← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

المسلمون والعالم أنصار الإسلام في تورابورا العراقية (١ ـ ٢) أحمد فهمي في العاشر من أغسطس ١٩١٩م وقَّع الحلفاء الأوربيون معاهدة سيفرز «sevres» مع الأتراك المنهزمين، وفرضت المعاهدة ضمن بنودها بنداً خاصاً بإقامة دولة للأكراد «كردستان» .. لكن القرار أثار غضب الفرنسيين على نحو مفاجئ، وأدى في نهاية الأمر إلى إلغائه كلية من المعاهدة. ويأتي هذا التصرف العجيب من فرنسا متناسباً مع دولة عريقة في استعمارها تعلم يقيناً أن الاستعمار مرحلتان: تبدأ المرحلة الثانية عندما تنسحب الجيوش العسكرية، وتسمى مرحلة الاستعمار عن بُعد، هذه واحدة، والثانية، أن الفرنسيين يدركون تماماً أن هذه المنطقة الاستراتيجية تفتقر للحفاظ على المصالح الغربية إلى قوم يناضلون من أجل دولة، أكثر من افتقارها لدولة جديدة، لذا كان من الضروري أن تنهض السياسة الأوروبية لترسيخ واقع سياسي من نوع خاص.. يحتوي على نقيضين يشكل تعارضهما وبقاؤهما معا مصدراً دائماً للتوتر والاضطراب في المنطقة، هذان النقيضان هما رفض ومنع إقامة دولة كردية، وتحفيز الأكراد على المطالبة بدولة كردية. هذه السياسة الغربية المعقدة تجاه الأكراد، كان لا بد أن تثمر واقعاً عجيباً يستعصي على الاستيعاب أو الفهم لأول وهلة؛ فالأكراد اليوم ومنذ أكثر من عشر سنوات يعيشون وكأنهم دولة مستقلة، ولكنهم ليسوا كذلك؛ بل لا يتمتعون رسمياً بمجرد الحكم الذاتي، ووفقاً للتسلسل المنطقي لمفردات السياسة والهيمنة الأميركية المعلنة لا يوجد ما يمنعهم من تأييد وتدعيم دولة كردية في شمال العراق، ولكن أميركا لم تفعل ذلك، ولن تفعله في الفترة القريبة على الأقل والله أعلم فالدور الكردي في إثارة التوتر في المنطقة لم ينته بعد، ولا تزال هناك فصول معدة للتداول على المسرح السياسي تحتاج إلى التواجد الكردي المأساوي أحياناً، والتهديد الأميركي بدعم دولة كردية في العراق، له تأثير فعّال في سَوْق الأنظمة أكثر من إقامتها بالفعل، وقد عبر رئيس الوزراء التركي بولنت أجاويد أكثر من مرة عن تخوفه من أن تسمح أميركا للأكراد بدولة شمال العراق، وصرح أن حكومته تبدي قلقها من التحركات الأميركية في المناطق الكردية، وقال أجاويد: «هناك دولة أمر واقع قائمة في شمال العراق، ونحن لا يمكننا السماح لها بتجاوز ما هي عليه حاليًا» . ورغم أن الشعب الكردي يُظن به بعد هذه السنين الطوال استيعاب أبعاد لعبة التوازنات الخبيثة هذه، إلا أن حزبيه العلمانيين لا يبدو أنهما يقودانه وفق مقتضيات ما تراكم فهمه عبر الأجيال، وكل ما أفلحا في تحقيقه أن أفرزا صراعاً كردياً كردياً شكل بدوره عائقاً سياسياً في طريق إقامة دولة موحدة، وحوَّلا القضية الكردية إلى سلعة رخيصة يشتريها الجميع، لكن دون مقابل. وبعد أن ألقى الأكراد رحالهم بين أيدي الأميركيين في السنوات الأخيرة، فإن المحنة لم تنته، والخوف من صدام لم ينقض، وبعد تجنيد الحزبين الرئيسيين العلمانيين لحساب المخابرات الأميركية، لم يعد هناك من يهتم بالمصلحة الكردية، اللهم غير الأحزاب والحركات الإسلامية التي تعمل وسط إطار سميك من الترقب والقيود، وقد نجحت السياسة الأميركية في تفتيت الشعب الكردي، وترسيخ مفاهيم القبلية والحزبية بين أبنائه، بدرجة تعوق تكوين قرار كردي موحد، إلا في مواجهة «إرهاب» الإسلاميين. ومن المعروف أن الأميركيين لا ينفعون من يتحالف معهم إلا بالقدر اليسير، وبالنسبة للأكراد فقد شجعهم الأميركيون بعد حرب الخليج مباشرة كي ينتفضوا على صدام، ثم تركوه ينتقم منهم، بينما القوات الأميركية تطوق العراق من أطرافه، وبعد انتهاء المذبحة، أرسلت الإدارة الأميركية مندوبيها ليتفرجوا على آثارها، وأرسلت طائراتها لتلقي بالطعام على المشردين الناجين، ثم بعد ذلك كله يقول فنسنت كانيسترارو رئيس سابق لمكافحة الإرهاب في وكالة الاستخبارات الأميركية: «بالنسبة للأكراد لم نحصل على شيء مضمون من جهتهم حتى الآن، وهم حذرون جداً بخصوص دعمهم للولايات المتحدة» . ومن بين الركام الحزبي الكردي تبدو الحركات الإسلامية بتجردها المعروف، وإخلاصها للقضية الكردية الأكثر قدرة على تحقيق ما عجزت عنه الأحزاب العلمانية. ولكن بقدر ما يشكل التواجد الإسلامي مبعث أمل للأكراد، فإنه يمثل صوتاً نشازاً بين الجوقة المنتشرة في المنطقة، يسعى المخرج الأميركي إلى إسكاته ... ولكن هناك وجهة نظر أخرى تقول إن السياسة الأميركية ربما يكون من المفيد لها أن تسمح بتنامٍ محدود لنوعية معينة من الخطر الإسلامي، كي تستغلها في وقت ما كأحد ذرائع التدخل، وهذه الرؤية تنطبق بالضرورة على الحركات الجهادية، والتي يُروَّج أنها على علاقة بتنظيم القاعدة الذي احتل مكانة العدو الأول للولايات المتحدة، برغبة منه، ومن الإدارة الأميركية كذلك. ووفقاً لهذا التصور فإن جماعة أنصار الإسلام الكردية، أصبحت تمثل هدفاً أميركياً سواء بالسكوت عنها، أو التعامل معها، عسكرياً وسياسياً، عن طريق حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الموالي لأميركا، وفي الآونة الأخيرة صار الحديث عن أنصار الإسلام رائجاً إعلامياً، بغرض تسويقها كفرع عراقي للقاعدة يتلقى دعماً مباشراً من العراق، ومن إيران، ومن بن لادن، ومن ... إلخ، ورغم أن الجماعة محدودة العدد والانتشار الجغرافي، فإن تأثيرها في نطاق سيطرتها يبدو مثيراً للانتباه، وللإعلام كذلك، من حيث محاولتها محاكاة النمط الطالباني الإسلامي في أفغانستان مع الفارق ومن تبنيها الجهاد كوسيلة لتطبيق مبادئها، ومعاداة النمط العلماني الغالب، والمتمثل في الحزبين الكرديين الرئيسيين: الديمقراطي «البرزاني» ، والاتحاد الوطني «الطالباني» ، ومع توقع دخول مواقع الجماعة وتجمعاتها ضمن الأهداف المحتملة للضربة الأميركية ضد العراق، فإن تناول هذه الجماعة، يصبح أمراً لازماً؛ إذ أصبحت عنصراً أساسياً ضمن لعبة التوازنات التي تديرها أميركا في العراق، والتي يشارك فيها أطراف كثيرون قسراً واختياراً. * من هم «أنصار الإسلام» ؟ في أوائل التسعينيات اندمجت الحركة الإسلامية الكردية مع حركة النهضة لتكونا معا حركة الوحدة الإسلامية، ولكن مع مرور الوقت، بدأ الشقاق والخلاف ينتشر في صفوف الحركة الجديدة، حتى حدث الانهيار في عام ٢٠٠١م؛ حيث انقسمت الجماعة إلى عدة حركات أبرزها: الجماعة الإسلامية الكردستانية، وجماعة جند الإسلام، وغيرهما، وأعلنت جند الإسلام عن نفسها في بداية سبتمبر من نفس العام، وضمت في صفوفها الإسلاميين الذين ينادون بالجهاد ضد الكافرين، وكان من بينهم من سبق له الجهاد في أفغانستان حتى وقت قريب، وتردد أن بعضهم لا يزال يحتفظ بعلاقات قوية مع من بقي من المجاهدين في أفغانستان، وكان قائد الجماعة هو أبو عبيد الله الشافعي، من أصل كردي، وكان ينتمي سابقاً إلى حركة الوحدة الإسلامية في محافظة أربيل حتى عام ١٩٩٤م، حيث سافر إلى أفغانستان، ويقول حازم اليوسفي ممثل الاتحاد الوطني الكردستاني في القاهرة إن اسمه الحقيقي وريا هوليري، وأنه انضم إلى تنظيم القاعدة أثناء وجوده في أفغانستان. وسيطرت الجماعة على شريط القرى الممتد بين حلبجة والأخدود الجبلي على الحدود مع إيران، وحسب بعض التقديرات فإن عددها تسع قرى من بينها الطويلة وبيارة التي يتمركز فيها قائد الجماعة، ويسمي بعض الأهالي هذه المنطقة الجبلية «تورا بورا العراق» ، وكانت في الأصل تابعة لنفوذ حركة الوحدة الإسلامية، ولكن استولى عليها الاتحاد الوطني لما بدأ الضعف يدب في صفوفها، قبل أن تعقد مهادنة صلح بين الطرفين بوساطة إيرانية. وتدعي مصادر الاتحاد الوطني أن من بين أعضاء الجماعة هناك نحو ثمانين من العرب الأفغان، من أصل مغربي وسوري وأردني وفلسطيني ومصري، وهناك أيضاً ستون من أصل عراقي تلقوا تدريبات في أفغانستان، حسب ادعاء مصادر الحزب العلماني، أما عددهم الإجمالي فمختلف فيه إلى حد كبير، ولكنه لا يتجاوز عدة مئات، وربما يتجاوزون الأربعمائة. وقد حاولت الجماعة أن تطبق الأحكام الإسلامية في المناطق التي تسيطر عليها، حيث مورست الحسبة على نطاق واسع، فكانت تأمر بغلق المتاجر في أوقات الصلاة، وتحرم الموسيقى وبيع الخمور، وتعمل على نشر المدارس الدينية، وتدعو إلى التجهز للجهاد ضد الكفار، وتحث النساء على الالتزام بالحجاب الشرعي. ونشب قتال بين الجماعة والاتحاد الوطني الكردستاني الذي اعتبر الجماعة تهديداً لمناطق سيطرته ونفوذه، وخاصة أن النمط الإسلامي في الحياة قابل للانتشار بدون قتال عن طريق المحاكاة والتأثر بين القرى الكردية المتجاورة، وقد تكبد الاتحاد الوطني في المعارك الحامية خسائر جسيمة في الأرواح، على الرغم من كونه الأقوى عدة وعتاداً، وحسب بعض التقديرات فقد بلغت خسائر الوطني ١٠٨٦ قتيلاً وجريحاً خلال ٧٣ يوماً من القتال المستمر، مقابل ٤٧ قتيلاً وجريحاً في صفوف جند الإسلام. وفي شهر ديسمبر من العام ٢٠٠١م، حدث اندماج آخر بين جند الإسلام، وجماعة التوحيد الإسلامية وجماعة ثالثة، وتغير اسمها إلى أنصار الإسلام، وأصبح الملا كريكار من أبرز قادتها، وحاولت عقد هدنة وتصالح مع الاتحاد الوطني، وحدثت لقاءات ووساطات، أسفرت عن وقف القتال، ولكن الأمور تدهورت مرة أخرى بعد محاولة اغتيال برهم صالح رئيس وزراء الوطني؛ حيث اتهم الأنصار بتدبيرها، واندلع القتال مجدداً بين الفريقين. وحسب المصادر المتاحة فإن الملا كريكار اسمه الأصلي نجم الدين فرج، ويحمل جنسية نرويجية؛ حيث طلب اللجوء إليها قبل سنوات، ويحمل الملا كريكار كذلك رؤية إسلامية سلفية، ويرفض الديمقراطية، وقال في حديث صحفي نادر: «الديمقراطية تستند إلى أربعة مبادئ مرفوضة في الإسلام؛ فبالنسبة للإسلام: الديمقراطية من البداية إلى النهاية هي بدعة» ، ولا يعرف مكان إقامته في الوقت الحالي، ويقول البعض إنه ربما يكون في النرويج، ولكن نفى المسؤولون هناك ذلك، وكان كريكار التقى جلال الطالباني زعيم الاتحاد الوطني أثناء محاولات وقف القتال بين الطرفين. وبالعودة إلى لعبة التوازنات التي تديرها الإدارة الأميركية في المنطقة، يمكن تحديد عدد من اللاعبين على الساحة الكردية، سنتناول علاقة كل منهم بجماعة أنصار الإسلام، ويأتي في مقدمتهم الولايات المتحدة، اللاعب الأول، والأكراد، والعراق، وإيران، والحركات الإسلامية الأخرى، وتنظيم القاعدة افتراضاً. * أمريكا وأنصار الإسلام: تتبع الإدارة الأميركية أسلوب إيجاد المسوغ في تمرير سياساتها في كثير من دول العالم، وهذا الأسلوب المعقد يعطي نتائج أولية ظاهرية عكسية في كثير من الأحيان، أو هكذا تبدو للبعض، ولأن كثيراً من الشعوب والجماعات تحمل إرثاً من الكراهية للسياسة الأميركية، يحلو لها أن تفسر كل موقف عدائي ضد الولايات المتحدة، على أنه عجز أميركي عن مواجهته، وهم بذلك يمثلون الطرف المقابل، لمن يعتقدون أن أميركا بيدها مقاليد الأمور، وأنها تحقق أهدافها في إدارة العالم، بنسبة انتخابات العالم الثالث ٩٩.٩%، والحقيقة أن الواقع بعيد عن هذا وذاك؛ فالإدارة الأميركية تضع كثيراً من الخطط والرؤى والسياسات، يُحبَط كثير منها، وينجح بعضها، والذي نريد أن نقوله إن سياسة أميركا تجاه العراق مثال واضح على استخدام هذا الأسلوب؛ فالمعطيات العسكرية والسياسية أثناء حرب الخليج وبعدها، لم تكن تحول مطلقاً بين أميركا وعزل صدام عن الحكم، ولكنها لم تفعل. لماذا؟ لأنها تحتاج إلى شخصية مركبة مثل صدام حسين، لكي يقدم تسويغات كافية طيلة أكثر من عشر سنوات لتدخل أميركي مستمر في المنطقة، لم تكن تحلم به من قبل. وعلى الجانب الكردي، فإن الصراع بين صدام والأكراد كان لا بد له أن يظل مستعراً، ولهذا ترك الأميركيون الأكراد يصطلون بنيران صدام بعد حرب الخليج مباشرة، ولمَّا يفرحوا بانتفاضتهم بعد، وذلك لكي تبقى الجراح دوماً ساخنة غير ملتئمة، تحتاج إلى تدخل الجرَّاح الأميركي، وهذا هو الأهم. وبعد هجمات سبتمبر، وتحول تنظيم القاعدة ليحتل المركز الأول على قائمة المسوغات الأميركية للتدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة، لم يكن من الصعب على العقلية الأميركية المخططة أن تصل بين صدَّام والقاعدة هكذا بجرة قلم لتنشئ تحالفاً وهمياً بين الطرفين، متجاوزة بذلك عوائق وعقبات وجبالاً وهضاباً من العقائد والأفكار والرؤى والتصورات والمناهج، وفي ظل عقلية الفسيفساء العربية كان من الممكن تمرير هذه الحجة بلا عناء كبير، وبعد ذلك يصبح من السهل أن توجد العلاقة بين صدام وجماعة أنصار الإسلام، ومن الأسهل أن يقال إن أنصار الإسلام فرع جديد للقاعدة في العراق. وفي الوقت الحالي يتبادل الاتحاد الوطني والمخابرات الأميركية تهيئة أنصار الإسلام، لتكون مسوغاً كافياً، وجاهزاً، ضمن القائمة العراقية، وسيأتي ذلك بالتفصيل عند الكلام عن العلاقة بين الجماعة والأحزاب الكردية، وقد صرح أكثر من مسؤول أميركي حسب النيويورك تايمز بالقول إنه «من مصلحة الاتحاد الوطني الكردستاني طرح هذه المسألة - جماعة الأنصار - لأنها قد تساعد في تقديم الحجة لهجوم أميركي يقضي على الرئيس العراقي صدام حسين» ، وأمام الكونجرس الأميركي وقف جورج تينت مدير المخابرات، ليقول إنه «رغم الاختلاف الأيديولوجي بين العراق وتنظيم القاعدة، فإن كراهيتهما المشتركة للولايات المتحدة تدعو للافتراض بإمكانية وجود تعاون تكتيكي بينهما» .. وقد راجت في الفترة الأخيرة التصريحات التي أدلى بها عملاء مزعومون للمخابرات العراقية، كانوا يقومون بمهام تنسيقية مع القاعدة والأنصار، وكذلك أعضاء مزعومون في جماعة الأنصار، وذلك بعد اعتقالهم جميعاً من قبل سلطات الاتحاد الوطني، وتصب هذه التصريحات في اتجاه تقديم وصف تفصيلي لعلاقة مفتعلة بين الأطراف الثلاثة. ونشرت مجلة نيويوركر تقريراً احتوى تفريغاً لكمٍّ كبير من هذه التصريحات التي قال مراسل الصحيفة إنه تم الإدلاء بها بدون إكراه هكذا، وقد احتفى مسؤولون أميركيون بهذا التقرير، وقال جيمس وولسي مدير المخابرات السابق إنه تقرير «شديد الروعة» ، وقال: «ظلت سي آي إيه طوال السنوات الأخيرة غير مكترثة كما يجب بالتحدي العراقي، وأعتقد أن ذلك معيب، ولو تعرضت للهزيمة نتيجة للتقرير الأخير الذي نشرته المجلة، وحرره جيف غولدبيرغ، فلا بد من توجيه التحية للسلطة الرابعة يعني الصحافة» ، وقال مسؤول آخر ذو خبرة في الشأن العراقي: «هذا التقرير يعد هاماً للغاية كما يبدو، ومن المحتمل أن يبادر صدام حسين بالسعي لزعزعة الأوضاع في المناطق الكردية باستخدام جماعة جند الإسلام» . ويعتبر المسؤولون في إدارة الرئيس الأميركي بوش أن القاعدة أصبحت مسوغاً عالمياً للتدخل، تحت مسمى الحرب على الإرهاب، ويسعى البنتاجون إلى تمرير موافقة من الكونجرس على مشاركة سرية لقوات خاصة بمكافحة الإرهاب في بلدان أجنبية، ويقولون إنه في بعض الأحيان سيكون من الضروري أن تجري العمليات بدون إخبار الحكومات المحلية نفسها، بمواقع هذه القوات؛ لأن الحرب ضد الإرهاب كما يقولون، صارت بلا حدود. * صدام حليف الإسلاميين!! يقول أحد كبار مسؤولي الحزب الديمقراطي الكردستاني هوشيار زيباري: «إن تبدلاً واضحاً حدث في تفكير صدام حسين خلال الأعوام الخمسة الماضية، من حيث تحول بغداد من العلمانية المتشددة، إلى دعم الإسلاميين» ، ويأتي هذا الادعاء ضمن سيل من الإطلاقات التي تأتي بلا برهان، يرسلها العلمانيون الأكراد في توصيف وتصنيف الجماعات الإسلامية الكردية، ومن أنشأها، ومن يدعمها، ويقول هؤلاء أيضاً إن مخابرات صدام بارعة جداً في التغلغل بالجماعات الصغيرة، ولذلك ليس من الصعب عليها أن تخترق جماعة مثل أنصار الإسلام، تتكون من عدة مئات، ورغم أن هذا الادعاء ممكن من الناحية النظرية، إلا أنه لا يمكن إطلاقه دون دليل، وقد اعترف الأميركيون أنفسهم في وقت ما أنهم لا يجدون أي دليل على علاقة بين القاعدة وصدام حسين، وبينما تذكر الصحف الأميركية أن مسؤولين كباراً في وزارة الدفاع جابوا العالم بحثاً عن أدلة على هذه العلاقة فلم يجدوها؛ فإنهم أبدوا احتفاء كبيراً بتقرير صحفي كتبه مراسل لأحد المجلات، واعتبروه فتحاً كبيراً، وأنه بمثابة الحلقة المفقودة؛ لأنه يتحدث عن اعتراف أدلى به مجهولون يدَّعون الانتساب إلى جماعة الأنصار، وقالوا فيه إن صدام يمولها، ويدربها. وتدعي المصادر الكردية أن العلاقة بين القاعدة والعراق تعود إلى عام ١٩٨٩م وأنها تطورت بعد حرب الخليج الثانية؛ حيث قام أيمن الظواهري بزيارة سرية لبغداد، بعد عامين من الحرب، وأن هناك اتصالات تم رصدها مع أسامة بن لادن، وادعى الاتحاد الوطني أنه اعتقل عميلين عراقيين كانا يقومان بمهام الوسيط بين القاعدة والأنصار والمخابرات العراقية، وقد أدلى هذان العميلان عن طيب خاطر بتفاصيل كثيرة عن طبيعة العلاقة، وحدداها، حتى وصل الأمر إلى القول إن قادة الأنصار يتلقون رواتب ثابتة من المخابرات العراقية، وقالوا إن هناك شخصاً مؤثراً جداً في الجماعة، هو أبو وائل، وهو في الأصل ضابط عراقي، وأنه قام بدور كبير في التنسيق مع القاعدة في أفغانستان، ولكن مصيره أصبح مجهولاً بعد الحرب الأميركية هناك. وتتلخص العلاقة المزعومة بين صدام وجماعة أنصار الإسلام في تقديم الدعم المالي والعسكري، والتدريب في مدارس المخابرات الخاصة، مقابل إثارة القلاقل في مناطق الاتحاد الوطني، وتنفيذ بعض عمليات الاغتيال. وفي الواقع تبدو الاتهامات بوجود هذه العلاقة هزيلة جداً: فأولاً: الهوة سحيقة بين صدام حسين وتنظيم مثل القاعدة أو الأنصار؛ فمنطلق القاعدة والأنصار يرتكز على مفاهيم سلفية، لا يمكن بأي حال أن تتقارب مع شخصية مثل صدام، والادعاء بتبدل إسلامي للرئيس العراقي غير صحيح، ويكفي إثبات التضارب بين دعوى قدم العلاقة مع القاعدة عام ١٩٩٣م، وبين إرجاع التبدل الإسلامي المزعوم لصدام إلى ما قبل خمس سنوات فقط. وثانياً: وفقاً للاتهامات الموجهة للجماعة، فإنها تتلقى الدعم من القاعدة، والعراق، وإيران، وبذلك تصبح الجماعة الوحيدة التي أجمعت عليها أغلب الأطراف، وهو ما لم يحدث لغيرها أبداً، فهل يعقل ذلك؟ ثالثاً: رغم أن تبني الجماعة للنهج الجهادي يبرزها بقوة على الساحة، إلا أنها تبقى في نهاية الأمر جماعة محدودة التأثير، والقدرات، على الأقل في الوقت الحالي، استناداً إلى عدد أتباعها، مقارنة بجماعات أخرى والحزبين العلمانيين الرئيسيين. رابعاً: تحمل الجماعة، مثل أغلب الإسلاميين الأكراد، إرثاً من الذكريات الدموية مع أجهزة صدام، ويكفي مأساة حلبجة التي حدثت لكونها في الأساس خضعت لسيطرة الإسلاميين، ومن الصعب أن تغيب المذبحة في غياهب النسيان من أجل تحالف وهمي وقتي مع الجزار الأكبر، ويعلم الإسلاميون يقيناً أنه في حال تمكن صدام من السيطرة على مناطق الأكراد مرة أخرى، فسيكون دمهم أول ما يراق بالسلاح العراقي. خامساً: ليس من مصلحة صدام أبداً أن يحتفظ بعلاقة مع تنظيم القاعدة، أو أي تنظيم آخر يشتبه في تبعيته للقاعدة، ولو كان هذا الادعاء صحيحاً، لما كان الموقف الأميركي تجاه هذه القضية، بهذا الضعف. وهذا النفي لعلاقة مدعاة مع صدام ليس دفاعاً عن جماعة الأنصار، ولكنه دفع لهذه الدعوى التي ربما ينخدع بها من لا يجيد نظم الأمور في نصابها.

стр. 4377

المسلمون والعالم بشراكم أهل فلسطين حمدي طنطاوي محمد [*] في كل يوم، وفي كل ليلة، يسقط شهيد، ويهدم بيت، وتشرد عائلة، وتقام مستوطنة. وقد يتساءل البعض: ما ضر هؤلاء وهم فتية آمنوا بربهم، وجاهدوا في سبيله، وابتلوا من أجل دينه.. والله المنتقم، والله الجبار، العزيز القهار، لو أراد أن يعزهم، وينصرهم، ويذهب بأس عدوهم لكان، لكنه لم يكن؟ وفي الإجابة على ذلك كلام كثير منه قوله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّة] (التوبة: ١١١) . ومنه ما أعده الله للشهداء من المنازل العالية، والقصور الراقية، ومنه تمحيص الله عباده المؤمنين، وتخليصهم من شوائب الذنوب، وعلائق المعاصي. فما أهون أعداء الله على الله، بل ما أهونهم على عباد الله، ولكن لله في خلقه شؤون. * لولا بقية من المؤمنين: غير أن ما يعنينا من هذا هو أنه ما زالت بقية من خلق الله تستطيع الدفاع عن دينه، والذب عن أوليائه. أوَ ما قد علمت فقه عبد المطلب حينما قال لأبرهة: «للبيت رب يحميه» . فما كان هناك بقية من الناس تدفع عن بيت الله. أما وللأقصى بقية من خلق الله تدفع عنه، فلا معنى لأن ننتظر أمراً من السماء ينزل بهم. ألا وإن تلك الفئة التي تدفع عن بيت الله، وعن دين الله في تلك البقعة، لم يقتصر دفعها على تلك البريَّة من الأرض وحدها، بل إنها تدفع بأس الله وغضبه عن الدنيا بأسرها، يعلم هذا من فقه قوله تعالى: [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ] (البقرة: ٢٥١) . يقول الإمام الطبري: «ولولا أن الله يدفع ببعض الناس، وهم أهل الطاعة له، والإيمان به، بعضاً، وهم أهل المعصية لله، والشرك به ... لفسدت الأرض، ولهلك أهلها، بعقوبة الله إياهم، ولكن الله ذو مَنٍّ على خلقه، وتطوُّل عليهم، بدفعه البر من خلقه عن الفاجر، وبالمطيع عن العاصي، بالمؤمن عن الكافر. فيدفع الله معالجة أهل الكفر والنفاق، العقوبة على كفرهم ونفاقهم، بإيمان المؤمنين به، وبرسوله، الذين هم أهل البصائر والجد في أمر الله، وذوو اليقين بإنجاز الله إياهم وعده، على جهاد أعدائه، وأعداء رسوله، من النصر العاجل، والفوز الآجل بجنانه ﵎» [١] . ومن ذلك ما أخرجه عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد: «لولا دفاع الله بالبر عن الفاجر، ودفعه ببقية أخلاق الناس، بعضهم عن بعض، لفسدت الأرض؛ بهلاك أهلها» . وروى عبد بن حميد عن قتادة: «يبتلي الله المؤمن بالكافر، ويعافي الكافر بالمؤمن» [٢] . * مواصلة أهل فلسطين المقاومة، وانخذال الناس عنهم: رحم الله تلك الفئة؛ لكأني بحديث رسول الله ﷺ ، وقد جاء فيهم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك» [٣] . فكم مرة خذل هذا الشعب من العالم بأسره، يشهد عليه شيوخ ركع، وأطفال رضع، ونساء؛ ما لكل أولئك حول ولا طول. يشهد عليه مذابح دير ياسين سنة ١٩٤٨م، وقرية «بيت جالا» سنة ١٩٥٢م، ومجزرة «قبية» سنة ١٩٥٣م، ومذبحة «غزة» و «شاطئ طبريا» سنة ١٩٥٥م، ومذبحة «حوسان» و «غزة الثانية» ، ومذبحة قلقيلية «و» كفر قاسم «سنة ١٩٥٦م، ومذابح » العدوان الثلاثي «سنة ١٩٥٦م، و» تل الزعتر «سنة ١٩٧٦م، و» صبرا وشاتيلا «سنة ١٩٨٢م، و» حرق المسجد الأقصى «سنة ١٩٦٩م، و» اقتحامه «سنة ٢٠٠٠م، وما كان من هدم، وقتل، وتخريب، في» طولكرم، ورفح، ونابلس، ورام الله، وجنين، وخان يونس «سنة ٢٠٠٢م. تشهد عليه قرارات» مجلس الأمن «المتعاقبة، والتي كتبها على لوحة من » الفَخَار «، أقصد» الفُخَّار «، مما دعاه أن يوصد عليها قفصاً من حديد، مبطناً بسياج من نحاس، داخل هذا السياج أزيز من رصاص، خوفاً عليه من الكسر، قرار سنة ١٩٤٨م، ١٩٦٧م، ١٩٦٨م، ١٩٦٩م، ١٩٧١م، ١٩٧٩م، ١٩٨٠م. تشهد عليه معاهدة السلام المصرية التي كان فيها اعتراف صريح بدولة إسرائيل سنة ١٩٧٩م. تشهد عليه: جميلة الأقرع، وعائشة أبو الحسن، وعزبة محمد سلامة، وحلوة زيدان، تشهد عليه: زيبة عطية، ودلال المغربي، ورابعة أحمد، وتغزيد البطمة، وعزيزة حسين، تشهد عليه» وفاء علي إدريس «. * بشرى النبي ﷺ للفئة المؤمنة ووعد ربه لهم: ألا فاستبشري يا تلك العصابة بقول رسول الله ﷺ :» لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، ولعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جابههم، ولا ما أصابهم من البلاء، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله! وأين هم؟ قال: ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس « [٤] ، أما وقد نصرتم أمر الله، ووعده الذي قطعه على نفسه في قوله: [َكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ] (الروم: ٤٧) . يقول الفخر الرازي:» أي: نصر المؤمنين كان حقاً علينا..، وفيه تأكيد البشارة؛ لأن كلمة (على) تفيد معنى اللزوم، فإذا قال حقاً أكد ذلك المعنى [٥] . فإن قلتم: أين النصر، وعدو الله طالت يده، واستشرى خبثه وقبح فعله، فعلا وطغى وبغى؟ قلنا: أوَ ما كان في انهزام موسى لفرعون نصر له، أوَ ما جرته هزيمته إلى أن أوقعت فرعون وقومه، غرقاً في اليم؟ هي سنة الله، وهو عدل الله وانتقامه لمن آذى أولياءه ﵎، ألا وإن الله جاعل في هزيمتكم نصراً. * عجائب القدر مع الحجر: وإني لأنظر إلى قول رسول الله ﷺ : «ولعدوهم قاهرين» ، ويثنيني العجب مما رواه الطبري في تفسيره [٦] ، وتاريخه، من أن نبي الله داود ﵇ الذي يتمسح به صهاينة إسرائيل لما خرج لمقاتلة جالوت، ألبسه طالوت سلاحه، فكره أن يقاتله بسلاح، وقال: «إن الله إن لم ينصرني عليه، لم يغن السلاح، فخرج إليه بالمقلاع، وبمخلاة فيها أحجار، ثم لما برز له، قال له جالوت:» أنت تقاتلني؟ «قال داود:» نعم! «. قال:» ويلك! ما خرجت إلا كما تخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة! لأبدِّدَنَّ لحمك، ولأطعمنك اليوم الطير والسباع، فقال له داود: «بل أنت عدو الله شر من الكلب» فأخذ داود حجراً ورماه بالمقلاع، حتى نفذ في دماغه، فصرع جالوت وانهزم، واحتز داود رأسه «. وكأني بداود ﵇ وقد بعث برسالة مفادها: أن هؤلاء أعداء الله، وإن ادعوا التمسح بي، فإني مع صاحب الحجر: إن نصر الله لا يتوقف على نوعية السلاح، إن مقاتلة عدو الله مهما كانت مهابته أهون على ولي الله من هشاشة كلب، إن تخصيص الأحجار بالذات فيه استئناس واستصحاب، ومشاركة وجدانية، وإني لو كنت معكم، لقاتلتهم بالحجر، كما تقاتلونهم، إن فيه محض بشارة، بأن صاحب الحجر، هو الغالب، وهو المنتصر، وأن تاج الملك لا بد أن يؤول إليه، كما آل لداود ﵇. ويعرف هذا من فقه قول رسول الله ﷺ :» لا تقوم الساعة، حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر، أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي، تعال فاقتله! « [٧] ، يوم ينطق الله الحجر، أو الشجر، فيقول: يا مسلم، كم لطخني هذا اليهودي، بدم الأبرياء والضعفاء، كم آذاني نجسه وقبحه، كم آلمني ظله وقربه، تعال فاقتله، وخلصني منه، فإني لم أكلف بقتله. يعرف هذا من فقه قوله تعالى: [وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا] (الإسراء: ٨) ، بعد ما ذكر قوله: [لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْن] (الإسراء: ٤) ، إذ بعث الله عليهم في المرة الأولى عدوهم وذكر أنه جالوت الجزري فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم، وأذلهم وقهرهم؛ جزاءً وفاقاً، وما ربك بظلام للعبيد؛ فإنهم كانوا قد تمردوا، وقتلوا خلقاً كثيراً من الأنبياء والعلماء؛ وروي عن سعيد بن المسيب: » لما أفسدوا في المرة الثانية، سلط الله عليهم عدوهم «بُخْتَنَصَّرَ» ، فخرب بيت المقدس، وقتلهم، ثم أتى دمشق، فوجد دماً يغلي على كِبَا [٨] ، فسألهم: ما هذا الدم؟ فقالوا: أدركنا آباءنا على هذا، قال: فقتل على ذلك الدم سبعين ألفاً « قال ابن كثير:» وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهذا هو المشهور، وأنه قتل أشرارهم وعلماءهم، حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة، وأخذ معه خلقاً منهم أسرى من أبناء الأنبياء، وغيرهم، وجرت أمور، وكوائن يطول ذكرها « [٩] . وهي دم كل نبي، ولم يزل يفور حتى وقف عنده أرميا ﵇ فقال: أيها الدم! أفنيت بني إسرائيل، فاسكن بإذن الله، فسكن» [١٠] . * وإن عدتم عدنا «عودة وميعاد» : أوَقد عادوا بالفساد مرة ثالثة؟ وقد أوعدهم الله بالعودة عليهم، وهي عودة باقية إلى قيام الساعة، يعرف ذلك من فقه قوله تعالى: [وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ العَذَاب] (الأعراف: ١٦٧) ، عودة تفنيهم عن آخرهم، فلا تبقي لهم باقية، عودة تبهج قلوب المؤمنين، وتشفي صدور الموحدين؛ فعن قتادة في قوله تعالى: [وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا] (الإسراء: ٨) ، قال: «عاد القوم بشر ما يحضرهم، فبعث الله عليهم ما شاء أن يبعث، من نقمته، وعقوبته، ثم كان ختام ذلك أن بعث عليهم هذا الحي من العرب؛ فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة» [١١] . أما الوعد، فأنبأ به رسول الله ﷺ في مواطن كثيرة، منها: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة» ، «فينزل عيسى بن مريم» [١٢] . وقوله: «والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير» [١٣] . * حقيقة المعركة: من هنا تعلم أن اجتماع أهل الملل والنحل على مقاتلة أهل فلسطين والغلبة عليهم، ما هو إلا جزء من رصيد الأعداء الكبير، وتاريخهم الطويل ضد الإسلام وأهله، وحرصهم الدفين على هدم أركانه، وزعزعة بنيانه؛ فليست هي الأرض ولا المال، إنما هو ذاك الدين الذي منّ الله به على شعب فلسطين، ذاك الدين الذي طالما جرت عليه معارك طواحن، وفتن ملاحم، وهي سنة الله في خلقه، صراع دائم بين الحق والباطل، قد تعلو راية الباطل مرة، لكنها أبداً لن تدوم؛ فالعاقبة ليست له، وعلى الباغي تدور الدوائر، قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار، وإن الله ناصر دينه، لا محالة فاعل، ومعز جنده ومنصف أولياءه وإن قل الزاد وعزت الراحلة، ومذل رؤوس أعدائه وإن استشرى الزاد وروجت الراحلة، وليعلون دين الله ولترفعن رايته رغم أنف الكافرين، وشرك المشركين، «وليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر، إلا أدخله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر» [١٤] .

стр. 4378

المسلمون والعالم المهاجرون الإرتريون في السودان وتجدد المعاناة إسماعيل عمار تعد الهجرة أمراً عسيراً على النفس البشرية لما لها من آثار نفسية ووجدانية وعاطفية؛ فالبعد عن الوطن ومراتع الصبا له شجون وشؤون يصعب محوه من دائرة الذكريات. إلا أن الهجرة قد تكون مطلباً شرعياً عندما يواجه المسلم عوائق تمنعه من إقامة دينه، فيترك الأرض والأهل والأحباب حماية للدين وصوناً للعقيدة. قال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً] (النساء: ٩٧) ، ولذلك هاجر الصحابة رضوان الله عليهم إلى الحبشة والمدينة عندما أذاقتهم قريش المر، وضيقت عليهم في أمور دينهم ودنياهم فكانت الهجرة فرجاً ومخرجاً. لقد عانى الشعب الإرتري من ويلات التسلط والاضطهاد نتيجة لتعاقب الاحتلال الإيطالي والبريطاني، وأخيراً الإثيوبي على أرضه؛ مما جعله عرضة لهدر موارده الطبيعية وطاقاته البشرية، واتخذ الاحتلال من أشلاء هذا الشعب المستضعف سلماً يرتقي به نحو تحقيق مآربه السياسية والاقتصادية، وكان من أشد ما مر على المسلمين في إرتريا فترة الاحتلال الإثيوبي؛ وبخاصة عهد هيلا سيلاسي؛ حيث أذاقهم جميع صنوف الإذلال والاضطهاد والتنكيل والتشريد منطلقاً من أهدافه الصليبية، وأحقاد أسلافه اليهود؛ حيث كان يدعي امتداد نسبه إلى النبي سليمان ﵇. وقد فجر المسلمون الثورة الإرترية المسلحة عام ١٩٦١م لتخليص البلاد من براثن الصليبية، فاشتدت الوطأة على الشعب الأعزل؛ حيث سعى الإمبراطور الإثيوبي إلى اتباع سياسة الأرض المحروقة، فأُجبر الإرتريون على ترك أراضيهم بعد أن بلغ السيل الزبى، وعبر أول فوج من المهاجرين الحدود الإرترية السودانية في فبراير عام ١٩٦٧م، بعد أن أحرقت قراهم ومزارعهم ولم يبق لهم غطاء يستظلون به من حر الشمس وقر البرد والأمطار، وقد بلغ عددهم ثلاثين ألفاً، ثم توالت بعد ذلك الهجرات تشتد حيناً وتهدأ حيناً حتى جاوز عددهم مليون لاجئ، ولم يتغير الوضع بسقوط نظام هيلا سيلاسي واستلام الشيوعيين زمام الأمر في إثيوبيا، بل زاد الأمر سوءاً؛ نظراً لاشتداد المعارك بين الثورة الإرترية والنظام الإثيوبي، والجفاف الذي أصاب بعض المناطق الإرترية في الثمانينيات، وها هو اليوم أيضاً بعد مرور عشر سنوات تقريباً من استقلال إرتريا لا تزال الهجرة مستمرة، وأصبحت العودة إلى الوطن أملاً صعب المنال. ويمكن تلخيص الأسباب التي أدت إلى الهجرة قبل انتهاء الاحتلال الإثيوبي في النقاط الآتية: ١ - أسباب دينية وثقافية: بعد أن ضم هيلا سيلاسي إرتريا إلى إمبراطوريته بالتآمر مع الولايات المتحدة بدأ في تنفيذ سياساته المعادية للإسلام واللغة العربية، وسعى إلى طمس الهوية الإسلامية من خلال التضييق على المؤسسات الدينية كالمساجد والمعاهد والمدارس العربية؛ حيث لم يعترف بشهادات هذه المعاهد والمدارس، وبالإضافة إلى ذلك منع تدريس اللغة العربية في المدارس الحكومية، وحظر الصحف العربية وأمر بمصادرة الكتب العربية التي تأتي إلى إرتريا من الدول العربية، فأحس المسلمون بغربة دينية وثقافية في ديارهم، فاضطروا إلى البحث عن مكان يجدون فيه العلوم الشرعية والثقافية الإسلامية، فاتجهوا إلى السودان وغيرها من الدول العربية والإسلامية. ٢ - أسباب أمنية: يمثل الأمن ركيزة مهمة من ركائز الاستقرار والتنمية، والعمود الفقري لعملية البناء الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، ولما فقد الأمن اختار الكثير من الإرتريين الخروج من هذا المأزق والهجرة خارج البلاد؛ فقد عانوا من الإرهاب الصليبي الذي بدأ في الأربعينيات من قبل نصارى إرتريا بالتنسيق مع قوات الأمن الإثيوبية بغية ضم إرتريا إلى إثيوبيا. ولما تفجرت الثورة الإرترية في ١٩٦١م اشتد تأزم الوضع الأمني، وتعرضت قرى المسلمين (مثل عونا وعد إبراهيم وإمبيرمي.. وغيرها) للمذابح والإبادة والقصف الجوي، وأعلنت حالة الطوارئ في المدن، وفرض حظر التجول بعد السادسة مساء. ثم أتت حملات التجنيد الإجباري التي قامت بها كل من إثيوبيا والثورة الإرترية على حد سواء، وبالغت الجبهة الشعبية الإرترية في ذلك فانتزعت الحرائر من خدورهن باسم الواجب الوطني والخدمة الوطنية، فما كان من الشعب إلا أن يهاجر حماية لنفسه وعرضه وماله. ٣ - أسباب سياسية: شهدت إرتريا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية صراعاً سياسياً تمثل في المطالبة بالاستقلال الذي نادى به المسلمون، والمطالبة بالانضمام إلى إثيوبيا الذي تزعمه النصارى؛ مما أوجد ضغوطاً على المطالبين بالاستقلال بعد ضم إرتريا قسراً إلى إثيوبيا، وتعرض الكثير منهم للسجن والتعذيب والإبعاد، وهاجر الكثير منهم إلى خارج إرتريا هرباً من هذا الجحيم، ومواصلة للنضال السياسي من خارج البلاد. ٤ - أسباب اقتصادية: تعمد الاحتلال الإثيوبي إضعاف الاقتصاد الإرتري بنقل المصانع الإرترية إلى داخل إثيوبيا، ووضعه المعوقات المانعة من قيام مؤسسات اقتصادية كبيرة في مدن إرتريا، فلم يبق للمسلمين الذين استبعدوا من الوظائف الحكومية أيضاً إلا المهن التجارية والزراعية والرعوية المتواضعة، وقد تأثرت هذه الأعمال أيضاً بحالة الحرب التي عاشتها إرتريا، بالإضافة إلى الجفاف الذي ضرب أغلب مناطق إرتريا في ١٩٨٣ - ١٩٨٥م، فاضطر الناس إلى البحث عن ما يسدون به رمقهم، ويتمكنون من الحصول على لقمة العيش الكريمة. * وضع المهاجرين الإرتريين بالسودان: دأبت الحكومة السودانية على استقبال اللاجئين الجدد في معسكرات استقبال مؤقتة ريثما يتم نقلهم إلى المعسكرات الثابتة التي تحتاج إلى تجهيز المساكن والمرافق العامة المختلفة، ويواجه الإرتريون في معسكرات الاستقبال هذه معاناة بالغة القسوة نظراً لعدم توفر المرافق الصحية وتأخر المعونات الغذائية فيها، وعندما يتم نقلهم إلى المعسكرات الثابتة تبذل بعض الجهود الصحية والتعليمية والاقتصادية من قبل مفوضية اللاجئين والهيئات الخيرية. وبالرغم من ذلك فإن وضع المهاجرين يواجه مشكلات بالغة التعقيد؛ ففي مجال التعليم نجد أن المدارس الابتدائية في بعض المعسكرات غير مؤهلة لأداء رسالتها التعليمية من ناحية تأهيل الفصول الدراسية ووجود وسائل تعليمية تعين المدرس والطالب على حد سواء في إنجاز مهماته؛ مما أدى إلى عزوف الطلاب عن التعلم واتجهوا إلى البحث عن أعمال تعينهم على تحسين وضعهم المعيشي. وفيما يخص الأمور الصحية فإن المراكز الصحية في مناطق المهاجرين غير قادرة على الوفاء بحاجات السكان من ناحية توفر الأدوية والمعدات الطبية مما يكلفهم الذهاب إلى بعض المدن لتلقي العلاج المناسب، وقد انحسرت المعونات فيما بعد الاستقلال نظراً لتوقف المنظمات التطوعية التي كانت تعمل في وسط المهاجرين بحجة استقلال إرتريا وانتهاء الحرب التي كانت قائمة بين الثورة الإرترية وإثيوبيا. * تجدد المعاناة بعد الاستقلال: كان من المؤمل أن تتلاشى معاناة الهجرة والتشرد عن الشعب الإرتري عشية استقلال إرتريا عن الاحتلال الإثيوبي، وكان الإرتريون يحلمون قبل التحرر أن لا يتجاوز مكوثهم في الأراضي السودانية بعد الاستقلال يوماً واحداً، إلا أن الواقع كان غير ذلك، وذهبت أحلامهم أدراج الرياح. في بدايات الاستقلال عاد عدد غير قليل من الإرتريين إلى ديارهم طوعاً بطريقة فردية نظراً لبلوغ عامل الشوق إلى أرض الأجداد لديهم مبلغه، فلم ينتظروا مساعدات المنظمات الدولية وترتيبات الحكومات المعنية، بل آثروا العودة إلى الديار مهما كلفهم ذلك من جهد مادي أو متاعب جسدية. ثم بدأت بعض الترتيبات الخاصة بتنظيم العودة الطوعية للاجئين بالتنسيق بين السودان وإرتريا ومفوضية اللاجئين وأطلق عليه (المشروع الرائد) ، ونظراً للخلافات التي وقعت بين النظام في أسمرا ومفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة حيث طلبت إرتريا ربط عودة اللاجئين بالتوطين وببرامج شاملة لاستيعابهم، وأصرت على العودة الانتقائية، وتسجيل اللاجئين تحت إشرافها، ولم تقبل المفوضية بذلك فلم يتمكن هذا المشروع إلا من إعادة الدفعة الأولى فقط التي تتكون من ٢٥٠٠٠ لاجئ في نوفمبر عام ١٩٩٤م، وحتى هذه الدفعة لم يتم توطينها بصورة مثلى؛ حيث لم يقدم لهم من المسكن والغذاء وغيره إلا الشيء اليسير الذي لا يسد الرمق، وتوقف المشروع بعد ذلك؛ حيث أغلق النظام الإرتري مكتب المفوضية في أسمرا، وطرد العاملين فيها في مايو ١٩٩٧م، ثم جاءت الحرب الإرترية الإثيوبية الجديدة التي اندلعت في مايو ١٩٩٨م، وبلغت أشدها في مايو ويونيو ٢٠٠٠م، فأوقفت جميع أعمال العودة، بل تجددت الهجرة والمعاناة مرة أخرى، وتدافع اللاجئون الذين قارب تعدادهم مائة ألف لاجئ إلى الأراضي السودانية وعلى وجوههم عظم حجم المأساة؛ حيث تشتتت الأسر بطريقة عشوائية فلا يدري والد عن ولده وزوجته شيئاً، وهم كذلك، وتوفي الكثير منهم في الطريق بسبب العطش والجوع والمرض، ووصل من وصل إلى معسكرات اللاجئين في حالة من الإعياء الشديد، وهذه المعسكرات هي: ١ - معسكر قلسا: ويقع جنوب مدينة كسلا السودانية على بعد ٣٠ كيلو متراً، ووصل إليه حوالي (٣٢٠٠٠) مهاجر، يسكنون في خيم البلاستيك المتلاصقة، وفي وضع صحي وغذائي سيئ تتفطر لرؤيته القلوب الرحيمة والضمائر الحية؛ حيث توزع عليهم المواد الغذائية عبر طوابير طويلة. ٢ - معسكر اللفة: ويقع جنوب غرب مدينة كسلا على بعد ٣٠ كيلو متراً، وبلغ عدد المهاجرين فيه حوالي (٣٧٠٠٠) مهاجر، معظمهم ممن أتى من مدن غرب إرتريا. ٣ - معسكر الشجراب: ويقع جنوب غرب كسلا على بعد ١٢٠ كيلو متراً، وهو من المعسكرات القديمة، وبلغ المهاجرون الجدد فيه حوالي (٢٥٠٠٠) مهاجر منهم (٣٠٠) من الجنود الإرتريين؛ مما زاد الضغط على الإمكانات الضعيفة التي كانت في هذا المعسكر من قبل. والعادة أن تسارع المنظمات التابعة للأمم المتحدة، ومنظمات تطوعية وتنصيرية بتقديم المساعدات العاجلة في مثل هذه الأحوال، وفي الوضع الحالي للاجئين الإرتريين فإن المنظمات الإسلامية في هذه المرة زاحمت المنظمات التقليدية القديمة، وأسهمت بشكل واضح في تخفيف المعاناة سواء من جانب تقديم المواد الإغاثية أو بناء المساجد، وتكوين مراكز تحفيظ القرآن الكريم؛ مما أثلج صدور الغيورين على الدين الإسلامي. * مشروع العودة مجدداً: قبل أن تصل الحرب الإرترية الإثيوبية إلى محطة السلام النهائية سارع النظام في إرتريا إلى العمل على إعادة هؤلاء المهاجرين الجدد، وجند وسائل إعلامه ومفوضية اللاجئين الإرترية وغيرهم من مسؤولي حكومته لإنجاح هذا المشروع، وبالرغم من الجانب الإنساني الذي أظهره النظام لهذا المشروع فإن المحللين يرون أن النظام في أسمرا لم يؤرقه الجانب الإنساني لهؤلاء اللاجئين، بل الهدف ينحصر في تأمين القوى البشرية لحروبه المتكررة، وتسخير ما يقدم باسمهم من الإغاثات إلى خزينته؛ حيث أبدى أفورقي امتعاضه من تقديم المساعدات للهاجرين عن طريق السودان، كما أنه يخشى من تأثر المهاجرين بالثقافة الإسلامية التي ظل يعمل طيلة السنوات العشر الماضية على طمسها في إرتريا. وبالرغم من عودة بعض المهاجرين بطرقهم الخاصة ووفق هذا المشروع، إلا أن غالبية المهاجرين وقفوا ضد هذا المشروع وأبدوا اعتراضهم على ذلك، ووجهوا كثيراً من الأسئلة التي أحرجت وفد الحكومة الإرترية ورئيسة مفوضية اللاجئين، وبخاصة عن ضمانات العودة التي لا تتفق واتفاقية جنيف؛ حيث لا يتوفر في إرتريا اليوم الأمن والسلام؛ حيث الاتفاق بين إرتريا وإثيوبيا لم يزل هشاً، وحملات التجنيد الإجباري تتواصل، والاغتيالات ما زالت تلاحق المواطنين حتى الذين هاجروا إلى داخل السودان كما حدث في معسكر الشجراب؛ لذلك كان الإقبال على مراكز التسجيل ضعيفاً؛ مما يوحي بعدم نجاح هذا المشروع كما خطط له. * الهجرة ما لها وما عليها: من العسير جداً أن تجد شراً محضاً أو خيراً محضاً، بل الغالب أن يغلب الخير أو الشر على الشيء؛ فيأخذ حكم الغالب عليه وصفته؛ لذلك فإنه من الصعب جداً وصف هجرة الإرتريين إلى السودان بالشر المحض رغم ما كابده الشعب الإرتري من العناء والضنك ما الله به عليم، كذلك لا يمكن القول بأنها كانت خيراً محضاً، إلا أنه يمكن الإشارة إلى أهم الآثار الإيجابية التي نتجت عن هجرة الإرتريين: ١ - الأثر الثقافي: لما كان اللاجئون خليطاً بين أهل المدن وأهل القرى والبادية؛ فإن الكثير منهم لم تكن الفرصة مواتية له لتلقي التعليم في قريته أو باديته، ولما هاجر إلى السودان سنحت له فرصة التعليم في المدارس والمعاهد العربية والإسلامية التي أنشأتها المنظمات الخيرية والحكومة السودانية وغيرها، مما ساعد المهاجر على تلقي علوم إسلامية شرعية، وتكوين ثقافة إسلامية مميزة أبعدتهم عن الأفكار المستوردة، وقادتهم إلى حمل همِّ الدعوة ومشاعل التغيير نحو الإسلام. ٢ - الأثر الاجتماعي: بالرغم من المعاناة التي يتحملها المهاجرون من الناحية الاجتماعية من فقد الرباط الاجتماعي، وتباعد الأسرة الواحدة، وتعرض بعضها لفقد العائل بسبب انتشار الأمراض والأوبئة، وفقد البعض الآخر لانتمائه نحو مجتمعه نظراً لطول زمن الهجرة وتأثره بالبيئة السودانية، وبخاصة ساكني المدن؛ فإن من الإيجابيات الاجتماعية لهجرة الإرتريين حدوث انفتاح اجتماعي بين القبائل والعشائر الإرترية، تمثل ذلك في إتاحة فرصة التزاوج والتصاهر والتعاون بينهم، والإحساس بوحدة الهدف والمصير. ٣ - الأمن والاقتصاد: يمكن القول بأن المهاجرين قد وجدوا في السودان ملاذاً آمناً من الحروب المتواصلة التي أنهكت قواهم وأقضت مضجعهم، وأمنوا على أعراضهم من انتهاك قوى الشر لها بدعوى الخدمة الوطنية الإلزامية التي أفسدت الكثير من بنات المسلمين. وبالرغم من فقد المهاجرين الكثير من ممتلكاتهم المالية والعينية نتيجة تركهم لها في إرتريا فراراً بأنفسهم، فإن الكثير منهم تعرف على مهن جديدة وطرق كسب الرزق التي تعينه على تجاوز صعوبات الحياة مما لم يكن له علم بها من قبل، وقد أتيحت للكثير منهم الفرص لتخطي حاجز الحدود والوصول إلى دول الخليج وأوروبا بغرض العمل؛ مما ساعدهم على تحسين وضعهم المعيشي ومعاونة أهليهم في الداخل والمهجر. وعلى كل فإن مأساة المهاجرين الإرتريين ما زالت مستمرة، وهي بحاجة إلى وقفة جادة وصبورة من قبل أهل الخير والإحسان من الشخصيات الإسلامية والمنظمات الخيرية المسلمة؛ لتعينهم على تجاوز محنتهم في توفير المواد الغذائية والعلوم الشرعية الضرورية التي تصلح لهم دينهم ودنياهم، وبخاصة أن أغلب المهاجرين الإرتريين الذين يعيشون في السودان هم من المسلمين.

стр. 4379

المسلمون والعالم حول الاستفتاء الشعبي للرئاسة باكستان.. ألم تصل سن البلوغ بعد ؟ ولي خان المظفر [*] من الطبيعي أنه لا يمكن أن توجد مماثلة تامة، وموافقة كاملة، ومطابقة كلية بين فكرين أو بين رأيين، فأنت تفكّر حول شيء لخلفيات، والآخر يفكر حول الشيء نفسه لأسباب أخرى؛ فكل تصور حينما يتصور أو يطرح للمناقشة تختلف فيه المخيلات والأذهان، ولو بقليل، وهذا هو السبب الحقيقي لاختلاف الآراء. فالمجتمعات الجمهورية والبيئات الديمقراطية يحق فيها لكل فرد أن يختلف عن الآخر، ويُظهر رأيه المناقض له، ولا يُعدُّ هذا عيباً أو جريمة أو جُناحاً، ولذلك ترى في الدول الجمهورية الكبرى اختلاف عامة الناس وبخاصة عن كبار مسؤولي الدولة في الحكومة، حتى الوزراء والرؤساء، ويستخدم المخالف سائر وسائل الإعلام والإبلاغ ما أمكن له منها. فانطلاقاً من هنا أود أن ألفت أنظار قرائنا الأعزاء في أنحاء العالم بإشارات إلى مسرحية الاستفتاء الشعبي (Referendum) للرئاسة في باكستان يوم ٣٠ إبريل الماضي. هذه المسرحية قُدمت للمرة الثالثة في باكستان على شاشة السياسة العسكرية: ١ - قدمها الجنرال أيوب خان سنة ١٩٦٠م، وادعى أنه قد أحرز النجاح بنسبة ٩٣% من بين جميع الأصوات الملقاة في صناديق التصويت. ٢ - ثم قام بتقديمها الجنرال ضياء الحق، ونادى أنه حصل على ٩٧% من النسبة المئوية عام ١٩٨٤م. ٣ - وأخيراً جاء دور الجنرال برويز مشرف الذي يزعم أنه تقدم على سابقيه في الفوز بالنسبة المئوية، وهي ٩٨% في استفتاء أبريل الماضي. مع أن كل واحد من هؤلاء الجنرالات أزاح حكومة وعزل حاكماً إصلاحاً للنظام السياسي حسب دعمهم فاستولوا على كراسي الحكومة لأوقات محددة إقامة للانتخابات الشعبية حسب قولهم لكن لما نالوا سمعة الرئاسة، وتملق المرتزقين السياسيين ومجاملة الإداريين الحكوميين عزموا على البقاء على كرسي السلطة والركوب على فرس الأمر والنهي، فاحتالوا في ذلك حِيَلاً، وسوغوا تسويغات، وزينوا أعمالهم الدراماتيكية كصنائع وطنية، متمسكين بأهداب الحكم والاقتدار كل تمسك، رافضين وراءهم الدستور الوطني، والقيم الخلقية، والأعراف الدولية، والمناهج السياسية، والمواثيق الشعبية، إلى أن افتضحوا وخجلوا، وصاروا عظة وعبرة لمن بعدهم، وما استقالة أيوب، ولا اغتيال ضياء الحق من العارفين ببعيد! المشكلة العظمى والمصيبة النكراء أنه لا يتعظ أحد من الحكام بمصير من سبقه في الحكومة ومن عقبه ممن تقدمه في السلطة؛ وإلا فميدان تاريخ السياسة لهذه الدولة مليء بالصرعى، والقتلى، والجرحى، والمنهزمين. فدونك على سبيل المثال الرئيس غلام محمد سنة ١٩٥١م الذي سيطر على الحكم بعد اغتيال لياقة علي خان، ورشح الخواجة ناظم الدين لرئاسة الوزراء، ثم أسقط حكومته سنة ١٩٥٣م سخطاً عليه، وانتخب محمد علي بوغره رئيساً للوزراء، فلما أراد هذا الأخير تقليل اختيارات الأول شعر به فألغى المجلس الوطني إنهاء لحكومة بوغره سنة ١٩٥٤م، فوصل إسكندر مرزا إلى دهليز القصر الرئاسي، فشرد الغلام وتسلط على كرسي رئاسة البلاد، فانتخب شوهدري محمد علي للوزارة العظمى، ثم أبعده بعد سنة وأجلس على ذلك الكرسي محمد حسين السهروردي، ثم بعد سنة زحزحه وجاء بآي تسندريغر وعزله بعد ٦٩ يوماً، واستبدله بفيروز خان نون، ولم يطمئن قلبه هنا فأشار على الجنرال أيوب خان أن ينفذ الحكم العسكري (Law Martial) في البلاد استحكاماً لغطرسته على الرئاسة عام ١٩٥٨م، ولكن سرعان ما ظهر أن الثاني كان جائعاً مثله، فدحر الأول عن قصر الرئاسة ذليلاً، وظهر على جبين باكستان كديكتاتور جديد، وفعل ما فعل سابقوه من الاستهزاء برأي الشعب، وتذليل كبار قادة السياسة، وتغيير بعض القوانين الإسلامية في الدستور الوطني، وإيقاع الدولة في الحروب مع جيرانها و ... و....، لكن متبنيه الجنرال يحيى خان الذي قام بفصل عضو من الدولة عنها (بنجلاديش) حال بينه وبين الرئاسة عام ١٩٦٩م، وأمره بإخلاء القصر الرئاسي، ثم هذا الأخير فوض النظام الإداري إلى ذو الفقار علي بوتو الذي وعده على إبقاء رئاسة الدولة له سنة ١٩٧١م، فلما استحكم إدارياً رمى بالجنرال من سرير الحكم، وأخذ مكانه، وتغطرس في أرض الله تعالى، حتى رغب في تغيير البلاد من جمهورية إسلامية إلى شيوعية اشتراكية، فجاء الجنرال ضياء الحق وأعدمه عام ١٩٧٧م، ونبذ محمد خان جونيحو عن الوزارة العظمى بعد انتخابه، وقام بالاستفتاء الشعبي لتمديد فترته الرئاسية، فعين غلام إسحاق خان رئيساً للبلاد من نافذة مجلس الشيوخ فحذا حذو السابقين حتى قدّم بي نظير كأول وزيرة عظمى في البلاد الإسلامية التي كانت تتصور أنها سوف تكون ملكة للدولة طول الحياة، فلما أسخطته فنفاها من إسلام أباد إلى كراتشي في لمحة واحدة، وجاء بعدها بنواز شريف متبني ضياء الحق سياسياً، ثم بفاروق اللغاري الذي ألغى المجلس الوطني لحكومة بي نظير التي نصبته رئيساً للبلاد، وجاء بنواز بصفقة سرية حول تمديد فترة الرئاسة له، فأخلفه الثاني الوعد بعد مجيئه إلى السلطة حتى أجبره على الاستقالة مستبدلاً به محمد رفيق تارر، فصعد على رأس نواز سدة الحكم في هذه الدولة المنكوبة، فبدأ بعزل رئيس القوات يوماً، وكبير القضاة يوماً آخر، ويغير وزيراً بوزير، وسفيراً بسفير، وجنرالاً بجنرال، وله أعمال من دون ذلك كان لها عاملاً حتى أراد أن يعزل رئيس القوات الجديد (برويز) الذي نصبه هو بنفسه، فلم يتمكن، ووصل الأمر إلى ما وصل، حتى ذاق مرارة السجن مدة طويلة وليس هو فقط، بل أفراد أسرته جميعاً، إلى أن رآه الشعب على شاشة التلفاز باكياً في السجن حيناً وناعباً في المحكمة حيناً آخر، وأخيراً غُرِّب من الوطن ونُفي من البلاد صفر اليدين، وسُلبت أمواله، وقبضت قصوره وعقاراته. والآن ترون في الملعب الجنرال برويز وحيداً فريداً، الذي خلع صانعه الأكبر نواز وأخذ زمام الدولة بيده، وسمّى نفسه باسم غريب في سياسة هذه البلاد رئيس السلطة التنفيذية (Executive Chief) ، ثم بعد عام أشار عليه أخدانه أنه لا تليق بكم إلا رئاسة الدولة، فأمر تارار أن يربط عفشه وينتقل إلى مولده دار لاهور، وعلى هذا المنوال لم يقتنع، حتى أعلن عن عقد استفتاء شعبي حول رئاسته لمدة خمس سنوات مقبلة، وأنفق عليه ٥٠٠ مليون روبية باكستانية لهذا الشعب الفقير، ونجح أم لم ينجح؟ والناس أسهموا في التصويت أم لم يشتركوا؟ وهل التزويرات ظهرت فيه كالسابق أم لا؟ وهل عدت وكالات الأنباء المحلية والخارجية طرق الانتخاب شفافة أم مزورة؟ وهل أكرهت الإدارات الحكومية حتى محاكم العدل في المجال أم لم؟ وما إلى ذلك من الجوانب الأخرى؟ هذه تساؤلات أجوبتها منشورة ولا تزال تنشر يومياً في الجرائد والصحف المحلية والعالمية، نحن لا نريد أن نُطيل الكلام بذكرها إلا أننا حينما نلقي نظرة عابرة على تاريخ الدولة فنرى مشاهد دراماتيكية، ومناظر مسرحية وصراعات بهلوانية، مرحلة إثر مرحلة، وما أحسن ما قاله المتنبي، وما أجمله انطباقاً على حكام دولتنا واحداً تلو الآخر: تملكها الآتي تملُّك سالبِ ... وفارقها الماضي فراق سليب فباكستان لم تصل سن الرشد سياسياً بعد، ولذا فإنها تفقد الاستقرار السياسي منذ تأسيسها إلى اليوم؛ فهي أشبه ما تكون بمدرسة تدريبية لمختلف الأنظمة السياسية، كالنظام الرئاسي، والوزاري، والجمهوري والعسكري والديكتاتوري، ولم يكمِّل فيها أحد مدته الدستورية من رئيس ولا وزير، بل ومن المؤسف أنه لم يخرج أحدٌ من قصرها الرئاسي ولا من دار وزارتها العظمى سالماً آمناً، معززاً مكرماً، لأجل استغلالهم الشخصي، واستهلاكهم الذاتي دائماً، ولذا هي اليوم مهددة من كل الجوانب داخلياً وخارجياً، رغم وجود شعب أبيٍّ غيور مجاهد. فالآمال التي عُلقت بها للمسلمين في أنحاء العالم لم تثمر ولم تنتج كل الثمار وكل الإنتاج؛ فنسأل الله العلي القدير العفو والغفران، وأن يرزقنا صلاحنا، قبل أن نكون مصداقاً للآية الكريمة: [وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً] (الإسراء: ١٦) [**] .

стр. 4380

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش qatamish@hotmail.com الدولة المارقة إن جورج بوش فعل شيئاً لإرساء أسس ومعايير للضربة الوقائية «ونحن مدينون له» بتلك القاعدة بقوله: «من أجل مستقبل الحضارة يجب ألا نسمح لأسوأ قادة العالم بتطوير ونشر أسلحة الدمار الشامل، لابتزاز بلدان العالم الحرة» . واستطرد بوش ليحدد هؤلاء الأعداء للبشرية، ويصفهم بالنظم المارقة التي تنوي تطوير أسلحة الدمار الشامل، والحكومات التي تسجن خصومها بدون محاكمات، والتي تعجز عن ادعاء الشرعية الديمقراطية في أوطانها. من الواضح أن بوش في سلسلة خطبه الأخيرة قد ذكر تلك النظم المارقة بالاسم، لكن الأكثر وضوحاً هو توصيفه وتحديده لسمات الدولة المارقة، وهو ما يعنينا. فالحكومة التي تنفق بسخاء على أشد أسلحة الدمار فتكاً وتدميراً، وتخطط الآن لزيادة ميزانيتها العسكرية بمعدل يفوق كل ميزانيات الدفاع في أوروبا، هذه الحكومة المارقة تقبع في واشنطن. فهي ليست معنية فقط ببناء ترسانات عسكرية لم يشهد لها العالم نظيراً، بل تنسحب وحدها من كل المعاهدات والاتفاقيات المخصصة للحد من انتشار التسلح النووي، وترفض فوق ذلك القبول بأي رقابة دولية لمنشآتها النووية الكيماوية. يجلس بوش على دست حكومة وسلطة بلا شرعية ديمقراطية ورغماً عن الأغلبية، وفي يديها تمسك بقيادة قطاع ضئيل من الشعب ساعية لممارسة توارث الحكم. وتمثل خطب بوش الأكثر عدوانية ضد أي من معارضيه وأعدائه الذين يضعهم خلف جدران السجون بدون محاكمات أو التمتع بحق الدفاع القديم قدم حضارة الإغريق. حقاً، هذه الدولة المارقة لها تاريخ طويل وباع أطول في التدخل في شؤون جيرانها، وغزو أراضيهم.. خذ على سبيل المثال بنما، هاييتي.. إلخ. لكن منذ حربها الطويلة والمخزية في فيتنام تقوقعت داخل حدودها. هذه الدولة المارقة، بنظامها الغريب البغيض، مستعدة لتسميم شعبها بالفساد الرأسمالي، وقتله بالاحتباس الحراري؛ فلقد أظهرت واشنطن تصميمها وعزمها على فرض هيمنتها وتنفيذ ما تراه، وأظهرت استعدادها لاستخدام أسلحة الدمار والقصف الجوي التي لا تعرف فرقاً بين العسكريين والمدنيين. هذه الدولة المارقة ليست صديقة للديمقراطية، أعلنت رفضها للتعامل مع زعيمين منتخبين في العالم الإسلامي محمد خاتمي في إيران، وياسر عرفات في فلسطين. والأخير يعتبر الوحيد في العالم العربي الذي انتخب بحضور مراقبين أوروبيين غربيين. هذه الدولة المارقة تسلح وتحمي إرهاب الدولة وعمليات الاغتيال الإسرائيلية، ونصبت أسوأ أمراء الحرب والعصابات في أفغانستان، ووفقاً لتقارير مخابراتها ساهمت في انقلاب فاشل أطاح لفترة وجيزة بهوجو شافيز من رئاسة فنزويلا. [الكاتب البريطاني أدريان هاملتون، صحيفة البيان الإماراتية، العدد (٨٠٨٩) ] الثمن علم في العاصمة التركية أن مجلس الشيوخ الأمريكي أقر تقديم مساعدة مالية إلى تركيا بقيمة ٢٢٨ مليون دولار؛ وذلك عن دورها في قيادة قوات حفظ السلام الدولية في أفغانستان (إيساف) وذلك في أعقاب مصادقة مجلس النواب عليه يتم بعده تسليم قيمة المساعدة إلى تركيا. وتتألف المساعدة المالية من قسمين الأول بقيمة ٢٨ مليون دولار خاصة بالمصاريف العسكرية لإيساف والبقية كدعم اقتصادي لتركيا. وتأتي هذه المساعدة ضمن مشروع عرضته إدارة بوش على الكونغرس الأمريكي في أعقاب أحداث ١١ أيلول (سبتمبر) لمكافحة الإرهاب قيمته ٩.٢٨ مليار دولار لمواجهة مصاريف العمليات العسكرية الخاصة بمكافحة الإرهاب ومساعدة الدول الداعمة لهذه العمليات وبينها، إضافة إلى تركيا، كل من إسرائيل وأفغانستان وباكستان وقرغيزيا وأوزبكستان وطاجكستان وأندونيسيا. وتشير بعض المصادر التركية إلى احتمال تقديم واشنطن مساعدات أخرى إلى تركيا قبيل الحملة المحتملة ضد العراق. [صحيفة الزمان، العدد (١٢٧١) ] يذبحون رجالهم اتهمت إحدى المنظمات العالمية لحقوق الإنسان السلطات العسكرية الروسية في جمهورية الشيشان بالقيام بحملة إعدامات في الجمهورية تهدف إلى الحد من أعداد السكان الذكور في الجمهورية التي تسعى للانفصال عن روسيا. وادعت المنظمة التي تطلق على نفسها اسم فيدرالية هلسنكي العالمية أن الرجال في الجمهورية يتم اختطافهم وقتلهم بشكل منظم خلال عمليات التفتيش التي تنفذها القوات الخاصة الروسية هناك. وجاءت الاتهامات في بيان للمنظمة من تصريحات صادرة عن السلطات المعينة من قبل روسيا في الشيشان، وتضمنت المطالبة بوقف ما وصفته بالأعمال الوحشية تجاه المدنيين وإلى إجراء تحقيقات في حالات عديدة من الاختفاء القسري التي لا يتم تفسيرها. القوات الخاصة الروسية تتمتع بقيود مخففة. ويقول كبير ممثلي المنظمة إن هناك ما بين خمسين وثمانين جثة يتم اكتشافها كل شهر عقب العمليات التي تقوم بها القوات الروسية الخاصة. وإن الغالبية العظمى منها لشباب وفتيان. وتضيف المنظمة أنه إذا ما أخذ في الاعتبار أن عدد سكان الشيشان أقل من نصف مليون مواطن فإن حجم عمليات القتل يعد غير مسبوق. ولم يصدر أي تعليق عن المسؤولين الروس إلا أن الإدارة الشيشانية التابعة لروسيا تقول إنه لا يوجد أي سبيل لمحاسبة المسؤولين عن تلك العمليات على الرغم من وجود قواعد تحتم على أفراد القوات الروسية الخاصة التعريف بهوياتهم بصورة واضحة لمرافقيهم من المسؤولين الشيشانيين المحليين. وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد عين مؤخراً مبعوثاً خاصاً لشؤون حقوق الإنسان في الشيشان فيما يعد اعترافاً ضمنياً منه بوجود انتهاكات لحقوق الإنسان في البلاد. وقد تعهد المبعوث وهو من أصل شيشاني بوقف علميات الاختطاف من خلال تعزيز السلطات الشيشانية المحلية. [موقع هيئة الإذاعة البريطانية - www.bbcarabic.com] استغنوا عن الذل! حذرت واشنطن الدول التي ستنضم إلى الاتفاقية الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية التى أنشئت في يوليو الماضي بأنها ستقطع عنها كل مساعدة عسكرية أميركية إذا لم تلتزم بعدم تسليم أي أميركي ليحاكم أمام هذه المحكمة وفق ما ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» . وأشارت الصحيفة إلى أن التحذير يأتي في إطار قانون مكافحة الإرهاب الجديد الذي وقعه الرئيس الأمريكي، وقد تم إبلاغه إلى السفراء المعنيين. وأوضحت الصحيفة أن جميع البلدان التي تقيم علاقات مع الولايات المتحدة تستفيد بشكل أو بآخر من مساعدة عسكرية من جانب واشنطن تكون أحياناً على شكل دورات تدريب للكوادر أو شراء تجهيزات. [صحيفة البيان الإماراتية، العدد (٨٠٨٩) ] قريباً إلى التفكك وجدت دراسة أجرتها جامعة هارفارد الأمريكية أن حالات الفصل العنصري بين الأطفال المنحدرين من أصول لاتينية وأفريقية ازدادت خلال عشر السنوات الماضية في الولايات المتحدة. وبينت الدراسة التي أطلق عليها «مشروع الحقوق المدنية» أنه بعد نحو ٥٠ عاماً تقريباً، أي منذ أن منعت المحكمة العليا الأمريكية الفصل العرقي في المدارس الأمريكية عاد مرة أخرى في معظم المدارس التي شملتها الدراسة. وتضع الدراسة باللائمة على عاملين ساهما في اتساع الهوة العرقية، هما الفقر والسياسة الحكومية. ووجدت الدراسة أن أسوأ حالات الفصل العنصري لا تزال شائعة في الولايات الجنوبية، حيث وقعت أعنف المعارك التي خاضها دعاة الحقوق المدنية خلال الخمسينيات والستينيات. ودرس المشروع ١٨٥ مدرسة من أكبر مدارس الولايات على مدى ١٤ عاماً. وتوصلت الدراسة إلى نتائج عامة، وهي: إن اختلاط الطلاب السود بالبيض لم يزد إلا في أربع مدارس من مجموع ١٨٥ مدرسة التي شملتها الدراسة، وأن اختلاط الطلاب المنحدرين من أصول لاتينية بالبيض ازداد في ثلاث مناطق فقط، كما أن الفصل العرقي بين الطلاب البيض والسود ازداد في ٥٣ منطقة. ويقول الباحثون إن نتائج التعداد العام للسكان لعام ٢٠٠٠م بين أن الولايات المتحدة أصبحت متعددة الأعراق أكثر من أي فترة مضت، لكن معظم الأقليات فيها تعيش في مناطق فقيرة مما يفاقم من حدة الفصل العرقي في المدارس. [موقع هيئة الإذاعة البريطانية - www.bbcarabic.com] حضارة كندية بعد أن استأنف وزير العدل الكندي مارتن كوشون قرار إحدى محاكم مقاطعة أونتاريو بتعريف الزواج على أنه اتحاد شرعي وطوعي بين (رجل وامرأة) حصراً بأنه يناقض الدستور الكندي، أعلنت الحكومة الكندية أنها ستشكل لجنة برلمانية لاستشارة الأهالي حول قضية الزواج بين مثليي الجنس. وقال رئيس الوزراء جان كريتيان إثر اجتماع مع أبرز وزرائه: (نريد أن نشكل لجنة لاستشارة الكنديين وخبراء حول القضية) ، واعتبر الوزير الكندي أنه من الضروري أن تؤدي الحكومة دوراً فاعلاً في القضية وألا تتركها للمحاكم وحدها. وحتى الآن، سمحت عشر مقاطعات كندية بينها كيبيك وأسكتلندا الجديدة السماح بالارتباط المدني بين أشخاص من الجنس نفسه ومنحهم الحقوق نفسها التي تعطي للأزواج من جنسين. [صحيفة الزمان، العدد (١٢٨٣) ] مدد الباب العالي!! قالت تركيا إنها توصلت إلى اتفاق تبيع بموجبه خمسين مليون متر مكعب من المياه سنوياً إلى إسرائيل لمدة عشرين عاماً. وتعد تركيا أقرب حلفاء إسرائيل في العالم الإسلامي، حيث وقَّعت الدولتان اتفاقات تعاون عسكرية عام ١٩٩٦م أجرتا بموجبها تدريبات عسكرية مشتركة، وتعاونتا في مشروعات دفاعية أثارت انتقادات شديدة من الدول العربية وإيران. وقالت وزارة الخارجية التركية في بيان: «اتفق الجانبان على أن تشتري إسرائيل خمسين مليون متر مكعب سنوياً لمدة عشرين عاماً» . وأضاف البيان أن وزير الطاقة زكي جاكان اجتمع مع رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون واتفقا على الصفقة أثناء زيارة رسمية قام بها لإسرائيل استغرقت يومين. وقال البيان إن الجانبين شكلا لجنة مشتركة لمناقشة نقل المياه من تركيا إلى إسرائيل، مضيفاً أن اللجنة ستعقد أول اجتماعاتها في العاصمة التركية أنقرة، لكنه لم يحدد موعد الاجتماع. وتسعى إسرائيل التي تعاني من أزمة مياه، لشراء مياه الشرب من تركيا لتخفيف النقص الحاد في إمدادات المياه الذي تعاني منه. ويمكن لتركيا تصدير ١٨٠ مليون متر مكعب من المياه سنوياً من نهر ماناوجات باستخدام سفن شحن عملاقة. [موقع يديعوت أحرونوت - www.Arabaynet.com] حرب عالمية رابعة!! قال جيمس وولزي المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية (سي. آي. إيه) إن الحرب العالمية الرابعة بدأت في الحادي عشر من سبتمبر الماضي، عندما نفذ الخاطفون الانتحاريون الهجمات على مركز التجارة العالمي في نيويورك، ومقر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بالقرب من العاصمة واشنطن. وأضاف في كلمة له أمام ندوة عقدت في واشنطن: «إننا نخوض حرباً عالمية، وإننا في حرب عالمية رابعة بدأت في الحادي عشر من سبتمبر» وبعد أن أشار إلى أن الحرب العالمية الثالثة، كانت الحرب الباردة التي ربحتها الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشيوعي، أكد وولزي أن الحرب الرابعة لم يسبق لها مثيل في التاريخ، ولكن الولايات المتحدة ستكون قادرة على مواجهة هذا التحدي، أي النصر في الحرب ضد الإرهاب في العالم. وقال: إن على الولايات المتحدة أن تبعث برسالة إلى العالم مفادها أن أمريكا ليست في حملة للدفاع عن النفس، وإنما هي في حملة مقدسة لحماية قيم ومثل الديمقراطية. وأشار وولزي إلى أن العراق هو الخصم الأساسي للولايات المتحدة في هذه الحرب الجديدة. وكرر دعوته الإدارة الأمريكية إلى استخدام القوة العسكرية ضد العراق. وقال: «إنه لا يمكن التعامل مع العراق إلا بالقوة العسكرية» . وشبه عراق اليوم بألمانيا هتلر في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، وقال: «إنه لا معنى للانتظار، وأن الحالة ستزداد سوءاً» إذا لم يتم تغيير النظام العراقي. وحث على استخدام القوة ضد الرئيس العراقي صدام حسين، ونظامه حتى إذا لم يتوفر دليل على تورطه في تفجيرات سبتمبر. وقال: «إن دعم (العراق) العام للإرهاب سبب كاف لاستخدام القوة ضده» ، مشيراً إلى ما تردد عن علاقة نظام بغداد ومسؤولين عراقيين بأعضاء في شبكة «القاعدة» ومنها ما قيل عن اجتماع تم بين محمد عطا أبرز الخاطفين وضابط استخبارات عراقي في براغ قبل وقوع التفجيرات. كما أشار إلى محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (الأب) أثناء زيارته للكويت. وقال: «إن الولايات المتحدة في حاجة إلى حشد ما بين ١٠٠ ألف إلى ٢٠٠ ألف جندي حتى تحقق النجاح في غزو العراق» . [صحيفة الشرق الأوسط، العدد (٨٦٤١) ] من لأسرى المسلمين؟! أكد حقوقيون ومنظمات لحقوق الإنسان في إسرائيل أن الظروف التي يعيشها آلاف السجناء الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية مضنية وقاسية وغير إنسانية. وتحدث نوعام ليبل الناطق باسم المنظمة الإسرائيلية لحقوق الإنسان عن «الظروف السيئة التي يعيشها السجناء الفلسطينيون، مشيراً إلى معسكر عوفر في قضاء رام الله الذي يضم» جرحى كثيرين ومرضى يشكون باستمرار «. وقال:» استأنفنا لدى محكمة العدل العليا لإدخال أطبائنا للاطلاع على الوضع لكن طلبنا جوبه بالرفض، ولا ندري بالضبط ماذا يجري هناك «. وكانت إسرائيل حوَّلت ثلاثة معسكرات للجيش إلى مراكز اعتقال للفلسطينيين في ١٩٨٨م خلال الانتفاضة الأولى، هي مجيدو في شمال إسرائيل وعوفر الذي أغلق وأعيد فتحه بعد الاجتياح الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية في ٢٩ مارس الماضي وكتسيعوت (أنصار ٣) في صحراء النقب الذي أعيد فتحه حديثاً. وأوضح ليبل أن سجن كتسيعوت» سيئ للغاية «موضحاً أنه» حار جداً جداً في النهار، وبارد جداً في الليل، وتنتشر فيه الزواحف السامة وحشرات الصحراء «. وأشار إلى أن الخيمة الواحدة» تكتظ بنحو عشرين معتقلاً أو أكثر، والفرشات توضع على لوح من الخشب على الأرض ولا مجال للحركة أو الاستراحة أو وضع الحاجيات «. وأكد أن» المعتقلين ما زالوا يرتدون الملابس نفسها منذ يوم اعتقالهم؛ لأن الجيش الإسرائيلي لا يسمح بإدخال الملابس «، بينما لا يحصل السجناء على » مواد لتنظيف أنفسهم «. وأشار إلى وجود» حمام واحد على شكل صندوق يتسع لشخص واحد يستخدمه المعتقلون كمرحاض وحمام لعشرين شخصاً «. كما تحدث عن» نوعية الطعام السيئة وكميته القليلة «، موضحاً أن» وجبة إفطار لخمسة أشخاص تتكون من حبة بندورة وخيارتين وحبة فلفل أصفر «. وعبر عن قلقه لوجود عدد كبير من الجرحى والمرضى في كتسيعوت» لا يحصلون على العناية الطبية اللازمة «. أما زيارات الأهل فلا وجود لها؛ بينما هناك» أشخاص في عوفر وكتسيعوت لم يستطع محاموهم زيارتهم حتى الآن «، على حد تعبير ليبل. ووصف المحامي محمد برغال الظروف في كتسيعوت بأنها» رهيبة «، مشيراً خصوصاً إلى» مشكلة في مولد الكهرباء الذي يعمل بشكل سيئ والإضاءة الخافتة جداً والتهوية السيئة «. وقال برغال لوكالة فرانس برس إن الذين يحتاجون إلى علاج من السجناء لا يحصلون على شيء سوى حبة دواء مفعولها أقل من حبوب الفاليوم تعطى كعلاج سحري لكل الأمراض. وأشار إلى» انتشار الأمراض الجلدية بين السجناء الذين ينامون على فرشات لا تتجاوز سماكتها خمسة سنتيمترات، بسبب الأغطية القديمة المصنوعة في ١٩٨٢م واستخدمها الجيش الإسرائيلي في الماضي ولم يتم غسلها على ما يبدو «. [صحيفة البيان الإماراتية، العدد (٨٠٩٦) ] أليسوا أبناءكم؟! قال رئيس نادي الأسير الفلسطيني إن أبرز ما يظهر خلال حملات الاعتقال في الانتفاضة الحالية اعتقال الأطفال من سن ١٤ إلى ١٨ عاماً؛ حيث تهدف إسرائيل من وراء ذلك إلى ضرب جيل كامل، وهذا مخطط لتدمير الحياة الاجتماعية والتعليمية للفتيان. ويحرم هذا الاعتقال الأطفال من مواصلة مسيرتهم التعليمية. وفيما يتعلق بما يتعرض له الأطفال من التعذيب على أيدي المحققين ذكر أن الأطفال يتعرضون لشتى أنواع التعذيب مثل الشبح طوال الليل وهم مقيدو الأيدي ومعصوبو الأعين، والعزل في زنازين انفرادية والكي بالسجائر ورشهم بالماء البارد والساخن مما أدى إلى نقل عدد منهم إلى المستشفيات. وأضاف قائلاً إن المشكلة التي تواجه الأطفال بعد انتهاء التحقيق هي احتجازهم في مراكز مع السجناء الجنائيين من أصحاب قضايا المخدرات والقتل والاغتصاب وهو ما حول حياتهم إلى رعب، وسبب لهم آثاراً نفسية كبيرة؛ حيث تعرض الأطفال إلى الضرب بالسكاكين على أيدي السجناء اليهود وسرقة ممتلكاتهم الشخصية. وبيّن أن إدارات السجون رفضت الطلبات التي تقدمت بها مؤسسات حقوقية لوضع الأطفال في مراكز توقيف خاصة بهم بعيداً عن الجنائيين. وقال إن ما يضاعف من معاناتهم هو حرمان عائلاتهم من الزيارة منذ ما يزيد على العامين بسبب القيود التي فرضت عليهم والمتمثلة برفض سلطات الاحتلال إعطاءهم أذونات دخول إلى إسرائيل. [صحيفة الرياض، العدد، (١٤٢٦٢) ]

стр. 4381

الباب المفتوح الشاطبي ونهوضه بالاجتهاد الزبير مهداد لعل من أسباب تردي العقل المسلم القول بسد باب الاجتهاد الذي أعلنه بعض المقلدين، وكان من نتائج ذلك تخلف المسلمين وعدم قدرتهم على تصحيح أخطائهم في عباداتهم ومعاملاتهم، وتسرب الخرافات والبدع والفهوم الخاطئة عن العقيدة؛ لأن سد باب الاجتهاد معناه إلغاء العقل المسلم وتجميده ومنعه من مسايرة الحياة ومستجداتها والتصدي لمشاكلها ونوازلها. فالاجتهاد بوصفه مصدراً تشريعياً أغنى وأعطى الكثير وأجدى على المسلمين أيام نهضتهم، وضمن للشريعة صلاحيتها لكل زمان ومكان. فالإسلام رفع الحَجْر والوصاية عن العقل وأطلقه من قيوده، وحرضه على التفكير والتأمل. لذلك حرص الشاطبي على تجديد العقل المسلم حتى يصبح قادراً على تحمل مسؤوليته في التفكير، وعلى ممارسة حقه في الاجتهاد، ويحتل مكانته التي بوأه إياها الإسلام، ويعود بالفقه إلى عصره الذهبي، ويسترجع المكاسب العظيمة التي حققها في العصور السابقة. يرى الشاطبي أن الاجتهاد ضرورة من ضرورات الحياة؛ لأنه مرهون بالتكليف؛ فلا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع التكليف، وذلك عند قيام الساعة، وهو فرض لازم للأمة الإسلامية، ويقوم به الفرد المؤهل الذي تتوفر فيه شروطه واستكمل أدواته وتهيأت له أسبابه؛ فهو لا يتبع أهواء الأفراد؛ فالحكم الشرعي لا يقوم على ما يستحبه المجتهدون دون دليل، أو يوافق أهواء الحكام أو المستفتين ويستجيب لحاجاتهم؛ وإنما ينبني على المصلحة التي شهد لها الشرع بالاعتبار، والتي تحافظ على مقصود الشارع [١] . فمن الشروط التي ينبغي أن تتوفر في المجتهد بعد البلوغ والعقل والعدالة: ١- فهم مقاصد الشريعة وكمالها. ٢ - التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها. درجات الترقي في العلم: لبلوغ الشرطين سالفي الذكر يمر الفقيه بمراحل ثلاث يترقى عبر درجاتها حتى يصل إلى رتبة الرسوخ التي تؤهله للاجتهاد والإفتاء والتربية؛ هذه الدرجات يعرضها الشاطبي متسلسلة على الشكل الآتي: مرتبة التقليد، مرتبة الاستدلال، مرتبة التحقيق. ١ - مرتبة التقليد: ويصنف فيها طالب العلم الذي لم يحصل بعدُ على كماله، وهذه الرتبة تقوم على التصديق لا البرهان، وفي هذه المرحلة ينتبه عقل المتعلم إلى النظر فيما حفظ والبحث عن أسبابه، وينشأ هذا عن شعور بسرِّه وحكمته بمعنى ما حصل، لكنه مجمل بعدُ، وربما ظهر له مفصلاً في بعض أطراف المسائل جزئياً لا كلياً، وربما لم يظهر بعدُ، فهو ينهي البحث حتى نهايته، ومعلمه عند ذلك يعينه بما يليق به في تلك الرتبة، ويرفع عنه أوهاماً وأشكالاً تعرض له في طريقه؛ بحيث يهديه إلى مواقع إزالتها في الجريان على مجراه، مثبتاً قدمه ورافعاً وحشته، حتى يتسنى له النظر والبحث عن الصراط المستقيم. فهذا الطالب حين بقائه هنا ينازع الموارد الشرعية وتنازعه، ويعارضها وتعارضه، طمعاً في إدراك أصولها والاتصال بحكمها ومقاصدها، ولم تتخلص له بعد [٢] . يحث فيها الطالب على العلم بالترغيب، وإن اقتضى الحال بالترهيب والزجر والعقاب، وجميع أهل العلم يمرون بهذه المرحلة قبل الانتقال إلى المرحلتين التاليتين [٣] . صاحب هذه الرتبة مقلد لا يصح منه الاجتهاد فيما هو ناظر فيه؛ لأنه لم يتخلص له مسند الاجتهاد، ولا هو منه على بينة بحيث ينشرح صدره فيما يجتهد فيه؛ فاللازم له الكف عن الاجتهاد والاكتفاء بالتقليد [٤] . ٢ - مرتبة الاستدلال: أو رتبة الخروج عن التقليد بالوقوف على البراهين التي يشهد لها النقل ويصدقها العقل، وصاحب هذه المرتبة يتقبل ما قام عليه البرهان، ويكتسب وصف العلم دون أن يكون عالماً؛ لأن مواقفه تبتعد أحياناً عن واقع علمه. لا يتوفر فيه شرط فقه النفس؛ أي لم يصر الفقه سجية ملازمة له بعد؛ فهو في مسيرته العلمية انتهى إلى تحقيق معنى ما حصل على حسب ما أداه إليه البرهان الشرعي؛ بحيث حصل له البرهان ولم يعارضه شك. بل قد تصير الشكوك إذا وردت عليه كالبراهين على صحة ما في يده. وصاحب هذه المرتبة لا يصح منه الاجتهاد وهو كذلك؛ لأنه غير متمكن فيها غير حاكم لها، فهو محكوم عليه فيها، وكل رتبة حكمت على صاحبها دلت على عدم رسوخه فيها [٥] . هؤلاء لا يكفي معهم الاعتماد على الجزاء والعقاب فحسب، إنما لا بد من تحفيزهم بالعادات الحسنة والمراتب اللائقة حسب ما ينسجم مع طبيعة مرتبتهم [٦] . ٣ - مرتبة التحقيق والرسوخ: ويرتب فيها الذي صار له العلم وصفاً من الأوصاف الثابتة الأمور البديهية. هذا هو العالم المجتهد الراسخ في العلم؛ لا يروي الفقه، لكن يعطي الفتيا لاكتسابه ملكة الإبداع والاجتهاد من خلال تعامله مع قضايا الشرع حفظاً واستقراء واستنتاجاً، يمكنه من إدراك المقصود الشرعي الذي تنزل عليه الفتوى حسب مقتضيات الأحوال والأوقات [٧] . تفكيره مبدع؛ فهو لا يقف عند الحفظ والتكرار، وإنما يستند إلى الاستدلال والاستنتاج، كما هو الشأن في الفكر الرياضي [٨] . لا خلاف في صحة الاجتهاد ممن بلغ هذه الطبقة (يستحق الانتصاب للاجتهاد والتعرض للاستنباط) ؛ لأنه متمكن فيها حاكم لها غير مقهور فيها؛ فهي تحت نظره وقهره، وهو صاحب التمكين والرسوخ؛ فبعدما تدرج في الرتبتين وتحقق بالمعاني الشرعية المنزلة على الخصوصيات الفرعية؛ بحيث لا يصده التبحر في الاستبصار بطرف عن التبحر بطرف آخر؛ فهو لا يجري على عموم واحد منهما دون أن يعرضه على الآخر، وفي خاصته أمران: أحدهما: أنه يجيب السائل بما يليق به في حالته على الخصوص، إن كان له في المسألة حكم خاص. والثاني: أنه ناظر في المآلات قبل الجواب عن السؤالات. يسمى صاحب هذه المرتبة الرباني والحكيم والراسخ في العلم والعالم والفقيه والعاقل؛ لأنه يربي بصغار العلم قبل كباره، ويوفي كل أحد حقه حسبما يليق به، وقد تحقق العلم وصار كالمجبول عليه، وفهم عن الله مراده [٩] . ودرجة الاجتهاد هذه تحصلت له؛ لأنه اتصف بوصفين: أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها. فإذا بلغ الإنسان مبلغاً فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها؛ فقد وصل له وصف هو السبب في تنزله منزلة الخليفة للنبي ﷺ في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله. أما الثاني فهو كالخادم للأول؛ فإن التمكن من ذلك إنما هو بواسطة معارف محتاج إليها في فهم الشريعة أولاً؛ ومن هنا كان خادماً للأول لأنه المقصود، والثاني وسيلة. لكن هذه المعارف تارة يكون الإنسان عالماً بها مجتهداً فيها. وتارة يكون حافظاً لها متمكناً من الاطلاع على مقاصدها غير بالغ رتبة الاجتهاد فيها. وتارة أخرى يكون غير حافظ إلا أنه عالم بغايتها، وإن كان له افتقار إليها في مسألته التي يجتهد فيها [١٠] . لم يفرق الشاطبي بين العالم والمربي، بل جعلهما لمسمى واحد، لكن ليس أي عالم؛ فقد جعل الشاطبي لقب المربي مرادفاً للعالم الرباني وهو الفقيه الراسخ في العلم الذي تفرغ للعلم، فأعطاه عمره كله حتى رسخ في صلبه، وهذا هو الذي يحمل لقب الرباني؛ لأنه يربي بصغار العلم قبل كباره، ويوفي كل واحد حقه حسبما يليق به، وقد تحقق بالعلم وصار له كالوصف المجبول عليه وفهم عن الله مراده [١١] . وهكذا جعل الشاطبي العالم الراسخ في العلم مربياً حكيماً بسبب وصف العلم الشرعي الذي تحقق له [١٢] .

