← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

دراسات في الشريعة والعقيدة غربة تطبيق السنة محمد بن عبد الله الهبدان alhabdan@email.com من ظواهر الغربة التي فشت وانتشرت في الأمة فقدان تطبيق سنن النبي ﷺ في الحياة اليومية ليس عند العامة، بل حتى عند بعض طلاب العلم، «وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان، ووقت دون وقت، وبين أقوام دون قوم» [١] ، وقد ذكر النبي ﷺ أن «من صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي ﷺ : التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس، وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم، وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس» [٢] . روى الترمذي من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «إن الدين ليأزر إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل، إن الدين بدأ غريباً ويرجع غريباً فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي» [٣] . وروى ابن وضاح في البدع والنهي عنها عن بكر بن عمرو المعافري قال: قال رسول الله ﷺ : «طوبى للغرباء الذين يمسكون بكتاب الله حين يترك، ويعلمون [٤] بالسنة حين تطفأ» [٥] ، وقال أبو بكر بن عياش: «السنة في الإسلام أعز من الإسلام في سائر الأديان» [٦] ، ويقول يونس بن عبيد رحمه الله تعالى: «ليس شيء أغرب من السنَّة، وأغرب منها من يعرفها» [٧] . حال السلف في الشكوى من غربة تطبيق السنة: لقد تكاثرت أقوال السلف في بيان هذه الغربة في أزمان تُعد من أفضل الأزمان، وقرون هي من أفضل القرون بشهادة من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، يقول أبو الدرداء ﵁: «لو خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم ما عرف شيئاً مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة» . وقال الأوزاعي: فكيف لو كان اليوم؟ وقال عيسى بن يونس: فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان؟ وعن أنس بن مالك ﵁ قال: ما أعرف منكم ما كنت أعهده على عهد رسول الله ﷺ غير قولكم: لا إله إلا الله. قلنا: بلى يا أبا حمزة! قال: قد صليتم حتى تغرب الشمس، أفكانت تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ! وعن ميمون بن مهران قال: «لو أن رجلاً أُنْشِرَ فيكم من السلف ما عرف غير هذه القبلة» ، وعن سهل بن مالك عن أبيه قال: «ما أعرف شيئاً مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة» [٨] . وهذه حقيقة واقعة في هذا الزمن، ليس بين عوام الأمة، بل حتى بين طلاب العلم أحياناً، فإذا ما قام أحدهم بتطبيق سنة من سنن المصطفى ﷺ إذا بنظرات الاستغراب تنهال من كل حدب وصوب، وكأنك فعلت أمراً منكراً، بل أشد من ذلك أحياناً ولا وحول ولا قوة إلا بالله أن يكون المنكر أخف؟ ! ! فكم من الناس من يرتكب المعاصي ومع ذلك لا تجد من ينكر عليهم، ويحتسب في مناصحتهم، أما لو طبق سنة من سنن المصطفى ﷺ فهذا إن سلم من العقوبة أحياناً فقد لا يسلم من السكوت عنه وأقل الأحوال أن توجه إليه الأنظار! وهذه القضية ليست في عصرنا فحسب بل حتى في العصور الماضية، فعلى سبيل المثال: يقول الشاطبي ﵀ في الاعتصام: «فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة، وأن الناس لن يُغنوا عني من الله شيئاً، فأخذت في ذلك على حكم التدريج في بعض الأمور، فقامت عليَّ القيامة، وتواترت عليّ الملامة، وفوّق إليّ العتاب سهامه، ونُسبت إلى البدعة والضلالة، وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة» [٩] ، وكما قال ابن عباس ﵄: «ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع، وتموت السنن» [١٠] . وسأذكر لك أخي القارئ نماذج من هذه الغربة، فمن ذلك: ما يفعله الإنسان عند الغضب: روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي ذر قال: كان يسقي على حوض له فجاء قوم فقال: أيكم يورد على أبي ذر ويحتسب شعرات من رأسه؟ فقال رجل: أنا، فجاء الرجل فأورد عليه الحوض فدقه، وكان أبو ذر قائماً فجلس، ثم اضطجع! ! فقيل له: يا أبا ذر! لِمَ جلستَ ثم اضطجعت؟ ! قال: فقال: إن رسول الله ﷺ قال لنا: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع» [١١] . فهذه سنة من سنن النبي ﷺ يغلب على ظني أنها قد هجرت من كثير من الناس حتى لو أردت أن تفعلها ذات يوم والغضب جِبِلَّة في الناس لأصبحت محل استغراب الناس، وكأن حالهم يقول: يأتي إليه رجل فيغضبه ويتكلم عليه أو يكسر له متاعاً، ثم يجلس أو يضطجع على جنبه؟ ! ثم تلحظ حرص السلف رحمهم الله تعالى على التطبيق العملي للسنة؛ فأبو ذر قبل أن يعلِّم الناس قام هو بفعل السنة ثم علَّمهم، وهذا يعطينا درساً في تعليم الناس ودعوتهم أن نحرص على التطبيق العملي لأن تأثر الناس به أكثر. السنة في المشي حافياً: روى أبو داود في سننه عن عبد الله بن بريدة أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر فقدم عليه فقال: «أما إني لم آتك زائراً ولكني سمعت أنا وأنت حديثاً من رسول الله ﷺ رجوت أن يكون عندك منه علم. قال: وما هو؟ قال كذا وكذا، قال: فما لي أراك شعثاً وأنت أمير الأرض؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهانا عن كثير من الإرفاه. قال: فما لي لا أرى عليك حذاء؟ قال: كان النبي ﷺ يأمرنا أن نحتفي أحياناً» [١٢] . وهذه سنة مهجورة، ولو فعلها الإنسان أحياناً لقيل: ما هذا التخلف والرجعية؟ فكيف لو فعلها مسؤول كبير أو أمير أو وزير كفضالة بن عبيد ﵁؟ ! إعفاء اللحية: من السنن الواجبة إعفاء اللحية لقول النبي ﷺ : «وفِّروا اللحى، وأحفوا الشوارب» [١٣] ، وقوله ﷺ : «أنهكوا الشوارب، وأعفوا اللحى» [١٤] ، وغيرها من النصوص الشرعية الدالة على تركها وإعفائها، ومع ذلك فبعض المجتمعات تكاد ألاَّ تجد فيها من يستطيع إعفاءها بسبب ما يواجه من ضغط وإكراه، فنسأل الله تعالى أن ينصر دينه، وأن يخذل أعداءه، وأن يعز أولياءه. السنة في لباس الرجل: روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر قال: «مررت على رسول الله ﷺ وفي إزاري استرخاء فقال: يا عبد الله! ارفع إزارك. فرفعته، ثم قال: زد. فزدت؛ فما زلت أتحراها بعدُ. فقال بعض القوم: إلى أين؟ فقال: أنصاف الساقين» [١٥] ، وروى ابن ماجه في سننه عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قلت لأبي سعيد: هل سمعت من رسول الله ﷺ شيئاً في الإزار؟ قال: نعم! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه ما بينه وبين الكعبين، وما أسفل من الكعبين في النار يقول ثلاثاً: لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطراً» [١٦] . ولعلك أخي القارئ تلحظ عدم الاستنكار على من يسبل إزاره، أو على الأقل تبلد الإحساس لدى الناس، ولكن من رفع إزاره كما أمر النبي ﷺ ؛ فانظر ما تجد من ملاحقة الأنظار، ومن العتب والتوبيخ، والله المستعان. البدء بركعتين في المسجد عند القدوم من السفر: روى البخاري ومسلم من حديث كعب بن مالك، وفيه: «فكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس» [١٧] . إعادة السلام وتكراره إذا حال بينهما شيء ولو يسيراً: روى أبو داود في سننه عن أبي هريرة قال: «إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه أيضاً» [١٨] . تعميم السلام: روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رجلاً سأل النبي ﷺ أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» [١٩] ، وهذا حاصل والله المستعان فلو سلمت على أحد من الناس ورحبت به لقال بلسان الحال أو المقال: لعلك قد شبهت عليّ! ! وقد جاء في المسند أن سلام الخاصة من علامات الساعة، فروى الأسود بن يزيد قال: أقيمت الصلاة في المسجد فجئنا نمشي مع عبد الله بن مسعود، فلما ركع الناس ركع عبد الله وركعنا معه ونحن نمشي، فمر رجل بين يديه فقال: السلام عليك يا أبا عبد الرحمن! فقال عبد الله وهو راكع: صدق الله ورسوله. فلما انصرف سأله بعض القوم: لِمَ قلت حين سلم عليك الرجل: صدق الله ورسوله؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أشراط الساعة إذا كانت التحية على المعرفة» [٢٠] . لعق الأصابع والصحفة بعد الانتهاء من الطعام، ومسح اللقمة إذا وقعت على الأرض ثم أكلها: روى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: «إنكم لا تدرون في أيه البركة» [٢١] ، وفي حديث جابر أيضاً أن النبي ﷺ قال: «إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان» [٢٢] ، وبعض الناس لو رأى رجلاً يلعق أصابعه بعد الطعام أو يلعق الصحفة لاستقذر ذلك منه وعدها عادة سيئة، وطريقة رجعية! أسباب هذه الغربة: أولاً: الجهل بالسنن: فكما قيل: الإنسان عدو ما يجهل، فينشأ المسلم على أنها سنة من سنن المصطفى ﷺ فإذا جاء من يحيي السنة قابله بالإنكار، ورماه بالجهل والبوار. قال الشاطبي ﵀: «سبب الخروج عن السنة الجهل بها والهوى المتبع الغالب على أهل الخلاف، فإذا كان كذلك حمل على صاحب السنة أنه غير صاحبها ورجع بالتشنيع عليه والتقبيح لقوله وفعله» [٢٣] . ويقول ابن القيم ﵀: «قد غلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل، وخفاء العلم، فصار المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقلّ العلماء، وغلب السفهاء، ولكن مع هذا لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، لأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين» [٢٤] . وقال محمد بن الفضل البلخي: «ذهاب الإسلام من أربعة: لا يعملون بما يعلمون، ويعملون بما لا يعلمون، ولا يتعلمون ما لا يعلمون، ويمنعون الناس من التعلم» [٢٥] . ثانياً: التعصب المذهبي: قد يؤدي التعصب للمذهب إلى مخالفة سنة النبي ﷺ ، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أمثلة كثيرة على ذلك [٢٦] وقد بلغ الأمر في ذلك إلى الكذب على رسول الله ﷺ أحياناً كبعض الحنفية حينما أحرج في مسألة رفع اليدين في الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه، وذكرت له الأحاديث الصحيحة التي قد تصل إلى درجة التواتر في هذا، وضع على النبي ﷺ في عدم رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه، كل هذا لينتصر لمسألة فقهية، نعوذ بالله من الزلل [٢٧] . ثالثاً: الانبهار بحضارة الغرب الكافر: أدى هذا السبب إلى ترك بعض السنن النبوية، وخاصة في هذا الزمن الذي غزا الإعلام الغربي ديار الإسلام وهيمن عليها، فأصبح يصور للناس أن ما خالف حضارتهم يعد تخلفاً ورجعية، وتقهقراً ووحشية، ورجوعاً إلى العصور الحجرية، فإذا بفئام من الناس تستحي أن تطبق سنة النبي ﷺ خشية أن يوصموا بهذه الصفات، ولذلك تلحظ عندما يذهب بعض المسلمين إلى ديار الكفر أن بعضهم يتخلى عن بعض معالم دينه، فإذا بالمرأة مثلاً تدع حجابها، وإذا بالرجل أحياناً يتخلف عن أداء الصلوات، ويستحي من رفع الأذان في المطارات أو في أماكن عامة كالحدائق والمنتزهات. والله المستعان. رابعاً: عدم تعظيم السنة في القلوب: ولذلك يسأل كثير من الناس عن العمل الذي توجهه إليه: هل هو سنة أم واجب؟ فإذا قلت: سنة. قال: الأمر يسير، والدين يسر، والله تعالى غفور رحيم. وهكذا يتساهل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم حتى تنعدم بين الناس ويعد من يفعلها غريباً. خامساً: خوف العجب والشهرة: فبعض الناس قد يترك السنة في زمن الغربة خوفاً من فساد نيته بما يدخل عليه من العجب والشهرة المنهي عنها! فكأنه يقول: أترك السنة في زمان الغربة خوف الشهرة ودخول العجب [٢٨] ! وهذا لا شك خطأ فادح؛ فلو قلنا به لتُرِكَ كثير من الأحكام الشرعية بحجة خوف العجب والشهرة؛ وكما قيل: ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك. سادساً: عدم وجود من يعمل بها: فيخشى من يطبقها الإنكار عليه، وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام الشاطبي حينما قال: «كان بعضهم تسرد عليه الأحاديث الصحيحة في خيار المجلس ونحوه من الأحكام، فلا يجد له معتصماً إلا أن يقول: هذا لم يقل به أحد من العلماء» [٢٩] . ثمرات التمسك بالسنة في زمن الغربة: أولاً: دخول الجنة: فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي» قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» [٣٠] . ثانياً: مضاعفة الأجر والثواب: روى الترمذي وغيره عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كَنتُمْ تَعْمَلُونَ] (المائدة: ١٠٥) قال: أما والله لقد سألتَ عنها خبيراً؛ سألتُ عنها رسول الله ﷺ فقال: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنياً مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام؛ فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم» . قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة: قيل: يا رسول الله! أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: «بل أجر خمسين منكم» [٣١] . ثالثاً: أنه لا يُخاف عليه من سوء الخاتمة: من استقام على سنة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يُخاف عليه من أن تختم له خاتمة سيئة. يقول عبد الحق الإشبيلي ﵀: «إن سوء الخاتمة لا يكون لمن استقام ظاهره، وصلح باطنه، ما سُمِعَ بهذا قَطُّ، ولا عُلمَ به، والحمد لله، وإنما يكون لمن كان له فساد في العقل، وإصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، أو لمن كان مستقيماً ثم يتغير عن حاله، ويخرج عن سننه ويأخذ في غير طريقه، فيكون عمله ذلك سبباً لسوء خاتمته، وشؤم عاقبته والعياذ بالله، قال تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: ١١) [٣٢] . رابعاً: ثناء النبي ﷺ عليه: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:» بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ؛ فطوبى للغرباء « [٣٣] . وعن عبد الرحمن بن سَنَّة أنه سمع النبي ﷺ يقول:» بدأ الإسلام غريباً ثم يعود غريباً كما بدأ؛ فطوبى للغرباء. قيل: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: «الذين يصلحون إذا فسد الناس» [٣٤] . وفي حديث آخر بلفظ: «قيل: ومَن الغرباء؟ قال: النُّزَّاع من القبائل» [٣٥] . خامساً: الهداية والتوفيق: قال تعالى: [وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا] (النور: ٥٤) ، وروى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن؛ فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم» [٣٦] . فتأمل كيف جعل ترك السنة ضلالة! فإذن التمسك بها هداية وسعادة. سادساً: قوة الفراسة، والنطق بالحكمة: قال أبو عثمان الحيري [٣٧] : «من أمَّر السنة على نفسه قولاً وفعلاً، نطق بالحكمة، ومن أمَّر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً، نطق بالبدعة، قال الله تعالى: [وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا] (النور: ٥٤) » [٣٨] ، وقال أبو العباس بن عطاء وهو من أقران الجنيد: «من ألزم نفسه آداب السنة، نورَّ الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب ﷺ في أوامره وأفعاله وأخلاقه» [٣٩] ، وقال شاه الكرماني: «من غض بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشهوات، وعمَّر باطنه بالمراقبة وظاهره باتباع السنة، وعوَّد نفسه أكل الحلال، لم تخطئ له فراسة» [٤٠] . دورنا في إحياء السنن: أخي القارئ: يبقى علينا تجاه سنة نبينا ﷺ : ماذا نفعل لها؟ وما دورنا؟ أولاً: أن نحيي سنة النبي ﷺ ، وذلك بنشر العلم بين الناس وتطبيقها. يقول النبي ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعُمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء» [٤١] . قال الإمام النووي ﵀ في شرح الحديث: «قوله ﷺ : (من سن سنة حسنة) ، (ومن سن سنة سيئة) الحديث؛ وفي الحديث الآخر: (من دعا إلى الهدى) ، (ومن دعا إلى الضلالة) . هذان الحديثان صريحان في الحث على استحباب سن الأمور الحسنة، وتحريم سن الأمور السيئة، وأن من سن سنة حسنة كان له مثل أجر من يعمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة، وأن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه، أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه، سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه، أم كان مسبوقاً إليه، وسواء كان ذلك تعليم علم، أو عبادة، أو أدباً، أو غير ذلك. قوله ﷺ : (فعمل بها بعده) معناه: إن سنها؛ سواء كان العمل في حياته أو بعد موته. والله أعلم» ، وقال عبد الله ابن الحسن: قلت للوليد بن مسلم: ما إظهار العلم؟ قال: إظهار السنة، إظهار السنة [٤٢] . ثانياً: ترهيب الناس من مخالفة سنة النبي ﷺ وتذكيرهم بذلك: روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه، فقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ ! لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني» [٤٣] . ثالثاً: أن نبين للناس أن الأعمال لا تُقبل إلا إذا وافقت سنة النبي صلى الله عليه وسلم: لِمَا جاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد» [٤٤] ، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» ، قال النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث: «هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات، وفي الرواية الثانية زيادة وهي أنه قد يعاند بعض الفاعلين في بدعة سبق إليها، فإذا احتج عليه بالرواية الأولى يقول: أنا ما أحدثت شيئاً، فيحتج عليه بالثانية التي فيها التصريح برد كل المحدثات، سواء أحدثها الفاعل، أو سُبق بإحداثها، وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به» . رابعاً: أن يبين للناس أن المحبة للنبي ﷺ تقتضي متابعته: قال تعالى: [قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (آل عمران: ٣١) ، قال ابن كثير ﵀: «هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله» [٤٥] . والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 4132

تأملات دعوية اعبدوا الله مالكم من إله غيره محمد بن عبد الله الدويش www. dweesh. com كان الأنبياء أجمعون يدعون أقوامهم بدعوة واحدة هي دعوة التوحيد، وفي القصص القرآنية التي ساقت أخبار دعوتهم كان كل نبي يقول لقومه: [يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ] (الأعراف: ٥٩) . وأخبر ﵎ أنه بعث الأنبياء في أممهم لهذه الغاية: [َلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ] (النحل: ٣٦) [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ] (الأنبياء: ٢٥) . ولا غنى للدعاة إلى الله تعالى أن يتأسوا بالأنبياء ويسيروا وفق منهجهم، وأن يراجعوا مناهجهم وأساليبهم الدعوية بين آونة وأخرى ليدركوا مدى قربها أو بعدها عن منهج الأنبياء. ونحن في هذا النص لسنا أمام مسألة فرعية أو قضية جزئية، بل نحن أمام قضية منهجية رئيسة، وثمة لوازم عدة لهذه القضية المنهجية منها: * أن يكون أساس الدعوة ومنطلقها تعبيد الناس لله ﵎، وتحقيق التوحيد له ؛ ومن ثم فالدعوة للتوحيد سواء لتحقيق أصله أو لتصحيح واقع المسلمين نحوه لا بد أن تكون هي الأساس والمنطلق، ومهما كانت الأمور الأخرى من الأهمية بمكان فلا يسوغ أن تعلو منزلتها على منزلة التوحيد. * كان الأنبياء مع دعوتهم للتوحيد يدعون قومهم لترك المنكرات التي كانت لهم شعاراً، كالتطفيف، والبغي على الناس، وإتيان الفواحش، قال صلى الله عليه وسلم عن بعثته: «أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يُوحَّد الله لا يُشرك به شيء» [١] . وهكذا الدعاة إلى الله اليوم يجب أن يكون التوحيد أساس دعوتهم ومنطلقها، ومع ذلك يعنون بعلاج المشكلات المتفشية في عصرهم. * الإخلاص والصدق في الدعوة والبعد عن الأغراض الأخرى، فالداعية قد تبدو أمامه أغراض اجتماعية أو سياسية أو مادية، فكلما ذكَّر نفسه بعنوان دعوته عادت الأمور إلى نصابها. * الوضوح والجلاء في الدعوة، فليس لدى الدعاة إلى الله ما يُخفونه عن الناس، وليس لديهم ما يستحون من إعلانه وذكره. * الحذر من الانجراف بالدعوة ذات اليمين وذات الشمال؛ فطائفة من الذين ولجوا العمل السياسي للإصلاح نسوا أنفسهم، ونسوا غاية دعوتهم، وتحولوا إلى حزب سياسي بحت يستخدم المنطق السياسي السائد، واللغة الشائعة دون تمحيص أو مراجعة، حتى تكاد لا تفرق بينهم وبين أي حزب علماني آخر. * الحذر من أن تطغى الحزبيات والولاءات، فيتحول الداعية إلى حامل لفكرة حزب أو اتجاه، وإلى ساع لكسب الأتباع والأعوان ناسياً حقيقة دعوته وغايتها. * ربط الناس بالله ﵎ والبعد عن ربطهم بالأشخاص، والاعتناء بتعليمهم فقه الكتاب والسنة أكثر من الاعتناء بتعليمهم آراء الرجال وأقوالهم، ومن صور الغلو الممقوت في الأشخاص الغلو في السلاطين، حتى تتحول طاعتهم إلى أصل بعد أن كانت تبعاً لطاعة الله ، وحتى تكون معصيتهم أشد من معصية الله تعالى.

стр. 4133

ملفات العولمة.. مقاومة وتفاعل العولمة.. مقاومة وتفاعل ما زال مصطلح (العولمة) من المصطلحات الغامضة التي لم تُحدَّد معالمها بدقة؛ على الرغم من كثرة الكتب والدراسات التي كتبت فيه. لكن يبدو أن هناك رأياً سائداً عند جمهرة من الساسة والمفكرين يشير إلى أن مصطلح (العولمة) قرين لمصطلح (الأمركة) ، وهذا ما أشار إليه مؤلفا كتاب (فخ العولمة) عندما قالا: (إن ثمة جهوداً خارقة تبذل لكي يتخذ العالم صورة واحدة؛ ولا ريب في أن المحصلة النهائية لمثل هذا التطور ستكون في المجال الثقافي كما يتبناها ابن نيويورك الفنان «كورت روي ستون» بسيادة الصراخ والزعيق الأمريكي بمفرده في العالم أجمع) [١] . لقد انهارت أوروبا أمام الغزو السينمائي والتلفزيوني الأمريكي كما ذكر ذلك بعض المفكرين [٢] ، ولم يحمها شعار الاستثناء الثقافي الذي رفعه وزير الثقافة الفرنسي، وشعرت كثير من الدول بالقلق من هذه التحولات الثقافية والحضارية التي يشهدها العالم؛ حتى قال وزير الخارجية الكندي: (لئن كان الاحتكار أمراً سيئاً في صناعة استهلاكية؛ فإنه أسوأ إلى أقصى درجة في صناعة الثقافة؛ حيث لا يقتصر الأمر على تثبيت الأسعار، وإنما تثبيت الأفكار!) . فإذا كان هذا الانهيار والقلق قد حصل في الدول الكبرى التي تدرك خطورة العولمة؛ فما بالك في الدول المهزومة التي ترى أن نهضتها إنما تكون بالانسلاخ من هويتها، والوقوع في شرك التبعية، خاصة بعد إرهاب الأمركة الذي امتد هديره بعد أحداث نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر ليجرف بطوفانه ما بقي من كرامة الشعوب..؟ ! إن سراب العولمة وأكاذيبها المتتالية خاصة في المجال الاقتصادي بدأت تتضح وتنكشف سوءاتها؛ ولهذا فإن مستقبل العولمة (الأمركة) أصبح مهدداً بالسقوط التدريجي، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي زلزلت الكيان الأمريكي وأسقطت هيبته. لقد أشرنا في العدد (١٦٧) إلى المؤتمر [٣] الذي عقده المنتدى الإسلامي في لندن بعنوان: (العولمة.. مقاومة وتفاعل) ، ونشرنا مقالة تمهيدية للدكتور إبراهيم بن ناصر الناصر بعنوان: (العولمة.. استثمار ومقاومة) ، ووعدنا بنشر بقية الأوراق التي قدمت في المؤتمر، وها نحن بحمد الله نفي بالوعد وننشر الملف بعد انعقاد مؤتمر الدوحة لـ (منظمة التجارة الدولية) التي تعد إحدى الأذرع الرئيسة للعولمة.

стр. 4134

ملفات العولمة.. مقاومة وتفاعل العولمة وصراع الحضارات أ. د. جعفر شيخ إدريس [*] [الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) فالصراع سنة ماضية، والصراع بين الحضارات إنما هو في جوهره صراع بين معتقدات لا بين طبقات ولا عرقيات. فأصحاب الطبقة الواحدة، والمنتمون إلى قومية واحدة بل قبيلة واحدة قد يقتل بعضهم بعضاً إذا اختلفت معتقداتهم. على هذا تدل الآية الكريمة التي تشير إلى اعتداء أناس من قبيلة هي أشرف قبائل العرب على أناس آخرين من هذه القبيلة نفسها؛ لأنهم خالفوهم في معتقدهم. وهذا هو الذي توصل إليه دارسو الحضارات من الغربيين؛ فإنهم يكادون أن يكونوا مجمعين على أن الحضارة وإن تكونت من عناصر كثيرة إلا أن أهم عنصر فيها هو العنصر الثقافي، وأن أهم عنصر في الثقافة هو الدين. ويلاحظون أن كبرى الحضارات كانت إلى حد كبير مرتكزة على أديان. فما الحضارة؟ وما الثقافة؟ وما العولمة؟ وما علاقة الصراع بين الحضارات بها؟ الحضارة والثقافة والعولمة: كلمات الحضارة والمدنية والثقافة والعولمة وإن كانت عربية إلا أنها جعلت في استعمالنا الحديث رموزاً تدل على المعاني والمفهومات نفسها التي تدل عليها الكلمات الغربية التي جعلناها ترجمة لها. فلننظر في تلك المعاني والمفهومات كما هي عند أهلها. وأنسب ما نبدأ به هو الأمريكي هنتنجتون أول من أشاع تعبير صراع الحضارات في مقال مشهور نشر في صيف عام ١٩٩٣م في مجلة Foreign Affairs بهذا العنوان، ثم نشر موسعاً في كتاب بالعنوان نفسه. ينقل هنتنجتون عن عدد كبير من العلماء الغربيين تعريفهم لما أطلقنا عليه كلمة المدنية أو الحضارة civilization، والفرق بينها وبين ما نسميه ثقافة culture؛ فما الحضارة أو المدنية وما الثقافة؟ يمكن أن نلخص مجمل أقوال من نقل عنهم هنتنجتون في مفهوم الحضارة والثقافة فيما يلي: يضع المفكرون الألمان حداً فاصلاً بين الحضارة والثقافة، فالحضارة عندهم تشمل التقنية وسائر العوامل المادية، أما الثقافة فتشمل قيم المجتمع ومثله العليا وخاصياته الفكرية والفنية والخلقية الكبرى. لكن سائر المفكرين الغربيين خالفوا الألمان في هذا؛ فهم يرون أن الحضارة والثقافة كليهما تشيران إلى منهاج حياة أمة من الناس، وأن الحضارة إنما هي الثقافة مكبرة، وأن كليهما يشمل القيم والمعايير والمؤسسات وطرائق التفكير السائدة في أمة من الناس، وأن الدين هو أهم العناصر المكونة للحضارة، وأن الحضارة ليست متطابقة مع العرق؛ فأصحاب العرق الواحد قد ينتمون إلى حضارات مختلفة، كما أن الحضارة الواحدة كالحضارة الإسلامية قد تضم مجتمعات مختلفة الأعراق والألوان والأشكال. والحضارة هي أوسع وحدة ثقافية؛ فأهل قرية إيطالية مثلاً قد يتميزون ثقافياً عن قرية إيطالية أخرى لكنهم يشتركون في ثقافة إيطالية تميزهم عن أهل القرى الألمانية. والألمان والإيطاليون ينتمون إلى ثقافة أوروبية تميزهم عن الجماعات الصينية والهندية. هذا الذي يجمع الأوروبيين هو حضارتهم التي تميزهم عن الحضارات الصينية والهندية. فالحضارة هي أعلى تجمُّع ثقافي للناس، وأوسع مستوى للهوية الثقافية لهم. وليس فوق الانتماء الحضاري للناس إلا انتماؤهم إلى الجنس البشري [١] . أما العولمة فيمكن أن نقول: إنها في أساسها تصيير المحلي عالمياً؛ فهي وصف لعمل مستمر تدل عليه كلمة Globalization لكنها في الوقت نفسه وصف لبعض نتائج هذا التعولم. النتيجة النهائية المثالية للتعولم أن تكون للعالم كله لغة أو لغات مشتركة، وأن تكون التجارة فيه مفتوحة ومتيسرة بين كل بلدان العالم، وأن يسود فيه نظام اقتصادي واحد، ونظام سياسي واحد، وأن تسود فيه عقيدة واحدة، وأن تكون للناس فيه قيم مشتركة في مسائل كحقوق الإنسان والعلاقة بين الجنسين، وأن يكون هنالك أدب عالمي يتذوقه الناس كلهم، وأن يسود فيه تبعاً لذلك نظام تعليمي واحد، وهكذا. وأن تكون كل هذه الأمور التي تعولمت مناسبة للناس من حيث كونهم بشراً، ومساعدة لهم على تحقيق طموحاتهم المادية والروحية، أي تكون للعالم حضارة عالمية واحدة. هذا هو الهدف النهائي المثالي، لكن العولمة قد تكون ناقصة، وقد تكون تامة من غير أن تكون مناسبة للبشر بل مفروضة عليهم لظروف طارئة. المهتمون بقضية العولمة متفقون تقريباً على أنه وإن كانت الكلمة جديدة إلا أن ما تصفه ليس بجديد، بل يرى بعضهم أن السير نحو هذه العالمية بدأ منذ مئات السنين. فإذا كانت هذه هي العولمة فما وسائلها التي تجعلها ممكنة وتحركها؟ يذكر بعض المؤرخين أنه كان للعولمة في الماضي سببان رئيسان هما الهجرة والغزو. ولكن لنا أن نسأل: لماذا يهاجر الناس، ولماذا تغزو بعض البلاد بعضاً؟ إنهم يفعلون ذلك؛ لأنهم يرونه بحسب قيمهم في مصلحتهم المادية أو الروحية. هذا إذن هو الدافع الأول المحرك للهجرة أو الغزو أو أي نوع آخر من أنواع الاتصال بين أمة وأمة. لكن الناس إنما يقررون الهجرة إلى مكان معين أو غزو أمة معينة بحسب ما يصلهم من معلومات عنها، وبحسب إمكانية الوصول إليها. هذان إذن عاملان آخران هما المعلومات ووسائل الانتقال؛ وهذان يعتمدان كثيراً على مستوى التقنية الذي تصل إليه الأمة المهاجرة أو الغازية أو الساعية لأي نوع آخر من أنواع العلاقات أو التأثير. دوافع أمة لغزو أمة أخرى أو هجرة بعضهم إليها هي في غالبها دوافع اقتصادية، لكن بعضها قد يكون ثقافياً. والأمران متشابكان؛ فحتى الغازي لأسباب اقتصادية ينقل معه ثقافته وقد يفرضها على المهزومين إذا كان غازياً ذا إمكانات كبيرة، وقد يتأثر بثقافة من غزاهم، بل وقد يتبناها ويترك ثقافته، وقد يكون التأثر والتأثير متبادلاً. والمهاجر أو الغازي لأسباب ثقافية قد يستفيد فوائد اقتصادية، وقد يحدث لثقافته التي هاجر من أجلها ما يحدث للمهاجر. كان غزو المسلمين للعالم مثالاً للغزو بدافع حضاري؛ فقد كانوا يعدون أنفسهم أصحاب رسالة موجهة للعالم كله كلفوا هم بتبليغها إليه بالوسائل السلمية ما أمكن، وإلا باللجوء إلى الحرب. لكن حتى المسلمين الذين كانوا يهاجرون طلباً للرزق كانت مهمتهم الرسالية ماثلة أمامهم، فأثروا في البلاد التي هاجروا إليها تأثيراً كبيراً، فنقلوا إليها كما نقل الغزاة قبلهم دينهم ولغتهم ولم يتأثروا بهم إلا في أمور لا تتعارض مع دينهم، بل قد يكون بعضها من مقتضيات الدعوة إليه، كتعلم لغتهم. أما المسلمون الذين يهاجرون إلى البلاد الغربية في أيامنا هذه فإنهم يفعلون ذلك لأسباب في غالبيتها العظمى اقتصادية، وتجربتهم تدل على أن الغالبية العظمى منهم تفقد هويتها الثقافية لغة ومظهراً وديناً وتذوب في المجتمعات الغربية. لكن أكثر ما يحتفظون به ويؤثرون به في تلك المجتمعات هو طعامهم. غير أن قلة من هؤلاء الذين هاجروا لأسباب اقتصادية كانت مع القلة التي تسافر لأسباب دعوية أو دراسية سبباً في قبول بعض الغربيين للإسلام، وفي انتشار بعض المظاهر الإسلامية كالمساجد والمدارس والمكتبات والحجاب. أما الغربيون الذين ذهبوا إلى العالم الإسلامي غزاة أو لأسباب اقتصادية فإن قلة قليلة منهم هي التي تأثرت بالثقافة الإسلامية أو اعتنقت الإسلام. ولذلك كان دخول بضعة آلاف من الجنود الأمريكان في الإسلام في المدة القصيرة التي قضوها في السعودية إبان حرب الخليج أمراً ملفتاً للنظر شاذاً عن القاعدة. لكن دخول غير الغربيين المهاجرين إلى العالم الإسلامي كان ولا يزال أمراً معتاداً. أما غزو الغرب للعالم فقد كان في أساسه لأسباب اقتصادية، لكن الدافع الرسالي كان أيضاً حاضراً فيه حضوراً بيناً. فالغربيون كانوا يرون أن لهم رسالة هي أن يحضِّروا العالم ويجعلوه نصرانياً. وهم يرون أن حضارتهم تفوق الحضارات الأخرى لما تمتاز به من عقلانية لا توجد في غيرها، وأن هذه الميزة هي التي تؤهلها لأن تكون الحضارة العالمية. يرى أحد الأساتذة الأرجنتينيين أن أحسن من يعبر عن هذا الاعتقاد هو هيجل وينقل عنه قوله: «إن الروح الألمانية هي روح العالم الجديد» . ويقول: إن هيجل يرى أن الروح الأوروبية التي هي روح ألمانيا هي الحقيقة المطلقة التي تحقق نفسها بنفسها من غير أن تكون مدينة لأحد سواها. ويقول أعني الكاتب: إن هذه القضية يعني قضية هيجل لم تفرض نفسها على أوروبا والولايات المتحدة فحسب؛ بل على كل المجال الفكري لأطراف العالم [٢] . ويقول أستاذ بجامعة ديوك الأمريكية: «إنه لأمر عجيب وإنها لحركة في غاية التعصب العنصري أن تعتقد أوروبا أن عليها منذ عام ١٥٠٠م أن تحضِّر عالماً ظلت فيه منذ قرون حضارات (مثل الحضارة الصينية والهندية والإسلامية ... ) قبل أن تجعل من نفسها مركزاً جديداً للعالم باسم النصرانية وأوروبا زمرة من الجماعات الهمجية الصاعدة» [٣] ، وأحسن من عبر عن الجمع بين الدافعين الاقتصادي والحضاري هو المؤرخ الأسباني الذي سوغ ذهابه وزملاءه لغزو الجزر الهندية بقوله: «خدمة لله ولصاحب الجلالة، ولنقل النور إلى أولئك الجالسين في الظلام، ولنصير أغنياء كما أن كل إنسان يريد أن يصير» [٤] . استطاعت أوروبا أن تفرض نفسها وكثيراً من جوانب حضارتها على تلك الحضارات بالغزو والاحتلال والاستعمار، ثم بوسائل الإعلام والضغوط الاقتصادية، والتهديدات العسكرية. يقول مؤرخهم المعاصر بشيء من الزهو: «إن التغيير الذي حدث في تاريخ العالم بعد عام ١٥٠٠م لم يكن له سابقة. لم يحدث من قبل ذلك أبداً أن انتشرت حضارة واحدة في أرجاء الأرض كلها؛ فمنذ أقدم مسارح ما قبل التاريخ المشاهدة كان الميل دائماً نحو التنوع. أما الآن فإن التيار الثقافي بدأ يتحول. إن جوهر ما كان يحدث كان بادياً حتى منذ أواخر القرن الثامن عشر. فالأمم الأوروبية بما فيها روسيا كانت في ذلك الوقت قد ادعت لنفسها أكثر من نصف سطح الأرض، وكانت بدرجات متفاوتة قد سيطرت بالفعل على ما يقرب من ثلثه. ففي غرب الكرة الأرضية كانوا قد ازدرعوا جماعات مستوطنة تكفي بأعدادها الكبيرة لإنشاء مراكز حضارية جديدة؛ فقد خرجت أمة جديدة من المقاطعات البريطانية السابقة في أمريكا الشمالية، وفي الجنوب استطاع الأسبان أن يحطموا حضارتين ناضجتين ليغرسوا حضارتهم» [٥] . ثم يذكر أنه كان هنالك في ذلك التاريخ ما يقرب من عشرين ألف هولندي في جنوب أفريقيا، وأن أستراليا كانت قد بدأت تستقبل مستوطنيها الجدد. وأن الزائر الأوروبي لشرق أفريقيا وإيران والهند وأندونيسيا كان سيجد فيها أوروبيين جاءوا ليتاجروا ثم ليرجعوا إلى بلادهم في المدى القريب أو البعيد ليستمتعوا بالأرباح التي حققوها. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان الاستعمار الغربي قد شمل أفريقيا كلها، وأحكم سيطرته على شبه القارة الهندية وبقية آسيا. وفي أوائل القرن العشرين أخضع الشرق الأوسط كله عدا تركيا لسيطرته المباشرة، ومع نهاية عام ١٩٢٠م كانت الإمبراطورية العثمانية قد قسمت بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا. في غضون هذا التوسع قضى الغرب قضاءً كاملاً على حضارتي (Meso american) و (Andean) ، وأخضعت الحضارات الهندية والإسلامية وأخضعت أفريقيا. وتوغل في الصين وجعلت تابعة للنفوذ الغربي لمدة أربعمئة عام تمثلت العلاقة بين الحضارات في خضوع المجتمعات غير الغربية للحضارة الغربية [٦] . ذلك ما كان حتى عام ١٩٢٠م؛ فماذا حدث بعده؟ استمر الغرب في تفوقه التقني واستمر في تأثيره الكبير على كل مجتمعات العالم لا سيما بعد الطفرة التي حدثت في تقنية الاتصالات والانتقال والتي زادت في إمكانية العولمة. تتمثل هذه الهيمنة الغربية الآن كما لخصها كاتب أمريكي في أن الأمم الغربية: - تملك وتدير النظام المصرفي العالمي. - وتسيطر على كل أنواع العملة الصعبة. - وأنها هي الزبون العالمي الأول. - وأنها هي التي توفر للعالم معظم بضائعه الجاهزة. - وأنها تسيطر على أسواق الرأسمال العالمية. - وأنها تمارس قدراً كبيراً من القيادة الأدبية في كثير من المجتمعات. - وأن لها قدرة على التدخل العسكري العظيم. - وأنها تسيطر على المضايق البحرية. - وأنها تقوم بمعظم البحوث والتطوير للتقنية المتقدمة. - وأنها المتحكمة في التعليم التقني الفائق. - والمهيمنة على المدخل إلى الفضاء. - وعلى صناعة الطيران. - وعلى وسائل الاتصال العالمية. - وعلى التقنية العالية لصناعة الأسلحة [٧] . العولمة لم تكن كما كان يرجى لها إذن أن تسود في العالم ثقافة إنسانية تناسب كل الناس وتساعد على تعاونهم وتطورهم والاستفادة من خيرات بعضهم بعضاً. بل كادت العولمة وكاد التحديث أن يكون تغريباً بسبب هذا التفوق الغربي وعدم تسامح حضارته مع الحضارات الأخرى. إلى متى سيستمر هذا التفوق وهذه الهيمنة الغربية؟ يرى كثير من المفكرين الغربيين أنها لن تستمر طويلاً على الأقل بهذا القدر الكبير. لماذا؟ هذا موضوع كبير لا يسعنا هنا إلا أن نشير إليه مجرد إشارات، فنقول: ١ - لأن سبب تلك القوة لم يكن لمجرد أسباب داخلية في الحضارة الغربية، وإنما كان أيضاً لظروف خارجية مواتية. أما الآن فإن ظروفاً خارجية أخرى لا قِبَلَ للغرب بتغييرها جعلته يضعف ضعفاً نسبياً للازدياد النسبي في القوة الاقتصادية والتقنية لبلاد غير غربية. ٢ - يزداد تقديرنا لأهمية هذا الضعف النسبي للقوة المادية للدول الغربية إذا ما تذكرنا ما يقوله كثير من مفكريها بأن السبب الأساس لسيطرتها لم يكن قيماً ولا فكراً ولا ديناً وإنما كان هذه القوة. يقرر هنتنجتون هذه الحقيقة في صراحة عجيبة إذ يقول: لم يغلب الغرب العالم بتفوق في أفكاره أو قيمه أو دينه (الذي لم تعتنقه إلا قلة من أبناء الحضارات الأخرى) وإنما غلب بتفوقه في العنف المنظم. إن الغربيين كثيراً ما ينسون هذه الحقيقة، لكن غير الغربيين لا ينسونها أبداً [٨] . بيد أننا يمكن أن نستدرك على هنتنجتون ومن يرى رأيه بأن الغرب وإن لم يكن في نفس الأمر متفوقاً في تلك المجالات إلا أن أهله كانوا يعتقدون فيه هذا التفوق، وأن هذا الاعتقاد الباطل كان دافعهم، مع الدوافع الاقتصادية للخروج لغزو العالم كما ذكرنا سابقاً. ٣ - أما الآن فإن هذا الضعف النسبي في القوة المادية للغرب يصحبه وربما سبقه فتور في الدافع الرسالي؛ فحماس الغربيين لدينهم المسيحي في بداية قرنهم الواحد والعشرين لم يعد كما كان في القرن الثامن عشر، ولم يطرأ هذا الفتور في الحماس الديني بسبب التأثر بالحضارات الأخرى في المكان الأول، وإنما كان في أساسه: - بسبب دراساتهم العلمية لأصول دينهم التاريخية، تلك الدراسات التي شككت في الثبوت التاريخي لكثير من نصوصه، والتي أثبتت أن في هذه النصوص تناقضاً ومخالفة لبعض الحقائق العلمية نشأ عنه انقسامهم إلى أصوليين أكثرهم من العوام يؤمنون بحرفية ما في كتابهم المقدس، وليبراليين يعتقدون أنه ما كل ما فيه من عند الله، وأنه تأثر بالظروف الثقافية للزمن الذي كتب فيه. - ثم كان التطور في مجال العلوم الطبيعية سبباً آخر؛ لأن منهج هذه العلوم يقوم على عقلانية لا وجود لها في دينهم. - ثم زاد من ضعف الإقبال على الدين أو الاهتمام به النظام السياسي العلماني الذي يفصله عن الدولة، بل وعن الحياة العامة كلها. ٤ - كان كثير من المفكرين الغربيين يأملون في أن يحل العلم الطبيعي محل الدين، وينجح في حل مشاكل البشرية التي عجز الدين عن حلها. لكن تجربة الحربين العالميتين العظميين، واعتمادهما على التقنية الحربية التي وفرها العلم الطبيعي أضعفت من هذا الأمل. ثم كانت كارثة هيروشيما فاقتنع كثير من المفكرين والعوام الغربيين بأن العلم الطبيعي إنما هو سلاح يعتمد حسن استعماله أو سوؤه على قيم لا تؤخذ منه هو، فلا بد أن يكون لها مصدر آخر. ٥ - والشيوعية التي هي نتاج غربي والتي تعلق بأوهامها الآلاف المؤلفة من الناس في الشرق والغرب، باءت هي الأخرى بإخفاق ذريع. ٦ - لم يبق للغرب الآن مبدأ يتعلق به ويدافع عنه ويعتز به إلا الديمقراطية الليبرالية وما يصاحبها من نظام رأسمالي. لكن حتى هذين يجدان كثيراً من النقد والمراجعة لعدم وفائهما ببعض القيم الإنسانية، ولا سيما إنصاف الفقراء، ولما نتج عنهما من تعميق للروح الفردية وما يصحبها من مشكلات اجتماعية. ٧ - الروح السائدة في الغرب الآن ليست روحاً متفائلة، بل إن التشاؤم قد يصل بهم إلى الحد الذي عبر عنه كاتب فرنسي أزعج ذلك الشعب وأثار تشاؤمه حين كتب يقول كما نقل عنه مؤلف إنجليزي: «إن أوروبا بدأت تدخل في عصر ظلام جديد يتميز بالأوبئة والمتسولين وانهيار المدن، وبعث الخرافة، وعودة التهديد القادم من الشرق من آسيا ومن الإسلام» [٩] . ولعلنا نستطيع أن نقول: إنه حتى لو لم يطرأ هذا الفتور في حماس الغربيين لدينهم ولرسالتهم، فإنه ما كان لحضارتهم أن تصير حضارة عالمية إذا ما فقدت القوة المادية؛ لأنها لا تملك في نفسها مقومات العالمية. لكن هذا موضوع آخر لا يسعنا الدخول في تفاصيله الآن، غير أن كثيراً من هذا القصور سيتضح إذا ما أظهرنا بعض مقومات عالمية الإسلام؛ إذ بضدها تتميز الأشياء. إلى هذا نتجه الآن وبه نختم مقالنا هذا. ما الذي يؤهل الحضارة الإسلامية لأن تكون حضارة عالمية؟ أرى أننا ينبغي أن نميز أولاً بين الإسلام والحضارة الإسلامية؛ لأنه إذا كانت الحضارة هي في جوهرها المعتقدات والقيم والتصورات المتمثلة فعلاً أو قل إلى حد كبير في واقع أمة من الأمم، فما كل ما جاء به الدين المنزل من عند الله متمثلاً في الأمة التي تعلن إيمانها به. فالدين دينان: دين منزل من عند الله لا يتغير ولا يتبدل [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] (الحجر: ٩) ين متمثل في واقع الناس يقترب من الدين المنزل أو يبتعد عنه، ولا يطابقه إلا في الرسول الذي جاء به، والذي صدق عليه قول زوجه أم المؤمنين: «كان خلقه القرآن» [١٠] ، أما غيره فمنهم من يقرب منه قرباً شديداً، ومنهم من يبتعد عنه بعداً كبيراً وإن كان منتسباً إليه. فالحضارة الإسلامية المتمثلة في واقع المسلمين تتأهل للعالمية بقدر قربها من الدين المنزل الذي تنتسب به. فما مقومات العالمية في هذا الدين؟ إنها مقومات كثيرة وعظيمة، لكننا نكتفي في هذا المقال بالإشارة إلى بعضها: ١ - أنه بينما كان الرسل من أمثال موسى وعيسى عليهم صلوات الله وسلامه يرسلون إلى أقوامهم خاصة فإن محمداً ﷺ أرسل إلى الناس كافة، أرسل رحمة للعالمين، وجعله الله خاتماً للنبيين. فحتى لو كان اليهود والنصارى المنتسبون إلى هذين الرسولين مستمسكين بدينهم الحق، لما جاز لهم أن يجعلوا منهما دينين عالميين بعد نزول الدين الخاتم؛ لأن الله تعالى إنما أرسل هذين الرسولين إلى قومهما خاصة وإلى فترة محدودة. فالمسلم المستمسك بدينه العارف بهذه الحقيقة يستبشر بالتطور الذي حدث في وسائل الاتصال والانتقال الذي جعل من العالم قرية واحدة كما يقولون. يستبشر به؛ لأنه يرى فيه تصديقاً لنبوة محمد ﷺ ؛ فلا أحد غير الله كان يمكن أن يعلم أن العالم سيتقارب هذا التقارب فلا يحتاج إلا إلى رسول واحد. ٢ - أن إمكانية تقريب المسافات أمر حاضر في حس المؤمن الذي يقرأ قوله تعالى: [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ] (الإسراء: ١) ، وحين يذكر كيف أن المكذبين به ﷺ ضاقت أعطانهم عن أن يروا إمكان ذلك، وحسبوا أن الممكن محصور في المألوف. ويقرأ المؤمن في كتاب ربه أن رجلاً عنده علم من الكتاب استطاع أن ينقل عرشاً بأكمله في أقل من طرفة عين من اليمن إلى الشام، ثم يقرأ في كتاب ربه ما هو أعجب من ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عُرج به إلى السماء السابعة ورجع في ليلة واحدة؛ وهي مسافة لو قطعها مخلوق بسرعة الضوء لاستغرقت منه البلايين من السنين الضوئية. ويصدق المسلم قول رسوله ﷺ : «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها» [١١] . ٣ - أن هذا الدين هو فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ فهو يخاطبهم بوصفهم بشراً وضع الله في قلوبهم أساسه؛ فهو ليس بالأمر الغريب عليهم. وما أكثر الذين شعروا بهذا حين أسلموا وفاضت أعينهم مما عرفوا من الحق. ٤ - ومما يزيد المسلم اقتناعاً بعالمية دينه أنه أثبت في الواقع أنه ليس بالدين الذي تحده ظروف جغرافية أو مناخية، أو زمانية أو ثقافية؛ فقد اعتنق هذا الدين أناس بينهم كل أنواع تلك الاختلافات، فلم يجدوا في شيء منها ما يحول بينهم وبين الإيمان به أو وجدانهم شيئاً غريباً عليهم. فالمسلمون في كل بقاع الأرض الآن أقرب إلى دينهم من النصارى أو اليهود لدينهم. فما زال المسلمون رغم كل تلك الظروف المختلفة يصلون الصلوات الخمس، ويصومون شهر رمضان، ويحجون إلى بيت الله الحرام، ويقرؤون الكتاب المنزل على رسولهم من غير تحريف ولا تبديل. ٥ - وإذا كان تطور العلوم الطبيعية يقف الآن حجر عثرة في طريق بعض الأديان الباطلة، فإنه يقف شاهداً على صدق هذا الدين؛ لأنه لا يجد فيه ما يخالف شيئاً من حقائقه، بل يجد فيه تقريراً لبعض تلك الحقائق قبل أن يتمكن الإنسان من اكتشافها بوسائله البشرية. ولا يجد فيه مخالفة لمنهجه العقلاني التجريبي؛ إذ يجده ديناً لا يأتي بمحالات العقول، ولا ينكر ما يشهد به الحس. فإذا ما شعر الناس بأهمية الدين كما يشعر بذلك كثير منهم الآن وإذا ما صدهم عما عرفوه من أديان تناقضها المنطقي، أو مخالفتها للواقع المحسوس فسيجد ديناً فيه كل ما يريد من هدى واستقامة وراحة نفسية، وهو خال من تلك النقائص. فسيكون العلم الطبيعي بإذن الله تعالى سبباً من أسباب دخول الناس في هذا الدين على المستوى العالمي. ٦ - والغرب وإن كان في مجموعه مهيمناً تلك الهيمنة التي ذكرناها سابقاً إلا أنه ليس شيئاً واحداً منسجماً متعاوناً، وإنما هو شعوب ودول وجماعات تختلف مصالحها ويثور التنافس والتحاسد بينها، ويرتاب بعضها من قوة بعضها ويخشى من سيطرتها. إذا كانت تلك هي بعض المقومات التي تؤهل الإسلام ليكون دين القرية العالمية، ومركز حضارتها، فإن في واقع الأمة المنتمية إليه الآن ما يعرقل سيرها بدينها نحو تلك العالمية: ١ - أول تلك العوائق هو كون الحضارة الغربية قد نجحت في جعل بعض المنتسبين إليه عملاء لها في داخل الأوطان الإسلامية، ومكنت لهم فيها؛ فهم الذين قسموا الأمة وجعلوها متنازعة، وشغلوها بصراعات داخلية سياسية واجتماعية، فحالوا بذلك بينها وبين أن تسعى متكاتفة إلى الأخذ بأسباب التقدم المادي من علم طبيعي وتقنية وإنتاج؛ لأن وحدة الأمة وإن كانت كافرة شرط في هذا كما تشهد بذلك تجارب اليابان والأمم الغربية. ٢ - وثانيها أن هذا النزاع كان وما يزال السبب في فقدان القدر اللازم من الحرية التي هي أيضاً شرط لذلك التقدم. لكن الغربيين الذين كانوا سبباً في فقدانها يعزون هذا الفقدان الآن إلى طبيعة العرب أو طبيعة الإسلام! وقديماً قال العربي: «رمتني بدائها وانسلَّت» . ٣ - وثالثها أن كثرة كاثرة من المنتمين إلى الإسلام قد حادوا عن جوهره التوحيدي، ففقدوا بذلك الشرط الذي علق الله تعالى نصره لهم عليه في مثل قوله تعالى: [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] (النور: ٥٥) . ٤ - ورابعها أن الغرب يبالغ في خوفه من الإسلام، ويزيد في هذا التخويف أناس يبالغون في خطر البعث الإسلامي الجديد متخذين من هذا التخويف وسيلة لتحقيق مآرب لهم لا تمت إلى مصلحة الغرب في شيء؛ وأكثر من يعينهم على هذا ويعطيهم أدلة يفرحون بها أناس لا عقل لهم ينتمون إلى حركة البعث هذه يكثرون من التهديد والوعيد للغرب من غير أن تكون لهم مقدرة على تحقيق أدنى شيء منه . وبسبب هذا الخوف المَرَضي من الإسلام ييالغ الغرب في ضغطه على الدول الإسلامية والتدخل في شؤونها ليقضي على كل بادرة نهضة إسلامية تطل برأسها فيها، [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) . ٥ - مع كل هذا الخطر الغربي فإن بعض الدعاة عندنا يتصرفون وكأنه لا وجود للغرب نفسه؛ فلا يتتبعون أخباره ولا يهتمون بمعرفة سياساته ومخططاته، ولا يفكرون في الرد على أفكاره، وكأنهم لم يسمعوا بمثل ما قال عالم الجزيرة الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: «إن معرفة أحوال الكفار من أعظم أبواب الجهاد» . وصار هؤلاء الدعاة بسبب هذه الغفلة مشغولين بمحاربة أناس هم معهم في صف البعث الإسلامي. إن نقد الخطأ ولا سيما ما كان في مسائل العقيدة أمر واجب وعمل عظيم؛ لكن نقد أخطاء المسلمين شيء، وجعلها الشغل الشاغل عن الخطر الداهم شيء آخر.

стр. 4135

ملفات العولمة.. مقاومة وتفاعل العولمة الاجتماعية للمرأة والأسرة فؤاد بن عبد الكريم آل عبد الكريم [*] أصبحت «المرأة» و «الأسرة» محورين أساسيين من محاور عمل التجمعات والفعاليات الاجتماعية في العالم، ولدى كثير من المنظمات والجمعيات (الحكومية وغير الحكومية) التي ترفع لواء ورداء الحرية والمساواة وحقوق الإنسان. كما أصبح الشغل الشاغل لتلك التجمعات والمنظمات: السعي لعولمة الحضارة الغربية ممثلة في الحياة الاجتماعية لتلك الدول؛ وذلك من خلال تقنين الإباحية والرذيلة، ومن خلال محاولة تعميم الشذوذ باسم حقوق الإنسان والحرية الشخصية، وتقويض بناء الأسرة؛ لأنها في زعمهم أكبر عائق من عوائق التقدم والرفاهية؛ فهي أقدم مؤسسة اجتماعية يدَّعون أن الرجل يتسلط من خلالها على المرأة، ويمارس عليها أشكال القهر، ومن أجل التحرير المزعوم للمرأة فإنهم يرون ضرورة التخلص من شيء اسمه «الأسرة» ، ولو أدى ذلك إلى التمرد على كل التعاليم الدينية، والمبادئ الفطرية، التي أرست دعائم الشعوب والأمم على مر التاريخ البشري. تلك هي رؤيتهم التي دأبوا على بثها بكل وسيلة ممكنة، وذلك هو برنامجهم الذي لم يسأموا من السعي لتحقيقه في الواقع، وفرضه بالقوة [١] مستعينين بأمور منها: أولاً: وسائل الإعلام بمختلف أشكالها وأنواعها (المقروءة والمسموعة والمرئية) ، وهذا الأمر معلوم للجميع ومشاهد على أرض الواقع. ثانياً: الاستعانة بمؤسسات الهيمنة الدولية، وفي مقدمتها هيئة الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وهذا ما سيدور حوله الكلام إن شاء الله؛ حيث إنه يقع في دائرة الاهتمام والمتابعة الشخصية. ففي السنوات الأخيرة وخاصة في التسعينيات الميلادية، كما سيتبين ذلك بعد قليل كثفت الحركات النسوية جهودها، وكذلك نشطاء حقوق الإنسان من أجل نقل تصوراتها وأفكارها من حيز الكلام التنظيري إلى حيز التنفيذ العملي، ومن الأطر الثقافية، والأخلاقية، والاجتماعية الخاصة ببعض الشعوب والحضارات الغربية إلى النطاق العالمي العام مستغلين طغيان موجة العولمة؛ وذلك بإقامة مؤتمرات من خلال هيئة الأمم المتحدة بعضها خاص بالمرأة، وبعضها الآخر تصبح المرأة فيه جزءاً مهماً من قضاياها. أولاً: أجهزة الأمم المتحدة المعنية بالمرأة: هناك أجهزة وهيئات تابعة للأمم المتحدة معنية بالمرأة تشارك في الإعداد والتجهيز لهذه المؤتمرات، منها: أ - لجنة مركز المرأة التابعة للأمم المتحدة. ب - صندوق الأمم المتحدة للسكان [٢] . ج - صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة. د - برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. هـ - المعهد الدولي للبحث والتدريب من أجل النهوض بالمرأة. و جامعة الأمم المتحدة. ز - معهد الأمم المتحدة لبحوث التنمية الاجتماعية. ح - اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة. ط - منظمة الأمم المتحدة للطفولة. ي - مركز الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الموئل) . ك - مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ل - منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة. وهذه المنظمة الأخيرة التي تعرف باسم: «منظمة اليونسكو» ، لها دور فاعل ومميز في هذه المؤتمرات من حيث الإعداد والمشاركة فيها؛ فقد قرر المدير العام لهذه المنظمة إنشاء لجنة استشارية معنية بالمرأة، وعهد إلى هذه اللجنة بإعداد ما يمكن لهذه المنظمة الإسهام به في مؤتمر المرأة الرابع في بكين ١٩٩٥م، وتهدف هذه المساهمة إلى ما يلي: - تعزيز نشاط اليونسكو وتفكيرها بشأن موضوعات المؤتمر الثلاثة: المساواة، والتنمية، والسلام، وإبرازها بصورة أوضح. - تعزيز أهمية نوعية التعليم المقدم إلى البنات والنساء على جميع المستويات، وفي جميع المجالات. - إشاعة صور إيجابية عن المرأة تبرز مواهبها، وخبراتها، وقدراتها، وإسهامها الفعلي بصفتها عاملاً من عوامل التغيير الاجتماعي. - تعزيز إمكانيات المرأة في اتخاذ القرار في جميع مجالات اختصاص اليونسكو كالتربية، والاتصال، والعلوم، والثقافة، ومكافحة جميع أشكال التمييز والعنف تجاه المرأة. - الإسهام في القضاء على القوالب الجامدة التي لا تزال تحدد أدوار وسلوك الرجال والنساء، وتبقي من ثم على أشكال التفاوت والتمييز التي تستند إلى الجنس [٣] . ثانياً: تاريخ موجز لهذه المؤتمرات: بدأ اهتمام هيئة الأمم المتحدة بالمرأة منذ عام ١٩٤٦م، حين أُنشئت لجنة مركز المرأة (وهي هيئة رسمية دولية تتألف من خمس وأربعين من الدول الأعضاء تجتمع سنوياً بهدف عمل مسودات وتوصيات وتقارير خاصة بمكانة المرأة وتقويم تلك الأعمال) . وقد أكد دستور هيئة الأمم المتحدة وميثاقها [٤] الذي أبرم بتاريخ ٢٦/٦/ ١٩٤٥م مبدأ عدم التفرقة بين الناس بسبب الجنس، فجعل للرجال والنساء حقوقاً متساوية، كما ورد في نصوص موادها: الأولى والثامنة. ونشير هنا إلى تركيز الأمم المتحدة في اتفاقياتها ومؤتمراتها على قضية المساواة بين المرأة والرجل بالمفهوم الغربي [٥] بوصفها قيمة عليا من القيم التي قامت عليها الحضارة الغربية، والتي أصبحت من القضايا المسلَّمة التي لا تقبل النقاش حولها، واستخدمت قضية المساواة هذه في تمرير كثير من القضايا التي تنادي بها الأمم المتحدة لعولمة النموذج الغربي للمرأة في جميع مجالات الحياة السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والإعلامية.. إلخ. وقد أكدت المادة الثامنة هذا المفهوم؛ حيث جاء فيها: (لا تفرض الأمم المتحدة قيوداً تحد بها جواز اختيار الرجال والنساء للاشتراك بأي صفة وعلى وجه المساواة في فروعها الرئيسية والثانوية) [٦] . وفي عام ١٩٤٨م صدر (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) شاملاً كافة حقوق الإنسان المدنية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية التي يجب أن يتمتع بها كل فرد رجلاً كان أو امرأة. ففي المادة الثانية مثلاً من هذا الإعلان: (لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أي نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسياً وغير سياسي، أو الأصل الوطني، أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أي وضع آخر) [٧] . كما أكدت الأمم المتحدة [٨] ضمن بنود دستورها (ل) و (م) ، على حقوق المرأة السياسية والاجتماعية، وحقها في الزواج والاتفاق على الرضا بالزواج والتوصية بذلك، بالإضافة إلى حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والمنازعات المسلحة. وفي عام ١٩٥١م اعتمد المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية: (اتفاقية المساواة في الأجور بين العمال والعاملات) [٩] . وفي عام ١٩٥٢م أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة (الاتفاقية الخاصة بالحقوق السياسية للمرأة) ، وذلك بناء على توصية اللجنة الخاصة بمركز المرأة. وبالنظر إلى (العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) المتفق عليه، والذي أصدرته الأمم المتحدة في عام (١٩٦٦م) ، نجد أن المادة الثالثة من هذا العهد [١٠] تنص على ما يلي: (تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بضمان مساواة الذكور والإناث في حق التمتع بجميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المنصوص عليها في هذا العهد) [١١] . وكذلك صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة (العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية) في عام ١٩٦٦م، ونص في مادته الثالثة على ما يلي: (تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بكفالة تساوي الرجال والنساء في حق التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها في هذا العهد) [١٢] . وفي عام ١٩٦٧م صدر (الإعلان الخاص بالقضاء على التمييز ضد المرأة) ، وقد أقرته هيئة الأمم المتحدة مع توصية ببذل أقصى الجهد لتنفيذ المبادئ الواردة فيه للحكومات والمنظمات غير الحكومية والأفراد، والذي ينص على حق المرأة الدستوري في التصويت، والمساواة مع الرجل أمام القانون، وعلى حقوقها في الزواج والتعليم وميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية مع الرجل سواء بسواء) [١٣] . وفي عام ١٩٦٨م عقد في طهران مؤتمر دولي لحقوق الإنسان تحت إشراف الأمم المتحدة، وسمي: (إعلان طهران ١٩٦٨م) ، ونص في بنده الخامس عشر على أنه: (يتحتم القضاء على التمييز الذي لا تزال المرأة ضحية له في عديد من أنحاء العالم؛ إذ إن إبقاء المرأة في وضع دون وضع الرجل يناقض ميثاق الأمم المتحدة، كما يناقض أحكام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتنفيذ الكامل لإعلان القضاء على التمييز ضد المرأة ضروري لتقدم الإنسانية) . أما البند السادس عشر من هذا الإعلان فكان من ضمنه (أن حماية الأسرة والطفل تظل شاغلاً للمجتمع الدولي) [١٤] . ثم بعد ذلك بدأت الأمم المتحدة في عقد مؤتمراتها الخاصة بالمرأة: - فعقدت أول مؤتمر عالمي خاص بالمرأة وهو: (مؤتمر مكسيكو لعقد الأمم المتحدة للمرأة: المساواة والتنمية والسلم) ، وذلك في عام ١٩٧٥م في المكسيك؛ حيث حضرته ١٣٣ دولة، واعتمد فيه أول خطة عالمية متعلقة بوضع المرأة على المستوى الحكومي وغير الحكومي في المجالات السياسية والاجتماعية والتدريب والعمل على حماية الأسرة. كما اعتمدت خطة العمل العالمية لعقد الأمم المتحدة للمرأة: المساواة والتنمية والسلم، للأعوام (١٩٧٦ - ١٩٨٥م) . - وفي عام ١٩٧٩م عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤتمراً تحت شعار: (القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة) ، وخرج المؤتمرون باتفاقية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. وجاءت هذه الاتفاقية لأول مرة بصيغة ملزمة قانونياً للدول التي توافق عليها، إما بتصديقها أو بالانضمام إليها. وقد بلغ عدد الدول التي انضمت إلى هذه الاتفاقية مائة وثلاثاً وثلاثين دولة، إلى ما قبل مؤتمر بكين عام ١٩٩٥م. وكان من أبرز مواد هذه الاتفاقية: - الاعتراف بتساوي الرجل والمرأة في الميادين السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، أو في أي ميدان آخر، بغض النظر عن حالتها الزوجية. - اتخاذ جميع التدابير المناسبة - بما في ذلك التشريعي منها - لتغيير أو إبطال القائم من القوانين، والأنظمة، والأعراف، والممارسات التي تشكل تمييزاً ضد المرأة. - تعديل الأنماط الاجتماعية والثقافية للقضاء على العادات القائمة على فكرة تفوق أحد الجنسين، أو على أدوار نمطية للرجل والمرأة. - القضاء على أي مفهوم نمطي عن دور الرجل والمرأة على جميع مستويات التعليم، وفي جميع أشكاله، عن طريق تشجيع التعليم المختلط وغيره من أنواع التعليم. - تمنح الدول الأطراف المرأة في الشؤون المدنية أهلية قانونية مماثلة لأهلية الرجل، ونفس فرص ممارسة تلك الأهلية. - أن يكون للمرأة نفس الحقوق في أن تقرر بحرية وبشعور من المسؤولية عدد أطفالها، والفترة بين إنجاب طفل وآخر. - نفس الحقوق والمسؤوليات فيما يتعلق بالولاية، والقوامة، والوصاية على الأطفال وتبنيهم [١٥] . - وفي عام ١٩٨٠م عقدت الأمم المتحدة (المؤتمر العالمي لعقد الأمم المتحدة للمرأة: المساواة والتنمية والسلم) في (كوبنهاجن) بالدانمارك وهو المؤتمر الثاني الخاص بالمرأة؛ وذلك لاستعراض وتقويم التقدم المحرز في تنفيذ توصيات المؤتمر العالمي الأول للسنة الدولية للمرأة الذي عقد عام ١٩٧٥م في المكسيك، ولتعديل البرامج المتعلقة بالنصف الثاني من العقد الأممي للمرأة. - وفي عام ١٩٨٥م عقد (المؤتمر العالمي لاستعراض وتقييم منجزات عقد الأمم المتحدة للمرأة: المساواة والتنمية والسلم) في (نيروبي) المؤتمر الثالث الخاص بالمرأة والذي عرف باسم: (استراتيجيات نيروبي المرتقبة للنهوض بالمرأة) وذلك من عام ١٩٨٦م حتى عام ٢٠٠٠م. وقد شارك فيه سبع وخمسون ومائة دولة. وقد بين المؤتمر أهداف وغايات العقد الأممي، وشدد على صحتها بالنسبة إلى المستقبل، وبين الحاجة إلى اتخاذ تدابير ملموسة للتغلب على العقبات التي تعترض سبيل إنجازها أثناء الفترة ١٩٨٦-٢٠٠٠م. - وفي عام ١٩٩٥م عقدت الأمم المتحدة (المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة) في (بكين) . وقد دعت فيه إلى مضاعفة الجهود والإجراءات الرامية إلى تحقيق أهداف استراتيجيات نيروبي التطلعية للنهوض بالمرأة بنهاية القرن الحالي. ويعتبر هذا المؤتمر متميزاً عن المؤتمرات الأخرى التي تبنتها الأمم المتحدة؛ حيث دعت فيه بصراحة وبوضوح إلى العديد من الأمور التي فيها مخالفة للشريعة الإسلامية، بل فيها مخالفة للفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها. مثل: الدعوة إلى الحرية والمساواة - بمفهومهما المخالف للإسلام والقضاء التام على أي فوارق بين الرجل والمرأة، دون النظر فيما قررته الشرائع السماوية، واقتضته الفطرة، وحتمته طبيعة المرأة وتكوينها. وكذلك الدعوة إلى فتح باب العلاقات الجنسية المحرمة شرعاً؛ ومن ذلك: السماح بحرية الجنس، والتنفير من الزواج المبكر، والعمل على نشر وسائل منع الحمل، والحد من خصوبة الرجال، وتحديد النسل، والسماح بالإجهاض المأمون، والتركيز على التعليم المختلط بين الجنسين وتطويره، وكذلك التركيز على تقديم الثقافة الجنسية للجنسين بسن مبكرة، وتسخير الإعلام لتحقيق هذه الأهداف. كما أن في هذا المؤتمر إعلاناً للإباحية، وسلباً لقوامة الإسلام على العباد، وسلباً لولاية الآباء على الأبناء، وقوامة الرجال على النساء. بالإضافة إلى هذه المؤتمرات الخاصة بالمرأة فهناك مؤتمرات أقامتها الأمم المتحدة خاصة بالسكان، إلا أنها ناقشت في وثائقها قضايا متعلقة بالمرأة وبالعقد الأممي الخاص بالمرأة، وهي: - المؤتمر العالمي الأول للسكان في (رومانيا) عام ١٩٧٤م. وقد اعتمدت في هذا المؤتمر خطة عمل عالمية، جاء فيها: * الدعوة إلى تحسين دور المرأة ودمجها الكامل في المجتمع. * الدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل. * الدعوة إلى تحديد النسل، وتخفيض المرأة لمستوى خصوبتها. - (المؤتمر الدولي المعني بالسكان) في (المكسيك) عام ١٩٨٤م. وقد جاء في هذا المؤتمر: * الدعوة إلى إعطاء المرأة حقوقها المساوية لحقوق الرجل في جميع مجالات الحياة. * الدعوة إلى رفع سن الزواج، وتشجيع التأخر في الإنجاب. * إشراك الأب في الأعباء المنزلية، وإشراك المرأة في المسؤولية على الأسرة. * الإقرار بالأشكال المختلفة والمتعددة للأسرة. * الدعوة إلى التثقيف الجنسي للمراهقين والمراهقات. * الإقرار بالعلاقات الجنسية خارج نطاق الأسرة. * تقديم الدعم للزناة والزانيات، بتقديم الدعم المالي، وتوفير السكن المناسب لهم. * وفي عام ١٩٩٤م أقيم (المؤتمر الدولي للسكان والتنمية) في (القاهرة) . وقد نوقشت في هذا المؤتمر قضايا شبيهة تماماً بالقضايا التي سبق ذكرها في المؤتمر الرابع للمرأة ببكين؛ فقد أكد قضية المساواة بين الجنسين وأفرد لها فصلاً مستقلاً [١٦] . وأما التنمية فإن عنوان المؤتمر أشار إلى ذلك، فضلاً عن قضايا تنمية المرأة التي نوقشت في ثنايا المؤتمر. ومؤتمر السكان والتنمية هذا يعد من المؤتمرات التي أثارت وثيقته ضجة واسعة في العالم الإسلامي وغير الإسلامي؛ بسبب مخالفتها للشرائع السماوية وللفطرة السليمة. كما أقيمت مؤتمرات أخرى للأمم المتحدة نوقشت فيها بعض قضايا المرأة؛ فمن هذه المؤتمرات: - (المؤتمر العالمي لتوفير التعليم للجميع) المنعقد في (جومتيان - تايلاند) عام ١٩٩٠م الذي تم فيه الإعلان العالمي لتوفير التعليم للجميع. - (مؤتمر القمة العالمي من أجل الطفل) المنعقد في (نيويورك) عام ١٩٩٠م الذي أكد فيه ما ورد في اتفاقية حقوق الطفل التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ١٩٨٩م. ومن ذلك: حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين، والدعوة إلى سلب ولاية الآباء على الأبناء؛ وذلك من خلال الدعوة إلى تمكين الطفل من الحصول على المعلومات والمواد من شتى المصادر الوطنية والدولية. - (المؤتمر العالمي للبيئة والتنمية) المنعقد في (ريودي جانيرو البرازيل) عام ١٩٩٢م الذي أشير فيه إلى حقوق النساء في التحكم في قدرتهن على الإنجاب، والدعوة إلى إنشاء مرافق صحية وقائية وعلاجية للرعاية الصحية التناسلية تكون مأمونة وفعالة، وكذلك الدعوة إلى تحديد النسل. وكذلك المطالبة بتحسين مركزهن الاجتماعي والاقتصادي، ومن ذلك وضع استراتيجيات للقضاء على العقبات الدستورية، والقانونية، والإدارية، والثقافية، والسلوكية، والاجتماعية، والاقتصادية التي تحول دون مساواة المرأة بالرجل. - (المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان) في (النمسا) ، عام ١٩٩٣م. وقد حث هذا المؤتمر على تمتع المرأة تمتعاً كاملاً وعلى قدم المساواة بجميع حقوق الإنسان السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وغيرها من الحقوق بالمفهوم الغربي لهذه الحقوق، وأن يكون هذا الأمر أولوية من أولويات الحكومات. وكذلك أكد على قضايا تخص المرأة مثل قضية المساواة التامة مع الرجل، وأهمية إدماج المرأة في عملية التنمية بوصفها فاعلة ومستفيدة من هذه العملية. وكذلك حث هذا المؤتمر على استئصال جميع أشكال التمييز ضد المرأة الخفية منها والعلنية على السواء وطالب هذا المؤتمر بالتصديق العالمي من قبل جميع الدول على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة بحلول عام ٢٠٠٠م. - (إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن القضاء على العنف ضد النساء) ، وذلك في عام ١٩٩٣م. - (مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتماعية) الذي أقيم في (كوبنهاجن) عام ١٩٩٥م الذي تم فيه الإقرار بأشكال الأسرة المختلفة، والدعوة إلى المساواة بين المرأة والرجل، ومن ذلك إسقاط قوامة الرجل على المرأة داخل الأسرة، ودعوة الرجل لتحمل الأعباء المنزلية، ودعوة المرأة للخروج للمساهمة في سوق العمل. وكذلك إزالة القيود المفروضة على المرأة في وراثة الممتلكات. - (مؤتمر الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية) (الموئل الثاني) الذي انعقد في (تركيا) عام ١٩٩٦م ودعا إلى كفالة مشاركة النساء مشاركة تامة وعلى قدم المساواة مع الرجال في الحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية. وكذلك الالتزام بهدف المساواة بين الجنسين في تنمية المستوطنات البشرية، وكذلك الالتزام بإدماج الاعتبارات المتعلقة بنوع الجنس (جندر) في التشريعات، والبرامج والمشاريع المتصلة بالمستوطنات البشرية، عن طريق التحليل الذي يراعي نوع الجنس. كما تم الاعتراف بالأشكال المختلفة للأسرة. وأيضاً دعا هذا المؤتمر إلى إجراء إصلاحات تشريعية وإدارية؛ من أجل الحصول الكامل وعلى قدم المساواة - على الموارد الاقتصادية، بما في ذلك الميراث، والائتمان. - (مؤتمر الأمم المتحدة للمرأة عام ٢٠٠٠م المساواة والتنمية والسلام في القرن الحادي والعشرين) الذي انعقد في (نيويورك) . وقد تضمنت وثيقة هذا المؤتمر التحضيرية ما يلي: * الدعوة إلى الحرية الجنسية والإباحية للمراهقين والمراهقات والتبكير بها مع تأخير سن الزواج. وأوجدوا مسمًى جديداً للداعرات وهو: (عاملات الجنس) ، وتشجيع جميع أنواع العلاقات الجنسية خارج إطار الأسرة الشرعية (رجلاً وامرأة) ، وتهميش دور الزواج في بناء الأسرة. * إباحة الإجهاض. * تكريس المفهوم الغربي للأسرة، وأنها تتكون من شخصين يمكن أن يكونا من نوع واحد (رجل + رجل، أو امرأة + امرأة) . * تشجيع المرأة على رفض الأعمال المنزلية، بحجة أنها أعمال ليست ذات أجر. * المطالبة بإنشاء محاكم أسرية من أجل محاكمة الزوج بتهمة اغتصاب زوجته. * إباحة الشذوذ الجنسي (اللواط والسحاق) ، بل الدعوة إلى مراجعة ونقض القوانين التي تعتبر الشذوذ الجنسي جريمة. * فرض مفهوم المساواة الشكلي المطلق، والتماثل التام بين الرجل والمرأة في كل شيء بما في ذلك الواجبات: كالعمل، وحضانة الأطفال، والأعمال المنزلية، وفي الحقوق: كالميراث. * المطالبة بإلغاء التحفظات التي أبدتها بعض الدول الإسلامية على وثيقة مؤتمر بكين ١٩٩٥م. ويعتبر أهم هدف في هذا المؤتمر هو: الوصول إلى صيغة نهائية ملزمة للدول بخصوص القضايا المطروحة على أجندة هذا المؤتمر، والتي صدرت بحقها توصيات ومقررات في المؤتمرات الدولية السابقة، تحت إشراف الأمم المتحدة. ولأهمية هذا المؤتمر وتعويل التيار النسوي العالمي عليه؛ فقد أقيمت عدة مؤتمرات إقليمية لمتابعة توصيات مؤتمر بكين، والتمهيد لهذا المؤتمر المسمى: «المؤتمر التنسيقي الدولي للنظر في نتائج وتطبيق قرارات المؤتمرات الأممية للمرأة» . ومن هذه المؤتمرات الإقليمية: - اجتماع في نيويورك في عام ٢٠٠٠م، تحت شعار (بكين +٥) إشارة إلى السنوات الخمس التي مضت على مؤتمر بكين وقد جرى في هذا الاجتماع محاولة لإدخال تعديلات على وثيقة مؤتمر بكين. - (مؤتمر المرأة الخليجية) في البحرين، في شهر مارس تحت شعار (الفرص، والمعوقات، والأدوار المطلوبة) الذي نظمته جمعية فتاة البحرين، وشارك فيه عدد من الشخصيات النسائية والرجالية من كل دول الخليج. - (مؤتمر تونس) في ١٩٩٩م لدول المغرب العربي. - (المؤتمر النسائي الأفريقي السادس) في ١٩٩٩م في أديس أبابا، نظمه المركز الأفريقي التابع للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية. - مؤتمر - شبيه لما سبق - في عمان بالأردن، وفي بيروت، وذلك في أواخر عام ١٩٩٩م، نظمته اللجنة الاجتماعية والاقتصادية لغرب آسيا. ثالثاً: أهم السلبيات التي دعت إليها هذه المؤتمرات وهي كما يلي: ١ - ما يتعلق بالجانب الأخلاقي والاجتماعي، ومن ذلك [١٧] : أ - الدعوة إلى حرية العلاقة الجنسية المحرمة، واعتبار ذلك من حقوق المرأة الأساسية. ب - توفير خدمات الصحة الجنسية والإنجابية للمرأة. ج - نشر وسائل منع الحمل ذات النوعية الجيدة، ومنع حالات الحمل غير المرغوب فيه، والدعوة إلى منع حالات الحمل المبكر. د - الدعوة إلى تحديد النسل. هـ - الاعتراف بحقوق الزناة والزانيات. و الاعتراف بالشذوذ الجنسي. ز - السماح بأنواع الاقتران الأخرى غير الزواج. ح - التنفير من الزواج المبكر، وسن قوانين تمنع حدوث ذلك. ط - إنهاء تبعية المرأة والبنت من الناحية الاجتماعية. ي - سلب قوامة الرجال على النساء. ك - سلب ولاية الآباء على الأبناء. ٢ - ما يتعلق بالجانب التعليمي [١٨] : أ - تشجيع التعليم المختلط. ب - الدعوة إلى المساواة في مناهج التعليم. ج - الدعوة إلى التثقيف والتربية الجنسية. ٣ - ما يتعلق بالجانب الصحي [١٩] ، وأهم السلبيات في هذا الجانب: أ - الأمراض الجنسية، ومن ذلك: - الدعوة إلى أن يكون السلوك الجنسي المأمون، والوقاية من الأمراض المنقولة بالاتصال الجنسي جزءاً لا يتجزأ من خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، مع ضمان السرية والخصوصية للمراهقين والمراهقات فيما يتعلق بهذا الجانب. - تيسير انتشار وتوزيع الواقيات الذكرية (الرفالات) بين الذكور على نطاق واسع وبأسعار زهيدة. - القضاء على التمييز ضد الأشخاص المصابين بالإيدز. - ضمان عدم تعرض المصابات بالإيدز للنبذ والتمييز بما في ذلك أثناء السفر. - تقديم ما يلزم من الرعاية والتعاطف للرجال والنساء المصابين بالإيدز. - الاعتراف بهذه العلاقات الجنسية المحرمة، والتي تسبب هذه الأمراض الجنسية. ب - الإجهاض، ومن ذلك: - الدعوة إلى أن يكون الإجهاض غير مخالف للقانون، وأن يكون مأموناً طبياً. - الدعوة إلى إلغاء القوانين التي تنص على اتخاذ إجراءات عقابية ضد المرأة التي تجري إجهاضاً غير قانوني. - الدعوة إلى أن يكون الإجهاض حقاً من حقوق المرأة، وتيسير حصولها على هذا الحق، عندما تريد إنهاء حملها. - الدعوة إلى إنشاء مستشفيات خاصة للإجهاض. - الدعوة إلى قتل الأجنة داخل الأرحام، بحجة أنه غير مرغوب فيه. ج - ختان المرأة، ومن ذلك: - حث الحكومات على حظر بتر أجزاء من الأعضاء التناسلية للإناث. - أن يكون التنفير الفعال من الممارسات الضارة - مثل بتر أجزاء من الأعضاء التناسلية للأنثى جزءاً لا يتجزأ من برامج الرعاية الصحية الأولية. - أن إزالة أجزاء من الأعضاء التناسلية للإناث يشكل انتهاكاً للحقوق الأساسية للمرأة، ويعتبر من العنف والتمييز الواقع عليها. - تضخيم الآثار السلبية الطبية، من جراء عملية ختان المرأة. - سن وإنفاذ قوانين لمواجهة مرتكبي ممارسات العنف ضد المرأة - ومنها ختان الإناث. ٤ - ما يتعلق بالجانب الاقتصادي، ومن ذلك [٢٠] : أ - التقليل من عمل المرأة داخل المنزل، واعتبار ذلك عملاً ليس له مقابل، ومن ثم فهو من أسباب فقر المرأة. ب - الدعوة إلى خروج المرأة للعمل المختلط. ج - الدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل فيما يتعلق بالعمل (نوعية العمل ووقته) . د - دعوة الحكومات للقيام بإصلاحات تشريعية وإدارية لتمكين المرأة من الحصول الكامل على الموارد الاقتصادية، كحقها في الميراث بالتساوي مع الرجل. هـ - تيسير حصول المرأة على الائتمانات (القروض الربوية) . ٥ - ما يتعلق بالجانب السياسي، ومن ذلك [٢١] : أ - دعوة الحكومات والمنظمات لاتخاذ إجراءات من أجل مشاركة المرأة في الأنشطة السياسية. ب - ضمان حق التصويت للمرأة، وحقها في الانتخاب. ج - تشجيع الأحزاب السياسية على تعيين مرشحات من النساء من أجل انتخابهن على قدم المساواة مع الرجل. د - الدعوة لإصدار تعليمات حكومية خاصة لتحقيق تمثيل منصف للمرأة في مختلف فروع الحكومة. هـ - الدعوة لتمثيل المرأة تمثيلاً منصفاً على جميع المستويات العليا في الوفود، كوفود الهيئات والمؤتمرات واللجان الدولية التي تعالج المسائل السياسية والقانونية ونزع السلاح، وغيرها من المسائل المماثلة. و حق المرأة في أن تكون رئيسة دولة، أو رئيسة وزراء، أو وزيرة. رابعاً: أهم جوانب الخطورة في هذه المؤتمرات، وهي: أ - أن القاسم المشترك بينها هو المرأة، ومساواتها التامة بالرجل في كافة مجالات الحياة المختلفة، وكذلك الجنس، والحرية المطلقة. ب - أنها تستظل بمظلة الأمم المتحدة، وتستثمر شعارات العولمة وأدبياتها. ج - أنها توظف سلطان الدول الكبرى سياسياً واقتصادياً وحضارياً لفرض تنفيذ توصياتها. د - أن الهدف النهائي لها هو: عولمة الحياة الاجتماعية بالمفهوم الغربي الإباحي. خامساً: بعض إيجابيات هذه المؤتمرات: الأمور السابقة هي أبرز سلبيات مؤتمرات الأمم المتحدة - في نظري - حول المرأة. إلا أنه إحقاقاً للحق وحكماً بالعدل، وامتثالاً لقول الله تعالى: [َلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] (المائدة: ٨) فإن هذه المؤتمرات قد دعت إلى أمور تخص المرأة، وتعتبر أموراً إيجابية، ومن ذلك: أ - الدعوة إلى تعليم المرأة، وإزالة الأمية عنها. ب - الدعوة إلى مكافحة الأمراض السارية عند النساء، خاصة في البيئات الفقيرة. ج - الدعوة إلى الرضاعة الطبيعية، بالنسبة للأم. د - محاربة الاتجار بالمرأة والطفل، واستغلالهما جنسياً، من خلال شبكات وعصابات دولية متخصصة في هذا المجال، واعتبار ذلك جريمة دولية محرمة. هـ - تشجيع وسائط الإعلام على الامتناع عن تصوير المرأة على أنها مخلوقة أدنى منزلة من الرجل، وكذلك عدم استغلالها مادة وسلعة في سوق الجنس. و الدعوة إلى المساواة في الأجور بين الجنسين لنفس العمل، وبنفس الجودة. ز - الدعوة إلى إعطاء إجازة أمومة للمرأة العاملة. ح - مكافحة التحرش الجنسي ضد المرأة من قِبَل الرجل في مواقع العمل وغيرها. ط - مسؤولية الوالدين عن تربية الطفل وتنشئته تنشئة سوية. ي - منع استغلال المرأة جنسياً من خلال النزاع المسلح، أو من خلال استغلال ظروف اللاجئات وفقرهن. ك - التحذير من وأد البنات، والانتقاء الجنسي قبل الولادة. سادساً: المواقف والظواهر السلبية والإيجابية حول هذه المؤتمرات في العالم العربي والإسلامي: ١ - الظواهر والمواقف السلبية، ومنها: أ - مشاركة بعض الجمعيات النسائية العربية والإسلامية في الإعداد لهذه المؤتمرات والمشاركة في اللجان التحضيرية، بل إن بعض الجلسات التحضيرية لمؤتمر بكين - مثلاً - عقدت في الأردن، وبمشاركة بعض الجمعيات النسائية فيها. ب - تزايد نشاط التيار النسوي الوافد بما يحمله من فكر تغريبي، ومثاله: الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية بالمغرب، وما قامت به الهيئات المساندة لمشروع الخطة من تنظيم مسيرات تأييد من ٨ مارس/ آذار ١٧ أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠٠٠م. ج - تزايد التمويل الأجنبي المشبوه لمنظمات نسوية، أو معنية بشؤون المرأة والأسرة في العالم العربي. د - بداية الاتجاه لإعادة النظر في قوانين الأسرة - أو ما يسمى بالأحوال الشخصية - في العالم الإسلامي، كما حصل في مصر. هـ - طرح مناقشات وبرامج تجاه المرأة في المجتمعات المحافظة، كما هو الأمر في بعض دول الخليج. ٢ - بعض المواقف والظواهر الإيجابية، ومنها: أ - قيام عدد من الهيئات الإسلامية باستنكار بعض ما ورد من وثائق لهذه المؤتمرات وخاصة الأخيرة منها، ومنها: موقف هيئة كبار العلماء في السعودية، وموقف الأزهر في مصر حول وثيقتي مؤتمري السكان في القاهرة، والمرأة في بكين. ب - ازدياد ظاهرة الوعي الإسلامي بهذه المؤتمرات المشبوهة، ورصد المؤامرة وكشفها. ج - وجود بعض الفعاليات الإسلامية ضد التيار التغريبي، مثل: د - مؤتمر الاتحاد النسائي العالمي من ٢٥ ٢٧ فبراير ٢٠٠٠م، وهذا الاتحاد هو مؤسسة دولية غير حكومية، ذات صبغة استشارية لدى المؤتمر الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة، تأسس عام ١٩٩٦م للدفاع عن الممارسات الظالمة ضد المرأة، والتي تخالف الدين وكرامة الإنسان، ومقره الخرطوم، وهذا الاتحاد ونشاطاته عليه بعض الملاحظات، إلا أننا نقدر الهدف الذي من أجله نشأ وأقام مؤتمره. هـ - اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل (ممثلة رابطة العالم الإسلامي) ، والتقرير الذي أعدته، والمعنون بـ (التقرير البديل) ، والمقدم إلى لجنة مركز المرأة بالأمم المتحدة بوصفها اللجنة التحضيرية للدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي عنوانها: «المرأة عام ٢٠٠٠م» تحت شعار: (مساواة النوع الاجتماعي والتنمية والسلام في القرن الحادي والعشرين) . و ما قامت به الندوة العالمية للشباب الإسلامي من خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده أمينها العام د. مانع الجهني في ٢٠ صفر ١٤٢١هـ، لكشف أبعاد ما في وثيقة (مؤتمر بكين + ٥) من مخططات إفسادية. وغيرها من الظواهر والمواقف الإيجابية. سابعاً: كيفية مواجهة هذه المؤتمرات المعولمة للحياة الاجتماعية (أو الموقف من هذه المؤتمرات) : إن الوعي بأهداف هذه المؤتمرات، وما تدعو إليه، ومن يقف وراءها يجعلنا نتمكن من اختيار الطريقة المناسبة لكيفية مواجهتها، واتخاذ الموقف المناسب تجاهها. وهذه الطريقة ذات اتجاهين: موقف نظري معرفي، وموقف عملي. فالموقف النظري المعرفي يقوم على ما يلي: ١ - كشف سوءاتها وعوارها للجمهور الإسلامي، وبيان مراميها، ومخالفتها لمقاصد الشريعة، وأنها أحد أذرعة العولمة المعاصرة؛ وذلك من خلال وسائل الإعلام المختلفة (المقروءة، والمسموعة، والمرئية) ، والندوات، والمحاضرات؛ وذلك من قبل العلماء، والدعاة، وطلاب العلم، والمثقفين الإسلاميين، والإعلاميين، والقيادات النسائية، وتحميلهم المسؤولية في بث الوعي العام؛ للوصول إلى تحصين داخلي قوي. ٢ - أن تقوم الوزارات والهيئات والمؤسسات الإسلامية (الرسمية وغير الرسمية) ، كوزارات الخارجية، والشؤون الإسلامية، والشؤون الاجتماعية، ورابطة العالم الإسلامي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وهيئة كبار العلماء، وعلماء الأزهر، ودور الإفتاء، وكل من يقوم على أمور المسلمين بأداء دورهم اللازم، وتكوين حضور قوي في الداخل والخارج، ومن ذلك إصدار بيانات تستنكر هذه المؤتمرات وأهدافها الخبيثة، ونشر هذه البيانات وتغطيتها تغطية إعلامية حتى يتبين الأمر للجمهور الإسلامي. ٣ - كشف زيغ التيار النسوي التغريبي في العالم الإسلامي والعربي، وأنه جزء من تيار الزندقة المعاصر، والمدعوم من هيئات مشبوهة خارجية. ٤ - قيام الجهات الخيرية الإسلامية والأقسام النسائية فيها على وجه الخصوص، والجمعيات الخيرية النسائية، بتحمل مسؤولياتها، والتنسيق فيما بينها، وإصدار وثيقة للأسرة المسلمة تؤصَّل فيها الرؤية الشرعية حول المرأة وحقوقها الأساسية في الإسلام، وكذلك الأسرة ومفهومها الشرعي. وكذلك القيام بالمناشط الدعوية التثقيفية لمختلف شرائح المجتمع. ٥ - عمل رصد إعلامي جاد لكل فعاليات المؤتمرات الدولية والإقليمية، ومتابعة الخطوات الفعلية لتنفيذ توصيات المؤتمرات السابقة التي ناقشت قضايا المرأة، وإصدار ملاحق صحفية؛ لبيان الموقف الشرعي من هذه المؤتمرات وتوصياتها. ٦ - إقامة أسابيع ثقافية في المدارس والجامعات؛ لبيان مخالفة مثل هذه المؤتمرات لمقاصد الشريعة الإسلامية. ٧ - ممارسة ضغوط شعبية قوية على وسائل الإعلام المختلفة التي تقوم بالترويج والتغطية السيئة لهذه المؤتمرات لتكف عن ذلك. ٨ - اعتماد إدخال الأسرة في مناهج التعليم في المرحلة المتوسطة والثانوية للبنين والبنات، ويشتمل هذا المنهج بوصفه صيغة مقترحة على: قيمة الأسرة، ومكانة المرأة في الإسلام، والمفهوم الشرعي للعلاقة بين الرجل والمرأة، والحقوق الزوجية، والوسائل الفعالة في تربية الأولاد، وبيان الأفكار المتصادمة مع الفطرة، ويشتمل هذا المنهج أيضاً على عرض تاريخي للجهود الدولية في إفساد الأسرة والمرأة المسلمة، وعولمة الحياة الاجتماعية عموماً عن طريق هذه المؤتمرات العالمية، وبيان أهدافها الخبيثة الحالية والمستقبلية. ٩ - تكوين هيئات عليا للنظر في كل ما يتعلق بالأسرة من النواحي النفسية، والثقافية، والصحية، وتفعيل دور وزارات الشؤون الاجتماعية للقيام بدور فاعل للاستجابة لمتطلبات الأسرة المسلمة. ١٠ - تفعيل دور الأئمة والخطباء، وإعطاؤهم دورات تثقيفية حول هذه المؤتمرات، والإيعاز إليهم بتكثيف التوعية بخطورة مثل هذه المؤتمرات وتوصياتها على الأجيال القادمة مع تجنب العنف والإثارة. أما الموقف العملي فيقوم على ما يلي: ١ - المشاركة الفعالة في هذه المؤتمرات، وطرح البديل الإسلامي في المسألة الاجتماعية، وكشف عوار الحياة الغربية الاجتماعية - كلما أمكن -. وحجة القول بهذا الرأي: أن الضعيف إذا قاطع مثل هذه المؤتمرات لا تؤثر مقاطعته، وبذلك تسود وجهة نظر القوي. بينما إذا قاطع القوي فإن مقاطعته ستؤثر. وكنموذج لهذا الكلام فإن مقاطعة الولايات المتحدة الأمريكية لمنظمة اليونسكو قد أضعفتها كثيراً. والمسلمون اليوم ضعفاء أمام أصحاب وجهات النظر الأخرى؛ فمقاطعتهم لا تؤثر، بخلاف لو حضروا وطرحوا ما عندهم بقوة، وأبدوا ما لديهم من تحفظات؛ فإن هذا يقطع الطريق على تفرد وجهة النظر الغربية في هذه المؤتمرات؛ حيث يعلم البشر أنه يوجد وجهة نظر أخرى في المسألة الاجتماعية؛ خاصة إذا علمنا أن قرارات هذه المؤتمرات ملزمة إلى حد كبير. ومما يؤكد هذا الاتجاه - أي المشاركة - ما حصل في مؤتمر السكان والتنمية بالقاهرة/١٩٩٤م ومؤتمر المرأة الرابع في بكين /١٩٩٥م؛ حيث كان لمشاركة الوفود والهيئات الإسلامية دور واضح في رفض وتعديل بعض توصيات هذين المؤتمرين. ٢ - تأسيس مراكز متخصصة لمتابعة النشاط النسوي التغريبي العالمي والإقليمي، ومعرفة ما يتعلق به من مؤتمرات، من حيث: مواعيد إقامتها، وأوراق العمل التي ستقدم فيها، والاجتماعات التحضيرية لها، وغير ذلك؛ حتى يتمكن المهتمون بهذا الجانب من مقاومة أفكار هذه المؤتمرات بكل جدية وسرعة، وتقديم الأبحاث، والرؤية، والرأي لأصحاب الشأن العلمي، والاجتماعي، والشرعي لإعانتهم على تشكيل الموقف الصحيح عند الحاجة، وكذلك كشف الوجه الآخر البشع للحياة الاجتماعية الغربية، وتقديم الإحصاءات، ورصد الظواهر في تلك المجتمعات؛ حتى يتبين لهم أنه الحق. ٣ - الاستفادة من بعض الجمعيات النسائية الغربية - المناهضة والمعارضة لبعض أفكار هذه المؤتمرات - وذلك من خلال الاستفادة من نفوذها في بلدانها، وكذلك ما يتوفر لديها من معلومات وحقائق عن مجتمعاتها وعن بعض الاجتماعات السرية التي تدور من خلف الكواليس؛ وخاصة أن كثيراً من هذه الجمعيات لها مواقع على شبكة المعلومات العنكبوتية؛ فيمكن من خلال «الإنترنت» التواصل معهم، والحصول على المعلومات منهم.

