← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

الورقة الأخيرة أورام في البناء الثقافي د. أفراح بنت علي الحميضي حين تنبض الثقافة بهمّ الأمة، وحين تمد الأمة الثقافة بمقومات صمودها وعوامل بقائها وأصالة منبتها ونبل مخبرها، وإذا توثقت العلاقة بين الطرفين كان ذلك مدعاة لسيادتهما جميعاً، وإذا تهاوت تلك العلاقة فلا بقاء لواحدة دون الأخرى. وحيثما يكون للأمة رسالة يحملها مثقفوها عبر أقنية الاتصال لإبلاغها دعوة الخير للعالم أجمع يعيشون آنذاك حالة من الهم والقلق لأجلها، وإذا انتفى ذلك وفضل المثقفون سلوك طريق غير معبّد وأسلوب غير ممهد وطريقة ومنهج موسوم بالعبثية والمصلحة الفردية عند ذاك يظهر الخلل بين الجذر والساق، بين الأمة والثقافة، فلا الساق بقادر على السمو والعلو، ولا الجذر يستطيع وهبه مقومات شموخه، وتغدو العلاقة حالة من العقوق. وفي هذه الكلمات أضع بعض الجراح على ورم البناء الثقافي؛ مستحثة المثقفين والمثقفات لمهمة استئصاله قبل أن يتشعب فيهلك الجسم الواهن. - الورم الأول: الفجوة الواسعة بين المثقف المحلي ومطالب ورغبات وهموم وتطور المجتمع، والمعنى المقصود اتساع المسافة الزمنية بين المراحل التاريخية للتطور الثقافي، وهو أمر قد يُلبس بعض المثقفين التهمة حين يقفزون قفزات واسعة متجاهلين المراحل التي يمر بها المجتمع دون وعي بأن قفزاتهم قد تبعد بهم عن أرض الواقع. - الورم الثاني: ضعف الجانب الإبداعي لدى المثقف المحلي حتى غدت التكرارية والتلقي من الآخرين سمت بعض المثقفين. - الورم الثالث: انتفاء الهم الثقافي الذي يدافع عنه المثقف ويسعى لإجلائه؛ فقد يدور في دائرة من النرجسية والخيالية أو العبثية أو الحداثية وما بعدها، وهذا الانتفاء يجعل مساهمات المثقف هزيلة ضعيفة لا تصمد أمام تيارات العولمة وأعاصير التغريب. - الورم الرابع: وضع حدود بين الثقافة العربية والإسلامية، وهي حدود تدل على ضيق أفق واضعيها في فهمهم الشامل لمفهوم الثقافة الإسلامية؛ مما يؤدي إلى تهميش الأصول الثابتة التي ترتكز عليها الثقافة الإسلامية؛ ومن ثم تحييد قضية الولاء والبراء. - الورم الخامس: استلهام تجارب وثقافات الآخرين دون غربلة لما ينالنا ويمس ثوابتنا، ويدخل في إطار ذلك أيضاً المحاور الثقافية التي يدور حولها النص والمصطلحات، والجمل التي تعارض أسسنا وقيمنا. - الورم السادس: سعي بعض المثقفين إلى الإيهام بأن هناك خطاباً أنثوياً خاصاً مع ما يجره ذلك من رفض لصيغ الأمر والنهي الواردة في الشرع، والتي يدخل في محتواها الجنسان؛ إذ طالما في فهمهم أن للأنثى خطاباً يوجه لها فهي غير ملزمة بالخطاب الآخر وفي ذلك نكسة وعصيان. - الورم السابع: شعور بعض المثقفين أن العادات والتقاليد عنصر كبح لإبداعاتهم، ولهذا فهم يستغلون الفرص للخروج من إطاراتها إلى عوالم أوسع، ومجالات أفسح للتقليد والالتحاق بركب الآخر حتى وإن قاده ذلك الآخر إلى مصير منبوذ فلا هو ابن أمته، ولم يشأ الآخر أن يتبناه. - الورم الثامن: عدم إدراك بعض المثقفين للحدود التي يجب أن يقفوا عندها في محاولاتهم التجديدية وكتاباتهم الأدبية والتاريخية، بل وحتى العلمية؛ فهناك حدود لا تمس وثوابت لا تجس يجب أن يقفوا عندها؛ فالذات الإلهية والعبادات والقرآن وسيرة الرسول ﷺ وتراجم الصحابة والتابعين ولغتنا العربية ليست مجالاً للتغيير والتبديل والعبث. - الورم التاسع: حصر مفهوم الثقافة بالدراسات الأدبية والنقدية والتاريخية، واعتقاد ذلك يحدد مفهوم الثقافة، ويضيق أفق المثقف الذي هو إنسان مبدع. - الورم العاشر: المثقف مجدد وهو إذا حمل همّ بيئته كان مفجراً لآمالهم معالجاً لآلامهم، وكثير من المثقفين لا يكونون مماثلين للنابغة الجعدي أو الذبياني، وإنما تبدأ سيرهم الثقافية في صغرهم، فتتولاهم أسرهم رعاية واستنباتاً ورياً حتى تنهض هاماتهم الثقافية، وتسمق سوقهم الإبداعية الإيجابية، ولا يتأتى ذلك إلا إذا أدركت أسرهم أن مجتمعاً بلا ثقافة إيجابية أو مثقفين إيجابيين سيستسلمون بلا وعي تحت وقع الإعجاب بالآخر. - الورم الحادي عشر: استعجال كثير من المبتدئين نشر إنتاجهم دون وعي لمدى نضجهم وكفاءتهم، ومن ثم قد تتلقاهم وسائل الإعلام بالدعاية والتلميع دون أن يكون ذاك المثقف قد حوى تجربة ثرة تمكنه أن يعرضها؛ حيث يشمخ مغزاها ويسمو معناها، مثلما يعلو إطارها اللفظي وبناؤها الشكلي. - الورم الثاني عشر: تجاوز بعض المثقفين أطر مجتمعهم متناسين أن الثقافة نتاج عقول الأمة وهي أعظم راسم للهوية، ومحدد لبناء المستقبل، وبمعنى أدق كثير من المثقفين يتناسون أن تمايز الثقافات يعني تمايز الأمم، وهو أمر ينعكس على تمايز وجودها على الخارطة التاريخية. - الورم الثالث عشر: سعي بعض المثقفين إلى العالمية ولو على حساب غموض نصوصهم وأطروحاتهم وعروضهم، فيفضلون كونهم في هوامش العالم على أن تكون نصوصهم الثقافية في هوامش مجتمعهم، مما يعكس وجود فجوة هائلة بينهم وبين الجماهير، فلا هم الذين أخذوا بيد الجماهير إلى العالمية وفق ثوابت وأصول، ولا هم الذين استطاعوا أن يدخلوا العالمية تحت مظلة ثقافية واضحة قادرة على الصمود. يقول شوقي عبد الأمير: «أنا لا أعترض أن يقال عن شعري إنه شعر نخبوي؛ لأنه لدي همٌّ في القصيدة؛ وحتى يواكب هذا الهمُّ أي قارئ يجب أن يكون لدي حقيبة معينة. أنا لا أعتقد أن مهمتي كشاعر هو تحميس الجماهير أو إرضاؤهم، ولا أظن أن الهدف العميق للشعر هو مواكبة الشعب بكل طبقاته وطوائفه بأحاسيسهم اليومية وعواطفهم المباشرة، هذا صعب في مشروعي الشعري الذي الهدف منه تأسيس رؤيا جديدة للعالم.. نحن مطالبون بأن نأخذ بعين الاعتبار بكتابة نص جديد، وإلا فسنظل على هامش العالم؛ فالشاعر إما أن يقع على هامش المجتمع الذي هو فيه، أو يقع النص الشعري على هامش العالم، أنا أفضل أن أشتغل في هامش المجتمع من أجل نص شعري يقع في قلب السؤال الحضاري لا العكس» [١] . وبعد فإذا كان ذلك حصيلة فحص مبدئي للبناء الثقافي لجعله صامداً أمام محاولات فرض العولمة الثقافية؛ فإني أخلص إلى بعض المقترحات: ** من الضرورة أن يولد المثقف في مجتمعه، ويرضع من مجتمعه، وتنبثق أفكاره منه، وحيث تكون علاقته بالمجتمعات الأخرى والثقافات المغايرة علاقة احتكاك وصقل لا ذوبان. ** من وظائف المثقف أن يجدد نفسه ويكثر من الاطلاع، وأن يُدعم بين جوانحه موضوعاً يُسير أطروحاته ومناقشاته على أن يتبع ذلك الموضوع من حاجات بيئته. ** مثلما يدافع ساسة فرنسا وبريطانيا عن الثقافتين الفرنسية والإنجليزية من الذوبان في بعضهما يجب أن يقف مثقفونا نفس الموقف من الثقافة الإسلامية، بل إن الأمر يجب أن يتعدى الدفاع عن / إلى عرضها كنموذج خلاص للضحالة الفكرية التي تُغرق العالم؛ كيف وهي تحوي من مقومات الصمود ما لم يتوفر لغيرها، ومن المتوقع إذا دفعها أبناؤها إلى جدار العولمة أن تكون اللبنة الظاهرة فيه. ** ضرورة أن يدرك المثقفون عامة وأصحاب النظريات الثقافية خاصة أن لهم أن يمارسوا إبداعاتهم التجديدية في كل شيء إلا الثوابت. ** على الساعين إلى العالمية أن يدركوا أن الأدب الإنجليزي العالمي لم يكن عالمياً إلا بعد أن ذاب في المحلية الإنجليزية، والأدب الفرنسي العالمي لم يكن عالمياً إلا بعد أن خرج من بوتقة اللغة الفرنسية، أوَ ليس حرياً بنا أن ندخل العالمية تحت مظلة الثقافة الإسلامية؟! وحفظ الله أمتنا.

стр. 4412

رمضان - ١٤٢٣هـ ديسمبر - ٢٠٠٢م (السنة: ١٧)

стр. 4413

كلمة صغيرة دورنا الإعلامي المنشود يتطلب الإعلام الإسلامي، في ظل الأجواء الإعلامية الحديثة، إلى قوة دفع كبيرة وجهود عظيمة ليثبت مكانه بين التيارات الإعلامية الأخرى، سواء في مجال البث التلفزيوني والإذاعي، أو الإنترنت، أو في مجال الإصدارات المطبوعة؛ وذلك ليؤدي رسالته، ويحقق التأثير المطلوب، وهو تأثير مزدوج: تأثير في مجال نشر الدين، ومعالجة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية على أسس ومبادئ إسلامية. وتأثير في مجال التصدي لتيارات الفكر العلماني الذي يكاد يسيطر على أغلب الأجواء الإعلامية؛ مستخدماً أكثر الأساليب تقدماً، وأقواها تأثيراً. إن المؤسسات الإسلامية الإعلامية ينبغي لها أن تحقق أعلى المستويات الإعلامية الفنية بالقدر نفسه الذي ينبغي أن تحقق فيه أعلى مستويات الالتزام بالمنهج الشرعي الإسلامي، وأن تسير في ذلك على الخطط المنهجية المرسومة بدقة، والدراسات والبحوث المتخصصة. وفي مجلة البيان تتواصل الجهود لتحقيق تلك الغايات؛ فعلى مدى ١٦ عاماً منذ نشأتها مرت المجلة بمراحل تطويرية شملت كل المجالات العلمية والفنية؛ وذلك لتوسيع مجالها الإعلامي؛ ومن ثم تحقيق رسالتها المنشودة، وقد بلغ عدد النسخ الموزعة منها شهرياً الآن أكثر من ٧٠ ألف نسخة، مع نسبة (رجيع) قليلة ولله الحمد والمنَّة، بعد أن كان يوزع منها أربعة آلاف نسخة فقط في أعدادها الأولى، كما بلغ عدد الدول التي توزع فيها المجلة عن طريق منافذ البيع أو الاشتراكات مائة دولة. ولا تزال المجلة تهدف إلى أبعد من ذلك في سبيل تحقيق رسالتها الدعوية؛ مصغية في ذلك لكل ناصح، موسعة صدرها لكل رأي سديد، بل تدعو جميع القراء إلى المشاركة وإبداء الرأي، وإسداء النصيحة. نسأل الله - تعالى - السداد والتوفيق.

стр. 4414

الافتتاحية الحروب صعقات إحياء لا إماتة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فمنذ أن نعقت أو صاحت مطربتهم في الزمن القومي الثوري الغابر: «الغضب الساطع آتٍ وأنا كلي إيمان. الغضب الساطع آتٍ سأمر على الأحزان..» . منذ ذلك الحين وغضبهم إلى أفول، وأحزاننا في سطوع.. ولم نر منهم سوى المعلقات والشعارات، فإذا تلك العنتريات يتبعها أقوال ودعاوى من مثل «سأمشي على جرحي وأقاوم» و «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة» ، و «سنلقي بإسرائيل في البحر» ، و «من لا يعجبه أن يشرب من البحر الأبيض فليشرب من البحر الأحمر» ، أما على أرض الواقع فلم يأت على عدونا غضبهم بل أتى علينا نحن، ولم يمشوا على جراحهم بل مشوا على جراحنا، ولم يقاوموا، ولم يستردوا، ولم يلقوا بالعدو في البحر، بل كانت الهزائم تلو الهزائم، وشربنا نحن من البحر الميت!! وبعد أن كانت واقعيتهم في الزمن الثوري تقول: إننا نرفض أن تجرنا (إسرائيل) إلى معركة لا نكون مستعدين لها أصبحت ثوريتهم بعد الأفول تقول: لن نسمح لـ (إسرائيل) بجرنا إلى الحرب، ولن نعطي لها الفرصة لكي تهرب من السلام. وأصبحوا يرفعون راية (سلام الشجعان) البيضاء شعاراً، وأفرغوا غضبهم الساطع دوماً تنكيلاً وإرهاباً في طلائع الأمة التي ترفض الاستسلام؛ لأن شبابها هم أعداء السلام الذي يريدون. حاولوا أن يقنعونا بأن عقولهم النيرة وأبصارهم الثاقبة اكتشفت مؤخراً ويا له من اكتشاف أن في أعدائنا حمائم وصقوراً، وأن حنكتهم السياسية التي لا تنضب تعمل على استمالة الحمائم حتى ولو كان ذلك بالتنازل عن حقوق مصيرية للأمة.. أما نحن فلم نر إلا صقوراً وصيادين وأكلة، ربما لم نر الحمائم لأنها اختبأت خلف الصقور! أو لأن الصقور التهمتها، وربما لم نر الحمائم لأننا ننظر دائماً إلى بعيد فلم تقع أبصارنا إلا على الصقور.. وأثناء تأملنا في قصة الحمائم والصقور لم نجد بين أشاوسنا حمائم وصقوراً، بل وجدنا حمائم وعصافير تهاب الصقور، وتقدم بعض صغارها قرباناً لاتقائها!! لم يقتصر الأمر على فلسطين، بل امتد ليشمل امتدادات جغرافية وقِيَمِيَّة واسعة في عالمنا الإسلامي؛ فمن الفلبين إلى البوسنة والهرسك، إلى الشيشان إلى كوسوفا إلى تيمور الشرقية وإندونيسيا إلى أفغانستان إلى جنوب السودان إلى الهند إلى العراق المهدد بحرب لا تبقي ولا تذر يتواصل الاستهداف وتتواصل المذابح.. ويتواصل أيضاً خنوع الحمائم والعصافير وتنازلاتها. ومن التضييق على الدعوة ومحاصرة شبابها إلى خنق التعليم الديني وتقليصه، إلى نشر الفساد والإباحية في وسائل الإعلام، إلى هدم القيم الإسلامية للمرأة والمجتمع، إلى محاولة تغيير مفاهيم الإسلام الأساسية، إلى قصد النيل من رموز هذا الدين ومقدساته.. تتواصل الحملات في الداخل والخارج. إن امتداد هذه الاعتداءات وشراستها يشيران إلى أن القائمين عليها وبها تسرب إليهم إحساس بأنهم في مأمن من غضبة قوية ترد على مثل هذه الحملات التي باتت صليبيتها وعلمانيتها بادية للعيان، وهو الأمر الذي وضح في تكرار ذكر (الحملات الصليبية) على ألسنة مسؤولين غربيين كبار، وفي تكريم المتمردين على الإسلام ممن كانوا ينتمون إليه أمثال سلمان رشدي، ونصر أبو زيد، وتسليمة نسرين، بل وتكريم بعض المتهمات بالزنا، مثل النيجيرية «صفية حسيني» التي منحتها سلطات العاصمة الإيطالية روما جنسيتها الشرفية؛ لمجرد أنها نجت من حكم بالإعدام رجماً بالحجارة وفق قوانين الشريعة، في إحدى ولايات الشمال النيجيري. بل إن هذا الإحساس كان عاملاً في تشجيع بعض الكتاب في الغرب على بث سموم حقدهم على الإسلام والمسلمين باطمئنان، ومن آخر ذلك: الهجوم الذي شنته الصحفية الإيطالية اليهودية «أوريانا فالاتشي» التي نشرت كتاباً بعنوان (السخط والكبرياء) ، بيع منه مليون نسخة في إيطاليا في غضون شهر، وقد رفضت محكمة فرنسية حظر نشر الكتاب في فرنسا؛ رغم أنه يحض صراحة على كراهية المسلمين وازدرائهم في كل مكان، ودعوته لإعلان الحرب عليهم، وعدم الانجرار إلى التمييز بين واحدهم والآخر؛ فجميع المسلمين في نظرها متطرفون وقتَلة ومتخلفون وأميون، ناهيك عن التطاول على القرآن الكريم ومشخصات الإسلام.. بل إن هذا الإحساس جرأ أمثال القس المعروف فرانكلين جراهام (المستشار الروحي) للرئيس بوش، وصديق العائلة المعروف الذي يقضي عطلة في المنتزه الخاص بعائلة بوش كل صيف.. على التهجم على الإسلام، ووصفه بأنه ديانة قبيحة وسيئة جداً، وأخيراً جرأ القس الأمريكي البارز جيري فالويل راعي الكنيسة المعمدانية الجنوبية في الولايات المتحدة التي يتبعها نحو ١٥ مليون شخص، من أبرزهم الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون.. جرأه على الهجوم المباشر والصريح على شخص رسولنا الكريم ﷺ ، قبل أن يقدّم اعتذاراً بارداً عما بدر منه. ولكن يبدو أن هذا الإحساس لن يدوم طويلاً إن شاء الله تعالى، فهناك عوامل متنامية تشير إلى أن الإجهاز على الفريسة الإسلامية والتهامها لن يكون بالسهولة التي يتمناها صائدوها وأكلتها، ونرصد هنا بعض هذه العوامل التي لا تخفى على أي متأمل: * فغرور القوة الذي أصيب به أعداء الأمة جعلهم يُقدِمون وما زالوا على حماقات وأخطاء لا يستهان بها، قد تصدر هذه الحماقات والأخطاء منهم بقصد توجيه عدة صعقات كهربائية نفسية تجهز على ما تبقى من روح في الأمة، ولكنا نراها بإذن الله لأننا نعرف حقيقة هذه الأمة صدمات كهربائية تقدر أمتنا على استيعابها، بل تساعدها على إفاقتها من غيبوبتها، وذلك بتنبيه مراكز الإحساس في منطقة الشعور الباطن لديها. * كما أن هذه الأمة بجميع فئاتها تشهد نمواً متزايداً في الوعي جعل أفرادها يدركون حقيقة الحرب الدائرة، وأنها حرب حضارية دينية في بعض جوانبها، وأنهم مستهدفون في هذه الحرب، وأن خيرات بلادهم محل أطماع من عدوهم، وجعلهم يدركون حقيقة مواقف زعماء الشعارات والتخدير الذين يتاجرون بقضايا الأمة، ولا يعملون إلا لاستمرار جثومهم فوق صدور أبنائها. * ويزيد من هذا الوعي وينميه تلاحق الأحداث، وسهولة التعرف عليها وعلى تفاصيلها ومشاهدتها ومتابعتها؛ فالمتغيرات الإعلامية المتلاحقة المفروضة على جميع الأطراف تجعل محاولات الوصاية والترشيح ضرباً من مصارعة طواحين الهواء، وهو الأمر الذي أجبر دهاقنة تشكيل الوعي على البحث عن أساليب جديدة لتزييف الوعي وإبطال أثر هذا التدفق المعلوماتي. * كما أن خروج الجيش (الإسرائيلي) ذليلاً مرغماً من جنوب لبنان، وإخفاق أجهزة الأمن (الجبارة) في أمريكا والغرب في توقع أحداث سبتمبر ومنعها، وعدم تحقيق قوات الحلفاء الغازية لأفغانستان أهدافها المعلنة من الحرب حتى الآن، واستمرار الانتفاضة الفلسطينية رغم الظروف الصعبة التي يحياها يومياً هذا الشعب الصابر، ورغم أساليب التنكيل والبطش والإرهاب التي يعامله بها عدوه المحتل.. كل ذلك حطم في نفوس أبناء هذه الأمة حاجز الخوف، وأزال من أذهانهم خرافة أن هناك قوة أرضية لا تقهر. وربما يكون ذلك أحد العوامل التي عجلت بالرغبة الأمريكية في غزو العراق والاحتلال العسكري السافر لمناطق البترول؛ حتى يزيلوا أثر هذه الأحداث، ويعيدوا هذه الخرافة إلى الأذهان مرة أخرى، ويحطموا المعنويات التي اشرأبت.. ولكن.. من يدري؟! فكثيراً ما تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن.. نحن في الحقيقة لا نرغب الحرب مع الأعداء في ظل اختلاف توازن القوى من ناحية، ومن ناحية أخرى لما للحروب من آثار تدميرية على المجتمعات في بناها الفوقية والتحتية. ولكن هذه التوجهات الشيطانية للتعجيل بالحرب التي يريدون إخافتنا بها وإن كانت الحروب صعقات إحياء لا إماتة تجعلنا نقول بثقة: إن الظن بأن هذه الأمة ماتت (أو ذبحت) ولم يبق إلا التهامها، هو محض وهم، ويجعلنا نقول بثقة إن ما قدَّر الله هو الخير الذي يحوي في طياته الرحمة والنعمة، وإن كان ظاهره الألم والمشقة؛ فهذه عقيدة إيمانية راسخة، تستضيء بنور الكتاب العزيز، وتستهدي بهدي النبي المصطفى ﷺ . [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) .

стр. 4415

دراسات في الشريعة أصل العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين (٢ ـ ٢) د. عثمان جمعة ضميرية [*] drothmanjd@hotmail.com * توطئة: كان الحديث في المقالة السابقة عن الأصل في العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين، وقد تبين أن هذا الأصل يقوِّم الدعوة وموقف غير المسلمين منها، فقد تكون هذه التعاملات سلماً، وقد تتحول إلى حرب؛ فهي ليست الحرب بإطلاق، وليست السلم بإطلاق. وفي هذه الحلقة نعرض رأي بعض الكاتبين المعاصرين في هذه المسألة، ثم نبدي بعض الملاحظات حياله، والله ولي التوفيق. * سابعاً: مذهب معاصر: في العصر الحديث ذهب بعض الكاتبين والباحثين إلى أن الأصل في العلاقات بين المسلمين وغيرهم هو السِّلم [١] . ولم نجد أحداً من علمائنا وفقهائنا السابقين قال بمثل ما قال هؤلاء المعاصرون [٢] . حتى الذين تكلموا على قضية السلم لم يكن كلامهم منصبّاً على القاعدة العامة المستمرة في العلاقات، وإنما على حالات معينة يدعو الإسلام فيها إلى السلم والمصالحة والبر بالمخالفين. وجاء كلامهم هذا في وقت كان المسلمون فيه يتربعون على قمة المجد؛ والعزةُ تملأ جوانحهم، والعدو أشدَّ رهبة ... ومع ذلك وجدوا أنَّ سماحة الدين الإسلامي ومبادئه الفاضلة تدعو إلى ذلك، ولن يُخشى أن ينتهي هذا الكلام بأحد إلى الدعوة لنبذ الجهاد وتركه حتى يقول إنه لا يجوز الجهاد إلا عندما يقع العدوان علينا، ولو وقع فينبغي دفعه سلماً، ثمَّ يكون التهافت على السلم الرخيصة الذليلة. * ثامناً: أدلة المعاصرين: استدل أصحاب هذا الاتجاه بأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية، ومن القواعد الفقهية العامة ومن المعقول. ولكن النظرة الدقيقة إلى ما استدلوا به ترينا أن عموم الأدلة التي استندوا إليها في غير محل النزاع، ولا تدل على ما ذهبوا إليه، إن لم نقل إنها تدل على عكس ما ذهبوا إليه. فمن القرآن الكريم: حشد أصحاب هذا الاتجاه مجموعة من الآيات الكريمة هي الآية (٢٠٨) من سورة البقرة، والآية (٦١) من سورة الأنفال، والآيتان (٩٠ و ٩٤) من سورة النساء، كما استدلوا ببعض الوقائع التاريخية والقواعد الفقهية التي ستأتي عند المناقشة بإذن الله تعالى. * تاسعاً: مناقشة أدلة المعاصرين: وبكلمة إجمالية نذكر أن هذه الأدلة قد وضعت في غير موضعها، وأنطقها هؤلاء بما لم تنطق، وحمّلوها ما لا تحتمل. ويظهر هذا بالنظر في هذه الأدلة واحداً بعد الآخر. - أما الآية الأولى، وهي قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً] (البقرة: ٢٠٨) . فإنها تأمر المؤمنين بالله تعالى المصدِّقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك [٣] . يقول شيخ المفسرين الإمام أبو جعفر الطبري ﵀: اختلف أهل التأويل في معنى «السِّلم» في هذا الموضع. فقال بعضهم: معناه الإسلام. قال ذلك: ابن عباس ومجاهد وقتادة والسُّدي وابن زيد والضحَّاك. وقال آخرون: بل معنى ذلك ادخلوا في الطاعة. قال ذلك الربيع بن أنس [٤] . ثمَّ رجح التأويل الأول وهو قول من قال معناه: ادخلوا في الإسلام كافة؛ لأن الآية مخاطب بها المؤمنون؛ فلن يعدو الخطاب إذْ كان خطاباً للمؤمنين من أحد أمرين: إما أن يكون خطاباً للمؤمنين بمحمدٍ ﷺ المصدِّقين به وبما جاء به. فإن يكن ذلك كذلك، فلا معنى أن يقال لهم وهم أهل الإيمان: ادخلوا في صلح المؤمنين ومسالمتهم؛ لأن المسالمة والمصالحة إنما يؤمر بها من كان يمارس حرباً بترك الحرب. فأما المُوالِي فلا يجوز أن يقال له: «صالِحْ فلاناً» ولا حربَ بينهما ولا عداوة. أو يكون خطاباً لأهل الإيمان بمن قَبْلَ محمد ﷺ من الأنبياء المصدّقين بهم وبما جاؤوا به من عند الله، المنكرين محمداً ونبوته، فقيل لهم: «ادخلوا في السلم» يعني به الإسلامَ، لا الصلح؛ لأن الله إنما أمر عباده بالإيمان به وبنبيه محمدٍ ﷺ وما جاء به، وإلى ذلك دعاهم، دون المسالمة والمصالحة. بل نهى نبيه ﷺ في بعض الأحوال عن دعاء أهل الكفر إلى الصلح فقال: [فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ] (محمد: ٣٥) ، وإنما أباح له صلى الله عليه وسلم في بعض الأحوال، إذا دعوه إلى الصلح، ابتداءَ المصالحة، فقال له جلَّ ثناؤه: [وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا] (الأنفال: ٦١) . فأما دعاؤهم إلى الصلح ابتداءً فغير موجود في القرآن، فيجوز توجيه قوله: [ادْخُلُوا فِي السِّلْم] إلى ذلك « [٥] . وحتى لو قلنا إن المراد» بالسِّلم «هو المسالمة والصلح وترك الحرب، فإن ذلك عند من قال به يعود إلى المعنى الأول، حيث جوَّز أبو علي الفارسيّ أن يكون » السلم «هنا بمعنى الصلح؛ لأن الإسلام صلح على الحقيقة. ألا ترى أنه لا قتال بين أهله، وأنهم يدٌ على مَنْ سواهم [٦] ؟ وسبب نزول الآية الكريمة يؤكد ذلك [٧] . فأصبح واضحاً من هذا أن هناك إجماعاً من علماء التفسير على أن الآية لا تعني بحالٍ التعاملَ بين المسلمين وغيرهم. ولو تنزلنا جدلاً وقلنا بذلك، فإنها لا تدل على ما يريده أصحاب الدعوة إلى أن السِّلم هو الأصل في العلاقات الدولية؛ لأنها بذلك تعني أن الحرب كانت قائمة، ثمَّ جاءت الدعوة إلى السلم والصلح، فلم يكن السِّلم أصلاً في التعامل. - وأما قوله تعالى: [وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ] (الأنفال: ٦١) ؛ فهو في سياق آيات سورة الأنفال التي تأمر بنبذ العهود إذا خيف من الأعداء خيانة لها ونقض، مع تهديد الكفار والأمر بإعداد العدة والقوة لإرهابهم؛ حيث قال الله : [وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ] (الأنفال: ٥٨) إلى قوله: [وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا] أي: إن خفت من قوم خيانة وغدراً فانبِذْ إليهم عهدهم على سواء، وآذِنْهم بالحرب؛ فإن استمروا على حربك ومنابذتك فقاتِلْهم، وإن مالوا إلى المسالمة إما بالدخول في الإسلام، وإما بإعطاء الجزية ونحوها من أسباب السلم والصلح كالمصالحة والمهادنة [فَاجْنَحْ لَهَا] أي: فمِلْ إليها واقبل منهم ذلك [٨] . ولذلك قال الإمام محمد بن الحسن بجواز الموادعة والمعاهدة للمشركين إذا لم يكن بالمسلمين قوة، استناداً إلى هذه الآية الكريمة؛ لأن هذا من تدبير القتال؛ فإن على المقاتل أن يحفظ قوة نفسه أولاً، ثمَّ يطلب العُلُوَّ والغلبة إذا تمكَّن من ذلك [٩] . فالآية الكريمة - إذن - إنما تتعلق بالهدنة؛ لأن» السِّلم «هاهنا معناها الهدنة بلا خلاف. والهدنة عمل من أعمال الحرب. فهذا الحكم لا يفيد السلام الدائم المطلق كما وهم المحتجون بذلك [١٠] . هذا، وقد اختلف العلماء في حكم هذه الآية: هل هي محكمة أو منسوخة؟ على رأيين: أ - ذهب بعض السلف إلى أنها منسوخة [١١] ؛ فإن الميل إلى الصلح والمسالمة، إنما كان قبل نزول سورة» براءة «، وكان النبي ﷺ يوادع القوم إلى أجل، فإما أن يسلموا وإما أن يقاتلهم، ثمَّ نسخ ذلك بقوله تعالى: [فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ] (التوبة: ٥) . وقوله: [وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً] (التوبة: ٣٦) . فأمر بقتال المشركين على كل حال حتى يسلموا. وقيل هي منسوخة بقوله تعالى: [قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ] (التوبة: ٢٩) ، أو بقوله تعالى: [فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْن] (محمد: ٣٥) . ب - والرأي الثاني، وهو ما ذهب إليه عامة العلماء، من أن الآية محكمة غير منسوخة. وهو ما رجحه الإمام الطبري؛ لأن القول بالنسخ لا دلالة عليه من الكتاب ولا السنة ولا العقل؛ لأن الناسخ لا يكون إلا من نفي حكم المنسوخ من كلِّ وجه. فأما ما كان بخلاف ذلك فغير كائن ناسخاً. وقول الله تعالى: [فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ] (التوبة: ٥) غيرُ نافٍ حكمُه حكمَ قوله تعالى: [وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا] (الأنفال: ٦١) ؛ لأن هذه الآية إنما عنى بها بني قريظة، وكانوا يهوداً أهل كتاب، وقد أذن الله تعالى بصلح أهل الكتاب ومتاركتهم الحرب على أخذ الجزية منهم. وأما قوله تعالى: [فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ] (التوبة: ٥) فإنما عُنِيَ به مشركو العرب من عَبَدة الأوثان الذين لا يجوز قبول الجزية منهم، فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه [١٢] . ولذلك قال الجصَّاص:» وإنما اختلف حكم الآيتين لاختلاف الحالين؛ فالحال التي أمر فيها بالمسالمة هي حال قلة عدد المسلمين وكثرة عدوِّهم. والحال التي أمر فيها بقتل المشركين وبقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية هي حال كثرة المسلمين وقوَّتهم على عدوهم، وقد نهى الله تعالى عن المسالمة عند القوة على قهر العدو وقتلهم « [١٣] . وقد أوجز الزمخشري القول في ذلك فقال:» والصحيح أن الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاحَ الإسلامِ وأهلِهِ من حرب أو سلم، وليس بحتم أن يقاتَلوا أبداً أو يجابوا إلى الهدنة أبداً « [١٤] . وفي ضوء هذه الأحكام المستفادة من الآية الكريمة، وبعد عرض آراء العلماء في ذلك ننتهي إلى أن الآية محكمة ليست منسوخة [١٥] ؛ وإنما هي تواجه مرحلة معينة وواقعاً معيناً. ولذلك يقول الأستاذ سيد قطب ﵀:» إن الأحكام المرحلية ليست منسوخة؛ بحيث لا يجوز العمل بها في أي ظرف من ظروف الأمة المسلمة بعد نزول الأحكام الأخيرة في سورة التوبة. ذلك أن الحركة والواقع الذي تواجهه في شتى الظروف والأمكنة والأزمنة هي التي تحدِّد عن طريق الاجتهاد أيَّ الأحكام هو أنسب للأخذ به في ظرف من الظروف، في زمان من الأزمنة، في مكان من الأمكنة؛ مع عدم نسيان الأحكام الأخيرة التي يجب أن يصار إليها متى أصبحت الأمة المسلمة في الحال التي تمكنها من تنفيذ هذه الأحكام، كما كان حالها عند نزول سورة التوبة؛ وما بعد ذلك أيام الفتوحات الإسلامية التي قامت على أساس من هذه الأحكام الأخيرة النهائية سواء في معاملة المشركين أو أهل الكتاب « [١٦] . - وأما قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ] (النساء: ٩٤) . فهي في غير محل النزاع، ولا دلالة فيها على أن الأصل في العلاقات هو السلم؛ لأنها تبين حكماً من أحكام الحرب والجهاد؛ حيث جاء الأمر فيها من الله تعالى للمؤمنين إذا ساروا في الأرض لجهاد الأعداء أن يتأنَّوْا ويتثبتوا في قتل من أشكل عليهم أمره فلم يعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، ولا يعجلوا فيقتلوا من التبس عليهم أمره، ولا يُقدموا على قتل أحد إلا مَنْ علموه يقيناً حرباً لله ولرسوله. ولذلك لا يجوز أن يقولوا لمن استسلم لهم فلم يقاتلهم مظهراً لهم أنه من أهل الإسلام، لا يجوز لهم أن يقولوا له: لستَ مؤمناً؛ إذ ينبغي أن يكتفوا بظاهر الإسلام في كلمة اللسان؛ إذ لا دليل هنا يناقض كلمة اللسان؛ فقد حكم الله تعالى بصحة إيمان من أظهر الإسلام، وأَمَرَنا بإجرائه على أحكام المسلمين، وإن كان في المغيَّب على خلافه؛ لأن الأحكام تُنَاط بالمظَانّ والظواهر لا على القطع وإطلاع السرائر. وهو يوجب أن مَنْ قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو قال: إني مسلم، أنه يحكم له بالإسلام؛ لأن قوله تعالى: [لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ] يعني: إظهار تحية الإسلام، وقد كان ذلك عَلَماً لمن أظهر به الدخول في الإسلام؛ وعلى قراءة [لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَم] إنما معناه: لمن استسلم فأظهر الانقياد لما يدعى إليه من الإسلام. والمعنيان متقاربان [١٧] . هذا، وسبب نزول الآية الكريمة يؤكد ذلك، فقد وردت روايات كثيرة في سبب نزولها، يجمعها أن سرية من سرايا المسلمين لقيت رجلاً معه غنم له، فقال لهم: السلام عليكم وفي بعضها أنهم لحقوا به فقال: أشهد إن لا إله إلا الله فظنوا أنه أظهر ذلك تعوُّذاً من القتل فحسب، فقتلوه وأخذوا غنمه، ورجعوا إلى رسول الله ﷺ ، فأخبروه، فوجد رسولُ الله ﷺ من ذلك وَجْداً شديداً. وكان قد سبقهم الخبر قبل ذلك، ونزلت الآية الكريمة، فقال رسول الله ﷺ :» قتلتموه إرادةَ ما معه؟ «ثمَّ قرأ عليهم الآية الكريمة. وحمل النبي ﷺ ديته إلى أهله، وردَّ عليهم غنيماته [١٨] . فظهر من معنى الآية وسياقها ومن سبب نزولها أنه لا دلالة فيها على أصل التعامل بين المسلمين وغيرهم، وأنها ليست دعوة مطلقة إلى السلم، وإنما هي دعوة للتثبت لئلا يقتل في الجهاد أحد ممن دخل في الإسلام ولو في تلك اللحظة هرباً من القتل؛ إذ الأصل أنه يصبح معصوماً بمجرد نطقه بالشهادتين. - وأما قوله تعالى: [فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً] (النساء: ٩٠) . فقد جاء في سياق الآيات الكريمة (٨٧ - ٩٤) من سورة النساء، وهي تبدأ بتقرير قاعدة التصور الإسلامي للتوحيد وإفراد الله سبحانه بالألوهية، ثمَّ تبين طريقة التعامل مع الطوائف الآتية: أ - المنافقين غير المقيمين في المدينة. ب - الذين يرتبطون بقوم بينهم وبين المسلمين ميثاق. ج - المحايدين الذين تضيق صدورهم بحرب المسلمين وحرب قومهم كذلك وهم على دينهم. د - المتلاعبين بالعقيدة الذين يظهرون الإسلام إذا قدموا المدينة، ويظهرون الكفر إذا عادوا إلى مكة المكرمة. هـ - حالات القتل الخطأ بين المسلمين، والقتل العمد، على اختلاف المواطن [١٩] . والآية الكريمة فيها إشارة إلى سُموِّ أحكام الإسلام في اختيار السلم حيثما وجد مجالاً للسلم لا يتعارض مع منهجه الأساسي من حرية الإبلاغ وحرية الاختيار، وعدم الوقوف في وجه الدعوة بالقوة، مع كفالة الأمن للمسلمين وعدم تعريضهم للفتنة أو تعريض الدعوة الإسلامية ذاتها للتجميد والخطر. ومن ثمَّ يجعل الإسلام كلَّ من يلجأ ويتصل ويعيش بين قوم معاهدين عهد ذمة أو هدنة شأنه شأن القوم المعاهدين، يعامَل معاملتهم، ويسالَم مسالمتهم. وهي روح سلمية واضحة المعالم في مثل هذه الأحكام. كذلك يستثني من الأسر والقتل جماعة أخرى، وهي الأفراد والقبائل أو المجموعات التي تريد أن تقف على الحياد فيما بين قومهم وبين المسلمين من قتال. وواضحٌ من هذا: الرغبة السلمية في اجتناب القتال حيثما كفَّ الآخرون عن التعرض للمسلمين ودعوتهم، واختاروا الحياد بينهم وبين المحاربين لهم. وهؤلاء الذين يتحرَّجون أن يحاربوا المسلمين أو يحاربوا قومهم، كانوا موجودين في الجزيرة العربية وفي قريش نفسها؛ ولم يُلْزمهم الإسلام أن يكونوا معه أو عليه؛ فقد كان حسبه ألاّ يكونوا عليه [٢٠] . وقال الإمام الطبري: إن المعنيَّ بهذه الآية هم المنافقون، إذا استسلموا لكم صلحاً منهم لكم فلا سبيل لكم على أنفسهم وأموالهم وذراريهم، فلا ينبغي التعرض عليهم [٢١] . ونقل الإمام البَغَوِيُّ عن بعض السلف: أنهم مَن انضم إلى قوم بينكم وبينهم عهد وميثاق فدخلوا في حلف ولجؤوا إلى جوارهم، وضاقت صدورهم عن قتالكم بسبب العهد الذي بينكم. ويجوز أن يكون المعنى: إنهم لا يقاتلونكم مع قومهم ولا يقاتلون قومهم معكم، فهؤلاء إذا اعتزلوكم وانقادوا للصلح واستسلموا، فما جعل الله للمسلمين عليهم طريقاً بالقتل والقتال [٢٢] . فالسبب الموجب لترك التعرُّض لهم هو تركهم للقتال [٢٣] . وأبدى العلاّمة أبو بكر الرّازي الجصَّاص رأياً في أنَّ منع قتال مَنْ هذا وصفه مِنَ الكفار منسوخ باتفاق العلماء حيث قال:» إن هذه الآيات فيها حظر قتال من كفَّ عن قتالنا من الكفار، ولا نعلم أحداً من الفقهاء يحظر قتال من اعتزلنا من المشركين. وإنما الخلاف في جواز ترك قتالهم لا في حظره. فقد حصل الاتفاق من الجميع على نسخ حظر القتال لمن كان وَصْفُه ما ذكرنا. والله الموفق للصواب « [٢٤] . والذي ننتهي إليه من هذه الأقوال: أن الآية الكريمة وإن كان فيها دعوة إلى السلم، فإنما ذلك مع قوم مالوا إلى المصالحة والمهادنة وانقادوا للطاعة، أو اعتزلوا قتال المسلمين، فكانوا في موقف الحياد. وليس في الآية نسخ؛ لأن هذا الحكم المستفاد منها من الأحكام المرحلية التي أشرنا فيما سبق إلى أنها تواجه واقعاً معيناً في مرحلة معينة. وذلك كله لا يتعلق بأصل التعامل بين المسلمين والكفار، ولا بالقاعدة العامة فيها. * وأما ما استدلوا به من الواقع التاريخي، وهو أن حروب النبي صلى الله عليه وسلم كانت لردّ العدوان والبغي، وأنه لم يقاتل إلا دفاعاً [٢٥] . فهذا في بيان حال واقعة، وليست بياناً لأصل أو مبدأ تُرَدُّ إليه الوقائع. مع أن غزوات النبي ﷺ وحروبه فيها ما هو دفاع وما هو هجوم ابتداءً. ولهذا لا يصح الاستدلال بذلك على أصل العلاقات وأنها السلم المطلق. * بقي من أدلة المعاصرين جملة من القواعد الفقهية، مثل:» الأصل في الدماء الحظر «، و» الضرورات تقدر بقدرها «و» الأصل في الأشياء الإباحة « [٢٦] . وهذه كلها لا علاقة لها بموضوع بحثنا، ولا تدل على شيء مما أرادوه. كما أن ما نقلوه عن بعض الأئمة كقول مالك:» لا ينبغي لمسلم أن يهريق دمه إلا في حق، ولا يهريق دماً إلا بحق « [٢٧] ، إنما جاءت في سياقٍ آخر لا علاقة له بمسألتنا، وهذا السياق هو: هل يجوز للمسلم أن يقاتل مع غير المسلمين؟ [٢٨] . ولذلك نجد أن النتيجة التي وصل إليها أستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي عندما قال: » والخلاصة أن الأصل في علاقات المسلمين بغيرهم هو السلم. والحرب عارض لدفع الشر ... وفقهاؤنا قرروا أن الأصل في العلاقات هو الحرب، دون أن يكون لذلك سند تشريعي، إلا ما كان تصويراً منهم للواقع « [٢٩] . هذه النتيجة ليست مسلَّمة؛ لأنه قد تبين لنا السند التشريعي لما ذهب إليه الفقهاء، وهو الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة. أما ما عرضه هو فلا سند له من النصوص الشرعية إلا التمحل والتأويل للنصوص ليجعلها موافقة للقانون الدولي الذي عبّر عنه بقوله:» وفي صدد المقارنة نجد أن ما انتهينا إليه من اعتبار السلم أصل العلاقات في الإسلام هو الأمر المقرر لدى فقهاء القانون الدولي حيث يقولون: الحالة الطبيعية بين الدول هي السلام، والحرب وقتية عارضة مهما كان سببها « [٣٠] . ويعبِّر عن هذا أيضاً: قولُ الشيخ عبد الوهاب خلاّف ﵀» وقال فريق آخر من العلماء: إن أساس علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول لا تغاير ما قرره علماء القانون الدولي أساساً لعلاقات الدول الحاضرة ... « [٣١] . مع أن في ذلك عكساً للترتيب، فلم يكن هناك قانون دولي عندما قال الفقهاء المسلمون بما ذهبوا إليه.

стр. 4416

قضايا دعوية رسالة من القلب إلى إخواننا في اليمن د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي من سفر بن عبد الرحمن الحوالي: إلى إخوانه في الله من أهل السنة في اليمن، حفظهم الله تعالى أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد: تعلمون - حفظكم الله - أن أعظم نعمة لله على عباده بعد الهداية للإيمان أن يجعلهم من أهل السنة والاتباع، لا من أهل الأهواء والابتداع، ومن حق الله على عباده أن يكونوا قابلين لنعمته، شاكرين لها، مثنين بها عليه. وإن من قبول النعمة وشكرها أن يعرفوا قدرها، ويحافظوا عليها، ويخافوا من سَلْبها بسبب ذنوبهم وتفريطهم في أسباب استدامتها. وقد أنعم الله على أهل اليمن بظهور السُّنة، وانحسار البدع والأفكار الإلحادية قديمها وحديثها، لكن الشيطان كلما يئس أن يُعبد في أمة رضي بالتحريش بينهم. وهذا يستوجب النصح والتذكير بأمور مهمة؛ ولا سيما فيما يتعلق بمنهج التعامل مع أهل القبلة: ١ - إن سبيل السنة والاتباع؛ كما هو أهدى السبل وأقومها هو كذلك أوسعها وأرحمها، وقد وَسِعَ السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ومسلمي الأعراب، وبين هاتين المرتبتين من مقامات الإيمان ما لا يعلمه إلا الله (كما بيّن تعالى في سورة التوبة) ، وأهل هذا السبيل السالكون له داخلون دخولاً أولياً في الأمة المصطفاة: [ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ] (فاطر: ٣٢) .. إلخ. فلا يشقى ظالمهم بالسير مع سابقهم وإن تأخر، بل يحمل بعضهم بعضاً، ويجبر بعضهم كسر بعض، وكلهم صائرون إلى حسن العاقبة: منهم من يدخل من أبواب الجنة الثمانية، ومنهم من يلازم باباً واحداً، ومنهم بين ذلك. ومنهم من يدخلها بالقيام مقام الأنبياء، ومنهم من يدخلها بتهليلة في ساعة صفاء، أو دمعة في جوف الليل، أو درهم وضعه في يد مسكين، أو غصن من الشوك أزاحه عن طريق المسلمين. ٢ - وهم متنوعون في مواهبهم ومقاماتهم، متحدون في منهجهم وغاياتهم: منهم المجاهد، والآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، والمفسّر والمحدّث واللغوي والشاعر، ومنهم العامة المطيعون لله ورسوله ولو لم يحملوا من العلم شيئاً. فكل من لم يُفسد عليه أهل البدع فطرته فهو منهم على فطرة السنة، كالمولود على فطرة الإسلام الذي لم يهوِّده أبواه ولم يُنصِّراه أو يُمجِّساه. وأهل السنة والاتباع يؤدون حقوق الأمة كما أمر بها الشرع، فإن الشرع في مقام المعاملة مع الله وأداء حقِّه علّق دخول الجنة والفوز باسم (الإيمان) كما في آيٍ كثيرة جداً من كتاب الله، ولكنه في مقام التعامل مع الناس علّق حقوق صيانة الدم والمال والعرض باسم (الإسلام) ، فقال: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» [١] ، وقال: «حق المسلم على المسلم ست» [٢] ، وقال: «المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده» [٣] ؛ فمن ثبت له اسم الإسلام ثبتت له هذه الحقوق، ولا تسقط إلا بيقين ولمصلحة الدين، بل إن الله تعالى سمّى الطائفتين المتقاتلتين مؤمنين تنبيهاً لثبوت حقهما على سائر المسلمين، فقال تعالى: [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ] (الحجرات: ١٠) . ٣ - وهم لا يُهْدرون الأحكام الثابتة والأصول الكلية لأجل الأحكام العارضة والوقائع العينية؛ فمن الأصول الكلية الثابتة بصريح الآيات والأحاديث الصحيحة: (وجوب اجتماع كلمة المسلمين) ، ومن الأحكام العارضة: (هجر المبتدع أو الفاسق) ، فما لم تكن المصلحة في ذلك راجحة فلا يصار إليه، وهو مما تتغير فيه الأحوال ويقبل تعدد الاجتهاد. ٤ - وكلّ من صلّى صلاتهم، واستقبل قبلتهم، وأكل ذبيحتهم فهو منهم؛ له ما لهم، وعليه ما عليهم، وحسابه على الله، وسريرته إليه، لا تنقيب عن القلوب، ولا شقّ عن السرائر، ولا إساءة ظن، ولا غلّ على سابق بالإيمان، ولا تفريق للمسلمين بالألقاب والأسماء وإن كانت أشرف الأسماء، مثل «المهاجرين والأنصار» ؛ لأنها إنما تقال على سبيل الثناء والتأليف أو التمييز والتعريف، فما أغنى عن المعتزلة تسميتهم أنفسهم بـ (أهل التوحيد والعدل) ، ولا أغنى عن الصوفية دعواهم أنهم (أهل الولاية والقرب) ، وقبلهم قالت اليهود والنصارى: [نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه] (المائدة: ١٨) . ٥ - وهم يعدّون امتحان الناس بالولاء والبراء لطائفة أو معيّن من المحدثات التي زجر عنها السلف؛ فإن الموالاة والمعاداة تكون على الحقائق لا على الدعاوى والأسماء، وفي جماعتهم الصغرى قدوة لجماعتهم الكبرى؛ فكما أن الواجب هو أن يصلّوا كما صلّى رسول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون، وأن يكون إمامهم من أهل السنة والاتباع؛ دون أن يمنعوا دخول أهل النفاق والمعاصي إلى المسجد وصلاتهم بصلاة أهل السنة، فكذلك يجب أن يكون اجتماعهم العام على السنة بمفهومها الواسع العميق، ولا يمنع ذلك أن ينضم إليهم في نصرة الإسلام ومعاداة أعدائه مَنْ هو متلبس ببدعة أو مقيم على معصية، لكنهم يجتهدون في دعوة هؤلاء إلى الاستقامة مثلما يُعلّم الإمام جماعة المسجد كيف يؤدون الصلاة صحيحة، وهذا خير من أن يستقل أهل المعصية بمسجد وإمام، ويكون بين المسجدين عداوة وخصام. ٦ - وهم أقوياء في الحق من غير غلوّ، ورحماء بالخلق من غير تهاون، وأشداء على أهل الضلال والبدع من غير عسف ولا جور، يأمرون بالمعروف بمعروف، وينهون عن المنكر بلا منكر. ٧ - وهم يوفون الكيل والميزان بالقسط ولا يبخسون الناس أشياءهم، ويَزِنون الأمور بالعدل والحكمة، ويرتكبون أخف الضررين، ويجتنبون أكبر المفسدتين، ويصبرون على أهون الشرين، ويسلكون أقرب الطريقين، ويختارون أيسر الأمرين، يأوي إلى عدلهم المظلوم من كل أمة وطائفة، ويثق في علمهم طالب الحق من كل ملة ونِحْلة، فالعدل عندهم قيمة مطلقة؛ فإن الله تعالى جعله واجباً على كل أحد لكل أحد في كل حال؛ فهو قيمة مطلقة لا يحدها اختلاف الدين فضلاً عما هو أدنى من ذلك. قال تعالى: [وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا] (المائدة: ٢) ، ومن لم يميز بين وجوب معاداة الكافرين والظالمين ووجوب العدل معهم، ويقيم الواجبَيْن معاً فليس من أهل الفقه في الدين والاتباع لسيد المرسلين الذي أوحى إليه ربه أن يقول: [وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ] (الشورى: ١٥) . وقال ابن القيم في نونيته ضمن الحديث عن دعوة الرسل: وكذاك نقطع أنهم جاؤوا بعدل ... الله بين طوائف الإنسانِ ٨ - ومن حكمتهم في الدعوة: أن يظهروا محاسن الأئمة المتبوعين من أئمة العلم أو السلوك أو الدعوة، ويبينوا أن ما أوتوه من تعظيم وثناء إنما هو بسبب ما لديهم من اتباع للحق وجهاد من أجله، وأن ما نالهم من توفيق في دعوتهم فهو بسبب ما اتبعوا من السنة، ويجعلوا ذلك وسيلة لدعوة أتباعهم والمنتسبين إليهم إلى السنة والاتباع، ونبذ التعصب للمتبوعين، والعمل لنصرة الدين كما نصر أولئك الأئمة؛ وبذلك يجمعون بين العدل مع المتبوعين والدعوة الحكيمة للتابعين، كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كلامه عن الأئمة الأربعة وغيرهم كالأشعري، وعدي بن مسافر. ٩ - هم أكثر الناس ازدراءً للنفس في ذات الله، وأبعدهم عن ادعاء الكمال، لا يزكُّون أنفسهم بالشعارات وبالألقاب، ولا يستغنون عن الاتباع بالانتساب، بل يعلمون أن ليس بأمانيّهم ولا أمانيّ أهل الكتاب. وهم في جهادهم، ودعوتهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتغليظهم على أهل البدع وسائر أمورهم يتقدمون ويتأخرون بمقتضى الدليل الشرعي، والمصلحة الدينية، ودافع النصح لله ولرسوله وللمؤمنين، وليس بدافع الانتقام أو التشفي أو التشهير، يعاقبون أحبّ صديق لهم، ويعفون عن أعدى عدوٍّ لهم إذا اقتضى أمر الله ورسوله ومصلحة الإسلام ذلك. وهم يفرحون بتوبة التائب، ويقبلون عذر المعتذر، ويدعون بالهداية للعاصي؛ لأنه لا حظَّ لأنفسهم في شيء من ذلك، بل إنما يريدون وجه الله، ويحرصون على هداية خلق الله، ولا يحبون أن يعثروا على بدعة أو معصية ممن يخالفهم؛ لأن من فرح بذلك فقد أحب أن يُعصى الله، ومن أحب أن يُعصى الله فليس من الله في شيء. ويسترون عيوب المسلمين، ولا يتتبعون عوراتهم، ولا يذكرون أخطاء أهل العلم إلا لبيان الحق، وعلى سبيل الترجيح لا التجريح، ويلتمسون لهم العذر ما أمكن. وقد كان بعض السلف يوصون الوعاظ والخطباء ألاّ يُفصّلوا ذنوب المسلمين ويشهروا عيوبهم على المنابر؛ حتى لا يشمت بهم أهل الكتاب والمشركون. ويُدخَلَ في ذلك التشهير بالجماعات الإسلامية في أوساط أهل الإلحاد والبدع. وكثير من الناس يحصرون (السُّنِّي) في المتمحض للسنة؛ الذي لم يقع منه خطأ ولا تأويل ولا جهل، ويقابلهم آخرون يظنون أن (المبتدع) هو من اجتمعت فيه أصول البدع، أو انتسب إلى ما أجمعت الأمة على أنها من فرق الضلال. والحق أن البدع كسائر الذنوب: منها الكبير والصغير، والصريح والمشتبه، والعصمة من التلبس بها نادرة أو قليلة. والمخالفة بالتأويل والخطأ والجهل سمة أكثر الخلق، ويجتمع في الواحد المعيَّن والطائفة الحرص الشديد على السنة مع الوقوع الصريح في البدعة، كما يتفق للكثير من أهل البدع إصابة السنة في بعض الأحوال والمقامات؛ وإنما العبرة بالأصول والمنهج في الجملة والعموم، والموفق من وفقه الله. وعلى كل أحد اتهام نفسه، والتفتيش عن عيوبه، وتجديد إيمانه، وعلى الكافة التناصح في غير جفاء، وقبول الحق من أي مصدر جاء. ١٠ - وهم لا يمنعهم طلب الكمال عن الحكمة في التعامل مع واقع الحال، فيدعون إلى الحق كاملاً غير منقوص، وإلى الاتباع المطلق للرسول صلى الله عليه وسلم، ويقبلون من الناس التدرج في الأخذ بذلك والتفاوت فيه، وسيرته صلى الله عليه وسلم هي منهاجهم وقدوتهم في هذا وغيره. ١١ - ومن ضاق علمه وقصر نظره عن الجمع بين التمسك بأصول السنة وبين التعامل الشرعي مع الأُمة ولا سيما المخالفون منها؛ فقد قصّر في اتباع الرسول ﷺ والاقتداء بسنته، كمن يظن أن المخالفين تسقط كل حقوقهم الشرعية، أو أن العدل معهم ضعف وتهاون، أو أن نصرة الدين لا تكون إلا من أهل الطاعة الثابتة والاتباع الكامل. فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم، لا سيما في حال المعارك؛ قتالية كانت أو عقدية أو سياسية. ولهذا كان من أصول السنّة: (الجهاد مع كل برٍّ وفاجر) ، وهذا الجهاد يشمل الجهاد الميداني، والجهاد السياسي، والجهاد العلمي والدعوي؛ ما دام المقصود منه النكاية في عدو الدين المستبين الذي لو تسلط؛ لكان ضرره أعظم من تسلُّط مَنْ تَنْقُصه شروط العدالة والاستقامة. وقد جاهد كثير من علماء السلف مع جيوش الحجاج بن يوسف وكلهم لا يشكّ في طغيانه وظلمه، كما فرح أهل السنة بما فعل بعض الخلفاء والولاة بالمبتدعة، وإن كانوا في أنفسهم ليسوا على السنة المحضة؛ مثل المتوكل، وخالد بن عبد الله القسري؛ فالعبرة في هذا كلّه بنصرة الدين وإقامة الشريعة. وبالنظر إلى الواقع السياسي في اليمن نقول: إنه ينبغي التفريق بين من يدعو إلى الكتاب والسنة في الجملة وهو متلبس ببدعة أو انحراف فكري، وبين من يدعو إلى بدعته وفكرته الضالة. وكلاهما يقع من أطراف المعارك السياسية في اليمن وغيرها، فإن قوماً اتخذوا البدعة حزباً سياسياً، وآخرين هم منتسبون لها في الأصل لكنهم يخالفون أولئك ويدعون إلى الإسلام جملة إما مستقلين وإما منضمّين تحت راية إسلامية عامة. وهناك من كان على مذهب فاسد كالاشتراكية ثم استقام في الجملة وإن لم يعلم تفصيل ما أنزل الله، فيجب التفريق بينه وبين من لا يزال على اشتراكيته أو قوميته.. ونحو ذلك. والتاريخ الإسلامي شاهد على أن الله تعالى نصر الإسلام على أعدائه من صليبيين وباطنية ومغول وغيرهم بأُناسٍ لم يكونوا من أهل السنة المحضة، لكنهم كانوا يقاتلون لنصرة الإسلام لا لإظهار البدع، وفرق بين هؤلاء وبين دول الخوارج والروافض الباطنية وغيرهم التي قامت في شرق العالم الإسلامي وغربه، وقاتلت من خالفها من المسلمين لكي يدخل في بدعتها. فالأحزاب الإسلامية في اليمن: حين تواجه الروافض أو الاشتراكيين في معاركها القتالية أو السياسية؛ فهي من النوع الأول، فيجب مناصرتها على أحزاب البدعة والإلحاد، كما تجب مناصحتها للاستقامة على السنة المحضة، وليس في الجمع بين هذين إشكال لدى أهل الفقه والبصيرة. أما الاشتغال بعداوتها عن عداوة أهل البدعة والإلحاد فهو عين الخطأ، وأعظم منه موالاة من يحكم بغير ما أنزل الله أو الأحزاب العلمانية ومعاداة الأحزاب الإسلامية، فهذا لا يفعله إلا منافق صريح النفاق أو أعمى البصيرة لا فقه له ولا فكر، فهو كمن يبني كنيسة ويقفل المسجد بحجة أن المصلين لا يصلُّون على السنة، أو يدعو الناس إلى أكل الميتة وترك ذبيحة أهل المعاصي، أو يفضل الجهل بقراءة القرآن على تلقيه من ماهر بالقراءة متلبس ببدعة، أو يتوضأ بالماء النجس تاركاً ما فيه شبهة! وعلى من ينتسب إلى السنة أن يحذر من سيرة الخوارج ومنهجهم في التعامل فإنهم قتلوا عبد الله بن خباب ﵁ مستحلّين دمه، وتركوا النصراني مراعاة لذمته!! وكانوا يقاتلون أهل الإسلام ويَدَعُون أهل الأوثان، سَلِمَ منهم الروم والترك والدَيْلم، ولم يَسْلَم منهم كثير من أصحاب الرسول ﷺ والتابعين لهم بإحسان وأئمة العلم والإيمان. ولا يشفع لهؤلاء الصنف من طلبة العلم ظنّهم أنهم وحدهم أهل السنة والاستقامة؛ فإن هذا من أعظم أسباب التشبث بالهوى، وعمى القلب عن قبول الحق والتزام العدل، نسأل الله السلامة والعافية. إن التعامل الحق مع أهل القبلة هو السبيل القويم لتوحيد الأمة؛ لأنه يعتمد على قواعد شرعية مستمدة من نصوص الوحي، وليس على مجرد المصلحة كما يظن كثيرون، وبيان هذه القواعد هو جزء من منهج أهل السنة والجماعة الذي لا تجتمع الأمة ولا تنتصر إلا بمقدار حظها من التمسك به. * أيها الإخوة المؤمنون: إن أعداء الله يكيدون لليمن شر كيد، وقد عزموا على أن يجعلوا المعركة الانتخابية القادمة حاسمة في انتصارهم؛ فعلى المسلمين كافة أن يقفوا صفاً واحداً في هذا الجهاد الكبير، وأن يرفضوا الخضوع لأعداء الله أو الركون إليهم، وأن يُعِدُّوا العُدة لمواجهتهم في كل ميدان، وأعظم العُدة بعد تقوى الله اجتماع الكلمة ووحدة الصف، وهذا في حدّ ذاته انتصار عظيم، [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفاًّ كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ] (الصف: ٤) .

