← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

المسلمون والعالم كرة حماس الملتهبة بين كفي عرفات وشارون ! أمير سعيد تخضع القضية الفلسطينية في الوقت الراهن لسياسة عض الأصابع المتبادلة بين طرفي النزاع: المقاومة وقوى الاحتلال. وبانتظار صرخة الألم التي سيطلقها هذا الطرف أو ذاك تظل الأحداث على وتيرتها المتصاعدة يوماً بعد يوم؛ إذ لا خيارات متعددة أمام طرفي الصراع؛ فكل قد حدد وجهته: شارون وعصابته عبر الهروب إلى الأمام بتسخين الموقف من خلال الاستمرار في سياسة الاغتيالات التي تنفذ بحق نشطاء حماس والجهاد وفتح والشعبية، والتمادي في سياسة إغلاق مناطق السلطة وتجويع أهلها وإذلال الفلسطينيين عند المنافذ الحدودية، واستهداف مقار السلطة وسجونها وثكنات القوة ١٧ (الحرس الخاص للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات) وتنفيذ أسلوب اختطاف العناصر النشطة لدى التوغل المتكرر لقوى الاحتلال في مناطق السلطة (٢٥ ناشطاً خلال اقتحام جنين، ٩/١٢) بالإضافة إلى القصف المتواصل على مناطق سكانية واغتيال أطفال ونساء في مناطق السلطة. والشيخ ياسين ورجاله المغاوير بالرد القوي الملائم لما يلقاه الفلسطينيون من اضطهاد وإذلال وقهر. في الأجل القصير: إلى أي مدى يمكن للطرفين أن يصمدا في وجه بعضهما؟ الإجابة عن هذا السؤال جد عسيرة. لكن ربما أسهمت صورة أكثر وضوحاً للموقف في الدنو من مساحة الإجابة. ثمة متغيرات جسيمة دخلت على هذا الصراع الممتد: أولها: أن أحداث ١١ سبتمبر الماضي قد أنشبت أظفارها بعنف في القضية الفلسطينية، ولقد تلاقت آراء معظم المراقبين السياسيين على القول بأن أحداث ١١ سبتمبر وما جرته من إزالة للدولة الإسلامية في أفغانستان، وما تبعها من إجراءات أمنية أمريكية (سنعرض لها بشيء من التفصيل فيما بعد) طالت بيد البطش الحركات الإسلامية الجهادية في فلسطين وغيرها، قد أضرت كثيراً بالطرف الفلسطيني المسلم، ولعلنا إذ نشاطرهم رأيهم بأن الأحداث الأخيرة ألحقت الأذى بالفلسطينيين نخالفهم في ماهية هذا الضرر وفي مدى تأثيره الزمني؛ لأن المعركة بين الولايات المتحدة الأمريكية وأعدائها من المسلمين الفقراء في أفغانستان وغيرها لَمَّا تصل نهايتها. (لا يمكن بحال اختزال معركة الإسلام والغرب في جولة واحدة مبهمة المعالم ولامع جناح من تنظيم واحد) . إلا أن الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية قد انفلتت من عقالها وعقلها على حد قول مروان البرغوثي أمين سر حركة فتح الفلسطينية واستبد بها الكبر والغرور. متغير ثان: هو نجاح فرق الموت الصهيونية في اغتيال قائد كتائب عز الدين القسّام في الضفة الغربية محمود أبو هنود مع اثنين من معاونيه (لا يزال قائد الجناح العسكري لحماس في غزة محمد ضيف متخفياً من فرق الموت الصهيونية والسلطة الفلسطينية في آن واحد. نسأل العلي القدير له السلامة) مما أدى إلى بث بعض التفاؤل في نفوس قادة وعناصر الأجهزة الأمنية الصهيونية المحبطة، وبث رغبة عارمة للثأر في نفوس عناصر الكتائب لخسارتهم واحداً من أبرز وألمع وأكفأ من أنجبتهم تلك الطليعة المجاهدة. وبالفعل فقد جاء الرد قاسياً كما وعدت الكتائب في بيانها التأبيني للفقيد أعاد للعالم صورة سلسلة التفجيرات الانتقامية التي نفذتها الكتائب في أعقاب مقتل مهندس التفجيرات البطل يحيى عياش، وتلقت حركة المقاومة الإسلامية إثرها أعنف ضربة منذ تأسيسها في عام ١٩٨٧ استهدفت بناها التحتية واحتاجت بعدها لأعوام حتى تسترد عافيتها (شارك في تلك الضربة جنود عرفات والولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني) . وإذا كان اغتيال أبو هنود وما استتبعه من تفجيرات وإطلاق نار من جانب المقاومة، وتوغل وقصف من جانب الاحتلال يمثل تصعيداً خطيراً، فإن ذلك التصعيد لا يمكن بحال فصله عما استقبله واستدبره من عمليات كبيرة من كلا الجانبين أدت إلى انتقاص من أطراف كلا الجانبين؛ فعملية قتل رحبعام زئيفي وزير السياحة (الإسرائيلي) أحد أبرز العناصر المجرمة في تشكيل الحكومة الإسرائيلية على يد عناصر من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكذلك محاولة قتل رئيس الأركان (الإسرائيلي) شاؤول موفاز خلال شهر ديسمبر أثناء جولة تفقدية على يد نشطاء من الذراع العسكري لحركة فتح (كتائب العودة) ، ونجاح الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في تنفيذ عملية استشهادية في إحدى المستوطنات الإسرائيلية أدت إلى قتل العالم النووي الإسرائيلي دافيد باتسيم [يعد باتسيم واحداً من خمسة علماء نووين يشرفون على تطوير البرنامج النووي الصهيوني، ويعد أحد المشرفين الإسرائيليين على صنع قنابل صغيرة محملة بمواد نووية وكيميائية وبيولوجية، وله اتصال واسع بعلماء أمريكيين وروس] ، وكذلك عمليات اغتيال كوادر نشطاء حماس والجهاد وفتح والشعبية، والقصف المتوالي لمقار السلطة ولاسيما رئيسها ياسر عرفات وحرسه الخاص وتدمير مروحياته ومنعه من السفر.. كل هذا يعد دليلاً على أن هذه الحلقة الجديدة من حلقات الصراع تختلف كثيراً من سابقاتها ومؤشراً لتغيير هائل يطال جميع العناصر الفاعلة في الصراع؛ إذ يستحيل بحال أن يبقى هذا الوضع على ما هو عليه الآن. رؤية الأطراف الأربعة: تأسيساً على ما سبق فإن المتغيرات التي طرأت على الساحتين العالمية والمحلية قد عدلت بشكل أو بآخر من رؤى وسياسات الأجنحة الفاعلة في الصراع الإسلامي/ اليهودي في فلسطين: الكيان الصهيوني: قبل أقل من عام اختار اليهود سفاحهم شارون تحت شعار (١٠٠ يوم للقضاء على الانتفاضة) من أجل تعويم ثقتهم بأنفسهم وقدرة أجهزتهم الأمنية، وقد أوهمهم المغبون بصلفه وتكبره أنه قادر على وقف الزحف الأخضر. ولحد الآن صمد شارون في منصبه كل هذه الفترة رغم قلتها مقارنة برفقائه من حكام دول الطوق والنوق والمئون تمضي بدلاً من المائة المنشودة التي وعد بها شعبه ولَمَّا تفقد الانتفاضة الوضاءة من بريقها شيئاً، بل زيدت تألقاً بفعل استشهادييها الذين نما عددهم بشكل مثير خلال تلك الفترة، وبفعل تلاحم القوى الفلسطينية المقاومة وتفويت فرص المؤامرة على وحدتها، ولعل سر صمود شارون لا يعود إلى تنفيذ سياسة الاغتيالات الموجعة ذات الشعبية الإسرائيلية الجارفة بحق ناشطي الانتفاضة فحسب، ولا اتكاؤه على حكومة وحدة احتلالية بمساندة الثعلب بيريز فحسب؛ بل لأن القوم قد أعيتهم الحيل في وأد الانتفاضة، ولم يعد في جعبتهم سوى سكين السفاح فأشهروه! ! لذا فمن نافلة القول الإقرار بأن المأزق الذي خلقته الانتفاضة المباركة لليهود ليس مأزقاً لشارون وعصابته وحسب وإن كان شارون يجسده وإنما هو مأزق كيان أفاق على حقيقة مفادها أنه بعد أربعين عاماً من إعلانه بدأت أركانه تتصدع. والحاصل الآن أن شارون يريد حلحلة الموقف بالإفادة من المعطيات الجديدة التي خلفتها أحداث ١١ سبتمبر وانكماش الدول العربية وانكفائها أكثر فأكثر، وهياج الثور الأمريكي وبطشه بكل ما هو إسلامي وفاعل في المنطقة العربية والإسلامية؛ ولذا فقد أطلق مبادرته بضرورة إنهاء السلطة لكافة أشكال الانتفاضة بنسبة ١٠٠% وتفكيك شبكات النضال الإسلامي (حماس والجهاد) مقابل الإبقاء على عرفات في منصبه! (أقنع بيريز شارون بتبني صيغة ١٠٠% من الجهد الفلسطيني لوقف العنف بدلاً من ١٠٠ % من النتائج، ويبدو ذلك في الظاهر تنازلاً من الجانب الصهيوني؛ بيد أن الخبيث بيريز أراد بهذه الصيغة الجديدة التي تم الاتفاق عليها بحضور المبعوث الأمريكي الجنرال زيني إطلاق يد الغدر اغتيالاً لكوادر الانتفاضة جوار الجهد الخلاق لعرفات وجنده في الزج بمن بقي من هؤلاء الأبطال على قيد الحياة في سجون السلطة! !) ولخص شارون سياسته الحالية في مقابلة أجرتها معه صحيفة واشنطن بوست (١١/١٢/٢٠٠١) حين قال عن عرفات: (إن هذا سيجعل من الصعب التوصل إلى اتفاقية معه، ولكننا سوف لا نتخذ أي خطوات خاصة ضده.. لقد حددنا تحركاته لإجباره على اتخاذ إجراءات، وهو حر الآن ولكن ليس لديه وقت للذهاب إلى الخارج) . وأضاف رداً على سؤال حول قصف مروحيات عرفات: (لقد علمنا أنه عندما يكون خارج البلاد فإن الإرهاب يزداد، وعندها يعتقد أنه ليس مسؤولاً) وقال: (إنه إذا لم يتصرف عرفات فنحن سنتصرف؛ فعندما لا يقوم بالاعتقال نحن سنعتقل " وضيق شارون الخناق على عرفات في تلك المقابلة حين نفى أن تكون حماس قوية مثل السلطة الفلسطينية قائلاً: (لا، باستطاعة عرفات أن يسيطر على الوضع. إنه فقط لم يقم بأي جهد. فإذا لم يكن عرفات هناك فلا أعتقد أن حماس ستتولى السلطة، بل أعتقد أن فلسطينيين أكثر براجماتية سيتولون السلطة) وأفاد: (نحن نعرف أنه ما لم ير عرفات نفسه معزولاً تماماً فإنه لن يتخذ خطوات ... وحتى في هذه الحالة فإن الخطوات ستكون لفترة قصيرة) . الكيان الصهيوني متمثلاً برئيس حكومته آرييل شارون يراهن اليوم على خياره القمعي وحتى النهاية ملتحفاً بالدعم اللا محدود من الولايات المتحدة الأمريكية للوصول إلى إنهاء هذه المعضلة الفلسطينية المزمنة. الولايات المتحدة الأمريكية: باتت تتصرف الآن مع قضايا المسلمين وقضية فلسطين في قلب القضايا بنوع من التبجح؛ فهي قد أرسلت مبعوثها إلى الشرق الأوسط عسكرياً: الجنرال احتياط أنتوني زيني يتناغم اختياره مع تشكيله حكومة الحرب الأمريكية: (ديك تشيني كولن باول دونالد رامسفيلد) ليصبح صوته رجع صدى لما يقوله جنرالات (إسرائيل) ؛ فالصراع برأيهم هو بسبب العنف الفلسطيني الذي لا بد أن يستتبعه انتقام (إسرائيلي) . وبدلاً من المبعوثين المدنيين الذين كانت ترسلهم واشنطن للشرق الأوسط سابقاً أصبحت واشنطن لا يعنيها إلا الجانب الأمني من الصراع وهو ما يتطابق تماماً مع وجهة نظر شارون؛ حيث كان لافتاً أن المباحثات الأخيرة أجريت بين الجنرال احتياط أمريكي أنتوني زيني، والجنرال احتياط إسرائيلي مئير داجان، ورئيس جهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية العقيد جبريل الرجوب. وصحيح أن الموقف الأمريكي منحاز دائماً للكيان الصهيوني بيد أنه في الأخير بات (إسرائيلياً) بنحو لا يقبل الالتباس؛ حيث أخضع خطاب كولن باول أمام جامعة لويفيل بولاية كنتاكي الأمريكية إلى المراجعة من قبل آرييل شارون لتعديله حذفاً وإضافة (بلغت تحفظات وملاحظات شارون ستة ملاحظات) قبل أن يلقيه باول. الكاتب الشهير محمد حسنين هيكل نقل عن شخصية أمريكية رفيعة المستوى في مقاله الرصين بمجلة وجهات نظر (١٢/٢٠٠١) حديثاً يختزل رؤية أمريكا في هذه المرحلة للصراع وخفة وزن العرب فيها، ويجيب على تساؤل هيكل بشأن برودة العلاقات بين الولايات المتحدة وأصدقائها العرب! جاء فيه: (في واشنطن وبصفة عامة وفي الظروف العادية قدروا موقف أصدقائهم العرب، لكن طلبات هؤلاء الأصدقاء زادت عن حدها: معظمهم لهم طلب مستمر طول الوقت من الولايات المتحدة بأن تضغط على إسرائيل وألا تفعل شيئاً آخر، وكأن للسياسة الأمريكية في المنطقة وظيفة يمكن اختزالها في مواصلة الضغط على إسرائيل «. ويواصل القائل كلامه:» لقد سمحت واشنطن لبعض الأطراف العربية بأن يعلنوا على الملأ آراء ومواقف مخالفة لما تسمعه منهم في الاجتماعات المغلقة، وكان ذلك عن تقدير لعلاقة هؤلاء الأطراف مع شعوبهم، لكننا الآن في ظرف لا يحتمل هذه الدرجة من المرونة، وهي في رأيهم ميوعة. وربما تتذكر (أنهم) في إسرائيل يقولون للناس كل شيء وهذا يطمئن، لكنه على الجانب العربي لا يعرف الناس عما يجري إلا أقل القليل «. واختتم بالقول:» إنه لا يستطيع أن يكون صادقاً مع الآخرين من لا يستطيع أن يكون صادقاً مع أهله، ولعلم الجميع فإن الحكومة الأمريكية لم تطلب من أي طرف عربي شيئاً إلا واستجاب للطلب بالكامل. ومع ذلك راح بعض العرب يقولون إنهم (تحفظوا) و (رفضوا) و (منعوا) ، وكل ذلك يخصم من أرصدة الصديق العربي، ويخصم من بند مهم فيه، وهو بند الثقة بالنفس والاستناد عند التصرف إلى شرعية معترف بها من الكل، مقبولة في تعبيرها عنهم، بما لا يضطرهم إلى التغطية على (التصرف) بالإخفاء أو بالتمويه! «. ومن هنا يبدو الموقف الأمريكي أكثر وضوحاً وصراحة في احتقاره الكامل للطرف العربي؛ وتجلى ذلك في رفض بوش برغم وساطة عربية مجرد مصافحة عرفات خلال تواجدهما في مبنى الأمم المتحدة! ولا تعنينا مصافحة عرفات وقبلاته، وإنما يعنينا أن الولايات المتحدة قد ألقت بثقلها السياسي والعسكري وراء تفكيك حركتي حماس والجهاد الإسلاميتين، وتبعها الاتحاد الأوروبي الذي طالب عرفات بتفكيك حركتي حماس والجهاد وتحميله مسؤولية العنف في فلسطين بلهجة وقحة لم تعهد من الاتحاد الأوروبي الذي حافظ دوماً على توازن لفظي على الأقل في التعاطي مع القضية الفلسطينية ولا سيما أن الاتحاد غير مسموح له بالتدخل المباشر في المفاوضات بين (إسرائيل) و (فلسطين) . ولقد تجلى ذهاب الولايات المتحدة الأمريكية إلى أبعد حد في محاربتها لحق الفلسطينيين في تحرير أرضهم عندما قررت تجميد أرصدة جمعية الأرض المقدسة الخيرية، وهى جمعية لا تقوم سوى برعاية أسر الشهداء والمعوقين. السلطة الفلسطينية: توقعها اللحظة الراهنة في وضع بالغ الحرج، (إسرائيل) والولايات المتحدة الأمريكية تضعان لعرفات مهلة محددة لإنجاز مهمة اعتقال كوادر ونشطاء حركتي حماس والجهاد الإسلاميين، وليست الوطنية والورع هما اللتان تكبلان يدي عرفات لإتمام المهمة وإنما قوة الحركتين وشعبيتهما الجارفة التي حدت بمهندس (التنسيق المصري الفلسطيني) د. أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس المصري إلى القول إن حركتي حماس والجهاد ليستا إرهابيتين وإنما حركتا تحرر وطني، وذلك برغم موقف الحكم المصري المعروف من كافة الحركات الإسلامية ولتغلغل تلك الشعبية داخل حركة فتح نفسها؛ حيث لا يفتأ أمين سر حركة فتح مروان البرغوثي ينوه بدورهما النضالي الوطني. من جهة أخرى، فإن عرفات يأخذ تهديدات شارون بإطاحته على محمل الجد لا سيما وهو يرى رجال سلطته أمثال جبريل الرجوب ومحمد دحلان ومحمود عباس (أبو مازن) وصائب عريقات على أهبة الاستعداد لخلافته إذا ما أعطتهم (إسرائيل) الضوء الأخضر لذلك. السلطة إذن في تلك المرحلة الدقيقة تحاول أن تمرر الأزمة دون خسائر، وتناور بشأن الأوامر (الإسرائيلية) المصلتة على رقابها بشأن حماس والجهاد، وهي سعت لذلك عبر الاقتراح الذي طرحه نبيل شعث بصدد مقابلة تفكيك حماس والجهاد بنزع أسلحة المستوطنين وتفكيك وحدات المستعربين في مناطق السلطة، وهي بهذا تضع القاطرة أمام الحصان أملاً في تجاوز المحنة! غير أن هذه المناورات السياسية قد لا تجدي كثيراً مع شارون الذي لا يضع خطوطاً حمراء سوى من دماء الفلسطينيين في طريقه لتحقيق مصلحة (إسرائيل) واقتناص الفرصة الحالية السانحة. حركتا حماس والجهاد: كمقاتلي (القاعدة) ليس لهم سوى خيار واحد، وهو خيار المقاومة حتى الموت، وخصوصاً أن العدو الأمريكي والصهيوني لا يرضيان لهما سوى التفكيك الكامل، والقتل لعناصرهما أو الاعتقال والتنكيل. والحق أن الحركتين تديران علاقتهما بالسلطة بقدر عال من الذكاء؛ فهما تنسقان كثيراً مع فتح (آخر تجليات ذلك اتفاق الهدنة الذي وقعته الأجنحة العسكرية لفتح وحماس والجهاد والشعبية ١٠/١٢/٢٠٠١) ، وفي ذات الوقت تكبح بقوة السلاح جماح السلطة في فرض الإقامة الجبرية على زعيم حركة المقاومة الإسلامية الشيخ أحمد ياسين. السيناريوهات المحتملة: السيناريو الأول: إطاحة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات (يستبعد تماماً قتل الرئيس الفلسطيني لما لذلك من تأثير على المستويات المحلية والعربية والدولية. وقد دلت دلائل كثيرة جداً على أن الكيان الصهيوني كان قادراً دوماً على النيل من عرفات عندما تسوء علاقاته باليهود، ولم يقدم على ذلك مثلما كان أثناء حصار بيروت وأثناء الأزمة الأخيرة وغيرهما) وهذا يؤدي إلى أحد حالين: - إما انهيار السلطة الفلسطينية تماماً: إذ تتساوى حظوظ العديد من الأسماء المرشحة لخلافته، وهو ما قد يخلق حالة من الارتباك بين الأجنحة المتناقضة في منظمة التحرير الفلسطينية قد تتصاعد لحال من الفوضى والاشتباك إذا ما أصرت قوى خارجية أمريكية وعربية على فرض خيارها على الأطراف المناضلة في المنظمة. وهذه الفرضية قد تعني تدخلاً أمنياً دائماً لقوات الاحتلال في أراضي السلطة وحضوراً أكبر لحركتي حماس والجهاد برغم تعرضهما لأقصى درجات القمع واختراقاً استخبارياً أقل لهما. - الحال الثانية: هي تمكن البراجماتيين الفلسطينيين (الرجوب و..) من إحكام قبضتهم على السلطة من دون انهيارها، وسعيهم لتنفيذ كل الإجراءات القمعية بحق المعارضة الفلسطينية التي تأمرهم بها (إسرائيل) وفي كلا الحالين يستشرف طغام (إسرائيل) المشهد الأفغاني؛ إذ ليس سراً أن شارون يبدي إعجابه بالمجازر التي نفذها الجيش (الصليبي) الأمريكي بحق المسلمين الأفغان، ويستلهمها أنموذجاً يصلح للتطبيق في الأراضي المقدسة، ولا يخفي الجزار رغبته في وجود سلطة فلسطينية لا تنتمي إلى دين أو وطن. وفي كلا الحالين كذلك سيكون على المقاومة الاستعداد لمرحلة أكثر شراسة وتضحية. وفي كلا الحالين يتوقع أن يؤدي تسلط العملاء الواضحين الذين لم يشهد لهم التاريخ أي دور نضالي (اللهم إلا في نهب أموال الإغاثة) أو الفوضى العارمة إلى استقطاب لعناصر فتح المناضلة إلى حركتي حماس والجهاد؛ فمن الجدير ذكره أن هناك جيلاً من نشطاء فتح قد ولدوا من رحم الانتفاضة الأولى (١٩٨٧) وتربوا على معان فدائية وكفاحية لا يفهمها مناضلو الفنادق (التوانسة) في منظمة التحرير الفلسطينية، وأن الفجوة بين هؤلاء وأولئك تتسع يوماً بعد يوم، وربما حدث الانفصال التام بينهما في حال نفذت (إسرائيل) هذا السيناريو. فما زال أبو عمار يمثل رمانة الميزان لهذين الجناحين لما له من قبول لدى الطرف البراجماتي، ولتاريخه (النضالي) السابق، ولانخداع العديد من نشطاء فتح بسياسته المتأرجحة (على رأس هؤلاء مروان البرغوثي أمين سر حركة فتح الذي ما تزال أسرته رهينة بيتهم الذي تحتجزهم فيه سلطات الاحتلال لحين تسليم البرغوثي نفسه لهم ما تزال كذلك حتى كتابة هذه السطور) . ولعلنا لا نبالغ إذ نقول: إن هذا الاستقطاب بدأ يحدث منذ فترة. السيناريو الثاني: تشديد الضغط على عرفات عبر قصف مقاره ومنعه من السفر وعزله تماماً لدفعه لتنفيذ الأوامر الأمريكية (الإسرائيلية) ، وهذا السيناريو يرتكن إلى أن حاجة شارون إلى عرفات ما زالت كبيرة؛ فالختيار ما زال قادراً على ضبط الشارع الفلسطيني (المنفلت) وغيره لا يملك قدراته ودهاءه. السيناريو الثالث: بقاء الحال على ما هو عليه الآن، وهذا السيناريو هو أكثر السيناريوهات استبعاداً؛ فما طرأ على القضية الفلسطينية والانتفاضة كفيل بنقلها إلى طور آخر أكثر شراسة. دخلت الانتفاضة الفلسطينية مرحلة دقيقة ومسننة؛ فالحلقة المفرغة التي تدور فيها الأطراف جميعها (تضرب قوى الاحتلال الفلسطينيين والمقاومة، فترد المقاومة، فتضغط قوى الكيان الصهيوني على السلطة فتقمع المقاومين الذين يفلتون من القتل (الإسرائيلي الانتقائي) ولا بد وأن تتغير معادلاتها؛ إذ إن توازن الدم: ٨٥٠ شهيداً وأكثر من عشرة آلاف جريح فلسطيني، ونحو ٢٥٠ قتيلاً و ٩٥٠ جريحاً يهودياً يمثل عنصر ضغط عالٍ على كافة الأطراف؛ فشارون بدأ يفقد شعبيته إيذاناً بانهيار ائتلافه، وعرفات بدأ في فقدان سلطته، وكلاهما بصدد العمل على تدمير المقاومة؛ بينما الشعوب العربية والإسلامية تستهويها مشاهدة (إرهابيات شارون) . وهذه المقاومة بدورها تؤرجحها أمواج الأزمة في بحر بعيدة شطآنه؛ ذاك أنها قد أصبحت عرضة للتفكيك إذا ما استمرت العمليات الاستشهادية أو التضحية بجميع مكتسبات الانتفاضة وترك الكيان الصهيوني يهريق الدم الفلسطيني، ويتلذذ باغتيال قادة ونشطاء حماس والجهاد من دون رادع يثأر لأرواح الشهداء. ولأن قادة حماس السياسيين لا يقلون روعة ولا بهاء عن قادة جناحها العسكري؛ فقد تبنوا خياراً مرحلياً مسؤولاً يضع جميع التغيرات الآنية في حساباته ليحد نوعياً من غلواء الصهيونية / المسيحية (التي أغرتها أصوات أجراس احتفالات أعياد الميلاد في كابول السليبة) بالتقليل من أخطار الإجراءات السلطوية القمعية من دون أن يسقط خيار الانتفاضة من حساباته؛ وذلك حين قررت قيادة حماس (تبعها بعد ذلك حركتا الجهاد والشعبية) في النصف الثاني من شهر ديسمبر الماضي تعليق العمليات الاستشهادية في فلسطين المحتلة ٤٨، وكذلك تعليق إطلاق قذائف الهاون وصواريخ (قسام ١) مقابل توقف الجانب الصهيوني عن سياسة الاغتيالات وقتل المدنيين. حركة حماس اتخذت إذن قرارها الذي بنته على أسس تأخذ في الاعتبار ما يلي: ١ - سحب البساط من تحت أقدام شارون وعصابته المجرمة، ودفعه تدريجياً إلى تخفيف الطوق الأمني والحصار والمطالبة الدائمة بدحر حركتي حماس والجهاد الإسلاميتين. ٢ - توسيع الطوق قليلاً عن عنق عرفات، ودفعه إلى اتخاذ موقف أقل تشدداً حيالها، وربما إنقاذ عرفات شخصياً من الاغتيال السياسي في هذه المرحلة العصيبة بالذات، والتي يعد فيها عرفات أقل ضرراً من خلفائه القمعيين المنتظرين؛ إذ إن حماس أحرص الآن على انهيار حكومة شارون أكثر من حرصها على إطاحة عرفات. ٣ - الحد من افتراس السلطة الفلسطينية لمناضلي المقاومة الإسلامية، وتخفيف وطأة القمع عليها. ٤ - وأد الفتنة الداخلية ومنع الاحتراب الفلسطيني/ الفلسطيني. ٥ - المحافظة على بقاء الحركة كفصيل من فصائل التحرر الوطني (على حد اعتراف المستشار السياسي للرئيس المصري / أسامة الباز) . ٦- اقتصار الانتفاضة - في هذه المرحلة - على الأعمال الاحتجاجية » السلمية «، والأعمال الفدائية التي تستهدف عسكريين والتي هي بالأساس موجعة لكنها لا تثير ضجيجاً كالذي تثيره العمليات الاستشهادية - في ظرف عالمي متحفز لوصم جميع العمليات الجهادية بالإرهاب (يشار في ذلك إلى أن عملية الحدود الأردنية/» الإسرائيلية «والتي استهدفت عسكريين يهود لم تلق الإدانة ذاتها التي تلقاها العمليات الاستشهادية) ؛ وذلك بالطبع بحجة استهدافها لمن تدعوهم » إسرائيل «مدنيين) . وقد اختارت حماس توقيتاً دقيقاً لإعلان قرارها هذا حيث أرادت إحباط مهمة الأمريكي الجنرال زيني، وإيصال رسالتين إلى» إسرائيل «والسلطة الفلسطينية قبل تعليق عملياتها الاستشهادية: * الأولى: تتعلق بإفهام الكيان الصهيوني أن دماء قادة حماس ليست رخيصة، وأن الثأر لهم يسمو على كل حسابات الموقف (بدا ذلك في عمليات الثأر لمقتل المجاهد البطل محمود أبو هنود) . * الثانية: تقول لعرفات إن حرص حماس على اللحمة الشعبية ومنع الاحتراب الداخلي لا يعني صمتها على اعتقال أي من كبار رموزها، وأن السلطة الفلسطينية يجب أن تعيد التفكير أكثر من مرة قبل أن تلبي المطالب» الإسرائيلية « بطريقة أوتوماتيكية (تصدت حماس بنجاح لعمليتي تحديد إقامة الشيخ أحمد ياسين واعتقال د. عبد العزيز الرنتيسي) . وأن حماس ستتصدى بكل حزم للمطالب» الإسرائيلية «الخمسة لوقف إطلاق النار. خلاصة القول أن حماس والسلطة و» إسرائيل «يتعرضون الآن لمحن سياسية وعسكرية كبيرة حدت بهم جميعاً إلى اتخاذ سياسات متوازنة بين تطلعاتهم والضغوط المؤثرة عليهم. وهم جميعاً قد أجروا حساباتهم بدقة تتلاءم مع دقة تلك المرحلة التي تتبدى فيها بجلاء سنة التدافع الإلهي بين الفئات المتصارعة في الأرض المباركة. والمراقب الإسلامي لن يخطئه اليقين بديمومة الانتفاضة كرة حماس الملتهبة بين كفي عرفات وشارون!

стр. 4167

المسلمون والعالم المخيمات والمهجرون.. حصاد أم حصيد ؟ وائل عبد الغني تعد قضية المهجرين الفلسطينيين (اللاجئين) نتاجاً لعلاقة غير شرعية تواطأت أطراف هذه العلاقة على إيجادها، واليوم وبعد أن أصبحت حملاً ثقيلاً عليهم اتفقوا على حتمية التخلص منها بأي ثمن. وهذا ما عبر عنه أحدهم قائلاً: «إن الحل الأفضل لقضية المخيمات هو الحل» ! واليوم فإن المخاطر التي تتهدد المخيمات مأوى المشردين لم يسبق لها أن اجتمعت من قبل: الإغراء بالتوطين، تجفيف منابع الدعم المادي، التخريب المنظم على أيدي اليهود في الداخل وعلى أيدي عملائهم في لبنان، وسكوت الأنظمة العربية أو رضاها، وإدارة الأمم المتحدة ظهرها للقضية، وتحفيز حلفاء واشنطن على فتح شهية المهجرين بإغراءات الهجرة وتوديع حياة البؤس في المخيمات؛ فالمخيمات هي الشاهد الحي الوحيد والباقي على جريمة اليهود والأطراف الدولية على أرض فلسطين، والكيان الذي يعبر عن أصحاب الحق الذي يثير قلق إسرائيل، كما أن مخيمات الداخل مصدر رئيس لحركات المقاومة الداخلية يعبر عن نبض الأمة الذي يراد له أن يتوقف؛ ومخيمات الخارج هي مشروع على الطريق. لا يسعنا ونحن نتحدث عن أبعاد المشكلة أن نتجاهل مفرادت القاموس الغربي التي أصبحت ثابتاً من ثوابت القضية الفلسطينية، ومظهراً من مظاهرها حتى على مستوى الخطاب السياسي الإعلامي الداخلي التي أدت بالفعل إلى إضعاف القضية وتشويه نظرة الأجيال الصاعدة لها؛ مثل اللاجئين (وليس المشردين أو المهجرين) .. حق العودة (وليس واجب التحرير) .. مرجعية الأمم المتحدة (وليس الإسلام) .. قرارات الشرعية الدولية (وليس شريعة العدل السماوي) ... ، هذه المصطلحات وأمثالها تحتاج إلى معالجة تأصيلية بل إلى إحلال الألفاظ التي تعبر عن حقيقة القضية بتعبيرات القرآن والسنة التي تقدم مفاهيم واضحة تستند إلى رصيد تاريخي ملهم. حقائق للتذكير: إن إلمامة سريعة بتطور الخريطة السكانية لأرض فلسطين خلال القرن الماضي يكشف لنا قدر الجرائم التي ارتكبت وسوف ترتكب في سبيل تمكين اليهود من فلسطين؛ فمع مطلع القرن الماضي وفي عام ١٩٠٣م كان عدد اليهود في فلسطين ٥٦ ألفاً (٨% من السكان) نصفهم تقريباً قدموا من روسيا هرباً من الاضطهاد القيصري، بينما كان عدد المسلمين: ٦٤٤ ألف نسمة (٩٢%من السكان) معهم قلة قليلة من النصارى. ونتيجة للنشاط الصهيوني العالمي صدر وعد بلفور وكان بمثابة الانطلاقة الخطيرة في تغيير خريطة فلسطين عن طريق الهجرة؛ إذ قفز تعداد اليهود نتيجة للحماية البريطانية فبلغ قبيل حرب ١٩٤٨م إلى ٦٥٠ ألف نسمة، لكنه لم يتعد ٣١ % من مجموع السكان (أي أن الرقم تضاعف ١١. ٦مرة خلال ٤٥ سنة) : مقابل ٢. ٠٦٥مليون نسمة للمسلمين (تضاعف الرقم ٣. ٢مرة في نفس الفترة) . ومع إخفاق اليهود في شراء المزيد من الأراضي بدأت عملية الترحيل القسري للسكان من أراضيهم، ومع اشتعال الموقف بعد قرار التقسيم عام ١٩٤٧م وإعلان قيام الدولة اليهودية ثم وقوع حرب ١٩٤٨م، تعرض للطرد والتشريد مليون فلسطيني بخلاف الذين قتلوا أو فقدوا في ذلك الوقت وهو رقم ضخم جداً بمقاييس تلك الفترة. وتشير الملفات الإسرائيلية إلى أن عدد القرى التي تعرض أهلها للطرد على يد القوات اليهودية بلغ ٥٣١ قرية تم تفريغها على النحو الآتي: ٨٩% عن طريق المجازر والأعمال العسكرية، و١٠% عن طريق الحرب النفسية، و ١% منها فقط خرج أهلها طواعية. واستمرت عمليات التهجير والتفريغ المنظم دون توقف في وقت حرب أو وقت سلام. وفي نفس العام ٤٧ صدر قرار الأمم المتحدة رقم ١٩٤ بالاعتراف بإسرائيل؛ وحتى لا يعترض العرب ذُيّل القرار بشرط هو إعادة المهجرين؛ إلا أن الذي كان هو أن الدولة المغتصبة بقيت وزال الشرط ضمن سياسة الأمر الواقع. وفي عام ١٩٥١م اقتنص اليهود قراراً أخطر من القرارين الأولين يعترف باعتبار كل يهودي في العالم إسرائيلياً وأحقيته في الهجرة إلى إسرائيل متى قرر ذلك. وفي عام ١٩٦٧م هُجِّر ٤١٠ أربعمائة وعشرة آلاف نسمة من الفلسطينيين إلى خارج الأراضي التي استولى عليها اليهود، وعلينا أن نأخذ في الحسبان ما هو أكثر من هذا العدد من الذين سلبت حقوقهم واستمروا في العيش تحت نير الاحتلال. هذا بخلاف السوريين الذين طردوا من الجولان والمصريين الذين أخرجوا من سيناء. ومنذ أن قامت إسرائيل وحتى الآن لم تتوقف سياسة الطرد والتهجير في غفلة من الإعلام العربي. ولو أخذنا في الاعتبار طبيعة النفسية اليهودية والعقيدة الصهيونية، وامتثال الطريقة الأمريكية في الاحتلال القائم على استئصال السكان الأصليين، لعلمنا أنه ما منع اليهود من الاستيلاء على الأراضي دفعة واحدة وإبادة السكان حتى آخر صرخة إلا الخوف من ارتفاع أصوات الجهاد التي فزعت لمصاب أهل فلسطين من قبل لكنها أخمدت بفعل فاعل! ولولا التآمر الذي وقع حينها لما كان لهم ما كان. إنشاء المخيمات: في عام١٩٥٠م أقيمت الوكالة الدولية لغوث اللاجئين «أونروا» لاحتواء الموقف الموشك على الانفجار، فأقامت الخيام، وقدمت بعضاً من مواد الإغاثة، ثم بعد سنوات بنيت لهم أكواخ للاستقرار على أراض خصصتها حكومات البلاد العربية. وفي الحقيقة فإن إقامة هذه المؤسسة التي ظاهرها الشفقة على الفلسطينيين وباطنها المساعدة في إيجاد أجواء جديدة لهؤلاء المشردين تساعد على توطينهم بعيداً عن ديارهم؛ لأن عودة هؤلاء كفيل بإنهاء فكرة الوطن القومي لليهود على أرض فلسطين، وخاصة إذا ما علمنا أن الأراضي التي سلبت تعادل ٩٢% من الأرض التي أقيمت عليها إسرائيل. رباط على الحدود: ظل المهجرون على مدى نصف قرن وأكثر يعيشون على حدود بلادهم وحتى الآن في محيط لا يتجاوز إطاره ١٠٠ كم٢ في انتظار الساعة التي يستعيدون فيها حقوقهم وديارهم؛ إذ تبلغ نسبة الذين يقيمون في هذا الإطار من سكان ومهجرين ٨٨% من مجموع الفلسطينيين البالغ ٨. ٢٥ مليون وفقاً لإحصائيات عام ٢٠٠٠ م. ونلاحظ صلة اللاجئين في كل دولة بالمدن الفلسطينية القريبة منهم؛ حيث هاجر أهل الضفة الغربية إلى الأردن، وأهل الشمال نحو سوريا ولبنان، وأهل الجنوب إلى مصر.. بالإضافة إلى الهجرات الداخلية في غزة والضفة؛ حيث استقر كل طرف في أقرب مكان إلى داره، وبعد اتفاق أوسلو بدأت أعداد من سكان غزة الأقل حظاً بالهجرة إلى الضفة؛ حيث التكدس أخف والظروف المعيشية أفضل نوعاً ما. خريطة المهجرين: يتوزع المهجرون الفلسطينيون على ١٣٢ دولة في أعداد متفاوتة، ويقيم الغالبية العظمى منهم في فلسطين والدول المحيطة، وتقديراتهم على النحو الآتي: *الأردن: ٨٦٥. ٨٥٦ مهجراً. * لبنان: ٤٣٧. ٠٦٨ مهجراً. * سوريا: ٤٧٦. ٦١٠ مهجرين. * قطاع غزة: ٨٢٠. ٦٩٠ مهجراً. * الضفة الغربية: ٦٩٩. ٣٥٤ مهجراً. داخل أراضي ٤٨ تحت الاحتلال: ٢٥٨. ٧٥٠ مهجراً. ويقيم غالبية هؤلاء داخل المخيمات. كما توجد أعداد متفاوتة في عدد من الدول العربية تختلف بشأنها التقديرات، بالإضافة إلى نصف مليون يقيمون في الدول الغربية. ويجدر بالذكر أن أرقام المهجرين تقديرية لعدم وجود إحصاء رسمي يشملهم، بالإضافة إلى تشتتهم بين الدول، ولكن التقديرات ترجع لعمليات إحصاء سابقة مع حساب معدل نمو سنوي مفترض قدره: ٣. ٥%، ويعد هذا التقدير أكثر التقديرات توثيقاً من قِبَل عدد من الجهات البحثية المتخصصة. اتفاقيات السلام والحصاد المر: كما كان اللاجئون ضحية للحرب كانوا ضحية للسلام، ويكفي في هذا السياق أن نشير إلى دور كل اتفاقية في خلخلة القضية داخلياً وإضعافها خارجياً. جاءت كامب ديفيد الأولى لتؤسس للتفريق بين لاجئي (١٩٤٨م) ، والنازحين (١٩٦٧م) ، وقبلت في الإطار العام أن يتم التفاوض مستقبلياً حول عودة مهجري ٦٧ إلى غزة والضفة الغربية؛ بينما أغفلت تماماً أي حق للاجئي ١٩٤٨م. ثم جاءت اتفاقيات «مدريد» لتجعل مرجعية القرار ١٩٤ الذي رفضت إسرائيل اعتباره مرجعية للعودة رغم أنه القرار الذي يعترف بها دولة شرط أن تعيد المهجرين إلى ديارهم، وقد حولت القضية إلى لجنة مشتركة اجتمعت مرات في حلقات نقاشية حول تعريف اللاجئ، ومن يحق لهم العودة والمراد بالعودة ... من غير أن يكون لهذه اللجنة أي صلاحيات ... وانتهت إلى النتيجة المرغوبة إسرائيلياً: لا شيء! .. وفي «أوسلو» الأولى والثانية تم تهميش القضية بتأجيل الكلام حولها إلى مفاوضات الحل النهائي، وحددت إطار عودة «النازحين إلى غزة» ؛ لكن ما تم الاتفاق عليه لم يكن سوى تكتيك لصهينة الرأي العام العربي خطوة خطوة، لتقبل ما يريده اليهود في النهاية؛ حيث يعد اليهود عودة اللاجئين أو النازحين خيانة كما صرح بذلك باراك وغيره. ثم جاءت «واي ريفر» لإعلان المساومة على الملأ عن هذا الحق صراحة مقابل بضعة كيلو مترات تتخلى عنها إسرائيل للسلطة الفلسطينية، لكن الشارع الفلسطيني جاء ضاغطاً بشدة ضد اتخاذ مثل هذه السقطة فلسطينياً، وإن كان قد تم الاتفاق عليها سراً كما تشير بعض الدراسات، ثم قطع قانون الكنيست قول كل مفاوض إبان مفاوضات «كامب ديفيد» الثانية بتصفية قضية اللاجئين من جانب واحد؛ باعتبار أي اتفاق يقضي بعودة اللاجئين اتفاقاً لاغياً وغير ملزم لإسرائيل. هموم.. في انتظار الحل! هموم الحياة الفلسطينية عموماً وسكان المخيمات خصوصاً هي مشكلات من نوع معقد وخاص؛ فهم مع كونهم ضحايا أكبر جرائم العصر الحديث، إلا أن النظرة العربية الرسمية إلى أفرادهم تبقى نظرة مشوبة بالشكوك! ومع كونهم مسلمين يقيمون بين ظهراني إخوان لهم إلا أنهم لم ينالوا ما تفرضه حقوق الإسلام من نصرة وكفالة، بل أصبحوا كما صورهم الغرب صفقة أو مشروع صفقة سياسية يمكن التفاهم بشأنها في حدود المسموح به إسرائيلياً والمتاح غربياً. هذه النظرة بحد ذاتها هي أحد أكبر العوامل فيما يعانيه إخواننا الفلسطينيون في المخيمات، وإن الإشارة إلى بعض ما يعانونه هو دعوة في المقام الأول إلى تغيير النظرة الرسمية إلى قضيتهم، وحل ما يتفرع عنها من مشاكل. ومن بين هذه المشاكل والهموم: * مشكلة الحقوق الكاملة: حق السفر.. حق العمل.. حق التملك.. حق الحماية الأمنية، حيث يعاني الفلسطينيون من مشاكل لا حصر لها ناتجة عن حملهم لوثيقة السفر الفلسطينية؛ فهي غير معترف بها لدى كثير من الدول، ويتعرضون في غالب الدول لنوع من المتابعة الأمنية اللصيقة لتحركاتهم ونشاطاتهم خاصة بعد اتفاقية «واي ريفر» التي أدخلت الدور الاستخباراتي وجعلته جزءاً من التسوية. * هناك مشكلة تقابل عدداً كبيراً من المهجرين، وهو عدم الاعتراف بهم من قِبَل الأونروا؛ حيث لا يوجد في سجلات الأونروا سوى ٣. ٧٣٧. ٤٩٤ مليون لاجئ من المقيمين في داخل فلسطين ودول الجوار، أما الذين يقيمون في بقية الدول وعدد غير قليل من الذين يقيمون في ذات الدول، فغير معترف بهم لاجئين؛ مما يعرض حقهم في العودة والتعويض للضياع، وإذا كان كلامنا عن المخيمات فلأنها عنوان ورمز للمهجرين، ولأن مشاكل أهلها هي قاسم مشترك بين غالب المهجرين أو جميعهم. * عدم كفاية البنية التحتية للمخيمات في توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة سواء شبكات الصرف والمياه والطرق، أو حتى في المدارس والمستشفيات والمرافق الأخرى؛ فغالب هذه المرافق قد أنشئت منذ عقود بطاقةٍ تستوعب طاقة المخيمات، لكنها اليوم مع تقادمها تضيق عن استيعاب الزيادات الكبيرة الناتجة عن نمو سكان المخيمات. وقد ازدادت الحالة سوءاً منذ مطلع التسعينيات؛ حيث خفضت عدد من الدول المانحة حصصها بناء على التوجه الغربي المنسق لتفكيك هذه المخيمات، وتوطين أهلها، متى أتيحت الفرصة، فتشكو المدارس التي غالبها تابع للأونروا من تكدس الطلاب داخل الفصول، وعدم كفاية الخدمة التعليمية لهم؛ مما يجعل العملية التعليمية نوعاً جديداً من المعاناة؛ فالمباني التعليمية كهيئتها دون زيادة أو ترميم، والدراسة على فترتين أو ثلاث لسد العجز في المباني، وعدد المدرسين لا يكفي نتيجة لعدم كفاية الميزانية لتوظيف مدرسين جدد، ويزداد هذا الأمر وضوحاً في المخيمات الأكثر فقراً في لبنان وغزة، ويبقى التعليم المجاني في حدود التعليم الأساسي والفني. أما الجامعات فغير متاحة إلا لذوي القدرات العالية أو من يظفر بمنحة من الجامعات العربية أو الأجنبية، وتقدم الجامعات التنصيرية فرصاً غير قليلة للطلبة سنوياً. * أدى ضرب البنية التحتية لنشاط الجمعيات الخيرية الإسلامية إلى ازدياد معدلات الفقر والمرض ومن ثم الجريمة داخل مخيمات القطاع والضفة؛ حيث نجحت السلطة في هذا الدور، وأخفقت في تقديم البديل رغم تلقيها المساعدات! * عملية الاستقطاب السياسي كما يحدث في سوريا ولبنان؛ حيث تسيطر على المخيمات قلة من المنتفعين مدعومة من الدولة المضيفة تتبنى الفكر السائد، بحيث يسبب تسلط هذه الفئة واستبدادها بالأمر صراعات قوية داخل المخيمات ويخلف آثاراً هي أغنى ما تكون عنها. * تعقد مسألة التمثيل؛ حيث هناك أكثر من طرف يمثل المخيمات من النواحي المختلفة قانونياً واقتصادياً وسياسياً، وعلى المستوى السياسي لا يوجد تمثيل سياسي رسمي يعبر عن قضايا المهجرين، مما ينشأ عنه ضياع الصوت الفلسطيني بعيداً عن التأثير في قضاياه المحلية داخل المخيمات. لكن في الفترة الأخيرة بدأت عدة تجمعات في البروز ونشطت في الحركة والدفاع عن حقوقها وخاصة بعد أن يئس الجميع من السلطة الفلسطينية في نيل حقوقهم. * هناك عامل مشترك هو أن تجمع الفلسطينيين في مخيمات أصبح أمراً غير مرغوب فيه من الدول المضيفة على تفاوت في أسلوب التعبير عن ذلك، ويبلغ أشدها في لبنان؛ إذ يتعرض المهجرون هناك لكل أنواع الضغط والإهانة يستوي في ذلك الدولة والطوائف.. فالدولة تفصل القوانين من أجل حرمانهم من العيش بكرامة، وتمارس ضدهم أشد الإجراءات الأمنية، وتحرمهم من تملك المنازل ومن ترميم أكواخهم، ومن حرية الحركة والتنقل وحرية العمل، فيمنعون بالقانون من مزاولة ٧٠ مهنة، بينما تتاح فرص العمل للقادمين من الفليبين وتايلاند، دون أدنى عقبات! إلى جانب عدم توفير الحماية الكافية لهم من اعتداءات بعض الطوائف المتربصة، وما زالت الذاكرة حافلة بمشاهد تحالف حركة أمل الشيعية مع الميلشيات المارونية مع شارون في الثمانينيات في تطويق المخيمات الفلسطينية كما في مذابح (صبرا وشاتيلا) وغيرهما في لبنان. * مؤامرات التوطين: تماماً كما يتابع الفلسطينيون عمليات اليهود العسكرية في الضفة والقطاع فإنهم أصبحوا يتابعون مستجدات التآمر عليهم لتضييع حقوقهم بعد ما يزيد عن نصف قرن من الرباط والرفض التام لكل العروض البديلة عن حقوقهم، وكأن نيل أحدهم لجنسية أخرى يهدر حقه في أرضه بينما يبقى حق اليهودي في نيل الجنسية والأرض حقاً أبدياً! فجعلهم يرفضون أي جنسية، ويصبرون على مرارات السنين. ولا يحصي الفلسطينيون عدد المؤامرات من كثرتها، وقد كان من بين المطروح مؤخراً: - فتح باب التوطين في سوريا والأردن، وتوطين مهجري لبنان في العراق في صفقة لرفع الحصار عنه. - فتح عدد من الدول الغربية الباب أمام هجرة الفلسطينيين، كما حدث من كل من كندا وبريطانيا وأستراليا. - حث دول الخليج على توطين مجموعات من الفلسطينيين سراً من خلال فتح باب التجنس للراغبين، وقد وردت بعض الأنباء عن حدوث ذلك بالفعل في دولة الإمارات. - مزيد من التهجير.. مزيد ومزيد! إن قيام إسرائيل على الفكر الصهيوني يعني أول ما يعني قيامها على استئصال السكان الأصليين، وقيام دولة يهودية بنسبة ١٠٠%؛ ولئن لم يتحقق لها ذلك بصورة كاملة من قبل لعوامل تاريخية ودينية وجغرافية خاصة، إلا أنها ما زالت ماضية في استئصال البقية الباقية عبر مئات الإجراءات، وفي صمت تام من الحكومات العربية، ومن هنا فإن الكلام عربياً عن تطبيق القرارات الدولية والشرعية الدولية إنما هو كلام للاستهلاك المحلي؛ لأن الجميع يعلم ما تنويه إسرائيل؛ لأن إسرائيل تسير فيما يخص قضية اللاجئين في اتجاه محدد وفق الفكر الذي تتبناه بيمينها ويسارها على حد سواء، ومن هنا فإن الكلام عن عودة اللاجئين هو كلام قد فات أوانه منذ زمن وحسمته البنود السرية في الاتفاقيات السابقة، وموقفها اليوم كما يستند إلى العقيدة الصهيونية وإلى هذه البنود السرية، فإنه يستند كذلك إلى إجراءات على الأرض فرضت واقعاً جديداً لا يمكن لإسرائيل التراجع عنه إلا في ظروف ردع قصوى يعلمها الجميع، هذه الإجراءات لا تقف بأرقام المهجرين عند حد النمو الطبيعي بل ترهقه بزيادات سنوية في أرقام الضحايا عبر عدة إجراءات وسياسات وبرامج إسرائيلية تتماشى مع ما تطمح إليه إسرائيل: * التهويد التام للقدس والضفة، واستيعاب ربع مليون مستوطن في المرحلة الحالية، وإنهاء الوجود الرسمي الفلسطيني من خلال اختلاق مئات الأسباب للاستيلاء على أراضي المسلمين ومصادرتها؛ فقد دمرت السلطات الإسرائيلية ما لا يقل عن ٢٦٥٠ منزلاً من منازل الفلسطينيين في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية منذ عام ١٩٨٧م، بسبب عدم حصولها على تراخيص بناء، وكان من نتيجة ذلك أن عدداً من الفلسطينيين يبلغ ١٦٧٠٠ شخص (من بينهم ٧٣٠٠ طفل) فقدوا بيوتهم، بمتوسط ٢٢٦ منزلاً كل عام إلى جانب ١٣٠٠ منزل يقيم فيها رُبع سكان المنطقة «ج» قد صدر بشأنها إزالة نحو ١٢٠٠٠ منزل في القدس الشرقية وحدها، ولم توقف اتفاقيات السلام مثل هذه الجرائم، بل تشير الأرقام إلى ارتفاع طفيف في المعدل السنوي منذ ١٩٩٣م وحتى عام ١٩٩٩م. وتتواتر الروايات عن الضحايا أنهم يفاجَؤون بالجنود والهادمات دون مقدمات، ولا يمهلون سوى ربع ساعة لأخذ ما يستطيعون من متاعهم، ويهدم المنزل على ما تبقى! هذا المشهد المكرور سبب صدمات نفسية عميقة لأصحابها من الأفراد والأُسر الذين رأوا بيوتهم تهدم أمام أعينهم؛ ليسكنها اليهود فيما بعد، إلى جانب مصادرة حوالي ٧٠٠ بطاقة زرقاء سنوياً (من المقدسيين) ؛ مما يعرضهم للحرمان من الإقامة في موطنهم ومعهم أسرهم، ويتبع ذلك عدم جواز التصرف في أملاكهم لأي أحد مهما كان، ومن ثم غصب هذه الممتلكات؛ فماذا على هؤلاء إذا ما تحولوا بسبب هذا القهر إلى قنابل بشرية تطهر أرضهم من بعض الغاصبين؟ ! * تهويد منطقة الخليل: والتي تشمل مدينة الخليل وما حولها كجزء متاخم للقدس من أجل توطين مليون يهودي حسب ما يخطط له شارون لزيادة الرقعة اليهودية في القلب الفلسطيني. * التدمير المنظم لمخيمات الداخل من خلال الغارات الجوية وقتل القادة المؤثرين داخل المخيمات، وضرب البنية التحتية للمخيمات، والتضييق على سكانها في التنقل والخروج للعمل، والهدم المتواصل للبيوت الفلسطينية، وإجراءات التفتيش الحافلة بكل صور الإهانة، ومنع المواد الإغاثية من الوصول إلى المخيمات أثناء فترات الحصار التي تطول يوماً بعد يوم. كل هذا يحدث بصورة تفوق الوصف لدرجة أن المفوض العام لوكالة شؤون اللاجئين صرح في حوار معه مؤخراً أن استمرار الانتفاضة وتخطيها لسنة مثَّل له مفاجأة كبيرة؛ إذ كان يقدر في ظل الحصار المشدد على التجمعات الفلسطينية ومنع وصول مواد الإغاثة ومنع خروج الفلسطينيين لأعمالهم ألا تستمر الانتفاضة أكثر من شهرين على أقصى تقدير له، وهي إدانة واضحة ضد ما يمارس ضد المدن الفلسطينية عموماً والمخيمات بصفة أخص والتي تزداد فيها المواجهات. * دفع الدول الغربية للتخلي عن دورها في تمويل مشاريع إغاثة المخيمات، وقد بدأت الولايات المتحدة وألمانيا منذ بداية التسعينيات في تقليص حصتهما في الأونروا مما يعني تخفيض مستوى الخدمات المقدمة على ضعفها وقلتها. * الضغط على الدول العربية المضيفة لتشديد إجراءاتها الأمنية على المخيمات، وخاصة تحركات القادة والتواجد الخيري الإسلامي الذي يغني الفلسطينيين عن تكفف الأونروا، ويخفف من تأثير الضغوط الاقتصادية المتزايدة عليهم، وقد حدث هذا بالفعل في الأردن؛ حيث جمد نشاط عدد من المنظمات هناك، وفي مؤتمر نظم مؤخراً في عمان منع نصف المشاركين في المؤتمر من دخول الأردن رغم أن دعوات المشاركة قد أرسلت بإذن من الحكومة وتحت علمها، وكذلك الأمر في لبنان على ما فيها من تضييق دائم على الفلسطينيين. وقد كانت مخيمات الداخل الفلسطيني فاتحة هذه السياسة؛ إذ ضربت البنية التحتية للمنظمات الإسلامية العاملة، واعتقل أبرز قادتها، وحددت حركة الباقين حتى عبَّر بعض الكتاب الصهاينة عن ذلك بقولهم: «نجح العريف (عرفات) فيما أخفق فيه الجنرال (رابين) » . وعلى ما سبق فإن ما حل بالمخيمات الفلسطينية باعتباره رمزاً للصمود والمرابطة ودليلاً على حق كل المشردين في استعادة حقوق الأمة لا تسأل عنه الدولة اللقيطة وحدها , وإنما هونتيجة طبيعية لحاصل ضرب مسؤولية جميع الأطراف بعضها ببعض. بدءا بالمتعهد البريطاني ثم الراعي الأمريكي والأمم المتحدة والحكومات العربية والسلطة الوطنية , وإن تحليل النتائج اليوم يوضح جليا قدر كل طرف ونصيبه من جريمة العصر.

стр. 4168

المسلمون والعالم مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان آلام وآمال خالد بن عبد الله الخليوي كم سمعنا عن شيء اسمه «المخيمات الفلسطينية» ، وكم تردد على ألسنة الباكين على الأمة والمتحسرين على أوضاعها الحديث عن مخيمي «صبرا وشاتيلا» وما حصل فيهما من المجازر والمظالم من قِبَل اليهود وعلى رأسهم شارون، ومن قِبَل أعوانهم من الروافض وكتائب النصارى، ولقد صدق المثل القائل: «ليس الخبر كالمعاينة» و «ليس راء كمن سمع» ؛ فمهما قرأ الإنسان أو ذُكر له من تفصيلات إلا أن التصور الحقيقي لا يتم إلا بالوقوف على الحدث، والمعاينة له. وقد يسَّر الله لي مع بعض الإخوة الأفاضل زيارة المخيمات الفلسطينية في لبنان، فكان هذا المقال الميداني. ما سبب وجود المخيمات؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى كثير بحث وتأمل؛ إنها الحروب الطاحنة والهجمة الشرسة، والخيانة العربية، والتواطؤ الخبيث بين نصارى الغرب ونصارى العرب مع ثالثة الأثافي الصهيونية؛ كل ذلك من أجل بناء هيكل سليمان المزعوم، وإقامة دولة اليهود كورم خبيث في قلب الأمة الإسلامية وإن كلف الأمر ما كلف؛ وفعلاً كلف الأمر منذ عام ١٩٤٧م عشرات الألوف ممن نحسبهم من الشهداء، وحرق مئات الألوف من المزارع، وهدم ما لا يحصى من المنازل، وملايين من المشردين الهاربين من جحيم الحرب والتسلط، وهم الذين نحن بصدد الحديث عنهم لا لمجرد الإخبار فقط وإنما لتوسيع دائرة المسؤولية أمام الله تعالى، وعسى أن نرزق قلوباً حية، تحيى بحياتها الجوارح فينطق اللسان بالحق، وتبسط اليد بالبذل، ويجهد الذهن بالتفكير والتخطيط والتأمل لعلَّنا نفوز بوعد الله تبارك وتعالى: [وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ] (العنكبوت: ٦٩) . ماذا تعني المخيمات، وما واقعها العام؟ إنها الجموع الغفيرة التي خرجت مضطرة من بلادها لتلجأ إلى أقرب مكان تجد فيه الأمن والأمان؛ وإن كان على حساب أي أمر آخر. ثلاث يعزّ الصبر عند حلولها ... ويذهل عنها عقل كل لبيب خروج اضطرار من بلاد تحبها ... وفرقة إخوان، وفقدُ حبيب وكان من كثرة هذه الأعداد التي هربت ما جعلها تحتل المرتبة الأولى على مستوى العالم كله في عدد اللاجئين؛ فقد بلغوا في إحصائيات عام ١٩٩٨م ثلاثة ملايين وسبعمائة وثلاثة وخمسين ألف نسمة، ويأتي لاجئوا أفغانستان في المرتبة الثانية بعدهم. ولا عجب أن تحتل الشعوب الإسلامية المراتب الأولى؛ فإن ما يزيد على ٨٠% من نسبة اللاجئين في العالم هم من المسلمين. وكان النصيب الأكبر من لاجئي فلسطين في الضفة وقطاع غزة، وفي الدول الثلاث المجاورة وهي: لبنان، وسورية، والأردن. وأمّا البقية الباقية فإلى ما تيسر من الدول العربية والأجنبية، وصمد داخل فلسطين ما يقارب ثلاثة ملايين. وكان استقبال تلك البلاد لهؤلاء اللاجئين مختلفاً في درجته ومتفاوتاً في دوافعه؛ فكان القبول المبدئي لضيافتهم في أراضٍ مكشوفة نصبت فيها الخيام في بادئ الأمر ليبدأ الشعب الفلسطيني داخل هذه المخيمات مأساة أخرى لا تقل ضراوة عن مأساتهم ومعاناتهم من قبل. ففي سوريا وحدها ما يقارب ٤٠٠ ألف من اللاجئين يسجل منهم ١١١٧١٢ في المخيمات لدى منظمة الأونروا، وكلهم يعيشون في أوضاع لا يمكن أن تقارن على الإطلاق بأوضاعهم في لبنان؛ فالفلسطيني في سوريا كالمواطن السوري في معظم الأمور؛ ففرص العمل متاحة، والحقوق محفوظة، وقل مثل ذلك عن الأردن التي فيها أكبر عدد من اللاجئين؛ إذ بلغوا مليوناً ونصف مليون؛ بل زادوا عليه، ومنهم ٢٨٠١٩١ لاجئاً هم المسجلون في مخيمات وكالة الأونروا. أما في لبنان فحقاً يتصاغر التعبير بـ «كارثة» أمام أوضاعهم، ولك أن تتصور كيف تعيش مثل هذه الأعداد الهائلة في مخيمات، وقد سجل ٢١٠٧١٥ لاجئاً في مخيمات الأونروا، وقريب منهم خارج إشراف الوكالة وهم يمثلون ١٠% من مجموع اللاجئين الذين تفرقوا في شمال البلاد وجنوبها مروراً ببقاعها ليعيشوا في مخيمات لا تعدو مساحة الكثير منها كيلو متراً مربعاً واحداً، وفي هياكل بنايات أكل عليها الدهر وشرب، بل أكلت الحروب بعضها ودمرته. وإن زيارة واحدة لمخيمي (صبرا وشاتيلا) لكافية للتحقق من هذا الوصف؛ إنها مبان يكاد يُقبِّل بعضها بعضاً من شدة تجاورها؛ فواجهة هذه البناية تبعد عن واجهة التي أمامها متراً واحداً فقط في أحيان كثيرة، بل مررنا بين مبانٍ المسافة بين واجهاتها يقيناً أقل من المتر، فكم يساعد هذا الواقع في إيجاد بيئة موبوءة صحياً وخلقياً. وكالة الأونروا: في عام ١٩٤٩م قررت هيئة الأمم المتحدة إنشاء وكالة لغوث اللاجئين أطلق عليها اسم: «الأونروا» وذلك بعد رفض الدولة العبرية تطبيق القرار رقم (١٩٤) الذي يقضي بعودة اللاجئين إلى أوطانهم. واتخذت هذه الوكالة «فيينا» مقرّاً لها إلى ما قبل سنوات قليلة، ثم أصبح المقرّ الرئيسي لها في غزة. وقد بدأت هذه الوكالة بمباشرة أعمالها، في ١/٥/١٩٥٠م، فقامت بفتح مراكز لها في الضفة وقطاع غزة، وفي الدول الثلاث المجاورة، لمحاولة رفع جزء من المعاناة عنهم، وفعلاً قامت الوكالة بعدة برامج غذائية وكسائية وتعليمية، واختارت للإشراف على تلك البرامج والقيام بها أفراداً من أهل المخيمات أنفسهم، وقد بلغ العاملون في هذه المنظمة ٢٢٠٠٠ ألف موظف كلهم فلسطينيون ما عدا مائة موظف تقريباً. ولتعلم أن الداعم الأساس لهذه الوكالة من الناحية المادية هي الدول الغربية بالغين المعجمة، وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا.. فوا عجباً كيف يخططون لقتل الضحية ثم يشاركون في تشييعها والبكاء عليها؟ ! إن أمريكا وحدها كانت تشارك بأربعة وسبعين مليون دولار سنوياً للاجئين الذين يقارب عددهم (ثلاثة ملايين ونصف مليون نسمة) ، أي بمعدل عشرين دولاراً في السنة لكل لاجئ، لكنها في المقابل تشارك بثمانين مليون دولار سنوياً للمهاجرين الروس القادمين إلى فلسطين لكي يعيشوا في بيوت اللاجئين أنفسهم، أي بمعدل ألف ومائتين وثلاثين دولاراً في السنة للمهاجر وهو ما يساوي ستين ضعفاً مما تدفعه للفلسطيني؛ فأين الذين يلهثون وراء أمريكا ويدافعون عنها، وأنها داعية السلام وحامية الديمقراطية؟ ! إنها الحرب العقائدية، وما أمريكا وإسرائيل إلا وجهان لعملة واحدة. وعلى كل حال فمنذ سنة ١٩٨٤م بدأت خدمات (الأونروا) بالانحدار السريع وخاصة في المجال الصحي، إلى أن تم ما يسمى بـ «اتفاق أوسلو» ١٩٩٣م حيث وصلت أو أوشكت الخدمات أن تصل في انحدارها إلى القاع، فلم تبق على ما كانت عليه من قبل بل ولا على نصف ما كانت عليه، وإنما تواضعت جهودها لتصل إلى ٢٠% تقريباً مما كانت تقوم به سابقاً. التركيبة السياسية والدينية في لبنان: وهذه القضية من الأمور التي يجب أن نستحضرها ونحن نتحدث عن مآسي إخواننا الفلسطينيين في لبنان. فلبنان (صاحب الأربعة ملايين نسمة تقريباً) ذو تركيبة معقدة، كان لها الأثر الكبير في عدم استقرار البلاد ونشوء الحروب الأهلية فيها؛ ففي لبنان ما يقارب ثماني عشرة طائفة يشكل المسلمون منها أعلى نسبة؛ حيث يصلون إلى ٦٠ % من عدد السكان، ٢٧% منهم شيعة، و ٣٠% سنة، والبقية القليلة الباقية من النصيريين والدروز، وأما النصارى فيشكلون ٤٠% ما بين موارنة وكاثوليك وأرثوذكس. ومع هذه النسبة للمسلمين، وبالأخص أهل السنة منهم إلا أنهم يأتون في آخر القائمة؛ فعدد السنة كثير لكنهم أضعف الموجودين، لا لعدم وجود إمكانيات لديهم، ولا لعدم وجود من يمثلهم في البرلمانات بل ربما وصل من ينتسب إليهم إلى منصب رئيس الوزراء ولا لعدم وجود من يملك الأموال فيهم؛ ولكن لعدم من يحمل همهم بصدق ويمثل الإسلام والسنة بحق. وبناءً على تلك التركيبة أصبحت كل طائفة ترى أن لبنان لها أو على الأقل يجب أن يكون لها النصيب المرضي منه؛ فالرافضة وبدعم من أمّهم إيران تسيطر على بعض المواقع، وتدافع عنها وكأنها مملوكة لهم منذ غابر العصور والأزمان، وسورية النصيرية ترى أن لبنان وخاصة الشمال منه (طرابلس وما حولها) ما هو إلا محافظة من محافظاتها. وإسرائيل ما تزال تكرر المحاولات مع إخفاقها ليشمل احتلالها أجزاء كبيرة من جنوب لبنان الذي يحاذي حدودها الشمالية. وإن الزائر لهذا البلد لبنان لا يجد أدنى مشقة في الخروج بهذا التصور؛ فهذه صورة الرئيس النصيري الهالك وابنه، وعبارات التأييد لهما ربما تجدها أكثر من رئيس وزراء لبنان نفسه، وقل مثل هذا عن الرافضة بدءاً بصور الخميني زعيم الثورة المزعومة، وانتهاءً بحسن نصر الله زعيم (حزب الشيعة) الحالي والذي كان قد انشق عن منظمة (أمل) عام ١٩٨٢م ليصبح مرتبطاً بإيران مباشرة، وكل له من يبكيه، ومن يتابع أخباره، ومن يتضامن حقاً معه، ومن يدعمه ويدافع عنه إلا أهل الإسلام وبخاصة أهل السنة منهم؛ فما زلنا نحتاج الكثير والكثير لكي نصل إلى الحد الأدنى من دعمهم. المخيمات وشيء من معاناتها: بقي في لبنان بعد حروبها الأهلية اثنا عشر مخيماً قد تفرقت في شمال البلاد وجنوبها وسهلها؛ حيث تعيش وضعاً متشابهاً في الفقر، والمجاعة، والحاجة، وطبيعة الظلم الواقع عليها؛ فهم يعيشون فعلاً على أرض لبنان، لكنهم محرومون من كل شيء، بخلاف الفلسطينيين النصارى وهم قلة إلا أنهم تمكنوا من الحصول على الجنسية اللبنانية وبكل سهولة؛ فلهم ما للبنانيين وعليهم ما عليهم؛ ففي السبعينيات جُنّس أكثر من (خمسين ألفاً) طبقاً للسياسة المعتمدة آنذاك لتكثير عدد النصارى مقابل الأعداد المتزايدة للمسلمين. أما المسلمون فليس لهم إلا هذه المخيمات وبصورتها التي أسست عليها، وفي مخيمات الجنوب ليس لأي أحد أن يدخل للمخيمات أي مادة من مواد البناء التي يمكن أن تساعد ولو بشيء يسير في إصلاح بعض المباني التي عسى أن تكون مناسبة للبهائم، فضلاً عن الإنسان! وليس لأحد أن يهدم في هذه المخيمات جداراً أو يبني فيها آخر. أما إذا خرج الفلسطيني من أروقة مخيمه بحثاً عن مصدر رزق في مكان آخر في لبنان، فإنه سيجد الباب موصداً بل ومثقلاً بالأقفال؛ فالفلسطيني ممنوع من كل وظيفة حكومية؛ وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة فهو ممنوع من (ثلاث وسبعين وظيفة) منها أن يكون «زبالاً» فضلاً عن أن يكون طبيباً أو مهندساً. وها هي نبذة عن أحوال تلك المخيمات: ١ - مخيم (نهر البارد) : ويقع في مدينة طرابلس، وفيه ما يقارب ثلاثين ألفاً. ٢ - مخيم (البدّاوي) : ويقع في طرابلس كذلك، وفيه ما يقارب ثمانية عشر ألفاً. ٣ - مخيم (ويفل) : ويقع في مدينة بعلبك، وفيه ستة آلاف نسمة تقريباً. ٤ - مخيم (ضبية) : وفيه ما يقارب ثلاثة عشر ألفاً. ٥ - مخيما (صبرا وشاتيلا) ، وهو في العاصمة بيروت، وفيه نحو ثمانية آلاف نسمة. وما أكثر ما سمعنا عن هذين المخيمين، وهما من أشد المخيمات حاجة مع أنهما في بيروت العاصمة، مع فارق ما بينه وبين الحضارة المادية والتقدم التكنولوجي، بل ليس بينه وبين الماء والكهرباء والتعليم إلا تلك البوابة التي تتقدم كل مخيم، والتي يعسكر عندها أفراد من الجيش اللبناني. ولم يستفد أهل تلك المخيمات من كونهم في العاصمة إلا الغث من الأخلاق السيئة المشينة، أما السمين فهم محرومون منه، وهو محرم عليهم في ميزان النظم المتوالية على تلك الدولة. وقد روى لنا بعض كبار السن هناك صوراً من مأساة صبرا وشاتيلا التي كانت عام ١٩٨٢م، وكيف تكاتف أهل الباطل من يهود ونصارى ورافضة في إيقاع أبشع صور الظلم والتسلط على أناس عزل لم يرحموا فيهم طفلاً رضيعاً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة ضعيفة [١] . كل ذلك بحجة وجود أفراد من المقاومة الفلسطينية داخل المخيم؛ لكن العالم الإسلامي لم يسكت آنذاك، وإنما فجر قنبلة استنكارية أثرت في اليهود أيما تأثير؛ حيث جعلتهم يستهينون بنا أكثر وأكثر! ! ٦ - مخيم (مار إلياس) : في مدينة بيروت كذلك، وفيه ما يقارب سبعة آلاف نسمة. ٧ - مخيم (برج البراجنة) : وهو في العاصمة، وفيه ثمانية عشر ألفا تقريباً. ٨ - مخيم (عين الحلوة) : في مدينة صيدا، وهو أكبر المخيمات في تعداد السكان، ففيه ما يقارب سبعين ألفاً، ولا تزيد مساحته عن ٢. ٥ كيلو متر مربع. ٩ - مخيم (المية مية) : في مدينة صيدا، وفيه ما يقارب ثلاثة آلاف نسمة. ١٠ - مخيم (البص) ، في مدينة صور، وفيه ثمانية آلاف نسمة تقريباً. ١١ - مخيم (البرج الشمالي) : ويقع في مدينة صور، وفيه نحو من عشرين ألفاً. ١٢ - مخيم (الرشيدية) : في مدينة صور كذلك، وفيه قريب من عشرين ألف نسمة. وملخص القول: أن ٧٠% من فلسطينيي لبنان يعيشون في المخيمات، ولا يعني هذا أن البقية في أحسن حال؛ بل الجميع لاجئون، ولكن بعضهم غير مسجلين عند وكالة الغوث (الأونروا) ؛ فلذلك لا تشملهم الإحصائيات الرسمية؛ فوصف (اللاجئ) إنما تطلقه وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين (الأونروا) على الأشخاص الذين كانت فلسطين مكان إقامتهم الطبيعي في المدة الواقعة بين يونيو (حزيران) ١٩٤٦م ومايو (أيار) ١٩٤٨م أي أنهم أقاموا لمدة سنتين على الأقل في فلسطين قبل عام ١٩٤٨م، وفي المقابل تشير بعض التقارير إلى أن ٢٠% من اللاجئين يقيمون في (ثلاثة عشر تجمعاً) غير رسمي. أهم احتياجاتهم: قبل أن أبدأ بذكر أهم ما يحتاجون إليه أحب أن أقدّم بين يدي هذا العنصر ذكر الأساس الذي تنبني عليه معرفة الاحتياجات وتقدير الأوضاع، ألا وهو إقامة جسور التواصل معهم؛ فإننا إن استطعنا تحقيق هذا المطلب مع ما يبذله إخواننا في المخيمات من محاولات لإعلان قضيتهم، وإبراز مشكلتهم، وتدويل مأساتهم؛ فإن بقية المطالب ستتحقق بإذن الله تعالى وبكل يسر وسهولة وخاصة أن طريق التواصل ما زال مفتوحاً وميسراً إلى حد بعيد؛ منّا إليهم ومنهم إلينا. وحينما نستوعب هذه المقدمة يأتي الدور لذكر أهم احتياجاتهم. ١ - الدعوة والتعليم: يوجد في مخيمات الفلسطينيين في لبنان (سبع وسبعون) مدرسة فقط الأكثر منها تقتصر على المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، وفي نوبتين في الغالب صباحية ومسائية لتغطية هذه الجموع الغفيرة من الطلاب. وإنه مما يجدر التذكير به أن الشعب الفلسطيني شعب مسلم سنِّي إلا نزراً قليلاً من النصارى وغيرهم، وهذا يفيدنا في شيئين أولهما: في معرفة السبب الأساس في تلك الهجمة الشرسة وذاك التواطؤ العجيب من جميع طوائف لبنان على المخيمات الفلسطينية، والأمر الثاني: أن هذا يعني سهولة الدعوة وإقامة البرامج العلمية في أوساطهم. ثم لا يخفى على الجميع سعة مجالات الدعوة وتنوع وسائلها؛ فلنرسل إليهم الكتب، ولنهدي لهم الأشرطة، ولنبعث إليهم الدعاة، ولنقم المدارس، ولنكثف هذه البرامج ولنستمر عليها، وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل. تنبيه وتحذير: إذا أحببت أخي القارئ أن أطلعك على مكمن الخطر وموضع الألم فإنه ليس في جوع إخواننا هناك، ولا في عطشهم، ولا في قلة ما في أيديهم؛ وإنما هو في نقطتين وضربتين تكاد الحيرة تملكك: أيهما أخطر وأوجع؟ الأولى: في خذلان كثير من المسلمين لإخوانهم (حكومات وتجاراً ودعاة وعلماء) إلا ما شاء الله تعالى، وقليل ما هم. الثانية: ولربما كانت قاصمة الظهر وهي ما يتعرض له إخواننا هناك من إغراءات متكررة ربما سقط أمامها بعضهم أو كاد، والتي يقدمها لهم النصارى حيناً، ويقدمها لهم الرافضة أحياناً أخرى، وقد حدثنا كثير من المشرفين على المخيمات كم هي المرات التي يعرض عليهم الرافضة تقديم يد العون والمساعدة؛ فهذا مسجد لم يكتمل يتكفلون بإكماله وفرشه، وهذه روضة أطفال ما زالت فكرة قائمة يتكفلون بإقامتها على أرض الواقع، وهذه مدرسة قد شيدت ولا مناهج موجودة فلربما تكفلوا ابتداءً بتهيئة جميع المناهج الدراسية، وبعدد زائد على النسخ المطلوبة، وهنا لا يستغرب من أنهم ربما تكفلوا بالمناهج الدراسية التي تحددها لجان المخيمات وليسوا هم؛ كل هذا الخداع ليهزوا نظرتك عنهم، وحكمك السابق عليهم؛ ومن ثم يُدخلون في المناهج الدراسية ما يريدون، ولربما ضعف البعض (وهم قلة ولله الحمد) أمام هذه الإغراءات مع علمهم بمنهج الرافضة، لا اقتناعاً بهم، وإنما غضب وضعف واحتجاج على سكوت إخوانهم المسلمين السنة وانشغالهم عنهم، وهم يسمعون كل يوم كيف تبدد أموال المسلمين ذات اليمين وذات الشمال. ٢ - الماء: فهو في المخيمات شحيح جد شحيح إلا ما يسَّره الله تعالى على يد بعض أهل الخير من الجمعيات الإسلامية كالندوة العالمية للشباب الإسلامي وغيرها، ومن الجمعيات الإسلامية في بعض دول الخليج العربي؛ ففي مخيمي (صبرا وشاتيلا) على سبيل المثال لم توافق مصلحة مياه بيروت على طلبات الاشتراك، ووكالة الغوث لم تعد تزودهم بالمياه الضرورية، وما كان من قبل فقد جف ونضب؛ هذا مع أن الماء عندهم يمكن أن ينبع عذباً أحياناً على عمق لا يزيد على خمسين متراً فقط، بل ربما كان أقل من ذلك، ويبلغ الحد الأدنى في تكلفة حفر البئر مع جميع مستلزماته (ستة آلاف دولار تقريباً) . ٣ - الكهرباء: كثير من المخيمات تعتمد على مولدات كهربائية لا تغطي إلا جزءاً يسيراً من المخيم، ولربما وصل شيء متقطع من الشبكات الحكومية، وفي المقابل فلا تخلو هذه المخيمات من أجزاء منها ليس فيها كهرباء إطلاقاً؛ فنهارها إلى حد كبير كليلها في أشد الحاجة إلى مولدات كهربائية. ٤ - بناء المساجد: الجميع يعلم كم للمسجد من أهمية من حيث إنه مكان لأداء أعظم الشعائر، ومنطلق لكل خير، ولعله من المناسب هنا أن أنبه إلى أهمية استيفاء الدراسة لبناء أي مسجد، ومعرفة التكاليف بدقة حتى يكون المتبرع على بينة من الأمر، فكم رأينا هناك وفي غيرها من المساجد التي شُرع في تنفيذها بدون تهيئة المال الكافي أو وجود من يتكفل به، وقد وقف المشروع عند مرحلة لا تكفي للصلاة فيه ولا يوجد من يُتمّه، وليست المشكلة الكبرى هنا، وإنما ما يحصل من اهتبال بعض المبتدعة لمثل هذه الفرص؛ حيث يقومون بإتمام بناء المسجد وما يحتاجه، ومن ثمّ يجعلونه مسجد ضرار لهم ليصدوا عن سبيل الله تعالى. ٥ - إقامة المستوصفات والعيادات الطبية: الحكومة اللبنانية غير متكفلة بعلاج أهل المخيمات، بل حتى في الحالات الإسعافية الخطرة، وربما تكفلت وكالة (الأونروا) بشيء من قيمة السرير فقط؛ أما الباقي فعلى المريض إن استطاع إليه سبيلاً وإلا فلا علاج. والعيادات الحالية عندهم فيها من التواضع الشيء الكبير: نقص شديد في الأدوية، ونقص أشد في المعدات الأساسية للقيام بعملية التطبيب، ومع ذلك كله فقد سررنا كثيراً حينما رأينا شيئاً من التضامن من قِبَل بعض الأطباء اللبنانيين مع إخوانهم المسلمين في المخيمات، وعلى سبيل المثال ما رأيناه في مخيم (بعلبك) حيث إن بعض الأطباء اللبنانيين قد تركوا عياداتهم في بيروت وغيرها وهي التي تدر عليهم المال الوفير، فرسوم الكشف هناك تكاد ألاَّ تقل عن (مائة دولار) ، ليستقروا في المخيمات برسوم لا تزيد عن (خمسة دولارات) للمستطيع منهم، وكشوف مجانية لغير المستطيع وما أكثرهم؛ فنسأل الله أن يبارك جهودهم، وأن يقبل عملهم، وأن يشكر لهم. وإن من أهم ما يحتاجونه في تلك العيادات: إقامة المختبرات؛ إذ تصل تكلفة تجهيز المختبر الواحد إلى (خمسة وعشرين ألف دولار) ولا يقل عنها أهمية بل ربما يزيد تجهيز غرف التوليد، وهي معاناة تتجدد معهم عند كل حالة ولادة، وتصل تكلفة تجهيزها إلى ستة وستين ألف دولار تقريباً.