стр. 4136

ملفات العولمة.. مقاومة وتفاعل منظمة التجارة العالمية والعولمة الاقتصادية د. محمد بن سعود العصيمي [*] M_alosaimi@alrajhibank.com.sa تمثل التجارة الدولية العصب المركزي لاقتصاديات دول العالم. ومع هذه الأهمية، فقد مرت النظرية الاقتصادية التي تعنى بدراسة التجارة الدولية بمراحل تطورت من خلالها، بدءاً بالنظريات التي كانت ترى الاكتفاء الذاتي لكل بلد أمراً ممكناً. بل مرغوباً فيه من الناحية الاقتصادية؛ وعليه فلا داعي للتجارة الدولية؛ وهو ما يستدعي فرض قيود عليها. ووصولاً إلى النظريات الحديثة التي ترى التوسع في التجارة البينية بين دول العالم، وأنها تزيد من رفاه العالم والدول المشاركة فيها على حد سواء؛ فلا بد من تحريرها من القيود. وتاريخياً، وبناءً على الواقع السياسي والحربي لدول العالم، كانت التجارة الدولية تمر بموجات من المد والجزر في مجال الحمائية (ويقصد بها وضع موانع غالباً ما تكون مصطنعة أمام انسياب السلع من خارج البلد مثل الجمارك والقيود الكمية والنوعية على الواردات) . فقد كانت الحروب، ولا تزال، تشكل العائق الأول أمام انسيابية التجارة الدولية بسبب فقدان الثقة بين البلدان المتحاربة. وكان يصاحب قيام الحروب وقف تصدير واستيراد الذهب والفضة على وجه الخصوص بسبب كونهما نقوداً مقبولة في أنحاء كثيرة من العالم لقرون طويلة (أو غطاء إلزامياً للنقود الورقية إلى عهد قريب) . هذا هو السبب الأول الذي جعل أصحاب النظرية التجارية ينادون بالاكتفاء الذاتي وعدم القيام بعمليات تجارة عالمية؛ حيث إن فقدان المعدنين الثمينين في أوقات السلم يجعل البلد عرضة للضعف الشديد حال الحرب. ولذلك تزيد الموجات الحمائية (بفرض القيود المالية والكمية والنوعية) على التجارة بين البلدان أثناء وبعد الحروب. ولما تغير الوضع في النقود وأصبحت لا تصرف بالمعدن الثمين، خفَّت تلك الآثار من جهة، وزادت من جهة أخرى؛ فأصبحت الدول المتحاربة تتعامل بعملات قوية مصدرة في بلد غير مشمول بالحرب، لكن النقد الخاص بالدول المتحاربة قد يتلاشى للصفر. وآثار الحروب لا تتوقف على النقود، بل كثير من الأدوات الاقتصادية التي تعتمد على الثقة تتأثر تأثراً كبيراً بالحرب [١] . ولذلك كانت الحربان العالميتان ذواتي أثر كبير على التجارة العالمية بناءً على ما سبق. وقد استدعى ذلك من قادة العالم (القادر على ذلك) المبادرة لتصحيح مثل تلك الاختلالات في سوق التجارة العالمية حتى لا تتضرر البلدان وخاصة المتقدمة بعد الحروب. وقد قامت جهود كثيرة من دول العالم المتقدم لتصحيح الخلل الناشئ من الحروب على التجارة الدولية بعد الحرب العالمية الأولى، ولكنها لم تلق الدعم الكافي من بقية دول العالم، وفتَّ في عضدها الكساد العظيم الذي ضرب أطنابه على الولايات المتحدة وأوروبا من عام ١٩٢٩م حتى ١٩٣٣م، وقيام الحرب العالمية الثانية فيما بعد. وكانت الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية مناسبة للولايات المتحدة الأمريكية (البلد المنتصر في الحرب) لفرض سياستها على العالم، وتشكيل ما تريد تشكيله من المؤسسات والمنظمات العالمية التي تحل بها كثيراً من المشكلات التي نشأت من الحروب؛ بحيث تستفيد الاستفادة القصوى من تلك المنظمات. ومن هنا قامت منظمات دولية من أهمها: (منظمة الأمم المتحدة) والهيئات والوكالات التابعة لها، و (صندوق النقد الدولي) ، و (البنك الدولي للإنشاء والتعمير) . وكان الغرض منها ترتيب الشأن السياسي والاقتصادي والتمويلي في العالم. وفي تلك الحقبة نفسها، تم اقتراح إنشاء منظمة تعنى بالتجارة الدولية تسمى: (منظمة التجارة العالمية) . وبالفعل تم ذلك، وبدأت اللجان المشكلة العمل بها منطلقة مما عرف فيما بعد بـ (ميثاق هافانا) الذي كان يراد منه تنشيط العلاقات التجارية العالمية. ولكن هذه المنظمة لم تقم على سوقها، لاعتراض الكونجرس الأمريكي عليها نظراً لسحبها كثيراً من صلاحياته [٢] . غير أن حاجة الدول لمنتدى دولي للتداول حول الشؤون التجارية المختلفة كان ملحاً على الرغم من رغبة الولايات المتحدة الأمريكية، فكان أن قامت جهود منفردة بين مسؤولي القطاعات التجارية والاقتصادية التي لها علاقة بانسيابية حركة التجارة الخاصة بها، ثم تبلورت تلك اللقاءات والاجتماعات عن أطر تلقى قبولاً عاماً بين الدول، مستمدة من (ميثاق هافانا) ، شكلت فيما بعد الإطار النظري الذي بنيت عليه اتفاقية سميت: (الاتفاقية العامة للرسوم الجمركية والتجارة) ، واختصاراً من الحروف الإنجليزية الأولى لاسمها، تدعى (جات) [GATT] . وكان الهاجس الأول فيها تحرير التجارة العالمية من القيود التي وضعت بعد الحرب؛ وذلك بخفض الجمارك، والحد من القيود الكمية والنوعية المفروضة على السلع من قبل الدول الأطراف في الاتفاقيات. وتولد عن تلك الاجتماعات اتفاقات بين دولتين أو أكثر، وتغطي في الغالب سلعاً صناعية من المهم لأطراف الاتفاقية وضع ضوابط للتجارة فيها. ولحاجة كثير من دول العالم لمثل هذا النوع من الترتيبات التجارية، زادت تلك الاتفاقات وتعددت أطرافها، وتوسعت بعض الاتفاقيات في أعضائها والسلع الصناعية التي تشملها، وأصبحت تلك الاتفاقيات مجالاً لإنضاج كثير من الأفكار الاقتصادية في مجال التجارة العالمية. ومع كل ذلك، لم تكن (الجات) منظمة بالمعنى الفني الدقيق، وإن كان لها أعضاء مشاركون مشاركة فاعلة في كثير من مجريات اتفاقياتها، ولكنها قدمت للعالم وللفكر الاقتصادي كثيراً من الأفكار الناضجة في مجالها؛ ومن ثم اكتسب كثير من ممارساتها عرفاً دولياً مهماً، وإن كان غير ملزم للأطراف فيها؛ وتبلورت تلك في خفض كثير من الرسوم الجمركية على جملة السلع محل المفاوضات [٣] . وكانت بعض الدول التي لا ترغب في الانضمام لهذا الملتقى الاقتصادي غير الرسمي تدخل طرفاً أو «عضواً» مراقباً فيه. وقد تبلور العمل التجاري العالمي المدار عن طريق اتفاقية (الجات) عن مبادئ مهمة ألخصها فيما يأتي [٤] : ١- مبدأ عدم التمييز (أو: قاعدة المعاملة الوطنية) : والمقصود أن تتم معاملة كل دولة لسلع الدول الأخرى معاملة السلع الوطنية سواء فيما يتعلق بالضرائب المحلية أو الأنظمة المعمول بها. وفي هذا الإطار تعطى الدولة المشاركة في الاتفاقية وضع «الدولة الأَوْلى بالرعاية» ؛ ويقصد به: حصول الدولة على كل المزايا الممنوحة من بلد آخر للبلدان الأخرى تلقائياً حتى لو لم يكن البلد طرفاً في اتفاقية محددة، ويستثنى من ذلك البلدان الداخلة في ترتيبات تجارية إقليمية. ٢- مبدأ حظر القيود الكمية: والمقصود أن يتم امتناع كل الدول المشاركة في اتفاقية الجات عن استخدام القيد الكمي (أي: تحديد الواردات بكمية معينة) في أساليب التعامل التجاري مع البلدان العالمية. ومعنى ذلك أن الدول ليس لها إلا استخدام الرسوم الجمركية كآلية وحيدة لحماية الصناعة المحلية. ٣- مبدأ تخفيض الرسوم الجمركية: والمقصود أن تتعاون الدول الأعضاء في الاتفاقية بخفض رسومها الجمركية أمام الواردات الأجنبية تحفيزاً للتجارة العالمية، وتقليصاً للعوائق السعرية عليها، أو على الأقل ربط تلك الرسوم بحيث لا تزيد. ٤- التعهد بتجنب سياسة الإغراق: والمقصود أن تحاول الدول الأعضاء عدم دعم السلع الموجهة للتصدير دعماً مالياً مباشراً؛ بحيث إن الاتفاقية تريد ترسيخ قيم التنافس الحر بين الشركات والمنشآت التجارية بدون التدخل الحكومي. ومن أهم أسباب التطورات التي حدثت في مسيرة (الجات) تلك الجولات من المفاوضات بين الدول الأعضاء التي كانت تعقد كل عشر سنين تقريباً، وتسمى في البلد الذي تعقد فيه غالباً. وكانت هذه الجولات مجالاً لإنضاج التجارب في الاتفاقيات المختلفة، ولسماع الأطراف المختلفين ما عند الآخرين حول الاتفاقيات، وللنظر في إدخال سلع أخرى لتشمل في الاتفاقيات القائمة. وقد تم عقد ثماني جولات، كانت الأولى في جنيف عام ١٩٤٨م. ولكن أهم تلك الجولات هي الجولات الثلاثة الأخيرة: جولة كندي (١٩٦٤ - ١٩٦٧م) ، وجولة طوكيو (١٩٧٣ - ١٩٧٩م) ، وجولة أوروجواي (١٩٨٦ ١٩٩٣م) [٥] ، وكانت جولة أوروجواي أهم تلك الجولات على الإطلاق. إرهاصات قيام منظمة التجارة العالمية [٦] : لقد تغير موقف الولايات المتحدة المعارض لإنشاء منظمة تعنى بالتجارة العالمية على نحو غير معهود. ولا شك أن لذلك أسباباً تشترك فيها مصالح الولايات المتحدة مع أوروبا، وبقية البلدان الصناعية. وأهم تلك المتغيرات في نظري: - استعار المنافسة بين الولايات ودول أوروبا على المصالح، خاصة بعدما تبين لدول أوروبا أن الولايات المتحدة قد شكلت في السنوات الخمسين الماضية أكبر تحد لدول أوروبا في جميع المجالات، خاصة التجارية والثقافية. ومن هنا ندرك أن تشكيل (الاتحاد الأوروبي) بين دول كانت متناحرة إلى عهد قريب لها لغات متعددة وثقافات متغايرة ومصالح متعارضة لم يأت اعتباطاً ولا ترفاً اقتصادياً أو سياسياً؛ بل هو حل غالي الثمن لمعضلات باهظة التكاليف [٧] . ومن المهم في هذا السياق ربط الاندماجات الكبيرة التي حصلت بين الشركات العالمية، والغربية على وجه الخصوص، في كثير من المجالات، مثل الصيرفة، والخدمات المالية، والاتصالات، والتأمين، والصناعات الأساسية وغيرها. ومن المهم الإشارة إلى أن مثل تلك الممارسات كانت إلى عهد قريب تعد مخالفة للقوانين الخاصة بمكافحة الاحتكار في بلدان مثل الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن الصورة القانونية تغيرت مع تغير ساحة الصراع الاقتصادي. - كثرة الدول التي كانت مستعمرات لدول أوروبا مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية؛ مما يجعل تقديم الدول الأوروبية لمزايا تجارية لهذه المستعمرات غير مخالف للنمط التجاري المعروف والمألوف عالمياً. ولما كانت تلك المستعمرات السابقة قد أصبحت بعد التحرير (!) مجالاً خصباً لنشاط الشركات متعددة الجنسيات، فقد كانت الشركات حاملة الجنسية الأوروبية فيها مقدمة على غيرها من الجنسيات، خاصة الأمريكية في المزايا التجارية. وهذا يعني خسارة كبيرة لأسواق كبيرة بإمكان الولايات المتحدة دخولها. والعكس صحيح، فهناك دول ترغب أوروبا أن تمارس فيها دوراً أكبر، وهي تاريخياً مجال لصولات وجولات الشركات الأمريكية. ومشكلة الموز التي ثارت بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أوضح مثال على كسب الولايات المتحدة السجال في المستعمرات [٨] ، ومشكلة تسليح بعض دول الخليج مثال آخر على كسب أوروبا الجولة في بعض الأسواق التقليدية للولايات المتحدة الأمريكية. - عيوب اتفاقية (الجات) السابقة في النطاق وآليات الإلزام والتنفيذ. فمثلاً، توجد ثغرات قانونية في اتفاقية (الجات) في مجالي الزراعة والمنسوجات، جعلت تلك الثغرات الباب مشرعاً أمام الدول للتنصل من التزاماتها القانونية، مؤدية لعرقلة انسيابية التجارة. وكمثال على هذا، لم تستطع الولايات المتحدة إقناع اليابان ولا الصين في ظل اتفاقية الجات بفتح أسواقهما كاملة أمام السلع الأمريكية. ويضاف لذلك عدم شمول اتفاقية (الجات) تجارة الخدمات التي أثبتت أهمية قصوى في التجارة العالمية [٩] ، وقد اشتكت كثير من المنظمات الصناعية والتجارية من اختلاف المعايير الوطنية لحماية حقوق الملكية الفكرية. كذلك فإن كثرة النزاعات التجارية بين الدول في المجالات التجارية، وعدم وجود الآلية الكافية والقوية والمتفق عليها حسب نظم القانون الدولي كانت تعوق حل تلك المشكلات. ثم إن كثيراً من الممارسين للتجارة الدولية قد تبين لهم بوضوح أثر التغييرات والتعديلات التي تجريها دول العالم المختلفة على التنظيمات الخاصة بها والتي لها صلة بالتجارة على انسيابيتها عالمياً. يضاف إلى ذلك ازدياد أهمية الشفافية في التجارة الدولية وخاصة مع المعطيات الجديدة في النقود والأدوات المالية الائتمانية، وزيادة أهمية القدرة على التنبؤ في كل تلك المتغيرات الاقتصادية. - خروج رؤوس أموال الشركات الكبرى من الدول الصناعية واستيطانها في دول نامية؛ مما شكل عبئاً كبيراً على إيرادات تلك الدول من الضرائب المفروضة على تلك الشركات. أضف إلى ذلك أن الدول المتقدمة أصبحت تنوء بأعباء ثقيلة من جراء حماية أسواقها المحلية، وخصوصاً دعم المنتجات الزراعية ومشكلات التنافس بينها حول تصريف فوائض الحاصلات الزراعية [١٠] ، وقد واكب ذلك شكاوى من بعض تلك الشركات بخصوص بعض الأوضاع غير المواتية من التصرفات والممارسات التجارية للدول النامية وغيرها؛ مما يضيع مزيداً من الفرص لتلك الشركات. وبطبيعة وضع البلدان الغربية وتركيبتها؛ من حيث الانتخاب السياسي والعلاقة بين الساسة ورجال المال وحاجة كل منهما للآخر، كان لا بد من تدخل الحكومات الغربية لتعديل الأوضاع الدولية لصالح شركاتها. - التخوف من نجاحات ظهرت بوادرها في الأفق من دول نامية، وآخذة في النمو، مثل تجربة (النمور السبعة) وغيرها. يضاف إلى ذلك انهيار المعسكر الاشتراكي الذي لم تكن بلدانه من أنصار تحرير التجارة. وكان انتهاء الحرب الباردة وإدخال إصلاحات اقتصادية مبنية على قوى السوق (الأقرب للاقتصاد الرأسمالي) فرصة مواتية لطبع تلك الاقتصادات الجديدة بالطابع الرأسمالي. ثم الاستفادة من تلك الفرص التجارية الضخمة في تلك البلدان، يضاف إلى ذلك تغير السياسات التجارية في البلدان النامية وذلك بترك سياسة الاستعاضة عن الواردات واتباع سياسة تشجيع النمو الموجه نحو التصدير، وما صاحب ذلك من تخصيص كثير من نشاطات القطاع العام في تلك الدول. - ثبوت نجاح المؤسسات والهيئات الدولية للدول الغربية لكونها أداة رخيصة الثمن مقابل المصالح التي تجنى منها؛ لذلك ربطت منظمة التجارة العالمية بالبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي ربطاً إدارياً عضوياً. فالمنظمات الدولية أثبتت أنها أداة قوية جداً لتثبيت أوضاع مناسبة للدول الصناعية، ولتمرير حلول ومقترحات تصبُّ في مصلحة الدول الغربية، ولحل كثير من المشكلات الاقتصادية التي تمهد لتوسع كبير في مبيعات الدول الصناعية. وكل تلك المزايا بكلفة قليلة (مثل المساهمة النقدية من الدول الصناعية في رؤوس أموال تلك المؤسسات) ، مع مزية قبول الدول الأخرى للقرارات بسبب كونها من منظمات دولية. ومما يدل على استفادة الدول الكبرى الصراع الذي يدور بينها على تنصيب مسؤولي تلك المنظمات. ما سبق وغيره من الأسباب جعل من قيام منظمة تعنى بالتجارة العالمية أمراً ملحّاً جداً. وقد أدى ذلك إلى تغير قناعات دول كانت ترفض الفكرة من أساسها، مثل الولايات المتحدة الأمريكية [١١] . منظمة التجارة العالمية [١٢] : التعريف: هي: «عبارة عن إطار قانوني ومؤسسي لنظام التجارة متعدد الأطراف. ويؤمن ذلك الإطار الإلزامات التعاقدية الأساسية التي تحدد للحكومات كيف يمكن صياغة وتنفيذ الأنظمة والضوابط التجارية المحلية. كما أن المنظمة منتدى يسعى إلى تنمية العلاقات التجارية بين الدول من خلال المناقشات والمفاوضات الجماعية والأحكام القضائية للمنازعات التجارية» [١٣] . تاريخ التأسيس: بعد ختام جولة أوروجواي في ١٥ ديسمبر ١٩٩٣م، والتي وقع بيانها الختامي في اجتماع مراكش أبريل ١٩٩٤م، تأسست منظمة التجارة العالمية رسمياً في أول يناير ١٩٩٥م. المحاور: ستكون منظمة التجارة العالمية مكاناً عالمياً لتحديد القواعد والأعراف العالمية للسلوك التجاري العالمي، ولتكون منتدى عالمياً لإجراء المفاوضات التجارية العالمية، ولتقوم بمهام محكمة دولية للمنازعات ذات الصبغة التجارية. الأهداف: تهدف المنظمة إلى: ١- إيجاد بيئة آمنة وأجواء مستقرة للتجارة الدولية. ٢ - استمرار تحرير التجارة من القيود (والمقصود: النفاذ إلى الأسواق) . وفي سبيل ذلك تسلك سياستين مهمتين: الأولى الحد من سياسات الدعم للمنتجات المحلية، والثانية الحد من سياسات الدعم الموجهة للصادرات (وتسمى الإغراق) . ومن الواضح أن هدف المنظمة من ذلك تكافؤ الفرص بين المصدِّرين في كل الدول الأعضاء، وأن لا تكون المنافسة بين الحكومات بل بين المنشآت الخاصة والشركات لما سبق بيانه من الأسباب. ويستحق البلد العضو وضع «الدولة الأَوْلى بالرعاية» حين ينضم للمنظمة. والمقصود حصول الدولة العضو على المزايا الخاصة بالتجارة المتاحة من عضو من المنظمة لأحد الأعضاء الآخرين دون قيد أو شرط وتلقائياً. ويستثنى من هذا تجمعات التكامل الاقتصادي التي تتم بين دول بينها تجمع جمركي خاص، ويستثنى كذلك بعض الترتيبات التفضيلية التي تقام بين الدول النامية تشجيعاً لها على الانضمام [١٤] ، ثم يحصل العضو كذلك على أحقية معاملة سلعه المصدرة معاملة السلع الوطنية في البلد الأجنبي. ولا شك بأهمية هاتين المزيتين للعمل التجاري عموماً، مع أنهما في نفس الوقت التزام من كل عضو لكل الأعضاء بنفس ما حصل عليه من مزية. الصكوك القانونية: هناك صكوك واتفاقات قانونية ملزمة للدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية، وهي: ١ - الاتفاق العام للتعريفات الجمركية والتجارة (جات) [GATT] [١٥] ، والاتفاقات المرتبطة به (وهي تزيد عن ١٢ اتفاقية، و ٤ مذكرات) ، وتطبق هذه الاتفاقات على السلع. ٢ - الاتفاق العام للتجارة في الخدمات (الجاتس) [GATS] الذي يطبق على تجارة الخدمات. ٣ - اتفاق الجوانب المتصلة بالتجارة في حقوق الملكية الفكرية (تريبس) [TRIPS] . أما الاتفاقات الملزمة للأعضاء الموقعين عليها فقط فهي: الاتفاق الخاص بالتجارة في الطائرات المدنية، والاتفاق الخاص بشأن المشتريات الحكومية، والاتفاق الخاص بشأن منتجات الألبان، والاتفاق الخاص بشأن لحوم البقر [١٦] . النطاق: لا شك أن من أهم عيوب اتفاقية (الجات) عدم شمولها قطاعات تجارية واقتصادية مهمة، ولا شك أن التوسع في التجارة العالمية حتَّم دخول كثير من المجالات لمنظمة التجارة العالمية. ومن هنا شمل نطاق منظمة التجارة العالمية التجارة في السلع الصناعية ومشتقاتها، والتجارة في السلع الزراعية، وتجارة الملابس والمنسوجات، والتجارة في الخدمات. ولإكمال الإطار القانوني للتجارة السلعية، فقد أدرجت الموضوعات التالية إما كمواد أو كاتفاقيات مستقلة، وهي: الوقاية من الإغراق، القيود على الدعم والإجراءات التعويضية، الحماية الطارئة من الواردات على الصناعة المحلية، الضوابط الفنية والمواصفات، تراخيص الاستيراد، وقواعد تسعير السلع على الحدود، وقواعد الفحص قبل الشحن، وإجراءات شهادات المنشأ [١٧] . وقد نص الاتفاق العام بشأن تجارة الخدمات (جات) على مجالات كثيرة مثل التعليم، والأعمال المصرفية، والتأمين، والمعلومات، والاتصالات السلكية واللاسلكية، ووسائل الترفيه. وحددت منظمة التجارة العالمية ما يزيد على ١٥٠ قطاعاً فرعياً للخدمات [١٨] ، وقد نص على قاعدة «التغطية الشاملة» بخصوص الخدمات، والمقصود شمول جميع الخدمات المتاجر بها دولياً في الاتفاق، بغضِّ النظر عن طريقة توصيل الخدمة. وقد عرفت الاتفاقية أربع طرق للتوصيل: ١ - الخدمات المعروضة من دولة عضو إلى أخرى (مثل مكالمات الهاتف الدولية) . ٢ - الخدمات المعروضة من أراضي عضو للمستهلكين (مثل السياحة) . ٣ - الخدمات المقدمة عبر وحدة تجارية (مثل البنوك) . ٤ - الخدمات المقدمة من أشخاص (مثل الاستشارات) [١٩] . والوسيلة الرئيسة المتبعة لحماية المنتجات المحلية هي الأنظمة الوطنية، حيث لا يمكن وضع الرسوم الجمركية على الخدمات؛ ولذلك تتبين أهمية الإفصاح والشفافية للمنظمة وللمجتمع الدولي؛ وعليه، فتحرير التجارة في الخدمات يتم عبر تقديم الدول تعهدات من خلال المفاوضات لتعديل أنظمتها المحلية تدريجياً وحيثما أمكن نهائياً؛ لتكون متوافقة مع مبادئ منظمة التجارة العالمية. وليست معاملة الخدمات المقدمة من الأجانب معاملة مماثلة للخدمات المقدمة من المواطنين ملزمة في الخدمات مثلها في السلع، بل يكتفى بتقديم تعهدات لتعديل الأنظمة المحلية [٢٠] . كذلك تشمل المنظمة التجارة في الحقوق الفكرية والأدبية: فقد نص اتفاق الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية (تريبس) التي تنصب على إبداع العقل البشري، على أن يشمل الاتفاق حفظ: ١ -حقوق التأليف (الكتب والأعمال الفنية الأخرى) . ٢ -حقوق براءات الاختراع (حقوق المخترعين) . ٣ - حقوق النماذج الصناعية (أشكال الرسوم الزخرفية) . ويعتبر هذا الاتفاق مكملاً للاتفاقات التي وضعتها المنظمة العالمية للملكية الفكرية (وايبو) [WIPO] [٢١] ، ويحدد الاتفاق الحد الأدنى لمعايير الحماية ومددها التي يتعين توفيرها لحقوق الملكية الفكرية على اختلاف أنواعها. وتطالب الاتفاقية بمعاملة المنتج الأجنبي معاملة مماثلة للمنتج الوطني، ومراقبة تطبيق التشريعات على المستوى الوطني [٢٢] . وتتعهد الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية بتنفيذ إجراءات حماية الملكية الفكرية من خلال تشريعاتها المحلية، وتطبيق الإجراءات الرادعة لانتهاك هذه الحقوق، بما في ذلك الإجراءات المدنية والإجراءات الجنائية، وطبقاً للاتفاق، فإن الحد الأدنى لمدة حقوق الملكية الفكرية هو ٥٠ سنة في حالة حقوق الطبع، و ٢٠ سنة في حالة براءات الاختراع، و ٧ سنوات في حالة العلامات التجارية [٢٣] ، «وإثر إبرام اتفاق تعاون مع منظمة التجارة العالمية سنة ١٩٩٦م، بسطت (الويبو) الدور المنوط بها، وأثبتت مدى أهمية حقوق الملكية الفكرية في إدارة التجارة في عهد العولمة» [٢٤] . كذلك تطرقت المنظمة لترتيب إجراءات الاستثمار المتعلقة بالتجارة حيث إن كثيراً من ممارسات الدول بخصوصها مشابه للدعم الذي تقدمه الدول لصادراتها؛ ومن ثم فإنه يجب إلغاء معظم هذه الإجراءات حيث إنها تؤدي إلى تغيير مسار التجارة الدولية وتشجيع الإنتاج غير الكفء، وتصبح بهذا إجراءات مخالفة لقواعد المنظمة؛ لذلك سعت المنظمة لتخفيف القيود المفروضة على الاستثمارات الأجنبية. ويحدد الاتفاق إجراءات الاستثمار ذات الأثر في التجارة (ترمز) [TRIMS] ومعنى هذه الإجراءات بأنها الشروط التي تضعها السلطات المحلية على الاستثمارات الأجنبية التي ترغب في العمل في نطاق إقليمها، والتي تنطوي على تقييد وتشويه للتجارة الدولية. وبمقتضى الاتفاق (المادة ١٥) يتعين على كل دولة عضو في منظمة التجارة العالمية إلغاء الإجراءات المحظورة خلال سنتين من قيام المنظمة إذا كانت من الدول المتقدمة. أما إذا كانت من الدول النامية فثمة معاملة تفضيلية تتمثل في إطالة الفترة المذكورة إلى ٥ سنوات للدول النامية، و ٧ سنوات للدول الأقل نمواً. ويتم إلغاء مثل هذه القيود بعد ذلك عن المشروعات الجديدة والمشروعات القائمة في الوقت نفسه. والشروط المحظور فرضها هي: ١ - شرط المكون المحلي أو شرط استخدام المستثمر الأجنبي لنسبة محددة من المكون المحلي في المنتج النهائي. ٢ - شرط إحداث توازن بين صادرات المستثمر الأجنبي ووارداته. ٣ - شرط بيع نسبة معينة من الإنتاج في السوق المحلية. ٤ - شرط الربط بين النقد الأجنبي الذي يتاح للاستيراد والنقد الأجنبي العائد من التصدير [٢٥] . هذه المجالات هي المجالات الموجودة الآن، ولا بد من تقرير أن نظام المنظمة يتيح لها إدخال كثير من المجالات التجارية الأخرى التي لم تكن مجالاً لمثل تلك الترتيبات العالمية من قبل. قواعد الجات ١٩٩٣م التي تطبق عند الحدود: ١ - تحديد القيم الخاضعة للرسوم الجمركية (تحدد الرسوم حسب سعر البيع، وللسلطات الجمركية إن شكت أن ترفض القيمة المعلنة، وتعطي الفرصة للتسويغ. فإن لم تسوغ، فللسلطات الجمركية التقدير حسب المعايير القانونية الخمسة المقررة) . ٢ - تطبيق المعايير الإلزامية (وهي معايير الصحة والسلامة للمواطنين، ولا يجوز وضعها بطريقة تسبب وضع حواجز أمام التجارة؛ ولذلك يدعى لتطبيق المعايير الدولية، فإن لم توجد فتوضع على أساس المعلومات العلمية) . ٣ - تطبيق أنظمة الصحة، والصحة النباتية (كسابقتها) . ٤ -إجراءات الترخيص بالاستيراد (وهي تعنى بإرشادات إصدار التراخيص) [٢٦] . قواعد دعم المنتجات الوطنية: الدعم الحكومي للمنتجات الوطنية على نوعين: أولاً: دعم محظور، وهو نوعان: أ - دعم التصدير، ويسمى: (الإغراق) [٢٧] . ب - الدعم الذي يستهدف تشجيع استعمال السلع المحلية بدلاً من المستوردة. ثانياً: الدعم المسموح، وهو على نوعين أيضاً: أ - دعم يسوِّغ التقاضي. ب - ودعم لا يسوِّغ التقاضي: فيجوز في حال وجود دعم يسوِّغ التقاضي لجوء البلدان المستوردة المضرورة إلى تدابير تصحيحية مثل الرسوم التعويضية إذا ألحقت المستوردات المدعومة ضرراً بالصناعة المحلية. ولا يجوز ذلك في الذي لا يسوِّغ التقاضي [٢٨] . التدابير التي يمكن للدول المستوردة أن تتخذها بناء على طلب الصناعة المحلية: ١ - الإجراءات الوقائية: وذلك بزيادة التعرفة أو فرض قيد كمي لمدة لا تزيد عن ٨ سنوات بشرط أن الزيادة المفاجئة في الواردات قد تم التحقق من أنها تضر ضرراً جسيماً بأكثر من شركتين محليتين تنتجان الجزء الأكبر من الإنتاج المحلي لمنتوج شبيه. ٢ - يحق فرض رسم تعويضي على المنتوجات المستوردة حين يمارس المورِّدون ممارسات تجارية غير مشروعة، وهي: أ - الإغراق؛ وذلك حين يكون سعر التصدير أقل من سعر البيع في السوق المحلية للمصدر. ب - بيع الشركات منتوجاتها بأقل بسبب تلقي دعم حكومي، بشرط ثبوت ضرر كبير لمنتجين محليين ينتجون ٢٥% من إجمالي الناتج المحلي [٢٩] . الهيكل الإداري للمنظمة [٣٠] : يتكون الهيكل الإداري للمنظمة من المجلس الوزاري الذي يمثل فيه كل الدول الأعضاء، سواء كان العضو دولة منفردة أم اتحاداً جمركياً. ويلتقي المجلس الوزاري كل سنتين على الأقل، وتتخذ فيه القرارات الكبرى الخاصة بالمنظمة، من مثل الموافقة على دخول عضو جديد [٣١] . وتكون القرارات بالإجماع أو التصويت بالأغلبية حسب نوع القرار. ويتفرع من المجلس الوزاري مجلس عمومي، وهو للعمل اليومي للمنظمة. وهو مثل سابقه ممثل فيه كل الأعضاء، ويرفع قراراته وما يتم النظر فيه للمجلس الوزاري. ويقوم المجلس العمومي بعملين مهمين: متابعة حسم النزاعات التجارية، ومراجعة السياسات التجارية للدول الأعضاء. ويفوض في ذلك ثلاثة مجالس: مجلس التجارة في السلع، ومجلس التجارة في الخدمات، والمجلس الخاص بحقوق الملكية الفكرية المرتبطة بالتجارة. وهناك لجنتان مشكَّلتان من المجلس الوزاري: الأولى: «لجنة التجارة والتنمية» وتعنى بحل مشكلات الدول النامية، والثانية: «لجنة ميزان المدفوعات» وهي للتشاور في شأن الدول التي تضع إجراءات تقييدية على وارداتها لمواجهة صعوبة ميزان المدفوعات، وترفع هاتان اللجنتان توصياتهما للمجلس العمومي. أهم الفروق بين اتفاقية الجات ومنظمة التجارة العالمية [٣٢] : مع أن الفروق الآن قد باتت واضحة بين اتفاقية الجات ومنظمة التجارة العالمية، إلا أن بيان أهم الفروق قد يفيد في هذه العجالة. ف (جات ١٩٤٧م) ليست منظمة بالمعنى الكامل للمنظمات الدولية؛ ومن ثم فليس لها سكرتارية دائمة، ولا مبنى مستقل. وأما منظمة التجارة العالمية فهي منظمة عالمية بالمعني القانوني الشامل لها، مقرها جنيف، ويعمل فيها ما يزيد على ٤٥٠ موظفاً، بميزانية تقارب مائة مليون دولار. ومع كل ما سبق، ترتبط المنظمة ارتباطاً وثيقاً جداً وعضوياً مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ثم إن التزامات الدول في اتفاقية الجات مشروطة ومرتبطة بالاتفاقيات الثنائية الموقعة وذات أجل قصير، وأما التزامات منظمة التجارة العالمية فدائمة ونهائية وملزمة للأعضاء [٣٣] ، وكانت اتفاقية الجات تغطي بعض السلع الصناعية وشيئاً من السلع الزراعية فقط، وأما منظمة التجارة العالمية فتغطي كل التزامات الجات السابقة وما تمت الإشارة إليه في النطاق أعلاه. ثم إن اتفاقية الجات تخلو من نظام متكامل وفعال لفض المنازعات، بعكس منظمة التجارة العالمية التي كان من أساس بنائها الإداري وجود مثل ذلك النظام، بل اعتني به ليكون فعالاً وسريعاً يتواكب مع إيقاع التجارة العالمية في العصر الراهن. ثم إن اتفاقية الجات ليست لها علاقة بالمنشآت الفردية ولا الأفراد من باب أوْلى. أما منظمة التجارة العالمية فيمكن للأفراد والمنشآت الفردية والشركات فضلاً عن الحكومات الاستفادة منها ومن أجهزتها المختلفة، وخاصة حين حدوث ممارسات تخالف منطلقات المنظمة، وفي حال النزاع القانوني حولها. كيف تنضم الدول الجديدة للمنظمة: من المهم التذكير أن معظم أعضاء المنظمة الحاليين هم الدول الأعضاء في اتفاقية الجات الموقعين على جولة أوروجواي، كما نصت على ذلك المادة الحادية عشرة/أمن نظام المنظمة [٣٤] ، أما الدول الأخرى فلا بد أن تتقدم للمنظمة للحصول على العضوية. ولأي دولة أو إقليم جمركي حق العضوية، حسب المفاوضات التي يتفق عليها مع المنظمة. وفي حال رغبة دولة جديدة الدخول «تقدم الدولة الراغبة في العضوية مذكرة تغطي جميع السياسات التجارية والاقتصادية التي لها صلة بمنظمة التجارة العالمية. وتصبح المذكرة الأساس للفحص الشامل من قبل فريق العمل. ويعرض موضوع انضمام العضو الجديد على أعضاء المنظمة؛ بحيث يطلب من الأعضاء الذين لهم مصلحة في انضمام العضو الدخول في مفاوضات الانضمام. وعليه، تدخل حكومة البلد الجديد في مفاوضات ثنائية مع حكومات الدول الأعضاء الذين لهم مصلحة لتأسيس الالتزامات والتنازلات الخاصة بالسلع والخاصة بالخدمات. وهذه العملية الثنائية تحدد، من بين أشياء أخرى، المنافع التي سيحصل عليها أعضاء منظمة التجارة العالمية من السماح للدولة الراغبة في الانضمام من الدخول في منظمة التجارة الدولية. وبعد اكتمال فحص النظام التجاري ومفاوضات الوصول إلى الأسواق، يحدد فريق العمل الشروط الأساسية للانضمام. ترفع مداولات فريق العمل المضمنة في تقرير، ومسودة بروتوكول الانضمام، مع الجدول المتفق عليها من المفاوضات الثنائية إلى المجلس العمومي أو المؤتمر الوزاري لتبنيها» [٣٥] ، ولا بد أن يوافق ثلثا الأعضاء على الأقل على قبول انضمام الدولة الجديدة. دور منظمة التجارة العالمية في صنع السياسة الاقتصادية العالمية: نصت المادة الثالثة / فقرة ٥ على ما يأتي: «بغية تحقيق قدر أكبر من التناسق في وضع السياسة الاقتصادية العالمية؛ تتعاون المنظمة على النحو المناسب مع صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، والوكالات التابعة له» [٣٦] . ويشكل هذا القرار أساساً مهماً للوصول إلى «انسجام أكبر في صنع السياسة الاقتصادية العالمية» ... «كما أدرك القرار مساهمة تحرير التجارة في نمو وتنمية الاقتصادات الوطنية. فمن الملاحظ أن ذلك التحرير يمثل أهمية خاصة لنجاح برامج التكيف الاقتصادي التي ينفذها عدد من أعضاء منظمة التجارة العالمية، وإن كانت تنطوي عادة على تكلفة تحول اجتماعي باهظة» [٣٧] ومن المهم ربط ذلك بما ترسله الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي من معلومات مهمة ودورية عن جميع بيانات وإحصاءات الشؤون الاقتصادية. مراقبة السياسات التجارية الوطنية: «يحتل نشاط متابعة السياسات التجارية الوطنية أهمية أساسية في عمل منظمة التجارة العالمية. ويرتكز هذا العمل على آلية مراجعة السياسة التجارية» . و «تتمثل أهداف آلية مراقبة السياسة التجارية من خلال المتابعة العادية بزيادة وضوح (شفافية) وتفهُّم السياسات والممارسات التجارية، وتحسين نوعية المناقشات بين الأجهزة الحكومية والعامة على المشاكل، وإيجاد التقييم المتعدد الأطراف لآثار السياسات على النظام التجاري العالمي. وتتم المراجعة على أساس معتاد ودوري. ويجري فحص أكبر أربع دول تجارية في العالم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان وكندا مرة كل سنتين تقريباً. أما الدول الست عشرة التالية على أساس حصتها في التجارة العالمية، فيتم فحصها كل أربع سنوات، وبقية الدول كل ست سنوات مع إمكانية تمديد الفترة التحضيرية للدول الأقل نمواً. ويتولى المراجعة جهاز مراجعة السياسة التجارية المؤسس على مستوى مماثل لمستوى المجلس العمومي على أساس وثيقتين: وثيقة السياسة المقدمة من الحكومة محل المراجعة، ووثيقة مفصلة معدة بشكل مستقل من سكرتارية منظمة التجارة الدولية» . «وإلى جانب جهاز مراجعة السياسة التجارية، تحتوي معظم اتفاقات منظمة التجارة العالمية على إلزام للحكومات الأعضاء بإبلاغ سكرتارية منظمة التجارة العالمية بالإجراءات الجديدة أو المعدلة. على سبيل المثال: يجب إبلاغ الجهاز المختص في منظمة التجارة العالمية عن تفاصيل أي تشريع جديد لمكافحة الإغراق والتعويض، والمواصفات الجديدة التي تؤثر على التجارة، وتعديلات التشريع الذي يؤثر على تجارة الخدمات، والقوانين والتشريعات الخاصة باتفاقية مظاهر التجارة ذات العلاقة بحقوق الملكية الفكرية. كما يتم تأسيس مجموعات خاصة لفحص الترتيبات الجديدة لمناطق التجارة الحرة والسياسات التجارية للدول المنضمة» [٣٨] . فض المنازعات التجارية والاستئناف والتنفيذ: ينص التفاهم على القواعد والإجراءات التي تحكم فض المنازعات التجارية على أن «نظام فض المنازعات التجارية لمنظمة التجارة العالمية يشكل عنصراً أساسياً لتأمين الثقة والقابلية للتنبؤ للنظام التجاري متعدد الأطراف. ويلتزم أعضاء منظمة التجارة العالمية بعدم اتخاذ أي إجراء من طرف واحد ضد التصور بالإخلال في قواعد التجارة، بل اللجوء إلى نظام فض المنازعات متعدد الأطراف وبقبول قواعده ونتائجه. ويجتمع المجلس العمومي للمنظمة بصفته جهاز فض المنازعات للبت في الخلافات التي تنشأ من أي اتفاقية في الوثيقة الختامية لجولة أوروجواي.. وتهدف آلية فض المنازعات لـ» التحقق من الحل الإيجابي للخلاف «. وأنه حل مُرْضٍ منسجم مع شروط منظمة التجارة العالمية، من خلال المشاورات بين البلدين المتنازعين. وفي حال إخفاق المشاورات، ترفع للأمين العام لبذل المساعي الحميدة للتوفيق بين وجهات النظر. وإذا لم تنجح المشاورات في الوصول إلى حل بعد ٦٠ يوماً، يستطيع المدعي أن يطلب من جهاز فض المنازعات تأسيس هيئة لفحص الحالة، وتحديد اختصاصها وأعضائها، على أن تعطي الهيئة تقريرها النهائي بعد ٦ أشهر، يمكن تخفيضها إلى ٣ أشهر [٣٩] ، ويمكن الاستئناف ضد حكم صادر، ولكنه مقيد بالقضايا المتعلقة بالقانون المستخدم في تقرير هيئة الفحص والتفسيرات القانونية المقدمة منها. وجهاز الاستئناف معد من قبل جهاز فض المنازعات، من سبعة أشخاص، يخدمون ٤ سنوات، لهم سمعة مميزة في القانون والتجارة الدولية وغير مرتبطين بأية حكومة. ويتبنى جهاز حسم المنازعات تقرير جهاز الاستئناف بعد ثلاثين يوماً من إصداره، ويقبل من أطراف النزاع بدون شرط، إلا مع الإجماع ضده. ويجب على الطرف المعني إظهار عزمه على تنفيذ التوصيات المتوصل إليها من جهاز فض المنازعات، ويمكن إعطاؤه فترة معقولة من الزمن تحدد من جهاز فض المنازعات للقيام بذلك. وفي حال إخفاق العضو في تنفيذ ما تقرر، يتفاوض على حل تعويضي للمدعي، كتخفيضات جمركية في بعض الجوانب المهمة للمدعي. وفي حال الإخفاق، يطلب المدعي من جهاز فض المنازعات سحب الامتيازات والالتزامات من الطرف الآخر، في نفس القطاع الذي تخوصم فيه، إلا إن كان غير عملي أو غير فعال، فيمكن سحب الامتيازات من قطاعات أخرى. وعلى أية حال، فإن جهاز فض المنازعات سيتابع تنفيذ التوصيات والقرارات المتبناة، وستبقى أية حالة معلقة على جدول أعماله حتى تحل المشكلة [٤٠] . ولا شك أن آليات فض المنازعات قد تم التوسع فيه مقارنة بالآليات الخاصة بـ (جات ١٩٤٧م) [٤١] . ملحوظات: ١ - هناك نظر في المنطلقات التي قامت عليها المنظمة. فمثلاً تدعي المنظمة أنها تقوم على تحرير التجارة، ولكن ليس من المتوقع تحرير تجارات الدول الغربية ولا فتح أسواقها كما تطلب من الدول الأخرى، ولا تمكين العمال من كل دول العالم لدخولها [٤٢] . ثم يقال إنها منظمة ترغب في منافسة عادلة بين المنتجين وليس بين الحكومات. وليس من العدالة ترك قوى السوق (والآليات الرأسمالية) تصطرع بين خصمين: قوي جداً وضعيف جداً [٤٣] . ثم يقال إنها تريد ترسيخ مبادئ قانونية وأعراف دولية في المجالات التجارية. ولكن السؤال: مَنْ وضع تلك القوانين، ومَنْ أقر تلك الأعراف؟ إنها الدول الكبرى، ولا يراد للدول النامية إلا الإذعان لها وفتح أسواقها للمنتجات الغربية. ثم يقال إنها منتدى للحوار بين الدول. وكيف تتحاور دول ضعيفة مع أخرى متمكنة وقوية؟ بل كيف السبيل إلى ذلك بين الشركات، فضلاً عن الحكومات؟ فميزانية بعض الشركات الكبرى الأمريكية مثلاً تفوق ميزانية دول نامية مجتمعة! ومن الأمثلة الواضحة عدم جدية الدول الصناعية في الوصول لعقد اتفاقيات تكامل لأسواق العمل [٤٤] . ثم من يضمن حياد المنظمة في التحكيم بين الدول المتنازعة، وفي مجال فهم وتفسير الاتفاقات الموقعة، وفي مجال الرقابة الدورية على التجارة المحلية وقوانينها المستجدة، ومن يضمن حياد الخبراء الذين يقومون بتلك الأعمال، وجلهم بل كلهم من الغربيين! [٤٥] وهذا لا يعني عدم حيادية الأسس التي قامت عليها المنظمة، ولكن القوي سيستفيد من حيادية الأسس أكثر من الضعيف. ٢ - الأهمية القصوى لمنظمة التجارة العالمية في صياغة منظومة التجارة العالمية، وخاصة مع التنسيق مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وفي المقابل، نجد اهتماماً بارداً من الدول الإسلامية، سواء المنضمة لها أو التي على وشك الانضمام. ولذلك، تستفرد المنظمة والدول الفاعلة فيها بحياكة مصالحها داخل المنظمة، ومع الدول الراغبة في العضوية بشكل قوي بل ومقزز أحياناً. والموضوع له أبعاد كثيرة، فهو ليس موضوعاً اقتصادياً بحتاً، بل فيه الجانب العقدي والاجتماعي والاستراتيجي والسياسي والفكري والأمني والحضاري. والخلاصة هو أمر أمة لا بد من القيام نحوه بما يستحقه. ويستوي في الأهمية النظر للدول الإسلامية والعربية الأعضاء أو المتوقع دخولهم، وإن كان للأخيرين أهم قليلاً في المدى القصير نظراً لظروف المفاوضات المسبقة للانضمام. وقد مر قيام منظمات دولية كثيرة في غيبة من ذوي الرأي والحجا والدين، بل كانت فيه الدول العربية والإسلامية مستعمرات في الغالب، ولكن ذلك الوضع قد تغير كثيراً الآن. فلا بد من التنسيق على أعلى المستويات بين الدول الإسلامية والنامية حيال الموضوع وعلى جميع الأصعدة، سواء داخل المنظمة أم خارجها. ولا بد من سياسات إعلامية مناسبة، تصب في خانة توضيح عمل المنظمة لكل الأطراف المتأثرين بها، وهم كل ساكني الدول، وعلى وجه الخصوص مسؤولي المجالات التجارية والاقتصادية في الدول، وقطاع رجال الأعمال. ولا بد كذلك من رصِّ الصف تجاه المنظمة والشركات التي توجهها، وتجميع أوراق الضغط على الدول القوية كاملة، سواء في المجال التجاري أم غير التجاري. ولا بد من أن تنسق الدول النامية والإسلامية منها على وجه الخصوص كثيراً من خططها ورؤاها المستقبلية عبر منظمة التجارة العالمية، وأن تجعل منها إطاراً للفوز بمكاسب في التجارة العالمية، ومن أهم تلك المكاسب المتوقعة إدخال السلع والمواد الأولية التي لم تكن مجالاً لعمل المنظمة التي انطلقت من مصالح الغرب الصناعي. ولعل في هذه النقطة مجالاً للتعاون بين الدول الإسلامية لم يكن أصلاً موجوداً في الأجندة السياسية، خاصة مع كون منظمة التجارة العالمية قابلة للتوسع في المجالات التي تشملها. ٣ - من أهم مساوئ قيام المنظمة بكامل عملها المنصوص عليه أن يتم الدمج الكامل للاقتصاد الإسرائيلي في اقتصاديات باقي الدول العربية والإسلامية. ولا شك أن بعض الدول العربية لم تكن عضواً كاملاً في الجات بسبب المقاطعة العربية الإسرائيلية. ومع سير تلك المقاطعة نحو التلاشي، والتقارب العربي الإسرائيلي، لم يبق إلا وضع النقاط على حروف العلاقات التجارية. ولا شك أن الدول العربية مجتمعة، والدول الإسلامية، قد تعاني من تفوق الإسرائيليين في بعض الجوانب التجارية. ولكن العبرة ليست في الجانب التجاري، ولكنه في الجانب الاستراتيجي العقدي والفكري في صراع المسلمين مع يهود. ٤ - تثور بعض الأسئلة التي تتفاوت درجة إلحاح الجواب عليها من بلد إلى آخر: فإلى أي مدى تتحمل الدول النامية التغيرات الكبيرة التي ستنقص كثيراً من الصلاحيات (السياسية والتنظيمية والمالية والتجارية) غير المحدودة التي تتمتع بها؟ وهل في مقدور تلك الدول تحمل النفقات الناتجة عن تخفيف الجمارك التي تشكل مصدراً لدخل كثير منها [٤٦] ؟ وهل بديل الرسوم الجمركية وهي الضرائب (أو زيادتها) بديل عملي وبدون تكلفة اجتماعية [ومن ثم سياسية] عالية؟ وهل تمت دراسة أثر العوامل السلبية الناتجة من تفعيل منظمة التجارة العالمية لكل أدواتها واتفاقياتها على اللحمة السياسية والاجتماعية والمالية والاقتصادية للدول النامية؟ خاصة أن الاتفاقية نصت على سموها على النظم المحلية [٤٧] . وهل تحررت فائدة الانضمام بالنسبة للدول التي يغلب على اقتصادياتها الجانب الاستهلاكي؟ وما موقف الدول المنضمة لمنظمات تعنى بمنتوجاتها، مثل أوبك، أو غيرها من المنظمات التي قد ينظر لها على أنها تكتلات تجارية (كارتل) تمنع انسيابية التجارة العالمية؟ ٥ - حرص الدول الغربية على مصالحها التجارية. وحتى مع النزاعات الكبيرة التي بينها، يجد المراقب بعداً استراتيجياً في التعاون بينها لمصالحها، والتنسيق في المواقف بينها. ولولا النزاعات التي تند عن التنسيق لم يعرف المتابع كثيراً من خفايا دهاليز السياسات التنسيقية! وقد انعكس ذلك جلياً في الضغوط الموجهة للدول التي تريد الانضمام، كالصين وتايوان والسعودية وماليزيا وغيرها. وقد كان لكثير من الضغوط بعد غير تجاري، كما صرح بذلك بعض مسؤولي تلك الدول، كالبعد الثقافي والديني والسيادي لتلك الدول. وقد تبين من لقاء المنظمة السابق في سياتل (واللقاءات الدولية الأخرى للمنظمات العالمية) وجود الخلافات العميقة بين الدول الغربية، ومقدار التعامل الحضاري بينها في تفويت المفاسد الكبرى للحصول على المصالح المرجوة، ومقدار المرونة مع الشارع السياسي لصالح الشارع التجاري (ولو كان تمثيلاً) . والدول الإسلامية والنامية أولى بذلك بدون شك. وقد تبين كذلك بوضوح مقدار ما تكنه تلك الدول الغربية للدول النامية من احتقار وتسفيه حيث لم تأبه لها ولم تترك مجالاً لمندوبيها للكلام، بل إن بعضهم لا يدعى لحضور بعض الجلسات كما صرح بعضهم بذلك لوسائل الإعلام. وقد تبين من حجم المعارضة الشعبية الغربية للمنظمة مدى نضج الفرد الغربي مقارناً ببقية العالم، فحيث مست بعض مصالحه مسا يسيراً فقد قام وسعى ضد من مسها، ولم نر المثل لا من حكومات الدول النامية والإسلامية ولا من شعوبها. بل قد شملت المعارضة المنظمات التي لها سنوات طويلة من العمل العالمي، كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير. وأرى أنه لا بد من استغلال تلك التجمعات الشعبية المعارضة لصالح العمل العربي والإسلامي في فضح الممارسات الشائنة للمنظمات العالمية. ٦ - لا ينكر أن للمنظمة والانضمام إليها فوائد. ومما ذكر منها على سبيل الإجمال: خفض تكاليف المعيشة بسبب خفض الضرائب الجمركية، وزيادة نفاذ صادرات الدول النامية إلى الأسواق المتقدمة، والتعامل الحاسم والبناء مع الخلافات التجارية العالمية، مع إمكانية ذلك لكل من الأفراد والمؤسسات التجارية فضلاً عن الحكومات، وتقليل الأعباء المالية على التجار بسبب توحيد الإجراءات التجارية، وحيادية آليات المنظمة يجعلها صالحة لجميع الدول بدون استثناء، والاعتماد على قوى السوق وترك السياسات التعويضية المكلفة لكل من الدول والأفراد، وتقليص المفاجآت في النظم التجارية في دول العالم حيث لا بد من إخبار المنظمة عن ذلك مسبقاً، ثم إن أحكام بعض الاتفاقات خاضعة للمراجعة والتعديل بعد التفاوض عليها، ثم إنه قد ثبت أن جعل بعض الصلاحيات في يد منظمات عالمية يقلل الفساد الإداري في الدول التي يوجد فيها التسلط الفردي والمحسوبية. وفي المقابل، ذكرت بعض السلبيات في عمل المنظمة، منها: ارتفاع الأسعار بعد تطبيق نظم حقوق الملكية الفكرية التي تزيد من الاحتكار وتحميه، وخفض الموارد المالية للدول التي تعتمد على الرسوم الجمركية، والحد من نقل التقنية للدول النامية، وتوقع إفلاس عدد كبير من الأعمال في الدول النامية بعد دخول الشركات الكبرى ومنافسة الصناعات المحلية وما يترتب على ذلك من البطالة، ومن ثم التغييرات السياسية والاجتماعية، خاصة أن آليات المنظمة هي آليات السوق وهي لا ترحم الضعفاء ولا عديمي الخبرة. أضف إلى ذلك قضية التحاكم إلى محكمة دولية لا تحكم بشرع الله . ٧ - قرر أحد الكتاب القانونيين المختصين بالمنظمات العالمية أن أهم جانب يمكن للدول النامية الإفادة منه تأخر تطبيق كثير من مبادئ وآليات التنظيمات الدولية. فليس من المستغرب أن يعرف أن بعضاً من استثناءات صندوق النقد الدولي سارية المفعول بالرغم من مرور أكثر من نصف قرن على إقرارها [٤٨] . يضاف إلى ذلك فضفاضية بعض المصطلحات والحقوق المنصوص عليها في الاتفاقيات. مثال ذلك: التفريق في الدعم المسموح بين نوعين: الأول يسوغ التقاضي، وهو ما أحدث آثاراً سلبية على الصناعة المحلية للدولة المستوردة. ولا شك أن مثل تلك الآثار مما يطول النقاش حوله. وخاصة أن المنظمة مع ما يقال عن قوتها وتسلطها قد عانت من إخفاق ذريع في دورة سياتل. وقد يكون لحوادث التفجيرات في الولايات المتحدة الأمريكية أثر كبير في إعاقة سير عولمة المنظمة. والغاية هي الإفادة من تلك الثغرات والفرص في إعادة ترتيب الصف العربي والإسلامي نحو المنظمة. ٨ - ختاماً: هل ما سبق يعني عدم الانضمام للمنظمة؟ لا، بل أرى أن الانضمام بأقل التكاليف وبأسرع وقت، وبأكثر قدر من الضغط المعاكس على الدول المفاوضة حين الانضمام، وبأكبر قدر من التنسيق بين الدول الأعضاء الحاليين الذين لهم مصلحة في دخول الدولة الجديدة، وبلعب كافة الأوراق الأخرى التي قد لا يكون لها دخل كبير بالعمليات التجارية أو بمتطلبات الانضمام، كل ذلك أوْلى من الانتظار. والذي يظهر والله أعلم أن الانضمام للمنظمات الدولية من المصالح المرسلة، التي يجب الموازنة فيها بين المصالح والمفاسد إجمالاً، ثم لكل دولة على حدة. لكن ما سبق تقريره هو الرأي الذي أراه، بالشروط المذكورة (خاصة ما ذكرت في رقم ٢ أعلاه) . ولا شك أن بعض المفاسد التي ذكرت في الانضمام كبيرة جداً، ولكن النظر إلى واقع المسلمين وما هم عليه من فرقة يكرس القول إن الانضمام والاتحاد بين الدول العربية والإسلامية من الداخل سيكون فرصة لتوحيد الكلمة. والله أعلم.

стр. 4137

ملفات العولمة.. مقاومة وتفاعل العولمة اللغوية هيثم بن جواد الحداد [*] Haithaml١٢٣@hotmail.com لا أظن أن القارئ لهذا العنوان سيجد جاذبية تشده إلى قراءة موضوع عن العولمة اللغوية، في الوقت الذي تقع عيناه على موضوعات متعلقة بالعولمة تبدو لأول وهلة أنها هي أهم مجالاتها، وأشدها خطورة؛ فموضوع مثل العولمة السياسية، أو العولمة الاقتصادية يستحوذ على اهتمام القارئ الذي يرى ويسمع صباح مساء كيف تصوغ السياسة مستقبل الشعوب، وكيف تتحكم السياسة في الاستقرار الدولي الذي يتأثر به الفرد قبل المجتمع؟ وهذا أمر طبيعي في ظل الظروف الراهنة، ولا سيما في ظل السُّعار السياسي الذي أنشب أنيابه في أكثر طبقات المجتمع نتيجة لسرعة المتغيرات الدولية، ولضخامة نتائجها وتأثيراتها، كل ذلك في مقابل التجهيل سواء كان مقصوداً أو غير مقصود الذي يمارس ضد المجتمعات والأفراد فيما يتعلق بالجذور الحقيقية لكثير من أسباب الصراعات الحضارية، أو الإقليمية بين الأمم. لقد غفل الكثير أو تغافل، أن العقائد بمدلولها الواسع هي الرحى الذي تدور حوله تحركات الأفراد والمجتمعات، وهذه العقائد تتأثر وتؤثر في نفس الوقت بعدة عوامل مرتبطة بالطبيعة البشرية مثل اللغة. فاللغة باختصار: وسيلة اتصال البشر بعضهم ببعض [١] وهي ذات علاقة ثنائية الاتجاه بما يعتقده الإنسان؛ ولهذا فلا يسع أي دارس لظاهرة عالمية بصرف النظر عن منحاها أن يهمل دراسة تأثير اللغة في هذه الظاهرة؛ فما بالك إذا كانت هذه الظاهرة متعددة الجوانب، مترامية التأثير والتأثر كظاهرة العولمة؟ ! لقد كتب الكثير عن العولمة، وكأي موضوع يستجد في ساحة الفكر العالمي تبدأ الدراسات المتعلقة به، صغيرة بصغره، لكنها تنمو وتتسع دائرتها، حتى تنتقل إلى مرحلة تفتيت الموضوع قيد البحث، إلى موضوعات فرعية أكثر دقة؛ فالعولمة كانت محوراً واحداً تتناوله الدراسات المختلفة، ثم مع تطور تلك الدراسات، وازدياد خبرة الفكر اتسعت دائرة مجالاتها التي وضعت قيد البحث، فظهرت دراسات عن العولمة الاقتصادية، ثم عن العولمة السياسية، وكذلك العولمة الثقافية، وكذلك تناولت بعض الدراسات أنماطاً أخرى من العولمة مثل العولمة الإعلامية، والعولمة الاجتماعية، إلا أنني لم أقف على دراسة سواء كانت مستقلة أو غير مستقلة تتناول عولمة اللغة [٢] ، على الرغم مما سبق ذكره عنها. مدخل في أهمية اللغة: أهمية اللغة موضوع طويل بحاجة إلى دراسات مستقلة، والأبحاث فيه ليست بالقليلة؛ ولهذا سأقتصر في هذا المدخل على جوانب أهمية اللغة التي لها اتصال مباشر بالعولمة اللغوية باختصار شديد. اللغة وعاء الثقافة: اللغة وعاء الثقافة، والثقافة أساس الحضارة، والحضارة ترجمة للهوية؛ ومن هنا كانت اللغة من أهم الأركان التي تعتمد عليها الحضارات، ومن أهم العوامل التي تساهم في تشكيل هوية الأمة، وكلما كانت اللغة أكثر اتصالاً بثقافة الشعوب كانت أقدر على تشكيل هوية الأمة وحملها. وبهذا ندرك السر في نهي الشريعة الإسلامية عن استعمال لغة الغير (الرطانة) دونما حاجة [٣] ، في الوقت نفسه الذي نجد فيه بعض الفقهاء أوجب تعلم اللغة العربية [٤] . والشعور بهذا الخطر الذي تمثله اللغة الوافدة لم يكن وليد ظروف معينة حملت الفقهاء على هذا الرأي، لكنه حقيقة مرتبطة بطبيعة النفس البشرية التي تميل إلى المشابه والمماثل، والتي تقترب من الكائن الآخر إذا أمكن التواصل معه، وتبادل مكنونات النفس معه. ولهذا فلا نعجب مثلاً حينما نرى أن بعض المفكرين اللغويين في بعض البلاد التي تعتبر نفسها أمة عريقة، يرون أن الغزو اللغوي الإنجليزي لا يقل خطورة عن الغزو العسكري. إن الاعتزاز باللغة ليس وليداً لاعتزاز بذات اللغة بقدر ما هو اعتزاز بالثقافة التي تمثلها هذه اللغة، ونحن نقرأ في العصر الحديث مثلاً أن من أكبر العوائق التي وقفت في وجه اتفاقات السلام في مقدونيا الاعتراف باللغة الألبانية لغة ثانية في البلاد؛ فلماذا كل هذا الاختلاف والصراع حول مجرد لغة؟ ثم ما صراع الأمازيغ في المغرب العربي، وخصوصاً في الجزائر، الذي يسقط فيه الضحايا، إلا من أنواع الصراع من أجل إثبات الهوية، لا مجرد اللغة؛ فاللغة الأمازيغية لغة محدودة الانتشار، ضحلة الأدب والفنون، قليلة الفائدة، ولو أن أهلها نظروا بعين إنصاف لكانت لغة القرآن، ولغة قومهم المسلمين، ولغة دولهم، خيراً لهم من هذه اللغة التي تحاصرهم في أضيق الخنادق الحضارية. اللغة من مقومات الوحدة: بها تنهض الأمم، ويعلو شأنها، وتتحقق وحدتها، وفي غيابها تتفكك الشعوب وتضمحل الروابط وتتداعي، وينحسر الانتماء. إن الدول التي يتحدث أهلها بلغة واحدة تكون أكثر تماسكاً وانسجاماً من الدول التي تتحدث بعدة لغات، بل إن وحدة اللغة من أهم عوامل الاستقرار السياسي والاقتصادي، وهذا واضح في الدول الأفريقية إذا ما قورنت بدول أوروبا وأمريكا. لقد اعتبر جمال الدين الأفغاني إخفاق الدولة العثمانية في عدم استخدام اللغة العربية لغة رسمية لجميع البلاد الإسلامية الواقعة تحت حكمها من أهم العوامل التي ساعدت على قيام النعرات القومية بين العرب والترك، والتي كان لها أكبر الأثر في سقوط الدولة العثمانية على المدى الطويل [٥] . ومن أجل هذا فليس من المستغرب أن يؤكد بعض الباحثين أن البلاد المجزأة لغوياً بشكل كبير بلاد فقيرة دائماً [٦] . ويذهب بعض الباحثين إلى «أن التعدد اللغوي بين دول المجموعة الأوروبية يعد عقبة أساسية تحول دون انصهارها في كيان موحد» [٧] . وتأسيساً على ما سبق ندرك خطورة دخول لغة أجنبية على قوم ما، هذه الخطورة متمثلة بمجرد مزاحمتها للغة القوم، بصرف النظر عن كونها أقوى أو أضعف؛ فما بالك إذا كانت اللغة الوافدة تملك من المقومات ولو خارجية أكثر مما تملك اللغة المحلية! كأن تكون اللغة الوافدة لغة الغالب، أو اللغة التي تمنح متحدثها ميزات اجتماعية، أو مالية، أو نحو ذلك. وبكل حال؛ فإن ذلك يقود في الغالب إلى احتواء الثقافة المحلية بصورة تدريجية مما يجنبها مواجهة أي مقاومة، ومن ثم ستكون لها آثار مدمرة على المدى البعيد. إذا علم هذا أدرك الإنسان تلك الحكمة الإلهية المتناهية حينما جعل كتاب هذه الأمة المقدس الذي يمثل دستور حياتها، كتاباً محفوظ الألفاظ والحروف، وأن تطالب الأمة بتعلمه وتلاوته كما هو بلسانه الذي أنزله الله به، وما أعظمه من حكيم الذي لم يقصر ارتباط هذه الأمة بهذا الكتاب على التشريع، بل شرع معه التعبد بتلاوة نفس اللفظ بحروفه، وزاد على ذلك بأن جعل هذا الكتاب كلامه، صدر منه جل وعلا بصوت وحرف، مما يشعر المسلم معه بارتباط عاطفي روحي بمجرد لفظ هذا الكتاب، زيادة على ارتباطه التشريعي به. وبهذه المناسبة، وإن كنا نستبق بعض فقرات هذا البحث؛ فإننا نقول: إن الأمة المسلمة تملك من مقومات الوحدة اللغوية، ومن ثَمَّ الوحدة الحضارية ما لا تملكه أمة من الأمم؛ فوحدتها اللغوية ليست نابعة من مصلحة أرضية مؤقتة، لكنها تنبع من عقيدة سماوية طاهرة. ما هو المقصود بالعولمة اللغوية؟ ماذا نقصد بالعولمة اللغوية، أو هل هناك عولمة لغوية؟ إذا نظرنا إلى مدلول العولمة الذي يعني جعل ما هو محلي عالمياً، أو الانتقال من المحلية الإقليمية إلى العالمية؛ فهل هناك لغة انتقلت من المحلية إلى العالمية، فتجاوزت نطاقاً جغرافياً محصورة ببلد أو بلدان، لتصبح لغة عالمية يتحدث بها العالم كله على اختلاف لغاته الأصلية؟ لا شك أن الجواب الواضح هو الإيجاب، ولا شك كذلك أن تلك اللغة الوحيدة التي يصدق عليها ذلك الوصف هي اللغة الإنجليزية. وفي العقد الأخير يمكن القول إن سيطرة اللغة الإنجليزية وانتشارها العالمي الذي تضاعف مع الهيمنة الاقتصادية والإعلامية الأمريكية، ثم بسبب تزايد استخدام شبكة الإنترنت أدى إلى اتساع نطاق استخدام كلمات وعبارات إنجليزية تعبر عن الثقافة الأميركية والقيم الاستهلاكية التي قد لا تتناسب مع قيم بعض الأمم التي تعتبر نفسها عريقة، مثل الألمان، والصينيين، والفرنسيين، دون العرب وللأسف. مظاهر عولمة اللغة الإنجليزية: أول مظاهر عولمة ظاهرة من الظواهر أن تنتقل هذه الظاهرة من المحلية إلى العالمية، وهذا تماماً ما يحدث للغة الإنجليزية، أو لنقل ما يقوم به البشر نحو اللغة الإنجليزية. لا أخفي على القارئ الكريم أني وقفت حائراً أثناء كتابة هذه المبحث؛ فقد وقفت على بعض الإحصائيات التي تفيد اتساع نطاق استخدام اللغة الإنجليزية، سواء كانت لغة أولى، أو لغة ثانية، ثم إذا بي أجد إحصاءات أخرى تدل في أقل الأحوال على انحسار ضئيل في اتساع هذه اللغة، ويبدو أن من أهم أسباب هذا التناقض باختصار شديد أن كثيراً من الدول النامية لا تملك إحصاءات دقيقة عن انتشار هذه اللغة أو لغات أخرى في بلادهم، بالإضافة إلى تباين المعايير في الحد الذي يعتبر الشخص به متحدثاً بلغة ما؛ فما هو حجم المفردات التي يتوجب على الإنسان حفظها؟ وما هي كمية التراكيب التي عليه أن يتقنها حتى يقال إنه يتحدث أو يتقن لغة أجنبية؟ وكيف ينظر إلى من يحسن القراءة دون الكتابة، أو العكس؟ ومن الغريب أن أحد أسباب تناقص نسبة المتحدثين باللغة الإنجليزية في العالم هو التناقص الحاد في أعداد المواليد الذي تشهده البلاد المتحدثة بالإنجليزية، وهو ما يؤدي إلى نقص عدد سكانها، في مقابل ازدياد عدد سكان البلاد الأخرى، ولا سيما دول العالم الثالث [٨] . بالإضافة إلى ما ذكر فإن عدد المتحدثين بلغة ما لا يمثل حقيقة انتشار هذه اللغة أو عولمتها؛ فإن أكثر الإحصائيات، إن لم يكن كلها، تشير إلا أن أكثر لغة في العالم تحدثاً هي اللغة الصينية، والكل يعلم أن سبب ذلك ليس انتشار أو عولمة اللغة الصينية بقدر ما يعود لعدد سكان الصين الهائل، وهذا مما يزهد الباحث نوعاً ما في هذه الإحصاءات، إذا ما زاحمها في إثبات ذلك الافتراض شواهد وحقائق أخرى أقوى في الدلالة. وبكل حال يكاد يجمع من كتب في حاضر اللغات أن اللغة الإنجليزية هي اللغة العالمية بصرف النظر عن عدد المتحدثين بها وتوزيعهم الجغرافي؛ حتى إن كثيراً من الكتابات نظرت إلى اللغة الإنجليزية باعتبارها اللغة المعيارية العالمية [٩] . وهنا نكتفي ببعض هذه الشواهد والظواهر التي تدلنا على مدى امتداد هذه الظاهرة الأفقي: ١ - شعور كثير من الأمم بهذا الخطر الداهم الذي يمثله هذا التغلغل والانتشار للغة الإنجليزية، لا سيما تلك الدول التي تعتز بحضارتها، وتنظر بريبة لانتشار الثقافة الأمريكية، ولم تستسلم بسهولة للهيمنة الأمريكية على معظم جوانب الحياة، في معظم البلدان، فهذه فرنسا مثلاً وهي صديق لدود لأمريكا، يدعو رئيسها جاك شيراك إلى إقامة «تحالف» بين الدول التي تعتمد لغات من أصل لاتيني للتصدي بشكل أفضل لهيمنة اللغة الإنجليزية، وذلك لدى افتتاحه منتدى حول موضوع «تحديات العولمة» . وقال الرئيس الفرنسي لدى افتتاحه منتدى في جامعة السوربون جمع بين الناطقين بالفرنسية والإسبانية والبرتغالية إنه «في مواجهة قوة نظام مهيمن يحق للآخرين حشد القوى لإرساء المساواة في الفرص وسماع أصواتهم» . ودعا شيراك الناطقين بالإيطالية من الاتحاد اللاتيني إلى الانضمام إلى منظمة الفرنكفونية ومجموعة الدول الناطقة بالبرتغالية والمنظمتين الناطقتين بالإسبانية للدول الأمريكية الأيبيرية والقمة الأيبيرية الأمريكية. وأضاف أنه «من خلال منظماتنا الخمس تصبح هناك ٧٩ دولة وحكومة من كل القارات تمثل ٢. ١ مليار رجل وامرأة يريدون الإبقاء على لغاتهم» . ودعا شيراك إلى القيام بتحرك في الأمم المتحدة بالاتفاق بين المنظمات الخمس لإقامة «مشاريع مشتركة» . ودافع شيراك عن مبدأ «تعددية اللغات في المجتمع الدولي» ودعا شركاءه إلى «الاستثمار بقوة في شبكات المعلوماتية» مقترحاً إنشاء موقع للثقافات اللاتينية على الإنترنت. وأعرب أخيراً عن أمله في أن تعترف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) رسمياً بـ «حق التعددية الثقافية» من خلال إصدار «إعلان عالمي يكون بمثابة ميثاق تأسيسي» [١٠] . وهكذا نجد أمة أخرى مثل الصين ينتابها القلق من هذا الانتشار الواسع أو العولمة للغة الإنجليزية في بلادهم من خلال الأفلام الأمريكية التي يحرص الشباب على متابعتها ثم التأثر بها، مما دفع الحكومة الصينية إلى إصدار أول قانون للغة من أجل الوقوف أمام الخطر الذي يتهدد اللغة الصينية، ويلزم القانون الذي بدأ العمل به اعتباراً من مطلع شهر يناير ٢٠٠١م وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة بضرورة الالتزام بالأسس المتعارف عليها في اللغة الصينية المعتمدة على الكتابة المبسطة في الصين الأم بعيداً عن الكتابة المعقدة المتبعة في المستعمرة البريطانية السابقة هونغ كونغ [١١] . أما الألمان وهم من أكثر الناس اعتزازاً بلغتهم، فقد كان لهم نصيب من هذا القلق المتزايد؛ حيث اتسع في ألمانيا نطاق المناداة بسن قوانين لحماية اللغة الألمانية من تأثير اللغات الأخرى وعلى رأسها اللغة الإنجليزية التي يعتقد اللغويون الألمان أن مصطلحاتها بدأت تشكل خطورة على سلامة لغتهم. ويرغبون أن تحذو ألمانيا حذو فرنسا في هذا المجال. فالألمان الذين هدموا قبل عقد مضى جدار برلين الشهير، في ثورة سلمية أعادت الوحدة إلى شطري بلدهم يحاولون الآن بناء جدار حديدي من نوع آخر للحفاظ على هويتهم الثقافية واللغوية من طغيان الغزو الثقافي واللغوي القادم من الولايات المتحدة وبريطانيا متخفياً برداء اللغة الإنجليزية، والمصطلحات التي تقض مضجع اللغويين الألمان. ويطالب هؤلاء بأن تحذو بلادهم حذو فرنسا بسن تشريعات تمنع استخدام المصطلحات الأجنبية في الإعلانات والرسائل الإعلامية. ويعترف وزير الثقافة الألماني بوجود المشكلة لكنه يرفض فكرة سن قوانين قد تؤدي إلى استحداث شرطة للغة؛ لأن هذا سيكون فيه نوع من القسوة غير المسوغة. ويتفق مع رأي الوزير عدد من اللغويين الألمان غير أنهم يؤكدون ضرورة اتخاذ إجراء ما لحماية اللغة التي يعتبرونها أغلى ما تملكه أي أمة للحفاظ على وجودها [١٢] . ٢ - ومن مظاهر وربما أسباب عولمة اللغة الإنجليزية، أنها أصبحت لغة الإنترنت بلا منازع؛ فقد أظهرت دراسة أجرتها إحدى المؤسسات الألمانية أن ٧٧ % من صفحات الإنترنت باللغة الإنجليزية بينما لا تتمتع باقي لغات العالم مجتمعة إلا بـ ٢٣% من صفحات الإنترنت، وقد جاءت هذه الدراسة بعد فحص أكثر من مليار صفحة إلكترونية على الشبكة. وجاءت اللغة اليابانية في المركز الثاني، تليها اللغه الألمانية. الجدير بالذكر أن نسبة الأمريكيين المستخدمين للشبكة تتضاءل باستمرار، إلا أنهم يمثلون حالياً قرابة نصف مرتادي الإنترنت حول العالم بعد أن كان نصيبهم ثلاثة أرباع مستخدميه قبل خمسة أعوام، [١٣] والظاهر أن ذلك يعود لازدياد عدد مستخدمي الإنترنت في العالم أكثر من كون السبب تناقص العدد الفعلي لمستخدمي الإنترنت في أمريكا. ٣ - من مظاهر العولمة اللغوية الإنجليزية أن اللغة الإنجليزية أصبحت اللغة الثانية في أغلب بلاد العالم لا سيما العربية بدرجة أولى، ثم البلاد الإسلامية بدرجة ثانية، يتلوها بذلك اللغة الفرنسية [١٤] ، وبعيداً كذلك عن الإحصاءات الدقيقة التي تقف خلف هذه الحقيقة؛ فإن نظرة سريعة لمناهج التعليم في العالم العربي ثم الإسلامي تجد مصداق ذلك؛ حيث ينقسم العالم الإسلامي إلى معسكرين: أحدهما وهو الأغلب يدرس الإنجليزية لغة ثانية لأبنائه، كما هو الحال في دول الخليج ومصر، والسودان، والباكستان، وبعض دول جنوب شرق آسيا، وأما الثاني فيدرس اللغة الفرنسية كدول المغرب العربي، وبلاد الشام. ويميل المرء نوعاً ما إلى صدق جانب من الإحصاء الوارد في كتاب مستقبل اللغة الإنجليزية الذي قام به المجلس البريطاني عام ١٩٩٥م والذي يقول إن خمس سكان العالم يتكلمون الإنجليزية بدرجة ما، وأن الحاجة من الباقين لتعلمها في ازدياد مستمر، وبحلول عام ٢٠٠٠م سيكون هناك بليون شخص يتعلمون الإنجليزية، وستصبح اللغة الإنجليزية هي اللغة الرئيسة لكثير من القطاعات التقنية وغيرها [١٥] . ٤ - ومن مظاهر العولمة اللغوية عموماً بصرف النظر عن عولمة اللغة الإنجليزية انحسار نطاق بعض اللغات، أو حتى اندراسها بالكلية؛ فقد أفادت دراسة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة أن نصف اللغات المحلية في العالم في طريقها إلى الزوال مما يهدد الثقافات والبيئة في آن واحد. واعتبرت الدراسة التي أعدها فريق من خبراء برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن «أسرار الطبيعة التي تتضمنها الأغاني والقصص والفن والصناعات الحرفية لدى الشعوب الأصلية قد تختفي إلى الأبد بسبب ظاهرة العولمة المتصاعدة في جميع المجالات» . وقال الخبراء إن ٢٣٤ لغة أصلية معاصرة اختفت كلياً، محذرين من أن ٩٠ % من اللغات المحلية في العالم سوف تختفي في القرن الحادي والعشرين. وحذر المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة كلاوس تويبفر من أن تحرير الأسواق في العالم الذي هو مفتاح التنمية الاقتصادية في الدول الغنية والفقيرة قد يتم على حساب آلاف الثقافات والتقاليد المحلية. وأشار برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن حوالي ٣٢% من اللغات المحلية في العالم توجد في آسيا و٣٠% في أفريقيا، و ١٩% في منطقة المحيط الهادي، و١٥ % في القارة الأميركية، و٣% في أوروبا. وتأتي غينيا الجديدة على رأس الدول التي تنتشر فيها اللغات المحلية؛ إذ توجد فيها (٨٤٧) لغة، وتليها إندونيسيا بنحو (٦٥٥) لغة، ثم نيجيريا (٣٧٦) ، والهند (٣٠٩) ، وأستراليا (٢٦١) ، ثم المكسيك (٢٣٠) ، والكاميرون (٢٠١) ، والبرازيل (١٨٥) ، والكونغو الديمقراطية (١٥٨) والفلبين (١٥٣) [١٦] . وقد نشرت هذه الدراسة في مؤتمر عقده برنامج حول البيئة في نيروبي في الخامس من فبراير/ شباط ٢٠٠١م، وأعلنت الأمم المتحدة أن حوالي سبعين وزيراً للبيئة من القارات الخمس شاركوا في هذا المؤتمر الذي تبنى في يوم انعقاده الرابع خطة للدفاع عن الثقافات واللغات المحلية التي تمثل إحدى الأولويات لحماية البيئة. ٤ - ويحلو لي أن أذكر ملاحظة غريبة طريفة تدل على قوة هذا النوع من العولمة ونفوذه، وسريانه حتى إنه فرض نفسه دون أن يشعر به المتظاهرون أنفسهم ضد العولمة في دافوس، ونيس، وساو بالو، فضلاً عن عموم الناس، ألا وهي التي ذكرها (أليكسي باير) في مقال له في صحيفة «The Globalist» حيث قال: «إن اللغة الإنجليزية كانت لغة اللوحات التي استخدمها المتظاهرون المعارضون للعولمة في التعبير عن معارضتهم للعولمة، وما ذلك إلا دليل على عولمة هذه اللغة دون أن يشعر بذلك أحد» [١٧] . كيف نقاوم هذه العولمة اللغوية؟ قبل البدء في طرح بعض الحلول العملية لمقاومة هذا الاجتياح العولمي اللغوي الإنجليزي ولا سيما لبلادنا الإسلامية، أود أن أثير نخوة الحمية فيه لا لقومية مذمومة، ولكن للغة القرآن الكريم، ووعاء الإسلام، حينما أقول له: ألا تعجب أخي القارئ حينما تعلم أن العرب خصوصاً والمسلمين عموماً هم أوهى من يتمسك بلغته؟ ! ولا يتوقف العجب عند ذلك، إذا ما علم وهو معلوم ولا شك أن أقواماً من أهل العربية الذين يدينون بهذا الدين يزوِّقون كل يوم مسوغات جديدة لنشر اللغة الإنجليزية في بلادهم العربية والإسلامية. وإن العجب لا ينقضي حينما نرى الغربيين على وجه الخصوص الذين كانوا وما زالوا يطالبوننا بفتح الأبواب للغاتهم سواء إنجليزية أو فرنسية، والتخلي عن لغتنا هم أشد الناس تمسكاً بلغاتهم. لعلك أخي القارئ سافرت أو قابلت من سافر إلى بعض بلاد الغرب، مثل فرنسا أو ألمانيا؛ فهل تجد للغة الإنجليزية ذلك الحضور الذي تجده لها في بلادنا العربية والإسلامية؟ هل تجد أسماء المحلات كتبت بالإنجليزية؟ هل تجد لوحات الإرشادات أو التوجيهات الصوتية في المطارات أو في غيرها بخلاف الأوراق الرسمية للاتحاد الأوروبي كتبت بالإنجليزية؟ ثم ألم تسمع أن الألمان يشعرون بالانزعاج المقرف لمن يحدثهم بغير لغتهم، وأنهم يرفضون الإجابة عنه حتى وإن كانوا يحسنون الحديث بها، وأن الفرنسيين يشمئزون ممن يتحدث بالإنجليزية مع أن أم الإنجليزية لا تبعد عنهم سوى رمية حجر؟ ! ألا تصيبك أخي القارئ الدهشة حينما ترى الفرنسيين وهم أقرب الدول إلى الإنجليز وقد حافظوا على لغتهم، بل وساهموا في نشرها وامتدادها خارج حدودهم الجغرافية؟ ! لو كانت فرنسا دولة عربية أو إسلامية فهل تظن أن الحال سيكون كذلك؟ ! إذن لماذا العربية هي المستباحة الحمى؟ أم كما قال العقاد عنها: «لقد تعرضت وحدها من بين لغات العالم لكل ما ينصبُّ عليها من معاول الهدم ويحيط بها من دسائس الراصدين لها؛ لأنها قوام فكرة وثقافة وعلاقة تاريخية» . إن هذه المقدمة، هي مقدمة الجيش الذي سنخوض به هذه المعركة الشرسة التي تواجهها لغتنا العربية في ظل هذه العولمة الشرسة البشعة. إن اعتزاز الإنسان بقيمه ومبادئه هو أول الطريق إلى انتصاره ولو طال الأمد، فلا يمكن لنا مقاومة هذا الزحف اللغوي العولمي بجيوشه الجرارة بجنود ملأ نفوسها الخور، وهد قواها نظرية «إعجاب المغلوب بالغالب» . وعليه فلا بد من حملة ضارية يحملها العلماء وقادة الفكر أولاً لإعادة ثقة هذه الأمة بلغتها، واستنهاض هممهم للذود عنها من خلال الخطوات الآتية، وهي: ١ - نشر اللغة العربية في أكبر رقعة جغرافية ممكنة، وهذا الأمر تؤيده وتسهل القيام به مسوغات شرعية، ومسوغات واقعية، ولا شك أن نتائجه ملموسة وسريعة. وللقيام بهذه المهمة لا بد من سلوك قنوات عدة أذكر منها على سبيل المثال ما يلي: أ- نشر اللغة بين الأقليات غير العربية التي تعيش في بلاد عربية، مثل بلاد المغرب العربي، ولو يدرك المسؤولون في تلك البلاد فوائد هذا الأمر حتى من ناحية سياسية لاستقرار البلاد لسارعوا إليه. ب - نشر اللغة العربية في البلاد الإسلامية الناطقة بغير العربية، وهي كثيرة وتمثل ثقلاً سكانياً مثل إندونيسيا، والباكستان، وبنغلاديش، وقد بدأت بذكر هذه البلاد؛ لأن مسلمي تلك البلاد لهم عاطفة جياشة تجاه الإسلام، وتجاه تعلم اللغة العربية، ولا تهمل هذه الخطوة أيضاً مع البلاد التي تبدي تعاطفاً أقل مثل تركياً. ج- ويتلو هذه البلاد في الأولوية البلاد الغربية، سواء قلنا نشر اللغة العربية بين الجاليات المسلمة التي تعيش فيها، أو حتى بين الغربيين أنفسهم، ويوجد في بلاد الغرب متحمسون كثيرون للتعرف على الثقافة العربية، والدين الإسلامي، وهذا قد يكون مفتاحاً لتفهم مزايا هذه اللغة، أو مفتاحاً لتعلم الإسلام. ٢ - نشر اللغة العربية الفصيحة بين المتحدثين بالعامية في جميع الأقطار العربية؛ وتخيل يا أخي القارئ لو أن العالم العربي كله من الخليج إلى المحيط، يتحدثون العربية الفصحى أو ما يقاربها، ألا ترى أن ذلك يكون أقوى على إزالة الحواجز القبلية والعرقية واللغوية بين المسلمين في العالم الإسلامي، ومن ثم يمهد الأرض للعمل من أجل الوحدة الإسلامية؟ وحتى يكون هذا الهدف واقعياً، فلنقل: لنقتربْ من الفصحى بقدر الإمكان، ويمكن تحقيق نتائج إيجابية بنسبة مقبولة وبسرعة إذا تمت معالجة بعض الظواهر المرضية التي تشكل مناخاً ملائماً لفُشُوِّ العامية في البلاد العربية، مثل: أ- استخدام العامية لغة للإعلام المرئي والمقروء؛ وللأسف أن بعض الدول العربية لم تمانع في أقل الأحوال من استخدام العامية في بعض الصحف والمجلات المحلية، ناهيك عن استخدام العامية في بعض خطابات مسؤوليها. ب- انتشار ما أسميه بالفكر الفلكلوري أو التراثي؛ حيث تعمد بعض الجهات بحسن نية أو بسوئها إلى تبني العامية وجعلها مظهراً من مظاهر الاعتزاز بالتاريخ، وتعبيراً عن الانتماء الإقليمي أو الوطني، حيث تعمد إلى النبش عن تاريخ العامية، وأهميتها، وأثرها في تنمية الوعي الوطني، ودورها في المحافظة على قيم وثقافة ذلك البلد، بالإضافة إلى نشر الكتابات العامية، وتبني الشعر العامي، أو النبطي كما يسمى في بلاد الجزيرة العربية، وعليه؛ فحتى يمكن نشر العربية الفصيحة فإنه يتوجب علينا أن نبين للناس مدى خطورة هذا الفكر، ومحاولة محاصرته في دوائر ضيقة. ويحسن بي هنا أن أذكر بعض ما يمكن اتخاذه من أجل محاصرة العامية، وتجاوز ما تقوم به ضد انتشار العربية الفصحى: أ- بيان خطر العامية على وحدة العالم العربي، ويمكن أن يدلل على ذلك بأن العامية أصبحت في بعض البلاد، إذا ما قورنت بعامية أخرى، كلغة غير عربية؛ فلو أنك جمعت رجلاً من أقحاح قلب الجزيرة العربية، كالقصيم، ورجلاً من أقحاح بلاد الشام، كلبنان، وثالثاً من الجزائر لاحتاجوا إلى مترجم يساعدهم في التخاطب فيما بينهم. ويمكن للقارئ أن يقوم بتجربة يسيرة تبين له صدق هذا الافتراض؛ فلو أخذ بعض العبارات المتداولة في بلاد الجزائر ودفعها لشخص من لبنان، أو إلى آخر من السعودية، لما استطاعا فهم أكثرها، وهكذا العكس. جاء في كلمة رئيس مجمع اللغة العربية الدكتور شوقي ضيف في افتتاح مؤتمر دورة المجمع السابعة والستين بالقاهرة: «لو تمادت الإذاعات العربية في البث بالعاميات لانفكت الصلات التي تربط بين شعوب الأمة، وانعزل كل شعب عربي وعاش وحده، بينما شعوب الغرب في أوروبا المتعددة اللغات تجمع شملها في تكتلات اقتصادية وسياسية واحدة كالاتحاد الأوروبي» [١٨] . ب - بيان خطر العامية على التمسك بالإسلام وفهمه؛ فالذي يستخدم العامية بدل العربية الفصيحة يكون أبعد من الألفاظ والتراكيب اللغوية الفصيحة، ومن ثَمَّ يكون أبعد عن فهم القرآن الكريم والسنة النبوية، وشيئاً فشيئاً تبنى الحواجز بين كتاب الله وسنة نبيه ﷺ اللذين هما مصدر هذا الدين، وبين أهل الإسلام. ٣ - الحد من توسع اللغة الإنجليزية ولا سيما في المجالات التي يمكن الاستغناء عنها ولو بشيء من المشقة. والذي يؤسف له أن بعض البلاد العربية نشرت التعليم الأجنبي في مراحل التعليم المختلفة بدءاً من التعليم الابتدائي، وهذا والله لو أدركوا خطره لما فعلوه، بل لحاربوه بكل الوسائل. يا قومنا! هذه دول العالم التي تحترم نفسها، وتعتز بهويتها لا تدرس هذه اللغة إلا في أقسام اللغات في المراحل الدراسية العليا الجامعية، وما فرنسا، وألمانيا، واليابان، وروسيا، والصين منا ببعيد؛ فهل نحن أحرص على التقدم الحضاري أو العلمي أو التقني منهم؟ وهل أدى نهجهم هذا الذي نهجوه في الحد من استعمال اللغة الإنجليزية إلى التخلف الذي يتذرع به من يدعون الثقافة ويمسكون زمام الأمور في بلادنا العربية والإسلامية؟ وبكل حال، لِمَ لا نجعل تعليم اللغة الإنجليزية مرهوناً بالحاجة لاستعمالها؟ فما الفائدة بالله عليكم حينما يتعلم الطالب منذ نعومة أظفاره لغة أخرى لتزاحم لغته الأم، مع العلم أن حاجته لها في حياته العملية قد تكون محدودة جداً، أو معدومة؟ وليعلم أن كثيراً من الذين تعلموا اللغة الإنجليزية على سبيل المثال كانوا أحرص على السفر للبلاد الغربية بحجة وبدون حجة؛ وما ذلك إلا لأن معرفتهم بهذه اللغة شيدت جسوراً من التواصل المعنوي العاطفي معها. ولا يزعمن زاعم أنه لا يمكن الاستغناء عن اللغة الإنجليزية لعموم الناس؛ فالرد على هذا الزعم يكون أولاً بالنظر إلى أحوال الدول التي ذكرناها، ثم ليعلم أن الحاجة إلى اللغة الأجنبية تزداد إذا أراد الناس ذلك، وتقل إذا أراد الناس ذلك، ولعل هذا يذكرني بما قاله بعض فقهائنا من أن الناس يجدُّ لهم من القضايا بقدر ما أحدثوا من الفجور، ولنضرب لذلك مثالاً استخدام جهاز الحاسب الآلي؛ حيث أصبح من الحاجيات الأساسية لدى بعض الناس ولا سيما مع شبكة الإنترنت؛ لكن مطالبة الناس للبرامج العربية شجع منتجي البرامج على تكثيف إنتاج البرامج العربية، وبذلك قلَّت حاجة عموم الناس لتعلم مصطلحات إنجليزية أكثر، وهكذا في دائرة تتسارع؛ حتى إن بعض الناس يحسنون استخدام تطبيقات الحاسب الآلي دون إلمام باللغة الإنجليزية. وملاحظة أخرى يحسن التنبيه لها وهو التفريق بين تعليم اللغة الانجليزية لمن يخشى عليه من الذوبان الثقافي العقدي إما لصغر سن، أو ضعف دين، ومن لا يخشى عليه ذلك، وبنظرة لواقع النبي ﷺ مع صحابته حينما حث بعض أصحابه وليس (عموم المسلمين) على تعلم لغة يهود. ٤ - مقاومة الاعتقاد السائد لدى قطاعات كثيرة من عامة الناس أن تعلم اللغة الإنجليزية مفتاح للمستقبل المشرق والوظيفة المرموقة. ٥ - تكثيف الترجمة العلمية الصحيحة والراقية، وقد أثبتت التجارب العملية سواء التي قامت بها دولة مثل سوريا، أو بعض الجامعات العربية أن الترجمة إلى العربية لها آثار إيجابية واسعة النطاق؛ حيث يزداد التحصيل العلمي لمن يتعلم بلغته الأم، ناهيك عما تؤدي إليه هذه الترجمة من تحفيز الجهود لأعمال عربية مماثلة لتلك التي تترجم، بالإضافة إلى أن الترجمة إذا تمت من قبل أناس يجمعون بين إتقان الترجمة، وإتقان العلم الذي تتناوله المادة المترجمة؛ فإن ذلك سيحملهم على نقد المادة المترجمة، أو الاستدراك عليها، أو التعليق عليها، وهذا يؤكد مقدرتهم على «هضم» ما قيل، بل على الزيادة عليه. ٦ - على أهل التعليم، لا سيما مدرسي المراحل الابتدائية والمتوسطة، ومديري الجامعات، والمشايخ في حِلَق المساجد، والموجهين في القنوات الإعلامية، إتقان اللغة العربية، وجعل هذا الإتقان عدوى إن صح التعبير تنتقل للأجيال التي تقع بين أيديهم، فيساهمون في إحداث ثورة لغوية تصحيحية. ٧ - تكثيف الأنشطة والمسابقات اللغوية؛ ففي القديم كانت مدارسنا تقيم مسابقات للخطابة والإلقاء، وكذا مطارحات شعرية، ومسابقات للقصة القصيرة، وغيرها من صنوف الأدب واللغة، ولكنها اضمحلت في السنوات الأخيرة، وليس هذا والله بفأل حسن. وختاماً نقول: إن اللغة العربية تملك من المؤهلات ما يحميها ليس من الاضمحلال فقط، بل ما يجعلها منافسة للغة الإنجليزية، إذا ما وجدت ألسناً تفخر بالتحدث بها، والدفاع عنها، ونشرها، وتحويل العولمة الإنجليزية إلى عوربة للعالم الإسلامي في أقل الأحوال؛ فمن يستجيب؟

стр. 4138

ملفات العولمة.. مقاومة وتفاعل الإعلام الإسلامي وتحديات العولمة جمال سلطان [*] (١) قَدَرُ الفكر الإسلامي، بل الفكر الإنساني عامة أن يواجه في العقدين الأخيرين سلسلة متلاحقة من المصطلحات الجديدة في السياسة والاقتصاد والفكر والدين وغير ذلك؛ بصورة ترهق العقل الإنساني إذا حاول التأمل والتفكيك لهذه المصطلحات وتدوير النظر فيها وتعميقه. وكان مصطلح العولمة واحداً من أحدث هذه المصطلحات التي ابتلينا بها، والتي نحاول منذ سنوات التأمل فيه وتفكيكه والبحث في مراميه وخلفياته، ونحاول فهمه في ضوء ما ابتلينا به سابقاً من مصطلحات أو ظواهر إنسانية مختلفة، ورغم محاولاتنا ومحاولات غيرنا فإن مصطلح العولمة ما زال يحمل قدراً كبيراً من المراوغة وعدم الوضوح، ويتجلى ذلك في العديد من التأويلات والتفسيرات التي طرحت له من قِبَل مفكرين عرب ومسلمين وغربيين، وبصورة تجعل محاولة الانشغال بضبط المصطلح علمياً أمراً غير ذي جدوى، وحسبنا الإطار العام الذي تدور فيه دلالات المصطلح، ألا وهو النزوع نحو الهيمنة الاقتصادية والثقافية والإعلامية والقيمية للقوى القادرة والمستكبرة في عالم اليوم على غيرها من الأمم والشعوب، وبصورة تؤدي إلى «تنميط» الحالة الإنسانية وهندسة البناء الاجتماعي وفق معادلات تم وضعها سلفاً وبصورة حاسمة ومدمرة للشخصية الإنسانية. ولعل الوجه الأبرز والأكثر حضوراً للعولمة هذه الأيام هو الوجه الاقتصادي، ومعظم المؤتمرات أو المؤامرات التي تعقد في الشرق أو الغرب تحت مظلة أو لافتة «العولمة» هي ذات وجه اقتصادي واضح وصريح، كما حدث في سياتل الأمريكية، وأخيراً في «جنوا» الإيطالية التي شهدت أول قتيل «أوروبي» في انتفاضة الضمير الإنساني ضد مخاطر العولمة. وبروز هذا الوجه الاقتصادي للعولمة على غيره إنما يعبر في الحقيقة عن الوجهة العامة للمؤسسات الدولية المتحكمة في مسار التاريخ الإنساني الآن؛ إذ إن «القيم المادية» هي الهدف وهي البوصلة وهي الطريق الوحيد أو الأبرز والأساس الذي تتجه إليه هذه المؤسسات، ويأتي الشأن الثقافي والفكري والإعلامي وحتى السياسي فيما بعد نوعاً من الدعم أو «الخدمة» لهذه الوجهة؛ ومن ثم فلنا أن نتصور الحديث عن العولمة بوصفها وجهاً للهيمنة الاقتصادية لرأس المال المحتكر للطاقة البشرية، وبحثه عن «تطويع» العقل والوجدان الإنساني بحيث يتعايش مع هذه الهيمنة ولا يتنافر معها، وفي سبيله إلى هذا «التطويع» لن يعدم استغلال إمكانياته الهائلة في «إغواء» أو حتى «إذلال» المؤسسات الإعلامية أو الثقافية أو «الدينية» مع الأسف الشديد لكي تدعم توجهاته وأهدافه، وهي الأهداف التي تتلخص في صناعة شخصية إنسانية شهوانية، فاقدة لأية قيم إنسانية راسخة، دينية أو أخلاقية، ذات هوس استهلاكي وفراغ عقلي ووجداني، وفاقدة لأية مناعة نفسية أو وجدانية أو عقلية ضد عمليات «التنميط» للشخصية الإنسانية؛ بحيث يمكن إعادة هيكلة اتجاهاتها وعواطفها كل حين كما لو كانت زياً في الملابس «موضة» وقصة الشعر. (٢) والحقيقة أن محاولات الدخول إلى العقل الإسلامي بقيم العولمة من بوابة الثقافة والفكر، والتي لم تعد تحتاج جهوداً أجنبية؛ حيث هناك من بني جلدتنا ولساننا من يتولون الدعوة الصريحة والفجة لها، أقول: هذا المدخل يعود أساساً إلى غياب الوعي والإدراك الكامل لمفهوم التبعية في العالم الثالث؛ حيث روجت القوى الثورية واليسارية والقومية التي قادت حركة الفكر في نصف القرن الأخير في العالم العربي والإسلامي، روجت للمفهوم السياسي والاقتصادي للاستقلال؛ بينما تجاهلت أو جهلت الأخطر والأفدح، وهو الاستقلال الفكري والثقافي؛ فكنت تجد بعض المدافعين عن الاستقلال الوطني مثلاً يمثلون هم أنفسهم بوابات التغريب والتبعية الثقافية في العالم العربي والإٍسلامي، بل من مفارقات الأمور التاريخية المذهلة ما سجله التاريخ المصري الحديث عن «صفية زغلول» المسماة بأم المصريين، زوجة الزعيم المشهور سعد زغلول، حيث قادت مظاهرة نسائية كبيرة في عشرينيات القرن الماضي ضد الاحتلال البريطاني وداعية إلى الاستقلال، وفي التظاهرة أعلنت هي ورفيقاتها خلع الحجاب وكأن ذلك جزء من النضال التحرري؛ رغم أنها في الحقيقة بهذا العمل الرمزي إنما تعلن التبعية الثقافية والقيمية للمستعمر الذي تطالب بالتحرر السياسي منه. إن من المفارقات الغريبة لدى بعض الكتاب والباحثين المشتغلين بالشؤون العامة - الفكرية والسياسية والحضارية - أنك تجدهم يتكلمون بانفعال وصرامة في أمر «التبعية» السياسية والاقتصادية للغرب أو الشرق، وينعون على مجتمعاتهم أو بعض القوى فيها عدم اكتراثها بالوقوف في وجه «التبعية» وفضح آثارها ومخاطرها، ومسها بمصالح المجتمع وكرامته ومستقبله كله، ثم إذا أنت تكلمت مع هؤلاء عن «التبعية الفكرية» ومخاطرها وآثارها بعيدة المدى في مصالح الأمة وشخصية إنسانها وجدتهم يتعجبون من كلامك ويستنكرون عليك منطقك ويتهمونك بالغلو والتطرف، وساموك أبشع ألوان الاستهزاء والسخرية، ثم أرهقوا أذنيك وأعصابك بالحديث عن العالم الذي أصبح قرية واحدة، والتلاقح الفكري، والانفتاح الثقافي ... إلى آخره. ولا شك أن هذه المفارقات تكشف عن غياب الوعي الراشد بجوهر مفهوم «التبعية» وأبعاده المختلفة، واستحالة الانتقاء في الموقف تجاهه، بحيث تقبل التبعية في جانب وترفضها في آخر. إن التبعية رذيلة إنسانية وحضارية بكل أبعادها، وهي مؤشر للانهيار الحضاري، وعقم المجتمع، وانعدام الإحساس بالتميز والكرامة معاً، وتلاشي قوى الأمة وقدراتها الإبداعية، ثم إن المنطق اليسير يؤكد أن «التبعية» - في المجال الفكري والثقافي أخطر بكثير من التبعية في السياسة أو الاقتصاد؛ إذ إن العلاقات السياسية أو الاقتصادية هي مما يتميز باللحظية والتحول، وكثيراً ما تتصل بمصالح مشتركة؛ مما يجعل لها وجه اشتباه لدى العامة في الإحساس بخطر «التبعية» فيها، وبما يؤمل معه القدرة على رفض هذه التبعية أو التخلي عنها في لحظة أخرى. أما في مجال الثقافة والفكر، فالأمر لا يتعلق بلحظة وإنما يتعلق بصياغة الشخصية الإنسانية ذاتها، ومعتقداتها، وقيمها، ومفهوماتها، ونظرتها إلى مختلف شؤون الحياة؛ فإذا حدث اختراق لهذا الكيان فهو تأسيس لشخصية جديدة بمواصفات جديدة يستحيل تغييرها بين لحظة وأخرى، وتكون معالجة الشرخ الاجتماعي - الذي تحدثه - شديدة الصعوبة، كما أن «التبعية الفكرية» هي في الحقيقة التي تمهد الواقع الاجتماعي للتبعية السياسية والاقتصادية، بل إنها هي التي تفقد الإنسان الإحساس بوجود تبعية من أساسها؛ إذ إن الإحساس بوجود التبعية يعود إلى تصور مسبق بأنك كيان متميز غير متمازج أو متماهٍ مع كيان آخر، وأن من حقك على هذا «الآخر» أن يحترم استقلال رأيك وقرارك ومصالحك الاقتصادية وغيرها. (٣) في العالم العربي الآن على سبيل المثال توجهات جديدة مثيرة في النشاط الإعلامي، في مرحلة ما بعد المحلية، أعني في مرحلة البث الفضائي، وهو جزء شئنا أم أبينا من آليات العولمة الجديدة، في المجال التقني على الأقل. هناك الآن في العالم العربي ظاهرة وجود نشاط ملحوظ لعدد جديد من البرامج الإعلامية التي ترسخ قيماً جديدة وخطيرة للغاية في البناء النفسي والعقلي للإنسان المسلم، ولعل الجدل الديني والصحفي الذي احتدم مؤخراً عن برامج «المسابقات» في قنوات تلفزيونية عديدة، يشير إلى أي مدى تجري المحاولات لاختراق المجتمع حتى المؤسسات الدينية لكي توظف في النهاية من أجل دعم توجهات «العولمة» على الصعيد المحلي؛ فهناك الآن برامج تلعب على «دغدغة» مشاعر الناس، والبسطاء بوجه خاص، وترسخ في روح المجتمع فكرة البحث عن «الثراء» السريع والخاطف هدفاً وطموحاً نهائياً، بدون بذل جهد حقيقي، وهي نوع من اللعب بالأوراق أو الأرقام، وبعض هذه البرامج يكون فيها «المقامرة» واضحة، سواء من خلال المقامرة بما يكتسبه المتسابق في مراحل سابقة من البرنامج المعروض، أو فيما يدفعه المتسابقون من أموال للاتصالات بأسعار خاصة، كأن يكون سعر الدقيقة المعتادة جنيهاً فيدفع في دقيقة الاتصال بالبرنامج خمسة جنيهات؛ فالأربعة الأخرى إسهام في مقامرة حقيقية، وعقب ما أصدره بعض العلماء من فتاوى صريحة بأن هذا قمار محرم شرعاً، فوجئنا بمؤسسات «دينية» رسمية تجتمع على عجل وبشكل استثنائي لكي تخرج على الناس، وعلى معالي الوزير، بفتوى تقول إن برامج المسابقات التي يبثها التلفزيون الرسمي حلال ولا شيء فيها. توظيف المؤسسة الدينية في خدمة توجهات السلطة السياسية هو أمر شائع إلى حد ما في العالم الثالث، وخاصة في النظم القمعية والاستبدادية، ولكن المثير للدهشة الآن أن توظيف المؤسسات الدينية لم يعد يتعلق بالسلطة السياسية ومصالحها مباشرة، بل هو توظيف لخدمة توجهات عالمية تصب في النهاية في خدمة احتكارات دولية كما تصب في خدمة قيم مدمِّرة ومخرِّبة للبناء النفسي والعقلي والاجتماعي في المجتمع؛ لأنها ترسخ معنى أن الحياة «مقامرة» وضربة حظ، وأن العمل الجاد والصبور والبناء ليس هو سبيل الثراء، وحينما تترسخ هذه المعاني في مجتمع يعاني ضعف الفعالية الإنتاجية أصلاً، ويعاني اختلالات هيكلية في اقتصادياته، فإن الأمر يكون أكثر تدميراً. والمثير للدهشة أن يتم هذا التدمير بمباركة مؤسسات دينية، وبصمت مذهل من نخب ثقافية تزعم الاستنارة والتحرر ومقاومة التبعية. الحادثة السابقة هي بلا شك وجه من وجوه العولمة في بُعدها الإعلامي، وإن كانت تكشف عن «توظيف» كل شيء لخدمة مخططات العولمة، بما في ذلك المؤسسات الدينية. (٤) والعولمة على الصعيد الثقافي والقيمي تستغل بعض المؤسسات الاجتماعية النسائية أيضاً لتمرير مشروعاتها ونسقها القيمي؛ بحيث تجري عملية تضليل للأولويات الاجتماعية؛ فتجد بعض الجمعيات النسائية في العالم العربي تخدم مخططات تخريبية في أوطانها لحساب قوى أخرى أجنبية دون أن تدري؛ بسبب الغفلة والبحث عن «الأصداء الإعلامية» العالمية لنشاطاتها المتحررة في بلاد العالم الثالث. وعلى سبيل المثال توقفت أمام خبر «معتاد» في صحيفة خليجية، والخبر يتعلق بنشاط بعض المنظمات النسائية في بلد عربي خليجي، وكان عنوانه يتحدث عن جهود لوضع صيغة قانونية صارمة من أجل تأخير سن الزواج للفتاة المسلمة في هذه الدولة؛ بحيث لا تقل عن ثمانية عشر عاماً، وكذلك تأخير سن الزواج للشباب. والذي يقتلك غيظاً وكمداً أن هذه الدولة تعرف حسب الإحصائيات واحدة من أعلى نسب العنوسة بين الفتيات! ! ومع ذلك تأتي منظمة نسائية لكي تتجاهل هذه الحقيقة المرة والمخيفة والمتعلقة بصميم بنية المجتمع وسلامته النفسية والأخلاقية والدينية لكي تحارب من أجل إصدار قانون لا يمثل أية أولوية اجتماعية أو نفسية في هذا البلد على الإطلاق؛ وإنما هو تقليد أعمى لتصورات وأولويات بلاد أخرى وشعوب أخرى لها نسيج اجتماعي مغاير تماماً لطبيعة مجتمعاتنا، ولها منظومة قانونية وأخلاقية مختلفة عن منظومتنا التشريعية والأخلاقية، ولو كان هناك إخلاص وعقل وتجرد للمصالح الحقيقية لأوطاننا وشعوبنا، لكان عكس الدعوة السابقة هو المطلب الملحّ مع وضع البرامج التربوية والنفسية المعينة عليه والموجهة له؛ أي أننا في حاجة إلى تبسيط الزواج وسبله بالنسبة للفتيات والشباب على السواء، وإلى خفض سن الزواج بالنسبة للاثنين بحيث تجد الفتاة والشاب فور بلوغهما ما يروي فطرتهما التي يشعل شياطين الإنس من حولهما جذوة نيرانها في كل موطئ قدم يطؤونه أو مكان يتلفتون إليه، في الشارع والمذياع والتلفاز والسينما والمسرح والإعلان والموسيقى والأغنيات التي تتبارى الآن في مستوى الخلاعة والتماجن، والبرامج الإباحية المتسترة في ثوب التثقيف الجنسي والاجتماعي، والروايات والقصص التي ينشرها مرضى وشواذ ومهووسون جنسياً. سيل عجيب ومتوالٍ يحاصر الفضيلة والعفة، ويعكر صفو الخاطر ويلوث الفطرة، ويدمر قيمة الحياء وبهاءها، بل وجدنا من يكتب أو ينشر أو يذيع برامج لمعالجة ظاهرة الحياء عند الفتاة أو الشاب، معتبراً ذلك مرضاً نفسياً لا بد من مقاومته، وإنما الصحة والعافية في التبجح والصفاقة وقلة الحياء. في مثل هذه الدوامات تكون الدعوة إلى حرمان الفتاة من حقها الفطري والإنساني في الحياة الزوجية الهانئة جريمة في حقها واعتداءً على حقها الإنساني، ولكن الذي لا يُذكر في الخبر وفي الواقعة أن معظم هذه «التوابل» السابقة التي أشرنا إليها أصبحت «صناعة» ولا بد لها من سوق، وحينما تتشكل مؤسسة الزواج بشكل فطري وطبيعي؛ فأين تكون أسواق بضاعة الجنس بمختلف صورها وأشكالها في الموسيقى والأفلام والبرامج والمجلات والقصص والأغاني والإعلانات وغيرها؟ ! فضلاً عن الأهداف غير المباشرة والمتمثلة في تدمير إمكانات المقاومة في نسيج المجتمع لأية قيم وافدة، وتحويل «الشهوة» والإشباع المادي إلى أن يكون هو الهدف وهو الغاية وهو الحياة؛ ومن ثم: توسعة سوق التجارة العالمية الجديد. (٥) من المهم في هذا السياق أن نوضح بعض المداخل المهمة التي يتخذها مروجو «العولمة» سبيلاً إلى «تهيئة» العقل والوجدان الإنساني لقبولها، ولعل من أبرز هذه المداخل مقولة: «العالم أصبح قرية واحدة» ، وهي أصبحت محور الرسالة الإعلامية الجديدة التي تقابل الإنسان العربي والمسلم الآن في الصحيفة والبرنامج الإذاعي والتلفزيوني وغير ذلك، وأصبحت هذه العبارة اللطيفة الظريفة إحدى بوابات التخريب القيمي في مجتمعات المسلمين، والعالم الثالث بوجه عام، بل هي في تقديري أحدث أنواع المخدرات الثقافية التي تستخدم لشل طاقات النقد والتمحيص تجاه الوافدات الفكرية والقيمية التي تتسلل إلى ديار المسلمين عبر أكثر من منفذ ووسيلة، فإذا أراد بعض «المستوردين» أو الوكلاء المحليين للتيارات القيمية والأدبية الأجنبية أن يسوِّقوا بضاعتهم المستوردة في مجتمعاتنا، على ما فيها من إباحية أو شذوذ فكري أو فساد عقَدي فتجدهم لا يكلفون أنفسهم عناء بذل الجهد الفكري والمعرفي المخلص لنقد هذا الجديد، وطرح المسوِّغ الموضوعي لتمريره بين الناس، على ما فيه من خطر بالغ، وإنما يكفيهم أن يصكوا وجهك بالعبارة السحرية: «يا أخي! إن العالم أصبح قرية واحدة» ! بمعنى: إنك لا تستطيع أن تعزل نفسك عن مجريات العالم وتياراته، وعلى الرغم من معقولية منطلق هذه العبارة، فإن ترجمة الموقف المترتب عليها هو الذي يحمل الخبث والتضليل؛ فالعالم تتقاطع المؤثرات العالمية فيه، وتمرر الكثير من هذه التيارات عبر أجهزة الاتصال الحديثة التي تطوي المسافات بل وتلغيها، إلا أن هذا الاختراق التقني لا يمكن بحال أن ينفي خصوصيات الشعوب، ولا أن يدمر بنيان القيم، ولا أن يزلزل ثبات المعتقد والدين، ولا أن يبدل المقومات الأساسية للمجتمع، أي مجتمع؛ ولذلك تجد أن الدول الأوروبية ذاتها التي سوَّقت لنا هذه العبارة الرشيقة تتخذ أحياناً من القوانين والإجراءات ما يقطع بفساد قصة: «العالم الذي أصبح قرية واحدة» ، كرفض السلطات الفرنسية السماح للعرب المهاجرين باستخدام أجهزة البث الفضائي «الدش» في بعض المناطق، ومصادرة السلطات السويسرية لبعض كتب روجيه جارودي، ومصادرة السلطات البريطانية لكتاب عن «مارجريت تاتشر» أو فيلم عن المسيح رأت أنه مغرض ومسيء، ومصادرة السلطات الفرنسية لكتب سيد قطب وأحمد ديدات، ثم تراجعها عن بعض ذلك، وموقفها من الحجاب، ومن استعمال كلمات غير فرنسية لمحلات ونحوها، كما أن التجوال في العالم المعاصر يؤكد لنا بالبرهان الحي أنه على الرغم من الجبروت الإعلامي عابر القارات، فإن طبائع الشعوب وخصوصياتها، الثقافية والدينية والخلقية تبقى متمايزة، بمعنى أن الصمود ممكن، والحفاظ على الهوية يرتبط بإرادة الشعب الذي يرفض الذوبان فيما يصنعه الآخرون، وأن العالم يبقى على الرغم من كل شيء ثقافات وهويات، وليس هوية واحدة، وليس قرية واحدة، ولكن الإلحاح ما زال مستمراً على تمرير هذه المقولة في أوساط النخب الثقافية والإعلامية في بلادنا، بل تسللت إلى أحاديث رجل الشارع. (٦) كيف يمكن أن نتفاعل مع «العولمة» في المجال الإعلامي؟ من دون مبالغة يمكننا القول أن أهم المكتسبات التي حققتها العولمة لشعوب العالم وأعظمها هي تلك التي تكونت على الصعيد الإعلامي؛ حيث إن ظهور شبكة الإنترنت الرهيبة مثَّل انقلاباً كبيراً في معنى التواصل الإنساني، ومعنى الحوار، ومعنى الرسالة الإعلامية العالمية، كما أن ظهور البث الفضائي الإذاعي والتلفزيوني أتاح فرصاً مدهشة للتواصل الإعلامي الفعال مع كل إنسان في العالم، وبشكل لم يتصوره الناس من قبل. وكذلك تخفيف حساسيات الدولة القومية من وجود النشاطات الإعلامية والإنسانية الأجنبية على أراضيها جعل هناك مساحة واسعة من الحركة والتفاعل الإنساني بين الصوت الإسلامي والإنسان المعاصر في غير ما مكان من عالم اليوم. والذي لا شك فيه أن هذه الآليات هي نتاج تغوُّل فكرة العولمة، والبحث عن وسائل لاختراق الحدود أو تجاوزها وبسرعة توصيل الرسالة الفكرية والإعلامية المراد توصيلها إلى كل إنسان على وجه الأرض وبسرعة فائقة. وقد نجحت بلا شك المؤسسات الإعلامية الدولية في الاستفادة من هذه الآليات بما يخدم مصالحها، وقد وصل جزء كبير من الفساد عن هذا الطريق إلى الإنسان المعاصر في العالم الإسلامي والعربي بشكل خاص، ولكن بالمقابل فإن هذه الآليات قد أتاحت قدراً مدهشاً للحركة أمام النشاط الإسلامي الإعلامي والثقافي، ويكفي أن نشير إلى أن غالبية المواقع العربية على شبكة الإنترنت هي لمؤسسات إسلامية صغيرة أو كبيرة أو حتى شخصية، واستخدامات البريد الإلكتروني وساحات الحوار ونحو ذلك خير شاهد على هذه الحقيقة. هناك أيضا المئات بل الآلاف من الإصدارات والمجلات والصحف الإسلامية التي تبث الآن عبر الإنترنت وتصل إلى أنحاء العالم كافة مخترقة حواجز رهيبة كان من العسير عليها في السابق اختراقها مهما أوتيت من قوة وقدرة مالية أو غيرها؛ بل إن شبكة الإنترنت أعطت الجهاد الشيشاني على سبيل المثال إمكانية الصمود أمام آلة الإعلام الروسي الجبارة، وأصبح موقع المجاهدين على الشبكة أحد أهم مصادر وكالات الأنباء الدولية عن الأوضاع في الشيشان، وكذلك مصدراً مهماً للصحف والمجلات، ولو كان هذا الأمر قبل عشرين أو ثلاثين عاماً لما شعر أحد بالمعاناة الشيشانية ولتم دفنها كما دفن الجهاد الكشميري زمناً طويلاً قبل أن يبدأ في التواصل مع العالم الخارجي. إن شبكة الإنترنت ساعدت على إحياء معاني كبيرة وجليلة في الحالة الإسلامية، وفي مقدمتها معنى «الجسد الواحد» للأمة إذا اشتكى منه جزء تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، ورغم كل المكتسبات التي حققتها الصحوة الإسلامية من خلال الاستفادة من شبكة الإنترنت، فإن هناك مجالات رحبة وواسعة يمكنها استغلالها بشكل أفضل؛ ومن ذلك إنشاء صحف يومية مختلفة وقنوات إذاعية وتلفزيونية عبر الشبكة. ومما يبشر بالخير أن نجد الكثير من الشباب الإسلامي متميزاً للغاية في خبرة التعامل مع التطور التقني والمعلوماتي الجديد بصورة تبهج النفس، ويبقى حضور الأفق الجيد الذي يرسم خريطة الحالة الإسلامية؛ ومن ثم يرصد احتياجاتها، ثم يحدد الطرق والوسائل التي يسد بها هذه الاحتياجات من خلال هذا المنفذ الجديد والمثير. أيضاً على صعيد البث الفضائي، أعتقد أن هذه نافذة مهمة للغاية، وما زال الإسلاميون عاجزين عن الاستفادة منها. صحيح أن هذه الخدمات تحتاج إلى إمكانيات مادية أعلى بكثير من تلك التي يحتاجها العمل من خلال الإنترنت، إلا أن الإسلاميين لا يهتمون بتدريب الكفاءات الفنية التي يمكن لها تحريك عمل مثل هذا مستقبلاً، كما لا يوجد في حدود علمي جهود حقيقية لدراسة الإمكانيات الفعلية لتحقيق هذا الطموح، وفي تقديري أنه إذا نجحت الدعوة الإسلامية في اختراق هذه الآلية الجديدة للتواصل مع القواعد العريضة من الناس فإنها ستربح كثيراً من الوقت والجهد وتقفز بالدعوة قفزات كبيرة. وقد لمست ذلك بنفسي من خلال تجربة محدودة في العمل من خلال إحدى القنوات الفضائية الإسلامية، ولمست كيف يمكنك أن تصل إلى الملايين من أقصر طريق وبأفضل تأثير، وأذكر أن أستاذًا جامعياً إسلامياً في مصر، ظل على مدى أربعين عاماً يكتب في الشأن الإسلامي وفي الدعوة والتنمية وغيرها، فلم يعرفه ويعرف دعوته إلا نفر قليل، ثم ظهر في برنامج تلفزيوني لعدة حلقات وكان موفقاً فيه فأصبح يتابعه الملايين وتحول إلى نجم جديد وكبير، وأفردت له صحيفة الأهرام المصرية أكبر صحيفة مصرية وربما عربية صفحة كاملة كل أسبوع يكتب فيها ما يشاء. وكذلك فإن الحضور المتتالي لبعض الرموز الدعوية ممن أثاروا جدلاً واضطراباً بفتاواهم، يعود بشكل مباشر إلى نجاحهم في استثمار البث الفضائي والحضور الجيد من خلاله، في حين لم ينجح وربما لم يتحمس آخرون فخسروا الكثير من تأثيرهم الدعوي، كما خسر جمهور الناس إمكانية الاستماع والتواصل مع الرأي الفقهي الآخر. (٧) الذي لا شك فيه أن «العولمة» هي نوع جديد من أنواع الاستعمار فيه كل ما في الاستعمار القديم من صفات، وله ما لسَلفه من الأهداف والغايات، غير أنه طور نفسه مستغلاً آليات حديثة مدهشة، واستفاد من دروس الماضي حين أخفى مخالب الاستعمار القاسية تحت ألفاظ ناعمة: كالتعاون، والشراكة، والتعاون المتبادل، وحشد إلى جوار القوة العسكرية هيمنة المال والاقتصاد والتقنية الحديثة ووسائل الثقافة والإعلام، وأسباب التسلية والترفيه. وهذه الهجمة الكاسحة على مناطق الضعف والفراغ سوف تُحدث أثرها دون شك، لكن ذلك سوف يكون لمدى محدود، يطول أو يقصر وفقاً للظروف، وبالأساس وفقاً لقدرات الشعوب على المقاومة والمحافظة على استقلاليتها، وقدرتها على حفظ هويتها وصلابتها في الصمود أمام تيارات الإغراق الإعلامي والثقافي والاستهلاكي التي تهجم عليها من كل جانب. ونحن على يقين من أن العولمة بقدر ما يظهر عليها من علامات القوة والسطوة فإنها تحمل معها بذور ضعفها وانهيارها، ومن شأن هذه البذور أن تزداد نمواً كلما اتسعت الدائرة وتعددت مناطقها ومساربها؛ وأهم نقاط الضعف أنها نظام مادي صِرف يقوم على الجشع والسيطرة والاستغلال، وشهوة الكسب، ويثير أكثر الميول وضاعةً في النفس الإنسانية: ميول التقليد الأعمى، وتخدير العقل حقيقة أو مجازاً، وعشق المظاهر، والتبذير، واعتماد الانتهازية في السلوك والكسب، والعمل وفق منطق «الحظ والمصادفة» ، والاستسلام للشهوات، وبتعبير آخر: إطلاق الوحش البدائي الذي يسكن أعماق الإنسان، وتحطيم تلك الكوابح الأخلاقية التي جاء بها الأنبياء، أو حتى تلك البقايا الأخلاقية التي تحدث بها فلاسفة وحكماء، ومن شأن هذه الميول أن تزداد ضراوة كلما اشتدت التناقضات التي تفد مع المادية كالطبقية والظلم الاجتماعي، وتفاوُت الدخول، وغَلَبَة الاستهلاك على الإنتاج، وفي غيبة التدين وانحسار القيم والأخلاق تصل هذه التناقضات ذروتها في موجات العنف، والإرهاب، والتصدعات الاجتماعية العنيفة، والحروب الأهلية، وتقع الصورة التي حذر منها القرآن الكريم أمثال هذه المجتمعات: [قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ القَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ] (النحل: ٢٦) ، ويبقى أن يبذل المخلصون من أبناء هذه الأمة جهدهم الدؤوب والصبور من أجل التبصير بالمخاطر، وحماية الناشئة، والتميز والإبداع في بث القيم الراشدة وبالأسلوب المناسب عبر الآليات الجديدة؛ فكل هذه الجهود من شأنها أن تثمر بإذن الله في جعل أمتنا عصية على «التنميط» والتبعية؛ ومن ثم بعيدة عن دوامات العولمة، على الأقل في جانبها العقدي والقيمي.