стр. 4417

دراسات تربوية قاعدة الانطلاق وقارب النجاة (١ ـ ٢) فيصل بن علي البعداني albadani@hotmail.com الحمد لله، والصلاة والسلام على نبيه ومجتباه، وبعد: فإن هذا الموضوع مما يحتاج إلى التذكير به في كل مناسبة، والحديث عنه بين وقت وآخر؛ إذ هو لب الدين، وعموده الأعظم، وعليه مدار النجاة وتحقيق سعادة الأبد. واللهَ أسأل أن يلهمني الرشد، وأن يعم النفع بهذه السطور. * منزلة الإخلاص: الإخلاص هو حقيقة الدين. قال تعالى: [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ] (البينة: ٥) ، وقال سبحانه: [فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ * أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ] (الزمر: ٢-٣) ، فقصر سبحانه «ما يصح أن يدان به على الخالص منه، وهو المنزه عن شوائب الشرك قليله وكثيره، جليله وحقيره، فأفادت الآية أن الإخلاص شرط في دين الإسلام، وهو دين الأنبياء أجمعين. وطلب الإخلاص في جميع الشرائع دليل على عظم منزلة هذا الخلق العظيم» [١] . وهو مفتاح دعوة المرسلين ﵈، وأعظم الأصول التي جاؤوا بها. وهو رأس أعمال القلوب التي هي أجل أعمال العبد وأعظمها قدراً [٢] ، «فعمل القلب هو روح العبودية ولبها، فإذا خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح، والنية هي عمل القلب» [٣] . كما أنه شرط لقبول العمل وتحقق الزلفى عند رب العالمين. ولجلالته وعظم منزلته أثنى الله على المتصفين به ونوه بذكرهم؛ مما يوضح أن الإخلاص كان أبرز سماتهم وأخص خصائصهم فقال سبحانه عن يوسف ﵇: [كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ] (يوسف: ٢٤) [٤] ، وقال تعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم: [قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ] (البقرة: ١٣٩) [٥] . وفي المقابل جاء الوعيد الشديد لمن تخلى عنه، فقال تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء] (النساء: ٤٨) ، وقال سبحانه عن المشركين: [وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً] (الفرقان: ٢٣) ، «وهي الأعمال التي كانت على غير السنة، أو أريد بها غير وجه الله» [٦] ، وقال ﷺ : «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» [٧] ، وقال صلى الله عليه وسلم: «من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله ، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا؛ لم يجد عَرْف الجنة [يعني: ريحها] يوم القيامة» [٨] . ولذا فالإخلاص مطلوب في جميع العبادات الظاهرة والباطنة؛ فلا يكفي أن يتوجه العبد إلى الله في عمل دون عمل، أو في عبادة دون معاملة، قال ابن القيم: «العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملاً ينقله ولا ينفعه» [٩] . * حقيقة الإخلاص: الإخلاص لغة: تصفية الشيء وتنقيته وتخليصه مما يكدره [١٠] . وللعلماء في المراد به شرعاً عبارات متقاربة مدارها على أن يريد العبد «بطاعته التقرب إلى الله سبحانه دون أي شيء آخر؛ من تصنع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرب به إلى الله تعالى» [١١] . ولقصد الرب بالعمل وإخلاصه له صور عدة؛ إذ من العباد من يعبد الله تعالى تعظيماً له وتوقيراً، ومنهم الذي يقصد الدخول في طاعته وعبادته، ومنهم الذي يطلب رضوانه ورضاه، ومنهم الذي يقصد الأنس به والتلذذ بطاعته وعبادته، ومنهم من يرجو التنعم برؤيته في يوم لقياه، ومنهم من يطلب ثوابه من غير أن يستشعر ثواباً معيناً، ومنهم من يطلب ثواباً معيناً، ومنهم من يخاف عقابه من حيث الجملة غير ناظر إلى عقاب معين، ومنهم من يخشى عقاباً معيناً. وتنوع المقاصد باب واسع، والعبد قد يقصد هذا مرة، وهذا مرة، وقد يقصد أكثر من واحد من هذه المقاصد، وكلها تنتهي إلى غاية واحدة، وتعني في النهاية شيئاً واحداً: أن العبد يريد الله سبحانه، ولا يريد سواه، وكل ذلك محقق للإخلاص، وأصحاب هذه المقاصد على الصراط المستقيم، وعلى الهدى والصواب [١٢] ، وإن كان لا ينبغي للعبد أن يخلي عبادته من قصد الحب لله المشوب بتعظيم، ومن الخوف والرجاء؛ إذ قوام العبادة ومدارها على ذلك، والله أعلم. * صعوبة الإخلاص: مع وضوح الإخلاص وجلائه إلا أنه من أشق الأمور على النفس؛ لأنه يحول بينها وبين تطلعاتها وشهواتها؛ فتحقيقه والاستمرار فيه يتطلب مجاهدة كبيرة، وهذه المجاهدة لا تقتصر الحاجة فيها على عوام الناس فقط، بل الكل محتاج إليها حتى العلماء والأشداء من الصالحين والعباد، يقول الثوري: «ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي، إنها تقلب عليّ» [١٣] ، ويقول يوسف بن الحسين الرازي: «أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر» [١٤] ، ويقول يوسف بن أسباط: «تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد» [١٥] ، «فالنفس الأمارة بالسوء تشين الإخلاص للعبد وتريه إياه» في صورة ينفر منها، وهي الخروج عن حكم العقل المعيشي، والمداراة والمداهنة التي بها اندراج حال صاحبها ومشيه بين الناس؛ فمتى أخلص أعماله ولم يعمل لأحد شيئاً تجنبهم وتجنبوه وأبغضهم وأبغضوه « [١٦] ؛ ولذا فقد كان ﷺ كثيراً ما يدعو:» يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك « [١٧] ، وكثيراً ما كان ﷺ يكثر في حلفه من قول:» لا ومقلب القلوب « [١٨] ، وذلك لكثرة تقلب القلوب وتحولها في قصودها ونياتها. * ثمرات الإخلاص: للإخلاص ثمار عديدة، من أبرزها: ١ - دخول جنات النعيم: يدل على ذلك قول المولى ﷻ : [إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ] ١٩ [* أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ] ،» فالناس كلهم هـ (الصافات: ٤٠-٤٣) لكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون « [٢٠] . ٢- قبول العمل: الإخلاص شرط لقبول العمل، قال ﷺ : » إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتُغي به وجهه « [٢١] ، وقال ﷺ :» إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى منادٍ: من كان أشرك في عمل عمله لله فليطلب ثوابه من عند غير الله؛ فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك « [٢٢] . ٣ - الفوز بشفاعة النبي ﷺ في الآخرة: قال صلى الله عليه وسلم:» أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه « [٢٣] ،» فمن كان أكمل توحيداً كان أحرى بالشفاعة « [٢٤] ، و» الشفاعة لأهل الإخلاص، ولا تكون لمن أشرك بالله « [٢٥] . ٤ - تنقية القلب من الحقد: إذا حلّ الإخلاص في قلب هذَّبه من الآفات، وحصَّنه من سيئ الصفات، يدل على ذلك قوله ﷺ :» ثلاث لا يَغِلُّ عليهن قلب امرىء مؤمن: إخلاص العمل لله، والمناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم « [٢٦] ، قال ابن عبد البر:» فمعناه: لا يكون القلب عليهن ومعهن غليلاً أبداً، يعني: لا يقوى فيه مرض ولا نفاق إذا أخلص العمل لله، ولزم الجماعة، وناصح أولي الأمر « [٢٧] . ٥- مغفرة الذنوب ومضاعفة الأجر: إذا تمكن الإخلاص من عمل كان سبباً لمغفرة ذنب صاحبه ومضاعفة أجره؛ حتى لو كانت الطاعة في ظاهرها يسيرة أو قليلة، يقول ابن المبارك ﵀ في هذا الشأن:» رُبَّ عمل صغير تكثره النية، ورُبَّ عمل كثير تصغره النية « [٢٨] ، وقد أخبر النبي ﷺ عن أعمال صغيرة غفر لأصحابها ببركة إخلاصهم، كحديث صاحب البطاقة التي فيها» لا إله إلا الله «، وحديث البغيِّ التي سقت كلباً فغفر الله لها، وقصة الرجل الذي أماط الأذى عن الطريق فغفر الله له، قال ابن تيمية:» فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها، وإلا فليس كل بغي سقت كلباً يغفر لها، وكذلك هذا الذي نحَّى غصن الشوك من الطريق؛ فعله إذ ذاك بإيمان خالص، وإخلاص قائم بقلبه فغفر له بذلك، فالأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص، وإن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحداً، وبين صلاتهما كما بين السماء والأرض، وليس كل من نحَّى غصن شوك عن الطريق يغفر له « [٢٩] . وهذا يبين سر تفاوت منزلة الناس في المنازل. قال ابن القيم:» واعتبر هذا بحال الصدِّيق؛ فإنه أفضل الأمة، ومعلوم أن فيهم من هو أكثر عملاً وحجاً وصوماً وصلاة وقراءة منه. قال أبو بكر بن عياش: ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في قلبه « [٣٠] . وفي المقابل متى كان أداء العبد للطاعة بدون إخلاص لله وصدق معه كان معرضاً للوعيد الشديد؛ لحديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، وهم شهيد وعالم قارئ ومنفق، عملوا من أجل أن يقول الناس: هذا شهيد، وهذا عالم، وهذا منفق [٣١] ، وحديث:» لا تعلَّموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار « [٣٢] ، وحديث: » إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: يا رسول الله! وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء، يقول الله لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟! « [٣٣] . ٦ - الظفر بالنصر والتمكين: قال ﷺ :» إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها؛ بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم « [٣٤] ، وقال:» بشِّر هذه الأمة بالنصر والسناء والتمكين؛ فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب « [٣٥] ، ومن تأمل في حياة سلفنا الصالح يجدهم لم ينتصروا إلا بقوة إيمانهم، وزكاة نفوسهم، وإخلاص قلوبهم، وعملهم بعقيدة جعلوا كل شيء وقفاً عليها [٣٦] ، يقول عمر بن الخطاب ﵁:» فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس « [٣٧] ، ومن كان الله معه » فمن ذا الذي يغلبه أو يناله بسوء؛ فإن كان الله مع العبد فمن يخاف، وإن لم يكن معه فمن يرجو، وبمن يثق، ومن ينصره من بعده؟! « [٣٨] . ٧ - نيل قبول الناس ومحبتهم: يضع الله سبحانه لصاحب الإخلاص القبول والمحبة في قلوب الخلق بعكس المرائي الذي يطلب الشهرة ويسعى للحصول على المنزلة في قلوب الناس، فالله يعامله بنقيض قصده، قال ﷺ : » من سمَّع الناس بعمله سمَّع الله به سامع خلقه، وصغّره وحقّره « [٣٩] ، وقال: » من كانت الدنيا همه: فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته: جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة « [٤٠] . وهذا مجاهد يقول:» إن العبد إذا أقبل إلى الله بقلبه أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه «، وهذا الفضيل يقول:» من أحب أن يُذكر لم يُذكر، ومن كره أن يُذكر ذُكر «! قال ابن القيم معلقاً على قول الفاروق:» لما كان المتزين بما ليس فيه ضد المخلص فإنه يظهر للناس أمراً وهو في الباطن بخلافه.. عامله الله بنقيض قصده ... ولما كان المخلص يعجل له من ثواب إخلاصه الحلاوة والمحبة والمهابة في قلوب الناس.. عجل للمتزين بما ليس فيه من عقوبته أن شانه الله بين الناس؛ لأنه شان باطنه عند الله، وهذا موجب أسماء الرب الحسنى وصفاته العليا « [٤١] . ٨ - قلب المباحات إلى طاعات: إخلاص العبد وصلاح نيته يرتفع بعمله الدنيوي ويصيره عبادة متقبلة، يدل على ذلك قوله ﷺ :» وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟! فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر « [٤٢] ، وقوله ﷺ :» إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فم امرأتك « [٤٣] ، فإذا كان هذا في شأن الزوجة التي يكون معها هذا عادة عند الملاعبة والملاطفة والتلذذ بالمباح، فغيرها من المباحات من باب أوْلى [٤٤] ، قال ابن تيمية:» إن الذي ينبغي أنه لا يفعل من المباحات إلا ما يستعين به على الطاعة، ويقصد الاستعانة بها على الطاعة، فهذا سبيل المقربين السابقين « [٤٥] . ولذا فقد كان السلف يكثرون من استحضار النية الصالحة في المباحات، قال زبيد اليامي:» إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب «، وعنه أنه قال:» اِنْوِ في كل شيء تريده الخير، حتى خروجك إلى الكُناسة « [٤٦] ، وقال غيره:» من سره أن يكمل له عمله فليحسن نيته، فإن الله يأجر العبد إذا حسنت نيته حتى باللقمة « [٤٧] . وكما أن الإخلاص يرفع المباحات إلى منزلة الطاعات، فإن الرياء يهبط بالطاعات المحضة فيقلبها معاصي شائنة؛ كما في قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ] (البقرة: ٢٦٤) ، وكما في حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار [٤٨] . ومما روي عن السلف في ذلك أن رجلاً قال» لعبادة بن الصامت: أقاتل بسيفي في سبيل الله أريد به وجه الله تعالى ومَحْمَدة الناس؟! قال: لا شيء لك. فسأله ثلاث مرات، كل ذلك يقول: لا شيء لك. ثم قال في الثالثة: إن الله يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك ... الحديث « [٤٩] ،» وسأل رجل سعيد بن المسيب فقال: إن أحدنا يصطنع المعروف يحب أن يحمد ويؤجر؟ فقال له: أتحب أن تمقت؟ قال: لا، قال: فإذا عملت لله عملاً فأخلصه « [٥٠] . ٩ - بلوغ النية الخالصة مبلغ العمل: صاحب النية الصالحة قد يعجز عن عمل الخير الذي يصبو إليه؛ لقلة ماله، أو ضعف صحته، وقد يجتهد في فعل الخير ولا يدرك موقعه، ولكن الله المطلع على خبايا النفوس يرفع المخلص إلى مراتب العاملين الموفقين؛ لأن علوّ همته وصدق نيته أرجح لديه من عجز وسيلة عبده وقلة حيلته، يقول النبي ﷺ :» إن أقواماً خلفنا بالمدينة ما سلكنا شِعْباً، ولا وادياً إلا وهم معنا! حبسهم العذر « [٥١] ، وفي رواية مسلم:» إلا شركوكم في الأجر « [٥٢] ، ويقول ﷺ :» من أتى إلى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل، فغلبته عيناه حتى أصبح، كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه « [٥٣] ، ويقول صلى الله عليه وسلم:» من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه « [٥٤] ، وفي الحديث الآخر: ذكر الرجل الذي رزقه الله علماً، ولم يرزقه مالاً فتمنى مثل مال فلان ليعمل عمله الصالح، فقال النبي ﷺ :» فهما في الأجر سواء « [٥٥] . والنية الصالحة تنيل صاحبها الأجر وإن لم يوفق المخلص لوضع الأمر في موضعه، كما في قصة الذي تصدق على زانية وعلى غني وعلى سارق [٥٦] . ١٠ - تنفيس الكرب والنجاة من الشدائد: الإخلاص سبيل الخلاص، وهذا بيّن في قوله تعالى: [وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُنذَرِينَ * إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ] (الصافات: ٧١- ٧٤) ، وقوله : [وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ] (لقمان: ٣٢) ، وحديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فكان كل واحد منهم بعد أن يذكر عملاً صالحاً قام به يقول: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة عنهم، وخرجوا يمشون [٥٧] ، وحديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ في فتح مكة، وفيه:» ... وأما عكرمة فركب البحر، فأصابتهم عاصف، فقال أصحاب السفينة: أخلصوا، فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً ها هنا، فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره، اللهم إن لك علي عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه: أن آتي محمداً صلى الله عليه وسلم حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفواً كريماً. فجاء فأسلم « [٥٨] . ١١- الحفظ من كيد الشيطان: يكيد الشيطان للعبد ويزين له سوء عمله، وبإخلاصه في عمله وصدقه في نيته يحفظه الله تعالى ويعصمه من وسوسة الشيطان ومكره، يدل على ذلك قوله تعالى عن الشيطان: [قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ] (ص: ٨٢-٨٣) [٥٩] أي: إلا الذين أخلصوا العبادة والإيمان لك فإنه لا سبيل لي عليهم [٦٠] ؛ فإخلاصهم كان سبباً في حفظهم من إضلال الشيطان وإغوائه. قال أبو سليمان الداراني:» إذا أخلص العبد انقطعت عنه الوساوس والرياء «. وكان معروف يبكي ثم يقول:» يا نفس كم تبكين! أخلصي تتخلصي « [٦١] ، وقال ابن تيمية:» وإذا كان العبد مخلصاً له اجتباه ربه فيحيي قلبه، واجتذبه إليه فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ... ومن لم يكن خالصاً لله عبداً له ... استعبدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، وكان من الغاوين إخوان الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه، فالقلب إذا لم يكن حنيفاً مقبلاً على الله معرضاً عما سواه وإلا كان من المشركين « [٦٢] . ١٢ - نيل التوفيق والأنس والبركة: متى أخلص العبد لمولاه في عمله وفق للصواب، ودخله الأنس، وأعطي الذخائر، وبورك له في العمل، قال مكحول: » ما أخلص عبد قط أربعين يوماً إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه « [٦٣] ، وحين قيل لحمدون القصار:» ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟ قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفوس، وطلب الدنيا، ورضا الخلق « [٦٤] ، وقال ابن القيم:» ترك الشهوات لله، وإن أنجى من عذاب الله، وأوجب الفوز برحمته، فذخائر الله، وكنوز البر، ولذة الأنس والشوق إليه، والفرح والابتهاج به لا تحصل في قلبٍ فيه غيره، وإن كان من أهل العبادة والزهد والعلم؛ فإن الله سبحانه أبى أن يجعل ذخائره في قلب فيه سواه، وهمته متعلقة بغيره « [٦٥] . ولكن لا بد لمن أراد نيل العطايا وتحصيل الهبات أن يتأكد فعلاً من تحقيقه للإخلاص. قال ابن تيمية:» يذكر أن بعض الناس بلغه أنه من أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، فأخلص في ظنه أربعين صباحاً لينال الحكمة، فلم ينلها، فشكى ذلك إلى بعض حكماء الدين، فقال: إنك لم تخلص لله سبحانه، وإنما أخلصت للحكمة. يعني: أن الإخلاص لله إرادة وجهه، فإذا حصل ذلك حصلت الحكمة تبعاً، فإذا كانت الحكمة هي المقصود ابتداء لم يقع الإخلاص لله سبحانه، وإنما وقع ما يظن أنه إخلاص لله سبحانه « [٦٦] . ١٣- النجاة من الفتن: يدل على ذلك قوله تعالى عن نبيه يوسف - عليه السلام -: [وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ] (يوسف: ٢٤) [٦٧] ، فأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء من العشق والفحشاء من الفعل بإخلاصه؛ وذلك لأن القلوب إنما تبتلى بذلك إذا كانت فارغة» من حب الله والإخلاص له؛ فإن القلب لا بد له من التعلق بمحبوب؛ فمن لم يكن الله وحده محبوبه وإلهه ومعبوده فلا بد أن يتعبد قلبه لغيره « [٦٨] . يقول ابن القيم عن يوسف ﵇:» فلما أخلص لربه صرف عنه دواعي السوء والفحشاء فانصرف عنه السوء والفحشاء ... فالإخلاص هو سبيل الخلاص « [٦٩] ، قال بعض السلف:» العشق حركة قلب فارغ، يعني: فارغاً مما سوى معشوقه « [٧٠] ، و» الشرك يدعو إلى الظلم والفواحش، كما أن الإخلاص والتوحيد يصرفهما عن صاحبه « [٧١] . * تحصيل الإخلاص: لتحصيل الإخلاص طرق عدة، من أبرزها: ١ - قَدْر الله حق قدره: بمعرفة عظمته سبحانه وكماله وجلاله، وأنه عز وجل الغني الكبير المتعال، القادر على كل شيء، العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، الذي بيده النفع والضر وحده لا شريك له؛ فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وبمشاهدة منة الله تعالى وفضله وإحسانه، وأن العبد بالله لا بنفسه، وأن كل نعمة منه وكل خير فمن جوده وإنعامه [٧٢] ، فحقوقه سبحانه عظيمة، والعبد أضعف من أن يوفيه تعالى حقه، ويشكره على نعمه، وبهذا يقوى اليقين ويعظم توجه العبد إلى بارئه وإخلاصه له. ٢ - تعلم الإخلاص: إذ العمل ثمرة العلم، قال يحيى بن أبي كثير: » تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل « [٧٣] ، وقال عبد الله بن أبي جمرة:» وددت أنه لو كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد إلى التدريس في أعمال النيات ليس إلا ... ، فإنه ما أتي على كثير من الناس إلا من تضييع النيات « [٧٤] . ٣ - تذكر ثواب الإخلاص وعاقبة ضده: ليصفو الإخلاص للعبد عليه أن يتذكر ثواب الإخلاص وفضائله؛ فهو شرط قبول العمل، والسبيل الوحيد لدخول الجنة، وبوابة السلامة من كيد الشيطان ووسوته. وفي المقابل لا بد من تذكر عاقبة فقد الإخلاص؛ إذ ذلك يحبط عمل العبد، بل قد يودي به إلى النار، ويكون سبباً في فضيحته في الدنيا والآخرة، كما جاءت بذلك النصوص، ومنها: قوله تعالى: [مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (هود: ١٥-١٦) ،» أي من أراد بعمله ثواب الدنيا عُجِّل له الثواب، ولم ينقص شيئا في الدنيا، وله في الآخرة العذاب؛ لأنه جرد قصده إلى الدنيا، وهذا كما قال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» ؛ فالعبد إنما يعطى على وجه قصده، وبحكم ضميره « [٧٥] . ٤ - مراقبة النفس ومجاهدتها: بحيث يراقب المرء نفسه قبل الإقدام على العمل، سائلاً إياها: ماذا أرادت به؟ فإن كانت النية سليمة أقدم، وإن كانت غير ذلك صحح قصده قبل أن يلج بوابة العمل، وقد كان ذلك هدياً ظاهراً للسلف. قال الحسن:» كان الرجل إذا همَّ بصدقة تثبَّت؛ فإن كان لله مضى، وإن خالطه شك أمسك « [٧٦] ؛ أي يمسك حتى يصحح نيته ويراجعها، وليس المراد أن يترك العمل بالكلية خوف الرياء، بل المطلوب أن يأتي بالعمل بإخلاص. قيل لنافع بن جبير:» ألا تشهد الجنازة؟ قال: كما أنت حتى أنوي، قال: ففكر هُنَيَّة، ثم قال: امض « [٧٧] . ٥ - الاستعانة بالله: وذلك بأن يظهر العبد افتقاره إلى الله ، ويكثر من الدعاء والتوسل إليه تعالى بأن يوفقه للإخلاص؛ إذ هو سبحانه مقلب القلوب ومصرفها، فالاستعانة بجنابه هي الطريق القويم لتحصيل الإخلاص ودفع ضده، ولذا فرض الله على العبد أن يردد في اليوم الواحد مراراً: [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] (الفاتحة: ٥) أي: نعبدك وحدك، ونستعين بك على عبادتك؛ إذ لا حول لنا ولا قوة على فعل ذلك إلا بك. ولدور الاستعانة العظيم في تحقيق الإخلاص ومفارقة الشرك جاء في الكتاب العزيز من دعاء إبراهيم الخليل - عليه السلام -: [وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ] (إبراهيم: ٣٥) ؛ أي: يا الله! باعدني وبنيَّ عن جانب الشرك، واجعلنا من أهل الإخلاص والتوحيد [٧٨] . وجاء عن النبي الكريم ﷺ تعليمنا الاستعاذة بالله والاحتماء به؛ فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال:» خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: أيها الناس! اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل. فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم « [٧٩] . فأكثر من الاستعانة، وألح في الطلب؛ فإن من يكرر الطَّرْق ويشتد فيه يوشك أن يلج. ٦ - الإكثار من الطاعات: مراد الشيطان من العبد أن يترك الطاعة بالكلية أو أن يأتي بها على غير وجهها» نية أو كيفية «، فإذا عرف الشيطان أن العبد يراغمه ولا يطيعه، وأنه متى أحدث له وسوسة زاد العبد من تعبده وإخلاصه ومتابعته، فإنه يكف عنه لكي لا يكون ذلك سبباً في زيادة حسناته، قال الحسن البصري:» إذا نظر إليك الشيطان فرآك مداوماً في طاعة الله ملَّك ورفضك، وإذا كنت مرة هكذا، ومرة هكذا طمع فيك « [٨٠] ، و» يروى عن الفضيل بن غزوان أنه قيل له: فلان يذكرك أي بسوء فقال: والله لأغيظن من أَمَره، قيل له: ومن أَمَره؟ قال: الشيطان، اللهم اغفر له « [٨١] . ٧ - ترك الإعجاب بالنفس والمبالاة بالخلق: من أعظم مداخل الشيطان على العبد دفعه له ليرى عمله ويعجب به، ويطالع المخلوقين أثناء فعله. فأما العجب بالعمل فمن باب الإشراك بالنفس [٨٢] ، وهو ناتج من استعظام العمل، ولذا فكأن المعجب بعمله مانّ على الله تعالى بفعله، وهو بذلك ينسى نعمته سبحانه عليه بتوفيقه له لفعل الطاعات. قال تعالى: [يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ] (الحجرات: ١٧) ، وهو أمر محبط للعمل. وعلاجه: أن يستحضر منة الله عليه في كل شيء؛ فهو خالقه وممده بالقوى ومعلمه وموفقه ... فماذا للعبد من هذا؟! وأما مطالعة المخلوقين والاهتمام بنظرهم، وحب حمدهم وكراهية ذمهم في الطاعات؛ فمن باب الإشراك بالخلق [٨٣] . وداعي النفس إليه قوي؛ إذ النفوس مجبولة على حب أن يكون لها منزلة في قلوب الخلق [٨٤] . وطريق العبد لتجاوز ذلك: تذكُّر قوله ﷺ :» واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف « [٨٥] . ومما يبين أن مدح الناس وذمهم لا يغني العبد من الله شيئاً أن الأقرع بن حابس لما نادى من وراء حجرة النبي ﷺ قائلاً: إن مدحي زَيْن وذمي شين، رد عليه ﷺ بقوله:» ذاك الله « [٨٦] . قال ابن القيم:» لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت، فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فأقبل على الطمع أولاً فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص « [٨٧] ، فمراءاة الآخرين والاهتمام بنظرهم لا تجلب للعبد نفعاً ولا تدفع عنه ضراً، بل إنها تجلب مقت الناس وسخطهم، كما قال ﷺ :» من سمَّع سمَّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به « [٨٨] . ٨ - مصاحبة الأخيار: الصحبة مؤثرة في إصلاح الحال وإفساده، فـ » الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري « [٨٩] ، فمن جالس المخلصين تحرك الإخلاص لديه، ومن خالط أهل الرياء والسمعة تأثر بهم. ٩ - التأسي بالمخلصين: المحاكاة الواعية هي الأسلوب الأمثل لإعادة تحقيق ما نجح الآخرون في فعله على نحو دقيق؛ فالقدوة الحسنة مثال حي يثير في النفس التقدير والمحبة، ويقنعها بإمكانية الوصول للكمال، ويحفزها للعمل على بلوغه [٩٠] . وسبيل معرفة إخلاص المخلصين مطالعة سيرهم والنظر في تراجمهم؛ إذ فيها هدي القوم وسمتهم، قال أبو حنيفة:» الحكايات عن العلماء ومجالستهم أحب إليَّ من كثير من الفقه؛ لأنها آداب القوم وأخلاقهم « [٩١] ، ومن قرأ في سيرة النبي ﷺ وسير أصحابه الكرام ومن تبعهم بإحسان رأى من صور الإخلاص ما يبهر اللب ويشعل جذوة الإيمان. ١٠ - اتخاذ الإخلاص هدفاً: كثيرون هم أولئك الراغبون في الإخلاص، لكنِ المخلصون منهم قلة؛ ذلك أن رغبتهم تلك لم تتخذ هدفاً، فتترجم إلى ممارسة وعمل، فإذا أردت أن تكون مخلصاً فاجعل الإخلاص هدفك الذي تريده وتتجه إليه دوماً، ثم عليك أن تقرر استعدادك لدفع ثمن تحقيق ذلك الإخلاص وتحويله إلى سلوك معاش في حياتك، وبادر إلى دفع ذلك الثمن فعلاً، كأن تقطع الطمع عما في أيدي الناس، وتترك التعلق بالدنيا واتخاذها غرضاً، وتكبح جماح نفسك وطمعها الشديد في الحصول على حمد الناس وثنائهم؛ لأن من فعل ذلك فسيكون إن شاء الله من القلة التي نهضت بالعمل مقابل تلك الكثرة التي تكتفي فقط بالإرادة والتكلم [٩٢] .

стр. 4418

دراسات تربوية الغضب.. مخاطره وآثاره وعلاجه عبد اللطيف بن إبراهيم الحسين [*] * أهمية الموضوع: سرعة الغَضَب آفة خطيرة يفقد المرء فيها السيطرة على نفسه، وربما اعتدى على غيره بلسانه أو بيده، فيندم بعد ذلك، ويعتذر لما بدر منه تجاه غيره، وكان في غنى عن ذلك بتحكمه في انفعال الغضب. والغضب (فسيولوجي وسيكيولوجي) ، بمعنى أنه عضوي نفسي في وقت واحد، ألا ترى الانفعال النفساني يصحبه ثورة دموية، تغلي غلياناً شديداً في مراجل الصدر، وترتفع بها حرارة الجسم، وربما تحدث أشياء غير متوازنة في قول أو فعل؟ [١] . والسبب في ذلك أن في «الغدَّتين الكظريتين هرمون» الأدرينالين «الذي يؤثر على الكبد ويجعله أقدر على بذل المجهود العضلي للدفاع عن النفس، وإن زيادة الطاقة في الجسم أثناء انفعال الغضب يجعل الإنسان أكثر استعداداً وتهيؤاً للاعتداء البدني على من يثير غضبه» [٢] . وأود التأكيد على أن سرعة الغضب رذيلة شريرة إذا استشرت في مجتمع قوضت بنيانه، وهدمت أركانه، وأصبح المجتمع في بلاء جسيم، وإلا فبماذا نفسر تفكك المجتمعات المسلمة، واندثار آدابها وأخلاقها، وانتشار العداوة، وفشو الشقاق، وتقطع العلاقات على كافة الأصعدة سواء العلاقات الأسرية، أم العلاقات الأخوية، أم العلاقات الرسمية وغيرها. ومما لا شك فيه أن للطباع أثراً في سلوكيات الناس في سرعة الغضب أو قلته، ولكن بمجاهدة النفس وضبطها واكتساب الفضائل الحميدة تسلم من الوقوع في سوءات الغضب ومصائبه (إنما الحلم بالتحلم) ، ومن الأهمية بمكان التحكم في انفعال الغضب [٣] كما يأتي بيان ذلك من خلال الأمور التالية: تعريف الغضب، ودرجاته، ومخاطره، وآثاره، وأسبابه، وعلاجه. أ - تعريف الغضب لغةً واصطلاحاً: الغَضَبُ: لغةً: غَضِبَ يَغْضَبُ غَضَباً، قال ابن فارس: «الغين والضاد والباء أصل صحيح يدل على شدة وقوة. يقال: إن الغَضْبة: الصخرة، ومنه اشْتُقَّ الغضب، لأنه اشتداد السُّخط» [٤] . وفي الاصطلاح: عرفه الجرجاني بأنه: «تغير يحصل عند غليان دم القلب ليحصل عنه التشفي للصدر» [٥] ، وعرفه الراغب: «ثوران القلب إرادة الانتقام» [٦] ، وعرفه الغزالي: «غليان دم القلب بطلب الانتقام» [٧] . ب - درجات الغضب: يتفاوت الناس في طريقة تعاملهم مع الآخرين في حياتهم اليومية، ومعالجة المثيرات التي يواجهونها «فمنهم من تستخفه التوافه، فَيَسْتَحْمِق على عجل، ومنهم من تستفزه الشدائد فَيُبْقِي على وقعها الأليم محتفظاً برجاحة فكره وسجاحة خلقه» [٨] [٩] . وينقسم الغضب إلى درجات ثلاث هي: التفريط، والإفراط، والاعتدال [١٠] ، ونأتي إلى بيان كل درجة منها بإيجاز: أولاً: التفريط: وهو أن يفقد قوة الغضب أو ضعفها، وهذا مذموم، وهو الذي يقال فيه: إنه لا حَمِيَّة له، ولذلك قال الشافعي: «من استُغْضِبَ فلم يغضبْ فهو حمار» ، فهذا قد فَقَدَ معنى الغَيْرَة والعِزَّة، ورضي بقلة الأنفة واحتمال الذل. ثانياً: الإفراط: وهو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين وطاعته، ولا يبقى للمرء معها بصيرة، ولا نظر، ولا فكرة، ولا اختيار، وسبب غلبته أمور غريزية، وأمور اعتيادية. ثالثاً: الاعتدال: وهو الغضب المحمود، بأن ينتظر إشارة العقل والدين، فينبعثَ حيث تجبُ الحَمِيَّةُ، وينطفئُ حيث يَحْسُنُ الحلمُ وحفظُهُ على حد الاعتدال والاستقامة التي كلف الله تعالى بها عباده وهو الوسط. والغضب المحمود هو ما كان دفعاً للأذى في الدين أو العرض أو المال له أو لغيره، وانتقاماً ممن عصى الله ورسوله، وهذه كانت حال النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لا ينتقم لنفسه، ولكن إذا انتهكت حرمات الله تعالى غضب لذلك، كما وصفت عائشة ﵂ النبي ﷺ : «وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط، إلا أن تُنتهك حرمة الله، فينتقم بها لله» [١١] . ج - مخاطر الغضب: الغضب شعلة نار مستكنة في طي الفؤاد، استكنان الجمر تحت الرماد، وربما جمع الغضبُ الشرَّ كله، وربما أدى إلى الموت باختناق حرارة القلب فيه، وربما كان سبباً لأمراض خطيرة، ناهيك عن لواحقه: مقت الأصدقاء، وشماتة الأعداء، استهزاء الحساد والأراذل من الناس. ولا أدل على خطورة الغضب من وصية النبي ﷺ إلى رجل جاء إليه يطلب أن يوصيه، فقال ﷺ له: «لا تغضب فردد مراراً قال: لا تغضب» [١٢] ، وفي رواية: «علمني شيئاً ولا تكثر عليَّ لعلي أعيه، قال ﷺ : لا تغضب فردد ذلك مراراً، كل ذلك يقول: لا تغضب» [١٣] . وقوله لمن استوصاه: لا تغضب يحتمل أمرين: الأول: أن يكون مراده الأمر بالأسباب التي توجب حسن الخلق: من الكرم والسخاء، والحلم، والتواضع، ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة؛ فإن النفس إذا تخلقت بهذه الأخلاق، وصارت لها عادة أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه. والثاني: أن يكون المراد ألا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك، بل جاهد نفسك على ترك تنفيذه، والعمل بما يأمر به، فإن الغضب إذا ملك ابن آدم كان كالآمر والناهي له، وفي وصية عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري ﵁: «لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان» [١٤] ، وروي عن بعض السلف: «أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب» . وقال بعض العلماء: خلق الله الغضب من النار وجعله غريزة في الإنسان، فمهما قصد أو نُوزع في غرض ما اشتعلت نار الغضب، وثارت حتى يحمر الوجه والعينان من الدم « [١٥] . وصدق من قال:» الغضب ريح تهب على سراج العقل فتطفئه «. كما أن للغضب مخاطر صحية؛ فكثرة الانفعال تسبب الإصابة بالأمراض البدنية، وكثرة الغضب تجعل الإنسان مشدود الأعصاب مرتعش المشاعر، وتؤول به إلى تفكك العلاقات الإنسانية. د - آثار الغضب: للغضب آثار عديدة نوجز الإشارة إلى أبرزها: - الحقد في القلب. - الحسد والبغضاء بين الناس. - الشتم والسب والفحش في القول. - الخصومة والعداوة والشقاق. - طلاق الزوجة الذي يعقبه الندم. - الضرب والاعتداء الذي ربما يؤول إلى القتل. - الدعاء على نفسه أو أهله أو أولاده أو ماله؛ فإنه ربما يوافق ساعة إجابة فيستجاب له. - الأيْمان والقسم، وإذا أقسم الغضبان على شيء انعقدت يمينه، وفيها الكفارة كما قال أهل العلم [١٦] . - ربما ارتقى الغضب إلى درجة الكفر، كما حصل لجبلة بن الأيهم. هـ - أسباب الغضب: هناك أسباب عديدة للغضب، نذكر منها ما يلي: الزَّهو (الكِبْر) ، والعُجْبُ، والمزاح، والهَزْلُ، والهُزء، والتعيير، وحب الدنيا، وربما كان تسمية الغضب عند بعض السفهاء بأنه قوة وشجاعة ورجولة وهم بهذا يستسيغونه فيصبح مدحاً لصاحبه! وعموماً فأسباب الغضب كثيرة ومتفاوتة من شخص لآخر؛ فمن الناس من يغضب لأتفه الأسباب، وعلى المرء أن يهدئ نفسه دوماً، ويبتعد عما يغضبه حفاظاً على دينه ونفسه. و علاج الغضب: لا خَلاصَ من الغضب مع بقاء الأسباب، وعلاج الغضب بإزالة هذه الأسباب بأضدادها؛ فعلاج الزهو بالتواضع، وعلاج العُجب بمعرفة النفس، وعلاج المزاح بتركه، وعلاج الهزل بالجد في الأمور، وعلاج التعيير بالحذر من القول القبيح، وعلاج حب الدنيا بالقناعة. ومن الأمور المهمة في علاج الغضب ما يأتي: ١ - ذكر الله : فيكون ذلك مدعاة إلى الخوف منه، وبعثه الخوف منه على الطاعة له؛ فعند ذلك يزول الغضب [١٧] ، قال تعالى: [وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيت] (الكهف: ٢٤) قال عكرمة: إذا غضبت. والآيات في هذا كثيرة منها قوله تعالى: [وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ] (آل عمران: ١٣٤) ، وقوله: [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ] (الأعراف: ١٩٩) . ٢ - تفكر المرء في النصوص الواردة في فضل كظم الغيظ، والعفو، والحلم: جاء في حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة! قال ﷺ :» لا تغضب؛ ولك الجنة « [١٨] . ٣ - تخويف النفس من عقاب الله : وهو أن يقول: قدرة الله تعالى عليَّ أعظم من قدرتي على هذا الإنسان؛ فلو أمضيت فيه غضبي لم آمن أن يُمضي الله تعالى غضبه عليَّ يوم القيامة. ٤ - تحذير النفس من عاقبة العداوة والانتقام وتشمر العدو للمقابلة [١٩] . ٥ - الاستعاذة بالله العظيم من الشيطان الرجيم، كما في حديث سليمان بن صرد ﵁ قال: استبَّ رجلان عند النبي ﷺ ، ونحن عنده جلوس، وأحدهما يَسبُّ صاحبَهُ مُغضَباً قد احمر وجههُ، فقال النبي ﷺ :» إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم «فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: إني لست بمجنون؟ [٢٠] . ٦ - التحكم في انفعال الغضب، وبذلك يحتفظ المرء بقدرته على التفكير السليم، وإصدار الأحكام الصحيحة. ٧ - تحول الغاضب عن الحال التي يكون عليها؛ فإن كان قائماً جلس، وإن كان جالساً اضطجع، وعليه أن يتوضأ أو يستنشق الماء. ٨ - الصمت، وهو علاج ناجع للغضب أرشد إليه النبي ﷺ بقوله:» إذا غضب أحدكم فليسكت « [٢١] ، ولأن الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول كثير من السباب وغير ذلك من الأضرار مما يندم عليه في حال زوال غضبه، فإذا سكت زال هذا الشر، وكما قيل: إذا غضبت فأمسك. ٩ - تذكر الغاضب ما يؤول إليه الغضب من الندم ومذمة الانتقام. ١٠ - تذكر ثواب العفو وحسن الصفح، وهو بهذا يقهر نفسه عن الغضب، يقول النبي ﷺ :» ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب « [٢٢] ، وقد أحسن القائل: لا يُعرفُ الحلمُ إلا ساعَةَ الغَضَبِ. ١١ - تفكر الغاضب في قبح صورته؛ فلو نظر إلى صورته في مرآة حال غضبه لاستحى من قبح صورته واستحالة خلقته! [٢٣] . وأخيراً: فإن علاج الغضب بألا نكثر من الغضب في غير موضعه الصحيح، وقد مرت معنا وصية النبي ﷺ إلى الرجل بقوله:» لا تغضب «. يقول ابن التين:» جمع ﷺ في قوله: «لا تغضب» خير الدنيا والآخرة؛ لأن الغضب يؤول إلى التقاطع ومنع الرفق، وربما آل إلى أن يؤذي المغضوب عليه فينتقص ذلك من الدين [٢٤] . ولذا تجد العاقل إذا تغير حاله من الغضب إلى الرضا، تعجب من نفسه، وقال: ليت شعري كيف اخترت تلك الأفعال القبيحة؟ ويلحقه الندم [٢٥] . ونؤكد على أن الغضب من أعظم المفاسد التي تعرض للإنسان، وأن الذي يملك نفسه عند الغضب يعد قوياً، حيث استطاع أن يقهر حظ نفسه وشيطانه، والغضب المحمود هو ما كان لله . ومن دعائه ﷺ : «أسألك كلمة الحق في الغضب والرضا» [٢٦] .

стр. 4419

دراسات تربوية أيها الدعاة رمضان لكم قبل غيركم ! عثمان بن عطية المزمومي يمر بنا رمضان كل عام، فلا يجد فيه كثير من الدعاة والمصلحين المعين الذي يجدد الإيمان في قلوبهم ويعينهم على مواصلة ما نذروا أنفسهم للقيام به من دعوة وإرشاد وتربية للناس على مفاهيم هذا الدين، وتعليمهم ما يحتاجون إليه في أمر دينهم. إن رمضان الذي مرَّ على الأمة سابقاً، وأثّرَ فيها تأثيراً عميقاً ولا نجد له مثيلاً في حياتنا هو رمضان نفسه. والقرآن الذي تلاه سلفنا الصالح وحرّك كوامن الإيمان في قلوبهم وملأها بالخوف والخشية هو القرآن الذي نقلبه بين أيدينا في عصرنا هذا، فلماذا تغيرت أحوالنا عن أحوالهم؟ وما هو الخلل الذي حدث في حياتنا؟ إننا حين نقف مع هذه الظاهرة الخطيرة في نفوس الدعاة والمصلحين نلحظ الأسباب التالية: أولاً: خطأ كثير من الدعاة في تغليب الاهتمام بالآخرين على حساب الاهتمام بالنفس، والفهم الخاطئ للنصوص التي جاءت مرغبة للخير في هذا الشهر. ومن تلك النصوص: ١ - «كان رسول الله ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان» [١] ؛ حيث يفهم الكثير من هذا النص أن من أنواع الجود التي يمكن أن يقدمها الداعية الجود بالوقت في تعليم الناس وتوجيههم، والتفرغ لهم «كما هو معروف من أنواع الجود المختلفة» . وهذا فهم فيه شيءٌ من الصحة، ولكن لا يعني بالضرورة الجود بالوقت كله للآخرين وإهمال النفس؛ لأن النفس الجزء الأكبر من الجود بشغلها بالطاعات والقربات لتطهر ولتتزكى، وخصوصاً أنها هي مصدر الجود الذي يراد بذله للآخرين. ومن هذه النصوص: ٢ - «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين» [٢] . حيث يفهم بعضنا من هذا النص أن نفوس الناس يحصل لها من التهيؤ لتقبل الخير في رمضان ما لا يحصل في غيره؛ وذلك لأن الشياطين تُصفد فلا تخلص إلى ما كانت تخلص إليه في غير رمضان. وهذه بالطبع فرصة سانحة لزيادة التأثير على الناس وترقيق قلوبهم وربطها بالله تعالى. وهذا فهم صائب، ولكن الخطأ عدم الموازنة بين الأمور وعدم تقديم الأولويات؛ فالنفس هي أحق من تُقتنص لها الفرص لتعبيدها وتذليلها وتعويدها على جوانب العبادة المختلفة. ثانياً: نسيان كثير من المصلحين أن النفوس العاجزة عن التأثير في ذاتها وقصرها على جوانب العبادة المختلفة ستكون أشد عجزاً عن التأثير في الآخرين وغرس المبادئ والقيم الخيّرة في نفوسهم، وهذا هو مضمون العبارة التي تقول: «فاقد الشيء لا يعطيه» . - إذ كيف يوصل الإيمان للقلوب ويعلقها بالله قلب مقطوع عن الله؟ - وكيف يرقق القلوب ويغذيها بالخوف والخشية قلب قاسٍ لم يتمرغ في طاعة الله، ولم تدمع عين صاحبه من خشية الله، ولم تتغذَّ روحه بالصلاة والقيام وتلاوة القرآن؟ ثالثاً: الغفلة عن حال نبينا محمد ﷺ وهو أعظم الدعاة، وعن حال السلف الصالح. - فهذا رسولنا ﷺ : «كان ينزل عليه جبريل في رمضان كل ليلة فيعارضه القرآن» [٣] ، متفق عليه بلفظ «فيدارسه القرآن» . - وكان ﷺ «إذا دخل العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشدَّ المئزر» [٤] . - يقول ابن القيم: «وكان هديه ﷺ في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات» . - وكان الإمام مالك إذا دخل رمضان أوقف حلقات العلم وكفَّ عن التدريس والفتيا وقال: «هذا شهر رمضان» . فكل هذه النصوص تعطي للدعاة درساً في وجوب الاهتمام بالنفس قبل الاهتمام بالغير. * يا صُنّاع الحياة! إن اهتمامكم بأنفسكم وصلتكم بالله هي من الدعوة ذاتها؛ لأنها المعين الأول لكم بعد توفيق الله على مواصلة جهدكم في دعوة الناس وتعليمهم وإصلاح فساد مجتمعاتنا، والتي تحتاج إلى ثقة كبيرة بنصر الله لهذا الدين مهما بلغ حجم الانحراف والفساد في هذه الأمة، وهذا ما تغرسه العبادة والاتصال بالله في النفوس حتى لا تقع ضحية اليأس والإحباط من التغيير. * وأخيراً: لا يعني كلامي هذا أن يتفرغ الدعاة والمصلحون لأنفسهم، ويتركوا الميدان للمفسدين والمضللين ودعاة الشر بحجة الاهتمام بالنفس قبل الغير، ولا يعني في المقابل أن يبذلوا لهم كل أوقاتهم وجهودهم بل التوسط مطلوب في كل الأمور. فكلا طرفي قصد الأمور ذميم؛ كما قيل. والوقت فيه مُتَّسع لهذا وذاك إذا أخلصنا النيات وجردنا المقاصد ورتبنا أولوياتنا، واستبعدنا كثيراً من الأمور التي تُعدُّ من الترف، أو يمكن قضاؤها بعد رمضان.

стр. 4420

تأملات دعوية مشكلات المجتمع بين الدعاة والآخر محمد بن عبد الله الدويش dweesh@dweesh.com الذين يريدون التغيير في المجتمعات يستثمرون الفرص المتاحة، وينطلقون من حاجات الناس ومشكلاتهم. وقد سار التيار العلماني على هذا المنوال، وأصبح ينطلق من حاجات ومشكلات موجودة في مجتمعات المسلمين، ويستثمر هذه الحاجات في المطالبة بالتغيير؛ فيبدو حينئذ للناس بمظهر الغيور على المجتمع، والساعي للإصلاح، فتلامس مطالبه واقع الناس، ويشعرون بحرصه على مصالحهم. ومن أمثلة ما يثيره هؤلاء: مشكلة الأقليات الدينية والمذهبية في بلاد المسلمين، والتعامل التجاري مع غير المسلمين، ومخرجات التعليم، والتعليم الشرعي وصلته بسوق العمل، وتمويل المشروعات الاقتصادية. ومشكلات تتعلق بالمرأة كتعليمها والحاجة إلى التوسع فيه، والحالة الاقتصادية للأسرة التي تتطلب أن تشارك المرأة في تحمل التكاليف، والمشكلات التي تعاني منها المرأة العاملة المتعلقة بالتنقل أو السفر إلى أماكن العمل ... ونحو ذلك. ويدرك الغيورون الناصحون سوء مسلك طائفة من هؤلاء؛ فيشعرون أن من واجبهم الشرعي إنكار المنكر، والدفاع عن مجتمعاتهم، والوقوف في وجه المفسدين، فيسعون إلى التصدي لطروحاتهم والمحافظة على سمت المجتمع. ويصاحب هذه الجهود المشكورة أمور تحتاج إلى تأمل ومراجعة؛ فسلامة نوايانا لا تعفينا من السعي إلى سلوك الأسلوب الصحيح في التعامل مع هذه المشكلات. إننا بحاجة ماسة إلى مراجعة أسلوبنا في التعامل مع مشكلات المجتمع، ومما يجدر بنا أن نراعيه ما يلي: ١ - الاعتراف بالمشكلات الحقيقية الموجودة في مجتمعاتنا، وإن كان ذلك لا يتفق مع ما نحب، وتعويد أنفسنا على أن نفهم الأمور كما هي لا كما نريد. وقد نرى من المصلحة تلافي الحديث الصريح عن بعض ما قد يسيء الناس فهمه وينزلونه على غير منزلته، أو ما يؤدي إلى استغلال دعاة السوء له؛ لكن ذلك لا ينبغي أن يدعونا إلى نقل هذا التحفظ إلى نقاش أصل المشكلة حتى في الحوارات الشخصية والمجالس الخاصة. بل قد يتجاوز الأمر مجرد التحفظ على الصراحة في نقاش المشكلة إلى التصريح بإنكارها في الخطاب العام، وأن ما يثيره الآخر مجرد ضحك على الناس وليس له وجود. ٢ - التعامل الواقعي مع حاجات الناس والاعتراف بها، وإن كان الآخر قد يوظفها توظيفاً سيئاً؛ فمن المكابرة أن ننكر حاجة الأسر إلى تعزيز مصادر الدخل، وحاجة الناس إلى قدر من الترفيه المباح.... إلخ، وقد راعى الفقهاء هذا الأمر فنزلوا الحاجة العامة منزلة الضرورة، ورُخِّص فيها ما لا يُرخَّص في غيرها. وفرق بين ما نختاره لأنفسنا من تورع وبُعد عن الشبهات، وبين ما نلزم الناس به، وفرق بين حاجتنا وحاجات الآخرين؛ فأُسَرُنا بمشكلاتها وحاجاتها لا تمثل بالضرورة المجتمع بأسره. ٣ - الاعتناء بالمنهج العلمي في فهم الظواهر الاجتماعية والتعامل معها، وحين لا نفهم ظاهرة فلنستعن بالمتخصصين فيها؛ فغيرتنا وشعورنا بالمسؤولية الدعوية لا يكفي وحده لفهم كل شيء أو تأهيلنا للحديث عن كل مشكلة. ٤ - البعد عن الحديث عن نوايا الآخر ومقاصده في الإفساد؛ فالنوايا لا يعلمها إلا الله تعالى، وما يبدو لنا من قرائن قد لا يبدو للناس، وقد لا يكفي في إقناعهم. والنقاش الموضوعي للقضايا المثارة أوْلى وأكثر إقناعاً للناس وبناء لهم. ٥ - الاعتناء بتقديم البديل واقتراح الحلول لمشكلات الناس؛ فالشرع لم يحرم على الناس ما يحتاجون إليه إلا حين تكون مفسدته أعظم، ومع ذلك ففي المباح ما يغني عن الحرام، وليس صحيحاً ألا يعرف المجتمع عنا إلا أننا نقول «لا» دوماً، وأننا نقف وقفة المتوجس من كل جديد.

стр. 4421

البيان الأدبي رشفات من اللغة المحرر الأدبي * تنبيه: نشكر الإخوة الأدباء واللغويين على حرصهم وتجاوبهم، ونأمل أن يراعي المشاركون ما يأتي: ١ - أن تكون المشاركة بالعربية الفصحى. ٢ - ألا تزيد القصيدة على ٢٠ - ٢٥ بيتاً. ٣ - ألا تزيد القصة على ١ - ١.٥ صفحة. ٤ - ذكر اسم صاحب المشاركة، وعنوانه وهاتفه. ٥ - تنوع المشاركات ما بين قصيدة، وقصة، ومقامة، ومقالة، ودراسة ونقد. * فضل العربية: قال الإمام الشافعي: «لسانُ العربِ أوسعُ الألسنة مَذْهباً، وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسانٌ غير نبي» [١] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «اللسانُ العربي شعارُ الإسلامِ وأهلِه، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميَّزون» [٢] . وقال التابعي الجليل قتادة: «لا أسأل عن عقل رجلٍ لم يدله عقلُه على أن يتعلم من العربية ما يصلُح به لسانُه» [٣] . وقال كارل نليتو (المستعرب) : «اللغةُ العربية تفوق سائر لغات العالم رونقاً وغنى، ويعجز اللسانُ عن وَصْفِ محاسنها» [٤] . * فصيح لا عامي: هذه كلمات فصيحة، قد يُظن أنها عامية: - حَطَّ الشيءَ = وَضَعَه. - تَمَلَّصَ = تخلَّص. - حُرْمة = امرأة. - حراميّ = لص. - أسامي = جمع أسماءٍ. - استوى الطعامُ = نَضِج. - جِلْف = قاسٍ. - تَفَلَ = بَصَقَ. - تَحَلْحَلَ = تحرَّك. - خَبَصَ = خَلَط. * بدائل لكلمات أعجمية: - لَمْبة = مِصْباح. - ماسورة = أُنْبُوبْ. - ميدالية = وِسام. - كوبري = جِسْر. - كندرة = حذاء. - كوكتيل = مُشكَّل. - طرمبة = مِضَخَّة. - شاكوش = مِطْرقة. - شرشف = مُلاءَة.

