٩٦٦م، ونص في مادته الثالثة على ما يلي: (تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بكفالة تساوي الرجال والنساء في حق التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها في هذا العهد) [١٢] . وفي عام ١٩٦٧م صدر (الإعلان الخاص بالقضاء على التمييز ضد المرأة) ، وقد أقرته هيئة الأمم المتحدة مع توصية ببذل أقصى الجهد لتنفيذ المبادئ الواردة فيه للحكومات والمنظمات غير الحكومية والأفراد، والذي ينص على حق المرأة الدستوري في التصويت، والمساواة مع الرجل أمام القانون، وعلى حقوقها في الزواج والتعليم وميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية مع الرجل سواء بسواء) [١٣] . وفي عام ١٩٦٨م عقد في طهران مؤتمر دولي لحقوق الإنسان تحت إشراف الأمم المتحدة، وسمي: (إعلان طهران ١٩٦٨م) ، ونص في بنده الخامس عشر على أنه: (يتحتم القضاء على التمييز الذي لا تزال المرأة ضحية له في عديد من أنحاء العالم؛ إذ إن إبقاء المرأة في وضع دون وضع الرجل يناقض ميثاق الأمم المتحدة، كما يناقض أحكام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتنفيذ الكامل لإعلان القضاء على التمييز ضد المرأة ضروري لتقدم الإنسانية) . أما البند السادس عشر من هذا الإعلان فكان من ضمنه (أن حماية الأسرة والطفل تظل شاغلاً للمجتمع الدولي) [١٤] . ثم بعد ذلك بدأت الأمم المتحدة في عقد مؤتمراتها الخاصة بالمرأة: - فعقدت أول مؤتمر عالمي خاص بالمرأة وهو: (مؤتمر مكسيكو لعقد الأمم المتحدة للمرأة: المساواة والتنمية والسلم) ، وذلك في عام ١٩٧٥م في المكسيك؛ حيث حضرته ١٣٣ دولة، واعتمد فيه أول خطة عالمية متعلقة بوضع المرأة على المستوى الحكومي وغير الحكومي في المجالات السياسية والاجتماعية والتدريب والعمل على حماية الأسرة. كما اعتمدت خطة العمل العالمية لعقد الأمم المتحدة للمرأة: المساواة والتنمية والسلم، للأعوام (١٩٧٦ - ١٩٨٥م) . - وفي عام ١٩٧٩م عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤتمراً تحت شعار: (القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة) ، وخرج المؤتمرون باتفاقية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. وجاءت هذه الاتفاقية لأول مرة بصيغة ملزمة قانونياً للدول التي توافق عليها، إما بتصديقها أو بالانضمام إليها. وقد بلغ عدد الدول التي انضمت إلى هذه الاتفاقية مائة وثلاثاً وثلاثين دولة، إلى ما قبل مؤتمر بكين عام ١٩٩٥م. وكان من أبرز مواد هذه الاتفاقية: - الاعتراف بتساوي الرجل والمرأة في الميادين السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، أو في أي ميدان آخر، بغض النظر عن حالتها الزوجية. - اتخاذ جميع التدابير المناسبة - بما في ذلك التشريعي منها - لتغيير أو إبطال القائم من القوانين، والأنظمة، والأعراف، والممارسات التي تشكل تمييزاً ضد المرأة. - تعديل الأنماط الاجتماعية والثقافية للقضاء على العادات القائمة على فكرة تفوق أحد الجنسين، أو على أدوار نمطية للرجل والمرأة. - القضاء على أي مفهوم نمطي عن دور الرجل والمرأة على جميع مستويات التعليم، وفي جميع أشكاله، عن طريق تشجيع التعليم المختلط وغيره من أنواع التعليم. - تمنح الدول الأطراف المرأة في الشؤون المدنية أهلية قانونية مماثلة لأهلية الرجل، ونفس فرص ممارسة تلك الأهلية. - أن يكون للمرأة نفس الحقوق في أن تقرر بحرية وبشعور من المسؤولية عدد أطفالها، والفترة بين إنجاب طفل وآخر. - نفس الحقوق والمسؤوليات فيما يتعلق بالولاية، والقوامة، والوصاية على الأطفال وتبنيهم [١٥] . - وفي عام ١٩٨٠م عقدت الأمم المتحدة (المؤتمر العالمي لعقد الأمم المتحدة للمرأة: المساواة والتنمية والسلم) في (كوبنهاجن) بالدانمارك وهو المؤتمر الثاني الخاص بالمرأة؛ وذلك لاستعراض وتقويم التقدم المحرز في تنفيذ توصيات المؤتمر العالمي الأول للسنة الدولية للمرأة الذي عقد عام ١٩٧٥م في المكسيك، ولتعديل البرامج المتعلقة بالنصف الثاني من العقد الأممي للمرأة. - وفي عام ١٩٨٥م عقد (المؤتمر العالمي لاستعراض وتقييم منجزات عقد الأمم المتحدة للمرأة: المساواة والتنمية والسلم) في (نيروبي) المؤتمر الثالث الخاص بالمرأة والذي عرف باسم: (استراتيجيات نيروبي المرتقبة للنهوض بالمرأة) وذلك من عام ١٩٨٦م حتى عام ٢٠٠٠م. وقد شارك فيه سبع وخمسون ومائة دولة. وقد بين المؤتمر أهداف وغايات العقد الأممي، وشدد على صحتها بالنسبة إلى المستقبل، وبين الحاجة إلى اتخاذ تدابير ملموسة للتغلب على العقبات التي تعترض سبيل إنجازها أثناء الفترة ١٩٨٦-٢٠٠٠م. - وفي عام ١٩٩٥م عقدت الأمم المتحدة (المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة) في (بكين) . وقد دعت فيه إلى مضاعفة الجهود والإجراءات الرامية إلى تحقيق أهداف استراتيجيات نيروبي التطلعية للنهوض بالمرأة بنهاية القرن الحالي. ويعتبر هذا المؤتمر متميزاً عن المؤتمرات الأخرى التي تبنتها الأمم المتحدة؛ حيث دعت فيه بصراحة وبوضوح إلى العديد من الأمور التي فيها مخالفة للشريعة الإسلامية، بل فيها مخالفة للفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها. مثل: الدعوة إلى الحرية والمساواة - بمفهومهما المخالف للإسلام والقضاء التام على أي فوارق بين الرجل والمرأة، دون النظر فيما قررته الشرائع السماوية، واقتضته الفطرة، وحتمته طبيعة المرأة وتكوينها. وكذلك الدعوة إلى فتح باب العلاقات الجنسية المحرمة شرعاً؛ ومن ذلك: السماح بحرية الجنس، والتنفير من الزواج المبكر، والعمل على نشر وسائل منع الحمل، والحد من خصوبة الرجال، وتحديد النسل، والسماح بالإجهاض المأمون، والتركيز على التعليم المختلط بين الجنسين وتطويره، وكذلك التركيز على تقديم الثقافة الجنسية للجنسين بسن مبكرة، وتسخير الإعلام لتحقيق هذه الأهداف. كما أن في هذا المؤتمر إعلاناً للإباحية، وسلباً لقوامة الإسلام على العباد، وسلباً لولاية الآباء على الأبناء، وقوامة الرجال على النساء. بالإضافة إلى هذه المؤتمرات الخاصة بالمرأة فهناك مؤتمرات أقامتها الأمم المتحدة خاصة بالسكان، إلا أنها ناقشت في وثائقها قضايا متعلقة بالمرأة وبالعقد الأممي الخاص بالمرأة، وهي: - المؤتمر العالمي الأول للسكان في (رومانيا) عام ١٩٧٤م. وقد اعتمدت في هذا المؤتمر خطة عمل عالمية، جاء فيها: * الدعوة إلى تحسين دور المرأة ودمجها الكامل في المجتمع. * الدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل. * الدعوة إلى تحديد النسل، وتخفيض المرأة لمستوى خصوبتها. - (المؤتمر الدولي المعني بالسكان) في (المكسيك) عام ١٩٨٤م. وقد جاء في هذا المؤتمر: * الدعوة إلى إعطاء المرأة حقوقها المساوية لحقوق الرجل في جميع مجالات الحياة. * الدعوة إلى رفع سن الزواج، وتشجيع التأخر في الإنجاب. * إشراك الأب في الأعباء المنزلية، وإشراك المرأة في المسؤولية على الأسرة. * الإقرار بالأشكال المختلفة والمتعددة للأسرة. * الدعوة إلى التثقيف الجنسي للمراهقين والمراهقات. * الإقرار بالعلاقات الجنسية خارج نطاق الأسرة. * تقديم الدعم للزناة والزانيات، بتقديم الدعم المالي، وتوفير السكن المناسب لهم. * وفي عام ١٩٩٤م أقيم (المؤتمر