стр. 4139

ملفات العولمة.. مقاومة وتفاعل العولمة الفكرية الإسلامية أ. د. عابد السفياني [*] إن «الإسلام» هو الرسالة الخاتمة التي أُرسل بها رسولنا محمد عليه وعلى إخوانه المرسلين أفضل الصلاة والسلام، وهي رسالة عالمية لها مبادئها الشاملة لجميع أحوال البشرية العقدية والتشريعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخاصة والعامة، ويدخل في ذلك من آمن بها من أهل الإسلام ومن دخل تحت أحكامها ونظامها التشريعي من غير المسلمين. ومن المناسب أن نقول إن انحسار العولمة الإسلامية هو سبب لفتح الطريق للعولمة الكفرية. والعولمة الفكرية الغربية هي اتخاذ الأمم الكافرة الوسائل لنشر مبادئها ونظمها وأفكارها عالمياً، وهو ما يُسمى الآن بـ «العولمة الفكرية» بالنسبة للغرب التي تتمثل في نشر أفكاره ونظامه. ونذكر مثالاً يوضح الفرق بين العولمة التشريعية في الإسلام، وبين العولمة التشريعية بالنسبة للكفار. حرّم الإسلام نكاحَ المحارم، وحرّمَ السفاح والزنى واللواط على المسلمين وعلى غير المسلمين من الكفار اليهود والنصارى، والمجوس وغيرهم، وقام المسلمون بدعوة الناس جميعاً لاجتناب الرذائل، وألزموا مَنْ دخل في الإسلام بتركها، ومَنْ بقي على كفره وكان مع المسلمين في بلادهم أيضاً؛ لأنها محرمة على الجميع، ونُشِرَ هذا التشريع عالمياً واستفاد المسلمون والكفار من الآثار الإيجابية المترتبة عليه، فانحسرت الرذائل وآثارها السلبية [١] ، وهذه عولمة تشريعية إسلامية. أمّا الكفار فيحاولون أن يعولموا الإباحية ويُصدروا التشريعات التي تبيح الفواحش والشذوذ وينشروها من خلال الأنظمة الوضعية والمؤتمرات الخاصة بالمرأة والسكان، وإطلاق الحريات. ولهذا فإنني أرى أن توصف جهود المسلمين في نشر الإسلام عالمياً بقولنا: «العولمة الفكرية الإسلامية» ويشمل ذلك التعريف بالإسلام، ومن ثمرته دخول الناس أفواجاً في الدين، وهؤلاء بمقتضى الإسلام يكون معهم العلم به والعمل، ويُطلب منهم أن يشاركوا في نشره وهذا يوسع دائرته العالمية. وأمّا الكفار الذين يدخلون تحت حكم الإسلام ونظامه فهؤلاء يدخلون تحت «العولمة الفكرية والتشريعية» إن صح التعبير، وإن لم يدخلوا تحت اسم الإسلام. فالعولمة التشريعية أو الفكرية الإسلامية تعني نشر الإسلام عقيدةً، كما تعني نشر النظام الإسلامي، ويشمل ذلك مصطلح الدعوة الإسلامية. وأمّا جهود الأمم الكافرة في نشر أنظمتها وأفكارها وتشريعاتها الرأسمالية أو الإباحية فيجب أن يُسمى ذلك بـ «العولمة الكفرية» ، ويشمله قولنا: الدعوة الكفرية، أو الدعوة إلى الكفر، أو الدعوة لنشر أنظمة الكفار ومناهجهم ومذاهبهم. ذكر الأدلة النقلية والعقلية على وجوب إخضاع البشرية لعالمية الإسلام: ١ - قال الله تعالى: [كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ] (البقرة: ٢١٣) . عن ابن عباس ﵄ قال: «كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق» ، قال ابن كثير ﵀: «وهذا القول صحيح عن ابن عباس سنداً ومعنى؛ لأن الناس كانوا على ملة آدم ﵇» [٢] . ففي هذه الفترة كان العالم يعيش تحت شريعة واحدة وهذا هو الأصل في البشرية، وهذه الشريعة الإسلامية هي الحق والهدى والخير والعفاف، ويقوم على ذلك حفظ الدين والأنفس، والعقول، والأعراض، والأموال. ٢ - أن الشرائع الإسلامية في جميع العصور جاءت بالنظام الذي يحفظ تلك الضروريات التي يسميها العلماء الضروريات الخمس التي سبق ذكرها آنفاً، والتي تكوّن الأمة الواحدة ذات المبادئ الواحدة والنظام العالمي الواحد، وقد طرأ الاختلاف في البشرية بعد أن لم يكن، فلما وقع الاختلاف، وطرأ الشرك، وظهرت الخرافة والظلم والبغي، وخالف بعض الناس الشرائع الإسلامية أرسل الله نوحاً ﵇ ليرد الناس إلى ما كانوا عليه. يؤكد ذلك أنه مَا مِنْ نبي ورسول إلا ويأتي بالدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك، والأمر بإقامة أركان الإسلام والإيمان وتطبيق الشرائع الحافظة للأنفس والأعراض والعقول والأموال. قال الله تعالى: [وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً] (الإسراء: ٢٣) ، وقوله سبحانه: [أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ] (يس: ٦٠- ٦١) . وقوله سبحانه: [وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ] (البقرة: ٨٣) . وجاء الرسول الخاتم محمد ﷺ يجدد هذه الدعوة لتكون للعالمين نذيراً، ولتكون للعالمين ذكراً: [إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ] (التكوير: ٢٧) . [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ] (الأنبياء: ٢٥) . ويؤكد القرآن مفهوم الأمة الواحدة العالمية: [إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ] (الأنبياء: ٩٢) . ومن أكبر مقاصد هذه الوحدة العالمية ما يلي: أ - تذكير البشرية بنشأتها الأولى. ب - تأكيد وحدة الفطرة الإنسانية. ج - تأكيد حاجة البشرية للعبادة المبنية على التوحيد الخالص. د - تقديم الحلول العملية التطبيقية للمحافظة على مصالح البشرية الدنيوية والأخروية؛ ففي الدنيا المحافظة على تلك الضروريات، وفي الآخرة النجاة من النار ودخول الجنة، والفوز برضوان الله. ٣ - عناية الإسلام العظيمة بتأكيد حفظ ضرورات البشرية، واستمرار نشأتها الخيّرة الأولى. وإن من المقاصد العظيمة للإسلام كف البشرية عن الشرور التي ترتبت على الاختلاف الذي وقع بسبب الشرك والظلم والبغي والفواحش؛ ولهذا قال الله سبحانه: [كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (البقرة: ٢١٣) . فأما الفريق من الناس الذين ظلموا وبغوا وتركوا مقتضى العلم الصحيح والعمل بالهدى والحق، فهؤلاء خلافهم وشرورهم طارئة على البشرية، وترتب على هذا الخلاف نشوء جميع الضلالات والانحرافات العقدية والعملية الموجودة في هذا العالم؛ فكانت رسالات الأنبياء ﵈ تُعنى بمحاربة تلك الشرور التي ترتبت على تلك المخالفات مع عنايتها بتجديد التوحيد والأمر بإقامة أركان الإسلام. ولهذا ذكر العلماء ﵏ أن كل مقصد من مقاصد الإسلام بُني من جهتين: من جهة إيجاده والقيام به، ومن جهة حمايته، ومن الأمثلة على ذلك ما يلي: أمر بالتوحيد ونهى عن الشرك، أمر بالصدق ونهى عن الكذب، أمر بالزواج ونهى عن الزنا، أمر بالصدق والعفاف ونهى عن قطع الأرحام والفواحش، أمر بالعدل في المعاملات ونهى عن الجور والربا والعقود الفاسدة، أمر بالوفاء ونهى عن الغدر والخيانة، وغير ذلك من المبادئ العالمية؛ أي التي هي ذكر للعالمين ويحتاجها جميع الناس، ولا تصلح الأرض إلا بإقامة التشريع الإسلامي، ثم المحافظة عليه. وواضح من هذه الأمثلة: أن الطارئ على البشر هو الفساد والشرك والفواحش والربا والغدر والخيانة والطغيان السياسي والاقتصادي والإباحي، وهذا كله طارئ على نشأة البشرية، ومخالف لفطرتها؛ ولهذا شدد الإسلام على أتباعه، وأمرهم بمحاربة هذا الفساد، وأن يشهدوا عن طريق نشر العلم والدعوة، وعن طريق العمل والواقع بتجريم هذه الانحرافات، ورد البشرية عنها. ولما ضعُف جهد المسلمين العلمي والعملي والدعوي وانحسرت قوتهم ازداد الكفار في غيهم ومخالفاتهم وانحرافاتهم، وعظُم الطغيان الرأسمالي، والربا، ونشر الفساد والإباحية والانحرافات الأخلاقية، وما زالوا يحاولون عولمتها. وهذا كله من مسائل الجاهلية التي جاء الإسلام لمحاربتها. والواجب على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها نشر العلم والاعتقاد والعمل الذي يقف في وجه هذه الانحرافات والشرور والفساد، ورفض هذه العولمة المنحرفة سواء من الناحية الفكرية أو التشريعية، وتقديم البديل الذي هو: العولمة الإسلامية العقدية لمن يقبل الإسلام ديناً، والفكرية والتشريعية لمن يخضع له نظاماً، أو يستفيد من مبادئه وتشريعاته. ونختم هذا المقال بصورتين لهما أكبر الدلالة فيما نحن فيه: الصورة الأولى: صورة للعولمة الفكرية أو التشريعية أو العقدية الكفرية قبل بعثة النبي ﷺ كما وردت في الحديث الصحيح: قال رسول الله ﷺ : «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب» [٣] . أي قليل من أهل الكتاب على دين صحيح لم يُبدل. وهذه هي الصورة لحياة الجاهلية قبل بعثته ﵊؛ ولهذا نقول: إن العولمة الكفرية التي يقوم بها الغرب اليوم هي عولمة مقيتة ممقوتة؛ لأنها مبنية على مسائل الجاهلية: من رأسمالية، وربا، وإباحية، وطغيان سياسي. أما الرأسمالية فإنها تضطهد الفقراء شعوباً ودولاً وأفراداً، وأما الربا فهو السبب الكبير في المشاكل الاقتصادية التي أرهقت الشعوب، وأما الإباحية فقد حوّلت المرأة إلى سلعة تُستعمل في الجنس والدعاية والفن الرخيص. ولا يزال الغرب يبذل ما يستطيع لعولمة هذه الانحرافات، ويحارب الشريعة الإسلامية؛ لأنها تجرّم الطغيان الرأسمالي والإباحية وتنهى عن الظلم والفحشاء. وأما الطغيان السياسي فقد نشر الظلم، وأهدر الحقوق وأصبح القوي هو الذي يتحكّم كما يشاء. ولهذا فإن مَنْ أسمى نفسه: «النظام العالمي الجديد» يعتبر العالم قريةً واحدة يريد أن يعولم فيها أفكاره وتشريعاته الرأسمالية والإباحية والسياسية، وكل ذلك على حساب كرامة الإنسان ومقدرات الشعوب. الصورة الثانية: المبادئ الإسلامية العالمية ويتحدث عنها رجلان، أحدهما زعيم من زعماء الجاهلية الأولى، والثاني رجل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما الأول: فهو أبو سفيان بن حرب القرشي قبل أن يُسلم؛ وذلك حين سأله زعيم من زعماء الروم عن الإسلام ومبادئه العالمية؛ فقد جاء في الحديث الطويل الذي رواه عبد الله بن عباس في قصة كتاب رسول الله ﷺ إلى قيصر: قال قيصر لأبي سفيان: «فماذا يأمركم؟ قال: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف، والوفاء بالعهد وأداء الأمانة» [٤] . ودعوة النبي ﷺ إلى الإسلام هو أول مراحل نشر العالمية الإسلامية. وأما الثاني: فهو الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب ﵁ الذي تحدث عن الإسلام في بلاد الغربة عند الملك النجاشي، وقبل أن نذكر قيام جعفر ﵁ وأصحابه بإعلان المبادئ العالمية للإسلام عند النجاشي نحب أن نشير إلى أن أبا سفيان بن حرب في كفره لو استطاع هو وقيصر أن يعولموا مبادئهم الضالة لفعلوا، وقد حاولت قريش أن تعمم انحرافاتها وموقفها من الدعوة الإسلامية، وأن تطارد المسلمين في خارج أراضيها وحدودها، وحاولت أن تقنع النجاشي بأن ما هي عليه من الشرك والفساد في الأعراف السياسية، والاقتصادية والظلم الاجتماعي إنما هو العدل، وهو الذي يجب البقاء عليه وهو الصالح للحياة البشرية، وأنّ تعاونهم على إبقائه والدفاع عنه هو السبيل لمقاومة مبادئ الإسلام، وهنا يظهر الصراع بين الكثرة التي تريد أن تنشر المبادئ الكفرية وتُعوْلمها، وبين القلة التي ترفض عولمة الكفر والتشريعات المنحرفة، وترفض الظلم في جميع مجالاته سواء الظلم في الاعتقاد، أو الظلم السياسي، أو الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو الأخلاقي، وهي مع رفضها لهذه الشرور والانحرافات تقاوم الغربة والاضطهاد، وتعلن عولمة المبادئ الإسلامية ولو كره المشركون. وإليك صورةً من المواقف العملية لأصحاب رسول الله ﷺ وهم يقفون مُتجردين من كل قوة إلا قوة الإيمان؛ لتكون نبراساً وقدوة لنا على الطريق ونحن نواجه عولمة الانحراف في شتى مجالاته في هذا العصر، ونترك القارئ في ختام هذا الحديث يتملى هذه الصورة النيرة للمواقف المشرفة كما ذكرها ابن إسحاق في السيرة النبوية. قالت أم سلمة بنت أبي أمية: «لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جارٍ النجاشي، أَمِنَّا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلَيْن منهم جَلْدَيْن، وأن يُهدوا للنجاشي هدايا مما يُستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدَم [٥] ، فجمعوا له أدماً كثيراً، ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تُكلما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي هداياه، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يُكلمهم. قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار، عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يُكلما النجاشي، وقالا لكل بطريق منهم: إنه قد ضَوَى [٦] إلى بَلَد الملك منا غِلْمانٌ سُفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مُبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عيناً [٧] ، وأعلم بما عابوا عليهم؛ فقالوا لهما: نعم. ثم إنهما قدّما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك! إنه قد ضوى إلى بلدك منّا غلمان سُفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم؛ فهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي. قالت: فقالت بطارقته حوله: صَدَقا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عَيْناً، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسْلمْهم إليهما فليردّاهم إلى بلادهم وقومهم. قالت: فغضب النجاشي، ثم قال: لا ها الله! إذاً لا أسلمهم إليهما، ولا يُكاد قومٌ جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على مَنْ سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك مَنعتُهم منهما، وأحسنتُ جِوارهم ما جاوروني. قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم، فلما جاءهم رسولُه اجتمعوا، ثم قال بعضُهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول: والله ما عَلِمْنا، وما أمرنا به نبينا ﷺ كائناً في ذلك ما هو كائن. فلما جاءوا، وقد دعا النجاشي أساقفته [٨] ، فنشروا مَصاحفَهم حولَه سألهم فقال لهم: ما هذا الدينُ الذي قد فارقتم فيه قومَكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه الملل؟ قالت: فكان الذي كلّمه جعفرُ بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك! كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويُّ منّا الضعيفَ؛ فكنّا على ذلك؛ حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصِدْقه وأمانَتَه وعفافَه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبدَه، ونخلَع ما كنا نعبدُ وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمَرَنا بصِدْق الحديث، وأداء الأمانة، وصِلة الرحم، وحُسْن الجِوار، والكَفِّ عن المحارم والدِّماء، ونهانا عن الفَواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقَذْف المُحْصنات؛ وأمَرَنا أن نعبد الله وحده لا نُشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام قالت: فعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرَّمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومُنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردُّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنّا نستحلُّ من الخبائث، فلما قَهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على مَنْ سواك؛ ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم! فقال له النجاشي: فاقرأه عليّ! قالت: فقرأ عليه صدراً من: [كهيعص] (مريم: ١) . قالت: فبكى والله النجاشي حتى اخضلت [٩] لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، حين سمعوا ما تلا عليهم؛ ثم قال [لهم] النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة [١٠] واحدة. انطلقا، فلا والله! لا أسلمهم إليكما ولا يُكادون» [١١] . وهكذا يجب أن يبيّن المسلمون للعالم عالمية الإسلام، ويدعوا إلى مبادئه؛ كما أظهر جعفر ﵁ مبادئ الإسلام وعدَّد منها التوحيد، وإنكار الشريك والخرافة والتقليد، كما عدَّد منها الصدق، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحُسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء والفواحش وقول الزور، واستنكر رضي الله عنه أمر الجاهلية، وقد فهم النجاشي ملك الحبشة أن هذه المبادئ، وهذا الحق هو الذي جاء به عيسى ﵇ وأنه يخرج من مشكاة واحدة، ورد زعماء الجاهلية الذين خرجوا من مكة يطاردون الدعوة الإسلامية. ومثلهم أولئك الذين يطاردون الفضيلة ومبادئ الدعوة الإسلامية اليوم، ويخططون لعولمة الرأسمالية والإباحية ويتعجبون من المبادئ الإسلامية والفضيلة، ويكرهون أن ينتشر الحق في البشرية. إن خطط الجاهلية الأولى قد أخفقت في محاربة الحق والفضيلة والعفاف والخير، وكذلك خطط العولمة الكفرية المعاصرة؛ والإسلام اليوم قد خطا خطوات واسعة نحو العالمية من حيث العلم والفكر، وكما انحسرت الجاهلية الأولى أمام مبادئ الإسلام يوم قام أمثال جعفر ﵁ باستنكار أمر الجاهلية وإعلان مبادئ الإسلام فكذلك اليوم ستنحسر العولمة بإذن الله إذا قام المسلمون بمثل ما قام به دعاة الإسلام في جيل القدوة، وسيتقدم الإسلام نحو العالمية لا من الناحية الفكرية فقط، بل من الناحية العملية العقدية والتشريعية، وسيدخل الناس تحت سلطانه إمّا بمقتضى عقد الإسلام، وإما بالخضوع لنظامه، والله سبحانه ناصر دينه، وهو نعم المولى ونعم النصير.

стр. 4140

وقفات فقه التوبيخ أحمد بن عبد الرحمن الصويان alsowayan@albayan-magazine.com في بداية كل مأساة إسلامية يثير بعض الناس قضية متكررة، وهي (حكم مناصرة المسلم المبتدع أو العاصي) ؛ فلما بدأ الجهاد الأفغاني الأول ضد الاتحاد السوفييتي البائد تحدث بعضهم عن حكم مناصرة المبتدعة والجهاد في صفوفهم، ثم أثيرت هذه المسألة ثانية في إغاثة الصومال والبوسنة والهرسك وكوسوفا ... وأخيراً في أفغانستان، وأحسب أن هذه الإثارة المتكررة تمثل خللاً ظاهراً في المنهج، واضطراباً بيّناً في التفكير، والناس إزاء ذلك طرفان ووسط: فالطرف الأول: الذي يهوِّن من شأن البدع مهما كان انتشارها ورسوخها، ويغض الطرف عنها تماماً بحجج متعددة، أشهرها: (وجوب وحدة الصف) ، وأن الوقت ليس وقت جدل كلامي؛ فالصفوف إما أنها تُقصف بنيران الأعداء، أو أنها تتلوى جوعاً ومسكنة..! والطرف الثاني: الذي يُعظِّم من شأن البدع تعظيماً شديداً يتجاوز الحد الشرعي، فيأمر بهجر أصحابها مطلقاً، وخاصة في ظل المأساة، ويمنع مساعدتهم ومناصرتهم، وربما استدل بعضهم بما رواه ابن أبي عاصم عن علي بن بكار قال: «كان ابن عون يبعث إليَّ بالمال فأفرقه في سبيل الله، فيقول: لا تعطِ قدرياً منه شيئاً. وأحسبه قال فيه: ولا يغزون معكم؛ فإنهم لا يُنصرون» [١] . والحق والعلم عند الله وسط بين طرفين، وهو الجمع بين المناصرة والتعليم وتصحيح العقائد والعبادات والأخلاق.. ونحوها من شرائع الإسلام، وليس من الشرع أن يُسْلَم المسلمون للعدو الكافر، أو يتركوا للمجاعة بحجة وقوعهم في بعض البدع والمعاصي؛ فكيف إذا كان الأمر قائماً على الجهل؟ ! وقد صح عن رسول الله ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلِمه» [٢] ، وهل هناك خذلان للمسلم أشد من تركه لقمة سائغة بيد عدوه الكافر، أو تركه يتقلب تحت رحى المجاعة حتى تفتك به وبصبيانه الصغار..؟ ! وأرى من المفيد تأكيد الأمور الآتية: ١ - أنَّ البدعة شأنها عظيم، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ قوله: «.. فإنه من يعش منكم فسيرى بعدي اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة» [٣] ، ولا يجوز بحالٍ الرضى بالبدعة أو التهوين من شأنها بل يجب أن تأتلف الجهود لتنقية الدين من شوائب الضلالة، ويتأكد ذلك في حال الجهاد؛ فصفاء الصف الجهادي ونقاؤه منهجياً وعقدياً وتربوياً من أعظم أسباب النصر والتمكين بإذن الله. والجهاد إنما أُمِرَ أن يرفع لواؤه لإقامة الدين الصحيح، وإعلاء سنة سيد المرسلين ﷺ ، والمجاهد الذي بذل نفسه لإعلاء الدين يجب عليه أن يحرص على لقاء الله تعالى طاهراً من كلِّ سوء. ٢ - أن الأمة الإسلامية مرَّت بقرون متتابعة من التخلّف وهجر السنة واندراس العلم، وأصبح الجهل منتشراً بين عامة المسلمين؛ فالشعب الأفغاني مثلاً لا يتجاوز عدد المتعلمين فيه نسبة ٥% تقريباً، ونسبة من هؤلاء المتعلمين تعلمهم للشرع ليس بذاك المتين، ومن المتوقع أن تنتشر عندهم البدع والخرافات المتوارثة، والحل ليس بهجرهم والإعراض عنهم، ولكن بتأليف قلوبهم، والإقبال على تعليمهم والصبر على نشر الدعوة بينهم، وبعض القائمين على الجمعيات الإسلامية هناك تلمس منهم الصدق والجدية في التصحيح التدريجي ونشر العلم الشرعي في أوساط العامة، والترحيب بالناصح المشفق، ومثل هؤلاء لم يُبقوا لنا حجة في تركهم؛ فكيف يجوز الإعراض عنهم..؟ ! ٣ - أن التناصح بين المسلمين سنَّة قائمة يجب إحياؤها والحرص على ترسيخها وإشاعتها، ولكن النصيحة لن تؤتي ثمارها إلا إذا حُفظت بسياج من الحكمة وحسن الخلق، قال الله تعالى: [اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى] (طه: ٤٣-٤٤) ، وقال تعالى: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ] (آل عمران: ١٥٩) . وأذكر أنني زرت بعض اللاجئين الصوماليين في كينيا قبل عدة سنوات، فرأينا طفلاً في مركز من مراكز التغذية الإغاثية قد علَّق تميمة، فقطعها أحد الدعاة بغضب شديد وعاتب المشرف على المركز لرضاه بدخول هذا المبتدع..! ! فقلت له: أتظن أنَّ هذا الطفل سيعيد التميمة إذا عاد إلى بيته؟ ! فقال: بالتأكيد. فقلت: إذن لم يتحقق المطلوب، فالأَوْلى أن تزيلها من عقله وتُعلِّمه هدي النبي صلى الله عليه وسلم برفق، وتحرِّض الدعاة على متابعته والأخذ بيده إلى السنة الصحيحة، وستجده بإذن الله يبادر إلى قطعها بقناعة راسخة منه. ٤ - هجر المبتدعة والعصاة يجب أن يحقق مقاصده الشرعية، من زجر المبتدع والعاصي وردهما عن ذلك، فإذا لم يتحقق هذا المقصود الشرعي، أو ترتب عليه مفسدة أعظم؛ فلا ينبغي هجرهم، قال ابن تيمية: «وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم، وقلَّتهم وكثرتهم؛ فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف؛ بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته، لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف ... وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل؛ ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع كما كثر القدر في البصرة، والتنجيم بخراسان، والتشيع بالكوفة وبين ما ليس كذلك، ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه» [٤] . وأحسب أن هجرنا لمن داهمهم العدو الكافر، أو لمن ضربتهم المجاعة، باب عريض من أبواب الفتنة لهم، ربما يؤدي إلى مفاسد أعظم، وها هم النصارى مثلاً يستغلون (الفقر والجهل والمرض) في كثير من ديار الإسلام، ويرسلون الإرساليات الكنسية، والمنظمات التنصيرية لتخرجهم من الإسلام، وتقدم لهم الإنجيل في آنية ما يسمونه بالمساعدات الإنسانية! ! ٥ - المسلم العاصي أو المبتدع له من حق الولاء والمحبة والنصرة ما يوازي صلاحه والتزامه بالدين، قال ابن تيمية: «إذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة: استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته، وهذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه» [٥] . ٦ - من الفقه في الدين: أن نعرف خير الخيرين لنقدِّم أعلاهما عند تعذر الجمع بينهما، وأن نعرف شرَّ الشرين لندرأ أعظمهما عند تعذر ردهما جميعاً؛ فإذا استباح العدو الكافر بيضة الأمة، وانتهك حرماتها، وعطل شعائرها، وجب على المسلمين أن ينصر بعضهم بعضاً؛ فالمسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من خالفهم، وإن كان بعضهم لا يخلو من بعض البدع غير المكفرة؛ فالمسلم المبتدع خير من الكافر، قال ابن تيمية: «فإذا تعذَّر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك، إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك الواجب، كان تحصيل مصلحة واجبة مع مفسدة مرجوحة معه خيراً من العكس» [٦] . وقال في موضع آخر: «وأما المرجئة فلا يختلف قوله يعني: الإمام أحمد في عدم تكفيرهم؛ مع أنَّ أحمد لم يُكفِّر أعيان الجهمية، ولا كل من قال إنه جهمي كفَّره، ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم، وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، لم يكفِّرهم أحمد وأمثاله، بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم ويدعو لهم، ويرى الائتمام بهم في الصلوات خلفهم، والحج والغزو معهم، والمنع من الخروج عليهم، ما يراه لأمثالهم من الأئمة، وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم، وإن لم يعلموا هم أنه كفر، وكان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان، فيجمع بين طاعة الله ورسوله في إظهار السنة والدين وإنكار بدع الجهمية الملحدين، وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة والأمة، وإن كانوا جهالاً مبتدعين، وظلمة فاسقين» [٧] . وقال أيضاً: «وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير وانتفعوا بذلك، وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفاراً، وكذلك بعض الملوك قد يغزو غزواً يظلم فيه المسلمين والكفار، ويكون آثماً بذلك؛ ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفاراً فصاروا مسلمين؛ وذلك كان شراً بالنسبة إلى القائم بالواجب، وأما بالنسبة إلى الكفار فهو خير» ، ثم ذكر ابن تيمية قاعدة عامة قال فيها: «والله تعالى بعث الرسل بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، والنبي ﷺ دعا الخلق بغاية الإمكان، ونقل كل شخص إلى خير مما كان عليه بحسب الإمكان..» [٨] . ومن التطبيقات العملية: قتال أئمة الإسلام كالإمام محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي وأخوه الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي صاحب كتاب المغني ضد الصليبييين مع السلطان صلاح الدين الأيوبي، وهو على فضله وجلالة قدره كان أشعرياً [٩] . ٧ - من تمام عدل المسلمين مع غيرهم أنه يجب الدفاع عن أهل الذمَّة في أرض المسلمين كالدفاع عن المسلمين أنفسهم فكيف بغيرهم من أهل القبلة؟ ! قال الإمام الشافعي: «ينبغي للإمام أن يُظهر لهم يعني: أهل الذمة أنهم إن كانوا في بلاد الإسلام منفردين أو مجتمعين، فعليه أن يمنعهم أن يسبيهم العدو أو يقتلهم، منعَهُ ذلك من المسلمين» [١٠] . ولهذا لما ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى غازان ملك التتار يطالبه بفك الأسارى فك المسلمين منهم فقط، فقال له ابن تيمية: «بل جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، فإنَّا نفتكُّهم، ولا ندع أسيراً؛ لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة» [١١] . ٨ - ينبغي التأكيد هنا على ضرورة النظرة الكلية الشمولية العادلة في تقويم الآخرين، ومدى قربهم أو بعدهم عن المنهج الصحيح، مع إعطاء مخالفاتهم وبدعهم وزنها الحقيقي دون تهوين أو تهويل، ودون مزايدة ولا نسيان للجوانب العملية المشرقة من زاوية أخرى [١٢] . ٩ - أمر رسول الله ﷺ بإغاثة الملهوف وإعانة المنكوب في أحاديث كثيرة متواترة؛ فهل يصح شرعاً أو عقلاً أن يُسْلَم المسلم العاصي أو المبتدع للموت جوعاً أو مرضاً بحجة عصيانه أو ابتداعه؟ ! ألا نرى أن الله تعالى أمر بإعطاء (المؤلفة قلوبهم) من الزكاة وهم كفار، أفلا يكون إعطاء المسلم المبتدع أو العاصي من الزكاة من أعظم التأليف لقلبه، وأحسن طريق لدعوته وتصحيح عقيدته وخُلُقه؟ ! ألم يثبت في الحديث الصحيح: «أن رجلاً يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل بئراً فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له» ، قالوا: يا رسول الله! وإن لنا في البهائم أجراً؟ قال: «في كل كبد رطبة أجر» [١٣] ، و «أن امرأة أخرى دخلت النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض» [١٤] ؟ ! أليس في هذا أعظم دليل وبيان على أن في كبد المسلم المبتدع أو العاصي أجراً عظيماً..؟ ! إنَّ ضيق الأفق يجعل المرء ينظر بعين واحدة فقط، ويفكر بطريقة جزئية مبتورة، وإلا فأي قلب يقوى على الإعراض عن المرأة المسكينة التي هدّها الجوع وضربتها الفاقة بحجة أنها قد وقعت في بعض المعاصي؟ ! وأي قلب يقوى على الإعراض عن الشيخ والمريض والطفل الذين جرفتهم المحنة وراحوا يتقلبون في لظى محرق من الألم والحزن بحجة أنهم مبتدعة؟ ! أي فقه.. بل أي دين يجيز للإنسان أن يُدبر ويتناسى مآسي إخوانه، ويعتذر لنفسه بمعاذير واهية يعلم هو أنها أوهى من بيت العنكبوت..؟ ! أحسب أن وقوع كثير من هؤلاء الناس في مثل هذه البدع والأخطاء هو بسبب تقصيرنا نحن أهل السنة؛ فلماذا نجيد النقد والتوبيخ، ولا نجيد التعليم والدعوة؟ ! [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً] (البقرة: ١٤٣) .

стр. 4141

وقفات شهادة على تجربة طالبان في حوار مع فضيلة الشيخ غلام الله رحمتي (نائب الشيخ جميل الرحمن ﵀ نرحب بشيخنا الكريم، ونسأل الله تعالى أن يبارك في عمره وعمله، وأن ينفع بعلمه الإسلام والمسلمين. نرجو أولاً أن تعرفوا فضيلة الشيخ بشخصكم الكريم لقارئ البيان: الشيخ غلام الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى وبعد: إخوتي الأحباء: اسمي: غلام الله رحمتي، من أفغانستان من مديرية قندز، وأنا كنت خريج مدارس الديوبندية، وبفضل الله ورحمته طالعت كتب التوحيد وكتب أهل السنة مثل كتب شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ ابن القيم وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي، وسرت بمذهب أهل السنة والجماعة، وتعرفت على التوحيد بأقسامه وعلى ما يضاد التوحيد من الشرك وأنواعه، وبعد وصولي إلى العقيدة الحقة وفقني الله لبيانها في أفغانستان في منطقة قندز، وحُبست بسبب ذلك في عهد ظاهر شاه عشر سنوات متواليات باتهامي بأنني رجل وهابي ومنكر للطرق الصوفية وغير مقلد، وكان لي هناك مدرسة، وكنت ألقي فيها الدروس. وبعد أن أطلقت من المحبس هاجرت إلى باكستان، وأتيت إلى مدينة (كويتا) ، وكان هناك أحد الإخوة اسمه (شمس الدين) وكان سلفياً، كان قد أسس مدرسة باسم (الجامعة الأثرية) ، وكان درس عندي في أفغانستان، فلما علم بقدومي إلى باكستان أرسل إلي ودعاني للتدريس في جامعته، فجئت إلى بيشاور ودرست في الجامعة الأثرية لعدة سنوات، وأسست هناك جريدة باسم (المسلمون في أفغانستان) كنا ننشر فيها المسائل الدينية العقدية والعملية والأخلاقية، إلى أن تأسست جماعة الدعوة إلى القرآن والسنة، وبعد التأسيس أصبحت عضواً في جماعة الدعوة وكنت نائباً للشيخ جميل الرحمن ﵀ في حياته وحتى مقتله، نسأل الله أن يجعله في الشهداء. وبعد قتل الشيخ صار الأمير لجماعة الدعوة شيخنا الشيخ سميع الله نجيبي حفظه الله، فكنت معه إلى انسحاب الروس، وبعد انسحاب الروس وقعت بعض الأشياء المقتضية لأن أترك جماعة الدعوة، من حيث السياسة لا من حيث الانتساب، ومنذ ذلك الحين أسست مدرسة في بيشاور اسمها دار القرآن والحديث السلفية، وهي ومنذ ذلك الحين والحمد الله قائمة، ولا زلت ألقي الدروس فيها من كتب الحديث والعقيدة والآداب وغيرها. البيان: ذكرتم أنكم كنتم على صلة وثيقة بالشيخ جميل الرحمن ﵀ فما هي خلفيات تلك العلاقة؟ الشيخ غلام الله: كنا في ذلك الحين الذي كنت فيه محبوساً في ولاية قندز وغيرها بتهمة تخريب العقيدة والإخلال بالأمن، كنت أنتقل من سجون مديرية إلى مديرية لاعتقادهم بأنني أخرب عقائد المسجونين أيضاً، وفي آخر عهد داود سمعت في السجون من بعض الإخوة أن هنالك رجلاً له تركيز على توحيد الألوهية، ويرد على القبوريين ويسكن في مدينة كونار، فسمعت به ولم أره، وبعدها هاجرت إلى باكستان سألت عنه، فقيل لي إنه قائد في الحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار. وعند ذلك جرى الاتصال بينه وبيني وعرفت أنه الرجل الذي سمعت عنه، وعرفت أن الشيخ كان تلميذاً لأحد المشايخ الباكستانيين واسمه (مولانا محمد ظاهر) وكان حنفياً وماتوريدياً ونقشبندياً، وسمى نفسه بالديوبندي؛ ومع ذلك كان له اهتمام بتوحيد الألوهية فتأثر به الشيخ جميل الرحمن، ولكنه كان ذكياً ذكاءً فائقاً، فاستقل بنفسه وطالع كتب شيخَيِ الإسلام وكتب أهل السنة فوقع فيه التغيير حتى صار سلفياً. ولما اجتمعنا في بيشاور، قلت له: إنك لا تستطيع أن تبقى مع هذه المنظمات إلى النهاية، فلا بد أن نؤسس منظمة خاصة بالسلفيين، فأولاً ما كان موافقاً، ثم وافق لما عُزل عن إمارة كونار من جانب الحزب الإسلامي لحكمتيار، فاغتنمت الفرصة وقلت له: لا بد أن نؤسس جماعتنا، واتفقنا هناك وأسسنا جماعة الدعوة. البيان: ذكرتم أنكم هاجرتم إلى باكستان، ولم تكن لكم مشاركة في نشاط الأحزاب الإسلامية؛ فكيف تقوِّمون أداء تلك الأحزاب في الفترة التي أعقبت انسحاب الروس بدءاً من أيام صبغة الله مجددي القصيرة؟ الشيخ غلام الله: كان بعد مقتل الشيخ جميل الرحمن ﵀ أن اتفق أركان الشورى في جماعة الدعوة على أن يجعلوا الشيخ سميع الله خلفاً للشيخ جميل الرحمن، وفي ذلك الحين في وقت إمارة الشيخ سميع الله، انسحب الروس من أفغانستان، واجتمعت المنظمات الجهادية في إسلام أباد بباكستان واتفقوا على أنه لا بد أن يكون هناك حكومة بديلة لحكومة الشيوعيين في أفغانستان، واتفقوا على أن يكون الشيخ صبغة الله مجددي رئيساً لمدة شهرين، وبعدها يكون على رأس هذه الحكومة المؤقتة الشيخ رباني، وعلى هذا الأساس شغل صبغة الله مجددي كرسي الرئاسة وأصبح رئيس الجمهورية، ولكنه عجز لأنه ليست له قدرة، وكانت منظمته أصغر المنظمات كلها، وكان تنفيذ الأوامر في عهده لمسعود ودوستم، ويدل على ضعفه أنه عندما تولى الرئاسة ذهب بنفسه إلى دوستم بدلاً من أن يأتي إليه دوستم، وأعلن عنده في مزار الشريف أنه خالد بن الوليد في هذا العصر. وفي هذه المدة اتفق أعضاء شورى جماعة الدعوة على الانضمام إلى هذه الحكومة حتى لا تبقى الجماعة منزوية في باكستان ولا يكون لنا دور في الحكومة المستقبلة في أفغانستان. ولكني خالفت هذا الرأي؛ فصبغة الله كان رجلاً صوفياً خرافياً، يصنف في الشرك الصراح البواح، منه أنه صنف كتيباً باسم: (متن بيانية صبغة الله مجددي) وقد كان كتب فيه أن هذا العالم له أربع زوايا وفي كل زاوية منها ولي من أولياء الله يُسمى القطب أو البدل، وهؤلاء الأقطاب الأربعة يتصرفون في الأكوان. وكنت قد اتصلت بصبغة الله المجددي في حياة الشيخ جميل الرحمن، وقلت لصبغة الله في الاتصال التليفوني إنني أُخبرت بأنك ألفت كتاباً اسمه كذا، فهل هذا صحيح؟ قال نعم، تريده؟ قلت: لا أريده فقد وصل إليَّ، ولكن أريد أن أناقشك في هذا الكتاب فإن لي عليه ملاحظات، فسألني عن اسمي، فقلت له أنا غلام الله من قندز، وكان يعرفني بالاسم، فضحك وقال: آه، عرفتك أنت الوهابي الكبير الذي خرب عقائد المسلمين في أفغانستان، والآن تريد أن تخرب عقائد المهاجرين في مخيمات باكستان، وأغلق السماعة ولم يجب بلا أو بنعم. البيان: وما هو رأيكم في فترة رئاسة رباني؟ الشيخ غلام الله: جاء رباني بعد مضي عهد ضبعة الله مجددي وشغل كرسي رئاسة الجمهورية لمدة ستة أشهر، ولكنه لم تكن له سلطة حتى في كابول، وما كان يستطيع أن يخرج من كابول إلى مدينة أخرى بسبب التقاتل بين الأحزاب، وكانت كابول نفسها موزعة على عدة منظمات من الشيوعيين والشيعة، وكان الحساب الكبير لهم في كابول، وكانت هناك منطقة أخرى تحت سيطرة حكمتيار، ولهذا لم يكن رباني يستطيع أن ينتقل من منطقة إلى منطقة في كابول، ولكن كان بالاسم رئيس جمهورية، وما وقع في زمنه شيء يسمى حتى يقال إنه فعل هذا، إلا أنه وقع تقاتل بينه وبين حزب حكمتيار، قُتل بسببه أزيد من خمسين ألف مسلم، ووقع تقاتل آخر بين حزب عبد رب الرسول سياف والشيعة، وقتل منهم كثيرون، وكذلك وقع تقاتل بين حزب رباني وحزب دوستم، ثم وقعت تغيرات في العلاقة بين دوستم وبين رباني، حتى إن رباني أعلن دوستم نائباً له وقت سفره إلى مصر، وكان في ذلك الوقت نفسه يستقبله استقبالاً لا يوجد مثله في التبجيل والتعظيم، وكان يعلن أنه القائد الكبير والفاتح الكبير لأنه فتح كابول، وبعد ذلك وقع خلاف بين الحزب وبين دوستم، فأعلن رباني أن دوستم كافر شيوعي دهري يجب قتاله وقتله! فهذا ما وقع في فترة رئاسة رباني ما وقع شيء آخر. البيان: هذا الذي ذكرتموه يدخل في الأمور السياسية وخلافاتها المعقدة، ولكن ماذا عن واقع المجتمع الأفغاني نفسه، هل طرأ تغير عليه في ظل حكومة رباني سواء في مدة الرئاسة المؤقتة لمدة ستة أشهر، أو في فترة التمديد التي استمرت لأربع سنوات؟ الشيخ غلام الله: في زمن رباني وصلت الأمور من الفحشاء والفجور والظلم والقتل والتعدي إلى أوجها؛ بحيث كان لا يمكن أن تزيد على ذلك، فوقع في عهده أمور ينبغي أن يُبكى عليها، ولكن رباني ما كان يملك سلطة لأن يمنع هذا، يعني كان كل قائد يتعامل معه كأنه غير مسؤول، بينما كل قائد كأنه لا يسأل عما يفعل، فما كان هناك أمن، وما كان رجل عادي يستطيع أن يذهب من قرية إلى قرية أخرى إلا وكان يخاف من القتل ومن الإغارة على أمواله وعرضه. وكان الشيخ سميع الله في ذلك الحين قد ذهب إلى رباني وتكلم معه فوعده رباني بأن يعطيه وزارة، ثم أعطاه بالفعل وزارة الشهداء والمعوقين، فقال لي الشيخ سميع الله: لا بد أن نذهب إلى كابول لنشغل الوزارة. فقلت له: لو كان الشيخ مخلصاً لك وللسلفية لكان أعطاك وزارة التعليم والتربية، فماذا نفعل بوزارة الشهداء والمعوقين؟ يبدو أنه أحس أنك لك ارتباطات بالمحسنين في الخارج فلعلك بها تستطيع أن تجمع التبرعات، أما أنا فلا أريد الاشتراك في هذه الوزارة. ولم تكن في عهد رباني إدارة أو لجنة أو هيئة أو وزارة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لنعمل بها. البيان: لو تجاوزنا ما وقع بالفعل، وتحدثنا عن النية المعلنة في الإصلاح، هل كانت هناك مشاريع لخطوات إصلاحية على طريق تطبيق الشريعة؟ الشيخ غلام الله: لا، لا، ما كان هناك قدرة حتى على ذلك؛ لأن رباني كان لا يستطيع في بعض الأحيان أن يخرج من مسكنه؛ فما كان يستطيع أن يحمي نفسه فضلاً عن أن يطبق الشريعة، كانت المزارات والأضرحة مثلاً تزار وتعبد بجميع أنواع العبادات وما فعل في هذا شيئاً، وكان التبرج أشد من تبرج الجاهلية الأولى وما فعل في ذلك شيئاً، وكان الظلم وصل إلى حد نهائي، فما كانت الرءوس في أمن ولا الأموال في أمن، ولا الأعراض في أمن، ولا أي شيء كان في أمن، ما جاء بشيء، حتى لو أراد ذلك فما كان يستطيع، كان قطاع الطرق كثيرين، وما كان هناك مرجع للدولة وما طبق من الشرع شيئاً، بل في حين صار حكمتيار رئيساً للوزراء، أنا بنفسي سمعت من المذياع أن حكمتيار أعلن أنه لا بد أن تغلق دور السينما ويمنع الفساد وفرح ناس كثيرون بأن حكمتيار سيأتي بشيء نافع، وأمر بمنع التبرج للنساء أيضاً، ولكن في الغد أعلن مسعود نفسه الذي كان حاكماً بالحقيقة، أن الذي أعلنه حكمتيار بالأمس من المذياع كان يمثل رأيه الشخصي وليس رأي الدولة. فهذا ما كان عند رباني، ما فعل شيئاً حتى أذكره، وإن شاء الله لست ممن كانت بينه وبين رباني عداوة، بل بالعكس كان رباني أقرب إلى أهل السنة من بقية قواد المنظمات؛ لأنه كان أعلن سابقاً أنه يريد تطبيق الكتاب والسنة من غير تقيد بمذهب معين، ولكن بعد أن صار حاكماً ما فعل شيئاً، بل كان من كان موالياً له ولياً من الأولياء، وكل من خالفه كان واجب القتل مباح الدم. البيان: هناك من يقول: إن ولاية رباني كانت ولاية شرعية وأنه ما كان يجوز الخروج عليه؟ الشيخ غلام الله: لا يستطيع أحد عنده أدنى علم أن يقول إن هذه الحكومة حكومة شرعية، كيف تكون حكومة شرعية؟ ومدتها ستة أشهر أو شهرين فهذا أول شيء خلاف الشرع. البيان: لكن الستة أشهر كانت مؤقتة فقط حتى تُجرى انتخابات. الشيخ غلام الله: نعم! ولكنه مددها بنفسه وقبضها بالقهر بعد ذلك، وقد وقع القتال لهذا الأمر، أنه ما ترك الحكومة بعد ستة أشهر، وقال: أنا حاكم شرعي لا أترك الحكومة. فلهذا هو ليست له صفة شرعية، ولأن الحكومة لا بد أن تكون لها السلطة، وهو ما كانت له سلطة، والحكومة هي التي تقيم الأحكام والحدود، وهو ما كان يستطيع ذلك بل كل من كانوا في نظام نجيب ظلوا في عهده يعملون في الدوائر الحكومية، فقد كانت حكومته بالاسم فقط. البيان: هل نستطيع أن نقول إن هذه الأحوال المتردية التي كانت سائدة في عهد رباني كانت سبباً مباشراً في نشوء حركة طالبان؟ الشيخ غلام الله: نعم! هذا أقوله، وأستطيع أن أقول أيضاً: إن حركة الطالبان تولدت عن حكومة رباني؛ لأن حكومة رباني جرَّت إلى أن توجد حركة لمواجهة حالة الفحشاء والفجور، لمنع أوجه هذه المفاسد، وقد قلت لك قبل ذلك ما هي الحالة التي وصلت إليها البلاد في عهد رباني، وكانت الفوضى والفساد هي السائدة في كل شيء، وسأذكر لك أحد الأسباب في نشوء حركة طالبان، كان محمد عمر طالباً؛ لكن ليس له كثير علم، وكان من قبل يجاهد في أحد المنظمات الجهادية، وبعد خروج الروس ترك كل شيء بظن أن هناك حكومة مجاهدين وأن الأمر انتهى بذلك بعد الجهاد مع الروس فعاد إلى طلب العلم في باكستان، وفي يوم جاءه أحد أقربائه من الأفغان في مسجده وهو يبكي، فسأله محمد عمر: لماذا تبكي هل مات لك أحد؟ قال: لا، الموت أهون ولو متنا جميعاً؛ فالأمر الذي أبكي منه أشد. وكان الرجل من روزجان وهي ولاية من الولايات المركزية في أفغانستان في الوسط، وبدأ يحكي قصته لمحمد عمر، فقد مرضت زوجته وأراد أن يذهب بها إلى باكستان للعلاج فأخذها في السيارة، وفي الطريق كان كل قائد له منطقة معينة هو حاكم فيها، تفرض الجبايات والإتاوات على الناس وعلى المارين بمنطقته، فجعل هذا الرجل كلما مر على نقطة يوقف للتفتيش، وتؤخذ منه الجباية والنقود، فمر على العديد من نقاط التفتيش حتى جاء إلى منطقة تفتيش أخيرة، فأوقفه أحد القواد وطلب منه النقود، فقال ليس معي شيء وما بقي معي شيء فكل النقود أُخذت في نقاط التفتيش السابقة، وزوجتي مريضة وأريد أن أذهب لعلاجها في باكستان. فقال: إذن اتركها عندي وأنا أعالجها، فقال: هل عندكم مستوصف؟ قال: لا، تتركها عندي ثلاث ليال ثم ترجع فتجدها صحيحة. فعلم أنه يريد الشر، فوقع عراك بينهما، فجاء رجاله وضربوا الرجل ضرب قتل، وظنوا أنه قتل فألقوه في غرفة وأخذوا المرأة، ولكن الرجل أفاق في ظلمة الليل وتسلل وهرب حتى وصل إلى الملا عمر: وحكى له القصة، فقال له الملا عمر: لا بأس امكث هنا، وأنا بعد ستة أيام سأرجع إلى أفغانستان في قندهار، وسأشاور بعض الإخوان ثم أرجع إليك، إن ما تحكي عنه هو انقلاب على الإسلام. وذهب الملا عمر وجمع زملاءه من زمن الجهاد ضد الروس، وكانوا يبلغون نحو سبعة عشر رجلاً وهم الذين ظلوا معه بعد ذلك، وكانوا وزراء في حكومته، جمعهم وقص لهم ما حكاه الرجل وقال: لقد جاهدنا لسنوات عديدة، أفتكون ثمرة جهادنا هذا أن نسمع عن الظلم والفجور، أرى أننا الآن مطالبون أن نعمل بما علمنا، ليس الآن وقت زيادة العلم، بل وقت العمل بما علمنا. فاتفقوا كلهم على ضرورة العودة للجهاد، فقاموا وأخذوا أسلحتهم وهجموا على النقطة التي أخذ قائدها المرأة، فقتلوا بعضهم وأسروا بعضهم وفر بعضهم، وقتل قائدهم الذي فعل تلك الفعلة الشنيعة، فلما قُتل، كان معه خمسمائة مقاتل، فانضموا جميعاً للطلبة، وقالوا إن قائدهم هذا كان فاسقاً فاجراً ولم يكونوا يستطيعون مخالفته؛ لأنه كان يقتل كل من يخالفه، أما أنتم فقد أحسنتم ونحن معكم. وقرر الطلبة بعد ذلك الذهاب إلى أحد القادة الذين عرفوا بالفساد، ولكنه سمع بالخبر وفر، وانضم الكثير من جنوده إلى طالبان، ولما عادوا إلى قندهار صارت تحت قيادتهم بغير قتال، ثم سيطروا على ولاية هلمند، وفي ذلك الوقت كان الوضع السياسي بين أفغانستان وباكستان غير جيد، لأن مسعود كان توجهه مخالفاً للحكومة الباكستانية أشد الخلاف، وكانت وجهته إلى الروس أكثر من توجهه إلى البلدان الإسلامية، وكان له وجاهة عند الفرنسيين، وكان هناك رجال فرنسيون مستشارون يتعاونون معه، وكانت الحكومة الباكستانية تخاف أن تدوم حكومة رباني وتظل متوجهة إلى الروس، والروس تتعاون مع الهند والهند عدوة لباكستان، وهذا يضرها كثيراً، فلما سمعت الحكومة الباكستانية بحركة الملا عمر اتصلت به، وعرضت مساعدته. واستمر الملا عمر في السيطرة على كثير من الولايات فلما وصلوا إلى ولاية حكمتيار وكان في ذلك الوقت على أشد القتال مع رباني، اغتنم رباني الفرصة واتصل بالملا عمر هو ومسعود وسياف، واجتمعوا مع قيادات طالبان ورحبوا بهم وقالوا لهم: أنتم خليقون وحقيقون بأن تكونوا أمراء في أفغانستان لأنكم فعلتم أشياء كثيرة. وقد لاحظنا أن طالبان كانت كلما سيطرت على منطقة شكلوا لجنة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم يقيمون الحدود، فاستتب الأمن بسرعة، وأستطيع أن أقول: إن الأمن الذي أقاموه إذا لم يكن أزيد من الأمن الذي تقيمه الدول فهو لا يقل عن ذلك، ولهذا كان الجميع فرحين لهذا الأمر بعد معاناة الفوضى والتقاتل، فجاء رباني حسب ما سمعت، وأبرم معهم اتفاقاً أنهم إن قضوا على أصحاب الشر والفساد ووصلوا إلى كابول فسوف يتنازل رباني لهم، وبدأ مسعود وسياف يساعدون طالبان بالسلاح والمال، ولكن كان المقصود القضاء على حكمتيار، فلما تسلط الطالبان على منطقة حكمتيار بعد قتال قليل، فر حكمتيار إلى (لغمان) وأمر بانسحاب قواته معه، ولكن الكثير من جنوده انضموا إلى طالبان، ثم تقدم الجميع نحو كابول، وطلبوا من رباني قبل أن يدخلوها أن يعمل بما قال، فقال لهم: أنتم مجانين؟ أنتم طلبة المدارس الدينية تريدون أن تأخذوا الحكومة؟ أنا حاكم شرعي لدى القادة والرؤساء في الداخل والخارج، الآن يجب عليكم أن تذهبوا إلى مدارسكم وتتركوا الأمر لنا. فلما سمعوا هذا الرد، وقع القتال بينهم وبين رباني، وفي تلك الفترة قتلوا قائد قوات حزب الشيعة علي مزاري، وكان صاحب أكبر قوة بعد قوة حكمتيار. ففي كابول وقع قتال بين طالبان وبين الشيعة، وبين طالبان وسياف، وبين طالبان ومسعود ورباني، دون أن يصل إلى نهاية، ولجأ رباني إلى حكمتيار مرة ثانية، وأرسل وفداً إليه وقال: كلانا إخوان، وطالبان عدو مشترك لنا جميعاً. ودعاه إلى كابول وعينه رئيساً للوزراء، ثم وقع الخلاف بينهما؛ لأن حكمتيار أعلن ضرورة محاربة الفساد والفجور وتقليل النساء في الدوائر الحكومية وخطَّأه في ذلك مسعود، فوقع القتال مرة أخرى مع طالبان وسيطرت طالبان على كابول، وأخرجت رباني وحكمتيار إلى الشمال، وخرج الشيخ سميع الله إلى بيشاور. البيان: هل راقبتم سلوك طالبان في الأيام الأولى لدخول كابول؟ الشيخ غلام الله: بعد عدة أشهر من سيطرة طالبان، أعلنوا القضاء على المزارات، وقالوا هذه أشياء لا تجوز، وكان منها ما تسمعون عنه في مزار شريف، فهناك مشهد أو ضريح منصوب على قبر يقال إنه قبر علي ﵁، ويسمى هذا القبر في أفغانستان (السخي) وهو وصف يعنون به من يعطي كل ما سُئل لكل من سأل، وكان هذا القبر يأتيه الرجال والنساء والمعوقون والعميان كلهم يطمع أن هذا السخي يقضي حاجتهم، وكانت هناك عادة في أفغانستان موجودة حتى قبل ولادتي وهي أن كل ملك في أفغانستان إذا جاء، فلا بد في أول يوم من برج الحمل وهو أول أيام النيروز لا بد أن يرفعوا في عهده راية باسم راية مزار السخي، وكانت الحكمة عندهم من هذا الرفع أن هذه الراية إذا رفعت وقامت ولم تسقط فهي أمارة عدم سقوط الدولة، وإذا سقطت فهذه علامة سقوط الدولة، وكانت العطلة تعلن لمدة ثلاثة أيام بمناسبة رفع الراية في كل عام، وكان الناس يأتون فيها إلى ذلك المزار في زحمة شديدة لا يُرى مثلها إلا في مكة أيام الحج، فلما وصلت طالبان وقرب عيد رفع الراية، أعلنوا أن هذا العمل غير مشروع وغير جائز، وهذا عمل ضد الإسلام ولن يُفعل هذا بعد اليوم، ولن يستطيع أحد أن يأتي إلى المزار خلال تلك الأيام الثلاثة، ولن توجد فيها عطلة، وكل من سيتغيب عن عمله في هذه الأيام الثلاثة سوف يفصل من وظيفته؛ فمنعوا هذا الشرك. وهكذا فعلوا في داخل كابول وفي جميع أفغانستان؛ فقد كانت هناك قبور تزار وتعبد، فقط استثنوا يوم الخميس بين الظهر والعصر لزيارة المقابر الزيارة الشرعية فحسب. وأعلنوا أن كل من زار هذه المزارات للاستعانة بها والاستمداد منها أو الاستشفاع بها أو توسل بها فهذا غير جائز، وفاعله يمكن أن يحبس أو يضرب أو يقتل إذا لم يرجع، هذا حدث بعد مجيئهم بعد حكومة رباني. البيان: هل كانت لكم تجربة شخصية في معاينة هذه الأحوال، أم أنكم سمعتم بها فقط؟ الشيخ غلام الله: نعم كانت لي تجربة، فهناك في كابول كان هناك مزار اسمه (شاهد شامشيراه) ومعناه: مشهد الملك ذي السيفين، وكان مشهداً معروفاً مشهوراً، وهذا الملك يقولون إنه كان يقاتل ضد الأعداء بسيفين، فلما انقطع السيفان قتل واستشهد ودفن هناك، وكان هذا المشهد يُعبد بجميع أنواع العبادات، وأنا كنت قد دخلت بنفسي داخله، فكان مكتوباً على أحجاره وعلى جدره الأقوال الشركية والأشعار الكفرية، وكان مكتوباً بالبشتونية عند الضريح: (ليس لنا معاذ ولا ملاذ ولا ملجأ إلا إياك) ، هكذا، وفي ذلك الحين جئت إلى كابل وتكلمت مع الشيخ رباني وأيضاً كان الشيخ سميع الله موجوداً، فقلت: أنتم أعلنتم الحكومة الإسلامية، وقلتم إنها جمهورية إسلامية، فلماذا لم تقضوا على هذه المراكز الشركية؟ فضحك رباني وقال: يا شيخ! أنت تريد حكومة إسلامية أوتوماتيك عليكم بالصبر، قلت: لا بد أن تكون على الأقل لجنة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن هؤلاء يموتون على الشرك ولا بد من وجود من يمنعهم عن هذه الشركيات. فضحك وقال: لا تكون الحكومة الإسلامية بشكل أتوماتيكي. ولكني رأيت أنه لما جاء الطالبان قضوا على كل شيء، وأخرجوا كل شيء من هذه الأضرحة، وأغلقوا أبوابها ومنعوا زيارة القبور إلا الزيارات الشرعية، ومنعوا زيارة النساء مطلقاً للمقابر. وقد جئت في زمن الطالبان بعد أن أشيع في بيشاور أنهم عملاء أمريكا وأنا أيضاً كنت قبل أن أجيء أفغانستان كنت أقول من هم هؤلاء الطالبان؟ كنت أيضاً أظن إنهم عملاء أمريكا، وعملاء باكستان، وقد كان يقال عنهم أيضاً: إنهم قبوريون مشركون وفئة خرافية أشعرية ماتوريدية، كل هذا قبل أن آتي إلى أفغانستان، ولما أتيت إليها جئت متخفياً لأني كنت أيضاً أخاف أن يقتلني هؤلاء القبوريون! ، فدخلت متخفياً، ولكن اتُّفق أنني عندما جئت كان معي في هذه السيارة رجل معه طفل وطفلة وامرأة، ومعه كيس مملوء يشبه المتكأ أو الوسادة، فلما وصلنا إلى كابول وضع هذا الرجل الكيس أمام واجهة مطعم ثم أنزل ابنه وبنته وامرأته، ونزلت أنا أيضاً وسكنت في الفندق، وبِت هناك، وفي الغد مررت على ذلك المكان الذي فيه المطعم، فلاحظت أن ذلك الكيس الذي وضعه الرجل لا يزال في مكانه فقلت في نفسي: أليس هذا الكيس الذي تركه الرجل بالأمس؟ ولم أهتم كثيراً وقلت لعله غيره، ثم بعد يومين مررت فكان موضوعاً هناك، وبعد ثلاثة أيام وجدته موجوداً هناك أيضاً، وكنت قد نويت أن أمر على مزار (شاهد شامشيراه) وأنا أعتقد أن طالبان قبوريون، فقلت: سأرى ماذا زادوا في هذا المزار من الشركيات، فلما وصلت وجدت الباب مغلقاً وكان معي أربعة زملاء كلهم ملتحون من طلبة العلم، فطرقت الباب، فجاء رجل ذو شيبة وفتح، لكنه كان يُرى حزيناً أسيفاً. البيان: عفواً ... ما أكملت فضيلة الشيخ ماذا حدث للكيس؟ الشيخ غلام الله: أنا آتيك بالحديث، لم أنسه، فالحديث مربوط ببعضه.. لما دخلت إلى الضريح، دخلت منتعلاً، وكان هذا أمر ممنوع، ولكننا دخلنا بالنعال غير مبالين، فظن الشيبة أننا من الطالبان فسكت، ودخلت إلى المزار فلم أرَ لوحات شركية ولا أي أشياء شركية لم أرَ إلا لوحة واحدة مكتوب فيها حديث: (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكِّر الآخرة) ، مع لوحة أخرى مكتوب عليها: (من جاء إلى هذا القبر متوسلاً به أو مستشفعاً به أو مستمداً به فجزاؤه القتل) ، ففرحت فرحاً شديداً، وقلت: هذا والله الأمر الذي كنا نطلبه من قبل، فخرجت أخاطب الشيخ الحارس، وقلت له: أين الزوار واللوحات وصناديق النذور، أين هي؟ فظن الرجل أنني قبوري حزنت على ما جرى للقبر، فقال: اسكت، هؤلاء طالبان لو سمعوا بك فإنهم يقتلونك، هؤلاء كفرة وهابية منعوا كل هذه الأشياء. ففرحت فرحاً شديداً، ثم نصحته بعد ذلك، فلما فهم أن رأيي من رأي طالبان حزن، وقال: نعم! هم يقولون مثل ما تقول. ثم ذهبت تاركاً المزار وذهبت إلى السوق فلم أرَ امرأة واحدة متبرجة، وقبل ذلك كانت كابول التي أعرفها، كان التبرج منتشراً فلما جاءت الطالبان منعوا كل هذا، ومنعوا النساء من العمل في الدوائر الحكومية كلها، في الأول أعلنوا أن كل أمرأة تعمل وتحصل على راتب ستعطى راتبها على أن تجلس في بيتها إذا كانت تربي أيتاماً. ورأيت أنهم منعوا الأغاني والفجور. أمضيت في كابول أسبوعاً وبعده أردت أن أرجع من كابول، فجئت إلى الموقف الذي كان فيه الكيس عند المطعم فلم أجده، وأثناء انتظار السيارة، سألت صاحب المطعم: كان هناك من عدة أيام كيس هنا أين ذهب؟ قال لي: يا شيخ! لهذا الكيس قصة عجيبة. قلت وما هي؟ فقال: هذا الكيس لواحد من الرجال جاء من بيشاور بباكستان، وكان بيته في هيرات فلما نزل في كابل نسي الكيس وذهب، والبارحة جاء وأخذ الكيس، وكان الكيس موكأً ومربوطاً بخيط، فلما فتحه ظهر أنه كان مملوءاً بالفلوس، فمازحته وقلت: وأين كنت أنت طيلة هذه المدة، كنت ميتاً أو نائماً؟ فقال: يا شيخ! طالبان يمسكونني ما أحد يجرؤ على ذلك؛ لأن طالبان يختبئون هناك وينظرون من يمد يده بالسرقة فيقطعونها. هذا الأمر أيضاً رأيته. فلما رجعت إلى بيشاور، ألقيت خطبة الجمعة، وقلت فيها: إن طالبان أحسن بكثير ممن كانوا قبلهم. فأُخبر بذلك بعض زملائي وقالوا: يا شيخ! كيف ألقيت الخطبة؟ فقلت لهم: على السُّنة وما فيها من الواجبات والسنن، قالوا: لا نريد هذا، لكن ماذا قلت عن طالبان؟ فقلت: الذي رأيتم، فقالوا: كيف تقول هذا وهم مشركون؟ قلت: والله شيء عجيب! كيف هم مشركون وقد رأيتهم منعوا المراكز الشركية، هم قضوا على الشركيات، هذا رباني نفسه رفع الراية لمزار شريف في عيد النيروز في عهد حكومته. فقلت له: إذن هم فعلوا هذه الأشياء من منع المراكز الشركية، وأنتم ما فعلتم وقلتم إن الحكومة الإسلامية لا تأتي بطرق أوتوماتيكية، ولكنهم لما وصلوا فعلوا هذا الشيء؛ فكيف هم مشركون؟ ! ثم قلت: والله إن الإنسان في هذه الدنيا يحتاج إلى شيئين: إلى الأمن للتعايش في الدنيا، والإيمان للتعايش في الآخرة، وهؤلاء الطالبان وإن يقال عنهم في إيمانهم شيء، لكن والله جاءوا بالأمن ونطمع ونتوقع أن يجيئوا بالإيمان أيضاً، أما أنتم فلم تجيئوا بالأمن ولا بالإيمان، هكذا قلت، فانتشر هذا الكلام بين المهاجرين والمجاهدين. البيان: هل التقيت أعضاء من حركة طالبان وسمعت منهم؟ الشيخ غلام الله: نعم! أنا ذهبت إلى أفغانستان مرة أخرى، والتقيت ببعض الإخوة هناك فرأيتهم صالحين عقيدة وعملاً، فهذا محمد رباني الذي كان رئيساً للوزراء ومات ﵀ التقيت به، وسمعت منه والله كلاماً عجيباً غريباً، فقد كان يريد أن يأتي بالحكومة الإسلامية في أفغانستان مئة بالمئة، ولأجل ذلك قضوا على مظاهر الفجور والفحشاء، وأيضاً على كل مظاهر الشرك، وقد بدءوا بذلك في قندهار نفسها، فقد كانت هناك خرقة منسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان قد جاء بها أحد الملوك اسمه أحمد شاه أبدالي، جاء بها من بخارى ووضعها هناك، كانت هذه الخرقة تُعبد بجميع أنواع العبادات، قولية عملية بدنية فعلية ومالية، كانت هذه الخرقة موضوعة على مشجب محفوظ وتحتها مكان مفرغ، كان الناس ينزلون تحتها ويطوفون حولها ويتمسحون بها ويتبركون، فلما سيطر الطالبان على قندهار، أخرجوا هذه الخرقة، وقالوا للناس: هذه الخرقة لا يوجد دليل على أنها لرسول الله ﷺ ، ولكن لما كان هناك احتمال فنحن نحفظها، ولكن لا يجوز لكم أن تطوفوا بها وتتمسحوا بها وتصلوا إليها. فمنعوا ذلك وحفظوها في مكان آمن. الشاهد أني ألتقيتهم فوجدتهم أخي الكريم بحسب ما أرى صالحين، والله أنا ما بايعت طالبان، ولا عملت معهم ولا جاءني إلى هناك أحد منهم، ولكني أقول الحق؛ لأن المسلم لا بد أن يتكلم بالحق ولا يُفرِّط ولا يُفرِط؛ فالناس في مواقفهم من الطالبان بين الإفراط والتفريط، بعضهم قالوا إنهم كلهم سلفيون سلفية محضة، وهذا خطأ، وبعضهم قالوا كلهم مشركون. وهذا والله كذب، فحسب ما رأيت الطالبان والتقيت بهم رأيتهم فيهم ثلاثة أصناف: الطبقة الأولى: والأكثرية حنفيون تعلموا في المدارس الديوبندية، ولهم تركيز على التوحيد في الألوهية والربوبية، وأما في الأسماء والصفات فهم أشعرية ولكنهم غير متعصبين، وقد ناقشت بعضهم في بعض مسائل التوحيد في الأسماء والصفات، وقلت: كيف تركتم مذهب أهل السنة والجماعة وتركتم مذهب أبي حنيفة في العقائد وأنتم تقولون إنكم حنفية في الفروع، هل أساء أبو حنيفة في الأصول فتركتم عقيدته؟ فكانوا يضحكون ويقولون: هكذا علمنا أساتذتنا، وقال بعضهم: هذا الإمام ابن حجر العسقلاني أليس أشعرياً؟ ! قلت: نعم. قال: هل تكفرونه؟ قلت: لا، قال: هذا أيضاً الإمام النووي كان أشعرياً، هل تكفرونه؟ قلت: لا، فالذي فهمته أنهم كانوا غير متعصبين وغير داعين إليها، وكانوا يحبون السلفية. والطبقة الثانية: والله هم سلفيون، وأعرف منهم عبد الوكيل متوكل وزير خارجية طالبان، وهذا ابن الشيخ عبد الغفار وهذا الشيخ قتل بتهمة الوهابية، قتلته الحكومة الأفغانية الشيوعية في المطار لما رجع من الحج، قتلوه وقالوا: إن لك علاقة مع الوهابية، وأسرة عبد الوكيل أسرة سلفية وأنا أعرفهم منذ أربعين سنة، وهكذا يوجد آخرون أيضاً، منهم واحد اسمه عبد الرقيب وهو خريج الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، هذا عقيدته سلفية، وكان وزير المهاجرين وأيضاً أحمد جان، وهو أيضاً سلفي وأنا أعرفه وكان وزيراً للمعادن والصنايع وكثير منهم هكذا. والطبقة الثالثة: يوجد فيهم من هو صوفي، ولا أريد أن أسمي أحداً منهم حتى لا أسبب خلافاً، ولكن هؤلاء قِلة، هذا حسب ما أرى وأعلم من الطالبان، وهذا الذي أدين الله به. البيان: مصطلح الديوبندية، هل تلقون ضوءاً حوله؟ الشيخ غلام الله: في الهند منطقة اسمها (ديوبند) كان بها مدرسة كبيرة أسسها بعض العلماء واشتهرت بـ (المدرسة الديوبندية) ، فكل من يتخرج من هذه المدرسة يسمى ديوبندياً، وهم أحناف ولكن فرق بينهم وبين عامة الأحناف، يعني عامة الأحناف فيهم بيرلورية أيضاً، وهؤلاء الديوبنديون مخالفون أشد الخلاف للبيرلوريين إلى حد التكفير، وهم لهم تركيز على توحيد الألوهية ويعارضون القبورية وأكثر الديوبندية ماتريدية، فهذه هي الديوبندية ومن تلاميذ مدرسة الديوبندية كان هناك واحد من المشايخ اسمه عبد الحق، ديوبندي وهو في بيشاور وله مدرسة هناك باسم المدرسة الحقانية على اسمه، وكان عالماً كبيراً تدرس عليه كتب الحديث كلها، وهؤلاء الطالبان أكثرهم تخرجوا من هذه المدارس وأما الملا عمر، فهو ليس ديوبندياً ولا حنفياً؛ لأنه يعتقد الإجمال بجميع ما جاء به نبي الله ﷺ من عند الله ﵎، هكذا يؤمن ويعتقد، وأما إذا استفصلت منه، فربما لا يعرف الماتوريدية ولا الأشعرية، وهو كان يعلن في كلامه ويقول: أنا أريد إقامة الحكومة التي أقامها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدينة طيبة، وهي حكومة الكتاب والسنة. هكذا يقول. وهو ليس عالماً ولكن يعمل بما يفتي به العلماء، ويقول: العلماء يفتون وأنا أعمل وأطبق ما يفتون به. فهو ليس صوفياً ولا ديوبندياً ولكنه يحب السلفية وإن كان غير عالم بتفاصيلها. البيان: ولكن هل تشعر بأنه صادق في كلامه ومواقفه؟ الشيخ غلام الله: والله يا أخي هو صادق عابد زاهد، والله إنه ليس من أقاربي ولا من أنسابي ولا درس عندي ولا درست عنده، وليس من قريتي ولا من بلدتي فهو من روزجان وأنا من قندز، والله حينما رأيته ظننت أن هذا الرجل مسلم بالإسلام، وزاهد بالزهد، إذا توزع زهده وتقواه على كثير من أمثالي لوسعهم، هذا ما رأيته عليه، فهو زاهد عابد، إذا تكلمت معه فقط يذكر الله ويدعو الله: ياالله.. يا الله.. اللهم انصرنا.. وما النصر إلا من عند الله.. ويردد مثل هذه الآيات.. إذا وقعت له مشكلة يكثر من الصلاة. البيان: حدثتنا عن العلامات والدلالات الإيجابية عن تجربة طالبان، فكيف ترون الأمور السلبية في مقابل الإيجابية؟ الشيخ غلام الله: أنتم تعرفون أنه ليس هناك في هذا العصر من ليست له سلبيات قط، حتى في عهد صدر الإسلام كان في المجتمع سلبيات؛ وأما ما أتى به طالبان فمصالحهم وإيجابياتهم أكثر وأكبر من سلبياتهم؛ لأني والله ما سمعت أن ملكاً من الملوك أتى في أفغانستان بتطبيق الشريعة كما طبقها هؤلاء الطالبان؛ فهذا القضاء على التبرج مثلاً كان من غير الممكن في الأفغانيين، خصوصاً في كابل، وكان متعذراً عند الناس، ولكن أتى به الطالبان والحمد لله، وهذه القبور ... ما حدث والله انقلاب كبير؛ لأن الأفغان أكثرهم جهال، ليس لهم علم، فإن كانوا يُعذرون بالجهل فهذا أمر، وإلا فأكثرهم لا يعرفون شيئاً، ما من قرية في أفغانستان إلا فيها قبور تعبد من دون الله، ولكن الحمد لله هم استطاعوا أن يحاربوا ذلك وقت حكمهم، ولعلكم سمعتم عندما استولى تحالف الشمال على مزار الشريف، واحد من الصحفيين سأل واحداً من هؤلاء أصحاب المزار وقالوا: كيف الحالة في المزار الآن، هل الحال الآن أفضل أم الحال في عهد طالبان؟ فقال: ما تقول: أيها الأخ؟ أتدري ما حدث؟ اليوم يوم العيد لنا. قال: كيف ذلك؟ قال: لأسباب عديدة، منها أنك ترانا ندخل المزار، وهؤلاء الكفرة منعونا خمس سنوات من الدخول إلى هذا المشهد، والآن والحمد لله، ترانا الآن رجالاً ونساءً ندخل إلى المزار مختلطين، والسبب الآخر لفرحنا أنك الآن لا ترى من يمنعنا من حلق اللحى، بل الناس يقفون أفواجاً لحلق لحاهم، وسبب آخر: هذه النساء المظلومات كُنَّ مسجونات منذ خمس سنوات. ومع هذا نقول: لعل فيهم أخطاء، أخطاء سياسية، أخطاء دينية، ليسوا معصومين ولا نقول إنهم سلفيون مئة بالمئة، فحتى السلفيون الذين يعدُّون أنفسهم سلفيين ويشيرون إلى أنفسهم أنهم سلفيون، لهم سلبيات، نحن أسسنا هناك في كونار جماعة سلفية، كان فيها خير كثير ولكن كان فيها سلبيات، كان عندنا قبور فما استطعنا القضاء على بعضها، وكان عندنا تجارة مخدرات وما استطعنا القضاء عليها، كان هناك من علمائنا من يشربون الدخان، فلا نستطيع أن نقول إن هناك حكومة إسلامية تقضي على كل شيء سلبي، فالكمال لم يحدث حتى في عهد الرسول ﷺ ؛ فكيف تفعله طالبان بعد انتهاء القرن العشرين؟ البيان: أشيع في الإعلام الدولي أن الشعب الأفغاني كان مكرهاً أو كارهاً لحكم طالبان، ووصف بعض القادة الكبار في تحالف الشمال حكم طالبان بأنه كان بمثابة (كابوس) على الشعب الأفغاني؛ فما تعليقكم؟ الشيخ غلام الله: هذا الكلام من وجه صحيح، ومن وجه آخر غير صحيح؛ فمثلاً الذين اضطروا لإبقاء لحاهم خوفاً كانوا غير فرحين لطالبان، والنساء المتبرجات كن غير فرحات بطالبان، والذين كانوا معتادين على شرب الخمر أو كانوا شيوعيين فكانوا أيضاً غير مؤيدين. أما عامة الشعب فكانوا يحبون طالبان، فأكثر الناس على هذا كانوا راضين عن طالبان. وأذكر لكم أن الملا عمر جمع الناس بعد القصف بثلاثة أيام وقال لهم: يا أيها الناس! إن كنتم مللتم من هذا القصف فإنه سوف يشتد أضعاف أضعاف ما رأيتم، فإن كنتم مللتم من هذا، سأسلم نفسي لهذا الكافر الغاشم بوش حتى أرفع عنكم هذا البلاء والقصف، فكل الناس أجابوه بصوت واحد: لا. وقالوا: والله لو بقي منا رجل واحد لما تركنا مقاومة الأمريكان، فهذا شعور عامة الناس، ولا عبرة بالفساق وأصحاب الفجور والقبور. البيان: مما يأخذه بعضهم على طالبان، أنها لم تشرك في حكومتها عناصر من القوميات أو العرقيات الأخرى غير البشتون؛ فما رأيكم في هذه المسألة؟ الشيخ غلام الله: هذا الزعم، هو إما أن يكون ممن يجهل أحوال أفغانستان وأحوال طالبان، وإما أن يكون ممن يريد العناد والتشويه لسمعة طالبان؛ فطالبان من جميع المسلمين في أفغانستان من جميع القوميات والجنسيات، نعم أكثرهم البشتون؛ لأن سكان أفغانستان ٦٥% من البشتون، فطبعاً يكون البشتون أكثر، فإن يريدوا أن يقولوا إن البشتون أكثر فهذا صحيح، وأما إذا قالوا إنه لا يوجد في صفوف قادة طالبان إلا البشتون؛ فهذا كذب محض. البيان: انزعج الناس من الانسحابات المتتالية لطالبان بدءاً من مدينة مزار الشريف ثم كابول ثم هرات وقندز وغيرها، فقد أشاع الإعلام أن هذا ضعف واستسلام وهزيمة؛ فهل هناك تفسير آخر غير هذا التفسير الشائع؟ الشيخ غلام الله: ليس هناك ضعف؛ لأن كل هذه الانسحابات لم يقع قتال بينهم وبين قوات الشمال حتى يقال إنهم أخرجوهم، هم خرجوا بأنفسهم، ولهذا فقد أصبحوا هم وأمريكا محتارين، ويتساءلون: أين هم طالبان.. أين اختبؤوا؟ صحيح أنه وقع هناك قتلى ومصابون، منهم ومن أعدائهم، ولكن طالبان ليس عندهم الآن إعلام حتى يعلنوا الحقيقة؛ فالإعلام الذي ينشر الآن كله من أعداء طالبان وأعداء المسلمين، وعندما تسمع من نفس الطالبان أنفسهم فهناك أمر واضح يعرفه الأعداء والأصدقاء أن الطالبان لا يكذبون، أما هؤلاء الأعداء فإنهم يكذبون. البيان: نشكر فضيلة الشيخ غلام الله على تلبيته دعوة (البيان) لهذا الحوار، ونسأل الله أن يتقبل منا ومنه خالص الأعمال وصادق الأقوال وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 4142

آفاق أفق د. عبد الكريم بكار [*] إن كلمة (اقرأ) أول كلمة نزلت على نبينا ﷺ ، وينبغي أن نفقه الدلالة العميقة لذلك في صورة اكتشاف لأهمية العلم والمعرفة في وجودنا المعنوي والمادي، فنحن بحاجة إلى العلم ليس من أجل الانتفاع بما سُخِّر لنا أو الحصول على فرصة عمل فحسب؛ وإنما نحتاجه قبل ذلك في فهم أنفسنا، وفهم طبيعة علاقتنا بخالقنا جل وعلا، إلى جانب فهم العصر الذي نعيش فيه والتحديات التي تواجهنا. إن أذهاننا لا تدرك الأشياء على نحو مباشر، وإنما عبر وسيط معرفي مكوَّن من مبادئ عقلية وعملية ومعارف وخبرات حياتية. وعلى مقدار ما نقرأ ونتعلم ونجرّب، يتحسن مستوى ذلك الوسيط، وبتحسنه يتحسن فهمنا للوجود، ومعه تتحسَّن نوعية الحياة. ومع أن العلم ظل يتمتع بنظرة الاحترام والتقدير على مدار التاريخ، ولدى كل الأمم المتمدنة، إلا أنه يكتسب الآن مكانة استثنائية على المستوى العالمي؛ حيث إن الأمم كانت تنظر إليه على أنه شيء مواز للعقل والحكمة والذكاء الفطري، وبعض الناس كان يفضّل الذكاء على العلم، وبعضهم يرجح العلم على الذكاء. وقد كان ذلك في الماضي مقبولاً نظراً لضآلة ما كان متوفراً من المعارف والعلوم، أما اليوم فإن هذا الكم الهائل من المعارف المتكاثرة قد جعل الموازنة غير واردة؛ حيث إن كل التراكمات والتنظيمات والترتيبات الحضارية الموجودة الآن مدينة على نحو أساسي للعلم والخبرة والتجربة، كما أن التعامل مع المعطيات الحضارية والاستفادة منها ومواجهة مخاطرها لن تستقيم من غير المعرفة المعاصرة، ودور الذكاء الفطري في ذلك هامشي جداً. إن النظرة الحديثة للعلم لا تجعله في موازاة العقل، بل تجعله المصدر الأعظم لتكوين العقل بما هو مبادئ ومفهومات؛ ولهذا فإن تحسين مستوى المعرفة والاطلاع والتثقف لدى الشباب المسلم يجب أن يستحوذ على الكثير من اهتمامنا وجهودنا، وعلينا هنا أن نعترف أن مؤسساتنا التعليمية قد أخفقت إخفاقاً ذريعاً في إرساء تقاليد ثقافية تمجِّد الكتاب والقراءة، وترعى حب الاستطلاع لدى الأطفال وتحميه؛ حيث إن هناك الكثير الكثير من البيوت التي ليس فيها مكتبات خاصة، كما أن هناك مكتبات كثيرة ليس فيها أي شيء يناسب الأطفال، ولا يخفى إلى جانب ذلك أن هناك كثيراً من المكتبات التي لا يطالع أصحابُها كتبَها، فهي في نظرهم جزء من أثاث البيت، وجانب من تكميله الشكلي؛ ولذا فإن الوقت الذي يقضيه الإنسان العربي في القراءة هو تقريباً عُشْر الوقت الذي يقضيه فيها الإنسان في الدول الصناعية. يقول أحد الباحثين: إن تعليم القراءة للأطفال يبدأ منذ سن ستة أشهر. وإذا أردت أن تربي قارئاً جيداً فإن عليك أولاً أن تتعرف على مهارات السرد القصصي؛ أي أن نتعلم كيف نقدم المعرفة للصغار كما يقدم القاصّ الماهر حكاياته المشوقة والممتعة لمن يقصّ عليهم. والقراءة للأطفال ومع الأطفال ذات أثر بالغ الفعالية في نموِّهم الذهني والوجداني. والمهم ليست الكمية التي نقرؤها لهم ولكن المهم تشجيع الطفل على المشاركة أثناء القراءة وإلا فإن استفادته من القراءة ستكون شبه معدومة. فهل آن لأمة (اقرأ) أن تجدد علاقتها الفاترة بالكتاب وبالمعرفة، وأن تتعلم كيف تقرأ؟ !

стр. 4143

المسلمون والعالم التحالف غير المقدس بين أصحاب الشَّمال وأصحاب الشِّمال عبد العزيز كامل kamil@albayan-magazine.com يبدو أن المثل الشهير: (قتلت يوم قُتل الثور الأبيض) أصبح سيد الموقف على الساحة الإسلامية والعربية بعد تتابع الأحداث على الساحة الأفغانية؛ حيث لم يعد الحديث عن (ما بعد طالبان؟) مجرد حديث عن ترتيب إعادة الأوضاع داخل أفغانستان سياسياً وعسكرياً، بل أصبح حديثاً عن (ما هو الهدف التالي) بعد أفغانستان؟ بات معلوماً أن سقوط أفغانستان تحت أيدي أعدائها من جيوش الحلفاء الغربيين لم يكن صناعة أمريكية وغربية بقدر ما كان جريمة داخلية أفغانية شمالية؛ فالحملات الجوية الأمريكية على فظاعتها وضخامتها لم تكن لتصل إلى تحقيق أهدافها لولا تلك النصرة المطلقة والولاء المفتوح من (حزب المنافقين) داخل أفغانستان وخارجها! فكيف كان يمكن لحكومة طالبان أن تصمد تحت آلاف الأطنان من القنابل العملاقة من عنقودية وانشطارية وذكية وغبية لم يسبق استعمالها كماً وكيفاً في أي حرب سابقة، بينما هي أي طالبان تتلقى الخناجر المسمومة في ظهرها عسكرياً وسياسياً وإعلامياً ممن يفترض أنهم إخوة الدين والعقيدة في الداخل والخارج؟ ! كيف كان لها أن تصمد وهي أضعف وأفقر دولة في مواجهة أقوى وأطغى دولة، مدعومة لا أقول بدعم الغرب كله فقط بل بدعم الغرب والشرق والشمال والجنوب من العالم! كيف كان لها في ظل هذه الظروف المظلمة أن تجمع بين أمرين يستحيل الجمع بينهما وهما: إدارة حرب مع ذلك الحلف العالمي الأممي القوي المتحد، مع إدارة السلطة في ذلك المجتمع القبلي الضعيف غير المتحد. كان لا بد لحكومة طالبان أن تنسحب من معركة الإدارة إلى إدارة المعركة، بمعنى أن تتفرغ لمعركة المستقبل مع الغزو الصليبي الجديد الذي جاء على ظهور أفغان قاموا بنفس الدور الذي قام به (بابراك) و (حفيظ الله) و (نجيب الله) مع الشيوعيين. كان عليها أن تترك إدارة أمور السلطة إلى من لا همَّ لهم ولا هدف إلا العودة للسلطة. هل تنجح طالبان في إعادة رص صفوف المجاهدين في أفغانستان لمواجهة الحملة الثالثة الأمريكية لدحرها على أرض الأفغان بعدما دُحرت الحملة الأولى للبريطانيين والثانية للروس الشيوعيين؟ ! هذا ما ستجيب عنه الفصول المقبلة من الرواية الأفغانية المعاصرة. ولكن قبل أن تتضح معالم الفصول الآتية من تلك الرواية، لا بد من إعادة التذكر والتذكير بحقائق عاشها الجيل الحالي لا تقبل أن يغالط فيها أحد؛ لأنها لم تُنسَ أو تنسخ بعد من الذاكرة الجمعية القريبة. إن استحضار ذلك التاريخ الماضي القريب، سيعين كثيراً على استشراف التاريخ المستقبل غير البعيد. سيذكر التاريخ الذي لم يكتب بعد حقائق قريبة عايشها جيلنا منذ سنوات قليلة وسيدوِّن بمداد الدم والندم كيف أن (قصة طالبان) اختصرت واقعاً مأزوماً لأمة تتخبط في إدارة صراعاتها غير مدركة لطبيعة الفرق بين عدوها ووليها، وما يصلحها وما يفسدها، متجاهلة في ذلك سنن الله الشرعية والكونية ومكانها في إدارة دورات التاريخ، وهي إذ تفعل ذلك تصادم هذه السنن بظنها أن قدر الله سبحانه يجري حسب ما تريد لا حسب ما يريد. إن تاريخ طالبان القصير كحركة ثم دولة، ثم تاريخ التعامل معها بعد ذلك، يفصح عن مواطن خلل خطير تعيشه أمة الإسلام في واقعها الحاضر، وقد لا تتضح معالم هذا الخلل كاملة إلا بعد فترة إضافية من الأحداث الحالية، حيث ستظهر آثار الخذلان الجماعي الذي قوبل به مشروع الدولة الإسلامية في أفغانستان، فماذا يمكن أن يقوله التاريخ عن تلك الحقبة القصيرة من عمر طالبان في عمر الأمة الإسلامية الطويل؟ شهادة التاريخ بين المواقف والمواقع: - سيذكر التاريخ أن مجيء طالبان سُبق بوقوع ملحمة عظيمة على أرض أفغانستان، بين جيش من أقوى وأكبر جيوش العالم وهو الجيش السوفييتي وبين رجال تنادوا لجهاد العدو الملحد تحت رايات متعددة لم تجمعها إلا روح الفداء للدين ولحرمات المسلمين. - سيذكر التاريخ أن هؤلاء الرجال استمدوا قوتهم وقتذاك من مواقفهم، وكان على رأس هذه المواقف الاعتصام بحبل الله أمام أعداء الله، وأنهم من أجل الثبات على تلك المواقف أفقدوا السوفييت كل مواقعهم في داخل أفغانستان وأخرجوهم منها، ثم أخرجوهم من التاريخ كله فصار الناس يقولون: (الاتحاد السوفييتي السابق) . - سيذكر التاريخ أن نفس هؤلاء المجاهدين، أو قادتهم بمعنى أدق، فقدوا (المواقف) بعد أن استعادوا (المواقع) ، وشرعوا في الاقتتال فيما بينهم لفترة امتدت سنوات بعد فتح كابل، قتل خلالها نحو خمسين ألفاً من الأفغان، في عملية إفساد كبرى لطخت وجه الجهاد، لا في أفغانستان فقط بل في العالم كله، وصار الإسلاميون في العالم أجمع يستحيون ويخجلون مما يحدث في أفغانستان على أيدي (المجاهدين السابقين) ؛ حيث رأينا ولم ننس أن الدين الذي قاموا من أجله لم يُر أثره على الأرض المستعادة، فلم يستتب الأمن، ولم تطبق الشريعة، ولم يقض على آثار الدمار السياسي والثقافي والاجتماعي الناتج عن الغزو الشيوعي، بل أضيف إليه دمار عسكري جديد اشتركت في إيجاده كل الفصائل المتناحرة التي لم تقبل بنصح ولم تقدم على صلح [١] . - سيذكر التاريخ أن جيلاً تالياً من طلاب الشريعة الأفغان الذين شاركوا في الجهاد السابق ضاقوا ذرعاً بتضحية القادة بالمواقف والمبادئ، فشرعوا يسعون إلى استعادتها وهم لا يملكون غيرها، فاجتمعت عليهم القلوب في قندهار وما حولها، ثم تتابعت المدن والقبائل في طلب النزول على حكمهم، وطفقت المناطق تتساقط بين أيديهم دون إراقة دماء في الغالب حتى دخلوا العاصمة نفسها بعد فرار الفرقاء المتشاكسين منها. - سيذكر التاريخ أن هؤلاء القادمين الجدد، شرعوا بعد استعادة (المواقع) في تثبيت (المواقف) التي جاءوا من أجلها، وأنهم تدرجوا في ذلك بنجاح مشهود، فأعادوا الأمن ووحدوا الأقاليم وجمعوا القبائل المتناحرة تحت قيادات موحدة، ونزعوا السلاح منهم حتى لا يتقاتلوا فيما بينهم، وبدؤوا في إعمار البلاد وترميم ما تهدم من مرافقها وسط ظروف حرجة من فقر قاتل، وحصار قائم، وجوار متربص، ومجتمع داخلي مهلهل، وخارجي متنكر. - سيذكر التاريخ أنهم حققوا بعد إنجاز تلك الأهداف العظام، أهدافاً أخرى لا تقل عظمة.. أقاموا الحدود الشرعية، وأبطلوا الطقوس البدعية، وقضوا على مظاهر الفسوق والفجور وأغلقوا ما كان لها من دُور، مع إنشاء وزارة خاصة باسم (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ، وأنهم بعد أن أقاموا الشعائر الظاهرة للإسلام، قضوا على مظاهر الكفر والوثنية بتحطيم الأصنام وكسر الأوثان، وأجهزوا على زراعة وتجارة الأفيون التي استوطنت أفغانستان في كل العهود التي سبقتهم بما فيها عهد رباني الذي أبقى حتى على الرئيس الشيوعي السابق (نجيب الله) ولم يقدمه ولو للمحاكمة! - سيذكر التاريخ أن تلك الحكومة الناشئة، وبالرغم من كل ما أنجزته من إصلاحات في زمن قياسي قصير، نالت الحظ الأوفر من عداء ما يسمى بـ (المجتمع الدولي) ؛ حيث لم يعترف لها بفضيلة واحدة من تلك الفضائل، ولم ير فيها إلا أنها (حكومة متزمتة) ؛ لأنها قدمت توظيف الرجال على النساء في مجتمع معدم، وأرجأت تعليم البنات في بلد خرج المستعمرون الشيوعيون منه بعساكرهم ولكنهم بقوا بمناهجهم. فقرر هذا (المجتمع الدولي) فرض حصار ضار ظالم على ذلك البلد المكلوم المظلوم براً وجواً ليزيد في إفقاره وإضعافه. - سيذكر التاريخ أن أوْلى من كان ينتظر منهم الاهتمام والإنصاف وهم الإسلاميون في العالم بالغوا في تجاهل الواقع الجديد في أفغانستان، حيث قضوا سنوات يتساءلون: من هم طالبان؟ ! وبعد أن عرفوا؛ قضوا سنوات أخرى يتساءلون: من وراء طالبان؟ ! وبعد أن عرفوا بعد عاصفة الأوثان أن لا أحد وراء سياسات ومواقف طالبان، بدؤوا يتساءلون: ما حكم ما يجري من طالبان؟ ! دون أن تمتد يد للمعونة، أو يقدم رأي للمشورة، أو يجري تفاعل وحوار ولو من باب النصيحة إلا ما قل وندر، مع أن أكثر جماعات هؤلاء الإسلاميين في العالم إنما كانوا ولا يزالون يعملون من أجل هدف رئيس معلن وهو إقامة دولة الشريعة الكاملة، فلما قامت لهذه الشريعة دولة ناشئة تطلب النصرة والتأييد، قُوبلت بالتجاهل والإهمال من المسلمين، وبالجحود والكنود والنكران من الكافرين. - سيذكر التاريخ أن ذلك الجحود والكنود على المستويات الدولية والعربية والإسلامية بدأت بوادره قبل أن تُرمى طالبان بتهمة الإرهاب، وقبل أن يعود إليها الأفغان العرب أو يلوذ بها أسامة بن لادن أو ينشأ فيها تنظيم القاعدة، أو تدمر على أرضها أصنام بوذا، بل إن تلك المواقف العدائية من الحكومة الأفغانية الناشئة إنما كانت انعكاساً في الغالب لآراء الدوائر المتربصة بالإسلام في كل من واشنطن وموسكو ولندن وتل أبيب، تلك الدوائر التي كانت قد حسمت الخيار في أفغانستان لصالح مستقبل علماني صرف يعود بها إلى عهد المَلَكية الليبرالية الفاسدة أو عهد الجمهورية الشمولية البائدة تحت مظلة الظلم العالمي ممثلة في منظمة الأمم المتحدة. - سيذكر التاريخ أن الحصار السياسي والاقتصادي الذي فرضته الأمم المتحدة على أفغانستان لسنوات عديدة قبل أحداث سبتمبر ٢٠٠١م قد أسهم بدور كبير في عزل حكومتها عن (الانفتاح) على العالم كما يطلب هذا العالم، وأن إصرار تلك المنظمة الدولية على عدم إعطاء إمارة أفغانستان مقعدها بين الأمم رغم سيطرتها لخمس سنوات على معظم أراضي أفغانستان، قد أسهم في تأسيس العداء وتكريس الكراهية بينها وبين المزيد من دول العالم، حيث جوبهت بقطع أو تجميد العلاقات وغلق وإلغاء السفارات، فانقطعت بذلك فرص الحوار والتفاهم، وعطلت منابر الخطاب تأثراً وتأثيراً حتى وقعت أحداث نيويورك وواشنطن. - سيذكر التاريخ أن تلك الأحداث الكبرى التي نفت طالبان بشدة ضلوعها فيها، قد سارعت أمريكا من اليوم الأول في توجيه أصابع الاتهام فيها إلى ضيوف أفغانستان، ثم بدأت من قبل أن تقدم أدلة ثبوتية في المطالبة بتسليم من اتهمتهم [٢] مهددة حكومة طالبان بالويل والثبور وعظائم الأمور إن لم تسلِّمهم من دون قيد أو شرط، فخالفت بذلك أحكام الشرائع والقوانين والأعراف في العالم كله بما فيه أمريكا، ورفضت في الوقت ذاته كل عروض الحكومة الأفغانية بتقديم من اتهمتهم أمريكا للمحاكمة في أفغانستان أو في بلد ثالث أو تسليمهم إلى منظمة المؤتمر الإسلامي. - سيذكر التاريخ أن حكومة أفغانستان استعملت حقها في رفض هذا الإملاء المستكبر، وأبى علماؤها أن يفتوا بجواز ما لا يجوز في دين الإسلام، مفتين في الوقت نفسه بالاشتراك مع علماء باكستان بوجوب جهاد من يتعدى على أرض أفغانستان من الأعداء الخارجيين بذريعة القبض على المتهمين بلا بينة، وأفتوا كذلك بردة من يتحالف مع النصارى في حربهم ضد بلد إسلامي يعلن أن الشريعة هي منهاجه وسبيله. - سيذكر التاريخ أن أمريكا نفذت تهديدها، وصبت جام غضبها وحقدها بالطائرات من فوق السحاب دون أن تجرؤ على الاقتراب من الأرض، وأنها دكت المدن والمواقع على مدى ما يزيد على شهر في تركيز منعدم النظير من القصف ليلاً ونهاراً، دون أن يكون للأفغان من المقاومة الأرضية ما يستطيعون أن يطاولوا به تلك الهجمة الجوية التي كان يكفي مثلها في ظروف مشابهة أن تُسقط مدناً مثل موسكو وباريس ولندن، لا كابل أو مزار شريف أو قنذر فقط! ! - سيذكر التاريخ أنه مع كل هذا الإرهاب الشيطاني الصليبي المحمول جواً والمحمي أرضاً، فإن الأمريكان ما كان لهم أن يستطيعوا إكمال المهمة التي جاؤوا من أجلها إلا بحسم بري يقوم به جند الصليب من واشنطن ولندن وباريس وموسكو وأستراليا وكندا وغيرها، وهو ما كان سيعني حشد المسلمين في العالم كله ضد هذه الحرب وهؤلاء الأعداء ... ولكن ... سيذكر التاريخ ... - سيذكر التاريخ أن هناك من (تبرع) بالقيام بهذا الدور الخطير نيابة عن بروتستانت أمريكا وكندا وأستراليا، وأرثوذكس روسيا وألمانيا، وكاثوليك فرنسا وإيطاليا، وشيوعي طاجيكستان وأوزبكستان، ووثنيي الهند والصين واليابان، حيث عرض مغاوير (المجاهدين) سابقاً، خدماتهم على أمريكا وحلفائها لقاء ثمن بخس كراسي معدودة، هم أول من يعلم أن الأعداء لن يكافئوهم بها، مهما والوا وتقربوا وتزلفوا على حساب عقيدة أمتهم وكرامتها وحرماتها. - سيذكر التاريخ أن قوى التحالف الشمالي أو ما يسمى بأحزاب الجهاد (سابقاً) قاموا بالمهمة شر قيام، وأقروا أعين أعداء الإسلام بما لم يكونوا يحلمون به، فقد رآهم العالم ولسوء حظ الأمة وهو يقدمون للدنيا صورة الإسلام الذي يحملونه ويفهمونه، رأى الناس في العالم جثثاً تُركل وتُضرب بأعقاب البنادق، ورأوا شعائر تهان ولحى تنزع وأسرى يُعذبون ويقتلون بالمئات في المعتقلات مع إسناد جوي أمريكي يلاحق المجاهدين حتى في الأسر، ورأى العالم ويا لعار ما رأى رأى جنوداً من مغاوير الشمال يجردون رجالاً من سراويلهم؛ ليبالغوا في ضربات الطعن الفاجر بحِراب البنادق قبل الإجهاز بالطلقات والرشاشات! - سيذكر التاريخ أن هؤلاء المنافقين ظلوا مع كل ذلك يدَّعون أنهم مجاهدون، مع أن نكايتهم في الإسلام والمسلمين كانت أعظم من كل ما فعله النصارى على مدى شهر من بدء الحرب، فالجميع شهدوا أن قلوب الأمة ما أصابها الحزن والوهن والانكسار والإحباط من الضربات الجوية الأمريكية على فظاعتها وجسامتها بقدر ما أصيبوا بذلك من جراء الهجمات البرية (الجهادية) التي جاءت بـ (الفتح المبين) هدية للصليبيين، على ظهور دبابات الروس وتحت قصف طائرات الأمريكان والبريطان. - سيذكر التاريخ أن جنود طالبان لم يشاؤوا أن تتلوث أيديهم بدماء إخوانهم الخونة، مع أنهم كانوا يستطيعون ذلك بما كان معهم من سلاح؛ آثروا الانسحاب به لكي تدخر الأرواح والذخائر والأسلحة لمعركة (ما بعد التحالف الشمالي) ، حيث ظهر للجميع أن أفغانستان وقعت أو هي على وشك الوقوع صريعة غزو صليبي جديد [٣] ، ضم آلافاً من المقاتلين النصارى المحتلين الذين بدءوا بالفعل بالنزول على أرض أفغانستان وانتشروا في مرافقها العسكرية والاستراتيجية بدعوى تأمين الأعمال الإغاثية! واستئصال الجيوب الجهادية. - سيذكر التاريخ أن عملية التضحية الكبرى بـ (الثور الأبيض) شارك فيها علمانيو باكستان، وروافض طهران، وأزلام كثير من البلدان التي رأت في (تشدد) طالبان سبباً كافياً في ارتكاب أصرح أعمال الكفر وأصرخ أنواع العدوان المشترك مع حَمَلة الصلبان، وسيذكر التاريخ أنهم مع ذلك ظلوا يتلمظون بالدماء التي ولغوا فيها، ويتشفون في الحرمات التي انتهكوها عن طريق إعلام رخيص مأجور حرص طوال الحرب على مراعاة كل المشاعر إلا مشاعر الأمة الإسلامية المصدومة مما يحدث. وقفة لا بد منها: قلبت جرائم تحالف الشمال في أفغانستان الأوراق كلها لغير صالح الإسلام في المرحلة الحالية، وحولتها من (ملاحم) منتظرة ضد الصليبيين، إلى «فتن» سوداء بين المسلمين، واستطاع حزب المنافقين وحده كما سبق القول أن يقوم بما عجز عنه الأمريكان والبريطان والروس والهندوس، لا مستقلاً عنهم ولكن خادماً لهم، وحق في هولاء المنقلبين على أعقابهم قول الله تعالى عن المنافقين في كل زمان ومكان: [هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ] (المنافقون: ٤) نعم، فالغرب الصليبي عدو، والشرق الملحد عدو ولكن طابور المنافقين في أنحاء العالم (هم العدو) ، هكذا كان الشأن وقت الحملات الصليبية والتتارية فيما مضى، وكذلك كان الشأن في الحملات الصليبية الاستعمارية المعاصرة، فلم يحدث أن جاء المستعمر الأجنبي إلى بلدان المسلمين إلا راكباً ظهور أقوام من بني جلدتنا المتكلمين بألسنتنا. إننا برغم كل ما يحدث، لا بد أن نتجاوز مرارة الألم، أو نخففها على الأقل بشيء من حلاوة الأمل في الله صاحب الجلال والعظمة، والرحمة والحكمة الذي قال وقوله الحق: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ] (آل عمران: ١٣٩-١٤١) . إنها آية المرحلة وعنوان الحدث الذي تعايشه الأمة في هذه الآونة. إنه يعز علينا أن نصف أناساً كانوا بالأمس القريب مجاهدين، بأنهم أصبحوا اليوم بالنفاق متهمين أو متلبسين؛ فنحن بين خيارين: إما أن نكذب حقائق ديننا، ونسفه عقولنا فنصف هؤلاء بـ (المجاهدين) كما يشتهون، أو نتجاوز المجاملة الضارة والانخداع الظاهر، فنتخذ من هؤلاء الموقف الذي يستحقون من خلال الأحكام الشرعية الثابتة من النفاق وأهله. نحن لا نتحدث هنا عن أشخاص وأعيان بالضرورة، ولكن نتحدث عن راية، راية جاءت بالفساد والإفساد تحت مسمى الجهاد، فماذا تسمى هذه الراية، وبماذا يوصف هذا الموقف الذي نعده متجاوزاً في السوء شؤم الموقف الباكستاني ولؤم الموقف الإيراني، وأنانية ودونية المواقف الأخرى العتيدة العنيدة في كرهها للدين وأهل الدين. إن الله تعالى الذي أمر الرسول ﷺ وأتباعه بجهاد الكفار والمشركين، أمره أيضاً بجهاد المنافقين، فقال سبحانه: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ] (التوبة: ٧٣) ؛ وإذا كان جهاد الكفار والمنافقين طريقه السيف والسنان، فجهاد المنافقين إنما يكون بالحجة واللسان، وجهادهم باللسان ليس جهاد مماراة ومداراة أو مماحلة ومجادلة، بل هو جهاد الإغلاظ عليهم والإعلام بفضائحهم. قال القرطبي في تفسير تلك الآية: (الخطاب للنبي ﷺ ، وتدخل فيه أمته من بعده، قال ابن عباس: «جاهد المنافقين بيدك، فإن لم تستطع فبلسانك، فإن لم تستطع فاكفهر في وجوههم» ) [٤] . قد يستكثر بعضنا وصف (المجاهدين القدامى) بالنفاق، ولكن دعونا بالله نسمي الأمور بأسمائها، فبماذا يمكن أن يوصف التولي الظاهر للكفار والمشركين؟ وبماذا يسمى القتال تحت إمرتهم وبأسلحتهم لتنفيذ خططهم وتحقيق بغيتهم؟ وبماذا يوصف من وصفوا رفاق الجهاد السابق من العرب والمسلمين بـ (الإرهابيين) [٥] واستحلوا بذلك دماءهم، واستهانوا بحرماتهم، وتعاهدوا على خذلانهم وإسلامهم؟ بماذا يوصف من وصفوا إقامة الحدود الشرعية، ومنع المزارات الشركية، ومحاربة مظاهر الخرافة والانحراف بـ (الكابوس) ؟ وبماذا يوصف من ابتهجوا مع الرعاع بمظاهر حلق اللحى، ونزع الحجاب، وإعادة مظاهر الفسوق والمروق، وبادروا برفع الحظر السريع عنها حتى قبل أن تنتهي المآتم وتجف الدماء وتبرد المصائب؟ مخاوف ومحاذير: هناك عدد من المحاذير لا بد من التحسب لها ونحن نراقب ما يحدث في أفغانستان بعد سقوط معظمها بأيدي تحالف النفاق تمهيداً لإسقاطها تحت أيدي تحالف الكفر الظاهر الذي لن يرضى دون تحويلها إلى دولة علمانية صريحة، ومن هذه المحاذير: أولاً: محاولة حزب المنافقين تسويغ وتسويق ما فعلوا أو ما سيفعلون على أنه استكمال لـ (مسيرة الجهاد الأفغاني) ، بادعاء أنهم جاؤوا لإقامة دولة الإسلام الحقيقية في أفغانستان؛ فقد كفونا مؤونة الانتظار لمعرفة ملامح تلك الدولة التي لن تدوم بل قد لا تقوم؛ لأن الكفار لن يرضوا عنهم كما لا بد أن يفهموا حتى يتبعوا ملتهم اتباعاً كاملاً. ثانياًً: انقسام الإسلاميين بشأن ما يدور في أفغانستان، وتعميق الشروخ بينهم بسبب اختلافات المواقف بحسب المعايير الحزبية والقناعات الفكرية الشخصية والجماعية، ولا علاج لهذا المحظور إلا بتحرير الولاء وتجريد البراء بحسب المعتقد الصحيح والمسلك القويم، وإطلاق شرعة الحب والبغض في الله من أسر الهوى وميل العاطفة وتحكمات الانتماءات والتحالفات، فحبنا وبغضنا لا ينبغي أن يخضع لقوالب ثابتة لا تتغير بتغير أحوال البشر، بل ينبغي أن يكون بحسب استقامتهم على ثوابت الدين أو انحرافهم عنها. ثالثاً: إمعان الإعلام الانتهازي في الضرب على وتر التنفير من النهج الإسلامي في الحياة والحكم، استغلالاً لمحنة الطالبان الذين صُورت تجربتهم على أنها (فهم متزمت للدين) وأدينت لأجل ذلك، ومن ضمن ذلك أحكام ثابتة في الإسلام ومعلومة منه بالضرورة، لم تكن من اختراع طالبان، ولا من بنات أفكار زعمائهم، مثل حظر السفور والفجور، وإقامة الحدود الشرعية، وفرض القيود على الممارسات البدعية والشركية وغير ذلك؛ فالخوف هنا أن تُعد محاربة تلك الأحكام من ضمن (محاربة الإرهاب) في كل أنحاء العالم. رابعاً: قد تكون تجربة (حزب المنافقين) في أفغانستان، مغرية لأحزاب أخرى من المنافقين في أنحاء العالم الإسلامي، يريدون ركوب موجة العداء العالمي للإسلام لتحقيق أهداف طالما عجزوا عن تحقيقها أو حتى البوح بها، وهذا يستوجب أعلى درجات الوعي والحذر؛ فقد تتكرر تجارب استدعاء الكفار بأشكال أخرى وتحت ذرائع ومسميات مختلفة، قد لا تكون بالضرورة طمعاً في السلطة كما هو الشأن في أفغانستان وقد لا تكون باسم (محاربة الإرهاب) بل قد تكون باسم محاربة (التزمت) ! خامساً: أن تظل الأمة بعلمائها وأمرائها على نفس الحال من تجاهل الخطر الحقيقي البعيد انشغالاً بالخطر الوهمي القريب؛ فالدور قادم على (الثيران السود) بعد أن شاركوا بالصمت على الأقل في جريمة افتراس الثور الأبيض، وهنا نقول: إن كل ما تم به تسويغ الحرب في أفغانستان، سيتم به تسويغ الحروب في غيرها من البلدان، والذين شاركوا في تسويغ تلك الحرب الأولى، سيعجزون عن التصدي لتسويغها في الحروب التالية وبخاصة إذا نشبت في العراق أو باكستان أو إيران أو سورية أو لبنان أو غيرها. وأخيراً: من أكبر المحاذير أن تطول بالإسلاميين حالة الإحباط واليأس التي دبت بينهم بعد الدخول السريع لميليشيات النفاق لأرجاء أفغانستان تحت وقع الهجوم الجوي الضاري بسلاح الطيران الأمريكي الذي أرغم طالبان على إخلاء مواقعها في المدن تجنباً للمزيد من تدميرها، وهنا نقول: صحيح أن من واجب المسلمين أن يتداعوا لإخوانهم بالأسى والألم وبالحمى والسهر كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، لكن من واجبهم أيضاً ألا يقعد بهم هذا الألم عن استشراف بارقات الأمل التي كانت ملء جوانحهم حتى وقت قريب، حيث أراهم الله تعالى أنه إذا أخذ القرى وهي ظالمة، فإن أخذه أليم شديد، وأنه إذا أراد شيئاً يسر له الأقدار، وأعمى عنه الأبصار، وهيأ لأجله جنده وأنفذ وعده، فلا ينبغي لهم أن يهنوا أو يحزنوا بوهن أو حزن مفقد للأمل أو مقعد عن العمل؛ لأن الله تعالى نهاهم عن ذلك وقال: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٣٩) . تجديد اليقين: ينبغي تجديد اليقين بأن لله تعالى حكماً قدرياً قال بشأنه: [وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً] (النساء: ١٤١) ، والمعنى كما قال ابن كثير: (أنهم لن يُسلطوا عليهم استيلاء استئصال وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، فتكون الآية رداً على المنافقين فيما أمَّلوه ورجوه وانتظروه من زوال دولة المؤمنين، وفيما سلكوه من مصانعة الكافرين خوفاً على أنفسهم منهم إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم) . - ومما ينبغي تجديد اليقين به: أن الله تعالى لن يخلف وعده بنصر أهل الإيمان في النهاية، كما قال سبحانه: [فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (الروم: ٤-٦) ، ووعد الله تعالى بالنصر تكرر في القرآن كثيراً في آيات عديدة، ولكنه رُبط بشروطه، وربط بمشيئة الله ووفق حكمته، إلا أنه لن يتخلف أبداً عن قوم ينصرون الله حتى لو تأخر بعض الوقت، فقد تأخر النصر حتى على بعض الرسل السابقين، كما قال سبحانه: [حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ] (يوسف: ١١٠) ، بل لقد تأخر النصر في بعض الأحيان عن خير الرسل ﷺ ومعه خير القرون، وكان لهذا التأخير حِكَم عظيمة، كما قال سبحانه: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] (البقرة: ٢١٤) ، ولهذا لما استعجل النبيَّ ﵊ بعضُ أصحابه قائلين: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: «كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عند دينه» ثم قال: «والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلي حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» [٦] ، نعم: ولكننا نستعجل! - ومما ينبغي تجديد اليقين به أن الأيام دول؛ فقد تكون الغلبة لغير المؤمنين إلى حين، ولكن ذلك لا يدوم ولن يطول، وبخاصة مع تقارب الزمان الذي يُختصر فيه التاريخ، وتتسارع فيه الأحداث، بل إن هناك دورات تاريخية سريعة الوقع متتابعة التطور، قد تقوم فيها دول عظمى وتسقط أخرى في حياة الجيل الواحد، بل الشخص الواحد، ومثال ذلك ما ذكره ابن أبي حاتم بسنده عن الزبير الكلابي قال: «رأيت غلبة فارس الروم ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم، كل ذلك في خمس عشرة سنة» . أما في عصرنا فقد رأى جيلنا صعود دول ومعسكرات وأحلاف، ثم عاين سقوطها أو هبوطها أو العكس مثلما حدث في الاتحاد السوفييتي السابق وألمانيا واليابان وفرنسا وغيرها، ونحن على يقين أن الإسلام سيرث كل هؤلاء؛ لأنه سيرث الأرض كلها بقدر الله كما أخبر بذلك الصادق المصدوق في قوله ﵊: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يُعز اللهُ به الإسلام وذلاً يُذل اللهُ به الكفر» [٧] ، وليس بعزيز على الله تعالى أن يكون جيلنا الذي شهد انحسار المد الشيوعي بسقوط دولة الإلحاد السوفييتي، هو نفسه الذي سيشهد انكسار المد الأمريكي في العالم، وما سيتبعه من اندحار الطغيان اليهودي؛ فقوة الله فوق الجميع وهو القائل سبحانه: [تِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] (آل عمران: ١٤٠) وليست أمريكا ولا غيرها استثناء من ذلك. - ومما ينبغي تجديد اليقين به أن تداول الأيام بين الناس يكون بين نصر وهزيمة، أما بين المسلمين الصادقين، فهو من بين نصر وشهادة؛ لأن العزة مكتوبة لهم في كل حال، كما قال سبحانه: ﴿ [وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] (المنافقون: ٨) ، ولهذا فإن المؤمن لا يذل أبداً، ولو كان يرسف في الأغلال أو يسكن في الأطلال، والأمر بالنسبة له لا يخرج عن إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، وإذا كان النصر هو فوز الدنيا، فإن الشهادة هي فوز الآخرة، وكلاهما نصر، ولكن نصر الآخرة أعظم كما قال سبحانه: [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] (غافر: ٥١) : «أي يوم القيامة، حيث تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل» [٨] ، ولا ينبغي أن نشك في أن الشهادة مرادة لله، ومحبوبة لديه، ولهذا يقدر لأجلها أقداراً، وأقدار الشهادة تجيء لكي تحشد من كل جيلٍ قوافل مختارة من أسياد أهل الجنة الذين يعمرون غرفها العالية في الفردوس البهيج مع مرافقيهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين [وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً] (النساء: ٦٩) . - ومما ينبغي تجديد اليقين به: أننا نؤمن بالقدر خيره وشره مدركين بأن أقدار الشر التي تقع على المؤمنين تكون عاقبتها إلى خير مهما بدا للناس غير ذلك؛ وذلك على مستوى الفرد والمجموع؛ فبذلك تمحص القلوب وتميز الصفوف، ويكشف عن المعادن، وتظهر حقائق الأمور المغيبة كما قال سبحانه: ﴿ [مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ] (آل عمران: ١٧٩) قال ابن كثير: «أي لا بد أن يعقد شيئاً من المحن، يظهر فيه وليه، ويفضح به عدوه، يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر» [٩] ، وذلك مثلما حدث في يوم أحد الذي امتحن الله به المؤمنين فظهر إيمانهم وصبرهم وجَلَدهم وثباتهم وطاعتهم للرسول ﷺ ، وهتك بهذا اليوم ستار المنافقين الذين لم يكن بوسع المؤمنين أن يطلعوا على خباياهم؛ لأنهم يعاملونهم على ظاهرهم، ولهذا قال سبحانه: [َومَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ] (آل عمران: ١٧٩) أي: «أنتم لا تعلمون غيب الله في خلقه حتى يميز لكم المؤمن من المنافق، لولا ما يعقده الله من الأسباب الكاشفة عن ذلك» [١٠] . - ومما ينبغي تجديد اليقين به: أن الله سبحانه لن يحابي أهل الكفر على أهل الإيمان، ولن يجعل عاقبة الكفار خيراً لهم، بل إن تلك العاقبة هي نفسها طريق البلاء المضاعف لهم، فمهما بذل أهل الإيمان من جهد وجهاد لإلحاق النكاية بعدو الله وعدوهم فإن ذلك لا يساوي لحظة من لحظات عذابهم في سعير النار؛ ولهذا قال سبحانه: [فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً] (النساء: ٨٤) ، ولهذا قد يكف الله عن أعدائه بعض بأس أوليائه ليدخر لهؤلاء الأعداء أوفر الحظ والنصيب من هذا العقاب الأخروي. قال سبحانه: [وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لُهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ] (آل عمران: ١٧٨) . - ومما ينبغي تجديد اليقين به: أن نتذكر أن تربية الأمة كما تكون بالآيات الشرعية الدينية، فإنها تكون بالآيات الكونية القدرية، وعندما يخف تأثير الآيات الشرعية الدينية بفعل الإلف والعادة، أو الانشغال والغفلة، فإن الآيات القدرية تأتي لتذكر بها أو حتى تعرِّف بها؛ حيث تعاد صياغة الحقائق بشكل شاخص مشاهد، تتلقى الأمة منه الدروس العملية إذا لم تستوعب الدروس النظرية، كما قال سبحانه: [لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ] (آل عمران: ١٨٦) فلا بد أن تتلقى الأمة بين آن وآخر دروساً عملية في تجريد التوحيد لله، محبة وخوفاً ورجاءً، ودروساً عملية في موجبات الولاء والبراء، ودروساً عملية في الصبر على البلاء ومعايشة مواقف الأعداء، ودروساً عملية في معرفة خطر النفاق وأخرى في تبعة ترك الجهاد وهجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتتلقى كذلك دروساً عملية في معرفة آثار التفرق والتنازع ونتائج الاجتماع على وشائج غير الإيمان من الحزبية والعنصرية والانتماءات الفكرية والمنهجية غير السوية. ومن الواضح أن الأمة تتلقى الآن دروساً عملية مكثفة في كل ذلك؛ فالحمد لله على قضائه وقدره؛ حيث قال: [وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ] (الأنبياء: ٣٥) . - ومما ينبغي تجديد اليقين به أخيراً تذكر أن ديننا منصور، وأن لهذه النصرة أهلاً، وأن الله تعالى قد دعانا لأن نكون من أنصار دينه كما قال سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ] (الصف: ١٤) ، وبقدر الاستجابة لهذه الدعوة للنصرة تكون السرعة في مجيء النصر وإلا ... فإن قدر الاستبدال بالمرصاد لمن تولى عنها: [وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ] (محمد: ٣٨) ، فرجاؤنا في الله أن يجعلنا من معاشر الأنصار لدين الرسول ﷺ ، في زمن الغربة، الزمن الذي يتضاعف فيه أجر الثبات على الدين؛ فالأنصار الأوائل لهم قدرهم وفضلهم، ولكن الأنصار الأواخر أيضاً لهم أجرهم ونورهم، وصلى الله على من قال: «فطوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء؟ قال: الذين يُصلحون إذا فسد الناس» [١١] . فهؤلاء الغرباء هم القابضون على الجمر الذين قال الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم: «للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم» ، وفي رواية «قيل: يا رسول الله! أجر خمسين منا أو منهم؟ قال:» بل أجر خمسين منكم « [١٢] .