стр. 4169

المسلمون والعالم المخيمات الفلسطينية في الأردن بوابة الكارثة إياد الطوباسي [*] في عام ١٩٤٨م وبعد اغتصاب فلسطين وقيام الدولة الصهيونية استقبل الأردن القسط الأكبر من لاجئي ١٩٤٨م، وتلا ذلك استقبال نازحي ١٩٦٧م، حيث يوجد في الأردن اليوم حوالي مليوني فلسطيني يعيش منهم ما نسبته ٢٠% في ١٣ مخيماً هي: الوحدات، الحسين، الأمير حسن، الطالبية، مادبا، حطين «ماركا» ، الزرقاء، السخنة، البقعة، جرش «غزة» ، سوف، مخيم الشهيد «الحصن» ومخيم إربد. وتشير الإحصائيات المختلفة سواء الإحصائيات الأردنية أو إحصائيات وكالة الغوث الدولية إلى أن عدد الوحدات السكنية لهذه المخيمات حوالي (٣٢٥٨٣) وحدة سكنية متوسط مساحتها حوالي ٨٠ متراً مربعاً لكل وحدة سكنية، ويقطن هذه المخيمات الفلسطينيون من مختلف مناطق فلسطين؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر فإن مخيم إربد يشكل توزيع سكانه حسب الإحصائيات الرسمية وحسب البلد الأصلي ٢٥% من شمال فلسطين، ٢٥% من جنوب فلسطين، ٤٥% من وسط فلسطين، ٥% من الضفة الغربية، في حين يأتي توزيع السكان حسب البلد الأصلي لسكان مخيم الشهيد «الحصن» ١٩% من منطقة بيسان، ١٦% من طوباس، ١٣% من بئر السبع، ٤٠% من الخليل جنين، طولكرم، طبريا، يافا، ١٥% من حيفا. ويعاني أبناء المخيمات أوضاعاً اقتصادية صعبة للغاية؛ حيث تعتبر المخيمات من أكبر جيوب الفقر الموجودة ضمن منطقة التعايش السكاني المجاورة للمخيمات؛ فأغلبية سكان المخيمات لا يملكون مقومات الوضع الاقتصادي المتوسط ناهيك عن البطالة بين أبناء المخيم وخاصة الشباب منهم. أما الأوضاع الصحية لهم فهي غاية في السوء ولا ترقى إلى الأوضاع الصحية السليمة؛ حيث إن المسؤول عنها وكالة الغوث الدولية، فلا يمكن لعيادة صحية متواضعة الأجهزة، وخدمات محدودة الإمكانيات يراجعها يومياً مئات المواطنين من أبناء المخيمات أن تستطيع القيام بمهامها بشكل جيد في ظل التزايد السكاني الملحوظ، والتقليص المستمر للخدمات سواء في مجال الصحة أو البيئة أو حتى التعليم. وحول ظروف التعليم تشير الإحصائيات إلى بروز العديد من الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات وقادة التنظيمات السياسية والعسكرية من سكان هذه المخيمات رغم الظروف التعليمية الصعبة؛ سواء من حيث عدد الطلاب في الصف الواحد وسوء التجهيزات التعليمية، أو من حيث عدد أفراد الأسرة في المنزل، ناهيك عن ظروف الأهل المادية الصعبة؛ فكانت إرادة الكثير من أبناء المخيمات وظروفهم الصعبة سبباً لبروزهم وتفوقهم على الرغم من عدم تمكن غالبية أبناء المخيمات من إكمال دراستهم للظروف نفسها. واليوم وبعد مضي ما يزيد عن خمسين عاماً، ما زالت المخيمات قائمة، وما زال اللاجئ يستمد هويته من بقائها ومن إصراره على العودة إلى وطنه؛ وخاصة أن مسألة اللاجئين في القضية الفلسطينية تعتبر الأولى والأكثر تعقيداً في الصراع مع العدو الصهيوني، والإصرار على حق العودة إلى فلسطين باعتباره حقاً ملزماً أقرته المواثيق الدولية، والذي يقف في مجابهة المشروع الصهيوني المستند إلى إنكار حق الفلسطيني والعربي في الإقامة في فلسطين. ونستطيع أن نؤكد أن اللاجئ الفلسطيني يستوعب ويفهم أن تحويل قضيته من قضية سياسية بالدرجة الأولى إلى قضية أو مظهر إنساني تستدعي العودة من أجل لمِّ الشمل أو التوطين تحت شعارات براقة مثل: تحسين الحياة اليومية في المخيمات، وتحسين البنية التحتية للمخيمات، وتهدف «تحويل القضية» إلى إنهاء الحق الفلسطيني في أرضه وإلغاء حق العودة والمصير؛ وهو ما ترفضه الغالبية العظمى من أبناء الشعب الفلسطيني، سواء في المخيمات أو في مختلف مناطق المملكة الأردنية. و «البيان» تجولت في العديد من المخيمات، وكان لها هذه اللقاءات التي عبرت بصدق وأمانة عما يجول بخاطرها. السيد «إياد ناجي أحمد» من سكان مخيم الشهيد «الحصن» أكد في معرض حديثه حول قضية حق العودة أنه غير راض عن الحلول السلمية المطروحة التي يجري الحديث عنها والتي لا تشير من قريب أو بعيد إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين مبيناً رفضه لهذه الحلول السلمية غير العادلة. وقال: إننا جميعاً «أبناء المخيمات» متمسكون بحق العودة مع مطالبتنا بالتعويض عن السنوات العجاف التي مررنا بها. معرباً عن خشيته من أن تؤدي الحلول السلمية المطروحة إلى أن يكون الأردن وطناً بديلاً للفلسطينيين وهذا ما يطرحه الصهاينة، ومن ثَمَّ تندمج المخيمات مع المدن والقرى المحيطة بها، ويشطب اسم «المخيم» من ذاكرة الشعب الفلسطيني، والذي يعتبر مقدمة لمحو اسم فلسطين من هذه الذاكرة أيضاً. وتطرق إلى الظروف المعيشية التي يعانيها أبناء المخيمات في الأردن، مدللاً على ذلك من خلال معاناة أبناء مخيم الشهيد «الحصن» المجاور لمدينة إربد مؤكداً سوء الأوضاع الاقتصادية لدى أبناء المخيم وما يصاحب ذلك من بطالة، ووجود غالبية أبناء المخيم تحت خطر الفقر المدقع، إضافة إلى ما يعانيه أبناء المخيم من الأوضاع التعليمية والصحية التي تشير بمجملها إلى تدني مستوى التحصيل العلمي لدى أبناء المخيم والوضع الصحي لعدم كفاية الخدمات الصحية التي تقدمها وكالة الغوث الدولية. السيد «فياض وراد الفوارس» رئيس نادي الكرمل في مخيم الشهيد «الحصن» أوضح موقفه بوصفه لاجئاً فلسطينياً يعيش في الأردن من الحلول السلمية المطروحة بقوله: إن اليهود لا أمانة لهم ولا يحترمون عهوداً ولا مواثيق، وإن السنوات الماضية أثبتت صحة ذلك، وإن أيديهم التي يمدونها للسلام ملوثة بالقتل والبطش والغدر.. أيدٍ ملوثة بالدماء؛ مشيراً إلى الحملات الإعلامية المضللة التي يقومون بها، والادعاءات الكاذبة لتحسين صورتهم أمام العالم. وأشار إلى همجية العدو الصهيوني وحملاتهم المسعورة لتهويد القدس وطمس هويتها العربية الإسلامية والتي تتصدى لها انتفاضة الأقصى المباركة. وحول حق العودة أو التعويض، أكد «الفوارس» على حق العودة والتعويض معاً، العودة إلى الوطن الأم والتعويض عما لحق باللاجئين من تشرد وضياع خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن مستقبل المخيمات في الأردن في طريقها إلى الزوال بعد تحرير فلسطين وإقامة الدولة المستقلة معتقداً أن ما تقوم به الحكومة الأردنية من تحسين مستوى البنية التحتية للمخيمات لا تشكل مصدر قلق للاجئين؛ فمن حق اللاجئ أو النازح أن يعيش بظروف جيدة وخدمات متقدمة داخل المخيمات لحين العودة إلى وطنه. وأوضح أن سكان المخيمات في الأردن هم مواطنون أردنيون بحكم القانون والدستور، وأن تحسين أوضاع هذه الفئة من المواطنين حق دستوري مشروع لا يمثل التزام الحكومة الأردنية تجاه المخيمات. المهندس «خير الدين أبو الهيجاء» من سكان مخيم إربد، أشار إلى الظروف الاجتماعية والنفسية الصعبة التي يعيشها أبناء المخيمات من حيث صعوبة العيش ضمن ظروف بيئية واقتصادية صعبة إضافة لمعاناتهم جراء فقدانهم وطنهم وتشردهم وأفراد عائلاتهم بأكثر من مكان ومنطقة. وقال: إننا لا نراهن على أي حل سياسي لا يضمن حقنا في العودة إلى وطننا فلسطين، معتبراً أن أي حل لا يضمن حق العودة لجميع أبناء الشعب الفلسطيني دون استثناء هو حل منقوص، مؤكداً معايشة أبناء الشعب الفلسطيني لجميع المبادرات والحلول والاتفاقيات السياسية منذ أكثر من خمسين عاماً، وحفظها عن ظهر قلب، لكنه لا يرى في أي من هذه المحاولات والحلول المطروحة أي أصل في حل قضيته الفلسطينية. وأضاف «أبو الهيجاء» بأن الشعب الفلسطيني يدرك ويفهم عدوه بشكل كامل، ولا يرى حلاً يأتي عن طريق الحلول السياسية، وإنما الحل يكون عن طريق الجهاد والاستشهاد لاستعادة الحقوق والأرض السليبة، مدللاً بانتفاضة الأقصى المباركة التي أعادت الثقة لهذا الشعب الجبار ومجاهديه، وبدا الوضوح في الرؤية بعد أن زالت غشاوة الحلول الاستسلامية التي لن تجلب سوى الذل والعار. وأكد المهندس «أبو الهيجاء» أنه ليس مع التوطين أو التعويض تحت أي ظرف من الظروف، وأنه مع حق العودة القاضي بأن يعود كافة أبناء الشعب الفلسطيني الذين أخرجوا من ديارهم، مشيراً إلى أن المطالبة بالتعويض عن سنوات الحرمان التي عاشها الشعب الفلسطيني تكون بعد العودة إلى ديارهم، وهذا حق تكفله القوانين الوضعية. وحول الإجراءات التي تقوم بها الحكومة الأردنية لتحسين البنية التحتية للمخيمات قال: لا أدري إن كان المقصود من خدمة الأمان الاجتماعي التي تنفذها الحكومة الأردنية بدعم من مؤسسات دولية هي بداية للتوطين أم لا، ولكن كمبدأ عام، وهو مبدأ إنساني أؤكد على حق اللاجئ الفلسطيني الذي يعيش في المخيمات أن يعيش في بيئة صحية واجتماعية مناسبة للعيش الكريم، وهذه أبسط الحقوق التي تعطى لأي إنسان؛ مثل حقه في العمل والتفكير، وهذه حقوق إنسانية عامة لا بد من المطالبة بها. المهندس «أحمد الديك» رئيس نادي الجليل في مخيم إربد تطرق إلى الأوضاع غير المستقرة التي يعانيها أبناء المخيمات في الأردن جراء الأوضاع الاقتصادية والمعاشية التي يعيشها أبناء المخيمات، وتأثير ذلك على الأوضاع الاجتماعية والصحية؛ مشيراً إلى تراجع دور وكالة الغوث الدولية تجاه أبناء المخيمات. وأكد عقم الحلول السلمية المطروحة حالياً ووسائلها، مشيراً إلى أن الانتفاضة البطلة هي السبيل الوحيد لإقناع العالم بأن حقوق الشعب الفلسطيني حقوق مقدسة لا بد من استعادتها مهما طال الزمن. وأشار «أحمد الديك» إلى أن موقفه مع حق العودة والتعويض معاً، وقال: إن مستقبل المخيمات في الأردن مرهون بمدى قوة القوى السياسية والعالم العربي، وإضافة إلى تصميم وإصرار الشعب الفلسطيني على إنهاء معاناته وعودته إلى وطنه، مؤكداً أن ما تقوم به الحكومة الأردنية تجاه تحسين أوضاع المخيمات في الفترة الماضية والحالية جاءت لتوفير بيئة صحية واجتماعية لقاطني هذه المخيمات، وقال: إن الشعب الفلسطيني يعتبر الوطن الأم، والعودة إليه أهم وأقوى من أي تحسينات تقوم بها الحكومة تجاه المخيمات، وأن العودة قادمة لا ريب فيها. وأشار السيد «إبراهيم عرعراوي» من مخيم سوف إلى إنشاء مخيم سوف عام ١٩٦٧م «بعد النكبة» وتزايد عدد سكانه بعد معركة الكرامة (١٩٦٨م) ؛ حيث قامت وكالة الغوث الدولية بعد فترة وجيزة بتبديل الخيم التي كان يقيم فيها النازحون إلى مساكن من «الزينكو» على شكل غرفتين، وأعطت لكل عائلة غرفة واحدة فقط، مشيراً إلى قيام أبناء المخيم بتطوير مساكنهم وبنائها من الطوب على المساحات المجاورة بشكل غير منظم، إلى أن جرى تنظيم المخيم وإيصال خدمات الماء والكهرباء إليه عام ١٩٧٠م. وأوضح أن سكان المخيم الآن هم من اللاجئين والنازحين، وأن أوضاعهم الاجتماعية رغم ظروف التشرد والفقر والبطالة مستقرة إلى حد ما، وأن تعاون أفراد الأسرة وتكاتفهم وتماسكهم أوجد الجو الاجتماعي المريح. وأكد «العرعراوي» أن حق العودة والتعويض أمر مرفوض بالنسبة له في ظل وجود اليهود على أرض فلسطين، وأنه مع تحرير كامل التراب الفلسطيني، مشيراً إلى توجه الحكومة الأردنية إلى ربط المخيمات مع المناطق المحيطة بها من خلال تحسين أوضاعها؛ مما سيؤدي إلى إلغاء اسم المخيم وإطلاق اسم جديد عليه الأمر الذي سيؤثر على الحق المقدس للقضية الفلسطينية، مؤكداً أن حزمة الأمان الاجتماعي مؤشر جديد لعملية التوطين خاصة بعد توقيع معاهدة «وادي عربة» التي نصت صراحة على التوطين، ومن ثم تكون حزمة الأمان الاجتماعي الحلقة شبه الأخيرة لعملية التوطين. وتطرق «العرعراوي» إلى الأوضاع الصحية والاقتصادية والتعليمية وغيرها وترديها؛ مؤكداً تراجع الخدمات التي تقدمها وكالة الغوث الدولية في شتى المجالات وهو ما بات يؤثر على أوضاع أبناء المخيمات. وأشار الدكتور «زياد الأعرج» طبيب عام في مخيم إربد إلى أن سكان المخيم يعانون من ظروف اجتماعية واقتصادية سيئة؛ فغالبية أبناء المخيم يعملون بمهن متواضعة في القطاع الخاص؛ مشيراً إلى أن الأوضاع المعيشية التي يعاني منها أبناء المخيم هي نفسها التي يعانيها غالبية سكان الأردن، وأنهم لا يصلون للحد الأدنى من الحياة الكريمة. وأكد الدكتور «زياد» أن غالبية أبناء المخيمات الفلسطينية في الأردن يرفضون الحلول السلمية المطروحة من منطلق أن «إسرائيل» لن تعطي شيئاً أخذته بالقوة للفلسطينيين؛ وخاصة مع تردي الأوضاع العربية الرسمية. وتطرق إلى دور انتفاضة الأقصى المباركة وتأثيرها على أبناء الأردن بشكل عام وأبناء المخيمات بشكل خاص، مؤكداً أن الانتفاضة أثبتت أن الحلول السلمية المطروحة أصبحت هباءً منثوراً. وأشار إلى أهمية حق العودة والتعويض لجميع أفراد الشعب الفلسطيني، مؤكداً أن المخيمات باقية ما دامت الأراضي العربية محتلة من قبل العدو الصهيوني. وأكد الأستاذ «فرج شلهوب» من مخيم غزة أن معاناة أبناء مخيم غزة تختلف عن معاناة بقية المخيمات الفلسطينية في الأردن من حيث حرمان سكان المخيم من الجنسية الأردنية أو حصولهم على جواز سفر أردني، وأنهم يعامَلون من قِبَل الحكومة الأردنية باعتبارهم مواطنين غير أردنيين على عكس سكان بقية المخيمات، مشيراً إلى أن حجة الحكومة في ذلك أن سكان المخيم قدموا من قطاع غزة المحتل في حين أن غالبيتهم جاؤوا من مناطق ١٩٤٨م، حيث غادروا بعد النكبة باتجاه قطاع غزة وسكنوا هناك المخيمات حتى عام ١٩٦٧م، وفي ظل الهزيمة أو النكبة الثانية لجؤوا إلى الأردن. وأشار إلى أن سكان المخيم البالغ عددهم حوالي ٣٥ ألف نسمة يعانون من أوضاع اقتصادية واجتماعية سيئة وخاصة أنهم لا يستطيعون العمل في أجهزة ووظائف الدولة المختلفة، ولأن متوسط دخل الفرد داخل المخيم لا يتجاوز ٨٠ ديناراً شهرياً، وأن غالبيتهم يعملون في قطاع الزراعة. وأشار «شلهوب» إلى أن غالبية سكان المخيم مع حق العودة وتقرير المصير. وأشارت مجموعة من سكان مخيم البقعة إلى أهمية حق العودة وضرورة تنفيذ هذا الحق، معتبرين ذلك إصراراً على مجابهة المشروع الصهيوني المستند إلى إنكار حق الفلسطيني والعربي في فلسطين والإقامة فيها، وأكدوا أن حق العودة للاجئين لا يعني أننا ننتقص من الحقوق المدنية للمواطنين الأردنيين من أصل فلسطيني، موضحاً أن بقاء اللاجئين في الأردن هو بقاء مرحلي مؤقت والأصل عودتهم، مؤكدين أهمية نضال الشعب الأردني والفلسطيني في الدفاع عن عروبة فلسطين وإقامة الدولة المستقلة. وأشارت مجموعة أخرى إلى أن حل مشكلة اللاجئين لن يكون إلا باعتماد قرار (١٩٤) المتعلق بالعودة والتعويض وعدم حل المشكلة بشكل قسري من أي جهة كانت، وأن يترك الخيار للاجئين أنفسهم، وأن قرارات ما يسمونه بالشرعية الدولية ضمنت حق العودة والتعويض؛ داعين إلى تطبيق تلك القرارات المتعلقة بحق العودة للاجئين.

стр. 4170

المسلمون والعالم (ندوة) لمحاولة فهم أمريكا (٢ - ٢) خالد أبو الفتوح في ندوته الافتراضية التي عقدها الكاتب بين مجموعة من الكتب محاولاً فهم أمريكا.. استعرض في الحلقة الماضية عدة محاور دارت حول: طبيعة نشأة أمريكا وأثرها على مجتمعها وسياستها، وحقيقة الرأسمالية السائدة فيها وعلاقاتها بأجهزة الحكم والإعلام، وعلاقتها بالرغبة في نهب الآخرين والهيمنة عليهم، وحقيقة مكانة الدين في المجتمع الأمريكي، والأسباب الكامنة وراء استهداف العالم الإسلامي بالعداء، وصور من النفاق السياسي الأمريكي.. ويواصل الكاتب في هذه الحلقة استعراض نقاط أخرى.. - البيان - سقوط: من هذه النقطة أصل حديثي المقطوع عن سمات الرأسماليين (الجمَّاعين) وأمراض المجتمع الأمريكي التي تؤذن بسقوطه، وهي الأمراض نفسها التي عصفت بنظام جمَّاعين سابق هو نظام الإقطاع. المجتمع الغربي يعبر عصر الجمَّاعين منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، و «الرجال الأغنياء هم الذين يقبضون على مقاليد الأمور فيه. الطبقة الحاكمة إذن تستمد نفوذها من سيطرتها على الثروة وعلى وسائل الإنتاج، مع أن الطبقات الأخرى (المقاتلين، المثقفين، والشغيلة) تخضع طوعاً للنخبة المحظوظة. خلال هذا العصر (عصر الجمَّاعين) يكون نظام الحكومة مغالياً في عدم مركزيته، وبالنتيجة: يعم الإجرام، وتتفكك العائلة، وتنتشر الدعارة. وفي النهاية تطبع الفردية المتطرفة النظام الاجتماعي. وقد عرف الغرب نظاماً اجتماعياً اقتصادياً من هذا النمط خلال الجزء الثاني مما عرف بالعصر الوسيط وهذا ما يدعى عادة إقطاعاً. اليوم يسود مجدداً النمط نفسه ويسمى رأسمالية. رغم الاختلافات الكثيرة الظاهرية، فإن الإقطاع والرأسمالية يملكان عدة خصائص مشتركة.. موت الرأسمالية لا يمكن تفاديه تماماً كما لم يكن ممكناً تفادي موت الإقطاع» (ص ٢٧٧) . ف «الرأسمالية تتشابه كثيراً مع نظام الإقطاع الذي ساد المجتمع الغربي ما بين عام ٩٠٠، ١٤٠٠م، الرأسمالية ليست فقط نظاماً اقتصادياً، ولكنها أيضاً نظام اجتماعي واقتصادي متلازمان؛ لأنه بدون الإقرار بحق الملكية غير المحدود للرأسماليين اجتماعياً، فإن عالم الأعمال لن يعيش أكثر من يوم واحد، وإذا بحثنا عن أسس القوة عند الطبقة الحاكمة، فإن التماثل في النظامين يبدو واضحاً. نفس الشيء: الفلسفة السياسية والاجتماعية التي يعتمد عليها النظامان تُظهر وحدة أكبر مما اعترف به حتى الآن. بالنسبة لعقلية الطبقة الحاكمة: الرأسمالية والإقطاع يكونان شقيقين في تلك الفترة في الإقطاع كما اليوم في الرأسمالية. الثروة هي المسيطرة في الإقطاع، الأغنياء يحكمون بفضل السيطرة التي يمارسونها على الأراضي الشاسعة، وهذه كانت آنذاك عامل الثروة، اليوم: الأغنياء يحكمون لأنهم يسيطرون على الأسهم والأوراق المالية. الإقطاع كدَّره عراك مستمر حدث بين كبار الملاك العقاريين الذين كانت الأرض موضوع تنافسهم. الرأسمالية تكدرها الآن حرب صناعية، حيث تكون الشركات الصغيرة باستمرار فريسة للمجموعات الصناعية الكبرى. في أوروبا القديمة (القرون الوسطى) كانت الثروة مركزة في أيدي ملاك الأرض: دوقات، بارونات، كومتات، إنها اليوم مركزة في أيدي الرأسماليين: رؤساء الشركات، نوابهم، الإداريين. النظام الإقطاعي كان بربرياً ويضطهد الفلاحين والأقنان، والرأسمالية قاسية ووحشية، تضطهد البلدان النامية والعمال غير المؤهلين، في الحالتين الاستغلال يقوم على عدم الملكية وعلى الظلم الاقتصادي» (ص ٣٠١ ٣٠٢) . و «فيما يتعلق بالحياة اليومية توجد أيضاً عدة تماثلات بين الإقطاع والرأسمالية: الدعارة والانحراف كانا وباء الإقطاع كما هما بالنسبة للرأسمالية اليوم. آنذاك كما اليوم العلاقات والروابط العائلية تراخت، آنذاك كما اليوم السلطة السياسية والإدارية غير مركزية. في نظام الإقطاع الفرسان يحاربون باسم ولاتهم، اليوم حل محل الفرسان الجنرالات والكولونيلات والجيش. باختصار: آنذاك كما اليوم، العقلية الاستحواذية هي السائدة وهي التي تصنع القانون. لهذه الأسباب جميعاً أعتبر النظام الإقطاعي والرأسمالية فرعين مختلفين لنفس الشجرة المسماة عصر الجمَّاعين» (ص ٣٠٣) . الرأسمالية الغربية التي تمثلها أمريكا أعظم تمثيل تنحدر، «أعراض هذا الانحدار في الحاضر يمكن رؤيتها لكل من يتجشم مشقة النظر: معدلات الجريمة المروعة، تفكك الروابط العائلية وآثارها على المسنين، نسبة الطلاق المرتفعة، والتسامح الفاضح مع البورنوغرافي (الفن الخليع) والدعارة، وموجة سوء استخدام المخدرات، وإدمان الكحول، وتحول الفن والرياضة وعملياً كل شيء إلى تجارة، وعدم إحساس العمال العاملين بالآخرين العاطلين.. هي جميعاً أعراض أزمة تعصف بالرأسمالية اليوم. إنها جميعاً أعراض لا تظهر إلا في نهاية عصر الجمَّاعين» (ص ٣٠٥) . الإعداد: إن ما يذكره الدكتور (سقوط) عن ظهور أمراض اجتماعية في المجتمع الأمريكي صحيح تماماً، «وتعكس هذا: الأوضاع الصحية المتفاوتة، وبنية الثروة والمداخيل الحالية في أمريكا؛ حيث يكسب مدير مؤسسة كمعدل وسطي ما يبلغ حوالي ٩٠ مرة أكثر مما يتقاضاه العامل الصناعي (مقابل ٤٠ ضعفاً عام ١٩٨٠م) وفي الوقت نفسه: يكسب ٣٠% من الأمريكيين السود و٢٠% من الإسبان أقل من حد الفقر الرسمي ويعيشون في مدن الصفائح. وما يزيد هذه الوضعية خطورة: كمية المخدرات التي يستهلكها الأمريكيون، ووفق بعض التقديرات: تستهلك الولايات المتحدة التي تضم من ٤ إلى ٥% من سكان العالم ٥٠% من الكوكايين العالمي، ويؤدي مثل هذا الإدمان إلى ضغوطات قوية على الأجهزة الصحية. ولا يقتصر الأمر على علاج الراشدين؛ إذ ولد عام ١٩٨٩ م وحده ٣٧٥٠٠٠ من الأمريكيين وهم مدمنون أصلاً، وخاصة على الكوكايين والهيرويين. وبدورها، تغذي المخدرات الجريمة التي تبدو في الولايات المتحدة أعلى من أي بلد صناعي آخر، وبفضل ما لرابطة National Rifle Association من سلطة سياسية، يستطيع الأمريكيون اقتناء الأسلحة القاتلة واستخدامها بسهولة تذهل المراقبين الأجانب. ويقدر أن بحوزة الأمريكيين ٦٠ مليون مسدس و ١٢٠ مليون بندقية، وأنهم يتقاتلون بمعدل ١٩٠٠٠ شخص كل سنة بالمسدسات بصورة رئيسة. ويصل معدل جرائم القتل بالنسبة لعدد السكان إلى أربعة أو خمسة أضعاف ما هو عليه في أوروبا الغربية، (فيما يصل معدل حوادث الاغتصاب إلى سبعة أضعاف، والاغتصاب مع العنف إلى عشرة أضعاف) ويعتقد الخبراء أن لهذا العنف جذوراً ثقافية، ولا يمكن رده حصراً إلى الفقر؛ فمعدل جرائم القتل أعلى بكثير في نيويورك منه في أكواخ كالكتا [بالهند] مثلاً، وفي سياتل Seattle المدينة المزدهرة التي اعتبرت مؤخراً الأولى في الولايات المتحدة بالنسبة لنوعية الحياة، يصل عدد جرائم القتل إلى سبعة أضعاف عددها في بيرمينغهام Birgmingham في إنجلترا. كما أنه لا يمكننا رغم ذلك تفسير العنف بغياب القمع وتقصير الشرطة؛ فانطلاقاً من الأرقام الأخيرة: تؤوي السجون الأمريكية أكثر من مليون محكوم، أي نسبة أعلى من تلك التي نجدها في جنوب إفريقيا وفي الاتحاد السوفييتي السابق، ومن أصل كل ١٠٠. ٠٠٠ أمريكي زنجي نجد ٣٠٠٠ في السجن، فيما كانت إفريقيا الجنوبية ولفرض التمييز العنصري تسجن ٧٢٩ أسود من أصل كل ٠٠٠,١٠٠» (ص ١٩٦ ١٩٨) . هذا، بينما «تبلغ نسبة المجرمين المسجونين في الولايات المتحدة ٤٢٦ من أصل كل ١٠٠. ٠٠٠ نسمة، أما المعدل في أستراليا فهو ٧٢، وفي هولندا ٤٢ فقط، وكان المعدل السوفييتي ٢٦٨ لكل ٠٠٠,١٠٠ ويشكل السود الذين لا يتجاوز نسبتهم ١٢% من السكان في أمريكا نصف المساجين تقريباً» (ص ٢٣٨) . طليعة: أضف إلى ما ذكر: في الأمن: يكشف «التقرير الأخير لـ» صندوق حماية الأطفال «المؤسسة الرئيسة لحماية الأطفال في الولايات المتحدة رصد الخط البياني الصاعد بلا توقف للأطفال والمراهقين المقتولين بالأسلحة النارية:» منذ عام ١٩٧٩م وحتى ١٩٩١م قتل ما يقرب من ٥٠ ألف أمريكي أقل من تسعة عشر عاماً (٩ آلاف أقل من أربعة عشر عاماً، و٤٠ ألفاً بين خمسة عشر وتسعة عشر عاماً) قتلوا برصاصات أو حوادث أو جرائم متشابكة. في خلال الفترة ذاتها، نجد أن عدد المحتجزين لارتكاب جرائم قتل وذبح ممن هم دون سن التاسعة عشرة قد تزايد بنسبة ٩٣% « وحسب ما ورد في التقرير ذاته، فإنهم في الأغلب الشباب الذين يقتلون أو يصيبون شباباً آخرين» (ص ٩٧) . وفي العدالة الاجتماعية: «أثبتت إحدى الدراسات التي أعقبت أحد المؤتمرات، ونشرت في مارس عام ١٩٨٩م أثبتت أن:» الخمس الأكثر حرماناً الأقل من مستوى خط الفقر من السكان، رأى انخفاض عائداته بـ ٦% من عام ١٩٧٩م حتى عام ١٩٨٧م، في نفس الوقت ارتفعت الدخول بنسبة ١١% بالنسبة للخمس الأكثر رفاهية «هذه الإحصاءات قد رصدت أيضاً التضخم، وشملت المبالغ المنفقة في الدعم الاجتماعي والضرائب، فالخمس الأكثر حرماناً انخفضت بالفعل عائداته الشخصية بنسبة ٩. ٨%، بينما ارتفعت العائدات الشخصية للخمس الأكثر رفاهية بنسبة ١٥. ٦%. لقد اعترف التقرير ذاته» بالمعازل «الاقتصادية:» فلقد اتسعت الفجوة بين الأمريكيين الأغنياء والفقراء في الثمانينيات، بحيث أمست في عام ١٩٩٠م، عائدات ميلونين ونصف المليون من الأغنياء تساوي مجموع عائدات مائة مليون مواطن قابعين أسفل السلم الاجتماعي « (مكتب ميزانية الكونجرس، ١٩٨٩م) » (ص ٩٠) . «كما أن هناك» عنصرية اقتصادية «حقيقية تقسم الولايات المتحدة إلى أمتين؛ ففي هذا البلد الذي يجوع فيه طفل بين كل ثمانية أطفال، لا يَكُف عدد الأطفال الذين يموتون في الأحياء الأكثر فقراً عن الزيادة، وتتعدى معدلات موت الأطفال في مثل هذه الأحياء الفقيرة معدَّله في دول مثل سري لانكا وبنما وشيلي وجاميكا» (ص ٩٨) . وفي الاقتصاد: تعيش الولايات المتحدة «أعلى بكثير من إمكاناتها: فاستغلال العالم يتم على نفس النحو الذي تمت به مجازر الهنود، كما لو كانت مذابح الهنود الحمر لم تكفها، ويبرز هذا التعدي للحدود في التسلط القائم رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الأغنى رسمياً في العالم، ولكنها في الواقع أكثر دولة مدينة أيضاً بما يقدر بـ ٣٠٠٠ مليار دولار من الدين الخاص، ومبلغ مماثل من الدين العام، وهذا يعني ما يساوي ثلاثة أضعاف ديون كل دول العالم الثالث مجتمعة» (ص ٩٧) . وفي الاطمئنان النفسي: «يتساوى حجم تجارة المخدرات مالياً مع حجم تجارة السيارات والصلب داخل الولايات المتحدة، كما يتزايد الاستهلاك يومياً مع افتقاد معنى للحياة وتفشي البطالة والإقصاء، ولأسباب أخرى عديدة. كما أصبحت الغاية الوحيدة لاستهلاك المخدرات هي الإحساس بسعادة التسوق في السوبر ماركت التي تسمح بها. وهكذا، فمما له مغزى كبير: أن انتحار المراهقين ترتفع معدلاته في البلدان الأغنى كما في الولايات المتحدة والسويد ومن ثم ينتحر الشماليون لغياب الغايات، بينما يموت الجنوبيون لنقص الوسائل!» (ص ٤٢) . ولكني مع كل ذلك أقول: إن من أهم أسباب الانحطاط في المجتمع الأمريكي : الانحطاط الثقافي الذي يسوده منذ زمن «ذلك أن انحطاط الثقافة ينبع من تاريخ الولايات المتحدة ذاتها ومن تكوينها؛ لأن الثقافة لا تلعب أي دور منظم في حياة المجتمع الأمريكي» (ص ٤٧) . وقد رصد ألكسيس دي توكفيل هذه الظاهرة في كتابه عن «الديمقراطية الأمريكية» في عام ١٨٤٠م عندما قال: «لا أعرف دولة يوجد بها هذا القدر القليل أو المنعدم لاستقلالية العقل والمناقشة كما في الولايات المتحدة» (ص ٦٥) أي: ديكتاتورية في الفكر. و «في القرن العشرين، أصبحت تلك السيطرة على الفكر أكثر إحكاماً، شخصيات عامة، وباحثون في العلوم السياسية، وصحفيون، وممثلو الصناعة، ورجال العلاقات العامة التي يتعاظم نموها، وآخرون، اعترفوا بأنه في بلد يصبح فيه صوت الشعب مسموعاً يكون ضرورياً أن يظل هذا الصوت يقول ما يتناسب مع النظام العام!» (ص ٦٥) أي: مسايرة العامة وحتى لو كانوا غوغاء! الإعداد: أحب أن أشير هنا إلى أن الأزمة في ثقافة المجتمع وليست في نظامه التعليمي، فيؤكد الخبراء: أن «الأزمة ليست موجودة في المدرسة، بل إن المجتمع الذي بناه الأمريكيون أعطاهم بدوره نظام التعليم الذي يستحقونه، وهم يرون أن ميل الثقافة الأمريكية إلى الابتذال أي: التركيز على رغبات المستهلك، وثقافة البوب، والرسوم المتحركة، والضجة واللون واللهو بدل التشجيع على التفكّر الجدي، هو بمثابة جرح ناتج عن طعنة وجّهها المجتمع إلى جسده، يشاهد الطفل الأمريكي المتوسط خمسة آلاف ساعة أمام الشاشة الصغيرة قبل أن يدخل إلى المدرسة، وعندما سيخرج منها يكون قد مكث عشرين ألف ساعة أمامها. وما يفاقم هذه الثقافة الشبابية غير التفكرية التي تستمر فيما بعد عبر الانجذاب إلى الرياضة والمنشورات السيئة إنما هو تفككُ العائلة، خاصة في أوساط الزنوج الأمريكيين، وهو ما يدفع بالكثير من الأمهات إلى مواجهة مصيرهن بمفردهن، وكذلك تعاظم عدد النساء العاملات الذي يؤدي (وبعكس ما هو سائد في مجتمعات شرق آسيا) إلى غياب الأم» المربية الأولى «عن البيت خلال فترة طويلة من النهار، وعدا أطفال بعض المجموعات التي تشدد على أهمية التربية (الأمريكيون من أصل آسيوي) يتشرب الطفل الأمريكي المتوسط القيمَ التي تنتجها صناعة ترفيهية فارغة، بدل القيم التي تستند إلى مرجعيات أخلاقية وتنشر الانضباط وحب التطلع الفكري الذي يدفع إلى التدريب، ومن غير الممكن رغم ذلك الطلب من المدارس، خاصة في المدن، أن تعالج الأزمة الاجتماعية الثقافية» (ص ٢٠٣ ٢٠٤) . «أليس هذا ما يفسر لماذا يتناقص إقدامُ الأمريكيين على الاقتراع؟ فإذا كان الأمريكي المتوسط لا يهتم إلا قليلاً بالثقافات الأجنبية، ولا يستطيع تعيين الخليج العربي على الخريطة؛ فكيف سيفهم حيثيات التدخل في الخارج أو الحاجة إلى زيادة المساعدات المخصصة للتنمية، أو كيف سيتابع التغيرات التي تُحدثها القوى العالمية؟» (ص ٢٠٤ ٢٠٥) . يجب دائماً أن ننتبه إلى أنه «فيما يتركز قسم كبير من الجدل حول (أفول وتجدد) الولايات المتحدة على الاقتصاد، فإن فشل النظام التربوي إضافة إلى النسيج الاجتماعي ورفاهية الناس وحتى حياتهم السياسية يشكل أيضاً موضوعاً لمناظرات عديدة، وذلك على الأرجح لوجود تخوف من أن يكون العجز عن المنافسة ناتجاً عن أسباب عميقة وليس فقط مثلاً عن معدل غير كافٍ للتوفير. والواقع: تبقى الفرضية بأن الشعب الأمريكي قد اختار الطريق السيئ ما يتميز به أساساً هذا الفكر. وكما يقول المعلق التلفزيوني الشهير جون شانسلور:» القوة متوافرة، غير أن مجموعة من عوامل الضعف تقوضها ... «» (ص ١٩٥) . المضيف: أفهم من ذلك أن عوامل انحطاط أمريكا تكمن داخلها.. سقوط: في الحقيقة، لو تحدثنا على المستوى المادي فإنه يوجد «في أمريكا جيل جديد من الاقتصاديين الكلاسيك الجدد بدأ يعترف ببعض فشل الرأسمالية، مثل: غياب المنافسة الكاملة، قلة إنتاج الخيرات المطلوبة اجتماعياً مثل الطرق والحدائق، وجود آثار جانبية غير مرغوبة اجتماعياً مثل تلوث الجو وتوسيخ البيئة، وفوق كل شيء الأزمات الاقتصادية» (ص ٢٩٨) . وفي المقابل «المدافعون عن الرأسمالية يؤكدون أن النظام لا زال سليماً، وأنه لم يشهد في التاريخ مثل هذا الازدهار، وأنه رغم التركيز الهائل للثروات في بعض الأيدي، فإن أي نظام لم يقدم مثل هذا القدر من الرفاهية والسعادة لهذا العدد الكبير من المواطنين، هنا بالضبط يخدعون أنفسهم! ؛ الشيء الوحيد الذي له حساب عندهم هو المادة، ولكن في العمق هذه المادية الفائقة خاصة هذه المادية التي نراها والنفاق الرأسمالي هما المسؤولان عن كل أمراض المجتمع، قادة العالم الغربي لا يوحون اليوم لا بالثقة ولا بالاحترام، كل ما يثيرونه هو الغيرة: الغيرة من حياتهم المرفهة، الغيرة من السهولة التي يخدعون بها الجمهور العام» (ص ٣٠٥) . وكما ذُكِر سابقاً فإنه «حتى في المستوى المادي، بعض ادعاءات الرأسمالية وليس كلها زائفة. أمريكا التي تضم ٦% من سكان العالم تستهلك على الأقل ٣٠% من الموارد الطبيعية في العالم كله. ومع ذلك يوجد داخل حدودها فقر حاد خاصة بين السود والأقليات الأخرى فإذا كان هذا أفضل ما تستطيع الرأسمالية عمله بعد أن تستنزف كل سنة ثلث الموارد العالمية، فإننا نتساءل: لماذا الازدهار الاقتصادي يكون موضع هذاالصخب؟ !» (ص ٣٠٦) . الإعداد: «الواقع أن حجم الاقتصاد الأمريكي، وما يتصف به من تعقيد، لا يسمحان بتصنيفه في خانة الاقتصاد الضعيف إلى حد اليأس، ولا بالمقابل في خانة الاقتصاد الجبار: إنه مزيج من القوة والضعف.» (ص ١٨٣) هذا إذا تحدثنا عن الاقتصاد، وهو جانب مهم جداً من وجهة نظري. ولكني ألفت النظر إلى وجود أبعاد خارجية أيضاً بالنسبة لتقدم أو تأخر (أو ما تسمونه انحطاط) أمريكا، وخاصة في الجانب الاقتصادي، وهي تتمثل في المنافسة الشديدة، ليس فقط مع خصومها، بل حتى مع أصدقائها، كما تتمثل في أولويات الإنفاق والاهتمام بالنسبة لأمريكا مقارنة مع هؤلاء الأصدقاء والحلفاء «ففي عام ١٩٨٨م مثلاً خصص أكثر من ٦٥% من الأموال الموجودة للأبحاث الفدرالية للدفاع، مقابل ١٥، ٠% لحماية البيئة و ٢، ٠% لتطوير الصناعة. ولْنُشر هنا أيضاً إلى أن الولايات المتحدة عمدت وهي تخوض سباقاً مكلفاً على التسلح مع موسكو، ولتحسين حصتها من السوق العالمية.. إلى منازلة حلفاء لها مثل اليابان وألمانيا اللتين لا تخصصان إلا نسباً أدنى من مواردهما للدفاع، ويتوفر لهما بذلك ما يلزم من رساميل وجهاز بشري وأبحاث للصناعة التجارية، أي ما لا يحصل عليه قسمٌ من القاعدة الصناعية الأمريكية. إذاً والحال هذه، يطلب الأمريكيون من حلفائهم المزيد من المساهمة في الدفاع المشترك؛ بحيث يتمكنون من عصر النفقات العسكرية لتلبية الحاجات اليومية» (ص ١٨٢) . المضيف: كلامك الأخير يوضح لنا لماذا تصر أمريكا دائماً على إشراك حلفاء وأصدقاء لها في حروبها المعاصرة حتى لو لم يكن لهؤلاء الحلفاء ناقة ولا جمل في هذه الحروب، وهنا تختلط مصلحة أمريكا بمصلحة النظام العالمي الذي روجته ثم أعلنت نفسها حامية له. نشوء [١] : دعني أوضح لك الأمر بجلاء أكثر وأضرب لك مثالاً: عندما تكون في سباق ما: لا يعد تقدمك للأمام وحده تقدماً، ولكن ينبغي أن يقاس هذا التقدم نسبة إلى مواقف منافسيك الآخرين، فلو كنت تتقدم ومنافسوك يتقدمون أكثر منك فإنك في الحقيقة تعد متأخراً.. أليس كذلك؟ وقد يزيد من صعوبة موقفك وجود أثقال تحملها وحدك أو وجود انحراف في مسار سعيك للوصول للهدف، لذا: فمن طرق تحقيق تقدمك: إلقاء بعض هذه الأثقال على منافسيك، فإذا نجحت في ذلك فإنك سوف تتخفف منها ويزداد تقدمك في الوقت الذي يقل فيه تقدم منافسيك نتيجة الأثقال التي أُلقيت عليهم، ومن هذه الطرق أيضاً: تصحيح مسار سعيك نحو الهدف أو وضع منافسيك في مسار خاطئ يبعدهم عن الوصول إلى الهدف.. تعال نطبق ذلك على التنافس (أو الصراع) بين الدول، فأقول: «إن القوى النسبية لدول المقدمة ذات التأثير على الشؤون المالية العالمية لن تبقى ثابتة أبداً؛ لسببين: أولهما: تباين معدل النمو للمجتمعات المختلفة، وثانيهما: تفاوت الاتجاهات التكنولوجية والتنظيمية التي تأتي في نهاية المطاف بمنفعة كبرى لهذا المجتمع على حساب الآخر. وهنا نذكر على سبيل الذكر أن قدوم السفن الشراعية ذات القدرة على الإبحار لمسافات طويلة والمزودة بالمدفعية، وكذلك نشوء التجارة عبر المحيط الأطلسي بعد عام ١٥٠٠م، لم يأتيا بالمنفعة (المتساوية) لجميع أوروبا، بل إن بعضها انتفع أكثر بكثير من البعض الآخر. كما أزاد التطور الأخير الذي شهدته الطاقة البخارية وكذلك نمو مصادر الفحم والمعادن من القوة النسبية لبعض البلدان، وبالتالي: قلل من القوة النسبية لبلدان أخرى. فالبلدان حيثما أدركت أن قدرتها الإنتاجية قد تعاظمت كان يسيراً عليها أن تتحمل أعباء الإنفاق على تسليح واسع النطاق في عصر السلم، وأن تحافظ على جيش جرار وأساطيل ضخمة تأتيها بالذي تحتاجه في أيام الحرب. قد لا يبدو هذا التعبير ناضجاً من وجهة النظر التجارية، لكن الثروة سلاح لدعم القوة العسكرية، والقوة العسكرية ثروة مكتنزة تتيح الحصول على الثروة وحمايتها. فلو خصصت الدولة نسبة كبيرة من مصادرها لأغراض عسكرية فحسب بدلاً من توظيفها لأغراض إيجاد الثروة وتنميتها لاختطت لنفسها طريق التداعي على المدى البعيد. وستلقي الدولة بنفسها في خطر توسعها الاستراتيجي المفرط أي احتلالها لمناطق شاسعة أو ولوجها حروباً باهظة التكاليف لو رجحت كفة الإنفاق الهائل على مثل هذا التوسع الخارجي الفائدة المرجوة منه، وتلك مصيبة ستزداد حدة عندما تدخل تلك الدولة مرحلة الانهيار الاقتصادي النسبي. ويبين لنا تاريخ نشأة وسقوط بلدان كانت طليعية في ميزان القوى العظمى منذ التقدم التي شهدته أوروبا خلال القرن السادس عشر (إسبانيا هولندا فرنسا الإمبراطورية البريطانية وحديثاً الولايات المتحدة) ترابطاً دالاً (على المدى البعيد) بين الإنتاج ونمو عوائده من جهة وبين القوة العسكرية من جهة أخرى» (ص ١٢ ١٣) . الإعداد: وهناك بُعْد آخر في هذا الموضوع، وهو بعد التدخل (الأجنبي) في بنية المجتمع والدولة الأمريكية نتيجة تبني سياسة العولمة بصورة واسعة مؤخراً؛ فالعولمة كما أنها تتيح الفرصة لتدخل أمريكا في العالم فإنها أيضاً يمكن أن تتيح الفرصة لتدخل الآخرين في أمريكا والتأثير فيها «ويتعاظم الآن هذا الاهتمام بالوضعية الاقتصادية الأمريكية، في جو من القلق المتزايد حول ما قد تستتبعه الميول الراهنة من نتائج تطول الأمن القومي والقوة الأمريكية وموقعها في الشؤون العالمية. ماذا سيجري إذا ما امتلك بعضُ الأجانب احتكاراً في صناعات تزوّد البنتاغون؟ ، أو إذا لم يعد بالإمكان الحصول على سلعة ذات أهمية عسكرية كبرى إلا من الخارج؟ هل سيُدفع ثمن سياسي إضافة إلى الثمن المالي من جراء هذه التبعية؟ ( ... ) وماذا سيحصل إذا ما بات الاقتصاد الأمريكي ينمو بنصف سرعة اليابان أوالمجموعة الأوروبية طوال العشر أو العشرين سنة المقبلة؟ ، هل يستمر توازن القوى المنتجة بالتبدل، لكي تُخلع الولايات المتحدة في نهاية المطاف عن المرتبة الأولى؟» (ص ١٩١ ١٩٣) . طليعة: اسمحوا لي أن أسجل نقطتين بعد هذا الكلام الجيد: النقطة الأولى: هي عن العلاقة بين أمريكا والقوى الدولية الأخرى، فأوروبا «لم تعد الحليف المؤكد والدائم للولايات المتحدة الأمريكية. ولم يظهر هذا الموقف في معاهدة ماستريخت فقط؛ فتلك المعاهدة التي تهدف منذ توقيعها إلى استقطاب كامل لأوروبا بجعلها ملحقة خاضعة وثانوية لحلف الأطلنطي، ما زالت تظهر يوماً بعد يوم آثارها السلبية وأضرارها الاقتصادية والثقافية، وتوضح أكثر فأكثر انقسام الأوروبيين فيما بينهم (....) يتلازم هذا الانقسام مع تحول الولايات المتحدة الأمريكية من أكبر دولة دائنة في العالم إلى أكبر دولة مدينة في العالم. ومعدل الاستثمار في الولايات المتحدة الأمريكية يعد الأقل بين الدول الصناعية الكبرى؛ فبرغم قوتها العسكرية التي لا تعتمد على قوة المقاتلين والتي لا تتمنى كما تشير تقارير البنتاجون إلا دخول حروب» لا تخسر فيها قتيلاً واحداً «، وذلك بإمكاناتها التقنية العالية الخاصة بإدارة المعارك عبر الضغط على أزرار الكومبيوتر والمراقبة بشاشات الرادار، بهدف أن يصبح قادتها بذلك أسياد العالم.. برغم كل ذلك تحولت الولايات المتحدة شيئاً فشيئاً إلى عملاق بكعب» أخيل «» (ص ٣٥ ٣٦) . «لهذا الضعف الواضح والقصور، تقامر الولايات المتحدة حتى الآن وحتى إشعار آخر، على سياسة التسليح لمواجهة صعود أي عمالقة آخرين إلى قمة العالم التي تعتليها. ومن ثم: فهي لا تسلح فقط مرتزقها الرئيسي في الشرق الأوسط ( إسرائيل) تسليحاً كثيفاً، بل تسعى أيضاً لعرقلة صعود الصين، بينما تسعى إنجلترا إلى تمييع عودة هونج كونج إلى الصين، وتبعث الولايات المتحدة طائرات تقدر قيمتها بأربعة مليارات ونصف المليار إلى تايوان، كما تبيع حليفتها فرنسا لتايوان ٦٠ طائرة ميراج، وذلك للحيلولة دون أن تصبح الصين الموحدة قوة عالمية بسوقها الداخلية المحتشدة بمليار ومائتي مليون نسمة، وبمواردها الطبيعية الهائلة، وبأيديها العاملة الكادحة» (ص ٣٦) ، وهذا يقودنا إلى: النقطة الثانية: والتي هي عن مكانة التسلح والحروب في الاستراتيجية الأمريكية الساعية إلى الهيمنة على العالم؛ فمن المعروف أنه «في صبيحة الحرب العالمية الثانية، حددت الولايات المتحدة معالم خططها الجيوسياسية، إذ إن مجموعات بحث في» معهد العلاقات الخارجية « (المؤثر جداً في عالم المال وفي عالم السياسة الخارجية) ، ووزارة الخارجية، قد وضعا مصطلح ما يسمى بـ » المجال الكبير «، وهو ما يجب أن يظل خاضعاً لمصالح الاقتصاد الأمريكي، ويجب أن يضم على الأقل نصف العالم الغربي والشرق الأقصى والإمبراطورية البريطانية القديمة.» وبرغم خضوعها، فإنه يجب مع ذلك في حدود الممكن تنميتها وتطويرها لتكوّن نظاماً كاملاً ومستقلاً نسبياً، وتضم في كل الأحوال أوروپا الغربية وخزانات الطاقة بالشرق الأوسط والتي تتحول لتصبح في يد الولايات المتحدة «. (نعوم تشومسكي:» الأيديولوجية والسلطة «. الناشر إبو ص ٢٠) » (ص ٧٣ ٧٤) وقد كتب جورج كينان رئيس إدارة الدولة لفريق التخطيط عام ١٩٤٨م ( وثيقة هيمنة) قال فيها صراحة: «نحن نملك حوالي ٥٠% من ثروة العالم، غير أننا نمثل ٣، ٦% من سكانه فقط.. وفي مثل هذا الوضع، لا يمكن تجنب أن نكون هدفاً للضغينة والغيرة .. فمهمتنا الحقيقية في الفترة القادمة هي: تطوير نظام للعلاقات يسمح لنا بالحفاظ على هذه المكانة، دون تعريض أمننا القومي للخطر. ولتحقيق هذا علينا أن نتخلص من أي رومانتيكية، وأن نكف عن الحلم، مع البقاء متيقظين. ويتعين أن يكون كل تركيزنا منصباً على أهدافنا القومية المباشرة والفورية، وألا يصيبنا الغرور. ولا يمكن أن نسمح لأنفسنا اليوم باتباع رفاهية حب الغير والخير (!) على الصعيد العالمي. وينبغي أن نتوقف عن الحديث عن أهداف كبيرة غير محددة فيما يخص الشرق الأقصى؛ فهو غير قابل للتنفيذ، وكذلك حقوق الإنسان، ورفع مستوى المعيشة، وإرساء الديمقراطية. ولن يكون بعيداً اليوم الذي سيكون علينا فيه استخدام القوة» . (دراسات سياسة التخطيط (P. P. S. لـ ٢٣ فبراير ١٩٤٨م) « (ص ٦٣) . كما عبر وزير الدفاع الأمريكي السابق قبل أن يتبوأ هذا المنصب.. عبّر بوضوح عن أسلوب السيطرة المتوقع من أمريكا، وذلك عندما قال:» إن برامج التعليم في الكليات العسكرية الأمريكية تتغير حسب الأهداف. ولهذا أعلنت الكليات الحربية لتلاميذها أن الدراسات الاستراتيجية للحرب ستتركز حول الحرب في الريف، ومكافحة الإرهاب ومعالجة الأزمات «ذات التكثيف الضعيف» ، أي الحرب المحدودة، وعلى سبيل المثال: غزو بنما؛ لأن الصراعات المحتملة قد تستوجب حرباً «متوسطة الكثافة» مع العدو القوي في العالم الثالث، مما يحتم اهتماماً خاصاً، وبالأخص إذا اعتبرنا القوة احتياجاً حيوياً لفرض السيطرة على أقاليم ومناطق جديدة للحافظ على الإمكانية المفتوحة للوصول إلى الأسواق والمواد الأولية البعيدة «هكذا قال السيناتور ويليام كوهين، من لجنة القوات المسلحة. (مايكل كلير:» القوات الأمريكية تواجه الجنوب «ز Nation س (جريدة الأمة) ، الأول من يونيو عام ١٩٩٠م) » (ص ٨٠ ٨١) . و «لقد تأكدت الرغبة الواضحة للإدارة الأمريكية في الهيمنة على العالم عقب تدمير العراق. ولقد أبرزت وثيقتان للپنتاجون هذا التوجه بوضوح: الأولى تحت إدارة پول دي وولفوفيتش، والأخرى تحت إدارة الأميرال جيريميا نائب رئيس لجنة رئاسة الأركان. وفيما يلي أربعة مقتطفات منهما: *» الولايات المتحدة هي الضامن للنظام العالمي، لذلك يجب أن نتصرف باستقلالية في حال وقوع كارثة تتطلب رد فعل سريع، أو عندما يصعب تجميع موقف عالمي موحد «. *» علينا التحرك لمنع تكوين نظام أمني بأوروپا، يمكنه تهديد توازن حلف شمال الأطلنطي «. *» إذابة ألمانيا واليابان في النظام الأمني الجماعي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية «. *» إقناع جميع المنافسين المحتملين بعدم ضرورة التطفل للعب دور عالمي أكبر من الذي يلعبونه الآن بالفعل «. » للوصول إلى ذلك يجب الحفاظ على وضع القوة الهائلة الخاصة بنا وتخليد الهيمنة عبر إيقاع الهزيمة بأسلوب مدمر وقوة عسكرية تكفي لردع أي أمة أو مجموعة من الأمم عن تحدي إرادة الولايات المتحدة. وذلك يجعلنا نضع في الاعتبار رغبات ومصالح الدول الصناعية المتقدمة لكي لا نشجعها على مجابهة القيادة الأمريكية، أو أن تسعى إلى إدانة النظام السياسي والاقتصادي الموجود «. (كتبها پول دي لاجورس (مدير مجلة» الدفاع القومي «في» لوموند ديپلوماتيك «الفرنسية، في أبريل عام ١٩٩٢م) » (ص ٨٢ ٨٣) . المضيف: كلام مهم ومفيد، ولكني ألاحظ أننا ابتعدنا بعض الشيء عن مسار حديثنا؛ فقد كنا نتحدث عن عوامل الانحطاط الكامنة في أمريكا؛ وتطرق الحديث إلى العوامل الخارجية، ثم علاقة أمريكا بالآخرين واستراتيجيتها في الهيمنة.. إذا أردنا إكمال الحديث من نقطة عوامل الانحطاط، تُرى ما هي رؤيتكم للمستقبل؟ طليعة: ما ذكرته سابقاً لا ينقطع عن الحديث عن عوامل الانحطاط، بل يقدم تصوراً للمستقبل! سقوط: على صعيد الصراعات مع (الآخر) فإني أتوقع أنه في «عام ٢٠٠٠ الصراعات الداخلية التي تختمر سواء قبل أو بعد عام ٢٠٠٠ [٢] سوف تنتهي بأن تصبح على مستوى عالمي. نزاع عالمي يضع العالم كله في حالة هيجان. ومن المحتمل جداً أن المخزون المتكون في العالم بفضل مصانع الأسلحة الأمريكية والروسية والأوروپية، سوف يجد فرصته للتدخل بشكل أو بآخر، في خلال هذا الاضطراب تبرز الحركة الروحية الجديدة إلى السطح» (ص ٣٢٣) . نشوء: وإذا وقع ذلك فإنه حتماً ستكون هناك نتائج كارثية على بعض الأطراف المشاركة فيها، وقد تستفيد منها أطراف أخرى؛ لأنه «إذا كانت الحرب قد أثرت بقسوة على بعض البلدان، فإن بلداناً أخرى أفلتت من لوعتها بل وتحسنت أحوال بلدان أخرى بسببها؛ وما ذلك إلا لأن للحرب الحديثة والإنتاجية الصناعية التي تتولد عنها نتائج إيجابية. واستناداً إلى المعايير الاقتصادية والتكنولوجية البحتة نرى أن هذه السنين قد شهدت تطورات عديدة؛ في إنتاج السيارات والجرارات، وفي الطيران، وتكرير النفط والمواد الكيماوية، وفي الصناعات الكهربائية وسبك المعادن، والتبريد والتعليب، وهكذا بالنسبة لصناعات أخرى. وسيكون من الطبيعي الاستفادة تجارياً من هذه التطورات الاقتصادية لو كان البلد بعيداً عن نيران الخطوط الأمامية. وهكذا وجدت [في السابق] الولايات المتحدة تحديداً ومعها كندا وأستراليا وجنوب إفريقيا والهند وأجزاء من أمريكا الجنوبية، وجدت اقتصادياتها تنمو وتحفز بالطلب المتزايد لأوروپاالتي ترنحت بحرب استنزاف من الصناعات والمواد الخام والمواد الغذائية. وكما هو شأن الصراعات التجارية السابقة، فإن مصائب قوم عند قوم فوائد شريطة أن يتجنب القوم المستفيد كلفة الحرب، أو أن يحمي نفسه في أقل تقدير من عصفة الحرب الكلية» (ص ٤٢٣ ٤٢٤) . سقوط: أما على المستوى الداخلي للمجتمع الرأسمالي وعلى رأسه أمريكا فإن «التاريخ يقول لنا إنه عندما يكتسب القادة عقلية استحواذية مفرطة، ويفقدون الإحساس بمعاناة الفقراء، فإن الوضع الاقتصادي يسوء حتى يقود إلى ثورة لا مفر منها. هذا ما حدث قريباً في الكتلة السوفييتية، ويحدث في كل مرة يسود فيها الطغيان» (ص ٣٤٦) . ف «الدراسة الجادة لأهم ثورات العالم: الثورة الفرنسية، الثورة البلشفية ... ثورة ماو ... إلخ، تُظهر قضية مشتركة: أنها اندلعت جميعاً بسبب إفراط بيروقراطي شمولي غير مبالٍ بظروف الجماهير وبسبب تدخل الرأسماليين المثقفين. الغول البيروقراطي نفسه يهدد اليوم بتقويض العالم الغربي، هذا الغول يتضخم يومياً ومستمر في ذلك، في المستقبل القريب ينتهي بإرغام الجماهير على رفع السلاح لكنسه هو والذين أوجدوه» (ص ٣٠٧) . «التركز المتطرف للسلطة السياسية في الكتلة السوفييتية أدى إلى انهيار الشيوعية، والتركز المتطرف للثروة في الغرب يسرع بسقوط الرأسمالية» (ص ٣٤٧) . طليعة: في الحقيقة فإن المظالم التي اقترفها هذا المجتمع مستمرة منذ زمن بعيد، وقد طالت أمماً كثيرة في بقاع عديدة من العالم وليست داخل الغرب وأمريكا فقط: «* فمن الذي يعيد لپيرو الـ ١٨٥ ألف كيلو جرام من الذهب، والـ ١٦ مليون كيلو جرام من الفضة، التي اعترف» بيت العقود التجارية «لأشبيلية بنزحها ما بين عامي ١٥٠٣م و١٦٦٠م؟ ! * ومن الذي يعوض هنود أمريكا عن قتلاهم [تقلص عددهم من ١٠ ملايين إلى ٢٠٠ ألف] وعن نهب واغتصاب قارتهم؟ ! * ومن الذي يعوض الهند القديمة، المصدرة العالمية للنسيج، عن ملايين أطنان القطن المنهوبة من زارعيها بأسعار بخسة؟ ! ومن يعوضها عن تدمير وحرق الأنوال اليدوية لصالح مصانع لانكشاير الكبرى؟ ! . * ومن يعيد إلى إفريقيا حياة الملايين من أبنائها الأشداء الذين نقلوا عبيداً للأمريكتين عن طريق النخاسين الغربيين طوال ثلاثة قرون؟ !» (ص ٢٠٨) . سقوط: إذا صدق حسي فإن عصر الجمَّاعين الحالي «قد بدأ في الغرب نحو عام ١٨٦٠م، ليبلغ ذروته في حوالي الثلاثينيات، وهو في حالة انكماش منذ تلك الحقبة. التجربة التاريخية تعلمنا أنه في عصر ما مدة التيارات الصاعدة والهابطة تقريباً متساوية. إذاً الاتجاه الصاعد للرأسمالية استمر ما بين ٧٠ و٨٠ عاماً تقريباً، فإن انحدارها سوف يستغرق في العموم عدد السنوات نفسه. وهذا يعني أن الثورة الاجتماعية التي تخلع الجمَّاعين عن عرشهم يجب أن تحدث عام ٢٠١٠م أو عام ٢٠٢٠م تقريباً» (ص ٣٠٧) . طليعة: أريد أن أختم كلامي حول هذا الموضوع بأن أقول: «لقد تحول الوهم الذي دام مائة عام بالحلم الأمريكي إلى كابوس أمريكي بسبب رغبة قادة أمريكا في السيطرة على العالم، وبسبب جموحها البربري في التسلح، وبسبب نفاق تلك» الليبرالية «الاقتصادية المفروضة على الشعوب لامتلاك أسواقها بإنشاء عدة إمبراطوريات للشر متعاقبة، تسوِّغ إرهابها الخاص باسم محاربة الإرهاب، وتسوِّغ» جرائمها ضد الإنسانية «» (ص ٢٢١ ٢٢٢) . المضيف: إذن ماذا تريد أمريكا من نفسها ومن العالم؟ وإلى أين تتجه هذه الصخرة التي يدحرجها طوفان المادية من علٍ؟ وما مصير من يريدون اللحاق بأمريكا؟ هل لنا أن نفهم أنفسنا قبل أن نفهم أمريكا؟ !

стр. 4171

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش qatamish@albayan-magazine.com الفاشية الأمريكية إن التحدي الذي يواجه الولايات المتحدة اليوم هو أكثر من مجرد معركة مع مجموعة صغيرة من الإرهابيين؛ فبحر الفاشية الإسلامية الذي يسبح فيه الإرهابيون يشكل تحدياً أيديولوجياً هو في بعض جوانبه أكثر أساسية من الخطر الذي شكلته الشيوعية. كيف ستتقدم مسيرة التاريخ العريضة بعد هذه النقطة؟ هل سيحصل الإسلام الراديكالي على مزيد من المؤيدين وأسلحة جديدة أقوى يهاجم بها الغرب؟ من الواضح أننا لا نستطيع أن نعرف، لكن بعض العوامل ستشكل مفاتيح لذلك. أول هذه العوامل هو نتيجة العمليات الدائرة الآن في أفغانستان ضد طالبان والقاعدة وبعدها صدام حسين في العراق، وبالرغم من رغبة الناس في الاعتقاد بأن الأفكار تعيش أو تموت نتيجة استقامة أخلاقياتهم الداخلية فإن القوة لها شأن كبير، فالفاشية الألمانية لم تنهر بسبب تناقضاتها الأخلاقية الداخلية، بل ماتت لأن ألمانيا احتلت وتحولت إلى أنقاض بفعل قصف جيوش الحلفاء. وقد كسب أسامة بن لادن شعبية هائلة لنجاحه في الهجوم على البرجين التوأمين، وإذا ما علق مجازاً على عمود كهربائي في ميدان عام من قبل القوات الأمريكية مع من حماه من طالبان فإن جاذبية حركته ستقل كثيراً، وبالعكس إذا استمرت المواجهة العسكرية بشكل غير مؤثر فإن الفاشية الإسلامية ستحصل على مزيد من التأييد. يجب على المسلمين المهتمين بصيغة إسلامية أكثر ليبرالية أن يتوقفوا عن لوم الغرب على أنه يرسم الإسلام بريشة عريضة جداً، وأن يتحركوا لعزل المتطرفين بينهم وتقويض شرعيتهم، وهناك بعض الدلائل على أن ذلك يحصل الآن؛ فالمسلمون الأمريكيون يستيقظون الآن ليكتشفوا مدى تأثير الوهابية داخل مجتمعاتهم نفسها ويحتمل أن يدرك الذين يعيشون في الخارج منهم هذه الحقيقة إذا تحول المد بشكل واضح ضد الأصوليين في أفغانستان. إن الصراع بين الديمقراطية الليبرالية الغربية والفاشية الإسلامية ليس صراعاً بين نظامين حضاريين يتمتعان بقابلية البقاء نفسها ويستطيع كلاهما ركوب العلم والتكنولوجيا وخلق الثروات والتعامل مع التنوع الموجود في عالمنا المعاصر، وفي هذه المجالات كافة فإن المؤسسات الغربية تسيطر على الأوراق كلها؛ ولذلك فهي ستستمر في الانتشار في أنحاء العالم على المدى الطويل لكن الوصول إلى هذا المدى الطويل يتطلب أن نبقى أحياء على المدى القصير، ولسوء الحظ فإن التقدم التاريخي ليس حتمياً، وهناك القليل من النتائج الجيدة عدا القيادة والشجاعة والتصميم على خوض المعركة دفاعاً عن القيم التي تجعل المجتمعات الديمقراطية المعاصرة ممكنة. [فرانسيس فوكوياما، مجلة نيوزويك، العدد: (٨١) ] وعتوا وعتواً كبيرا أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانًا يحاكي أسلوب الإعلانات الدبلوماسية الهامة لتعبر عن أسفها لغياب الثلج مع حلول أعياد الميلاد ورأس السنة. وأعلن ريتشاردباوتشر الناطق باسم وزير الخارجية كولن باول في البيان " إننا ندين تخلف الثلج عن موسم الأعياد " راجيا " الطبيعة الأم " أن تعالج هذه المسألة، وجاء في البيان أنه " لا يمكن الشيء أن يسوغ إفساد هذا الحدث الهائل، إننا ندعو الطبيعية إلى القيام بمبادرة فورية! ! وأكد باوتشر خلال حفل استقبل للصحافيين بمناسبة حلول نهاية السنة أن عدم تساقط الثلوج في العاصمة الأمريكية هو من العوامل المسببة للمشكلات التي تعصف بالعالم. وقال الناطق: إننا نعتبر استمرار الطبيعة في رفض القيام بواجباتها حيال الدول المتحضرة عملا استفزازيا وغير إيجابي. لذا ندعو الطبيعة إلى اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية بغية تساقط كمية مناسبة وذات مصداقية من الثلج! ! وأضاف باوتشر أن الولايات المتحدة " تجدد التزامها بتمضية أعياد مجيدة سواء مع تساقط الثلوج أو بدونها ". [صحيفة السبيل، العدد (٤١٥) ] سلام.. على الأمن ١- قوى «السلام» التي تقودها الأمم المتحدة من البريطانيين والتي تتشكل من عدة آلاف تعتقد أنها ستضطر للدفاع عن بعثات المساعدات الإنسانية من اللصوص والمنشقين عن حركة طالبان. في الواقع، ستضطر إلى محاربة المافيات التابعة لقوات التحالف الشمالي، وتجار المخدرات والقادة العسكريين، وكذلك رجال حرب العصابات الذين يرسلهم الناجون من أتباع أسامة بن لادن. أقل ما يمكن قوله هو أن حركة طالبان جعلت طرقات وقرى أفغانستان آمنة للأفغان وكذلك للأجانب. أما الآن، فنادراً ما يمكنكم القيادة من كابول إلى جلال أباد. الكاتب الإنجليزي، روبرت فيسك، موقع جريدة الشعب http://alarabnews.com/alshaab ٢- بالنسبة للكثيرين من سكان مدينة جلال أباد الحدودية الواقعة شرق أفغانستان كان انسحاب ميليشيات طالبان مؤخراً من المدينة بمثابة فقدان غطاء أمني. وفيما تتوارد الأنباء عن عمليات النهب، يشكو الأفغان من انهيار القانون والنظام. وأسر أحد أصحاب المحلات في جلال أباد إلى صحفي باكستاني قائلاً إنه في ظل حكم طالبان «كنت أترك محلي هكذا (مفتوحاً) دون خوف عليه من أي أحد» . ويقول تاجر آخر إن حارس محله أعاد إليه مفاتيح المحل قائلاً ليس بمقدوره القيام بعمله في ظل هؤلاء «القادة» . ويقول صاحب معرض سيارات إنه نقل سياراته إلى أماكن أكثر أمناً بسبب المخاوف الأمنية في جلال أباد. وتعرضت مكاتب برنامج الغذاء العالمي في مزار الشريف للنهب. كما شهدت كابول أيضاً وقوع حوادث سرقة فور انسحاب طالبان، حيث تم السطو على مكاتب الأمم المتحدة في جلال أباد ونهب ما بها من أجهزة كمبيوتر ومعدات أخرى. ويعلق رجل يعتريه القلق من انهيار السلام والأمن: «لقد وقعت السلطة في قبضة لصوص» . موقع: ميدل إيست أونلاين www.middle-east-online.com الإقامة الطويلة سؤال: متى تستكمل المهمة في أفغانستان؟ بوش: في أفغانستان؟ لقد قضي على طالبان وباتت البلاد آمنة، وباتت مستقرة، فكما تعلمون، يتم اعتقال خلايا القاعدة، وقدم مقاتلو طالبان كما تعلمون إلى العدالة؛ قوات يزيد عددها على ستة آلاف شخص تم أسرهم، إنهم أسرى حرب اعتقلهم حلفاؤنا واستجوبوا وأخذت بصماتهم. وأعني أنه يجري القيام بالكثير. وعلى الشعب الأمريكي أن يدرك وحسب ما عنيته عندما قلت إننا بحاجة إلى الصبر، فسنبقى هناك إلى حين. ولا علم لي بالضبط باللحظة التي سننسحب فيها، ولكن لن يحصل ذلك إلا بعد أن تستكمل المهمة. على العالم أن يدرك أننا لن نتراخى في مواجهة الخطر، ولن نكل عندما يتعلق الأمر باستكمال المهام التي قلنا إننا سنستكملها. وسيدرك العالم أنه عندما يلحق ضرر بالولايات المتحدة، فسنتابع مهمتنا إلى أن يتم إنجازها. وسيرى العالم أنه عندما نشكل تحالفاً ونقول: «انضموا إلينا» ، فإنني أعني ما أقول. وعندما أطلب من آخرين المشاركة، فإنني أعني ما أطلب. ولكي نقود التحالف، ينبغي علينا أن نثبت ذلك أي أننا سنتابع ما بدأنا به. الرئيس الأمريكي، جورج بوش، موقع وزارة الخارجية الأمريكية http://usinfo.state.gov/arabic ٢- قال مسؤولون كبار في البنتاغون إنه على الرغم من انهيار حركة طالبان ومحاصرة ما تبقى من مقاتلي «القاعدة» فإنه «وحتى يتم إنجاز وتحقيق أهداف الولايات المتحدة في أفغانستان، فإن ذلك قد يتطلب إرسال المزيد من القوات الأمريكية إلى أفغانستان، وأن تلك القوات قد تحتاج إلى وقت طويل، وربما لسنوات حتى تحقق الأهداف المرجوة منها. وكان الرئيس جورج بوش وكبار أركان إدارته قد أعلنوا منذ بدأ الحملة العسكرية في أفغانستان أن الحرب ستستغرق وقتاً طويلاً، وطلبوا من الشعب الأمريكي الصبر، وتوقع حصول خسائر بين قتلى وأسرى في صفوف القوات الأمريكية. وأكد مجدداً هذا الاتجاه بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الأميركي بقوله:» من المهم جداً للشعب الأمريكي أن يتفهم أن أهدافنا في أفغانستان لا تزال كبيرة جداً ويجب علينا تحقيقها. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٤١٤) ] عَود خبيث! ! عادت زراعة الخشخاش المستخدم لإنتاج الأفيون إلى حقول أفغانستان بعد أن حظرتها حركة طالبان، وفق ما أفاد مكتب الأمم المتحدة المتخصص. وفي ١٩٩٩م كانت أفغانستان تنتج ٧٣% من استهلاك السوق العالمية للأفيون. وفي السنة التالية سجل هذا الإنتاج تراجعاً بمعدل ٩٤% بفعل مرسوم أصدره الزعيم الأعلى لحركة طالبان الملا محمد عمر في ٢٧ تموز/ يوليو ٢٠٠٠م وحظر هذه الزراعة. ومن المفارقة أن بدء الغارات الأمريكية على أفغانستان هو الذي أعطى إشارة الانطلاق للعودة إلى زراعة الخشخاش المنتشرة عادة في جنوب شرق البلاد وشرقها بين تشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر. وأشار بعض الدبلوماسيين بأن الدول المانحة لم تشأ بالرغم من مبادرة حركة طالبان تقديم مساعدات لدعم برنامج تعويضات للمزارعين، خشية اتهامها بتمويل ميليشات أصولية. موقع: ميدل إيست أونلاين www.middle-east-online.com التضليل الإعلامي بعكس ما أبرزته وسائل الإعلام والصحف من عناوين تظهر مدى فرحة الشعب الأفغاني باندحار «طالبان» وزوال آخر أيام «التزمت» والتدين والحجاب وإطلاق اللحى فإن عبارات مثل «حلاقو كابول لا يتوقفون عن العمل» و «الأفغانيات يخلعن الحجاب» لا تعبر تماماً عن الشعب الأفغاني وليست إلا حرباً إعلامية قذرة تحاول أن تصور الدين الإسلامي ممثلاً بطالبان وكأنه حمل ثقيل على صدر الشعب الأفغاني المسلم المعروف بتدينه، فقد أثبتت الأيام التي تلت انسحاب طالبان من المدن الأفغانية مقولة «طالبان ذهبت لكن اللحى باقية» . وكان واضحاً من خلال الصور التي التقطها المراسلون للحياة من المدن الأفغانية بعد انسحاب طالبان منها أن قلة من الأفغان هم الذين أقدموا على حلق اللحى وأن أغلب النساء الأفغانيات لا زلن يرتدين الخمار الأمر الذي يؤكد تهافت وسائل الإعلام على نقل صورة غير صحيحة عن الشعب الأفغاني. إلا أن الصحفيين الغربيين وعمال الإغاثة الذين اعتقدوا أن النساء سيجمعن البراقع في أكوام ويقمن بإحراقها في الشوارع بعد خروج قوات طالبان، يشعرون الآن بالصدمة. وهم يتشككون في أن ما اعتبر أكثر الدلائل على سوء وتشدد حكم حركة طالبان لا تزال النساء يرتدينه حتى بعد انتهاء حكم طالبان. [صحيفة السبيل، العدد: (٤١٢) ] شاهد على الوحشية يخشى علماء الطيور في باكستان من أن تكون الحرب الدائرة في أفغانستان قد أدت إلى قتل الآلاف من الطيور التي كانت تهاجر من آسيا الوسطى عن طريق أفغانستان، مما قد يمثل كارثة بيئية محققة. فقد تزامن وقت القصف الأمريكي على أفغانستان مع وقت هجرة تلك الطيور مما يؤكد احتمالية تعرضها للفناء. ومما زاد من تلك الإمكانية وجعل منها أمراً شبه مؤكد أن أسراب الطيور التي كانت موجودة حول بحيرة روال، وهي من المناطق المحمية الرئيسية في باكستان، والتي تبعد مسافة ١٠ دقائق فقط بالسيارة عن العاصمة إسلام أباد لم يعد لها وجود في المنطقة التي لم تشهد أسراب الطيور التي تحط عليها في هذه الفترة من كل عام حتى الآن. ويقول الدكتور مسعود أنور أحد نشطاء حماية البيئة في أفغانستان: «لقد ذهبت إلى هناك ولم أسمع ولم أر أثراً لتلك الطيور من بط وطيور برية أخرى، فقد جرت العادة على أن تبقى الطيور هناك لفترة معينة كل عام أثناء هجرتها من آسيا الوسطى مرورا بأفغانستان , وحتى الآن لم يصل أحد منها. إنها بلا شك كارثة بيئية» [جريدة البيان الإمارتية , العدد: (٧٨٦٦) ] من فقه الأولويات أعلن وزير الثقافة والإعلام الأفغاني رحيم مخدوم أن الحكومة الأفغانية الجديدة وضعت ضمن أولوياتها ترميم تمثالي بوذا العملاقين في ولاية باميان. وقال الوزير الأفغاني في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية إن ترميم هذين التمثالين يشكل أولوية بالنسبة لوزارته. وتابع مخدوم: «اختفى كل شيء، التلفزيون والأفلام الأفغانية والمسرح والموسيقى والمتاحف وعناصر أخرى من وزارة الإعلام والثقافة مثل المكتبات العامة، وعلينا أن نعيد بناء كل شيء» . وقال الوزير: «لدينا شاعرات وفنانات وكاتبات» . وزاد أن الأفغانيات يشكلن «غالبية المجتمع وكن هدفاً لمعظم الفظائع التي ارتكبتها طالبان، لذلك نرغب في أن يقمن بدور كامل في إعادة بناء البلد» . كما أعرب عن أمله بعودة السياح إلى أفغانستان لأنها «واحدة من أقدم دول العالم» . موقع قناة الجزيرة www.aljazeera.net هذا هو «كرازي» أكد مسؤول أمريكي خبير في شؤون أفغانستان أن المسؤولين الأمريكان شعروا بسعادة غامرة بعد تولي كرازي مقاليد السلطة لكنهم لا يستطيعون إظهار هذه السعادة، كما هو الحال بالنسبة لكرازي؛ لأن ذلك سيظهره أمام الناس وكأنه عميل أمريكي عاد إلى أفغانستان، وهذه الصورة إن ظهرت فهي تعني نهاية نظام حكمه في أفغانستان. منذ وسط أكتوبر وحتى انسحاب قوات طالبان من جبال قندهار، كانت الفرقة الخامسة من القوات الخاصة بالجيش الأمريكي تساند كرازي وجنوده البشتون في مواجهة جماهير طالبان. وقد ذكر بعض أفراد هذه الفرقة لجريدة الواشنطن بوست في هذا الشهر أن مهمتهم الأساسية إبقاء كرازي على قيد الحياة. قد سببت هذه العلاقات الوطيدة مع أمريكا مشاكل بين كرازي وبين العديد من المسؤولين الأفغان الإسلاميين وغيرهم، من ذلك ما قاله برهان الدين رباني بأن كرازي قد تم فرضه من قبل الولايات المتحدة. استطاع كرازي أن يجري العديد من هذه العلاقات مع المسؤولين الأمريكان بصفته الشخصية أو من خلال كونه عضواً للمجلس التنفيذي لحكومة ملك أفغانستان السابق محمد ظاهر شاه الذي يعيش حالياً في منفاه بروما منذ عام ١٩٧٣م. ويذكر المسؤولون الأمريكان أن رسالة كرازي كانت واضحة منذ البداية وهي أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة القادرة على مساعدة أفغانستان من التخلص من حكومة طالبان ليعود الاستقرار إلى أفغانستان مرة أخرى. يقول كارل إندرفر الذي كان وزير شؤون جنوب آسيا في حكومة كلينتون: «كان كرازي يحرص على إطلاع الولايات المتحدة على تحركاته كما كان يحرص على حث الولايات المتحدة على التدخل» كما أبدى كارل إعجابه بشخصية كرازي التي قابلها خمس إلى ست مرات خلال الأربع سنوات التي عملها كارل في منصبه. يذكر كارل أن كرازي كان يطلب معونة الولايات المتحدة بإلحاح شديد حيث كان يريد أن يعود إلى جنوب أفغانستان لتفعيل حركة مقاومة ضد حكومة طالبان، كما يذكر كارل بأن كرازي كان على استعداد للمخاطرة بالذهاب بنفسه ولكنه كان يريد الدعم من الولايات المتحدة ومن المجتمع الدولي لكي يضمن نجاح مهمته. ولكن الولايات المتحدة لم تكن مستعدة لدعمه قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لقد استطاع كرازي أن يحافظ على ثقة أصدقائه في الحكومة الأمريكية وذلك لكونه أحد البشتون (أكبر الفصائل الأفغانية) القلائل الذين جابهوا بإصرار حكم طالبان علناً واستمر في نشاطه السياسي في هذا الاتجاه. ولقد تولى كرازي رئاسة قبيلة البوبالزي البشتونية عام ١٩٩٩م بعد مقتل والده (رئيس القبيلة السابق) في مدينة كويتا في باكستان. وكان كرازي مختلفاً عن القادة الأفغان الآخرين حيث كان يتحدث علناً عن حقوق الإنسان والحريات الشخصية للأفراد. ويذكر المسؤولون الأمريكان بأن كرازي عاد إلى جنوب أفغانستان في وسط أكتوبر الماضي وكان ضعف خبرته العسكرية أحد الأسباب التي أدت بالولايات المتحدة إلى تصوره كرئيس أمثل لأفغانستان. تمتد علاقات كرازي بالولايات المتحدة إلى أسرته أيضاً، حيث يعيش إخوانه الأربعة وأخته في الولايات المتحدة ويقوم كرازي بزيارتهم باستمرار. ويملك اثنان من إخوته سلسلة من المطاعم الأفغانية في بلتيمور وبوسطن وسان فرانسيسكو، كما انضم أخوه قيوم مع معاونيه في حملته السياسية والإعلامية. ورداً على سؤال وجه إليه في أحد البرامج التليفزيونية بخصوص الدعم الأمريكي الذي يتلقاه كرازي قال: إن تواجده في جنوب أفغانستان منذ أكتوبر الماضي يثبت أنه مستقل عن أي دعم خارجي وأنه يريد النضال لبلده من الأساس. كما ذكر أن كونه أحد أكثر المعارضين لما كان يجري في أفغانستان منذ خمس سنوات يثبت أنه مستقل عن أي دعم خارجي. موقع مجلة العصر ws.//alasr:http الباكستانيون.. متعاونون جداً ١- أعلنت وزيرة العدل الباكستانية شهيدة جميل أمس أن إسلام أباد تنوي اتخاد إجراءات صارمة بحق الجماعات الإسلامية والإثنية المتطرفة؛ بعد تشريع قانون جديد لمكافحة الإرهاب وبفضل الدعم الذي يقدمه الغرب لباكستان. وقالت الوزيرة في تصريحات إلى وكالة «اسوشييتدبرس» : «في أعقاب اعتداءات ١١ أيلول (سبتمبر) الإرهابية في الولايات المتحدة تلقت باكستان الكثير من الدعم الدولي في جهودها لمكافحة الإرهاب والعنف» . وأضافت أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان تقدم مساعدات تدريب لقوات الأمن الباكستانية، وستزودها بوسائل تحقيق حديثة. وأوضحت أن بنك التنمية الآسيوية وعد بتقديم قرض قيمته ٣٥٠ مليون دولار بشروط تفضيلية، لدعم إصلاحات أمنية وقضائية. وتابعت: «بموجب القانون الجديد لن نستهدف مجرد فرد بل الشبكة الإرهابية كلها، بمن في ذلك الذين يمولون إرهابيين أو يؤوونهم أو يحرضونهم» . وقالت وزيرة العدل: إن «الرئيس برويز مشرف الذي كان يقف وحده في المعركة ضد الإرهاب، لقي دعماً دولياً هائلاً مع انضمام باكستان إلى الجهد الدولي ضد الإرهاب» . [جريدة الحياة، العدد: (١٤١٤٢) ] ٢- أوضحت مصادر باكستانية أن ضغوطاً أمريكية متزايدة مارسها رئيس الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي. آي. إيه.) جورج تينيت على الرئيس الباكستاني، من أجل الحد من نشاط الجماعات الإسلامية الباكستانية، وكذلك المدارس الدينية التي تشكل الحديقة الخلفية لـ «طالبان» والجماعات الإسلامية المسلحة في كشمير. وأفيد أن الحكومة تسعى إلى تشكيل مجلس يضم بعض المسؤولين والعلماء من أجل وضع ميثاق شرف يحكم النشاطات الإسلامية في باكستان، على أن يلتزمه الجميع وسيتضمن القرار حظر نشاط الجماعات الجهادية الباكستانية خصوصاً الكشميرية، ووقف جمع التبرعات التي تقوم بها الجماعات المسلحة في كشمير. ويتوقع أن تطلق الحكومة حملة تشكيل مدارس نموذجية دينية في كل أرجاء باكستان وتدعى «دار العلوم» ، وأن يصار إلى إقامة مدرسة واحدة في كل مدينة رئيسية. وترافق ذلك مع تعهد بنك التنمية الآسيوي تقديم مساعدات من أجل مواجهة المدارس الدينية التقليدية التي تديرها الجماعات الإسلامية. وبحسب التقديرات الأولية للحكومة الباكستانية، ثمة حاجة إلى ٢٠ ألف مدرسة شرعية لاستيعاب الراغبين في تلقي العلوم الشرعية والذين تستقطبهم المدارس الدينية. وستنتشر هذه المدارس في جنوب إقليم البنجاب أكبر الأقاليم الباكستانية، وكذلك في بلوشستان وبيشاور المحاذيين لأفغانستان. وبحسب المصادر الباكستانية، تعهد البنك الدولي وحكومة الولايات المتحدة وكذلك الحكومات الغربية تقديم الدعم المالي الكافي لمنع ظهور حركة «طالبان» أخرى في المناطق القبلية المحاذية لأفغانستان، عبر إقامة هذه المدارس الدينية العصرية. ويذكر أن المدارس الدينية الباكستانية تستوعب أكثر من مليوني طالب. وشدد وزير الداخلية الباكستاني في لقائه الصحافيين في كراتشي على نية الحكومة العمل على تنظيم المدارس الدينية، مؤكداً أن المدارس التي تمنح درجة معينة وتعترف بها الحكومة هي التي سيسمح لها بالبقاء والعمل. [جريدة الحياة، العدد: (١٤١٤١) ] والصوماليون.. خائفون جداً ١- قال رئيس الوزراء الصومالي حسن أبشر فارح أنه سيرحب بنشر قوات عسكرية أمريكية للبحث عن أي معسكرات إرهابية في بلاده والقضاء عليها، ولضمان عدم فرار أي من مقاتلي تنظيم القاعدة من أفغانستان إلى الصومال. ومضى فارح الذي تتهم ميليشيات متناحرة حكومته بإيواء إرهابيين على صلة بأسامة بن لادن أنه مستعد لمساعدة فرق تحقيق عسكرية أمريكية بالانتشار في العاصمة مقديشو وعلى الساحل لمنع دخول أي أعوان لابن لادن فارين من أفغانستان. ومضى فارح يقول، في إشارة إلى جهود السلام الأمريكية في الصومال في أوائل التسعينيات: «إننا بحاجة إلى عودة الأمريكيين ونرحب بهم.. إننا بحاجة لمساندتهم والصومال اليوم ليس هو صومال الأمس» . وقال فارح إن الأمريكيين الذين سيعودون إلى مقديشو للقيام بمهمة لمكافحة الإرهاب يجب ألا يشعروا بالخوف بالرغم من الذكريات المؤلمة لأوائل التسعينيات عندما قتل أكثر من ٢٠ جندياً أمريكياً في القتال بينهم ١٨ قتلوا في معركة واحدة. وحث واشنطن على العمل مع حكومته الانتقالية بدلاً من إثيوبيا المجاورة في محاولة لتحقيق الاستقرار في الصومال، مشيراً إلى أن أثيوبيا تتمتع بعلاقات وثيقة مع زعماء الميليشيات المعارضة لحكومته. واستطرد «بإمكان الأمريكيين الحضور معنا إلى مقديشو إذ إنه ليس لدينا ما نخفيه.. إننا مستعدون ونعلم أنه لا يوجد معسكر للقاعدة هنا ولا نحب أن تكون هناك مثل هذه المعسكرات في الصومال. قمنا بإعداد وحدات من الشرطة والجيش لمرافقة الأمريكيين ومعرفة ما يوجد هناك واتخاذ أي إجراء ضد الإرهابيين، وإذا رغبوا فبإمكانهم نشر قوات على سواحلنا لأن لدينا أطول ساحل في إفريقيا ولا يمكننا السيطرة على كل هذا الساحل الطويل» . [صحيفة الشرق الأوسط، العدد: (٨٤١٩) ] ٢- وصل فريق يتكون من ٩ أمريكيين يحملون هواتفهم المتصلة بالأقمار الصناعية إلى الصومال. وقضى الوفد الأمريكي معظم اليوم مع جيش مقاومة رحاوين وغيره من الفصائل التابعة لمجلس المصالحة وإعادة التعمير، وهو تحالف من أمراء الحرب الذين توحدوا ضد الحكومة الوطنية الانتقالية. وذكر أن الأمريكيين قاموا بتحر شديد واستجواب لزعماء الحرب الصوماليين حول وجود المجموعات الإرهابية في الصومال، وعن قدرات تحالف المعارضة القتالية. وقال الجنرال محمد سعيد مرجان وعبد الله شيخ إسماعيل، وهما من كبار الأعضاء في التحالف المعارض، بعد حضورهما الاجتماع، إن منظمة الاتحاد الإسلامي وثلاث منظمات صومالية أخرى ذات صلة بالحكومة الصومالية، هي جزء من «تنظيم القاعدة الأم» . وقال مرجان إن ضباطاً تابعين للتحالف المعارض بعثوا لقيادة التحالف بقائمة تحتوي على أسماء ٢٠ ألفاً و٤٨٠ إرهابياً من جميع أرجاء البلاد. ومضى مرجان يقول: «لقد أخطرنا الأمريكيين بأن تنظيم القاعدة استولى على الصومال» . [صحيفة الشرق الأوسط، العدد: (٨٤٢١) ] العروة الأوثق «بادئ ذي بدء لا يوجد لإسرائيل صديق أفضل من الولايات المتحدة حسب رأيي. إن إسرائيل دولة ديمقراطية، ونحن نشاركها الكثير من القيم. إن لدي حلماً، وهو بأن تحظى إسرائيل بالسلام. أظن أن الشعب الإسرائيلي يريد السلام، ولكننا علمنا بشكل مثير للغاية أن هناك عناصر في الشرق الأوسط تمقت فكرة السلام وهي على استعداد لاستخدام الإرهاب من أجل دفع أي عملية للسلام عن مسارها» . «وهكذا تتسلط الأضواء من جديد على الشرق الأوسط بشكل مريع، كما هو واضح، ولكنها تذكّر الناس حول العالم بأننا إذا أردنا السلام فإنه من المهم لدعاة السلام المساعدة في القضاء على الإرهاب وتقديم مرتكبيه إلى العدالة. إنه يتوجب على السيد عرفات الآن أن يرد بقوة لقمع هؤلاء الذين قتلوا (الناس) . إنه يتوجب على أصدقاء وحلفاء آخرين في كل أنحاء العالم، أن يساهموا في تقديم هؤلاء الإرهابيين إلى العدالة إذا كان لنا أن نحظى بالسلام، وهو ما أريده فعلاً» . الرئيس الأمريكي، جورج بوش، موقع وزارة الخارجية الأمريكية http://usinfo.state.gov/arabic إرهاب مستمر اليوم نتخذ خطوة مهمة أخرى في الحرب المالية ضد الإرهاب. منذ بداية هذه الحرب، أعلنت أن أعداءنا هم شبكات إرهابية ذات باع عالمية، كما أن جميع من يؤونها ويدعمونها هم أعداؤنا كذلك. وقد بدأنا بالقاعدة وطالبان وحددنا هوية بعض داعمي القاعدة الماليين، واتخذنا إجراءات بحق حساباتهم البنكية. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر اتخذنا خطوة أخرى إلى الأمام. الرسالة التي نبعثها بهذا الإجراء هي التالية: إن أولئك الذين يتعاملون تجارياً مع الإرهاب لن يكون بمقدورهم التعامل التجاري مع الولايات المتحدة أو في أي مكان آخر يمكن للولايات المتحدة أن تصله. إن حماس جماعة متطرفة تدعو إلى تدمير دولة إسرائيل تدميراً تاماً. وهي إحدى المنظمات الإرهابية الأشد فتكاً في العالم اليوم. إن حماس تحصل على الكثير من أموالها التي تدفعها من أجل القيام بعمليات القتل من الخارج، ومن هنا في الولايات المتحدة، وهي أموال جمعتها في الأصل مؤسسة الأراضي المقدسة وهي مؤسسة مسجلة لدى مصلحة الضرائب الأمريكية كجمعية خيرية معفاة من الضرائب وتتخذ من مدينة ريتشاردسون مقراً لها. وقد جمعت هذه الجمعية ١٣ مليون دولار من أناس في أمريكا في العام الماضي. وتزعم المؤسسة أن الأموال التي تسعى لجمعها تخصص لرعاية المحتاجين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. إن الأموال التي تجمعها المؤسسة تستخدمها حماس لتمويل المدارس وتعليم الأطفال كي يصبحوا مفجرين انتحاريين. والأموال التي تجمعها المؤسسة تسخرها حماس لتجنيد مفجرين انتحاريين ولدعم أسرهم. الرئيس الأمريكي، جورج بوش، موقع وزارة الخارجية الأمريكية http://usinfo.state.gov/arabic

стр. 4172

مصطلحات ومفاهيم الأممية أ. د. محمد يحيى من الممكن القول بأن مصطلح «الأممية» في عموم معناه هو السلف لمصطلح «العولمة» الذي أصبح الآن موضع الحديث عند المفكرين والكتاب في كل المجالات، وهو في عموم معناه كذلك ينصبُّ على أي دعوة أو فكرة أو مبدأ أو أيديولوجية تتجاوز في انطباقيتها الحدود المحلية الضيقة، أو حتى الإقليمية الجغرافية واللغوية والثقافية، أو حتى الدولية الدينية والسياسية لتصل إلى مستوى العالمية لمخاطبة عموم البشر في كل مكان، ووضعهم في الاعتبار عند التفكير والعمل؛ بصرف النظر عن أي حدود سياسية وجغرافية وثقافية ولغوية ودينية وما أشبه. ومن المفارقة أن هذا المصطلح الذي سبق مصطلح العولمة اقترن على العكس من الأخير بالحركة الشيوعية العالمية في دعوتها للعمال والطبقات الضعيفة المسحوقة في كافة أنحاء الدنيا بأن تنهض للثورة على الاستغلال والاستعمار، أقول للمفارقة؛ لأن المصطلح الابن وهو العولمة يقترن الآن بسيطرة وتوسع وهيمنة نفس القوى الرأسمالية الطاغية التي كان مصطلح الأممية في مصطلح القرن العشرين يستنهض الهمم العمالية والثورية لدحرها وردها. و «الأممية» في الطرح الأوروبي ومنذ منتصف القرن التاسع عشر تقريباً تتعارض مع القومية والإقليمية الضيقة؛ لأن ارتباط هذا المصطلح بالفكر الاشتراكي والشيوعي نقل إليه فكرة أن القومية ترتبط دائماً بالطبقات المالكة أو البورجوازية التي يرفضها الفكر اليساري عموماً ويسعى إلى دحرها في حدودها القومية والإقليمية الضيقة بفكر العالمية أي عموم وشمول واتساع نطاق الثورة الشيوعية. والواقع أن فكرة «الأممية» وبعيداً عن ارتباطها في مرحلة مهمة من مراحلها بالفكر الاشتراكي الشيوعي أو بالأصح بممارساته العملية ودعواته وحركاته الاجتماعية ترجع في أبعادها إلى عملية الانطلاق والزحف الأوروبي العام على العالم منذ القرن الثاني عشر في حركة الاستعمار ثم الإمبريالية، وفي خضم هذه الحركة بدأ الأوروبيون ينظرون إلى العالم كوحدة واحدة واقعة أو في سبيلها للوقوع تحت سيطرتهم، وينبغي أن تتمشى مع عقائدهم وأفكارهم وقيمهم وتصوراتهم، مثلما ينبغي أن تلتحق بهم وتصبح المسرح لنشاطاتهم، والمصدر لقوتهم الاقتصادية ونموهم اللانهائي نحو مجتمع الرفاهية. في هذا الإطار أخذ الغربيون عموماً (وقد ورثت أمريكا مركز الصدارة في هذه العملية فيما بعد) يفكرون ويتصرفون على أساس أممي أي على أساس وجود ساحة عالمية عابرة للدول والبلدان والشعوب والثقافات واللغات والقوميات يتحركون فيها، ومن هنا مثلاً كانت الحركة التنصيرية الكبرى للكنائس الغربية (والمعروفة فعلاً باسم الحركة الأممية) تسعى إلى تنصير شتى شعوب العالم على اختلاف عقائدها وثقافاتها الأصلية بالترويج بينها لعقيدة مسيحية موحدة ونظام قيمي واحد موحد، ولم يثبت هذا التوجه الأممي في الحقبة الاستعمارية بسبب تدخل التنافس الإقليمي أو بالأصح القومي للدول الاستعمارية بريطانيا وفرنسا في المقام الأول، وقبلهما إسبانيا والبرتغال، وبعدهما على نحو أقل ألمانيا وهولندا وإيطاليا، ثم على نحو أشمل بكثير أمريكا وتنافسها على بسط نفوذها السياسي ومعه لغاتها وثقافاتها الخاصة على الدول التي استعمرتها. ولكن على الرغم من هذا التنافس القومي الحاد بين الدول الاستعمارية ظل هناك طابع أممي واضح في الحركة الغربية الاستعمارية من حيث أن الثقافة العامة والمفاهيم الفكرية والقيمية العامة التي روجت بين الشعوب المستعمرة ظلت هي ذات الطابع الأوروبي العام الموحد في جذوره في المسيحية والثقافة الوثنية الأصلية والمسار الفكري الأوروبي الموحد الراجع إلى عصور النهضة والتنوير والمصبوغ بالفكر العقلاني الإنساني المادي العلماني. وإذا كان هذا هو تاريخ مصطلح «الأممية» قبل تبني الحركة الشيوعية له إلى حد أنه اقترن بها وصار صنواً لها؛ فإن تاريخه بعدها يتلخص في تحوله من دعوة إلى الثورة العالمية إلى تعبير ووصف عن نمو وتوسع وانتشار المجتمع الغربي الرأسمالي الليبرالي بثقافته وقيمه التي أخذت في التوحد؛ وذلك على مستوى العالم كله بفضل الثورات المتتالية في وسائل المواصلات ثم الاتصالات؛ مع تعمق النفوذ السياسي الغربي في الدول المستعمرة السابقة وغير المستعمرة بفضل نشوء نخب علمانية متغربة وصلت إلى مواقع السلطة، وتحالفت مع الغرب ضد ثقافاتها وتاريخها الأصلي ولا سيما الإسلامي الذي أصبح يوصف بالتقليدي القديم البالي، وهنا أخذ المصطلح يتحول تدريجياً ليصبح بمعنى العولمة بل اختفى وأصبح منبوذاً بسبب ارتباطه السابق الوثيق بالحركة الشيوعية الساقطة والذاوية. لقد أخذنا منذ الستينيات نسمع شعارات ومسميات من عينة «القرية العالمية» و « العالم كالقرية الصغيرة» وما أشبه، وكانت كل تلك المفاهيم نقاط تحوُّل وذوبان لمصطلح الأممية في مصطلح العولمة أو الكوكبية الصاعد، كما كانت علامات على الانتقال من القديم إلى الجديد، ومن مضمون للدعوة والفكرة الأممية ينطوي على دلالات ماركسية يسارية إلى مضمون يجسد الصمود والهيمنة الجديدة للنظام العالمي الواحد والقطب الدولي الأوحد بمضمونه ونظامه الرأسمالي الليبرالي البراجماتي الأمريكي الطابع. ومن ناحية الإسلام فربما يمكننا القول بأنه دين أممي أو دعوة أممية بمعنى أنه موجه لكل البشر وليس دعوة للعرب فقط كما تحاول بعض الأصوات الآن القول. ولكن قد يكون من الأفضل تجنب مصطلحات مثل الأممية أو العولمة في الحديث عن طابع الدعوة الإسلامية بسبب ارتباط هذه المصطلحات بمضامين تاريخية ومعاصرة تتعلق بتطور الغرب نفسه وتطور أفكاره وفلسفاته وممارساته، ومما لا شك فيه أن الإسلام أممي من حيث إنه لا ينغلق على قبيلة أو أمة أو شعب واحد كالعديد من المعتقدات البشرية الوضعية؛ فهو دعوة موجهة للبشر كافة لكنه إذا تابعنا وضع المصطلح ليس أممياً بمعنى الفرض والسيطرة الاستعمارية العالمية أو الارتباط بحركة سياسية تدعي الثورية لإحداث انقلابات اجتماعية عارمة لصالح فكر هو في النهاية (الماركسية) ابن أصيل للغرب وقيمه اللادينية المادية الغالبة.