الدولي للسكان والتنمية) في (القاهرة) . وقد نوقشت في هذا المؤتمر قضايا شبيهة تماماً بالقضايا التي سبق ذكرها في المؤتمر الرابع للمرأة ببكين؛ فقد أكد قضية المساواة بين الجنسين وأفرد لها فصلاً مستقلاً [١٦] . وأما التنمية فإن عنوان المؤتمر أشار إلى ذلك، فضلاً عن قضايا تنمية المرأة التي نوقشت في ثنايا المؤتمر. ومؤتمر السكان والتنمية هذا يعد من المؤتمرات التي أثارت وثيقته ضجة واسعة في العالم الإسلامي وغير الإسلامي؛ بسبب مخالفتها للشرائع السماوية وللفطرة السليمة. كما أقيمت مؤتمرات أخرى للأمم المتحدة نوقشت فيها بعض قضايا المرأة؛ فمن هذه المؤتمرات: - (المؤتمر العالمي لتوفير التعليم للجميع) المنعقد في (جومتيان - تايلاند) عام ١٩٩٠م الذي تم فيه الإعلان العالمي لتوفير التعليم للجميع. - (مؤتمر القمة العالمي من أجل الطفل) المنعقد في (نيويورك) عام ١٩٩٠م الذي أكد فيه ما ورد في اتفاقية حقوق الطفل التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ١٩٨٩م. ومن ذلك: حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين، والدعوة إلى سلب ولاية الآباء على الأبناء؛ وذلك من خلال الدعوة إلى تمكين الطفل من الحصول على المعلومات والمواد من شتى المصادر الوطنية والدولية. - (المؤتمر العالمي للبيئة والتنمية) المنعقد في (ريودي جانيرو البرازيل) عام ١٩٩٢م الذي أشير فيه إلى حقوق النساء في التحكم في قدرتهن على الإنجاب، والدعوة إلى إنشاء مرافق صحية وقائية وعلاجية للرعاية الصحية التناسلية تكون مأمونة وفعالة، وكذلك الدعوة إلى تحديد النسل. وكذلك المطالبة بتحسين مركزهن الاجتماعي والاقتصادي، ومن ذلك وضع استراتيجيات للقضاء على العقبات الدستورية، والقانونية، والإدارية، والثقافية، والسلوكية، والاجتماعية، والاقتصادية التي تحول دون مساواة المرأة بالرجل. - (المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان) في (النمسا) ، عام ١٩٩٣م. وقد حث هذا المؤتمر على تمتع المرأة تمتعاً كاملاً وعلى قدم المساواة بجميع حقوق الإنسان السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وغيرها من الحقوق بالمفهوم الغربي لهذه الحقوق، وأن يكون هذا الأمر أولوية من أولويات الحكومات. وكذلك أكد على قضايا تخص المرأة مثل قضية المساواة التامة مع الرجل، وأهمية إدماج المرأة في عملية التنمية بوصفها فاعلة ومستفيدة من هذه العملية. وكذلك حث هذا المؤتمر على استئصال جميع أشكال التمييز ضد المرأة الخفية منها والعلنية على السواء وطالب هذا المؤتمر بالتصديق العالمي من قبل جميع الدول على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة بحلول عام ٢٠٠٠م. - (إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن القضاء على العنف ضد النساء) ، وذلك في عام ١٩٩٣م. - (مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتماعية) الذي أقيم في (كوبنهاجن) عام ١٩٩٥م الذي تم فيه الإقرار بأشكال الأسرة المختلفة، والدعوة إلى المساواة بين المرأة والرجل، ومن ذلك إسقاط قوامة الرجل على المرأة داخل الأسرة، ودعوة الرجل لتحمل الأعباء المنزلية، ودعوة المرأة للخروج للمساهمة في سوق العمل. وكذلك إزالة القيود المفروضة على المرأة في وراثة الممتلكات. - (مؤتمر الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية) (الموئل الثاني) الذي انعقد في (تركيا) عام ١٩٩٦م ودعا إلى كفالة مشاركة النساء مشاركة تامة وعلى قدم المساواة مع الرجال في الحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية. وكذلك