стр. 4422

نص شعري أين العهود ؟ عز الدين فرحات [*] ماذا أخبِّرُ عن مأساةِ أمتنا؟ ... ومن يُصَدِّقُ يا قومي مآسينا؟ كنا أساتذةَ الدنيا وسادتها ... ما بالُنا اليومَ شمَّتنا العِدا فينا؟ ما لي أرانا نبيتُ اليومَ في كمدٍ ... والدمعُ يجري سَخِيناً من مآقينا؟ شيشانُ باتت ودُبُّ الروسِ يَعْصِرها ... ونارُ حقدٍ بصدر الغرب تكوينا القدسُ نادت ومَنْ منا سيسمعها؟ ... صوتُ الخليج طغى يا قوم أفتونا! كشميرُ صاحت، سراييفو تجاوبها ... لبنانُ تبكي وأفغانٌ تنادينا والمسلمونَ بأرض الهند ما وجدوا ... أُذْناً لتسمعَ، أو صوتَ المعزِّينا أنَّى التفتَّ فلن تلقى سوى مِحَنٍ ... للمسلمين ولن تلقى المداوينا من ذا يمدُّ يداً بالعون يا وطني: ... أهلُ الصليب؟ أم الإلحادُ يحمينا؟ أين العهودُ وما يَدْعُون من سَلَمٍ؟ ... لقد أبادوا بأرضِ القُدْسِ أهلينا خمسونَ عاماً شعاراتٌ مُزخرفةٌ ... تخدِّر الحِسَّ، تكوي في حواشينا خمسونَ عاماً حكاياتٌ نردِّدُها: ... عن مَجْلسِ الأمن مندوبٌ سيأتينا هم كلما جاءنا مندوبهم ومضى ... تشتد مِحْنَتُنا، يَقْوى أعادينا يا قومُ حتى متى نلهو وتُشغلنا ... أموالُنا، وصروفُ الدهرِ تكوينا؟ يا قومُ أين (صلاحُ الدين) يُنقذنا ... من الفسادِ فيُحْيي فَخْرَ ماضينا؟ بل أين صرخة (محمودٍ) [١] ليُطلقها ... فتبعث العزمَ بالأرواح تحيينا؟ يا قومُ عودوا إلى الرحمنِ وانتبهوا: ... مَكْرُ العَدُوِّ يكادُ اليومَ يُردينا ما من سبيلٍ سوى الرحمنِ نَقْصِده ... فهو النجاةُ لنا يمحو مآسينا

стр. 4423

قصة قصيرة النزيل ١٩ غسان فالح شومان كان يتميز بقدرته على التكيف والتعايش رغم كل الظروف غير المواتية، بل إنه تدرب على ذلك في الجبال والكهوف، في الحر وفي القر، جاع أو شبع، كان يؤمن أن من الأفضل للإنسان في ظل الاحتلال أن لا يتعود على عادة. إلا أنه في هذا الحيز الضيق أيقن تماماً وتجريبياً أن (الحكي مش مثل الشوف) كما كانت تردد أمه وهي توصيه بأن لا يقع في أيدي الجنود؛ آه يا أمي! ماذا ستقولين لو تريني أجاور برازي وبولي، وتلك الشمس التي غابت حتى خيل إليه أنها ركبت قطار عدم العودة، وذهبت هناك وراء الزمن إلى اللارجعة، حيث تركته يصادق التقرحات والجرب وأوجاع السياط وألم الوحدة، ما أفظع أن تختلط حدود الزمن؛ فلا ليل ولا نهار، ولا صباح ولا مساء، حتى غرفة المحقق ليس فيها ساعة.. إنها حياة الثعابين تحت الأرض. بوابة حديدية ضخمة تحجزه عن العالم بل عشرات البوابات التي تخفي خلفها عشرات المعتقلين.. لا هواء ولا بشر، لا ضوء ولا ماء إلا القطرات التي تقدم مرة كل يوم بصورة مسرحية مقرفة خانقة عبر نافذة الزنزانة، حيث يتدلى حذاء بلاستيكي يحوي القليل من الماء الذي يأنف أن يشربه ضفدع، لقد برعوا في فن التعذيب لدرجة الإبداع، ويزيد جنونهم إصرار المعتقلين على المقاومة، حيث تبرز عظمة الإنسان وقواه الخارقة إذا ما استثيرت في هذه الظروف الحالكة، كاد أن يسترسل متذكراً كتاب «الإنسان وقواه الخفية» لكولن ويلسون؛ لولا أن قطع أنينه الخافت حركة نشطة داخل ممر الزنازين ... أقدام ثقيلة تدوس الأرض كأنها قادمة من وراء الزمن تحدث صدى رهيباً كأنه يصطدم ويرتد من جدران الكواكب، وتلك السياط التي تهوي على الظهور محدثة ارتطامات بالأرض يخالجها أنين متهدج ... تذكر بغلة أبي علي بائع الحليب. (حِي ولي) .... وهي لا تئن ولا تشتكي ... كان دائماً يراها ويتأملها ويرى دموعها الصامتة كأنها تمثل الأغلبية الصامتة التي لا حول لها ولا قوة ... طالما حدق فيها علَّه يجد لغة للحوار.... أما الآن فإن هؤلاء الأنذال قد منحوه شعور «أم صابر» ، حتى تمنى أنه مكانها، إنها تأكل وتشرب وترى الشمس وتستنشق الهواء يا ليتني أم.... أستغفر الله [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ] (الإسراء: ٧٠) . (أنتي ابن كهبة، كل أرب شرموت) !! ... اتلعي. دوى صوت أقفال الباب مزمجرة كأنها وحش كاسر، واختلطت بصوت السجان.... فرحل مع الصدى، وتذكر ليلة أن هاجم المعسكر هو وصديقاه جمعة وحامد اللذان انتقلا إلى الدرجات العلا. كانا أفضل منه فقدر الله لهما الراحة الأزلية وحماهما من دخول هذه المزبلة .... لعل الله قدر عليه أن يتطهر أكثر من أرجاس اللهو أيام الجامعة.... قومي وقف ابن كهبة. وأخذت السياط تنزل على ظهره لكنه عصي على الانكسار، لقد قهرهم في المعسكر وأراهم الموت صليات من فوهة بركانه الآلي، لقد أمطرهم بوابل قنابله التي حولت ليلهم إلى جهنم، وحولت سكرهم إلى بالغ الحذر والوجل، إنهم يخشون نظراته الكاسرة رغم وجوده دون النزلاء تحت الحراسة المشددة ... إنهم يكرهون ليلة نوبتهم إذا ما كانت عليه، إنهم يتذكرون صوته المزمجر القادم من العتمة ... أنت احمِ ظهري ... صرخ عداس ... وتقدم كالسيل العرم جارفاً يشعل طوفان جهنم في ثكناتهم.... لا يبقي ولا يذر ... اقشعرت من هول إقدامه كؤوسهم وسيقانهم وتلحفوا بمومساتهم.... الله أكبر.... انفتل جمعة ... برشاشه يبذر الموت رصاصاً في مآقيهم، ويبث الرعب بفره وكره ... (يا نابلس يا ثائرة.... خلي المعاصر دائرة.... صبي على المستوطنات شواظ نار هادرة.....) انضم إليه حامد بعد أن استكمل زرع عبواته الناسفة حول مستودع الذخيرة والوقود، حيث أخذت تنفجر تباعاً محدثة دماراً شاملاً.... لقد ظنوا أن القيامة قامت ... وأنهم على أعتاب جهنم، اشتركت الهليوكوبتر في المعركة فعبقت رائحة الشهادة، وعلت ترانيم الموت.... من لا يعرفه منهم لا بد أنه سمع به. دفعة قوية جعلته يترنح في الساحة الكبرى للمعتقل.. إنه في لقاء حار مع الشمس ... أين أنت؟ خلتك لا تعودين ... وهي ساطعة صامتة ... سنة كاملة مرت على اعتقاله كأنها عمر الأرض، صوت جبان يدعوهم للاصطفاف استعداداً لتحية العلم، ومن بعده تبدأ مراسم الإعدامات، فجثا على ركبتيه وتبعه عوزي بصوته المخنوق من أثر الدخان الذي ينفثه من أنفه ومن فمه، خيل إليه أنه يخرج من كل ثقوبه..... مطا سوطه كثعبان أسود فلوحه بالهواء وهوى به على ظهره وهو يرغي ويتوعد ويهدد بالعربية تارة وبالعبرية تارة وبالإنجليزية أخرى ... فشرد خلف جمعة وحامد. نعم لقد تذكر أنه رآهم البارحة وهم ينتظرونه على الغداء ... نسي العلم والسوط والجلاد.. وتعلق بصره بالسماء.... أوقفوه عنوة ... أراد أن يموت ... بل تمنى أن يستشهد.... قابله عوزي ... فك السلاسل من يديه ورجليه.... أحس بالحرية.. عبقت رائحة محيرة استنشق عبيرها وحده.. استجمع قوته.. حفز خلاياه توثب.. ضربة واحدة تحت الحزام كما تعلم من مدرب الكاراتيه وإذا نجحت فقد تنقل عوزي إلى عالم الآخرة هو وسوطه..... وقد تنقله إلى طاولة جمعة وحامد.... زم شفتيه.. أغلق قبضتيه كأنه أمام المدرب الذي يعرف سطوته لو أخفق، ثم تفجرت رجله اليسرى مع صرخة كأنها خرجت من بئر. سددها أسفل البطن ... كأنه يكمل عملية اقتحام المعسكر ... لملمت روحه أشلاءها بفرح وتركت جسده يتلوى تحت صليات البنادق.... والتحقت بالحبيبين ... رمقت عوزي.. خيل إليه أنه ركب زورق جهنم.. تفل.... رفع ذراع روحه ملوحاً لإخوة الثورة: [وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] (آل عمران: ١٦٩) . تعالت الأصوات والأنفاس.. شق زامور السجن جمال صباح النقب الصحراوي، وأسرعت فرقة إسعاف السجن لحمل الجثتين، بينما علت الله أكبر، ودوى صوت الغدر والرصاص.

стр. 4424

نص شعري بطولة الصغار ماجد أبابطين بطولةٌ تجسَّدَتْ في صبيةٍ صِغَارْ براعمُ قد نَبَتَتْ من بين أنقاض الأسى والقصفِ والحصارْ.. عتادُهم ليس سوى أحجارْ بها يسطرونْ.. دروسَ الانتصارْ جهادُهم عبادةْ وموتهم شهادةْ وعزمُهُم إصرارْ قد أقسموا بأن يصونوا المسجدا وأن يقارعوا العِدا في الليلِ والنِهار بصبرهم بَنَوا لنا حضارةً مجيدةْ.. عمادها الدماءُ والأشلاءْ عنوانها (انتفاضةْ) من أجلِهَا شدُّوا على اليدِ اليدا وأصبحوا لها يرددونْ: «لكِ الحياةُ في الردى» لكِ الحياةُ في الدمارْ.. لكِ الحياةُ كلما تجبَّرَ الإعصارْ.. لكِ الحياةُ طالما تشبَّهَ القرودُ بالأسُودْ، أو لَبِسَ الأنجاسْ ملابسَ الأطهارْ * * * يا إخوَةَ الصمودْ: العالَمُ الجبانُ نَثْرٌ سامجٌ.. وأنتمُ الأشعارْ

стр. 4425

ملفات إفريقيا في عالم متغير.. وجهات نظر استراتيجية كشف المؤتمر العالمي للتنمية المستدامة (قمة الأرض) المنعقد في جوهانسبرج بجنوب إفريقيا عن العقلية الغربية الاستعلائية التي تسيطر على علاقات الغرب بإفريقيا وبقية الدول الفقيرة؛ فالدول الغربية تندفع بكل استبداد لتحقيق مصالحها، فتنتهب خيرات الشعوب، وتزدري حقوقهم الإنسانية، وتقف بكل صلف وكبرياء أمام مشروعات التنمية والاستقلال الحضاري. بل إن الغرب يذهب أبعد من ذلك، ويتعامل مع إفريقيا على أنها مختبر لإجراء تجاربه وبحوثه المعملية، فبرنامج الغذاء العالمي يقدم مساعداته الغذائية (الإنسانية!) للتخفيف من آثار المجاعة والفقر، ليكشف فيما بعد أن الأطعمة المرسلة كانت أطعمة معدلة وراثياً، وأن فريقاً من الباحثين الغربيين بدأ بدراسة آثارها الجانبية على الأطفال والنساء الحوامل..!! والاتحاد الأوروبي لا يتردد بإرسال كمية من المساعدات الغذائية (الإنسانية أيضاً!) منتهية الصلاحية، بل إن الدول الغربية تتسابق للاتفاق مع زعماء الحرب الأفارقة لتحويل القارة الإفريقية مستنقعاً لدفن النفايات النووية. لقد اكتوت إفريقيا بلهيب الاستعمار الغربي ردحاً طويلاً من الزمن، ثم هاهي تذعن لاستعلائه وطغيانه، ولكن هذا الواقع لن يستمر طويلاً، فالقارة الإفريقية أدركت حقيقة دور الرجل الأبيض. ونحسب أنها مقبلة على تغيرات أخرى جديدة يكون الصوت الإسلامي فيها حاضراً بقوة واعتزاز. والحديث عن إفريقيا حديث واسع جداً؛ لكننا رأينا أن نبدأ بهذا الملف، آملين من قرائنا المتخصصين معالجة محاور أخرى تتميماً للفائدة.

стр. 4426

ملفات إفريقيا في عالم متغير.. وجهات نظر استراتيجية إفريقيا و (إسرائيل) في عالم متغير أ. د. حمدي عبد الرحمن [*] * مقدمة: لقد كانت (إسرائيل) أول دولة تفتتح سفارة لها في العاصمة الغانية أكرا بعد أقل من شهر على حصول غانا على استقلالها عام ١٩٥٧م، ومنذ ذلك الوقت والدولة العبرية تسعى جاهدة لكسب النفوذ وتعظيم أهداف سياستها الإفريقية بأقل تكلفة ممكنة. فإسرائيل ليست دولة غنية بمفهوم الثراء المادي، ولكنها استطاعت من خلال توثيق عرى التعاون الفني بينها وبين الدول الإفريقية على مدى أكثر من أربعين عاماً أن يكون لها سفراء معتمدون في أربعين عاصمة إفريقية جنوب الصحراء. وتحاول إسرائيل جاهدة تقويم سياستها الإفريقية؛ وذلك للاستفادة من دروس وتجارب الماضي. وليس بخاف أن دراسة مسيرة التغلغل الصهيوني في القارة الإفريقية تحمل أهمية بالغة؛ وذلك لعدة اعتبارات لعل من أبرزها: أولها: أن فرض الكيان الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط أدى إلى خلق نظام إقليمي صراعي بحيث إنه أضحى سمة لازمة للتفاعلات العربية الإسرائيلية. يعني ذلك أن تحرك إسرائيل في تفاعلاتها الخارجية جعلها ترتبط بهذه الوضعية التي أخرجت علاقاتها مع دول المنطقة عن مصاف العلاقات الطبيعية بين الدول. وثانيها: ارتباط وتأثر العلاقات الإسرائيلية الإفريقية بالعلاقات العربية الإفريقية أدى ذلك إلى النظر إلى القارة الإفريقية باعتبارها ساحة للتنافس والصراع بين إسرائيل والدول العربية. وثالثها: ارتباط كل من إسرائيل والعرب والأفارقة بمتغيرات النظام الدولي؛ حيث تأثرت العلاقات بين هذه المجموعات بإرادة وتوجهات النظام الدولي سواء القديم أو الجديد. وربما يكون التغير الهيكلي الذي شهده النظام الدولي منذ بداية أعوام التسعينيات وأودى بحياة الحرب الباردة في غير صالح العرب والأفارقة، وهو ما أفاد يقيناً الدولة العبرية التي راحت تعيد ترتيب أولويات حركتها الخارجية بما يحقق لها الهيمنة الإقليمية، وأحلامها التوراتية في بناء دولة كبرى. وتحاول هذه الدراسة تحليل أهم محددات السياسة الإسرائيلية تجاه إفريقيا؛ وذلك لبيان حقيقة الوجود الإسرائيلي في إفريقيا عبر فترات زمنية مختلفة وذلك في محور أول. أما المحور الثاني، فإنه يركز على تطور العلاقات الإسرائيلية الإفريقية منذ بداية التغلغل في الخمسينيات والستينيات، ومروراً بالقطيعة الإفريقية لإسرائيل في السبعينيات، وانتهاء بالعودة الثانية لإسرائيل إلى إفريقيا وما لحق بها من تغيرات وتحولات على مستوى الأهداف والسياسات. وأخيراً يتناول المحور الثالث، ركائز السياسة الإسرائيلية في كسب الهيمنة والنفوذ في إفريقيا وانعكاس ذلك على العلاقات العربية الإفريقية. * أولاً: محددات السياسة الإسرائيلية في إفريقيا: ١- الصراع العربي الإسرائيلي [١] : حقيق على أي دارس لتطور العلاقات الإسرائيلية الإفريقية أن يعترف بأهمية ومحورية الصراع العربي الإسرائيلي في تحديد مسار هذه العلاقات؛ وذلك من مناحٍ مختلفة: أولاً: انعكاسات الحرب الباردة على كل من النظامين الإقليميين العربي والإفريقي بدرجة أدت إلى استفادة إسرائيل بدرجة أكبر من غيرها من الأطراف الإقليمية. ثانياً: إدراك (إسرائيل) المتزايد بأهمية أفريقيا بحسبانها ساحة من ساحات إدارة الصراع العربي الإسرائيلي؛ حيث اعترفت منذ البداية بثقل الصوت الإفريقي في الأمم المتحدة والذي برز واضحاً في مناسبتين: الأولى: هي قرار الأمم المتحدة الذي يساوي بين الصهيونية والعنصرية عام ١٩٧٥م. والثانية: هي عندما تم إلغاء القرار نفسه عام ١٩٩١م في سابقة غير متكررة عبر تاريخ المنظمة الدولية. ثالثاً: أن حركة المد والجزر في العلاقات الإسرائيلية الإفريقية ارتبطت بتطور الصراع العربي الإسرائيلي؛ فالمقاطعة الدبلوماسية الإفريقية لإسرائيل في السبعينيات ومعظم سنوات الثمانينيات، ثم العودة الكاسحة لهذه العلاقات منذ بداية التسعينيات ارتبطت بحدثين هامين في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي: أولهما: هو حرب أكتوبر ١٩٧٣م، والثاني: هو انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط عام ١٩٩١م. رابعاً: أن حالة الضعف الاستراتيجي للقارة الإفريقية من حيث عدم وجود نظام قوي للأمن قد نظر إليها من جانب طرفي الصراع في الشرق الأوسط على أن إفريقيا ساحة للاستقطاب وتحقيق مكاسب على حساب الطرف الآخر. ومن الجلي أن نشير هنا إلى أن إسرائيل نظرت ومنذ البداية، وبغض النظر عن أهدافها ومراميها الأيديولوجية والتوراتية والبراجماتية، إلى إفريقيا باعتبارها قادرة على القيام بدور محوري في تسوية محتملة للصراع العربي الإسرائيلي؛ وذلك استناداً إلى عدد من الحقائق (وفقاً للرؤية الإسرائيلية) لعل من أبرزها [٢] : أولاً: الصداقة المتبادلة بينها وبين كل من العرب والإسرائيليين. وثانياً: تحررها من الأبعاد النفسية والأخلاقية الخاصة بطبيعة الصراع في الشرق الأوسط؛ وبالفعل طرحت عدة مقترحات إفريقية للوساطة بين العرب وإسرائيل، وكان من بينها مبادرة الرئيس كوامي نكروما غير أنها باءت جميعاً بالإخفاق. على أن حرب ١٩٦٧م مثلت تطوراً مهماً في تاريخ التنافس الإسرائيلي العربي في إفريقيا؛ حيث نظر الأفارقة إلى إسرائيل باعتبارها قوة احتلال تحتل أراضي دولة إفريقية. صحيح أن موقف منظمة الوحدة الإفريقية لم يكن حاسماً بدرجة كافية، ولكنه أكد على تأييد قرار الأمم المتحدة ٢٤٢ القاضي بعدم شرعية احتلال إسرائيل للأراضي العربية. وكانت غينيا بقيادة الرئيس أحمد سيكوتوري هي الدولة الإفريقية الوحيدة التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل بعد عدوان ١٩٦٧م مباشرة؛ بيد أنه مع تصاعد الدعم العربي لحركات التحرر الوطني في الجنوب الإفريقي، وخيبة أمل القادة الأفارقة من الدول الغربية لعدم مساعدتها في تنفيذ الخطة الإفريقية الرامية إلى عزل جنوب إفريقيا والبرتغال وروديسيا فإن الانتقاد الإفريقي للعدوان الإسرائيلي ازدادت حدته حتى وصل الأمر قبل نشوب حرب أكتوبر ١٩٧٣م إلى قطع العلاقات الدبلوماسية. ففي عام ١٩٧٢م قامت أوغندا بقطع علاقاتها مع إسرائيل، ثم تبعتها سبع دول أخرى هي: تشاد، ومالي، والنيجر، والكونغو برازافيل، وبوروندي، وزائير، وتوجو [٣] . وإذا كانت حروب الشرق الأوسط بين العرب وإسرائيل قد أحدثت مزيداً من التعقيدات في مركب العلاقات الإسرائيلية الإفريقية فكذلك فعلت مبادرات التسوية السلمية في المنطقة. ففي أعقاب قيام الرئيس المصري أنور السادات بزيارة القدس عام ١٩٧٧م وتوقيعه على اتفاقات كامب ديفيد عام ١٩٧٩م بذلت محاولات عربية دؤوبة لعزل مصر إفريقياً بيد أنها لم تنجح مطلقاً [٤] . ففي القمة الإفريقية التي عقدت في ليبيريا عام ١٩٧٩م قامت ست دول عربية أعضاء في المنظمة من بينها المغرب، والجزائر، وليبيا بمقاطعة القمة احتجاجاً على وجود السادات. وقد عملت إسرائيل حثيثاً على إعادة روابطها الإفريقية، وهو ما اتضح جلياً في عودة علاقاتها مع زائير (الكونغو الديموقراطية) في ١٤/٥/١٩٨٢م؛ لأن الأساس الذي بمقتضاه اتخذت الدول الإفريقية قرار المقاطعة لإسرائيل قد انهار بعد تبادل السفراء بين كل من القاهرة وتل أبيب [٥] . أياً كان الأمر فإن الإدراك الإفريقي لـ (إسرائيل) باعتبارها دولة صغيرة محدودة الموارد محاطة بأعداء من كل جانب؛ ومع ذلك استطاعت بناء نموذج تنموي يمكن أن يحتذى قد تغير بعد احتلالها الأراضي العربية أثناء عدوان ١٩٦٧م؛ بيد أن هذا الإدراك قد تغير مرة أخرى مع بدء مسيرة التسوية السلمية، وكان ذلك مرة أخرى لصالح إسرائيل. ٢- المكانة الإفريقية في المنظومة الدولية: على الرغم من أن إفريقيا كانت قارة مجهولة بالنسبة للعاملين في وزارة الخارجية الإسرائيلية في أعوام الخمسينيات إلا أنها لم تكن كذلك على مستوى التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي؛ وذلك مقارنة بقارات العالم الأخرى. فأمريكا اللاتينية مثلت دائرة نفوذ للولايات المتحدة الأمريكية، كما أن إسرائيل وجدت دعماً ومساعدة من القوى الغربية الرئيسية في أوروبا. وهنا كان عليها في سعيها للبحث عن الشرعية الدولية أن توجه أنظارها إلى آسيا وإفريقيا. أما بالنسبة لآسيا فقد كانت أشبه بالقارة «المغلقة» أمامها لعدة عوامل من بينها: - وجود دول كبرى قطعت شوطاً كبيراً في ميدان التنمية الاقتصادية. - وجود دول وجاليات إسلامية كبيرة وهو ما يجعلها أقرب لتأييد الموقف العربي. - تضاؤل فرص تسويق النموذج الإسرائيلي في التنمية في ظل وجود دول مثل الصين واليابان والهند. وعليه؛ فقد كانت إفريقيا التي تؤهلها مكانتها الجيو استراتيجية فضلاً عن وجود عدد كبير من الدول بها التي تتطلع للحصول على مساعدات تنموية وتقنية من الخارج الخيار المناسب أمام صانع القرار الإسرائيلي. هذا بالاضافة إلى قدرة الدول الإفريقية العددية في المحافل والمؤسسات الدولية والتي تكمن أهميتها [٦] في سياق الوعي بحقيقة الصراع العربي الإسرائيلي، وإمكانية الاستفادة من الدور الإفريقي في هذا المجال. وليس أدل على هذه الأهمية من أنه عندما اجتمعت الجمعية العامة للأمم المتحدة في منتصف يونيو ١٩٦٧م في جلسة خاصة بناء على طلب الاتحاد السوفييتي تأثر الموقف الإفريقي بدور الأطراف الخارجية، ولا سيما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي؛ حيث حاول كل منهما ممارسة الضغوط لصالح القرار الذي يتبناه. فقد طرح مشروع قرار باسم مجموعة عدم الانحياز قدمته يوغوسلافيا، ونظر إليه على أنه موالٍ للعرب، كما طرح مشروع قرار آخر باسم مجموعة دول أمريكا اللاتينية ونظر إليه باعتباره موالياً لإسرائيل [٧] . وبتحليل السلوك التصويتي للمجموعة الإفريقية نجد أن الدول التي ساندت الموقف الإسرائيلي سواء بشكل حاسم أو غير حاسم تصل إلى عشرين دولة. بيد أن هذا التوجه تغير تماماً عند مناقشة قرار الأمم المتحدة الذي يعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية؛ حيث صوَّت لصالح القرار عشرون دولة إفريقية من غير الأعضاء فى جامعة الدول العربية (باستثناء الصومال وموريتانيا) ، كما عارض القرار خمس دول فقط؛ بينما امتنع عن التصويت اثنتا عشرة دولة. وليس بخاف أن هذين المثالين يعكسان بجلاء الدور الإفريقي في الأمم المتحدة وهو ما ظهر مرة أخرى عند إلغاء هذا القرار عام ١٩٩١م. ٣ - الجاليات اليهودية في إفريقيا: من المعلوم أن إفريقيا تحتضن بين ظهرانيها جاليات يهودية متفاوتة الأحجام ومتباينة القوة والتأثير [٨] . ففي شمال إفريقيا جماعات من اليهود السيفارديم الذين قدموا بالأساس من أسبانيا والبرتغال خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر. أضف إلى ذلك فقد قدمت إلى إفريقيا جماعات من اليهود الإشكيناز من شمال وشرق أوروبا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وإذا كان حجم هذه الجاليات، خارج جمهورية جنوب إفريقيا، هو جد متواضع إلا أن وضعها الاقتصادي في بعض دول إفريقيا جنوب الصحراء مثل كينيا يتسم بالقوة والتأثير. ويمكن القول إن يهود الفلاشا الإثيوبيين يمثلون واحدة من أفقر الجاليات اليهودية في العالم على الرغم من اعتقادهم الراسخ بأنهم يمثلون القبيلة المفقودة في التاريخ الإسرائيلي. وقد تم نقل معظم الفلاشا إلى إسرائيل جواً عبر السودان فيما عرف باسم «العملية موسى» التي بدأت في عام ١٩٨٣م ووصلت إلى ذروتها خلال الفترة من نوفمبر ١٩٨٤م وفي مارس ١٩٨٥م [٩] . وبالمقابل، فإن الجالية اليهودية في جنوب إفريقيا تعد واحدة من أغنى الجاليات اليهودية في العالم. وطبقاً لأحد التقديرات فإن مساهمة يهود جنوب إفريقيا في خزانة الدولة العبرية تأتي في المرتبة الثانية بعد مساهمة يهود الولايات المتحدة. بيد أنه إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم كل من الجاليتين فإننا نلاحظ أن تبرعات يهود جنوب إفريقيا بالنسبة إلى كل شخص تفوق في بعض السنوات تبرعات اليهود الأمريكيين. ولعل القضية المثيرة للاهتمام عند دراسة أوضاع الجالية اليهودية السوداء في إسرائيل تتصل بمفهوم الهوية اليهودية السوداء، ونظرهم إلى إسرائيل باعتبارها جزءاً من التراب الإفريقي؛ إذ كان يقطنها في الأصل شعوب إفريقية داكنة البشرة [١٠] . أياً كان الأمر فإنه لا يمكن التقليل من أهمية متغير الجاليات اليهودية في توجيه وتخطيط العلاقات الإسرائيلية الإفريقية؛ إذ لا يخفى أن نحو ٢٠% من إجمالي المهاجرين اليهود إلى (إسرائيل) خلال الفترة من (١٩٤٨ إلى ١٩٩٥م) هم من إفريقيا [١١] . * ثانياً: مراحل تطور العلاقات الإسرائيلية الإفريقية: شهدت سياسات التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا مردودات متباينة؛ بحيث يمكن التمييز بين خمس مراحل أساسية في تطور مسيرة العلاقات بين (إسرائيل) وإفريقيا وهي: المرحلة الأولى ١٩٤٨ - ١٩٥٧م: البحث عن شرعية الوجود وتأمين الكيان: بعد إعلان قيام الدولة العبرية عام ١٩٤٨ أوْلى صانع القرار الإسرائيلي اهتماماً كبيراً بتأسيس علاقات قوية وراسخة مع القوى الكبرى الأساسية في العالم مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفييتي. يعني ذلك أن إسرائيل في بحثها عن شرعية الوجود على الساحة الدولية وتأمين وجودها العضوي لم تنظر إلى المستعمرات الإفريقية، بل انصب جل اهتمامها على القوى الاستعمارية الأوروبية [١٢] . ومن أبرز المؤشرات التي تؤكد هذا المنحى الإسرائيلي أن إسرائيل لم يكن لديها بنهاية عام ١٩٥٧م سوى سبع سفارات فقط في العالم بأسره، ست منها في القارة الأوروبية وأمريكا الشمالية. ومن الجلي أن القارة الإفريقية جنوب الصحراء كانت بمثابة أراض مجهولة incognita terra بالنسبة للعاملين في وزارة الخارجية الإسرائيلية، ولم ترغب الدول الإفريقية في إقامة علاقات مع دولة تمتلك العديد من الأعداء. لذلك كان منطقياً ألا يوجد دبلوماسي إسرائيلي واحد مقيم شمال جوهانسبرج حتى حدوث الانفراجة في العلاقات الإسرائيلية الإفريقية مع حصول غانا على استقلالها عام ١٩٥٧م. على أن نقطة التحول الأساسية التي دفعت إلى حدوث تحول كبير في الدبلوماسية الإسرائيلية تجاه إفريقيا تمثلت في عقد مؤتمر باندونج عام ١٩٥٥م؛ إذ لم توجه الدعوة إلى إسرائيل لحضور هذا الحدث التاريخي الهام، بل ولم يقف الأمر عند هذا الحد حيث أدان المؤتمر في بيانه الختامي احتلال إسرائيل للأراضي العربية [١٣] . على أن ثمة متغيرات أخرى دفعت إلى توجيه الأنظار الإسرائيلية إلى إفريقيا وليس إلى آسيا كما ذكرنا آنفا وهو ما أدى إلى دخول العلاقات الإسرائيلية الإفريقية في الستينيات مرحلة جديدة. المرحلة الثانية ١٩٥٧ - ١٩٧٣م: سياسات التغلغل: يمكن التأريخ لبداية الانطلاقة الإسرائيلية في إفريقيا بعام ١٩٥٧م؛ حيث كانت إسرائيل أول دولة أجنبية تفتح سفارة لها في أكرا بعد أقل من شهر واحد من حصول غانا على استقلالها [١٤] . وقد لعبت السفارة الإسرائيلية في أكرا دوراً كبيراً في تدعيم العلاقات بين البلدين، وهو ما دفع إلى افتتاح سفارتين أخريين في كل من منروفيا وكوناكري؛ وذلك تحت تأثير إمكانية الحصول على مساعدات تنموية وتقنية من (إسرائيل) . ومن جهة أخرى فقد تجسدت الرغبة الإسرائيلية في تأسيس علاقات قوية مع إفريقيا في قيام جولدا مائير وزيرة الخارجية الإسرائيلية آنذاك عام ١٩٥٨م بزيارة إفريقيا لأول مرة حيث اجتمعت بقادة كل من ليبيريا وغانا والسنغال ونيجيريا وكوت ديفوار. وثمة مجموعة من المتغيرات الدولية والإقليمية أسهمت في تكثيف الهجمة الإسرائيلية على إفريقيا، ومن ذلك: * حصول عدد من الدول الإفريقية على استقلالها في الستينيات أدى إلى زيادة المقدرة التصويتية لإفريقيا في الأمم المتحدة حيث كان الصراع العربي الإسرائيلي من أبرز القضايا التي تطرح للتصويت. * إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية عام ١٩٦٣م وضع تحدياً أمام إسرائيل؛ حيث إنها لا تتمتع بالعضوية في هذا التجمع الأفروعربي. * عضوية مصر المزدوجة في كل من جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية أعطاها فرصة إقامة تحالفات مع بعض القادة الأفارقة الراديكاليين من أمثال نكروما وسيكوتوري. وبحلول عام ١٩٦٦م كانت إسرائيل تحظى بتمثيل دبلوماسي في كافة الدول الإفريقية جنوب الصحراء باستثناء كل من الصومال وموريتانيا. ومع ذلك فإن إفريقيا كانت بمثابة ساحة للتنافس العربي الإسرائيلي [١٥] . المرحلة الثالثة ١٩٧٣ - ١٩٨٣م: أعوام المقاطعة: قبل حرب أكتوبر ١٩٧٣م كانت إسرائيل تقيم علاقات دبلوماسية مع خمس وعشرين دولة إفريقية. بيد أنه في الأول من يناير عام ١٩٧٤م تقلص هذا العدد ليصل إلى خمس دول فقط هي: جنوب إفريقيا، وليسوتو، ومالاوي، وسوازيلاند، وموريشيوس. وليس بخاف أن الدول الإفريقية التي قامت بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل قد فعلت ذلك تأييداً للموقف المصري بحسبان مصر دولة إفريقية تسعى إلى استعادة أراضيها من الاحتلال الإسرائيلي [١٦] . بيد أن بعض الباحثين يحاول تفسير الموقف الإفريقي أنه كان يرمي إلى الحصول على المساعدات العربية ولا سيما من الدول النفطية [١٧] . وثمة مجموعة من العوامل أسهمت في دعم الموقف العربي في مواجهة الكيان الصهيوني خلال عقد السبعينيات. فقد شهدت هذه الفترة ظهور تجمعات لدول العالم الثالث تعبر عن مستوى أو آخر من التضامن مثل منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) ومجموعة الـ ٧٧. كما أن إسرائيل جوبهت بسلاح البترول العربي ودعم كثير من دول العالم الثالث للموقف العربي. ففي عام ١٩٧٣م أصبح الرئيس الجزائري هواري بومدين رئيساً لحركة عدم الانحياز، وأثناء مؤتمر الحركة في الجزائر في العام نفسه اتخذ المؤتمرون قرارات تؤيد كلاً من مصر وسوريا والأردن في استعادة أراضيها المحتلة، كما تدعو إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. وكانت كل من كوبا وزائير وتوجو من أوائل الدول التي تستجيب لدعوة المقاطعة تلك. وفي عام ١٩٧٤م رُشح وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بوتفليقة رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد استطاع العرب وبمساعدة قوتهم النفطية إضفاء مزيد من الشرعية الدولية على منظمة التحرير الفلسطينية. لا غرو أن تتم دعوة ياسر عرفات في ١٣/١١/١٩٧٤م لالقاء خطاب أمام الجمعية العامة، وأن يعامل معاملة رؤساء الدول؛ وذلك بشكل غير مسبوق في تاريخ المنظمة الدولية. إضافة لما سبق فقد نجحت الحملة العربية الرامية إلى عزل إسرائيل ووصفها بالعنصرية؛ حيث تمت مساواتها بالنظام العنصري في جنوب إفريقيا. واستفادت الحملة العربية من المواقف والسياسات الإسرائيلية في إفريقيا مثل: - الدعم الإسرائيلي للحركات الانفصالية الإفريقية على شاكلة بيافرا في نيجيريا وجنوب السودان. - دعم وتأييد نظام التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا. صفوة القول: أن الموقف الإفريقي وإن كانت له دلالات سياسية ودبلوماسية واضحة من زاوية الصراع العربي الإسرائيلي إلا أن إسرائيل ظلت على علاقة وثيقة - ولو بشكل غير رسمي - مع معظم الدول الإفريقية التي قامت بقطع العلاقات معها. وليس أدل على ذلك من أن التجارة الإسرائيلية مع أفريقيا خلال الفترة من عام ١٩٧٣م وحتى عام ١٩٧٨م قد تضاعفت من ٥٤.٨ مليون دولار إلى ١٠٤.٣ مليون دولار. وتركزت هذه التجارة بالأساس في الزراعة والتكنولوجيا [١٨] . وبنهاية عقد السبعينيات وأوائل الثمانينيات كثفت إسرائيل جهودها من أجل إعادة علاقاتها الدبلوماسية بإفريقيا؛ حيث قام وزير خارجيتها بإجراء اجتماعات مباشرة مع الزعماء الأفارقة سواء في الأمم المتحدة أو في العواصم الإفريقية. ومع ذلك فقد باءت هذه الحملة الإفريقية بالإخفاق، وهو الأمر الذي دفع إحدى الصحف الإسرائيلية إلى عدم توقع قيام أي دولة إفريقية كبرى بإعادة علاقاتها مع إسرائيل في المستقبل المنظور. المرحلة الرابعة ١٩٨٢ - ١٩٩١م: العودة الثانية: استمرت (إسرائيل) في سياساتها الرامية إلى العودة إلى إفريقيا؛ وذلك من خلال تدعيم وتكثيف اتصالاتها الإفريقية في المجالات كافة دون اشتراط وجود علاقات دبلوماسية. وفي عام ١٩٨٢م أعلنت دولة إفريقية واحدة هي زائير عن عودة علاقاتها مع إسرائيل؛ لأن الرئيس موبوتو كان بحاجة ماسة للمساعدات العسكرية الإسرائيلية ولا سيما في ميدان تدريب الجيش وحرسه الجمهوري. على أن الدول الإفريقية الأخرى التي حافظت على علاقات غير رسمية وثيقة مع إسرائيل لم تنهج نفس المسلك الزائيري، وربما يعزى ذلك إلى العوامل الآتية [١٩] : * أن قرار الرئيس موبوتو كان منفرداً، ولم يتم بالتنسيق مع الدول الأخرى. وقد حاجج البعض بأن قرار قطع العلاقات مع إسرائيل كان برعاية منظمة الوحدة الإفريقية في أواخر الستينيات، ومن ثم ينبغي أن يكون استئناف هذه العلاقات بقرار من المنظمة ذاتها. * أن الدول العربية كثفت من حملتها الدبلوماسية المضادة؛ حيث استخدمت سلاح المساعدات الاقتصادية والتقنية كأداة للترغيب والترهيب في آن واحد. * أن إسرائيل قامت في الأسبوع الأول من يونيو عام ١٩٨٢م بغزو لبنان وهو ما يؤكد نزعتها التوسعية والعدوانية. المرحلة الخامسة ١٩٩١م: سياسات التطبيع: لقد شهدت هذه المرحلة إعادة تأسيس العلاقات بين إسرائيل وإفريقيا مرة أخرى ولا سيما خلال عامي ١٩٩١، ١٩٩٢م؛ وربما يعزى ذلك إلى: * التغيرات في النظام الدولي وانعكاساته الإقليمية. * سقوط النظم الشعبوية والماركسية اللينينية في إفريقيا. * الدخول في العملية التفاوضية بين العرب وإسرائيل منذ مؤتمر مدريد. وقد تسارعت عودة العلاقات الإسرائيلية الإفريقية؛ حتى إنه في عام ١٩٩٢م وحده قامت ثماني دول إفريقية بإعادة تطبيع علاقاتها مع إسرائيل. وتسعى إسرائيل إلى تعزيز سياساتها الإفريقية بدرجة تفوق طموحاتها خلال عقد الستينيات وأوائل السبعينيات. وطبقاً للبيانات الإسرائيلية فإن عدد الدول الإفريقية التي أعادت علاقاتها الدبلوماسية أو أسستها مع إسرائيل منذ مؤتمر مدريد في أكتوبر ١٩٩١م قد بلغ ثلاثين دولة [٢٠] . وفي عام ١٩٩٧م بلغ عدد الدول الإفريقية التي تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل ٤٨ دولة. وتحاول إسرائيل جاهدة الاستفادة من دروس الماضي بما يرسخ أقدامها في القارة الإفريقية؛ وذلك من خلال التأكيد على الأدوات الثلاثة الآتية: أولاً: المساعدات الاستخبارية والتدريبات العسكرية: من الملفت للنظر حقاً أن إسرائيل تمتلك مصداقية كبيرة لدى الدول الإفريقية في ميادين الاستخبارات والتدريبات العسكرية. فقد ركزت إسرائيل في تفاعلاتها الإفريقية منذ البداية، وحتى في ظل سنوات القطيعة الدبلوماسية بينها وبين إفريقيا، خلال الفترة من ١٩٧٣ - ١٩٨٣م، على المساعدات العسكرية في مجال تدريب قوات الشرطة وقوات الحرس الرئاسي لعدد من الدول الإفريقية مثل زائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية حالياً) والكاميرون. وبدهي أن الدول الإفريقية التي تعاني من الصراعات والانقسامات الاجتماعية والانشقاقات داخل صفوف النخب السياسية الحاكمة تهتم اهتماماً بالغاً بقضايا المساعدات الأمنية والاستخبارية، وهو ما دأبت السياسة الإسرائيلية في إفريقيا على التركيز عليه في جميع مراحل علاقاتها الإفريقية منذ أعوام الستينيات. فمع تنامي المد الناصري في إفريقيا وتعهد الرئيس عبد الناصر بطرد إسرائيل من إفريقيا قامت إسرائيل بتعزيز تواجدها في إثيوبيا، وأرسلت عملاء الموساد لتدريب قوات الشرطة الإثيوبية. ومع سقوط نظام هيلاسيلاسي ومجيء نظام مانجستو ظلت إسرائيل على علاقة وثيقة بإثيوبيا؛ ولا أدل على ذلك من أن إثيوبيا امتنعت عن التصويت على قرار الأمم المتحدة عام ١٩٧٥م والذي يقضي بمساواة الصهيونية بالعنصرية. ومع دخول القرن الإفريقي أتون الصراعات الإثنية والسياسية أصبح المجال مفتوحاً أمام التركيز مرة أخرى على أداة المساعدة العسكرية والاستخبارية التي تمارسها إسرائيل في هذه المنطقة المهمة لها استراتيجياً بسبب ارتباطها بأمن البحر الأحمر، وكذلك ارتباطها بأمن بعض الدول العربية المؤثرة مثل السودان ومصر. ثانياً: المساعدات الفنية: وقد اشتملت منذ البداية على ثلاث مجالات أساسية وهي: نقل المهارات التقنية وغيرها من خلال برامج تدريبية معينة، وتزويد الدول الإفريقية بخبراء إسرائيليين لمدة قصيرة أو طويلة المدى، وإنشاء شركات مشتركة أو على الأقل نقل الخبرات والمهارات الإدارية للشركات الإفريقية. وتشير الإحصاءات التي نشرها مركز التعاون الدولي التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية أن عدد الأفارقة الذين تلقوا تدريبهم في إسرائيل عام ١٩٩٧م وصل إلى نحو ٧٤٢ متدرباً إضافة إلى نحو ٢٤٦٣٦ إفريقياً تلقوا تدريبهم من قبل في مراكز التدريب الإسرائيلية خلال الأربعين سنة الماضية. وقد قامت إسرائيل بإعادة تقويم أداء المراكز التدريبية الخاصة بإفريقيا وهي: - مركز جبل كارمل بمدينة حيفا الذي ينظم حلقات دراسية للمرأة الإفريقية في ميدان التنمية. - مركز دراسة الاستيطان الذي يوفر تدريبات في البحوث الزراعية والتخطيط الإقليمي. - المركز الزراعي الذي يوفر الخبراء والمساعدة الفنية لتعظيم استخدام الموارد المتاحة. - قسم التدريب الأجنبي الذي يهتم بقضايا التنمية الريفية. - المعهد الأفروآسيوي للهستدروت الذي يهتم بأنشطة الاتحادات العمالية. وتطرح إسرائيل نموذجاً مهماً بالنسبة للدول الإفريقية في ميدان محاصيل الأراضي القاحلة وشبه القاحلة. وعلى سبيل المثال فإن البرنامج الدولي لمحاصيل الأراضي القاحلة والذي تتبناه جامعة بن جوريون بصحراء النقب بتمويل من اليونسكو ووزارة الخارجية الفنلندية ومركز التعاون الدولي الإسرائيلي يسعى إلى إقامة مشروعات زراعية في إفريقيا بغرض محاربة التصحر، وخلق البيئة المواتية للزراعة الدائمة. ثالثاً: تجارة السلاح والألماس: من المعلوم أن إسرائيل توفر السلاح للدول الإفريقية بالإضافة إلى التدريب العسكري، وتفيد الخبرة التاريخية أن إسرائيل تتعامل مع الأشخاص الأفارقة وذوي النفوذ أو الذين لهم مستقبل سياسي فاعل في بلدانهم. ولعل حالة الرئيس الكونغولي الراحل موبوتو سيسى سيكو تطرح مثالاً واضحاً؛ فقد تلقى تدريباً إسرائيلياً، ثم أصبح رئيساً للدولة بعد ذلك بعامين. ولا يخفى أن إسرائيل تقوم بتزويد العديد من الدول الإفريقية بالأسلحة مثل إثيوبيا وإريتريا. وطبقاً لتقارير الأمم المتحدة وبعض التقارير الأخرى فإن هناك تورطاً لشركات إسرائيلية ولتجار إسرائيليين في التجارة غير المشروعة للألماس. فمن المعروف أن مافيا هذا الحجر الثمين تقوم بتهريبه من دول مثل الكونغو وسيراليون وأنجولا عبر دول الجوار ليصل إلى هولندا، ثم بعد ذلك إلى مراكز تصنيع الألماس في عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة بالإضافة إلى إسرائيل والهند. على أن هذه التجارة غير المشروعة يوازيها تجارة أخرى غير مشروعة في السلاح؛ حيث يتم عقد صفقات لشراء الأسلحة وهو ما يسهم في استمرار واقع الصراعات والحروب الأهلية في الدول الإفريقية الغنية بالألماس، وهو ما يعود بالنفع المادي على كل المتورطين في هذه التجارة. بيد أن وجود تجار إسرائيليين أو شركات إسرائيلية لا يقوى دليلاً على اتهام الحكومة الإسرائيلية بالتورط في هذه التفاعلات التجارية غير المشروعة، وعلى هذه الشاكلة توجد اتهامات لإسرائيل بدعم بعض الجماعات الإقليمية غير العربية في دول الشمال الإفريقي مثل جماعات البربر في المغرب العربي، والجيش الشعبي لتحرير السودان بزعامة جون جارانج. لكن السؤال يبقى مطروحاً حول مدى مصداقية أو صحة هذه التقارير التي عادة ما تستند إلى اجتهادات استخباراتية. بيد أن الخلاصة التي يستطيع المرء أن يصل إليها بكل سهولة ويسر هي أن إسرائيل استطاعت فعل ذلك بمواردها المحدودة من خلال معرفتها بواقع ومشكلات الدول الإفريقية؛ وذلك دون كثير عناء وجهد وبعيداً عن الخطابات الأيديولوجية والبلاغية التي كثيراً ما نأسر أنفسنا بها! ثالثاً: السياسة الإسرائيلية والبحث عن الهيمنة: ليس بخاف أن التغيرات الهيكلية التي شهدها النظام الدولي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وبروز عصر العولمة الأمريكية وما صاحب ذلك من تغيرات في النظم الإقليمية ومن بينها منطقة الشرق الأوسط قد جاء بتأثيرات ملموسة على تطور العلاقات الإسرائيلية الإفريقية. فدخول أطراف الصراع العربي الإسرائيلي مسار العملية التفاوضية قد أدى إلى إضفاء المشروعية المطلوبة على الكيان الصهيوني وتأمين وجوده العضوي، ومن ثم فإنه يسعى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة إلى تحقيق أهدافه التوسعية بحسبانه قوة إقليمية؛ وذلك على حساب النظام الإقليمي العربي. على أن هدف تحقيق الهيمنة الإقليمية لإسرائيل في المرحلة الراهنة يقتضي إعادة تقويم واختبار عدد من القضايا الهامة ضمن منظومة العلاقات المتبادلة بين (إسرائيل) وإفريقيا وذلك على النحو التالي: ١- تأمين البحر الأحمر: لقد كانت خطورة البحر الأحمر ولا تزال ماثلة في ذهن القيادات الإسرائيلية المتعاقبة. ولنتذكر أن بن جوريون في حرب ١٩٤٨م أصدر تعليماته لموشي ديان بأن يضحي بأي شيء في سبيل موطئ قدم على شاطئ البحر الأحمر. وقد حدث بالفعل أن حصلت إسرائيل على ميناء إيلات. ومن الجلي أن الدولة العبرية تصبح بدون هذا المنفذ البحري وقد انقطعت كل صلة بينها وبين إفريقيا واَسيا، ولعلها اكتشفت هذه الحقيقة في حرب ١٩٧٣م عندما تم إغلاق باب المندب في وجهها [٢١] . ونظراً لغياب قواعد عربية واضحة تحكم أمن البحر الأحمر، ومع استقلال أرتيريا عام ١٩٩٣م وابتعادها عن النظام العربي، فإن إسرائيل في ظل «التسوية السلمية» سوف تضمن تلبية مطالبها الأمنية الخاصة بالبحر الأحمر. وانطلاقاً من ذلك سوف تحاول جاهدة الاستفادة لأقصى درجة من أجل تدعيم احتياجاتها الخاصة بالهيمنة والتوسع. ٢- التركيز على دول القرن الإفريقي: وتسعى إسرائيل من جراء ذلك إلى تحقيق أكثر من هدف واحد انطلاقاً من المتغيرات التالية: - وجود جالية يهودية كبيرة في إثيوبيا «يهود الفلاشا» . صحيح أن إسرائيل تمكنت من نقل معظم الفلاشا إلا أن بعض الإحصاءات تؤكد على وجود نحو خمسة عشر ألفاً من هؤلاء لا يزالون يعيشون في إثيوبيا. - ارتباط القرن الإفريقي بالبحر الأحمر والخليج العربي، ومن ثم فهو يرتبط تقليدياً بمنظومة الأمن الإسرائيلي والسعي من أجل تحقيق اعتبارات التفوق العسكري والاقتصادي. - ترتيب التوازن الإقليمي في المنطقة يرتبط بالأمن القومي العربي عموماً والمصري تحديداً؛ وذلك على ضوء العلاقات الصومالية الإثيوبية والإثيوبية الأرتيرية. والوجود الإسرائيلي في المنطقة يساعد على تحقيق متطلباتها الأمنية. ومن الملاحظ أن إسرائيل حافظت على وجودها دائماً في إثيوبيا بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم [٢٢] . فمع تنامي المخاوف الإثيوبية خلال عهد هيلاسيلاسي من «ثورية» النظام الناصري في مصر الذي تعهد بطرد إسرائيل من إفريقيا، سعت الدولة العبرية إلى تدعيم تواجدها في إثيوبيا، وأرسلت عملاء الموساد لتدريب قوات الشرطة الإثيوبية. ومع سقوط نظام هيلاسيلاسي ومجيء نظام منجستو ظلت إسرائيل على علاقة وثيقة بإثيوبيا، ولا أدل على ذلك من أن إثيوبيا امتنعت عن التصويت على قرار الأمم المتحدة عام ١٩٧٥م الذي يقضي بمساواة الصهيونية بالعنصرية. وبدخول القرن الإفريقي في أتون الصراعات الإثنية والسياسية حيث انقسمت الصومال إلى دويلات وفقاً لمنطق حرب الكل ضد الكل، وانهمكت كل من إرتيريا وإثيوبيا في صراع مرير تم فتح المجال واسعاً أمام تدخل أطراف أجنبية من بينها إسرائيل. ٣ - التركيز على دول حوض النيل: وليس بخاف أن هدف إسرائيل الثابت من وجودها في هذه المنطقة هو الرغبة في الحصول على مياه النهر والضغط على صانع القرار المصري نظراً لحساسية وخطورة «ورقة المياه» في الاستراتيجية المصرية. وأطماع إسرائيل في مياه نهر النيل قديمة ومعروفة [٢٣] . وعندما زار السادات القدس لأول مرة عام ١٩٧٧م أحيا فكرة مد ترعة من النيل إلى النقب، وهو ما نظر إليه البعض على أنه تعبير عن الرغبات الأمريكية الإسرائيلية الحقيقية. وبالفعل تقدمت إسرائيل بعدة مشروعات للحصول على نسبة ١% من مياه النيل. وقد حاولت (إسرائيل) في ظل المفاوضات متعددة الأطراف الخاصة بمشكلة الشرق الأوسط أن تطرح هذه القضية إلا أنها لم تنجح في ذلك. ومن المعروف أن (إسرائيل) تلعب دوراً غير مباشر في صراع المياه بين دول حوض النيل استفادة من نفوذها الكبير في دول مثل إثيوبيا وكينيا ورواندا. ومع تفجر الصراع في منطقة البحيرات العظمى بعد الإطاحة بنظام موبوتو في الكونغو الديموقراطية، حاولت إسرائيل المساهمة في إعادة ترتيب الأوضاع وذلك تحت المظلة الأمريكية التي تقوم بدور نشط في هذه المنطقة مقارنة بالنفوذ الفرنسي التقليدي [٢٤] . وتكمن الرؤية الإسرائيلية في النظر إلى المنطقة بشكل شمولي أي بامتداداتها الجغرافية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. ولتدعيم نفوذها في المنطقة تعمل إسرائيل على: - تشجيع جيل من القادة الجدد الذين ينتمون إلى الأقليات في بلدانهم ويرتبطون مع الولايات المتحدة وبالطبع إسرائيل بعلاقات وثيقة، ومن هؤلاء ميلس زناوي في إثيوبيا، وأسياسي أفورقي في أرتيريا، وجون جارانج في جنوب السودان، ويوري موسيفيني في أوغندة، وبول كاجامي في رواندا. - محاصرة الأمن القومي العربي ولا سيما في امتداده المصري والسوداني وفق استراتيجية «حلف المحيط» أي إقامة تحالفات مع الدول والجماعات الإثنية والدينية المعادية للعرب هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى الاستفادة من وجودها في المنطقة للتلويح بورقة المياه في مواجهة السياسة المصرية. ٤ - الوقوف في وجه الدول والحركات المعادية للغرب: وفي هذا السياق يمكن تفهم الموقف الإسرائيلي من كل من ليبيا والسودان في ظل حكم الجبهة القومية الإسلامية. أضف إلى ذلك فإنها تحاول مساعدة الدول الإفريقية ضد الحركات الإسلامية الأصولية. وتسعى إسرائيل من وراء ذلك إلى تحقيق أكثر من هدف واحد: - إذ إنها تقدم نفسها للعالم الغربي باعتبارها المدافع الأول عن القيم الديموقراطية العلمانية في مواجهة الحركات الأصولية الإسلامية. - وهي من جهة أخرى تحاول مساعدة الدول الإفريقية في ميادين الاستخبارات والتدريبات العسكرية، وهي مجالات كانت إسرائيل موجودة فيها أصلاً، وتمتلك مصداقية كبيرة لدى الدول الإفريقية. وأياً كان الأمر فإن إسرائيل تولي علاقاتها الإفريقية أهمية خاصة للأسباب والمحددات السابق بيانها. وعلى الرغم من دخول الصراع العربي الإسرائيلي منعطفاً تاريخياً مهماً بعد عمليات «التسوية السلمية» فإن إسرائيل لا تزال تعول في حركتها الخارجية على استراتيجية إضعاف الخصم موضع التعامل، وقد أوضحت الدراسة مؤشرات تلك الاستراتيجية من خلال بيان طبيعة الدور الإسرائيلي في مناطق القرن الإفريقي وحوض النيل والبحيرات العظمى، ومساندة ما يسمى بجيل الزعماء الجدد في إفريقيا. أضف إلى ذلك فإنها تشجع وتساند جماعات الأقلية، ولا تتردد في هذا الخصوص في أن تقدم المعونة المادية والخبرة، بل وتتولى تدريب رجالها على حركات العنف المسلح. ولنتذكر في هذا السياق المحاولات الإسرائيلية الدؤوبة لنشر الفتن بين الأقليات غير العربية في شمال إفريقيا وجنوب السودان.