стр. 4173

من ثمرات المنتدى من ثمرات المنتدى الإسلامي أخي الحبيب هذه بعض ثمرات المنتدى الإسلامي التي تم إنجازها في الفترة من أول شعبان ١٤٢٢هـ حتى شوال ١٤٢٢هـ نضعها بين يديك سائلين المولى أن يتقبل من كل من ساهم في إنجازها بجهد أو مال أو بالدعاء. * دعاتنا في رمضان: رمضان شهر الخيرات وموسم الطاعات يحرص فيه المسلم على الاستزادة من الطاعات والتقرب إلى الله تعالى بفعل الخيرات. وقد حرص المنتدى الإسلامي بحمد الله تعالى على التعاون مع المسلمين للخروج من هذا الشهر بالثواب العظيم؛ وذلك بعمل خطة دعوية متضمنة أربعة جوانب: الأول: برنامج استقبال رمضان: ويشمل (١٣) درساً قدمت قبيل بداية شهر رمضان لتهيئة المسلمين وتعريفهم بمقاصد الصيام وأحكامه والأعمال التي تشرع فيه. الثاني: إعداد (١١٨) مادة علمية ودعوية، وجعلها في متناول طلبة العلم والدعاة في الميدان؛ ليستفيدوا منها في برامجهم خلال الشهر الكريم. الثالث: برنامج العشر الأواخر: ويهدف لتعريف المسلمين بهدي النبي ﷺ في العشر الأواخر وما يشرع فعله فيها من العمل الصالح. الرابع: برنامج الاعتكاف؛ ويهدف لإحياء سنة الاعتكاف، وتوفير محضن تربوي يتواصل فيه المسلمون في معايشة تامة لتقوية الإيمان والترابط والمحبة بين المسلمين. وقد تم تنفيذ هذا البرنامج في عدة دول: منها (توجو، مالي، غانا، كينيا، نيجيريا، الصومال، جيبوتي، إثيوبيا، تشاد، السودان، بنجلاديش، لندن) وآتى ثماراً جيدة بفضل الله ونعمته منها: إسلام (١٨١ شخصاً) في دولة توجو، و (٥٥ شخصاً) في دولة مالي، و (٣٠ شخصاً) في كينيا، و (٨ أشخاص) في تشاد. هذا فضلاً عن القوافل الدعوية التي تجوب البلاد للدعوة إلى الله، والبرامج الدعوية المصاحبة للإفطارات التي يقيمها المنتدى في كثير من دول العالم. نسأل الله تعالى أن يتقبل من كل من شارك في هذا العمل بجهد أو مال. * دورة لدعوة غير المسلمين في لندن: أقام مكتب المنتدى الإسلامي بلندن دورة لتدريب الدعاة على دعوة غير المسلمين إلى الإسلام في الفترة من ٧ شوال حتى ١٣ شوال ١٤٢٢هـ، انتظم فيها (٥٠ مشاركاً) زادوا في بعض الأيام إلى ٩٠ مشاركاً رجالاً ونساء. وقد تضمنت الدورة عدداً من المحاضرات حول موضوعات: (فقه الدعوة إلى الله، طرق الدعوة وكيفية التخاطب مع غير المسلمين، المقارنة بين الأديان) . وتم عقد مجموعات عمل ونماذج تطبيقية في دعوة غير المسلمين، وختمت الدورة بعمل اختبار، وتوزيع جوائز على الطلاب الثلاثة الأوائل. * ودورات في إفريقيا: أقام مكتب المنتدى الإسلامي في توجو ملتقى دعوياً للدعاة لمدة (٣) أيام شارك فيه (٢٤) داعية، وآخر لمدرسي الحلقات حضره (١٩) معلماً، ودورة شرعية لموظفي الدولة لمدة (٣) أشهر شارك فيها (١٠٠) من موظفي الدولة، كما أقام مخيماً لمدة (١٤) يوماً بعنوان: (ناشئ في رحاب القرآن) شارك فيه (١٠٠) شخص. وفي غانا أقيم مخيم تربوي لمدة (٩) أيام شارك فيه (٣٠) شخصاً. وفي إثيوبيا دورتان، شرعيتان في العشر الأواخر من رمضان؛ إحداهما لمدة ٧ أيام شارك فيها (٤٥) شاباً، الثانية لمدة (٥) أيام حضرها ٨٠ من طلاب المدارس. * عناية المنتدى بالناطقين بغير العربية: يحرص المنتدى الإسلامي على التعاون مع المسلمين في الاهتمام بالقرآن الكريم من خلال حلقات التحفيظ التي يشرف عليها في عدة دول، ومن ذلك: ما قام به مكتب المنتدى الإسلامي في لندن: حيث نظم عدة حلقات لتحفيظ القرآن الكريم مقسمة لعدة مستويات، تم تتويجها بمسابقة لحفظ القرآن الكريم مكونة من خمسة مستويات إضافة إلى مستوى خاص للناطقين بغير العربية. وقد شارك فيها (٥٠) طالباً بعضهم كان يحفظ القرآن الكريم كاملاً. وتهدف هذه المسابقة إلى حفظ القرآن الكريم كاملاً خلال خمس سنوات لمن يحرص على المشاركة فيها، كذلك تهدف إلى حفظ جانب من الأحاديث النبوية الشريفة، وقد تم توزيع الجوائز في حفل أقيم بهذه المناسبة بمسجد المنتدى الإسلامي بلندن يوم السبت ٢٣ رمضان ١٤٢٢هـ بحضور عدد كبير من المشايخ وطلبة العلم وأولياء الأمور، وتم في هذا الحفل توزيع الجوائز على الفائزين بواقع ثلاثة فائزين لكل مستوى، بلغت قيمتها ما يقارب ١٥ ألف ريال سعودي، وتخلل الحفل بعض الكلمات حول أهمية حفظ القرآن الكريم والعمل به، واستماع لنماذج من تلاوة بعض الطلاب وفي توجو (٤٣) يتمون حفظ القرآن الكريم: شارك (٢٠٠) شخص من توجو في مسابقة القرآن الكريم التي عقدها مكتب المنتدى الإسلامي في توجو خلال شهر رمضان المبارك، كان من نتائجها (٤٣) شخصاً يتمون حفظ القرآن الكريم، ولغتهم التي يتحدثون بها الفرنسية. وفي غانا أتم (٣٨) شخصاً حفظ القرآن الكريم، ولغتهم التي يتحدثون بها الإنجليزية. * المئات يدخلون الإسلام مع إفطارات رمضان: للعام العاشر وبالتعاون مع المحسنين من أهل الخير يمد المنتدى الإسلامي يد العون والمساعدة لفقراء المسلمين الصائمين في أكثر من خمسين دولة في العالم تخفيفاً لمعاناتهم وعوناً لهم على الطاعات، ويصاحب هذه الإفطارات عادة برامج دعوية وتربوية لتعريف المسلمين بأمور دينهم ودعوة غير المسلمين إلى الإسلام، وقد أثمر هذا المشروع ثمرات جيدة في السنوات السابقة، وبفضل الله تعالى تم مشروع إفطار الصائمين هذا العام في (٥٦) دولة قدمت فيها أكثر من (٠٠٠.٥٠٠, ٢) وجبة إفطار، صاحبها برامج دعوية مكثفة كان من نتائجها: إسلام أكثر من ٢٥٠ شخصاً في دول: (توجو، مالي، تشاد، كينيا) فضلاً عن تفقيه المسلمين وتعليمهم أصول الإسلام وقواعده. * (٧٠٠) بئر يتدفق منها الماء: قد لا يشعر كثير منا بما يعانيه أكثر من سدس سكان العالم من صعوبة في الحصول على الماء النقي معظمهم من المسلمين وقد حرص المنتدى الإسلامي على المساعدة في تخفيف جزء من هذه المعاناة، فقام بحفر ما يقارب (٧٠٠) بئر كان آخرها حفر (٢٤) بئراً في شرق السودان خلال شهري شعبان ورمضان وشوال من هذا العام. * النجاشي يعلم أبناءه اللغة العربية: - افتتح مكتب المنتدى الإسلامي بأثيوبيا (معهد النجاشي لتعليم اللغة العربية والتدريب المهني) في إقليم أوروميا على بعد (١٥) كم جنوب غرب العاصمة أديس أبابا. ويتكون المعهد من ثلاثة مبان على مساحة ٤٠ ألف متر مربع: المبنى الأول: يتكون من (٦) فصول دراسية. المبنى الثاني: سكن الطلاب ويتكون من (٥) غرف تتسع الواحدة منها لستة طلاب. المبنى الثالث: سكن المدرسين، ومطبخ لخدمة الطلاب والمدرسين، إضافة إلى مسجد ملحق بالمعهد. وقد استقبل المعهد (٥٠ طالباً) تم اختيارهم من بين (١٥٠) متقدماً من خريجي المدارس الثانوية الحكومية فيهم عدد ممن يحفظون القرآن الكريم، والباقون في سبيلهم إلى الحفظ. والمعهد يمنح شهادة الدبلوم بعد ثلاث سنوات دراسية. * معرض للكتاب بمقر البيان: أقام المنتدى الإسلامي معرضاً للكتاب بمقر مجلة البيان بالرياض خلال شهر رمضان المبارك، وضم المعرض عدة جوانب منها: جناح كتاب المنتدى الذي يضم (٣٦) إصداراً باللغة العربية كان آخرها كتاب: (تدبر القرآن) لمؤلفه سلمان بن عمر السنيدي، وكتاب (الفيزياء ووجود الخالق) للدكتور جعفر شيخ إدريس. وجناح كتاب الجمعة الذي يضم ثمانية كتب باللغة الإنجليزية. هذا فضلاً عن مجلدات مجلة البيان، ومجلة الجمعة، وموسوعة البيان الإلكترونية. كما التقى رواد المعرض بكتَّاب المجلة في أمسيات رمضانية حول موضوعاتها. وتجدر الإشارة إلى كتابين سيصدران لاحقاً هما: (الإسلام لعصرنا) تأليف الدكتور جعفر شيخ إدريس، والثاني لرئيس التحرير أحمد الصويان بعنوان: (في البناء الدعوي) . * الجمعة تبلّغ صوت الإسلام إلى الغرب: لم تكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر أحداثاً عابرة، بل كان لها أكبر الأثر على المجتمعات الغربية بكافة فئاتها وطبقاتها، وثارت تساؤلات متعددة حول الإسلام ومبادئه ونظرته للغير، وعلاقة المسلمين بغيرهم وتساؤلات أخرى كثيرة. وفي ظل التشويه المتعمد للإسلام في وسائل الإعلام الغربية كان لزاماً على دعاة الإسلام القيام بواجبهم في توضيح مبادئ الإسلام ومنهجه للمجتمعات الغربية بالطريقة التي تناسب ثقافاتهم في عرض قوي بعيد عن الانهزامية والضعف، وبيان شمولية المنهج الإسلامي وعلاقته بالديانات الأخرى. من هنا أخذ المنتدى الإسلامي زمام المبادرة في مخاطبة شرائح المجتمع الغربي المؤثرة من خلال صوته الناطق بالإنجليزية (مجلة الجمعة) لعرض منهج الإسلام الشامل لمبادئ الخير والعدل والمساواة، وحفظ الحقوق للمسلمين وغير المسلمين. لذا فقد خصص المنتدى الإسلامي عدد شوال لعام ١٤٢٢هـ من مجلة الجمعة لهذا الغرض، وقد طبع من هذا العدد أكثر من (٠٠٠، ١٥٠) نسخة لتوزيعها على فئات متنوعة في المجتمعات الغربية خاصة، ودول العالم عامة يوضحها الجدول أدناه. وسوف يتواصل عطاء المنتدى الإسلامي الهادف إلى تبليغ صوت الإسلام إلى الغرب وذلك بإصدار كتاب مستقل يخاطب غير المسلمين في المجتمعات الغربية يتضمن محاور جديدة وفريدة في إطار تعريفهم بالإسلام الحق. م ... الكمية ... ... ... الشريحة المستهدفة ... ... ... ١ ... ١٦.٢٤٩ ... ... الإعلاميون (صحافيون، محللون، مقدمو برامج ... ... ... ... ... ، معدو الأخبار) ٢ ... ٢١.٠٠٠ ... ... مكتبة عامة ومكتبات أقسام جامعية متخصصة في ... ... ... ... ... الأديان ٣ ... ٩.٠٠٠ ... ... مديرو شركات ومسؤولو العلاقات العامة في ... ... ... ... ... ... المؤسسات الكبرى ٤ ... ١.٣٠٠٠ ... ... عمداء مدن كبرى ورؤساء بلديات ٥ ... ٤.٣٨٨ ... ... أخصائيون اجتماعيون ٦ ... ٢٠.٠٠٠ ... ... محامون بارزون ٧ ... ٢٠.٠٠٠ ... ... طلبة جامعيون من خلال مراكز الدعوة في ... ... ... ... الجامعات ٨ ... ١٠.٠٠٠ ... ... شخصيات ومؤسسات هامة في كندا ٩ ... ١٠.٠٠٠ ... ... شخصيات ومؤسسات هامة في بريطانيا ١٠ ... ١٠.٠٠٠ ... ... شخصيات ومؤسسات هامة في بلدان أخرى

стр. 4174

الورقة الأخيرة ماذا يحدث إذا كان العلم بلا إيمان ؟ إبراهيم بن محمد الحقيل لا يستطيعُ المرءُ أن يعرف أثر العلم في حياة البشر على اختلاف المستويات وتنوع المجالات إلا إذا قارن بين عالِم متبحر، وبين أمِّيٍّ نشأ في أحد الأدغال بعيداً عن أيِّ منفذ معرفي. لا شك أنه سيجدُ أن ما يُفرق بينهما أكثر مما يجمع، كما أنه سيجد أن عيش هذين الرجلين في مكانٍ واحد يكاد يكون مستحيلاً. ومن رحمة الله تعالى بعباده أن علمهم ورزقهم وسائل تحصيل العلوم والمعارف؛ فأعطاهم الأسماع ليسمعوا العلم فيستفيدوا، وأعطاهم الأبصار ليبحثوا ويقرؤوا، وأعطاهم الأفئدة حتى يتفكروا ويتدبروا ويستنبطوا. قال تعالى: [وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] (النحل: ٧٨) . لقد علّمهم الله تعالى ما يوصلهم إليه وإلى رضوانه وجنته، فأرسل لهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وأراهم من آيات عظمته، وعجائب قدرته ما يدل على ربوبيته وإلهيته. وسخر لهم الأرض وما عليها، ورزقهم وسائل الانتفاع بها، وجعل إفادتهم منها على قدر بحوثهم وتجاربهم، وعملهم وجِدِّهم. وحكمةُ هذا التسخير جَعْلُه وسيلةً إلى الغاية العظمى الموصلة إلى رضوانه وجنته. والعلمُ بحرٌ لا ساحل له، سواءٌ منه ما ينفعُ في الدنيا أو ما ينفع في الآخرة، ولا يستطيعُ أحدٌ الاستحواذ على كل العلم؛ فهناك دائماً من هو أكثر إحاطة به وهو الله تعالى، كما قال سبحانه: [نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ] (يوسف: ٧٦) . إن القرآن يقررُ وجوبَ أخذ العلم عن أهله، ورجوع من لا يعلمُ إلى من يعلم لكي يتعلم؛ فحين أنكر مشركو مكة نبوة محمد ﷺ وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسولُه بشراً فهلاَّ بعث ملكاً! حينذاك أنزل الله تعالى قوله: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ] (النحل: ٤٣-٤٤) . أي: اسألوا يا معشر قريش العلماء بالتوراة والإنجيل يخبروكم أن جميع الأنبياء كانوا بشراً إن كنتم لا تعلمون ذلك. وحقيقةٌ كبرى يقررُها كتابُ الله تعالى تتمثلُ في أن أكثر الكفار إنما أعرضوا عن اتباع الحق بسبب عدم توافر العلم الصحيح لديهم. قال تعالى: [بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ] (الأنبياء: ٢٤) ، وهذا يلقي مسؤولية عظمى على أمة الإسلام؛ حيث إن عليها إيصال الحق إلى الناس وبيانه لهم ودعوتهم إليه. إن كثيراً من عبَّاد الأوثان، وعبَّاد البقر، وعبَّاد الصليب، وعبَّاد العجل ظنوا جهلاً أن عبادتهم تقربهم إلى الله زلفى، فعبدوا ما عبدوا من دون الله تعالى. وإن كثيراً من عبّاد المادة وعبّاد العقل البشري ظنوا أن (لا إله، وأن الحياة مادة) فعملوا للدنيا وأهملوا الآخرة؛ لأن ما ينقصهم من حقيقة العلم جعلهم يجهلون حتمية الآخرة. فكيف السبيل إلى إخراج هذه الجموع من شركها وتحويلها من عبادة غير الله إلى عبادة الله وحده إلا أن يُعلَّموا حقيقة الدنيا وما لها، وحقيقة الآخرة وما يجب لها، وأن يُبصَّروا بالحق المبين، والصراط المستقيم. وفي جانب آخر فإن العلم إذا لم يُضبط بالإيمان عاد نفعه ضراً، وخيرُه شراً؛ حيث يقود إلى الاستكبار عن الحق على علمٍ وبكل إصرار وجحود؛ منكراً صاحبُه نعم الله عليه. وقد قص الله علينا أخبار أقوام أوتوا من العلم ما أوتوا لكنهم أوتوا علماً بلا إيمان فجحدوا نعم الله تعالى، واستكبروا عن الحق المبين. قال تعالى: [فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُم مِّنَ العِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ] (غافر: ٨٣) . وقارون جحد نعمة الله عليه ونسب ما أوتي من مال إلى علمه ف [قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي] (القصص: ٧٨) . وحضارةُ اليوم توصفُ بأنها حضارةٌ علمية لكنها علمانية، أي: لا دينية، لا إيمانية، ليس للإيمان بالآخرة فيها مكان، ولا للتصديق بالغيب مجال. هي حضارة سعت في عمارة الأرض مادياً، وحصرت اهتمامها بالحياة الدنيا في انفصال تام عن الموت وما بعده، وأصحابُها كما أخبر الله تعالى: [َيعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ] (الروم: ٧) . وها هنا سؤال يرد: هذا النوعُ من الحضارة المبني على علوم الدنيا بانفصالٍ تام عن علوم الآخرة هل أسعد الإنسان وحقق له ما يريد؟ ! لا؛ فالجميعُ لاحظوا أنه كلما خطا الإنسانُ خطوات في التقدم الدنيوي زاد عددُ زائري العيادات النفسية، وكلُ الناس يتفقون على أن الحياة البسيطة أكثرُ سعادةً من الحياة المادية المعقدة. إن العلوم الدنيوية التي حازها البشرُ في القرون المتأخرة قد أسهمت وبشكل مباشر في رفاهية الإنسان وراحته؛ فقد تنوعت مآكله ومشاربه، وتعددت ملابسه ومراكبه، وصار مَن في طرف الأرض الشمالي يستطيع محادثة من في طرفها الجنوبي، والحدث الذي يحصلُ في أقاصي البلدان، ووراء الجبال والبحار يعلمه من هو في أدناها، والمنتجات التي كان الإنسانُ ينتج القليل منها في عام كامل أصبحت الآلاتُ تنتج الكثير منها في ثوانٍ معدودة. كلُّ هذا حصل ولا زال يحصل ؛ ولكن ماذا حدث حينما انفصل العلم عن الإيمان، وأصبح علمانياً دنيوياً مادياً لا يؤمنُ بالغيب ولا يعرفُ للآخرة سبيلاً؟ إنه صارَ علماً يسعى في تدمير الأرض ومن عليها، في سبيل الهيمنة والسيطرة على العالم. لقد فقد الإنسان السيطرة على العلوم التي تعلمها، فصارت بعد فقد الإيمان أهم سبب لتدمير العالم؛ فبواسطة العلوم الفيزيائية صنع الإنسان القنابل الذرية والنووية والبيولوجية والجرثومية التي يعلم مكتشفو نظرياتها وصانعو صواريخها أنها لو أطلقت لأهلكت ملايين البشر بمن فيهم صانعوها ومطلقوها ومع ذلك صنعها الإنسان؛ لأنه لا إيمان يضبطه، ولا خوف من الآخرة يردعُه عن الإسهام في دمار البشرية. وكم من الوزر يحملُه صانعو هذه المدمرات التي أطلق بعضها في الحرب الكونية الثانية فأهلكت ملايين البشر! ! وفي مجال الهندسة الوراثية صاروا بالعلم يلعبون بالأجنةِ يريدون أن يخلقوا كخلق الله تعالى. إنهم وبالعلم لوَّثوا البحار والأنهار، وأفسدوا الزروع والأشجار؛ حتى ما عاد لأثمارها طعم بسبب الكيميائيات التي تنضجها قبل وقتها، وتجعلها أكبر من حجمها، وتزيد في محصولها، والضحية من يأكلها. وأعظم من ذلك أنهم صاروا يأكلون ما يُخرجون بعد تحليله ومعالجته كما تفعل الجلاّلة من الحيوان! ! إنهم وبالعلم أطلقوا الأقمار الصناعية التجسسية فهل سعدوا؟ ! إن التجسس يدل على الخوف، والخوفُ دليل شقاءٍ لا دليل سعادة! ! إنهم وبالعلم سهلوا ارتكاب الفواحش وعرضوها عبر فضائياتهم، وتفننوا في مداعبة الغرائز والهبوط بالإنسان إلى الحيوانية وإلى ما هو أقلُّ منها؛ فهل شبعوا؟ ! لا؛ لأنهم يريدون فناً أكثر إثارة وأكثر غريزية وبهيمية، ولستُ أعلم في مجال الشهوات شيئاً يُعرض أقل وضاعة من الزنا واللواط والسحاق وسائر الشذوذ فماذا يريدون؟ وإلى أي مدى سيصلون؟ إنهم وبالعلم نوّعوا التجارات، وعددوا سبل الحصول على المال، وصار البيعُ والشراء عن طريق شبكات الاتصال العالمية؛ فهل شبع أهلُ المال من المال؟ لا؛ فإنهم يريدون المزيد والمزيد، وإلى متى؟ وكلُّ ما يجري على الأرض يجري إلى متى؟ ! إن له أجلاً وإن له نهاية فهل يعقلون؟ وهل يضبطون ما أوتوا من علوم الدنيا بالإيمان بالغيب والإيمان بالدارِ الآخرة؟ ! إنهم لن يتعظوا ولن يعقلوا حتى تقع الواقعة. فلينظر كل عاقل إلى أي مدى وصل العلمُ: إنه لما انفصل عن الإيمان أشقاهم في الدنيا ويوشك أن يدمرهم. وصدق الله العظيم إذ يقول: [فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ العِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى] (النجم: ٢٩-٣١) .

стр. 4175

ذو الحجة - ١٤٢٢هـ مارس - ٢٠٠٢م (السنة: ١٦)

стр. 4176

كلمة صغيرة حقوق الضعفاء طالما تشدقت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية بحقوق الإنسان، وربما رسمت بعضاً من سياستها الخارجية بناءً على هذه الشعارات والمبادئ الإعلامية التي سلبت قلوب كثير من المستغربين، حتى زعم أحد كبار المفكرين الأمريكيين أن من أعظم إنجازات الحضارة الأمريكية رعايتها لحقوق الإنسان مهما اختلف لونه أو عرقه أو دينه ... ! ولكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي كشفت الأقنعة، وأظهرت الوجه العنصري الكالح الذي تخفيه تلك الابتسامات الصفراء الباهتة، والشعارات النفعية الباردة؛ ففي أيام قلائل غُيرت القوانين وحُرِّفت الدساتير، وأصبح الغرب ينظر بعينين مختلفتين؛ فالعين الناظرة إلى بني جلدتهم لا زالت ترعى الحقوق وتلتزم القوانين والعهود، والعين الأخرى الناظرة إلى المسلمين هي التي سنَّت قانون الأدلة السرية، والمحاكم العسكرية، والاعتقال لمجرد الاشتباه، والتعذيب لانتزاع الاعترافات، وانتهاك حقوق الأسرى ... ! ! إنها صورة فاضحة من صور التناقض ... صورة صارخة تؤكد أن المُثُل والقيم التي يصنعها الأقوياء هي القوانين التي يجب أن يُصفق لها الضعفاء ... ! وعلى الرغم من هذا السقوط المريع وانكشاف تلك الصور الفجة في الظلم والعداء إلا أن بعض الصحفيين العرب لا زال يغني أمجاد العدالة الغربية؛ بل إن أحد مرموقيهم يطالب أمريكا بلا خجل أن تتدخل لإنقاذ بلادنا العربية لدفعها إلى الرقي والتقدم كما تدخلت في أفغانستان ... وصدق المتنبي: مما أضرَّ بأهل العشق أنهمُ ... هوَوْا وما عرفوا الدنيا وما فطنوا تفنى عيونهم دمعاً وأنفسهم ... في إثر كل قبيح وجهه حسنُ

стр. 4177

الافتتاحية سر الغطرسة الأمريكية وواجبنا حيالها الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فلا شك أن أحداث ١١ أيلول (سبتمبر) وتداعياتها انعكست بالضرر ليس على المسلمين في أمريكا وإنما على المسلمين في شتى ديار الإسلام، وهذا الموقف الذي رأيناه في الحرب الهمجية التي جيشت له دول العالم ضد أفغانستان، وأطاحت بدولة طالبان بدعوى أنها تحمي المشتبه الرئيس في هذه الأحداث، وما يتبعه من تصرفات أمريكية هوجاء يحتاج إلى تأمل ومعرفة لأبعاده الواقعية والمنتظرة. وبغض النظر عن الشكوك في هوية الفاعلين وعن الموقف من الحدث؛ فإن الملاحظ أن ردة الفعل الأمريكية كانت أعظم من الفعل بمراحل لأهداف غير متعلقة بالفعل نفسه؛ فالناظر المحايد كان يتوقع من أمريكا أن تعالج الموضوع بعقلانية ولا تستخدم القوة بهذه الصورة التي أحدثت الدمار الشامل في البنى التحتية والمستشفيات والمساجد والمدارس في أفغانستان، ولكن أمريكا عالجت مقتل بعض (الأبرياء) حسب حضارتها وفلسفتها، فقتلت من الأبرياء ألوفاً ومن الجرحى والمقعدين أمثالهم، وأسرت المئات وعاملتهم معاملة غير إنسانية بالرغم من أنهم أسرى حرب، ثم عاملتهم بتصرفات لا تمت للسلوك الإنساني والحضاري بصلة؛ حيث وضعت الأصفاد في أرجلهم، وأُخِذوا مكتوفي الأيدي مكممي الأفواه مع ربط عصابات على أعينهم، مع إذلالهم بحلق شعورهم بما في ذلك لحاهم، وتخدير بعضهم وسوقهم في رحلات من قندهار إلى القاعدة الأمريكية في خليج (جوانتانامو) بكوبا، وإدخالهم في أمكنة أشبه ما تكون بأقفاص الحيوانات، وحينما ضج العالم ومنظمات حقوق الإنسان حتى الغربي منها بالاحتجاج على تلك المعاملة السيئة لهم، وضرورة تطبيق الأنظمة الدولية عليهم صرح وزير الدفاع الأمريكي بكل غطرسة (بأنهم) ليسوا أسرى حرب وإنما هم مقاتلون خارجون على القانون. ويأبى الله إلا أن يفضح (الديمقراطية الأمريكية) ؛ حيث كان من بين الأسرى أوروبيون أفراد من بريطانيا، بل أحدهم (أمريكي) ؛ فماذا كانت المعاملة للغربيين؟ هل كانت هي المعاملة آنفة الذكر أم أنها معاملة أخرى؟ يؤسفنا القول إن المعاملة كانت مختلفة تماماً؛ فالأمريكي أحيل للقضاء المدني، والبريطانيون لهم معاملة خاصة ومختلفة تماماً؛ فلماذا كان لغير المنتمين إلى جنسيات العالم الإسلامي معاملة (حضارية) ؛ بينما كان لمواطني العالم الإسلامي معاملة دون ذلك بكثير؟ لا شك أن لذلك أسباباً وهي: * العداء للعالم الإسلامي؛ فهم أول من اتهم بأنهم وراء الأحداث المذكورة، رغم أنه لم تتبين حينها أي أدلة، وبقوا لعدة أشهر حتى زوَّروا فيلماً مصطنعاً يشير بالتهمة لأفراد من المسلمين كان محل السخرية من كثير من المتابعين له. * استهتار الغرب واستهانتهم بالمسلمين؛ لأن جل حكوماتهم لم تحرص على كرامتهم ولم تعطهم الحريات المسؤولة؛ فكيف يحترمهم الآخر؟ * العمل على إيقاف المد الإسلامي في العالم بعامة وفي الغرب بخاصة. * يقينهم أن شعوب العالم الإسلامي وحكوماته لن تواجههم على جرأتهم، ولن تحتج لتلك التصرفات الهمجية حيالهم. هذه أسباب يعرفها الجميع، لكن ما يلزم تسليط الضوء عليه وفضحه أمام العالم هو أن موجِّه العقلية الأمريكية يكمن في تشبُّعها بالفلسفة البراجماتية وتسمى أحياناً (الذرائعية) أو (النفعية) ، حيث يورد مؤصلو هذه الفلسفة من الأمريكان أن قيمة الشيء أو الفعل لا تكمن في ذاته، بل في مدى منفعته المحسوسة للفرد وما يمثله من عائد على تحقيق غايته بغض النظر عن تعارض ذلك مع القيم الأخلاقية ومع غايات الآخرين. ويقول (وليم جمس) في كتابه (إرادة الاعتقاد) : «إن الحقيقة تقوم في مطابقتها للواقع الملموس؛ وهذه المطابقة تقاس بمدى نفعها» . ويهمنا في هذا المقام مطابقة هذا الموقف الفلسفي بأمرين: * نمط الثقافة الأمريكية، وهي ثقافة لا أساس حضارياً لها من حيث النشأة؛ وبذلك تعتبر ثقافة اللحظة والحاضر أكثر من اهتمامها بالماضي وقيمه وتأثيره؛ ولذا فكثيراً ما تثير قضايا صراع الحضارات ودعوى (نهاية التاريخ) بها. * نمط السياسة الأمريكية القائم على النفعية في التوجه العام والسلوك واتخاذ القرار. وإذا جمعنا الأمرين معاً فعلى ضوئهما نفهم مغزى التأييد المستمر للسياسة الأمريكية لدولة عدوة لنا هي (إسرائيل) ؛ حيث النشأة واحدة؛ فكلهم من المهاجرين الذين حطوا الرحال في أرض مغتصبة على حساب شعب آخر. كما أن نفعية (إسرائيل) لأمريكا على المدى الزمني المنظور (ماضياً وحاضراً ومستقبلاً قريباً) عن طريق اللوبي الصهيوني هو بالنسبة لها أفضل من نفعية العرب (المضمونين) لها في المدى نفسه؛ ولذلك وجدنا أمريكا تقف مع عدونا الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني المغلوب على أمره، وتسكت عن الحرب الهمجية ضدهم بما فيها الإبادة والظلم والاستهتار بحقوق الإنسان؛ ومع ذلك تناصر العدو، بل تتبنى موقف حكومة العدو المتطرفة بينما الشعب اليهودي فيه اتجاهات أخرى ترفض النهج الليكودي انطلاقاً من النظر إلى مصلحة اليهود في المدى البعيد، وهكذا أصبحت أمريكا صهيونية أكثر من الصهاينة أنفسهم. ولا يغيب عن البال عند النظر في السياسة الأمريكية أثر الفلسفة الغربية المعروفة بـ (الميكيافيلية) والتي تعني أن الغاية تسوِّغ الوسيلة؛ فالموقف الأمريكي من معاقبة من تتهمهم بأحداث ١١ سبتمبر مثلاً هو محاولة استئصالهم والقضاء عليهم؛ فلا يهم بأي وسيلة يتم ذلك سواء بالقصف الجوي بشتى وسائل الدمار أو بضرب المدنيين أو باستعمال الأسلحة المحرمة دولياً ما دام ذلك يحقق شيئاً من الأهداف المرسومة سلفاً حتى ولو خالفت الأنظمة الدولية المرعية، بل حتى لو ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط فحسبها أن تحقق أهدافها وكفى. لكن الشيء الذي يحز في النفس أن كثيراً من حكومات دول العالم العربي والعالم الإسلامي والتي أيدت ما يسمى بحرب الإرهاب خوفاً أو قهراً لم تطالب بتحديد المعنى الحقيقي للإرهاب حتى لا يدخل فيه حق جهاد المحتل والغاصب وحق تقرير المصير والدفاع عن الحرمات والأعراض، فهرولت هذه الحكومات وراء أمريكا غير مدركة حقيقة العقلية البراجماتية الذرائعية الأمريكية التي حدودها في النفع والنفع وحده؛ حتى لو كان على حساب القيم المرعية؛ بل تمادت في التهديد بضرب دول إسلامية أخرى بدعوى أنها مأوى لمن تسميهم الإرهابيين بدعاوى وأوهام لم توافقها عليها حتى كثير من الدول الغربية. بل زادت على ذلك بأن دعت وبكل وقاحة إلى تجريم وجود بعض الجمعيات الخيرية وأنشطتها ومصادرة حساباتها، ونفذت ذلك بالفعل، ودعت إلى تغيير المناهج الإسلامية في الدول الإسلامية، ولا يُستبعد أن تطالب بإلغاء فريضة الزكاة؛ لأن فيها دعماً للإرهاب المزعوم؛ وصدق الله العظيم: [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا] (البقرة: ٢١٧) . إننا نطالب بتحديد المعنى الحقيقي للإرهاب الذي تتهرب منه أمريكا حتى لا يتم تجريمها هي وربيبتها (إسرائيل) . وبدون موقف موحد يراعي احترام ثوابتنا وتقدير مشاعرنا وإيقاف التحيز الكبير لأعدائنا فلن تتوقف تلك المهازل التي سخر منها كثير من الغربيين حينما قالوا بأن حرب الإرهاب الأمريكية تحولت إلى إرهاب حقيقي. وإلا أصبحنا لعبة في يد أمريكا. لقد افترضنا أن بعض حكومات العالم العربي والإسلامي قد (تضطر) إلى توقيع معاهدات واتفاقيات مجحفة مع أمريكا، وأنها لن تجرؤ على الوقوف في وجهها؛ لكننا نقول: لماذا لا تترك الشعوب تؤدي واجبها بالمقاطعة الاقتصادية؟ ! ثم حتى متى تجعل الدول الإسلامية الدولار الأمريكي غطاء عملتها؟ ! وحتى متى نضع أموالنا في البنوك الأمريكية؟ ! وحتى متى تُستثمر أموالنا لحساب الاقتصاد الأمريكي ما دام أنها تعلن العداء لأمتنا بكل وضوح مستغلة قوتها وهيمنتها؟ ! إن مثل هذه المواقف هي التي يمكن أن تلفت نظر أمريكا إلى وجود أخطار عليها إذا ما ثأر المسلمون لحقوقهم المهدرة؛ وحينها تفهم أمريكا حقيقة الضرر الماحق من جراء معاداة المسلمين؛ وهذا ما فطن له رجل له خبرة كبرى في السياسة الخارجية هو (هنري كيسنجر) وحذر منه في كتابه: «مفهوم السياسة الخارجية الأمريكية» حينما قال: «إن غطرسة القوة التي تفرض نفسها على عمل مجمل السياسة الخارجية الأمريكية قد جعلت من أمريكا الشرطي الذي يحاول خنق أصوات الاحتجاج التي تصدر حتى عن حلفائه وأصدقائه، وهي سياسة ضالة لا بد أن تؤدي مع الأيام إلى صحوة هؤلاء الحلفاء والأصدقاء، ثم إلى نقمتهم واعتراضهم بكل الوسائل وبجميع الأشكال؛ فتغدو قوة أمريكا سبب دمارها» . وعبَّر وليم فولبرايت رئيس لجنة العلاقات الخارجية الأسبق بمجلس الشيوخ الأمريكي وهو مؤلف كتاب «غطرسة القوة» معبراً عن هذا المعنى: «مما لا يخطئه التقدير أن أمريكا قد أخذت تدريجياً في إظهار دلائل الغطرسة التي أذلت وأضعفت أمماً عظيمة في الماضي؛ بل سحقت بعضاً منها، وعندما نمارس ذلك نكون قد فقدنا قدرتنا وعهدنا في أن نضرب أمام العالم مثال الدولة المتحضرة، وتصورنا هذا هو الذي يحفز (الرجل الوطني) إلى إبداء الاعتراض علينا؛ لأن هذا ما يفرضه عليه الواجب» . إن تعامل أمريكا معنا بعقليتها البراجماتية الذرائعية وسياستها المكيافيلية يجعلنا ونحن الأمة الإسلامية التي لها عقيدتها ولها كرامتها المستمدة من دينها الذي تعتز به نطالب بكل قوة أن تنظر أمريكا في عدالة مواقفها منا بالمعيار نفسه الذي تزن به مواقفها مع حلفائها الأقربين ومع ربيبتها (إسرائيل) ، وإلا كنا أذلة وتابعين، وهذا ما لا يقبله أي مسلم شريف. ويجب على أمريكا الموضوعية في مواقفها بعيداً عن الانحياز الأعمى والكيل بمكيالين وعليها أن تدرك الأسباب الحقيقية للأحداث الأخيرة، فهل تعي ذلك وتتفهم ما قاله بعض مفكريها ممن سبق الإشارة إليهم؟ قال تعالى: [أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ * أَفَمَن يَمْشِي مُكِباًّ عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِياًّ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (الملك: ٢٠-٢٢) .

стр. 4178

خير الهدي الطائفة المنصورة تنقذ الموقف د. أحمد بن عبد الله الزهراني [*] وردت الآثار النبوية بذكر الطائفة المنصورة واستمراريتها حتى تقوم الساعة. والطائفة المنصورة هم من الأمة الإسلامية من أمة محمد ﷺ والطائفة تطلق في العرف اللغوي على ما زاد على اثنين فصاعداً، وورد في بعض الروايات أنهم عصابة. وذكر النبي ﷺ أن لها عدة صفات: ١ - كونها منصورة. ٢ - قائمة بأمر الله تعالى. ٣ - ظاهرة على الحق، أو على الحق ظاهرة، أو ظاهرون على الناس. ٤ - يقاتلون على أمر الله. ٥ - قوّامون على أمر الله. ٦ - قاهرون لعدوهم أو لعدوهم قاهرون. وذكرت الآثار النبوية أنهم مع ما هم عليه من تلك الصفات الحميدة سيلاقون عقبات في طريقهم، وأن تلك العقبات تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: عقبات داخلية تتمثل في التخذيل، وفي المخالفة. القسم الثاني: عقبات خارجية تتمثل في مجابهة العدو وملاقاته ومناوأته لهم. وإن هذه العقبات بشقيها تلازم تلك الطائفة المنصورة حتى يأتي أمر الله تعالى وهو قيام الساعة وهم لا يزالون متمسكين بما هم عليه. وإن هذه الأوصاف للطائفة المنصورة لتحمل في طياتها البشارة لهم بالنصر والتمكين لهم في الدنيا والفوز والفلاح في الآخرة لكونهم مستمرين وملتزمين بأمر الله تعالى، ويدعون إليه بل ويقاتلون عليه من ناوأهم من خلق الله حتى يأتي أمر الله تعالى. وذكر أهل العلم أن تلك الطائفة تتعدد وتتنوع؛ فمنهم من يقوم بالعلم ونشره، وآخرون بالدعوة وتبليغها،وآخرون يرفعون راية الجهاد، وآخرون أهل زهد وعبادة وغير ذلك [١] . وليست الطائفة المنصورة مجتمعة في قطر أو مكان محدد، بل ربما اجتمعوا وربما كانوا مفرقين في أقطار متعددة وربما يكثرون أو يقلون. ولا يعكر هذا ما ورد في بعض الروايات أنهم بالشام، وبعضها ذكرت أنهم ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وفي بعضها (ولا يزال أهل الغرب) وفسر بعض أهل العلم (أهل الغرب) بأنهم أهل الشام. وهذه الروايات مفادها والله أعلم أن الطائفة المنصورة تكون في آخر الزمان ظاهرة في بلاد الشام وستقع بينهم وبين أعدائهم ملاحم عظيمة، وهم مع ذلك ظاهرون وصامدون لقول النبي ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم الدجال» [٢] . والدجال ستكون المواجهة معه في بلاد الشام. أما حصر الطائفة المنصورة ببلاد الشام فقط ففيه حصر للنص، وحرمان لمن كان على الحق وناصراً له في غير بلاد الشام من دخولهم ضمن الطائفة المنصورة. وقد أخرج الإمام أحمد من حديث شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، ولا يزال أناس من أمتي منصورين لا يبالون من خذلهم حتى تقوم الساعة» [٣] . فالحديث أثبت ميزة لأهل الشام، لكنه لم يربط الطائفة المنصورة بهم، بل جاء الخبر عاماً فيهم وفي غيرهم. يقول الحافظ النووي ﵀: «ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض» [٤] . ويقول الحافظ ابن حجر ﵀: «ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد، وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد، وأن يكونوا في بعض منه دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولاً فأولاً إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد؛ فإذا انقرضوا جاء أمر الله» [٥] . وإن من أبرز سماتهم وصفاتهم ثباتهم على الحق وقتالهم عليه من ناوأهم حتى يوم القيامة لا يبالون من خذلهم، ولا من خالفهم، ولا من نصرهم. ففي صحيح مسلم عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة» [٦] ، كما روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة» [٧] . وروى أبو داود والحاكم عن عمران بن حصين ﵁ مرفوعاً قول النبي ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم الدجال» . والمراد بظهورهم في الحديث أي غير خافين ولا مستترين بل غالبون وظاهرون على غيرهم حساً ومعنى؛ لأن الظهر في اللغة خلاف البطن. فهو يدل على الارتفاع مع بروز، والبطن يدل على تستر وانخفاض. وهذه الروايات ربطت بين القتال والظهور؛ فهم في قتالهم لهم الغلبة ولا تكون الغلبة إلا بظهور. وعلى هذا تفسر الروايات الأخرى التي ورد فيها ذكر الظهور فقط دون ذكر القتال. عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لن يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» [٨] . وعن معاوية ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس» [٩] . وعن سعد ابن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة» [١٠] . وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» [١١] . وفي رواية عند ابن ماجة: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» . وعن قرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، ولا يزال أناس من أمتي منصورين لا يبالون من خذلهم حتى تقوم الساعة» [١٢] . وفي رواية عنه: «لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة» . ويؤيد هذا حديث جابر بن سمرة ﵁ مرفوعاً: «لن يبرح هذا الدين قائماً يُقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة» [١٣] . وفي لفظ عند الحاكم: «لا يزال هذا الدين قائماً يقاتل عليه المسلمون حتى تقوم الساعة» [١٤] . وروى مسلم من حديث عقبة بن عامر ﵁ أنه قال: «أما أنا فسمعت رسول الله ﷺ يقول:» لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك «. فقال عبد الله: أجل ثم يبعث الله ريحاً كريح المسك، ومسها مس الحرير، فلا تترك نفساً في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلاّ قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة» [١٥] . والقهر للعدو لا يكون إلاّ بالغلبة والظهور عليه. وقد جاء في الروايات تفسير الظهور بالقهر كما جاء تفسيره بالنصر، وكلها معان تفسر كلمة (ظاهرين) . قال الإمام القرطبي: «وظاهرين منصورين غالبين كما قال في الحديث الآخر:» يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خذلهم «أي من لم ينصرهم من الخلق» [١٦] . وسبق ذكر حديث عمران بن حصين ﵁ عند أبي داود في الجهاد، وعند الحاكم في الجهاد، والفتن. إن هذه النصوص النبوية تدل دلالة واضحة على أهمية الجهاد في سبيل الله، وأنه لا ينقطع بل إنه مستمر حتى قيام الساعة من أجل حماية الدين ونصرة الحق ودمغ الباطل. ومن هنا تعلم عظمة فقه السلف عندما أوجبوا الجهاد مع البر والفاجر حتى مع الحاكم الظالم الفاجر الجائر، وأن ما هم فيه من الجور والظلم لا يسقط الجهاد معهم. ورحم الله الإمام الخطابي عندما بين معنى حديث عمران بن حصين عند أبي داود فقال: «فيه بيان أن الجهاد لا ينقطع أبداً؛ لأن الأئمة كلهم لا يتفق أن يكونوا عدلاً؛ فقد دلّ هذا على أن جهاد الكفار مع أئمة الجور واجب كهو مع أهل العدل، وأن جورهم لا يسقط طاعتهم في الجهاد وفيما أشبه ذلك من المعروف» [١٧] . وإن الحكمة من ذلك والله أعلم هي المحافظة على أمر الشارع الحكيم في استمرارية شعيرة الجهاد حتى لا تتعطل، ومن ثم يتعطل ما ينتج عن الجهاد من الآثار العظيمة في الدنيا والآخرة. قال تعالى: [قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ] (التوبة: ٥٢) قال ابن تيمية ﵀: «يعني إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة؛ فمن عاش من المجاهدين كان كريماً له ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، ومن مات منهم أو قتل فإلى الجنة» [١٨] . إنّ طريق العزة في الدارين هي إعلان راية الجهاد في سبيل الله، وبذل المال والنفس في سبيله حتى تنعم البشرية المسلمة بالنصر والعزة في واقعها البشري، أو تنعم بالفوز والفلاح في واقعها الأخروي. ولقد أخبرتنا الآثار النبوية بأن الطائفة المنصورة ستواجه المخذلين والمعوقين والمخالفين في طريق الجهاد وهؤلاء غالباً ما يكونون داخل صف المسلمين، وهم أيضاً من الابتلاءات في الطريق من يوم أعلن النبي ﷺ حالات الجهاد الفعلية، وسيبقون حتى ينتهي الجهاد يوم تقوم الساعة. فمن ذلك ما قصه الله علينا في غزوة الأحزاب: [وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً * وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيراً * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً * قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ المَوْتِ أَوِ القَتْلِ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً * قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِياًّ وَلاَ نَصِيراً * قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ البَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً] (الأحزاب: ١٢-١٨) . إنها صورة مظلمة جمعت من اللؤم وخسة الطبع ودناءة النفس ما الله به عليم؛ ولذا توعدهم الباري سبحانه في آخر السورة بالطرد والقتل وعدم الجوار؛ وتلك سنة الله المطَّردة التي لا تتغير ولا تتبدل. قال تعالى: [لَئِن لَّمْ يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً] (الأحزاب: ٦٠-٦٢) . والآثار النبوية ذكرت أصناف الناس أربعة وهم: الصنف الأول: الطائفة المنصورة، ووصفتهم بأنهم قائمون بأمر الله تعالى، وأنهم منصورون، وأنهم ظاهرون على الناس، وأنهم يقاتلون على الحق، وأنهم قاهرون لعدوهم، وأنهم غير مبالين بمن خذلهم أو خالفهم أو نصرهم، وأنهم على ذلك حتى يأتي أمر الله تعالى. الصنف الثاني: المخذلون. وهم القاعدون عن الجهاد وأهله. الصنف الثالث: المخالفون. وهم الذين ضد الطائفة المنصورة. الصنف الرابع: الذين يناصرون القائمين بأمر الله تعالى، ولكنهم ليسوا في منزلة الطائفة المنصورة. فعلى المسلم أن ينظر لنفسه من أيّ الطوائف يكون: أيكون من المنصورة، أو من المناصرة، أو من المخذلة، أو من المخالفة؟ والله سبحانه هدى الإنسان وعرّفه الطريق. قال تعالى [إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً] (الإِنسان: ٣) ، وقال تعالى: [وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ] (البلد: ١٠) ، وقال تعالى: [بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ] (القيامة: ١٤-١٥) . وليعلم القائمون بأمر الله تعالى أنه مطلوب منهم أن يعدوا العدة لإرهاب أعداء الله وأعدائهم، وأن يحرضوا المؤمنين على القتال، وأن يهيئوا أنفسهم للنفور في سبيل الله خفافاً وثقالاً، وأن يصبروا على ما يلاقون في طريقهم من الأذى والعنت والمشقة، وأن يتوكلوا على الله وحده حق التوكل. ومع كل هذا لا بد أن تستقر الحقيقة الكبرى في النفوس أن النصر من عند الله العزيز الحكيم مهما بذلوا من الأسباب والوسائل، قال تعالى: [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ * وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ] (آل عمران: ١٢١-١٢٧) . قال تعالى: [إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ] (آل عمران: ١٦٠) إنّ سنن التغيير مربوطة بيد الله تعالى: [وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ] (التكوير: ٢٩) ، لكن مطلوب من العباد أن يأخذوا بالأسباب مع عدم الاتكال عليها. قال تعالى: [لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ] (الرعد: ١١) . وإذا نظرت إلى المعارك التي دارت بين المسلمين وأعدائهم لم تجد التكافؤ بين الفريقين، وأظنه لن يكون والله أعلم حتى قيام الساعة؛ لأن الله سبحانه له حكمة في ذلك؛ فالنصر مع القلة والضعف ليس كالنصر مع الكثرة والقوة؛ ولذا أثنى على القلة وذم الكثرة. قال تعالى: [قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] (البقرة: ٢٤٩) . وقال تعالى: [لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ] (التوبة: ٢٥) . وقال تعالى: [وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ] (يوسف: ١٠٣) . وقال تعالى: [وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ] (الأنعام: ١١٦) . وإذا انتقلت من عهد النبي ﷺ وصحبه الكرام مع العلم أنهم هم القدوة في كل شيء؛ لأن الله تعالى يقول: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] (الأحزاب: ٢١) ، ولو انتقلت إلى العهود المتأخرة وبعد الأمة الإسلامية عن الالتزام بدينها مثل عهد القائد عماد الدين زنكي، وعهد نور الدين محمود زنكي، وعهد صلاح الدين الأيوبي، ومقابلة هؤلاء العمالقة لجحافل الصليبيين لما رأيت تناسباً ولا تناسقاً ولا تكافؤاً في العدد ولا في العدة، ومع ذلك كتب الله لهم النصر [١٩] . ولو انتقلت إلى عهد الدولة السعودية الأولى دولة التوحيد التي أسس بنيانها وأقامه وشيده الداعية المصلح المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ مع من حولهم من أمراء الأقاليم في نجد والشريف في الحجاز، وأمير الأحساء ومن حوله، وكل هؤلاء قاموا ضد دعوة التوحيد وتآمروا على القضاء عليها ومع ذلك نصرهم الله عليهم وكتب لهم النصر والتأييد [٢٠] . فليعِ القائمون بأمر الله تعالى أن الابتلاء في الطريق إلى الله تعالى سنة من سننه التي لا تتغير ولا تتبدل، كما أن شعيرة الجهاد في سبيل الله أبدية حتى تقوم الساعة، وأن تربية النفس البشرية بعيداً عن روح الجهاد تربية ناقصة وهزيلة. كما أن النصر والغلبة في الواقع البشري ليس بكثرة العدد والعتاد؛ فما نفعت المسلمين كثرتهم يوم حنين، بل إن النصر والغلبة قد يأتي والمسلمون في حالة ضعف ظاهرة كما حصل لهم يوم بدر كما قال تعالى: [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] (آل عمران: ١٢٣) . وعلى القائمين بأمر الله أن لا يخافوا إلا الله، وأن لا يخشوا إلا إياه؛ فقد حذرنا ربنا سبحانه من الوقوع في خشية غيره أو الخوف من سواه أو الرهبة من غيره. فهذه أمراض قلبية لا يعلمها إلا الله سبحانه؛ فإذا خلصت النفوس من هذه الأمراض الداخلية الخفية حصل لها النصر في ذات نفسها وهذا هو المطلوب أولاً، ثم حصل لها النصر بعد ذلك في الواقع البشري؛ وهذان الأمران متلازمان؛ فإن النصر العلني المشاهد لا يتحقق إلا بعد النصر الخفي في قرارة النفس. قال تعالى: [إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوَهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٧٥) . وقال لعموم بني إسرائيل تنبيهاً لنا: [وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ] (البقرة: ٤٠) . وقال تعالى: [فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ] (المائدة: ٤٤) وقال تعالى: [لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] (البقرة: ١٥٠) . وقال تعالى: [اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ] (المائدة: ٣) . وقال تعالى: [إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئَكَ أَن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ] (التوبة: ١٨) . وقال تعالى: [الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً] (الأحزاب: ٣٩) . وقال تعالى: [أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (التوبة: ١٣) . يقول ابن تيمية ﵀: «ولن يخاف الرجل غير الله إلاّ لمرض في قلبه؛ كما ذكروا أن رجلاً شكا إلى أحمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة، فقال: لو صححت لم تخف أحداً. أي خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك؛ ولهذا أوجب الله على عباده أن لا يخافوا حزب الشيطان، بل لا يخافوا غيره تعالى» [٢١] . ورحم الله سيد قطب عندما قال: «وهناك حقيقة أخيرة نتعلمها من التعقيب القرآني على مواقف الجماعة المسلمة التي صاحبت رسول الله ﷺ ، والتي تمثل أكرم رجال هذه الأمة على الله ... وهي حقيقة نافعة لنا في طريقنا إلى استئناف حياة إسلامية بعون الله. إن منهج الله ثابت، وقيمه وموازينه ثابتة، والبشر يبعدون أو يقربون من هذا المنهج، ويخطئون ويصيبون في قواعد التصور وقواعد السلوك، ولكن ليس شيء من أخطائهم محسوباً على المنهج، ولا مغيراً لقيمه وموازينه الثابتة. وحين يخطئ البشر في التصور أو السلوك فإنه يصفهم بالخطأ، وحين ينحرفون عنه فإنه يصفهم بالانحراف ولا يتغاضى عن خطئهم وانحرافهم مهما تكن منازلهم وأقدارهم ولا ينحرف هو ليجاري انحرافهم. ونتعلم نحن من هذا أن تبرئة الأشخاص لا يساوي تشويه المنهج! وأنه من الخير للأمة المسلمة أن تبقى مبادئ منهجها سليمة ناصعة قاطعة، وأن يوصف المخطئون والمنحرفون عنها بالوصف الذي يستحقونه أياً كانوا وألا تسوَّغ أخطاؤهم وانحرافاتهم أبداً بتحريف المنهج، وتبديل قيمه وموازينه؛ فهذا التحريف والتبديل أخطر على الإسلام من وصف كبار الشخصيات المسلمة بالخطأ أو الانحراف؛ فالمنهج أكبر من الأشخاص، والواقع التاريخي للإسلام ليس هو كل فعل، وكل وضع صنعه المسلمون في تاريخهم وإنما هو كل فعل وكل وضع صنعوه موافقاً تمام الموافقة للمنهج ومبادئه وقيمه الثابتة وإلا فهو خطأ أو انحراف لا يحسب على الإسلام وعلى تاريخ الإسلام، إنما يحسب على أصحابه وحدهم، ويوصف أصحابه بالوصف الذي يستحقونه: من خطأ أو انحراف أو خروج على الإسلام. إن تاريخ الإسلام ليس هو تاريخ المسلمين ولو كانوا مسلمين بالاسم أو اللسان، إن تاريخ الإسلام هو تاريخ التطبيق الحقيقي للإسلام في تصورات الناس وسلوكهم، وفي أوضاع حياتهم ونظام مجتمعاتهم. فالإسلام محور ثابت تدور حوله حياة الناس في إطار ثابت؛ فإذا هم خرجوا عن هذا الإطار أو إذا هم تركوا ذلك المحور بتاتاً فما للإسلام وما لهم يومئذ؟ وما لتصرفاتهم وأعمالهم هذه تحسب على الإسلام، أو يفسر بها الإسلام، بل ما لهم هم يوصفون بأنهم مسلمون إذا خرجوا عن منهج الإسلام، وأبوا تطبيقه في حياتهم، وهم إنما كانوا مسلمين؛ لأنهم يطبقون هذا المنهج في حياتهم، لا لأن أسماءهم أسماء مسلمين، ولا لأنهم يقولون بأفواههم إنهم مسلمون؛ وهذا ما أراد الله سبحانه أن يعلمه للأمة المسلمة وهو يكشف أخطاء الجماعة المسلمة ويسجل عليها النقص والضعف، ثم يرحمها بعد ذلك ويعفو عنها ويعفيها من جرائر هذا النقص والضعف في ساحة الابتلاء» [٢٢] . إن منهج الله تعالى ثابت لا يتغير ولا يتبدل، وهذه حقيقة يجب على كل مسلم معرفتها وإدراكها، كما يجب على كل مسلم أن يحافظ على هذا المنهج الذي رضيه الله لعباده وأتمه وأكمله. وإن من أهم الوسائل التي تحافظ على هذا المنهج وتحميه من العوادي أيًا كانت رفع راية الجهاد واستمراريته حتى تقوم الساعة، وأن تربى الأجيال على ذلك. فإن قصَّر المسلمون كما نراه ونشاهده في رفع راية الجهاد لما حلّ بهم من الوهن والضعف، فعلى الطائفة المنصورة والقائمة بأمر الله تعالى أن تبادر بالقيام فيما قصر فيه المسلمون وترفع راية الجهاد: إنفاقاً في سبيل الله، ومرابطة في الثغور، وتجهيز الغزاة، وإعداد القوة، وغير ذلك من متطلبات هذه الشعيرة الغالية؛ لأن من صفات هذه الطائفة أنها تقاتل على الحق من ناوأهم إلى يوم القيامة. لقد اختل لدى المسلمين مفهوم الجهاد وحقيقته وغاياته وأهدافه ودوافعه، حتى أصبح لدى كثير منهم وصم من كان مرابطاً في بعض ثغور المسلمين بالتطرف والإرهاب. وأصبحت حكومات العالم الإسلامي تسعى جاهدة في القضاء على شعيرة الجهاد وتطارد من نذر نفسه للموت في سبيل الله؛ ولذا وجب على الطائفة القائمين بأمر الله أن يستغفروا ربهم ويبيعوا أنفسهم لربهم كما ذكر الله تعالى ذلك عنهم في قوله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاًّ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ] (التوبة: ١١١) . فإذا خلصت النية، وتوفرت الشروط، وانتفت الموانع فحيهلا إلى ساحات الوغى مع أُسد الشرى من أجل تحقيق المنى في رفع رايات العلا. ورحم الله ابن القيم القائل: «وكفى بالعبد عمى وخذلاناً أن يرى عساكر الإيمان وجنود السنة والقرآن وقد لبسوا للحرب لأمته، وأعدوا له عدته، وأخذوا مصافهم، ووقفوا مواقفهم، وقد حمي الوطيس، ودارت رحى الحرب واشتد القتال وتنازلت الأقران: النزال النزال؛ وهو في الملجأ والمغارات، والمدخل مع الخوالف كمين، وإذا ساعد القدر، وعزم على الخروج قعد فوق التل مع الناظرين ينظر لمن الدائرة ليكون إليهم من المتحيّزين، ثم يأتيهم وهو يقسم بالله جهد أيْمانه إني كنت معكم وكنت أتمنى أن تكونوا أنتم الغالبين؛ فحقيق بمن لنفسه عنده قدر وقيمة أن لا يبيعها بأبخس الأثمان، وأن لا يعرضها غداً بين يدي الله ورسوله لمواقف الخزي والهوان، وأن يثبت قدميه في صفوف أهل العلم والإيمان، وأن لا يتحيز إلى مقالة سوى ما جاء في السنّة والقرآن» [٢٣] . أمّا واقع العالم الإسلامي اليوم فقد امتنعت حكوماته عن تحقيق الدين كله لله تعالى، بل أمثلهم طريقة أخذ بعضاً من الدين، وترك بعضه الآخر، فامتنعوا عن ترك الربا المحرم وهو من آخر ما حرّمه الله تعالى، وامتنعوا عن تحريم الفواحش كالزنا والخمور والمخدرات، وامتنعوا عن تحريم الاختلاط والسفور باسم الحرية والحقوق الشخصيّة، ومن حق أيّ إنسان أن يعيش كيف يشاء! كما عقدوا صفقة أيديهم مع أعداء الله على محاربة شعائر الإسلام العملية عموماً كإقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأعظم تلك الشعائر التي وقفوا ضدها هي شعيرة الجهاد في سبيل الله ضد الكفر وأهله، بل الأدهى والأمرُّ أنهم عقدوا المعاهدات الدولية، وأقاموا المنظمات والاتفاقات الدولية على محاربة من أراد أن يقوم بفرض الجهاد، والزج بهم في السجون، بعد رصد حركاتهم والتربص بهم في كل قطر. والأعظم والأمرُّ أن ملة الكفر بجميع أنواعها تترست بأولئك الحكام، فوقفوا سداً منيعاً ضد من يدعو إلى الله، وينادي بالجهاد في سبيل الله. نسأل الله أن يعز دينه، وأن يعلي كلمته، وأن ينصر عباده المجاهدين. آمين. وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4179

دراسات في الشريعة والعقيدة إنها السنن د. عبد الغني بن أحمد مزهر التميمي [*] أود في هذه الصفحات أن أتناول شيئاً من دراسة الواقع اليهودي في فلسطين، وما يمتد له من حبل الناس على ضوء السنن الإلهية التي بيَّنها الكتاب العزيز والسنة النبوية الثابتة، وأختصر قدر ما يسعني الاختصار. وألخص هذا الموضوع في نقاط تسهيلاً على نفسي وعلى القارئ: ١ - عندما يطرأ حدث كبير أو تقع مشكلة كبيرة لها أثرها وانعكاسها على الواقع سواء على المستوى الفردي، أو المستوى الجماعي، فأول ما ينبغي على المسلم أن يفعله لالتماس المخرج هو الحكم الشرعي، أي حكم الله تعالى في ذلك؛ وبناءً عليه يقوم بتحديد موقفه من هذا الحدث أو من هذه المشكلة. إن ما يميز المسلم عن غيره أنه أعلن استسلامه وأعطى قياده وخضوعه لحكم الله وشرعه، فلم يعط القياد والطاعة لا لقبيلة، ولا لمصلحة خاصة، ولا لقوم، ولا لأكثرية ... ولا لغير ذلك. وكل معالجة للمواقف والأحداث لا توزن بهذا الميزان فهي خطأ ولو وافقت الصواب «أجل خطأ ولو وافقت الصواب» . ٢ - الانتفاضة في فلسطين المحتلة حدث كبير له آثاره وانعكاساته على الأمة، فينبغي الرجوع ابتداءً إلى الحكم الشرعي لتكييف وتأصيل هذا الحدث، ومن ثم اتخاذ الموقف الحق منه. وهذا أمر في غاية الخطورة والأهمية؛ لأن معنى الرجوع إلى الحكم الشرعي ابتداءً المسارعة إلى الامتثال والعمل بعد وضوح الرؤية؛ فإن لم نستطع نعذر؛ لأننا لم نُكَلَّف فوق طاقتنا [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا] (التغابن: ١٦) . وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» [١] . هذا هو الأصل في تلقي المسلم لأمر ربه؛ وليس النظر ابتداءً إلى الظروف: هل هي مساعدة على ذلك أو لا؟ أو تمحّل الأعذار لترك العمل؛ وهنا أي في شأن الانتفاضة ليس المطلوب ابتداءً النظر إلى توازن القوى، أو الظروف الدولية والإقليمية حتى نحدد الموقف من الانتفاضة على ضوئه، وإلا لم يكن هناك فرق بين المسلم وبين غيره في هذا. إن هذا النهج قد أصبح مع الأسف شأن كثير أو بعض من المسلمين؛ وذلك لتأثر المجتمعات بمنهج «فصل الدين عن الحياة» وهو ما أنشأ ما يسمى بالموقف الديني، والموقف السياسي أو ما يسمى برجل الدين، ورجل السياسة؛ ليس عن تنوع اختصاص بل عن افتراق كامل بين الموقفين، وبين الرجلين، وهذا لا علاقة لدين الإسلام الذي ارتضاه الله تعالى لعباده به. أما منهج الإسلام فيتمثل في قول الله جل وعلا: [إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] (النور: ٥١) . إن موقف المسلم من أي قضية ينبغي ألاَّ يتكون من تأثير بيئة أو عرف تعارف عليه قومه، أو أكثرية تضغط باتجاهه، أو ظرف دولي مهما بلغ؛ بل ينبغي أن يكون من رؤية واضحة جلية منبثقة من فهم الحكم الشرعي ثم الاستعداد التام للانقياد له، وما يطرأ بعد ذلك أو خلاله من ظروف وضغوط تحلل وتدرس دراسة شرعية على ضوء الأدلة الخاصة والأصول العامة التي تتضمن رفع الحرج، وإزالة الضرر، وتقدير الضرورات بقدرها، والموازنة بين المصالح والمفاسد.. وغير ذلك من القواعد الشرعية. ٣ - لا ينبغي أن نفهم قضية فلسطين مهما بلغت حماستنا لها، وغيرتنا عليها، وتألمنا على مسارها إلاّ من منظور الحكم الشرعي، وهذا واجب علينا باعتباره جزءاً من مفهوم متكامل ومنهج شامل للحياة، وعلى ذلك لا تكون نصرتنا لإخواننا في فلسطين باعثها الشفقة، ولا العاطفة الإنسانية، ولا الحماسة الوطنية، ولا المروءة والنخوة العربية والقومية، ولا أواصر الدم أو الجوار، بل يكون باعثها الالتزام والتقييد بالحكم الشرعي الذي تعيّن علينا معرفته، وما يترتب عليه من مسؤولية تجاه المسلمين المظلومين في فلسطين، وهذا الفهم هو الذي يظل يضخّ الحياة في قضايانا الإسلامية المتعددة، ويطبع أعمالنا بطابع التعبد لله سبحانه. ٤ - معرفة الحكم الشرعي وحدها لا تكفي بل لا بد من حشد القوة الإيمانية وإيجاد الطاقة التربوية التي تدفع إلى امتثال أمر الله واجتناب نهيه برضى وتسليم وصبر وتضحية. وإلا فكم من المسلمين يعرفون أن الربا حرام ويأكلونه، والخمر حرام ويشربونها، والصلاة ركن من أركان الدين ويهدمونه! ٥ - مما يجمّد الطاقة الإيمانية ويقلص أثرها اليأس الناتج عن النظرة والمقارنة الواقعية بين المسلمين وبين أعدائهم؛ ولهذا لا بد من اقتلاع جذور اليأس من نفس المسلم، ومما يساعد على ذلك: أ - إدراك أن اليأس من كبائر الذنوب وموبقاتها، وأنه لا يجتمع مع الإيمان الحق كما قال تعالى: [يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ] (يوسف: ٨٧) . ب - شواهد التاريخ تمنع من وقوع اليأس؛ فإن الأيام دول، والدهر قُلَّب، وإذا كان المؤمن يأوي إلى ركن الله الوثيق ففيم اليأس؟ أليس الله بكافٍ عبده، وهو على كل شيء قدير؟ وهو الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وكل يوم هو في شأن سبحانه؛ ففيم اليأس؟ ! لكن على المسلم أن يرى أين موقعه من دين الله: هل في الصفوف الأولى، أو هو خارج الميدان؟ ج - لقد كان اليهود أقوى حصوناً وأمنع قلاعاً وأكثر مالاً من المسلمين في المدينة حتى حملهم هذا على ظنّ أنهم مانعتهم حصونهم وقلاعهم، وظن بعض المسلمين أنهم لن يخرجوا، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا؛ فهم حسبوا حساب جند المسلمين أن يأتوا من الأبواب، أو من فوق الأسوار، فأخذوا حذرهم، وإذا بالرعب الذي لا تمنع منه حصون ولا أسوار يتسلل إلى قلوبهم ويقذف فيها قذفاً فيستسلمون، قال تعالى: [هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ] (الحشر: ٢) . د - قد أخبر الله تعالى عن اليهود أنه ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة. قال سبحانه: [وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ] (المائدة: ٦٤) ، وكما قال سبحانه في شأن النصارى: [فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ] (المائدة: ١٤) . وبين (ألقينا) (وأغرينا) فرق يحتاج إلى تأمل. أما فيما بين اليهود وبين حلفائهم فقد أخبر سبحانه وهو الحكيم الخبير أن هذا أمر ظاهري فقط وإلاّ فإن مصالحهم شتى، وقلوبهم شتى. قال جل وعلا: [لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ] (الحشر: ١٤) ، أي تراهم مجتمعين فتحسبهم مؤتلفين، وهم مختلفون غاية الاختلاف. قال إبراهيم النخعي ﵀: «يعني أهل الكتاب والمنافقين» [٢] . ولو فرض أن حلفاء اليهود من نصارى ومنافقين وغيرهم أخلصوا لليهود فإن اليهود لا يخلصون لجنسية أخرى ولا لأهل دين آخر مهما بذل لهم، وما زالوا يتآمرون على حلفائهم، ويتجسسون عليهم، ويسرقون أسرارهم العسكرية، وغير ذلك على رغم كل ما بذلوه لهم. هـ - إن اليهود قد ضرب الله تعالى عليهم الذلة والمسكنة أينما ثقفوا، واستثنى من ذلك حالتين كما قال سبحانه: [ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ] (آل عمران: ١١٢) . وحبل الله تعالى هو عقد الذمة لهم، أما حبل الناس فقد ذهب بعض المفسرين إلى أنه الأمان كما في المعاهَد والمهادَن والأسير، وهذا غير صحيح؛ لأن الأمان هو من حبل الله تعالى كعقد الذمة، والأصح أن المقصود بحبل الناس هو الدعم والتأييد الذي يكون من الناس لهم، وهذا يشير إلى أنهم أبداً في حاجة إلى دعم من الناس. وهذا الدعم والتأييد تمثل في عصرنا في القوتين العظميين: روسيا، وأمريكا. أما روسيا فقد آلت إلى ضعف وهوان، وأما أمريكا فإنها في الأثر طال الزمن أو قصر. وهذه الصفات التي ذكرت في اليهود من الهوان والذلة والمسكنة، والحاجة إلى دعم غيرهم لهم وغير ذلك تجعلهم غير مؤهلين لإمامة العالم، وقد سحبت هذه الإمامة منهم ببعثة النبي ﷺ ؛ وصلاتُه في بيت المقدس بجميع الأنبياء إشعار بهذا الأمر. ٦- لا يجوز للمسلم أن ينسى حقائق القرآن أو يهتز إيمانه بها لعوارض الواقع؛ فمن حقائق القرآن أن اليهود ضربت عليهم الذلة والمسكنة، ومن عوارض الواقع أنهم يملكون ويبطشون، وأن العالم يستمع لهم وينحني لهم في هذه الأيام. ومن حقائق القرآن أن الله تعالى يبعث عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، وأنهم كلما أوقدوا ناراً للحرب أو فتنة مؤامرات أطفأها الله. ومن عوارض الواقع أن دولاً عظمى تقف إلى جانبهم، وأن كيدهم ومكرهم مستمر؛ لكن ينبغي النظر إلى أن هذا الذي يبدو مخالفاً في الظاهر هو أمر عارض سريع التحول، وهو قصير إذا ما قورن بواقع الاضطهاد والذلة في التاريخ اليهودي؛ فقد تعرض اليهود للقهر في العصر الحديث من قِبَل ألمانيا وفرنسا والنمسا والمجر وأوروبا الشرقية. إن الأمور بحقائقها لا بظواهرها، وبما تؤول إليه لا بما تبدو عليه، وهذا من أعظم محكَّات الإيمان؛ فإن المنافقين ومن في قلوبهم مرض وضعاف الإيمان يتهاوى ما لديهم من إيمان مع أدنى خوف وفزع، وتبرز لديهم الظنون بالله سبحانه: هل ينصُر دينه، هل ينتصر أولياؤه، أو سيُتَأصَل الدين ولا يقوم للمؤمنين بعد اليوم قائمة؟ لما ابتلي المؤمنون في الأحزاب، وزلزلوا زلزالاً شديداً حينئذ ظهر النفاق، وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في أنفسهم. قال سبحانه: [وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً] (الأحزاب: ١٢) ، وقال بعض هؤلاء: «كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط» [٣] . إنه الإغراق في الإيمان بالمحسوس، وعدم اليقين بالغيب، وبوعد الله ورسوله. ولهذا يجب أن يكون فهمنا للمتغيرات الواقعية والتاريخية في الأمم والجماعات والأفراد أكثر عمقاً، وأدق تصوراً، وأن يكون على ضوء قواعد يقينية مقطوع بها وليس مستنداً إلى أمور ظاهرية آنية. ومن هذه القواعد: - للكون إله خالق مدبر سميع بصير، حكم عدل قاهر قادر، يعز من يشاء ويذل من يشاء، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. - الكون يخلو من العبثية والفوضى والمصادفة. قال جل وعلا: [وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً] (الأحزاب: ١٢) ، وقال: [وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ] (الأنبياء: ١٦) . - الإنس والجن قاطبة مخلوقون لتوحيد الله تعالى وطاعته وعبادته، وليس هناك أمة منهم أو فئة لا تجري عليها سنن الله تعالى في الخلق عزاً وذلة أو عقوبة ومثوبة. قال تعالى: [فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً * أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً] (فاطر: ٤٣-٤٤) . وهنا يرد سؤال واقعي: هل الحضارة المعاصرة على اختلاف مواطنها لها استثناء من الإهلاك وحصانة من الزوال والعقاب الإلهي؟ هل هي أكبر من أن تنالها قدرة الله؟ أم أن الحضارة المعاصرة بما يمثلها من دول ومجتمعات ما هي إلا حلقة من حلقات التاريخ البشري يجري عليها كل ما يجري على غيرها من حضارات سابقة اتجهت وجهتها وبغت بغيها؟ هذا هو جواب الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد: قال جل وعلا: [وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ] (القمر: ٥١) . وقال سبحانه: [فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ] (الزخرف: ٨) . وقال: [أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] (التغابن: ٥) . وقال: [أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا] (محمد: ١٠) . وقال سبحانه: [وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ] (هود: ٨٣) . وقال جل وعلا: [أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلائِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ] (القمر: ٤٣) . إذن الحضارة المعاصرة ليست نموذجاً فريداً في تاريخ البشرية يستثنى من العقوبة الإلهية، وليست أكبر من أن تعاقَب، وليست أفضل من غيرها مما سبق من الحضارات. هذا ملخص مضمون الآيات القرآنية المتقدمة. وإن المتتبع لآيات القرآن العظيم المعجز يجد أن أهم الأسباب، وأبرز العوامل المؤدية إلى انهيار الحضارات، ودمارها وكنسها من التاريخ ثلاثة عوامل، وليس كما ذهب إليه بعض المؤرخين كالمؤرخ «بول كندي» الإنجليزي الأصل الأمريكي الموطن؛ حيث تناول الحقبة الممتدة من (١٥٠٠-٢٠٠٠م) ، وتناول سقوط الإمبراطورية الإسبانية والبريطانية والعثمانية والروسية، وبيَّن أن مواصفات السقوط لهذه الإمبراطوريات تنطبق على الولايات المتحدة؛ فهو بمعنى آخر يبشر بسقوطها وانهيارها، وعلى رغم ما واجه من نقد لنظريته فهو مُصرّ عليها، ويدافع عنها، لكنه - ولا يستغرب من أمثاله ممن يفسرون التاريخ على ضوء المادية الجدلية - عزا أسباب السقوط إلى الإفراط في القوة والتوسع؛ بحيث إن الالتزامات الاستراتيجية للإمبراطورية إذا زادت عن القوة الاقتصادية لها أدت إلى عجزها وسقوطها [٤] . أما العوامل الثلاثة التي تحمل استحقاق الغضب الإلهي، وعقوبة الدمار والانهيار التي أشار القرآن الكريم إليها فهي: الكفر، الظلم والاستكبار، والفساد الخلقي والاجتماعي. - أما الكفر فقد وردت آيات كثيرة تدل على أن الكفر بالله تعالى ونكران توحيده وطاعته من أسباب الدمار، وأكتفي بالاستدلال بنماذج من الآيات؛ فالحصر متعسر، ولا يتسع له المقام: قال تعالى: [كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقَابِ] (الأنفال: ٥٢) . وقال جل وعلا: [وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ] (الرعد: ٣١) . وقال سبحانه في شأن دمار سبأ: [ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الكَفُورَ] (سبأ: ١٧) . والآيات أكثر من أن تُحصَر في هذا المقام؛ فقد وردت كلمة الكفر ومشتقاتها في الكتاب العزيز في نحو سبعة وعشرين وخمسمائة موضع. - وأما في سبب الهلاك بالظلم والاستكبار فقال جل وعلا: [وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ] (هود: ١٠٢) . وقال: [وَتِلْكَ القُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً] (الكهف: ٥٩) . وقال سبحانه: [فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ] (الحج: ٤٥) ، وقال سبحانه: [وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ] (الأنبياء: ١١) . فالقاسم المشترك لإهلاك هؤلاء هو الظلم والبغي كما توضح الآيات الكريمة. وقال: [فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ] (فصلت: ١٥-١٦) ، وهذا جزاء الاستكبار والتطاول والتعالي. وقال سبحانه: [إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً] (القصص: ٤) . - وأما الفساد في الأرض فقد بين القرآن الكريم فساد قوم لوط في آيات متعددة، وكذلك فساد قوم شعيب وما حلّ بهم من عقوبة إلهية، وفساد قوم فرعون ومن سبقه. قال جل وعلا: [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي البِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ] (الفجر: ٦-١٣) . وخلاصة ما تقدم توضح لنا الآتي: ١ - إن اليهود بدؤوا يقتربون من نهايتهم المحتومة منذ بدؤوا هجرتهم إلى فلسطين؛ وذلك لأنهم انتقلوا من كونهم أهل ذمة ينعمون في ظل دولة الإسلام إلى محاربين مغتصبين ظالمين، وإن انتقالهم وتجمعهم واغتصابهم لفلسطين هو باللغة العسكرية (إعلان حرب على الأمة الإسلامية) ، وقد فعل ذلك من قبل إخوانهم بنو قريظة حينما نقضوا ذمتهم مع رسول الله ﷺ ودخلوا الحرب مع قريش والأحزاب. ٢ - إن الحائط الذي يستند إليه اليهود، والدعم الذي يعتمدون عليه آيل للسقوط، وقد تهاوى بعضه وبقيته في الأثر، فإن امبراطورية «الجنس والربا» مصيرها هو مصير من سبقها من امبراطوريات الفساد في الأرض. ٣ - إن من البلادة، وقلة الفهم أن يقرأ المسلم كتاب الله وما يخبر به خبر اليقين من هلاك الأمم الكافرة المستكبرة الظالمة، ثم يذهب كل فهمه إلى قصر ذلك على أهله، وعلى حقبة تاريخية مضت وحسب. إن سنن الله تعالى لا تتغير، ولا تتبدل؛ فهو الذي [وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى] (النجم: ٥٠-٥١) [وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى] (النجم: ٥٢) ، وكم أهلك من القرون من بعد نوح، ولن تتغير سننه فيمن سلك مسلك هؤلاء من أمم الكفر وطواغيت الأرض في كل عصر. ٤ - من البلادة أيضاً أن لا يربط المسلم بين ما يحدث في الأرض من كوارث، وزلازل وأعاصير وفيضانات وأوبئة، وغير ذلك، وبين سنن الله عز وجل وهو يقرأ كلام الله الفصل: [وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ] (الرعد: ٣١) ، ويقرأ مثلاً في دمار سدّ مأرب وتمزيق سبأ: [ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا] (سبأ: ١٧) وغير ذلك من آيات، ولم يدر بخَلَده أن هذه العقوبات تتجاوز قرونها وأزمانها وأممها إلى أمم علت في الأرض ونازعت الله تعالى كبرياءه وعظمته في عصر الأقمار الصناعية والصواريخ العابرة للقارات، والتبجح العلمي، والعنجهية المادية المغرقة في الضلال، ألم يقرأ قول الله تعالى: [إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ] (الفجر: ١٤) . فهذه حضارات ثلاث كان لها مكان عظيم في التاريخ، وضربت بجذورها في الأرض، من مدنية وعمران، وبناء مدن صخرية، وتوسع في الأموال والأنعام والزراعة، وعظم في الأجسام وغير ذلك مما يعد مقومات للمدنية والتحضر، فاذا هي تمحى من الوجود ولا يبقى لها باقية؛ وذلك لأنهم (أكثروا) في الأرض الفساد. ويمكننا القول استنباطاً مما يشير إليه قوله تعالى: [فَأَكْثَرُوا] (الفجر: ١٢) : إن هناك خطوطاً حمراً إذا تجاوزتها أي أمة أو فرد نزل به غضب الله جل وعلا، ولن تنفعه قوته ولا جبروته شيئاًَ من عقاب الله تعالى؛ وذلك أن الكبرياء والعظمة لله تعالى وحده العظيم المتكبر فمن نازعه فيهما قصمه سبحانه ولم يبال به في أي واد هلك. والذي أروم الوصول إليه من خلال هذه المعالم القرآنية أصبح واضحاً، وهو أن الحائط الذي يستند إليه اليهود في عصرنا هذا بات آيلاً للسقوط؛ وهذا ما يمكن أن نسميه حتمية قرآنية، لا أدعي ذلك تهويلاً ومبالغة ولا تخديراً للعواطف، بل هذه حقائق مسلَّمات تعتمد على نصوص قطعية محكمة، وليس إلى أحد من البشر تقدير ذلك بالأيام والسنين؛ فالأمر كله لله جل وعلا. قال سبحانه: [إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ] (القمر: ٤٩-٥١) .