الالتزام بهدف المساواة بين الجنسين في تنمية المستوطنات البشرية، وكذلك الالتزام بإدماج الاعتبارات المتعلقة بنوع الجنس (جندر) في التشريعات، والبرامج والمشاريع المتصلة بالمستوطنات البشرية، عن طريق التحليل الذي يراعي نوع الجنس. كما تم الاعتراف بالأشكال المختلفة للأسرة. وأيضاً دعا هذا المؤتمر إلى إجراء إصلاحات تشريعية وإدارية؛ من أجل الحصول الكامل وعلى قدم المساواة - على الموارد الاقتصادية، بما في ذلك الميراث، والائتمان. - (مؤتمر الأمم المتحدة للمرأة عام ٢٠٠٠م المساواة والتنمية والسلام في القرن الحادي والعشرين) الذي انعقد في (نيويورك) . وقد تضمنت وثيقة هذا المؤتمر التحضيرية ما يلي: * الدعوة إلى الحرية الجنسية والإباحية للمراهقين والمراهقات والتبكير بها مع تأخير سن الزواج. وأوجدوا مسمًى جديداً للداعرات وهو: (عاملات الجنس) ، وتشجيع جميع أنواع العلاقات الجنسية خارج إطار الأسرة الشرعية (رجلاً وامرأة) ، وتهميش دور الزواج في بناء الأسرة. * إباحة الإجهاض. * تكريس المفهوم الغربي للأسرة، وأنها تتكون من شخصين يمكن أن يكونا من نوع واحد (رجل + رجل، أو امرأة + امرأة) . * تشجيع المرأة على رفض الأعمال المنزلية، بحجة أنها أعمال ليست ذات أجر. * المطالبة بإنشاء محاكم أسرية من أجل محاكمة الزوج بتهمة اغتصاب زوجته. * إباحة الشذوذ الجنسي (اللواط والسحاق) ، بل الدعوة إلى مراجعة ونقض القوانين التي تعتبر الشذوذ الجنسي جريمة. * فرض مفهوم المساواة الشكلي المطلق، والتماثل التام بين الرجل والمرأة في كل شيء بما في ذلك الواجبات: كالعمل، وحضانة الأطفال، والأعمال المنزلية، وفي الحقوق: كالميراث. * المطالبة بإلغاء التحفظات التي أبدتها بعض الدول الإسلامية على وثيقة مؤتمر بكين ١٩٩٥م. ويعتبر أهم هدف في هذا المؤتمر هو: الوصول إلى صيغة نهائية ملزمة للدول بخصوص القضايا المطروحة على أجندة هذا المؤتمر، والتي صدرت بحقها توصيات ومقررات في المؤتمرات الدولية السابقة، تحت إشراف الأمم المتحدة. ولأهمية هذا المؤتمر وتعويل التيار النسوي العالمي عليه؛ فقد أقيمت عدة مؤتمرات إقليمية لمتابعة توصيات مؤتمر بكين، والتمهيد لهذا المؤتمر المسمى: «المؤتمر التنسيقي الدولي للنظر في نتائج وتطبيق قرارات المؤتمرات الأممية للمرأة» . ومن هذه المؤتمرات الإقليمية: - اجتماع في نيويورك في عام ٢٠٠٠م، تحت شعار (بكين +٥) إشارة إلى السنوات الخمس التي مضت على مؤتمر بكين وقد جرى في هذا الاجتماع محاولة لإدخال تعديلات على وثيقة مؤتمر بكين. - (مؤتمر المرأة الخليجية) في البحرين، في شهر مارس تحت شعار (الفرص، والمعوقات، والأدوار المطلوبة) الذي نظمته جمعية فتاة البحرين، وشارك فيه عدد من الشخصيات النسائية والرجالية من كل دول الخليج. - (مؤتمر تونس) في ١٩٩٩م لدول المغرب العربي. - (المؤتمر النسائي الأفريقي السادس) في ١٩٩٩م في أديس أبابا، نظمه المركز الأفريقي التابع للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية. - مؤتمر - شبيه لما سبق - في عمان بالأردن، وفي بيروت، وذلك في أواخر عام ١٩٩٩م، نظمته اللجنة الاجتماعية والاقتصادية لغرب آسيا. ثالثاً: أهم السلبيات التي دعت إليها هذه المؤتمرات وهي كما يلي: ١ - ما يتعلق بالجانب الأخلاقي والاجتماعي، ومن ذلك [١٧] : أ - الدعوة إلى حرية العلاقة الجنسية المحرمة، واعتبار ذلك من حقوق المرأة الأساسية. ب - توفير خدمات الصحة الجنسية والإنجابية للمرأة. ج - نشر وسائل منع الحمل ذات النوعية الجيدة، ومنع حالات الحمل غير المرغوب فيه، والدعوة إلى منع حالات الحمل