стр. 4382

في دائرة الضوء أمريكا تطويها السنن دروس عجاب من آيات الكتاب.. أضواء على الأسباب في إنزال العقاب د. سامي محمد صالح الدالال إن المتأمل في حال الولايات المتحدة يكاد لا يشك أنها قد تتعرض إلى عقاب إلهي مدمر، شديد الوطأة، عظيم التأثير، واسع الانتشار، يتناول الناس والحيوان والجمادات، ربما تنهار بسببه الأبنية والمنشآت، أو تتشرذم وحدتها إلى كيانات، والله تعالى أعلم بما هو آت!! . ما ذكرته أعلاه لا يدخل في باب الكهانة ولا التنبؤات، بل هو ما تقتضيه السنن الربانية وما نزل في ذلك من الآيات، في إيقاع العقوبة الإلهية بمن تحققت فيه الصفات: من تكبر وتجبر وافتئات. ولعلنا نبين حال هذه الدولة الآن قبل أن ينزل عليها وابل العذاب من الرب الشديد العقاب. * أسباب التدمير الإلهي: نعدد فيما يلي الأسباب التي لأجلها تستحق الولايات المتحدة التدمير الإلهي. ١ - الكفر والصد عن سبيل الله بعد إقامة الحجة: إن الولايات المتحدة هي دولة أهل كتاب؛ فالمسلمون فيها لا يتجاوزون ٥% وهم (أي الأمريكيون) مأمورون كغيرهم من عموم أهل الكتاب بتوحيد الله تعالى، وتنزيهه عن الولد، وبالإيمان بالنبي ﷺ ، لكنهم ركبوا رؤوسهم ولم يستجيبوا لدعوة ربهم. قال تعالى: [قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ] (آل عمران: ٦٤) . وقد تولوا؛ وليس لهم في توليهم حجة، بل قد قامت عليهم البينة، كما قال تعالى: [لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ] (البينة: ١-٣) وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار» [١] . وقد تبين لكل أحد، وخاصة بعد أحداث ١١ سبتمبر ١٠٠٢م، أن دعوة الإسلام قد دخلت بيت كل أمريكي ابتداءً من رئيسها وإدارته إلى الأفراد العاديين من الشعب الأمريكي؛ فالحجة عليهم قائمة. ولم تكتف الولايات المتحدة بالكفر بالإسلام بل وضعت كل إمكاناتها للصد عن سبيل الله بكل وجه استطاعته. فلهذا اندرجت في سنة الله في إهلاك الكافرين والذين هم عن سبيل الله من الصادين. قال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ] (آل عمران: ٤) . وقال تعالى: [فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ] (آل عمران: ٥٦) . وقال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] (الأنفال: ٣٦) . وقال تعالى: [فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ] (الحج: ٤٤) . وقال تعالى: [الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ] (محمد: ١) . فكل من يكفر ويصد عن سبيل الله مستحق للعقاب الشديد من الله تعالى، ولن تغني عنه قوته وسطوته شيئاً إذا جاء أمر الله تعالى. قال الله : [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] (آل عمران: ١١٦) . ٢ - التأله: لقد ادعت أمريكا لنفسها من القدرات ما لا يليق إطلاقه إلا على الله تعالى؛ فهي تمارس علاقاتها مع كافة دول العالم على طريقة فرعون عندما قال: [يَا أَيُّهَا المَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي] (القصص: ٣٨) . وعندما قال: [أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى] (النازعات: ٢٤) . وعندما قال: [مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ] (غافر: ٢٩) . فلما وقع للولايات المتحدة مثل هذا الادعاء، ليس بلسان المقال، بل بلسان الحال، كان لا بد أن تتعرض لعقاب الملك الديان؛ ذلك أن خطابها مع كافة حكومات وشعوب المعمورة كان منطلقاً من جوف هذا الشعور المملوء بالغطرسة والتجبر، وكأنها تقول إنها تعز من تشاء وتذل من تشاء، كما وقع ذلك حين خاطب الرئيس الأمريكي بوش رئيس باكستان مشرف بقوله: أمامك خياران: إما أن تدخل في حلف الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب، وإما أن نعيد باكستان إلى العصر الحجري!! وحالها أيضاً كحال النمرود عندما قال لإبراهيم ﵊: [أَنَا أُحْيِي وَأُمِيت] (البقرة: ٢٥٨) كيف؟ قال: آتي بإنسان حي فأقتله، وآتي بإنسان محكوم عليه بالقتل فأعفو عنه. وهكذا تفعل الولايات المتحدة؛ فمن تريد قتله سلطت عليه آلتها الحربية الجبارة من أمثال الطائرات B ٥٢ أو صواريخ توماهوك (كروز) فأبادته وأحالت أرضه يباباً، ومن أرادت إبقاءه حياً عفت عنه. هكذا هو منطوقها ومفهومها. أي كما يفعل الإله. فسبحان الله تعالى عما يدعيه المتألهون. فبسبب ممارستها ما لا يحق لأحد أن يقوم به إلا الإله الحق استحقت أن يحيق بها العذاب الإلهي، كما حاق بفرعون عندما ادعى الألوهية. قال تعالى: [فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ] (الذاريات: ٤٠) . وقال تعالى: [وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ] (الأعراف: ١٣٧) . ٣ - الذنوب: صحيح أن الذنوب قد تقع من أي إنسان أو أمة، إلا أن الولايات المتحدة هي أبرز من يقود العالم نحو الموبقات، ومن أهمها الاقتصاد العالمي القائم على البنوك الربوية والبورصات المالية، ثم ما تنفذه من مخططات لتغيير السلوك السوي لدى بني الإنسان من خلال إنتاجها للأفلام الإباحية وأفلام الجريمة، المفعمة جميعها بكل ألوان الانحرافات التي تخطر على بال الإنسان أو لا تخطر. وقد تولت هوليود كبر هذه الطامات العامة الشاملة. هذا إضافة لفرض آرائها الضالة وأفكارها الشاذة في السياسة والاقتصاد والثقافة وغيرها على معظم دول العالم مع تدخلها في الشؤون الداخلية لتلك الدول ومحاولة تغيير هويتها وخصوصياتها تحت مسمى «العولمة» . هذا فضلاً عن تهديداتها باستعمال القوة ضد أي دولة تتمرد على السير وفق المخطط الذي تضعه لها ملوِّحةً للجميع بتواجد قواتها في كافة القارات وجميع المحيطات وفي الفضاء وآفاق السموات، وأنها لن تتورع عن استخدامها ضد كل من يقف حائلاً دون تحقيق مصالحها الأنانية الخاصة بها دون غيرها. ولم تكتف الولايات المتحدة بذلك، بل أخضعت جميع الأنظمة الحاكمة في العالم لتتبنى الديمقراطية كأسلوب لممارسة الحكم، وأن الدول التي لا تفعل ذلك تعتبر دولاً مارقة. فلهذه الذنوب العظيمة، وغيرها كثير جداً، مما لا يتسع المقام لذكره وتعداده فإن هذه الدولة المتجبرة المتكبرة قد وضعت نفسها في موضع من يستحق أن ينزل عليه الغضب الإلهي والعقاب الرباني، حيث إن سنة الله تعالى قد جرت على هذا النحو في كل من يقترف أمثال هذه الموبقات في الأمم السالفات. قال تعالى: [فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] (العنكبوت: ٤٠) . وقال تعالى: [كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ العِقَابِ] (آل عمران: ١١) . وقال تعالى: [أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ] (الأنعام: ٦) . وقال تعالى: [أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ] (غافر: ٢١) . وقال تعالى: [فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا] (الشمس: ١٤-١٥) . فهذه الآيات تبين سنة الله في أخذه الأمم والدول بذنوبهم التي يقترفونها، محادين في ذلك لما جاءهم من الله تعالى على ألسنة أنبيائه ورسله. وإن الولايات المتحدة ليس لها عهد عند الله تعالى خاص بها لتستثنى من هذه السنن المضطردة؛ فلذلك يصيبها ما يصيبها بما اقترفت أيديها من الذنوب المهلكات. ٤ - الظلم: لا يختلف اثنان على الحجم الهائل للظلم الذي أوقعته أمريكا على الدول والشعوب والأفراد؛ فهي إضافة للظلم الذي تمارسه من خلال تدخلاتها وضغوطها السياسية، فإنها تضيف إلى ذلك استعمال قواها العسكرية. إن ذكر مسلسل الظلم الأمريكي للبشرية يمتد عبر قرون وذلك منذ إنشائها. فقد مارس المهاجرون الأوائل إليها جميع ألوان التنكيل والقتل والتشريد بالسكان الأصليين لتلك البلاد ممن أطلق عليهم الهنود الحمر. وأما في العصر الحديث فإن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم التي استخدمت السلاح الذري الرهيب مرتين ضد دولة واحدة هي اليابان في كل من هيروشيما ونغزاكي؛ حيث أبادت الملايين من البشر. ثم بعد الحرب العالمية الثانية استمرت في ممارسة هذا المسلسل الإجرامي الدامي إما بشكل مباشر كما فعلت في فيتنام والعراق ولبنان وكوسوفا والصومال وإيران، وكما لا تزال تفعله الآن في أفغانستان وفي دعمها لإسرائيل عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، أو بشكل غير مباشر كما تفعله في دعمها للعدوان الروسي الغاشم على بلاد الشيشان، وكما تفعله في استخدامها للأمم المتحدة لتمرير مخططاتها الإجرامية بحق الدول والشعوب، كالذي حصل لتيمور الشرقية. ولأنها استمرأت الظلم فأصبح جزءاً لا يتجزأ من ممارساتها المتعجرفة فإنها شرعت باستخدام قوتها ونفوذها للتأثير في أسعار البترول وفي تجميد أو مصادرة أموال دول وشركات ومؤسسات وأفراد، وفي اصطناع حروب بين الدول لإنعاش حركة الصناعة الحربية في معاملها. ولم تكتف أمريكا بذلك بل مدت ظلمها إلى الأفراد الإسلاميين والجماعات الإسلامية متذرعة بحجج لا أدلة لها فيها، كما فعلت بالشيخ عمر عبد الرحمن الذي أودعته سجونها دون توفير أدنى متطلبات الحقوق الإنسانية له رغم كبر سنه ومعاناته لعدد من الأمراض. وكما فعلت في تأليبها للأنظمة الحاكمة في كثير من بلاد العالم على الجماعات الإسلامية لتقزيم أنشطتها أو إيقافها بالكلية مع اصطناع وتلفيق التهم لها بالتآمر ليودع أفرادها السجون، ولتمارس ضدهم مختلف وسائل التعذيب. وبعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١م التي عجزت الحكومة الأمريكية عن تقديم أدلة مقنعة أنها من صنع القاعدة، أعلنت الولايات المتحدة مشروعها الظلامي والذي اسمته الحرب على الإرهاب، ولا تقصد من ذلك في الحقيقة سوى ضرب حركات الجهاد الإسلامي أو من يدعمها، فشنت هذه الحرب الضروس الظالمة على طالبان وشعب الأفغان؛ وذلك في إطار مسلسل يتناول الشيشان وكشمير والفلبين وفلسطين وغيرها من الدول والجماعات والتنظيمات. ولقد جمعت أمريكا تحت عباءتها معظم دول العالم ليصبح الظلم ظاهرة عالمية مدعومة بما سموه بالشرعية الدولية، تمارسه هذه الدولة العاتية ومعها حلفاؤها من أعضاء الاتحاد الأوروبي وروسيا واليابان ودول أخرى ضد الشعوب الإسلامية المستضعفة، بغية القضاء على دينها وامتصاص ثرواتها والهيمنة على ممتلكاتها واستثماراتها والسيطرة على أراضيها. إنه ظلم عالمي قادته الولايات المتحدة الأمريكية لم يشهد له العالم مثيلاً على مر قرونه وتعاقب دهوره، فاستحقت لأجل ذلك كله، مما ذكرته ومما لم أذكره (وهو كثير جداً جداً) ، أن ينزل عليها غضب الملك الحق الواحد القهار. وما كان لأمريكا أن تنجو من هذه العقوبة؛ وذلك بسبب ظلمها الفادح وجورها الصارخ، ولأن عقوبة الله تعالى للظالمين، سواء كانوا أفراداً أو شعوباً أو دولاً أو أمماً، هي سنة جارية مضطردة مستمرة، لا تزول ولا تحول. ولأن هذه التصرفات الظالمة لم تقتصر على الحكومة الأمريكية فحسب، بل تجاوزت ذلك إلى الشعب الأمريكي نفسه، حيث دلت الاستفتاءات التي أجريت في شهر رمضان ١٤٢٢هـ أن ٨٥% من الشعب الأمريكي يؤيدون حكومتهم في حربها الظالمة الغاشمة المدمرة على شعب أفغانستان المستضعف. فلذلك فإن عقاب الله تعالى لا يقتصر على الحكومة الأمريكية فحسب بل يمتد في قوته وعنفه ليشمل هذا الشعب الظالم المتكبر. قال تعالى: [وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ] (هود: ١١٧) . وقال تعالى: [وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ] (القصص: ٥٩) . وقال تعالى: [إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ] (العنكبوت: ٣١) . وقال تعالى: [فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ] (إبراهيم: ١٣) . وقال تعالى: [وَتِلْكَ القُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً] (الكهف: ٥٩) . فأحد أسباب هلاك الأمم والدول أن أهلها ظالمون. وإذا وقع عذاب الله عليهم فإنه لا يتناول الشعب فقط، أي بني الإنسان، في تلك المدن أو الدول، بل هو شامل لكل ما فيها من حضارة وعمارة؛ فالإهلاك يقع عليهم جميعاً كما قال تعالى: [فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ] (الحج: ٤٥) . قال الضحاك: أي قد خربت منازلها وتعطلت حواضرها [٢] . وقال تعالى: [فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ] (هود: ٨٢) . أي يعذبها الله تعالى عذاباً قاصماً، كما قال عز وجل: [وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ] (الأنبياء: ١١) . فيصبحون عبرة للمعتبرين. قال تعالى: [فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ] (يونس: ٣٩) . إن عقوبة الأمم الظالمة تكون إما برجز ينزل عليهم من السماء، كنيازك أو صاعقة، كما قال تعالى: [فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء] (البقرة: ٥٩) . وكما قال: [فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِم] (النساء: ١٥٣) . أو بإغراقهم بالطوفان، كما قال تعالى: [فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ] (العنكبوت: ١٤) . وكما قال: [وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ] (المؤمنون: ٢٧) ، أو بإرسال الصيحة عليهم، كما قال تعالى: [وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ] (هود: ٦٧) . أو بالريح كما قال تعالى: [كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] (آل عمران: ١١٧) . أو أي عقوبة أخرى، كما قال تعالى: [وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ] (الشعراء: ٢٢٧) . وكما قال تعالى: [وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ] (النمل: ٥٠-٥٢) ، أو كما قال تعالى: [وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ] (الأعراف: ١٦٥) . ٥ - البطر: وهو كفر النعمة. وكفرها يكون إما بجحد المنعم بها وإما بعدم شكره أو باستخدامها في غير ما خلقت لأجله - كصناعة الخمر من العنب، وكالمتاجرة بالجنس، وكتصنيع السلاح لإخضاع الأمم ظلماً وعدواناً، وكتوجيه الأبحاث العلمية فيما فيه ضرر على الإنسانية كالاستنساخ البشري، وما أشبه ذلك. إن المتفحص لأسلوب ومنهج حياة الأمريكيين يرى أن جميع هذه الطامات الكفرية موجودة فيهم، كل بحسبه، لكنهم جميعاً مشتركون في انتهاج البطر أسلوباً لحياتهم، ومعلوم أن البطر سبب من أسباب هلاك الأمم. قال تعالى: [وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الوَارِثِينَ] (القصص: ٥٨) . قال ابن كثير: بطرت معيشتها، أي طغت وأشرت وكفرت نعمة الله فيما أنعم به عليهم من الأرزاق، كما قال تعالى: [وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ] (النحل: ١١٢-١١٣) ، وقوله [وَكُنَّا نَحْنُ الوَارِثِينَ] أي رجعت خراباً ليس فيها أحد [٣] . ومن أنواع البطر التباهي بالقوة والجبروت واستخدام ذلك للتعدي على الإسلام وعلى الداعين إلى الله وللصد عن سبيل الله. وهو ما تفعله أمريكا، وتشجع وتؤيد حلفاءها على فعله واقترافه. قال تعالى: [وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ] (الأنفال: ٤٧) ، فهذه أمريكا قد جالت في البحار والأجواء والبراري بحاملات طائراتها ومدمراتها وبطائراتها وصورايخها، وبدباباتها ومدرعاتها متباهية بذلك أمام شعوب العالم ومرهبة لهم ليسمعوا لها ويطيعوا. وحالهم كحال قريش عندما خرجوا لملاقاة النبي ﷺ في بدر؛ إذ قال أبو جهل: لا والله! لا نرجع حتى نرد ماء بدر وننحر الجزر ونشرب الخمر وتعزف علينا القيان، فكان عاقبة ذلك أن هزمهم الله تعالى شر هزيمة، وأنزل بهم أمحق عقاب فتشرذموا بين قتيل وأسير وفار مذعور، فانكسرت شوكتهم وحزنت نفوسهم. ولذلك نقول إن هذا الصولجان الحربي الذي رفعته الولايات المتحدة في وجه أمم الأرض، بطرة به، قد يحل به من العقاب الإلهي ما يعطل مفعوله ويخمد أنفاسه فيصبح كخردة الحديد (سكراب) . وكانوا قد أعدوه للبطش بالدول والشعوب، تماماً كما وصف الله تعالى حال عاد عندما قال لهم نبيهم هود ﵇: [أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ] (الشعراء: ١٢٨- ١٣٠) . فهلاَّ اعتبرت الولايات المتحدة بعبر التاريخ، ونظرت في حال الأمم السالفة التي مارست البطش ضد عموم البشر فكان ذلك سبباً لإهلاكهم! قال تعالى: [فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ] (الزخرف: ٨) . وقال تعالى: [وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي البِلادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] (ق: ٣٦-٣٧) . وقال تعالى: [وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً] (مريم: ٩٨) . وقال تعالى: [كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ] (ص: ٣) قال ابن عباس: «ليس بحين نداء ولا نزاع ولا فرار» أي «نادوا النداء حين لا ينفعهم» . ٦ - الترف والإسراف: معلوم لدى جميع قاطني المعمورة أن أعظم دولة تعيش حالتي الترف والإسراف هي الولايات المتحدة الأمريكية. إنه ترف وإسراف في كل شيء، في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمركب والأثاث والترفه (السياحة، الرياضة، الأفلام سينما أو فيديو أو تلفزيون، الإنترنت، وغيرها كثير ... ) ، ومما يساعدها على ذلك أن معدل دخل الفرد فيها هو أكبر معدل بين جميع دول العالم. وقد بين الله تعالى أن من أسباب إهلاكه الأمم ترفهم وإسرافهم، قال تعالى: [وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ * لاَ تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ] (الأنبياء: ١١-١٥) . وقال تعالى: [وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً] (مريم: ٧٤) . وقال : [قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ] (الذاريات: ٣٢- ٣٤) . وقال تعالى: [وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى] (طه: ١٢٧) . إن الشعب الأمريكي بسبب ما هو فيه من الترف والإسراف استشعر لنفسه التميز دون بقية شعوب الأرض. وهذا هو شأن المسرفين على مدى التاريخ؛ إذ كان ذلك هو أحد أسباب تصدي الملأ لأنبيائهم، كما قال تعالى: [وَقَالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ... ] الآية، إلى أن قال: [فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] (المؤمنون: ٣٣ - ٤١) . وكما قال تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ] (سبأ: ٣٤) ، وكما قال تعالى: [وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ] (الزخرف: ٢٣) . فكما تصدى المترفون لأنبيائهم، كذلك هو حال الأمريكان المترفين الآن؛ فإنهم يتصدون للحق وللإسلام في جميع أنحاء العالم، ولذلك فإنهم قد أتوا فعلاً من الأفعال التي يهلك الله تعالى بها الأمم. قال تعالى: [وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً] (الإسراء: ١٦) . ٧ - الاستكبار والغرور: لسنا بحاجة إلى سَوْق النقولات الكثيرة التي صرح بها المسؤولون الأمريكيون المتعاقبون والتي تدل على شدة صلفهم وعتو استكبارهم وعظم غرورهم. إن الحرب العالمية الثالثة التي أعلنتها أمريكا ضد ما سمته الإرهاب ما هو إلا تعبير عن هذه الغطرسة والتكبر والتجبر. إن الشعب الأمريكي وحكومته في عجرفتهم وفي استكبارهم على الحق وعلى أمم الأرض ساروا على نفس منوال الأقوام الذين تصدوا لأنبيائهم ورسلهم، والذين جاء وصفهم في القرآن في آيات كثيرة منها: قال تعالى: [قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ] (الأعراف: ٧٦) . وقال تعالى: [ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ] (المؤمنون: ٤٥-٤٦) . وقال تعالى: [قَالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ] (الأعراف: ٨٨) . وقد قادت الولايات المتحدة الاستكبار العالمي باسم الأمم المتحدة والشرعية الدولية ضد المستضعفين المسلمين، وخاصة حربها ضد طالبان ومن معهم من شعب الأفغان، فاستحقت التأهيل لأن ينزل بها عقاب الله تعالى الساحق الماحق. تلك هي سنة الله تعالى في المتجبرين والمتكبرين، إنه ينزل بهم عقابه الأليم لذنبهم الجسيم وبما حادوا عن منهاجه القويم. قال تعالى: [وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيما] (النساء: ١٧٣) . وقال تعالى: [فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ] (فصلت: ١٥-١٦) . وقال تعالى: [وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ] (إبراهيم: ١٥) أي: استنصرت الرسل ربها فنصرهم. وقال تعالى: [كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ] (غافر: ٣٥) . ٨ - الإجرام: الولايات المتحدة هي بيت الجريمة في العالم، وذلك على المستويين الداخلي والخارجي. فنسبة وقوع الجرائم في داخلها هي أعلى نسبة بين جميع شعوب الأرض. وكذلك نسبة ممارستها الجريمة بحق كافة البلدان وسكانها هي أيضاً أعلى نسبة في المعمورة. وتستجمع أمريكا لنفسها الحظ الأوفى من تنوع الجرائم، سواء على مستوى الأفراد أو الدول. غير أن أبرز ما فيها هو سعة مساحة ممارسة الإجرام الوحشي على مستوى شعوب الدول الأخرى. فهي لا تتورع لحظة، في سبيل تحقيق مصالحها الذاتية، عن استعمال جميع أنواع أسلحة الفتك والقتل الجماعي، بما في ذلك السلاح الذري أو القنابل الحارقة أو القذائف والصواريخ الماحقة أو الغازات السامة أو غير ذلك مما هو متخم في ترسانتها من مختلف الأنواع التي تؤدي إلى المجازر العامة. كما أنها أيضاً لا تتوانى في استعمال الحصار الاقتصادي ضد أي دولة لا تستجيب لرغباتها أو تتردد في تنفيذ طلباتها، بقصد تجويع شعب تلك الدولة وإنهاكه اقتصادياً مما يقود إلى إضعافه وإلى تقليص إمكاناته الخدماتية وانتشار الأمراض والأوبئة بين أفراده. ويدخل في مفهوم الحصار الاقتصادي لديها مصادرة أموال تلك الدولة أو تجميدها. وقد أصبح هذا اللون من الإجرام خلقاً راسخاً لدى قيادة الولايات المتحدة؛ إذ مارسته ضد العراق وإيران وأفغانستان وليبيا وغيرها من الدول الإسلامية. وهي في كل ذلك تنطلق من حقد دفين على الإسلام وأهله. ولسنا بصدد تعداد أنواع الجرائم الكارثية التي اقترفتها تلك الدولة الآثمة، فضلاً عن الجرائم التي لا تزال تبوء بها أو تلك التي في غياهب جعبتها. ولكن [وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِه] (فاطر: ٤٣) . قال تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ] (الأنعام: ١٢٣) . ورغم أن المجرم ينبغي له أن يتوقع نزول العقاب به في أية لحظة، إلا أن هذه الدولة الآثمة غطت عينيها وأشاحت بوجهها عن كل ذلك، متجاهلة قول الله تعالى: [سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ] (الأنعام: ١٢٤) ، وقوله تعالى: [قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المُجْرِمُونَ] (يونس: ٥٠) . وقوله تعالى: [وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ] (يوسف: ١١٠) ، وقوله تعالى: [إِنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ] (السجدة: ٢٢) . كما أن الولايات المتحدة لم تلتفت إلى التاريخ لتستقي منه العبر وتأخذ منه المواعظ؛ فكم من الدول العظيمة قد دمرها الله تعالى بسبب إجرامها الفاحش. قال تعالى: [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُجْرِمِينَ] (النمل: ٦٩) . وقال تعالى مبيناً عاقبة جريمة قوم لوط: [وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُجْرِمِينَ] (الأعراف: ٨٤) . وقال تعالى مبيناً ألوان العذاب التي أنزلها على قوم فرعون بسبب إجرامهم: [فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِينَ] (الأعراف: ١٣٣) . وذكر الله تعالى عذابه الذي أنزله على عاد قوم هود بسبب إجرامهم: [فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ] (الأحقاف: ٢٤-٢٥) . فلو أن الولايات المتحدة، حكومة وشعباً أصغت أذنها للحق لعلمت أن الإسلام هو الحق المبين، غير أنها ركبت رأسها واستمرأت الجريمة والإجرام، فحاقت بها دعوات المظلومين المضطهدين الذين عانوا من إجرامها وظلمها، كما دعا موسى - ﵇ على فرعون وقومه فيما حكى الله تعالى عنه إذ قال: [فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ] (الدخان: ٢٢) . فماذا كانت النتيجة؟ . قال تعالى: [فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ * وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ * كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ] (الدخان: ٢٣-٢٩) . فهي سنة جارية أن الله تعالى يهلك المجرمين، كما قال عز وجل: [أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ] (الدخان: ٣٧) ، ولما كانت الولايات المتحدة قد وقعت فيما وقعت فيه الأمم التي قبلها من الجريمة والإجرام كان لا بد أن تدفع ضريبة ذلك؛ إذ لا استثناء قد حازته من رب العالمين لتكون خارج مسار السنن الإلهية في إهلاكه للمجرمين. ٩ - الفسق: رغم أن حجة الله تعالى قد قامت على الحكومة الأمريكية وكذلك على شعبها إلا أنها واظبت على ركوب رأسها فرفضت الهداية وكفرت بالإسلام، فاستحقت أن يلحق بها وصف الفسق من هذا الوجه. قال تعالى: [وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الفَاسِقُونَ] (البقرة: ٩٩) . وأما الفسق بمعنى الفجور وارتكاب المعاصي فحدث ولا حرج. وقد ذكرت شيئاً منه عند الكلام عن الذنوب. فالأمة الأمريكية أمة فاسقة عقدياً وسلوكياً، وإن حالهم كحال الذين قال الله تعالى عنهم: [وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ] (الأعراف: ١٠٢) . وبسبب فسقهم اتبعوا قياداتهم وزعماءهم دون أن يكلفوا أنفسهم معرفة وتمييز الحق من الباطل، فصار شأنهم كشأن قوم فرعون الذين قال الله تعالى عنهم: [فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ] (الزخرف: ٥٤) . وقد مضت سنة الله تعالى في الأولين في إهلاك الفاسقين، وهي جارية كذلك على وجهها في الآخرين، وليس لأمريكا عند الله تعالى عهد أن يسلها من سنته كما تستل الشعرة من العجين؛ فلا نشك لحظة أنها ستلحق بالغابرين. قال تعالى: [فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ] (البقرة: ٥٩) . وقال تعالى: [وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً] (الإسراء: ١٦) . وقال تعالى: [وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ العَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ] (الأنعام: ٤٩) . فإهلاك الله تعالى لأمريكا بسبب ما ذكرناه آت في وقته إلا أن يهتدوا. قال تعالى: [بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القَوْمُ الفَاسِقُونَ] (الأحقاف: ٣٥) . ١٠ - الفساد والإفساد: كأي دولة، لا يمكن أن تعترف الولايات المتحدة بالفساد أو الإفساد، قال تعالى: [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ] (البقرة: ١١) ، وهذا مخالف للحقيقة [أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ] (البقرة: ١٢) . لم تكتف الولايات المتحدة بالفساد في داخل أراضيها، بل مدت ذلك إلى كل أنحاء العالم، إفساداً في السياسة وفي الاقتصاد وفي الثقافة والفكر وفي الأخلاق والسلوك وفي الاجتماع وفي الإعلام، وفي كل مرفق من مرافق الحياة. لقد أضحت أمريكا المعتمد الرئيسي لكل من يريد أن يحقق مآربه الشيطانية عن طريق الفساد والإفساد، ولم تتورع عن استخدام آلتها الحربية الهائلة لتضغط على شعوب الأرض ليقبلوا فسادها ويبشوا لإفسادها!! فتراها تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف، وصار حالهم كحال عاد [الَّذِينَ طَغَوْا فِي البِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الفَسَادَ] (الفجر: ١١-١٢) وانطبق عليهم قوله تعالى: [وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ] (البقرة: ٢٠٥) ، وقوله تعالى: [وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ] (الرعد: ٢٥) . فهؤلاء [الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ] (الشعراء: ١٥٢) والذين دوماً يقال لهم [وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا] (الأعراف: ٨٥) والذين أبوا أن ينخرطوا في القوم الذين قال الله تعالى عنهم: [فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ] (هود: ١١٦) ، هؤلاء ماذا ينتظرون من الله تعالى؟ هل ينتظرون أن يكون مآلهم كالمؤمنين؟! حاشا وكلا! ! قال تعالى: [أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ] (ص: ٢٨) . إذاً ماذا ينتظرون؟ نحن نقول لهم: لا تنتظروا إلا سنة الله تعالى الجارية في أخذ المفسدين وإهلاكهم. قال تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ] (يونس: ٨١) . وقال تعالى: [فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ] (الأعراف: ١٠٣) . ١١ - الضلال: نعم! إن أمريكا ومن كان على شاكلتها هم الضالون، هم النصارى الذين ندعو في كل ركعة الله تعالى أن لا نسلك سبيلهم، ولا ننتهج نهجهم [اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ] (الفاتحة: ٦-٧) . لقد تبدلوا الكفر بالإيمان، والله تعالى يقول: [وَمَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ] (البقرة: ١٠٨) ، وأشركوا بالله، وزعموا أن له ولداً، والله تعالى يقول: [وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً] (النساء: ١١٦) . وكفروا بمحمد ﷺ وبالقرآن، والله تعالى يقول: [وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً] (النساء: ١٣٦) . وكفروا وصدوا عن سبيل الله، والله تعالى يقول: [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً] (النساء: ١٦٧) ، ويبذلون جهدهم ليشتروا الضلالة وليحرفوا المسلمين عن الصراط المستقيم، والله تعالى يقول: [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ] (النساء: ٤٤) ويتخذون من الإعلام الماجن وسيلة لإضلال الناس، فينطبق عليهم قوله تعالى: [وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ] (لقمان: ٦) ، ولا نسترسل أكثر من ذلك في بيان ألوان وأنواع ضلالهم وضلالالتهم، وواقع الحال أنهم: [وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ] (آل عمران: ٦٩) . إن هذه الدولة التي ضلت في عقيدتها وأخلاقها، وأرادت أن تنشر هذا الضلال والإضلال في كل أنحاء البسيطة، لا بد أن تنال جزاءها العادل وتجري عليها سنة الله تعالى في إهلاك الضالين والمضلين، كما قال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ] (ص: ٢٦) . ١٢ - المكر: إنه التخطيط في الخفاء، وهو ما برعت به الـ C.I.A (وكالة المخابرات الأمريكية) . فما من دولة إلا ولها فيها عيون وجواسيس يتحسسون الأخبار، ويراقبون التحركات، ويتلصصون على الخصوصيات، ويسجلون الأصوات، ويلتقطون الصور الواضحات، ويدفعون الرشاوي لكبار وصغار الشخصيات، ويوقعون بين مختلف الأحزاب والجماعات والفئات، ويدبرون المؤامرات، ويخططون للحروب والانقلابات، ويقيلون ويعينون الرؤساء والزعامات، ويقدمون الهدايا وملايين الدولارات لكل من تعاون معهم في الملمات، ومن نكص كالوا له ألوان التهديدات، يمارسون ذلك في كافة البلاد والأقطار والدول، ما كان حكمه ملكياً أو كان معدوداً في الجمهوريات ... كل ذلك وغيره أكثر، هو ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق مكر إدارتها وتنفيذ المخابرات. لقد انصب معظم المكر الأمريكي في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي على الكيد للعمل الإسلامي من خلال إعلان الحرب العلنية والخفية على رموزه ومؤسساته، وقامت من خلال الدس والعس بنشر جواسيسها في كل مكان، واستخدمت الزعماء والأحزاب في تنفيذ مؤامراتها وإنزال كيدها على كل ما يمت للإسلام بصلة. وليست حربها المعلنة على طالبان أفغانستان إلا وجهاً واحداً سافراً مما تعده للمستقبل فيما يخص الإسلام والمسلمين. لقد نسجت هذه الدولة المتجبرة على نفس منوال الذين حاربوا الله ورسوله من قبلها. قال تعالى: [وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعاً] (الرعد: ٤٢) . غير أن المسار الماكر الذي اختطته الولايات المتحدة لنفسها في حربها على الإسلام ما هو إلا مكر بأنفسهم من حيث الحقيقة. قال الله تعالى: [وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ] (الأنعام: ١٢٣) . وقال تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ] (الأنعام: ١٢٣) . حتى وإن كان مكرهم يتضمن في طياته ومخططاته استعمال أعظم القنابل التي لو ألقيت على الجبال لأزالتها كالقنابل الذرية والهيدروجينية أو ما هو أشد منها، فإن ذلك لا يغني عنهم من الله شيئاً. قال تعالى: [وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ * فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ] (إبراهيم: ٤٦-٤٧) فأين مكر الولايات المتحدة من مكر الله تعالى. قال : [وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] (آل عمران: ٥٤) ، وقد غاب عن هؤلاء المخططين الأمريكيين المستكبرين أن من سنة الله تعالى أن جعل عاقبة مكر السوء ترجع على صاحبها. قال تعالى: [فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً * اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً] (فاطر: ٤٢- ٤٣) . فما هي سنة الله تعالى في الماكرين الأولين والتي ستطوي الولايات المتحدة في طياتها بعد حين إن شاء الله تعالى؟ إنها أمران: الأول: سرعة مجيئها. قال تعالى: [إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً] (يونس: ٢١) . الثاني: شدة عذابها وتدميرها. قال تعالى: [سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ] (الأنعام: ١٢٤) . وقال تعالى: [وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ] (النمل: ٥٠-٥٢) . لقد تصرفت الولايات المتحدة، على مدار الساعة والأيام والسنين والعقود في مكرها بالأمم، وكأن هذه الأرض ليس لها إله سميع خبير بصير عليم قادر جبار متكبر منتقم، واستبعدت أن يأتيها بأس الله تعالى ليلاً أو نهاراً جزاء وفاقاً على مكرها القبيح الذي تفوح منه روائح الإجرام والغطرسة والعتو. قال تعالى: [أَفَأَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُونَ] (الأعراف: ٩٧-٩٩) . ١٣ - أسباب أخرى: لقد اقترفت الولايات المتحدة كثيراً جداً من الطامات والموبقات تتركز معظمها: ١ - في محاربة الإسلام وأهله. ٢ - في دعمها المتواصل لدولة الكيان اليهودي. ٣ - في انتهاكاتها الصارخة لحقوق الإنسان وتدخلها في خصوصياته على مستوى الأفراد والدول، والمسلمين منهم خاصة. ولذلك فإن المقام لا يتسع للاستفاضة في ذكر كل ما أوقعت نفسها فيه من إدراج كيانها في مساق السنن الإلهية في إهلاك الأمم؛ فهناك أسباب أخرى غير التي ذكرناها وهي عديدة، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: ١ - التولي عن الاستجابة لله ولرسوله محمد ﷺ : وهذا أمر معلوم، ولو لم يكن إلا هو لكفى في نزول العذاب بها قال تعالى: [لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ * إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذَابَ الأَكْبَرَ] (الغاشية: ٢٢-٢٤) . وقال تعالى: [وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ] (التوبة: ٧٤) . وقال تعالى: [وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّه] (التوبة: ٣) . ٢ - نسيان ما ذُكِّروا به: قال تعالى في وصف حالهم: [وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظاًّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ] (المائدة: ١٤) . فاستحقوا العذاب، ومنه العداوة والبغضاء فيما بينهم. قال تعالى: [فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ] (المائدة: ١٤) . وقال تعالى: [فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ] (الأنعام: ٤٤-٤٥) . ٣ - العتو: وهو عظم الاستعلاء بالباطل، وقد حازت منه الولايات المتحدة الحظ الأوفى؛ ولذلك فهي مستحقة لنزول الغضب الإلهي والعقاب الرباني بسبب ذلك. قال تعالى: [وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً] (الطلاق: ٨-٩) . وذلك أنهم [اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُواًّ كَبِيراً] (الفرقان: ٢١) . ٤ - قسوة القلب: تلك خاصية تخص الأفراد بسبب قلة أو انعدام ذكرهم الله تعالى. لكن الرزية تكون أعظم إذا أصبحت هذه الخاصية سمة لكل أو معظم أفراد المجتمع؛ فإذا ما حصل ذلك، كما هو كائن الآن في الولايات المتحدة إذا استثينا المسلمين فإن هذا المجتمع أصبح مستحقاً للعذاب الإلهي. قال تعالى: [فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] (الزمر: ٢٢) . وقال تعالى: [فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ... ] إلى أن قال تعالى: [حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ] (الأنعام: ٤٣ - ٤٤) . ٥ - السخرية والاستهزاء: لقد اتخذت كثير من المجامع الأمريكية الإسلام ونبينا محمداً صلى الله عليه وسلم وأحكام الله تعالى التي تعبد الله تعالى بها عباده المؤمنين، والتي نزلت آياتها المحكمات في كتابه المبين كالصلاة والحجاب والإرث وغيرها، مادة: ١ - للسخرية: قال تعالى: [وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا] (البقرة: ٢١٢) . ٢ - وللاستهزاء: قال تعالى: [فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُم مِّنَ العِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ] (غافر: ٨٣) . وقال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ] (المائدة: ٥٧-٥٨) . وقال تعالى: [وَيُلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ] (الجاثية: ٧-٩) . فمن فعل ذلك كان مستحقاً أن ينزل عليه عذاب الله تعالى. قال تعالى: [فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ] (الأنعام: ١٠) . وقال تعالى: [وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ] (الرعد: ٣٢) . ٦ - العدوان: بات العدوان والاعتداء على الغير سمة من سمات الولايات المتحدة الأمريكية، وقد ذكرنا عدداً من اعتداءاتهم على الشعوب الإسلامية وغيرها، والله تعالى يقول: [وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ] (المائدة: ٨٧) . وفي تعاليم دينهم أن من لطمك على خدك الأيسر فأدر له الأيمن! فضربوا بذلك عرض الحائط؛ فهم لهذا مستحقون لعذاب الله تعالى. قال تعالى: [وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (البقرة: ٢٢٩) . ولفظها عام وإن كانت على حكم مخصوص، وقد بينا العقوبة الإلهية للظالمين. ٧ - العلو والاستعلاء: لقد حكم فرعون وملؤه مصر وكانوا متعالين. قال تعالى: [ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ] (المؤمنون: ٤٥-٤٦) . وقال تعالى: [وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ] (يونس: ٨٣) . وقال تعالى: [إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً] (القصص: ٤) . وقد حذرهم موسى ﵇ من هذا الاستعلاء على الله والتكبر على عباده، فقال لهم: [وَأَن لاَّ تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ] (الدخان: ١٩) . فإذا كان هذا الوصف، وهو العلو والاستعلاء، قد ألحق بفرعون؛ فكيف تكون درجة هذا الوصف عندما يلحق بالولايات المتحدة التي استعلت على جميع أمم الأرض؟ لقد استعلت أمريكا على أمور كثيرة من الخير والصلاح، ومن أهمها الإيمان رغم إقامة الحجة عليها كما بينا، وما سبب ذلك إلا ما قاله الله تعالى: [وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُواًّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ] (النمل: ١٤) . فكما طوت سنة الله تعالى فرعون لعلوه وتعاليه، كذلك تطوي هذه السنة الولايات لعلوها واستعلائها. ٨ - افتراء الكذب على الله تعالى: لقد جاء الحق إلى الشعب الأمريكي. والحق هو الإسلام، فعلموا به، وأقيمت الحجة عليهم كما بينا، لكنهم ردوا هذه الدعوة الربانية التي وصلت إليهم، وردهم لها هو تكذيب بها وافتراء على الله تعالى. قال تعالى: [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ] (الأنعام: ٢١) . وقال تعالى: [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ] (العنكبوت: ٦٨) . فاستحقوا لذلك عقوبة الله تعالى. قال : [إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ] (النحل: ١١٦) . وقال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ] (الأعراف: ١٥٢) ودل التعقيب بقوله: [وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ] أن الغضب والذلة جزاء للافتراء على الله تعالى من حيث العموم، وليس مخصوصاً بمن اتخذوا العجل. ٩ - اتباع الهوى والشهوات: قال تعالى: [وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ] (القصص: ٥٠) . وهؤلاء الأمريكان قد فعلوا ذلك. وقد بينا كيف أن العقوبة الإلهية تنزل في الضالين، وهي نازلة كذلك في الذين يتبعون الشهوات الذين يبغون للمؤمنين الانحراف والميل عن الطريق المستقيم قال تعالى: [وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً] (النساء: ٢٧) . فالعاقبة لهم أنهم يلقون غياً، قال تعالى: [فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَياًّ] (مريم: ٥٩) . ١٠ - الجاهلية: وصف الله تعالى من يعبد غيره بالجهل. قال تعالى: [قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الجَاهِلُونَ] (الزمر: ٦٤) ، ووصف أعمال الكفار بأنها صادرة عن جاهلين. قال تعالى: [لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الجَاهِلِينَ] (القصص: ٥٥) . ووصف من لا يحكم بحكم الله تعالى بأن حكمه حكم الجاهلية. قال تعالى: [أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ] (المائدة: ٥٠) وبين الله تعالى أن مبعثهم النفسي مستمد من حمية الجاهلية. قال تعالى: [إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ] (الفتح: ٢٦) . وهذه الأوصاف الأربعة الملحقة بالجاهلين والجاهليين تنطبق كلها على الولايات المتحدة نستثني منهم المسلمين مما يعرضهم إلى عقوبة الله تعالى على ما بيناه وفصلناه سابقاً. * الخلاصة: لقد اجتمعت في الولايات المتحدة جميع الأسباب التي تجعلها في موقع استحقاق التدمير الإلهي والعقوبة الربانية، وهي اثنان وعشرون وصفاً (ليس على سبيل الحصر) : (١) الكفر والصد عن سبيل الله بعد إقامة الحجة. (٢) التأله. (٣) الذنوب. (٤) الظلم. (٥) البطر. (٦) الترف والإسراف. (٧) الاستكبار والغرور. (٨) الإجرام. (٩) الفسق. (١٠) الفساد والإفساد. (١١) الضلال. (١٢) المكر. (١٣) التولي عن الاستجابة لله تعالى. (١٤) نسيان ما ذُكِّروا به. (١٥) العتو. (١٦) قسوة القلب. (١٧) السخرية والاستهزاء. (١٨) العدوان. (١٩) العلو والاستعلاء. (٢٠) افتراء الكذب على الله تعالى. (٢١) اتباع الهوى والشهوات. (٢٢) الجاهلية. إن مجمل الذي ذكرته يقع ضمن ضوابط: الأول: قال تعالى: [وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ] (الأعراف: ٣٤) . أي متى ينزل العذاب وكيف ينزل، أمره إلى الله وحده وهو محدد في سابق علمه . الثاني: قال تعالى: [لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] (آل عمران: ١٢٨) فإنزال العقوبة الإلهية على الولايات المتحدة هو بحسب مشيئة الله: إن شاء أنزله، وإن شاء أخره، وإن شاء أن يهديهم هداهم وتاب عليهم. فليس لأحد أن يتألى على الله تعالى بشيء أو أن يتقدم بين يديه بغيب؛ فلله الأمر من قبل ومن بعد. الثالث: لو كان في علم الله تعالى أنه سينزل بهم عقابه، فلا بشر يعلم كيف سيكون: هل بكارثة سماوية أو أرضية تدهمهم، أو بتفكيك فدراليتهم فيجعل بأسهم بينهم، أو بتدمير اقتصادهم فيضنك عيشهم، أو بأي شيء آخر فيلقون مصيرهم؛ فالله تعالى أعلم بخلقه وهو ربهم. نسأل الله تعالى أن يهدي أمم الأرض كلها إلى اتباع سبيل الرشاد الذي جاء به خير العباد، ليتحقق لهم السداد، والفوز بالكرامة في الدنيا والنجاة يوم المعاد. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 4383

في دائرة الضوء كتاب " الإسلام وأصول الحكم " وذرائعية العلمانيين قراءة جديدة لكتاب قديم حسن محمد الغزواني تقديم: يحرص العلمانيون في بلاد المسلمين على الترويج لبعض أفكار كتابٍ أثار ضجة كبيرة وجدلاً حاداً، هو كتاب الشيخ علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» . وعلى الرغم من الضعف المنهجي الواضح في أبحاث الكتاب وتجنيه الفاضح على الحقيقة، فإن العلمانيين لا يفتؤون يوظفونه في مواجهتهم لدين الأمة والدعاة إليه، مثلما يوظفون بعض الكتابات الصادرة عمن تميز بالشذوذ الفكري من الذين انتسبوا إلى الأزهر في مرحلة من مراحل حياتهم، كما حدث مع خالد محمد خالد وكتابه «من هنا نبدأ» [١] ، ومع طه حسين وكتابه «في الشعر الجاهلي» وغير ذلك. وقد نلمس في كثير من هذه الكتابات التي شذت الفكرة ونقيضها؛ بحيث يجد المناصر والمخالف بغيتهما فيها، يكفي أن يعمد أحدهما إلى انتقاء فقرة من هنا أو نص من هناك من إحدى تلك الكتابات؛ حتى يجعل صاحبها في صفه. لكن هذه التناقضات لا ينبغي أن تكون مانعاً في نظر العلمانيين من الإلقاء بتلك الكتابات في وجوه خصومهم الفكريين، ما دام يمكنهم تحقيق بعض «المكاسب الأيديولوجية» من ورائها. والغريب أن من العلمانيين من لم يطلع على الكتاب أصلاً، ومع ذلك نجده يبيح لنفسه أن يصف الكتاب بـ «الطليعي الرائد» ، وأنه يتضمن «منهجاً عقلانياً عاماً في التفكير، يتسم بالنظرة التحليلية والنقدية والتاريخية» ، وأن «أبرز الاجتهادات والظواهر وأشدها عقلانية وجسارة تمثلت» فيه [٢] . وللحقيقة فإن حرص كثير من العلمانيين على تفنيد شعار «الإسلام دين ودولة» بكل الوسائل، قد يدفعهم حتى إلى وسيلة التحالف مع السلطة التي ينتقدونها، وتغيير وظيفة المعارضة لأجل ذلك التحالف إلى وظيفة متعاون مع النظام الحاكم في بلدها، كما هي فكرة السياسي التونسي خميس الشماري [٣] . * السعي لإسقاط الخلافة: وعودة إلى كتاب الشيخ علي فنقول إنه ظهر سنة ١٩٢٥م، بعد سنة واحدة فقط من إسقاط الخلافة، وتعود أسباب الضجة التي أثيرت حوله، في جزء كبير منها، إلى ذلك التوقيت، ثم إلى صاحب الكتاب نفسه من حيث انتسابه إلى الأزهر وانخراطه في سلك العلماء. على أن مما تجدر الإشارة إليه أن الكتاب صدر في سياق عام طبعته حملة استعمارية ضد الخلافة، وكانت الحملة بمسعى إنجليزي أساساً. كانت أولى المحاولات الساعية لهدم الخلافة لرجل يُدعى «ويلفريد سكاون بلنت» (wilfred Scawn Blunt) ، وهو رجل رومانطيقي كان يكره تمدن القرن التاسع عشر الميكانيكي، استقال من السلك الدبلوماسي سنة ١٨٦٩م، وجال في البلاد العربية والإسلامية بداية من عام ١٨٧٣م، فزار إسطنبول والجزائر والقاهرة، كما طاف صحراء سوريا والصحراء العربية مع زوجته (١٨٧٧ - ١٨٧٩م) ، ثم استقر بعد ذلك في مصر سنة ١٨٨٠م للتعرف على الإسلام والتمكن من أساليب العربية. وهناك التقى بمحمد عبده، كما التقى بالأمير عبد القادر الجزائري أثناء وجوده بالشام، أما الأفغاني ﵀ فلم يلتق به إلا في لندن سنة ١٨٨٢م بعد أن سمع عنه في مصر، وكانت له وساطة لم تفلح بين أحمد عرابي وغلادستون في أزمة (١٨٨١ - ١٨٨٢م) . كتابه «مستقبل الإسلام» (لندن ١٨٨٢م) سلسلة مقالات ركز فيها على الدعوة إلى نزع الخلافة من يد العثمانيين وإسنادها إلى العرب، على أن تحول من قوة سياسية إلى سلطة روحية «بابوية» ؛ إذ إصلاح الأمة الإسلامية متوقف في نظره على العرب؛ حيث إن مستقبل الإمبراطورية العثمانية غامض في نظره، ومن الممكن أن يترك الأتراك الإسلام إذا ما احتُلوا من طرف روسيا أو النمسا! ويدعو «بلنت» في كتابه أيضاً إلى إعادة فتح باب الاجتهاد، ولن يكون ذلك على يد العثمانيين؛ لأن طبيعة حكمهم لا تتفق حسب رأيه مع الاجتهاد، وهذه الأفكار، خاصة ما يتعلق منها بالخلافة، طرحها «بلنت» على محمد عبده، فقوبل طرحه بالرفض، كما أكد ذلك الشيخ رشيد رضا ﵀ في تاريخه عن أستاذه محمد عبده. بعد محاولة «بلنت» قام ثلة من مجندي الاستعمار البريطاني الذين كونوا «المكتب العربي» بالقاهرة تحت رئاسة «هوغارت» (Hogarth.G.D) بهدف التجسس والتنسيق أمثال: بل، فيلبي، لورنس العرب ... فقاموا بالعمل على بث الرغبة في تكوين دولة عربية لا تمت إلى الخلافة بصلة. فنجد «جرترود بل» (Gertrude bell) (١٨٦٨ - ١٩٢٦م) مثلاً قامت بدراسات أثرية لسنوات عدة بالمنطقة العربية، وكانت مساعدة للسيد برسي كوكس (Percy cox) المندوب السامي البريطاني بالعراق، كما عملت بكل ما تمتلكه من نفوذ على تولية «فيصل» صنيعة بريطانيا عرش العراق لخدمة مصالح بلدها (١٩٢١م) ، لُقِّبتْ في بغداد بملكة العراق غير المتوجة، لجأت إلى «شِنْشنة تعرف من يهود» خاصة: استثارة النزوات الفاجرة عند الداعرين والخسيسين من رجال السياسة وغيرهم، في سورية بفيلا جميلة نعتت بين الفجار باسم «مرتع العزوبة» ، وكان الهدف: التجسس وتحقيق مصالح بلدها [٤] ومن أقوالها عن العرب إن «العربي عبر القرون كلها لم يشتر حكمة من التجربة، فهو غير آمن أبداً، ومع ذلك فإنه يتصرف وكأن الأمان خبزه اليومي» [٥] . أما توماس إداورد لورنس (lawrence.E.T) (١٨٨٨ - ١٩٣٦م) فقد كان ضابطاً بالمخابرات البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها، لقبته الصحافة هو الآخر «ملك العرب غير المتوج» ، وهو الذي أقنع شريف مكة بإعلان الثورة ضد الخلافة العثمانية، بعد أن مناه بتقليده شارة الخلافة، كما قاتل ضدها إلى جانب القوات العربية واستطاع الدخول مع قوات فيصل إلى دمشق سنة ١٩١٨م. يقول عن سكان الإمبراطورية العثمانية: «لم تكن جميع الأقاليم الخاضعة للإمبراطورية لتساوي لدي صبياً إنجليزياً واحداً ميتاً» [٦] . في خضم هذه المحاولات أصدر توماس أرنولد (Arnold.T) (١٨٦٤ - ١٩٣٠م) كتابه «الخلافة» سنة ١٩٢٤م، وضمنه عدة أفكار منها: - اعتبار نظام الحكم الإسلامي وضمنه الخلافه نظاماً استبدادياً مطلقاً وجائراً. - اعتبار معظم الأحاديث التي أخذ منها نظام الخلافة أحاديث موضوعة كشف وَضْعَها علماء الغرب! - اعتبار سلطة الحاكم في الإسلام مطلقة، وتتم بالتعيين من الله سبحانه، ومن ثم فليس للرعية إلا الطاعة سواء عدل الحاكم أم جار! تلك كانت بعض محاولات الإنجليز في محاربة فكرة الخلافة، وهم في ذلك إنما كانوا يحاربون مركز الدائرة التي تتقاطع عندها آمال المسلمين، كما كانوا يحاربون فكرة الوحدة الإسلامية التي كانت تثير لهم المشاكل مع مسلمي الهند، ولذك اعتبر اللورد كرومر (Evelyn Baring) بأن المقصود من الجامعة الإسلامية هو «اجتماع المسلمين في العالم كله على تحدي قوات الدول المسيحية ومقاومتها، فإذا نظرنا إليها من هذا الوجه، وجب على كل الأمم الأوروبية التي لها مصالح سياسية في الشرق أن تراقب هذه الحركة مراقبة دقيقة» [٧] . تزامناً مع هذه الظروف ظهر كتاب الشيخ علي عبد الرازق. هناك حدث آخر هز الساحة السياسية الإسلامية آنذاك، وهو إسقاط الخلافة فعلاً من طرف كمال أتاتورك في ٣/٣/١٩٢٤م، وهو حدث أحزن المسلمين وخلف استياءً عميقاً لديهم، وبخاصة لدى مسلمي الهند الذين كانوا يعلقون آمالاً واسعة على الخلافة الإسلامية لتحريرهم من قيد الاستعمار الإنجليزي. هذا بالنسبة لظروف ظهور الكتاب. أما صاحب الكتاب نفسه، فهو رجل أزهري، كان قاضياً شرعياً بالمنصورة، ثم أصبح وزيراً للأوقاف فيما بعد في عهد الملك فاروق، درس سنتين بأكسفورد بإنجلترا لكنه لم يتم دراسته بسبب نشوب الحرب العالمية الأولى، كان ينتمي لحزب الأحرار الدستوريين المتشكل عام ١٩٢٢م من بقايا حزب الأمة الداعي إلى التعاون مع المحتل الإنجليزي، ولم يكن حزب الأمة بدعاً في ذلك من كثير من الأحزاب الليبرالية في الوطن العربي في تميزها بالتعاون مع المحتل والدعوة إلى الاكتفاء بإصلاح شؤون الشعب عن طريق التعليم أساساً، شعارها الأساس هو «تحقيق الاستقلال رهين ببناء الأمة وتحديثها» . وقد ناصر الشيخ عليّاً حزبُه حزب الأحرار الدستوريين الذي يستحيل إنكار صلاته الوثيقة بالمحتل الإنجليزي، كما يستحيل إدراجه ضمن الأحزاب المناصرة لحق الشعب في الحرية والتعبير عن رأيه؛ فهو الحزب الذي بارك في إبريل ١٩٢٥م وهو نفس تاريخ ظهور الطبعة الأولى من كتاب «الإسلام وأصول الحكم» إصدار الحكومة التي كان يشارك فيها قانوناً يحظر على الموظفين الاشتغال بأمور السياسة، وهو نفسه الذي قبل مرسوم تقييد حرية الصحافة الذي أصدرته الحكومة ... إلخ ولذلك نجد الشيخ علي عبد الرازق، انسجاماً مع توجهات حزبه، «يقول بوجوب ارتباط مصر وإنجلترا برباط الصداقة، ويذهب في ذلك مذهب المتطرفين» [٨] ، حسبما يقول عنه صديقه في الحزب محمد حسين هيكل. * العلمانيون: خطاب التبني وتناقضات الشيخ: يقف العلمانيون بمختلف توجهاتهم موقف المناصر، بل المتبني لما جاء في كتاب الشيخ علي عبد الرازق. إن أحدهم، مثلاً، يرغب في مواجهة خصومه الفكريين من وراء استدعاء نصه فيقول: «فهو أي الكتاب يتمم أحاديثنا اليوم عن الديمقراطية، ويقف في خندق مواجهة المبشرين بكونية الإمام وجاهلية القرن العشرين» [٩] ، بل هناك من غالى حينما ذهب إلى أن الأفكار الواردة في الكتاب قد تؤدي إلى تهديد وحدة نظرة الإسلام إلى الكون!! إذ إن هذا «التحليل الجريء لطبيعة السلطة في الإسلام يهدد الوحدة الأساسية لفكرة الدولة الإسلامية ومن ورائها وحدة النظرية الأساسية إلى الكون» [١٠] . ونظراً لأفكار الكتاب الشاذة، نجد المدافعين عنه من أصحاب الشذوذ الفكري أو المواقف المريبة، منهم: محمد حسين هيكل، الكاتب المتحمس للتغريب، وصاحب «حياة محمد» الدراسة «الذاتية» للسيرة بدون معجزات، وسلامة موسى «الكاتب الذي يكتب ليحقد ويحقد ليكتب» كما وصفه العقاد، ومجلة الهلال التي وصفت صاحب الكتاب بأنه من «علماء الأزهر المبرزين» ، وأنه ممن يسلك سبيل «الاجتهاد والاستنباط» [١١] ، ثم مجلة المقتطف التي رأت أنه سيترتب على ما كتبه الشيخ ما ترتب على ما كتبه «لوثر» من «ارتقاء ديني وأدبي ومادي» [١٢] . لكن متى كتب الكتاب؟ إن نظرة فاحصة تبين أن كتابة صفحاته تمت قبل ظهور أزمة الخلافة بسنوات طويلة، يصرح الشيخ نفسه بذلك فيقول: «شرعت في بحث ذلك كله منذ بضع سنين» [١٣] ، ويقول: «أما بعد: فإن تلك الورقات هي ثمرة عمل بذلت له أقصى ما أملك من جهد، وأنفقت فيه سنين كثيرة العدد» [١٤] ، ويصرح بأنه كتب إحدى صفحات الكتاب «يوم كانت الخلافة في تركيا، وكان الخليفة محمد الخامس من الخلفاء ... » [١٥] ، وفترة حكم الخليفة محمد رشاد الخامس كانت بين ١٩٠٩م، ١٩١٨م. والغريب أن الشيخ علي عبد الرازق يستشهد في ص ١٢٣، بكتاب الخلافة لتوماس أرنولد الصادر سنة ١٩٢٤م، وفي الصفحة التي بعدها يقول: «وما كان لأمير المؤمنين محمد الخامس سلطان تركيا أن يسكن اليوم يلدز لولا تلك الجيوش التي تحرس قصره» [١٦] ، ثم يعلق على كلامه هذا في الهامش بما مر ذكره، أي بقوله: «كتبنا ذلك يوم كانت الخلافة في تركيا ... » . معنى هذا الكلام أن الشيخ علي عبد الرازق كتب الصفحة ١٢٩ قبل الصفحة ١٢٨، بل قبل الصفحة ١٢٣ بسنوات!! فكأنما كتب الكتاب منذ وضعت إنجلترا فكرة العمل على إسقاط الخلافة موضع التنفيذ، ثم أُرجئ نشره ريثما يوجد من يقبل ذلك باسمه. ومن عجب أن يرى أحد العلمانيين، على الرغم من ذلك الاضطراب الزمني في كتابة بعض الصفحات كما مر، أن الكتاب تميز «بحس تاريخي لم تتمكن من تجاوزه لا كتب المنتقدين ولا المحاكمة التي أخرجت مؤلفه من زمرة العلماء» [١٧] . ثم إن النظرة الفاحصة في الكتاب تمكننا أيضاً من وضع اليد على العديد من التناقضات التي تفقأ العين لدرجة أن الناظر في الكتاب لا يستطيع الجزم بالرأي الحقيقي لصاحبه، فمثلاً: - في ص ١٤٨ يقول: « ... وإذا كان ﷺ قد لجأ إلى القوة والرهبة، فذلك لا يكون في سبيل الدعوة إلى الدين، وإبلاغ رسالته إلى العالمين، وما يكون لنا أن نفهم، إلا أنه كان في سبيل الملك وتكوين الحكومة الإسلامية» لكنه ينقض هذا الكلام في ص ١٤٩ حينما يقول: «فأما أن المملكة النبوية عمل منفصل عن دعوة الإسلام، وخارج عن حدود الرسالة، فذلك رأي لا نعرف في مذاهب المسلمين ما يشاكله، ولا نذكر في كلامهم ما يدل عليه، وهو على ذلك رأي صالح لأن يُذهب إليه، ولا نرى القول به يكون كفراً ولا إلحاداً» ، ثم يتراجع عن هذا الرأي في نفس الصفحة قائلاً: «ولكنه على كل حال رأي نراه بعيداً» . - في ص ١٤٧ قال: «أول ما يخطر بالبال مثالاً من أمثلة الشؤون الملكية التي ظهرت أيام النبي ﷺ مسألة الجهاد ... وظاهر أول وهلة أن الجهاد لا يكون لمجرد الدعوة إلى الدين، ولا لحمل الناس على الإيمان بالله ورسوله، وإنما يكون الجهاد لتثبيت السلطان وتوسيع الملك» ، ثم في ص ١٦٦ ينقض هذا الكلام قائلاً: «ولا يريبنك هذا الذي ترى أحياناً في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فيبدو لك كأنه عمل حكومي، ومظهر للملك والدولة، فإنك إذا تأملته لم تجده كذلك، بل هو لم يكن إلا وسيلة من الوسائل التي كان عليه ﷺ أن يلجأ إليها تثبيتاً للدين، وتأييداً للدعوة، وليس عجيباً أن يكون الجهاد وسيلة من تلكم الوسائل» . - في ص ١٥٤ قال: «لم يبق أمامك بعد الذي سبق إلا مذهب واحد ... ذلك هو القول بأن محمداً ﷺ ما كان إلا رسولاً لدعوة دينية خالصة للدين، لا تشوبها نزعة ملك ولا حكومة، وأنه ﷺ لم يقم بتأسيس مملكة، بالمعنى الذي يفهم سياسة من هذه الكلمة ومرادفاتها» ، ثم قال في ص ١٥٦ مناقضاً هذا الكلام: «من أجل ذلك كان سلطان النبي ﷺ بمقتضى رسالته سلطاناً عاماً، وأمره في المسلمين مطاعاً، وحكمه شاملاً، فلا شيء مما تمتد إليه يد الحكم إلا وقد شمله سلطان النبي ﷺ ، ولا نوع مما يتصور من الرياسة والسلطان إلا وهو داخل تحت ولاية النبي صلى الله عليه وسلم على المؤمنين» . ثم يعود مرة أخرى إلى تأكيد قوله السابق في ص ١٥٤، متراجعاً عن نقيضه الذي ذكره قبل قليل، وذلك حينما يقول في ص ١٥٧: «ولاية الرسول على قومه ولاية روحية ... وولاية الحاكم ولاية مادية.. تلك ولاية هداية إلى الله وإرشاد إليه، وهذه ولاية تدبير لمصالح الحياة وعمارة الأرض، تلك للدين وهذه للدنيا، تلك لله وهذه للناس، تلك زعامة دينية، وهذه زعامة سياسية ويا بُعد ما بين السياسة والدين» . - في ص ١٥٨ قال: «وفي سبيل هذه الوحدة الإسلامية ناضل ﵇ بلسانه وسنانه ... حتى بلغ رسالته وأدى أمانته، وكان له ﷺ من السلطان على أمته، ما لم يكن لملك قبله ولا بعده» ؛ لكنه يدير ظهره لهذا الكلام بعد أسطر قليلة فقط من نفس الصفحة حينما يقول: «ظواهر القرآن المجيد تؤيد القول بأن النبي ﷺ لم يكن له شأن في الملك السياسي، وآياته متضافرة على أن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان» . إن الفكرة الأساسية التي يريد الكتاب إثباتها ليست هي أن الإسلام «رسالة لا حكم، ودين لا دولة» ، كما قال صاحبه، فإن ذلك شطر واحد فقط من الفكرة ينقصها شطرها الثاني الذي هو أن الإسلام «رسالة وحكم ودين ودولة» كما يتضح من خلال عدة فقرات في الكتاب، وقد مر بعض منها، أي أن الإسلام في نظر الشيخ علي فيه سياسة وليست فيه سياسة!! وهو تناقض عجيب لا يستقيم إلا في ذهن من أصيب بلوثة من منهج بولس، لا من تعرض لنفحات منهج رب العالمين. * العلمانيون والشيخ علي: خطاب المضاهاة: إن محاولة علي عبد الرازق تدعونا إلى عقد مقارنة بين ما جاء في كتابه من آراء وبين آراء علمانيين آخرين، تلك المقارنة تكشف عن تشابه في المنهجية والمواقف أحياناً كثيرة؛ إذ المنطلق واحد والهدف واحد: ١ - فعند العلمانيين يتم الانطلاق الآن من المفاهيم المسيحية وإسقاطها على الإسلام. إن (عزيز العظمة) مثلاً يعتبر المؤسسة الدينية في الإسلام كهنوتاً أو «كنيسة دولة» كما سماها [١٨] ، والشيخ علي تصيبه لوثة مقايسة الإسلام على المسيحية كما سبق، فيصرح: «كل ما جرى في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم من ذكر الإمامة والخلافة والبيعة إلخ ... لا يدل على شيء أكثر مما دل عليه المسيح حينما ذكر بعض الأحكام الشرعية عن حكومة قيصر» [١٩] . ٢ - وعند العلمانيين: الأخذ الآن بالعلمانية ضرورة تمليها «العالمية» و «الاستفادة من الغير» ؛ إذ هي أي العلمانية عند عزيز العظمة مثلاً «كالعالمية أصبحت في القرن الأخير جزءاً بنيوياً من حياتنا السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، خصوصاً في نهاية القرن العشرين» [٢٠] ، وبالنسبة للشيخ علي ليس هناك ما يمنع المسلمين «أن يسابقوا الأمم الأخرى ... وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم» [٢١] ، لكن هذه «العالمية» وتلك «الاستفادة» لا تعني شيئاً آخر سوى إدماج تاريخ الأمة في تاريخ الغير، ونفي ذاتها وفكرها وحضارتها لمصلحة ذات الآخر وفكره وحضارته، وهكذا فلئن تم تحكيم شرع الله فهي «الثيوقراطية» ! ولئن وجدت مؤسسة للعلماء فهو الكهنوت! وإذا كان العظمة مثلاً لا يرى في وجود تخصص في الدين سوى الكهنوت، فإن الشيخ علي لا يجد في الإسلام أي مانع من وجود الخلافة «بمعنى الحكومة في أي صورة كانت الحكومة ومن أي نوع! مطلقة أو مقيدة، فردية أو جمهورية، استبدادية أو دستورية أو شورية، ديمقراطية أو اشتراكية أو بلشفية!» [٢٢] . ٣ - وعند العلمانيين الآن يتم تأصيل كثير من أفكارهم باللجوء إلى الطوائف المنحرفة عقيدة وسلوكاً في التاريخ الإسلامي. فهذا أحدهم، مثلاً، يرى حركة «القرامطة» حركة تجديد، وداعية تغيير للواقع، وفهماً للتراث فهماً عقلانياً، يقول: «إذا ما ظهرت حركات تجديد تدعو إلى تغيير الواقع أو إلى إعادة فهم التراث فهماً عقلانياً قيل: علمانية وإلحاد ... في حين أن تراثنا القديم قد قدم لنا هذا النمط الفكري عند أصحاب الطبائع من علماء الكلام، وعند ابن رشد من الفلاسفة، كما أن عديداً من الثورات في تاريخنا القديم مثل ثورة الزنج وثورة القرامطة قد نشأت بدءاً بالواقع من أجل تغييره تغييراً جذرياً» [٢٣] . وهذا آخر، وهو أحد دعاة النزعة الأمازيغية بالمغرب، يصف ملوك البرغواطيين «قرامطة المغرب» «بالعلم والفضل» ، مع جزمه «بأن موقفهم من اختيار دين مخالف ولغة مخالفة لما كان يحمله العرب إنما يرجع إلى موقف سياسي إيديولوجي معارض من جهة، وإلى شعور بالهوية المتميزة والخصوصية الثقافية من جهة ثانية» [٢٤] . وعلى الخط نفسه كان يسير الشيخ علي عبد الرازق، فيرثي المرتدين أن مسهم الظلم وجحيم الظلام: «كم نشعر بظلمة التاريخ وظلمه، كلما حاولنا أن نبحث جيداً فيما رواه لنا التاريخ عن أولئك الذين خرجوا على أبي بكر فلقبوا المرتدين، وعن حروبهم تلك التي لقبوها حروب الردة!» [٢٥] . ٤ - وفي كتابات بعض العلمانيين جهل فاضح أو تضليل مكشوف! تكلمت «يسارية» مرة مثلاً عن الإرث في شريعة الله سبحانه، فقالت وهي تحاول إثبات تساوي المرأة والرجل في الميراث في الإسلام، ما يلي: «إذا لم يكن للشخص الميت أولاد وكان والداه الوارثين الوحيدين، فإن حصة أمه تساوي ضعف حصة أبيه، وحصة الأخت تساوي حصة الأخ ... » !! [٢٦] . أما الشيخ علي عبد الرازق فإنه يعتقد مثلاً أن القرآن الكريم يقبل بحكومة استبدادية أو بلشفية فيرى أنه «لا بد لأمة منظمة مهما كان معتقدها، ومهما كان جنسها ولونها ولسانها، من حكومة تباشر شؤونها، وتقوم بضبط الأمر فيها، قد تختلف أشكال الحكومة وأوصافها بين دستورية واستبدادية، وبين جمهورية وبلشفية وغير ذلك» ، ثم يختم هذا الكلام بقوله: «ولعل الكتاب الكريم ينحو ذلك المذهب أحياناً» [٢٧] ، ويورد أحاديث عن بعث الرسول ﷺ لعلي وأبي موسى ومعاذ ﵃ إلى اليمن، ومنها حديث بعث علي ﵁ إلى خالد «ليقبضن الخمس» ثم يقول الشيخ: «فبعث علي إلى اليمن يرويه أحدهم أنه تولية للقضاء، ويرويه الآخر أنه كان لقبض الخمس من الزكاة» [٢٨] مع أن المقصود خمس الغنيمة كما قال شراح الحديث، فليس في الزكاة خمس إلا في الركاز، وحول موضوعه بعض اختلاف بين العلماء ليس هذا مقام بسطه، ومنطلق كلامهم ما أخرجه مالك عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «في الركاز الخمس» [٢٩] . ٥ - وفي كثير من كتابات العلمانيين اليوم سوء أدب مع الله أو مع الرسول ﷺ ؛ فلقد سبق لحسن حنفي مثلاً أن اقترح في «التراث والتجديد» استبدال كلمة «الله» بكلمة «الإنسان الكامل» ! بدعوى أنه «مع أن علماء أصول الدين يتحدثون عن الله ذاته وصفاته وأفعاله، فإنهم في الحقيقة يتحدثون عن الإنسان الكامل؛ فكل ما وصفوه على أنه الله إن هو إلا إنسان مكَبَّر إلى أقصى حدوده!» [٣٠] . وحاول أحد العلمانيين أيضاً إثبات جواز تزويج المرأة نفسها بدون ولي اعتماداً على حديثي زواج النبي ﷺ من صفية وأم سلمة ﵄ بدون ولي. فقال بعد أن ساق الحديثين: «لم يكن الأمر يتعلق بأن الرسول ﷺ ولي السيدة صفية والسيدة أم سلمة لهذا تزوجهما من غير ولي لأنه وليهما، لقد عالج الأئمة المسلمون هذا الأمر، وأبدوا رأيهم بخصوص جواز أو عدم جواز أن ينكح الولي وليته من نفسه قياساً على الحاكم والشاهد؛ فالحاكم لا يحكم لنفسه، والشاهد لا يشهد لنفسه» [٣١] . ومنع الولي من الزواج من موليته هو رأي الإمام الشافعي ﵀ قياساً منه للولي على الشاهد والحاكم، فقد يميل الولي إلى مصلحته وحظ نفسه فيتزوج موليته دون أن يكون كفؤاً لها مثلاً، مثلما قد يميل الحاكم إذا حكم لنفسه، وكذلك الشاهد في شهادته، وهذا الميل غير متصور في حق رسول الله ﷺ ، كما أنه ﷺ فوق الأكفاء، ولذلك جعل الشافعي ﵀ الأصل في زواج الرسول صلى الله عليه وسلم أنه على الخصوص حتى يثبت العموم، بخلاف كلام العلماني السابق الذي يستبطن اتهاماً للمعصوم ﷺ بمحاباة نفسه، وهو سوء أدب مع رسول الله ﷺ ، ولم يستدرك الرجل بخصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم، بل تلك سنة سنها لنا جميعاً ولا سيما إذا تكرر الفعل أكثر من مرة « [٣٢] . وفي كتاب الشيخ علي لوثة وثنية يأباها دين التوحيد الخالص؛ إذ يصف الرسول ﷺ بما لا يليق إلا بالله سبحانه وهذا سوء أدب مع مقام النبوة حينما جعل الرسالة تقتضي لصاحبها» حق الاتصال بكل نفس اتصال رعاية وتدبير، وحق التصريف لكل قلب تصريفاً غير محدود « [٣٣] . ٦ - وكثير من العلمانيين لا يعرفون من الحديث سوى الواهي، أو الموضوع؛ فكم منهم من يلهج لسانه بحديث:» خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء «، وحديث» طلب العلم فريضة على كل مسلم «، أو حديث» الساكت عن الحق شيطان أخرس «، وهي أحاديث لا أصل لها، حتى إذا ما ذكروا حديثاً صحيحاً، فإنما ليوهنوه دون دليل ولا حجة، خذ لذلك مثلاً من الأمازيغية السياسية يتعلق باتهام داعية من دعاتها للفقهاء» بإقحام عدد هائل من الأخبار الموضوعة التي تشيد بقريش وتبوئها الصدارة والإمارة « [٣٤] . ويذكر في الهامش حديثين أحدهما للبخاري وهو:» لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان « [٣٥] ، والثاني لمسلم، وهو:» الناس تبع لقريش في الخير والشر « [٣٦] ، معتبراً حديث: » الأئمة من قريش «عبارة تتكرر في كتب الفقهاء مع أنها حديث. أما الشيخ علي عبد الرازق فإنه يذكر مجموعة أحاديث صحيحة ومنها ما ذكره داعية الأمازيغية السياسية ويشكك في صحتها قائلاً:» لا نريد أن نناقشهم في صحة الأحاديث التي يسوقونها في هذا الباب، وقد كان لنا في مناقشتهم في ذلك مجال فسيح، ولكننا نتنزل جدلاً إلى افتراض صحتها كلها « [٣٧] والأحاديث المقصودة هي: -» الأئمة من قريش «، ويصدره بصيغة التمريض» روي «إشعاراً بضعفه مع أن الحديث صحيح [٣٨] . -» تلتزم جماعة المسلمين «، وهو جزء من حديث متفق عليه عن حذيفة بن اليمان [٣٩] . -» من مات وليس في عنقه بيعة فقد مات ميتة جاهلية «وهو حديث لمسلم [٤٠] . -» من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر «، وهذا أخرجه مسلم أيضاً وغيره من حديث طويل [٤١] . ويطول بنا البحث إن نحن ذهبنا نستقصي أوجه التشابه بين ما أورده الشيخ علي في كتابه، وبين ما يورده العلمانيون دفاعاً أو دعوة لعلمانيتهم، يكفي أن نقول إن الخطاب يضاهي الخطاب، ولا عجب فإنما الطيور على أمثالها تقع!

стр. 4384

قضايا ثقافية محمد أركون ومشروعه النقدي ! محمد بوراس [*] يبرز اسم محمد أركون في ساحة الفكر العربي المعاصر بشكل قلق ومثير للجدل؛ بوصفه أحد أصحاب المشاريع الفكرية ذات الهاجس النقدي التي تروم تقديم قراءات جديدة للتراث الإسلامي بنصوصه المختلفة، إلى جانب أسماء كثيرة كمحمد عابد الجابري، وحسن حنفي، وطيب تيزيني، وغيرهم.. وتشكل الملامح الكبرى لمشروعه الفكري داخل ما يسميه: «الإسلاميات التطبيقية» والتي تهدف إلى إحداث قطيعة جذرية مع الدراسات الإسلامية التقليدية التي تطبعها الرؤية السكونية؛ بحيث لم تستطع الارتقاء إلى مستوى التجاوب مع أسئلة العقل النقدي.. وذلك بالاعتماد على مجموعة من المناهج والأدوات المنتجة في إطار التطور الذي عرفته العلوم الإنسانية في الغرب، وخصوصاً المنهج التفكيكي الحفري بمفهومه الفوكوي (نسبة إلى ميشيل فوكو) ، كأساس للقراءة النقدية للتراث.. ولهذا فإن الهدف الأساسي لأبحاث أركون هو تأسيس أو بناء نظرية جديدة في التعامل مع التراث تقوم على نقد بنيته التكوينية وآلياته المعيارية، ثم ضرب مقوماته الأصيلة عن طريق إخضاعه للنموذجية الغربية في التفكير.. وهي النظرية التي تحكم نسقية المشروع الأركوني واستراتيجيته النقدية كما تترجم عنها أعماله الفكرية منذ رسالته الجامعية عن «مسكويه فيلسوفاً ومؤرخاً» (١٩٧٠م) ، ثم مؤلفاته التالية مثل: «قراءات في القرآن» (١٩٨٣م) ، و «محاولات في الفكر الإسلامي» (١٩٧٣م) ، و «الأنسية العربية في القرن الرابع الهجري» (١٩٨٢م) ، و «نقد العقل الإسلامي» (١٩٨٤م) : و «الإسلام: الأخلاق والسياسة» (١٩٨٧م) ، وغيرها من البحوث والدراسات المتناثرة هنا وهناك.. ونحن لن ندعي الإحاطة بكل ما كتبه أركون في هذه القراءة التي نعتبرها أولية وتمهيدية في أفق إنجاز دراسة تحليلية شاملة مستقبلاً بإذن الله تعالى؛ بل كل ما نطمح إليه هنا هو إضاءة بعض الجوانب الأساسية من الأطروحة الأركونية واختياراتها النقدية التي تعكس توجهاً فكرياً عاماً لتيار فلسفي أصبح لمقولاته صدى خطير في واقعنا الثقافي المعاصر. ١ - معالم مشروع نقدي: ينطلق محمد أركون كما قلنا في كل أعماله من منظور نقدي قائم على تصور معين للتراث الإسلامي ونتاجه الفكري؛ فمشروعه كما يقول يرمي إلى «إعادة كتابة جديدة لكل تاريخ الفكر الإسلامي والفكر العربي» [١] . والمقصد الأساسي لهذه العملية هو تتبع المساحات الخفية التي ظلت بعيدة عن مجال النقد والتفكير، وكل ما يدخل ضمن دائرة ما يسميه «اللامفكر فيه» المستحيل التفكير فيه، ولعل هذا هو المحور الأساسي الذي يدور عليه المشروع الأركوني في جملته. يقول: «إن معظم الأسئلة التي ينبغي طرحها على التراث تدخل في دائرة» اللا مفكَّر فيه «أو» المستحيل التفكير فيه «، هذا يعني أن السؤال المطروح ليس هو: ما هي الأشياء والموضوعات التي فكر فيها الفكر العربي المعاصر، وهل فكر بشكل جدي وصحيح أم لا؟ وإنما هو: ما هي الأشياء التي لم يفكر فيها حتى الآن؟ وما هي الموضوعات التي لم يطرقها؟» [٢] . أي أن سلطة الهاجس النقدي بمفهومه الشمولي هي التي تؤسس مفاهيم الخطاب الأركوني وتصوغ طروحاته في شكل أسئلة لا تقدم لها غالباً إجابات واضحة ومحددة، وهنا تبرز إحدى الخصائص الأساسية لهذا الخطاب باعتباره يستتر تحت عباءة البحث عن «اللا مفكر فيه» داخل التراث، في حين أنه يمارس نوعاً من الإجهاض المتعمد لعناصره الإيجابية في مقابل إحياء كل الجوانب السلبية التي لفظها التاريخ؛ ولهذا فهو يقول: «ينبغي للتراث الكلي أن يتعرض لتفحص أركيولوجي صبور وعميق من أجل العثور على أجزائه المجهضة والمستبعدة والمحتقرة، وإعادة كتابة تاريخها أو تركيبها إذا أمكن، وليس فقط من أجل التركيز على صيغه الثابتة أو اتجاهاته الراسخة المرتبطة إلى حد كبير بالدولة الرسمية والدين الرسمي» [٣] ، وبعبارة أخرى: إنه يعمل على «خرق الممنوعات وانتهاك المحرمات» التي «أقصت كل الأسئلة التي كانت قد طرحت في المرحلة الأولية والبدائية للإسلام، ثم سُكِّرت وأغلقت عليها» [٤] . وإذا تساءلنا عن ماهية التراث الذي يريد ممارسة آليته النقدية عليه، كان الجواب أنه «مجموعة متراكمة ومتلاحقة من العصور والحقب الزمنية. إن هذه القرون المتطاولة متراتبة بعضها فوق البعض الآخر كطبقات الأرض الجيولوجية أو الأركيولوجية، وللتوصل إلى الطبقات العميقة، أي القرون التأسيسية الأولى.. لا بد من اختراق الطبقات السطحية الأولى والوسطى.. لا بد لمؤرخ الفكر كما يقول » فوكو «أن يكون أركيولوجي الفكر» [٥] ؛ ليتبين بوضوح أن مفهوم التراث غير مفصول في أبعاده الكاملة عن المنهج الذي يتبناه قبلاً؛ بحيث يبدو أن استعارته لمفهوم الحفر الأركيولوجي هو الذي بلور هذه الصفة الجيولوجية للتراث، ليعطي إحساساً بالجمود والسكونية يسريان في تلافيف الطبقات المكونة له.. ولعل هذه الصورة تبدو أكثر وضوحاً عندما نتعرف على التركيبة الداخلية لهذه الطبقات، أي العناصر الثاوية تحت مسمى التراث كما يفهمه أركون؛ فهو يقول: «ولكن هذه الفصول المكتوبة من قبل باحثين متخصصين ليست إلا عبارة عن وصف للمعارف المتراكمة المتعلقة بكل موضوع أتى به التراث كالشعر الجاهلي، والنثر العربي البدائي، والرسالة النبوية، والقرآن والحديث والسيرة والشعر الأموي والتأثيرات اليونانية والفارسية على الأدب العربي» [٦] . إذن؛ فالتراث حسب هذه الرؤية بنية تراكمية تشكلت عبر أجيال متلاحقة، وتتكون من مزيج من المعارف المتداخلة بطريقة لا يفصل فيها بين الإلهي والبشري، وهو ما يعطيه مضموناً ثبوتياً يقتضي إنتاج قراءة تفكيكية لمكوناته الداخلية؛ وعلى ذلك فإن المنهج يتحدد انطلاقاً من التصور الأركيولوجي للمعرفة؛ باعتبار أن صفة التراكم التي تميز التراث تفرض التعاطي مع منتجاته المعرفية بشكلها المتداخل والأفقي في حدود معطيات هذا التصور والمنهج الذي ينتجه. وإذا كانت ممارسة القراءة النقدية تستلزم التسلح بآليات منهجية محددة يستطيع من خلالها القارئ الوصول إلى نتائج وخلاصات معينة، فإن أركون في اهتمامه بمثل هذه القراءة حريص على الطابع المنهجي أكثر من حرصه على الوقوف على النتائج والخلاصات النهائية، أي أن كتاباته تتضمن مشاريع في البحث بما تقدمه من خطاطات أكثر مما تعطي من إجابات عن الأسئلة التي تطرحها؛ فهو يقول: «سوف أكتفي بالتنصيص على بعض المبادئ الحادة والقاطعة بهدف إثارة الاعتراضات والتحفظات، ومن ثم التفكير والمناقشة النقدية، أكثر مما تهدف إلى تقديم نتائج وإجابات جاهزة» [٧] ، فإذا بحثنا عن ملامح المنهج النقدي الذي يطبقه في دراسته للفكر الإسلامي وتراثه، فإننا نكاد لا نظفر بمعالم محددة يمكنها أن تساعدنا على القبض عليه في صورته الثابتة؛ فهو وإن كان في شكله العام منهجاً حفرياً تفكيكياً، إلا أنه يوظف مجموعة من الأدوات ويستخدم ركاماً من المناهج، تبدو معها كتاباته وكأنها معرض متنقل لما أنتجه الفكر المعاصر وما ابتكره العقل الغربي؛ ولذلك فهو لا يفتأ يلحُّ على ضرورة التسلح بالأدوات المنهجية التي تبلورت منذ الخمسينيات في مجال العلوم الإنسانية بشتى فروعها من التاريخ واللسانيات والأنتربولوجيا وعلم النفس بجميع مدارسه وعلم الأديان المقارن، والسيمولوجيا، ثم الابستمولوجيا والفلسفة، لتجد مؤلفاته حافلة بأسماء كثيرة من قبيل: ماركس، وفرويد، وستراوس، وباشلار، وألتوسير، وبارث، وفوكو، وبلاندياي، وديريدا، وبورديو، وريكور، وبروديل، وغودولي، وغيرهم، إضافة إلى تكثيفه لمجموعة من المفاهيم المنتجة داخل المجال الحيوي للفكر الغربي منها: رأس المال الرمزي، الزمن الطويل، التقطيع الميثي، التاريخية، الخطاب السيميائي، اللا مفكر فيه، المكبوت، البنية العميقة، الابستيمي، مديونية المعنى ... إلخ. وهذا ما يجعل خطابه مسكوناً بهاجس التغيير بدعوى تجديد آليات الفكر الإسلامي وربطه بفتوحات الحداثة الفكرية، عن طريق الاستفادة من المناهج الجديدة؛ حيث يقول: «ينبغي علينا إعادة تشكيل علم الربوبية، وعلم ثيولوجيا الوحي، وعلم ثيولوجيا التاريخ، وثيولوجيا الأخلاق وفلسفة القانون، إلخ.. ولكي ننجز كل هذا العمل بشكل مُرْض نحتاج أولاً إلى تشكيل علم لسانيات حديث للغة العربية، وتشكيل نظرية متماسكة للتأويل وتشكيل علم سيميائيات الخطاب الديني، ثم تشكيل نظرية للرمز وأنتروبولوجيا سياسية؛ مع نظرية متكاملة عن المشروعية العليا والسلطات التنفذية والديالكتيك الذي يربط بينهما. كل هذا نحتاجه وكل هذا لا يزال ينقصنا في الساحة الإسلامية وفي الناحية العربية. وهذا يشكل بحد ذاته برنامجاً ضخماً لمن يريد أن يعيد التفكير في الإسلام بالمعنى الجذري الاستراتيجي للكلمة» [٨] . وبإزاء هذا التحديد لا نملك إلا أن نطرح الأسئلة الآتية: هل ننتظر تشكل كل هذه العلوم والنظريات من أجل إعادة التفكير في الإسلام؟ ولماذا؟ هل الإسلام والتفكير فيه يحتاج لكل هذا الركام من المعارف والمنهجيات التحليلية؟ ثم ما هو الأساس المنطقي الذي يمكنه إقناعنا في حالة تشكل هذه العلوم بأن ما نتوصل إليه عن طريقها هو الحقيقة النهائية؟ وما الذي سيستفيده الإسلام والفكر الإسلامي من ذلك؟ وما الهدف النهائي لكل ذلك؟ إن الروح النقدية بجميع مستوياتها تسيطر بشكل خطير على سيرورة الخطاب الأركوني وتوجهه بكيفية آلية عبر متاهاتها الغامضة لينبثق عنها ما يمكن اعتباره توتراً نقدياً من الدرجة الأولى غايته نسف أساسيات العقل الإسلامي وكل ما أنتجه من تراث فكري؛ فالمطالبة بإعادة تشكيل مناهج النظر والقراءة بالكيفية التي تتلاءم ومنتجات الفكر الأوروبي المعاصر، إضافة إلى كونها تعبر عن نوع من الهزيمة الفكرية والاستلاب الثقافي فإنها تساهم في تأكيد الصورة الثبوتية والمنغلقة للإسلام وتراثه؛ من حيث إنه يحتاج إلى أدوات خارجية ومفصولة عنه حتى يمكن التفكير فيه بطريقة «علمية» ؛ أي أنه لا يملك أدواته الخاصة المنتجة ذاتياً انطلاقاً من تفاعل عناصره الداخلية بالشكل الذي يفجر القوى الكامنة فيه ويبرزها، في سبيل صياغة منهج إسلامي متكامل وواضح المعالم، ينطلق من النص كفاعلية ويجعل من قاعدة الاجتهاد مدماكاً لتفعيل حركية الوعي بأشكاله المختلفة، ثم يرتقي بالفكر إلى درجة من العقلانية تسقط فيها الحدود بين المثال والواقع، وتزول التقسيمات المفتعلة بين العقل والنقل، وبين المادة والروح، وبين الظاهر والباطن.. وهو الشيء الذي يرفضه أركون من خلال حديثه عن العقل الإسلامي وتركيبته الداخلية وكيفية نشأته وطرائق اشتغاله في التاريخ والمجتمع من خلال دراسته التحليلية لرسالة الشافعي؛ حيث خلص إلى أن العقل الإسلامي الكلاسيكي تفرع إلى عقول إسلامية متنافسة، ثم تحول فيما بعد إلى عقل إسلامي أرثوذكسي صلب ومغلق على ذاته [٩] . وهذا يعني نزع صفة العقلانية عن هذا العقل ومنتجاته الفكرية انطلاقاً من انغلاقه الأرثوذكسي وتشبعه بمفاهيم وقيم موروثة عن عصور سيادة اللاهوت والتصورات الميثولوجية! ولأن الهدف الرئيسي عند أركون من الدراسة الأنثروبولوجية الدينية للتراث الإسلامي هو «توضيح التنافس المستمر بين المعرفة الأسطورية والمعرفة العقلانية وروابطها المتغيرة والمتحولة» [١٠] ، فلا بد أن تأتي تأكيداً لهذه الخلاصة النظرية التي تقول: «إن الفكر العربي الإسلامي لا يمكنه الانفتاح على العقلانية الحديثة بشكل فعلي ودائم وناجح إلا بتفكيك مفهوم» الدوغمائية «ومفهوم» الأرثوذكسية « الخاصين بتراثه هو بالذات، وما دام المؤمن سجين نظام الإيمان، وما دام الإيمان الأرثوذكسي سجين المقولات الميثولوجية القروسطية، وغير قادر على فتح كوة أو ثغرة على الخارج، أي على العقلانية العلمية والفكر التاريخي فسوف يراوح مكانه» [١١] . وهكذا فإن هذه الممايزة بين شكلين من أشكال المعرفة التي يتقاطع فيها الأسطوري بالعقلاني بطريقة تنافسية، يسوغ أي انزياح نقدي في اتجاه تحطيم أحد الشكلين لصالح الآخر.. وما دام أن العقلانية تبقى هي الخيار الوحيد أمام الفكر الإسلامي لتحقيق انطلاقته، فلا بديل سوى تحطيم أساسيات المعرفة الأسطورية داخل بنيته.. ولئن كان أركون يستعمل مصطلح التفكيك تعبيراً عن آلية منهجية في النقد والقراءة، فينبغي صرفه إلى معنى التحطيم والتدمير كما تبلور على يد كل من هايدجر ونيتشه ودريدا، أما العقلانية فلا ريب أنها تعني عقلانية الغرب كما اتضحت معالمها منذ ما سمي بـ (عصر الأنوار) ، وهي تقوم على استبعاد المرجعية الدينية وتقويض اليقين الغيبي ومعطيات الوحي، وبناء على ذلك فإن الفكر الإسلامي الذي تحكمه الرؤية الأسطورية القروسطية كما يرى أركون مدعو للدخول في الحداثة الفكرية بكل أبعادها انطلاقاً من الانفتاح على العقلانية المعاصرة من جهة، وتحطيم الموروث الديني من جهة أخرى! والملاحظ هنا أن أركون لم يأت بجديد يتميز به عمن سبقوه من دعاة التغريب؛ إنه نفس الخطاب الذي أنتجته الصدمة الأولى مع الغرب، يتكرر في ثوب جديد، بلغة أكثر حداثة لا تميزها سوى زخارفها اللفظية وتعبيراتها المفخمة مع ذلك الركام من المفاهيم والمصطلحات العسيرة الهضم.. فالطريق إلى «الحداثة» التي يريد أركون وغيره إدخال الإسلام وأهله فيها، يمر عبر التحرر من سلطة النص الذي تكونت في ظله ثوابت العقل الإسلامي ومحدداته التي تشكلت منها بنية النظام المعرفي داخل بناء الثقافة الإسلامية، والتي يحدد أركون أهم خصائصها فيما يلي: ١ - الخلط بين الميثي (الأسطوري) والتاريخي. ٢ - التدعيم القطعي للقيم الأخلاقية الدينية انطلاقاً من القرآن والسنة. ٣ - التأكيد اللاهوتي لتفوق المؤمن على غير المؤمن، والمسلم على غير السلم. ٤ - حصر وظيفة العقل في الاجتهاد وتأويل الوحي (النص المقدس) . ٥ - تقديس اللغة، والتركيز على قدسية المعنى المرسل من قبل الله. ٦ - التأكيد على تعالي المقدس وتجاوزه التاريخية [١٢] . وهو تحديد يقوم على إبراز مجموعة من الثنائيات المتضادة: الأسطورة / التاريخ، الإيمان / الكفر، العقل / الوحي، التعالي / التاريخية.. من أجل إعطاء تفسير لما يسببه «الابيستمي الإسلامي» ، أساسه رفض طابعه التقديسي، ومن ثم تجاوزه بوصفه خطاباً ومنظومة قيم، إضافة إلى تقديم تصور جديد للعلاقة بين المنظومات الفكرية التي تشكلت تاريخياً داخله. من هنا فأركون مثلاً لا يميز بين السنة والشيعة رغم ما بينهما من اختلاف؛ لأنهما بكل بساطة يستخدمان نفس المبادئ والقواعد والآليات، أي أنهما يعتمدان نفس النظام المعرفي، ونفس العقلية الدوغمائية ونفس المفهوم الآحادي للحقيقة، ونفس استراتيجية الرفض التي تبديها كل فرقة إزاء الأخرى [١٣] . وعلى ذلك فإن توجهه النقدي محايث للتحديد السابق، إن لم نقل إنه ينطلق منه كمقدمة لإنجاز مشروعه في نقد العقل الإسلامي.. وإذا كانت «المشكلة مع التراث كما يرى أركون أنه لا توجد حدود واضحة بين الميثوس واللوغوس» [١٤] ؛ فمن الطبيعي أن تتوجه إرادته في تفكيك هذا التراث إلى محاولة كشف هذه الحدود، انطلاقاً من إعادة إنتاج آليات نقدية تستجيب للتطورات المعرفية التي يشهدها هذا العصر بكون هدفها الأساسي هو تحرير العقل الإسلامي من الأساطير العديدة التي تشوبه [١٥] . ويبقى هذا الهاجس التحريري طاغياً على المضمون العام للمشروع الأركوني باعتباره «استراتيجية معرفية للفتح والتحرير» أي «فتح العقليات المغلقة وتحريرها» [١٦] ، ومن هنا فهو لا يفتأ يبشر باليوم الذي تنتصر فيه الحداثة الفكرية؛ حيث يتم الخروج من الحالة الثبوتية التي وصل إليها الإسلام بعد تحوله إلى أرثوذكسية، أي «من طاقة تغييرية انبثاقية إلى تصور ثابت وثبوتي للحقيقة» [١٧] . بناء على ما تقدم، فإن التصور الأركوني في جملته يبقى سجين معايير مسبقة وجاهزة عن «الحداثة» و «العقلانية» ، تنتصب مثل أصنام جامدة! وهو تصور يرتكز أساساً على محاكمة غير عادلة لمنتجات الفكر الإسلامي الذي نشأ في إطار تاريخي معين، وتطور ضمن سيرورة خاصة، وتشكلت مفاهيمه من خلال تفاعله مع النص القرآني وعبر اندماج تكاملي بين معطيات الوحي ونتاج التجربة الإنسانية؛ وذلك من خلال منتجات فكر آخر تحكمه قوانين تاريخية مختلفة في نشأته وتطوره، وله مفاهيمه الخاصة وتجربته المغايرة.. وتلك هي المغالطة الكبرى التي يقع فيها كل المفكرين الذين يمثلون تيار «الحداثة الفكرية» وأركون أشهرهم. ٢ - القرآن في ميزان النقد!! إن تعامل محمد أركون مع النص القرآني ينطلق من اعتباره جزءاً من التراث الذي يستلزم القراءة النقدية، وإعادة كتابة تاريخه وفق محددات المشروع الذي يتبناه. بمعنى أن القرآن ليس أكثر من نص تشكَّل تاريخياً ضمن شروط معينة كغيره من النصوص التي يحفل بها الموروث الفكري للحضارة الإسلامية، مثله في ذلك مثل الشعر الجاهلي أو الشعر العباسي أو غيرهما من منتجات الفكر الإنساني عبر العصور المختلفة.. وهو ما يعني نزع القداسة عنه باعتباره نصّاً إلهياً له خصوصيته؛ من حيث إخضاعه للنقد التفكيكي والقراءة الحفرية عن طريق توظيف كل المناهج الممكنة من أجل «فرض قراءة تاريخية» عليه [١٨] ، ومن ثم إخضاعه «لمحك النقد التاريخي المقارن، وللتحليل الألسني التفكيكي، وللتأمل الفلسفي المتعلق بإنتاج المعنى وتوسعاته وتحولاته وانهدامه» [١٩] . وكل ذلك بهدف «استنطاقه عن مشروطيته وحدثيته، كاشفاً عن تاريخيته الأكثر مادية ودنيوية، والأكثر يومية وعادية، بل الأكثر شيوعاً وابتذالاً» [٢٠] . وهكذا فإن موقفه من القرآن لا يتميز في شيء عن موقفه من التراث عموماً، وهو وإن كان يعتبر «أن الدراسة العلمية للمقدس لا تعني الانتقاص منه أو المس به، وإنما تعني فهماً أفضل لكل تجلياته وتحولاته، وتحذيراً لبعض الفئات أو بعض الأشخاص من التلاعب به لمصالح شخصية أو سلطوية» [٢١] ؛ فإنه لا يخفي نزعته التشكيكية في دراسته هذه، بل إنه يقول في نفس السياق: «ويمكنني أن أقول بأن المقدس الذي نعيش عليه أو معه اليوم لا علاقة له بالمقدس الذي كان للعرب في الكعبة قبل الإسلام، ولا حتى بالمقدس الذي كان سائداً أيام النبي» [٢٢] .. وبناء على ذلك فهو يشكك في الرواية الإسلامية لقصة جمع القرآن، حيث يقول: «راح الخليفة الثالث عثمان (أحد أعضاء العائلة المعادية لعائلة النبي) يتخذ قراراً نهائياً بتجميع مختلف الأجزاء المكتوبة سابقاً والشهادات الشفهية التي أمكن التقاطها من أفواه الصحابة الأُوَل. أدى هذا التجميع عام ٦٥٦م إلى تشكيل نص متكامل فرض نهائياً بصفته المصحف الحقيقي لكل كلام الله كما قد أوحي إلى محمد. رفض الخلفاء اللاحقون كل الشهادات الأخرى التي ترى تأكيد نفسها (مصداقيتها) ؛ مما أدى إلى استحالة أي تعديل ممكن للنص المشكل في ظل عثمان» [٢٣] ، بل إن هذا التشكيك يمتد إلى طريقة تبليغ الرسول ﷺ للقرآن وكيفية نقله عنه حفظاً وكتابة؛ حيث ينتقد الرواية الرسمية القائلة بأنه «عندما ينقل محمد سورة قرآنية فإنه عندئذ ليس إلا أداة بحتة للتوصيل والنقل دون أي تدخل شخصي، وأنه فقط يتلفظ بكلام الله، وهو إذن الناطق بكلام الله في اللغة العربية، كان هناك شهود وصحابة يحيطون به في أثناء ذلك، وقد حفظوا عن ظهر قلب السور واحدة بعد الأخرى، ويطيب للتراث المنقول أن يذكر أنه في حالات معينة فإن بعض السور كان قد سُجِّل كتابة فوراً على جلود الحيوانات وأوراق النخيل أو العظام المسطحة.. إلخ.. واستمر هذا العمل عشرين عاماً» [٢٤] . وبعد إثارة هذه الشكوك حول ما نقل من روايات عن حقيقة كتابة وجمع القرآن سواء في عهد الرسول ﷺ أو في عهد خلفائه وخاصة عثمان بن عفان ﵁؛ فإنه ينتقل إلى تحديد ما يعتبره مهام عاجلة تتطلبها المراجعة النقدية للنص القرآني، فيقول: «ينبغي أولاً إعادة كتابة قصة تشكُّل هذا النص بشكل جديد كلياً، أي نقد القصة الرسمية للتشكيل التي رسخها التراث المنقول نقداً جذرياً، هذا يتطلب منا الرجوع إلى كل الوثائق التاريخية التي أتيح لها أن تصلنا سواء كانت ذات أصل شيعي أم خارجي أم سني. هكذا نتجنب كل حذف تيولوجي لطرف ضد آخر، المهم عندئذ هو التأكد من صحة الوثائق المستخدمة. بعدها نواجه ليس مسألة إعادة قراءة هذه الوثائق فحسب، وإنما أيضاً محاولة البحث عن وثائق أخرى ممكنة الوجود كوثائق البحر الميت» [٢٥] . وإذا تساءلنا عن الدواعي الحقيقية والمنطقية لمثل هذه المراجعة، وهل هناك ما يجعلها ضرورة «علمية» ؟ وجدنا أن الدافع الأساسي لهذا التوجه إنما هو محاولة توحيد الرؤية حول الأديان التوحيدية، باعتبارها تجسد ظاهرة الكتاب الموحى، وما ينشأ عن ذلك من تشكيل متخيل مشترك لدى المجتمعات الكتابية محوره «هو الكلام المتعالي والمقدس والمعياري لله» حيث «اعتاد الجميع على إبراز الأديان التوحيدية بصفتها وحياً معطى أو نزولاً لله في تاريخ البشر بحسب ذلك المجاز القرآن (التنزيل) الذي يجد مقابلاً له في العقيدة المسيحية القائلة بتجسيد الله الأب في يسوع المسيح الابن. إن هذا الوحي المعطى متعالٍ ومقدس ويهدي البشر في تاريخهم الدنيوي لكي يحصلوا في نهاية المطاف على نجاتهم في الدار الآخرة» [٢٦] . فإذا كانت التوراة والأناجيل قد تعرضت للنقد والتفكيك وطبقت عليها كل المناهج المعاصرة في قراءة النصوص، فإن القرآن باعتباره يشترك معها في نفس الخصائص العامة لكل كتب الوحي، لا ينبغي أن يخرج عن القاعدة، ويجب إخضاعه لنفس المعايير النقدية، من أجل الوصول إلى نفس النتائج؛ ولذلك نرى أركون يتأسف لأن الديانتين السابقتين قد شُكِّك في كتابيهما «أما الإسلام، ومن ثم القرآن، فقد بقي في منأى عن انقلابات الحداثة وشكوكها» [٢٧] . ولعل في قيامه بالمراجعة النقدية للقرآن ما يلبي حاجته إلى إيجاد مجال حيوي لاستخدام ترسانته المعرفية المتراكمة من العلوم الاجتماعية والإنسانية! إن القراءة النقدية التي يباشرها أركون للنص القرآني تدخل ضمن تصور خاص لظاهرة الوحي يحاول من خلاله أن ينزع عنه طابعه المقدس باعتبار أن هذه القداسة إنما هي رداء تم إضفاؤه عليه عن طريق تحويله إلى «نص مثبت ومحدد في مصحف مغلق راح يُستغل ... باعتباره مجموعة من الصيغ المعيارية التي تحدد المفكَّر فيه على المستوى المعرفي، وتحدد المؤسسات والقانون على المستوى السياسي والقضائي» [٢٨] ، وهو تحويل تم عبر «عملية الأسطرة التي طالت الحدث التاريخي التأسيسي الأول وحولته إلى حدث أسطوري» [٢٩] ، والمقصود بهذا الحدث التأسيسي الأول هو نزول الوحي.. وهذا ما يجعل القرآن يبدو كأنه نوع من الأسطورة [٣٠] .. والأسطورة كما يعرفها تعبير عن معنى مثالي مفتوح وفق تاريخية تعتمد الترميز الفني الذي يختلط فيه الخيالي بالعقلاني [٣١] .. فالخطاب القرآني في رأيه نموذج للتعبير الميثي (الأسطوري) ، يقول: «إن الحكايات التوراتية والخطاب القرآني هما نموذجان رائعان من نماذج التعبير الميثي (الأسطوري) » [٣٢] . وإذا كان أركون قد أشار في بعض حواراته إلى أن ترجمة كلمة (Mythe) ليست أسطورة، وأن مترجم كتابه «الفكر العربي» عادل العوا قد أخطأ حينما ترجم جملة: (Le Coran est un discours de Structure mythique) بعبارة: «القرآن خطاب أسطوري البنية» ، وأنه ما قصد ذلك بل قصده أن يقول: «إن القرآن قصصي البنية» [٣٣] ، ورغم تأكيد تلميذه ومترجم مؤلفاته هاشم صالح على أن «كلمة أسطورة في استخدامات أركون لها مأخوذة بمعناها الوصفي الأنتروبولوجي وليس بأي معنى سلبي» [٣٤] .. فإن القارئ لكتاباته يستنتج العكس؛ حيث تأتي دائماً لتعبر عن المقابل السلبي للعقلانية والفكر العلمي، مرادفة للمتخيل والمثالي واللا معقول.. فهو مثلاً يعول من بين أهداف دراسته للتراث «توضيح التنافس المستمر بين المعرفة الأسطورية والمعرفة العقلانية وروابطها المتغيرة والمتحولة» [٣٥] . فإذا بحثنا عن الجانب الذي يمثله النص القرآني داخل هذا التصنيف المعياري، وجدنا من القرائن ما يثبت أن هذا النص باعتباره جزءاً من التراث حسب رؤية أركون يعبر عن معنى أسطوري يتجسد من خلال خطابه المثالي وبنيته الفكرية التي تترجم عن نوع من التعالي وتجاوز التاريخ؛ ولذلك فمما يعيبه أركون على المستشرقين «تقديمهم للقصص القرآني والحديث النبوي والسيرة على أنها تشكيلات استدلالية وعقلانية في حين أنها مدينة للمخيال الذي يبلور الأساطير الخاصة بأصول كل فئة أو ذات جماعية، وتساهم في تأسيسها وإنجاز هويتها» [٣٦] .. إضافة إلى هذا فإنه يحاول أن يضفي الطابع الأسطوري على معطيات التجربة الإسلامية وقيمها المختلفة انطلاقاً من إقامة نوع من التقابل بين فكر أسطوري وآخر علمي، فيقول: «إن الفكر الأسطوري أو الأيديولوجي هو وحده القادر على التحدث باسم المعايير الإسلامية» الموضوعية «، وبلورة هذه المعايير بشكل مطمئن وواثق من نفسه؛ ذلك أن التفكير العلمي يرى أن هذه المعايير غير موجودة بل تنتظر أن يتم البحث عنها وترسيخها أو تسويغها باستمرار» [٣٧] ، وهذا يعني أن هذه المعايير التي تبلورت من خلال الخطاب القرآني أصلاً لا يمكن أن تعبر عن حقيقتها إلا عبر نموذج أسطوري ينجلي في الواقع بشكل طبيعي ومقبول؛ لأنها تحمل في داخلها بذور هذا النموذج؛ فهي ذات مضمون وبنية أسطورية تتشكل عبرهما تمظهراتها الخارجية؛ ومن ثم فهي لا تقبل أي تكييف علمي لبلورة مفاهيمها أو صياغة صورتها الواقعية. وهكذا يتبين أن أركون في تحليله لعلاقة الأسطوري بالمقدس يزاوج بينهما انطلاقاً من أن أحدهما يعبر عن الآخر، أو أنهما يعبران عن شيء واحد، على اعتبار أن تشكلهما كان متلازماً، أي أن كلاً منهما تشكل تاريخياً من خلال الآخر وبه، ومن ثم لا يمكن الفصل بينهما.. ولعل هذا هو الأساس الذي يَبْنِي عليه قراءته لمجمل التراث الإسلامي بنصوصه وأشخاصه وأحداثه. أما بالنسبة لحديث أركون عن وقوع الخطأ في ترجمة كلمة (Mythe) الفرنسية ففيه نوع من المراوغة؛ لأنه في الحقيقة لا يوجد مقابل عربي لهذه اللفظة غير «أسطورة» أو «خرافة» أو «وهم» [٣٨] ، ثم إن هذه الكلمة أصلها (Mythos) الإغريقية التي تعني المقابل الطبيعي لـ (Logos) أي العقل، وهو الأصل الذي تستمد منه معناها في اللغة الفرنسية المتداولة.. وبذلك فإن أي مترجم متخصص مهما كان متمكناً لا يستطيع أن يخترع كلمة أخرى تؤدي المعنى الذي يقصده أركون على فرض صدقه. ونحن نجد أن مترجم جل أعماله هاشم صالح لا يخرج عن هذه القاعدة؛ ومع ذلك فهو يعتمد هذه الترجمات ولا يحتج عليها بأي شكل من الأشكال، وحتى إذا طالب بعدم الحكم عليه انطلاقاً من النص العربي مهما كانت الترجمة أمينة، باعتبار أن المصطلحات الحديثة تثير الكثير من الإشكالات؛ فإن هذا لا ينفي كون المضمون الذي تحمله كتاباته والوجهة التي تتخذها تحليلاته في قراءة النص القرآني تدعم ذلك المعنى السلبي في توظيف مصطلح «الأسطورة» (Mythe) . إن انجذاب الخطاب الأركوني نحو تأسيس منهج نقدي جذري في التعامل مع الظاهرة القرآنية يقوم أساساً على الشك المطلق إنما يرمي في النهاية إلى هدم مصداقية النص كمنطلق لهدم الدين؛ فهو يقول: «لا يوجد في الحالة الراهنة للأمور أية مشروعية روحية أو أي معيار» موضوعي «، أو أي مؤلف ضخم ومتميز يتيح لنا أن نحدد بشكل معصوم الإسلام الصحيح» [٣٩] ، وفي هذا دلالة عميقة على نفي موثوقية النص كأساس لإثبات نسبية الحقيقة الدينية، ومن ثم إعطاء المشروعية لكل عمليات النقد والتخطيء والمراجعة والتصحيح وما يستوجب الحكم بالنقص أو وجود الخلل والخطأ.. وفي السياق نفسه تفرض ضرورة التجاوز للخطاب والقانون الذي يقدمه (الشريعة) ، انطلاقاً من «أن القرآن كما هي الأناجيل ليس إلا مجازات عالية تتكلم عن الوضع البشري، إن هذه المجازات لا يمكن أن تكون قانوناً واضحاً» [٤٠] ، وفي هذا إشارة إلى استحالة تطبيق هذا القانون؛ لأنه مبني على فروض مفارقة أكثر من كونه مقاربة للواقع، ولعل هذا ما يفسر قوله: «إن القرآن يتكلم عن الدين المثالي الذي يتجاوز التاريخ، أو إذا ما شئنا يشير إلى التعالي» [٤١] ؛ أي أنه خطاب قائم على مبدأ تجاوز الواقع من خلال إعطاء الأسبقية للمثال، وتأسيس رؤية للتعالي تجعله نوعاً من الأسطورة. وإذا كان القرآن كما قدمنا قد أخضع لمطرقة النقد الأركوني وقراءته التفكيكية المسلحة بمنهج الشك المطلق؛ فإن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل امتد إلى غيره من الأصول الفكرية للإسلام مثل الحديث والقياس والإجماع؛ فالحديث عنده قد تعرض «لعملية الانتقاء والاختيار والحذف التعسفية التي فرضت في ظل الأمويين! وأوائل العباسيين أثناء تشكيل المجموعات النصية (كتب الحديث) المدعوة بالصحيحة، لقد حدثت عملية الانتقاء والتصفية هذه لأسباب لغوية وأدبية وتيولوجية وتاريخية» [٤٢] ، ثم إن هذا الحديث، إضافة إلى الإجماع والقياس وحتى القرآن «مبادئ غير قابلة للتطبيق» [٤٣] !! والخلاصة: إن شيئاً في الحقيقة لم يسلم من نقد أركون؛ فقد شمل التراث الإسلامي جملة وتفصيلاً: القرآن، والسنة، وأصول الفقه، والمذاهب، والتاريخ، وامتد إلى الصحابة، والفقهاء والأئمة، وطال العلماء وأفكارهم ومؤلفاتهم.