стр. 4180

دراسات في الشريعة والعقيدة المحكمات في أمور العقيدة والشريعة وسياسات الحرب والسلم لكم دينكم ولي دين د. عابد السفياني [*] قال الله تعالى: [إِنَّ الكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُواًّ مُّبِيناً] (النساء: ١٠١) . وقوله سبحانه: [إِنَّ المُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ] (القمر: ٤٧) . وقوله سبحانه: [وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً] (النساء: ٨٩) . والمراد بالمحكمات هنا: ما ورد في قوله تعالى: [هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ] (آل عمران: ٧) ، المراد بها أساسيات الدين الواضحات البينات التي هي الأصل الذي يُردُّ إليه، ويُبنى عليه، وهي دين الرسل ﵈ جميعاً، ومنها الأمر بعبادة الله وحده بلا شريك، وتحريم الكفر والشرك والنفاق، والظلم، والربا والفواحش، والأمر بمحبة المؤمنين، وعداوة الكافرين، وإقامة أركان الدين، ووجوب التحاكم إلى الشريعة، وإبطال أحكام الجاهلية والأمر بالصدقة والعفاف، وصلة الأرحام، وغير ذلك مما دعت إليه الرسل عليهم الصلاة، وما جاء به رسولنا محمد ﷺ ، وهذه المحكمات لا يزال الكفار يستنكرونها ويجحدونها. وتقول العرب: بناء محكم أي وثيق، وكذا قولهم: أمر مُحْكم، وقول مُحكم أي سليم من الاختلاف والاضطراب، وضده المتشابه في هذه الآية، وهو ما يشتبه على البعض؛ فإن رده إلى المحكمات سَلِمَ مِن الاختلاف والاضطراب، وكان قوله محكماً وبناؤه وثيقاً [١] . ويجب أن نبدأ بالمحكم الأول: وهو الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك والخرافة والظلم، والحذر من الكفار ومناهجهم وشركهم وفتنهم؛ لأنهم مجرمون بكفرهم، وبصدهم عن سبيل الله، وبأنهم أعداء للمؤمنين يودون لو يكفر المسلمون مثلهم. وهذا المحكم هو أم المحكمات وأساسها، وهو الذي بدأ به الرسل عليهم الصلاة والسلام دعوتهم، ولا تصح دعوةٌ إلاّ به، وهو أصل الدين الذي نازع فيه الخصوم، وما زال العلمانيون ينازعون فيه، ويتعجبون منه. ألا ترى إلى بعضهم كيف يستغرب أن يوصف الذين اجتمعوا على جريمة الكفر بأنهم كفار؟ فكيف لو عَلِمَ أن الله سماهم في القرآن «مجرمين» ؟ وهل بعد الكفر جريمة؟ لقد تعجب بعضهم وسمى هذا: «انشطاراً» ، وأراد أن يسمي اليهود والنصارى بغير ما سماهم الله، ويقول نكتفي بتسميتهم غير مسلمين. ونقول نحن: وغير المسلمين هم الكفار. إن الهجمة الشرسة على مناهجنا، والتي يقوم بها المارد الأمريكي في صحافته، ويتابعه فيها أنصاره يريدون منها القضاء على ثوابتنا ومحكماتنا! ! ونسأل هنا ونقول: ما الفرق بين الإجرام والإرهاب؟ إنّ أكبر جريمة عرفتها البشرية هي الكفر، وتُضاف إليه جريمة أخرى هي الصد عن سبيل الله، ومنع الناس من عبادة الله وإضلالهم؛ ولهذا كان أعظم المجرمين هم الرهبان والسدنة والكهان والفراعنة؛ وهؤلاء طواغيت العالم، وما العدو في نظرهم إلا الإسلام؛ ولهذا جاء الاستعمار الفكري الجديد يقوده الفرعون الأمريكي ويمارس الضغط العسكري والاقتصادي ويتدخل في الرأي والفكر ويمارس ما لم يمارسه الاستعمار سابقاً، وأمام هذا الطغيان يجب أن نزن الأمور بالميزان القرآني ونصِف الذين يتسترون على الكفر والشرك ويزيّنونه للناس باسم الحضارة المادية، بأنهم من أكابر المجرمين. قال تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا] (الأنعام: ١٢٣) . وقد وصف الكفار بأنهم مجرمون في أكثر من خمسين آية وفي أكثر من ثلاثين سورة من القرآن، وقد تضمنت هذه الآيات الأسباب التي مِنْ أجلها وصف الكفار بأنهم مجرمون ومنها: الكفر التكذيب ترك الإيمان التولي عن الحق الإعراض عن شريعة الله عداوة الرسل السخرية بالمؤمنين الاستكبار عن الحق ... ومن هذه الآيات قوله تعالى: [ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِينَ] (يونس: ٧٥) ، [وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ] (الأنعام: ٥٥) ، [وَرَأَى المُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا] (الكهف: ٥٣) ، [إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى] (طه: ٧٤) ، [وَامْتَازُوا اليَوْمَ أَيُّهَا المُجْرِمُونَ * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ] (يس: ٥٩-٦١) ، [هَذِهِ جَهَنَّمُ الَتِي يُكَذِّبُ بِهَا المُجْرِمُونَ] ( الرحمن: ٤٣) ، [كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ] (المرسلات: ٤٦) ، [ إِنَّ المُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ] (القمر: ٤٧) ، [أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ] (القلم: ٣٥-٣٦) ، [إِلاَّ أَصْحَابَ اليَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ المُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ] (المدثر: ٣٩-٤٦) ، وهذه الآيات بإجماع أهل العلم في هذه الأمة من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى يومنا هذا في الكفار والمشركين. فمن أحق بوصف الإجرام والإرهاب: الذين يعبدون الله ولا يشركون به شيئاً، ويعملون بشريعته، ويدعون الناس إلى الهدى ودين الحق، أم الذين يكفرون به ويصدون عنه؟ والذي سماهم هو ربهم الذي خلقهم وهو أعلم بهم سماهم كفاراً، ومجرمين، وأعداءً للمسلمين، ومفسدين في الأرض. وموقفنا منهم أن ندعوهم للإسلام، وأن نحرص على هداهم، وسيهتدي منهم أقوام؛ فهم حينئذ إخواننا، ويُصر على الكفر آخرون، فهم معرضون، وإذا لم يهتدوا فلا بد لنا من موقف، فإن كفرنا مثلهم فرحوا كما قال تعالى: [وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً] (النساء: ٨٩) ، نحن نفرح إذا كنا سواء في عبادة الله وترك الشرك والكفر والإباحية، وهم يفرحون إذا كنا مثلهم في الكفر؛ فشتان بين الفريقين: بين المسلمين الذين يريدون الخير بالبشرية، وبين الكفار المجرمين الذين يريدون الكفر للناس، ويسعون للتدخل في شؤون الآخرين وإفسادهم لصالح الكفر والإجرام والإباحية والاستعمار الفكري. لقد تدخل المارد الأمريكي من خلال العولمة في سياسة جيرانه واقتصادهم وتفكيرهم فضجوا واستنكروا؛ أفلا يحق لنا نحن المسلمين أن نستنكر؟ ! لقد نسي الماردُ المبادئ التي كان يُتاجر بها ليأكل ضحيته، وضاعت مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وتقرير المصير تحت الهجمة الشرسة التي يمارسها العدو الصهيوني والمارد الأمريكي، وأفلست العلمانية يوم خلع أنصارها جبة الحرية وحقوق الإنسان، وإذا بالغرب يتبع المارد الأمريكي وينزع عن حركات المقاومة عند أهل السنة صفة الشرعية وهي تسعى لرد العدوان وتقرير المصير، وجاء الاستعمار الفكري الجديد وطاردنا في أفكارنا ومناهجنا. لقد جاءت أمريكا لتثبت للعالم أنها تمارس دوراً جديداً يتمثل في فرض التقليد على العالم، ومن لم يكن معها فهو مع الإرهاب، لقد فرضت أمريكا التقليد على العالم، فمن لم يكن معها فهو مع الإرهاب، وفرضت على العالم طغيان الفرعون: [مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ] (غافر: ٢٩) وحددت معنى الإرهاب وألبسته من شاءت ونزعته عمن أرادت، وأصبح المسلمون يستجدون الكفار لكي لا يُلبسوا حركات المقاومة صفة الإرهاب. ونقول للمنصفين في العالم: ما شأن المحافظين على دينهم، وما شأن المحافظين والإرهاب؟ وما شأن المناهج العلمية والإرهاب؟ وما شأن الدفاع عن المقدسات وبلاد المسلمين والإرهاب؟ يا حسرة على العلمانيين! ويا خيبة الحرية والديمقراطية! هل سيصدق المسلمون كلام ربهم ويوقنون به [إِنَّ الكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُواًّ مُّبِيناً] (النساء: ١٠١) ، [فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِينَ] (الأعراف: ١٣٣) ، [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) ، [وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا] (النساء: ٨٩) . لقد التزم رسولنا محمد ﷺ وهو يقتدي بإخوانه المرسلين بهذه المحكمات، وجعلها ثوابت لا تقبل التغيير، وقواطع لا تقبل التردد، وكان في خصومته مع الكفار وفي جميع أحواله في السلم والحرب، والقلة والكثرة، والنصر والهزيمة ملتزماً بها؛ لأنها الحق؛ ولأنها مبادئ الدين الأساسية لا تتغير بتغير الظروف والأحوال. لقد مرت بالمسلمين على طول التاريخ الإسلامي في علاقتهم مع الكفار أحوال متغيرة؛ فتارة يكونون في حالة سلم ومعاهدة، وتارة في حالة حرب؛ ففي حالة السلم يوفون بالعقود والعهود، وفي حالة الحرب يبذلون الأسباب المادية والمعنوية؛ فتارة ينتصرون، وتارة يُهزمون إما بسبب قوة عدوهم، وإما بسبب تقصير المسلمين وأخطائهم وجهلهم بسياسات الحرب والسلم، وفي جميع الأحوال كانوا يعتصمون بالمحكمات وهكذا فعل الجيل القدوة. وهكذا ربى النبي ﵊ هذه الأمة فكانت تردُّ ما اشتبه عليها إلى هذه المحكمات. لقد نصر بعض الكفار المسلمين كما صنع أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ذلك لم يغير من المحكمات في عقيدة المسلمين شيئاً. ولقد تلاقت مصالح المسلمين مع بعض مصالح الكفار ولم يُغير من المحكمات شيئاً؛ فقد دخلت خزاعة في حلف رسول الله ﷺ وهي مشركة، وعقد رسول الله ﷺ صلح الحديبية مع قريش، وبقيت المحكمات في أذهان الأمة وعقيدتها بحالها لم يتغير منها شيء، وكان المسلمون قبل صلح الحديبية وبعده محافظين على عقيدتهم وشريعتهم ومناهجهم وأمتهم [٢] . ومن الشبه في هذا الموضع ما قد يصوره بعض المتعجلين من أن القول بالعمل بالمحكمات يمنع وقوع الصلح والهدنة ووضع الحرب؛ وهذا غلط فاحش؛ فقد كان أعظم الناس تمسكاً بها وهو الرسول ﷺ ومعه علماء الصحابة رضوان الله عليهم لا يزالون يقاتلون ويُسالِمون، ويستفيدون من حركة السلم كما يستفيدون من الحرب، بل قد يستفيدون من مدة السلم أكثر كما حصل في صلح الحديبية الذي سُمي «فتحاً» . وقد سيطرت هذه الشبه على كثير من المتعجلين حتى صبغوا حركة الدعوة الإسلامية في بعض اتجاهاتها بالعنف مع أنه من المعلوم أنه ليس من الضروري أن يسيطر العنف على الدعوة حتى لو بدأ به الكفار! ! ولهذا أمر الله رسوله بالدعوة إلى المحكَمات والصبر على خصومه وإن قابلوه بالعنف، ثم أمره «بالدفاع» الذي قد يسميه البعض في لغة العصر بـ «المقاومة» أو الدفاع عن بلاد المسلمين [٣] ، ثم شرع له الرجوع إلى الصلح إذا احتاج إليه، وكل هذا معلوم من سيرته صلى الله عليه وسلم، ويدل عليه الكتاب والسنة. ولم أجد لأحد من العلماء بعد التتبع والاستقراء في كتب التفسير القول بأن الكفر وحده يقتضي دائماً أن يُقابل بالعنف والقتال، بل الذي في كتب الفقهاء التفصيل الوارد في الكتاب والسنة، وحتى كتب المعاصرين تفسر آيات القتال، كما تفسر آيات السلم، وتذكر كلام أهل العلم في مقاصد القتال، وفي مقاصد السلم ومصالحه. إن العالم والداعية إذا وقف مع المحكمات وقفةً قوية وحذّر من الكفر والكافرين، ومن مناهجهم وضلالتهم، ومن المنافقين والمرتدين، ليس عليه بالضرورة أن يجعل هذا متلازماً مع وجوب القتال في جميع الأحوال، وليس عليه بالضرورة أن يلغي النصوص التي شُرع فيها السلم والمهادنة [٤] . إنني لا أعلم أن أحداً من العلماء يقول إن هناك تلازماً بين الكفر ووجوب القتل والقتال؛ بل الإجماع الثابت أن التحذير من الكفر وأهله والتحذير من أسباب الشرك والردة شيء، والقتال والسلم ومصالحهما وأحكامهما شيء آخر، وكتب التفسير صورة صادقة لهذا المنهج الذي انعقد عليه الإجماع. إن إدخال الدعوة الإسلامية المعاصرة في القتال والقتل وإلغاء الاستفادة من نصوص السلم والمعاهدة والهدنة إنما هو بسبب اشتباه وقع لبعض الدعاة وكان الأوْلى بهم أن يدعموا حركات المقاومة الإسلامية في الدفاع عن المقدسات، ويدعوا الدعوة تسير في مسيرتها السلمية في العالم. وهذا التفريق الذي عليه علماء الفقه هو منهج النبي ﷺ وهو يجمع بين أمرين: الأول: المحافظة على المحكمات، وتميز مناهج المسلمين عن مناهج الكفار، وتبليغ الدعوة وتربية الناس عليها ولو كره خصومها، وخططوا لها وآذوا أهلها؛ وعلى الدعاة الصبر والاحتساب. الثاني: أنه ﷺ ملتزم تجاه خصومه بالمنهج القرآني في سياسة السلم والحرب، وإعداد العدة المعنوية والمادية، ولم يصبغ الدعوة دائماً بالقتال؛ بل تارة يصبر، وتارة يسالم، وتارة يرد العدوان فقط، وتارة يطلب عدوه [٥] ، وينظر في هذه الأمور حسب مصلحة الإسلام والمسلمين وإمكانياتهم المعنوية والمادية، وحسب مواقف الكفار وإمكانياتهم. وكان ﷺ يلوم أصحابه إذا أخطأ بعضهم ويربيهم ويعلمهم، ويُبين لهم أن ما يصيبهم من الهزيمة كما وقع في أُحُد أنه من عند أنفسهم، كما قال تعالى: [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ] (آل عمران: ١٦٥) . ويعالج الأخطاء في ضوء المحكمات، ويكشف مواضع الاشتباه بالتي هي أحسن بخلاف حال المسلمين اليوم؛ فقد فرط كثير منهم في المحكمات؛ فإذا وقع الاشتباه والخطأ سواء في اختبار السلم أو الحرب انقلب المسلمون على بعضهم البعض فإذا هم فريقان يختصمان، وفي بعض الأحيان يقتتلون، وقليل منهم الذين يصححون أخطاءهم ويصلحون أمرهم ويستفيدون من التمحيص والبلاء، وينتظرون المحق لعدوهم وهم موقنون بنصرة هذا الدين [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ] (آل عمران: ١٣٩-١٤٢) .

стр. 4181

دراسات في الشريعة والعقيدة طريقة القرآن في عرض هدايته وأحكامه د. أحمد بن أحمد شرشال [*] إن القرآن الكريم لم يأت على نسق الكتب الموضوعة؛ إذ ليست فيه مباحث موضوعية مرتبة لها مقاصد وأغراض في فصول وأبواب، وإنما كان القرآن مشتملاً على عدة سور، وكل سورة منه احتوت على آيات متعددة، وكل آية أو آيات في غرض؛ فهذه في الوعظ، وتلك للزجر، وهذه قصة، وتلك للأمر، وأخرى للنهي، وهذه في العقيدة، وأخرى في الأحكام، وتلك في التشريع، وهذه في الأخلاق، وهلم جرّاً ... واختلفت أنظار العلماء وتأملاتهم في سبب ذلك. وقد علل لهذه الظاهرة فخر الدين الرازي، فقال: «إن من عادة القرآن أن يكون بيان التوحيد، وبيان الوعظ والنصيحة، وبيان الأحكام مختلطاً بعضها بالبعض ليكون كل واحد منها مقوياً للآخر ومؤكداً له» [١] . ويرى في موضع آخر من تفسيره غير ذلك فيقول: «ليحمله ذلك على القبول والخضوع» [٢] ، ويرى في موضع ثالث أن ذلك يدفع عنه الملل والسآمة، فقال: «لأن بقاء الإنسان في النوع الواحد يوجب الملل والضجر؛ فإذا انتقل من نوع من العلوم إلى نوع آخر ينشرح صدره ويجدد الهمة والنشاط والمتابعة» [٣] . وتبعه على هذا التعليل الأخير الشيخ محمد رشيد رضا في بعض المواضيع من تفسيره فقال: «لنفي السآمة والملل عن القارئ والسامع» [٤] ، وتبعهما على مثل ذلك الشيخ عبد العظيم الزرقاني في مناهله [٥] . أما سيد قطب ﵀ فيرى غير ذلك فيقول: «إن منهج القرآن يتألف من هذه وتلك على السواء، وحكم هذه كحكم تلك في أنها تؤلف دين الله» [٦] . ولعل وجه الحكمة في تنوع موضوعات القرآن أن يستفيد كل حافظ ودارس للقليل والكثير من سوره وآياته مسائل الإيمان والفضائل والأحكام والتشريعات المنوعة المبثوثة في السورة الواحدة وفي كل سورة. ولو جمعت المواضيع على حدة، ورتب كل مقصد منها في سورة واحدة لفاته الشيء الكثير، ولم يستطع أن يجمع ويحصل هذه الفضائل والأحكام والحكم إلا إذا حفظ القرآن كله. تفريق وتنوع هذه العناية الإلهية والحكم الربانية والأحكام العملية في السور المختلفة وتكرارها بالعبارات البليغة يفيد منها كل من تناول القرآن بالحفظ والدراسة، ولم يعدم الفوائد المنوعة في أي سورة أراد أن يتلوها قال تعالى: [انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ] (الأنعام: ٦٥) . فإن القارئ لكتاب الله لا يعدم النفع؛ وقد جاء هذا المعنى صريحاً في قوله تعالى: [اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ] (الزمر: ٢٣) ، يشبه بعضه بعضاً ويثنى ويكرر فتثنى فيه العقائد والأحكام والحكم المواعظ والأمثال، كما تثنى وتكرر تلاوته، فإنه مكرر الأعراض لتكون مقاصده أرسخ في نفوس الناس، وليسمعها من فاته سماع أمثالها من قبل [٧] . ومن أعظم الموضوعات تكراراً وانتشاراً علم التوحيد؛ فتجده مبثوثاً في كل سور القرآن غالباً مكرراً بشتى أنواع الأساليب، فتجده في أقصر السور كما تجده في أطولها [٨] . وهذا الترتيب في طريقة القرآن مقصود وليس فيه خلطاً كما ذكروا ليجد فيه الناس كل ما يقوِّمهم ويزكيهم وينمي فيهم الخير والرشاد؛ فإن كثرة أغراض الكلام وتكراره وتنوعه أشد تأثيراً في بناء الإنسان السوي. وما ذهبنا إليه يؤيده قول الله: [وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ] ( القصص: ٥١) ، قال مجاهد في تفسير هذه الآية: «جعلناه أوصالاً: أي أنواعاً مختلفة من المعاني وصل بعضها ببعض» [٩] . قال الشيخ الطاهر بن عاشور: « وللتوصيل أحوال كثيرة؛ فهو باعتبار ألفاظه وصل بعضه ببعض.... وباعتبار معانيه وصل أصنافاً من الكلام وعداً ووعيداً وترغيباً وترهيباً وقصصاً ومواعظ وعبراً ونصائح يعقب بعضها بعضاً، ويتنقل من فن إلى فن، وفي كل ذلك عون على نشاط الذهن للتذكر والتدبر» [١٠] . والله أعلم والموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 4182

درسات في الشريعة والعقيدة الابتغاء من فضل الله سليمان بن محمد الهذال [*] إن التجارة وطلب الرزق من الأمور المشروعة في الإسلام؛ فالأصل فيها الإباحة؛ بل قد تكون مستحبة بحسب المقصد منها. والمال من الضروريات التي لا تستقيم مصالح الدنيا إلا به، وهو قوام حياة البشر ومعاشهم. يقول ابن حجر: «إن الله جعل المال قياماً لمصالح العباد؛ وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح» [١] ، ولا يمكن تحصيل المال إلا عن طريق التكسب والمضاربة والإجارة وغيرها من الوسائل المباحة شرعاً. والناظر لعامة المسلمين اليوم يجدهم بين أمرين: مغرق فيها، وشغله الشاغل جمعها والسعي في تحصيلها، ولا نصيب له من هموم الإسلام والمسلمين. وآخر محجم عنها محذر منها يرى من امتهنها أنه ناقصٌ عديم النفع قليل البركة. ويمكن بحث هذا الموضوع من خلال ما ورد من نصوص الكتاب والسنة وما أثر عن سلف هذه الأمة. وقد قسمت هذا الموضوع كما يلي: أولاً: المقدمة وتشمل ما يلي: أ - أهمية الموضوع: ١- المال عصب الحياة كما قال تعالى: [وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً] (النساء: ٥) . أي: «تقوم بها معايشكم» [٢] ، والحاجة للمال ماسة في حق الفرد والجماعة، وبيان حاجة الفرد للمال: أن حفظ حياته متوقف على الأكل والشرب، وكذلك الملابس الواقية من الحر والقر، وكل هذه الأشياء تتطلب مالاً، وهذا ما يكون أكثر وضوحاً في البلاد الفقيرة التي شح فيها المال بأيدي الناس. وأما في حق الجماعة فالحاجة إليه من وجوه: أ - أن الأمة هي مجموعة من الأفراد؛ فإذا دخل النقص على كل فرد دخل على الأمة جميعاً. ب - أن الأمة مطالبة بمجموعها بالدفاع عن دين الله والجهاد في سبيل الله، ولا بد لذلك من عدة، ولا يكون ذلك إلا بالمال كما قال تعالى: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] (الأنفال: ٦٠) . ج - أن وجود المال في يد الأمة يغنيها عن أعدائها؛ وهذا واقع لا يحتاج إلى دليل [٣] . ٢ -أن من يمارس التجارة تجده مغرقاً فيها مفرطاً في الواجبات المنوطة به. ٣ - ظن بعض الذين لا يمارسون التجارة أن من امتهنها رقيق الديانة، عديم الفائدة. ٤ - حاجة كثير من الذين يمارسون التجارة للضوابط الشرعية أثناء مزاولة التجارة. ب - تعريف التجارة: التجارة: من تجر يتجر تجراً: إذا باع وشرى، وكذلك اتجر وهو افتعل، وفي الحديث: «من يتجر على هذا فيصلي معه؟» ، قال ابن الأثير: «هكذا يرويه بعضهم، وهو يفتعل من التجارة؛ لأنه يشتري بعمله الثواب» [٤] . وعرفها الجرجاني بقوله: «هي عبارة عن شراء شيء ليبيع بالربح» [٥] . وعرفها بعضهم بقوله: «هي الاسترباح بالبيع والشراء» [٦] . ثانياً: التجارة في نظر الشرع: قال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ] (البقرة: ٢٦٧) . وقال: [رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ] (النور: ٣٧) ، فمدح الله إقامتهم لذكر الله في وقت التجارة. وقال: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْعَ] (الجمعة: ٩) . فأمرهم بترك البيع في وقت محدود، وهو يوم الجمعة؛ مما يدل على جوازها في غير ذلك. ثم قال: [فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ] (الجمعة: ١٠) ، أي: من التجارة ونحوها [٧] . وقال: [هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ] (الملك: ١٥) . وقال: [وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ] (المزمل: ٢٠) . قال ابن كثير: «يبتغون من فضل الله في المكاسب والمتاجر» [٨] . وقال السيوطي: «هذه الآية أصل في التجارة» [٩] . وقد قدم الله هنا التجارة على الجهاد الذي هو سنام الدين؛ فتأمل ذلك! بل قدَّم الله في آية الجهادِ الجهادَ بالمال على الجهاد بالنفس: [وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] (الصف: ١١) . وقال: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ] (النساء: ٢٩) . وقال: [إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ] (البقرة: ٢٨٢) . وقال تعالى: [وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا] (البقرة: ٢٧٥) . وكان الأنبياء ﵈ يؤجِّرون أنفسهم عند الحاجة، وقد أُمرنا بالتمسك بهديهم. قال تعالى: [فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ] (الأنعام: ٩٠) وقد قص الله علينا نبأ موسى ﵇ مع شيخ مدين حينما قال له: [قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ] (القصص: ٢٧) . فمكث موسى ﵇ عشر سنوات؛ لكي يعف فرجه ويشبع بطنه، وقال تعالى: [وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى] (طه: ١٧-١٨) . وقال في قصة داود ﵇: [وَأَلَنَّا لَهُ الحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا] (سبأ: ١٠-١١) ؛ حيث كان ﵊ يصنع الدروع، فاحترف مهنة الحدادة التي يمتهنها بعض الناس اليوم. وكان ﷺ يقول: «ما بعث الله نبياً إلا ورعى الغنم؛ كنت أرعى الغنم، وكنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» [١٠] . وخرج النبي ﷺ في بدء أمره يريد الشام للتجارة [١١] . وقال ﷺ : «إن هذا المال خضرة حلوة؛ فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة» [١٢] . وقال ﷺ : «نِعْمَ المال الصالح للرجل الصالح» [١٣] . وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن داود النبي ﵇ كان لا يأكل إلا من عمل يده» [١٤] ، وأخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن زكريا ﵇ كان نجاراً» [١٥] . وقال ابن عباس ﵄: «كان آدم ﵇ حراثاً، ونوح نجاراً، وإدريس خياطاً، وإبراهيم ولوط زارعين، وصالح تاجراً، وداود زراداً [١٦] ، وموسى وشعيب ومحمد صلوات الله عليهم وسلم رعاة» [١٧] . وكان سلف الأمة يرون أن طلب الرزق وكسب المال خير من القعود؛ فعن أنس ﵁ قال: «قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وكان سعد ذا غنى، فقال لعبد الرحمن بن عوف: أقاسمك مالي نصفين وأزوجك. قال: بارك الله لك في أهلك ومالك. دلوني على السوق؛ فما رجع حتى استفضل إقطاً وسمناً» [١٨] . وأورد البخاري هذا الحديث في كتاب البيوع؛ والغرض من إيراده لهذا الحديث ليدل على اشتغال بعض الصحابة بالتجارة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره ذلك [١٩] . وجاء عن أبي المنهال أنه قال: «سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف، فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله ﷺ فسألنا رسول الله ﷺ عن الصرف، فقال: إن كان يداً بيد فلا بأس، وإن كان نسيئاً فلا يصح» [٢٠] . وما جاء عن عروة بن الجعد الأزدي البارقي، وهو «أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه» [٢١] . وجاء في البخاري في كتاب البيوع عن عائشة ﵂ قالت: «كان أصحاب رسول الله ﷺ عمال أنفسهم» [٢٢] ، وكانوا يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم [٢٣] ، ولم يؤثر عن واحد منهم أنه ترك العمل والتكسب وجلس في بيته، بل ورد عنهم ذم ذلك. قال عمر ﵁: «لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني؛ فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة» [٢٤] . وكذلك من جاء بعدهم من السلف اقتفوا أثرهم في الحث على التكسب بالطرق المشروعة. قال سعيد بن المسيب: «لا خير فيمن لا يجمع المال فيكف به وجهه، ويؤدي به أمانته، ويصل به رحمه» ، وحكي أنه لما مات ترك دنانير فقال: «اللهم إنك تعلم أني لم أتركها إلا لأصون بها ديني وحسبي» [٢٥] . وسئل إبراهيم النخعي عن الرجل يترك التجارة ويُقبل على الصلاة أيهما أفضل؟ قال: «التاجر الأمين» [٢٦] . وقال رجل للإمام أحمد: إني في كفاية، فقال: «الزم السوق؛ تصل به الرحم، وتعود به نفسك» [٢٧] . وقال ابن حزم: «وأجمعوا أن اكتساب المرء من الوجوه المباحة مباح» [٢٨] . وعن ابن عباس ﵄ قال: «كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت: [لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ] (البقرة: ١٩٨) في مواسم الحج» [٢٩] . وبعد هذا العرض يتبين أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصحابة رضي الله عنهم على جلالة قدرهم وعظيم منزلتهم وحرصهم على ما يرضي ربهم كانوا يمارسون التجارة بقصد التعفف عن الناس. ثالثاً: الغاية من التجارة: الغاية منها هو تحصيل المال، وللمال فوائد دينية ودنيوية، أما الفوائد الدنيوية: فالخلق يعرفونها؛ ولذلك تهالك الناس في طلبها والسعي في تحصيلها. وأما الدينية فتنحصر في ثلاثة أنواع: ١ - أن ينفقه على نفسه، إما في عبادة كالحج والعمرة والصدقة ونصرة المسلمين، وإما يستعين به على العبادة كالمطعم والملبس والمسكن وغيرها من ضرورات المعيشة؛ فإن هذه الحاجات إذا لم تتيسر لم يتفرغ القلب للدين والعبادة. ٢ - ما يصرفه إلى الناس، وهو أقسام: أ - الصدقة: وفضائلها كثيرة مشهورة. ب - المروءة: كضيافة الإخوان والأصدقاء. ج - ما يعطيه أجرة على الاستخدام: فالأعمال التي يحتاج إليها الإنسان كثيرة؛ فلو تولاها بنفسه لضاعت أوقاته. ٣ - ما يصرفه في وجوه البر: كبناء المساجد ودعم الهيئات الدعوية والإغاثية وغيرها من وجوه البر [٣٠] . رابعاً: من فوائد التجارة: ١ - الاستغناء عن الناس: فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: «استغن عن الناس ولو بشوص السواك» [٣١] . ٢ - أنها سبب في إقامة ألوان من العبودية لله : فمن يمتلك المال يستطيع أن يضيف إلى نفسه أجوراً مضاعفة، كالأوقاف، والدعوة إلى الله، والصدقات، ونصرة المستضعفين، وتفطير الصائمين، وغيرها من ألوان العبودية؛ فلهذا قال ﷺ : «ذهب أهل الدثور بالأجور» ، وفي رواية: «بالدرجات العلى والنعيم المقيم» [٣٢] . وهم أصحاب الأموال؛ فقد أضافوا لأنفسهم نوعاً من العبادة وهو الصدقة، ولم يستطع غيرهم أن يفعله؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ٣ - أنها تقوي التوكل على الله: فالتجارة نوع من المخاطرة؛ فقد يكسب الإنسان وقد تركبه الديون؛ فلذلك تجد قلبه متعلقاً بالله محتاجاً إليه. ٤ - أنها تنمي الإبداع والتفكير: ويظهر ذلك في كون التاجر يسعى جاهداً في تطوير تجارته والإبداع فيها لينجح في تجارته ويحقق ما يريد. ٥ - أنها تحقق الأمن الاقتصادي للأمة الإسلامية: فالأمة التي لا تملك اقتصادها لا تملك قرارها؛ فالذي يملك التجارة والمال يؤثر في الناس، وهذا ما حصل مع ثمامة بن أثال عندما أسلم قال لقريش: «والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ » [٣٣] . خامساً: ما يجب على التاجر: ١ - ألا تلهيه عن طاعة الله: فإن هناك واجبات عينية وكفائية لا بد من مراعاتها وعدم الإخلال بشيء منها على حساب ما يقوم به من عمل تجاري، وقد حذر النبي ﷺ من ذلك فقال: «تعس عبد الدينار والدرهم» [٣٤] . وقال الله جل وعلا: [فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّّهَ كَثِيراً] (الجمعة: ١٠) . يقول الشيخ السعدي: «ولما كان الاشتغال بالتجارة مظنة الغفلة عن ذكر الله أمر الله بالإكثار من ذكره، لينجبر بهذا فقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ » [٣٥] . ويقول الشيخ عبد الرحمن الدوسري: «إن الاشتغال بالتجارة إذا أحدث نقصاً في الطاعة لم يكن مباحاً، بل يكره أو يحرم، على حسب ما يحصل على الطاعة من خلل؛ فمن شغلته التجارة عن تحية المسجد، أو عن فضيلة إدراك تكبيرة الإحرام في الصلاة، كانت مكروهة، ومن شغلته عن صلاة الجماعة أو عن أدائها أول الوقت كانت محرمة عند ضيق الوقت، وكذلك من شغلته عن فعل واجب ولو مع أهله كان انهماكه المشغل عن ذلك حراماً» [٣٦] . وجاء عند البخاري في كتاب البيوع: (باب التجارة في البز: قال قتادة في تفسير قوله تعالى: [رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ] (النور: ٣٧) : «كان القوم يتبايعون ويتاجرون ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله» ) [٣٧] . ٢ - أن يؤدي الحقوق الشرعية في تجارته: وذلك كزكاة عروض التجارة. ٣ - أن يتجنب التجارة بالحرام ويتحرى الرزق الحلال: فيتحرى الحلال، ويجتنب الحرام، ويتورع عن المشتبه؛ فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: « يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ من حلال أم حرام» [٣٨] . وقال ﷺ : «إن روح القدس نفث في رُوعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله؛ فإن الله لا يُنال ما عنده إلا بطاعته» [٣٩] . يقول الشاعر: قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد ٤ - ألا يكون همه الشاغل: فيجعل من عمله هذا وسيلة للتقوى على طاعة الله؛ فالهم هم الآخرة، فيجعل الآخرة في قلبه والدنيا في يده، وأما من أصبح وهمه الدنيا، فهذا الذي لا تحمد عقباه؛ وقد حذرنا النبي ﷺ من ذلك فقال: «من أصبح والدنيا أكبر همه فرق الله عليه صنيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح والآخرة أكبر همه، جمع الله عليه صنيعته، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» [٤٠] . وقال ﷺ : «من جعل الهموم هماً واحداً يعني آخرته كفاه الله ما أهمه من أمر دنياه، ومن شغلته هموم أحوال الدنيا لم يبالِ الله تعالى في أي أودية النار أهلكه، وأي أودية النار عذبه» [٤١] . وكان عبد الله بن عمر ﵄ له حمار فباعه، فقيل له: لو أمسكته! فقال: «لقد كان لنا موافقاً؛ ولكنه أذهب بشعبة من قلبي، فكرهت أن أشغل قلبي بشيء» [٤٢] . ٥ - أن يتعلم أحكام البيع والشراء: فيعرف الحلال والحرام؛ فلا يبيع للناس المحرمات، ولا يغشهم، ولا يخدعهم، ولا يروِّج سلعته بالكذب واليمين الغموس. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: «لا يبيع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين» [٤٣] . يقول العلامة أحمد شاكر: «حتى يعرف ما يأخذ وما يدع، وحتى يعرف الحلال والحرام، ولا يفسد على الناس بيعهم وشراءهم بالأباطيل والأكاذيب، وحتى لا يدخل الربا عليهم من أبواب قد لا يعرفها المشتري، وبالجملة: لتكون التجارة تجارة إسلامية صحيحة خالصة، يطمئن إليها المسلم وغير المسلم، لا غش فيها ولا خداع» [٤٤] . ومن هنا كان لزاماً على من يبيع ويشتري أن يتعلم أحكام البيع والشراء والمعاملات، وغيرها مما يحتاجه في تجارته. ٦ - النصح للمشتري: لحديث: «فإن صَدَقَا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كَتَمَا وكذبا مُحقت بركة بيعهما» [٤٥] . ٧ - أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر: فالتاجر أثناء تجارته قد يرى من المنكرات التي لا ترضي الله، فواجب عليه إنكارها وعدم السكوت عنها، كما قال ﷺ : «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» [٤٦] . سادساً: قواعد عامة: أولاً: أن يتحلى بالأخلاق الإسلامية في بيعه وشرائه: وذلك كالمسامحة؛ فعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى» [٤٧] ، ومراقبة الله في السر والعلن، والصدق في الكلام، والأمانة في المال، وغيرها من الأخلاق التي حث الشرع عليها. ثانياً: أن يقنع بما رزقه الله: فالقناعة كنز عظيم [٤٨] ، وقد علق النبي ﷺ الفلاح لمن رُزق كفافاً وقناعة بما عنده، فقال ﷺ : «قد أفلح من أسلم وكان رزقه كفافاً وقنعه الله بما آتاه» [٤٩] . وقال ﷺ : «ليس الغنى عن كثرة العرض لكن الغنى غنى النفس» [٥٠] . وقال أبو حازم: «ثلاث من كن فيه كمل عقله: من عرف نفسه، وحفظ لسانه، وقنع بما رزقه الله » [٥١] . وقد قال بعض أهل العلم في قوله : [فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً] (النحل: ٩٧) ، قال: «إن الحياة الطيبة المراد بها القناعة» [٥٢] . وقال سعد بن أبي وقاص لابنه عمر: «يا بني! إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة؛ فإن لم يكن لديك قناعة فليس يغنيك مال» [٥٣] . ثالثاً: أن يعلم أنه لن يأتيه من الدنيا إلا ما كتب له. فمهما جد واجتهد، وبذل الغالي والنفيس، فلن يأتيه من الدنيا إلا ما قد كتب له. قال تعالى: [نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ] (الزخرف: ٣٢) . فتوقن بأن المقدر لك يأتيك، وإن لم يقدر فلا يأتي؛ فمن أيقن بذلك أورث الله قلبه خصلتين: ١ - أن يأمن قلبه من أن يفوته ما قدر له. ٢ - أن ييأس من أن ينال ما لم يقدر له. فمن فعل ذلك قلَّ همه وغمه، وخضوعه للخلق، والمداراة لهم؛ لأن ينال بهم منفعة؛ فهذا الغنى بالله [٥٤] . وليس رزق الفتى من حسن حيلته ... لكن جدود بأرزاق وأقسام كالصيد يُحرمَه الرامي المجيد وقد ... يرمي فيرزقه من ليس بالرامي رابعاً: أن يكون زاهداً: فليس الزهد هو كثرة المال ولا قلته، وإنما ألا يكون المال في قلبك ولو كان في يدك، وقد ثبت عن جمع من السلف أن الزهد هو قصر الأمل. وقال بعضهم: «إنما الزهد هو أن يترك الدنيا للعلم بحقارتها بالنسبة إلى نفاسة الآخرة» [٥٥] . يقول شيخ الإسلام: «هو ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة وهو فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله» [٥٦] . وقد قال رجل لسفيان بن عيينة: يكون الرجل زاهداً وعنده مائة دنيار؟ قال: نعم. قال: وكيف ذلك؟ ! قال: إن نقصت لم يغتم، وإن زادت لم يفرح، ولا يكره الموت لفراقها [٥٧] . ويقول أحد أئمة السلف: «في الدنيا طغيانان: طغيان العلم، وطغيان المال، والذي ينجيك من طغيان العلم العبادة، والذي ينجيك من طغيان المال الزهد فيه» [٥٨] . خامساً: الحذر من فتنة المال: فلا بد من النظر بعين التوازن. يقول حذيفة ﵁: «ليس خياركم من ترك الدنيا للآخرة، ولا من ترك الآخرة للدنيا؛ ولكن خياركم من أخذ من كل» [٥٩] . فقد يبدأ الإنسان في مزاولة التجارة وقصده التحرر من قيود الوظيفة، وادعاء أن المال الصالح للرجل الصالح، ثم يغرق في دنياه، ولا يكون له نصيب من الدعوة إلى الله. وقد حذر النبي ﷺ من ذلك كما جاء في حديث كعب بن مالك الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» [٦٠] . سابعاً: التجارة مع الله: وأخيراً: ألا ينسى الإنسان التجارة مع الله؛ فهي التجارة المضمونة الربح التي لن تبور، ولن تكسد وتفسد، بل تجارة هي أجلُّ التجارات، وأعلاها وأفضلها، ألا وهي رضا الله [٦١] . قال الله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِراًّ وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ] (فاطر: ٢٩) . وقال: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ] (الصف: ١٠) . ثم ذكر نوع هذه التجارة في الآية التي بعدها: [تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] (الصف: ١١) . فمن التجارة التي مع الله وهي من أسباب حصول الرزق: ١ - تقوى الله: فإن تقوى الله سبب من أسباب جلب الرزق. قال تعالى: [وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاًّ * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ] (الطلاق: ٢-٣) . قال: [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] (الأعراف: ٩٦) . قال بعض السلف: «إن العبد ليُحرَم الرزق بالذنب يصيبه» . ويقول ابن عباس ﵄: «إن للحسنة ضياء في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق. وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق» . ٢ - الاستغفار: قال تعالى عن نوح ﵇: [فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً] (نوح: ١٠-١٢) . وروي: «مَنْ أكثر َمن الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب» [٦٢] . ٣ - صلة الرحم: عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه» [٦٣] . وعن عمرو بن سهل ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلة القرابة مثراة في المال محبة في الأهل منسأة في الأجل» [٦٤] . وقال أبو الليث: «وفي صلة الرحم خصال محمودة: أولها: رضا الله؛ لأنه أمر بتقواه، وصلة الرحم فقال: [وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ] (النساء: ١) . الثاني: إدخال السرور عليهم؛ وأفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن. الثالث: فرح الملائكة، وحسن الثناء من المسلمين، وزيادة في العمر وبركة في الرزق» [٦٥] . ٤ - المتابعة بين الحج والعمرة: عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة» [٦٦] . ٥ - حُسن الخُلُق: عن عائشة ﵂ قالت: «إن حسن الخلق وحسن الجوار وصلة الرحم تعمر الدار، وتزيد في الأعمار» [٦٧] . ويقول يحيى بن معاذ: «في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق» [٦٨] . ٦ - الدعاء: فإن الدعاء بذاته عبادة كما قال ﷺ : «الدعاء هو العبادة» [٦٩] ، وهو كذلك سبب في تحصيل ما عند الله من أرزاق؛ فقد أرشدنا صلى الله عليه وسلم إلى سؤال الله كما في الحديث: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» ، وروت أم سلمة ﵂ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بعد صلاة الفجر ويقول: «اللهم إني أسألك رزقاً طيباً، وعلماً نافعاً، وعملاً متقبلاً» [٧٠] . ٧ - الزواج: قال الله تعالى: [وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ] (النور: ٣٢) . ٨ - التوكل على الله: عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: « لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما تُرزَق الطير تغدو خماصاً، وتروح بطاناً» [٧١] . قال أبو حاتم الرازي: «هذا الحديث أصل في التوكل وإنه من أعظم الأسباب التي يستجلب بها الرزق» [٧٢] . وختاماً: نسأل الله أن يرزقنا الهدى والتقى والعفاف والغنى، وأن يغنينا بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 4183

دراسات تربوية الإنترنت وتربية الأولاد عبد الرحمن بن عبد الله المطرودي تدفقت الإنترنت في المعمورة، واتسع نطاقها وتعددت مصادرها، وتكالب الناس عليها حتى صار لها أدوار في الحياة الخاصة والعامة، وغيرت الكثير من المفاهيم والطرائق، وأصبح لها شأن كبير في الحياة وسارعت الأمم جماعات وأفراداً لدعمها ودفع عجلتها نحو التقدم، وساعد في ذلك المشاركة فيها واصطناع المواقع والصفحات. والحديث عن الإنترنت ليس في معزل عن الحاسب؛ حيث إن الإنترنت لا تعدو أن تكون إحدى تطبيقات الحاسب ومجالاته. لكن حديثنا هنا سوف ينصب على جزء من تطبيقات الحاسب وهو الإنترنت، وعلى جزء من محتوياتها وهو ما يتعلق بتربية الأولاد. ولعل الحديث عن تربية الأولاد في الإنترنت له جزءان: أحدهما ما يقدم لذوي الاختصاص من مربين وعلماء وأولياء أمور وباحثين. والآخر هو ما يقدم للأولاد والشباب والأطفال. ودراسة العنصر الأول من الموضوع والبحث فيه نتائجه يعرفها أهل الاختصاص؛ إذ إن الشبكة لا تحتوى على مواقع رصينة وقوية (حسب علمنا) ؛ وذلك في مجال التربية وخصوصاً الدينية أو النفسية والاجتماعية وما يتطلبه ذلك من وسائل وأساليب حديثة ودراسات ميدانية تفيد الباحثين الأكاديميين والاختصاصيين في مجال التربية والمربين من معلمين وأولياء أمور، ومؤسسات اجتماعية؛ مما له علاقة بالنشء وتربيتهم. إذ إن المواقع الموجودة على الشبكة والمصنفة تحت جانب التربية تعنى غالباً بالتربية البدنية والصحة وتتناسى الجوانب الأخرى للتربية إلا ما ندر من مواقع، منها صفحات قليلة جداً ومواضيع قصيرة تهتم ببعض جوانب التربية الأخرى. وتجد الغالبية منها تهتم بالدراسة الأكاديمية وربما تعليم الحاسب وبرامجه والإنترنت واللغة، لكن الجانب الأكبر والهدف الذي يأخذ قدراً وحيزاً منها هو العناية بالموسيقى والرياضة البدنية والترفيه غير التربوي وما حذا حذوه [١] . ولقد قمت باستعراض للعديد من المواقع المتنوعة مما هو مدرج تحت قسم التربية، فوجدتها لا تعدو أن تتحدث عن الصحة الجسدية والبدنية إلا ما ندر منها ويكون بجزيئات صغيرة ومحدودة من المقالات أو المواضيع في بعض الصفحات. ولعل ذلك يتجلى واضحاً في المواقع العربية والإسلامية؛ حيث العناوين التربوية ولكنك لا تجد فيها ما يهتم بوسائل وطرق التربية الحديثة وخصائص مراحل العمر وأساليبه وما يتعلق به. غير أنه يوجد إشارات ولفتات ليست بذات شأن، وليس لها حيز يذكر في مواقع الشبكة إلا بعض من المواقع، وهي بحاجة قوية وملحة إلى المنهجية والعلمية. ويأخذ اللب أحياناً بعض المواقع بمسمياتها فإذا ولج إليها الباحث فوجئ بأنها تفي فقط بالموسيقى والأغاني والمجلات والصحة الجسدية والبدنية والشراء والأفلام وغيرها [٢] . والحديث عن الناحية الثانية من هذا الموضوع وهي ما يقدم للأولاد والشباب والأطفال على الشبكة العالمية. حديث طويل وممتد ويشغل بال العالم أجمع على مختلف المشارب والعقائد والأديان؛ وذلك لعدم وجود رقيب ولا حسيب على الشبكة [٣] . ولقد تنوعت وتعددت مصادر الإفساد للشباب على الشبكة وتعددت مجالاتها فتجدها أحياناً جنسية وإباحية، ومرة تجارة بالرقيق، وأخرى نشر للصور والأفلام المخلة بالآداب، وكذلك تعليم المخدرات وطرق استخدامها والحصول عليها والعنف وبذاءة الألفاظ والعنصرية والممارسات الشاذة. كتبت إحدى المجلات [٤] عنواناً باسم: (عالم الإنترنت السفلي ... قرصنة برامج ... إباحية ... مافيا ... غسيل أموال ... مخدرات ... قمار ... عنصرية ... منظمات الهاكر ... إرهاب ... متفجرات ... ) ثم عنونت داخل المجلة: (عالم إنترنت السفلي يناديك، يبسط لك ذراعيه، يلوح لك بكافة المغريات القذرة التي ابتكرها الإنسان عبر التاريخ ... برامج كاملة بالمجان ... صور وأفلام إباحية ... مخدرات ... قمار ... أموال قذرة ... فهل تستجيب؟) هكذا كان العنوان، واستمر العرض اثنتي عشرة صفحة في نفس العدد. قال المؤلف في نفس الموضوع: (ربما يقول البعض إن العديد من البلدان العربية حجبت هذه المواقع عن مستخدمي إنترنت فيها فلا توجد ضرورة لفتح هذا الملف. ونقول لهؤلاء: إن الواقع يؤكد استحالة الحجب الكامل لأسباب عديدة أهمها: - تظهر على شبكة ويب يومياً آلاف المواقع الجديدة ومن المستحيل حجبها مباشرة وفق التقنيات المستخدمة حالياً في عملية الفلترة. - يمكن استخدام خدمات إنترنت مثل التخاطب والدردشة والبريد الإلكتروني للاتصال مع المشبوهين وتبادل معلومات ممنوعة أو صور فاضحة. - توفر تقنيات لتجاوز البروكسي وإلغاء الفلترة المرتبطة به. - تتوفر حالياً إمكانية استقبال إنترنت عبر الأقمار الصناعية) . ويستمر المؤلف في دراسة عالم الشبكة السفلي في أعداد من المجلة منها العدد الثاني. وفي العدد الثامن لذات المجلة من نفس العام جاء غلاف المجلة يحمل العنوان الآتي: (أول جريمة قتل بسبب منتديات ويب العربية) . وكتبت مجلة الإسلام والإنترنت تقول: (كيف نحتمي من شرور الإنترنت - كفر وجنس وعنف و..؟) كان هذا هو عنوان المقال، وبدأ كاتب المقال بقوله: (اكتسب الإنترنت سمعة سيئة بسبب انفتاحها غير المحكوم أخلاقياً ولا سياسياً ولا ثقافياً، وبسبب استغلالها البشع من قبل عصابات الجريمة المنظمة وتجار الأعراض والداعين إلى كل رذيلة وفاحشة وفوضى تمردية ... ففرغت كثير من فوائدها العظيمة وإنجازاتها الضخمة في بحر آسن كريه من الرائحة والمنظر ... ) إلى قوله: (هذه مشكلة لا نعاني منها في الشرق فحسب كما يظن البعض ... بل إن العائلات الغربية تشكو مر الشكوى ما يغزو عقر بيوتهم وعقول أولادهم وحواسبهم عبر أجهزة الكمبيوتر المنزلية الموصولة بالإنترنت. كما أن عدداً من الدول تشكو من الغزو الثقافي الغربي الذي يتدفق عليها من كل مكان عبر الأرض والفضاء وعبر خطوط الهاتف وأسلاك الكهرباء) [٥] . وهذه مجلة (سعودي شوبر) تكتب في العدد العاشر للسنة الثانية مقالاً بعنوان: (إغلاق «ياهو» لماذا؟) وقد نقلت المجلة تفسيرات على لسان المتحدث باسم مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية يقول فيها: (إن حجب أندية «ياهو» جاء بدعوى إلحاق الضرر بالأخلاق والقيم والآداب الشرعية ... إلخ) [٦] . وفي حوار من خلال مجلة (الجندي المسلم) حول الإباحية في الإنترنت مع د. مشعل بن عبد الله القرحي الأستاذ المساعد في معهد بحوث الحاسب الآلي في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية قال: (قامت بعض الشركات بدراسة عدد زوار صفحات الدعارة والإباحية في الإنترنت فوجدت إحدى الشركات أن بعض هذه الصفحات يزورها عشرون ألف زائر يومياً، وأكثر من ٢٠٠ صفحة مشابهة تستقبل ١٤٠٠ زائر يومياً؛ ولذلك صرحت وزارة العدل الأمريكية قائلة: لم يسبق في فترة من تاريخ وسائل الإعلام بأمريكا أن تفشى مثل هذا العدد الهائل من مواد الدعارة أمام هذه الكثرة من الأطفال في هذه الكثرة من البيوت. كما تفيد الإحصائيات بأن ٦٣% من المراهقين الذين يرتادون صفحات وصور الدعارة لا يدري أولياء أمورهم بطبيعة ما يتصفحونه على الإنترنت. علماً بأن الدراسات تفيد أن أكثر مستخدمي المواد الإباحية تتراوح أعمارهم ما بين ١٢ - ١٧ سنة) [٧] . هذا وتنتشر مقاهي الإنترنت في كل صقع من أصقاع المعمورة، بل لقد وصلت الحال على أن الحي الواحد بل الشارع الواحد تتعدد فيه المقاهي. وأجرت إحدى المجلات المتخصصة بالحاسب وهي (سعودي شوبر) لقاء مع أحد ملاك ومديري المقاهي فأفادوا بأن الإقبال الكبير على المقاهي هو من الشباب، ثم الطلاب ابتداء من أعمار ١٥ سنة.. انتهى. ولقد زرت بعضاً من هذه المقاهي، وتحدثت مع أحد مديريها عن الشباب فأفاد بأنها تستغل استغلالاً سيئاً من ناحية ما يأتي على الشبكة من جديد ومواقع يتعالم بها الشباب، ومن ناحية أخرى التقاء عناصر متنوعة من الشباب تؤثر على بعضها خصوصاً صغار العمر. وللأخ الكريم الشيخ سعد البريك محاضرة عن مقاهي الإنترنت جمع فيها مادة طيبة وأجاد فيها وأفاد. هذه هي بيئة الإنترنت الشبابية، وهذا ما يقدم فيها الآن؛ وخصوصاً أن الشباب غالباً في هذه المرحلة من العمر يحتاج إلى الإرشاد والتوجيه والرقابة لوجود دوافع الشهوات والغرائز والاندفاع الشديد منه مع الفراغ الكبير وعدم اتزان العاطفة وسيطرة العقل. وإذا أدرت بصرك تبحث عن مواقع ذات أهداف تربوية فإنك بالجملة لا تجد، وإذا حصل ووقعت عينك على موقع طيب فستجد نصيب الشباب قليلاً إلا ما ندر [٨] . وإذا بحثت باسم الأطفال أو الشباب أو التربية بأسماء عربية أو غير عربية مثل KIDS أو غيرها فإنك لن تجد إلا ترفيهاً غير تربوي أو محلات بيع أو موسيقى أو مجلات فنية حسب ما يسمونها، ويتسابق الشباب عادة إلى المواقع التي تكرس حب الرياضة والتشجيع لا الممارسة والتطبيق، وكذلك الألعاب الإلكترونية ومواقع المحادثة (الشات) وساحات الحوار. هذه المواقع مع مواقع المجون والفسق والدعارة هي أكثر المواقع التي ينطلق إليها الشباب مع النظر إلى غلاء أسعار الاشتراكات والاتصال وبطء الشبكة، فهي تثقل الأعباء والكاهل بالمادة. ويوجد بعض المواقع التي هي مكررة ونسخة من بعضها في الموضوع إلا ما ندر تعتني بتعليم اللغات والبرامج والحاسب والصحة البدنية والتي ربما يرتادها الشباب. ولا ننسى ما يعود به طول الجلوس أمام الشاشة للشباب والأطفال من آثار نفسية وعقلية وجسدية تحدث عنها الاختصاصيون كثيراً. وما زالت الشبكة عقيمة في مجال التربية والإعداد الصحيح للفرد، وتحتاج إلى سنين عديدة ورؤوس أموال عالية حتى تصبح مفيدة في مجال التربية أو حتى التعليم. صحيح أن الحاسب لديه إمكانيات هائلة ومتعددة ومتنوعة إذا استخدمت لكنها لم تدخل الشبكة بعد، وليس فيها أرباح؛ لذا فهي تعتمد على الحكومات وفاعلي الخير حتى تتواجد على الشبكة. ومع هذه البيئة والمناخ الذي يسيطر على أروقة الإنترنت إلا أنك تسمع نداءات متعجلة ومتسرعة تنادي بأن يكون التعليم على الشبكة وكذلك التربية، وأن يفتح المجال رحباً أمام الطلاب والتلاميذ، بل ربما نادى بعضهم برفع الحجب والقيود فيا عجباً؟ ! ولعل أحد الأسباب الرئيسة لدى بعض هؤلاء المنادين. هو الانبهار بالتقنية الحديثة تقنية الاتصالات والألوان والأفلام وغيرها مما يستخدمه أصحاب المواقع لجذب الناس. ولهذا نجد أن بعضاً منهم ينادي بهذا النداء على حذر، ويضع تنبيهاً ولو يسيراً. فهذه مجلة تعتني بالشبكة وضعت عنواناً على غلافها هو: (أطفالك والإنترنت آمنون وسعداء دائماً) ثم كتبت في الداخل تقول: (الإنترنت مصدر إمتاع للأطفال سواء استخدمت للعب أو لأداء الواجبات ببرامجها المفيدة وصورها الجميلة وألعابها، ومع ذلك فهي لا تخلو من الخطر عليهم) . إلى أن تقول: (رغم روعة الإنترنت إلا أنه لا يخلو من الأخطار خصوصاً على الأطفال؛ وذلك بسبب العدد الضخم من المواقع غير اللائقة الموجودة في مواقع الويب؛ لذلك فإن شبكة الإنترنت لا تعد المكان المناسب ليبحث الأطفال فيها ويجولون دون رقابة؛ فهي تمتلئ بطوفان من المواقع التي تحض على العنصرية والضغينة، وتشجع على تعاطي المخدرات وصنع القنابل وكل الطرق الأخرى التي من الممكن جداً أن تؤثر سلباً على سلوك أطفالنا) [٩] . ولقد أخرجت دار الشبكة العربية عدداً بعنوان: (الإسلام والإنترنت) وكان أحد المواضيع بعنوان: (الطفل المسلم مظلوم) قال فيه كاتبه: (الطفل المسلم مظلوم على الإنترنت؛ فلا يكاد يجد في المواقع الإسلامية ركناً يأوي إليه ويجد فيه ما يشد انتباهه ويشبع نفسيته ويراعي عقله) إلى أن يقول: (وإنما نشير إلى حقيقة أن هذه المواد جميعاً ليس فيها ما هو مصاغ خصيصاً للطفل يناسب عقله وتفكيره) [١٠] . وكاتب آخر في مجلة (مفتاح الإنترنت) يقول: (للأسف لم نجد مواقع عربية للأطفال تهتم كما تهتم المواقع الأجنبية وتقدم لأطفالنا ما يقدمون سواء في المعلومات وروعة في التصميم، وكلنا أمل في رؤية شيء عربي ملفت وقيم) [١١] . وبعد هذا كله ننظر إلى بعض الصيحات التي أطلقها بعض ممن تعمقوا في مواضيع الشبكة (معايير لحماية الأطفال من مواقع الإنترنت) هذا عنوان في مجلة عصر الحاسب قال فيه كاتبه: (دعا عدد من الخبراء المتخصصين في مجال الأمن على شبكة الإنترنت إلى وضع معايير فنية تحدد طبيعة المواقع التي يتعامل معها الأطفال وتحديد الفئات السنية المناسبة) إلى قوله: (وكان مسح أجراه مركز أن برج للسياسات في واشنطن الأمريكية قد أكد أن أطفالاً تتراوح أعمارهم بين ٨ - ١٧ سنة قد أبدوا رغبتهم في كشف أسرارهم على الإنترنت والأوضاع المالية لآبائهم مما يعتبر مؤشراً لنشر خلافات أسرية يتسبب فيها الأطفال عبر الإنترنت) [١٢] . ومما كتب أيضاً حول الموضوع عنوان في مجلة (مفتاح الإنترنت) هو: (نصائح في التصفح الآمن) قال فيه كاتبه لأحد الأبوين: (نقول أخبر أطفالك ألا يعطوا أية معلومات عن مكان سكنهم أو عن أنفسهم. أخبرهم ألا يردوا على أية رسائل إلكترونية عن مصادر غير معروفة. أخبرهم أن يعلموك إذا استلموا أية رسائل إلكترونية غريبة. راقب أطفالك عندما يتحدثون عبر الإنترنت واعرف مع من كانوا يتخاطبون. أخبر أطفالك ألا يقابلوا أشخاصاً تعرفوا عليهم عبر الإنترنت مقابلة شخصية) [١٣] . وكتبت مجلة (آفاق الإنترنت) [١٤] في زاوية (آباء وأبناء) بعنوان: (لا تتكلم مع الغرباء) وبجانبه عنوان كبير هو: (راقب أولادك) ذكر فيه المؤلف وأطال عن الأضرار والطريقة لحماية الأطفال، وبعض المواقع السيئة التي حصلت عليها لبعض الأطفال من جراء الاتصال بالإنترنت. أخي القارئ العزيز: وبعد أن تجولنا بك في بعض المصادر المختصة بالإنترنت، ونقلنا لك ما كتب فيها من قِبَل ذي الاختصاص فإننا نخلُص إلى أن واقع الشبكة تجاه تربية الأولاد سلبي جداً، وأنه لا توجد مواقع مجدية في تربية الأولاد عدا العناية في بعض الجوانب الجزئية وخصوصاً في المواقع الغربية مثل العناية بالجسم والصحة والرياضة والفن فقط. وقليل جداً حول الدراسة والتعليم وأن الشبكة ما زالت تزحف وببطء في هذا المجال، وأنها خطر كبير على الأطفال ومواقعها الموجودة لا تستحق أن يبذل لها جهود في استخراجها وعمل التصنيف وبرامج التحديد والحجب والفلترة لاحتمال كبير في تضرر الأطفال منها. وإننا ننادي المؤسسات التربوية وأصحاب الفكر وأصحاب المال بإيجاد مواقع قيمة ورصينة تدعم المجالات التربوية، وتساند الباحثين وأولياء الأمور في شراء المواضيع التربوية وتأصيلها، والأخذ بالوسائل والطرق الحديثة حتى يحصل التعاون في إيجاد البيئة التربوية المحاطة بكل مفيد وجديد لحماية الجيل والناشئة، والأخذ بهم إلى شواطئ الأمان، وجعل كل ذلك في متناول الجميع وبإمكانات واسعة وكبيرة! ! مما يؤمَّل بإنتاجية ومخرجات لدور التربية والمربين تكون على مستوى مَرضي في ظل أجواء العولمة والاتفاقات الدولية والسيطرة الفكرية لوسائل الاتصال.

стр. 4184

دراسات تربوية كذب الأطفال في نظر علماء الاجتماع عبد الرزاق زعال الكذب هو الإتيان بقول يخالف الحقيقة، ويتصل الكذب بالغش والسرقة من حيث إن كل هذه الأفعال تنتمي إلى خصلة واحدة هي عدم الأمانة. فكما أن الغش هو فعل أو قول يزيف الحقيقة، والسرقة هي فعل لا يتصف بالأمانة، فكذلك الكذب هو قول تنقصه الأمانة؛ لأنه لا يطابق الواقع. وقد يستخدم الكذب وسيلة لتغطية الغش والسرقة؛ فعندما يرمي الكاذب من كذبه التضليل، يصبح الكذب غير بريء، وإذا كان الكذب أمراً شائعاً فإن ممارسته محرمة؛ لأنه قادر على إيقاع الاضطراب في العلاقات الاجتماعية والإنسانية القائمة بين الأفراد، والواقع أنه لا يمكن تصور الحياة الاجتماعية إذا لم تكن مبنية على بعض العلاقات التي تتضمن الثقة المتبادلة النسبية، إلا أن هذه الثقة الضرورية تتزعزع إذا دخل الشك في كل كلمة أو حركة أو موقف؛ ولذلك كان علينا أن نحلل الكذب الذي يعد مسؤولاً عن كثير من المنازعات والأوبئة الاجتماعية، والذي يجب أن نتقي نتائجه إذا لم نتمكن من شفائه. وضع الكذاب: الكذاب سطحي: إنه سطحي؛ لأن الكذب قبل كل شيء كذب على الذات، أي أنه رفض للذات الأصلية ورفض لممارسة القوى الجوهرية الدفينة في النفس الإنسانية، ونوع من التملق يظهر عند إنسان يتصنع الكياسة متخلياً عن الدوافع الخارجية البسيطة وعن احترام ما في الإنسان من قيم رائعة في سبيل الوصول إلى غاية رخيصة. الكذاب متوتر: إن الكذاب (متوتر الأعصاب) دائماً؛ والسبب في ذلك أن (الكذب طبيعة ثانية يحصل عليها المرء بإرادته تجعله لا يملك النية الحسنة الراسخة والإيمان بأهمية ما هو صحيح) [١] ؛ لذلك يظل الكاذب في حال تأهب وأرق وقلق، والسبب في ذلك هو أن الكاذب يبني أبنية لا وجود لها، ويحاول توكيد وجودها في كل لحظة وتزيينها وترميمها والدفاع عنها ضد الواقع الذي ينكر وجودها دائماً. الكذاب وحيد: الكذاب وحيد، بصورة خاصة؛ لأنه منغلق على نفسه، من جهة، ولأنه نسف المفاهيم الاجتماعية الشائعة التي تنصح بعدم إغواء الآخرين وتضليلهم. والكذب يخلق فئة من المنعزلين الوحيدين لا تكون على شكل جماعة واضحة المعالم ضمن المجتمع بل تكون على شكل عزلة ضمن هذا المجتمع. الكذب عند الأطفال: وأسباب الكذب وأنواعه عند الطفل متنوعة؛ فقد يعتبر مظهراً لانحراف سلوكي [٢] ، وقد يعتبر حالة مرضية تحتاج إلى علاج نفسي متكامل، وهناك كذب يأتي في سن معينة ويسمونه: (الكذب الأبيض) وهو يعتبر مرضاً في سن أخرى. على سبيل المثال: أطفال المدارس يحبون اللعب الخيالي بعيداً عن الواقع، وهم يجدون إثارة ومتعة في الخيال، ويعتقدون مخترعاتهم الخيالية حقائق واقعية حتى يظن الكبار أن كذبهم قد وقع بالفعل، وهذا النزوع للكذب الخيالي عندهم مرتبط بعدم قدرتهم على ضبط خيالهم الخصب، وهذا نوع من البراءة وليس كذباً بالمعنى المتعارف؛ لأنه لا يهدف لضرر أو مصلحة ويكمن في عواطف الطفل الجامحة، وإذا ثبت هذا النزوع عند الطفل وأصبح عادة فإنه يجب النظر إليه باعتباره انحرافاً سلوكياً في حاجة للعلاج. العوامل المؤثرة في نشوء ظاهرة الكذب [٣] : قد ينسج الأبناء والأطفال الكذابون على منوال الكبار في لجوئهم للكذب؛ ذلك أن عالم الكبار مغمور بالكذب؛ فهم يستخدمونه بدافع التملق، أو التهذيب أو الخداع المتبادل، أو التستر أو بدافع حل المشكلات، فيقوم الصغير بتقليدهم؛ وإذا ما اقترن سلوك الكاذب بالنجاح في حل مشكلاته فإن ذلك يدفعه إلى التعلق بهذا السلوك. كما أن الخوف أحد أسباب الكذب؛ فالكذب ستار نخفي وراءه أخطاءنا التي يمكن أن نحاسب أو نعاقب عليها، ومن عوامل الكذب الاستعداد الشخصي؛ ذلك أن الشخص النشط الخيال والذلق اللسان، والذي يمتلك القدرة اللازمة على تنميق الألفاظ واستخدامها بمرونة كافية يكون على الغالب أكثر استعداداً للكذب من غيره. ويرتبط نوع الكذب بالطبع؛ إذ إن المنطوين يصطنعون أكاذيبهم على شكل (إنكار وتستر) بمعنى عدم قول الحقيقة أو إنكار الوقوع؛ في حين يميل الانبساطيون إلى اختلاق وقائع جديدة أو تشويه للوقائع كما يتَّسمون بالميل إلى المبالغة. أكاذيب الأطفال: في البداية يجب التفريق بين الكذب والتخريف؛ فالتخريف هو تشويه للواقع لا تتوفر فيه النية لتضليل الآخر؛ فقد يكون التخريف ناتجاً عن ضلال أو وهم إدراكي، أو أن الذاكرة حين تختزن ما سمعت تقوم بعملية حذف واختيار وإعادة بناء. كما أن للتخريف علاقة بنوع البنية العقلية للشخص؛ فالشخص الميال للتركيب في بنائه العقلي قد يحذف كثيراً من التفاصيل لصالح البناء الكلي. كما أن الشخص الذي لا يدقق في الوقائع التي نقلت إليه قد يكذب من حيث لا يريد الكذب. وقديماً قيل: «ناقل الكفر ليس بكافر» [٤] . وبالنسبة للطفل الصغير فإنه بالإضافة إلى هذه العيوب المتصلة بالخلل المعرفي ميال إلى بناء عالم وهمي يشبع فيه رغباته. وهذا العالم القريب من الحلم، البعيد عن الواقع يكون إطاراً مناسباً لنشوء الأكاذيب التخريفية. إن التخريف بالرغم من عدم مطابقته للواقع فإنه لا يشكل مشكلة، ويمكن معالجته معالجة خارجة عن نطاق معالجة الكذب. وسبب عدم اعتبار الخرِّيف كاذباً يعود للأسباب الآتية: - لأنه أولاً: في بعض حالاته جزء من البنية العقلية للطفل الصغير، واستمرار النمو كفيل بالتخلص منه. - ولأنه ثانياً: لا يتضمن عنصر الخديعة؛ فالطفل إذ يخرف لا يوجه كلامه للآخر بقدر ما يوجه كلامه لذاته، فضلاًَ عن أن الكبار لا يأخذون كلامه مأخذ الجد. - ولأنه ثالثاً: لا يتوفر فيه عنصر النية. يظهر الكذب عند الطفل منذ اللحظة التي يصبح فيها الطفل ذا إحساس بأن الكذب هو عدم قول الإنسان لما يعرف، أو هو إرادته قول شيء آخر غير ما نعرفه؛ فإلى أي شيء تتجه هذه الإرادة؟ يرى بعض علماء النفس أن أهم الأهداف التي يرغب الطفل في تحقيقها دائماً هدف تجنب المضايقات من جهة (اللجوء إلى حكاية خرافية تجنباً للعقاب) ، ومن جهة أخرى هناك هدف الحصول على بعض المكاسب (التصريح بالحصول على علامات جيدة للفوز بمكافأة موعودة، أو تصنع الاستياء أو الادعاء بالمرض للبقاء في البيت بدلاً من الذهاب إلى المدرسة) . وإذا تعرضنا إلى ميدان العواطف بالإضافة إلى ميدان الوقائع، أمكن أن نضيف إلى الهدفين السابقين غاية الطفل في أن يكون شيئاً مهماً في عيون الراشدين. فالطفل قد يثير مواقف يتخذ منها بعض العواطف التي يعتقد أن (جمهوره) ينتظره منه. إن آثار الكذب مضرة بالنسبة للكاذب ذاته كما هي مضرة بالنسبة للآخرين؛ فالكاذب غير راض عن ذاته؛ لأنه يستبدل ذاته التي يرفضها بذات أخرى تشوه الواقع. وبذلك فالكذب تدليس على الذات أولاً فضلاً عن أن الكاذب يصبح موضع شك حتى حين يقول الحقيقة. والكذب أيضاً مضر بالآخرين؛ ففي الكذب نظرة ضمنية تعني احتقار الآخر والنظر إليه على أنه وسيلة يستخدم الكاذب غفلتها للوصول إلى أغراضه؛ ومن هذه الزاوية تبدو لا أخلاقية الكاذب. أنواع الكذب: إن أنواع الكذب متداخلة، بل لا تحدث وحدها؛ وإنما تكون في إطار أكبر من الانحرافات السلوكية التي تعبر عن خلل نفسي؛ فقد تحدث السرقة والعدوان والتزويغ من المدرسة من نفس الطفل الذي ثبت لديه الميل للكذب؛ فالجوهري في المشكلة ليس الكذب في حد ذاته ولكن في الدوافع التي تحركه والأسباب الكامنة وراءه. وعلى أي حال فهناك الكذب الخيالي (في الطفولة المبكرة وهو كذب أبيض بريء في أغلب الأحوال) ، والكذب الادعائي، والكذب الأناني المغرض، وكذب الانتقام، والكذب الدفاعي، وكذب التقليد، وكذب العناد، والكذب المزمن المرضي. فالكذب الادعائي هو نوع من الكذب يستخدم لتغطية الشعور بالنقص؛ فالكاذب في هذه الحالة ينسب إلى نفسه أدواراً لم يلعبها أو ربما لعبها بشكل أقل مما يدعيه. وقد يشمل التضخيم في الكذب الادعائي لا تضخيماً للذات ليس بوصفها مصدراً للسلوك بل بصفتها ذات موقع اجتماعي؛ فقد يكذب حول المركز الذي يحتله أبوه، أو يكذب بخصوص صلة عائلته بأشخاص من ذوي نفوذ، أو بما تمتلكه العائلة.. إن كل ذلك تعويض عن المركز الاجتماعي الذي تحتله العائلة التي ينتمي إليها. كما قد يستهدف الكذب الادعائي الحصول على العطف والاهتمام؛ كأن يتحدث الطفل كاذباً عن مرضه أو اضطهاده ليحصل على أكبر قسط من الرعاية. وكذب الوقيعة حيث يكذب الطفل في هذه الحالة من أجل الوقيعة بالآخرين واتهامهم بذنوب وآثام لم يرتكبوها؛ وذلك بغية الانتقام منهم بسبب نوالهم حظوة لدى جهة يعتقد الطفل أنها صاحبة سلطة كالأب والمعلم. وبذلك فإن هذه النوع من الكذب له علاقة بالشعور بالغيرة. وقد يتجه كذب الوقيعة لا لإفساد بين شخص يغار منه وصاحب سلطة، بل بين شخص يحبه وآخر يغار منه وينازعه هذا الحب. وعدم المساواة التي يشعر بها الطفل قد تكون من أسباب هذا النوع من الكذب؛ فالطفل الذي يشعر بأن أبويه يعاملان أحد إخوته بصورة أكثر محاباة قد ينسج حبلاً من الأكاذيب حول أخيه من أجل تهديم مكانته لدى والديه. أما الكذب بغية الوقاية فهذا النوع من الكذب كثير الشيوع بين الأطفال؛ فالطفل الذي يعتبر نفسه كائناً ضعيفاً يكذب ليخفي ارتكاباته أو إخفاقاته؛ ذلك لأن معرفة هذه الارتكابات أو الإخفاقات تستتبع عقوبته. كما أن الكذب الوقائي قد يتجه لحماية مكانته المهددة؛ فقد يكذب مثلاً بخصوص درجات المدرسة؛ نظراً لأن موقعه في الأسرة وامتيازاته مرتبط بمقدار ما يحصل عليه من درجات مدرسية، في حين أن قول الصدق يفقده مكانته تلك. أما الكذب العنادي فقد يستخدم للتحايل أو التشفي من سلطة شديدة الوطأة قوية الرقابة تحصي على الطفل أنفاسه. إن الكذب في هذه الحالة نوع من الانتقام، وإظهار السلطة على جبروتها بأنها قابلة للخديعة، وأنها مهما بلغت من هيمنتها وقسوتها فإن الإفلات منها ممكن؛ ولذلك فإن الطفل الكاذب يشعر بنشوة عارمة من لذة الانتصار. والكذب اللاشعوري حيث يصل الكذب ليتحكم بالطفل ليصبح كذباً مَرَضياً، ويصدر عن الطفل بالرغم من إرادته وحبه لقول الحقيقة. إن أساس هذا النوع من الكذب هو الكذب الادعائي، وفي بعض الحالات يكبت الدافع المسبب للكذب الادعائي كأن يكبت الكاذب شعوره بنقصه، أو حاجته للمكانة، أو حاجته للعطف والرعاية، وبذلك حين يتصل هذا الكذب بعامل لا شعوري يفلت من رقابة المنطق الواعي، ومن رقابة الأنا الأعلى، ويتحول إلى كذب مزمن ولا شعوري ولا يمكن معالجته إلا بكشف الأسباب العميقة الكامنة خلفه في عيادات التحليل النفسي. قواعد علاجية: «إن علاج الكذب في ذاته بالضرب أو السخرية غير مفيد؛ ففي كل حالات الكذب المفرطة والدائمة يلعب الوسط الاجتماعي الدور الحاسم في العلاج، وفي علاج حالات الكذب نحن نختار الأسلوب الملائم حسب نوع كل طفل وسماته العامة وظروفه العائلية وفهم دوافع كذبه مستخدمين رؤية متكاملة تشمل الجوانب البيولوجية والاجتماعية والتعليم السلوكي» [٥] . ولكن في كل الأحوال يجب مواجهة كل كذبة وفهم دوافعها؛ فالكذب كذب لا أبيض ولا أسود.

стр. 4185

تأملات دعوية انتحار المشروعات محمد بن عبد الله الدويش www. dweesh. com حين تتاح للإنسان فرصة متميزة فإنه يعاب على تفريطه في استثمارها واغتنامها، ويزداد العتب حين تكون الفرص محدودة والمكاسب المضاعة عالية. لكن أشد من ذلك وأوْلى بالعتب أن يتمكن من فرصة فيفرط فيها، وينقض غزله بيده ويخرب بيته بنفسه. وثمة حالات من ذلك تحصل للدعاة إلى الله تعالى وهي ليست بالقليلة، ومن ذلك: * أن يكون الشخص في موقع له أهميته وتأثيره، فيضحي به نتيجة إصراره على أعمال أو مواقف لا ترقى أهميتها وتأثيرها إلى ما هو فيه. * أن يرتكب شخص أو مؤسسة دعوية مخالفات قانونية أو إدارية تؤدي إلى التعويق عن أعمال أكثر أثراً وأهمية. * أن يتسبب في القضاء على مشروعات قائمة بسبب الإصرار على ما هو دونها في المصلحة، بل قد يفوت الأمران كلاهما. إن من يقرأ التاريخ سيجد أن الأمر قد يصل إلى أن حكومات إسلامية سقطت وقضي عليها بسبب استثارتها للأعداء نتيجة ما ترى أنه مصلحة، وفات في ذلك من المصالح أضعاف أضعاف ما كانت ترنو إليه من عملها، بل قد ضاعت المصلحتان كلاهما. إننا قد نعتذر عن أخطائنا بأعذار نعتقد صحتها وليست كذلك: * فتارة نعتذر بأننا مستهدفون من أعدائنا، ونشن حملة ضارية عليهم وعلى ما فعلوه، والأعداء لا ينتظر منهم إلا ما هو أسوأ مما فعلوا، ولِمَ لا نعيب أنفسنا أننا لم نستطع اكتشاف مؤامرة العدو، أو تفويت الفرصة عليه؟ * وفي مواقف ليست بالقليلة نفسر كل ما يصدر من الآخرين بأنه مؤامرة وباعثه النكاية بنا لديننا ودعوتنا وسلامة منهجنا ... وهذا قد يحصل كثيراً، لكن ليس كل ما يفعله الآخرون يمكن أن يفسر بالضرورة بهذا التفسير. * وتارة نعتذر بسلامة منهجنا ونسوِّغ إخفاقنا ونجاح الآخرين بأننا أسلم منهجاً وأثبت طريقاً. * وتارة نعتذر بأن كل ما يصيبنا إنما هو ابتلاء من الله ليرفع به درجاتنا ويمحصنا ... إلخ. * وتارة نحول انهزامنا إلى نصر، وإخفاقنا إلى نجاح مبالغين في وصف منجزاتنا ومهونين من شأن خسائرنا. * وتارة نشن هجوماً على من ينتقدنا متهمين رأيه وتارة نواياه. لقد قال الله عن صفوة خلقه وخيرهم بعد الأنبياء حين هزموا في أحد وأصابهم ما أصابهم: [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (آل عمران: ١٦٥) ، ومع ذلك لم يكن هذا الأمر منقصاً من شأن ذاك الرعيل؛ بل كان دافعاً له لاستيعاب الدرس وتجاوز الأزمة. إن إدراكنا لمسؤوليتنا عن أعمالنا، والتفكير الجاد في العواقب والمآلات، وموازنة المصالح والمفاسد يعيننا بإذن الله على تجنب إخفاقات ومواقف فشل، ويزيد من فرصة المحافظة على مشروعاتنا وأعمالنا. ونحتاج أن نضيف إلى ذلك الجرأة على انتقاد أنفسنا ومراجعة أعمالنا، والفصل بين سلامة المنهج والممارسة، والفصل بين صحة الحقائق والمنطلقات وبين مدى انطباقها على الواقع أو ما يعبر عنه الأصوليون بتحقيق المناط. ونحتاج أن نضيف إلى ذلك تقليل المساحة التي تحتلها العاطفة من تفكيرنا ومواقفنا، والنظر البعيد الذي يتجاوز ما تحت أقدامنا. وذلك كله لن ينقلنا للعصمة؛ فسنبقى بشراً نخطئ ونصيب، ونكبو وننهض، لكنه سيقلل من حالات الإخفاق، وسيحافظ أكثر على مشروعاتنا ومنجزاتنا.