стр. 4144

المسلمون والعالم أمريكا رجل مخمور في يديه حفنة دولارات وبندقية أحمد فهمي في إحدى خطبه الكثيرة التي أعقبت هجمات ١١ سبتمبر/ أيلول مباشرة، قال الرئيس الأمريكي جورج بوش: «قد تكون مبانينا اهتزت بفعل الإرهابيين، ولكن المجتمع الأمريكي أبداً لن يهتز» . وتلك بالطبع كذبة كبيرة؛ فالمجتمع الأمريكي لم يتوقف اهتزازه منذ ذلك التاريخ، بل قد يظن من لا يعلم أن المباني قد انهارت من قوة الزلزلة التي انتابت «الشعوب الأمريكية» وليس العكس. والباحث في ما وراء الحدث يرى بوضوح أن أزمة الأمريكيين تكمن في كون هذا الهجوم نجح في تخطي الأهداف التقليدية المتمثلة في مظاهر القوة العسكرية والاقتصادية؛ ليضرب في عمق لم يتوصل إليه أحد قبل، ولم يتوقع الأمريكيون أنفسهم أن يُضربوا فيه بهذه القوة. ولا نقصد بالعمق تدمير البرجين والبنتاجون، إنما مقصدنا ذلك العمق الذي انهار في الداخل الأمريكي بفعل توابع الزلزال. لقد اكتشف الأمريكيون، واكتشف العالم معهم أن المارد الذي يحمل بين يديه وسائل الرغبة والرهبة يكاد ألاَّ يقوى على حملها، وأن توجيه الضربة إلى الساعد الذي يحمل البندقية أسهل ألف مرة من مقارعة النار بالسيف. لقد بان للعالم بأسره أو لذوي العقول فيهم أن الولايات المرتعبة الأمريكية حفرت من حولها بحاراً من الوهم كانت هي أول من غرق فيها، وأن الجسد الذي يحمل العصا والجزرة قد نخره المرض وبات مفككاً. ومشكلة منفذي العمليات الانتحارية الأخيرة أنهم كشفوا العورة الأمريكية؛ لينظر الأمريكيون إلى أنفسهم وقد فقدوا رجولتهم، فانطلقوا في هيستيريا جماعية يعبِّرون عن رغبة عارمة في الانتقام للشرف المستباح. وما بين الرغبة في الانتقام وممارسة الخوف يقضي جل الأمريكيين أوقاتهم في حقبة ألفية جديدة كانت أحلامهم فيها تتجاوز قمة مركز التجارة العالمي الذي انهار مع الحلم الأمريكي. وكان خبراء البيت الأبيض الذين أوكل إليهم كتابة خطاب بوش الابن في الكونجرس الأمريكي على حق حينما عبَّروا عن الأزمة بقولهم: «إن الحرية أصبحت في حالة حرب مع الخوف» . ثم عُدِّلت إلى: «لقد اندلعت الحرب بين الحرية والخوف» ؛ فما يعانيه الشعب الأمريكي اليوم أحد أسبابه الرئيسة أنهم لم يعتادوا أن يفكروا بوصفهم أمة من قبل؛ فهم مجتمع لا مركزي تسوده النزعة الفردية، يعتقد الناس فيه أن بإمكانهم الاهتمام بأنفسهم بعيداً عن الآخرين، وبعيداً عن تدخل الدولة، وفي المقابل تمارس الإدارة الأمريكية سياساتها الخارجية بمعزل عن الشعب الذي لا يأبه إلا بشؤونه الداخلية. وقد كان بوش الابن قبل توليه معبِّراً عن هذا التوجه الأمريكي الذي يجهل الكثير عن العالم الخارجي؛ فحينما سئل في حملاته الانتخابية الرئاسية عن حاكم باكستان العسكري ورئيس وزراء الهند، لم يعرف الثاني، وقال إن الأول اسمه: «جنرال» ! والحرية في مفهومها أو تطبيقاتها الأمريكية أخذت أبعاداً شتى جعلت مصطلح الحرية نفسه قاصراً عن التعبير عنها. نعم كانت الحرية حجر البداية، ولكن الحجر الأخير الذي سقط على رءوس الأمريكيين لم يكن مكتوباً عليه قطُّ الحرية، بل وفق مفهومنا نحن المسلمين، نقرأ بلغتنا على ذاك الحجر أحرف: «العبودية» . أوصلت الحرية العالم الأمريكي إلى أن أصبح كيانات مستقلة تعيش داخل دولة واحدة: قوى اقتصادية وسياسية واجتماعية متصارعة، تحدوها مصالحها الخاصة، وداخل كل كيان يتحرك المنتمون إليه وفق مصالحهم الشخصية، فلا توجد ثقافة متوارثة أو مختلقة لدى الأمريكيين تجعلهم يعيشون كتلة واحدة منصهرة، وقد اعتادوا على ذلك وألفوه وأحبوه، حتى إذا وقعت الحادثة كان على لسان كل أمريكي عبارة: (يا إلهي! ينبغي أن نفكر ونعيش كأمة واحدة) ، فماذا صنعوا؟ كعادتهم المثلى في التعبير بالشراء. انطلقوا إلى المحلات التجارية لشراء الملايين من الأعلام الصغيرة، يعلقونها على بيوتهم وسياراتهم ويلوحون بها في بلاهة: (نحن أمة واحدة) . وإجمالاً نستطيع القول إن هجمات الحادي عشر من سبتمبر كشفت مظاهر مَرَضية كثيرة في جسد الدولة الأمريكية نستطيع توزيعها بسخاء على مجالات عديدة: القوة العسكرية الأمن القوة الاقتصادية المجتمع النظام السياسي، ولكننا نجتزئ منها ثلاثة فقط تحتاج معها إلى وقفات وتأمل. أولاً: القوة العسكرية (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم) . قد يعجب بعض الناس من إدراج القوة العسكرية الأمريكية ضمن مجالات كشفت الهجمات الأخيرة عن مظاهر ضعفها، ومرد هذا العجب محدودية النظرة للجانب العسكري في معلومات مباشرة من قبيل حجم القوات، وكفاءة التصنيع العسكري، ومستوى التدريب، وتنوع الأسلحة وتطورها، وضخامة كمّها.... إلخ؛ في حين تخفى بنود أخرى كثيرة رغم أهميتها في رسم معالم السياسة الأمريكية، ومن هذه البنود: - مصالح شركات صناعة السلاح، ومعظمها شركات غير حكومية هدفها الأول تحقيق الأرباح عن طريق زيادة المبيعات، وهذه الشركات تجمعها هيئة مشتركة تعبر عن مصالحها، ولها نفوذ ضخم في الأوساط السياسية ولدى متخذي القرار، وقد عبَّر الرئيس الأسبق أيزنهاور عن مدى تغلغلها في المؤسسة السياسية الأمريكية بقوله: «إن التأثير الكامل للنفوذ السياسي للبنية الصناعية العسكرية واضح في كل مكتب وكل مدينة، وهي تعد خطراً كبيراً؛ لأن قوتها الهائلة تعمل على انهيار التوازن السياسي» . ومعروف للمراقبين الصلات القوية التي تربط عائلة بوش بشركة (بوينج) التي تنتج العديد من الطائرات العسكرية مثل إف ١٦ وغيرها، وهذه الشركات تتعرض لخسارة بالغة لو توقفت الإدارة الأمريكية عن التعاقد معها بصورة دائمة على صفقات ضخمة، كما تتأثر أيضاً بالمناخ العالمي، وكلما زاد حجم التوتر والاضطراب الدولي فذلك يعني زيادة في طلبات الشراء والأرباح وفرص العمل، وكثير من الخبراء والمحللين يعتقدون أن مقتل جون كنيدي الرئيس الأسبق كان وراءه مافيا السلاح؛ لأنه قرر الانسحاب من فيتنام التي كانت تضخ عشرات المليارات إلى خزائن تلك الشركات، ويكفي أن نعلم أن الحرب أهلكت خمسة آلاف طائرة هليوكوبتر، وألقي على الفيتناميين ٥,٦ مليون طن من القنابل. وخلال حملته الانتخابية دعا بوش إلى «العبور فوق جبل كامل من الأسلحة لمواجهة أنواع جديدة من التهديدات» ، لكنه بذلك وجه تهديداً لمتعهدي وزارة الدفاع وخدمات التسلح، وهذا ما دفع بعض المحللين للظن في دور محتمل للأيدي الخفية داخل الإدارة الأمريكية في هجمات سبتمبر. - بند آخر يتمثل في حجم ميزانية وزارة الدفاع، ويسعى صقور البنتاجون دوماً إلى زيادة ميزانيتهم، ويضغطون على الكونجرس والبيت الأبيض بشتى الوسائل لتحقيق هذا الغرض. وهنا تبدو شبكة من العلاقات الخفية بين البنتاجون وشركات السلاح وعناصر أخرى من النظام السياسي الأمريكي تتوافق على هدف واحد وهو بذل كل وسيلة ممكنة للحفاظ على حجم الميزانية وزيادتها، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي تعرض اللوبي العسكري إلى ضربة قاصمة بزوال الخطر الأعظم والمسوّغ الأكبر لميزانية عسكرية ضخمة، وبالفعل تم تخفيضها. وبرزت الحاجة لصنع عدو جديد، أو بمعنى أدق البحث عن عدو قائم وتنصيبه عدواً أكبر للولايات المتحدة، وهنا يصبح تضخيم العدو المحتمل أمراً حيوياً لكَمٍّ هائل من المؤسسات الأمريكية حكومية وغير حكومية، ويمكن بسهولة ملاحظة المبالغة الهائلة في التعامل العسكري مع هؤلاء الأعداء، كما حدث في العراق ويحدث في أفغانستان. وحينما وقعت هجمات سبتمبر وجدت المؤسسة العسكرية نفسها في موقف لا تحسد عليه؛ فالعدو الذي تحول إلى أسطورة ضرب بقنابل بشرية ذابت في الهواء، وتحول الحديث عن جيش أمريكا الذي لا يبارَى إلى نوع من الهراء؛ فأكبر خسارة منذ ستين عاماً، لم يكن للجيش أن يواجهها، وحتى بفرض معرفته المسبقة كانت طائرتان فقط من بين مئات الأسراب تكفيان لحسم المشكلة، وهو ما جعل كثيرين داخل أمريكا وخارجها يتساءلون عن جدوى نفقات التسليح الباهظة في مواجهة عدو يستعمل أسلحة بشرية مزودة بالسكاكين. ومن يتابع الأحداث بعد فسيلاحظ التكلف الشديد في إظهار أهمية الحشود العسكرية المبالغ فيها، والتنوع الهائل في الأسلحة والقذائف. - بند ثالث: وهو تحول الجيش الأمريكي إلى ما يمكن أن نطلق عليه تجارياً: «البضاعة للعرض فقط» ، وبالمفهوم العسكري: «للترهيب فقط» ، ومن يراقب الأداء العسكري للقادة والوحدات والجنود يتيقن من أن ذلك كله للعرض، وليس هناك استعداد لتشويه رونق البضاعة بتراب الحروب هنا أو هناك، ولم يدرك أطفال الأفغان تلك الحقيقة وهم ينطلقون في الشوارع لدى بدء الحرب يتساءلون: أين الأمريكيون لنضربهم؟ وكما يكرر رامسفيلد دائماً: «نحن موجودون على الأرض لتقديم المشورة والنصح فقط» . وهذا المفهوم قد يشمل أحياناً أنواعاً من الأسلحة يفضل بعض القادة الأمريكيين عدم المجازفة بها في حرب كهذه، كما حدث بالنسبة لاستخدام رادارات جي ستارز المحمولة جواً لكونها معدات ثمينة. - ومن البنود المهمة أيضاً: الحديث عن مَعْلَمٍ بارز بات يحكم الصناعة الأمريكية في معظم المجالات ومنها العسكري، وهو ما يمكن أن نسميه: «هوس التطوير» ، ونعني به التطوير الدائم لكل شيء حتى لو لم يكن له فائدة؛ فلا يمكن في أمريكا أن تظل السلعة أو المنتج على نفس الصورة أكثر من شهور معدودة دون تغيير أو تطوير، وهناك قانون صدر يمنع الشركات من مضاعفة إمكانات أي منتج صناعي في أقل من سنتين. وهذه الظاهرة تنطبق على صناعة السلاح، وهو ما ينتج عنه إرهاق شديد للميزانية العامة ودافعي الضرائب، وسرعة تقادم وتراكم الأسلحة في الجيش الأمريكي الذي تواجهه مشكلة تصريف القديم منها، ولا شك أن مثل هذه الحروب السهلة تعد وسيلة نموذجية لتصريف كمٍّ هائل من الذخائر وتجربة كمٍّ آخر منها ومن الأسلحة الجديدة، والمتابع لتصريحات بوش الابن ورامسفيلد الوزير عن معركتهم الحاسمة ضد الإرهاب يدرك مستوى الخداع الذي تمارسه الإدارة الأمريكية على كل الأطراف بمن فيهم الشعب الأمريكي نفسه، وسعيها لصناعة نصر حاسم على طريقة هوليود: قضينا على الدفاعات الجوية (غير الموجودة!) دمرنا كل المطارات (المهجورة!) السماء الأفغانية أصبحت مفتوحة (لم تقفل يوماً!) قرب الانتقال إلى المرحلة الثانية من الهجوم (لن يعدوَ أحد وراءكم!) .. إلخ، ويتحول الإدراك إلى سخرية حقيقية حينما يتبين أن خبراء الاستخبارات والبنتاجون يعقدون جلسات استماع مع كبار المخرجين وكتبة السيناريو في هوليود للاستنارة برؤيتهم الخيالية في استقراء التطورات المستقبلية. نقول إنه حينما تنجح كيانات خاصة داخل الدولة في جعل أهدافها محوراً استراتيجياً للعمل السياسي داخلياً وخارجياً، فذلك يعني أن مرضاً عضالاً تعاني منه الدولة، حوَّلها إلى الشركات المتحدة الأمريكية. ثانياً: المجتمع (يحسبون كل صيحة عليهم) . لن نفهم ما حدث في أمريكا حقيقة إلا بعد النظر في الأمر بموضوعية بعيداً عن العاطفة الجارفة للفكر، وأولى درجات الموضوعية أن نقر بأن أمريكا خاصة بعد إقرار قانون الحقوق المدنية تعد من أكثر النظم الكافرة على مدار التاريخ تحقيقاً للعدل مع شعوبها، والقاعدة التي بين أيدينا تقول: (إن الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة) ، والعدل الأمريكي عدل نسبي، ولكن مقارنة بالأحوال العالمية المتردية نجده متفرداً بعض الشيء، ولأن العدل الأمريكي عدل بشري لا يقبس من نور الوحي، فدعائمه ذات سَمْتٍ خاص، وحينما عبَّر المفكر الأمريكي فوكوياما عن افتتانه بذلك النموذج واعتبره نهاية التاريخ لم يكن مبالغاً؛ إذ ربما يكون حقيقة باعتبار النتاج البشري، ولكن ما غفل عنه فوكوياما أن الدعائم التي تحفظ لذلك النظام توازنه دعائم مؤقتة سرعان ما تذوب، ولكن وفق أعمار الدول والحضارات. وحينما أطلقت الإدارة الأمريكية على حربها الأخيرة اسم: «العدالة الدائمة» توافق ذلك مع كون الحدث الدامي مؤشراً لاقتراب العدالة الأمريكية برمتها من خط النهاية؛ لتكون العدالة الإلهية هي الأحق بالدوام من عدالة البشر. نقول إن هجمات الحادي عشر من سبتمبر خلخلت دعائم الحضارة الأمريكية وأفقدتها توازنها الذي ربما كان سيستمر فترة أطول لولا ما حدث في واشنطن ونيويورك، ولو رجعنا إلى عبارة بوش في خطاب الأزمة: «لقد اندلعت الحرب بين الحرية والخوف» لتؤكد لنا أن الدعامة الأساسية التي قامت عليها العدالة الأمريكية هي الحرية المطلقة، ولو رجعنا إلى الوراء أكثر للرئيس الأسبق روزفلت، فسنجد من أقواله المأثورة: «إن الذي يريد أن يجمع بين الأمن والحرية لا يستحق أياً منهما» ، فالحرية هي عنصر التوحد والتماسك في «المجتمعات» الأمريكية، والأمريكيون يدينون بالفضل في تماسكهم النسبي سنوات طويلة لحريتهم المقدسة؛ فما الذي حدث بعد ١١ سبتمبر؟ لقد تحقق الشق الأول من قولة روزفلت، وعزمت إدارة بوش على الجمع بين النقيضين في الشريعة الأمريكية: الحرية والأمن، وما نراه حالياً، وما يتوقع لاحقاً إن شاء الله سيكون تطبيقاً للشق الثاني من قولة روزفلت: «لا يستحق أياً منهما» حيث يكتشف الأمريكيون بعد عناء المواجهة أنهم فقدوا الحرية والأمن معاً؛ ومن ثم يفقد مجتمعهم و (حضارتهم) الدعامة الأساسية «البشرية» ، ويقترب من الانهيار. ولا يعني ذلك قطعاً أن الشعب لو تمسك بحريته نجت حضارته، بل على العكس من ذلك فإن تمسك الأمريكيين بحريتهم هو سبب آخر من أسباب السقوط، وهذه حكمة إلهية؛ فالمنهج الرباني المتمثل في الإسلام هو وحده الذي يرتقي دوماً من يتمسك به، أما غيره من نتاج البشر فما يُظن أنه سبب للرقي تكمن في طياته حيثيات السقوط؛ فحريتهم المقدسة إن تمسكوا بها تلفوا، وإن نبذوها هلكوا. ١ - لماذا يخاف الأمريكيون؟ بالطبع هناك الأسباب المباشرة مثل: فجأة الحدث، وفداحة الخطب، وجهالة العدوّ، وترقب العَوْد. ولكن عادة تكون هناك أسباب كامنة لها دور كبير في حجم الخوف ومظاهره، ولن يفسر ردة الفعل الهائلة لدى الأمريكيين مجرد استعراض الأسباب المباشرة. والتأمل في الحالة الأمريكية يبرز لنا ثلاثة عوامل تجعل الهلع الأمريكي مقبولاً إلى حد كبير: الأول: جعلت الأحداث الأخيرة من الشعب الأمريكي ما يمكن أن نسميه: «الشعب المبستر» ، فقد نقلته من حالة الأمن التام، إلى وضعية الرعب في لحظات قصيرة جداً؛ حيث تعرض الأمريكيون لما يشبه البسترة التي تمثلت أعراضها في توتر وفزع زائدين عن الحد؛ فما كانوا ليفكروا قطُّ في تهديد يعقرهم في عقر دارهم بلا مقدمات ولا إنذارات، وقد مرت عليهم عشرات السنين لم يسمعوا فيها صَفَّارة إنذار، ولم تُقصف بيوتهم بالقنابل، بل ولا الحجارة، وفَقْدُ الأمن أشد على النفس من افتقاده، لا شك في ذلك. الثاني: الشعب الأمريكي يعيش حياته في العراء، بمعنى الكلمة، ولا نعني البعد الأخلاقي لها، بل ما نقصده أن الحياة الأمريكية مفتوحة ومكشوفة؛ فهم «كانوا» يعيشون حياة من لا يخشى الخوف، فأخرج ما لديه للعيان، ولكن ما أن جاء نذير سبتمبر حتى وقعوا في أزمة كبيرة، فهم أشبه بتاجر فاق حجم بضاعته مساحة محله، ولا يرى بأساً في ذلك، حتى إذا أدركه أعداؤه استعصى عليه إرجاعها إلى مكانها الطبيعي بعد أن فاقته حجماً. وهذا ما حدث لهم، وشل الحياة العامة في بلادهم لفترة غير قصيرة؛ حيث تحولت معظم مظاهر تلك الحياة إما إلى ثغرات وإما إلى أهداف محتملة «للإرهابيين» ، وهو ما أنتج منظومة متكاملة من مشاعر الرهبة والفزع والقلق الدائمة، وهو ما دفع الخائف الأعظم ديك تشيني إلى التصريح في إحدى مرات ظهوره: «إن الحياة في أمريكا قد تغيرت إلى الأبد ولن تعود إلى ما كانت عليه» . الثالث: أن الأمريكيين لا يؤمنون بالقَدَر ولا يُسلِّمون به، ومن ثم استسلموا إلى متاهة «ماذا لو؟» الشيطانية، ولهذه المتاهة قدرة على تحويل التقدم التقني والإمكانات الهائلة إلى وبال على صاحبها؛ إذ كلما عنّ له فكر حوَّله إلى فعل. ولا شك في أن متابعة يوميات المجتمع الأمريكي في الأسابيع الأخيرة تعطي شواهد لا حصر لها على هذه الظاهرة، مثل الإقبال الشديد على اقتناء الهواتف الخلوية، وحمل الأطعمة بدون داعٍ تحسباً لأي إقامة مفاجئة تحت الأنقاض، والهوس بشراء أقنعة الغاز التي نفدت من الأسواق، والفزع من طائرات رش المحاصيل.. إلخ. ولأنه لا توجد طريقة واحدة تصل الأمريكيين بربهم في إطار عقيدتهم، لم يجدوا إلا أن يعلقوا لافتات على المنازل والمكاتب تناجي الرب أن ينقذ أمريكا. أما جورج بوش، فلم يجد شيئاً يطمئنهم به إلا أن يقول: «اذهبوا إلى ديزني لاند، وانسوا ما حدث» ! . ٢ - صراع الحضارات يبدأ في أمريكا: أمريكا دولة متعددة الجنسيات، متعددة الأعراق، متعددة الثقافات، لم تستطع أن تصهر كل ذلك في بوتقة واحدة، فارتضت أن تسود «الحرية» عالمها، ولكل أن يفعل ما يشاء، وقد زاد ذلك من التميز العرقي في أمريكا لدرجة هائلة، وما يسمى بالذوبان في المجتمع الأمريكي كلام زائف؛ إذ لا يتعدى قشوراً ثقافية خارجية، بينما الانتماء الأساسي يبقى كما هو، والغريب أن الشعب نفسه عند الأزمات يتعامل وفق هذه القاعدة، فأثناء الحرب العالمية الثانية تعرض اليابانيون الأمريكيون إلى اضطهاد شديد، وجُمعوا في معسكرات اعتقال جماعية، وتعرضوا للقتل، وخلال الحرب الفيتنامية، تعرض الأمريكيون من أصول آسيوية للاضطهاد كذلك لعدم القدرة على التمييز بين الفيتنامي والصيني والكمبودي، ومنذ سنوات قريبة حدثت أزمة في صناعة السيارات الأمريكية بسبب الإغراق الياباني، فتعرض الصينيون في ديترويت عاصمة صناعة السيارات للاعتداء إلى حد القتل لتشابه ملامحهم مع اليابانيين، وأخيراً بعد هجمات سبتمبر تكرر الأمر مع المسلمين مع اكتسابه بعداً دينياً واضحاً، وتعرض بعضهم للقتل الخطأ أيضاً حيث قُتل قبطي مصري ظناً أنه مسلم، أضف إلى ذلك كله تنامي العنصرية البيضاء تجاه سائر الأعراق والألوان. ويرى بعضهم أن الهجمات الأخيرة عملت على توحد الشعب الأمريكي بمختلف فصائله، لكن يردُّ على ذلك خبراء من أمريكا نفسها يرون أن هناك فرقاً كبيراً بين الانكماش نتيجة الخوف والاندماج إثر التوحد، ويقول الدكتور (كلارك ماكولي) أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة بنسلفانيا: «إن ابن لادن الشخصية الأحدث على ملصقاتنا، ولكن ماذا لو فقدناه؟ ما الذي سيحدث لو أُسر أو قُتل؟ سيقول كثيرون: لقد نجحنا، دعونا نتوقف عن العبث ونذهب لبيوتنا، ولكن المشكلة أكبر من أن تكون مشكلة شخص واحد، وسوف نكون في مشكلة كبيرة» . وإذا كان صمويل هنتنجتون يبشر بصدام الحضارات، فنحن نبشره أن ذاك الصدام سيصيب أمريكا نفسها؛ فهي بحق نموذج مصغر للعالم، تعبِّر عن أخطائه وأمراضه، وكما تجذب العقول الفذة من سائر الأنحاء، تجلب معها عيوب الدنيا بأسرها، وما رآه الأمريكيون يوماً مفخرة لكونهم أذابوا العالم كله في بوتقتهم، سيصبح عن قريب محزنة حينما يتحول إلى مصفاة تتسرب من ثقوبها حضارتهم. ثالثاً: الأمن (كأنهم خُشُب مسنَّدة) . حكمت حركة طالبان أفغانستان ما يقرب من خمس سنوات حتى الآن، وكان أعظم إنجاز لها اعترف به العدو قبل الصديق أنها نجحت في تحقيق الأمن في بلاد لم تنعم به طيلة عشرين عاماً كاملة، وبإمكانات شهد الصديق قبل العدو أنها تسمى إمكانات مجازاً، وفي أمريكا يحكم نظامها السياسي البلاد منذ القرن التاسع عشر، ومقارنة بما تملك من إمكانات، فإن مستوى ذلك النظام يكاد لا يقرب منزلة طالبان في هذا المضمار. وقبل أحداث سبتمبر مباشرة كانت قناة CBS التلفزيونية المعروفة تعرض مسلسلاً يحمل اسم وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) ، تدور قصته حول مجموعة إرهابية إسلامية تخطط للقيام بعمل إرهابي ضخم، وطبعاً يتمكن رجال الوكالة من إحباط هذه العمليات ببطولتهم المعهودة، وبينما لم تنته حلقات المسلسل بعد حتى فوجئ الناس بما يمكن وصفه أنه أعظم إخفاق في تاريخ أجهزة المخابرات الأمريكية، وأيضاً من مجموعة يدعون أنها إسلامية «إرهابية» . إن ما حدث يمثل بالضبط الفرق بين الوهم والحقيقة في المقدرة الأمنية الأمريكية، ويثبت للعالم أجمع وفي مقدمتهم المسلمون، أن أمريكا تستمد قوتها من هوليود أولاً قبل نيويورك وواشنطن، ولقد كشفت تفجيرات سبتمبر وما تلاها عورات أمريكا الأمنية بصورة فجة، سنلقي الضوء على بعضها ليقر في الأذهان أن أمريكا أسطورة بالفعل، والأساطير لا تعيش طويلاً على أرض الواقع: ١ - التضخم سمة أساسية لكل شيء في أمريكا: لا نعلم السبب في ذلك، لكنها حقيقة، هم يحبون الضخامة في كل شيء، وفرق كبير بين ما يصنعونه وما يطلبونه، وبين ما يطلبونه وما يحتاجونه، وبين ما يحتاجونه وما يكتفون به. حياتهم مضت على هذا الأساس وتوازنت عليه، ولو توقف الأمريكان مثلاً عن شراء البيتزا لاهتز الاقتصاد الأمريكي بأسره، وعلى المستوى الأمني توجد أكثر من أربعين وكالة رسمية كبيرة تعنى بالشؤون الأمنية للبلاد، تتجاوز ميزانيتها خمسين مليار دولار سنوياً، وتمتلك كمّاً هائلاً من الإمكانات التكنولوجية، ويعمل فيها عشرات الآلاف من الأمريكيين، وتجمع الملايين من المعلومات سنوياً، وتقدم خدماتها إلى عشرات الإدارات الحكومية المختلفة، وتعجز عن كشف عملية كبيرة يعد لها داخل أمريكا لمدة لا تقل عن سنتين، وتُخفق في معرفة مرسل الجمرة الخبيثة بعد أكثر من شهر على بدء إرسالها، وإذا تثاءبت وحذرت الناس كان الخطر وهمياً. هذه حقيقة الأجهزة الأمنية الأمريكية: ضجيج ولا طحن، أعجزها تضخمها الهائل عن الاستفادة بما لديها. وبعد كل ما حدث لم يستطيعوا التخلص من دائهم، بل مضوا يستزيدون منه فيعلن الرئيس الأمريكي عن إنشاء المزيد من الأجهزة الأمنية، وتعيين خبراء في مناصب جديدة، وزيادة ميزانية الـ (سي آي إيه) ، والانطلاق نحو جمع المزيد من المعلومات، وإطلاق المزيد من الأقمار.. إلخ. ٢ - العدو غير معروف والهدف مجهول: الوسائل والغايات في أمريكا لها فلسفة مستقلة خاصة بها، ولأن التغير المستمر سمة لاصقة وسائدة في المجتمع الأمريكي، بحيث تداخلت الوسائل والغايات إلى حد كبير، فما يعتبر غاية اليوم كان وسيلة بالأمس، ووسيلة اليوم غاية الغد، وحينما أنشئت وكالة المخابرات المركزية بعد الحرب العالمية الثانية، كانت غايتها رعاية الأمن الأمريكي، ولكن اليوم أصبحت الـ (سي آي إيه) بحد ذاتها غاية بغضِّ النظر عن الدور الذي تقوم به، وفارق كبير بين أن تتحرك الوكالة انطلاقاً من كونها وسيلة لحفظ الأمن، وبين تحركها بغرض حفظ ميزانيتها أو كوادرها، أو مصالحها الخاصة التي صيغت عبر عشرات السنين. هذا التداخل في الدور المنوط بالوكالة ومعها باقي الأجهزة الأمنية، أعاقها عن تطوير نفسها بما يتناسب مع التغيرات العالمية الحادثة. يقول جيمس بامفورد المتخصص في شؤون المخابرات: «لقد ركزت المخابرات لمدة نصف قرن من الزمن على روسيا، وبعد انتهاء الحرب الباردة منذ عشر سنوات ركزت على الطرق التقنية والثقافية لكنها لم تستفد بها في الوقت المناسب، كما أنها لا تمتلك عدداً كافياً من المحللين العارفين بالأصولية؛ ولذلك أخفقت في معرفة الإشارات والتوجهات قبل وقوع الحدث» . ومما كشف العوار أكثر أن تلك الأجهزة استعاضت عن الفطنة بالشك، فمضت تقلب في الركام الهائل من المعلومات المتجددة دائماً تبحث عن رائحة أي مؤامرة محتملة، ثم تسارع للناس تنذرهم: احذروا طائرات الرش، ابتعدوا عن الجسور والكباري، تنبهوا لعملية إرهابية كبيرة قبل رمضان. وسئل مسؤول أمني كبير: ما الذي جعلكم تطلقون تحذيرات لم تتأكدوا من جديتها؟ فقال: «كان بين أيدينا خيارات: إما أن نحذر الناس ويصدق التحذير فنصبح أبطالاً، أو نحذرهم ولا يقع شيء فنُلام، أو لا نحذرهم ويقع المحظور فتطير رؤوسنا» هكذا. ٣ - الأمن فاقد التركيز، والمجتمع فاقد التمييز: يقول المعلق الأمريكي الشهير (جورج ويل) معبراً عن توجه أمني: لا شيء يمكن استبعاد التفكير فيه، وإن كان هذا النهج معتمداً أمنياً في أمريكا، فإن كثيراً من الخبراء يقولون: إنه يؤدي في النهاية إلى تشتيت الفكر والجهد، وهذا بالضبط ما تعاني منه الأجهزة الأمنية الأمريكية. فهي أولاً: ترزح تحت كمٍّ هائل من المهام غير الواضحة، والمتضاربة أحياناً، فجهاز (إف بي آي) مثلاً، حينما قدم ميزانيته السنوية الأخيرة حدد مهمته بأنها العمل على كشف المخططات التي تهدد أمن البلاد وإجهاضها، ولكن لما تبين إخفاقه بعد هجمات سبتمبر، تركزت مهمته في كشف أبعاد ما حدث، وبينما هو غارق لأذنيه في محاولة الفهم، صدرت له الأوامر بتركيز الجهود على كشف خبايا مؤامرة الجمرة الخبيثة، وكانت النتيجة المبهرة التي توصل إليها لاحقاً أنه دعا الشعب الأمريكي إلى مساعدته في حل اللغز، وأعلن عن جائزة مليونية إضافية، ثم صدرت أوامر أخرى بتخصيصه لمعالجة القضايا الإرهابية دون غيرها؛ وربما للنجاح الذي حققه. أما ثانياً: فالاستراتيجية الأمنية الأمريكية من إحدى مسلَّماتها اتخاذ إجراءات تأمين مبالَغ فيها إلى حد كبير، تضفي مزيداً من العبء بلا داعٍ على الأجهزة المثقلة بالمهام؛ فعلى سبيل المثال: صدرت الأوامر بالتحقق من جميع العاملين في صناعة الطيران، وفحص ملفاتهم وأحوالهم، وهذا يعني تناول أكثر من ٨٠٠ ألف عامل بالفحص والتدقيق، وإنفاق أكثر من مليار دولار لتحقيق ذلك. وثالثاً: تعاني الوكالات الأمنية الأمريكية من التنافس الشديد فيما بينها، ومن كمٍّ هائل من البيروقراطية يعوق تحقيق التعاون فيما بينها. يقول السيناتور تورشلي أحد المطالبين بمحاسبة الوكالات الأمنية: «إن أجراس إنذار قرعت، تحذر من وقوع أعمال إرهابية، لكن أحداً لم يجمع تلك الإنذارات والإشارات بعضها مع بعض قبل سبتمبر. إن هذه الأجهزة تشعر بالغيرة فيما بينها، ولا تتواصل بالشكل الملائم» . وحلاً لهذه المشكلة المعقدة اتخذ بوش قراراً جريئاً بإنشاء وزارة أمنية جديدة تتولى الإشراف والتنسيق بين مختلف الوكالات الأمنية، وكما يقول المختصون إنه بذلك أضاف بعداً رأسياً للأزمة البيروقراطية أفقية. وتواجه الأجهزة الأمنية بعد ذلك كله شعباً يتراوح بين العبث والهلع في التعامل مع الأزمات؛ ففي أزمة الجمرة الخبيثة، انهالت عشرات الآلاف من البلاغات التي تتحدث عن اشتباه في جمرة بعضها كان بسبب الخوف الشديد من أي مسحوق أبيض دون بينة، وبعضها الآخر كان على سبيل المزاح أو الانتقام أو غير ذلك، حتى إن تلميذاً في مدرسة أراد إلغاء الامتحانات، فوضع على طاولة في المدرسة مسحوقاً أبيض فأُغلقت المدرسة بكاملها، ويقول أحد مسؤولي (إف بي آي) : «كيف نؤدي عملنا ونحن مطالبون بالتحري عن آلاف البلاغات اليومية بخصوص الجمرة الخبيثة.. لقد أصبنا بالشلل» . ثم ماذا بعد؟ تلك هي الحضارة الأمريكية في صورتها المثالية: دولارات، وجيوش، ولكنها تفتقر إلى مجتمع يحرسها، ولأن الهجمات الأخيرة لم توجه إلى المال أو السلاح، وإنما وجهت إلى اليد التي تحملهما، بان العيب، وزال الريب؛ فالأمريكيون وإن كانوا يقشعرُّون من تسعة عشر انتحارياً دمروا عدداً من المباني، لا يدركون أنهم بمثابة أكثر من مائتين وخمسين مليون انتحاري يسعون لتدمير دولة بأسرها، تحدوهم في ذلك حضارتهم الفائقة التي ترتقي بهم إلى الطابق الأخير لتقذفهم من عَلُ، فماذا يحدث للإنسان حينما يبتغي حكم نفسه المتغيرة بعقله القاصر وفق علمه الناقص؟ والجواب ما تراه دون ما تقرؤه؛ فهذه الحضارة الأوروبية كفرت بمناهج الله كلها حتى المحرف منها، ومضت تشق لنفسها طريقاً علَّه يوصلها إلى ... ؟ لا ندري، لسبب بسيط أن الغرب نفسه لا يدري إلى أي وجهة يسير، أو بمعنى آخر لقد شق الغرب لنفسه طريقاً للوراء كي يسير عليه للأمام. وبمعنى ثالث: المنهج الغربي ليس منهجاً للسير في أي اتجاه بقدر ما هو منهج للمراوحة في المكان؛ فهو منهج ينطلق من نفس الإنسان وينتهي داخلها، ونتيجة لذلك فالثقافة الغربية الآن بمعناها الواسع تحدوها الرغبة في التحرر التام من القيود بكل أشكالها، وسوف تتساقط القيود، أو ما بقي منها واحداً في إثر الآخر والله أعلم حتى يجد الرجل الأوروبي نفسه يوماً ما طليقاً بلا قيد، حراً من غير شرط، حينها فقط ستدرك الحضارة الغربية أنها سكرت حتى الثمالة. إن أصدق وصف للحضارة الغربية أنها حضارة تبغي الانتحار، حضارة ترتقي إلى الطابق الأخير؛ كي تلقي بنفسها من عَلُ!

стр. 4145

المسلمون والعالم (ندوة) لمحاولة فهم أمريكا (١ - ٢) خالد أبو الفتوح abulfutoh@hotmail.com لا شك أنه عنوان فضفاض، فأمريكا دولة مترامية الأطراف، ليس جغرافياً فقط، ولكن أيضاً عرقياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، صحيح أن (العمق) التاريخي لهذا الترامي محدود قياساً إلى الأمم الأخرى، ولكن تعقيد الحالة الأمريكية وتشابك الخطوط داخلها يجعل من غير الممكن الزعم أنه من السهل (فهم أمريكا) جيداً من خلال ندوة أو مقال أو حتى كتاب واحد، إذن: فهي محاولة لفهم بعض جوانب أو دوافع أمريكا التي قد تهمنا أو تمسنا بشكل أو بآخر، إنها محاولة لإلقاء (نظرة) على ذلك الترامي. كما أن (الفهم) ليس بمستوى واحد، ولكننا هنا نحاول قدر الطاقة اكتشاف (بعض مفاتيح) حل شيفرة هذه الحالة المزمنة. ليس ما سبق وحده وجه الغرابة في العنوان! فقد اعتاد القارئ ومعه الحق أن تكون الندوة محاورات ومداخلات بين أكثر من شخص من ذوي التخصص في موضوع الندوة بإدارة مضيف الندوة لتسليط الضوء على أكثر من جانب وبأكثر من وجهة نظر حول الموضوع. ندوتنا هذه ليست كذلك، صحيح أن المضيف الذي يديرها واحد، ولكن ليس هناك أشخاص، بل كتب، يحاول المضيف أن يستنطقها، يستخرج منها، يحاورها، يسكتها، يتفهمها، يضغط عليها.. تماماً مثلما يُفعل مع الأشخاص، للحصول على أكبر قدر ممكن من الإيضاح لجوانب الموضوع الذي يدور حوله النقاش، خدمة للقارئ. ولكن القارئ ليس طرفاً سلبياً يقتصر دوره على التلقي هكذا يتخيل المضيف! بل إنه يشاركنا أيضاً هذه الندوة التي سيكون الذهن الناشط مكان عقدها، يمكن لهذا القارئ أن يعترض، وأن يضيف، وأن يتساءل، ثم يجيب، يمكن له أن يقيس، وأن يكمل ... ستبقى في دائرة هذه الندوة أقواس ناقصة، على القارئ أن يكملها.. لن يصل إلى ذلك إلا عندما تكون له نظرة كلية فوقية. نرحب بضيوفنا جميعاً! ، الذين سنعرِّف بهم واحداً واحداً عند بداية كلام كل واحد منهم، كما نود أن نلفت نظر قارئينا الكرام إلى أن كلام ضيوفنا سيكون محصوراً بين علامتي تنصيص، ومذيلاً بمكان صدوره. من أين نبدأ الحوار؟ ! من الماضي أم من الحاضر؟ من العسكرة الطاغية التي تظهر لكل ذي عينين، أم من الاقتصاد المتذبذب، أم من الانحلال والجريمة؟ من البعد الديني أم من النظام العالمي الجديد؟ طليعة [١] : دعني أوفر عليك الحيرة وأشرح لك جذور ما تراه غامضاً أو غير مترابط: من المعروف أن كل سكان أمريكا مهاجرون «جاء سكان أمريكا (أي المستوطنون الأوروپيون) بحثاً عن العمل وكسب المال أساساً. ومع اختلاف ثقافاتهم ودياناتهم، بين أيرلنديين وإيطاليين وغير ذلك من أجناس وجنسيات مختلفة، كانت الرابطة الوحيدة التي ربطتهم جميعاً هي ذلك الخيط الرفيع المشابه لما يربط العاملين في المؤسسة أو الشركة التجارية، وأصبحت الولايات المتحدة هي منظومة الإنتاج التي يقودها المنطق التكنولوجي والتجاري، والتي يشارك فيها كل فرد منتجاً أو مستهلكاً، في غاية وحيدة هي تنمية مستوى المعيشة كمياً. وهكذا كانت كل هوية، ثقافية أو روحية أو دينية، تعتبر مسألة شخصية، فردية تماماً، لا تتداخل مع مسيرة النظام، ومن مثل هذه الهياكل الاجتماعية أصبح الإيمان عديم الأهمية، وعند الأغلبية العظمى لهذا الشعب، فقد مات الإله، لأن الإنسان انقطع عن كل ما هو مقدس، وبخاصة هذا الدأب في البحث عن معنى الحياة الذي يقود بالتبعية إلى الإيمان بالله. واتسع المجال بذلك أمام تفشي الخرافات وانتشار الطوائف والهروب إلى المخدرات أو الشاشة الصغيرة، بينما غطى كل ذلك صبغة تدعي الدينية وهي » الپيوريتانية «الرسمية أو التطهرية الرسمية، التي تتعايش مع كل أنواع انعدام المساواة، وكل المذابح والجرائم، بل وتمدها بالتبرير والغطاء الديني!» (ص ٤٧، ٤٨) . المضيف: لقد ازددت حيرة! ، ولكن أين ذهب السكان الأصليون؟ طليعة: سؤالك يضع أيدينا على كيفية تشكل علاقة أمريكا بالآخر «كانت العلاقة مع الآخرين أيضاً ذات طبيعة خاصة، بدأت أولاً بطرد الهنود للاستيلاء على أراضيهم ووضعهم بين خيارين: إما الإبادة وإما النفي والانسحاب إلى المعازل. وبعد ذلك كانت العلاقة بين البيض أنفسهم، خاضعة لأحكام قانون الغاب، لنهب الثروات المسروقة من الهنود، أرضاً كانت أم ذهباً. وهكذا أصبح العنف الأكثر دموية، والتحريض عليه بنفاق المتدينين، ملمحاً دائماً في تاريخ الولايات المتحدة منذ نشأتها، فلقد قدم المتطهرون [الپيوريتانيون] من الإنجليز الأوائل إلى الولايات المتحدة، حاملين معهم العقيدة الأكثر دموية في تاريخ البشرية، ومسلحين بفكرة:» الشعب المختار «، مقننين فكرة الإبادة، وكأنها حسب روايتهم أوامر إلهية، كانوا يسرقون أراضي الأهالي الأصليين طبقاً لتعاليم يهوا» إله الحرب «في» العهد القديم «، هذا الإله الذي أمر» شعبه المختار «بإبادة وذبح السكان القدامى في أرض كنعان واغتصاب أرضهم» (ص ٤٩) . سقوط [٢] : اسمحوا لي أن أضيف بعداً آخر في الموضوع، بعداً فلسفياً اجتماعياً، فبحسب نظرية ساركار [٣] ودورته في التغيير الاجتماعي القائمة على تصنيف أنماط الإنسان العقلية وطباعهم (الفردية والجماعية) إلى أربعة أصناف: الشغيلة (الجاموس) ، والمقاتلين (النمور) ، والمثقفين (الثعالب) ، والجمّاعين (الفئران) . طبقاً لهذه النظرية فإن «تاريخ الولايات المتحدة يمثل تعقيدات قليلة، إذ من السهل ملاحظة أنه منذ تدفق المهاجرين الأوروپيين على القارة الشمالية الأمريكية، دخلت الولايات المتحدة عصر الجماعين. هذا لا يعني بالطبع أن الرأسمالية كانت دائماً متغلبة في المجتمع الأمريكي، ولكن ببساطة يعني أنه منذ نشأة الولايات المتحدة كانت قوة النقود سائدة. قبل حرب الانفصال عام ١٨٦١ - ١٨٦٣م أكبر أغنياء أمريكا (ملاك الأراضي) كانوا على رأس المجتمع والحكومة، ولكن منذ تلك الحقبة صار الوضع الاجتماعي الأعلى يخص ملاك الرأسمال المالي والمشاريع الصناعية. هكذا هيمن الأثرياء تحت شكل أو آخر على المجتمع الأمريكي منذ ولادته. وهذا يشهد على طول واستمرارية عصر الجمّاعين» (ص ٢٧٩) . المضيف: ولكن ما علاقة هذا الكلام بموضوعنا؟ سقوط: كما قلت فإن أمريكا تعيش عصر جماعين (متمثل في الرأسمالية) طويل، ولكي نفهم أمريكا المعاصرة جيداً لا بد لنا من التعرف على صفات الرأسمالية التي تأسست عليها أمريكا، ولا بد من التعرف أيضاً على سمات عصر الجماعين. فالحجة التي كان يتخفى وراءها كبار الرأسماليين ومنظروها في القرن الثامن عشر للوصول إلى أقصى حرية في البحث عن الربح.. هذه الحجة «مفادها أن الكائن الإنساني مدفوع قبل كل شيء بدوافع فردية وأنانية، كل أفعال الإنسان تصدر عن حب البقاء أو حفظ الذات، أي: عن الفردية والأنانية. الفردية والبخل ليسا إذن شراً وإنما فضيلة؛ إذ يساعدان على العمل الجاد وعلى الازدهار. هذا يعني أن على الدولة تخفيف تدخلها في النشاطات الإنسانية إلى الحد الأدنى حتى تبلغ الرفاهية الفردية والاجتماعية حدها الأعلى» (ص ٢٩٥) . و «ليس فقط الممارسة الحرة لقوى العرض والطلب للسلع تقود إلى فعالية اقتصادية قصوى، ولكن أيضاً حسب [الاقتصادي الشهير] سميث إنها تكفل معدلات عالية من النمو الاقتصادي، وبهذا يكون ارتفاع مستوى الحياة. لكن النمو يتوقف على تراكم رأس المال، والذي يتوقف بدوره على الربح الكافي. ها هو خط دفاع آخر للسلوك الاستحواذي والغرضي، حيث يعدونه ضمانة استمرارية التقدم الاقتصادي للمجتمع» (ص ٢٩٦) . وهذه النظرة ترسم لنا خارطة القوى واتجاهات الحركة ودوافعها في أمريكا: فـ «الرأسمالية تعرَّف على أنها نظام اجتماعي اقتصادي سياسي، والذي تكون فيه وسائل الإنتاج (الصناعة، المصارف، الموارد الطبيعية) ملكية خاصة لأصحاب المشروعات والخواص، وحيث يلعب النظام السياسي لصالح هؤلاء الملاك، وحيث يحدد هؤلاء كيفية توزيع الدخل الوطني. ويمكن تعريفه أيضاً على أنه نظام يكون فيه الرأسماليون ملاك وسائل الإنتاج أحراراً في سعيهم لتحقيق أعلى حد من الأرباح. هذه الحرية في العمل لزيادة الأرباح هي أساس الرأسمالية» (ص ٢٩٣) . وعلى ذلك، فرغم المظهر التعددي في التجربة السياسية الأمريكية إلا أن الحقيقة أنه «ليس هناك إلا حزب سياسي واحد، إنه حزب الفيدراليين، والذي تسيطر عليه المصالح العقارية، وبدون معارضة حقيقية من تيارات أخرى. ولادة النظام الحديث (المتمثل في حزبين، لكل منهما برنامجه، أسلوبه، وسياسته الخاصة) هو مظهر متأخر، والذي وصل ذروته عام ١٨٥٤م، عند الحزب الديمقراطي الذي تكون منذ عام ١٨٢٥م، مواجهاً معارضة من الحزب الجمهوري. مع هذا، إذا كان هذان الحزبان السياسيان مختلفين جداً في بعض النواحي، إلا أنهما وقعا شيئاً فشيئاً في يد كبار الرأسماليين الماليين والتجار. وهذه هي المجموعة من الجمَّاعين التي تستخدم الدستور لصالحها الخاص والتي استمرت في ذلك حتى اليوم» (ص ٢٨٧) . ولأن أشد ما يكرهه رجال الأعمال هو التنافس بينهم؛ لأن التنافس يزيد من عدم الثقة ويحد من الربح، فقد فطنوا «إلى تدخلات وتنظيمات السلطة العمومية خوفاً من أن يؤثر هذا سلباً على مصالحهم. التنظيم بالطبع مرحب به من قبلهم إذا وضع حداً للتنافس وكفل لهم عائداً منتظماً وعالياً» (ص ٢٨٨ - ٢٨٩) . وهكذا حدد الرأسماليون لأمريكا دور الدولة وأهدافها حسب مصالحهم التي عبروا عنها بالمبدأ الشهير (دعه يعمل دعه يمر) ، استطاعوا الوصول إلى تطبيق ذلك المبدأ داخل أمريكا والدول الرأسمالية عامة، ويريدون تعميمه على العالم أجمع، فـ «نظرية دعه يعمل اليوم تعتبر نظرية كلاسيكية في علم الاقتصاد، هذه الأيديولوجيا الاقتصادية ليبرالية تواكبت مع عقيدة سياسية تختزل الدولة أو الحكومة إلى مجرد شر ضروري. شر بسبب تدخلها في الحريات الفردية ولكن ضروري لتفادي الغوغائية، يحدد سميث للحكومة ثلاث وظائف أساسية: العدالة، الدفاع الوطني، تقديم بعض الخدمات العمومية قليلة العائد بشكل لا يمكن للمشروعات الخاصة أن تقدمها» (ص ٢٩٧) . طليعة: أضيف هنا ما ذكره الرئيس الأمريكي ودور ويلسون في نص خاص ضمن مذكرات سرية توضح المعنى الحقيقة لمُثُل ويلسون العليا التي يثرثر بها كثيراً مثقفو الغرب! ، يقول ويلسون: «بما أن التجارة لا تعرف حدوداً قومية، وبما أن المنتج يحتاج إلى العالم ليصبح بأجمعه سوقه التجاري، فلا بد إذن من أن يسبقه عَلَم بلاده، حتى يوفر له فرصة اختراق كل الأبواب المغلقة، ولا بد أن يحمي رجال الدولة الامتيازات التي يحصل عليها رجال المال، حتى ولو أدى ذلك إلى تدمير سيادة الأمم التي تحاول التصدي لذلك. يجب إقامة المستعمرات أو ضمها حتى لا نترك أي ركن في العالم» (ص ٥٣) ، هذا هو دور الدولة الرأسمالية خارج حدودها، هذا هو دور أمريكا في النظام العالمي الجديد (القديم) ! . سقوط: أعود إلى إكمال حديثي، فأذكر لكم سمات عصر الجمَّاعين، فهو عصر يتصف بـ ... المضيف: عفواً د. (سقوط) ، إن الأفكار كثرت وتتداخل مع بعضها، وأخشى أن تتوه بعضها وسط هذا الزحام الفكري، أحب أن ألخص وأركز ما سبق ذكره، ما فهمته مما سبق هو الآتي: ١ - أمريكا قامت على الاعتداء على الآخرين (الهنود الحمر) وإبادتهم أو نفيهم في المعازل ومصادرة أملاكهم بذرائع دينية نفاقية ورغبة توسعية استعمارية. ٢ - الرابطة التي تجمع شتات الأمريكيين المتنوعين عرقياً وثقافياً ودينياً هي المصلحة المادية والمنفعة الاقتصادية. ٣ - تقوم الرأسمالية الشائعة في أمريكا على الفردية والأنانية التي تدفع إلى الرغبة في تراكم رأس المال وانتهاج السلوك الاستحواذي والغرضي. ٤ - يتحكم الرأسماليون في أجهزة الدولة الأمريكية ويوجهونها لمصلحتهم، مما رسم دور الدولة في الداخل بعدم التدخل في الحريات الفردية، وحصر دورها في وظائف محدودة تاركة للشركات والمنظمات والجهات النافذة فرصة التفاعل فيما بينها، أما في الخارج فدور الدولة ينصب على حماية مصالح أمريكا الرأسمالية، حتى ولو أدى ذلك إلى تدمير سيادة الأمم. هناك نقاط مما سبق تستحق المناقشة التفصيلية، ولكن قبل أن ننتقل إلى طرح نقطة أخرى للمناقشة، ألا ترون أن الكلام عن سلوك أمريكا الطامح في السيطرة والهيمنة على الآخرين لاستغلال ثرواتهم ونهبها.. يعارضه سلوك آخر خيِّر يتمثل في المعونة الأمريكية التي تمد أمريكا بها دولاً أخرى محتاجة؟ أليس هذا السلوك يستحق التوقف عنده والإشادة به وتقديره حتى نكون منصفين؟ طليعة: للأسف، الأمر ليس كما تظن، يؤخذ عليكم أيها العرب أنكم تنخدعون بسهولة بمظهر حسن قد يكون مزيفاً أو لفتة إنسانية قد تكون غير مخلصة أو شعار براق قد يكون خادعاً، وما نحن بصدد الحديث عنه مثال على ذلك، المعونة الأمريكية لا تخرج إلا لتحقيق المصلحة الأمريكية، ومما يثبت ذلك: ما رصدته دراسة مؤرخة في إبريل عام ١٩٤٧م وسجلت فيه أن ظاهرة «المعونة الأمريكية يجب أن توجه فقط» إلى البلدان ذات الأهمية الاستراتيجية الأساسية للولايات المتحدة، إلا في حالات نادرة جداً، حيث تسنح الفرصة للولايات المتحدة عن طريق هذه المعونة للحصول على الرضا العالمي نتيجة فعل إنساني استعراضي «. (Joint Chiefs of Staff. (١٧٦٩/١)) . [وقد] أعرب وزير الخارجية دين أتشيشون وبعض النواب الأمريكيين عن الموافقة، في عام ١٩٥٠م، على هذا المبدأ:» إذا حلت المجاعة بالقارة الصينية، وجب على الولايات المتحدة تقديم القليل من المساعدة، لا لمقاومة المجاعة نفسها، وتعنى فقط بقدر ما تكون كافية لإحراز نقطة في الحرب النفسية « (ستيفان شالوم، أكتوبر، ١٩٩٠م، Stephen Shalom: Z Magazine) » (ص ٦٩) ، إنها المصلحة يا عزيزي، إنها أمريكا، بلد مصالح لا غير! ، إنني أرى أن النفاق السياسي الأمريكي يستحق أن يفرد له محور خاص في هذه الندوة. المضيف: لا شك أن ذلك وارد، ولكن مما أثار انتباهي في النقاط السالفة الذكر: دور الدين في المجتمع الأمريكي وفي السياسة الأمريكية، هل للدين دور عندهم؟ سقوط: سأجيب على سؤالك من خلال النظرية الفلسفية الاجتماعية نفسها التي أتبناها.. إننا «إذا تفحصنا أعماق السلوك الاستحواذي لقادة العالم فإننا نعثر على سبب كل المشاكل الدولية، ذلك لأن الوعي الإنساني ليس له أبعاد إلا في الناس، فإن الظمأ إلى السعادة غير متناهٍ وغير محدود، وكوني. بسبب هذا الظمأ إلى غير المتناهي فإن الروح الإنسانية تمل ما عندها وتجري وراء ما ليس عندها، أي الحصول على أشياء مادية بكمية أكبر دائماً، لكن مع ذلك ليس هذا علاج الظمأ، لأن الأشياء المادية هي نفسها متناهية، وكل شيء متناهٍ لا يمكن أن يكون مصدر سعادة غير متناهية. وعي الذات باعتبارها كياناً واعياً غير محدود يمكن وحده أن يكون مصدر سعادة، هذه النقطة الأساسية صحيحة منذ أقدم العصور وستبقى كذلك إلى الأبد» (ص ٣٢١) . «ذلك لأن الروح، بعد أن تكون لهثت في العالم المادي المتناهي أي طلبت كل التلهيات بدون جدوى، توجب عليها إغراق حاجتها الفطرية إلى غير المتناهي، في النبيذ والوسكي والمخدرات، ومع ذلك لا يقود هذا الطريق إلا إلى كارثة شخصية واجتماعية، والتي في نهايتها تبذر بذور نهضة روحية» (ص ٣٢٢) وهذا ما حدث ويحدث في أمريكا. طليعة: إنني أرى شخصياً أن الدين في أمريكا على الأقل على مستوى سياستها الرسمية لا يخرج عن الإطار العام لسياستها العامة: المصلحة، المنفعة، الهيمنة.. أضرب لكم مثالاً يوضح ما أقوله، ثم أعقبه بإيضاحات أخرى: «لقد أعلن رونالد ريجان أن ثراء ورخاء الولايات المتحدة يرجع إلى كونها» أمة مباركة من الله «. لكن أحد رجال الدين الإسبان جرؤ على استهجان ما قاله ريجان واصفاً إياه بأنه» تجديف وهرطقة «، لأن ثروة وقوة الولايات المتحدة لا تأتي من مباركة الله، ولكنها ترجع إلى استغلال العالم وبخاصة العالم الثالث عبر التبادلات غير المتوازنة وغير المتعادلة، وفرض استيراد المنتجات الأمريكية بالقوة، وغزو رؤوس الأموال الأمريكية للدول التي تنخفض فيها المرتبات، وعبر الفوائد الاستغلالية» للقروض «. هذا هو تقييم خمسة قرون من الاستعمار وخمسين عاماً من تطبيق نظام » بريتون وودز «والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ثم منظمة التجارة العالمية. ولم يتوقف منذ ذلك الحين دق علامة الصليب على أسنة السيوف، كصنم يمثل الذهب والموت. ها هي ذي القصة كلها، فهي لا تخرج أبداً عن هذا الإطار، وهذا هو لُبّ القضية» (ص ١٠٩) . مرة أخرى يا عزيزي.. إنها المصلحة، إنها هنا ترفع راية الصليب، لو كانت مصلحة الأمريكي في التودد إلى الإسلام فستجده أول من أمسك بالمسبحة، ولو كانت في المسيحية ستجده أول من يتمسح بالصليب.. قد يتقلبون في أديان شتى وقد يناصرون أو يعادون أكثر من دين، ولكنهم لا يتخلون أبداً عن ديانة محددة لا يجرؤون على التصريح بأن اسمها (وحدانية السوق) ، «لا يتحول السوق إلى ديانة إلا عندما يصبح [هو] المحرك الوحيد في العلاقات الاجتماعية، الشخصية أو القومية، والمصدر الوحيد للسلطة والتسلسل الاجتماعي. ولسنا الآن بصدد أن نكتب تاريخ هذا التحول الكبير الذي أصبحت فيه كل القيم الإنسانية قيماً تجارية بما فيها قيم الفكر والفن، بل وقيم الضمير» (ص ٤٠) ، وعلى أساس هذا الدين تكون الصدامات أو التحالفات «وذلك يعني أن ما أوضحته في كتابي » نحو حرب دينية «كان يعني الصدام الحضاري، لأن» وحدانية السوق « ستعمل على تهشيم مقاومة كل هؤلاء الذين حافظوا على نظام آخر للقيم يختلف عن القيم التجارية، والذين بدفاعهم عن هويتهم يدافعون عن معنى الحياة» (ص ٢٦، ٢٧) ، ولا مانع من أجل فرض هذه الديانة أن يتحالف رجال السياسة مع (رجال الدين) وأن يمهد كل منهما للآخر في المواقع المستهدفة، بل لا مانع أن يلبس كل منهما رداء الآخر، إنني أرى أن «النموذج الأمثل للأصولية هو الاستعمار الذي كانت حجتاه الأيديولوجيتان نشر وإرساء» الإنجيلية «ليفرض على العالم مفهومه الخاص عن الدين، وليقوم العسكريون والتجار بالباقي، أي بالمجازر والاستغلال. وعندما يتراجع الدين، يتقدم نفس المنفذين ليفرضوا على العالم» حداثتهم « (ص ١٤٩) . إن استخدام الدين والتاريخ لأهداف سياسية يتضخم في الفترة المعاصرة على يد أمريكا والغرب عامة،» ويكفي مثال واحد: لتسويغ سباق التسلح أو السيطرة الاقتصادية، يُصطنع تاريخ الخصم على أنه شيطان، فقد كان الاتحاد السوفييتي هو «إمبراطورية الشر» ، وبعد انهياره وجد جورج بوش [الأب] في الإسلام بديلاً ليسوغ السياسة نفسها. وعلى النقيض من ذلك، ظهر «تاريخ مقدس» ، كان في البداية تاريخ العبرانيين، ثم استولى عليه المسيحيون الذين ادعوا وراثتهم ليسوغوا حملاتهم الصليبية، ثم استعمارهم « (ص ١٨١) . وهذا ما يؤكده يوهان جالتونج في كتابه (لاهوت الهيمنة الأمريكية) ، حيث يقول:» هكذا اتفقا [الآباء المؤسسون لأمريكا مع الپيوريتانيين (المتطهرون) ] على تكوين جبهة ضد الإسلام. إن الاقتناع بكونهم الشعب المختار، قد سبقه الاقتناع بأن الولايات المتحدة هي الأمة الأقرب إلى الله من أي أمة أخرى، وذلك موضح على شعارهم المدون على كل دولار: «In God We Trust» (إننا نثق بالله) . من ثم، فإن الدولة الأقرب إلى الله هي أيضاً ممثلة الله على الأرض طبقاً لثلاث خصائص رئيسية، من صفات الله: امتلاك كل العلوم، والقوة الشاملة، والإحسان. ويعني هذا رقابة إليكترونية على العالم وعلى الذين يُشك في كونهم ممثلي الشر وحَمَلَته. وتستأثر الولايات المتحدة لنفسها بمعرفة من يدخلون تحت هذا التصنيف، فلا توجد محاكمة لهم؛ بما أن الولايات المتحدة تحتكر مسألتي الثواب والعقاب، بالإضافة لحق الادعاء، هكذا تمارس هيمنة ثقافية وتمتلك قوة اقتصادية وعسكرية تحت إدارة البنتاجون وجهاز الاستخبارات (CIA) لتنفيذ أحكامها. تستحق «إمبراطورية الشر» أن تُسحَق حتى تعود إلى العصر الحجري، إنه لواجب « (ص ٢٤٢ ٢٤٣) ... هل رأيتم دجلاً أكبر من ذلك؟ ! المضيف: في الحقيقة: إن كلامكما يثير نقطتين في غاية الأهمية من وجهة نظري، الأولى: حول الأمراض الاجتماعية في المجتمع الأمريكي، والثانية: حول اتخاذ الإسلام والعالم الإسلامي هدفاً للعداء في الحرب (الحضارية) الجديدة التي تشنها أمريكا نيابة عن الغرب بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. ولكن قبل الخوض في هاتين النقطتين، أذكر الدكتور (سقوط) بأنني كنت قطعت حديثه سابقاً عندما أراد أن يذكر لنا سمات عصر الجمَّاعين، فليتفضل ليكمل حديثه. سقوط: أفضل أن أستأنف الحديث عن هذا الموضوع مع أو بعد الحديث عن النقطة الأولى التي ذكرتها الآن: الأمراض الاجتماعية في المجتمع الأمريكي. المضيف: إذن فلنكمل الحديث عن استهداف الإسلام والعالم الإسلامي بالعداوة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. طليعة: لا شك أن» انتهاء الحرب في عام ١٩٤٥م، ثم انهيار الاتحاد السوفييتي في عام ١٩٨٩م، وضعا الولايات المتحدة أمام المشكلة الصعبة، وهي تسويغ استمرار سياسة التسليح أمام شعبها، إذ إن تلك السياسة هي أحد العناصر الأساسية وغير المستغنى عنها لعمل الاقتصاد الأمريكي ... كان يجب إذن البحث عن بدائل لـ «إمبراطورية الشر» . ولذلك برز كل من «الحق في التدخل الإنساني» أو «حماية الحقوق» أو «حرب المخدرات» (ص ٧٠) . «وإذا صدقنا ما تحدث عنه هنتنجتون وأسماه» صدام الحضارات «، فسنجد أنه لو اندلعت حرب ثالثة فستصبح حرباً من نوع جديد، هكذا قال هنتنجتون، فلن يكون سببها نزاعاً» أوروپياً أوروپياً «، ولكنها ستكون مواجهة بين الحضارات ... بين» المركز « (وهو الغرب) وبين الأطراف (أو المستعمرات القديمة) . بل إن هنتنجتون يعطي أيضاً كلاً من المجموعتين صبغة دينية: إذ سيكون الصدام بين حضارة» يهودية مسيحية «وأخرى» إسلامية كونفوشيوسية «. إن طريقة طرح المشكلة عنده خاطئة، ولكن المشكلة حقيقية، فالولايات المتحدة في خطتها للسيطرة على العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، عينت العدو البديل أو» الشيطان «الذي يجب القضاء عليه وهو» الإسلام «وحلفاؤه المحتملون فيما يسمى بالعالم الثالث» (ص ٢٦) . وفوق أن الإسلام هو الأيديولوجية الوحيدة الباقية التي يمكن أن تنافس أيديولوجية الغرب ولا ترضخ للديانة الجديدة (وحدانية السوق) ... هناك سبب آخر جوهري لاستهداف العالم الإسلامي، هذا السبب نابع من الجغرافيا والتاريخ.. فلا يخفى على أحد «أن النقطة الحساسة لحدود الإمبراطورية الأمريكية هي الخليج الفارسي/ العربي الذي تحيط به أغنى منابع البترول والذي سيظل عصب التنمية الغربية لعدة قرون قادمة، وعلى هذا الخط الساخن، حققت» وحدانية السوق « آخر انتصاراتها بتحطيم العراق، وفي هذا الموقع» الحساس «لحدود الإمبراطورية الجديدة، لا تتوقف دولة إسرائيل عن لعب الدور الذي حدده لها مؤسسها الروحي تيودور هرتزل، ألا وهو أن تكون» حصناً متقدماً للحضارة الغربية في مواجهة بربرية الشرق «» (ص ٢٧) . الفرصة [٤] : صحيح «إن أكثر ما يهمنا في الشرق الأوسط هو البترول وإسرائيل، ولو أنهما لا يسيران دائماً في اتجاه واحد، فالتزاماتنا نحو إسرائيل تجعلنا نتحمل مصاريف باهظة في بترول الخليج» (ص ١٥٢) . «إن التزاماتنا نحو إسرائيل عميقة جداً، فنحن لسنا مجرد حلفاء، ولكننا مرتبطون ببعضنا بأكثر مما يعنيه الورق، نحن مرتبطون معهم ارتباطاً أخلاقياً» (ص ١٥٢) . «إن مصالحنا تحتاج إلى حسابات معقدة، فعلينا المحافظة على بقاء إسرائيل، وفي نفس الوقت التعامل مع الدول العربية المعتدلة لضمان أمان الخليج» (ص ١٥٢) . ومع ذلك فإننا لسنا منغلقين تجاه جميع الأطراف في العالم الإسلامي، بل «يجب علينا أن نعاون التقدميين في العالم العربي، ففي ذلك مصلحتهم ومصلحتنا، فهم محتاجون لأن يعطوا أنصارهم بديلاً لأيديولوجية الأصوليين المتطرفين، وانغلاق الرجعيين» (ص ١٤١) . لقد كنت أرى دائماً «أن مفتاح السياسة الأمريكية يكمن في التهاون الاستراتيجي مع المسلمين التقدميين فقط، ويُقْصَر التعاون مع الأصوليين المتطرفين والرجعيين على الناحية التكنيكية فقط. ولما كنا نشارك التقدميين في أهدافنا فيجب أن يغطي تعاوننا جميع المجالات الاقتصادية والأمنية، ونظراً لأننا نختلف مع الأصوليين والرجعيين في قيمهم فيجب ألا تتعدى روابطنا معهم الاحتياجات العاجلة الوقتية، علينا أن نعمل معهم ما داموا في السلطة، ولكن لا ندخل معهم في مشاركة واسعة المجال، لا ضرورة لأن نفرض عليهم الأصوليين والرجعيين حظراً شاملاً للتجارة، أو غير ذلك من الإجراءات الحادة، ولكن علينا أن نبتعد عن التسويغات» المائعة «لتصرفاتهم، أو عدم التدخل في صراعاتهم مع جيرانهم، يجب ألا نسقطهم من حساباتنا، ولكن بالقطع لا يجب علينا ألا نساهم في تقدمهم، وعلينا أن نلتزم بسياسة العين بالعين والسن بالسن في كل حالة معهم» (ص ١٤٢) . الإعداد [٥] : مع عدم إغفال أهمية هذا الكلام، إلا أنني أرى أن كلام (طليعة) أقرب إلى الواقع الآن، وذلك لأن القوة العسكرية الأمريكية وإن كانت «تزيد من أهمية الولايات المتحدة على الساحة الدولية، فإن ذلك لا يعود بالضرورة بمكاسب على الشعب الأمريكي، والواقع أن التكاليف الدفاعية قد تسببت بأضرار اقتصادية، فيما لا يبدو أن الولايات المتحدة قد تحصنت جيداً ضد الأخطار غير العسكرية، لقد أمنت الحرب الباردة» الأسمنت «السياسي الذي وحَّد بين أكثرية الأمريكيين من جمهوريين وديمقراطيين، وجعلهم يتقبلون ميزانيات عسكرية هائلة وتحالفات مقيّدة. ولكن، بعد أن أزيل الاتحاد السوفييتي، فإن هذا الإجماع بات عرضة للانهيار، وذلك أقله، لما قد يجد بعض الأمريكيين من صعوبة لتسويغ التواجد العسكري على نطاق عالمي، وفيما يتساءل بعض الاستراتيجيين إذا كان من الأفضل سحب القوات من أوروبا وإعادة موضعتها لمواجهة الأخطار الخارجية في العالم النامي، يشكك البعض الآخر بالفائدة من القوة العسكرية أصلاً، وذلك أن الولايات المتحدة لا تواجه خطر الأسلحة النووية، بل أساساً أخطار البيئة والمخدرات وفقدان القدرة التنافسية على الصعيد الاقتصادي» (ص ١٨٠ - ١٨١) . المضيف: وكأنك تريد الانتقال الآن إلى الحديث على النقطة الثانية التي تدور حول أمراض المجتمع الأمريكي، ولكن قبل الانتقال إلى هذه النقطة عفواً د. سقوط نود الانتهاء من الحديث عن نقطة أثيرت من قبل ولم تذكر مرة أخرى، وهي مناسبة للحديث في هذا السياق، وأعني بها: الحديث عن النفاق السياسي الأمريكي. الفرصة: أعترض على عبارة (النفاق السياسي الأمريكي) .. كثير من غير محترفي السياسة لا يقدرون الظروف التي قد تضطر السياسيين إلى (المناورة) لتحقيق المصالح وإصابة الأهداف.. لذلك فقد «يغضب الأمريكيون عندما تضطر إحدى الدول الصديقة، نتيجة لضغوط داخلية، أن تعارض سياستنا، فعلى سبيل المثال عندما تصوت المكسيك ضدنا في الأمم المتحدة يصرخ الأمريكيون قائلين إن هذا نكران للجميل، وعدم تقدير للمسؤولية، ولكن بالرغم من معارضة المكسيك لنا التي لا بد تمليها الضغوط الداخلية فإن المكسيكيين يمثلون شريكاً مهماً ذا قيمة للولايات المتحدة. ويمكن أن نضرب مثلاً آخر بالفلبين، فقد عبرت لمضيفي الفلبيني أثناء زيارتي للفلبين عام ١٩٥٣م، عن قلقي من خطبة ألقاها أحد أعضاء مجلس الشيوخ الفلبيني، هاجم فيها سياسة الولايات المتحدة الخارجية، وقد أكد لي مضيفي أن هذا العضو مشايع جداً لأمريكا، وعندما قلت له إن هذه طريقة غريبة لإظهار تأييده لأمريكا، أجاب قائلاً:» إنك لا تفهم السياسة الفلبينية، إن (روشتة) النجاح في الفلبين هي أن تَلْعَن الأمريكيين، وتدعو الله أن لا يذهبوا بعيداً «. وبصرف النظر عما يجري في الفلبين من مشاكل داخلية فقد كانت الفلبين من أصدق أصدقاء الولايات المتحدة منذ استقلالها عام ١٩٤٦م» (ص ١٤٥) . لذلك فقد أوصيت قادة أمريكا بأن يراعوا في سياستنا تجاه العالم الإسلامي «أن لا نبالغ في علاقاتنا مع الدول التقدمية، حتى لا تكون هذه العلاقة هدفاً للناقدين. ولما كانت ذكريات الاستعمار لا تزال ماثلة في أذهان العالم الإسلامي، فيجب ألا تصل العلاقة بين أمريكا والدول الشريكة إلى حد الوصاية، ويجب ألا نتعامل مع الزعماء في الدول التقدمية كأنهم مراسلون بيننا وبين شعوبهم، بل علينا أن نعاملهم كشركاء متساوين، لأن أسرع طريقة ندفنهم بها هي معاملتهم كأنهم أبواق للدعاية للغرب» (ص ١٤٥) . كما أن «علينا أن نتقبل في بعض الأحيان رفض أصدقائنا في العالم الإسلامي لبعض تصرفاتنا، التي تسبب لهم حرجاً سياسياً في بلادهم ... فيجب ألا يزعجنا أن تضطر الظروف أصدقاءنا أن يتفوهوا ببعض السباب ضدنا إرضاء لأعدائنا» (ص ١٤٦) . هل هذا نفاق؟ ! إنه سياسة تقتضيها الحكمة والظروف. طليعة: أيًّا كانت التسمية.. الحقيقة التي يشهد لها التاريخ أن السياسة الأمريكية لا تعترف بمبدأ كما تدعي وتروج، ليس ثمة مبدأ إلا مصلحة أمريكا، بل مصلحة أصحاب الأموال فيها، لا ديمقراطية ولا عدالة ولا حقوق إنسان ولا مبادئ دولية.. إنها مجرد واجهات تحتكرها الآلة السياسية الأمريكية للتمكين للديانة الجديدة (وحدانية السوق) .. وإليكم الأمثلة: - فـ «في الصباح التالي لنهاية الحرب العالمية الثانية، ... لم يتردد القادة الأمريكيون في استخدام جنرالات من النازيين الجدد في شتى أنحاء العالم! سياسة التعاون مع النازي، بعد الحرب العالمية الثانية، في كل أمريكا اللاتينية، كانت لها سابقة بعد الحرب العالمية الأولى، ولكن مع الفاشية! منذ عام ١٩٢٢م امتدح السفير الأمريكي في إيطاليا» التقدم نحو روما « لموسوليني الذي قضى على أي ديمقراطية في إيطاليا، بوصفها» الثورة الجميلة والشابة «. وشرح لماذا قد يكون الفاشيون العامل الأقوى في الضغط على البلاشفة ومواجهتهم، ومن ثم: تمتعت إيطاليا الفاشية بوضع خاص من جانب الإدارة الأمريكية، وكانت إحدى الدول الأولى بالرعاية فيما يخص تسوية ديون الحرب والاستثمارات الأمريكية المتدفقة، في عام ١٩٣٣م، تحدث تيودور روزفلت عن موسوليني بوصفه» هذا الجنتلمان الإيطالي المهذب واللطيف «. في عام ١٩٣٧م، أكدت إدارة الدولة الأمريكية بأن» الفاشية أصبحت روح إيطاليا «،» لقد وضعت حداً للنظام الفوضوي وفرضت نظاماً خاصاً إيطالياً « (ص ٥٨ - ٥٩) . - وبعد أن أمم مصدق البترول في إيران عام ١٩٥١م، خططت وكالة الاستخبارات الأمريكية انقلاباً عليه وقلبت بالفعل نظامه البرلماني وأعادت الشاه، ثم أخذت الشركات الأمريكية ٤٠% من الحصة البترولية المخصصة لبريطانيا » لقد علقت النيويورك تايمز حينئذ على ما حدث في افتتاحيتها موضحة الأمر على كونه «امتيازاً جديداً» وفتحاً عظيماً، وأوضحت أن هناك الكثير مما يمكن أن نتعلمه من هذه التجربة، وأول هذه الدروس وأهمها كما أوردت «النيويورك تايمز» : «على البلدان النامية الساعية للتطور، والتي تملك موارد طبيعية لا بأس بها، أن تتعظ من هذا المثال الذي تم ضربه، فإذا اتبعت من يهذي بقومية مجنونة، فإن هذا سيكلفها دون شك الكثير. إن التجربة الإيرانية تبدو مقنعة لأي مصدق آخر، وتظهر له أن عليه أن يخلع نفسه من السلطة. كما أن التجربة ذاتها تحدد وتوضح لباقي القادة وتضيء لهم التصور المحدد لأولوياتنا» (افتتاحية «النيويورك تايمز» ٦/٨/١٩٥٤م) « (ص ٧٩) . - سياسة الانقلابات على الديمقراطيات سياسة مقننة في أمريكا إذا كان في ذلك مصلحتها، هذا ما يؤكده تقرير لمكتب الاستخبارات الأمريكية، الذي يقول: » كما رأت الولايات المتحدة أنه في الدول التي يصعب فيها التحكم في الشرطة والعسكريين بطريقة مباشرة، يجب قلب نظام الحكم، وأن يصل إلى الحكم فيها نظام أكثر تودداً للولايات المتحدة، وأن يوضع على رأس القمة والحكم «جيش دائم التواجد في السلطة» على طريقة «الحرس الوطني» أعوان سوموزا الذي ظل طوال سنوات حكمه من المقربين للولايات المتحدة « (مكتب الاستخبارات الأمريكية للمعلومات المتداولة، ١٣ مايو، مجلة OCI العدد ١٨٠٣: ٦٥) » (ص ٨٠) . ومن أجل نجاح هذه الأنظمة القمعية المنقلبة على شعوبها «خصصت المدرسة العسكرية للأمريكيين، لتدريب ضباط الجيش والشرطة في بلاد أمريكا اللاتينية المتحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وكان مقرها في فورت بيننج (ولاية جورجيا) ، وتتطلب مراناً قاسياً. واعترفت وزارة الدفاع الأمريكية بأن الكتب التعليمية المستخدمة في المدرسة كانت تحبذ ما بين عامي ١٩٨٢م و ١٩٩١م ممارسة التعذيب والتصفية الجسدية والابتزاز، وكل أنواع العنف لاستخلاص المعلومات من المعارضين، والمناضلين السياسيين أو guérilleros. وعلى الضابط ألا يغفل عن تقديم الهدايا مقابل أي معلومات تؤدي إلى اعتقال أو أسر أو قتل رجل العصابات الذي تعتبره الحكومة الشرعية مجرماً» (مقال في جريدة «لوموند» ٢/٩/١٩٩٦م: بعنوان: دروس في التعذيب والابتزاز في مدرسة الأمريكيين) « (ص ٢٨٨ ٢٨٩) . -» في الجزائر، تباين رد الفعل الأمريكي مع مبادئ دستورها المؤسس. وذلك عندما التقى الرفض الشعبي لسياسات صندوق النقد الدولي والذي ظهر بوضوح في تظاهرات الجزائر عام ١٩٨٨م، مع حركة إسلامية ترفض بوضوح مبدأ وحدانية السوق. بذلك عرضت جبهة الإنقاذ الإسلامي FIS موقفاً مهماً رغم افتقادها لمشروع حقيقي، فإن رفضها لوحدانية السوق وتلك الليبرالية التي تؤدي إلى الانعزال والتهميش لأربعة أخماس العالم لحساب خمسه، مع ذلك فإنها وضعت الغرب الديمقراطي في موقف حرج، فقد جعلها رفضها لمبادئ هذا النظام المشرِّع للهيمنة على العالم، قرينة للشر. لم يكن دعم العسكريين لأسباب اقتصادية فقط (فالجزائر مدينة بما يقدر بـ ٢١ مليار دولار، وتدفع كل عام ٥. ٥ مليار دولار فوائد) ، ولكن بسبب سياسي أكثر أهمية، وربما دينياً، مما يطرح سؤالاً حول ماهية وأهداف المجتمع المبني على أساس اقتصاد السوق. لقد أعلن مدمرو الكوكب من أتباع الدين السري الجديد «وحدانية السوق» حرباً حقيقية للدين، مع تحويل كل ما يخالف ديانتهم إلى شيطان. بغض النظر عن المميزات والحسنات أو الجرائم والأخطاء، فإن كل من خالف معبودهم وهيمنتهم أصبح هتلر جديداً سواء كان أصولياً أو عراقياً أو حتى معارضاً من بيرو « (ص ١٢٣) . لقد انكشف» النفاق المروع في الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في الجزائر: إذ انكشف التناقض حين اضطر النظام «الليبرالي الديمقراطي» إلى اتخاذ موقف يتناقض مع مبادئه وهو يقاوم جبهة الإنقاذ الإسلامي (FIS) ، وذلك بموافقته على وقف مسيرة الانتخابات الحرة ومساندته انقلاباً عسكرياً ضدها. وهنا في الجزائر، كما في فلسطين، تُدفع المشكلة الدينية إلى الواجهة: فلا بد من مكافحة الحرب الكونية التي تُشتهر باسم دين لا يجرؤون على إعلان اسمه، وهو «وحدانية السوق» (ص ٣٢) . - بماذا نسمي تلك المواقف غير (النفاق السياسي) ؟ وهل عرفنا لماذا يستهدف الإسلام من قِبَل كهنة ديانة (وحدانية السوق) ؟ ، لأنه الصخرة التي تأبى على التفتت أمام مطارق هؤلاء الكهنة، وهل ما زال هناك أمل لحل مشكلة فلسطين على أيدي هؤلاء الكهنة؟ انظروا كيف حسموا مشكلة الكويت في أشهر معدودة وكيف يماطلون في فلسطين منذ عشرات السنين: «بعد إمطار العراق وقت الحرب بما يوازي حجم المتفجرات التي ألقيت على هيروشيما ثماني مرات، قاتلة حسب أدنى تقدير للصليب الأحمر الدولي مائتين وعشرة آلاف من الأفراد، تلك هي خلاصة الحماية للقانون الدولي، الذي يسير دون أدنى شك في اتجاه واحد: يستخدمونه لمواجهة ضم الكويت ويتناسونه عند تقييم قضية القدس، في الحقيقة، القدس مدينة مقدسة، لكن مدينة الكويت هي أكثر تقديساً بآلاف المرات طالما هي محاطة بآبار البترول» (ص ١٢٥ -١٢٦) . - للأسف لقد أصبح «الدفاع عن القانون الدولي وعن الديمقراطية مجرد مسميات تستخدم لستر وإخفاء معالم التدخل وحماية هذا الاستعمار الجديد» (ص ١٢٥) . ففي الصومال «استغل ما يجعل الإنسان يحلم أحلاماً وردية:» حق التدخل الإنساني لحماية الإنسان «، وهو حق استثنائي للغربيين، فلا يمكننا أن نتصور شعباً إفريقياً يستخدم هذا الحق في محاربة التمييز العنصري ضد السود أو الهنود داخل الولايات المتحدة، حتى بعد انفجار التظاهرات في لوس أنجلوس! وهو حق يمكن تطبيقه قياساً على ما حدث في الصومال على نصف البلدان الإفريقية. لكن التدخل يكون انتقائياً. ولقد أفصح الرئيس بوش [الأب] بوضوح عن هذه النقطة في خطابه الأخير في الأكاديمية العسكرية وست بوينت:» لا يجب أن نتدخل في حالات العنف الإجرامي ... إن أيديولوجيات الأمة لا يجب أن تتعارض مع مصالحها « (ص ١٢٤) . -» ومن اليسير تعداد الأمثلة لاستخدام تلك الذرائع والافتراءات، مثل «مكافحة الإرهاب» ، أو «التدخل الإنساني» ، أو «حماية حقوق الإنسان» لتسويغ العدوان المباشر على الدول، أو فرض القيود على الاتفاقيات الاقتصادية معها « (ص ٢٩) . والحقيقة التي تتكشف أبعادها كل يوم أن» النظام العالمي الجديد «، كما يحلم به القادة الأمريكيون، هو تسمية بديلة للهيمنة الشاملة على العالم. » حق التدخل «هو المصطلح البديل للاستعمار. فبعد التخلص من الند العنيد الاتحاد السوفييتي (الذي ضحى به قادة روسيا ودعاة التفتت القومي) أصبحت الأمم المتحدة مؤسسة لتسجيل الرغبات الأمريكية وتنفيذها، وليتحول دورها إلى ساتر ومسوِّغ قانوني للمخططات الأمريكية، وأداة التنصل من الجرائم وإثبات البراءة للإدارة الأمريكية. في الوقت ذاته، أديرت الآلات العسكرية الهائلة إرث مواجهة الغرب والشرق والمتوافرة في يد الإدارة لكي تلعب أدواراً ومهام أخرى» (ص ١١٢ - ١١٣) . - وكلمة أخيرة أختم بها هذا الحديث عن التباين بين ما هو معلن وما هو منفذ أو ما أسميه بـ (النفاق السياسي) ، وهي توضح نفاق الشعارات والمبادئ نفسها وليس فقط المواقف. «فالقيام بحملة انتخابية للفوز بمقعد عضو في مجلس الشيوخ الأمريكي أو نائب في الكونجرس، يحتاج إلى ملايين الدولارات، وتسمح الثروة في كل الدول بشراء الأدوات اللازمة للسلطة: ومنها الإعلام للتلاعب بالرأي العام، وكذلك صناعات السلاح لإقناعهم في نهاية المطاف إذا أخفق الإعلام. وهذا» الإعلان «» عالمي «! وكل العالم يمكنه المطالبة بحقوق الإنسان وبمساواة كاملة أمام القانون. للعاطل والميلياردير معاً الحق المتساوي في إصدار صحيفة أو إقامة محطة تليفزيونية، ولكن ماذا عن القدرة على ذلك؟ كذلك تمنع تلك المساواة أمام القانون الميلياردير أو العاطل من سرقة الخبز، لأنهما قد يواجهان عقوبة واحدة، ولكن ماذا عن حاجة كل منهما لذلك؟» (ص ١٤٨) . إنه عالم أصحاب الأموال!

стр. 4146

المسلمون والعالم مستقبل القنبلة النووية الباكستانية حسن الرشيدي «هذه هي الأمور بلا لف ولا دوران: سنقيم تحالفاً (هندياً إسرائيلياً) بقيادتنا وسندمر ترسانتكم النووية» . هذا جزء من حديث السفيرة الأمريكية لبرويز مشرف الحاكم العسكري لباكستان بعد تفجيرات نيويورك بأيام قليلة، وتوارد الأنباء عن ضلوع القاعدة في هذه التفجيرات، وبدء الولايات المتحدة في تشكيل تحالف دولي لضرب حركة طالبان. وكانت أولى الدول المرشحة لهذا التحالف هي باكستان باعتبارها الحليف الأقوى إن لم يكن الوحيد لطالبان، ويُذكر أن مشرف في البداية قد تمنع عن تأييد الولايات المتحدة، واجتمعت السفيرة الأمريكية مع مشرف، وفي أثناء ذلك اللقاء قالت بعض الأنباء إن طائرات أمريكية وإسرائيلية حلقت في سماء باكستان وعجزت الدفاعات الباكستانية عن رصدها، وفي ظل هذه الأجواء ألقت السفيرة بكلامها هذا، وأضافت: «الديون ستبقى، وسنسرع في طلب استيفائها، قضية كشمير ستخسرونها، هذا إذا امتنعتم عن التعاون معنا ورفضتم فتح سمائكم وأرضكم وملفاتكم التي تحتفظون بها عن الطالبان وابن لادن أمام هجومنا الذي نزمع شنه على أفغانستان. بخلافه، إليكم المكاسب التي ستحصلون عليها: الديون أولاً وهي بين ثلاثين إلى أربعين مليار دولار ستلغى، وستحصلون على مساعدات من البنك الدولي، ستظل ترسانتكم النووية بحوزتكم وسنحميها، سيكون لنا موقف يرضيكم من قضية كشمير» . هذه جزء من الضغوط التي مارستها أمريكا على باكستان لكي تذعن لمطالبها بشأن حرب أفغانستان، ولمحت فيها إلى ورقة الأسلحة النووية الباكستانية ليس بالأقوال فحسب ولكن أيضاً بالأفعال، ولكن كيف ظهرت القنبلة النووية الباكستانية؟ وما هي الظروف التي أحاطت بذلك الظهور؟ وما مستقبل هذه القوة على ضوء التحديات التي تواجهها؟ تاريخ ظهور القوة النووية الباكستانية: مع بدايات السبعينيات كانت باكستان تلعق جراحها بعد أن خرجت مهزومة من حربها مع الهند التي أدت إلى فصل باكستان الشرقية وتكوُّن دولة بنجلاديش، ومما زاد من مرارة الهزيمة التجربة النووية الهندية في عام ١٩٧٤م. هذه الهزيمة حفزت عزيمة باكستان لتصعيد جهودها لامتلاك القدرات النووية العسكرية، وكان ذو الفقار علي بوتو رئيس الوزراء حينئذ هو الذي بدأ هذه الجهود في يناير ١٩٧٢م، وأدارها رئيس مفوضية الطاقة النووية منير أحمد خان، المهندس النووي الباكستاني الذي تلقى تعليمه في أمريكا، واكتسب خبرة واسعة من خلال عمله في فيينا في الوكالة الدولية للطاقة النووية. وقد سعى هذا العالم الباكستاني إلى تنفيذ برنامج نووي كبير وشامل؛ ليوفر لباكستان ما تحتاجه بشدة من الكهرباء والمنافع الطبية والزراعية، وفي الوقت نفسه يوفر التدريب والتقنية والتغطية السياسية التي تسمح بإنتاج الأسلحة النووية، وسعت باكستان إلى الحصول على مساعدة فرنسا لتحقيق هذه الغاية. وبنهاية عام ١٩٧٥م ازداد القلق من المطامح النووية الباكستانية، وذلك في دول الغرب على الأقل. وقامت واشنطن بالضغط على فرنسا لوقف إمداداتها للبرنامج النووي الباكتساني، وفي شهر ديسمبر من ذلك العام حدث تطور بالغ الأهمية؛ فقد كان العالم الدكتور عبد القادر خان الخبير في علم المعادن يقوم بزيارة لوطنه باكستان في عطلة من عمله في شركة هولندية كبيرة، هي شركة (إف. دي. أو) ، وكانت هذه الشركة المقاول الرئيس من الباطن للشركة الأوروبية لإخصاب اليورانيوم في مشروع بناء مصنع متقدم فائق السرعة لإخصاب اليورانيوم بالطرد المركزي؛ لتوفير خدمات الإخصاب للبرامج الأوروبية للطاقة النووية. وكان عبد القادر خان قد بعث في وقت سابق من عام ١٩٧٤م رسالة إلى رئيس الوزراء ذو الفقار علي بوتو يعرض عليه خدماته من أجل البرنامج النووي الباكستاني وبشكل خاص في حقل إخصاب اليورانيوم، ورد عليه بوتو طالباً منه أن يتصل به في زيارته التالية لباكستان. ولما عاد هذا العالم إلى وطنه ضغط عليه بوتو بشدة للبقاء، فوافق على عدم العودة إلى هولندا، وعلى أن يتولى الإشراف على جهود إخصاب اليورانيوم، ثم توجه رئيس الوزراء الباكستاني بعد ذلك إلى الصين سعياً إلى مساعدتها لتقديم المواد النووية اللازمة. لقد كان يلزم لصنع هذه القنبلة ثلاثة شروط أساسية: المواد الأولية القابلة للانشطار من يورانيوم أو بولتونيوم، والقاعدة العلمية من علماء وفنيين، ثم الإرادة السياسية. ويقول عبد القادر خان: «كان أمامنا هدف أنه لا بد من النجاح بسرعة ودقة؛ ذلك أن أمامنا عدواً يتربص بنا ويهدد بلادنا كل يوم ... لقد كانت المعركة قاسية للغاية وليست سهلة» . وبرغم أن الفترة الزمنية التي حُددت للمشروع كانت خمس سنوات فإنه نظراً لتسرب أنباء المفاعل النووي بدأت الدول تأخذ حذرها من باكستان في تصدير المواد اللازمة للمشروع؛ مما أدى إلى الانتهاء منه بعد عشر سنوات في عام ١٩٨٤م. وظل الوضع هادئاً حتى عام ١٩٩٨م؛ ففي ١٧ مايو من ذلك العام في مدينة نيودلهي عقد علماء الذرة الهنود مؤتمراً صحفياً أعلنوا فيه قيام الهند بإجراء خمسة اختبارات نووية. وقبل ذلك كان قد ذكر أن التفجيرات الأخرى التي وقعت يوم ١١ مايو تضمنت متفجرة انشطارية تبلغ ١٢ كيلو طناً، وهي أخف وأكثر إحكاماً من متفجرة عام ١٩٧٤م، ومتفجرة تبلغ ٠٠. ٢ كيلو طناً، ولم يشر إلى مكوناتها، أما التفجيران الآخران اللذان وقعا في ١٣ مايو فقد كان أحدهما ٠. ٢ كيلو طناً، والآخر ٠. ٦ كيلو طناً. ولم يذكر العلماء شيئاً عن المواد الانشطارية المستخدمة في التفجيرات أو عن العمق الذي دفنت فيه قبل إطلاقها. وقد شكك كثير من علماء الغرب في قوة التفجيرات الهندية، ورجحوا ضعف المستوى النووي الهندي. وفي يوم ٢٨ مايو فعلت باكستان ما كان متوقعاً، فقد قامت بإجراء خمسة تفجيرات نووية في وقت واحد في نفق تحت سلسلة جبال راس كوه بالقرب من شاجاي في بوشستان، وتحول لون الجبل إلى اللون الأبيض. وعلى الفور تساءل المحللون في الولايات المتحدة عن عدد القنابل التي جربت وقوتها. وكان الدكتور عبد القادر خان قد أعلن أن أكبر هذه التفجيرات بلغ ما يتراوح بين ٣٠ إلى ٣٥ كيلو طناً، وذكر الدكتور سمر مباركماند، الفيزيائي الباكستاني الذي تدرب في أكسفورد، والذي تولى رئاسة برنامج المفوضية الباكستانية للطاقة النووية أن مجموع اختبارات ذلك اليوم بلغ من ٤٠ إلى ٤٥ كيلو طناً، غير أن المحللين الأمريكيين شكوا في هذه التقديرات، ورجحوا أنها أقل من ذلك؛ ولذلك قامت باكستان في يوم ٣٠ مايو بتفجير قنبلة نووية أخرى بعد يومين فقط من التجارب الأولى، وبذلك أصبحت التجارب النووية الباكستانية ست تجارب في مقابل خمس أجرتها الهند. وبعد أحد عشر شهراً من التجارب النووية الهندية في الحادي عشر من مايو من عام ١٩٩٩م، والتي أتبعتها باكستان بست تجارب مماثلة قامت الهند بإطلاق صاروخ بالستي متوسط المدى (اجني ٢) ، هذا الصاروخ جاء ليحفز سباقاً نووياً من نوع آخر وهو القدرة على إيصال القوة النووية إلى مدى أبعد بواسطة الصواريخ البالستية، وحرمان الطرف الآخر من قدرات الضربة الثانية. ومن هنا كانت تجارب إطلاق صاروخي (غوري ٢) و (شاهين ١) الباكستانيين نتيجة طبيعية ومنطقية؛ وبذلك أضحت القدرات النووية لا تقاس بعدد التفجيرات أو قوتها ولكن تقاس بحجم الصواريخ، والطائرات، ومداها لإيصال الشحنة النووية. ولقياس القدرات الباكستانية في هذا المجال نقارنها بنظيراتها الهندية والإسرائيلية في الجدول الآتي: الدولة: ١ - باكستان: أولا الصواريخ: ١- هاتف الأول: (وهاتف تعني: (المميت) بالباكستانية) ، تنتجه باكستان، ويصل مداه إلى ١٠٠ كيلومترا، وهو معد للاستخدام في الوقت الحالي وتزن الشحنة المتفجرة القادر على حملها نحو ٥٠٠ كيلوجرام. ٢- هاتف الثاني: تنتجه باكستان، ويصل مداه إلى ٣٠٠ كيلومترا، وهو معد للاستخدام حاليًا، وقادر على حمل ٥٠٠ كيلو جراما من المواد المتفجرة. ٣- هاتف الثالث: تنتجه باكستان ويصل مداه إلى ٦٠٠ كيلو مترا، وهو معد للاستخدام، ويحمل موادًا متفجرة تزن ٨٠٠ كيلو جراما. ٤- إم - ١١: تنتجه الصين واستطاعت باكستان الحصول عليه، ويصل مداه ٣٠٠ كيلو متراً، وهو معد للاستخدام، ويحمل مواداً متفجرة تزن ٨٠٠ كيلو جراماً. ٥- هاتف الخامس (غوري) : (نسبة إلى السلطان محمد شهاب الدين غوري حاكم مسلم استطاع هزيمة الحاكم الهندي (بريزوي راج) أواخر القرن الثاني عشر) ، تنتجه باكستان ويصل مداه إلى ١١٠٠ كيلومترا، ومعد للاستخدام في الوقت الحالي، ويحمل ٧٠٠كيلو جراما من المواد المتفجرة. ٦- هاتف السادس (غوري الثاني) : تنتجه باكستان ويصل مداه إلى ١٥٠٠ كيلو مترا، ولا يزال في مرحلة الاختبار، ويحمل موادًا متفجرة تزن ٢٠٠٠ كيلو جراما. ٧- هاتف السابع (عبد الي) اسم أحد الحكام المسلمين: يتم إطلاقه عن طريق الغواصات، وهو محلي الصنع، ويصل مداه إلى ٢٥٠٠ كيلو مترا، وهو معد للاستخدام. ٨- هاتف الثامن (شاهين - ١) : تنتجه باكستان ويصل مداه إلى ٧٠٠ كيلو مترا، وهو معد للاستخدام، ويتميز بقدرته على حمل القنابل الهيدروجينية. ٩- هاتف التاسع (شاهين - ٢) : تنتجه باكستان، ويصل مداه إلى ٢٠٠٠ كيلو مترا، ويتم تطويره حاليًا، ويتميز أيضًا بالقدرة على حمل القنابل الهيدروجينية. ثانيًا: الطائرات: توجد لدى باكستان طائرا إف ١٦، وهي قادرة على حمل شحنات نووية ولكن لا يعرف طاقتها بالتحديد. ٢ - الهند أولاَ: الصورايخ: ١- بريزوي: أنتجته القوات المسلحة والقوات الجوية الهندية عام ١٩٩٥م، ويتراوح مداه ما بين ١٥٠- ٢٥٠ كليومترا، وتزن رأس الصاروخ (الجزء الحامل للمواد المتفجرة) نحو ٥٠٠- ١٠٠٠ كيلوجرام، ويمكن تجهيزه بالرؤوس النووية. ٢- آغني: (وهي كلمة تعني: (النار) في اللغة الهندية) ، ولا يزال يخضع للاختبار، ويصل مداه إلى ٢٥٠٠ كيلو مترا، ويزن رأس الصاروخ الواحد نحو ١٠٠٠ كيلو جراما ويمكنه حمل رؤوس نووية. ثانيا الطائرات: ١-جاجوار: طائرة مخصصة لحمل القنابل النووية , وتستطيع إطلاق القنبلة لمسافة ٨٥٠ كيلو مترا وتستطيع حمل مواد متفجرة وزنها ٤٧٥٠ كيلو جراما. ٢- ميج -٢٧ فلوجر: تم إنتاجها خصيصا لإطلاق الأسلحة النووية، وقد تم إنتاجها عام ١٩٨٦م، وتستطيع إطلاق القنبلة النووية أو الصاروخ لمسافة ٣٩٠ كيلو مترًا، وتستطيع حمل مواد متفجرة وزنها ٤٠٠٠ كيلو جراما. ٣ - إسرائيل أولاً: الصورايخ: ١- جيريشيو-١: تم إنتاجه عام ١٩٧٣م بمساعدة فرنسا، يصل مداه إلى ٥٠٠ كيلو مترا، يستطيع حمل مواد متفجرة وزنها ٥٠٠ كيلو جرام. ٢- جيريشيو-٢: تم إنتاجه عام ١٩٩٠م، يصل مداه إلى ١٥٠٠ كيلو متر ويستطيع حمل مواد متفجرة وزنها ١٠٠٠ كيلو جرامًا. ثانيًا الطائرات: ١- ف - ٤ إي - ٢٠٠٠ فانتوم: وتعرف أيضًا باسم (فانتوم الثانية) : ظهرت لأول مرة خلال الخمسينيات، وتستطيع إطلاق الأسلحة النووية. ٢- أف - ١٦ فالكون: تم إنتاجها عام ١٩٨٠م، يصل مداها إلى ٦٣٠ كيلو مترًا، وتستطيع حمل مواد متفجرة وزنها ٥٤٠٠ كيلو جراما. التحدي الهندي: ترسم الهند أدواراً لنفسها ليس على الصعيد الإقليمي فحسب ولكن أيضاً على الساحة العالمية، ومن وجهة نظر الهند؛ فإن قيام باكستان أثَّر في مستقبلها الاستراتيجي من نواح متعددة. وبداية أخل بالوحدة الجغرافية الطبيعية لشبه القارة بخلق تهديد عسكري جديد نابع الآن من داخلها، إضافة إلى الأخطار التي تعدُّ تقليدياً نابعة من الخارج. كذلك عقَّد من جهود الهند لتوحيد الجماعات الفرعية المتفاوتة إقليمياً، ولغوياً، وثقافياً، من خلال تحول باكستان إلى مصدر لكل من المعونة المادية والإلهام العقائدي لمختلف المطالبات الانفصالية. وأخيراً فإن قيام باكستان قد أجبر الهند على توظيف الموارد الاقتصادية والعسكرية في صراع على الهيمنة السياسية داخل منطقة جنوب آسيا، في الوقت الذي كان من الممكن جداً أن تخصص فيه هذه الموارد لتأدية دور أكبر خارج المنطقة، وربما على المستوى العالمي. ولهذه الأسباب، تمثل باكستان العائق الرئيس أمام الهدف الاستراتيجي الأساسي الكبير للهند، وهو التحول إلى قوة عظمى مزدهرة مع التمتع بكل الأمن المتأتي من تبوؤ هذه المنزلة. إن الهند تملك عدداً هائلاً من السكان، ومساحة جغرافية واسعة مديدة، وإمكانيات اقتصادية وتقنية وعسكرية ضخمة. انتهجت الهند استراتيجية متعددة المحاور للحفاظ على موقع قوتها النسبية: أولاً: باشرت بتنفيذ استراتيجية اقتصادية للاكتفاء الذاتي، تهدف إلى اكتساب الإمكانيات الصناعية والتقنية اللازمة لمساندة الأهداف الدفاعية والتنموية، مع الحد الأدنى من المعونة الخارجية؛ إذ تم توجيه اهتمام خاص بقطاعات التقنية المتطورة، والطاقة الذرية، والفضاء التي أعطيت مكانة بارزة خدمة لسياسة القوة. ثانياً: استخدمت الهند قاعدة مواردها الكبيرة لنشر قوات مسلحة ضخمة قادرة على الدفاع عن المطالب الإقليمية المتنازع عليها، فضلاً عن إنزال شيء من العقاب بالدول المجاورة التي قد تسعى إلى تغيير الأمر الواقع بالقوة، واستلزم هذا الأمر التركيز أساساً على الجيش، حيث تم تشكيل جيش كبير استغل الميزة النسبية التي تتمتع بها الهند في القوى البشرية، فضلاً عن فائدته في مهام الأمن الداخلي و «بناء الدولة» . ثالثاً: انتهجت الهند استراتيجية عدم الانحياز سياسياً، وكانت تهدف من ذلك إلى احتفاظها بحرية التصرف فيما يتعلق بالدولة الكبرى. لكن بما أن التركيبة العالمية كانت مزدوجة القطبية خلال الحرب الباردة، فقد أقامت الهند في النهاية علاقة مصلحية وثيقة مع الاتحاد السوفييتي السابق، لمواجهة التحالف الباكستاني العرضي مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعلاقة باكستان الوثيقة والمتنامية مع الصين. ومكن ذلك الهند من الحصول على كميات ضخمة من المعدات العسكرية المتطورة نسبياً بشروط مواتية، وفي الوقت ذاته وفر لها غطاءً دبلوماسياً وسياسياً ضد الضغوط الأمريكية والصينية. كما ساعد على إحباط أي تقارب سوفييتي مع باكستان. ومع انتهاء الحرب الباردة التقت المصالح الهندية الأمريكية في جنوب آسيا، وباتت أمريكا تعترف بالهند قوة إقليمية كبرى في هذه المنطقة لمجابهة المد الإسلامي، والتنين الصيني، والقدرات النووية الإسلامية في باكستان. واستغلت الهند فرصة انحياز أمريكا لها للعمل على تقليص الدور الباكستاني في المنطقة. رابعاً: تفادت الهند إقامة أي تجمع أمني إقليمي تستطيع من خلاله الدول الأصغر منها حجماً تشكيل تجمع مناوئ لها، حتى حينما سعت لثني الدول الخارجية عن التدخل في التنافس الأمني داخل شبه القارة. وكان الهدف عزل شبه القارة سياسياً عندئذ تستطيع الهند بتفوقها النسبي في القوة إذا ظلت على حالها أن تؤثر في مجريات الأحداث داخل المنطقة (كلما دعت الضرورة) ، وخارجها إذا أمكن. خامساً: التعاون مع إسرائيل عسكرياً واقتصادياً ونووياً لمحاولة تحطيم القدرة النووية الباكستانية المنافسة لها بأي صورة أو على الأقل تقليصها وجعل باكستان لا تستطيع الاستفادة منها بأي صورة. سادساً: استمرارية استغلال المناوشات الحدودية المرتبطة بمشكلة كشمير وجعلها وسيلة للضغط على الجانب الباكستاني في المراحل والمواقف التي ترى أنها تتطلب ذلك.. وقد تمارس دوراً غير مباشر في إثارة بعض المشاكل داخل أفغانستان؛ مما يشكل نوعاً من القلق والتوتر لباكستان العدو التقليدي. وحينما قامت الهند بتفجيراتها في مايو ١٩٩٨م رأت القيادة الهندية أنها حققت ثلاث ضربات قوية في آن واحد: الأولى: داخلية تتعلق برغبة قيادة حزب (بهارتيا جاناتا) في توسيع قاعدة التأييد السياسي للحزب في الداخل؛ لإدراكها ما لهذا الموضوع من تأثير إيجابي على الشارع الهندي، وبما يمكن الحزب من زيادة نفوذه السياسي والحصول على قدر أكبر من مقاعد البرلمان في أية انتخابات مقبلة، وتنفيذ برنامجه السياسي؛ ذلك أن هذا الحزب اليميني المتشدد وصل إلى الحكم في فبراير ١٩٩٨م في إطار ائتلاف مع عدد من الأحزاب الأخرى، واضطرته ظروف هذا الائتلاف إلى التنازل عن قدر من مطالبه وأفكاره. وبالفعل، فإن الإعلان عن التفجيرات النووية أثار موجة عارمة من الشعور بالفخار القوي لدى الرأي العام الهندي، وفي استطلاع للرأي تم إجراؤه بلغت نسبة التأييد لهذا القرار ٩١%. والضربة الثانية: إقليمية تتصل بالتوازن الاستراتيجي بين الهند من ناحية وكل من الصين وباكستان من ناحية أخرى؛ فالصين التي دخلت الهند في حرب معها بشأن الحدود، عضو دائم بمجلس الأمن، وهي قوة نووية، ويتصاعد وزنها الاقتصادي مع نجاحها في تحقيق معدل نمو سنوي بلغ متوسطه ١٠% سنويا في السنوات العشر الأخيرة، هذا فضلاً عن تدفق الاستثمارات الأجنبية، إلى الحد الذي جعل الصين أكبر متلق لهذه الاستثمارات، وخاصة بعد عودة هونج كونج إلى الوطن الصيني. أما بالنسبة لباكستان التي استمر خلافها المزمن مع الهند حول قضية كشمير لنصف قرن، فقد أرادت الهند أن تحسم تفوقها العسكري عليها بشكل نهائي. فإذا أخذنا في الحسبان أن الهند أكثر عدداً، وأكبر اقتصاداً، وأكثر تقدماً من الناحية التكنولوجية، فإن تفجيرها النووي يكون بمثابة (المرجح) الأخير في حسم هذا التوازن لصالحها. أما الضربة الثالثة: فهي دولية وتتصل برغبة الهند في الاعتراف بها قوة كبرى؛ وذلك بالنظر إلى العوامل السابقة التي أشرنا لها في السابق مثل عدد سكانها، وقدرتها العسكرية، وتقدمها في عدد من المجالات التكنولوجية الحديثة كصناعة البرمجيات، وبحوث الفضاء، والإلكترونيات، والتكنولوجيا الحيوية. كما أرادت الهند أن تسجل أحقيتها في مقعد دائم بمجلس الأمن، ممثلة لدول العالم الثالث، إذا ما تم الاتفاق على توسيع عضوية المجلس. وحينما غزت أمريكا أفغانستان كانت الهند أول الدول المحرضة على باكستان، وأصبحت تلح على الولايات المتحدة بضرورة ضرب باكستان بحجة إيواء الإرهابيين في كشمير، وتحرشت بالقوات الباكستانية على الحدود بغرض جر باكستان لحرب في ظروف غير مواتية وخاصة بعد فقد باكستان لعمقها الاستراتيجي في أفغانستان. الهيمنة الأمريكية: لكي نقرأ الموقف الأمريكي جيداً من القنبلة النووية الباكستانية يجب النظر في أمرين: الاستراتيجية الأمريكية في جنوب آسيا، والسياسة الأمريكية تجاه الانتشار النووي. بالنسبة للأمر الأول: فإن الولايات المتحدة في سعيها لتأكيد انفرادها بالهيمنة العالمية؛ فإنها تنظر لجنوب آسيا بصفتها تشكل تهديداً لأمنها؛ ومن ثم عائقاً لبسط نفوذها من عدة جوانب: ١ - الصحوة الإسلامية المتنامية في هذه المنطقة من العالم ولا سيما باكستان وأفغانستان، وخاصة أنها رأت النموذج الطالباني في حكم أفغانستان وما حققه من استتباب الأمن، ونجاحه في تحقيق الوحدة الأفغانية؛ مما جعله نموذجاً قوياً يمكن أن تحتذيه دول كثيرة داخل المنطقة وخارجها. ٢ - صعود القوة الصينية على عدة أصعدة: اقتصادية وسياسية وعسكرية وتقنية. والولايات المتحدة حريصة على محاصرة الزحف الصيني نحو الهيمنة سواء بالتواجد في آسيا الوسطى أو في جنوب آسيا. وبالنسبة للأمر الثاني: فإن سياسة أمريكا تجاه أسلحة الدمار الشامل تقوم على القدرة على الردع والتصدي للحيلولة دون استخدام أسلحة الدمار الشامل والصواريخ في النزاعات الإقليمية؛ حيث تفترض أن تقدم القوات المعادية لها على استخدام أسلحة الدمار الشامل والصواريخ في هذه النزاعات المستقبلية؛ ومن ثم تحتاج القوات المسلحة الأمريكية لاكتساب قدرة متزايدة على الردع والمنع، والتصدي لاستخدام الأسلحة الجرثومية والكيماوية والنووية في النزاعات الكبرى بالمناطق الحيوية. مع ملاحظة أن ما تسميه أمريكا مستلزمات الردع الإقليمي سوف تختلف كثيراً عما كان متبعاً إزاء الاتحاد السوفييتي السابق خلال الحرب الباردة، بسبب اختلاف طبيعة القوى الإقليمية ودوافعها. جدير بالذكر أن قدرة الولايات المتحدة حالياً على منع استخدام أسلحة الدمار الشامل، أو التصدي لها، ما زالت محدودة؛ مما قد يضطرها إلى التلويح بالرد النووي، لردع استخدام أسلحة الدمار الشامل ضدها وضد حلفائها، وازداد القلق الأمريكي بعد تفجيرات نيويورك الأخيرة، ويقول جون بولتون مساعد وزارة الخارجية الأميركية: «إن مخاطر أن يستخدم متطرفون أسلحة الدمار الشامل، ومنها الأسلحة النووية في مهاجمة الولايات المتحدة، ازدادت بعد اعتداءات ١١ أيلول (سبتمبر) الماضي» . وتوقع بولتون في لقاء مع كتاب عسكريين أنه إذا حصل متطرفون على أسلحة للدمار الشامل، وهو تعبير يشمل الأسلحة النووية والجرثومية والكيماوية، فإنهم سيستخدمونها. وقال: «إنني قلق من أسلحة الدمار الشامل في كل مكان، وقلقي ازداد منذ بدأت الحرب (التي تقودها الولايات المتحدة) على الإرهاب» ، وأضاف: «إن المستعد لقيادة طائرة ليصدم بها مركز التجارة لن يردعه شيء ... لو كان لدى هؤلاء الناس تكنولوجيا الصواريخ الذاتية الدفع لاستخدموها، لا يساورني شك في ذلك» . وتابع: «ولو استطاعوا أن يضيفوا إليه سلاحاً نووياً للدمار الشامل أو غير ذلك وأسقطوه على جنوب مانهاتن ليحدث تدميراً مأساوياً مثلما حدث لمركز التجارة العالمي لكانت خسارة جنوب مانهاتن أو أي مكان مماثل أسوأ كثيراً» . وبناءً على ما سبق انتهجت أمريكا عدة أمور لمراعاة مصالحها في جنوب آسيا، وفي الوقت نفسه تقليص الانتشار النووي وهي: ١ - الاعتماد على الحليف الهندي من خلال السعي لجعل الهند تحتل موقع الطرف العازل ضد الأصولية الإسلامية الناهضة، ولتكون كابحاً للتطلعات الصينية إلى الهيمنة، ومصدر دعم لحلفاء أمريكا في جنوب شرق آسيا الذين يحتمل أن تهددهم الصين، وقوة «أمر واقع» مكتفية تسعى لنزع فتيل المشكلات العالمية الخاصة بالإدمان، والانتشار النووي، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والإرهاب بالمفهوم الأمريكي. ٢ - سياسة مزدوجة تجاه باكستان بتهديدها في حالة استمرارها في الاحتفاظ بسلاحها النووي، وفي الوقت نفسه الإبقاء على خط ساخن معها لضمان بقاء الوضع مستقراً في المنطقة. ٣ - التدخل العسكري في المنطقة، وهذا ما حدث في غزوها لأفغانستان لمكافحة التهديد الإسلامي المتمثل في ابن لادن والقاعدة وغيرها من الحركات الإسلامية في وسط آسيا والشيشان وكشمير، وفي الوقت نفسه لضمان عدم وصول الأسلحة النووية الباكستانية لهذه الحركات، وربما تدميرها في مرحلة لاحقة. المأزق الباكستاني: تركز الهدف الاستراتيجي لباكستان منذ نشأتها على الحفاظ على كيانها واستقلاليتها في المنطقة، وخاصة من الرغبة الهندية في الهيمنة؛ فالهند لم تتقبل يوماً قط انفصال باكستان عنها. وتعددت المحاور التي تقوم عليها هذه الاستراتيجية: أولاً: شكلت باكستان جيشاً مقتدراً لديه وحدات مشاة ودروع قوية منتشرة على أقرب المواقع الحدودية مع الهند، كما شكلت سلاحاً جوياً صغيراً لكنه عالي التدريب والمعنويات، مزوداً بأفضل الطائرات المتوافرة لباكستان؛ لأداء مهام الدفاع الجوي والهجوم الأرضي على حد سواء. وقد اقتضت الاستراتيجية العسكرية التقليدية لباكستان استخدام جيشها وقواتها الجوية بشكل هجومي في الظروف التي تنذر بخطر استراتيجي. فإذا بدا النزاع وشيكاً، فقد توجه باكستان ضربة وقائية لاحتلال أجزاء صغيرة من الأراضي الهندية؛ ومن ثم تستخدم هذه المكاسب، إما لتحويل ثقل ردة فعل الهند نحو استرداد الأراضي التي خسرتها، أو لاستغلال تلك الأراضي كورقة للمساومة بهدف ضمان نتيجة مواتية في المفاوضات التي تجري في المرحلة اللاحقة للنزاع. وظهرت هذه الاستراتيجية جيداً في حوادث ١٩٩٩م في كارجيل حينما توغلت مجموعات كشميرية داخل أراضي كشمير واستولت على مجموعة جبال بمساندة من الجيش الباكستاني لفترة من الوقت حتى تمكنت الهند في النهاية من طردهم، ولكن عجز القيادة السياسية حينئذ ممثلة في نواز شريف هو الذي منع باكستان من قطف ثمار ما حدث؛ مما أدى إلى نشوب خلاف بين نواز وقادة الجيش الذين جاؤوا ببرويز مشرف إلى سدة الحكم. ثانياً: سعت باكستان على الصعيد السياسي، وعلى خلاف الهند تماماً، إلى كسب حلفاء من خارج المنطقة لضمان إمدادات الأسلحة، والمواد الحربية، والدعم الدبلوماسي، وتطلعت إلى هؤلاء الحلفاء كضامنين سياسيين يمكنهم التدخل نيابة عنها في حالات الضرورة القصوى. وقد وفرت الحرب الباردة بيئة مواتية لمثل هذه الاستراتيجية؛ فقد تحالفت باكستان في البداية مع الولايات المتحدة الأمريكية من خلال منظمة معاهدة جنوب شرق آسيا، ومنظمة المعاهدة المركزية؛ لكن تخلف الولايات المتحدة في مساندة باكستان في الحرب (الهندية - الباكستانية) عام ١٩٦٣م أظهر محدودية هذه الاستراتيجية. وكانت الولايات المتحدة مهتمة بباكستان، كدولة تابعة بالقدر الذي تعزز فيه الهدف الأكبر المتمثل باحتواء الاتحاد السوفييتي، بينما سعت باكستان أساساً وراء المعونة الأمريكية لمساندتها في مشكلاتها الأمنية مع الهند؛ ومن ثم، فإن الصين نتيجة لتنافسها الأمني مع الهند؛ ودول جنوب غرب آسيا أصبحت أحدث حلفاء باكستان. وقدم الغزو السوفييتي لأفغانستان فرصة أخرى لتجديد العلاقة (الأمريكية الباكستانية) ، إلا أنها تعثرت بعد اكتشاف أدلة على البرنامج النووي الباكستاني في أعقاب الانسحاب السوفييتي من أفغانستان، ولكن مع ظهور طالبان وتنظيم القاعدة وتفجيرات ١١ سبتمبر برزت أهمية باكستان بالنسبة للقطب الأمريكي، ومرة أخرى برزت أهمية هذا العامل بالنسبة لباكستان؛ أي البحث عن حليف قوي ترتمي في أحضانه في محاولة لوقف الهيمنة الهندية، وتجلى ذلك حينما اختار الرئيس الباكستاني برويز مشرف الانحياز إلى الولايات المتحدة ضد حليفته السابقة حركة طالبان الحاكمة في أفغانستان؛ في محاولة للحفاظ على القنبلة الباكستانية والتوازن مع العدو التقليدي الهند، والرهان على ما بعد رفع العقوبات الاقتصادية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وتعزيز سلطته بعد تعليقه للدستور والبرلمان وتنصيب نفسه رئيساً. العربدة الإسرائيلية: شكَّل السلاح النووي الباكستاني قلقاً عميقاً لدى الدولة اليهودية؛ فباكستان دولة إسلامية تمارس فيها العقيدة دوراً أساسياً في حياة أهلها؛ ولذلك باتت تخشى وقوع هذه الأسلحة في أيد متوضئة تريد لهذا السلاح أن يكون له دوره في ميزان القوة الإسلامية في صراعها العقدي والرئيس مع اليهود؛ ولذلك هددت إسرائيل بضرب المنشآت النووية الباكستانية معلنة بكل وقاحة أنها لن تسمح لأي دولة عربية أو إسلامية بامتلاك السلاح النووي؛ لأنه يمثل كما تقول تهديداً لوجودها، وهو الأمر الذي أعاد للأذهان ذكرى ضرب المنشآت النووية العراقية. ففي بداية هذا العام أفادت تقارير صحفية أن الاستخبارات الباكستانية نجحت في إحباط خطة إسرائيلية كان يجرى التحضير لها، وتقضي بقصف المنشآت النووية فى باكستان بواسطة طائرات وقاذفات إسرائيلية كانت قد وصلت بالفعل إلى إحدى القواعد العسكرية الهندية، وجرى طلاؤها بألوان سلاح الجو الهندى للتمويه. وأضافت المصادر أن الرئيس الباكستانى استدعى سفيري الولايات المتحدة الأمريكية والهند المعتمدين في باكستان، وجرى خلال الاجتماع عرض لتفاصيل الخطة الإسرائيلية حيث أبدى الرئيس مشرف استياءً شديداً من هذا الموضوع، وطلب من السفير الهندي نقل رسالة تحذير وإنذار لحكومته مفادها أن الحكومة الباكستانية لن تقف مكتوفة الأيدي حيال ما يدبر ضدها من قبل إسرائيل والهند، وأنها ستلجأ إلى الهجوم فوراً في حال تنفيذ هذا المخطط ضدها. وطلب الرئيس الباكستاني سحب الطائرات الإسرائيلية فوراً وإلا فعليَّ وعلى أعدائي. وقد تم إلغاء العملية بعد الإنذار الباكستاني وعادت الطائرات الإسرائيلية إلى قواعدها في فلسطين المحتلة. ونتيجة لخنوع القيادة الباكستانية وحرصها الشديد على هذا السلاح ولو أدى إلى التفريط في المصالح الباكستانية الأساسية؛ فقد سعت إلى إجراء اتصالات مع إسرائيل؛ فقد تواردت الأنباء عن رسالة سلمها المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة إلى نظيره الباكستاني تتضمن تعهداً إسرائيلياً بعدم مهاجمة المنشآت النووية الباكستانية، وقد نفى وزير كبير في حكومة باكستان نبأ هذه الرسالة، وقال: لا علم لي بذلك. ولكن رئيس تحرير صحيفة (أوصاف) الباكستانية المستقلة أكد فيما بعد صحة النبأ، وأضاف أن الاتصالات السرية بين إسرائيل وباكستان تحدث أحياناً على مستوى أكبر من ذلك؛ إذ سبق أن اجتمع وزير خارجية باكستاني سراً بشيمون بيريز حينما كان وزيراً لخارجية إسرائيل، وسمعنا في المناسبة عن وجود مجموعة من المثقفين والسياسيين الباكستانيين الذين تعلموا في الولايات المتحدة يدافعون عن ضرورة الاتصال بإسرائيل حتى لا تنفرد بها الهند وتحصل بذلك على ميزات استراتيجية إضافية على حساب باكستان. ولكن هذه التطمينات تبدو كأنها تنويم للجانب الباكستاني؛ فقد رفضت وزارة الخارجية الأمريكية التعقيب على تقرير صحفي عن تأهب وحدة من القوات الخاصة الأمريكية لشن عملية للاستيلاء على ترسانة باكستان النووية بالتعاون مع إسرائيل. ورفض ريتشارد باوتشر المتحدث باسم الخارجية الأمريكية نفي أو تأكيد هذه الأنباء، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تحتفظ بعلاقات تعاون وثيقة مع الجنرال برويز مشرف رئيس باكستان، وتثق في قدرة حكومته على تأمين المنشآت النووية الباكستانية. وأضاف أن واشنطن تجري اتصالات مستمرة مع إسلام آباد ونيودلهي حول برامج تأمين المنشآت النووية بالدولتين لتحاشي أي مخاطر قد تتعرض لها. وكانت مجلة نيويورك الأمريكية قد ذكرت أن وحدة من قوات الكوماندوز الأمريكية تجري تدريبات مع وحدات مناظرة في إسرائيل مختصة بمكافحة الإرهاب؛ لتنفيذ عملية عسكرية في باكستان يتم خلالها الاستيلاء على سلاح نووي. وأشار التقرير إلى أن الوحدة الإسرائيلية يطلق عليها اسم (٢٦٢) ، وأن العملية أعدت للتنفيذ في حالة الإطاحة بالجنرال مشرَّف من السلطة. في ضوء هذه التحديات السابقة يتأرجح السلاح النووي الباكستاني بين إضافة لرصيد القوة الإسلامية وسلاح يدافع عنا وبين كونه وسيلة جديدة لإضعاف المسلمين وأداة لابتزازهم، وبات المسلمون مطالبون بالتنازلات تلو التنازلات في سبيل الدفاع عن هذا السلاح وبقائه بعيداً عن الأعداء! !