стр. 4385

الورقة الأخيرة على رسلكم يا أهل المنامات د. عبد العزيز آل عبد اللطيف [*] من المناسب في مطلع هذه المقالة أن نذكر أن الإمام الشاطبي ساق هذه القصة، وهي أن شريك بن عبد الله القاضي ﵀ دخل على الخليفة المهدي، فلما رآه قال: عليّ بالسيف والنطع، قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت في منامي كأنك تطأ بساطي وأنت معرض عني، فقصصتُ رؤياي على من عبّرها، فقال لي: يظهر لك طاعة ويضمر معصية، فقال له شريك: والله! ما رؤياك برؤيا إبراهيم الخليل ﵇، ولا أن معبرك بيوسف الصديق - عليه السلام -، فبالأحلام الكاذبة تضرب أعناق المؤمنين؟ فاستحى المهدي وقال: اخرج عني [١] . ومع أن الرؤيا الصالحة من المبشرات لا سيما في آخر الزمان إلا أن أهل هذا العصر غَلَب عليهم الانهماك في الرؤى والمنامات، فصار سؤالهم عن أحلامهم آكد وأهم من السؤال عن دينهم، كما تزايد عدد المعبّرين وصاروا يتصدرون المساجد والمجالس والقنوات الفضائية والمجلات، وغالى بعض المعبرين فجزم بأمور دقيقة، وقطع بأمور غيبية مستقبلية [٢] ، كما لو كان له رئي من الجن! ومع إجلالنا لبعض أهل التعبير من أهل العلم والديانة إلا أن طائفة من المعبّرين قد تقحمتْ هذا المسلك المتشعب، وخاضتْ في بحر لجيّ، ورحم الله الإمام مالك بن أنس لما سئل: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ قال: أبالنبوة يلعب؟ [٣] . فربما سئل أحد المعبرين عن كمّ هائل من الرؤى والمنامات فلا يترك شاردة ولا واردة إلا فسّرها، فأين هؤلاء عن الإمام محمد بن سيرين ﵀ الذي كان يُسأل عن مائة رؤيا فلا يجيب فيها بشيء إلا أن يقول: اتق الله، وأَحْسِن في اليقظة فإنه لا يضرك ما رأيت في المنام. وكان يجيب من خلال ذلك ويقول: إنما أجيبه بالظن، والظن يخطئ ويصيب [٤] . وكثير من أصحاب المنامات لا يميّزون بين الرؤيا الصالحة والرؤيا الفاسدة، فقد ذكر العلماء كابن الصلاح أمارات للرؤيا الفاسدة، كأن يرى مستحيلاً، أو يرى في المنام ما قد رآه في اليقظة، أو يرى ما قد حدثته به نفسه في اليقظة، ويكون مما قد يفكر به قبل النوم بمدة قريبة.. ونحو تلك العلامات [٥] . ومنهم من يرِّتب أحكاماً شرعية على تلك المنامات، والحق أنه لا يجوز إثبات أحكام شرعية بها، فالرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعاً على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوّغتها عمل بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها [٦] . والمقصود أن لا نستغرق في عالم الأحلام، ولا نستسلم للمنامات هروباً من واقع، أو تنصلاً من واجبات وتبعات، أو استرواحاً لعالم المُثْل! بل يتعين الاشتغال بما ينفع من تحصيل علم نافع، وعمل صالح، ودعوة إلى الله، وجهاد في سبيله؛ فهل نحن فاعلون؟

стр. 4386

المنتدى مشروع نشر ترجمة معاني القرآن Project for Publishing English Meaning of the Qur'an أخي الفاضل: قارئ مجلة البيان ... ... حفظه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يسر المنتدى الإسلامي أن يزف إليكم بشرى تبنيه واحدة من أدق وأسهل الترجمات الإنجليزية لمعاني القرآن الكريم والتي أسميناها (صحيح) . ولا شك أن كلام رب العالمين يعد من أفضل الوسائل لدعوة غير المسلمين إلى الإسلام ولذلك فإن المنتدى الإسلامي يعتزم - بعون الله - إقامة مشروع دعوي يستهدف غير المسلمين الناطقين بالإنجليزية وذلك بنشر وتوزيع ترجمة: (صحيح) للقرآن الكريم. ولثقتنا أن هذا الخبر يثلج صدر كل غيور على الإسلام أحببنا أن نبشركم به. والله يحفظكم ويرعاكم ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... أخوكم ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... د. عادل بن محمد السليم ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... أمين عام المنتدى الإسلامي

стр. 4387

شعبان - ١٤٢٣هـ نوفمبر - ٢٠٠٢م (السنة: ١٧)

стр. 4388

كلمة صغيرة ثرواتنا المهدرة ... حتى متى ؟! ما يحدث في عالمنا العربي من عدم استغلال الخيرات التي منحها الله لأمتنا على مستويات عديدة منها الظاهر ومنها الخفي، ومن هذا الخفي نزيف العقول التي تترك أوطانها في عالمنا لأسباب عديدة وتهاجر إلى الغرب فيحتضنها ويرعاها ويستفيد منها أيما استفادة ويضيفها إلى رصيد قوته. فتشير الإحصاءات المأخوذة من الدراسات التي قامت بها جامعة الدول العربية ومنظمة العمل العربية ومنظمة اليونسكو وبعض المنظمات الدولية والإقليمية المهتمة بهذه الظاهرة إلى الحقائق التالية: - يساهم الوطن العربي في ثلث هجرة الكفاءات من البلدان النامية. - أن ٥٠% من الأطباء و ٢٣% من المهندسين و ١٥% من العلماء من مجموع الكفاءات العربية المتخرجة يهاجرون متوجهين إلى أوروبا والولايات المتحدة، وكندا بوجه خاص. - أن ٥٤% من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم. - يشكل الأطباء العرب العاملون في بريطانيا حوالي ٣٤% من مجموع الأطباء العاملين فيها. - أن ثلاث دول غربية غنية هي الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا تصطاد ٧٥% من المهاجرين العرب. - بلغت الخسائر التي منيت بها البلدان العربية من جراء هجرة الأدمغة العربية ١١ مليار دولار في عقد السبعينيات. وقد تزايدت هجرة العقول العربية في العقود الثلاثة الأخيرة لأسباب كثيرة منها عدم توفير الظروف المادية والاجتماعية التي تؤمن مستوى لائقاً من العيش بالإضافة إلى ضعف الاهتمام بالبحث العلمي، وعدم وجود مراكز البحث العلمي المطلوبة؛ إلى جانب المشاكل السياسية والاجتماعية، وعدم الاستقرار التي تعاني منها أقطار عربية مختلفة، وقدرت خسارة العرب بسبب هجرة العقول العربية بـ ١.٥٧ مليار دولار سنوياً كما ورد في دراسة حديثة صدرت في دمشق. ومما يلفت النظر في الوطن العربي أنه مع ازدياد معدلات هجرة العقول العربية إلى الغرب يزداد اعتماد غالبية البلدان العربية على الكفاءات الغربية في ميادين شتى بتكلفة اقتصادية مرتفعة ومبالغ فيها في كثير الأحيان. وبعبارة أخرى فإن البلدان العربية تتحمل بسبب هذه الهجرة خسارة مزدوجة لضياع ما أنفقته من أموال وجهود في تعليم وإعداد الكفاءات العربية المهاجرة، ومواجهة نقص الكفاءات وسوء استغلالها والإفادة منها عن طريق استيراد الكفاءات الغربية بتكلفة كبيرة. إن الحقيقة المرة تكشف أن العالم العربي الذي ينفق على السلاح ٦٠ مليار دولار (يخزن في المستودعات) لا ينفق على البحث العلمي إلا ٦٠٠ مليون دولار فقط (يهدر بعضها في المصروفات الإدارية!!) ، وبينما تنفق الجامعات العربية ١% فقط من ميزانياتها على البحث العلمي، تنفق الجامعات الأمريكية ٤٠% من ميزانياتها على قطاع البحث العلمي!! لا شك أن هناك أسباباً عديدة وراء هذه الظاهرة المؤسفة، ولا شك أيضاً أن استمرارها وعدم التنبه لها ومعالجة أسبابها سوف يزيد هذا النزيف ويضاعف من حالة (الأنيميا العلمية والعقلية) التي توهن من قوانا وتجرنا بالتبعية خلف عدونا. فمتى نستغل طاقاتنا حتى لا تهاجر بمسوغات جلها غير معقول ولا مقبول؟

стр. 4389

الافتتاحية ولا تهنوا ولا تحزنوا الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فقد صدر في منتصف جمادى الثانية (منتصف أغسطس الماضي) تقرير في الولايات المتحدة الأمريكية يسمى (تقرير ستراتفور) ، ذكر أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الولايات المتحدة الأمريكية ليس تنظيم القاعدة، ولكنه حالة الاستياء الشديدة المنتشرة في شتى شرائح المجتمعات العربية والإسلامية من السياسات الأمريكية التي زادت من حدة الكره، وأحيت كوامن التحدي. ويفسر التقرير الإصرار الأمريكي على ضرب العراق على الرغم من معارضة معظم دول العالم، وبخاصة الحليفة منها لأمريكا، بأنه يهدف إلى خلخلة النفسية الإسلامية وإصابتها بالإحباط واليأس، وإشعارها بالعجز الشديد عن إمكانية تهديد المصالح الأمريكية في المنطقة في العاجل أو الآجل، أو معارضة مشاريع الأمركة السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية. وفي الاحتفالية الأولى لذكرى الحادي عشر من سبتمبر سعى الإعلام الأمريكي لإبراز التفوق الأمريكي على العالم، وأنه لا يزال الأقوى والأقدر على مواجهة الإرهابيين، وأكد وزير الدفاع الأمريكي في حوار له مع قناة (S.B.C) الإخبارية أن الحرب النفسية جزء لا يتجزأ من أهداف الحملة الأمريكية على الإرهاب، من أجل تأكيد الهيمنة الأمريكية، وإيجاد فراغ نفسي يُعجِز الآخرين عن التقدم أو المعارضة..!! وصرّح قائد القوات الأمريكية في أفغانستان في الاحتفالية نفسها أمام جنوده في قاعدة (باجرام) : بأن القوات الأمريكية نجحت في إسقاط حكومة طالبان، وتدمير مراكز القاعدة، ولكنَّ أهداف المرحلة القادمة تقتضي قطع جذور الإرهابيين من أصولها حتى لا يخطر ببالهم في الحاضر أو المستقبل مواجهة الحضارة الأمريكية! ولا شك في أن من أشدِّ العوارض التي قد تسقط الأمة وتجعلها لقمة سائغة بيد أعدائها المتربصين بها من كل مكان: داء اليأس والقنوط، وإذا سرت هذه الروح في الجسد أهلكته، وراح يجرُّ أثقالاً إلى أثقاله، حتى لا يقوى على الحركة، ثم يصبح بعد ذلك أسيراً للانكسار والمهانة، وهذا ما تريده الولايات المتحدة الأمريكية في حربها الشريرة! لقد مرَّت الأمة بموجة استعلاء أمريكية عارمة، ونزعة استبدادية طغت شرقاً وغرباً، ومع ذلك كله فإننا نرى في الأحداث العالمية المتصاعدة أفقاً مضيئاً عامراً بالأمل، يحدو المخلصين من أبناء هذه الأمة المعطاءة إلى النهوض بجد للعمل والبذل والعطاء. إننا نرى الباطل يزداد طغياناً وبطشاً وغدراً، ولكننا في الوقت نفسه نرى في طغيانه وبطشه وغدره بداية نهايته، وصدق المولى جل وعلا: [حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ] (يوسف: ١١٠) . نعم! لا نريد أن نسرف في التعلق بالأماني الكاذبة، والتطلُّع إلى السراب الخادع، ولكننا في الوقت ذاته لا نريد أن نكون منكسي الرؤوس في مستنقعات الهزيمة، ومواطئ الذل والمهانة، ولا نريد أن نغالط أنفسنا ونركز على الخسائر فقط، ونرى واقع الأمة كله بتشاؤم وإحباط..!! والأمل الذي نراه ليس مجرد عناد ومكابرة وتحدٍ وقفز على الواقع، وإنما هو عقيدة راسخة نؤمن بها. قال الله تعالى: [وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ] (يوسف: ٨٧) ، وقال تعالى: [وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ] (الحجر: ٥٦) . كما أنه ظاهر ولله الحمد في واقع الناس ظهور الشمس في رابعة النهار؛ فقد ازداد الوعي بحقيقة الصراع بين المسلمين واليهود والنصارى، وازداد انتشار الصحوة الإسلامية، وانفتحت أبواب من الخير كثيرة، على الرغم من شدة حملات التغريب والإفساد. إن اليأس حيلة العاجز الذي يُؤْثِرُ الانسحاب والانعزال، ويفقد طريقه إلى النهوض من جديد، وهو أعظم خدمة نقدمها لأعدائنا. قال الأستاذ سيد قطب ﵀: «والذي ييأس في الضرِّ من عون الله يفقد كل نافذة مضيئة، وكل نسمة رخيَّة، وكل رجاء في الفرج، ويستبد به الضيق، ويثقل على صدره الكرب، فيزيد هذا كله من وقع الكرب والبلاء ... ألا إنه لا سبيل إلى احتمال البلاء إلا بالرجاء في نصر الله، ولا سبيل إلى الفرج إلا بالتوجه إلى الله، ولا سبيل إلى الاستعلاء على الضر، والكفاح للخلاص إلا بالاستعانة بالله، وكل حركة يائسة لا ثمرة لها ولا نتيجة إلا زيادة الكرب ومضاعفة الشعور به» [١] . وتأمَّلْ تربيةَ القرآن العظيم للصحابة ﵃ فبعد الانكسار الذي أصابهم في غزوة أحد، وفقدهم لبعض الأجلَّة من أصحابهم كحمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير ﵄ نزل عليهم قول الحق ﵎ ولمَّا تجفَّ دماؤهم بعدُ: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٣٩) . إنها العزة والشموخ التي يبنيهما الإيمان في النفس؛ فالمؤمن الحق لا تزلزله المحن، ولا تهده المكائد، بل يدعوه ذلك كله إلى مزيد من العطاء والبذل والتضحية لدين الله تعالى ويبقى راسخاً سامقاً بعقيدته؛ ولهذا قال الله بعد ذلك بآيات قلائل: [وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ] (آل عمران: ١٤٦-١٤٨) . إنها تربية تملأ القلب بمعين من القوة لا يضعف ولا ينهزم، فمن تربى على حياض الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام فلن يتطرق الوهن إلى قلبه؛ بل تراه صابراً ثابتاً وإن أحاطت به المحن من كل جانب. نعم! ربما يألم ويتعب، لكن يهوِّن ذلك كله رجاؤه الصادق بما عند الله تعالى: [وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ القَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً] (النساء: ١٠٤) . إن من أولويات الدعاة والصالحين في هذه المرحلة الحرجة أن يشيعوا الأمل الصادق في نفوس الناس؛ الأمل الذي يدعو إلى الثبات على الدين والعض عليه بالنواجذ، والعمل لنصرته والذب عن حياضه، ويجب علينا أن نؤمن يقيناً بأن نصر الله تعالى لن ينزل على أوليائه بمعجزة خارقة، ولكن بسنَّة جارية يمتحن فيها العباد ليبلوهم أيهم أحسن عملاً. ولا شك أن هذا لن يتحقق بموعظة تتلى أو خطبة تلقى فحسب؛ ولكن بقدوات صالحة قوية في دين الله، ذاقت حلاوة اليقين، وصدَّقت بموعود الله الذي وعد به أولياءه المتقين. قال الله تعالى: [فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوَهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإِمَّا مَناًّ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] (محمد: ٤-٧) .

стр. 4390

دراسات في الشريعة أصل العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين (١ ـ ٢) د. عثمان جمعة ضميرية [*] drothmanjd@hotmail.com من الظواهر التي يلاحظها المتابعون للأحداث السياسية والفكرية في حياتنا المعاصرة: كثرة الندوات والمؤتمرات الوطنية والإقليمية والدولية التي يشارك فيها المسلمون وغير المسلمين، أو ينفرد بعقدها أحد الطرفين دون الآخر. ولن نقف هنا لنبدي رأياً في مثل هذه المؤتمرات والدوافع الكامنة وراءها والفائدة المترتبة عليها. وإنما نشير إشارة عابرة إلى المنهج الذي ينهجه المؤتمرون والمتحدِّثون؛ ففي مثل هذه الندوات والحوارات كثيراً ما يقف المتحدث موقف المدافع عن الإسلام، فيلجأ إلى التسويغ أمام بعض الهجمات المغرضة على الإسلام والمسلمين، وقد يدفعه ذلك إلى شيء من التكلّف والتمحُّل في تفسير النصوص وتعليل الحوادث والوقائع، أو تبنِّي بعض الآراء التي قد لا تتفق مع ما هو مقرر في الأحوال العادية أو مع ما يمكن قوله فيها. ولو أردت أن أضرب بعض الأمثلة على ذلك لوجدتها في هذا الاهتمام الكبير بالحوار، في الوقت الذي يقوم فيه الطرف الآخر بالهجوم علينا من كل جهة ومحاربتنا بكل وسيلة مع التظاهر بالدعوة إلى الحوار والتسامح والانفتاح ... ومن الأمثلة أيضاً: ما ذهب إليه بعض الأساتذة والباحثين في تقرير الأصل في العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، وتقسيم العالم إلى دار الإسلام ودار الحرب، والكلام على دار العهد وطبيعتها. ونعرض في هذه المقالة قضيةً واحدة من هذه القضايا التي انتشر القول فيها يميناً ويساراً، حسب المنهج والدوافع، وهي: القاعدة العامة أو الأصل العام في علاقة دار الإسلام بدار الحرب (الدولة الإسلامية بالدولة غير المسلمة) . فالبحث محصور في هذا الجانب دون الجوانب الأخرى كالعلاقة بين المسلمين وغير المسلمين الذين يعيشون على أرض الدولة الإسلامية. ونبيّن أولاً معنى كلمة الأصل ليتحرَّر البحث، ثم نتبع ذلك بفقرات موجزة لبيان المسألة والآراء فيها، لنصل إلى ما نراه صواباً موافقاً للأدلة الشرعية، بغض النظر عن حال الضعف التي تسيطر على الأمة الإسلامية، فتجعل القول الصواب وكأنه خطأ أو محض خيال. والله المستعان، وبه التوفيق. * أولاً: معنى كلمة الأصل: تطلق كلمة «الأصل» في اللغة العربية على معنيين: (أحدهما) : أساس الشيء الذي يبنى عليه غيره، من حيث أنه يبتنى عليه، بناء حسيّاً أو معنوياً. (والثاني) : منشأ الشيء، أو ما أُخذ منه الشيء مثل: القطن أصل المنسوجات؛ لأنها تنشأ منه وتؤخذ. ثمَّ كثر استعماله حتى قيل: أصلُ كلِّ شيء: ما يستند ذلك الشيء إليه؛ فالأب أصل للولد، والنهر أصل للجدول. كما يطلق أيضاً على ما يتوقف عليه الشيء، وعلى المبدأ في الزمان، أو على العلة في الوجود [١] . ثمَّ نقل علماء الشريعة كلمة «الأصل» إلى معانٍ أُخَر، مشتركاً اصطلاحياً، فأصبح يطلق بإطلاقات متعددة وهي: أ - الأصل بمعنى الدليل. وهذا ما تعارف عليه الفقهاء والأصوليون؛ حيث يقولون: الأصل في هذه المسألة الكتاب والسنة. أي: دليلها. ب - الأصل بمعنى الراجح، أي: الأَوْلى والأحرى من الأمور. مثل قولهم: الأصل في الكلام الحقيقة «. أي: الراجح عند السامع هو المعنى الحقيقي دون المعنى المجازي، وقولهم: الكتاب أصل بالنسبة إلى القياس. أي: راجح. ج - الأصل بمعنى المقيس عليه الذي يقابل الفرع في القياس، كما في قولهم: الخمر أصل النبيذ، بمعنى أن الخمر مقيس عليها والنبيذ مقيس. د - الأصل بمعنى القانون والقاعدة الكلية التي تُرَدُّ إليها الضوابط والاستثناءات، وتتفرع عنها الأحكام. هـ - الأصل بمعنى المستصحَب، فيقال لمن كان متيقناً من الطهارة ويشك في طروء الحدث: الأصل الطهارة. أي: تستصحَب الطهارة حتى يثبت حدوث نقيضها؛ لأن اليقين لا يزول بالشك. و الأصل بمعنى القاعدة المستمرة. ومن الأمثلة على هذا المعنى قولهم: أكل الميتة على خلاف الأصل. أي: خلاف الحالة المستمرة والقاعدة العامة [٢] . ولا ينافي هذه الأصالة أن يتخلف الأصل في موضع أو موضعين. فهذه المعاني لكلمة الأصل معانٍ اصطلاحية تناسب المعنى اللغوي؛ فإن المدلول له نوع ابتناء على الدليل، وفروع القاعدة مبنيَّة عليها، وكذا المرجوح كالمجاز مثلاً له نوع ابتناء على الراجح، وكذا الطارئ بالقياس إلى المستصحب. والذي نريده في هذا المقام هو المعنى الأخير لكلمة» الأصل «وهو القاعدة المستمرة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن كلمة» الأصل «بإطلاقاتها ومعانيها لا تعني حكماً تكليفياً من الوجوب والحرمة ... فإذا قلنا: الأصل في العلاقة بين المسلمين والحربيين هو الحرب أو السلم أو الدعوة، فإن هذا لا يعني أننا نصدر حكماً تكليفيّاً على هذه العلاقة بأنه واجب أو حرام مثلاً. وإنما نبيِّن فقط القاعدةَ العامة التي تحكم هذا العلاقة والصِّلات بين المسلمين وغيرهم من الأمم والدول غير المسلمة. * ثانياً: أصل العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين: ونبدأ بذكر نبذة مما جاء في كتاب» السِّير الكبير «للإمام محمد بن الحسن الشَّيْبَاني وهو أول من أفرد للعلاقات الدولية كتاباً قائماً برأسه، وهو أبو القانون الدولي في العالم لنستخلص منها موقفه من هذه المسألة ورأيه فيها لنقارنه بآراء أخرى. قال ﵀:» وإذا لقي المسلمون المشركين؛ فإن كانوا قوماً لم يبلغهم الإسلام، فليس ينبغي لهم أن يقاتلوهم حتى يدعوهم، وإن كان قد بلغهم الإسلام ولكن لا يدرون أنّا نقبل منهم الجزية، فينبغي ألاّ نقاتلهم حتى ندعوَهم إلى إعطاء الجزية. به أَمر رسولُ الله ﷺ أمراء الجيوش، وهو آخر ما ينتهي به القتال. قال الله تعالى: [حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ] (التوبة: ٢٩) ، إلا أن يكونوا قوماً لا تُقبل منهم الجزية كالمرتدين وعبدة الأوثان من العرب فإنه لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف. فإذا أَبَوا الإسلام قوتلوا من غير أن يعرض عليهم إعطاء الجزية « [٣] . * ثالثاً: طبيعة الدعوة الإسلامية: وحتى يكون الكلام أكثر وضوحاً في هذه المسألة؛ فإنه ينبغي أن نتعرف على طبيعة الدعوة الإسلامية والنصوص التي تحكم علاقة المسلمين بغيرهم، وعندئذ يتحدَّد أصل هذه العلاقة. إن الدعوة الإسلامية التي أنزلها الله تعالى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم دعوة عالمية ورسالة خاتمة للرسالات السابقة. أراد الله تعالى لها أن تكون دعوة إنسانية موجهة للبشر جميعاً، لا تخاطب أقواماً بأعيانهم ولا جنساً بذاته، رضيها الله تعالى للناس ديناً، فكانت هي» الدين «الكامل الذي أتمَّ الله تعالى به علينا النعمة فقال: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينا] (المائدة: ٣) . وقد تواردت النصوص الشرعية بدلالتها القاطعة على عموم رسالة الإسلام وعالميتها منذ بداية الدعوة وهي لا تزال محصورة في شعاب مكة المكرمة، وأصحابها لا يزالون يتخفَّوْن في دار الأرقم بن أبي الأرقم وسط المجتمع الجاهلي الواسع؛ فمحمد ﷺ رسول الله إلى الناس كافة. قال تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا] (سبأ: ٢٨) . [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ] (الأنبياء: ١٠٧) . والخطاب موجَّهٌ للناس جميعاً: [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُو يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] (الأعراف: ١٥٨) . والقرآن الكريم أنزله الله تعالى ليكون ذكراً للعالمين جميعاً، وليس لأمة بعينها: [إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ] (التكوير: ٢٧) . [تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً] (الفرقان: ١) . [يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ] (النساء: ١٧٤) بل هو بلاغ لكل من يبلغه خبره وينتهي إليه أمره في عصره وفي سائر العصور إلى يوم القيامة: [وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ] (الأنعام: ١٩) . والجنُّ والإنس في هذا الخطاب سواء: [يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ] (الأنعام: ١٣٠) . وأشار الرسول ﷺ إلى عموم بعثته وعالمية دعوته فقال: » أُعطيت خمساً لم يُعْطهنَّ أحدٌ قبلي: كان كل نبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى كل أحمر وأسود - وفي لفظ: إلى الناس عامة - وأُحِلَّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطَهوراً؛ فأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة صلَّى حيث كان، ونُصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأُعطيت الشفاعة « [٤] . وقال ﷺ :» فُضِّلْتُ على الأنبياء بستٍّ: أُعطيت جوامع الكَلِم، ونصرت بالرّعب، وأُحِلَّت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وخُتِم بي النبيون « [٥] . ثمَّ وجَّه الدعوة لأهل الكتاب بخاصة فقال:» والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثمَّ يموت ولم يؤمن بي إلا كان من أصحاب النار « [٦] . ومما يشير إلى عالمية دعوته ﵊ وعموم رسالته: أن المعجزة الكبرى التي أيَّده الله تعالى بها مع ما أيّده به من معجزات كانت معجزة خالدة دائمة تختلف عن معجزات الأنبياء السابقين، عليهم الصلاة والسلام؛ حيث كانت تنقضي معجزاتهم المادية بوقوعها، ولا يبقى أثرها قائماً، ولهذا كانت الشرائع قبل شريعة محمد ﷺ إنما خُصَّ بها قوم دون قوم، وكانت شريعته عامة لجميع الناس. ولما كان هذا كله إنما فضل فيه ﷺ ؛ لأنه فضلهم في الوحي الذي استحق به اسم النبوة. ولذلك قال ﵊ منبِّهاً على هذا المعنى الذي خصَّه الله تعالى به:» ما من نبيٍ من الأنبياء إلا قد أُعطي من الآيات ما مثلُه آمن عليه البشر، وإنِّما كان الذي أُوتِيتُه وحياً أوحى الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة « [٧] . فهذه الدعوة الأخيرة الخاتمة الناسخة للدعوات السابقة رسالة مفتوحة إلى الأمم كلها، وللأجيال كلها، وليست رسالة مغلقة على أهل زمان أو أهل مكان، فناسب أن تكون معجزتها مفتوحة كذلك للقريب والبعيد، لكل أمة ولكل جيل. والخوارق القاهرة لا تلوي إلا أعناق من يشاهدونها، ثمَّ تبقى بعد ذلك قصة تروى لا واقعاً يُشْهد [٨] . وإن مما يدل على عالمية الإسلام، وأنه خطاب موجَّه للإنسان بما هو إنسان دون النظر إلى جنسه أو لونه أو إقليمه: أن الإسلام هو نظام الكون كله؛ فإن كلَّ ما في هذا الكون من أصغر ذرة فيه إلى أكبر جرم من الأجرام السماوية، إنما يخضع لله خضوعاً اضطرارياً؛ فقد اتجهت إرادة الله تعالى إلى هذا الكون فأوجدته، وأودعه سبحانه قوانينه التي يتحرك بها، والتي تتناسق بها حركة أجزائه فيما بينها كما تتناسق حركته الكلية سواء بسواء. قال : [إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ] (النحل: ٤٠) . [وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً] (الفرقان: ٢) . وهذا الإنسان كذلك في جانب من جوانب وجوده منقادٌ لقانون الفطرة مجبول على اتّباعه. وفي جانب آخر أوتي حرية الاختيار والرأي والعمل. وحتى يتم التناسق بين هذين الجانبين من جهة، وبين وجوده كله ووجود الكون ونظامه من جهة أخرى، حتى يتم هذا وذاك لا بُدَّ أن يخضع الإنسان لله ويستسلم له ويدين بشرعه. وهكذا يكون الإسلام دين البشرية كلها، بل دين الموجودات كلها، تلك التي تخضع لله سبحانه وتطيع: [تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ] (الإسراء: ٤٤) . [أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ] (آل عمران: ٨٣) . ومما يؤيد عموم دعوة الإسلام للبشرية جميعها مما يتصل بهذا الجانب الذي أشرنا إليه: أن الواقع العملي لسيرة النبي ﷺ في دعوته جاء يترجم عن هذه الدعوة العالمية. فبعد أن كان ﷺ يعرض نفسه على القبائل في موسم الحج وفي المواسم الأخرى، يدعوهم إلى الإسلام، وبعد أن انتقل بالدعوة إلى المدينة الطيبة وأعلى الله دينه ومكَّن له في الجزيرة العربية ... بعدئذ بدأ ﷺ يبعث بالكتب والرسائل إلى الملوك والأمراء وزعماء العالم يدعوهم إلى الإسلام، فكتب إلى هرقل عظيم الروم، وكتب إلى كسرى عظيم فارس، وكتب إلى نجاشيّ الحبشة، وكتب إلى المقوقس ملك مصر والإسكندرية، وكتب إلى غيرهم من الملوك والزعماء [٩] . وقد قام الرسول ﷺ بإبلاغ هذه الدعوة، فصدع بالأمر ودعا الناس جميعاً إلى دين الله تعالى: [فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ] (الحجر: ٩٤) . [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] (يوسف: ١٠٨) . [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ] (المائدة: ٦٧) . وهذه الدلائل كلها تقوم شاهداً عدلاً وحجة قاطعة على أن الإسلام دعوة للناس جميعاً منذ اللحظة الأولى التي بعث الله تعالى فيها نبيه محمداً ﷺ وأمره بالقراءة باسم ربه» الذي خلق «؛ إذ موضوعها هو» الإنسان «وهي موجهة كذلك» للإنسان «بما أنه إنسان، والكلُّ في هذا سواء. واستمر النبي ﷺ في القيام بهذه الدعوة إنفاذاً لأمر ربه تبارك وتعالى حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً. وحمل الرسالةَ خلفاؤه من بعده، وأعلى الله كلمته وأظهر دينه على الأديان كلها [١٠] . * رابعاً: علاقةُ دعوةٍ ينبثق عنها أصلُ العلاقة الدولية: ومن ذلك كله يمكن أن ندرك أن علاقة المسلمين بغيرهم من الأمم الأخرى على اختلاف ألوانها ولغاتها وأديانها ليست في حقيقتها علاقة سلم ولا علاقة حرب ابتداءً، وأن الأصل ليس هو السلم مطلقاً، وليس هو الحرب مطلقاً،» وإنما هي علاقة دعوة؛ فالأمة المسلمة أمة دعوة عالمية تتخطى في إيمانٍ وسموٍّ وعفوية كل الحدود والحواجز التي تنتهي إليها، أو تتهاوى عندها المبادئ الأخرى، سواء كانت هذه الحدود والحواجز جغرافية أو سياسية أو عرقية أو لغوية ... وهي بذلك تفتح أبواب رحمة السماء لأهل الأرض أجمعين « [١١] . وإنما تكون العلاقة بعد ذلك علاقة سلم أو حرب، ويكون الأصل هو السلم أو الحرب، بعد تحديد موقف الأمم والدول الأخرى من دعوة الإسلام قبولاً أو رفضاً. ولذلك يقول الدكتور الغنيمي:» إن علاقة الدولة الإسلامية بأيٍّ من دول دار المخالفين تتوقف على سياسة تلك الدول الإسلامية. وتلك لعمر الحق بدهية من بدهيات السياسة الدولية. فإن هي نهجت منهج الموادعة والمسالمة كان حكمها هو ما قررت الآية الكريمة: [لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] (الممتحنة: ٨) . وعندئذٍ لا يطلب من المسلمين أن يمارسوا إكراهاً على هؤلاء؛ لأن الإقساط يتنافى مع الإكراه « [١٢] . بل إننا نقول: إن الإكراه يتنافى دائماً مع الإقساط، وحتى في الحرب لا يجوز أن يقع إكراه على قبول الدين. ونقول أيضاً: إن وقفت دار المخالفين من الدعوة الإسلامية موقف الرفض والعداء والحرب فإن حكمها هو ما قررته الآية الكريمة التي جاءت تالية للآية السابقة وهي قوله تعالى: [إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (الممتحنة: ٩) . وقرر الإمام محمد بن الحسن - رحمه الله تعالى - أنه إذا لقي المسلمون المشركين وكانوا لم يبلغهم الإسلام، فليس ينبغي لهم أن يقاتلوهم حتى يدعوهم؛ لقوله تعالى: [وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً] (الإسراء: ١٥) . وبه أوصى رسول الله ﷺ أمراء الجيوش، فقال:» ... فادعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله « [١٣] . ولأنهم ربما يظنون أنَّا نقاتلهم طمعاً في أموالهم وسبي نسائهم وذراريهم. ولو علموا أنّا نقاتلهم على الدين لأجابوا إلى ذلك من غير أن تقع الحاجة إلى القتال. وفي تقديم عرض الإسلام عليهم دعاء إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فيجب البداية به [١٤] . ولذلك يقول العلاَّمة أبو القاسم السِّمْنَانِيُّ الحنفي (٤٩٩ هـ) :» وكل من لم تبلغه الدعوة إلى الإسلام - فالسنة أن يُدعى إلى الإسلام ويعلم ما يدعى إليه - ونبين له شرائعه وفرائضه وأحكامه، فإن أسلم كُفَّ عنه وخلِّي وشأنه، ودعي إلى التحول إلى دار الإسلام والكون فيها، فإن لم يُجِبْ إلى ذلك كله دُعي إلى الجزية، فإن بذلها كفّ عنه، وإن امتنع استعين بالله وقوتلوا على اسم الله وملة رسول الله ﷺ « [١٥] . ويقول الكاساني (ت ٥٨٧ هـ) : إن كانت الدعوة لم تبلغهم فعلى المجاهدين الافتتاح بالدعوة إلى الإسلام باللسان، لقول الله ﵎: [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] (النحل: ١٢٥) . ولا يجوز لهم القتال قبل الدعوة؛ لأن الإيمان وإن وجب عليهم قبل بلوغ الدعوة بمجرد العقل فاستحقوا القتل بالامتناع، لكن الله ﵎ حرَّم قتلهم قبل بعثِ الرسول ﵊ وبلوغِ الدعوة إياهم، فضلاً منه ومِنّةً، قطعاً لمعذرتهم بالكلّية ... ولئلا يبقى لهم شبهة عذر [فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِك] (القصص: ٤٧) . كما يجب تقديم هذه الدعوة كذلك؛ لأن القتال ما فرض لعينه وذاته، بل للدعوة إلى الإسلام. والدعوة دعوتان: دعوة بالبنان وهي القتال، ودعوة بالبيان وهو اللسان، وذلك بالتبليغ. والثانية أهون من الأولى؛ لأن في القتال مخاطرة بالروح والنفس والمال. وليس في دعوة التبليغ شيء من ذلك، فإذا احتمل المقصود بأهون الدعوتين لزم الافتتاح بها [١٦] . وهذا يعني: أن العلاقة بين المسلمين وغيرهم من أهل الحرب في هذه الحال هو السلم. ويبقى هذا قائماً إذا كان قد بلغهم الإسلام ولكن لا يدرون أنا نقبل منهم الجزية ونعقد لهم الذمّة. فينبغي ألاّ نقاتلهم حتى ندعوهم إلى ذلك، وبهذا أمر النبي ﷺ أمراء الجيوش، وهو آخر ما ينتهي به القتال، وفي هذا التزام بعض أحكام المسلمين والانقياد لهم في المعاملات فيجب عرضه عليهم إذا لم يعلموا به [١٧] . ويحول هذا العلاقة إلى حرب فيما عدا ذلك» فإن كانوا قوماً لا تقبل منهم الجزية كالمرتدين وعبدة الأوثان من العرب، فإنه لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف. فإذا أَبَوا الإسلام: قوتلوا من غير أن يعرض عليهم إعطاء الجزية « [١٨] . وروى الإمام محمد أيضاً عن ابن عباس ﵄ قال:» كان رسول الله ﷺ لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو القتل «وقال: بهذا كان يأخذ أبو يوسف [١٩] . وكذلك: من تقبل منهم الجزية إذا عرض عليهم الإسلام ولم يقبلوه، وعرضت عليهم الجزية فلم يقبلوها أو يلتزموا بها، فإن العلاقة بهم علاقة حرب. لذلك قال الإمام محمد بن الحسن:» فينبغي أن لا نقاتلهم حتى ندعوهم إلى إعطاء الجزية. وهو آخر ما ينتهي به القتال «يعني: فإن لم يلتزموا ذلك فقد وجب علينا قتالهم. * خامساً: مذهب جمهور الفقهاء: وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأصل في العلاقة مع غير المسلمين هو الحرب والقتال، وأن السلم ليست إلا هدنة يستعدُّ بها لاستئناف القتال والاستعداد له [٢٠] . فلا ينبغي موادعة أهل الشرك إذا كان بالمسلمين عليهم قوة؛ لأن فيه ترك القتال المأمور به. وإن لم يكن بالمسلمين عليهم قوة فلا بأس بالموادعة؛ لأنها خير للمسلمين، ولأن هذا من تدبير القتال. وحينئذ تكون الموادعة جهاداً معنىً؛ لأن المقصود وهو دفع الشر حاصلٌ بها. وإن السلم المطلق لا يكون إلا بإسلامٍ أو أمانٍ أي بالدخول في دين الإسلام أو الرضا بعهد الذمّة. ولذلك قالوا: يقاتَل أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، ويقاتَل من سواهم من الكفار حتى يسلموا. وقالوا: إن الجهاد لإعلاء كلمة الله وقتال الكفار الذين امتنعوا عن الإسلام وأداء الجزية وهم ممن تُقْبل منهم واجب كفائي على المسلمين كل سنة وإن لم يبدؤونا بالقتال. وإن دعت الحاجة إلى القتال في كل عام أكثر من مرة وجب ذلك عليهم. ولهذا لا تجوز المهادنة مع الأعداء إذا كانت الهدنة مطلقة لم تقيد بمدة [٢١] ؛ لأن الإطلاق يقتضي التأبيد، وذلك يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية، وهو غير جائز [٢٢] . قال الإمام محمد بن الحسن في» السِّير الكبير «:» الجهاد واجب على المسلمين، إلا أنهم في سعة من ذلك حتى يُحتاج إليهم؛ لقوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ] (التوبة: ١٢٣) . ولقوله: [وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ] (الحج: ٧٨) ؛ حتى لو اجتمع المسلمون على تركه اشتركوا في المأثم. وفي مثل هذا يجب على الإمام النظر للمسلمين؛ لأنه منصوب لذلك نائب عن جماعتهم. فعليه ألاّ يعطل الثغور، ولا يَدَع الدعاء إلى الدين، وعليه حثُّ المسلمين على الجهاد، ولا ينبغي أن يَدَع المشركين بغير دعوة إلى الإسلام أو إعطاء الجزية إذا تمكن من ذلك «. هذه خلاصة ما جاء من نصوص عند العلماء المتقدمين، وهو ما نصّ عليه أيضاً المتأخرون من العلماء المحققين، فقال الشوكانيُّ:» وأما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر، وحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية، أو القتل، فهو معلوم من الدين بالضرورة الدينية، ولأجله بعث الله تعالى رسله وأنزل كتبه، وما زال رسول الله ﷺ منذ بعثه الله إلى أن قبضه إليه جاعلاً هذا الأمر من أعظم مقاصده ومن أهم شؤونه. وأدلة الكتاب والسنة في هذا لا يتسع لها المقام، ولا لبعضها. وما ورد في موادعتهم أو في تركهم إذا تركوا المقاتلة: فذلك منسوخ باتفاق المسلمين بما ورد من إيجاب المقاتلة على كل حال مع ظهور القدرة عليهم والتمكن من حربهم وقصدهم في ديارهم ... « [٢٣] . وقال السيِّد صدِّيق حسن خان عن جواز الصلح مع الكفار:» ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز أن يكون أكثر من عشر سنين؛ لأن الله سبحانه قد أمرنا بمقاتلة الكفار، فلا يجوز مصالحتهم بدون شيء من جزية أو نحوها. ولكنه لما وقع ذلك من النبي ﷺ كان دليلاً على الجواز إلى المدة التي وقع الصلح عليها. ولا تجوز الزيادة عليها، رجوعاً إلى الأصل وهو وجوب مقاتلة الكفار ومناجزتهم الحرب ... « [٢٤] . ولذلك يرى أستاذنا الدكتور مصطفى كمال وصفي ﵀ أن علاقة المسلمين مع غير المسلمين لا تقوم على وجهها الإسلامي إلا إذا كان للمسلمين هيبة تكفل لهم قيام الأحكام الشرعية وحسن تطبيقها؛ فإن تطبيق الشريعة الإسلامية في المحيط الدولي يتطلب عزاً وكرامة وهيبة، فيكون لتسامحها ومرونتها أثره في حسن الدعوة وحسن التمثل بالمسلمين. وبدون ذلك فإن التحدُّث بالعزة الإسلامية يحمل على الاستخفاف فتطمع فينا الدول، وينتهزون ذلك ويستغلونه لمصالحهم كما حدث بالنسبة لمعاهدات الامتيازات التي أولاها العثمانيون وهم في قوتهم للأوربيين، فكانت أول مسمار في نعش هذه الدولة. ومن أهم ما يوجبه الإسلام أن نقوم ببثِّ الهيبة الإسلامية كل سنة بإظهار القوة العسكرية الإسلامية على الحدود؛ فإن القيام بالغزوات الآن محفوف بالقيود الدولية، لذلك يجب على الأقل بثُّ الهيبة على الحدود بعد تحرير أراضي المسلمين والجهاد لنصرة أقلياتهم المغلوبة، وهو عمل يسهل مع مضي الوقت وزيادة النفوذ الدولي، وإن يكن صعباً في البداية، كما يجب القيام بالدعوة والتوعية بصورة فعَّالة موازية للحرب المضادة على الأقلِّ [٢٥] . * سادساً: الأدلة على الأصل في العلاقات: واستدل جمهور الفقهاء على ما ذهبوا إليه بأدلة من القرآن الكريم، والسنة النبوية، ومن الواقع العملي في السيرة النبوية، ومن المعقول: أ - فمن القرآن الكريم: عموم الآيات الموجبة للجهاد والقتال التي لم تقيِّد الوجوب ببداءة الكفار لنا بالقتال. قوله تعالى: ١ -[وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوَهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوَهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوَهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوَهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ * فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفَُورٌ رَّحِيمٌ] (البقرة: ١٩٠-١٩٢) . فقد أمر الله تعالى بقتال الكفار وأهل الشرك الذين يناصبون المسلمين القتال ويتوقع ذلك منهم؛ فهم بحالة من يقاتلوننا فعلاً؛ لأن جواز دفع المقاتَلِ عن نفسه ما كان محرَّماً قط حتى يقال إنه أذن فيه بعد التحريم، وإنما المراد به: الذين يقاتلونكم ديناً، ويرون ذلك جائزاً اعتقاداً، ولم يرد به حقيقة القتال [٢٦] . ويؤيد ذلك أن الله تعالى أخبر أن هذا شأنهم دائماً فقال: [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا] (البقرة: ٢١٧) . أما الذين ليس من شأنهم القتال: كالنساء والصبيان والرهبان؛ فإن هؤلاء لا يجوز قتلهم لئلا يكون ذلك عدواناً؛ إذ إن العدوان يكون بقتلهم وقتل من أعطى الجزية من أهل الكتاب والمجوس. فإن انتهوا عن الشرك والكفر بالله وعن قتال المسلمين، بأن دخلوا في الإسلام أو قبلوا الخضوع لأحكامه بالتزام الجزية وعقد الذمّة لهم، فإن الله يغفر لهم ما قد سلف. ثمَّ أمر الله تعالى بقتال المشركين الذين يقاتلون المسلمين حتى لا يكون شرك بالله، وحتى لا يعبد دونه أحد، وتضمحل عبادة الأوثان والآلهة والأنداد، وتكون العبادة والطاعة لله وحده دون غيره [٢٧] . وهذا ما ذهب إليه حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس ﵄، وذهب إليه عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل من علماء السلف، وهو ما رجَّحه الإمام الطبري وجمهور المفسرين رحمهم الله تعالى [٢٨] . وقال الشوكاني:» فيه الأمر بمقاتلة المشركين إلى غايةٍ هي ألاّ تكون فتنة، وأن يكون الدين لله، وهو الدخول في الإسلام، والخروجُ عن سائر الأديان المخالفة له؛ فمن دخل في الإسلام وأقلع عن الشرك لم يحلَّ قتاله « [٢٩] . ٢ - وقال تعالى: [كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] (البقرة: ٢١٦) . قال الطبري ﵀:» يعني بذلك: فرض عليكم القتال والقرآن الكريم يستعمل معه هذا الفعل «كُتب» لبيان الطلب والفرضية في مواضع كثيرة وعنى بذلك أنه مفروض على كل واحد حتى يقوم به من في قيامه الكفاية، فيسقط فرض ذلك حينئذ عن باقي المسلمين. ولا تنافي هذه الفرضية أن الجهاد فيه «كُرْهٌ لكم» أي: شاقٌّ عليكم، من حيث نفور الطبع عنه لما فيه من مؤنة المال ومشقة النفس وخطر الروح « [٣٠] . ٣ - وفي سورة التوبة آيات كثيرة ناطقة بهذا، كقوله تعالى: [فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ وَخُذُوَهُمْ وَاحْصُرُوَهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (التوبة: ٥) . وعموم الآية الكريمة يقتضي قتل سائر المشركين من أهل الكتاب وغيرهم، وأن لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، إلا أنه تعالى خصَّ أهل الكتاب بإقرارهم على الجزية كما سيأتي في الآية الثالثة وأخذ النبي ﷺ الجزية من مجوس هجر [٣١] ، وتقدم في الحديث الصحيح عن بريدة ﷺ أنه كان إذا بعث سرية قال:» إذا لقيتم المشركين فادعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا فادعوهم إلى الجزية، فإن فعلوا فخذوا منهم وكُفُّوا عنهم « [٣٢] ، وذلك عموم في سائر المشركين فَخُصَّ منه من لم يكن من مشركي العرب بالآية، وصار قوله تعالى: [فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ] خاصاً في مشركي العرب دون غيرهم [٣٣] . فإن تابوا ورجعوا عمّا هم عليه من الشرك بالله وجحود نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد، والإقرار بنبوة محمد ﷺ والتزام الفرائض والاعتراف بوجوبها، فعندئذ خلُّوا سبيلهم. أي: دَعُوهم فليتصرفوا في أمصاركم ويدخلوها [٣٤] . وبذلك تنتهي حالة الحرب معهم. ٤ - ثمَّ أمر الله بقتال المشركين جميعاً فقال: [وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً] (التوبة: ٣٦) ففي هذه الآية الكريمة أمر بقتال الذين يقاتِلون، فعُلم من ذلك أن شرطَ القتالِ كونُ المقاتَل مقاتِلاً أي ممن يمكن أن يقاتل، فهو شرط للقتال وليس علة له [٣٥] . قال الجصَّاص: إن الآية الكريمة تحتمل وجهين: أحدهما: الأمر بقتال سائر أصناف أهل الشرك إلا من اعتصم منهم بالذمة وأداء الجزية. والآخر: الأمر بأن نقاتلهم مجتمعين متعاضدين غير متفرقين. ولما احتمل الوجهين كان عليهما؛ إذ ليسا متنافيين؛ فتضمن ذلك الأمرَ بالقتال لجميع المشركين، وأن يكونوا مجتمعين متعاضدين على القتال [٣٦] . وذلك أن جماعة المشركين كافة يرون قتالكم كافة مجتمعين متعاضدين، فاجتمعوا أنتم أيها المسلمون لهم إذا حاربتموهم وقاتلوهم بنظير ما يقاتلونكم. وعلى كل حالٍ فمعنى الآية الكريمة: قاتلوهم بلا استثناء أحد منهم ولا جماعة؛ فهم يقاتلونكم جميعاً، لا يستثنون منكم أحداً ولا يُبْقون منكم على جماعة [٣٧] ؛ وذلك أنهم يقاتلونكم لدينكم لا انتقاماً ولا عصبية، ولا للكسب كدأبهم في قتال قوِيّهم لضعيفهم؛ فأنتم أوْلى بأن تقاتلوهم لشركهم. ٥ - أما قتال أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ فقد جاءت الآية الكريمة التالية بشأنهم؛ حيث قال الله تعالى: [قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ] (التوبة: ٢٩) . وكان نزول هذه الآية الكريمة والآيات التالية لها في السياق حين أمر الله تعالى رسوله ﷺ بقتال الروم، فكانت تمهيداً لغزوة تبوك ومواجهة الروم وعمالهم من الغساسنة المسيحيين العرب. وقيل: نزلت في شأن بني قريظة والنضير من اليهود، فصالحهم النبي ﷺ وكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام، وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين. وفي هذه الآية الكريمة تحديد للعلاقات مع أهل الكتاب من الكفار خاصة، بعد أن حددت الآيات السابقة في السورة نفسها طبيعة العلاقات بين المسلمين والمشركين؛ فإن الجميع قد أطبق عليهم هذا الوصف، وهو الكفر، فإن الكفر وإن كان أنواعاً متعددة مذكورة في القرآن والسنة بألفاظ متفرقة، فإن اسم الكفر يجمعها. وقد أبان الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن الفرض في أهل الكتاب ومن دان دينهم قبل نزول القرآن كله: أن يقاتَلوا حتى يعطوا الجزية أو يُسْلِموا [٣٨] . وسياق الآية الكريمة يلهم أن الأوصاف الواردة فيها هي صفات قائمة بالقوم الموجهة إليهم الغزوة التي نزلت الآية تمهيداً لها، وأنها إثبات حالة واقعة بصفاتها القائمة. فهذه الصفات لم تذكر هنا في الآية الكريمة على أنها شرط لقتال أهل الكتاب، وإنما ذكرت على أنها أمور واقعة في عقيدة القوم وواقعهم، وأنها مسوِّغات ودوافع للأمر بقتالهم. ومِثْلُهم في هذا الحكم كلُّ من تكون عقيدته وواقعه كعقيدتهم وواقعهم. وقد حدَّد السياق من هذه الصفات القائمة: أولاً: أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. ثانياً: أنهم لا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله. ثالثاً: أنهم لا يدينون دين الحقِّ. ثمَّ بيَّن السياق في الآيات التالية كيف أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، وذلك بأنهم: أولاً: قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وأن هذا القول يضاهئ قول الذين كفروا من قبلهم من الوثنيين؛ فهم مثلهم في هذا الاعتقاد الذي لا يعدُّ صاحبه مؤمناً بالله ولا باليوم الآخر. ثانياً: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيحَ ابن مريم. وأن هذا مخالف لدين الحق. وهو الدينونة لله وحده بلا شركاء. فهم بهذا مشركون لا يدينون دين الحق. ثالثاً: يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم؛ فهم محاربون لدين الله. ولا يحارب دين الله مؤمن بالله واليوم الآخر يدين دين الحق أبداً. رابعاً: يأكل كثير من أحبارهم ورهبانهم أموال اليتامى بالباطل؛ فهم إذن لا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله ﷺ سواء كان المقصود رسولهم أو محمد ﷺ . وهذه الصفات كانت واقعة بالقياس إلى نصارى الشام والروم، كما أنها واقعة بالقياس إلى غيرهم منذ أن حرَّفت المجامع الدينية دين المسيح (وقالت ببنوة عيسى وبتثليث الأقانيم على كل ما بين المذاهب والفِرَق من خلاف يلتقي كله على التثليث على مدار التاريخ حتى الآن) [٣٩] . وإذن فهو أمر عام يقرر قاعدة مطلقة في العلاقة مع أهل الكتاب الذين تنطبق عليهم هذه الصفات التي كانت قائمة في نصارى العرب ونصارى الروم ... ولا يمنع من هذا العموم أن الأوامر النبوية استثنت أفراداً وطوائف بأعيانها لتُتْرك بلا قتال، كالأطفال والنساء والشيوخ والعَجَزَة والرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الأديرة ... بوصفهم غير محاربين فقد منع الإسلام أن يقاتَل غير المحاربين من أية ملَّة وهؤلاء لم تستثنهم الأوامر النبوية؛ لأنهم لم يقع منهم اعتداء بالفعل على المسلمين، ولكن لأنه ليس من شأنهم أصلاً أن يقع منهم الاعتداء؛ فلا محل لتقييد هذا الأمر العام بأن المقصود به هم الذين وقع منهم اعتداء فعلاً. فالاعتداء قائم ابتداءً، الاعتداء على ألوهية الله، والاعتداء على العباد بتعبيدهم لغير الله؛ والإسلام حين ينطلق للدفاع عن ألوهية الله سبحانه، والدفاع عن كرامة الإنسان في الأرض، لا بد أن تواجهه الجاهلية بالمقاومة والحرب والعداء ولا مفرَّ من مواجهة طبائع الأشياء. وهذا كله هو ما فهمه المفسرون من الآية الكريمة؛ فإنهم أجمعوا على أن قوله تعالى: [مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ] (التوبة: ٢٩) يعني اليهود والنصارى الذين لا يدينون دين الإسلام. ولم يقيّدوا جواز قتالهم بأن يكونوا من المعتدين، ولم يفهموا أن كلمة» مِنْ «في الآية للتبعيض، فيكون هناك أهل كتاب يؤمنون بالله واليوم الآخر ويدينون دين الحق بعد بعثة محمد ﵊ ويكون هناك فرقة أخرى لا تؤمن بالله ... وهي التي أباح الإسلام قتالها، ولذلك قالوا: إن قوله تعالى: [مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ] بيان لقوله: [الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ] (التوبة: ٤٥) أي: من الموصوفين بهذه الصفات الأربع من أهل الكتاب؛ فالصفات الأربع راجعة إلى الضمير المذكور أولاً. والمقصود تمييزهم من المشركين في الحكم؛ لأن الواجب في المشركين القتالُ أو الإسلام، والواجب في أهل الكتاب القتال أو الإسلام أو الجزية [٤٠] . ولذلك لا نجد مستنداً صحيحاً لما ذهب إليه بعض الكاتبين من أن» صياغة النص في آية التوبة السابقة واستعمال كلمة «من» بمعنى بعضهم أو فريق منهم ظاهرةُ الدلالة على أن الأمر بالقتال ليس موجهاً ضدَّ (كل) أهل الكتاب بصفتهم هذه، بل فقط ضدَّ فريق منهم تميز بصفة عدوانية ونكرانية للقيم الإنسانية الأساسية ... وأن النص إنما يخص فريقاً من أهل الكتاب قد ارتد فعلاً عن العقيدة المسيحية [٤١] ، عقيدة الإيمان بالله وبالبعث، وأصبح يعبد القوة في صورتها العدوانية ويستعبد الناس بها، وإن اتخذوا العقيدة المسيحية الشكلية قناعاً لسلطانه، أو أنه يخص فريقاً منهم دعا إلى إنكار وجود الله أو إلى إلغاء الدين « [٤٢] . ٦ - وقال الله تعالى: [فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ] (محمد: ٣٥) . ففي الآية الكريمة حثٌّ للمؤمنين على الجهاد وتحريم للتثاقل والجبن عن قتال المشركين والضعف، أو الدعوة إلى الصلح والمسالمة ابتداءً، فمنع الله تعالى المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح، وأمرهم بحربهم حتى يسلموا، أو يلتزموا حكم الإسلام بعقد الذمّة؛ فالمسلمون هم الغالبون، وآخرُ الأمر لهم وإن غُلِبوا في بعض الأوقات [٤٣] . يقول العلامة محمد صدِّيق خان في تفسير هذه الآية الكريمة:» أي: لا تضعفوا عن القتال وتدعوا الكفار إلى الصلح ابتداءً منكم؛ فإن ذلك لا يكون إلا عند الضعف. قال الزجَّاج: منع الله المسلمين المؤمنين أن يدعوا الكفار إلى الصلح، وأمرهم بحربهم حتى يسلموا. واختلف أهل العلم في هذه الآية، هل هي محكمة أو منسوخة؟ فقيل: إنها محكمة وناسخة لقوله تعالى: [وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا] (الأنفال: ٦١) . وقيل: منسوخة بهذه الآية «. ثمَّ قال:» ولا يخفى أنه لا مقتضى للقول بالنسخ؛ فإن الله سبحانه نهى المسلمين في هذه الآية أن يدعوا إلى السّلم ابتداءً، ولم يَنْه عن قَبول السّلم إذا جنح إليها المشركون؛ فالآيتان محكمتان ولم تتواردا على محل واحد حتى يحتاج إلى دعوى النسخ أو التخصيص. وجملة [وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ] مقررة لما قبلها من النهي. أي: وأنتم الغالبون بالسيف والحجة « [٤٤] . ٧ - وقال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ] (التوبة: ١٢٣) . يقول الله - تعالى ذكره -: قاتلوا مَنْ وَلِيَكُم من الكفار دون من بَعُد منهم، فابدؤوا بقتال الأقرب فالأقرب إليكم داراً، دون الأبعد فالأبعد. وكان الذين يلون المخاطبين بهذه الآية الكريمة يومئذ: الروم؛ لأنهم كانوا سكان الشام يومئذ، وكانت أقرب إلى المدينة من العراق. فأما بعد أن فتح الله على المؤمنين البلاد، فإن الفرض على أهل كل ناحيةٍ قتالُ مَنْ وليهم من الأعداء دون الأبعد منهم، ما لم يضطّر إليهم أهل ناحية أخرى من نواحي بلاد الإسلام. فإن اضطروا إليهم، لزمهم عونهم ونصرهم؛ لأن المسلمين يدٌ على مَنْ سواهم [٤٥] . قال الإمام أبو بكر الرازي الجصَّاص:» خَصَّ الأمر بالقتال للذين يلونهم من الكفار، وقال في أول السورة: [فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ] (التوبة: ٥) وقال في موضع آخر: [وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّة] (التوبة: ٣٦) فأوجب قتال جميع الكفار، ولكنه خصَّ بالذكر الذين يلوننا من الكفار؛ إذ كان معلوماً أنه لا يمكننا قتال جميع الكفار في وقت واحد، وأن الممكن منه هو قتال طائفةٍ، فكان قتال مَنْ قَرُب منهم أَوْلى بالقتال ممن بَعُد؛ لأن الاشتغال بقتال مَنْ بَعُد منهم مع ترك قتال من قَرُب لا يؤمَنُ معه هَجْم [٤٦] من قرب على ذراري المسلمين ونسائهم وبلادهم إذا خلت من المجاهدين. فلذلك أمر بقتال من قرب قبل قتال مَنْ بَعُد، وأيضاً: لا يصح تكليف قتال الأبعد؛ إذ لا حدَّ للأبعد يُبْتَدَأ منه القتال كما للأقرب. وأيضاً: فغير ممكن الوصول إلى قتال الأبعد إلا بعد قتالِ مَنْ قَرُبَ وقَهْرِهم وإذْلاَلِهم. فهذه الوجوهُ كلُّها تقتضي تخصيص الأمر بقتال الأقرب « [٤٧] . فالآية الكريمة تضع خطة الحركة الجهادية ومداها كذلك، وهي الخطة التي سار عليها رسول الله ﷺ وخلفاؤه من بعده بصفة عامة، فسارت عليها الفتوح الإسلامية، تواجه مَنْ يلون» دار الإسلام، ويجاورونها، مرحلة فمرحلة، فلما أسلمت الجزيرة العربية أو كادت ولم تَبْقَ إلا فلول منعزلة لا تؤلِّف قوة يُخشى منها على دار الإسلام بعد فتح مكة كانت غزوة تبوك على أطراف بلاد الروم، ثمَّ كان انسياح الجيوش الإسلامية في بلاد الروم وفي بلاد فارس ... والأمر بقتال الذين يَلُون المسلمين من الكفار، لا يذكر فيه أن يكونوا معتدين على المسلمين ولا على ديارهم. وندرك أن هذا هو الأمر الأخير الذي يجعل «الانطلاق» بهذا الدين هو الأصل الذي ينبثق منه مبدأ الجهاد، وليس هو مجرد «الدفاع» كما كانت الأحكام المرحلية أول العهد بإقامة الدولة الإسلامية في المدينة. ويريد بعض الذين يتحدثون عن العلاقات الدولية في الإسلام أن يتلمسوا لهذا النص النهائي الأخير قيداً من النصوص المرحلية السابقة، فيقيدوه بوقوع الاعتداء أو خوف الاعتداء! والنص القرآنيُّ بذاته مطلق، وهو النص الأخير. وقد عوَّدنا البيان القرآني عند إيراد الأحكام أن يكون دقيقاً في كل موضع، وأن يتخير اللفظ المحدَّد، ويسجل التحفظات والاستثناءات والقيود والتخصيصات في ذات النص، إن كان هناك تحفظ أو استثناء أو تقييد أو تخصيص « [٤٨] . ب - ومن السنة النبوية: استدل الجمهور بحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال:» أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله « [٤٩] . فقد أمر الله تعالى نبيه محمداً ﷺ أن يقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويلتزموا أحكام الإسلام. واللام في كلمة» الناس «للجنس فيدخل في هذا: المشركون وأهل الكتاب الملتزمون للجزية إن لم يسلموا. ولكن خرج أهل الكتاب من هذا العموم بدليل آخر هو آية التوبة السابقة، ونحو ذلك من الآيات والأحاديث. ويدل عليه رواية النَّسَائي:» أُمرت أن أقاتل المشركين « [٥٠] . ولهذا قال الطِّيبيُّ: هو من العام الذي خُصَّ منه البعض؛ لأن القصد الأوليّ من هذا الأمر حصول المطلوب، كقوله تعالى: [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] (الذاريات: ٥٦) فإذا تخلف منه أحد في بعض الصور لعارضٍ، فإن ذلك لا يقدح في عمومه. ألا ترى أنَّ عَبَدَة الأوثان إذا وقعت المهادنة معهم تسقط المقاتلة وتثبت العصمة، ويجوز أن يعبَّر بمجموع الشهادتين وفعل الصلاة والزكاة عن إعلاء كلمة الله تعالى وإذعان المخالفين، فيحصل بذلك في بعضهم بالقول والفعل، وفي بعضهم بإعطاء، وفي الآخرين بالمهادنة [٥١] .

стр. 4391

قضايا دعوية بلاغ الرسالة القرآنية.. معالم في المنهج الدعوي منهج التعرف إلى الله والتعريف به (٢ ـ ٢) د. فريد الأنصاري [*] تحدث الكاتب في الحلقة السابقة عن أن أول مقاصد القرآن الكريم هو تعريف الناس بالله، وأن المعرفة بالله درجات ومراتب، وأن الذات لن تعرف إلا بمعرفة أسباب وجودها، وأن مفهوم الخلْق دال عموماً على التكوين والإنشاء، وأن الذي ينصت إلى خطاب الفطرة في نفسه يسمع نداءً عميقاً في معرفة من أسدى إليه نعمة الوجود، وأن المراد من إحصاء الأسماء الحسنى هو العمل بها، وفي هذه المقالة يتم الكاتب ما يراه من منهج التعرف إلى الله والتعريف به. - البيان - * مفهوم الحياة والتعريف بالله: هل تعرف: ما الحياة؟ هذا المعنى اللطيف الغريب العجيب الذي يوصف به كل كائن حي في هذا الوجود، ما دامت نسمتها الغريبة تسري بجسده، حتى إذا فارقته تلك النسمة؛ فارق الحياة، أو بالأحرى فارقته الحياة؛ فصار ميتاً، ولم يعد معدوداً من أحياء هذا الكون. مهم جدا أن تستحضر أن (الحياة) بكل ألوانها وتجلياتها مصدرها واحد: هو (الحي) سبحانه. فليس عبثاً أن يعلمنا الله أن من أسمائه الحسنى هذين الاسمين العظيمين: (الحي) و (المحيي) . فهو الحي بذاته سبحانه، المحيي لغيره. ولا حياة لأحد سواه إلا بأمره. فسبحانه وتعالى من رب عظيم، وله الحمد في الأولى والآخرة. وقد وصف الله ﷻ (الحياة) في القرآن الكريم بصفتين متقابلتين: الأولى هي (الدنيا) والثانية هي (الآخرة) . وذلك نحو قوله تعالى: [أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ] (التوبة: ٣٨) ، وقوله سبحانه: [وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ] (الرعد: ٢٦) . فالحياة إذن طبقتان: الأولى تنتمي إلى عالم الشهادة، وهي حياتنا هذه التي نحيا بها، والثانية تنتمي إلى عالم الغيب، وهي الحياة الآخرة. وقد علمت أن الإيمان بالآخرة في الإسلام من حيث هي (حياة) ركن من أركان الإيمان الستة التي وجب على كل مسلم أن يعلمها، ويؤمن بها. ولنبدأ الآن رحلة التدبر لهذا المعنى في الرسالة القرآنية. ذلك أنه ما قُرِن بالإيمان بالله شيء في الكتاب والسنة مثل الإيمان باليوم الآخر. فهو أصل من أصول الرسالة القرآنية، ومقصد من مقاصد البلاغ الإلهي. وما كان ذلك ليكون لولا أن فيه حكمة ما. وهو ما نحاول اكتشاف بعض أسراره في هذه الإشارات بحول الله. وأما الآيات فلنذكر منها أمثلة تدل على ما سواها؛ فذلك في القرآن أكثر من أن يحصى لفظاً ومعنى. ونحوه قول الله تعالى في حق المؤمنين الصالحين من سائر الملل: [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] (البقرة: ٦٢) ، وقوله في حق المنافقين: [وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ] (البقرة: ٨) . وقال في حق أهل الكتاب الذين عرفوا الحق فأسلموا: [لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ] (آل عمران: ١١٣- ١١٤) ، وقال في سياق التشريع: [ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِر] (البقرة: ٢٣٢) ، وقال سبحانه في حق العابدين من عُمَّار المساجد: [إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئَكَ أَن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ] (التوبة: ١٨) ، وقال سبحانه في التنبيه على التأسي بسيد المرسلين ﷺ : [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] (الأحزاب: ٢١) ، ومعلوم أن مثل هذا في القرآن كثير. وأما السنة فقد تواتر فيها هذا المعنى بهذه الضميمة: «الإيمان بالله واليوم الآخر» ، تواتراً معنوياً كلياً؛ فمن ذلك قوله ﵇: «من أحب منكم أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة؛ فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر» [١] ، وقوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت» [٢] ، وقوله أيضاً: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس حريراً ولا ذهباً» [٣] . ونحوه في السنة الصحيحة كثير جداً. والغاية عندنا إنما هي بيان طبيعة هذه العقيدة في الإسلام، واكتشاف بعض أسرارها؛ إذ رغم أن المسلمين اليوم يؤمنون باليوم الآخر، إلا أن آثار ذلك في حياتهم قليل جداً؛ بسبب عدم الإحساس بحقيقته في وجدانهم، وضعف السير إليه خلال آياته؛ لاكتشاف مشاهده الإيمانية من خلال مشاهده القرآنية. وهذا عمل إيماني وجب على كل مسلم أن يسعى لاكتسابه؛ حتى يجد ما وجد الصحابة من هذه الحقيقة القرآنية العظمى. ويلتقط واحداً من أعظم مضامين رسالة الله رب العالمين إلى الناس أجمعين. إن الله ﷻ يخبرك يا صاحِ بخبر [فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى] (طه: ١٣) ! وافقه عن الله ما يقول؛ فإن الأمر يهم وجودك، ومصيرك أنت بالذات! اقرأ، وأنصت، وتدبر قوله تعالى: [إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (يونس: ٢٤-٢٥) . ههنا لمفهوم (الحياة) حقيقتان: حقيقة الحياة الدنيا، وحقيقة الحياة الأخرى. فأما الحياة الدنيا فأهم خصائصها الجوهرية أنها فانية؛ فهي محكوم عليها بـ (الفناء) ، وقد ضرب الله لها في الآية السالفة مثلاً: وهو دورة الحياة والموت في الطبيعة؛ إذ ينزل ماء الحياة في فصل الخريف وفصل الشتاء، غيثاً يبعث النبات من أعشاب وزروع، فتبتهج الأرض بالربيع الزاهر، وتحتفل بموسم الجمال، أشجاراً وأطياراً وأنهاراً، وزخرفة تعلو الروابي والبساتين والسهول؛ فتكون أشبه ما تكون بالحسناء المتزينة بشتى التلاوين وفنون الصنعة؛ حتى تكون في أسحر أحوال الإغواء والإغراء. ذلك أن الزخرفة الصارخة تلقي على قلب الإنسان شباكاً سحرية، فتستوعب كل وجدانه وتفكيره، فلا يرى شيئاً بعد ذلك إلا من خلالها؛ حتى إذا جاء الصيف، وأنضجت الزروع حبوبها كان الحصاد مآلها، فلا ترى لها في الأرض أثراً إلا هشيماً من حصيد؛ تماماً كما تتناثر أوراق الأشجار عند الخريف، لَقىً ذابلاً تذروه الرياح بكل البطاح، فتعوي ريح الفناء بالوديان والقيعان لتكنس كل أثر للحياة، وكأن الأشجار المتحطمة الأغصان ما أورقت قط ولا أزهرت، وكأن الأطيار الراحلة في الأفق البعيد ما عششت ههنا ولا غردت [كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْس] (يونس: ٢٤) . ولنا في هذا المثال الرباني الحق عِبرتان كلتاهما ترجع إلى حقيقة كونية عظمى: الأولى تتعلق بمفهوم المكان، أي طبيعة بناء الكون، والثانية تتعلق بمفهوم الزمان، أي طبيعة حركة العمر. فأما الحقيقة الأولى، أي مفهوم المكان؛ فهو راجع إلى أن هذا البناء الكوني الممتد ما بين السماء والأرض ليست له طبيعة خالدة؛ لأن تكوينه الابتدائي كان كذلك، أي أنه بني على هذا الوِزان، وهو أن يحيا إلى حين، لا إلى الأبد. فكل المكان من حيث هو مكان قائم على مبدأ الفناء. فحركة أجرامه ومدارات فضاءاته، كلها سائرة إلى نهايتها. ومن هنا كانت حياة هذا الكون الحالي إنما هي (الحياة الدنيا) . فهي حياة. نعم! لكنها إلى حين، إنها (دنيا) : أي قريبة الأجل، لا خالدة، ولا حتى ممتدة امتداداً طولياً حقيقياً، بالنسبة إلى امتداد (الحياة الأخرى) . وكم أخطأ الناس في هذا الزمان في فهم معنى (الدنيا) ؛ إذ ظنوا أنها دالة على الجمال، والغنى والرفاه؛ حتى جعلوا من أسماء بناتهم (دنيا) . وما هذا التعبير بدالٍّ على المدح، بل له دلالة قدحية ناقصة. فالدنيا بهذا السياق خاصة من الدنو والدناءة، وهي معنى نازل لا علو له. ولذلك قيل لسيئ الأخلاق: دنيء. أي له أخلاق منحطة قريبة من الأرض. فالدنيا: حياة قريبة من الفناء، لا لذة حقيقية فيها ولا متعة، ما دام كل شيء فيها إلى فناء. فهي دنيا. ومن هنا سمت العرب أبناءها قبل الإسلام وبعده (خالداً) و (خالدة) ؛ إذ رغبوا قبله في الخلود الدنيوي، وهو محال؛ لأن الضدين لا يجتمعان، ثم رغبوا بعده في الخلود الأخروي السعيد، وهو ممكن بإذن الله. إن بناء الكون الدنيوي له ساعةٌ ينهار فيها، ثم يفنى بإرادة الله، فلا يبقى شيء إلا الله الواحد الأحد. وهذه الساعة هي (الساعة) بتعبير القرآن؛ ذلك الحدث الكوني العظيم. سألتك بالله أن تتدبر قوله : [يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِ لاَ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (الأعراف: ١٨٧) ، ومثله قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ] (الحج: ١-٢) . والساعة: هي القيامة، والواقعة، والقارعة، والصاخة ... إلخ من الأسماء التي عبر فيها الرب العظيم عن لحظة نهاية الكون الدنيوي. فالكون الدنيوي إذن تكوين ابتدائي، والكون الأخروي تكوين استئنافي. قال ﷻ : [يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ] (الأنبياء: ١٠٤) ، وقال سبحانه: [أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (العنكبوت: ١٩-٢٠) ؛ ولذلك قال تعالى: [ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] (الأعراف: ١٨٧) كما أوردناه قبل. إن الساعة إذن هدم وبناء: هدم لكون الدنيا، وبناء لكون الآخرة. إنها تحول كوني عجيب من طبيعة إلى أخرى، يحدث في لحظة واحدة، كاللمحة من البصر! كما في قوله تعالى: [وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ البَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (النحل: ٧٧) . وقال: [وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ] (القمر: ٥٠) . إن الكون الدنيوي خَلْقٌ فانٍ، ومعمار إلى زوال. هذه هي الحقيقة الأولى. أما الحقيقة الثانية، أي مفهوم الزمان؛ فهو مرتبط في دلالته بالمكان، بل إنما الزمان وليد حركة المكان. فالمكان الفاني لا ينتج عنه إلا زمان فان. كما أن المكان الخالد لا ينتج عنه إلا زمان خالد. ومن هنا كان العمر البشري مهما توهمنا أنه طال قصيراً جداً. ويكفينا في ذلك حقيقة واحدة: هي أن الشهوات الدنيوية كلها: لذتها تنتهي ببدايتها! كل شوق إلى المزينات الدنيوية يموت بمجرد الحصول عليها؛ فلذة الطعام الشهي الجميل إنما تشعر بها قبل أن تأكله، وعند بداية الأكل، ثم يبدأ بعد ذلك خط التلذذ في الهبوط حتى درجة الشبع، فالتخمة، حتى يصير اللذيذ بعد ذلك ممجوجاً قبيحاً، وقد كان قبل قليل في غاية اللذة. وقس على ذلك كل المتع الدنيوية، مما زين للناس، من مثل الوارد في قوله تعالى: [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ] (آل عمران: ١٤) . إن طبيعة الشهوات الدنيا أنها فانية، لا تكاد تبتدئ حتى تنتهي! وإنما جمال المتعة هو الخلود فيها. هذا هو الجمال الحق، وتلك هي الحياة الحق؛ ولذلك قال بعده مباشرة ينسخ قبح الزوال بجمال الخلود: [قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ] (آل عمران: ١٥) . قضية العمر أو الزمان راجعة إلى هذا المعنى، فالفرق فيه ما بين الوهم والحقيقة؛ هو بالضبط فرق ما بين الفناء والبقاء. وما أجمل قول الله الملك السلام في آيتي (يونس) مما أوردنا قبل للتدبر: [إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (يونس: ٢٤-٢٥) . تدبر قوله في آخر الكلام: [وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] . إنه معنى جميل جداً؛ فقد جاء مقابلاً لما ذكر من أمر الحياة الدنيا وزخرفها الفاني، ومآلها الحصيد. إذ كل ذلك مُوحٍ بالخوف والخراب؛ لأن دار الدنيا هي دار الخراب؛ فكل نفس تعلقت بها إنما تعلقت بالوهم، وهذه حقيقة رهيبة تملأ القلب هولاً وفزعاً، إذا كان لهذا الإنسان القارئ أو المستمع للخطاب الرباني قلب فعلاً [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] (ق: ٣٧) ، فمقابل ذلك الشعور بما صوره القرآن لك من مآل مأساوي للحياة الدنيا، مكاناً وزماناً؛ ينفح الله روحك بالبشرى: [وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ] . السلام الحق الجميل الممتد بلا نهاية، يملأ عرض السماوات والأرض؛ ولكن فقط لمن آمن واهتدى. ولذلك قال: [وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] . فلا جنة بلا هداية. عمر ممتد بلا نهاية، وزمان بلا حساب، يغرف من جمال الله خلوداً إلى الأبد. ذلك هو السلام. قال عز من قائل: [إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلَيَاؤُكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ] (فصلت: ٣٠-٣٢) . * الحياة بين الطول والعرض: إن الإنسان عندما يتدبر هذه الحقائق القرآنية العظيمة يرى بأم عينيه أن العمر الدنيوي مجرد حلم، وأن مفهوم (الحياة) إنما يتجلى بصورة حقيقية في الآخرة، حتى لكأن ما دون الآخرة ليس بحياة! وتلك آيات القرآن العظيم ناطقة بهذا. قال : [وَمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ] (العنكبوت: ٦٤) . فلفظ ﴿الْحَيَوَانُ﴾ صيغة دالة في العربية على الامتلاء، كقولك (فيضان) بدل (فيض) ؛ إذا كان قد بلغ السيل الزبى، والتقى الماء على أمر قد قدر، فجرف كل شيء، فيقال حينئذ: (فيضان) . فلفظ (حيوان) هو بمعنى الامتلاء حياة، بل هو فيضان الحياة. تلك هي طبيعة الحياة الآخرة تفيض بالحيوية والحياة، وتمتد نعمها التي لا تنفد على عرض الكون، فلا يعرف لها نهاية، خلوداً مؤبداً، إلى ما شاء الله. ويبقى ما دون ذلك من (حياة) أشبه ما يكون بطعم الصياد الذي يغري الفريسة لتقع على المتعة الوهمية؛ فتكون من الهالكين. فهي (متاع الغرور) حقاً، كما قال في سياق آخر: [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ] (آل عمران: ١٨٥) . والكافر لا يرى ذلك إلا بعد هلاكه. فما أعجب تعبير القرآن في هذا! إذ يقول الله ﵎: [وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي] (الفجر: ٢٣-٢٤) . فحسرة الكافر وندمه إنما هو لكونه لم يقدم لحياته. ويقصد الحياة الآخرة، ولكنه لم يصفها بـ (الآخرة) ؛ للدلالة على أنها هي وحدها حياته؛ إذ أدرك الآن عياناً أن ما سبق من حياته الدنيا ليس بحياة. فندم على تفريطه في حياته الحقيقية: الآخرة. ونتيجة الأمر أنه ما حيي إلا من حيي في الآخرة وللآخرة. وأما الدنيا فهي بالنظر إلى هذا المعنى ليست بحياة؛ إلا مجازاً. فإذن لا طول للحياة الدنيا ولا بقاء لها مكاناً وزماناً. بل هي مجرد خدعة للإنسان إن لم يستثمرها للحياة الحقيقية: الآخرة. إنها لو تدبرت عمر في أيام.. فلا طول. وإنما الطول مفهوم يدل على الحصر؛ إذ ما سمي طولاً إلا لقابليته للعد والقياس، وكل معدود محدود. ومن هنا وصف الله الجنة بالعرض دون الطول. وذلك بعدما قرر طبيعة الحياة الدنيا، فقال على سبيل الجزم والتحذير: [اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَراًّ ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ * سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ] (الحديد: ٢٠-٢١) . لقد ابتدأ الخطاب في الآية بهذا الأمر الجازم: (اعلموا..!) والعلم إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع قطعاً ويقيناً، أي بلا تردد ولا شك، ولا ظن. (اعلموا..) هكذا قطعاً. وجاء المثال القرآني العجيب مرة أخرى بصيغة أخرى: مثال الزرع؛ إذ ينبهر الفلاح بخضرته وجماله وسنبله، فلا يلبث أن يصير حقله الجميل حطاماً، أو حصيداً كأن لم يغن بالأمس! فكذلك الدنيا كلها بزينتها وأموالها وأولادها.. [وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ] . وهنا جاء المقابل الأخروي هذه المرة في القرآن الكريم بصيغة فريدة.. لا مثيل لها، جاء طلب المسابقة إلى المغفرة والجنة، ووصف الجنة بما قال : [عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ] فوصفها بالعرض دون الطول. ذلك هو الزمان الأخروي السعيد، والعمر الجميل المديد. تلك هي الحياة.. (خالدين فيها أبداً) . إن (الطول) - كما ذكرنا - مفهوم محدود معدود. والجنة لا حد لها، ولا عد. إنها (الحيوان) . فلا يليق بوصفها من ألفاظ الامتدادات إلا (العرض) ؛ إذ بالعرض تعيش اللحظة الواحدة أكثر من مرة. أما الطول فلا يتيح لك من اللحظة الواحدة إلا خطوة واحدة، تخطوها إلى أمام؛ لتصبح بعد ذلك من (الماضي) ، فلا يمكنك أن تسبح في النهر مرتين، كما قال الحكماء. وأما العرض فهو امتداد أفقي في الزمان الفسيح؛ إذ تتمتع بالمتعة الواحدة أبداً، وتعيش الشعور الواحد أبداً، وتغرف من اللحظة الواحدة معنى الخلود. صورته في الدنيا هي (بركة العمر) ؛ حيث يبارك الله العمر القصير ولا يكون العمر إلا قصيراً ويزكيه؛ فينجز المؤمن فيه من الصالحات ما يمكنه بإذن الله من الخلود في الجنة. وصورته في الآخرة: حياة سعيدة مطلقة في الزمان، سابحة في الجمال، تنعم بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فما أبلد من يستنزف طول عمره على حساب عرضه! ولا يسابق إلى هذا إلا من عرف الله ابتداء، ثم اكتشف هذا المعنى اللطيف (للحياة) ، وذاق جماله، فسابق إليه. وإنما [ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ] . فكيف السبيل إلى ذلك، وكيف المسير؟ ذلك هو البلاغ الرابع من بلاغات الرسالة القرآنية. فيه بيان طريق العمل، ورسم معالم السلوك. حتى إذا وجدت ما وجدت، وعرفت من ربك ما عرفت، أبت عليك معرفتك، وما فاضت به عليك من جمال الأخوة الكونية؛ إلا أن تسعى بهذا الخير إلى الناس كل الناس.. داعياً إلى الله ومعرفاً به. لا يمكن لعارف بالله حقاً إلا أن يكون داعية إليه. وهل يستطيع المحب أن يكتم من محبته شيئاً؟ إن الوجدان ليضيق عن كتمان جمال تشرق أنواره على الكون كله! .. ولا يمكن للنور إلا أن ينير! * إن الدعوة إلى الله إنما هي تعريف بالله.. فتأمل! فكيف إذن يكون التعريف بالله؟ ذلك ما تبينه آيات الدعوة إلى الله من سورة (فصلت) ، ذات (القواعد العشر) . إنها خلاصة القول فيه، وجماعه؛ فقد فصلت المنطلقات تفصيلاً، وحددت الغايات تحديداً، وضبطت الوسائل ضبطاً. إنها منهج متكامل بذاتها في الدعوة إلى الله. وإن الناس اليوم لو أخذوا بها وحدها في هذا الشأن لكفتهم. اقرأها أولاً، ثم لنتعاون معاً على تدبرها آية آية إن شاء الله؛ عسى أن نصل إلى رسم منهاج قرآني للدعوة إلى الله. قال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلَيَاؤُكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ * وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ] (فصلت: ٣٠-٣٦) . هذه هي القواعد العشر في الدعوة. فأحصِ معي أصولها من خلال هذه الآيات واحدة واحدة، وتدبر: ١ -[إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ] . ٢ -[ثُمَّ اسْتَقَامُوا] . ٣ -[تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا] عدها واحدة إلى قوله تعالى: [نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ] . ٤ -[وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّه] . ٥ -[وَعَمِلَ صَالِحاً] . ٦ -[وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] . ٧ -[وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ] . ٨ -[ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ] . ٩ -[وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] . ١٠ -[وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ] . هذا هو الظاهر الجلي، ولكن يجوز أن تجد أكثر؛ فالقرآن بحر زاخر بالكنوز، لا يحصي معانيه إلا الله ﷻ . - أما القاعدة الأولى: فهي أن (قول: ربنا الله) إعلان للتوحيد. تدبر.. إنه (قول) . وهذا شيء مهم في حد ذاته، (فقوله) ذلك إعلان له، ودعوة إليه، وترسيخ له في المجتمع. ألم تسمع قول النبي ﷺ للذي سأله: أن يقول له في الإسلام شيئاً لا يسأل عنه أحداً بعده؛ فقال له ﷺ : «قل آمنت بالله فاستقم» [٤] ، وفي رواية أخرى: «ثم استقم» . هكذا (قل) تصريحاً لا تلميحاً، إعلاناً وإشهاراً لا تورية وتقية، [إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِن] (النحل: ١٠٦) . فإنما أصل الدين إعلان توحيد الله، ورفع راية (لا إله إلا الله) . فارفعها يا صاحِ عالياً عالياً، ارفعها فوق كل راية؛ حتى لا تظهر فوقها راية، [وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ] (الأنفال: ٣٩) . قل: «آمنت بالله» حيثما حللت وارتحلت، قلها في كل مكان.. أعلن تدينك ولا تخفه، أشهر سلوكك الإسلامي، وانتماءك الحضاري، وصبغتك الربانية، وكونك من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. عش بهذا المنطق، وبهذا الشعور واعتز به، ولا تخجل «إنك على صراط مستقيم» . إنه مبعث الفخر إذا افتخرت الأمم بتفاهاتها المادية، وخزعبلاتها الفكرية، هذا دين رب الكون كله فاعتز به. [وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] (المنافقون: ٨) . [إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ] تلك هي القاعدة الأولى، فاحفظها بوجدانك؛ فقد جعلها الله أول شرط الفلاح. فاعرف ربك وعرِّف به على ما فصلنا في البلاغ الثاني من هذا الكتاب، تكن قد قلت: ربنا الله. - وأما القاعدة الثانية: فهي الاستقامة على قولك ربنا الله.. [ثُمَّ اسْتَقَامُوا] ، أي الالتزام بما أقررت، والوفاء بما شهدت به على نفسك، وشهد به عليك الله، والملائكة، والناس أجمعون. ذلك صراط مستقيم أقررت به، فاستقم عليه عقيدةً وسلوكاً، ظاهراً وباطناً، خوفاً ورجاء؛ تكن من الصادقين؛ ذلك أن الاستقامة على توحيد الله معرفةً وتعريفاً في ربوبيته وألوهيته، وما تفرع عن هذه وتلك، من معان رفيعة سامية، كعبادته تعالى بما له من أسماء حسنى وصفات عُلا، إثباتاً لها، ودعاءً بها، وسيراً إليه في أنوارها.. كل ذلك وما في معناه من مقتضياته يجعلك مسلماً حقاً، ويحقق وعد الله فيك من الأمن في الدنيا والآخرة. وبيانه كما يلي: - القاعدة الثالثة: التبشير وعدم التنفير. وذلك ببناء الكلام في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ على قصد تحبيب العباد في رب العباد. إذ على ذلك ينبني مفهوم الخوف والرجاء. انظر كيف بشر الله من استقام على ذلك بالجنة وبالولاية الربانية الحقة، والنجاة من غضبه وعذابه. إنه شعور جميل جداً. شعور بالأمن الروحي، والسلام الوجداني، يفيض بالقلب المؤمن الصادق. إن العبد ليجد جمال الكرم الإلهي في نفسه، ونور رحمته ينبعث من صدقه، في توجهه وسيره إلى الله، مع خوفه من زوال ذلك؛ مما ينشط حركة سيره، وسرعة إقباله على ربه رغباً ورهباً. فـ (البشرى) هي أعظم ما يحب الإنسان أن يسمع في حياته. وهي أرفع منازل الدعوة إلى الله، وأرقاها غاية ووسيلة. إلا أنه معلوم شرعاً وعقلاً أن البشرى لا تتحقق إلا إذا لابسها خوف عدم حصول المرتجى. فالتخويف أساس لتحقيق التبشير؛ ولذلك قلما ذكر الترغيب في القرآن إلا ذكر معه الترهيب؛ فهما حقيقتان متلازمتان. إلا أن ضابط ذلك وجماعهما هو التحبيب. أي لا يجوز أن يُفَرِّط المرء في أحدهما، أو يُفْرِط بما يؤدي إلى تنفير النفس عن المقصود، وتيئيسها من الله والعياذ بالله. بل يجب أن يكون التخويف على قدر ما يحبب العباد في رب العباد؛ فههنا ميزان من الحكمة قلَّ من يحسنه من الناس. ولذلك قال ابن القيم ﵀: «ويندرج الخوف والرجاء في الحب» [٥] . فاجعل التبشير بالخير في الدنيا والآخرة جوهر خطابك للناس، واجعل النذارة له مصدقة؛ حتى لا تتواكل الأنفس، وتتراخى عن أداء حق الله. واقصد إلى تعريف الخلق بالله؛ فإنهم إن عرفوه حقاً أحبوه؛ فتعلقوا بعبادته آنئذ خوفاً وطمعاً. ففي الصحيحين: «أن النبي ﷺ بعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن؛ قال: يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا» [٦] ، وفي مسلم: أن أبا موسى الأشعري ﵁ قال: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَمُعَاذاً إلى الْيَمَنِ. فَقَالَ» ادْعُوَا النّاسَ، وَبَشّرَا وَلاَ تُنَفّرَا، وَيَسّرَا وَلاَ تُعَسّرَا « [٧] . ومن ألطف النصوص في هذا المعنى ما صح عنه ﷺ أنه قال:» إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه: «إن رحمتي سبقت غضبي» [٨] . فهذا رب العالمين يعلمنا أن نجعل خطاب الرحمة سابقاً في دعوتنا، ونجعل لذلك النذارة خادمة للبشارة؛ لأن الكل مشمول بقصد المحبة. وما أجمل وصف الله لرسوله ﷺ ، في ذلك، وهو سيد الدعاة إليه: [لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] (التوبة: ١٢٨) . فأشد الناس خوفاً من الله هو أشدهم محبة له. بهذا المنطق وجب أن تبني خطابك أيها الداعية؛ فما تفرد النذير في موطن من الكتاب والسنة إلا لحكمة خاصة. - القاعدة الرابعة: الدعوة إلى الله لا إلى ذات الهيآت والمنظمات. تدبر قوله تعالى: [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ] ، فهو أولاً متفرع عن (القول) الأول: [قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ] وفي سياقه. فإعلان التوحيد بالتعرف على الله والتعريف به، أمر متضمن لما نحن فيه: (قول الدعوة إلى الله) فليس الداعي الحق إلى الله إلا معرفاً به؛ ولذلك كان هذا أحسن ما يعلنه العبد في طريق عبادة الله في الأرض: [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً ... ] . ثم هو (دعوة إلى الله) على غرار قوله في سياق آخر مما سبق بيانه: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] (يوسف: ١٠٨) . فهي دعوة إلى (الله) ﷻ وجماله، توحيداً وتفريداً وتجريداً؛ رغبة ورهبة.. فتدبر.. لا ضير أن تنظم عملك ضمن أي تنظيم دعوي، ما دامت أصوله العقدية سليمة، وما دام منهجه الدعوي مستقيماً على الكتاب والسنة، ولكن احذر أن يختلط عليك الأمر، فتدعو الناس إلى التنظيم بدل دعوتهم إلى الله، فتكون قد اتخذت التنظيم آنئذ وثناً يعبد من دون الله الواحد القهار. اجعل الله غايتك على كل حال. واتخذه هدفاً لدعوتك: تتعرف عليه وتعرف به؛ تكن أحسن القائلين في الدين. اجعل تنظيمك أو جماعتك خادمة لله، ولا تجعل الله خادماً لتنظيمك أو جماعتك، فتدبر.. تلك لطيفة من لطائف قوله تعالى: [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّه] (فصلت: ٣٣) . وقد فصلنا الكلام في هذا المعنى بكتابنا (البيان الدعوي) ، معززاً بأدلته الوافية هناك، فارجع إليه إن شئت، والله الهادي إلى الحق، ولا حق سواه. - القاعدة الخامسة: في أن العمل الصالح أساس الدعوة إلى الله، وعلى رأسه الصلاة. ولذلك قال: [وَعَمِلَ صَالِحاً] عطفاً على إحسان القول. فلا قول حسن إلا إذا انبنى على عمل صالح، ثم انبثق عنه عمل صالح. فويل لمن ناقضت أفعاله ما أظهر للناس من أقواله. إن الاستقامة التي اشترطت على الذين قالوا ربنا الله هي هنا قد سيقت مساقاً دعوياً ظاهراً، بمعنى أنه يجب أن تنتبه إلى أن الداعي إلى الله يدعو بقوله وبفعله، كما أن المفتي يفتي الناس بقوله وبفعله أحب أم أبى؛ فسلوكه الفعلي مناط اتباع؛ تلك سنة الله في الخلق. فاجعل عملك صالحاً حتى تكون به مصلحاً؛ ويأجرك الله مرتين. - القاعدة السادسة: إعلان الانتماء لكل المسلمين، والحرص على عدم تفريق وحدتهم العامة. [وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] (فصلت: ٣٣) فـ (من) هذه تفيد التبعيض كما هو معلوم عند اللغويين. والمعنى: أنك واحد من المسلمين، جزء من كل. فالدعوة إلى الله هي دعوة إلى الله، وانتماء عام لكل المسلمين. وفي ذلك راحة من مضايق الهيآت والجماعات. فما أجمل أن تجيب الداعي إلى الله إذا سئلت: (من أي جماعة أنت؟) فتقول: (من المسلمين) ؛ ذلك الحق من رب العالمين، (فماذا بعد الحق إلا الضلال) ! - القاعدة السابعة: [وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَة] . هذا مبدأ ثابت من مبادئ القرآن، فاثبت عليه. لا يستوي الخير والشر، لا يستوي الحق والباطل، لا يستوي المعروف والمنكر، لا يستوي الكلام الطيب والكلام الخبيث. ونتيجة ذلك دعوياً: لا تستوي الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، والدعوة إليه بالتي هي أخشن. لا يستوي في ميزان الله من يقرب الناس من الله ويعرفهم بجماله وجلاله، ومن ينفرهم عنه ويجهلهم بقدره، وإن ظن أنه بذلك يحسن صنعاً، فلا تغتر به. هذا كتاب ربنا واضح في المسألة وضوح الشمس في رابعة النهار، وتلك سنة نبينا قاطعة بأن المنهج الدعوي الإسلامي إنما هو ما اتسم بالحلم والأناة، والتيسير على الناس في طريق تعريفهم بحقوق ربهم. ذلك هو الحق الثابت أبداً: [وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَة] . - القاعدة الثامنة: دفع الشر بالخير. وهي تفسير للقاعدة السابقة، وبيان لها، وتحقيق خاص لمناطها العام: [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ] . فالعلاقة بين القاعدتين هي العلاقة بين المبدأ الكلي والتطبيق الجزئي؛ كما هي العلاقة بين المطلق والمقيد؛ وذلك مثلاً حيث يواجهك الخصوم في الدعوة إلى الله من أهلك وعشيرتك، أو حكومتك، أو يحاصرونك؛ فاقتد برسول الله ﷺ ، ولا تلتفت إلى غيره، إياك أن تغلبك الرغبة الجامحة في الانتقام؛ لا يستفزنك تحرشهم، ولا يثيرنك جهلهم وعنتهم، وخاصة أن مناط الأحكام في الدعوة في هذا الزمان غالب أمره أنه يتنزل في بلاد المسلمين، ويخاطب من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فكيف تنزع إلى العنف الجاهلي؟ حاشا الجهاد في سبيل الله إنك إن تفقد منهج القرآن، وتخطئ سنة الرسول ﷺ في الدعوة إلى الله؛ تفقد صفة الداعي إلى الخير؛ والله أمرك أن تدعو إلى الخير، كما بينت لنا الآية قبل: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْر] (آل عمران: ١٠٤) ، وتفقد صفة الداعي إلى الله، فلا تكون داعية إلا إلى نفسك. حذارِ من التشنج، حذارِ من الغضب لنفسك. ما دمت قد جعلت نفسك لله فاجعل الكل لله، ولا تتحرك في الدعوة إليه تعالى إلا بما تقدر أنه لله. [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] (فصلت: ٣٤) تلك مقدمة مسلَّمة في منهج الله، نتيجتها واضحة حاسمة، هي: [فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ] (فصلت: ٣٤) . تلك هي الحكمة المذكورة بوضوح في قوله تعالى: [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ] (النحل: ١٢٥) . عجيب كم ضل كثير من الدعاة مع الأسف عن منهج الله لما هجروا القرآن إلى غيره من الأهواء، مستجيبين لردود الأفعال. ألا ما أوضح القرآن، لو يدَّكرون.. [وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ] (القمر: ١٧) ، ولكن الضلال عمى. اقرأ يا صاحِ مرة أخرى.. وتدبر: [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ] . ذلك هو الأصل في المنهج الدعوي، وما سواه جزئي حادث، ولكل حادث حديث. وإنما العبرة عندنا في هذا الكتاب تقعيد الأصول. - القاعدة التاسعة: في الصبر على الأخذ بالمنهج القرآني؛ ذلك أنه يحمل النفس على معاشرة الناس فيما تكره من تحمل الأذى في الله، ودفع الشر بالخير، ودفع الجَهَلَةِ بالحكمة والموعظة الحسنة، ودفع العداء بالتي هي أحسن. كل ذلك شديد على النفس؛ لأنها جبلت على محبة ذاتها، والانتقام لها؛ ولذلك قال في القاعدة التالية: [وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] . فدرِّب نفسك على الصبر حيث يجب الصبر، وعلِّمها كيف تكبح جماحها؛ حتى لا ترد الجهلَ بالجهل، والشرَّ بالشر، فتزيغ عن الصراط المستقيم. - القاعدة العاشرة: الحذر من الشيطان. وههنا لطيفة من اللطائف؛ ذلك أن بعض المسلمين قد يغيب عنه في فتنة الانغماس الاجتماعي أن الشر من الشيطان. حقيقة كبرى قد تنسى.. اذكر هذا جيداً وجدد إيمانك به. إن الشيطان الملعون خَلْقٌ من خَلْقِ الله، بل هو شر خلق الله، إنه ليس وهماً ولا خيالاً، إنه حقيقة. إنه يسعى لتضليل عباد الله، وأنت واحد ممن يستهدفه الشيطان بغوايته، وكل الناس معرض له. فتدبر.. يجب أن تعرف الشيطان وحيله الخبيثة؛ فالمؤمن الكيِّس الفطن هو من يسأل عن الشر مخافة أن يلحقه؛ فاسأل عنه حتى تعرفه؛ فإنك إن تجهل به تقع في أحابيله. والله عرفنا به في غير ما آية من القرآن، فقال تعالى: [يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ] (الأعراف: ٢٧) . وقال في وجوب اتخاذ الشيطان عدواً: [إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواًّ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ] (فاطر: ٦) وقال: [لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً * وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِيَنَّهُمْ وَلآمُرَنُّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِياًّ مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً] (النساء: ١١٨-١٢١) . * اعرف عدوك تنتصر عليه! اعرف الشيطان حتى تعرف طبيعة العلاقة بينه وبين المسلم عموماً، وبينه وبين الداعية إلى الله خصوصاً. إنك إذ تدعو إلى الله تقوم بهدم ما بناه إبليس اللعين؛ فتزداد عداوته لك أضعافاً مضاعفة، ولكنك إن اعتصمت بالله واستعذت به فلن يصل إليك، فلا سلطان له على عباد الله الصالحين. إن أسهل ما يمكن أن يزرعه في قلبك هو أن يشغلك بالحسن دون الأحسن، فإذا استجبت له نزل بك دَرَكة، فدَرَكة؛ حتى يجعلك من الغاوين. ومن هنا قال من بعد ما أرسى قواعد المنهج الدعوي: [وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ] (فصلت: ٣٦) . لقد كان السياق في الحض على الصبر، والثبات على منهج الدفع بالتي هي أحسن، وعدم الاستجابة لاستفزاز خصوم الدعوة: [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] (فصلت: ٣٤-٣٥) . فقال بعد ذلك مباشرة: [وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ] (فصلت: ٣٦) فجاءت القاعدة العاشرة في الاستعاذة من نزغ إبليس اللعين؛ خاتمة للقواعد العشر في المنهج القرآني للدعوة؛ حتى يستشعر الإنسان استقامة ما هو عليه من صراط، وصواب ما سار عليه من سبيل، وأنه ماضٍ في ذلك على بصيرة يدعو إلى الله. فمهما حصل من اختلال طارئ، أو ابتلاء سابق؛ فاثبت على منهجك لا تغير ولا تبدل ما دمت تنهل من القرآن، كتاب الله رب العالمين، وكلما ألقى الشيطان في روعك من الوساوس ما ألقى؛ [فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ] . * خاتمة: أحسب أن تلك قواعد وضوابط تضع الداعية على منهج التعرف إلى الله جل جلاله، والتعريف به. وإن الحركة الإسلامية إذ يكون ذلك هو غايتها، في سائر أوجه نشاطها الإسلامي؛ فإنها تأمن كل أشكال الشرود والانحراف بين أفرادها والمتعاطفين معها، إلا ما شاء الله، وتضمن بإذن الله لتوجهها السلامة من الزيغ عن المقاصد التعبدية، والنجاة من الانجراف إلى المقاصد الدنيوية والمكاسب الحزبية الضيقة، في أي مجال كانت أنشطتها، سواء في المجال السياسي أو الاجتماعي أو النقابي أو الإعلامي ... إلخ. ذلك أن توسل العبد بكل أشكال أنشطته للتعرف على الله والاشتغال بالتعريف به يملأ قلبه جمالاً إيمانياً قلَّما يجتمع معه حب الشهوات، وابتغاء الضلالات، مما يجنب الحركة الإسلامية كثيراً من الويلات والزلات. ولا نجاة إلا لمن عصمه الله منها.