المبكر. د - الدعوة إلى تحديد النسل. هـ - الاعتراف بحقوق الزناة والزانيات. و الاعتراف بالشذوذ الجنسي. ز - السماح بأنواع الاقتران الأخرى غير الزواج. ح - التنفير من الزواج المبكر، وسن قوانين تمنع حدوث ذلك. ط - إنهاء تبعية المرأة والبنت من الناحية الاجتماعية. ي - سلب قوامة الرجال على النساء. ك - سلب ولاية الآباء على الأبناء. ٢ - ما يتعلق بالجانب التعليمي [١٨] : أ - تشجيع التعليم المختلط. ب - الدعوة إلى المساواة في مناهج التعليم. ج - الدعوة إلى التثقيف والتربية الجنسية. ٣ - ما يتعلق بالجانب الصحي [١٩] ، وأهم السلبيات في هذا الجانب: أ - الأمراض الجنسية، ومن ذلك: - الدعوة إلى أن يكون السلوك الجنسي المأمون، والوقاية من الأمراض المنقولة بالاتصال الجنسي جزءاً لا يتجزأ من خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، مع ضمان السرية والخصوصية للمراهقين والمراهقات فيما يتعلق بهذا الجانب. - تيسير انتشار وتوزيع الواقيات الذكرية (الرفالات) بين الذكور على نطاق واسع وبأسعار زهيدة. - القضاء على التمييز ضد الأشخاص المصابين بالإيدز. - ضمان عدم تعرض المصابات بالإيدز للنبذ والتمييز بما في ذلك أثناء السفر. - تقديم ما يلزم من الرعاية والتعاطف للرجال والنساء المصابين بالإيدز. - الاعتراف بهذه العلاقات الجنسية المحرمة، والتي تسبب هذه الأمراض الجنسية. ب - الإجهاض، ومن ذلك: - الدعوة إلى أن يكون الإجهاض غير مخالف للقانون، وأن يكون مأموناً طبياً. - الدعوة إلى إلغاء القوانين التي تنص على اتخاذ إجراءات عقابية ضد المرأة التي تجري إجهاضاً غير قانوني. - الدعوة إلى أن يكون الإجهاض حقاً من حقوق المرأة، وتيسير حصولها على هذا الحق، عندما تريد إنهاء حملها. - الدعوة إلى إنشاء مستشفيات خاصة للإجهاض. - الدعوة إلى قتل الأجنة داخل الأرحام، بحجة أنه غير مرغوب فيه. ج - ختان المرأة، ومن ذلك: - حث الحكومات على حظر بتر أجزاء من الأعضاء التناسلية للإناث. - أن يكون التنفير الفعال من الممارسات الضارة - مثل بتر أجزاء من الأعضاء التناسلية للأنثى جزءاً لا يتجزأ من برامج الرعاية الصحية الأولية. - أن إزالة أجزاء من الأعضاء التناسلية للإناث يشكل انتهاكاً للحقوق الأساسية للمرأة، ويعتبر من العنف والتمييز الواقع عليها. - تضخيم الآثار السلبية الطبية، من جراء عملية ختان المرأة. - سن وإنفاذ قوانين لمواجهة مرتكبي ممارسات العنف ضد المرأة - ومنها ختان الإناث. ٤ - ما يتعلق بالجانب الاقتصادي، ومن ذلك [٢٠] : أ - التقليل من عمل المرأة داخل المنزل، واعتبار ذلك عملاً ليس له مقابل، ومن ثم فهو من أسباب فقر المرأة. ب - الدعوة إلى خروج المرأة للعمل المختلط. ج - الدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل فيما يتعلق بالعمل (نوعية العمل ووقته) . د - دعوة الحكومات للقيام بإصلاحات تشريعية وإدارية لتمكين المرأة من الحصول الكامل على الموارد الاقتصادية، كحقها في الميراث بالتساوي مع الرجل. هـ - تيسير حصول المرأة على الائتمانات (القروض الربوية) . ٥ - ما يتعلق بالجانب السياسي، ومن ذلك [٢١] : أ - دعوة الحكومات والمنظمات لاتخاذ إجراءات من أجل مشاركة المرأة في الأنشطة السياسية. ب - ضمان حق التصويت للمرأة، وحقها في الانتخاب. ج - تشجيع الأحزاب السياسية على تعيين مرشحات من النساء من أجل انتخابهن على قدم المساواة مع الرجل. د - الدعوة لإصدار تعليمات حكومية خاصة لتحقيق تمثيل منصف للمرأة في مختلف فروع الحكومة. هـ - الدعوة لتمثيل المرأة تمثيلاً منصفاً على جميع المستويات العليا في