стр. 4147

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش Qatamish١٠٠@yahoo.com هكذا يكسبون الحروب بات من المتعارف عليه، أن هزيمة حركة طالبان سيكون أسهل إذا ما استعملت الرشاوي بدلاً من الرصاص، ويقول أدموند ماك وليامز، وهو دبلوماسي أمريكي متقاعد وخبير في الشؤون الأفغانية: «يستجيب القادة الأفغان بشكل إيجابي حين يعرض عليهم المال لأنهم يمكن شراؤهم. هكذا تجري الأمور في أفغانستان» ، ربما صح ذلك، لكن الجنرال حميد غول وهو القائد السابق لأجهزة الاستخبارات الباكستانية يعرض قاعدة عامة تتسم ببعض الفوارق؛ إذ يقول: «يقال إنه بإمكانك دائماً استئجار أفغاني لكن لا يمكن أن تتأكد أبداً من أنك تملكه» . وخلال الكفاح الطويل ضد السوفييت وأثناء الحروب الأهلية التي تلت انسحاب هؤلاء تمكن بعض أسياد الحرب من البقاء على قيد الحياة عبر تغيير ولائهم لمصلحة الجهة التي كانت تفوز في تلك الفترة؛ فقد بدل أحد القادة ولاءه أكثر من ست مرات، ويقال إن آخر كان يمارس نوعاً من الولاء الموسمي، ففي أيام الصيف القاسية هرب من قندهار في الجنوب، وعاد فهرب من كابول في الشمال في أيام الشتاء القاسية. ويستلزم شراء سيد حرب أفغاني عملية تودد معقدة، فعرضُ كيس ممتلئ بالمال يعتبر مهيناً؛ إذ ينبغي البدء أولاً بالتحدث واحتساء الكثير من فناجين الشاي وتقديم الوعود بالأعمال الطيبة، والأهم عرض عمل مضمون كمنصب حاكم إحدى المقاطعات. [مجلة نيوزويك، العدد: (٧٤) ] انحدار تجهم، تجهم، تجهم؛ فقد أكدت أرقام الأسبوع الماضي أن البلاد ما زالت تسير في انحدار، وهو ما قوض الآمال بأن الاقتصاد الأمريكي قد بلغ مستقره الآن، وأنه سيعاود الصعود. قيل يوم الأربعاء: إن الاقتصاد الأمريكي قد تقلص في الربع الثالث بنسبة ٤,٠%، وهو أول نمو سلبي موسمي له منذ ثماني سنوات، ثم ساءت الأمور أكثر من ذلك، فجاءت أرقام البطالة الأمريكية التي أعلنت الجمعة كالآتي: لقد تم إلغاء ٠٠٠,٤١٥ وظيفة في أكتوبر بحيث قفز معدل البطالة إلى ٤,٥% ارتفاعاً من٩,٤% في سبتمبر، وهي أكبر قفزة في شهر واحد منذ مايو ١٩٨٠م، ويعتبر المعدل الحالي أعلى معدل بطالة تشهده الولايات المتحدة منذ ديسمبر ١٩٩٦م، لكن المحللين لم يعيروا اهتماماً كبيراً لتقرير البطالة؛ لأنهم يعتقدون أن الاقتصاد سيعاود الصعود بحلول عام ٢٠٠٢م، ولكن هذا لم يمثل أي عزاء للأمريكيين العاديين. واعترف الرئيس جورج دبليو بوش بأن الأخبار كانت «غير سارة لأمريكا» . ولم يكن كذلك أحدث مقياس لثقة المستهلك، فقد انخفض الإنفاق بنسبة ٨,١% في سبتمبر بعد انخفاض بلغ ٠. ٣% فقط في أغسطس الذي اعتبر سابقاً شهراً سيئاً لثقة المستهلك. ومن غير المرجح أن يعود الأمريكيون إلى معاودة الإنفاق من جديد عندما يضعون في الاعتبار أن مداخيلهم الشخصية التي تتضمن مرتباتهم ومعدلات الفائدة التي يحصلون عليها ومنافعهم الحكومية انخفضت في سبتمبر، وهي المرة الأولى منذ يناير ١٩٩٤م. هل ستؤدي خطة بوش لتحفيز الاقتصاد إلى إنقاذ الأوضاع؟ النسخة التي تتضمن ضخ ١٠٠ بليون دولار في الاقتصاد والتي وافق عليها مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون يبدو أنها تعود بالنفع على القطط السمينة. [مجلة نيوزويك، العدد: (٧٥) ] هكذا كان الافتتاح! ! قال متحدث باسم الجنرال الأفغاني عبد الرشيد دوستم: إن القائد الشمالي أعاد فتح المزار الذي سميت باسمه مدينة مزار الشريف وأقام الصلاة فيه لأول مرة منذ أن أغلقته حركة طالبان بعد استيلائها على المدينة عام ١٩٩٨م. وقال المتحدث صبغة الله زكي: «إن دوستم بعد يومين من استعادة قواته مزار الشريف التي كانت معقله في أغلب سنوات التسعينيات فتح بوابة قبر علي» ، وأضاف: «دوستم توجه إلى المزار وأقام الصلاة» ، وتابع: «إن ألوفاً من سكان البلدة ومنهم نساء باكيات تبعن دوستم إلى المزار الذي كانوا يزورونه منذ قرون» . [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٣٨٦) ] القتال الإعلامي ١- بدأت إدارة بوش بالاستنجاد بكبار شخصيات هوليود، فاستخدمت شارلوت بيرز الرئيسة التنفيذية السابقة لشركة «أوجيلفي آند ماثر» كنائبة وزير الدبلوماسية العامة، وتقضي مهمتها بتسويق «ماركة» أمريكا. ويتمثل دور باتيز بجعل هذه الصورة تلقى أصداء جيدة لدى الجمهور الواسع؛ لذا يريد البدء ببث إذاعي على مدار ٢٤ ساعة يصل إلى الجمهور الواسع في العالم العربي، ويقدم الترفيه والموسيقى والأخبار فضلاً عن عرض افتتاحيات عن أمريكا ومن أمريكا، ويقدر باتيز أن التجهيزات القديمة وساعات البث القصيرة بمعدل ٣ إلى ٧ ساعات يومياً تعني أن برامج مثل «صوت أمريكا» تصل فقط إلى نحو ٢% من المستمعين في معظم الدول الإسلامية. لتحويل هذا البرنامج إلى مادة يودون فعلاً سماعها ستكون المهمة طويلة، ويشير ناثن ريتشاردسون، رئيس مجلس الحكام للبث إلى أن الأبحاث أظهرت أن معظم العالم العربي لا سيما الشباب دون الـ ٢٥ «يبدون الكثير من الارتياب إزاء الولايات المتحدة» . وقد تم البدء بحشد الدعم لهذه المسألة في صفوف السياسيين في واشنطن على غرار النائب جو كرولي وهو ديمقراطي من نيويورك، وكرولي هو نفسه عضو في لجنة العلاقات الدولية يؤيد إيلاء الأمر لهوليود أو على الأقل الرد على قرع طبول الكراهية إزاء الولايات المتحدة، وقد قال كرولي: «لقد رأينا تأثير الأفلام، فبغية إيصال الرسالة الداعمة للولايات المتحدة إلى العالم العربي، لا بد من استخدام أشخاص يتمتعون بالموهبة» . [مجلة نيوزويك، العدد: (٧٦) ] ٢ - وافق مجلس النواب الأمريكي على مشروع قانون لإقامة «إذاعة أفغانستان الحرة» لتتمكن الولايات المتحدة عبرها من إيصال وجهة نظرها وسياستها إلى الشعب الأفغاني بمختلف فئاته وقبائله. وقال النائب إد رويس الذي يتزعم الجهود لإقرار المشروع منذ سنوات: «إن إقامة هذه الإذاعة أمر حيوي لكسب الحرب الإعلامية ضد طالبان، فحركة طالبان والإرهابيون الذين تؤويهم، يستخدمون الحرب الدعائية لكسب الحرب، ولذلك يجب مواجهتهم لإيصال الصوت الحر إليهم» . وبموجب المشروع الذي سيقدم لمجلس الشيوخ للموافقة عليه، ومن ثم إلى الرئيس جورج بوش ليوقعه، حتى يصبح قانوناً، يتم تخصيص ١٩. ٥ مليون دولار تكاليف السنة الأولى من عمل الإذاعة، وأنها ستركز على أخبار أفغانستان، وإيصال الأخبار والمعلومات التي لا يتمكن الشعب الأفغاني من الحصول عليها أو الوصول إليها عبر إذاعة طالبان، وستبث الإذاعة أخبارها وبرامجها بعدد من اللغات التي تتحدث بها فئات الشعب الأفغاني. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٣٨٢) ] هذه أفغانستان يدفع الشعب الأفغاني وحده ضريبة كل حرب أو نزاع تتعرض بلاده لها دون أن تمنحه فرصة ليستعيد عافيته أو حتى ليقطف ثمار زرعه ليستطيع على الأقل مواصلة نزاعاته لتستمر فصول المعاناة الإنسانية في أفغانستان دون توقف، وباتت المسألة الإنسانية الأفغانية تشكل معضلة لدى المجتمع الدولي، وذلك من قبل ظهور الأزمة الأمريكية الأفغانية الأخيرة. وسنتناول في التقرير التالي أوجه المعاناة الأفغانية قبل الهجوم الأمريكي على أفغانستان، كما سنعرِّج على بعض الآثار التي يخلفها هذا الهجوم على المجتمع الأفغاني حتى الآن. الجفاف يفتك بأفغانستان: تعرضت أفغانستان لموجة من الجفاف كانت الأقسى منذ عام ١٩٧٠م، وعلى الرغم من تأثر باكستان وإيران والهند بهذه الموجة أيضاً فإن الحروب الطاحنة التي عصفت بأفغانستان ضاعفت من حجم المعاناة وخاصة الإنسانية، وقضت بذلك عوامل الموت المتاحة: الحرب والجفاف على معظم مقومات الحياة فيها إلا أنها لم تحرمها الهواء بعد. وقد تفاوت مدى تأثر المناطق الأفغانية بهذه الموجة التي مضى من عمرها حتى الآن ثلاث سنوات تقريباً، فكانت مدن (قندهار) و (ميلماند) و (نمروز) من أكثرها تأثراً، وانخفض محصول البلاد عامة بنسبة ٣٠% مقارنة بعام ١٩٩٨م، كما تلاشى المحصول الزراعي في بعض مقاطعات الشمال بنسبة ٧٠% بسبب ندرة سقوط الأمطار علاوة على ارتفاع نسبة نفوق الماشية وفنائها إلى ٦% وهو ما ضاعف من كارثة قلة الطعام. وقد أجبرت ثلاث سنوات من الجفاف عشرات آلاف من الأفغان على هجر مساكنهم والنزوح إلى مناطق أخرى داخل وخارج أفغانستان، وتسببت أيضاً في موت الكثيرين، وبالإضافة إلى الجفاف تأثرت الأراضي الأفغانية بهجوم موجات من الجراد هددت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية وخاصة في المناطق الشمالية من البلاد. الأمراض المنتشرة.. والأوضاع الصحية: تستشري الكثير من الأمراض المعدية داخل المجتمع الأفغاني حيث يبلغ معدل الإصابة بمرض السل ١٤. ٤ لكل ١٠٠ ألف شخص، ويضاف إليهم ما يقارب ٤ ملايين شخص يصابون سنوياً بمرض الملاريا. أما مرض الكوليرا الذي يعتبر مرضاً مستوطناً في أفغانستان فينتشر بشدة بين المواطنين؛ ففي عام ١٩٩٩م وحده وصل عدد الحالات التي سجلتها منظمة الصحة العالمية إلى ٢٤٦٣٩ حالة كوليرا، ويعود سبب انتشار هذا المرض إلى عدم توفر مياه نظيفة وصالحة للاستخدام البشري؛ مما يساعد هذا المرض على الانتشار. أما عن واقع الخدمات الصحية الأساسية التي تقدم للشعب الأفغاني فهي تكاد تكون معدومة، وتشمل فقط ٥٣% من الشعب حيث يتلقى أقل من ٤٥% من الأطفال ما يلزمهم من تطعيمات أساسية، كما أن الدعاية الطبية لا تتوافر إلا لـ ١٢% فقط من النساء الحوامل. أما معدل وفيات الأطفال الرضع فيصل إلى ١٥٢ حالة وفاة لكل ١٠٠٠ ولادة حية. أما معدل وفيات الأمهات فيصل إلى ٨٢٠ وفاة لكل ١٠٠ ألف ولادة حية، كما تحدث أيضاً أكثر من ٨٥ ألف حالة وفاة بين الأطفال بسبب نزلات الإسهال، وقدرت الشركة العالمية لمكافحة السل التي أسستها عدة هيئات عام ١٩٩٨م الحاجة إلى ٩. ٣ مليارات دولار للقضاء على هذه الآفة في خمسة أعوام. [صحيفة السبيل، العدد: (٤٠٩) ] المتسابقون في الدعم ١ - أوروبا الوسطى.. والشرقية أتوجه بالشكر إلى جميع بلدان أوروبا الوسطى والشرقية المشتركة في هذا المؤتمر، إنكم شركاؤنا في الكفاح ضد الإرهاب، ونحن نشارك في لحظة تاريخية مهمة. على مدى أكثر من ٥٠ عاماً رزحت شعوب منطقتكم تحت أيديولوجيات قمعية حاولت سحق كرامة الإنسان، واليوم تتعرض حريتنا مرة أخرى للتهديد، فعلى شاكلة الفاشيين والشموليين الذين سبقوهم، يحاول هؤلاء الإرهابيون، أي القاعدة ونظام طالبان الذي يدعمها وغيرهما من الجماعات الإرهابية في شتى أرجاء العالم، فرض آرائهم المتطرفة من خلال التهديد والعنف. إننا نشهد موقف الرفض ذاته من المعارضة والرأي المخالف، والمطامع العالمية المجنونة ذاتها، والتصميم الوحشي ذاته على السيطرة على كل حياة وعلى الحياة كلها. أشكر أمم أوروبا الكثيرة، بما فيها حلفاؤنا في حلف شمال الأطلسي التي عرضت مساعدتنا عسكرياً. وأشكر كذلك الدول التي تتقاسم معنا المعلومات الاستخباراتية وتعمل على قطع سبل تمويل الإرهاب. وأشكركم جميعاً على العمل المهم والعملي الذي تؤدونه في هذا المؤتمر، لا يمكن الفوز في الحرب على الإرهاب إلا حينما نضم وسائل القوة لدينا. لدينا ائتلاف شاسع يعمل على توحيد العالم وعلى عزل الإرهابيين تدريجياً، ائتلاف يضم كثيراً من الدول العربية والإسلامية، وما يقوله زعماء تلك الدول يشجعني. أمين عام الجامعة العربية التي تتكون من ٢٢ بلداً رفض مزاعم الزعيم الإرهابي أسامة بن لادن وقال عنه إنه «لا يتكلم باسم العرب والمسلمين» ، ومن الواضح بصورة متزايدة أن هذه ليست قضية بين الولايات المتحدة والشبكة الإرهابية فقط، فكما قال وزير الخارجية المصري: «هناك حرب بين ابن لادن والعالم بأسره» . من خطاب جورج بوش إلى مؤتمر وارسو لمكافحة الإرهاب موقع وزارة الخارجية الأمريكية http://usinfo.state.gov/arabic ٢- حتى الصومال! قال حسين محمد فارح عيديد، عضو مجلس المصالحة الوطنية الصومالية الذي يضم أكثر من ٢٦ فصيلاً، لـ «الحياة» في أديس أبابا: إن بلاده مستهدفة من أمريكا ولكن «علينا أن نؤيد السياسة التي تتبعها في حربها ضد الإرهاب، أو أن نكون ضدها، ليس لدينا خيار آخر، وأبدينا استعدادنا التام للتعاون في كل ما يطلب منا للتخلص من المجموعة الإرهابية (الاتحاد الإسلامي) الموجودة في الصومال» ، ورأى أن دخول أسامة بن لادن الصومال سهل بسبب وجود ٢٧ مرفأ غير شرعي. واتهم عيديد حكومة عبد القاسم صلاد الانتقالية بالتورط مع «الاتحاد الإسلامي» بهدف «زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة» ، علماً أن عشرين من أعضاء البرلمان الصومالي ينتمون إلى الاتحاد. وأوضح عيديد الذي يزور أديس أبابا أنه سيناقش مع القادة الإثيوبيين الذين «يعانون مشكلة الإرهاب، تنسيق العمل سوياً لمحاربة هذا الشبح المخيف» ، وذكر أن أربعة أو خمسة من الجنود الإثيوبيين المرابطين في منطقة «غودي» على الحدود الإثيوبية الصومالية «يموتون كل يوم بسبب الهجمات التي تشنها مجموعة الاتحاد الإسلامي» . ورأى أن بإمكان زعماء مجلس المصالحة الصومالية «التخلص من المجموعات الإرهابية بالتعاون مع الدول المتضررة ومع أمريكا التي تعتبر محاربة هذه المجموعة من أولوياتها» . [جريدة الحياة، العدد: (١٤١٢٠) ] ٣- قرن الدول الأمريكية قد تلقينا عروضاً بالمساعدة في الكفاح ضد الإرهاب الدولي من كندا في الشمال وحتى الأرجنتين في الجنوب، وقد وسَّعت كل دولة في المنطقة الجهود لتقصي الصلات بين أفراد ومنظمات محلية ومجموعات إرهابية دولية عن طريق تعاون لم يسبق له مثيل في مجالي تطبيق القانون والاستخبارات، فقد قامت جزر الباهاما بالتدقيق بنشاط في الحسابات المالية المريبة، وتعتزم أنتيغوا وباربودا تغيير قوانينهما المصرفية. أما كندا والمكسيك فقد ضاعفتا تعاونهما مع الوكالات الأمريكية المسؤولة عن تطبيق القوانين والهجرة لتعزيز التدابير الأمنية على طول الحدود المشتركة (بين كل منهما والولايات المتحدة) . وفي ليما (في البيرو) صادق وزراء خارجية شركائنا في عضوية منظمة الدول الأمريكية بالإجماع على قرار يدعو الدول الأعضاء إلى اتخاذ إجراءات ضد الإرهاب. وأعلنت الدول الأعضاء في معاهدة المساعدة المتبادلة بين الدول الأمريكية، المعروفة بمعاهدة ريو، بناء على مبادرة برازيلية، أن أي اعتداء على إحدى الدول الأعضاء يشكل اعتداء عليها جميعاً، ووافقت تلك الدول على توفير عون متبادل بينها ضد الإرهاب الدولي. ويسهم التعاون الذي لم يسبق له مثيل بين دول نصف الكرة الغربي الذي انبثق منذ ١١/٩/٢٠٠١م في إيجاد إحساس حقيقي بالانتساب إلى «مجموعة الدول الأمريكية بين حكومات وشعوب منطقتنا، ونحن مدركون جداً للتحديات التي تواجهنا، وهي تحديات خطيرة، في مستهل» قرن الدول الأمريكية «، ولكننا مدركون أيضاً للفرصة المتاحة أمامنا. مارك غوسمان، وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية موقع وزارة الخارجية الأمريكية http://usinfo.state.gov/arabic ٤ - وبنو هيروشيما وناكازاكي: للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية أبحرت ثلاث مدمرات يابانية إلى المحيط الهندي للمشاركة في الحملة العسكرية الجارية ضد الإرهاب في أفغانستان. وستكون القطع البحرية أساساً قوة تمهيدية لقوات مهام خاصة رئيسة من قوات الدفاع الذاتي من المتوقع أن يتم نشرها فيما بعد في المنطقة، وتتمثل المهمة الرئيسة للقطع البحرية اليابانية في جمع معلومات تستخدمها الحكومة لوضع خطة رئيسة لقوة المهام الخاصة التابعة لقوات الدفاع الذاتي، ويبلغ عدد أفراد طواقم السفن الثلاث ٧٠٠ فرد. وبعد إتمام مهمة تقصي الحقائق، من المتوقع أن تبقى السفن الثلاث في المنطقة والانضمام إلى قوة المهام الخاصة الرئيسة في تقديم الدعم للقوات الأمريكية. وهذه هي المرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية التي يسمح فيها للقوات اليابانية بالانتشار خارج أراض يابانية، وكانت الحكومة اليابانية قد سنَّت قانوناً يخولها نشر أفراد الجيش اليابانيين خارج مناطق الصراع، ولكن يسمح لهم فقط بتقديم المساعدات الطبية للولايات المتحدة، وقوات التحالف، ونقل الأسلحة والذخائر ومعدات أخرى، والمشاركة في عمليات البحث والإنقاذ، ويسمح القانون الجديد أيضاً للجنود اليابانيين بمساعدة وحماية اللاجئين، كما يسمح باستخدام الأسلحة لحماية اللاجئين وأفراد عسكريين مصابين. [جريدة الرياض، العدد: (١٢١٩٢) ] ٥- والهند بوش: إن من دواعي شرفي أن أستقبل رئيس الوزراء الهندي في البيت الأبيض لإجراء سلسلة مباحثات، إن حكومتي ملتزمة بتطوير علاقة مختلفة أساسياً مع الهند تقوم على الثقة وعلى القيم المشتركة، فالواقع هو أن رئيس الوزراء يقود أمة هي أكبر أمة ديمقراطية في العالم، إننا سنحارب الإرهاب سوية، ولقد تمحورت مباحثاتنا التمهيدية على المعركة ضد الإرهاب، ورئيس الوزراء يفهم أن لا بديل لنا سوى النصر، وهو يعي كذلك أن ثمة التزاماً بل يتعين أن يكون هناك التزام من قبلنا جميعاً بعمل أكثر من مجرد الكلام؛ لتحقيق أهداف معينة، وقطع دابر التمويل، وممارسة ضغط دبلوماسي على الإرهابيين، وفي بعض الحالات المساعدة عسكرياً، على أن نظل على أية حال صامدين في وجه الإرهاب. موقع وزارة الخارجية الأمريكية http://usinfo.state.gov/arabic ٦ - إيران.. المختفية! ! أكد وزير خارجية تحالف المعارضة الأفغانية عبد الله عبد الله الدعم العسكري الإيراني لهذا التحالف، وقال: إن الحرب ضد طالبان ستنظم بشكل أفضل فيما لو توصلت طهران وواشنطن للاتفاق وطي صفحة العداوة. وقال: عبد الله في مقابلة مع فرانس برس: إن التعاون بين الولايات المتحدة وإيران يشكل قضية صعبة نظراً لبعض المعطيات الدبلوماسية. وأضاف:» بطبيعة الحال سيكون الوضع أحسن بكثير لو كانت العلاقات عادية بين الولايات المتحدة وإيران «؛ لأن إيران، البلد الشيعي، تؤدي دوراً هاماً منذ فترة طويلة في الحرب الأهلية الدائرة في أفغانستان، وهي حالياً من أقوى دعائم التحالف الشمالي السني الذي يقاوم طالبان. وبالرغم من ذلك تواجدت الولايات المتحدة وإيران جنباً لجنب في مواجهة عدو مشترك وهو نظام طالبان الذي يتعرض إلى غارات جوية؛ لأنه يأوي أسامة ابن لادن الذي يشتبه في أنه مدبر اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر. وبالرغم من أن الولايات المتحدة اقتربت من التحالف الشمالي فإن الدعم الأساسي لهذا التحالف يأتي من روسيا وإيران وأوزبكستان وطاجيكستان. وذكر عبد الله أن إيران لم تكتف بالوسائل الدبلوماسية لدعم التحالف مؤكدا أنها تقف إلى جانبنا وتدعمنا في العديد من المجالات بما فيها الصعيد العسكري. وأشار خبراء إلى أن طهران قامت بدور مهم - وإن بعيدا عن الأضواء- في الأزمة الحالية ولا سيما بدعمها إسماعيل خان القائد العسكري الطاجيكي الذي يقاوم طالبان في قطاع هراة المدينة الواقعة شمال غرب أفغانستان بالقرب من الحدود مع إيران. وكانت إيران قدمت في السابق أيضا دعما عسكريا أساسيا لفصيلي الهزارة والمسلمين الشيعة المنتمين إلى حزب الوحدة الذي يؤكد أنه يمثل ١٥ % من الأفغان والذي يقاتل من أجل استعادة السيطرة على جبال وسط وشمال البلاد. [جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٨٠٤) ]

стр. 4148

الورقة الأخيرة تكريس الفجور في صحافة الإنترنت د. محمد البشر ليس من شأننا أن نتتبع مؤشرات الفجور الصحفي في الإنترنت؛ فقد كبرت فقاعاته وتلونت، ولوثت رموزه قيم العمل الإعلامي وأخلاقياته. وتخصيص الحديث عن ظاهرة (العهر الصحفي العام) في الإنترنت فيه إجحاف وظلم للصحافة الصفراء المطبوعة؛ لأنها تحتاج إلى (بحث) مستقل، ولأن هناك من القنوات الإعلامية الأخرى من تبوأ مكانة في الأسفلين، وهي قنوات أمدت عقول الجماهير بجرعات مكثفة من الفجور صوتاً وصورة! ! أما أن تمتد حرية الفجور لتطال تاريخ الأمة وتنال من فكرها وثقافتها؛ فذلك أمر يدق أجراس الخطر، وينذر بكارثة أخلاقية تستدعي اجتثاث جذورها، وملاحقة أبالستها، وتضييق الخناق عليهم، وكتم أنفاسهم، ومحاربتهم في كل زمان ومكان، وإنزال أشد العقوبات على أقطابها. بين يدي مقالة نُشرت في صحيفة إلكترونية؛ يتتبع كاتبها ظاهرة انتشار الخمر في أحد مجتمعاتنا الإسلامية المحافظة، بل المتدينة، ويدعي زوراً وبهتاناً أن كثيراً من أفراد ذلك المجتمع (خمريون) حتى النخاع، وأن سوق الخمر فيه مزدهرة، وموائده باتت من لوازم الضيافة بين فئام معينة فيه. ويتتبع الكاتب (تاريخ) انتشار نوع معين من الخمر، ويقول إنه من (الثقافة الشفهية) التي لم يكتب عنها أو (يؤصل! !) لها، وزعم (مؤرخ الفجور) أن أول كتابة تناولت ظاهرة انتشار الخمر في المجتمع وردت في روايات (العدامة) و (الشميسي) التي تحدث فيها كاتبها عن وجود هذه الظاهرة في عقد الستينيات الميلادية؟ ! ! ويستدل كاتب المقالة على انتشار هذه الظاهرة في المجتمع بحقيقتين (! !) هامتين هما: ١ - كثرة الكؤوس التي تباع في متاجر الأواني المنزلية! ٢ - كثرة من يشتري (الثلج) في عطلة نهاية الأسبوع! هذه المقالة تنشر في الإنترنت، وقراؤها أكثر من قراء أية صحيفة عربية مطبوعة، ومضمونها فجور يشوِّه ثقافة المجتمع ويقذف أفراده بمثل هذه الصفات وغيرها. لا نشك في أن (مقص) الرقيب يعجز عن منع نشر افتراءات فسقة الأمة ودعاة الضلالة إذا كانت الإنترنت هي وسيلة النشر، ولكن الرقابة ليست فقط على المضمون، بل على الأشخاص أيضاً. لو أن هؤلاء كتبوا في السياسة، أو عن تجاوزات القيادات العلمانية؛ فما عسى أن يكون مصيرهم؟ ! سيؤخذون بالنواصي والأقدام، وسيسامون سوء العذاب، وتُضيَّق الأرض عليهم بما رحبت جزاءً وفاقاً. أوَ ليس دين الأمة أحرى بأن يصان من دنس أهل الأهواء؟ ! أوَليست ثقافة الأمة جديرة بأن تصان من اللوث والتدليس والتشويه المتعمد؟! ألا يستحق تاريخ الأمة أن يصان من سموم الأقلام؟ ! معاقبة هذه الزمرة المتمردة على دين الأمة وتراثها ضرورة، ومطاردتها لازم من لوازم الأمن، لا فرق في ذلك بين الإرهاب الذي يتخذ من أوكار الثقافة المزيفة كهوفاً وحفراً ينطلق منها، و (إرهاب) مغارات الجبال وخنادق الأودية! ! أليس كذلك؟ !

стр. 4149

ذو القعدة - ١٤٢٢هـ فبراير - ٢٠٠٢م (السنة: ١٦)

стр. 4150

كلمة صغيرة كرامات (السيدة) ميجاواتي ! ! شهدت إندونيسيا في نهاية حكم سوهارتو فترة اضطرابات عصيبة، وكان الرجل قد استنفد على مدار ٣٣ عاماً من الحكم كل الطرق والوسائل في خدمة الأهداف الغربية، وقد ساعدوه في الوصول إلى سدة الحكم لتحقيقها، فكان حقاً مخلصاً واستحق لقب: «صاحب القلب الطيب» ، برغم ذبحه لما يقارب مليون إندونيسي من أتباع أحمد سوكارنو «المعادي للغرب» . أريد لإندونيسيا أن تدخل مرحلة جديدة، أرادوا انتزاع بعض من أرضها وبعض من ناسها، فاستقلت الأرض، وضم بعض الناس الثرى المتشبع بدم المذابح. استمرت الاضطرابات من نهاية حكم سوهارتو إلى نهاية حكم «واحد» ، كما استمر السلب والنهب والمظاهرات، واستقر في خلد كثير من الناس أن إندونيسيا ذاهبة إلى مصير مجهول، ذاهبة إلى تفكك كبير، إلى هاوية سحيقة لتنسينا أكبر بلد إسلامي. وفجأة جاءت المعجزة «الغربية» بإقالة «واحد» من قِبَل البرلمان، وتعيين السيدة: ميجاواتي أحمد سوكارنو رئيسة لتلك الدولة الكبيرة، وبنفس المفاجأة التي مُهد لها بتعيينها نائبة الرئيس، توقفت كل أشكال العنف «المعلن» في إندونيسيا، فلم تعد هناك مظاهرات تخرج لتندد، ولا حرائق تضرم هنا وهناك، ولا بشر يقطَّعون إرباً، ولا الإعلام ينقل من ذلك شيء ألبتة، بل نسي الإعلام إندونيسيا بعد أن وُضِعت في يد «أمينة» .. عفواً.. ميجاواتي.. لم نعد نرى من إندونيسيا إلا صور تلك السيدة في المسجد! ! رافعة أكف الضراعة في المناسبات الدينية! ! التصعيد المفاجئ لأحداث إندونيسيا ثم التوقف المفاجئ للأحداث ذاتها ينبئنا أن ميجاواتي يراد لها أن تثبت أقدامها في إندونيسيا التي قال عنها نائب الرئيسة إنها لن تتحول إلى دولة إسلامية! ! وقد حافظ الأمريكان على مشاعر ميجاواتي، فمنعوا كتاباً أمريكياً يوضح دور المخابرات الأمريكية في المذبحة التي نفذها سوهارتو بحق أتباع والدها؛ حيث لا داعيَ لنكء الجرح القديم! !

стр. 4151

الافتتاحية يا أمة طمعت لنومها الأمم ! ما أن انتهى شهر رمضان المبارك حتى خرج ساسة أمريكان ليعلنوا بكل غبطة في لهجة تحريضية غير خافية: ها هي القوات الأمريكية ضربت بلداً إسلامياً (أفغانستان) طوال شهر رمضان، ولم تقم مظاهرات شعبية في البلدان الإسلامية الأخرى تحتج على هذه الضربات، ولم تتعرض المصالح الأمريكية في أي بلد عربي أو إسلامي لأي خطر كما قيل قبل دخول شهر رمضان، وعليه بحسب هؤلاء الساسة يمكن مواصلة هذه الحرب باطمئنان في بلدان عربية وإسلامية أخرى. وإذا كانت مثل هذه التصريحات تدل على مدى حالة الرصد والترقب التي يوليها أعداء الأمة للرأي العام فيها وتحولاته وتحركاته، فإنها تدل أيضاً على مدى أهمية تحريك هذا الرأي العام وحشده وتفعيله لمصلحة قضايا الأمة الحيوية، وتدل أيضاً على مدى ما وصل إليه هذا الرأي العام أو قل الأمة من حالة السبات العميقة التي يظنها أعداؤها حالة موت تغري أولئك الأعداء بالتقدم إلى الأمام لنهش جسدها وانتهاز الفرصة التاريخية للقضاء عليها (وعلى دينها) وتصفية الحسابات العالقة باسم محاربة الإرهاب. كل ذلك يتم بحرب معلنة وصريحة لا يتوانى أكابر مجرميها بإعلانها حرباً قذرة في أكثر من مناسبة، ولا يتردد (الطابور الخامس) داخل أمتنا بتسديد الطعنات إلى ظهر الأمة المكشوف كلما سنحت الفرصة، ولنا أن نستعرض نزراً يسيراً من الأحداث والمظاهر خلال (شهر الترقب) لنتبين أين ذهبت (البراءة) المفترى عليها وسط (قذارة) الحرب السائدة، وكيف يتسابق أعداء الأمة لانتهاز الفرصة للإجهاز عليها وسط صمت أبنائها المطبق، إن لم يكن وسط صيحات التشجيع في الملاعب وآهات التلهي في المسارح ودور اللهو؟ ! ففي واحدة من جرائم الحرب (التاريخية) نفذت القوات الأمريكية والبريطانية مدعومة بقوات تحالف الشمال في أفغانستان واحدة من أبشع المجازر وحشية؛ حيث دكت (قلعة جانجي) التي كانت معتقلاً لأكثر من ٦٠٠ (أسير حرب) بقذائف الدبابات والمدفعية، وصواريخ الأرض/ جو، والقنابل التي ألقتها عليهم الطائرات الأمريكية عبر عشرات الغارات الجوية التي رمتهم بأطنان من المواد المتفجرة.. إلى أن تحول الأسرى إلى أشلاء بشرية أو احترقت جثثهم أو قتلوا وهم موثوقو الأيدي من الخلف. وبغضِّ النظر عن (السيناريوهات) المحكية عن بداية الأحداث إلا أنه ترد هنا نصيحة وزير الدفاع الأمريكي (رونالد رامسفيلد) بـ (التخلص) من الأسرى وعدم الاحتفاظ بهم، بما يعني إعطاء (ضوء أخضر) لقتل الأسرى والقضاء عليهم، كما ترد أيضاً الطريقة الوحشية التي تم بها القضاء عليهم، بما يظهر الرغبة المحمومة في الانتقام وسفك الدماء (على الطريقة الأمريكية القذرة) ، وقد كانت هناك بدلاً من ذلك طرق أخرى مع افتراض حدوث تمرد من الأسرى للقضاء على هذا التمرد والسيطرة عليهم لو توفرت رغبة (بريئة) في عدم قتل أسرى أعلنوا استسلامهم ويعد القانون الدولي قتلهم جريمة حرب.. مثل إلقاء قنابل غازات أعصاب أو مسيلة للدموع أو حتى التعامل المناسب مع بعض أشخاص يحملون أسلحة شخصية خفيفة (بحسب الرواية الأمريكية) بدلاً من هذا الأسلوب الوحشي الذي لم ينف حدوثه أحد. وفي الشهر ذاته تناقلت الأخبار قيام بعض قوات التحالف بذبح ٣٧ عربياً اعتقلوا ثم ذبحوا ذبحاً أمام زوجاتهم وأولادهم. وترددت الأخبار عن عشرات الأسرى من المعتقلين المناصرين لطالبان الذين قضوا حتفهم (خنقاً) أثناء نقلهم في شاحنات محكمة الإغلاق من جميع الجهات ولا منفذ فيها، مع تكرار ذلك أكثر من مرة. ناهيك عن أخبار الاغتصاب وهتك الأعراض لنساء الأسرى والمعتقلين في قصص يندى لها جبين أصحاب المروءة فضلاً عن أصحاب الإسلام. * لم يكن كل ما سبق غريباً على أعدائنا، ونحن لا نستجدي الرحمة من هؤلاء الأعداء ولا نتوقعها منهم؛ فهم [لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً] (التوبة : ١٠) ، ولكن الغريب بالفعل أن كل هذه الأحداث رغم كثرتها وبشاعتها لم تقابَل من معظم الأمة إلا بمشاعر باردة وأحاسيس متبلدة إلا من رحم ربي، ولم نسمع صوتاً من أصحاب (إسلام التسامح والعفو والبراءة) ودعاة حوار الحضارات يستنكر ما حدث، بل صمتت كل الأصوات التي تنتظر كل مناسبة يقتل فيها يهودي أو نصراني لتعلن شجبها واستنكارها لمقتل (الأبرياء) ، وكأن البراءة هذه حكر على الكفار ولا ينعم بها مسلم. وفي فلسطين في شهر رمضان راح خمسة أطفال ضحية انفجار فخ متفجر نصبه الجيش الإسرائيلي في طريق ذهابهم إلى مدرسة تابعة للأمم المتحدة في مخيم «خان يونس» للاجئين بغزة مما حول أجسادهم إلى أشلاء. وفي الشهر ذاته كان الفلسطينيون يفطرون ويتسحرون على دوي صواريخ طائرات الأباتشي الأمريكية، وقذائف الدبابات التي ترمي بها الأحياء السكنية. وفيه أيضاً لم يتوقف مسلسل الاغتيالات المعلنة (قتل بلا تحقيق ولا محاكمة) لقيادات الانتفاضة، بل تعالت صيحات القادة الصهاينة بضرورة قيام سلطة ياسر عرفات باعتقال من وردت أسماؤهم في لائحة المطلوبين المقدمة إليهم من قبل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، ليسهل ضربهم والقضاء عليهم (كما حدث في قلعة جانجي) . * إلى هنا وسكون القبور يخيم على الحضور، فلما انتقم لـ (أبريائنا) بعض الفلسطينيين من شباب حماس والجهاد الإسلامي بقتل بعض (أبريائهم) .. ارتفعت الاحتجاجات وتعالت الأصوات مستنكرة قتل الأبرياء من جميع الأطراف ( يا له من عدل وإنصاف!) ومحرضة المسلمين على مراعاة العهد والذمة التي بين المسلمين وأهل الكتاب. إن الحالة التي بدت عليها الأمة أثناء تعاملها مع الأحداث الأخيرة أغرت أعداءها كلاً في موقعه بانتهاز الفرصة والإجهاز على ما تبقى من رمق الحياة فيها بعد تصفية (القضايا المعلقة) . ففي فلسطين المحتلة يسعى اليهود ومن ورائهم أمريكا والغرب بثقل واضح لاستغلال الفرصة التاريخية وفرض (الحل النهائي) الذي يرضي نهمهم التوسعي المحموم، ثم دفن القضية تحت ثرى التاريخ إلى الأبد هكذا يتمنون ويسعون. وفي الفلبين نكثت الحكومة عهودها، وانقلبت على (عرفاتها) لمحاولة استئصال (مشكلة المسلمين) في الجنوب بمساعدة أمريكية. وفي الهند أخرجت مسرحية (هوليودية) على ساحة البرلمان الهندي، ليخرج بعد ذلك زعماؤها معلنين أنهم ضحية الإرهاب الذي يستهدف قيم الديمقراطية والحرية (مثلما قيل بعد تفجيرات سبتمبر) ، وأنها ستستأصل جذور الإرهاب من كشمير ومن يدعمونه في باكستان، ثم بدأت بحشد قواتها على الحدود مع باكستان، وكثفت الحملات على منظمات الجهاد الكشميري. وحتى الصين استدعت خبراء مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي ليساعدوها في تعقب نشاطات مسلمي تركستان الشرقية. وفي أوروبا الغربية بدأت دول (العدالة والحرية والديمقراطية) تقلب ظهر المِجَنّ للاجئين السياسيين المسلمين وأصحاب الانتماء الإسلامي، فسارعت إلى اعتقال بعضهم وتسليم آخرين إلى دولهم والتضييق على الجاليات الإسلامية وأنشطتها فيها. والآن يحد أعداؤنا سكاكينهم ويشحذون أسنانهم لالتهام الوجبة التالية على وَهْم انتهائهم من الوجبة الأولى وتظهر حيرتهم في الاختيار من كثرة المغريات الشهية: أهي الصومال أم السودان؟ اليمن أم العراق؟ أم لبنان أم الفلبين؟ لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزت الحرب (القذرة) المعلنة أن تكون حرباً على منظمات وجماعات إسلامية، أو مؤسسات دعوية أو إغاثية أو خيرية لتصل الحرب إلى الخط الأخير.. إلى الإسلام ذاته؛ فقد تعالت الأصوات التي تغذيها حملات صهيونية وأصولية نصرانية، بأن (المشكلة) ليست في بعض المسلمين، بل في الإسلام ذاته، وفي مصادره الأساسية: القرآن والسنة؛ ولذا طالبوا بتعديل (أو قل: تحريف) الإسلام ذاته ليواكب التطور الحضاري كما عدلت النصرانية ذاتها لتواكب التطور. وهذا المنحى الخطير وإن لم يصرح به جميع ساستهم إلا أن الخطوات العملية لتنفيذه بدأت في الظهور، مستغلين اللحظة التاريخية البادية لهم بعمق سبات الأمة، فأخذوا خطوات جدية في الضغط على أكثر من دولة للتأثير على مناهج التعليم الديني فيها ومحاصرة مدارسها ومعاهدها وجامعاتها، وشرعوا في خطوات عملية أيضاً لإحداث تحولات اجتماعية غير مسبوقة. إننا بعد كل ذلك نكرر ما سبق أن ذكرناه من أننا لا نستجدي الرحمة من أعدائنا؛ ولا ننتظر منهم ولا نتوقع غير ذلك، ولكن ينبغي أن نفتش في أنفسنا نحن، وأن نقاوم بكل ما تبقى في أيدينا، وفي ذلك نرصد ظاهرة تستحق النظر والتأمل والدراسة. لقد عمت العالم الإسلامي بعد أحداث سبتمبر وأثناء تجهيز أمريكا للحرب عاصفة من التعاطف مع أفغانستان والاحتجاج على ضربها أجبرت بعض (النفعيين) على عدم مصادمة هذه العاصفة، وعدم إعلان تعاطفهم مع أمريكا. ثم ما لبثت (كالعادة) أن هدأت هذه العاصفة لتخمد رويداً رويداً مع تصاعد وتيرة الحرب! ومع اعتبارنا لوجود عوامل عديدة وظروف كثيرة ساعدت في الوصول إلى هذه الحالة، إلا أن هناك تساؤلات لا ينبغي أن تمر مرور الكرام ومنها: هل هذه العاطفة عاطفة كاذبة؛ أو خاوية نُخدع بها كل مرة؟ هل تفتقر الأمة إلى الوعي اللازم الذي يؤهلها لمعرفة متى تظهر تعاطفها، وكيف تظهره؟ هل هو قصر النفس وعدم المثابرة؟ ما أسباب ذلك؟ هل أعداؤنا درسونا إلى درجة أنهم يعرفوننا أكثر من أنفسنا، ويعرفون كيف يؤثرون علينا ويحولون اتجاهاتنا؟ هل هناك (توجه إعلامي وسياسي) منا يجعلنا نفقد في كل مرة الثمرات التي بأيدينا؟ وأسئلة كثيرة غيرها.. ولكن أياً كانت الإجابة عليها فالذي نستطيع قوله أنه في ضوء الأسباب المنظورة لم يبق في أيدينا للدفاع عن الخط الأخير من دفاعاتنا عن ديننا وأمتنا سوى ضرورة المراجعة الصادقة للاتجاهات الانهزامية أمام أعدائنا والتي لم تزدنا إلا وهناً وسقوطاً؛ لأن أعداءنا لن يوقفهم سوى رجوعنا إلى الله حقاً وصدقاً، كما أن لاحترام الأمة وتفعيل دورها ليشكل سلاح (الرأي العام) وضغوطه، دوره الكبير كما هو معمول به لدى أعدائنا وترتعد فرائصهم من نتيجة هذا السلاح؛ فإذا لم نحسن استخدامه وإيقاظ الأمة من سباتها فنسأل الله تعالى ألا نكون ممن تجري عليهم سنة الاستبدال.

стр. 4152

دراسات في الشريعة والعقيدة جهاد المنافقين عبد العزيز كامل تثبت الوقائع يوماً بعد يوم أن نكبة الأمة بالمنافقين تسبق كل النكبات، وأن نكايتهم فيها وجنايتهم عليها تزيد على كل النكايات والجنايات؛ فالكفر الظاهر على خطره وضرره يعجز في كل مرة يواجه فيها أمة الإسلام أن ينفرد بإحراز انتصار شامل عليها، ما لم يكن مسنوداً بطابور خامس من داخل أوطان المسلمين ويتسمى بأسماء المسلمين، يمد الأعداء بالعون، ويخلص لهم في النصيحة، ويزيل من أمامهم العقبات، ويفتح البوابات. رأينا ذلك في عصرنا وسمعنا عنه قبل عصرنا؛ فمنذ أن افتتح (ابن سلول) طريق النفاق، سارت فيه من بعده أفواج المنافقين عبر التاريخ، وفي عصرنا الراهن لا تخطئ العين ملامح النفاق الظاهر المتظاهر مع الكافرين في القضايا الكبرى من قضايا المسلمين. رأينا ذلك في تركيا قبل سقوطها وبعد سقوطها خلال أكثر من ثمانين عاماً، ورأيناه في فلسطين بعد احتلالها منذ ما يزيد على خمسين عاماً، كما لا نزال نرى صوراً من ذلك في أكثر بلدان المسلمين التي سلخها المنافقون لصالح الكافرين عن هويتها الإسلامية وبنيتها الاعتقادية. وها نحن اليوم نفجع مرات أخر بما يحدث في أفغانستان وفلسطين وباكستان والصومال وغيرها من البلدان التي يتهيأ المنافقون فيها لجولة جديدة من قهر الأمة وإذلالها أمام أعدائها بتعلاّت ومسوّغات متعددة، لا يقف خلفها شيء من المبادئ والثوابت إلا الثبات أو الوصول إلى مقاعد السيادة وكراسي القيادة، التي يهون عندهم في سبيلها كل شيء، ويحل لأجل الوصول إليها كل شيء، ويحرم دون المساس بها أي شيء! ! ... إنه الكرسي الذي يكاد يُعبد، ويُركع له ويُسجد. راقب معي دور النفاق السياسي عبر التاريخ؛ فستجد ذلك الصنم من ذوات الأربع قابعاً خلف كل حركة نفاق خائنة لله ولرسوله وللمؤمنين. وفي عصرنا، وفي ظل غياب الشريعة عن الحكم في الغالب الأعم من أوطان الإسلام، وفي ظل ضياع الضوابط التي يُختبر بها من يصلح ومن لا يصلح لقيادة المسلمين؛ خلا الجو لكل طاغية أفَّاك، من أهل النفاق لأن يركب شعباً من الشعوب بعد الوثوب إلى سدَّة الحكم، عبر طرق ومسالك وعرة، يعرف المنافقون وحدهم كيف يذللونها ويسبرون غورها ويعبرون من فوقها إلى القمة التي لا يسقطهم من فوقها إلا هازم اللذات. يقوم المنافقون في كل مرة ينجحون فيها في ركوب شعب من الشعوب بدور عدائي مزدوج يستهدف أمرين لا ثالث لهما: استمداد أسباب البقاء على القمة من ظهير خارجي مقابل إمداد ذلك الظهير بأسباب استبقاء المصالح في الداخل الوطني، وما عدا ذلك تفاصيل؛ فكيفية الحكم.. ودستور الحكم ... تمثيل الفئات.. النيابة عن الشعب.. المعارضة باسم الشعب ... الخطط الخمسية.. المشاريع التنموية.. الصراعات الحزبية ... المعارك الجانبية.. خارجية أو داخلية، قصة واحدة والمحصلة في النهاية واحدة وهي دعواهم العريضة: [إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ] (البقرة: ١١-١٢) . لا فارق كبيراً بين نفاق الأمس ونفاق اليوم من حيث الجوهر، أما الظروف فقد اختلفت؛ فالنفاق بالأمس البعيد أيام تمكين الدين كان ذُلاً يستخفي، وضعفاً يتوارى، وخضوعاً مقموعاً يمثله عمالقة أقزام ورؤوس أزلام، حيات وعقارب موطوءة تكاد ألاَّ تنفث السم إلا وهي تلفظ الحياة. كان تمكين الدين وقتها يمكِّن المؤمنين من جهاد أولئك الأسافل باليد واللسان والقلب وبإقامة الحدود، فلا يُرى أحدهم إلا وهو محاصر مكدود، أو محدود مجلود. أما اليوم؛ فالنفاق صرح ممرد، وقواعد تتحرك، وقلاع تشيد، إنه اليوم دولة بل دول ذات هيئات وأركان، إنه أحلاف وتكتلات وكيانات، بل معسكرات ذات قوة وسلطان ... سلطان سياسي واقتصادي وإعلامي وثقافي، يمارس الضرار في كل مضمار. نخطئ كثيراً عندما نظن أن النفاق الذي أفاض القرآن في الحديث عنه، وأسهب في التحذير منه، كان يمثل مرحلة تاريخية انقضت بدخول الناس في دين الله أفواجاً؛ فالعصر الذهبي للبشرية الذي شهدته الأرض أيام الرسالة الخاتمة لم يخل من ظلم النفاق وظلماته؛ فهل تُعصم من ذلك العصور التالية؟ ! قد يُقال إن النفاق وقتها كان مقموعاً ممنوعاً فلهذا كان يستتر من الدين بالدين، وهو اليوم ليس في حاجة إلى ذلك؛ فاليوم مؤمن وكافر، أو مسلم ومرتد ... أقول: إن القرآن الذي أمر النبيَّ ﷺ وأتباعَه بجهاد المنافقين والكافرين سيظل يُتلى إلى يوم الدين. بقول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ] (التوبة: ٧٣) والآية تدل على أن النفاق سيظل موجوداً وسيظل محسوساً ملموساً من أشخاص تُرى فيهم آيات النفاق. والنفاق المقصود في الآية ليس قاصراً على النفاق ذي المرامي السياسية والأهداف التسلطية، بل هو النفاق بكافة أشكاله وصوره عندما يكون موجهاً إلى ضرر الدين وأصحاب الدين، سواء كان صادراً من أهل السياسة أو من أهل الثقافة أو أهل الفن والقلم أو حتى بعض المنسوبين للعلم والفتوى في بعض البلدان. نحن هنا لا نجادل في أن النفاق درجات أو دركات، وأن خطره يتفاوت بتفاوت كبره أو صغره؛ إذ من النفاق ما هو أكبر مخرج عن الملة: ومنه ما هو أصغر لا يخرج عن الملة، وفي كلا الحالين فنحن مأمورون بمجاهدة النفاق ولو كان ساكناً بين أضلعنا أو مختبئاً بين جوانحنا، ومن ذا الذي يأمن النفاق على نفسه وقد خافه على نفسه الفاروق عمر ﵁؟ ! ومن ذا الذي يضمن السلامة منه وقد علَّم النبي ﷺ أصحابه التعوذ منه؟ ! غير أني لا أقصد هنا إلى التأصيل والتفصيل في مسائل الإيمان المتعلقة بما يخرج أو لا يخرج منه من أعمال الكفر والنفاق، ولا إلى بسط الكلام في أحوال الأعيان من حيث ثبوت أو عدم ثبوت ما يتعلق بهم في ذلك من الأحكام؛ فالأمر الأول يقصر عنه علمي، والآخر يثنيني عنه تقصيري وظلمي، وأسأل الله العفو والعافية لي وللمسلمين، ولكن المقصود التماس نوع من القربى في جهاد صنف من أعداء الدين، طالما غفل أو تغافل عن جهادهم الكثيرون من أصحاب الدين، إما لذهن شارد أو ورع بارد، وهذا وذاك لا يعفيان من مسؤولية الذود عن الدين ضد شؤم النفاق ولؤم المنافقين. فتقصيرنا في جهادهم لا ينفي حقيقة أن جهادهم من فرائض الدين، بل من أجلّ فرائض الدين التي لا تقل شأناً عن فريضة الجهاد ضد الكافرين. بين فريضتين: وصف الإمام الفقيه المفسر (أبو بكر ابن العربي) واجب الجهاد باللسان ضد المنافقين بأنه فريضة دائمة [١] ، وقد تأملت في هذا الوصف، فألفيته وصفاً دقيقاً يحكي فروقاً كثيرةً بين فريضتي جهاد الكفار وجهاد المنافقين من أوجه متعددة: منها أن جهاد الكفار يجيء ويذهب باختلاف الأزمنة والأمكنة، وبحسب وجود دواعيه ومسبباته من مداهمة الكفار لبلدان المسلمين، أو فتح المسلمين لمعاقل الكفار الصادين عن سبيل الله، أما المنافقون فجهادهم قائم ودائم في السلم والحرب؛ لأن أذاهم للدين موصول في السلم والحرب. ومنها أن عداء المنافقين في الغالب مستتر خفي، وعداء الكفار معلن جليّ، ولا شك أن المستعلن بالعداء يعطي من يعاديهم فرصة للتحفز والاستعداد وأخذ الحذر، بخلاف من يتآمر في الخفاء، ويموه العداء. ومنها أن خطر المنافقين ينطلق من الداخل بين صفوف المسلمين، بينما يجيء خطر الكفار الظاهرين في أكثر الأحيان من الخارج، وخطر الخارج لا يستفحل دائماً إلا بمساندة من الداخل. ومنها أن عداوة المنافقين شاملة لا تقتصر على جانب دون جانب، فهي تبدأ من الكلمة همزاً ولمزاً وسخرية وغمزاً وتنتهي إلى الخيانة العظمى بالقتال في صف الكفار وتحت راياتهم والتآمر معهم على المسلمين وكشف أسرارهم. ومنها أن جهاد الكفار قد يكون عينياً أو يكون كفائياً، وقد يسقط بالأعذار أو الإعذار، أما جهاد المنافقين فهو غير قابل للسقوط إذا وجدت مسوغاته، فهو واجب على كل مكلف بحسبه، ففي الحديث عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ وسلم قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسننه ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» [٢] . لهذا فإن جهاد المنافقين المأمور به في قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ] (التوبة: ٧٣) ، يبدأ بالقلب حتى ينتهي إلى السيف. هم العدو: المتأمل في قوله تعالى عن المنافقين: [هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ] (المنافقون: ٤) يرجع بمعنىً مهم، وهو أنه إذا كان المشرك الوثني عدواً، والكافر الكتابي عدواً، والمرتد المنقلب على عقبيه عدواً؛ فإن المنافق المتزندق هو العدو، وحزبه الممالئين له في النفاق الأكبر (هم العدو) قال المفسر ابن عاشور ﵀ في تفسير تلك الآية: «والتعريف في (العدو) تعريف الجنس الدال على معين، لكمال حقيقة العدو فيهم، لأن أعدى الأعادي: العدو المتظاهر بالموالاة وهو مدَّاح، وتحت ضلوعه الداء الدوي، وعلى هذا المعنى رُتب عليه الأمر بالحذر منهم [٣] ، ولم يجاف ابن عاشور الحقيقة عندما أرجع وصف القرآن للمنافقين بـ (العدو) إلى» كمال حقيقة العدو فيهم «، وكيف لا تكمل حقيقة العداء في هؤلاء، وهم كما قال ابن الجوزي ﵀:» عيون الأعداء على المسلمين « [٤] ، لا بل إن هؤلاء ليسوا فقط عيون الأعداء بل قلوبهم وألسنتهم، كما ذكر الإمام الطبري في تفسير (هم العدو) حيث قال:» هم العدو يا محمد فاحذرهم؛ فإن ألسنتهم إذا لقوكم معكم وقلوبهم عليكم مع أعدائكم، فهم أعين لأعدائكم عليكم « [٥] . لقد أفاضت نصوص الوحي كتاباً وسنة في تحذير المؤمنين من النفاق وأهله، بعد إسهاب طويل في كشف خباياهم وفضح نواياهم وهتك أسرارهم وطواياهم، حتى إن آيات الكتاب قد صرحت بذكر النفاق والمنافقين في نحو سبع وثلاثين آية، وفصَّلت وفرَّعت في الكلام عنهم في أضعاف ذلك من الآيات موزعة على إحدى عشرة سورة، هذا في الحديث عن المنافقين باسمهم ووصفهم الصريح (النفاق) . يضاف إلى هذا حديث آخر مطول عمن وُصفوا في القرآن بـ[الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ] (المائدة: ٥٢) وهم الرديف والمدد، والمخزون الطويل الأمد لمعلومي المنافقين؛ فقد ذكر القرآن مرضى القلوب في اثنتي عشرة آية ضمن اثنتي عشرة سورة، وكل آية ذكر فيها ذلك تتعلق بها آيات أخر. والمتأمل في حديث القرآن عن مرضى القلوب يمكنه أن يستنتج أن هؤلاء لديهم الاستعداد لأن يكونوا منافقين معلومي النفاق بما لديهم من أمراض الشهوة أو الشبهة؛ فهم قوم ضعاف الإيمان إلى أدنى حد، حتى إن أحوالهم تكاد تتقلب أو تنقلب إلى معسكر النفاق الصريح، لفرط قنوطهم وقلة يقينهم، ولشدة تعلقهم بالدنيا وحرصهم على الجاه، أو لمزيد شحّهم الخالع وجبنهم الهالع الذي يجعلهم كلما خُيِّروا بين الانتصار للدين والقيم أو الانتصار للناس أو النفس ما ترددوا في الانحياز إلى ما يخدم مصالحهم العجلى فقط؛ ولذلك قرن الله مرض القلوب بالمنافقين في أكثر مواضع القرآن. إن مرضى القلوب يمارسون لوناً صارخاً من التطرف ذي الاتجاهين؛ فهم يتطرفون في بُغض أهل الدين وإساءة الظن بهم، ويبالغون إلى حد التطرف أيضاً في الدفاع عن الكفار وحسن الظن بهم، وهذا هو جوهر مرض القلوب: التطرف وعدم الاعتدال، يقول الراغب الأصفهاني عن ذلك الداء:» هو الخروج عن الاعتدال الخاص بالإنسان « [٦] وقال بعد أن قسم المرض إلى قسمين: أحدهما مرض الجسم، والثاني مرض القلب:» والثاني عبارة عن الرذائل كالجهل والجُبن والبخل والنفاق وغيرها من الرذائل الخُلقية «. وإذا أُطلق مرض القلب في نصوص الوحي فهو يعني في الغالب النفاق الأكبر عياذاً بالله وذلك حينما يستحكم ويستعصي علاجه، وهي حالة الكفر نفسها التي تموت فيها القلوب إلا أن يحييها الله تعالى بهداية من عنده. قال الأصفهاني:» ويشبه النفاق والكفر ونحوهما من الرذائل بالمرض لكونها مانعة عن إدراك الفضائل، كالمرض المانع للبدن من التصرف الكامل، وإما لكونها مانعة عن تحصيل الحياة الأخروية، وإما الميل النفسي بها إلى الاعتقادات الرديئة « [٧] . إن المنافقين ومرضى النفوس لا يتيسر علاج أدوائهم من داخل أنفسهم في غالب الأحيان لفقدان الوازع وغياب الضمير، ولكن لما كانت عللهم متعدية في الضرر إلى غيرهم، لزم توجيه علاجهم من خارج ذواتهم لا طلباً لبرئهم هم بقدر ما هو لأجل حفظ الناس من شرور أمراضهم، وهذا والله أعلم السر في إيجاب مجاهدتهم والإغلاظ عليهم في قول الله تعالى لنبيه ﷺ : [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ] (التوبة: ٧٣) . فكما أن الغلظة على الكافرين مطلوبة، فكذلك الغلظة على المنافقين، ولهذا قال القاسمي: [وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ] (التوبة: ٧٣) :» أي على كلا الفريقين بالقول والفعل « [٨] ، وهذا لا يمنع من مواجهة شُبه المنافقين وطعونهم بالدلائل والبراهين و» بإلزامهم الحجج وإزالة الشبه «، وكذلك» بإقامة الحدود عليهم إذا صدر منهم موجبها « [٩] ؛ فهم أكثر الناس وقوعاً فيما يوجب الحد لعدم ورعهم وقلة ارتداعهم. ولهذا قال الحسن في تفسير الآية:» جهاد المنافقين بإقامة الحدود عليهم «، وقال قتادة بقوله، ووجَّها قولهما بأن المنافقين أكثر من يصيب الحدود [١٠] . ولكن ابن العربي في تفسيره لم يرتض هذا القول ولا توجيهه، ووصف ذلك القول بأنه » دعوى لا برهان عليها، وليس العاصي بمنافق، إنما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق كامناً، لا بما تلتبس به الجوارح ظاهراً، وأخبار المحدودين يشهد سياقها أنهم لم يكونوا منافقين « [١١] لكني أرى أن اعتراض ابن العربي لا يسلم له؛ لأن القائلين بأن المنافقين يجاهَدون بإقامة الحدود لم يقصدوا أن كل من تقام عليهم الحدود هم من المنافقين، ولكنهم قصدوا أن المنافقين هم أكثر الناس إصابة للذنوب التي تستوجب إقامة الحدود، وهذا صحيح؛ لأن هؤلاء لا يمنعهم من اقتراف الذنوب وإظهارها في دار الإسلام إلا عز الإسلام وإقامة الحدود، ولهذا فإن المنافقين يكونون في صراع مع أنفسهم لكيلا يقعوا في موجبات إقامة الحدود عليهم. فجهاد المنافقين بإقامة الحدود هو نوع من جهادهم باليد؛ لأن جهادهم يشمل الجهاد بالقلب واللسان واليد كما قال ابن مسعود ﵁ في تفسير [جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ] (التوبة: ٧٣) :» بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه؛ فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه « [١٢] . ولكن المشكلة هنا أن المنافقين اليوم هم أول من ضيَّع إقامة الحدود وعطل الحكم بها والتحاكم إليها. وقد حكى الطبري أقوالاً أخرى في معنى الآية تدور حول الاقتصار في جهاد المنافقين على اللسان، ثم اتجه كعادته إلى الترجيح بين الأقوال واختيار ما يراه أولى بالصواب فقال:» وأولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب ما قال ابن مسعود من أن الله أمر نبيه ﷺ من جهاد المنافقين بنحو الذي أمره من جهاد المشركين، فإن قال قائل: فكيف تركهم ﷺ مقيمين بين أظهر أصحابه مع علمه بهم؟ قيل: إن الله تعالى ذِكره إنما أمر بقتال من أظهر منهم كلمة الكفر، ثم أقام على إظهاره ما أظهر من ذلك، وأما من إذا اطُّلع عليه منهم أنه تكلم بكلمة الكفر وأُخذ بها أنكرها ورجع عنها وقال إني مسلم؛ فإن حكم الله في كل من أظهر الإسلام بلسانه أنه يحقن بذلك دمه وماله وإن كان معتقداً غير ذلك « [١٣] . فجهاد المنافقين إذن إذا أظهروا الكفر الجلي بقول أو فعل أن يجاهدوا مثل جهاد الكفار. قال ابن كثير ﵀: (روي عن علي ﵁ أنه قال: » بُعث رسول الله ﷺ بأربعة أسياف: سيف للمشركين: [فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ] (التوبة: ٥) ، وسيف لكفار أهل الكتاب: [قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ] (التوبة: ٢٩) ، وسيف للمنافقين: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ] (التوبة: ٧٣) ، وسيف للبغاة [َقَاتِلُوا الَتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ] (الحجرات: ٩) «، ثم قال ابن كثير: (وهذا يقتضي أن يجاهدوا بالسيوف إذا أظهروا النفاق، وهو اختيار ابن جرير) [١٤] . وهنا نقول: إذا كان واقع المسلمين اليوم في أكثر الأحوال لا يسمح بجهاد المنافقين بإقامة الحدود أو الإغلاظ عليهم لكف شرهم فلا أقل من تعويض ذلك بجهادهم باللسان وما يقوم مقامه من كل وسيلة ترد ما يستطاع من كيدهم للدين وإلا فإن ذلك النفاق سيظل يتوحش ويطغى حتى يهدد بهدم معالم الإيمان والدين في كل بلاد المسلمين، والجهاد المطلوب يشترط فيه أن يكون وفق الضوابط الشرعية والموازنة بين المصالح والمفاسد، المهم ألا ينسحب الترك العام لجهاد الكفار إلى ترك عام لجهاد المنافقين. إن فقهاء الإسلام وعلماءه، عندما تحدثوا عن أحكام جهاد المنافقين، لم يفترضوا واقعاً خيالياً، بل تحدثوا عن واقع عاشته الأمة الإسلامية معهم منذ أن وُضعت لبنات مجتمعها الأول في المدينة المنورة، وصفحات السيرة والتاريخ تقطر بمواقف مخزية لحزب المنافقين الذي ظهر أول ما ظهر في مجتمع الطهارة والنقاء الأول في عهد الرسالة، ولم يستح ذلك الصنف من الناس أن يكون له حزبه وجنده في أطهر مكان وأفضل زمان في تاريخ الإنسان؛ ففي حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أطلت ظاهرة النفاق برأسها لتعلن أن خطرها لن يستثني زماناً دون زمان ولا مكاناً دون مكان بل ولا إنساناً دون إنسان، ولو كان هذا الإنسان هو خير البشر وسيد الرسل ﷺ ؛ ففي أخطر لحظات الدعوة الإسلامية وأدق المراحل التي واجهت فيها أعداءها الخارجيين؛ كان حزب النفاق بالمرصاد لهذه الدعوة في صف أعدائها، وقد أفاض القرآن في عرض مواقف المنافقين في تلك المراحل، ونحن بحاجة إلى جمع أبرزها في موضع واحد، ليتجسد معنا معنى قول الله تعالى لنبيه ﷺ عن هؤلاء: [هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ] (المنافقون: ٤) ولنعلم أنه إذا كان هذا هو خطر النفاق في مجتمع النبوة، فكيف يكون شأنه في غيره؟ المنافقون وخذلان المسلمين: بعد أن عزمت قريش على الثأر لهزيمتها في بدر الكبرى، علم الرسول صلى الله عليه وسلم بنواياهم وتحركاتهم، واستقر الأمر بعد المشورة ألا يمكث المسلمون في المدينة للدفاع عنها بل يخرجوا للقاء قريش قبل أن تهجم على المدينة، وهذا ما لم يكن زعيم المنافقين آنذاك (عبد الله بن أُبي بن سلول) موافقاً عليه، وجاءت قريش بجمع حاشد من ثلاثة آلاف مقاتل بكامل الإعداد والعتاد، وكان جيش المسلمين لا يزيد على ألف مقاتل في موقف دفاع، وبينما كان الفريقان يستعدان للنِّزال في معركة فاصلة، إذا بزعيم النفاق ينخذل عن جيش المسلمين بثلاثمائة من قومه، ليعود للقعود في المدينة، معللاً خذلانه للمسلمين بقوله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:» أطاعهم وعصاني «فلحق بهم الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن حرام يناديهم:» يا قوم! أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر عدوكم «. ولكن هيهات أن يستجيب قوم ينتظرون ظرف الانتقام من الدعوة وأهلها لدعوات الرجولة والمروءة. ولهذا قال لهم ذلك الصحابي عندما علم خستهم وانتهازيتهم:» أبعدكم الله أعداء الله « [١٥] إن مصالحهم الأنانية الآنية ونجاتهم الشخصية وسوء ظنهم بالله تعالى جعلهم يخذلون المسلمين في هذا الظرف الدقيق متعللين بأن رأيهم لم يُحترم وكلامهم لم يؤخذ به؛ ولهذا فإن مشاركتهم لن تتم، وكأن المشورة يُشترط فيها ترجيح قولهم على قول غيرهم..! يصور القرآن هذا المشهد ويحكي هذا التصرف في معرض حديثه عن غزوة أحد: [وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَا هُنَا] (آل عمران: ١٥٤) . وقد عد القرآن هذه المواقف الانتهازية من المنافقين أكبر من مجرد جبن من جبناء، أو عدم مسؤولية في نفوس رعناء، إنه أخطر من ذلك، إنها خيانة لأهل الإسلام بإسلامهم إلى الأعداء، وتعريض الدين إلى خطر الضياع أو الضعف؛ وتعريض حَمَلته للاستئصال؛ ومن أجل هذا عُدَّت إعانة الكفار على المسلمين أو تمكينهم منهم مسارعة إلى الكفر ونصرة له، ولهذا قال الله تعالى لنبيه بعد أن سجَّل على المنافقين جرمهم: [وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظاًّ فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] (آل عمران: ١٧٦-١٧٧) . ويشاء الله تعالى أن تجري المقادير في غزوة أحد على نحو لم يفرح به المؤمنون، ولكن كان وراء ذلك حكمة بالغة سيقت في معرض الخطاب القرآني عن مصيبة أحد: [مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ] (آل عمران: ١٧٩) فهل كان بوسع المؤمنين أن يستظهروا ما خفي من بواطن المنافقين لولا تلك الشدائد؟ المنافقون ومناصرة اليهود: كان النبي ﷺ عندما قدم المدينة واتخذها عاصمة لدار الإسلام، قد أرسى دعائم الاستقرار والاستمرار لمجتمع تسوده علاقات طيبة مع الطوائف المجاورة أو الساكنة مع المسلمين في أرض الإسلام، وكان من هؤلاء قبائل من اليهود، قدم الرسول ﷺ المدينة وهم فيها، فأراد أن يقي المسلمين شرهم، فعقد معهم عهداً يؤمنهم على أرواحهم وأموالهم في مقابل ألا ينقلبوا على المسلمين بغدر أو خيانة أو مظاهرة للأعداء من خارج المدينة، ولكن طبع اليهود غلب محاولات تطبيعهم أو تطويعهم لقيم الأمانة والوفاء، فغدرت منهم قبيلة بني قينقاع وخانت العهد، فما كان من الرسول ﷺ إلا أن استعد لحربهم وإخراجهم من المدينة، وبدأ في حصارهم مستمراً في ذلك نحو خمس عشرة ليلة حتى ألقى الله الرعب في قلوبهم، فطلبوا الاستسلام، وارتضوا المصير الذي يحكم به رسول الله ﷺ فيهم جزاء نقض العهد. ولكن اليهود وجدوا من يتصدر لهم، ويتوسط لإطلاقهم؛ إذ طلب زعيم المنافقين إطلاقهم بدعوى أنهم كانوا حلفاءه في الجاهلية، ووضع يده في جيب درع النبي صلى الله عليه وسلم حتى اشتد غضبه ﵊، وقال له:» ويحك أرسلني « قال:» لا والله، لا أرسلك حتى تحسن في موالىَّ.. قد منعوني من الأحمر والأسود وتريد أن تحصدهم في غداة واحدة! إني والله امرؤ أخشى الدوائر « فأنزل الله تعالى قوله: [فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ] (المائدة: ٥٢) [١٦] ، لقد اكتفى الرسول صلى الله عليه وسلممنهم بالجلاء عن المدينة وألا يساكنوه فيها، فهل قرَّ قرار النفاق بذلك، وهل ارتدع بقية اليهود بذلك؟ لقد حدث أن أحد المسلمين قتل رجلين من المشركين ثأراً لمقتل نحو سبعين من الصحابة قتلوا ظلماً على يد قبائل مشركة، دون أن يعلم الرجل المسلم الذي قتل الرجلين أن الرسول صلى الله عليه وسلمعلى عهد مع هؤلاء، فقرر رسول الله ﷺ أن يدفع دية القتيلين، ويطلب من قبيلة بني النضير اليهودية المعاهِدة أن تفي بأحد بنود العهد معها بأن تشارك في دفع دية القتيلين، وذهب بنفسه ﵊ لطلب مشاركتهم، فتظاهروا بالقبول، ولكن سنحت لهم سانحة للغدر فلم يُفوِّتوها، فتآمروا لاغتيال الرسول ﷺ عندما أغراهم جلوسه أسفل أحد بيوتهم بأن يقتلوه بإلقاء حجر كبير عليه من أعلى البيت، ولكن الله تعالى أطلع رسول الله ﷺ بتآمرهم، فانسحب بسرعة راجعاً إلى المدينة، وعازماً على حرب بني النضير. وبالفعل؛ سار بالمسلمين نحوهم في شهر ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة، فتحصنوا وراء الجدر والحصون فضرب الرسول ﷺ عليهم الحصار، وبينما هو مضروب حولهم بسبب جرمهم ونقضهم للعهد، إذا بالنفاق يطل برأسه من جديد ممالأة لقتلة الأنبياء، ويذهب وفد من المنافقين إلى معقل اليهود، ليهدئ من روعهم، ويكفكف لوعتهم ويعدهم بالوقوف والمساندة وبذل المستطاع في التحالف معهم، ولو اقتضى الدفاع عنهم أن يقاتلوا في صفهم ضد المسلمين! ! ممن يحدث هذا؟ ! من أناس يعيشون بين المسلمين، وينتسبون إليهم ويصلون معهم! لقد كان أمراً خارجاً عن الحد الأدنى من طبائع الأمناء الشرفاء، حتى جعل القرآن يتنزل بحكاية خبر القوم: [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ] (الحشر: ١١) لقد انتهى الأمر بإجلاء بني النضير إلحاقاً بإخوانهم في البُهت والسُّحت من بني قينقاع، وحالت عزة الإسلام أن يسل المنافقون سيوفهم ضد المسلمين معهم، وإلا فإنهم فلو تمكنوا لما تأخروا، ولكنها الرهبة من الإسلام، عظمت حتى ملأت قلوب الكافرين والمنافقين جميعاً [لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ] (الحشر: ١٣) [١٧] . إن من يريد أن يقتفي أثر إفساد المنافقين خلال عهد الرسالة، عليه أن يبحث عن ذلك في مظان الحديث عن اليهود، فأينما وُجد اليهود، وُجد المنافقون. المنافقون والتحالف مع الأحزاب: لما أجلى الرسول ﷺ بني قينقاع ثم بني النضير جزاء خيانتهم ونقضهم للعهود، اجتمع بقايا من اليهود الساكنين في خيبر شمال المدينة المنورة، وتآمروا مع يهود بني قريظة لتهييج المشركين من العرب في أنحاء الجزيرة على أهل الإيمان، ليكون الجميع يهوداً وعرباً ضد المسلمين، وقد أسفرت جهود التآمر تلك عن تكوين تحالف من عدة أحزاب للهجوم على المدينة من الخارج، فاستشار النبي ﷺ في الأمر، واستقر الرأي على ما أشار به سلمان الفارسي ﵁ بأن يظل المسلمون في المدينة متحصنين بها بعد أن يحفروا خندقاً حولها من الجهة المكشوفة التي يمكن للأعداء أن يداهموا المسلمين منها. وبدأ الحفر، ورسول الله ﷺ بين أصحابه يبث الأمل ويشارك في العمل، وبدأ بعض المنافقين يتسللون بالرجوع بعد إظهار التثاقل والسآمة، وشكك بعضهم في فكرة الخندق نفسها، وأطلق آخرون عبارات التثبيط وإشارات الوهن لترويج الشائعات وبث الفرقة، وتجاسر أحدهم فقال والناس يسمعون بعد أن بدأت طلائع الأحزاب في القدوم حول المدينة:» كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يقدر أن يذهب إلى الغائط «! وجاء آخرون ليقولوا لأهل المدينة الصابرين الصامدين تحت الحصار: [يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا] (الأحزاب: ١٣) ويتبجح آخرون بضرورة الرجوع حمية للحرمات [وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً] (الأحزاب: ١٣) . أما أشدهم خسة وأبلغهم وضاعة، فأقوام لم يكتفوا بجبنهم وتشكيكهم في شجاعة الشرفاء، بل ندبوا أنفسهم إلى جر من يستطيعون إلى صفوف القاعدين وهؤلاء من [الْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ البَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً] (الأحزاب: ١٨) كل هذا قبل أن يأتي الخوف الحقيقي، فلما جاء [رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ] (الأحزاب: ١٩) . لقد بدأت تظهر أبعاد المؤامرة، وتبين أن قوى التحالف المعادي للإسلام قد قذفت إلى حدود المدينة بنحو أربعة آلاف من أشداء قريش ومن عاونها من قبائل العرب، ونحو ستة آلاف من قبائل غطفان، إضافة إلى جموع من اليهود الذي حزبوا تلك الأحزاب ودبروا الغارة وأوقدوا الفتنة، لقد استغل الجميع الفرصة وأحاطوا المدينة من جوانبها، وحاصروا المسلمين وراء الخندق الذي لم يقدروا على اختراقه، وطال الحصار قريباً من الشهر، حتى نزل بالمسلمين الخوف والجوع، والبرد والبلاء، وصوَّر القرآن هذه المشاهد في تلك اللحظات الرهيبة الرعيبة.. [إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً] (الأحزاب: ١٠-١١) . كان المتصور من جميع الرعاديد الساكنين مع المسلمين أن يتماسكوا أو يتظاهروا بالتماسك في تلك اللحظات المصيرية، ولكنهم مضوا يخذلون ويحذرون ويشككون في كل شيء، حتى في الوعد الصادق من الله ورسوله [وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً] (الأحزاب:١٢) آيات وعظات في السورة التي تحكي واقعة الأحزاب، لم تكن ليتنزل بشأنها وحي ويُتلى في أمرها قرآن؛ لولا أنها تحكي أحوال نفسيات وشخصيات قبل أن تقص أحداث لحظات وساعات، إنها شخصية ونفسية المنافقين في كل زمان ومكان [١٨] ! خيانة وتآمر، ووضاعة وتخاذل وشك فيما وعد الله به، ونقض لما عاهدوا الله عليه [وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً] (الأحزاب: ١٥) ولكن هذا الجبن المستحكم سرعان ما يتحول إلى شجاعة مصطنعة وجسارة جبارة تقذف بالسموم من كل نوع على الصادقين العاملين الذين لا يرجون إلا رضا الله، ولا يكون ذلك الهجوم من المنافقين إلا بعد أن يولي الخطر وينقشع الغبار [فَإِذَا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً] (الأحزاب: ١٩) . المنافقون ومصانعة النصارى: في ظرف من أدق وأشق الظروف التي مرت على الدعوة الإسلامية في عهد الرسالة نما إلى مسامع المسلمين في المدينة في أواخر عمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن أكبر قوة في الأرض آنذاك تعد لسحق المسلمين في دارهم وطي صفحة الإسلام من التاريخ بتخريب مدنه واجتياح أرضه وتقتيل أهله وتشريدهم، لقد تواردت الأنباء إلى الرسول ﷺ بأن نصارى الروم على وشك القدوم؛ فقرر الرسول ﷺ أن يباغت القوم بالحرب قبل أن يكملوا الاستعداد، وفي وقت نضج فيه الثمر وطاب فيه المقام، مع شدة حر نافست شدة الخوف من الحرب، ندب الرسول ﷺ الناس للنفير دفاعاً عن الإسلام المستهدف من أعتى عدو في العالم آنذاك، فاستجاب الصادقون خفافاً وثقالاً رغم المكاره، وأطاعوا أمر الرسول ﷺ في تقديرٍ شجاع لخطورة الموقف، وتحملٍ نادر لجسامة المسئولية؛ فمن المسلمين من سارع فجهَّز نفسه وغيره، ومنهم من لم يجد إلا تجهيز نفسه فقط، ومنهم من لم يجد ما يجهز به نفسه ولا ما يجهزه به غيره؛ فما كان منهم إلا أن [تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ] (التوبة: ٩٢) غير أن هناك من وجد النفقة وتكاليف الجهاز للحرب، إلا أنه لم يجد الرغبة في الالتحاق بالجيش المحارب، انسياقاً مع أماني النفس في الأمان والراحة، والسلامة والدعة. وهم مع ذلك لم يكونوا من الخائنين ولا الكاذبين رغم قعودهم، في حين أن غيرهم خرجوا كاذبين خائنين، التمسوا في الخروج مع الجيش ساعة تربص بالمسلمين، أو توهين لعزائمهم وحط من علو نفوسهم [١٩] . كان النفاق يتوق إلى يوم تتهاوى فيه قلعة الإسلام وتسقط راياته، ودلت أحداث الغزوة أن ذلك الأمل اليائس لم يفارق دخيلة القوم، القاعدين منهم والخارجين، حيث لم يقلَّ شر الخارجين عن شر القاعدين، فأما القاعدون وعلى رأسهم رأس النفاق ابن سلول، فبدلاً من أن يشدوا أزر المجاهدين المستجيبين لله وللرسول ﷺ أو يسكتوا على الأقل، إذا بهم يُدخلون عليهم الغموم والهموم بمواقف التحزين وكلمات التخذيل وسوء الظنون. وهذه ومضات مظلمة من بعض مواقف المنافقين في ذلك الظرف القاهر الحرج: * تحادث قوم من القاعدين بغير عذر في المدينة متهكمين على المسلمين، فقال أحدهم:» يغزو محمد بني الأصفر (أي الروم) والله! لكأني أنظر إلى أصحابه مقرنين في الحبال « [٢٠] . * لما ترك النبي ﷺ علياً ﵁ في المدينة ليخلفه في أهله قال المنافقون:» ما خلَّفه إلا استثقالاً له وتخففاً منه «. ليشيعوا الفرقة والفتنة بين النبي ﷺ وخاصة أصحابه وأهل بيته، وقد أحزن ذلك علياً وأدخل الغم على نفسه لما بلغه ذلك [٢١] . * ضلت ناقة النبي ﷺ ببعض الطريق أثناء السير إلى تبوك، فأرسل بعض أصحابه في طلبها، فقال أحد المنافقين: » هذا محمد يخبركم أنه نبي ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته «! [٢٢] . * أشار جمع من المنافقين إلى رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم ساخراً:» أتحسبون جِلادَ بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضاً؟ والله لكأنكم تأتون غداً مقرَّنين « [٢٣] . ولما بلغت مقولتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: [إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ] (التوبة: ٦٥) فأنزل الله تعالى خبيئتهم وأظهر فضيحتهم فقال: [قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ] (التوبة: ٦٥-٦٦) . * بينما كان حذيفة ﵁ آخذاً بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمار بن ياسر يسوقها، إذا باثني عشر رجلاً يعترضون الناقة برواحلهم، مزاحمين الرسول ﷺ رغبة في إسقاطه عن راحلته ليتخلصوا منه، فصاح فيهم رسول الله ﷺ ، فانبهتوا وتفرقوا، فقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه:» أتدرون من هؤلاء؟ فقالوا: لا، يارسول الله، قد كانوا ملثمين «فقال:» هؤلاء المنافقون يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟ «قالوا: » لا «فقال:» أرادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة فيلقوه فيها «فقال الصحابة للرسول ﷺ :» أو لا نبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ «قال:» لا، أكره أن يتحدث العرب أن محمداً قاتل بقومه، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم «، وهم الذين أنزل الله تعالى فيهم: [وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ] (التوبة: ٧٤) [٢٤] . * وتجيء قصة مسجد الضرار [٢٥] لتبين أن النفاق لابد أن يتخذ له أوكاراً تضمن له أن يرصد منها ويدبر فيها كل ما تحتاجه حملات وجولات العداوة للدين وأهله [وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ] (التوبة: ١٠٧) لقد حفلت سورة التوبة التي تسمى أيضاً بـ (الفاضحة، والبحوث، والمبعثرة) [٢٦] ، بأخبار النفاق وسلوك المنافقين، لترسخ في أفهام المسلمين أهمية أن يتفقدوا صفوفهم، ويختبروا بطانتهم حاملين قبس القرآن ليكشف لهم بإيضاح وجلاء ماهية ونوعية وسجية المنافقين والكافرين حتى يكونوا منهم على حذر، ويكونوا لجهادهم والتصدي لهم على أهبة واستعداد. فلا جهاد للمنافقين والكافرين أجدى ولا أكبر من جهادهم بالقرآن وفي ضوء القرآن [فَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً] (الفرقان: ٥٢) .