стр. 4186

البيان الأدبي الأدب الإسلامي والتدافع الحضاري الحسين زروق [*] تتخذ هذه الورقة «الأدب الإسلامي ودوره في النهضة الحضارية» موضوعاً لها، وتنطلق من مسلَّمة مفادها أن أزمتنا أزمة حضارية شاملة وهي أزمة أدب، وتربية، وإعلام، واقتصاد، وسياسة ... إلخ، وأن الخروج من هذه الأزمة لن يتم إلا بتقديم بديل حضاري شامل ومتوازن، وسنتناول الموضوع من خلال ثلاث زوايا: - أزمة الأدب وأدب الأزمة. - مقومات الأدب الإسلامي ووظيفته. - دعم الأدب الإسلامي. وبعبارة أخرى فهذه الورقة تتولى تجريح الأدب المأزوم، وتقريب الأدب الإسلامي، والدعوة إلى تغليبه. أولاً: أزمة الأدب وأدب الأزمة: لدينا مؤشر تاريخي يفيد أن الأدب المأزوم يمكن أن يظهر في المجتمع السليم، وأنه من غير اللازم أن تتأزم الأمة ليتأزم الأدب، ويتمثل في عودة أدب الفحش والهجاء المقذع في أواخر الخلافة الراشدة وبعدها. ويفيد ذلك في أن الأدب قد يعيش الأزمة، وإن كانت الأمة في وضعية صحية؛ لكن أزمة الأدب قد تسهم في تأزيم الأوضاع إلى جانب عوامل أخرى؛ ولهذا فليس من الضروري أن تكون الأزمة ليتأزم الأدب، كما أنه ليس من الضروري أن يكون أدب الأزمة أدباً مأزوماً، وإن كانت هناك علاقة تأثير وتأثر بينهما بدرجة ما. وإذا شئنا حصر عناصر الأزمة الحالية للأدب فإننا سنجدها تكمن في الثورة على المقدس والانقلاب الوظيفي، والنزعة الشكلية. ١ - الثورة على المقدس: كان المقدس عندنا واحداً وهو الجانب الشرعي، ثم صار مقدسين: سياسياً وشرعياً، ثم صار السياسي أكثر قداسة من الشرعي بعدما أقام الساسة متاريس حماية قداستهم والدفاع عنها، وتركوا حبل القداسة الشرعية لكل من هب ودب، ومن هنا نفهم لماذا نجد الأدب العربي الحديث يتجرأ على الله أكثر مما يتجرأ على أي مخلوق، بل قد لا نبالغ إذا قلنا إنه قد استقر في عرف الحداثة أن الحداثي لا يكون حداثياً حتى يكون جريئاً على الله وعلى الإسلام؛ ويكفي للتمثيل على ذلك إيراد نماذج لشيخ الحداثيين العرب وزعيمهم في المجال الأدبي أدونيس. أ - يقول في قصيدة «لغة الخطيئة» : أحرق ميراثي أقول: أرضي بكر ولا قبور في ثيابي أعبر فوق الله والشيطان (دربي أنا من دروب الإله والشيطان) [١] ب - يقول في قصيدة «الإله الميت» : آه كم أطعمت عيني بجوع الشجرة ولكم سرت على أهدابي المنكسرة للقاء، لعناق وثني أنا والله وأنقاض النهار [٢] ج - يقول في قصيدة «طرف العالم» : نمضي ولا نصغي لذلك الإله تقنا إلى رب جديد سواه [٣] إن أدونيس الجريء على الله هو نفسه أدونيس الذي يحرص أشد الحرص أن تظل سمعته السياسية مَرْضية عند الأنظمة العربية، ويحرص أن يظل ذوو القداسة من السياسيين مقدسين، ويلح أشد الإلحاح على أن الأدب يجب أن يظل بعيداً عن الإيديولوجيا، أي بعيداً عن القداسة السياسية، ولا مانع عنده من تمريغ القداسة الشرعية في التراب. ٢ - الانقلاب الوظيفي: في نفس اللحظة التي عطلت فيها الوظيفة الحضارية للأدب في البلاد العربية والإسلامية، ظهرت ثلاثة اتجاهات: أ - سياسي (الأدب الشيوعي، والقومي، والوطني ... ) . ب - إباحي (أدب الزنا واللواط.... .) . ج - جمالي (أدب الصمت الإيديولوجي، والاعتكاف في محراب اللغة) . وقد ظل القاسم المشترك بينها هو الجرأة على القيم الحضارية لأمتنا، لكن الاتجاه السياسي ضعف بسبب تراجع المد الشيوعي، والفكر القومي، وانتصار الأنظمة العربية على حركات المعارضة، فأخلى الساحة للاتجاهين الآخرين: الإباحي بزعامة نزار قباني، والجمالي بزعامة أدونيس. ثم إننا نلاحظ في أواخر التسعينيات تراجعاً للأدب الإباحي أمام اكتساح الأدب الجمالي الأدونيسي للساحة الأدبية، وهو اكتساح يفيد بأن الأدب لن يعود له وفق هذا التصور من دور سوى تفجير اللغة ونسفها. ٣ - النزوع الشكلي: إن قطب الحداثيين العرب وشيخهم علي أحمد سعيد المعروف بأدونيس قرر ضرب ثلاثة أمثلة جعلته محط تقدير واحترام كبيرين لدى مريديه، وجعلتهم يقتفون أثره بشكل جعل الشاعر أحمد مطر يعبر عنه بعبارة لا تخلو من سخرية لاذعة بقوله: «فإذا أصيب أدونيس مثلاً بالزكام فعلى جميع هؤلاء أن يعطسوا» [٤] . أ - دعا إلى الفصل بين الأدب والإيديولوجيا، وبدأ بنفسه، فأعلن براءته من ديوانه «قالت الأرض» الذي كشف فيه عن قوميته، عندما حرص على عدم نشره ضمن آثاره الكاملة [٥] . ب - قطع الصلة بالموروث الأدبي، بل وبكل إنتاج أنجزه، لكونه يلح باستمرار أن تظل كتابته «حداثية» ، وكما وصفه محمد بنيس ممثل المذهب الأدونيسي بالمغرب: «وكاشف باستمرار عن لا نهائية تخومه، في الشعر والقلق والسؤال» [٦] . ج - حرص أن يحول الشعر إلى فضاء للتشكيل البصري وتشكيل السواد في البياض أو العكس، وإلى تصاميم هندسية، ومسائل رياضية، كما في الشاهد التالي من «قصيدة قبر من أجل نيويورك» : «نيويورك + نيويورك = القبر أو أي شيء يجيء من القبر. » نيويورك - نيويورك = الشمس « [٧] . ولا أجد في ختام هذا المحور كلاماً خيراً من مقطع من قصيدة الكارثة» لأحمد مطر «يلخص فيه جناية الحداثة على أدبنا، يقول:» سامح الله وكالات الإغاثة إنها لو عدلت، واستعرضت كل الرزايا لم تجد كارثة ماحقة مثل الحداثة « [٨] . ثانياً: مقومات الأدب الإسلامي ووظيفته: يمكن الوقوف على مقومات الأدب الإسلامي ووظيفته من خلال أربعة عناصر أساسية: المفهوم، والعبادة، والانسجام الكوني، ثم الرسالية. ١ - المفهوم: الأدب الإسلامي وفق التعريف الذي تبنته رابطة الأدب الإسلامي العالمية هو: » التعبير الفني الهادف عن الإنسان والحياة والكون في حدود التصور الإسلامي لها « [٩] ، وهو يفيد أن الأدب الإسلامي يتطلب من أجل أن يكون أدباً مستوى فنياً جمالياً، ويتطلب من أجل أن يكون إسلامياً مستوى تصورياً إسلامياً، أي لا بد أن تتوفر فيه الأدبية والإسلامية. ٢ - العبادة: إن غاية وجود الإنسان في الحياة وفق التصور الإسلامي هي عبادة الله عز وجل؛ لأن الله لم يخلق الخلق عبثاً وإنما لعبادته. قال تعالى: [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] (الذاريات: ٥٦) ، ولم يخلق الخلق ليعبدوه في الأوقات الخمسة أو في مدة محدودة، بل لعبادته في كل وقت: [قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ] (الأنعام: ١٦٢) . فنحن إذن أمام» وظيفةٍ من قام بها وأداها فقد حقق غاية وجوده، ومن قصر عنها أو نكل عنها فقد أبطل غاية وجوده، وأصبح بلا وظيفة « [١٠] ، والأديب لا يخرج عن أن يكون إنساناً، أي عبداً من عباد الله من الواجب عليه أن يبرهن على عبوديته لله ، ولذلك يصير أدبه حلقة في سلسلة عباداته، ولن يقبل أدبه إلا إذا توخى فيه الإحسان مثلما يتوخى فيه الإخلاص لله ، والصوابية في التزام التصور الإسلامي. ٣ - الانسجام الكوني: يخبرنا الله أن مخلوقاته كلها، بما فيها الملائكة والدواب والسماوات والأراضي السبع تسبحه مطلق التسبيح، وذلك في ثماني عشرة مرة [وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ] (الإسراء: ٤٤) ، ويأمرنا في سبع عشرة مرة أن نسبحه [١١] ، [فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ] (الحاقة: ٥٢) ، [وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ] (آل عمران: ٤١) ، وهي دعوة مباشرة للإنسان أن ينخرط في التسبيح الكوني، والانسجام مع الكون في توجهه إلى الله ، وهي الخاصية التي تدفعنا إلى القول: إن حضارتنا هي حضارة التسبيح الكوني، والانسجام مع الكون؛ لأنها تدفعنا إلى أن نتوجه بنفس إيقاع الكون نحو الله تعالى، ولهذا فإن عقلية الصراع هي عقلية غير حضارية، بل صدامية تتجرأ على الله وعلى مخلوقاته؛ ومن هنا فكل أدب يسبِّح لله ويدعو إلى ذلك على هدي رسول الله ﷺ هو أدب إسلامي، وكل أدب يصرف عن ذلك هو أدب غير إسلامي، هو أدب يعيش الصراع مع الله ومع الطبيعة بنفس طريقة دونكيشوت في صراعه مع طواحين الهواء. ٤ - الرسالة: لما كان الأدب الإسلامي أدب عبادة أولاً، وأدب انسجام مع الكون ثانياً صار لزاماً عليه أن يحمل رسالة إلى الإنسانية جمعاء، رسالة تتضمن دعوة إلى الانسجام مع الكون في توجهه بالتسبيح لله ، باعتبار هذا التسبيح هو الحل الوحيد لتخليصها من القلق الوجودي والاضطراب النفسي والصراع المزعوم؛ لأنه يدفعه إلى الإحساس بكونه جزءاً من الكون، والتمتع بمشهد كوني فريد من نوعه يتمثل في توجه كل مخلوقات الله بنفس الإيقاع وفي انسجام تام بالتسبيح لله كل يوم، وكل شهر، وكل عام، وكل قرن، وما دامت السماوات والأرض. ثالثاً: دعم الأدب الإسلامي: إن الأدب الإسلامي باعتباره عبادة ودعوة للانسجام مع الكون في تسبيحه لله ، أي: باعتباره رسالة حضارية ضرورة ملحة مثل ضرورة الاقتصاد الإسلامي، والإعلام الإسلامي ... إلخ، ولن يقوم بدوره اعتماداً على النوايا الحسنة، بل لا بد له من أسباب القوة، أي لا بد له من مقومات التدافع، وإذا كانت المقومات الداخلية له من شأن الأديب المسلم» غير المريض بداء الانفصام بين أدبه ودينه «فإن المقومات الخارجية في كثير من الأحيان من شأن غيره من قراء وصحافيين وأعضاء جمعيات وغيرهم. وإذا كان الأدب الإسلامي إلى الآن أدباً قائماً في غالبه على جهود فردية للأدباء الإسلاميين وتضحياتهم الخاصة، فإنه لا يمكن أن يصمد طويلاً أمام زحف الأدب المأزوم الممكن في الأرض بترسانة مادية وبشرية هائلة، وبمراكز علمية وثقافية قوية وعالمية أحياناً. إن الوجه الحقيقي لوضعية الأدب الإسلامي يمكن معرفته من خلال إطلالة على المقررات التربوية لكثير من الحركات الإسلامية على سبيل المثال، وهي مقررات خالية تماماً من شيء اسمه الأدب الإسلامي. كيف يمكن لحركة إسلامية أن تربي في أعضائها الحس الجمالي والذوق، وتدعوهم إلى تذوق القرآن الكريم وهي تعطل وسيلة تربية هذا الذوق؟ ! وهل يمكن تقديم بديل حضاري للوجه المأزوم لأمتنا انطلاقاً من الفقه والسياسة والتعليم فقط، إن الأدب الإسلامي ضروري بنفس ضرورة الاقتصاد الإسلامي والتعليم الإسلامي، والإعلام الإسلامي ... إلخ؛ ولذلك لا بد له من دعم لتغليبه على الأدب المأزوم بالتعريف به وإقامة الندوات واللقاءات والأمسيات له، والإسهام في طبعه، وتنظيم مسابقات لأبنائه، والتربية عليه، ومن دون ذلك لن يستطيع الأدب الإسلامي أداء رسالته الحضارية بالصورة المطلوبة. ويوم يعي المسلمون أهمية الأدب الإسلامي في حياتهم اليومية، وفي مواجهة الفساد الذي ظهر في البر والبحر، ويوم يبذلون كل جهدهم ومالهم من أجل تغليبه، وتغليب البديل الإسلامي في الميادين الأخرى، يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله الذي ينصر من يشاء، وهو على كل شيء قدير.

стр. 4187

البيان الأدبي طاقية الإعفاء وفاء الحمري جلس في الحافلة المتجهة إلى شمال فلوريدا في مهمة تجارية ... عبث بلحيته الكثيفة وهو يحسب حجم الأرباح في هذه الصفقة التي جاءت في ظروف سياسية واقتصادية خاصة ... وهو المعتاد على الربح الوفير من صفقاته التجارية المزدهرة منذ حل بهذا البلد.... لم يلحظ النظرات المصوبة إليه كالسهام من طرف الركاب الذين يجلسون أمامه، وتوجسهم خيفة من خلقته ... تحسس وجهه بيديه ونظر إليها ... فإذا هي بيضاء صافية ... مرر يديه على رأسه ليتحسس طاقيته الدائرية الصغيرة فسقطت من على أم رأسه، فالتقطها ووضعها في جيبه إلى حين يتخلص من النظرات الفاحصة الهلعة المصوبة نحوه ... وقفت الحافلة عند حاجز دركي (شرطة) ، فصعد رجال الأمن والدرك، وأطلقت صفارات الإنذار، وصوبت الأسلحة الرشاشة في وجوه الراكبين مارة بهم وجهاً وجهاً حتى وصلت إلى وجه الراكب ذي اللحية الكثيفة فتوقفت.. وأعطى رجال الأمن إشارة لشل حركة الراكب الفزع دون أن يعرف ما الذي يحصل ... أوقفوه عند مؤخرة الحافلة ويداه مرفوعتان للأعلى وصوت أحد رجال الأمن يصرخ في الكتيبة العسكرية التي حضرت للتو على وجه السرعة لعين المكان ... ضبطت الإرهابي، ضبطت الإرهابي، صاح بفخر ... فما تسمع إلا طقطقة البنادق ورفع أجهزة الهواتف البوليسية النقالة وصمت مرعب من طرف الركاب الذين وضعوا أكفهم على قلوبهم من هول الواقعة ... أراد الراكب ذو اللحية الكثة أن ينزل يده إلى أسفل ليأخذ شيئاً ما من جيبه فصرخ الرجال في وجهه. أراد أن يتفوه بكلمات فأسكتوه بضربة من عقب البندقية على الرأس ... تململ يمنة ويسرة في حركة خاطفة فإذا بقبعة صغيرة بحجم مؤخرة الرأس تسقط من جيبه.. التقطها ضابط أمن وهو يبتسم في وجوه القافلة العسكرية والاستخبارات: عفواً.. عودوا إلى مواقعكم؛ فالبلاغ خاطئ.

стр. 4188

البيان الأدبي قضية الإبداع أ. د. محمد يحيى [*] من القضايا التي يكثر الإلحاح على طرحها في هذه الفترة تلك المسماة بـ (مسألة الإبداع) ويجري طرحها عادة من زاوية الزعم بالحرص على حرية وطلاقة التأليف والتعبير الأدبي والفني؛ لأنه فيما يقال يؤدي إلى تقدم وخير الأمة، وعادة ما يأتي طرح هذه القضية والدفاع عنها من جهات ومنابر علمانية التوجه لم يعهد عنها اهتمام يذكر بالإسلام وبقضاياه. والإبداع عند أصحاب هذا الطرح له قدسية وحصانة مطلقة لا تعلو عليها أي اعتبارات أخرى، وهم يروجون القول بأنه لا يحق لأحد أن يحجر على هذا الإبداع (الذي يختصون وحدهم بتعريفه وتحديده) ولو بالدفع باعتبارات مجافية للدين والقيم والتقاليد والأعراف. والواقع أن هذه القضية تحوطها منذ البداية التباسات عديدة؛ فالمثيرون لها يستخدمون لفظة لها وقع خاص وإيحاءات جذابة هي مصطلح «الإبداع» ولا يستخدمون المصطلحات الأدق وصفاً مثل التأليف أو التعبير أو الكتابة أو حتى التشكيل الفني أو الأدبي، ومصطلح «الإبداع» يوجد هالة من القداسة حول الأعمال الأدبية والفنية المقصورة؛ كما أنه وبذكاء يحصنها من النقد الذي يميز بين الجيد والسيئ؛ ذلك لأنه إذا كان كل ما يقدم في هذه الأعمال يوصف بأنه «إبداع» أي تأليف متفرد متميز وعبقري فإن يد النقد تغل عنه؛ حيث إن الناقد سواء كان ناقداً للمضمون أو للشكل لن يرقى إلى مكانة المبدع الذي يفترض (حسب التعريف) أنه في مرتبة أعلى وأسمى، وهذا الطرح لمصطلح «الإبداع» يرتكن على أصول معينة معروفة في التراث الغربي منها الوصف الإغريقي للشاعر كشخص يتلقى الوحي والإلهام من بعض معبوداتهم، أو رؤية الحركة الرومانسية الأوروبية للأديب والفنان (كنبي) أو ملهم له رؤية ثاقبة في الكون، والحياة لا يصل إليها سواه من الأفراد العاديين الذين هم لذلك في مرتبة أدنى منه. كذلك فإن حركة الحداثة الأدبية والفكرية في الغرب شاركت سابقتها الرومانسية (ولو لاعتبارات جد مختلفة) في النظر للأديب والكاتب والفنان باعتباره من طينة بشرية أسمى وأرقى؛ ليس لأنه يتلقى الإلهام، أو لأن له رؤية ميتافيزيقية سامية؛ بل لأنه صاحب حساسية وذوق وقدرات تخيلية أرقى ممن حوله من الناس العاديين المنغمسين في المادة والسياقات الحياتية التي أولع دعاة الحداثة بالحط من شأنها بوصفها بألفاظ شتى تفيد الحط من المكانة والتحقير من شأن البورجوازية إلى الجلافة وما أشبه ذلك. ويتبين من ذلك أن مصطلح «الإبداع» أو ما يسمونه (الخلق الفني) تحيط به في الاستخدامات الغربية المتنوعة وعلى مدى تاريخ الثقافة الغربية هالة من القداسة من ناحية، وإيحاءات من الناحية الأخرى تضع ذلك «الإبداع» والمنتجين له في مواجهة صدامية عنصرية مع مجتمع ينفرون منه ويتعالون عليه ويسعون إلى إيجاد نظام خاص بهم من القيم والرؤى والسلوكيات في مواجهته. والحق أن مستخدمي وناقلي مصطلح «الإبداع» في الأوساط العربية والإسلامية ينحون بشدة إلى هذا المعنى الأخير حتى وإن بدا من كلامهم أنهم يقصدون فحسب ذلك التقديس الساذج وغير المسوَّغ للأعمال الأدبية الذي يتجلى في كتاباتهم؛ ففي نهاية المطاف نجد أن المنظور الذي ينطلق منه الحديث المكرر والملحّ عن الإبداع والمبدعين في كتابات العلمانيين عندنا هو المنظور الحداثي الغربي الذي لا يركز على إلهام ميتافيزيقي للمبدع ولا على رؤية سامية في ذهنه، بل على كونه المبتدع لقيم اجتماعية جديدة تقف في مواجهة القيم السائدة الموصوفة بالجمود والتخلف والتقليدية. وتتضح الصورة أكثر عند طرح هذا الموقف في المجتمعات الإسلامية؛ فإذا كان حداثيو الغرب يطرحون قيماً جديدة خاصة بنخبتهم في مواجهة ما يسمونه بالقيم البورجوازية السائدة فربما يكون في هذا الرأي بعض الوجاهة لطبيعة هذه القيم المادية والمتولدة عن مجتمع رأسمالية القرن التاسع عشر. أما عندما يطرح دعاة « الإبداع» المحليون قضية الإبداع فإن القيم المرفوضة والمطلوب إقصاؤها تصبح هي القيم الإسلامية؛ بينما تصبح القيم الجديدة التي يروج لها «المبدعون» من خلال الأعمال الأدبية والفنية هي قيم النخبة الغربية المعنية (النخبة الحداثية) التي تتلخص في معاداة المجتمع القائم ومصادمة قيمه من خلال التركيز مثلاً على نبذ العقيدة الدينية وطرح الأخلاق جانباً بحجة أنها زائفة أو غير صالحة. وينقل «المبدعون» المحليون هذه المواقف والتصورات بلا تدبر ولا نقد باعتبارها هي المضمون الوحيد لفكرة «الإبداع» الفني دون الالتفات إلى كونها نبت بيئة معينة وسياق تاريخي وثقافي واجتماعي خاص لا يجوز نقله كنقل النسخة. وجوهر المشكلة كله وحل الالتباس في رأينا وكما قلنا هو في العودة إلى تسمية الإنتاج الأدبي والفني باسمه الحقيقي كتأليف، ووضع لتصورات ورؤى وقيم حياتية واجتماعية خاصة من خلال أشكال وأساليب لغوية وشكلية متعارف عليها داخل الثقافة المعنية التي يطلق عليها التقاليد الأدبية والفنية. إن قضية «الإبداع» ليست في النهاية سوى الاستخدام المغلوط للمفاهيم ترويجاً ودعماً لموقف علماني معين.

стр. 4189

نص شعري الجراحات.. ثقيلة جمال الحوشبي مسجدٌ يشكو طُلولَه ... هائمٌ يبكي قتيله حُرَّةٌ تندُبُ عِرضاً ... والجراحات ثقيلة ألفُ مليون تنادوا ... ليس في الإمكان حيلة أرصدوا (الشجب) شعاراً ... والقراراتُ ... طويلة نكث الكلُ عهوداً ... وشفى الكفر غليله أمةٌ ترقُب نصراً ... في غدٍ أرخى سُدُولَه من (صلاح الدين) تبني ... قلعةَ المجد الأثيلة وشبابُ الجيل نهبٌ ... للتفاهات الهزيلة لم تَصُنْ عِرضَ فتاةٍ ... سامها الكفرُ غُلُوله لم تُقم فوق شعارا ... تِ الأباطيل شعيرة يا صلاحاً مثل ومضٍ ... عزّ في الكون مثيله لم تكن قطّ دليلاً ... قائدُ الكفر دليله أنت نبضُ الجيل دوماً ... أنت للمجد سليله قمت من بين ضحايا ... غدرة الكفر الطويلة لم تقم فوق بساطٍ ... زوّق الغربُ خميله عُصبةٌ تنفخُ فيها ... نفخةَ العِزّ.. مهولة والملايين بأرضٍ ... لم تكن فيها.. قليلة أطلق الغرب نداءً ... ردّد الكونُ عويله ليس للإرهاب دينٌ ... إنما الشرق مقيله وغدا (المجلسُ) يُذكي ... حِيلةً تعقُب حيله من رحى (الإرهاب) غدراً ... يُقتل الإسلامُ غيله قد حكى القرآن عنهم ... لو تدبّرنا نُقُولَه قادةَ الحق (أعدوا) ... ناقضَ الغربُ أصوله قسمٌ يتلوه ألفٌ ... إن للظلم أُفُولَه من رحى اليأس ستعلو ... رايةُ الحق بديلة سنةٌ تمضي وتبقى ... سنةٌ أخرى دليلة

стр. 4190

نص شعري وداعاً ... يا حليمة ... ! فيصل محمد الحجي على لسان شاب فلسطيني أحاط جسمه بالمتفجرات وذهب ليفجر نفسه في تجمع للمستعمرين الصهاينة. شُقِّي لِجامَ الحِلْمِ يا حليمة ... لم تَبْقَ للحِلْمِ لَدَيْنا قيمة هذا أوانُ الجهلِ والطيشِ ... فلا ... جدوى من النصائح القديمة الحِلم عزٌّ إن فرى سيفُ الهدى ... كلَّ يَدٍ غدّارةٍ أثيمة والحِلم ذلٌّ حين يغشانا العدا ... في خُطةٍ نكراءَ مستديمة الدار داري.. والعدوُّ يدَّعي ... أنِّي دخيلٌ سارقٌ قديمَهْ الدار داري.. دارُ أجدادي الأُلى ... في الشرق أَجْلَوْا فُرْسَهُ ورُومُهْ الدار داري والعدوُّ سامَني ... خسفاً بها.. واحترفَ الجريمة في كفّهِ كلُّ أساليبِ الفنا ... وليس في كفِّي سوى رضِيمة سيلُ البلاءِ دافقٌ مِن حولنا ... في كلِّ حيٍّ نافثٌ سُمومَهْ القتلُ ... فالقتلُ توالى عاصفاً ... لا راحمٌ يحنو ولا رحيمة هيا اغضبي.. وانتفِضي.. فما لنا ... إلا الفِدا والبذلُ والعزيمة لا ترقُبي نَصْرَ ابنِ عمٍ أو أخٍ ... أو فزعةً من خُلَّةٍ حَميمة حتى ولو كانوا كأعداد الحصا ... فالتجرباتُ كلُّها أليمة سيوفهم حُبْلى بأحلام الْعُلا ... لكنّها عند الوغى عقيمة أُسْدٌ على الشعب ... وشعبي أعزلٌ ... أرانبٌ في ساحة الخصومة قومُكِ أذكياءُ يا حليمة ... جاؤوا لنا ببدعةٍ عظيمة قالوا: لِمَ القتال في ساح الوغى ... والتضحيات في الوغى جسيمة؟ دَعُوا الأعادي يدخلوا أوطانَنا ... مهما بَغَوْا فما لهم ديمومة وليظلموا.. وليقتلوا.. ولينهبوا.. ... بالحِلْم نمحو بيننا السخيمة يكفيك أنّا قد خدعناهم.. فهم ... لم يفطنوا للخطة الحكيمة قد لعقوا (مرارةَ) النصر.. لكي ... نذوقَ نحن (لذَّةَ) الهزيمة مَن أدمنَ الخِذلانَ أضحى عنده ... أَلَذَّ مِن أطايب الوليمة قد جعلوا الجهاد إرهاباً لكي ... نَذِلَّ ذُلَّ الأَمَةِ اليتيمة ما بين خصم ونصيرٍ غادرٍ ... ضاع الحمى في خُطَّةٍ مرسومة (أبو رغالٍ) بائعٌ بلادَهُ ... و (العلقميُّ) بائعٌ حَرِيمَه هُبِّي معي.. ثوري معي.. وانتفضي ... واجتنبي حكمتَكِ السقيمة هيا ادفعيني فوقَ أرتالِ العدا ... حتى أُبيدَ الزمرة اللئيمة لم تَدُمِ الأمجادُ إلا بِدَمٍ ... يغسلُ أدرانَ الخنا الوخيمة هُبِّي معي.. أو فارحلي إلى المدى ... رحيلَ خصمٍ دائمِ الخصومة بالعزم والإيمان ألقى المعتدي ... مُندفِعاً مُزدرياً جحيمَه أفنى وأفنِي جمعَهم.. لكنّني ... أحيا وأُحْيِي أُمَّةً مظلومة كي تعلمَ الأجيالُ بعدي أنّنا ... عشنا ومُتنا ميتةً كريمة

стр. 4191

نص شعري وقفة أمام فلول الأحزاب محمد بن عبد الرحمن المقرن وَدَاعاً أيُّها الجيش العَرَمْرَمْ ... فَمَوْعدنا قريباً عندَ زَمْزَمْ رَحَلْتَ كما أتيتَ فأيُّ شأن ... أصابك أيها الجيش المحطَّمْ ظننتَ الحربَ راحلةً وسيفاً ... ولم تَعْلمْ بما هو منه أعظمْ جنودُ اللهِ ما وضَعَتْ يديها ... بأمر إلهها لو كنت تعْلَمْ ألاقيتم كهذا اليوم رعباً ... وريحاً من بقايا الرّعْب تَلْهَمْ سقيتَ الخزيَ يا جيشاً تربّى ... على كفِّ الهنا عيش المنعَّمْ فَلَمْلِمْ جيشك الباقي وغادرْ ... فقد يَفنَى غداً إن لم يُلَمْلَمْ أأنت القوة العظمى؟ محالٌ ... فلم نعهدْك ذا الوجه المذمَّمْ! قريشُ بأي بأسٍ قد لقيتم ... جنودَ الله.. إنَّ العوْدَ أَسْلَمْ محمّدُ يضربُ الصخر ابتهاجاً ... ستفتح فارسٌ والرُّوم تُهزَمْ تألمنا وما خاضَ المنايا ... جوادٌ في الوغى إلا تألّمْ وزُلْزِلْنا ولكنّا انتصرنا ... وأنجزَ وعدَه ربي وَتمَّمْ لنا في الحسنيين مُنىً عِظَامٌ ... وما للكافرين سوى جهنَّمْ فيا لجحافل الأحزاب ذاقت ... مرارة خزيِها والخزي عَلْقَمْ سيُسمعكم «بلال» غداً أذاناً ... به تدرون من فينا المعظّمْ أرى لبني «قريظة» وجهَ غدرٍ ... ووجهاً بالظغينة قد تجهَّمْ رأتْ نصر الإلهِ فألفُ ويلٍ ... لها.. جند الإله لها تقدَّمْ لقد هُزمت جيوش الكفر قهراً ... ولو بالظن قلنا ليس تُهْزَمْ سلوا في ليلة الأحزاب نصراً ... نراه ولو له ثغر تكلَّمْ تبسمْ أيها المحزون هذي ... حكايا النصر تصرخ أن تبسمْ أرى بجحافل الأحزاب درساً ... من الآمال لمَّا بَعْدُ يُفْهَمْ

стр. 4192

مراجعات في السيرة والتاريخ خطر النفاق.. حقيقة أم خيال ؟ عبد العزيز كامل kamil@albayan-magazine.com التاريخ لا يصنعه العظماء فقط، بل إن للوضعاء الحقراء والتوافه الخبثاء دوراً كبيراً في صناعته وتسيير دفته. لا تعجب! فالتاريخ ليس خيراً كله، فهو وعاء لما يُقضى من القدر خيره وشره؛ فأقدار الخير يهيئ الله لها رجالاً عظماء شرفاء؛ فبعد الرسل صلوات الله وسلامه عليهم كم من رجال تألقوا في التاريخ، بل تألق التاريخ بهم، وأما أقدار الشر فقد خُلق لها الأشرار، ولم يعدم التاريخ منهم من يعكر صفو صفحاته العظيمة، ومن يجرف مجرى سيره نحو الانحدار، لا نتحدث هنا عن التاريخ الإنساني بعامة؛ فهذا ليس موضوعنا، ولكن عن التاريخ الإسلامي خاصة؛ حيث كان ذلك التاريخ مشطوراً بين نصيبين: نصيب للصادقين السائرين على المحجة البيضاء، ونصيب للكذابين الخاطئين من حزب المنافقين أو ضحاياهم من العصاة الفاسقين، أما المنافقون منهم فكانوا ولا يزالون كالورم الخبيث الكامن في الجسد بانتظار لحظة من الوهن والإنهاك حتى يفرض نفسه منتشراً بالداء والبلاء. تعالوا نستنطق التاريخ، ونستخرج شهاداته، ونقلب بعض ملفاته وصفحاته لعلنا نستحضر بعض ملامح الواقع العملي لقول الله تعالى عن المنافقين في كل زمان ومكان: [هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ] (المنافقون: ٤) . منافقو العرب وفتنة الردة: أبو بكر ﵁ هو أعظم عظماء هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، لا يشك في ذلك مؤمن، ولكن انظر لهذا العظيم الكريم: مَنْ شغله واستغرق جهده في سنيِّ حكمه القصيرة، حتى لم تكد همومه تخرج عن حدود الجزيرة إلا قليلاً؟ ! إنهم فئام ممن كُتم نفاقهم وأُسكت صوتهم أيام تنزُّل الوحي؛ حيث كانوا دائمي الخوف وهذا سر انقماعهم من تنزل القرآن بأخبارهم وأسرارهم: [يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِءُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ] (التوبة: ٦٤) ، فلما أمنوا تجدُّد ذلك التنزيل بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، استعلنوا بالنوايا، وأظهروا الطوايا، وكشفوا عن نفاق كان مستوراً، وجهروا بالامتناع عن ركن الإسلام الثالث، بأن منعوا الزكاة التي كانوا يؤدونها كُرهاً على عهد الرسالة: [وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] (التوبة: ٩٨) ، وبدأت معالم فتنة تولى كبرها مبكراً أعراب منافقون في المدينة وحولها، كان القرآن قد حذر منهم: [وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ] (التوبة: ١٠١) ، بدأت هذه الفتنة صغيرة في إطار هؤلاء المحيطين بالمدينة، حتى توسعت كنار الهشيم بعد أن تحولت من نفاق مستتر إلى ردة معلنة استوعبت أرجاء الجزيرة حتى لم يبق على الإسلام في تلك الجزيرة التي وحَّدها محمد ﷺ على صحيح الدين إلا أهل المسجدين؛ فقد بدأ الأمر بشبهة أثاروها حيث قالوا عن الزكاة: « كنا نؤديها لمن كانت صلاته سكن لنا» متذرعين بأن الله تعالى قال: [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] (التوبة: ١٠٣) ، وأنشد بعضهم يقول: «أطعنا رسول الله ما كان بيننا فيا لعباد الله ما لأبي بكر» [١] . حجة داحضة ودليل ساقط؛ إنه لحن المنافقين في القول؛ ذلك اللحن الذي لم تكد أذن الصدِّيق تصغي إليه حتى ازدرته ثم لفظته؛ فقد رفض فقهه البصير أن يهضم تلك الحجج الفجة، ولم ينطل عليه ذلك الزخرف من القول، فقال في حسم مسؤول وتلقائية صادقة، وهو يستشعر خطر ذلك النهج الأعوج: «والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة» [٢] ، وقد كان الجهر بجحد الزكاة وحمل السلاح لمنعها كافياً لأن يُطلق على هؤلاء وصف (المرتدين) وأن يرفع أبو بكر في وجوههم سيف الحق. قال ابن كثير: «وفي جمادى الآخرة ركب الصدِّيق في أهل المدينة وأمراء الأنقاب إلى من حول المدينة من الأعراب الذين أغاروا عليها» [٣] ، ولم يتلعثم ﵁ في قول ولم يتردد في فعل، وقال لمن خالفوه في عزمه: «والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي؛ ولو خالفتني يميني لقاتلتهم بشمالي» ، وقام في الناس فخطبهم؛ فكان مما قال: «إن مَنْ حولكم من العرب منعوا شاتهم وبعيرهم، ولم يكونوا في دينهم وإن رجعوا إليه أزهد منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا» ، ثم قال: «والله لا أدع أن أقاتل على أمر الله حتى ينجز الله وعده، ويوفي لنا عهده، ويُقتَل من قتل منا شهيداً من أهل الجنة، ويبقى من بقي منا خليفته في أرضه» [٤] . وشاء الله تعالى أن يطفئ تلك النار التي شبت في أرجاء الجزيرة بثبات بدأ به رجل واحد استطاع أن يختار للمرحلة ما يناسبها من الحسم والحزم. وطارد أبو بكر المرتدين في أرجاء الجزيرة حتى ردها كلها إلى الإسلام. ولا ندري أي مستقبل كان يمكن أن يكون لهذا الدين لو ترك أبو بكر هؤلاء المنافقين الذين تحولوا إلى مرتدين؛ ليعبثوا في ثوابت الدين ويعيثوا فساداً داخل حصن الإسلام والمسلمين. وجاء بعد الصديق عمر الفاروق ﵄، الذي خنس النفاق في عهده وانقمع؛ وكيف لا يكون الأمر كذلك وهو الذي فرق الله به بين الحق والباطل، وهو الذي كان إذا سلك فجاً سلك الشيطان فجاً غيره؟ ! ومع هذا؛ فقد جرى في شأن مقتله لغط بسبب شبهات ثارت حول تواطؤٍ مَّا حدث بين قاتله المجوسي أبي لؤلؤة، ورجلين آخرين، حيث ترجَّح لدى ولد الفاروق (عبيد الله بن عمر) ﵄ أنهما تآمرا مع أبي لؤلؤة على قتل أبيه، وكان أحدهما من أمراء الممالك الفارسية ويدعى (الهرمزان) وقد أعلن إسلامه بين يدي عمر ﵁، والآخر يدعى (جفينة) وقد مات على النصرانية، وقد باشر عبيد الله قتلهما بنفسه ثأراً لأبيه [٥] . أما حقيقة القصة فلن تظهر كاملة إلا يوم تُبلى السرائر. النفاق وتأسيس الفتنة الكبرى: انجلت الظلمة بعد اغتيال الفاروق بإشراق عهد ذي النورين، وشرع الخليفة الثالث عثمان ﵁ في إكمال ما بدأه أسلافه من تمكين للدين في الداخل ونصرته في الخارج، وتعززت في عهده رايات الفتوح حتى سارت قافلة الإسلام في عهد عثمان بأرواح ملائكية لا تخلو من هنات البشر، ولكن بشراً آخرين أوغلوا في الغلو، وتنطعوا في طلب الكمال الذي لم يقتربوا هم من حده الأدنى، بل لم يلج بعضهم دين الإسلام أصلاً؛ حيث كشف النفاق عن حزبه الجديد، ممثلاً في عبد الله بن سبأ وجماعته؛ حيث أظهر ذلك الرجل اليهودي الملقب بـ (ابن السوداء) الإسلام في زمن عثمان، وانطلى نفاقه على كثيرين، بل قل: اجتمع على نفاقه الكثيرون، فبدأ ينشط في الشام والعراق ومصر زاعماً النصح للمسلمين، وهو لا يريد إلا تفريق صفوفهم وبث الخلاف بينهم [٦] ، وتجمع حوله أشباهه من المنافقين، فكان منهم نفر ممن نزلوا مصر واستوطنوها مع الفاتحين، ونفر آخر كانوا في العراق وآخر في الشام [٧] ، وبدأ المنافقون فتنتهم بالتنادي بلا حياء بعزل من كان يستحي منه رسول الله ﷺ . وتجمع رعاع آخرون ممن لا يفقهون حول المطالبة بعزل عثمان، بل تأثر بذلك بعض الصادقين من المؤمنين الذين شوشت عليهم دعايات المنافقين وتهويلاتهم، وصدق الله إذ قال عن شأن المسلمين مع المنافقين: [وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ] (التوبة: ٤٧) . لقد نشبت الفتنة ودب الصراع، فكانت الثورة وكانت المصيبة التي انتهت بقتل عثمان ﵁ بعد أن حاصره هؤلاء الخوارج في بيته مدة أربعين يوماً، وقتله المجرمون فأسالوا دمه مفرَّقاً على المصحف الذي جمع الأمة عليه، ولم يكن يدور بخلد أحد من أهل الإسلام أن تتطور فتنة النفاق السبئي لتصل إلى ما وصلت إليه؛ حيث استغل المنافقون فرصة انصراف أكثر الصحابة إلى مكة للحج، ليسيطروا على المدينة ويتسلموا مقاليدها فاتحين بذلك باب الفتنة التي لم تغلق بعد ذلك؛ فقد ظل (قتلة عثمان) موضوعاً لمزيد من الفتنة ومزيد من المصائب التي رزئ الإسلام بها بسبب النفاق وأهله. المنافقون وتنشئة الفِرق: لما قتل المنافقون من عصابة ابن سبأ عثمان ﵁؛ وبُويع علي ﵁ بالخلافة، باتت ظلال المصيبة مخيمة على الأجواء، واختلطت مشاعر الحزن بمشاعر الغضب حتى استحالتا إلى رغبة في الانتقام ثم عزيمة على الثأر، وأخذ بعض المسلمين القميص الذي قتل فيه عثمان ملطخاً بدمه رضي الله عنه ووضعوه على منبر المسجد بالشام؛ حيث كان هناك معاوية ﵁ ابن عم عثمان وواليه على الشام، فاعتبر معاوية نفسه ولي دم عثمان، وندب الناس للأخذ بثأره ممن قتلوه، وانضم لهذا الطلب جمع من الصحابة، وألحَّ صحابة آخرون على علي ﵁ في المدينة أن يقيم الحدود على قتلة عثمان، فلم يمتنع ﵁ عن ذلك، وتبرأ من قتل عثمان وقَتَلَته ولعنهم [٨] ، ولكنه طلب التمهل حتى تستقر الأمور؛ لأن القوم كانت لا تزال لهم شوكة في المدينة بعد أن توافدوا إليها من الأمصار، فأراد أن يداريهم حتى يتمكن منهم. ولولا نفاق هؤلاء وتسترهم بالإسلام مع اختلاطهم في الناس لما أشكل أخذهم والثأر منهم، ولكنه النفاق الذي يخدع ويخادع، ويخلط الأمور كلما كادت أن تصفو؛ ولهذا عندما بدأ علي ﵁ في ترتيب الأمور وتعيين ولاة جدد على الأمصار، اختلفت كلمة الناس في معظم تلك الأمصار على أمراء علي، كأثر مباشر على الاختلاف بشأن الموقف من القَتَلَة، حيث ظل هؤلاء الأنكاد سبباً للفرقة التي تفرقت في الأمصار كلها، لا بل إن جمعاً منهم حاولوا أن يصطنعوا من أنفسهم بطانة لعلي ﵁ فارضين أنفسهم عليه؛ مما حال بينه رضي الله عنه وبين اقتراب كبار الصحابة منه. وكان من أثر تمهل علي ﵁ في الثأر من قتلة عثمان أن رأى معاوية ﵁ مع من معه من أهل الشام ألاَّ طاعة لعلي حتى يقتل قتلة ذي النورين ﵁، وبدوره رأى علي أن ذلك منهم خروج وافتئات على الولاية الشرعية الجديدة، والتبست الأمور بعوامل مختلطة، وأمور مشتبهة تكاد لا تعرف منها حقيقة إلا حقيقة وجود منافقين تؤزهم الشياطين لتفريق المؤمنين، ولكن الأمور كانت تظهر وكأنها تداعيات طبيعية للأحداث. وكان من ذلك أن اتخذ الإمام علي قراراً بقتال أهل الشام باعتبارهم بغاة خارجين على ولايته [٩] . وقبل خروجه ﵁ إلى الشام، كانت مكة تمور بأمر آخر؛ إذ كان لا يزال فيها جمع كبير من الصحابة ممن كانوا في الحج، فانتهزت أم المؤمنين عائشة ﵂ فرصة وجودهم وصارحتهم بضرورة الاجتماع للمطالبة بدم عثمان، فاستجاب الناس لها ونزلوا على طلبها، وأشار بعضهم باللحوق إلى الشام والانضمام إلى معاوية ﵁ ليكونوا جميعاً قوة في وجه قتلة عثمان الذين استحوذوا على الأمر في المدينة، وأشار آخرون بالقدوم إلى المدينة نفسها ليطالبوا جميعاً الإمام علي ﵁ بأخذ القتلة بالشدة والحرب، وأشار فريق ثالث بالذهاب إلى البصرة حيث يمكنهم هناك التقوِّي والاستعداد حتى تكون لهم شوكة يقاتلون بها أهل الشوكة في المدينة من الخوارج الذين صنعوا الفتنة بعد أن يبدؤوا بأنصارهم في البصرة نفسها، واستقر الأمر على ذلك، وتم العزم على الخروج من مكة إلى البصرة؛ حيث وافق الأكثرون على هذا الرأي إلا بقية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللائي فضلن العودة إلى المدينة مع جمع آخر من الصحابة. ويلاحظ هنا أن جميع الصادقين من الصحابة والتابعين كان لهم هدف واحد وإن اختلفوا في طريقة الوصول إليه، وهو: كتم الفتنة وعقاب المتسببين فيها، إحقاقاً للحق وانتصاراً من الباطل، أما أصحاب الفتنة نفسها ومن افتتن بهم؛ فكانوا لا يزالون سائرين في طريقها لا يلوون على شيء غيرها مدعين في الوقت نفسه أنهم بهذا الفساد مصلحون [أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ] (البقرة: ١٢) . الذي حدث بعد ذلك أن جيش عائشة ﵂ قصد البصرة حتى اقترب منها؛ فلما علم بذلك واليها أرسل إليهم يستفسر عن سبب قدومهم، فأعلمه قادة الجيش بذلك، وظهر بعدها أن للخوارج قتلة عثمان نفوذاً في البصرة، فقد تحرشوا بجيش عائشة، حتى اضطروهم للقتال وهم لم يكونوا يريدون ذلك في ذلك الوقت، ولكن الأمر انتهى باستقرار الأمر في البصرة للقادمين من مكة مع عائشة ﵂ بقيادة طلحة والزبير ﵄. ولما علم علي ﵁ بسيطرة هؤلاء على البصرة عدل عن التوجه إلى الشام، وعزم على قصد البصرة، وانتدب الناس لذلك، فامتنع الأكثرون مفضلين اعتزال الفتن الواقعة بين المسلمين، ولكن تحمس لهذا الانتداب أهل الكوفة، وأصر آخرون على إعطاء مسعى الصلح فرصة بين الفريقين؛ وذلك بتفهم مراد الفريقين وإزالة اللبس بينهما، وانتدب لذلك الصحابي الجليل القعقاع بن عمرو ﵁، فسأل أهل البصرة عما يريدون، فأجابوه أنهم يريدون الإصلاح الذي يبدأ بقتل قتلة عثمان، فأجابهم القعقاع بأن ما حدث من قتال في البصرة يكفي الآن، وقد نال القتل في معارك البصرة عدداً من قتلة عثمان، ثم إن بقية القتلة لو كان في قتلهم مصلحة الآن، فالمفسدة المترتبة على ذلك أكثر من المصلحة، فاستحسن أهل البصرة كلامه، ووافقوا على الصلح ولمِّ الشمل. واجتمعت كلمة عائشة وعلي ﵄ على ذلك، وفرح المسلمون بهذا الاتفاق على إبرام الصلح، وعزم عليٌ ﵁ على العودة، وطلب من الناس ذلك مستثنياً من شارك بأي عمل في قتل عثمان ﵁. وهنا ثار المنافقون لأنفسهم، واغتموا بأخبار اجتماع كلمة المسلمين، واجتمع رؤوس الفتنة منهم مرة أخرى على ابن السوداء، فتألف منهم جمع مشؤوم من ألفين وخمسمائة، ليس فيهم صحابي واحد، وأنكروا على علي ﵁ استجابته للصلح، وصرحوا بخوفهم أن يجمع عليٌّ عليهم الناس غداً، وقال أحدهم وهو الأشتر النخعي: «إن صلح علي مع طلحة والزبير سيكون على دمائنا، وإذا فعل ذلك فسنلحقه بعثمان فنقتله كما قتلناه» فقام ابن سبأ ونهره وقال: «لو قتلنا علياً قُتلنا به، فإنا يا معشر قتلة عثمان في ألفين وخمسمائة، وطلحة والزبير وأصحابهما في خمسة آلاف، ولا طاقة لكم بهم، وهم إنما يريدونكم» فرفض خطة قتل علي فسألوه: ماذا ترى إذن؟ فقال: «يا قوم! إن خيركم في خلطة الناس، فإذا التقوا فأنشبوا الحرب والقتال بينهم ولا تدعوهم يجتمعون» [١٠] ! ! فرضوا رأيه واجتمعوا عليه منصرفين إلى مسعى بث الفرقة والاختلاف عن طريق الاختلاط بالناس كما أشار خبيثهم وبينما الجيشان المسلمان يسيران إلى طريق العودة للصلح، تشاور الأشرار، ثم عزموا على إثارة الحرب بينهما مع طلوع الفجر، فنهضوا قبل الفجر بعد أن رتبوا بين ألفي مقاتل منهم أن يبتدئوا الحرب بالهجوم على من يلونهم في جيش طلحة والزبير، ونفذوا ذلك بالفعل وبدؤوا الهجوم، فتثاور الناس مغاضبين، وتفاجؤوا بما يحدث، ولم يكن هناك متسع للتأني والنظر في حقيقة ما يحدث، بل سرعان ما خوَّن كل فريق الآخر، وتقاذف الجيشان الذاهبان للصلح تهم الغدر والخيانة، ونشبت الحرب وازداد سعيرها بقتال المسلمين بعضهم بعضاً في طائفتين دعواهما واحدة [١١] ، وقتل من المسلمين خلق كثير فجع لأجلهم علي ﵁ حتى تمنى لو كان مات قبل أن يرى ذلك؛ فقد قال لابنه الحسن لما رأى القتل يستحرُّ في أمة محمد صلى الله عليه وسلم: «يا حسن! ليت أباك مات منذ عشرين سنة. فقال الحسن: يا أبَهْ! قد كنت أنهاك عن هذا. قال: يا بني! إني لم أرَ أن الأمر يبلغ هذا» [١٢] . وصدق ﵁ فلم يكن ممكناً لأحد أن يتصور أن تبلغ خيانة المنافقين على الأمة إلى أن تنشب مثل هذه المعركة التي قتل فيها نحو عشرة آلاف من الطرفين منهم طلحة بن عبيد والزبير بن العوام المبشريْن بالجنة. لم يقنع أصحاب الفتنة من السبئية بهذا، بل طالبوا علياً ﵁ أن يقسم بينهم أموال من قتلوا في الجيش الآخر ونساءهم، فلما أنكر عليهم ذلك طعنوا عليه، وقالوا: كيف تحل دماؤهم ولا تحل أموالهم؟ ! « [١٣] . لقد أدى اختلاط الفجار واندماجهم في جيش علي ﵁ إلى وقوع مقتلة الجمل على النحو الذي سارت عليه، وكان هذا نفسه سبباً كبيراً من أسباب تطور الأحداث حتى وصلت إلى موقعة صفين وما تلاها. قال الطحاوي رحمه الله:» وكان في عسكر علي ﵁ من أولئك الطغاة الخوارج الذين قتلوا عثمان من لم يعرف بعينه، ومن تنتصر له قبيلته، ومن لم تقم عليه حجة بما فعله، ومن في قلبه نفاق لم يتمكن من إظهاره كله « [١٤] . وقد كان علي نفسه ﵁ قد وصف أولئك المنافقين بقوله:» طلبوا الدنيا وحسدوا من أنعم الله عليه بها، وأرادوا رد الإسلام والأشياء على أدبارها « [١٥] . وقد بدت آثار ذلك كله في الأحداث التي وقعت بعد معركة الجمل؛ فالجريمة التي أقدم عليها قتلة عثمان كانت هي الخلفية التي تحرك الأحداث كلها؛ فبقايا المشاركين في عملية القتل كانوا سبباً في استمرار الفتن، حتى تحولوا في النهاية إلى فرقة هي شر الفرق التي خرجت على الأمة ألا وهي فرقة الخوارج الذين يكفي في إظهار شرهم وفتنتهم أن قال فيهم رسول الله ﷺ :» هم شرار الخلق والخليقة « [١٦] . وكانوا قد خرجوا على علي ﵁ بعد أن كانوا ضمن جنوده بدعوى أنه قبل التحكيم والصلح مع معاوية ﵁، وعدُّوا هذا التحكيم حكماً بغير ما أنزل الله، وعدوا الصلح موالاة لأعداء الله [١٧] ، وقد اضطر علي رضي الله عنه لقتالهم في آخر الأمر بعد أن بارزوه بالعداوة والشقاق، وأوقع بهم هزيمة نكراء في موقعة النهروان التي قتل فيها نحو أربعة آلاف خارجي، وهم بدورهم لم يتركوه ﵁ بل كانت نهايته على أيديهم؛ حيث قتله الخارجي الأثيم عبد الله بن ملجم، فأضافوا إلى جريمة قتل الخليفة الثالث عثمان قتل الخليفة الرابع علي ﵄، ومنذ أن اتخذ الخوارج ذلك الموقف اعتراضاً على التحكيم والصلح عام ٣٨ هـ، نشأت الفرق السياسية والاختلافات المذهبية الاعتقادية التي فرقت الأمة منذ ذلك الحين وإلى اليوم. ومن الفتن التي تولدت عن الفتنة الأولى ثم ما تلاها من أحداث: ظهور فرقة الشيعة؛ فقد نظر هؤلاء إلى علي ﵁ على أنه يمثل موقف بيت النبوة، وأن كل من خالفه فقد خالف هدي النبوة وأمانة الرسالة، وبدأ هذا الموقف عاطفياً، ثم تطور مذهبياً حتى اجتمعت حوله فرقة ذات طموحات سياسية، وكانت نشأتها حين انفصل الخوارج عن جيش علي، فرأى من بقي منهم أنهم هم وحدهم شيعة علي ومن ثم شيعة أهل البيت، ولم يكونوا وقتها يطعنون على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولكن عمل فيهم النفاق عمله أيضاً؛ حيث ظهر فيهم من يفضل علياً على أبي بكر وعثمان بمجرد الهوى، ثم تطور إلى رفض خلافتهما وشتم من يراها شرعية، ثم تطور الأمر إلى القول بعصمة آل البيت والأئمة الإثني عشر منهم، وقد ساهم منافقو الفرس الذين فتح الفاروق عمر بلادهم ثم أكملها عثمان رضي الله عن الشيخين ساهم هؤلاء المجوس في بث العداوة والفرقة في الأمة بالطعن على السلف والتآمر ضدهم، وكان ذلك قد بدأ بقتل عمر ﵁ على يد أبي لؤلؤة المجوسي، ثم تحول إِلى تبني ذلك المذهب الشيعي الذي لا يزال أخطر مذهب مناوئ لمذهب السلف وطريق أهل السنة والجماعة اعتقادياً وسياسياً. ومما يجدر ذكره هنا أن فتنة قتل عثمان ﵁ ولَّدت أيضاً إضافة إلى فرقتي الخوارج والشيعة فرقة ثالثة هي فرقة المرجئة؛ فقد ظهر هؤلاء بموقف ثالث مختلف عن موقف الخوارج وموقف الشيعة من علي، فقالوا: لا نشهد عليهما بإيمان ولا كفر وكان هذا مبدأ قولهم، وقد سئل سفيان بن عيينة عن الإرجاء فقال: » قوم أرجوا أمر علي وعثمان؛ فقد مضى أولئك، فأما مرجئة اليوم فهم يقولون: الإيمان قول بلا عمل، فلا تجالسوهم، ولا تؤاكلوهم، ولا تشاربوهم، ولا تصلُّوا معهم، ولا تصلُّوا عليهم « [١٨] . إنك تكاد ألاَّ تنظر في تاريخ تأسيس فرقة من الفرق الضالة إلا وتجد خلف تنشئتها والتأصيل لها رجالاً مشبوهين متهمين على دينهم من أفراخ أعداء الإسلام الظاهرين. دور المنافقين (الفاطميين) في استقدام الصليبيين: تظاهر رأس من رؤوس المنافقين بالتشيع وكان يُدعى أبا الخطاب ابن الأجدع، وهو الذي نُسبت إليه الفرقة الخطابية، وسلك طريق النفاق المعتاد بادعاء الصلاح، فصاحب جعفر الصادق في حياته، وادعى أنه وصيه بعد مماته رغم تبرؤ جعفر منه وتتلمذ على أفكار ذلك المنافق زنديق آخر هو ميمون القداح المنحدر من أصول يهودية، وعمد هذا الآخر إلى الدعوة للتشيع على الطريقة الإسماعيلية المنحرفة، وتحركت بإيحاء من تلك الأفكار الحركة القرمطية التي تبنت نشر المذهب الإباحي الداعي إلى إباحة كل المحرمات وإسقاط الواجبات. وكان لميمون القداح حفيد يُدعى (سعيد) ادعى أنه أحد أبناء الأئمة المستورين من ذرية إسماعيل بن جعفر الصادق؛ فزعم على هذا أنه علوي يستحق الخلافة! ! وقد بدأ يدعو إلى نفسه بالخلافة بعد أن سمى نفسه (عبيد الله) ، وشايعه جمع من المنافقين على ذلك وأشاعوا أنه حقاً من العلويين من ولد فاطمة ﵂، وتطورت دعوتهم بعد أن كسبت الأنصار فأقاموا الدولة (الفاطمية) بالمغرب، وكان إخوانهم القرامطة والإسماعيلية قد أقاموا دولاً قبل ذلك في البحرين واليمن. واستمرت دولة العبيدين في المغرب من عام ٢٩٧ هـ حتى عام ٣٦٣ هـ حيث انتقلت بعد ذلك إلى مصر في عهد الخليفة العبيدي (المعز لدين لله) فأقام لدولة النفاق الشيعي [١٩] كياناً بمصر. وقد كان هؤلاء العبيديون الخبثاء طيلة عهود يقرِّبون الكفار، وبخاصة النصارى، ويتخذون منهم البطانة ويولونهم المناصب، ويكثرون من الزواج منهم، وكانت هذه البطانة سبباً أساسياً من أسباب استفحال أمر النصارى في الشام بعد سيطرة العبيدين عليها، حتى آل أمر الشام إلى أن سقطت في أيدي الصليبيين بعد أن فرَّ أمراء العبيديين منها وتركوها لقمة سائغة لهم حتى احتلوا القدس وسيطروا على المسجد الأقصى، ورفعوا الصلبان على مآذنه! [٢٠] . النفاق وسقوط الخلافة العباسية: تساهل آخر خلفاء العباسيين الخليفة المستعصم بالله، في اتخاذ بطانة من المنافقين؛ فقد قرب إليه أحد الروافض الخبثاء وجعله وزيره ومستشاره وهو: محمد بن أبي طالب مؤيد الدين العلقمي، وكان هذا الزنديق راغباً في تحويل الخلافة عن أهل السنة إلى الشيعة، ولما كان الشيعة وقتها في حالة من الذلة لا تسمح لهم بذلك، فقد عزم ذلك المنافق المتسمي بالإسلام أن يستخدم لهذه الغاية الكفار الصرحاء، فأغرى ملك الدولة الوثنية التتارية (هولاكو) بغزو دولة الخلافة العباسية، وكاتبه في ذلك، فاستجاب هولاكو، وطلب من ابن العلقمي أن يمهد لذلك أولاً من طرفه بأن يستغل قربه من الخليفة لكي ينصحه بتسريح أكبر عدد ممكن من الجيش العباسي. وبالفعل استطاع العلقمي أن يقنع الخليفة بتسريح خمسة عشر ألفاً من فرسان الجيش بذريعة خفض النفقات، ولما أُعفوا من الخدمة في جيش الخلافة أمرهم الوزير المشؤوم بأن يغادروا بغداد ويبحثوا عن أرزاقهم خارجها، وبعد ذلك بمدة أقنع الخليفة بتسريح عشرين ألفاً آخرين مدعياً أمامه أن البلاد في أمان ولا تحتاج إلى كل هؤلاء الجنود، وظل هذا الخبيث وغيره من المنافقين سائرين على هذه الطريقة في إضعاف الدولة العباسية عسكرياً حتى استيقن بأنها قد بلغت أشد حالات الضعف؛ فقد أصبح جيشها لا يزيد عن عشرة آلاف جندي بعد أن كانوا في آخر عهد الخليفة السابق نحو مائة ألف جندي. وعندما أنجز تلك المهمة القذرة في غفلة الولاة اللاهين عن جهاد المنافقين، أوعز العلقمي إلى هولاكو بأن يقدم إلى عاصمة الخلافة ولا يضيع الفرصة. فقدم الملك الوثني بجيوشه جرارة من مئتي ألف مقاتل، وفاجأ أهل بغداد وجنودها، فاستقبله ابن العلقمي مع جمع من أنصاره وحاشيته، ثم عاد فأشار على الخليفة بأن يخرج إلى هولاكو ليصالحه على نصف خراج العراق، فخرج ومعه سبعمائة من القضاة والعلماء والأمراء، فأمر هولاكو بعزل هؤلاء جميعاً عن الخليفة إلا سبعة عشر شخصاً وقتل الباقين، وأحضر الخليفة ومن معه إلى مجلسه وأهانهم ثم أعادهم إلى بغداد ومعهم ابن العلقمي ليأتوا بما في بيت المال من كنوز وأموال. ويبدو أن هولاكو كان مستعداً لأن يكتفي بهذا ويقبل الصلح على أن يُعطى نصف خراج العراق، ولكن المنافقين الشياطين نصحوه بغير ذلك. قال ابن كثير:» وقد أشار أولئك الملأ من الرافضة وغيرهم من المنافقين على هولاكو أن لا يصالح الخليفة، وقال الوزير ابن العلقمي: متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا عاماً أو عامين، ثم يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك، وحسنوا له قتل الخليفة؛ فلما عاد الخليفة إلى السلطان هولاكو أمر بقتله « [٢١] . وقد قُتِلَ الخليفة بمشورة» مؤيد الدين «العلقمي،» ونصير الدين « الطوسي [٢٢] . ويحار المرء عندما يقرأ عن الطريقة التي قتل بها الخليفة من أيهما يعجب: من طغيان وجبروت الكفار الظاهرين الذين باشروا القتل، أم من خسة وذلة ونذالة المنافقين الذين أشاروا بالقتل؟ ! لقد وضعوا الخليفة في كيس.. وقتلوه رفساً! ! أما بغداد وأهلها فقد فتح عليهم الوثنيون التتار أبواباً من الجحيم، فأباحوها أربعين يوماً يُعمِلون القتل فيها ويشيعون الدمار، حتى أحصي القتلى في تلك المدة بألفي ألف نفس! وكوفئ الوزير (مؤيد الدين) فعينه هولاكو وزيراً في الحكومة الجديدة على أطلال بغداد التي خربها النفاق. المنافقون وإسقاط الخلافة العثمانية: مهما قيل عن خلافة آل عثمان من الأتراك وما كان عليها من المآخذ، فإن التاريخ يحفظ لهم أنهم حافظوا على وحدة العالم الإسلامي في كيان سياسي عالمي استمر ما يزيد على خمسة قرون صدوا خلالها عن المسلمين الحملات الشرسة من كفار الشرق والغرب من الروس والأوروبيين. ولكن تلك الخلافة التي أذلت كبرياء طواغيت العالم في العديد من الملاحم، تكرر معها في أواخر عهدها أمر قريب مما حدث مع الدولة العباسية، حين استوزر الخلفاء وقربوا عناصر من المنافقين الحاقدين على الإسلام الحاملين لأسماء المسلمين؛ فقد سيطر على مقاليد الأمور في تركيا في أواخر عهد الخلافة شرذمة من منافقي اليهود الذين كانوا قد قدموا إلى تركيا من أسبانيا بعد أن طردهم النصارى من هناك بعد انتهاء حكم المسلمين في الأندلس، وتكوَّن تحالف غير مقدس من اليهود الصرحاء والنصارى في الخارج، مع المنافقين الأتراك في الداخل سواء كانوا من أصول تركية، أو من هؤلاء الدخلاء المهاجرين الذين كانوا مع أعداء الأمة قلباً وقالباً. واللافت هنا أن عصابة المنافقين هؤلاء الذين كان يطلق على أسلافهم: يهود الدونمة؛ لم يتحركوا في بلاد الإسلام إلا تحت مسمى الإسلام، ويعجب المرء: كيف أمن المسلمون لهؤلاء أن يتركوهم على هذه الحال من الترقي في مناصب الدولة وهم يعلمون أصولهم وخبثهم ولم تكن لهم دلائل صدق في الإيمان حتى يصلوا إلى مناصب الوزراء وقادة الجيوش؟ ! لقد نشط هؤلاء منذ هلاك مؤسس حركتهم (سباتي زيفي) عام ١٦٧٥م في توهين أمر الإسلام في تركيا؛ وذلك من خلال التحرك ضمن جمعيات سرية مشبوهة ظهر بعد ذلك أنها كلها كانت تتحرك بإيعاز من اليهود. وتطور ذلك مع تطور السعي اليهودي للعودة إلى مسرح السياسة في العالم في أواخر القرن التاسع عشر [٢٣] . ومع مجيء القرن العشرين كان التنسيق بين اليهود وبين المنافقين الأتراك قد بلغ مداه، وبخاصة عندما رفض السلطان العثماني عبد الحميد أن يعطي اليهود فلسطين ليقيموا عليها دولة لهم. فعندها عزم زعيم الصهيونية الحديثة (تيودور هرتزل) على إزاحة تلك العقبة أعني الخلافة ليقيم اليهود على أنقاضها دولة للمنافقين المرتدين في تركيا، ثم دولة لليهود الظاهرين في فلسطين، ولم يكن بوسع هرتزل ولا من حوله من المنظمات اليهودية المدعومة بنصارى أوروبا أن يصلوا إلى هذين الهدفين لولا أولئك المنافقون المتسمون بأسماء المسلمين داخل تركيا. فقد تأسس المحفل الماسوني المسمى بـ» محفل الشرق العثماني «في تركيا، ليكون نادياً للضرار يضم في أعضائه كل عدو لدود للإسلام، وشكل المنافقون الأتراك أيضاً جمعية (الاتحاد والترقي) وحزب (تركيا الفتاة) ليضموا في أعضائها عناصرهم من القادة في الجيش وغيره من مرافق الدولة، وبدأ الجميع يتحركون في غفلة من الساسة والعلماء وأهل الفكر من المسلمين الذين غفلوا أو تغافلوا عن حكم الله في إبعاد المنافقين وجهادهم والغلظة عليهم، حتى انتهى الأمر إلى إسقاط الخلافة العثمانية وإلغاء منصب الخليفة على يد أكبر رموز النفاق في القرن المنصرم: مصطفى كمال أتاتورك؛ وعندها خلع المنافقون رداء الإسلام، وارتدوا ثوب الردة المسماة بـ (العلمانية) تلك الراية الكفرية الفضفاضة التي أظلت تحت جناحها كل جبار عنيد. ولكن تلك الردة تلك أعني العلمانية أبت أيضاً أن تستأنف مسيرتها إلا على الطريق نفسه الذي سار عليه ابن سلول وابن سبأ وميمون القداح والعلقمي وسبتاي زيفي وكمال أتاتورك ... إنه طريق النفاق وهو الطريق الذي ظل موصولاً إلى يومنا هذا؛ حيث يمكننا أن نقول: إن مسيرة الذل التي تسير فيها الأمة منذ أكثر من قرن من الزمان لم يذلل سبلها ويمهد طرقها إلا طوائف المنافقين الذين اتخذوا من الكافرين أولياء، فأسلموهم أمة الإسلام وأخضعوها لهم، ومكنوهم من تركيعها عسكرياً واستلابها حضارياً، والتحكم فيها سياسياً واقتصادياً في غيبة سلطان الحكم بدين الإسلام الذي عملوا قبل الأعداء على محاربته ومحاربة أهله بالأصالة عن أنفسهم حيناً، وبالنيابة عن الأعداء أحياناً.