الوفود، كوفود الهيئات والمؤتمرات واللجان الدولية التي تعالج المسائل السياسية والقانونية ونزع السلاح، وغيرها من المسائل المماثلة. و حق المرأة في أن تكون رئيسة دولة، أو رئيسة وزراء، أو وزيرة. رابعاً: أهم جوانب الخطورة في هذه المؤتمرات، وهي: أ - أن القاسم المشترك بينها هو المرأة، ومساواتها التامة بالرجل في كافة مجالات الحياة المختلفة، وكذلك الجنس، والحرية المطلقة. ب - أنها تستظل بمظلة الأمم المتحدة، وتستثمر شعارات العولمة وأدبياتها. ج - أنها توظف سلطان الدول الكبرى سياسياً واقتصادياً وحضارياً لفرض تنفيذ توصياتها. د - أن الهدف النهائي لها هو: عولمة الحياة الاجتماعية بالمفهوم الغربي الإباحي. خامساً: بعض إيجابيات هذه المؤتمرات: الأمور السابقة هي أبرز سلبيات مؤتمرات الأمم المتحدة - في نظري - حول المرأة. إلا أنه إحقاقاً للحق وحكماً بالعدل، وامتثالاً لقول الله تعالى: [َلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] (المائدة: ٨) فإن هذه المؤتمرات قد دعت إلى أمور تخص المرأة، وتعتبر أموراً إيجابية، ومن ذلك: أ - الدعوة إلى تعليم المرأة، وإزالة الأمية عنها. ب - الدعوة إلى مكافحة الأمراض السارية عند النساء، خاصة في البيئات الفقيرة. ج - الدعوة إلى الرضاعة الطبيعية، بالنسبة للأم. د - محاربة الاتجار بالمرأة والطفل، واستغلالهما جنسياً، من خلال شبكات وعصابات دولية متخصصة في هذا المجال، واعتبار ذلك جريمة دولية محرمة. هـ - تشجيع وسائط الإعلام على الامتناع عن تصوير المرأة على أنها مخلوقة أدنى منزلة من الرجل، وكذلك عدم استغلالها مادة وسلعة في سوق الجنس. و الدعوة إلى المساواة في الأجور بين الجنسين لنفس العمل، وبنفس الجودة. ز - الدعوة إلى إعطاء إجازة أمومة للمرأة العاملة. ح - مكافحة التحرش الجنسي ضد المرأة من قِبَل الرجل في مواقع العمل وغيرها. ط - مسؤولية الوالدين عن تربية الطفل وتنشئته تنشئة سوية. ي - منع استغلال المرأة جنسياً من خلال النزاع المسلح، أو من خلال استغلال ظروف اللاجئات وفقرهن. ك - التحذير من وأد البنات، والانتقاء الجنسي قبل الولادة. سادساً: المواقف والظواهر السلبية والإيجابية حول هذه المؤتمرات في العالم العربي والإسلامي: ١ - الظواهر والمواقف السلبية، ومنها: أ - مشاركة بعض الجمعيات النسائية العربية والإسلامية في الإعداد لهذه المؤتمرات والمشاركة في اللجان التحضيرية، بل إن بعض الجلسات التحضيرية لمؤتمر بكين - مثلاً - عقدت في الأردن، وبمشاركة بعض الجمعيات النسائية فيها. ب - تزايد نشاط التيار النسوي الوافد بما يحمله من فكر تغريبي، ومثاله: الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية بالمغرب، وما قامت به الهيئات المساندة لمشروع الخطة من تنظيم مسيرات تأييد من ٨ مارس/ آذار ١٧ أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠٠٠م. ج - تزايد التمويل الأجنبي المشبوه لمنظمات نسوية، أو معنية بشؤون المرأة والأسرة في العالم العربي. د - بداية الاتجاه لإعادة النظر في قوانين الأسرة - أو ما يسمى بالأحوال الشخصية - في العالم الإسلامي، كما حصل في مصر. هـ - طرح مناقشات وبرامج تجاه المرأة في المجتمعات المحافظة، كما هو الأمر في بعض دول الخليج. ٢ - بعض المواقف والظواهر الإيجابية، ومنها: أ - قيام عدد من الهيئات الإسلامية باستنكار بعض ما ورد من وثائق لهذه المؤتمرات وخاصة الأخيرة منها، ومنها: موقف هيئة كبار العلماء في السعودية، وموقف الأزهر في مصر حول وثيقتي مؤتمري السكان في القاهرة، والمرأة في بكين. ب - ازدياد ظاهرة الوعي