стр. 4153

دراسات في الشريعة والعقيدة التيسير في الفتوى ضوابط وصور عمليّة هاني بن عبد الله بن محمد بن جبير [*] الإفتاء منصب كبير، وعمل خطير، يتولى صاحبه تعليم الناس أحكام دينهم، وتوضيح طريق الشرع لهم، وبيان الحلال والحرام، والجائز والممنوع، ويقوم مقام النبي ﷺ في وراثته لعلم الشريعة، وتبليغها للناس. عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن وَرّثوا العلم» [١] . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بلِّغوا عَنّي ولو آية» [٢] . ويعمل عمل الرسل: فإن الأنبياء نُذُر: [إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ] (هود: ١٢) والفقهاء كذلك: [فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ] (التوبة: ١٢٢) . فلا يقوم به إلا العلماء الصادقون؛ إذ (التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلّغ، والصّدق فيه؛ فلذا لا يصلح إلا لمن اتصف بالعلم والصدق؛ ويكون مع ذلك حسن الطريقة مرضيّ السيرة، عدلاً في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكر فضله ولا يُجْهل قدره، وهو من أعلى المراتب السّنيّات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؛ فحقيقٌ بمن أقيم في هذا المنصب أن يُعِدَّ له عدته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحقّ والصّدع به، فإنَّ الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب فقال تعالى: [وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ] (النساء: ١٢٧) وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفاً وجلالاً. وليعلم المفتي عمّن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسؤول غداً، وموقوف بين يدي الله) [٣] . ولذا تورّع كثير من السَّلَف عن الإفتاء، وتدافعوا الفتوى بينهم، كلٌ يودّ أن يكفيه أخوه مؤنتها ويقوم بواجبها. وفي كتب السِّيَر والتراجم وأدب الفتوى من ذلك شيء كثير. قال ابن أبي ليلى: «لقد أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدٌ منهم يُحَدِّث إلا وَدّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا يُسأل عن فتوى إلا وَدّ أن أخاه كفاه فتياه» [٤] . وقال الأعمش: «ما سمعت إبراهيم النخعيّ قَطّ يقول حلال ولا حرام، إنما كان يقول: كانوا يتكرّهون، وكانوا يستحبون» [٥] . ومن هنا وضع العلماء للمفتي شروطاً عدّة لا يتقلّد الإفتاء إلا بتحققها فيه كالعلم والعدالة والورع والتثبّت وغيرها، ومتى انتفى منها شرط، لم يكن من أهل الفتوى. وهذا المؤهل للإفتاء عند إقدامه على تبيين الحكم الشرعي والإخبار به قد تحمله ظروف أو ضغوط على البحث عن التيسير حتى يصل به ذلك إلى تحليل ما حرّم الله، أو يغلب عليه التشديد فيضيّق على النّاس الواسع. والحق أنّ تناول الظروف أو الضغوط أو الأعذار الداخلية والخارجية للمفتي التي تحمله على تبنّي هذا المنهج أو ذاك، ومدى عذره أمام الله بما يقدم عليه مما يستحق الدراسة، إلا أننا في هذه الأكتوبة سنكتفي بتناول مسألة التيسير والتشديد بمواضعه وضوابطه التي ينبغي أن يلتزم بها المفتي والله الموفق. أولاً: مقدمات: مقدمات هذا البحث أربعٌ تأتيك تباعاً: ١ - الدين يُسْرٌ: من مزايا الشريعة الإسلامية: التيسير، والإسلام يُسْرٌ كله، ولذا أوصى الرسول ﷺ معاذ ابن جبل وأبا موسى الأشعري حين بعثهما إلى اليمن فقال: «يَسّرا ولا تُعَسّرا، وبَشِّرا ولا تُنَفّرا» [٦] . وقد أخبر الله تعالى أنه: [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ] (البقرة: ١٨٥) . عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن دين الله يسر، ولن يُشَادّ الدين أحدٌ إلا غلبه» [٧] . وأفراد التوجيهات النبوّية في وقائع الأعيان تبيّن ذلك وتقوده. عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ : «إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون» [٨] . وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: « لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة» [٩] . وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبْت فلم أجد ماءً، فمرغت في الصعيد كما تمرّغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال: «إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا» ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه [١٠] . وقد أراد عثمان بن مظعون ﵁ ترك النكاح والامتناع عنه، وعَزَم على التّبتل فنهاه النبي ﷺ عن ذلك [١١] . في أمثلة كثيرة تقرر أن التيسير ورفع الحرج من قواعد الدين ومقررات الشرع، فاتباع الشرع والالتزام به سلوك لسبيل التيسير، ولهذا مزيد بسط. ومن هنا تميّزت سيرة سلف الأمّة بهذا المنهج النبوي. قال عمر بن إسحاق: «لما أدركت من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر ممن سبقني منهم؛ فما رأيت قوماً أيسر سيرة ولا أقلّ تشديداً منهم» [١٢] . ٢ - المجتهد مصيب ومخطئ: الاختلاف بين أهل العلم في المسائل العمليّة واقع معروف من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، وكتب الفقه والاختلاف مليئة بعرض ذلك؛ فهي سُنَّة كونية لا تُنْكر، ومن رحمة الله تعالى أن رفع الإثم عن المجتهد المخطئ في المسائل التي يجوز فيها الاجتهاد؛ إذ الحق في نفس الأمر واحد لا يتعدّد، وكلُّ مسألة لم يوجد فيها نص قاطع ولا إجماع معتبر ونزلت بالمسلمين فإن حكمها عند الله واحد، يوفق الله من شاء من عباده له، وإذا وقع فيها خلاف فأحدهما على الحق والآخر ليس كذلك وإن ارتفع الإثم عنه. ويدل على ذلك حديث النبي ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر» [١٣] . فأنت ترى أنَّ النبي ﷺ قَسَّم المجتهدين إلى مصيب ومخطئ، فَعُلِم أن الحق عند الله واحد غير متعدد. كما أن الفقهاء لم يزل بعضهم يردُّ على بعض، ويُخَطِّئُ بعضهم بعضاً. قال ابن عبد البر ﵀: «والصواب مما اختلف فيه وتدافع: وجهٌ واحد، ولو كان الصواب في وجهين متدافعين ما خَطّأ السلف بعضهم بعضاً في اجتهادهم وقضائهم وفتواهم، والنظر يأبى أن يكون الشيء ضده صواباً كله» [١٤] . ٣ - حكم تتبع الرُّخص: أمر الله تعالى باتباع الحق والتزام طاعة الله ورسوله ﷺ ، ونهى عن الهوى، قال تعالى: [فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ] (ص: ٢٦) ، وقال: [ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] (الجاثية: ١٨) والواجب على المفتي في مسائل الخلاف أن ينظر بعين الباحث المنصف والمستدل المجتهد، لا أن يتخيّر من غير نظر في الدليل والترجيح. قال ابن القيم ﵀: «لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح، بل يكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولاً قاله إمام أو وجهاً ذهب إليه جماعة فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال؛ حيث رأى القول وفق إرادته وغرضه عمل به؛ فإرادته وغرضه هو المعيار وبه الترجيح، وهذا حرام باتفاق الأمّة» [١٥] . وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على المنع من تتبع الرخص [١٦] ، وعدَّه جمع من الفقهاء مما يفسق به فاعله [١٧] . قال الذهبي ﵀: «من يتبع رخص المذاهب، وزلاّت المجتهدين فقد رَقَّ دينه» [١٨] . ٤ - كل ما عارض النص فهو غير معتبر: لا ريب أن الله تعالى أمر بتقديم كتابه وسنة رسوله ﷺ على ما عداهما، فقد قال سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ] (الحجرات: ١) وأمر بالرد إليهما عند النزاع: [فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ] (النساء: ٥٩) والكتاب والسنة هما المصدر الأساس لهذا الدين، وبقية الأدلة والأصول الشرعية تبع لهما؛ فمتى حصل تعارض بينها فإنّه ينبغي المصير إلى الأخذ بالنّص فإن النبي ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنَّة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يُرْضي رسول الله» [١٩] . وقد قرر أهل العلم قواعد فقهيّة مستلهمة من هذا الأصل كقولهم: لا اجتهاد مع النص [٢٠] ، والاجتهاد لا يُنقض بمثله ويُنقض بالنَّص [٢١] ، ولا مساغ للاجتهاد في مورد النص [٢٢] ، إلى غير ذلك من القواعد. فالاجتهاد في المسائل الوارد فيها نص من الكتاب أو السنة أو هي من موارد الإجماع حرام؛ إذ الاجتهاد لا يكون إلا مع عدم وجود النص، أما عند وجوده فلا اجتهاد إلا في فهمه ودلالته، وكذلك فقد قرر علماء الأصول أن من قوادح القياس ما أسموه بـ (فساد الاعتبار) وهو أن يخالف القياس النَّصَّ أو الاجماع [٢٣] . وأيضاً فرعاية المصلحة لا تُقدَّم على النص، وقد سمى أهل العلم المصالح التي تعارض النص بـ (المصالح الملغاة) واعتبروها مصالح لا قيمة لها [٢٤] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض رده على من أجاز نكاح التحليل بحجّة أن رجوع الزوجين لبعضهما عمل صالح يُثاب عليه المحلل: « وقولهم إن قصد تراجعهما قصد صالح لما فيه من المنفعة، قلنا هذه مناسبة شهد الشارع لها بالإلغاء والإهدار، ومثل هذا القياس والتعليل هو الذي يحلل الحرام ويحرم الحلال، والمصالح والمناسبات التي جاءت الشريعة بما يخالفها إذا اعتبرت فهي مراغمة بَيّنة للشرع مصدرها عدم ملاحظة حكمة التحريم، وموردها عدم مقابلته بالرضا والتسليم، وهي في الحقيقة لا تكون مصالح وإن ظنّها الناس مصالح، ولا تكون مناسبة للحكم وإن اعتقدها معتقد مناسبة، بل قد علم الله ورسوله ومن شاء من خلقه خلاف ما رآه هذا القاصد في نظره؛ ولهذا كان الواجب على كل مؤمن طاعة الله ورسوله فيما ظهر له حسنه وما لم يظهر، وتحكيم علم الله وحكمه على علمه وحكمه؛ فإن خير الدنيا والآخرة وصلاح المعاش والمعاد في طاعة الله ورسوله» [٢٥] . ثانياً: ضوابط وصور عملية للتيسير: إذا تقرر ما مضى من بناء الشريعة على التيسير، وأن رفع الحرج من مقررات الشرع وقواعده؛ فإن لهذا التيسير ضوابط حاولت استقراءها من النصوص الشرعية وكلام أهل العلم المحققين وجمعتها في النقاط الآتية: ١ - لا بد من الالتزام بالنص: فكلما زاد تمسك المفتي بالنص الشرعي والتزام الحكم المستفاد منه، كان ما يفيده من تيسير ورفع للحرج أبلغ. والله تعالى لما أمر عباده بالجهاد فيه حق الجهاد قال: [هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ] (الحج: ٧٨) فما كلفنا به كله يُسْر، ونبينا ﵊ وهو يتمثل اليسر منهجاً ويربي أصحابه عليه تشهد سيرته بمواقف شدد فيها على الاتباع وحذر من الانفلات رغم ما قد يشوبها من كلفة. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: « لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرِّق عليهم بيوتهم بالنار» [٢٦] . عن الفريعة بنت مالك ﵂ قالت: «خرج زوجي في طلب أعلاج له فقتلوه، فأتى نعيه وأنا في دار شاسعة من دور أهلي، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقلت: إن نعي زوجي أتاني وأنا في دار شاسعة من دور أهلي، ولم يدع نفقة ولا مالاً، وليس المسكن له، فلو تحولت إلى أهلي وإخواني لكان أرفق لي في بعض شأني. فقال: نعم. فلما كنت في الحجرة ناداني فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» [٢٧] . قال الشاطبي ﵀: «فعلى هذا يكون الميل إلى الرخص في الفتيا بإطلاق مضاداً للمشي على التوسط، كما أن الميل إلى التشديد مضاد له أيضاً، وربما فهم بعض الناس أن ترك الترخص تشديد فلا يجعل بينهما وسطاً، وهذا غلط، والوسط هو معظم الشريعة وأم الكتاب، ومن تأمل موارد الأحكام بالاستقراء التام عرف ذلك» [٢٨] . قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في معرض رده على من أجاز رمي الجمار قبل الزوال، وكان من حججه وجود الزحام والصعوبة: «وبتقدير حصول الحُجَّاج إلى كثرة تبلغ ما تصوره هذا الرجل؛ فإن الله تعالى يُحدث من أنواع التيسير والتسهيل كوناً وقدراً على يد من يشاء من عباده ما يقابل تلك الكثرة بحيث لا توجد الصعوبة التي أشار إليها، كما أن ربنا قد شرع وَيَسّر مخرجاً من تلك الصعوبة سهلاً مناسباً [٢٩] ، جارياً على أصول ما بعث به تعالى خير بريّته محمداً ﷺ من هذا الدين السهل السمح الذي هو أبعد شيء عن الصعوبة والأغلال» [٣٠] . ٢ - الاحتياط والخروج من الخلاف: ليس هو الأصل: من مسلك جملة من الفقهاء الحكم بكراهة عمل معين يرجحون إباحته احتياطاً أو طلباً للخروج من خلاف من حَرَّمه، وقد يعبّر بعضهم عن ذلك بقاعدة يطردها في جميع المسائل وهي: الخروج من الخلاف مستحب، فيُغلِّبون جانب المنع دائماً. وهذا المسلك وإن كان لا غبار عليه إذا التزمه شخصٌ طلباً للتورّع، وابتغاءً للزهد، فإنه لا يسوغ لمن عرف الترجيح واستبان له وجه الصواب أن يغير الحكم الشرعي ويفتي به الناس استناداً لقاعدة الخروج من الخلاف، وإنما يعمل المفتي بهذه القاعدة مضطراً إذا تعذّر عليه الترجيح العلمي. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: «التعليل بالخلاف لا يصح؛ لأننا لو قلنا به لكرهنا مسائل كثيرة في أبواب العلم، لكثرة الخلاف في المسائل العلمية، وهذا لا يستقيم؛ فالتعليل بالخلاف ليس علة شرعية، ولا يقبل التعليل بقولك: خروجاً من الخلاف؛ لأن التعليل بالخروج من الخلاف هو التعليل بالخلاف، والأحكام لا تثبت إلا بدليل، ومراعاة الخلاف ليست دليلاً شرعياً تثبت به الأحكام» [٣١] . إلى أن قال: «الكراهة حكمٌ شرعي يفتقر إلى دليل، وكيف نقول لعباد الله إنه يكره لكم، وليس عندنا دليل من الشرع، ولذلك يجب أن نعرف أن منع العباد مما لم يدل الشرع على منعه كالترخيص لهم فيما دل الشرع على منعه؛ لأن الله جعلهما سواء فقال: [وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ] (النحل: ١١٦) ، بل قد يقول قائل إن تحريم الحلال أشد من تحليل الحرام،؛ لأن الأصل الحل، والله يحب التيسير على عباده» [٣٢] . وفي هذا الضابط الذي قدمنا باب من التوسعة على المسلمين. ٣ - الأصل الإباحة: من القواعد المقررة عند أهل العلم، والمستفادة من النصوص الشرعية: أن الأصل في الأشياء والأعيان والعادات الإباحة، ما لم يرد نص يرفع هذا الأصل، وهذا من رحمة الله بعباده ولطفه بهم. وهذا الأصل من فروع استصحاب البراءة الأصلية الذي اعتبره بعضهم من الأدلة المتفق عليها [٣٣] . وقد دل على ذلك قوله تعالى: [هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً] (البقرة: ٢٩) . وهذه الآية واردة في معرض الامتنان على العباد، ولا يمتن الله على عباده بما حرّم عليهم، كما أنّه أضاف ما في الأرض للعباد وهذا يدل على إباحته لهم. وقد نُقل الاتفاق على هذا الأصل [٣٤] . وهذا الأصل يتخرج عليه حل كثير من الأطعمة والأشربة من النباتات والفواكه والحبوب التي ترد إلينا من بلاد بعيدة ولم يثبت ضررها. كما يتخرج عليه أنواع العقود المستحدثة والمعاملات المستجدة إذا ثبت خلوها مما يحرّمها كالربا والجهالة والضرر [٣٥] . ولكن لا بد عند النظر في هذا الأصل من ملاحظة أمور: أ - أن هذا الأصل هو آخر مدار الفتوى، فلا يلجأ إليه إلا عند انتفاء جميع الأدلة التي يصح الاستدلال بها [٣٦] . ولذا قال شيح الإسلام ابن تيمية: «الاستصحاب في كثير من المواضع من أضعف الأدلة» [٣٧] . ب - أن لهذا الأصل مستثنيات منها: أن الأصل في العبادة الحظر والمنع؛ فلا يشرع منها إلا ما ورد به الشرع. ومنها: أن الأصل في الأبضاع التحريم. ج - إن العادات والمعاملات متى وجد فيها أو في شيء منها شائبة التعبد خرجت عن هذا الأصل في هذا الوجه، ولزم فيها التوقف والجري على وفق النص. ومثال هذا ما قيدت به العادات والمعاملات كطلب الصداق في النكاح، والذبح في المكان المخصوص في الحيوان المأكول [٣٨] . د - لا بد من مراعاة مآلات الأفعال وما تُفْضي إليه: قال ابن القيّم ﵀: (إذا حَرَّم الرب تعالى شيئاً وله طرق ووسائل تُفْضي إليه؛ فإنه يحرّمها ويمنع منها تحقيقاً لتحريمه، وتثبيتاً له، ومنعاً من أن يقرب حماه) ا. هـ[٣٩] . ولهذا الضابط مزيد إيضاح في الضابط الأخير. ٤ - مراعاة حال المستفتي: والمراعاة هذه تنتظم جانبين متقابلين يمكن إفراد كل واحد منهما كضابط مستقل للفتوى، ولا يحسن تناول أحدهما دون الآخر، الجانب الأول: الرفق بمن يحتاجه، والثاني: التغليظ على من يحتاجه؛ وذلك أن المفتي مرب مصلح بل هو طبيب معالج يصف الدواء ويحاول العلاج، ويستعمل كل دواء في موضعه، وإليك التفصيل. الجانب الأول: الرفق بمن يحتاجه. لا شك أن حسن الخلق واللطف في المعاملة مطلب شرعي دعت إليه النصوص وبيّنت فضله، وقد أمر الله تعالى عباده بقول التي هي أحسن فقال سبحانه: [وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَتِي هِيَ أَحْسَنُ] (الإسراء: ٥٣) وفي السنة حشد من النصوص المرغبة في الرفق، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» [٤٠] . وعنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» [٤١] . إلا أن من المستفتين صنفٌ يحتاج إلى الرفق والتسهيل والمراعاة في الأسلوب والعرض والترغيب أكثر من سواه بسبب وضعه؛ فالتيسير عليه في الخطاب وإبراز بعض جوانب مشكلته وحلولها مع إجمال البيان في جوانب أخرى ضروري له؛ وذلك كمن وقع في معصية وندم وخشي اليأس فإنَّ التيسير عليه مطلوب. عن أبي هريرة ﵁ قال: «بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! هلكت وفي رواية احترقت، وفي رواية وهو ينتف شعره، ويحثي على رأسه التراب فقال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال : فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا. قال: فمكث، فبينما نحن على ذلك أتي النبي بعَرَق فيه تمر فقال: أين السائل؟ قال أنا. قال: خذ هذا فتصدّق به. فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ ! فوالله ما بين لابتَيْها أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: أطعمه أهلك» [٤٢] . قال ابن حجر في الفوائد المستخرجة من الحديث: «وفيه الرفق بالمتعلم، والتلطف في التعليم، والتألف على الدين» [٤٣] . وكذلك الموسوس في طهارته وصلاته قد يحتاج إلى تيسير شأنها ورفع الحرج فيها، وهكذا. ولا أعني بما سبق تغيير الحكم بالنسبة لهم، لا! وإنما عنيت التيسير عليهم في الخطاب، وإبراز بعض الجوانب كعظيم العفو، وسعة الرحمة، وما عندهم من نقاط إيجابية، وأن المعصية لا يسلم منها أحد، وتهوين بعض الأمور عليهم، ونحو هذا الكلام الذي يحقق الغرض ويفي بالمقصود. الجانب الثاني: التغليظ على من يحتاجه: وذلك من خلال تخويفه والتغليظ عليه إذا رأى أنه من أصحاب التساهل والترخص، كأن يخوّفه بعاقبة قد لا يعتقدها المفتي ولا يرجحها زجراً له عن الوقوع فيها، كما لو أخبره بأن من أهل العلم من يكفّر من يفعل كذا، مع كونه لا يعتقده من الأعمال المكفرة مثلاً. أو يذكر له مساوئ أمر وينهاه عن فعله دون أن يفتيه بتحريمه. وقد سمعت مفتياً حكيماً يُسْأل عن الزواج بالكتابيّة فلم يخبر المستفتي بحلِّه، وإنما حدّثه عن نشأة الأولاد وتربيتهم، ومن يتزوج المسلمات ونحو ذلك. ولمثل هذا دليل من السنة وشاهد من فعل الصحابة، فعن أبي هريرة ﵁ «أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فنهاه؛ فإذا الذي نهاه شابٌّ والذي رخص له شيخ، وقال:» إنَّ الشيخ يملك نفسه « [٤٤] . وروي عن ابن عباس أنه سأله رجل عن توبة القاتل فقال: لا توبة له. وسأله آخر فقال: له توبة. فلما سئل قال: أما الأول فرأيت في عينيه إرادة القتل فمنعته، وأما الثاني فجاء مستكيناً فلم أقنطه من رحمة الله [٤٥] . ويمكن أن يُجْعل من هذا القبيل تأخير إخبار المستفتي بالحكم، فلو سئل مفت عن طلاق الثلاث بلفظ واحد وكان يرى أنه يقع طلقة واحدة، فأخر إخباره وكرر عليه تحذيره من الاستعجال والتسرع ونحو ذلك؛ لكان تصرفه مؤدباً للمستفتي، ومحذراً له من الوقوع فيما وقع فيه مرة أخرى. ونحتاج هنا إلى التنبيه إلى أن تغيير الحكم الشرعي لمصلحة التغليظ محرم، وقد انتقد العلماء وغلَّطوا من فعل ذلك في قصة مشهورة: فإن أحد الملوك جَمَع الفقهاء فاستفتاهم في أنه جامع في نهار رمضان؟ فتكلم كبير الفقهاء وأفتى بأن عليه صيام شهرين متتابعين مع أن الواجب عليه أولاً عتق رقبة، فلما خرج الفقهاء سُئل كبير الفقهاء عن فتواه فقال: إن الاعتاق سهل عليه فيوشك أن يعود لفعله فلا يتحقق به الزجر [٤٦] . ٥ - مراعاة الضرورات الحقيقية: لا ريب أن من مقررات الشريعة، وشواهد رفع الحرج فيها أنها جعلت الضرورة مبيحة للمحظور ورافعة للتحريم. قال تعالى: [فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (المائدة: ٣) ، وقال: [وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ] (الأنعام: ١١٩) وعن جابر بن سمرة ﵁ أن أهل بيت كانوا بالحرّة محتاجين، قال: فماتت عندهم ناقة لهم، فرخص لهم النبي ﷺ في أكلها، قال: فعصمتهم بقية شتائهم [٤٧] . واستنبط أهل العلم من نصوص متوافرة قاعدة الاضطرار هذه فقالوا: لا محرم مع اضطرار، والضرورات تبيح المحظورات [٤٨] . ومفهومها أن حالات الاضطرار تجيز ارتكاب المحظور أي المنهي عنه شرعاً؛ فكل ممنوع في الإسلام يستباح فعله عند الضرورة إليه. فينبغي للمفتي أن يتنبه لذلك فلا يحرم فعلاً قد أباحته الضرورة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:» ومن الأصول الكلية: أن المعجوز عنه في الشرع ساقط الوجوب، وأن المضطر إليه بلا معصية غير محظور؛ فلم يوجب الله ما يعجز عنه العبد، ولم يحرم ما يضطر إليه العبد « [٤٩] . والضرورة تطلق عند الفقهاء على خوف التلف، وبلوغ الإنسان حَدّاً إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب [٥٠] ، أو خوف الموت [٥١] . فهي أمرٌ زائد على المشقة؛ فالمشقة: تعبٌ وإعياء، لكنه لا يؤدي لتلف البدن أو بعضه أو إلحاق الضرر بالعقل أو العرض. أما الضرورة فقد عرِّفت بأنها: الحالة التي تطرأ على الإنسان؛ بحيث لو لم تُرَاعَ لجزم أو خيف أن تضيع مصالحه الضرورية [٥٢] . والمصالح الضرورية هي: حفظ الدين والنفس والمال والعقل والعرض. وهذا موطن توسع فيه بعض المعاصرين، فأدخلوا في الضرورة ما ليس منها. قال الشاطبي:» وربما استجاز هذا بعضهم في مواطن يَدَّعي فيها الضرورة وإلجاء الحاجة بناءً على أن الضرورات تبيح المحظورات، فيأخذ عند ذلك بما يتفق مع الغرض، ويوافق الهوى الحاضر، ومحالّ الضرورات معلوم من الشريعة « [٥٣] . ولهذا مزيد تفصيل في الضابط القادم. ٦ - تقدر الضرورات بقدرها وتعرف ضوابطها: » كثر في عصرنا الحاضر استعمال الضرورة على غير وجهها الشرعي، فجعلت ذريعة لفعل كثير من المحظورات وترك الواجبات تحت ستار مبدأ التخفيف والتيسير على الناس دون التقيد بضوابط الضرورة، أو الجهل بأحكامها وبالحالات التي يصح التقيد بها عند وجود مقتضياتها، فنرى كثيراً من الناس مثلاً يحاولون التخلص من أداء الفرائض الدينية في أوقاتها بسبب وجودهم في حفل عام أو اجتماع خاص «. » وقد يبادر التاجر أو المزارع أو الصانع أو الموظف إلى الاقتراض بفائدة من المصارف العقارية أو التجارية أو الصناعية، وكل هؤلاء وأضرابهم يتمسكون بمبدأ الضرورة في الإسلام، ويفتون لأنفسهم ولغيرهم بكل جرأة بإباحة ما حرم الله تعالى « [٥٤] . لذا لا بد عند العمل بقاعدة إباحة المحظور لوجود الضرورة من تحقق ضوابط من أبرزها ما يأتي [٥٥] : أ - أن تكون الضرورة قائمة بالفعل، لا متوهمة ولا متوقعة. أي أن يحصل في الواقع خوف الهلاك أو التلف على النفس أو المال، وذلك بغلبة الظن بحسب التجارب أو بتحقق المرء من وجود خطر حقيقي. ب - أن لا يكون لدفع الضرورة وسيلة أخرى إلا مخالفة الأوامر والنواهي الشرعية. ج - أن يكون الضرر في المحظور الذي سيقدم عليه أنقص من ضرر حالة الضرورة؛ ولذا متى كان الضرر الذي سيقدم عليه أعظم من ضرر حالة الضرورة، لم يُستبح بالضرورة المحظور، ومثال ذلك لو أكره على القتل فإن إزهاق النفس المعصومة أعظم مفسدة من حفظ مهجة المُكرَه. د - أن يكون مقدار ما يباح من المحظور بمقدار ما يدفع الضرورة: وعلى ذلك تفرعت القاعدة:» ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها « [٥٦] . وبنى الفقهاء على ذلك أحكاماً منها: أن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر ما يسد الرمق، إلا إن كان في مسغبة عامة وظن استمرار الضرورة مثلاً. وكذا فإنه ليس للطبيب أن ينظر من العورة إلا بقدر الحاجة أو ما تندفع به الضرورة، فإذا انتهى زمن العذر زالت الإباحة؛ ولذا قالوا:» ما جاز لعذر بطل بزواله «، و» إذا زال المانع عاد الممنوع «. ٧ - مراعاة متعلق العرف: من مجالات التيسير في الشريعة الإسلامية أنها راعت العرف واعتبرته في تنزيل جملة من الأحكام المتعلقة به والمتغيرة بتغيره، ومراعاة المفتي لذلك جانب من التيسير مشهود [٥٧] . والعرف يؤخذ به في أمرين [٥٨] : الأول: إذا جاء حكم من الشرع أو اسم عُلّق به حكم شرعي، ولم يحدَّ لا في الشرع ولا في اللغة؛ فإنه يرجع في تحديده إلى العرف. ومثاله: مقدار الكفاية في النفقات؛ فإنه لم يرد حد لذلك في الشرع ولا في اللغة، وتختلف أعراف الناس فيرجع فيه إلى عرف كل ذي بلد كلٌّ بحسبه. وكذلك الإسراف فإنه لم يُحَدّ فيرجع في تحديده إلى العرف. الثاني: أن العرف قيد لما يقع بين الناس من معاملات؛ فدلالة الألفاظ والمراد منها كنوع العملة إذا لم تذكر في العقد ووقت التسليم ونحو ذلك؛ فإن المعروف عند الناس كالمشروط بينهم لفظاً. كل ذلك بشرط عدم مخالفة العرف للدليل الشرعي. وبما سبق يتضح المراد بقولهم: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان؛ فهي خاصة بتغير الأعراف. » أما الأحكام ذات النص فلا ينسحب عليها هذا التأصيل، والعصرانيون دخلوا من هذا التقعيد الصوري إلى أوسع الأبواب، فأخضعوا النصوص ذات الدلالة القطعية كآيات الحدود في السرقة والزنا ونحوهما بإيقاف إقامة الحدود لتغير الزمان، وهكذا مما نهايته انسلاخ من الشرع تحت سُرَادِق موهوم « [٥٩] . ٨ - تنبيه المستفتي على المخارج الشرعية والحلول المباحة: فإن مما يسلكه المفتي في التيسير على المستفتي أن يرشده إلى المخارج الشرعية لمشكلته بما لا يتجاوز حدود الشرع، فلا يُوهِمُهُ بحرمة فعله ثم يتركه حائراً لا يعرف ما يصنع. عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال له النبي ﷺ :» من أين هذا؟ قال بلال: كان عندي تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي صلى الله عليه وسلم. فقال النبي ﷺ عند ذلك: أوّه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيعٍ آخر ثم اشتر به « [٦٠] . فأنت ترى أن النبي ﷺ أخبر بالحل الشرعي الميسر له. فإذا دل المفتي المستفتي على شيء من ذلك دون إعلان بعد أن عرف منه الصدق والإخلاص وقدرته على تمييز المفاسد والموازنة بينها فقد يكون له وجه مندرج تحت قاعدة احتمال أدنى المفسدتين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:» فتبين أن السيئة تحتمل في موضعين: دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تدفع إلا بها، وتحصيل ما هو أنفع من تركها إذا لم تحصل إلا بها ... وذلك ثابت في العقل كما يقال: ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين ... وهذا باب التعارض، باب واسع جداً، لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة؛ فإن هذه المسائل تكثر فيها « [٦١] ، ثم ضرب لذلك أمثلة كثيرة، وعلى كل فمثل هذا يحتاج مزيد بيان وتأمل، والله أعلم. ٩ - تسهيل عرض المعلومات: فإن مما يعين على قبول الأحكام الشرعيّة، وفهمها وتقبلها: حُسْن عرضها، وبساطة طرحها، وبيان دليلها، وتوضيح بعض الحكم الملتمسة فيها. وذلك أن الناس تتباين ثقافاتهم، وتختلف طرق تلقيهم للمعلومات فمتى حاول الباحثون وأهل الفتوى والفقه تدوين الأحكام الشرعية بعدة طرق وأساليب تناسب جميع الفئات كان ذلك من التيسير بلا شك. وقد حصل شيء من هذا فقد دونت الأحكام الشرعية على شكل مواد منظمة ومرتبة في نظريات كنظرية الملكية والعقد والالتزام، وكتب لعامة الناس كتابة ميسرة، ويبقى الباب مفتوحاً والطريق سالكة لمبدع في طريقته أو مجدد في أسلوب عرضه. ١٠ - ملاحظة ما يترتب على الفتوى: فإن المفتي مطلوب منه أن يلاحظ ما يترتب على فتواه، ولا يسوغ له أبداً أن يفتي بما يكون سبباً لنشر فتنة أو وقوع ضرر عام، ولو كان رأيه رأياً شرعياً؛ بل يجب عليه أن يسكت حتى يحين الوقت الذي يناسب بيان رأيه كما سيأتي إيضاحه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:» على المفتي أن يمتنع عن الفتوى فيما يضر بالمسلمين ويثير الفتن بينهم، وله أن يمتنع عن الفتوى إن كان قصد المستفتي كائناً من كان نصرة هواه بالفتوى وليس قصده معرفة الحق واتباعه « [٦٢] . ومن شواهد هذا ما روته عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال:» لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم « [٦٣] . فقد بين النبي ﷺ أن تغيير الكعبة مطلب شرعي، وقد ترك فعله لما يترتب عليه من مفاسد. وهذا الضابط مهم في التيسير؛ فإن المفتي متى امتنع عن فتوى تسبب ضرراً فقد سلك سبيل التيسير على الناس. ويقابل هذا أن المفتي قد لا يسوغ له أبداً إلا أن يأخذ بالعزيمة ويبين الحكم الشرعي، وإن تضرر هو ليدفع الفتنة والضرر العام عن المسلمين، كما وقع لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل إذ ترك الإجابة لما طلب منه من القول بخلق القرآن مع كونه مكرهاً معذوراً، وأصرّ على بيان الحق والإفتاء به؛ وذلك أن في عدم ثباته على ذلك فتنة عامة. روي أن المروذي جاءه وقال: هؤلاء قدَّموك للضرب والله يقول: [وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ] (النساء: ٢٩) . فقال: يا مروذي! اخرج وانظر. قال: فخرجت ونظرت في رحبة دار الخليفة فرأيت خلقاً كثيراً والصحف والأقلام في أيديهم، فقلت: أي شيء تفعلون؟ فقالوا: ننظر ما يقول أحمد فنكتبه، فرجع إلى أحمد وأخبره، فقال: يا مروذي! أضل هؤلاء؟ كلا! بل أموت ولا أضلهم [٦٤] . وهناك مسألة ثالثة وهي: هل يسوغ للمفتي أن يفتي بغير ما يراه راجحاً دفعاً للضرر العام أم لا؟ ومثال هذا ما حصل لملك التتار (خدابنده) الذي خلف أخاه قازان، وكانا يُظْهران الإسلام والسُّنّة، فقد قيل إنه غضب يوماً من زوجته فطلقها ثلاثاً ثم أراد أن يردها إلى عصمته، فقال له فقهاء أهل السنة إنه لا سبيل إلى ذلك حتى تنكح زوجاً غيره، وصعب عليه ذلك فأشار عليه رجال حاشيته من الرافضة بأن يدعو ابن المطهر الحِلّي الرافضي، فلما حضر أفتاه ابن المطهر بأن الطلاق لم يقع وأن له أن يعاشر زوجته، فَسُرَّ خدابنده وانتقل لمذهب الرفض، وكتب إلى عماله في الأمصار بذلك [٦٥] . فهل كان يسوغ للمفتي أن يفتيه بعدم وقوع الطلاق الثلاث مع أنّه لا يرجّحه منعاً للضرر العام؟ والجواب يمكن أن تتضح معالمه من خلال تأمل النقاط الآتية: أ - الضرر المراد هنا الضرر العام لا الضرر الخاص بفرد أو أفراد محصورين. ب - لا يمكن ضبط هذا بقاعدة عامة، بل كل واقعة تحتاج تأملاً واجتهاداً. ج - المسائل المدلول عليها بنص لا مجال فيها لتغيير الفتوى. قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ﵀ في جوابه عمّن سأله: هل يجوز للإنسان في مسائل الخلاف أن يفتي لشخص بأحد القولين ولشخص آخر بالقول الثاني؟ قال:» إن كان في المسألة نص كان الناس فيه سواء، ولا يفرق بين شخص وآخر، وأما المسائل الاجتهادية فإنها مبنية على الاجتهاد، وإن كان الاجتهاد فيها في الحكم فكذلك في محله، فإذا كانت حال المستفتي أو المحكوم عليه تقتضي أن يُعَامل معاملة خاصة، عمل بمقتضاها ما لم يخالف النص، وهذا الذي ذكرناه لا يكون مطرداً في كل صورة « [٦٦] . ١١ - مراعاة التدرج: من صور التيسير العملية عند شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه يرى جواز التدرج في الأخذ بالأحكام لمن دخل في الإسلام حديثاً والتائب من المعاصي. قال ﵀:» العالم قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن، كما أخر الله سبحانه إنزال وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيانها، فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه لما جاء به الرسول شيئاً فشيئاً بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئاً فشيئاً، ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأتِ الشريعة جملة، كما يقال: إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع «. فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها. وكذلك التائب من الذنوب والمتعلم والمسترشد لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم؛ فإنه لا يطيق ذلك، وإذا لم يُطقه لم يكن واجباً عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجباً لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداءً، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان كما عفا الرسول عما عفا عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات؛ لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط، فتدبر هذا الأصل فإنه نافع» [٦٧] . ١٢ - سَدُّ الذّرائع: من الأدلة المستعملة عند طائفة من الفقهاء: سَدُّ الذرائع [٦٨] . ويريدون بها: منع الجائز لئلا يتوصَّل به إلى الممنوع [٦٩] . ونتيجة إعمال القاعدة: تحريم أمر مباح لما يُفْضي إليه من مَفْسَدَةٍ. وهذه القاعدة نحتاج لوقفات معها: أولاً: أن سد الذرائع ليس من الأدّلة المتفق عليها، بل خالف فيها الشافعيّة والحنفيّة والظاهرّية [٧٠] . ثانياً: أنها إنما تُعْمَل فيما لا نَصّ فيه؛ فالخلوة بالمرأة الأجنبيّة محرم بالنص لا بسد ذريعة الإفضاء إلى الزّنا [٧١] . ثالثاً: أنَّ كل ما أفضى إلى المفسدة قطعاً، وكانت مفسدته غالبة فهو محرم اتفاقاً؛ سواء سُمّي سَدَّ ذريعةٍ أو لا [٧٢] . رابعاً: (ما أفضى إلى مفسدة وكانت المصلحة فيه أرجح؛ فلا يُمنع منه. بل قد يكون مباحاً، أو مستحباً، أو واجباً، بحسب درجاته في المصلحة؛ ومثاله: النظر إلى المخطوبة والمشهود عليها، وكلمة الحقّ عند السُّلْطان الجائر) [٧٣] . خامساً: أن سد الذرائع راجع لاعتبار المصالح والمفاسد وتقديرها [٧٤] . وبعد هذه الوقفات نقول: إن من ضوابط التيسير أن يراعي من أراد إعمال هذا الدليل المصالح والمفاسد الحقيقيّة المترتبة، والترجيح بينها، حتى لا يضيّق الحلال ويورد المشقّة على المكلفين. هذه جملة من أبرز الضوابط والصور العملية للتيسير في الفتوى [٧٥] ، اجتهدت في جمعها وترتيبها، والمجال يتسع لبسط القول أكثر، ولعل فيما تقدم كفاية. والله الموفق والهادي لا إله إلا هو.

стр. 4154

قضايا دعوية الكلمة المؤثرة عادل بن عبد الله الدوسري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» [١] . قال النووي: «وهذا صريح أنه ينبغي ألاَّ يتكلم إلا إذا كان الكلام خيراً، وهو الذي ظهرت مصلحته، ومتى شك في ظهور المصلحة لا يتكلم» [٢] . ومن هذا المنطلق فإن على المربين وغيرهم أن يتنبهوا إلى تلك الكلمات التي يطلقونها على أصحابهم وعلى تلاميذهم؛ فكم من كلمة عملت عملها في نفس متلقيها فتُغير حاله وتبدله نحو الأفضل، ولقد سطر التاريخ لنا أمثلة من علماء وزهاد وغيرهم. ومن ذلك ما أخرجه البخاري من طريق سالم عن ابن عمر قال: كان الرجل في حياة النبي ﷺ إذا رأى رؤيا قصها على النبي صلى الله عليه وسلم، فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي ﷺ وكنت غلاماً شاباً عزباً، وكنت أنام في المسجد على عهد النبي ﷺ ، فرأيت في المنام: كأن ملكين أخذاني، فذهبا بي إلى النار؛ فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان كقرني البئر وإذا فيها ناس قد عرفتهم؛ فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، فلقينا ملك آخر، فقال: لن تراع. فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ فقال: «نِعْم الرجل عبد الله لو كان يصلي بالليل» . قال سالم: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً [٣] . وفي رواية: «إن عبد الله رجل صالح لو كان يكثر الصلاة من الليل» . قال الزهري: وكان عبد الله بعد ذلك يكثر الصلاة من الليل [٤] . كلمات يسيرة من النبي ﷺ أثرت في نفس عبد الله حتى جعلته يزيد في الخير والطاعة والاستزادة من ثواب الله ، حتى قيل إنه لا ينام من الليل إلا قليلاً. وربما سمع الشخص آية فأثرت فيه أشد التأثير وتقلبت حياته من شر إلى خير وفضل حتى راجع نفسه فتاب إلى الله . ذكر الفضل بن موسى قال: كان الفضيل بن عياض شاطراً يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينما هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع تالياً يتلو: [ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ] (الحديد: ١٦) ، فلما سمعها. قال: بلى يا رب! قد آن، فرجع، فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيها سابلة، فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم: حتى نصبح فإن فضيلاً على الطريق يقطع علينا، قال: ففكرت، وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين ها هنا يخافونني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع؛ اللهم إني قد تبت إليك وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام [٥] . فتغيرت حال الفضيل حتى أصبح كما يقول شريك: حجةً لأهل زمانه، وكان كما يقول ابن المبارك: من أورع الناس. «ولهذا لو تتبعنا سِيَر العلماء والمصلحين والمجاهدين، ثم بحثنا عن سر نبوغهم وألمعيتهم لوجدنا أن كثيراً منهم قد نال ما نال بسبب كلمة سمعها فغيرت مسار حياته، أو كانت سبباً في ثباته، وصبره واستشعاره للمسؤولية أو نحو ذلك» [٦] . فمن أولئك الذين تغيرت حالهم وتركوا ملذات الدنيا، وحلقوا في طلب العلم وثوابه بسبب كلمات قليلة الإمام أبو حنيفة، روى أبو محمد الحارثي بسنده إلى الإمام أبي حنيفة، قال: مررت يوماً على الشعبي وهو جالس فدعاني وقال: إلامَ تختلف؟ فقلت: أختلف إلى فلان. قال: لم أعنِ إلى السوق، عنيت الاختلاف إلى العلماء. فقلت له: أنا قليل الاختلاف إليهم. فقال: لا تفعل، وعليك بالنظر في العلم ومجالسة العلماء؛ فإني أرى فيك يقظة وحركة. قال: فوقع في قلبي من قوله فتركت الاختلاف أي إلى السوق وأخذت في العلم، فنفعني الله تعالى بقوله. وكان أول ما اتجه إليه من العلوم علم أصول الدين ومناقشة أهل الإلحاد والضلال، ولقد دخل البصرة أكثر من سبع وعشرين مرة يناقش ثلة ويجادل ويرد الشبهات [٧] . وربما ينتقل الرجل من علم إلى علم آخر يكون هو الأوْلى والأفضل كما حدث لأبي حنيفة حين شغل بعلم الكلام عن الفقه في بداية طلبه. روى زُفَر عنه رحمهما الله تعالى قال: سمعت أبا حنيفة يقول: كنت أنظر في الكلام حتى بلغت فيه مبلغاً يشار إليَّ فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد ابن أبي سليمان، فجاءتني امرأة يوماً، فقالت: رجل له امرأة أراد أن يطلقها للسنة كم يطلقها؟ فأمرتها أن تسأل حماداً ثم ترجع فتخبرني، فسألت حماداً، فقال: يطلقها وهي طاهرة من الحيض والجماع تطليقة، ثم يتركها حتى تحيض حيضتين بعد الحيضة الأولى فهي ثلاث حِيَض فإذا اغتسلت فقد حلت للأزواج. فرجعت فأخبرتني، فقلت: لا حاجة لي في الكلام، وأخذت نعلي فجلست إلى حماد أسمع مسائله فأحفظ قوله، ثم يعيدها من الغد فأحفظ ويخطئ أصحابه. فقال: لا يجلس في صدر الحلقة بحذائي غير أبي حنيفة [٨] . ومن أولئك الذين انبروا للسنة والحديث ورفعوا رايتها بسبب كلماتٍ الإمامُ البخاري ﵀ حيث أورد سبب جمعه للصحيح فقال: «كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح» [٩] . ومن أولئك أيضاً محمد بن إدريس الشافعي الذي استفاد من رجل من الحجبة، يحدث عن نفسه فيقول: «كنت امرأ أكتب الشعر وآتي البوادي فأسمع منهم، وقدمت مكة، وخرجت وأنا أتمثل بشعر للبيد، وأضرب وحشي قدمي بالسوط، فضربني رجل من ورائي من الحجبة، فقال: رجل من قريش ثم ابن المطلب رضي من دينه ودنياه أن يكون معلماً. ما الشعر؟ الشعر إذا استحكمت فيه قعدت معلماً، تفقه يعلك الله. قال: فنفعني الله بكلام ذلك الحجبي ورجعت إلى مكة، وكتبت عن ابن عيينة ما شاء الله أن أكتب، ثم جالست مسلم بن خالد، ثم قدمت على مالك فكتبت موطأه» [١٠] . إن التشجيع والتلطف بالعبارات الجميلة من أجمل ما يفعله المربي، فإذا وجد خصلة جيدة في أحدهم فليثنِ عليه بها لعله أن ينتفع بهذه الكلمات فيحصل له الخير الكثير. ولقد حصل من النبي ﷺ شيء كثير من ذلك؛ فعن ابن مسعود قال: «كنت أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط، فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر فقال: يا غلام! هل من لبن؟ قلت: نعم ولكني مؤتمن، قال: فهل من شاة لم يَنْزُ عليها الفحل؟ ! فأتيته بشاة فمسح ضرعها فنزل لبن فحلبه في إناء فشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: اقلص. فقلص، ثم أتيته بعد هذا. فقلت: يا رسول الله! علمني من هذا القول، فمسح رأسي، وقال: يرحمك الله؛ فإنك غليِّم معلم» . وفي رواية «قلت: علمني من هذا القرآن، قال: إنك غلام معلم، فأخذت من فيه سبعين سورة» [١١] . وكما قال أبو بكر الصديق: يا زيد بن ثابت! إنك غلام شاب عاقل [١٢] . إن هذه الأمثلة السابقة وغيرها مما لم نذكر لتجعل المربي يعتني بكلماته عناية فائقة، على أن يتنبه إلى نفسيات طلابه بأن لا يقطع عنق أحدهم بالمدح أو يسيء لأحد فيحطمه؛ وإنما كل بحسبه، والله نسأل أن يخرج أناساً يقومون بدين الله عز وجل، وأن يكتب النصر على أيديهم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4155

قضايا دعوية الداعية الميداني رضا بن أحمد الصمدي إنه الداعية المتحرك في كل صوب، المتقن لدعوته في كل ثوب، إن كان في بيته فنعم العائل والمربي، وإن نزل إلى الشارع وخالط الناس وَسِعَهُم بدعوته، فإن ركب وسيلة مواصلات تناثرت بركات دعوته على من حوله من الركب، وإذا دخل مصلحة لم يخرج منها إلا بغنيمة دعوية: نصيحة يسارُّ بها موظفاً، أو موعظة يُسمعها لسافرة، أو كلمة معروف يذكِّر بها من يقف معه في قطار [١] ، إنه المبارك في حله وترحاله، كالغيث أينما وَقَعَ نَفَعَ: فلا مُزْنةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا ... ولا أرضٌ أَبْقَلَت إبْقَالَها قلبٌ عامرٌ وعقلٌ يثابرُ، وعزمٌ مغامر وإيمان يجاهر، تقي حفي، نقي أبيّ، جبهته شمَّاء، كبرياءُ دينه بلغ عنان السماء، ونفعه متعد، وخيره عام، يتجذر هداه في كل أرض أقام فيها، ويينع غرسه حتى في الأرض القاحلة، تنداح جحافل وعظه كالسيل العرم تذهب بكل سد منيع جاثم على قلوب الغافلين، إذا قال أسمع، وإذا وعظ أخضع، دؤوب الخطو بدهي التصرف، إذا اعترضته العوائق نظر إليها شَزْراً وقال: أقبلي يا صعاب أو لا تكوني، محمديُّ الخُلُق، صدِّيقيُّ الإيمان، عُمَريُّ الشكيمة، عثمانيُّ الحياء، علويُّ الصلابة، فُضَيْليُّ العَبْرة، حنبليُّ الإمامة، تَيْمَوِيُّ الثبات. إنه الداعية الذي لا تعوقه عوائق الكون عن القيام بواجب الدعوة أينما كان، إذا حيل بينه وبين الدعوة فكأنما أخرجت سمكاً من ماء، أو أسكنت بشراً في الصحراء، حركي كالنمل والنحل لا يعرف القرار. إنه الداعية الفصيح، جنانه حاضر، وبديهته كالبرق الخاطف، ولسانه لا يفتر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير، وما عدا ذلك فذاكر شاكر، أو صامت صابر. إن مظهره متناسق مع وظيفته السرمدية، هندام نظيف ومتواضع، وهيئة تقية، وإخبات غير متكلف، إذا رآه الخلق ذكروا الله تعالى. وهو داعية متعالٍ على السفاسف، لا يستنكف عن فعل الخير وإن استهجنه الناس، إنه لا يأنف من إماطة الأذى عن الطريق، يسلّم على من عرف ومن لم يعرف، يبتسم في وجوه الناس أجمعين، ويحفظ حشمته من نزق الطائشين وسمود العابثين. مستعد للدعوة في كل ميدان، إذا فتشت حقيبته وجدتها مليئة بالحلوى والكتيبات والهدايا الصغيرة غير المكلفة. يصطحب معه في سيره أشرطة القرآن الكريم وأشرطة الدعاة والخطباء والوعاظ وغير ذلك مما يناسب أسلحة الداعية الميداني. يستخدم الهدايا في التعارف، والكتيبات في التأليف والوعظ والإرشاد مع دعوة لحضور محاضرة أو خطبة. إذا ما ألقى السلام فكأنك تسمع ترنيمة كونية تطرب لها أذناك، ذاك صوت الداعية الشجي، فإذا ما رأيته أقبل بوجهه الضحوك وسلامه المرونق ذكَّرتك اللهَ رؤيته. لقد وقع القلب في شَرَك هذا الداعية، واشتبكت القلوب المؤمنة وائتلفت، والتقت العيون والمقل، فإذا أدْمُعُ الخوف من الله تتعرف على نفسها، حتى إذا ما سكب ذلك الداعية الميداني كلمات الود والمحبة في الله، والتقت إرادة الله بالهداية أبصرت الهوى صريعاً في ساحته، والقلب تتهاوى شهواته وغرائزه أمام هذا السيل الدافق من فيض الإيمان والتقى، وكأنك بالشيطان رابض ينادي بالويل والثبور: وَيْلي وَيْلي قد اختطفه فلان الصالح مني! ولنحاول صياغة بعض وظائف هذا الداعية الميداني واستعداداته وصفاته في نقاط مركزة فيما يلي: ١ - داعية مخلص يمحص النية قبل العمل، ولا يعتذر عن أي جهد يستطيع القيام به بزعم العجز أو خوف الرياء، بل يتعلم ويعالج الهوى ويخوض غمار التكليف مملوء الثقة بمعونة الله وكلاءته. ٢ - لا يبخل على الدعوة بأي مجهود أو طاقة؛ فأينما دعاه داعي البذل شمر، لا يدخر وقتاً خاصاً للدعوة، بل أصل عمره موقوف للدعوة إلى الله ﵎. ٣ - يهتم بالمظهر الذي له دور في التأثير على الناس، هندامه محترم، منظم الخطوات، رشيق العبارة (ينتقي الألفاظ ولا يلقيها خبط عشواء) ، يخلب اللب إذا تحدث أو وعظ أو حاضر أو نصح، طيب الرائحة، حلو المعشر، طلق الوجه متبسمه. ٤ - مستعد لكل موقف؛ فلديه الأساليب الجاهزة لغزو القلوب، والطرق المنمقة لاستمالتها، والأسلحة الفتاكة في محاربة هوى النفوس، والمغريات الشرعية في جذب الشاردين. ٥ - يتفانى في تقديم كل معونة للرقي بحال المدعوين إلى أي مستوى ينقذهم من نفوسهم الأمارة بالسوء وشياطينهم الغوية أو أعداء ملَّتهم المتربصين بهم. ٦ - يترقب الفرص ويسعى إليها ولا ينتظر مجيئها إليه، يباغت المواقف ولا يكون هو رد فعل لها، لا يترك فرصة لما يسميه الناس المصادفة أو الفجأة، بل تراه بدهياً مستعداً لكل موقف بما يناسبه. ٧ - يتجاوب مع المشكلات التي تهدد المجتمع المسلم، ولا يشغل نفسه بتوافه الأمور وسفسافها، يقيم لأولويات الدين قسطاساً مستقيماً يضبط اهتماماته، ويوجه تحركاته، يتعامى عن أذية المغرضين وسفه المستهزئين، يمضي إلى هدفه غير ملتفت، قد أرَّقه حال الإسلام والمسلمين، وأفزعه طرق العدو لأبواب الحصون؛ فكأنه في رباط ينافح عن ثغر مثلوم يرد العدو من قِبَله. ٨ - يستعين بكل الإمكانات المتاحة، ويستغل الظروف لصالحه، لا يلعن الظلام ولكنه يشارك في إيقاد شمعة، إذا قصَّرَتْ به وسيلة نزل إلى التي دونها، حتى لو لم يجد إلا لسانه أو الإشارة باليدين لاستعملهما متوكلاً على الله الهادي إلى صراط مستقيم. ٩ - من أكثر سمات الداعية الميداني جدية أنه يعمل في صمت، ويُؤْثِر العمل الدؤوب على الثرثرة والتفيهق، ليس بالمنان ولا بالعجب. وبهذه الصفة الأخيرة نختم ناقلين قول بعض السلف: «ما ادَّعى أحد قط إلا لخُلُوِّهِ عن الحقائق، ولو تحقق في شيء لنطقت عنه الحقيقة وأغنته الدعوى» .

стр. 4156

دراسات تربوية اللغو ومظاهره في حياة الناس د. محمد خليل جيجك [*] إن الإسلام أتى للإنسانية في باب تربية الأفراد وتنقيح أفعالهم وتهذيب أخلاقهم بما لا مثيل له، ففتح على المسلم عالماً خصباً ممتد الأرجاء مكتمل الجوانب في التكميل النفسي والتطهير الروحي والتزكية الخلقية والتربية البدنية؛ فهو يأتي في جميع هذه الممارسات بأسمى القيم وأفضل المبادئ وأنفع القواعد التي من إحدى خصائصها سهولة تكيّف النفس بها ويسر تطبيقاتها الواقعية؛ بحيث سلك القرآن في ذلك سبيلاً فذاً ليس في مستطاع البشر الوصول إليه. وطريقة أخرى يسلكها القرآن عبر مناهجه التربوية أنه حينما يعالج العناصر والمبادئ الأخلاقية لا يعالجها من بعض الزوايا أو بعض العناصر فحسب، وكذلك لا يقتصر على طرف أو نوع واحد منها مهما كان له من الأهمية، بل يعالج الكيان الأخلاقي معالجة لها من الشمول والاتساع والتنوع أكثر ما يكون، فيوجه القرآنُ الإنسانَ المؤمن به أو بكلمة أعم كل من يصغي لقوله ويستمع لدرسه إلى كل نافع سديد، ويصوبه إلى كل صالح رشيد، ويبعده عن كل ما يضره وأسرته وشعبه وأمته، ويأتي بمراقبة أخلاقية مستمرة مع العبد أينما توجه لا تتركه أبداً في ليله ونهاره، وفي خلواته وجلواته، وفي سره وعلانيته. وهذه المراقبة الأخلاقية المستمدة من العقيدة الحقة ووازع الخشية من الله التي اهتم بها الإسلام إلى أقصى الحدود مستمرة عبر جميع العلاقات والممارسات والنشاطات والفعاليات والملابسات سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة والدولة. علماً منا أن الأوامر الأخلاقية الرشيدة في الفرقان الحكيم متوجهة إلى جميع هذه المستويات الثلاثة بسعة وكثرة؛ مما يغني من ورد على منهله العذب الفياض عن الورود على مستنقعات الآخرين. ومما يلفت نظرنا في باب تربية القرآن الأخلاقية للناس اهتمامه الأقصى بتجنيبهم الممارسات غير الأخلاقية والعادات السيئة التي لا تأتي للفرد والأمة بخير وصلاح، وتضرهما ضرراً بالغاً، وهي جمة ليس بالهين اليسير التدخل في تفاصيلها عبر مقال قصير؛ إنما نشير إلى واحد منها يؤدي إلى كثير من الضياع والخسران لا في الحاضر الملموس والشاهد المحسوس فقط، بل إنه يؤثر في العوائد المستقبلية أكثر فأكثر، فيضيع على العبد الكثير من الوقت والعمر والمال، وعلى الأمة الشيء الكثير من الطاقات المتنوعة الفكرية والعملية والبدنية وغيرها؛ ألا وهو اللغو. وقبل عرض المنهج القرآني لها لتستيقن الأنفس شمولية اللغو لجل حياة الناس اليوم فلنلق نظرة على ما قاله العلماء في تفسير اللغو. قالا بن منظور (ت ٧١١ هـ) : «اللغو السقط وما لا يعتد به من كلام وغيره ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع» [١] . وقال الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) : «قال الزجاج: هو كل باطل ولهو وهزل ومعصية وما لا يجمل من القول والفعل» [٢] . وفسر أبو عبيدة (ت ٢٠١ هـ) اللغو بكل كلام ليس بحسن [٣] . هذه التعاريف التي ذكروها لكلمة اللغو بينها قاسم مشترك تتلاقى فيه وهو البطلان وعدم النفع. والفرقان الحكيم ذكر اللَّغو سبع مرات: مرتين في سياق عدم المؤاخذة على اليمين اللغو الساقط الذي لا يعتد به ولا يعقد القصد عليه [٤] وهذا لا يعنينا الآن ومرة في معرض تعداد الكمالات الإنسانية والمعاني السامية التي يستحق العبد بها أن يكون في عداد ورثة الفردوس المؤمنين المفلحين: [وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ] (المؤمنون: ٣) . ومرة في سياق يشبه السياق الثاني وهو تعداد تلك المكارم المثالية والأخلاقيات العالية التي يستحق العبد بها أن ينال بها شرف المنسوبية إلى الرحمن وكفاها شرفاً والخلود في الغرفات: [وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً] (الفرقان: ٧٢) . ومرة أخرى أيضاً في سياق تعداد صفات الذين سيؤتيهم الله أجرهم مرتين: [وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ] (القصص: ٥٥) . وفي المرات الأربع الباقية إنما ذكر اللغو في مقام تعداد نعيم الجنة ومحاسنها ونزاهتها عن كل رجس معنوي، وطهارتها عن كل خبث أخلاقي [٥] . فمن أهم ميزات الجنة أنها لا لغو فيها ولا تأثيم. فأولاً: إن أدنى لفتة للسياق القرآني الذي ذكرت كلمة اللغو فيه يطلعنا على حقيقة أخلاقية لا ينكرها إلا غافل متجاهل، وهي أن الابتعاد عن اللغو وعدم الخوض فيه وعدم التلبس به يشكل القمة الأخلاقية في المنظور الإسلامي، فاستحق العبد المتصف بها وبغيرها مما ذكر في السياق أعلى درجات الشرف المضافة إلى الرحمن. وأفضل أنواع الجزاء: أن يكون من ورثة الفردوس ويخلد في غرفاته، ونعمَّا هما. وثانياً: في هذا الاهتمام البالغ بتجنب اللغو لفتة حضارية هامة أيضاً؛ حيث يوجه الناس بالتجنيب عن اللغو أي السقط الذي لا نفع فيه إلى الجاد النافع المفيد وعلى رأسه استثمار أوقاتهم واستغلال أعمارهم فيما ينفع أنفسهم وأمتهم؛ فإن من لم يتلبس باللغو الباطل يتلبس بالجد الحق، ومن لم يذهب عمره سدى باللغو واللهو يستغله في النافع والجاد وفي العلوم الصالحة والمعارف المفيدة والأعمال التعميرية التي عليها انبنى جميع الحضارات. فالتجنب من تضييع الوقت الذي ترشد إليه تلك الحكمة القرآنية: الإعراض عن اللغو من أفضل العناصر الحضارية التي تكسب عجلتها حركة وسرعة وتنقذها من البطء والتخلف والتكسل. ولما يحوزه استغلال الوقت في النشاط والكيان الحضاري من الأهمية القصوى جعل مالك بن نبي (ت ١٣٩١ هـ) الوقت ثالث الأثافي في الثالوث الحضاري: الوقت، والإنسان، والتراب. حسب رأيه [٦] . وإذا انطلقنا مما ذكره العلماء في معنى اللغو وحاولنا تسليط بعض الضوء على البعدين الكمي والكيفي للغو وصنوه اللهو وسيطرتهما على حياة المسلمين فضلاً عن الكفار حتى يتحدد لنا بعض التحدد الإطار الذي تستمر حياة الإنسان المسلم المتخلف فيه وجدنا الأمر ظاهراً كالشمس في رابعة النهار. ففي أدنى لفتة للحياة المعاصرة في البلاد الإسلامية يجد المرء تلك المظاهر العريضة والمشاهد المنتشرة للغو استولت على جميع مرافق الحياة ومراكزها ومناشطها. فإن المسلمين حيث غابت من مدارك حياتهم ومظاهرها العقلية القرآنية الرشيدة ومن ثمة الحكمة بمعناها القرآني والنبوي الجامع الشامل نشأ من ذلك بصورة دورية فراغ مرعب امتلأ بمظاهر اللغو واللهو، ففقدوا العقلية الحضارية السديدة، وفقدوا نفسية الشهامة والإباء والاعتزاز بقيمهم المثلى والثقة بشريعتهم العظمى، وفقدوا الآليات التي تتكون بها في الفرد والأمة نفسية السيادة والقيادة، وأضاعوا الكماليات التي كانوا يقودون بها العالم ويسوسونها، فانقلبوا أذلة صاغرين، وصاروا إمعات داخرين. اللغو بمعناه اليسير يضفي صبغته الممقوتة على جميع صفحات بعض من المسلمين ومعظم جوانب حياة بعضهم الآخر منهم، مع أن المفروض أن يكون أبعد خلق الله من اللغو هم المسلمين؛ لوفرة تلك التعاليم القرآنية الإسلامية الرادعة لهم عن التلبس باللغو إلى درجة أن جعل في المنظور النبوي ترك اللغو شاهداً على حسن إسلام المرء: «إن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» [٧] . ولما يحوزه التجنب عن اللغو من الأهمية القصوى في العقلية الإسلامية، عدَّ النووي ( ت ٦٧٦هـ) في آخر أذكاره هذا الحديث من ثلاثين حديثاً التي يدور عليها رحى الإسلام [٨] . لكن مع الأسف الشديد بلغ الأمر بالمسلمين في التوجه لهذا اللغو البغيض واللهو المقيت إلى حد لا تفرق بين حياة مسلم وغيره في الانعكاسات اللَّغْوية والتظاهرات اللهوية، ولم يقف فُشُوُّ اللغو عند حد الفرد بل وصل إلى مستوى التوجه الجماهيري؛ فمن هنا تراجع المسلمون تراجعاً حضارياً مرعباً، فارتبكوا من جراء ذلك في أوحال التخلف والجهالة الجهلاء. ورغم الضربات القاسية التي كانت تتوالى ولا تزال على جسد أمتهم العظمى بين فينة وأخرى لكنهم لم يتنبهوا من غفلتهم، ولم يتجنبوا مواطن ذلهم وخنوعهم لما خدرهم به ذلك التلبس باللغو والممارسة البالغة له، فأورثهم أمراضاً لم يعلموها؛ فكان اللغو من أعظم العوامل في ازدياد سباتهم في مراقد غفلتهم وجهالتهم. لعل من أبرز سمات هذا العصر الذي سادت فيه قيم الحضارة الغربية بقضها وقضيضها على معظم أرجاء العالم اللغو؛ فبينما كان في سالف الأزمان سمة فردية تبدو في بعض الأحيان على بعض الأفراد فقط، صار اليوم ظاهرة اجتماعية تحدد كمّاً كبيراً من جوانب حياة كثير من الحشود البشرية، كما أنه من أبرز الكيفيات التي يتكيف بها كثير من جبهات حياتهم. ترى الرغبة الجماهيرية متوجهة إلى أنواع اللغو توجهاً جنونياً يضحك منه الذئاب والكلاب. الحشود العظيمة تتكتل على مظاهر اللغو في الشرق والغرب والجنوب والشمال تكتلاً تتحير فيه الألباب، وتنفق القوى الكبرى العالمية في هذا العصر على مشاهد اللغو واللهو ومظاهر العبث والمجون أموالاً طائلة لو أنفقت على محاويج الناس فربما لم يبق فقير على سطح الكرة الأرضية، ولكن لا لوم عليهم في ذلك من ناحية أنفسهم؛ فإنهم وصلوا بذلك البث اللغوي إلى قدر كبير من التخدير البشري، ذلك التخدير الذي به وصلوا إلى جل مآربهم السياسية والاقتصادية والعسكرية في العالم عامة والإسلامي خاصة؛ بحيث ما كانوا يتصورون تحقق ذلك ولا في أحلامهم؛ فحق لهم أن ينفقوا عليه كل ما أرادوا أن ينفقوا ويدل على ذلك ما اشتهر عن الغربيين من مقولتهم: بإدخالنا ثلاث سينات بين المسلمين ارتحنا كثيراً: (الرياضة، السينما، الحياة الجنسية غير المشروعة) [٩] . تُصرف هنا وهناك أوقات نفيسة طويلة على التفرج على اللغو واللهو والباطل دون فائدة تعود على الفرد والأمة التي لو أنفقت على عمارة البلاد لكفتها، ولأنقذتها من كثير من أزماتها الاقتصادية، ولخفف عنها تخلفها الحضاري. وفي غمرة هذا الضياع تنشأ الأجيال القادمة على حب اللغو بمختلف مظاهره وجعله ركيزة أساسية من ركائز الحياة، فيأخذ مركزاً أصلياً ومحوراً حيوياً في حياة الناس يدور في فلكه كثير من شؤون حياتهم، ويتشكل حسب الاتجاه اللَّغْوي الاتجاه العقلي والثقافي عند غير قليل منهم، فيظن كثير من الناس أن اللغو أو ما يعبرون به عنه حاجة أساسية في حياة الناس ولا يستغنى عنه أبداً. فهيَّا بنا نذكر طرفاً من مظاهر اللغو: لغو في القول، لغو في العمل، لغو في الفعل، لغو في النظر، لغو في السماع، لغو في التفرج، لغو في الدعابة، لغو في القراءة، لغو في الرياضة، لغو في السوق، لغو في المنزل، لغو في المدرسة، لغو في التجارة، لغو في الإعلام، لغو في التعليم والتعلم، لغو في الإدارة، لغو في السياسة، لغو في الحب، لغو في الكراهية، لغو في المنشط والمكره، لغو في العادات، لغو في العلاقات، لغو في الممارسات، لغو في السلوكيات، لغو في لغو، ظلمات بعضها فوق بعض إذا ظهرت الجدية النافعة لم يكد يراها. نعم إن استيلاء اللغو على معظم نواحي حياة المسلمين نجم منه أضرار فادحة يرزح تحت عبئها الباهظ كاهل الأمة، وتنقض تحت وزرها ظهرها، من أهونها التسمم الفكري والتوسخ العقلي والذهني والتدنس العملي والإفلاس القيمي والانهيار الخلقي والتخلف الحضاري إلى جانب أنه أنتج تلبداً عقلياً وبلادة ذهنية وبساطة فكرية وطبيعة بهيمية أيضاً؛ فصار معظم أهل اللغو نفعيين براجماتيين لا يهمهم من القيم والمبادئ إلا ما عاد عليهم بنفع عاجل أو آجل إلى ثالوثهم الذي أهداه اللغو إليهم وهو ثالوث البطون والفروج والجيوب. انقلبت الموازين، واختلت المعايير، وشوهت المفاهيم، والتبست معيارية الحق على الكثير فاختلط الحابل بالنابل. ومن أسوأ الانعكاسات السيئة والآثار السلبية له على المجتمعات كلها فقد الأمن والأمان في الدماء والأموال والأعراض والعقول، فبسببها تقع اعتداءات تشمئز منها النفوس وتنفر منها العقول. ألم تر تلك الكوميديات القاتلة للوقت؟ ! ألم تر تلك المسارح الفخمة التي يفدى في سبيلها الملايين والملايين سواء من المال وسواء من الوقت؟ ألم تر تلك الأفلام الساقطة تعرض على ملايين الناس عبر شاشات التلفاز والسينما فتوجه الجماهير إلى الفحشاء والمنكر، وتعوِّدهم على سلب الأموال والأعراض، وتحرضهم على الاغتيال والانتحار؟ ! أليس من هذا التعويد الذميم ما انتشر في الأوساط المسلمة من جميع هذه السلبيات وعلى رأسها الانتحار؟ ! فيصرف الجماهير أوقاتهم النفيسة لها، يتفرجون عليها ساعات تلو ساعات دون أن تعود لا عليهم ولا على أسرهم ولا على أمتهم بأدنى نفع عاجل أو آجل سوى تعويدهم على الفحشاء والرذيلة أو على أيسر الاحتمالات قتل الوقت؛ على حد تعبيرهم، فأهدرت خامات إنسانية وطاقات غزيرة في سبيله. ألم تر إلى ذلك اللغو العظيم والباطل الجسيم وما أدراك ما ذلك اللغو العظيم: تلك المباريات الرياضية التي تنشأ الأجيال على حبها وهواها بحيث جعلت إلهاً من دون الله، فتظهر بشكل واضح في جماهير الناس مصداقية قوله سبحانه: [] أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً [ (الفرقان: ٤٣) ألم تر ذلك اللغو والباطل الذي يسيطر على قطاع كبير من الصحافة العالمية سواء في الشرق أو في الغرب؟ ! ألم تر إلى النسيج العنكبوتي عبر الإنترنت وهو الأدهى والأمر كيف استولى على العقول واستأسر النفوس؟ ! ألم تر أن أهل اللغو في كل واد يهيمون ولا يتبعهم في مسالكهم إلا الغاوون؟ فهل من مدكر! والأكثر إثارة للعجب والدهشة أن كثيراً من المسلمين الذين يقرؤون صباح مساء قوله تعالى:] وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [ (المؤمنون: ٣) ، وقوله جل في علاه:] وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً [ (الفرقان: ٧٢) وكثيراً من الذين يعدون في مصاف المسلمين الواعين الساهرين على هموم الإسلام لم ينجوا من هوى اللغو في بعض مظاهره كالمباريات الرياضية أو الأفلام غير المجدية أو غير ذلك مما هم به أدرى بما أملت عليهم أهواؤهم من الفتاوى الباطلة والعلل الساقطة، فتراهم يصرفون أوقاتاً نفيسة عليها بدون جدوى. ولكن سوف يعلمون! وإلى الله المشتكى!

стр. 4157

ندوات ومحاضرات التعليم بالمغرب على مفترق الطرق! (١ - ٢) أعد الندوة: د. فريد بن الحسن الأنصاري [*] المغرب الأقصى كباقي دول العالم العربي والإسلامي شهد، وما يزال يشهد هزات عنيفة في مجال التعليم سميت كل مرة بـ (مشروع إصلاح التعليم) ، وفي مشاريع إنما كانت تحاول بالأساس مسخ هويته الإسلامية، واستئصال لغته العربية. وقد أتسمت في عموهما بأمرين: ترسيخ الفرنكوفونية، وإضعاف الطابع الإسلامي لكل برامجه ومواده، فكان أن انقدحت عن هذين الأمرين معارك عديدة منها معركة التعريب التي شهدتها الساحة المغربية منذ أوائل عهد الاستقلال إلى اليوم، ومعركة مادة التربية الإسلامية، وكل ما له صلة بالدين في التعليم، هذه المعركة التي ما تزال أدخنة وطيسها تملأ أفق الساحة المغربية إلى الآن. فاليوم يشهد المغرب مشروع ما سمي بـ (إصلاح التعليم) على مستوى الوزارتين: وزارة التربية الوطنية وتكوين الأطر، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وباتفاق كثير من الخبراء تعتبر هذه المعركة هي الأخطر من نوعها على مستقبل التعليم في المغرب منذ عهد الاستقلال إلى اليوم! من أجل ذلك نظمت مجلة البيان ندوة حول هذه القضية الشائكة تحاول بذلك استجلاء طبيعة هذه المعركة المصيرية، وتبين طبيعتها وأسبابها، ثم محاولة استبصار مآلاتها، وقد استدعينا لهذه الندوة أربعة من المختصين في المجال التعليمي مراعين في ذلك تنوع الاهتمامات وتكاملها، وكل منهم يجمع بين الاشتغال الدعوي الإسلامي والتخصص التربوي التعليمي المهني، وكلهم طبعا شارك، ويشارك في خوض معركة التعليم بالمغرب. وهم كما يلي: · الدكتور خالد الصمدي: رئيس قسم الدراسات الإسلامية، وأستاذ التعليم العالي بالمدرسة العليا لتكوين الأساتذة الوطنية، التابعة لوزارة التربية الوطنية، المكلفة بإعادة هيكلة البرامج والمناهج التربوية، بالنظام التعليمية بالمغرب، في إطار مشروع إصلاح التعليم. الدكتور حسن العلمي: أستاذ كرسي الحديث والفكر الإسلامي بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة / المغرب، ورئيس وحدة الدراسات المنهجية الشرعية في الغرب الإسلامي (الدراسات العليا) بالجامعة نفسها، ثم هو مدير معهد الغرب الإسلامي للتكوين والبحث العلمي بالقنيطرة. وعضو المجلس العلمي بالمدينة نفسها. الشيخ الداعية أبو سلمان محمد العمراوي: عضو رابطة علماء المغرب، خريج معهد البعث الإسلامي للتعليم الشرعي بوجدة المغربية، اشتغل بالإرشاد الديني في صفوف الجالية المغربية بأوربا، وهو الآن مدير معهد الإمام مالك للتعليم الشرعي بمدينة سيدي سليمان المغربية. الأستاذ أحمد إبراهيم: أستاذ العلوم الطبيعية بمدرسة المعلمين بمدينة مكناس المغربية، منذ أكثر من عشرين سنة، له خبرة في (التكوين البيداغوجي) للمعلمين، وهو داعية معروف بدروسه في التفسير بدور القرآن والمعاهد الشرعية. هذا وقد دارت مناقشة القضية كما يلي: البيان: لا بد في البداية من محاولة تحديد مفهوم (التعليم) في علاقته بمفهوم (التربية) ، ذلك أنه كثيرا ما قٌرن في تسمية وزارة التعليم، بين ضميمتي: ( التربية والتعليم) ، فإلى أي حد يمكن الحديث عن تداخل المفهومين في العملية التعليمية؟ - الدكتور حسن العلمي: في البداية أود أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى مجلة البيان، ومؤسسة المنتدى الإسلامي التي أتاحت لنا هذه الفرصة للتواصل والحوار مع الفئة المتعلمة، أو الفئة الباحثة في بلاد المغرب. والحقيقة أن هذا الموضوع الذي هو موضوع التعليم والتربية هو من المواضيع التي شغلت بال الباحثين والدارسين، ورجال التربية القائمين على هذا الشأن خاصة في هذا العصر الذي صار الإسلام فيه يواجه من التغريب، وموجات الانحلال لإبعاد الناس عن دين الله ، وفصلهم عن هويتهم وحضارتهم، فالتعليم في المنظور الإسلامي لا ينفصل أبدا عن التربية، بل إن العلم إنما جاء لتربية هذا الإنسان، وربطه بالله ، وبالمشروع الحضاري الإسلامي في هذه الأرض لإقامة الدين في الأرض؛ ولذلك نلاحظ في القرآن الكريم أن الله - عز وجل - ربط بين العلم والتربية، قال الله : [فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ] (محمد: ١٩) . فهما أمران متتابعان: (اعلم واستغفر) . وقد بوَّب لذلك الإمام البخاري ﵀ بقوله: (باب العلم قبل القول والعمل لقول الله - تعالى -: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) وذكر في الترجمة - مما ذكر - قول عبد الله بن عباس - ﵁: " كونوا ربانيين: فقهاء علماء. والرباني الذي يعلّم الناس بصغار العلم قبل كباره) ، فلا فصل ثمة بين التعليم والتربية. ومن سير السلف الصالح ﵃ نقتبس هذا النهج، فهذه أم مالك العالية بنت شريك التي كانت من أذكى خلق الله فطرة، كانت تعلم ابنها وترسله إلى ربيعة الرأي، وتقول له: (تعلم من أدبه قبل علمه) . ونحن اليوم إذ نرى واقع التعليم في البلاد الإسلامية، نجد أن مسؤوليتها أمام الله يوم القيامة عظيمة، وأنها أمة فرطت في جانب التربية والخلق، وجعلت التعليم تعليمأ مهنيا، تعليما لتخريج الموظفين فحسب، وليس لتربية المجتمع وهدايته وتأطيره، ولا نرى هذا إلا في أمة نسيت عقيدتها وأصولها، أما الأمم التي لها أصول إيديولوجية، ولها أفكار علمانية؛ فهي لا تنفصل أبدا عن أصولها. فهذه جماعة (الجيزويست) الكنيسة تعتمد التعليم المسيحي والأصول المسيحية في التربية، ولا تقدم على ذلك شيئا. وكذلك اليهود مهما بلغوا في التطور العلمي والتكنولوجي لا ينفكون عن عقائدهم في تعليمهم. - الدكتور خالد الصمدي: فيما يخص التلازم بين التربية والتعليم - كما قال الدكتور حسن العلمي - أعتبر أن المفهومين متداخلان، وبينهما عموم وخصوص، فالتعليم: هو أسلوب من أساليب التربية؛ فهي أعم وهو أخص؛ فقد يؤدي التعليم إلى التربية، وقد لا يؤدي باعتبار طبيعة الأهداف المرسومة لهذا التعليم، والمقاصد المحددة له. والقرآن نفسه تحدث عن التعليم وعن التزكية، وتحدث عن جملة من الصور التي يرتبط فيها التعليم بالتزكية، أي بالتربية، فنتج عن ذلك مجموعة من الصور التي تفترق فيها التربية عن التعليم، أو تتطابق معه. فعلى سبيل المثال: إبليس كان عالما أتاه الله من العلم ما لم يؤت غيره، ومع ذلك أخفق في الاختبار؛ بسبب فقدان التربية، بسبب الكِبْر والكِبْر لا يكون إلا في شخص لم يتلق التربية، لذلك كان هدف الرسالات السماوية بالأساس هو إعادة ربط التربية بالتعليم، ولذلك قال إبراهيم ﵇ في دعوته لأمته: [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] (البقرة: ١٢٩) ، فطبيعة الرسالة هي هذه. وإذا انتقلنا إلى واقعنا المعاصر، نجد أن نظامنا التعليمي منذ القديم، كانت ترتبط فيه التربية بالتعليم، فلم يكن هناك فصل نهائي بين (الأدب) كمصطلح تربوي بالأساس، وبين (التعليم) . فالمؤلفات التراثية التعليمية كلها تسير في هذا الاتجاه، نذكر مثلا: كتاب (تذكرة السامع والمتكلم في أداب العالم والمتعلم) لابن جماعة، أو كتاب القاضي عياض: (الجامع بين العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله) ، ونحفظ في ضميمتي (التربية والتعليم) صورا كثيرة من هذا؛ فقد كان العالم لا يبدأ في درسه إلا بعد أن يصلي ركعتين، والتعليم لم يكن إلا في المسجد، وللمسجد حرمته، وبعده التربوي وسكينته ... وفعلا التعليم حينما ارتبط بالتربية كانت له آثار جيدة جدّا، على مستوى تكوين شخصية المتعلم، وعلى مستوى طبيعة المعارف التي يتلقاها، وطبيعة رسالة العلم الذي من أجله يتعلم. لكن من مجيء الاستعمار إلى بلدان العالم الإسلامي كان هذا الفصل النكد بين التربية والتعليم؛ حيث أصبح للتعليم أغراض أخرى غير الأغراض التي كانت محددة سلفا في النظام التربوي للتعليم الإسلامي؛ حيث ارتبط بسوق المادة، وارتبط بسوق الشغل، وما شاكل ذلك. وهذا ليس عيبا بإطلاق؛ ولكن المشكل أن جانب التربية قد أخذ يضمر، ويضعف، ويضمحل في النظام التربوي المعاصر؛ حتى انتهى أمره. ومازلت أذكر هنا مقولة للدكتور المهدي بن عبود - رحمة الله عليه - حين قال: (مدارسنا تعلم ولا تربي، ولذلك فهي تخرج الأباليس) لأن إبليس كما ذكرت سابقا كان عالما، ولم يكن مُتَربيا. والحقيقة أن نظامنا التعليمي الحالي وخاصة في المغرب صورة من صور التعليم في العالم العربي والإسلامي قد انفصلت فيه التربية عن التعليم، في البرامج والمناهج والوسائل؛ ولذلك أعتقد أن تدريس مادة (التربية الإسلامية) بوضعها مادة في نظامنا التربوي والتعليمي - أقول مادة - هو نوع من العلمانية: كأننا نكرس صورة مفادها أن العلوم الأخرى التي يدرسها الطالب من تاريخ، وجغرافيا، وفلسفة، ولغات، إلخ، ليس من شأنها أن تؤدي إلى تربية إسلامية! ولذلك تجد التلاميذ الآن في المؤسسات التعليمية قد يعيبون على أستاذ التربية الإسلامية مجموعة من التصرفات، كالتدخين وغيره، في حين لا يعيبون هذا التصرف نفسه على أستاذ اللغة الفرنسية، أو العربية، أو الرياضيات! ولذلك نعتبر أن التربية الإسلامية في إطار ربط التربية بالتعليم يجب أن تكون هدفا، وليس مادة، هدفا ينبغي أن تسعى إليه كل المواد. كل المواد ينبغي أن تحقق في شخصية المتعلم تربية إسلامية، لكن الذي حصل هو أن التربية انفصلت عن التعليم، وأصبح رجل التعليم الآن في المؤسسات الابتدائية والثانوية يمارس التعليم ولا يمارس التربية، باعتباره مسؤولا عن تقديم مجموعة من المعارف ليس إلا، ولذلك تجد هذا الأثر السيئ في سلوك المتعلمين الآن، على اعتبار أن ما يدرسونه في المؤسسات التعليمية مجموعة من المعارف، يطلب منهم استظهار في نهاية الاختبارات السنوية أو الفصلية، دون أن يكون لهاته المعارف، يطلب منهم استظهارها في نهاية الاختبارات السنوية أو الفصلية، دون أن يكون لهاته المعارف انعكاسات سلوكية على تصرفات المتعلمين، سواء تجاه أنفسهم، أو تجاه خالقهم، أو تجاه مجتمعهم، وأعتقد أنه لا مجال لإعادة الاعتبار لأساتذة التعليم مرة أخرى إلا لإعادة الاعتبار لأساتذة التعليم مرة أخرى إلا بإعادة ربطهم بالتربية وفقا للنسق القرآني الذي تحدثنا عنه، والقائم على هذا الثلاثي الذي هو: العلم، والحكمة والتزكية: [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] (البقرة: ١٢٩) . - الشيخ محمد العمراوي: الحقيقة هي أنه في تاريخنا الإسلامي، بل في نصوصنا الشرعية قبل ذلك لا يمكن أبدا فصل التربية عن التعليم، والقرآن الكريم أشار إلى هذه الحقيقة في آيات واضحة وبينة تتحدث عن وظائف الرسالة المحمدية، قال - عز من قائل -: [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] (الجمعة: ٢) . فالتعليم مرتبط بالتزكية، والتزكية هي ما يمكن أن يصطلح عليه اليوم بالتربية بمعناها السلوكي، وإن كان لفظ التزكية أقوى وأعمق، من حيث الآثار النفسية والمدلولات الباطنية؛ لأن التربية يمكن أن تنصرف إلى الجوانب المادية؛ فقد تربى جسما ليطول، أو شيئا من هذا القبيل. بينما التزكية أمر يتعلق بالتطهير، والتطهير هو المقصود بالأساس في هذا المعنى الذي يعبر عنه اليوم بالتربية. كذلك يقول القرآن: [كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ] (آل عمران: ٧٩) ، [تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ] (آل عمران: ٧٩) ، [تُعَلَّمُونَ الكِتَابَ] (آل عمران: ٧٩) يعني وظيفة المعلم أنه يتلقى التعليم مصحوبا، ومقرونا، وممزوجا بالتربية والتزكية. و [بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ] (آل عمران: ٧٩) أي تتعلمون الكتاب؛ ففي الحصيلة كل هذه الأصناف: المتعلم، والمعلم، والعالم، مشمولون في نهاية المطاف بالتربية. فلا انفصام للتربية عن التعليم، ولا للتعليم عن التربية في التصور الإسلامي الصحيح. إنه لم الغريب أننا عندما نقرأ كتب العلماء القدامى، حتى في المجالات التي تكون بعيدة عما يسمى اليوم بالتربية، كالنحو، والبلاغة، والطب ... إلخ. نجد الخطاب التربوي حاضرا بقوة. فالنحو مثلا في حقيقته علم لساني، وعلم جاف بطبيعته، ومع ذلك نجد ابن مالك مثلا يورد أمثلة تربوية كثيرة جدا في ألفيته. فالطالب يقرأ قاعدة نحوية عن النكرة عن القضية الابتداء بالنكرة فيقول: ولا يجوز الابتدا بالنكرة ... ما لم تفد كعند زيد نمرة ويذكر أمثلة كلها حكم، فيقول: (ورغبة في الخير خير) . ويقول أيضا: (عمل بر يزين) ، مثل هذا كثير. فالعلماء كانوا يهتمون بالتربية وبالتزكية، حتى في أمثلتهم فيما يضربونه من حٍكم، في مجالس الدرس الذي كان يسوده الوقار والحشمة، فقد كان الشيخ يقوم مقام الأب ولم يكن هناك نوع من الانفصال أو المشاكسة بين الطالب وبين الشيخ. هذه أمور معروفة في تاريخ التعليم الإسلامي. وعلى كل حال فالمجتمع الإسلامي كباقي المجتمعات، لا بد أن تظهر فيه انحرافات على مستوى التعلم وغيره، لكن تصدي لها علماء وتحدوا عن آفات العلوم إذا جردت من التربية وصار لها هدف آخر غير القصد التعبدي، كطلب المنصب أو الجاه أو غير ذلك، وأنت تعلم أن أبا حامد الغزالي ألف في هذا الصدد كتابه الإحياء ففي مقدمته حملة شديدة على علماء الظاهر: حيث إن هؤلاء بدلا من أن يصلوا بهذه العلوم إلى معارج الكمال الروحي والتزكية، صرفوا جهودهم إلى التعلم من أجل المناصب. وجاء بعده ابن الجوزي فكتب كتابه (تلبيس إبليس) في نقد العلم والعلماء. وليس ذلك نقدا للعلم في ذاته حقيقة؛ لأن العلم عند هذه الأمة هو أشهى شيء، وأغلى شيء، وإنما هو نقد سلوك بعض المنتسبين إلى العلم. وجاء بعدهما الحافظ الذهبي وألف كتابا مختصرا، وهو جميل جدا، والعبد الضعيف يشتغل بالتعليق عليه، وهو في (بيان زغل العلم والطلب) والمعروف أن المراد بالزغل هو الزيف. فهو في بيان آفات العلوم، يعني آفات حاملي العلوم، إذا لم يصحب العلم التزكية والتربية. ولذلك ليس هناك انفصام في تصور هذه الأمة ولا في تاريخها بين العلم والتربية؛ بينما جاءت هذه البرامج الحديثة اليوم مجردة عن هذا المعنى؛ فهي - كما تعلمون - برامج جاءت من قوم لا يؤمنون بما نسميه نحن بالتربية؛ لأن التربية عندهم مفهوما آخر ينظر إلى الإنسان من جانبه المادي فقط، لا ينظر إليه من جوانبه الأخرى. تلك طبيعة الغرب، وهذا مفهومه لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان في المستقبل. فنحن أخذنا هذه البرامج على علتها، مع تباين المنطلقات، وتباين المفاهيم، وتباين الماصدقات في نهاية المطاف، فطبقناها على مجتمع لا يؤمن بها في الحقيقة؛ فأنشأنا جيلا شائها. المصيبة العظمى اليوم أننا بهذه البرامج التي فصلنا بها التربية عن التعليم، لا نربي الأجيال على شيء، حتى ما نسميه بـ (التربية الوطنية) هؤلاء الأجيال هم أول من يفرون من أوطانهم وبذلك لا يتعلمون أي شيء؛ لأنهم ليست لهم أهداف كبرى يتحركون من أجلها. نحن عندنا العلم - كما قرره علماء هذه الأمة - مقصد في حد ذاته. وهو غاية في حد ذاته؛ فحولناه نحن إلى وسيلة فقد وعندما لا يكون الهدف واضحا فالوسيلة لا قيمة لها، فالعلم بعناه القرآن صفة من صفات الخشية والتقوى؛ فالقرآن وضع لنا قاعدة تكلم عنها العلماء وعلى رأسهم العز بن عبد السلام والإمام الشاطبي مفادها، (كل علم ليس تحته عمل فهو باطل) ، وذلك أخذا من قوله - تعالى -[وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ] (فاطر: ٢٨) . فالعلم الذي لا يصل بالإنسان إلى هذا المستوى من الخشية من الخوف من الله، من التعلق بالله ، ليس علما. بل هذا صاحبه جاهل. ولذلك حتى في الأمثال الشعبية المغربية، يقولون: (حتى الشيطان عالم) ، يضرب لمن لم يصل به علمه إلى التقوى والخشية، فالعلم الذي يبعد عن الله - تعالى- ليس علما، لا يسمى علما بحال من الأحوال. فهذا واقع هذه الأمة اليوم، فصلت التربية عن التعليم؛ فلم يبق لا تربية ولا تعليم. البيان: شيء طبيعي أن يقودنا سياق الحديث إلى معركة (التربية الإسلامية) باعتبارها مادة معروفة في المقررات الدراسية بالمغرب؛ فقد كانت تفرض حينا مادة إجبارية، وتترك حينا آخر، وهي كذلك في حال مد وجزر، حسب مذهبية من تولى الوزراة وأيدلوجيته، من هذا الاتجاه أو ذاك. واليوم تقوم ضجة كبرى حول محاولة الوزارة الوصية حذف هذه المادة من مقررات التعليم الثانوي، فإلى أي حد يشكل ذلك خطرا على الجيل؟ وإلى أي حد تسهم فعلا هذه المادة في تكوين الاتجاه الفكري للتلميذ؟ - د. خالد الصمدي: فيما يتعلق بهذا السؤال، خاصة موقع مادة التربية الإسلامية في النظام التعليمي والتربوي بالمغرب، لا بأس أن نرجع إلى الوراء قليلا لكل أتحدث عن المحطات التاريخية التي مرت بها المادة؛ فالمادة مرت بتسميات متعددة: ففي بداية عهد الاستقلال، أي في الستينيات من القرن الماضي، كانت مادة التربية الإسلامية في التعليم الابتدائي تدرس تحت اسم (مادة الدين) ، ومرة تحت اسم (مادة الأخلاق) ، ثم بعد ذلك في التعليم الأساسي والثانوي، كانت تدرس ضمن اللغة العربية، كانت آنئذ مادة اسمها اللغة العربية والتربية الإسلامية) ، كانت مقررات التربية الإسلامية غير مبرمجة، ولا معدة، ولا خاضعة لأي قاعدة من قواعد من البرامج، وغالبا ما كانت تسند إلى أساتذة اللغة العربية. وأستاذ اللغة العربية في هذه الحالة يكتفي بتدريس اللغة العربية غالبا، ولا يهتم بتدريس التربية الإسلامية إلا فيما ندر. ثم بعد ذلك في نهاية السبعينيات استقلت المادة بنفسها، فأصبحت مستقلة عن مادة اللغة العربية. أصبحت التربية الإسلامية مادة، واللغة العربية مادة أخرى. لكن التربية الإسلامية في هذه الحالة كانت تدرس بأساليب تقليدية وعتيقة، وبرامجها ومنهاجها لم تكن تخضع بأي حال من الأحوال للبناء العلمي والمنهجي، ووسائل التعليم فيها كانت ضعيفة جدا؛ ولذلك فإن جيل الثمانينيات احتفظ بذكريات سيئة عن مادة التربية الإسلامية باعتبار أنها مادة للحفظ، وأن المواضيع التي تدرس فيها مواضعي جافة لا علاقة لها بالسلوك اليومي للمتعلم، أضف إلى ذلك أنها لم تكن مادة إلزامية في الامتحانات، فكان بعض الطلبة؛ نظرا لحسهم الديني، أو لحاجاتهم للاطلاع على الجديد في مجال الثقافة الإسلامية؛ يحرصون على حضور حصص تلك المادة تطوعا. ثم بعد ذلك لما أنشئت شعب الدراسات الإسلامية بالجامعة المغربية، في بداية الثمانينيات، كان لهذا الحدث وقع مهم جدا على واقع تدريس مادة التربية الإسلامية في التعليم الأساسي والثانوي؛ إذ أصبحت المادة - لأول مرة في تاريخ المغرب الحديث - تستند إلى مجموعة من الأساتذة الذين لهم تكوين معرفي مرتبط بالعلوم الإسلامية، لكن بقي الخلل قائما من جهة أخرى، وهي أن شعب الدراسات الإسلامية في التعليم العالي لا تحتوي على مواد تربوية بالمعنى (البيداغوجي) للكلمة. يعني أن برامج ومناهج شعب الدراسات الإسلامية، كانت تقتصر بشكل كبير على مجال العلوم الإسلامية، من فقه وحديث وأصول وتفسير وما شاكل ذلك. أما المواد التربوية وأقصد (النظرية التربوية الإسلامية) ننفسها، (علم التربية الإسلامية) ، فهذه لم تكن مادة مدرجة في المقررات أو في المناهج والبرامج التعليمية؛ وهذا ما انعكس بشكل كبير على وضعية الخريجين؛ لأن مراكز التكوين التي كان يتكون فيها الأساتذة المتخرجون كانت قاصرة آنئذ عن تكوينهم؛ فالأساتذة المكونون أنفسهم لم يكن لهم تكوين تربوي / بيداغوجي في التخصص الإسلامي، بقد ما كان لهم تكوين في العلوم الإسلامية العامة. فاقتصر التكوين على الجانب المعرفي الصرف، في حين أننا ما زلنا نفتقد في المغرب حتى الساعة: ١٤٢٢/ ٢٠٠١ التخصص التربوي الإسلامي. لا يوجد عندنا في المغرب متخصص واحد يحمل دكتوراه الدولة في تخصص (طرق تدريس التربية الإسلامية) مثلا! علما بأن هذا التخصص قائم بذاته في المدارس المشرقية، وعلى كل حال هو تخصص متجذر في الجامعات المصرية، والسعودية، والأردنية، فانعكس هذا على بناء مقررات التربية الإسلامية؛ بحيث ارتبط بجانب العلوم الإسلامية أكثر مما ارتبط بجانب التربية الإسلامية؛. ولذلك لم يكن للمادة التأثير المرجو على سلوك المتعلم. لكن ولله الحمد عرفت المادة في خمس سنوات الأخيرة تطورا مهما جدا، حينما بدا الانفتاح على المؤسسات المشرقية المتخصصة في مجال التربية الإسلامية عن طريق المؤتمرات التربوية، وعن طريق شبكة الإنترنيت؛ حيث سهل الدخول إلى المواقع المتعددة المرتبطة بمجال التربية والتعليم، والمعتمدة في مجال التربية الإسلامية بشكل أخص؛ بحيث أتيحت الفرصة لتبادل التجارب وتبادل الخبرات في بناء البرامج وبناء المناهج، وبذلك طورت مؤسسات التكوين عتادها التربوي، ورصيدها المعرفي المرتبط بتدريس مادة التربية الإسلامية. فكان هناك خريجون أسهموا في رفع مستوى تدريس المادة. وما زلنا نأمل حتى الساعة فتح سلك التبريز في تخصص طرق تدريس التربية الإسلامية، وسنعمل إن شاء الله - تعالى - في هذا الاتجاه. - د. حسن العلمي: محاربة مادة التربية الإسلامية بالمغرب، هي في الحقيقة من مخلفات الغزو العلماني، والغزو الثقافي الاستعماري الذي غزا أمتنا من خل الهجمة الفرنسية الفرنكوفونية التي غزت التعليم بالأساس. والآن صار للاستعمار خطط وأساليب ماكرة في العصر الحديث فلقد يئس المستعمرون من لغة الحديد والنار فبدلوا السلاح لوجهة أخرى، وهي غزو الأفكار وغزو الضمائر؛ فأول ما فعلوه هو أنهم عزلوا التعليم الديني عن التعليم المدني، ففصلوا هذين بعد أن كانا مشتركين. وقد كانا إلى عهد قريب شيئا واحد. فنذكر أن في جامع القرويين، والأزهر، وفي الجوامع الإسلامية، والجامعات العتيقة، كان يتخرج الأطباء والمهندسون والبيطريون، والمساحون والرياضيون. وكانت العلوم الدينية إلى جانب العلوم المدنية التي تبني الحضارة التكنولوجية مقترنتين. ولما أُخرِج التعليم من الجوامع وأدخل الجامعات الحديثة كانت هذه هي نقطة الفصل بين الدين والدنيا، حتى يتسنى لذلك الفتى المراهق أن يبعد عن دينه، بدراسته في جامعة بلا مراقبة شرعية ولا تربية دينية. هذه قضية استعمارية تاريخية معروفة. الذي حصل هو أنه جاء بعد ظهور الصحوة الإسلامية المعاصرة، وانتشارها في الأرض، ودخولها في مرحلة التمكين في بعض البلاد الإسلامية ودخولها محنا مع الأنظمة، بدأت فكرة المخطط الذي وضع من طرف هؤلاء المكرة الصليبيين والماسونيية، ومن يعاونهم في البلاد العربية الذي سمي بمخطط (تجفيف منابع الأصولية في العالم الإسلامي) ، وأجهز على البقية الباقية من برامج التعليم الديني، فأقصى الإسلام من كثير من المعاهد المدنية، والمدارس المدنية وعٌزِلت عن أن تخضع للتأثير الديني والإسلامي، وأبقي للإسلام هذه الحصة التي تسمى: (التربية الإسلامية) . ثم لم يزالوا بعد ذلك في كل وقت، وفي كل مرحلة من مراحل التغيير السياسي؛ فكلما جاءت حكومة نظرت لتكون (أرقى) من الحكومة التي سبقتها في التضييق على التربية الإسلامية وتقزيمها، إمعانا في محاربة الإسلام، فحوربت المادة من جهتين: أولا: من جهة تقزيم مقررها، وتقزيم ساعاتها وأعطى لها مُعامل ضعيف جدا! فمُعامل اللغة الفرنسية مثلا - بتأثير من الاتجاه الفرنكوفونية بالمغرب - يقوم بخمسة أو ستة، بينما معامل التربية الإسلامية لا يكاد يتعدى الواحد، وحصة واحدة في الأسبوع. ثم بدأ الناس يجادلون ويناقشون، ويأملون أن تصير في المخطط الحديث للإصلاح الآن مادة اختيارية، بل لم يسموها التربية الإسلامية وإنما سموها: (الحضارة الإسلامية) . وكانت الجدالات والنقاشات في اللجان التي وكلت إليها مهمة تهيئة مشروع الإصلاح أن يحصر تدريس مادة التربية الإسلامية في المستوى الابتدائي والإعدادي. وكان بعضهم يتبجح ويقول: عار علينا أن نعلم التلميذ الدين الإسلامي وهو في سن المراهقة؛ بل الواجب أن يتعلم ذلك في الصغر، أي في طفولته الأولى. هكذا أرادوا حتى إذا وصل سن المراهقة عزل عن دينه، حتى يتسنى لهم ببرامجهم التعليمية الزائغة أن يفسِّقوه ويبعدوه عن دينه. ومن هنا فهذه المادة أصبحت لا تؤدي مفعولها الحقيقي وأثرها المرجو، وإن كان الله - لا يترك هذا الدين من غير مؤثر؛ فعلى هزال ما فيها وقلة أساتذتها، فإنها لا تخلو من تأثير. أما الوجهة الثانية التي حوربت من خلالها التربية الإسلامية فهي أنه أدخل إليها أساتذة غير مختصين في هذه المادة، بل أساتذة - في بعض الأحيان - لا يمثلون القدرة الإسلامية، قد تجد منهم المدخنين، والسكارى والمعربدين، بل والملاحدة أحيانا يدرسون التربية الإسلامية؛ حتى يقال: هذا هو الإسلام. الإسلام هو قول بلا عمل، مرجئة جدد يظهرون الآن في هذا الزمان ليعلموا الناس أن الإسلام في القلب فقط، لا في العمل. - الشيخ محمد العمراوي: من الخطأ التاريخي لهذه الأمة أن يتحول التعليم في المغرب إلى تعليم علماني محض، المغرب الذي كان قبلة طلاب العلم في المشارق والمغارب، وتأسست فيه أو جامعة في التاريخ والتي هي جامعة القرويين، جامعة القرويين لم تكن تدرس الفقه المالكي، والحديث النبوي، والنصوص القرآنية الكريمة فقط، بل كانت تدرس كل علوم الكون، كعلم الفلك والرياضيات، كل العلوم الكونية. فالقرآن هو الذي أسس الأصول لنظرية المعرفة العلمية. ففي كتاب (التراتيب الإدارية) لعبد الحي الكتاني فصل رائع جدا يتعلق ببيان ذلك. إلا أنه عندما جاء الاستقلال تغير كل شيء مع الأسف، هذا الاستقلال الذي كان آباؤنا وأجدادنا يموتون من أجله؛ لا ليستقل المغرب عسكريا، ويبقى مستعمرا في جانبه الثقافي، وإنما ليستقل استقلالا تاما، ومن بين معاني استقلاله التام أن يكون تعليمه مبنيا على الإسلام من أوله إلى آخره. فعلمنة التعليم خطأ كبير وقع فيه من يمكن تسميته ب (المشرع المغربي) الذي وضع هذه البرامج، إن كان مغربيا في حقيقته. هذا جانب الآخر أن مادة التربية الإسلامية، جُعلت مادة معزولة مظلومة من جوانب متعددة فهي أولا لا تحتوي على مقررات جيدة، وإنما يدرس فيها ما اتفق. إلا أن هذه السنوات الأخيرة بدأ فيها بصيص من النور يظهر في المقررات دون أن يُختار لها الأستاذ الكفء. ولعلك تعلم أن بعض الأساتذة الذين كانت تخصصاتهم في التاريخ والجغرافيا، أو الرياضة البدنية، أو اللغة العربية، إذ بهم بين عشية وضحاها يدرسون مادة التربية الإسلامية! وأنتم تعلمون ذلك، ثم لا يختار لها حتى الوقت المناسب وطامة الطوام وداهية الدواهي أنه لا قيمة لمعاملها؛ ومن ثم فإن الطلاب لا يُقبلون عليها، ولا يرغبون فيها. إذن فالتعليم المغربي مظلوم كله؛ لأن عُزل عن التربية الإسلامية. ثم ظلمت مادة التربية الإسلامية بهذه المظالم كلها، مع ذلك فوجودها خير من عدمها، وهناك كثير من التلاميذ إنما تعلموا الصلاة وتعلموا الوضوء بهذه الطريقة. بل كثير من الأسر وصلهم الإسلام من جديد، يعني الالتزام به، والعودة إليه، وصلهم عن طريق أستاذ مقتدر من أساتذة التربية الإسلامية يزرع هذه الروح في تلامذته، ويحولِّهم إلى دعاة داخل بيوتهم، وداخل أسرهم. إذن لا يجوز، ولا أسمح باعتباري مواطنا مغربيا، ولا أقبل بحال من الأحوال أن تحذف هذه البقية الباقية من التعليم الإسلامي في الأمة - على علاتها - من برامج التعليم. بل نحن نطالب أن تكون مادة التربية الإسلامية هي المهيمنة على التعليم كله، بل وأن يكون التعليم كله يدور في فلك التربية الإسلامية، كما كان في السابق. - الأستاذ أحمد إبراهيم: إن حركة المد والجزر التي تتعرض لها شواطئ مادة التربية الإسلامية بفرضها تارة وإلغائها أخرى، أو بتقلص الساعات المخصصة لها، أو بتهميشها من خلال تقليص معاملها، وذلك حسب فكر من يتولى الوزراة لخير دليل على أهمية هذه المادة في بناء شخصية الفرد المسلم، وتعريفه بما له وما عليه؛ بما يسهم في صنع أجيال بناءة ذات قيم ومثل عليا تدفعها إلى التضحية، وإيثار المصلحة العامة على الخاصة. ومما لا شك فيه أن الاتجاه الفكري للتلميذ يتأثر كثيرا بهذه المادة، خاصة إذا اجتمعت مجموعة من العوامل نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: ١- المضامين والقيم والمثل التي تقوم عليها المادة. ٢- شخصية المعلم أو الأستاذ ومدى تشبعه بهذه المثل والقيم، ومدى تأثير سلوكه بتلك المضامين، ودرجة التواصل والمحبة بينه وبين التلاميذ، وهذا عنصر عظيم الأثر على درجة إقبال المتعلمين على المادة؛ فالمريض قد يعود إلى عيادة الطبيب منجذبا بطريقة معاملة الطبيب وخلقه، رغم وجود أطباء آخرين أكثر منه كفاءة، لكنهم أقل منه إنسانية ورحمة. ٣- منهجية تقديم مادة التربية الإسلامية؛ فإن إضافة المذاق الحلو إلى الدواء المر يجعله مستساغا مطلوبا؛ فكيف إذا كان الدواء في ذاته حلوا، وأضفنا إليه حلاوة أخرى من خلال منهجية تقديمه؟ ٤- قدرة المعلم أو الأستاذ على تنزيل المفاهيم والمضامين على واقع المتعلم، وبيان إمكانية تطبيق المضامين، وأثر ذلك على مستوى الفرد والجماعة. ٥- امتداد العلاقة بين المعلم والمتعلم إلى خارج حدود قاعة التدريس أمر مهم جدا لإزالة الحواجز النفسية التي قد تكون عند الكثير من التلاميذ، ولضمان الوقوف على مدى تطبيق التلاميذ لما يقدم لمهم داخل قاعة الدرس؛ لمعرفة مواضع الخلل إن وجد، والإسراع في ترميم ذلك قدر الإمكان. البيان: جاءت المسودة الأولى لإصلاح التعليم بالسلكين الإعدادي والثانوي متضمنة لشعبة الموسيقي. وكذلك لما سمي بمادة (علوم الحركة) التي قيل: إنها كناية عن (مادة الرقص) وفي المقابل كان هناك إغفال ملحوظ لمادة التربية الإسلامية في كل الشعب الأدبية والعلمية؛ فهل يمكن اعتبار وزارة التعليم كسائر الوزارات تتولاها أي حكومة لتفعل بها ما تشاء، أم أنها وزارة (وطنية) فعلا، كما تنطق تسميتها (وزارة التربية الوطنية) ، أي أنه عمل يهم كل أبناء هذا الوطن، ويخدم عمقه العقدي وهويته التاريخية، ولا يجوز استغلاله لخدمة فئة ذات أيديولوجية خاصة؟ فهل يمكن اعتبار التعليم فعلا مجالا حقيقيا مفتوحا؛ لتصريف الإيديولوجيات والمذهبيات الفكرية؟ ألم يكن حريا أن يعتبر وزارة من (وزارات السيادة) كما هو حال وزارات العدل، والداخلية والخارجية، ثم الأوقاف الشؤون الإسلامية، ولا وزراة من (وزارات الحكومة) كما هو مصطلح عليه في الشأن السياسي بالمغرب؟ ثم إلى أي حد يعتبر هذا الأمر مؤثرا في الاستقرار النفسي والأمن الروحي للوطن؟ - د. خالد الصمدي: دعني أؤكد لك في البداية أن المشروع التعليمي لأي بلد تتقاذفة التوجهات التي تحاول ما أمكن تصريف مواقفها من خلال التحكم في مستقبل البلد الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي، وما شاكل ذلك. تبدأ الدورة عبر التمكن من ترسيخ نمط تعليمي معين، ومحدد وبالاطلاع على النظام التعليمي لأي بلد يمكنك أن تحدد مستقبله على مدى ١٥أو ٢٠ سنة. لذلك يعيش المغرب الآن نقلة نوعية، في محاولة إعادة النظر في مناهج التعليم بصفة عام، من الأوَّلي إلى التعليم الجامعي، ويمكن أن أؤكد لك أن هذه الحركية التي يعرفها ملف إصلاح التعليم في المغرب الآن، وبهذا الزخم الكبير تحدث لأول مرة منذ استقلال المغرب! إذ إن إصلاح مناهج التعليم منذ بداية الاستقلال إلى الآن كانت توكل إلى أشخاص بعينهم خبراء في المجال التربوي، يعتكفون في معتكفات خاصة، فتعمد الدولة على خبرتهم وتجربتهم لإنجاز برامج ومناهج يمكنها أن تلبي حاجة المغرب المتزايدة في هذا المجال، لكن إعادة النظر اليوم بشكل جذري في برامج ومناهج التعليم بمحاولة إشراك فئات واسعة من خبراء مغاربة في هذا المجال هو أمر في اعتقادي يحدث لأول مرة بهذا الشكل، ولذلك قد تعتبرها محطة مهمة جدا لمحاولة ترسيخ وهيمنة النظرة التربوية الإسلامية للتعليم كما قد يعتبرها غيرنا محطة مهمة جدا لترسيخ وهيمنة التصور الأيديولوجية والسياسة الموجودة عندنا في المغرب، ونظرا لطبيعة الحكومة التي تسيِّر المغرب الآن؛ فمن الطبيعي أن يكون هناك صراع مواقع؛ لأنني ذكرت لك أن التحكم في النظام التعليمي، ومحاولة ترسيخ نمط معين في بداية الألفية الثالثة سيحكم مستقبل المغرب لعشرين أو ثلاثين سنة قادمة! لذلك لا عجب ولا غرابة في أن نرى هذا الصراع الكبير جدا المتعلق بإعادة النظر في البرامج والمناهج. أما فيما يتعلق بما ذكرتم من كون مجموعة من الشعب الجديدة التي أدرجت في مسودة المقترحات التي هي مجرد مقترحات حتى الساعة: شعبة الموسيقى، وشعبة علوم الأنشطة الحركية التي هي تسمية جديدة لشعبة التربية البدنية والرياضة، بالإضافة إلى شعب أخرى كالتربية التشكيلية، وغيرها من الشعب؛ فيما يتعلق بالرقص في المسودة التي بين أيدينا الآن لا توجد مادة بهذا الاسم، وإن كانت هذه الشعبة حينما تحمل اسم (علوم الأنشطة الحركية) فيمكن أن يندرج فيها كل ما يتعلق بالأنشطة الحركية، بما فيها ما ذكرتم؛ لأن الأساس هو إقرار الشعبة أولا، أما الحدي عن محتويات الشعبة فأمر داخلي. إذا قرت الشعبة فيمكن أن يقرر في داخلها من المواد ما يمكن أن يحقق هذا المفهوم. أوكد مرة أخرى أن المجال مفتوح جدا في النظام التربوي التعليمي الآن، وخاصة في التعليم الثانوي لإدخال أكبر عدد ممكن من الشعب؛ بحيث وصل عدد الشعب المقترحة الآن إلى أكثر من ١٧ شعبة، وهذا لم يكن في التعليم الثانوي الحالي المعروف بما فيه التعليم التقني والعلمي والأدبي. الدافع الأساسي لهذا هو محاولة الارتباط بسوق الشغل، ومحاولة (مَهْنَنَة) التعليم، وخاصة الاهتمام بالمقاولات الصغرى والمتوسطة، لكن هذا لا يخلو طبعا مما ذكرت سابقا من صراع أيديولوجي! لإثبات شعبة ونفي شعبة أخرى. وإذا ما اتجهنا إلى مادة التربية الإسلامية كما ذكرتم، فإننا سنجد أن المقترحات التي كانت في المسودة السابقة حقيقة حملت إقصاء لمادة التربية الإسلامية في حوالي ١٣ من أصل ١٧ شعبة! واقترح بديلا عنها مادة تسمى ب (مادة الحضارة الإسلامية) وأدرجت في (المكون الاختياري) أي أنها مادة اختيارية يمكن أن يختارها الطالب في الاختبارات، ويمكن أن يختارها وشيء طبيعي أنه لو وضعت أمام مادة الحضارة الإسلامية مجموعة من الاختيارات الأخرى كالإعلاميات، أو الوسائل السمعية البصرية، وغيرها من المواد المشوقة اليوم، فشيء طبيعة أن يختار التلميذ المواد ذات الصبغة التلقينية المعتمدة على الحفظ وما شاكل ذلك. - الاستاذ أحمد إبراهيم: نعم التعليم مجال خصب ومناسب جدا لتصريف الأيديولوجيات والمذهبيات الفكرية، بل أظنه أنسب المجالات لذلك وخاصة وهو يستقبل الإنسان طرياَ يسهل تشكيله وإدماج مادة الموسيقى وعلوم الحركة (مسرح، رقص، ... إلخ) في ظل اكتظاظ البرامج التعليمية بالعديد من المواد المختلفة الطباع، وفي ظل الساعات المحددة التي يقضيها التلميذ بالمدرسة التي لا تقبل الزيادة؛ سيكون بلا شك على حساب مادة من المواد الأخرى المدرسة، وبالتحديد مادة من المواد التي يسميها الكثيرون بالمواد غير الأساسية وعلى رأسها - مع الأسف - مادة التربية الإسلامية التي يقلصون الساعات المخصصة لها عاما بعد عام، فلا يخفى على أي إنسان ذي بال أن ذلك يدخل ضمن منهجية التدرج في تهميش مادة التربية الإسلامية لطمس معالم الشخصية المسلمة. - البيان: علمنا أن اللجنة الوزارية اقترحت بدل مادة (التربية الإسلامية) مادة (الحضارة الإسلامية) فما رأيكم في هذا الحرص على استبدال مصطلح ( تربية) ؟ وما يضير المادة أن تسمى بهذا الاسم أو ذاك ما دامت مقيدة بنسبة ( الإسلامية) ؟ - د. خالد الصمدي: هذا سؤال مهم جدا يحتاج إلى بسط لأنه سؤال جوهري ومحوري. فمصطلح (التربية الإسلامية) يَسِمْ مادة تعليمية في النظام التربوي التعليمي في الغرب - هذا المصطلح آثار كثيرا من الجدل، ولا يزال، ويمكن أن أؤكد لك أنه في بعض البلدان العربية أيضا، هناك صراع كبير جدا حول محاولة تغيير اسم (التربية الإسلامية) ، رغم أن المسيحيين في مصر يشكلن أقلية، ولكن مع ذلك يدافع كثير من المهتمين بمجال التربية والتعليم في مصر عن تسمية (التربية الدينية) عوض (التربية الإسلامية) ، والآن المصطلح الرائج في مصر هو مصطلح (التربية الدينية الإسلامية) وأعتقد أن هذه محطة أولى في اتجاه حذف صفة (الإسلامية) ، وإبقاء (التربية الدينية) . أما عندنا في المغرب - هو بلد إسلامي لا أقلية مسيحية فيه - فالغريب أن نفس الشيء يقع لأن الصراع التعليمي الآن في البلدان العربية والعالم الإسلامي يكاد يتزامن، بحيث إن مشاريع الإصلاح الآن موجودة في الأردن، وفي لبنان، وفي مصر، وفي غينيا من الدول الإسلامية. ونحن عندنا في المغرب شيء طبيعي أن ندافع عن مصطلح (التربية الإسلامية) ، وألا نرضى عنه بديلا؛ لأن المقترحات التي كانت هي (العلوم الإسلامية) ، و (الحضارة الإسلامية، (والفنون الإسلامية) . نحن لن نقبل هذا لسبب بسيط هو أن تلك التسميات الأخرى هي عبارة عن تخصصات توجد حتى في الجامعات الأوربية، والمؤسسات الغربية. فالحضارة الإسلامية يدرسها حتى اليهود والنصارى وغيرهم باعتبار أنها ثقافة عامة، لكن (التربية الإسلامية) باعتبارها نسقا خاصا له ارتباط بالجانب الاعتقادي، والتعبدي، وما شاكل ذلك، وكذا التوجيه السلوكي للإنسان الصحي، والبيئي، والإعلامي، والتواصلي، والأسري، والاجتماعي ... إلخ، لا يتم إلا بالتربية الإسلامية. فهذا كله هو روح مادة التربية الإسلامية، وهي بهذا لا يمكن أن يتلقاها إلا المسلم. فبما أننا في بلد مسلم، وأن نظامنا التعليمي يهدف إلى تكوين الإنسان المسلم الذي يعتز بعقيدته ودينه، إذن المصطلح المناسب في اعتقادي هو (التربية الإسلامية) لا غير. وإن كان التحدي الكبير الذي نواجهه حاليا - بالإضافة إلى المصطلح - هو في محاولة تمتين التطابق والانسجام بين طبيعة التمسية، وطبيعة المحتوى؛ ذلك أن هذا من المفارقات الكبيرة جدا التي نعيشها الآن؛ إذ إن المادة هي تحت اسم التربية الإسلامية، كلن المحتوى هو مرتبط بالعلوم الإسلامية أكثر، من فقه وحديث، وأصول، وهذه النقطة آثارت تساؤلات كبيرة جدا في أكثر المحاضرات والندوات واللقاءات العلمية، التي نظمت على الصعيد الوطني، بحيث كانت هنا حسب ما أتذكر حوالي ثلاثة مقترحات: فمنهم من أقترح تسمية (العلوم الإسلامية) حتى ينسجم المحتوى مع المضمون، ومنهم من اقترح الإبقاء على مادة (التربية الإسلامية) ، ولكن مع إعادة النظر في المحتوى كلية كلي يتلاءم مع المحتوى. ونحن نرى أن هذا الاقتراح الثالث هو الأهم؛ بحيث نعتقد أن جميع المواد التي تحمل صفة (التربية) في النظام التعليمي لها طابع تطبيقي، ولها ارتباط واسع جدا بالجانب السلوكي. فأنا لا أتصور أن أستاذًا للتربية البدنية على سبيل المثال سيجمع التلاميذ في فصل من الفصول، ثم يحدثهم على تاريخ التربية البدنية طيلة الموسم الدراسي؛ فهم تربية بدنية من حيث إنها سلوك عملي، وممارسة بدنية. كما لا أتصور أن أستاذ الفنون التشكيلية، أو التربية الفنية، أو الرسم سيجمع التلاميذ في فصل، ثم يحدثهم على (بيكاسو) ، وعن تاريخ الرسم فقط دون أن يعلمهم كيف يستعملون الفرشاة ويخلطون الألوان. نعم الجانب النظري ضروري، كلن بهامش ضيق وتابع. فالجانب التطبيقي العملي هو الجانب المقصود بالأصالة في مسمى (التربية) . كذلك (التربية الإسلامية) فإن الجانب المعرفي فيها لا يغفل، لكن الجانب العملي التطبيقي هو الذي يجب أن نقصد إليه في المقررات، والبرامج، والمناهج لبناء سلوك التلميذ المغربي حتى يكون له سلوك تعبدي، وسلوك عقدي، أو قل بكلمة جامعة: سلوك إسلامي، داخل المجتمع، وداخل الأسرة، وتجاه وسائل الإعلام، وتجاه البيئة.. وهكذا. هذه السلوكيات كلها ينبغي أن توجه التربية الإسلامية وتصوغها. ولذلك وينبغي في اعتقادي أن تكون وحدات التربية الإسلامية بدل علوم القرآن، وعلوم الحديث، والأصول، ينبغي أن تكون وحدات مرتبطة بالسلوك التعبدي، فتكون هناك (تربية تعبدية) ، (تربية عقدية) ، (تربية فكرية) ، و (تربية اجتماعية) ، (وتربية أسرية) و (تربية تواصلية) ... إلخ، من حيث إننا نواجه يوميا تربية مضاداة للتربية الإسلامية مما تعرض وسائل الإعلام والمعلويات يوميا. فلذلك أعتقد أن هذه المحاور التربوية هي وحدات مكونة لمادة التربية الإسلامية باعتبار أنها تنصرف مباشرة إلى المتعلم. فهذا الأمر يحتاج في الواقع إلى إعادة النظر في هيكلة مقررات وبرامج ومناهج مادة التربية الإسلامية في التعليم العام لكي ننتقل من تدريس العلوم الإسلامية إلى تدريس التربية الإسلامية. علما أن العلوم الإسلامية نفسها هي المادة الخام التي ستشكل جل هذه المناهج والبرامج. وعلى سبيل المثال عوض تدريس درس تحت عنوان: (أسباب النزول) ، فنتحدث فيما هو معرفي عن تعريف أسباب النزل، وعن أنواعها، يمكنني أن أتحدث في إطار التربية الإسلامية عن مقاصد تلك الأسباب، وآثارها على مستوى التربية الإيمانية مثلا، أو التربية الصحية، أو التربية البيئية، أو التربية الاجتماعية والأسرية ... إلخ موظفا في ذلك نصا من القرآن أو من السنة يتضمن مفاهيم عقدية، أو اجتماعية أو صحية أو وقائية، لكن يوظف فيه سبب نزول الآية، أو سبب ورود الحديث بما يخدم الجانب السلوكي التطبيقي للتلميذ. على أن التلميذ في مرحلة التعليم الثانوي، ومرحلة التعليم الأساسي ينبغي أن يتوجه التكوين بالنسبة إليه إلى المجال السلوكي والمجال الوحداني؛ بحيث أنه في مرحلة تشكيل التصورات والمفاهيم وصنع الاتجاهات. أما المجال المعرفي فيمكن أن يتدارك في أي وقت، وله مجال آخر في غير التربية الإسلامية؛ ذلك أن الجانب السلوكي والجانب الوجداني إذا حرم منهما الطفل في مرحلة ما بين عشر سنوات، وبين ثمانية عشر سنة من عمره، فإني أعتقد أنه يصعب أن يكسبه فيما بعد؛ بخلاف الجانب المعرفي الذي يمكن يُتدارك في كل وقت. - الأستاذ أحمد إبراهيم: الاقتراح المقدم لتغيير اسم مادة التربية الإسلامية ما هو إلا خطوة من خطوات تهميش مادة التربية الإسلامية مادة تحكمها قواعد فقهية، وأصول، ونصوص صحيحة، ومحفوظة أما الحضارة فهي تشتمل على مضامين تعكس وجهات النظر المختلفة والتيارات أكثر مما تعكس الحقيقة الدينية الصافية، بما يضمن سهولة تمرير الأيديولوجيات والمذهبيات الفكرية إلى أذهان المتعلمين. البيان: هناك من يرى أن التعليم كي يكون ناجحا فيجب أن يتمتع بالحرية، فإنه يختار قيمه عن اقتناع، أما إذا فرضت عليه فإنه يتمرد عليها، ويحدث له حينئذ انفصام شخصي، ومفارقة للمجتمع، بينما يرى آخرون أن التعليم يجب أن يلتزم بقيم المجتمع الذي ينهل من ماله العام، والذي به يكون استمراره. كيف يمكن مقاربة الأمرين: الحرية والالتزام في التربية والتعليم؟ - د. خالد الصمدي: يمكنني أن أقول إنه لا يوجد نظام تعليمي يعتمد هذا المفهوم الذي ذكرتم، وهو الحرية المطلقة في تلقي وتعلم القيم والمبادئ؛ فكل مجتمع له قيمه مهما ادعى من الحرية، وتعليمه تبع له. نعتقد أنه حتى الانفلات من القيم بصفة نهائية هو سلوك قيمي، أي هو قيم في حد ذاته، فلا يمكنك أن تنفك من القيم مطلقا، إلا أن تقع في قيم أخرى: ولذلك كان الانفصال بين النظام التعليمي والقيم أمر غير منطقي، والدعوة إليه خدعة؛ إذ لا بد لكل تعليم أن يرتبط بقيم محددة كيفما كان نوعها، إذن! مفهوم الحرية في هذه الحالة هو مفهوم نظري ليس إلا؛ فليس له طابع تطبيقي عملي. فتوجب على كل نظام تعليمي أن يحدد استراتيجية كبرى بأن يحدد مقاصد وأهدافا عامة، ولا يخلو أي نظام تربوي تعليمي من هذا. وأعتقد أن الإشكال ليس في الإلزام والالتزام بقيم محددة، إنما هو في طريقة تبليغ هذه القيم، وطريقة نقلها إلى الأجيال، فإذا كان هناك أسلوب تقليدي يعتمد التلقين، يعتمد الحفظ المجرد، ويعتمد النظريات التربوية البالية فشيء أكيد أن أثر هذا التعليم في نقل القيم سيكون ضئيلا، ويكن ضعيفا؛ لأنه يعتمد بشكل كبير على السلطة، أكثر مما يعتمد على الحكمة، أما إذا كان نقل القيم بناء على ثلاثة أمور: الأول: رصد حاجيات المتعلم المناسبة له. الثاني: مخاطبته بالوسائل التي يفهمها. والثالث: إيصال هذه المفاهيم بالوسائل المبنية على الحوار والنقاش والإقناع. فشيء أكيد أن هذه القيم تنتقل بسلام من جيل إلى جيل آخر. فأنا لا أرى أن الأزمة أزمة علاقة بين الحرية والالتزام بقدر ما أرى - والله أعلم - أن العلاقة هي علاقة تكامل بالأساس بينهما حتى يتم نقل القيم إلى المتعلم بشكل ينساب إليه، دون أن يلحظ نوعا من القهر، أو نوعا من الإجبار. وأعتقد أن هذا هو التحدي الكبير الذي يرفع في وجه الأنظمة التعليمية. فالأزمة ليست أزمة مناهج، بقدر ما هي أزمة طرق تعليمية، ووسائل تربوية. - د. حسن العلمي: الحقيقة أن هؤلاء الناس ليسوا أحرارا في أفكارهم. القوم عبيد لمنظومة علمانية تؤخذ وترضع من لبان العولمة الثقافية. وما يسمى الآن ب (الثقافة الكونية) ، أو (الثقافة الإنسانية) التي ليس لها هوية، تجعل الإنسان لا هو مسلم، ولا هو يهودي ولا هو نصراني، ولا هو مجوسي، يعني (دعه يقل، دعه يفعل، دعه يتكلم) . هذه الحرية هي نوع من الحيوانية البهمية التي تتبع الغرائز والأهواء والأذواق والشهوات، ولا تحكم المنطق والعقل، ولا تحكم ما ينفع الأمة، ولا ما يقدم الخير لها. يعني لو كان هؤلاء الناس أحرارا في أفكارهم حقا، وكانوا يصدرون عن ذواتهم وعن اجتهاداتهم، وكانوا أصحاب مبادئ لكان الكلام معهم كلام الرجال مع الرجال، لكن الوضع غير هذا؛ ولذلك فإننا نقول: إن الذين تأخذهم الغيرة على أوطانهم، وعلى لغتهم، وعلى حضارتهم يتكلمون من منطق سليم، ويرون أن الأمة التي تنفق الملايين، وتنفق من دمها على هذه الأرض، وعلى هذه الحضارة، يجب أن يُحترم مشاعرها، وتحترم هويتها. فالأمة لا تريد أن تدفع مالا لتحارب به، تدفع مالا لتحرق نفسها في نار جهنم. هؤلاء الناس يريدون مجتمعا يرتبط بالأرض، والأمة تريد قوما يرتبطون بالسماء، يرتبطون بالله فالأمة التي تختار الدين وتختار الإسلام، هي أمة مسلمة فلماذا يفرض عليها من طرف نخبة علمانية قليلة أن تخرج عن ذاتها وتكفر بربها؟ فالعلمانية اليوم بالمغرب قد تتجلى عبر صوت الأمازيغية التي تنادي بتعليم اللغة الأمازيغية، والتكفير بالأمازيغية، والكتابة بالأمازيغية ليقولوا للعلم: انظروا.. هؤلاء الناس جذورهم كانت غير إسلامية، يريدون بذلك العودة إلى الحضارة البرغواطية، وفكر الساحرة جارزيس يعني الكفرة الذين كانوا يعبدون الأوثان في بلاد المغرب، ولذلك يرفعون هذه الشعارات، ويقولون إن الإسلام دخيل، وإن العرب غزاة، مع أن الإسلام هو الذي صنع المغرب. الحقيقة أن حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الأمة. وحرية الأمة في عقيدتها وفكرها أولى من حرية الأفراد النشاز الذين هم شرذمة قليلون مقلدون للغرب، وليسوا رجالا مفكرين من الذين يمكن لهم أن ينظروا، أو يقبل قولهم في مثل هذا المجال. - الأستاذ أحمد إبراهيم: إن الحرية بدون التزام فوضى مقنعة، ودعوة إلى تمزيق الجسد الواحد للأمة التي يمثل كل فرد فيها عضوا منه. قال أحد علماء التربية في أمريكا: (إذا أردت أن تعلم ابنك القيم، والمثل والمبادئ؛ فعلمه إياها في الوقت الذي لا يناقشك فيه) . فإذا أضفنا إلى تجربتنا بأرض الواقع قول هذا العالم، أمكننا الجزم بأن الالتزام بقيم ثابتة، نلقنها للمتعلم، وندربه عليها، ضروري في المراحل الأولى للتربية التي لا يحسن فيها المتعلم الاختيار على التقليد أكثر من اعتماده على العقل المستقل على أن نعطي له في مراحل متقدمة الاختيار بما لا يناقض مع جوهر مفهوم الحرية، فلا نضر نفسه أو مجتمعه. وصدق من قال: (من يكن راحما فليقس أحيانا على من يرحم) ، ففي فرنسا مثلا يمكن اختيار المعهد أو الكلية التي تدرس فيها بحرية في أي مدينة، ولكنك إذا قبلت؛ فإنك تتقيد وتلتزم بدراسة بعض المواد الخاصة بهذه المدينة المعمارية التي تلزم الدارسين بمعرفة مواطن الجمال فيها، وتعليمهم كيفية المحافظة على رموز تلك الجمال.