стр. 4392

دراسات تربوية الشخصية والتدين د. محمد عبد الله الصغير [*] * تصور الناس للتدين: تختلف رؤية الناس للتدين وتعاليم الدين بحسب عوامل كثيرة (تربوية وإعلامية وغيرها) فمنهم: - من يتصور أن الدين مجموعة قيود وضوابط تحدّ من حرية الإنسان فكراً وسلوكاً، وهؤلاء منهم من يلتزم بالدين وهو ضجِر متبرم لكنه لا يستطيع الخروج على المألوف الاجتماعي من حوله، ومنهم من ينفر من الدين ويُنفِّر غيره ويصرِّح بذلك علانية، ومنهم من ينافق فيظهر خلاف ما يبطن، ولا يبين حقيقة تصوره إلا لمن يثق به من أشباهه. - من يتصور أن الدين مجموعة تعاليم روحانية تهدف فقط إلى السمو بالنفس والترفع عن قيود الأهواء والشهوات، وهؤلاء منهم من يلتزم بهذه الطقوس ويمارسها بطريقة صوفية بحتة، ومنهم من يستخف بها ولا يعتد بها، وأغلب هؤلاء من العقلانيين الذين انحسرت عندهم العاطفة لحساب العقل والتفكير، ومنهم من يرى أن الشخص له الحرية في ممارسة هذه التعاليم الروحانية متى شاء لكن يجب ألا يكون لذلك أي متعلقات سلوكية وفكرية في أمور الدنيا؛ فالدين عندهم علاقة خاصة بين الفرد وربه، ولا تتعدى مجال فروض العبادة؛ وهؤلاء هم أصحاب الاتجاه العلماني على اختلاف توجهاتهم الفرعية. - من يتصور أن الدين منهج سياسي متطرف متزمت لا يقبل التفاهم ولا يحسن التحاور ولا همّ له سوى بسط سلطانه في الأرض بالقوة والقهر والتشديد (حتى في حق الأبرياء والأطفال والنساء والشيوخ ... ) ، وهذا التصور هو الذي يحرص اليهود والنصارى وأشباههم على ترويجه عن الدين الإسلامي، ويبدو أن له قبولاً في بعض أوساط المسلمين وغيرهم، وقد أفصحت أحداث التفجيرات في أمريكا (أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١م) عن ذلك بوضوح. - من يتصور أن الدين تراث وثقافة وتاريخ قومي للأمة العربية؛ فمن حرص عليه فإنما يحرص على تراثه وتاريخه وثقافة أمته وماضيها سواء حُمد على ذلك أم لم يحمد، وإن لم يحرص على ذلك وتأثر فكراً وسلوكاً بثقافة أي أمة أو بلد فإنه حُرٌّ في ذلك سواء حُمد على ذلك أم لم يحمد. * الإسلام والنفس: الإسلام هو الدين الحق الذي ارتضاه الله تعالى للبشر وجعله شاملاً لأمور دنياهم وآخرتهم بتوازن وتكامل ووضوح وحكمة ودقة لا يمكن أن تصدر إلا ممن خلق النفس البشرية ويعرف خباياها وخفاياها كما قال تعالى: [وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا] (الشمس: ٧-٨) . وقد شمل الخطاب الشرعي (في القرآن والسنة) جوانب الحياة الإنسانية كلها للفرد والمجتمع (المشاعر، والتفكير، والإدراك والسلوك، والتوافق النفسي والاجتماعي، والعلاقات الأسرية، والمعاملات البشرية على اختلاف أنواعها) ، واهتم الإسلام بتلبية الحاجات الأساسية للنفس البشرية (نفسية أو عضوية) ، كالنوم والطعام والجنس مما هو موافق للفطرة الإنسانية، وجعل لحياة الفرد معنى سامياً وهدفاً عالياً، وبيّن له أن الدنيا مكان امتحان وابتلاءات شتى، وستأتي بعدها فترة الحساب والثواب والعقاب؛ فليست الدنيا نهاية المطاف. كما اهتم الإسلام بتهذيب الغرائز والشهوات الإنسانية، ووجّه الناس إلى ضبطها بحكمة ضبطاً داخلياً من أعماق النفس وصميم الضمير، وليس لأجل مجاراة المجتمع أو خوف انتقادات الناس، وليس هذا الضبط كبتاً وحرماناً للنفس بل هو سُموٌّ بها عن التدني والفساد الفردي والجماعي، ويتضح هذا عند تأمل أحوال أولئك الذين أطلقوا العنان لشهواتهم وغرائزهم دون ضوابط، والنظر في عواقب مآلهم؛ فإنهم انطلقوا يطلبون السعادة في غير اتجاهها؛ فما وجدوا إلا التعاسة والألم النفسي والتعب الجسدي. هربوا من الرق الذي خُلقوا له فبُلوا برق النفس والشيطان [١] . * أثر التدين في الشخصية: - في الضمير: إن للتربية الدينية أثراً مهماً في تكوين الضمير داخل النفس؛ فإذا كانت التربية الدينية متزنة في توجيهاتها للناشئ، وجمعت بين الترغيب في الخير والثواب عليه وبين الترهيب من الشر والعقوبة عليه بحكمة؛ فإن الضمير ينمو نمواً سليماً في نفس الناشئ، ويؤثر إيجابياً في شخصيته، وينعكس على علاقته بنفسه والآخرين؛ فيقوى بذلك عنده الجانب الخلقي، ويبرز في تصرفاته ويكون دعامة قوية في نضج شخصيته وتماسكها. أما إذا برزت الشدة والقسوة والترهيب الديني على حساب الرفق والحكمة فإنها تؤثر سلباً على شخصية الناشئ؛ إما بتكوين ضمير متضخم يقمع النفس عن الانطلاق السليم في الحياة وعن التفاعل الصحيح مع الآخرين، أو بتكوين ضمير متبلد ضعيف ضامر غير مبالٍ، ولهذا شواهد من حالات أبناء وبنات بعض الأسر المتدينة التي أفرطت في القسوة فأضرت بأبنائها وبناتها. وإذا حصل العكس وبرز التهاون والتراخي والغفلة أو المبالغة في الترغيب الديني، وغابت روح الحزم والترهيب المناسب فإن الضمير الديني يكون ضعيفاً ولا سيما الوازع الداخلي الذي يكف النفس عن هواها؛ وشواهد ذلك في العيادات النفسية كثيرة، وفي المجتمع اليوم من ذلك شيء كثير؛ فكم من فتيات وشباب مائعة أخلاقهم ضعيفة ضمائرهم وأهلهم ذوو دين وخلق لكنهم متهاونون متساهلون غافلون. - في الأمن النفسي: الأمن النفسي مطلب لكل فرد وأسرة ومجتمع وأمة، وقد لبت التشريعات الإسلامية تحقيق هذا المطلب بأكثر من طريقة؛ فقد حرص الإسلام على الأمن النفسي للطفل والمرأة والكبير حرصاً بالغاً باحترام وتقدير، خصوصاً أنهم أحوج من غيرهم (من الرجال الأقوياء) إلى الأمن، وهذا ينعكس على استقرار شخصية الطفل فيما بعد وعلى المرأة وتربيتها لأولادها. والتدين يشعر الشخص بشيء من الأمان على مستقبله الأخروي إذا استعد بصالح الأعمال (وإن لم يضمن له دخول الجنة) ، بخلاف المقصر في دينه فإنه عرضة للقلق الداخلي على مستقبله الدنيوي والأخروي، وينعكس ذلك على شخصيته وتعامله مع نفسه وغيره. [الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ] (الرعد: ٢٨) . إن التدين الصحيح يخفف على النفس المخاوف الدنيوية، ولا يفزعها بالمخاوف الأخروية إلى درجة القلق النفسي المرضي، وإنما يحثها بذلك حثاً رفيقاً إلى حيث الأمان الحقيقي طويل الأمد، كما يبعث في النفس التفاؤل، ويعمل على نبذ التشاؤم واليأس والقنوط، وهو ما يسيطر على بعض الشخصيات الكئيبة، وفي الوقت ذاته يحذر من الانسياق وراء الفرح وما قد يتبعه من تصرفات تكون عاقبة أمرها خسراً، وهذا ما يوجد عند الشخصيات الاندفاعية (كالمحتالة والنرجسية والحدية) . - في الهوية الذاتية والثقة بالنفس: كثير من الناس الذين كانوا يعانون ضعفاً في المعنويات وشعوراً بالإحباط، بسبب بعض النقص في المقومات الاجتماعية (التعليم - الوظيفة - النسب....) أو المادية أو غير ذلك تزول عنهم تلك المعاناة (أو تخف بدرجة كبيرة) عندما يسلكون طريق التدين السليم وصراطه المستقيم، فيشعرون بعزة الانتماء لدين الله والدخول تحت مظلة العزة الإيمانية، ولهذا أثر نفسي إيجابي كبير ينعكس على حياة الشخص كلها وعلى علاقاته، ومن أمثلة ذلك: حالات أولئك الذين استطاعوا ترك المسكرات والمخدرات واعتزالها وأهلها بمجرد استقامتهم على الدين، وشعورهم بالثقة النفسية الجديدة والهوية الذاتية الصحيحة. - في التكيف مع الأزمات النفسية: إن من أهم جوانب الشخصية قدرتها على التكيف مع الأزمات النفسية والضغوط والإحباطات التي تكاد لا تخلو منها الحياة مهما كانت الظروف الفردية والاجتماعية. إن التدين السليم يعين بشكل كبير على حسن التكيف مع الأزمات النفسية؛ بدءاً من تقبل المصائب واحتساب أجرها عند الله (عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر) كما قال تعالى: [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (آل عمران: ١٦٥) ، وقوله تعالى: [وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ] (الشورى: ٣٠) ، وعلى عدم الاستسلام للواقع المر، والركون لليأس والقنوط من رحمة الله، إضافة إلى الحرص على بذل الأسباب المشروعة دينية كانت أو دنيوية مع توكل صحيح على الله تعالى (دون تواكل أو اعتماد على النفس دون الله) . مما يُلحظ في مواقف بعض المتدينين عند الأزمات والضغوط النفسية أنهم يهملون الأسباب الحسية (إما عجزاً أو جهلاً أو غير ذلك) ؛ مما يعوق تكيفهم مع الأزمات، وقد ينسبون تصرفاتهم تلك إلى الدين وهم غير مصيبين في ذلك. وفي مقابل هؤلاء فإن مما يلحظ في مواقف بعض المقصرين في تدينهم أنهم يهملون الأسباب الإيمانية عند مواجهة الأزمات النفسية والاجتماعية؛ مما يؤثر سلباً في تكيفهم مع تلك الأزمات. - في الاهتمامات والهوايات وقضاء الأوقات: هذه من جوانب الشخصية التي يؤثر فيها التدين بصورة واضحة؛ فالتدين الصحيح يوجه الاهتمامات والهوايات وقضاء الأوقات فيما يعود بالنفع الدنيوي والأخروي على الشخص وعلى غيره؛ فالتدين يؤثر إيجابياً في مهارة إدارة الوقت، وترتيب الأولوليات، والتوازن في توزيع الأوقات على الاهتمامات [٢] . إن كثيراً من المقصرين في أمور دينهم يُضيع الواحد منهم وقته سدى في اهتمامات أو هوايات هامشية تكون على حساب مصالح ومنافع كثيرة في حياته الشخصية والاجتماعية، وينعكس ذلك على شخصيته بالإهمال والفوضوية الشخصية، ومن ذلك انهماك كثير من الشباب والفتيات في متابعة بعض التوافه في الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) ، أو غيرها من وسائل الإعلام [٣] . - في المهارات الاجتماعية: للتدين السليم دور مهم في تحسين نوعية التواصل الاجتماعي للشخص مع الآخرين من حوله، ويشمل ذلك عدة جوانب منها: - إفشاء السلام وإظهار البِشر والتبسم. - زيارة الإخوان وصلة الأقارب والأرحام. - الابتعاد عن الغيبة والنميمة والتجسس والتباغض. - التحلي بالحلم والعفو. - التحلي بآداب الزيارة والطعام ونحو ذلك. - في تنمية الصفات الإيجابية: يحث التدين السليم النفس على استخراج ما فيها من صفات إيجابية وتفعيل دورها لمصالحها الدنيوية والأخروية، ولما يترتب على ذلك من مصالح متعدية النفع إلى المجتمع، ويشمل ذلك العديد من الصفات ومنها: - علو الهمة واستثمار الأوقات. - الرفق والأناة والحياء والمروءة والإيثار. - الحزم وكف النفس عن الهوى والشهوات. - التراحم والتواد والمواساة والنجدة. - في تهذيب الصفات السلبية: للتدين دور كبير في تهذيب الصفات السلبية في الشخصية، وذلك أن الدين الإسلامي فيه الكثير من التوجيهات والإرشادات المتعلقة بتهذيب الصفات والطباع السلبية في الشخصية على اختلاف أنواعها (سلوكية ومزاجية وفكرية ... ) . ومن أمثلة تلك الصفات: - العجب والكبر والأنانية. - الكذب والاحتيال والمكر والغدر. - الظلم والعدوان والبهتان والغضب. - الخجل والذلة. - التشدد والتنطع والرهبانية. - الغل والحقد والحسد. * خلاصة: فالتدين السليم له في الشخصية أثر كبير إيجابي متعدد الأوجه؛ ولهذا شواهد واقعية لا نزال نطالعها في التاريخ والواقع، أما في التاريخ فهؤلاء هم الصحابة الكرام يدخل الواحد منهم الإسلام ويهتدي بهديه؛ فإذا بشخصيته تتهذب وتقوى وتتزكى وتستنير بنور الله فتسمو في نفسها وتلين لمن حولها، [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] (الجمعة: ٢) . وأما في الواقع فما أكثر الذين دخلوا الإسلام (بعد اقتناعهم به) وعبّروا عن أثره عليهم في الأخلاق والسلوك، وفي مجتمع المسلمين أيضاً ما أكثر أولئك الذين كانوا بعيدين عن تعاليم الدين ِثم عادوا إليها ووجدوا لذلك عظيم الأثر في شخصياتهم وأخلاقهم ونجاحهم الشخصي والاجتماعي، وفي العيادات النفسية شواهد لتلك الحالات؛ وذلك أن طريق العودة كثيراً ما يبدأ بأزمة نفسية تجعل الشخص يعيد النظر في واقع حياته وأخلاقه ويصحح مساره قبل انتهاء الطريق [٤] . * أثر الشخصية في التدين: إن لطباع الشخصية أثراً في اتجاه الشخص نحو التدين أو ابتعاده عنه، وفي طريقة تدينه، وكلما كان الشخص أكثر استقراراً واتزاناً في شخصيته كان توجهه نحو التدين وتمسكه بتعاليم الدين وآدابه أكثر قوة وتعقلاً ورزانة وهدوءاً. وإذا كان في الشخصية بعض الاعتلال والخلل وعدم الاستقرار؛ فإن ذلك ينعكس على اتجاه الشخص نحو التدين وطريقته فيه بقدر ما في الشخصية من اعتلال. الشخص الميال إلى المبالغة في العقلانيات على حساب العواطف: - قد ينفر من التدين وأهله لأنه يبالغ في محاكمة التعاليم الدينية وتمحيصها بعقله، ويجعل المرجع في القبول والرفض عقله القاصر؛ ولذا فقد ينكر بعض ما هو ثابت في الدين؛ لأنه يرى أنه مخالف للعقل، وقد يتكلف تأويلات وتفسيرات عقلية لتتماشى مع العقل فيما يراه هو (علماً بأن العقل الصريح الخالي من الهوى والشبهات والشهوات لا يتعارض مع ما جاء في الشرع من نقل صحيح) . - قد يقبل التدين، ولكن ينحصر عنده التدين في دائرة المعرفة؛ فتجده يعرف الكثير من أحكام الدين ومفاهيمه معرفة عقلية مجردة من العواطف والسلوكيات، وبعض هؤلاء قد يكونون بارعين في الحديث عن الدين وتعاليمه وفهمه [٥] ، ولديهم القدرة على المجادلة والتحاور والنقاش بنفس طويل، والتنظير لكثير من الأمور الدينية بكلام نظري برّاق. الميال إلى المبالغة في العواطف على حساب العقل: فهذا قد يبدي عاطفة جارفة وحماساً كبيراً نحو الدين ولكن لا يواكب ذلك معرفة جيدة بأحكام الدين، ولا سلوك ملتزم بقواعده، وهذا النوع ينتشر في الشباب حديثي التدين، وصغار السن. هذا يميل مرة مع التدين (ولا سيما عندما يحس بالكآبة والإحباط النفسي) ، ومرة يبتعد عن التدين (ولا سيما إذا شعر بالاكتفاء والاستغناء النفسي) ، [كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى] (العلق: ٦-٧) ، وبعضهم تغلب عليه شهواته فينغمس في المسكرات أو الزنا باحثاً فيهما عن المتعة واللذة غير عابئ بالعقوبة. النفعي المصلحي الأناني المحتال: هذا يستثمر التدين فيما يحقق له المصالح والمنافع الشخصية ولا سيما في المجتمعات التي تحترم الدين وأهله؛ مما يجعل الشخص يسعى إلى كسب ثقة الناس ومودتهم؛ من خلال التظاهر بالدين أو المبالغة في التمسك ببعض جوانب الدين فيما يبدو للناس؛ فهو يسعى إلى كسب الدنيا (مال - جاه - شهوات) بالدين، ويغلب على هؤلاء الاحتيال بالحجج الدينية واستثمار المفهومات والتعليمات الدينية في تحريك مشاعر الآخرين وعقولهم وتصرفاتهم نحو ما يخدم به مصلحته الخاصة، وسرعان ما ينخدع الناس به؛ لأنهم يحترمون الدين وأهله. الميال إلى العناد والتحدي والحسد: هذا إذا تدين فإن سلوكياته مع الآخرين (حتى مع المتدينين ولا سيما الأقران) تتأثر بتلك الصفات السلبية في شخصيته؛ فقد يرفض النصيحة (ولو كان على خطأ) ، وقد يصرّ على رأي أو تصرف خاطئ لأجل التحدي والحسد لشخص آخر، وقد يتهجم على غيره من المتدينين ويكرس جهوده لمنافستهم وحسدهم ونحو ذلك، فيسلم منه أعداء الدين ولا يسلم منه المتدينون الذين يحسدهم. المعجب بنفسه المتكبر على غيره: وهذا مولع بلفت الأنظار إليه وتلميع نفسه والارتفاع في أعين الناس والتميز عن الأنداد وسبقه لهم؛ لأنه معجب بنفسه (بمظهره وكلامه وأفكاره واقتراحاته وممتلكاته وشهاداته وعلمه وحفظه وفهمه وأخلاقه ... ) ، وكل ذلك ينعكس سلباً على تدينه، وإن كان لبعض ذلك آثار إيجابية أحياناً [٦] . وكثيراً ما تقوده هذه الصفات إلى خلافات مع الآخرين خصوصاً المشابهين له في العجب والكبر والمتصفين بالعناد والتحدي والحسد. وبعض هؤلاء يجتمع فيه العجب والكبر والمكر والمراوغة والأنانية فيحرص على الوصول إلى مواقع التسلط والنفوذ من خلال التدين، ويستغل ذلك في تلميع نفسه. وقد يصده كبره عن اتباع الحق وعن الاعتراف بالخطأ فيجحده كبراً وعلواً ونفسه مستيقنة به، وكثير من هؤلاء لا يبالي باستدماج حسنات غيره وقد يكذب من أجل ذلك. صاحب الضمير المتضخم المبالغ في الدقة والحرص: هذا ميال إلى التدين بطبعه؛ فنفسه تنساق إلى الدين انسياقاً ولكنه قد يوغل فيه بشدة فيكلف نفسه وغيره ما لم يأمر به الله؛ فقد يبالغ في بعض المستحبات فيجعلها في رتبة الواجبات ويحاسب نفسه وغيره على ذلك، وهكذا المكروهات قد لا يميزها عن المحرمات فيبالغ فيها فيحاسب نفسه وغيره على هذا الأساس، وقد يكون صلفاً جافاً فظاً في تعامله مع غيره ولا سيما من هم أقل منه تديناً حتى لو كانوا من أهله وأقاربه وجيرانه؛ ولذا فقد يُنفِّر الآخرين من التدين (ولا سيما أولئك الذين لا يميزون بين تعاليم الدين وبين تشدد وفظاظة بعض المتدينين) . وقد يستخدم بعض المسوغات الدينية لتسويغ تصرفاته [٧] ، ويضعف رجاؤه ويعوقه خوفه. ومنهم طائفة تبالغ في التشديد على نفسها إلى درجة الوسوسة في بعض العبادات والمعاملات [٨] ، ثم محاسبة النفس على تلك الوسوسة؛ ومن ثم الدخول في متاهة نفسية عريضة. صاحب الغلظة والقسوة: تنعكس شخصية هذا على تدينه في كونه لا يتأثر كثيراً بالرقائق والترهيب وذكر النار والعذاب، ويغلب عليه النظر في جوانب الغلظة في المعاملات والخصومات والعقوبات، ولا يقيم وزناً كبيراً لجوانب المشاعر، والتعاطف والتآلف بين المسلمين. صاحب الرأفة الشديدة: يتأثر كثيراً بالترهيب (إشفاقاً على نفسه) ويتفاعل مع آلام الآخرين، ويميل إلى التعاطف معهم ومواساتهم قولاً وفعلاً. قد يتساهل مع من تحت يده (زوجة - أبناء = بنات) وإن وقعوا في مخالفات دينية كبيرة؛ لغلبة الرأفة عليه وعدم قدرته على العقوبة. الميال إلى الاستسلام والمجاملة: هذا يتأثر بمن يؤثر عليه؛ فإن كانت المؤثرات حوله تدعوه إلى التدين تأثر بها ولو مجاملة أو استسلاماً لمن حوله (ولا سيما الوالدين) ، وقد لا يمتد تدينه إلى أعماق نفسه وربما قلّ تدينه إذا ابتعد عن المؤثرات التي تدعوه إلى التدين. وإن كانت المؤثرات من حوله تدعو إلى الاتجاه المعاكس (ولا سيما الأصحاب) فإنه يسايرهم في ذلك وإن كان غير مقتنع باتجاههم، وقد يقع في مشكلات أخلاقية أو مخالفات دينية لأجل مجاملة من حوله. الميال إلى الريبة وسوء الظن: تؤثر هذه الصفات سلباً في تدين الشخص؛ فهو يبالغ في سوء الظن في الناس دون سبب يدعو لذلك، وقد يُسقط عليهم ما يجول في أعماق نفسه من سوء أو عيب أو تقصير، وغالباً ما يبالغ في الغيرة على المحارم إلى درجة سوء الظن الضارة بمحارمه والمؤثرة سلباً على علاقاته الأسرية. وهكذا الأمر في كل علة شخصية، فإن لها أثراً على جانب من جوانب التدين يختلف حجماً وشدة باختلاف نوع العلة وشدتها، وباختلاف الظروف المؤثرة الأخرى.

стр. 4393

تأملات دعوية من لي بأمثال هذا الداعية ؟ محمد بن عبد الله الدويش dweesh@dweesh.com في قرية نائية من قرى مالي التقينا مع داعية من الدعاة يحدوه الهم لتعليم الناس وتبليغ الدين؛ قام من خلال جهد فردي بإنشاء إذاعة محلية في منزله، هذه الإذاعة يُشغلها ويديرها ويقدم برامجها بنفسه، ولا تتجاوز تكلفتها بطارية بقيمة مائة دولار، ويبث من خلال هذه الإذاعة برامج تعليمية وأشرطة قرآن كريم على مدى ساعتين في الصباح، وساعتين في المساء، وحين يسافر يكون قد أعد مجموعة من الأشرطة الصوتية وأناب زوجته بتشغيلها فترة غيابه. ويقبل أهل القرية على سماع هذه الإذاعة ومتابعة برامجها، وينتظرونها ويتلهفون عليها بشغف. إن هذا الداعية الذي ربما لم يحمل تأهيلاً جامعياً ينتج بعمله هذا على المدى الطويل أضعاف ما ينتجه كثير ممن يملك أعلى المؤهلات. كثيراً ما نقدم أفكاراً طموحة، ونتحدث عن مشروعات ضخمة، وكثيراً ما يبدو في حديثنا عن الأعمال والمشروعات تهميش الأفكار الجزئية والأعمال الصغيرة. ومن هنا تعلو لدى بعض الناس وتيرة النقد، وكلما ارتبط النقد بالأكابر أفراداً أو مؤسسات صار أكثر شهية. ومما لا شك فيه أن مشروعنا الدعوي يحتاج منا إلى أن نفكر بطريقة أعمق، وإلى أن نقدم برامج طموحة، وإلى أن نخضع مشروعاتنا للنقد والتقويم؛ فإننا نعاني من سطحية في التفكير ومحدودية في الآراء. لكن هذا قد يدعونا إلى أن نغفل عن أمر له آخر ألا وهو الروح العملية والإنتاج. فمع أهمية الأفكار الطموحة، ومع ضرورة معايشة تحديات الواقع، إلا أن ذلك كله ما لم يقرن بجهد عملي يبقى حبراً على ورق. والناقدون للأعمال والعاملون ما لم يقدموا برامج عملية واقعية فإنهم لا يحققون أمراً ذا بال. أينما رحلت في المشرق والمغرب ولقيت العديد من شباب الصحوة فأنت ترى فئات عديدة من الخيرين، وتسمع ما يسرك من الأفكار والآراء، لكن حين تنتقل إلى الواقع العملي وتبحث عما يقدمه هؤلاء فسترى أن العامل قليل. وتزداد المشكلة حين يكون التحليق في جو الأفكار المثالية والمشروعات الطموحة وسيلة نفسية يمارسها أصحابها للهروب عن العمل المنتج؛ فحين تبدو أمامهم مجالات للعمل، وحين يدعون للمشاركة يحتقرون ما يدعون إليه، ولو أنهم انشغلوا عنه بما هو أوْلى وأجدى نفعاً لكان مسلكهم محموداً، لكنهم إنما ينشغلون باجترار الكلام وترديد المقولات. وأمثال هؤلاء ينبغي أن يُذكَّروا بقول الله : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ] (الصف: ٢- ٣) . وحري بالمربين والموجهين أن يُخرِّجوا جيلاً يكون العمل أول ما يفكر فيه، ويدرك أنه إنما يُسأل يوم القيامة عما قدم وعمل، وإنما يجزى على عمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. وهذا لا يتم إلا من خلال قدوات واقعية يرونها، ومن خلال فتح مجالات عمل يُشرك الناس فيها. والاهتمام بالعمل لا يعني إهمال الفكر وإلغاءه؛ بل نحن بحاجة إلى أن ننفق المال من أجل الوصول إلى أفكار بناءة تختصر علينا الكثير من الخطوات. لكن ينبغي أن ندرك أن قيمة هذه الأفكار إنما تظهر حين تكون خطوة نحو العمل الإيجابي، وإلا صارت علماً لا ينفع، وقد استعاذ من ذلك خير الخلق صلى الله عليه وسلم. كما ينبغي أن ندرك طاقات الناس وإمكانياتهم، وأن الداعية الناجح هو من يستطيع أن يدفع الناس لأن يعملوا ويقدموا ما يطيقون من جهد وعمل، وأن يتقي كل منهم ربه فيما يستطيع.

стр. 4394

ندوات مستقبل الانتفاضة الفلسطينية تخطت انتفاضة الأقصى السنتين من عمرها دون أن تتغير بل تترسخ أهداف المنتفضين النبلاء الذين تصدوا للهمجية اليهودية بسلاح بُعِثَ من جديد هو سلاح الشهادة وبيع النفس لله. وكلما أصر اليهود ومن خلفهم على إخماد الانتفاضة والإسراف في القتل جاءهم الرد واضحاً جلياً في إرادة لا تخور معلنة الجهاد في سبيل الله تحريراً للأرض وحماية للعرض وذوداً عن شرف المسلمين في كل مكان. الجميع يطلب الشهادة: الشباب، والأطفال، والعرائس. وفي هذه الانتفاضة معان وعبر تشير إلى حيوية هذه الأمة وأنها مستعدة للحركة إن حُرّكت، وللاستشهاد حين يدعو إليه ما يرضي الله ورسوله. ويسعد مجلة البيان اليوم أن تستمع مع قرائها إلى ثلاثة من رجال الجهاد في سبيل الله في الأرض التي بارك الله حولها. * ضيوفنا في هذه الندوة هم: - الدكتور محمود الزهار: القيادي البارز في حركة المقاومة الإسلامية حماس. - الدكتور محمد الهندي: القيادي البارز في حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين. - الدكتور هشام فرارجة: أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت. * المحور الأول: القدرات الذاتية: البيان: بعد الآلام الكثيرة والمحن العديدة التي مرَّ بها الشعب الفلسطيني في الانتفاضة الأخيرة هل لا زال متعاطفاً مع الانتفاضة؟ وما موقفه من دعوات السلام والتفاوض التي تطرحها بعض الأطراف الفلسطينية؟ - د. محمود الزهار: الإجابة عن هذا السؤال تستدعي استطلاع الرأي. واستطلاعات الرأي التي صدرت من الجانب الإسرائيلي تقول إن أكثر من ٧٨%مع استمرار الانتفاضة، واستطلاعات الرأي التي صدرت أيضاً عن الجانب الإسرائيلي تقول إن أكثر من ٦٠% يتعاطفون مع العمليات الاستشهادية، والدليل الثالث أيضاً هو استمرار الشعب الفلسطيني في العطاء اليومي سواء كان في الضفة الغربية أو في قطاع غزة. ولنستعرض مثل حجم المعاناة في مدينة رفح ومنطقة مدينة خان يونس التي تطوقها مستوطنة غوش قطيف من معظم الجهات، وحجم المعاناة التي يعانيها الشارع الفلسطيني في انتقاله من مكان إلى مكان وخصوصاً منطقة غزة، وحجم المعاناة التي يعانيها في الإغلاق الدائم ومنع التجول المستمر بحيث لا يسمح في بعض المناطق إلا بساعة أو ساعتين وحتى بعد أن يتم الإعلان عن رفع حالة منع التجول وتحديدها بساعة معينة ما أن تمضي ساعة واحدة أو ساعتان، حتى يتم إطلاق الرصاص على الناس حتى يعودوا إلى بيوتهم. إذن هذه كلها لا يصاحبها حالة تذمر ولا أي تراجع عن الموقف العام. وتجربة الشعب الفلسطيني تجربة حية، والانتفاضة هي نتاج الشعب، ولو أن الشعب رفع الراية وسلم لانتهت الانتفاضة؛ ولذلك أقول إجابة على سؤالك: إن الشعب الفلسطيني في الانتفاضة الأخيرة التي نعيش فيها الآن قد استفاد من تجارب الانتفاضة الأولى، وتخلص من كل سلبياتها، وعمق إيجابياتها، ومن هنا كانت النتائج التي تحققت على مستوى الشعب الفلسطيني وحجم الخسائر التي تكبدها العدو هي نتائج مقبولة ومحترمة. الشخصيات التي وقعت على البيان في الحقيقة هي شخصيات معروفة: إما يسار قديم ارتبط بتأسيس الحزب الشيوعي في أوائل العشرينيات من القرن الماضي، وهؤلاء كانوا هم واليهود في برنامج تعايش واحد. تاريخ الحزب الشيوعي في المنطقة معروف، الأحزاب التي انبثقت عن الشيوعيين وأخذت أسماء مختلفة لم تطلق رصاصة واحدة لا في الانتفاضة الأولى ولا في الثانية؛ لأنها لا تؤمن بالكفاح المسلح، وهناك شخصيات لها ارتباطات بالمشروع الصهيوني: ارتباط اقتصادي، أو ارتباط أمني، أو كونترول؛ يعني سيطرة معينة. وهناك شخصيات لها فكر أصلاً يمكن تسميته بفكر الأسرلة، واستطاع مشروع ما يسمى بمشروع التسوية السياسية والحلول السلمية ودولتين وعلمين أن يستحوذ على أفكار هؤلاء الناس، وهؤلاء معروفون للشارع الفلسطيني. وأريد أن أضيف واحدة من الطرائف التي رأيتها: من الأسماء هناك سيدة لم تتزوج معروفة في غزة بأنها يعني على البركة تسير حافية وتتسول وتدخن في الشارع، وماتت منذ مدة فأحد الظرفاء وصفها بالدكتورة، ثم وضع اسمها حتى الذين تعاطوا مع هذه البيانات تعاطوا معها باستهزاء؛ لأنهم يعرفون أن الشارع الفلسطيني يلفظ هذه الأفكار ولا يقبل بها، وأنا أعتقد أن من يريد أن يسوِّق نفسه الآن إسرائيلياً وأمريكياً يمكن أن يوقع على هذا البيان، وهناك شخصيات مهترئة كان بعضها في الإبعاد وبعضها تساقط على طريق الدعوات وعلى طريق الأحزاب وطريق المؤسسات، وهذه واحدة من تسويق النفس في هذا المشروع ظاهرة يوم أو يومين وتنتهي أو انتهت بالفعل. - د. محمد الهندي: عند الحديث عن الشعب الفلسطيني يجب الاعتراف بقدرة هذا الشعب على العطاء والتضحية؛ فقد صهرته المحنة، محنة التصدي للمشروع الصهيوني الغربي في فلسطين على مدى القرن المنصرم، وهو على مدى هذه السنوات يقدم التضحيات الكبيرة، ولم يشكُ أو يتألم، والمحنة كانت تزيده دوماً إصراراً على الصمود والمقاومة، ونحن لا نتحدث اليوم عن تعاطف الشعب الفلسطيني مع الانتفاضة، بل عن ازدياد انخراطه في المقاومة، وهو يدرك عن وعي كامل أنه يدفع ضريبة الحرية والكرامة وهي أهون عليه بكثير وأقل تكلفة أيضاً من ضريبة الذل والمهانة التي كان يدفعها بعد اتفاق أوسلو وأذكِّر هنا بمجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل ومجزرة القدس التي ارتكبت في سنوات السلام المفخخ. وأؤكد هنا بأن شعبنا قادر على تحمل واستيعاب المزيد من التضحيات؛ كيف لا وهو يرى ثمار هذا الجهد رأي العين، وهو يرى تراجع المشروع الصهيوني في فلسطين، وإذا كان هناك من مقياس لقياس حيوية المشروع الصهيوني فهو قياس الهجرة والاستيطان؛ ونظرة واحدة تكشف كيف ضربت الانتفاضة الباسلة المشروع الصهيوني بكل قوة في هذا المجال. أما موقف الشعب الفلسطيني من دعوات التفاوض التي يطرحها بعض الفلسطينيين فهو لا يلقي لها بالاً؛ فهؤلاء أشخاص مهزومون مسلوبو الإرادة وهم على أحسن الأحوال لا يفهمون طبيعة المشروع الصهيوني القائم على العنف والغدر، ويحاولون تسويق الوهم مرة أخرى. ثم ماذا جنى شعبنا في فترة ما تسمى بالسلام حتى يعود إليها؟ فنظرة سريعة لفترة أوسلو تكشف المعاناة والألم الكبير الذي لحق بشعبنا، ويكفي أنها مزقتنا وسلختنا عن محيطنا العربي والإسلامي، ونحن اليوم بتمسكنا بانتفاضتنا نعيد اللحمة لشعبنا وأمتنا، ونعيد الصراع إلى طبيعته. - د. هشام فرارجة: بدون أدنى شك عندما اندلعت انتفاضة الأقصى فإنها كانت ولا تزال تعبر عن إجماع وطني وإسلامي فلسطيني واسع بضرورة التخلص من الاحتلال الإسرائيلي مهما كلف الأمر من ثمن. الشعب الفلسطيني بعمومه في المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة لمدة سبعة أعوام عجاف كان يتابع مسيرة العمليات السياسية دون أن يلاحظ تقدماً ملحوظاً في الميدان بخصوص الاحتلال وبطشه وتنكيله بالشعب الفلسطيني. مصادرة الأراضي استمرت بدون هوادة وبناء المستوطنات أيضاً، الحصار الاقتصادي، تقطيع أوصال الوطن كان على أشده. قتل الفلسطينيين واعتقالهم كان يتم بدون رادع؛ وكأن العملية السياسية استغلت من قِبَل الإسرائيليين فقط كغطاء من أجل تلميع صورتهم أمام العالم الخارجي وحتى يقول العالم إن هناك عملية سلام تجري في المنطقة دون أن ينظر هذا العالم إلى ما كان يقوم به الإسرائيليون من حملات تنكيل وتجويع للشعب الفلسطيني؛ لذلك عندما قام شارون بانتهاكه المسموم لحرمة المسجد الأقصى كانت تلك الحادثة هي الشرارة أو الشعرة التي قصمت ظهر البعير. حيث كانت الحالة الفلسطينية محتقنة جداً وكان الوضع في حالة كبيرة وشديدة من الغليان وخاصة بعد الإخفاق الذريع التي منيت به محادثات كامب ديفيد في صيف عام ٢٠٠٠م. لم يكن بوسع الشعب الفلسطيني إلا أن يلتفت إلى نفسه وإلى مكنوناته الداخلية مفجراً انتفاضة الأقصى التي تعتبر في تقديري ظاهرة من أنبل الظواهر التي يعرفها العالم: شعب يناضل من أجل الحرية ومن أجل الاستقلال ومن أجل دفع الظلم عن نفسه رغم انعدام الإمكانيات أو ضآلتها، ورغم وجود اختلال واضح في ميزان القوى ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين. هذه الانتفاضة الآن بالتاكيد أصبحت محط اهتمام الناس الذين ينظرون إلى هذه الانتفاضة كالمرحلة التي سوف تخلصهم بإذن الله من دون أدنى شك من غطرسة هذا الاحتلال وإرهابه وبربريته. البيان: إذن في ظل هذا التعاطف كما تشير كيف ينظر الشارع الفلسطيني إلى دعوات السلام واللقاءات السياسية التي تجري بين أطراف فلسطينية والجانب الإسرائيلي؟ - د. هشام فرارجة: في حقيقة الأمر، وخاصة أن الدم الفلسطيني ينزف بغزارة يوماً بعد يوم بسبب التضحيات من جانب، وبسبب ممارسات الاحتلال البربرية من جانب آخر، فإن مجمل ما يحدث من تحركات سياسية هنا وهناك واضحة تماماً بالنسبة للناس بأنها لا تسمن ولا تغني من جوع. بالتاكيد في الشارع الفلسطيني هناك إدراك بأنه توجد حاجة ماسة من أجل تحريك الجانب الدبلوماسي في مختلف الأروقة والأصعدة. ولكن بدون أدنى شك بأن هذه التحركات التي هُدِفَ منها إسرائيلياً على أقل تقدير تقويض أواصر انتفاضة الأقصى، لا ينظر إليها إلا بنوع من الشك في الشارع الفلسطيني وخاصة أن هذه التحركات والتفاعلات واللقاءات لم يستطع كما لا يمكن لها أن تستطيع إيقاف الهجمة الإسرائيلية المتصاعدة يوماً بعد يوم. بالفعل نستطيع أن نقول إن الهمّ الرئيسي للشعب الفلسطيني بكافة قطاعاته وتركيباته هو استمرار المقاومة وتصعيدها وليس تصعيد اللقاءات الإسرائيلية والفلسطينية حيث تلك اللقاءات تبعث في نفوس الفلسطينيين شعوراً بالإحباط عندما تتم. لكن حتى هذه اللقاءات الآن لم تعد تستطع أن تبعث في النفوس الإحباط الذي كان يراد منها من قبل خاصة بإقدام شخصية مثل شمعون بيرتس على تكثيف مثل هذه اللقاءات؛ لأنه يعرف أنها تعمل كسلاح سيكيولوجي فتاك في النفسية الفلسطينية، ولكن تماماً كما أخفقت العملية السياسية الإسرائيلية فإن هذه الحملة السياسية والدبلوماسية والنفسية لا محالة مخفقة. البيان: في خضم هذه الأوضاع ما قدرة المقاومة الإسلامية على الاستمرار في ظل الفارق الكبير في ميزان القوة مع اليهود؟ د. محمود الزهار: ميزان القوى لم يكن يوماً من الأيام متوازناً ولم يكن في يوم من الأيام إلا في صالح الجانب الإسرائيلي سواء كان في فترة بداية القرن العشرين وحتى تأسيس الدولة عام ١٩٤٨م، والتي تعهدت بريطانيا بالذات في جعله دائماً في صالح اليهود، ثم بعد ذلك تعاون الغرب: بريطانيا وفرنسا وأوروبا عموماً حتى عام ١٩٥٦م، وبعد ذلك مال الميزان لصالح الكيان الإسرائيلي بصورة كبيرة جداً عندما دخلت أمريكا على الخط، وأصبح الكيان الإسرائيلي يمثل ترسانة، نموذجاً لتجربة الترسانة الأمريكية في المنطقة. والانتفاضة الأولى لم تكن مبنية على توازن القوى، والانتفاضة الثانية لم تكن مبنية على توازن القوى؛ لكن مبنية على عاملين: الأول: هو الاستفادة من تجربة ضرب الأمن القومي الإسرائيلي النظرية التي روج لها الصهاينة والتي تقول بأنها دولة لا تهزم. في الحقيقة أن القارئ لما حدث في حرب أكتوبر عام ١٩٧٣م يقول إن الدولة هزمت، ولولا التدخل المباشر من أمريكا وما أرسلته إلى العريش من طائرات ودبابات من المصانع لنجدة الكيان الإسرائيلي لانتهى الكيان، ومن ثم نظرية الدولة ضربت في ١٩٧٣م على يد المصريين والسوريين في سيناء والجولان. والنظرية الثانية: هي قيام الدولة اليهودية هي نظرية الأمن الفردي التي تقوم على أن كل من يأتي مستجلباً أو مستوطناً يأتي من أي مكان في العالم سوف يجد له أمناً شخصياً وأمناً اقتصادياً ومسكناً، ومن ثم جاء كل المرتزقة من الأديان والأجناس جاؤوا إلى فلسطين وما عليهم إلا أن يحملوا سلاحاً تحميهم الدبابات والطائرات. اليوم ضُربت هذه النظرية في مشروع العمليات الاستشهادية وأصبحت القوة الاستراتيجية في يد الكيان الإسرائيلي عاجزة عن أن تتعاطى مع هذه الظاهرة. يعني: إسرائيل تملك أسلحة نووية لا يمكن أن تستخدمها في مجال العمليات الاستشهادية؛ لأن الغبار الذري لا يميز بين فلسطيني ويهودي أو صهيوني أو مسلم أو مسيحي. هنا نجد صراخ العالم خصوصاً أمريكا والكيان الإسرائيلي لتجريد الشارع الفلسطيني من أحد الأسلحة الاستراتيجية الخطيرة التي ضربت الأمن الفردي وضربت مشروع السياحة الصهيوني. - د. هشام فرارجة: لربما هذا هو واحد من أهم الأسئلة التي يدور في خلد كل فلسطيني وفي خلد كل مراقب، وأمر معلوم ومعروف تماماً بأنه لا يوجد ميزان قوى استراتيجي ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ فما لدى الإسرائيليين كثير جداً: لديهم السلاح النووي، ولديهم البنى التحتية بمختلف أشكالها، ولديهم إمكانات اقتصادية، ولديهم قنوات الدعم المفتوح من الولايات المتحدة الأمريكية، ولديهم نوع من الاستقرار في مؤسساتهم. أما نحن الفلسطينيين فماذا لدينا؟ : حصار، تجويع، حظر للتجول، منع للتواصل ما بين المناطق الفلسطينية نفسها؛ دع عنك منع التواصل ما بين فلسطين ومختلف أنحاء العالم. هذه الصورة بجزيئيتها قد تبدو قاتمة جداً؛ حيث توضح انعدام ميزان القوى الاستراتيجي ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولكن في ذات الوقت وانطلاقاً من فهم فلسطيني دقيق بانعدام ميزان القوى الاستراتيجي عمل الفلسطينيون المقاومون على التعويض عن انعدام ميزان القوى الاستراتيجي هذا بالوصول إلى ميزان استراتيجي في الرعب ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين. أصبح الاستقرار والأمن الإسرائيلي مرهوناً بشكل فعلي وعملي بالأمن والاستقرار الفلسطيني. كان من قبل دائماً يسقط الشهداء الفلسطينيون ويقع الجرحى الفلسطينيون، ويعتقلون وينفون ويخضعون لحملات التنكيل لوحدهم؛ أما الآن وخاصة منذ بداية هذه الانتفاضة فإن نسب الخسائر ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين قد ضاقت إلى أضيق فجوة منذ بداية هذا الصراع. فعلى سبيل المثال لا الحصر فقط عندما كان نتنياهو في الحكم كرئيس وزراء الإسرائيليين كانت نسبة الخسائر ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين (١: ١٥) ، ولكن عندما أتى باراك الذي اندلعت الانتفاضة في وقته ضاقت هذه الفجوة لتصبح (إسرائيلي واحد إلى ١٠ فلسطينيين) ولكن عندما جاء شارون الذي تمتع بسمعة مرموقة في الإرهاب والقتل ضاقت هذه الفجوة إلى أكثر لكي تتأرجح ما بين (١: ٣ أو ١: ٥) في أسوأ الأحوال. بدون أدنى شك انعدام ميزان القوى الاستراتيجي من وجهة نظر المقاومين الفلسطينيين والمنتفضين لم يعن بأي حال من الأحوال رفع الراية البيضاء أو التسليم بحقيقة قوة الاحتلال فقط، وإنما عنى أنه يجب ابتكار وابتداع الأدوات والوسائل والمقومات من أجل بعث الذعر في نفوس المحتلين حتى يعرفوا أنه لا أمن ولا استقرار لهم إلا بتلبية الحقوق الوطنية الفلسطينية. - د. محمد الهندي: المسألة لا تقاس بالمقدرة المادية فحسب، صحيح أن ميزان القوة مختل لصالح العدو بشكل كبير، لكن الإرادة والعزيمة والتضحية وحب الشهادة والإيمان بالقضية ووضوح الهدف يعدل كثيراً من هذا الاختلال. نحن ندافع عن أنفسنا وأمتنا ومقدساتنا ومستقبل أبنائنا، وهم يريدون استعباد شعب آخر وإذلاله وقهره، نحن نملك حباً كبيراً للوطن والمقدسات والأطفال، وهم يملكون حقداً للأغيار تغذيه أساطير تلمودية، ويملكون حباً كبيراً للدنيا، وهذه هي المعادلة. أما بالنسبة للتطور التقني للمقاومة فهذا متروك لأهل الاختصاص لكن هناك قانون عام بأن الحاجة أمُّ الأختراع. البيان: ما هو حجم التطور التقني والعسكري للمقاومة؟ - د. محمود الزهار: بالتأكيد التطور التقني لم يصل إلى مرحلة أباتشي ولا الـ (إف ١٦) لكن وصل إلى مرحلة أنه أصبح مؤثراً تماماً في الأهداف التي يختارها الشارع الفلسطيني، تطوير الهاونات وهي لم تكن موجودة في الانتفاضة الأولى هي صناعة محلية، ثانية ما عرف بـ (البنا ١ و ٢) هو تطوير ذاتي وهو فعال في الحقيقة، والعبوات الموجهة، العبوات الجانبية هي عبارة عن بديل للمدافع طويلة المدى والتي استخدمت آخرها في عملية عمانوئيل، واستخدام القنابل اليدوية وتصنيعها محلياً، استخدام المتفجرات ذات القدرة العالية التي استطاعت في يوم من الأيام أن تقسم الدبابة المركباه إحدى رموز القوة العسكرية الإسرائيلية هذه أيضاً تقنية. أنا أعتقد أنه في المرحلة القادمة وعلى المراقب أن يلحظ الوتيرة التي تحدث، وربما يتم استحداث وسائل قتالية أخرى تساعد على حماية الشعب الفلسطيني. البيان: الجيل الفلسطيني الجديد الذي تربى في ظل الانتفاضة ما مستقبله؟ وهل يمكن استثماره؟ - د. محمد الهندي: بدون شك فإن الجيل الفلسطيني الجديد الذي يترعرع في ظل الانتفاضة ينسف كل المراهنات الصهيونية تماماً كما حدث في الانتفاضة الأولى، هذه الروح التي يحملها الشباب والأطفال الذين يواجهون الدبابات بالحجارة، والصدور العارية لا يمكن تطويعها كما يتم تطويع الأنظمة الرسمية. بعد احتلال الضفة وغزة في نكبة ١٩٦٧م قال الاحتلال إن الجيل القديم سيموت خلال سنوات، وأن الجيل الجديد الذي يولد في ظل الاحتلال سينسى القضية، وبعد فترة فوجئ الجميع بأن الجيل الذي ولد في فترة الاحتلال يفجر انتفاضة ١٩٦٧م. واليوم انتفاضة الأقصى فجرت فيما فجرته طاقة شعبنا في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م الذي حاول الاحتلال مسخ إرادته على مدى أكثر من نصف قرن. - د. هشام فرارجة: في حين من الزمن وخاصة أثناء ما كان يسمى بالعملية السلمية كنا حقيقة متخوفين جداً من التشتت الثقافي. كانت هناك ثقافات التطبيع والتطويع والتتبيع، وتعرض ذلك الجيل في تقديري إلى تمزيق حقيقي لسيكيولوجيته ونفسيته، فلم يعد يستطيع أن يحدد مساره الثقافي والحضاري. كانت ثقافة العولمة والأمركة وإلى آخره. حتى أثناء هذه الانتفاضة وفي تقديري من أهم إنجازاتها هي إنقاذ جيل فلسطيني بأكمله رغم أنه لحقت بهذا الجيل الصاعد خسائر فادحة جداً في الأرواح حيث العديدون من الشهداء هم أطفال وهم من زهرات وخيرة شبابنا؛ فهم الذين دفعوا الثمن الأكبر وما يزالون في هذه الانتفاضة؛ إلا أن هذه الانتفاضة شكلت عملية صقل ذهني ونفسي وعمقت الوعي الوطني، وهي قد وضعت النقط على الحروف بخصوص وجود الاحتلال وممارساته، وأصبح كل فلسطيني الآن يعي أنه مستهدف بغض النظر عن انتماءاته وبغض النظر عن تطلعاته وبغض النظر عن موقع سكنه أو عن طبيعة مهنته. هذه الانتفاضة في حقيقة الأمر أيقظت الروح في المجتمع الفلسطيني، ولا أجد نفسي مبالغاً إذا ما قلت إنها أنقذت الروح في المجتمع العربي وفي المجتمع الإنساني برمته. - د. محمود الزهار: هناك بعض المتأسرلين أو المتصهينين يحاول أن يصور الجيل الفلسطيني الحالي وكأنه يعيش حالة من التشوه الفكري والنفسي نتيجة ما يعانيه. صحيح أن هناك حجم معاناة، ولكن لا يمكن أن تكون الأمراض النفسية سبباً في ظاهرة الاستشهاد، ولا يمكن أن تكون سبباً في ظاهرة دفع الآباء والأمهات لأبنائهم لأن يقوموا بهذه العمليات، ولا يمكن أن تكون وراء نجاح برامج المقاومة والمواجهة التي يعجز الإنسان عن تقديرها حسب مواصفات المواجهات. يعني معركة عمانوئيل الثانية والثالثة، والأولى كانت قبل سبعة أشهر وذهب فيها ١١ إسرائيلياً، ولم يصب فيها فلسطيني واحد، والعملية الثانية التي حدثت قتل فيها ٨ يهود ولم يخدش فيها فلسطيني بأقل من ٤٢ ساعة. كانت العملية الثالثة كل الجيش والطائرات والدبابات وجهات التلصص لم تستطع إلا أن تقتل شهيداً واحداً، وقتل في مقابله ضابط كبير وجرح أربعة جراحهم خطيرة، وتكتم الكيان الإسرائيلي أو الجيش على بقية الخسائر، ولم يعتقل أحد. إذن بكل المقاييس سواء كانت المواجهات العسكرية أو عمليات تفجير الأهداف الإسرائيلية كلها تحقق على مستوى المواجهة الفردية نجاحاً للمقاومة الفلسطينية، ولا يمكن أن يكون هذا تشوه نفسي. أو مرض نفسي. هنا تخطيط وترتيب ومواجهة وإقدام وبطولة. المريض دائماً يخاف أما الشهيد أو البطل لا يخاف، ومن ثم فإن هذه الظاهرة تحظى باحترام كل من يرى أن الشعب الفلسطيني مقهور ويجب أن يدافع عن نفسه؛ إنه استثمار الجيل. البيان: لكن هل تستطيعون استيعاب الشباب المتعاطفين معكم؟ - د. محمود الزهار: حقيقة أن إقبال الشارع الشبابي على الحركة إقبال لا تستطيع الحركة أن تلبي طلب كل إنسان، ليس فقط على مستوى لا أتحدث عن المستوى العسكري ولكن أتحدث عن المستوى الدعوي. المساجد فجأة امتلأت بجيل الشباب هؤلاء إذا أردنا أن نتبع الأساليب القديمة في تربيتهم وتنظيمهم فلن يستوعبوا، ومن ثم فإن هناك ابتكارات في عملية استيعاب هؤلاء الناس، وأصبحت الدروس المفتوحة واللقاءات العامة البديل عن اللقاءات الخاصة المغلقة السرية. أصبحت هناك ساحة العمل الدعوي ساحة مفتوحة على مصراعيها، والمساجد التي أممت بواسطة الأوقاف لا تستطيع أبداً أن تؤدي دورها العلماني، بل على العكس تحولت إلى دور فاعل في تقوية الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعبوي، وهي قضية تذكرنا بدور المسجد على مر التاريخ الإسلامي. أنا أعتقد أن الحركة الإسلامية انتقلت من العدد والنسبة أي حركة تكون عد ١٠٠ - ٢٠٠ ثم تتحول إلى نسبة ١ أو ٢ أو ٣% لكن الحركة الآن تحولت إلى تيار؛ بمعنى أن هناك نسباً كبيرة من المجتمع يمكن أن تصوت للحركة، وسأضرب لك مثلاً: في أمريكا يوجد حزبان كبيران؛ ٢٨٠ مليون من له حق الانتخاب يوزع صوته بين هذين الحزبين، وأعتقد الآن أن حماس تشكل حجماً على مستوى الشارع، ليس حجماً على مستوى التنظيم بل على مستوى الشارع؛ بمعنى أن ٣٠ - ٤٠ %، ٥٠ - ٦٠% إذن دخلت إلى مرحلة تمثيل الشارع، وهذا هو المكسب الذي تحقق للحركة في الفترة الأخيرة. البيان: ما الهدف القريب والبعيد الذي تسعى الانتفاضة المباركة لتحقيقه؟ - د. محمود الزهار: نحن لا نقول إن الانتفاضة سوف تحرر فلسطين، ولكنها ستبقي جذور المقاومة حية إلى أن يتم تحرير فلسطين. الهدف هو طرد الاحتلال مرحلياً عن الأرض التي احتلت عام ١٩٦٧م. هذا هدف واضح ومعروف لا يعني ذلك أننا سوف نتنازل عن حقنا عن كامل التراب الفلسطيني. نحن نعتبرها مرحلة يمكن أن تؤسس فيها مشروعاً سياسياً يطور الموقف العسكري إلى الدرجة التي تصبح فيها تمهد لمرحلة تحرير فلسطين عندما تتغير الجغرافيا السياسية من حولنا. * المحور الثاني: آثار الانتفاضة: البيان: كيف أثرت الانتفاضة في تغيير مفاهيم ومنطلقات الصراع بين اليهود؟ - د. محمود الزهار: الحقيقة أنه في بداية الثورة الفلسطينية العلمانية التي هي فتح ومنظمة التحرير كانوا يؤمنون على الأقل في مستنداتهم وأدبياتهم بتحرير كامل التراب الفلسطيني، ولكن لم يلبثوا إلا سنوات قليلة حتى بدأ الحديث عن دولتين وعلمين واعتراف متبادل وتعايش. بقيت الحركة الإسلامية تؤكد على مشروعها القاضي بكامل التراب الفلسطيني وإسلامية المعركة؛ بمعنى أن صاحب القضية هو الإسلام، وتدهور الموقف العلماني الوطني من عروبة القضية الفلسطينية؛ يعني من قومية القضية إلى إقليمية القضية، ثم تحولت إلى منظمة في مواجهة إسرائيل، وكان القرار الخطير هو: (القرار الفلسطيني المستقل) الشعار الذي أعطى فرصة للدول العربية أن تنفض يدها من هذا المشروع. بعد إخفاق أوسلو عادت القضية لتأخذ بُعدها من جديد: ارتفعت من دائرة منظمة التحرير في مواجهة إسرائيل إلى ضرورة أن يقف العرب مع الشعب الفلسطيني، وبقي الموقف الإسلامي ثابتاً في موقف حماس بأنه لا بد من أن تبقى العروبة بكاملها والإسلام بكل حدوده في مواجهة الاحتلال، ومن هنا نقول: إن صار تطوير في أي حديث في الموقف الوطني ولكن ليقترب قليلاً قليلاً من الموقف الإسلامي الذي تمثله حماس حول طبيعة الصراع في المنطقة. د. محمد الهندي: إسرائيل تتعامل باستمرار مع مشكلة الشعب الفلسطيني بأنها مسألة داخلية، وليس هناك حزب صهيوني واحد له برنامج سلام يسلم بالحقوق السياسية للشعب الفلسطيني، ويسلم بدولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود ١٩٦٧م بما في ذلك حزب ميرتس اليساري. وهناك مسائل تشكل إجماعاً وطنياً صهيونياً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار منها أن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، ومنها عدم القبول بعودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم، وعدم وجود جيش قرب النهر (نهر الأردن) . الانتفاضة مرة واحدة أعادت الصراع إلى جذوره الأولى، وتحدث الصهاينة بكل وضوح وجدية عن حرب الاستقلال التي بدأت في عام ١٩٤٨م - ١٩٧٨م وأنها لم تنته بعد. - د. محمد الهندي: بدون أدنى شك فإن قضية فلسطين بهذه الأبعاد التاريخية والعقدية والثقافية والسياسية والاستراتجية هي قضية العرب والمسلمين المركزية، وليست قضية الفلسطينيين وحدهم، فإذا تم استباحة فلسطين فسيكون ذلك لاستباحة بقية العواصم العربية والإسلامية والسيطرة عليها سياسياً واقتصادياً وثقافياً واستخبارياً، وإذا صمدت فلسطين فهذا يحصن بقية الأقطار في الشرق الإسلامي أمام الغزو الصهيوني متعدد الوجوه، ولذلك نحن في فلسطين في حاجة كبيرة للتفاعل العربي والإسلامي مع مقاومتنا وجهادنا، كما أن العرب والمسلمين في حاجة كبيرة لاستمرار وتصاعد مقاومتنا في فلسطين، وإذا كانت أوسلو قد ضربت هذه الحلقة الهامة وسمعنا حينها شعارات من قبيل: «نقبل بما يقبل به الفلسطينيون» ومن قبيل: «لسنا ملكيين أكثر من الملك» التي رفعها كل من أراد أن يتحرر، ويتحلل من عبء فلسطين؛ فإن الانتفاضة المباركة أعادت لنا هذه الحلقة المفقودة وهذا البعد الضروري للصراع، وهذه غدت أكثر وضوحاً وأكثر ضرورة مع مرور الوقت، ونؤكد هنا ضرورة أن تتكاثف جهود القوى الشعبية الإسلامية والعربية في الأقطار العربية لتؤكد على أهمية هذا البعد، وبطريقة منسجمة مع تصاعد المؤامرة على الانتفاضة المباركة. البيان: لكن في المقابل ما آثار الانتفاضة على العدو اليهودي: الحالة النفسية، الحالة العسكرية، الحالة السياسية، الحالة الاقتصادية ... ونحوها؟ - د. هشام فرارجة: حقيقة لم يشعر الإسرائيليون بجدية الرادع وتأثيراته في هذا الشكل إلا عندما اندلعت انتفاضة الأقصى، وكانت الحالة من قبل بأن الإسرائيليين يقومون بحملاتهم العقابية على الشعب الفلسطيني، ويلحقون به كامل الأضرار وأفدحها دون أن يشعروا هم بأي تأثير نسبي بوجود الصراع، ولكن عندما اندلعت انتفاضة الأقصى ونتيجة للإدراك الفلسطيني بأنه ما حك جلدك مثل ظفرك، فإن الإسرائيليين أصبحوا يعانون الأمرين، وأصبح ذلك الأمل المزعوم والمولود لهم بشخصية شارون بأنه سوف يجلب لهم السلام والاستقرار والأمن ما هو إلا أكذوبة ووهم حقيقي لم يعد الإسرائيليون أنفسهم يستوعبونه. الشارع الإسرائيلي صحيح لا يشعر بنفس الضرر الذي يشعر به الشعب الفلسطيني المحاصر المجوع الممنوع من التجوال المشلولة حياته اقتصادياً وتعليمياً وزراعياً واجتماعياً وبالتاكيد نفسياً، ولكن الشارع الإسرائيلي ولمرة جديدة أصبح يعرف تماماً أن الاحتلال يلحق به بالغ الضرر. الحياة الاقتصادية عندهم أصبحت في حالة يرثى لها من الناحية الفندقية، ومن الناحية السياحية، ومن ناحية المطاعم التي كانت تزخر بالرواد من قبل، الآن أصبحت الحياة شبه معدومة عندهم في هذا الصدد. من ناحية أخرى لم يعد الإسرائيلي يستطيع أن يتمتع برخائه على حساب الفلسطيني كما كان يفعل من قبل. أصبح يتردد أكثر من أي وقت مضى في أن يرتاد مطعماً أو مرقصاً أو أن يذهب حتى إلى فندق هنا وهناك. هذا من الناحية الاقتصادية. ومن الناحية السكيولوجية يكاد لا يوجد إسرائيلي الآن لا يعرف حقيقة الصراع وبأن هناك شعباً فلسطينياً يقاوم لأنه مظلوم. هذه الحالة لم تكن حقيقة موجودة من قبل؛ حيث كان الإسرائيلي يعيش حياته برخاء دون أن يابه بالحالة التي عليها الشعب الفلسطيني. من ناحية ثالثة من الناحية العسكرية اعتاد الإسرائيليون أن يتبختروا في المناطق الفلسطينية قبل الانتفاضة دون أن يكون هناك رادع لوجودهم ولاحتلالهم. كانوا يفكرون أن الشعب الفلسطيني سوف لا يحرك ساكناً، وليس بمقدوره لانعدام ميزان القوى أن يفعل شيئاً. سوف يكتفي الشعب الفلسطيني وكانوا يحسبون خطأ سوف يكتفي بإلقاء الحجارة على الجنود الإسرائيليين المتمترسين خلف أسلحتهم الثقيلة، والذين كانوا يقنصون ويتصيدون الفلسطينيين دون هوادة، هذه الصورة تغيرت كثيراً. نسبة الخسائر ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين الأن هي (١: ٣) هذه نسبة غير معهودة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأستطيع أن أقول بأنها غير معهودة في تاريخ الصراعات ما بين شعب مستعمر وقوة مستعمرة. إذن استطاعت الانتفاضة أن تحقق إنجازات حتى وإن لم تكتمل حتى الآن. أريد أن أنتقل إلى تأثير آخر على الشارع الإسرائيلي: قبل الانتفاضة كان المهاجرون اليهود يأتون إلى فلسطين من كل صوب وحدب: من روسيا ومن أثيوبيا ومن غيرها من بلدان العالم، معتقدين أن هذه هي حضيرتهم، وأن هذه هي واحة الديمقراطية التي تنتظرهم، وبأنها أرض الميعاد التي يجب أن تطأ أقدامهم عليها؛ لكن بعد انتفاضة الأقصى بدأنا نشاهد بأن هناك هجرة معاكسة عند الإسرائيليين إلى خارج فلسطين المحتلة. الانتفاضة بعثت فيهم قلقاً وذعراً وخوفاً غير مسبوق على الإطلاق. وتأثير آخر على صعيد المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة: كان المستوطنون هم الذين يمسكون بقبضة القرار السياسي الإسرائيلي، ولكن سرعان ما أتت الانتفاضة لكي تغير من هذه التفاعلات، ولكي يفكر المستوطنون جدياً وعملياً بالرحيل عن مستوطناتهم التي بنيت عنوة وبشكل مغتصب للأرض الفلسطينية. إذن هذه الانتفاضة ما زالت في أوجها. الهجمة الإسرائيلية والعدوان الإسرائيلي ما زال أيضاً في أوجه، ولكن مهما كلف الأمر من ثمن كما هو واضح فإن المنتفضين الفلسطينيين عازمون العزم على الاستمرار في هذه الانتفاضة حتى تحقيق الهدف الأسمى وهو طرد الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. - د. محمود الزهار: الحقيقة أن هناك دراسات كثيرة تتحدث عن هذا الموضوع، يعني الأثر النفسي. كل الصحف العبرية الآن تتحدث عن حالة الخوف الفردي المتمثل في المظاهر الآتية: فراغ كل المحلات الكبرى المعروفة بالسوبر ماركت، إفلاس عدد كبير من المطاعم والملاهي والمراقص، إفلاس الحافلات الكبرى من الركاب وخسائر كبيرة في شركة إيغد بالذات، غياب أي تجمع في أي من الأماكن العامة التي كانت تمتلئ نشاطاً، المؤسسات وشركات المشتريات التي تقوم بنقل المشتريات إلى البيوت، الهجرة المعاكسة من داخل فلسطين المحتلة إلى خارجها لعدد كبير من المرتزقة، وانخفاض حجم الاستجلاب من المهاجرين من الخارج إلى الداخل. هناك حديث كبير يحتاج إلى بحث أكثر من مصدر عن حجم الأدوية المستخدمة في العلاج النفسي كالمهدئات والمنومات واللجوء إلى أطباء نفسيين؛ وهذه طبعاً ليست سراً. نحن نتابعها من مصادرها الإسرائيلية الوضع العسكري شهد تراجعاً كثيراً. عندما ندرك أن هناك ٤٩ قتيلاً ومئات الجرحى بعد عملية السور الواقي، والآن حوالي ٦٥ قتيلاً بعد عملية عمونئيل وفي يوم (٥/٦ و ٦/٦ و ٨/٦ و ١١/٦ و١٥/٦ و ١٨/٦ و ١٩/٦) كلها يعني في شهر واحد تقول إن هناك هزائم على المستوى العسكري.. إخفاق في أن تطوق ظاهرة الاستشهاد وأن تواجه كما حدث في عملية عموئيل، وفي عملية وادي الرامة في رام الله. هناك إدراك حقيقي أن الجيش الإسرائيلي لا يستطيع أن يستخلص عبرة من أي حادث من المواجهة إلى الدرجة أنه في عملية عمونئيل ثلاث عمليات تمت في نفس المكان والأسلوب بين العملية الثانية والثالثة أقل من ٢٤ ساعة، وكلها تشكل هزيمة في الحقيقة. معنى ذلك أن الجندي الإسرائيلي الذي كان لا يقهر الآن يقهر في معسكره وفي طريقه إلى المعسكر. - د. محمد الهندي: عند الحديث عن آثار الانتفاضة مع الكيان العبري في فلسطين فلم تعد هذه الآثار خافية على أحد. على المستوى النفسي يتحدث الصهاينة أنفسهم عن زيادة كبيرة في أعداد المترددين على العيادات النفسية، وعن الحالات العصبية وعن مبيعات هائلة للعقاقير المهدئة. باختصار فإن المجتمع الصهيوني يتكون أساساً من يهود قادمين من أوروبا بعقلية رأسمالية شكلوا مجتمعاً يحبون المال ويبحثون عن الملذة، ولذلك هم لا يستطيعون تحمل العمليات الاستشهادية التي تضرب فصائل هذا المجتمع بعنف، وتترك آثارها إما أن تدفعه للمصحات النفسية أو للهروب للخارج كما حدث مع حوالي مليون صهيوني لهم محل إقامة خارج إسرائيل، وكما عبرت حفيدة بيجن التي غادرت تل أبيب إلى حي (بروكلين) في واشنطن والتي قالت: أعلم أن جدي يتقلب في قبره مما فعلت، لكن ماذا أفعل؛ فليس في إسرائيل أمان. أما شعب فلسطين فعلى العكس تماماً؛ فهو شعب تعود على التضحية والفداء وتقديم القرابين، وتعايش مع المصائب حتى أصبحت جزءاً من وجودنا. على المستوى العسكري: الجيش الصهيوني تم إعداده كجيش نظامي قوي مدجج بأحدث أنواع السلاح والتكنولوجيا المتطورة ليواجهه ويهزم الجيوش العربية. اليوم هو يواجه أطفالاً يحملون حجارة ومقاليع، ويختفون خلف حاويات الشوارع، وهذا يخلق أزمة حقيقية في الجيش الصهيوني. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن العمليات الاستشهادية تكسر معادلات القوة والتكنولوجيا والتسلح؛ فمثلاً لو قتل طيار في عملية استشهادية فهذا يوازي إسقاط طائرة حربية حديثة، وهكذا يكون القياس صحيحاً في الحالات الأخرى. هناك إحباط سياسي كبير عند الذين راهنوا على اتفاق أوسلو سواء في الجانب الفلسطيني أو الصهيوني؛ فبعد أن أمل عرابو أوسلو من الصهاينة على إنهاء الكيانية الفلسطينية وإقامة كيان فلسطيني ملحق بإسرائيل له وظيفة واحدة هي قمع المقاومة الفلسطينية مع الاحتفاظ بالمستوطنات والقدس والسيادة جاءت الانتفاضة لتضع أوسلو وأصحابها في مأزق حقيقي يعري كل الأوهام التي تم تسويقها أمام مسائل الحل النهائي التي تم تأجيلها، والتي لا حل لها، ووجدنا أصحاب أوسلو الصهاينة وعلى رأسهم بيرس عرابها وصاحب جائزة نوبل للسلام يتحول بقدرة قادر إلى عراب لحكومة شارون وجرائمها. اقتصادياً نشير فقط إلى خسائر صهيونية بمليارات الدولارات، وإلى شلل في قطاعات البناء والزراعة التي كانت تعتمد أساساً على الأيدي العاملة العربية وإلى ضرب قطاع السياحة نظراً لغياب الأمن؛ كما تشير إلى شلل المستوطنات الزراعية (الكيبوتسات) والمستوطنات الصناعية، وإقفال أو نقل المصانع منها سبب توقف حوالي ١٥٠ ألف عامل عزل عن العمل. ليس هناك حل نهائي للقضية الفلسطينية والصراع في فلسطين وعلى فلسطين سيستمر، وليس هناك مقدرة لأي طرف على حسم الصراع، وإنما مراكمة نقاط سواء كانت نقاط ضعف أو نقاط قوة، والانتفاضة راكمت للشعب الفلسطيني نقاط قوة عديدة كان قد فقدها أثناء فترة المفاوضات، وأنه لا أمن لأحد في المنطقة بدون نيل الشعب الفلسطيني لحقوقه؛ كما أثبتت أن القوة العسكرية مهما بلغت في جبروتها لن تستطيع حسم المعركة وإلحاق الهزيمة بشعب فلسطين. أما ما تسمى بعملية التسوية فقد وصل إلى نهايته، وصل إلى الإخفاق؛ لأنه ما من حل للمسائل التي تم تأجيلها عن عمد والتي تمثل جوهر الصراع، وليس هناك أي إمكانية لردم الهوة بين الحد الأدنى الذي يمكن أن يقبل به أي فلسطيني وبين الحد الأقصى الذي يمكن أن يوافق عليه أي حزب صهيوني في قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات. إسرائيلياً يهدفون أساساً إلى تفتيت التجمع السكاني الفلسطيني الكبير في الضفة الغربية (٢ مليون) وعزلهم في كانتونات منفصلة بها كتل استيطانية وشوارع التفافية ليستمر التعامل مع القضية الفلسطينية وكأنها قضية داخلية إسرائيلية. وفلسطينياً ليس هناك من يعلن قبوله بأقل من دولة فلسطين على الأرض المحتلة عام ١٩٦٧م. وأي عودة للمفاوضات من جديد تعني تأجيل هذه القضايا لسنوات طويلة. - د. محمود الزهار: في المجتمع الإسرائيلي أنا لا أؤمن أن هناك يميناً إسرائيلياً ويساراً إسرائيلياً؛ برامج معروفة؛ ولكن هناك حالة تحكم كل انتخابات، حالة خوف معينة تحكم نتائج الانتخابات؛ والدليل على ذلك: هذه المرة ينجح حزب العمل، والمرة التي بعدها ينجح حزب الليكود، وبعده يأتي حزب العمل، وبعده حزب الليكود. إذن من يعد بالأمن يكسب؛ خصوصاً أن كل واحد لا يأتي بالأمن ينهزم؛ فالذي بعده يعد بمزيد من الأمن فيعطونه أصواتهم حتى يثبت إخفاقه ؛ وهكذا حتى الآن لم يستطع أحد أن يوفر لهم الأمن. معنى ذلك أن الحالة النفسية هي التي تحكم القرار الإسرائيلي الشعبي في مستوى الانتخابات وما يسمى بالأيديولوجيين سواء كان من هذا التيار أو ذاك؛ هم قلة في المجتمع الإسرائيلي. الذي يضبط السلوك الإسرائيلي هو المصلحة، وأهم هذه المصالح هو الأمن. والأمن حتى الآن لا يستطيع أحد أن يوفره، وأنا على يقين أنه إذا استمرت الانتفاضة وضربت الأمن، واستمر ضرب الأمن الإسرائيلي الآن فسيخسر شارون، ولا أقول إن خسارة شارون ستأتي بالسلام لأن البعض يراهن على أن شارون هو عقبة السلام. أنا أقول إن خسارة شارون سوف تأتي بزعيم جديد يعدهم بالأمن فيخفق إلى أن يأتي وعد الله ﵎ ويتم التعامل مع هذه القضية تعاملاً مختلفاً عن مشاريع الاستسلام. البيان: مشاريع التسوية مع اليهود لم تتوقف، لكن هل أثرت عليها الانتفاضة؟ وهل أكَّدت ضرورة المقاومة والثبات عليها؟ أم أنها رجَّحت ضرورة السير في طريق التفاوض والتسوية السياسية؟ - د. هشام فرارجة: لمدة سبع سنوات عجاف منذ توقيع اتفاقيات أوسلو والشارع الفلسطيني كان في حالة انتظار وفي حالة ترقب وأمل لكي تفضي ما دامت تجري من مباحثات ولقاءات واجتماعات ومفاوضات عن نتائج يمكن للشعب الفلسطيني أن يقبلها وأن يتعايش معها. في حقيقة الأمر لم تفض هذه المفاوضات إلا إلى تكريس للاحتلال على الأرض مع الأسف الشديد، ولذلك وبخاصة بعد أن تمكنت المقاومة اللبنانية في عام ٢٠٠٠م من تثبيت نصرها على المحتلين الإسرائيليين في جنوب لبنان أصبح واضحاً تمام الوضوح أن خيار المقاومة بالرغم من انعدام التوازن في الإمكانات هو خيار ممكن وجائز، بل هو هو الخيار الذي يجب أن يكون. باندلاع انتفاضة الأقصى ووضوح الرؤيا أمام المنتفضين الفلسطينيين باتت الصورة أوضح من أي وقت مضى بأن خيار المقاومة هو الخيار الأمثل للتعامل مع هؤلاء المحتلين؛ لأنه واضح تماماً أنهم لا يفهمون ولا يتفهمون إلا لغة القوة ولغة الخسائر بالتأكيد. هذا لا ينفي بالضرورة التحرك الدبلوماسي، ولكن على أسس ومعطيات ودون أن يكون على حساب الخيار المقاوم، ونحن في انتفاضة الأقصى وجدنا صوراً ساطعة لمؤثرات الخيار المقاوم، والنهج المقاوم في الساحة الفلسطينية تجلى ذلك بأوضح ما تجلى في مخيم جنين، مخيم جنين بالتاكيد ارتكبت بحقه مجزرة نكراء حيث هدم الحجر وقتل البشر هناك دون هوادة، ولكن في ذات الوقت استطاع مخيم جنين لمدة تسعة أيام على الأقل، أن يصمد في وجه أعتى وأقوى قوة عسكرية في الشرق الأوسط، استطاع ما استطاع أن يفعله هذا المخيم وأكبر مما استطاعت أن تفعله جيوش نظامية بكاملها، وليس هذا فحسب وإنما مخيم جنين استطاع أن يسطر أسطورة بقيادة (أبو جندل) في الصمود والتصدي بشكل غير مسبوق، وأن يلحق في صفوف الإسرائيليين خسائر لم يعهدوها من قبل. ثلاثة: قائد كتائب - قادة كتيبة من قبل الإسرائيليين تنحوا جانباً في قيادة المعركة ضد مخيم جنين حتى أتى مسؤول الأركان (شاؤول موفاز) وقاد المعركة بنفسه نظراً لحجم الخسائر التي وقعت بالإسرائيليين. نحن لا نقول خداعاً للنفس ولا نقول ذلك إيقاعاً بأنفسنا في الأوهام، بالتأكيد كانت هناك خسائر فلسطينية في كل شيء، وهو أمر متوقع؛ لأنه من طبيعة الأحوال أن تلحق بالشعب المحتل المستعمَر خسائر كبيرة؛ هذه هي طبيعة الاحتلال، ولكن ما كان مغايراً والذي دلل عليه النهج المقاوم هو أنه بالإمكان بالفعل إذا ما توفر القرار والإرادة إلحاق أفدح الخسائر في صفوف المحتلين رغم ضآلة الإمكانات وتواضعها؛ لذلك الآن النهج المقاوم في الساحة الفلسطينية هو النهج المقبول، وهو النهج المقنع، وهو النهج الذي يحرك الصراع بدلاً من السبع سنوات العجاف التي شاهدناها قبل اندلاع انتفاضة الأقصى. - د. محمود الزهار: الانتفاضة أظهرت أن الموقف الذي قال إن الكيان الإسرائيلي لا يفكر في الانسحاب ثبت صحته، والتحذير الذي كنا نطلقه في عام ١٩٩٤م أننا نخشى، وهناك فرق بين نخشى ونتمنى. إننا نخشى أن يكون مشروع غزة أريحا أولاً غزة أريحا آخراً الآن تتضح معالمه هذا المشروع إن ثبت هزيمته، وأهم مشروع تسوية طرح هو مشروع أوسلو، وأنا أعتقد أن أوسلو انتهى لعدة أسباب عملياً: انتهى؛ لأن الكيان الإسرائيلي لا يريده قانونياً. انتهى؛ لأن مدته الزمنية انتهت والمشروع انتهى من ضمير الشارع الفلسطيني الذي كان يظن أن أوسلو يمكن أن تصبح سنغافورة جديدة، وعلى أرض الواقع هناك احتلال. الواقع أن الاحتلال يلغي أوسلو؛ لأن أوسلو هي حكم ذاتي. لا يمكن أن نقول إن هناك حكماً ذاتياً، ومشروع التسوية المطروح هو انتهى، ما هي التسويات الأخرى التي سوف تأتي؟ لا أحد يعلمها، والمفاوضات استمرت في الانتفاضة ولكن لا أستطيع أن أقول إن الانتفاضة كرست نهج المقاومة إلى الأبد. لا تزال بعض عيون الناس تتلمس طريقها إلى المفاوضات، وعندما يجدون مفاوضاً فسوف يفاوضون، لكن أنا أقول إن الشارع الفلسطيني الآن أصبح يؤمن بنهج المقاومة وهو نهج أصيل في الحفاظ على الإنجازات، وهو موقف مقدم جداً عن الموقف في السنوات الماضية التي كان يرى في العمليات الاستشهادية تعطيلاً للمشروع الوطني. اليوم أصبحت المقاومة هي إنجازاً على مستوى المشروع الوطني وهو تطور في الموقف الفلسطيني في مجمله. البيان: كيف تقوِّمون التعاطف الإسلامي معكم في ظل الانتفاضة الأخيرة؟ - د. محمود الزهار: العالم العربي المغلوب على أمره استطاع أن يكسر كثيراً من الحواجز. يعني: العالم العربي استطاع أن يصل إلى درجة أن يخرج فيها إلى الشارع. خرج إلى الشارع، وعندما خرج إلى الشارع تظاهر، وهو كان غير مسموح له. خرج إلى الشارع وأطلقت عليه الكلاب والغازات المسيلة للدموع، ولكن استطاع الشارع العربي في المحصلة أن يصل إلى مرحلة أن يفرض إرادته، وهناك مناطق خرجت فيها المسيرات، ولم تكن تشهد مسيرات قبل ذلك، وهناك مناطق غير مسوح لها الخروج خرجت خارج إطار معين فخرجت عن هذا الإطار خرجت من الجامعات، وأيضاً هناك تخوف من خروج هذه المسيرات أن تؤثر سلباً على وحدة النسيج والعلاقة بين هذا الشعب وسلطاته، فخرجت هذه المسيرات ووجهت وجهتها في اتجاه فلسطين، ولم تفعل شيئاً على المستوى الداخلي. إذن حتى على مستوى الانتفاضة الشعبية استطاعت أن تحسم الكثير من المخاوف حول العلاقة بين المتظاهر العربي والإسلامي وبين السلطة القامعة التي تقمع هذا المتظاهر، وأعطت فرصة للحكومات أن قضية فلسطين مقدمة حتى على الصراع الداخلي. هذه أيضاً إيجابية تضاف إلى رصيد الانتفاضة. في المحصلة أنا أعتقد أن ما حدث هو قضية تراكمية سوف يتم تطويرها لتغيير الجغرافيا السياسية في العديد من المناطق العربية الفاعلة والإسلامية، ولربما تكون واحدة من أهم العوامل التي ستفرزها المواجهة المرتقبة بين الغرب وبين العرب. - د. هشام فرارجة: في حقيقة الأمر ربما هناك مساران للتعامل مع موضوع من هذا الأمر. على الصعيد الرسمي والجماهيري بالفعل تابعنا وبعين ثاقبة هنا في فلسطين موقف الشعوب العربية والإسلامية إزاء ما كان يحدث في فلسطين من ارتكاب للمجازر بحق الأطفال والنساء، قصف الأطفال النائمين المستغرقين في نومهم كما حدث في حي الدرج في غزة قبل عدة أيام فقط، تابعنا وشاهدنا حجم الغضب والسخط عند هذه الجماهير التي خرجت في تظاهرات عارمة في كل بلد عربي تقريباً وفي الكثير من البلدان الإسلامية وتابعنا أيضاً وشاهدنا كيف كانت تنادي هذه الجماهير وهذه الشعوب بضرورة أن يفتح هذا الباب باب الجهاد هذا من ناحية، ولكن على الصعيد الرسمي يتساءل كل فلسطيني: لماذا هذا الاستمرار في مثل هذا الصمت المطبق من الناحية الرسمية؟ أليس الفلسطينيون عرباً؟ أليس الفلسطينيون يدافعون عن حرمة المسجد الأقصى وعن حرمة القدس وقدسيتها نيابة عن كل عربي ومسلم؟ لماذا يبقى الفلسطينيون مستفرداً بهم أمام أعتى قوة آلية ووحشية في المنطقة وهي الآلة العسكرية الإسرائيلية؟ بالتاكيد في الشارع الفلسطيني هناك غضب وعطش لموقف عربي ورسمي وإسلامي أكثر جدوى وتاثيراً مما شاهدناه حتى الآن. نحن نعرف طبيعة القيود والظروف، ولكن لا توجد ظروف أكثر وأعقد من الضغوط التي يعيشها الشعب الفلسطيني؛ ولذا لا يستطيع أن يقبل الشعب الفلسطيني بمسوغات الظروف التي قد تطرح هنا وهناك. هناك حاجة ماسة لتضامن كل الجهود رسمياً وشعبياً من أجل التخلص من هذا الاحتلال؛ لأنه لا يشكل خطراً على الفلسطينيين فقط؛ وإنما يشكل خطراً حقيقياً على المنطقة برمتها وعلى كل العرب والمسلمين وأن لا تظهر آثار هذا المظهر الآن. * المحور الثالث: العوائق: البيان: كيف تنظرون لمستقبل الانتفاضة عقب أحداث ١١ سبتمبر؟ وكيف يؤثر الدور الأمريكي في الانتفاضة؟ - د. محمد الهندي: بعد ١١ سبتمبر أعلنت أمريكا حرباً دولية بقيادتها على الإرهاب بالمفهوم الأمريكي، وشارون حاول بما لإسرائيل من نفوذ داخل الإدارة والكونجرس والإعلام الأمريكي حاول أن يطابق الأجندة الأمريكية في هذه الحرب مع الأجندة الإسرائيلية وأن يطابق بين حركات الفلسطينيين وبين القاعدة، وبين السلطة الفلسطينية وبين الطالبان لينسف حتى مشروع أوسلو. ولكن غاب عن الجميع وخاصة عن الأنظمة العربية المرعوبة والمستلبة أن فلسطين ليست أفغانستان، وأن المقاومة الفلسطينية ليست طالبان، لذلك الانتفاضة مستمرة والمقاومة متصاعدة رغم كل المحاولات الأمريكية لإجهاضها، وكل زيارات تينت وتشيني وغيرهما للمنطقة، بل إن استمرار الانتفاضة بالفعل أعاق مخططات أمريكا في المنطقة. - د. هشام فرارجة: الدور الأمريكي ومنذ بداية الصراع هو دائماً موقف داعم بشكل استراتيجي للإسرائيليين بغض النظر عن ممارساتهم وسياساتهم ومواقفهم، والموقف الأمريكي حقيقة يعتبر الحاضنة للسياسات الخارجية على اختلاف وحشياتها وبربرياتها، ولذلك من الناحية الأولى نجد أن الولايات المتحدة هي تقوم بالاستمرار بإيصال الدعم العسكري والاقتصادي للإسرائيليين لكي يشنوا حربهم الوحشية ضد الفلسطينيين غير آبهين بمختلف الخروقات والانتهاكات لمختلف القوانين والشرائع في العالم. من ناحية ثانية نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة في ظل إدارة بوش الصغير تقود حرباً سياسية ونفسية وإعلامية على الشعب الفلسطيني، بوش يطرح بأن شارون مرتكب مجازر صبرا وشاتيلا ومن قبلها قبيا ومن بعدها حي الدرج بغزة هو رجل سلام، هذا بالتاكيد مناف للمنطق وللواقع ولما هو مقبول. من ناحية أخرى إدارة بوش تريد أن تصبغ الحياة الفلسطينية بالشكل التي تريد. تريد أن تفرض على الشعب الفلسطيني قيادته وأسلوب حياته وهو أمر آخر غير مقبول. ومن ناحية ثالثة نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية وبشكل ممنهج ومبرمج تقود حرباً قانونية على الشعب الفلسطيني خاصة من قِبَل أروقة الأمم المتحدة وبالتحديد مجلس الأمن، فلا يكاد يقدم قرار في مجلس الأمن فقط لكي يستنكر الممارسات الإسرائيلية حتى تقف الولايات المتحدة الأمريكية بالمرصاد وتتخذ حق النقض (الفيتو) وفقاً لصلاحياتها وإمكانياتها في مجلس الأمن. إذن الموقف الأمريكي في تقديري موقف مفروغ منه سواء كان فلسطينياً او عربياً خلف الموقف الأمريكي ما هو إلا اللهاث خلف السراب ولا يمكن أن يجدي، هذا لا يعني أنه يجب أن لا نتفاعل دبلوماسياً مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن يجب أن تكون طبيعة التفاعل مغايرة لما يجري عليه الحال الآن. علينا أن نقول للولايات المتحدة الأمريكية كفي عنا؛ لا نستطيع أن نلتقي بكم حتى تعرفوا تماماً أنه من مصلحتكم إزاحة هذا الاحتلال وعندها تستطيعون أن تطرقوا أبوابنا، ما دون ذلك لا جدوى من لقائكم، لا جدوى من الاجتماع بكم، أنتم لستم راعياً لعملية السلام وإنما أنتم رعاة حرب تمثل إرهاب دولة منظماً وممنهجاً ضد الشعب الفلسطيني. - د. محمود الزهار: يجب ألا نخجل نحن من أحداث ١١ سبتمبر، أحداث سبتمبر كانت إفرازات السياسة الأمريكية، وكانت كشفاً لعورة الأمن الأمريكي وهشاشة المجتمع والنظام الأمريكي، وهذه القوة الغاشمة يمكن أن تقهر وأن تهدد؛ فنحن كفلسطينيين لم يكن لنا في هذا الموضوع لا ناقة ولا جمل؛ لأنها تستثير المظلومين لأن يستخدموا وسائل مبتكرة في ضرب الظالمين لاستطعنا أن نقنع العالم بأن الدولة الظالمة الإسرائيلية تستحق العقاب لما فعلته من مظالم ضد الشعب الفلسطيني، وأن ما يحققه الشعب الفلسطيني ضد الإجرام الإسرائيلي هو أمر مشروع، ولكن نجح الكيان الإسرائيلي، ونجحت أمريكا في أن توظف هذا الموضع الأفغاني وأن تسحب لضغط الإرهاب الذي هي تمارسه هي وحلفاؤها مثل بريطانيا على الإسلام، وأنا أعتقد أن أخطر ما في أحداث سبتمبر أنها كشفت الموقف الحقيقي المغطى بنظرة الغرب تجاه الإسلام والذي وجد له كتابات عن صراع الحضارات مسبقاً، والذي كشف عنه بوش بصراحة وبغباء عندما تحدث عن الحرب الصليبية، ومن هنا نستطيع أن نقول إن نواتج سبتمبر بقدر ما فيها من إيلام بقدر ما فيها من إيجابيات استطاعت أن تكشف الوجه الحقيقي للصراع، ولربما تكون الحركة الفاصلة في مسار التاريخ المعاصر هو الاعتداءات المتوقعة من أمريكا على شعوب بريئة ربما تكون العراق مرشحة لها، ولا أعتقد أن أمريكا سوف تحقق لها أي إنجاز يذكر إن لم تحقق هزيمة منكرة لها في المنطقة عندما تصبح في مواجهة المظلوم الذي ليس أمامه إلا أن يدافع عن نفسه كالمثل الفلسطيني تماماً. القوة الظاهرة في مواجهة المظلوم الذي يجب أن يدافع عن نفسه، فابتكر الوسائل التي حقق بها إنجازات ربما يستطيع المثل العراقي أن يقدم هذا الإنجاز عندما يجد أن الشارع العربي والإسلامي من حوله لا يقبل هذا الإجرام وحالة السكوت التي يتواطأ عليها الساكت والمعتدي؛ عندها سوف يحدث ما لم تتوقعه لا أمريكا ولا غيرها. والحقيقة أن المتتبع لوتيرة الانتفاضة والعمليات الاستشهادية في الفترة الأخيرة يقول إنها ازدادت بصورة غير متوقعة عما كانت عليه من عام ١٩٩٤م وحتى عام ٢٠٠٠م؛ بمعنى أنه كلما ازداد الإجرام الإسرائيلي مدعوماً من أمريكا كلها كان رد الفعل القوي في الدفاع عن النفس أقوى؛ ولذلك وإن لم تشأ أمريكا فهي استطاعت أن تسعر برنامج المقاومة ضد الكيان الإسرائيلي بزيادة حجم الإجرام على المحتل ضد الشعب الفلسطيني. البيان: الأنظمة الغربية والعربية تضغط بشدة على السلطة الفلسطينية لوقف الانتفاضة والسلطة الفلسطينية تضغط بشدة على المقاومة الفلسطينية ... فما الموقف المتوقع إزاء هذه الضغوط، وخاصة أنَّ اليهود والدول الغربية تطالب السلطة باعتقال القيادات الإسلامية الفاعلة؟ - د. هشام فرارجة: أصبح جلياً أكثر من أي وقت مضى أن زخم هذه الانتفاضة وعنفوانها هو أقوى من كل الضغوط سواء كانت محلية أو إقليمية أو دولية كان هناك ومنذ الأسبوع الأول للانتفاضة رغبات جامحة ومتشابكة على مختلف الصعد، وربما من مختلف الاتجاهات من أجل إضعاف هذه الانتفاضة وتقويضها، وأيضاً من أجل التلويح في التخوفات نتيجة لاستمرار هذه الانتفاضة، ولكن الحقيقة الساطعة في الشارع الفلسطيني كانت أقوى من كل الضغوط ومن كل المحاولات في بادئ الانتفاضة والمخاوف والتخوفات التي كانت تبرز من حين لآخر وعندما يجري لقاء سياسي هنا وهناك. أعتقد الآن بأنها قد تلاشت وبأن حالة الانتفاضة، كظاهرة متكاملة أصبحت لا رجعة فيها حتى تحقيق أهدافها بطرد وكنس الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بعد تحقيق الاستقلال. الضغوط ما زالت مستمرة على مختلف الصعد، وأعتقد أنه سوف يبقى مستمراً؛ فكلما تصاعدت المقاومة فسوف يكون هناك تصاعد للضغوط، ولكن في تقديري أياً كان الحال فإن الإرادة الميدانية الفلسطينية أثبتت جدارتها وجدواها بشكل لم يعد إزاءه ممكناً بأي حال من الأحوال إيقاف هذه الانتفاضة وإحباطها إلا عندما تحقق أهدافها. - د. محمود الزهار: هنا أتحدث عن مشاعر. أما موقفنا كحركة ورسمياً فلا أريد أن أعلن عنه، ولكن أتحدث عن مشاعر، وهذه المشاعر مهمة بالنسبة لنا. نحن نتحرك في وسط وبيئة نحترمها، ونستغل هذا الظرف استغلالاً طيباً لمصلحة القضية الفلسطينية. لا أحد في الشارع الفلسطيني يقبل أن نعود لسياسة اعتقال حماس لأنها تقاوم، أو نزع سلاحها لأنها تقاوم أو يطلق الرصاص عليها لأنها تقاوم، أو توقف مؤسساتها الأجتماعية لأنها توزع بالعدل والإنصاف، ومن ثم لن يقبل أحد من الشعب الفلسطيني أن يهدم مصدر من مصادر قوته. هذه واضحة وهذه عبرة استخلصها كل الأطراف صافية واحدة في الشعب الفلسطيني، ولا يمكن إعادة العجلة إلى الوراء، لا المقاومة تسمح ولا السلطة تريد أو تقدر، وعام ١٩٩٤م سوقت السلطة اتفاق أوسلو على أنه دولة وسيادة وقدس وسنغافورة الشرق وأن المقاومة تقضي على الوليد الفلسطيني، وفي ظل هذا التزييف تم ملاحقة المقاومة، وخلال ٨ سنوات اكتشف الشعب هذا الوهم الكبير، والتف أكثر حول حركات المقاومة، ومهما كانت الضغوط اليوم فلا أحد يريد أن يتسبب في كسر هذا الصمود مقابل وعود من سراب. البيان: أخفقت المنظمات العلمانية الفلسطينية منذ عقود طويلة في إدارة الصراع مع اليهود حرباً وسلماً؛ فهل البديل الإسلامي مهيأ لتسلم دور الريادة؟ - د. محمود الزهار: في الحقيقة أنا أريد أن أقول إن العبارة الآتية أن الإسلام هو الأساس وأن البدائل أخفقت. الإسلام هنا عمره ١٤٢٣ سنة وإن كان أقل من ذلك كوجود لأن الإسلام بدأ في فلسطين في عام ١٣٦ ميلادي. الإسلام هنا أصيل وقاوم بأصالته كل أشكال الاحتلال. البدائل التي جاءت عن الإسلام لم تفلح في تحقيق شيء، إذن العودة إلى الجذور هو الأساس. البيان: بعد المحاولات المحمومة من اليهود أمنياً وعسكرياً على عزل المناطق الفلسطينية وحصارها؛ هل تتوقعون أن تنجح السياسة اليهودية في وأد الانتفاضة أو إضعاف قدراتها؟ - د. محمود الزهار: لو نجحت، لو كان مقدر لها أن تنجح لكان لها أن توقف العمليات الأخيرة، وقلت لك إن أكثر من ٦٥ من الإسرائيليين قتلوا منذ عملية السور الواقي، وهذا أكبر دليل على إخفاقها. لو استعرضنا كل ما أصاب الكيان الإسرائيلي في عام ١٩٩٤م و ١٩٩٥م يمكن ما وصل حجم الخسائر الإسرائيلية إلى هذا العدد، ومن ثم الأرقام تقول إن الكيان الإسرائيلي أخفق. صحيح أن هناك صعوبات قاتلة عندما يكون منع التجوال كاملاً لا تستطيع أن تخرج سيارة ولا يخرج إنسان. عندما يخرج إنسان من بيته يتم إطلاق الرصاص عليه سواء كان رجلاً أو طفلاً أو امرأة، عندما لا تستطيع السيارة أن تتحرك بما فيها سيارات الإسعاف يصبح هناك صعوبات؛ لكن هذه الصعوبات نميز بينها وبين الاستحالة، ليس هناك مستحيل في العمل. المجاهد في فلسطين ضد الكيان الإسرائيلي. - د. محمد الهندي: ضرب الانتفاضة وإضعافها هذا أمر وارد؛ فمن الطبيعي أن نتأثر بالضربات والاجتياحات والتصفيات ... إلخ؛ لكن في كل مرة ننهض أكثر قوة وأكثر إصراراً وأكثر عنفواناً وتصميماً على المواصلة، أي أن إنهاء الانتفاضة غير وارد بالمطلق طالما لم يأخذ الشعب الفلسطيني حقوقه كاملة. اغتال العدو الصهيوني قبل ذلك الشهبد د / فتحي الشقاقي؛ فهل أنهى ذلك حركة الجهاد الإسلامي ودورها أم زادها قوة وصلابة؟ كما اغتال الشهيد يحيى عياش فماذا كانت النتيجة؟ ويغتال اليوم الشهيد صلاح شحادة، وهو يكرر نفس النتائج؛ فطالما أن العدو الصهيوني لم يعترف بحقوقنا وأصر على إنكارنا ونفينا فمعنى ذلك أن دماء كثيرة ستسيل على جانبي الصراع، وأؤكد هنا أننا الطرف الأقدر على الصمود، وأننا سنثبت للعالم أننا لن نرحل من جديد من أرضنا فلسطين. البيان: في المقابل هناك محاولات لم تتوقف من بعض الاتجاهات الفلسطينية لقطف ثمرات الانتفاضة واستغلالها لمكاسب شخصية وحزبية ... فما رأي الحركات الإسلامية في ذلك؟ وهل من سبيل للحفاظ على هذه الثمار اليانعة؟ - د. هشام فرارجة: بالتاكيد هناك من الفلسطينيين والانتهازيين والمستثمرين لا أريد أن أقول الكثيرين، ولكن هناك البعض، دعنا نعود قليلاً إلى انتفاضة ١٩٨٧م تلك الانتفاضة أثبتت عمومية النضال الفلسطيني في كل قرية ومخيم ومدينة وشارع ومن مختلف قطاعات الشعب؛ حتى أتت مجموعة ممن يسمون أنفسهم بالمثقفين والمتسيسين الذين عملوا جاهدين على قطف ثمار تلك الانتفاضة بطريقتهم من خلال إجراء اجتماعات مع الإسرائيليين ومع الأمريكيين، ولكنهم في حقيقة الأمر قاموا بدور سلبي؛ حيث عملوا على قطف ثمار تلك الانتفاضة وبطريقة خاطئة وبطريقة غير ناضجة سياسياً وهو ما قاد إلى مدريد، ومن بعده إلى أوسلو والذي لم يثبت نجاعة في تقويض وضعف أواصر هذا الأحتلال. الآن انتفاضة الأقصى عام ٢٠٠٠م نجد أيضاً البعض من بين هؤلاء أنفسهم يحاولون إجهاض هذه الانتفاضة بطريقتهم الخاصة. بعضهم يحاول فتح قنوات سرية مع مسؤولين إسرائيليين، وبعضهم يحاول فتح قنوات أيضاً مع مسؤولين أمريكيين؛ وكأنهم يتنافسون على من يريد أن يقدم للأمريكيين والإسرائيليين إنجازات أكبر، كل ذلك أثر بعض الشيء على مسيرة الانتفاضة، ولكنه عمق القناعة بضرورة استغلال هذه الانتفاضة وعدم السماح بإجهاضها من أي جهة حتى ولو كانت جهة محلية من بين أشباه المثقفين والمتسيسين. وكانت هناك خطوة أخرى وجدنا مجموعة لا تمثل حتى نفسها تقوم بإطلاق نداءات من أجل إيقاف العمليات الاستشهادية ضد الإسرائيليين وكان نداؤهم متبوعاً بأجر من قوة غير فلسطينية. إذن هو كان نداءً مأجوراً أوروبياً الآن بدلاً من أن يتوجه هؤلاء القريبون من الإسرائيليين والأمريكيين بنداء إلى الرأي العام الإسرائيلي والأمريكي حيث كان بالإمكان أن يستمع إليهم قاموا بتوجيه حرابهم وسهام عقولهم إلى الشارع الفلسطيني محاولين بعث الفرقة والتشتت في هذا الشارع، ولكن سرعان ما انكفؤوا على وجوههم دون أن يأبه بهم أحد حتى من قدموا لهم أجر ذلك النداء البائس الذي لا يعبر إلا عن تهافت ثقافي ليس إلا. - د. محمد الهندي: أي محاولات في هذا الاتجاه هي محاولات مفضوحة ومحكوم عليها بالإخفاق. هناك للأسف مجموعة من المرعوبين المهزومين في صفوف الشعب الفلسطيني أرادوا الدخول إلى واشنطن من الباب الإسرائيلي من باب شارون، وهناك من أدانوا العمليات الاستشهادية في الوقت الذي اجتاح العدو الصهيوني بدباباته وطائراته واستباح مدننا وقرانا ومخيماتنا ودماءنا وحلمنا، ولكن المثير في الأمر أن شارون لم يعطهم فرصة للتنفس ولم يمنحهم أي انتباهة أو أهمية ؛ ففي نفس الوقت الذي يدينون فيه العمليات الاستشهادية ويعلنون تفهمهم لإلغاء حق العودة للاجئين تقوم دبابات شارون باجتياح مكاتبهم ومحاصرة الجامعة التي يديرونها في استخفاف واضح. إن شعبنا في فلسطين يتجاوز كل هذه الدعوات المشبوهة وهذه الخزعبلات المشوهة لنضاله بأسرع مما يتصور أصحاب الدعوات نفسها. - د. محمود الزهار: الثمار غير الناضحة هي ثمار سامة، وحاول البعض سابقاً أن يقطف هذه الثمار، وكانت غير ناضجة فتسمم بها، فإما وصف بالفساد أو قتل نتيجة الفساد أو وضع في السجن نتيجة الفساد، أو فقد مصداقيته أمام كل الناس وأمام العالم كله نتيجة هذه الثمار الفاسدة. نحن لا نتعجل الحقيقة قطف الثمار، والثمرة الوحيدة التي نريدها هي تحرير فلسطين، وعندما يتم تحرير فلسطين هذه هي الثمرة التي نعتبرها ناضجة، وتحرير فلسطين يستدعي أيضاً تأسيس الدولة الكبرى ذات الحضارة والدور الحضاري المعروف والإدارة الإسلامية المعروفة؛ نحن جزء من كل وليست قضيتنا منغلقة على حدود فلسطين فقط؛ ولذلك عندما يتم تغيير الواقع من حولنا فسنكون نحن بإذن الله جزءاً من هذا التغيير. البيان: كيف ستحافظون على هذه الثمار اليانعة؟ - د. محمود الزهار: قوة الحركة وعلاقتها بالشارع الفلسطيني والتحولات التي تجري في الشارع الفلسطيني بدعم الحركة واحدة من الضمانات الهامة بعد الله ﵎.