стр. 4427

ملفات إفريقيا في عالم متغير.. وجهات نظر استراتيجية القوى الكبرى والمشروطية السياسية في إفريقيا راوية توفيق [*] طرحت فكرة المشروطية مع أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن العشرين؛ حيث ظهر ما يعرف باسم الجيل الأول للمشروطية الذي ركز على آليات الإصلاح الاقتصادي مدفوعاً بما عانته دول العالم الثالث من أزمات اقتصادية في ذلك الوقت. وكان مضمون هذا الجيل الأول من المشروطية هو تبني برامج التكيف الهيكلي كشرط لتلقي المساعدات من المؤسسات المالية الدولية، ولأن تلك البرامج عكست اتجاهاً لفرض الليبرالية الاقتصادية على دول العالم الثالث؛ فإنها لم تخل من بُعد سياسي؛ لأنها هدفت فرض النمط الغربي للتنمية على تلك الدول النامية وعلى رأسها الدول الأفريقية باعتبارها أكثر الدول النامية اعتماداً على المساعدات الخارجية. ومع بداية التسعينيات ظهر الجيل الثاني للمشروطية حيث بدأت الدول المانحة الأوروبية والأمريكية، والمؤسسات المالية النقدية ممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية على الدول الإفريقية لإقامة نظام ديمقراطي مدني يستمد شرعيته من إجراء انتخابات تنافسية متعددة الأحزاب، وكانت وسيلتها للوصول إلى هذا الهدف هي التهديد بإيقاف المعونات والتسهيلات المالية، أو إيقافها فعلاً بهدف فرض نوع من العزلة والحصار على النظم التي لا تتبع النهج الديمقراطي لإجبارها على السير في طريق التحول الديمقراطي، وهو ما أصبح يعرف باسم: «المشروطية السياسية» . وقد اختلفت الآراء حول أسباب ظهور هذا الجيل الثاني من المشروطية؛ فالبعض أرجعه إلى التغيرات التي شهدها العالم خلال تلك الفترة من تحولات في دول أوروبا الشرقية، وسقوط الاتحاد السوفييتي والتحول إلى نظام أحادي القطبية. وأرجعه آخرون إلى إخفاق تطبيق المشروطية الاقتصادية مما أدى بالمؤسسات المالية إلى إرجاع إخفاق برامج التكيف الهيكلي إلى العوامل السياسية في الدول المستقبلة للمعونات. واتجه البعض إلى التأكيد على أن الدول المانحة أرادت تسويغ استمرار معوناتها لدول العالم الثالث أمام شعوبها رغم انتهاء الحرب الباردة، فلم تجد سوى مسوِّغات دفع المبادئ الديمقراطية والحكم الجيد، أو أن المشروطية السياسية هي مجرد أداة أيديولوجية تجعل الرأسمالية الليبرالية تحل محل الاشتراكية على مستوى العالم، وتوفر أساساً من المشروعية للزعامة الجديدة للغرب بإسهامه في إسقاط النظم غير الديمقراطية [١] . وبغض النظر عن الاختلاف حول تفسير طرح الدول الغربية والمؤسسات المالية الدولية للمشروطية السياسية يبقى التساؤل الأهم هو: ما مدى مصداقية الدعم الغربي للمبادئ الديمقراطية فى القارة الأفريقية؟ وهل هناك فجوة بين المبادئ المعلنة والسياسات الواقعية؟ وهل تطبق سياسات المشروطية على دول القارة بصفة عامة أم ان هناك انتقائية في تطبيقها؟ إن الإجابة عن هذه التساؤلات يتطلب في البداية البحث في الفواعل الأساسية المحركة لقواعد المشروطية السياسية والمبادئ التي تعلنها ثم البحث في كيفية تطبيقها لهذه القواعد من الناحية الفعلية مع طرح بعض الأمثلة والنماذج التي مورست عليها سياسات المشروطية، وأثر هذه السياسات وتلك التي لم تتم ممارسة هذه السياسات عليها وأسباب ذلك. * أولاً: الفواعل المحركة للمشروطية السياسية: تعد الدول الإفريقية من أفقر دول العالم، وأعلاها من حيث الاعتماد على الديون الخارجية، والتي قدرت عام ١٩٩٩م بحوالي ٣٥٠ مليار دولار، وهو ما يوازي ثلاثة أرباع إجمالي الناتج القومي للقارة، وما يقرب من أربعة أضعاف صادراتها السنوية. والمديونية هي علاقة سياسية من الطراز الأول؛ فهي تربط بين طرفين: الدائن والمدين، وتختفي بينهما علاقة المساواة. فالدائن يمارس قوة على المدين، ويسعى للاستفادة من وضعه بفرض شروط على المدين لا يملك إلا أن يسلِّم بها. وينطبق هذا المنطق على الدول النامية بصفة عامة والدول الإفريقية بصفة خاصة؛ وبذلك تسعى القوى الكبرى المانحة للمساعدات المالية لفرض شروطها على الدول الإفريقية. ويتم ذلك إما عن طريق استغلال المؤسسات المالية الدولية والتي تسيطر عليها هذه الدول الكبرى بحكم مشاركتها في الجانب الأعظم من التمويل، وفرض هذه الشروط مباشرة في إطار سياسة هذه الدول الخارجية لمنح المعونات إلى الدول النامية. ١ - المؤسسات المالية الدولية: أدى تفاقم مشكلة المديونية إلى دفع الكثير من المنظمات الدولية إلى تكثيف الجهود لمحاولة الحد من تفاقم الأزمة، والتدخل بصورة مباشرة في إدارة مديونية الدول النامية؛ على أن هذه المؤسسات لم تنشأ خصيصاً لهذا الغرض، إنما أضافته إلى مهامها التي كانت تشمل أساساً نوعاً من المسؤولية عن إدارة نظام النقد الدولي والمدفوعات الدولية، أو تمويل جهود التنمية وتحرير التجارة الدولية (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية) [٢] . وإذا كان تأثير هذه المؤسسات في سياسات الدول النامية تأثيراً بارزاً فهو أكثر وضوحاً في الدول الإفريقية نظراً لتفاقم مشكلة المديونية؛ حيث تتميز القارة الإفريقية بأعلى معدلات الفقر بين الدول النامية، وأقل معدلات للنمو الاقتصادي، وأعلى معدلات للديون الخارجية؛ فوفقاً لتقرير البنك الدولي ٢٠٠٠م تصل معدلات الفقر في بعض الدول (نيجيريا - بوركينا فاسو) إلى حوالي٧٠%، ويصل متوسط الدين الخارجي فى دول أخرى إلى حوالي ٢٨٠% من الناتج المحلي الإجمالي (أنجولا - الكونغو برازافيل) [٣] ، وتكتسب المساعدات المالية متعددة الأطراف التي تقدمها المؤسسات المالية الدولية أهمية خاصة؛ لأنها تمثل الحجم الأكبر من المساعدات السنوية التي توجه للدول الإفريقية. وقد بدأ تدخل البنك الدولي في حل مشكلة الديون الإفريقية منذ الاستقلال؛ بينما بدأ تدخل صندوق النقد الدولي منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين. ومع بداية الثمانينيات بدأت هذه المؤسسات في فرض بعض السياسات الاقتصادية على الدول الإفريقية المدينة كشرط لتلقي المساعدات في إطار برامج التكيف الهيكلي من قبيل تعويم العملة، والحد من الإنفاق الحكومي وتحرير التجارة. ولكن منذ بداية التسعينيات بدأت المشروطية السياسية تقترن بالمشروطية الاقتصادية، أو ما كان يطلق عليه: (التكيف الهيكلي السياسي) فأصبحت المعونات مشروطة بالوصول إلى الحكم الجيد، والذي يشير وفقاً لتعريف البنك الدولي إلى المحاسبية فيما يخص الإنفاق العام، والشفافية عند اتخاذ القرارات، وحكم القانون [٤] . وبذلك تكون هذه المؤسسات قد خرجت عن المسار المحدد لها وعن الوظائف المسندة إليها منذ نشأتها؛ فميثاق البنك الدولي على سبيل المثال يؤكد أن البنك يجب عليه عدم التدخل في الشؤون السياسية لأعضائه، ويجب ألاَّ يتأثر بالاعتبارات السياسية في قراراته؛ فلا يتم الاستناد إلا إلى الاعتبارات الاقتصادية، ورغم ذلك فإن تقرير البنك الدولي عام ١٩٩٢م أكد أنه على الرغم من أن البنك لا يستطيع أن يلعب دوراً مباشراً في تصميم برامج المشروطية السياسية إلا انه ما زال يمثل قناة رئيسية لتطبيقها. ولكن ما هو المسوغ الذي تستند إليه هذه المؤسسات في سبيل تطبيقها لهذه السياسة؟ تستند هذه المؤسسات إلى المنطق القائل بأن الديمقراطية كقيمة في حد ذاتها تعتبر أداة ضرورية لتوفير مناخ سياسي ملائم دافع للتنمية الاقتصادية، وهذا المنطق أكد عليه تقرير البنك الدولي؛ حيث تبنى فكرة العلاقة السببية بين الديمقراطية والنمو الاقتصادي زاعماً أنه ليس من قبيل المصادفة أن تكون كل من بوتسوانا وموريشيوس هما أعلى دولتين من حيث معدلات الأداء الاقتصادي، وفي الوقت نفسه تكونان الدولتين الوحيدتين اللتين شهدتا نظاماً تعددياً حقيقياً متصلاً في القارة منذ استقلالها. وعام ١٩٩١م أقرت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بالافتراضات السابقة بالقول إن هناك دليلاً قوياً أن المجتمعات المنفتحة التي تقدر الحقوق الفردية، وتحترم حكم القانون، ولديها حكومات منتخبة تتعرض للمحاسبة تقدم فرصاً أفضل للتنمية الاقتصادية المستدامة من المجتمعات المنغلقة التي تقيد المبادرات الفردية [٥] . وانطلاقاً من هذه المبادئ فإن عدم انصياع الدولة للشروط السياسية التي يضعها البنك والصندوق يعرضها لوقف الإمدادات والمساعدات المالية إليها بحجة أنها تفتقد المناخ الديمقراطي الملائم الذي يدفع النمو الاقتصادي، ويمكن الدولة من تسديد التزاماتها المالية. ويرى البعض أن وجود هذه المؤسسات يمثل ملمحاً من ملامح عصر العولمة؛ حيث توفر إطاراً مؤسسياً يفرض قواعد ومعايير على الدول المدينة. وينتقد الكثير من المحللين دورها كأداة لسيطرة الدول الكبرى على مقدرات الدول النامية بصفة عامة، والدول الإفريقية باعتبارها أكثر الدول تأثراً بسياسات هذه المؤسسات بصفة خاصة. فالبعض يعتبر أن هذه السيطرة بمثابة إعادة استعمار للقارة من جديد؛ فالضغوط التي تمارسها الدول الكبرى بواسطة تلك المؤسسات تعيد الذاكرة إلى عصور الاستعمار، وكل ما تغير أن الدول الاستعمارية قد غيرت استراتيجيتها، فتبنت أساليب جديدة للوصول إلى نفس الأهداف التي كانت تصل إليها عن طريق الاستعمار الصريح المباشر، ولكن بأساليب أخرى غير الاحتلال العسكري [٦] . وبذلك يتضح أن المؤسسات المالية الدولية من خلال ما تطرحه من سياسات، وما تمثله من أداة لتطبيق سياسات الدول الكبرى التي تسيطر على هذه المؤسسات تفرض تأثيراً على سياسات الدول الإفريقية من خلال دفعها نحو الانفتاح الاقتصادي والتحول الديمقراطي. ٢ - الدول الغربية المانحة: كانت الدول الإفريقية منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى ستينيات القرن العشرين تقريباً مستعمرات سيطرت عليها الدول الإمبريالية. وبعد رحيل الاستعمار انزوت معظمها في حروب أهلية عنيفة نتج عنها حكم أقلية محدودة في ظل نظام الحزب الواحد. وتعرضت إفريقيا لتأثير العوامل الخارجية أكثر ما تعرضت خلال الحرب الباردة، فشهدت قبل تسعينيات القرن العشرين مساعدات اقتصادية ضخمة من القوى الأجنبية من أجل جذب الدول الإفريقية إلى النموذج الرأسمالي أو الشيوعي دون الاهتمام بتدعيم الديمقراطية في حد ذاتها. وبعد انهيار الشيوعية وقيام نظام أحادي القطبية أصبح الدافع وراء النظام الجديد للمساعدات الذي يربط المساعدات المالية بالتحول الديمقراطي يعتمد على الاعتقاد الغربي بأن النموذج الليبرالي الديمقراطي هو النموذج الأمثل للحكم. وسيتم التركيز في هذا المحور على سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في تقديم المعونات إلى الدول الإفريقية، ثم الأبعاد السياسية للتعاون بين إفريقيا والاتحاد الأوروبي، مع إشارة خاصة للدور الفرنسي في إرساء قواعد المشروطية السياسية. أ - سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في تقديم المعونات إلى إفريقيا: خلال الحرب الباردة كانت السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إفريقيا بصفة خاصة، ودول العالم الثالث بصفة عامة تحكمها اعتبارات الصراع مع الاتحاد السوفييتي. فعلى الرغم من صدور قانون المساعدات الخارجية عام ١٩٦١م الذي يشترط عدم تقديم أية مساعدات للدول التي تنتهك حقوق الإنسان، إلا أن الولايات المتحدة اتجهت للتعاون مع بعض الدول الإفريقية لإقامة قواعد عسكرية (كينيا - الصومال - السودان) في عهد الرئيس كارتر رغم وجود انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان في تلك الدول. وفي المقابل تم تخفيض المعونات لدول أخرى تذرعاً بنفس الحجة (زائير) أو فرض عقوبات اقتصادية ومالية (إثيوبيا وجنوب إفريقيا) ، كما رأت الإدارة الأمريكية في عهد ريجان قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان في إطار سياسة إحاطة الشيوعية في إفريقيا، وكان ذلك واضحاً في مساندة من أسماهم ريجان بالمقاتلين الأحرار مثل الاتحاد الوطني لاستقلال أنجولا ضد الحكومة الماركسية المدعومة من الاتحاد السوفييتي. وبذلك يمكن القول إن اعتبارات سياسة احتواء الاتحاد السوفييتي تغلبت أحياناً على اعتبارات الديمقراطية في تلك الفترة. وبعد انتهاء الحرب الباردة تغيرت السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إفريقيا لدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان. وبدأت تلك السياسة مع إدارة الرئيس بوش؛ حيث أوضح مارك نورثرن مبعوث الأمم المتحدة للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان سياسة الولايات المتحدة تجاه هذه القضايا مؤكداً أن الانقسام الحقيقي في العالم لم يعد بين الشرق والغرب، إنما بين الدول التي تلتزم بالديمقراطية والحرية السياسية من ناحية، وتلك التي لا تلتزم بها من ناحية أخرى. ولم يتضح هذا الاتجاه إلا مع بداية التسعينيات؛ فبينما رفضت الإدارة الأمريكية عام ١٩٨٩م تخفيض المعونات لبعض النظم غير الديمقراطية (نظام سياد بري في الصومال، وموبوتو في زائير) بدأت في الضغط على هذه النظم بفرض المشروطية السياسية عليها مع بداية التسعينيات. فبدأت علاقة الولايات المتحدة بكينيا على سبيل المثال تتراجع في هذه الفترة، وبدأت الولايات المتحدة في الضغط على الحكومة الكينية للسماح بالتعددية الحزبية، فتم تجميد ٢٥ مليون دولار من المساعدات العسكرية لكينيا، واتبعت نفس السياسة مع دول أخرى مثل مالاوي، الكاميرون، زائير، توجو، وغيرها. واستمرت نفس السياسة مع إدارة كلينتون الذي أعلن أن الولايات المتحدة استمرت لعدة عقود ترى إفريقيا من واقع الحرب الباردة، وأنها ساندت بعض القيادات لغرض مجابهه الشيوعية دون الالتفات إلى الاتجاهات الحقيقية لهذه القيادات. وبذلك فإن الولايات المتحدة أغفلت حقائق إفريقيا، وأعلن رغبة بلاده في دعم التنمية والديمقراطية من أجل إقامة الاستقرار العالمي الذي لا يتحقق إلا باتباع الديمقراطية، وتجسدت هذه السياسة في رد فعل الإدارة الأمريكية تجاه إلغاء الانتخابات وقتل المدنيين في ظل نظام أباتشا في نيجيريا؛ حيث قررت قطع ٤٥٠ ألف دولار من المساعدات العسكرية و ١١ مليون دولار من المنح لنيجيريا [٧] . وظلت سياسات المشروطية حاكمة لسياسة الولايات المتحدة في تقديم المساعدات إلى دول القارة الأفريقية، وهو ما تجسد من خلال قانون النمو والفرص في أفريقيا الذي تم التصديق عليه من الكونجرس في مايو ٢٠٠١م، والذي يقوم على فرض عدة شروط تتعلق بمحاربة الفساد، وحماية حقوق الملكية الخاصة، واتخاذ إجراءات متدرجة لتقليل الدعم الحكومي مقابل إعطاء معاملة تفضيلية لصادرات الدول الأفريقية إلى الولايات المتحدة. ونتيجة للشروط الصارمة التي وضعها هذا القانون لم يستفد منه حتى الآن سوى خمس دول أفريقية من مجموع خمس وثلاثين دولة يخاطبها القانون. ولكن يلاحظ على السياسة الأمريكية خلال تلك الفترة أمران مهمان: ١ - انخفاض المساعدات الأمريكية للقارة الإفريقية؛ فرغم اتجاه العديد من الدول الإفريقية إلى إرساء إصلاحات سياسية في الاتجاه الديمقراطي، إلا أنها لم تحصل على القدر الكافي من المساعدات الأمريكية. وقد شهدت بداية التسعينيات انخفاضاً ملحوظاً في حجم المساعدات الأمريكية للقارة الإفريقية والذي وصل إلى ٧٠٠ مليون دولار، وهو أدنى مستوى لها خلال عقد الثمانينيات، وهو ما يعكس تراجع الاهتمام الأمريكي بالقارة آنذاك [٨] . ٢ - أن المصالح الأمريكية ما زالت تعلو على اعتبارات الديمقراطية وحقوق الإنسان. فالولايات المتحدة مثلاً لم تستطع فرض عقوبات اقتصادية صارمة على نيجيريا؛ لأنها من الدول الرئيسية المصدرة للبترول الخام للولايات المتحدة، ولعل التركيز على تحقيق المصالح الاقتصادية في العلاقة مع إفريقيا هو ما دفع الولايات المتحدة إلى مجابهة فرنسا للسيطرة على الدول الإفريقية [٩] . وبذلك فإن الولايات المتحدة رغم أنها ترفع شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتجعل من التزام الدول بهما شرطاً لتلقي المساعدات المالية؛ إلا أن التناقض يبدو واضحاً في هذه السياسة حيث تتغلب في النهاية الاعتبارات المصلحية التي طالما حكمت السياسة الخارجية الأمريكية. ب - الأبعاد السياسية للتعاون الأوروبي الإفريقي: تربط الدول الإفريقية بالاتحاد الأوروبي علاقات قوية من أبرز مراحلها توقيع اتفاقيه لومي بين دول الجماعة الأوروبية ودول الجنوب الإفريقي ومنطقة الكاريبي والمحيط الهادي والتي وقعت في لومي عاصمة توجو في منتصف السبعينيات، وتم تجديدها عدة مرات إلى أن انتهت في ٢٩/٢/٢٠٠٠م وحل محلها اتفاقيه كوتونو التي أبرمت في يونيو ٢٠٠٠م كما توج هذا التعاون بانعقاد مؤتمر قمة إفريقي أوروبي بالقاهرة في ٣/٤/٢٠٠٠م بمشاركة دول الاتحاد الأوروبي مع ٥٢ دولة إفريقية [١٠] . ورغم عجز الدول الإفريقية عن الاستفادة من عضويتها في تلك الاتفاقية نتيجة الخطوات التي وضعها الاتحاد الأوروبي لتوزيع المعونات ببطء، والتي كانت تمثل استجابة لتطورات الأحداث الدولية وما نشأ عنها من تهميش القارة الإفريقية إلا أن أوروبا منذ منتصف التسعينيات كانت أهم شريك تجاري لإفريقيا، واستمرت في إمدادها بنصف إجمالي معوناتها. ومن الملاحظ أن دول الاتحاد الأوروبي قد ركزت في شراكتها مع الدول الإفريقية على البعد السياسي، وربطت ربطاً واضحاً بين السياسة والاقتصاد؛ فبداية من نوفمبر ١٩٩١م قرر الاتحاد الأوروبي أن يجعل مساعداته للدول الإفريقية مشروطة بشروط سياسية هي احترام حقوق الإنسان، والتقدم في المسار الديمقراطي، والحكم الجيد. وترتيباً على ذلك فقد تم تعليق مساعدات الاتحاد الأوروبي لبعض الدول الكبرى مثل نيجيريا، السودان، والكونغو كينشاسا رغم إعلان الدول الإفريقية مع دول المحيط الهادي والكاريبي رفضها لهذه المشروطية في اجتماع الطرفين في لومي١٩٩٧م [١١] . وكان اتفاق لومي الرابع المعدل ١٩٩٥م يتضمن مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون باعتبارها عناصر رئيسية في التعاون بين الطرفين، إلا أن الاتفاق الجديد عبر عن الرغبة في إجراء حوار سياسي، كما نص على آليات للتشاور والتوفيق بين المصالح بالنسبة لمختلف المشكلات السياسية، وقد أكدت الدول الإفريقية رفضها مجدداً للمشروطية السياسية خلال الاجتماع الذي عقد في نيجيريا في مارس ٢٠٠٠م للجنة المشتركة بين الاتحاد الأوروبي، ودول إفريقيا والكاريبي والمحيط الهادي، وتمسكت بأن يكون الحكم الجيد أحد العناصر الرئيسية في الاتفاق الجديد، وألا يرقى لمستوى المشروطية؛ بحيث لا يتم تعليق المساعدات إلا في حالات الفساد الكبرى. ويرجع هذا التصميم إلى أن الاتحاد الأوروبي يعد الممول الأول للدول الإفريقية؛ ومن ثم فإن تعليق معوناته سوف يكون له تأثير عميق على اقتصاد أي دولة [١٢] . وفي النهاية فقد جاءت الاتفاقية الجديدة (اتفاقية كوتونو) لتؤكد على قواعد الحكم الجيد والشفافية وحقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، بل إنها نصت على إجراءات جديدة يتم اتخاذها في حالة انتهاك الدول الأفريقية لهذه القواعد، وهي إجراءات قد تصل إلى تعليق العضوية [١٣] . وبذلك يتضح أن قضية المشروطية السياسية كانت إحدى القضايا الخلافية في العلاقة بين إفريقيا والاتحاد الأوروبي، وأن الاتفاقية الجديدة قد عكست إلى حد كبير سيطرة الرؤية الأوروبية في هذه القضية. * الدور الفرنسي: وعند الحديث عن سياسة المنح والمساعدات تبرز أهمية خاصة لإبراز دور فرنسا في هذا الصدد لا سيما فى مجال العلاقات الثنائية لمنح المساعدات حيث تأتي فرنسا كأهم دولة أوروبية مؤثرة داخل المجموعة الأوروبية. ومنذ انتهاء الحرب الباردة أعلنت فرنسا سياستها الجديدة تجاه إفريقيا والتي أعلنها الرئيس السابق ميتران خلال القمة الإفريقية الفرنسية السادسة عشرة عام ١٩٩٠م؛ ومؤداها أن فرنسا سوف تكون على استعداد لتقديم المساعدات للدول الإفريقية التي تحقق تقدماً على مسار التحول الديمقراطي، بينما لا تلتزم بذلك تجاه الدول التي لا تتخذ أي إجراءات بهذا الصدد؛ ليس ذلك فحسب إنما أعلنت عدم التزامها بالمساندة العسكرية للدول الفرانكفونية التي تواجه تمرداً عسكرياً إلا إذا كانت ملتزمة بنفس الشروط. وقد ساعد انتهاء الحرب الباردة والتراجع الاقتصادي للقارة الإفريقية وما صاحب ذلك من تراجع نسبي للوجود الاقتصادي لفرنسا في القارة على إعلان تلك السياسة. وقد طبقت فرنسا هذه السياسة بالفعل، فمارست ضغوطاً على دول مثل بنين، كوت دي فوار، الجابون وتشاد مما ساهم في دفعها نحو التخلي عن نظام الحزب الواحد وتبني التعددية الحزبية، كما رفضت فرنسا التدخل في جيبوتي بناء على طلب رئيسها حسن جوليد عام ١٩٩١م ضد المعارضة التي تمكنت من السيطرة على شمال البلاد، واكتفت فرنسا آنذاك بإرسال مائتي جندي كقوة لحفظ السلام في المنطقة، وهو ما دفع الرئيس جوليد في مارس ١٩٩٢م إلى إعلان الإصلاح الدستوري وتبني الانتخابات التعددية وإصدار قرار بالعفو العام في البلاد [١٤] . وبذلك فإن الدور الفرنسي كان مؤثراً في تحول بعض الدول إلى الديمقراطية، وإن كان قد واجه بعض العقبات في دول مثل زائير (الكونغو الديمقراطية حالياً) ، رواندا، توجو. ولكن الملاحظ أن الضغوط الفرنسية في بدايتها كانت ضغوطاً معتدلة؛ حيث أعلنت فرنسا أنها لا تمانع في وجود نظام حزب واحد جماهيري يراعي المبادئ الديمقراطية؛ وذلك بعد أن واجهت بنين بعض العقبات عند تحولها إلى نظام تعدد حزبي. ولكن سرعان ما عدلت فرنسا من مواقفها لتكون الديمقراطية التعددية هي الهدف الأوحد. وعلى الرغم من ذلك إلا أن سياسة فرنسا ما زالت الأكثر اعتدالاً، ويبرز ذلك مما أعلنه الرئيس الفرنسي شيراك خلال القمة الإفريقية الأوروبية في القاهرة إبريل ٢٠٠٠م؛ حيث أعلن عدم موافقته على التصريح الأمريكي بأن تكون العلاقة مع إفريقيا علاقة تجارة وليست علاقة مساعدات، موضحاً أن المساعدات المالية عامل مهم في تحقيق التنمية لدول إفريقيا [١٥] . وبعد هذا العرض الموجز لسياسات المؤسسات المالية الدولية والدول الغربية المانحة المعلنة في إرساء قواعد المشروطية السياسية ودعم المبادئ الديمقراطية في القارة الأفريقية تبدو الحاجة إلى البحث في المصالح الغربية الحقيقية وراء رفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان. * المصالح الغربية وسياسات المشروطية: تعرضت سياسات المشروطية لانتقادات مختلفة من قِبَل العديد من المحللين الأفارقة تكشف عن آثار هذه السياسات من الناحية الفعلية كما تكشف عن المقاصد الغربية الحقيقية وراء فرض مثل هذه السياسات ومن أهم هذه الانتقادات: ١ - أن المشروطية السياسية تعمل على تقييد التحول الديمقراطي؛ لأن مسؤولية النظام في الدولة الأفريقية أمام الجهات الخارجية يتعارض مع المحاسبة الديمقراطية التي يجب أن تكون في يد المجالس التشريعية والمواطنين في الداخل. فيصبح تقييم النظام يعتمد على المصادر الخارجية التي قد تضع تقييماً مخالفاً لما يراه المواطن في الداخل؛ فقد ترى هذه المصادر أن الدولة حققت نجاحاً في مسيرة التحول الديمقراطي في الوقت الذي لا تشعر فيه الجماهير بأي تغيير يذكر أو أي تقدم من الناحية الفعلية. كما أن المشروطية تؤدي إلى تراجع سيطرة أجهزة صنع القرار الداخلية في الدولة على اتخاذ القرارات مما يؤدي إلى تراجع الديمقراطية. لذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن تكون دول مثل بوتسوانا وموريشيوس وهما الدولتان اللتان تميزتا بنظام ديمقراطي متواصل منذ استقلالهما هما الدولتين اللتين لم تعتمدا على المساعدات التي تقدمها المؤسسات المالية الدولية والدول الغربية المانحة بشكل كثيف، رغم اعتمادها على الاستثمارات الخارجية؛ ومن ثم فان مثل تلك الدول لم تكن مرغمة على الامتثال لقرارات الجهات المانحة [١٦] . ٢ - أن تدخل الفاعلين الخارجيين في شؤون الدول الأفريقية يجعل الموجة الثانية للديمقراطية في القارة الأفريقية مجرد موجة للاستعمار الجديد تتزامن مع النظام العالمي الجديد أحادي القطبية، بالإضافة إلى أن الفوائد الاقتصادية التي تعود على الدول الأفريقية نتيجة امتثالها لقواعد المشروطية السياسية محدودة؛ والدليل على ذلك الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها العديد من الدول الأفريقية؛ وهذا ما دفع بعض المحللين إلى القول بان الدول الأفريقية عليها أن تقطع شوطاً طويلاً (على مسيرة التحول الديمقراطي) لتجد نفسها تقف في نفس المكان دون تقدم (في مستوى المعونات التي تحصل عليه والذي لا يكفي إلا عُشر احتياجاتها) . فعلى سبيل المثال التزم (هوافييه بوانيه) في كوت دي فوار بالإصلاحات التي طالبت بها فرنسا وتلك التي طالبت بها المعارضة الداخلية، ثم أثبت عن طريق الانتخابات التنافسية أنه ما زال يحظى بتأييد الجماهير، ورغم ذلك لم يتزايد حجم المساعدات، ولم يتحسن الوضع الاقتصادي في كوت دي فوار [١٧] . ٣ - وفيما يتعلق بتأثير برامج التكيف الهيكلي التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية فإن بعض النماذج للحكومات التي طبقت تلك البرامج أثبتت أن تلك النظم غالباً ما تفقد مساندة الجماهير، وبذلك تفقد أساس شرعيتها نتيجة رفع الدعم عن السلع الأساسية، وخفض الإنفاق على التعليم والصحة وغيرهما من الخدمات الاجتماعية. فبدلاً من أن توفر تلك الحكومات قدراً أكبر من الاستقرار وتحقق الآمال والطموحات التي رسمتها الجماهير بعد سقوط الأنظمة القديمة في تلك الدول تفقد النظم الجديدة أساس شرعيتها نتيجة تطبيق هذه البرامج [١٨] . ٤ - زعم الدول الغربية بالاهتمام بالديمقراطية يفتقد المصداقية؛ فالولايات المتحدة الأمريكية وإن كانت قد أعلنت تأييد مبدأي الديمقراطية وحقوق الإنسان كركيزتين أساسيتين للسياسة الخارجية الأفريقية، إلا أن هذه المبادئ مجرد أداة تستغلها السياسة الأمريكية لتحقيق مصالحها، وليست هدفاً تسعى إلى تحقيقه. فالمصالح الأمريكية تتجه في بعدها السياسي إلى تطوير العلاقات مع دول القارة الأفريقية بما يخدم ويعزز المصالح الأمريكية الحيوية في القارة، وتتعامل مع هدف تشجيع الديمقراطية لدى النظم الأفريقية الحاكمة بمبدأ النسبية؛ حيث ترتبط بمدى الاهتمام الأمريكي بحالة كل نظام سياسي على حدة تبعاً لطبيعة المصالح التي قد تختلف طبيعتها من دولة إلى أخرى. كما تهدف الولايات المتحدة بالأساس في علاقاتها مع أفريقيا تحجيم النفوذ الأوروبي، والانفراد بالنفوذ في القارة من أجل الحفاظ على الزعامة العالمية. أما فرنسا فإنها تهدف إلى وجود مراكز قوية سياسية محلية في أرجاء مختلفة من العالم لا ترغب في إطلاق الهيمنة الأمريكية ثقافياً، وإنشاء تجمع سياسي فرانكفوني في أفريقيا له هدف سياسي يؤخذ به في الساحة الدولية، وهو ما يعني بالدرجة الأولى إنشاء تيار سياسي مناهض للتيار الأنجلوسكسوني الأمريكي تجتمع تحت مظلته جميع الدول الهادفة إلى الحد من الهيمنة الأمريكية [١٩] . ولأن هذا الاهتمام بالمبادئ الديمقراطية يفتقد المصداقية فإن تلك الدول لم تتوانَ عن تغيير شعاراتها عندما تجد ما يهدد مصالحها؛ فعندما طالبت الدول الغربية دول القارة الأفريقية بتبني نظم تعددية والسماح بإجراء انتخابات تنافسية أدى ذلك إلى سقوط العديد من النظم الموالية للغرب (حركة يونيتا UNITA في أنجولا، نظام د. باندا في مالاوي، الحزب الوطني وحركة أنكاثا في جنوب أفريقيا وغيرها من الأنظمة) . ورفضت النظم الجديدة الانصياع لإجراءات التكيف الهيكلي التي فرضت عليها. لذلك رفعت الدول الغربية ومعها البنك الدولي شعاراً جديداً وهو الحكم الجيد. وقصد به من الناحية العملية الحكم الذي يقبل الانصياع لبرامج التكيف الهيكلي والمطالب الغربية الأخرى بغض النظر عما إذا كانت الحكومة منتخبة في انتخابات تنافسية أم لا. كما بدأ بعض المسؤولين الأمريكيين في القول إن الدول الأفريقية قد لا تكون على استعداد للديمقراطية الغربية، وأنها تحتاج إلى حل يتواءم مع طبيعتها. وكان الهدف من ذلك أن تقوم حكومة وحدة وطنية في كل دولة تضمن مكاناً متميزاً للحلفاء الأفارقة في النظام الجديد بعد أن أخفق هؤلاء في الوصول إلى السلطة عن طريق الانتخابات التنافسية، رغم استخدام الغرب الدعاية المضادة للقوى التي كانت تنافس هؤلاء الحلفاء (حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا، حركة Frelimo , Mpla في موزمبيق، وغيرهما) [٢٠] . ويمكن بذلك استخلاص أنه على رغم الاتجاه إلى تحديد مبادئ التحول الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان كأهداف أساسية من قبل القوى الغربية إلا أن معظم المحللين اتجهوا إلى أن هذه المبادئ هي مجرد أدوات تمتلكها القوى المتنافسة وتستخدمها من أجل تحقيق أهدافها ومصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في القارة. وللتعرف على مدى صحة هذه الآراء النظرية يمكن الرجوع إلى بعض الأمثلة التطبيقية لمعرفة هل تطبق هذه القواعد على الدول الأفريقية بصفة عامة أم أن قواعد المشروطية هي قواعد انتقائية؟ * المشروطية السياسية وازدواجية المعايير: تؤكد متابعة النماذج الواقعية أن الدول المانحة تتبع معايير مزدوجة عند تطبيق قواعد المشروطية السياسية على الدول الأفريقية؛ فهي تتخذ موقفين متعارضين من قضية ذات طبيعة واحدة في بلدين مختلفين طبقاً لارتباط هذا البلد بمصالحها، ويمكن في هذا الإطار المقارنة بين تعامل الدول الغربية مع كينيا (وهو النموذج الذي تكرر مع العديد من الدول الأفريقية) والنموذج الأوغندي الذي يعد استثناءً واضحاً من فرض سياسات المشروطية ودليلاً على ازدواجية المعايير. ففي الحالة الكينية تعرض نظام الرئيس دانيال آراب موي لضغوط خارجية مطالبة بالإصلاح السياسي مع بداية التسعينيات؛ فقد مارس السفير الأمريكي لدى كينيا ضغوطاً قوية على الحكومة الكينية؛ حيث هدد بأن مجلس النواب الأمريكي سوف يشترط لتقديم المساعدات الأمريكية لكينيا ضرورة القيام بإصلاحات سياسية تسمح بالتعدد الحزبي، وتزايدت حدة الضغوط بعد إصدار الدول الدائنة في منتدى باريس قراراً في نوفمبر ١٩٩١م بوقف مساعدات قيمتها ٣٥٠ مليون دولار حتى يقوم النظام الكيني بإجراء إصلاحات سياسية، والسماح لأحزاب المعارضة بالتنافس في انتخابات تعددية. وإزاء هذه الضغوط أعلن الرئيس موي فى أحد الاجتماعات الحزبية بعد أيام من صدور قرار منتدى باريس أن النظام ليس أمامه سوى بديل واحد وهو التعديل الدستوري، والسماح بالتعدد الحزبي وهي الخطوة التي تم تنفيذها بالفعل في ١٠/١٢/١٩٩١م، وبنهاية أكتوبر ١٩٩٢م حل موي البرلمان من أجل الاستعداد للانتخابات التعددية التي أعلن عن إجرائها في ديسمبر ١٩٩٢م، وعلى أثر ذلك أيضاً تم إنشاء عدد من أحزاب المعارضة (منتدى عودة الديمقراطية (فورد) ، الحزب الديمقراطي، حزب العمل الديمقراطي، المؤتمر القومي لكينيا وغيرهما) [٢١] . وبذلك فإن الضغوط الغربية لعبت دوراً مهماً في أخذ قرار التحول، والسماح بالتعددية الحزبية، وإقامة انتخابات تعددية، إلا أن هذا الدعم الخارجي للمبادئ الديمقراطية ولقوى المعارضة في الداخل لم يستمر؛ كما أن الجهات المانحة ركزت في تعاملها مع النظام الكيني على قضايا الفساد الحكومي، والإصلاح الاقتصادي على حساب الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية. فبعد أن جمد صندوق النقد الدولي مساعداته للنظام الكيني عام ١٩٩٧م نتيجة تزايد معدلات الفساد عاد لاستئناف تقديمها عام ٢٠٠٠م بعد تدهور الأحوال الاقتصادية في كينيا؛ وذلك شريطة توافر قدر من الشفافية بدلاً من اشتراط تحقيق استقلال القضاء، أو احترام حقوق الإنسان وحكم القانون، أو غيرها من المعايير الديمقراطية التي يحتاج النظام الكيني إلى تدعيمها. وبالفعل فقد أعلن صندوق النقد الدولي عن قرض قيمته ١٩٨ مليون دولار للحكومة الكينية، كما أعلنت بريطانيا الحليف التقليدي للنظام الكيني عن مساعدات قيمتها ٤٢ مليون دولار لمعالجة العجز في الميزانية؛ بينما أعلنت الولايات المتحدة عن مساعدات قيمتها ٣٤.٩ مليون دولار خصص منها ٥.٨ مليون دولار فقط لدعم الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي [٢٢] . وتلك الحقائق إنما تؤكد عيوب المسلك الغربي في التعامل مع النظام الكيني الذي يفصل بين الفساد والإصلاح الاقتصادي من جهة، والإصلاح السياسي من جهة أخرى. أما بالنسبة للنموذج الأوغندي فيطرح خبرة مختلفة في كثير من جوانبها عن النموذج الكيني؛ فمنذ وصول الرئيس يوري موسيفيني إلى السلطة في أوغندا عام ١٩٨٦م أعلن أن أوغندا ليست مستعدة لتبني التعددية الحزبية، وتبني نظام الجبهة الائتلافية باعتباره السبيل الوحيد للحفاظ على التماسك الوطني وتحقيق التنمية. وعلى الرغم من عدم تبنيها للتعددية الحزبية، إلا أن أوغندا تعتبر من الدول التي تعتمد على المساعدات الغربية بصورة كثيفة، وخلافاً للنموذج الكيني (وغيره من النماذج) لم يتم التهديد بتجميد هذه المساعدات إذا لم يتم إرساء الإصلاحات السياسية التي تؤدي إلى تبني التعددية الحزبية، بل وقد تزايدت المساعدات الغربية لأوغندا زيادة ملحوظة في الفترة ما بين ١٩٨٩م إلى ١٩٩٤م، فتضاعفت تلك المساعدات من ٤٥٢ مليون دولار عام ١٩٨٩م إلى ٨٣٠ مليون دولار عام ١٩٩٥م، كما زاد الاهتمام الغربي بالشؤون الداخلية في أوغندا في تلك الفترة. وقد يظن البعض - للوهلة الأولى - أن الدول المانحة لم تلجأ إلى فرض المشروطية السياسية على النظام الأوغندي تفهماً للوضع الذي ساد في أوغندا لفترات طويلة من الحرب الأهلية، أو محاولتها لإعادة البناء، أو أن تلك الدول اقتنعت بأن الحكومة الأوغندية لديها الاستعداد للتشاور وتبني إصلاحات سياسية واقتصادية، وأنها بالفعل ساهمت في إرساء بعض الإصلاحات عن سابقاتها من الحكومات. ولكن هذه الأسباب جميعها لا تفسر وحدها لماذا لم تمارس الدول الغربية المشروطية السياسية على الحكومة الأوغندية لدفعها نحو تبني التعددية الحزبية. السببان الرئيسيان اللذان يفسران هذا المسلك الغربي هما: ١- التقدم الاقتصادي لسياسات الانفتاح في النموذج الأوغندي: فقد تحول الرئيس موسيفيني تحولاً جذرياً في سياساته الاقتصادية من الوقوف ضد سياسات صندوق النقد الدولي فور توليه السلطة عام ١٩٨٦م إلى تبني سياسات الصندوق الاقتصادية عام ١٩٨٧م إيماناً بأنه لن يستطيع إعادة بناء الاقتصاد المنهار والبنية التحتية بعد سنوات طويلة من الحرب دون مساندة الدول الغربية. وبدأ الاقتصاد الأوغندي في الازدهار نتيجة الالتزام بسياسات الصندوق، وكان ذلك هو ما يهم الدول المانحة لحاجتها أن يكون هناك تجارب اقتصادية ناجحة في إفريقيا تمثل نماذج يحتذى بها للدول الأخرى، فتسعى تلك الدول لتطبيق مبادئ الانفتاح الاقتصادي التي تدافع عنها الدول الغربية؛ وذلك في الوقت الذي كانت تواجه هذه السياسات التي تفرضها الدول الغربية على الدول النامية بصفة عامة، والدول الإفريقية بصفة خاصة بانتقادات حادة بدافع أنها لا تتلاءم مع ظروف تلك الدول، ومن ثم فإن توافر نموذج كالنموذج الأوغندي يعني أن الإخفاق في تطبيق هذه السياسات والبرامج في الدول الأخرى لا يعود إلى عيب في تلك البرامج ذاتها، ولا يعود إلى الدول الغربية، إنما يعود إلى حكومات الدول الإفريقية. ٢ - الدور الإقليمي المحوري للرئيس موسيفيني: فالدول المانحة وبصفة خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا اعتمدت بصفة أساسية على الرئيس موسيفيني لتنفيذ أهداف سياستها الخارجية في المنطقة. وقد أثبت موسيفيني أنه يصلح للقيام بهذا الدور في فترة ما بعد الحرب الباردة. فقد شهد النصف الأول من التسعينيات عدة أحداث مهمة في القارة الإفريقية منها استمرار الحرب الأهلية في السودان، النزاعات الدائرة في الصومال، المذابح في رواندا وبوروندي، وغيرها من الأحداث. وكانت أوغندا هي الدولة التي تتمتع بقدر من الاستقرار النسبي في وسط هذه الحالة من الفوضى. ولعب موسيفيني دور الوكيل بالنيابة عن الولايات المتحدة في المنطقة، فكان حليفاً للولايات المتحدة في علاقاتها ضد السودان؛ بل إن البعض اعتبر أن الحرب في شمال أوغندا لم تكن حرباً بين الحكومة وجيش الثوار فقط، إنما بين الأوغنديين والحكومة السودانية التي كانت تدعم هؤلاء الثوار. كما تعاون موسيفيني مع الدول الغربية في توفير محور إقليمي رئيسي لازم لعمليات الإمداد والتمويل بعد مذابح رواندا ١٩٩٤م. وعليه فان الدول الغربية إذا مارست ضغوطاً على حكومة موسيفيني لتبني التعددية التي يرفضها فإن ذلك يعني المخاطرة بشريك رئيسي للدول الغربية في المنطقة. لذلك كان على الدول الغربية اختيار مسلك آخر غير المشروطية السياسية في التعامل مع الحكومة الأوغندية لدفعها نحو إرساء الإصلاحات السياسية [٢٣] . من مقارنة النموذجين الأوغندي والكيني والتعامل الغربي معهما يتضح أن الدول الغربية والجهات المانحة يهمها تطبيق برامج التكيف الهيكلي (في شقها الاقتصادي) باعتبارها من وجهة نظر تلك الجهات المخرج الوحيد للدول الإفريقية من أزماتها الاقتصادية أكثر من حرصها على تطبيق المشروطية السياسية حتى وإن كانت تلك الجهات تعلن تمسكها بالإصلاحات السياسية التي توفر مناخاً ملائماً لدفع التنمية الاقتصادية، وهي بتركيزها على السياسات الاقتصادية تتجاهل تأثير المشكلات السياسية على الأداء الاقتصادي؛ فالإصلاحات الاقتصادية لا بد أن يصاحبها إصلاحات سياسية تدعم بعضها البعض إذا سارت في نفس الاتجاه. أما تجاهل الجانب السياسي فإنه يؤثر سلباً على الأداء الاقتصادي؛ فتصاعد الصراعات الإثنية، ونمو الجماعات الثورية على سبيل المثال عوامل تؤثر بالسلب على النجاح الاقتصادي. كذلك يتضح أن الدول الغربية تضع مصالحها فى المقام الأول عند التعامل مع قضية التحول الديمقراطي في القارة الإفريقية؛ فلأنها بحاجة للدور النشط الذي قام به الرئيس موسيفيني في المنطقة لم تمارس ضغوطاً مكثفة لإدخال الإصلاحات السياسية؛ بينما مارست تلك الضغوط على النظام الكيني وغيره من النظم، وهو ما يعبر عن ازدواجية المعايير في التعامل مع قضية التحول الديمقراطي في القارة الإفريقية. * الخاتمة: مع أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات بدأت الدول الغربية والمؤسسات المالية الدولية في فرض قواعد المشروطية السياسية على الدول الأفريقية وكانت تلك الجهات تركز في فرضها لقواعد المشروطية السياسية على تطبيق الديمقراطية بنهجها الغربي القائم على التعددية الحزبية إيماناً منها بأن نموذج الديمقراطية التعددية هو أفضل نماذج الحكم، وهو النموذج القادر على إخراج الدول الإفريقية من أزماتها الاقتصادية المتلاحقة، وتسوية الصراعات القائمة بها. وبدأت هذه السياسة مع كينيا ١٩٩١م ومالاوي ١٩٩٢م؛ حيث هددت الدول المانحة بتجميد المساعدات المالية لهاتين الدولتين إذا لم تتجها إلى الأخذ بالتعددية السياسية وتسعيا لإقامة انتخابات تعددية مما أدى بهما إلى البدء في مسيرة التحول الديمقراطي، ثم تبعهما في ذلك العديد من الدول الإفريقية التي بدأت تتراجع عن الأخذ بنظام الحزب الواحد، وتقيم انتخابات تعددية، كما لجأ بعضها إلى إشراك الجماهير والمعارضة في صياغة وثيقة دستورية جديدة تؤكد على المبادئ الديمقراطية وتكفل حقوق الإنسان. إلا أن مراجعة السياسات الفعلية والنماذج الواقعية يثبت أن الانتقائية وازدواجية المعايير وتغليب المصالح الغربية كانت هي المعايير الحاكمة لفرض سياسات المشروطية، وهو ما يشكك في مصداقية الدعم الغربي للمبادئ الديمقراطية في القارة الأفريقية، ويؤكد أن شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان هي مجرد أدوات تستغلها تلك الدول لفرض نماذج التنمية الغربية في بيئة تختلف كلية عن البيئة الغربية، ودون مراعاة للخصوصية الثقافية للدول الأفريقية. وهذه الشعارات هي التي ترفعها هذه الدول أيضاً في مواجهة الدول العربية والدول النامية بصفة عامة؛ ولذلك يجب العمل معها بشيء من الحذر، والبحث عن مراميها البعيدة حتى لا تصبح الدول النامية مجرد مستورد للنماذج الغربية للتنمية.