стр. 4158

البيان الأدبي قراءات في الشّعر اليهوديّ المعاصر الشاعر الإرهابيّ (أفرايم سيدون) نموذجاً بقلم: محمد شلال الحناحنة [*] يظلّ العداء اليهوديّ للإنسانيّة جمعاء، ولا سيما عداء المسلمين، يأخذ حيّزاً واسعاً من العقيدة اليهوديّة المنحرفة، ولم يكن اليهود في يوم من الأيّام إلا محطات إفساد للمجتمعات، وأدوات هدم لكل القيم المثلى، والأخلاق الفاضلة؛ فما من شرور في الأرض إلاّ ويحرّكُها أو يدعمها اليهود، أمّا الأدب اليهوديّ، فلمْ يكن أحسن حالاً من أصحابه وصانعيه، بل نرى هذا الأدب ملتحماً بالنفس اليهودية الإجرامية، خاضعاً لسطوة القتل المتعطش لها اليهود أينما وجدوا؛ ومن هنا تأتي هذه القراءات في الوجدان الأدبي اليهودي لتكشف بيسر أنه لا مجال لمسالمة يهود وهم يوقدون نيران الحروب، ولا مجال للركون لمشاريعهم الكاذبة الحاقدة لما يسمَّى الأمن والسلام في منطقتنا، وقد نرى أنَّ بعض شعرائهم يتباكون على الإنسانية المظلومة المذبوحة متناسين أن هذا الذبح والظلم يتم بآلتهم الحربية المدمرة، وأن هذا الآلة ما زالت تحصد كثيراً من الضحايا والأبرياء في فلسطين المحتلة، وغيرها من بلاد المسلمين! أما الشاعر اليهودي (أفرايم سيدون) ؛ فما زال يعيش هذه الغطرسة لبني قومه، وهو يخاطب حكومته، فيظهر أنّها لن تسقط رغم مجازرها وإرهابها للشعب الفلسطيني. يقول (أفرايم سيدون) في قصيدته: (حكومة لن تسقط) المنشورة في صحيفة (دافار) اليهودية بعد مجازر بيروت عام ١٩٨٥: (لا ... هذه الحكومة لن تسقط ... هي لن تسقط ... لأن قلبها مطمئن وهادئ ... ورصيدها الأخلاقي مرتفع ... مَنْ أنتَ أيها الطفل الفلسطيني؟ ... ومَنْ أنتِ يا جثة المرأة الحامل ... أمام «مناحيم» الفارس العبريّ ... الممسك بالتوراة القائل: بعون الله؟ ! ... ومن أنتم أيها الشيوخ المبتورون بغضب؟ ... ومن أنتِ يا أنهر الدّماء ... أمام ضمير إيرليخ العادل ... المدافع عن كرامة الإنسان؟ ! بدأ الشاعر الإرهابيّ (أفرايم سيدون) قصيدته ينفي إمكانية سقوط حكومته، وهو يسوِّغ هذا المنطق بصورة تحمل الكثير من المعاني: فهي حكومة أُسّست على الجريمة والإرهاب، وهي تمارس اليوم ذلك بكلّ جلاء؛ فكيف ستسقط ورصيدها عظيم من التناقضات والمذابح والدّماء، والشاعر يكرّر أنَّها لن تسقط تأكيداً وإصراراً لثقته بما يقول، وإنْ كان هذا المقطع يبدو ساخراً في ظاهره من الحقائق الدامغة، ومن جرائم الذبح، وجثث الأطفال والنساء مقابل ادعاءات الضمير اليهودي في الدفاع عن العدل وكرامة الإنسان! ! إلا أنَّ هذه السخرية لا معنى لها، ولا مردود لأثرها في نفوس حاقدة ضالعة في الإرهاب، وقد مارس هذا الشاعر المجرم مرات كثيرة تحريضاً دموياً في شعره ضد أهلنا في فلسطين ولبنان، ومن هنا فلا سلطان في الدولة العبرية العنصرية إلا لسلطان القتل والتشريد للشعب الفلسطيني المسلم. ويجيء تكرار (أفرايم سيدون) للاستفهام الساخر من خلال صور المقابلة المفجعة الدامية ليعطينا مؤشراً واضحاً على أن هؤلاء الشعراء يرتبطون بعقائدهم الدينية الضالة المنحرفة بقوة وصلابة؛ بينما نجد من شعراء الحداثة عندنا من يسخر من عقيدة الإسلام الصحيحة السوية لإرضاء أسياده، وتشعل المفارقة في هذا الصدد المزيد من الجراح المثخنة والأسى الموجع! ولا بد أمام ذلك أن ننتقل لمشهد زاخر بالدلالات المعنوية الروحية المقدسة العميقة لدى يهود مع انحرافاتهم وضلالاتهم وفجورهم في هذا المقطع: (من أنت أيها الطفل الفلسطيني ... ومن أنت يا جثة المرأة الحامل ... أمام «مناحيم» الفارس العبري ... الممسك بالتوراة القائل: بعون الله؟ !) هذا الزهو الفاضح، وهذا الغرور الدموي الذي يجعل جثث الحوامل والأطفال الفلسطينيين لا تساوي مجرد التفاتة من الفارس المقدام لم يكن زهواً دموياً مجرداً من دلالاته الضاربة في عمق النفس اليهودية الضالة؛ فالفارس هنا لم يكن مجرد فارس بل هو معرّف وموصوف بالعبري، ثم نرى الشاعر يمعن في الوصف الديني العقيدي فيقول: (الممسك بالتوراة) . كذلك لم يحمل هذا الفارس العبري التوراة بل يمسك بها، وفرق شاسع في الدلالة بين من يحمل، ومن يمسك؛ فقد تحملُ شيئاً ليس لك، ولمجرد إيصاله لغيرك دون اهتمام، أمّا الإمساك ففيه القوة والتمكن مما تمسكه. ثم نجد هذا الفارس يفيض روحيّة بأفعاله وأقواله؛ فهو يبدأ حربه بالاستعانة بالله! إنَّ ترسيخ هذه الصفات الدينية لدى الفارس العبري الممسك بالتوراة القائل بعون الله، لَيُثبت أنَّ هؤلاء الشعراء يدركون مفاهيم عقيدتهم، ويحفظون تاريخهم، رغم أنَّ عقيدتهم ضالّة، وتاريخهم مزوّرٌ حافلٌ بالإرهاب والانحراف والجريمة، كما يثبت هذا الشعر أن عداءنا لليهود عداءُ عقيدة، وحربنا معهم ليست مجرّد حرب أرض وحدود.

стр. 4159

البيان الأدبي حين هاجت ذكرى القرون عبد الله بن حماد البلوي فرس خالد بن الوليد وسحابة هارون الرشيد ... رواية عجيبة وملحمة خالدة ... لم يصُغها الجاحظ ولم ينسجها الخيال ... بل هي حقيقة سجلها التاريخ لتبقى ... ليفرح بها المؤرخون.. ... ويبتهج بها الكتاب.. ... * * * فتحت ظل سحابة هارون.. ... لتمطر هذه السحابة على جبال الهند ... لتحمل خيرات الأمطار إلى بغداد ... ثم لتقسم الخيرات على فقراء بغداد ... ومساكين المغرب.. ... وحين تعثرت بغلة في العراق ... بكى عمر بن الخطاب.. ... وحين نادت الثكلى أين المعتصم؟ ! ... تحركت جيوش ... وحمحمت خيول ... وصلصلت سيوف.. ... * * * وأذَّن المؤذنُ في الصين ... فرددت جموع المسلمين في الأندلس النداء ... نظر المسلمون إلى تمرات عمير ... فتقدموا للموت بكنانة سعد ... وحين طارت الرؤوس رفعوا أكف البراء ... راجين النصر أو كفن مصعب ... فجاء النداء ... «إن تنصروا الله ينصركم» .. ... * * * صاح اليهود: محمد والخميس [١] ... فنادى الرسول ﷺ : «خَرِبَتْ خيبر» ... وحين نام الكثير ... ... أعلن لويس التاسع لجنده: ... ارموا بالحرب بعيداً.. ... وهاتوا الكأس والغانية ... ... ونادوا: هيا لخلع ثياب الطهارة ... على عتبات الحضارة.. ... وقاوم هذا الضجيج بعضنا ... ولكن ... بلا كنانة سعد ... وبلا.. حربة خالد.. ... أما الباقون فتاهوا باحثين ... عن تمرات عمير التي ألقى ... ... * * * وتمضي القرون ويتسع الجرح ... وتهب رياح الشام بنسمات من القدس ... ... فيلتهب الشوق في الأفئدة ... ... فيتمنى الجميع سجدة فيه للمعبود ... فيمنعنا من دخوله اليهود ... فهاجت ذكرى القرون ... فمَلَكَتْنا عدالةُ الأرض! ! وتحت هذه العدالة ... مات أطفال الصومال ... وصرخت فاطمة الكشميرية ... ونصبت خيام كوسوفا على مقابر الآباء والأبناء وسالت العيون البريئة ... أين صوت الأذان يا أبي؟ ... فيبست خبزة الشيشان ... وتاه أيتام الأفغان ... وتوارت سحابة هارون في الأفق الحزين ... وأبت أن تعود حتى ترجع تلك القرون التي ملكنا.. ...

стр. 4160

نص شعري شهادة الطفولة وليد حرفوش إلى رموز الشهادة والبطولة الذين يذودون عن شرف الأمة بأجسادهم الصغيرة. لا تحرميهِ! من رصاصِ عُداتِهِ ... فهوَ الأمينُ على مَصيرِ حياتِه بَل شَجِّعيِه لكي يموتَ بعزةٍ ... يا أمُّ كوني من دُعاةِ مماتِهِ غَضِبَتْ أناملُهُ الرقيقةُ فانبرى ... حجرٌ أطاعَ الأمرَ في هجماتِهِ القدسُ تُنظرُ في صفاءِ عيونِهِ ... والمسجدُ الأقصى على بسماتِهِ وشواطئُ البحرِ الغضوبِ بأعينٍ ... قَذفَتْ جحيمَ الموجِ من نظراتِهِ من سَددَ الأولى لرأسٍ شامخٍ؟ ... من سددَ الأخرى إلى خفقاتِهِ؟ فاستبشرَ الزيتونُ بالعبقِ الذي ... روَّى عروقَ الأرضِ من قَطَراتِهِ فإذا الشقائقُ زينة لضريحهِ ... وأزاهرُ الليمونِ في وجناتِهِ سيعيشُ في التاريخِ رمزاً خالداً ... ويظلُّ يصرخُ في جموعِ رُماتِهِ: قاومتُ بالحجرِ الصغيرِ جحافلاً ... ونقشتُ تاريخاً على صفحاتِهِ واجهتُ سيلَ النارِ صدراً عارياً ... وقذائف الجزارِ مع هرواتِهِ وسلكتُ دربَ (الله) رغمَ طفولتي ... أحيا مع الأبرارِ في سمواتِهِ الراقصونَ على الجراح تراهمُ ... يتسابقونَ اليومَ كسرَ قناتِهِ يتآمرونَ على الصغيرِ لأنهم ... يتجرعونَ الذلَ من وثباتِهِ يتآمرون على بقايا دمعِهِ ... وعلى عذاب الموتِ في سكراتِهِ ماذا نقولُ عن البطولةِ؟ إنها ... جزءٌ صغيرٌ من عظيمِ صفاتِهِ ماذا نقولُ عن الشهادة إنه ... يرجو لقاءَ الموتِ في ساحاتِهِ يا حاملاً نعشَ البراءةِ لم تَزَلْ ... تَمضي ببحرِ الموتِ في سكناتِهِ إن فار تَنُّورُ الشهادة، لم يَذَرْ ... في الأرضِ نمروداً يتيهُ بذاتِهِ سَيَدَّكُّ أعناقَ الطغاةِ لينتهي ... عصرُ الجريمةِ بانتهاءِ طغاتِهِ

стр. 4161

تأملات دعوية حاجتنا إلى تفعيل الطاقات محمد بن عبد الله الدويش www. dweesh. com تحتاج الدعوة الإسلامية والمشروع الإصلاحي إلى طاقات وإمكانات تتناسب مع حجم المهمة المناطة بها. إننا حين نعقد مقارنة بين الطاقات الفاعلة المنتجة، وبين من يملكون القدرة على العمل والعطاء نلمس فجوة هائلة بين القدرات والإنتاج، وأنه لا تزال هناك إمكانات واسعة لم تستثمر، والإنتاج أقل بكثير من الإمكانات المتاحة. وهذه الفجوة تبدو في الجانب الكمِّي؛ فالأعداد العاملة في الميادين الدعوية لا تزال دون القدر المطلوب، وثمة أعداد ليست بالقليلة ممن يمكن استثمارهم في الميادين الدعوية لا يزالون لا يحركون ساكناً، ومن هؤلاء: * فئة من طلبة العلم الشرعي؛ فهم يملكون قدراً من العلم يفتقر إليه الناس وخاصة في هذا العصر الذي انتشر فيه الجهل، كما أنهم يحظون باحترام الناس وتقديرهم ويستمعون لهم ويتقبلون منهم. * فئة ممن كان لهم نشاط وهمة وتقدم بهم السن قليلاً فلم تعد المؤسسات الدعوية قادرة على استيعابهم، إضافة إلى أن بعضاً منهم لم يَسْتوعِب التغيرات الجديدة التي أملاها الواقع المعاصر والنضج لدى المؤسسات الدعوية [١] ؛ كل ذلك أدى إلى أن يبقوا بعيدين عن الميدان بأبدانهم، وإن كانوا معه بقلوبهم ومشاعرهم. * فئة ممن تلقوا التربية في المؤسسات الدعوية، ولا يزالون على طريق الاستقامة ويحملون مشاعر إصلاحية صادقة وجادة لكنهم لا يحركون ساكناً. * فئة من المسلمين الخيِّرين غير المحسوبين على المتدينين، ويملكون إمكانات يمكن أن توظف للدعوة، كالمال والتخصص النادر والوجاهة الاجتماعية وغير ذلك. * فئات عدة من عامة المسلمين ممن لديهم تقصير ومخالفات ظاهرة، لكنهم يملكون قدراً من التعاطف مع الدعوة وأهلها ومشروعاتها، ويمكن أن يستثمر هذا التعاطف ويحوَّل إلى طاقة منتجة.. كما تبدو هذه الفجوة من جهة أخرى في الجانب الكيفي؛ فكثير من العاملين في الميادين الدعوية يعملون بأقل من طاقاتهم الفعلية، أو أن جزءاً كبيراً من جهدهم ينصرف لمجالات لا تتناسب مع ما يُتطلع إليه من أمثالهم، ولا تزال هناك إمكانية لأن تتضاعف طاقات هؤلاء وأداؤهم. وثمة مجالات من الأعمال والتخصصات تعاني من جفاف وفقر من العاملين. وهذا يدعو الدعاة والمصلحين إلى التفكير الجاد في استثمار الطاقات المهدرة، والبحث عن وسائل وبرامج تسهم في تضييق هذه الفجوة الهائلة. ومع الشعور اليوم بهذه المشكلة إلا أن التعامل معها لا يزال دون القدر الذي يتناسب مع أهميتها وحجمها. ويكاد يتركز الجهد المبذول في التعامل مع هذه المشكلة على توجيه اللوم والتأنيب إلى القاعدين والمتخاذلين والساكتين، وعلى الحديث عن أهمية المشاركة الدعوية وضرورتها، إضافة إلى أنه لا يتعامل إلا مع شرائح محدودة من الطاقات المهدرة. إن الدعاة اليوم بحاجة إلى التعامل الجاد مع هذه المشكلة، وإعطائها حجمها الذي يتناسب مع أهميتها، وبحاجة إلى التفكير الجاد في الحلول والمقترحات العملية لتفعيل أكبر قدر ممكن، وتضييق الفجوة قدر الاستطاعة.

стр. 4162

الإسلام لعصرنا ودُّوا لو تكفرون كما كفروا أ. د. جعفر شيخ إدريس رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة يتساءل كثير من المسلمين اليوم عما إذا كانت الحرب الأمريكية الغربية على ما يسمونه بالإرهاب حرباً دينية؟ الإجابة تعتمد فيما أرى على المقصود بالحرب الدينية. فإذا كان المعني بها أن الغرب يريد أن يحارب الإسلام باسم المسيحية أو أنه يريد نشر المسيحية؛ فإن حربه ليست دينية؛ لأن الواقع أن إيمان الغربيين بالمسيحية أو اليهودية صار أضعف بكثير مما كان عليه في الماضي، بل إن جمهرة كبيرة من قادتهم ومسؤوليهم لم تعد تؤمن بها ولا بأمثالها من الأديان. بَيْدَ أنهم وحتى الملحدين منهم لهم نوع من الانتماء إلى هاتين الديانتين باعتبارهما جزءاً من تاريخهم ومكوناً مهماً من مكونات حضارتهم التي يفاخرون بها ويعدونها خير حضارة عرفتها البشرية. وهذا هو الذي يعنيه بوش وبلير ومن دونهما حين يُصرِّحون بأنهم يدافعون عن منهج حياتهم، أو حين يقولون إنهم يحاربون أعداء الحضارة. هذه الحضارة التي لا ترضى عن دين إلا إذا رضي هو بأن يقر في المكان الضيق الذي حددته له فلا يتعداه إلا إذا أقر بأن الله تعالى قد ترك الناس سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم في أي أمر يتعلق بحياتهم السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، بل ترك كل هذا للناس يقررون فيه ما شاؤوا، ويغيرونه متى شاؤوا. الدين المرضي لديهم عنه هو دين لا يعترض على رأسمالية ولا ليبرالية، ولا يستعمل يداً في أمر بمعروف أو نهي عن منكر. وقد رضيت الأديان كلها فيما يبدو بهذه الحدود التي خطتها لها العلمانية، بل إنه لم يبق بعد سقوط الشيوعية منهج حياة منافس للمنهج الغربي الرأسمالي الليبرالي. الاستثناء الوحيد هو الإسلام كما كان قد صرح بذلك فوكوياما الذي عبر عن هذا الغرور الغربي تعبيراً واضحاً حين زعم أن التاريخ انتهى فيما يتعلق بمناهج الحياة؛ فالناس كلهم سائرون نحو هذا النموذج الغربي الذي يراه النموذج الوحيد المناسب لعصرنا، والذي يسمى لذلك بالحداثة. فالإسلام الذي ما يزال يؤمن كثير من أهله بأنه بديل أصلح للناس من النموذج الغربي لا بد أن يكون حركة رجعية تعرقل تقدم البشرية؛ فلا مناص من حربه وإيقافه عند حده. فإذا كان هذا هو المقصود بالحرب الدينية فإنها لحرب دينية ما في ذلك من شك. لكن السياسة عندهم مخادَعة. ومن المخادَعة أن لا يصرح قادة الدول الغربية إلا بعض أغبيائهم بأن خصمها هو الإسلام. فالإسلام دين سلام ومعايشة مع بقية الأديان، والغالبية العظمى من المسلمين أناس طيبون مسالمون راضون بالرأسمالية والليبرالية، إلا شرذمة تسمى الوهابية. واختيار الوهابية أيضاً اختيار سياسي بارع لا بد أن من أوصوا به أناس مختصون في الدراسات الإسلامية وفي الشعوب الإسلامية. فما يسمى بالوهابية دعوة لها خصوم كثر في العالم الإسلامي سيخدعون فعلاً ويظنون أن الهجوم عليها ليس هجوماً على الإسلام وإنما هو هجوم على حركة ظلوا يعدونها خطراً عليهم لمحاربتها لما هم عليه من أنواع الشرك في العقيدة، والبدع في العبادات، ولما نسب إليها زوراً من أقوال مخالفة للإسلام. لكن الذي لا يدركه هؤلاء المخدوعون أن ما يكرهه الغربيون فيما يسمونه بالوهابية ليس هو ما يكرهونه هم. إن ما يعنيه الغربيون وأذنابهم بالوهابية إنما هو إسلام الكتاب والسنة الذي يرسم للناس منهج حياة متكامل ويربيهم على الدعوة إليه وجهاد أعدائه؛ ولذلك فإنهم لا يقصرون كلامهم عن الوهابية على السعودية وإنما يُدخلون فيه مصر وبلاداً إسلامية أخرى أي كل بلد فيه حركة إسلامية سنية رشيدة سواء كانت سياسية أو غير سياسية؛ لأنهم يرون أن مناخ الفكر السني هذا هو المناخ الذي يغرس فى نفوس المسلمين اعتزازاً بدينهم ووقوفاً صارماً ضد خصومهم. قادة الحضارة الغربية يريدون منا معاشر المسلمين أن نلبي لهم ثلاثة مطالب: أولها: أن تكون العلمانية منهج حياتنا كما هي منهج حياتهم، وأن لا يحتل الإسلام إلا مكاناً ضيقاً في إطارها. ثانياً: لكن هذه العلمانية يجب أن تكون ليبرالية ديمقراطية في السياسة، رأسمالية حرة في الاقتصاد، إباحية في القيم. ثالثاً: أن تكون هذه العلمانية العربية أو «الإسلامية» خادمة لمصالح الدول الغربية ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية؛ وذلك لأن الدولة قد تحقق ذينك الشرطين السابقين لكنها تكون مع ذلك دولة قوية مستقلة منافسة للدول الغربية. فالذي تحرص عليه الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة هو أن لا يكون لها في مجال القوة المادية منافس تمكنه قوته من الاستقلال عنها في مراعاة مصالحه. ومن هنا فإنهم ينظرون بكثير من القلق إلى دول مثل الصين واليابان، ويعملون على أن لا تكون أي منهما منافساً للغرب. فالمطلب الثالث هذا هو أبو المطالب عندهم، وما الآخران إلا وسائل إليه، إن حققا غرضهما فبها، وإلا ضحي بهما في سبيله. أعني أن الديمقراطية مثلاً مطلوبة شريطة أن لا تؤدي إلى موقف معاد، أو منافس للولايات المتحدة. فإذا كانت كذلك استبدل بها نظام دكتاتوري يحقق التبعية. وهم يسعون لتحقيق هذه الردة فينا أولاً بأن نتبع سبيلهم في الاستماع إلى نصائح يسدونها إلينا في الطريقة التي نفهم بها ديننا ونفسره. تأتي هذه النصائح أحياناً منهم مباشرة، ولكنها تأتي في كثير من الأحيان عن طريق عملائهم الفكريين المنافقين في بلادنا. لكنهم ينسون أن كتاب ربنا يحذرنا من الاستماع في أمر ديننا إلى قوم جاهلين به، معادين له، كافرين به. قال الإمام الطبري معلقاً على قوله تعالى: [مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَلاَ المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ] (البقرة: ١٠٥) . قال ﵀: «وفي هذه الآية دلالة بينة على أن الله ﵎ نهى المؤمنين عن الركون إلى أعدائهم من أهل الكتاب والمشركين، والاستماع من قولهم، وقبول شيء مما يأتونهم به على وجه النصيحة لهم منهم، باطلاعه جل ثناؤه إياهم على ما يستبطنه لهم أهل الكتاب والمشركون من الضغن والحسد، وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ما هم مستبطنون» . أما الوسيلة العملية الخطيرة الثانية فهي أن يطلب منا أن نغير مناهج دراساتنا الإسلامية لكي تتمشى مع تلك الفهوم التي يرونها مجافية للأصولية، ومجاملة للعلمانية. لكن هذه وسيلة خاسرة. فإن خضعت بعض الدول فغيرت وبدلت وحرفت؛ فما كل الدول بفاعلة ذلك. ولئن غاب الدين الصحيح من المدارس الرسمية فلن يغيب من صدور العلماء الدعاة الربانيين. لقد تكفل الله تعالى بحفظ هذا الدين في صورة آيات تتلى، وأحاديث تقرأ، وفي صورة طائفة لا تزال على الحق ظاهرة لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون. لكن هذا الإيمان ينبغي أن لا يكون سبباً للتثاقل والغفلة، بل يجب أن يكون دافعاً قوياً للسعي والحركة استبشاراً بوعد الله الذي لا يخلف الميعاد. وإنه لمما يساعد على الاستبشار والرجاء أن نعلم أنه ما كل الغرب على قلب رجل واحد في عدائه للإسلام؛ ففيه مسلمون تتزايد أعدادهم صباح مساء، وفيه منصفون متعاطفون مع المسلمين، وفيه مرتابون في حضارتهم أو كافرون بها باحثون عن بديل لها. فعلينا أن لا نعادي الناس في الغرب كافة ما داموا لا يعادوننا كافة، وأن نتذكر أن هذا من نعم الله علينا وإلا [وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ] (النساء: ٩٠) .

стр. 4163

آفاق إلى متى د. عبد الكريم بكار [*] لست أدري متى سنبصر طريقنا إلى التخلص من أدوائنا القديمة التي حولتنا من أمة تقود الأمم إلى أمة تستجدي الشعوب في لقمة عيشها وفي أمنها وفي تنظيم شؤونها؟ ولعل من أدوائنا القديمة الاستسلام للَّحظة الراهنة؛ فنحن نستمتع ونهجع ونأكل ونلعب كلما أتيح لنا ذلك غير آبهين بما يأتي به الغد ولا مكترثين بما يتطلبه ما بعد الغد! إن القرآن الكريم حين أمرنا بإعداد العدَّة كان يستهدف إخراج المسلم من ضغوطات الساعة الحاضرة، لتنفتح له آفاق المستقبل. والتخطيط في حقيقة الأمر يعني الحصول على شيء من هذا؛ حيث إنه يساعدنا على توظيف إمكاناتنا الحاضرة في مشروعات تستهدف تحسين أوضاعنا في المستقبل. وهذا يستوجب ألا نهدأ حين يتاح لنا الهدوء، ولا نغفل في أيام الرخاء. وهذا ما تفعله الدول العظمى والأفراد المتفوقون. قد أثبتت كل الأحداث التي وقعت في العقدين الماضيين أن أعداء هذه الأمة ومنافسيها يعتمدون في الكيد لها واستغلالها على عقدة النسيان لديها، وعلى كون تحركاتها لا تنبثق من رؤيتها للمستقبل، وإنما من مواجهة مشكلاتها الآنية. ولذا فإننا أصبحنا ألعوبة في أيدي الآخرين؛ إذ ما عليهم حتى يُنسونا ما نحن منهمكون فيه إلا أن يخترعوا لنا مشكلة جديدة فننسى القديمة، وننطلق نحو معالجة الجديدة بنفس الحماسة التي كنا نعالج بها المشكلة القديمة، وبذلك ننسى الذين ورَّطونا في المشكلة القديمة والذين ورّطناهم أيضاً! إن كثيراً من مشكلاتنا الفردية والجماعية ناشئ من قصور في المفاهيم لدينا؛ فنحن كثيراً ما نظن أن توفير أكبر عدد ممكن من الأفكار والرؤى والطروحات يكفي للإصلاح والتقدم. ومع أن مثل هذا شرط لا يستهان به، لكنه ليس الشرط الوحيد؛ فنحن إذا عمقنا النظر في تجاربنا، وفي تجارب الأمم من حولنا، وجدنا أن أكثر ما يرتقي بالأمم أمران: النماذج. والمؤسسات. فعقولنا تميل إلى عدم تصديق ما يطرح من أفكار نهضوية وعدم الاهتمام به والتفاعل معه ما لم نره مجسَّداً في نموذج بشري، فينتقل ما كان يُنظر إليه على أنه مثالي جداً أو صعب التحقيق من حيز غير العملي إلى حيز الممكن الذي يقع ضمن المكنة والطاقة، ولعل هذه هي الحكمة من وراء عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتجسيدهم لما يدعون إليه في سلوكهم. وهكذا المسلمون اليوم يحبون أن يروا نماذج راقية تتحرك على الأرض في كل اتجاه من اتجاهات الحياة: العلم والخُلُق والإدارة والسياسة والإنتاج والعلاقات الاجتماعية.. وعلى مقدار ما يتوفر من نماذج راقية يندفع الناس في طرق الصلاح والإصلاح، وإن لم يكونوا مفكرين أو مثقفين أو فقهاء.. أما المؤسسات فإنها تشكل أطراً لتخريج النماذج، كما أنها تنسف الجهود المبعثرة، وتتيح لكثير من المشروعات أن يستمر فترات طويلة. وإن في شباب الأمة الكثير والكثير من الرغبة في الخير والعمل، ولكنهم لا يجدون المؤسسات التي ترسم الأهداف، وتمهد الطريق، وتوفر لهم التدريب، وتعينهم على أنفسهم. إذا أردنا لهذه الأمة أن تنهض فلنركز على إيجاد أكبر عدد ممكن من النماذج الرفيعة والمتفوقة، وأكبر عدد ممكن من المؤسسات ذات الاهتمامات الجزئية والمتخصصة؛ فبذلك وحده نتعلم العمل في أيام الرخاء لأيام الشدة، وبذلك تتحول العواطف النبيلة من كونها فورة مؤقتة إلى وقود لإنجاز الأعمال الجليلة. والله حسبنا.

стр. 4164

المسلمون والعالم الموقف الإيراني من حرب أمريكا لأفغانستان: الجمهورية الحائرة.. والخيارات الخاسرة حسن قطامش qatamish@albayan-magazine.com «إننا لسنا طالبان، ونحن لا نهدف إلى انتهاج خطط أمنية على غرار طالبان، ولا نريد هذا الضرب من الإسلام الذي تمارسه طالبان» الرئيس الإيراني محمد خاتمي «إن أمريكا لها حضارة تستحق الاحترام، ويزداد احترامنا لها عندما نلاحظ جذور هذه الحضارة، وفيما يتعلق بحرق العلم الأمريكي، فإنني لن أرضى مطلقاً بكل شيء يتسبب في جرح مشاعر أي شعب، أو الإساءة إلى رمز ونموذج أي شعب» الرئيس الإيراني محمد خاتمي تفرض الطبيعة البراجماتية العقدية والسياسية الإيرانية كثيراً من الغموض على موقف الدولة من الأحداث الدولية، سواء كانت هي أحد أطراف الحدث، أو كان الحدث يتطلب بيان موقف الدولة منه. وجاءت أحداث تفجيرات الولايات المتحدة وما تبعها من الحرب الأمريكية في أفغانستان لتفرض نفسها على إيران بشكل كبير؛ فقد كان الحدث في دولة ذات علاقة خاصة مع إيران، فهي تعتبرها بالمنهج البراجماتي المتشدد الشيطان الأكبر، وينادي الشعب الإيراني كل يوم جمعة: «الموت لأمريكا» ؛ في حين يعتبرها المنهج البراجماتي الإصلاحي دولة ذات حضارة تستحق الاحترام. وعلى كل فقد فرض الحدث نفسه على إيران، شاءت ذلك أم أبت، وصار المشهد أكثر التصاقاً بها حين جاءت الولايات المتحدة لتنصب خيامها مرة أخرى على الحدود الإيرانية الشرقية مع أفغانستان بعدما نصبتها على حدودها الغربية مع العراق قبل ذلك، وكأن الولايات المتحدة أصبحت القرين الشيطاني لإيران! كما تأتي هذه الحرب من طرفها الآخر مع جار عدو لإيران متمثل في نظام طالبان، وهو عدو قديم جداً بالاعتبار المذهبي، وعدو غير تقليدي في مذهبه براديكاليته السنية! فالحدث باعتبار التصاقه الحدودي بإيران، وباعتبار طرفيه يمثل تحدياً كبيراً للدولة الإيرانية، وكما قال وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي: «إن إيران وأفغانستان تشتركان في حدود طويلة، ومن الطبيعي ألا تستطيع إيران أن تصمت إزاء الوضع الراهن في جارتها الشرقية، ولهذا فإننا نعتقد أن حكومة طهران يجب ألاَّ تواجه الأحداث الأخيرة في المنطقة بالتساهل والتبسيط» [١] . وإن أدركت إيران أن مثل هذه الأحداث لا تحتاج إلى تساهل معها أو تبسيط لها، إلا أن التعاطي معها كان مرتبكاً وحائراً، وإن كان هذا شأن عدد غير قليل من الدول إلا أنه كان في أجلى صوره مع إيران. * إيران وطالبان.. انتهزوا الفرصة: لعل مما يلفت الانتباه في الموقف الإيراني من جيرانها أنها في حالة عداء تاريخي دائم ومستمر إلى اليوم مع جيرانها من المسلمين؛ فمن أفغانستان إلى باكستان وتركيا والعراق ودول الخليج تكاد هذه القاعدة العدوانية ألا تنخرم إلا باستثناءات زمنية ومصلحية محددة. وعلى الجانب الآخر توطدت وترسخت وتعمقت العلاقات الإيرانية مع كل من: روسيا والصين والهند وكوريا، وأضحت العلاقات مع الشيوعيين والبوذيين والهندوس علاقات استراتيجية! ! وهو أمر ليس جديداً على الدولة الإيرانية الشيعية، فتاريخها ينبئ عن شر من ذلك، ولكن حسبنا من ذلك أنها إشارة ولفت انتباه. وبجانب من هذا الاعتبار لم يكن العداء الإيراني لطالبان مستغرباً ولا مستبعداً، وقد اتضحت صورة الموقف الإيراني من طالبان من خلال ما يلي: ١- لإيران موالون كثر في أفغانستان، وهو ولاء عقدي مذهبي من الدرجة الأولى؛ حيث تبلغ نسبة الشيعة في أفغانستان قريباً من ١٠% من السكان، وكالعادة الشيعية فإن الولاء الأول يكون للدولة الأم إيران ولهذا فقد كانت الأحزاب الشيعية في أفغانستان عامل توتر وقلق للحكومات الأفغانية عامة وطالبان خاصة، حيث الآمال الإيرانية بنشر «أنوار الثورة» وتصديرها لم تخبُ بعد. ولتفعيل الدور الشيعي في أفغانستان، فقد ضمت إيران الأحزاب الشيعية الأفغانية تحت حزب واحد وأسمته «حزب الوحدة الشيعي» الذي يترأسه الآن كريم خليلي، بعد مقتل عبد العلي مزاري في مواجهات مع طالبان. ولم يقتصر الدعم الإيراني على الدعم السياسي والأدبي، بل كان دعماً استخباراتياً وعسكرياً، تدريباً وتسليحاً. وهو ما يعد في الأعراف الدولية تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية للدول الأخرى الذي يجب أن تحترمه إيران في أفغانستان كما تحترم بقية الشعوب حسب التعبير الخاتمي. وبما أن أفغانستان ساحة كبيرة تستعرض فيها القوى الإقليمية المحيطة بها قوتها، فإن الوجود للنفوذ الإيراني من خلال الأحزاب الشيعية مطلب إيراني هام لإيجاد هذا التوازن، ولذلك جاءت الهزيمة الكبيرة لتلك الأحزاب ومقتل عبد العلي مزاري على يد طالبان لترسم انتكاسة كبيرة للآمال الإيرانية في أفغانستان، ولتصب كثيراً من الزيت على نار العداء الإيراني لطالبان. ومع عودة باميان مرة أخرى لحزب الوحدة الشيعي بعد الانحياز الطالباني، كانت العين الإيرانية على نصيبها من كعكة كابول؛ ولذلك أمرت ألفاً من قوات حزب الوحدة بالتوجه إلى كابول، وترك (باميان) في حماية الحرس الجمهوري الإيراني. ٢- كما أن للدولة الإيرانية تمدداً تبشيرياً بالمذهب الإثني عشري في الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى؛ ووجود نظام مثل طالبان في حكم أفغانستان يمثل عائقاً كبيراً أمام هذا التمدد المذهبي. ٣- كذلك فإن إيران طالما ادعت أنها تمثل النموذج الإسلامي الحقيقي، وأن ولاءها وعداءها منطلق من هذا الإسلام، وعندما جاءت «الطالبان» لتضع نفسها قريناً لإيران، وتنازعها أمر المصداقية في الحكم باسم الإسلام إضافة لكونه سنياً فإن هذا تجاوز لم تمرره العقلية الإيرانية بسهولة، وهو ما أشار إليه صراحة نائب الرئيس الإيراني للشؤون الحقوقية والبرلمانية محمد علي أبطحي حين قال: «إن أحداً في العالم الإسلامي لم ينصب طالبان ممثلاً عنه، ونعتقد أن طالبان وفكرها المتخلف لم تكن يوماً ممثلاً للإسلام والعالم الإسلامي، والعالم اليوم مستعد لسماع صوت الإسلام الحضاري كما يدعو إليه الرئيس الإيراني خاتمي، أي الدين الذي يقر بالقيم الإنسانية والديمقراطية» [٢] . ٤- وإذا تركنا الدعم الإيراني للأحزاب الإيرانية المعتقد والولاء؛ فقد دعمت إيران كذلك وبكل قوة التحالف الشمالي بكافة أحزابه وأعراقه للهدف ذاته، وهو التخلص من حكم طالبان لأفغانستان. ومؤخراً كشف مستشار عسكري إيراني لإحدى الصحف العربية [٣] صوراً من تعاون ودعم إيران لتحالف الشمال، وذكر أن دعم التحالف لم يكن سراً داخلياً، بل كان أمراً معروفاً لدى السياسيين والعسكريين، وذكر أن إيران سحبت العشرات من العسكريين الموجودين في مراكز التدريب في شمال أفغانستان ومن منطقة باميان بعد مقتل الدبلوماسيين الإيرانيين في مزار شريف عند سقوطها في أيدي طالبان قبل ثلاثة أعوام، وكانت الطائرات العسكرية قد سحبت الضباط الإيرانيين من قاعدة باميان قبل ساعات من دخول طالبان إلى المدينة. وعاد الدعم ليقوى بشكل كبير بعد زيارة كل من رباني ومسعود العام الماضي إلى طهران؛ حيث توجه المستشارون والفنيون العسكريون الإيرانيون إلى شمال أفغانستان، كما أقامت إيران معسكرات تدريب للمتطوعين الأفغان في شمال خراسان «شمال شرق إيران» ، وكان أولئك تحت قيادة إسماعيل خان، حاكم هيرات. كما شملت المساعدات الإيرانية لتحالف الشمال الآلاف من البدلات والأحذية العسكرية ورشاشات الكلاشينكوف وراجمات الصواريخ من أنواع «إيران ١٣٠» و «شاهين» و «رعد» والصواريخ المضادة للدروع. وعندما شنت قوات طالبان عقب اغتيال مسعود هجوماً على عدة جبهات بهدف السيطرة على المناطق الخاضعة للتحالف الشمالي في بدخشان وفيض أباد وبخشير وحول قاعدة باغرام الجوية القريبة من كابل، تمكنت قوات التحالف بفضل الدعم الإيراني من صد الهجوم ورد قوات طالبان. ٥- كما كانت هناك اجتماعات جمعت بين قادة التحالف ووزير الخارجية الإيراني في العاصمة الطاجيكية «دوشمبه» ، وعندما بدأت الحرب الأمريكية صدرت الأوامر لضباط الاستخبارات العسكرية والمدربين الفنيين الإيرانيين العاملين بين قوات تحالف الشمال بالتنسيق مع الضباط الأمريكيين في استهداف مواقع طالبان شمال كابل وحول مدينتي مزار الشريف وهيرات. ٦- كذلك فإن إيران عضو في مجموعة «٦ + ٢» التابعة للأمم المتحدة والتي تضم جيران أفغانستان إضافة إلى الولايات المتحدة وروسيا، وتُعنى هذه المجموعة بالتنسيق حول الشأن الأفغاني فقط. ٧- وإذا رجعنا إلى الوراء قليلاً لاستطلاع بعض صور الموقف الإيراني من طالبان، عندما رد بعض أفراد طالبان على مقتل «٩٠٠» منهم على أيدي حزب الوحدة بقتل «٦» دبلوماسيين إيرانيين في مزار شريف، وذلك عام ١٤١٩هـ ١٩٩٨م. صعدت إيران الأمر بصورة خطيرة، حيث تزامن الحادث مع اقتراب طالبان من باميان، فأجرت أكبر مناورات عسكرية في تاريخها، ضمت ٢٠٠ ألف عسكري من القوات النظامية، وانتشرت ثلاث فرق عسكرية على الحدود الإيرانية الأفغانية، واستقرت على طول ٧٣٠ كم من الحدود البالغ طولها ٨٥٠ كم. وأجريت المناورات بالذخيرة الحية وشاركت فيها الطائرات ومضادات الطائرات، ونادى بعض السياسيين باستغلال الفرصة والقضاء على طالبان، لولا «تعقل» الرئيس الإيراني، وشارك المرشد الأعلى للثورة خامنئي وأعضاء السلك الدبلوماسي وكبار المسؤولين في تشييع القتلى، ووصف خامنئي مقتل الدبلوماسيين بأنها فاجعة لم يسبق لها مثيل، وأن الحكومة الإيرانية ستسترد شرف الجمهورية الإسلامية، كما تظاهر ملايين الإيرانيين منددين بجريمة طالبان، داعين إلى الجهاد ضدها! ! * إيران في الجنازة الأمريكية: سارع الرئيس «الإصلاحي» محمد خاتمي بإدانة التفجيرات التي وقعت في نيويورك وواشنطن بعد ساعات من وقوعها، وإن اعتبرت إدانة خاتمي إدانة «إصلاحية» ذاتية لا تعكس السياسة «المتشددة» لإيران، إلا أن إدانة مرشد الثورة علي خامنئي للتفجيرات بعد أسبوع كانت بياناً واضحاً للموقف الرسمي «المختلط» . وتحت مقال بعنوان: «الطريق الثالث» كتب صحفي إيراني [٤] يقترح الصورة التي يجب أن تكون عليها السياسة الإيرانية من الأحداث، وهو ما توافق بشكل كبير مع التطبيقات الإيرانية بعد ذلك، كان مما جاء فيه: ١- أن تتم إدانة الهجمات الأخيرة على أمريكا من جانب كافة كبار المسؤولين في الدولة كما فعل الرئيس خاتمي، وأن تعلن إيران عن استعدادها الكامل للتعاون مع أي مشروع لاستئصال جذور الإرهاب. ٢- إبداء المواساة والتضامن مع الأمة والحكومة الأمريكية، وكذلك الاشتراك في أي مؤتمرات دولية لإيجاد حل مشترك يحضره مندوبون عن أمريكا، ومثل هذا المنعطف من الممكن أن يساعد على إقامة علاقات سياسية في المستقبل قائمة على أساس الاستقلال والمصالح القومية لكلا الطرفين. ٣- التأكيد على ضرورة تجنب الانتقام والعمليات التي تعرض روح الأبرياء والثروات القومية أو استقلال البلاد للخطر. ٤- وبخصوص أسامة بن لادن وحكومة طالبان يتم الضغط على الحكومة الباكستانية وجهاز استخباراتها لإيقاف دعمها لحركة طالبان وتقديم بن لادن للمحاكمة. ٥- بخصوص الأحداث المرتقبة في أفغانستان، على إيران أن تدعم التحالف الشمالي المعارض في هذا البلد، وأن تعمل على ألا يؤثر فقدان القائد البارز أحمد شاه مسعود على دوره في هذه الفترة الحساسة. ٦- يجب تنسيق المساعي المشتركة بين إيران والهند وروسيا وباكستان وطاجيكستان لتبني سياسة تتماشى مع مصالح إيران وجيرانها في إطار الجهود التي تبذل اليوم لمكافحة الإرهاب. ثم توالت صور المشهد التأبيني في إيران بصورة تدعو للدهشة، وترسم صوراً ذات دلالات كبيرة للسياسة الإيرانية الرسمية وللموقف الشعبي تجاه الولايات المتحدة إذا قورنت على الأقل مع الموقف الإيراني من طالبان: * فلأول مرة منذ قيام الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩م لا يرفع شعار «الموت لأمريكا» في خطبة الجمعة المركزية في طهران، وكأن القوم لم يكونوا يريدون « الموت لأمريكا» حقيقة؛ إذ عندما جاءها الموت لم يرضوا بذلك، بل إنهم توقفوا عن هذا الدعاء! ! ووصف إمام الجمعة المركزية في طهران الحادث بأنه «حادثة مفجعة للقلب، ومثيرة للرعب، وهذه الأعمال التي قام بها مجموعة الإرهابيين من الأعمال المدانة والتي تدينها جمهورية إيران الإسلامية» [٥] . * كما أعلن محسن آرمين نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني إدانته قائلاً: «إن حادثة أمريكا سواء قام بها فرد أو جماعة، فهي عمل إجرامي غير مقبول» [٦] . * قام ١٦٥ عضواً من أعضاء مجلس الشورى البالغ ٢٩٠ عضواً بالتوقيع على وثيقة أعربوا فيها عن تعاطفهم مع الشعب الأمريكي، وطالبوا بحملة دولية لمكافحة الإرهاب. * وقد بعث كل من محمد عطريا نفر، رئيس مجلس مدينة طهران، ومرتضى الويري، رئيس بلدية طهران برسالة إلى عمدة نيويورك، رادولف جولياني جاء فيها: «لقد استقبلنا الأعمال الإرهابية الأخيرة التي راح ضحيتها العديد من المواطنين الأبرياء ببالغ الأسى والحزن، ومما لا شك فيه أن هذه الأعمال لا تستهدف مواطني مدينتكم فقط، بل إنها تستهدف كل مواطني العالم، ونحن نيابة عن مواطني مدينة طهران ندين وبشدة هذه الأعمال اللا إنسانية ومرتكبيها، ونقدم خالص مواساتنا لسيادتكم ولمجلس المدينة ولكل مواطني نيويورك الأعزاء، آملين أن يتم استئصال جذور الإرهاب» [٧] . * ومن الأعاجيب الإيرانية إدانة عضو مجلس الشورى الإيراني «عباس عبدي» وهو قائد المجموعة التي قامت باحتجاز الرهائن الأمريكيين في طهران؛ فقد اعتبر اختطاف طائرات ركاب بالمسافرين واصطدامها بمبنى البنتاجون ومركز التجارة هي إشارة للابتذال في المعايير الأخلاقية! ! وقال: «إنه لم يتم أي هجوم إرهابي بتلك الفظاعة» [٨] . * كما سمحت وزارة الداخلية الإيرانية لعدد من التيارات السياسة بتنظيم مظاهرات للتعبير عن مواساة الشعب الأمريكي في ميدان «محسني» شمال طهران، هذه المظاهرات لم تخرج بعد ذلك عندما دكت الولايات المتحدة الأراضي الأفغانية! ! بل طالب بعضهم بتنظيم حملة للتبرع بالدم لضحايا نيويورك لإظهار المواساة الحقيقية للشعب الأمريكي [٩] . كان هذا المشهد الجنائزي الحار في إيران يريد إيصال رسالة واضحة للولايات المتحدة بأن موقفنا إيجابي من الأحداث ومستعدون للتعاون، وكانت الولايات المتحدة تريد هذه الرسالة أيضاً لاستغلال إيران في خدمة أهدافها في حربها في أفغانستان؛ ولذلك صرح ريتشارد هيل رئيس قسم وضع السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية أن الإيرانيين قد قدموا الرد الإيجابي المناسب على ما حدث في أمريكا، بل إن لها سجلاً حافلاً في معارضة طالبان، وتستطيع كل من أمريكا وإيران الجلوس سوياً والتباحث في إطار دبلوماسي فيما يخص أفغانستان. وقد أثار هذا الموقف الإيراني «المتعاطف» مع الحدث اهتماماً أمريكياً، امتد إلى حليفتها الدائمة بريطانيا؛ حيث سعت الولايات المتحدة لاستثماره من خلالها بدفع إيران للدخول إلى التحالف الأمريكي ضد طالبان والقاعدة؛ فقد اتصل توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني ووزير خارجية الولايات المتحدة أثناء الأحداث بالرئيس الإيراني محمد خاتمي عندما كان متوجهاً إلى واشنطن يوم ٢٠/٩/ ٢٠٠١م، وكان هذا الاتصال بداية للتنسيق الرسمي والانتقال إلى «العلني» في الاتصالات الإيرانية الأوروبية الأمريكية، وقد دفع هذا الموقف الإيراني صحيفة صنداي تايمز البريطانية إلى القول بأن إيران بعد هجمات ١١ سبتمبر تحولت من دولة تعتبرها الولايات المتحدة أكثر الدول نشاطاً في دعم الإرهاب إلى «حليف محتمل» لأمريكا. * افتحوا كل الأبواب: تعيش السياسة الإيرانية في صراع داخلي عنيف فيما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة، وهو صراع صنعته الثورة الإيرانية بنفسها، بافتعالها للمواقف «العلنية» غير الحقيقية في التعاطي مع الشأن الأمريكي. حوّل هذا «العلني» كثيراً من الإيرانيين إلى شعب مصاب بانفصام سياسي ونفسي في هذه القضية المحورية التي تدور عليها كثير من السياسات الإيرانية. وأصبح من المتعين على كثير منهم أن يهتفوا بالموت لأمريكا حتى تبقى ذكرى الخميني حية، لكننا لم نسمع أكثر من هذا من الأقوال، ولا رُئي غيرها من الأفعال ضد الولايات المتحدة، وأصبح موقف شعوب الدول التي تعلن وتعترف بتبعيتها للولايات المتحدة أحسن حالاً من شعب لا يعرف حقيقة مسوِّغات عداء أمريكا ولا دوافع القرب منها. فهي قضية شائكة بلا شك، وأحدثت ولا زالت تحدث انقساماً كبيراً بين شرائح عديدة في المجتمع الإيراني. وهذا الأمر تدركه الحكومة الإيرانية بوضوح، وخاصة الرئيس «الإصلاحي» محمد خاتمي؛ ولذا فقد أحست إيران أن الأحداث قد تفتح الباب لمحاولة تجاوز هذه الأزمة والتأكيد على الشفافية والعلنية، ففتحت إيران جميع أبوابها «المواربة» في الاتصالات على مصراعيها متكئة في ذلك على أن الحدث عالمي يشغل الجميع، وكل الأوراق الآن مكشوفة، وهي كذلك فرصة سانحة لأن تقوم الولايات المتحدة بما كانت تتمنى إيران القيام به من القضاء على نظام حكم طالبان في أفغانستان. ومهدت إيران لفتح أبواب الاتصال [١٠] بالعزف على قصيدة المرجعية الدولية التي تدرك سلفاً أنها في القبضة الأمريكية ولا تشذ عنها، إضافة لكون الولايات المتحدة قد بادرت إلى تشكيل ما تريد من تحالفات وأن أحداً لم يعترض. وقد برزت هذه السياسة الجديدة من خلال تطبيقات عملية على أرض الواقع، منها: ١- اللقاء الذي تم بين سفير طهران لدى الأمم المتحدة «محمد هادي نجاد حسينيان» ومجموعة من أعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ الأمريكي؛ حيث تلقى السفير الإيراني الدعوة من السناتور «أرلن سبنسر» السياسي اليهودي والشخصية البارزة بين مؤيدي إسرائيل في واشنطن، وقد حظي اللقاء الذي تم في مقر الكونغرس الأمريكي باهتمام وترحيب قيادات مجلس الشيوخ والنواب ونوقشت خلاله سبل تلطيف أجواء العلاقات بين البلدين على خلفية الاتفاق الحاصل تجاه (حركة طالبان) ! ؛ وتعد هذه الزيارة العلنية الأولى لمسؤول إيراني منذ أكثر من عشرين عاماً، وتم خلال اللقاء الاتفاق على عقد لقاءات مشتركة بين نواب أمريكيين وإيرانيين سواء في إيران أو أي بلد آخر. ٢- صدر تقرير اللجنة البرلمانية الإيرانية الخاصة بالأزمة الأفغانية، وأوصى بفتح حوار مع الولايات المتحدة ولو عبر مجموعة «٦ + ٢» ، وقد صرح الناطق باسم اللجنة إبراهيم باي سلامي بأنه ينبغي على إيران استغلال ما وصفه بحاجة أوروبا وأمريكا الحالية لإيران ودورها في حل الموضوع الأفغاني، وتوظيف ذلك لتحقيق مكاسب وطنية. ٣- قامت اتصالات هي الأعلى منذ قيام الثورة الإيرانية بين المخابرات المركزية الأمريكية وحكومة خاتمي، وقد انصبت هذه الاتصالات على أمرين: الإطاحة بحكومة طالبان، والإتيان بنظام حكم جديد في بغداد، وقد أجريت هذه المحادثات في السفارة الأمريكية في أنقرة في ١١/١٠/٢٠٠١م. وهذه المحادثات هي التي سهلت دخول إيران في الخطط العسكرية المعلنة للإطاحة بحكومة طالبان وتنصيب حكومة جديدة يراعى فيها وضع الشيعة المرتبطين بإيران. ٤- قام مجلس الأمن الإيراني، وهو أعلى جهة تدير أمور النظام في إيران بإصدار ما يمكن أن يسمى بـ «الصفح عن الولايات المتحدة» وأمر بفتح صفحة جديدة للتعاون معها. ٥- نشطت قناة الاتصال السويسرية التقليدية المتمثلة في السفارة السويسرية في إيران، والتي تتولى رعاية المصالح الأمريكية منذ قطع العلاقات الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة منذ عام ١٩٧٩م، وتلعب السفارة السويسرية وسفيرها «تيم جولديمان» دوراً مهماً كقناة اتصال غير مباشرة بين الطرفين، وقد تم تفعيل هذه القناة مؤخراً باستدعاء السفير السويسري إلى مقر الخارجية الأمريكية في واشنطن لدراسة سبل الارتقاء بالتقارب مع إيران ورؤيته لإمكانية ذلك، وقد أكد على محورية هذه القناة وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي في ٢٣/٩/٢٠٠١م، وأن بلاده على اتصال دائم ومنتظم وبشكل غير مباشر مع الولايات المتحدة فيما يخص خطط مكافحة الإرهاب، وأن موقف الولايات المتحدة معروف لدينا، وأنها تبعث برسائل إلينا عبر السفارة السويسرية وإيران ترد عبر القناة نفسها. وتم من خلال هذه القناة الاتفاق على قيام إيران بتقديم المساعدات لأي جنود أمريكيين جرحى أو يضطرون للهبوط في الأراضي الإيرانية مقابل ضمانات باحترام الولايات المتحدة سلامة وسيادة الأراضي الإيرانية ومجالها الجوي، كذلك اتفق من خلالها على أن تقوم إيران بتقديم معلومات استخباراتية عمن تتهمهم الولايات المتحدة بالتورط في الهجمات على نيويورك وواشنطن في مقابل منع إدارة بوش لجماعة أمريكية من تقديم شكوى ضد إيران حول قضية احتجاز الرهائن عام ١٩٧٩م والمطالبة بتعويض يصل إلى ١٠ مليارات دولار. ٦- قيام العديد من المسؤولين الأوروبيين بزيارات لإيران؛ فقد تحولت العاصمة طهران إلى محطة رئيسة لعدد من وزراء الخارجية الأوروبيين ومسؤولي الاتحاد الأوروبي منهم وزراء خارجية بريطانيا وإيطاليا وألمانيا الذين انصبت جهودهم على الترويج للحملة الأمريكية، وجاءت زيارة جاك سترو وزير الخارجية البريطاني بعد يوم واحد من لقائه مع نظيره الأمريكي، وعلى الرغم من أن الجانب الأمريكي نفى أن يكون سترو قد حمل رسالة مطالب أمريكية إلى إيران حول آليات دعمها للحملة الأمريكية، غير أن الواقع يشير إلى عكس ذلك. وهكذا طرقت إيران كل الأبواب الموصلة للباب الأمريكي، وفتحت أبوابها لكل طارق من الجهة الأمريكية؛ فماذا ستجني إيران من كل هذه الأبواب المفتوحة؟ وقبل الإجابة نعرج على أبواب أخرى طرقتها إيران لرسم سياستها في الأحداث الأخيرة. * الجيران والحلفاء: كما فرضت الأحداث على إيران إحداث تغييرات في سياسة الدولة تجاه الولايات المتحدة، فقد فرضت الأمر ذاته مع باكستان. وكما لا يخفى أن علاقات البلدين مشوبة بالتوتر وعدم الاتفاق؛ حيث ترى إيران أن (باكستان) كانت الداعم الرئيس لحركة طالبان التي قضت على الآمال الإيرانية في أفغانستان، كما تعلم أن وجود حكومة أي حكومة أفغانية لا تنال جانباً من الرضى الباكستاني عنها هو أمر في غاية الصعوبة، ورأت إيران أن أوراقاً كثيرة لم تعد موجودة في أيديها، أو على الأقل تخشى من سحبها في المستقبل القريب، فبادرت بالتنسيق على أعلى المستويات مع الحكومة الباكستانية حول الأوضاع في أفغانستان، وهو ما عُد اختراقاً سياسياً مهماً في العلاقة بين البلدين، تمثل ذلك في زيارة وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي لإسلام أباد، وقد وصف وزير الخارجية الباكستاني عبد الستار نتائج اللقاء فقال: «إن الشمس ستشرق على العلاقات بين البلدين، وإن باكستان وإيران تخلصتا اليوم من الظل الذي خيم على العلاقات بين البلدين» في إشارة إلى نظام طالبان. وأبدى خرازي أيضاً موافقته لحديث نظيره الباكستاني حيث قال: «إننا ندخل الآن حقبة جديدة في علاقاتنا، ولم تعد هناك فجوة بين إيران وباكستان، وكلاهما يجب أن يلعبا دوراً مهماً في تشكيل حكومة ذات قاعدة عريضة» . وقال في مقابلة مع قناة الجزيرة: «إن سياسة باكستان تغيرت بشكل أساسي في الوقت الحاضر» . ويعد هذا التقارب الإيراني مع باكستان عامل قوة للجانبين أمام الموقف الأمريكي الذي لم يُبق للدولتين وباكستان خاصة شيئاً من الخصوصية للنظر في شؤون المنطقة. وقد اعتبرت الصحف الإيرانية أن زيارة خرازي لباكستان وليس زيارة وزير خارجية باكستان لإيران يضعف الموقف الإيراني، كما أنها جاءت بعد زيارات متكررة لعدد من المسؤولين الإيرانيين لإسلام آباد مثل محسن أمين زاده مساعد وزير الخارجية وبقائه هناك نحو عشرة أيام. وفي الوقت الذي فتحت إيران باب التعاون مع باكستان، كان الباب ما زال مفتوحاً مع مجموعة «٦ + ٢» في التباحث فيما يخص الشأن الأفغاني، وقد زار وزير الخارجية الإيراني كلاً من طاجيكستان وتركمانستان للتشاور حول الأحداث، كما زار الهند مساعده محسن أمين زاده وهو المسؤول عن الملف الأفغاني للتباحث حول تنسيق الموقف بشأن الأزمة. * الخسران المبين: بعد سقوط حكومة طالبان، وتشكيل (الحكومة الأمريكية) الجديدة في كابل، كان التسلسل الطبيعي للموقف الإيراني من الأحداث يقول إن كل ما قامت به إيران وقدمته لأطراف الصراع يؤهلها لجني ثمار وفيرة وغنيمة باردة؛ فقطار التباكي الطويل على أحداث ١١ سبتمبر كان من المفترض أن يليَّن القلب الأمريكي المتحجر. والدعم القوي والقديم لتحالف الشمال من جانب، والأحزاب الشيعية الأفغانية من جانب آخر كان من المفترض أن يؤتي أكله بعد دخولها إلى كابل. والتعاون الكبير الذي أبدته إيران مع الأمريكان، والذي أسمته هي بـ « التعاون الإيجابي» والذي تلخص في قول محسن ميرد امادي رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان: «إن أقصى ما يمكن أن ينتظره الأمريكان من إيران هو عدم وقوفها في وجههم أو معارضة خططهم» . هذا التعاون كان يقتضي أن يأخذ المحسوبون على إيران نصيبهم الوافر من كعكة الحكومة الجديدة في كابول. والإشادة الأمريكية على غير عادتها بدور إيران البناء في العديد من المجالات على حد قول ريتشارد هاس من خلال نشاطها من وراء الكواليس، واستخدام نفوذها لدى تحالف الشمال؛ هذه الإشادة كانت تقتضي المكافأة العملية على أرض الصراع. إلا أن كل هذا لم يحدث، بل حدث عكس ذلك تماماً، وتحولت كثير من الأحلام الإيرانية الوردية التي كانت تسعى إليها، وعلى رأسها إسقاط نظام طالبان.. إلى كوابيس مقلقة للدولة الإيرانية بأسرها، وأضحى السعي الإيراني الآن يتمحور حول قدرة النظام الإيراني على تقليل نسبة الأضرار التي لحقت وستلحق به. وتتمثل هذه الخسارة في نقاط عديدة، منها: ١- أن السياسة الأمريكية الراهنة خلال الأزمة فرضت على كثير من دول العالم تقديم قرابين الطاعة التطوعية لإثبات البراءة من تهمة الإرهاب، وهو ما زاد من الطغيان الأمريكي وجعلها تضع شروطاً وضوابط لكل من يريد التعاون معها في مكافحتها للإرهاب! ! ولهذا كان الموقف الإيراني من طلب مكافحة الإرهاب عبر المؤسسات الدولية غير مقبول لدى أمريكا، وصرح ريتشارد باتشر المتحدث باسم الخارجية الأمريكية أن الإدارة الأمريكية لن تكتفي من إيران بتعاون ظرفي ضد طالبان، بل تريد من إيران قطع الجسور مع منظمات راديكالية مناهضة لـ (إسرائيل) ، وهذا ما دفع خرازي للقول إنه لا ينبغي الخلط بين ما حدث في أمريكا والشرق الأوسط، وهذا يعني أنه لكي تكسب إيران الرضى الأمريكي فإن عليها أن تفقد مكاسبها الحقيقية التي تراكمت منذ عشرين عاماً في الشرق الأوسط من خلال التضحية بحزب الله اللبناني، إما بإجباره على حل نفسه وتسليم أسلحته للسلطة اللبنانية والتحول نحو العمل السياسي مع تفكيك بنيته العسكرية بالكامل، أو بتركه ليواجه مصيره إذا ما كابر وقرر الاستمرار في نهجه، وكذلك الضغط على حركة الجهاد الإسلامي وهو ما تم مؤخراً لإيقاف نشاطها ضد إسرائيل. وبهذا تفقد إيران ذراعها الموجودة في المنطقة والصراع العربي الإسرائيلي، وهذا الفقدان بلا شك يضعف الموقف الإيراني في المنطقة بشكل كبير. ٢- إن إيران لا زالت حتى اليوم على القائمة الأمريكية دولة راعية للإرهاب، وهو ما يجعلها عرضة حقيقة لضربة أمريكية غير مستبعدة، وقد أكدت مستشارة الأمن القومي الأمريكي كوندوليزا رايس بعد تشكيل الحكومة الأفغانية الجديدة «أن الشعب الإيراني سليل حضارة عظيمة وهو يستحق قيادة أفضل مما لديه الآن! ! ولدينا مشكلة كبيرة مع إيران بشأن دعم الأنشطة الإرهابية المناهضة لأمريكا؛ لذلك فإن علاقتنا مع إيران ستظل متوترة إلى حين تغيير السلوك الإيراني» . كما أن توني بلير رئيس الوزراء البريطاني اتهم إيران في ديسمبر ٢٠٠١م بأنها دولة داعمة للإرهاب، وتدرك إيران معنى التأكيد على هذا الأمر الآن في ظل انفراد الولايات المتحدة بالمرجعية في مكافحة الإرهاب. كما تلقت طهران تحذيرات من دولة أوروبية على علاقة وثيقة بإيران بشأن المرحلة الثانية لحرب الولايات المتحدة على الإرهاب، وجاء التحذير مرفقاً بأسماء شخصيات نصحت هذه الدولة إيران بإبعادهم عن المراكز التي يتولونها في الحرس الثوري والاستخبارات الإيرانية. ٣- لم تفلح سياسة «الحياد الإيجابي» الإيرانية في إبعاد شبح الضربة المتوقعة من الولايات المتحدة، وكررت إيران مع الولايات المتحدة في أفغانستان، ما فعله رفسنجاني مع أمريكا في حربها ضد العراق، وقامت بـ «الحياد الإيجابي» ، فردت الولايات المتحدة بالاحتواء المزدوج للعراق وإيران معاً. ٤- تعاني إيران من اضطرابات إقليمية مع دول جوار عدة: العراق، وتركيا، وأذربيجان، ومن الممكن أن تضغط الولايات المتحدة على أكراد العراق أو الحكومة التركية والأزربيجانية للعب دور المتحرش المستفز للدولة الإيرانية. ٥- إن سلمنا بنهاية «حكم» طالبان في أفغانستان وتشكيل الحكومة الجديدة، إلا أن ذلك لا يعني استقرار الأوضاع في أفغانستان؛ فليست الولايات المتحدة من يقول للاستقرار كن فيكون، ولن تنسى الأطراف المتحاربة عداءها القديم والمكاسب والخسائر والحسابات الكثيرة التي اختلطت، ولا زال هناك أكثر من مليوني لاجئ أفغاني في إيران، وهذا ما يجعل الاستقرار الإيراني أمراً مشكوكاً فيه. ومن الطريف أن الاضطرابات بدأت باقتتال المجموعات الشيعية بعضها مع بعض! ! ٦- جاءت الحكومة «الأمريكية» في أفغانستان على غير الهوى الإيراني؛ فالحكومة تضم عشرة وزراء يحملون الجنسية الأمريكية، والتمثيل الشيعي يعد ترضية للشيعة في أفغانستان خشية من آثار التهميش السلبية؛ كما أن الوزارات الثلاث التي أعطيت لهم التجارة، والحج، والزراعة ليست وزارات سيادية، كما أن الوزراء كانوا خارج الأسماء الشيعية اللامعة الولاء لإيران. ٧- تشعر الولايات المتحدة بالقلق من تنامي القدرات الصناعية الإيرانية وتطبيقات التقنية الحديثة في مجال التسليح التي مكنت إيران من إنتاج صواريخ بالستية يمكن تحميلها بأسلحة كيميائية وبيولوجية ونووية أيضاً، وزاد من الريبة الأمريكية إعلان علي شمخاني وزير الدفاع الإيراني أثناء زيارته لروسيا في شهر أكتوبر الماضي أي بعد الأحداث أن إيران ستحصل على المفاعل النووي الذي كانت قد تعاقدت مع روسيا عليه. ويأتي هذا الإعلان في هذا التوقيت بمثابة رسالة للولايات المتحدة أن إيران عازمة على إكمال خططها النووية، وهو ما يعطي الولايات المتحدة الذريعة للتفكير في توجيه ضربة استباقية للمنشآت النووية الإيرانية قبل تدشينها. ٨- يدرك الإيرانيون قبل غيرهم أن للولايات المتحدة طموحاً كبيراً للوصول للمنطقة، وأنهم يريدون إقامة طويلة ودائمة. وجاءت الأحداث لتحاول أمريكا من خلالها تحقيق عدد من الفوائد، منها: أ - محاصرة الحركات الإسلامية في منطقة آسيا الوسطى الآخذة في النمو خاصة الجمهوريات الإسلامية، وإضافة ثقل الوجود العسكري للأنظمة المحاربة لها. ب - حصار التعاون العسكري الآخذ في النمو بين روسيا وإيران، ومنع احتمالات تطوره إلى مرحلة أكثر تقدماً. ج - إنشاء وجود عسكري أمريكي للمرة الأولى في آسيا الوسطى، بهدف السيطرة على بحر قزوين، وذلك على غرار ما فعلته الولايات المتحدة في الخليج العربي. د - إيقاف النفوذ الصيني المتنامي في منطقة آسيا الوسطى، وتجريده من حلفائه في المنطقة، وعلى رأسهم باكستان التي ذهبت مرغمة إلى الأحضان الأمريكية. هـ - إجهاض أي فرص للتعاون بين القوى الرئيسة في القارة؛ حيث كانت هناك إرهاصات للتعاون بين كل من روسيا والهند والصين وإيران فيما يشبه الحلف. و إن استهداف وإضعاف النظام الإيراني باعتباره النموذج الذي نجح من خلاله الأصوليون وإن كانوا شيعة في الوصول إلى الحكم، يعد ذلك مطلباً أمريكياً ملحاً لتيئيس الأصوليين في العالم من محاولة السعي لتحقيق ما تحقق من ثورة إيرانية. وهكذا نرى أن إيران تعد من أكبر الخاسرين في الأحداث الأخيرة، وأصبحت هدفاً محتملاً لضربة أمريكية تغير النظام أو تقوضه أو تضعفه وتحوله إلى النموذج العراقي، والإيرانيون أنفسهم يشعرون بذلك؛ فقد سئل نائب الرئيس الإيراني للشؤون الحقوقية محمد علي أبطحي: هل أنتم مطمئنون إلى عدم تعرضكم لضربة أمريكية؟ فقال: تجربتنا التاريخية مع الأمريكيين لا تسمح لنا بمثل هذا الاطمئنان. فلا ذهاب حكم طالبان أراح إيران بعد أن خلفتها (حكومة أمريكية مؤقتة) والوضع مرشح للعودة إلى ما قبل طالبان، ولا التباكي في الجنازة الأمريكية ألان من القسوة الأمريكية على (الملالي) أصحاب الإصلاح، ولا الحياد الإيجابي مع الأمريكان أرضاهم عن دولة ما زالت ضمن قائمة الإرهاب، ولا تحالف الشمال وتحالف الأحزاب الشيعية جنوا لإيران على أرض الواقع شيئاً؛ وإن أقصى ما يمكن أن تخرج به إيران من الأحداث هو الوصول إلى طريقة مناسبة لتقليل الخسائر.

стр. 4165

المسلمون والعالم أفغانستان بعد الحكومة المؤقتة خلفيات ونتائج كمال حبيب بعد محادثات استمرت ثمانية أيام في بون بألمانيا وقعت أربع فصائل أفغانية اتفاقية تشكيل الإدارة المؤقتة الجديدة التي ستتولى مهام حكم أفغانستان لفترة انتقالية هي مدة ستة أشهر تبدأ اعتباراً من ٢٢ ديسمبر الماضي. حضر توقيع اتفاق تشكيل الحكومة الجديدة رئيس الحكومة الألمانية « جيرهارد شرودر» ووزير خارجيته «يوشكا فيشر» .. وقد تم الاتفاق من الناحية الشكلية تحت رعاية الأمم المتحدة بغرض «إعادة بناء النظام السياسي في أفغانستان بعد مرحلة طالبان» .. وذلك لملء الفراغ السياسي والأمني الكبير الذي تركه انسحاب جيش طالبان من المدن الأفغانية أمام القصف الأمريكي الوحشي ثم التحصن بالجبال استعداداً لشن حرب عصابات تعتمد الكر والفر لمواجهة الاحتلال الأمريكي والغربي لأفغانستان. الإدارة المؤقتة الجديدة تضم ٢٩ عضواً يمثلهم رئيس الوزراء «الإدارة» وخمسة نواب له و٢٣ وزيراً ونائباً للوزراء.. ويترأس الإدارة الجديدة «حامد كرزاي» وهو زعيم قبيلة أفغانية تتمركز في جنوب أفغانستان اسمها «بوبوك أي» ويجيد الإنجليزية بطلاقة، وسارع مدفوعاً للعودة إلى البلاد باستدعاء أمريكي مع بدء القصف الأمريكي الهمجي لأفغانستان يوم ١٦ أكتوبر الماضي. وسوف نلاحظ أن كثيراً من أعضاء الإدارة الأفغانية الجديدة قد عادوا إليها بعد بدء القصف الأمريكي لبلادهم. أي أنهم عادوا إلى أفغانستان تحت حماية القصف الوحشي الأمريكي لمواطنيهم البسطاء والضعفاء والذي لم يتوقف حتى الآن رغم أن المدة التي تعرضت فيها أفغانستان لهذا القصف زادت على ثلاثة أشهر كاملة. كرزاي الجديد كان مساعداً سابقاً لوزير خارجية حكومة المجاهدين أوائل التسعينيات؛ لكنه غادر أفغانستان بعد وصول طالبان إلى السلطة عام ١٩٩٦م.. ويمثل «كرزاي» نموذجاً للصيغة الجديدة التي تريدها أمريكا للرجل الأفغاني الذي يرتدي البزة الأوروبية ويأخذ في اعتباره قواعد «الإتيكيت الغربية» .. ويتمتع بحس براجماتي يجعله يستسيغ تدمير بلاده واحتلالها إذا كان ذلك سيدخلها عالم الحداثة الغربي الذي سيجلب لها على الأقل التخلص من وصمة الإحساس بعقدة النقض تجاه العالم المتقدم. هذه الحكومة الأفغانية المؤقتة الجديدة هي التي وافقت ولا تزال على استمرار القصف الأمريكي الوحشي للمدنيين الأفغان ولا تزال تؤيد هذا القصف باعتباره ضرورة تفرضها الحرب الأمريكية على طالبان والقاعدة ومتابعة تصريحات الملك العجوز ظاهر شاه وحامد كرزاي تؤكد ذلك كما أن هذه الحكومة (الإدارة) الجديدة تتفهم جيداً حدودها أي أنها تمنح الشرعية للوحشية الأمريكية من أجل تحقيق أهدافها فقط؛ ولذا فهي حكومة جاءت بهندسة أمريكية أممية أوروبية من أجل بناء أفغانستان جديدة على النمط والمقاس الغربي. لهذا حين طالبت هذه الحكومة بوقف القصف الأمريكي للمدنيين بعد قصف قرية «نبازا كلاي» في ٢٩ من الشهر الماضي (ديسمبر) والذي أدى لقتل ١٢٠ مدنياً في منازلهم وجرح عشرة آخرين (لاحظ أن القتلى أكثر عشرة أضعاف من الجرحى عكس ما يحدث عادة في الحروب؛ إذ إن الجرحى يكونون هم عشرة أضعاف القتلى) .. لم تستجب أمريكا لوقف القصف ولم تدخر الإدارة الجديدة وسعاً في إعلان الخضوع بل والدفاع عن المسوغات الأمريكية لاستمرار القصف. خلفيات هندسة الحكومة الجديدة: الأمم المتحدة برعاية الأخضر الإبراهيمي وتحت الرعاية الأمريكية إذ إن الأمم المتحدة ليست إلا مخلب قط لتنفيذ المخططات الأمريكية تحت ستار شرعيتها الزائفة فهي التي هندست الحكومة الجديدة بقصد عدة أهداف هي: ١- أن تكون الحكومة ألعوبة بيد أمريكا والغرب تعطي شرعية الترتيبات الدولية لإعادة هندسة أفغانستان وفق المصالح والمخططات الغربية. وعلى سبيل المثال فإن الحكومة الانتقالية الجديدة هي التي أرسلت في طلب القوة الدولية لما يطلق عليه حفظ السلام في أفغانستان والتي وصلت طلائعها فعلاً إلى هناك من ضباط بريطانيين وأستراليين وهولنديين وغيرهم. ٢- الحكومة الجديدة هي مجرد حلقة لخطوات أخرى قادمة تسعى للانتهاء بأفغانستان لتكون مجتمعاً ديمقراطياً وفق المنظور الغربي؛ فبعد انقضاء ستة الأشهر المحددة لهذه الحكومة سيجري انعقاد مجلس الأعيان الأفغاني الذي يعرف باسم «لويا جيركا» والذي يضم رؤساء القبائل والذي سيختار بدوره حكومة انتقالية لمدة عامين بعدها تجري انتخابات في البلاد ويتم وضع دستور لها على النمط الغربي والأمريكي. ٣- الحكومة الجديدة هي مكافأة أمريكية أممية لتحالف الشمال المجرم الذي قام وكيلاً عن أمريكا والغرب بتنفيذ مذابح وحشية ضد المجاهدين من الأفغان والعرب، وهو الذي قام بملء الفراغ السياسي والأمني بعد طالبان على الأرض؛ حيث كان درعاً للقوات الأمريكية التي خافت من النزول على الأرض في المدن الأفغانية.. ومن ثم لم يكن ممكناً لأمريكا أن تطأ أقدامها أرض أفغانستان إلا في ظل هذه الحكومة الجديدة. وتواكب تشكيل هذه الحكومة في قلعة «بيتر سبرج» خارج بون مع القصف الأمريكي من الجو والسيطرة الميدانية من تحالف الشمال.. وبالطبع فإن تحالف الشمال الذي يضم بشكل أساس الطاجيك والأوزبك هو الذي قام بمواجهة طالبان على الأرض من الشمال «مزار الشريف وقندوز» وفي « كابول» ، في «تورا بورا وقندهار» . وهو الذي استولى على المدن بعد ذلك.. ولم يكن ممكناً له أن يحقق هذه السيطرة دون المساندة الأمريكية الغربية. وللأسف فإن الجمعية الإسلامية التي يرأسها (برهان الدين رباني) كانت مؤسسة للطاجيك والأوزبك كأعراق بصرف النظر عن مذاهبهم وعقائدهم، وعامة الأعضاء الجدد في الحكومة ينتمون لهذه الجمعية الإسلامية. ٤- الحكومة الجديدة راعت التوازن العرقي من ناحية شكلية لكنها في الواقع هُندِست وفق صيغة سياسية محددة بدليل أن الطاجيك هم المسيطرون على الإدارة الجديدة؛ فمنهم وزارة الدفاع والداخلية والخارجية وأكثر من نصف الوزارات. ولم تراع الحكومة التعبير عن الأغلبية العرقية في البلاد وهم البشتون الذين يزيد عددهم عن ٤٥% من مجمل سكان البلاد التي يزيد تعدادها عن عشرين مليوناً. وحدثت خلافات هائلة بين الحاضرين في مؤتمر بون، وكانت هناك قائمة تضم ١٥٠ اسماً جرى تخفيضهم لثلاثين، واستخدمت في ذلك وسائل الضغط والإغراء. وبشكل عام فإن الحكومة الجديدة هي في تقديرنا تعبير عن لحظة مؤقتة في تاريخ أفغانستان مرتبطة بالوجود الأمريكي والغربي، وليست بأي حال تعبيراً عن الشعب الأفغاني؛ ولذا تحدثت بعض التقارير الغربية عن عدم شرعية الإدارة من ناحية القبول الشعبي. وهذه الحكومة مرتبطة بالترتيبات الراهنة في أفغانستان؛ لكن لو تغيرت هذه الترتيبات فإن الحكومة ستؤول إلى الزوال. ٥- الدور الأمريكي واضح لكن من وراء ستار؛ حيث كان الوجود الأمريكي خارج ردهات المؤتمر لكنه كان قوياً من جانب C. I. A.. وعقد بوش اجتماعين مع مجلس الأمن القومي لمناقشة ترتيبات الحكومة الجديدة وقال: «إننا نريد حكومة ائتلافية ذات قاعدة عريضة، وبناء اقتصاد قوي، وتوفير قوة أمنية لحفظ السلام» وحذر من أن الفراغ السياسي والأمني يعني أن الحملة العسكرية لم تسفر عن شيء «. وأشار بوش» إلى أنه لا يريد حكومة مركزية قوية في أفغانستان وإنما حكومة تعبر عن التوازن العرقي والمذهبي. ٦- المثير للدهشة أنه بالتوازي مع «مؤتمر بون» اجتمعت شخصيات نسائية أفغانية بارزة في العاصمة البلجيكية في مؤتمر قمة لبحث مستقبل أفغانستان. نظم المؤتمر جمعيات نسوية أوروبية وأمريكية بدعوى الدفاع عن حقوق الإنسان من أجل إسماع صوت المرأة الأفغانية للمؤتمر في بون. هدف المؤتمر هو تمثيل المرأة الأفغانية، وقالت مسؤولة الشؤون الاجتماعية في الاتحاد الأوروبي «آثاديا منتوبولو» : «إن النساء الأفغانيات يشكلن أكثر من نصف عدد سكان أفغانستان؛ لذا سيكون من الحماقة محاولة بناء البلاد دون تمثيل حقيقي للمرأة» . وفي أمريكا عقد مؤتمر بعنوان: «نساء مؤيدة لنساء أفغانستان من أجل تأمين مستقبلهن» . وقال «آري فلاشر» المتحدث باسم البيت الأبيض: «إن الرئيس مسرور بدور المرأة في أفغانستان، لكن لا يزال هناك المزيد مما يجب عمله» . بينما قالت لورا بوش: «إن محنة النساء والأطفال في أفغانستان هي قسوة إنسانية متعمدة يقوم بها الذين يسعون للترهيب والسيطرة، وما كانت تفعله طالبان هو فصل عنصري جنسي» . واجتمعت مع ١١ امرأة أفغانية وقالت: «إن حقوق الإنسان هي جزء واضح جداً من الحكومة الجديدة، وبالطبع حقوق الإنسان تتضمن حقوق النساء والأطفال» . بينما قال نائب المبعوث الدولي إلى أفغانستان: «السلطة المؤقتة ستعمل على ضمان حرية التعبير وحقوق المرأة» ، وضمت الحكومة المؤقتة فعلاً امرأتين إحداهما من الهزارة الشيعة واسمها «سيما سمر» وهي نائبة رئيس الحكومة ووزيرة شؤون المرأة. والثانية هي «سهيلة صديقي» علمانية طبيبة، واحتلت موقع وزيرة للصحة. أي أن الترتيبات الغربية تهدف إلى تفكيك أفغانستان عبر فرض خروج المرأة إلى العمل وفي الوقت نفسه اختلاطها بالرجال وخلعها للججاب وانخراطها في الأطروحة الحداثية الغربية لتكون وفقاً للنمط الغربي.. نتائج تنصيب الحكومة الجديدة: سيظل التاريخ الأفغاني يذكر لأعضاء هذه الحكومة أنهم خونة وعملاء بامتياز.. وسوف نلحظ أن الحكومة تضم الوجوه القديمة المستهلكة التي أثبتت عجزها في السابق، أو التي انخرطت في أعمال وحشية بددت الأمن في البلاد مثل المجرم «عبد الرشيد دوستم» وهو شيوعي سابق قاتل إلى جوار السوفييت ضد المجاهدين، وأيضاً محمد فهيم، ويونس قانوني، رئيس الوفد إلى بون، وعبد الله عبد الله، وهؤلاء هم المسؤولون عن مجزرة جانجي، ومسؤولون عن قتل آلاف المدنيين الأفغان التي تشير بعض التقديرات أنهم بلغوا خمسة آلاف، وتشير تقديرات أخرى أنهم بلغوا عشرة آلاف.. ومن ثم فهي حكومة عميلة لا مستقبل لها وهي التي مكنت لكل الخطط الأمريكية التي جري تنفيذها إلى الآن.. وتتعامل أمريكا معها بغطرسة؛ لأنها تعرف أنها مجرد أداة لا تعبر عن حقيقة الشعب، وهي تبصم بكل تبعية على كل ما تريده أمريكا وتسعى لفرض العولمة الثقافية على مواطنيها عبر فرض الملابس الغربية للرجال، وحلق اللحى، وفرض السفور على المرأة، والسعي لخروجها إلى العمل المختلط، وتغريب مناهج التعليم والتربية. وهي القنطرة التي سيجري عبورها لتنفيذ الخطوات القادمة في البلاد.. ولن تحقق أي استقرار أو تقدم اقتصادي في البلاد؛ لأنها حكومة عميلة جاءت تحت أسنة رماح الأعداء. إن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تقوم على ما تطلق عليه «إعادة بناء الأمم» .. أو بمعنى آخر إعادة هندستها وفق ما تقتضيه المصالح الغربية وليس وفق مصالح هذه البلاد أو شعوبها. وهي تحاول أن تنقل إلى أفغانستان الخبرة التي جرى تطبيقها من قبل في البوسنة وكوسوفا وألبانيا، بل لا يستبعد في الحالة الأفغانية تطبيقات تيمور الشرقية في أندونيسيا؛ أي فرض التجزئة والتقسيم. نسأل الله أن يلطف بالشعب الأفغاني , وأن يجمع كلمته على أيدي أبنائه المخلصين؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 4166

المسلمون والعالم كرة حماس الملتهبة بين كفي عرفات وشارون ! أمير سعيد تخضع القضية الفلسطينية في الوقت الراهن لسياسة عض الأصابع المتبادلة بين طرفي النزاع: المقاومة وقوى الاحتلال. وبانتظار صرخة الألم التي سيطلقها هذا الطرف أو ذاك تظل الأحداث على وتيرتها المتصاعدة يوماً بعد يوم؛ إذ لا خيارات متعددة أمام طرفي الصراع؛ فكل قد حدد وجهته: شارون وعصابته عبر الهروب إلى الأمام بتسخين الموقف من خلال الاستمرار في سياسة الاغتيالات التي تنفذ بحق نشطاء حماس والجهاد وفتح والشعبية، والتمادي في سياسة إغلاق مناطق السلطة وتجويع أهلها وإذلال الفلسطينيين عند المنافذ الحدودية، واستهداف مقار السلطة وسجونها وثكنات القوة ١٧ (الحرس الخاص للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات) وتنفيذ أسلوب اختطاف العناصر النشطة لدى التوغل المتكرر لقوى الاحتلال في مناطق السلطة (٢٥ ناشطاً خلال اقتحام جنين، ٩/١٢) بالإضافة إلى القصف المتواصل على مناطق سكانية واغتيال أطفال ونساء في مناطق السلطة. والشيخ ياسين ورجاله المغاوير بالرد القوي الملائم لما يلقاه الفلسطينيون من اضطهاد وإذلال وقهر. في الأجل القصير: إلى أي مدى يمكن للطرفين أن يصمدا في وجه بعضهما؟ الإجابة عن هذا السؤال جد عسيرة. لكن ربما أسهمت صورة أكثر وضوحاً للموقف في الدنو من مساحة الإجابة. ثمة متغيرات جسيمة دخلت على هذا الصراع الممتد: أولها: أن أحداث ١١ سبتمبر الماضي قد أنشبت أظفارها بعنف في القضية الفلسطينية، ولقد تلاقت آراء معظم المراقبين السياسيين على القول بأن أحداث ١١ سبتمبر وما جرته من إزالة للدولة الإسلامية في أفغانستان، وما تبعها من إجراءات أمنية أمريكية (سنعرض لها بشيء من التفصيل فيما بعد) طالت بيد البطش الحركات الإسلامية الجهادية في فلسطين وغيرها، قد أضرت كثيراً بالطرف الفلسطيني المسلم، ولعلنا إذ نشاطرهم رأيهم بأن الأحداث الأخيرة ألحقت الأذى بالفلسطينيين نخالفهم في ماهية هذا الضرر وفي مدى تأثيره الزمني؛ لأن المعركة بين الولايات المتحدة الأمريكية وأعدائها من المسلمين الفقراء في أفغانستان وغيرها لَمَّا تصل نهايتها. (لا يمكن بحال اختزال معركة الإسلام والغرب في جولة واحدة مبهمة المعالم ولامع جناح من تنظيم واحد) . إلا أن الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية قد انفلتت من عقالها وعقلها على حد قول مروان البرغوثي أمين سر حركة فتح الفلسطينية واستبد بها الكبر والغرور. متغير ثان: هو نجاح فرق الموت الصهيونية في اغتيال قائد كتائب عز الدين القسّام في الضفة الغربية محمود أبو هنود مع اثنين من معاونيه (لا يزال قائد الجناح العسكري لحماس في غزة محمد ضيف متخفياً من فرق الموت الصهيونية والسلطة الفلسطينية في آن واحد. نسأل العلي القدير له السلامة) مما أدى إلى بث بعض التفاؤل في نفوس قادة وعناصر الأجهزة الأمنية الصهيونية المحبطة، وبث رغبة عارمة للثأر في نفوس عناصر الكتائب لخسارتهم واحداً من أبرز وألمع وأكفأ من أنجبتهم تلك الطليعة المجاهدة. وبالفعل فقد جاء الرد قاسياً كما وعدت الكتائب في بيانها التأبيني للفقيد أعاد للعالم صورة سلسلة التفجيرات الانتقامية التي نفذتها الكتائب في أعقاب مقتل مهندس التفجيرات البطل يحيى عياش، وتلقت حركة المقاومة الإسلامية إثرها أعنف ضربة منذ تأسيسها في عام ١٩٨٧ استهدفت بناها التحتية واحتاجت بعدها لأعوام حتى تسترد عافيتها (شارك في تلك الضربة جنود عرفات والولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني) . وإذا كان اغتيال أبو هنود وما استتبعه من تفجيرات وإطلاق نار من جانب المقاومة، وتوغل وقصف من جانب الاحتلال يمثل تصعيداً خطيراً، فإن ذلك التصعيد لا يمكن بحال فصله عما استقبله واستدبره من عمليات كبيرة من كلا الجانبين أدت إلى انتقاص من أطراف كلا الجانبين؛ فعملية قتل رحبعام زئيفي وزير السياحة (الإسرائيلي) أحد أبرز العناصر المجرمة في تشكيل الحكومة الإسرائيلية على يد عناصر من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكذلك محاولة قتل رئيس الأركان (الإسرائيلي) شاؤول موفاز خلال شهر ديسمبر أثناء جولة تفقدية على يد نشطاء من الذراع العسكري لحركة فتح (كتائب العودة) ، ونجاح الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في تنفيذ عملية استشهادية في إحدى المستوطنات الإسرائيلية أدت إلى قتل العالم النووي الإسرائيلي دافيد باتسيم [يعد باتسيم واحداً من خمسة علماء نووين يشرفون على تطوير البرنامج النووي الصهيوني، ويعد أحد المشرفين الإسرائيليين على صنع قنابل صغيرة محملة بمواد نووية وكيميائية وبيولوجية، وله اتصال واسع بعلماء أمريكيين وروس] ، وكذلك عمليات اغتيال كوادر نشطاء حماس والجهاد وفتح والشعبية، والقصف المتوالي لمقار السلطة ولاسيما رئيسها ياسر عرفات وحرسه الخاص وتدمير مروحياته ومنعه من السفر.. كل هذا يعد دليلاً على أن هذه الحلقة الجديدة من حلقات الصراع تختلف كثيراً من سابقاتها ومؤشراً لتغيير هائل يطال جميع العناصر الفاعلة في الصراع؛ إذ يستحيل بحال أن يبقى هذا الوضع على ما هو عليه الآن. رؤية الأطراف الأربعة: تأسيساً على ما سبق فإن المتغيرات التي طرأت على الساحتين العالمية والمحلية قد عدلت بشكل أو بآخر من رؤى وسياسات الأجنحة الفاعلة في الصراع الإسلامي/ اليهودي في فلسطين: الكيان الصهيوني: قبل أقل من عام اختار اليهود سفاحهم شارون تحت شعار (١٠٠ يوم للقضاء على الانتفاضة) من أجل تعويم ثقتهم بأنفسهم وقدرة أجهزتهم الأمنية، وقد أوهمهم المغبون بصلفه وتكبره أنه قادر على وقف الزحف الأخضر. ولحد الآن صمد شارون في منصبه كل هذه الفترة رغم قلتها مقارنة برفقائه من حكام دول الطوق والنوق والمئون تمضي بدلاً من المائة المنشودة التي وعد بها شعبه ولَمَّا تفقد الانتفاضة الوضاءة من بريقها شيئاً، بل زيدت تألقاً بفعل استشهادييها الذين نما عددهم بشكل مثير خلال تلك الفترة، وبفعل تلاحم القوى الفلسطينية المقاومة وتفويت فرص المؤامرة على وحدتها، ولعل سر صمود شارون لا يعود إلى تنفيذ سياسة الاغتيالات الموجعة ذات الشعبية الإسرائيلية الجارفة بحق ناشطي الانتفاضة فحسب، ولا اتكاؤه على حكومة وحدة احتلالية بمساندة الثعلب بيريز فحسب؛ بل لأن القوم قد أعيتهم الحيل في وأد الانتفاضة، ولم يعد في جعبتهم سوى سكين السفاح فأشهروه! ! لذا فمن نافلة القول الإقرار بأن المأزق الذي خلقته الانتفاضة المباركة لليهود ليس مأزقاً لشارون وعصابته وحسب وإن كان شارون يجسده وإنما هو مأزق كيان أفاق على حقيقة مفادها أنه بعد أربعين عاماً من إعلانه بدأت أركانه تتصدع. والحاصل الآن أن شارون يريد حلحلة الموقف بالإفادة من المعطيات الجديدة التي خلفتها أحداث ١١ سبتمبر وانكماش الدول العربية وانكفائها أكثر فأكثر، وهياج الثور الأمريكي وبطشه بكل ما هو إسلامي وفاعل في المنطقة العربية والإسلامية؛ ولذا فقد أطلق مبادرته بضرورة إنهاء السلطة لكافة أشكال الانتفاضة بنسبة ١٠٠% وتفكيك شبكات النضال الإسلامي (حماس والجهاد) مقابل الإبقاء على عرفات في منصبه! (أقنع بيريز شارون بتبني صيغة ١٠٠% من الجهد الفلسطيني لوقف العنف بدلاً من ١٠٠ % من النتائج، ويبدو ذلك في الظاهر تنازلاً من الجانب الصهيوني؛ بيد أن الخبيث بيريز أراد بهذه الصيغة الجديدة التي تم الاتفاق عليها بحضور المبعوث الأمريكي الجنرال زيني إطلاق يد الغدر اغتيالاً لكوادر الانتفاضة جوار الجهد الخلاق لعرفات وجنده في الزج بمن بقي من هؤلاء الأبطال على قيد الحياة في سجون السلطة! !) ولخص شارون سياسته الحالية في مقابلة أجرتها معه صحيفة واشنطن بوست (١١/١٢/٢٠٠١) حين قال عن عرفات: (إن هذا سيجعل من الصعب التوصل إلى اتفاقية معه، ولكننا سوف لا نتخذ أي خطوات خاصة ضده.. لقد حددنا تحركاته لإجباره على اتخاذ إجراءات، وهو حر الآن ولكن ليس لديه وقت للذهاب إلى الخارج) . وأضاف رداً على سؤال حول قصف مروحيات عرفات: (لقد علمنا أنه عندما يكون خارج البلاد فإن الإرهاب يزداد، وعندها يعتقد أنه ليس مسؤولاً) وقال: (إنه إذا لم يتصرف عرفات فنحن سنتصرف؛ فعندما لا يقوم بالاعتقال نحن سنعتقل " وضيق شارون الخناق على عرفات في تلك المقابلة حين نفى أن تكون حماس قوية مثل السلطة الفلسطينية قائلاً: (لا، باستطاعة عرفات أن يسيطر على الوضع. إنه فقط لم يقم بأي جهد. فإذا لم يكن عرفات هناك فلا أعتقد أن حماس ستتولى السلطة، بل أعتقد أن فلسطينيين أكثر براجماتية سيتولون السلطة) وأفاد: (نحن نعرف أنه ما لم ير عرفات نفسه معزولاً تماماً فإنه لن يتخذ خطوات ... وحتى في هذه الحالة فإن الخطوات ستكون لفترة قصيرة) . الكيان الصهيوني متمثلاً برئيس حكومته آرييل شارون يراهن اليوم على خياره القمعي وحتى النهاية ملتحفاً بالدعم اللا محدود من الولايات المتحدة الأمريكية للوصول إلى إنهاء هذه المعضلة الفلسطينية المزمنة. الولايات المتحدة الأمريكية: باتت تتصرف الآن مع قضايا المسلمين وقضية فلسطين في قلب القضايا بنوع من التبجح؛ فهي قد أرسلت مبعوثها إلى الشرق الأوسط عسكرياً: الجنرال احتياط أنتوني زيني يتناغم اختياره مع تشكيله حكومة الحرب الأمريكية: (ديك تشيني كولن باول دونالد رامسفيلد) ليصبح صوته رجع صدى لما يقوله جنرالات (إسرائيل) ؛ فالصراع برأيهم هو بسبب العنف الفلسطيني الذي لا بد أن يستتبعه انتقام (إسرائيلي) . وبدلاً من المبعوثين المدنيين الذين كانت ترسلهم واشنطن للشرق الأوسط سابقاً أصبحت واشنطن لا يعنيها إلا الجانب الأمني من الصراع وهو ما يتطابق تماماً مع وجهة نظر شارون؛ حيث كان لافتاً أن المباحثات الأخيرة أجريت بين الجنرال احتياط أمريكي أنتوني زيني، والجنرال احتياط إسرائيلي مئير داجان، ورئيس جهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية العقيد جبريل الرجوب. وصحيح أن الموقف الأمريكي منحاز دائماً للكيان الصهيوني بيد أنه في الأخير بات (إسرائيلياً) بنحو لا يقبل الالتباس؛ حيث أخضع خطاب كولن باول أمام جامعة لويفيل بولاية كنتاكي الأمريكية إلى المراجعة من قبل آرييل شارون لتعديله حذفاً وإضافة (بلغت تحفظات وملاحظات شارون ستة ملاحظات) قبل أن يلقيه باول. الكاتب الشهير محمد حسنين هيكل نقل عن شخصية أمريكية رفيعة المستوى في مقاله الرصين بمجلة وجهات نظر (١٢/٢٠٠١) حديثاً يختزل رؤية أمريكا في هذه المرحلة للصراع وخفة وزن العرب فيها، ويجيب على تساؤل هيكل بشأن برودة العلاقات بين الولايات المتحدة وأصدقائها العرب! جاء فيه: (في واشنطن وبصفة عامة وفي الظروف العادية قدروا موقف أصدقائهم العرب، لكن طلبات هؤلاء الأصدقاء زادت عن حدها: معظمهم لهم طلب مستمر طول الوقت من الولايات المتحدة بأن تضغط على إسرائيل وألا تفعل شيئاً آخر، وكأن للسياسة الأمريكية في المنطقة وظيفة يمكن اختزالها في مواصلة الضغط على إسرائيل «. ويواصل القائل كلامه:» لقد سمحت واشنطن لبعض الأطراف العربية بأن يعلنوا على الملأ آراء ومواقف مخالفة لما تسمعه منهم في الاجتماعات المغلقة، وكان ذلك عن تقدير لعلاقة هؤلاء الأطراف مع شعوبهم، لكننا الآن في ظرف لا يحتمل هذه الدرجة من المرونة، وهي في رأيهم ميوعة. وربما تتذكر (أنهم) في إسرائيل يقولون للناس كل شيء وهذا يطمئن، لكنه على الجانب العربي لا يعرف الناس عما يجري إلا أقل القليل «. واختتم بالقول:» إنه لا يستطيع أن يكون صادقاً مع الآخرين من لا يستطيع أن يكون صادقاً مع أهله، ولعلم الجميع فإن الحكومة الأمريكية لم تطلب من أي طرف عربي شيئاً إلا واستجاب للطلب بالكامل. ومع ذلك راح بعض العرب يقولون إنهم (تحفظوا) و (رفضوا) و (منعوا) ، وكل ذلك يخصم من أرصدة الصديق العربي، ويخصم من بند مهم فيه، وهو بند الثقة بالنفس والاستناد عند التصرف إلى شرعية معترف بها من الكل، مقبولة في تعبيرها عنهم، بما لا يضطرهم إلى التغطية على (التصرف) بالإخفاء أو بالتمويه! «. ومن هنا يبدو الموقف الأمريكي أكثر وضوحاً وصراحة في احتقاره الكامل للطرف العربي؛ وتجلى ذلك في رفض بوش برغم وساطة عربية مجرد مصافحة عرفات خلال تواجدهما في مبنى الأمم المتحدة! ولا تعنينا مصافحة عرفات وقبلاته، وإنما يعنينا أن الولايات المتحدة قد ألقت بثقلها السياسي والعسكري وراء تفكيك حركتي حماس والجهاد الإسلاميتين، وتبعها الاتحاد الأوروبي الذي طالب عرفات بتفكيك حركتي حماس والجهاد وتحميله مسؤولية العنف في فلسطين بلهجة وقحة لم تعهد من الاتحاد الأوروبي الذي حافظ دوماً على توازن لفظي على الأقل في التعاطي مع القضية الفلسطينية ولا سيما أن الاتحاد غير مسموح له بالتدخل المباشر في المفاوضات بين (إسرائيل) و (فلسطين) . ولقد تجلى ذهاب الولايات المتحدة الأمريكية إلى أبعد حد في محاربتها لحق الفلسطينيين في تحرير أرضهم عندما قررت تجميد أرصدة جمعية الأرض المقدسة الخيرية، وهى جمعية لا تقوم سوى برعاية أسر الشهداء والمعوقين. السلطة الفلسطينية: توقعها اللحظة الراهنة في وضع بالغ الحرج، (إسرائيل) والولايات المتحدة الأمريكية تضعان لعرفات مهلة محددة لإنجاز مهمة اعتقال كوادر ونشطاء حركتي حماس والجهاد الإسلاميين، وليست الوطنية والورع هما اللتان تكبلان يدي عرفات لإتمام المهمة وإنما قوة الحركتين وشعبيتهما الجارفة التي حدت بمهندس (التنسيق المصري الفلسطيني) د. أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس المصري إلى القول إن حركتي حماس والجهاد ليستا إرهابيتين وإنما حركتا تحرر وطني، وذلك برغم موقف الحكم المصري المعروف من كافة الحركات الإسلامية ولتغلغل تلك الشعبية داخل حركة فتح نفسها؛ حيث لا يفتأ أمين سر حركة فتح مروان البرغوثي ينوه بدورهما النضالي الوطني. من جهة أخرى، فإن عرفات يأخذ تهديدات شارون بإطاحته على محمل الجد لا سيما وهو يرى رجال سلطته أمثال جبريل الرجوب ومحمد دحلان ومحمود عباس (أبو مازن) وصائب عريقات على أهبة الاستعداد لخلافته إذا ما أعطتهم (إسرائيل) الضوء الأخضر لذلك. السلطة إذن في تلك المرحلة الدقيقة تحاول أن تمرر الأزمة دون خسائر، وتناور بشأن الأوامر (الإسرائيلية) المصلتة على رقابها بشأن حماس والجهاد، وهي سعت لذلك عبر الاقتراح الذي طرحه نبيل شعث بصدد مقابلة تفكيك حماس والجهاد بنزع أسلحة المستوطنين وتفكيك وحدات المستعربين في مناطق السلطة، وهي بهذا تضع القاطرة أمام الحصان أملاً في تجاوز المحنة! غير أن هذه المناورات السياسية قد لا تجدي كثيراً مع شارون الذي لا يضع خطوطاً حمراء سوى من دماء الفلسطينيين في طريقه لتحقيق مصلحة (إسرائيل) واقتناص الفرصة الحالية السانحة. حركتا حماس والجهاد: كمقاتلي (القاعدة) ليس لهم سوى خيار واحد، وهو خيار المقاومة حتى الموت، وخصوصاً أن العدو الأمريكي والصهيوني لا يرضيان لهما سوى التفكيك الكامل، والقتل لعناصرهما أو الاعتقال والتنكيل. والحق أن الحركتين تديران علاقتهما بالسلطة بقدر عال من الذكاء؛ فهما تنسقان كثيراً مع فتح (آخر تجليات ذلك اتفاق الهدنة الذي وقعته الأجنحة العسكرية لفتح وحماس والجهاد والشعبية ١٠/١٢/٢٠٠١) ، وفي ذات الوقت تكبح بقوة السلاح جماح السلطة في فرض الإقامة الجبرية على زعيم حركة المقاومة الإسلامية الشيخ أحمد ياسين. السيناريوهات المحتملة: السيناريو الأول: إطاحة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات (يستبعد تماماً قتل الرئيس الفلسطيني لما لذلك من تأثير على المستويات المحلية والعربية والدولية. وقد دلت دلائل كثيرة جداً على أن الكيان الصهيوني كان قادراً دوماً على النيل من عرفات عندما تسوء علاقاته باليهود، ولم يقدم على ذلك مثلما كان أثناء حصار بيروت وأثناء الأزمة الأخيرة وغيرهما) وهذا يؤدي إلى أحد حالين: - إما انهيار السلطة الفلسطينية تماماً: إذ تتساوى حظوظ العديد من الأسماء المرشحة لخلافته، وهو ما قد يخلق حالة من الارتباك بين الأجنحة المتناقضة في منظمة التحرير الفلسطينية قد تتصاعد لحال من الفوضى والاشتباك إذا ما أصرت قوى خارجية أمريكية وعربية على فرض خيارها على الأطراف المناضلة في المنظمة. وهذه الفرضية قد تعني تدخلاً أمنياً دائماً لقوات الاحتلال في أراضي السلطة وحضوراً أكبر لحركتي حماس والجهاد برغم تعرضهما لأقصى درجات القمع واختراقاً استخبارياً أقل لهما. - الحال الثانية: هي تمكن البراجماتيين الفلسطينيين (الرجوب و..) من إحكام قبضتهم على السلطة من دون انهيارها، وسعيهم لتنفيذ كل الإجراءات القمعية بحق المعارضة الفلسطينية التي تأمرهم بها (إسرائيل) وفي كلا الحالين يستشرف طغام (إسرائيل) المشهد الأفغاني؛ إذ ليس سراً أن شارون يبدي إعجابه بالمجازر التي نفذها الجيش (الصليبي) الأمريكي بحق المسلمين الأفغان، ويستلهمها أنموذجاً يصلح للتطبيق في الأراضي المقدسة، ولا يخفي الجزار رغبته في وجود سلطة فلسطينية لا تنتمي إلى دين أو وطن. وفي كلا الحالين كذلك سيكون على المقاومة الاستعداد لمرحلة أكثر شراسة وتضحية. وفي كلا الحالين يتوقع أن يؤدي تسلط العملاء الواضحين الذين لم يشهد لهم التاريخ أي دور نضالي (اللهم إلا في نهب أموال الإغاثة) أو الفوضى العارمة إلى استقطاب لعناصر فتح المناضلة إلى حركتي حماس والجهاد؛ فمن الجدير ذكره أن هناك جيلاً من نشطاء فتح قد ولدوا من رحم الانتفاضة الأولى (١٩٨٧) وتربوا على معان فدائية وكفاحية لا يفهمها مناضلو الفنادق (التوانسة) في منظمة التحرير الفلسطينية، وأن الفجوة بين هؤلاء وأولئك تتسع يوماً بعد يوم، وربما حدث الانفصال التام بينهما في حال نفذت (إسرائيل) هذا السيناريو. فما زال أبو عمار يمثل رمانة الميزان لهذين الجناحين لما له من قبول لدى الطرف البراجماتي، ولتاريخه (النضالي) السابق، ولانخداع العديد من نشطاء فتح بسياسته المتأرجحة (على رأس هؤلاء مروان البرغوثي أمين سر حركة فتح الذي ما تزال أسرته رهينة بيتهم الذي تحتجزهم فيه سلطات الاحتلال لحين تسليم البرغوثي نفسه لهم ما تزال كذلك حتى كتابة هذه السطور) . ولعلنا لا نبالغ إذ نقول: إن هذا الاستقطاب بدأ يحدث منذ فترة. السيناريو الثاني: تشديد الضغط على عرفات عبر قصف مقاره ومنعه من السفر وعزله تماماً لدفعه لتنفيذ الأوامر الأمريكية (الإسرائيلية) ، وهذا السيناريو يرتكن إلى أن حاجة شارون إلى عرفات ما زالت كبيرة؛ فالختيار ما زال قادراً على ضبط الشارع الفلسطيني (المنفلت) وغيره لا يملك قدراته ودهاءه. السيناريو الثالث: بقاء الحال على ما هو عليه الآن، وهذا السيناريو هو أكثر السيناريوهات استبعاداً؛ فما طرأ على القضية الفلسطينية والانتفاضة كفيل بنقلها إلى طور آخر أكثر شراسة. دخلت الانتفاضة الفلسطينية مرحلة دقيقة ومسننة؛ فالحلقة المفرغة التي تدور فيها الأطراف جميعها (تضرب قوى الاحتلال الفلسطينيين والمقاومة، فترد المقاومة، فتضغط قوى الكيان الصهيوني على السلطة فتقمع المقاومين الذين يفلتون من القتل (الإسرائيلي الانتقائي) ولا بد وأن تتغير معادلاتها؛ إذ إن توازن الدم: ٨٥٠ شهيداً وأكثر من عشرة آلاف جريح فلسطيني، ونحو ٢٥٠ قتيلاً و ٩٥٠ جريحاً يهودياً يمثل عنصر ضغط عالٍ على كافة الأطراف؛ فشارون بدأ يفقد شعبيته إيذاناً بانهيار ائتلافه، وعرفات بدأ في فقدان سلطته، وكلاهما بصدد العمل على تدمير المقاومة؛ بينما الشعوب العربية والإسلامية تستهويها مشاهدة (إرهابيات شارون) . وهذه المقاومة بدورها تؤرجحها أمواج الأزمة في بحر بعيدة شطآنه؛ ذاك أنها قد أصبحت عرضة للتفكيك إذا ما استمرت العمليات الاستشهادية أو التضحية بجميع مكتسبات الانتفاضة وترك الكيان الصهيوني يهريق الدم الفلسطيني، ويتلذذ باغتيال قادة ونشطاء حماس والجهاد من دون رادع يثأر لأرواح الشهداء. ولأن قادة حماس السياسيين لا يقلون روعة ولا بهاء عن قادة جناحها العسكري؛ فقد تبنوا خياراً مرحلياً مسؤولاً يضع جميع التغيرات الآنية في حساباته ليحد نوعياً من غلواء الصهيونية / المسيحية (التي أغرتها أصوات أجراس احتفالات أعياد الميلاد في كابول السليبة) بالتقليل من أخطار الإجراءات السلطوية القمعية من دون أن يسقط خيار الانتفاضة من حساباته؛ وذلك حين قررت قيادة حماس (تبعها بعد ذلك حركتا الجهاد والشعبية) في النصف الثاني من شهر ديسمبر الماضي تعليق العمليات الاستشهادية في فلسطين المحتلة ٤٨، وكذلك تعليق إطلاق قذائف الهاون وصواريخ (قسام ١) مقابل توقف الجانب الصهيوني عن سياسة الاغتيالات وقتل المدنيين. حركة حماس اتخذت إذن قرارها الذي بنته على أسس تأخذ في الاعتبار ما يلي: ١ - سحب البساط من تحت أقدام شارون وعصابته المجرمة، ودفعه تدريجياً إلى تخفيف الطوق الأمني والحصار والمطالبة الدائمة بدحر حركتي حماس والجهاد الإسلاميتين. ٢ - توسيع الطوق قليلاً عن عنق عرفات، ودفعه إلى اتخاذ موقف أقل تشدداً حيالها، وربما إنقاذ عرفات شخصياً من الاغتيال السياسي في هذه المرحلة العصيبة بالذات، والتي يعد فيها عرفات أقل ضرراً من خلفائه القمعيين المنتظرين؛ إذ إن حماس أحرص الآن على انهيار حكومة شارون أكثر من حرصها على إطاحة عرفات. ٣ - الحد من افتراس السلطة الفلسطينية لمناضلي المقاومة الإسلامية، وتخفيف وطأة القمع عليها. ٤ - وأد الفتنة الداخلية ومنع الاحتراب الفلسطيني/ الفلسطيني. ٥ - المحافظة على بقاء الحركة كفصيل من فصائل التحرر الوطني (على حد اعتراف المستشار السياسي للرئيس المصري / أسامة الباز) . ٦- اقتصار الانتفاضة - في هذه المرحلة - على الأعمال الاحتجاجية » السلمية «، والأعمال الفدائية التي تستهدف عسكريين والتي هي بالأساس موجعة لكنها لا تثير ضجيجاً كالذي تثيره العمليات الاستشهادية - في ظرف عالمي متحفز لوصم جميع العمليات الجهادية بالإرهاب (يشار في ذلك إلى أن عملية الحدود الأردنية/» الإسرائيلية «والتي استهدفت عسكريين يهود لم تلق الإدانة ذاتها التي تلقاها العمليات الاستشهادية) ؛ وذلك بالطبع بحجة استهدافها لمن تدعوهم » إسرائيل «مدنيين) . وقد اختارت حماس توقيتاً دقيقاً لإعلان قرارها هذا حيث أرادت إحباط مهمة الأمريكي الجنرال زيني، وإيصال رسالتين إلى» إسرائيل «والسلطة الفلسطينية قبل تعليق عملياتها الاستشهادية: * الأولى: تتعلق بإفهام الكيان الصهيوني أن دماء قادة حماس ليست رخيصة، وأن الثأر لهم يسمو على كل حسابات الموقف (بدا ذلك في عمليات الثأر لمقتل المجاهد البطل محمود أبو هنود) . * الثانية: تقول لعرفات إن حرص حماس على اللحمة الشعبية ومنع الاحتراب الداخلي لا يعني صمتها على اعتقال أي من كبار رموزها، وأن السلطة الفلسطينية يجب أن تعيد التفكير أكثر من مرة قبل أن تلبي المطالب» الإسرائيلية « بطريقة أوتوماتيكية (تصدت حماس بنجاح لعمليتي تحديد إقامة الشيخ أحمد ياسين واعتقال د. عبد العزيز الرنتيسي) . وأن حماس ستتصدى بكل حزم للمطالب» الإسرائيلية «الخمسة لوقف إطلاق النار. خلاصة القول أن حماس والسلطة و» إسرائيل «يتعرضون الآن لمحن سياسية وعسكرية كبيرة حدت بهم جميعاً إلى اتخاذ سياسات متوازنة بين تطلعاتهم والضغوط المؤثرة عليهم. وهم جميعاً قد أجروا حساباتهم بدقة تتلاءم مع دقة تلك المرحلة التي تتبدى فيها بجلاء سنة التدافع الإلهي بين الفئات المتصارعة في الأرض المباركة. والمراقب الإسلامي لن يخطئه اليقين بديمومة الانتفاضة كرة حماس الملتهبة بين كفي عرفات وشارون!