стр. 4395

نص شعري نشيد الصمود.. من جروزني د. محمد بن ظافر الشهري alshahri_m@yahoo.com يميناً قطعناهُ منذ الأزلْ ... بألاَّ نهونَ وألا نَذِلْ وألاَّ نُطأطِئ هاماتنا ... لشيءٍ سوى الله مهما حصل وما حل في دارنا عُنوة ... سفيه من الناس إلا سُحِل [١] فنحن الضراغم في غابِها ... ونحن بنو الفاتحين الأُوَل إذا ما تَضَوّعَ عَرْفُ الوغى ... تفيض خواطرنا بالجذل [٢] ولسنا نمَلُّ إذا سُعّرَت ... مقارعةَ الشُّوسِ حتى تَمل [٣] ولسنا نهابُ لدى الحرب أن ... نموت فكم من عظيم قُتل وكم زَهد الموتُ في خائرٍ ... كِنَازٍ فنُكِّس حتى رَهِل [٤] أرينا القلوبَ ضريحَ الهوى ... ورُمْنا ذُرى الطَّود فوق الأَسَل [٥] فما أَيِسَ القلبُ إلا سلا ... ولا دُهِك الحَزْنُ إلا سَهُل وصَيْد المَحار مُحالٌ إذا ... كففتَ ثيابكَ خوفَ البَلل وما طلبَ الخُلْدَ من صادقٍ ... وسارَ على الدربِ إلا وَصَل بنو الصِّيد نحنُ وهل يَرتضي ... سليلُ الملوك حياةَ الخَوَل [٦] جِراحُ الجُسوم لها طِبُّها ... وجرح الكرامة لا يندمل وموت الشعوب خيارٌ لها ... من العيش إنْ هي لم تستقل إله الخليقة أنت الذي ... يؤمَّل في كل خطب جلل قد انتفش الكفرُ مستكبراً ... وأنت الكبير الأعزُّ الأجلّ ومن ذا سواكَ له هيبةٌ ... إذا ما تجلى تدك الجبل ومن ليس يغلبه غالب ... ومن لا يرد ظليماً سأل [٧] تزول العروشُ وإن أُجِّلَت ... وعرشك أنت الذي لا يُثَل [٨] كفرنا بمجلس حَيف وإن ... تستَّر زوراً بزَيْن الخُلَل أيوصف بالعدل في حكمه ... وعن كل خطة عَدْل عَدَل وفي كل ظلم له سهمه ... وعن كل مَظلمة قد غَفل رأينا أيادِيه في صربيا ... عرفناه حين «أمات الأمل» عرفناه حرباً على ديننا ... وسلماً لما دونه من مِلَل فليس سوى الله مِن كاشف ... لضرٍ بساحتنا قد نزل وما خاب من يشتكي ضُره ... إلى الله حين تضيق السُّبُل فهيئ لنا رَشَداً ربنا ... فبالأمس كنا ولمَّا نَزَل نُكابِد نارين أذكاهما ... عدوٌ طغى وقريبٌ خَذَل رويدك يا أيها المعتدي ... فعينك بالنصر لن تكتحل أَغَرَّكَ هذا العتادُ الذي ... جمعتَ وأقسمتَ ألا يُفَل وأنَّا قليل وأعداؤنا ... كثير وإخواننا في شُغُل فإما نكوننّ في قِلَّةٍ ... ففي القادسية كنا أقل إذا فَتَن التبرَ حَرُّ اللظى ... أُبِينَ الرديءُ وبان الزَّغَل [٩] توكلتَ أنت على آلةٍ ... ونحن على ربنا نتكل وما كان رب الورى مسلماً ... فريقاً هدى لفريقٍ أضَل

стр. 4396

قصة قصيرة سوف سامي بن محمد العبودي تردد في بداية حياته وسوّف ... كان شاباً قوياً مفتول العضلات يمتلئ نضارة وحيوية ... لكنه قال حينما عُرض عليه الموضوع: أنا مشغول بالدراسة والاستذكار في الوقت الحاضر والعمر أمامي ... وبعد تخرجه وإنهائه للدراسة الجامعية قال: ليس الآن، بل بعد الزواج ... وحينما تزوج لم يذهب؛ لأن زوجته كانت حاملاً ولا يستطيع تركها وحدها على حد زعمه ... وبعد أن وضعت قال: سأؤجل هذا الأمر حتى يكبر ابني قليلاً ويستغني عن أمه، وأستطيع اصطحابها معي ... كبر ابنه وفُطم لكنه أجل الموعد؛ لأن الجو شديد الحرارة والشمس محرقة هناك ... مرت السنون وتوالت المواسم وصاحبنا يؤجل ويسوّف مع يسر حاله ... اشتغل ببناء منزل جديد، واحتج به لتأخير هذا العمل ... وفي أحيان كثيرة كان يعزم بشكل أكيد، وحينما يحين الموعد ويحل يتردد ويفتعل الأعذار والأسباب لعدم قدرته في ذلك العام، وعندما يرى الناس قادمين إلى ديارهم يحزن ويتأثر أشد التأثر؛ لكن هذا الحزن والأسف لا يستمر طويلاً ولا يثمر تصميماً أكيداً، وفي سنوات عديدة كان يحل هذا الموعد وهو مسافر خارج البلاد إما في سياحة أو لأجل عمل دنيوي، فينشغل بهذا العمل ويتشاغل بهذا السفر، ويفوت الموعد وينتهي ... أحس أن صحته وحيويته تتأخر من عام إلى آخر، وأن قوة الشباب وفتوته أعقبها ضعف الكهولة ووهنها، فعزم ألا يفوّت هذه السنة بأي حال من الأحوال وأخذ يستعد ويتهيأ، وقبل الموعد أصابته نوبة قلبية نقل على إثرها إلى المستشفى ليبقى في غيبوبة مات بعدها ... مات وهو لم يحج ... مات وهو لم يحج ... رحماك ربي!!

стр. 4397

نص شعري مأساة جنين صالح الهنيدي الزهراني salh٨@hotmail.com طفلة فلسطينية ولدت أثناء الغزو الإسرائيلي الغاشم على مخيم جنين فأسماها والدها (جنين) . في زمان الصمت والغدر المشينْ ولدت في لُجة الحقد الدفينْ طفلة أرهقها الوهن وأشقاها الألمْ وعلى وجناتها الحلوة آثار سقمْ ولدت والكون يحكي قصة الإجرام في دنيا السباتْ وزئِير الغدر من صدر المماتْ ولدت والعالم المشؤوم ينظرْ بعيون الصمت يبصرْ ويرى قصة إرهاب الخنازير على أرض (جنين) آه من أرض (جنين) ولدت فاستبشر الوالد بالنصر فأسماها (جنين) كي تكون الشاهدَ الفعلي للمأساة في أرض (جنين) ولدت تبصر آلاماً وتقتات الأنينْ ولدت والموت يهذي وعلى أصواته رجف المدافع وعلى نغماته حزن السنينْ ولدت ترضع أحقاداً لأبناء اليهودْ وترى في غيبة العدل انتهاكات اليهود ورأت صورة وجه الذل بادي القسماتْ وتبدّت هامة العزة فوق الشمس بل خلف الكواكبْ ** ** ** يا (جنين) يا عقود الشوق في نحر القضيَّة يا هدايا الحب من رب البريَّة آه ما أحلى الهديَّة يا (جنين) يا زمان الوعد بالنصر المبين يا ثمار اللوز في صحراء دنيانا الدنيَّة يا بشارات الأماني في ليالي اليأس يا نبع الأملْ يا عيوناً طرفها من صورة القهر اكتحلْ وعلى وجناتها الغضة ليل الظلم حلّ يا (جنين) أوَ ما أبصرت جيش الغدر يجتاح المنازلْ؟ أوَ ما أدهشك الموت على الأحباب نازلْ؟ أوَ ما قلتِ وعيناك غزاها الدمع: ما هذي المهازل؟! أين قومي؟! أين صوت الحق في هذي النوازلْ؟! أين هم؟ أين صلاح الدين؟! أين المسلمون؟! ما لكم لا تسمعون؟ ما لكم هل تجزعون؟ ** ** ** يا (جنين) ! أوَ ما شاهدت أصحاب الكراسي عندما ناموا على جرح المآسي عندما أغمض كل منهم الطرف وأحنى للنعاس أوَ ما أبصرت قومي في ذهول المعمعة وتغشاهم سكونُ الموتِ والذلِّ ولحظاتُ الدعة فغدونا حائرين لست أدري هل على الكافر أم نحن معه ** ** ** يا (جنين) ما نسينا أبداً صبرا وشاتيلا ودير ياسين كلاّ وجراحَ القدس والأقصى ولا الماضي تولّى ما نسيناها ولن ننسى مآسي أمة تبحث عند الغرب حلاَّ يا (جنين) لستِ طفلة لستِ إلا صرخة في وجه صناع القرار لستِ إلا قنبلة لستِ إلا صرخة الحق تدوي في زمان الصمت في دنيا الذهول أعلنيها يا (جنين) «أن يوم الحق آت هكذا قال الرسول»

стр. 4398

نص شعري صانع المجد نافع خليل يوسف ... شعبنا يصنع مَجْدَهْ ... يكتب التاريخَ وَحْدَهْ ولذا هبَّ وَحيداً ... ومضى يُنفِذُ عَهدَه لم يخف بطش عدوٍّ ... وانبرى يُبْطلُ كَيْدَه إنه خصم لئيم ... غادِرٌ يَنْفُثُ حِقْدَه شعبنا ما هان يوماً ... لم يُدِر للبغي خَدَّه فهو قد ضَحَّى وعانى ... وغدا يُنجز وَعْدَه فانظروه كيف يحيا ... صامداً من دون نَجْدهْ واجه الشَرَّ بعزم ... وتَحدّاهُ وَجُندَه غارةٌ في كلِّ حين ... تقتل الشعب وأُسْدَه نحن في كرٍّ وَفَرٍّ ... أفرزا الشيءَ وضِدَّه إنها حرب ابتلاءٍ ... حربُ إيمانٍ وَرِدّهْ شعبنا عاف امتهاناً ... سيفنا قد ملَّ غمدَه قد طرقنا كل باب ... وَتوسلنا الموَدّهْ غير أنَّا قد خُدِعنا ... ووجدنا السلمَ عُقْدهْ فهو عارٌ وشَنَارٌ ... ثم تفريط «بِعُهْدهْ» ولذا نحن نهضنا ... كلنا يَبْذُل جهدهْ وعلى الله اتّكلنا ... وهو من ينصر جُنْدَه

стр. 4399

نص شعري قصة أفول نجم محمد بن يحيى لقد أفل النجم حين الممات وقبل الأفول.. بدا النجم بالعز والمكرمات وبعد الأفول.. تنادى الجميع لدفن الرفاة وحين الأفول.. سيول الدموع بدت دافقات، وجمع كبير من الباكيات وما كان كل البكاء سواء! فدمع تراه غزيراً كثيراً وما ثم إلا الرياء ودمع بلا أعين باكية، يراق طويلاً رجاء الثناء!! ونيل العطاء. ودمع عيون بدت خائنات.. تحب كثيراً أفول النجوم وتعشق ترداد حب الهداة إذا حان وقت الأفول الطويل. ولكن على الرغم ممن هناك وممن هنا! وممن سعى نحو أعدائنا! دموع الوفاء بدت ساخنات على رغم صبر جميل جميل وأعطت مواثيقها طائعات لرب السماء، سنمضي ووجهتنا ربنا سنمضي وعزتنا ديننا ستعلو قريباً ألوف النجوم وإن أفل النجم يوماً.. سيبقى المعين الذي يستقي الناس منه الضياء

стр. 4400

قراءة في كتاب أهداف الجامعة الأمريكية بالقاهرة ١٩٢٠ ـ ١٩٨٠م د. سهير حسين البيلي دار فرحة للنشر والتوزيع - مصر عرض: وائل عبد الغني «إنه لا يوجد شخص يستطيع أن يقضي أربع سنوات في الجامعة دون أن يكتسب السلوك الخلقي والمثل العليا الجديدة التي ستحول حياته بشكل كامل عقب تخرجه في الجامعة» . - وليم هل - الدراسة التي بين أيدينا دراسة وثائقية نالت بها كاتبتها درجة الماجستير، غاصت فيها الباحثة في الوثائق الخاصة بالجامعة وأخرى خاصة بالدولة لتكشف عن الدور الذي لعبته الجامعة الأمريكية في القاهرة خلال ستين عاماً من عمرها ١٩٢٠ - ١٩٨٠م، وتثبت الدراسة مجموعة حقائق تتبلور عن حقيقة كلية هي أن التجربة الأمريكية الاستعمارية تفوقت على التجربة البريطانية تماماً، كما تفوقت التجربة البريطانية على التجربة الفرنسية، وقد أشاد اللورد كرومر بالتعليم الأمريكي بقوله: «إنه ليس لدي أي تردد في إظهار نتيجة ما يزيد على ٢٣ عاماً من الخبرة بأن مدارس التبشير الأمريكي وكلية أسيوط البارزة أحدثت إنجازاً كبيراً وتقدماً جيداً للتعليم والحضارة في مصر» . وقد قامت هذه المدارس بعشرة أضعاف الجهد الذي قامت به بريطانيا في سبيل نشر التعليم واللغة الإنجليزية في مصر. والنموذج الأمريكي المتمثل في الجامعة بالذات كان أذكى بكثير في مدخله وأساليبه؛ فما تركت مجالاً إلا وأثرت فيه، ولم تدع فرصة إلا واقتنصتها، فكان لها مع كل حادثة حديث، ومع كل فرصة نقلة. وتعد الدراسة توثيقاً لصفحة من تاريخ الأمة يكشف اختراق الجامعة الأمريكية للمجتمع العربي من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه، وبصورة محببة وجذابة تخطت بصورة مذهلة ما عجز عنه نظام دنلوب؛ فالاحتلال البريطاني ظل احتلالاً، وقد كان له أثره في الأمة، أما التجربة الأمريكية التي لم تنته فصولها بعد فتمثل نوعاً جديداً من الاستعمار هو الاستعمار النفسي الذي بدأ على عكس التجربة البريطانية بالتعليم وانتهى بالعسكرة. ونظراً لأن محور الكتاب هو أهداف الجامعة في الفترة المحددة للدراسة فقد مايزت الكاتبة بين أربع مراحل من عمر الجامعة تم تقسيم الكتاب على أساسها هي عنوان لأربعة فصول من فصول الكتاب الثمانية، وقد استكملتها الكاتبة بشرح المقدمات والظروف والعوامل التي مكنت الجامعة الأمريكية من تحقيق أهدافها. ** الفصل الأول: خضوع مصر للهيمنة الاستعمارية وتغلغل التعليم الأجنبي. وهو عن المقدمات الطبيعية التي مهدت لنشأة الجامعة، والتي كان لها أثرها المباشر في انتشار التعليم الأجنبي بصوره المختلفة: (الطوائف غير الإسلامية - الجاليات الأجنبية - مدارس الإرساليات والفرق الدينية) . وهي العوامل الداخلية (السياق الاجتماعي) والعوامل الخارجية (السياق العالمي) . أما عن العوامل الداخلية فكان أبرزها الانهيار الاقتصادي نتيجة لسوء إدارة الاقتصاد، وتحكم نظام الإقطاع، واحتكار الدولة لوسائل الاقتصاد؛ نتيجة لسياسات أسرة محمد علي المنفتحة على الغرب من أجل ترسيخ أطماعه في مواجهة الدولة العثمانية، وهو ما فتح الباب أمام التدخلات الأجنبية في مصر سياسياً واقتصادياً، وهو ما تولد عنه نظام الامتيازات الأجنبية التي أعفت رعايا الدول الأجنبية من القوانين المحلية ومن الضرائب ومن أي التزام أمام الحكم الداخلي، وهو ما فتح الباب على مصراعيه لهجرة كثير من رؤوس الأموال والصناع وأصحاب الحرف إلى مصر والاستقرار فيها، وحيث ذهب رأس المال الأجنبي تسللت الإرساليات الدينية في إثره، خاصة أن سياسة محمد علي لم تضع العامل الديني في الحسبان، فتصرف الأجانب بحرية تامة خاصة بعد أن ألغيت القاعدة التي كانت تحتم عليهم الحصول على تصريح من الحكومة لبناء كنيسة أو ترميمها أو إعادة بنائها، فأخذوا يقيمون الكنائس ويلحقون بها المدارس المختلفة بحجة تعليم أبنائهم، كما كان لافتتاح قناة السويس دور خطير في زيادة التغلغل الأجنبي واللجوء إلى سياسة القروض التي لعبت دوراً في التدخل المباشر في أمور البلاد. وقد قدم الخديو سعيد وإسماعيل المساعدات والدعم لهذه الإرساليات إرضاء للدول الدائنة، وقد أدى هذا الأمر إلى تغلغل الثقافة الغربية التي بدأت مع حملة نابليون واستمرت مع تبني أسرة محمد علي للمشروع الغربي للتحديث، واتسعت مع عودة البعثات من أوروبا لإدارة أمور البلاد بدرجة ولدت انقلاباً في ثقافة البلاد خاصة في عهد إسماعيل الذي شهد تأسيس عدد من الجمعيات العلمية وانتشار الصحف بمختلف اتجاهاتها، وظهور الصالونات الفكرية والثقافية. لكن كل هذه العوامل ما كانت لتحقق آثارها لولا تأخر التعليم في مصر. أما العوامل الخارجية (السياق العالمي) التي عجلت بتحقق الهيمنة: فأولها: الامتيازات الأجنبية التي أدت إلى تضاعف عدد الأجانب عشرين مرة بين عامي ١٨٣٦، ١٨٤٦م كما تزايد لأكثر من أربعة أضعاف بين عامي ١٨٤٦، ١٩١٧م. ومن ثم توسعت الإرساليات التبشيرية في بناء الكنائس والمدارس والجمعيات من أجل السيطرة على المجتمع المصري، كما توسعت في إصدار الصحف والمجلات والكتب التي أنشئت لمتابعة الدراسات الاستشراقية. والأمر الثاني: هو أن التنافس الاستعماري على مصر كموقع كان باعثاً للتنافس التنصيري من أجل حل المسألة المصرية. إلى جانب الهيمنة الاقتصادية التي بدأت بمعاهدة لندن، وتوسعت في عهد إسماعيل حيث سادت في عهده الاضطرابات الاقتصادية والسياسية، وكان من جرائها بسط السيطرة الأجنبية على مصر خاصة بعد تغول الرأسمالية العالمية في القرن التاسع عشر، والتي سعت إلى الاستحواذ على مناطق شاسعة من العالم لاستنزاف مواردها واقتصادها، وقد كانت مصر أرضاً خصبة في هذا المجال. كما كان للرحالة الأوروبيين الذين وفدوا على مصر وعلى رأسهم السان سيمونيين دور في تهيئة الأوضاع، فقد جلبوا معهم أفكاراً جديدة كان لها أثرها ومنها الفن للفن، وضرورة إقامة مدارس للفنون الجميلة للعناية بالموهوبين، وقد رددت الصحافة أفكارهم وتأثر بها عدد من المثقفين. كل هذه العوامل جعلت من مصر أرضاً ممهدة أمام للتعليم الأجنبي ومجالاً خصباً للنفوذ والهيمنة الاستعمارية. وقد بلغ عدد المدارس في عهد إسماعيل حوالي ٧٠ مدرسة، وتخرج فيها عدد كبير من رجال الأعمال والمهن في مختلف النواحي الاجتماعية، ونال كثير منهم الحماية الأجنبية بواسطة القناصل فصاروا في حكم الأجانب في انتمائهم وميولهم، وأمام هذه المغريات زاد عدد المدارس. ** الفصل الثاني: التعليم الأمريكي في مصر: النشأة والتطور. جاء في تقرير مجموعة من المبشرين: (إن القاهرة تعتبر نقطة مهمة وهي المدينة الثانية في الإمبراطورية التركية) . وقد بدأت الإرسالية الأمريكية العمل في مصر مع بداية عام ١٨٥٠م تحت مسمى (الرسالة المشيخية الاتحادية الأمريكية) ، ومنذ اليوم الأول ترافق النشاط التعليمي مع النشاط التبشيري. وقد أنشأ الأمريكيون تحت لواء الهيئة المشيخية المتحدة عدداً من المدارس على طول نهر النيل، كان من أشهرها كلية للرجال في مدينة أسيوط التي تعد عاصمة إقليم الصعيد، وكلية للبنات في القاهرة كان لها دور تعليمي بين نساء مصر عامة والقاهرة خاصة، وقد كان نشاط المدارس الأمريكية يتركز في عدد من الأهداف: نشر المذهب البروتستانتي بين الأقباط أولاً والمسلمين ثانياً في مصر، وكان لنشر المذهب دوافع استعمارية كشف عنها وليم هل: «إن مصر مستودع للثروات التي لا تعد ولا تحصى» . وقد كان لكلية أسيوط وهي تعليم ثانوي دور تنصيري كبير في صعيد مصر، ويؤكد هذا كلام واطسن أحد صناديد المنصرين في تلك الفترة: «إن الاتحاد حقق غرضه بالفعل وتنصر اثنان وستون طالباً في عام واحد، وفي عام آخر تنصر خمسة وثلاثون آخرون، كما وهب سبعون من أعضاء الكلية أنفسهم للعمل التنصيري أيضاً» . وكان التركيز في تلك الفترة على الطبقة الفقيرة من خلال تبني أفرادها واحتوائهم وتقديم التعليم المجاني لهم، ثم إيجاد فرص عمل مناسبة ضمن نشاطها، وكان الشرط الأساسي لذلك هو عضوية الشخص للكنيسة الإنجيلية وانتماؤه إليها، والدعوة إلى مذهبها بين أقرانه وذويه وأصدقائه، وفي نفس الوقت اتخذت الإرسالية من الطبقة الغنية سنداً لها بتقديمهم الدعم المادي والمعنوي لأنشطتها. وأدى انتشار الأفكار الغربية في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر إلى تحولات واسعة في كافة المجالات وبخاصة الأفكار المتصلة بالتعليم. وسعياً في تطوير الآليات الموجودة رأت الإرسالية القفز بمستوى التعليم من أجل إعداد جيل من القادة، وتم بالفعل إنشاء كليات مجهزة تجهيزاً جيداً في كل من القاهرة وبيروت وإستانبول من أجل تسريب المبادئ النصرانية إلى الطبقة المثقفة على وجه الخصوص وإلى بقية الطبقات بالتبعية. ** الفصل الثالث: نشأة الجامعة الأمريكية في القاهرة. يتجه الاهتمام في هذا الفصل إلى إلقاء الضوء على نشأة الجامعة الأمريكية بالقاهرة والظروف التي واكبتها، والأهداف التي أنشئت الجامعة من أجلها. فقد تأسست الجامعة الأمريكية في الخامس عشر من أكتوبر ١٩٢٠م بعد رحلة طويلة من المبادرات والنقاشات والرسائل المتبادلة واللقاءات وجمع المعلومات. وكان الغرض من الجامعة هو أنها: - سوف تخدم ٢٤ مليوناً من المتحدثين بالعربية وتغطي الشمال الإفريقي. - التواجد الثقافي في مصر حيث المكانة الاستراتيجية كمركز فكري للعالم الإسلامي له أهميته عند المبشرين، حيث الأزهر، وما يزيد عن مائتي دار للطباعة والنشر يصل إنتاجها إلى مراكش وجاوا والصين، كما يتدفق نحو القاهرة جموع من المسلمين الرحالة من كل مكان لأهداف دينية وتجارية، وأعدادهم تفوق بكثير أعداد الحجاج الذين يتوافدون أفواجاً في أشهر الحج على مكة، ولهذا كان عدد المنظمات التبشيرية ضخماً في تلك المرحلة. - تحتاج الساحة إلى لون جديد من التبشير يتفوق في شكله ومحتواه على الصور الموجودة. وقد أكد المؤسسون في لقاءاتهم ومراسلاتهم على أن تكون شخصية الجامعة مسيحية، وكان من بين المشاركين في وضع المعالم الرئيسية لشخصية الجامعة زويمر وجون موط السكرتير العام لجمعية الشبان المسيحيين الأمريكيين، وبالفعل ولدت الجامعة نصرانية بروتستانتية تبشيرية بنسبة ١٠٠% [١] . ومع الميلاد بدأت الجامعة في مد الصلات مع كل القوى التي يمكن أن تساندها، ونالت الجامعة تأييد لوردات الاحتلال على تتابعهم، كما رحبت الصحافة المصرية لسان حال الحكومة ترحيباً حاراً، أما السلطان فؤاد فقد دعا واطسن رئيس الجامعة للعمل ضمن لجنة عامة لدراسة برنامج التعليم القومي، وكانت هذه الدعوة أقوى دعم يمكن أن تناله مؤسسة تعليمية في ذلك الوقت، بعد أن أقامت اتصالاً بينها وبين وزارة المعارف بما يعني مد نشاطها إلى خارج أسوارها. أما عن التوجهات الأساسية فقد أجملتها الباحثة في ثلاثة توجهات: ديني - أكاديمي - اجتماعي. وكان التوجه الديني هو المقدم كما تؤكده وثائق الجامعة، حيث كان الهدف الأكبر هو ضمان الشخصية المسيحية، وتأثيرها الواسع، وتنمية الولاء المسيحي عبر التبشير البروتستانتي بين المسلمين عامة في مصر ومحيطها الديني والثقافي. أما التوجه الأكاديمي: فقد كان مسخراً لإنشاء تعليم على مستوى عال يمكِّن من إعداد نخبة يمكن أن توسد إليها الأمور في المستقبل القريب، وكانت الأقسام المقترحة: قسم التعليم العالي - كلية إعداد المعلمين - كلية لاهوتية - كلية الزراعة. كما افتتحت كليات لاحقاً في الطب والهندسة والصحافة إلى جانب كلية الخدمات التعليمية الممتدة التي تقدم دروساً ليلية. أما التوجه الاجتماعي: فقد كان من بين الأهداف المعلنة التي تتعلق بتطوير المجتمع المصري بحيث يصبح ذا خصائص ثقافية غربية بديلة للعقائد والتقاليد والخرافات السائدة في ذلك الوقت، كما اهتمت بقضية المرأة تحت مسمى التحرير، وبعبارة أوضح صبغ المجتمع بالصبغة الأمريكية من خلال تعليم أبناء الصفوة العقيدة المسيحية وتنمية العقلية المتحررة لديهم ثم تحركهم لتغريب المجتمع ككل في مرحلة لاحقة. وقد بدأت الجامعة عملها الرسمي بالأقسام التالية: - كلية الآداب والعلوم على مستوى الثانوية وكانت على قسمين: * قسم الآداب ويدرس باللغة الإنجليزية وفق النظام الأمريكي. * قسم الحكومة باللغة العربية وفقاً للنظام المصري مع إضافات أخرى. - مدرسة الدراسات الشرقية وهي تطوير لمدرسة تدريب المبشرين التي أنشئت في مصر عام ١٩١٣م التي كانت تدعى «مركز القاهرة للدراسات» . - أما قسم الدراسات الممتدة فقد افتتح في عام ١٩٢٤م للإسهام في فحص المجتمع المصري، وجمع أكبر قدر من المعلومات عنه وبناء تصور لمشكلاته، ومن أهداف هذا القسم: التأثير في الخلفية الاجتماعية لطلاب الجامعة الشرقيين، وفي الأقطار المسلمة (عادات وتقاليد اجتماعية) التي تمثل أكبر عائق أمام تغريب الطلاب، والتأثير في طلاب الجامعة الذين سيناط بهم قيادة المجتمع في المستقبل، وقد كان القسم حريصاً على توصيل مفاهيمه لأكبر قطاع من المجتمع؛ ولذلك استحدث عدداً ضخماً من الوسائل والأساليب التي يتمكن من خلالها الاتصال بأكبر قطاع ممكن من المجتمع، وقد وظفت المحاضرات والنشرات الشهرية والفصلية والسينما التعليمية أسبوعياً والأمسيات والمناقشات في العلوم الاجتماعية ومصلحة رعاية الطفل التي كانت تابعة للقسم، وكانت بعض المحاضرات التي يقدمها القسم تعقد خارج الجامعة في بعض المدن والقرى لاجتذاب اهتمام أكبر عدد من الناس. - كلية التربية (١٩٢٦م) : وكانت تهدف إلى التأثير في التعليم المصري وفي البلاد المجاورة من خلال نقل طرق التعليم الحديث إلى مصر، وكانت الكلية تسعى لتحقيق أهداف الجامعة من خلال تأكيد المنظومة التربوية الغربية عموماً والأمريكية على وجه الخصوص، وقد أصدرت الكلية صحيفة التربية الحديثة التي كان لها تأثير خطير في كل من مصر وسوريا والسودان والعراق وجاوا والحبشة وسنغافورة، ومع هذا الرواج حققت الجامعة من ورائها أرباحاً وفيرة، وقد كان من أهداف الصحيفة إقامة اتصال مباشر في مجال التربية بين العالم العربي والولايات المتحدة؛ ومع التوسع في التعليم المصري كانت هذه الصحيفة من أكبر المؤثرات الثقافية في مصر. - مركز البحث الاجتماعي (١٩٥٣م) : وتم إنشاؤه بمنحة من مؤسسة فورد أحد أخطر واجهات المخابرات الأمريكية، وقد اهتم هذا المركز بجانب المعلومات وتحليلها من خلال توظيف الطلاب في مجال البحث الاجتماعي في المنطقة العربية، والعمل على تدريب الطلاب في مجال علم الاجتماع وأساليب البحث العلمي، وتشجيع الطلاب على مشروعات البحث الاجتماعي. - معهد اللغة الإنجليزية: وقد تأسس في عام ١٩٥٦م لتعليم اللغة الإنجليزية للطلاب الراغبين في تحسين لغتهم الإنجليزية من أجل الالتحاق بالجامعة. وفي الفصول الخمسة الباقية من الكتاب ترصد الباحثة مدى الثبات أو التغير في أهداف الجامعة ومؤسساتها وطبيعة الظروف التي أدت إلى ذلك، وما نتج عنها من سياسات تعليمية وأقسام جديدة لنرى كيف كانت الجامعة تنظر إلى الأمور من واقع الوثائق المحفوظة لديها والتي أتيح للباحثة الاطلاع عليها في فرصة ربما كانت نادرة. وقد فرقت الباحثة بين أربع مراحل: مرحلة النشأة والاستقرار وهي أطول المراحل (١٩٢٠ - ١٩٥٦م) ، ومرحلة ما بعد الثورة (١٩٥٦ - ١٩٦٣م) ، ثم مرحلة التحول الاشتراكي (١٩٦٣ - ١٩٧٠م) ، ثم المرحلة الأخيرة مرحلة الانفتاح وهي ما بعد ١٩٧٠ وحتى حدود الدراسة ١٩٨٠م. ** الفصل الرابع: الأهداف المعلنة والممارسات منذ عام ١٩٢٠ - ١٩٥٦م. وقد حدد الهدف في البند الثاني من وثيقة الإنشاء ويتضمن «تقديم التربية المسيحية لشباب مصر والأراضي المجاورة، وذلك عن طريق إقامة معهد تعليمي على أعلى المستويات التربوية الفعالة، كي تظهر للعالم الإسلامي السمات الخلقية للسيد المسيح [السلوك النصراني] ... » . ولم يتوقف هذا الهدف المعلن عن الظهور في لوائح الجامعة السنوية على مدار الأعوام من ١٩٢٠ - ١٩٥٦م وإن اختلفت الصياغة، حيث ظلت الوجهة التبشيرية هي المحور الذي تدور حوله بقية الأهداف المعلنة من إعداد النخبة ونشر الثقافة الأمريكية وخدمة المجتمع المصري، وكانت الجامعة تسعى لتحقيق أهدافها من خلال أقسامها المختلفة. أما عن وسائل تحقيق الهدف الديني فقد تعددت بين: - اجتماع ديني يومي في كنيسة صغيرة بالجامعة وبصورة إجبارية، تقام فيه الصلوات النصرانية ويقرأ فيه الإنجيل وتتلى خطب قصيرة في الأخلاق، وكان الجميع يشاركون في إنشاد التراتيل (كان الطلاب المسلمون يمثلون ثلث الطلاب في البداية) ، وقد انبثق عن هذه الاجتماعات جمعية الشبان المسلمين المسيحيين التي تعد امتداداً في نشاطها لجمعية الشبان المسيحيين والتي مارست نشاطاً تنصيرياً خارج أسوار الجامعة. - محاضرات عامة عبر قسم الدراسات الممتدة الذي يفتح الباب أمام الاحتكاك بالجماهير عبر المحاضرات والأنشطة الثقافية في الفترة المسائية لكن بصورة غير ملزمة، وقد كانت قاعة إيوارت محفلاً لهذا النشاط الذي تطرق تقريباً لكل شيء، يمكن أن يخدم الهدف الديني للجامعة. وكانت القضايا تناقش دون تحفظ، وقد وجد أن أثر هذه الطريق بالغ مع مضي الوقت في تقبل الكثيرين للعقائد النصرانية، وتضمنت المحاضرات كثيراً من الشبهات حول عقائد الإسلام مما اختلقه المستشرقون، كما مررت هذه المحاضرات العديد من الأفكار لقياس الرأي العام ودرجة الوعي، وكان من بينها محاضرة بعنوان «هل ستنال المرأة حقوقاً وواجبات مساوية للرجل؟» والتي ثارت بسببها ثائرة الناس، وشنت الصحف حينها حملات قوية على الجامعة، وكانت الجامعة تطأطئ رأسها للموجة ثم تعاود الكرة من جديد. كما عملت الجامعة على نشر أفكارها من خلال سلسلة أخرى من المحاضرات التي يتخفى فيها الهدف الديني وتتحدث عن مواضيع من قبيل الرفاهية القومية والصحة العامة، والتاريخ والعلوم، والمشكلات القومية، والأمور السياسية وكل من هذه المجالات مرتبط بأهداف اجتماعية وثقافية ولكنها تحمل أفكاراً دينية لتأكيد الغرض التبشيري. وكان الحضور منوعاً من كل الطبقات؛ أعضاء برلمان، وأساتذة وطلاباً بالأزهر، ونساء، وكبار رجال الدولة وعامة الناس، مما وضع الجامعة في أعلى مكانة على الخريطة الثقافية في مصر. كما كانت تُعرض أفلام تعليمية وأخرى مثل الفيلم التبشيري «KING OF KINGS» الذي يعرض العقيدة النصرانية في المسيح عليه السلام، وكان يعرض من عشرين إلى ثلاثين مرة كل عام قبل عيد القيامة، وقد قامت بالفعل بتنصير عدد من الطلبة المسلمين مما حرك نوازع الغيرة الدينية الشعبية ضد الجامعة، وقد نفَّس العامة عن هذه المشاعر كلما أتيحت الفرصة، وقد تم اقتحام الجامعة وتحطيم مكوناتها مرات عدة على إثر كل غضبة شعبية ضد المستعمر، كما حدث في حريق القاهرة وبعد العدوان الثلاثي وبعد نكسة ١٩٦٧م. - المناهج الدراسية: ويكفي هنا أن ننقل مقولة واطسن وهو يخاطب أصدقاء الجامعة الأمريكية في القاهرة: «إني أتحدى أن ينجح أي منكم في اختبارات الإنجيل التي يواجهها طلابنا في الجامعة الأمريكية في القاهرة» . وقد شهدت مجلة الاتحاد المشيخي على طبيعة المناهج: «الجامعة الأمريكة بالقاهرة كانت تقدم المبادئ المسيحية، وهذا البرنامج كان بعيداً عن أن يكون منهجاً تعليمياً صرفاً، فالجامعة منظمة تبشيرية تستخدم التعليم للوصول إلى تحقيق غرضها التبشيري بين الناس» . - اختيار أعضاء هيئة التدريس: وقد نصت اللائحة الداخلية للجامعة عام ١٩٥٤م على أنه عند تعيين الجامعة لهيئة التدريس يوضع في الاعتبار توافر الشخصية المسيحية للشخص المراد تعيينه من أجل تحقيق الهدف التبشيري، والمدرسون الأمريكيون خدم أغلبهم في الكنائس والاتحادات الدينية العالمية مثل جمعية الشبان المسيحيين وجمعية الشابات المسيحيات اللتين كان لهما نشاط واسع داخل الجامعة. - الأنشطة الاجتماعية: والتي تمثلت في الأنشطة الرياضية والنشاط الثقافي واتحاد الطلاب وقد وفرت هذه الأنشطة جواً اجتماعياً وتربوياً وثقافياً أسهم بشكل فاعل في تعميق أفكار الجامعة لدى الطلاب، وامتداد نشاطها خارج أسوار الجامعة، وتدريب الطلاب على التأثير المطلوب في المجتمع. - المناخ الجامعي: حيث الروح الكنسية والجو الليبرالي بمفهومه الأمريكي حيث حرية التعبير والسلوك والعلاقة.. العلاقة التي تربط التلميذ بأستاذه ومحيطه الجديد، فقد كان الاحتكاك اليومي بين المدرس والطلاب أقوى من كل التأثيرات الدينية [٢] . أما هدف إعداد النخبة الحاكمة وهو لا يقل أهمية عن الهدف الأول، وهو يبدو إنسانياً في ظاهره لكنه محمل بأبشع أنواع الاستعمار. وقد أكدت جميع وثائق الجامعة على شعار: «التعليم الشامل للصفوة» ولم يكن غريباً عندما فتحت الجامعة أبوابها عام ١٩٢٥م أن نجد أن الطلبة المدرجين في قوائمها من الطبقات العليا في المجتمع ٦٠% منهم مسلمون، وقد كان الطلبة يتدربون على وسائل التأثير البعيد في الفكر والحياة في الشرق الأدنى وأجزاء أخرى من العالم، وقد شغل معظم خريجي الجامعة الأمريكية بالقاهرة مناصب عليا في المجتمع في مجالات الإعلام والسياسة والاقتصاد. أما عن هدف نشر الثقافة الأمريكية: فالجامعة كما قال واطسن «جسر صداقة» بين المجتمع الأمريكي والعالم الإسلامي، وهي تدار بإدارة أمريكية وأموال أمريكية بغرض نقل القيم النابعة من التجربة التربوية المسيحية التي تمارس في أمريكا إلى مصر، وتنمية التفكير على أسس من الثقافة الأمريكية. وقد استخدمت في ذلك عدة وسائل هي: - التعليم الحر. - الحفلات الفنية والموسيقية وكانت الإذاعة المصرية تنقلها إلى مستمعيها. - المحاضرات والمنتديات الثقافية التي تعتمد على العقلانية في النقاش. - السينما التعليمية: وهي وسيلة ناجعة لبسط الهيمنة الثقافية الغربية وبناء مجتمع متغرب. وأما هدف خدمة المجتمع المصري: فكان المراد من هذا الهدف نيل مصداقية عالية لدى الحكومة وعموم الشعب نتيجة إظهار الاهتمام بمشاكل المجتمع، وهي في نفس الوقت تعد وسيلة مهمة لفحص المجتمع المصري من حيث خصائصه النفسية والاجتماعية والدينية ومشكلاته وأعراضه وأمراضه حتى يسهل التأثير فيه. وهي كذلك وسيلة لتدريب الطلبة على حل المشكلات، وتوصيفها وتصنيفها وفقاً للمنظور الأمريكي بخلفيته النصرانية، وعلى سبيل المثال قام ١٣٠ شاباً خلال صيف ١٩٣٢م بمناقشة الأوضاع الصحية في حوالي ١٣ مديرية من مديريات مصر وقاموا بتوزيع حوالي ١٢٥ ألف بحث تنظيم وحوالي ٣١٩٥ استمارة مقابلة. كما ساهم قسم الدراسات الممتدة بفصول مسائية لأصحاب الوظائف الحكومية الدنيا، وآخرين ممن يريدون الحصول على درجات علمية في التعليم المسائي. كما قام مركز البحث الاجتماعي بدور خطير في كشف دقائق الأمور وتحليل المشاكل الاجتماعية في مصر ودول الشرق الأوسط، وبهذا تتمكن الولايات المتحدة من ترسيخ الهيمنة الثقافية على المجتمع المصري. ** الفصل الخامس: المتغيرات العالمية والمحلية الميسرة لثبات الأهداف ١٩٢٠ - ١٩٥٦م. أما على المستوى الداخلي فقد أسهمت ثلاثة تيارات فكرية في تهيئة الأوضاع للجامعة وهي الفكر الليبرالي والفكر الشيوعي بثقافته الغربية والتيار العقلاني بقيادة الشيخ محمد عبده، وقد مهد الثلاثة من خلال تبنيهم لمفهوم الحرية بمعناه الغربي لاقتحام الجامعة مجالات كان من المفترض أنه من المحظور على أي أحد الخوض فيها فضلاً عن جهة تبشيرية أو أجنبية. أما الأوضاع السياسية فكانت مساندة تماماً لنشاط الجامعة، وقد نجح القائمون على الجامعة في إرضاء كافة الأطراف واستغلال الظروف السياسية المختلفة، وتوثقت الصلات بالقصر والوزارة والبرلمان والاحتلال في وقت واحد بالإضافة إلى النخبة الغنية. أما على المستوى الشعبي فكان أقرب للعداء نتيجة للمارسات التنصيرية التي أثارت الرأي العام، وأقامت عدداً من العلماء على رأسهم الشيخ المراغي في مواجهة نشاط الجامعة المشبوه لكن الجامعة قامت بجهود جبارة لاختراق المستويات الشعبية، وقد حققت لها بعض النجاحات. وقد اضطرت الظروف السياسية والقانونية الجامعة في بعض الأحيان لأن تتخفف من بعض أنشطتها التبشيرية دون أن يعني ذلك التخلي كلية عنها. أما على الوضع الاقتصادي فقد كان لسيادة النظام الرأسمالي خلال الفترة الملكية أثره في وجود ما يشبه التحالف الضمني لاتحاد المصالح؛ إذ التحق أبناء هذه الطبقة بالجامعة والتي كانت تؤهلهم لتوسد المناصب السيادية في الدولة، كما وفرت بعض عناصر هذه الطبقة المنح للجامعة. ** الفصل السادس: الجامعة الأمريكية والنظام الجديد في أعقاب ثورة يوليو حتى ١٩٦٣م. وقد نشأت على إثر الثورة طبقة جديدة صعدت مع الثورة فحرصت الجامعة على التقرب منها؛ فاستثنت أبناء أعضاء مجلس قيادة الثورة من شروط القبول، دون أن يعني ذلك تخليها عن علاقاتها مع الطبقة الرأسمالية التي ظلت تحافظ على تواجدها رغم الإجراءات التي اتخذت ضدها من أجل تقليص دورها. وبدأت الجامعة إبراز خطاب جديد يناسب شعارات الثورة، كما ألغت الدراسة يوم الجمعة وخفضت اليوم الدراسي في شهر رمضان، واختارت أعضاء هيئة التدريس من المصريين والأمريكيين على حد سواء بغض النظر عن العقيدة. أما على الصعيد الدولي فقد سنت الولايات المتحدة القانون رقم ٤٨٠ الشهير لاستغلال الفائض الزراعي في خدمة المصالح الأمريكية وهو القانون الذي فتح الباب أمام أرقام كبيرة جداً من المساعدات والمنح الأمريكية، ونتيجة للاستقطاب بين المعسكرين أخذت الولايات المتحدة تتقرب إلى الثورة من أجل كسب مصر في صف المعسكر الغربي. لكن كان لرفض مصر الدخول في مشروع الحلف مع أمريكا وعقدها صفقة الأسلحة الشهيرة مع تشيكوسلوفاكيا بعد أن رفض المعسكر الغربي بيع أي أسلحة لمصر، أثراً في ممارسة الضغوط الاقتصادية الأمريكية ضدها، وجاء الرد الأمريكي قاسياً بإيقاف المساعدات وإيقاف النشاط التجاري بين البلدين، وقطع العلاقات الدبلوماسية، ومحاصرة مصر بحراً لمنع وصول أي سفينة تحمل سلاحاً إلى مصر، وإلغاء تمويل مشروع السد العالي. كل هذا أدى لأن تسير الجامعة في إطار أكثر حذراً وأقل انفتاحاً، وأكثر اعتباراً لما يثير الرأي العام. وبدا الدور التبشيري أكثر انكماشاً وأظهرت الجامعة لوناً من الحرص على المصلحة الوطنية والانتقاد العلني للمواقف الأمريكية، بصورة تعطي انطباعاً باستقلاليتها وبعدها عن السياسة الأمريكية بما يدعم وجودها في مصر، ويدعم مبادئها المعلنة في الحرية والديمقراطية التي كانت تتبناها الثورة. كما تأثرت الجامعة بالعدوان الثلاثي على مصر نتيجة لتأميم قناة السويس فرحل أعضاء هيئة التدريس وفتحوا جامعة في المنفى. لكن ما لا ينبغي إغفاله أن الدعم الأمريكي لم ينقطع عن الجامعة حتى في هذه الفترات. وكان للجامعة رجالها حتى في ظل حكم الثورة، وقد وسطت الجامعة محمد حسنين هيكل من أجل تخفيف بعض القيود وإزالة بعض المخاوف، وجاءت إجابة عبد الناصر فوق الإيجابية. والغريب أنه رغم صدور عدة قوانين على مدار عمر الجامعة تنظم شأن المؤسسات التعليمية الأجنبية من حيث الإشراف والمناهج وهيئات التدريس إلا أن الجامعة نجحت في الإفلات من جميع هذه القوانين، وظلت هي المؤسسة التربوية الوحيدة في مصر التي تدار فعلياً دون إشراف من الحكومة المصرية. كما لعبت الجامعة دوراً مكنها من أن تكون يد الحكومة الأمريكية في مصر وأداتها في الحفاظ على مصالحها في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يثير التساؤل حول نجاح الجامعة في اختراق جميع مؤسسات الدولة. أما الأهداف فصيغت على النحو الآتي: تقديم تعليم رفيع المستوى.. تجسيد قيم الثقافة الأمريكية.. الإسهام في حل مشكلات المجتمع المصري.. تشجيع التبادل الثقافي والفكري بين الشرق والغرب، وبهذا اختفى الهدف التنصيري بصورته السافرة وبقي مضمناً في هدف الترويج لقيم الثقافة الأمريكية التي تحمل في طياتها القيم النصرانية، وبهذا تم إعادة تنظيم مدرسة الدراسات الشرقية وأصبح اسمها: (مركز الدراسات العربية) وقلل فيه النشاط التبشيري، لكن النشاط بقي يمارس خارج أسوار الجامعة، كما تم التوسع في الدراسات العليا في الأدب البريطاني والأمريكي وعلم الاجتماع، وعلم الأجناس البشرية، الكيمياء والاقتصاد، العلوم السياسية. أما قسم الدراسات الليلية فتغير اسمه إلى قسم الخدمة العامة وتحول نشاطه من المحاضرات والندوات إلى تدريب الموظفين في مجالات مختلفة. وأما المكتبة فقدمت برنامجاً تعليمياً وزودت بالتسهيلات، وقد مارست الجامعة من خلالها دوراً كبيراً في النشر والاتصال بالباحثين. أما هدف خدمة المجتمع فبقي مجالاً خصباً لجمع المعلومات حول القرية المصرية، وموقف الشرق الأوسط عامة ومصر خاصة تجاه السياسة الأمريكية، وحول النوبيين، وإحصائيات السكان. أما إعداد القادة فحافظت عليه الجامعة بأن قصرت الالتحاق بها على أبناء النخبة الحاكمة والطبقة الغنية. وقام معهد اللغة الإنجليزية على تحسين لغة عدد منهم من أجل تجاوز شرط جديد للالتحاق ينص على إتقان اللغة الإنجليزية. ** الفصل السابع: من عام ١٩٦٣ - ١٩٧٠م. مرحلة التحول الاشتراكي. ويعكس هذا الفصل براعة الجامعة في خدمة الأهداف الأمريكية في ظل التحول الاشتراكي، والعداء الأمريكي العلني لمصر خلال حرب ١٩٦٧م وانعكاساته على الساحة المصرية، وكيف تمكنت الجامعة أن تتعايش مع هذه البيئة. وقد فرضت الحكومة المصرية الحراسة على الجامعة الأمريكية، ورحلت هيئة التدريس، وعينت حارساً قضائياً، ولكن الحارس قام بدور خطير في إقناع الحكم المصري بإبقاء الجامعة أمريكية الهوية كما هي، وسهل إجراءات اعتراف الحكومة بالجامعة الأمريكية. وخلال هذه الفترة تولى كريستوفر ثورون إدارة الجامعة، وكان ثورون عميلاً للمخابرات الأمريكية، فعمل مع إدارته للجامعة لحساب المخابرات أيضاً، وقد سعى في توسيع صداقاته داخل مصر، وكوَّن علاقات حميمة مع موظفي الخارجية المصرية! وبهذا يظهر هدف آخر غير معلن للجامعة تسعى لخدمته من أجل رعاية المصالح الأمريكية. وكانت الجامعة في هذه الفترة حريصة على نيل الاعتراف الرسمي الكامل بها كنشاط وكشهادات علمية بما يضمن لها البقاء في ظل التغيرات العميقة التي تطرأ على الحالة المصرية بين آونة وأخرى، وقد حققت الجامعة بعضاً من ذلك خلال هذه الفترة. ** الفصل الثامن: الجامعة الأمريكية في ظل الانفتاح الاقتصادي. وهو العهد الذي أعاد للجامعة سيرتها الأولى، فمع موت عبد الناصر ومجيء السادات انفرجت الأمور وبدأت مفاوضات للاعتراف بالدرجات العلمية للجامعة مقابل تعيين ٤٥% من الأساتذة من مصر مقابل نفس النسبة من الأمريكيين، والباقي يتم استكمالهم من باقي الجنسيات، وأن تكون الوظائف الإدارية للأمريكيين، وألا يقل عدد الطلاب المصريين عن ٧٥% والأمريكيين ١٠% والباقون من العرب، وطلبت الحكومة أن يتم تعيين مستشار للجامعة ومجلس استشاري لها من المصريين. وبالفعل تم الاعتراف بالجامعة كما أرادت لنفسها من حيث الهوية والاستقلالية والدرجات العلمية التي تمنحها وفق بروتوكول موقع عليه من وزير التعليم ورئيس الجمهورية شخصياً. وقد استفادت الجامعة من هذه الإجراءات استفادة كبيرة حيث عمقت اتصالها بجميع الأوساط، ونالت عن طريقهم ما لم تنل من قبل، بالإضافة إلى أن رواتب هؤلاء تبدو متواضعة، كما أنها لن تعدم من بين هؤلاء من ينفذ رغباتها خاصة بعد أن اطمأنت إلى أجيال من خريجي الجامعة ممن تبنوا فكر الجامعة، وربما كان الأمر مستحيلاً في بداية عمر الجامعة؛ لأنها كانت تريد بناء نسق معين يحتذى وقد كان. وبدت الجامعة في أنشطتها الثقافية والتعليمية متكاملة مع الجامعات الوطنية المصرية، ولذلك حرصت الجامعة على تقديم تعليم مكثف للطلاب يقابل حاجات المجتمع الجديد، كما حرصت أن يكون طلابها ممن لديهم القدرة على تلقي هذا النوع من التعليم. أما الممارسات والأنشطة المتعلقة بتحقيق الأهداف المعلنة فقد قدمت الجامعة خدماتها للمجتمع عبر مركز البحث الاجتماعي بتمويل من مؤسسة فورد ووكالة التنمية الدولية AID، وكانت الموضوعات: الزيادة السكانية، ووسائل منع الحمل، كما تقدم المركز ببحوث حول المواد الخام الصلبة المتوفرة في مصر [٣] . وفي الخاتمة تخلص الباحثة إلى أن الجامعة وإن خففت من الهدف الديني المباشر من أجل ضمان بقائها واستمراريتها إلا أنها بقيت على أهدافها الأخرى: الهدف الثقافي، وهدف خدمة المجتمع، وهدف إعداد القادة، والحاصل أن الجامعة ظلت حريصة على تحقيق الهيمنة على المجتمع المصري مباشرة والمجتمعات العربية الأخرى بالتبعية، كما تبين وجود أهداف أخرى غير معلنة بدا بعضها وربما ما خفي أكثر، ويمكن من خلال نتائج الدراسة استشراف الدور الحالي والمستقبلي للجامعة لخدمة أهدافها.

стр. 4401

حوار حوار مع فضيلة الشيخ قاضي حسين.. أمير الجماعة الإسلامية في باكستان البرنامج النووي والقوة العسكرية الباكستانية وهويتنا الإسلامية ليست من مصالح أمريكا برزت الباكستان في بؤرة الأحداث العالمية بعد الحملة الأمريكية على أفغانستان، وتعرضت لضغوط وتهديدات غربيَّة وهنديَّة، وكان أداء الحكومة الباكستانية العسكرية غاية في الضعف والعمالة، لإعراضها عن تطلعات الشعب ومطالبه، مما أدى إلى تمرير كثير من المخططات الغربية في المنطقة بشكل فاضح. ولكشف كثير من الحقائق الغائبة عن الكثيرين، يسعدنا في هذا العدد أن نلتقي بفضيلة الشيخ القاضي حسين أحمد، أمير الجماعة الإسلامية في باكستان - التي أسسها أبو الأعلى المودودي ﵀، وهي من أكبر الجماعات الإسلامية في شبه القارة الهندية، وأكثرها تأثيرًا في الساحة السياسية الباكستانية، وقد حرصنا على الحوار مع فضيلته منذ بداية الحملة الأمريكية الجائرة على أفغانستان، لكن الحكومة الباكستانية فرضت الإقامة الجبرية على الشيخ مدة طويلة، وبعد خروجه كانت تنتظره برامج كثيرة، حتى تيسر - بحمد الله - هذا اللقاء الذي تطرقنا فيه إلى ثلاث محاور: ١ - المحور الباكستاني. ٢ - المحور الهندي. ٣ - المحور الأفغاني. نسأل الله تعالى أن يعز دينه، وأن ينصر أولياءه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. المحور الأول: الباكستاني: البيان: مضى على التدخل الأمريكي في أفغانستان عدة أشهر، وكان للتحالف (الباكستاني - الأمريكي) دور رئيس في نجاح المخطط الأمريكي.. فهل تحققت المصالح التي تطمح إليها الباكستان؟! أم أن أمريكا تجاوزت الجميع ولم تر إلا مصالحها؟ - مشاركة (برويز مشرف) في التحالف الدولي كانت نتيجة للضعف الشخصي، ولم يكن لهذه المشاركة والتعاون أية صفة قانونية أو أخلاقية، عندما كان بل كلينتون رئيسًا للولايات المتحدة وقام بزيارة للهند توقف في باكستان لمدة ست ساعات، واشترط لذلك ألا يصافح برويز مشرف أمام عدسات الكاميرات؛ لأنه حاكم عسكري غير دستوري قد سيطر على الحكم عنوة، هذا الأمر ظل بمثابة عقدة نفسية ونقطة ضعف لدى برويز مشرف، وعندما هدده الرئيس بوش بتاريخ ١٣/٩/٢٠٠١، وخيَّره بين أن يكون «مع» أو «ضد» فاختار الرئيس غير الدستوري والواقع تحت الضغوط اختار الوقوف مع أمريكا. ثم قامت الآلة الإعلامية الحكومية بمحاولة إقناع الشعب بأن باكستان إن لم تقف مع أمريكا فسوف يكون مصيرها مثل مصير أفغانستان، وترجع إلى «العصر الحجري» كما هدد به بوش. وتناسى برويز مشرف أن باكستان دولة نووية لم تبلغ من الضعف ما وصلت إليه أفغانستان، ولم يكن من السهل معاملتها معاملة أفغانستان، وكان يجب أن يتخذ موقفًا مغايرًا لموقفه الراهن، ولكن هذا الأمر كان يحتاج إلى قوة الإرادة وعزة النفس. لو أشركت الحكومة الشعب في اتخاذ القرار، وقررت الحفاظ على حرية البلد ومصالحه حتى وإن تعرض في سبيل ذلك لبعض الصعاب لكن الوضع مختلفاً، ولكنه أخلد إلى الأرض، واختار الهوان.. منذ تلك اللحظة وباكستان في ذل وهوان مستمر، لا نهاية له. حيث فقدنا استقلاليتنا، وأصبحت الحدود الغربية أيضًا غير آمنة. ألتقى قبل أشهر حامد كرزاي بمندوب الصهاينة في آلما آتا وعرض عليه كل التعاون لمحاربة «الإرهاب» . أما الحدود الشرقية فالهند تهددها كالمعتاد وتستعين بـ (إسرائيل) لسحق المقاومة وحركة التحرير في كشمير؛ والتعاون النووي بينهما لا يخفي على أحد، كما تحظى الهند بدعم أمريكي وبريطاني مكشوف، فأصبحنا بين فكي كماشة، علاوة على هذا وذاك تسعى أطراف مختلفة للإيقاع بين الجيش والشعب. القوى الجهادية والمناطق القبلية والمدارس الدينية: كل هذه الفئات أصبحت في حالة الامتعاض من سياسات الحكومة العسكرية، الإدراة الأمريكية تمارس ضغوطها على باكستان لتعترف بهيمنة الهند على المنطقة. ويكفي تصريح بوش للدلالة على ما قد تواجهه المنطقة من مصائب عندما قال: «إن صداقتنا مع باكستان سوف تستمر إلى الوقت الذي تكون فيه مصالحنا ومصالح باكستان مشتركة» . الجميع يعرف أن البرنامج النووي والقوة العسكرية الباكستانية وهويتنا الإسلامية ليست من مصالح أمريكا. البيان: تحدثت كثير من وسائل الإعلام الغربية عن ضرورة العمل على تفكيك القوة النووية الباكستانية، ويرى بعض المحللين أن من أبرز أهداف التدخل الأمريكي في المنطقة هو العمل على هذا.. فهل يرى فضيلتكم أن الجيش الباكستاني يعي ذلك؟! وهل يمكن مواجهة هذا التهديد الأمريكي؟ - وقعت الحكومة الباكستانية في فخ وشراك كبير، ووقعت في مخالب أمريكا، النفوذ الأمريكي يتزايد يوماً فيومًا (إف. بي. آي) فتحت مكاتبها في المدن الكبيرة والصغيرة. القواعد الأمريكية موجودة في مناطق حساسة، وهذه المخاوف في محلها بأن البرنامج النووي وقع تحت تهديدهم المباشر. بعد التخلص من حكومة الطالبان أجبرت الإدارة الأمريكية الحكومة الباكستانية على التخلي عن مجاهدي كشمير، والآن تمارس ضغوطها للتخلي عن البرنامج النووي، الحكومة تعلن أنها لن تتخلى عن كشمير، أو عن البرنامج النووي؛ لكن هل تستطيع ذلك؟ لا يمكن تصديق ذلك متى التزمت باكستان بموقفها المبدئي أمام الضغوط الأمريكية. البيان: لماذا لم تستفد باكستان من قوتها النووية في لعب دور قيادي ومحوري في العالم الإسلامي؛ حيث يلاحظ أن وضع باكستان لم يتغير سياسيًا واقتصاديًا إلا إلى الأسوأ؟ - العالم الإسلامي يحتاج إلى القيادة، والطاقة النووية لا تكتفي لذلك. لا بد من القوة الأخلاقية والاعتماد على الله، ثم الثقة في النفس وبُعد النظر، أهمية القوة المادية تأتي في الدرجة الثانية في قائمة مواصفات القيادة. المؤسف أن معظم حكام العالم الإسلامي يفقدون الاعتماد على الذات، وهم عالة على الغرب، ومحرومون من القوة الأخلاقية، ولا يملكون أي مشروع للتخلص من المخالب الغربية الاقتصادية. البيان: أنشأت القوات الأمريكية قواعد عسكرية دائمة في أفغانستان قريبًا من الحدود الباكستانية والحدود الإيرانية.. فما أهداف هذه القواعد؟ وما مستقبلها؟ وهل ستقبل الدول المعنية في المنطقة بها؟ - صحيح أن القوات الأمريكية أقامت قواعدها العسكرية في أفغانستان وفي باكستان، والآن تهدد وتسعى لذلك في إيران والعراق، لكن كل الدول المحيطة قلقة من هذا التصرف الأمريكي الأرعن، وحتى الدول الأوروبية لا تتفق مع هذا التوجه الأمريكي؛ لأن ذلك يعرض العالم لحادث وخيم، وقد تغوص الولايات المتحدة الأمريكية نفسها في هذا الوحل القاتل. البيان: هناك صراع قوي يبدو أنه طويل النَّفس بين الجماعات الإسلامية في الباكستان بمختلف اتجاهاتها وبين حكومة برويز مشرف والاتجاهات العلمانية في الباكستان.. فما أبعاد هذا الصراع، وما رؤيتكم الاستراتيجية له، خاصة أن لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (A. I. C) اليد الطولى في تأجيج هذا الصراع؟ - لا شك أن الحكومة الأمريكية تسعى لتأجيج نار الصراع بين الأحزاب الدينية بحجة محاربة الإرهاب، كما تقوم بالتضييق على المدارس الدينية وإلحاقها بالحكومة، وكما تعلمون أن هناك آلافًا من المدارس الدينية في باكستان، وجلها تقع خارج نطاق التأثير الحكومي عليها، وتوفير ميزانياتها بمساعدة أهل الخير. حكومة برويز تقع حالياً تحت تأثير ونفوذ الحكومة الأمريكية، ولكن مع ذلك لا يمكن لها أن تفتح جبهاتها مع الحركات الإسلامية ومع المدارس الدينية. قد لا تملك الأحزاب الدينية قوة انتخابية كبيرة، ولكن من حيث تأثيرها في المؤسسات الوطنية المختلفة فتملك خبرة طويلة لممارسة الضغوط الشعبية على الحكومة عبر تنظيم حركات احتجاجية سلمية كبيرة. كما أنها تحظى بعلاقات واسعة مع كل الفئات الشعبية، وتصل قنوات اتصالاتها إلى داخل المؤسسة العسكرية؛ فكلنا أبناء هذا البلد. وبإذن الله تعالى لا يمكن للحكومة العسكرية أن تحول باكستان إلى تركيا أو الجزائر. وهذا ما اعترف به برويز مشرف نفسه خلال لقائه مع قادة مجلس العمل الموحد عندما قال: «لا يمكن لأحد أن يجعل من باكستان تركيا أخرى، ولا ننوي أن نحاول ذلك» وقال برويز بكل وضوح: «إن باكستان كانت دولة إسلامية وستظل دولة إسلامية» . إنهم اخترعوا مصطلح (الإسلام الحديث) للتستر على علمانيتهم وللأسف أن النفاق تحت دعاوى (الإسلام الحديث) دين كل من يحكم باكستان، وهذا ما نخشاه في المستقبل أيضًا، لكن الآن وقد اتحدت بفضل الله الأحزاب الدينية وتكوَّن مجلس العمل الموحد نأمل بأن يزداد تأثير القوى المحبة للإسلام، ولن تتمكن بإذن الله أية حكومة مقبلة أن تسبح عكس التيار الإسلامي للشعب الباكستاني. أمريكا تدرك أبعاد هذا السيناريو، ولذلك تسعى لتكوين حكومة تلبي احتياجاتها من ناحية، وتلهي الأحزاب الدينية بوعودها المعسولة من الناحية الأخرى، ولكن لن نُخْدَع بذلك إن شاء الله، وسوف نحدد سياساتنا في ضوء المصالح الإسلامية، وفي ضوء مصالح الأمة الإسلامية، وفي ضوء المتغيرات الدولية. البيان: اختلفت تحليلات بعض الصحفيين في تفسير مواقف الجنرال برويز مشرف، فمنهم من يرجح أنه عميل هزيل لأمريكا، ومنهم من يرى أنه رجل وطني تعامل مع الأحداث بواقعية، واستطاع اتقاء الهجوم الأمريكي على الباكستان والحفاظ على القوة النووية.. فماذا يرجح فضيلتكم؟ وهل هناك أطراف قوية ومعارضة لمشرف داخل الجيش الباكستاني؟ - هناك آراء متضاربة حول شخصية برويز مشرف خارج باكستان وداخلها. الرأي الأول يقول إنه نظرًا لضعفه الشخصي وضعف وضعه القانوني وقع في أحضان أمريكا، والرأي الثاني يرى أنه حاول أن ينقذ باكستان من الولايات المتحدة الأمريكية التي أصيبت بجنون، وأنه كان مجبرًا على ذلك، ولم يكن له أي مخرج آخر. ونحن نقول إنه لو كان صادقًا في إنقاذ باكستان فإنه لم يسلك الطريق الصحيح لذلك، ولم يضع الاستراتيجية المناسبة. أما أن يصبح مجرد تابع وخاضع لأمريكا في محاربة ما تصفه هي بالإرهاب فهذه هي الأشواك التي لم ولن تثمر العنب. أما ما يتعلق بوضع برويز داخل المؤسسة العسكرية، فمؤسستنا العسكرية مؤسسة متماسكة جيدة التنظيم، وكلنا حريصون على هذا التماسك وهذا التنظيم. وجود برويز على رأس هذه المؤسسة أمر طارئ وآنى، أما المؤسسة العسكرية فهي قوة وسند للعالم الإسلامي كله، ولا بد من الحفاظ على هذه القوة. برويز مشرف أصبح ضعيفًا بعد الاستفتاء، وسوف يكون أكثر ضعفًا بعد الانتخابات القادمة مهما كانت نتائجها - شعار المؤسسة العسكرية هو: إيمان، تقوى، جهاد في سبيل الله. وهناك فئات قوية داخل المؤسسة التي هي مخلصة لهذا الشعار، وترى من واجبها الحفاظ على هذا الشعار وعلى روحه. البيان: تشهد الباكستان ضغوطًا أمريكية كبيرة للضغط على الأحزاب والجمعيات والمدارس الدينية وتقزيم دورها.. فما موقف تلك الأحزاب والجمعيات؟ وهل ستستسلم لهذه الضغوط؟ - الأحزاب السياسية التي حكمت باكستان في فترات مختلفة لا تختلف كثيرًا عن الحكومة العسكرية الحالية في تعاملها مع أمريكا، ولكن الحكومات المنتخبة (مهما كانت) تقع تحت الضغوط الداخلية أكثر من وقوعها تحت الضغوط الخارجية، ولذلك لا يمكن للحكومة المنتخبة أن تستسلم للولايات المتحدة الأمريكية استسلام الحكومات غير الدستورية. لذلك نسعى أن تكون هناك حكومة ديمقراطية منتخبة بدلاً من حكومة ديكتاتورية، وهو الأمر الذي يكبح جماح الحكومة العسكرية نحو تضييق الخناق على الأحزاب الدينية. البيان: تآلفت بعض التيارات الإسلامية لمواجهة التدخل الأمريكي في المنطقة، وأسست ما عرف (بمجلس الدفاع عن الباكستان وأفغانستان) ، فهل لا يزال المجلس قائمًا؟ وما أعماله ومنجزاته؟ وهل هناك خطوات عملية لتطوير أدائه؟ - مجلس الدفاع عن أفغانستان وباكستان كان تنظيمًا فضفاضًا طارئًا. أما مجلس العمل الموحد فله قواعد ثابتة، سعينا لتكوينه سنين طويلة. والآن خرج بدستور وبرنامج انتخابي موحد يضم جميع المدارس الفقهية. الجماعة الإسلامية محور أنشطته والقوة الجامعة له، ويكون لها دورها المشهود له بإذن الله في أدائه. البيان: في هذه الظروف الحرجة، ما هو مستوى العلاقة بين مختلف الأحزاب الإسلامية؟ وهل هي علاقة تحالف أو تنسيق أو تنافس أو ... ؟ - مجلس العمل يضم ستة أحزاب دينية رئيسة: الجماعة الإسلامية، جمعية علماء الإسلام (ف) ، جمعية علماء الإسلام (س) ، جمعية علماء باكستان، جمعية أهل الحديث، الحركة الإسلامية (الحركة الجعفرية سابقاً) بين هذه الأحزاب تنافس تقليدي، ولكن بما أنها جزء في التحالف الواحد بدأ تنافسها هذا يتحول إلى تعاون وتآلف. الخلافات الفقهية بينها موجودة منذ قرون طويلة، ولا يمكن القضاء عليها فورًا، ولكن إدراكًا من الجميع للتحديات الدولية الكبيرة يشعرون ويدركون أهمية مثل هذا التحالف. ويسعون أن يتفادوا الخلافات ويركزوا على المشتركات. البيان: تمارس القوات الأمريكية في الباكستان أعمالاً استفزازية سافرة مثل عمليات البحث والتفتيش عن عناصر القاعدة وطالبان في المنطقة الجبلية الحدودية.. فهل ستقبل القبائل الباكستانية بمثل هذا؟ وما رأي الأحزاب الباكستانية المعارضة؟ - القوات الأمريكية المتمركزة في باكستان تخوض عمليات مشتركة مع القوات الباكستانية وخاصة في منطقة القبائل، وهذه العمليات أثارت غضب القبائل وموجة من السخط والقلق داخل الأوساط الشعبية والعسكرية المختلفة. المؤسسة العسكرية تدرك أن التضييق على القبائل وإثارتها يضعف الدفاع الوطني. ويبدو أن هناك بعض المحاولات لإقناع القوات الأمريكية أن التدخل في المناطق القبلية ليس في صالحها. الأحزاب السياسية والدينية الباكستانية أيضًا قلقة على توسيع رقعة العمليات العسكرية باسم مكافحة الإرهاب. وترى أن هذا الأمر سوف يدفع باكستان إلى أتون الحرب الداخلية (لا سمح الله) ولكن القوات الأمريكية لم تعدل في سياستها إلى الآن، وتسعى لازدياد نفوذها واتساع دائرة عملياتها، وهذا الأمر لن تحمد عقباه. البيان: هل يوجد هناك أصدقاء مخلصون لباكستان في المنطقة بعد فقد طالبان للسلطة أو بصورة أخرى ما مدى مصداقية الصين، وهل تعتبر إيران أقرب لباكستان منها للهند؟ - بدخول باكستان في التحالف الأمريكي تأثرت صداقتنا مع الصين تأثرًا سلبيًّا كبيرًا، ولم يعد ذلك الدفء الذي تفتخر به باكستان في صداقتها مع الصين، وإن بدت تلك العلاقات كأنها لم يطرأ عليها تغيير، كما أن هناك جهودًا خارجية للتأثير على علاقاتنا مع إيران؛ وذلك من خلال إثارة النزاعات الطائفية بين الشيعة والسنة، ولم تعد الجارة الإيرانية في الدرجة المطلوبة أو المتوقعة من الصداقة مع باكستان. الجميع يدرك الطموحات والنزعات الهندية للسيطرة والتحكم على المنطقة بالتنسيق الشامل مع الكيان الصهيوني، ولذلك تحتاج كل دول المنطقة مثل سري لانكا والنيبال وميانمار وبنجلاديش وأفغانستان وإيران والدول الخليجية تقع تحت التأثير الهندي الكبير، والهند تستغل عدد سكانها الكبير وقوتها الاقتصادية للتأثير على هذه الدول، ولكن المستقبل يشير إلى ضرورة التقارب بين هذه الدول وخاصة الدول الإسلامية والصين، وهذا ما تحاول أمريكا تفاديه ومحاصرته عن طريق تقوية الهند وإخضاع دول المنطقة للهيمنة والشيطنة الهندية الصهيونية. المحور الثاني: الهند: البيان: هناك تحالف استراتيجي (أمريكي - هندي - إسرائيلي) موجه أساسًا ضد الباكستان؛ فما رؤيتكم لهذا التحالف؟ وما موقف الجيش الباكستاني؟ - إن أهداف هذه القوى الثلاث مصالح مشتركة؛ فللولايات المتحدة مصالحها؛ لكنها واقعة في مخالب صهيونية، ولذلك دخلت في ساحة حددتها لها الصهيونية، مصدر الويلات لأمريكا. الكيان الصهيوني المحاط بالعالم الإسلامي لا يمكن لأحد أن يدافع عنه؛ حتى في الداخل عدد الفلسطينيين أكثر من الصهاينة رغم أنهم اجتمعوا هناك من جميع أنحاء العالم، الكيان الصناعي مثل الكيان المذكور لا يمكن أن يدوم طويلاً، وتصبح له السيطرة على العالم كله. وهذه إحدى أسباب تحالف اللوبي الصهيوني مع اللوبي الهندوسي، إنهم يعملون سويًا داخل الولايات المتحدة وخارجها، ويؤثرون على السياسات الأمريكية. الخوف الأمريكي من البرنامج النووي الباكستاني في الأصل خوف صهيوني أكثر من أن يكون خوفًا هندوسيًّا. والصهاينة لا يمكنهم القضاء على البرنامج النووي إلا بالإتفاق والتنسيق مع القوات الهندية. القوات الباكستانية تدرك أبعاد هذا التحالف الثلاثي الخطير. ولكن المؤسف أن العالم في رعب من هذا التحالف. ولا يملك قدرة السير على خط استراتيجي مستقل عن تأثيره. الجامعة العربية ومنظمة الدول الإسلامية وغيرهما من المنظمات الإسلامية أصبحت شبه معدومة التأثير من حيث أدوارها المطلوبة. الأمة الإسلامية في حاجة إلى قيادة شجاعة وحكيمة تستطيع الاستفادة من القوى والقدرات الكامنة في شباب الأمة الإسلامية ويعيد لها ثقتها في نفسها ويوحد صفوفها. والأمل في الله تعالى كبير. العالم الإسلامي لا ينقصه الحماس وروح الفداء. استشهاديو الأمة أقضوا على الأعداء مضاجعهم في فلسطين. التضحيات الكبيرة التي يقدمها المسلمون في كشمير وفي الشيشان ترعب من يعاديهم. إن هذه الروح موجودة في جميع فئات الأمة. ومنصة العالم جاهزة لاستقبال قائد العصر، ليأتي ويوقظ أسود الأمة من سباتها. وما ذلك على الله بعزيز. البيان: كشمير منطقة من مناطق الصراع الملتهبة، وقد استغلت الهند ما سمي بالحرب على الإرهاب للضغط على الباكستان لتصفية الأحزاب والمنظمات الجهادية؛ فهل ستضحي (حكومة مشرف) بمصالحها في كشمير كما ضحت بمصالحها في أفغانستان؟ - تغيير سياسة باكستان في كشمير بمائة وثمانين درجة يصعب على برويز مشرف. والهند تسعى لأن تصبح باكستان على قائمة الدول الإرهابية بحجة أنها تدعم ما وصفته بالإرهاب في كشمير، نجحت الهند بممارسة الضغط على باكستان؛ وذلك بالتنسيق والتعاون مع القوى الغربية، واستطاعت إجبار باكستان على إغلاق الطرق بين شطري كشمير رغم أن هذا الأمر غير قانوني وغير أخلاقي؛ لأن الكشميريين يعيشون على طرفي خط وقف إطلاق النار، ومن حقهم أن يتصل بعضهم ببعض. بل إنشاء حركة المقاومة والتحرير من حق الكشميريين الذين يقبعون تحت الاستعمار الهندوسي. وخط وقف إطلاق النار ليس بحدود دولية. لكن رغم كل ذلك وقف الغرب كله مع الدعاوي والاتهامات الهندية، وأجبر باكستان على هذه الخطوات غير الأخلاقية. ولكن ليعلم الجميع أن إجبار باكستان على تغيير سياستها في كشمير بدرجة تغييرها في أفغانستان أمر مستحيل. إن مثل هذه المواقف تؤدي - لا محالة - إلى ثورة وعصيان داخل كل الفئات الشعبية والرسمية. والله أعلم. البيان: سباق التسلح بين الهند والباكستان إلى أين يسير؟ وهل شبح الحرب الذي تلوّح به الهند شبح حقيقي أم أنها أداة جديدة للضغط على الباكستان والحصول على مزيد من التنازل؟ - التهديد الهندي لم يحصل إلا بدعم ورضى وإشارة من القوى الغربية. إنهم قاموا أولاً بإبعاد القبائل عن القوة الدفاعية الوطنية ثم بإبعاد الحركات الجهادية وبالقضاء على حكومة أفغانية صديقة على الحدود الغربية وبفرض حكومة لا تخفى عداءها لباكستان، ثم بالحشودات الهندية على طول الحدود الشرقية، كل ذلك للنيل من المواقف الباكستانية. وسيلتهم الأساسية في كل ذلك ممارسة الضغوط على باكستان؛ فلو تحققت مآربهم عبر الضغوط والتهديد فقط فما ضرورة الحرب إذن؟ والجميع يدرك خطورة وأبعاد الحرب بين القوتين النوويتين. البيان: ما دور الأحزاب الإسلامية في الباكستان لدعم وتقوية الوجود الإسلامي في كشمير؟ وما رؤيتكم المستقبلية للقضية الكشميرية؟ - قضية كشمير أحياها الشعب الكشميري بنفسه. وكانت باكستان قد تخلت عن ذكر قضية كشمير في المحافل الدولية، ولكن الشعب الكشميري لم ولن يرضى بحياة الذل والاستعمار. إنه بدأ مقاومته المسلحة للاستعمار منذ انتخابات عام ١٩٨٩م عندما قاطعها مقاطعة تامة. والآن المقاومة الكشميرية قوة سياسية كبيرة مع كونها قوة جهادية. الشعب الكشميري لن يقبل أن يظل خاضعًا للحكومة الهندوسية، وليست هناك أدنى إمكانية لأن يقبل الكشميريون أن يكونوا رعايا الهند. إنهم يعلنون ذلك عبر إضراباتهم واحتجاجاتهم. والهند تعرف هذا الأمر. والخيار الأصح لها أن تعطي الكشميريين حق تقرير المصير، ومن ثم تفتح لنفسها أبواب الاستقرار والنمو الاقتصادي التي تصل إمكانياتها إلى آسيا الوسطى عبر باكستان. ولكن هذا لن يتحقق إلا إذا تخلت الهند عن عدائها للمسلمين وللعالم الإسلامي. المحور الثالث: أفغانستان: البيان: تفاوتت مواقف بعض الاتجاهات الإسلامية في أفغانستان من التدخل الأمريكي، بل رأينا من تحالف مع أمريكا، ومن تحالف مع روسيا لإسقاط حكومة طالبان، فما تفسير فضيلتكم لهذه المواقف؟ وهل حقق المجاهدون السابقون طموحاتهم بتكوين حكومة إسلامية؟ - المؤسف أن التوجه الإسلامي الأفغاني أصبح ضحية الزعامات الشخصية؛ والتنافس الشخصي بين القادة الأفغان ألقى بأفغانستان وبالحركات الإسلامية في غياهب الخراب والدمار الكبير. النزاعات العرقية واللغوية والإقليمية طغت على الهوية الإسلامية. حتى قَبِلَ بعض القادة أن يتحالفوا مع الروس والأمريكان للقضاء على منافسيهم. أين الروح الإسلامية الكبيرة التي أحياها الجهاد ضد السوفيات؟ والتضحيات الجبارة التي قدمها الشعب الأفغاني ألقيت ثمارها في النهاية في أحضان أمريكا. ومرة أخرى تعيش أفغانستان حالة من الفوضى. القوى الاستعمارية تصول وتجول في أرض المليون ونصف المليون شهيد، ولكن دون أن تستطيع أو يستطيع غيرها السيطرة على الأوضاع الأمنية. حتى المجتمع الأوروبي بدأ يشتكي من أن القوات الأمريكية حولت أفغانستان ميدانًا للحرب بدعوى مكافحة الإرهاب ولا تسهم مساهمة جدية في إعادة إعمار أفغانستان. النظام الأفغاني الحالي، أيضًا يشتكي من عدم وجود البنية التحتية، وهو ما يهدر كل المعونات في سبيل الحوادث الطارئة. ولا تلوح إلى الآن بوادر الخروج من حالة الفوضى هذه. حركة الطالبان رغم ضحالة الإمكانيات والرؤى تمكنت من استتباب الأمن في ٩٠% من الأراضي الأفغانية بعد أن كانت هناك حرب داخلية تلتهم الأخضر واليابس، وتمكنت حركة الطالبان من فرض نظام القضاء والقسط حسب رؤيتهم، وهذا ما جعل الشعب يحس بالأمن في الحل والترحال، وكانت تلك الحركة تحظى بدعم من المولوية والزعامات الدينية المحلية والتي تعتبر نوعًا من البنية التحتية تصل خطوطها وخيوطها إلى جميع أنحاء البلاد؛ ودون تعاون هذه البنية لا يمكن لأي حركة من الحركات أن تتمكن من إعادة الأمن والاستقرار. البيان: الحكومة الأفغانية المعينة في (بون) ، ثم الحكومة المنتخبة بعد اجتماعات مجلس الأعيان الأفغاني (اللويا جركا) في كابل، هل تمثل حقًا الشعب الأفغاني؟ وهل هي قادرة على إدارة البلاد؟ - الحكومة التي تشكلت في بون والتي تكونت بعد انعقاد (اللويا جركا) حكومة مفروضة على الشعب من الخارج، ويعتبر التحالف الشمالي وقوات أحمد شاه مسعود (شورائي نظار) أهم داعم لها، ولكن لا يمكن لمثل هذه التركيبة الحكومية أن تحافظ على وحدة البلد. (حامد كرزاي) يواجه المعارضة حتى من داخل أفراد قبيلته خاصة بعد الهجوم الأمريكي على منطقته. وزراء الحكومة يقتلون في العاصمة واحدًا بعد الآخر. بعد مقتل عبد الرحمن الذي كان ينتمي إلى منطقة نورستان قتل حاجي قدير الذي كان من ننجرهار ومن البشتون حتى الرئيس كرازي نفسه تعرض لمحاولة اغتيال، وهذه دلالة واضحة على أنه لا أحد يستطيع أن يطمئن على حياته وإن كان مسؤولاً حكوميًّا كبيرًا. أما اللويا جركا فكانت أضحوكة، لم يسمح القائمون على المجلس لأي من المشاركين بإبداء الرأي ولم يمنحوهم حرية القرار، وبعد مسرحية مكشوفة فرضوا حكومة مقبولة لدى بعض الجهات الخارجية. الفائدة الوحيدة من اللويا جركا أن عددًا من الناس وجدوا فرصة الخطابة، وخيل إليهم أنهم بذلك يدلون بدلائهم ويساهمون في تقرير مصير البلد. البيان: ما رؤيتكم لمستقبل القوات الأمريكية وقوات الأمم المتحدة في أفغانستان؟ وهل هي قادرة حقا على فرض الأمن في أفغانستان كلها؟ وما مستقبل الأحزاب والميليشيات العسكرية الأفغانية؟ - تسعى الولايات المتحدة والأمم المتحدة أن تنشيء في أفغانستان قوة عسكرية نظامية تستطيع أن تتحكم في الأمور، وتعمل مستقلة عن العناصر الأمريكية والغربية، وتحقق السيطرة على الأوضاع والفئات بما فيها الميليشيات المختلفة؛ ولكن السؤال هو: هل يمكنهم أن ينشئوا مثل هذه القوة المتناسقة؟ صحيح أنهم استطاعوا أن يسلموا معظمي الدول الإسلامية إلى مثل هذه القوات القمعية، ولكن هل يستطيعون فعل ذلك في أفغانستان والشعب يدرك أن هذه الإجراءات قد تمت على الأيدي الخارجية. لو استطاعت أمريكا أن تنشىء مثل هذه القوى العسكرية النظامية في أفغانستان فسوف تصبح أفغانستان مثل عديد من الدول الإسلامية التي تحكمها الفئات المدربة على الأيدي الغربية ليحفظوا لها مصالحها وتحكم شعوبها بالحديد والنار، وتكون خطرًا على دول المنطقة ولكن العائق الأكبر في مثل هذه المهمة هو الخلاف الكبير الذي يوجد بين معظم فئات الشعب. الآمال الغربية بأن يكون للملك المخلوع ظاهر شاه دور قد ضاعت وراء السراب، واضطر ظاهر أن يكتفي ببعض تحركات «الباطن» [*] ، وهناك بعض الإشاعات حول إمكانية عودته إلى الغرب. وتجدر الإشارة إلى أن الوزراء الذين لقوا حتفهم كانوا من مؤيدي ظاهر. البيان: مع تكرار عمليات تدمير القرى وقتل المدنيين في أفغانستان.. هل هي نتيجة سياسة مقصودة لترويض الشعب الأفغاني، أم هي دليل تدني في المعنويات مع ضعف في المعلومات؟ - كلا الاحتمالين وارد. يعتقد الأمريكان أنهم يستطيعون السيطرة على رقاب الأفغان بالتهديد والتخويف وفي الوقت نفسه يساورهم القلق والذعر تجاه طبائع الأفغان. إنهم دخلوا في بيت مفخخ. الأفغان لا يملكون ما يخشون عليه. إنهم لا يملكون سوى حياتهم وبندقيتهم التي يخففون بها ضغوطهم النفسية. إنهم يرون دولتهم مدمرة وتزداد تدميرا، فلجأ الكثيرون إلى حيلهم القبلية القديمة: الغش، الخداع، والمساومة، والحرص على المال. الذي يأتي غازيًا أو حاكمًا من الخارج لا يعرف طبائعهم هذه، ولا يحسن التعامل معهم. الملك المخلوع كان على علم بهذا، ولكنه عجوز ولا توجد هناك أية شخصية أخرى تجتمع عليه كل الفئات. في الأوضاع الراهنة المتشابكة يستحيل على القوات الأمريكية أن تحقق مآربها ثم تخرج من أفغانستان سالمة؛ وخاصة أن القوات الأمريكية حديثة العهد بأفغانستان، ولا تعرف كثيرًا من دقائق الأمور وكنهها. الإنكليز كانوا يلمون بهذه الحقائق ولكن الأوضاع الآن متغيرة، كما أن رعيلهم الأول والجيل الذي قضى عمره في أفغانستان قد انتهى. وسوف يأتي الآوان الذي تفهم فيه أمريكا أن نزعة السيطرة على العالم كله ضرب من الجنون، والأوهام سوف تتبدد وتتحطم على صخور الحقيقة.