стр. 4193

ندوات ومحاضرات التعليم بالمغرب على مفترق الطرق! (٢ - ٢) أعد الندوة: د. فريد بن الحسن الأنصاري [*] في الحلقة السابقة دار الحديث حول مفهوم التعليم وعلاقته بالتربية، ثم معركة التربية الإسلامية في المغرب. وتطرق الحديث بعدئذٍ إلى ما سمي بالمسودة الأولى لإصلاح التعليم واقتراح مادة الحضارة الإسلامية. ثم تحول الحديث إلى الموازنة بين حرية التعليم والقيم الثابتة. وفي هذه الحلقة يتابع أهل الندوة الحديث عن التعليم في المغرب. - البيان - ضيوف الندوة: - د. خالد الصمدي: رئيس قسم الدراسات الإسلامية، وأستاذ التعليم العالي بالمدرسة العليا لتكوين الأساتذة، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان المغرب. - د. حسن العلمي: أستاذ كرسي الحديث والفكر الإسلامي، جامعة ابن طفيل بالقنيطرة المغرب. - الشيخ الداعية أبو سلمان محمد العمراوي: عضو رابطة علماء المغرب. - الأستاذ أحمد إبراهيم: أستاذ العلوم الطبيعية بمدرسة المعلمين بمدينة مكناس المغربية. (البيان) : عرف تعريب التعليم بالمغرب تعثراً شديداً؛ بسبب تعصب الفئة الفرنكوفونية لمصلحة التدريس باللغة الفرنسية، فكان أن عُرِّبَ في خضم الصراع السياسي بعض مراحل التعليم، تعريباً جزئياً لم يسلم من انتقادات، وبقي الآخر فرنسياً على ما كان عليه في العهد الاستعماري؛ فإلى أي حدٍّ يمكن أن يلعب التعريب فعلاً دوراً حقيقياً وفعالاً في معركة الهوية بالمغرب؟ ثم إلى أي حد يمكن اعتبار ما تدعيه الفئة الفرنكوفونية من أن التعليم باللغة الفرنسية يسهم في تطوير القدرات العلمية للتلاميذ، وكذا قدرتهم على المواكبة العالمية؟ - د. خالد الصمدي: أعتقد أن الإشكال بخصوص هذه النقطة يسير في اتجاهين: الاتجاه الأول هو لغة التدريس، والاتجاه الثاني هو تدريس اللغة. فيما يتعلق بالجانب الأول، وهو لغة التدريس؛ فشيء عادي وطبيعي في مجتمع عربي إسلامي أن تكون لغة التدريس هي اللغة العربية. هذا من حيث المبدأ، مع الانفتاح طبعاً على تعلم اللغات الأخرى. بالنسبة لنظامنا التعليمي في المغرب، بعد عهد الاستقلال، كانت مجموعة من المواد الأدبية والإنسانية تدرس باللغة الفرنسية كالتاريخ والجغرافيا والفلسفة، بالإضافة طبعاً إلى المواد العلمية المعروفة، كالكيمياء والفيزياء والرياضيات، وغير ذلك. وكان كل ذلك بدعوى تحديث النظام التربوي، والنظام التعليمي بالمغرب. وبدعوى أن هذه العلوم نفسها نشأت في محاضن الغرب. إذن شيء طبيعي أن لا تستوعب إلا بلغة الغرب. لكن هذا الطرح فاسد من أساسه، على اعتبار أن اللغة الفرنسية الآن تراجعت بشكل كبير جداً، حتى على الصعيد العالمي، في البحث العلمي والتكنولوجي، وأصبحت الصدارة للغة الإنجليزية. إذن ليس هناك مسوغ لكي نقول: إن التدريس باللغة الفرنسية سيساهم في انفتاح التلاميذ على العلوم الكونية بشكل أفضل. ثم إن تجارب بعض الدول في تعريب النظام التعليمي قد أدى إلى تحقيق مكتسبات مهمة جداً في نظام التربية والتكوين. أما فيما يتعلق بالنقطة الثانية التي هي تدريس اللغة كما قلت فأقصد بالذات هنا أولاً تدريس اللغة العربية؛ ذلك أنه كما عانت مادة التربية الإسلامية في التعليم الثانوي من عدم تطوير البرامج والمناهج، فنفس الشيء وقع بالنسبة للغة العربية؛ إذ افتقرت في كثير من الأحيان إلى برامج ومناهج متطورة، وافتقرت إلى كفاءات مقتدرة، وافتقرت إلى رؤية مستقبلية في التدريس، في الإطار التربوي والتعليمي بالمغرب. وإن كانت الإصلاحات كلها تؤكد الخيارات الثلاثة: المجانية، والتعريب، والاستقلالية. وهكذا بقي تدريس اللغة العربية في التعليم الثانوي والتعليم الأساسي ضعيفاً؛ بحيث نجد الآن الكثير من التلاميذ لا يستطيعون النطق السليم بجملة، أو جملتين من اللغة العربية الفصيحة. فإذا كان التلاميذ لا يستطيعون استيعاب مادة اللغة العربية، من حيث إنها لغة مُدَرَّسَة؛ فكيف يمكنهم أن يتعاملوا بها كلغة لتدريس المواد الأخرى؟ لذلك أرى والله أعلم أن تعريب تدريس المواد الأخرى يبدأ بالضرورة بتقوية تدريس اللغة العربية. - د. حسن العلمي: قضية التعريب هي قضية أمة، وقضية حضارة، هي قضية المسلمين، وإن شئنا أن نقول هي دعامة من دعائم البناء الحضاري لهذه الأمة؛ لأن الذي يكتب بالعربية، ويفكر بالأعجمية مثلاً، لا يستطيع أن ينتج فكراً سليماً لهذه الأمة؛ ذلك أن الله جعل هذا القرآن الكريم عربياً مبيناً، وألزم الناس أن يقرؤوه في الصلوات بالعربية كما أنزل؛ لأنه لا يمكن لأي لغة أن تعبر عن كلام الله ، وأن تعبر عن معانيه، مهما بلغت الترجمة من الدقة. إن قضية مهاجمة اللغة العربية قضية قديمة ثارت وتثور اليوم من جهة النعرات القومية العميلة للتيارات الغربية. والقضية بدأت في العصر الحديث مع الذئب الأغبر كمال أتاتورك الذي أعلن العلمانية في بلده، ومنع كتابة اللغة التركية بالحروف العربية، ومنع الأذان بالعربية؛ حتى جاء من أعاد ذلك إلى البلاد. ثم سار على ذلك النهج بعض الكتاب العلمانيين، مثل سلامة موسى، وجماعة من العلمانيين الحداثيين الذين ارتموا في أحضان الغرب، ورموا العربية بالعجز عن أن تساير العلوم الحديثة، باعتبار أن هذه العلوم لم تنشأ في حضنها، فدعوا إلى دراسة العلوم باللغات الأجنبية، وكانت بلاد دول المغرب العربي مع الأسف من أكثر البلدان تأثراً بهذا المنحى الفرنكوفوني. وإن كانت بعض البلاد العربية قد حافظت على تدريس العلوم البحتة باللغة العربية، وهي الآن في القمة في هذا الباب؛ إذ نجد الأطباء الذين درسوا الطب بالعربية، والعلماء الذين درسوا الرياضيات بالعربية لا ينقصهم شيء، بل هم من النوابغ. منهم من يُدَرِّسون، أو باحثون في مؤسسات أمريكية، ومؤسسات غربية، وهي تعترف بعلمهم وشواهدهم. ونحن في المغرب ظلت اللغة الفرنسية جاثمة على صدورنا، وجاثمة على عقولنا وأفكارنا؛ وبذلك صارت الألسن أعجمية، والعقول أعجمية. وأما التعريب الجزئي الذي حصل؛ فهو مثل قصة الغراب الذي أراد تقليد الحمامة، لا هو تعلم مشية الحمامة، ولا هو حافظ على مشيته. الشيخ محمد العمراوي: التدريس باللغات الأجنبية عموماً خطر. والخطر في ذلك آفتان أساسيتان: الآفة الأولى: هي رضاعة ثقافة تلك اللغات منذ الوهلة الأولى؛ لأن اللغة في نهاية المطاف وعاء الثقافة. فاللغة ليست مستقلة، أنا أرى في تقديري أنه يخطئ من يظن أن اللغة محايدة. اللغة ليست محايدة. يعني أنا عندما أتحدث مع أطفالي في المنزل بالعربية ولو بصيغتها العامية فإني ألقنهم ثقافتها الإسلامية الكامنة في عباراتها وأمثالها. يقولون في الأمثال الشعبية مثلاً: (فينا اللي يؤذن، وما فيناش اللي يقيم الصلاة) ، فهذه مصطلحات شرعية. ومثل هذا كثير. فاللغة إذن هي وعاء للثقافة، وعاء للتاريخ، وعاء لما في الباطن، ولما في الشعور. والعرب قالوا هذا قديماً في شعرهم: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا ونحن نستغرب ونأسف عندما نجد أطفالاً يتغنون باللغة الأجنبية، إذن ماذا يغنون؟ وجدان الأجانب. إن اللغة فيها حمولات خطيرة على النفسية، وخاصة في مرحلة الطفولة. هذه آفة أولى، وهي خطيرة جداً على النشء. الأمر الثاني: هو إقصاء اللغة الأم، أعني العربية؛ لأن اللغة الأم تصير محاصرة، ومزاحمة باستعمال اللغة الأجنبية؛ ولذلك إذا تعلمها الإنسان فإنما يتعلمها كأنها لغة أجنبية؛ فلا تبقى لديه لغة أصلية؛ لأنه في الوقت الذي يكون عمره خمس سنوات، أو أربع سنوات، بل ثلاث سنوات يعلمونه اللغة الأجنبية. هكذا في هذه السن الصغيرة جداً. فلا يمكن لنا أن نقول: هذه لغته الدخيلة وهذه لغته الأصلية. وهذه آفة أخرى يعيشها كثير من الناس. الأستاذ أحمد إبراهيم: هذه الحرب التي يعلنها البعض على التعريب هي خير دليل على مدى أهمية التعريب في تحديد هوية المواطن المغربي؛ فبعدما نجحت الفرنكوفونية في القضاء على اللغات الأصلية لكثير من الشعوب، في معظم مستعمراتها الإفريقية. نراها الآن لم تفقد الأمل في ضم المغرب إلى لائحة الضحايا؛ وما ذلك إلا لعلمها علم يقين أن صلاح وفلاح المواطن المغربي إنما يكمن في معرفته للغته الدينية، وهي اللغة العربية التي تمكنه من فهم دينه، ومن بناء شخصيته وفق معايير شرعية مضبوطة تضمن له الانضباط والطمأنينة والاستقرار النفسي. ومما لا يخفى على المتابعين لسلوك الدول الاستعمارية أن استبدال اللغة الأم بلغة المستعمر كان هدفاً أساسياً حرصت عليه كل دولة مستعمرة. ومن هنا فإن أهمية اللغة العربية في حياة المسلم لا تقل عن أهمية الماء والهواء والطعام، بل هي أعظم من ذلك؛ فبدونها لن يفهم القرآن، بل لن يفهم نفسه؛ وهذا يكفي ليهيم على وجهه في بحر من الظلمات. ذلك أننا إذا اعتبرنا الإنسان سيارة قائدها العقل، ومحركها القلب، فكما أنه لا يمكن ضمان سلامة السيارة إضافة إلى سلامة قائدها إلا أن يحترم قائدها قانون السير وعلامات المرور المختلفة؛ فكذلك هلاك الإنسان محقق إن لم يحترم قانون السير المخصص له، والمحدد بوضوح في القرآن، وأنى له أن يفهم هذا القانون، أو أن يحفظه، وهو لا يعرف اللغة التي كتب بها؟ أما ما تدعيه الفرنكوفونية من أن التعليم باللغة الفرنسية سيسهم في تطوير القدرات العلمية للتلاميذ، وكذا قدراتهم على المواكبة العالمية؛ فهذا كلام لا يستند إلى أي أسس منطقية مقنعة؛ لأن كل لغة يمكنها أن تسهم في ذلك، لو تشبث أبناؤها بها وعرفوا لها قدرها، وأنتجوا من خلالها. ولا توجد لغة تنافس اللغة العربية في سعة الدلالات؛ لأنها لغة القرآن، كلام الصانع الخبير بما يناسب صنعته . إن الدعوة إلى الفرنكوفونية على حساب اللغة الأم إنما هي دعوة إلى استمرار سياسة السيد والعبد، وتكريس لسياسة التبعية والتقليد الأعمى التي تضمن دوام السيادة للسيد ودوام التبعية للعبد. (البيان) : تتمتع ظاهرة إنشاء الجامعات والمعاهد الأجنبية بالمغرب بامتياز خاص من الدولة؛ حيث تعتمد مقررات فرنسية أو أمريكية، ونرى أن الأعيان من النخبة الفرنكوفونية يتسابقون لتسجيل أبنائهم بها، بعضهم يراها إيجابية؛ باعتبار أنها نوع من الإثراء والتنويع الثقافي، بينما يرى آخرون أنها تهدد هوية المغرب ووحدته الثقافية؛ فهل هذه ظاهرة صحية أم مرضية؟ د. خالد الصمدي: لا بد أن أبدأ بشيء مهم جداً: وهو أن أي بلد لكي يرسم سياسة تعليمية مستقلة، لا بد أن يعتمد على موارده الذاتية؛ حتى يكون له استقلال في اتخاذ القرار، وفي بناء نظام تعليمي غير مستورد. لكن جل بلدان العالم الثالث مع الأسف لا تملك من المؤهلات البشرية، ومن الموارد المادية، ما يمكنها من بناء نظام تعليمي مستقل؛ لذلك فهي تفتح أبوابها لدعم الأجنبي. شيء طبيعي إذن؛ أن دعم الأجنبي لا بد أن يكون مشروطاً بمجموعة من الضرائب المعنوية. ففي المغرب مثلاً يتجلى هذا في النظام التعليمي، في تعدد الأنساق التعليمية على الصعيد الوطني. ليس لدينا نسق تعليمي واحد. صحيح أنه يوجد لدينا في المغرب مؤسسات ثانوية، وأساسية أجنبية فرنسية بوجه خاص، ولكني أرى أن الأخطر من ذلك هو اعتماد مناهج تعليم فرنسية في المدارس المغربية؛ بحيث إن رياض الأطفال الآن في المدن الكبرى: فاس والرباط والدار البيضاء، مثلاً، تعتمد اللغات الأجنبية في رياض الأطفال، منذ البداية. ثم إن الكتب المدرسية المقررة تأتي مباشرة من فرنسا وإنجلترا. وليست كتباً مغربية! فإذا كانت المؤسسات الأجنبية مؤسسات محدودة في العدد؛ فإنها لا تشكل في اعتقادي الخطر الأكبر؛ فخطرها أقل من خطر اعتماد المؤسسات التعليمية المغربية خاصة على مستوى رياض الأطفال والتعليم الابتدائي والأساسي برامج ومناهج فرنسية؛ لأن هذه تستوعب شريحة واسعة من أبناء المغاربة الذين يرون في تعلم الإعلاميات، والإنجليزية، واللغة الفرنسية، وغيرها من المواد، منذ التعليم الأولي المنقذ المستقبلي المادي. هذا من ناحية. أما من ناحية ثانية فوزارة التربية الوطنية، حين نطرح عليها هذا السؤال، يعني حول البرامج والمناهج التي تعتمدها مؤسسات التعليم الأجنبي بالمغرب؛ فإنها لا تفتأ تؤكد أنها ستعمل بحزم على ضرورة احترام البرامج والمناهج التعليمية المغربية الأساسية في هذه المؤسسات؛ على اعتبار أن هذه المؤسسات توجد فوق التراب المغربي، ويدرس فيها أبناء المغاربة. لكن مثل هذه الرؤية، ومثل هذا القرار كما قلت سابقاً يحتاج إلى استقلال حقيقي، يحتاج إلى سيادة، يحتاج إلى رؤية واضحة لبرامج ومناهج التعليم، يحتاج إلى توفر البلد على الموارد المادية والبشرية للتحكم في نظامه التعليمي. أمَّا ونحن نمد أيدينا إلى المؤسسات الممولة الأجنبية، فشيء طبيعي أن مثل هذا القرار لا يمكن أن نتخذه؛ لأنه من شرط التمويل الأجنبي أن يسمح لهامش من برامجه ومناهجه أن يتغلغل، ويتوسع في النظام التربوي والتعليمي بالمغرب. طبعاً نتيجة كل هذا هو أننا في المغرب نعيش بأنظمة تعليمية متعددة؛ فمن النظام الفرنكوفوني من التعليم الأساسي والثانوي، إلى النظام التعليمي العصري (المغربي) ، إلى نموذج التعليم الأصيل. نرى كل هذا في التعليم الثانوي والأساسي. وعلى مستوى التعليم الجامعي هناك النظام الأنجلوساكسوني الذي تعتمده جامعة الأخوين، والنظام الفرنكوفوني المعتمد في كثير من الشعب بكلية الآداب، وكليات العلوم، وكليات الحقوق، خاصة على مستوى لغة التدريس. وذلك يصارع نظاماً عربياً إسلامياً يتمثل في شعب الدراسات الإسلامية، واللغة العربية. إذن هناك خليط في الأنساق التعليمية؛ بحيث لا يمكننا أن نقول: إننا نعيش نمطاً واحداً موحداً من النظام التعليمي التربوي بالمغرب. وأنتم تعلمون أن جامعة الأخوين، في الإصلاح الجامعي الحالي استثنيت بمادة خاصة في القانون التنظيمي من الإصلاح الجامعي؛ لأنها جامعة لها خصوصياتها في التكوين، وفي البرامج والمناهج. فإذن هي جامعة غير مغربية على التراب المغربي! على اعتبار أنها لا تخضع لنفس الإصلاح الذي عنى باقي الجامعات الأخرى. لكن تصوَّرْ معي! لو أن جامعة القرويين نفسها طالبت أن يكون لها نفس هذا الاستقلال، على اعتبار أنها جامعة لها خصوصياتها، فشيء طبيعي أن يرفض مثل هذا؛ فكيف يمكننا أن نكيل بمكاييل متعددة في نظام تعليمي يفترض أن يكون موحداً؟ الشيخ محمد العمراوي: أولاً المصيبة عمت! وأنا لا أوافق على المقولة المشهورة: إنه (إذا عمت هانت) . بل إذا عمت عظمت! لم يعد الأمر اليوم مقتصراً على الطبقات الأرستقراطية، وإنما وصل ذلك الطبقات المتوسطة في المجتمع. وأنا أعرف ناساً من متوسطي الحال أقدموا على تسجيل أولادهم بالخصوص في جامعة إفران. هذا أمر خطير جداً. ثم إن المدارس الابتدائية والثانوية الخصوصية صار سوقها نافقاً في المجتمع المغربي، وصارت مجال استثمار واسع. فنظرة سريعة على الدار البيضاء تريك حجم تسابق الناس على تسجيل أبنائهم بأموال باهظة، من هذه الطبقات المتوسطة، بل الطبقات الضعيفة أيضاً. الكل يبادر إلى تسجيل أبنائه في هذه المؤسسات التي ظاهرها مغربي، وباطنها فرنسي، أو أمريكي. في تقديري هذا ليس تنوعاً ثقافياً، ولا إثراء للثقافة المغربية التي هي ثقافة إسلامية في الأصل. لماذا؟ لأننا لم نختر التعامل مع هذه الثقافات كي نستوعبها في إطار منظومتنا الثقافية العامة، وإنما هي ثقافات غالبة، وافدة، غازية تحتوي وتبتلع ثقافتنا! أهم ما في ثقافاتنا هو الإنسان، وليس لدينا شيء آخر في التثقيف الإسلامي يتقدم الإنسان مطلقاً. الإنسان هو المحور الأساسي في النظر الإسلامي، كما هو واضح ومعروف. لكن الإنسان الآن مبهور مأسور بالثقافة الأمريكية، أو بالثقافة الفرنسية! فأي تنوع ثقافي، وأي إثراء ثقافي، وأي تلاقح ثقافي، يكون والحال هذه بيننا وبين الآخر؟ تاريخنا شاهد على أننا نحن استوعبنا الثقافات كلها، استوعبنا الثقافة اليونانية، استوعبنا الثقافة الهندية، استوعبنا الثقافة الفارسية، استوعبنا كل الثقافات، وأدرجناها ضمن منظومتنا العامة. وصار عندنا تنوع ثقافي حقيقي. وصارت عندنا مجموعة من المدارس داخل هذه المنظومة الإسلامية، بتأثير هذه الثقافات الأخرى. ولكن لم تكن وافدة بالمعنى الذي هي عليه اليوم. اليوم هي ثقافات غازية، ثقافات مستعمرة، أو مستدمرة بتعبير البشير الإبراهيمي ولذلك فنحن نقبلها من منظور آخر، وهو أن تكون لنا نحن موازين القبول والرد، موازين الأخذ والعطاء، أن تكون لنا استقلاليتنا. عندما نكون نتحكم في قراراتنا، ولا تفرض علينا هذه الأمور، عندها نعم، نقول هذه الثقافة نأخذها ونتعامل معها؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر زيد بن ثابت بأن يتعلم العبرية؛ وهو في صحيح البخاري. نحن عندما تكون لنا شخصيتنا السياسية، والثقافية المستقلة، ونختار؛ فهذا أمر ليس فيه مشكلة. الأستاذ أحمد إبراهيم: ظاهرة إنشاء الجامعات والمعاهد الأجنبية في المغرب، التي تعتمد مقررات فرنسية أو أمريكية، وتهافت الناس على إلحاق أبنائهم بها، أرى أنها ظاهرة مرضية تسهم بدورها في سلخ الإنسان المغربي عن هويته، ولا أرى فيها تنويعاً ثقافياً كما يدعون، بل أراها ذبحة للوحدة الثقافية، لحساب ثقافات معينة، مستغلين في ذلك لهفة الشباب على الهروب من عالم البطالة، ومن عالَمٍ آفاقه المادية محدودة، إن لم تكن مسدودة. إلى عالم آخر عكس ذلك؛ حيث الحرية والمال والأعمال. (البيان) : هناك إجماع وطني رسمي وشعبي على إخفاق مشروع التعليم بالمغرب، بكل مراحله وأصنافه، منذ مراحل بداية الاستقلال إلى اليوم؛ فإلى أي شيء ترجعون هذا الإخفاق في نظركم؟ د. خالد الصمدي: في اعتقادي أن هذا الحكم الذي ذكرتموه أعني إخفاق مشاريع إصلاح التعليم في المغرب يعود إلى ثلاثة أسباب رئيسية: السبب الأول: هو عدم وضوح الرؤية، وعدم توحدها، في مستقبل النظام التعليمي؛ بحيث إن الأجنحة المتصارعة الآن في الساحة الوطنية، هي أجنحة أيديولوجية كل منها يرى من زاويته الخاصة الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه المتعلم في المستقبل. إذن ليست هناك رؤية واحدة ومحددة؛ وهو ما يجعل مشاريع الإصلاح مشاريع غير موحدة بقدر ما تكون مشاريع توفيقية تحاول ما أمكن أن ترضي جميع الأطراف. هذا سبب. أما السبب الثاني: فيعود إلى عدم الاستقلالية في اتخاذ القرار، واتخاذ الموقف؛ بخصوص الملفات الكبرى. ومنها ملف التعليم. فقد سبق أن ذكرت لك أن الاستقلال في اتخاذ أي قرار، خاصة في المجال الاقتصادي، والمجال التعليمي بوجه أخص يحتاج إلى التضحية، يحتاج إلى بذل خاص، يحتاج إلى صبر، يحتاج إلى الاعتماد كلياً على الطاقات والموارد الذاتية. وحيث إن هذا غير متوفر في المغرب؛ فشيء طبيعي أن إصلاح التعليم الذي يتطلب وسائل وإمكانات كبيرة جداً لا يمكن أن يتم إلا عن طريق استجداء المؤسسات الدولية، والذي يقابله فرض إملاءات من جهتها، وتوجيهات ملزمة لتكييف النظام التعليمي حسب حاجاتها هي، وحسب مصالحها هي. فعلى سبيل المثال: لو أنك قررت مثلاً أن تضع في برامج التعليم وفي مادة التربية الإسلامية بوجه خاص مجموعة من المواضيع التي تحرم الخمر، والقمار، والعلاقات الجنسية غير الشرعية؛ والحال أن الاستثمار الأجنبي والتابع له، سواء في العالم العربي والعالم الإسلامي، يسير في اتجاه التمكين لمجموعة من المؤسسات التجارية التي لا تروج إلا هذا؛ فإن الجهات الممولة تتدخل؛ لحذف مثل هذه المواضيع من نظامنا التعليمي! حتى تفتح المجال بشكل أوسع للاستثمارات الأجنبية. إذ منطق حالها يقول: لا يمكنني بوصفي مشاركاً اقتصادياً، أو مؤسسة منفتحة اقتصادياً، أن أثق في نجاح الاستثمار داخل بلد يشتمل نظامه التعليمي على مجموعة من العوائق والمحددات التي لا تفتح المجال أمام الأجيال القادمة للتعامل بحرية مع المنتج الاقتصادي الجديد. أما النقطة الثالثة في اعتقادي التي أسهمت في إخفاق مشاريع إصلاح التعليم بالمغرب، فهي الارتباط الكبير بالنظام التعليمي الفرنسي القديم، المعروف عالمياً أنه من الأنظمة المتخلفة التي لم تنتج إلا التبعية. فحتى نظام التعليم الفرنسي نفسه هو الآن عالة على التعليم الأنجلوسكسوني. ونحن نعلم أن البلدان التي اعتمدت النظام الأنجلوسكسوني كمصر، أو الأردن، أو غيرها، خاصة في منهج تكوين المكونين، وفي بناء البرامج وبناء المناهج؛ قد قطعت أشواطاً كبيرة جداً، ونجحت إلى حد ما في إصلاح التعليم. أما بالنسبة للبلدان المغاربية بشكل عام التي التصقت بشكل كبير جداً بالنموذج الفرنسي القديم، فلم تتطور، ولم تنتج، وكانت نسبة النجاح فيها أقل بكثير جداً من مساحة الإخفاق! الأستاذ أحمد إبراهيم: يرجع إخفاق مشروع التعليم بالمغرب إلى عدة عوامل، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: ١ - غياب استراتيجية واضحة ثابتة لنظام التعليم تطبق عبر مراحل مدروسة. ٢ - تبعية نظام التعليم للأيديولوجيات الحزبية، ولمذاهب المسؤولين فيه. ٣ - التقليد الأعمى للنظام التعليمي بفرنسا، دون اعتبار لخصوصيات المجتمع المغربي. ٤ - أمانة التعليم أحياناً تسند لغير أهلها. ٥ - تهميش المواد التي تحدد الهوية، والتي تضمن الوحدة الثقافية؛ لحساب مواد أخرى أجنبية. ٦ - الاهتمام بالكم على حساب الكيف. ٧ - اضطراب نظام الامتحانات، وأساليب التقويم بالمدارس. (البيان) : يُرجِع بعضهم ازدهار الصحوة الإسلامية بالمغرب إلى إنشاء شعبة الدراسات الإسلامية بالجامعات المغربية، وفي كليات الآداب على الخصوص؛ مع العلم أنه تزامن إنشاء شعبة الدراسات الإسلامية مع التقليص من عدد مواقع شعبة الفلسفة وفروعها؛ مما جعل الاعتقاد يسود بأن الإسلام ضد الفلسفة من ناحية، وبأن رجوع الفلسفة للتدريس بكل الجامعات رهين بحذف شعبة الدراسات الإسلامية؛ فهل هناك عداء حقيقي بين الإسلام والفلسفة من جهة؟ وهل ثمة ضرورة لعدم التعايش بين الشعبتين من جهة ثانية؟ ثم ما علاقة شعبة الدراسات الإسلامية بالمجتمع وتحولاته؟ د. خالد الصمدي: بخصوص إسهام شعبة الدراسات الإسلامية في ازدهار الصحوة الإسلامية بالمغرب، فهذا أمر ظاهر وجلي، بحيث إن نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، شهدت تخرج الأفواج الأولى، على مستوى دبلوم الدراسات العليا، ودكتوراه الدولة، في شعب الدراسات الإسلامية. وكان لهذا انعكاس كبير في تأطير الشعبة نفسها في التعليم الجامعي؛ إذ لم تكن قد استكملت أطرها. ثم بعد ذلك صدرت كثير من الدراسات والأبحاث، وطبعت من طرف خريجي الدراسات الإسلامية، وهكذا بدأت كثير من الأجيال خاصة بعد نهاية الثمانينيات في الالتحاق بشعبة الدراسات الإسلامية، واتسع مجال الاهتمام بها، وازدهر الاهتمام من جديد بالعلوم الشرعية؛ إذ كان الأمر مقتصراً على خريجي جامعة القرويين، وخصوصاً كلية الشريعة وكلية أصول الدين. وشيء طبيعي أن ازدهار هذه العلوم يؤدي إلى ازدهار الدعوة الإسلامية والإرشاد الديني. فكان تأسيس مجموعة من الجمعيات من طرف خريجي الدراسات الإسلامية، وكذلك الإشراف على مجموعة من دور القرآن الكريم، وتدريس العلوم الشرعية بها ... إلخ، فهذه بعض الانعكاسات للتعليم والتكوين بشعب الدراسات الإسلامية. (البيان) : تتمة لما تتحدثون عنه: ما الجديد الذي جاءت به هذه الشعبة، وقد كانت هناك جامعة القرويين بكلياتها الثلاث بالمغرب تدرس العلوم الشرعية؟ د. الصمدي: نعم طاقة كلية الشريعة وكلية أصول الدين، وكلية اللغة العربية، المنتمية جميعها لجامعة القرويين، طاقة محدودة جداً. وكلية الشريعة توجد بمدينة فاس، وبمدينة أجادير، وكلية أصول الدين توجد في مدينة تطوان، وكلية اللغة بمراكش، ولا يمكن لهذه الكليات أن تستوعب هذه الأعداد الغفيرة من الطلبة المقبلين على تعلم العلوم الإسلامية. أضف إلى هذا أن طبيعة التكوين في القرويين ينقسم إلى قسمين: منه ما هو شرعي، ومنه ما هو قانوني وضعي. كما أن التخصص في كلية أصول الدين يهتم بالعقائد وعلم الكلام أكثر من الاهتمام بالعلوم الشرعية الأخرى، والذي يميز شعبة الدراسات الإسلامية هو الاهتمام بالعلوم الشرعية في قالب معاصر؛ إذ يدرس بها مثلاً الاقتصاد الإسلامي، والأدب الإسلامي، كما أنها مطعمة بعلوم حديثة، مثل علم النفس، وعلم الاجتماع، واللسانيات. بالإضافة إلى التعمق في العلوم الشرعية الحقة، كعلوم القرآن والتفسير والحديث والفقه وأصوله. فهي تحمل تصوراً جديداً، ونظرة جديدة في طريقة تقديم العلوم الشرعية. والدليل على أن الحاجة كانت ملحة لإنشاء شعبة الدراسات الإسلامية هو هذا الاهتمام الكبير جداً الذي يظهر في حجم الملتحقين بها من أعداد الطلبة؛ بحيث يمكن أن نقول: إن شعب الدراسات الإسلامية اليوم هي على الصعيد الوطني الأكثر استيعاباً للطلبة الجامعيين. وأما بخصوص النقطة الثانية: وهي علاقة إنشاء شعب الدراسات الإسلامية بإغلاق شعب الفلسفة، فنحن نعلم أن شعبة الفلسفة في نهاية السبعينيات، وبداية الثمانينيات، كانت تحت سيطرة اليسار المغربي الذي كان مهيمناً عليها، وموجهاً لها، وواضعاً لبرامجها، وطرق تدريسها، ووسائلها، بوصفها مادة بالتعليم الثانوي، ثم باعتبارها شعبة بالجامعة؛ مما أسهم بشكل كبير جداً في ترسيخ أيديولوجية اليسار، وخاصة انتشار الإلحاد في كل تلك المرحلة. إلا أنه في بداية الثمانينيات تم إنشاء شعبة الدراسات الإسلامية بكلية الآداب بالمغرب؛ حيث كان تسجيل الفوج الأول بها سنة: ١٩٨١م، فتزامن ذلك مع التقليص من عدد شعب الفلسفة بتلك الكليات، وهذا صنع نوعاً من الصراع بين الإلحاد الذي كانت شعب الفلسفة محضناً لأفكاره؛ وبين الصحوة الإسلامية التي كانت شعب الدراسات الإسلامية متنفساً مهماً لها؛ حيث كانت تستغل لمزيد من التأطير في العلوم الإسلامية. لكني أرى والله أعلم أنه لا يمكن أن نربط بين حذف شعبة الفلسفة، وإنشاء شعبة الدراسات الإسلامية. الأمر في اعتقادي لا يعدو أن يكون تأسيساً لشعبة، وحذفاً لشعبة أخرى، دون أن تكون بديلاً عنها؛ لأن في الجامعة المغربية متسعاً لمزيد من الشعب والتخصصات التي تُكوِّن في مختلف الاتجاهات، وبمختلف التصورات، دون أن يكون لذلك أثر كبير على الصراع الأيديولوجي القائم بين الشعبتين. وأؤكد بهذا الصدد أن هذه المعركة اختلقها اليسار المغربي نفسه؛ بحيث لم يختر خريجو الدراسات الإسلامية استمرار شعبتهم بحذف شعبة الفلسفة. لذلك لم يكن من المنطق تماماً أن ترجع الفلسفة على حساب حذف شعبة الدراسات الإسلامية. فأعتقد أن الأمر أيديولوجي أكثر مما هو مرتبط بالبعد التربوي. - د. حسن العلمي: الحقيقة أن الدراسات الإسلامية في المغرب جاءت في مرحلة كان الجو الفكري والثقافي في بلاد المغرب قد بلغ مبلغاً من العتو في الإلحاد، وطغيان المادية الماركسية اللينينية الملحدة. واليسار كان قد بلغ مبلغاً لم يبلغه في أي زمن من شتى أنواع الهجوم على الإسلام، ومحاصرة الدين، ومحاصرة الإيمان بالله ؛ حتى إن الطالب وقتها لم يكن يجرؤ أن يتلفظ بالبسملة! هذا أمر عشناه جميعاً بل الأستاذ نفسه كان يخاف أن ينطق بها؛ حتى لا يتهم بالفكر الغيبي والخرافي؛ فتقوم عليه القائمة! والحقيقة أن موجة الإلحاد التي عتت في الجامعات المغربية كانت تستدعي من المصلحين أن يلتفتوا إلى ذلك؛ لأنه سينقلب هذا الإلحاد ضد المجتمع المغربي المتدين بفطرته، فكان من لطف الله أن قامت شعب الدراسات الإسلامية بدافع من بعض المخلصين من أبناء هذا الوطن الذين دافعوا بحرارة لإعادة التعليم الديني كما كان، وإعادة دور القرويين الذي قتله الاستعمار، فأنشئت شعبة الدراسات الإسلامية عام ١٩٨١م، فكانت والحمد لله فتحاً جديداً للصحوة الإسلامية فتح أبواب النور على هذه البلاد. والحقيقة أن شعبة الدراسات الإسلامية مهما ذكرنا عنها من نقص، ومهما تكلمنا في قضية ضعف مناهج التدريس والأطر التي أطرت هذه الفترة مما ذكر الدكتور الصمدي فالحقيقة أن المرحلة كانت مرحلة انتقالية؛ بحيث إنه لم يوجد هناك جيل من العلماء، وجيل من المدرسين المتخصصين؛ إنما جلب إليها من المشرق بعض العلماء الذين والحمد لله كان لهم أثر كبير على الدراسات الإسلامية في المغرب، من أمثال الدكتور محسن عبد الحميد، والدكتور عبد الله الجبوري، ممن لا يزال أثرهم يذكر إلى الآن، وكذلك تمت الاستعانة ببعض أساتذة التربية الإسلامية من الثانوي، إلا أن الحق يقال إن الله فتح بها باباً عظيماً من الخير؛ بحيث إن جل قيادات العمل الإسلامي، والصحوة الإسلامية في المغرب، وجل المفكرين والباحثين الإسلاميين، هم من خريجي هذه الشعبة. أما بالنسبة للقضية الثانية: وهي مسألة التعايش بين الفلسفة والدراسات الإسلامية؛ مع العلم بأن اليسار يقول: إن الدراسات الإسلامية جاءت ضرة ومزاحمة للفلسفة؛ فنحن نقول: إن الإسلام عدو للإلحاد، وللمادية. إلا أن الذي حصل هو أن هؤلاء اليساريين العلمانيين الحداثيين بالمغرب؛ ما أرادوا فلسفة، ولا أرادوا فكراً، ولا أرادوا منطقاً. إن الفلسفة قد تكون علماً من العلوم المحايدة، وليست شراً كلها. أئمتنا الكبار مثل الإمام ابن الصلاح ﵀، والإمام الذهبي، رغم أنهم هاجموا الفلسفة إلا أنهم ما كانوا يقصدون فلسفة العلوم التي تسمى الآن بالأبستمولوجيا، وهي ينبغي أن تدرس الآن في الجامعات، إلا أن هؤلاء اليساريين جعلوا الفلسفة هي الفلسفة المادية الملحدة فقط! وهذا حقيقة يتعارض مع الفطرة الإسلامية والعقيدة التي نشأ عليها المغاربة. (البيان) : تعتبر دور القرآن الشعبية، والمعاهد الشرعية غير الرسمية بالمغرب ظاهرة ناشئة من بعد موات طال أزيد من قرن من الزمان. فهل هذا في نظركم راجع إلى انبعاث الصحوة الإسلامية، وإلى الرغبة في تلبية حاجتها من الأطر الدعوية، أم هو راجع إلى السخط الشعبي على اضطراب التعليم الرسمي؟ أم إلى شيء آخر لا هذا ولا ذاك؟ ثم كيف تُقَوِّمُون هذه المعاهد الدينية ببرامجها العتيقة؟ هل هي فعلاً كفيلة بتخريج علماء جدد أقوياء أمناء، كما هو أمل الساهرين على تسييرها اليوم؛ أم أنها لن تعدو تكرار النموذج التقليدي، والساذج، للطلبة القرآنيين الذين امتهنوا في ظروف شظف العيش مع الأسف احتراف قراءة القرآن على المقابر، والتكسب به في المناسبات؟ نبدأ بالشيخ أبي سلمان العمراوي، باعتباره أحد العلماء المتخرجين من هذه المعاهد أساساً، ثم مشتغلاً بعد ذلك بإدارتها: الشيخ محمد العمراوي: أولاً في كل الأحوال، نحن إذا قارنا المتخرجين من هذه المؤسسات، قديمها وحديثها، مع المتخرجين من مؤسسات التعليم العام؛ نجد أن الفرق شاسع، وأن البون كبير؛ ذلك أن المتخرج من هذه المؤسسات الشرعية، في أقصى صور سوء حالها يكون إنساناً غير صالح، إما لا يؤدي حقوق الله، أو لا يؤدي حقوق العباد، نقول على كل حال: هو إنسان فاسق، هذا هو التعبير المناسب. أما في التعليم العام فالكارثة كبرى؛ فربما تخرج منه الملاحدة، أو العلمانيون المحاربون للدين. هذه المفارقة ينبغي أن توضع في الحسبان، من واجب دعم المؤسسات الشرعية، خصوصاً في هذه المرحلة، والتي هي مرحلة صراع حقيقي بين نموذجين: نموذج مفروض على الأمة بالقوة، ومدعوم من قبل مؤسسات عالمية كبرى، والقائمون عليه لن يستسلموا بسهولة. وبين نموذج أصيل ينبعث في المجتمع من جديد على يد ناس أقوياء في طموحاتهم، وفي أهدافهم، ولكنهم ضعاف في إمكانياتهم المادية والبشرية، وما إلى ذلك. نعم! نظراً لهذه المعطيات وغيرها؛ يجب أن تكون هذه المؤسسات حريصة كل الحرص على تخريج ناس يمثلون الإسلام خير تمثيل. لا بد لإنجاح ذلك من شروط تتعلق بثلاثة أمور: أولها الرؤية، وثانيها المنهاج، وثالثها البرنامج. أما الرؤية: فجواب عن: ماذا نريد من هذه المؤسسات؟ نحن لا نريد تخريج مجموعة من الدراويش. نحن نريد العالم المتمكن من العلوم الشرعية، المطلع في الوقت نفسه على ثقافة العصر، العالم الذي يستطيع أن يكون مثل أبي حامد الغزالي في موسوعيته، أو مثل إمام الحرمين في قوة حجاجه، أو مثل الإمام الشافعي في قوة إبداعه، أو مثل الإمام مالك في استنباطه وحفظه وزهده وورعه. نريد أن يكون العالم الموسوعي المعاصر. ولا يمكن أن يكون العالم الموسوعة في عصرنا الحاضر إلا بشروط. إذن فالرؤية ينبغي أن تكون لدينا واضحة. أنا أشاطرك الرأي في أن كثيراً من هذه المؤسسات تقوم على غير رؤية مطلقاً. وإنما هو من باب التنافس في الخير، ومن باب الرغبة في الخير، والحب فيه. بالمناسبة عاينت مشكلة من مثل هذا القبيل في أوروبا، وقعت للناس هناك عندما وصلوا إلى هولندا. ففي بداية الهجرة بدؤوا يؤسسون المساجد؛ رغبة في إيجاد أماكن الصلاة. لكن أسسوا المساجد ثم بدؤوا يتقاتلون فيها على أشياء تافهة! ثم جاءت مرة أخرى ظاهرة تأسيس المدارس الإسلامية. القانون الهولندي يسمح بذلك في تفاصيل ليس هذا محل لذكرها. ففي بداية تأسيس المدارس الإسلامية، عقدت ندوة شاركت فيها بكلمة، فقلت من بين ما قلت: (أنا أحذر الإخوان من تكرار تجربة المساجد، أن نؤسس، ونؤسس، دون كفاءات، ودون طاقات، ودون رؤى واضحة، وإنما رغبة في الخير، فالرغبة في الخير ليست كافية في تأسيس مشاريع) . نعم هذه مشاريع خطيرة جداً في مستقبل هذه الأمة. ونحن نعرف أن الحركة العلمانية الراديكالية في تركيا، لما أرادت أن تضرب الإسلام بدأت بضرب هذه المؤسسات! هذه أسميها ركائز المجتمع الإسلامي. أسميها حصون الأمة. ليس من السهل بناء قلعة. يجب أن تكون هناك شروط للبناء. أنا في اعتقادي وفي تفكيري أننا نريد تخريج علماء يعيدون لهذه الأمة مجدها، علماء يشاركون في الحياة العامة بقوة ويقودون الأمة. وفي نهاية المطاف علماء يكونون هم المرجعيات الكبرى في العالم الإسلامي. كان عندنا من قبل الإمام الفقيه هو رأس الأمة، إذن؛ وكما قال الأستاذ مصطفى بن حمزة جزاه الله خيراً في إحدى المداخلات في مؤتمر عقد لهذه المدارس؛ قال: (نحن نريد عالماً يحل المشاكل، ولا نريد الفقيه المشكلة!) فيمكن أن يقال إذن: إن بعض المؤسسات تخرج لنا ناساً تسبب المشاكل. نحن نريد عالماً منفتحاً واقعياً يعرف وجهته في هذه الحياة، ويكون قادراً على قيادة هذه الأمة، قادراً حتى على القيادة السياسية. فالعلماء دائما كانوا في مقدمة الأمة، وكانت تنعقد البيعات للأمراء والخلفاء على يد العلماء أولاً، ثم الشعب يكون تبعاً. أما المنهاج، فهناك نوعان من المناهج للدراسة معروفان: النوع الأول: هو النوع الموجود اليوم في الجامعات المغربية الذي هو المحاضرات العامة؛ فالأستاذ كما تعلمون يلقي محاضرة على الطلاب، ثم ينصرف إلى حال سبيله، ويرى الطلاب مرة في الأسبوع، بل حتى إن بعض الطلاب لا يرون الأستاذ إلا عند الامتحانات. فيما نرى هذا الأسلوب بهذه الصورة أسلوباً عقيماً لن يخرج العالم إطلاقاً؛ والدليل على ذلك واضح في كثير من حاملي الشهادات العليا: الدكتوراه فما دونها، ولكنهم في كثير من الأحيان مع الأسف أبعد ما يكونون عن العلم؛ لأنه لا يمكن تخريج العالم بالحفظ الذي لا يحصل إلا قبيل إجراء الامتحانات بأيام قلائل. هذا أسلوب عقيم. ثم هناك أسلوب آخر كان يسلكه علماؤنا القدامى في العصور المتأخرة، وهو أسلوب حفظ المتون، أي حفظ المقررات على مدى طويل، واستظهارها، ولكن لم يكونوا مع الأسف يستثمرون ملكة الفهم. أما المدرسة الإسلامية اليوم، أو المعاهد الشرعية اليوم، فيجب عليها أن تسلك مسلكاً أصيلاً، هو مسلك السلف الأوائل الذي كان يمزج بين الأمرين: الحفظ والفهم؛ فلا ملكة الفهم تطغى على ملكة الحفظ، ولا ملكة الحفظ تطغى على ملكة الفهم. بعض الناس اليوم يزهدون في ملكة الحفظ تزهيداً. فأي عالم يكون إذا لم يكن يحفظ النصوص؟ ويحفظ الشواهد؟ ويحفظ القواعد؟ وما أصدق قول الناظم: وإن لم تكن حافظاً واعياً ... فعلمك في الكُتْب لا ينفع وتحضر بالجهل في مجلس ... وعلمك في البيت مستودع ومن يكُ في ذهنه هكذا ... يكن دهره القهقرى يرجع إذن لا بد من استثمار ملكة الحفظ إلى أقصى حد ممكن، وفي الوقت نفسه لا بد من استثمار ملكة الفهم إلى أقصى حد ممكن. فباستثمار الملكتين يتخرج لدينا العالم الحافظ المبدع؛ لأنه إذا لم يكن حافظاً، ففي أي شيء يبدع، وفي ماذا؟ وإذا كان حافظاً بلا فهم، فهذا هو والشريط المسجل على حد سواء! أما البرنامج: فهو يختلف باختلاف المستويات الدراسية، وهو على العموم كما كان قديماً في تاريخ هذه الأمة برنامج يشتمل على مواد أساسية، هي مواد شرعية. وعلى مواد تكميلية، هي علوم رياضية وكونية مختلفة. د. خالد الصمدي: معلوم أن هذا النمط من التعليم هو نمط متجذر في التاريخ المغربي، ليس أمراً جديداً. ونحن نعلم أنه هو الذي أسهم بشكل كبير جداً في محاربة الاستعمار، والحفاظ على الهوية المغربية الإسلامية؛ ولذلك لم تكن هناك قطيعة في هذا النمط من التعليم عبر تاريخ التعليم بالمغرب. وإنما الجديد الذي ظهر الآن هو محاولة اعتماد هاته المؤسسات على بنيات جديدة، وطاقات جديدة، وعلى طرق ووسائل جديدة في التدريس. فأعتقد أن هذا التغيير هو الذي حصل. أما النمط التعليمي الشرعي بصورته الشعبية فهو تعليم موجود منذ القدم. ويلاحظ فعلاً أنه يلقى اليوم إقبالاً كبيراً سواء على مستوى إنشاء الجمعيات القَيِّمة على التعليم الشرعي التي تعمل على بناء دور القرآن الكريم، والمعاهد الشرعية، وعلى مستوى الطلبة الذين يزداد توافدهم يوماً عن يوم لتلقي العلم بهذه الدور. فهذا مرده في اعتقادي إلى أمرين أساسيين: الأمر الأول: هو أن النظام التعليمي العام قد أفلست سوقه المادية رغم الشعار الذي رفعه: وهو أن الخريجين يلجون سوق الشغل بسهولة. هذه الخرافة انتهت؛ وبذلك ظهر بالفعل أن النظام التعليمي الآن لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يؤدي إلى سوق الشغل بالشعار الذي رفع له. إذن؛ بقي للطلبة الخيار في التلقي من أي نوع من أنواع التعليم الذي يشاؤون. ولذلك في ظل الصحوة الإسلامية ربطوا التعليم بأخراهم، وأقبلوا على تحصيل العلوم الشرعية، وحفظ القرآن الكريم، وإتقان اللغة العربية. وأما العامل الثاني: فهو عامل الصحوة الإسلامية التي دعت إلى مزيد من الاهتمام بالتكوين الشرعي، وتخريج العلماء؛ لحاجة المجتمع إلى ذلك. هذا هو العامل والحافز الأهم الذي دفع الطلبة إلى الاهتمام بهذا المجال. إنما التخوف الأساسي في اعتقادي الذي يراودني، وأنا أتحدث عن هذا النوع من التعليم، هو التحديات الكبرى التي يواجهها على مستوى التأطير، وعلى مستوى إحداث البرامج، والمناهج، ووسائل التدريس، وأما بناء البنايات، وتوفير الأسرة للنوم، والأغطية، والتغذية ... إلخ. فأعتقد أنه التحدي الأصغر. د. حسن العلمي: دُورُ القرآن الكريم والمعاهد الإسلامية التي نشأت وما تزال تنشأ الآن في بلاد المغرب هي في الحقيقة امتداد لجامع القرويين، وامتداد للمؤسسات الإسلامية العريقة. وفي القديم كان هذا النموذج يكثر في جنوب المغرب ، في مناطق تافيلالت، ومناطق سوس، ومراكش وغيرها، وهو الآن في شكله الجديد الذي بدأ إبان نضج الصحوة الإسلامية ينتشر في كل مكان. والحاصل أنه إذا وقعت العناية به من حيث المنهج، ومن حيث المضمون أمكن أن يخرج العلماء الربانيين، والدعاة المتعلمين السائرين على سبيل النجاة الذين بهم ترشد هذه الصحوة. حقيقة يمكن أن نقول: إن سببين معاً كان لهما الأثر في ظهور دور القرآن، والمعاهد العلمية: - السبب الأول: نوع من السخط على المدارس العصرية التي أدخلها الغزو الفرنكوفوني، والتي لم تخرج لنا علماء؛ فحيث بدأت تزدهر الصحوة الإسلامية بالمغرب، صار الناس وهذا إلى عهد قريب يبحثون عن الخطيب، وعن الداعية إلى الله، وعن الواعظ؛ فلا يجدون من يعتلي المنابر؛ لأن المدارس لم تخرج إلا هذا النمط المائع من الشباب في غياب شُعَب الدراسات الإسلامية آنذاك، وضمور جامعة القرويين التي لم يعد لها ذلك الأثر الذي كان لها قبل دخول الاستعمار؛ فهذا النوع من السخط حقيقة ولَّد تفكيراً جدياً وحركة فعلية اتجهت نحو إيجاد دور القرآن، والمعاهد الشرعية. - السبب الثاني: حاجة الشعب المغربي المسلم إلى هذا، وكذا حاجة الصحوة الإسلامية التي وجدت نفسها أنها كتلت جموعاً من الناس، وأنها لم تخرِّج علماء لتأطيرهم؛ وعلي ﵁ كان يقول: (إن القلوب أوعية، والناس ثلاث: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع ينعقون مع كل ناعق لم يعتصموا بالعلم ولم يأووا إلى ركن وثيق) . فالمعاهد القرآنية ودور القرآن، إذا وقعت العناية بها خرَّجت لنا حفظة كتاب الله الذين امتلأت قلوبهم وصدورهم بمتون الشريعة الإسلامية، ونصوصها، وأدلتها، وعلومها. ومن هنا فإلى جانب ذلك لا بد أن يمزج المنهج بين محكمات الشرع، ومتطلبات الواقع. أما إذا سن على النمط القديم الذي يخرج من يقرؤون على القبور، ويغسلون الموتى، ويحضرون في الجنائز والمآتم، فهؤلاء الذين كانوا يسمون عندنا في الأيام السالفة: فقهاء الجنائزية، وفقهاء المآتم المتكسبين بذلك، لا يكادون يحدثون أثراً في الأمة. بل أقول: إن بعض ما دخل من الرجس الفكري قد دخل من خلال بعض هؤلاء النماذج السيئة الذين لم يكونوا واعين بدينهم غفلة منهم؛ ذلك أن طائفة من حملة كتاب الله لم يضعوه حيث أمر الله بل صاروا يقرؤونه على الأموات، في حين أن القرآن إنما أنزل ليُقرأ على الأحياء. فإذا بقيت بعض المعاهد على النَّفَس القديم في تعليم القرآن الكريم دون رعاية الأخلاق، ودون رعاية لعلوم العصر، ودون رعاية لما يتطلبه الداعية إلى الله في هذا الزمان، فإنها لا تستطيع أن تخرِّج ذلك العالم الرباني الذي ينفع مجتمعه، وينفع الله به أمته. وخلاصة القول: أن عودة المعاهد الشرعية إلى المغرب من جديد ظاهرة صحية، وانبعاث إسلامي جديد؛ فلعلها إن شاء الله تعالى أن تكون من إرث جامع القرويين الذي كان يزلزل أركان الاستعمار، وكان الاستعمار يحسب له ألف حساب! إن الاستعمار كان يخاف من خريجي القرويين أكثر مما كان يخاف من رجال الأحزاب السياسية! وخريجو القرويين كانوا هم المجاهدين حقاً؛ إذ كانوا هم الذين أنشؤوا الحركة الجهادية بالمغرب. الأستاذ أحمد إبراهيم: لا شك أن انتشار دور القرآن الشعبية، والمعاهد الشرعية، راجع بالدرجة الأولى إلى انتشار الصحوة الإسلامية التي أدركت خطورة البعد عن القرآن، في أمة عرفت بحفظها للقرآن. ثم بالدرجة الثانية هو يرجع إلى حالة اليأس وخيبة الأمل التي أصابت الناس في التعليم الرسمي. وخير دليل على ذلك أن كثيراً من الناس يسعون لإلحاق أبنائهم بهذه الدور في العطل، وفي غير العطل، رغم تفوقهم في الدراسة؛ مما يدل على أن الرجوع إلى الأصل أصل. إلا أن هذه المعاهد الدينية يجب أن تجمع في برامجها بين العتيق والمعاصر. أي بين أصالة العلوم الشرعية، ومعاصرة العلوم الإنسانية، في زمن المعلوميات والحاسوب؛ لكي لا نكرر النموذج القديم الذي أثر عن زمن الانحطاط، وحتى تكون الدراسة بهذه المعاهد غاية وليست وسيلة للتكسب. فدراسة علم الحيوان، والنبات، والفلك، وعلوم الرياضيات بالغة الأهمية لتطوير هذا النموذج؛ حتى اللغات الأجنبية أرى أن تدرس بوصفها لغة، وذلك لتيسير مهام الخريجين في أمور الدعوة إلى الله. (البيان) : الملاحظ على الحركات الإسلامية بالمغرب، أنها في السنوات الأخيرة أهملت التعليم، ليس بوصفها قضية سياسية تناضل من أجلها وتجاهد؛ فهذا حاصل إلى حد ما، ولكن باعتبارها ممارسة تربوية في صفوفها، وفي إشعاعها الدعوي والاجتماعي العام؛ فهل ذلك يعتبر فعلاً من نافلة العمل الإسلامي ومحسناته؟ ومن هنا فلا خطورة في إهماله، أم أنه جوهر العمل الإسلامي، وركن من أركانه؛ فيكون الإهمال إذن نوعاً من الانحراف عن المنهج يهدد مستقبل العمل الإسلامي؟ د. خالد الصمدي: أعتقد أن الحركات الإسلامية الآن في المغرب لا تشتغل بمنطق الملفات، ولكن تشتغل بمنطق التعبئة لرد الفعل تجاه ما يلقى في الواقع من طرف الجهات الأخرى من تصورات ونظريات. وهذا أثّر بشكل كبير على ملف التعليم؛ بحيث لا نجد لدى الحركات الإسلامية المغربية اعتماد منطق الخبراء المتخصصين في أي مجال من المجالات كالمجال الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي ... إلخ. فالمفروض أن يكون هناك خبراء يشتغلون بإنجاز تصورات واضحة لملف التعليم على سبيل المثال بمختلف قضاياه وإشكالاته، وإنجاز البدائل العلمية، حتى إذا فتح ملف التعليم كان التصور واضحاً وناضجاً. لكن الأمر عكس هذا؛ بحيث نجد أن الحركات الإسلامية، حين تطرح قضية التعليم تفتقد حينئذ المشاريع الناضجة بالشكل الكافي؛ ولذلك تكون النتيجة هي العمل بمنهج ردود الأفعال، وانتقادات المقترح الآخر، وتحاول ما أمكن أن تدفع السلبيات أكثر مما تحاول أن تبني الإيجابيات؛ لأن بناء الإيجابيات معناه بناء بديل متكامل، لا مجرد النقد؛ لذلك أرى أن العمل الإسلامي اليوم في المغرب يشتغل بمنهج تقليص هامش الخطر عن طريق التدافع الإعلامي والسياسي. لكن إيجاد البديل الناضج الذي ينجزه خبراء عبر دراسات متقنة وموسعة في الزمن، وغير مضغوطة بردود الأفعال؛ فهذا أمر ما زال لم يتبلور بعد، وأعتقد أن الحركات الإسلامية قد تأخرت بشكل كبير جداً، في تبني مثل هذا التصور؛ لأن العمل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وغيره، هو عمل مؤسساتي. ولم يعد الظرف يسمح بوجود ردود الأفعال في مثل هذه القضايا. الشيخ محمد العمراوي: الحقيقة، أنا لا أريد أن أبخس الحركات الإسلامية حقها؛ فالإخوان جزاهم الله خيراً قاموا بجهود كثيرة في إعادة الوعي الإسلامي إلى الأمة من جديد، وإن كانت الحركة الإسلامية بالمغرب لها طبيعتها الخاصة؛ ففي النشأة الأولى كانت امتداداً للحركات الإسلامية في المشرق، أعني من حيث الفكرة. وهذا لا ينكره أحد. وأقصد الحركات التنظيمية. أنا عندما أتحدث في هذا الموضوع أفرق بين أمرين: بين الدعوة التي تمارس على مستوى الأفراد والعلماء، وبين الحركات الإسلامية التي هي تنظيمات سياسية، تنظيمات جمعوية، تنظيمات بأي شكل من أشكال التنظيم، أي العمل الدعوي المنظم. فهذه هي التي كانت في البداية امتداداً للحركة الإسلامية في المشرق من حيث الفكرة، ومن هنا فإن كثيراً مما تقوم به هو ردود أفعال، لواقع يعيشه المغرب، يعني أنها تتأثر بالمحيط، وتتأثر بالزمان والمكان، ومن ثم فبرامجها ورؤاها محاولة لإصلاحٍ هي محكومة به في الواقع. فهي اختارت أن تسير في هذا الطريق، ونحن لا نبخسها حقها على كل حال، وهي مشكورة على ما تقوم به، لكن أنا سمعت مرة من أستاذي الدكتور محمد حسن هيتو كلمة جميلة جداً، وأكررها في كثير من المجالس، قال: إن صلاح الدين الأيوبي لما قضى على الدولة الفاطمية في مصر؛ إذ كان هو آخر من أجهز عليها، فكر بأن يصدر مجموعة من القرارات والأوامر لإبطال كل مظاهر التشيع في المجتمع المصري، ونحن نعلم أن الدولة الفاطمية نشأت أول ما نشأت في المغرب، ولكنها بسطت نفوذها في مصر؛ وفي مصر أظهرت كل ما كانت تؤمن به من آراء وأفكار، ولم تستطع أن تظهر ذلك في المغرب، لا في ما يسمى بالمغرب الأقصى، ولا فيما يسمى قديماً في التاريخ بإفريقية التي هي تونس اليوم، ولم تستقر في المغرب الأوسط. ويذكر الشيخ الشاذلي النيفر ﵀ في مقدمة كتاب (المعلم على صحيح الإمام المسلم) للإمام المازري، أحد أئمة المالكية المشاهير، أنه لشدة مقاومة علماء السنة في القيروان لم تستطع العبيدية (الشيعة) أن تُظهر أياً من آرائها، ولا أفكارها، وقد عملوا أعمالاً كبيرة جداً على أن (يشرِّقوا) المغاربة، أي أن يحملوهم على آرائهم المشرقية، فلم يفلحوا في ذلك. قال: لشدة شكيمة أهل السنة، ولمقاومة العلماء. حتى إنه قال كلمة ينبغي أن يذكرها الناس، قال: رحم الله فلاناً، وفلاناً، وفلاناً من العلماء على صبرهم؛ لأنهم لو لم يصبروا لكفرت العامة. فالعلماء دائماً هم حصون الأمة، بهم تتترس من الكفر، ومن الانحراف، وما إلى ذلك. قلت: لما فكر صلاح الدين في أن يصدر القرارات والأوامر لإبطال كل مظاهر التشيع في مصر أتى إليه بعض العلماء ناصحين قالوا: لا تفعل هذا، وإنما أنشئ في كل مدينة مدرسة، ووظف فيها علماء وطلاباً يتعلمون العلم؛ فبهم ينتشر العلم في الأمة، ويقضون على مظاهر التشيع بشكل تلقائي، وعلى كل مظاهر الانحراف. فالأساس إذن في إصلاح هذه الأمة هو إصلاح الجذور، هو إصلاح الأعماق. والحركات الإسلامية الآن تتصارع صراعاً عمودياً، منشغلة برأس الهرم الذي هو العمل السياسي، والعمل الحزبي الذي يعني الصراع على مواقع النفوذ. وقبل يومين أو ثلاثة أيام قرأت مقالاً نقدياً لبعض الفضلاء من العاملين في المجال السياسي، يقول: إنه من الخطأ البين هو يرد التهمة عن نفسه أن نعتقد أنه بتولينا الحكم نستطيع أن ننفذ كل قراراتنا. قال: هذه تجربة خاضها الماركسيون فأفلسوا. إنما كل ما فعلوه أنهم حكموا الناس بالاستبداد، وبالظلم، وبالقهر، وأرادوا أن يمرروا على الناس آراءهم بالحديد والنار! لا بد من إيجاد قاعدة. إذن كيف توجد هذه القاعدة؟ إنما توجد هذه القاعدة بنشر العلم والتعلم. فالصراع السياسي والتدافع فيه مفيد بالنسبة إلينا، لا ننكره، والمعركة الاجتماعية هي أيضاً باب من الأبواب الكبرى، ولكن أصل العلاج، وبداية الدواء، هو أن نؤسس مجموعة من المؤسسات التعليمية لتخريج أجيال تؤمن بما ندعو إليه، تحمل هذا الهم، تحمل هذا الفكر؛ لأن الناس اليوم هم طلاب خبز، حتى إذا وصلت ما وصلت إليه انقلبوا ضدك، وانتفضوا عليك! الأستاذ أحمد إبراهيم: لا أتصور أبداً أن تغيب قضية التربية والتعليم في المجال الدعوي عن أي حركة إسلامية يمكن تسميتها بحركة إسلامية. فإذا أمكن أن يعيش الجسد بدون روح فيمكن آنذاك أن نقبل القول بوجود حركة بدون تربية، حتى ولو كنا نتحدث عن أي حركة أخرى غير إسلامية. إن حركة لا تبالي بالتربية والتعليم هي كالبرتقالة التي أفرغت من لبها، ولم يبق إلا قشرتها! فماذا سيأكل من اشتراها؟ (البيان) : كلمة أخيرة للأستاذ الدكتور خالد الصمدي، هي عبارة عن سؤال (تربوي) حول منهجية ما يسمى بـ (أسلمة مناهج التعليم الرسمي) . فهل لديكم فضيلة الأستاذ تصور خاص عن إدماج المادة الإسلامية في كل الشعب التعليمية بالمغرب، وبكل الأسلاك، وجميع التخصصات؛ باعتبار أن كل المغاربة كيفما كانت تخصصاتهم يجب أن يعرفوا دينهم؟ د. خالد الصمدي: هذا سؤال واسع ومفتوح، لكن يمكنني أن أتحدث فيه على مستويين: المستوى الأول: هو إدراج لا أقول المادة الإسلامية ولكن أقول: القيم الإسلامية، في مختلف المواد الدراسية في التعليم العام. والمستوى الثاني: هو تدريس مادة التربية الإسلامية بجميع الشعب، باعتبارها مادة مرتبطة أساساً بالقيم الإسلامية. إذن؛ هناك إطار عام، وإطار خاص. الإطار العام: هو إطار أسلمة التعليم، والإطار الخاص: هو محاولة تقوية موقع مادة التربية الإسلامية. وأنا أرى أن إدماج القيم الإسلامية في مختلف المواد الدراسية بالتعليم العام يمر عبر مجموعة من المحطات: المحطة الأولى: هي محطة تفصيلية. وأقصد بالتفصيلية: محاولة بيان طبيعة العلاقة التي يمكن أن تربط مختلف المواد الدراسية بالقيم الإسلامية كأهداف؛ بحيث إن أستاذ التاريخ مثلاً يستهدف إدماج تلك القيم، وكذلك كل من أساتذة الجغرافيا والرياضة والعلوم الطبيعية ... إلخ. وهذا يحتاج إلى بحث تربوي يؤصل لكيفية إدماج القيم الإسلامية في مختلف المواد. وأما المحطة الثانية: فهي تتمثل في تكوين المدرسين؛ ذلك أننا لا نجد إشكالاً في وجوه الربط بين القيم والمواد الدراسية، ولكن قد نجده في الربط بينها وبين المدرس. فالمدرس الذي سينقل هذه القيم عبر أي مادة تعليمية هو المحطة الهامة هنا؛ إذ يجب أن يكون رجلاً مقتنعاً بهذه القيم أولاً، ثم يحاول نقلها إلى التلاميذ عبر مادته التعليمية. وأما المحطة الثالثة: فهي إعادة النظر في البرامج والمناهج؛ بحيث إن الهدف العام للتعليم هو تكوين المواطن المسلم المعتز بدينه وعقيدته، فينبغي للأهداف الخاصة المرتبطة بكال مادة على حدة أن لا تخرج عن هذا الهدف العام، على عكس ما نلاحظه نحن في نظامنا التعليمي الحالي القائم في الأهداف العامة على تكوين المواطن المسلم، ولكن الأهداف الخاصة قد تناقض هذا الهدف العام؛ بحيث قد تتضمن بعض المواد مجموعة من الدروس التي تناقض الهدف العام، وتطعن في مقومات الشخصية الإسلامية. وهذا ما يجعل التلميذ يعيش تناقضاً في شخصيته. هذه محطات ثلاث أعتقد أنها مهمة جداً لبناء تصور واضح لإدماج القيم الإسلامية في مختلف المواد الدراسية. هذا الإطار العام. أما الإطار الخاص الذي هو إطار مادة التربية الإسلامية فينبغي أن تكون مقرراتها ومحتوياتها لها امتداد في جميع التخصصات والشعب الأخرى؛ ولذلك أعتبر أن أخطر مادة للتدريس هي مادة التربية الإسلامية! على اعتبار أن محتوى المادة له ارتباط بما هو تاريخي، وما هو اقتصادي، وما هو اجتماعي، وما هو بيئي.. إلخ. وهذا يقتضي من الأستاذ أن يطلع على المواد الأخرى اطلاعاً عاماً إلى جانب تخصصه في المادة الإسلامية. لذلك كانت التربية الإسلامية هي المادة المحورية التي ينبغي أن نعطي لبرامجها ومناهجها الأهمية الكبرى. (البيان) : نشكر الأساتذة الكرام جزيل الشكر، راجين من الله جلت قدرته أن يحفظ هذه الأمة، ويعصمها من الزيغ والضلال، وأن يقيض لها من يقوم بتربية أجيالها على هدى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 4194

آفاق ثقافة التساؤل د. عبد الكريم بكار المتأمل في مداولاتنا الفكرية في وسائل الإعلام، وفي مجالس السمر، وفي كل مكان يجد أن ما نردده اليوم من شكوى حول سوء أوضاعنا، وما نطرحه من حلول هو عين ما ردده أسلافنا قبل أكثر من قرن من الآن. وإذا شئت أن تستوثق من ذلك، فارجع إلى مداولات المؤتمر الإسلامي الوهمي الذي صوره لنا الكواكبي في كتابه (أم القرى) . ونحن إلى الآن غارقون في طرح المشروعات الحضارية التي نعتقد أنها ستخرج الأمة من مشكلاتها المتأسنة. وأملي أن نكف عن ذلك مؤقتاً؛ فقد حصل لدى الناس تشبُّع من الحلول والمقترحات النهضوية، وقد وصلوا إلى حافة اليأس والإحباط! دعونا الآن نخطو في اتجاه طرح الأسئلة حول الحلول التي قدمت: لماذا نملك قدراً هائلاً من المشروعات والمقترحات والحلول لكل أدوائنا، ونملك مع ذلك أضعف نتائج على الصعيد العملي؟ ! قد يكون من المفيد أن نعقد لكل مشكلة كبرى جلسات لعصف الأفكار، لا تُقدَّم فيها الحلول، ولكن تثار فيها التساؤلات، ونتداول فيها التعليلات بغية فهم أعمق لطبيعة المشكلات والأزمات التي تعاني منها الأمة. لا ريب أن طرح الأسئلة فن كبير، وما يحتاجه من ثاقب النظر وواسع الخبرة لا يقل بحال عما يحتاجه تقديم الأجوبة والحلول. وليس من باب التشاؤم القول: إننا لا نملك الأدوات الفكرية والمعرفية التي تمكننا من طرح أسئلة عميقة ومعقدة. ونحن إذ ندعو إلى تكثيف طرح الأسئلة نأمل أن نرتقي في هذا المجال الحي، ونمتلك عتاده المطلوب. إننا من وراء طرح مزيد من الأسئلة لا نطمع في قطع دابر الخلاف حول تحديد جوهر مشكلاتنا أو تحديد أكثرها خطورة؛ فذاك أمر قد يكون عسير المنال في المدى المنظور؛ لكن الذي نطمح إليه هو إيجاد أسس متينة للخلاف وبناء معقوليات وأطر تتحرك داخلها أقوال المتحاورين والمنظرين والمشخصين؛ مما يضيق بدوره دائرة الخلاف، ويقرب بين الأقوال المتباينة. في جلسات عصف الأفكار يطرح كل واحد من المشاركين ما شاء من أسئلة وتعليلات دون أن ينقده أو يرد عليه أحد. ويقوم أحد المشاركين بتلخيص كل ما قيل وتوزيعه على الحاضرين، وفي جلسة تالية يتم القيام بمناقشة حصيلة الجلسة السابقة وغربلة ما قيل فيها من أجل تحديد الأسئلة والتعليلات الأكثر محورية، وتلك التي لاقت استحسان معظم المشاركين، واستبعاد غير الجوهري. وإذا تم التحضير الجيد للموضوعات التي سيتم التساؤل حولها؛ فإن ما يمكن أن نحصل عليه قد يكون أكبر بكثير مما نظن. وللحديث بقية. والله ولي التوفيق.

стр. 4195

المسلمون والعالم العصر الروماني الحديث قراءة في واقعنا السياسي د. يوسف بن صالح الصغير [*] Yosof@albayan-magazine.com قامت الإمبراطورية الرومانية على أنقاض الحضارة اليونانية، وعاشت فترة تمثل ما يمكن تسميته: (القطب الواحد) فهي دولة استعمارية ذات حضارة مادية وثنيةٍ العدلُ فيها والحرية والسلطة والثروة هي فقط لطبقة الأسياد من الرومان؛ أما البقية فهم عبيد؛ حتى الشعوب الخاضعة لهم مستعبدة لم تشاهد من الحكم الروماني سوى القلاع والمدن العسكرية، وحتى الطرق المرصوفة فهي أساساً لأسباب عسكرية، أما المسارح الرومانية فهي خاصة للترفيه عن الطبقة الحاكمة، وهي تعبّر عن نفسية الروماني ونظرته للآخرين، إنها مسارح ضخمة بُذلت جهود كبيرة في بنائها. أما النشاطات فهي تتراوح بين مصارعة رومانية، أو سباق للعربات، وبين تمثيل واقعي للمعارك البحرية تتقابل فيها السفن وتتقاتل ويموت البشر.. آسف لا إنهم مجرد عبيد يموتون في سبيل إسعاد الأسياد. وأخيراً يمكن التلذذ بمشهد الصراع بين الإنسان والحيوان المفترس، والمعركة تنتهي غالباً بأكل الضحية البائسة أمام الجماهير، وأحياناً بانتصار البطل؛ إنها مجرد عقوبة شائعة للعبيد الآبقين. وفي النهاية سقطت الدولة الرومانية ولم تخلف للعالم سوى مجلس للشيوع وبقايا حجرية تحكي قصة حضارة مادية لم يبق لها أثر في واقع الناس أو أفكارهم؛ لأنها مجرد قوة غاشمة مرت وولت؛ ولأنها حجرية لم يبق منها سوى الحجر. والذي يهمنا هنا أننا نعيش اليوم في عصر روماني جديد تمثله الولايات المتحدة الأمريكية؛ إنها حضارة مادية مجردة من الفكر تعبد القوة وتحلم بالسيطرة الكاملة على العالم. نعم! لقد أقامت الهيئات السياسية والاقتصادية العالمية مصدرةً من خلالها الأنظمة والقوانين ذات البريق والتي تطبقها أحياناً على من تشاء، وتدوسها عندما تشاء؛ فمثلاً عقدت محاكمات عديدة لمجرمي الحرب منذ الحرب العالمية الثانية حوكم فيها الأعداء ولم يحاكم فيها غربي واحد من غير النازيين من الذين أحرقوا المدن الألمانية وقتلوا مئات الآلاف من المدنيين في أوروبا أو من الذين دمروا طوكيو ومن بعدها هيروشيما وناجازاكي، أو من الذين دمروا المدن الكورية والفيتنامية! أما في بلاد المسلمين فقد حصلت الجرائم الفظيعة ضد الشعوب المستضعفة؛ فأين محاكم مجرمي الحرب عمن قتل الآلاف واستعمل الأسلحة المحرمة في مراكش والجزائر وليبيا ومصر؟ ! وأين هم من جريمة سلب فلسطين من أهلها وتسليمها لحلفائهم من اليهود؟ ! وأين هم مما يجري في كشمير والشيشان؟ ! إنها ببساطة مبادئ وقوانين مصابة بعمى الألوان. والأدهى من ذلك أن النظام التشريعي والقضائي الأمريكي قد تعرى ولم يصمد أمام التجربة الحالية، وأصبح مجلس الشيوخ والنواب لا يختلف عن مجالس الشعب واللجان المركزية في مظاهر التصويت الصورية التي لا تصدر عن نقاش وطرح فكري، بل هي مجرد صدى لموقف سياسي فوقي يراد له أن يسود..! إذا كان الهوس بالقوة وإظهار التفوق قد أبرز في العصر الروماني الأول عن طريق المسابقات الدموية التي سبق ذكرها فإننا نجد الشبيه بها والبديل عنها هو الكم الهائل من إنتاج هيوليود والآلة الإعلامية الأمريكية الذي يدور حول محور أساسي هو محاولة تسويق فكرة التفوق في كل شيء حتى في المثل العليا وطريقة الحياة والأكل. ويتبين لك مدى التزييف المتعمد عند استعراضك كيفية عرض وتسويق وجهة النظر الأمريكية في عملية إبادة السكان الأصليين وتصويرهم أنهم أناس بدائيون لا يستحقون إلا الموت؛ لأنهم لم يرحبوا بالمستعمرين ويرحلوا طوعاً عن ديارهم من أجل رسل التطور وطليعة السلام؛ ولأنهم مارسوا العنف كما يمارسه الشعب الفلسطيني الذي يتطلع قادته الحاليون للتدخل الأمريكي النزيه! إن المفهوم الأمريكي للحق والعدل يعني القوة والقوة فقط، وكما قيل فإن المنتصر هو الذي يكتب التاريخ. لقد كتب المنتصرون تاريخ الحرب الأهلية الأمريكية، وصوروها زوراً وبهتاناً أن مئات الألوف من البيض ماتوا في سبيل تحرير العبيد. والذي حصل هو مجرد تحول العبيد من عمالة مجانية في مزارع الأغنياء في الجنوب الأمريكي إلى عمالة رخيصة في مصانع الرأسماليين الشماليين. وأيضاً فإن المنتصر هو الذي كتب تاريخ الحربين العالميتين الأولى والثانية والتي لا تعدو كونها حرباً نشبت بين الذين تداعوا على القصعة ولم يتفقوا على القسمة، وهي بالنسبة لأمريكا حرب أخلاقية عادلة؛ لأن ألمانيا هددت التوازن في أوروبا والشرق الأدنى، واليابان قد اعتدت على المستعمرات الأوروبية في آسيا مما يعني أن من حق أوروبا الغربية وأمريكا احتلال الهند وجنوب شرق آسيا والفلبين وإندونيسيا، وليس هذا من حق اليابان؛ لأنه استعمار آسيوي بغيض. ونحن هنا لا نقول إن الاستعمار الياباني حسن، ولكن الحرب هي مجرد تنافس استعماري ليس له أي جانب أخلاقي. ونعود إلى تأكيد أن القوة هي الأداة الوحيدة في نظرهم التي تجعل حججك مقبولة وأقوالك معتبرة ومفهومة. ولقد صورت الدعاية هتلر على أنه مجرم العصر، وتعاملت في الوقت نفسه مع السفاح ستالين وتحالفت معه واتفقت معه في مؤتمرات طهران والدار البيضاء ويالطا على تقاسم العالم. وبعد مرحلة التحالف الشيوعي الغربي ضد الفاشية والنازية البغيضة أصبحت الشيوعية التي تنافس الغرب على العالم هي الوحش الكاسر، ورفع شعار تحرير أوروبا الشرقية، وظهرت الدعوات لاتحاد المؤمنين ضد الملاحدة، وبرزت الدعوة للحوار بين الأديان، ولكن ما أن تداعى النظام الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفييتي حتى رفع الغرب شعار صراع الحضارات، وبدأت البحوث والدراسات تحذر من خطر الإسلام، وظهرت أفلام عنف تمثل الشخصية العربية المسلمة في قالب العدو الشرس، وتراجع الهندي الأحمر والألماني والياباني والروسي والفيتنامي ليحل محله صاحب اللباس العربي واللحية الطويلة في عملية إعداد وتهيئة لغوغاء الغرب للدخول في صراع طويل مع العدو الجديد. ولا يفوتنا هنا تداخل هذه الأفلام مع أفلام رعب خيالية تساهم في تشكيل الشخصية النمطية للفرد الروماني الحديث المستعد لتطبيق المشاهد التلفزيونية والكمبيوترية على أرض الواقع في حروب أهم ما فيها هو النصر والنصر فقط، أما سبب الحرب وأسلوبها فهي أشياء ثانوية؛ وقد دخلت روما الحديثة حربها التلفزيونية الأولى مع العراق وهي حقاً حرب تلفزيونية سهلة تشبه ألعاب الكمبيوتر: الخسائر فيها من طرف واحد، وهي تحاول تكرار التجربة في حربها الثانية في أفغانستان؛ فهل تنجح أم أن هذه الحرب ستكون مختلفة في وسائلها وتداعياتها؟ وهل تستطيع روما الجديدة تحقيق النصر في حرب تحتاج إلى أكثر من القوة المجردة؟ هذا ما سأحاول إلقاء الضوء عليه عن طريق تحليل مجريات الحرب في أفغانستان، وتلمس الاحتمالات التي يمكن أن تؤول إليها الأحداث. حكومة التحكم الآلي: حتى نتصور حال الحكومة المفروضة على أفغانستان فإنه يكفي مراقبة تصرف رئيس الحكومة المعين حامد قرضاي فإنه من خلال جولاته في روما لمقابلة الملك، أو في طوكيو في اجتماع الدول المانحة، أو خلال مراسم التنصيب، أو أثناء انعقاد مجلس الوزراء يتصرف كالتائه؛ فهو في حركته يكثر التلفت والوقوف؛ فهو يجمع بين عدم الثقة والخوف والإحساس بالعجز، وهو رجل أمريكا المعين على مضض؛ فلم تكن الأحداث المتسارعة تسمح بالتأني في اختيار الرجل المناسب، ولم يكن يدور في خلده أو خلد أمريكا أنه سيصبح رئيس حكومة أفغانستان؛ فقد كانت مهمته الأصلية مجرد إزعاج طالبان في جنوب أفغانستان ومحاولة تأليب القبائل ضدها، وقد سبقه في مهمة مماثلة من هو أقدر منه وهو المجاهد السابق عبد الحق الذي كلفته أمريكا بمهمة ضد طالبان، ولكنه وقع في أسر طالبان وتم إعدامه، أما قرضاي فقد تم إنقاذه من مصير مشابه عن طريق الطائرات الأمريكية، وكان دوره هو قيادة بعض رجال القبائل المناوئين لطالبان، وهو في ذلك الدور أضعف من القادة الجدد في جلال آباد الذين شاركوا في مطاردة القاعدة في تورا بورا، وأيضاً لا يبلغ قوة حاكم قندهار السابق الذي أعاد السيطرة عليها بعد انسحاب طالبان منها، وكان اختياره لتمثيل البشتون نابعاً من أنه إذا كان الآخرون من أعداء طالبان لهم تاريخ أسود فهو ليس له تاريخ؛ فهو مجرد زعيم قبلي حديث العهد يحمل الجنسية الأمريكية طرح اسمه وفرض ترشيحه في المراحل الأخيرة من مؤتمر روما، وتم تنصيبه وفوق رأسه صورة ضخمة لأحمد شاه مسعود القائد العسكري الحقيقي السابق للجمعية الإسلامية التي تسيطر على كابل؛ مما يدل على حقيقة القوى على الأرض في كابل؛ حيث يعتمد قرضاي في كابل على القوات الدولية وهي قوات تابعة لحلف الأطلسي تستظل بعلم الأمم المتحدة. ونظراً لعدم قدرة قرضاي والقوات الدولية على السيطرة على كابل بدون قوات أفغانية فقد تراجعت الحكومة عن إخراج قوات الجمعية، واستبدلت ذلك بتعيين دوستم نائباً لوزير الدفاع لإيجاد توازن ظهر أثره في الصراع الدموي بينهما في قندز والمناطق الحدودية مع طاجكيستان. وإذا كانت السيطرة على كابل مشكلة فإن بسط السيطرة على مختلف الولايات مشكلة أخرى بلغ من صعوبتها أن القوات المساندة لأمريكا والتي تستظل بعلم الأمم المتحدة قد حصرت مهمتها في حماية المؤسسات الحكومية في كابل فقط وحماية قوافل الإغاثة إذا كان هناك قوافل، وقبلت بريطانيا قيادتها لمدة ثلاثة أشهر فقط يتم بعدها توريط دولة أخرى يبدو أنها ألمانيا، بيد أن هناك مطالب بقيادة أمريكية لكل القوات من أجل القضاء على التناقض القائم بين مهمة تثبيت الحكومة في كابل ومهمة أخرى غير واضحة؛ لأنها ترفع شعار القبض على أسامة بن لادن حيناً، والقضاء على جميع أعضاء القاعدة حيناً آخر. أما بالنسبة لطالبان فالأمر كذلك فيه تردد في طريقة التعامل؛ فهو أحياناً الإبادة في الشمال ورفع شعار أنه لا مكان للأسرى في هذه الحرب. وأحياناً أخرى إعلان الاكتفاء بنزع السلاح في المناطق الجنوبية، ولكن الثابت أن القوات الأمريكية ترى أن لها الحق بالقيام بأي عمل عسكري أو أمني بدون الرجوع لأي جهة في أفغانستان حتى لو كانت حكومة يرأسها شخص فرضته هي نفسها. وإذا كان هناك اسم يمكن إطلاقه على حرب أمريكا في أفغانستان حتى الآن فهو (حرب المرتزقة) ؛ فنحن أمام حرب يحركها المال، والمصالح المتشابكة فيها نجاحات وإخفاقات للجانبين؛ مع العلم أن الحرب ما تزال في بداياتها؛ فقد انتهت المرحلة الأولى وهو ما يمكن تسميته الحرب التقليدية أو الحرب الجوية أو الحرب التلفزيونية؛ حيث إن عدم التكافؤ في آليات هذه المرحلة جعلها تمارس من طرف واحد، وأصبح همُّ الطرف الآخر وهم طالبان الخروج من هذه المرحلة بأقل الخسائر الممكنة والوصول إلى وضع يمكن معه تدشين مرحلة جديدة يمكن فيها لطالبان ومن معهم من المجاهدين الدخول في مواجهة مباشرة غير تقليدية يملكون فيها عناصر تفوُّق على الخصم المحروم من استخدام قوته المفرطة أمام عدو غير محدد بوضوح لا من حيث الهيئة ولا من حيث الوجود الجغرافي، وهذه المرحلة تعتبر المرحلة الثالثة. أما المرحلة الحالية فهي المرحلة الثانية وهي مرحلة انتقالية؛ حيث تمكن الطالبان من تجاوز المرحلة الأولى بنجاح. وهمّ كل طرف من الأطراف الاستعداد للمرحلة التالية؛ فمن جانب القوات الأمريكية فهي تحاول جاهدة جس نبض المجاهدين عن طريق عمليات خاطفة تريد منها أيضاً رفع معنويات قواتها؛ وكانت النتيجة عكسية نظراً للقصور الاستخباراتي الشديد؛ فقد أعلنت القوات الأمريكية قيامها بعمليات تفتيش في قندهار ومهاجمة بعض مخيمات البدو الأفغان، وكانت النتائج سلبية، وقد تبين لها أيضاً أن جميع الأسرى لديها ليس لهم علاقة مباشرة بالقاعدة لحداثة عهدهم بالجهاد في أفغانستان؛ ولذا لجأت إلى مهاجمة الجرحى المتحصنين في المستشفى الصيني في قندهار لعلها تقبض على أول العناصر التي يغلب على ظنها أنهم من القاعدة، لكنها لما لم تستطع القبض عليهم أجهزت عليهم جميعاً. ومن جانب آخر تستعين القوات الأمريكية الخاصة بقوات بريطانية وأسترالية تفوقها في القدرات الفردية، ولكن حتى الآن لم تنجح القوات الأمريكية في استثارة المجاهدين للبدء بحرب العصابات؛ لأن عدد القوات الأمريكية الحالي لا يغري ببدء مرحلة يراد منها أكثر من إخراج القوات الأجنبية؛ فالهدف يجب أن يكون هزيمة الجيش الأمريكي وإذلاله؛ وهذا لا يحصل إلا عندما يتضاعف العدد، ويكون فيه الانسحاب أصعب من الاستمرار في حرب مكلفة. ويلاحظ في هذه المرحلة الانتقالية توجس المرتزقة الأفغان واستعدادهم للمرحلة القادمة بتقديم خدمات للمجاهدين، وإطلاق بعض الأسرى، وحماية الأسر، والامتناع عن القيام بعمليات مؤثرة ضد المجاهدين؛ وكل هذا ليكون لهم يد عند المجاهدين في مستقبل الأيام، ولم يشذ عن هذا حتى قرضاي؛ حيث قام بإطلاق مئات الأسرى من طالبان من أجل إظهار حسن النية، ولا يكون إظهار حسن النية إلا لطرف موجود يرجى ويخشى. أما نجاح المجاهدين الكبير فهو التواري عن الأنظار ومعهم سلاحهم الخفيف والثقيل؛ مما أوقع عدوهم في حيرة وارتباك من هذا العدو الموجود وغير الظاهر للعيان. حرب أفغانستان: ملامح وتوقعات: إن أهم خصائص الحرب الأفغانية: هو كونها حرباً دينية؛ فقد أعلن بوش أنها حرب صليبية، وقد أعلن علماء أفغانستان الجهاد في حالة حصول العدوان الأمريكي وهو الذي حصل. ويمكن إيجاز خصائص وملامح الحرب الأخرى بما يلي: ١ - إنها حرب أحلاف؛ ففي جانب وقفت دولة روما الجديدة وأجبرت دول العالم الأخرى على الوقوف معها، وفي الجانب الآخر كان هناك تأييد شعبي كبير في العالم الإسلامي مع تعاطف عالمي على مستوى الأفراد، وكانت القوات المتجهة إلى أفغانستان بين رسمية مع أمريكا، ومتطوعين أفراد وجماعات متحمسين للجهاد مع طالبان. ٢ - التركيز على القوة الجوية واستعمال الأسلحة الذكية والمحرمة، ونشر الألغام، وتدمير البنى التحتية؛ مما يدل على عدم مراعاة المرحلة التالية وهي إقامة نظام بديل وإعادة إعمار أفغانستان كما يدعون. ٣ - تعمد قصف الأهداف المدنية؛ حيث تم استهداف الأحياء السكنية والقرى ومراكز توزيع الإغاثة؛ وذلك من أجل الضغط الأدبي على طالبان من أجل إخلاء المدن والتجمعات السكنية خاصة بعد اكتشاف تأثير الحملة الجوية الضئيل على القدرات العسكرية لطالبان والقاعدة. ٤ - عدم وضوح الخطة السياسية للتعامل؛ حيث حاولت أمريكا في البداية استرضاء باكستان وتوريطها عن طريق تبني وجهة نظرها في محاولة شق طالبان وتأليب القبائل مع تجاهل التحالف الشمالي المدعوم من قبل روسيا وإيران. ولكن بعد إخفاق هذه السياسة اضطرت للتنسيق مع التحالف الشمالي وتأمين الغطاء الجوي له، وتقدمت قوات الشمال المدعومة بالمرتزقة الروس والحرس الثوري الإيراني تحت غطاء القاذفات الأمريكية، وتمكنت من احتلال مزار الشريف. ٥ - ارتباك عملية تشكيل الحكومة الأفغانية نتيجة انسحاب طالبان السريع في كابل، ودخول قوات الجمعية الإسلامية، وإعلان رباني نفسه رئيساً لأفغانستان من جديد، وكان الروس يطلقون عليه: الرئيس الشرعي. أما أمريكا وحلفاؤها فيطلقون عليه الرئيس المعزول، وفعلاً تم عزله وتعيين قرضاي ولكن مع بقاء وزرائه الأساسيين في الدفاع والداخلية والخارجية. ٦ - السادية في التعامل مع الأسرى العزل؛ ولم تتردد القوات الأمريكية في استعراض عضلاتها أمام الأسرى في قلعة جانجي التي هي بقدر ما وصمة عار لأمريكا وبريطانيا اللتين تبجحتا في البداية بمشاركة قواتهما في المجزرة مع قوات الهزارة الرافضية ودوستم الشيوعية؛ فإنها وسام للمجاهدين الذين فضلوا الموت بشرف بدل الموت بذل ومهانة أثناء التحقيق الهمجي الذي كان يمارس معهم. وقد اكتشفت ١٥٠ جثة في ساحة القلعة مقيدة الأيدي! ومع ذلك فإن وزير خارجية بريطانيا ووزير الدفاع الأمريكي لا يريان داعياً للتحقيق؛ لأن الأسرى قتلوا وانتهى الأمر، ولكن ما يزال الواجب هو تسجيل هذه الجرائم وتوثيقها وجمعها مع مهزلة أسرى غوانتنامو التي أدت الغطرسة الأمريكية في التعامل مع الأسرى إلى عكس المراد، وأدت إلى انشقاق علني في مواقف وزير الخارجية ووزير الدفاع مع ردود الأفعال السلبية حتى بين الجمهور داخل أمريكا. ٧ - تنامي التعاطف الشعبي مع طالبان داخل وخارج أفغانستان؛ فقد أدى تدهور الأمن وعودة الأمور إلى ما قبل طالبان إلى الحنين إلى أيام طالبان، والمجاهدين العرب الذين حاول الإعلام تشويههم؛ فقد صعقت جماهير الأفغان الغفيرة التي تزور قبورهم في قندهار مع وجود حكومة قندهار العميلة ومن وراءها. أما في الخارج فقد عاد اهتمام الناس بأفغانستان، وسيؤدي تطور الأحداث واشتداد العمليات إلى تجذر هذا التعاطف وتناميه. ٨ - محاولة الغرب الاستئثار بأفغانستان واتخاذها قاعدة مركزية لمراقبة الصين وروسيا والتحكم في باكستان وإيران. ئوتبين هذا من اقتصار القوات المشاركة على قوات حلف الأطلسي تحت علم الأمم المتحدة في كابل، ومشاركة كندا وأستراليا مع القوات الأمريكية، وسيكون لهذا التجاهل لمصالح الدول المحيطة أثر كبير في مستقبل الأحداث. ٩ - ضعف الموقف الرسمي الإسلامي وتجاهله لمخاطر الانتصار الأمريكي السهل في أفغانستان، وأنه سيقوي شهية القيصر الجديد لالتهام دول أخرى وإعادة تشكيلها. ١٠ - الارتباك الشديد الذي يسود الإدارة الأمريكية وقيادة القوات الأمريكية في كيفية التصرف أمام حرب عصابات متوقعة في أفغانستان تتزامن مع عمليات انتقامية قد تقع حتى داخل أمريكا، والمشكلة الأساسية هو حرص الإدارة على نصر بدون أي خسائر معلنة؛ وذلك أمام عدو لديه استعداد للمواجهة حتى الموت! وإذا كان خيال حرب فيتنام وهزيمة الروس في أفغانستان ماثلاً أمام القيادة الأمريكية فإن الصمود البطولي في الشيشان يمثل المثال الذي يحتذى أمام قيادة المجاهدين؛ حيث إن عملية الانسحاب من كابل وقندهار والصمود في تورا بورا يشبه إلى حد كبير عملية الانسحاب في جروزني والانحياز إلى جبال القوقاز. وأخيراً فإن أهم ما أفرزته الأحداث وسيكون له أثر كبير على مستقبلها هو أن العلاقة بين طالبان والقاعدة لم تعد هي العلاقة بين إمارة إسلامية ذات إطار محلي داخل أفغانستان توفر الحماية والملجأ لتنظيم جهادي عالمي إلى شبه اندماج سيفرز حركة جديدة تزداد تجانساً كلما طالت الحرب في أفغانستان والتي تعتمد أساساً على قدرة أمريكا على تحمل تبعات الحرب وتكاليفها؛ مع العلم أن انسحاب أمريكا من أفغانستان يستلزم تقليص أو إزالة الوجود العسكري الأمريكي في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وكما قال بوش إنها الحرب العالمية الأولى في هذا القرن؛ ولذا فإن الحرب قد تخرج عن نطاق أفغانستان لتشمل وسط آسيا وشبه القارة الهندية التي تشهد عملية تسخين بين الهند وباكستان قد تؤدي إلى نشوب حروب تخلط الأوراق.