стр. 4167

المسلمون والعالم المخيمات والمهجرون.. حصاد أم حصيد ؟ وائل عبد الغني تعد قضية المهجرين الفلسطينيين (اللاجئين) نتاجاً لعلاقة غير شرعية تواطأت أطراف هذه العلاقة على إيجادها، واليوم وبعد أن أصبحت حملاً ثقيلاً عليهم اتفقوا على حتمية التخلص منها بأي ثمن. وهذا ما عبر عنه أحدهم قائلاً: «إن الحل الأفضل لقضية المخيمات هو الحل» ! واليوم فإن المخاطر التي تتهدد المخيمات مأوى المشردين لم يسبق لها أن اجتمعت من قبل: الإغراء بالتوطين، تجفيف منابع الدعم المادي، التخريب المنظم على أيدي اليهود في الداخل وعلى أيدي عملائهم في لبنان، وسكوت الأنظمة العربية أو رضاها، وإدارة الأمم المتحدة ظهرها للقضية، وتحفيز حلفاء واشنطن على فتح شهية المهجرين بإغراءات الهجرة وتوديع حياة البؤس في المخيمات؛ فالمخيمات هي الشاهد الحي الوحيد والباقي على جريمة اليهود والأطراف الدولية على أرض فلسطين، والكيان الذي يعبر عن أصحاب الحق الذي يثير قلق إسرائيل، كما أن مخيمات الداخل مصدر رئيس لحركات المقاومة الداخلية يعبر عن نبض الأمة الذي يراد له أن يتوقف؛ ومخيمات الخارج هي مشروع على الطريق. لا يسعنا ونحن نتحدث عن أبعاد المشكلة أن نتجاهل مفرادت القاموس الغربي التي أصبحت ثابتاً من ثوابت القضية الفلسطينية، ومظهراً من مظاهرها حتى على مستوى الخطاب السياسي الإعلامي الداخلي التي أدت بالفعل إلى إضعاف القضية وتشويه نظرة الأجيال الصاعدة لها؛ مثل اللاجئين (وليس المشردين أو المهجرين) .. حق العودة (وليس واجب التحرير) .. مرجعية الأمم المتحدة (وليس الإسلام) .. قرارات الشرعية الدولية (وليس شريعة العدل السماوي) ... ، هذه المصطلحات وأمثالها تحتاج إلى معالجة تأصيلية بل إلى إحلال الألفاظ التي تعبر عن حقيقة القضية بتعبيرات القرآن والسنة التي تقدم مفاهيم واضحة تستند إلى رصيد تاريخي ملهم. حقائق للتذكير: إن إلمامة سريعة بتطور الخريطة السكانية لأرض فلسطين خلال القرن الماضي يكشف لنا قدر الجرائم التي ارتكبت وسوف ترتكب في سبيل تمكين اليهود من فلسطين؛ فمع مطلع القرن الماضي وفي عام ١٩٠٣م كان عدد اليهود في فلسطين ٥٦ ألفاً (٨% من السكان) نصفهم تقريباً قدموا من روسيا هرباً من الاضطهاد القيصري، بينما كان عدد المسلمين: ٦٤٤ ألف نسمة (٩٢%من السكان) معهم قلة قليلة من النصارى. ونتيجة للنشاط الصهيوني العالمي صدر وعد بلفور وكان بمثابة الانطلاقة الخطيرة في تغيير خريطة فلسطين عن طريق الهجرة؛ إذ قفز تعداد اليهود نتيجة للحماية البريطانية فبلغ قبيل حرب ١٩٤٨م إلى ٦٥٠ ألف نسمة، لكنه لم يتعد ٣١ % من مجموع السكان (أي أن الرقم تضاعف ١١. ٦مرة خلال ٤٥ سنة) : مقابل ٢. ٠٦٥مليون نسمة للمسلمين (تضاعف الرقم ٣. ٢مرة في نفس الفترة) . ومع إخفاق اليهود في شراء المزيد من الأراضي بدأت عملية الترحيل القسري للسكان من أراضيهم، ومع اشتعال الموقف بعد قرار التقسيم عام ١٩٤٧م وإعلان قيام الدولة اليهودية ثم وقوع حرب ١٩٤٨م، تعرض للطرد والتشريد مليون فلسطيني بخلاف الذين قتلوا أو فقدوا في ذلك الوقت وهو رقم ضخم جداً بمقاييس تلك الفترة. وتشير الملفات الإسرائيلية إلى أن عدد القرى التي تعرض أهلها للطرد على يد القوات اليهودية بلغ ٥٣١ قرية تم تفريغها على النحو الآتي: ٨٩% عن طريق المجازر والأعمال العسكرية، و١٠% عن طريق الحرب النفسية، و ١% منها فقط خرج أهلها طواعية. واستمرت عمليات التهجير والتفريغ المنظم دون توقف في وقت حرب أو وقت سلام. وفي نفس العام ٤٧ صدر قرار الأمم المتحدة رقم ١٩٤ بالاعتراف بإسرائيل؛ وحتى لا يعترض العرب ذُيّل القرار بشرط هو إعادة المهجرين؛ إلا أن الذي كان هو أن الدولة المغتصبة بقيت وزال الشرط ضمن سياسة الأمر الواقع. وفي عام ١٩٥١م اقتنص اليهود قراراً أخطر من القرارين الأولين يعترف باعتبار كل يهودي في العالم إسرائيلياً وأحقيته في الهجرة إلى إسرائيل متى قرر ذلك. وفي عام ١٩٦٧م هُجِّر ٤١٠ أربعمائة وعشرة آلاف نسمة من الفلسطينيين إلى خارج الأراضي التي استولى عليها اليهود، وعلينا أن نأخذ في الحسبان ما هو أكثر من هذا العدد من الذين سلبت حقوقهم واستمروا في العيش تحت نير الاحتلال. هذا بخلاف السوريين الذين طردوا من الجولان والمصريين الذين أخرجوا من سيناء. ومنذ أن قامت إسرائيل وحتى الآن لم تتوقف سياسة الطرد والتهجير في غفلة من الإعلام العربي. ولو أخذنا في الاعتبار طبيعة النفسية اليهودية والعقيدة الصهيونية، وامتثال الطريقة الأمريكية في الاحتلال القائم على استئصال السكان الأصليين، لعلمنا أنه ما منع اليهود من الاستيلاء على الأراضي دفعة واحدة وإبادة السكان حتى آخر صرخة إلا الخوف من ارتفاع أصوات الجهاد التي فزعت لمصاب أهل فلسطين من قبل لكنها أخمدت بفعل فاعل! ولولا التآمر الذي وقع حينها لما كان لهم ما كان. إنشاء المخيمات: في عام١٩٥٠م أقيمت الوكالة الدولية لغوث اللاجئين «أونروا» لاحتواء الموقف الموشك على الانفجار، فأقامت الخيام، وقدمت بعضاً من مواد الإغاثة، ثم بعد سنوات بنيت لهم أكواخ للاستقرار على أراض خصصتها حكومات البلاد العربية. وفي الحقيقة فإن إقامة هذه المؤسسة التي ظاهرها الشفقة على الفلسطينيين وباطنها المساعدة في إيجاد أجواء جديدة لهؤلاء المشردين تساعد على توطينهم بعيداً عن ديارهم؛ لأن عودة هؤلاء كفيل بإنهاء فكرة الوطن القومي لليهود على أرض فلسطين، وخاصة إذا ما علمنا أن الأراضي التي سلبت تعادل ٩٢% من الأرض التي أقيمت عليها إسرائيل. رباط على الحدود: ظل المهجرون على مدى نصف قرن وأكثر يعيشون على حدود بلادهم وحتى الآن في محيط لا يتجاوز إطاره ١٠٠ كم٢ في انتظار الساعة التي يستعيدون فيها حقوقهم وديارهم؛ إذ تبلغ نسبة الذين يقيمون في هذا الإطار من سكان ومهجرين ٨٨% من مجموع الفلسطينيين البالغ ٨. ٢٥ مليون وفقاً لإحصائيات عام ٢٠٠٠ م. ونلاحظ صلة اللاجئين في كل دولة بالمدن الفلسطينية القريبة منهم؛ حيث هاجر أهل الضفة الغربية إلى الأردن، وأهل الشمال نحو سوريا ولبنان، وأهل الجنوب إلى مصر.. بالإضافة إلى الهجرات الداخلية في غزة والضفة؛ حيث استقر كل طرف في أقرب مكان إلى داره، وبعد اتفاق أوسلو بدأت أعداد من سكان غزة الأقل حظاً بالهجرة إلى الضفة؛ حيث التكدس أخف والظروف المعيشية أفضل نوعاً ما. خريطة المهجرين: يتوزع المهجرون الفلسطينيون على ١٣٢ دولة في أعداد متفاوتة، ويقيم الغالبية العظمى منهم في فلسطين والدول المحيطة، وتقديراتهم على النحو الآتي: *الأردن: ٨٦٥. ٨٥٦ مهجراً. * لبنان: ٤٣٧. ٠٦٨ مهجراً. * سوريا: ٤٧٦. ٦١٠ مهجرين. * قطاع غزة: ٨٢٠. ٦٩٠ مهجراً. * الضفة الغربية: ٦٩٩. ٣٥٤ مهجراً. داخل أراضي ٤٨ تحت الاحتلال: ٢٥٨. ٧٥٠ مهجراً. ويقيم غالبية هؤلاء داخل المخيمات. كما توجد أعداد متفاوتة في عدد من الدول العربية تختلف بشأنها التقديرات، بالإضافة إلى نصف مليون يقيمون في الدول الغربية. ويجدر بالذكر أن أرقام المهجرين تقديرية لعدم وجود إحصاء رسمي يشملهم، بالإضافة إلى تشتتهم بين الدول، ولكن التقديرات ترجع لعمليات إحصاء سابقة مع حساب معدل نمو سنوي مفترض قدره: ٣. ٥%، ويعد هذا التقدير أكثر التقديرات توثيقاً من قِبَل عدد من الجهات البحثية المتخصصة. اتفاقيات السلام والحصاد المر: كما كان اللاجئون ضحية للحرب كانوا ضحية للسلام، ويكفي في هذا السياق أن نشير إلى دور كل اتفاقية في خلخلة القضية داخلياً وإضعافها خارجياً. جاءت كامب ديفيد الأولى لتؤسس للتفريق بين لاجئي (١٩٤٨م) ، والنازحين (١٩٦٧م) ، وقبلت في الإطار العام أن يتم التفاوض مستقبلياً حول عودة مهجري ٦٧ إلى غزة والضفة الغربية؛ بينما أغفلت تماماً أي حق للاجئي ١٩٤٨م. ثم جاءت اتفاقيات «مدريد» لتجعل مرجعية القرار ١٩٤ الذي رفضت إسرائيل اعتباره مرجعية للعودة رغم أنه القرار الذي يعترف بها دولة شرط أن تعيد المهجرين إلى ديارهم، وقد حولت القضية إلى لجنة مشتركة اجتمعت مرات في حلقات نقاشية حول تعريف اللاجئ، ومن يحق لهم العودة والمراد بالعودة ... من غير أن يكون لهذه اللجنة أي صلاحيات ... وانتهت إلى النتيجة المرغوبة إسرائيلياً: لا شيء! .. وفي «أوسلو» الأولى والثانية تم تهميش القضية بتأجيل الكلام حولها إلى مفاوضات الحل النهائي، وحددت إطار عودة «النازحين إلى غزة» ؛ لكن ما تم الاتفاق عليه لم يكن سوى تكتيك لصهينة الرأي العام العربي خطوة خطوة، لتقبل ما يريده اليهود في النهاية؛ حيث يعد اليهود عودة اللاجئين أو النازحين خيانة كما صرح بذلك باراك وغيره. ثم جاءت «واي ريفر» لإعلان المساومة على الملأ عن هذا الحق صراحة مقابل بضعة كيلو مترات تتخلى عنها إسرائيل للسلطة الفلسطينية، لكن الشارع الفلسطيني جاء ضاغطاً بشدة ضد اتخاذ مثل هذه السقطة فلسطينياً، وإن كان قد تم الاتفاق عليها سراً كما تشير بعض الدراسات، ثم قطع قانون الكنيست قول كل مفاوض إبان مفاوضات «كامب ديفيد» الثانية بتصفية قضية اللاجئين من جانب واحد؛ باعتبار أي اتفاق يقضي بعودة اللاجئين اتفاقاً لاغياً وغير ملزم لإسرائيل. هموم.. في انتظار الحل! هموم الحياة الفلسطينية عموماً وسكان المخيمات خصوصاً هي مشكلات من نوع معقد وخاص؛ فهم مع كونهم ضحايا أكبر جرائم العصر الحديث، إلا أن النظرة العربية الرسمية إلى أفرادهم تبقى نظرة مشوبة بالشكوك! ومع كونهم مسلمين يقيمون بين ظهراني إخوان لهم إلا أنهم لم ينالوا ما تفرضه حقوق الإسلام من نصرة وكفالة، بل أصبحوا كما صورهم الغرب صفقة أو مشروع صفقة سياسية يمكن التفاهم بشأنها في حدود المسموح به إسرائيلياً والمتاح غربياً. هذه النظرة بحد ذاتها هي أحد أكبر العوامل فيما يعانيه إخواننا الفلسطينيون في المخيمات، وإن الإشارة إلى بعض ما يعانونه هو دعوة في المقام الأول إلى تغيير النظرة الرسمية إلى قضيتهم، وحل ما يتفرع عنها من مشاكل. ومن بين هذه المشاكل والهموم: * مشكلة الحقوق الكاملة: حق السفر.. حق العمل.. حق التملك.. حق الحماية الأمنية، حيث يعاني الفلسطينيون من مشاكل لا حصر لها ناتجة عن حملهم لوثيقة السفر الفلسطينية؛ فهي غير معترف بها لدى كثير من الدول، ويتعرضون في غالب الدول لنوع من المتابعة الأمنية اللصيقة لتحركاتهم ونشاطاتهم خاصة بعد اتفاقية «واي ريفر» التي أدخلت الدور الاستخباراتي وجعلته جزءاً من التسوية. * هناك مشكلة تقابل عدداً كبيراً من المهجرين، وهو عدم الاعتراف بهم من قِبَل الأونروا؛ حيث لا يوجد في سجلات الأونروا سوى ٣. ٧٣٧. ٤٩٤ مليون لاجئ من المقيمين في داخل فلسطين ودول الجوار، أما الذين يقيمون في بقية الدول وعدد غير قليل من الذين يقيمون في ذات الدول، فغير معترف بهم لاجئين؛ مما يعرض حقهم في العودة والتعويض للضياع، وإذا كان كلامنا عن المخيمات فلأنها عنوان ورمز للمهجرين، ولأن مشاكل أهلها هي قاسم مشترك بين غالب المهجرين أو جميعهم. * عدم كفاية البنية التحتية للمخيمات في توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة سواء شبكات الصرف والمياه والطرق، أو حتى في المدارس والمستشفيات والمرافق الأخرى؛ فغالب هذه المرافق قد أنشئت منذ عقود بطاقةٍ تستوعب طاقة المخيمات، لكنها اليوم مع تقادمها تضيق عن استيعاب الزيادات الكبيرة الناتجة عن نمو سكان المخيمات. وقد ازدادت الحالة سوءاً منذ مطلع التسعينيات؛ حيث خفضت عدد من الدول المانحة حصصها بناء على التوجه الغربي المنسق لتفكيك هذه المخيمات، وتوطين أهلها، متى أتيحت الفرصة، فتشكو المدارس التي غالبها تابع للأونروا من تكدس الطلاب داخل الفصول، وعدم كفاية الخدمة التعليمية لهم؛ مما يجعل العملية التعليمية نوعاً جديداً من المعاناة؛ فالمباني التعليمية كهيئتها دون زيادة أو ترميم، والدراسة على فترتين أو ثلاث لسد العجز في المباني، وعدد المدرسين لا يكفي نتيجة لعدم كفاية الميزانية لتوظيف مدرسين جدد، ويزداد هذا الأمر وضوحاً في المخيمات الأكثر فقراً في لبنان وغزة، ويبقى التعليم المجاني في حدود التعليم الأساسي والفني. أما الجامعات فغير متاحة إلا لذوي القدرات العالية أو من يظفر بمنحة من الجامعات العربية أو الأجنبية، وتقدم الجامعات التنصيرية فرصاً غير قليلة للطلبة سنوياً. * أدى ضرب البنية التحتية لنشاط الجمعيات الخيرية الإسلامية إلى ازدياد معدلات الفقر والمرض ومن ثم الجريمة داخل مخيمات القطاع والضفة؛ حيث نجحت السلطة في هذا الدور، وأخفقت في تقديم البديل رغم تلقيها المساعدات! * عملية الاستقطاب السياسي كما يحدث في سوريا ولبنان؛ حيث تسيطر على المخيمات قلة من المنتفعين مدعومة من الدولة المضيفة تتبنى الفكر السائد، بحيث يسبب تسلط هذه الفئة واستبدادها بالأمر صراعات قوية داخل المخيمات ويخلف آثاراً هي أغنى ما تكون عنها. * تعقد مسألة التمثيل؛ حيث هناك أكثر من طرف يمثل المخيمات من النواحي المختلفة قانونياً واقتصادياً وسياسياً، وعلى المستوى السياسي لا يوجد تمثيل سياسي رسمي يعبر عن قضايا المهجرين، مما ينشأ عنه ضياع الصوت الفلسطيني بعيداً عن التأثير في قضاياه المحلية داخل المخيمات. لكن في الفترة الأخيرة بدأت عدة تجمعات في البروز ونشطت في الحركة والدفاع عن حقوقها وخاصة بعد أن يئس الجميع من السلطة الفلسطينية في نيل حقوقهم. * هناك عامل مشترك هو أن تجمع الفلسطينيين في مخيمات أصبح أمراً غير مرغوب فيه من الدول المضيفة على تفاوت في أسلوب التعبير عن ذلك، ويبلغ أشدها في لبنان؛ إذ يتعرض المهجرون هناك لكل أنواع الضغط والإهانة يستوي في ذلك الدولة والطوائف.. فالدولة تفصل القوانين من أجل حرمانهم من العيش بكرامة، وتمارس ضدهم أشد الإجراءات الأمنية، وتحرمهم من تملك المنازل ومن ترميم أكواخهم، ومن حرية الحركة والتنقل وحرية العمل، فيمنعون بالقانون من مزاولة ٧٠ مهنة، بينما تتاح فرص العمل للقادمين من الفليبين وتايلاند، دون أدنى عقبات! إلى جانب عدم توفير الحماية الكافية لهم من اعتداءات بعض الطوائف المتربصة، وما زالت الذاكرة حافلة بمشاهد تحالف حركة أمل الشيعية مع الميلشيات المارونية مع شارون في الثمانينيات في تطويق المخيمات الفلسطينية كما في مذابح (صبرا وشاتيلا) وغيرهما في لبنان. * مؤامرات التوطين: تماماً كما يتابع الفلسطينيون عمليات اليهود العسكرية في الضفة والقطاع فإنهم أصبحوا يتابعون مستجدات التآمر عليهم لتضييع حقوقهم بعد ما يزيد عن نصف قرن من الرباط والرفض التام لكل العروض البديلة عن حقوقهم، وكأن نيل أحدهم لجنسية أخرى يهدر حقه في أرضه بينما يبقى حق اليهودي في نيل الجنسية والأرض حقاً أبدياً! فجعلهم يرفضون أي جنسية، ويصبرون على مرارات السنين. ولا يحصي الفلسطينيون عدد المؤامرات من كثرتها، وقد كان من بين المطروح مؤخراً: - فتح باب التوطين في سوريا والأردن، وتوطين مهجري لبنان في العراق في صفقة لرفع الحصار عنه. - فتح عدد من الدول الغربية الباب أمام هجرة الفلسطينيين، كما حدث من كل من كندا وبريطانيا وأستراليا. - حث دول الخليج على توطين مجموعات من الفلسطينيين سراً من خلال فتح باب التجنس للراغبين، وقد وردت بعض الأنباء عن حدوث ذلك بالفعل في دولة الإمارات. - مزيد من التهجير.. مزيد ومزيد! إن قيام إسرائيل على الفكر الصهيوني يعني أول ما يعني قيامها على استئصال السكان الأصليين، وقيام دولة يهودية بنسبة ١٠٠%؛ ولئن لم يتحقق لها ذلك بصورة كاملة من قبل لعوامل تاريخية ودينية وجغرافية خاصة، إلا أنها ما زالت ماضية في استئصال البقية الباقية عبر مئات الإجراءات، وفي صمت تام من الحكومات العربية، ومن هنا فإن الكلام عربياً عن تطبيق القرارات الدولية والشرعية الدولية إنما هو كلام للاستهلاك المحلي؛ لأن الجميع يعلم ما تنويه إسرائيل؛ لأن إسرائيل تسير فيما يخص قضية اللاجئين في اتجاه محدد وفق الفكر الذي تتبناه بيمينها ويسارها على حد سواء، ومن هنا فإن الكلام عن عودة اللاجئين هو كلام قد فات أوانه منذ زمن وحسمته البنود السرية في الاتفاقيات السابقة، وموقفها اليوم كما يستند إلى العقيدة الصهيونية وإلى هذه البنود السرية، فإنه يستند كذلك إلى إجراءات على الأرض فرضت واقعاً جديداً لا يمكن لإسرائيل التراجع عنه إلا في ظروف ردع قصوى يعلمها الجميع، هذه الإجراءات لا تقف بأرقام المهجرين عند حد النمو الطبيعي بل ترهقه بزيادات سنوية في أرقام الضحايا عبر عدة إجراءات وسياسات وبرامج إسرائيلية تتماشى مع ما تطمح إليه إسرائيل: * التهويد التام للقدس والضفة، واستيعاب ربع مليون مستوطن في المرحلة الحالية، وإنهاء الوجود الرسمي الفلسطيني من خلال اختلاق مئات الأسباب للاستيلاء على أراضي المسلمين ومصادرتها؛ فقد دمرت السلطات الإسرائيلية ما لا يقل عن ٢٦٥٠ منزلاً من منازل الفلسطينيين في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية منذ عام ١٩٨٧م، بسبب عدم حصولها على تراخيص بناء، وكان من نتيجة ذلك أن عدداً من الفلسطينيين يبلغ ١٦٧٠٠ شخص (من بينهم ٧٣٠٠ طفل) فقدوا بيوتهم، بمتوسط ٢٢٦ منزلاً كل عام إلى جانب ١٣٠٠ منزل يقيم فيها رُبع سكان المنطقة «ج» قد صدر بشأنها إزالة نحو ١٢٠٠٠ منزل في القدس الشرقية وحدها، ولم توقف اتفاقيات السلام مثل هذه الجرائم، بل تشير الأرقام إلى ارتفاع طفيف في المعدل السنوي منذ ١٩٩٣م وحتى عام ١٩٩٩م. وتتواتر الروايات عن الضحايا أنهم يفاجَؤون بالجنود والهادمات دون مقدمات، ولا يمهلون سوى ربع ساعة لأخذ ما يستطيعون من متاعهم، ويهدم المنزل على ما تبقى! هذا المشهد المكرور سبب صدمات نفسية عميقة لأصحابها من الأفراد والأُسر الذين رأوا بيوتهم تهدم أمام أعينهم؛ ليسكنها اليهود فيما بعد، إلى جانب مصادرة حوالي ٧٠٠ بطاقة زرقاء سنوياً (من المقدسيين) ؛ مما يعرضهم للحرمان من الإقامة في موطنهم ومعهم أسرهم، ويتبع ذلك عدم جواز التصرف في أملاكهم لأي أحد مهما كان، ومن ثم غصب هذه الممتلكات؛ فماذا على هؤلاء إذا ما تحولوا بسبب هذا القهر إلى قنابل بشرية تطهر أرضهم من بعض الغاصبين؟ ! * تهويد منطقة الخليل: والتي تشمل مدينة الخليل وما حولها كجزء متاخم للقدس من أجل توطين مليون يهودي حسب ما يخطط له شارون لزيادة الرقعة اليهودية في القلب الفلسطيني. * التدمير المنظم لمخيمات الداخل من خلال الغارات الجوية وقتل القادة المؤثرين داخل المخيمات، وضرب البنية التحتية للمخيمات، والتضييق على سكانها في التنقل والخروج للعمل، والهدم المتواصل للبيوت الفلسطينية، وإجراءات التفتيش الحافلة بكل صور الإهانة، ومنع المواد الإغاثية من الوصول إلى المخيمات أثناء فترات الحصار التي تطول يوماً بعد يوم. كل هذا يحدث بصورة تفوق الوصف لدرجة أن المفوض العام لوكالة شؤون اللاجئين صرح في حوار معه مؤخراً أن استمرار الانتفاضة وتخطيها لسنة مثَّل له مفاجأة كبيرة؛ إذ كان يقدر في ظل الحصار المشدد على التجمعات الفلسطينية ومنع وصول مواد الإغاثة ومنع خروج الفلسطينيين لأعمالهم ألا تستمر الانتفاضة أكثر من شهرين على أقصى تقدير له، وهي إدانة واضحة ضد ما يمارس ضد المدن الفلسطينية عموماً والمخيمات بصفة أخص والتي تزداد فيها المواجهات. * دفع الدول الغربية للتخلي عن دورها في تمويل مشاريع إغاثة المخيمات، وقد بدأت الولايات المتحدة وألمانيا منذ بداية التسعينيات في تقليص حصتهما في الأونروا مما يعني تخفيض مستوى الخدمات المقدمة على ضعفها وقلتها. * الضغط على الدول العربية المضيفة لتشديد إجراءاتها الأمنية على المخيمات، وخاصة تحركات القادة والتواجد الخيري الإسلامي الذي يغني الفلسطينيين عن تكفف الأونروا، ويخفف من تأثير الضغوط الاقتصادية المتزايدة عليهم، وقد حدث هذا بالفعل في الأردن؛ حيث جمد نشاط عدد من المنظمات هناك، وفي مؤتمر نظم مؤخراً في عمان منع نصف المشاركين في المؤتمر من دخول الأردن رغم أن دعوات المشاركة قد أرسلت بإذن من الحكومة وتحت علمها، وكذلك الأمر في لبنان على ما فيها من تضييق دائم على الفلسطينيين. وقد كانت مخيمات الداخل الفلسطيني فاتحة هذه السياسة؛ إذ ضربت البنية التحتية للمنظمات الإسلامية العاملة، واعتقل أبرز قادتها، وحددت حركة الباقين حتى عبَّر بعض الكتاب الصهاينة عن ذلك بقولهم: «نجح العريف (عرفات) فيما أخفق فيه الجنرال (رابين) » . وعلى ما سبق فإن ما حل بالمخيمات الفلسطينية باعتباره رمزاً للصمود والمرابطة ودليلاً على حق كل المشردين في استعادة حقوق الأمة لا تسأل عنه الدولة اللقيطة وحدها , وإنما هونتيجة طبيعية لحاصل ضرب مسؤولية جميع الأطراف بعضها ببعض. بدءا بالمتعهد البريطاني ثم الراعي الأمريكي والأمم المتحدة والحكومات العربية والسلطة الوطنية , وإن تحليل النتائج اليوم يوضح جليا قدر كل طرف ونصيبه من جريمة العصر.

стр. 4168

المسلمون والعالم مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان آلام وآمال خالد بن عبد الله الخليوي كم سمعنا عن شيء اسمه «المخيمات الفلسطينية» ، وكم تردد على ألسنة الباكين على الأمة والمتحسرين على أوضاعها الحديث عن مخيمي «صبرا وشاتيلا» وما حصل فيهما من المجازر والمظالم من قِبَل اليهود وعلى رأسهم شارون، ومن قِبَل أعوانهم من الروافض وكتائب النصارى، ولقد صدق المثل القائل: «ليس الخبر كالمعاينة» و «ليس راء كمن سمع» ؛ فمهما قرأ الإنسان أو ذُكر له من تفصيلات إلا أن التصور الحقيقي لا يتم إلا بالوقوف على الحدث، والمعاينة له. وقد يسَّر الله لي مع بعض الإخوة الأفاضل زيارة المخيمات الفلسطينية في لبنان، فكان هذا المقال الميداني. ما سبب وجود المخيمات؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى كثير بحث وتأمل؛ إنها الحروب الطاحنة والهجمة الشرسة، والخيانة العربية، والتواطؤ الخبيث بين نصارى الغرب ونصارى العرب مع ثالثة الأثافي الصهيونية؛ كل ذلك من أجل بناء هيكل سليمان المزعوم، وإقامة دولة اليهود كورم خبيث في قلب الأمة الإسلامية وإن كلف الأمر ما كلف؛ وفعلاً كلف الأمر منذ عام ١٩٤٧م عشرات الألوف ممن نحسبهم من الشهداء، وحرق مئات الألوف من المزارع، وهدم ما لا يحصى من المنازل، وملايين من المشردين الهاربين من جحيم الحرب والتسلط، وهم الذين نحن بصدد الحديث عنهم لا لمجرد الإخبار فقط وإنما لتوسيع دائرة المسؤولية أمام الله تعالى، وعسى أن نرزق قلوباً حية، تحيى بحياتها الجوارح فينطق اللسان بالحق، وتبسط اليد بالبذل، ويجهد الذهن بالتفكير والتخطيط والتأمل لعلَّنا نفوز بوعد الله تبارك وتعالى: [وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ] (العنكبوت: ٦٩) . ماذا تعني المخيمات، وما واقعها العام؟ إنها الجموع الغفيرة التي خرجت مضطرة من بلادها لتلجأ إلى أقرب مكان تجد فيه الأمن والأمان؛ وإن كان على حساب أي أمر آخر. ثلاث يعزّ الصبر عند حلولها ... ويذهل عنها عقل كل لبيب خروج اضطرار من بلاد تحبها ... وفرقة إخوان، وفقدُ حبيب وكان من كثرة هذه الأعداد التي هربت ما جعلها تحتل المرتبة الأولى على مستوى العالم كله في عدد اللاجئين؛ فقد بلغوا في إحصائيات عام ١٩٩٨م ثلاثة ملايين وسبعمائة وثلاثة وخمسين ألف نسمة، ويأتي لاجئوا أفغانستان في المرتبة الثانية بعدهم. ولا عجب أن تحتل الشعوب الإسلامية المراتب الأولى؛ فإن ما يزيد على ٨٠% من نسبة اللاجئين في العالم هم من المسلمين. وكان النصيب الأكبر من لاجئي فلسطين في الضفة وقطاع غزة، وفي الدول الثلاث المجاورة وهي: لبنان، وسورية، والأردن. وأمّا البقية الباقية فإلى ما تيسر من الدول العربية والأجنبية، وصمد داخل فلسطين ما يقارب ثلاثة ملايين. وكان استقبال تلك البلاد لهؤلاء اللاجئين مختلفاً في درجته ومتفاوتاً في دوافعه؛ فكان القبول المبدئي لضيافتهم في أراضٍ مكشوفة نصبت فيها الخيام في بادئ الأمر ليبدأ الشعب الفلسطيني داخل هذه المخيمات مأساة أخرى لا تقل ضراوة عن مأساتهم ومعاناتهم من قبل. ففي سوريا وحدها ما يقارب ٤٠٠ ألف من اللاجئين يسجل منهم ١١١٧١٢ في المخيمات لدى منظمة الأونروا، وكلهم يعيشون في أوضاع لا يمكن أن تقارن على الإطلاق بأوضاعهم في لبنان؛ فالفلسطيني في سوريا كالمواطن السوري في معظم الأمور؛ ففرص العمل متاحة، والحقوق محفوظة، وقل مثل ذلك عن الأردن التي فيها أكبر عدد من اللاجئين؛ إذ بلغوا مليوناً ونصف مليون؛ بل زادوا عليه، ومنهم ٢٨٠١٩١ لاجئاً هم المسجلون في مخيمات وكالة الأونروا. أما في لبنان فحقاً يتصاغر التعبير بـ «كارثة» أمام أوضاعهم، ولك أن تتصور كيف تعيش مثل هذه الأعداد الهائلة في مخيمات، وقد سجل ٢١٠٧١٥ لاجئاً في مخيمات الأونروا، وقريب منهم خارج إشراف الوكالة وهم يمثلون ١٠% من مجموع اللاجئين الذين تفرقوا في شمال البلاد وجنوبها مروراً ببقاعها ليعيشوا في مخيمات لا تعدو مساحة الكثير منها كيلو متراً مربعاً واحداً، وفي هياكل بنايات أكل عليها الدهر وشرب، بل أكلت الحروب بعضها ودمرته. وإن زيارة واحدة لمخيمي (صبرا وشاتيلا) لكافية للتحقق من هذا الوصف؛ إنها مبان يكاد يُقبِّل بعضها بعضاً من شدة تجاورها؛ فواجهة هذه البناية تبعد عن واجهة التي أمامها متراً واحداً فقط في أحيان كثيرة، بل مررنا بين مبانٍ المسافة بين واجهاتها يقيناً أقل من المتر، فكم يساعد هذا الواقع في إيجاد بيئة موبوءة صحياً وخلقياً. وكالة الأونروا: في عام ١٩٤٩م قررت هيئة الأمم المتحدة إنشاء وكالة لغوث اللاجئين أطلق عليها اسم: «الأونروا» وذلك بعد رفض الدولة العبرية تطبيق القرار رقم (١٩٤) الذي يقضي بعودة اللاجئين إلى أوطانهم. واتخذت هذه الوكالة «فيينا» مقرّاً لها إلى ما قبل سنوات قليلة، ثم أصبح المقرّ الرئيسي لها في غزة. وقد بدأت هذه الوكالة بمباشرة أعمالها، في ١/٥/١٩٥٠م، فقامت بفتح مراكز لها في الضفة وقطاع غزة، وفي الدول الثلاث المجاورة، لمحاولة رفع جزء من المعاناة عنهم، وفعلاً قامت الوكالة بعدة برامج غذائية وكسائية وتعليمية، واختارت للإشراف على تلك البرامج والقيام بها أفراداً من أهل المخيمات أنفسهم، وقد بلغ العاملون في هذه المنظمة ٢٢٠٠٠ ألف موظف كلهم فلسطينيون ما عدا مائة موظف تقريباً. ولتعلم أن الداعم الأساس لهذه الوكالة من الناحية المادية هي الدول الغربية بالغين المعجمة، وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا.. فوا عجباً كيف يخططون لقتل الضحية ثم يشاركون في تشييعها والبكاء عليها؟ ! إن أمريكا وحدها كانت تشارك بأربعة وسبعين مليون دولار سنوياً للاجئين الذين يقارب عددهم (ثلاثة ملايين ونصف مليون نسمة) ، أي بمعدل عشرين دولاراً في السنة لكل لاجئ، لكنها في المقابل تشارك بثمانين مليون دولار سنوياً للمهاجرين الروس القادمين إلى فلسطين لكي يعيشوا في بيوت اللاجئين أنفسهم، أي بمعدل ألف ومائتين وثلاثين دولاراً في السنة للمهاجر وهو ما يساوي ستين ضعفاً مما تدفعه للفلسطيني؛ فأين الذين يلهثون وراء أمريكا ويدافعون عنها، وأنها داعية السلام وحامية الديمقراطية؟ ! إنها الحرب العقائدية، وما أمريكا وإسرائيل إلا وجهان لعملة واحدة. وعلى كل حال فمنذ سنة ١٩٨٤م بدأت خدمات (الأونروا) بالانحدار السريع وخاصة في المجال الصحي، إلى أن تم ما يسمى بـ «اتفاق أوسلو» ١٩٩٣م حيث وصلت أو أوشكت الخدمات أن تصل في انحدارها إلى القاع، فلم تبق على ما كانت عليه من قبل بل ولا على نصف ما كانت عليه، وإنما تواضعت جهودها لتصل إلى ٢٠% تقريباً مما كانت تقوم به سابقاً. التركيبة السياسية والدينية في لبنان: وهذه القضية من الأمور التي يجب أن نستحضرها ونحن نتحدث عن مآسي إخواننا الفلسطينيين في لبنان. فلبنان (صاحب الأربعة ملايين نسمة تقريباً) ذو تركيبة معقدة، كان لها الأثر الكبير في عدم استقرار البلاد ونشوء الحروب الأهلية فيها؛ ففي لبنان ما يقارب ثماني عشرة طائفة يشكل المسلمون منها أعلى نسبة؛ حيث يصلون إلى ٦٠ % من عدد السكان، ٢٧% منهم شيعة، و ٣٠% سنة، والبقية القليلة الباقية من النصيريين والدروز، وأما النصارى فيشكلون ٤٠% ما بين موارنة وكاثوليك وأرثوذكس. ومع هذه النسبة للمسلمين، وبالأخص أهل السنة منهم إلا أنهم يأتون في آخر القائمة؛ فعدد السنة كثير لكنهم أضعف الموجودين، لا لعدم وجود إمكانيات لديهم، ولا لعدم وجود من يمثلهم في البرلمانات بل ربما وصل من ينتسب إليهم إلى منصب رئيس الوزراء ولا لعدم وجود من يملك الأموال فيهم؛ ولكن لعدم من يحمل همهم بصدق ويمثل الإسلام والسنة بحق. وبناءً على تلك التركيبة أصبحت كل طائفة ترى أن لبنان لها أو على الأقل يجب أن يكون لها النصيب المرضي منه؛ فالرافضة وبدعم من أمّهم إيران تسيطر على بعض المواقع، وتدافع عنها وكأنها مملوكة لهم منذ غابر العصور والأزمان، وسورية النصيرية ترى أن لبنان وخاصة الشمال منه (طرابلس وما حولها) ما هو إلا محافظة من محافظاتها. وإسرائيل ما تزال تكرر المحاولات مع إخفاقها ليشمل احتلالها أجزاء كبيرة من جنوب لبنان الذي يحاذي حدودها الشمالية. وإن الزائر لهذا البلد لبنان لا يجد أدنى مشقة في الخروج بهذا التصور؛ فهذه صورة الرئيس النصيري الهالك وابنه، وعبارات التأييد لهما ربما تجدها أكثر من رئيس وزراء لبنان نفسه، وقل مثل هذا عن الرافضة بدءاً بصور الخميني زعيم الثورة المزعومة، وانتهاءً بحسن نصر الله زعيم (حزب الشيعة) الحالي والذي كان قد انشق عن منظمة (أمل) عام ١٩٨٢م ليصبح مرتبطاً بإيران مباشرة، وكل له من يبكيه، ومن يتابع أخباره، ومن يتضامن حقاً معه، ومن يدعمه ويدافع عنه إلا أهل الإسلام وبخاصة أهل السنة منهم؛ فما زلنا نحتاج الكثير والكثير لكي نصل إلى الحد الأدنى من دعمهم. المخيمات وشيء من معاناتها: بقي في لبنان بعد حروبها الأهلية اثنا عشر مخيماً قد تفرقت في شمال البلاد وجنوبها وسهلها؛ حيث تعيش وضعاً متشابهاً في الفقر، والمجاعة، والحاجة، وطبيعة الظلم الواقع عليها؛ فهم يعيشون فعلاً على أرض لبنان، لكنهم محرومون من كل شيء، بخلاف الفلسطينيين النصارى وهم قلة إلا أنهم تمكنوا من الحصول على الجنسية اللبنانية وبكل سهولة؛ فلهم ما للبنانيين وعليهم ما عليهم؛ ففي السبعينيات جُنّس أكثر من (خمسين ألفاً) طبقاً للسياسة المعتمدة آنذاك لتكثير عدد النصارى مقابل الأعداد المتزايدة للمسلمين. أما المسلمون فليس لهم إلا هذه المخيمات وبصورتها التي أسست عليها، وفي مخيمات الجنوب ليس لأي أحد أن يدخل للمخيمات أي مادة من مواد البناء التي يمكن أن تساعد ولو بشيء يسير في إصلاح بعض المباني التي عسى أن تكون مناسبة للبهائم، فضلاً عن الإنسان! وليس لأحد أن يهدم في هذه المخيمات جداراً أو يبني فيها آخر. أما إذا خرج الفلسطيني من أروقة مخيمه بحثاً عن مصدر رزق في مكان آخر في لبنان، فإنه سيجد الباب موصداً بل ومثقلاً بالأقفال؛ فالفلسطيني ممنوع من كل وظيفة حكومية؛ وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة فهو ممنوع من (ثلاث وسبعين وظيفة) منها أن يكون «زبالاً» فضلاً عن أن يكون طبيباً أو مهندساً. وها هي نبذة عن أحوال تلك المخيمات: ١ - مخيم (نهر البارد) : ويقع في مدينة طرابلس، وفيه ما يقارب ثلاثين ألفاً. ٢ - مخيم (البدّاوي) : ويقع في طرابلس كذلك، وفيه ما يقارب ثمانية عشر ألفاً. ٣ - مخيم (ويفل) : ويقع في مدينة بعلبك، وفيه ستة آلاف نسمة تقريباً. ٤ - مخيم (ضبية) : وفيه ما يقارب ثلاثة عشر ألفاً. ٥ - مخيما (صبرا وشاتيلا) ، وهو في العاصمة بيروت، وفيه نحو ثمانية آلاف نسمة. وما أكثر ما سمعنا عن هذين المخيمين، وهما من أشد المخيمات حاجة مع أنهما في بيروت العاصمة، مع فارق ما بينه وبين الحضارة المادية والتقدم التكنولوجي، بل ليس بينه وبين الماء والكهرباء والتعليم إلا تلك البوابة التي تتقدم كل مخيم، والتي يعسكر عندها أفراد من الجيش اللبناني. ولم يستفد أهل تلك المخيمات من كونهم في العاصمة إلا الغث من الأخلاق السيئة المشينة، أما السمين فهم محرومون منه، وهو محرم عليهم في ميزان النظم المتوالية على تلك الدولة. وقد روى لنا بعض كبار السن هناك صوراً من مأساة صبرا وشاتيلا التي كانت عام ١٩٨٢م، وكيف تكاتف أهل الباطل من يهود ونصارى ورافضة في إيقاع أبشع صور الظلم والتسلط على أناس عزل لم يرحموا فيهم طفلاً رضيعاً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة ضعيفة [١] . كل ذلك بحجة وجود أفراد من المقاومة الفلسطينية داخل المخيم؛ لكن العالم الإسلامي لم يسكت آنذاك، وإنما فجر قنبلة استنكارية أثرت في اليهود أيما تأثير؛ حيث جعلتهم يستهينون بنا أكثر وأكثر! ! ٦ - مخيم (مار إلياس) : في مدينة بيروت كذلك، وفيه ما يقارب سبعة آلاف نسمة. ٧ - مخيم (برج البراجنة) : وهو في العاصمة، وفيه ثمانية عشر ألفا تقريباً. ٨ - مخيم (عين الحلوة) : في مدينة صيدا، وهو أكبر المخيمات في تعداد السكان، ففيه ما يقارب سبعين ألفاً، ولا تزيد مساحته عن ٢. ٥ كيلو متر مربع. ٩ - مخيم (المية مية) : في مدينة صيدا، وفيه ما يقارب ثلاثة آلاف نسمة. ١٠ - مخيم (البص) ، في مدينة صور، وفيه ثمانية آلاف نسمة تقريباً. ١١ - مخيم (البرج الشمالي) : ويقع في مدينة صور، وفيه نحو من عشرين ألفاً. ١٢ - مخيم (الرشيدية) : في مدينة صور كذلك، وفيه قريب من عشرين ألف نسمة. وملخص القول: أن ٧٠% من فلسطينيي لبنان يعيشون في المخيمات، ولا يعني هذا أن البقية في أحسن حال؛ بل الجميع لاجئون، ولكن بعضهم غير مسجلين عند وكالة الغوث (الأونروا) ؛ فلذلك لا تشملهم الإحصائيات الرسمية؛ فوصف (اللاجئ) إنما تطلقه وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين (الأونروا) على الأشخاص الذين كانت فلسطين مكان إقامتهم الطبيعي في المدة الواقعة بين يونيو (حزيران) ١٩٤٦م ومايو (أيار) ١٩٤٨م أي أنهم أقاموا لمدة سنتين على الأقل في فلسطين قبل عام ١٩٤٨م، وفي المقابل تشير بعض التقارير إلى أن ٢٠% من اللاجئين يقيمون في (ثلاثة عشر تجمعاً) غير رسمي. أهم احتياجاتهم: قبل أن أبدأ بذكر أهم ما يحتاجون إليه أحب أن أقدّم بين يدي هذا العنصر ذكر الأساس الذي تنبني عليه معرفة الاحتياجات وتقدير الأوضاع، ألا وهو إقامة جسور التواصل معهم؛ فإننا إن استطعنا تحقيق هذا المطلب مع ما يبذله إخواننا في المخيمات من محاولات لإعلان قضيتهم، وإبراز مشكلتهم، وتدويل مأساتهم؛ فإن بقية المطالب ستتحقق بإذن الله تعالى وبكل يسر وسهولة وخاصة أن طريق التواصل ما زال مفتوحاً وميسراً إلى حد بعيد؛ منّا إليهم ومنهم إلينا. وحينما نستوعب هذه المقدمة يأتي الدور لذكر أهم احتياجاتهم. ١ - الدعوة والتعليم: يوجد في مخيمات الفلسطينيين في لبنان (سبع وسبعون) مدرسة فقط الأكثر منها تقتصر على المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، وفي نوبتين في الغالب صباحية ومسائية لتغطية هذه الجموع الغفيرة من الطلاب. وإنه مما يجدر التذكير به أن الشعب الفلسطيني شعب مسلم سنِّي إلا نزراً قليلاً من النصارى وغيرهم، وهذا يفيدنا في شيئين أولهما: في معرفة السبب الأساس في تلك الهجمة الشرسة وذاك التواطؤ العجيب من جميع طوائف لبنان على المخيمات الفلسطينية، والأمر الثاني: أن هذا يعني سهولة الدعوة وإقامة البرامج العلمية في أوساطهم. ثم لا يخفى على الجميع سعة مجالات الدعوة وتنوع وسائلها؛ فلنرسل إليهم الكتب، ولنهدي لهم الأشرطة، ولنبعث إليهم الدعاة، ولنقم المدارس، ولنكثف هذه البرامج ولنستمر عليها، وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل. تنبيه وتحذير: إذا أحببت أخي القارئ أن أطلعك على مكمن الخطر وموضع الألم فإنه ليس في جوع إخواننا هناك، ولا في عطشهم، ولا في قلة ما في أيديهم؛ وإنما هو في نقطتين وضربتين تكاد الحيرة تملكك: أيهما أخطر وأوجع؟ الأولى: في خذلان كثير من المسلمين لإخوانهم (حكومات وتجاراً ودعاة وعلماء) إلا ما شاء الله تعالى، وقليل ما هم. الثانية: ولربما كانت قاصمة الظهر وهي ما يتعرض له إخواننا هناك من إغراءات متكررة ربما سقط أمامها بعضهم أو كاد، والتي يقدمها لهم النصارى حيناً، ويقدمها لهم الرافضة أحياناً أخرى، وقد حدثنا كثير من المشرفين على المخيمات كم هي المرات التي يعرض عليهم الرافضة تقديم يد العون والمساعدة؛ فهذا مسجد لم يكتمل يتكفلون بإكماله وفرشه، وهذه روضة أطفال ما زالت فكرة قائمة يتكفلون بإقامتها على أرض الواقع، وهذه مدرسة قد شيدت ولا مناهج موجودة فلربما تكفلوا ابتداءً بتهيئة جميع المناهج الدراسية، وبعدد زائد على النسخ المطلوبة، وهنا لا يستغرب من أنهم ربما تكفلوا بالمناهج الدراسية التي تحددها لجان المخيمات وليسوا هم؛ كل هذا الخداع ليهزوا نظرتك عنهم، وحكمك السابق عليهم؛ ومن ثم يُدخلون في المناهج الدراسية ما يريدون، ولربما ضعف البعض (وهم قلة ولله الحمد) أمام هذه الإغراءات مع علمهم بمنهج الرافضة، لا اقتناعاً بهم، وإنما غضب وضعف واحتجاج على سكوت إخوانهم المسلمين السنة وانشغالهم عنهم، وهم يسمعون كل يوم كيف تبدد أموال المسلمين ذات اليمين وذات الشمال. ٢ - الماء: فهو في المخيمات شحيح جد شحيح إلا ما يسَّره الله تعالى على يد بعض أهل الخير من الجمعيات الإسلامية كالندوة العالمية للشباب الإسلامي وغيرها، ومن الجمعيات الإسلامية في بعض دول الخليج العربي؛ ففي مخيمي (صبرا وشاتيلا) على سبيل المثال لم توافق مصلحة مياه بيروت على طلبات الاشتراك، ووكالة الغوث لم تعد تزودهم بالمياه الضرورية، وما كان من قبل فقد جف ونضب؛ هذا مع أن الماء عندهم يمكن أن ينبع عذباً أحياناً على عمق لا يزيد على خمسين متراً فقط، بل ربما كان أقل من ذلك، ويبلغ الحد الأدنى في تكلفة حفر البئر مع جميع مستلزماته (ستة آلاف دولار تقريباً) . ٣ - الكهرباء: كثير من المخيمات تعتمد على مولدات كهربائية لا تغطي إلا جزءاً يسيراً من المخيم، ولربما وصل شيء متقطع من الشبكات الحكومية، وفي المقابل فلا تخلو هذه المخيمات من أجزاء منها ليس فيها كهرباء إطلاقاً؛ فنهارها إلى حد كبير كليلها في أشد الحاجة إلى مولدات كهربائية. ٤ - بناء المساجد: الجميع يعلم كم للمسجد من أهمية من حيث إنه مكان لأداء أعظم الشعائر، ومنطلق لكل خير، ولعله من المناسب هنا أن أنبه إلى أهمية استيفاء الدراسة لبناء أي مسجد، ومعرفة التكاليف بدقة حتى يكون المتبرع على بينة من الأمر، فكم رأينا هناك وفي غيرها من المساجد التي شُرع في تنفيذها بدون تهيئة المال الكافي أو وجود من يتكفل به، وقد وقف المشروع عند مرحلة لا تكفي للصلاة فيه ولا يوجد من يُتمّه، وليست المشكلة الكبرى هنا، وإنما ما يحصل من اهتبال بعض المبتدعة لمثل هذه الفرص؛ حيث يقومون بإتمام بناء المسجد وما يحتاجه، ومن ثمّ يجعلونه مسجد ضرار لهم ليصدوا عن سبيل الله تعالى. ٥ - إقامة المستوصفات والعيادات الطبية: الحكومة اللبنانية غير متكفلة بعلاج أهل المخيمات، بل حتى في الحالات الإسعافية الخطرة، وربما تكفلت وكالة (الأونروا) بشيء من قيمة السرير فقط؛ أما الباقي فعلى المريض إن استطاع إليه سبيلاً وإلا فلا علاج. والعيادات الحالية عندهم فيها من التواضع الشيء الكبير: نقص شديد في الأدوية، ونقص أشد في المعدات الأساسية للقيام بعملية التطبيب، ومع ذلك كله فقد سررنا كثيراً حينما رأينا شيئاً من التضامن من قِبَل بعض الأطباء اللبنانيين مع إخوانهم المسلمين في المخيمات، وعلى سبيل المثال ما رأيناه في مخيم (بعلبك) حيث إن بعض الأطباء اللبنانيين قد تركوا عياداتهم في بيروت وغيرها وهي التي تدر عليهم المال الوفير، فرسوم الكشف هناك تكاد ألاَّ تقل عن (مائة دولار) ، ليستقروا في المخيمات برسوم لا تزيد عن (خمسة دولارات) للمستطيع منهم، وكشوف مجانية لغير المستطيع وما أكثرهم؛ فنسأل الله أن يبارك جهودهم، وأن يقبل عملهم، وأن يشكر لهم. وإن من أهم ما يحتاجونه في تلك العيادات: إقامة المختبرات؛ إذ تصل تكلفة تجهيز المختبر الواحد إلى (خمسة وعشرين ألف دولار) ولا يقل عنها أهمية بل ربما يزيد تجهيز غرف التوليد، وهي معاناة تتجدد معهم عند كل حالة ولادة، وتصل تكلفة تجهيزها إلى ستة وستين ألف دولار تقريباً.

стр. 4169

المسلمون والعالم المخيمات الفلسطينية في الأردن بوابة الكارثة إياد الطوباسي [*] في عام ١٩٤٨م وبعد اغتصاب فلسطين وقيام الدولة الصهيونية استقبل الأردن القسط الأكبر من لاجئي ١٩٤٨م، وتلا ذلك استقبال نازحي ١٩٦٧م، حيث يوجد في الأردن اليوم حوالي مليوني فلسطيني يعيش منهم ما نسبته ٢٠% في ١٣ مخيماً هي: الوحدات، الحسين، الأمير حسن، الطالبية، مادبا، حطين «ماركا» ، الزرقاء، السخنة، البقعة، جرش «غزة» ، سوف، مخيم الشهيد «الحصن» ومخيم إربد. وتشير الإحصائيات المختلفة سواء الإحصائيات الأردنية أو إحصائيات وكالة الغوث الدولية إلى أن عدد الوحدات السكنية لهذه المخيمات حوالي (٣٢٥٨٣) وحدة سكنية متوسط مساحتها حوالي ٨٠ متراً مربعاً لكل وحدة سكنية، ويقطن هذه المخيمات الفلسطينيون من مختلف مناطق فلسطين؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر فإن مخيم إربد يشكل توزيع سكانه حسب الإحصائيات الرسمية وحسب البلد الأصلي ٢٥% من شمال فلسطين، ٢٥% من جنوب فلسطين، ٤٥% من وسط فلسطين، ٥% من الضفة الغربية، في حين يأتي توزيع السكان حسب البلد الأصلي لسكان مخيم الشهيد «الحصن» ١٩% من منطقة بيسان، ١٦% من طوباس، ١٣% من بئر السبع، ٤٠% من الخليل جنين، طولكرم، طبريا، يافا، ١٥% من حيفا. ويعاني أبناء المخيمات أوضاعاً اقتصادية صعبة للغاية؛ حيث تعتبر المخيمات من أكبر جيوب الفقر الموجودة ضمن منطقة التعايش السكاني المجاورة للمخيمات؛ فأغلبية سكان المخيمات لا يملكون مقومات الوضع الاقتصادي المتوسط ناهيك عن البطالة بين أبناء المخيم وخاصة الشباب منهم. أما الأوضاع الصحية لهم فهي غاية في السوء ولا ترقى إلى الأوضاع الصحية السليمة؛ حيث إن المسؤول عنها وكالة الغوث الدولية، فلا يمكن لعيادة صحية متواضعة الأجهزة، وخدمات محدودة الإمكانيات يراجعها يومياً مئات المواطنين من أبناء المخيمات أن تستطيع القيام بمهامها بشكل جيد في ظل التزايد السكاني الملحوظ، والتقليص المستمر للخدمات سواء في مجال الصحة أو البيئة أو حتى التعليم. وحول ظروف التعليم تشير الإحصائيات إلى بروز العديد من الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات وقادة التنظيمات السياسية والعسكرية من سكان هذه المخيمات رغم الظروف التعليمية الصعبة؛ سواء من حيث عدد الطلاب في الصف الواحد وسوء التجهيزات التعليمية، أو من حيث عدد أفراد الأسرة في المنزل، ناهيك عن ظروف الأهل المادية الصعبة؛ فكانت إرادة الكثير من أبناء المخيمات وظروفهم الصعبة سبباً لبروزهم وتفوقهم على الرغم من عدم تمكن غالبية أبناء المخيمات من إكمال دراستهم للظروف نفسها. واليوم وبعد مضي ما يزيد عن خمسين عاماً، ما زالت المخيمات قائمة، وما زال اللاجئ يستمد هويته من بقائها ومن إصراره على العودة إلى وطنه؛ وخاصة أن مسألة اللاجئين في القضية الفلسطينية تعتبر الأولى والأكثر تعقيداً في الصراع مع العدو الصهيوني، والإصرار على حق العودة إلى فلسطين باعتباره حقاً ملزماً أقرته المواثيق الدولية، والذي يقف في مجابهة المشروع الصهيوني المستند إلى إنكار حق الفلسطيني والعربي في الإقامة في فلسطين. ونستطيع أن نؤكد أن اللاجئ الفلسطيني يستوعب ويفهم أن تحويل قضيته من قضية سياسية بالدرجة الأولى إلى قضية أو مظهر إنساني تستدعي العودة من أجل لمِّ الشمل أو التوطين تحت شعارات براقة مثل: تحسين الحياة اليومية في المخيمات، وتحسين البنية التحتية للمخيمات، وتهدف «تحويل القضية» إلى إنهاء الحق الفلسطيني في أرضه وإلغاء حق العودة والمصير؛ وهو ما ترفضه الغالبية العظمى من أبناء الشعب الفلسطيني، سواء في المخيمات أو في مختلف مناطق المملكة الأردنية. و «البيان» تجولت في العديد من المخيمات، وكان لها هذه اللقاءات التي عبرت بصدق وأمانة عما يجول بخاطرها. السيد «إياد ناجي أحمد» من سكان مخيم الشهيد «الحصن» أكد في معرض حديثه حول قضية حق العودة أنه غير راض عن الحلول السلمية المطروحة التي يجري الحديث عنها والتي لا تشير من قريب أو بعيد إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين مبيناً رفضه لهذه الحلول السلمية غير العادلة. وقال: إننا جميعاً «أبناء المخيمات» متمسكون بحق العودة مع مطالبتنا بالتعويض عن السنوات العجاف التي مررنا بها. معرباً عن خشيته من أن تؤدي الحلول السلمية المطروحة إلى أن يكون الأردن وطناً بديلاً للفلسطينيين وهذا ما يطرحه الصهاينة، ومن ثَمَّ تندمج المخيمات مع المدن والقرى المحيطة بها، ويشطب اسم «المخيم» من ذاكرة الشعب الفلسطيني، والذي يعتبر مقدمة لمحو اسم فلسطين من هذه الذاكرة أيضاً. وتطرق إلى الظروف المعيشية التي يعانيها أبناء المخيمات في الأردن، مدللاً على ذلك من خلال معاناة أبناء مخيم الشهيد «الحصن» المجاور لمدينة إربد مؤكداً سوء الأوضاع الاقتصادية لدى أبناء المخيم وما يصاحب ذلك من بطالة، ووجود غالبية أبناء المخيم تحت خطر الفقر المدقع، إضافة إلى ما يعانيه أبناء المخيم من الأوضاع التعليمية والصحية التي تشير بمجملها إلى تدني مستوى التحصيل العلمي لدى أبناء المخيم والوضع الصحي لعدم كفاية الخدمات الصحية التي تقدمها وكالة الغوث الدولية. السيد «فياض وراد الفوارس» رئيس نادي الكرمل في مخيم الشهيد «الحصن» أوضح موقفه بوصفه لاجئاً فلسطينياً يعيش في الأردن من الحلول السلمية المطروحة بقوله: إن اليهود لا أمانة لهم ولا يحترمون عهوداً ولا مواثيق، وإن السنوات الماضية أثبتت صحة ذلك، وإن أيديهم التي يمدونها للسلام ملوثة بالقتل والبطش والغدر.. أيدٍ ملوثة بالدماء؛ مشيراً إلى الحملات الإعلامية المضللة التي يقومون بها، والادعاءات الكاذبة لتحسين صورتهم أمام العالم. وأشار إلى همجية العدو الصهيوني وحملاتهم المسعورة لتهويد القدس وطمس هويتها العربية الإسلامية والتي تتصدى لها انتفاضة الأقصى المباركة. وحول حق العودة أو التعويض، أكد «الفوارس» على حق العودة والتعويض معاً، العودة إلى الوطن الأم والتعويض عما لحق باللاجئين من تشرد وضياع خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن مستقبل المخيمات في الأردن في طريقها إلى الزوال بعد تحرير فلسطين وإقامة الدولة المستقلة معتقداً أن ما تقوم به الحكومة الأردنية من تحسين مستوى البنية التحتية للمخيمات لا تشكل مصدر قلق للاجئين؛ فمن حق اللاجئ أو النازح أن يعيش بظروف جيدة وخدمات متقدمة داخل المخيمات لحين العودة إلى وطنه. وأوضح أن سكان المخيمات في الأردن هم مواطنون أردنيون بحكم القانون والدستور، وأن تحسين أوضاع هذه الفئة من المواطنين حق دستوري مشروع لا يمثل التزام الحكومة الأردنية تجاه المخيمات. المهندس «خير الدين أبو الهيجاء» من سكان مخيم إربد، أشار إلى الظروف الاجتماعية والنفسية الصعبة التي يعيشها أبناء المخيمات من حيث صعوبة العيش ضمن ظروف بيئية واقتصادية صعبة إضافة لمعاناتهم جراء فقدانهم وطنهم وتشردهم وأفراد عائلاتهم بأكثر من مكان ومنطقة. وقال: إننا لا نراهن على أي حل سياسي لا يضمن حقنا في العودة إلى وطننا فلسطين، معتبراً أن أي حل لا يضمن حق العودة لجميع أبناء الشعب الفلسطيني دون استثناء هو حل منقوص، مؤكداً معايشة أبناء الشعب الفلسطيني لجميع المبادرات والحلول والاتفاقيات السياسية منذ أكثر من خمسين عاماً، وحفظها عن ظهر قلب، لكنه لا يرى في أي من هذه المحاولات والحلول المطروحة أي أصل في حل قضيته الفلسطينية. وأضاف «أبو الهيجاء» بأن الشعب الفلسطيني يدرك ويفهم عدوه بشكل كامل، ولا يرى حلاً يأتي عن طريق الحلول السياسية، وإنما الحل يكون عن طريق الجهاد والاستشهاد لاستعادة الحقوق والأرض السليبة، مدللاً بانتفاضة الأقصى المباركة التي أعادت الثقة لهذا الشعب الجبار ومجاهديه، وبدا الوضوح في الرؤية بعد أن زالت غشاوة الحلول الاستسلامية التي لن تجلب سوى الذل والعار. وأكد المهندس «أبو الهيجاء» أنه ليس مع التوطين أو التعويض تحت أي ظرف من الظروف، وأنه مع حق العودة القاضي بأن يعود كافة أبناء الشعب الفلسطيني الذين أخرجوا من ديارهم، مشيراً إلى أن المطالبة بالتعويض عن سنوات الحرمان التي عاشها الشعب الفلسطيني تكون بعد العودة إلى ديارهم، وهذا حق تكفله القوانين الوضعية. وحول الإجراءات التي تقوم بها الحكومة الأردنية لتحسين البنية التحتية للمخيمات قال: لا أدري إن كان المقصود من خدمة الأمان الاجتماعي التي تنفذها الحكومة الأردنية بدعم من مؤسسات دولية هي بداية للتوطين أم لا، ولكن كمبدأ عام، وهو مبدأ إنساني أؤكد على حق اللاجئ الفلسطيني الذي يعيش في المخيمات أن يعيش في بيئة صحية واجتماعية مناسبة للعيش الكريم، وهذه أبسط الحقوق التي تعطى لأي إنسان؛ مثل حقه في العمل والتفكير، وهذه حقوق إنسانية عامة لا بد من المطالبة بها. المهندس «أحمد الديك» رئيس نادي الجليل في مخيم إربد تطرق إلى الأوضاع غير المستقرة التي يعانيها أبناء المخيمات في الأردن جراء الأوضاع الاقتصادية والمعاشية التي يعيشها أبناء المخيمات، وتأثير ذلك على الأوضاع الاجتماعية والصحية؛ مشيراً إلى تراجع دور وكالة الغوث الدولية تجاه أبناء المخيمات. وأكد عقم الحلول السلمية المطروحة حالياً ووسائلها، مشيراً إلى أن الانتفاضة البطلة هي السبيل الوحيد لإقناع العالم بأن حقوق الشعب الفلسطيني حقوق مقدسة لا بد من استعادتها مهما طال الزمن. وأشار «أحمد الديك» إلى أن موقفه مع حق العودة والتعويض معاً، وقال: إن مستقبل المخيمات في الأردن مرهون بمدى قوة القوى السياسية والعالم العربي، وإضافة إلى تصميم وإصرار الشعب الفلسطيني على إنهاء معاناته وعودته إلى وطنه، مؤكداً أن ما تقوم به الحكومة الأردنية تجاه تحسين أوضاع المخيمات في الفترة الماضية والحالية جاءت لتوفير بيئة صحية واجتماعية لقاطني هذه المخيمات، وقال: إن الشعب الفلسطيني يعتبر الوطن الأم، والعودة إليه أهم وأقوى من أي تحسينات تقوم بها الحكومة تجاه المخيمات، وأن العودة قادمة لا ريب فيها. وأشار السيد «إبراهيم عرعراوي» من مخيم سوف إلى إنشاء مخيم سوف عام ١٩٦٧م «بعد النكبة» وتزايد عدد سكانه بعد معركة الكرامة (١٩٦٨م) ؛ حيث قامت وكالة الغوث الدولية بعد فترة وجيزة بتبديل الخيم التي كان يقيم فيها النازحون إلى مساكن من «الزينكو» على شكل غرفتين، وأعطت لكل عائلة غرفة واحدة فقط، مشيراً إلى قيام أبناء المخيم بتطوير مساكنهم وبنائها من الطوب على المساحات المجاورة بشكل غير منظم، إلى أن جرى تنظيم المخيم وإيصال خدمات الماء والكهرباء إليه عام ١٩٧٠م. وأوضح أن سكان المخيم الآن هم من اللاجئين والنازحين، وأن أوضاعهم الاجتماعية رغم ظروف التشرد والفقر والبطالة مستقرة إلى حد ما، وأن تعاون أفراد الأسرة وتكاتفهم وتماسكهم أوجد الجو الاجتماعي المريح. وأكد «العرعراوي» أن حق العودة والتعويض أمر مرفوض بالنسبة له في ظل وجود اليهود على أرض فلسطين، وأنه مع تحرير كامل التراب الفلسطيني، مشيراً إلى توجه الحكومة الأردنية إلى ربط المخيمات مع المناطق المحيطة بها من خلال تحسين أوضاعها؛ مما سيؤدي إلى إلغاء اسم المخيم وإطلاق اسم جديد عليه الأمر الذي سيؤثر على الحق المقدس للقضية الفلسطينية، مؤكداً أن حزمة الأمان الاجتماعي مؤشر جديد لعملية التوطين خاصة بعد توقيع معاهدة «وادي عربة» التي نصت صراحة على التوطين، ومن ثم تكون حزمة الأمان الاجتماعي الحلقة شبه الأخيرة لعملية التوطين. وتطرق «العرعراوي» إلى الأوضاع الصحية والاقتصادية والتعليمية وغيرها وترديها؛ مؤكداً تراجع الخدمات التي تقدمها وكالة الغوث الدولية في شتى المجالات وهو ما بات يؤثر على أوضاع أبناء المخيمات. وأشار الدكتور «زياد الأعرج» طبيب عام في مخيم إربد إلى أن سكان المخيم يعانون من ظروف اجتماعية واقتصادية سيئة؛ فغالبية أبناء المخيم يعملون بمهن متواضعة في القطاع الخاص؛ مشيراً إلى أن الأوضاع المعيشية التي يعاني منها أبناء المخيم هي نفسها التي يعانيها غالبية سكان الأردن، وأنهم لا يصلون للحد الأدنى من الحياة الكريمة. وأكد الدكتور «زياد» أن غالبية أبناء المخيمات الفلسطينية في الأردن يرفضون الحلول السلمية المطروحة من منطلق أن «إسرائيل» لن تعطي شيئاً أخذته بالقوة للفلسطينيين؛ وخاصة مع تردي الأوضاع العربية الرسمية. وتطرق إلى دور انتفاضة الأقصى المباركة وتأثيرها على أبناء الأردن بشكل عام وأبناء المخيمات بشكل خاص، مؤكداً أن الانتفاضة أثبتت أن الحلول السلمية المطروحة أصبحت هباءً منثوراً. وأشار إلى أهمية حق العودة والتعويض لجميع أفراد الشعب الفلسطيني، مؤكداً أن المخيمات باقية ما دامت الأراضي العربية محتلة من قبل العدو الصهيوني. وأكد الأستاذ «فرج شلهوب» من مخيم غزة أن معاناة أبناء مخيم غزة تختلف عن معاناة بقية المخيمات الفلسطينية في الأردن من حيث حرمان سكان المخيم من الجنسية الأردنية أو حصولهم على جواز سفر أردني، وأنهم يعامَلون من قِبَل الحكومة الأردنية باعتبارهم مواطنين غير أردنيين على عكس سكان بقية المخيمات، مشيراً إلى أن حجة الحكومة في ذلك أن سكان المخيم قدموا من قطاع غزة المحتل في حين أن غالبيتهم جاؤوا من مناطق ١٩٤٨م، حيث غادروا بعد النكبة باتجاه قطاع غزة وسكنوا هناك المخيمات حتى عام ١٩٦٧م، وفي ظل الهزيمة أو النكبة الثانية لجؤوا إلى الأردن. وأشار إلى أن سكان المخيم البالغ عددهم حوالي ٣٥ ألف نسمة يعانون من أوضاع اقتصادية واجتماعية سيئة وخاصة أنهم لا يستطيعون العمل في أجهزة ووظائف الدولة المختلفة، ولأن متوسط دخل الفرد داخل المخيم لا يتجاوز ٨٠ ديناراً شهرياً، وأن غالبيتهم يعملون في قطاع الزراعة. وأشار «شلهوب» إلى أن غالبية سكان المخيم مع حق العودة وتقرير المصير. وأشارت مجموعة من سكان مخيم البقعة إلى أهمية حق العودة وضرورة تنفيذ هذا الحق، معتبرين ذلك إصراراً على مجابهة المشروع الصهيوني المستند إلى إنكار حق الفلسطيني والعربي في فلسطين والإقامة فيها، وأكدوا أن حق العودة للاجئين لا يعني أننا ننتقص من الحقوق المدنية للمواطنين الأردنيين من أصل فلسطيني، موضحاً أن بقاء اللاجئين في الأردن هو بقاء مرحلي مؤقت والأصل عودتهم، مؤكدين أهمية نضال الشعب الأردني والفلسطيني في الدفاع عن عروبة فلسطين وإقامة الدولة المستقلة. وأشارت مجموعة أخرى إلى أن حل مشكلة اللاجئين لن يكون إلا باعتماد قرار (١٩٤) المتعلق بالعودة والتعويض وعدم حل المشكلة بشكل قسري من أي جهة كانت، وأن يترك الخيار للاجئين أنفسهم، وأن قرارات ما يسمونه بالشرعية الدولية ضمنت حق العودة والتعويض؛ داعين إلى تطبيق تلك القرارات المتعلقة بحق العودة للاجئين.

стр. 4170

المسلمون والعالم (ندوة) لمحاولة فهم أمريكا (٢ - ٢) خالد أبو الفتوح في ندوته الافتراضية التي عقدها الكاتب بين مجموعة من الكتب محاولاً فهم أمريكا.. استعرض في الحلقة الماضية عدة محاور دارت حول: طبيعة نشأة أمريكا وأثرها على مجتمعها وسياستها، وحقيقة الرأسمالية السائدة فيها وعلاقاتها بأجهزة الحكم والإعلام، وعلاقتها بالرغبة في نهب الآخرين والهيمنة عليهم، وحقيقة مكانة الدين في المجتمع الأمريكي، والأسباب الكامنة وراء استهداف العالم الإسلامي بالعداء، وصور من النفاق السياسي الأمريكي.. ويواصل الكاتب في هذه الحلقة استعراض نقاط أخرى.. - البيان - سقوط: من هذه النقطة أصل حديثي المقطوع عن سمات الرأسماليين (الجمَّاعين) وأمراض المجتمع الأمريكي التي تؤذن بسقوطه، وهي الأمراض نفسها التي عصفت بنظام جمَّاعين سابق هو نظام الإقطاع. المجتمع الغربي يعبر عصر الجمَّاعين منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، و «الرجال الأغنياء هم الذين يقبضون على مقاليد الأمور فيه. الطبقة الحاكمة إذن تستمد نفوذها من سيطرتها على الثروة وعلى وسائل الإنتاج، مع أن الطبقات الأخرى (المقاتلين، المثقفين، والشغيلة) تخضع طوعاً للنخبة المحظوظة. خلال هذا العصر (عصر الجمَّاعين) يكون نظام الحكومة مغالياً في عدم مركزيته، وبالنتيجة: يعم الإجرام، وتتفكك العائلة، وتنتشر الدعارة. وفي النهاية تطبع الفردية المتطرفة النظام الاجتماعي. وقد عرف الغرب نظاماً اجتماعياً اقتصادياً من هذا النمط خلال الجزء الثاني مما عرف بالعصر الوسيط وهذا ما يدعى عادة إقطاعاً. اليوم يسود مجدداً النمط نفسه ويسمى رأسمالية. رغم الاختلافات الكثيرة الظاهرية، فإن الإقطاع والرأسمالية يملكان عدة خصائص مشتركة.. موت الرأسمالية لا يمكن تفاديه تماماً كما لم يكن ممكناً تفادي موت الإقطاع» (ص ٢٧٧) . ف «الرأسمالية تتشابه كثيراً مع نظام الإقطاع الذي ساد المجتمع الغربي ما بين عام ٩٠٠، ١٤٠٠م، الرأسمالية ليست فقط نظاماً اقتصادياً، ولكنها أيضاً نظام اجتماعي واقتصادي متلازمان؛ لأنه بدون الإقرار بحق الملكية غير المحدود للرأسماليين اجتماعياً، فإن عالم الأعمال لن يعيش أكثر من يوم واحد، وإذا بحثنا عن أسس القوة عند الطبقة الحاكمة، فإن التماثل في النظامين يبدو واضحاً. نفس الشيء: الفلسفة السياسية والاجتماعية التي يعتمد عليها النظامان تُظهر وحدة أكبر مما اعترف به حتى الآن. بالنسبة لعقلية الطبقة الحاكمة: الرأسمالية والإقطاع يكونان شقيقين في تلك الفترة في الإقطاع كما اليوم في الرأسمالية. الثروة هي المسيطرة في الإقطاع، الأغنياء يحكمون بفضل السيطرة التي يمارسونها على الأراضي الشاسعة، وهذه كانت آنذاك عامل الثروة، اليوم: الأغنياء يحكمون لأنهم يسيطرون على الأسهم والأوراق المالية. الإقطاع كدَّره عراك مستمر حدث بين كبار الملاك العقاريين الذين كانت الأرض موضوع تنافسهم. الرأسمالية تكدرها الآن حرب صناعية، حيث تكون الشركات الصغيرة باستمرار فريسة للمجموعات الصناعية الكبرى. في أوروبا القديمة (القرون الوسطى) كانت الثروة مركزة في أيدي ملاك الأرض: دوقات، بارونات، كومتات، إنها اليوم مركزة في أيدي الرأسماليين: رؤساء الشركات، نوابهم، الإداريين. النظام الإقطاعي كان بربرياً ويضطهد الفلاحين والأقنان، والرأسمالية قاسية ووحشية، تضطهد البلدان النامية والعمال غير المؤهلين، في الحالتين الاستغلال يقوم على عدم الملكية وعلى الظلم الاقتصادي» (ص ٣٠١ ٣٠٢) . و «فيما يتعلق بالحياة اليومية توجد أيضاً عدة تماثلات بين الإقطاع والرأسمالية: الدعارة والانحراف كانا وباء الإقطاع كما هما بالنسبة للرأسمالية اليوم. آنذاك كما اليوم العلاقات والروابط العائلية تراخت، آنذاك كما اليوم السلطة السياسية والإدارية غير مركزية. في نظام الإقطاع الفرسان يحاربون باسم ولاتهم، اليوم حل محل الفرسان الجنرالات والكولونيلات والجيش. باختصار: آنذاك كما اليوم، العقلية الاستحواذية هي السائدة وهي التي تصنع القانون. لهذه الأسباب جميعاً أعتبر النظام الإقطاعي والرأسمالية فرعين مختلفين لنفس الشجرة المسماة عصر الجمَّاعين» (ص ٣٠٣) . الرأسمالية الغربية التي تمثلها أمريكا أعظم تمثيل تنحدر، «أعراض هذا الانحدار في الحاضر يمكن رؤيتها لكل من يتجشم مشقة النظر: معدلات الجريمة المروعة، تفكك الروابط العائلية وآثارها على المسنين، نسبة الطلاق المرتفعة، والتسامح الفاضح مع البورنوغرافي (الفن الخليع) والدعارة، وموجة سوء استخدام المخدرات، وإدمان الكحول، وتحول الفن والرياضة وعملياً كل شيء إلى تجارة، وعدم إحساس العمال العاملين بالآخرين العاطلين.. هي جميعاً أعراض أزمة تعصف بالرأسمالية اليوم. إنها جميعاً أعراض لا تظهر إلا في نهاية عصر الجمَّاعين» (ص ٣٠٥) . الإعداد: إن ما يذكره الدكتور (سقوط) عن ظهور أمراض اجتماعية في المجتمع الأمريكي صحيح تماماً، «وتعكس هذا: الأوضاع الصحية المتفاوتة، وبنية الثروة والمداخيل الحالية في أمريكا؛ حيث يكسب مدير مؤسسة كمعدل وسطي ما يبلغ حوالي ٩٠ مرة أكثر مما يتقاضاه العامل الصناعي (مقابل ٤٠ ضعفاً عام ١٩٨٠م) وفي الوقت نفسه: يكسب ٣٠% من الأمريكيين السود و٢٠% من الإسبان أقل من حد الفقر الرسمي ويعيشون في مدن الصفائح. وما يزيد هذه الوضعية خطورة: كمية المخدرات التي يستهلكها الأمريكيون، ووفق بعض التقديرات: تستهلك الولايات المتحدة التي تضم من ٤ إلى ٥% من سكان العالم ٥٠% من الكوكايين العالمي، ويؤدي مثل هذا الإدمان إلى ضغوطات قوية على الأجهزة الصحية. ولا يقتصر الأمر على علاج الراشدين؛ إذ ولد عام ١٩٨٩ م وحده ٣٧٥٠٠٠ من الأمريكيين وهم مدمنون أصلاً، وخاصة على الكوكايين والهيرويين. وبدورها، تغذي المخدرات الجريمة التي تبدو في الولايات المتحدة أعلى من أي بلد صناعي آخر، وبفضل ما لرابطة National Rifle Association من سلطة سياسية، يستطيع الأمريكيون اقتناء الأسلحة القاتلة واستخدامها بسهولة تذهل المراقبين الأجانب. ويقدر أن بحوزة الأمريكيين ٦٠ مليون مسدس و ١٢٠ مليون بندقية، وأنهم يتقاتلون بمعدل ١٩٠٠٠ شخص كل سنة بالمسدسات بصورة رئيسة. ويصل معدل جرائم القتل بالنسبة لعدد السكان إلى أربعة أو خمسة أضعاف ما هو عليه في أوروبا الغربية، (فيما يصل معدل حوادث الاغتصاب إلى سبعة أضعاف، والاغتصاب مع العنف إلى عشرة أضعاف) ويعتقد الخبراء أن لهذا العنف جذوراً ثقافية، ولا يمكن رده حصراً إلى الفقر؛ فمعدل جرائم القتل أعلى بكثير في نيويورك منه في أكواخ كالكتا [بالهند] مثلاً، وفي سياتل Seattle المدينة المزدهرة التي اعتبرت مؤخراً الأولى في الولايات المتحدة بالنسبة لنوعية الحياة، يصل عدد جرائم القتل إلى سبعة أضعاف عددها في بيرمينغهام Birgmingham في إنجلترا. كما أنه لا يمكننا رغم ذلك تفسير العنف بغياب القمع وتقصير الشرطة؛ فانطلاقاً من الأرقام الأخيرة: تؤوي السجون الأمريكية أكثر من مليون محكوم، أي نسبة أعلى من تلك التي نجدها في جنوب إفريقيا وفي الاتحاد السوفييتي السابق، ومن أصل كل ١٠٠. ٠٠٠ أمريكي زنجي نجد ٣٠٠٠ في السجن، فيما كانت إفريقيا الجنوبية ولفرض التمييز العنصري تسجن ٧٢٩ أسود من أصل كل ٠٠٠,١٠٠» (ص ١٩٦ ١٩٨) . هذا، بينما «تبلغ نسبة المجرمين المسجونين في الولايات المتحدة ٤٢٦ من أصل كل ١٠٠. ٠٠٠ نسمة، أما المعدل في أستراليا فهو ٧٢، وفي هولندا ٤٢ فقط، وكان المعدل السوفييتي ٢٦٨ لكل ٠٠٠,١٠٠ ويشكل السود الذين لا يتجاوز نسبتهم ١٢% من السكان في أمريكا نصف المساجين تقريباً» (ص ٢٣٨) . طليعة: أضف إلى ما ذكر: في الأمن: يكشف «التقرير الأخير لـ» صندوق حماية الأطفال «المؤسسة الرئيسة لحماية الأطفال في الولايات المتحدة رصد الخط البياني الصاعد بلا توقف للأطفال والمراهقين المقتولين بالأسلحة النارية:» منذ عام ١٩٧٩م وحتى ١٩٩١م قتل ما يقرب من ٥٠ ألف أمريكي أقل من تسعة عشر عاماً (٩ آلاف أقل من أربعة عشر عاماً، و٤٠ ألفاً بين خمسة عشر وتسعة عشر عاماً) قتلوا برصاصات أو حوادث أو جرائم متشابكة. في خلال الفترة ذاتها، نجد أن عدد المحتجزين لارتكاب جرائم قتل وذبح ممن هم دون سن التاسعة عشرة قد تزايد بنسبة ٩٣% « وحسب ما ورد في التقرير ذاته، فإنهم في الأغلب الشباب الذين يقتلون أو يصيبون شباباً آخرين» (ص ٩٧) . وفي العدالة الاجتماعية: «أثبتت إحدى الدراسات التي أعقبت أحد المؤتمرات، ونشرت في مارس عام ١٩٨٩م أثبتت أن:» الخمس الأكثر حرماناً الأقل من مستوى خط الفقر من السكان، رأى انخفاض عائداته بـ ٦% من عام ١٩٧٩م حتى عام ١٩٨٧م، في نفس الوقت ارتفعت الدخول بنسبة ١١% بالنسبة للخمس الأكثر رفاهية «هذه الإحصاءات قد رصدت أيضاً التضخم، وشملت المبالغ المنفقة في الدعم الاجتماعي والضرائب، فالخمس الأكثر حرماناً انخفضت بالفعل عائداته الشخصية بنسبة ٩. ٨%، بينما ارتفعت العائدات الشخصية للخمس الأكثر رفاهية بنسبة ١٥. ٦%. لقد اعترف التقرير ذاته» بالمعازل «الاقتصادية:» فلقد اتسعت الفجوة بين الأمريكيين الأغنياء والفقراء في الثمانينيات، بحيث أمست في عام ١٩٩٠م، عائدات ميلونين ونصف المليون من الأغنياء تساوي مجموع عائدات مائة مليون مواطن قابعين أسفل السلم الاجتماعي « (مكتب ميزانية الكونجرس، ١٩٨٩م) » (ص ٩٠) . «كما أن هناك» عنصرية اقتصادية «حقيقية تقسم الولايات المتحدة إلى أمتين؛ ففي هذا البلد الذي يجوع فيه طفل بين كل ثمانية أطفال، لا يَكُف عدد الأطفال الذين يموتون في الأحياء الأكثر فقراً عن الزيادة، وتتعدى معدلات موت الأطفال في مثل هذه الأحياء الفقيرة معدَّله في دول مثل سري لانكا وبنما وشيلي وجاميكا» (ص ٩٨) . وفي الاقتصاد: تعيش الولايات المتحدة «أعلى بكثير من إمكاناتها: فاستغلال العالم يتم على نفس النحو الذي تمت به مجازر الهنود، كما لو كانت مذابح الهنود الحمر لم تكفها، ويبرز هذا التعدي للحدود في التسلط القائم رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الأغنى رسمياً في العالم، ولكنها في الواقع أكثر دولة مدينة أيضاً بما يقدر بـ ٣٠٠٠ مليار دولار من الدين الخاص، ومبلغ مماثل من الدين العام، وهذا يعني ما يساوي ثلاثة أضعاف ديون كل دول العالم الثالث مجتمعة» (ص ٩٧) . وفي الاطمئنان النفسي: «يتساوى حجم تجارة المخدرات مالياً مع حجم تجارة السيارات والصلب داخل الولايات المتحدة، كما يتزايد الاستهلاك يومياً مع افتقاد معنى للحياة وتفشي البطالة والإقصاء، ولأسباب أخرى عديدة. كما أصبحت الغاية الوحيدة لاستهلاك المخدرات هي الإحساس بسعادة التسوق في السوبر ماركت التي تسمح بها. وهكذا، فمما له مغزى كبير: أن انتحار المراهقين ترتفع معدلاته في البلدان الأغنى كما في الولايات المتحدة والسويد ومن ثم ينتحر الشماليون لغياب الغايات، بينما يموت الجنوبيون لنقص الوسائل!» (ص ٤٢) . ولكني مع كل ذلك أقول: إن من أهم أسباب الانحطاط في المجتمع الأمريكي : الانحطاط الثقافي الذي يسوده منذ زمن «ذلك أن انحطاط الثقافة ينبع من تاريخ الولايات المتحدة ذاتها ومن تكوينها؛ لأن الثقافة لا تلعب أي دور منظم في حياة المجتمع الأمريكي» (ص ٤٧) . وقد رصد ألكسيس دي توكفيل هذه الظاهرة في كتابه عن «الديمقراطية الأمريكية» في عام ١٨٤٠م عندما قال: «لا أعرف دولة يوجد بها هذا القدر القليل أو المنعدم لاستقلالية العقل والمناقشة كما في الولايات المتحدة» (ص ٦٥) أي: ديكتاتورية في الفكر. و «في القرن العشرين، أصبحت تلك السيطرة على الفكر أكثر إحكاماً، شخصيات عامة، وباحثون في العلوم السياسية، وصحفيون، وممثلو الصناعة، ورجال العلاقات العامة التي يتعاظم نموها، وآخرون، اعترفوا بأنه في بلد يصبح فيه صوت الشعب مسموعاً يكون ضرورياً أن يظل هذا الصوت يقول ما يتناسب مع النظام العام!» (ص ٦٥) أي: مسايرة العامة وحتى لو كانوا غوغاء! الإعداد: أحب أن أشير هنا إلى أن الأزمة في ثقافة المجتمع وليست في نظامه التعليمي، فيؤكد الخبراء: أن «الأزمة ليست موجودة في المدرسة، بل إن المجتمع الذي بناه الأمريكيون أعطاهم بدوره نظام التعليم الذي يستحقونه، وهم يرون أن ميل الثقافة الأمريكية إلى الابتذال أي: التركيز على رغبات المستهلك، وثقافة البوب، والرسوم المتحركة، والضجة واللون واللهو بدل التشجيع على التفكّر الجدي، هو بمثابة جرح ناتج عن طعنة وجّهها المجتمع إلى جسده، يشاهد الطفل الأمريكي المتوسط خمسة آلاف ساعة أمام الشاشة الصغيرة قبل أن يدخل إلى المدرسة، وعندما سيخرج منها يكون قد مكث عشرين ألف ساعة أمامها. وما يفاقم هذه الثقافة الشبابية غير التفكرية التي تستمر فيما بعد عبر الانجذاب إلى الرياضة والمنشورات السيئة إنما هو تفككُ العائلة، خاصة في أوساط الزنوج الأمريكيين، وهو ما يدفع بالكثير من الأمهات إلى مواجهة مصيرهن بمفردهن، وكذلك تعاظم عدد النساء العاملات الذي يؤدي (وبعكس ما هو سائد في مجتمعات شرق آسيا) إلى غياب الأم» المربية الأولى «عن البيت خلال فترة طويلة من النهار، وعدا أطفال بعض المجموعات التي تشدد على أهمية التربية (الأمريكيون من أصل آسيوي) يتشرب الطفل الأمريكي المتوسط القيمَ التي تنتجها صناعة ترفيهية فارغة، بدل القيم التي تستند إلى مرجعيات أخلاقية وتنشر الانضباط وحب التطلع الفكري الذي يدفع إلى التدريب، ومن غير الممكن رغم ذلك الطلب من المدارس، خاصة في المدن، أن تعالج الأزمة الاجتماعية الثقافية» (ص ٢٠٣ ٢٠٤) . «أليس هذا ما يفسر لماذا يتناقص إقدامُ الأمريكيين على الاقتراع؟ فإذا كان الأمريكي المتوسط لا يهتم إلا قليلاً بالثقافات الأجنبية، ولا يستطيع تعيين الخليج العربي على الخريطة؛ فكيف سيفهم حيثيات التدخل في الخارج أو الحاجة إلى زيادة المساعدات المخصصة للتنمية، أو كيف سيتابع التغيرات التي تُحدثها القوى العالمية؟» (ص ٢٠٤ ٢٠٥) . يجب دائماً أن ننتبه إلى أنه «فيما يتركز قسم كبير من الجدل حول (أفول وتجدد) الولايات المتحدة على الاقتصاد، فإن فشل النظام التربوي إضافة إلى النسيج الاجتماعي ورفاهية الناس وحتى حياتهم السياسية يشكل أيضاً موضوعاً لمناظرات عديدة، وذلك على الأرجح لوجود تخوف من أن يكون العجز عن المنافسة ناتجاً عن أسباب عميقة وليس فقط مثلاً عن معدل غير كافٍ للتوفير. والواقع: تبقى الفرضية بأن الشعب الأمريكي قد اختار الطريق السيئ ما يتميز به أساساً هذا الفكر. وكما يقول المعلق التلفزيوني الشهير جون شانسلور:» القوة متوافرة، غير أن مجموعة من عوامل الضعف تقوضها ... «» (ص ١٩٥) . المضيف: أفهم من ذلك أن عوامل انحطاط أمريكا تكمن داخلها.. سقوط: في الحقيقة، لو تحدثنا على المستوى المادي فإنه يوجد «في أمريكا جيل جديد من الاقتصاديين الكلاسيك الجدد بدأ يعترف ببعض فشل الرأسمالية، مثل: غياب المنافسة الكاملة، قلة إنتاج الخيرات المطلوبة اجتماعياً مثل الطرق والحدائق، وجود آثار جانبية غير مرغوبة اجتماعياً مثل تلوث الجو وتوسيخ البيئة، وفوق كل شيء الأزمات الاقتصادية» (ص ٢٩٨) . وفي المقابل «المدافعون عن الرأسمالية يؤكدون أن النظام لا زال سليماً، وأنه لم يشهد في التاريخ مثل هذا الازدهار، وأنه رغم التركيز الهائل للثروات في بعض الأيدي، فإن أي نظام لم يقدم مثل هذا القدر من الرفاهية والسعادة لهذا العدد الكبير من المواطنين، هنا بالضبط يخدعون أنفسهم! ؛ الشيء الوحيد الذي له حساب عندهم هو المادة، ولكن في العمق هذه المادية الفائقة خاصة هذه المادية التي نراها والنفاق الرأسمالي هما المسؤولان عن كل أمراض المجتمع، قادة العالم الغربي لا يوحون اليوم لا بالثقة ولا بالاحترام، كل ما يثيرونه هو الغيرة: الغيرة من حياتهم المرفهة، الغيرة من السهولة التي يخدعون بها الجمهور العام» (ص ٣٠٥) . وكما ذُكِر سابقاً فإنه «حتى في المستوى المادي، بعض ادعاءات الرأسمالية وليس كلها زائفة. أمريكا التي تضم ٦% من سكان العالم تستهلك على الأقل ٣٠% من الموارد الطبيعية في العالم كله. ومع ذلك يوجد داخل حدودها فقر حاد خاصة بين السود والأقليات الأخرى فإذا كان هذا أفضل ما تستطيع الرأسمالية عمله بعد أن تستنزف كل سنة ثلث الموارد العالمية، فإننا نتساءل: لماذا الازدهار الاقتصادي يكون موضع هذاالصخب؟ !» (ص ٣٠٦) . الإعداد: «الواقع أن حجم الاقتصاد الأمريكي، وما يتصف به من تعقيد، لا يسمحان بتصنيفه في خانة الاقتصاد الضعيف إلى حد اليأس، ولا بالمقابل في خانة الاقتصاد الجبار: إنه مزيج من القوة والضعف.» (ص ١٨٣) هذا إذا تحدثنا عن الاقتصاد، وهو جانب مهم جداً من وجهة نظري. ولكني ألفت النظر إلى وجود أبعاد خارجية أيضاً بالنسبة لتقدم أو تأخر (أو ما تسمونه انحطاط) أمريكا، وخاصة في الجانب الاقتصادي، وهي تتمثل في المنافسة الشديدة، ليس فقط مع خصومها، بل حتى مع أصدقائها، كما تتمثل في أولويات الإنفاق والاهتمام بالنسبة لأمريكا مقارنة مع هؤلاء الأصدقاء والحلفاء «ففي عام ١٩٨٨م مثلاً خصص أكثر من ٦٥% من الأموال الموجودة للأبحاث الفدرالية للدفاع، مقابل ١٥، ٠% لحماية البيئة و ٢، ٠% لتطوير الصناعة. ولْنُشر هنا أيضاً إلى أن الولايات المتحدة عمدت وهي تخوض سباقاً مكلفاً على التسلح مع موسكو، ولتحسين حصتها من السوق العالمية.. إلى منازلة حلفاء لها مثل اليابان وألمانيا اللتين لا تخصصان إلا نسباً أدنى من مواردهما للدفاع، ويتوفر لهما بذلك ما يلزم من رساميل وجهاز بشري وأبحاث للصناعة التجارية، أي ما لا يحصل عليه قسمٌ من القاعدة الصناعية الأمريكية. إذاً والحال هذه، يطلب الأمريكيون من حلفائهم المزيد من المساهمة في الدفاع المشترك؛ بحيث يتمكنون من عصر النفقات العسكرية لتلبية الحاجات اليومية» (ص ١٨٢) . المضيف: كلامك الأخير يوضح لنا لماذا تصر أمريكا دائماً على إشراك حلفاء وأصدقاء لها في حروبها المعاصرة حتى لو لم يكن لهؤلاء الحلفاء ناقة ولا جمل في هذه الحروب، وهنا تختلط مصلحة أمريكا بمصلحة النظام العالمي الذي روجته ثم أعلنت نفسها حامية له. نشوء [١] : دعني أوضح لك الأمر بجلاء أكثر وأضرب لك مثالاً: عندما تكون في سباق ما: لا يعد تقدمك للأمام وحده تقدماً، ولكن ينبغي أن يقاس هذا التقدم نسبة إلى مواقف منافسيك الآخرين، فلو كنت تتقدم ومنافسوك يتقدمون أكثر منك فإنك في الحقيقة تعد متأخراً.. أليس كذلك؟ وقد يزيد من صعوبة موقفك وجود أثقال تحملها وحدك أو وجود انحراف في مسار سعيك للوصول للهدف، لذا: فمن طرق تحقيق تقدمك: إلقاء بعض هذه الأثقال على منافسيك، فإذا نجحت في ذلك فإنك سوف تتخفف منها ويزداد تقدمك في الوقت الذي يقل فيه تقدم منافسيك نتيجة الأثقال التي أُلقيت عليهم، ومن هذه الطرق أيضاً: تصحيح مسار سعيك نحو الهدف أو وضع منافسيك في مسار خاطئ يبعدهم عن الوصول إلى الهدف.. تعال نطبق ذلك على التنافس (أو الصراع) بين الدول، فأقول: «إن القوى النسبية لدول المقدمة ذات التأثير على الشؤون المالية العالمية لن تبقى ثابتة أبداً؛ لسببين: أولهما: تباين معدل النمو للمجتمعات المختلفة، وثانيهما: تفاوت الاتجاهات التكنولوجية والتنظيمية التي تأتي في نهاية المطاف بمنفعة كبرى لهذا المجتمع على حساب الآخر. وهنا نذكر على سبيل الذكر أن قدوم السفن الشراعية ذات القدرة على الإبحار لمسافات طويلة والمزودة بالمدفعية، وكذلك نشوء التجارة عبر المحيط الأطلسي بعد عام ١٥٠٠م، لم يأتيا بالمنفعة (المتساوية) لجميع أوروبا، بل إن بعضها انتفع أكثر بكثير من البعض الآخر. كما أزاد التطور الأخير الذي شهدته الطاقة البخارية وكذلك نمو مصادر الفحم والمعادن من القوة النسبية لبعض البلدان، وبالتالي: قلل من القوة النسبية لبلدان أخرى. فالبلدان حيثما أدركت أن قدرتها الإنتاجية قد تعاظمت كان يسيراً عليها أن تتحمل أعباء الإنفاق على تسليح واسع النطاق في عصر السلم، وأن تحافظ على جيش جرار وأساطيل ضخمة تأتيها بالذي تحتاجه في أيام الحرب. قد لا يبدو هذا التعبير ناضجاً من وجهة النظر التجارية، لكن الثروة سلاح لدعم القوة العسكرية، والقوة العسكرية ثروة مكتنزة تتيح الحصول على الثروة وحمايتها. فلو خصصت الدولة نسبة كبيرة من مصادرها لأغراض عسكرية فحسب بدلاً من توظيفها لأغراض إيجاد الثروة وتنميتها لاختطت لنفسها طريق التداعي على المدى البعيد. وستلقي الدولة بنفسها في خطر توسعها الاستراتيجي المفرط أي احتلالها لمناطق شاسعة أو ولوجها حروباً باهظة التكاليف لو رجحت كفة الإنفاق الهائل على مثل هذا التوسع الخارجي الفائدة المرجوة منه، وتلك مصيبة ستزداد حدة عندما تدخل تلك الدولة مرحلة الانهيار الاقتصادي النسبي. ويبين لنا تاريخ نشأة وسقوط بلدان كانت طليعية في ميزان القوى العظمى منذ التقدم التي شهدته أوروبا خلال القرن السادس عشر (إسبانيا هولندا فرنسا الإمبراطورية البريطانية وحديثاً الولايات المتحدة) ترابطاً دالاً (على المدى البعيد) بين الإنتاج ونمو عوائده من جهة وبين القوة العسكرية من جهة أخرى» (ص ١٢ ١٣) . الإعداد: وهناك بُعْد آخر في هذا الموضوع، وهو بعد التدخل (الأجنبي) في بنية المجتمع والدولة الأمريكية نتيجة تبني سياسة العولمة بصورة واسعة مؤخراً؛ فالعولمة كما أنها تتيح الفرصة لتدخل أمريكا في العالم فإنها أيضاً يمكن أن تتيح الفرصة لتدخل الآخرين في أمريكا والتأثير فيها «ويتعاظم الآن هذا الاهتمام بالوضعية الاقتصادية الأمريكية، في جو من القلق المتزايد حول ما قد تستتبعه الميول الراهنة من نتائج تطول الأمن القومي والقوة الأمريكية وموقعها في الشؤون العالمية. ماذا سيجري إذا ما امتلك بعضُ الأجانب احتكاراً في صناعات تزوّد البنتاغون؟ ، أو إذا لم يعد بالإمكان الحصول على سلعة ذات أهمية عسكرية كبرى إلا من الخارج؟ هل سيُدفع ثمن سياسي إضافة إلى الثمن المالي من جراء هذه التبعية؟ ( ... ) وماذا سيحصل إذا ما بات الاقتصاد الأمريكي ينمو بنصف سرعة اليابان أوالمجموعة الأوروبية طوال العشر أو العشرين سنة المقبلة؟ ، هل يستمر توازن القوى المنتجة بالتبدل، لكي تُخلع الولايات المتحدة في نهاية المطاف عن المرتبة الأولى؟» (ص ١٩١ ١٩٣) . طليعة: اسمحوا لي أن أسجل نقطتين بعد هذا الكلام الجيد: النقطة الأولى: هي عن العلاقة بين أمريكا والقوى الدولية الأخرى، فأوروبا «لم تعد الحليف المؤكد والدائم للولايات المتحدة الأمريكية. ولم يظهر هذا الموقف في معاهدة ماستريخت فقط؛ فتلك المعاهدة التي تهدف منذ توقيعها إلى استقطاب كامل لأوروبا بجعلها ملحقة خاضعة وثانوية لحلف الأطلنطي، ما زالت تظهر يوماً بعد يوم آثارها السلبية وأضرارها الاقتصادية والثقافية، وتوضح أكثر فأكثر انقسام الأوروبيين فيما بينهم (....) يتلازم هذا الانقسام مع تحول الولايات المتحدة الأمريكية من أكبر دولة دائنة في العالم إلى أكبر دولة مدينة في العالم. ومعدل الاستثمار في الولايات المتحدة الأمريكية يعد الأقل بين الدول الصناعية الكبرى؛ فبرغم قوتها العسكرية التي لا تعتمد على قوة المقاتلين والتي لا تتمنى كما تشير تقارير البنتاجون إلا دخول حروب» لا تخسر فيها قتيلاً واحداً «، وذلك بإمكاناتها التقنية العالية الخاصة بإدارة المعارك عبر الضغط على أزرار الكومبيوتر والمراقبة بشاشات الرادار، بهدف أن يصبح قادتها بذلك أسياد العالم.. برغم كل ذلك تحولت الولايات المتحدة شيئاً فشيئاً إلى عملاق بكعب» أخيل «» (ص ٣٥ ٣٦) . «لهذا الضعف الواضح والقصور، تقامر الولايات المتحدة حتى الآن وحتى إشعار آخر، على سياسة التسليح لمواجهة صعود أي عمالقة آخرين إلى قمة العالم التي تعتليها. ومن ثم: فهي لا تسلح فقط مرتزقها الرئيسي في الشرق الأوسط ( إسرائيل) تسليحاً كثيفاً، بل تسعى أيضاً لعرقلة صعود الصين، بينما تسعى إنجلترا إلى تمييع عودة هونج كونج إلى الصين، وتبعث الولايات المتحدة طائرات تقدر قيمتها بأربعة مليارات ونصف المليار إلى تايوان، كما تبيع حليفتها فرنسا لتايوان ٦٠ طائرة ميراج، وذلك للحيلولة دون أن تصبح الصين الموحدة قوة عالمية بسوقها الداخلية المحتشدة بمليار ومائتي مليون نسمة، وبمواردها الطبيعية الهائلة، وبأيديها العاملة الكادحة» (ص ٣٦) ، وهذا يقودنا إلى: النقطة الثانية: والتي هي عن مكانة التسلح والحروب في الاستراتيجية الأمريكية الساعية إلى الهيمنة على العالم؛ فمن المعروف أنه «في صبيحة الحرب العالمية الثانية، حددت الولايات المتحدة معالم خططها الجيوسياسية، إذ إن مجموعات بحث في» معهد العلاقات الخارجية « (المؤثر جداً في عالم المال وفي عالم السياسة الخارجية) ، ووزارة الخارجية، قد وضعا مصطلح ما يسمى بـ » المجال الكبير «، وهو ما يجب أن يظل خاضعاً لمصالح الاقتصاد الأمريكي، ويجب أن يضم على الأقل نصف العالم الغربي والشرق الأقصى والإمبراطورية البريطانية القديمة.» وبرغم خضوعها، فإنه يجب مع ذلك في حدود الممكن تنميتها وتطويرها لتكوّن نظاماً كاملاً ومستقلاً نسبياً، وتضم في كل الأحوال أوروپا الغربية وخزانات الطاقة بالشرق الأوسط والتي تتحول لتصبح في يد الولايات المتحدة «. (نعوم تشومسكي:» الأيديولوجية والسلطة «. الناشر إبو ص ٢٠) » (ص ٧٣ ٧٤) وقد كتب جورج كينان رئيس إدارة الدولة لفريق التخطيط عام ١٩٤٨م ( وثيقة هيمنة) قال فيها صراحة: «نحن نملك حوالي ٥٠% من ثروة العالم، غير أننا نمثل ٣، ٦% من سكانه فقط.. وفي مثل هذا الوضع، لا يمكن تجنب أن نكون هدفاً للضغينة والغيرة .. فمهمتنا الحقيقية في الفترة القادمة هي: تطوير نظام للعلاقات يسمح لنا بالحفاظ على هذه المكانة، دون تعريض أمننا القومي للخطر. ولتحقيق هذا علينا أن نتخلص من أي رومانتيكية، وأن نكف عن الحلم، مع البقاء متيقظين. ويتعين أن يكون كل تركيزنا منصباً على أهدافنا القومية المباشرة والفورية، وألا يصيبنا الغرور. ولا يمكن أن نسمح لأنفسنا اليوم باتباع رفاهية حب الغير والخير (!) على الصعيد العالمي. وينبغي أن نتوقف عن الحديث عن أهداف كبيرة غير محددة فيما يخص الشرق الأقصى؛ فهو غير قابل للتنفيذ، وكذلك حقوق الإنسان، ورفع مستوى المعيشة، وإرساء الديمقراطية. ولن يكون بعيداً اليوم الذي سيكون علينا فيه استخدام القوة» . (دراسات سياسة التخطيط (P. P. S. لـ ٢٣ فبراير ١٩٤٨م) « (ص ٦٣) . كما عبر وزير الدفاع الأمريكي السابق قبل أن يتبوأ هذا المنصب.. عبّر بوضوح عن أسلوب السيطرة المتوقع من أمريكا، وذلك عندما قال:» إن برامج التعليم في الكليات العسكرية الأمريكية تتغير حسب الأهداف. ولهذا أعلنت الكليات الحربية لتلاميذها أن الدراسات الاستراتيجية للحرب ستتركز حول الحرب في الريف، ومكافحة الإرهاب ومعالجة الأزمات «ذات التكثيف الضعيف» ، أي الحرب المحدودة، وعلى سبيل المثال: غزو بنما؛ لأن الصراعات المحتملة قد تستوجب حرباً «متوسطة الكثافة» مع العدو القوي في العالم الثالث، مما يحتم اهتماماً خاصاً، وبالأخص إذا اعتبرنا القوة احتياجاً حيوياً لفرض السيطرة على أقاليم ومناطق جديدة للحافظ على الإمكانية المفتوحة للوصول إلى الأسواق والمواد الأولية البعيدة «هكذا قال السيناتور ويليام كوهين، من لجنة القوات المسلحة. (مايكل كلير:» القوات الأمريكية تواجه الجنوب «ز Nation س (جريدة الأمة) ، الأول من يونيو عام ١٩٩٠م) » (ص ٨٠ ٨١) . و «لقد تأكدت الرغبة الواضحة للإدارة الأمريكية في الهيمنة على العالم عقب تدمير العراق. ولقد أبرزت وثيقتان للپنتاجون هذا التوجه بوضوح: الأولى تحت إدارة پول دي وولفوفيتش، والأخرى تحت إدارة الأميرال جيريميا نائب رئيس لجنة رئاسة الأركان. وفيما يلي أربعة مقتطفات منهما: *» الولايات المتحدة هي الضامن للنظام العالمي، لذلك يجب أن نتصرف باستقلالية في حال وقوع كارثة تتطلب رد فعل سريع، أو عندما يصعب تجميع موقف عالمي موحد «. *» علينا التحرك لمنع تكوين نظام أمني بأوروپا، يمكنه تهديد توازن حلف شمال الأطلنطي «. *» إذابة ألمانيا واليابان في النظام الأمني الجماعي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية «. *» إقناع جميع المنافسين المحتملين بعدم ضرورة التطفل للعب دور عالمي أكبر من الذي يلعبونه الآن بالفعل «. » للوصول إلى ذلك يجب الحفاظ على وضع القوة الهائلة الخاصة بنا وتخليد الهيمنة عبر إيقاع الهزيمة بأسلوب مدمر وقوة عسكرية تكفي لردع أي أمة أو مجموعة من الأمم عن تحدي إرادة الولايات المتحدة. وذلك يجعلنا نضع في الاعتبار رغبات ومصالح الدول الصناعية المتقدمة لكي لا نشجعها على مجابهة القيادة الأمريكية، أو أن تسعى إلى إدانة النظام السياسي والاقتصادي الموجود «. (كتبها پول دي لاجورس (مدير مجلة» الدفاع القومي «في» لوموند ديپلوماتيك «الفرنسية، في أبريل عام ١٩٩٢م) » (ص ٨٢ ٨٣) . المضيف: كلام مهم ومفيد، ولكني ألاحظ أننا ابتعدنا بعض الشيء عن مسار حديثنا؛ فقد كنا نتحدث عن عوامل الانحطاط الكامنة في أمريكا؛ وتطرق الحديث إلى العوامل الخارجية، ثم علاقة أمريكا بالآخرين واستراتيجيتها في الهيمنة.. إذا أردنا إكمال الحديث من نقطة عوامل الانحطاط، تُرى ما هي رؤيتكم للمستقبل؟ طليعة: ما ذكرته سابقاً لا ينقطع عن الحديث عن عوامل الانحطاط، بل يقدم تصوراً للمستقبل! سقوط: على صعيد الصراعات مع (الآخر) فإني أتوقع أنه في «عام ٢٠٠٠ الصراعات الداخلية التي تختمر سواء قبل أو بعد عام ٢٠٠٠ [٢] سوف تنتهي بأن تصبح على مستوى عالمي. نزاع عالمي يضع العالم كله في حالة هيجان. ومن المحتمل جداً أن المخزون المتكون في العالم بفضل مصانع الأسلحة الأمريكية والروسية والأوروپية، سوف يجد فرصته للتدخل بشكل أو بآخر، في خلال هذا الاضطراب تبرز الحركة الروحية الجديدة إلى السطح» (ص ٣٢٣) . نشوء: وإذا وقع ذلك فإنه حتماً ستكون هناك نتائج كارثية على بعض الأطراف المشاركة فيها، وقد تستفيد منها أطراف أخرى؛ لأنه «إذا كانت الحرب قد أثرت بقسوة على بعض البلدان، فإن بلداناً أخرى أفلتت من لوعتها بل وتحسنت أحوال بلدان أخرى بسببها؛ وما ذلك إلا لأن للحرب الحديثة والإنتاجية الصناعية التي تتولد عنها نتائج إيجابية. واستناداً إلى المعايير الاقتصادية والتكنولوجية البحتة نرى أن هذه السنين قد شهدت تطورات عديدة؛ في إنتاج السيارات والجرارات، وفي الطيران، وتكرير النفط والمواد الكيماوية، وفي الصناعات الكهربائية وسبك المعادن، والتبريد والتعليب، وهكذا بالنسبة لصناعات أخرى. وسيكون من الطبيعي الاستفادة تجارياً من هذه التطورات الاقتصادية لو كان البلد بعيداً عن نيران الخطوط الأمامية. وهكذا وجدت [في السابق] الولايات المتحدة تحديداً ومعها كندا وأستراليا وجنوب إفريقيا والهند وأجزاء من أمريكا الجنوبية، وجدت اقتصادياتها تنمو وتحفز بالطلب المتزايد لأوروپاالتي ترنحت بحرب استنزاف من الصناعات والمواد الخام والمواد الغذائية. وكما هو شأن الصراعات التجارية السابقة، فإن مصائب قوم عند قوم فوائد شريطة أن يتجنب القوم المستفيد كلفة الحرب، أو أن يحمي نفسه في أقل تقدير من عصفة الحرب الكلية» (ص ٤٢٣ ٤٢٤) . سقوط: أما على المستوى الداخلي للمجتمع الرأسمالي وعلى رأسه أمريكا فإن «التاريخ يقول لنا إنه عندما يكتسب القادة عقلية استحواذية مفرطة، ويفقدون الإحساس بمعاناة الفقراء، فإن الوضع الاقتصادي يسوء حتى يقود إلى ثورة لا مفر منها. هذا ما حدث قريباً في الكتلة السوفييتية، ويحدث في كل مرة يسود فيها الطغيان» (ص ٣٤٦) . ف «الدراسة الجادة لأهم ثورات العالم: الثورة الفرنسية، الثورة البلشفية ... ثورة ماو ... إلخ، تُظهر قضية مشتركة: أنها اندلعت جميعاً بسبب إفراط بيروقراطي شمولي غير مبالٍ بظروف الجماهير وبسبب تدخل الرأسماليين المثقفين. الغول البيروقراطي نفسه يهدد اليوم بتقويض العالم الغربي، هذا الغول يتضخم يومياً ومستمر في ذلك، في المستقبل القريب ينتهي بإرغام الجماهير على رفع السلاح لكنسه هو والذين أوجدوه» (ص ٣٠٧) . «التركز المتطرف للسلطة السياسية في الكتلة السوفييتية أدى إلى انهيار الشيوعية، والتركز المتطرف للثروة في الغرب يسرع بسقوط الرأسمالية» (ص ٣٤٧) . طليعة: في الحقيقة فإن المظالم التي اقترفها هذا المجتمع مستمرة منذ زمن بعيد، وقد طالت أمماً كثيرة في بقاع عديدة من العالم وليست داخل الغرب وأمريكا فقط: «* فمن الذي يعيد لپيرو الـ ١٨٥ ألف كيلو جرام من الذهب، والـ ١٦ مليون كيلو جرام من الفضة، التي اعترف» بيت العقود التجارية «لأشبيلية بنزحها ما بين عامي ١٥٠٣م و١٦٦٠م؟ ! * ومن الذي يعوض هنود أمريكا عن قتلاهم [تقلص عددهم من ١٠ ملايين إلى ٢٠٠ ألف] وعن نهب واغتصاب قارتهم؟ ! * ومن الذي يعوض الهند القديمة، المصدرة العالمية للنسيج، عن ملايين أطنان القطن المنهوبة من زارعيها بأسعار بخسة؟ ! ومن يعوضها عن تدمير وحرق الأنوال اليدوية لصالح مصانع لانكشاير الكبرى؟ ! . * ومن يعيد إلى إفريقيا حياة الملايين من أبنائها الأشداء الذين نقلوا عبيداً للأمريكتين عن طريق النخاسين الغربيين طوال ثلاثة قرون؟ !» (ص ٢٠٨) . سقوط: إذا صدق حسي فإن عصر الجمَّاعين الحالي «قد بدأ في الغرب نحو عام ١٨٦٠م، ليبلغ ذروته في حوالي الثلاثينيات، وهو في حالة انكماش منذ تلك الحقبة. التجربة التاريخية تعلمنا أنه في عصر ما مدة التيارات الصاعدة والهابطة تقريباً متساوية. إذاً الاتجاه الصاعد للرأسمالية استمر ما بين ٧٠ و٨٠ عاماً تقريباً، فإن انحدارها سوف يستغرق في العموم عدد السنوات نفسه. وهذا يعني أن الثورة الاجتماعية التي تخلع الجمَّاعين عن عرشهم يجب أن تحدث عام ٢٠١٠م أو عام ٢٠٢٠م تقريباً» (ص ٣٠٧) . طليعة: أريد أن أختم كلامي حول هذا الموضوع بأن أقول: «لقد تحول الوهم الذي دام مائة عام بالحلم الأمريكي إلى كابوس أمريكي بسبب رغبة قادة أمريكا في السيطرة على العالم، وبسبب جموحها البربري في التسلح، وبسبب نفاق تلك» الليبرالية «الاقتصادية المفروضة على الشعوب لامتلاك أسواقها بإنشاء عدة إمبراطوريات للشر متعاقبة، تسوِّغ إرهابها الخاص باسم محاربة الإرهاب، وتسوِّغ» جرائمها ضد الإنسانية «» (ص ٢٢١ ٢٢٢) . المضيف: إذن ماذا تريد أمريكا من نفسها ومن العالم؟ وإلى أين تتجه هذه الصخرة التي يدحرجها طوفان المادية من علٍ؟ وما مصير من يريدون اللحاق بأمريكا؟ هل لنا أن نفهم أنفسنا قبل أن نفهم أمريكا؟ !
следующие страницы →