стр. 4402

المسلمون والعالم حرب الخليج الثالثة.. وتداعياتها الخطرة عبد العزيز كامل kamil@albayan-magazine.com عَرْك العراق وعزلها وإذلال شعبها أصبح ضرورة أمريكية، وحاجة إسرائيلية، ومطلباً ظالماً للشرعية الدولية، وهو قبل هذا وذاك مقصد توراتي قديم، وغرض إنجيلي صهيوني حديث، فشرق العراق وغربها تواصل ذكرهما في التوراة التي يدين بها اليهود والنصارى من أول البدء إلى غاية الانتهاء؛ حتى إن اسم (بابل) ذُكر في التوراة أكثر من مئتي مرة على أنها مدينة الإثم والفجور والشرور. أما (آشور) فلم تكن أقل سوءاً، فلئن كان البابليون في غرب العراق بقيادة (بختنصر) هم الذين اجتاحوا بلاد بني إسرائيل فخرَّبوها ودمروها وساؤوا وجوه أهلها، وسبوهم سبياً جماعياً في عام (٥٨٦) قبل الميلاد، فيما عرف تاريخياً بمرحلة (السبي البابلي) ؛ فإن الآشوريين سبقوا إلى ذلك بقيادة (سرجون) في شمال شرق العراق فنفوا الإسرائيليين نفياً جماعياً في عام (٧٢٠) قبل الميلاد. كراهية العراق وبغض العراقيين جزء من عقيدة أهل الكتاب، وعداء كفار بني إسرائيل من النصارى للعراق وأهله؛ لا يقل عن عداء كفار بني إسرائيل من اليهود؛ لأن كلاً منهما يدين بالتوراة التي تدين العراقيين بالإجرام في حق «الشعب المختار» قبل مجيء صدام حسين بأكثر من أربعة آلاف عام، فالأمر إذن ليس بجديد، ولا هو فقط وليد الكراهية الظاهرة أو المتظاهرة لشخص الرئيس العراقي. والعجيب هنا؛ أن تأسيس العداوة للعراق في التوراة بمقتضى أحداث الأزمنة القديمة؛ امتد إلى إدامتها حتى الأزمات الأخيرة التي تسبق قيام الساعة، فالبابليون الذين سلطهم الله على بني إسرائيل بعد إفسادهم الأول كما تشهد التوراة هم الذين سيسومون اليهود سوء العذاب في آخر الزمان بحسب نبؤات التوراة أيضاً؛ وذلك بسبب إفسادهم الأخير، جاء في كتاب التوراة، في سفر حزقيال: «وكان إليَّ كلام الرب قائلاً: وأنت يا ابن آدم، عيِّن لنفسك طريقين لمجيء سيف ملك بابل. من أرض واحدة تخرج الاثنتان» [سفر حزقيال: ١٢/١٨ - ١٩] ، والمعنى: اختر المصير الذي سترى فيه العقوبة الإلهية على الإفساد الأخير، كما كانت العقوبة على الإفساد الأول، والعقوبتان ستخرجان من أرض واحدة هي أرض بابل. وتبين التوراة في ذلك السفر أيضاً سبب هذه العقوبة الواقعة على اليهود، بخطاب متوجه إلى الأرض المقدسة: «فيكِ أهانوا أباً وأماً، في وسطكِ عاملوا الغريب بالظلم، فيكِ اضطهدوا اليتيم والأرملة» ، وجاء فيه أيضاً: «من أجل ذلك حيٌ أنا، يقول السيد الرب: من أجل أنك قد نجست مقدسي بكل مكروهاتك وبكل أرجاسك، فأنا أيضاً أجُزُّ ولا تشفق عيني، وأنا أيضاً لا أعفو، ثلث يموت بالوبا وبالجوع يفنون في وسطك، وثلث يسقط بالسيف من حولك، وثلث أذريه في كل ريح، وأستل سيفاً وراءهم» [سفر حزقيال: ٥/١١ - ١٣] . وأما من سيكون أداة قدرية للعقاب؟ فهو قائد بلاد بابل، وهو رجل من آشور يُدعى (الآشوري) ، تدل نصوص التوراة على أنه سيُسلط على شعب المغضوب عليهم، فينهب ثرواتهم ويهينهم في الطرقات: «ويلٌ لآشور قضيب غضبي، والعصا في يدهم هي سخطي، على أمة منافقة أرسله، وعلى شعب سخطي أوصيه؛ ليغتنم غنيمة وينهب نهباً، ويجعلهم مدوسين كطين الأزقّة» [سفر أشعياء ١٠/ ٥ - ٦] . إذن؛ فكفار أهل الكتاب في هذا العصر، من يهود ونصارى، يخافون على مصير يصير إليه المسيطرون على الأرض المقدسة يشبه مصيرهم يوم اجتياح البابليين لأرضهم أيام الملك البابلي (بختنصر) . وحديث الوحي الخاتم لا تبعد ملامحه كثيراً عن ذلك، فالقرآن يدل على أن هناك إفسادين كبيرين سيقعان من بني إسرائيل [١] ، وأن الإفساد الأخير منهما ستتكرر العقوبة عليه بشكل مشابه للعقوبة على الإفساد الأول: [وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُواًّ كَبِيراً * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً] (الإسراء: ٤-٧) . ولعلنا هنا نفهم بعض الخلفيات والدوافع التي تكمن وراء الموقف العدائي الغربي البروتستانتي من العراق، وإصراره المتآزر مع اليهود على إطالة مدة عزله وحصاره تمهيداً لتفكيكه ودماره، لعلهم يؤخرون المصير المحتوم كما يعتقدون لـ «إسرائيل» على يد العراقيين. أو يعجلون الانتقام الذي سيأتي دوره على العراقيين بعد عقاب الإسرائيليين؛ حيث يعتقدون أيضاً أن عصا الانتقام ستدور عليها الدائرة فتنكسر ثم تبيد، ففي السفر نفسه من أشعيا تلعب يد التحريف الذي يتحول إلى عقائد، فيجيء فيه: «ولكن هكذا يقول السيد رب الجنود: لا تخف من آشور يا شعبي الساكن في صهيون، يضربك بالقضيب ويرفع عصاه عليك على أسلوب مصر؛ لأنه بعد قليل جداً يتم السخط وغضبي في إبادتهم» [سفر أشعياء: ١٠/ ٢٤ - ٢٥] . فإبادة العراق بعد ضرب (إسرائيل) عقيدة يدين بها المؤمنون بالتوراة اليوم. وبطبيعة الحال؛ فإن هذه الخلفيات الدينية لا تقف وحدها وراء النية الغربية الشريرة ضد العراق، ولكن هناك بلا شك دوافع أخرى عديدة سياسية واقتصادية وحضارية، ولكنها كلها تغذيها وتنميها المسوغات الدينية المزعومة. لقد هال الغرب واليهود معاً أن العراق كان قد بدأ يشب عن الطوق مع دنوِّ الألفية الثالثة، واقترب جداً قبل حرب الخليج الثانية من القدرة على تملك السلاح النووي، مع حيازته للسلاح الكيمياوي والبيولوجي، ومع كون العراق دولة غنية وبترولية، وعظيمة في مواردها المائية الزراعية، والمعدنية الصناعية، والبشرية التقنية، لهذا فقد كان لزاماً أن يُخضَع لعمليات إرباك وتوريط تستهدف تعويق تقدمه وانطلاقه، وهو البلد الذي لم تفصل بينه وبين دولة اليهود المتربصة بالمنطقة كلها سوى صحراء جرداء فقيرة آلت إلى بقايا الأسرة الهاشمية المالكة للعراق سابقاً. وكل الدلائل الآن تشير إلى أنه كان هناك دور غربي مباشر في توريط العراق في صراعات مع جيرانه جميعاً، سوى دولة اليهود وحماتها، ولم يكن هذا التوريط بداهة بعيداً عن بطانة السوء التي اتخذها النظام البعثي العلماني الذي التقط طُعم المؤامرة بكل غباء وغرور. * حرب الخليج الأولى: حرب الإرباك: جاءت هذه الحرب بإطماع غربي لصدام حسين، بعد عام واحد من تسلمه السلطة، بأن يدخل في منازلة كبرى لتصفية الثورة الإيرانية الناشئة التي قام بها الشعب الإيراني عام ١٩٧٩م، ضد الحكومة الموالية للغرب وأمريكا بزعامة شاه إيران السابق (رضا بهلوي) ، ومهما قيل عن ملابسات نشوب تلك الحرب ونتائجها، فقد جاءت تحقيقاً لرغبة يهودية أمريكية، وتطبيقاً لسياسة عبَّر عنها وزير الخارجية الأمريكي اليهودي الأسبق (هنري كيسنجر) عندما قال أكثر من مرة: «سياستنا تجاه هذه الحرب: ألا تُهزم إيران، وألا ينتصر العراق» ! فالسياسة الأمريكية كانت مع مد الحرب بأسباب الاستمرار، حتى طالت مدة ثمانية أعوام، حصدت فيها أرواح نحو ٤٥٠ ألف عراقي، وتكبدت إيران مليوناً من القتلى والجرحى والمشردين، وأنفقت في تلك الحرب عشرات المليارات من الدولارات التي دخلت خزائن الغرب مقابل صفقات السلاح للطرفين، والتي كان من أغربها شراء إيران السلاح من (إسرائيل) بوساطة من الرئيس الأسبق رونالد ريجان، فيما عرف بفضيحة (إيران جيت) . ورغم طول الحرب وشدة مقاومة الإيرانيين لجيش صدام حسين في تلك الحرب، فقد خرج العراق منها بجيش نظامي يضم ٦٠٠ ألف مقاتل نظامي، إضافة إلى ٥٠٠ ألف مقاتل غير نظامي، وببرنامج متقدم للأسلحة الكيمياوية وثانٍ للصواريخ، وثالث لصنع السلاح النووي. وإن كان كل هذا قد جاء على حساب الاقتصاد الذي بدأ يعاني الاختناق بسبب خسائر بلغت ٤٥٢ مليار دولار، وتعويضات بلغت ٩٧ مليار دولار، فظل صدام يبحث عن مخرج؛ لأنه عندما تتضاعف القوة العسكرية، وتضعف القوة الاقتصادية فلا مناص من حل مغامر، ينقذ القوتين أو يفقدهما معاً، وذلك ما حدث! * حرب الخليج الثانية: حرب الإنهاك: كان خروج العراق قوياً من الناحية العسكرية من حرب الخليج الأولى مقلقاً للغرب، وبالرغم من أن تلك الحرب كانت بداية لاستنزاف ثروات المسلمين في بلدان الخليج كلها، إلا أن ذلك لم يخفف من أحقاد الأمريكيين والأوروبيين، ولم يجفف ينابيع الحسد في قلوبهم على ما أفاء الله تعالى به على شعوب تلك المنطقة من خيرات، وصدق الله إذ يقول: [مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَلاَ المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ] (البقرة: ١٠٥) . وأعداء المسلمين يعلمون أن ثروات المسلمين لا بد أن ينصرف نصيب منها مهما قل لصالح دعوة الإسلام التي يبغضونها ويكرهون العزة لها. ولا بد أن يخصص نصيب منها لتسليح الجيوش وتقويتها؛ لهذا كان لا بد من كَرَّة أخرى من الحرب في المنطقة، لا يكون فيها منتصر ولا مهزوم، بل الكل فيها خاسر ومأزوم. وبوحي من شياطين الإنس؛ تنزلت على صدام إلهامات (البعث العربي الاشتراكي) ليقود «نضال» القومية العربية من أرض الكويت المنهوبة إلى أرض فلسطين المغصوبة، بعد عامين فقط من انتهاء الحرب مع إيران، وصدَّق الناس الشعارات، بل صدقها صاحبها حين لم يجد مخرجاً لتجييش الأمة من ورائه بعد الورطة سوى أن يطلق على (إسرائيل) عدداً من الصواريخ التي حرص مطلقوها أن يجردوها من أي أسلحة كيمياوية أو بيولوجية كتلك التي أُمطر بها الشيعة في إيران، أو الأكراد في (حلبجة) ! والتي قتلت ما لا يقل عن خمسة آلاف كردي، في حين أن خسائر إسرائيل من صواريخ صدام السبعة والثلاثين كانت قتيلاً واحداً سقط عليه أحد الجدران. لقد قامت تلك الحرب التي أرادت أمريكا قيامها، بإعطائها لصدام ضوءاً أخضر لغزو الكويت [٢] ، وسرعان ما حشدت أمريكا العالم خلفها، لا لافتداء حرية الكويت ولكن لإفناء قوة العراق وبسط السيطرة على منابع النفط وإتمام حماية دولة اليهود من أي خطر مستقبلي، وقد ظهرت نوايا أمريكا تجاه العراق والعراقيين على لسان جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي في عهد بوش الأب؛ حيث قال لطارق عزيز في الاجتماع المثير الذي ضمهما قبل بدء الحرب بأسبوع: «إذا استمر العراق على مواقفه؛ فسنرجعه إلى عصر ما قبل الصناعة» ! وقد بدأ تنفيذ هذا الوعيد مع بدء الحرب؛ حيث ألقي على الشعب العراقي أكثر من مائة ألف طن من المتفجرات، منها مئات الأطنان من اليورانيوم المنضب [٣] ، وذلك طوال مدة الأربعين يوماً التي استغرقتها الحرب، وكانت قوات التحالف بزعامة أمريكا قد حشدت لتلك الحرب ٨٥٠ ألف عسكري، و ٧٥٠ طائرة، و ٦٠ سفينة حربية، و١٢٠٠ دبابة. وكان الجنرال (ميشيل دوغان) رئيس هيئة أركان القوات الجوية الأمريكية قد وجه قادة قواته «باستهداف كل ما هو فريد في حضارة العراق، وكل ما يعتبره العراقيون قيماً علياً، وكل ما يترك أثراً نفسياً على الشعب العراقي» ، وقال لهم: «إن الطرق، وسكك الحديد، ومنظومات الطاقة أهداف جيدة، ولكنها ليست كافية» ! وقد نفَّذ غربان الجو الأمريكان تلك التعليمات بأمانة الخونة وإخلاص المجرمين عندما يتفانون في إتقان الجرائم الهمجية ضد الشعوب، واستمرت ترجمة تهديدات جيمس بيكر بإرجاع العراق إلى عصر ما قبل الصناعة على أرض الواقع طيلة السنوات التي أعقبت الحرب؛ من خلال حصار ضار ألحق بالعراقيين أسوأ مما حاق بهم أثناء الحرب، وقد شهدت الأمم المتحدة التي أصدرت قرارات الحصار وأشرفت على تنفيذه؛ أن (وعد بيكر) قد تحقق، وذلك على لسان وكيل المنظمة الدولية للشؤون الإدارية (مارتي إيتسارى) ، فقد قام بزيارة إلى العراق في مارس (آذار) ١٩٩٩م، وعاين بنفسه مدى الدمار الذي أحدثته الحرب وما تبعها من حصار، وأدلى بتصريح بعد الزيارة قال فيه: «لا شيء مما رأيناه أو قرأناه من الذي أصاب هذا البلد يمكن التعبير عنه، لقد تسببت الحرب والحصار في نتائج لا يمكن تصورها على البنى التحتية الاقتصادية.. إن العراق الذي كان حتى يناير ١٩٩١م بلداً مدنياً وتقنياً إلى حد بعيد، قد أعيد الآن إلى عصر ما قبل الصناعة» ! وعصر ما قبل الصناعة الذي أُعيد إليه العراق، لم يكن في المجال الاقتصادي فقط، بل شمل المجال الطبي والتعليمي والإعلامي تحت ظل الحصار المتواصل، وأما المجال العسكري؛ فقد خسر العراق بانتهاء الحرب أربعة آلاف دبابة، و ١٣٠٠ قطعة مدفعية، و ٢٤٠ طائرة، و ١٨٥٦ عربة لنقل القوات، وما بين سبعين إلى مائة ألف جندي، بحسب التقديرات الغربية! ولكن العراق على الرغم من كل ذلك؛ ظل شبحه مخيفاً للغرب وإسرائيل، فقد ظل الجيش العراقي بعد حرب الخليج يضم ٤٠٠ ألف مقاتل، ويمتلك ٢٥٠٠ دبابة، و١٥٠٠ قطعة مدفعية، و ٣٠٠ طائرة رابضة على أراضيه بخلاف ما احتجزته إيران، وما امتنعت عن تسليمه تونس من الطائرات التي أودعها العراقيون لديهم إبان بدء الحرب. إن بقاء تلك القوة في الجيش العراقي، إضافة إلى بقاء صدام نفسه على رأس الحكم في العراق، جعل الشعب الأمريكي ينظر إلى انتصار جورج بوش الأب على أنه انتصار ناقص، ولهذا لم يشفع له تحرير الكويت ولا السيطرة على آبار النفط في الخليج في أن يجدد الأمريكيون له مدة رئاسية ثانية؛ فأسقطوه بجدارة، ولحقت بحزبه الجمهوري ذي الاتجاه اليميني الديني هزيمة منكرة، أضافت إلى أحقاده ضد العراق أحقاداً جديدة. * سنوات الحصار: كان عهد كلينتون بالنسبة للعراق عهداً أسود؛ إذ في ظله شُددت وطأة الحصار على المدنيين، وكُثفت حملات التفتيش على الأسلحة، وأظهرت سنوات الحصار العشر الماضية، أن أمريكا قصدت منه إيذاء الشعب العراقي قبل الحكومة العراقية، وهذا مسلك أمريكي عريق في ممارسة الظلم ضد الشعوب، عبَّر عنه السياسي الأمريكي الشهير «مستر دالاس» بقوله: «إن الحظر الاقتصادي سلاح شامل جداً، وبديل دائم لاستخدام القوة التي تثير النفور» ! وعندما يتخطى الحظر الاقتصادي الغذاء والكساء ويصل إلى الدواء، فالحظر عندئذ ليس سلاحاً شاملاً فقط كما يقول دالاس بل هو دمار شامل. والولايات المتحدة هي أكثر دول العالم استخداماً لهذا الدمار الشامل، وهي إذ تمارس هذا القتل الجريء البطيء؛ تحاول دائماً أن تغطي وجهها القبيح بأقنعة الخداع المصنوعة في أروقة منظمة الدجل الدولية: الأمم المتحدة، يقول (تام داليل) عضو مجلس العموم البريطاني معلقاً على صيغة (النفط مقابل الغذاء) التي تم ابتكارها لتجميل بشاعة الحصار: «صيغة النفط مقابل الغذاء مكيدة سياسية، هدفها» تبرئة الذمة «مما يحدث للشعب العراقي، فهي عملية نزع مستمرة لمدنية وتطور العراق تحت إشراف الأمم المتحدة» ! والحصار الذي بدأ مع حرب الخليج واستمر لأكثر من عشر سنوات بعدها، كان تتمة لمهمة إنهاك العراق، فقد كان بوسع الولايات المتحدة أن تجبر صدام حسين على وثيقة يقر فيها بالهزيمة، ولكنها لم تفعل، بل أرادت أن تسمح له بأن يدعي الانتصار أمام شعبه ريثما تكتمل مهمة التنكيل بالشعب العراقي وابتزاز الشعوب المجاورة له، فالحصار دائماً لا يُسقط الحكومات، ولكنه يذل الشعوب ويضعفها إلى الحد الذي يمكِّن الأنظمة منها أكثر وأكثر. حصيلة حصار السنوات العشر الماضية تؤكد هذه المقولة، وشعب العراق اليوم أضعف منه في أي مرحلة فاتت، بينما ظل صدام متمكناً من السلطة ولم يهزه الحصار الطويل عن كرسيه الصلد. لقد كانت الخسائر البشرية من جراء ذلك الحصار أكثر مما خسره العراق في حرب الخليج الأولى والثانية، ويزداد الأمر أسى عندما نعلم أن المليون ونصف الذين فقدهم العراق من ذلك الحصار الممتد، أكثرهم من الأطفال، وبشهادة (دينيس هاليداي) الرئيس السابق لبرنامج «النفط مقابل الغذاء» التابع للأمم المتحدة، فإن العراق يفقد شهرياً ما بين ٥ إلى ٦ آلاف طفل نتيجة الحصار، وهذا أيضاً ما قررته «منظمة اليونيسف» و «منظمة الصحة العالمية» التابعتان للأمم المتحدة، بل إن تقارير تلك المنظمة تقول إن المعدل المذكور من الضحايا قد يكون أقل من المعدل الحقيقي؛ نظراً لأن نسبة كبيرة من وفيات الأطفال في القرى أو الأماكن الفقيرة لا تسجل أصلاً. وتقول الأرقام المتداولة إن ٣٠% من العراقيين يعانون من سوء التغذية في ظل الحصار. ويذكر (دينيس هاليداى) [٤] أيضاً في حديث له مع قناة الجزيرة في أن ٢٥% من تلاميذ المدارس في العراق يتركون الدراسة للتفرغ لأي عمل يضمن كسب القوت اليومي، كما أن نحو عشرة آلاف مدرس تركوا مهنة التدريس واتجهوا لأعمال أخرى لأسباب معيشية. نقول: هل يعقل أن يجوع العراقيون وهم يسكنون أرض الرافدين، وبلدهم هو البلد الذي يملك ثاني احتياطي للنفط في العالم؟! إنه لأمر محيِّر! ولكن ضباب الحيرة يتلاشى عندما نتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم عن خطورة تولية الأمور لغير أهلها: «إذا وسِّد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة» [٥] . ومن عجيب الأمر أن يخبر الرسول ﷺ عن جوع يصيب أهل العراق قبل قيام الساعة، نظن والله أعلم أن المقصود به هو ما يحصل الآن للعراقيين، فقد قال ﵊: «يوشك أهل العراق أن لا يُجبى إليهم قفيز ولا درهم. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قِبَل العجم يمنعون ذاك. ثم قال: يوشك أهل الشام ألا يُجبى إليهم دينار ولا مُدْيٌ. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قِبَل الروم» [٦] . نحن أمام معدل من ضحايا الجوع يساوي أكثر من ضعف ضحايا القتل في ١١ سبتمبر، يُقتلون شهرياً على مرأى ومسمع من العالم «الحر» والعالم المستعبد أيضاً. * لعبة الأزمات وتعميم العقوبات: إذا كان الشعب العراقي هو المقصود المباشر بالحصار والعقوبات الاقتصادية خلال السنوات الماضية؛ فإن المجتمعات العربية الأخرى قد استُهدفت بعقوبات أخرى، تمثلت في عمليات شد الأعصاب، واللعب بالأزمات لابتزاز الأنظمة وإرهاب الشعوب، فعند إعادة قراءة الأحداث منذ انتهاء حرب الخليج الثانية، تبدو الولايات المتحدة الأمريكية على مسرح أحداث الخليج المتتالية، كمثل شخص يقوم بدور (مخلِّص) بين طرفين يتشاجران، ولكنه بدلاً من أن يفض المشاجرة ويقنع الطرفين بالانصراف لحال سبيلهما، إذا به يتشاجر لئلا تنتهي المشاجرة!! فيظل يحرك الأحقاد ويثير الضغائن بين المتخاصمين، ويذكرهما بأسباب الشقاق كلما اتجها نحو الهدوء، أو تعبا من الصراع! هذا ما كانت الولايات المتحدة تقوم به بانتظام لضمان توتر العلاقة بين العراق وجيرانه، وإلى جانب ذلك أشعلت الولايات المتحدة أزمات عدة خلال السنوات العشر الماضية، كانت توظفها بلا شك لمصالحها ومصالح الدولة العدوة (إسرائيل) ، ولا يُعفى نظام صدام من تهمة الغباء في الاستجابة لدعوات الإثارة في بعض المرات، فإنه كان يظهر في أحيان كثيرة، وكأنه يؤكد ما تتهمه به أمريكا من أنه يمثل خطراً على جميع جيرانه، بل على جميع العالم. - ففي أزمة عام ١٩٩٣م، وفي بداية عهد بيل كلينتون، ادعت الولايات المتحدة أن بعض العملاء العراقيين حاولوا الاعتداء على حياة الرئيس السابق جورج بوش (الأب) أثناء زيارته للكويت، وقبل أن تثبت أمريكا ذلك سارعت كعادتها بتنفيذ العقوبة قبل إثبات التهمة، فأمطرت بغداد بوابل من صواريخ (كروز) ، لم يسقط أي منها على أحد من المتهمين بمحاولة الاعتداء، ولكن الصواريخ فقط روعت الشعب المنكوب الخارج لتوِّه من حرب الانتقام التي سميت «حرب التحرير» ! - وفي أزمة عام ١٩٩٦م كانت الولايات المتحدة قد أغرت الأحزاب الكردية العلمانية بالانقلاب على النظام، وبينما هم يقومون بتشجيع منها بثورتهم وانتفاضتهم في الشمال؛ إذ بها تضرب بـ (كروز) في الجنوب! - وفي أزمة ١٩٩٧م كانت الولايات المتحدة قد دبرت بالتعاون مع لجان التفتيش بالأمم المتحدة أزمة جديدة، تتعلق باتهام النظام العراقي بتخزين أسلحة الدمار الشامل في القصور الرئاسية، وهددت أمريكا وتوعدت وحشدت حشودها مرة أخرى لخوض حرب جديدة إذا لم يسمح صدام بتفتيش القصور! وكعادته: تمنَّع صدام وترفع، وجادل وماطل، فأوحى للعالم أن أمريكا صادقة في ادعائها، وحبست دول العالم أنفاسها، وجهزت دول الجوار نفسها لحرب طاحنة جديدة، كانت لها بالطبع صفقاتها وميزانياتها ولكن ... وفي النهاية سمح صدام بتفتيش المواقع الرئاسية البالغة ستين موقعاً، فلم تقع لجان التفتيش في داخلها على أي شيء محظور! ومضت الأزمة ... - وفي منتصف عام ١٩٩٨م افتعلت أمريكا عن طريق لجان الأمم المتحدة أو بالأحرى لجان الولايات المتحدة للتفتيش على أسلحة الدمار الشامل أزمة جديدة؛ بادعاءات عن وجود غاز (في إكس) القاتل، بكميات كبيرة داخل العراق، ولما لم تجد له أثراً في طول البلاد وعرضها، إذا بها تفتش في دفاترها القديمة، فوجدت أنه من الممكن أن يكون هذا الغاز قد استخدم في الماضي، فأمرت بالبحث عنه بأثر رجعي!! وبالفعل أثيرت ضجة كبرى حول جريمة استخدام هذا الغاز أثناء الحرب المنتهية، وأصر الأمريكيون على اختبار بقايا الصواريخ العراقية التي استخدمت في حرب الخليج، وتوسطت الأمم المتحدة في ذلك، وأمرت بشحن رفات الصواريخ إلى فرنسا وسويسرا، وكانت المفاجأة! لقد أعلنت الدولتان أن الصواريخ كانت خالية من أي أثر للغاز السام، فكان هذا بمثابة تكذيب لأمريكا، وتخطئة لها في إثارة الأزمة الجديدة، فما كان من الأمريكان إلا أن كذبوا التكذيب وخطؤوا التخطئة، وبدؤوا يستعدون للبحث عن أزمة جديدة مفتعلة! - في عام ٢٠٠٠م تبين للسلطات العراقية أن لجان التفتيش التابعة للأمم المتحدة تضم في عضويتها جواسيس صرحاء، منهم يهود إسرائيليون، وهنا أمرت السلطات بطرد تلك اللجان، فاعتبرت الولايات المتحدة هذا القرار من العراق بمثابة تفويض مفتوح لأمريكا بأن تتصرف بمفردها لمواجهة خطر العراق على سلام المنطقة وسلام العالم، وسلام الأمن القومي الأمريكي نفسه! وظلت أمريكا، منذ ذلك الحين، توحي للعالم بأن صدام انتزع بالقوة فرصة الانفراد بصنع أسلحة الدمار الشامل، دون أي رقابة من أي جهة دولية! وتركت الولايات المتحدة والأمم المتحدة العراق منذ ذلك الحين بلا رقابة ولا تفتيش، كي تحكم ترتيب مسرحية ترهيب جديدة لدول المنطقة، تتلخص روايتها في أن صدام قد نجح بالفعل في إعادة بناء قوة جبارة تقليدية وغير تقليدية يمكن بها أن يعيد غزو جيرانه ويهدد سلام العالم، بل أعلنت بريطانيا أنه قد يكون نجح بالفعل في صناعة قنبلتين نوويتين؛ ليتناسب ذلك مع بشاعة المسرحية المبيتة. وتُرك موعد رفع الستار عن أولى فصول المسرحية لكي يتواكب مع مرحلة جديدة؛ يكون العالم فيها مهيأ لتصديق أي أكذوبة أمريكية جديدة تتعلق بصدام حسين، ولو كانت أكذوبة من العيار الثقيل مثل: تعاون صدام مع تنظيم القاعدة! وقبل أن أغادر هذه النقطة، أود الإشارة إلى أن سياسة التوتير والتخويف واللعب بالأزمات، قد آتت أكلها وألقت به في فم الشراهة الأمريكية، على شكل صفقات ضخمة من مبيعات الأسلحة للدول العربية، فالعرب الذين أقنعتهم أمريكا بوداعة (إسرائيل) ولطفها وحرصها على سلام دائم وشامل وعادل مع جيرانها؛ استطاعت أيضاً أن تقنعهم بأن بعضهم لبعض عدو، وهذا يستدعي مزيداً من التأهب، ومزيداً من التسلح، ومزيداً من الإنفاق العسكري الذي ينزف من قلوب شعوب العرب دماً؛ ليسيل في خزائن ذئاب الغرب ذهباً!! بلغ الإنفاق العسكري في منطقة الشرق الأوسط عام ١٩٩٨م حوالي ٦٠ مليار دولار (مع أنه لم تقم أي حرب) ، ولم يختلف إنفاق عام ١٩٩٩م عنه كثيراً، أما في عام ٢٠٠٠م وما بعده فقد زادت معدلات الإنفاق على التسليح في المنطقة؛ بفعل التوترات التي بدأت تظهر مع بدء أحداث فلسطين، وبالرغم من أن دول الخليج ليست طرفاً مباشراً في الصراع العسكري مع اليهود، فإن أثر التخويف بصدام خلال السنوات العشر الماضية ظهر في ارتفاع معدل الإنفاق العسكري لتلك الدول، فالإنفاق على التسليح في الخليج يأتي في المرتبة الأولى على الخريطة الإقليمية، وهو يمثل ١٢% من إجمالي الدخل القومي لدول الخليج، و ٧٠% من مجموع الإنفاق العربي على التسليح، و ١٢٠% من إجمالي إنفاق دول الطوق المحيطة بـ (إسرائيل) ! ومع أن الدولة العدوة تنهال عليها نفقات التسليح بسخاء من كل أعداء المسلمين في العالم وعلى رأسهم أمريكا؛ فإن تقريراً لمعهد الدراسات الاستراتيجية في واشنطن صدر عام ٢٠٠٠م؛ يؤكد أن الدول العربية تتفوق على دولة اليهود من حيث الكم في الأسلحة التقليدية!! ماذا يعني هذا؟! وضد من يكدس هذا السلاح؟! ولصالح مَنْ سيحارب بهذا السلاح أو سيختزن والشعب الفلسطيني لا يزال يقاتل بالحجارة؟! * حرب الخليج الثالثة: حرب الإنهاء: تتعامل أمريكا في حربها ضد العراق على طريقة الرياضة الإجرامية الإسبانية اللاإنسانية المسماة (مصارعة الثيران) ، فبعد ثلاثة عشر عاماً على نهاية حرب الإرباك (الخليج الأولى) ، وأحد عشر عاماً من انتهاء حرب الإنهاك (الخليج الثانية) ؛ تعاد تهيئة المسرح لحرب خليج ثالثة؛ يراد لها أن تكون حرب الإنهاء لسيادة العراق ولوحدة أراضيه وقوة كيانه، حرب جديدة تتهيأ للنشوب، بالطاقم نفسه (من الطرفين) ، وبالوجوه والأسماء نفسها، حتى اسم الزعيم الغائب (جورج بوش) قد عاد في عملية استنساخ انتخابية هزلية (متخلفة) جاءت بولده إلى كرسي الرئاسة بعد ست سنوات، بفارق عدد ضئيل من الأصوات المفروزة بالأيدي، فيما يشبه جمهورية ملكية في أكبر بلدان الديمقراطية! وكأن الطاقم نفسه والأسماء نفسها بل والصراعات والشعارات نفسها؛ يستعد أبطالها لإعادة تمثيل مشهد لم يحسن المنتج إخراجه في المرة السابقة! جاء جورج بوش (الابن) ليصحح أداء جورج بوش (الأب) ، ويسد الثغرات العملاقة في ملحمته الناقصة. هذه أهم معالم مرحلة بوش الثاني منذ بدأت؛ حيث بدأ عهده الرئاسي، وقبل أن يثبَّت رسمياً؛ بإطلاق عدة صواريخ على العراق، في إشارة واضحة تقول للعالم: ها قد عاد جورج بوش للصدام مع صدام! وها هي أمريكا قد عادت لتشغل العالم وتشعله بدعوى التصدي لخطر العراق. ولكن حدثاً هائلاً شوش على انتظام المسيرة المثيرة، وهو تحول الخطر الوهمي ضد أمريكا إلى خطر حقيقي بوقوع أحداث سبتمبر، فكان لا بد من ربط بين الخطرين: الوهمي والحقيقي، الأسطوري والواقعي؛ لأن أمريكا لم تعد في وارد اللعب بالأحداث واللعب بالأزمات واللعب بالشعوب كما كان عهدها، فقد أدخلتها أحداث سبتمبر في محل المفعول به، بعد أن احتكرت على نحو دائم محل الفاعل المرفوع بالجبروت! وبعد عام من أحداث سبتمبر التي تعرضت فيها أمريكا للغزو الجوي المدني؛ يجد الأمريكيون أنفسهم في حكم المضطرين للتعجيل بغزو مؤجل منذ أكثر من عشر سنين وهو غزو العراق، وتغيير نظام الحكم فيه بالقوة الداخلية أو الخارجية. وهو غزو له دوافعه العديدة وأهدافه البعيدة، وقد يبعد بعضها أو يقرب من هواجس ما بعد سبتمبر، ولكنه لا يبعد أبداً عن الثأر التاريخي، النصراني اليهودي، مع أرض العراق وشعب العراق. لقد أطلق جورج بوش بعد أحداث سبتمبر على العراق وإيران إضافة إلى كوريا الشمالية وصف (محور الشر) ، وهذا الوصف «التوراتي» لم يأت جزافاً، فاليميين الإنجيلي الحاكم في أمريكا الآن؛ يدين بمنظومة عقائدية تقسم العالم دينياً إلى محورين: محور للشر يسكن الشرق، ومحور للخير يعيش في الغرب أو ما يدور في فلكه، هذا ما يبثه فيهم القساوسة الإنجيليون اليمينيون في أمريكا وغيرها، وهكذا تعلم تلميذهم البار (جورج بوش) الأب والابن معاً. وكما سبق أن ذكرت؛ فإن التوراة التي يستمد منها الحكام العقائديون عقائدهم في أمريكا وغيرها، تجعل من (إسرائيل) محوراً لاهتمام العالم حتى تقوم الساعة؛ وتجعل من العراق أهم خطر على ذلك المحور، وعلى الرغم مما يبدو على ذلك الطرح الصهيوني الإنجيلي من علامات الخرافة والأسطورية؛ فإن تعامل النصارى البروتستانت معه في السنوات الأخيرة يثبت أنهم ينطلقون في تحركاتهم بالفعل من «مسلَّمة» أن (إسرائيل) هي المركز المحرك لمحور الخير، والعراق هي المركز في محور الشر، وأن مركز محور الخير سيضم إليه مع الزمن عناصر من قوى الخير، في حين أن المركز في محور الشر سيجذب إليه مع الزمن أيضاً عناصر من قوى الشر. ومما يزيد الطين بلة؛ أن الدعاية الإنجيلية التي تروج لاعتبار صدام حسين، هو رمز الشر الآتي من الشرق، تستند إضافة للنبوءات التوراتية، إلى نبوءات الكاهن الفرنسي اليهودي الشهير (نوستراداموس) المتوفى سنة ١٥٦٦م والذي كاد الغربيون يعدونه نبياً في تصديقهم لنبوءاته التي يقولون إنه قد تحقق منها الكثير، يقول هذا المنجم في كتابه الشهير (قرون) في النبوءات القريبة من الألفية الثالثة: «ملك أوروبا يأتي كالنسر، مصحوباً بأهل الشمال، يقود جيشاً من الأحمر والأبيض، يذهبون ضد ملك بابل، (ماباس) [٧] سيموت، بعدها دمار رهيب للإنسان والحيوان، فجأة يظهر الثأر، عطش وجوع عندما يمر المذنب» [٨] . * التعجيل بالحرب.. دوافع وأهداف: اجتمعت لأمريكا عدة دوافع لتحقيق عدة أهداف، أصبح من الواضح أن حرباً ثالثة في الخليج هي المنفذ الأقرب إن لم يكن الوحيد لتفعيلها في الواقع، وهناك مستجدات تدفع للتعجيل بتلك الحرب، إضافة للاستحقاقات القديمة التي يرى الأمريكيون والإسرائيليون أنه قد آن الأوان لفتح ملفاتها أو خرائطها على جبهة الصراع، وعلى رغم التداخل الشديد بين الدوافع والأهداف؛ فإن الجامع بينهما هو أن أعداء الأمة يريدون تسديد ضربة إجهاضية جديدة تكفي لتجميد مسيرتها، بل تدفعها إلى التقهقر على مستوى الزمان والمكان والإنسان، ولو رجعنا نتأمل في معطيات الأحداث والدراسات والتصريحات المتعلقة بذلك الشأن في السنوات والأشهر الأخيرة، لوجدنا أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد من إشعال حرب ثالثة في الخليج تحقيق ما يلي: ١ - إلغاء دور العراق كمصدر إزعاج وخطر واقع أو متوقع على مصالح أمريكا وإسرائيل، لتدخل المنطقة في مرحلة (السكون التام) والخضوع الكامل الذي يسمح لأمريكا وإسرائيل أن تتحركا في طول المنطقة وعرضها، بعد كسر إرادة التحدي لدى الشعوب والحكومات على السواء، ولو كان هذا التحدي بمجرد الشعارات، ويتم ذلك بإغلاق الجبهة الشرقية (النظرية) في العراق بعد أن تم تكبيل الجبهة الغربية (الواقعية) في مصر بعملية كامب ديفيد، وبهذا يقفلون إلى أمد غير معلوم ملف ما كان يسمى بـ (الصراع العربي الإسرائيلي) . ٢ - فرض وجود عسكري أمريكي جديد في المنطقة قد يأتي وراء (تحالف شمالي) عراقي؛ يفضي إلى تنصيب (الكرزاي العراقي) الجديد الذي ستنصبه أمريكا؛ ليكون عبداً لها، وصديقاً لربيبتها (إسرائيل) ، وهو ما يعطي رسالة لشعوب المنطقة بأنها أصبحت تعيش عصر ما بعد الدكتاتورية وما بعد الديمقراطية، وهو عصر الحكومة العالمية الأمريكية الصهيونية. ٣ - بسط السيطرة على نفط العراق الذي يمثل ثاني أكبر احتياطي في العالم؛ ليضم إلى بقية منابع النفط التي تضع أمريكا يدها عليها؛ لكي تؤمن لنفسها ولحليفاتها في الغرب في الخمسين سنة القادمة موارد لا تنضب إذا أوشك نفط الشمال على النضوب. ٤ - استعادة الهيبة الأمريكية التي تمرغت في الوحل على هضاب وسفوح أفغانستان؛ حيث لم تفلح أمريكا بعد عام من أحداث سبتمبر في تحقيق أهدافها المعلنة في أفغانستان، وعلى رأسها القضاء التام على تنظيم القاعدة وحركة الطالبان اللتان ما زالتا تتحديانها وتنزلان بها الخسائر بشكل دوري، وتهددان استمرار سيطرة الحكومة الأمريكية العميلة هناك. ٥ - الإتيان على ما تبقى من مظاهر التماسك في اقتصاد الدول العربية؛ باستنزاف جديد لمواردها قد يزيد على ما أنفق في حرب الخليج الثانية؛ حيث أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أن الحرب القادمة ضد العراق قد تصل تكاليفها إلى مائتي مليار دولار، وهو أكثر من ضعفي تكاليف حرب الخليج الثانية. ٦ - التمهيد للمرحلة التالية في حرب أمريكا على الإسلام التي سمتها (الحملة العالمية على الإرهاب) ، والتي تعد إيران بحسب الترتيب المنطقي مكان الجولة القادمة فيها باعتبارها العضو الثاني في (محور الشر) الذي اصطنعته أمريكا. وإقدام الولايات المتحدة على ضرب إيران بعد العراق، هو ضرب في الوقت نفسه لسوريا ولبنان وهما البلدان اللذان يستمدان ويستوردان ما تبقى من إرادة التحدي فيهما من مساندة ومساعدة إيران، وكل هذا يحتاج إلى تجريب الأسلحة الجديدة التي أعلنت أمريكا أنها لم تستخدم بعد! ٧ - إعطاء مشاريع الدولة الصهيونية في المنطقة دفعة جديدة، فالحرب مرة أخرى في الخليج إضافة إلى كل ما سبق قد تعطي (إسرائيل) فرصة ذهبية لإنهاء الانتفاضة الفلسطينية الثانية، كما أنهت حرب الخليج السابقة الانتفاضة السابقة. يضاف إلى ذلك أن بسط أمريكا لسيطرتها على العراق سيقرب دولة اليهود إلى حد كبير من تحقيق حلم (إسرائيل الكبرى) ؛ فعندما تنصَّب حكومة موالية لأمريكا أي موالية لإسرائيل على شط الفرات؛ فما الذي سيمنع (إسرائيل) مع الوقت من أن تبسط مزيداً من السيطرة الإدارية [٩] بالاشتراك مع أمريكا على المنطقة الممتدة من النيل إلى الفرات؟! ومشروع آخر عاجل ينتظره نصارى أمريكا قبل يهود (إسرائيل) وهو إنجاز المشروع المؤجل منذ خمسين عاماً، بل منذ ألفي عام وهو مشروع إعادة بناء الهيكل الثالث. وهو المشروع الذي سبق أن قلت في مقالات عديدة إنه الخطوة الثالثة [١٠] المنتظرة في العقائد الألفية اليهودية والنصرانية، وهي الخطوة التي سيحتاج تمريرها حتماً إلى ألسنة دخان كثيفة في حرب كبرى مثل حربَي ١٩٤٨م و١٩٦٧م؛ تغطي بكثافتها لا قدر الله على المخطط الشرير وتمرره، وقد تكون هذه الحرب هي حرب الخليج الثالثة نفسها في حال خروجها عن حدودها، أو حرباً أخرى (سابعة) [١١] بين العرب وإسرائيل. * وبعد: قد تبدو الصورة مظلمة قاتمة، ولكننا نؤمن أنه الظلام الذي يسبق بزوغ الفجر، أو الفجر الذي يسبق الإشراق، إشراق الإسلام على أركان الأرض الأربعة، حتى (لا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر) [١٢] كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ ، ولكن بين يدي هذا التفاؤل الذي لا يستند إلا إلى لطف اللطيف الخبير سبحانه، نجد لزاماً علينا أن نقف مع حديث الحرب القادمة الوقفات الآتية: ١ - شنآن وبغض النظام العلماني البعثي في العراق لا يمنعنا أن نقول عن الحرب القادمة ضد العراق: إنها حرب ظالمة من دولة ظالمة في ظل شرعية دولية ظالمة تسمح لأعداء المسلمين بكل أسباب القوة، بينما تنزع عن المسلمين كل أسباب القوة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. ٢ - تملّك السلاح الكيمياوي أو البيولوجي أو حتى النووي ليس جريمة في ظل احتكار دولة اليهود للعديد من ترسانات تلك الأسلحة في المنطقة، ودعوى تمتع (إسرائيل) بالمسؤولية والعقلانية في استعمال أسلحتها ضد الشعوب؛ ظهرت مصداقيتها المزيفة في انتقامها المجنون من الفلسطينيين دون حاجة إلى أسلحة تقليدية. ٣ - الشعوب العربية المغلوبة على أمرها، والممنوعة من مجرد الهتاف ضد ظلم الظالمين، مدعوة اليوم بأن تعد نفسها لمثل ما يفعل بجيرانها إذا هى لم تُعذر إلى الله تعالى بالمستطاع من دفع المظالم عن إخوة الدين في العراق، وفلسطين وغيرهما، فالذي يُسلم إخوانه اليوم؛ سيسلَّم لأعدائه غداً. ٤ - على العلمانية العربية أن تعلن على ملأ الأشهاد عن إفلاسها بكل راياتها، وتعترف بأنها هزمت في كل معاركها العسكرية والسياسية، وما ذلك إلا لموالاتها لأعداء الأمة وحسن ظنها بهم، مع سوء الظن وسوء التعامل مع كل دعوات الإصلاح والتصحيح التي تستهدف عودة الأمة الإسلامية لهويتها وشريعتها. ٥ - الولايات المتحدة لا تزال تسير على درب الهاوية بخروجها عن كل قيم العدل في التعامل مع الدول والشعوب، وإمعان تلك القوة الغاشمة في ظلم الشعب العراقي وإذلاله؛ هو خطوة جديدة على طريق (انتحار أمريكا) ، واستنزالها لمطارق السنن الإلهية والشرعية التي تدل على أن البغي هو أسرع الذنوب عقوبة. ٦ - الربط أو الخلط المتعمد من الإعلام العلماني بين معارضة جمهور الإسلاميين لضرب العراق، وبين تأييدهم لصدام حسين كما حدث من ذلك الإعلام في حرب الخليج الثانية لا ينبغي أن يتكرر؛ لأن البواعث الإسلامية لا تتغير، فالباعث الإسلامي على رفض حكم البعث وحكامه ما لم يثوبوا ويتوبوا؛ هو الباعث على رفض التدخل النصراني واليهودي في شؤون المسلمين. ٧ - للأمريكيين والإسرائيليين وسائر النصارى واليهود والمشركين أن يصدقوا خرافاتهم التوراتية، ويبشروا بنبوءاتهم الإنجيلية، فهذا شأنهم، وهم أحرار في مواقفهم من كتبهم المحرفة، وأساطيرهم المؤلفة. أما المسلمون فلا يسعهم أن يبنوا مواقفهم على خيالات أو توهمات أو توسمات لا تستند إلى محكم النصوص ودقيق الفقه، وقويم الاستدلال. ٨ - دعاوى اليهود والنصارى في شخص صدام حسين بأنه هو المقصود بالآشوري في نصوص التوراة التي بين أيديهم لن يخلو من ضلال وإضلال، وتلبيس شيطاني لن يكون جديداً على أمتَي الضلال والغضب، وكيف لا يضلون في معرفة حقيقة إنسان وهم الذين ضلوا عن معرفة رب الأكوان ؟! ودعاواهم على أية حال ليست إلا مسوغاً شيطانياً لممارسة المزيد من الظلم والإفساد والعلو في الأرض. ٩ - أما دعاوى بعض الإسلاميين وهم قلة في تزايد بأن صدام نفسه هو المقصود فيما يسمونه بنصوص (الوحي القديم) وهو نفسه المقصود بـ (السفياني) فيما جاء في الوحي الخاتم؛ فهي قضية متشابكة، تداخلت فيها الرؤى والأماني الشخصية مع التحاليل والتفاسير العلمية [١٣] . ولكن الأمر مع هذا لا يخلو من ثوابت لا بد من استحضارها واستصحاب فقهها عند النظر في مسائل انطباق صفات (صدام حسين) أو عدم انطباقها على صفات (السفياني) المذكور في الأحاديث، وأهم هذه الثوابت أن خلاص أمة محمد وانتصارها على جميع أعدائها لا يتصور أن يجيء في نهاية المطاف كما يقول أصحاب هذه الدعوى [١٤] على يد حزب ضال في منهجه، منحرف في سلوكه، متوحش في تعامله، لم نسمع عنه توبة ولم يعلن زعماؤه عن أوبة أو رجوع ولو ظاهري عن التمسك والتشبث بمبادئ حزب البعث المؤسس على دعائم الجاهلية المنتنة. إن لهذه الأمة (طائفة منصورة) معروفة باستقامتها و (ظاهرة) بمنهجها، لا تقاتل إلا على الحق الذي جاء به محمد ﷺ حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، كما تواترت بذلك الأحاديث، فهم لا يقاتلون لعصبية، ولا تحت راية عمِّية، قومية أو وطنية، بل (يقاتلون على الحق) [١٥] كما جاء في الأحاديث. ومن أوجب واجبات الأمة الآن في العراق وفلسطين وأفغانستان وكل مكان، أن تكف عن الانتظار (القدري) لمجيء هذه الطائفة، وتبدأ على الفور في الإعداد (الشرعي) لها ولنهجها ولجندها وكيانها، فبها وبها فقط يتنزل نصر الله على الأمة. [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) .

стр. 4403

المسلمون والعالم الهروب إلى الأمام في اتفاق ماشاكوس أمير سعيد amirsaid@hotmail.com مثلما لا يخالجني شك في أنك الآن تطلع على أوراقي هذه، أتيقن تماماً أن ثمة مؤامرة صهيوصليبية وراء ما يجري ترتيبه اليوم في السودان؛ إذ ليس من المقبول عقلاً اعتبار الضربات المتناغمة التي تسددها الصهيونية والصليبية للأمة الإسلامية عموماً؛ والعربية خصوصاً خبط عشواء. فمحال أن يكون قصف أفغانستان وتفكيكها، وإقامة الأمريكان فسطاطهم جوار بحر قزوين «المكتنز» نفطاً، والسعي وراء الاستيلاء على العراق نفطاً وحكومة وشعباً، والحديث عن تقسيم دولته إلى ثلاث دول: شيعية (جنوبية) وسنية (وسطية) وكردية (شمالية) ، أو توحيدها تحت إمرة «الشريف» الحسن بن طلال وعائلته عريقة التوجه الغربي، والعمل الدؤوب الهادف للسيطرة على النفط الخليجي، ربما عبر تقسيم دوله، ومحاصرة «الوهابية» في الخليج، والترويج لدولة شيعية في شرقه، وتأليب المارونيين على المسلمين في لبنان، وسلخ أجهزة الأمن الفلسطينية (وسلطتها) من وطنييهما. محال أن لا يكون اتفاق ماشاكوس، ومن بعده احتلال مدينة توريت الجنوبية الاستراتيجية، وضغط الولايات المتحدة على السودان «رهابياً» متسقاً مع كل المؤامرات السابقة؛ وحلقة من سلسلة نيرها الذي يحكم معصم الأمة الإسلامية. فالاتفاق ينص صراحة كما ورد في وثيقته على ما يلي: ** المبادئ المنصوص عليها في اتفاقية السلام: - تكوين آلية المراقبة والتقييم يكون على أساس التمثيل المتساوي بين حكومة السودان والحركة الشعبية - الجيش الشعبي لتحرير السودان، إضافة إلى ممثلين للجهات التالية لا يزيد عددهم عن ممثلَين اثنين للجهة الواحدة. - أعضاء اللجنة الفرعية حول السودان لدول إيغاد، وهي (جيبوتي، إريتريا، إثيوبيا، كينيا، وأوغندا) أعضاء الدول المراقبة وهي (إيطاليا، والنرويج، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية) أية دول أخرى أو هيئات إقليمية أو دولية يتفق عليها الطرفان. - يعمل الطرفان مع هذه الآلية خلال الفترة الانتقالية بغرض تطوير وتحسين المؤسسات والترتيبات المكونة بموجب الاتفاقية وجعل وحدة السودان خياراً جذاباً لأهل جنوب السودان. - في نهاية العام السادس للفترة الانتقالية يجري استفتاء تحت المراقبة الدولية تتعاون في إجرائه حكومة السودان والحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان من أجل تدعيم وحدة السودان بالتصويت لتبني نظام الحكم الذي أقيم بموجب اتفاقية السلام، أو التصويت لصالح الانفصال. - يمتنع الطرفان عن إلغاء هذه الاتفاقية أو خرقها من طرف واحد. - النص المتفق حوله فيما يتعلق بدين الدولة: اعترافاً بأن السودان بلد متعدد الثقافات والأعراق والإثنيات والأديان واللغات، وتأكيداً لعدم استخدام الدين كعامل للفرقة، يتفق الطرفان على ما يلي: ١ - الأديان والأعراف والمعتقدات مصدر للقوة الروحية والإلهام للشعب السوداني. ٢ - تضمن حرية المعتقد والعبادة والضمير لأتباع كل الأديان والمعتقدات والأعراف، ولا يجوز التمييز ضد أي شخص على هذه الأسس. ٣ - تولي جميع المناصب، بما فيها رئاسة الدولة والخدمة العامة والتمتع بجميع الحقوق والواجبات، يتم على أساس المواطنة وليس على أساس الدين أو المعتقدات أو الأعراف. ٤ - يمكن أن تجري وتنظم كل الأمور الشخصية والعائلية، ومن ضمنها الزواج والطلاق والإرث والتنصيب والولاء، وفق القوانين الشخصية (بما فيها الشريعة أو القوانين الدينية الأخرى أو العادات أو الأعراف) الخاصة بأولئك الذين يهمهم الأمر. ٥ - يتفق الطرفان على احترام الحقوق التالية: - حرية العبادة والتجمع من أجل أداء الممارسات الدينية أو الممارسات الخاصة بالمعتقدات الأخرى، وتأسيس وحماية الأماكن التي تقوم لأداء هذه الشعائر. - تأليف وإصدار وتوزيع المطبوعات الخاصة بهذه القضايا. - تدريس الديانات والمعتقدات في الأماكن المناسبة لأداء هذه الأهداف. - التمتع بالعطلات والاحتفال بالمناسبات وفق المبادئ والتعاليم التي ينص عليها الدين الذي يدين به الفرد المعين. - إقامة الصلات والاتصال بالأفراد والمجموعات فيما يتعلق بالشؤون الدينية المعتقدية، على المستويين القومي والعالمي. ٦- المبادئ الواردة في المواد (١) إلى (٥) تضمن في الدستور. ** الحكومة الوطنية: ١ - يتفق على تكوين حكومة وطنية لتمارس الوظائف، وتجيز القوانين التي تتطلب طبيعتها أن تجاز وتمارس من قبل سلطة عليا ذات سيادة وعلى المستوى القومي. وستأخذ الحكومة الوطنية في الاعتبار، في كل القوانين التي تجيزها، الطبيعة التعددية للشعب السوداني دينياً وثقافياً. ٢ - التشريعات التي تسنّ على المستوى الوطني والتي تطبق على الولايات خارج جنوب السودان، يكون مصدرها التشريعي الشريعة وإجماع الشعب. ٣ - التشريعات التي تسنّ على المستوى الوطني والتي تطبق على الولايات الجنوبية و / أو الإقليم الجنوبي يكون مصدرها التشريعي الإجماع الشعبي وقيم وعادات الشعب السوداني، ومن ضمنها تقاليده ومعتقداته الدينية، مع اعتبار التعددية السودانية. في حالة ما إذا كانت التشريعات الوطنية المعمول بها الآن أو المطبقة وكان مصدرها دينياً أو القوانين العرفية، وكانت أغلبية سكان الولاية أو الإقليم لا يمارسون شعائر هذا الدين أو القوانين العرفية: - أما طرح تشريعات تسمح بـ أو تؤسس مؤسسات أو ممارسات في الإقليم متماشية مع دينهم أو أعرافهم.. أو يتم عرض القانون على مجلس الولايات لإقراره بأغلبية الثلثين، أو تقديم تشريعات وطنية تطرح مثل هذه المؤسسات البديلة الضرورية كما هو مناسب. ** نص اتفاقية حول حق تقرير المصير لأهل جنوب السودان: - لأهل جنوب السودان الحق في تقرير المصير بين أشياء أخرى، عبر استفتاء لتقرير أوضاعهم في المستقبل. - سيتم تأسيس مجلس مستقل وهيئة تقييم خلال الفترة الانتقالية لمراقبة تطبيق اتفاقية السلام خلال الفترة المؤقتة، وستجري الهيئة تقييماً في منتصف المدة لترتيبات الوحدة التي تم التوصل إليها طبقاً لاتفاقية السلام. - تشكل هيئة التقييم من ممثلين متساوين من حكومة السودان والحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان، ومما لا يزيد عن ممثلين اثنين من الدول والمنظمات الآتية: الدول الأعضاء في اللجنة الفرعية حول السودان التابعة لإيغاد: (جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا وكينيا وأوغندا) . دول مراقبة: (إيطاليا والنرويج والمملكة المتحدة والولايات المتحدة) وأي دول أخرى أو هيئات دولية إقليمية يتم الاتفاق عليها من قِبَل الأطراف. - ستعمل الأطراف مع الهيئة خلال الفترة المؤقتة بهدف تحسين المؤسسات والترتيبات المؤسسة طبقاً للاتفاقية، وجعل وحدة السودان جذابة لأهل جنوب السودان. - في نهاية الفترة المؤقتة التي تستغرق ٦ سنوات سيجري استفتاء تحت رقابة دولية، تنظمه حكومة السودان والحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان لأهل جنوب السودان لتأكيد وحدة السودان بالتصويت على تبني نظام حكم مؤسس طبقاً لاتفاقية السلام.. أو التصويت على الانفصال. - تمتنع الأطراف عن أي شكل من أشكال التعديل والإلغاء من طرف واحد لاتفاقية السلام. والاتفاق على هذا النحو لا يبدو خادماً لمصالح المسلمين في السودان، كما لا يبدو في الوقت نفسه شراً محضاً كونه يتيح المجال لنوع من النمو الاقتصادي للسودان. وبرغم أن هذا الاتفاق لم يكن مفاجأة للكثيرين من متابعي الشأن السوداني؛ إلا أنه مثل صدمة للمهتمين بالسياسة السودانية بمن فيهم رؤساء الأحزاب السودانية والحركات المسلحة وغير المسلحة في شمال السودان وجنوبه الذين تباينت آراؤهم فيما يتعلق بالاتفاق. ** موقف القوى السودانية من الاتفاق: أولاً: موقف الحكومة: رغم أن ممثلي الحكومة قد وقَّعوا على بروتوكول الاتفاق؛ فإن بعضاً من أقطابها بدوا كما لو أنهم تجرعوا السم بإقراره؛ ويتحينون الفرصة للالتفاف عليه، بمن فيهم الرئيس السوداني عمر البشير نفسه الذي ما أن سقطت مدينة توريت الاستراتيجية في أيدي المتمردين بعد أقل من شهرين من توقيع الاتفاقية حتى قال من فوره: إنها «إرادة من الله لأن تظل جذوة الجهاد مشتعلة حتى ترتفع الراية» ، مضيفاً: «سنعلنها حرباً، وإنَّا منتصرون فيها بإذن الله، وسنقاتل حتى تعود توريت وكبويتا» . ثم وقف البشير يلوح بعصاه في جنازة أحد الضباط الذين قُتلوا في توريت ويقول: «المتمرد جارانج ومن خلفه لم يعرفونا حق المعرفة، فليسألوا عنا.. كل سياسات الضغط والاحتواء ضدنا فشلت» . وهو المنطق ذاته الذي تحدث به وزير خارجيته حين قال في مصر: «إن الرئيس حسني مبارك على حق فيما قاله من أن انفصال الجنوب سيؤدي إلى فوضى في أفريقيا» .!! ونستشف من موقف حكومة الإنقاذ أنها وقعت تحت ضغط شديد من الولايات المتحدة الأمريكية، ومن أوضاع البلاد الداخلية السيئة التي تستدعي تحركاً استثمارياً عملاقاً يفيد من اكتشاف مخزون هائل من النفط لديه، يستدعي بدوره ضرورة توافر استقرار أمني وسياسي في شرق وجنوب البلاد، وكذلك وقعت تحت ضغط سياسي داخلي متمثل في كثرة الانشقاقات وتغيير الولاءات التي تعترض طريق شعبيتها، ولا سيما أن فترة حكم الإنقاذ قد شهدت العديد من الانشقاقات لمعظم القوى السياسية، منها من انضم للحكومة كجناح من حزب الترابي «المؤتمر الشعبي» ، وجناح من حزب الصادق المهدي «حزب الأمة» بزعامة مبارك فاضل المهدي، وجناح من جماعة أنصار السنة المحمدية، وجناح من جماعة الإخوان المسلمين، فضلاً عن المنشقين عن التحاف الجنوبي كـ (لام أكول ورياك مشار) . ومنها من لم ينضم للحكومة في صفوف المتمردين الجنوبيين أنفسهم (كجيش جبال النوبة الذي تقول بعض التقديرات إنه يبلغ نحو ١٢ ألف مقاتل) . ولأن الاتفاق قد بدا كما لو كان إذعاناً من جانب نظام البشير لضغوط أمريكية، فقد حاولت الحكومة أن تبين الصورة كما لو كانت صفقة تمت بين طرفين يتمتعان بحرية كاملة، وجاء على لسان الدكتور غازي صلاح الدين (مستشار الرئيس السوداني لشؤون السلام) ورئيس الوفد الحكومي لمفاوضات (الإيغاد) : «حدث تنازلان أساسيان؛ يعني بملخص العبارة: تنازلت الحركة في قضية الدين والدولة، وتنازلت الحكومة في قضية تقرير المصير، لا لبس في ذلك، وأي كلام سوى هذا هو مغالط» . وقد حاول الرجل التقليل من أثر الضغوط الأمريكية على صياغة القرار السوداني فقال: «نحن مبدئيون جداً في هذه المسألة، التصوير الإعلامي المغرض هو الذي صور كأنما السودان باع كل قضاياه وباع أصدقاءه، هذا ليس صحيحاً، والسودان ما يزال حتى هذه اللحظة في قائمة الإرهاب الأميركية، وما يزال حتى هذه اللحظة في قائمة العقوبات الاقتصادية الأميركية، يعني ليس بيننا موالاة وليس بيننا مودة، ولكننا نتعامل بصورة موضوعية ومنطقية» . ثانياً: موقف الجيش الشعبي الحركة الشعبية لتحرير السودان: يعتبر الاتفاق بالنسبة لمعظم المتمردين مغنماً، لكنها ليست كذلك بالنسبة لقطاع الانفصاليين، وغلاة المتمردين ممن يرغبون في أن يحدث الانفصال فوراً، وممن ينزعجون من تحكيم الشمال للشريعة الإسلامية السمحاء. ثالثاًَ: مواقف الأحزاب الشمالية الرئيسة: ١ - حزب المؤتمر الشعبي (بزعامة الترابي) : أبدى الحزب تحفظه على كثير من بنود اتفاق ماشاكوس. وقال محمد الحسن الأمين مسؤول الدائرة السياسية بالحزب: إن هناك «غموضا في نصوص الاتفاق وثمة نقاطاً لم يكشف عنها» . مضيفاً أنه «يعتبر أن الخرطوم قدمت» تنازلات «بشأن الحكم بالشريعة الإسلامية في السودان» . ٢ - حزب الأمة (بزعامة المهدي) : يقول الصادق المهدي: جاء هذا الاتفاق الذي في رأينا طابق في جزئياته الكثيرة رؤانا، وما كنا نسميه أسس الحل السياسي الشامل، ونعتقد أن هذا الاتفاق لمصلحة الوطن، فالاتفاق هو لمصلحة الوطن، ويوافق رؤانا، (لذا فقد) أيدناه باندفاع شديد وشكلنا قيادة للرأي العام السوداني في هذا الصدد. ٣ - الحزب الاتحادي (بزعامة الميرغني) : أبدى فقط انزعاجه لكونه لم يدع للمباحثات من بدايته، واستغرب البت في مثل هذه القضية دونما الرجوع إليه. ** مواقف الدول ذات الصلة من الاتفاق: ١ - الولايات المتحدة الأمريكية: رحبت الولايات المتحدة بشدة بهذا الاتفاق التي هي في الحقيقة راعيته الخفية، والجميع يدرك أن هناك أطرافاً أجنبية ساهمت من قبل في تأجيج الصراع وتقوية التمرد لمصالح دول غربية أهمها الولايات المتحدة، وكانت الولايات المتحدة تدعم في الخفاء الجيش الجنوبي في زمن كلينتون تحت إطار معاقبة الدول العاقة والداعمة للإرهاب، وقد كانت بعض الصحف الغربية تصف مثل هذه الحرب بأن الشمال المسلم يريد إجبار الجنوب على الدخول في الإسلام..! والآن تسعي الولايات المتحدة إلى قطف ثمار جهودها الدؤوبة لإنهاك قوى الجيش الوطني السوداني وإنهاك اقتصاد دولته في هذه الحرب الطويلة، من أجل الوصول لحالة استسلام جزئي لمطالب الغرب المحرك الرئيس لجون جارانج ومرتزقته. ٢ - مصر: أخفقت في أن تحل القضية لأكثر من ١٣ عاماً تركتها الولايات المتحدة لحدٍّ مّا تدير الوساطة، وظل دورها ينحسر من السيطرة الكاملة على السودان تحت حكم الملك فاروق «ملك مصر والسودان» إلى الإخفاق الذريع في تأمين أمنها «القومي» الجنوبي. ولم تستفد من علاقاتها المتميزة مع كافة أطراف الصراع، فلم تُرَ مكترثة بما يدبر لها من الجنوب، وقدمت مبادرات غير واقعية غلبت عليها الحيطة من نفوذ الإسلاميين في الشمال السوداني أكثر من الخشية على تأمين منابع النيل؛ فلم تحصد إلا هشيماً. ٣ - ليبيا: نفضت يديها عن قضية الوساطة بعد إخفاق المبادرة المصرية الليبية، وعلق القذافي على ذلك بالقول: «لن نكون سودانيين أكثر من السودانيين أنفسهم» . والقذافي الذي يحتفظ بعلاقة جيدة مع المتمرد جارانج، والذي سبق أن نعته بأنه «المناضل الحقيقي الوحيد في السودان» !! بدا عديم التأثير على «مناضله الثوري» هذا! ٤ - الدول الأخرى المجاورة للسودان: أيدت هذه المبادرة بلا تحفظ لرغبتها العارمة في تقسيم السودان، وخلق منطقة عازلة بين أرباب «الحكم الإسلامي» وحدودهم. ** المبادرة المصرية الليبية: محقت المبادرة المصرية الليبية كما هو معلوم؛ لأنها أولاً لم تكن واقعية، فلا هي أرضت المتمردين بتأكيدها على حق تقرير المصير للجنوب (وهو ما لم تخل منه أي مبادرة أو اتفاق باستثناء ماشاكوس الذي تجاوز تقرير المصير إلى النص صراحة على إمكانية الانفصال) ، ولا هي أرضت عصبة البشير بإجازة تحكيم الشمال السوداني للشريعة الإسلامية، بل حاولت القفز على المشكلة الجنوبية بإقرار الديمقراطية الغربية عبر التعددية الحزبية، وإقامة دولة «مدنية» واحدة تحكم الشمال والجنوب. ومما يزيد الطين بلة أن كلتا الدولتين ليستا مؤهلتين للحديث عن التعددية الحزبية؛ فالراعية الأولى للمبادرة لا تؤمن بالتعددية عندها إلا كنوع من «الديكور» الذي يتجمل به الحزب الواحد. أما الثانية فتعتمد طريقة «شورية» ممعنة في الغوغائية. ولأنها ثانياً (المبادرة) تأخرت كثيراً عن موعدها، فجاءت؛ وقد ألقت الولايات المتحدة بثقلها في السودان بعد أن فطنت إلى أهميته بعد اكتشاف كميات كبيرة من النفط فيه، فبعُد أن تترك الميدان لغيرها ليصول فيه ويجول. ** نتائج الاتفاق: أفضى الاتفاق إلى نتائج لا يصب معظمها في خانة المصلحة السودانية العليا كبلد مسلم عربي، أهمها: ١ - إقرار انفصال الجنوب عبر استفتاء يجري بعد (٦) سنوات، ولأول مرة يتم النص صراحة على قبول انفصال الجنوب من دون الحديث عن خيانة الموقعين عليه من الطرف الشمالي الذي هو في هذه الحالة «الحكومة السودانية الإسلامية» ذاتها؛ ومن ثم تمهيد السبيل بشكل غير مسبوق أمام انشطار السودان. ٢ - تشجيع المتمردين على كسب أرضية جديدة للتفاوض يمكنهم البناء عليها، وإتاحة الآمال لهم لحكم «سودان علماني جديد» ، وهو ما حملهم على السعي وراء تملك أوراق تفاوضية جديدة، فاحتلوا مدينة توريت الجنوبية الاستراتيجية، وطالب زعيمهم جارانج بثلاث سنوات أولى في الفترة الانتقالية يكون فيها رئيساً للسودان كله!! ٣ - إضعاف شعبية فريق البشير من الإسلاميين باعتباره أطاح بكل ما كان يبنيه من «سودان إسلامي موحد» يرفع راية «الجهاد والاستشهاد» ويسل سيفه في وجه كل متمرد «صليبي خائن» ، وتشويه صورة الإسلاميين الذين يضع أحد قادتهم (البشير) يده في يد المتمرد جارانج، فيما يقبع بأمر رئاسي «البروفيسور الإسلامي» د. حسن الترابي خلف القضبان، وبأن فريقاً منهم قد أذعن لضغوط الأمريكان «الصليبيين» فيما يخص انفصال الجنوب، بعدما أذعن لمطالبهم في مسألة «الإرهاب» . ٤ - تكريس انقسام الإسلاميين، فلا نجافي الحقيقة إن قلنا إن اتفاق ماشاكوس سيباعد (إذا ما نفذ) بين الفصائل الإسلامية والمنشقين عنها، فعلى سبيل المثال ينتظر أن يتجذر الانشقاق بين جناحي جماعة الإخوان المسلمين المؤيد، والمعارض للحكومة السودانية، ونفس الشيء يقال عن جناحي أنصار السنة المحمدية، وفي ظل استمرار حبس الترابي (الذي يفرضه الإذعان لمطالب الولايات المتحدة في مسألتي المفاوضات و «الإرهاب» ) فلن يتوقع التئاماً سريعاً لحزب المؤتمر الشعبي (الترابي) والحزب الحاكم (البشير) . ٥ - استنهاض همم جميع الأحزاب لسلوك المسلك العسكري الناجع، وقد سجل في الآونة الأخيرة ارتفاع كبير في معدلات شراء الأسلحة واقتنائها. ٦ - إفساح المجال لبروز الدور الأمريكي؛ فمع استقرار السودان (أو ربما دولتي السودان) تجد الولايات المتحدة أرضاً معبدة لها للسعي وراء السيطرة على النفط السوداني (النفط السوداني: إنتاج متنام ومستقبل واعد، ٢٥٠ ألف برميل يومياً هذا العام؛ ٥٠٠ ألف برميل العام القادم، ٤ ملايين برميل يومياً خلال بضعة سنوات قادمة، بإذن الله) ، وللاستثمار في الجنوب الذي أوحت دوائر اقتصادية أمريكية لعدد من البنوك الكبرى بدراسة جدوى الاستثمار التجاري في جنوبه في حال أصبح علمانياً محضاً، أو في حال انفصاله تماماً، وكذلك ستجد الولايات المتحدة ومن ورائها الكيان الصهيوني مجالاً رحيباً لتطويق دولة العرب الكبرى مصر، وذلك بإحكام السيطرة على منابع النيل، ومن ثم التحكم في كل قطرة ماء تصل لمصر. ولن تشبع الولايات المتحدة من تكرار طلباتها من الحكم السوداني ما دامت تجد منه استجابة في ماشاكوس، وما دام الأمر كذلك فستستمر الولايات المتحدة تضغط باتجاه تقزيم الإسلاميين، ولا شك أن استمرار حبس «السجين السياسي» الدكتور الترابي هو موضع ترحيب من جانب الولايات المتحدة الأمريكية التي سبق أن قلبت لمصر ظهر المجن قبل نحو شهرين لدى حكم قضائها على «السجين السياسي» د. سعد الدين إبراهيم في شمال الوادي. ٧ - تقليص الدور المصري وإنهاء الوصاية المصرية على السودان ربما للأبد من أبرز نتائج هذا الاتفاق (حال تنفيذه) ؛ فقيام دولتين سودانيتين من شأنه أن يعقد الأمور أكثر وأكثر فيما يخص قضية تقاسم مياه النيل، وستجد مصر نفسها مضطرة لخوض مفاوضات شاقة للحصول على حصة كانت تحصل على أكبر منها آنفاً بسهولة في ظل سودان موحد تحكمه حكومة عربية إسلامية كانت أو حتى علمانية. كما أن قيام دولتين سيجعل حكومة الشمال أكثر «إسلامية» ومحضناً لإسلاميين قد يكونون مناوئين للنظام المصري، وحتى بافتراض قيام دولة شمالية ديمقراطية تعددية؛ فلن يكون ذلك ساراً للنظام المصري الذي قد يخشى من تطلع الأحزاب المصرية لممارسة اللعبة السياسية وفق النموذج السوداني. ٨ - دغدغت المفاوضات في ماشاكوس طموحات الوثنيين والنصارى المتمردين، فقدموا اقتراحاتهم بجعل الخرطوم «عاصمة خالية من الشريعة الإسلامية» !! نظراً لإقامة نحو ٣ ملايين جنوبي في أحيائها. ٩ - دفع جارانج مستفيدا من ماشاكوس الأحزاب المعارضة نحو الهرولة خلفه بعد إصراره على التفاوض في كينيا منفرداً وهي في أضعف حالاتها. ** ومع ذلك ... ومع ذلك، ورغم كل التداعيات المصاحبة لماشاكوس، يبقى ظننا بحكومة البشير أنها لن تستسلم بسهولة لمخططات الولايات المتحدة، ليس إفراطاً منا في التفاؤل وحسن الظن بحكومة الإنقاذ، وإنما ارتكاناً إلى تجارب سابقة للإنقاذ أجادت فيها الالتفاف والدوران حول فخاخ كثيرة أعدت لها. ونذكر أن حكومة البشير كثيراً ما بدت موافقة على طلبات قدمت لها بشأن الشريعة أو التعددية الحزبية من جانب الولايات المتحدة أو المعارضة الجنوبية والشمالية، إلا أنها في الأخير لم تذعن لها. وهي الآن استغلت حماقة جارانج باحتلاله لمدينة توريت لقلب طاولة المفاوضات في وجهه، وتعليق مباحثات مدينة ماشاكوس الكينية، وإعلان الجهاد مجدداً لاستعادة المدن السليبة. وحكومة البشير تدرك حقيقة ماهية الضغوط الواقعة عليها من قِبَل الولايات المتحدة المتغولة، وهي لا تريد أن تقف أمام القطار الأمريكي في الوقت نفسه الذي لا تريد أن تفرط فيه بمكتسبات ثورتها التي بدأت إسلامية، وبين هذا وذاك تمارس حكومة الإنقاذ لعبتها المفضلة بالهروب إلى الأمام لعل عامل الوقت يكون في صالحها ... وفي غياب الدكتور حسن الترابي الذي يجيد السير فوق كل الأوتار يبقى التساؤل: هل ستنجح حكومة البشير في تجاوز عقبة ماشاكوس؟ كل الأمل في ذلك، وفي تغليب حكومة الإنقاذ لمصلحة المسلمين العليا في السودان على مصلحة بقائها في السلطة.