стр. 4428

ملفات إفريقيا في عالم متغير.. وجهات نظر استراتيجية خلفيات الحروب الأهلية في إفريقيا أ. رانيا حسين عبد الرحمن [*] * مقدمة: تعتبر ظاهرة الحروب الأهلية من أبرز الظواهر الإفريقية؛ إذ لا يكاد يخلو إقليم من أقاليم القارة الإفريقية من صراع أو حرب أهلية عنيفة كان لها آثارها العميقة ليس فقط على الحياة السياسية وإنما على كافة مناحي الحياة في القارة الإفريقية. وتتسم ظاهرة الصراعات الأهلية في القارة الإفريقية بأنها ظاهرة معقدة سواء فيما يتصل بخلفياتها وأسبابها، أو فيما يتصل بنتائجها وتداعياتها. فعلى صعيد الأسباب لعبت العديد من المتغيرات دوراً في اندلاع الحروب الأهلية. ويمكن تصنيف هذه المتغيرات في مجموعتين رئيسيتين تتعلق أولاهما بالبيئة الداخلية مثل الطبيعة التعددية للمجتمعات الإفريقية: العوامل الاقتصادية والسياسية. أما ثانيهما فتتعلق بالبيئة الخارجية وما يرتبط بها من دور للقوى الدولية والإقليمية في الصراعات الإفريقية. وعلى صعيد النتائج أفرزت الحروب الأهلية في إفريقيا العديد من النتائج تمثلت في: انهيار الدولة وتقويضها، نشوء ظاهرة العنف السياسي أو ثقافة العنف في المجتمعات الإفريقية، بروز ظاهرتي اللاجئين وتجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة، وغيرها من الظواهر التي تؤدي بدورها إلى تفاقم حدة الصراعات وتجددها مرة أخرى. وتجدر الإشارة إلى أن القارة الإفريقية ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية شهدت ثلاث موجات من الحروب والصراعات الأهلية، يمكن الإشارة إليها على النحو التالي [١] : الموجة الأولى: وقد انفجرت هذه الموجة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتمثلت في حروب حركات التحرير ضد القوى الاستعمارية. وامتدت هذه الموجة حتى منتصف السبعينيات. واتسمت هذه الموجة من الحروب والموجهة بالأساس ضد القوى الاستعمارية بانخفاض تكاليفها، وضيق أو محدودية نطاقها. الموجة الثانية: وشملت ظهور عدد قليل من الصراعات بين الدول الإفريقية فضلاً عن صراعات وحروب أهلية على نطاق واسع. وكان من أبرز أنماط النوع الأول (الصراعات بين الدول الإفريقية) حرب الأوجادين (بين الصومال وإثيوبيا ١٩٧٧ - ١٩٧٨م) ، (والحرب التنزانية - الأوغندية ١٩٧٨ - ١٩٧٩م) . الموجة الثالثة: وقد بدأت هذه الموجة مع انتهاء الحرب الباردة، واتسمت الصراعات في هذه المرحلة بأنها في معظمها صراعات أهلية؛ إذ أصبحت الحروب الأهلية النمط الأكثر شيوعاً في القارة الإفريقية بين أنماط الصراع الأخرى. ففي حين لم تتعدد حالات الحروب الأهلية التي وقعت في القارة منذ منتصف الخمسينيات وحتى نهاية الثمانينيات - لم تتجاوز تسع حالات - فإنه ومع بداية التسعينيات، انفجرت سلسلة من الحروب الأهلية الطاحنة، فضلاً عن حالات التطهير العرقي والمذابح الجماعية، وتنوعت هذه الصراعات ما بين صراعات شكلت استمراراً لحالات سابقة (السودان - موزمبيق) ، أو استئنافاً لها في شكل جولات جديدة أكثر حدة (بوروندي - أنجولا) ، فيما ظهرت حالات جديدة لم يكن لها وجود سابق مثل (ليبيريا والصومال) [٢] . ووفقاً لتقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول أسباب الصراعات الأهلية في القارة الإفريقية، فإن ١٤ دولة من إجمالي ٥٣ دولة إفريقية عانت من نزاعات مسلحة عام ١٩٩٦م. وقد تنوعت التعريفات المقدمة لظاهرة الحرب الأهلية، وفقاً للبعد الذي يتم التركيز عليه في التعريف. وقد عرف أحمد إبراهيم محمود الحرب الأهلية تعريفاً إجرائياً وذلك في دراسته حول الحروب الأهلية في إفريقيا، باعتبارها شكلاً من أشكال الصراع الداخلي في المجتمع، تقوم به جماعة أو جماعات على أسس إثنية أو أيديولوجية من أجل تغيير بعض السياسات الحكومية أو الإطاحة بنظام الحكم أو الحصول على الحكم الذاتي لمنطقة معينة أو الانفصال عن الدولة. ويشتمل هذا الصراع على أعمال عنف مسلح منظم واسع النطاق من جانب جميع الأطراف المشاركة، ويتم تنفيذ عمليات العنف انطلاقاً من مناطق معينة تمثل قاعدة عسكرية محددة لها [٣] . * عوامل اندلاع الحروب الأهلية: تتميز العوامل المؤدية إلى اندلاع الحروب والصراعات الأهلية في إفريقيا بالتعقيد الشديد، وفيما يلي محاولة لتناول هذه العوامل من خلال تقسيمها إلى محورين رئيسيين يتناول المحور الأول العوامل ذات الصلة بالبيئة الداخلية للمجتمعات الإفريقية، بينما يتناول المحور الثاني العوامل ذات الصلة بالبيئة الخارجية. وثمة ملاحظة ينبغي الإشارة إليها في هذا الإطار وهي أن العوامل المؤدية لبروز ظاهرة الحروب الأهلية في المجتمعات الإفريقية هي في واقع الأمر عوامل متداخلة يصعب الفصل بينها واقعياً عند تحليل ودراسة الحالات المختلفة للحروب الأهلية في القارة، ومن ثم يظل الفصل بين هذه العوامل هو فصل تحتمه اعتبارات الدراسة؛ إذ إن تحليل ظاهرة الحروب الأهلية في القارة تكشف عن تداخل يعتد به بين هذه العوامل. * المحور الأول: العوامل ذات الصلة بالبيئة الداخلية للمجتمعات الإفريقية: أ - العوامل الإثنية: تتميز المجتمعات الإفريقية بتعدد أشكال وأنماط التعددية سواء كانت تعددية إثنية أو لغوية أو دينية. فعلى صعيد التعددية اللغوية توجد في إفريقيا أكثر من ألفي لغة ولهجة، إلا أن هذا العدد يمكن تقليصه إلى نحو خمسين لغة رئيسية إذا ما تم تجميع اللغات واللهجات المتشابهة، والاقتصار على اللغات الرئيسية. وتنتمي هذه اللغات في مجملها إلى مجموعتين رئيسيتين هما: مجموعة اللغات الأفرو آسيوية، ومجموعة لغات النيجر الكونغو، وكلاهما تتكون من مجموعات لغوية فرعية [٤] . وعلى صعيد التعددية الدينية يشهد الواقع الأفريقي أيضاً تعدداً وتنوعاً في الأديان والمعتقدات. فإلى جانب الدين الإسلامي والمسيحية توجد الأديان التقليدية، والتي هي بدورها متعددة ومتنوعة بقدر تنوع وتعدد الجماعات الإثنية في القارة؛ إذ تتميز الأديان التقليدية بأنها محلية الطابع لا تمتلك أي فعالية خارج نطاق الجماعة الدينية المؤمنة بها [٥] . إلا أنه وعلى الرغم مما سبق ذكره حول التعددية اللغوية والدينية، فإن التعددية الإثنية تظل هي النمط الأهم من أنماط التعدديات الموجودة والسائدة في المجتمعات الإفريقية. وتتميز الإثنية في المجتمعات الإفريقية بأربعة خصائص أساسية [٦] : أولاً: أن الرابطة الإثنية تتميز عن غيرها من الروابط الاجتماعية بكونها رابطة وراثية وليست مكتسبة؛ ومن ثم فهي تقوم على أساس الوعي بالذات. ثانياً: أن الجماعة الإثنية تتميز بوجود إيمان جمعي بمجموعة من القيم والمعتقدات يتم التعبير عنها بشكل مؤسسي. ثالثاً: تتميز الرابطة الإثنية في إفريقيا بوجود تمايزات واضحة داخل الجماعات الإثنية، ولعل هذا ما يسوِّغ الصراعات الداخلية داخل كل جماعة إثنية، وهو الأمر الذي يزيد من تعقيد ظاهرة التعددية الإثنية في القارة الإفريقية. وأخيراً: تتميز الإثنية في إفريقيا بأنها يمكن أن تتلاءم مع المواقف والسياسات المتنوعة والمعقدة بحكم ما تنطوي عليه من ولاءات فرعية متعددة. وعلى الرغم من أن التعددية الإثنية أمر أصيل في واقع المجتمعات الإفريقية، فإن الاستعمار الأوروبي وبالأحرى السياسات الاستعمارية ساهمت في زيادة حدة التعددية الإثنية إلى الدرجة التي أصبحت بها هذه التعددية أحد أهم أسباب الحروب والصراعات الأهلية في القارة [٧] . ويولي دارسو الحروب الأهلية في إفريقيا أهمية خاصة للبعد الإثني باعتباره المحرك الرئيسي لتلك الحروب؛ ذلك أن الحروب الأهلية تبدأ «باستقطاب إثني» حاد داخل المجتمع يسمح بتعبئة الموارد وحشد الصفوف على أسس إثنية بالأساس [٨] . وتجدر الإشارة إلى أن وجود الظاهرة الإثنية في حد ذاتها لا يعتبر سبباً كافياً لظهور الصراعات الأهلية؛ حيث إن هذه الصراعات تبرز إلى الوجود فقط عند شعور جماعة أو جماعات إثنية معينة بالحرمان والظلم بسبب تعرضها لنوع من أنواع الضرر الجماعي المتمثل في عدم المساواة الاجتماعية، وحرمان أعضائها من التمتع بمستوى معين من الحياة المادية التي تتمتع به الجماعات الأخرى، أو حرمانها من المشاركة في تداول السلطة.... إلخ [٩] . بمعنى آخر، فإن الظاهرة الإثنية تعتبر ركيزة أو أساساً للحرب الأهلية عندما يجري رسم وتنفيذ السياسات العامة للدولة على أساس الاعتبارات الإثنية المتحيزة. وتعتبر رواندا حالة خاصة من الحالات التي اندلعت فيها الحرب الأهلية استناداً إلى أسباب عرقية. فعلى الرغم من بساطة التركيبة الإثنية في رواندا (من ثلاثة جماعات فقط هي: الهوتو ٨٥%، التوتسي ١٤%، التوا ١%) ، وعلى الرغم من التجانس الملحوظ بين المواطنين من حيث اللغة والديانة ونمط التنظيم، فإن العنف الإثني الذي وصل إلى درجة التطهير العرقي أو الإبادة، جاء ليس نتيجة لظاهرة التعددية في حد ذاتها، وإنما نتيجة لتفاعل مجموعة من العوامل والأسباب، ومنها [١٠] : أ - عوامل تاريخية: مرتبطة بنمط العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بين الهوتو والتوتسي قبل وخلال الاستعمار؛ إذ تميزت هذه العلاقة قبل الاستعمار بعدم المساواة؛ فسياسياً سيطر التوتسي على هرم السلطة التقليدي، كما سيطروا على مصادر الثروة التقليدية، وتمكنوا من إخضاع الهوتو - اقتصادياً واجتماعياً من خلال ما يعرف بعلاقة «التابع والمتبوع» . ب - عوامل ثقافية: تمثلت في تراكم تراث كبير من الأساطير والمرويات الشعبية، تكرس فكرة الأصل المقدس للتوتسي وحقهم الطبيعي في الحكم والقيادة، وقد واصل الاستعمار تغذية هذا الميراث كما سيتضح ذلك في جزء تال من هذه الورقة. ج - عوامل سياسية: تتعلق بطبيعة واتجاهات النخب السياسة الإثنية ومدى استعدادها وقدرتها على توظيف الانقسامات الإثنية لتحقيق أغراضها السياسية. وقد شهدت القارة الإفريقية تسييساً للظاهرة الإثنية، من حيث تشكيل الأحزاب السياسية على أسس إثنية وما يترتب على هذا الأمر من تمثيل المصالح والتعبير عنها، بل وتوزيع الثروة والسلطة وفقاً لهذه الأسس. ب - العوامل الاقتصادية: على عكس الاعتقاد السائد بأن الحروب الأهلية في إفريقيا تعود إلى التعددية الإثنية بالأساس؛ فإن دراسة قام بها البنك الدولي استهدفت الحروب الأهلية في ١٦١ دولة بين عامي ١٩٦٠ - ١٩٩٩م أوضحت أن العوامل الاقتصادية تلعب دوراً هاماً في إشعال الحروب الأهلية في القارة الإفريقية [١١] . وتعاني القارة الإفريقية من تخلف اقتصادي واضح، ينعكس في العديد من المؤشرات مثل: تدني معدلات النمو الاقتصادي، المستويات العالية للفقر، تفاقم الديون، تدني متوسطات دخول الأفراد، تدني مستوى البنية التحتية.... إلخ. ويعتبر التخلف الاقتصادى سبباً مباشراً لنشوب الحروب الأهلية؛ إذ إن محدودية القدرات الاقتصادية للدول الإفريقية تؤدي بالضرورة إلى عدم العدالة في توزيع الموارد الاقتصادية بما يعنيه ذلك من استجابة الأنظمة لمطالب جماعات بعينها على حساب جماعات أخرى، ومن ثم تنشب الصراعات الأهلية إما من قِبَل الجماعات التي تسعى للحصول على نصيب من «الكعكة» أو من قبل الجماعات التي ترغب في استمرار حصولها على الامتيازات الاقتصادية بمفردها دون مشاركة الجماعات الأخرى. وعلى الرغم من أن الاختلالات الهيكلية التي تعاني منها القارة الإفريقية اليوم هي نتيجة مباشرة للاستعمار الذي سعى لأن تكون اقتصاديات الدول الإفريقية مجرد اقتصاديات متخلفة تابعة للمراكز الرأسمالية العالمية بما يضمن تقدم هذه الأخيرة. إلا أن السياسات الاقتصادية للدول الإفريقية المستقلة ساهمت هي الأخرى بقدر كبير في تعميق مشكلات الصراعات الأهلية؛ إذ اتبعت الدول الإفريقية المستقلة حديثاً سياسات اقتصادية تمييزية، استهدفت في الغالب إرضاء الجماعات الإثنية التي ينتمي الرئيس أو النظام الحاكم، بما يعنيه ذلك من غياب للعدالة التوزيعية للسلع والخدمات فضلاً عن المكانة والمناصب السياسية والمراكز الإدارية، وهو الأمر الذي عمق مشكلة الاندماج الوطني في المجتمعات الإفريقية [١٢] . وفي التسعينيات، تفاقمت الأزمة الاقتصادية في الدول الإفريقية نتيجة اتباع هذه الدول سياسات وبرامج التكيف الهيكلي والإصلاح الاقتصادي وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض الأجور الحقيقية. وتعتبر سيراليون نموذجاً للصراعات الأهلية التي اندلعت في التسعينيات على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية، وليس أدل على تردي الأوضاع الاقتصادية في سيراليون من تصنيفها في تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة باعتبارها أفقر دولة في العالم؛ وذلك بوجود ٦٥% من المواطنين تحت خط الفقر [١٣] . وقد أدى اتباع سياسات اقتصادية تمييزية وغير متوازنة إلى استشراء ظاهرة الفساد في المجتمعات الإفريقية. ومرة أخرى يرتبط الفساد في هذا السياق بالروح الإثنية، وتعتبر سيراليون أحد الأمثلة التي شهدت استشراء ظاهرة الفساد؛ ففي الفترة من ١٩٨٦ - ١٩٩٢م خضعت موارد الدولة لسيطرة الحزب الحاكم، واستخدمت هذه الموارد لتحقيق مصلحة فئة صغيرة على حساب المصلحة العامة، بل والأكثر من ذلك كان من الصعوبة بمكان الفصل بين الثروة الوطنية والثروة الشخصية لرئيس الدولة سياكا ستيفينز، وقد استغل الرئيس ستيفينز ومعاونوه المقربون وعلى رأسهم قيادات الحزب موارد الدولة في تحقيق ثروات خاصة ضخمة، وهو ما مكنهم من تدعيم وتقوية قبضتهم على السلطة [١٤] . ولقد شكلت الحروب الأهلية في أحد جوانبها صراعاً من أجل الثروة والمكاسب الاقتصادية التى أصبحت هدفاً في نفس الوقت؛ فهي هدف في ضوء الظروف الاقتصادية السلبية والقاسية السابق الإشارة إليها، وهي في نفس الوقت أداة لتمويل الاحتياجات العسكرية للجماعات المتصارعة، ومن ثم فإنه ليس من قبيل المصادفة أن تنخرط ثلاثة دول على الأقل من الدول الست الرئيسية المنتجة للماس في إفريقيا [١٥] في حروب طاحنة سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر. وقد أوضح رئيس البنك الدولي أن الماس يمول نحو ٧٥% من الحروب في إفريقيا، ولعل هذا هو ما دفع مجلس الأمن إلى إصدار القرار رقم ١٣٠٦ للتحقيق في العلاقة بين الاتجار في الماس والاتجار غير المشروع في السلاح [١٦] . وفي أنجولا، هدفت حركتا يونيتا ومبلا إلى السيطرة على مناطق شمال شرق البلاد الغنية بمناجم الماس والثروات الطبيعية، وبالفعل نجحت يونيتا في ذلك، واستغلت عائدات هذه الثروات في إدارة صراعها مع الحكومة [١٧] . وتجدر الإشارة إلى أن استغلال الثروات الطبيعية لا يكون هدفاً للجماعات المتصارعة فقط، بل يكون أيضاً هدفاً للقوى الخارجية التي تتدخل في النزاعات الأهلية مدفوعة بمصالحها الاقتصادية. فالولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال اهتمت بالتدخل في الكونغو الديمقراطية في الستينيات والسبعينيات من أجل حماية استثماراتها في إقليم كاتنجا (شابا) ، وبالمثل كان التدخل الليبي في تشاد مدفوعاً برغبة ليبية في السيطرة على إقليم أوزو الغني باليورانيوم [١٨] . * المحور الثاني: العوامل ذات الصلة بالبيئة الخارجية للمجتمعات الإفريقية: على الرغم مما سبقت الإشارة إليه من عوامل ومتغيرات وثيقة الصلة بالبيئة الداخلية للدول الإفريقية إلا أن الصراعات الأهلية في القارة تشكلت أيضاً بفعل العديد من المتغيرات والعوامل المرتبطة بالبيئة الخارجية للقارة. بيد أن أقدم العوامل الخارجية تمثل في الاستعمار الأوروبي الذي وضع بذور الحرب الأهلية في إفريقيا سواء من خلال النشأة المصطنعة للدول الإفريقية أو من خلال السياسات الاستعمارية المتبعة في المستعمرات الإفريقية السابقة. أما فيما يتعلق بالنشأة المصطنعة للدول الإفريقية، فتجدر الإشارة إلى أن التقسيم الاستعماري للقارة الذي جرى في مؤتمر برلين ١٨٨٤ - ١٨٨٥م جاء متسقاً فقط مع مصالح المستعمرين واتجاهاتهم للتوسع، بينما جاء هذا التقسيم متناقضاً مع الواقع الاجتماعي والإثني للمجتمعات الإفريقية. وقد أفرز هذا التقسيم الصناعي وضعين شكَّلا فيما بعد الأساس للبعد الإثني في الحروب الأهلية الإفريقية. فمن ناحية جمعت الخريطة الاستعمارية داخل الدولة الواحدة جماعات لم يسبق لها العيش معاً، ولم يسبق لها التفاعل مع بعضها البعض في إطار واحد مثلما هو الحال في أنجولا على سبيل المثال. ومن ناحية أخرى فصلت الحدود السياسية المصطنعة «عرى» التواصل بين جماعات عرقية واحدة وجدت نفسها فجأة تابعة لكيانات سياسية مختلفة، وهو وضع شائع الحدوث في العديد من أنحاء القارة الإفريقية [١٩] . وتجدر الإشارة إلى أن التقسيم التعسفي للقارة لم يكن هو الأثر الوحيد للاستعمار الأوروبى؛ إذ لعبت السياسات الاستعمارية التي اتبعتها القوى الاستعمارية الأوروبية دوراً في تعميق تناقضات المجتمعات الإفريقية ولا سيما التناقضات الإثنية. فمن ناحية ساعدت السياسة الاستعمارية على تغذية التناقضات الإثنية من خلال سياسة «فرِّقْ تسدْ» ، أو من خلال تفضيل جماعات إثنية معينة على غيرها، وإعطائها نصيباً أكبر في الحكم والسلطة؛ ففي أوغندا - على سبيل المثال - فضلت الإدارة الاستعمارية قبيلة البوجندا على باقي الجماعات الإثنية الأخرى، وجرى إطلاق اسمهم على الدولة الأوغندية ككل، وحصلوا على حكم ذاتي موسع، وحصلوا على فرص تعليمية أكبر بكثير مما كان متاحاً لباقي الجماعات، وتمتعوا بنفوذ كبير في المجالس التشريعية التي أقامها الاستعمار. ولعل هذا الوضع المميز لجماعة البوجندا أسفر عن صعوبات جمة في مرحلة ما بعد الاستقلال؛ إذ طالبت البوجندا بإقامة دولة منفصلة يتمتعون فيها بالنفوذ خوفاً من أن يؤدي الاستقلال إلى فقدانهم للامتيازات التي حصلوا عليها إبان الاستعمار [٢٠] . وفي رواندا عمل المؤرخون والأنثروبولوجيون الاستعماريون على إضفاء ظلال عنصرية على الإثنية في رواندا من خلال التأكيد على اختلاف الأصول «العنصرية» للجماعات الرواندية، وأن بعضها يتمتع بالتفوق العنصري إزاء الجماعات الأخرى. وعلى الرغم من أن الأساطير الشعبية الرواندية تحفل بالقصص التي تعزز فكرة تفوق التوتسي على الهوتو والتوا [٢١] إلا أن الدراسات الأنثروبولوجية والتاريخية الاستعمارية أضفت على هذه الأساطير مسحة علمية وساعد على خلق وعي جماعي إثتي في رواندا، يشعر فيه التوتسي بالتفوق العنصري بينما يشعر الهوتو بالضعة والدونية، وهو ما أدى في النهاية إلى تفجر العنف الإثني والحرب الأهلية في رواندا [٢٢] . وفي السودان لعب الاستعمار دوراً مختلفاً، وإن كان قد أسفر عن نفس النتيجة؛ حيث قسمت الإدارة الاستعمارية السودان خلال فترة احتلالها له إلى جزأين، واتبعت في كل منهما سياسة استعمارية مختلفة. ففي الشمال كانت السياسة البريطانية تسمح بتطوير هوية قومية تتركز على الأنصار والختمية، وفي الجنوب اتبعت بريطانيا سياسة اللورد لوجارد الخاصة بالحكم غير المباشر، وقامت السلطات البريطانية بحظر اللغة العربية في الجنوب، وحالت دون نفاذ التأثيرات العربية الإسلامية، بل وسمحت للبعثات التبشيرية التي يتم طردها من الشمال بالعمل في الجنوب، وأصدرت السلطات الاستعمارية البريطانية قوانين مثل قانون المناطق المغلقة وقانون المرور. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الازدواجية في التعامل مع شمال وجنوب السودان أثر على الصراع بين الشمال والجنوب، وأضفى عليه أبعاداً جديدة [٢٣] . ومع حصول الدول الإفريقية على استقلالها لم ينته الدور الخارجي، وإنما تحول ليأخذ أشكالاً وصوراً جديدة، ففي أثناء الحرب الباردة كانت القارة الإفريقية ساحة للمواجهة بين القوتين العظميين، ومن ثم فقد كان التدخل الخارجي والحروب الأهلية أحد أدوات القوى الكبرى في إدارة علاقاتها الدولية. ومن ثم فقد كان ينظر إلى هذه الحروب باعتبارها أحد أدوات هذه القوى في تحقيق أهدافها. فبالنسبة للاتحاد السوفييتي، فقد اتخذ إفريقيا ميداناً لمواجهته مع القوى الدولية في القارة الإفريقية وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية. وفي المقابل كانت الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى وقف المد الشيوعي في إفريقيا. ولعل الحرب الأهلية الأنجولية تعتبر من أكثر النماذج المعبرة عن الدور الخارجي وأثره؛ إذ استغلت القوى الخارجية تشرذم وانقسام الحركة الوطنية الأنجولية إلى ثلاثة أجنحة هي: الحركة الشعبية لتحرير أنجولا (مبلا) ، والاتحاد الوطني لاستقلال كل أنجولا (يونيتا) ، والجبهة الوطنية لتحرير أنجولا (فنلا) [٢٤] استغلت ذلك التشرذم في التدخل لتحقيق أهدافها الخاصة في أنجولا ولا سيما أن هذه الأخيرة تتمتع بموقع جيوبوليتيكي فريد، فضلاً عن تمتعها بثروات طبيعية هائلة. وفي هذا الإطار، وقف كل من الاتحاد السوفييتي السابق وكوبا وألمانيا الشرقية والجزائر إلى جانب الحركة الشعبية لتحرير أنجولا (مبلا) ؛ بينما قامت الولايات المتحدة وجنوب إفريقيا والبرتغال وزائير والصين إلى جانب (فنلا) و (يونيتا) [٢٥] . ولعل هذا الدعم الذي تلقته كل جبهة من الجبهات الثلاثة قد ساعد على إطالة أمد الحرب، وعدم القدرة على حسمها لصالح أي من هذه الجهات بصورة سريعة. ويرى اتجاه أن تدخل القوى العظمى في القارة إبان الحرب الباردة لم يؤد في جميع الحالات إلى إشعال الحروب الأهلية، بل إنه قد ساعد في بعض الأحيان على تهدئة هذه الصراعات، ولعل ما يؤيد هذا الاتجاه أن مرحلة ما بعد الحرب الباردة شهدت تفاقم هذه الحروب بصورة أكثر حدة؛ حيث أدى انتهاء الحرب الباردة إلى تقلص أهمية القارة الإفريقية في السياسات العالمية، ومن ثم حرمت الأطراف الداخلية المتورطة في صراعات في القارة الإفريقية من الدعم الذي كانت تحصل عليه سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً، وهو ما أدى بدوره إلى اختفاء واحدة من أهم آليات الضبط والسيطرة على مسار تطور الصراعات الداخلية في تلك الدول، وهو ما أتاح مجالاً أوسع بكثير لانفجار تلك الصراعات بصورة أكثر حدة [٢٦] . * تداعيات الحروب الأهلية في إفريقيا: وتنبع أهمية تناول تداعيات الحروب الأهلية في إفريقيا من حقيقة هامة مؤداها أن هذه التداعيات قد تكون في حد ذاتها سبباً وعاملاً من عوامل تجدد الصراع مرة أخرى. وتتعدد تداعيات وآثار الصراعات الأهلية في إفريقيا، ومن أبرز هذه الآثار: تفاقم مشكلة اللاجئين، ظاهرة تجنيد الأطفال في الصراعات المسلحة، ومشكلة انهيار الدولة، انتهاكات حقوق الإنسان، انتقال الحروب الأهلية للدول المجاورة فيما يعرف بأثر العدوى، وفيما يلي سوف نتناول الآثار الثلاثة الأولى: أولاً: مشكلة اللاجئين: تعتبر مشكلة اللاجئين واحدة من أبرز الآثار التي أفرزتها الحروب والصراعات الأهلية في القارة الإفريقية. وتضم القارة الإفريقية حوالي نصف اللاجئين في العالم، لتصبح بذلك أكبر قارات العالم من حيث عدد اللاجئين. وتسبب ظاهرة اللاجئين مشكلات سواء لدولة المنشأ أو دولة اللجوء. فبالنسبة للأولى: تفقد هذه الدول مواردها البشرية بسبب نزيف العقول الذي تتعرض له، وهروب المتعلمين والمثقفين إلى الخارج للنجاة بأنفسهم والبحث عن مصادر جديدة للرزق بعيدة عن مواطنهم التي دمرتها الحروب الأهلية. أما بالنسبة للثانية (دولة اللجوء) فتواجه هي الأخرى سلسلة من المشكلات تتمثل فيما يحدثه اللاجئون من تغيرات في الخريطة البشرية وتحديداً الإثنية، فضلاً عما يمثله هؤلاء اللاجئون من أعباء اقتصادية واجتماعية [٢٧] . وعلى الرغم من الاتفاق المبدئي على اتساع نطاق مشكلة اللاجئين في إفريقيا، فإن ثمة صعوبات تحول دون التحديد الدقيق لأعدادهم، ومن هذه الصعوبات [٢٨] : ١ - اتسام أوضاع مخيمات اللاجئين بالسيولة الشديدة؛ حيث تزداد عملية دخول وخروج اللاجئين من هذه المخيمات، بما يجعل أعداد اللاجئين عرضة للتقلبات السريعة والمفاجئة. ٢ - عدم قدرة دولة المنشأ على وضع عدد دقيق لأعداد اللاجئين الفارين منها بسبب ظروف عدم الاستقرار الداخلي. ٣ - ميل دولة اللجوء إلى المبالغة في أعداد اللاجئين الموجودين لديها، سعياً إلى الحصول على مزيد من المساعدات الدولية. ومن حيث دول المنشأ تأتي الصومال على رأس هذه الدول؛ إذ أدى تفاقم الحرب الأهلية فيها منذ بداية التسعينيات إلى خروج أعداد هائلة من اللاجئين هرباً من الجفاف والمجاعة والحرب الأهلية. يلي الصومال: بوروندي وليبيريا والسودان وسيراليون وإريتريا وأنجولا والكونغو الديمقراطية ورواندا وإثيوبيا [٢٩] . وعلى صعيد دول الملجأ تعتبر تنزانيا على رأس الدول المستقبلة للاجئين ليس فقط في إفريقيا وإنما في العالم بأسره؛ حيث وصل عدد اللاجئين فيها إلى أكثر من ٥٦٠ ألف لاجئ، من بينهم ٤٤٩ ألف لاجئ من بوروندي، و ٩٨ ألف لاجئ من الكونغو الديمقراطية، ويلي تنزانيا كل من: غينيا، السودان، إثيوبيا، الكونغو الديمقراطية، كينيا، ساحل العاج، أوغندا، الجزائر، وأخيراً زامبيا [٣٠] . ويتضح مما سبق التداخل الواضح بين دول المنشأ ودول اللجوء؛ فالدولة الواحدة قد تكون طاردة للاجئين أو مستقبلة لهم. فالكونغو الديمقراطية على سبيل المثال تعاني من مشكلة اللاجئين منذ عام ١٩٦٠م، ويقدر حجم اللاجئين الفارين منها بأكثر من ٢٠٠ ألف لاجئ. وفي نفس الوقت تستضيف الكونغو الديمقراطية اللاجئين من أنجولا وبوروندي وأوغندا ورواندا، وينطبق الوضع على كل من السودان وإثيوبيا. ثانياً: ظاهرة تجنيد الأطفال في الصراعات المسلحة: ويعتبر الأطفال من أكثر الفئات تعرضاً لمخاطر وآثار الحروب الأهلية؛ فهم إما يتعرضون للقتل أو الإعاقة أو التشريد عن منازلهم أو الانفصال عن ذويهم. بيد أن الآثار الواقعة على الأطفال في الحروب تفاقمت باستخدام الأطفال كأداة في الحرب. وفي عام ١٩٨٨م قدر عدد الأطفال المحاربين في الحروب الأهلية بنحو ٢٠٠.٠٠٠ طفل، ارتفعوا إلى ٣٠٠.٠٠٠ طفل عام ١٩٩٥م؛ حيث تستخدمهم الجيوش النظامية للقيام بكافة أنواع الأعمال كطهاه، أو محاربين أو جواسيس أو كأدوات للكشف عن الألغام..... إلخ [٣١] . وقد ساعد توفر الأسلحة الخفيفة إلى تكوين جيوش من الأطفال دون العاشرة يجيدون كافة فنون القتال والتعذيب. ففي سيراليون يطلق على الحرب الدائرة هناك «حرب الأطفال» إذ إن معظم المحاربين من الجانبين من الأطفال. وفي رواندا رصدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف عام ١٩٩٥م) حالات لأكثر من ٣٠٠٠ طفل تعرضوا لمستويات عالية جداً من الإصابات خلال عمليات التطهير العرقي عام ١٩٩٤م. كما قدرت منظمة العفو الدولية عدد الأطفال الذين يقومون بإعالة أسرهم بنحو ٦٠.٠٠٠ طفل، ثلاثة أرباعهم من الفتيات [٣٢] . وفي حالات اللجوء يمثل الأطفال حوالي ٥٠% من أي مجموعة، وقد تتزايد هذه النسبة الى ما بين ٦٥% - ٧٠%. ثالثاً: مشكلة انهيار الدولة: تعد مشكلة انهيار الدولة من أولى النتائج والآثار المترتبة على الحروب الأهلية، ويقصد بانهيار الدولة تقويض مؤسسات الدولة وأجهزتها بما لا يسمح لها بأداء وظائفها المختلفة. ويتخذ انهيار الدولة كنتيجة للحروب الأهلية نمطين أساسيين: النمط الأول: هو الانهيار الشامل للدولة، ويقصد به انهيار السلطة المركزية للدولة، ويحدث عندما تؤدي الإطاحة بالنظام إلى حدوث حالة من الفوضى الشاملة، بما لا يسمح لأي من الجماعات المتصارعة بالسيطرة على الحكم بصورة كاملة. أما النمط الثاني: فهو الانهيار الجزئي ويقصد به ضعف سلطة الحكومة وترهل جهازها البيروقراطي الذي ينجم عنه عجز الدولة عن فرض سيطرتها على جميع أقاليم الدولة، ويتسم هذا النمط بأنه مؤقت، ويقتصر على فترة محددة من الحرب الأهلية [٣٣] . ويعود انهيار الدولة الإفريقية إلى أسباب مرتبطة بالضعف الهيكلي للدولة الإفريقية التي تعاني من العديد من الاختلالات والمشكلات، ولأسباب مرتبطة بطبيعة الدولة الإفريقية التي توصف بأنها دولة رخوة، وأنها دولة وقف، ودولة نخبة [٣٤] . بيد أن انهيار الدول الإفريقية يظل أيضاّ وثيق الصلة بالعوامل الخارجية؛ ففي فترة الحرب الباردة كان للمساعدات التي تقدمها القوى الكبرى للدول الإفريقية أكبر الأثر في صمود هذه الدول في وجه التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجهها، ومع انتهاء الحرب الباردة - وما صاحبها من متغيرات على الساحة الدولية قادت إلى انخفاض الأهمية النسبية للدول الإفريقية - توقفت هذه المساعدات لتجد الدول الإفريقية نفسها مضطرة لمواجهة هذه التحديات بمفردها، ومن ثم فإن عدداً قليلاً جداً من الدول الإفريقية هي التي نجحت في الحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني [٣٥] . ويعتبر الصومال وليبيريا نموذجين دالين لما يتعلق بحالات الانهيار الشامل للدولة؛ ففي الحالة الليبيرية غابت الدولة بوصفها النظام الشرعي القائم، كما انهار المجتمع اجتماعياً واقتصادياً. ويرجع انهيار الدولة الليبيرية إلى عملية تاريخية طويلة من التآكل التدريجي في البنية السياسية الاجتماعية للمجتمع الليبيري أسفر عن انهيار النظام الديكتاتوري للرئيس تولبرت ليحل محله نظام أكثر ديكتاتورية يهيمن فيه صامويل دو وجماعته الإثنية على مقاليد الحكم في البلاد [٣٦] . أما بالنسبة للصومال فقد تكاتفت عدة عوامل أدت في النهاية إلى انهيار الدولة الصومالية، ومن هذه العوامل: نظام الحكم الفردي لنظام سياد بري، الاعتماد الكثيف على المؤسسات العسكرية والبوليسية في مختلف قطاعات الدولة، هذا إضافة إلى العوامل الخارجية المتمثلة في الأدوار التي لعبتها القوى الإقليمية والدولية في الحرب الأهلية الصومالية [٣٧] . وأخذ انهيار الدولة الصومالية شكلاً متطرفاً أعاد المنطقة إلى الوضع الذي كانت عليه في القرن التاسع عشر من حيث غياب السلطة المركزية والنظام القضائي وانهيار الخدمات العامة [٣٨] . وعلى الرغم من أن انهيار الدولة هو أحد نتائج الحروب الأهلية في إفريقيا، إلا أنه بدوره له العديد من الآثار والنتائج الفادحة؛ حيث إن هذا الانهيار يؤدي إلى تدمير الركائز الاقتصادية والاجتماعية للدولة، ويؤدي إلى الفصل العملي والواقعي للدولة نظراً لغياب سلطة مركزية تفرض سلطتها على أرض الواقع وهو ما يؤدي في التقدير إلى إطالة أمد الحرب الأهلية، وصعوبة حسمها لصالح أي من الأطراف المتصارعة. يتضح مما سبق أن ظاهرة الصراعات الأهلية هي ظاهرة بالغة التعقيد تتعقد فيها الأسباب والعوامل الداخلية والخارجية، وتتداخل فيها الأسباب والنتائج، مما يتطلب منهجاً شاملاً ورؤية متكاملة عند التعاطي مع هذه المشكلة. بيد أن البحث عن حلول لتسوية مشكلة الصراعات الأهلية التي تضرب القارة منذ عقود خلت تتطلب الأخذ في الاعتبار خصوصية هذه الصراعات التي تعتبر صراعات ممتدة بالغة التعقيد لأنها ترتبط بتمايز هوية وثقافة الجماعات التي تشكل أطرافها الفاعلة وهو ما يتطلب مجموعة من الحلول الخاصة تراعي هذه الخصوصية، وتضع نهاية لهذه الظاهرة بالغة الخطورة على الساحة الإفريقية.

стр. 4429

ملفات إفريقيا في عالم متغير.. وجهات نظر استراتيجية الصراع في حوض النيل والقرن الإفريقي وأثره على أمن المنطقة العربية نجلاء محمد مرعي [*] * مقدمة: تشير الأحداث التي تشهدها منطقة القرن الإفريقي (السودان - إريتريا - إثيوبيا) إلى استمرار سلسلة الانشقاقات والخلافات التي عانت منها دول المنطقة داخلياً وإقليمياً عبر تاريخها، وهو ما جعل التنافس والصراع السمة الغالبة على شبكة العلاقات الداخلية والإقليمية لدول هذه المنطقة. ففي الآونة الأخيرة شهدت المنطقة العديد من التطورات التي تمس علاقات الجوار الجغرافي والحدود والموانئ وخطوط أنابيب البترول. ولذا تحاول هذه الدراسة بلورة بعض القضايا والإشكاليات الخاصة بالصراع في منطقة القرن الإفريقي وانعكاساته على المصالح الحيوية العربية فيها من خلال المحاور التالية: أولاً: مدخل تمهيدي: الموقع وأهمية دراسة الصراع. ثانياً: طبيعة وأبعاد الصراع في القرن الإفريقي. ثالثاً: الصراع في القرن الإفريقي وانعكاساته على الأمن القومي العربي. * أولاً: مدخل تمهيدي: الموقع وأهمية دراسة الصراع: القرن الإفريقي هو ذلك الرأس النائي من اليابسة الناطح البحر على شكل قرن يشق الماء شطرين: الشمالي منه هو البحر الأحمر والجنوبي منه هو المحيط الهندي. وعليه فإن القرن الإفريقي من الناحية الجغرافية يشمل إثيوبيا والصومال وجيبوتي. بيد أن بعض الجغرافيين قد وسع الرقعة التي يشملها هذا القرن لتضم كينيا والسودان. بل الأكثر من ذلك أنه في عام ١٩٨١م قام وزير الدولة الفرنسي للشؤون الخارجية آنذاك، (أوليفيه ستيرن) ، بتوجيه الدعوة إلى كل من السعودية واليمن إضافة إلى دول القرن الإفريقي لحضور مؤتمر إقليمي يهدف إلى حل مشكلات المنطقة. يعني ذلك أن الدلالة السياسية لمصطلح القرن الإفريقي تتعدى حدود الدلالة الجغرافية حتى في معناها الواسع. وربما يعزى ذلك ولو جزئياً إلى أن هذه المنطقة تقع داخل الإقليم الذي أضحى يعرف باسم «قوس الأزمة» والذي يضم القرن الإفريقي وشبه الجزيرة العربية ومنطقة الخليج [١] . وقد شهدت منطقة القرن الإفريقي ولا تزال صراعات مريرة وصلت إلى حد الحروب والصدامات المسلحة لمدة قاربت العقدين. وبرز واضحاً في هذا الصراع تفاعل كل من المؤثرات المحلية والداخلية والمؤثرات التي تطرحها قوى فاعلة خارجية. ويمكن القول منذ البداية إن دراسة الصراع في هذه المنطقة أمر على جانب كبير من الأهمية لعدد من الاعتبارات من أبرزها: ١ - الموقع الاستراتيجي الهام لهذه المنطقة جعل منها محل أطماع الدول القومية في مختلف عصور التاريخ؛ فالقرن الإفريقي يحاذي الممرات البحرية الاستراتيجية في كل من البحر الأحمر والمحيط الهندي. ومنذ افتتاح قناة السويس عام ١٨٦٩م ازدادت القيمة الاستراتيجية للأراضي المطلة على البحر الأحمر، وهو الأمر الذي يؤدي بالتبعية إلى زيادة إمكانية التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للإقليم [٢] . ٢ - اتسام صراعات القرن بطبيعة بالغة التعقيد نابعة من تعدد أبعاد ومستويات الصراع في المنطقة، وهو ما يبدو واضحاً في أن الخلافات الحدودية بين دول المنطقة تختزل في داخلها صراعات ضارية بين قوميات متناحرة في إثيوبيا والصومال وكينيا. كما تتداخل أيضاً في هذا الصراع أبعاد حضارية ودينية وعرقية واقتصادية. أما التعدد في مستويات الصراع فيبدو واضحاً أن المنطقة شهدت أشكالاً شتى من الصراعات تراوحت ما بين الحروب النظامية واسعة النطاق والحروب الأهلية والانقلابات العسكرية. وتجدر الإشارة إلى أن نتاج ذلك كله أن تصبح هذه الصراعات هادياً للسياسات الداخلية، وتؤدي إلى خلق نوع من المشكلات المحلية والإقليمية تستعصي بطبيعتها على استراتيجيات إدارة الأزمات المعتادة [٣] . ٣ - ورثت منطقة القرن الإفريقي عدداً من القضايا التي ترجع جذورها إلى مرحلة ما قبل الاستقلال ومن ذلك: أ - الدولة الإمبراطورية الإثيوبية التي قامت أساساً على التوسع، وضمت أقواماً من أمم مختلفة يتحدثون لغات مختلفة وذوي سبل عيش اقتصادية مختلفة. ب - تركة من التدخل الخارجي والتغلغل الاقتصادي منذ الحرب العالمية الثانية؛ إذ ركزت الأطراف الخارجية الفاعلة على إثيوبيا باعتبارها قوة إقليمية كبيرة في المنطقة [٤] . وعليه فإن دراسة ديناميات الصراعات في هذه المنطقة أمر على جانب كبير من الأهمية لما لها من مردودات مباشرة وغير مباشرة على الأمن القومي العربي بصفة عامة، والأمن الوطني المصري بصفة خاصة. فلا يخفى أن تفهم مختلف أبعاد الصراع في المنطقة وجوانبه يمكننا من التفاعل معه والتأثير بدلاً من أن تقف موقف المتلقي لتياراته وتأثيراته، ومن ثم تكون حركتنا مجرد ردود أفعال. * ثانياً: طبيعة وأبعاد الصراع في القرن الإفريقي: ١ - الصراع في حوض النيل: تتميز العلاقات المائية بين دول حوض نهر النيل بالاستقرار النسبي نتيجة للعديد من الاتفاقيات الدولية والاتفاقيات الثنائية المبرمة بينها كاتفاقية عام ١٩٥٩م بين مصر والسودان التي تنظم استفادة كل منهما من مياه النهر. كما تعقد دول الحوض العديد من الاجتماعات بهدف عقد اتفاقيات تعاون لاستغلال مياه النهر وتنمية موارده المائية، كالاجتماع الذي عقد عام ١٩٨٦م تحت إشراف برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة، وحضره ممثلو دول الحوض، وصادقوا فيه على عدد من الاتفاقيات. إلا أن الأمر لا يخلو من بعض التوتر بين دول حوض النيل حول مياه النهر؛ فإثيوبيا التي تتحكم بحوالي ٨٥% من مياه النهر تمثل مصدر الخطر الأساسي لدول الحوض وخاصة السودان ومصر الواقعتين أسفل الحوض [٥] . وحيث إن قضية المياه من القضايا الحيوية التي تشغل دول حوض النيل، فدائماً ما تسعى مصر إلى ضمان حقها التاريخي في المياه. غير أن قلق مصر على حصتها من مياه النيل أخذ يتزايد في السنوات الأخيرة بسبب سياسات التنمية الزراعية والصناعية التي تتطلع إليها اليوم دول المنبع، والتي تتطلب بناء سدود على البحيرات ذاتها، وعلى بعض روافد النهر، مما يهدد بتخفيض حصص المياه المكتسبة لمصر والسودان. ونظراً إلى أهمية هذه القضية بالنسبة إلى الأمن القومي المصري، يكون من المفيد عرض أهم المشروعات التي تخطط لها دول حوض النيل منذ سنوات، والتي وردت في دراسة قيمة قامت بها المجالس القومية المتخصصة في هذا العام [٦] . * بالنسبة إلى دول البحيرات العظمى تشرع تنزانيا ورواندا وبوروندي في إقامة مشروعات عدة للري وتوليد الطاقة على نهر كاجيرا على بحيرة فيكتوريا. * بالنسبة إلى بحيرة تانا وحوض النيل الأزرق فقد شرعت إثيوبيا في تنفيذ ٣٣ مشروعاً للري ولتوليد الكهرباء حول حوض النيل الأزرق، وهناك مشروعات أخرى ما زالت قيد التنفيذ، منها إنشاء محطة لتوليد الكهرباء على بحيرة تانا، وإنشاء سد على نهر فيشا لزراعة قصب السكر. كما تقوم المجموعة الاقتصادية الأوروبية بمشروعات عدة لتوفير مياه الري للمنطقة المحيطة ببحيرة تانا ولتوليد الكهرباء من البحيرة الواقعة جنوب غرب إثيوبيا، كما تقوم روسيا ببناء سد صغير على نهر البارو لري عشرة آلاف هكتار. هذا، وقد أكد وزير الري المصري مؤخراً وجود اتفاق بين إسرائيل وإثيوبيا على إقامة سد لتوليد الكهرباء. وفي ٩/٦/ ١٩٩٦م وافق البرلمان الإثيوبي على مشروع قرار تقدمت به الحكومة بإنشاء خزانين: الأول: على النيل الأزرق للاستفادة منه لأغراض زراعية وإنتاج الطاقة الكهربائية، والثاني: على نهر دايوسن. وسوف يمول هذين المشروعين البنك الدولي وجهات أخرى. وجدير بالملاحظة أن البنك الدولي قد وافق على تمويل المشروعين الإثيوبيين الأخيرين من دون اشتراط حصول إثيوبيا على موافقة باقي دول حوض النيل كما هو معمول به ارتكازاً على نظرية القانون الدولي في الاستفادة المشتركة للدول المشاطئة للأنهار الدولية. وتعتبر موافقة البنك الدولي بالشكل الذي تمت عليه سابقة خطيرة على مصالح دولتي المصب: مصر والسودان [٧] . وعادة ما استخدمت مياه النيل كمادة للصراع السياسي وخاصة في اتجاه مصر من قبل إثيوبيا بشكل رئيسي والسودان في بعض الأحيان. فهناك قضية السدود الإثيوبية التي تطرح بين الحين والآخر ومطالبتها بسحب امتيازات الحق التاريخي التي تتمتع بها مصر، ومحاولات الإيحاء بالقدرة على التأثير في حصة مصر من المياه، وموقفها الرافض للاتفاقية الموقعة بين مصر والسودان عام ١٩٥٩م، وهو الأمر الذي يطرح مسألة جدية التلويح أو المخاطر التي تحوم بحصة مصر من النهر. أما بالنسبة للسودان فموقفها يتلخص في استخدامها لورقة المياه كورقة ضغط على مصر؛ ولذا لا يتم الإعلان عنها إلا في فترات التوتر وآخرها ما حدث من خلال اتفاقها مع إثيوبيا عام ١٩٩٣م الخاص بالتعاون المشترك في استخدام مياه النيل [٨] . فإثيوبيا تبدو من دون باقي دول الحوض الأكثر رغبة في تغيير الواقع القائم وتحديه؛ حيث لا تعطى هذه الدول أولوية حاسمة لحقوقها من مياه النيل كما تفعل إثيوبيا على اختلاف أنظمتها السياسية. فلا شك أن الدور البريطاني وسياساته تجاه مياه النيل وارتباط مصر بهذه السياسة قد أفرز الكثير من التعقيدات والحساسيات التي وجدت سبيلها إلى جملة التفاعلات السياسية في منطقة حوض النيل؛ بحيث لم يشكل قيام ثورة يوليو ١٩٥٢م بداية مرحلة جديدة، بقدر ما تأثر بتاريخ تلك العلاقات وما أفرزته من حساسيات وخاصة بالنسبة لإثيوبيا، كما كان لإقدام مصر على اتخاذ قرار بناء السد العالي دون استشارة دول المنبع أثره الواضح في إقرار العديد من التعقيدات والهواجس التي وجدت سبيلها في الظهور مرة أخرى مع توقيع مصر والسودان لاتفاقية ١٩٥٩م؛ وهذا ما سعت معه إثيوبيا لاتخاذ مجموعة من الإجراءات المقابلة التي يأتي في مقدمتها عقد اتفاقية مع الولايات المتحدة تقدم بمقتضاها الخبرة بعمل دراسة شاملة عن نهر النيل في إثيوبيا لبحث إمكانية إقامة السدود والزراعة وتوليد الطاقة، كما سعت إلى تطوير علاقتها مع إسرائيل بقبول استقدام قنصل عام لإسرائيل في أديس أبابا عام ١٩٥٦م، لتدخل العلاقات الثنائية منحى جديداً تستخدم فيه ورقة المياه كأداة ضغط وتوتر متبادل على الرغم من أن بناء السد لم يكن ليؤثر في قدرة إثيوبيا على استخدام مواردها من المياه ولا على مشروعاتها التي لم تكتمل بسبب قصور إمكانياتها وقدراتها الاقتصادية [٩] . أما بالنسبة للسودان، فتتلخص جملة اعتراضات بعض قطاعات السودانيين حول قانونية وشرعية اتفاقية ١٩٥٩م، وأن الاتفاقية التي أبرمت في عهد الحكم العسكري (حكومة إبراهيم عبود) قد افتقرت إلى التفويض الشعبي، وأنها غير عادلة سواء بالنسبة للحصة التي حصل عليها السودان من المياه، أو بالنسبة للتعويض المالي نتيجة غمر أراض عزيزة وغالية من أرض السودان (حلفا) [١٠] . أما عن الموقف المصري من هذه القضية فيمكن تلخيصه في اتجاهين رئيسيين: الاتجاه الأول: ويمثله بعض المسؤولين في وزارة الخارجية: يؤمن هذا الاتجاه أن مصر لا تتفاوض على حقوقها في مياه النيل، وأنها تتمسك بالمعاهدات الدولية التي أبرمت في هذا الخصوص، بغض النظر عن موقف بقية الأطراف المعنية من هذه المعاهدات التي ترغب بالفعل في تغييرها بحجة أنها عقدت في عهد الاستعمار، ولذلك لا تلزم الدول الإفريقية الآن. ومن أهم الاتفاقيات التي توضح حقوق مصر في مياه النيل: * اتفاقية مياه النيل عام ١٩٢٩م المبرمة بين مصر والسودان (في عهد الاحتلال الثنائي) والتي تنص على ضرورة المراعاة الكاملة لمصالح مصر المائية وعدم الإضرار بحقوقها الطبيعية في مياه النيل. * اتفاقية مياه النيل عام ١٩٥٩م بين مصر والسودان. الاتجاه الثاني: وتمثله وزارة الري المصرية: يؤمن هذا الاتجاه من حيث المبدأ بأن النيل يمثل مجالاً خصباً للتعاون بين دول الحوض، وأن هناك كثيراً من الإمكانيات غير المستغلة حتى الآن والتي يمكن أن تكفي الجميع. ومن ثم يجب ألا يكون هناك وجه للخلاف. ولكي يتم هذا التعاون المنشود لا بد من أن يتسم الحوار بالموضوعية والأخذ في الاعتبار احتياجات كل الأطراف. ويعترف هذا الاتجاه بحق كل دولة في السعي لتحقيق التنمية على أرضها لحل مشاكلها الآنية والمستقبلية، شريطة عدم الإضرار بالحقوق الأساسية لأية دولة من دول الحوض، وخصوصاً دولتي المصب اللتين تعانيان دائماً قلة الأمطار. ويطرح هذا الاتجاه التعاون في إنشاء المشاريع التنموية بين دول الحوض كبديل من الخلافات والصراعات بينهما على المياه [١١] . وبشكل عام يمكن القول بأن ضعف اقتصاديات معظم دول حوض النيل يجعلها غير قادرة على القيام بكثير من المشروعات المائية التي تخطط لها. كما أن الوضع الأمني غير المستقر في معظمها يؤثر على تنفيذ هذه المشروعات، وعلى ذلك يقل احتمال حدوث صراع حاد بينها. ٢ - الصراع الإريتري الإثيوبي: رغم العلاقات المتينة والروابط المتعددة بين إريتريا وإثيوبيا، فقد انفجر الموقف بينهما عسكرياً في مايو ١٩٩٨م، على خلفية حدود مشتركة وبطريقة لم تكن متوقعة جعلت من الصراع في منطقة القرن الإفريقي ينقل نقلة نوعية من الصراع العرقي والديني إلى صراع دول وطنية ذات خطط واستراتيجيات قومية. مما مثل مفاجأة للمجتمع الدولي؛ ليس فقط لأن الحرب جاءت متعارضة مع توجهات النظام العالمي الذي تضاءل خلاله اندلاع الحروب النظامية الواسعة [١٢] ، وإنما لكون قائدي النظامين في البلدين: آسياس أفورقي ومليس زيناوي ينتميان إلى نفس المجموعة العرقية (التيجراي) كما أن زيناوي يعود إلى أصول إريترية من جهة الأم، فضلاً عن ذلك فهما رفيقا سلاح؛ فقد خاضا الحرب معاً ضد نظام منجستو في إثيوبيا الذي تم القضاء عليه عام ١٩٩١م [١٣] ، مما ساهم في إرساء أسس علاقة قوية بينهما ساعدت على حصول إريتريا على استقلالها عن إثيوبيا عام ١٩٩٣م [١٤] . منذ ذلك اليوم وقع البلدان على عدة اتفاقيات للتعاون في مختلف المجالات. ويرى بعض المراقبين أن بداية التراكمات تعود إلى مرحلة ما قبل استقلال إريتريا؛ ففي غمرة الانتصارات على عدوهم المشترك منجستو ترك الطرفان العديد من القضايا والأمور المشتركة بين الدولتين دون حسهم. وفي ذلك الحين لم يتصور أحد أن هذه القضايا المعلقة كانت بمثابة قنبلة موقوتة سرعان ما تفجرت وأشعلت الحرب بين البلدين [١٥] . والمتتبع لمسار العلاقات الإثيوبية - الإريترية، سيجدها لم تخل خلال السنوات الخمس السابقة على الحرب من خلافات عديدة منها الخلاف الحدودي الذي تعود جذوره إلى فترة استقلال إريتريا عام ١٩٩٣م؛ حيث كان الجانبان قد اختلفا بشأن السيادة على عدد من المناطق الحدودية وهي: زالامبيا، يوري، ويام مي، وشيراو، ومثلث برجا - الحميرة، وعفر، وبعض ولاية تيجراي وأبيجي وأنداكيدا ولبتينا وأردى ماتيوس [١٦] . ويتمحور الموقف القانوني للبلدين في رؤية مشتركة لمبدأ يقضي بضرورة الاعتراف بالحدود المتوارثة عن الدول الاستعمارية وعدم تغييرها، ولن تختلف الدولتان حول أي الاتفاقيات التاريخية التي يجب الأخذ بها. ونتيجة لهذه التراكمات بدأ النزاع الحدودي يظهر في أغسطس ١٩٩٧م، عندما بدأت إثيوبيا في ممارسة بعض مظاهر السيادة على الأقاليم المتنازع عليها، بنشر بعض الخرائط التي تظهر تبعية إقليمي بادمي، وزالامبيا لها [١٧] ؛ مما أفضى إلى قيام إريتريا يوم ٦/٥/١٩٩٨م، باقتحام الحدود المشتركة وتوغلت داخل الأراضي المتنازع عليها. وبهذا تكون إريتريا قد بادرت باحتلال الأراضي المتنازع عليها بالقوة العسكرية، وتحقيق النصر على إثيوبيا في هذه الجولة. ثم انفجر القتال بين الجانبين خلال شهر فبراير ١٩٩٩م مرة ثانية، ودار القتال في ثلاث مناطق هي: بادمى التي شهدت العمليات العسكرية في مايو ١٩٩٨م، ومنطقة تسورنا، وزالامبيا ومنطقة يوري جنوب غرب ميناء عصب. واستطاعت القوات الإثيوبية تحقيق بعض الانتصارات غير الحاسمة، وهو ما أجبر إريتريا على الموافقة على خطة السلام التي أعدتها منظمة الوحدة الإفريقية، مما ساعد على إيقاف القتال مؤقتاً بين الطرفين [١٨] . والجدير بالذكر أن الجولة الأولى والثانية من الحرب لم تساعدا في تسهيل عملية التسوية؛ بل على العكس استمر التباعد في المواقف بين الجانبين، وبدا واضحاً أنهما يستعدان لجولة ثالثة فاصلة. وهذا ما حدث؛ حيث اندلعت مواجهة جديدة خلال شهر مايو ٢٠٠٠م، والتي كانت أكثر شراسة، واستطاعت إثيوبيا التي امتلكت المبادأة في هذه الجولة تحقيق انتصارات حاسمة على القوات الإريترية [١٩] . فلم تكتف إثيوبيا باسترداد المناطق التي احتلتها القوات الإريترية عام ١٩٩٨م، فحسب بل إنها توغلت داخل الأراضي الإريترية. ومن الملاحظ أن الحرب الإريترية الإثيوبية وخاصة في جولتها الثالثة، أنها الحرب الأكثر عنفاً ودموية في الصراعات الإفريقية؛ ففي التاريخ الحديث لإفريقيا لم يحدث أبداً أن تصاعد أي صراع بين دولتين إلى هذه الدرجة من العنف. ٣ - الحرب الأهلية في السودان: ظلت الأزمة السودانية بملامحها وأبعادها المستجدة الأكثر حدة وتعقيداً منذ الاستقلال تراوح مكانها عام ١٩٩٧م وسط مؤشرات تدل على عدم إمكان حسمها عسكرياً أو حلها سياسياً. فلا يبدو أن الخيار العسكري يمكن أن يؤدي إلى نتائج حاسمة في ظل موازين القوى القائمة. كما أن الحل السياسي يواجه مشكلات كبيرة في ظل المواقف المعلنة. ولذلك تواصلت أعراض هذه الأزمة التي تجمع المشكلات الرئيسية التي واجهت السودان منذ استقلاله. وهي مشكلات عدم استقرار نظام الحكم واستمرار الحرب الأهلية، فضلاً عن تصاعد وتوتر العلاقات الخارجية، كما تعقدت الأوضاع المحيطة بالنظام السوداني، واستخدمت الأدوات العسكرية والدبلوماسية بأساليب جديدة، في ظل محددات تشير إلى أن أياً منها لن يكون حاسماً في إيجاد حل قريب للصراع الدائر [٢٠] . وترجع الأزمة السودانية إلى عدد من الأسباب التي يمكن إجمالها على النحو التالي: ١ - أن التطورات التي شهدتها السودان منذ وقوع الانقلاب العسكري الأخير عام ١٩٨٩م وقيام نظام سياسي عسكري يستند إلى قواعد الجبهة القومية تشير إلى انكسار في الحلقة المفرغة التي أفرزت دورات الحكم في الدولة؛ فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يتمتع فيها حكم عسكري في السودان بقاعدة تأييد مدنية صلبة نسبياً. لكن قدرة النظام على إعادة صياغة الخريطة السودانية المعقدة أخذت تتآكل مع الوقت، خاصة في ظل عدم المرونة التي اتسم بها واستخدام العنف المكشوف ضد العناصر المعارضة [٢١] . ٢ - وصول الفجوة بين النظام الحاكم والمعارضة الجنوبية المسلحة إلى أوسع مدى لها في عام ١٩٩٧م منذ الاستقلال، وذلك بسبب التوجهات الأيديولوجية للنخبة الحاكمة. فقد ارتكزت سياسة النظام تجاه الجنوب على أن مسألة نشر الإسلام في تلك المناطق «قضية جهاد» وأدى ذلك إلى اعتقاد المعارضة الجنوبية استحالةَ الوصول لحل وسط بشأن تلك المشكلة [٢٢] . ٣ - انفجار التوترات السياسية المتزامنة بين السودان ودول الجوار الرئيسية. فالسودان من الدول التي تمثل تفاعلاتها مع دول الجوار المجال الرئيسي لسياستها الخارجية، بحكم تعدد تلك الدول، والتصاق الكتل الجنوبية، ويؤدي وجود أسباب للتوتر معهما إلى عدم توازن سياسته الخارجية. ٤ - تصاعد درجة الاهتمام والتدخل في الشؤون الداخلية السودانية [٢٣] : وفي هذا الإطار التقت العوامل السابقة لتشكل ملامح أزمة ممتدة ذات طابع حاد تفجرت خلالها كل المشكلات السودانية، على نحو أدى إلى تفاعلات مكثفة أفرزت تحولات درامية في سلوك جميع الأطراف المعنية بالمسألة السودانية، والقوى الإقليمية الرئيسية، وتبلور توجه رئيسي للتعامل مع المشكلة وهو تبني المعارضة السودانية خيار العمل المسلح. ولكن في عام ١٩٩٩م فإن ثمة «فرصة» للحل السياسي، حيث شهد هذا العام: أ - توقيع «اتفاق سلام» في إبريل بين الحكومة السودانية، وستة فصائل جنوبية منشقة على حركة جون جارنج. ب - قبول النظام السوداني مبادئ إعلان «إيغاد» الصادر عام ١٩٩٤م، الذي أكد على التعددية السياسية، وتقرير المصير للجنوب، وفصل الدين عن الدولة بوصفه «أساساً للنقاش والمفاوضات» . ولكن سرعان ما بدأت المشكلة المرتبطة بالحل السلمي عندما قبلت الحكومة شقاً واحداً رئيسياً في إطار الحل وهو الشق الخاص بالجنوب، ولم يصدر عنها ما يشير إلى قبول التعددية السياسية الكاملة بالمفهوم الذي تطرحه المعارضة الموحدة [٢٤] . ولكن فجأة، وبعد مرور ٢٠ سنة من الصراع، و ١٨ جولة غير ناجحة من المفاوضات، و٣٣ يوماً من التفاوض في الجولة الأخيرة توصل وفدا كل من الحكومة السودانية وحركة التمرد في جنوب السودان (حركة جون جارنج) إلى بروتوكول ماشكوس نسبة إلى المدينة الكينية التي احتضنت الاتفاق الذي يعتبر أول اتفاق من نوعه يضع مبادئ عامة ومحددة للتفاوض عليها مستقبلاً بشأن الجنوب. وصف الاتفاق بأنه «اختراق» في العلاقات بين الطرفين اللذين أسفرت حربهما عن مقتل ما لا يقل عن مليونين، ونزوح ٤ ملايين سوداني من مدنهم، وإيقاف تنمية السودان تماماً رغم موارده الهائلة. فهو ليس اتفاقاً نهائياً، ولكنه أقرب ما يكون إلى «إطار للتفاهم» أو «أرضية مشتركة» ، وفي يوم ١٨/٧/٢٠٠٢م أعرب «جون رانفورث» مبعوث الرئاسة الأمريكية عن ضرورة وقف حرب جنوب السودان حتى يمكن أن يفتح الباب أمام السودان ليصبح دولة نفطية كبرى في إفريقيا [٢٥] . * ثالثاً: الصراع في القرن الإفريقي وانعكاساته على الأمن القومي العربي: ١ - مفهوم الأمن القومي العربي: بعبارة موجزة: يمكن أن نعرِّف الأمن القومي بأنه سلامة حدود الدولة ومصالحها وقيمها وثقافتها من المخاطر المحدقة بها. وقد تكون هذه المخاطر خارجية آتية من دول الجوار أو الدول الكبرى، أو قد تكون داخلية كأن يهدد النظام الشرعي للدولة أو أمن المواطن في الداخل نتيجة لفقدان أحد مقومات الأمن. وتتمثل هذه المقومات في عوامل ثلاثة: القوة العسكرية، والتنمية الاقتصادية، والاستقرار السياسي. فإذا كان المقصود هو عدة دول مرتبطة بنظام إقليمي محدد كالدول العربية، تزداد على هذه العوامل دعامة أخرى رئيسية ألا وهي ضرورة وجود حد أدنى من الاتفاق على تحديد مصادر التهديد الرئيسية داخلياً وخارجياً، مما يوجب رسم استراتيجية موحدة للدفاع عن هذا الكيان الإقليمي. ويتبع ذلك ضرورة توافر الإرادة السياسية الموحدة وجهاز صنع القرار على المستوى القومي. فإذا انتقلنا إلى مفهوم الأمن القومي العربي وجدنا أنه محصلة لمجموع أمن الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية. فالعلاقات العربية - العربية الآن تمر بمحنة حقيقية لعل أخطر سماتها التمزق والتشتت في السياسات والأهداف، بحيث أصبح من أصعب الأمور على المهتمين بالشؤون العربية رسم خطة واضحة لحماية الأمن العربي، بل أكثر من هذا وضع مفهوم موحد ومتفق عليه بين جميع الأطراف، لما يطلق عليه الأمن القومي العربي [٢٦] . فإذا قارنا بين المقومات العامة للأمن التي سبق ذكرها سلفاً، وبين الوضع الراهن في الدول العربية وجدنا الآتي: ١ - القوة العسكرية: دُمِّر جزء هام من القوة العربية حيث دمر العراق. أما القوتان الأخريان المصرية والسورية فقد انضمتا إلى المحور العربي، وبذلك لا يمكن أن نتكلم اليوم عن قوة عسكرية عربية مستقلة. ٢ - التنمية الاقتصادية: تعتبر التنمية الاقتصادية متعثرة في أغلب الدول العربية؛ حيث إنها تعتمد غالباً على القروض وليس على تنمية الإنتاج. ٣ - الاستقرار السياسي: من الصعوبة بمكان الحديث عن الاستقرار السياسي في الدول العربية اليوم؛ حيث تتهددها مخاطر داخلية وخارجية. ٤ - الاتفاق على مصادر التهديد: ليس هناك أي اتفاق بين الدول العربية في هذا الشأن. ٥ - ونتيجة لكل هذه السلبيات.. لا يوجد تنسيق في صنع القرارات العربية، ومن ثم لا يمكن الحديث عن جهاز موحد عربي لصنع القرار. ومن هنا يجب النظر إلى مسألة الأمن العربي من خلال مناظير عدة بدلاً من منظور واحد غير ذي موضوع. وبما أن المنطقة الخاصة للدراسة هي القرن الإفريقي فسيكون تأثير ما يحدث فيها واقعاً على بعض الدول العربية فقط، وعلى وجه الخصوص دول الخليج ومصر واليمن [٢٧] . ٢ - تداعيات الصراع على الأمن العربي: انطلاقاً من مفهوم الأمن القومي يتضح أن منطقة الصراع في القرن الإفريقي تعد على جانب كبير من الأهمية نظراً إلى ارتباطها المباشر بالأمن العربي عموماً، وكذلك تأثيرها الملموس في المصالح الحيوية لبعض الأقطار العربية الفاعلة في آليات هذا الصراع سواء بشكل مباشر مثل الصومال والسودان، أو بشكل غير مباشر مثل مصر. ومن ثم فإن التغيرات التي شهدتها المنطقة منذ بداية التسعينيات ينبغي التعامل معها في ضوء هذه الاعتبارات، على أنه تجدر الإشارة بداءة إلى أمرين هامين: أولهما: أنه نتيجة التناقض السياسي والأيديولوجي السائد في الوطن العربي، فإن المصالح القُطرية لكثير من البلدان العربية في المنطقة قد لا تكون متطابقة أو تابعة من الأهداف القومية العليا. ثانيهما: ترتبط منطقة القرن الإفريقي ومنطقة الخليج بروابط استراتيجية وثيقة لا يمكن التقليل من أهميتها. وتؤكد الشواهد التاريخية مدى عمق هذه الروابط؛ فمنذ نحو قرن ونصف طلب أحد سلاطين الصومال من أحد أمراء القواسمة في الخليج أن يمر الأسطول التجاري القاسمي بالسواحل الصومالية في طريقه إلى شرق إفريقيا. وبذلك تسهم القوة البحرية مع القوة البرية الصومالية في الدفاع عن الحزام الجنوبي للوطن العربي والإسلامي [٢٨] . وأياً ما كان الأمر، فإن انعكاسات الصراع في القرن الإفريقي يمكن أن تؤثر بشكل مباشر في ثلاثة مصادر كامنة لتهديد الأمن القومي العربي، وهي: ١ - عروبة ووحدة السودان. ٢ - التحكم في منابع النيل وتأمين الاحتياجات المائية لكل من مصر والسودان. ٣ - البحر الأحمر وأمن المنطقة العربية. بالنسبة إلى تأمين كل من السودان والصومال وجيبوتي من مصادر التهديد المختلفة، فإنه يمكن القول إن هذه الدول الثلاث تشكل دعائم هامة للحزام الأمني الجنوبي للبلدان العربية في إفريقيا. فمن المعروف أن السودان يمثل نقطة تلاقي المصالح العربية والإفريقية. كما أن تأثير الصراعات في منطقة القرن الإفريقي في الوطن العربي في عمومه إنما يكون عبر السودان [٢٩] . ونظراً إلى أن السودان يمتلك حدوداً مشتركة مع دول الصراع في القرن، فقد دخل في شبكة من العلاقات الدولية المعقدة في المنطقة. ولا يخفى أن الحرب الدائرة في الجنوب السوداني على حد سواء، ولا سيما في ما يتعلق بقضية المياه. فقد اتفقت كل من مصر والسودان على بعض المشروعات التي تهدف إلى تقليل الفاقد في مياه نهر النيل مثل مشروع قناة جونجلي (١) ، وقناة جونجلي (٢) ، على أن العمل في مثل هذه المشروعات توقف بسبب اندلاع الحرب الأهلية في الجنوب واعتراض سكان المناطق الجنوبية في السودان على هذه المشروعات بزعم أنها استنزاف لمواردهم الطبيعية والاقتصادية. ولا شك أن سقوط مانجستو أدى إلى فقدان الحركة الشعبية لتحرير السودان حليفاً قوياً، وهو الأمر الذي يسمح في ظل المعطيات الدولية والإقليمية الراهنة للبلدان العربية أن تقوم بدور سياسي نشيط لتسوية مشكلة جنوب السودان. فالمصالح القومية العليا تتعدى أي خلافات قطرية ضيقة أو منازعات طارئة بين أنظمة الحكم القائمة في البلدان العربية [٣٠] . وبالنسبة إلى تأمين تدفق مياه النيل، نلاحظ أن الشواهد التاريخية تشير إلى أنه كلما ساءت العلاقات بين الحبشة ومصر أضحت قضية مياه النيل ورقة تهديد في أيدي ملوك الحبشة. ففي ظل حكم داودين يوسف ملك الحبشة (١٣٨١ - ١٤١١م) لم يكتف هذا بالتهديد بتحويل مياه النيل الأزرق، بل شن هجوماً على حدود مصر الجنوبية وبلغ أسوان منتهزاً حالة الفوضى في البلاد على عهد السلطان برقوق. وقد كشفت بعض الوثائق التاريخية أن ملك الحبشة عام ١٧٠٤م وجه رسالة تهديد إلى حاكم مصر العثماني جاء فيها: «في النيل وحده الوسيلة التي تكفي أعقابكم، لأن الله جعل منبع هذا النهر وفيضانه تحت سلطاتنا. وفي وسعنا التصرف بمياه هذا النهر بالكيفية التي تلحق الأذى البليغ بكم» . ولا شك أن الخوف من تهديدات الأحباش بتحويل مياه النيل كان وراء تفكير محمد علي في تجريد حملات عسكرية ترمي في أهدافها البعيدة إلى السيطرة على مصادر هذا النهر [٣١] . إن بعداً هاماً للأمن القومي العربي يمتد إلى هذه المنطقة من إفريقيا حيث منابع النيل، ومن شأن أي تهديد لتدفق مياه النيل أن يمثل تهديداً أساسياً لكل من مصر والسودان. وفكرة تأمين منابع النيل كانت قائمة في إدراك الحكومات المتعاقبة على حكم مصر. ومنذ أوائل القرن الحالي شغلت قضية مياه النيل جزءاً كبيراً من السياسة المصرية. ويمكن الإشارة هنا إلى خزان أسوان ومشروعات المياه في السودان، وكذلك قيام كبار مهندسي الري المصريين بوضع تصور عن مشروعات النيل الكبرى من المنبع إلى المصب. ومنذ تلك الفترة اتخذت الحكومات المصرية المتعاقبة مجموعة من الاتفاقيات والمشروعات لتشجيع التعاون الإقليمي لضبط النهر [٣٢] . كما أن عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في إثيوبيا يفتح الباب للنفوذ الإسرائيلي والعربي المتناقض مع الأمن الاقتصادي المصري في منابع النيل الأزرق على الهضبة الحبشية [٣٣] . إن تأمين جنوب البحر الأحمر يعتبر أمراً حيوياً بالنسبة إلى الاستراتيجية العربية لمواجهة الأطماع الإسرائيلية في المنطقة. ولنتذكر في هذا الصدد الدور الهام الذي قام به إغلاق باب المندب في جنوب البحر الأحمر الذي قامت به القوات المصرية خلال حرب أكتوبر ١٩٧٣م ضد إسرائيل. وبما أن البحر الأحمر هو المنفذ الوحيد المؤدي إلى إيلات الميناء الإسرائيلي؛ فدائماً ما يهدف المحور الغربي إلى تأمين الملاحة الغربية والإسرائيلية فيه، وينتج عن ذلك الرغبة الدائمة في تحييده والوقوف ضد فكرة تحويله إلى بحيرة عربية، كما يهدف أيضاً إلى تدويل باب المندب أو على الأقل تحييده. وهذا بالطبع يعمل على تهديد مصالح دول الخليج العربي [٣٤] . وأياً كان الأمر، فإن على السياسات العربية أن تتعامل مع دول المنطقة التي سوف تتمخض عنها أي مشروعات مستقبلية على أساس التعاون السياسي والاقتصادي بما يحقق المصالح المشتركة للأطراف كافة. ٤ - الموقف العربي واستراتيجية الحل: اتساقاً مع التحليل السابق، فإن تدعيم الأمن القومي العربي يتطلب الاعتماد على عدد من الركائز الواقعية والموضوعية من بينها ما يأتي: * ضرورة التعامل مع نظم الحكم القائمة في المنطقة بغض النظر عن توجهاتها الأيديولوجية. انطلاقاً من المصالح العربية الحيوية التي تربطنا بدول المنطقة. ومن الملاحظ فعلاً أن الاعتبار الأيديولوجي لم يكن له أدنى تأثير في كثير من السياسات الخارجية العربية تجاه هذه المنطقة. كما أن المصالح العربية الحيوية التي تربطنا بدول المنطقة بالنسبة إلى الأمن القومي العربي تفرض دائماً وجوب التمييز بين الثوابت والمتغيرات في إقليم القرن الإفريقي؛ فالعلاقات العربية في المنطقة لا تحدها طبيعة أي جماعة حاكمة فيها. * ينبغي أن تتعامل النظم العربية مع محركات الصراع في القرن الإفريقي في ضوء المشروعية القانونية للنظام الإفريقي في مرحلة ما بعد الاستعمار، وكذلك أي تسوية سلمية محتملة تقبلها أطراف الصراع الفاعلة [٣٥] . * ضرورة التعاون والتنسيق مع إثيوبيا بشأن قضية مياه النيل، ويعني ذلك الاعتراف بعدد من الاعتبارات التي ينبغي أخذها في الحسبان، ومن ذلك: أ - عدم التلويح باستخدام القوة عند الحديث عن مشكلة المياه في العلاقات المصرية - الإثيوبية. ب - مياه النيل ليست شأناً مصرياً وإثيوبياً فحسب، وإنما هي قضية تشمل دول حوض النيل العشر كافة، وأي سياسة مائية سليمة للتعاون المائي ينبغي أن تشمل كل الدول المشتركة في النهر. ج - إن إسرائيل لا تقوى وحدها على إقامة مشروعات مائية كبرى على النيل الأزرق، ولكن عادة ما تستخدم قضية التعاون الأمريكي - الإسرائيلي مع إثيوبيا في مجال المياه كورقة ضغط على كل من مصر والسودان. د - نهر النيل يختلف عن معظم الأنهار الدولية في آسيا ولا سيما دجلة والفرات فثمة اتفاقات دولية تنظم الاستخدام المشترك لمياه النيل، وهو الأمر الذي أدى إلى ثبات العلاقات بين دول حوض النيل واستقرارها ولو في المدى القصير على الأقل [٣٦] . وأخيراً: يجب ملاحظة أن الركائز السابقة تفترض ضرورة تبني استراتيجية عربية موحدة من خلال جامعة الدول العربية ومؤسساتها المتخصصة يكون الهدف منها المساعدة في إعمار وتنمية المناطق التي أنهكتها الحروب والصراعات وأنواء الطبيعة في كل من السودان والصومال وجيبوتي، وهي البلدان التي تشكل نقاط التلاقي بين المصالح العربية والإفريقية والتي من خلالها يمكن النفاذ إلى إفريقيا جنوب الصحراء.