стр. 4196

المسلمون والعالم ماذا وراء التصعيد الهندي لضرب باكستان ؟ حسن الرشيدي في عام ١٩٤٧م وعقب إعلان قيام دولة باكستان أعلن أكبر علماء التكنولوجيا المسلمين في مختلف التخصصات رغبتهم في مغادرة الهند والتوجه للاستقرار في باكستان، وأظهرت الهند حينئذ عدم ممانعتها في هذا الخروج الجماعي، واستقل آلاف العلماء القطار المتجه إلى باكستان وكان على القطار عبور نفق في أحد الجبال على الحدود بين الدولتين، وتجمهر عدد كبير من الباكستانيين على الجانب الآخر من النفق ابتهاجاً بوصول هؤلاء الصفوة من العلماء الذين هم كنز باكستان وأملها الذي تنتظره في بداية نهضتها؛ وإذا بالقطار بعد أن عبر النفق يمتلئ بجثث هؤلاء العلماء وقد ذبحوا بالحراب والخناجر؛ فقد قتلهم عصابات الهندوس وأفنوهم عن بكرة أبيهم. كانت هذه الحادثة إيذاناً ببدء مذابح نصبها الهندوس للمسلمين عقاباً لهم على جرأتهم ومطالبتهم بدولة مستقلة عنهم، ووصل عدد القتلى من المسلمين إلى أكثر من مليون قتيل في أوسط التقديرات لضحايا هذه المذابح، وأضيفت هذه المصيبة إلى مثيلاتها في واقع المسلمين المعاصر وصارت خنجراً مصوباً إلى الجسد الإسلامي ضمن مئات الخناجر التي تطعن فيه، ومن حينهاً كان الصراع الذي ظل حتى هذه الساعة بين المسلمين والهندوس عباد البقر. وكانت إحدى حلقاته تلك المواجهة الأخيرة؛ وذلك بعد أن أسفر الهجوم الانتحاري على البرلمان الهندي في ١٣/١٢/٢٠٠١م عن توتير العلاقات بين إسلام آباد ونيودلهي وصلت إلى حد حشد القوات على الحدود والتهديد باستخدام السلاح النووي. ولتحليل هذا الصراع وسبر أغواره وإدراك السنن والقوانين المتحكمة فيه؛ ومن ثم توقع تطوراته وأشكال تمدده لا بد من إطار تحليلي يأخذ في اعتباره عدة أمور: * الإصرار الهندي على توتير الأجواء في ذلك التوقيت والتمسك برفض جميع الوساطات. * الانحياز الأمريكي البريطاني لموقف الهند في هذه المواجهة الأخيرة، وعلاقة الحرب الأمريكية في أفغانستان بهذه المواجهات. حقيقة الموقف الباكستاني والإصرار الهندي على التصعيد: تنظر الهند إلى نفسها بإمكانياتها الضخمة باعتبارها قوة كبرى تتمتع بالعوامل التي تؤهلها لذلك؛ فهي تملك عدداً هائلاً من السكان، ومساحة جغرافية واسعة مديدة، وإمكانيات اقتصادية وتقنية عسكرية ضخمة. كل ذلك جعل نظامها السياسي منذ استقلالها عن بريطانيا يحاول إثبات هيمنته ليس داخل الدائرة الإقليمية فحسب؛ بل يمتد على المستوى الدولي. ويدرك أركان النظام أن هذا الدور لن يتم إلا عبر اعتراف الدول الأخرى بدورها الإقليمي في المنطقة، وأنها اللاعب الأساسي في جنوب آسيا. ولكن تبقى هناك عدة عقبات في سبيل تحقيق هذا الطموح هي: اعتراف الدول الكبرى الأخرى، ومنافسة باكستان وتنامي التطلعات الانفصالية بداخلها. مسارات الهند لتحقيق أهدافها تلك: ١ - افتعال مشكلة كشمير بينها وبين باكستان لتكون ورقة ضغط عليها لتبقى باكستان في إطار وحجم معين تحت الهيمنة الهندية؛ فقد نص قانون استقلال الهند على أن الإمارات داخل الدولة الهندية حرة في أن تنضم إلى أي من الهند أو باكستان أو أن تبقى مستقلة مع الأخذ في الاعتبار بعض العوامل مثل الوضع الجغرافي ورغبات الشعب. ولكن الهند تجاهلت هذا المبدأ عند الاستقلال وخصوصاً في ما يتعلق بإمارات جوناكره (غرب الهند) وحيدر آباد (جنوب الهند) وكشمير (شمال) . وكان في الإمارتين الأوليين غالبية هندوسية يحكمها أميران مسلمان، أما في كشمير فكان الوضع على عكس ذلك؛ إذ إن غالبية السكان كانوا مسلمين وحاكمها كان هندوسياً. وقررت غالبية الإمارات المستقلة ذاتياً حسب وضعها الجغرافي أن تنضم إلى الهند أو باكستان بعد ظهورهما. وقرر حاكم إمارة جوناكره أن ينضم إلى باكستان ولكن الهند أرسلت على الفور قواتها المسلحة لاحتلال الإمارة، وقالت تسويغاً لذلك إن سكان الإمارة هم من الهندوس بنسبة ٨١%؛ ولذلك لا يجوز لحاكمها الانضمام إلى باكستان طبقاً لمبادئ التقسيم. وتذرعت الهند بالحجة نفسها فيما يتعلق بحيدر آباد التي كان يحكمها أمير مسلم، فأرسلت قواتها المسلحة لاحتلال الإمارة بالقوة. ولكن الهند تجاهلت هذه الحجة حين تعلق الأمر بإمارة كشمير. وحين تردد مهراجا كشمير في إعلان انضمام الإمارة إلى باكستان تمرد المسلمون الكشميريون الذين كانوا يمثلون نسبة ٨٢% من السكان. وقام جنود الحاكم الهندوسي بارتكاب المذابح في منطقة بونش وميربور في سبتمبر/ أيلول ١٩٤٧م، ويقال إنه قتل في هذه الاضطرابات ما لا يقل عن مائة ألف مسلم. وجرت هذه المجازر لإجهاض انتفاضة مسلمي كشمير ضد الحاكم الهندوسي. وفي محاضرة لوزير الدفاع الهندي جورج فرنانديز ألقاها في جامعة هارفارد في الولايات المتحدة عام ١٩٩١م قال: «هناك اعتقاد واسع النطاق بأن أيادي خارجية تقف وراء أحداث كشمير، وتتم في كل مرة الإشارة إلى باكستان باعتبارها المسؤولة عما يحدث، لكنني أعتقد أنه لا دخل للأيادي الخارجية في قضية كشمير؛ فنحن (أي الهنود) الذين صنعنا مشكلة كشمير، وإذا ما قرر آخرون الإفادة من الوضع فلا أعتقد أنه يجب أن نصنع من هذا الأمر قضية تشغل البال» . وظلت الهند تنتهج سياسة مزدوجة تجاه هذه القضية؛ فعلى الصعيد الرسمي ظلت تعتبر ولاية (جامو وكشمير) جزءاً من الهند منذ عام ١٩٤٧م؛ بينما استمرت في الوقت نفسه في إجراء المحادثات مع باكستان حول هذه القضية كلما شعرت بضغوط تمارس عليها. ٢ - استعمال القوة أو التهديد باستعمال القوة، وتجلى ذلك في ٥ حروب عسكرية مع باكستان. أما التهديد باستعمال القوة فكان في المواجهة الأخيرة. ففي الحرب الأولى عام ١٩٤٧م كانت إثر تدخل الجيش الهندي لدعم حاكم كشمير الهندوسي الذي أعلن ضم كشمير للهند رغماً عن أهلها وجلهم من المسلمين، وانتهت هذه المواجهة بسيطرة الجيش الباكستاني على ثلث كشمير، ووقع حوالي ثلثي أراضيها في قبضة القوات الهندية. أما الحرب الثانية عام ١٩٦٥م فجاءت في أعقاب إعلان الحكومة الهندية إلغاء الوضع الخاص لكشمير، بناءً على المادة ٣٧٠ من الدستور الهندي، وبذلك أصبحت كشمير ولاية هندية، وجزءاً لا يتجزأ من الهند. وبعدها بعدة أشهر وقعت المواجهة الثالثة بين الجيشين، وحقق الجيش الباكستاني في البداية عدة انتصارات، ولكن القوات الهندية نجحت في النهاية في إرغامه على الانسحاب والعودة إلى المفاوضات. وفي عام ١٩٧١م اندلعت المواجهة الرابعة بينهما بسبب التدخل الهندي لصالح انفصال باكستان الشرقية وقيام ما يعرف ببنجلاديش، ولحقت بالجيش الباكستاني هزيمة ماحقة أشبه بهزيمة الجيوش العربية قبلها بقليل في عام ١٩٦٧م كانت نتيجتها أنه قبل حرب ديسمبر ١٩٧١م كان موقف الهند من مشكلة كشمير هو المطالبة بالإرجاء والتأجيل، بينما كانت باكستان ترى ضرورة إيجاد الحل الجذري لتلك المشكلة المستعصية. وبعد هزيمة باكستان في حربها عام ١٩٧١م مع الهند تبدلت مواقف الدولتين، وأصبحت كل منها تأخذ مكان الأخرى إزاء مشكلة كشمير؛ فلقد أصبحت الهند تنادي بالمواجهة الفعالة الحاسمة والإنهاء القاطع لمسألة كشمير، بينما تسعى باكستان إلى التسويف والإبطاء بشأنها. وفي ٢٢ مايو ١٩٩٩م دفعت الهند بتعزيزات عسكرية كبيرة قوامها خمسة آلاف جندي إلى حدودها مع باكستان عند ولاية كشمير المتنازع عليها، كما وضعت سربين من طائراتها الحربية على أهبة الاستعداد عقب نجاح مقاتلين من ثوار كشمير في التسلل عبر الحدود الهندية والسيطرة على نحو عشرين موقعاً. وشرعت الهند منذ ٢٦ مايو ١٩٩٩م في شن غارات جوية مكثفة ضد مواقع القوات الباكستانية والكشميرية المتمركزة في كارجيل وغيرها من المواقع التي تقع على عمق سبعة كيلو مترات داخل الشطر الهندي من كشمير بعيداً عن خط الهدنة. وقد استخدمت الهند طائرات من طراز ميج ٢٣، وميج ٢٧، وميراج ٢٠٠٠ التي تستطيع حمل قنابل نووية؛ فضلاً عن طائرات الهليكوبتر. وقالت وزارة الدفاع الهندية في بيانها يوم ٢٦ مايو إن الغارات التي تعد الأولى من نوعها منذ بداية التسعينيات أسفرت عن وقوع عدد كبير من الضحايا في صفوف «المتسللين» الذين زعمت أنهم يتلقون دعماً من القوات المسلحة الباكستانية. أما التهديد باستعمال القوة فهو أسلوب من أساليب إدارة الصراع على الساحة الدولية وهو التأثير على نفسية الخصم وعقله ومن ثم قراره. ومنذ وقت قصير لجأت تركيا إلى هذا الأسلوب عند تهديدها لسوريا إن لم تسحب تأييدها لحزب العمال الكردستاني، ولجأت إليه أيضاً إيران ضد الحكومة الإسلامية في أفغانستان عندما تصدت طالبان بحزم للتمدد الرافضي في أفغانستان، وها هي الهند تمارسه الآن مع باكستان لكي تتخلى عن القضية الكشميرية. ٣ - تعميق التحالف مع أمريكا وإسرائيل: وفي هذا السياق كشفت مجلة « إنديا توداي» الهندية عن مباحثات بين نيودلهي وواشنطن بشأن تشكيل تحالف عسكري كبير طويل المدى. وأوضحت المجلة أن التحالف العسكري المقترح يشمل إقامة قواعد عسكرية وميادين للتدريب على إطلاق النار وشبكة اتصالات مشتركة ومنشآت تدريب لقواتها في الهند إلى جانب تأمين البحرية الهندية للمصالح الأمريكية الواقعة في منطقة المحيط الهادي. ويرى مراقبون أنه لم تكن مصادفة أن تعلن الولايات المتحدة عن موافقتها على بيع إسرائيل رادارات فائقة التطور للهند في الوقت الذي كانت نيودلهي على شفا الانزلاق في حرب قد تكون نووية مع باكستان بسبب تحميل الهند إسلام آباد مسؤولية الهجوم الذي تعرض له البرلمان الهندي. ويحظى التعاون الهندي الإسرائيلي بالمباركة الأمريكية، ويلاحظ أن هذا التعاون قد شهد تصاعداً كبيراً؛ ففي خلال شهر واحد فقط قام مسؤولون إسرائيليون بزيارة الهند ثلاث مرات إحداها قام بها شيمون بيريز وزير الخارجية الإسرائيلي الذي صرح بأن إسرائيل تقف بجانب الهند في برامجها ضد (الإرهاب والإرهابيين) عسكرياً وسياسياً، ومن قبله كشف السفير الإسرائيلي في الهند في مقابلة أجرتها معه صحيفة «صنداي الهندية» الأسباب الرئيسة لهذا التحالف، فقال: «إن قضية الإرهاب الأصولي تشكل تحدياً مشتركاً للهند وإسرائيل، وعلينا أن نستأصل هذا الخطر من جذوره» . ٤ - بناء قوة ردع نووي فعال ضد الصين في البداية، ثم رأت بعد ذلك أن باكستان تأتي في استراتيجية متقدمة في مجال التهديد العسكري قبل الصين. وجاءت أحداث تفجير البرلمان الهندي في ١٣ ديسمبر الماضي، واندهش كثير من المراقبين من سرعة التعبئة الهندية وتجهيز جيوشها وصواريخها وآلياتها على الحدود الباكستانية، واستغلت الهند الأحداث لتصفية القضية الكشميرية للأبد وإغلاق هذا الملف نهائياً، وطلبت من باكستان إقفال معسكرات المنظمات الكشميرية الجهادية وتسليم قيادات جماعات المقاومة للهند لمحاكمتهم، واستمدت من النموذج اليهودي الأمريكي في محاربة ما يسمونه إرهاباً عندما رفضت تقديم أي أدلة تستند إليها في اتهام جماعات كشمير في هذه الأحداث فيما بدا للمراقبين أنه تحالف هندوسي يهودي صليبي لضرب التيار الإسلامي، وتصفية قضيته من على الساحة الدولية. الانحياز الأمريكي: تعتبر السياسة الأمريكية في شبه القارة الهندية امتداداً لسياسة بريطانيا التي كانت تستعمر هذه المنطقة من قبل حيث خاضت في بداية استعمارها للهند في القرن التاسع عشر معارك ضارية ضد المسلمين الذين كانوا يحكمون البلاد في هذه الفترة، وتحالف الإنجليز مع الهندوس حتى ملكوا زمام البلاد، وعمل الإنجليز على إيجاد طبقة من المسلمين المتغربين وانضم هؤلاء بعد ذلك إلى حزب الرابطة الإسلامية لتمارس سياستها المعروفة: (فرق تسد) ولتحكم سيطرتها على البلاد؛ وعند انسحابها يكون التناحر بين المجموعات العرقية والدينية المختلفة ضماناً لاستمرار هذه الدولة عاجزة عن أن تتبوأ مكانة عالمية. وورثت الولايات المتحدة بريطانيا في السيطرة والنفوذ، ومرت سياستها في جنوب آسيا بثلاث مراحل: مرحلة الحرب الباردة: وفي هذه المرحلة اعتمدت الولايات المتحدة على باكستان نظراً لقربها من الاتحاد السوفييتي الذي شكل في هذه المرحلة العدو الأساسي للولايات المتحدة، ودعمت الحكومات المتعاقبة لهذه الدولة؛ ولكن في نفس الوقت احتفظت بعلاقات وثيقة مع الهند دون إخلال بموازين القوى في المنطقة التي تتبوأ فيها الهند المكانة الأكبر؛ فعند نشوب الحرب بينهما عام ١٩٧١م وقفت أمريكا باعتبارها حليفاً لباكستان موقفاً سلبياً؛ مما نتج عنه هزيمة مروعة للجيش الباكستاني؛ ولكن باجتياح الاتحاد السوفييتي لأفغانستان ازداد اعتماد أمريكا على باكستان في خططها الرامية لإضعاف الاتحاد السوفييتي، وفي هذه الفترة حدث ما يشبه التعادل؛ ونتيجة لحاجتها للدعم الباكستاني غضت الطرف عن الإلحاح على باكستان لوقف تطوير خيارها النووي. مرحلة ما بعد الحرب الباردة: لا شك أن انهيار حلف وارسو، وسقوط حائط برلين، وتفكك الاتحاد السوفييتي قد أحدث تغيراً أساسياً في الرؤية الأمريكية لعلاقاتها الدولية؛ إذ لم تعد إمبراطورية الشر قائمة، وبدأت الولايات المتحدة تبحث عن أعداء لقائمة الشر الجديدة الذين تعتبرهم أعداء الحضارة الإنسانية من كل القوى التي يبدو أنها لا تخدم مصالح الولايات المتحدة، وهذه إمبراطورية جديدة تعرف الولايات المتحدة أنها لا تستطيع تفكيكها على النحو الذي فككت به الإمبراطورية السوفييتية. وكانت بداية التحول في الحقيقة في زيارة الرئيس كلينتون إلى الهند؛ حيث اتسمت زيارته لها بالحرارة بينما اتسمت زيارته لباكستان بالبرود. وأصبح من الواضح أن هوى الولايات المتحدة يميل نحو الهند؛ وذلك لعدة أسباب منها: - الوقوف بوجه الصحوة الإسلامية المتنامية في آسيا عموماً وبالأخص منطقتي جنوب آسيا وآسيا الوسطى. وتعد باكستان داعمة لحركة طالبان التي أصبحت رمزاً لدولة إسلامية ناشئة قوية ونموذجاً تحتذيه حركات كثيرة. - الحد من النفوذ الصيني وخاصة هذا العملاق الذي بدأ يتمدد اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً؛ فكان لزاماً على الولايات المتحدة أن ترمي بثقلها خلف الهند، وتعتمد عليها كقوة إقليمية تستطيع الوقوف بوجه المد الإسلامي والخطر الصيني. - الحد من القدرات الباكستانية النووية وخاصة بعد تزايد الحديث في العالم الإسلامي عن القنبلة النووية الإسلامية. مرحلة ما بعد ضربات ١١ سبتمبر: في هذه المرحلة الجديدة من الأحداث رفعت أمريكا على لسان رئيسها بوش شعار: (من لم يكن معنا فهو ضدنا) ، وأصبح القضاء على الإسلام الجهادي هو هاجس أمريكا الأكبر وإن تبعه بعض الأهداف الأخرى وهي: احتواء الصين، والهيمنة على منطقة آسيا الوسطى، ووضع اليد على نفط بحر قزوين. وكان لا بد من استراتيجية جديدة في التعامل مع المنطقة، وتلخصت هذه السياسة في الضغط على باكستان لتبذل أقصى ما تستطيع للقضاء على المنظمات الجهادية في المنطقة وعلى رأسها طالبان والقاعدة والمنظمات الإسلامية الجهادية في كل من باكستان وكشمير، واتبعت الولايات المتحدة في سبيل بلوغ هذا الهدف عدة سياسات: * استخدام الورقة الهندية والتلويح بها كلما بدا من النظام الباكستاني النكوص أو التهاون في ملاحقة الجماعات الجهادية وخاصة زعماء طالبان والقاعدة والذين بالقبض عليهم أو بقتلهم ينتهي الإحساس بالكرامة المجروحة لدى الشعب الأمريكي. * التحذير من الاستيلاء على السلاح النووي الباكستاني عبر تسريب الأنباء في الصحف الأمريكية عن وجود قوات خاصة أمريكية تتدرب للسيطرة على مجمع «كهوتا» الذي يضم المفاعل النووي الباكستاني. * التهديد بإطلاق يد إسرائيل في المنطقة. * استخدام ورقة المساعدات الاقتصادية للضغط على باكستان. ويبدو من هذه السياسات أن الضغط استهدف في المقام الأول باكستان باعتبارها حجر العثرة في سبيل تحقيق أمريكا لأهدافها في المنطقة؛ ولذلك فإن افتتاحية الواشنطن بوست (٢٠/١٢/٢٠٠١م) ترى أن الخطوة القادمة في الحرب على الإرهاب يجب أن تكون في باكستان قبل العراق والصومال لمواجهة جماعات الإرهاب الباكستانية التي تتهمها الهند بالاعتداء على برلمانها. كما ترى الصحيفة أن الهند مارست ضبط النفس بدرجة تدعو للإعجاب، وينبغي ألا يُحظر عليها ممارسة حق الدفاع عن النفس كما تمارسه أمريكا وإسرائيل. كما أنه ليس مصادفة أن تقرن الصحيفة الهند بأمريكا وإسرائيل. فالهند مثل إسرائيل حليف استراتيجي للولايات المتحدة، والثلاثي تحكمه أحزاب عقائدية (أصوليات هندوسية وصهيونية ومسيحية يمينية) . فطبقاً للواشنطن بوست (٢٤ /١٢/٢٠٠١م) ، جاءت استقالة بات روبرتسون بوصفه رئيساً للتحالف المسيحي لتؤكد صعود زعيم جديد لليمين المسيحي الأمريكي، وهو جورج بوش. وإذا كان وزير الداخلية الهندي لال كريشنا أدفاني تواطأ مع الغوغاء الهندوس منذ تسعة سنوات لتدمير المسجد البابري الأثري في أيوديا بالهند، فإن في حكومة شارون من لهم علاقات وثيقة بالجماعات اليهودية التي تخطط لتدمير المسجد الأقصى. وصرح وزير الداخلية الهندي لال كريشنا أدفاني لدى عودته من زيارة للولايات المتحدة أن واشنطن تتفهم موقف الهند الحازم. وقال: «لا أذكر أن مسؤولاً (أمريكياً) واحداً قال لي: إن ما تفعلونه ليس جيداً» . وفي نفس الوقت اتهم مسؤولون أمريكيون المخابرات الباكستانية بأنها على صلة غير مباشرة ولكنها قديمة بتنظيم القاعدة، وأن المخابرات الباكستانية استخدمت معسكرات القاعدة في أفغانستان لتدريب عملاء سريين لاستخدامهم في حرب الإرهاب ضد الهند. ونقلت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عن المسؤولين قولهم: إن المخابرات الباكستانية أيضاً لها صلات مباشرة بعمليات مقاتلي إقليم كشمير المتنازع عليه والواقع على حدود باكستان المشتركة مع الهند. وقال مسؤول أمريكي كبير سابق: إن المخاوف الأمريكية بشأن تعاملات وكالة المخابرات الباكستانية مع نظام طالبان الحاكم في أفغانستان تزايدت بشدة العام الماضي لدرجة أن المخابرات الأمريكية عارضت بإصرار زيارة مزمعة للرئيس السابق بيل كلينتون لباكستان خوفاً على سلامته. وقالت الصحيفة: إن هذا التخوف كان أساسه أن أجهزة الأمن الباكستانية مخترقة إلى حد بعيد من جانب الإرهابيين لدرجة أن الجماعات المتطرفة التي يحتمل أن يكون بينها تنظيم القاعدة الذي يتزعمه بن لادن قد تعرف خط سير رحلة الرئيس كلينتون من المتعاطفين داخل وكالة المخابرات الباكستانية، ويحاولون إسقاط طائرته. وقال مسؤولون سابقون: إن كلينتون تجاهل تحذير المخابرات الأمريكية وقام بالرحلة؛ مما استدعى اتخاذ تدابير غير عادية للحفاظ على حياته؛ حيث تم تسيير طائرة رقم واحد التابعة للسلاح الجوى الأمريكي شاغرة بينما قام الرئيس بالرحلة على متن طائرة صغيرة غير ملحوظة.. كما أن ركب كلينتون توقف تحت أحد الكباري العلوية، وقام كلينتون بتغيير السيارة التي تقله. وأشارت نيويورك تايمز إلى أن المسؤولين الأمريكيين يقولون: إن عمق التأييد بين عناصر وكالة المخابرات الباكستانية لشن حرب على الطالبان والقاعدة لم يتأكد بعد.. منوهين إلى أن رئيساً سابقاً للوكالة أصبح من أشد منتقدي السياسة الأمريكية فى باكستان. كذلك يعتقد فريق في الإدارة الأمريكية وفي الكونجرس أن النظام الباكستاني يمارس دوراً مزدوجاً في التعامل مع الولايات المتحدة، فهو من جهة يريد إظهار نفسه داعماً للسياسة الأمريكية تجاه ما تسميه أمريكا إرهاباً، وأنه في إمكانه أن يذهب معها إلى أقصى ما تريده الولايات المتحدة منه؛ وفي نفس الوقت فإن النظام يدرك جيداً أن مصلحته الاستراتيجية في وجود طالبان والقاعدة وأنها هي الورقة التي يلعب بها؛ فإذا فقدها فإن أمريكا وحليفتها سوف تستدير عليه لتقضي على قدراته النووية، وفي هذا السياق نجد أنه في أعقاب تصريحات قادة التحالف الشمالي بأن قادة طالبان والقاعدة هربوا إلى باكستان وسارع قائد القوات الأمريكية بزيارة باكستان ليتعرف على الوضع أطلقت الهند تهديداتها وحركت جيوشها. الورطة الباكستانية: تعتقد باكستان دائماً أن الهند لم تتقبل قط وجودها؛ ومن ثم كانت ترى أن الهند مصممة على «إنهاء» تقسيم شبه القارة؛ مما يعني ضمناً وضع نهاية لاستقلال باكستان؛ ففي عام ١٩٦٤م صرح نهرو رئيس وزراء الهند حينذاك لصحيفة «واشنطن بوست» أن هدف الهند النهائي هو قيام اتحاد هندي باكستاني؛ مما يعني دخول باكستان مرة أخرى تحت الهيمنة الهندوسية؛ وعليه فقد كان الهدف الجوهري لاستراتيجية باكستان الرئيسة هو مجرد البقاء في وجه منافستها الهند الأكبر منها حجماً، والأكثر قدرة، والتي تريد بوضوح تصحيح الوضع القائم مع الحفاظ على سلامة استقلاليتها قدر الإمكان. اتبعت باكستان عدة استراتيجيات للحفاظ على هذا الهدف: * شكلت باكستان جيشاً مقتدراً لديه وحدات مشاة ودروع قوية منتشرة على أقرب المواقع الحدودية مع الهند، كما شكلت سلاحاً جوياً صغيراً، لكنه عالي التدريب والمعنويات، ومزود بأفضل الطائرات المتوافرة لباكستان لأداء مهام الدفاع الجوي والهجوم الأرضي على حد سواء.. وقد اقتضت الاستراتيجية العسكرية التقليدية لباكستان استخدام جيشها وقواتها الجوية بشكل هجومي في الظروف التي تنذر بخطر استراتيجي. فإذا بدا النزاع وشيكاً، فقد توجه باكستان ضربة وقائية لاحتلال أجزاء صغيرة من الأراضي الهندية؛ ومن ثم تستخدم هذه المكاسب، إما لتحويل ثقل ردة فعل الهند نحو استرداد الأراضي التي خسرتها، أو لاستغلال تلك الأراضي ورقة للمساومة بهدف ضمان نتيجة مواتية في المفاوضات التي تجري في المرحلة اللاحقة للنزاع. وظهرت هذه الاستراتيجية جيداً في حوادث ١٩٩٩م في كارجيل عندما توغلت مجموعات كشميرية داخل أراضي كشمير واستولت على مجموعة جبال بمساندة من الجيش الباكستاني لفترة من الوقت حتى تمكنت الهند في النهاية من طردهم، ولكن عجز القيادة السياسية حينئذ ممثلة في «نواز شريف» هو الذي منع باكستان من قطف ثمار ما حدث؛ مما أدى إلى نشوب خلاف بين نواز وقادة الجيش الذين جاؤوا ببرويز مشرف إلى سدة الحكم. * امتلاك قدرات نووية تمكنها من إيجاد رادع استراتيجي أمام القوة النووية الهندية. * تكوين ذراع مخابراتي قوي يمكنها من كشف مخططات الأعداء والمبادرة بإحداث تغييرات في البيئة السياسية المحيطة. * اللعب بالورقة الصينية لشك باكستان دائماً في النوايا الأمريكية؛ وحدث ذلك في منتصف الستينيات في أثناء الحرب الثالثة مع الهند، وحدث أيضاً أثناء الأزمة الحالية عندما زار مشرف الصين لمدة أربعة أيام ليستغل تنافس المحورين: الصيني مع الهندي الأمريكي في تخفيف الضغط عليه من قِبَل هذا التحالف، ولكن يبدو أن بكين ترى لها مصلحة في ضرب الإسلاميين في منطقة جنوب آسيا عن طريق أمريكا وخاصة وهي تعاني من الحركات الجهادية في منطقة سيكيانج التي يقطنها أغلبية مسلمة تعاني الاضطهاد من المحتل الصيني. * رفع الإسلام عاملاً وحيداً لجمع شتات الشعب الباكستاني؛ فباكستان خليط من الأعراق والقوميات المتناقضة وهي تنقسم عموماً إلى أربع أقاليم رئيسة: بلوشستان الشمالية والغربية، والبنجاب، والسند. وتختلط فيه الأجناس وتتفشى الروح القبلية. هذا الخليط من المقاطعات الجغرافية يعاني مفارقات كثيرة؛ فهناك مفارقة اللغة؛ إذ يتحدث ٦٥% من السكان البنجابية (لغة إقليم البنجاب) ، ويتحدث الأردية ٢٠ % من مجموع السكان، ويتحدث السندية ١٢% (لغة إقليم السند) ، وتتوزع النسب الباقية على الباشتونية والبلوشية. بينما تتحدث النخب اللغة العربية إلى جانب الإنكليزية. وهناك مفارقة الأقاليم وتعداد سكانها: فالقوة القومية الأولى هي البنجاب؛ إذ تشكل أكثرية قومية (٦٠% من السكان) ، وتسيطر على ٦٥ في المئة من الإنتاج الزراعي، إضافة إلى احتلالها معظم المواقع السياسية والاقتصادية ولكنها تعيش في إقليم مساحته ضيقة جغرافياً. والقوة القومية الثانية هي السند وتسيطر على التجارة القديمة وبعض الصناعات الموجودة في كراتشي، وتعاني مشكلة المهاجرين المسلمين الهنود الذين يشكلون الآن ٥٠% من سكان عاصمة الإقليم. والباشتون هم القوة القومية (القبلية) الثالثة وهم يعيشون على تجارة الجوار الأفغاني، وتعتبر عاصمتهم بيشاور من المعابر الاستراتيجية بين البلدين. ويعتبر البلوش القوة القومية (القبلية) الرابعة وهم على قلّتهم، ينتشرون على مساحة تمتد علي ٥٠% من جغرافية دولة باكستان. وتعاني الأقلية البلوشية أوضاعاً اقتصادية بالغة السوء انعكست على ضعف تمثيلها السياسي في إدارات الدولة وأجهزتها ومجالسها التمثيلية والتنفيذية. ولا يوجد غير الإسلام للسيطرة على هذا المزيج المكون من مائة وأربعين مليوناً من السكان. وتشهد الفترات التي ينزع فيها حكام باكستان إلى العلمانية المتطرفة جنوحاً من السكان وتفجراً للمشاكل العرقية وقيام الحركات التي تطالب بالانفصال عن الوطن الأم مثل أيام حكم بوتو في السبعينيات وابنته على فترات في الثمانينيات والتسعينيات، وعكس ذلك فإن تشجيع المد الإسلامي من الحكام أيام ضياء الحق شهد تماسكاً لبنية الدولة والتفاف الشعب حول قضية كبرى وهي مناصرة المسلمين في المنطقة؛ وما مناصرة الشعب الباكستاني لإخوانه الأفغان عند اجتياح الاتحاد السوفييتي أفغانستان إلا التعبير عن هذه اللُّحمة العقيدية. لقد تعاقب على حكم باكستان أنظمة غفلت في معظمها عن الإسلام باعتباره نظاماً للحياة، وباعتباره سبب قيام الدولة، ولعل دولة باكستان هي النموذج الوحيد في التاريخ الحديث الذي اعتمد على الدين في نشأته، ولكن النخبة العلمانية التي تسلمت الحكم وهي حزب الرابطة الإسلامية بزعامة (محمد علي جناح) كانت كبقية النظم في ديار المسلمين التي سلمها أعداء الإسلام زمام الأمور قبل رحيلهم عن هذه الديار. وبعد رحيل جناح اغتيل وريثه ياقوت خان في عام ١٩٥١م (عام تأسيس العاصمة الجديدة إسلام آباد) فاندلعت حرب أهلية انتهت بالتوافق على نظام ديموقراطي استمر إلى ١٩٥٨م حين وقع انقلاب عسكري بقيادة محمد أيوب خان. حكم أيوب خان باكستان إلى عام ١٩٦٨م، شهدت خلالها باكستان حربها الثانية مع الهند في ١٩٦٥م، وسقط عسكرياً بانقلاب قاده يحيى خان في ١٩٦٩م. وعد خان الثاني بانتخابات تعيد الحكم للمدنيين في العام ١٩٧٠م ونفذ وعده إلا أن الحرب مع الهند في عام ١٩٧١م التي تحركت لدعم انفصال باكستان الشرقية (بنغلادش) أجلت التسلم والتسليم إلى عام ١٩٧٣م؛ ففي ذاك العام صدر الدستور وتم انتخاب ذو الفقار علي بوتو على أساسه رئيساً للوزراء، واستمر إلى أن أُسقط عسكرياً في انقلاب قاده الجنرال ضياء الحق في عام ١٩٧٧م. وضع ضياء الحق بوتو (الأب) في السجن لمحاكمته، ونفّذ فيه حكم الإعدام تحت وقع الأزمة الأفغانية التي تفجرت بدخول السوفييت أراضي الدولة المجاورة في نهاية ١٩٧٩م. نجح ضياء الحق في الإفادة من الغزو السوفييتي حين وظفه لشراء سكوت المعارضة الداخلية والحد من الضغوط العالمية التي تراجعت احتجاجاً على إعدام بوتو. وطوّر ضياء الحق حاجة الولايات المتحدة لموقع باكستان الجغرافي، فحسّن العلاقات مع واشنطن، واشترى سكوتها عن البرنامج النووي، وثبّت علاقاته المميزة مع جاره الصيني (زار بكين عام ١٩٨٢م) . وحصل ضياء الحق على مساعدات تسليحية أمريكية صينية، ومالية (الدولة الثالثة من موازنة الدعم الأمريكي الخارجي) ، إضافة إلى تسهيلات اقتصادية أنعشت الحال الاجتماعية وأعطت الدولة قوة لتثبيت نفوذها الشعبي وترسيخ سياستها المضادة لنمو التعاون العسكري السياسي بين نيودلهي وموسكو. وبسبب تقرب الهند من الاتحاد السوفياتي تخوفت إسلام آباد من احتمال الضغط عليها في جبهة كشمير جامو فاقترحت على نيودلهي معاهدة عدم اعتداء في ١٩٨٤م ألحقتها باستفتاء شعبي على اعتماد الشريعة الإسلامية مصدراً للدستور فنال أنصار الشريعة ٩٧% من الأصوات. واصطدم مشروع التوحيد الإسلامي بمعارضة دولية (أميركية تحديداً) وسياسية (ابنة بوتو: بنظير) واجتماعية (الإقطاعيون المسيطرون على الإنتاج الزراعي) فشهدت البلاد اضطرابات مدعومة بنمو قوة المهاجرين (المسلمين الهنود) في كراتشي. ولاقت التوترات بين ١٩٨٥م و١٩٨٨م تشجيعاً من واشنطن والهند نظراً لتراجع الأهمية الاستراتيجية لباكستان بعد دخول الاتحاد السوفييتي فترة غيبوبة في أفغانستان قادها ميخائيل غورباتشوف واعداً خلالها البيت الأبيض بالانسحاب في عام ١٩٨٩م. آنذاك بدأت واشنطن تتخوف من سياسة ضياء الحق؛ فهو قاد باكستان نحو الاستقرار مستفيداً من حاجة الغرب لدولته، فنجح في إكمال بناء المشروع النووي (بدعم صيني، فرنسي، كندي) ؛ كذلك قاد باكستان إلى نوع من التوازن النفسي حين شجع قرار الناس باعتماد الشريعة مصدراً للدستور ومرجعاً لمختلف الأقاليم والقبائل. وفي ضوء الوعد السوفييتي بالانسحاب من أفغانستان تحيّنت واشنطن الفرص للتخلص من حليفها ضياء الحق؛ فكان لها ما أرادت حين سقطت طائرته في حادث غامض في أغسطس ١٩٨٨م. وبذهاب المؤسس الثاني لباكستان فتحت الطريق أمام عودة ابنة بوتو وانتخابها بدعم أوروبي (بريطاني تحديداً) في نهاية ١٩٨٨م، وحاولت بوتو تحسين علاقات بلادها مع الهند إلا أنها اصطدمت بشروط قاسية. وبتحريض من أمريكا وإسرائيل طالبت نيودلهي إسلام آباد بالتخلي عن مشروع بناء القنبلة النووية وبرنامج الصواريخ إضافة إلى إلغاء الاستفتاء على الشريعة الإسلامية، وأخيراً تحسين العلاقات مع إسرائيل تمهيداً للاعتراف بها. وجدت بوتو صعوبة في تلبية تلك الشروط المذلّة، فحاولت إيجاد صيغ تسوية تخفف عنها الضغط الداخلي وترضي بعض طلبات الغرب والهند شرط عدم فتح جبهات حدودية تعطل إمكانات نشاطها على جبهة تهدئة المؤسسة العسكرية التي شهدت في فترة الأزمة الأفغانية نمواً متزايداً لموقعها القيادي في إدارات الدولة ودورها المستقل في رسم الاستراتيجيات بعيداً من رقابة الهيئات التشريعية والقضائية. إلا أن تردد بوتو في تسريع خطواتها دفع الهند للضغط عليها من خلال أزمة كشمير، فدخل جيش نيودلهي عاصمة كشمير الهندية سريناغار في عام ١٩٩٠م في وقت أعلنت واشنطن تعليق مساعداتها المالية والتسليحية لباكستان (في العام نفسه) بذريعة أن إسلام آباد لم توقف نشاطها النووي المحتمل امتداده جغرافياً وتحوله إلى قنبلة إسلامية. وأنتج تردد بوتو المحلي والإقليمي والدولي قوة ثالثة تمثلت في بروز حزب نواز شريف. فشريف عكس بوتو الإقطاعية، ينتمي إلى عائلة عُرفت بنشاطها المبكر في القطاع الصناعي وتقربها من المؤسسة العسكرية والحركات الإسلامية. جاء شريف في ظروف دولية مغايرة وبروز الولايات المتحدة قوةً وحيدة لا منافس استراتيجياً لها خصوصاً بعد نجاحها العسكري في حرب الخليج الثانية. أدرك قادة الدولة تراجع أهمية باكستان، بعد الانسحاب السوفييتي ١٩٨٩م وتبخر المعسكر الاشتراكي بغض النظر عن رئيس الحكومة وتوجهاته السياسية والاقتصادية. إلا أنهم تأخروا في صوغ استراتيجية دولية بديلة. فالضغوط من طريق الهند تركزت على تصعيد الحملة العسكرية في كشمير وعلى الحدود (البنجاب) مترافقة مع ضغط إسرائيلي (مدعوم أمريكياً) بوضع المنشآت النووية تحت رقابة دولية، وهي أمور فرضت ترتيبات دفاعية على إسلام آباد. ومنذ العام ١٩٩٣م شهدت باكستان سلسلة تجاذبات دولية وإقليمية ومحلية؛ فهناك المؤسسة العسكرية وطموحها في إنجاز القنبلة النووية، وهناك ملاك الأراضي المؤيدون لبوتو (إقليم السند) المنزعجون من قوة شريف، وهناك الصناعيون المؤيدون لشريف (إقليم البنجاب) المتخوفون من عودة بوتو، وهناك القوة الجديدة الصاعدة المتمثلة بالجماعات الإسلامية وتفرعاتها. يضاف إلى ذلك صراع بوتو الابنة مع شقيقها مرتضى الطامح لأخذ زعامة حزب والده من شقيقته ... وكل هذه المشكلات الداخلية معطوفة على ضغوط إقليمية بدأتها الهند في عام ١٩٩٤م بتصعيد التوتر على حدود البنجاب ومقاطعة كشمير إلى ضغوط أمريكية تمثلت بإلغاء صفقة طائرات عسكرية (إف ١٦) رداً على رفض إسلام آباد وضع مؤسساتها النووية تحت الرقابة وتمنُّعها عن توقيع معاهدة منع انتشار السلاح النووي قبل أن توقّع نيودلهي. وحين جدد انتخاب بوتو في عام ١٩٩٣م كانت باكستان على حافة الانهيار. فالحزب (الشعب) الذي أسسه والدها في ١٩٦٧م انقسم إلى أجنحة وتيارات محلية وعائلية؛ بينما حزب الرابطة الإسلامي الذي انشطر إلى ثلاث شُعب في عام ١٩٥٨م استعاد حيويته في ضوء توجه ضياء الحق الإسلامي. إلا أن الرابطة لم تعد كما كانت حين تأسست في عام ١٩٣٠م وقادت الانفصال (الاستقلال) عن الهند في ١٩٤٧م؛ فالرابطة تفككت لتقوم مكانها مجموعة جبهات؛ فهناك الجماعة الإسلامية برئاسة قاضي حسين أحمد، وهناك جماعة فضل الرحمن، وهناك جماعة سميع الحق. وعندما تسلم نواز الحكم مرة أخرى وجاءت أحداث كارجيل عام ١٩٩٩م حيث هاجمت الجماعات الجهادية الكشميرية الجزء المحتل من المقاطعة واستولت على بعض المرتفعات بدعم وتنسيق من الجيش الباكستاني ادَّعت المخابرات الهندية أنها رصدت وقتها محادثة هاتفية بين الجنرال مشرف وكان وقتها قائداً للجيش وبين المجاهدين في كارجيل يحثهم فيها على الصمود. وتصاعدت الضغوط على نواز شريف فسافر إلى البيت الأبيض وتحادث مع كلينتون، وقدم له تنازلات تلو الأخرى؛ مما أغضب الجيش والمخابرات الباكستاتية ليستولي مشرف على الحكم. هذه ظروف استيلاء مشرف للسلطة في باكستان ليوقف مسلسل التنازلات في وجه الهيمنة الأمريكية الذي قام به نواز شريف، والغريب أنه بعد عامين تقريبا من هذا الانقلاب اندفع مشرف في نفس القاطرة أي قاطرة التنازلات أمام العربدة الأمريكية في أفغانستان. بدا لكثيرين وإلى ما قبل أحداث تفجيرات نيويورك في ١١ سبتمبر أن موقف الرئيس الباكستاني برويز مشرف الداخلي قوي؛ فقنبلته النووية جعلت موقفه العسكري والاستراتيجي مع الهند على قدم المساواة، وعمقه الاستراتيجي في أفغانستان مستتب بوجود نظام طالبان الحليف، وجاءت التفجيرات وتوالت الأحداث ووجدت باكستان نفسها بين ناري الانخراط في المخطط الأميركي الذي استهدف حكماً له علاقة بإسلام آباد وله جذور في داخلها وبين أن تصنفها واشنطن دولة إرهابية معادية وفقًا للشعار الذي رفعه الرئيس بوش: «من ليس معنا فهو ضدنا» . وتتابعت الضغوط على مشرف بفك تحالفه مع طالبان فاستجاب مشرف، ثم طلبت أمريكا استخدام أربع قواعد عسكرية في باكستان للتموين والأعمال اللوجستية الخاصة بالحرب فسمح مشرف، وارتفع سقف المطالب قليلاً بحصار الجيش الباكستاني للحدود، ومنع تسلل قيادات طالبان وأفراد القاعدة من دخول باكستان والقبض على المتسلل منهم، وقبض مشرف، وبدا مشرف في موقف ضعيف داخلياً إزاء هذه التنازلات التي لم ترض أمريكا والتي بعد اجتياحها أفغانستان شعرت أن انتصارها لا يساوي شيئاً دون اعتقال زعماء طالبان والقاعدة فطلبت من باكستان تسليم المعتقلين لديها من أفراد القاعدة وتمنعت باكستان في البداية. وفي نفس التوقيت اندلعت أحداث الهجوم على البرلمان الهندي، واستغلت أمريكا الحدث كما هي عادتها، وأوعزت إلى حليفتها الهند بتجييش الحشود العسكرية على الحدود الباكستانية، وسرعان ما أذعنت باكستان وسلمت إلى أمريكا سجناءها من أفراد القاعدة، واعتقلت العديد من أفراد الجماعات الكشميرية والإسلامية في باكستان. وبعد أن تعالت تصريحات وزراء الإدارة الأفغانية الجديدة في كابول بأن زعماء القاعدة وطالبان هربوا إلى باكستان ازدادت الضغوط الهندية وزاد مشرف من ضغوطه وحصاره لأفراد القاعدة. ويتساءل كثيرون: لماذا قدم برويز مشرف كل هذه التنازلات: هل هو خائن ؟ أم هو غافل عن ألاعيب السياسة ودهاليزها؟ والواقع أن دفة الحكم والقرار السياسي في باكستان لا تعتمد على شخص واحد فقط؛ فهناك مؤسسة عسكرية ومخابرات قوية وغيرهم من سياسيين الذين يلتفون حول مشرف ويستشيرهم في صياغة هذه الأمور، ولكن هؤلاء الأفراد أو المؤسسات تتحكم فيها لغة البراجماتية السياسية، وكذلك تتحكم في أي نظام لا يرتكن إلى العقيدة في حكمه. والبراجماتية في اللغة السياسية هي باختصار تبادل المنافع والمصالح بين أطراف الصراع؛ واستغلت أمريكا هذه البراجماتية. لقد حاول نظام مشرف من وجهة نظره إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الخسائر سواء في أفغانستان أو في كشمير أو في القنبلة النووية فلم يندفع إلى التنازل في هذه القضايا إلا تحت الضغوط الشديدة. وتتحدث بعض التقارير عن اجتماع حدث في إسلام آباد عشية تفجيرات نيويورك طلبت فيه السفيرة الأمريكية الدخول في تحالف مع أمريكا، وتمنع مشرف في البداية وفي أثناء ذلك اللقاء قالت بعض الأنباء إن طائرات أمريكية وإسرائيلية حلقت في سماء باكستان وعجزت الدفاعات الباكستانية عن رصدها، وفي ظل هذه الأجواء ألقت السفيرة بكلامها فقالت: هذه هي الأمور بلا لف ولا دوران: سنقيم تحالفاً هندياً إسرائيلياً بقيادتنا وسندمر ترسانتكم النووية. ناور مشرف ولم يقدم التنازلات مباشرة، ولكن إزاء الضغوط بدأ في التنازل عن أفغانستان ثم بدأت تنازلاته تطول كشمير؛ والطامة الكبرى لو جاءت تنازلاته في قنبلته النووية. ولكن في النهاية أحس مشرف بأن التنازلات التي قدمها ليس هناك ما يقابلها من جانب الولايات المتحدة؛ وبالمنطق البراجماتي بدأ في تهدئة وتيرة الاستجابة للطلبات الأمريكية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك؛ فقد نقلت وكالات الأنباء عن مسؤولين باكستانيين أن حكومة بلادهم تجري مباحثات مع الولايات المتحدة بشأن المدة التي ستظل فيها القوات الأمريكية في القواعد الجوية الباكستانية الأربع التي كان لها دور حيوي في الحرب في أفغانستان. وأضاف مسؤولو باكستان أن حكومتهم قد أبلغت الولايات المتحدة بالتوقف عن استخدام قاعدتين من القواعد الأربع الباكستانية التي تستخدمها الولايات المتحدة في حربها ضد أفغانستان، وقد أكد جنرال بالجيش الأمريكي على مثل هذه التقارير، كما أشار إلى أن الولايات المتحدة لم تعد في حاجة ماسة لتلك القواعد. وكان مسؤول عسكري باكستاني قد ذكر الشهر الماضي بعد تزايد حدة التوتر بين الهند وباكستان أن باكستان أخطرت الولايات المتحدة بأنها ربما تحتاج القاعدتين الجويتين اللتين تستخدمهما الولايات المتحدة في مدينتي يعقوب آباد وباسني لوضع القوات الجوية الباكستانية في وضع الاستعداد للحرب. وقال المسؤول الباكستاني إن إسلام آباد قدمت هذا الطلب إلى الولايات المتحدة بعدما اكتشف المسؤولون الباكستانيون أنهم كانوا مخطئين عندما اعتقدوا بأن الوجود الأمريكي في باكستان سيثني الهند عن تعبئة قواتها. وبعد هذا الإجراء القوي استغلت الولايات المتحدة الخطاب الذي ألقاه مشرف؛ ورغم أن الخطاب لم يعلن فيه مشرف أي إجراءات جديدة سوى إغلاق مقرات بعض الجماعات الجهادية والشيعية وهي إجراءات كانت قد اتخذت بالفعل سارعت الولايات المتحدة إلى الثناء على هذا الخطاب وطلبت من الهند التهدئة. وتظل أمريكا تتحين الفرصة للانقضاض على باكستان بمجرد فراغها من أهدافها في أفغانستان ويظل سيفها الهندي مشرعاً ومن خلفه يتحين يهود بمكرهم وكيدهم.

стр. 4197

المسلمون والعالم عام على حكومة أرئيل شارون قراءة في ملفات الحصار والإنجازات التي حققتها هبة الأقصى باسل النيرب جاءت هبَّة الأقصى على خلفية إخفاق مباحثات كامب ديفيد الثانية التي اعتبرت أن التسوية الناتجة عنها هي النهائية إزاء قضايا المرحلة النهائية: القدس واللاجئين والاستيطان. وبعد ما يزيد عن تسعة أعوام على مؤتمر مدريد للسلام، وسبعة أعوام على اتفاق أوسلو، وما نتج عنها من مفاوضات مباشرة فرضت إسرائيل خلالها شروطها المذلة والتي قيدت حياة الشعب الفلسطيني حاولت خلالها كل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة رسم سياسة عبثية تقييدية تجاه الشعب الفلسطيني لتنسف أحلام الشعب في الحرية والاستقلال. لماذا الانتفاضة؟ بعد زيارة أرئيل شارون المخططة إلى المسجد الأقصى في ٢٨/٩/٢٠٠٠م وزرع إسرائيل لأكثر من ثلاثة آلاف شرطي ورجل من حرس حدود في الأقصى لحراسة السفاح، وتحول ساحة الأقصى إلى ميدان حرب تدافع خلالها أبناء فلسطين للدفاع عن الأقصى وطرد المدنسين له جاءت الانتفاضة في القدس أولاً، ثم تجاوبت معها كافة المناطق المحتلة من رفح حتى جنين، ومع الدعوات لمواجهة غطرسة المحتل أصبح شعار هبة الأقصى هو زوال الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة عاصمتها القدس وعودة اللاجئين على أساس القرار ١٩٤، ومع تصاعد العمل الجماهيري من الاعتصام إلى الحجر انطلقت المقاومة المسلحة ضد قطعان المستوطنين ورجال حرس الحدود والصهاينة وكل من يمت لهم بصلة، وأصبحت الانتفاضة ومع كل ما مر بها من مراحل: شعارها وهدفها وقانونها هو كنس الاحتلال عن الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأمام التداعيات التي تعرضت لها حكومة إيهود باراك في أواخر عام ٢٠٠٠م في النطاقين السياسي والعملي، تقرر إجراء انتخابات لرئاسة الحكومة أفرزت هذه الانتخابات صعود مجرم الحرب أرئيل شارون لرئاسة الحكومة بنسبة ٦٢. ٦% مقابل ٣٧. ٤% لباراك، وفازت الحكومة بثقة الكنيست بأغلبية ٧٢ صوتاً مقابل ٢١ صوتاً ودون امتناع أحد. وأمام توحد المجتمع الإسرائيلي ظاهرياً مع رئيس الحكومة شارون، ومع ازدياد المطالب الإسرائيلية بضرورة توفير الأمن تعالت تصريحات أرئيل شارون منذ اليوم الأول لوصوله إلى سدة الحكم في إسرائيل، وفي أول تصريحاته لصحيفة يديعوت آحرنوت أكد شارون أن حكومته ستضمن الأمن المطلق لمواطني إسرائيل، وأنه لا يمكن أن تجرى مفاوضات في ظل «الإرهاب» ومع تسوية تقضي بأن لا حرب ومن دون جدول زمني وإنما مع جدول توقعات، كما اقترح شارون اتفاقاً لعدم اعتداء بدل اتفاق سلام شامل ولكن دون جدول زمني للتطبيق. وكان شارون قد أكد قبل صعوده إلى رئاسة الحكومة في إسرائيل نجاح سياستي الضغط الاقتصادي والحصار الخانق اللتين من شأنهما أن تقضيا على الانتفاضة، ومؤكداً أن إسرائيل إذا فرضت ضغوطاً على عرفات من خلال تقييد إمدادات الوقود والطاقة للسلطة الفلسطينية، أو تحويل الضرائب التي يدفعها العمال الفلسطينيون في إسرائيل فمن شأنه أن يخفف أعمال العنف إن لم تتلاش. ومع استمرار الانتفاضة ومع ازدياد الضغط على السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني أعلن شارون خطة ١٠٠ يوم لوقف الانتفاضة. وتهدف الخطة إلى الضغط على الجانب الفلسطيني تمهيداً إلى إعلان دعوة من الرئيس ياسر عرفات لوقف أعمال العنف بشكل علني، وتنص الخطة على حصار مطبق على كل بلدة فلسطينية من جهة، وحصار آخر حول الضفة الغربية وقطاع غزة، وعزل مدينة القدس عزلاً تاماً عن جميع البلدات المجاورة لها، وحشد قوات ضخمة بآليات ثقيلة بشكل واضح على الحواجز العسكرية وفي مداخل المدن وعلى رؤوس التلال، واحتلال البيوت والعمارات الواقعة في المنطقة «ب» . وأمام تسارع الأحداث على الصعيد الفلسطيني ومع استمرار سياسة إسرائيل الرامية إلى وضع نهاية للسلطة الفلسطينية، ظهرت الدراسات والأبحاث في دائرة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، ومنها ما صرح به الجنرال عاموس غلعاد رئيس قسم الأبحاث في الاستخبارات العسكرية التي أكد فيها أن رئيس السلطة الفلسطينية يسيطر سيطرة كاملة على الأوضاع في الأراضي الفلسطينية نافياً أن تكون السلطة على وشك الانهيار، كما أكد أن السلطة تبني استراتيجية واضحة تقضي بمواصلة انتهاج العنف والإرهاب لتحقيق الأهداف المحددة، وهي إقامة دولة فلسطينية مستقلة في حدود ١٩٦٧م وعاصمتها القدس الشرقية، ويؤكد غلعاد أن قادة الجيش توصلوا إلى استنتاج مفاده أن اتفاق أوسلو وصل إلى نقطة النهاية؛ ولذلك اضطرت السلطة الفلسطينية إلى البحث عن صيغ بديلة تخدم مصالحها. ويؤكد رئيس قسم الأبحاث أن السلطة وعناصرها الأمنية تتحمل المسؤولية الكاملة عن الأعمال والاعتداءات ضد الجيش والمستوطنين. وأمام التصعيد الخطير والقلق الدولي الذي يظهر حيناً ويختفي أحياناً زارت ماري ربنسون المفوضة الدولية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة الأراضي المحتلة ، وأصدرت تقريراً أصبح وثيقة من وثائق الدورة السابعة والخمسين للجنة حقوق الإنسان أكدت فيه: * أن اتخاذ قوات الدفاع الإسرائيلية بعض الخطوات المحددة يمكن أن يساعد على كسر حلقة العنف. * تنطبق اتفاقية جنيف عام ١٩٤٩م بشأن حماية المدنيين في وقت الحرب على الأراضي الفلسطينية المحتلة. * ينبغي وقف بناء مستوطنات جديدة، وإزالة المستوطنات الموجودة في المناطق ذات الكثافة السكانية الفلسطينية العالية. * ينبغي لقوات الأمن الإسرائيلية أن توفر الأمن للفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين. * لا ينبغي في حال من الأحوال استخدام حظر التجول واتخاذه تدبيراً عقابياً. * ينبغي التمتع بالحقوق الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها حق التنمية. * ينبغي احترام جميع الأماكن المقدسة ووصول السكان لها. الحصار الإسرائيلي: وحتى هذه التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة وغيرها من القرارات الأخرى الهامة لم تجد الصدى عند حكومة الإرهابي شارون؛ فالفلسطينيون يعيشون وسط سجن كبير فرضه عليهم مجرم حرب أخذ على عاتقه قتل وتشريد واغتيال الآلاف من الشعب الفلسطيني. وحالياً ومع اشتداد الحصار الإسرائيلي على أراضي السلطة الفلسطينية وحصار رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات ومنعه من الخروج من رام الله؛ فإن سياسة الحصار الإسرائيلي التي بدأت منذ اللحظة الأولى لانطلاقة هبة الأقصى في ٢٨/٩/٢٠٠٠م هدفت إلى تقطيع أوصال المناطق الفلسطينية، فباتت مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة عبارة عن مربعات أمنية ذات درجات إغلاق متفاوتة، وأصبح هناك ١٥٠ حاجزاً في الضفة الغربية و٤٠ في قطاع غزة. ويعمل الإغلاق الذي تفرضه إسرائيل على المناطق الفلسطينية على منع التنقل بين الضفة والقطاع، وبين الضفة والقدس، ثم تحول إلى منع التنقل بين المدينة والقرى المحيطة بها، ثم بين القرى نفسها، وأخيراً بين الأحياء في ذات القرية، وقد جاء هذا التحول بعد مقتل رحبعام زئيفي العنصري الصهيوني المتطرف، وبات عرفات ذاته محاصراً داخل رام الله، وفي إطار هذا الحصار تتحكم القوات الإسرائيلية في كافة مجالات الحياة الفلسطينية، ويكون هذا التحكم إما بواسطة قرارات مجلس الوزراء المصغر، أو بقرار من وحدة عسكرية مرابطة على مدخل حي أو قرية أو مدينة. كما يعني الإغلاق منع نقل البضائع سواء كانت مواد غذائية أو أدوية بشكل كامل أو جزئي؛ كما أغلقت إسرائيل الطرق الالتفافية حول القرى مما ضيق الحصار وأصبح أقل ما يوصف بأنه خانق. وقبل التعرض إلى بعض الأرقام والإحصائيات في ما سببه الحصار الصهيوني إلى المناطق الفلسطينية، لا بد من التأكيد على بعض المعطيات الأساسية التي تتماشى مع مواثيقهم الدولية ومعاهداتهم التي تنكرها إسرائيل ومنها حق جميع الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي، وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وتنص المادة (١) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام ١٩٦٦م على عدم جواز تجريد أحد من ممتلكاته، ولكل فرد حرية مغادرة أي بلد بما في ذلك بلده، كما حظرت المواثيق العقوبات الجماعية، وبالمثل جميع تدابير التهديد والإرهاب، كما نصت اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب لعام ١٩٤٩م، على كل طرف من الأطراف السامية المتعاقدة أن يكفل حرية مرور جميع رسالات الأدوية والمهمات الطبية ومستلزمات العيادة المرسلة حصراً إلى سكان طرف آخر حتى ولو كان خصماً، وعليه كذلك الترخيص بحرية مرور أي إرساليات من الأغذية الضرورية والملابس والمقويات المخصصة للأطفال دون الخامسة عشرة من العمر والنساء الحوامل والنوافس، كما نصت المادة (٦) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أن تعترف الأطراف في هذا العهد بالحق في العمل الذي يشمل ما لكل شخص من حق في أن تتاح له إمكانية كسب رزقه بعمل يختاره أو يقبله بحرية، وتقوم باتخاذ تدابير مناسبة لصون هذا الحق كما نصت ذات الحقوق على حرية التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه، وتنص على تهيئة ظروف من شأنها تأمين الخدمات الطبية والعناية الطبية للجميع في حالة المرض. وفيما يخص التربية والتعليم فهي تنص على وجوب توجيه التربية والتعليم إلى الإنماء الكامل للشخصية الإنسانية والإحساس بكرامتها وإلى توطيد واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وفيما يلي نذكر بعضاً من الخسائر التي أدت إليها سياسة الحصار الإسرائيلي [*] . الصناعة: شهد قطاع الصناعة الفلسطيني تراجعاً كبيراً، فانخفضت إنتاجية جميع المصانع الفلسطينية بسبب عدم السماح بدخول المواد الخام، وعدم السماح بخروج المواد المصنعة للتصدير، وقطع التيار الكهربائي بشكل جزئي ومتكرر، ووقف العمل داخل المناطق الصناعية، وعدم تمكن العمال من الوصول إلى أماكن عملهم؛ وكل هذه الأسباب تؤدي إلى زيادة تكلفة الإنتاج وتعطيله في مجالات عدة. كذلك فإن حجز البضائع والمواد الخام في الموانئ الإسرائيلية يترتب عليه دفع غرامات ورسوم أرضيات وأجور حاويات زيادة على الفائدة المترتبة، وكما تجبر إسرائيل أصحاب البضائع أن يتم نقلها بواسطة الشاحنات الإسرائيلية مما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل، والأمر ذاته ينطبق على المواد التموينية. وقد قدرت وزارة الصناعة عدد العاطلين عن العمل ٣٤٢٦٨٩ عاطلاً، ودمرت الآليات العسكرية الإسرائيلية ٤٥ مصنعاً، وانخفض الإنتاج من ٥٠ - ٨٠ % حسب الصناعة، هذا وقد بلغ مجموع الخسائر العام ٩٠٥. ٨٤ مليون دولار، وقدرت خسائر وزارة الصناعة بـ ٨. ٧٢٣. ١١٣ دولار. التعليم: تواجه وزارة التربية والتعليم الفلسطينية مشكلة توفير البنايات المدرسية عوضاً عن التي قصفتها إسرائيل وتجهيزها بما يلزم من أثاث ومستلزمات تعليمية، وكذلك العجز في موازنات الجامعات نتيجة توقف عدد كبير من الطلبة عن دفع الرسوم الجامعية بسبب الظروف المالية الصعبة؛ كما توقفت المساعدات التي تقدمها الدول المانحة إلى السلطة الفلسطينية. وأمام هذا الحصار الخانق، وأمام الأحداث المستمرة لهبة الأقصى يقبع في سجون الاحتلال الإسرائيلي ٨٥٠ طالباً، كما تعطل العام الدراسي لمدة ٢٥٥ يوماً، وأغلقت ١٧٤ مدرسة، ومنع ٩٠ ألف طالب من الوصول إلى مدارسهم، ووصل النقص في الهيئات التدريسية إلى ٩٠% حداً أعلى و١٠% حداً أدنى من المعلمين الأصليين بسبب سد مداخل المدن والقرى والأحياء؛ كما يوجد ٢٧٥ مدرسة على خطوط التماس مع الاحتلال مما يعرضها إلى الانتهاكات والمخاطر المستمرة، وتحولت أربع مدارس إلى ثكنات عسكرية إسرائيلية، وأغلقت ٦ مدارس بأوامر عسكرية، وقصفت ٩٥ مدرسة واقتحمت ٢٣ مدرسة، وتعطلت الدراسة في ٦٦ مدرسة. الصحة: قبل استعراض منجزات الحصار الشاروني على الوضع الصحي العام لا بد من التأكيد أن هناك مشاكل اجتماعية ونفسية لا تسجلها أغلب الإحصائيات الصادرة وتتجاوز الموضوع الصحي (البدني والجسمي) وخلفتها التصرفات والأحداث الجارية. هذا وقد اعتدت إسرائيل على ٣٠٠ منشأة صحية، وقصفت ثلاثة مستشفيات بالطائرات وقذائف الدبابات، ودمرت ٩٣ سيارة إسعاف من جراء القصف أو إطلاق النار عليها. الزراعة: بلغ عدد الأشجار التي تم اقتلاعها ٣٩٤٦٤٢ شجرة، وتقدر وزارة الزراعة الأضرار المباشرة نتيجة الممارسات الإسرائيلية بـ ٣٤٤. ٩٦٨. ٥٠٣ مليون دولار، أما القطاع الحيواني فتقدر خسائره بـ ٣٤٥ مليون دولار. العمال: بلغت نسبة العاطلين عن العمل من الشعب الفلسطيني ٥٣% من إجمالي القوى العاملة البالغين ٦٥٠. ٠٠٠ ألفاً، وقد تعطل ٣٤٢. ٦٩٨ عاملاً، وبلغت إجمالي الخسائر اليومية ٦. ٢٥٠. ٠٠٠ دولار يومياً في كافة القطاعات، وبلغ معدل الفلسطينيين الذين يعيشون تحت خط الفقر ٥٧%. السياحة: يمثل قطاع السياحة ١١% من الناتج المحلي الإجمالي، ومع سياسة الحصار الإسرائيلي فقد تكبد خسائر فادحة من جراء الحصار، وقامت إسرائيل بقصف وتدمير المدن السياحية وإغلاق مطار غزة الدولي وتجريفه واحتلال أسطح المباني والفنادق وتدمير بعضها مما ترتب عليه أن فقدت أكثر من خمسة آلاف عائلة فلسطينية تعمل في مجال الصناعات السياحية مصادر دخلها، وبلغ إجمالي خسائر قطاع السياحة خلال عام من الانتفاضة ٤٩٧ مليون دولار. الانتهاكات الدينية: مع سياسة الحصار استمرت إسرائيل في الاعتداء على الأماكن المقدسة الإسلامية؛ فقد سجل خلال عام من الانتفاضة ٧٠ حالة اعتداء على المساجد في الضفة والقطاع، وإحراق ٢٠ نسخة من القرآن الكريم، وعمدت إسرائيل إلى احتلال مسجد بيت جالا وكنيستها وتحويلهما إلى قاعدة عسكرية، وتجريف المقبرة الإسلامية في جبل جرزيم في نابلس ومقام الشيخ غانم، وتحويل مسجد الخان الأحمر إلى متحف لمستعمرة معاليه أدوميم، وسرقة الآثار الإسلامية الموجودة في متحف روكفلر وإرسالها إلى متاحف داخل المناطق المحتلة ١٩٤٨م، وتحويل بعض المقابر الإسلامية إلى ثكنات عسكرية، كما استمرت في تغيير الطابع الديني للمسجد الإبراهيمي في الخليل. هدم المنازل: استمراراً لسياسة شارون القائمة على الاعتداءات والجرائم فقد بلغ عدد المباني التي طالها القصف خلال عام من هبة الأقصى ٦١٩٣ منها ٤٣٠ منزلاً ومبنى دمر تدميراً كاملاً و ٥٧٤٧ مبنى دمر جزئياً، وقدرت وزارة الإسكان الخسائر ١٩. ٦٦٩. ٣٨٠ مليون دولار، وتحتاج هذه المنازل المدمرة إلى ٢١ مليون دولار لإعادة التعمير، والمرافق تحتاج إلى ١٨ مليون دولار، وبلغت أضرار الطرق في الضفة الغربية ٣. ٣٢ مليون دولار، وفي غزة ١. ١٥ مليون دولار عدا خسائر المطار؛ وخلال عام قصفت إسرائيل ٨٤ منشأة عسكرية تابعة للسلطة الفلسطينية. ومع استمرار تزايد الصمت العالمي إزاء سياسة الغطرسة الشارونية استمر رئيس الحكومة الإرهابي شارون بهدم المنازل الفلسطينية وأجرى اللقاءات والأحاديث الصحفية التي تسوغ سياسة الهدم؛ فعقب تدمير ٧٠ منزلاً في رفح قال إن المنازل المدمرة كانت تخفي أنفاقاً لتهريب السلاح من مصر إلى رفح في غزة، وأن معظمها لم يكن مؤهولاً مؤكداً أن من واجبه وواجب حكومته التي يتولى رئاستها أن توفر الأمن. وفي سياق آخر قال إن عملية هدم المنازل مفيدة لإسرائيل من أجل توسيع القطاع الأمني الخاضع لسيطرتها والذي يفصل بين رفح والحدود المصرية مقترحاً أن يتم دفع أموال الفلسطينيين بهدف توسيع القطاع الأمني. كما أعلن وزير الخارجية شمعون بيريز في حديث للإذاعة الإسرائيلية أنه أبلغ أعضاء لجنة الخارجية والأمن قرار وقف عمليات هدم منازل الفلسطينيين بسبب الأضرار البالغة التي ألحقتها عمليات الهدم لضررها بصورة إسرائيل في العالم مؤكداً أنه ضد الهدم لأسباب تتعلق بالتراث اليهودي. وفي نفس الوقت رفض مكتب شارون عروض وكالات الأنباء العالمية تصوير الأنفاق المزعومة لتهريب السلاح في تأكيد لبطلان الادعاءات التي يبثها شارون. الاغتيالات: في البداية لا بد من التعريف بأن المقصود بالاغتيال هو حالات القتل العشوائي والمنظم الذي تمارسه قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين؛ ففي مقابلة مع قائد القوات الإسرائيلية في رام الله غال هيرش قال رداً على سؤال قناة C. N. N حول عمليات «القتل» : سنقتل كل من يهدد أمننا ويعرض أمن أي إسرائيلي للخطر، وأكد أن الحجارة هي تهديد لحياة جنودنا وأمتنا؛ ولذلك نقتلهم وسنقتلهم حتى يتوقف الآخرون عن ذلك. وأكد الجنرال الكاذب هيرش أن الجنود الإسرائيليين لا يطلقون النار على الرأس والصدر إلا لمن يحمل السلاح ضدهم. وفي الإحصائيات الصادرة عن دائرة العلاقات القومية في منظمة التحرير الفلسطينية أكدت التقارير أن ٤٥. ٩% من مجموع الإصابات خلال عام من هبة الأقصى تقع في منطقة الرأس والرقبة، و ١٤. ٩% في الصدر؛ أي ما نسبته ٦٠. ٨% من الإصابات في الجزء العلوي من الجسم، والباقي في الجزء السفلي وإصابات غاز. كما نشرت صحيفة هآرتس مقابلة مع قناص في الجيش الإسرائيلي أكد فيها أن كل من بلغ الثانية عشرة لم يعد طفلاً، ومؤكداً أن أوامر إطلاق النار تأتي من قائد الكتيبة بعد رؤية شاب يتحرك بشكل مثير للانتباه، أي أن كل نشطاء الانتفاضة هم عرضة لنيران القناصة الإسرائيليين. وفي سياسة إسرائيلية تهدف إلى المزيد من الشهداء، وبعد سبعة أشهر من هبة الأقصى ألغت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بشكل كامل استخدام إجراء اعتقال المشتبه به ضد الفلسطينيين الذين يحملون السلاح، وأصدرت أوامر واضحة للجنود بإطلاق النار بهدف القتل في مناطق مختلفة من الأراضي الفلسطينية، ونشرت صحيفة كول هودوعير الأسبوعية الإسرائيلية أن التعليمات تنص حتى على الحالات التي لا تشكل خطراً على حياة الجنود أو المواطنيين؛ وهذا ينطبق على كل من يحمل سلاحاً في منطقة إسرائيلية إذا أطلق النار أو ألقى سلاحه أو هرب ولم يطلق النار. وتسوق الآلة الإعلامية الإسرائيلية ملفات الاغتيال وعمليات التصفية بأنها تندرج في إطار أن الذين تمت تصفيتهم هم من الذين ارتكبوا أفعال مخلة بالأمن الإسرائيلي، أو من الذين يخططون للقيام بمثل هذه الأعمال، إضافة إلى أن عمليات الاغتيال تأتي تدبيراً احترازياً وإجراءاً وقائياً في سبيل تلافي الضرر المتوقع وتهدف عمليات الاغتيال كإجراء لردع السكان للتأثير على الروح المعنوية؛ ولذلك تلجأ إسرائيل إلى تصفية القادة الميدانيين للانتفاضة، وكمظهر من مظاهر التأثر والاقتصاص والرد الفوري على عمليات المقاومة. ولا بد من التأكيد هنا على مسؤولية إسرائيل من الناحية الجنائية الدولية عن حوادث الاغتيال والتصفية؛ ففي اتفاقية جنيف أيار ١٩٨٩م تحظر الحكومات بموجب هذا القانون جميع عمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي، ولا يجوز التذرع بالحالات الاستثنائية بما في ذلك حالة الحرب أو التهديد بالحرب أو عدم الاستقرار السياسي الداخلي أو أية حالة طوارئ عامة أخرى لتسويغ عمليات الإعدام. كما نصت المادة ١٣٦ من اتفاقية جنيف الرابعة لعام ١٩٤٩م: «تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تتخذ أي إجراء تشريعي يلزم لفرض عقوبات جزائية فاعلة على الأشخاص الذين يأمرون باقتراف إحدى المخالفات الجسيمة» وإحداها التصفية الجسدية أو الإعدام خارج نطاق القانون «ويلزم كل طرف بملاحقة المتهمين وتقديمهم إلى المحاكمة أياً كانت جنسيتهم» . ومع سقوط ما يزيد عن ٥٧ شهيداً نتيجة سياسة الاغتيالات فقد تراوحت عمليات الاغتيال الإسرائيلية ما بين إطلاق صواريخ واستخدام الرصاص الحي والرصاص الثقيل، والسيارات المفخخة، والقنابل الموقوتة، وبعد اندلاع الانتفاضة وشيوع التسويغات الإسرائيلية في وسائل الإعلام نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت استطلاعاً للرأي بعد عام على هبة الأقصى أكد فيه ٧١% من المستطلعين أنهم مع سياسة الاغتيالات، و ٧٣% مع إجراءات ضد السلطة الفلسطينية، و٧٤ % مع الفصل التام، و٤٤% غيروا آراءهم بالأمة العربية بشكل سلبي بسبب الانتفاضة، و ٥٨% غيروا آراءهم بالفلسطينيين، و ٦٦% في عرفات، و٣٧% من العينة أصبحوا أكثر تشدداً، و ٦٣% أكدوا أن الانتفاضة دلت على استحالة التوصل إلى سلام. هذا ومع مرور عام على حكومة شارون نادراً ما تخرج قرارات المطبخ الأمني عن الفكر الصهيوني الرامي إلى القتل والإرهاب، وقد نصت جل القرارات على المزيد من أعمال تصفية المقاومين الذين يخططون لعمليات مسلحة، والقيام بمزيد من العمليات الخاصة في المنطقتين «ب» و «ج» وتعزيز محاور الحركة العسكرية في الأراضي الفلسطينية، وكان أفي بارنز المتحدث باسم الإرهابي شارون صرح عقب استشهاد محمود أبو هنود أن اغتيال أبو هنود من أبرز الانتصارات التي حققتها إسرائيل عقب عملية نفذتها المروحيات الإسرائيلية. الانتفاضة حققت الكثير: على الرغم من تعالي بعض الأصوات الانهزامية المطالبة بإيقاف الانتفاضة كونها لم تحقق شيئاً، فإنا نسلط الضوء في هذا السياق على الخسائر الإسرائيلية التي بالطبع من شأن استمرارها أن تسبب نكبة إلى إسرائيل لن تشهد مثيلها أبداً. كشفت أغلب المصادر حالة التردي الذي يعيشه الاقتصاد الإسرائيلي من جراء هبة الأقصى، وقد امتدت هذه الحالة لتشمل كافة فروع الاقتصاد؛ حيث يلاحظ أن الحركة البشرية لقطعان المستوطنين تتلاشى بعد الثامنة مساء سواء في الأسواق أو المطاعم وحتى الطرقات الداخلية والخارجية، ولم يحقق النمو الاقتصادي أكثر من ٢ ٥. ٢% بعد أن كان ٦ ٨% عام ٢٠٠٠م، كما تراجع الناتج المحلي بنسبة ٠. ٥% وذلك حسب مكتب الإحصاء المركزي. أما الصناعة فقد ساد جمود صناعي وأظهرت نتائج استطلاعات أن ٤١% من المصانع قلصت إنتاجها، و ٣٥% قلصت من عدد عمالها، وقدرت خسائر الصناعة بـ ١٥٠ مليون شيكل، ولا يختلف الحال في التجارة فقد أكدت معطيات اتحاد الغرف التجارية أنها ستكون الأدنى منذ عام ١٩٩٨م، ولن تزيد عن ٥. ١ % وهي النسبة الأدنى منذ ١٢ عاماً، كما تقلص التصدير بنسبة كبيرة إلى الولايات المتحدة والعديد من الدول الأخرى. أما المستوطنون فهم القطاع الأهم في هذه الخسائر؛ حيث تشير المعطيات إلى انخفاض بيع الشقق العامة بنسبة ٥٠% مقارنة مع النصف الأول من عام ٢٠٠٠م، كما تواجه عمليات البناء في المستوطنات مشكلة كبيرة بسبب عدم توجه المقاولين وعمال البناء من غير العرب إلى الضفة وغزة خوفاً على حياتهم، إضافة إلى عدم إقبال المستوطنين على شراء بيوت جديدة. ويسجل للانتفاضة أن سرَّعت هجرة المستوطنين من الضفة والقطاع إلى داخل ما يسمى الخط الأخضر «المناطق المحتلة عام ١٩٤٨م» ، وتؤكد مصادر غير إسرائيلية أن أكثر من مليون مستوطن هاجروا إلى أوروبا الغربية وروسيا والولايات المتحدة وكندا، وللتغلب على هذه الظاهرة تحاول بعض العائلات المتدينة أن تنتقل وتعمل على افتتاح مدرسة دينية، كما عمد الجيش إلى استئجار بيوت المستوطنات من أجل استخدامها قواعد عسكرية، وقد شكل المستوطنون عبئاً على الموازنة الإسرائيلية؛ فقد خصصت الحكومة الصهيونية مليار دولار لتحصين المستوطنات من أسوار وبوابات إلكترونية وأسياج مكهربة، وتزويد سيارات المستوطنين بوسائل لطلب النجدة في حال التعرض للخطر وزجاج واقٍ من الرصاص، ومع تدهور الوضع الأمني داخل المناطق المحتلة عام ١٩٤٨م أعلن وزير الشؤون الاجتماعية شالومو بن عيزري ارتفاع معدلات البطالة شهراً بعد شهر، وارتفعت نسبة البطالة حالياً إلى ٩%، كما ذكرت شركة الطيران الإسرائيلي أن أرباح شركة العال في الفترة ٢٠٠١م تبلغ ٥٠٠ مليون دولار، والنفقات ٤٠ مليون دولار وكانت خسائر الأرباح ١٥٠ مليون دولار؛ حيث بلغت نفقات الإنتاج ١٢ مليون دولار، وانخفضت نسبة الزوار إلى ٦٠% عن معدلاتها السابقة لعام ١٩٩٩م، وأمام هذه الخسائر لا تنسى إسرائيل تزايد عدد القتلى ومقتل أول شخصية بدرجة وزير هو رحبعام زئيفي خلال هبة الأقصى. مكاسب الانتفاضة: بعد صعود شارون إلى سدة الحكم في إسرائيل أعلن عبر وسائل الإعلام كافة أنه سيقضي على الانتفاضة في ١٠٠ يوم، واستمرت الانتفاضة حتى الساعة، وأخفقت خطة (جهنم المتدحرجة) للقضاء على هبة الأقصى. وأمام ما سبق من استعراض آثار الحصار على الشعب الفلسطيني والهزائم المتلاحقة التي مني بها شارون والدولة العبرية لا بد من استعراض المكاسب التي حققتها الانتفاضة عبر رفضها المشروع السلمي الرامي إلى إجهاض حق العودة وتجاهل المسجد الأقصى. ساهمت هبة الأقصى في إحياء شعيرة الجهاد في سبيل الله، والتفاف الناس حول القيادات الإسلامية، وتوحيد الشعب الفلسطيني ضد قطعان المستوطنين وجنود الاحتلال عبر الاشتباكات اليومية، وفي خلق نوع من التعبير المشترك بين المناطق المحتلة ١٩٤٨م والأراضي الفلسطينية التابعة للسلطة الفلسطينية بعد استشهاد ١٣ عربي من سكان المناطق المحتلة عام ١٩٤٨م، كما أسقطت الانتفاضة مشاريع التسوية التي قدمها باراك في كامب ديفيد، ويحاول أن يسوق شارون بعضها عبر خطة تينت أو ميتشل وأصبحت إسرائيل أمام خيار واحد ألا وهو استمرار المقاومة خياراً شعبياً أو تقديم الحل العادل الذي تسعى له هبة الأقصى والرامي إلى دولة فلسطينية والقدس عاصمة لها، وعودة اللاجئين، وتطبيق قرارات الشرعية الدولية. كما سببت الانتفاضة خسائر دبلوماسية وسياسية وإعلامية؛ فقد سحبت الأردن ومصر سفيريهما، وأغلقت المكاتب الإسرائيلية في دول عربية، وتصاعدت دعوات المقاطعة العربية مرة أخرى لإسرائيل. وعلى الصعيد العربي أصبحت الانتفاضة هي الحدث الشعبي والرسمي الأهم رغم عدم إعطائها كافة الاهتمام من كل المستويات الرسمية العربية؛ إلا أن تصدرها القمم العربية الطارئة في القاهرة والدورية في عمان والدورة في مارس ٢٠٠٢م في بيروت يشكل أهم إنجازات سياسية حققتها الانتفاضة بعد سياسة التجاهل التي تعرضت لها القضية الفلسطينية. ودولياً فبعد مؤتمر دوربان أصبح العالم ساحة لاستعراضات هبة الأقصى. ومن الناحية الأمنية على إسرائيل، فقد زعزعت الانتفاضة نظرية وثوابت الأمن الإسرائيلي بانشغال الجيش الإسرائيلي في حرب مع رماة الحجارة وحراسة مداخل قرى ومدن وحصار خانق على الشعب. ساهمت الانتفاضة في إبراز تناقضات المجتمع الإسرائيلي وظهور العديد من الأسئلة التي كان المجتمع يحاول إخفاءها عبر توجيهه الصراع إلى الخارج ومن المقالات التي ظهرت في الصحف العبرية كتبت ياعيل غفيرنس في يديعوت أحرنوت مقالات طالبت بوقفة مع الذات، وقالت: حان وقت استفاقة المجتمع الإسرائيلي من حالة الذهول الخاضع لها منذ سنتين، حان وقت الاستفاقة من خيبة الأمل والكبت والشلل والصمت والاندماج في حساب النفس الذي يجريه العالم، وعدم الانقياد وراء ماضيه فقط بل وراء مستقبله كذلك، كما ظهرت مقالات أخرى في ذات الصحيفة تؤكد على صعود عسكرة المجتمع وتآكل المجتمع المدني نتيجة تضخم القوى الأمنية والعسكرية. وفي خطوة جديدة أعلن ٥٢ جندياً وضابط احتياط في جيش الدفاع الإسرائيلي رفضهم أداء الخدمة والمشاركة في قمع الفلسطينيين. وإجمالاً فإن الانتفاضة أحدثت هزة في الكيان الصهيوني، وزلزلت المنطقة التي أفاقت على وقائع جديدة. السلام المستحيل: يقول ابن جوريون رئيس وزراء إسرائيل إبان فترة إعلان الكيان الصهيوني: «إن السلام والاتفاق الشامل هو بلا شك أمر مستبعد، ويأتي السلام بعد أن يدب اليأس الكامل في نفوس العرب ذلك اليأس الذي يأتي ليس من إخفاق الاضطرابات ولكن من تنامي قوتنا في هذا البلد، عندها يمكن للعرب أن يذعنوا لوجود إسرائيل اليهودية» . وقال مناحيم بيجن أحد مجرمي الحرب الصهيونيين عام ١٩٤٨م في بيان لمقاتلي الجماعات السرية عقب قرار تقسيم فلسطين: «إن تقسيم فلسطين غير شرعي ولن نقبل به أبداً، والقدس كانت وستظل عاصمتنا إلى الأبد، وإسرائيل الكبرى سوف تعود إلى شعب إسرائيل كل إسرائيل» . تأتي استحالة التوصل إلى سلام على الأقل في المرحلة الراهنة ليس بسبب الظرف الموضوعي والمتمثل في ميل المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين المتطرف بل من عزم أرئيل شارون على إسقاط ياسر عرفات ومنعه من الخروج، ويصرح بوقاحة غريبة مع استمرار خطة القتل اليومي والاغتيال المنظم والعشوائي أن على عرفات البقاء في أراضي السلطة والقيام بالنشاطات المتعلقة بمحاربة الإرهاب والزج بالإرهابيين في السجون وجمع الأسلحة. ومع استمرار الخسائر داخل إسرائيل وخاصة ارتفاع عدد القتلى مقارنة بالانتفاضة الأولى ومقارنة بالقتلى الإسرائيليين في جنوب لبنان تميل كفة المجتمع الإسرائيلي المتأرجح ما بين الحرب والسلم إلى معارضة إعادة احتلال الضفة الغربية؛ حيث أفاد ٥٨% أنهم يعارضون أن تساهم إسرائيل في انهيار السلطة وأيد المساهمة في انهيار السلطة ٣٨% منهم. وإبان ظهور خطة شمعون بيريز وزير الخارجية الإسرائيلي مع أحمد قريع رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني للسلام والتي لم ينظر لها شارون فقد أيد ٦١% وقف إطلاق نار خلال ستة أسابيع، وإقامة دولة فلسطينية على ٤٢% من الأراضي الفلسطينية، وعارض ٣٣% ذلك. أما المجتمع الفلسطيني والذي يمنى كل يوم بالمزيد من الخسائر، فقد أكد ٧٠ % منه أنه مع استمرار هبة الأقصى و ١٧% يعارضون استمرارها، و ٥٤% مع أشكال شعبية وعسكرية للانتفاضة، و ١٥% الشكل الشعبي فقط، وأيد ١٨% الشكل العسكري فقط للانتفاضة. وختاماً ومع استمرار إظهار الأحداث أن السلام وإن نجحت خطط الفصل لن يجدي؛ ولا يبقى إلا التأكيد على أن السلام النهائي بالمفهوم الإسرائيلي لن يتحقق إلا بتحقيق كامل المشروع الصهيوني، فشارون يقود هيئة أركان وليس دولة وحكومة تسعى للسلام؛ فالحقائق الموجودة على الأرض الفلسطينية حالياً لا تنذر بفتح صفحة جديدة بعد إخفاق خيار التسوية الراهن.

стр. 4198

المسلمون والعالم السهم الدرزي في ظهر العرب أمير سعيد [*] بعمائمهم التي تشبه عمائم الأزهريين يبدو شيوخ الطائفة الدرزية كما لو كانوا من علماء المسلمين، ولربما تحدث وجهاؤهم بلسان مسلم، أو حاكوا المسلمين في بعض مفرداتهم: (لا فضل لدرزي على سني إلا بالنضال! ! أخذاً بقول الرسول ﷺ : «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى» ) مثلما قال سميح القاسم الشاعر الفلسطيني الدرزي. بيد أن المخابر لا تبديها المظاهر، وإنما تكشفها العقائد والأصول والمواقف. والحق أن هذه الطائفة بعيدة النجعة عن طريق الإسلام والمسلمين؛ فالدين غير الدين، والولاءات متعارضة، والمواقف السياسية متباينة. وإذ يعتري بعض المسلمين العجب وهم يظنون أن الدروز هم إحدى فرق المسلمين، وأنهم وإن اختلفوا عن السنة إلا أنهم لا يخرجون عن دائرة الإسلام والمسلمين، وهم يشاهدون درزياً (صالح طريف) وزيراً بلا وزارة في حكومة شارون، ويعجبون كذلك وهم يرون العديد من شباب الطائفة ورجالها يخدمون في الجيش الإسرائيلي ويصوبون رصاصهم في قلوب (إخوانهم من العرب الفلسطينيين) . إلا أن هذا العجب سرعان ما يتبدد حينما يستبين لهؤلاء حقيقة القوم، وحين نجلِّي عن الدروز حجاب الإسلام عبر هذه السطور فنستطيع وقتها أن نراهم عن كثب على حقيقتهم التي ربما تخفى على العديد من المسلمين. تعريف الدروز ونشأتهم: هم فرقة باطنية تقترب عقيدتها من عقيدة الإسماعيلية تخفي عقيدتها عن الناس، وقد نشأت إبان حكم الطاغية الحاكم بأمر الله الفاطمي (٤٠٨ هـ) على يد محمد ابن إسماعيل الدرزي (بنشتكين) الذي تسرَّع في إعلان ألوهية الحاكم بأمر الله مما أثار المسلمين ضده في مصر، فاضطر للفرار إلى الشام؛ وهناك دعا إلى مذهبه فاستجاب له بعض الناس فأسس الفرقة الدرزية التي ارتبط اسمها باسمه، على الرغم من أن الدروز يلعنونه لتسرعه ويلقبونه بالغطريس الذي تغطرس في الكلام دون علم أو يقين، ويفضلون اسم الموحدين على الدروز؛ غير أنهم لا ينكرونه، والدروز عرب خُلَّص من قبيلتي لخم وتنوخ وليسوا أكراداً كما يظن بعض من الناس. عقيدتهم: - يعتقدون بألوهية الحاكم بأمر الله، ويعتقدون بغيبته ورجوعه. - ينكرون جميع أحكام الإسلام من صلاة وحج وصيام وتحريم للميتة والخمر. - يزعمون أن شريعة محمد بن إسماعيل نسخت شريعة محمد بن عبد الله. - يؤمنون بالتقية. - لا يؤمنون بجنة ولا بنار؛ وإنما يؤمنون بتناسخ الأرواح. - يبغضون جميع أهل الديانات الأخرى لا سيما المسلمون، ويستبيحون دماءهم وأموالهم. - لا يؤمنون بالأنبياء سوى أنبيائهم المزعومين. - لا يتلقى الدرزي عقيدته إلا إذا بلغ الأربعين. طبقات الدروز: الناس في الطائفة الدرزية طبقتان: أ - الروحانيون: وهم أهل العلم من الطائفة العالمون بأسرارهم، وينقسمون إلى: (شيوخ عقل) : وهم كبار علمائهم، و (أجاويد) : وهم بمثابة طلاب العلم عند أهل السنة. ب - الجثمانيون: وهم عامة الطائفة المعنيون بأمور الدنيا من أمراء وعامة. الخريطة الدرزية في العالم: يبلغ عدد أبناء الطائفة الدرزية في العالم نحو ٢٥٠ ألف درزي؛ منهم ١٢٠ ألف في فلسطين، و ٩٠ ألف في لبنان، و ١٧ ألف في الجولان السورية (جميع سكان الجولان المحتلة) ، والباقي في أنحاء سوريا وأستراليا والبرازيل. وللدروز في فلسطين ولبنان وسوريا شأن وتميز واضح. ففي فلسطين: لا يخفى على ذي عينين وجود تأثير يهودي عميق في نشأة معظم الفرق التي مرقت من الإسلام، وليس سراً أن الحاكم بأمر الله أبا علي المنصور بن العزيز بالله بن المعز لدين الله الفاطمي إله الدروز كانت له ميول يهودية، والفرقة الإسماعيلية التي انبثقت عنها الدرزية إنما ولدت أفكارها من رحم يهودية، وليس غريباً أن يحن الفرع إلى الأصل، وأن يحدث نوع في توافق الأفكار وتلاقي المصالح بين اليهود والدروز، وعليه فإن من أولويات الكيان الصهيوني فور إنشائه في العام ١٩٤٨م كان انتقاء الدروز من بين العرب وتمييزهم عنهم واحتواؤهم أو على الأقل تحييدهم. وفي المقابل رأى دروز فلسطين دولة اليهود فرصة للعب على التناقضات بين المسلمين واليهود خروجاً بأعلى مكسب يمكن أن تحققه أقلية لا تزيد عن ٢٥٠ ألف بين عرب يزيد تعدادهم عن ٢٥٠ مليون (١%) . بدأت الاتصالات مبكراً بين نشطاء الحركة الصهيونية والدروز، منذ عام ١٩٣٠م وخلال هذا وقَّع معظم زعماء الدروز على البيان الذي يعلن أن موقف الطائفة الدرزية من (النزاع اليهودي الفلسطيني) هو موقف محايد، وفي عام ١٩٤٨م أنشأ الكيان الصهيوني وحدة الأقليات في الجيش الإسرائيلي، وحاول تهميش دور المتحفظين من كبار العائلات الدرزية، إلا أن هؤلاء سرعان ما لحقوا بركب المتعاونين مع اليهود، وسمحوا للدروز بالانخراط في جميع مؤسسات الدولة الوليدة في مقابل الاعتراف في الوقت المناسب بالطائفة الدرزية طائفة مستقلة لها محاكمها الخاصة وتنظيمها الديني المستقل. ومن أكبر العائلات الدرزية التي احتوتها الحركة الصهيونية عائلة طريف التي ينتمي إليها أول وزير عربي في حكومة إسرائيلية (صالح طريف وزير عمالي بلا وزارة في حكومة شارون) . وإلى جانب اهتمام (إسرائيل) المبكر باحتواء الدروز سياسياً عبر تميزهم عن بقية العرب واستيعاب ساستهم ضمن منظومة «إسرائيل» الحزبية؛ انصرف جل اهتمام اليهود إلى تحقيق أقصى استفادة عسكرية من وجود الدروز على أرضهم المزعومة وتوافر النية لدى الأخيرين بالتعاون اللامحدود مع الكيان الصهيوني. ويعتبر الرئيس «الإسرائيلي» الأسبق إسحاق تسقي أبرز المسؤولين الذين اهتموا بقضية الدروز؛ حيث أكد في خطاب شهير له أمام الكنيست أن تجنيد الدروز يعتبر أمراً حيوياً حتى يتحولوا لسكين حاد ينغرز دائماً في ظهر العرب، مما دفع «إسرائيل» إلى إنشاء وحدة خاصة بالجيش هي وحدة الأقليات؛ وتكلف تلك الوحدة بالقيام بالعمليات العسكرية داخل الدول العربية وخارجها. ويبلغ عدد الدروز حالياً في الجيش قرابة ١٩٠٠٠ مجند موزعين على نقاط التماس مع العرب (جنوب لبنان - الضفة - غزة) كدروع بشرية لليهود، وموزعين كذلك على الوحدات الخاصة مثل وحدات المستعربين (الدوفدفان) والتي تعنى باغتيال واختطاف ناشطي جماعات المقاومة الفلسطينية، والتي كان لها دور مخز كبير في اقتحام باحة المسجد الأقصى أواخر شهر يوليو الماضي (أكثر من ٤٠٠ مستعرب شاركوا في الهجوم التتري على الأقصى) ، بجانب انخراط عدد كبير منهم في أجهزة الاستخبارات «الإسرائيلية» المختلفة نظراً لصعوبة تمييزهم عن بقية العرب من حيث الشكل واللغة (مثل الجاسوس المسجون في مصر عزام عزام) . وما يزال وضع العسكريين الدروز في تصاعد، وتتزايد حاجة الجيش (الإسرائيلي) واطمئنانه لهم مع الأيام، ويتأكد ذلك كلما أبلى هؤلاء آثاماً في حرب اليهود ضد الفلسطينيين. وفي الانتفاضة الحالية تم مكافأة الدروز بترقية أحد ضباطهم وهو يوسف مشلب لرتبة جنرال خلال يونيو الماضي، وهي أعلى رتبة يصل إليها ضابط درزي. اقتصادياً: اندمج الدروز في الاقتصاد «الإسرائيلي» حسب نموذج يختلف عن نموذج بقية العرب أو اليهود؛ فما يقرب من ٥٠% من قوة العمل بين الرجال الدروز مندمجون في قطاعات لا يَقبل اليهود العمل فيها، ولا يُقبل العرب المسلمون بها، ٤٠% يشتغلون في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المختلفة، ١٠% يعملون في مصانع البتروكيماويات والموانئ وغيرها من الأماكن الحيوية (ربما في الأعمال الوضيعة فيها فحسب) . وفي لبنان: كما في فلسطين تتحكم عائلات محدودة ذات الثراء والصيت والمنعة في إدارة الشأن الدرزي اللبناني مثل عائلة جنبلاط (ينتمي إليها زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني الحالي والسابق وليد وكمال جنبلاط) ، وعائلة أرسلان (ينتمي إليها دماً فقط المجدد المسلم السني الأمير شكيب أرسلان سفير الإسلام في العالم) ، وعائلة الأطرش (ينتمي إليها المغني فريد الأطرش وأخته الجاسوسة أسمهان التي لقيت حتفها في حادث استخباري غامض) . العائلة الثالثة ذات تأثير محدود الآن بين الدروز. العائلة الثانية تميل إلى مسايرة الدولة والمحافظة على المكتسبات الدرزية. أما العائلة الأولى فلها اليد الطولى في توجيه السياسة الدرزية، ولقد قام زعيماها بإدارة دفة السفينة الدرزية باقتدار مما جعلهما قمينين بأن تسلط الأضواء عليهما: أراد كمال جنبلاط أن يجد للدروز ولزعامته المدى العربي ومكانة لبنانية تفوق حصة حجمهم العددي، ومن أجل أن يصبح لامعاً قرر أن يكون معارضاً، فأنشأ في أواخر الأربعينيات الحزب التقدمي الاشتراكي، وتبنى منذئذ قضايا الفقراء كعادة الاشتراكيين واستفاد بذلك من القاعدة الفقيرة غير الدرزية في مد شعبيته وصقل زعامته، حتى إذا كانت الحرب اللبنانية كان جنبلاط قد أصبح رقماً من أرقام المعادلة اللبنانية الصعبة، وانضم إليه العديد من القوى الفلسطينية والشيعية واليسارية إلى أن قُتل عام ١٩٧٦م، وقد تولى بعده ابنه وليد زعامة الحزب والطائفة، وفي الحرب استطاع أن يدحر الموارنة (المسيحيين) عن مناطق الدروز بالتعاون مع قوات أمل الشيعية وبدعم سوري واضح. وحين وضعت الحرب أوزارها شط الدرزي الأول في مطلب في اتفاق الطائف برئاسة رابعة للدروز (يتكون نظام الحكم اللبناني من ثلاث رئاسات: رئاسة الدولة للمسيحيين، ورئاسة الحكومة للسنة، ورئاسة البرلمان للشيعة) ورفضه السوريون والسعوديون، وعليه فقد بدأ جنبلاط في التحول من موالاة سوريا إلى الحياد معها أثناء الرئاسة القوية لحافظ الأسد، ثم التحول إلى مجاهرة سوريا بضرورة كف يدها عن التدخل في لبنان عندما شعر بضعف الرئيس السوري الشاب بشار الأسد، مع تقربه في الوقت نفسه إلى القوى المسيحية المطالبة برحيل السوريين (البطريرك صفير، ورئيس الحكومة السابقة العماد ميشيل عون) ؛ مما حدا بوزير الدفاع السوري العماد مصطفى طلاس إلى لمزه من قناة قائلاً: نحن صنعناهما (صفير وجنبلاط) وها هما ينقلبان علينا. ويستمر الحرباء السياسية في تقلباته ليحقق فوزاً (تحالفياً) بارزاً في الانتخابات الدرزية الأخيرة، ويخطو خطوة واسعة في طريق الدولة الدرزية التي يطمح إليها الدروز بالشوف في لبنان استناداً إلى مشروع غربي تمنيهم به فرنسا بمساعدة «إسرائيلية» . أما في سوريا: فلعل أبرز تأثير للدروز هو في مواطنيها المقيمين في الجولان السوري المحتل الذين يمثلون نحو ١٧ ألف درزي سوري هم جميع قاطني الجولان، ويعد ولاء الدروز المذبذب بين «إسرائيل» وسوريا أكبر معضلة لسوريا في مفاوضاتها المترنحة مع الكيان الصهيوني، وما من شك في أن الدروز سيخذلون السوريين حينما يطلب منهم موقف انحيازي حاسم، وقد بدت أعراض ذلك الخذلان في فبراير قبل الماضي حينما طلبت حوالي ٣٠٠ أسرة درزية تعيش في هضبة الجولان، من الحكومة «الإسرائيلية» ضمانات بأنها ستستمر في العيش تحت الحكم «الإسرائيلي» إذا تمت إعادة هذه المرتفعات السورية، وقد قالت الإذاعة «الإسرائيلية» وقتها إن هؤلاء الدروز الذين حصلوا على الجنسية الإسرائيلية قد طالبوا نائب وزير الدفاع «الإسرائيلي» مساعدتهم في تكاليف الرحيل وتقديم تعويضات لهم عن أي ممتلكات سيتخلون عنها، مشيرة إلى نية العشرات منهم إقامة دعاوى قضائية ضد الحكومة «الإسرائيلية» مفضلين البقاء في كنف «إسرائيل» على العودة لسوريا! ! ماذا يجري الآن في الشام؟ تشهد منطقة الشام اليوم مرحلة مخاض جديدة تتبدل فيها الولاءات وتتغير فيها التحالفات، والطائفة الدرزية فيها بأقطابها البارزة: زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني وليد جنبلاط، والوزير بلا وزارة في حكومة شارون صالح طريف، والنائب في الكنيست (الإسرائيلي) عزمي بشارة، يقومون بأدوارهم المتباينة التي تصب جميعها في المصلحة الدرزية العليا التي تقوم على إجادة اللعب على كل الحبال، والاتكاء دوماً على الطرف الرابح، ولربما ظهر للمشاهد تعارض واضح بين مواقف هؤلاء، إلا أن المتأمل سيلحظ حتماً إدارة ذكية للأحداث بما يفيد الطائفة بشكل جيد. فوليد جنبلاط قد فطن جيداً للتغيرات الأمنية في منطقة الشام: فتولي شارون وصعود السفاحين لسدة الحكم في إسرائيل، وتولي بشار الأسد الذي رغم كفاءته النسبية لا يملك حنكة والده في حكم سوريا ولبنان معاً، وتنامي نفوذ العسكريين السوريين واللبنانيين في لبنان، وفقدان الرئيس اللبناني إميل لحود الموالي لسوريا لنفوذه بين النصارى الموارنة، وصعود نجم البطريرك صفير الموالي لفرنسا في بكركي، والرغبة القوية لدى واشنطن وباريس لتقليم أظفار الشيعة الإمامية المتمثلة بحركة أمل بزعامة رئيس البرلمان نبيه بري، وحزب الله بزعامة حسن نصر الله الموالية لسوريا وإيران، وتجدد ضغط تيار القائد السابق للجيش اللبناني ميشيل عون الموالي قلباً وقالباً لفرنسا (دولة الاحتلال السابقة للبنان) باتجاه المطالبة برحيل القوات السورية من لبنان؛ حيث يصف عون وتياره وجودها بـ (الاحتلال السوري للبنان) ، والرغبة الجموح لدى رئيس الوزراء اللبناني (الزعيم السياسي للسنة) الملياردير رفيق الحريري بتحرير لبنان من ربقة التبعية لسوريا عسكرياً واقتصادياً. كل هذه العوامل التي فطن إليها جنبلاط دفعته إلى الآتي: ١ - طرح نفسه زعيماً درزياً في الشام كله عبر إطلاق دعوته لرفض الدروز للتجنيد في صفوف جيش الكيان الصهيوني (٨% من الشباب الدرزي في فلسطين المحتلة يخدمون في الجيش الصهيوني) ، وتبنيه لمؤتمر التواصل القومي بعمان الذي عقد قبل شهور للدعوة لرفض الانخراط في الجيش (الإسرائيلي) ، والذي استقبل فيه جنبلاط لدى انعقاد المؤتمر استقبال الأبطال، وكان جنبلاط قد اجتمع سراً بممثلي دروز (إسرائيل) في عمان قبل المؤتمر برعاية المفكر الدرزي البارز النائب بالكنيست (الإسرائيلي) عزمي بشارة (الذي واجه تحقيقاً «إسرائيلياً» تبعاً لذلك لإطاحته من الكنيست) من أجل توحيد الصف. ٢ - اقترابه من رئيس الحكومة السني رفيق الحريري، ومحاولته تشكيل جبهة ثلاثية معه ومع الموارنة (٦٨ عضواً البرلمان اللبناني) ، بعد أن أذاب الجليد مع الموارنة بعد زيارة البطريرك صفير للجبل، وشكل معهم ثنائية على أنقاض ثنائية (المارون الشيعة الإمامية) التي لا يرضى عنها الأمريكيون والفرنسيون والإسرائيليون، ولا سيما بعد أن نجح حزب الله في بسط سلطته وشعبيته في الجنوب اللبناني، ورفض هؤلاء لنشوء دولة شيعية ترعاها إيران في الجنوب. ٣ - مد بعض الجسور مع دمشق مجدداً بعد رفضه لاعتقالاتها للمعارضة اللبنانية النصرانية الموجودة هناك، وذلك عبر عزمي بشارة أيضاً. وصالح طريف من جهته، قد أظهر ولاءً منقطع النظير نحو (إسرائيل) ؛ مما حدا بسلطتها إلى محاولة تلميعه ليتبوأ زعامة مجلس عالمي للدروز تزمع (إسرائيل) إنشاءه وتوجيه دعم مالي كبير له؛ ليضطلع بدوره الجدي لتوحيد الدروز في العالم تحت إمرة الدروز (الإسرائيليين) الموالين للكيان الصهيوني. الطلاق الدرزي: يطيب لبعض الكتاب تجسيم مواقف الدروز من قضايا الأمة المصيرية على أنها مواقف تنم عن خيانة للأمتين العربية والإسلامية، وإذا كنا نوافق هؤلاء على أن مواقف الدروز هي خيانة علنية للعرب والعروبة باعتبارهم من القبائل العربية الأصيلة، إلا أننا لا نشاطرهم الرأي فيما يخص الإسلام؛ فالدروز لا يعدون طابوراً «إسلامياً» خامساً؛ لأنهم بكل وضوح ليسوا بمسلمين وقد طلقوا انتماءهم للإسلام طلاقاً درزياً (لا رجعة فيه) منذ مرقوا من الدين حين أنشؤوا دينهم عام ٤٠٧ هـ، وليس في القول جرأة، بل هذا الكلام قد قال نظيره شيخ الإسلام ابن تيمية حين سئل عن الدروز فأجاب: «هؤلاء الدروز كفار باتفاق المسلمين لا يحل أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم بل ولا يقرون بالجزية؛ فإنهم مرتدُّون عن الإسلام ليسوا مسلمين ولا يهود ولا نصارى وإن أظهروا الشهادتين وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب» [١] ، وقال أيضاً عن الدروز: «كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون؛ بل من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم؛ فإنهم زنادقة مرتدون لا تقبل توبتهم» [٢] . وعطفاً على ما قال شيخ الإسلام، فإن هؤلاء حقاً باطنيون يظهرون ما لا يبطنون، ومن تتخلف عنه هذه المسلَّمة يهوله التناقض الرهيب في مواقف الدروز؛ فكما تقدم رأينا حرباء لبنان كم يتقلب بأطياف السياسة اللبنانية، وكيف يتأرجح الجولانيون بين اليهود والعرب، وكيف يحاول دروز فلسطين تارة ارتداء مسوح المقهورين على خدمة «إسرائيل» ، وتارة يتبخترون بلباس الجندية الإسرائيلية. وأخيراً نسوق ذلك الموقف الطريف من صالح طريف الوزير الشاروني: حين أجرى التلفزيون الفلسطيني في يناير الماضي مقابلة مع ذلك الدرزي عضو اللجنة المركزية في حزب العمل قبل توزيره وأثناء الانتخابات قال: إن زيارة شارون للحرم القدسي الشريف كانت تدنيساً للحرم، وأنه يأسف؛ لأن الدروز يخدمون في الجيش «الإسرائيلي» ويحاربون إخوتهم، وأنه إذا لم تضع «إسرائيل» حداً للنزاع بإقامة دولة فلسطينية، فلن يكون أمام الطائفة العربية الدرزية بد سوى إعادة ترتيب أوراقها، وتبني موقف شجاع مهما كلف الثمن. وعندما تم اختياره وزيراً في التشكيلة الشارونية ونشرت صحيفة يديعوت أحرونوت «الإسرائيلية» مقتطفات من الحوار السابق متهمة إياه بالنفاق سارع طريف على الفور بالاتصال بالإذاعة «الإسرائيلية» طالباً بصفته وزيراً إجراء حوار معه، وفي الحوار قال إنه أدلى بأقواله للتلفزيون الفلسطيني ليقنع الفلسطينيين بالتصويت لمصلحة باراك، وأضاف: لقد حصل لي ما يحصل لآخرين يتفوهون بتصريحات خلال معركة انتخابية ثم يندمون عليها، ولو سئلت اليوم السؤال نفسه لما قلت إن شارون دنس الأقصى بزيارته. وعندما سأله المذيع عما إذا كان يتخبط بين تعاطفه مع الفلسطينيين وتضامنه مع «الإسرائيليين» قال: «يبدو أنك نسيت أنني كنت جزءاً من معركة الدفاع عن دولة» إسرائيل «مدة ثماني سنوات ضابطاً في الجيش، ولم أخجل ذات مرة من القول إنني خدمت في الجيش» الإسرائيلي «، وإنني على استعداد لإرسال أبنائي إلى الجيش للدفاع عن الدولة، حتى إذا تعرضت حياتهم للخطر؛ فأقاربي جميعاً يخدمون في الجيش» ! لا عجب يا طريف! فقد أحسنت حين جسَّدت لنا الطبيعة الدرزية التي أُشربت عقيدة التقية، واتخذت الباطنية ديناً.