стр. 4404

المسلمون والعالم تفاهم ماشاكوس.. حل أم مشكلة ؟! مصعب الطيب بابكر musaabll@hotmial.com في ٢٠/٧/٢٠٠٢م وقّعت الحكومة السودانية مع حركة التمرد (الحركة الشعبية لتحرير السودان) ما يسمى بـ (تفاهم مشاكوس) باسم الضاحية الكينية التي جرى فيها التفاوض، وهو الاتفاق الذي يمثل (مفاجأة) حتى بالنسبة (للتجمع الوطني الديمقراطي) الذي تنتمي إليه الحركة وتشكل ذراعه العسكري، ولمصر وليبيا صاحبتي (المبادرة المشتركة) اللتين تربطهما علاقة خاصة بـ (الحركة) و (التجمع) . الاتفاق الذي بدأ وانتهى في ٢٤ ساعة بشكل (مسرحي) بعد ٣٤ يوماً (فاشلاً) من المفاوضات وبعد أكثر من ١٩ جولة ولقاءً فنياً (فاشلاً أيضاً) تحت مظلة (الإيقاد) . والاتفاق الذي يُنتظَر أن ينهِي أطول حروب إفريقيا التي أزهقت أرواح ما قدِّر بمليوني قتيل، وشردت ٤.٥ مليون نازح وكلّفت ما معدّله مليوني دولار يومياً (تمثل أكثر من ٧٥% من الناتج القومي السوداني) كما جاء في تقرير المبعوث الأمريكي القسيس (جون دانفورث) عن السودان. فما الجديد إذن؟ ولماذا الآن؟ وماذا تعني الاتفاقية، وما الذي يترتب عليها؟ جزء كبير من هذه الأسئلة وغيرها سيظل قائماً ينتظر الإجابة، وجزءٌ آخر ربما تنكشف بعض إجاباته في السطور التالية. * الوضع الميداني قبل (مشاكوس) : بعد الهزائم الكبيرة التي تلقتها (الحركة الشعبية المتمردة) فيما سمي بعمليات (صيف العبور) عامي ١٩٩١ - ١٩٩٢م واسترداد جيش الحكومة لأكثر من ٤١ حامية عسكرية فإنّ جيش الحركة الذي يضم حوالي ٣٠.٠٠٠ مقاتل حسب تقدير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن لم يستطع أن يقلب الميزان العسكري لصالحه رغم وجود عوامل إقليمية ودولية وداخلية تعزز مواقفه. و (الحركة الشعبية) تحظى بدعم الدول الغربية كافة، وبدعم أكثر من ١٦٠ منظمة غربية وعبر برنامج (شريان الحياة) الذي أنفقت عليه أمريكا بين عامي ١٩٨٩ - ٢٠٠١م أكثر من ٢ مليار دولار ذهب جلّها لصالح الحركة. إنّ جيش الحركة لا يستطيع أن يحسم خياراته عسكرياً كما يقول (دانفورث) في تقريره، بل إنه (ليس له القدرة ولا الوحدة على تعطيل الخطط الحكومية لاستغلال النفط) كما جاء في تقرير الإيكونومست ١٢/٤/٢٠٠١م.. بل إنّ وضع الحركة يصبح أكثر حرجاً عندما تستخدم الحكومة صفقة طائرات ميج ٢٩ والدبابات الروسية والصينية المبرمة في ديسمبر ٢٠٠١م، وعندما تستثمر الوضع الإقليمي والداخلي في صالحها. إنّ التمرد قبل مشاكوس كان يعيش في واحدة من أسوأ أوضاعه بعد (صيف العبور) وهو أحوج ما يكون إلى عملية (السلام) فإما أنْ يستثمر ما تبقى من قوته في تحقيق المكاسب من اتفاق هو فيه ليس الطرف المهزوم، وإما أن يهادن حتى يعيد تجميع صفوفه، ولربما تأتي له الأحداث بما يستفيد منه. * ماذا لدى دول الطوق؟ «تشترك الولايات المتحدة و (إسرائيل) وتلتقي مصالحهما في التدخل ومحاربة السودان عبر دول الجوار لاحتواء النظام الإسلامي الحاكم في الخرطوم؛ وقد يرى صناع القرار السياسي في أمريكا أنه في تسليم قرنق وسيلة ناجحة للمعالجة (صحيفة نيويورك تايمز ٣/٣/١٩٩٦م) ، وهذه السياسة أعلن عنها في أكثر من مناسبة مستشار الأمن القومي السابق (أنطوني ليك) ووزيرة الخارجية السابقة (مادلين أولبرايت) . وهكذا فابتداءً من ١٩٩٤م ساءت علاقة السودان بكل من إرتيريا وأثيوبيا ... رفعت أثيوبيا شكوى ضد السودان لمجلس الأمن عقب محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في يونيو ١٩٩٥م وصدر بموجبها القرارات العقابية (١٠٤٤/١٠٥٤/١٠٧٠) وفي يناير ١٩٩٧م عند احتلال منطقتي الكرمك وقيسان بعث السودان شكوى لمجلس الأمن اتهم فيها القوات الإرترية (٦٠٠٠ مقاتل و٢٢ دبابة) باحتلال مواقع داخل الحدود السودانية. وقد أعلن الرئيس الإرتري أكثر من مرة:» إنّ إسقاط هذا النظام لا مجاملة فيها، ونحن لا نعمل في الخفاء إزاء هذا الأمر « (صحيفة الحياة يناير ١٩٩٦م) . وفي أبريل ١٩٩٥م قطعت يوغندا علاقاتها الدبلوماسية مع الخرطوم، واتهمها السودان بغزو أراضيه في أكتوبر عام ١٩٩٥م. وفي مارس ١٩٩٧م نشرت دورية analysis Africa التابعة للاستخبارات البريطانية ١٧/١١/١٩٩٥م تقريراً عن إنشاء واشنطن لخلية متحركة تتبع الجيش اليوغندي بغرض محاصرة السودان. ولكنّ قيام بوادر الحرب بين أثيوبيا وإريتريا غيّر تماماً نمط علاقتهما بالسودان لخطورة دوره وموقفه بالنسبة لهما. أما يوغندا فقد وقعت اتفاقية مع الحكومة عام ١٩٩٩م برعاية الرئيس الأمريكي (كارتر) والكيني (موي) تقضي بالتوقف عن دعم المعارضة المسلحة لأي من الدولتين، وأقفل الجيش اليوغندي معسكرات التدريب (العلنية) لحركة التمرد، ثم أعادت يوغندا فتح سفارتها بالخرطوم في سبتمبر ٢٠٠١م ... وهكذا احترقت ورقة الضغط عبر الجيران التي تبنتها الإدارة السابقة، وتبخَّر قدر كبير من الآمال في إسقاط نظام الخرطوم و (الحل الناجع) بتسليم جون قرنق حكم البلاد. * النفط ورياح المصالح: تمكن التمرد بقيادة (قرنق) من ضرب أعمال شركة (شيفرون) الأمريكية للتنقيب عن البترول في فبراير ١٩٨٤م، وضرب أعمال الشركة الفرنسية لحفر (قناة جونقلي) التي كان يؤمل أن توفر ٤ مليارات متر مكعب سنوياً من مياه النيل؛ وعليه توقف العمل في استخراج النفط. ومن مارس ١٩٩٧م بدأت ثورة نفطية جديدة بالسودان حتى وصل إنتاجها الآن ٢٣٠ ألف برميل يومياً (كلها من منطقتي هجليج والوحدة فقط) بمساحة تقدَّر بـ ٥٠.٠٠٠ متر مربع وتعادل ٦% من المساحة الكلية (المرخصة فقط) والتي يقدَّر أنها تحتوي على كميات تجارية من خام البترول الذي يتوقع أن يكون احتياطي السودان منه يتراوح بين مليار إلى أربعة مليارات برميل أو تزيد ... وقد وفر عائد النفط للحكومة ٧١% من إجمالي الناتج المحلي، وحقق فائضاً في الميزانية يزيد عن ٢٠٠ مليون دولار. ويملك امتيازات هذا الإنتاج شركات كندية وماليزية وصينية وسودانية كما يعمل في هذا المجال شركات من النمسا وروسيا وفرنسا والهند والإمارات وقطر. إنّ دخول النفط في جو الحرب سيعيد تشكيل الأحداث بحيث إنه: - سيعضد موقف الحكومة، ويضمن لها التفوق في إمداد الحرب، وإنعاش الاقتصاد، وإغراء الفصائل المعارضة للانضمام لها.. يقول (جون برندر جاست) مسؤول الشؤون الإفريقية بالخارجية الأمريكية السابق (الأوبزيرفر ١٢/٥/ ٢٠٠٢م) :» إنّ خيارات الحركة محدودة، وقوتها العسكرية معرَّضة للتراجع مع تحسُّن موقف الحكومة بتدفق العائدات النفطية «. - سيعزز وضع الحكومة الدولي عبر تأسيس شراكات وتحالفات ومصالح مع الدول المؤثرة إقليمياً وعالمياً. - سيحرك اللوبي الاقتصادي والنفط الأمريكي في سبيل تغيير السياسة الأمريكية تجاه السودان؛ بما يضمن له مصالحه النفطية. وهو ما كان يعنيه المبعوث الأمريكي (دانفورث) عندما صرح في ٢٠/٧/٢٠٠٢م قائلاً:» إنّ نجاح محادثات السلام في نيروبي؛ سيحوّل السودان من منطقة نزاع إلى مصدر رئيسي للنفط « ... إنها رياح المصالح (العاصفة) التي تسير بها سفينة السياسة الأمريكية. * ماذا وراء المبادرات الأمريكية؟ بدأت أول مبادرة أمريكية حول حرب الجنوب في ديسمبر ١٩٨٩م بنيروبي رعاها الرئيس الأمريكي الأسبق (كارتر) ، ومنذ ذلك الحين تعدّدت المبادرات والمبعوثون الأمريكيون: هيرمان كوهين.. جورج موس.. ميلسيا ويلز ... هاري جونستون ... جيفري ميلينغتون.. وغيرهم. وهي مبادرات لم تتمخض عن شيء يُذكر سوى المزيد من تجريم الحكومة وفتح خطوط للإغاثة (الموجَّهة) ومتابعة أحوال النصارى وحمايتهم. إنّ موقف الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه السودان يتشكل تحت تأثيرات عدة: - تيار (اليمين الديني والجمعيات الأصولية النصرانية) وهي قاعدة الحزب الجماهيرية التي تؤثر عبر الكونجرس ومجلس النواب ومؤسساتها الإعلامية والمنظمات التي تديرها وأعضائها في الإدارة، وهذا التيار ذو دور قوي ومؤثر. ومن رَحِمِه خرجت مبادرات عدةٌ منها: - مشروع (سلام السودان) الذي أُجيز في مجلس النواب في مايو ٢٠٠١م الذي يُوصِي بالدعم المباشر (العسكري) و (المدني) لحركة التمرد، والضغط على الحكومة، وصيانة الحريات الدينية، ومنع معاقبة الشركات الأمريكية العاملة في نفط السودان، وقد أيّدت الحكومة بنود المشروع، ولكنها تحفظت على بند العقوبات ضد الشركات مما أدى إلى إبعاده. - تعيين القس الأمريكي (جون دانفورث) في سبتمبر ٢٠٠١م جاء بضغط من (لجنة حماية الحريات الدينية بالكونجرس) وهي إحدى أذرع تيار اليمين الأصولي الأمريكي. - مجموعات الضغط الصهيونية التي تسعى لدعم (الحركة) والتمكين لمشروعها (الحالم) في السودان، وإعدادها (كحليف إفريقي) لإسرائيل في منطقة استراتيجية وهامة؛ حتى لقد غدا شأن (جنوب السودان) مادة يتقرّب بها الرئيس بوش لليهود في ٣/٥/٢٠٠١م عندما شبه معاناة الجنوبيين في السودان بمعاناة اليهود في مطلع القرن السادس عشر ... ثم تعهد بدعمهم. - اللوبي الاقتصادي والنفطي الذي يهمه في المقام الأول دخول السوق السودانية النفطية، وتوسيع استثماراته. ومما يوسع مساحة تأثير هذا التيار أنّ الإدارة الحالية (بوش ونائبه) تنتمي لهذه المجموعة ... لقد كان هذا اللوبي وراء: - إسقاط مشروع (سلام السودان) في مرحلة العرض على الكونجرس. - مشروع (مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية) في مارس ٢٠٠١م (والذي أعده خمسون خبيراً) عن السلام في السودان. وفكرته الأساسية هو قيام دولة واحدة بنظامين ودستورين، واقتسام السلطة والثروة (النفط) بين الحكومة والحركة بالإضافة إلى حماية الحريات الدينية. - مجموعة الأمريكيين السود التي تتأثر بما يُروّج عن دعاوى الاستعباد والرق والسُّخرة لمواطني جنوب السودان وهذه المجموعة تعمل بالتضامن مع اليمين الديني. * المفاوضات قبل مشاكوس: أول لقاء جمع بين (حكومة الإنقاذ) و (الحركة الشعبية) كان عبر المبادرة الإثيوبية في أغسطس ١٩٨٩م تلاها المبادرات النيجيرية (أبوجا الأولى ١٩٩٢م) و (الثانية ١٩٩٣م) ثم ظهرت مبادرات الإيقاد في سبتمبر ١٩٩٣م. وقد قبلت الحكومة طمعاً في ضغط دول الجوار على (الحركة) حينما كانوا على وفاق مع الحكومة، وفي ظل غياب دور عربي أو إسلامي آخر. في مايو ١٩٩٤م تقدّم وفد الحركة لأول مرة بمقترح (تقرير المصير) الذي ضمن في مقترح الوسطاء الذي سمي بـ (إعلان المبادئ) وقد رفضته الحكومة في حينه. وحينما وافقت الحكومة على (إعلان المبادئ) في جولة أكتوبر ١٩٩٧م طرح وفد الحركة مقترح الكونفدرالية وقضية توسيع حدود الجنوب؛ وهو ما رفضته الحكومة أيضاً. * حقيقة تفاهم مشاكوس: قبيل إبرام الاتفاق كانت الأمور تسير وكأنها موعودة بشيء جديد، وأنّ هذه الجولة ليست كباقي الجولات؛ فالرئيس السوداني ومستشاره للسلام ووزير الخارجية السوداني أبدوا تفاؤلاً بلا تحفظ على نجاح هذه المفاوضات (مثلاً الرأي العام ١/٧/٢٠٠٢م) ، وتحدث قادة الحركة عن إمكانية أن يقبلوا دولة بنظامين في أكثر من مناسبة مثلاً (ياسر عرمان) الناطق الرسمي لحركة التمرد في لقاء الشرق الأوسط ٥/٧/٢٠٠٢م أما الولايات المتحدة فقد صرح وزير خارجيتها (كولن باول) في ١/٧/٢٠٠٢م لقناة FOX قائلاً:» إنّ واشنطن تدفع بقوة لإنهاء الحرب في السودان عبر المفاوضات الجارية الآن في نيروبي «وفي جلسة استماع أمام (اللجنة الفرعية للشؤون الإفريقية) بالكونجرس الأمريكي في ١١/٧/٢٠٠٢م تحدث (وولتر كانشتاينر) مساعد وزير الخارجية للشؤون الإفريقية عن أنّ» المفاوضات الجارية الآن في نيروبي تمثل فرصة إيجابية للغاية لتحقيق السلام في السودان «. لقد تعزز الموقف الأمريكي بعد نجاح وقف إطلاق النار واتفاق جبال النوبة في ١٩/١/٢٠٠٢م برعاية (دانفورث) وتمّ نشر الوجود الأمريكي في جبال النوبة تحت مسمى: (لجان المراقبة والإغاثة) كخطوة أولى للمبادرة الأمريكية، أما الخطوة الثانية فكانت جنوب السودان عبر (مشاكوس) . إن مقترح (مشروع التفاهم) صاغه خبير القانون الدستوري الجنوب إفريقي (نيكولاس هيسن) الذي حضر بصفة مستشار، وقدمه المبعوث الكيني الجنرال (لازروس سومبابو) الذي هدد بأن الطرف الذي سيرفض التوقيع سيتحمل تبعات ذلك؛ وهكذا وقع الطرفان مشروع (التفاهم) الذي لونه وريحه وطعمه أمريكي، وهو لا يختلف كثيراً عن (مركز الدراسات الاستراتيجية) بواشنطن ولا عن المسودة التي قدمها السياسي الجنوبي المتعاطف مع الحركة أبيل ألير في أغسطس ٢٠٠٠م وهو ما صرح به (دانفورث) للصحافة في ١٧/٢/٢٠٠٢م وهو طرح الحركة تقريباً لولا الصياغة (اللطيفة) التي تجنبت المصطلحات المثيرة. أما الاتفاق فقد كان ضبابياً ومبهماً؛ إلى الحدّ الذي تضاربت فيه تفسيرات أعضاء الوفد الواحد، وأصبحت له أكثر من قراءة، وعلى كل حال فهو يتضمن ثلاث قضايا: ١ - علاقة الدين بالدولة (الشريعة والدستور) . ٢ - تقرير المصير (الانفصال) . ٣ - الفترة الانتقالية وهيكلة السلطة. * علاقة الدين بالدولة في (مشاكوس) : لقد قال المبعوث الأمريكي (دانفورث) في٢٠/١/٢٠٠٢م إنه» لا يتوقع قيام دولة علمانية في السودان، والمطلوب هو الحفاظ على حقوق غير المسلمين «.. وعلى هذا فأمريكا يمكن أن تقبل بدولة (غير علمانية) في السودان، ولكن تحت شرط (واسع) هو الحفاظ على حقوق غير المسلمين. أما (الحركة) فقد تقبل بقيام (الشريعة) في الشمال بشروط: أولاً: أن يكون ذلك في ظل (كونفدرالية) : دولة بنظامين ودستورين وإدارتين. وثانياً: أن يكون الدستور الاتحادي علمانياً. وثالثاً: أن تكون العاصمة الاتحادية علمانية (في تصريح قرنق نفسه في ١٦/٥/ ٢٠٠٠م) و (الحكومة) قدمت كل ما يمكن أن تقدمه فدستور السودان لعام ١٩٩٨م (المواد ٢١، ٢٤، ٢٥، ٢٧، ٣٧) قد أعطى (بسخاء) كل حقوق التساوي وحرية العقيدة والعبادة والفكر والتنصير والدعوة والمجموعات الثقافية ومنع التمييز بحسب الدين والسكوت عن دين الرئيس. واتفاقية الخرطوم للسلام الموقعة في أبريل ١٩٩٧م مع ست فصائل جنوبية قد استثنى الجنوب من أحكام (الشريعة) المادة (٥ ب) . والحقيقة أنّ الأحكام المعمول بها في دستور ١٩٩٨م التي ينصّ الدستور على أن مصدرها هو (الشريعة الإسلامية) لا تمثل ما يتطلَّع إليه المسلمون من إقامة شرع الله لا تقنيناً ولا تنفيذاً؛ وإنّ من الرزية أن يهزأ مثل هذا المتمرد (قرنق) بعقائد المسلمين فيقول في تصريح له نشرته صحف الخرطوم في ٩/٨/٢٠٠٢م:» لقد تم حسم أمر الشريعة رغم أننا كنا نريد استبعادها، لكن الوضع تغير فأصبح تطبيق الشريعة في الشمال أمراً يخص الشماليين وعليهم أن يكونوا جادّين في ذلك «. وبحسب (الاتفاقية) فإنّ علاقة (الدين بالدولة) تكونت من قضيتين: أولاً: قسم يتعلق بالحقوق والواجبات (البند ٦) وهذا بند واضح يماثل ما جاء في دستور ١٩٨٨م مع تفصيل زائد. ثانياً: قسم يتعلق بالدستور (البند ٣) وهو نص (رمادي) يحتمل التأويلات: فالفقرة (١) تتحدث عن (دستور قومي أعلى) يجب أن يتوافق مع كل القوانين. والفقرة (٢) تتحدث عن (تشريعات وطنية) إذا طبقت خارج الجنوب (باقي السودان) فمصدرها الشريعة واجتماع الشعب ... وإذا طبقت في الجنوب فمصدرها إجماع الشعب والعادات. وتتحدث نقطة تالية عن (التشريعات الوطنية ذات المصدر الديني) لولاية لا يدين غالبها به؛ فهذه إما أن تُغيّر عبر موافقة ثلثي (مجلس الولايات) أو عبر مؤسسات في الولاية متماشية مع الدين فيها. إن موضع الاتفاق في هذا (التفاهم) بين توضيحات وفدي الحركة والحكومة هو أنّ الشمال يحكم (بالشريعة) الواردة في دستور ١٩٩٨م والجنوب بقوانين (غير الشريعة) صادرة عن مؤسسات (أو جهات) تكونها (الحركة الشعبية) مع الجنوبيين. أما موضع الاختلاف بين الوفدين فهو قائمة طويلة تبدأ من قضية وجود أو عدم وجود (دستور اتحادي ثالث) ! ثم هل الدستور الاتحادي علماني أم إسلامي؟ وهل يعني إلغاء دستور ١٩٩٨م أم تعديله؟ وهل العاصمة القومية ستكون ضمن الدستور العلماني أم (الإسلامي) ... إلخ. وكيفما كانت تفاصيل الاتفاق على أهميتها فإنّ مجرد وجود (الحركة الشعبية) في سدة السلطة الاتحادية بثقلها وثقل من يقف وراءها سيفرز واقعاً جديداً لا يمكن التنبؤ بمآلاته. نسأل الله حسن العاقبة. * مسألة الانفصال: تتحدث الفقرة (٢٢) من (المنافستو) الذي خرجت به (الحركة الشعبية) أول ظهورها:» لا بد من التأكد بأنّ هدف الحركة ليس هو فصل الجنوب عن الشمال ... إنّ الجنوب سيظل أبداً جزءاً لا يتجزأ من السودان ... لقد تم تقطيع أوصال القارة الإفريقية بواسطة المستعمرين في الماضي ... ولا تخدم الحركات الانفصالية إلا أهداف أعداء القارة «وهذا النص في الواقع لا يعكس (الوحدوية) التي يدعيها (قرنق) بقدر ما يعكس النزعة التوسعية لتسلطه التي يعبر عنها أحياناً (بالسودان الجديد) ... إنّ معظم القادة الجنوبيين لا يمكن تسجيل رأي (واحد ودائم) لأي منهم حول قضية الانفصال، وعندهم أنّ لكل مقام مقالاً ولكل حادث حديثاً.. وفي الوقت الذي تتحدث فيه (الحركة) عن الوحدة فإنها تطالب بتقرير المصير في سائر مفاوضاتها، و (الذي يرغب في الوحدة لا يطالب بتقرير المصير) على حد تعبير السياسي الجنوبي (جناح الفصيل المتحد) د. لام أكول. أما الكونفدرالية فقد طرحتها الحركة في (أبوجا الثانية) تم أعادت طرحها مرة ثانية في جولة أكتوبر ١٩٩٧م عبر (الإيقاد) وبعدها قال قرنق (لصحيفة الخرطوم ٧/١٢/١٩٩٧م) : إنّ (الكونفدرالية ليست من خياراتنا) وقال إنه جاء بها لنسف المفاوضات.. ثم عاد ليقول في الذكرى (١٧) للحركة بتاريخ ١٦/٥/ ٢٠٠٠م إنّ (الكونفدرالية هي الحل الأكثر نجاعة لمشكلة السودان) ! * خاتمة: إنّ واحدة من أبرز مشكلات الجنوب سواء مع الوحدة أو الانفصال هو وجود عشرات الفصائل الجنوبية ومئات القادة الميدانيين (الذين يسيطرون على آلاف المقاتلين) والذين تختلف أعراقهم ومشاربهم وطموحاتهم وآراؤهم وهي أعقد بكثير من أن تسعهم صياغة للحكم ولو كانت (سخيّة) كما هو واضح في دراسة قام بها كاتبان: (جوك مادوت) و (شارون ألين) عن حرب الجنوب توصلت إلى أنّ عدد الضحايا في الصراعات (الجنوبية الجنوبية) أكبر بكثير من ضحايا الصراعات (الشمالية الجنوبية) . ليس من شك أنّ لكل خيار من (الوحدة أو الانفصال) مخاطره ومحاذيره، وأنّ صراعاً بهذا التعقيد يفتح مجالاًً واسعاً جداً (للاحتمالات والمفاجآت) التي كان من آخرها قيام قوات المتمردين باقتحام مدينة توريت الاستراتيجية الحصينة بعد قصف مكثف استمر لمدة يومين، وقد تم ذلك بأن زجّت حركة التمرد بما يزيد عن تسعة آلاف من الجنود المدعومين بالدبابات ليتمكنوا من احتلال المدينة وقتل أعداد كبيرة من القوات الحكومية والمتطوعين والاستيلاء على كميات من العتاد الحربي والذخائر. وبينما أعلنت الحكومة تعليق المفاوضات وطلب الرئيس البشير من الوفد الحكومي الرجوع إلى الخرطوم احتجاجاً على هذه العملية فإن حركة التمرد اتهمت الحكومة بالنكوص عن الاتفاقية والتهرب من التزاماتها، وأضافت إلى ذلك مطالبتها بفصل الدين عن الدولة وتعريف حدود الجنوب إلى مناطق جنوب النيل الأزرق والأنقسنا والميرم وأبياي في غرب كردفان وجبال النوبة، كما أكدت إصرارها على تعيين مدينة ملكال عاصمة للاتحاد الكونفدرالي بين الشمال والجنوب. إن هناك تخوفاً كبيراً أن تكون مشاكوس بداية (مشكلة) تأزم الموقف وأن تدخل البلاد في دوامة أشد وأنكى يحمل تبعاتها أجيال بعد أجيال. وعلى حكومة السودان الحرص واليقظة من غدر (قرنق وأتباعه) فالرجل صاحب اتجاه مناوئ للسودان، وصاحب أيديولوجية صليبية، وهو مدعوم من الغرب ومن أذنابهم في القارة ومهما تظاهر بالموضوعية وأدعى الوحدة فبرنامج حركته انفصالي، وهجوم قواته بعد التفاهم يدل على نوايا خبيثة ومحاولة ضرب وحدة الشعب السوداني. ونعتقد بأن الاتحاد والوحدة بين فئات الشعب السوداني كفيلة بالقضاء على مخططات المغرضين والحاقدين وأهل الأهواء وأعداء الاتجاه الإسلامي.

стр. 4405

المسلمون والعالم النيوزيلنديون على الطريق المستقيم نظرة إلى الاهتداء إلى الإسلام في نيوزيلندا إعداد: شيريل هل تلخيص وتعليق: عدنان تيم * أولاً: المقدمة: بدأ الباحث دراسته ببيان معنى آيتين باللغة الإنجليزية، من القرآن الكريم هما: [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ] (النحل: ١٢٥) . [لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] (البقرة: ٢٥٦) . ثم يقول الباحث: إن الدعوة إلى الإسلام توجه إلى المسلمين الذين ضلوا الطريق، وإلى غير المسلمين، وإن اعتناق الدين الإسلامي (التحول إلى الإسلام) أمر بسيط لا يحتاج إلا إلى الاعتراف بوحدانية الله، وتقبُّل أن محمداً رسول الله، وقول الشهادة، ثم إظهار الاعتقاد بذلك. ويقول الباحث: إن الإسلام أكثر الأديان انتشاراً في العالم، والنيوزيلنديون ليسوا على فهم ومعرفة بالإسلام، ومع قلة عددهم، فإن أعداداً لا بأس بها اعتنقت الإسلام. ويذكر الباحث: أن هذا البحث هو ناتج المسح الذي أجري على ٣١ ممن اعتنقوا الإسلام في نيوزيلندا، علماً بأن هدف هذه الدراسة كان التعرف إلى بعض العوامل والدوافع التي كانت سبباً في التحول إلى (اعتناق) الإسلام. ١ - المجتمع المسلم في نيوزيلندا: نيوزيلندا بلد صغير، معزول، وقد ازداد عدد المسلمين فيه نتيجة للهجرة من مناطق أخرى مزقتها الحروب مثل الشرق الأوسط، وشرق أفريقيا. ومعرفة النيوزيلنديين بالإسلام قليلة، وكذلك فإن المعلومات عن الإسلام قليلة، وهم في أمس الحاجة للتغلب على ذلك. ويميل النيوزيلنديون إلى التسامح، ولكنهم مع ذلك قليلو الاحتكاك بالمسلمين، نظراً لما يصوره الإعلام عن المسلمين والأصولية الإسلامية. ويوجد في نيوزيلندا سبع جمعيات إسلامية انضمت إلى الجمعية الإسلامية الفيدرالية في نيوزيلندا (FIANZ) . Federal of Islamic Association of New Zeeland) FIANZ ( كما يوجد ما مجموعه ١٥ مسجداً ومركزاً إسلامياً، وعدة أقسام تعمل تحت رعاية (FIANZ) تهتم بشؤون النساء، الأطفال، التعليم، التحول إلى الدين الإسلامي، المنشورات الدينية، الحلال والحرام، الشؤون الوطنية والدولية والدعوة. إن قسم الدعوة هو المسؤول عن توزيع الكتاب الإسلامي بما في ذلك نسخ من القرآن الكريم، وعقد لقاءات للحوار الديني والبرامج الإخبارية. وقد أُسِّسَتْ جمعية الدعوة الإسلامية والمتحولون إلى الإسلام في نيوزيلندا قبل ١٢ سنة لنشر الوعي الإسلامي، وتقديم خدمات تربوية ومعلوماتية إضافة إلى الدعم المادي والمعنوي لأولئك الذين يعتنقون الإسلام. ٢ - استعراض الأدب التربوي: ما كُتب عن الإسلام قليل جداً، وكتاب «التحول إلى الإسلام» هو أحد الكتب القليلة التي صدرت وتتعلق بالإسلام، كذلك يوجد بعض المنشورات والدراسات ولكنها قليلة جداً. ٣ - ظاهرة التحول إلى الدين: تتوفر كمية جيدة من الأدب التربوي تتعلق بالتأثيرات الاجتماعية والنفسية والدينية على التحول الديني، وقد طور «لوفلاند، ستارك» نموذجاً من سبع نقاط يبين الظروف التي يمكن أن تحمل الفرد على التحول الديني، وبالرغم من أن ذلك يتعلق بإطار الدين النصراني، إلا أن المبادئ نفسها يمكن أن تطبق أيضاً على التحول إلى أديان أخرى. ويشير الباحث إلى أنه من الضروري التفريق بين ثلاثة أنواع من التحولات إلى الدين وهي: أ - صحوة في الاهتمام الديني من موقف عدم الاعتقاد، أو من الشك إلى التعلق الشديد بالدين. ب - التشدد في الإخلاص والوفاء ضمن ثقافة ومعتقدات محددة. ج - تحول كامل من دين إلى آخر. ويقول الباحث إن هذه الدراسة تتعلق بالنوعين: الأول والثالث فقط، ويقول إن كثيرين حاولوا تعريف هذه الظاهرة، ظاهرة التحول إلى الدين؛ حيث أعطى مجموعة من التعريفات، أختار منها: تعريف ذوليس (Thouless) : التحول الديني هو الاسم الذي يعطي للعملية التي تقود إلى تبني اتجاهات دينية، وهذه العملية يمكن أن تكون تدريجية أو فجائية، وتتضمن التغييرات في المعتقدات، وهذا يتصاحب مع التغير في الدوافع والسلوك والتفاعل مع البيئة الاجتماعية. ويقول الباحث إن نتائج هذه الدراسة، تشير إلى أن اعتناق الدين الإسلامي لم يكن مفاجئاً أو عاطفياً، بل كان تحولاً تدريجياً في المعتقدات والاتجاهات على مدى سنوات. نموذج التحول إلى الدين الإسلامي Islamic Conversion Model: فيما يخص المسلمين فإن كلمة العودة (Reversion) هي المفضلة، وهذا التعليل العقلي مركَّز على مفهوم «الفطرة» التي تعرف على أنها الطبيعة الفطرية (الغريزية) لكل البشر نحو الإسلام؛ بمعنى أن أولئك الذين يخضعون إلى أمر الله ويعملون به؛ فإنهم يجدون السلام، وقد وصفت الفطرة بأنها طبيعة الأشياء، وتسمى أحياناً: «سنة الله» ، بمعنى أن الله قد خلق كل شيء وفق منهاج معين. ومن الضروري هنا اقتباس قول «هاري Haeri» الذي يقول: «كل الناس ولدوا خاضعين للحقيقة الفطرية، ومن ثَمَّ للإسلام، والمجتمع والآباء يتدخلون في هذه الفطرة الإسلامية، وهناك أناس في العالم اكتشفوا الإسلام في داخلهم خلال حياتهم، وليس كنتيجة للدين الإسلامي؛ إن ذلك هو صدى أشياء داخلية في قلوب بني البشر» . وهذا القول يؤكده القرآن الكريم في قوله تعالى: [وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ] (الأعراف: ١٧٢) ، وقوله سبحانه: [يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي] (الفجر: ٢٧-٣٠) . * ثانياً: طريقة الدراسة والنتائج: أ - طريقة جمع المعلومات: ١ - الأدب التربوي الإسلامي في نيوزيلندا وبعض الدراسات في أمريكا وبريطانيا. ٢ - الاتصال ببعض المسلمين الذين تحولوا إلى الإسلام في نيوزيلندا والاتصال بـ (FIANZ) . ٣ - استبانة: ورقية وإلكترونية: تم إعدادها على مستوى الأمة. ٤ - متابعة ٢١ شخصاً من الذين استجابوا للاستبانة، بمقابلات شخصية أو تليفونية أو بريد إلكتروني. ب - المعلومات التي تم جمعها: بعد جمع المعلومات فإن هناك صعوبات محتملة متعلقة بتصنيفها منها: ١ - بعض الذين اعتنقوا الإسلام، من الممكن أنهم لم يتصلوا مع مراكز إسلامية، ولم يسمعوا بالدراسة. ٢ - لا يوجد سجلات في نيوزيلندا تحدد عدد الذين اعتنقوا الإسلام، ويصعب الحصول على أرقام صحيحة. ٣ - الفئة التي تم الاتصال بها هي ممن اعتنق الإسلام عن طريق الاتصال بالمسلمين. ٤ - كانت هناك صعوبة في الحصول على الاستبانات بعد توزيعها. ٥ - أهداف الدراسة يمكن أن تكون قد أثرت على استجابة عينة الدراسة. يمكن أن يكون هناك تحيز ومحاباة في اختبار المشاركين واستجاباتهم نتيجة ما يلي: ١ - يمكن أن يكون التحيز ناتجاً عن مدى استجابة الأفراد للدراسة. ٢ - يمكن أن يكون التحيز ناتجاً عن مستوى التعليم، حيث كان ١.٦% ممن استجابوا للدراسة في مستوى جامعي. ٣ - طريقة توزيع الاستبانة يمكن أن يكون فيها تحيز. ج - التصنيفات الرئيسة لتحليل المعلومات والنتائج: أجري التحليل على أساس منظور اجتماعي مصغر يتعلق بالأفراد أكثر منه في المجتمع، وتم تصنيف المعلومات إلى أربع مجموعات رئيسة هي: ١ - المنحى الديموغرافي (السكاني) . ٢ - إصدارات الدعوة. ٣ - الالتزام الشخصي. ٤ - قضايا قانونية. وتضمنت كل مجموعة عناصر فرعية تتعلق فيها. * ثالثاً: المناقشة: يناقش الباحث أربع قضايا فقط وهي: أ - مؤثرات ما قبل التحول الديني: Pre-conversion influences تعالج الدراسة بعض العوامل التي كان لها علاقة في التحول الديني منها: ١ - الزواج: حيث أشارت الدراسة إلى أن الزواج كان سبباً للتحول الديني بين الرجال والنساء على السواء. ٢ - التصوف: تشير الدراسات أن النواحي الروحية كانت أداة لجذب الناس إلى الإسلام، ولكن هذه الدراسة لم تؤكد ذلك. ٣ - الحصول على المعلومات: ٥٩% من عينة الدراسة أجابوا بأنه يوجد صعوبة في الحصول على معلومات عن الإسلام مما يؤثر في عدم معرفة الناس بالإسلام. ٤ - السفر إلى البلاد الإسلامية: تشير الدراسة إلى أن غالبية الذين تحولوا إلى الإسلام كانوا قد قاموا بزيارات للبلدان الإسلامية. ب - الخبرات أثناء التحول الديني: Conversion Experiences أظهرت الدراسات كما يقول الباحث أن العمر كان له تأثير في التحول الديني؛ حيث يتراوح عمر الذين يتحولون من دين إلى آخر ما بين (١٠ - ٢٥) سنة، وبصورة عامة فإن الإسلام له قبول عالمي بغض النظر عن الجنس أو العرق. ج - ملاحظات ما بعد التحول الديني Post-conversion observations: ١ - استخدام اسم إسلامي عند التحول. ٢ - كان هناك خلافات في الرأي حول قبول الزي الإسلامي فيما يتعلق بالنساء. ٣ - يوجد تخوف من المعاملة السيئة التي قد يعامل بها المسلم زوجته في غير بلدها. * رابعاً: النتائج والتوصيات: Conclusion and Recommendations: - التوجه نحو الإسلام كدين عالمي يتجذر تدريجياً في نيوزيلندا، وهذا ما يشير إليه تحول النيوزيلنديين المستمر إلى هذا الدين. - الذين يتحولون إلى الإسلام غالباً تكون لديهم خلفية مسيحية، ولكنهم درسوا ديانات أخرى وخاصة في الجامعة. - يعتمد الإسلام على العقل، وهذا يجعل بعض المسيحيين ممن هم في شك في معتقداتهم، وخاصة فيما يتعلق بالثالوث وألوهية عيسى، إلى الدخول في الإسلام. - كون الإسلام دين حياة يهتم بالقيم العائلية، وحقوق المرأة، والأمور الحياتية جعله قريباً من اهتمامات النيوزيلنديين. - اتخاذ قرار التحول إلى الدين الإسلامي يأخذ عادة وقتاً طويلاً، وكثير من الذين تحولوا إلى الإسلام قاموا بدراسات عن الإسلام قبل دخولهم الإسلام. - كثير من الذين اعتنقوا الإسلام، كانوا قد طوروا اهتماماً بالإسلام؛ وذلك من خلال مقابلاتهم مع المسلمين واحتكاكهم معهم أو من ملاحظاتهم أو عن طريق الدراسة والسفر إلى البلدان الإسلامية. - نقص المواد التعليمية المناسبة والنشرات والكتب بلغة المواطنين قد تكون من أهم الصعوبات التي تواجه إمكانية التحول إلى الدين الإسلامي. - المؤسسات الإسلامية غير قادرة على تلبية احتياجات المسلمين في نيوزيلندا فيما يتعلق بنشر الوعي الإسلامي.

стр. 4406

المسلمون والعالم أنصار الإسلام في تورابورا العراقية (٢ ـ ٢) أحمد فهمي Ahmdsaad١@hotmail.com أوشكت قضية (جماعة أنصار الإسلام) أن تقفز إلى قمة الأحداث العالمية في الأسابيع الماضية؛ وذلك بعد أن أعلن أن الإدارة الأميركية اتخذت قراراً بالهجوم على مواقع الحركة ومعاقلها من أجل القضاء عليها وتدميرها، ولكن تراجعت أميركا في اللحظات الأخيرة حسب التصريحات الرسمية بحجة أن ذلك ربما يؤثر على موقف حلفائها العرب والمسلمين، ووجه وزير الدفاع رامسفيلد بدلاً من ذلك هجوماً كلامياً على الجماعة، واعتبرها حليفاً قوياً لنظام صدام حسين. وقد تناولنا في العدد السابق التعريف بأنصار الإسلام الكردية، وعلاقاتها مع بعض اللاعبين الرئيسيين على الملعب الكردي العراقي، وبقي أن نواصل الحديث عن بقية هؤلاء. * أنصار الإسلام على الساحة الكردية: يعتبر الأكراد بمثابة المرآة الصقيلة التي انعكست عليها أسوأ سوءات الواقع الإسلامي، سياسياً واجتماعياً وإسلامياً؛ فمن الناحية السياسية تفرق الأكراد إلى أحزاب مختلفة، ومتخالفة، في البلد الواحد، فضلاً عن تفرقهم أكثر من خمسة وعشرين مليون كردي على خمس دول، هي تركيا، والعراق، وسوريا، وأرمينيا، وإيران، وهو ما يعني عشرات الأحزاب والتجمعات والحركات السياسية التي يدعي كل منها أحقيته بالحديث عن المصالح الكردية. وتتوزع هذه الأحزاب بدورها على مختلف المذاهب السياسية، واليسارية، والليبرالية، والقومية، بالإضافة إلى الحركات الإسلامية.. أما من الناحية الاجتماعية فلم يسلم الأكراد من تأثير النظام القبلي العشائري لكن في صورته السلبية التي تدعو إلى مزيد من التفرق والانقسام، حتى داخل الحزب الواحد، لتصنع عدداً إضافياً من التقاطعات داخل النسيج الكردي المهترئ. أما من الناحية الدينية فقد نجح العلمانيون خلال عقود من الزمان، وبتأثير البعث العراقي، في تحويل العرب إلى عدو أكبر لدى كثير من طوائف الشعب الكردي؛ وذلك لكي تضعف الرابطة الإسلامية، وتنكمش المرجعية الدينية، طالما كان العرب أحد مكوناتها الرئيسية. ومن ثم يصبح الحديث عن قضية كردية واحدة، أو شعب كردي واحد، مجرد ترف فكري وسياسي، وتعلق بأوهام لا أساس لها على الأقل في الظروف الراهنة بل إنه من المشاهدات المحزنة أن كل حزب كردي بينما يعادي نظام الدولة التي يوجد بها يتحالف مع دولة أو دول أخرى مجاورة تقهر بدورها الأكراد داخل حدودها. فعلى سبيل المثال يحظى حزب البرزاني بعلاقة قوية مع تركيا، بينما حزب العمال الكردستاني التركي يتعرض لحرب شعواء من حكومة أنقرة، ويحظى بالدعم السوري ما قبل سقوط أوجلان وعداء حزب الطالباني العراقي، وهذا الأخير يحتفظ بعلاقة قوية مع إيران التي تقمع المعارضة الكردية على أراضيها.. وهكذا. وفي ثنايا هذه الفسيفساء ذات الأبعاد المتفاوتة، يمكن أن نلتقط أهم حزبين على الساحة العراقية، لنسلط الأضواء على علاقتهما بحركة أنصار الإسلام، وهما حزب الاتحاد الوطني، والحزب الديمقراطي اللذان يكشف تاريخهما السياسي عن مجالات أخرى للتناقض الكردي المعاصر؛ فالاتحاد الوطني انشق في الأساس عن الديمقراطي في منتصف الستينيات، بينما يقول بعض المختصين إن الانشقاق الفعلي كان في عام ١٩٧٥م، وقاد جلال طالباني الحزب نحو سلسلة متتالية من التحالفات بدأت بالنظام العراقي، وتوجهت في الأساس ضد أحزاب عراقية كردية أخرى، وانتهت بالتحالف المقدس مع أميركا، ضد نظام صدام، وخلال مسيرته الحافلة تبنى الحزب النهج اليساري، وتحالف مع الشيوعيين، ثم توجه نحو الليبرالية، وأخيراً يخطو بقوة في اتجاه النظام الغربي الرأسمالي مع ميول قومية، ويتركز تواجده في الشمال الشرقي للعراق، بجوار الحدود مع إيران التي يحظى بعلاقة قوية معها، مع علاقة أضعف بتركيا. أما الديمقراطي الذي تأسس عام ١٩٤٦م، بزعامة الملا مصطفى البرزاني والد مسعود الزعيم الحالي للحزب، فقد مر بدوره بسلسلة مشابهة من التحالفات، مع كافة الأطراف والدول المجاورة والمعنية، بما فيها العراق نفسه، ونظام صدام بالتحديد، حيث استعان البرزاني الابن بالجيش العراقي في حربه المستعرة مع الاتحاد الوطني عام ١٩٩٦م، وينهج الديمقراطي نهجاً قومياً، ويعتمد على العشيرة البرزانية بصورة رئيسية، وهو حليف قوي لأميركا، وعلاقته هشة بإيران، ويتركز تواجده في الشمال العراقي المتاخم للحدود مع تركيا التي يحظى أو كان بعلاقة متميزة مع نظامها السياسي قبل أن يشوبها نوع من التوتر إثر الكشف عن دستور لإقامة حكم ذاتي في كردستان العراق في ظل أي حكومة عراقية جديدة، وهو ما تتخوف منه أنقرة، باعتبار تأثيره السلبي على الواقع الكردي لديها. وبينما تتمركز حكومة الطالباني في مدينة السليمانية، فإن حزب البرزاني يستقر في مدينة أربيل، والعلاقات بين الحزبين متوترة دائماً لدرجة التقاتل العنيف، وتبذل الإدارة الأميركية جهوداً محسوبة بدقة لوقف النزاع بين الحزبين، حيث تبدأ عادة في ممارسة الضغوط فقط عندما يهدد القتال مصالحها، والعلاقة بين الحزبين تمر حالياً بفترة من الهدوء، خاصة مع الترويج الأميركي لحملة قوية لإسقاط نظام صدام، والتي تتطلب تكاتف الجهود لتحقيق الرغبات الأميركية. وتحتل العلاقة بين حركة أنصار الإسلام والاتحاد الوطني حيزاً كبيراً من الواقع السياسي للحركة الإسلامية الجهادية، ويمكن زمنياً تقسيم العلاقة بين الطرفين إلى ثلاث مراحل رئيسية: الأولى تبدأ في شهر سبتمبر من العام الفائت، والثانية تبدأ من ١١ ديسمبر من نفس العام، والثالثة تبدأ من ٢/٤/٢٠٠٢م. المرحلة الأولى: وكانت تحديداً بين الاتحاد الوطني وجند الإسلام، وهي العضو الرئيسي المندمج في أنصار الإسلام الحالية، وبالنسبة للإسلاميين كانت العلاقة يحكمها القناعة بوجوب إعلان الجهاد ضد الأحزاب العلمانية الكافرة الخارجة عن النهج الإسلامي، وقد تزعم الملا أبو عبيد الله الشافعي الحركة في هذا الوقت، وقد دارت معارك طاحنة بين مقاتلي الطرفين أسفرت عن خسارة بشرية فادحة للاتحاد الوطني نتيجة الأسلوب العسكري الذي يتبعه مقاتلو جند الإسلام، والأقرب إلى حرب العصابات، وقد أسفرت العمليات حسب بعض التقديرات عن سقوط نحو ١٠٨٦ قتيلاً وجريحاً من الوطني خلال ٧٣ يوماً من القتال المستمر، مقابل ٤٧ قتيلاً وجريحاً في صفوف جند الإسلام، إلا أنه من ناحية أخرى، لم يحدث تغيير كبير لصالح الإسلاميين في مناطق السيطرة والنفوذ على أرض الواقع، وبقي النصر الذي حققه الإسلاميون متمثلاً في إبطال جهود الوطني في إنهاء الحركة. وبدأ جلال الطالباني بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في شن حملة إعلامية قوية ضد الحركة؛ حيث ادعى أنها تابعة لبن لادن وتنظيمه القاعدة، وأنها تتلقى تمويلاً ودعماً خاصاً منه، وأن هناك العشرات من الأفغان العرب يقاتلون مع الجماعة، وأنها تفرض نمطاً إسلامياً مماثلاً لحركة طالبان، واتهم حزب الطالباني جند الإسلام بتنفيذ عدد من عمليات القتل والاختطاف كان أبرزها الادعاء بقيام مقاتلين إسلاميين بتنفيذ كمين ضد مقاتلي الوطني في قرية خيلي حمة على الطريق بين السليمانية وحلبجة نتج عنه مقتل نحو ٣٧ منهم، وقال مسؤولو الوطني إنه تم التمثيل بجثثهم على نحو بشع، وقطعت بعض الأعضاء الخارجية، وتم تصوير الجثث وأرسلت للصحف للدلالة على إرهاب الإسلاميين حسب ادعائهم، وقد نفت الحركة ذلك، وقالت إن الوطني «اصطنع» الصور، أو مثّل أتباعه بالجثث قبل تصويرها. وقد توقفت المعارك بعد إعلان الوطني عن وقف لإطلاق النار في ١١ أكتوبر، باعتبار نجاحه في السيطرة على مناطق للحركة في حلبجة، ومناطق مجاورة لها رغم خسارته البشرية الكبيرة، وأعلن الحزب عفواً دعائياً صورياً عن مقاتلي جند الإسلام لمدة ثلاثين يوماً، مستثنياً من قاموا بعمليات القتل والتمثيل حسب ادعائه. المرحلة الثانية: بدأت في ١١/١٢/٢٠٠١م، وبعد يوم واحد من ظهور جماعة أنصار الإسلام للعيان، نتيجة اندماج ثلاثي شمل جند الإسلام، وحماس الكردية، وحركة التوحيد، وكان أمير الحركة الجديدة هو الملا نجم الدين فرج، المعروف بفاتح كريكار، الذي أعلن فوراً عن الرغبة في إنهاء الصراع، ووقف القتال مع الوطني، والدخول في مرحلة من المفاوضات لحل المشكلات العالقة، وبدا أن الجماعة قد غيرت قليلاً من منهجها، وهو ما فسر من قبل بعض المحللين أنها محاولة للتكيف مع نتائج أحداث سبتمبر، والحرب الأميركية على الحركات الإسلامية بدعوى الإرهاب، وقد ترتب على ذلك عقد سلسلة مطولة من اللقاءات والمباحثات بين الحركة والحزب الوطني، وبتأثير الخسارة والعجز، أبدى حزب الطالباني تجاوباً أولياً، ودعا الأخير قادة الجماعة إلى مأدبة غداء في أحد فنادق السليمانية، وحضرها منهم الملا فاتح كريكار، وأيوب ممثلاً لأبي عبيد الله الشافعي، ومحمد حسن ويسي، وكانت مطالب جماعة أنصار الإسلام في هذه المفاوضات تتلخص في تسليم إدارة مدينة بيارة للإسلاميين، وتقديم تعويضات مالية عن الخسائر نتيجة القتال الأخير، وأيضاً تقديم حصة مالية شهرية ثابتة من واردات حكومة الوطني في السليمانية، كما يحدث مع تنظيمات كردية أخرى، وقد استمرت اللقاءات بين الطرفين عدة أشهر، وبدا أن الغيوم آخذة في الانقشاع، وأعرب الطالباني في حوار مع الرأي العام الكويتية عن رضاه عن تطور العلاقات، وقال: «نحن في حوار معهم، وأنا شخصياً استقبلت الملا كريكار في مقر إقامتي، وتكلم معي كلاماً جيداً، وإذا ما تم تبني هذه السياسة التقارب من قبل المنظمة، فلن تبقى مشاكل» .. ولكن فجأة تغير مسار الأحداث تماماً، عندما أعلن عن محاولة لاغتيال الدكتور برهم صالح رئيس وزراء حكومة الوطني والرجل الثاني في الحزب، وذلك في مقر إقامته في السليمانية، وكان آخر اللقاءات بينهما وهو اللقاء الذي عقد في قرية خاركيلان قد انتهى يوم ٣١ مارس؛ أي قبل يومين فقط من المحاولة، واستمر لمدة ثلاثة أيام، وكان من المتوقع أن يستجيب الاتحاد الوطني إلى الكثير من مطالب أنصار الإسلام. المرحلة الثالثة: يعتبر الدكتور برهم صالح الرجل الثاني في الاتحاد الوطني، ورئيس حكومة الحزب، وعرَّاب هذه المرحلة من العلاقة بين الوطني وأنصار الإسلام، وأبرز المؤثرين فيها، والرجل حاصل على الجنسية الأميركية، وكثير السفر إلى أميركا، ومعروف بعلمانيته وكراهيته الشديدة للحركات الإسلامية، ويعده البعض رجل السي آي إيه الأول في المنطقة. وقد بدأت الأحداث في يوم ٢ إبريل من العام الحالي، عندما تعرض منزل برهم صالح لهجوم غامض في توقيته والجهة التي تقف وراءه من قبل أشخاص مجهولين، وقد نتج عن ذلك تدهور فوري في العلاقة بين الوطني وأنصار الإسلام، لتنتهي بذلك الحقبة السلمية التي بدأت بعد نشأة الحركة في ديسمبر العام الماضي، وقد نفت الحركة تماماً أي علاقة لها بالهجوم، خاصة أنه أتى على خلفية مباحثات ناجحة بين الطرفين، لم يكن هناك داع لإفسادها، وقالت في بيان لها: «كان التزامنا بقرارنا ذلك المفاوضات نابعاً من تعاليم التزامنا بالشرع الإسلامي الحنيف، ولو أردنا تغيير مواقفنا فإننا سنعلن ذلك صراحة وبلا مواربة» ، إلا أن الاتحاد الوطني على الرغم من ذلك شرع في تنفيذ إجراءات عقابية ضد جماعة أنصار الإسلام والجماعة الإسلامية، بعد أن ادعى الحزب أن منفذي الهجوم كانوا ثلاثة أشخاص، هم: عبد السلام أبو بكر عضو مركز السليمانية للجماعة الإسلامية، وشخص آخر اسمه قيس نجح في الفرار ثم اعتقل بعدها في محلة السليمانية الجديدة في بيت عضو بالجماعة الإسلامية، والثالث اسمه كامران مورياسي، وكان عضواً سابقاً في جماعة التوحيد إحدى الجماعات الثلاث المكونة لأنصار الإسلام. وتمثل الانتقام المفتعل للوطني في حملة اعتقالات مكثفة في السليمانية شملت مئات الإسلاميين، ومن بينهم عدد من النساء، وهو ما جعل الأنصار يهددون الاتحاد الوطني، ويعلنون مهلة ثلاثة أيام لإطلاق سراح الأسرى، خاصة النساء، وقد تدخلت الحركة الإسلامية بزعامة الشيخ علي عبد العزيز للوساطة بين الطرفين، فتم عقد لقاء استمر ليومين، أسفر عن إطلاق سراح النساء المعتقلات، وبدا أن الوطني ثاب إلى رشده، وأبدى استعداده لمناقشة الاتفاقات السابقة، إلا أن الدكتور برهم صالح تدخل مرة أخرى، حيث أعرب عن رفضه لأي مفاوضات مع أنصار الإسلام، وذلك بعد عودته من زيارة لأميركا، معتبراً أن تحالف حزبه مع الأميركيين يمثل خطوة هامة للقضاء على الإسلاميين دون حاجة للتفاوض معهم، وبالفعل بدأت المماطلة والتسويف تحكم علاقة الوطني بحركة الأنصار، والتي اتخذت قراراً بوقف المباحثات، واشتعل القتال مرة أخرى بين الجانبين، ولأن الأنصار يعلمون أن مقاتلي الاتحاد الوطني أشبه بالمرتزقة الذين يقاتلون فقط من أجل المال، وأن قادة الوطني يجدون صعوبة كبيرة في حشدهم للقتال، فقد أصدر الملا فاتح كريكار عفواً مؤقتاً تكتيكياً في إطار الحرب النفسية عن مقاتلي الوطني مشروطاً بإلقاء السلاح، مع تقديم مكافأة مالية لمن يبادر، وقد رد جلال الطالباني بأن أعلن عن زيادة رواتب ومكافآت مقاتليه، لتشجيع الفارين على العودة. وقد أخذت المعارك بين الطرفين نفس وتيرتها السابقة: قوات الطالباني تحفر الخنادق، ومقاتلو الأنصار يتبعون أسلوب حرب العصابات، وينفذون هجمات سريعة ضد أهداف الوطني الذي يمنى بخسائر بشرية كبيرة، بينما يفقد الأنصار عدداً محدوداً. أما فيما يتعلق بالحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود برزاني، فقد اتهم الحزب الأنصار بتنفيذ عمليات اغتيال في مناطقه، أبرزها اغتيال فرانسوا الحريري القيادي البارز في الحزب في مدينة أربيل، وصرح مسؤول بالأنصار لصحيفة الحياة أن حركته تستضيف بعض العناصر الإسلامية التي كانت ملاحقة في مناطق الحزب الديمقراطي، لكنه لم يعترف صراحة بإيواء قاتلي الحريري، ومن ناحية أخرى فقد جاءت محاولات القضاء على الأنصار لتكون عنصراً قوياً للتقريب بين الحزبين الكرديين البارزين المتنافرين، الوطني والديمقراطي، حيث تم التوقيع قبل أشهر على اتفاقية للتعاون الأمني في هذا المجال، ويحاول الطالباني جاهداً أن يستدرج البرزاني للدخول في حرب مشتركة ضد الأنصار لكي يتخلص من الجماعة التي تؤرقه. وقد برز في الفترة الأخيرة حدثان لهما أبعادهما الهامة في تحديد وضعية حركة الأنصار ومستقبلها في المنطقة: الحدث الأول: قام بعض الأشخاص في يوليو الماضي بنبش بعض مقابر الطريقة النقشبندية وبالأخص قبر المسمى (الشيخ حسام الدين) في قرية باخة كون قرب بيارة التي يسيطر عليها أنصار الإسلام، ونقلوا الرفات الموجود بها إلى المقابر العامة لمنع زيارتها، وكانت عناصر من الجماعة قد هددوا أتباع الطريقة قبل ذلك بوجوب وقف المريدين عن زيارة هذه المقبرة، وعلى الفور قامت قيامة الطريقة النقشبندية الكردية، وعقدت اجتماعات وصدرت بيانات تستنكر وتتوعد، ونفخ الاتحاد الوطني في الفتنة، وتبادل قادته الخطابة في أتباع النقشبندية متوعدين جماعة الأنصار بالويل والثبور، ولكن كان موقف الجماعة في هذه القضية غامضاً، ومحيراً، فقد نفت بداية أي صلة لها بهذا العمل، واستنكرته، ثم دعا بعض عناصرها أطرافاً خارجية محايدة لزيارة المنطقة المذكورة، والتأكد من سلامة المقابر، ولكن ترددت بعد ذلك أنباء عن تشكيل لجنة خاصة من قبل فاتح كريكار للتحقيق في الحادث، ثم اعترفت الجماعة بعد ذلك أن عناصر تابعين لها كانوا وراءه، وأنها اعتقلتهم، وكشف التحقيق معهم عن فردية المحاولة، وأنهم لم يرجعوا فيها إلى قادتهم أو إلى النصوص الشرعية لمعرفة الحكم الصحيح، وقالت الحركة إنهم سوف يحاكمون وفق أحكام الشريعة المطبقة في مناطق الجماعة. وقد استغل الوطني الحادثة لصالحه، وحاول استثارة كافة الأطراف ضد الأنصار، ودعا أتباع النقشبندية إلى زيارة البرزاني والتأثير عليه للقيام بعمل عسكري مشترك بين الحزبين للقضاء على الحركة. أما على الصعيد الداخلي للحركة فقد أثارت الحادثة تساؤلات حول مدى سيطرتها على أتباعها، وهل يمكن أن يكون ثمة اختراق لها من قبل جهات كردية، أو من قبل المخابرات الأميركية؟ وهذا الاحتمال يقوى في حال ثبوت أن العناصر التي نفذت محاولة اغتيال برهم صالح هي بالفعل عناصر إسلامية، وتسود حالياً علامات استفهام حول قيادة الحركة خاصة بعد الإعلان عن توقيف الملا كريكار من قبل السلطات الهولندية، حيث كان في طريقه من إيران عائداً إلى النرويج محل إقامته، وذكرت السلطات الهولندية أنها اعتقلته بناء على طلب من جهاز مخابرات أجنبي، وأنها تعتزم التحقيق معه حول دور مزعوم في الربط بين المخابرات العراقية والقاعدة. الحدث الثاني: إعلان الإدارة الأميركية تراجعها عن تنفيذ عملية عسكرية خاصة للقضاء على جماعة أنصار الإسلام، وتدمير معاقلها، وأماكن تجمعها، وقد فسر ذلك بأحد أمرين: الأول: أن الهجوم خطط له إثر تقارير مخابراتية مكثفة ومزيفة روجت فيها الأحزاب الكردية لخطورة الجماعة، في نفس الوقت الذي اكتشفت فيه المخابرات الأميركية هذا التضخيم في قدرات الجماعة قبل التنفيذ، وهو ما جعلها تتراجع عنه، وتطالب الأحزاب بتقديم إثباتات كافية، وخاصة أن المحصلة المرجوة لا تتناسب مع ردود الفعل المتوقعة. الثاني: أن إعلان التراجع يأتي في سياق تهيئة الرأي العام العربي والإسلامي لتنفيذ هجوم مماثل لاحقاً أثناء الحملة الشاملة على العراق، وكما ذكرنا في العدد السابق فإن بقاء الجماعة قد يقدم فائدة أكبر للسياسة الأميركية، مما لو تم القضاء عليها في هذه المرحلة. ولكن لم يمنع ذلك الإدارة الأميركية من توجيه اتهامات إلى الجماعة؛ فقد صرح دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي أن أنصار الإسلام تطور أسلحة كيمياوية، وأنها مرتبطة مع نظام صدام الذي يخفي كميات كبيرة من الأسلحة الكيماوية في مناطق الحركة، وقد أصدر الملا كريكار بياناً نفى فيه هذ الاتهامات، وقال إنها صدرت على خلفية الإخفاق الذي أصاب الاتحاد الوطني في إدارة المنطقة، وقال إن الجماعة تفسح المجال أمام أية فرقة مختصة سواء كانت تابعة لمنظمة الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة الأمريكية نفسها لزيارة المناطق الخاضعة لسيطرتها وإجراء تفتيش عن تلك المواد المزعومة. ولم تتوقف العمليات المخابراتية في مناطق الجماعة، والتي اعترف بها الاتحاد الوطني، وكان يشرف على تقديم التسهيلات لعناصر المخابرات الأميركية برهم صالح بنفسه، وتشمل هذه العمليات بجوار جمع المعلومات، تنفيذ سلسلة من الاغتيالات، واتهام الجماعة بها، وتنفيذ عدد من عمليات التفجير داخل مناطق سيطرتها، خاصة في الأماكن المزدحمة في الأسواق والمساجد، وقد أعلنت الجماعة بالفعل عن اعتقال عدد من الأشخاص كانوا في طريقهم لذلك، كما أعلنت الجماعة الإسلامية بدروها عن أعمال مماثلة في مناطقها. * أنصار الإسلام والحركات الإسلامية الكردية: رغم أن التيار الإسلامي كان موجوداً في كردستان العراق منذ عقود بعيدة، إلا أنه لم يتشكل في هيئة جماعات إلا منذ نحو خمسة عشر عاماً، حيث أنشات مجموعة من الإسلاميين تضم علماء بعضهم ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، الحركة الإسلامية عام ١٩٨٨م، وتزعم الحركة الشيخ عثمان بن عبد العزيز الذي اضطرته ظروف الحكم البعثي إلى الانتقال لإيران، وكانت الحركة في منهجها العام جهادية، لكنها قريبة من فكر الإخوان المسلمين، وفي عام ١٩٩٢م أنشأت مجموعة أخرى من الإخوان المنشقين جماعة النهضة، ثم ظهر للعيان عام ١٩٩٤م الاتحاد الإسلامي الممثل للإخوان المسلمين في كردستان، وتبنى منهج الجماعة المعروف، وابتعد عن العمل الجهادي، وركز نشاطه في مجالي الدعوة والعمل السياسي، وفي عام ١٩٩٩م، اتفقت الحركة الإسلامية بزعامة الملا علي عبد العزيز الأب على الوحدة مع حركة النهضة، وأصبحت حركة الوحدة هي الجماعة الجديدة، ولكن الخلاف لم يلبث أن نشب بين الإخوة المتحدين، نتيجة تباين المواقف والرؤى تجاه عديد من القضايا، ولم تستطع الجماعة الوليدة أن تكمل عامين قبل أن تتفكك إلى ثلاث جماعات أساسية ما عدا بعض الفصائل الصغيرة، وهذ الجماعات هي: الجماعة الإسلامية بزعامة الشيخ علي بابير، والحركة الإسلامية بزعامة الملا علي عبد العزيز الابن، وجماعة جند الإسلام وأبرز قادتها أبو عبيد الله الشافعي، وكان الثقل العددي مع الجماعة الإسلامية والحركة الإسلامية، وفي ديسمبر من العام الماضي، توحدت حركات: جند الإسلام، والتوحيد، وحماس، لتكون جماعة أنصار الإسلام، والجماعات الثلاث الأخيرة هي جماعات جهادية، لها ميلشيات مسلحة، لكن أنصار الإسلام فقط هي التي تقاتل الأحزاب الكردية العلمانية. ومن هذا العرض المختصر يتبين التداخل الشديد بين فصائل التيار الإسلامي في كردستان العراق، خاصة في بداية النشأة، ثم فيما يتعلق بالجماعات ذات التوجه الجهادي، ولعل الصورة تتضح إذا علمنا أن أحد قادة الأنصار هو إحسان ابن الملا علي عبد العزيز زعيم الحركة الإسلامية، وابن عم صادق عبد العزيز نائبه، ورغم الاختلاف بين الفصائل الثلاث، والذي كان يأخذ منحى حاداً أحياناً، إلا أن ذلك لم يمنع من وجود قدر من الولاء بينها، حيث كثيراً ما تدخل زعيم الحركة الإسلامية للوساطة بين الاتحاد الوطني والأنصار، كما أن الجماعة الإسلامية تتهم من قبل الوطني بتقديم دعمها لأنصار الإسلام، ومن أهم القضايا التي تثير خلافاً بين هذه التيارات الجهادية الثلاث ما يتعلق بالموقف من ممارسة العمل السياسي والأحزاب العلمانية، حيث تشارك كل من الجماعة الإسلامية والحركة الإسلامية في حكومة السليمانية مع الوطني، وتتلقيان دعماً مالياً منه، وتعتبر الجماعة الإسلامية أن علاقاتها مع الاتحاد الوطني تمثل مكسباً للإسلاميين.. وأيضاً الموقف من إيران؛ فكل من الجماعتين الأخيرتين لهما علاقات وثيقة مع الإيرانيين كما سيتبين لاحقاً. أما فيما يتعلق بالاتحاد الإسلامي فهو ينأى بنفسه منذ البداية عن هذه المشكلات، حيث يشارك في حكومة الحزب الديمقراطي في أربيل بوزير للعدل، ويعتبر أن التيار الجهادي بهذه الصورة يمثل معوقاً للعمل الإسلامي، لكنه سبق أن نسق لمرة واحدة مع الحركة الإسلامية في المجال السياسي؛ حيث تشاركت الحركتان في قائمة واحدة في انتخابات عام ١٩٩٢م، وكان زعيم الحركة الإسلامية على رأس القائمة. * العلاقات مع إيران: هناك مبدأ سياسي كردي يقول إن الأحزاب الكردية مضطرة لتقديم ولائها للدولة التي تقيم قرب حدودها، وهي مقولة صحيحة إلى حد كبير؛ فالحزب الديمقراطي يوالي تركيا التي يحتشد عند حدودها الجنوبية، ولا يبالي بإيران البعيدة عنه، وكذلك الاتحاد الوطني يوالي إيران، ولا يبالي بالأتراك، ولم تسلم الجماعات الإسلامية من ذلك كثيراً، ولكن باعتبار مخالف؛ فإيران هي الدولة المجاورة الوحيدة التي يمكن أن تقدم مساعدات مشروطة طبعاً لهذه الحركات، وهي التي يمكن أن تستخدم أراضيها للسفر إلى الخارج، إلا أن التباين العقدي مع النظام الإيراني كان يمثل عقبة اضطرت أغلب الأحزاب لتجاوزها، ووصل الأمر إلى حد الثناء على الحكومة الإيرانية، والاحتفال بذكرى الثورة الخمينية، كما فعلت الجماعة الإسلامية بزعامة علي بابير. ويمكن تحديد الأداء الإيراني في كردستان العراق في النقاط التالية: أولاً: بداية نقول إن المصلحة الإيرانية للوجود في تلك المنطقة تكمن في بعدين: الأول أميركي: حيث توقن إيران تماماً أن المخابرات الأميركية تسرح وتمرح فيها كيفما تشاء، يعني على مرمى حجر من حدودها، ولأن قدرة الإيرانيين على السيطرة على حزب علماني مثل الاتحاد الوطني في مقابل إغراءات أميركية، تبقى محدودة، فإن المجال الوحيد يبقى محصوراً في الجماعات الإسلامية التي تبحث عن أي داعم لها. أما البعد الثاني، فيعبر عن مصالح حدودية وداخلية؛ حيث يحسب الإيرانيون لقيام نظام عراقي جديد في بغداد في حال أسقط نظام صدام حسين، وهو ما يعني أهمية المسارعة في تثبيت أقدام مخابراتية قوية في المنطقة، وتأمين الحدود، ومن ناحية أخرى، فإن طهران تحتاج إلى دعم كردي عراقي لكي تقمع النشاط الكردي على أراضيها. ثانياً: تستغل حكومة طهران الضغوط والحصار المفروض على الجماعات الإسلامية في تقديم مساعدات مشروطة، تشمل دعماً مالياً سرياً بطبيعة الحال، ومع تزايد الحصار المالي في ما يتعلق بجمع التبرعات، وتمويل العمل الإسلامي بعد أحداث سبتمبر؛ فإن العون الإيراني يكتسب أهمية استراتيجية لدى من يقبله. ثالثاً: تتدخل إيران عن طريق الوساطة بين الاتحاد الوطني والأحزاب الإسلامية المختلفة؛ فقد سبق أن عقد اتفاق سلام بين حركة الوحدة تفككت والوطني في طهران، كما تمارس إيران ضغوطاً للتأثير على أداء تلك الحركات؛ حيث أجبرت الحركة الإسلامية على الانسحاب من حكومة الحزب الديمقراطي في أربيل بعد أن شاركت فيها. رابعاً: تستخدم الأراضي الإيرانية من قِبَل كل الحركات الإسلامية في السفر إلى الخارج، أو كمهرب قريب وآمن، فقد اضطر الملا عثمان أول زعيم للحركة الإسلامية إلى الانتقال إلى إيران أثناء الحكم البعثي في أواخر الثمانينيات، بعد مأساة حلبجة، كما تكرر ذلك أيضاً بعد القتال الشديد مع الاتحاد الوطني في النصف الأخير من العام الماضي بعد تفكك حركة الوحدة. ويبقى أن نحدد طبيعة العلاقة بين أنصار الإسلام وإيران: فأولاً حسب الاتهامات الموجهة من أطراف عديدة؛ فإن أنصار الإسلام جماعة أنشأتها إيران نفسها لكي تثير القلاقل في المنطقة، وتستطيع السيطرة من خلالها، وقد تبنى هذا الاتهام الحزب الديمقراطي، وأعلنه عدي بن صدام الذي أكد أن «اللعبة كلها إيرانية صرفة» ، وواضح أنها اتهامات جزافية لا تستند إلى أي أدلة حقيقية، ولكن يبقى بعد ذلك أن هناك غموضاً في حقيقة هذه العلاقة؛ فمن الناحية العلنية تعتبر أنصار الإسلام أن إيران دولة مؤسسة على نظام عقدي مخالف لأهل السنة والجماعة، ويشتد نكيرها على من يتحالف معها، أو يمدح نظامها، كما حدث مع الجماعة الإسلامية بعدما ألقى أميرها الشيخ علي بابير كلمة أثنى وترحم فيها على الخميني، وقد ردت الجماعة الإسلامية على الأنصار ببيان قالت فيه إن «جميع الأطراف في كردستان تنتفع من علاقتها مع إيران، ومن ضمنها جماعة أنصار الإسلام التي يستخدم بعض أعضائها أراضيها للسفر والتنقل إلى الدول الأخرى، فلماذا يوجه اللوم لها وحدها؟» ، وكان الملا كريكار قد اعتقل في مطار أمستردام في هولندا قبل أيام إثر عودته من إيران في طريقه إلى النرويج، وهو ما يطرح تساؤلاً: لماذا تسمح حكومة طهران لقادة الأنصار باستخدام أراضيها للسفر، وهي تعلم موقفهم العقدي المعلن منهم، وممن يمدح نظامهم؟ ولا يشترط أن تحمل الإجابة عن التساؤل اتهاماً أو سوء ظن، لكن على الأقل فإن إيران تنجح كثيراً في استغلال الظروف لاختراق العمل الإسلامي، ولا نقول الجماعات الإسلامية فهناك فرق بين الحالتين في غيبة تامة عن أهل السنة. * القاعدة والأنصار: يتوقع كثيرون أن يطالعوا في هذه الفقرة نفياً قاطعاً لأي علاقة بين أنصار الإسلام الكردية والقاعدة؛ ولكن من يدعي ذلك فلا بد أن يجافي المنطق والمعقول، وليس معنى ذلك بالضرورة أن هناك علاقة أكيدة بين الطرفين، وهذه ليست أحجية، لكننا ينبغي أن نحاول تغيير منهجنا في تلقي الأحداث والتعامل معها، وقبل أشهر كان المتعاطفون مع القاعدة يستنكرون إقدام أميركا على اتهامها دون دليل بتنفيذ هجمات سبتمبر، ثم لما أعلنت القاعدة معرفتها أو مسؤوليتها تحول النكير لديهم إلى افتخار. أما بالنسبة للأميركيين فإن منهجهم معروف منذ تلك الهجمات، وقد عبر عنه بعض الكتاب الغربيين بدقة حين قال: «أصبحت قاعدة: من المحتمل جداً.. ذات تأثير بالغ عند الحديث عن أي موضوع له علاقة بالقاعدة من قريب أو بعيد» ، وهذا يعني أن الحقيقة فيما يتعلق بهذه القضية لن تستنبط من أدلة وحقائق واضحة، إنما من معطيات ومعلومات غير مباشرة، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية: أولاً: كما ذكرنا في العدد السابق فإن اتهام أنصار الإسلام بتلقي الدعم والتمويل والخطط أيضاً من العراق وإيران والقاعدة، وربما من أطراف أخرى يوحي بهراء هذه الاتهامات كلها، وخاصة أن الجماعة لم تحقق انتصاراً على الاتحاد الوطني يتجاوز قدرة عالية على استخدام أسلوب قريب من حرب العصابات الذي يوقع خسائر في الطرف المقابل دون تحقيق تقدم واضح على الأرض، ولو كانت تتلقى بالفعل مثل هذا التمويل الثلاثي لكان الأمر مغايراً ولا شك. ثانياً: العلاقات بين المنتمين أو المشتركين في العمل الجهادي خاصة، والعمل الإسلامي عامة، خارج نطاق الدول المستقرة عربياً وإسلامياً، هي علاقات متداخلة ومتشابكة إلى حد كبير، بما يعني أن وجود صلة ما بين أشخاص أو مؤسسات أو هيئات، لا يعني بالضرورة أن يكون ثمة تعاون وتشارك بينهم في أعمال معينة، ويتعاظم الأمر عند الحديث عن ظاهرة مثل الجهاد في أفغانستان، والتي استوعبت لفترات طويلة، عشرات الآلاف من الإسلاميين الذين بقي منهم من بقي، وعاد منهم من عاد، ومن بقي ربما لم يثبت في مكانه، بل انتقل للجهاد في أماكن أخرى، وببساطة يمكن القول إن من اصطلح على تسميتهم بالأفغان العرب أو غير العرب من الطبيعي أن يوجدوا في أي دولة إسلامية، ومجرد ذلك لا يعني أنهم لا يزالون على علاقة بالقاعدة، ويتلقون منها التمويل. ثالثاً: أغلب من يتهمون الأنصار أنهم على علاقة بالقاعدة يصرون على ثلاثية: (الأنصار، وصدام، وبن لادن) ، وهذا الإصرار العجيب يحمل في طياته براهين الكذب نتيجة التباين الشديد بينهم، وربما لو اقتصر هؤلاء على وجود علاقة بين صدام والأنصار فقط لكان الأمر أقل غرابة. رابعاً: صرح محمد حسن محمد مسؤول العلاقات في الأنصار رداً على هذه الاتهامات بالقول إنه سيرحب بكل من يرغب في زيارة المنطقة للتحقق من هذا الادعاء، لكنه قال إن هناك عراقيين عرباً من أنحاء مختلفة لجؤوا إلى مناطق الجماعة كمسلمين يتعرضون لمضايقات الحكومة المركزية في بغداد. ختاماً: يبقى أن نقول إن العمل الإسلامي بجميع مجالاته: الجهادية والسياسية والدعوية، بات يحتاج إلى مراجعة بعد عقود طويلة من العمل، لن نقول إنها كانت عقيمة، ولكنها لم تثمر ما كان يرجى منها، وفي ظل العولمة الإجبارية التي يعيشها المسلمون عامة، والإسلاميون خاصة، ينبغي التنبه إلى أن جماعة صغيرة في أقصى المشرق يمكن أن يؤثر أداؤها على جماعات في أقصى المغرب، وأنه لا يمكن بحال أن نتخيل نصراً في هذه الحقبة المقبلة، والجماعات الإسلامية على هذه الحال البائسة من التشرذم، كما أن علامات النصر نفسها التي وضعها من قبلُ إسلاميون في المجالات الثلاث تحتاج بدورها إلى إعادة تأمل، وربما أمكن تناول هذه القضية في مرات قادمة.. والله المستعان.

стр. 4407

المسلمون والعالم المؤسسات التي تعنى بتشريح الإسلام في الغرب ! يحيى أبو زكريا [*] yahya@swipnet.se من الملفات المفتوحة والساخنة في الغرب ملف الإسلام وعلاقته بالغرب ومستقبله وديناميكيته الماضية والراهنة والمستقبليّة، ولدى دوائر القرار ومراكز الدراسات الاستراتيجية والاستشرافية حيز كبير من اهتماماتها بالإسلام، وكل ما يرتبط به من ثقافات واجتهادات وحركات ومسلكيات سياسية واجتماعية، وكل ما يمت إليه بصلة من قريب أو بعيد. وقد ازدادت الاهتمامات بالإسلام بعد الأحداث التي عصفت بأمريكا. وفي الغرب خمسة اتجاهات أو مدارس تضطلع بعملية تشريح الإسلام لتحقيق أهداف قريبة المدى، ومتوسطة المدى، وبعيدة المدى. وهذه المدارس هي: * المدرسة الأمنية: وهي الملتصقة بدوائر الأمن القومي ومكافحة الإرهاب، وتقوم هذه المدرسة بتشريح كامل ودقيق وتفصيلي للحركات الإسلامية؛ وتحديداً تلك التي لها قواعد في الغرب كالجماعة الإسلامية المسلحة الجزائرية، والجماعة الإسلامية المصرية، وحزب الله اللبناني وحركتي حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين، وحزب الدعوة العراقي، وجماعة أسامة بن لادن، وعشرات التنظيمات الإسلامية التي لها قواعد في الغرب أو تحاول التحرك في العواصم الغربية ضمن حيّز الحرية الموجود. وتتعاون الأجهزة الأمنية الغربية فيما بينها لرصد تحركات الأشخاص المشتبه بانتمائهم إلى هذه الجماعات. وقانون الاتحاد الأوروبي في بعض بنوده ينص على ضرورة التنسيق الأمني، وتبادل المعلومات. والتعاون قائم في أعلى مستواه في هذا المجال، وتستعين هذه الأجهزة بخبراء من العالم العربي والإسلامي في فهم المنطلقات الفكرية والفقه الخاص بهذه الحركات وآفاق تفكيرها واستراتيجياتها. وغرض هذه الأجهزة من تشريح حركات الإسلام السياسي هو الحفاظ على الأمن القومي ومنع تكرار ما يحدث في العالم العربي والإسلامي على أراضي الغرب، والحؤول دون تحويل الغرب إلى قواعد للراغبين في الإطاحة بنظمهم وإقامة مشاريع فكرية وسياسية في العالمين العربي والإسلامي مغايرة للعلمانية الغربية. وقد تكون هذه المشاريع معادية للغرب بالأساس، ويجري هاهنا التنسيق كاملاً مع الأجهزة الأمنية العربية للحصول على معلومات عن الأشخاص والتنظيمات الإسلامية، والأرشيف الأمني العربي دائماً مفتوح للغربيين خصوصاً فيما يتعلق بالخصوم الإسلاميين. لكن لم يسبق للأجهزة الأمنية الغربية أن تعاملت مع الإسلاميين على أراضيها بالطريقة التي يتعامل بها معهم رجال المخابرات العرب؛ فما دام هؤلاء في نطاق المعارضة الفكرية والسياسية فلا أحد يستطيع أن يطالهم؛ لأنّ حرية التعبير مكفولة في كل الدساتير الغربية، لكن إذا أراد أحدهم التلاعب بالأمن القومي الغربي فيكون بذلك قد جنى على نفسه؛ لأن الأمن القومي مقدّس في الغرب. * والمدرسة الثانية: هي المدرسة المرتبطة بوزارات الهجرة ودوائر الاندماج؛ حيث لدى هذه الدوائر مراكز للبحث والدراسات، وتضطلع هذه المراكز بتشريح ثقافة المسلمين وعاداتهم وتقاليدهم، والغرض منها ليس أمنياً على الإطلاق، بل الغرض منها فهم المسلمين عن قرب في محاولة لإدماجهم في المجتمعات الجديدة المستقبلة لهم، ولوضع قوانين تتماشى مع توجهات المسلمين، ولتجنيب المجتمعات الغربية التصادم مع من يمثلون الظاهرة الإسلامية الوافدة. وتستعين هذه الدوائر أيضاً ببعض الباحثين العرب والمسلمين، ولها أيضاً باحثوها الأصليون والذين يقومون في أحايين كثيرة بزيارات إلى عواصم عربية وإسلامية لفهم أسلوب حياة المسلمين وعاداتهم وتقاليدهم. * والمدرسة الثالثة: هي المدرسة الأكاديمية التي قوامها مجموعة كبيرة من المستشرقين والباحثين في قضايا العالم العربي والإسلامي، ومجموعة من المعاهد والكليات التي تعنى بالحضارة الإسلامية والحوار الإسلامي الغربي، وتضم هذه المدرسة ثلات اتجاهات: اتجاه منصف للحضارة الإسلامية ومتفهم للخلل الحاصل في حياة المسلمين والفرق الشاسع بين مسلكيات المسلمين وتعاليم الإسلام السمحة، واتجاه حاقد يهمه الانتصار لمنطلقاته الأيديولوجية ويحمّل الإسلام كل خيبات العالم العربي والإسلامي ويصوره أنه الخطر المحدق بالمنظومة الغربية، واتجاه ثالث عقلاني واقعي يحاول تفسير الأمور تفسيراً أبستمولوجيّاً وعلمياً. * والمدرسة الرابعة: قوامها مجموعة من مراكز الدراسات الخاصة التي تسوّق منتوجها البحثي لحساب وزارات خارجية ودوائر قرار ودوائر حساسة وحسب الطلب، وتوظف هذه المراكز خليطاً من الباحثين من مختلف الجنسيات والبلدان. ويمكن القول إن السرعة هي طابع الدراسات عن الإسلام السياسي التي تصدر عن هذه المراكز ذات البعد التجاري. * والمدرسة الخامسة: وقوامها مراكز محدودة لبعض أصحاب النفوذ الديني من مسيحيين ويهود، والغرض منها إشعال نار الفتنة بين المسلمين والمسيحيين بالنسبة للفريق الأول، ورسم منهجية علمية للتنصير من خلال فهم المسلمين وكيفية التسلل إلى عقلياتهم بالنسبة للفريق الثاني. ويبقى القول: إن المسلمين في الغرب صحيح أنهم تخلصوا من قمع سلطاتهم وباتوا يعيشون في وضع سياسي واقتصادي متميّز، إلا أنّه ومما لا شك فيه أنّهم قد أصبحوا حقل تجارب في مختبرات الأفكار والدراسات، ومن خلالهم تمكنت الدوائر الغربية وبامتياز الغوص في شعور ولا شعور مليار مسلم موزّعين بين طنجة وجاكرتا، وكل ذلك تم لها بأبخس الأثمان!

стр. 4408

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش qatamish@hotmail.com من يحاكم أمريكا على هذه الجريمة؟ بقايا العظام باتت بيضاء، وكأنها مدفونة هنا منذ قرون، مع أن هذه الرفات البشرية لم يمض عليها أكثر من أشهر. وهي كل ما تبقى من بضعة آلاف من الشباب الذين اتكلوا على الحماية التي توفرها معاهدة جنيف، لكنهم قضوا في ظروف مرعبة إما اختناقاً وإما إعداماً. وعند تكبير صورة الجثث يمكن بكل سهولة تمييز آثار أنياب الكلاب الشريدة التي تهيم على وجهها ليلاً في الصحراء. وتنتشر على قمة هذا الكثيب الاصطناعي الذي يبلغ طوله حوالى ٥٠ متراً عظام الأفكاك والأضلع والسيقان والجماجم المحطمة. وحولها الثياب الممزقة تشبه الرقائق. أما عن قرب فيمكن رؤية بعض بطاقات العناوين: كاراتشي، لاهور.. وعناوين أخرى. في داشت لايلي في أفغانستان بلغ عدد الرجال الذين لقوا حتفهم حوالى ٣٠٠٠، بعضهم كانوا قد قضوا اختناقاً خلال هذه الرحلة الجهنمية، وآخرون ناموا بين جثث رفاقهم الأسرى.. كانوا يصيحون ويتوسلون جزاريهم قبل أن يسقطوا تحت رشقات الرصاص. وقلعة جانجي، الحصن المنيع في ضواحي مزار الشريف، التي جعل منها دوستم مقراً للقيادة العامة، ستصبح في صلب الأحداث الآتية. إلا أنه وفيما كان البحث جارياً لتسوية الأمور تدخل وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد، ويبدو أنه خشي أن يسمح بإنهاء الحصار بالتفاوض إلى عودة المقاتلين الأجانب أحراراً من حيث أتوا: «سوف يكون من المؤسف أن تطلق حرية بعض الأجانب في أفغانستان، من جماعة القاعدة والشيشان وغيرهم ممن شاركوا مع طالبان، فيتمكنوا فيما بعد من ارتكاب الأعمال الإرهابية نفسها في بلد آخر» . وقد أكد في الأيام التي تلت ذلك: «إما أن يقتلوا أو يؤسروا؛ فهم أناس قاموا بأعمال فظيعة» . والحال أنه لم يكن لقادة تحالف الشمال أن يصموا آذانهم حين يعبر عن رأيه بهذا الشكل حليفهم وممولهم الرئيسي، عدا عن أنهم كانوا موافقين على ذلك. «الانتقام» هو عملياً الرياضة الوطنية وهو يخيم على المدينة تعطشاً للدماء. وبدا أن المجزرة محتمة. وفي قلعة زايني كانوا يجبرونهم على البقاء جالسين أرضاً جنباً إلى جنب في حقل واسع مسور. وسرعان ما وصلت قافلة من الشاحنات تحمل على قواعد هياكلها مستوعبات من الفولاذ المقوى. فأجبر الأسرى على السير في رتل أحادي ليحشروا في المستوعبات. ويروي أحد ضباط تحالف الشمال فضل عدم ذكر اسمه ما يلي: «كنا مسؤولين عن نقل الأسرى. في زايني تولينا أمر ٢٥ مستوعباً نقلت إلى شيبرغان. وقد ملأنا الواحد منها بحوالى ٢٠٠ شخص» . وإذ كدسوا فوق بعضهم مثل السردين في العلب المعدنية حيث لا هواء ولا نور في حرارة تزيد عن ٣٠ درجة مئوية راح عناصر طالبان يطلبون الرحمة. ولم تتأخر الاستجابة لطلبهم بحسب ما يؤكد أحد الجنود الأفغان الذي أقر بأنه هو نفسه قتل بعض الأسرى: «أطلقت النار على المستوعبات لأحدث فيها الثقوب من أجل التهوية ولقد سقط بعض القتلى» . وعندما سئل: «هل أنت شخصياً أطلقت النار لفتح الثقوب في المستوعبات؟ ومن أعطاك الأمر؟ أجاب:» إن قادتنا هم الذين أصدروا الأمر « لكن وراء صراحة هذا الرجل الكثير من الوحشية. فالكثير من ثقوب الرصاص التي عايناها على المستوعبات موجودة في أسفل أو في وسط جدرانها وليس في أعلاها؛ حيث كان يمكن فعلاً تأمين التهوية وتوفير فرص النجاة للأسرى. أحد سائقي التاكسي كان قد توقف على إحدى محطات الوقود المرتجلة المتكاثرة على الطرقات الرئيسية يروي:» يوم نقل الأسرى من قلعة زايني إلى شيبرغهان، توقفت للتزود بالوقود، وكانت تفوح رائحة غريبة فسألت صاحب المحطة عنها فقال لي: انظر وراءك. فرأيت ثلاث شاحنات محملة بالمستوعبات، والدم يسيل من كل مكان فيها. وقف شعر رأسي، إنه لأمر مرعب. وأردت أن أغادر المكان لكنني لم أستطع لأن إحدى الشاحنات كانت معطلة وسيارة التصليح كانت تقطع علي الطريق «. أما المشهد الذي لفت انتباهه ولا يقل رعباً عن الأول فكان في اليوم التالي أمام منزله في شيبرغهان:» رأيت ثلاث شاحنات تمرّ بمستوعباتها وهي أيضاً كانت تقطر دماً «. وبعض هذه المستوعبات لم يثقب بالرصاص الذي يأتي بالخلاص من الموت. ولا شك أن الأسرى فيها ظلوا ينازعون مدة خمسة أيام فيموتون اختناقاً وجوعاً وعطشاً. وحين فتحت في النهاية لم يبقَ فيها من شاغليها إلا البول والدم والبراز والقيء واللحوم المتعفنة. إن التهمة بالتواطؤ الأميركي سيكون نقطة حساسة في أي تحقيق محتمل، فالقانون الدولي في هذا المجال أو حتى القانون الوطني أو العسكري من جهة أخرى يستند في جزء كبير منه على إعادة بناء تسلسل الأوامر التي نفذت الجريمة على أساسها، وبمعنى آخر سيكون المطلوب معرفة من تولى قيادة العمليات في شيبرغهان.. يقول أحد السائقين:» كان هنالك حوالي ٢٥ مستوعباً، وقد كانت الظروف سيئة لأنه لم يعد بإمكان الأسرى التنفس؛ عندها أطلقت النار على المستوعبات فقتل الكثير من الأسرى. وفي شيبرغهان أنزل أولئك الذين حافظوا على نسمة حياة. لكن الكثير من عناصر طالبان كانوا قد غابوا عن الوعي لأنهم جرحوا أو لأن الوهن أصابهم. هؤلاء نقلوا إلى هذا المكان الذي يسمى داشت لايلي حيث صفوا. وقد قمت بثلاث رحلات إلى المكان وفي كل مرة كنت أنقل ١٥٠ سجيناً. كانوا يصرخون ويعولون فيما تطلق النار عليهم. وقد قام بالرحلة نفسها عشرة أو خمسة عشر سائقاً «. ويجيب سائق آخر عندما يسأل حول التواجد الأميركي:» نعم كانوا معنا هنا، في داشت لايلي «. وحول عددهم يقول:» كان هناك كثيرون، ربما ما بين الثلاثين والأربعين. رافقونا في النقلتين الأوليين لكن لم أرهم في المرتين الأخيرتين «. وبعد شهرين ما تزال آثار جرافات البولدوزر بادية في مكان المقتلة في داشت لايلي؛ فقد دفعت الجثث إلى الحفر ودفنت تحت أطنان من الرمال. [جايمي دوران - مجلة لوموند دبلوماتك الفرنسية - النسخة العربية - عدد سبتمبر ٢٠٠٢م] اطلبوا المسلمين ولو في الصين!! قالت السفارة الأمريكية في بكين إن جماعة إسلامية تسعى للاستقلال في جزء من الصين خططت لشن هجمات على سفارات في قرغيزستان. وقال متحدث باسم السفارة الامريكية في بكين توجد أدلة تشير إلى أن أعضاء في حركة تركستان الشرقية الإسلامية كانوا يخططون لشن هجمات على سفارات في قرغيزستان. وأوضح المتحدث أنه تم ترحيل اثنين يشتبه بأنهما عضوان في حركة تركستان الشرقية الإسلامية إلى الصين من قرغيزستان في أيار (مايو) الماضي. وأضاف تم ترحيلهما على أساس أنهما كانا يخططان لشن هجمات إرهابية. وقالت حكومة قرغيزستان إن الاثنين كانا يخططان لاستهداف سفارات في بشكك ومراكز تجارية وأماكن تجمعات عامة. وقال ريتشارد ارميتاج نائب وزير الخارجية الأمريكي أثناء زيارة للصين أن واشنطن أضافت هذه الحركة إلى قائمة المنظمات الإرهابية بعد محادثات مع بكين استمرت أشهراً عدة. وتقول الحكومة الصينية إن عشرات من أعضاء حركة تركستان تلقوا تدريباً خاصاً في أفغانستان أثناء حكم حركة طالبان، ودخلوا مرة أخرى إقليم سنكيانغ الشمالي الغربي حيث يأمل اليوغور المسلمون في الاستقلال وشكلوا خلايا سرية. وتقول الحكومة الصينية إن هذه الحركة التي يرأسها حسن معصوم تلقت دعماً وتوجيهات من أسامة بن لادن الذي تنسب إليه المسؤولية في هجمات أيلول (سبتمبر) ضد الولايات المتحدة. ويقول محللون غربيون إن الصين ألقت بثقلها وراء واشنطن في الحرب ضد الإرهاب لأسباب منها إضفاء الشرعية على حملتها الصارمة ضد اليوغور المسلمين. ودعت بكين المجتمع الدولي إلى دعم ما وصفته بالحرب ضد الإرهاب في كانون الثاني (يناير) عندما نشرت وثيقة تربط بين إسلاميين انفصاليين في إقليم سنكيانغ وبين بن لادن. وقالت إن ١٦٢ شخصاً قتلوا وإن أكثر من ٤٤٠ أصيبوا في الفترة بين عامي ١٩٩٠ و ٢٠٠١م بأيدي متشددين يسعون إلى إقامة دولة مستقلة يطلق عليها تركستان الشرقية. ويتشكك بعض المحللين الغربيين في وجود حركة حقيقية لاستقلال اليوغور، ويقولون إن الغالبية العظمى من اليوغور يكافحون في مواجهة الاضطهاد الديني وعدم المساواة ثقافياً واقتصادياً. وقالت منظمة العفو الدولية التي يقع مقرها في لندن إنها تشعر بالقلق من أن بكين ربما تستخدم الحرب ضد الإرهاب في شن حملة صارمة ضد اليوغور. [صحيفة (الزمان) العدد (١٢٣٠) ] العائد إلى الحظيرة أعلن الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي أن بلاده ستنصاع من الآن فصاعداً للشرعية الدولية بعد أن احتجت عليها لفترة طويلة. وفي خطاب ألقاه بمناسبة الذكرى الـ ٣٣ لثورة الفاتح في الأول من أيلول (سبتمبر) التي أوصلته إلى الحكم، قال القذافي: لا يمكن إلا أن ننصاع للقانون الدولي، ونستسلم للشرعية الدولية مهما كانت مزورة من قبل أمريكا وإلا فسنداس بالأقدام. وأضاف الزعيم الليبي في مدينة سبها التي تبعد ٧٠٠ كلم جنوب طرابلس، وحيث أعد عندما كان ضابطاً شاباً الإطاحة بالملكية إن سياسة ليبيا القادمة ستصبح جزءاً من سياسة الاتحاد الإفريقي ومن ثم فإن ليبيا لن تتصرف بمفردها مستقبلاً. وتابع: إن الذين كانوا يقولون بأن ليبيا دولة مارقة لن يستطيعوا ذلك بعد أن أصبحت سياستها جزءاً من سياسة الاتحاد الإفريقي. ومن جهة أخرى، أعلن القذافي أن ليبيا لا تستطيع التعلق بعواطفها مع العرب الذين مزقتهم العولمة ومشروع برشلونة حول الشراكة مع أوروبا. مضيفاً أن الجامعة العربية لا معنى لها، ذليلة وفاشلة ولا تساوي شيئاً، إذن وجودنا في الاتحاد الإفريقي أصبح ضرورة حتمية. [صحيفة القدس العربي، العدد: (٤١٣٦) ] الاستعداد للحرب بريطانيا تخطط للبدء في برنامج بقيمة ٥.٥ بليون دولار لتطوير برامجها العسكرية لضمان أدائهم في أي حرب تقوم بمنطقة الخليج. وجاء البرنامج رداً على الأداء الضعيف للمدفعيات المتطورة وطائرات الهليكوبتر والدبابات وأجهزة الاتصالات خلال تدريب نشر القوات السريع في عُمان في شهر أكتوبر. وتم الإعلان عن النواقص في تقرير صدر عن وكالة التدقيق بالبرلمان، وأُصدر في شهر يوليو. وأوضح المسؤولون أن وزارة الدفاع تخطط لاستثمار نحو ٥.٥ بليون دولار في الأعوام الثلاثة القادمة لتعزيز نواقص بريطانيا أثناء الحرب في الصحراء. ولم يتم الإعلان عن أي تفاصيل أخرى للبرنامج. وأفاد وزير القوات المسلحة البريطاني آدم إنجرام بأنه قد تم وضع مسودة لبرنامج التحسين. لكنه ذكر أن الوزارة قد تتطلب موافقة نهائية من أجل التمويل. [موقع ميدل إيست نيوز لاين - http://arabic.menewsline.com] ليس لإفريقيا أن تختار ما تأكل!! ! اتهم دعاة حماية البيئة (الخضر) الأوروبيون والتحالف الحر الأوروبي الولايات المتحدة بإرغام سكان إفريقيا الجنوبية المهددين بالمجاعة على قبول المساعدة الغذائية من المواد المعدلة وراثياً. وقالت جيل إيفانز نائبة رئيس التحالف الحر الأوروبي في جوهانسبورغ إن » الولايات المتحدة تستغل الدول الأكثر فقراً فترغمهم على تلقي مواد معدلة وراثياً أو الموت جوعاً، وهي تقوم بذلك دفاعاً عن مصالحها الخاصة «. ودعت إلى صيانة التنوع الحيوي والأمن الغذائي. وقد وافقت خمس من دول إفريقيا الجنوبية الست التي تعاني من مجاعة خطيرة، باستثناء زامبيا، على تلقي مساعدات من الذرة المعدلة وراثياً التي يوزعها برنامج الأغذية العالمي. وحذر هذا البرنامج الذي يتولى توزيع المساعدات الغذائية الأميركية أخيراً من أن ٢.٦ ملايين شخص مهددون بالمجاعة في حال استمرت زامبيا في رفض تلقي المساعدات. وقالت جيل إيفانز إنه» يحق لزامبيا، شأنها شأن أي دولة أخرى، أن تقرر ما تريد أن تأكل «. [موقع ميدل إيست أونلاين - www.middle-east-online.com] وثيقة (مصيبة) الجديدة كشفت صحيفة» هآرتس «العبرية عن وثيقة جديدة في مسلسل الوثائق التي يتم بلورتها بين نشطاء من الجانبين أعدت من قبل سري نسيبة مسؤول ملف القدس في منظمة التحرير، واللواء احتياط عامي إيلون الرئيس السابق لجهاز الأمن العام الإسرائيلي» الشاباك «. تتضمن هذه الوثيقة دولة فلسطينية على مناطق ١٩٦٧م مع تبادل أراضي وإخلاء المستوطنات جميعها مقابل حرمان الفلسطينيين من السيادة على القدس الشرقية والحرم والاكتفاء بإدارتها، وبقاء المدينة مفتوحة، وإسقاط حق العودة للاجئين إلى ديارهم والاكتفاء بإعادتهم إلى الدولة الفلسطينية. وفيما يلي نص الوثيقة كما أوردتها» هآرتس «: يعترف الشعب الفلسطيني والشعب اليهودي كل واحد للآخر بالحقوق التاريخية في ذات الأرض. فعلى مدى الأجيال سعى الشعب اليهودي إلى إقامة الدولة اليهودية في كل أرجاء أرض إسرائيل، بينما سعى الشعب الفلسطيني هو الآخر إلى إقامة دولة له في كل أرجاء فلسطين، يتفق الطرفان بهذا على حل وسط تاريخي يقوم على مبدأ دولتين سياديتين قابلتين للعيش تعيشان جنباً إلى جنب، وإعلان النوايا التالي هو تعبير عن إرادة أغلبية الشعب. فالطرفان يؤمنان بأن هذه المبادرة ستتيح لهما التأثير على قياداتهم ومن ثم فتح فصل جديد في تاريخ المنطقة. كما ويتحقق هذا الفصل بدعوة الأسرة الدولية إلى ضمان أمن المنطقة والمساعدة في ترميم وتطوير اقتصادها. إعلان النوايا: ١ - دولتان للشعبين: يعلن الطرفان عن أن فلسطين هي الدولة الوحيدة للشعب الفلسطيني، وإسرائيل هي الدولة الوحيدة للشعب اليهودي. ٢ - الحدود: تتفق الدولتان على إقامة حدود دائمة بينهما على أساس خطوط الرابع من يونيو ١٩٦٧م، وقرارات الأمم المتحدة ومبادرة السلام العربية (المسماة بالمبادرة السعودية) . - التعديلات الحدودية ستقوم على أساس تبادل الأراضي بشكل متساو بنسبة ١ إلى ١ وفقاً للأغراض الحيوية للطرفين، بما في ذلك الأمن والتواصل الإقليمي والاعتبارات الديمغرافية. - المنطقتان الجغرافيتان اللتان ستشكلان الدولة الفلسطينية الضفة الغربية وقطاع غزة تكونان متصلتين. بعد إقامة الحدود المتفق عليها لا يبقى مستوطنون في الدولة الفلسطينية. - القدس: القدس ستكون مدينة مفتوحة، عاصمة للدولتين: الحرية الدينية وحرية الوصول الكاملة إلى الأماكن المقدسة تكون مضمونة للجميع. - لا يكون لأي طرف سيادة على الأماكن المقدسة، دولة فلسطينية توصف كوصية على الحرم الشريف لصالح المسلمين. وإسرائيل توصف كوصية على الجدار الغربي لصالح الشعب اليهودي يجري الحفاظ على الوضع الراهن في موضوع الأماكن المسيحية المقدسة لا تجري أي حفريات داخل الأماكن المقدسة أو في نطاقها. - حق العودة: انطلاقاً من الاعتراف بمعاناة وأزمة اللاجئين الفلسطينيين، فإن الأسرة الدولية وإسرائيل والدولة الفلسطينية تبادر وتتبرع بالأموال لصندوق دولي لتعويض اللاجئين. - لا يعود اللاجئون الفلسطينيون إلا إلى دولة فلسطين، ولا يعود اليهود إلا لدولة إسرائيل. - الأسرة الدولية تقترح منح التعويض لتحسين وضع اللاجئين الساعين إلى البقاء في دولة عودتهم الحالية أو الساعين إلى الهجرة إلى دولة ثالثة. - الدولة الفلسطينية تكون مجردة من السلاح، والأسرة الدولية تضمن أمنها واستقلالها. - نهاية النزاع: مع التطبيق الكامل لهذه المبادئ يوضع حد لكل المطالب من الطرفين ويصل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني إلى منتهاه. [البيان الإماراتية، ٥/٩/٢٠٠٢م] واتصالات سرية على الرغم من أن مرشد الجمهورية الإيراني آية الله علي خامنئي سبق أن حذر الحكومة والبرلمان من مغبة الاتصال مع الولايات المتحدة وأكد أخيراً في لقاء مع أعضاء الحكومة ورئيس الجمهورية، معارضته لفكرة الحوار مع واشنطن، إلا أن كبير مستشاريه ورئيس» مجمع أهل البيت العالمي «الدكتور علي أكبر ولايتي، وزير الخارجية السابق، أقام مكتباً في دبي للاتصال مع الجهات المؤثرة في الولايات المتحدة لإيجاد أرضية مناسبة لقيام الحوار بين البلدين. وكشف دبلوماسي إيراني سابق على صلة بولايتي، أن الأخير أقنع خامنئي بضرورة فتح الحوار مع الولايات المتحدة قبل بدء الحملة العسكرية الأمريكية ضد العراق. وأضاف الدبلوماسي الإيراني أن ولايتي الذي تولى رئاسة الجهاز الدبلوماسي الإيراني لأكثر من ١٥ عاماً يحظى بثقة خامنئي مما يجعله مؤهلاً للقيام بدور ساعي البريد بين المرشد والإدارة الأميركية خصوصاً أن أخرين مثل هاشمي رفسنجاني، رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الذي حاول فتح قناة للاتصال مع الإدارة الأميركية الحالية عن طريق شركة كونوكو النفطية، وحبيب الله عسكر أولادي زعيم تنظيم» المؤتلفة الإسلامية «اليميني المناهض للإصلاحات، يسعون جميعاً لفتح قنواتهم الخاصة مع واشنطن التي لا تبدو راغبة في التحدث إلا مع الرئيس محمد خاتمي وأنصاره الإصلاحيين. والرئيس الأمريكي أعلن أكثر من مرة تنديده بما وصفه بالأقلية غير المنتخبة التي تتصدى للاصلاحات وتعرقل جهود خاتمي وأنصاره لتطبيق الإصلاحات. وتفسر أوساط المحافظين أن رفض إدارة بوش التعامل مع رسائل رفسنجاني والمحافظين بجدية، وتأكيده على أن إدارته ستواصل دعمها المعنوي للإصلاحيين والحركة الثالثة المطالبة بفصل الدين عن الحكومة وقيام الديمقراطية والمجتمع المدني، هي كلها بمثابة إعلان حرب على المحافظين والجهات القريبة من المرشد. ومبادرة ولايتي الأخيرة بفتح مكتب خارج إيران بتمويل من المرشد الأعلى، تدل على أن خامنئي نفسه قرر هذه المرة اختبار حظوظه لدى الإدارة الأمريكية بعد أن تبين للأميركيين أن خاتمي لا يستطيع حتى مصافحة نظيره الأمريكي في الأمم المتحدة طالما المرشد يعارض ذلك، وقد نقلت» جبهة المشاركة «الإصلاحية على موقعها في الإنترنت خبراً أفاد بأن الدكتور محمد جواد ظريف الرئيس الجديد للبعثة الإيرانية الدائمة لدى الأمم المتحدة ينوي تشكيل لوبي مؤيد لقيام العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، أكد أحد النواب في البرلمان أن ظريف مخول من جميع الأطراف بحل معضلة العلاقات مع الولايات المتحدة عن طريق مكاتب الأمم المتحدة، غير أن تسرب خبر فتح مكتب اتصال في دبي من قبل كبير مستشاري المرشد الأعلى، علي أكبر ولايتي، من قبل الأوساط القريبة من الإصلاحيين، كان بمثابة تأكيد على أن المرشد لم يخول ظريف بل أنه يعتمد على مستشاره الخاص، ولايتي، في مخاطبة» الشيطان الأكبر «. [صحيفة الشرق الأوسط - العدد ٨٦٧٤] هدية أمريكية! ترغب وزارة الدفاع الأميركية منح إسرائيل بطارية إضافية من صواريخ » باتريوت «من الطراز الجديد» باك ٢ «دون الحصول على مقابل. ويهدف الأميركيون من وراء منح هذه البطارية التي تساوي ملايين الدولارات، تعزيز منظومة الصواريخ المضادة. وقد تساهم البطارية الإضافية في طمأنة مواطني إسرائيل، وتضمن تمسك إسرائيل بموقف فاتر أثناء الهجوم الأميركي على العراق. وكانت الولايات المتحدة قد منحت إسرائيل في فترة حرب الخليج بطاريات صواريخ» باتريوت «، واعتبرتها في حينه» دواء مسكناً « بهدف خفض مستوى القلق الجماهيري الإسرائيلي، وبهدف تزويد إسرائيل بالرد العسكري على إطلاق صواريخ» سكاد «من العراق. ولم ترد إسرائيل حتى الآن على العرض الأميركي، لكنها قد تتنازل عنه. ويوضح جهاز الأمن الإسرائيلي سبب هذا الرفض المتوقع بما يستدعيه نصب هذه البطارية الإضافية من توظيف المزيد من القوى العاملة والميزانيات وهو ما لا يتماشى مع برامج تقوية الجيش الإسرائيلي. ويعد طراز» باك ٢ «مضاداً للطائرات، ويتم استخدامه في سلاح الجو الإسرائيلي. ويوجد طراز آخر هو » باك ٣ «معد للتصدي لصواريخ أرض - أرض فقط، وهو ما زال قيد التطوير، ويتطلع الجيش الإسرائيلي إلى حيازته في المستقبل. [موقع صحيفة يديعوت أحرنوت - www.arabynet.com]