الإسلامي بهذه المؤتمرات المشبوهة، ورصد المؤامرة وكشفها. ج - وجود بعض الفعاليات الإسلامية ضد التيار التغريبي، مثل: د - مؤتمر الاتحاد النسائي العالمي من ٢٥ ٢٧ فبراير ٢٠٠٠م، وهذا الاتحاد هو مؤسسة دولية غير حكومية، ذات صبغة استشارية لدى المؤتمر الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة، تأسس عام ١٩٩٦م للدفاع عن الممارسات الظالمة ضد المرأة، والتي تخالف الدين وكرامة الإنسان، ومقره الخرطوم، وهذا الاتحاد ونشاطاته عليه بعض الملاحظات، إلا أننا نقدر الهدف الذي من أجله نشأ وأقام مؤتمره. هـ - اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل (ممثلة رابطة العالم الإسلامي) ، والتقرير الذي أعدته، والمعنون بـ (التقرير البديل) ، والمقدم إلى لجنة مركز المرأة بالأمم المتحدة بوصفها اللجنة التحضيرية للدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي عنوانها: «المرأة عام ٢٠٠٠م» تحت شعار: (مساواة النوع الاجتماعي والتنمية والسلام في القرن الحادي والعشرين) . و ما قامت به الندوة العالمية للشباب الإسلامي من خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده أمينها العام د. مانع الجهني في ٢٠ صفر ١٤٢١هـ، لكشف أبعاد ما في وثيقة (مؤتمر بكين + ٥) من مخططات إفسادية. وغيرها من الظواهر والمواقف الإيجابية. سابعاً: كيفية مواجهة هذه المؤتمرات المعولمة للحياة الاجتماعية (أو الموقف من هذه المؤتمرات) : إن الوعي بأهداف هذه المؤتمرات، وما تدعو إليه، ومن يقف وراءها يجعلنا نتمكن من اختيار الطريقة المناسبة لكيفية مواجهتها، واتخاذ الموقف المناسب تجاهها. وهذه الطريقة ذات اتجاهين: موقف نظري معرفي، وموقف عملي. فالموقف النظري المعرفي يقوم على ما يلي: ١ - كشف سوءاتها وعوارها للجمهور الإسلامي، وبيان مراميها، ومخالفتها لمقاصد الشريعة، وأنها أحد أذرعة العولمة المعاصرة؛ وذلك من خلال وسائل الإعلام المختلفة (المقروءة، والمسموعة، والمرئية) ، والندوات، والمحاضرات؛ وذلك من قبل العلماء، والدعاة، وطلاب العلم، والمثقفين الإسلاميين، والإعلاميين، والقيادات النسائية، وتحميلهم المسؤولية في بث الوعي العام؛ للوصول إلى تحصين داخلي قوي. ٢ - أن تقوم الوزارات والهيئات والمؤسسات الإسلامية (الرسمية وغير الرسمية) ، كوزارات الخارجية، والشؤون الإسلامية، والشؤون الاجتماعية، ورابطة العالم الإسلامي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وهيئة كبار العلماء، وعلماء الأزهر، ودور الإفتاء، وكل من يقوم على أمور المسلمين بأداء دورهم اللازم، وتكوين حضور قوي في الداخل والخارج، ومن ذلك إصدار بيانات تستنكر هذه المؤتمرات وأهدافها الخبيثة، ونشر هذه البيانات وتغطيتها تغطية إعلامية حتى يتبين الأمر للجمهور الإسلامي. ٣ - كشف زيغ التيار النسوي التغريبي في العالم الإسلامي والعربي، وأنه جزء من تيار الزندقة المعاصر، والمدعوم من هيئات مشبوهة خارجية. ٤ - قيام الجهات الخيرية الإسلامية والأقسام النسائية فيها على وجه الخصوص، والجمعيات الخيرية النسائية، بتحمل مسؤولياتها، والتنسيق فيما بينها، وإصدار وثيقة للأسرة المسلمة تؤصَّل فيها الرؤية الشرعية حول المرأة وحقوقها الأساسية في الإسلام، وكذلك الأسرة ومفهومها الشرعي. وكذلك القيام بالمناشط الدعوية التثقيفية لمختلف شرائح المجتمع. ٥ - عمل رصد إعلامي جاد لكل فعاليات المؤتمرات الدولية والإقليمية، ومتابعة الخطوات الفعلية لتنفيذ توصيات المؤتمرات السابقة التي ناقشت قضايا المرأة، وإصدار ملاحق صحفية؛ لبيان الموقف الشرعي من هذه