стр. 4430

ملفات إفريقيا في عالم متغير.. وجهات نظر استراتيجية إفريقيا بين التنصير والتغريب سالي هاني [*] علاقة القارة الإفريقية بالدين الإسلامي وبالنصرانية موغلة في القدم، وثابتة بالتواتر في كتب التاريخ، ومع أن الديانة المسيحية سبقت الإسلام إلى إفريقيا بما لا يقل عن ستة قرون إلا أن الإسلام استطاع في أقل من نصف قرن أن يحتوي القارة بالشكل الذي جعل مراكز المسيحية عبارة عن جزر صغيرة وسط بحار الإسلام. ولولا تدخل الغرب لاستمر تقلص المسيحية من جهة، وإحراز الإسلام الانتشار والتقدم من جهة أخرى. فمع بداية القرن الخامس عشر وجدت ظروف وأحداث أعادت ترتيب التاريخ الإفريقي، وجثمت بثقلها على الحياة الإفريقية الدينية والثقافية والحضارية، تلك هي دخول الاستعمار الغربي في حلبة الحياة الإفريقية. ولما كانت النظم الاقتصادية تتشكل حسب المفاهيم والمعتقدات بل حسب الديانة السائدة، أقحم المغامرون الأوروبيون الدين المسيحي الذي يؤمنون به إيجاباً أو سلباً في علاقتهم بإفريقيا؛ فلذلك انطلقوا من أوروبا بعدما أقسموا لأباطرتهم بأنهم يسعون لنشر المسيحية بالإضافة إلى الوصول لبلاد التوابل. ومع استهلال القرن التاسع عشر كانت هذه العلاقة ترسو على تثبيت مركزية أوروبا وطرفية إفريقيا في كل مجالات الدين والاقتصاد، وانتهت إلى تقرير هذه الدول الإمبريالية نزعتها الاستعمارية وسيطرتها المطلقة على إفريقيا عام ١٨٨٥م في مؤتمر برلين. والذي يهمنا أكثر في هذه التطورات هو أن الدين المسيحي الذي تعطلت محركاته منذ قرون في إثيوبيا ومصر بدأ يستعيد حيويته من جديد في ظل الوصاية الإمبريالية على أيدي بعض الدومينيكان والجزويت بين زعماء القبائل المنتشرة على نهر الزمبيزي. وفي البداية لم يكن سوى دين رمزي يبارك به أباطرة أوروبا المتسلطون منجزات سفنهم فيما وراء البحار، فكانت معظم السفن تحمل أسماء مسيحية مثل سفينة يسوع التي شاركت بها ملكة إنجلترا اليزابيث الأولى في ستينيات القرن السادس عشر لدعم رحلات جون هربكنز للنخاسة بغرب إفريقيا، وكذلك كان أول حصن يشيده المغامرون على السواحل الإفريقية يرسل له ملك الدولة التي يتبعها قساً يعطيه اسماً من أسماء القديسين مثل حصن قاعدة سان جورج قرب ساحل العاج، وقاعدة سانتا جون قرب الرأس الأخضر. ومع الثورة الصناعية في أوروبا وما لابسها من تثبيط علاقة الناس بالدين وجدت الكنيسة نفسها على هامش الحياة العامة وخاصة في ظروف الثورة الفرنسية التي هبت عدواها على معظم الدول الأوروبية، فبارت تجارة رجال الدين في سوق الشعوب الأوروبية، وكسدت سلعة الكنيسة في معارضها الروحية، فوجدت الفرصة من خلال تلك الصيحات المنبعثة الداعية إلى ضرورة هداية الشعوب الإفريقية، وأن على الرجل الأبيض أن يتحمل عبء تبشير هذه الشعوب وتمدنها، فهبت البعثات التنصيرية، ودبت حركات المنصرين من كل حدب وصوب لخلق مملكة المسيح على الأرض. وإذا كانت هذه الأمنية لم تتحقق فإن من الأهمية بمكان ألا ننسى نجاح هذه البعثات في نشر المسيحية. وقد أوجدت هذه الجهود التنصيرية في ظل الحماية الاستعمارية جواً خصباً للمسيحية في إفريقيا؛ فلارتباطها بمدارس وإدارات المستعمر كسبت لها أتباعاً في كل هذه الدول على نسب متفاوتة؛ ففي ظل المناطق التي لم يصلها الإسلام من قبل لبعدها عن بؤرة التأثير بين الثقافة العربية الإفريقية سواء في المبادلات التجارية أو الهجرات والدعوة الإسلامية لأسباب في معظمها جغرافية، كان انسياب المسيحية فيها طليقاً في لباس المدنية الغربية حراً لم يواجه بكثير من العقبات إذا استثنينا ذلك الرفض الذي ينطلق في غالبه من اعتبارها دين الرجل الأبيض الغازي، وأما في باقي القارة الإفريقية حيث كان للإسلام مواطئ قدم سابقة؛ فقد كان دخول المسيحية يتم على صورة الصراع بين المسلمين والمستعمرين، والحركات الجهادية التي احتوت أحداث القرن التاسع عشر كانت علامات رفض للاستعمار وسياساته التنصيرية في إفريقيا، فظهرت حركة الشيخ عثمان بن فوديو في نيجيريا (١٨٠٤ - ١٨١٠م) ، وحركة محمد أحمد عبد الله المهدي في السودان (١٨٤٣ - ١٨٨٥م) وحركة رابح بن عبد الله في وادي تشاد، وحركة الشيخ عمر المختار في ليبيا، والشيخ عمر الفوتي في منطقة السودان الغربي (١٧٩٧ - ١٨٦٤م) . ولرجحان كفة الاستعمار العسكرية بسلاحه الناري تمكن من أن يطيح بكل هذه المقاومات المناهضة له، بإعدام قادتها في بعض الأحيان أو طمس حركاتهم في معظم الأحيان ومتابعة السياسة التوسعية الاقتصادية والدينية دون مبالاة. وقد بقي الإسلام بالرغم من كل ذلك دين السواد الأعظم من الإفريقيين، وتمكن من الوصول إلى كثير من المناطق التي لم يصلها قبل مجيء الاستعمار. إن هذا الأمر يثير التساؤل حول: لماذا ينتشر الإسلام بهذا الشكل في إفريقيا على الرغم من كل ما يبذل من جانب التنصير؟ هناك عدة عوامل أسهمت في انتشار الدين الإسلامي في إفريقيا ترجع إلى التنصير، على الرغم مما ينفق عليه بسخاء، كما ترجع إلى مضمون المسيحية نفسها بمواجهتها مع المجتمع الإفريقي، وإلى الاستعمار الغربي، وهو الأمر الذي لم يأت عن قصد، ولكن نتاجه المباشر أو غير المباشر كان الإسهام في انتشار الدين الإسلامي في إفريقيا؛ فعوامل الطرد في إطار المسيحية عملت في الوقت نفسه كعوامل جذب للإسلام. * المسيحية ... دين الرجل الأبيض: حرصت الإرساليات التنصيرية على نقل الحضارة الغربية الأوروبية لإفريقيا مما جعل صفة الأجنبية والتغريب ترتبط في الأذهان بالمسيحية في إفريقيا، وهو ما ترتب عليه استخدام تعبير «الأورو مسيحية» Euro-Christianity في هذا المجال، والنظر إلى الإفريقي المسيحي على أنه أورو مسيحي أو مسيحي أوروبي. فالعمل التنصيري لم يقتصر على نشر الديانة المسيحية والدعوة للإنجيل، ولكن تضمن أيضاً التعليم والحِرَف والفنون والرعاية الطبية، كما أن زراعة الثقافة الأوروبية أصبحت بُعداً أساسياً من الأهداف التنصيرية. ويلاحظ أن المحطات التنصيرية نمت حول تلك المدارس والعيادات الطبية التي أنشأتها الإرساليات، ولم تعكس إلا القليل جداً من الحياة الإفريقية في القرى المحيطة. فالإفريقيون المسيحيون المقيمون في الإرسالية كانوا في الواقع تقريباً يعيشون في أرض أجنبية، ويتلقون ثقافة أجنبية وديناً أجنبياً. وقد أعطيت أسماء أجنبية للإفريقيين في تلك المحطات التنصيرية، وكانت الشكوى من الأجنبية والتغريب في الاتجاه والعبادة والحياة وطريقة المعيشة؛ حيث ترددت في إفريقيا على اتساعها شكوى من الارتباط بأنماط ومؤسسات غير إفريقية مثلت المسيحية كعقيدة أجنبية. وفي الواقع فإن المسيحية في الأساس قد طوعت نفسها للحياة الاجتماعية والشخصية للشعوب الأوروبية إلى الحد الذي أصبحت فيه مرادفة لهذه الحياة بكافة أنواعها، أي ذات صبغة أوروبية. فقد حدث توليف بين المسيحية والثقافة في الغرب أدى واقعياً إلى عرقلة انتشار المسيحية خارج نطاق من يتبعون الحضارة الأوروبية. وفي هذا المجال يؤكد بعض الباحثين المهتمين بدراسة المسيحية في إفريقيا أنه من الناحية الاجتماعية يجب أن تتعرف الكنيسة على المظاهر الأساسية للنماذج الثقافية الإفريقية وأن تتمسك بها، وإلا فإنها ستظل أجنبية بدون جذور؛ فكيف يمكن للكنيسة أن تنتمي للمجتمع الإفريقي إذا كانت تعطي بوضوح الانطباع على أنها جزء من طريقة الحياة الغربية؟ فالظروف والأساليب التي نجحت في الغرب لا يمكن تطبيقها تلقائياً في إفريقيا. فإذا حملت المسيحية وصمة أنها مجرد فقرة أو مادة أخرى مستوردة من الغرب فستبقى عميقة في اتصالها بالغرب، ومن ثم تصبح عميقة في مهمتها. وحيث إن الكنيسة في إفريقيا تعتبر أجنبية أساساً، فإنها من ثم ترفض بشدة من جانب الإفريقيين الذين يسعون لإبراز الشخصية الإفريقية والتخلص من آثار الاستعمار التقليدي. ومن الجدير بالملاحظة أن أسلوب التنصير القائم على تحويل روح واحدة أي إدخال كل فرد على حدة للمسيحية قد اتبع في إفريقيا كما هو متبع في المسيحية عامة، ولكنه وإن تمشى مع الفردية الغربية إلا أنه أغفل طبيعة الانتماء الجماعي في إفريقيا، وأعطى الانطباع بأن على الأفراد أن يتركوا قبائلهم لينتموا للقبيلة المسيحية. وغني عن الذكر أن أسلوب التنصير الفردي هذا يجعل من الصعب دخول الإفريقيين للمسيحية كجماعات وإن لم يحل دون دخولهم كأفراد، على خلاف المشاهد بالنسبة للعائلات بل وللقبائل التي تدخل الإسلام كجماعات تلهج بترديد الشهادة. كما يلاحظ أيضاً أن العشيرة عادة ما تمارس ضغطها وخاصة أن التعميد في العادة يتطلب إذناً كتابياً منها؛ ومن ثم فإن الانتماء التقليدي يجب أخذه في الحسبان. ومن الواضح أن المنصرين ينصرون في إطار ثقافة المسيحية البروتستانتية الإنجيلية أو الكاثوليكية الرومانية في القرن التاسع عشر، ومن الواضح أن وجهة نظر الإفريقي وتجربته عن الحقيقة تختلف عن تلك التي للغربيين. وتبدو تلك الصعوبة من خضوع الكنيسة لرجال الدين الأوروبيين البيض الغرباء عن الثقافة الإفريقية وغير القادرين على الإحساس بالإفريقيين والذين يؤكدون سواء كانوا كاثوليك أو بروتستانت أن المسيحية تنتمي لهم مما يصبغها بصبغة أوروبية، وهذا ما حدا إلى استخدام الأفرو أمريكيين في التنصير بدلاً من المنصرين الأوروبيين، وإن كانوا هم أيضاً لم يحققوا الهدف المنشود. ومن الملاحظ أن بعض النظم الاستعمارية قد لجأت إلى اتباع سياسة الاستيعاب كما هو حال فرنسا التي جعلت الإفريقيين يفكرون كأوروبيين لا كإفريقيين بكل ما يتضمنه الأمر من معان أدت إلى تغريب الشخص الإفريقي ومعاداة الثقافة الإفريقية والقيم المتوارثة. وإذا كانت فرنسا قد أخذت سياسة الاستيعاب بجدية وركزت على الاستيعاب الثقافي والحضاري فإن البرتغال قد ركزت على الاستيعاب الثقافي والديني؛ حيث جعلت نشاطها مُرَكَّزاً على نشر الدين المسيحي الكاثوليكي مع استخدام الاستيعاب كصمام أمان رفعته كشعار بالدرجة الأولى. ومن هنا يؤكد البعض أنه في كثير من الحالات ينبغي على الإفريقي المسيحي أن يعيد اكتشاف نفسه؛ فهو كمسيحي لم يكف عن أن يصبح إفريقياً، وتقبُّله المسيحية لا يستوجب بالضرورة جعله أجنبياً عن أهله، ومن ثم تثور مشكلة أساسية تتمثل في تكريس أزمة الهوية؛ حيث الاستيعاب لم يخرج في حقيقته عن عملية إفناء حضاري. وفي الوقت الذي حرصت فيه الإرساليات التنصيرية كما حرصت فيه النظم الاستعمارية المختلفة على نقل الحضارة الأوروبية لإفريقيا، فقد طلبوا من الإفريقيين ترك العديد من القيم المتوارثة التي لا تتمشى في رأي المنصرين والمستعمرين مع نظام القيم الأوروبية والمسيحية. فالحضارة الأوروبية اعتُبرت إحلالية محل الحضارة الإفريقية التي حرصت الإرساليات على تدميرها كمتطلب سابق للدخول في المسيحية، وكما يعبر البعض؛ فإن ما قامت به الإرساليات هو في حقيقته عملية إفناء وليس عملية استيعاب، وأن على الإفريقي وخاصة الإفريقي المسيحي التعامل مع هذه المشكلة. فالمنصرون طلبوا من الإفريقيين الذين يتبعونهم في المسيحية ترك العادات التي تربوا عليها، ونبذ قيمهم التقليدية، وكذلك فرضت المسيحية الالتزام بالزواج بواحدة فقط والنظر إلى تعدد الزوجات على أنه تحلل خلقي؛ بينما المجتمعات الإفريقية بصفة عامة قائمة على تعدد الزوجات. وهذه بالطبع نظرة سطحية تأخذ بظواهر الأمور دون التعمق في حقيقة المعتقدات الإفريقية التي لها جوهر ومضمون. وهذا الأمر الذي يستهجنه المنصرون يعتبره الإفريقيون مظهراً طبيعياً في المجتمعات الإفريقية التي يختل فيها التوازن العددي لصالح النساء؛ حيث لا يتفهم المنصرون المضمون الثقافي والمجتمعي لتعدد الزوجات، فلا يوجد في المجتمعات الإفريقية عامة مكان للمرأة غير المتزوجة، وطالما كانت هناك قدرة على إعالة المرأة ومدها بالنذر اللازم من الطعام والكساء والمأوى فإنه من الطبيعي والمنطقي في المفهوم الإفريقي أن يتزوج الشخص القادر على ذلك؛ فهناك اعتبارات إنسانية تتدخل في موضوع تعدد الزوجات، والإفريقيون لا يجدون حساسية في ذلك حتى إن الزوجة نفسها هي التي تسعى لتزويج زوجها من أقرب صديقاتها، وهي التي تتولى الدعوة للزفاف والاحتفال بالمناسبة، وتعيش الزوجات عيشة أسرية عادية باعتبارها النمط الطبيعي للحياة؛ بحيث تكون الزوجة الأولى هي الأساس وهي المبلغة لكلمة الزوج لبقية الزوجات وأفراد الأسرة، ومن ثم عندما يطلب المنصرون قطع الصلة بتعدد الزوجات يعتبر طلبهم غير متقبل وغير طبيعي وغير منطقي بالمفهوم الإفريقي، كما يفتح المجال للتحلل الخلقي في حالة عدم استطاعة استيعاب عدد من النساء بدون زواج. بينما ما فرضه الإسلام من تنظيم العلاقة الأسرية من حيث السماح بتعدد الزوجات وتحديده من الناحية العددية، وتنظيم القيود التي فرضت على الطلاق وغيرها تعتبر خطوة تقدمية ومنطقية في إطار النظرة الإفريقية في هذا المجال. ومن الملاحظ أن المنصرين بدؤوا يغضون الطرف عن تعدد الزوجات؛ وذلك في محاولة لجذب الإفريقيين للمسيحية وتطويعها للقيم التقليدية، وفي بدء الأمر كان التشدد تجاه تعدد الزوجات بالنسبة لمن يدخل في المسيحية؛ حيث كان الاقتصار على زوجة واحدة، ثم بدأ التجاوز عن هذا الشرط بالنسبة لمن كان لديه أكثر من زوجة قبل دخوله المسيحية، ثم امتد بالتغاضي عن التعدد حتى بعد الدخول إليها في محاولة لكسب الأعداد. ولعل من أهم عوامل إخفاق المسيحية وعدم تحقيقها ما كان يرجى لها من نجاح في إفريقيا هو إخفاقها في تفهم القيم الروحية الإفريقية أي عدم تفهم المنصرين أنفسهم للتقاليد الإفريقية، حيث الدخول في المسيحية يعني قطع الصلة بالعديد من القيم والعادات المتوارثة. فمن الجدير بالملاحظة أن كثيراً من المنصرين الغربيين بصفة عامة يستهجنون اعتقاد وإيمان الإفريقيين بالأرواح وعالم الغيب، وهو جزء أساسي من المعتقدات والقيم الإفريقية التي استمرت حتى بعد دخول الكثير من الإفريقيين للديانات السماوية. ويؤكد المنصرون على ضرورة ترك ما يطلقون عليه الأفكار والمعتقدات غير الرشيدة، بل إن المنصرين يضعون الدخول في المسيحية في كفة وترك الاعتقاد بعالم الأرواح والإيمان بالغيب والعالم غير المرئي الذي يعتقد فيه قبل الانضمام للمسيحية في كفة أخرى. فهم يعتبرونها أحد مظاهر الوثنية من جهة ما سبق أن تم في أوروبا في العصور المظلمة عندما ساد الاعتقاد بها من جهة أخرى. ويرى البعض أن المنصرين يجب أن يفهموا العالم الإفريقي كما يفهمه الإفريقيون وأن يكيفوا أنفسهم مع هذا الواقع ويغيروا وجهة نظرهم فيما يطلقون عليه بالظاهرة غير الرشيدة «ظاهرة الروح» . وعليه فإن الإفريقيين وعلى وجه الخصوص النخبة الجديدة من الزعماء والشباب أي العناصر التي تحركت اجتماعياً واكتسبت وعياً يشعرون بالمرارة من استهزاء المنصرين وسخريتهم من التقاليد والعادات الإفريقية. فتفسير المنصرين للعادات التقليدية ومحاولات إحياء التراث وبعض القيم غير المعترف بها في المسيحية أسهم في عدم الثقة بالمنصرين؛ حيث الاتجاه حالياً في إفريقيا نحو التأكيد على الإفريقية وإحياء الروحانيات وإعادة بعث القيم التقليدية القديمة. باختصار: فقد عمل المنصرون من وجهة نظر الكثير من الإفريقيين على تدمير الحضارة الإفريقية وقطع صلة الإفريقيين بالعادات والقيم التقليدية مع إعادة تشكيلهم وفقاً لما ارتأوه. ومن ثم استمر الشعور بالرغبة في المقاومة لدى الإفريقيين وتحركوا خطوات في هذا الاتجاه بقصد العودة إلى كل ما هو تقليدي، فالأصالة أصبحت هي الصيحة الإفريقية خاصة بعد الاستقلال، وفي هذا المجال نظر الكثيرون للإسلام على أنه جزء من الأصالة الإفريقية التي سعت النظم الاستعمارية والإرساليات التنصيرية إلى طمسها، وأنه من وجهة نظر الشعوب الإفريقية قد تم استيعابه تماماً، وأصبح أحد سمات الشخصية الإفريقية؛ فالدخول في الإسلام لا يتطلب بالضرورة الانتماء إلى الحضارة العربية. * الإرساليات التنصيرية تحمل بذور فنائها ... ! هناك عدة أبعاد للنشاط التنصيري على الرغم مما ينفق عليه بسخاء أسهمت في الإساءة لصورته ومن ثم انعكست على مدى انتشار المسيحية. ولعل أول هذه الأبعاد هي الاتصال؛ فالمسيحية جاءت إلى إفريقيا على يد المنصرين الأوروبيين، وما زالت لهم اليد الطولى في هذا المجال على الرغم من انتشار الكنائس المستقلة؛ فهناك في الواقع حائل حضاري ونفسي يفصل بين المنصرين وبين المخاطبين من الإفريقيين، وعادة ما يردد المهتمون بالشؤون الإفريقية بأن الإفريقي لا يفهمه بحق سوى الإفريقي مثله؛ فعلى الرغم من أن الاتصال في الإرسالية أخذ كحقيقة مسلَّم بها، إلا أن المسيحية في الواقع عانت من تخلف في توصيل الرسالة المسيحية ليس فقط لمن يعيشون بعيداً عن المناطق الحضرية، ولكن أيضاً لمن يعيشون في المدن؛ حيث التحريك الاجتماعي وعوامل التغيير الثوري في كثير من الحالات. فمن الواضح حتى للدارسين المهتمين بالمسيحية وانتشارها أنه لم يتمكن من زرع المسيحية بعمق في إفريقيا؛ حيث إن الأساليب التي استخدمت وصلحت في الغرب لا تصلح بالضرورة في إفريقيا. ويأتي عدم الثقة في جدية التنصير والقائمين عليه كبعد ثانٍ من أبعاد إخفاق المسيحية في إفريقيا. ومن الملاحظ أن المنصرين في سعيهم لجمع الأموال اللازمة للعمل التنصيري في إفريقيا قد أساؤوا دون قصد إلى صورة المجتمعات الإفريقية؛ وذلك بإبراز بعض أوجه الحياة والنواحي غير المشرقة في تلك المجتمعات كالفقر والمرض والتخلف الاجتماعي والمبالغة في إظهارها جذباً للعطف والأموال، أي بمعنى آخر: عمل المنصرون على إظهار صورة سيئة عن إفريقيا والإفريقيين في أوروبا وأمريكا حتى يستمروا في عملهم التنصيري والحصول على الأموال اللازمة لذلك. ولكن من ناحية أخرى يسيء هذا الأمر لشعور الإفريقيين وخاصة الدارسين والعاملين في الدول الأوروبية والأمريكية والمحتكين بالمجتمعات الغربية عامة. وفي مسابقة أجريت بين الدارسين من الدول الإفريقية المختلفة في الولايات المتحدة الأمريكية لإبداء رأيهم في التنصير بما يعكس وجهات نظر الطليعة الجديدة في هذا المجال، جاءت معظم الآراء سلبية، ومن ذلك القول بأن المنصرين الذين يذهبون إلى إفريقيا يؤكدون حقيقة أن الإفريقيين فقراء؛ ومن ثم فهم يحاولون جمع المال من وطنهم لمساعدة إفريقيا، ويكون من الأفضل جداً لو أنهم أكدوا أن الأفريقيين فقراء؛ لأن الاستغلال والسيطرة حرمتهم من مواردهم الطبيعية وثروة قارتهم. وعلى أي حال فإنه على الرغم مما قد يقال عن النوايا الحسنة للمنصرين والدوافع الإنسانية إلا أن ذلك السلوك من جانبهم أسهم في تشويه صورة إفريقيا في العالم، واستثار الإفريقيين المحتكين بالخارج ضد المنصرين وضد الإرساليات المسيحية في إفريقيا عامة. ومن ناحية أخرى فمن أهم ما أسهم في ابتعاد الإفريقيين عن التنصير هو النظرة إلى أنه قاصر في نشاطه، فلم يستطع أن يحل المشكلات الروحية للشعوب الإفريقية، كما لم يواكب التطورات السريعة والثورية التي تطرأ على تلك الشعوب؛ فالندوات الدينية في إفريقيا خاصة تلك التي في أقاصي المناطق الريفية تعطي الانطباع على أنها بقايا لأديرة القرون الوسطى؛ حيث تعيش بعيداً عن المشاكل والموضوعات الحقيقية في الحياة، ومعظم تلك الندوات الدينية يقوم بالتدريس بها مدرسون غير إفريقيين بعضهم يبدون وكأنهم غير مهتمين البتة بدراسة الوضع الإفريقي. على الرغم من أن الكنيسة هي التي بدأت التغيير الاجتماعي في إفريقيا عن طريق التعليم الذي يعد أهم عامل ثوري في التحريك الاجتماعي إلا أنها لم تستوعبه؛ فقد تعلم الكثير من الشباب المتحركين اجتماعياً والعاملين في المصانع والمدن عامة أن يجدوا طريقهم بدون الكنيسة التي أخفقت في أن تبني جماعة جديدة في المدن، وأن تواجه انهيار النظم الاجتماعية المرتبطة بالانتقال من الريف إلى الحضر، وأن تعطي توجيهاً إيجابياً لحركة الطبقة العاملة والفئات المتحركة اجتماعياً في المدن؛ حيث لا تقدم المسيحية برنامجاً اجتماعياً، وأصبح الكثيرون منجذبين للسحر كحماية ضد القوى الاجتماعية، كما انجذب الكثيرون للإسلام وزعاماته وتنظيماته الدينية المنتشرة في المدن. باختصار: فإن الكنيسة أصبحت في حاجة إلى إعادة تجديد للتمشي مع الأوضاع الاجتماعية الجديدة؛ وذلك كما يؤكد المهتمون بدراسة المسيحية في إفريقيا. فمن المتفق عليه عامة بين الدارسين والمحللين للمسيحية في إفريقيا أن انقسامية الكنيسة لا تمكنها من القيام بدور فعال في مجتمع يتطور في كافة نواحيه. ويأتي اتباع المنصرين للسياسة الاستعلائية كثالث بُعد من أبعاد إخفاق العمل التنصيري داخل القارة الإفريقية؛ فالمنصرون المسيحيون يذهبون إلى القارة الإفريقية حاملين معهم تلك الطبيعة الاستعلائية والإحساس بتفوق المجتمع الغربي الذي جاؤوا منه؛ فهم لا يندمجون مع المجتمع الإفريقي، ولا يتزوجون منهم، بل يحافظون دائماً على مسافة بينهم وبين الإفريقيين. وإذا كان المنصرون كثيراً ما يركزون في دولهم الأصلية في سعيهم لجمع الأموال لاستمرار عملهم التنصيري في إفريقيا على سوء الحياة المعيشية التي يعيشونها والمعاناة الضخمة التي يتلقونها من المعيشة في المجتمعات المتخلفة مقارنة بمستوى المعيشة في دولهم الأصلية، إلا أن مما يزيد من استثارة الإفريقيين أن من أهم ما يلاحظ هو المستوى المعيشي المرتفع للمنصرين بالنسبة لما يحياه الإفريقيون مما يجعل المبشر يعيش حياة مغايرة تماماً للحياة الإفريقية، وينعزل إليها بعد دروسه التنصيرية؛ حتى المحطات الإرسالية فإنها تحاط بعزلة عن بقية المجتمع؛ فهي تمثل بؤرة أوروبية في المجتمع الإفريقي مع الفواصل الحضارية والنفسية والمادية بين المنتمين للاثنين. ومن الجدير بالذكر في هذا المجال أن نشر الدعوة الإسلامية وإن كان ينقصه الإمكانيات والدعم المنظم للنشاط الدعوي، إلا أنه لا يواجه مثل ما يواجهه ذلك النشاط التنصيري المسيحي من مشاكل؛ حيث المسلمون يعملون بمبدأ كل مسلم داعية لدينه. وقد تميزت المحطات التنصيرية منذ البداية بالاستغلال الذي بدأ بالاستعباد التنصيري وذلك منذ إقامتها خاصة في غرب إفريقيا في ضوء مثلث الأطلنطي للتجارة الذي مثل العنصر البشري الإفريقي الذي اقتلع من جذوره في ظل تجارة الرقيق لينقل للعالم الحديث أهم أضلاعه بحيث أطلق عليه «المثلث الذهبي» . ويتم فيها - المحطات التنصيرية - تجنيد العبيد وبيعهم وتشغيلهم وتقسيم القبائل والممالك، وقصر تعليم الأغلبية على التعليم الابتدائي وتعليمهم الصلاة. ومن هنا كانت تعد وبحق مقاطعات استعمارية، ولم يكن لها دور مسيحي له اليد العليا في حياة المواطنين؛ فكان الأهالي في المناسبات الحزينة أو السعيدة يعتمدون على رجال الديانة التقليدية بشكل أساسي، ثم يأتي القس فقط ليقول الكلمات الأخيرة. وعليه فقد استمر الاستغلال في استخدام المحطات للنشاط التجاري وجمع الأموال. ولعل أهم ما واجه المسيحية في إفريقيا من صعوبات عرقلت نشاطها هو صبغها بالصبغة الاستعمارية؛ حيث نظر إليها على أنها أداة استعمارية وملحقة بالإدارة الاستعمارية عاشت على حذوها أياً كانت تلك الإدارة، ومن ثم فإن رفض الاستعمار تضمن بالطبيعة رفض كل ما ارتبط به من قيم بما فيها المسيحية، والمنصِّر المسيحي كان رائداً لدخول الرجل الأبيض للقارة؛ فالمنصرون كانوا طليعيين للاستعمار الغربي في إفريقيا؛ فقد سبقوا الجيوش الاستعمارية ووطدوا لها، كما جاؤوا في ركابها؛ حيث لم تخل الجيوش الاستعمارية من المنصرين ليعملوا على فتح القلوب. وتضمنت الاتفاقيات التي أبرمت بين النظم الاستعمارية والزعامات الإفريقية حيثما وجدت بنداً ينص على إطلاق حرية التنصير في طول البلاد وعرضها، كما عاش المنصرون على الحظوة والتفضيل الإمبريالي والسياسي، وارتبطت مصالحهم بمصالح دولهم المستعمرة خاصة، وارتأوا استمرار الوضع القائم الذي يمكنهم من القيام بمهامهم، وبنفس المثل استخدمتهم النظم الاستعمارية على اختلافها لتحقيق أهدافها؛ فالعلاقة بينهم متبادلة وكذلك المصالح. فالعلاقة بينهم تكافل بالدرجة الأولى؛ ومن هنا فقد استخدم البعض تعبير (إمبريالية الجماعات التنصيرية) أو (الإمبريالية التنصيرية) رمزاً لتسلط الإرساليات في إفريقيا وسياستها في السيطرة على مقدرات الشعوب وتسييرها وفقاً للسياسات الاستعمارية والقضاء على أي تراث ثقافي قائم غير التراث الغربي المسيحي. وكان المدخل الواسع للتنصير ونشاطه هو التعليم الذي كان نحو ٩٥% منه على يد المنصرين في ظل الغارة الاستعمارية، وكان التعميد هو المتطلب السابق للتعليم في معظم الحالات، لكن في بعض الحالات قام الإفريقيون فيما بعد بإحراق المدارس والكنائس على أساس أنها مرتبطة بالسلطة ومن ثم بالإخضاع. وكما يعبر البعض من الإفريقيين أن الشر الأساسي للتنصير في إفريقيا هو تراثها النفساني. فالمسيحية هي دين الأسياد الجائرين الأجانب، وقد ينظر إلى زيادة انتشارها بين شعب يحاول أن ينفض عنه آثار سيادة الجائرين نظرة ريبة. وليست فكرة إقناع الرجل الأسود برب الرجل الأبيض سوى ترادف لإقناعه بقبول دوره الأدنى. ومما يلاحظ في هذا المجال أنه في الوقت الذي ربطت فيه الشعوب الإفريقية بين الاستعمار والمسيحية - حيث قدمت المسيحية على أي حال من جانب مواطنين ينتمون على وجه الخصوص لدول مستعمرة - فإن الإسلام على العكس ارتبط في أذهان الكثيرين بالوقوف في وجه الاستعمار لا كمجرد دعاية أو تصور ولكن كحقيقة موضوعية؛ فمن ناحية واجهت الجيوش الاستعمارية محاولة فرض السيطرة من جانب الدول الأوروبية مقاومة شديدة من جانب الزعماء الدينيين المسلمين الذين أطلقوا على الأوروبيين من الغزاة اسم الكفار. وقد شهدت القارة الإفريقية في الواقع هذه الظاهرة التي انتشرت من مكان لآخر مع اختلاف مسمياتها، وجميعها أمثلة حية على ما يمكن أن نطلق عليه الحروب المقدسة تحت راية الإسلام لمقاومة الغزو الأوروبي والتسلط الاستعماري. ويلاحظ أن الإسلام كان بطيء الانتشار في القارة الإفريقية عامة حتى القرن التاسع عشر، حتى فرض الاستعمار سيطرته على القارة، ومن وقتها انتشر بسرعة واضحة؛ حتى أصبح متغلغلاً في كل دول القارة مع الاختلاف بينها في نسبة المسلمين العددية؛ فما من دولة في القارة اليوم إلا وفيها نسبة من المسلمين بما في ذلك أنجولا معقل الكاثوليكية وركيزة البرتغال بالقارة لقرون. وهم مع قلتهم ظاهرة تدرس في كيفية الصمود والاستمرار رغم الجهود المكثفة للتنصير بالمنطقة ولقرون. وهناك عدة جهود لتسويغ أسباب ارتباط سرعة انتشار الإسلام وتعميقه في إفريقيا بوجود المستعمر؛ فمن ناحية يمكن القول إن الحروب الدينية باسم الجهاد جذبت إليها الكثيرين لمواجهة الاستعمار، ومن ناحية أخرى فقد يكون هناك اجتياح تلك الجيوش الإسلامية لكثير من القرى أثناء مواجهة المستعمر جعل الكثيرين يتبعونه لا بحماس المجموعة الأولى ولكن اتباعاً للكثرة. ومن ناحية ثالثة فإن زعامة القادة الإفريقيين المسلمين للجهاد ضد المستعمر الأوروبي أوجد تعاطفاً مع المسلمين، وجعل الإسلام رمزاً للكفاح ضد الاستعمار، وجذب البعض نحوه ممن نفروا لنفس السبب من المسيحية التي جاءت تحت الراية الاستعمارية الأوروبية. يضاف إلى هذا أن النظم الاستعمارية في كثير من الحالات كما حدث في غرب إفريقيا وشمالها وشرقها لم تستطع أن تقيم حكمها إلا بعد القضاء على الممالك الإسلامية القائمة والتي مثلت عقبة في سبيل فرض سيطرتها الاستعمارية، إلا أنها وإن كانت قد استطاعت بذلك أن تضعف النفوذ السياسي للمسلمين في كثير من المناطق لم تستطع أن تتغلب على حقيقة أن المسلمين كانوا على درجة من التقدم والتنظيم والثقافة مما جعلها تستعين بهم في الإدارة، كما استخدمت الكثير من المشايخ ذوي النفوذ الاجتماعي والسياسي لضمان السيطرة على الشعوب عن طريقهم مما قوَّى من نفوذهم الاجتماعي والسياسي وجذب إليهم المزيد من الأتباع، ويبدو هذا واضحاً من المشايخ والعلماء المعروفين بالمرابطين في غرب إفريقيا الناطقة بالفرنسية وخاصة في السنغال. ويلاحظ أن اعتماد إنجلترا على السواحليين في شرق إفريقيا في الإدارة كان مطلقاً تقريباً على الرغم من كراهيتهم لذلك. ولكن كونها قد بنت سياساتها الاستعمارية على النفعية (البراجماتية) فإنها كان عليها أن تستعين بأكثر العناصر تقدماً ألا وهم المسلمون السواحليون، مما أسهم أكثر في زيادة نفوذهم اجتماعياً، وزاد من نشاط الدعوة الإسلامية. يضاف إلى هذا أن نشاط الأقليات الإسلامية من الهنود الذين جلبتهم الإدارة البريطانية للعمل في شرق إفريقيا والجزر الإفريقية أسهم في نشر الإسلام عن طريق هؤلاء الذين، وإن كانوا قد جاؤوا معهم ببعض الانشقاقات الدينية إلا أنهم على أي حال كانوا مسلمين، ويرجع الفضل لهؤلاء المسلمين التجار في حمل شعلة الإسلام في شرق وجنوبي إفريقيا؛ بحيث نجد أن نحو ٦% من الملونين ذوي الأصل المختلط في جمهورية جنوب إفريقيا من المسلمين. وأصبح المسلمون بهذا الشكل يعيشون حياة اجتماعية غير تلك التي يعرفها المسلمون قبل الاستعمار، وأصبح يعرف هذا النوع من الإسلام بالإسلام العلماني Islam Secular ويقصد به الإسلام الذي اعتنقه السكان أثناء الاستعمار الأوروبي، أي أنه الإسلام الذي تخفف من بعض الظواهر الاجتماعية التي لا تمس العقيدة الإسلامية. ولكن من ناحية أخرى فإن الدين الإسلامي يعد عاملاً هاماً في توحيد الثقافة الإفريقية، وأنه من بين الشعائر الإسلامية ما يكون رباطاً هاماً للتفهم بين المسلمين كما يجعل من الثقافة الإسلامية الإفريقية وحدة مترابطة، وأن الشعائر الإسلامية واحدة في كل مكان. كما أن التعاليم الإسلامية هي التي شكلت الحياة الإفريقية؛ وعليه فالإسلام الإفريقي يمكن أن يفهم بطريقة مزدوجة؛ فهو مظهر إفريقي محلي في عالم الإسلام، وهو أيضا تنوع إسلامي في الثقافة الإفريقية.

стр. 4431

ملفات إفريقيا في عالم متغير.. وجهات نظر استراتيجية من واقع العمل الإسلامي في شرق إفريقيا محمد بن حمد الخميس [*] لقد وصل الإسلام إلى إفريقيا قبل أن يصل المدينة المنورة؛ وذلك عندما هاجر مجموعة من صحابة المصطفى ﷺ إلى الحبشة بعد البعثة بخمس سنوات، ثم بدأت الفتوحات الإسلامية لإفريقيا في عهد الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ حيث فتحت مصر ثم استمر الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا خلال القرن الهجري الأول حتى وصل إلى المحيط الأطلسي غرباً. ولهذا نستطيع القول بأن الجهاد كان سمة أساسية لانتشار الدعوة الإسلامية في الشمال الإفريقي. أما في شرق أفريقيا فإن الأمر مختلف تماماً؛ فهجرات المسلمين وازدهار التجارة مع بلاد المسلمين يمثلان أهم عوامل نشر الدعوة الإسلامية. وبعد أن تمكن الإسلام من قلوب شعوب الشمال والشرق الأفريقي بدأ ينطلق وبقوة حيث عبر الصحراء الكبرى حتى وصل إلى الغابات الاستوائية على الساحل الغربي للقارة، كما توغل من الشرق إلى الوسط والجنوب، وقامت في أفريقيا ممالك إسلامية عظيمة في الشرق والغرب والوسط. وبهذا أصبحت القارة تدين بالإسلام، واستمرت على ذلك قروناً عديدة حتى جاء الاستعمار خلال القرون الثلاثة الأخيرة، وعزل المسلمين بأفريقيا عن العالم الإسلامي، وحارب انتشار اللغة العربية، وغيَّر كتابة كثير من اللغات الأفريقية من الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني، وكان العالم الإسلامي وقتها ضعيفاً إلى درجة أنه لم يستطع مساعدة إخوانه في أفريقيا أمام هذه الهجمة الشرسة من الاستعمار الذي فتح الباب على مصراعيه للبعثات التنصيرية التي دخلت إلى كل مكان في أفريقيا وشيدت الكنائس في عواصم أفريقيا ومدنها وقراها حتى يخيل إليك أحياناً أن النصارى أغلبيه وهم ليسوا كذلك. ففي دار السلام عاصمة تنزانيا حيث الغالبية المسلمة دون منازع؛ ومع ذلك فإنك تشاهد الصليب مرفوعاً على الكنائس الضخمة في معظم مداخل المدينة البرية والبحرية وفي شوارعها الرئيسية، وفي زنجبار التي يدين ٩٨% من شعبها بالإسلام ترى الكنائس في أماكن متفرقة من الجزيرة بحجة الحرية الدينية، وفي كثير من مدن وقرى شرق وشمال كينيا حيث سكانها من أصول صومالية مسلمون ١٠٠% وليس فيها نصارى إلا الحاكم أو أفراد الجيش أو الشرطة أو العاملون في السلك الحكومي ومع ذلك تتجول في المدينة، وترى أحياناً أن عدد الكنائس يفوق عدد المساجد، وأذكر أني زرت قرية في جنوب مدغشقر اسمها قرية (مكة) وإذا كنيسة على مدخل القرية، فسألت عن نسبة النصارى فيها، وإذا بالإجابة أنه لا يوجد فيها نصراني واحد. ولم تقف الكنيسة عند هذا الحد من صدها للدعوة الإسلامية في أفريقيا، وإنما قامت وساهمت وبدعم من المستعمر الأوروبي بتجهيل قبائل مسلمة وإبعادها عن الإسلام حتى أصبحت وثنية أو لا دينية لا تعرف عن الإسلام حتى اسمه، ولا تستغرب إذا قلت لك إن قبيلة السكلافا ذات الأصول الإسلامية في محافظة ماجونقا بشمال مدغشقر لديهم مكان للعبادة يسمونه: «الدعاني» أي بيت الدعاء يطوفون حوله بإزار ورداء أبيضين متجردين من الملابس الداخلية وحاسري الرؤوس، وبعد الطواف يتبركون ويشربون ماءً ثم ينحرون الهدي. وفي شمال كينيا حيث تعيش قبيلة الغبرا يصومون رمضان ويحتفلون في شهر ذي الحجة احتفالاً يسمونه احتفال أرفه، ويتوجهون بطقوس تعبدية إلى جهة القبلة خمس مرات في اليوم ومع ذلك فهم لا يعرفون ديناً اسمه الإسلام. وقبيلة البورنا في شرق أفريقيا يؤمنون بوجود الله ، ويقومون ببعض الممارسات التي تدل أنهم كانوا مسلمين في يوم من الأيام، ولكنهم يعبدون غير الله كالجبال أو الأشجار وغيرها. وبالرغم من هذه الهجمة المنظمة على الإسلام في أفريقيا من قِبَل الاستعمار والكنيسة، إلا أن هذه القارة ظلت تدين بالإسلام؛ حيث تشير إحصاءات عام ١٩٨٨م أن عدد سكان القارة الأفريقية بلغ ٦١١ مليون نسمة، منهم ٥٢.٨% يدينون بالإسلام، والباقي ٤٧.٢% تشترك فيه المسيحية والوثنية والديانات الأخرى [١] . ومما يشهد على ذلك أن عدداً لا بأس به من برامج الكنيسة التي وجهت إلى قبائل معينة باءت بالإخفاق، وقد كتب الشيخ موسى الطارقي مقالاً رائعاً في مجلة الكوثر الكويتية بعنوان: «لماذا لا يحتفل المسلمون بفشل أشرس غارة صليبية على أفريقيا؟» وذكر أن البرنامج التنصيري الموجه إلى قبيلته «الطوارق» كلف الكنيسة خلال ثلاثين سنة مئات الملايين من الدولارات، وكانت النتيجة هي تنصير خمسة أشخاص فقط من القبيلة وذكر أسماءهم [٢] . ولا يعني هذا أن هذه الهجمة الكنسية على أفريقيا، وهذا الغزو الصليبي لم يؤثر عليهم سلباً؛ فهناك مسلمون تنصروا بسبب حاجتهم لإمكانات الكنيسة وما تقدمه إليهم، والبعض قد يكون عن جهل. وهناك عدد كبير من القبائل الأفريقية تحولت من الإسلام إلى الوثنية أو اللادينية مثل قبائل: الأنتيمور والسكلافا والكريو والبورنا وغيرهم، ويقدر عددهم بـ ٤٠ إلى٥٠ مليون نسمة [٣] . وهناك مسلمون تأثروا بالفكر الصوفي، وآخرون أدخلوا في الدين من البدع ما لم ينزل به الله سلطاناً. واستمر هذا التأثير السلبي يدب في جسد القارة الأفريقية وينهك قدرتها على مقاومة الكنيسة ولا سيما أن العون الخارجي المادي أو الدعوي كان شبه معدوم؛ حيث كان الاعتماد بعد الله على الجهود الدعوية الذاتية لأبناء القارة الذين تلقوا ثقافتهم الإسلامية في ظل هيمنة الاستعمار على بلدانهم، والذي كان يحرص أشد الحرص على عزلهم عن العالم الإسلامي. ومما زاد الطين بلة نجاح بعض الحركات الثورية المدعومة من الشيوعين التي أوصلت زعماء إلى سدة الحكم حاربوا الإسلام علانية، وأظهروا الكراهية له كما حصل في أثيوبيا والصومال وتنزانيا وغيرها من البلدان الأفريقية. وخلال الثلاثين سنة الماضية تحررت معظم الدول الأفريقية من حكم الاستعمار، ووصلت الصحوة الإسلامية إليها كما وصلت إلى غيرها، وساهم فيها خريجو الجامعات الإسلامية ولا سيما الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وساهموا في نشر المدارس الدينية والخلاوي القرآنية. وتشير بعض الإحصاءات أنه في جزيرة زنجبار ذات المليون نسمة يوجد ما لا يقل عن ١٨٠٠ مدرسة دينية، وفي مقديشو توجد ٣٨٣٠ خلوة قرآنية [٤] . وهذه المدارس والخلاوي وإن كانت تعاني من الضعف المالي والإداري، وتفتقر إلى أدنى درجات التنظيم والترتيب إلاَّ أنها ساهمت في الحفاظ على هوية المسلمين واعتزازهم بدينهم؛ حيث تستوعب هذه المدارس أحياناً أكثر من ٨٠% ممن هم في سن التعليم. وفي هذه الفترة من الزمن بدأ العمل الخيري المؤسسي في الخليج والبلدان الإسلامية الأخرى، وامتد نشاطه إلى القارة الأفريقية مما ساهم في تعزيز الدعوة الإسلامية. ولكن مع الأسف فإن عدداً كبيراً من المؤسسات الخيرية الإسلامية اقتصر دعمه على المدارس الدينية والخلاوي القرآنية، وأغفل المدارس النظامية التي لا تقل أهميتها عن المدارس الدينية؛ فكما هو معلوم أن الإسلام نظام كامل لحياة البشر يشمل جميع مجالات الحياة، وكما أن الأمة تحتاج إلى العالم والداعية والإمام فهي بحاجة إلى الطبيب والمهندس والاقتصادي والسياسي والإعلامي. ونتيجة لهذا الإغفال أقصد إغفال إنشاء مدارس نظامية للمسلمين أصبح المسلمون مهمشين في دولهم وإن كانوا أغلبية؛ فعادة ما يكون الوزراء ونواب البرلمان ومدراء العموم وأصحاب النفوذ في كل بلد من الحاصلين على شهادات ومؤهلات دراسية، وهذا في الغالب يتوفر لدى النصارى، ولذلك تجدهم يسيطرون على هذه المقاعد المهمة وإن كانوا أقلية في البلاد، لهذه الأسباب وحسب تجربتي المتواضعة في لجنة مسلمي أفريقيا بدأت ألمس أن بعض مؤسسات العمل الخيري في أفريقيا سواء كانت أجنبية أو محلية أخذت بالاهتمام في بناء وتشييد وتسيير مؤسسات تعليمية في التعليم العام تطبق المناهج المعترف بها من قبل وزارة التربية والتعليم في الدولة المعنية، وتضيف إليها من المناهج الشرعية واللغة العربية ما تشاء، وهي بهذه الطريقة تستفيد من تعليم المناهج النظامية لتخريج طلاب في مجالات عديدة دون أن تفقد التعليم الديني الذي كانت مقتصرة عليه في السابق. وأرى من خلال متابعتي للمدارس النظامية التي تديرها اللجنة في شرق أفريقيا أن هذا الاهتمام ليس فقط من قِبَل مؤسسات العمل الخيري، ولكن الوعي لدى الآباء بأهمية تدريس أبنائهم هذا النوع من التعليم بدأ يتنامى حتى إن بعضهم يقطع جزءاً من لقمة عيشه على تواضعها ويسدد بها الرسوم الدراسية لأبنائه. وهناك مؤسسات خيرية قطعت شوطاً كبيراً في هذا المجال، وبعد أن لمست نجاحات متعددة في التعليم العام بادرت بإنشاء مؤسسات للتعليم العالي بعد أن كانت حكراً على الكنيسة لعقود مضت؛ وذلك من أجل توفير الدراسة الجامعية للطالب الأفريقي المسلم في بلده وبين أهله ليساهم في تنمية نفسه وبناء أمته محصناً بالعلم الشرعي؛ وهذه المؤسسات وإن كانت قليلة ولا زالت تعتمد على تبرعات المحسنين في التسيير، ولكنها خطوة في الطريق الصحيح إن شاء الله لإيجاد المسلم القادر على خدمة قضاياه المصيرية في زمن العولمة. وأذكر بعض هذه المؤسسات على سبيل المثال لا الحصر: - جامعة مقديشو. - جامعة زنجبار. - كلية التربية بزنجبار. - كلية الحديث وأصول الدين في ممباسا. - كلية ثيكا للدراسات الشرعية. - المعهد الصومالي للتنمية الإدارية. ولذلك فإن الدعوة الإسلامية في الوقت الحاضر أمامها تحديات كبيرة لا يمكنها أن تتطور إلا بتجاوز هذه التحديات التي أرى أن من أهمها: ١ - توحيد الجهود والتنسيق الحقيقي لا الصوري بين مؤسسات العمل الخيري الإسلامي لمواجهة أكبر هجمة غربية تهدد العمل الخيري ولا سيما بعد أحداث سبتمبر. ٢ - التوسع في إنشاء المدارس النظامية والمعاهد والكليات والجامعات الإسلامية وبتخصصات مختلفة تخدم المسلمين في جميع المجالات. ٣- توحيد مناهج التربية الإسلامية واللغة العربية التي تضاف للمدارس النظامية. ٤- اعتماد سياسة التسيير الذاتي لهذه المؤسسات التعليمية من خلال الرسوم حتى لا تكون عرضة للانهيار إذا ما توقف دعم المتبرعين، وهذا الأمر ليس ضرباً من الخيال أو صعب المنال في أفريقيا؛ فلدينا في اللجنة مؤسسات للتعليم العام والعالي وصلت بفضل الله إلى هذه المرحلة، ولولا الإطالة لأسهبت في ذكر بعضها. ٥ - تأهيل وتدريب العاملين في حقل الدعوة والسلك التعليمي والإداري في العمل الخيري الإسلامي.