стр. 4409

في دائرة الضوء دروس من حركة تحرير المرأة المصرية خالد أبو الفتوح abulfutoh@hotmail.com مع التحفظ على استخدام كلمة (تحرير) فإن الحركة التي عرفت بذلك الاسم في مصر إضافة إلى الحركة نفسها في تونس تعد من أهم الحركات ذات الأثر الاجتماعي التي عرفها عالمنا العربي في عصوره المتأخرة. وبالنظر إلى سبق التجربة المصرية وإلى موقع مصر وثقلها في العالم العربي والإسلامي فإن حركة تحرير المرأة فيها تعد حركة خصبة جديرة بالدراسة والاستفادة منها لمعالجة آثارها من ناحية، ولأنها مرشحة للتكرار بشكل أو بآخر في مواطن أخرى من ناحية ثانية. وقبل أن أذكر بعض هذه الدروس وهي عموماً ملحوظات أولية تحتاج إلى مزيد بحث ونقاش وبسط أحب أن ألفت النظر إلى ملحوظتين عامتين: الأولى: هي أن واقع المرأة المصرية والمسلمة عموماً آنذاك كان واقعاً يسوده الجهل والتخلف وأحياناً كثيرة القهر والظلم، وقد كان ذلك الواقع ينسب عند كثيرين من العامة إلى الدين والشرف والرجولة.. ولم تكن هذه الصورة منبتَّة الصلة عن واقع المسلمين عموماً الذي كان انحرافهم عن دينهم قد أدى إلى أمراض وتقهقرات (حضارية) كثيرة. الثانية: عندما ظهرت حركة تحرير المرأة المصرية بدا أنه يتفاعل فيها ثلاثة تيارات: اثنان منها رئيسان، هما: التيار المحافظ، والتيار (الوسطي الإصلاحي) بحسب النظر إلى الطرفين وليس إلى اعتداله والتيار الثالث كان ثانوياً من حيث حجمه ولكنه كان خطيراً من حيث دوره، وهو التيار التحرري الغربي؛ فإضافة إلى كون هذا الأخير حاداً في هجومه واضحاً في تبعيته، فإنه لعب دور (الفزاعة) للتيار المحافظ وللرأي العام، فكان وجوده يدفع من لا يرضى عن واقع المرأة وكان لا يرضي كثيرين من أصحاب الفكر والضمائر إلى تيار الوسط الإصلاحي والالتفاف حوله والرضا به رغم كون أفكاره والقائمين عليه ليسوا فوق مستوى الشبهات، ومن هذا التيار (الوسطي الإصلاحي) خرجت الدعوة (العملية) لتحرير المرأة لتتفاعل في المجتمع وتسير به خطوة خطوة في عملية متدرجة متصاعدة صبت في النهاية باتجاه تيار (الفزاعة) الذي بات مألوفاً فيما بعد (التيار التحرري الغربي) . وقد كان لهاتين الملحوظتين أثرهما في مسيرة هذه الحركة. وهاكم بعض الملحوظات التي نرى فيها دروساً ينبغي وعيها والاستفادة منها: * تحرير المرأة كتلة ضمن بناء ضخم: يشير أحد الباحثين إلى خطوط التماسِّ بين العرب والغرب، فيقول: « ... أدى تسرب الثقافة الغربية إلى العالم العربي إلى قيام ثلاث حركات كبرى متداخلة بعضها في بعض: أولاها: سياسية: وتتمثل في تزايد المطالبة بتقرير المصير. وثانيتها: اقتصادية اجتماعية: وتظهر في زيادة الطلب على بضائع الغرب وفنونه واقتباس المعايير الغربية بتعديلها أو بدون تعديل في تنظيم المظاهر المادية والخارجية للحياة العربية. كما ظهرت أيضاً في المطالبة بتحرير المرأة، وإلغاء نظام تعدد الزوجات، والسفور، والمطالبة بتحسين أحوال العامة من الناس. أما الحركة الثالثة: فثقافية وخلقية: فمن الجانب الخلقي أصبح أساس السلوك السليم هو الاقتناع الذاتي بسلامته والرغبة في المحافظة عليه، ومعنى هذا أن سلامة السلوك لم يعد أمراً تحتمه التقاليد أو النصوص المقدسة، بل أمر تقرره حرية الفرد وشعوره بدوره الاجتماعي ... » [١] . وقد احتلت قضية تحرير المرأة مكاناً بارزاً في حركة الاختراق الغربي لعالمنا العربي والإسلامي، حتى إن المعتمد البريطاني (كرومر) يشير إلى أن «وضع النساء في مصر وفي البلاد الإسلامية يعد عقبة قاتلة تحول دون رفع المستوى الفكري والشخصي الذي يجب أن يصحب دخول الحضارة الأوروبية إلى هذه البلاد [مصر] ، وإذا أرادت هذه الحضارة أن تحقق أفضل فائدة ممكنة فليس أمامنا إلا تعليم المرأة ... ويذكر كرومر ما نصه: إن هناك سؤالاً مفتوحاً يحتاج إلى إجابة، ألا وهو: هل تعليم المرأة [حسب المنظومة الغربية] يمكن أن يترك آثاراً صحية وإيجابية على سلوك الرجال؟ كما أنه يناقش على المستوى التصوري النتائج التي قد تنشأ عن ضعف التأثير الأخلاقي لتعليم المرأة، وما قد يترتب عليه من يأس من متابعة جهود الإصلاح، كما أنه يشير إلى أن تعدد الأدوار الإصلاحية (توجيه وإرشاد وشرح ومناقشة) لن تحدث التأثير المرجو ما لم يكن المرء قادراً على رفع مستوى المرأة، فذلك هو المدخل الأساسي لتنمية الرجل المصري وفق قواعد التعليم الأوروبي» [٢] ، ولذلك نجد أن حركة تحرير المرأة تواكبت مع حركة اجتماعية وسياسية ووطنية قوية وشاملة. وعلى ذلك فمن الخطأ بمكان محاولة معالجة موضوع المرأة منفصلاً عن الأبعاد (الحضارية) الأخرى، فالمسألة مسألة رؤية شاملة للإنسان والحياة والكون، وليست مسألة امرأة تخرج من بيتها أو لا تخرج، تعمل أو لا تعمل، ترتدي زياً معيناً أو لا ترتدي ... كما أن (كتلة) تحرير المرأة تحتوي على محاور متعددة عمل عليها دعاة التحرير، فكان هناك محور فكري ثقافي عمل من خلال النشاط في الصحافة والإعلام والتعليم الملوث بالأفكار العلمانية والاتجاهات الغربية، ثم بعد ذلك من خلال الأعمال الفنية المتنوعة. كما كان هناك محور تشريعي عمل على تغيير التشريعات الخاصة بالمرأة والأسرة لتتوافق مع النظرة الغربية للمرأة وحقوقها، كأحكام الزواج والطلاق والقوامة والحضانة والميراث. إضافة إلى ذلك كان هناك محور سياسي تمثل في إقحام المرأة إقحاماً في العمل السياسي، وفي التدخل بالضغوط السياسية بهدف التأثير على الأطراف المشاركة في الصراع حول القضية. وقد كانت هذه المحاور متواكبة وإن أحرز بعضها تقدماً ملحوظاً عن غيره في فترات ما، ولكن أصحاب التوجه التغريبي والعلماني لم يكلُّوا عن استكمال الدائرة من جميع محاورها؛ فكما أننا يجب أن ننتبه إلى مكان (أو مكانة) الكتلة في البناء الكلي يجب أن ننتبه أيضاً إلى جميع العناصر التي تتكون منها هذه الكتلة، كما يجب أن ننتبه كذلك إلى المتغيرات والتطورات التي تطرأ دائماً عليها وعلى من يحملها وعلى المستهدفين منها. * استغلال التباس الدين بالعادات والتقاليد: التبست في الواقع آنذاك الأحكام الشرعية للمرأة بالعادات والتقاليد، فكان ينظر إلى بعض هذه الأحكام على أنها (عيب) ، كما كان ينظر إلى بعض هذه العادات والتقاليد الخاصة بالمرأة على أنها (حرام) حتى ولو لم تكن كذلك في الحقيقة. وقد يكون هذا الالتباس مفيداً على المدى القصير؛ حيث يكون هناك أكثر من حائط صد ضد الهجمات المتوقعة، ولكنه على المدى البعيد له خطورته: ففضلاً عن كونه قد لا يقدم الدين في صورته الصحيحة فإن الارتباط بين هذين الحائطين يجعل سقوط أحدهما سقوطاً للآخر بشكل تلقائي، وهذا ما فعله دعاة تحرير المرأة الأوائل، فإنهم دعوا إلى تحرير المرأة في بادئ الأمر باعتبارهم مهاجمين لأوضاع اجتماعية شائنة يرفضها الدين وليسوا مهاجمين للدين، واستخدموا في هذا الهجوم آراء شرعية تحتمل الصحة والخطأ ولكنها عموماً قد يكون لها قبول فقهي للترويج لدعوتهم؛ فماذا فعل الرافضون لهذه الدعوة؟ الذي حدث أن معظمهم تخندق في موقع (المحافظين) فرفضوا هذه الآراء رغم وجاهة بعضها من منطلق أنها (عيب وحرام) ، وليس أدل على ذلك من كون أبرز من ردوا على قاسم أمين عندما أخرج كتابه (تحرير المرأة) كان محمد طلعت حرب الذي ارتبط اسمه فيما بعد بتأسيس الاقتصاد الربوي في مصر، بل إن القبطي واصف بطرس غالي كان مع علي الشمسي وهما عضوان في الوفد ممن عارضوا أمر سعد زغلول لصفية زوجته بخلع (البرقع) ومواجهة مستقبليهم في مصر سافرة الوجه.. صحيح أنه قد يكون لواصف بطرس غالي أغراض أخرى من هذا الرفض، ولكن صحيح أيضاً أن هذا البرقع ارتبط بقيم معينة في أوساط طبقية واجتماعية معروفة بغض النظر عن دين صاحبته أو التزامها بهذا الدين. والذي حدث أنه رغم الردود على دعاة تحرير المرأة فقد بقيت آراؤهم (الشرعية) يسعها الدين، وقد عزز هذه الآراء لدى الناس الواقع الذي كانت تعيشه المرأة، ومع طول الأمد، ومع المثابرة، ومع ضغوط القوى السياسية، ومع تغير تركيبة المرأة المصرية الفكرية والثقافية.. أصبحت آراء دعاة تحرير المرأة مقبولة، ومع قبولها انهارت المنظومة الاجتماعية الدينية الخاصة بالمرأة بأكملها.. وكان لا بد فيما بعد من تأسيس المنظومة من جديد على أسس صحيحة، وهي أن الأحكام الشرعية الخاصة بالمرأة (دين) يجب أن يلتزم به (كما هو) طاعة لله واستسلاماً له. * سبق أصحاب الاتجاهات التغريبية في التأثير على المرأة وتبني قضاياها: ويظهر ذلك جلياً في ظهور الصحافة النسائية وتعليم البنات: فباكورة الصحافة النسائية كانت مجلة (الفتاة) التي أصدرتها عام ١٨٩٢م هند نوفل التي تنتمي لأسرة لبنانية وخريجة إحدى مدارس الراهبات بالإسكندرية، وقد تولى والد هند اليوناني الأرثوذكسي وكان كاتباً إدارة مكتب (الفتاة) متناولين قضايا المرأة. وفي يونيو ١٨٩٦م ظهرت ثاني مجلة نسائية، وهي (الفردوس) للويزا حابلين التي نزحت عائلتها من قرية زوق ميخائيل بالشام. وفي نوفمبر ١٨٩٦م ظهرت مجلة (مرآة الحسناء) نصف الشهرية التي كان يصدرها (سليم سركيس) تحت اسم مستعار هو (مريم مظهر) . وفي ١٨٩٨م أنشأت ألكسندرا أفيرينوه، وهي تنحدر من أسرة يونانية أرثوذكسية كانت تتمتع بالحماية الروسية قبل نزوحها من بيروت، ودرست في إحدى مدارس الراهبات بالإسكندرية.. أنشأت مجلة (أنيس الجليس) الشهرية.. وجدير بالذكر أن ألكسندرا هذه مثلت نساء مصر في مؤتمر اتحاد المرأة العالمي للسلام المقام بباريس عام ١٩٠٠م رغم أنها كانت حاصلة على الجنسية البريطانية، كما كان لها نشاط اجتماعي وسياسي ملحوظ، وكانت تعقد صالوناً دورياً بمنزلها يلتقي فيه المفكرون والكتاب والشعراء من النساء والرجال، وقد عدها أحد المسؤولين البريطانيين «ذات فائدة كبيرة لجهاز مخابراتنا في هذا البلد [مصر] في العديد من المواقف» [٣] . وفي عام ١٨٩٩م أنشأت إستر أزهري مويال وهي يهودية من بيروت، ومتزوجة من شمعون مويال الماسوني مجلة (العائلة) نصف الشهرية، والغريب أن إحدى الجمعيات الخيرية الإسلامية أسندت لهذه اليهودية إدارة مدرسة بنات تابعة للجمعية. ومع احتدام الجدل حول قضايا المرأة في مطلع القرن العشرين خاصة بعد ظهور كتابات قاسم أمين بدأ في الظهور الصحافة النسائية (الإسلامية) ، أي التي لا يملكها ويصدرها غير مسلمين، وإلا فإن الوعي الإسلامي الصحيح بمثل هذه القضايا لم يكن تبلور بعد: فظهرت مجلة (الهوانم) الأسبوعية عام ١٩٠٠م، ويرأس تحريرها أحمد حلمي، وفي العام نفسه ظهرت مجلة (المرأة في الإسلام) نصف الشهرية، ويرأس تحريرها إبراهيم رمزي، وفي العام التالي ظهرت مجلة (المرأة) نصف الشهرية ورأست تحريرها أنيسة عطا الله وهي في الغالب مسلمة من الشام، وظهرت أيضاً مجلة (شجرة الدر) الشهرية، ورأست تحريرها سعدية سعد الدين زادة، وهي أول مصرية مسلمة تصدر مجلة نسائية. وفي عام ١٩٠٢م ظهرت (الزهرة) لمريم سعد، ثم في عام ١٩٠٣م ظهرت (الموضة) لسليم خليل فرح، «وقد تراوحت موضوعاتها من النقد الاجتماعي إلى التسلية، ولكن معظم هذه المجلات كانت قصيرة الأجل لم تترك أثراً يذكر» [٤] . ثم عاود النصارى الشوام إصداراتهم، فصدرت مجلة (السعادة) برئاسة تحرير ريجينا عواد عام ١٩٠٢م، وفي عام ١٩٠٣م أصدرت روزا أنطون التي تنتمي لأسرة يونانية أرثوذكسية نزحت من بيروت، وهي أخت فرح أنطون صاحب مجلة الجامعة وزوجة نيقولا حداد الكاتب المعروف، وكلاهما من الداعين إلى الفكر الاشتراكي، أصدرت مجلة (السيدات والبنات) . وفي عام ١٩٠٦م أصدرت لبيبة هاشم، وهي بيروتية مارونية درست في مدارس الإرساليات الإنجليزية والأمريكية، وكانت متزوجة من عبده هاشم الماسوني المعروف، أصدرت مجلة (فتاة الشرق) الشهرية، لتستمر في الصدور ثلاثة عقود بدون توقف، وهي أطول فترة صدور لمجلة نسائية آنذاك، وقد نشطت لبيبة على مستوى الجمعيات النسائية، وجابت أنحاء مصر وسورية لإلقاء محاضراتها. وبعد ذلك صدرت عدة مجلات نسائية لمصريات قبطيات ومسلمات معظمهن صاحبات رؤية مشوشة وملتبسة عن المرأة والإسلام، وقد كانت مجلة (الريحانة) التي أصدرتها جميلة حافظ عام ١٩٠٧م أول مجلة ترى في الإسلام طريقاً لتحسين أوضاع المرأة، مؤكدة أن العلمانيين والحداثيين لا يمكنهم احتكار الدفاع عن حقوق المرأة، ولكن هذه الخطوة جاءت متأخرة خمسة عشر عاماً استطاع فيها هؤلاء العلمانيون والحداثيون بذر أفكارهم في المجتمع المصري بشكل أو بآخر. والأمر نفسه يمكن قوله عن التعليم؛ وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى الدور الخطير الذي لعبته إرساليات التنصير الأجنبية والحكومات والجاليات الأجنبية؛ فقد كان للمدارس التي أنشؤوها ثلاثة أهداف: هدف ديني يتمثل في التنصير ونشر مذاهبهم الدينية، وهدف طائفي يتمثل في تزويد أفراد الجاليات بثقافاتهم الخاصة، وهدف سياسي يتمثل في نشر الثقافات والدعاية السياسية الأجنبية. وعلى هذه الأهداف أنشئت في عام ١٨٣٥م أول مدرسة أجنبية للبنات على يد المستر ليدز أحد المبشرين الإنجليز، ثم جاءت راهبات المحبة وأسسن مدرسة لتربية البنات سنة ١٨٤٦م، وحذا حذوهن الراهبات الفرنسيسكان وأنشأن مدرسة بالقاهرة سنة ١٨٥٩م، ثم أسست مس وتلي سنة ١٨٦٠م مدرسة إنجليزية، وقد نجحت بعد عشر سنوات من الدأب والمجاهدة في جذب كثير من الفتيات المصريات إليها، ثم أنشأت الراهبات الفرنسيسكان مدرسة أخرى ببولاق سنة ١٨٦٨م، وغيرها بالمنصورة سنة ١٨٧٢م. ولمواجهة هذه الحملات (التبشيرية) المذهبية بدأ الأقباط في منتصف القرن التاسع عشر في إنشاء مدارس للبنات، فأسست الكنيسة القبطية مدرسة للبنات في حي الأزبكية عام ١٨٥٣م، وأخرى في حارة السقايين بالقاهرة تحت إدارة البطريك سيريل الرابع، كما تم إنشاء مدارس قبطية أخرى بجهود أهلية. وكان لليهود أيضاً مدارسهم الخاصة بهم، ففي عام ١٨٤٠م افتتح أدولف كريميو وهو أحد رجال الدولة اليهود بفرنسا عدة مدارس في القاهرة والإسكندرية، ورغم أن هذه المدارس ما لبثت أن أغلقت أبوابها إلا أن الطائفة عادت فأنشأت مدرسة للبنات في الإسكندرية عام ١٨٦٢م، ثم جاءت الدفعة اليهودية التالية لتعليم البنات في التسعينيات من القرن التاسع عشر، عندما افتتحت جماعة الأليانس الإسرائيلية العالمية وهي مؤسسة خيرية يهودية فرنسية مدارس تعليم مشترك بالقاهرة والإسكندرية وطنطا. وبعد أن أخذت هذه الاتجاهات زمام المبادرة أنشئت أول مدرسة مصرية (غير طائفية) بخلاف مدرسة الحكيمات التي أنشئت عام ١٨٣٢م برعاية إحدى زوجات الخديوي إسماعيل سنة ١٨٧٢م هي المدرسة السيوفية، من أجل تعليم الجواري وبنات العائلة المالكة وكبار موظفي الدولة. وإضافة إلى الكتاتيب وبعض المدارس التي أنشئت بجهود فردية تعد جمعية تعليم البنات الإسلامية التي أنشئت عام ١٩٠١م باكورة العمل الموجه لتعليم البنات المسلمات. ويمكن القول إن هذه المدارس كانت إسلامية الانتماء، وهناك علامات استفهام كثيرة حول المفاهيم والمناهج التي كانت تدرسها، وهو ما يدل عليه ما سبق ذكره من تسنم إحدى الناشطات اليهوديات الماسونيات إدارة مدرسة بنات تابعة لجمعية خيرية إسلامية. وفي حين أن مدارس البنات (الإسلامية) متأخرة النشأة كانت تتوجه إلى تقديم تعليم مجاني لبنات الطبقات الفقيرة والمحرومة مرتكزة على تبرعات المحسنين وهو جهد تشكر عليه على أي حال فإن شريحة الأغنياء وعلية القوم اتجهوا إلى المدارس الأجنبية «ليتعود أبناؤهم وبناتهم الحياة الأوروبية والتفكير الأوروبي، فيصبح بينهم وبين سواد الشعب حائل كثيف من حيث الأخلاق والعادات والتفكير» [٥] . ويلاحظ في هذا المقام وجود نمو ملحوظ لتأييد الرأي العام لتعليم البنات على الوضع الذي كان قائماً، الأمر الذي رصده المعتمد البريطاني اللورد كرومر؛ حيث كتب عام ١٨٩٨م: إنه بالرغم من بطء التقدم إلا أنه «لم يعد هناك وجود للامبالاة التامة التي كان الرأي العام يواجه بها قضية تعليم البنات في السنوات الماضية» ، ثم عاد ليكتب بعد سنتين: «إن التغيير الذي حدث للرأي العام المصري في خلال السنوات القليلة الماضية بخصوص قضية تعليم النساء لهو تغيير مثير للانتباه» ، وفي عام ١٩٠٤م توصل إلى أن الرأي العام بالنسبة لتلك القضية قد «تحول تماماً» .. وكتب جورست الذي خلف كرومر في عام ١٩٠٧م: «أصبح لدى المصريين رغبة قوية في تعليم بناتهن تعليماً جيداً» .. وفي سنة ١٩١٣م كتب المستشار العام كتشنر: «إن المعارضة واللامبالاة التي كان المصريون يقابلون بها قضية تعليم البنات قد انتهت الآن تماماً» [٦] . وقد صاحب هذا النمو في الرأي العام نمو آخر في نسبة البنات المسلمات الملتحقات بمدارس الإرساليات التنصيرية؛ فمع تراخي الدولة في الاستجابة للطلب المتزايد على تعليم البنات «وجدت الإرساليات التبشيرية المسيحية المجال واسعاً أمامها لإقامة مدارسها، وظلت لوقت طويل أكبر مركز لتعليم البنات في مصر من حيث عدد التلميذات، ففي عام ١٨٩٢م كان عدد المدرسين بمدارس الإرساليات التبشيرية يبلغ ٣٦٠ معلماً في أكثر من ٥٠ مدرسة تولوا التدريس لحوالي ٩ آلاف تلميذة، في حين عمل ٢٠٠ مدرس في ٤٠ مدرسة أهلية ضمت أكثر من ٤ آلاف تلميذة. أما المدارس الحكومية فكان يعمل بها عشر مدرسين موزعين على ثلاث مدارس ضمت ٢٤٢ تلميذة. وإلى جانب ذلك فقد بدأت نسبة التلميذات المسلمات إلى نسبة التلميذات المسيحيات تتغير؛ ففي أوائل التسعينيات من القرن التاسع عشر كان من النادر وجود تلميذة مسلمة في إحدى مدارس الإرساليات التبشيرية، كما كان الالتحاق بتلك المدارس قاصراً على المسيحيات، وفي خلال العقدين التاليين أصبح ٣٠% من التلميذات في المدارس التابعة للإرساليات التبشيرية من المسلمات. ويلفت النظر استعداد الأهالي أو ربما اضطرارهم نظراً لانعدام البدائل لإلحاق بناتهم من دون أبنائهم بمدارس الإرساليات التبشيرية..» [٧] . ثم كانت خريجات هذه المدارس وأضرابها هن طلائع حركة تحرير المرأة المصرية وحجر الزاوية فيها. يقول الدكتور رؤوف عباس أحمد بعد أن يذكر أن النخبة المثقفة المصرية التي احتضنت (الجامعة المصرية) في العقد الأول من القرن العشرين كانت تؤمن بتحرير المرأة وبحقها في التعليم، وضرورة أن يكون لها دور في بناء المجتمع، يقول تحت عنوان: (الجامعة والتعليم المختلط) : «وما كان إنشاء القسم النسائي في رأينا إلا اختباراً من جانب القائمين على أمور الجامعة لمدى تقبل الناس لفكرة تلقي النساء العلم في الجامعة؛ فاللاتي انتسبن إلى القسم النسائي كن من سيدات الطبقة العليا في المجتمع اللائي نلن حظاً من التعليم في المدارس المصرية والأجنبية إلى جانب الأجنبيات المقيمات في مصر؛ فلم يكن الهدف إذن فتح أبواب التعليم الجامعي للمرأة المصرية بقدر ما كان اختباراً للنوايا والمواقف من تلك الفكرة» [٨] . ولا شك أن التيارات التغريبية والعلمانية في حركة تحرير المرأة وجدت واقعاً يقتضي التغيير، وفي الوقت نفسه كان هذا الواقع خالياً من المعارض أو المقاوم ذي الشأن، فانطلقت هذه التيارات بحرية وقوة ترسم للمرأة المصرية معالم تحررها من هذا الواقع وتقودها نحو تغييره.. وفرق كبير لو انتبهت لهذا الواقع وخطورته قوى إسلامية أصيلة وواعية، وأخذت زمام المبادرة نحو التغيير في الاتجاه الصحيح. * استخدام دعاة تحرير المرأة لحجج ضبابية: فتحرير المرأة المصرية كانت دعوة أقرب إلى الدعوى منها إلى الحقائق العلمية الاجتماعية، وقد استخدمت في هذه الدعوى أساليب كثيرة من الدعاية الهادفة إلى التأثير على العقول والنفوس، ليس من ضمنها المنطق الهادئ الرزين، ونضرب على ذلك مثالين: الأول: ما ادعاه مروجو هذه الدعوة فيما يخص العلاقة بين تحرير المرأة ورفع الحجاب وبين تقدم الأمم، فقد ربط هؤلاء بين تقدم الأمم الأوروبية وتحرير المرأة هناك، باعتبار أن تحرير المرأة هناك كان أحد مقومات وأسباب تقدم هذه الأمم، ثم قارنوا ذلك مع واقع تخلف البلدان الأخرى (وعلى رأسها الإسلامية) ووضع المرأة فيها، باعتبار أن وضع المرأة في هذه البلدان هو أحد الأسباب الرئيسة في تخلف هذه البلدان، ثم رتبوا على ذلك أن تقدم هذه البلدان مرهون إلى حد بعيد بتحرير المرأة، ويقصدون من ذلك: خروجها من إطارها الاجتماعي الإسلامي ولحوقها بنموذج المرأة الأوروبية أو نموذج قريب منه. فهل بالفعل كان تحرير المرأة الأوروبية سبباً في تقدم أوروبا، وعدم تحرير المرأة المسلمة (بمفهومهم) كان سبباً في تخلف البلدان الإسلامية؟ يشير الباحثون عادة إلى أن نقطة تحول المنحنى العمراني الأوروبي نحو الصعود كانت في الفترة ما بين ١٤٥٠ - ١٧٠٠م، وقد شهدت هذه الفترة وما تلاها تحولات دينية وثقافية وفنية وعلمية وصناعية عديدة أثرت بلا شك على بنية المجتمع الأوروبي فيما بعد، ولم تشهد هذه الفترة تقدماً يذكر في وضع المرأة في الغرب سواء من جهة النظرة إليها، أو من جهة حقوقها الاجتماعية ووضعها القانوني، أو من جهة تكوينها الثقافي ومساهمتها في نهوض المجتمع. هذا في حين أن بداية الحركة النسائية في الغرب التي أخذت على عاتقها الكفاح من أجل حصول النساء على حقوق متساوية ووضع قانوني عادل، والتي أدت إلى تغيرات جذرية في وضعهن الاجتماعي والقانوني وأحدثت تغيراً هائلاً في المجتمع الغربي تمشياً مع قيمه المتطورة الجديدة.. هذه الحركة تؤرخ عادة بعام ١٧٩٢م، عندما نشرت ميري ولستن كرافت (Craft Wollston Mary) كتابها الذي بعنوان (دفاع عن حقوق النساء) في إنجلترا. أي إن الحركة النسائية في الغرب كانت لاحقة لتقدم الغرب وقوته، ومن ثم فمن الصعب منطقياً قبول القول بأن هذه الحركة كانت السبب في تقدم الغرب وقوته، كما أن هذا التقدم شمل مجالات عديدة وساهمت فيه عوامل وظروف كثيرة، منها ما قد يعد إيجابياً يمكن اقتباسه أو محاكاته، ومنها ما قد يعد سلبياً ويعاب اقتباسه أخلاقياً أو إنسانياً.. فمن هذه العوامل والظروف: نقل علوم الأمم الأخرى (وخاصة المسلمين) والاستفادة منها وتطويرها، ومنها أيضاً: غزو هذه الأمم واحتلالها وإذلال سكانها ونهب خيراتها، فهل يستطيع أحد القول إن سبيل تقدمنا هو الاحتلال والنهب والاستغلال؟ ومن ناحية أخرى: فالناظر إلى واقع تخلفنا وعلاقته بواقع المرأة يرى أيضاً أن تردي أوضاع المرأة من وجهة النظر الصحيحة كان لاحقاً أو مصاحباً وليس متقدماً على واقع التخلف والضعف الذي نعيشه في واقعنا، وأن الأمة الإسلامية عندما كانت تتقدم الأمم كانت مكانة الأسرة والمرأة وواقعها فيها أقرب إلى تعاليم الإسلام منها إلى مكانتها وواقعها في حالة الضعف والتخلف؛ وقد كان لهذه الحالة أسباب وظروف عديدة أيضاً ليس من ضمنها تمسك المرأة المسلمة بتعاليم دينها، بل إن العكس هو الصحيح، وهو أن تخلي المرأة المسلمة عن هذه التعاليم كان أحد أسباب الضعف والتخلف وخاصة في الجانب الأسري والاجتماعي. المثال الثاني للأساليب الضبابية لدعاة تحرير المرأة هو: قضية المرأة والعمل: فلقد بدأت الدعوة إلى خروج المرأة للعمل وإعدادها لذلك بالمقدمات التالية: ١ - المرأة نصف المجتمع وتعطيلها عن العمل تعطيل لنصف طاقات المجتمع. ٢ - في المجتمع بعض النساء في حاجة للعمل لإعالة أنفسهن أو ذويهن. ٣ - بعض النساء المصريات يعملن بالفعل لسد حاجاتهن، ولكن في أعمال شاقة أو مهينة أو غير أخلاقية؛ لأنها لا تحتاج إلى تعليم، والمجتمع لا يمنعهن من ممارسة تلك الأعمال. ٤ - من الأفضل إعداد المرأة بتعليمها وتأهيلها لأعمال غير شاقة وغير مهينة ولا تعرضها لابتزاز أو تحرشات أخلاقية. إلى هنا والكلام جيد ومنطقي، ولكن لأن هذه المقدمات كانت مبتسرة ومنتقاة فقد أدت إلى نتائج أكثر سوءاً من الواقع المراد علاجه، وهو أن المرأة أصبحت مبتذلة أمام جميع الأفراد، وأن المشقة التي لاحقتها أنستها تميزها النوعي الأنثوي، وأفقدتها وظيفتها الاجتماعية، ومن ثم أثر ذلك كله على المجتمع بكامله. ولو أضيف إلى المقدمات السابقة المقدمات الأخرى (الساقطة عمداً) فلربما تغيرت النتائج نحو الأفضل، ومن هذه المقدمات: ١ - وجود خصائص تكوينية ونفسية للمرأة تقتضي تفردها وعدم الضغط عليها بأعمال لا تناسبها حتى وإن كانت أعمالاً شريفة أو تناسب الرجال. ٢ - أن عدم أداء المرأة لعمل مهني لا يعني عدم أدائها لدور فعال في المجتمع. ٣ - أن عمل المرأة لا يعني التفريط في هوية مجتمعاتنا أو تعاليم ديننا والتي منها: التكافل الاجتماعي، والتزام المرأة بحجابها الشرعي بالمفهوم الشامل، ونظام الأسرة في الإسلام. ٤ - أن ما سبق كله يقتضي: أ - إيجاد تعليم نوعي وإعداد خاص للمرأة يناسب طبيعتها، ولا يتعارض مع هوية مجتمعها وتعاليم دينها. ب - أن يكون القائمون على هذا التعليم والإعداد مؤتمنين ومهيئين لأداء هذه الرسالة. ج - وجود إطار إسلامي عام تلتزم به المرأة المسلمة إذا خرجت للعمل. د - البحث عن وسائل فعالة تساعد المرأة المتعلمة والعاملة على أداء رسالتها الاجتماعية الأساس. فإذا أضيفت هذه المقدمات إلى المقدمات السابق ذكرها لاختلفت النظرة واختلف الاتجاه واختلفت النتائج. * قوى تحرير المرأة والضرب تحت الحزام: لم تكن دعوة تحرير المرأة نابتة في بلادنا نبتاً طبيعياً، بل كانت نتيجة وجود تطورات استثنائية استخدمت فيها أساليب قسرية لإعادة تشكيل مجتمعنا حسب رؤية جديدة. ولم يتوان دعاة هذه الدعوة عن استخدام أساليب غير نظيفة والاستعانة بقوى غير بريئة وتحت مستوى الشبهات. فقد كانت أول المحاولات لـ (تحرير) المرأة المصرية من إطارها الاجتماعي الإسلامي على يد زعيم الحرب الفرنسي نابليون بونابرت وعسكره أثناء حملتهم على مصر والشام، فكما يذكر الجبرتي فإن أعضاء هذه الحملة فتحوا المجال وأحياناً حملوا على تمرد بعض النساء؛ حيث يقول: «ومنها [أي: أحداث سنة ١٢١٥هـ] تبرج النساء وخروج غالبهن عن الحشمة والحياء، وهو أنه لما حضر الفرنسيس إلى مصر ومع البعض منهم نساؤهم كانوا يمشون في الشوارع وهن حاسرات الوجوه لابسات الفستانات والمناديل الحرير الملونة، ويسدلن على مناكبهن الطُرَح الكشميري والمزركشات المصبوغة، ويركبن الخيول والحمير ويسوقونها سوقاً عنيفاً مع الضحك والقهقهة ومداعبة المكارية [سائقي الحمير] معهم وحرافيش العامة، فمالت إليهم نفوس أهل الأهواء من النساء الأسافل والفواحش، فتداخلن معهم لخضوعهم للنساء وبذل الأموال لهن، وكان ذلك التداخل أولاً مع بعض احتشام وخشية عار ومبالغة في إخفائه؛ فلما وقعت الفتنة الأخيرة بمصر [القاهرة] وحاربت الفرنسيس بولاق وفتكوا في أهلها وغنموا أموالها وأخذوا ما استحسنوه من النساء والبنات صرن مأسورات عندهم فزيُّوهن بزي نسائهم، وأجروهن على طريقتهم في كامل الأحوال، فخلع أكثرهن نقاب الحياء بالكلية، وتداخل مع أولئك النساء المأسورات غيرُهُن من النساء الفواجر» [٩] . ثم في عهد محمد علي وخلفائه انفتحت الدولة على الغرب فأرسلت البعثات إلى أوروبا وفتحت البلاد أمام نشاط الإرساليات التنصيرية تحت رعاية رجال الدولة فبدأ تعليم البنات على يد هذه الإرساليات كما سبق ذكره، واستغل نصارى الشام وأصحاب الاتجاهات التغريبية هذه الفرصة فنشطوا في مجال الصحافة والفن محتمين على وعي بالقوى السياسية والمتنفذين في الدولة. ثم كان الاحتلال الإنجليزي أكثر دهاءً من الفرنسيين، فأسند عملية التغريب ومنها تحرير المرأة إلى أيادٍ مصرية من الموالين له المتشربين لثقافته، فعملوا تحت حمايته بواجهة وطنية، فكان من هؤلاء: الشيخ محمد عبده، والقاضي قاسم أمين، والمحامي مرقص فهمي، ومنصور فهمي (والد صفية زغلول) ، وأحمد لطفي السيد. إلا أن سعد زغلول يعد أخطر هؤلاد دوراً؛ حيث كان على صلة وثيقة بالإنجليز، متشبعاً بأفكارهم، مقرباً إليهم، وفي الوقت نفسه كان أزهرياً، واستطاع بمقدرته الخطابية التي برز فيها وبألاعيبه السياسية أن يكتسب شعبية جارفة جعلت (الجماهير) المخدوعة تقبل منه ما لا تقبله من غيره.. ولم يترك سعد فرصة للترويج لـ (تحرير) المرأة إلا اغتنمها، فكان هو المنفذ العملي لهذه الدعوة، حتى إنه كان يشترط على السيدات اللواتي يحضرن لسماع خطبه أن يزحن النقاب عن وجوههن، ثم كان هو أول من نزع الحجاب عن المرأة المصرية عندما دخل بعد عودته من المنفى إلى سرادق المستقبلات من النساء، فاستقبلته هدى شعراوي بحجابها، فمد يده ونزع الحجاب عن وجهها وهو يضحك. وما زالت هذه الأساليب (غير النظيفة) مستمرة عبر قوانين وقرارات سيادية تجبر المرأة قسراً على سلوك نهج معين هو النهج الغربي العلماني، وتصدها وتحاربها للحيلولة دون التحول إلى نهج دينها وشريعة ربها.

стр. 4410

في دائرة الضوء الدارونية الاجتماعية بين حقوق الإنسان وحقوق الغوغاء أحمد محمد بكر موسى إذا كانت المساواة الإنسانية كما يفسرها الليبراليون، تعني «حق كل شخص في أن تكون لديه فرص متساوية لأن يصبح غير متساوٍ» [١] ، وإذا كانت هذه الفكرة قد وجدت طريقها إلى الواقع على مستوى الدول؛ وذلك في صورة الدول الخمس التي تتمتع بحق النقض في مجلس الأمن، وهي الدول التي يقول عنها مهاتير محمد رئيس الوزراء الماليزي: «إنها تتمتع بالمساواة أكثر من غيرها» [٢] وبمعنى آخر نالت حقها في أن تكون غير متساوية مع باقي الدول، وعلى مستوى الحضارات بسيادة الحضارة الغربية كما ينظر هنتنجتون، وعلى مستوى الأيديولوجيات بانتصار الليبرالية الذي أسماه فوكوياما نهاية التاريخ، وحتى على مستوى التاريخ «فقد نجحت الصهيونية في جعل المحرقة المزعومة تنال من الاهتمام أكثر من غيرها من أحداث التاريخ، واستطاعت استبعاد معاناة عشرات من الأمم والشعوب الأخرى» [٣] . إذا كان هذا على مستوى الدول والحضارات والأيديولوجيات والتاريخ؛ فماذا عن مستوى الأفراد؟ وإذا سلمنا مع تيري إيجلتون بأن المفهوم المعقول للمساواة يتشابك فعلاً بدرجة كبيرة مع مفهوم الاختلاف؛ وأن المساواة لا تتحقق بمساواة غير المتساوين، فهل لنا أن نتساءل معه عن مدى مفهوم الاختلاف الذي يسوغ الحق لأن يصبح الإنسان غير متساوٍ؟ وهل يمتد هذا الاختلاف إلى الحق في الوجود أو حق الحياة؟ وهل الأرواح تختلف ولا تتساوى؟ بما يسوغ أن يصبح الناس غير متساوين في حق الحياة، وأن يكون بعضهم أوْلى بالحياة من الآخر؟ وهل مستويات الأرواح تتدرج صعوداً وهبوطاً، فنجد مستوى أعلى لا يجوز المساس بحقه في الحياة بأي حال، ومستوى أدنى ليس له حق الحياة أصلاً؟ وعلى سبيل المثال: هل تتساوى روح الأفغاني بروح الأمريكي؟ والليبرالية التي تحكم العالم حالياً قد استطاعت التلاعب بحقوق الإنسان عن طريق تقسيمها إلى «حقوق» و «إنسان» ، وأجهزت على الاثنين، فقتلت الحقوق عن طريق تجزئتها إلى حقوق مدنية وسياسية وأخرى اقتصادية واجتماعية وثقافية، وبالطبع فالحقوق المدنية والسياسية تتمتع بالحق في أن تكون غير متساوية؛ فهي التي لا بد أن تأتي في المقدمة من الاهتمام، أما الحقوق الأخرى فتتأخر أو لا تأتي أصلاً فلا يهم [٤] . وبعد قتل الحقوق بدأت في تصنيف الإنسان؛ فهناك «الإنسان» وهو الذي يتمتع بجميع الحقوق؛ وذلك لما يتمتع به حسب مفهوم الاختلاف من فكر وثقافة وحضارة وخلافه، وهناك «الغوغاء» [٥] ، وهم الذين ليس لهم حقوق ولا حتى حق الحياة. وبين منزلة «الإنسان» ومنزلة «الغوغاء» منازل أخرى كثيرة؛ كل منزلة تزيد حقوقها كلما علت واقتربت من منزلة «الإنسان» ، وتقل كلما سفلت واقتربت من «الغوغاء» ، ورحم الله مالك بن نبي؛ فقد عفى الزمن على تقسيمه الثنائي القائم على: إنسان محور واشنطن، وإنسان محور طنجة جاكرتا. * الدارونية الأمريكية: لقد اقتنع المفكرون الأمريكيون بالمساواة الإنسانية كما يفسرها الليبراليون، ورأوا أن فكرة البقاء للأصلح التي قال بها دارون تصلح للتطبيق على الإنسان؛ وعلى هذا فيحق للإنسان أن يقتل الغوغاء؛ ففي أواخر القرن التاسع عشر كان إلفريد تاير ماهان يرى أن الولايات المتحدة مثل الكائن البيولوجي الذي يتمثل قدره المحتوم في النمو والتقوي عن طريق التوسع، وهذا هودزون مكسيم يقول: «إن قوانين الطبيعة التي كشف عنها دارون تجعل النزعة التوسعية الإمبريالية المصدر البيولوجي للولايات المتحدة، وأن الدولة مثلها مثل الكائن البيولوجي في صراعه من أجل البقاء: إما أن ينتصر، وإما أن يموت. ونتيجة للتفوق العرقي فإن الولايات المتحدة الأمريكية سيكتب لها النصر» . وفي نهاية النصف الأول من القرن العشرين يأتي نيقولاس سبيكمان الذي آمن بالدارونية الاجتماعية، واقتنع بأن الأقوى يحق له دائماً إخضاع الأضعف، وفي كتابه «الاستراتيجية الأمريكية في السياسة العالمية» يقول: «إن كل أشكال العنف بما فيها الحروب المدمرة مباحة في المجتمع الدولي» . وفي إطار الحديث عن القدرة المقارنة للأمم على الحياة نظر هنتنجتون إلى الولايات المتحدة وإنجلترا كأمة أكثر قدرة على الحياة في العالم، ولقد أكد هنتنجتون في عديد من أعماله على أن الأمريكيين هم العرق البشري الأرقى بيولوجياً، وبصفاقة مذهلة سوَّغ واحدة من أسوأ صفحات التاريخ الأمريكي وهي إبادة الهنود الحمر، بطرح أفكاره عن الإزاحة الطبيعية للهنود الحمر ذلك الجنس البشري غير الراقي من قبل الأنجلو سكسون الحيويين [٦] ، ولم تتوقف الدارونية الأمريكية عند حد إبادة الهنود الحمر ولا عند قذف هيروشيما ونجازاكي بالقنابل النووية العام ١٩٤٥م، ولا عند إلقاء الأسلحة الفسفورية على الفيتناميين العزل في الستينيات، وإنما هي ماثلة إلى الآن، ولك أن تنظر إلى أي صراع تشترك فيه القوات الأمريكية مع غيرها، تجد القوات غير الأمريكية أو «الغبار البشري» تتقدم إلى الموت، أما جنود الولايات المتحدة فإنهم لا بد أن يكونوا في مأمن، «بل إن مهمة حماية القوات الأمريكية تأتي قبل مهمة تحقيق السلام أو غيرها من المهام» [٧] . وفي هذا يقول سمير أمين: «إن نقاط الضعف في الاستراتيجية الأمريكية واضحة تماماً؛ فهناك ذلك الموقف الشاذ من الجمهور الأمريكي الذي يقبل الحرب ما دام أولاده لا يتعرضون لخطر القتل! هذا الموقف يشل فاعلية استراتيجية واشنطن فيضعها منوطة بمشاركة قوى حليفة مرؤوسة يطلب منها القيام بـ (العمل القذر) أي إنزال قوات برية تتعرض للمخاطر الطبيعية في أية ممارسة لعمليات حربية [٨] . * الدارونية التلمودية: وهذه الدارونية الإنسانية والإبادية الأمريكية هي في حقيقتها امتداد للدارونية اليهودية التلمودية؛ ففي التلمود الذي هو أشد قداسة عند اليهود من التوراة، أنهم شعب الله المختار، وفي التلمود أن أرواح اليهود تتميز عن باقي الأرواح بأنها جزء من الله، ومن ثم كانت أرواح اليهود عزيزة عند الله بالنسبة لباقي الأرواح؛ لأن أرواح غير اليهود هي أرواح شيطانية وشبيهة بأرواح الحيوانات. إنهم يؤمنون بأن غير اليهود مثل الكلاب والحمير والثيران، بيوتهم زرائب، وأرواحهم نجسة، وحياتهم بلا قيمة؛ ومن ثمَّ يجوز قتلهم وذبحهم وغشهم وسرقتهم. وهم يرون أن الإله قد خلق الأغيار على هيئة الإنسان لكي يكونوا لائقين بخدمة اليهود الذين خلقت الدنيا من أجلهم؛ إذ ليس من الملائم أن يقوم حيوان على خدمة الأمير، وهو على صورته الحيوانية [٩] ، وأنه لمما يؤيد دعوى امتداد الدارونية الأمريكية للدارونية التلمودية، ما حدث عند اكتشاف العالم الجديد، فعندما وصل المهاجرون البروتستانت الأوائل إلى أولى المستعمرات في نيوانجلند، اعتبروا أمريكا هي» أورشليم الجديدة «أو» كنعان الجديدة «وشبهوا أنفسهم بالعبرانيين القدماء حين فروا من ظلم فرعون» الملك الإنجليزي جيمس الأول « وهربوا من أرض مصر» إنجلترا «بحثاً عن أرض الميعاد الجديدة، وبالمشابهة أصبحت مطاردة المهاجرين البروتستانت للهنود الحمر في العالم الجديد، مثل مطاردة العبرانيين القدماء للكنعانيين في فلسطين، وكان المستعمر البروتستانتي يقتل الهندي الأحمر على أنه كنعاني فلسطيني، وكان يفكر في عالم دون هنود مثلما كان العبرانيون يفكرون في عالم دون كنعانيين [١٠] ، لقد حلم المهاجرون ببناء قدس جديدة، لقد أرادوا بناء مدينة للرب، فأقاموا لهذا الرب مدناً فوق أشلاء الشعوب [١١] ، وعلى هذا فالتلمود كان صريحاً تماماً في موضوع عدم تساوي الأرواح، ولم يعط الفرصة لتيري إيجلتون وغيره للتساؤل عن مدى المساواة الإنسانية، ولقد تبلورت هذه الدارونية أكثر مع ظهور الحركة الصهيونية؛ فالصهيونية شأنها شأن كل الحركات الاستيطانية الإحلالية تدور في إطار الرؤية المادية الدارونية التي حولت العالم بأسره إلى ساحة للقتال والصراع، البقاء فيها لصاحب القوة وليس بالضرورة لصاحب الحق، فالحركة الصهيونية الاستيطانية هي حركة إبادية عنصرية تنكر على السكان الأصليين أبسط حقوقهم الإنسانية، بل وتنكر حقهم في الوجود ذاته [١٢] . فقد ظهرت الدارونية الصهيونية في دير ياسين وصبرا وشاتيلا وقانا وغيرها، وهي ماثلة إلى الآن وواضحة في التفرقة في التعامل الصهيوني مع مظاهرات العرب ومظاهرات اليهود، والصحافة الصهيونية نفسها لاحظت الدارونية وتحدثت عنها [١٣] . ولم يقتصر الإيمان بالدارونية الاجتماعية على القيادة السياسية الإسرائيلية والجيش والشرطة فحسب، وإنما امتد إلى القضاء أيضاً، فتراه يصدر أحكاماً ثقيلة تصل إلى السجن المؤبد بحق الفلسطينيين لمجرد شبهة تهديد أرواح إسرائيلية، في حين يصدر أحكاماً تدعو إلى السخرية بحق إرهابيين وقتلة من الوسط اليهودي، وهو ما يهدد الحق في المساواة أمام القانون عن الجرائم والمخالفات المتماثلة [١٤] ، ولكن ليبرالياً لا الجرائم ولا المخالفات متماثلة؛ إذ كيف يتساوى الإنسان إذا كان معتدياً مع من يدافع عن أرضه؟ وعلى هذا فعندما يقول كلينتون:» قدر للولايات المتحدة أن تكون ضوءاً هادياً للعالم «وعندما يقول توماس فريدمان:» إسرائيل هي الدولة التي تقدم المثل الأعلى للأخلاق لمختلف دول العالم «فإنهما على حق!! فأي ضوء أهدى وأية مثل أعلى من هذه الدارونية؟ * الليبرالية العربية: إذا كانت الليبرالية تقر عدم تساوي الأرواح، وتقر أن من حق الإنسان أن يشعر أن روحه أهم وأسمى من حياة الآخرين، فهي بلا شك تقر حق الإنسان في أن يعتقد أن حياته وروحه أرخص وأقل في الأهمية من حياة الآخرين، وبذلك فنحن العرب لسنا ببعيدين عن الليبرالية؛ فنحن نرى أن أرواحنا هي أرواح الغوغاء التي لا تتساوى ولا يحق لها أن تتساوى بأرواح الإنسان، وهذه الليبرالية أصابتنا حكاماً وشعوباً وحتى نشطاء حقوق الإنسان. فبالنسبة للحكام نقول: إن احترام العالم للعرب مبني على احترام النظم العربية لمواطنيها في الداخل، ولكي نصبح قوة يعمل لها العالم حساباً يجب أن تنبع تلك القوة من الداخل، من مدى احترام النظم العربية لآدمية الإنسان داخلها. فإذا كانت حياة الشعوب العربية رخيصة جداً في داخل أوطانها فكيف نطالب أمريكا وإسرائيل باحترامها؟! [١٥] ، ولا أريد الخوض في القتل خارج نطاق القانون وغيرها من الممارسات في الوطن العربي؛ فهذا الموضوع بحاجة إلى مجلدات وليس إلى مقال في مجلة. وأما بالنسبة للشعوب العربية، فكأنما نظروا إلى كثرتهم العددية، فقلَّت قيمة أرواحهم لديهم؛ فكم من المذابح ارتكبت ضدهم وراحت الدماء هدراً دون رد فعل، ولكم هللوا لإصابتهم فرداً وقتلاهم بالمئات. وأما نشطاء حقوق الإنسان، فحقاً هم نشطاء حقوق الإنسان، وأما الغوغاء فما لهم وحياتهم؟ إن رؤوسهم لا تعنيهم في شيء فما دامت الأرواح لا تتساوى ليبرالياً فكذلك أعضاء الإنسان تتمايز ولا تتساوى إنهم ينظرون إلى مواضع أهم؛ حيث محاربة الختان، وتدريس الصحة الإنجابية، وحرية الشذوذ الجنسي، وليس أدل على حقارة رأس الغوغاء في نظر نشطاء حقوق الإنسان مما حدث في مؤتمر مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان الأخير [١٦] ، فقد تقرر عقد جلسة على هامش المؤتمر حول حقوق الإنسان الفلسطيني، وقد كانت الجلسة بعد الغداء الذي حضره أكثر من مائتين وخمسين خبيراً في حقوق الإنسان، وبالرغم من الإعلان أن الجلسة غير رسمية؛ فهذا محمد السيد سعيد مدير الجلسة يجلس في انتظار النشطاء الذين دخلوا حجراتهم بعد الغداء، ولكن طال انتظاره، وبعد أن يئس من خروجهم إليه أعلن عن بدء الجلسة التي لم يحضرها سوى خمسة وعشرين ناشطاً من نشطاء حقوق الإنسان! [١٧] . * إمكانية الترقي: هذه المنازل التي تبدأ بالغوغاء صعوداً إلى الإنسان - معذرة - التي تبدأ بالإنسان نزولاً إلى الغوغاء، ثابتة لا تتغير؛ بمعنى أن الإنسان لا يهبط بأي حال إلى مرتبة أدنى فضلاً عن تدنيه إلى مرتبة الغوغاء، وكذلك الغوغاء لا يستطيع الترقي إلى درجة أعلى ناهيك عن صعوده إلى الإنسان. * أخيراً: أيها الإنسان! أيها الغوغاء! لا تسيئوا الظن بي، فأنا لا أدعو إلى مساواة الأرواح معاذ الله ولا أنكر حق الإنسان في قتل الغوغاء، ولكن كل ما في الأمر أني قرأت أن الأوروبيين أعزهم الله بالارتفاع إلى الإنسان وحفظهم من النزول إلى الغوغاء لم يتأثروا بما يحدث للغوغاء في فلسطين، وأن الاتحاد الأوروبي تضامن مع إسرائيل ضد لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان!! وتذكرت كيف أن الأوروبيين تأثروا في عيد الأضحى الماضي بما ألحقه المسلمون بالخراف في أوروبا، وكيف طالب الاتحاد الأوروبي بوقف هذه الممارسات، ووقف ذبح الخراف في الخلاء؛ ولذا فإني أرجو» الإنسان «أن يمتنع عن قتل» الغوغاء «في الخلاء، وأن يقتله بلطف وفي أماكن بعيدة عن أعين كاميرات الإعلاميين ما أمكن؛ حتى لا تصل الصورة إليهم، وذلك من قبيل الإجراءات الاحترازية؛ فمن يدري؟ فلعلهم وإن لم يتأثروا الآن، فربما يتأثرون بعد عام أو اثنين!!

стр. 4411

الورقة الأخيرة أورام في البناء الثقافي د. أفراح بنت علي الحميضي حين تنبض الثقافة بهمّ الأمة، وحين تمد الأمة الثقافة بمقومات صمودها وعوامل بقائها وأصالة منبتها ونبل مخبرها، وإذا توثقت العلاقة بين الطرفين كان ذلك مدعاة لسيادتهما جميعاً، وإذا تهاوت تلك العلاقة فلا بقاء لواحدة دون الأخرى. وحيثما يكون للأمة رسالة يحملها مثقفوها عبر أقنية الاتصال لإبلاغها دعوة الخير للعالم أجمع يعيشون آنذاك حالة من الهم والقلق لأجلها، وإذا انتفى ذلك وفضل المثقفون سلوك طريق غير معبّد وأسلوب غير ممهد وطريقة ومنهج موسوم بالعبثية والمصلحة الفردية عند ذاك يظهر الخلل بين الجذر والساق، بين الأمة والثقافة، فلا الساق بقادر على السمو والعلو، ولا الجذر يستطيع وهبه مقومات شموخه، وتغدو العلاقة حالة من العقوق. وفي هذه الكلمات أضع بعض الجراح على ورم البناء الثقافي؛ مستحثة المثقفين والمثقفات لمهمة استئصاله قبل أن يتشعب فيهلك الجسم الواهن. - الورم الأول: الفجوة الواسعة بين المثقف المحلي ومطالب ورغبات وهموم وتطور المجتمع، والمعنى المقصود اتساع المسافة الزمنية بين المراحل التاريخية للتطور الثقافي، وهو أمر قد يُلبس بعض المثقفين التهمة حين يقفزون قفزات واسعة متجاهلين المراحل التي يمر بها المجتمع دون وعي بأن قفزاتهم قد تبعد بهم عن أرض الواقع. - الورم الثاني: ضعف الجانب الإبداعي لدى المثقف المحلي حتى غدت التكرارية والتلقي من الآخرين سمت بعض المثقفين. - الورم الثالث: انتفاء الهم الثقافي الذي يدافع عنه المثقف ويسعى لإجلائه؛ فقد يدور في دائرة من النرجسية والخيالية أو العبثية أو الحداثية وما بعدها، وهذا الانتفاء يجعل مساهمات المثقف هزيلة ضعيفة لا تصمد أمام تيارات العولمة وأعاصير التغريب. - الورم الرابع: وضع حدود بين الثقافة العربية والإسلامية، وهي حدود تدل على ضيق أفق واضعيها في فهمهم الشامل لمفهوم الثقافة الإسلامية؛ مما يؤدي إلى تهميش الأصول الثابتة التي ترتكز عليها الثقافة الإسلامية؛ ومن ثم تحييد قضية الولاء والبراء. - الورم الخامس: استلهام تجارب وثقافات الآخرين دون غربلة لما ينالنا ويمس ثوابتنا، ويدخل في إطار ذلك أيضاً المحاور الثقافية التي يدور حولها النص والمصطلحات، والجمل التي تعارض أسسنا وقيمنا. - الورم السادس: سعي بعض المثقفين إلى الإيهام بأن هناك خطاباً أنثوياً خاصاً مع ما يجره ذلك من رفض لصيغ الأمر والنهي الواردة في الشرع، والتي يدخل في محتواها الجنسان؛ إذ طالما في فهمهم أن للأنثى خطاباً يوجه لها فهي غير ملزمة بالخطاب الآخر وفي ذلك نكسة وعصيان. - الورم السابع: شعور بعض المثقفين أن العادات والتقاليد عنصر كبح لإبداعاتهم، ولهذا فهم يستغلون الفرص للخروج من إطاراتها إلى عوالم أوسع، ومجالات أفسح للتقليد والالتحاق بركب الآخر حتى وإن قاده ذلك الآخر إلى مصير منبوذ فلا هو ابن أمته، ولم يشأ الآخر أن يتبناه. - الورم الثامن: عدم إدراك بعض المثقفين للحدود التي يجب أن يقفوا عندها في محاولاتهم التجديدية وكتاباتهم الأدبية والتاريخية، بل وحتى العلمية؛ فهناك حدود لا تمس وثوابت لا تجس يجب أن يقفوا عندها؛ فالذات الإلهية والعبادات والقرآن وسيرة الرسول ﷺ وتراجم الصحابة والتابعين ولغتنا العربية ليست مجالاً للتغيير والتبديل والعبث. - الورم التاسع: حصر مفهوم الثقافة بالدراسات الأدبية والنقدية والتاريخية، واعتقاد ذلك يحدد مفهوم الثقافة، ويضيق أفق المثقف الذي هو إنسان مبدع. - الورم العاشر: المثقف مجدد وهو إذا حمل همّ بيئته كان مفجراً لآمالهم معالجاً لآلامهم، وكثير من المثقفين لا يكونون مماثلين للنابغة الجعدي أو الذبياني، وإنما تبدأ سيرهم الثقافية في صغرهم، فتتولاهم أسرهم رعاية واستنباتاً ورياً حتى تنهض هاماتهم الثقافية، وتسمق سوقهم الإبداعية الإيجابية، ولا يتأتى ذلك إلا إذا أدركت أسرهم أن مجتمعاً بلا ثقافة إيجابية أو مثقفين إيجابيين سيستسلمون بلا وعي تحت وقع الإعجاب بالآخر. - الورم الحادي عشر: استعجال كثير من المبتدئين نشر إنتاجهم دون وعي لمدى نضجهم وكفاءتهم، ومن ثم قد تتلقاهم وسائل الإعلام بالدعاية والتلميع دون أن يكون ذاك المثقف قد حوى تجربة ثرة تمكنه أن يعرضها؛ حيث يشمخ مغزاها ويسمو معناها، مثلما يعلو إطارها اللفظي وبناؤها الشكلي. - الورم الثاني عشر: تجاوز بعض المثقفين أطر مجتمعهم متناسين أن الثقافة نتاج عقول الأمة وهي أعظم راسم للهوية، ومحدد لبناء المستقبل، وبمعنى أدق كثير من المثقفين يتناسون أن تمايز الثقافات يعني تمايز الأمم، وهو أمر ينعكس على تمايز وجودها على الخارطة التاريخية. - الورم الثالث عشر: سعي بعض المثقفين إلى العالمية ولو على حساب غموض نصوصهم وأطروحاتهم وعروضهم، فيفضلون كونهم في هوامش العالم على أن تكون نصوصهم الثقافية في هوامش مجتمعهم، مما يعكس وجود فجوة هائلة بينهم وبين الجماهير، فلا هم الذين أخذوا بيد الجماهير إلى العالمية وفق ثوابت وأصول، ولا هم الذين استطاعوا أن يدخلوا العالمية تحت مظلة ثقافية واضحة قادرة على الصمود. يقول شوقي عبد الأمير: «أنا لا أعترض أن يقال عن شعري إنه شعر نخبوي؛ لأنه لدي همٌّ في القصيدة؛ وحتى يواكب هذا الهمُّ أي قارئ يجب أن يكون لدي حقيبة معينة. أنا لا أعتقد أن مهمتي كشاعر هو تحميس الجماهير أو إرضاؤهم، ولا أظن أن الهدف العميق للشعر هو مواكبة الشعب بكل طبقاته وطوائفه بأحاسيسهم اليومية وعواطفهم المباشرة، هذا صعب في مشروعي الشعري الذي الهدف منه تأسيس رؤيا جديدة للعالم.. نحن مطالبون بأن نأخذ بعين الاعتبار بكتابة نص جديد، وإلا فسنظل على هامش العالم؛ فالشاعر إما أن يقع على هامش المجتمع الذي هو فيه، أو يقع النص الشعري على هامش العالم، أنا أفضل أن أشتغل في هامش المجتمع من أجل نص شعري يقع في قلب السؤال الحضاري لا العكس» [١] . وبعد فإذا كان ذلك حصيلة فحص مبدئي للبناء الثقافي لجعله صامداً أمام محاولات فرض العولمة الثقافية؛ فإني أخلص إلى بعض المقترحات: ** من الضرورة أن يولد المثقف في مجتمعه، ويرضع من مجتمعه، وتنبثق أفكاره منه، وحيث تكون علاقته بالمجتمعات الأخرى والثقافات المغايرة علاقة احتكاك وصقل لا ذوبان. ** من وظائف المثقف أن يجدد نفسه ويكثر من الاطلاع، وأن يُدعم بين جوانحه موضوعاً يُسير أطروحاته ومناقشاته على أن يتبع ذلك الموضوع من حاجات بيئته. ** مثلما يدافع ساسة فرنسا وبريطانيا عن الثقافتين الفرنسية والإنجليزية من الذوبان في بعضهما يجب أن يقف مثقفونا نفس الموقف من الثقافة الإسلامية، بل إن الأمر يجب أن يتعدى الدفاع عن / إلى عرضها كنموذج خلاص للضحالة الفكرية التي تُغرق العالم؛ كيف وهي تحوي من مقومات الصمود ما لم يتوفر لغيرها، ومن المتوقع إذا دفعها أبناؤها إلى جدار العولمة أن تكون اللبنة الظاهرة فيه. ** ضرورة أن يدرك المثقفون عامة وأصحاب النظريات الثقافية خاصة أن لهم أن يمارسوا إبداعاتهم التجديدية في كل شيء إلا الثوابت. ** على الساعين إلى العالمية أن يدركوا أن الأدب الإنجليزي العالمي لم يكن عالمياً إلا بعد أن ذاب في المحلية الإنجليزية، والأدب الفرنسي العالمي لم يكن عالمياً إلا بعد أن خرج من بوتقة اللغة الفرنسية، أوَ ليس حرياً بنا أن ندخل العالمية تحت مظلة الثقافة الإسلامية؟! وحفظ الله أمتنا.

стр. 4412

رمضان - ١٤٢٣هـ ديسمبر - ٢٠٠٢م (السنة: ١٧)

стр. 4413

كلمة صغيرة دورنا الإعلامي المنشود يتطلب الإعلام الإسلامي، في ظل الأجواء الإعلامية الحديثة، إلى قوة دفع كبيرة وجهود عظيمة ليثبت مكانه بين التيارات الإعلامية الأخرى، سواء في مجال البث التلفزيوني والإذاعي، أو الإنترنت، أو في مجال الإصدارات المطبوعة؛ وذلك ليؤدي رسالته، ويحقق التأثير المطلوب، وهو تأثير مزدوج: تأثير في مجال نشر الدين، ومعالجة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية على أسس ومبادئ إسلامية. وتأثير في مجال التصدي لتيارات الفكر العلماني الذي يكاد يسيطر على أغلب الأجواء الإعلامية؛ مستخدماً أكثر الأساليب تقدماً، وأقواها تأثيراً. إن المؤسسات الإسلامية الإعلامية ينبغي لها أن تحقق أعلى المستويات الإعلامية الفنية بالقدر نفسه الذي ينبغي أن تحقق فيه أعلى مستويات الالتزام بالمنهج الشرعي الإسلامي، وأن تسير في ذلك على الخطط المنهجية المرسومة بدقة، والدراسات والبحوث المتخصصة. وفي مجلة البيان تتواصل الجهود لتحقيق تلك الغايات؛ فعلى مدى ١٦ عاماً منذ نشأتها مرت المجلة بمراحل تطويرية شملت كل المجالات العلمية والفنية؛ وذلك لتوسيع مجالها الإعلامي؛ ومن ثم تحقيق رسالتها المنشودة، وقد بلغ عدد النسخ الموزعة منها شهرياً الآن أكثر من ٧٠ ألف نسخة، مع نسبة (رجيع) قليلة ولله الحمد والمنَّة، بعد أن كان يوزع منها أربعة آلاف نسخة فقط في أعدادها الأولى، كما بلغ عدد الدول التي توزع فيها المجلة عن طريق منافذ البيع أو الاشتراكات مائة دولة. ولا تزال المجلة تهدف إلى أبعد من ذلك في سبيل تحقيق رسالتها الدعوية؛ مصغية في ذلك لكل ناصح، موسعة صدرها لكل رأي سديد، بل تدعو جميع القراء إلى المشاركة وإبداء الرأي، وإسداء النصيحة. نسأل الله - تعالى - السداد والتوفيق.

стр. 4414

الافتتاحية الحروب صعقات إحياء لا إماتة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فمنذ أن نعقت أو صاحت مطربتهم في الزمن القومي الثوري الغابر: «الغضب الساطع آتٍ وأنا كلي إيمان. الغضب الساطع آتٍ سأمر على الأحزان..» . منذ ذلك الحين وغضبهم إلى أفول، وأحزاننا في سطوع.. ولم نر منهم سوى المعلقات والشعارات، فإذا تلك العنتريات يتبعها أقوال ودعاوى من مثل «سأمشي على جرحي وأقاوم» و «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة» ، و «سنلقي بإسرائيل في البحر» ، و «من لا يعجبه أن يشرب من البحر الأبيض فليشرب من البحر الأحمر» ، أما على أرض الواقع فلم يأت على عدونا غضبهم بل أتى علينا نحن، ولم يمشوا على جراحهم بل مشوا على جراحنا، ولم يقاوموا، ولم يستردوا، ولم يلقوا بالعدو في البحر، بل كانت الهزائم تلو الهزائم، وشربنا نحن من البحر الميت!! وبعد أن كانت واقعيتهم في الزمن الثوري تقول: إننا نرفض أن تجرنا (إسرائيل) إلى معركة لا نكون مستعدين لها أصبحت ثوريتهم بعد الأفول تقول: لن نسمح لـ (إسرائيل) بجرنا إلى الحرب، ولن نعطي لها الفرصة لكي تهرب من السلام. وأصبحوا يرفعون راية (سلام الشجعان) البيضاء شعاراً، وأفرغوا غضبهم الساطع دوماً تنكيلاً وإرهاباً في طلائع الأمة التي ترفض الاستسلام؛ لأن شبابها هم أعداء السلام الذي يريدون. حاولوا أن يقنعونا بأن عقولهم النيرة وأبصارهم الثاقبة اكتشفت مؤخراً ويا له من اكتشاف أن في أعدائنا حمائم وصقوراً، وأن حنكتهم السياسية التي لا تنضب تعمل على استمالة الحمائم حتى ولو كان ذلك بالتنازل عن حقوق مصيرية للأمة.. أما نحن فلم نر إلا صقوراً وصيادين وأكلة، ربما لم نر الحمائم لأنها اختبأت خلف الصقور! أو لأن الصقور التهمتها، وربما لم نر الحمائم لأننا ننظر دائماً إلى بعيد فلم تقع أبصارنا إلا على الصقور.. وأثناء تأملنا في قصة الحمائم والصقور لم نجد بين أشاوسنا حمائم وصقوراً، بل وجدنا حمائم وعصافير تهاب الصقور، وتقدم بعض صغارها قرباناً لاتقائها!! لم يقتصر الأمر على فلسطين، بل امتد ليشمل امتدادات جغرافية وقِيَمِيَّة واسعة في عالمنا الإسلامي؛ فمن الفلبين إلى البوسنة والهرسك، إلى الشيشان إلى كوسوفا إلى تيمور الشرقية وإندونيسيا إلى أفغانستان إلى جنوب السودان إلى الهند إلى العراق المهدد بحرب لا تبقي ولا تذر يتواصل الاستهداف وتتواصل المذابح.. ويتواصل أيضاً خنوع الحمائم والعصافير وتنازلاتها. ومن التضييق على الدعوة ومحاصرة شبابها إلى خنق التعليم الديني وتقليصه، إلى نشر الفساد والإباحية في وسائل الإعلام، إلى هدم القيم الإسلامية للمرأة والمجتمع، إلى محاولة تغيير مفاهيم الإسلام الأساسية، إلى قصد النيل من رموز هذا الدين ومقدساته.. تتواصل الحملات في الداخل والخارج. إن امتداد هذه الاعتداءات وشراستها يشيران إلى أن القائمين عليها وبها تسرب إليهم إحساس بأنهم في مأمن من غضبة قوية ترد على مثل هذه الحملات التي باتت صليبيتها وعلمانيتها بادية للعيان، وهو الأمر الذي وضح في تكرار ذكر (الحملات الصليبية) على ألسنة مسؤولين غربيين كبار، وفي تكريم المتمردين على الإسلام ممن كانوا ينتمون إليه أمثال سلمان رشدي، ونصر أبو زيد، وتسليمة نسرين، بل وتكريم بعض المتهمات بالزنا، مثل النيجيرية «صفية حسيني» التي منحتها سلطات العاصمة الإيطالية روما جنسيتها الشرفية؛ لمجرد أنها نجت من حكم بالإعدام رجماً بالحجارة وفق قوانين الشريعة، في إحدى ولايات الشمال النيجيري. بل إن هذا الإحساس كان عاملاً في تشجيع بعض الكتاب في الغرب على بث سموم حقدهم على الإسلام والمسلمين باطمئنان، ومن آخر ذلك: الهجوم الذي شنته الصحفية الإيطالية اليهودية «أوريانا فالاتشي» التي نشرت كتاباً بعنوان (السخط والكبرياء) ، بيع منه مليون نسخة في إيطاليا في غضون شهر، وقد رفضت محكمة فرنسية حظر نشر الكتاب في فرنسا؛ رغم أنه يحض صراحة على كراهية المسلمين وازدرائهم في كل مكان، ودعوته لإعلان الحرب عليهم، وعدم الانجرار إلى التمييز بين واحدهم والآخر؛ فجميع المسلمين في نظرها متطرفون وقتَلة ومتخلفون وأميون، ناهيك عن التطاول على القرآن الكريم ومشخصات الإسلام.. بل إن هذا الإحساس جرأ أمثال القس المعروف فرانكلين جراهام (المستشار الروحي) للرئيس بوش، وصديق العائلة المعروف الذي يقضي عطلة في المنتزه الخاص بعائلة بوش كل صيف.. على التهجم على الإسلام، ووصفه بأنه ديانة قبيحة وسيئة جداً، وأخيراً جرأ القس الأمريكي البارز جيري فالويل راعي الكنيسة المعمدانية الجنوبية في الولايات المتحدة التي يتبعها نحو ١٥ مليون شخص، من أبرزهم الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون.. جرأه على الهجوم المباشر والصريح على شخص رسولنا الكريم ﷺ ، قبل أن يقدّم اعتذاراً بارداً عما بدر منه. ولكن يبدو أن هذا الإحساس لن يدوم طويلاً إن شاء الله تعالى، فهناك عوامل متنامية تشير إلى أن الإجهاز على الفريسة الإسلامية والتهامها لن يكون بالسهولة التي يتمناها صائدوها وأكلتها، ونرصد هنا بعض هذه العوامل التي لا تخفى على أي متأمل: * فغرور القوة الذي أصيب به أعداء الأمة جعلهم يُقدِمون وما زالوا على حماقات وأخطاء لا يستهان بها، قد تصدر هذه الحماقات والأخطاء منهم بقصد توجيه عدة صعقات كهربائية نفسية تجهز على ما تبقى من روح في الأمة، ولكنا نراها بإذن الله لأننا نعرف حقيقة هذه الأمة صدمات كهربائية تقدر أمتنا على استيعابها، بل تساعدها على إفاقتها من غيبوبتها، وذلك بتنبيه مراكز الإحساس في منطقة الشعور الباطن لديها. * كما أن هذه الأمة بجميع فئاتها تشهد نمواً متزايداً في الوعي جعل أفرادها يدركون حقيقة الحرب الدائرة، وأنها حرب حضارية دينية في بعض جوانبها، وأنهم مستهدفون في هذه الحرب، وأن خيرات بلادهم محل أطماع من عدوهم، وجعلهم يدركون حقيقة مواقف زعماء الشعارات والتخدير الذين يتاجرون بقضايا الأمة، ولا يعملون إلا لاستمرار جثومهم فوق صدور أبنائها. * ويزيد من هذا الوعي وينميه تلاحق الأحداث، وسهولة التعرف عليها وعلى تفاصيلها ومشاهدتها ومتابعتها؛ فالمتغيرات الإعلامية المتلاحقة المفروضة على جميع الأطراف تجعل محاولات الوصاية والترشيح ضرباً من مصارعة طواحين الهواء، وهو الأمر الذي أجبر دهاقنة تشكيل الوعي على البحث عن أساليب جديدة لتزييف الوعي وإبطال أثر هذا التدفق المعلوماتي. * كما أن خروج الجيش (الإسرائيلي) ذليلاً مرغماً من جنوب لبنان، وإخفاق أجهزة الأمن (الجبارة) في أمريكا والغرب في توقع أحداث سبتمبر ومنعها، وعدم تحقيق قوات الحلفاء الغازية لأفغانستان أهدافها المعلنة من الحرب حتى الآن، واستمرار الانتفاضة الفلسطينية رغم الظروف الصعبة التي يحياها يومياً هذا الشعب الصابر، ورغم أساليب التنكيل والبطش والإرهاب التي يعامله بها عدوه المحتل.. كل ذلك حطم في نفوس أبناء هذه الأمة حاجز الخوف، وأزال من أذهانهم خرافة أن هناك قوة أرضية لا تقهر. وربما يكون ذلك أحد العوامل التي عجلت بالرغبة الأمريكية في غزو العراق والاحتلال العسكري السافر لمناطق البترول؛ حتى يزيلوا أثر هذه الأحداث، ويعيدوا هذه الخرافة إلى الأذهان مرة أخرى، ويحطموا المعنويات التي اشرأبت.. ولكن.. من يدري؟! فكثيراً ما تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن.. نحن في الحقيقة لا نرغب الحرب مع الأعداء في ظل اختلاف توازن القوى من ناحية، ومن ناحية أخرى لما للحروب من آثار تدميرية على المجتمعات في بناها الفوقية والتحتية. ولكن هذه التوجهات الشيطانية للتعجيل بالحرب التي يريدون إخافتنا بها وإن كانت الحروب صعقات إحياء لا إماتة تجعلنا نقول بثقة: إن الظن بأن هذه الأمة ماتت (أو ذبحت) ولم يبق إلا التهامها، هو محض وهم، ويجعلنا نقول بثقة إن ما قدَّر الله هو الخير الذي يحوي في طياته الرحمة والنعمة، وإن كان ظاهره الألم والمشقة؛ فهذه عقيدة إيمانية راسخة، تستضيء بنور الكتاب العزيز، وتستهدي بهدي النبي المصطفى ﷺ . [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) .

стр. 4415

دراسات في الشريعة أصل العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين (٢ ـ ٢) د. عثمان جمعة ضميرية [*] drothmanjd@hotmail.com * توطئة: كان الحديث في المقالة السابقة عن الأصل في العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين، وقد تبين أن هذا الأصل يقوِّم الدعوة وموقف غير المسلمين منها، فقد تكون هذه التعاملات سلماً، وقد تتحول إلى حرب؛ فهي ليست الحرب بإطلاق، وليست السلم بإطلاق. وفي هذه الحلقة نعرض رأي بعض الكاتبين المعاصرين في هذه المسألة، ثم نبدي بعض الملاحظات حياله، والله ولي التوفيق. * سابعاً: مذهب معاصر: في العصر الحديث ذهب بعض الكاتبين والباحثين إلى أن الأصل في العلاقات بين المسلمين وغيرهم هو السِّلم [١] . ولم نجد أحداً من علمائنا وفقهائنا السابقين قال بمثل ما قال هؤلاء المعاصرون [٢] . حتى الذين تكلموا على قضية السلم لم يكن كلامهم منصبّاً على القاعدة العامة المستمرة في العلاقات، وإنما على حالات معينة يدعو الإسلام فيها إلى السلم والمصالحة والبر بالمخالفين. وجاء كلامهم هذا في وقت كان المسلمون فيه يتربعون على قمة المجد؛ والعزةُ تملأ جوانحهم، والعدو أشدَّ رهبة ... ومع ذلك وجدوا أنَّ سماحة الدين الإسلامي ومبادئه الفاضلة تدعو إلى ذلك، ولن يُخشى أن ينتهي هذا الكلام بأحد إلى الدعوة لنبذ الجهاد وتركه حتى يقول إنه لا يجوز الجهاد إلا عندما يقع العدوان علينا، ولو وقع فينبغي دفعه سلماً، ثمَّ يكون التهافت على السلم الرخيصة الذليلة. * ثامناً: أدلة المعاصرين: استدل أصحاب هذا الاتجاه بأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية، ومن القواعد الفقهية العامة ومن المعقول. ولكن النظرة الدقيقة إلى ما استدلوا به ترينا أن عموم الأدلة التي استندوا إليها في غير محل النزاع، ولا تدل على ما ذهبوا إليه، إن لم نقل إنها تدل على عكس ما ذهبوا إليه. فمن القرآن الكريم: حشد أصحاب هذا الاتجاه مجموعة من الآيات الكريمة هي الآية (٢٠٨) من سورة البقرة، والآية (٦١) من سورة الأنفال، والآيتان (٩٠ و ٩٤) من سورة النساء، كما استدلوا ببعض الوقائع التاريخية والقواعد الفقهية التي ستأتي عند المناقشة بإذن الله تعالى. * تاسعاً: مناقشة أدلة المعاصرين: وبكلمة إجمالية نذكر أن هذه الأدلة قد وضعت في غير موضعها، وأنطقها هؤلاء بما لم تنطق، وحمّلوها ما لا تحتمل. ويظهر هذا بالنظر في هذه الأدلة واحداً بعد الآخر. - أما الآية الأولى، وهي قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً] (البقرة: ٢٠٨) . فإنها تأمر المؤمنين بالله تعالى المصدِّقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك [٣] . يقول شيخ المفسرين الإمام أبو جعفر الطبري ﵀: اختلف أهل التأويل في معنى «السِّلم» في هذا الموضع. فقال بعضهم: معناه الإسلام. قال ذلك: ابن عباس ومجاهد وقتادة والسُّدي وابن زيد والضحَّاك. وقال آخرون: بل معنى ذلك ادخلوا في الطاعة. قال ذلك الربيع بن أنس [٤] . ثمَّ رجح التأويل الأول وهو قول من قال معناه: ادخلوا في الإسلام كافة؛ لأن الآية مخاطب بها المؤمنون؛ فلن يعدو الخطاب إذْ كان خطاباً للمؤمنين من أحد أمرين: إما أن يكون خطاباً للمؤمنين بمحمدٍ ﷺ المصدِّقين به وبما جاء به. فإن يكن ذلك كذلك، فلا معنى أن يقال لهم وهم أهل الإيمان: ادخلوا في صلح المؤمنين ومسالمتهم؛ لأن المسالمة والمصالحة إنما يؤمر بها من كان يمارس حرباً بترك الحرب. فأما المُوالِي فلا يجوز أن يقال له: «صالِحْ فلاناً» ولا حربَ بينهما ولا عداوة. أو يكون خطاباً لأهل الإيمان بمن قَبْلَ محمد ﷺ من الأنبياء المصدّقين بهم وبما جاؤوا به من عند الله، المنكرين محمداً ونبوته، فقيل لهم: «ادخلوا في السلم» يعني به الإسلامَ، لا الصلح؛ لأن الله إنما أمر عباده بالإيمان به وبنبيه محمدٍ ﷺ وما جاء به، وإلى ذلك دعاهم، دون المسالمة والمصالحة. بل نهى نبيه ﷺ في بعض الأحوال عن دعاء أهل الكفر إلى الصلح فقال: [فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ] (محمد: ٣٥) ، وإنما أباح له صلى الله عليه وسلم في بعض الأحوال، إذا دعوه إلى الصلح، ابتداءَ المصالحة، فقال له جلَّ ثناؤه: [وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا] (الأنفال: ٦١) . فأما دعاؤهم إلى الصلح ابتداءً فغير موجود في القرآن، فيجوز توجيه قوله: [ادْخُلُوا فِي السِّلْم] إلى ذلك « [٥] . وحتى لو قلنا إن المراد» بالسِّلم «هو المسالمة والصلح وترك الحرب، فإن ذلك عند من قال به يعود إلى المعنى الأول، حيث جوَّز أبو علي الفارسيّ أن يكون » السلم «هنا بمعنى الصلح؛ لأن الإسلام صلح على الحقيقة. ألا ترى أنه لا قتال بين أهله، وأنهم يدٌ على مَنْ سواهم [٦] ؟ وسبب نزول الآية الكريمة يؤكد ذلك [٧] . فأصبح واضحاً من هذا أن هناك إجماعاً من علماء التفسير على أن الآية لا تعني بحالٍ التعاملَ بين المسلمين وغيرهم. ولو تنزلنا جدلاً وقلنا بذلك، فإنها لا تدل على ما يريده أصحاب الدعوة إلى أن السِّلم هو الأصل في العلاقات الدولية؛ لأنها بذلك تعني أن الحرب كانت قائمة، ثمَّ جاءت الدعوة إلى السلم والصلح، فلم يكن السِّلم أصلاً في التعامل. - وأما قوله تعالى: [وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ] (الأنفال: ٦١) ؛ فهو في سياق آيات سورة الأنفال التي تأمر بنبذ العهود إذا خيف من الأعداء خيانة لها ونقض، مع تهديد الكفار والأمر بإعداد العدة والقوة لإرهابهم؛ حيث قال الله : [وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ] (الأنفال: ٥٨) إلى قوله: [وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا] أي: إن خفت من قوم خيانة وغدراً فانبِذْ إليهم عهدهم على سواء، وآذِنْهم بالحرب؛ فإن استمروا على حربك ومنابذتك فقاتِلْهم، وإن مالوا إلى المسالمة إما بالدخول في الإسلام، وإما بإعطاء الجزية ونحوها من أسباب السلم والصلح كالمصالحة والمهادنة [فَاجْنَحْ لَهَا] أي: فمِلْ إليها واقبل منهم ذلك [٨] . ولذلك قال الإمام محمد بن الحسن بجواز الموادعة والمعاهدة للمشركين إذا لم يكن بالمسلمين قوة، استناداً إلى هذه الآية الكريمة؛ لأن هذا من تدبير القتال؛ فإن على المقاتل أن يحفظ قوة نفسه أولاً، ثمَّ يطلب العُلُوَّ والغلبة إذا تمكَّن من ذلك [٩] . فالآية الكريمة - إذن - إنما تتعلق بالهدنة؛ لأن» السِّلم «هاهنا معناها الهدنة بلا خلاف. والهدنة عمل من أعمال الحرب. فهذا الحكم لا يفيد السلام الدائم المطلق كما وهم المحتجون بذلك [١٠] . هذا، وقد اختلف العلماء في حكم هذه الآية: هل هي محكمة أو منسوخة؟ على رأيين: أ - ذهب بعض السلف إلى أنها منسوخة [١١] ؛ فإن الميل إلى الصلح والمسالمة، إنما كان قبل نزول سورة» براءة «، وكان النبي ﷺ يوادع القوم إلى أجل، فإما أن يسلموا وإما أن يقاتلهم، ثمَّ نسخ ذلك بقوله تعالى: [فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ] (التوبة: ٥) . وقوله: [وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً] (التوبة: ٣٦) . فأمر بقتال المشركين على كل حال حتى يسلموا. وقيل هي منسوخة بقوله تعالى: [قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ] (التوبة: ٢٩) ، أو بقوله تعالى: [فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْن] (محمد: ٣٥) . ب - والرأي الثاني، وهو ما ذهب إليه عامة العلماء، من أن الآية محكمة غير منسوخة. وهو ما رجحه الإمام الطبري؛ لأن القول بالنسخ لا دلالة عليه من الكتاب ولا السنة ولا العقل؛ لأن الناسخ لا يكون إلا من نفي حكم المنسوخ من كلِّ وجه. فأما ما كان بخلاف ذلك فغير كائن ناسخاً. وقول الله تعالى: [فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ] (التوبة: ٥) غيرُ نافٍ حكمُه حكمَ قوله تعالى: [وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا] (الأنفال: ٦١) ؛ لأن هذه الآية إنما عنى بها بني قريظة، وكانوا يهوداً أهل كتاب، وقد أذن الله تعالى بصلح أهل الكتاب ومتاركتهم الحرب على أخذ الجزية منهم. وأما قوله تعالى: [فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ] (التوبة: ٥) فإنما عُنِيَ به مشركو العرب من عَبَدة الأوثان الذين لا يجوز قبول الجزية منهم، فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه [١٢] . ولذلك قال الجصَّاص:» وإنما اختلف حكم الآيتين لاختلاف الحالين؛ فالحال التي أمر فيها بالمسالمة هي حال قلة عدد المسلمين وكثرة عدوِّهم. والحال التي أمر فيها بقتل المشركين وبقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية هي حال كثرة المسلمين وقوَّتهم على عدوهم، وقد نهى الله تعالى عن المسالمة عند القوة على قهر العدو وقتلهم « [١٣] . وقد أوجز الزمخشري القول في ذلك فقال:» والصحيح أن الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاحَ الإسلامِ وأهلِهِ من حرب أو سلم، وليس بحتم أن يقاتَلوا أبداً أو يجابوا إلى الهدنة أبداً « [١٤] . وفي ضوء هذه الأحكام المستفادة من الآية الكريمة، وبعد عرض آراء العلماء في ذلك ننتهي إلى أن الآية محكمة ليست منسوخة [١٥] ؛ وإنما هي تواجه مرحلة معينة وواقعاً معيناً. ولذلك يقول الأستاذ سيد قطب ﵀:» إن الأحكام المرحلية ليست منسوخة؛ بحيث لا يجوز العمل بها في أي ظرف من ظروف الأمة المسلمة بعد نزول الأحكام الأخيرة في سورة التوبة. ذلك أن الحركة والواقع الذي تواجهه في شتى الظروف والأمكنة والأزمنة هي التي تحدِّد عن طريق الاجتهاد أيَّ الأحكام هو أنسب للأخذ به في ظرف من الظروف، في زمان من الأزمنة، في مكان من الأمكنة؛ مع عدم نسيان الأحكام الأخيرة التي يجب أن يصار إليها متى أصبحت الأمة المسلمة في الحال التي تمكنها من تنفيذ هذه الأحكام، كما كان حالها عند نزول سورة التوبة؛ وما بعد ذلك أيام الفتوحات الإسلامية التي قامت على أساس من هذه الأحكام الأخيرة النهائية سواء في معاملة المشركين أو أهل الكتاب « [١٦] . - وأما قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ] (النساء: ٩٤) . فهي في غير محل النزاع، ولا دلالة فيها على أن الأصل في العلاقات هو السلم؛ لأنها تبين حكماً من أحكام الحرب والجهاد؛ حيث جاء الأمر فيها من الله تعالى للمؤمنين إذا ساروا في الأرض لجهاد الأعداء أن يتأنَّوْا ويتثبتوا في قتل من أشكل عليهم أمره فلم يعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، ولا يعجلوا فيقتلوا من التبس عليهم أمره، ولا يُقدموا على قتل أحد إلا مَنْ علموه يقيناً حرباً لله ولرسوله. ولذلك لا يجوز أن يقولوا لمن استسلم لهم فلم يقاتلهم مظهراً لهم أنه من أهل الإسلام، لا يجوز لهم أن يقولوا له: لستَ مؤمناً؛ إذ ينبغي أن يكتفوا بظاهر الإسلام في كلمة اللسان؛ إذ لا دليل هنا يناقض كلمة اللسان؛ فقد حكم الله تعالى بصحة إيمان من أظهر الإسلام، وأَمَرَنا بإجرائه على أحكام المسلمين، وإن كان في المغيَّب على خلافه؛ لأن الأحكام تُنَاط بالمظَانّ والظواهر لا على القطع وإطلاع السرائر. وهو يوجب أن مَنْ قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو قال: إني مسلم، أنه يحكم له بالإسلام؛ لأن قوله تعالى: [لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ] يعني: إظهار تحية الإسلام، وقد كان ذلك عَلَماً لمن أظهر به الدخول في الإسلام؛ وعلى قراءة [لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَم] إنما معناه: لمن استسلم فأظهر الانقياد لما يدعى إليه من الإسلام. والمعنيان متقاربان [١٧] . هذا، وسبب نزول الآية الكريمة يؤكد ذلك، فقد وردت روايات كثيرة في سبب نزولها، يجمعها أن سرية من سرايا المسلمين لقيت رجلاً معه غنم له، فقال لهم: السلام عليكم وفي بعضها أنهم لحقوا به فقال: أشهد إن لا إله إلا الله فظنوا أنه أظهر ذلك تعوُّذاً من القتل فحسب، فقتلوه وأخذوا غنمه، ورجعوا إلى رسول الله ﷺ ، فأخبروه، فوجد رسولُ الله ﷺ من ذلك وَجْداً شديداً. وكان قد سبقهم الخبر قبل ذلك، ونزلت الآية الكريمة، فقال رسول الله ﷺ :» قتلتموه إرادةَ ما معه؟ «ثمَّ قرأ عليهم الآية الكريمة. وحمل النبي ﷺ ديته إلى أهله، وردَّ عليهم غنيماته [١٨] . فظهر من معنى الآية وسياقها ومن سبب نزولها أنه لا دلالة فيها على أصل التعامل بين المسلمين وغيرهم، وأنها ليست دعوة مطلقة إلى السلم، وإنما هي دعوة للتثبت لئلا يقتل في الجهاد أحد ممن دخل في الإسلام ولو في تلك اللحظة هرباً من القتل؛ إذ الأصل أنه يصبح معصوماً بمجرد نطقه بالشهادتين. - وأما قوله تعالى: [فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً] (النساء: ٩٠) . فقد جاء في سياق الآيات الكريمة (٨٧ - ٩٤) من سورة النساء، وهي تبدأ بتقرير قاعدة التصور الإسلامي للتوحيد وإفراد الله سبحانه بالألوهية، ثمَّ تبين طريقة التعامل مع الطوائف الآتية: أ - المنافقين غير المقيمين في المدينة. ب - الذين يرتبطون بقوم بينهم وبين المسلمين ميثاق. ج - المحايدين الذين تضيق صدورهم بحرب المسلمين وحرب قومهم كذلك وهم على دينهم. د - المتلاعبين بالعقيدة الذين يظهرون الإسلام إذا قدموا المدينة، ويظهرون الكفر إذا عادوا إلى مكة المكرمة. هـ - حالات القتل الخطأ بين المسلمين، والقتل العمد، على اختلاف المواطن [١٩] . والآية الكريمة فيها إشارة إلى سُموِّ أحكام الإسلام في اختيار السلم حيثما وجد مجالاً للسلم لا يتعارض مع منهجه الأساسي من حرية الإبلاغ وحرية الاختيار، وعدم الوقوف في وجه الدعوة بالقوة، مع كفالة الأمن للمسلمين وعدم تعريضهم للفتنة أو تعريض الدعوة الإسلامية ذاتها للتجميد والخطر. ومن ثمَّ يجعل الإسلام كلَّ من يلجأ ويتصل ويعيش بين قوم معاهدين عهد ذمة أو هدنة شأنه شأن القوم المعاهدين، يعامَل معاملتهم، ويسالَم مسالمتهم. وهي روح سلمية واضحة المعالم في مثل هذه الأحكام. كذلك يستثني من الأسر والقتل جماعة أخرى، وهي الأفراد والقبائل أو المجموعات التي تريد أن تقف على الحياد فيما بين قومهم وبين المسلمين من قتال. وواضحٌ من هذا: الرغبة السلمية في اجتناب القتال حيثما كفَّ الآخرون عن التعرض للمسلمين ودعوتهم، واختاروا الحياد بينهم وبين المحاربين لهم. وهؤلاء الذين يتحرَّجون أن يحاربوا المسلمين أو يحاربوا قومهم، كانوا موجودين في الجزيرة العربية وفي قريش نفسها؛ ولم يُلْزمهم الإسلام أن يكونوا معه أو عليه؛ فقد كان حسبه ألاّ يكونوا عليه [٢٠] . وقال الإمام الطبري: إن المعنيَّ بهذه الآية هم المنافقون، إذا استسلموا لكم صلحاً منهم لكم فلا سبيل لكم على أنفسهم وأموالهم وذراريهم، فلا ينبغي التعرض عليهم [٢١] . ونقل الإمام البَغَوِيُّ عن بعض السلف: أنهم مَن انضم إلى قوم بينكم وبينهم عهد وميثاق فدخلوا في حلف ولجؤوا إلى جوارهم، وضاقت صدورهم عن قتالكم بسبب العهد الذي بينكم. ويجوز أن يكون المعنى: إنهم لا يقاتلونكم مع قومهم ولا يقاتلون قومهم معكم، فهؤلاء إذا اعتزلوكم وانقادوا للصلح واستسلموا، فما جعل الله للمسلمين عليهم طريقاً بالقتل والقتال [٢٢] . فالسبب الموجب لترك التعرُّض لهم هو تركهم للقتال [٢٣] . وأبدى العلاّمة أبو بكر الرّازي الجصَّاص رأياً في أنَّ منع قتال مَنْ هذا وصفه مِنَ الكفار منسوخ باتفاق العلماء حيث قال:» إن هذه الآيات فيها حظر قتال من كفَّ عن قتالنا من الكفار، ولا نعلم أحداً من الفقهاء يحظر قتال من اعتزلنا من المشركين. وإنما الخلاف في جواز ترك قتالهم لا في حظره. فقد حصل الاتفاق من الجميع على نسخ حظر القتال لمن كان وَصْفُه ما ذكرنا. والله الموفق للصواب « [٢٤] . والذي ننتهي إليه من هذه الأقوال: أن الآية الكريمة وإن كان فيها دعوة إلى السلم، فإنما ذلك مع قوم مالوا إلى المصالحة والمهادنة وانقادوا للطاعة، أو اعتزلوا قتال المسلمين، فكانوا في موقف الحياد. وليس في الآية نسخ؛ لأن هذا الحكم المستفاد منها من الأحكام المرحلية التي أشرنا فيما سبق إلى أنها تواجه واقعاً معيناً في مرحلة معينة. وذلك كله لا يتعلق بأصل التعامل بين المسلمين والكفار، ولا بالقاعدة العامة فيها. * وأما ما استدلوا به من الواقع التاريخي، وهو أن حروب النبي صلى الله عليه وسلم كانت لردّ العدوان والبغي، وأنه لم يقاتل إلا دفاعاً [٢٥] . فهذا في بيان حال واقعة، وليست بياناً لأصل أو مبدأ تُرَدُّ إليه الوقائع. مع أن غزوات النبي ﷺ وحروبه فيها ما هو دفاع وما هو هجوم ابتداءً. ولهذا لا يصح الاستدلال بذلك على أصل العلاقات وأنها السلم المطلق. * بقي من أدلة المعاصرين جملة من القواعد الفقهية، مثل:» الأصل في الدماء الحظر «، و» الضرورات تقدر بقدرها «و» الأصل في الأشياء الإباحة « [٢٦] . وهذه كلها لا علاقة لها بموضوع بحثنا، ولا تدل على شيء مما أرادوه. كما أن ما نقلوه عن بعض الأئمة كقول مالك:» لا ينبغي لمسلم أن يهريق دمه إلا في حق، ولا يهريق دماً إلا بحق « [٢٧] ، إنما جاءت في سياقٍ آخر لا علاقة له بمسألتنا، وهذا السياق هو: هل يجوز للمسلم أن يقاتل مع غير المسلمين؟ [٢٨] . ولذلك نجد أن النتيجة التي وصل إليها أستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي عندما قال: » والخلاصة أن الأصل في علاقات المسلمين بغيرهم هو السلم. والحرب عارض لدفع الشر ... وفقهاؤنا قرروا أن الأصل في العلاقات هو الحرب، دون أن يكون لذلك سند تشريعي، إلا ما كان تصويراً منهم للواقع « [٢٩] . هذه النتيجة ليست مسلَّمة؛ لأنه قد تبين لنا السند التشريعي لما ذهب إليه الفقهاء، وهو الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة. أما ما عرضه هو فلا سند له من النصوص الشرعية إلا التمحل والتأويل للنصوص ليجعلها موافقة للقانون الدولي الذي عبّر عنه بقوله:» وفي صدد المقارنة نجد أن ما انتهينا إليه من اعتبار السلم أصل العلاقات في الإسلام هو الأمر المقرر لدى فقهاء القانون الدولي حيث يقولون: الحالة الطبيعية بين الدول هي السلام، والحرب وقتية عارضة مهما كان سببها « [٣٠] . ويعبِّر عن هذا أيضاً: قولُ الشيخ عبد الوهاب خلاّف ﵀» وقال فريق آخر من العلماء: إن أساس علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول لا تغاير ما قرره علماء القانون الدولي أساساً لعلاقات الدول الحاضرة ... « [٣١] . مع أن في ذلك عكساً للترتيب، فلم يكن هناك قانون دولي عندما قال الفقهاء المسلمون بما ذهبوا إليه.
следующие страницы →