стр. 4199

المسلمون والعالم لماذا لا يحتفل المسلمون عام ٢٠٠٠م بإخفاق أشرس غارة صليبية على أفقر بقاع الإسلام ؟ ! موسى شداد الطارقي [*] منذ قرابة ثلث قرن أعدت المجامع الكنسية العالمية برئاسة الفاتيكان خطة مدروسة لتنصير مسلمي القارة الإفريقية مع حلول عام ٢٠٠٠ م. ولقد أعد لهذه الغارة الصليبية من الإمكانيات المادية والمعنوية ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت. وعلى سبيل المثال لا الحصر خصصت لها ميزانية مالية قاربت ٢٠٠ مليار دولار، أما المنصرون الأجانب والمحليون فلا تسل عن أعدادهم. كما أن الأجهزة والوسائل السمعية والمرئية والأرضية والجوية فحدث عنها ولا حرج. كان المخططون والمنفذون يُقْسِمون بأربابهم ولا يستثنون على أنهم سينصِّرون القارة الفقيرة عامة ومسلميها خاصة مع حلول عام ٢٠٠٠ م، وجاء الموعد وبدأ الغزاة يطوون أوراق وملفات غارتهم المترنحة. وكانت الخسائر المادية مذهلة بحق؛ يعترف بذلك قادة الحركة ومخططو الغارة جهاراً ووراء الكواليس. نعم لم يجن المنصِّرون من تلك المليارات الكثيرة والأجهزة العديدة سوى خيبة الآمال وضياع الجهود وخسارة الأموال. ونعتقد أنه لولا سياسة النفس الطويل التي يتبعها المنصِّرون في غارتهم على العالم الإسلامي، وكثرة إمكانياتهم المادية، والتأييد والدعم الكبير الذي يجدونه لدى الأنظمة الحاكمة هنا وهناك لما فكروا في العودة إلى هذه القارة التي ظنوها لقمة سائغة فإذا هي غصة قاتلة. حقائق ملموسة عن إخفاق الغارة: المراقبون لهذه الغارة يعترفون بأن تكاليف تنصير مسلمي إفريقيا يكلف المنصرين مئات الملايين إن لم يكن قرابة مليار، وعلى من يشك في هذه الحسابات مراجعة الميزانيات التي خصصت لكافة الهيئات التنصيرية والعاملة تحت إدارتها في صحراء مالي فقط أي في الأقاليم الشمالية من مالي (كيدال، تمبكتو، وغاوو) من بداية الغارة عام ١٩٧٣م إلى عام ٢٠٠٠م، وعند معرفة المبالغ المصروفة في تلك المدة والمقارنة بينها وبين عدد المرتدين من الطوارق (البيض والسود) في الأقاليم الثلاثة المذكورة والتي تعرضت للغارة أكثر من غيرها في عموم دولة مالي عند ذلك يدرك المرء أن تنصير فرد واحد يكلف مبالغ ضخمة جداً. أما أنا ابن المنطقة فأستطيع أن أؤكد للقارئ الكريم أن عدد المرتدين من الطوارق البيض فقط لا يتجاوز الخمسة. ولكيلا يشك القارئ فإني أضطر إلى ذكر أسمائهم هنا: زودا أغ دوهو، ومحمد أغ إبراهيم من قبيلة إدنان من تاركينت بين غاوو وكيدال، وهما الآن يعملان برتبة قساوسة، ثم ظودا من قبيلة إمغاد منكا، وموسى من قبيلة ذوي إسحاق منكا، والخامس هو حفيد نوتنوت من «كل» تنصر في غوس، وهو مترجم الإنجيل إلى اللغة الطارقية. أما الطوارق السود فقد تنصر منهم العشرات في إقليمي «غاوو، وتمبكتو» ، ومن رؤسائهم «سبدج أغ اليغي» وكان أبوه كاهناً ولا يحسب على الإسلام. أما إقليم «كيدال» فلم يتنصر منه أحد أبداً، وحاكم المنطقة التقليدي «انتالا أغ الطاهر» كان على رأس حكام الطوارق الرافضين للحركة التنصيرية في بلاده، وقد حاول المنصرون بناء كنيسة في بلده «كيدال» عدة مرات في الجمهورية الأولى والثانية والحاضرة، فرفض رفضاً باتاً بناء كنيسة في بلده. هذه حقائق واقعية ولا يستطيع أي منصر تفنيدها بحال من الأحوال. أهم أسباب إخفاق الغارة الصليبية على إفريقيا: أعتقد أن السبب الأول والأخير هو إرادة الله الذي حفظ دينه وعباده من كيد عبّاد الصليب الأقوياء كما حفظهم منهم سابقاً في أزمنة وأمكنة مختلفة. بعد هذا أذكر بعض الأسباب البشرية التي كانت مؤثرة بحول الله وقدرته: أولاً: عراقة الدين الإسلامي في كثير من بقاع القارة وعند العديد من شعوبها المسلمة. ثانياً: انتشار الصحوة الإسلامية لدى السود من مسلمي القارة منذ عقود من الزمن، واستغناء الكثير منهم عن مغريات وجنة المنصرين، وبعبارة أقصر، وجود نوع من المناعة والحصانة لديهم ماديًا ومنعوياً. ثالثاً: من الثابت والمشاهد أن النصارى الأفارقة أنفسهم في تناقص مستمر في ساحل العاج وبوركينا فاسو وغانا وغيرها من دول القارة؛ بسبب اعتناق الكثير منهم للإسلام، وهجرهم لدين التثليث لمصادمته للعقل في عقيدة التثليث. رابعاً: المسلمون البيض سكان الصحراء من الطوارق والعرب والفلان لم تنجح الغارة الشرسة في تنصيرهم رغم الجهود الجبارة التي قامت بها الإرساليات التنصيرية في أوساطهم مدة عشرات السنين؛ ويرجع السبب إلى عراقة الدين عندهم، وإن كان قد شاخ الآن وتقوس ظهره ويحتاج إلى التجديد. خامساً: قيام الحركات والثورات الإفريقية ضد النظم القديمة الحاكمة للقارة؛ مما جعل أكثر الهيئات التنصيرية تلملم أمتعتها هاربة من الموت وتاركة القارة لأهلها يعيشون فيها بسلام من شرور التنصير في السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين. واليوم نسمع من الوسائل السمعية والمرئية والمقروءة الصليبية أن هناك خطة جديدة تبدأ من عام ٢٠٠١م إلى عام ٢٠٢٥م أعدت لها المجامع الكنسية برئاسة الفاتيكان كل الإمكانيات؛ ونقول لهم: [وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ] (سبأ: ٥٤) . يعيدون الكرّة بعدما لم يفلحوا في المرات السابقة، وعلينا نحن أن لا نتجاهل خطر العدو، وأن نواجهه بما يستحق ليهزمه الله كما هزمه سابقاً: [إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] (محمد: ٧) . من أين جاء الدعم المادي والمعنوي لمسلمي القارة؟ وقف عُبَّاد الصليب جميعاً وراء حملتهم الصليبية الماضية لتنصير مسلمي أفريقيا مع عجز المسلمين عن دعم إخوانهم؛ فالحق أن نصرتهم لإخوانهم المستهدفين محدودة ومقصورة على عدد من الأقطار العربية الإسلامية لا يتجاوز أصابع اليد. نعم! عدد قليل من الأقطار العربية الإسلامية التي قامت بواجبها الإسلامي تجاه إخوانهم المنكوبين والمغزوين ممثلة في دعم الدعاة المنتشرين في طول القارة وعرضها والمنح الدراسية التي تقدمها لأبناء القارة والمساعدات المادية والمعنوية التي قدمتها لكافة الأنشطة الإسلامية ومن بينها كفالة مئات المدرسين الأفارقة لتدريس اللغة العربية. أخي المسلم: لا تصدق أقوال المنصرين! قد يندهش قراء الصحافة التنصيرية عندما يقرؤون فيها أرقاماً مذهلة عن أعداد الأفارقة والمسلمين المتنصرين في السنوات الأخيرة من عمر الحملة، وهي أرقام وهمية لا أساس لها من الصحة والحقيقة التي يجهلها الكثير من المسلمين هو أن لدى الحركة التنصيرية في كل مكان وسائل عديدة للتنصير: كالتعليم والتطبيب والأعمال الاجتماعية وغيرها من الوسائل، ولقد استغل المنصِّرون تلك الوسائل في السنوات الأخيرة أسوأ استغلال لإثبات ترهاتهم وأكاذيبهم التي أرادوا بها التغطية على الهزيمة الفادحة لغارتهم الصليبية. فعلى سبيل المثال لا الحصر: نجد أن لوائح أسماء المرضى، والطلاب، والأساتذة، ونزلاء بيوت الطلبة، ورواد الأندية الرياضية، ودور الضيافة، وملاجئ المرضى والمنكوبين، ودور اليتامى وغيرها، كل هذه اللوائح ترسل باستمرار إلى الفاتيكان والمجامع الكنسية في أوروبا وأمريكا على أن ما تحويها قد أصبح في عداد أهل الصليب، ومن مكاسب الغارة الصليبية. والذي يشهد به الواقع هنا أن الحقيقة من هذا الادعاء لا تساوي ٥%؛ إذ ليس كل من يدخل عيادة أو مستشفى صليبياً يعلن ارتداده وتنصره، ولا كل من يدرس في مدرسة مسيحية يصبح مسيحياً ولا كل من لعب الكرة في ملاعب النصارى يصبح نصرانياً. وعلى هذا نقول لإخواننا البعيدين عن الميدان: لا تقلقوا ولا تصدقوا ما تقوله لكم جرائد التنصير وإذاعاته؛ فهو أكذب من الشيطان. ونحن هنا ندرك أن المسلم البعيد عن الميدان يجهل الواقع وقد يتألم أشد الألم عندما يقرأ تلك اللوائح في الصحافة الصليبية على أنها أسماء إخوانه المسلمين الذين ضمهم الصليب إلى حظيرته، ونقول لهؤلاء الإخوة في الإسلام: اطمئنوا؛ فالعدو لم يجن من جهوده الجبارة سوى الخيبة والإخفاق. لطمة قوية في جبين التنصير الدولي من كف أجوع أمة مسلمة على وجه الأرض: منذ عقدين ونيف من الزمن شهد سكان صحراء مالي (غاوو) ظهور أخبث إرسالية تنصيرية في أفريقيا وتدعى الرؤية العالمية (فزيون مونجيال) ، وقد ظهرت تلك الإرسالية بثوبها الصليبي الصحيح؛ فهي لا تعرف المداهنة ولا سياسة احترام مشاعر الناس.. إنها صريحة. وسياستها مبنية على كلمتين لا ثالث لهما: (تنصر، وخذ) تلك هي سياستها المكشوفة والتي عرفها بها الصغير والكبير والعاقل والسفيه على حد سواء؛ فكانت من نتيجة تلك السياسة الخاطئة أن سخر منها الناس وتندروا في مجالسهم بأخبارهم وسفاهتها وتصرفاتها الحمقاء المخالفة لأدنى قواعد الحكمة والتعقل ... وهذا ما جعلها من أخسر الإرساليات المسيحية العاملة في الصحراء رغم كونها من أنشطها وأغناها على الإطلاق. وفي خلال تلك السنة المجدبة الصعبة على أهل الصحراء وبالتحديد في العشر الأوائل من شهر محرم من عام ١٤١٩هـ صممت تلك الإرسالية على استغلال معاناة المسلمين ودفعهم إلى التنصُّر، والرافض طبعاً سوف يحرم مما يقدمونه من المساعدات والإغاثات.... وتنفيذاً لخطتها عزمت على إقامة حفلة ليلية لدعوة سكان البلدة إلى اعتناق دينها وتعليق صلبانها بعيداً عن التعقل والحكمة، وبدون مراعاة واحترام لمشاعر المسلمين ظناً منها أنها الفرصة التي لا تعوض.. وعندما شعر عقلاء ووجهاء البلدة من السود والبيض بما عزمت عليه تلك الإرسالية أرسلوا إليها تحذيراً شديد اللهجة بعدم القيام بدعوة سفهائهم وفقرائهم إلى اعتناق النصرانية في هذا الظرف العصيب؛ غير أن القساوسة المتهورين تجاهلوا هذا التحذير، وأقاموا ليلتهم ولم يتركوا عبارة استفزاز إلا قالوها أو فعلوها. وفي صبيحة الثلاثاء ٢/١/١٤١٩هـ تحركت الجماهير المسلمة الغاضبة نحو دار الحاكم الرسمي يتقدمهم العلماء ورؤساء البلدة؛ وعندما قابلوه طلبوا منه إيقاف تلك الإرسالية عند حدها، ثم عادوا فوجهوا إليها تحذيراً آخر عن طريق الحاكم غير أنها تجاهلته وضربت به عرض الحائط بدعوى أن لديها أمراً رسمياً يجيز لها دعوة الناس إلى دينهم متى وأينما شاؤوا. وفى الليلة التالية عادت لإحياء ليلة أخرى، وأعدت كل الوسائل اللازمة لتنفيذ الحفل، وبدأ الحفل بأقوال استفزت مشاعر المسلمين، وعندئذ نفد صبر الجماهير المسلمة، وهجموا على الحفل، وضربوا كل من وقع بين أيديهم من عمالها، كما كسروا وأحرقوا كنيستها وممتلكاتها، والتجأ بعضهم إلى الحاكم وبعضهم الآخر هربوا إلى الصحراء؛ لأنهم من المواطنين المرتدين؛ وبهذه الحادثة سلمت مدينة «منكا» من خطر التنصير في تلك السنة الصعبة. وهنا نقول لمدينة «منكا» الصحراوية المسلمة الجائعة: مثلك فلتكن المدن والقرى المسلمة المستهدفة، ولا غرو أن يكون منك ما كان؛ فأنت مدينة أحفاد يوسف بن تاشفين، وأذكيا محمد، وعاصمة إمارة الأمازغيين الأبطال (إو يلمدن) سادة الصحراء منذ القرن السادس عشر الميلادي. لا غرو أن يكون منك ما كان؛ فكل من يعرفك يعرف أن على ثراك التقى العز والفقر، والسؤدد والجوع، والشموخ والبساطة، والإباء والعوز، وعراقة الدين وأصالة التقاليد الراسخة رسوخ الجبال الشامخات؛ فمن يعرفك يا مدينة فهر بن الأنصار لا يستبعد أن تعطي درساً في الإباء والشجاعة لكل غاز معتد يريد أن يسلبك عزك ومجدك الموروث. أما (فزيون مونجيال) التي استخدمت كافة الوسائل الدنيئة للتغرير بأبناء وسفهاء وفقراء المسلمين في هذه السنة الصعبة التي لا يصدق من يرى أهالي بلدة «منكا» خاصة والصحراء عامة بأنهم سيصبحون إن أمسوا ... أو يمسون إن أصبحوا ... من شدة المعاناة؛ فلتأخذ درساً جراء استفزازها وتحديها لمشاعر المسلمين، ولتعلم أيضاً من اليوم فصاعداً أن ليس هناك مسلم صحيح العقيدة والنسب يبيع دينه الإسلامي بعرض من أعراض الدنيا إلا هيان بن بيان. خلاصة القول أن الإرسالية المسماة (الرؤية العالمية) نالت جزاء تهورها، وكان الجزاء صفعة قاسية على جبينها من كف أفقر وأجوع أمة مسلمة في القارة السوداء، وبذلك علمت بأن المسلم الصحيح الإيمان لا يمكن أن يبيع دينه بدنياه ... وإن كان على الرمق الأخير من الجوع.

стр. 4200

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش qatamish@albayan-magazine.com أمريكيون أكثر من الأمريكان! ! الكراهية للغرب وحداثته، أو هذه النظرة الإقصائية أو سمها ما شئت غير مبررة ويصعب تفسير ممارستها بهذه العدوانية والحدة، والإصرار على بقائها مستعرة في الصدور والنفوس طول الوقت، فالاستعمار قد رحل عنا منذ زمن بعيد، وقد نسيناه، والقرار الوطني يتخذ بكل حرية واستقلال، مما يجعل من تلك السياسة غير مبررة حقاً، والتاريخ لا يذكر أن العرب سبق أن مارسوها على هذه الصورة، وفي ظروف مفهومة ووضع مبرر أيضاً كالاستعمار مثلاً، إذ تكاد تكون هذه الممارسة غائبة، ولا أقول مغيبة كل أيام الاستعمار الطويلة، فقد ظل يسرح ويمرح قروناً حتى مل ورحل بكل هدوء، ودون مقاومة تذكر. فالعلاقة مع الآخر هي، بالطبع، علاقة إنسانية بدهية، قبل كل شيء منحها الإسلام جل احترامه واهتمامه، وأكد على أتباعه الالتزام بعهودها ومواثيقها المغلظة والمقدسة. أما مسار التوظيف المشبوه الذي يعمد إليه الخطاب الأصولي المتطرف، فإنه يحقق أهداف القطع مع العالم والسيطرة على الشعوب الإسلامية، وبناء نظام شمولي إقصائي على غرار نواتهم وتجربتهم المنهارة في أفغانستان. ليس هذا فحسب، بل بلغت بهم بشاعة توظيف هذه الآفة العروبية إلى التشكيك في المبادرات الإنسانية وفي حملات الإغاثة الدولية. ولعلنا نذكر المبادرة الأمريكية لإنقاذ الشعب الصومالي من هلاك المجاعة والأوبئة، وكيف أفسدنا على الصوماليين هذه الفرصة حينما مارسنا آفتنا، وقمنا بمطاردة الأمريكيين وشككنا بحضورهم، ولا أحد ينسى تلك الصورة البشعة، والتي تابعها العالم عبر وسائل الإعلام، وتابعها الشعب الأمريكي، وهو يرى أمريكيين مكبلين بالحبال ومشدودين إلى عربات تجرهم وتسحلهم عبر شوارع مقديشو حتى تمزقت أجسادهم إرباً، وكل ذنبهم إنهم بادروا إلى مساعدة من كانوا يعتقدون أنهم بحاجة إلى مساعدتهم، إنه حمق وعمل قبيح، تمجه الطبيعة البشرية، لقد أدى ذلك إلى ترك الأمريكيين الصومال على عجل، مخلفين شعبه يتضور جوعاً وضياعاً، فهل بادر العرب بعد طرد الأجنبي إلى مد يد العون والمساعدة لهذا الشعب المنكوب؟ بالطبع لا. ماذا لو تُركت أمريكا تفعل ما تشاء مقابل أن يستعيد الشعب الصومالي عافيته وأمنه؟ لكن هذا لا يعني خلو الأمة من عمل جاد. ففي ظل هذه المحيطات من التفريط بالفرص كانت هناك باكستان التي استطاعت التعامل مع الأزمة بشكل واقعي ومختلف، وبلغة يفهمها العالم وهي لغة المصالح، فخيبت آمال الكثيرين من العرب والمتطرفين الإسلاميين عندما غلبت خيار المشاركة دون تردد أو خوف من سطوة شارعها الهائج والشرس. وكانت قراءة باكستان للأزمة قراءة موفقة، لأن رهانها كان من وحي العقل. تجنبت كل مؤثرات الشارع وصداه بالرغم من قوة تهديده وبشكل أثار إعجاب العالم من حولها، ولا تسأل عن المكاسب بعد ذلك، فليس أقلها شطب معظم الديون الثقيلة أو المزمنة وجدولة الباقي، ومنح قروض جديدة، وفك الحصار عن الصفقات العسكرية والتجارية، وفوق هذا وذاك، كسبت احترام العالم ودخلت كشريك استراتيجي يعتمد عليه ويوثق به، وحليف قوي عند الملمات. وبذلك كسرت حواجز الأوهام والعقد التي تلف أذهان العرب والمسلمين اليوم. كل هذا الكلام الذي قيل ليس جلداً للذات، بل مراجعة سريعة تكشف لنا كم هو خطير مرضنا. وكم هي كبيرة خسارتنا، وكم أننا قادرون على تضييع الفرص على شعوبنا. [الكاتب السعودي: سليمان النقيدان، جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٤٤٩) ] شريعتنا أم شريعتهم! ؟ ٢ - أنا من المهتمين بإعادة النظر في المناهج الإسلامية وإزالة ما بها من أية بذور تورث الكراهية والنفور والتعصب ضد الآخرين، ضد المرأة، ضد المختلف معنا في الدين أو المذهب السياسي أو المذهب الديني. من الأخطاء الكبيرة التي نرتكبها بحق أنفسنا وفي حق الآخرين أن نصنف علاقتنا بالغرب عامة أو بأمريكا خاصة بالعداء، بل إن ذلك من الخطورة التي تصل إلى حد التهلكة والانتحار أو العزلة والتهميش، والسماح بوصول العلاقة إلى حالة العداء؛ يعني أننا على استعداد للتفريط بكل المنجزات التي حققناها والتنازل عن مستوى المعيشة التي نحياها لنقبل بمستويات عيش لدول صنفت بمعاداة أمريكا كالعراق والسودان سابقاً وإيران، بل إنه من الحماقة أن نترك الخلافات المتعلقة بقضية الصراع العربي الإسرائيلي لتدفعنا إلى حافة الهاوية. أمريكا حكومة وشعباً لا تعادي الإسلام ولا المسلمين، بل الشعب الأمريكي أكبر شعب يقبل ويرحب بالإسلام، وقد أكدت الحكومة الأمريكية مراراً وتكراراً احترام الإسلام والمسلمين وبخاصة الرئيس بوش الذي يعد أكثر رئيس متحمس للدفاع عن الإسلام إلى أبعد مما كنا نتصور. نعم أمريكا منحازة لعدوتنا ولكن هل نترك هذه العقدة تحكم علاقتنا وتصبغ نظرتنا؟ ! ماذا نستفيد من كسب عدواتها؟ ألا يكفينا ما خسرناه عندما عادينا أمريكا وراهنا على روسيا حليفاً مناصراً لقضايانا على أيدي الثوريين الذين رفعوا شعارات العداء وضرب المصالح الأمريكية؟ ألم يكن رهاناً خاسراً بكل المعايير لا نزال ندفع ثمنه؟ والآن يعود الخطاب الديني ليرفع نفس الشعار من منطلق ديني دون استفادة من دروس الماضي، ماذا تستفيد الأمة من صب اللعنات على رأس واشنطن والدعاء عليها؟ ماذا نستفيد من نفث الأحقاد والكراهية عبر الفضائيات والصحف؟ وماذا عملت التظاهرات التي رفعت صور بن لادن وأحرقت العلم الأمريكي؟ ما قيمة الفتاوى التي صدرت كغطاء سياسي وحزبي ومصلحي؟ يجب أن نفهم أن الإسلام ليس موضع تآمر من أحد وأن الغرب عامة وأمريكا خاصة لا تعادينا، كما أن أمريكا والغرب ليستا كلاً واحداً متجانساً متحداً ضدنا، هناك تيارات وثقافات والساحة مفتوحة للجميع بل إن تلك المجتمعات حتى في داخلها نزاعات، فيجب إن نتحرر من عقد الكراهية والعداء ولا نظل أسرى لنظريات المؤامرة العالمية في نظرتنا للغرب وأمريكا نحو إرساء أسس علاقة صحية ناضجة. هذه المدارس الدينية هي التي فرخت لنا هذه الجماعات المتعصبة التي لا تعرف التعامل مع حقائق العصر، ما المانع أن تدعم أمريكا الباكستان حالياً من أجل تغيير هذه المناهج؟ ! فالشحن والتطرف والدعاء بتدمير النصارى أعداء الإسلام، أصبحت لازمة لدى بعض الخطباء، ترى لو دمر الله هؤلاء النصارى لن يلقى الخطيب الميكرفون الذي يتكلم به، ولن يجد المكيف أو السيارة التي يتنعم بها، نحن الأمة الوحيدة التي تدعو على أتباع الأديان الأخرى، وهي دعوات تزرع بذور الكراهية والحقد في النفوس. ليس من العدالة أن نصف الرد الأمريكي بالإرهاب؛ إذ بذلك نقع في خطأ خلط المفاهيم بين الإرهاب والدفاع عن النفس أو رد العدوان في الوقت الذي نطالب فيه المجتمع الدولي بعدم الخلط بين الإرهاب والمقاومة المشروعة، وما وقع في أمريكا إرهاب متفق عليه، والرد الأمريكي رد للعدوان بإجماع دولي ولا معنى لوصفه بالإرهاب إلا من قبل أناس يحملون عقدة الكراهية لأمريكا، وهدفهم تفويت الفرصة لإفلات الفاعلين. [د. عبد الحميد الأنصاري، عميد كلية الشريعة بقطر، جريدة الراية القطرية، العدد: (٧١٨٣) ] للمسلمين فقط ١ -حاولت مانيلا التقليل من شأن المخاوف التي سادت الأوساط اليسارية والمعارضة السياسية في الفلبين عقب انتشار قوات أمريكية في جنوب البلاد، في أكبر انتشار أمريكي خارج أفغانستان منذ انطلاق الحملة الأمريكية ضد الإرهاب، وأعلن مستشار الرئيسة الفيلبينية الجنرال ادواردو ارميتا أن الجنود الأمريكيين المنتشرين في الفلبين لمواجهة جماعة «أبو سياف» المتطرفة في الجنوب لن يؤذن لهم بالتدخل ضد المتمردين الشيوعيين في بقية البلاد. وجاء الإعلان رداً على تصريحات أدلى بها الشيوعيون الفلبينيون عبروا فيها عن مخاوفهم من أن يشن الجنود الأمريكيون أيضاً حملة ضد حركة التمرد الماوية. يذكر أن حركة «الجيش الشعبي الجديد» الفلبينية اليسارية التي تضم ١٢ ألف عنصر مدرجة على اللائحة الأمريكية للمنظمات الإرهابية. [جريدة الحياة، العدد: (١٤١٨٨) ] ٢ - قررت الحكومة الهولندية إلزام الأئمة بحضور دورات تدريبية خاصة تهدف إلى تعليمهم أسس القوانين الهولندية واللغة والثقافة السائدة بالمجتمع الهولندي، ولا يستثنى من هذه الدورات سوى الأئمة القادمين من الخارج من دول إسلامية وعربية للعمل فترات محدودة. ويعد اجتياز الإمام بنجاح لهذه الدورات التدريبية شرطاً أساسياً لمنحه التصريح بمزاولة الإمامة. ويهدف القرار من وجهة نظر البرلمان الهولندي إلى إلزام الأئمة بأداء مهامهم من منطلق التزامهم واحترامهم لعادات وتقاليد المجتمع الهولندي وعدم محاولة فرض التقاليد الإسلامية عليه، ومن المتوقع فرض رقابة على الأئمة حتى من سيتم منحهم التصاريح لضمان التزامهم بالتعاليم التي يتم تلقينها لهم في الدورات التدريبية. وكان البرلمان الهولندي قد ناقش هذا القرار العام الماضي لتطبيقه على كافة رجالات الأديان المختلفة الإسلام والمسيحية واليهودية، وواجه معارضة من بعض نواب البرلمان ثم قصر على رجالات الدين. [جريدة السبيل الأردنية، العدد: (٤١٨) ] اللهم إياك نستعين أكد وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم آل ثاني أن العرب لا يستطيعون مساعدة الفلسطينيين وعليهم أن «يتوسلوا» إلى الولايات المتحدة لوقف العنف. وقال الشيخ حمد من واشنطن: «ليست لدينا القوة. نحن في الوقت الراهن أمة لا تستطيع مساعدة الفلسطينيين» في نزاعهم مع (إسرائيل) . وأضاف: «يتعين علينا أن نتوسل إلى الأمريكيين للتوصل إلى تسوية. وكلمة (توسل) تزعجني لكنها البديل الوحيد» . وأكد: «بكل صراحة، وضع العرب لا يسمح لهم بمساعدة الفلسطينيين أو ممارسة ضغط» لمصلحتهم. «التوسل هو نفسه الترجي، ولذلك نحن نتوسل للوسيط الأمريكي لأنه الطرف الوحيد الذي يمكنه ردع شارون ووقف حمام الدم ضد إخواننا في فلسطين، وهذا هو الموضوع العملي الذي أستطيع أن أعمله لأننا لا نستطيع أن نحارب، ولا نستطيع أن نساند ولا نستطيع أن نخرج (الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات) من الحصار الذي هو واقع فيه» . [جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٨٩٢) ] زيف الحرية الدائمة باسم «الحرب العادلة» ، تجاهلت أمريكا الأفكار الوردية الجميلة التي أغرت العالم بها، وجعلت ما سُمي بالعالم الثالث يعيش أوهام «الحرية والعظمة» ، ولم تتورع عن الدخول في تحالف مع زعماء لم تكن لتحتك بهم قبل ١١ سبتمبر، وفي مقدمتهم الجنرال مشرف حاكم باكستان، والطاغية المستبد إسلام كاريموف حاكم أوزبكستان، وبهذا تنسحب القيم «المؤسسة» للولايات المتحدة من الساحة السياسية تاركة وراءها منطق السطو والسيطرة. عشية وقوع أحداث ١١ سبتمبر، يؤتى بـ «عدالة استثنائية» لتفرض في الحال. ويدشن وزير العدل الأمريكي آشكروفت عهد الطوارئ وحالة الحرب بقانون «الوطنية» الذي يسمح بتوقيف المشتبه فيهم إلى أجل غير مسمى، كذا ترحيل المتهمين، وحجزهم في زنزانات معزولة، ومراقبة المحادثات الهاتفية، والبريد، والرسائل الإلكترونية، ومداهمة البيوت وتفتيشها بغير إذن ولا رخصة. لم يتردد مسؤولون في الـ FBI في اقتراح تهجير مجموعة من المتهمين لدول عربية موغلة في الوحشية والتعذيب في التعامل مع الإسلاميين، لتمكين الأمن السري المحلي من التحقيق معهم بوسائل «قاسية وفعالة» ، ويعنون بها الاستنطاق بالتعذيب والضرب والصعق. حتى قرار ١٩٧٤م الذي يحظر على عملاء الاستخبارات الأمريكية اغتيال المسؤولين الأجانب، تجاوزه الرئيس بوش، حيث أعطى الضوء الأخضر لـ CIA لقيادة العمليات السرية للقضاء على العناصر القيادية لتنظيم القاعدة من خلال التصفية الجسدية تحسباً لأي متابعة قضائية في الخارج ضد العسكر الأمريكان، باركت واشنطن مشروع المحكمة الجنائية الدولية CPI، ولهذا الغرض وافق مؤخراً مجلس الشيوخ الأمريكي على قانون (ASPA) American Servicemembers Protection الذي يتيح لأمريكا اتخاذ إجراءات وتدابير عسكرية تصل إلى حد الغزو العسكري لبلد معين لاسترجاع أي مواطن أمريكي مهدد بالمثول أمام المحكمة الدولية الجنائية. خالد حسن، موقع مجلة العصر www.alasr.sw التفكيك القادم باشر صناع القرار في موسكو درس سيناريوهات مختلفة لتطور الأوضاع في آسيا الوسطى. وأشار المحلل أنطون سيرغييف إلى وجود خطط لإنشاء « طاجيكستان الكبرى» التي تضم طاجيكستان الحالية والمناطق الشمالية من أفغانستان ومحافظتي بخارى وسمرقند اللتين تسكنهما غالبية طاجيكية على رغم أنهما تقعان في أوزبكستان. وذكر سيرغييف أن طهران ترعى هذا المشروع وقد تعمل لتنفيذه لاحقاً. وتوقع أن تُطرح أفكار لإنشاء «باشتونستان الكبرى» بحيث تضم جنوب أفغانستان وعدداً من إقاليم باكستان التي يسكنها باشتون (المحافظة الشمالية الشرقية) أو البلوش القريبون منهم. وكل هذه المخططات يثير مخاوف روسيا التي ترى أن تمزيق أفغانستان سيكون كارثة على آسيا الوسطى، لكن غالبية المحللين في موسكو ترى أن أمريكا وليس القوى الإقليمية أو المحلية هي التي ستتخذ القرار الأهم في شأن مستقبل المنطقة، وفي ضوئه مستقبل روسيا ذاتها. [جريدة الحياة، العدد: (١٤١٧٢) ] الدعم الهندي! ! أعلنت الهند أنها سوف تشارك في إعادة الأمل إلى أفغانستان، وتقول إنها رصدت مبلغ ١٠ ملايين دولار لفتح استوديو للفن الهندي في مدينة كابول؛ حيث سيقوم المشروع بتوزيع الملايين من الأفلام الهندية والأغاني المختلفة على الشعب الأفغاني الذي حرم منها بعد أن حرمته طالبان من ذلك. وقالت الحكومة الهندية إن المشروع سيكون ثاني أكبر مركز فني بعد مدينة دبي، وسيكون في متناول الشعب الأفغاني بشكل عام وشبابه بشكل خاص. ويحتوي المشروع على توزيع الأفلام بشكل مجاني وفتح فروع له في مناطق مختلفة من البلاد وإنجاز بعض الأفلام الهندية بالتعاون مع فرق فنية أفغانية، وإعدادها لإنتاج أفلام فنية باللغات المحلية لإرواء عطش الشعب الأفغاني. وأعلنت أنها ستساهم في بث شبكات الإنترنت واستخدامها في نشر المواقع الفنية الهندية وغيرها. وتعتبر الهند أن أفغانستان في حاجة إلى الثقافة الهندية التي ترتبط معها بعلاقات تاريخية عريقة. وهذا يعني أن الهند تريد نشر الرذيلة والإباحية وإفساد الشباب الأفغاني المسلم واغتنام الظروف الصعبة التي يمر بها لسلخه عن عقيدته ودينه الإسلامي. ولدى الهند أكثر من مائة ألف أفغاني مهاجر جلهم من الأسر الشيوعية التي فرت عقب وصول المجاهدين إلى الحكم، والكثير منهم تركوا دينهم وتخصصوا في برامج الفساد والخلاعة. وستقوم الهند باستغلالهم باعتبارهم أفغاناً ويعرفون لسان قومهم ويمكن أن ينجزوا المشروع الهندي، وإبعاد أفغانستان عن الجماعات الإسلامية وعن الأصولية وتحويلها إلى دولة علمانية لا دينية. وإلى جانب المخطط الذي يدبر لأفغانستان سياسياً واقتصادياً فإن الهند تؤدي مهمة المخطط الفني والثقافي وإفساد عقيدة الشعب الأفغاني المسلم. [مجلة سياحة الأمة، العدد: (٤٨) ] تحرير المرأة الأفغانية ١ - قالت اللجنة الأولمبية الأفغانية إنها تأمل في إرسال فريق يضم سيدات للمشاركة في الألعاب الأولمبية الصيفية في أثينا عام ٢٠٠٤م بعد عقد من غياب أفغاني شبه تام حتى للرجال عن المسابقات الرياضية الدولية. ولم تشارك لاعبات رياضة محترفات أفغانيات في بطولات دولية منذ عام ١٩٩٢م، وقد منعن تماماً من جميع الأنشطة الرياضية بعد ذلك بأربع سنوات عندما تولت حركة طالبان السلطة في البلاد. ومنذ إقصاء حركة طالبان في كابول في تشرين أول الماضي يقوم مسؤولو الأولمبياد بالبحث عن اللاعبات المحترفات السابقات على أمل إلحاقهن مجدداً بالتدريبات بعد عشر سنوات من التوقف. وقال مدير اللجنة الأولمبية الأفغانية سيد محمود ضياء داشتي: «إنها حقبة جديدة، وستكون هناك ألعاب قوى للسيدات» ، وأضاف: «سوف نعد فرق السيدات لتكون قادرة على التنافس» . [جريدة السبيل الأردنية، العدد: (٤١٨) ] ٢ - صدرت في العاصمة الأفغانية كابل أول مجلة نسائية في أفغانستان منذ انهيار النظام الشيوعي قبل نحو عشرة أعوام، وسجلت مجلة «صراط» الأسبوعية التي تشرف عليها ثلاث نسوة أول عودة للصحافة النسائية. وقد تصدَّر العدد الأول من مجلة صراط عنوان كبير: «أبواب الأمل فتحت» ، وقد دفعت النسوة الثلاث من أموالهن الخاصة تكاليف طبع المجلة الأسبوعية، وطلبن موافقة وزارة الإعلام على مضمون المجلة حيث شكلت الوزارة لجنة لقراءة المقالات التي لم يتغير محتواها بحسب ما أكدن. ودعت ماري البالغة من العمر ٣٨ عاماً النساء إلى استعادة حقوقهن. كما دعت ماري النساء الأفغانيات إلى خلع البرقع (التشادري) وأشارت إلى أن زمن الضرب بالعصي قد ولى. وقالت إنه إذا لم تجرؤ أقلية على فعل ذلك فلن تتبع الأكثرية أبداً. [مجلة سياحة الأمة، العدد: (٤٩) ] من لهذه الردة؟ نشرت صحيفة L ص Echos d ص Oran (صدى وهران) الصادرة بغرب الجزائر سلسلة مقالات خصصتها لسيرة الرسول محمد ﷺ تضمنت إساءة وقدحاً مفضوحاً برسول الإسلام، وشككت في أن تكون الرسالة المحمدية تنزيلاً من الله. ونشرت الصحيفة مقالاتها متسلسلة نقلاً عن العديد من المعاجم الأوروبية القديمة، أو مما نشره كتاب غربيون جهروا بعدائهم للإسلام والمسلمين منذ بداية القرن الثامن عشر من أمثال رينو وبايلي وفولتير وغوت وديدرو. وعنونت الصحيفة مقالاتها بـ (محمد كلمة الله) ، وبعنوان فرعي آخر: (محمد والأدب) . ورغم الصفات القبيحة التي نعتت بها شخص الرسول إلا أن الجريدة نشرت هذه المقالات دون تعليق وكأنها تتبنى ما جاء فيها من تحريف وتشويه لحقائق سماوية مقدسة لدى المسلمين عامة والجزائريين خاصة. ومما نقلته الصحيفة أن الرسول ﷺ كان مصاباً بالعجز الجنسي، وأنه كان يخفي ذلك على أولى زوجاته خديجة ﵂ متذرعاً في كل مرة أن سبب هذا العجز حياؤه عندما يأتيه جبريل ﵇ بالوحي وتبليغه تعاليم دينه الجديد. وقالت الصحيفة نقلاً عن هذه الكتب إن الرسول كان يطالب أتباعه بعدم الحديث مع العلماء لجهله أن في مناطق أخرى من العالم كانت هناك علوم وأنوار، مضيفة أن القرآن الكريم مليء بالتناقضات والخرافات ويفتقد إلى كل معرفة بالفيزياء الطبعيية وحتى بأبسط القوانين التي يعرفها الجميع. وقالت: هذه هي الأخطاء التي وقعت فيها الديانات الكاذبة والتي يعتقد أصحابها أنها من العناية الإلهية رغم أن الله ليس جاهلاً، ولكن الفاجر في إشارة إلى الرسول ﷺ لا يرى أخطاءه مشيرة إلى أن محمداً هو الرسول المزيف الذي تكلمنا عنه. وتضيف في حلقة أخرى من سلسلة المقالات المسيئة إلى الرسول وكل المسلمين أن محمداً كان شخصاً طموحاً وشرساً لا يعرف لا القراءة ولا الكتابة ولا يستأهل أن يكون رسولاً لله. يذكر أن العديد من الصحف اليومية والأسبوعية أوقفت عن الصدور أو منع توزيعها في آخر لحظة بسبب نشرها مقالات قدرت السلطات الأمنية بالبلاد أنها تشيد بالإرهاب. [جريدة القدس العربي، العدد: (٣٩٤٨) ] شكراً لتعاونكم! ! قال دبلوماسي في مجلس الأمن إن غالبية الدول تجاوبت مع مطلب مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الخاص بإعداد الدول لتقارير حول خططها لمكافحة الإرهاب، غير أن عملية المراجعة الشاملة للوثائق وردود مجلس الأمن ستكون سرية، وأوضح جيرمي جرينستوك، سفير بريطانيا لدى الأمم المتحدة ورئيس لجنة مكافحة الإرهاب التي شكلها مجلس الأمن حديثاً، أن المجلس تسلم بالفعل ١١٧ من التقارير المطلوبة من الدول الـ ١٨٩ الأعضاء في الأمم المتحدة. وأوضح جرينستوك أن ٤٠ دولة أخرى أشارت إلى أنها سترسل ردودها الخاصة بهذا الشأن في وقت قريب، معتبراً أن رد الدول حتى الوقت الراهن يعتبر «بداية طيبة للغاية، طبقاً للمعايير التاريخية للمنظمة» . الجدير بالذكر أن مجلس الأمن طالب الدول بتقديم توضيحات مفصلة لمدى سيطرتها القانونية على عمليات جمع التبرعات لصالح المنظمات الإرهابية وتصعيد حرية الحركة والعمل بالنسبة للإرهابيين المشتبه فيهم. التعاون مع جهود المجلس في مجال مكافحة الإرهاب، إذ جاءت الاستجابات المبكرة من جانب دول تتهمها الولايات المتحدة ودول أخرى بإيواء أو دعم الإرهابيين بما في ذلك سورية والعراق واليمن والسودان وليبيا وكوريا الشمالية. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٨٤٤٦) ]

стр. 4201

الباب المفتوح حروبهم وحروبنا د. عوض بن خزيم الأسمري وزير الدفاع الأمريكي (رامسفيلد) يعلن على الملأ رغبته الأكيدة في قتل طالبان والأجانب في أفغانستان، حتى لو تم استسلامهم. يا ترى ما هو السر في استمتاع الوزير بحمامات الدماء؟ هل لأنه اكتشف أن دماء المسلمين رخيصة «ما يحصل في فلسطين خير دليل على ذلك» ؟ أم لأن قلبه مليء بالحقد على أبناء الأمة العربية والإسلامية «فأطفال العراق دليل آخر على ذلك» ؟ أم أنه يريد أن يجعلهم عبرة للآخرين «كما يفعل في أرض أفغانستان الآن» ؟ أم هناك شيء آخر لم نفهمه بعد؟ الرجل يعبر عن السياسة الأمريكية؛ إذ إنه ركن من أركانها، بل من أهم أركانها. هل هذا قانون جديد لأسرى الحرب يندرج تحت مسمى النظام العالمي الجديد الذي بدأ بوضع أركانه بوش «الأب» ؟ من أين أتت أمريكا بهذا القانون، ولماذا؟ هل نسيت أمريكا أنه كما تدين تُدان، أم نسيت أن الحرب دول: مرة لك ومرة عليك؟ أم نسيت أن قوتها العظمى الحالية لن تدوم؟ أم نسيت أمراً مهماً في القوانين الدولية التي هي أيضاً ركن من أركانه والمسيرة له في معظم الأحيان وهو أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته عن طريق المحاكمة العادلة؟ أمريكا لم تستطع إلى هذه اللحظة إعطاء إثباتات مقنعة للرأي العام «المحايد» يدين القاعدة التي يزعمون أنها وراء أحداث ١١ سبتمبر. بل هناك في الإعلام لأمريكي من يشكك في ذلك، ولكن التعتيم الإعلامي الذي فرضته أمريكا على وسائل الإعلام بلد الحرية «الزجاجية التي تكسرها حذفة حجر» هو الذي يخفي الحقائق والنقاشات المنطقية لهذا الحدث؛ فهناك آراء مخالفة في أمريكا عن الأحداث التي تطالعنا على الإنترنت فقط؛ مما حدا بأمريكا وبريطانيا إلى النظر في كيفية القضاء على مثل هذا الآراء المخالفة عن طريق التحكم في الإنترنت. اسمح لي بأن أعرج قليلاً على تاريخ أمريكا مع الحروب السابقة؛ ومن ثم مقارنته مع الحضارة العربية والإسلامية التي يسخر منها الإعلام الغربي أحياناً. عندما انتصر المسلمون على الصليبيين في فلسطين سأل قادة الغرب في ذلك الحين قادة المسلمين عن مصيرهم ومصير جنودهم بعدما تمكن منهم المسلمون. ماذا كان رد القائد المسلم آنذاك «صلاح الدين الأيوبي» ؟ أخرج السيف، ثم وضع عليه قطعة قماش قائلاً: هكذا. يعني لن نمسكم بسوء ولن نؤثر عليكم إلا كما أثر السيف على قطعة الحرير؛ من شاء منكم أن يبقى فلا ضير، ومن شاء منكم أن يرحل فله ذلك. رغم ما فعله الصليبيون بالعرب في فلسطين «كما يذكره مؤرخو الغرب في كتبهم» . هذا قانوننا يا أيها الوزير «من أكثر من خمسة عشر قرناً» ولكن قد تكون متأثراً بحادثة أصحاب الأخدود، عندما أحرق اليهودُ النصارى جميعاً؛ لأنهم خالفوا عقيدتهم؛ فهذا مذهب قديم يدين به اليهود تجاه من خالفهم. يا ترى لماذا أثر فيك هذا المذهب؟ بل لماذا أصبح عقيدة واضحة للساسة الأمريكيين؟ هل لأن المذهب اليهودي (العقيدة الشارونية حالياً) أصبحت عقيدة غالبية أصحاب القرار السياسي في أمريكا هذه الأيام؟ سبق أن تبجح شارون في الكنيست بأن أمريكا لا تحكم اليهود بل اليهود هم الذين يحكمون أمريكا [١] . أم أن تجربة القنبلة الذرية (الإرهاب النووي) على دولة اليابان فتحت شهية أمريكا إلى إخضاع مزيد من دول العالم للغطرسة الأمريكية في القرن الجديد؟ ما هو السبب في تبني أمريكا لقوانين الثنائيات بالنسبة لمحاربة الإرهاب مثلاً «١» أو «صفر» ، «أبيض» أو «أسود» ، «معي» أو «ضدي» ؟ ولماذا لا ترغب مع الأسرى في أفغانستان إلا بتطبيق القانون الأحادي فقط مثل «صفر» ، «أسود» ، «ضدي» ، «موت» ؟ أما عندما تأتي المصالح العربية أو قضية فلسطين فيتغير المقياس العددي ليصبح مقياساً رمادياً يبدأ من «الصفر» وينتهي إلى ما لا نهاية! وعلى العرب حك رؤوسهم لكي يجدوا الرقم المناسب لإسرائيل أولاً ومن ثم أمريكا؛ إذ إن العرب لم ينجحوا في معرفة هذا الرقم السري منذ أكثر من خمسين سنة، ولكن أعتقد بأن المفتاح المشفر أصبح مكشوفاً للأمة الإسلامية والعربية وخصوصاً بعد أحداث أفغانستان المصطنعة (حسب رأيي الشخصي) وما رافقها من أحداث مشابهة في الوقت نفسه وبنفس الشراسة في فلسطين من دولة بني صهيون. ألا ترى يا معالي الوزير أن المفتاح المشفر أصبح واضح المعالم لأمتي؟ اسمح لي يا أيها الوزير بأن أقول لك الحقيقة المرة والتي يجب أن تعرفها أمريكا وهي أن معظم دول العالم يشبِّهون هذه القوة التي بأيديكم كمسدس بيد مجنون؛ ذلك لأنكم تعتقدون أن لغة القوة هي لغة التفاهم الوحيدة مع من خالفكم الرأي. هل تذكرون ما فعلتموه بالهنود الحمر عندما كنتم تهدون لهم البطانيات المسممة في الشتاء؟ ما أشبه ذاك بحاويات الطعام (الحديدية) التي أسقطتموها على منازل الأفغان فتسببت في الهدم والقتل والتدمير والتشريد! «إضافة إلى نوع الطعام ولونه وما يتعلق بها من قصص ليس هذا مجالها» . هل تذكر أيها الوزير المعاملة العنصرية التي كنتم تعاملون بها الأمريكيين ذوي البشرة السوداء في أمريكا بلد الحرية والسلام؟ ! وكذلك أثناء الحرب العالمية وقصص السجون الجماعية والتعذيب لليابانيين؟ بل في هذه الأيام هل سمعت عن عمليات الاعتقالات غير المسوغة للمسلمين في أمريكا العظمى؟ بل هل سمعت عن المداهمات والاحتجازات والتعذيب والقتل للمسلمين وخصوصاً العرب في بلد الحرية؟ بل بلغ الأمر بأن تغير كثير من القوانين لأجل التضييق على المسلمين والعرب في أمريكا. لماذا هذه الحرب الموجهة ضدنا نحن المسلمين والعرب؛ بحيث لا يقتلنا إلا السلاح الأمريكي في كل مكان؟

стр. 4202

قضايا ثقافية قصور العقل د. عبد الكريم بكار [*] كان من أشد ما يهلك بني البشر على مدار التاريخ احتقارهم لأشياء كبيرة، وتعظيمهم لأمور صغيرة، وقد كان العقل البشري من جملة الأشياء التي أخطأت الحضارة الحديثة في تعاملها معها؛ حيث إن الغرب بعد أن نفض يديه من إصلاح النصرانية ومن جعلها مصدراً يعتدُّ به لتغطية عالم الغيب عمدت إلى (العقل) تستنجد به في توفير مظلة روحية ومادية لكل شؤون البشر واحتياجاتهم. واليوم ينسج على منوال الغرب في هذا العلمانيون الجدد الذين يشنون حملات منظمة ضد التدين والمتدينين، ويحاولون تفتيت مرجعية الوحي، واختزالها بطرق عديدة. وأود هنا أن أوضح في مسألة «قصور العقل» النقاط الآتية: ١ - العقل البشري عقل محدود، وهو يوفر بيئة لنمو الدلالات والمفاهيم، كما أنه قادر على استخدام ما تنقله إليه الحواس في محاولته الوصول إلى بعض الأشياء المجهولة؛ لكن العقل غير قادر على الخوض في مسائل لا تتوفر له عنها معلومات جيدة؛ فهو لا يستطيع تحديد الغاية من الخلق: أي لماذا نحن هنا كما لا يستطيع سن تشريعات تأخذ بعين الاعتبار مصالح جميع الناس وأوضاعهم دون أن يقع حيف على بعض منهم. أضف إلى هذا أنه لا يستطيع أن يخبرنا عن الأمور المهمة في حياتنا والأمور التافهة؛ حيث ليس فيه أبواب ندخل منها إلى مجالات كل منها. والعقل البشري بعد هذا وذاك بنية يسهل خداعها؛ فحين نزوده بمعلومات خاطئة فإنه يقع في الخطأ بسهولة؛ إنه عقل قادر على البحث في الأدوات والأشكال والأساليب وكل الأمور المحدودة؛ لكنه غير قادر على البحث في مصيره الذاتي. وهو على مقدار ما يبدي من البراعة في التعامل مع (الكم) يبدي القصور في التعامل مع (الكيف) أو ما يسمى (الصفات) . وتجاهل كل هذه الأمور المحددة لقدرة العقل على العمل يؤدي إلى حدوث أخطاء فاحشة تتعلق بمصير الإنسان على هذه الأرض. ٢ - العقل البشري ليس بنية مكتملة متميزة منحازة معزولة عن السياقات المعرفية أو عن المشكلات والقضايا التي يعالجها أو يشتغل عليها. وإنما هو إمكانات ومفاهيم وبدهيات ملتبسة بالمعطيات المعرفية ومتفاعلة معها، كما أنها ملتبسة بالمشكلات الوجودية المختلفة، ومتفاعلة معها أيضاً وهذا يعني أننا ونحن نحاور نؤثر ونتأثر، كما أننا حين نعلِّم نتعلم، كما أن عقولنا تتأثر بالمعلومات التي تعالجها والمشكلات التي تسعى إلى حلها. وهذا كثيراً ما يؤدي إلى اضطراب العقل وتراجعه عن كثير من مقولاته وطروحاته؛ ولهذا فإنه ليس هناك أي ضمان لاطِّراد تقدم أي مفكر في خط واحد مهما كان ألمعياً ومتمكناً من الأفكار والمفاهيم التي يتبناها، والأمثلة على هذا أكثر من أن تحصى، هذا (هوسرل) بعد أن كتب ألوف الصفحات في استجلاء علم (الظاهريات) محاولاً الوصول إلى البُنى الموضوعية للماهيات المحضة نراه يتحول من رجل يبشر بمنهج جديد إلى واعظ يحذر أوروبا من المخاطر التي تنتظرها إذا هي استمرت في منهجيتها العلمية والفكرية؛ بل إنه يهاجم (العقل) ويتساءل في محاضرة له عام ١٩٣٥م: هل استقال العقل وفقد دوره في الحياة، أم أنه خلافاً لذلك كشف عن وجهه الحقيقي الانتهازي الماكر والنفعي؟ هذا يعني أن تفويض كل شؤون الحياة للعقل وسدنته يشتمل على مخاطرة كبرى، وليس هناك أي حل سوى العودة بالعقل إلى وظيفته الأصلية في الحركة ضمن أطر ومسلَّمات كبرى يؤمنها الوحي بما يصوغه من أصول ومبادئ، وبما يرسمه من خطوط عريضة لترشيد حركة الإنسان وعلاقاته. ٣ - العقل البشري أبدع حلولاً كثيرة لمشكلات الناس، وأسهم في توفير الراحة لهم، وفي تخليصهم من الكثير من أشكال العناء، وهذا موضع تقدير منا جميعاً، ولكن علينا أن نقول: إن إبداعات العقل أوجدت مشكلات كثيرة مثل تلوث البيئة ومخاطر الطاقة النووية وسيطرة الآلة على حياة الإنسان وفشو أمراض الحضارة.... وعقولنا غير قادرة على إبداع الحلول للمشكلات التي أوجدتها؛ إنها تكشف دائماً عن مساحات فاصلة بين وجود المشكلات والقدرة على حلها؛ وما ذلك إلا لأن منتجات العقول تدخل في تعقيدات وملابسات يعجز العقل عن فك رموزها والتحكم بها. وماذا يمكن للعقل أن يفعل لشخص أدمن الجلوس إلى (التلفاز) واستسلم لرغباته فأضاع الكثير من واجباته؟ وهذا يعني أن الاعتماد على العقل في تصحيح مسار البشرية بعيداً عن القيم والمبادئ التي يوفرها الوحي مجافٍ للصواب وباعث على خيبة الأمل والخذلان. ٤ - أكثر الناس استخداماً لعقولهم واستثماراً لها هم الفلاسفة؛ حيث إن صياغة المفاهيم بواسطة العقل هي شغلهم الشاغل؛ ومع ذلك فإن كل المشتغلين بالفلسفة يعترفون أنه ليس من شأنها أن تمنحنا اليقين، أو تحدد لنا موطن الداء في قضية من القضايا، أو تصف لنا الدواء، أو تقدم لنا مفاتيح حلول المشكلة من المشكلات، إنها نشاط فكري لا يتوقف عن إثارة الأسئلة، وإعادة صوغ المشكلات؛ إنها أشبه بمسلسل ليس له نهاية، وهي دائماً في حركة مستمرة من إشكال إلى إشكال أعمق وأكثر تعقيداً من سابقه. ولست أقصد هنا إلى الإزراء بالفلسفة؛ وإنما أريد أن أقول: إن الناس بحاجة إلى اليقين وإلى أطرٍ مهما تكن واسعة إلا أنها في النهاية موجودة وواضحة. وتلك الأطر تضع حداً لكثير من الأسئلة التي يطرحها العقل، كما ترشد إلى المسار الذي يمكن أن يسلكه في الإجابة على الأسئلة المطروحة. وهذه الأطر لن يجدها الناس إلا في الدين الذي جعله الله جل وعلا مستوعباً لكل الخير الذي جاءت به الأديان السابقة. ٥ - العقل البشري عاجز عن التنبؤ الدقيق بما يمكن أن يقع في المستقبل؛ وقد حاول بعض مفكري أوروبا أن يستعينوا على معرفة ما يمكن أن يقع في المستقبل ببلورة رؤية شاملة للكون: بنيته، وعناصره، ونواميسه، على قاعدة: إذا أردت أن تعرف ما سيحدث في المستقبل فانظر إلى ما حدث في الماضي. والحقيقة أنه لا يعرف الغيب إلا الله تعالى، وأن عقولنا تستطيع أن تتوقع حدوث أمور صغيرة في المستقبل القريب. أما توقع الأحداث الكبيرة في أزمنة متباعدة فهذا ما يكون غالباً غير ذي جدوى، ويظل في دائرة الظن أو الوهم؛ وما ذلك إلا لأننا عاجزون عن معرفة كل التغييرات التي ستقع في المستقبل، والتي ستؤثر في نوعية الأحداث والتحولات التي يمكن أن تقع. أما قراءة التاريخ لاستخراج النواميس والسنن الكونية منه، فإن عقولنا تكشف عن قصور مدهش في هذا الجانب؛ والسبب في ذلك أن معرفتنا بالأسباب الحقيقية التي أدت إلى ولادة أحداث التاريخ الكبرى تظل دائماً معرفة ناقصة. وحين نحاول حصر أسباب الأحداث الكبرى، ونوفق في ذلك فإن المشكلة التي تنتظرنا تكمن في تحديد وزن كل سبب وحجم تأثيره في وقوع تلك الحوادث، لكن حين نتأمل سنن الله تعالى في الخلق كما وردت في نصوص الكتاب والسنة، فإن دائرة خطئنا تضيق، ودرجة اليقين لدينا تكون أكبر. ٦ - لا يملك العقل البشري أي عتاد حقيقي يمنعه من التورط في صناعة الخرافة وقبولها. ولست أبالغ إذا قلت: إن البنية العميقة لعقول معظم الناس هي بنية خرافية؛ حتى كأن الخرافة هي الأصل لديهم؛ إذ بمجرد حدوث ضعف في التثقيف الجيد أو وقوع الناس في حالات استثنائية من الشدة والكرب تطفو تلك البنية على السطح. لو تساءلنا: من أين تأتي قابلية عقولنا للسقوط في مستنقع الخرافة؟ لوجدنا أننا تجاه حالة لا تخلو من الغموض؛ لكن يبدو لي أن مصدر ذلك يعود إلى أمرين جوهريين: الأول: هو جهلنا بمعظم ما يقع في الوجود من أحداث؛ فإذا قلنا: إنه يقع على الكرة الأرضية في الدقيقة مئة مليون حدث، فإن الواحد منا قد لا يشاهد منها سوى خمسة أو عشرة؛ والباقي يقع بعيداً عن النظر، أضف إلى هذا أن خبرتنا بما حدث في الماضي أيضاً محدودة جداً. ولدى الناس إحساس بأن هناك عوالم لا تغطيها حواسنا؛ ونحن المسلمين مثلاً نعتقد بوجود عالميِ الجن والملائكة؛ فإذا ما حُدِّثنا عن حصول بعض الأمور الخارقة أو غير المألوفة، فإن عقولنا كثيراً ما تتقبلها على أنها تنتمي إلى عالم من العوالم التي لا يراها الإنسان، أو تتصل بالأحداث التي لم يشاهدها، وتكون تلك الأمور من الخيال أو من الكذب المحض. الثاني: هو أن عقولنا تتقبل الأخبار التي نسمعها ما دامت تقع في دائرة المعقول، وترفضها إذا خرجت عن تلك الدائرة؛ فإذا ما قيل لنا: إن الناس في البلد الفلاني رأوا شخصاً يحمل عشرة قناطير على ظهره، فإننا نرفض ذلك، ونعده من قبيل الخرافة؛ لأنه يقع خارج دائرة المعقول بالنسبة إلينا؛ لكن المشكلة هنا أن الذي يرسم دوائر المعقول وغير المعقول في غالب الأمر ليس العقل، وإنما الثقافة والخبرة؛ فإذا ما قال لك شخص: أعطني ألف دينار لأتاجر لك به، وستربح مائة ألف في آخر السنة فإن القناعة بذلك وعدم القناعة به لا يقودان إلى العقل وإنما إلى الخبرة والمعرفة بالتجارة وأحوال السوق في تلك السنة؛ فصاحب الخبرة ربما يقول لك: لا تصدق ذلك؛ فأمهر التجار لا يستطيع اليوم مضاعفة رأس ماله مرتين أو ثلاثاً في العام فضلاً عن أن يضاعفه مئة مرة؛ لكن يأتي شخص آخر عديم الخبرة، أو له خبرة مختلفة بأحوال السوق، فيقول: كلام ذلك الرجل معقول، وقد حدث مثل ذلك في العام الفلاني مع الشركة الفلانية، ولا مانع من أن يحدث الآن، وهكذا فمضاعفة رأس المال مئة مرة في السنة تعد من قبيل المعقول في خبرة شخص معين، وتعد من قبيل الخرافة والاحتيال في خبرة شخص آخر؛ ولهذا فطالما انقسمنا تجاه بعض الأخبار والأحداث إلى فريقين: فريق يقول: هذا معقول، وفريق يقول: هذا غير معقول. وهكذا فقد ظُلم العقل مرتين مرة من قِبَل المشعوذين والمخرِّفين الذين ألغوا دور العقل، ومرة من قِبَل الذين حرموا نعمة الهداية بأنوار الوحي، فألهوا العقل، وطلبوا منه أموراً ليس من شأنه الاشتغال بها. والله ولي التوفيق.

стр. 4203

في دائرة الضوء نعمة الألم د. ماهر عباس جلال [*] galalmaher@hotmail.com لقد أنعم الله على الإنسان بنعمه الوفيرة، فقال سبحانه: [وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] (إبراهيم: ٣٤) . وقد يكفر الإنسان ببعض هذه النعم جاهلاً أو غافلاً؛ إذ قد يبدو الشيء في ظاهره نقمة لكنه في حقيقته نعمة. ومن الألم ما له وجهان، ونحن قد لا نرى إلا وجهاً واحداً منهما فقط، وهو جانب الشقاء والعذاب. تعريف الألم: يعرّف أهل اللغة الألم بأنه الوجع [١] ، أما عند الفلاسفة فهو «حالة نفسية يصعب تعريفها، وتتميز بإحساس مادي أو معنوي بعدم الراحة أو بالضيق أو بالمضض» [٢] . ويرجع السر في تعريف حالة الألم إلى كون الألم إحساساً شخصياً إلى حد كبير؛ فالإصابة مثلاً التي تسبب ألماً حاداً لأحد الأشخاص قد تسبب ألماً أخف لشخص آخر [٣] . وأحياناً يكون الألم عند بعض الناس متضخماً، فيبدو أكبر من أسبابه [٤] . والألم في الطب «إحساس مرهق يتسبب عن تنبيه نهايات عصبية ميكروسكوبية تختلف عن سواها من النهايات الحساسة بكونها عارية» [٥] . أسباب الألم: تتنوع أسباب الألم؛ فبعضها بدني مادي، والآخر نفسي. أما الأسباب الجسمية المادية فنحو: الجوع، والعطش، والجروح، والحروق.... إلخ. والأسباب النفسية مثل: القلق، والهم، والمخاوف ... إلخ [٦] . والناس عادة ما يقرنون الألم بالإصابات البدنية أو المرض متناسين أن الأحاسيس أو العواطف يمكن أن تسبب ألماً أيضاً، فالإزعاج على سبيل المثال يمكن أن يسبب توتراً مؤلماً في عضلات الرقبة [٧] . وأحياناً تبدو بعض الآلام مجهولة السبب، مثل: الألم العصبي، والألم العضلي للالتهاب الدماغي النخاعي [٨] . ولا شك أن تحديد سبب الألم ومعرفة مصدره بدقة من الأمور الضرورية لعلاج الألم أو الوقاية منه مستقبلاً، وإن كان يصعب أحياناً تحديد مصدر الألم، وأحياناً يلتبس على المريض تحديده؛ فالمريض مثلاً بالذبحة الصدرية لا يشعر بالألم في قلبه، بل يشعر به في ذراعه اليمنى أو في رقبته أو مقدم صدره [٩] . وهذه الآلام المجهولة السبب أو المصدر من أخطر أنواع الآلام؛ فقد تتحول إلى آلام مزمنة تهدد راحة الإنسان زمناً طويلاً. أنواع الآلم: تتنوع الآلام حسب شدتها أو ضعفها، وكذلك حسب مدتها الزمنية. (أ) أنواع الآلام حسب الشدة والضعف: تنقسم الآلام حسب شدتها وضعفها إلى آلام ضعيفة، وآلام متوسطة، وأخرى حادة. (ب) أنواعها من حيث المدة الزمنية: تنقسم الآلام حسب المدة الزمنية إلى آلام قصيرة الأجل، وهذه تزول بمجرد زوال السبب أو المؤثر، وغالباً ما تكون حادة [١٠] ، وآلام مزمنة تدوم وقتاً طويلاً وتعاود صاحبها كل فترة زمنية. وهذا النوع الأخير من الآلام يعد من أخطر أنواع الآلام؛ وذلك لأنه يصعب علاجه بصورة نهائية، مثل أنواع معينة من السرطان، والتهاب المفاصل، كما أنه يقاوم العلاج، وقد يؤدي إلى انهيار عقلي وإدمان العقاقير المخدرة. وحتى التدخل الجراحي في مثل هذه الآلام قد لا يكتب له النجاح [١١] . ويدخل المريض الذي يعاني من هذه الآلام المزمنة في دوامة ودائرة متصلة من الآلام؛ فتوقعه للآلام وانتظاره لها يسبب له آلاماً نفسية ريثما تعاوده الآلام المزمنة مرة أخرى، وهكذا تصبح حياته عبارة عن سلسلة من الآلام المتصلة يسلم بعضها إلى بعض. هل الألم شَرٌّ خالص؟ يقرن كثير من الناس الألم بالشر والإحساس بالبغض أو الكُره، ويتضح هذا في تعريف التهانوي للألم؛ حيث يقول: «الألم إدراك ونَيْل لما هو عند المدرك آفة، وشر من حيث هو كذلك» [١٢] . ويعرف بعضهم الألم بأنه إحساس مرهق [١٣] ، أو بأنه إحساس بغيض [١٤] . فهل يعني هذا كله أن الألم في جميع أحواله شر خالص؛ فلا يرتجى من ورائه نفع أبداً؟ إن النظرة العجلى والتفكير السطحي يمكن أن يسلما إلى إجابة متسرعة وهي أن الألم فعلاً شر خالص؛ لكن النظرة المتأنية والتفكير العميق الذي يقلب الأمور على جميع أوجهها، ويبحث عن الحقيقة من جميع وجوهها - يثبتان عكس ذلك؛ فالله سبحانه هو خالق كل شيء. والألم شيء من الأشياء، ومن صفاته سبحانه أنه حكيم وخبير، ومقتضى حكمة الله ألا يخلق الشيء عبثاً دون نفع أو جدوى؛ فمن المؤكد إذن أن ثمة منفعة من ورائه للبشر عَلِمَها مَنْ عَلِمَها وجَهِلَها مَنْ جَهِلها. وما علينا إلا أن نتريث ونتأمل هذه الآلام، وندرسها بشيء من المثابرة والتعمق لنعرف ثمارها وفؤائدها أو الحكمة منها. فوائد الألم: إن الحديث عن فوائد الألم متشعب؛ وذلك أن فوائد الألم متنوعة، بعضها مادي، وبعضها نفسي معنوي، وبعضها يتحقق للفرد، وبعضها يتحقق للجماعة أو الأمة. وأبرز هذه الفوائد: ١ - الألم ذو فائدة بيولوجية؛ فهو بالرغم من أنه إحساس غير مرغوب فيه يشبه ناقوس الخطر، ويؤدي إلى أعمال عصبية انعكاسية تهدف إلى حماية الجسم من المؤثر الخارجي أو الداخلي الذي قد يتلف الأنسجة، فضلاً عن أن الألم يجبر الإنسان على الراحة وعلى استشارة الطبيب؛ مما لا يترك الفرصة للمرض حتى يستفحل وحينئذ يصعب علاجه [١٥] . فبذا يكون الألم وقاية للإنسان من آلام أكبر. هذا بالنسبة للألم المادي. وكذلك الحال بالنسبة للألم النفسي، فإن الألم النفسي الناشئ عن خوف العبد من عذاب الله يقيه من وقوع العذاب الأليم به في الدنيا أو الآخرة؛ ومن ثم فإننا نرى أن العذاب وُصِف بكلمة (أليم) في القرآن الكريم في اثنين وسبعين موضعاً [١٦] . ٢ - الألم ذو فائدة دينية عظيمة؛ فهو ابتلاء، والابتلاء مع الصبر نعمة تستوجب الشكر، فيطهِّر الله به الإنسان من الآثام والذنوب، بل إن الله إذا أحب عبداً واصطفاه ابتلاه، وأشد الناس بلاءً هم الأنبياء؛ فعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ، فيُبتلى الرجل على حسب دينه؛ فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤُه، وإن كان في دِينه رِقَّةٌ ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركهُ يمشي على الأرض ما عليه خطيئة» [١٧] . فالألم يصهر مَعْدِن الإنسان المسلم، فتصفو رُوحه، ويزكو خلقه، وتَطْهُر نفسه؛ فألم الابتلاء سبيل إلى لذة التقوى ونعيم القرب من الله، وهل يبرق الذهبُ إلا إذا ذاق آلام النار؟ ! ٣ - الآلام قد تصحح مسار المسلم، وتفيقه من غفوته، فيرجع عن سالف عهده من الذنوب والمخالفات، فمن رحمة الله أنه جعل الآلام نذيراً لخطر داهم وعقوبة شديدة. فإذا أفاق العبد وتضرع إلى الله رفع عنه الضر. قال سبحانه: [وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ] (الأعراف: ٩٤) . فإذا لم يفقه المسلم حكمة الله في هذا الابتلاء، وتمادى في غيه حقت عليه كلمة العذاب. قال عز من قائل: [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ] (الأنعام: ٤٢-٤٥) . ٤ - الألم قرين الإحساس، والإحساس آية الحياة، ولا يمكن أن تُتصور حياة خالية من الإحساس؛ فأنا أتألم إذاً أنا موجود. فمن أراد أن يعيش بلا ألم ومعاناة فقد اختار لنفسه الموت لا الحياة؛ فأنا موجود إذاً لا بد أن أتألم، وقد خلق الإنسان في كبد ونصب كما قال سبحانه مقسماً: [لا أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا البَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ] (البلد: ١-٤) . ٥ - الآلام تربي فينا نعمة الإحساس بالآخرين، فنقدم لهم يد العون والمساعدة، فيتحقق بذلك التكافل الاجتماعي؛ فالغني يتألم للفقير فتكون الصدقة والزكاة، والمقتدر يتألم للمعوزين فتكون المشروعات الخيرية، والقوي يتألم للضعيف فيكون العون والمساعدة، والعالم أو المخترع يتألم لمأساة مجتمعه ومعاناته فتكون الاختراعات والاكتشافات العلمية، وهكذا. ٦ - الآلام تقوي العزيمة والإرادة، وتثبت دعائم الرجولة الحقة، فيكتسب المسلم حصانة من آلام الحياة، ويستمد من مقاومتها قوة وصلابة يستطيع بها مواجهة صعوبات الحياة وظروفها القاسية؛ فألم الإخفاق يبصر صاحبه بطريق النجاح، وألم القهر والتسلط يدفع صاحبه إلى البحث عن طريق الحرية، وألم الندم على المعصية يقود إلى لذة الطاعة، وألم الفقر يخطو بصاحبه صوب الغنى والثراء. ولا غرو إذا علمنا أن الأعمال الشاقة تزيد المرء قوة وقدرة على تحمل الأعباء، ولنا في أنبياء الله أسوة؛ فإدريس ﵇ كان خياطاً [١٨] ، ونوح كان نجاراً [١٩] وداود كان حداداً [٢٠] ، وموسى كان راعياً للغنم [٢١] ، وكان محمد صلى الله عليه وسلم راعياً للغنم كذلك، مع ما في الرعي من تعلم الصبر وتعوُّد حسن سياسة الرعية. قال ﷺ في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم» ، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعم! كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» [٢٢] . ٧ - تسهم الآلام في صنع مستقبل الشعوب وقيام حضاراتها؛ فكثير من الأمم عانت آلام التخلف والفوضى ردحاً من الزمان، فما كان منها إلا أن تحسست خطاها نحو العلم والحضارة، مثل أوروبا كانت تعيش في ظلام دامس في العصور الوسطى، ثم ما لبثت أن قامت الثورة الصناعية ثم الحضارة الغربية التي يزهو العالم بها اليوم، وكثير من الدول عانت آلام الذل والاستعمار، فكان ذلك سبباً في سعيها لاسترداد حريتها ونيل استقلالها، مثل جنوب أفريقيا في ظل الحكومة العنصرية؛ فهي حرية حمراء مقرونة بدماء الشعوب كما قال شوقي: وللحرية الحمراء بابٌ ... بكلِّ يدٍ مُضَرَّجةٍ يُدَقُّ [٢٣] وعندما تعاني الشعوب ويلات الحروب وآلامها، تسعى جاهدة إلى السلام والوئام؛ فإذا كان الإيلام لطرفي النزاع معاً، كان السلام رغبة مشتركة بينهما، أما إذا كان السلام من طرف واحد وهو الذي يحس بالإيلام الحقيقي، فهو استسلام وإذعان. متى يكون الألم نعمة؟ الألم يمكن أن يكون نعمة لصاحبه، كما يمكن أن يكون نقمة عليه؛ شأنه في هذا شأن كثير من الأحاسيس والمشاعر؛ فمتى يكون الألم نعمة؟ يمكن للألم أن يكون نعمة إذا توافرت فيمن ابتلي به بعض الشروط الضرورية، وهي: ١ - الإيمان بالقضاء والقدر، وبأن هذه الآلام من قضاء الله وقدره. قال تعالى: [مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] (التغابن: ١١) . وقال سبحانه: [وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً] (النساء: ٧٨) . ٢ - التحلي بالصبر؛ فإن ذلك من عزم الأمور. قال سبحانه على لسان لقمان واعظاً ولده: [وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ] (لقمان: ١٧) . والصبر على آلام البلاء عاقبته خير؛ فها هو موسى يوصي قومه بالصبر على أذى فرعون وآله ليورثهم الله الأرض من بعدهم. قال سبحانه: [قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] (الأعراف: ١٢٨) . وأيوب ﵇ لما صبر على الآلام والمرض والابتلاء جعل الله عاقبته خيراً. قال سبحانه: [وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ] (ص: ٤١-٤٣) . وقد مدحه سبحانه بقوله: [إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ] (ص: ٤٤) . ٣ - قوة الإرادة، حتى يمكن تحمل الآلام؛ فلو استسلم لآلامه لدب اليأسُ في قلبه، وتحول الألم إلى نقمة عليه، فنراه يقنط من رحمة الله، وتُثبَّط همته. ولذا على المسلم دائماً العناية بتربية إرادته وتقويتها، وتدريب نفسه على تحمل آلام الحياة وصعابها، ثم عليه أن يتخطى هذه الآلام ويتناساها ليتجه إلى العمل النافع والإنتاج المثمر. ٤ - الأخذ بالأسباب في معالجة الألم والتخلص من أسبابه إذا استطاع؛ وذلك للحيلولة دون استفحال الألم؛ فإهمال الألم سيؤدي حتماً إلى اشتداده واستفحاله، وحينئذ قد لا يجدي معه علاج، ولا تنفع معه أية مقاومة، فتخور قوى المسلم، ويتحول إلى طاقة معطلة فيعجز عن مواصلة الكفاح وأداء رسالته في الأرض. ٥ - حسن التقدير وُبعد النظر؛ فينبغي على المسلم أن يحسن تقدير آلامه وتشخيصها، وكذا تقدير الوسيلة والوقت اللازمين لعلاج الألم ومقاومته، والإنسان من طبعه التعجل. قال سبحانه: [خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ] (الأنبياء: ٣٧) . ثم عليه أن يتحلى ببعد النظر؛ فالشفاء من الآلام بقدر معلوم، وقد جعل الله لكل شيء قدراً؛ فعلى المرء أن يسعى، وليس عليه إدراك النجاح. فإذا ما توافرت هذه الشروط فعندئذ يكون الألم نعمة، ويثاب عليه المسلم، ويصبح الألم باعثاً للهمم، ومحركاً للطاقات البناءة، ومثيراً للعقول المفكرة المبدعة، ويصير أداة بناء في المجتمع الإسلامي لا معول هدم، وسيوصف حينئذ بأنه نعمة الحياة وسر من أسرار النجاح فيها.

стр. 4204

الورقة الأخيرة تيار النسوية في الفكر الغربي د. رقية طه جابر العلواني برز التيار النسوي تاريخياً في المجتمع الليبرالي الرأسمالي على أنه حركة لتحرير المرأة في القرن التاسع عشر باعتباره من ردة الفعل لأوضاع المرأة المتردية أثناء الثورة الصناعية وما تلاها. وعلى الرغم من تعاقب المحاولات لتغيير وضع المرأة في المجتمع الغربي إلا أنها لم تكلل بالنجاح إلى القرن العشرين؛ حيث تبلورت مطالب ذلك التيار بشكل أكثر تحديداً من خلال إنشاء بعض الجمعيات هناك. وفي عام ١٩٦٦م تم إنشاء الجمعية الوطنية للمرأة في الولايات المتحدة The National Organization for Women للمطالبة بحقوق المساواة للمرأة. وقد اتسم هذا التيار منذ بداية نشأته باتهام الدين بتكريسه لفكرة الأبوية، كما قام بدور مضاد للكنيسة ورجالاتها على اعتبار أن الكنيسة كانت وراء تردي أوضاع المرأة وتخلفها عبر التاريخ الأوروبي. فقد تفجرت العديد من الممارسات الممقوتة تجاه المرأة الغربية بناءً على قواعد راسخة في الذهنية الغربية وطدت دعائمها جذور الأساطير اليونانية والتقاليد الرومانية من جهة، وما جاء فيما يسمى على لسان بولص من جهة أخرى. وتضايفت تلك العوامل لتشكل في الذهنية الغربية تصوراً سلبياً عن المرأة ودورها في الحياة والمجتمع. كما استعرت نيران تلك التصورات السلبية بشكل ممارسات اتسمت بالوحشية والعنف تجاه المرأة. وتعد حملات القمع التي وقعت في نهاية القرن الخامس عشر حلقة في سلسلة الاضطهادات التي تعرضت لها المرأة في المجتمع الأوروبي، واستمرت تلك الحملات إلى عام ١٦٨٠م تحت دعوى محاربة الساحرات والمتشيطنات التي راح ضحيتها من النساء بقدر ما راح في حروب أوروبا قاطبة حتى عام ١٩١٤م [١] . وسرت رياح التيار النسوي إلى عدد من بلدان العالم خاصة تلك التي وقعت تحت الاحتلال الغربي في منتصف القرن التاسع عشر وما بعده، وقد لاقت تلك الدعوى دعماً واسع النطاق من قبل منظمة الأمم المتحدة التي أعلنت في عام ١٩٤٥ م أول وثيقة عالمية معاصرة تبنت فيها حقوق المساواة بين المرأة والرجل. ولم تفرق تلك الحركات الناشئة في مختلف بلدان العالم بين البيئة التي تمخض عنها التيار النسوي في الغرب وما واجهته المرأة في الغرب من ممارسات عنيفة، وبين موقع المرأة وظروفها المغايرة في مجتمعاتهم المحتضنة لتلك التيارات. فقد قام أصحاب هذا الاتجاه ببناء تصورات حول المجتمع الغربي تعبر عن الحرية الظاهرية التي تتمتع بها النساء هناك. إلا أنهم في الواقع لم يدركوا حجم الانتهاكات التي تعاني منها النساء في أوروبا كما لم يدركوا جسامة تورط النساء هناك [٢] . كما أغفلوا الخلفية التاريخية التي نشأت في أعقابها تلك الحركات والتيارات التي جاءت تعبيراً صارخاً عن معاناة المرأة ووضعها الاجتماعي هناك. لقد جاء التيار النسوي في الغرب ثورة على تعاليم دينية محرفة وأقوال وسلوكيات بشرية تحكم فيها الجهل والأثرة. وعلى هذا قامت بمحاولات عديدة للانفكاك من مختلف الموروثات الدينية والاجتماعية المتراكمة؛ مما أدى في النهاية إلى اتساع البون والشقة بين الحركات النسوية في الغرب من جهة، وبين الدين والكنيسة من جهة أخرى. إن إغفال الوعي بالخلفية التاريخية والظروف الاجتماعية التي قارنت ظهور التيار النسوي في المجتمع الغربي يمكن أن تسوق إلى الوقوع في مزيد من عمليات تقمص الآخر والسير على طريقه دون إدراك كاف لما يمكن أن ينجم عن ذلك من مغالطات وثغرات.

стр. 4205

المحرم - ١٤٢٣هـ أبريل - ٢٠٠٢م (السنة: ١٧)
следующие страницы →