стр. 4432

المسلمون والعالم التعدي والتصدي في حرب الإرادات بين أمريكا والعراق د. سامي محمد صالح الدلال منذ أواخر القرن التاسع عشر كانت الولايات المتحدة تبني ترسانتها العسكرية وفق مفهوم الحرب المتوازنة، وحققت انتصارها المذهل في هذا الاتجاه بعد حوالي قرن من الجهد والعمل والأبحاث والحروب، وكان قمة ذلك عندما تفتت الاتحاد السوفييتي فأصبحت الدولة المتفردة بالقوة الكاسحة في العالم ابتداءً من القرن الواحد والعشرين، وبعد أن تحقق لها ذلك شرعت في الدخول في حروب على ما يسمى بحرب الإرهاب؛ فهل هي مستعدة لذلك؟! ننظر إلى الموضوع من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: من حيث الواقع فإن الولايات المتحدة (أو أي دولة أخرى) غير محصنة داخلياً ضد الأعمال الإرهابية، وإذا أخذنا بعين الاعتبار ما تتميز به هذه الأعمال من التخفي والمباغتة والانتشار والاستمرارية والاستعداد للموت فإن على الولايات المتحدة أن تعيد النظر في وضعها الأمني برمته؛ حيث إن المرافق الحيوية التي يمكن أن تطالها تلك الأعمال في الولايات المتحدة لا حدود لها. إن ترتيب أوضاع أمنية تفصيلية لكل مرفق (وعددها بالملايين) غير ممكن مهما وضعت لها من ميزانيات أو حشدت لها من طاقات أو وظفت لأجلها من إمكانيات، ولذلك فإن الانتصار في هذا المسار غير ممكن. وعلى هذا الأساس فإن هذه الجبهة ستبقى مفتوحة، وإن السهام من خلالها ستبقى نافذة ومستمرة ولا حل لها عملياً ما دام أن الأعمال الدافعة لمعاداتها ما زالت قائمة. الوجه الثاني: بعد أن انهار الاتحاد السوفييتي وجهت أمريكا قواها لمواجهة تنامي الصحوة الإسلامية في العالم، وخاصة أن هذه الصحوة أصبح لها امتدادات كالشرايين في جميع أنحاء المعمورة بما فيها أوروبا والولايات المتحدة نفسها. وقد رأى المحللون الاستراتيجيون الأمريكيون أن هناك محطتين يجب التوقف عندهما: المحطة الأولى: أن كثيراً من الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي أخفقت في الحد من تعاظم هذه الصحوة، أو إيقاف امتدادها. المحطة الثانية: أن هذه الصحوة قد تبلورت في بعض الأماكن بطريقة أفرزت أوضاعاً جهادية، كما حصل في فلسطين وأفغانستان والشيشان والفلبين وكشمير وأرتيريا والصومال والبوسنة والهرسك وكوسوفا وغيرها. بل إنها نجحت في أفغانستان في السيطرة على مقاليد الحكم تحت علم الطالبان، كما كانت قد نجحت على نحو ما في السودان. وقد وجد أولئك الاستراتيجيون الأمريكان (يهوداً ونصارى) أن التعامل مع هاتين المحطتين يكون على الوجه التالي: ١ - فيما يخص المحطة الأولى: لا بد من إيجاد موقع قدم عسكري حقيقي ضاغط وفاعل في المواقع الاستراتيجية التي تمثل المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وذلك في داخل دول العالم الإسلامي، وأن لا يكتفى بالدولة العبرية فقط. ٢ - فيما يخص المحطة الثانية: إن التشخيص الأمريكي لبؤر المقاومة المتناثرة في أصقاع العالم قد تجاوز اعتبار تلك البؤر ذات بواعث محلية تبتغي تحرير بلادها من نير الأنظمة الأجنبية المتسلطة عليها لتقيم على أنقاض استعمارها أنظمة إسلامية تضيء مناهج الحياة، إلى اعتبارها بؤراً تنتظم تجمعات جهادية لتشكل رؤوس جسور إرهابية في زعمها في أمريكا وأوروبا وروسيا وغيرها من الدول، ولذلك فإن على أمريكا أن تقود تحالفاً عسكرياً عالمياً للقضاء على تلك البؤر في مراكز انطلاقها. ولتحقيق الأهداف البعيدة وفق هذا المنظور لا بد لأمريكا أن توظف مساري (الحرب على الإرهاب) كأداة إشعال، والحرب غير المتوازنة لقطف الثمرة، بمعنى أنه لا بد من حصول أعمال إرهابية تخص المصالح الحيوية الأمريكية لتكون ذريعة لأمريكا للتدخل العسكري المباشر في الدول الإسلامية. وفي هذا السياق يمكن إيجاد تفسير منطقي لأحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ ومن خلال استعمال الولايات المتحدة لهذين المسارين فإنها تبتغي الوصول إلى حضور صليبي في البلاد الإسلامية لا يكون فقط قادراً على وأد أي توجه إسلامي يبتغي تغيير الواقع الحالي الذي يحتكم إلى الدساتير الوضعية والقوانين البشرية إلى واقع آخر يحتكم إلى الشريعة الإسلامية، بل يكون قادراً كذلك على تبديل أي نظام حاكم حتى وإن كان علمانياً يرى الأمريكان واليهود أن استبداله يحقق لهم مصلحة أكبر في المرحلة القادمة. وفي هذا الإطار نستطيع تفسير ما تعده أمريكا الآن للعراق الذي يحكمه البعثيون العلمانيون. الوجه الثالث: إن الولايات المتحدة قد وضعت لنفسها معالم شبه تفصيلية لطبيعة خطة المرحلة القادمة، وقد ذكر (بوش) أن تنفيذها يستغرق حوالي عشر سنوات. وخلاصتها فرض الهيمنة الأمريكية على العالم وخاصة البلاد الإسلامية (هذا من حيث الظاهر، لكن من حيث الحقيقة فإن اليهود سيمتطون صهوة الجواد الأمريكي لتحقيق تلك الخطة باسم الولايات المتحدة) . إن هذه الخطة الرهيبة تستوجب خوض عدد من الحروب، وكل حرب بحاجة إلى فتيل إشعال يسوِّغ لـ (أمريكا) القيام بضربتها العسكرية لفريستها. وقد جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر في هذا السياق. فإذا كان فتيل الإشعال خافتاً فإنها تحاول أن تؤججه، كما هو الحال في فتيل إشعال الحرب على العراق وهو مطالبتها له بنزع أسلحة الدمار الشامل، فإن لم تتمكن من ذلك فما هو الحل؟! هنا جاء ابتكار بوش بطرح نظرية عدوانية سماها «الحرب الاستباقية» . ومعناها أن تبادر الولايات المتحدة بشن حرب على أي دولة في العالم دون سابق إنذار بمجرد ادعاء الولايات المتحدة أن تلك الدولة تشكل خطراً عليها. وطبعاً لن تعدم الولايات المتحدة الوسيلة لإبراز نوعية ذلك الخطر، والذي هو في كل الأحوال لن يخرج عن قولها إن هذه الدولة أو تلك تشكل تهديداً لمصالحها الحيوية، ومن ثم فهي خطر داهم ينبغي إزالته فوراً!! وبهذه النظرية استوفت الولايات المتحدة تعريف العمل الإرهابي بما يخدم مصالحها ليس إلا، ولكن من خلال إمكانات دولة امبراطورية. * أهداف شن الحرب على العراق: ابتداء لا بد من إبراز متوالية الأسئلة الآتية: قبل غزو العراق للكويت في الثاني من آب عام ١٩٩٠م ما كان دوره في المنطقة؟ وبعد أن خرج مهزوماً في حرب الخليج الثانية لماذا استبقى المنتصرون نظامه ولم يسقطوه؟ وهل كان بإمكانهم إسقاطه ولم يفعلوا، أم لم يكن ذلك بإمكانهم؟ وهل إسقاطه كان مطروحاً أصلاً قبل بدء الحرب، أم المطروح إبقاؤه واحتواؤه؟ وإذا كان المطروح إبقاءه واحتواءه؛ فلماذا يريدون الآن إسقاطه؟! هل استنفد دوره وفقد مسوِّغات استمراره؟ إن الإجابة عن تلك الأسئلة بحاجة إلى مبحث منفصل، ولكن يمكن تلخيصها ببضعة أسطر فيما يلي: لقد دعم المستعمر الصليبي إنشاء الأحزاب القومية والوطنية في البلاد العربية بغية استقطاب الجماهير تحت شعارات علمانية تعادي الإسلام وتجهض تحرك أتباعه. وكان حزب البعث العربي الاشتراكي من أبرز الأحزاب التي أحرزت نجاحات علمانية باهرة حققت تماماً أهداف المرحلة بعد أن تبوأ حكم العراق وسوريا. ثم أفلح الأمريكان وحلفاؤهم في إسقاط حكم الشاه في إيران عندما شرعت آماله في تجاوز ما حدد له، ثم قرروا تحطيم القوى العسكرية الإيرانية والعراقية معاً فأدخلوهما في حرب ضروس استهلكت إمكانياتهما، مستغلين في ذلك الخلفية الطائفية المتناقضة لكلا الحكمين؛ مما أخرج الصراع القديم بينهما من بطن التاريخ ونثره على سطحه. وقد حققت تلك المرحلة التي انتهت عام ١٩٨٨م أهدافها جزئياً؛ حيث نجح الطرفان في استبقاء قوى عسكرية هائلة في حوزتهما بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وكان ذلك خارج نطاق المخطط. هنا برزت المرحلة الثالثة وهي التخطيط للبقاء في منطقة الخليج وضمان استمرار هذا البقاء. ولذلك فنحن الآن على أبواب المرحلة الرابعة، وهي المرحلة التي ستبدأ بشن الحرب على العراق تحت مظلة الحرب على الإرهاب، مستفيدة من نجاحاتها في المرحلة الثالثة. إن أهداف شن هذه الحرب على العراق متعددة المرامي، بعيدة الغايات، ومتنوعة «التكتيكات» ، ويمكن إجمالها بما يلي: ١ - إن الصحوة الإسلامية في العراق أخذت في السنوات الستة المنصرمة منحى جماهيرياً امتدادياً استطاع أن يتجاوز أسوار حزب البعث ويتغلغل بين أروقته، رغم حالات القمع التي تستخدمها السلطة ضده دون هوادة. وهذا يعني أن حزب البعث بدأ يفقد شيئاً فشيئاً مسوِّغات وجوده، وخاصة أنه لم يجد مفراً في الأعوام الأخيرة من استخدام المصطلحات الإسلامية في أدبيات خطابه للجماهير في محاولات مستميتة لإبقاء التفافها حوله. وقد أخذ ذلك منحى الالتصاق بالإسلام السني لمقابلة الثقل الشيعي في جنوب العراق وبعض ضواحي بغداد. وإن الاستمرار على هذا النحو لن يكون في صالح تحقيق المخططات الأمريكية (النصرانية - اليهودية) ، بل سيكون مجهضاً لها. ولذلك فإن إسقاط نظام الحكم القائم الآن في بغداد سيبعثر هذه الأوراق ويخلط ترتيبها، وهو هدف قائم بذاته. ٢ - إن المخطط الشمولي الذي تبناه النصارى واليهود في مواجهتهم العالمية لنهوض العملاق الإسلامي وانتشار الصحوة الإسلامية في أرجاء المعمورة هو إرساء أنظمة حكم علمانية تحت مسمى الديمقراطية والتي تحت مظلتها ستكون الفرص متاحة لجميع التيارات غير الإسلامية والإسلامية (بشكل محدود) للمشاركة في الحكم. وستسعى الولايات المتحدة لتكون جميع البلدان في العالم، وخاصة الأقطار الإسلامية، محكومة بالدساتير البشرية. وباسم الديمقراطية ومن خلالها توضع القوانين والتشريعات التي تحول بين الإسلاميين وبين السيطرة على مفاتيح «اللعبة» . وبإدارة هذه المسرحية الدولية بمهارة فإن المنهج البشري سيبقى حاكماً باسم الديمقراطية، والمنهج الرباني سيبقى منحسراً باسم الديمقراطية؛ لأن الديمقراطية فوق الجميع ويحتكم إليها الجميع وتحكم على الجميع. ضمن هذا المنظار فإن الهدف الثاني من شن الحرب على العراق وإسقاط نظام الحكم القائم فيه هو إقامة نظام ديمقراطي يحقق الأغراض المنشودة. ٣ - تريد أمريكا أن يعرف العالم كله، حكومات وشعوباً، أن تفرد الولايات المتحدة بالقوة العسكرية العاتية شيء معناه: أن على جميع تلك الحكومات والشعوب أن تنصاع للإرادة الأمريكية وتذل لسطوتها وتخضع لجبروتها، وأن العراق عندما تمرد على تلك الإرادة صببنا عليه جام غضبنا وهشمناه بمطرقتنا ليعلم الجميع عِظَم قوتنا وشدة قهرنا. تلك رسالة ثانية تتضمن معنى التأله تريد أمريكا إرسالها للمعنيين في أقطار الأرض (بعد أن أرسلت مثلها عبر أفغانستان) . ٤ - إقامة نظام في بغداد تابع لها على غرار الوضع الأفغاني. وقد يتطلب ذلك في المرحلة الأولى إبراز شخصية ديكتاتورية تستطيع أن تسيطر على الأوضاع باستخدام سطوة الدولة، وتمهد في المرحلة الثانية لإقامة النظام الديمقراطي الأمريكي. ٥ - تحويل العراق إلى بحيرة عسكرية أمريكية؛ حيث يتوقع أن تقوم الولايات المتحدة بإنشاء عدة قواعد لها في العراق، في كل من الجنوب والشرق والغرب. وأما الشمال حيث يسيطر الأكراد فإن إقامة قاعدة عسكرية أمريكية فيه سيخضع لبعض المفاوضات، والتي ستنتهي بالموافقة على إقامتها مقابل بضعة ملايين من الدولارات وتشييد بعض المنشآت. ٦ - تحقيق الهدف السابق معناه أن إيران ستكون محاصرة أمريكياً من الجهات الأربع، بوجود القواعد الأمريكية في كل من أفغانستان شرقاً والعراق والخليج غرباً وتركيا شمالاً، وحاملات الطائرات في المياه جنوباً (وغرباً) . وأما سوريا فستكون محاصرة بالقواعد الأمريكية من العراق شرقاً، ومن تركيا شمالاً ومن (دولة العدو الصهيوني) والبحر المتوسط غرباً، ومن قواعد الخليج جنوباً. ويترتب على ذلك أيضاً فرض سياسة أمريكية على منطقة الخليج تتضمن في كثير من الأحيان التدخل في شؤونها الداخلية بغية تقليص حركة الصحوة فيها وتجفيف منابعها، والحد من المناهج التعليمية الشرعية فيها، وفرض المناهج التعليمية العلمانية، وإعادة صبغ هويتها الإسلامية بألوان العولمة الأمريكية، وبخاصة فيما يتعلق بالمرأة والأسرة. ٧ - سيترتب على تحقيق نصر أمريكي على العراق في حال حدوثه تخفيف جذوة الانتفاضة الفلسطينية أو إطفاؤها، وسيكون ذلك مقدمة لهدم المسجد الأقصى وتشييد الهيكل اليهودي على أنقاضه. ٨ - كما سيترتب على ذلك توقيع اتفاقيات سلام جائرة بين كل من الكيان اليهودي وسوريا ولبنان (والعراق فيما بعد) . وقد تستغل الدولة العبرية الموقف لشن حرب على كل من سوريا ولبنان لتفرض شروطها في تلك المعاهدات. وحينها يمكن أن تفتتح أبواب التطبيع مع اليهود على مصراعيها، وتغرق البضائع اليهودية الأسواق العربية والإسلامية، وسينساح العهر اليهودي في جميع أنحاء البلاد الإسلامية. ٩ - إن سقوط العراق بين يدي الأمريكان سيقلب حالة التوازن الدولي (المختل أصلاً) رأساً على عقب، وستكون أمريكا في وضع أفضل وأقوى استراتيجياً لفرض إرادتها على روسيا والصين والهند، وكذلك لابتزاز الاتحاد الأوروبي وتسخيره في خدمة مصالحها. ١٠ - إن من أهم أهداف هذه الحرب أن تسيطر الولايات المتحدة على الثروات الطبيعية الغنية في بلاد الرافدين، وعلى منابع النفط العراقي؛ مما يتيح لها فرصة التحكم في أسعار النفط العالمية بما يحقق لها مصالحها. وكذلك يتيح لها التحكم في مفاصل الاقتصاد العالمي والتلاعب بتوازنات البورصات الدولية. ١١ - قالت كونداليزا رايس: إن أمريكا ستأخذ على عاتقها إعادة إعمار العراق بعد انتهاء الحرب. ومعنى ذلك أن النية مبيتة لدى الحكومة الأمريكية لتدمير البنية التحتية العراقية، وتشمل المطارات، والموانئ، ومحطات السكك الحديدية، والطرق، ومحطات القوى الكهربائية، ومراكز تنقية المياه، والسدود، (كما حصل في أفغانستان) . مما سيؤدي إلى انتعاش الشركات الأمريكية لسنوات طويلة، وسيخسر العراق عوائده البترولية، ربما لعقود ممتدة تسديداً للفواتير الأمريكية. ١٢ - وإن من أهداف هذه الحرب إضعاف أو إيقاف مشاريع التنمية في دول الخليج؛ حيث إنها ستكون مضطرة للمساهمة بحصة كبيرة في تكاليف الحرب؛ بحجة أن الأمريكان ما فعلوها إلا لإزالة الخطر العراقي الماحق الذي يهدد كياناتهم السياسية. ١٣ - بعد إقامة النظام الأمريكي في العراق سيكون الحال ممهداً لشن حرب على إيران تحرق الأخضر واليابس، وتحقق أهدافاً استراتيجية للولايات المتحدة كتلك التي ذكرناها بشأن العراق. ١٤ - في حال انتصار الولايات المتحدة في تلك الحرب فإن الدولار الأمريكي سيرتفع، وستحقق أمريكا اكتساحاً اقتصادياً هائلاً على المستوى العالمي. ١٥ - بعد الحرب مع إيران، إذا انتصرت أمريكا، فإن تقسيم العراق سيكون ليس فقط متاحاً بل هو مطلب ملح. وسيقسم العراق عندها إلى قسمين: شيعي في الجنوب وسني في الوسط والشمال، وفي مرحلة لاحقة ربما تقسم المنطقة السنية إلى دولتين: واحدة في الوسط والأخرى في الشمال. وبمجرد حصول التقسيم الأول فإن الحروب لن تهدأ بين هذه الأقسام؛ مما يتيح الفرصة الكاملة لإتمام المشروع اليهودي في تحقيق حلمهم بامتداد دولتهم من الفرات إلى النيل. ١٦ - بسقوط كل من سوريا ولبنان والعراق في أوحال معاهدات السلام، فإن الهم اليهودي سيتجه حتماً نحو تحطيم القدرات العسكرية المصرية، خشية من أن تتبلور أمور المستقبل باتجاه وقوع سلطة الحكم في أيدي الإسلاميين؛ وسوف توجِد (دولة العدو الصهيوني) في حينها من المسوغات ما تتجاوز به نصوص اتفاقيات كامب ديفيد. وربما سيستخدم الكيان اليهودي الأداة الأمريكية لتحقيق غرضه، كما استخدمها بنجاح في حال العراق. * الإجراءات اللازمة لشن الحرب: شرعت الولايات المتحدة في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لشن حرب على العراق تحقق لها أهدافها. وفيما يلي مرور سريع على تلك الإجراءات فيما يلي. ١ - الإجراءات السياسية: هي ذات شقين: الشق الأول: إجراءات داخلية. ولها مستويان: شعبي ورسمي. فأما الشعبي فتكفلت به أجهزة الإعلام التي سخرها الجمهوريون لحشد الرأي العالم الأمريكي خلف قرار الرئيس بوش بشن الحرب. وكذلك الزيارات التي قام بها بوش نفسه وآخرون من أركان حزبه لمختلف الولايات لإلقاء الخطب في الجماهير للحصول على تأييدها. وأما الرسمي فإنه لا يتم إلا من خلال الكونغرس. وقد بذل بوش جهوداً كبيرة للحصول على سلطات واسعة لنزع أسلحة العراق بما في ذلك سلطة إعلان الحرب عليها وإسقاط نظامها. وقد نجحت جهوده في الحصول على مراده. والخطوة الأخرى من الكونغرس هي إصدار قانون يخول الرئيس القيام بذلك الفعل، وقد تم ذلك. ويهمنا في هذا المبحث أن نسوق أبرز النقاط التي دار حولها النقاش، وذلك لأهمية بيان هذه المسألة. لقد تمحور التباحث في الكونغرس حول الإجابة عن ثمانية أسئلة: السؤال الأول: هل يمكن «احتواء» صدام و «ردعه» ؟ الجواب: يرى الخبراء أن هذا الأسلوب قد نجح سابقاً مع دول أخرى عندما رافقه تهديد بالرد المدمر. وأن استخدام هذه الاستراتيجية بقوة ضد العراق يمكن أن يحقق النجاح. ويدعو «مورتون هالبرن» من مجلس العلاقات الخارجية إلى تبني سياسة أكثر صرامة في التفتيش على الأسلحة العراقية، وإلى اتخاذ إجراءات حظر تجاري مؤثرة لتشديد الاحتواء. مع أن بوش لا يرى ذلك كافياً بعد الحادي عشر من سبتمبر. السؤال الثاني: هل لدى صدام علاقة بالقاعدة؟ الجواب: لم يثبت هذا الأمر. دانيل بنجامين المدير السابق لإدارة مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي له رأي خلاصته أن العراق العلماني والقاعدة الأصولية غريمان: أي لا يجتمعان. السؤال الثالث: هل نزع السلاح ممكن دون تغيير النظام؟ تيار الصقور بقيادة رامسفيلد وزير الدفاع لا يرى ذلك ممكناً، بينما تيار الحمائم بقيادة كولن باول وزير الخارجية يرى إمكانية ذلك إذا توفرت شروط إرغام قوية. السؤال الرابع: كيف سيتصرف الجيش العراقي في حالة الحرب؟ الجواب: سيأتي لاحقاً عندما نتحدث عن الاحتمالات. السؤال الخامس: كيف سيتصرف الشعب العراقي؟ الجواب: سيكون ممتناً للقوات الأمريكية؛ لأنه لا يرغب بوجود صدام! السؤال السادس: كيف ستكون ردة فعل الشرق الأوسط تجاه الحرب والسلام الذي سيعقبها؟ الجواب: المسلمون العاديون لن يرضوا بهذه الحرب ضد العراق. ويثير مارك باريس السفير الأمريكي السابق لدى تركيا احتمال قيام حرب تندلع بين الأتراك والأكراد حول مدن الموصل وكركوك النفطية، واهتزاز حكم بلدان مجاورة. السؤال السابع: هل ستساعد الحملة العسكرية ضد العراق الحرب ضد الإرهاب أم تضرها؟ الجواب: كثيرون يرون إمكانية ازدواجية الحملة العسكرية ضد القاعدة والعراق في آن واحد. لكن الخوف هو أن تضر هذه الحرب روح التعاون مع العديد من الدول، ومن بينها دول عربية، تساعد في الحملة على الإرهاب. السؤال الثامن: هل ستكون الولايات المتحدة في نهاية الأمر أكثر أمناً؟ الجواب: إذا لم يمكن ردع صدام فلا بد من اسئصاله بالحرب. وعندها ستكون الولايات المتحدة أكثر أمناً [١] . والخلاصة أن بوش نجح في إجراءاته الداخلية للحصول على تفويض وتأييد لشن الحرب على العراق؛ رغم أن هناك بعض المعارضات من رؤساء سابقين مثل كارتر وكلينتون ونائبه آل جور وبعض الفعاليات في الحزب الديمقراطي، ومعارضات خفيفة في داخل الحزب الجمهوري، وبعض المظاهرات هنا وهناك. الشق الثاني: إجراءات عالمية. كثير من الدول لا تزال تعارض الولايات المتحدة في شن حرب على العراق بحجة إزالة أسلحة الدمار الشامل لديه. وترتكز هذه الدول على أن المعيارية الأمريكية غير متوازنة؛ إذ إن كثيراً من الدول لديها أسلحة دمار شامل ومن أبرزها الدولة اليهودية ولم تتخذ ضدها أي إجراءات وقائية. ومن أبرز الدول التي تضاد الاتجاه الأمريكي دول الاتحاد الأوروبي وخاصة ألمانيا وفرنسا، ومن خارجه كل من روسيا والصين وبعض الدول العربية والإسلامية، وطالبت جميع تلك الدول بأن لا يتخذ أي إجراء عسكري ضد العراق إلا بتخويل من مجلس الأمن. لقد اضطرت أمريكا للموافقة على ذلك، لكنها قالت إن العراق يشكل خطراً مباشراً عليها، ولذلك فإنها ستتخذ إجراءً أحادي الجانب وتقوم بعمل منفرد ضد العراق إن لم يتمكن مجلس الأمن من إصدار قراره بالتفويض الدولي لشن تلك الحرب. إن الدولة الوحيدة التي تؤيد الولايات المتحدة في اندفاعها هي بريطانيا رغم المعارضة الداخلية. العراق بدوره أحرج الإدارة الأمريكية عندما وافق على عودة المفتشين الدوليين دون شروط ثم وافق على أن يكون ذلك بقرار جديد من مجلس الأمن. لكن الإدارة الأمريكية كانت قد رفعت سقف مطالبها إلى إسقاط النظام الحاكم في العراق إما طواعية أو بالحرب. ٢ - الإجراءات العسكرية. منذ شهر فبراير عام ٢٠٠٢م بدأت الولايات المتحدة في تنفيذ خطة حشد عسكري للدخول في حرب مع العراق؛ مما يدل على أن هذا القرار كان قد اتخذ منذ ما لا يقل عن ثمانية شهور من الآن (أكتوبر ٢٠٠٢م) . وقد بلغت الحشود العسكرية ذروتها. وأعلن القادة الميدانيون أنهم الآن مستعدون تماماً وفي انتظار الأوامر الرئاسية. وقد تمت المناورات المختلفة استعداداً لهذه المواجهة، ووضعت جميع القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة تحت حالة الإنذار، وكثفت الطائرات الأمريكية والبريطانية من طلعاتها الجوية على شمال وجنوب العراق، وما لم تحدث «معجزة» - كما يقول البروفيسور علي مزروعي مدير معهد الدراسات الثقافية العالمية والأستاذ بجامعة نيويورك فإن الحرب واقعة لا محالة!! (وربما تكون الحرب قد وقعت عندما تكون هذه الدراسة بين يدي القارئ) . ٣ - الإجراءات الاقتصادية. الاستعدادات العسكرية الأمريكية التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر تمت بدعم مباشر من الكونغرس الأمريكي عندما رفع سقف ميزانية وزارة الدفاع إلى ما يزيد على الأربعمائة مليار دولار. ورغم أن مؤشرات تراجع الاقتصاد الأمريكي منذ تلك الأحداث لا تزال في ازدياد، ورغم إشهار كثير من الشركات الأمريكية الكبرى إفلاسها، فإن ذلك لم يفتّ في عضد الإدارة الأمريكية في مواصلة إجراءاتها لخوض غمار الحرب ضد العراق، خاصة أنها تأمل تعويض كل ذلك من الاستثمارات النفطية الكبرى التي سوف تحصل عليها الشركات الأمريكية من استثمار النفط العراقي. ومن المعلوم أن الاستثمارات النفطية التي يمتلكها بوش وآخرون في مجلس الأمن القومي قد فتحت عليهم أبواب التوجس ووجهت إليهم أصابع الاتهام بأنهم من الزاوية الشخصية البحتة سيكونون من أول المستفيدين من إسقاط النظام العراقي، فنائب الرئيس ديك تشيني كان رئيساً تنفيذياً لشركة هاليبورتون HALIBURTON التي نفذت عقوداً لإعادة بناء منشآت نفطية دمرتها حرب الخليج الثانية، ومستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس عملت في مجلس إدارة شركة «شيفرون» SHIFRON لأكثر من عشر سنوات قبل أن تنضم لإدارة بوش، ووزير التجارة الملياردير دونالد إيفانس عمل مديراً لشركة دينفر DENVER للنفط والغاز، وهلم جراً. فالإجراءات الاقتصادية التي تتخذها إدارة بوش لها وجه من الانتفاع الشخصي الذي ستعود به الحرب على المستفيدين. * نتائج الحرب المتوقعة بين رأيين: ما هي احتمالات نتائج الحرب الأمريكية البريطانية ضد العراق؟ في نقاش الكونغرس الأمريكي لهذا الموضوع وردت السيناريوهات التالية: الأول: يقوم الجيش العراقي بإطلاق الأسلحة الكيماوية والبيولوجية باتجاه (الدولة العبرية) لإشعال حرب عربية إسرائيلية، وإطلاق قنابل غاز على القوات الأمريكية المتقدمة. الثاني: يرفض الضباط العراقيون ارتكاب جرائم الحرب هذه عند مواجهة هزيمة وشيكة، ويقومون بانقلاب على النظام المتداعي. واستبعد الجنرال توماس مالكينرس حصول حرب مدن. الثالث: ذكره الجنرال هورفيري وهو: إن سيناريو الرعب يقوم على وجود ست وحدات من الحرس الجمهوري، وست وحدات ذات أسلحة ثقيلة معززة بآلاف قطع المدفعية المضادة للطائرات للدفاع عن بغداد، والنتيجة ستكون وقوع عدد كبير من الضحايا على الجانبين وبين المدنيين. هذا ما ذكروه، لكن ما أود إيراده هو أن احتمالات نتائج الحرب في نظري كالتالي: الاحتمال الأول: انتصار الولايات المتحدة في الحرب. وسيترتب على ذلك تحقيق معظم أو جميع الأهداف التي ذكرناها سابقاً. لكن هذا الانتصار سيكون عبر معارك شديدة وإزهاق أرواح كثيرة، خاصة من المدنيين، وتدمير كم هائل من البنية التحتية العراقية، وخاصة أن القيادة الأمريكية لا تتوقع أن تزج بجنودها في مواجهات إلا بعد أن تكون الطائرات والصواريخ الأمريكية قد دكت العراق دكاً عبر عشرات الآلاف من الطلعات الجوية لمدة قد تستغرق أسابيع عديدة، ربما تتجاوز شهراً إلى شهرين أو أكثر. فإذا حصل ذلك فإن دماء المسلمين المدنيين ستسيل أنهاراً، وأعداد قتلاهم ستبلغ آلافاً؛ فالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. الاحتمال الثاني: إخفاق الحملة العسكرية الأمريكية. وهو احتمال يستبعده الكثيرون. غير أن محاكاة هذه الحرب والتي أجريت عبر الكومبيوتر انتصر فيها النظام العراقي مرتين: الأولى: عندما طبقت خطة احتلال المحافظات العراقية ثم الإطباق على بغداد، والثانية: عندما طبقت خطة احتلال بغداد أولاً ثم الانتشار إلى باقي المحافظات. وفي هاتين الخطتين لم يستعمل الجيش العراقي أسلحة الدمار الشامل، بل اعتمد خطة الانقضاض بالانتحاريين واستخدام وسائل الاتصال المباشر (ذكرت ذلك الصحافة اعتماداً على تصريحات أمريكية) . وبناء على نتائج هذه المحاكاة فقد تم إدخال كثير من التعديلات على خطط الحرب المعدة. لكن ما يمكن قوله أن العراق إذا استخدم أسلحة الدمار الشامل ضد القوات الأمريكية فإن أحداثاً مروعة يمكن أن تقع، كأن تستخدم الولايات المتحدة القنابل الذرية المحدودة ضد بغداد وهذا غير مستبعد؛ لأن الولايات المتحدة فعلتها سابقاً في هيروشيما وناجازاكي فإن حدث ذلك فقد تحدث مفاجآت أخرى في الحرب تؤدي إلى اضطرار القوات الأمريكية إلى عدم متابعة الحملة العسكرية. ومعروف أن دخول الحرب معلوم، ولكن الخروج منها غير معلوم. مما سيصيب الأوضاع الدولية باضطراب شديد على جميع المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وخاصة في الخليج والشرق الأوسط. ولا شك أن صفحة جديدة من إعادة هيكلة الوضع العالمي ستفتح باتساع. الاحتمال الثالث: استطالة الحرب: حيث يخفق طرفا النزاع في حسم الحرب لصالح أي منهما. وفي هذه الحالة ستتحول الحرب إلى نمط استنزافي يحتذي النموذج الفيتنامي. هذا الاحتمال، إن وقع، فإنه سيؤدي إلى سقوط مرشح الحزب الجمهوري في الانتخابات الأمريكية القادمة وخاصة إذا أعاد بوش ترشيح نفسه، كما أنه سيؤجج المعارضة الشعبية للحرب في المجتمع الأمريكي، وسيدفع الذكريات المؤلمة للحرب الأمريكية الفيتنامية إلى السطح لتحتل الواجهة الإعلامية في كل مكان، وستكون له تبعات شديدة في تتابع التداعيات السياسية والاقتصادية والنفسية، وسترتفع الأصوات المنادية بانكفاء الولايات المتحدة نحو الداخل والتخلي عن سياسة دس الأنف في الدول الأخرى، كما أنه سيسقط الهيبة الأمريكية على المستوى العالمي، ويهشم عرش الغطرسة الذي تتبوؤه الآن. ولا يستبعد أن يؤدي استمرار الحرب واستطالة مدتها إلى بدء حالات تململ في الولايات المتحدة الأمريكية قد يتصاعد ليبلغ حد التمرد على القرارات الفيدرالية؛ مما سيمهد إلى ولوج طريق التفكك الذي انخرط في متعرجاته الاتحاد السوفييتي فتشرذم إلى خمس عشرة دولة. وبسبب وجود الميليشيات المسلحة في كل ولاية من تلك الولايات الأمريكية فإن احتمال حصول الاحتكاكات الدموية بين الولايات وارد في الذهن، وبناء عليه فإن التفكك الأمريكي سيكون تفككاً دموياً وليس سلمياً كما حصل في الاتحاد السوفييتي. من جهة أخرى إذا استطالت الحرب فإن أسعار النفط سترتفع تدريجياً لتبلغ مستويات قياسية، في حين تنخفض قيمة الدولار الأمريكي إلى الحضيض وسيكون ذلك لصالح اليورو الأوروبي. كذلك فإن جميع العملات الدولية المعتمدة على سلة الدولار الأمريكي ستنحدر قيمتها باضطراد. ولا مجال هنا لمتابعة الحديث عن مختلف التداعيات الناشئة عن هذا الاحتمال. * لكل احتمال من الاحتمالات التي ذكرناها أوجه منوعة حيال المنتهيات التي ستنجم عنها: ولكن إذا نظرنا إلى أي من تلك الاحتمالات فإننا نستطيع تبويبها تحت عنوان «المندرجات» ؛ أي مجرد نتائج تندرج في طريق الصراع الذي يتواصل احتدامه. وأما المنتهيات التي نعنيها فهي آخر ما سينتهي إليه الأمر. ولما كان ذلك من علم الغيبيات فإن استجلابه غير تابع للعقليات بقدر ما هو تابع للسمعيات، وبالذات البشارات، والتي لا بد أن تتقدمها المعطيات. لقد بشر الله تعالى هذه الأمة بأنه سينصرها في منتهى الأمر نصراً عزيزاً مؤزراً باهراً. قال تعالى: [يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] (التوبة: ٣٢-٣٣) . وعن تميم الداري ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين، يعز عزيزاً ويذل ذليلاً، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر» [٢] . ولا شك أن الطريق إلى ذلك إنما يكون بمقارعة أهل الكفر والباطل بالجهاد في سبيل الله، وقد بين ذلك النبي ﷺ بقوله: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة» [٣] . وفي رواية: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك» [٤] . وللحديث طرق كثيرة أخرى. ولما كان القتال في سبيل الله هو سنام الإسلام؛ فإن المنتهى إليه لا يكون إلا بالعلم والعمل وهما ساعدا الدعاة اللذان يُمضى بهما إلى ساحات الجهاد. إن البؤر الجهادية المعاصرة في فلسطين والشيشان وكشمير وأفغانستان والفلبين وأرتيريا وغيرها لهي مصابيح نور تبدد الدجى وتحيي آمال المسلمين. ورجعة لموضوع أمريكا والعراق؛ فإن أي احتمال من الاحتمالات التي ذكرناها وقع فإن الجهاد لن يخبو ضوؤه ولن تنطفئ شعلته، وهو السبيل الذي سيبقى في كل الأحوال سالكاً رغم العقبات والنكبات. * وقفات وتعليقات: الوقفة الأولى: إن شرر الحرب إذا اندلعت بين الولايات المتحدة والعراق سيتطاير في كافة الاتجاهات، وستكون له آثار سياسية واقتصادية وعسكرية مباشرة على منطقتي الخليج والشرق الأوسط وتركيا وأوروبا وروسيا وآسيا عموماً، بما فيها رباعي الصراع باكستان والهند والصين وأفغانستان، فضلاًُ عن أندونيسيا وماليزيا وتايلاند وسنغافورة والفلبين واليابان، إضافة إلى دول شمال إفريقيا وهلم جراً. كل سيصاب بنوع ما من الشرر المتطاير. الوقفة الثانية: الحجة الرئيسة التي تستند إليها أمريكا في التجهيز لشن حرب على العراق هي امتلاك الأخير لأسلحة الدمار الشامل. لكن العراق ينفي ذلك بشدة. ففي رده على سؤال بهذا الشأن وجهته إليه مجلة «آخر ساعة» المصرية قال وزير الخارجية العراقي ناجي صبري الحديثي: «الأمريكان يعرفون أكثر من غيرهم أن العراق خال تماماً من أسلحة الدمار الشامل، كما أن فرق التفتيش التي فتشت كل شيء وكل مكان في العراق على مدى سبع سنوات وسبعة أشهر، لم تعثر على أسلحة أو أي نشاط محظور خارج ما سلمته الجهات العراقية لها في عام ١٩٩١م، وكان إيكيوس رئيس اللجنة الخاصة قد اعترف منذ عام ١٩٩٤م أن العراق نفذ التزاماته بشأن أسلحة الدمار الشامل بنسبة ٩٥%، كما أكد الأمريكي سكوت ويتر أحد أبرز عناصر التفتيش أن العراق نفذها بنسبة ٩٨% والنسبة الباقية قصد بها بعض أسئلة تدور في أذهان المفتشين وليس أسلحة متبقية. إن الولايات المتحدة تريد في تركيزها على عودة المفتشين توفير جواسيس على الأرض يحدثون لأجهزتها العسكرية والاستخبارية المعلومات اللازمة عن منشآت العراق الاقتصادية والعسكرية والأمنية لاستخدامها في أعمالها العسكرية العدوانية ضد العراق» انتهى. وتعليقي على ذلك هو أن الحرب إذا وقعت فستتبين الحقيقة. الوقفة الثالثة: المعارضون للحرب عددهم كبير ولكل مسوِّغاته، وكل من موقع تخصصه وزاوية نظره. وأسوق أدناه أقوالاً مهمة لثلاث شخصيات ذات نفوذ: ١ - بول بيفر المعلق والمحلل العسكري المشهور يقول: «الحرب ضد العراق ستدمر جميع النوايا الحسنة التي تمكنت من بنائها الولايات المتحدة وبريطانيا مع العالمين العربي والإسلامي. الحرب ستكون كارثية، لا سيما أنه لا توجد ضمانات أن هذه الحرب ستؤدي إلى تغيير النظام في بغداد، فضلاً عن أنه ليس هناك أي فكرة عن البديل الذي سيخلف صدام. ولكن إذا كان لا بد من نشوب الحرب فيجب أن تتوفر مسوغات قانونية، وعلى حد علمي لا توجد مثل هذه حتى الآن» . ٢ - جيسيكا ماثيو رئيسة مؤسسة كارنيجي للسلم العالمي تقول: «إن آخر ما نريد أن نراه في المدى البعيد هو أن نعيش في عالم تتخذ فيه بعض الدول قرارات بشن الحرب أو الإطاحة بحكومة أو حكومات أخرى لمجرد أنها تعتبرها حكومة شريرة. إن مصلحتنا تحتم علينا أن نعيش في عالم يحترم القانون، إنها مسألة مهمة بالنسبة للولايات المتحدة وضع تصرفها تحت سيطرة القانون. إن الإدارة لم تظهر حتى الآن غير عدم الاكتراث واحتقار آراء الآخرين على أساس أننا نحن فقط الذي يقرر» . ٣ - شاك هاغل، السيناتور الجمهوري ممثل نيبراسكا يقول: «كيف يمكننا استكمال مهمة تغيير النظام في بغداد في ظل الأوضاع المعقدة في المنطقة؟ الأزمة الفلسطينية الإسرائيلية مستمرة، علاقاتنا مع سوريا متوترة، لا توجد لنا علاقات مع إيران، إضافة إلى أن مصر والسعودية وتركيا والأردن قد حذرونا من تبعات الحرب الخطيرة فيما لو اتبعنا سياسة متفردة ضد العراق، فضلاً عن أن الحرب في أفغانستان لم تنته بعد. إنني لا أستطيع أن أرى أي إمكانية لنجاح الولايات المتحدة في مثل هذه العملية المعقدة من دون دعم التحالف الإقليمي والدولي» . جميع هذه التوجهات ضد الحرب تضرب بها الولايات المتحدة عرض الحائط. حتى ريتشارد هاس، مدير إدارة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأمريكية يؤكد تعنت وعناد الولايات المتحدة فيقول: «لا بد من إنهاء ملف أسلحة الدمار الشامل مهما كلف هذا الأمر الجانب الأمريكي.. وإذا استمر الموقف العراقي على ما هو عليه من دون إحراز تقدم؛ فإن واشنطن ستسعى إلى توفير الغطاء الدولي لردع النظام العراقي بالتعاون مع بريطانيا، مهما كلف الأمر!!» [٥] . الوقفة الرابعة: أشرنا في هذه الدراسة إلى أن من أهداف الحرب نشر الديمقراطية. تأكيداً لذلك أسوق ما ذكره جيمس وولسي مدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق بهذا الصدد، يقول: «إذا تمكنا من تغيير النظام في بغداد ونشر الديمقراطية في العالم العربي، فإننا سنغير وجه الشرق الأوسط بأكمله، قد نواجه بعض المعوقات هنا وهناك، ولكن العالم سيكون في حال أفضل إذا ما بدأنا التحرك نحو الديمقراطية في هذا الجزء من العالم» . الوقفة الخامسة: ما هو مستقبل النفط العراقي؟! روبرت مابرو مدير معهد دراسات الطاقة في جامعة أكسفورد بريطانيا يقول: «إن جماعات الضغط الأمريكية الكبرى تريد إضعاف الدور الرائد للمملكة العربية السعودية في سوق النفط الدولية، وتقليص حقها من صادرات النفط في العالم ... كخطوة مبدئية ستحاول الحكومة العراقية الجديدة مضاعفة حجم الإنتاج النفطي.. ولا شك أن مضاعفة الإنتاج في وقت تكون فيه السوق النفطية في حالة إغراق يمكن أن تؤدي إلى انهيار في الأسعار» . ملحم كرم، في مجلة «الحوادث» يسلط الضوء على الموضوع من زاوية أخرى، يقول: «إن تقارير دبلوماسية محدودة التداول أشارت إلى هدف نفطي كبير يتمثل في السيطرة على حقل» القرنة «الذي يقدر احتياطياته الخبراء بأنها تفوق أي مخزون آخر في الجزيرة العربية. وقد تعاقدت بغداد مع شركات روسية لاستثمار جزء من هذا الحقل الخرافي، وهو الأمر الذي أسال لعاب شركات أمريكية مرتبطة بالرئيس بوش الذي تعهد بأن تصبح» القرنة «تحت مظلتها الاستثمارية بعد إسقاط النظام» (هكذا إذن) . إن هذا الكلام يؤكد ما ذكرناه من أهداف الحرب الأمريكية على العراق. الوقفة السادسة: هل ستدخل إيران الحرب؟! الجواب: لا، بل إن وزير دفاعها أشار إلى أن إيران لن تتعرض للطائرات الحربية الأمريكية إذا انتهكت المجال الجوي الإيراني خطأ. ولكن ينبغي لإيران أن تعلم أن الدور سيكون عليها فيما بعد، وأن تدمير مفاعل بوشهر على الأجندة الأمريكية الإسرائيلية. وإذا قام في العراق نظام حكم موال لأمريكا، فرغم أنه سيكون عازلاً بين إيران وحليفتها سوريا ثم حزب الله في لبنان، فإن العقلية اليهودية تتجه بسرعة إلى التخلص من القوى الإيرانية المسلحة؛ لأن من سياسة (الدولة العبرية) أن تمنع وجود دولة قوية عسكرياً بالقرب من حدودها كإيران مثلاً حتى وإن كانت في وفاق علني أو سري معها. وإذا انتصرت أمريكا على العراق في الحرب التي يتم التجهيز لها على قدم وساق فإن إيران ستكون محاصرة أمريكياً من الجهات الأربع، ومن ثم ستكون ساقطة عسكرياً حكماً. لكن لو وقفت إيران الآن مع العراق عسكرياً فإن المعادلة ستتغير بالكامل، ولن يكون من السهل على أمريكا أن تخوض حرباً مع الدولتين في آن واحد، وبذلك سيخفق المخطط الأمريكي في شن الحرب على العراق. الوقفة السابعة: من هو كرزاي العراق؟! ليس ثمة اسم محدد بشكل قاطع؛ لكن هناك تكهنات تتحدث عن إعادة الهاشميين. غير أن المنصب التنفيذي المهم هو منصب رئيس الوزراء؛ فمن سيكون؟ أرجح الأقوال أنه الدكتور أحمد جلبي زعيم المؤتمر الوطني، وستوفر له الحماية الأمريكية والبريطانية، حيث إن المطروح بقاؤه خمس سنوات دون إجراء أي انتخابات باعتبارها فترة انتقالية. ولكن هل سيحدث ذلك في ظل النزاعات المتوقعة بين مختلف الفصائل العراقية؟ وقفات كثيرة، وأسئلة وفيرة.. ولكن الغيب يعلمه الله وحده. وختاماً، فقد طفنا في جولتنا السريعة هذه بمختلف المؤثرات التي نرى أنها ستصوغ الأوضاع العالمية إذا شنت الولايات المتحدة حربها المدمرة الموعودة على العراق. أسأل الله تعالى أن يرد هذه الأمة إلى دينه رداً جميلاً، ويؤيدها بقوته ونصره وأن يكفيها شر أعدائها المتربصين بها.