المؤتمرات وتوصياتها. ٦ - إقامة أسابيع ثقافية في المدارس والجامعات؛ لبيان مخالفة مثل هذه المؤتمرات لمقاصد الشريعة الإسلامية. ٧ - ممارسة ضغوط شعبية قوية على وسائل الإعلام المختلفة التي تقوم بالترويج والتغطية السيئة لهذه المؤتمرات لتكف عن ذلك. ٨ - اعتماد إدخال الأسرة في مناهج التعليم في المرحلة المتوسطة والثانوية للبنين والبنات، ويشتمل هذا المنهج بوصفه صيغة مقترحة على: قيمة الأسرة، ومكانة المرأة في الإسلام، والمفهوم الشرعي للعلاقة بين الرجل والمرأة، والحقوق الزوجية، والوسائل الفعالة في تربية الأولاد، وبيان الأفكار المتصادمة مع الفطرة، ويشتمل هذا المنهج أيضاً على عرض تاريخي للجهود الدولية في إفساد الأسرة والمرأة المسلمة، وعولمة الحياة الاجتماعية عموماً عن طريق هذه المؤتمرات العالمية، وبيان أهدافها الخبيثة الحالية والمستقبلية. ٩ - تكوين هيئات عليا للنظر في كل ما يتعلق بالأسرة من النواحي النفسية، والثقافية، والصحية، وتفعيل دور وزارات الشؤون الاجتماعية للقيام بدور فاعل للاستجابة لمتطلبات الأسرة المسلمة. ١٠ - تفعيل دور الأئمة والخطباء، وإعطاؤهم دورات تثقيفية حول هذه المؤتمرات، والإيعاز إليهم بتكثيف التوعية بخطورة مثل هذه المؤتمرات وتوصياتها على الأجيال القادمة مع تجنب العنف والإثارة. أما الموقف العملي فيقوم على ما يلي: ١ - المشاركة الفعالة في هذه المؤتمرات، وطرح البديل الإسلامي في المسألة الاجتماعية، وكشف عوار الحياة الغربية الاجتماعية - كلما أمكن -. وحجة القول بهذا الرأي: أن الضعيف إذا قاطع مثل هذه المؤتمرات لا تؤثر مقاطعته، وبذلك تسود وجهة نظر القوي. بينما إذا قاطع القوي فإن مقاطعته ستؤثر. وكنموذج لهذا الكلام فإن مقاطعة الولايات المتحدة الأمريكية لمنظمة اليونسكو قد أضعفتها كثيراً. والمسلمون اليوم ضعفاء أمام أصحاب وجهات النظر الأخرى؛ فمقاطعتهم لا تؤثر، بخلاف لو حضروا وطرحوا ما عندهم بقوة، وأبدوا ما لديهم من تحفظات؛ فإن هذا يقطع الطريق على تفرد وجهة النظر الغربية في هذه المؤتمرات؛ حيث يعلم البشر أنه يوجد وجهة نظر أخرى في المسألة الاجتماعية؛ خاصة إذا علمنا أن قرارات هذه المؤتمرات ملزمة إلى حد كبير. ومما يؤكد هذا الاتجاه - أي المشاركة - ما حصل في مؤتمر السكان والتنمية بالقاهرة/١٩٩٤م ومؤتمر المرأة الرابع في بكين /١٩٩٥م؛ حيث كان لمشاركة الوفود والهيئات الإسلامية دور واضح في رفض وتعديل بعض توصيات هذين المؤتمرين. ٢ - تأسيس مراكز متخصصة لمتابعة النشاط النسوي التغريبي العالمي والإقليمي، ومعرفة ما يتعلق به من مؤتمرات، من حيث: مواعيد إقامتها، وأوراق العمل التي ستقدم فيها، والاجتماعات التحضيرية لها، وغير ذلك؛ حتى يتمكن المهتمون بهذا الجانب من مقاومة أفكار هذه المؤتمرات بكل جدية وسرعة، وتقديم الأبحاث، والرؤية، والرأي لأصحاب الشأن العلمي، والاجتماعي، والشرعي لإعانتهم على تشكيل الموقف الصحيح عند الحاجة، وكذلك كشف الوجه الآخر البشع للحياة الاجتماعية الغربية، وتقديم الإحصاءات، ورصد الظواهر في تلك المجتمعات؛ حتى يتبين لهم أنه الحق. ٣ - الاستفادة من بعض الجمعيات النسائية الغربية - المناهضة والمعارضة لبعض أفكار هذه المؤتمرات - وذلك من خلال الاستفادة من نفوذها في بلدانها، وكذلك ما يتوفر لديها من معلومات وحقائق عن مجتمعاتها وعن بعض الاجتماعات السرية التي تدور من خلف الكواليس؛ وخاصة أن كثيراً من هذه الجمعيات لها مواقع على شبكة المعلومات العنكبوتية؛ فيمكن من خلال «الإنترنت» التواصل معهم، والحصول على المعلومات منهم.
следующие страницы →