стр. 4433

المسلمون والعالم العراق ومائدة اللئام د. يوسف بن صالح الصغير [*] تمارس الولايات المتحدة هذه الأيام تعرية نفسها أمام العالم سياسياً وعسكرياً وفكرياً، وفضحت زيف كل الشعارات والمثل التي كانت تتغنى بها، ولم تعد تبالي بمن كانت تدعوهم بالأصدقاء والحلفاء، وتقلصت دائرة الموثوقين واقتصرت على الأنجلوساكسون (بريطانيا وأستراليا وكندا) بعد تفجر الخلافات العلنية مع ألمانيا وفرنسا، وأوروبا لهم تبع. وتمرد بوتين على سياسة يلتسن السابقة في مجاراة أمريكا والتضحية بمصالح روسيا؛ مقابل وعود زائفة للبلاد ونقود حاضرة للقواد، ولم تجد الإدارة الأمريكية في المنطقة العربية من يتحمس لمشاريعها ظاهراً إلا من سلبت حريته في التعبير، وفقد السيطرة كلياً على قواعد الجو وجزائر البحور؛ فهو لا يستطيع منع الهجوم من أرضه، وآخر ينفي أن يكون ترحيبه بالأمريكان نكاية بالجيران بل هو حب خالص ووئام! لقد حرصت الإدارات الأمريكية السابقة على إبعاد الكيان اليهودي في فلسطين عن التدخل المباشر في مشاريع السيطرة على المنطقة حرصاً على عدم إثارة الشعوب، وعلى عدم إحراج الحلفاء في المنطقة، مع التعهد بحماية (إسرائيل) وضمان تفوقها، ولكن الظروف الحالية اختلفت، والسياسة انقلبت، فلم تعد الأنظمة تثق بصداقة أمريكا، بل إنها تخشى أن لا تسلم من مصير يشابه مصير العراق. أما الشعوب الإسلامية قاطبة فهي تشهد تنامي مشاعر العداء لليهود وحاميتهم أمريكا، ولم تعد الحكومات قادرة على ضبط هذه المشاعر؛ لأن سياسات بوش وشارون هي المحركة لهذه المشاعر. وحيث إن المشروع اليهودي البروتستانتي في إعادة ترتيب المنطقة وفق (الرؤى التوراتية) غير قابل للتأجيل؛ فإن أمريكا الحالية لا تمانع بل ترحب بالمشاركة اليهودية المباشرة في الصراع الطويل الذي يمثل فيه تدمير العراق المرحلة الأولى فحسب. فماذا يفهم من التصريحات المتتالية من بوش وشارون وغيرهم خلال الزيارة السابعة لشارون، والتي أعلن أن الهدف منها هو تنسيق ضرب العراق؟ والمثير أن الإعلام الأمريكي كان يتوقع ثبات سياسة إبعاد (دولة الصهاينة) عن واجهة الصراع، ولكن الذي حدث العكس؛ حيث صرح بوش للصحافيين بقوله: «إذا هاجم العراق (إسرائيل) غداً فأنا متأكد من أنه سيكون هناك رد مناسب. أعتقد أن رئيس الوزراء (شارون) سيرد لأن من حقه الدفاع عن النفس» . إنه تشجيع ودفع للمشاركة، بل وهدد بنفسه الدول التي تستضيف حزب الله بالقول: «إن مبدأه ما زال قائماً؛ وهو أن من يستضيف الإرهابيين فهو إرهابي» ، وهذا الكلام يقصد به لبنان، وقد يمتد لكل من سوريا وإيران حسب الظروف. والذي أعتقده أن اليهود قد بلعوا الطعم؛ فقد وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي الرئيس الأميركي بوش بأنه أفضل رئيس أميركي تعاملت معه (إسرائيل) عبر تاريخها، وقال (رعنان غيسين) المتحدث باسم أرييل شارون عقب اللقاء: «لم نكن نتوقع أفضل من هذا من الرئيس الأميركي الذي أقر علناً بحق (إسرائيل) في الدفاع عن نفسها في حال تعرضها لهجوم من قبل العراق أو حزب الله» ، ونفى حدوث أي ضغط على شارون من جانب الأميركيين بشأن المسألة الفلسطينية. نعم لقد بلعوا الطعم، وسيقعون في خضم صراع لا قِبَل لهم به، وبدلاً من أن تقاتل أمريكا من أجل مصالح اليهود فإنهم سيقاتلون من أجل مصالح البروتستانت، فإذا نجح المخطط فإن المستفيد الأساسي هو أمريكا، وإن سارت الأمور عكس ذلك فإن اليهود سيدفعون ثمناً غالياً. وعلى كل حال فإنه مما لا شك فيه أن اعتقاد النصارى هو أن اليهود هم وقود الملحمة الكبرى وأكبر ضحاياها، وما لدينا من الأحاديث يؤكد على قتالهم وإبادتهم حتى يقول الحجر والشجر: «يا مسلم يا عبد الله! هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله!» [١] . والمتتبع للتصريحات الأمريكية يلاحظ استعجالاً لضرب العراق بقرار دولي أو بدونه سواء شاركت دول كثيرة أم قامت به وحدها. وكما أسلفنا لم تعد هناك تحفظات على طبيعة المشاركين؛ فقد أعلن البيت الأبيض أن الولايات المتحدة لن تنتظر شهوراً لتتحرك لضرب العراق، وذلك في حال تأخر صدور قرار عن الأمم المتحدة يحدد بدقة إجراءات التفتيش في العراق والعواقب في حال أعاقت بغداد عمل المفتشين. وأضاف الناطق الرسمي للبيت الأبيض (فلايشر) أن «الرئيس ما زال يأمل في أن تتحرك الأمم المتحدة» . وأضاف أنه «إن لم تفعل، فقد قال الرئيس بوضوح إن الولايات المتحدة ستشكل ائتلافاً يضم كل من هم مستعدون لتطبيق قرارات الأمم المتحدة حول نزع أسلحة العراق» بل إن الرئيس بنفسه أعلن أن «على الأمم المتحدة أن تكون على مستوى الهدف الذي أنشئت من أجله، وهو الدفاع عن أمننا» .. نعم! لقد أوضح حقيقة الهدف من إنشاء الأمم المتحدة ألا وهو الدفاع عن أمن أمريكا وحماية مصالحها حول العالم، وعلى هذا الأساس يجب أن نفهم تعامل الأمم المتحدة مع قضايا فلسطين والبوسنة وكشمير والشيشان وأفغانستان والكونغو وكوريا وفيتنام و ... وتيمور الشرقية. إن مهمة أمريكا ليست سهلة في مجال تسويق هذه المشاريع سواء داخلياً أو خارجياً، وسنعرض فيما يلي تلخيصاً لخطابين رسميين: الأول ألقاه الرئيس بوش أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لإقناع العالم والشعب الأمريكي بوجهة نظر الإدارة الحالية، والثاني ألقاه رئيس وزراء بريطانيا أمام مجلس العموم لإقناع الرأي العام، وإيهام العالم أن هناك مسوغات كافية وقانونية وشرعية لما ستقوم به أمريكا في العراق. وسنبدأ بخطاب بوش مع إضافة بعض التعليقات المختصرة: لقد بدأ الرئيس بتخويف الناس، وذلك من أجل دفعهم للقبول والتسليم بالحجج والبراهين الواهية بدون تدبر وتمحيص، فقال: «علينا ألا ننسى الأحداث الأكثر قوة في تاريخنا الحديث، في يوم ١١/٩/٢٠٠١م شعرت أميركا بضعفها حتى أمام تهديدات كانت تتجمع في الجانب الآخر من الأرض، وقد عقدنا العزم، ونحن عاقدو العزم هذا اليوم على مواجهة كل تهديد من أي مصدر يمكن أن يعرض أميركا للرعب والمعاناة» ، وحاول أن يظهر نفسه أنه يعرض وجهة نظر الكونجرس ومجلس الأمن، وأنه يتكلم باسمهم فقال: «إن أعضاء الكونجرس الذين ينتمون إلى الحزبين السياسيين وأعضاء مجلس الأمن الدولي يوافقون على أن صدام حسين هو تهديد للسلام وعليه أن ينزع أسلحته، ونحن متفقون على أن الدكتاتور العراقي يجب ألا يُسمح له بتهديد أميركا والعالم بسموم رهيبة، وبالأمراض والغازات والأسلحة الذرية» . ثم حاول عرض الأدلة والبراهين التي تُسوِّغ ضرب العراق واحتلاله عسكرياً، ويمكن تلخيصها فيما يلي: - قوله: (نحن نعلم أن العراق وتنظيم القاعدة الإرهابي يتشاطران عدواً مشتركاً؛ هو الولايات المتحدة الأميركية. ونحن نعلم أن العراق والقاعدة يقيمان اتصالاً على مستوى رفيع يعود عهده إلى عقد من الزمن) . هل كان للقاعدة وجود قبل عقد من الزمن؟ !! - قوله: (بإمكان العراق أن يقرر في أي يوم يريد أن يقدم أسلحة كيميائية وبيولوجية إلى جماعة إرهابية أو إرهابيين فرادى) . - قوله: (إذا تمكن العراق من إنتاج أو شراء أو سرقة كمية من اليورانيوم العالي التخصيب بكمية لا تعدو حجم كرة البيسبول، فسيكون قادراً على اقتناء سلاح نووي في أقل من عام، وسيكون في وضع يمكنه من الهيمنة على الشرق الأوسط) . - قوله: (وخلال العام الماضي وحده أطلقت القوات المسلحة العراقية نيرانها على الطيارين الأميركيين والبريطانيين أكثر من ٧٥٠ مرة) أين، وفوق أي أرض؟! - قوله: (إن العراق يمتلك صواريخ باليستية ذات مدى يمكن أن يصل إلى مئات الأميال؛ أي بما يكفي لضرب (العربية السعودية) ، و (إسرائيل) ، وتركيا وبلدان أخرى في منطقة يعيش ويعمل بها أكثر من ١٣٥ ألف عسكري ومدني أميركي) . لاحظ كلمات: (بإمكان، وإذا، ويمكن أن) ، وقد خلص إلى تبشير الشعب العراقي أن مصيره سيشبه مصير شعب أفغانستان الذي يرفل بالسلام والأمن ورغد العيش بعد سنة من الغزو الأمريكي!! فقد قال: «يخشى البعض من احتمال أن يؤدي تغيير القيادة في العراق إلى إيجاد عدم استقرار، ويجعل الوضع أسوأ، إن من الصعب أن يصبح الوضع أسوأ مما هو عليه بالنسبة إلى أمن العالم، وأمن الشعب العراقي، إن حياة المواطنين العراقيين ستتحسن تحسناً دراماتيكياً إذا لم يعد صدام حسين في السلطة، مثلما تحسنت حياة المواطنين الأفغان بعد طالبان» !!! أما خطاب بلير فقد حاول تسويق المشروع بأسلوب مشابه، ولكنه أكثر تفصيلاً، وفيه تكرار كثير، وقد حاول في البداية إضفاء المصداقية على التقرير؛ فقد بدأ بقوله: «إن الملف الذي نُشر اليوم يقوم في معظمه على تحريات لجنة الاستخبارات المشتركة JCD، إن جُلَّ الأعمال والدراسات التحليلية التي تضطلع بها لجنة الاستخبارات المشتركة JCD هي ذات طابع سِرّي. وتُعَدُّ سابقة لم تقع من قبل أن تقوم الحكومة بنشر وثائق من هذا النوع. ولكن في ظل الجدل الدائر حول العراق وأسلحة الدمار الشامل؛ نشأت لدي الرغبة في إشراك الشعب البريطاني وإطلاعه على الأسباب التي تجعلني أعتقد أن هذه المسألة [العراق وأسلحة الدمار الشامل] إنما هي خطر داهم وقائم يتهدَّد المصالح القومية للمملكة المتحدة» . ثم ذكر بعض المعلومات التي نسبها للتقارير الاستخباراتية المتوفرة عن العراق كما يلي: - استَمرَّ العراق في إنتاج الوسائط الكيماوية والبيولوجية. - يوجد لدى العراق خطط عسكرية لاستخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وبعضها يمكن إطلاقه خلال ٤٥ دقيقة من صدور الأمر باستخدامها. - َطوَّر العراق مختبرات مَحمولَة / مُتنقِّلة بغرض الاستخدامات العسكرية؛ مما يؤكد تقارير سابقة عن وجود وحدات متنقلة لإنتاج الوسائط / المواد البيولوجية ذات الاستخدامات الحربية. - اتَّبع العراق سبلاً غير شرعية للحصول على مواد محظورة من الممكن استخدامها في برامج تصنيع الأسلحة الكيماوية والبيولوجية. - حاول الحصول على كميات كبيرة من اليورانيوم من إفريقيا؛ على الرغم من أن العراق ليس لديه مشروعات مدنية نشطة للطاقة النووية تستلزم استيراد اليورانيوم. - قام باستدعاء خبراء للعمل في برنامجه النووي. - ويحتفظ العراق الآن وبصورة غير شرعية بقرابة عشرين صاروخاً من طراز (الحسين) يبلغ مداها ٦٥٠ كم، وهي قادرة على حمل رؤوس كيماوية وبيولوجية. - بدأ في نشر صواريخ طراز (الصمود) التي تعمل بالوقود السائل، واستغل غياب مفتشي الأسلحة وعمل على إطالة مداها؛ بحيث يصل مداها إلى ٢٠٠ كم على الأقل. - كما بدأ العراق في إنتاج الصاروخ الذي يعمل بالوقود الجاف من طراز (أبابيل ١٠٠) ، ويعمل على إطالة مداه إلى ٢٠٠ كم. - أنشأ العراق موقعاً لاختبار محركات الصواريخ بهدف تطوير صواريخ قادرة على الوصول إلى كل من (إسرائيل) وجيران العراق من دول الخليج، وكذلك إلى مناطق السيادة والقواعد العسكرية للمملكة المتحدة في قبرص، ومثيلاتها في باقي دول حلف شمال الأطلسي (كقواعد الناتو في اليونان وتركيا) . - أن القوة العسكرية العراقية تستطيع أن تنشر الأسلحة الكيماوية والبيولوجية خلال ٤٥ دقيقة من إصدار الأوامر لذلك. - أن العراق يتمتع بالاكتفاء الذاتي في التقنية المطلوبة لإنتاج الأسلحة البيولوجية، ومعظم الموظفين ذوي الخبرة الذين كانوا ناشطين في البرنامج ظلوا في العراق. وقد لخص أعمال لجان التفتيش بقوله: قامت الـ UNSCOM بالتفتيش على ١٠٥ مواقع داخل العراق، ويصل عدد حملات التفتيش إلى ٢٧٢ حملة منفصلة، ورغم العثرات وأساليب الترهيب التي اتبعها العراق كشف مفتشو الأمم المتحدة عن تفاصيل برامج التسلح العراقي الكيماوية والبيولوجية والذرية والباليستية. وأكبر إنجازات الـ UNSCOM والـ IAEA هي: - تدمير أربعين ألف قطعة من أعتدة الحرب الكيماوية، و ٢٦١٠ أطنان من الكيماويات التحضيرية، و ٤١ ألف طن من المواد الوسيطة التي تستخدم في الحرب الكيماوية. - تفكيك محطة (المثنى) التي كانت المحطة الرئيسة لتطوير وإنتاج الأسلحة الكيماوية بالعراق بما فيها من خطوط إنتاج رئيسة. - تدمير ٤٨ صاروخاً من طراز سكود، و ١١ منصة متحركة لإطلاق الصواريخ، و ٦٥ موقعاً صاروخياً، و ٣٠ رأساً صاروخية معبأة بالوسائط الكيماوية، إضافة إلى ٢٠ رأساً حربية تقليدية. - هدم محطة (الحكم) لإنتاج الأسلحة البيولوجية، وعدد من معدات الإنتاج، ومخزونات من البذور والوسائط المَزرعيَّة [عادة ما تكون محاليل لعمل مزارع جرثومية وبكتيرية] لإعداد الأسلحة البيولوجية. - اكتشاف عينات مصنَّعة محلياً من اليورانيوم المُخَصَّب في عام ١٩٩١م؛ مما أجبر العراق على الاعتراف ببرامج تخصيب اليورانيوم لديه، ومحاولاته للحفاظ على المكونات الرئيسة لبرنامجه النووي المحظور، وإزالة وهدم البنية التحتية لبرنامج التسلح النووي العراقي بما في ذلك منشأة (الأثير) لاختبار الأسلحة. ولا ندري ماذا بقي في العراق بعد هذا؟ وقد انتقد بعض السياسيين الإنجليز هذا التقرير؛ فمثلاً النائب العمالي في مجلس العموم البريطاني جيريمي كوربين، وصف الملف الذي أصدرته الحكومة البريطانية مؤخراً حول أسلحة الدمار الشامل العراقية بأنه «يحتوي على القليل من الوقائع أو مما هو جوهري» . وأضاف: «في الواقع إنه تقيؤ للوثيقة التي أصدرها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية قبل أسبوع» . ولا يخفى غموض الهدف البريطاني من الحماسة لكل مشروع توسعي أمريكي؛ فقد استمرت بريطانيا في لعب دور تسويق المشروع الأمريكي سواء في أفغانستان أو العراق، وكان لقب بلير هو (وزير خارجية بوش) ، وتمادى بعض الفنانين الإنجليز بوصفه بـ (كلب بوش) . ونلاحظ أن الجهد الدبلوماسي تتولاه بريطانيا وكأنها تريد دفع أمريكا للاستمرار في مغامرات متوالية، ولكني أشك في إخلاص الإنجليز وحسن نيتهم بالنسبة لمستعمرَتهم السابقة التي يحتمون بها، ويحسدونها في الوقت نفسه. وإذا كان بلير لم يقنع قومه فماذا عن فرنسا التي عانت كثيراً من التوسع الأمريكي على حسابها في إفريقيا (رواندا، وبوروندي، والكونغو..) ، وهي هنا تتعرض لفقد مصالحها في العراق؟ وقد وقفت فرنسا في مواجهة المشاريع الأمريكية تساندها في ذلك روسيا وألمانيا، وقد أكد الرئيس الفرنسي جاك شيراك حين زيارته الإسكندرية أن «فرنسا ستضطلع بمسؤولياتها كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي» فيما يتعلق بالمسألة العراقية مؤكداً أن «المنطقة ليست بحاجة الى حرب جديدة إن أمكن تفاديها» . وقد تعالت الدعوات في فرنسا وروسيا لاستعمال حق النقض ضد المشروع الأمريكي البريطاني حفاظاً على المصالح، وتململاً من سيطرة القطب الواحد وتلاعبه بالمنظمة الدولية. وأخيراً فإن إمريكا مقبلة على مغامرة تتطلع فيها للسيطرة التامة على مقدرات المنطقة وثرواتها، وتعرف أن عدوها الأساسي الذي يمكن أن يعرقل أو يحبط هذا المشروع هو الإسلام الذي يجب أن يكون أهله على مستوى الحدث، وأن يدافعوا عن دينهم وأرضهم وثرواتهم ووجودهم بكل ما يستطيعون. إن القضية ليست خاصة بتنظيم جهادي أو نظام متمرد أو غير خاضع؛ إن الذي يريد تدمير نظام بعثي علماني لأنه يحكم بلداً مسلماً لديه شيء من أسباب القوة بدعوى الدكتاتورية والبطش وأسلحة الدمار الشامل الموجودة والمتوهمة؛ لن يعدم الأعذار المقنعة من وجهة نظره لضرب بلدان وأنظمة تمثل مصدراً محتملاً للتطرف والإرهاب. إن إخفاق أمريكا في أفغانستان وتخبطها يوحي بما يمكن أن يحدث في العراق، ومَنْ أخفق في التعامل مع شعب فقير يسيطر عليه الجهل والتخلف قد تخلى عنه القريب قبل البعيد؛ فلا نتوقع أن ينجح في بلد غني يحتوي على أكبر احتياطي نفطي في العالم تتنافس الأمم على ثرواته، ويقع في منطقة حساسة، وتحيط به دول يتعاظم فيها الشعور الإسلامي والمعادي لأمريكا و (إسرائيل) . فهل آن أوان انحسار الفرات عما يختزنه من أشراط الساعة؟! [قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (آل عمران: ٢٦) .

стр. 4434

المسلمون والعالم مع الانتفاضة في عامها الثالث د. عادل بن علي الشدي [*] قضية الساعة بالنسبة للمسلمين اليوم هي ذاتها قضية الساعة بالنسبة لهم منذ أكثر من خمسين سنة إنها قضية احتلال جزء عزيز من أجزاء الجسد المسلم هو فلسطين، وما تبع ذلك من تدنيس اليهود الصهاينة للمسجد الأقصى المبارك، وتنكيلهم بالشعب الفلسطيني المسلم إلى حدّ يصعب تصوره لولا رؤية العالم أجمع له بواسطة قنوات البث الفضائي التي تنقل شيئاً، ويغيب عنها أشياء. وإزاء هذا الواقع المرير الذي ينطبق عليه قول الشاعر: أحل الكفر بالإسلام ضيماً ... يطول عليه للدين النحيبُ وكم من مسلم أضحى سليباً ... ومسلمة لها حرم سليبُ فقل لذوي الضمائر كل وقت ... أجيبوا الله ويحكم أجيبوا أما لله والإسلام حقٌ ... يدافع عنه شبان وشيبُ؟ إزاء هذا الواقع فقد تفاوتت ردود الأفعال بين المسلمين، وتعددت الاتجاهات في التعبير عن مشاعر الغضب والألم. ومن المهم في هذا الجو المشحون التأكيد على جملة من الثوابت لينطلق المسلم من خلالها أثناء تعامله مع هذه الأحداث المؤلمة، أسوقها في وقفات عجلى لضيق المقام: * الوقفة الأولى: العمل لا البكاء: إن هذا الوقت ليس وقت تباك وندبٍ ونواح؛ فما لهذا جعل الله هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، كما أنه ليس وقت تلاوم وتبادل للاتهامات بما يزيد الفرقة والاختلاف بين شعوب الأمة وحكوماتها. المطلوب إذاً هو العمل وبذل الجهد واستفراغ الوسع في مواجهة إسرائيل وأعوانها. * الوقفة الثانية: بعضهم أولياء بعض: لماذا يستغرب بعضنا هذا التحالف بين اليهود في إسرائيل وبين الولايات المتحدة الأمريكية، ويجهدون أنفسهم في إثبات ما يؤكد هذا الدعم وغض الطرف عن الممارسات القمعية لإسرائيل تجاه الفلسطينيين؟ لقد أخبرنا الله بذلك حيث قال: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] (المائدة: ٥١) ، والتاريخ يشهد بهذا الحلف المعلن بين الطرفين. ومن ثم فإن المبالغة في بذل الجهد الموجه لتعريف الرأي العام العالمي ولا سيما الأمريكي بقضيتنا بحيث يطغى ذلك على الجهد المبذول في تقوية الذات وتحصيل أدوات المعركة خطأ ينبغي تصحيحه. * الوقفة الثالثة: ماذا يريدون منا؟ جاءت الأحداث لتؤكد أن اليهود والنصارى لا يمكن أن يرضوا عن المسلمين إلا إذا تركوا دينهم وتحولوا إلى ملتهم، وإلا فمن كان يتوقع أن تواجه السلطة الفلسطينية ورئيسها بهذا الحصار والقمع الواضح مع مرونتها وتعاونها الكبير في تحقيق متطلبات السلام المزعوم، وهاهم اليوم يسعون إلى عزل رئيسها وإقصائه عن سلطاته، وصدق الله تعالى حيث يقول: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم] (البقرة: ١٢٠) . * الوقفة الرابعة: أين الخلل؟ إن ما يجري الآن كان نتيجة مجموعة من الأخطاء الكبرى بدأت بتنحية الإسلام عن المعركة مع اليهود المحتلين واستبداله بالشعارات القومية أو الحزبية أو حتى العلمانية في فترة متأخرة نسبياً من تاريخ الصراع. واستمر الخطأ بترك خيار الجهاد في سبيل الله والتركيز فقط على الخيار السلمي مما جعل إسرائيل تزيد من عنفها وبطشها لعلمها بأن السلاح الموجه ضدها هو سلاح الترغيب لا سلاح الترهيب والوعد لا الوعيد، ولم يُعرف في التاريخ أن شعباً تحرر من الاحتلال بمجرد إعطاء الوعود والإغراءات للمحتل دون جعله يشعر بأن ثمن بقائه أكبر من ثمن رحيله. * الوقفة الخامسة: ما العمل؟ ما هو واجبنا تجاه ما يجري لإخواننا في فلسطين؟ هذا هو السؤال العملي الذي يجب أن نطرحه بدلاً من الشعارات والخطب والاعتصامات والاحتجاجات التي هي سلاح الضعيف وحيلة العاجز في معظم الأحوال. إن واجبنا الشرعي تجاه إخواننا يتلخص في: نصرتهم وإعانتهم: قال تعالى: [وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاق] (الأنفال: ٧٢) ، وقال ﷺ «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً.. الحديث» [١] ، والنصرة من مقتضيات الأخوة في الدين قال تعالى: [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] (الحجرات: ١٠) ، وقال تعالى: [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] (التوبة: ٧١) ، وفي الحديث: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه ولا يخذله» [٢] ، وقوله ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» [٣] ، وقد كاد عضو عزيز من جسد الأمة أن يُبتر فوجب على بقية الأعضاء أن تهب لنصرته. ومن وسائل النصرة لهم على سبيل المثال لا الحصر: ١ - بذل المال: والمال أقل ما يقدمه المسلم لإخوانه في مثل هذه الظروف الحرجة، وقد قدم الله الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في مواضع من كتابه كما في قوله: [تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ] (الصف: ١١) ، ولا شك أن المال عصب الصمود ومحركه، فبه يسد الفلسطينيون جوع أطفالهم ويكسونهم ويداوونهم ويتدبرون به أمر الحصول على السلاح اللازم لدفع العدو الصائل عنهم، وبه يدعمون مؤسساتهم التربوية والصحية والاجتماعية لتقوم بجزء من دورها في دعم المرابطين. والمهم هنا تحري الدقة ببذل المال إلى الجهات الموثوقة التي تضمن إيصاله إلى مستحقيه الصامدين في أرضهم وبأسرع وقت ممكن. ٢ - الشعور بألمهم والتذكير بقضيتهم: فلا بد من حمل همهم من منطلق المشاركة الوجدانية بين المسلمين التي أشار إليها قوله ﷺ «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً» [٤] ، ومن المعيب في مثل هذه الظروف أن تستمر بعض وسائل الإعلام ولا سيما بعض القنوات الفضائية في تجاهل مأساة المسلمين في فلسطين، وتواصل بثها لكثير من البرامج الهابطة التي تخاطب الغرائز بطريقة لا أثر فيها للتهذيب والأخلاق، وهو أمر مشاهد لا يمكن تسويغه أو السكوت عنه. أما على المستوى الشخصي فيمكن لكل فرد مسلم أن يتحول إلى وسيلة إعلامية متنقلة، فيذكّر بقضية إخوانه في فلسطين، ويحشد التأييد العملي لهم من خلال حديثه مع زملائه في العمل أو تلاميذه في الصف أو جيرانه في الحي أو أقاربه وأصدقائه بقدر طاقته. ٣ - تحفيز العلماء والقادة لبذل جهد أكبر في نصرة قضية فلسطين: والحق أن معظم العلماء وبعض القادة السياسيين بذلوا ويبذلون جهوداً متفاوتةً في هذا المجال قد يعلمها الناس وقد لا يعلمونها؛ لكن المطلوب اليوم تحفيزهم لمضاعفة الجهد ومطالبتهم بالضغط الاقتصادي والسياسي في عالم لا يعترف إلا بالمصالح، ولا يُذعن إلا للأقوياء فقط، وحين يشعر العلماء والقادة بأن نبض الشعوب والمجتمعات يحفزهم لسلوك هذا السبيل فلا بد أن تتسارع خطاهم في ميدان نصرة المسلمين في فلسطين. ٤ - الدعاء لهم: وهو سلاح أهمله الكثير منا للأسف الشديد مع أنه سلاح ماضٍ بيد المؤمنين، وقد أمرنا الله به ووعدنا بإجابته فقال: [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] (غافر: ٦٠) ، وقال: [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَان] (البقرة: ١٨٦) ، وقال: [أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ] (النمل: ٦٢) ، ومن الغريب أن البعض يلح في الدعاء ولو في أصغر أموره الدنيويّة وهذا مطلوب؛ لكنه لا يخصص شيئاً ولو يسيراً من دعائه لإخوانه المستضعفين في فلسطين، وهو يرى ما يصيبهم، ولو تحرى المسلمون الأوقات التي هي مظنة إجابة الدعاء كثلث الليل الأخير وأثناء السجود وآخر ساعة من نهار يوم الجمعة فدعوا فيها ربهم دعاء المضطرين بأن ينصر إخوانهم في فلسطين لكان في ذلك خير كثير؛ ومن يدري فلعل في جموع المسلمين رجل صالح لو أقسم على الله لأبره، فيستجاب دعاؤه لإخوانه ويكشف الله عنهم السوء. أما قضية الذهاب للجهاد بالنفس في فلسطين فقد صرح الكثير من قادة العمل الميداني في فلسطين بعدم حاجتهم لذلك، ومنهم الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس؛ حيث قال في مقابلة على قناة الشارقة الفضائية مساء يوم الخميس ٢١/١/ ١٤٢٣هـ بأنه لم يدخل إلى المعركة حتى الآن إلا المئات من أبناء الشعب الفلسطيني، وبقي الآلاف منهم بانتظار دورهم، ومن ثم فهم لا يحتاجون الآن إلى مشاركة مقاتلين من خارج فلسطين. * الوقفة السادسة: الجهاد، الثبات، الصبر: ثلاث كلمات متلازمة يحتاجها الفلسطينيون اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ فالجهاد هو طريق تحرير المقدسات وقد أعطاهم الله الإذن بذلك حتى وإن اعترض على جهادهم المعترضون ووصفوه زوراً وبهتاناً بالإرهاب؛ فقد قال تعالى: [أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ] (الحج: ٣٩-٤٠) ، وقال تعالى: [وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ] (الحج: ٧٨) ولكن طريق الجهاد طويل محفوف بالآلام، ولهذا فصاحبه يحتاج إلى ثبات على المبدأ؛ ولذلك يقول تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً] (الأنفال: ٤٥) . وهذا لا يتم إلا بالصبر على المكاره والمشاق؛ فقد قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا] (آل عمران: ٢٠٠) ، ويقول ﷺ «اعلم أن النصر مع الصبر» [٥] ، وقديماً قيل: «إنما النصر صبر ساعة» ذلك أن العدو اليهودي الحاقد بدأ الرعب يدب في صفوفه، والرغبة في الفرار تعتري أفراده، والألم الحسي والمعنوي يؤثّر على تماسكه، وصدق الله القائل: [وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ القَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ] (النساء: ١٠٤) . * الوقفة السابعة: أهمية الاجتماع على الحق وترك التفرق: لقد جرب الفلسطينيون كل الشعارات والمبادئ، ودخلت بينهم معظم الأفكار والطروحات المعروفة في العالم فما زادهم ذلك فيما سبق إلا وهناً وتفرقاً؛ لكنهم حين أقبلوا من جديد على الحل الإسلامي الذي يبدأ بجمع الكلمة على الحق، وبدأ الجهاد الذي يُراد به نيل رضا الله وتحقيق النصر أو الشهادة عندئذٍ بدأت ثمار مقاومتهم تظهر للعيان. وكل ما تحقق للفلسطينيين من مكاسب مرحليّة حتى اليوم إنما حصل بفضل الله، ثم بفضل هذا التوجه للعمل الجهادي في الداخل عبر الانتفاضتين الأولى والثانية. ولئن كانت الفرقة خطراً في كل حين فإنها اليوم أشد الأخطار التي يمكن أن تحيق بالفلسطينيين. يقول الله تعالى: [وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ] (الأنفال: ٤٦) ، ولذلك فلا بد من رص الصفوف، وتقوية اللحمة، وقبول عودة بعض الفلسطينيين الذين لم يكن الحق شعارهم ولا الجهاد طريقهم فيما سبق، لكنهم رأوا بأم أعينهم خطأ توجههم فرجعوا عنه. * الوقفة الثامنة: عدم طلب المعجزات: إننا جميعاً نوقن بأن ما يحصل اليوم على أرض فلسطين إنما يجري بقدر الله لحكمة بالغة يعلمها. قال تعالى: [مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا] (الحديد: ٢٢) ، وقال تعالى: [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) ، وقال: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ] (آل عمران: ١٤٢) ، وقال: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] (البقرة: ٢١٤) . ونؤمن كذلك أن العاقبة للمتقين، وأن النصر آت للمؤمنين لا شك في ذلك كما قال تعالى: [كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] (المجادلة: ٢١) ، وقال: [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] (غافر: ٥١) ، وقال: [وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] (المنافقون: ٨) . ولكن ذلك لا يعني حصول المعجزات ووقوع النصر بين غمضة عين وانتباهتها؛ فإن لله في هذا الكون من السنن ما يجري على خلقه أجمعين، ومن ذلك: ١ - سنة التدافع بين البشر: قال تعالى: [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً] (الحج: ٤٠) ، وقال تعالى: [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْض] (البقرة: ٢٥١) . فالصراع بين الحق والباطل مستمر إلى قيام الساعة، وفي ذلك الابتلاء من الحكم ما نعلم بعضه كتميز الصادقين من الكاذبين، وإظهار الفاقة إلى الله، ومنها ما لا يعلمه إلا الله. ٢ - سنة التدرج في التغيير: وتأمل قصة خلاص بني إسرائيل من تسلط فرعون عليهم وكم كان الزمن بين قوله تعالى: [وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ] (القصص: ٥) ، وبين قوله تعالى عن فرعون: [فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليَمّ] (القصص: ٤٠) ، عشرات السنين؛ حيث أوحى الله إلى أم موسى أن ترضعه ثم تلقيه في اليم، ثم يتربى في بيت فرعون حتى يبلغ أشده، ثم يخرج إلى مدين نحواً من عشر سنين، ثم يعود بالرسالة إلى فرعون، ثم يأخذ الله فرعون وقومه بالسنين ونقص الثمرات وغيرها من الآيات، ثم يوحي الله إلى موسى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر هاربين من فرعون؛ كل ذلك وهم يعيشون في الذل وتسلط فرعون حتى أذن الله بخلاصهم. وكذلك الحال بالنسبة لدعوة النبي ﷺ ؛ حيث ابتلي ومن معه بالتكذيب والتضييق والأذى والحصار حتى أضطر للهجرة بعد ثلاث عشرة سنة من الرسالة؛ ثم ابتلوا بالهزيمة يوم أحد والخوف يوم الأحزاب حتى أذن الله لهم بالنصر المبين وفتح مكة في السنة الثامنة للهجرة. ٣ - التغيير يبدأ من الداخل: يقول تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم] (الرعد: ١١) ، وهذا يقتضى أن يفتش المسلمون في دواخل نفوسهم ليعلموا مصدر الخلل وسبب الخطأ وهم اليوم أقدر منهم على العلاج غداً بتصحيح التوجه إلى الله لا إلى أحد سواه؛ فكم جر عليهم ذلك الخطأ من المآسي والويلات. * الوقفة التاسعة: النصر للمؤمنين، لكن بشروط: القرآن صريح في هذه المسألة؛ فحصول النصر للمسلمين بشروط وليس مطلقاً. يقول تعالى: [إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] (محمد: ٧) ، فأداة الشرط (إن) ولتحصيل الشرط وهو نصر الله للمؤمنين فلا بد من فعل المشروط وهو نصر المؤمنين لله؛ وذلك يكون بعبادته وحده لا شريك له كما بين ذلك في قوله تعالى: [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً] (النور: ٥٥) ، المسلمون اليوم خائفون وهم بأمسِّ الحاجة إلى تحرير أرضهم واستخلافهم فيها وتمكين دينهم في الأرض؛ وهذا كله مشروط بقوله تعالى: [يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً] (النور: ٥٥) . * الوقفة العاشرة والأخيرة: الأخوة تقتضي المصارحة: لقد هيأ الله للسلطة الفلسطينية جزءاً من الأرض تحكمه ولو بشكل جزئي، واستمرت على ذلك بضع سنوات؛ فهل كان أداؤها في تلك السنوات ملبياً لشروط الاستخلاف في الأرض والنصر على الأعداء التى ذكرها الله في قوله: [الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ] (الحج: ٤٠-٤١) ؟ أم أن الأمر كان على العكس من ذلك من حيث التوجه إلى غير الله والتعلق به، ومن حيث الحكم بغير ما أنزل الله، ومن حيث القمع لكثير من أبناء الشعب الفلسطيني المسلم واعتقالهم، ومن حيث فشو المنكرات كالرشوة والقمار وغيرها؟ وليس القصد هنا النبش في أخطاء الماضي بقدر ما هو محاولة تصحيح المسار والعودة إلى جمع الكلمة؛ ولكن على أساس صحيح يضمن للفلسطينيين على وجه الخصوص والعرب والمسلمين على وجه العموم الانتصار على عدوهم في المستقبل القريب بإذن الله. وإن غداً لناظره لقريب: [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) . وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4435

المسلمون والعالم الصراع على المياه في الشرق الأوسط د. محمد مورو [*] إذا كان الصراع على البترول قد شكل مساحة كبيرة من معادلات وأحداث المنطقة منذ عقود كثيرة وحتى الآن، فإن الصراع على المياه يمكن أن يكون أشد حدة؛ ذلك أن المياه في التحليل النهائي أهم من البترول وأغلى؛ فهو سر الحياة [وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ] (الأنبياء: ٣٠) . ولا شك أن الإدراك المبكر لأهمية المياه، ومعرفة طبيعة الصراع القادم حولها سيؤثر على أمتنا إذا ما أحسنوا الاستعداد بكثير من الجهد والتضحيات، ويؤمّن لهم مستقبلاً معقولاً، أما إذا ظل العرب في حالة غفلة عن هذه التقنية الخطيرة فإن مجرد وجودهم على سطح الأرض سيصبح أمراً صعباً! ومن المهم هنا أن نقرر حقيقة بدهية، أن هناك علاقة مباشرة بين الأمن العربي بعامة ومسألة تأمين مصادر المياه. وإذا كان الأمن العام لدولة ما هو الإجراءات التي تتخذها تلك الدولة لتحافظ على كيانها ومصالحها في الحاضر والمستقبل، فإن فهم الأمن على أنه موضوع الدفاع العسكري داخلياً وخارجياً هو أمر سطحي وضيق؛ لأن الأمن العسكري هو وجه سطحي ضيق لمسألة الأمن الكبرى كما يقول روبرت مكنمارا وزير الدفاع الأمريكي الأسبق؛ فهناك الكثير من الجوانب غير العسكرية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمسألة الأمن القومي، ومن هذه الجوانب بالطبع مسألة الأمن الغذائي والاقتصادي ومسألة المياه على رأس تلك الجوانب. وإذا أخذنا مسألة الأمن الغذائي كمحدد لفهم مستقبل العالم العربي لوجدنا أن الأمر مفزع؛ ذلك أنه إذا كان من يمتلك غذاءه يمتلك قراراً؛ فإن وجود فجوة غذائية في العالم العربي تصل إلى حوالي ٣٠ مليار دولار سنوياً هي الفرق بين الصادرات والواردات العربية مما يمثل مشكلة خطيرة، بل ونسبة الاكتفاء الذاتي من أهم السلع الاستراتيجية في مجال الغذاء لا تزيد عن ٣٩%، وهذه النسبة لها أهميتها؛ ونراها في حالة الدول ذات الأهمية في المنطقة العربية مثل مصر التي يبلغ اكتفاؤها الذاتي من القمح ٢٧%. وإذا أخذنا في الاعتبار أن السوق العالمية للقمح تتشكل من دول ذات توجهات سياسية ومتعارضة معنا، لأدركنا فداحة المشكلة؛ فالدول الكبرى المسيطرة على سوق تصدير القمح هي «أمريكا، كندا، أستراليا، السوق الأوروبية المشتركة» ؛ حيث يمكنها التكتل في احتكار للتحكم ليس في تصدير القمح فقط بل وفي أسعاره كذلك. وهكذا فإن المسألة الغذائية تفجر بالضرورة مسألة الماء؛ حيث إن الماء هو العنصر الأساس للزراعة القادرة بدورها على سد تلك الفجوة الغذائية. وبالطبع لا تقتصر أهمية الماء على مسألة الزراعة؛ فالماء ضروري للتصنيع أيضاً، فضلاً عن أهميته لتلبية الاستهلاكات البشرية المباشرة من مياه شرب وغسيل وغيرها، وليس عبثاً بالطبع أن تكون معظم الحضارات قد نشأت حول مصادر المياه. ومشكلة المياه في الوطن العربي ذات أبعاد كثيرة؛ فالوطن العربي يقع في الحزام الجاف وشبه الجاف من العالم، وتقل فيه الموارد المائية المتجددة عن ١% من المياه المتجددة في العالم، ونصيب الفرد العربي من المياه ١٧٤٤ متراً مكعباً سنوياً، في حين أن المعدل العالمي يصل إلى ١٢٩٠٠ متر مكعب سنوياً، ومعدل هطول الأمطار في الوطن العربي بين ٥ - ٤٥٠ ملم سنوياً، في حين يتراوح في أوروبا مثلاً بين ٢٠٠ - ٣٠٠٠ ملم سنوياً. وتمثل الصحارى في الوطن العربي مساحة ٤٣% من إجمالي المساحة الكلية للوطن العربي، وفي عام ٢٠٠٠م حيث بلغ عدد سكان الوطن العربي ٣٠٠ مليون نسمة فإن عجز الموارد المائية العربية يصل إلى ١٢٧ مليار متر مكعب؛ وذلك لأن حجم الموارد المائية المتاحة حالياً تبلغ ٣٣٨ مليار متر مكعب سنوياً لا يستثمر منها إلا ١٧٣ مليار متر مكعب! في حين أن الوطن العربي يحتاج لتلبية احتياجاته من المياه إذا أحسن استخدامها، وتم عمل خطط لسد الفجوة الغدائية إلى حوالي ٥٠٠ مليار متر مكعب من المياه سنوياً. والموارد ومصادر المياه في الوطن العربي تتمثل في الأمطار والمياه السطحية «الأنهار» والمياه الجوفية، ولعل المشكلة حول المياه السطحية «الأنهار» هي الأهم؛ فالمياه السطحية المتاحة حالياً للوطن العربي تبلغ ١٢٧.٥ مليار متر مكعب سنوياً، تحوز ثلاثة أقطار عربية حوالي ٧١ % منها، هي مصر والعراق والسودان، ومن المفروض أن يزيد حجم الموارد السطحية ليصل إلى ٢٥٦ مليار متر مكعب من المياه؛ أي ضعف ما هو متاح حالياً عن طريق مشروعات الري والسدود مثل قناة جونجلي في السودان. وإذا أدركنا أن ٦٧% من مياه الأنهار «المياه السطحية» في البلدان العربية تأتي من خارج بلادهم لعرفنا حجم ما يمكن أن يحدث من مشكلات إذا قام العرب بعمل تنمية أو سدود تؤدي إلى زيادة مواردهم، وعلى سبيل المثال فإن نهر النيل ينبع من إثيوبيا «النيل الأزرق» ، وبحيرة فكتوريا «النيل الأبيض» ، ويمر في تسع دول إفريقية هي «إثيوبيا، كينيا، أوغندا، تنزانيا، رواندا، بوروندي، والكونغو والسودان ومصر» ، ويقطع مسافة من أبعد منابعه على روافد بحيرة فكتوريا نيانزا في قلب إفريقيا إلى ساحل رشيد على البحر الأبيض المتوسط في مصر حوالي ٦٧٠٠ كم. أما نهرا الفرات ودجلة فينبعان من الجبال الواقعة شمال تركيا، ويمر الفرات عبر سوريا ثم العراق. أما نهر دجلة فيمر من تركيا إلى العراق مباشرة. وبالنسبة لنهر النيل مثلاً الذي تعتمد مصر عليه اعتماداً شبه كامل في اقتصادياتها وخاصة الزراعة؛ فإن نصيب مصر منه يصل الآن إلى ٥٥.٥ مليار متر مكعب سنوياً، والسودان إلى ١٨.٥ مليار متر مكعب سنوياً، وبديهي أن مصر والسودان يسعيان إلى زيادة مواردهما من مياه النيل عن طريق مجموعة من المشروعات، وهذه المشروعات لن تؤثر على حصة دول المنبع؛ لأن المياه قد تركت أراضيهم بالفعل من ناحية، ولأن هذه الدول لها مصادر مياه غنية جداً، فإثيوبيا مثلاً التي يأتي منها ٨٥% من مياه النيل المستخدمة في مصر ليست في حاجة إلى مياه النيل أصلاً؛ لأن مواردها المائية أعلى كثيراً من احتياجاتها، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة؛ حيث تسعى قوى عالمية وإقليمية لحرمان مصر من حصة كبيرة من المياه أو منها على الأقل من زيادة مواردها من تلك المياه؛ فإسرائيل تسعى إلى زيادة نفوذها في القرن الإفريقي ومنطقة البحيرات الكبرى، وكذلك أمريكا التي نجحت أخيراً في تحقيق أكبر قدر من النفوذ على كل من إثيوبيا وأوغندا والكونغو «ميذكابيلا» ورواندا وبورندي. والمخططات المعادية لمصر في هذا الصدد كثيرة؛ فالجيش الشعبي لتحرير جنوب السودان بقيادة جون جارانج المدعوم إسرائيلياً منع إنشاء قناة جونجلي التي كان من الممكن أن تزيد نصيب مصر والسودان من المياه، وهناك مخطط قديم يقضي بمحاولة تحويل مجرى النيل في إثيوبيا، وقد قام المكتب الأمريكي لاستصلاح الأراضي بعمل الدراسات الخاصة به إلا أنه بالطبع لم ينفذ، ولكنه يشكل فكرة في الأدراج يمكن تنفيذها فيما بعد للضغط على مصر، وهناك الآن عدد من الدراسات الجاهزة لإقامة سدود على النيل في إثيوبيا سوف يمولها البنك الدولي تؤثر على حصة مصر من المياه بنسبة ٢٠% سنوياً، أي ٧ مليارات متر مكعب من المياه، بل ووصل التفكير إلى حد أن هناك خطة تقضي بتحويل كل مصادر المياه في تلك المنطقة لتصب في منطقة البحيرات العظمى في وسط القارة كخزان عملاق للمياه، ثم بيع هذه المياه لمن يريد ويدفع الثمن كالبترول تماماً، ويمكن كذلك تعبئتها في براميل تحملها السفن أو عن طريق أنابيب لبيعها لدول خارج القارة، وتطالب إسرائيل أيضاً بمدها بنصيب من مياه النيل عن طريق سيناء، وإلا قامت بإحداث متاعب لمصر في منابع النيل في إثيوبيا ومنطقة البحيرات. وفي الحقيقة فإن المطامع الإسرائيلية في مياه النيل قديمة قدم المشروع الصهيوني ذاته، فقد تقدم الصهاينة في بداية هذا القرن بمشروع إلى اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني في مصر لهذا الغرض إلا أن ذلك المشروع قد رفض، وفي عام ١٩٧٤م قام مهندس إسرائيلي «إليشع كيلي» بتصميم مشروع لجلب المياه لإسرائيل من الدول المجاورة على أساس أن إسرائيل ستعاني من مشكلة مياه في المستقبل، ويتلخص المشروع بالنسبة لنهر النيل في توسيع ترعة الإسماعيلية حتى يزيد معدل تدفق المياه داخلها إلى ٣٠ متراً مكعباً في الثانية، ونقل هذه المياه عن طريق سحارة تمر أسفل قناة السويس، ثم تصب المياه على الجانب الآخر من القناة في ترعة مبطنة بالإسمنت لمنع تسرب المياه، وتصل هذه الترعة إلى ساحل فلسطين المحتلة وتل أبيب، ثم في خط آخر يتجه جنوباً نحو بئر السبع لعرب صحراء النقب، وتسعى إسرائيل وفق هذه الخطة إلى الحصول على ٨ مليارات متر مكعب من المياه سنوياً من النيل، وقد تكرر الحديث عن هذا المشروع فيما بعد خاصة بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد عام ١٩٧٩م. وبالنسبة لنهر الفرات الذي ينبع من تركيا ويمر في سوريا والعراق، فإنه نشأت حول حصص المياه والتدفق في هذا النهر العديد من المشاكل بين كل من تركيا وسوريا والعراق، وتستخدم تركيا مسألة المياه للضغط السياسي على سوريا مثلاً بسبب قضية دعم سوريا للأكراد الأتراك، ومن الناحية الفنية فإن سوريا لديها عجز في المياه يقدر بحوالي مليار متر مكعب سنوياً، ومع قيام تركيا بمشروعات كبرى على نهر الفرات تقضي بإنشاء ١٣ سداً، نفذت بالفعل منها سد أتاتورك عام ١٩٩٠م؛ فإن معدل التدفق في النهر قد انخفض مما أثر على كل من سوريا والعراق، كما أن قيام سوريا بدورها بإنشاء سدود على الفرات يؤثر على العراق الذي يصل إليه النهر في النهاية، بل قد وصلت الأمور إلى حافة الصدام بين سوريا والعراق عام ١٩٧٤م. وهناك مشروعات يتم التفكير فيها الآن خاصة بعد التحالف العسكري التركي الإسرائيلي بنقل المياه من تركيا إلى إسرائيل عبر أنبوب طويل يسير في البحر المتوسط إلى شواطئ إسرائيل، وهذا يحقق لتركيا موارد مالية من بيع المياه، ويحقق لإسرائيل تلبية حاجاتها من المياه بثمن بسيط، ولكن هذا بالطبع سيكون على حساب كل من سوريا والعراق. كانت المياه من أهم العوامل التي نشأت بسببها الحروب بين العرب و (إسرائيل) ، فالعمليات العسكرية الإسرائيلية على الحدود السورية اللبنانية عامي ١٩٦٤، ١٩٦٥م كانت بسبب الأطماع الإسرائيلية في مياه نهر الأردن ونهر بانياس ونهر اليرموك ونهر الحاصباني، كما كان من أسباب حرب ١٩٦٧م موضوع تحويل مجرى نهر الأردن، وفي عام ١٩٨٢م شنت إسرائيل حملة عسكرية على لبنان كان من أهدافها أطماع إسرائيل في نهر الليطاني. وتسعى (إسرائيل) كما ذكرنا من قبل إلى الحصول على مياه نهر الفرات من تركيا مباشرة، وكذلك الحصول على حصة من مياه نهر النيل عن طريق قناة الإسماعيلية باتجاه النقب وساحل (إسرائيل) . وتعتبر المياه محوراً هاماً من محاور الفكر الصهيوني؛ فبعد صدور وعد بلفور عام ١٩١٧م تقدم حاييم وايزمان رئيس المؤتمر الصهيوني آنذاك إلى لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا طالباً تحسين حدود إسرائيل حسب وعد بلفور، لتضم حوض الليطاني وجبل الشيخ وحرمون أي تضم أنهار الأردن وبانياس واليرموك. ويقول الصهيوني بلسان هوارس عام ١٩٢١م: «إن مستقبل فلسطين بأكمله هو بين أيدي الدولة التي تبسط سيطرتها على الليطاني واليرموك ومنابع الأردن» . وأعلن ديفيد بن جوريون عام ١٩٥٥م «أن اليهود يخوضون مع العرب معركة المياه، وعلى نتيجة هذه المعركة يتوقف مصير إسرائيل، وأننا إذا لم ننجح في هذه المعركة فإننا لن نبقى في فلسطين» . ومن المعروف أن الحدود الإسرائيلية المستهدفة طبقاً للخريطة المعلقة على الكنيست في إسرائيل هي من النيل إلى الفرات أي من ماء إلى ماء. على كل حال فإن إسرائيل توفر حاجاتها المتزايدة من المياه التي تصل ٣.٥ مليار متر مكعب حالياً، وتريد إسرائيل زيادتها إلى ١٢ ملياراً للتوسع في مشروعاتها، وتحصل عليها الآن إما من سرقة مياه الآبار العربية بوسائل تكنولوجية معقدة داخل الأراضي المحتلة، أو من مشروعات تستهدف السيطرة على أكبر قدر ممكن من مياه الأنهار العربية وحرمان الآخرين منها خاصة على أنهار الليطاني والحاصباني وبانياس واليرموك والأردن. وبالطبع فإن الفجوة المائية بين ما تنهبه إسرائيل حالياً من المياه العربية وبين ما تستهدف نهبه يمكن أن يشكل عنصراً هاماً من عناصر اندلاع حروب قادمة في المنطقة.

стр. 4436

مرصد الأحداث يرصدها: وائل عبد الغني بيان بنكهة الدولار! أصدر مائة من المثقفين والكتاب والأكاديميين العرب بياناً مشتركاً ناشدوا فيه الرئيس المصري حسني مبارك استخدام سلطاته التي منحها له الدستور والقانون؛ للإفراج عن الدكتور سعد الدين إبراهيم الذي يقضي حكماً بالسجن لمدة سبع سنوات، وبإعادة افتتاح (مركز ابن خلدون) للدراسات الإنمائية. وقال البيان: «إن الموقعين وهم ينتمون إلى تيارات فكرية وسياسية مختلفة في العالم العربي أصيبوا بصدمة شديدة بعد الحكم بحبس سعد الدين إبراهيم، مؤكدين أن سعد الدين إبراهيم أحد أبرز الوجوه المشرقة لمصر والعالم العربي بوصفه مفكراً وطنياً يتمتع باحترام دولي» . ونوه البيان بجهود سعد الدين إبراهيم في المشاركة مع مثقفين عرب في تأسيس (مركز دراسات الوحدة العربية) في بيروت، و (منتدى الفكر العربي) في عمان، و (المنظمة العربية لحقوق الإنسان) . وقال المائة: «إن بيانهم الذي يناشد الإفراج عن سعد الدين إبراهيم يأتي حرصاً على سمعة مصر في العالم، والتي تعرضت للنقد الحاد، وحرصاً على وجود المجتمع المدني في مصر» . وقال: «إن الموقعين أصيبوا بصدمة أدت إلى تراجع نشاطاتهم بعد رؤية ما يحدث لسعد الدين إبراهيم والدور الحيوي للمجتمع المدني؛ أمام الاتجاهات المتطرفة التي تحاول أن تعيد مصر إلى عصور الظلام» . كما أكدوا حرصهم على عدم انتكاس جهود مصر في توسيع هامش الحريات «الذي بدأنا نرى ثماره عبر مزيد من حرية الكتابة والنشر» . وكذلك حرصاً على حياة الدكتور سعد البالغ من العمر ٦٣ عاماً، والذي تشكل الظروف المادية والنفسية للسجن خطراً بالغاً على صحته المتدهورة، وعلى حياته. [صحيفة الشرق الأوسط، ٢٤/٩/٢٠٠٢م] خطب يسير في خطب جلل! أعتقد أن الانتفاضة انتصرت على كل ما خطط لها من قِبَل أعدائها؛ حيث إنها سحقت كل المبادرات المتكررة لإنهائها؛ سواء المبادرات الأمريكية أو الصهيونية أو العربية، كما أن الآلة العسكرية الصهيونية البشعة التي استُخدمت بكل بشاعة لقتل الانتفاضة، والخطط الجهنمية التي ابتكرتها العقلية الصهيونية مثل «جهنم المتدحرجة، وحقل الأشواك، والسور الواقي، وخطة المائة يوم التي تعهد بها شارون للقضاء على الانتفاضة» لم تفلح في القضاء عليها. ولكن أنا أعتقد أن أخطر ما يواجه الانتفاضة الآن هي الأصوات التي تخرج من الداخل الفلسطيني، وهي التي تشكل بالنسبة للعدو «التنفس الصناعي» الذي يبقي على الاحتلال؛ مع أن الاحتلال دخل في غرفة الإنعاش بسبب الانتفاضة، والذي يبقي على الاحتلال هي الأصوات النشاز التي تخرج وتدعو إلى وقف الانتفاضة. [د. عبد العزيز الرنتيسي، في حوار له مع المركز الفلسطيني للإعلام] الشريك الأطلسي ومهمة العمليات القذرة يبدو أن الإدارة الأمريكية تريد أن تكسب رهانها إلى النهاية مع الشركاء الأطلسيين؛ حيث تسعى لتوريطهم في إنشاء قوات مشتركة للتدخل السريع تخدم الأهداف الأمريكية، وقد لا يهمها كثيراً الموافقة كما لا تسعى إلى الرفض، ولكن الذي يهمها أن تصل إلى ترسيخ قناعات لدى هؤلاء الشركاء بأن يُسْلِموا القياد إلى الولايات المتحدة في كلا الاحتمالين. وقد جاء اقتراح تشكيل قوة أطلسية للتدخل السريع «في أية بقعة من العالم» ، والذي تقدم به وزير الدفاع الأمريكي (دونالد رامسفيلد) خلال اجتماع أعضاء الحلف الأطلسي في العاصمة البولندية فارسوفيا؛ ليخدم هذا التوجه لدى الإدارة الأمريكية، وقد تحدث رامسفيلد بإيجاز عن مشروع قوات تتشكل من ٢١ ألف عسكري يمثلون جميع الدول الأعضاء، ويزودون بأحدث الأسلحة والتجهيزات؛ بحيث يمكنهم التدخل عند الحاجة في أي مكان خلال فترة تمتد من أسبوع إلى شهر واحد. وأوضح أن المشروع الذي ينتظر أن يكون جاهزاً بعد عامين يحمل بصمات الاستراتيجية الأمريكية القائمة على قاعدة «الحروب الإجهاضية» ، في إطار ما يسمى بـ (مكافحة الإرهاب) ، ويتحول الحلف الأطلسي بموجبه إلى جهاز تسند له «المهمات العسكرية القذرة» ، وهو من هذه الناحية «يقلِّص» العبء اللوجستيكي والبشري عن الولايات المتحدة، و «يورِّط» الأوروبيين في الالتزام باستراتيجية الأمن القومي الأمريكي. [بتصرف عن مجلة العصر الإلكترونية، بتاريخ: ٣٠/٩/٢٠٠٢م] مرصد الأرقام: - كشف تقرير أعدته منظمة الصحة العالمية حول (العنف والصحة) أن أكثر من ١٩١ مليون شخص معظمهم من المدنيين قد لقوا مصرعهم نتيجة للصراعات خلال القرن العشرين، مشيراً إلى أنه يعتبر أعنف الفترات في تاريخ الإنسانية. - أظهرت دراسة خليجية أن نسبة الإصابة بـ «السمنة» في دول (مجلس التعاون لدول الخليج العربية) وصلت إلى ٦٠%، وأن أكثرها انتشاراً كان لدى النساء. - تنفق الولايات المتحدة ٢٥ مليار دولار على الدبلوماسية التقليدية، و٣٠ مليار دولار إضافية على الاستخبارات، بينما تنفق مليار دولار فقط على توصيل المعلومات، وتوجيه الجمهور العالمي، وغير ذلك من أنشطة التبادل الثقافي. - حركة (سلام الآن) : إسرائيل أقامت ١٠٠ نقطة استيطانية في الضفة الغربية خلال السنتين الأخيرتين. - أعلنت وزارة الصحة العراقية أن حوالي ٣٠ ألف عراقي معظمهم من الأطفال وكبار السن قد لقوا حتفهم خلال شهري يوليو وأغسطس الماضيين بسبب الحظر المفروض على العراق منذ أكثر من اثني عشر عاماً. - الأجهزة الاستخبارية الأمريكية رصدت مبلغ ٥ ملايين دولار لدعم أحزاب سياسية فلسطينية ناشئة تقبل بالحلول الأمريكية الإسرائيلية بشأن القضية الفلسطينية. - يوجد نحو مليون معاق في أفغانستان البالغ تعداد سكانها نحو ٢٣ مليون نسمة، وهو ما يمثل أعلى نسبة في أي بلد على مستوى العالم. وتقول وكالات المعونة: إن نحو ٣٠٠ شخص معظمهم ليسوا مقاتلين يتعرضون شهرياً للتشويه وبتر أطراف نتيجة انفجار ألغام. - دلت آخر الإحصائيات على أن حركة حماس تسببت في قتل أكثر من ٥٠% من قتلى العدو الصهيوني وجرحاه. - هناك ١٦ مليون أجنبي يعملون في الدول العربية، كما أن هناك أيضاً ١٦ مليون عربي يعملون في الخارج؛ بينهم ٦.٨ ملايين في الولايات المتحدة وحدها. - ارتفع الدين العام الداخلي للدول العربية ليصل إلى ٣٣١.٨ مليار دولار. - يقارب الإنفاق العسكري للولايات المتحدة الآن مبلغ ٣٥٠ مليار دولار سنوياً، وهذا مبلغ كبير من المال، ولكنه في اقتصاد ينتج أكثر من ١٠ تريليون دولار سنوياً؛ لا يشكل عبئاً على الإطلاق، فهو يزيد قليلاً عن ٣% فقط من الناتج المحلي الإجمالي. ويذكر أن أقصى تقدير لنفقات الحرب على العراق هو ٢٠٠ مليار دولار؛ أي ٢% من الناتج المحلي. - كشفت إحصاءات حكومية مصرية أن ١٦٧ مخالفة وجريمة تتصل بالفساد الإداري والمالي ترتكب كل يوم، وأعادت هذه الظاهرة إلى وجود خلل في القوانين والتشريعات التي تنظم شؤون العاملين في مرافق الدولة والقطاع العام. صفقة عسكرية أعلنت مصادر عسكرية إسرائيلية عن التوصل إلى صفقة عسكرية مع تركيا بقيمة ٦٨٠ مليون دولار أميركي؛ لتحديث ٢٧٠ دبابة تركية من طراز (بيتون) خلال خمس سنوات. وكانت إسرائيل قد قامت بتطوير لطائرات (فانتوم) تركية خلال عام ١٩٩٧م، وصرح (عاموس يارون) مدير عام وزارة الحرب الإسرائيلية أنه بإنجاز الصفقة التركية الجديدة تكون إسرائيل قد صدَّرت وطورت سلاحاً بقيمة ثلاثة مليارات دولار خلال العام الحالي. [الوطن القطرية: ٣٠/٩/٢٠٠٢م] معاداة السامية تطال أمير الشعراء!! طالب حاكم نيوجيرسي (جيمس ماكجريفي) الشاعر الأمريكي (أميري باراكا) بالتنحي عن منصب (أمير شعراء الولاية) إرضاءً لليهود؛ بعدما كتب قصيدة يتهم فيها اليهود بالتواطؤ في أحداث سبتمبر. ويقول الشاعر في قصيدته «شخص ما فجر أميركا» التي ألقاها في مهرجان للشعر أقيم الشهر الماضي بالولاية: «من كان يعلم أن مركز التجارة العالمي سيُنسف؟! من أخبر ٤٠٠٠ إسرائيلي يعملون بالبرجين أن يلزموا منازلهم ذلك اليوم؟! ولماذا بقي شارون بعيداً؟!» . وألمح الشاعر إلى أن إسرائيل كانت تعلم سلفاً بالهجمات. وأثار (باراكا) وهو كاتب وناشط سياسي شهير، عُيّن في شهر أغسطس الماضي أميراً لشعراء نيوجيرسي لمدة عامين انتقادات اليهود وأنصارهم في الولايات المتحدة. وقال متحدث باسم حاكم الولاية: إنه لا يمكن سحب المنصب أو المنحة المالية من (باراكا) ، وإن الأمر يعود إليه فيما إذا كان يريد الاستمرار. وفي حوار له مع صحيفة نيويورك تايمز قال (باراكا) : إن تصفحه لشبكة الإنترنت أقنعه أن إسرائيل كانت على علم بهجمات سبتمبر / أيلول، موضحاً أنه لا يعتزم الاستقالة، ودافع عن رأيه. وأضاف للصحيفة: «من الواضح أنهم كانوا على علم بها؛ شأنهم شأن الرئيس الأميركي (جورج بوش) » ، مشيراً إلى أن السماح بوقوع الهجمات خدم أهداف البيت الأبيض في أفغانستان والعراق، وبقية منطقة الشرق الأوسط. [الجزيرة نت: الإثنين ٢٣/٧/١٤٢٣هـ، الموافق ٣٠/٩/٢٠٠٢م] وا أقصاه! تتحين الحكومة الصهيونية أقرب فرصة لفتح باحة المسجد الأقصى أمام اليهود ليقيموا صلاتهم في إحدى زواياها. وقد أكد ناطق بلسان وزير الأمن الداخلي أن القرار أصبح قاب قوسين أو أدنى في هذا الاتجاه؛ بعد أن تراجعت قيادة الشرطة عن معارضتها لخطوة كهذه. يذكر أن رئيس الوزراء إرييل شارون كان قد أدار المعركة من أجل السماح بصلاة اليهود في الأقصى وهو في المعارضة، وقام بنفسه بزيارة استفزازية قبل سنتين انطلقت على إثرها الانتفاضة الفلسطينية الثانية؛ حيث خرج المصلون المسلمون للتظاهر فأطلقت الشرطة عليهم الرصاص وقتلت سبعة منهم على الفور، وراحت تطلق الرصاص على مظاهرات أخرى في مواقع مختلفة؛ بما في ذلك مظاهرات فلسطينيي ١٩٤٨م، وقتلت ١٣ شاباً منهم. وبعد انتخاب شارون لرئاسة الحكومة تولى مهمة فرض صلاة اليهود في باحة الأقصى وزير الأمن الداخلي (عوزي لانداو) ، لكن قادة الشرطة في وزارته اعترضوا على ذلك، وحذروا من أن قراراً كهذا سيشعل الأرض في جميع المناطق الفلسطينية؛ بما في ذلك القدس، وفي صفوف العرب في أراضي ١٩٤٨م. ويبدو أن الوقت بات أكثر ملاءمة بعد تطور الأحداث في المنطقة العربية وفق المسلسل الصهيوني؛ إذ قدم رئيس قسم المخابرات السابق في الشرطة الجنرال (حايم كلاين) أخيراً رأياً موافقاً، وقال إنه لا مانع من السماح لليهود بالصلاة هناك. [الشرق الأوسط: ٣٠/٩/٢٠٠٢م] أسرار كتاب «جهاز الأسرار» من المفارقات أن كتاب (جهاز الأسرار) لجيمس بامفورد كان قد صدر قبل شهرين من أحداث ١١ سبتمبر، ولكنه لقي اهتماماً كبيراً بعدها؛ حيث حظي بأكبر عدد من المراجعات في الصحافة الأمريكية، ثم صدرت الطبعة الثانية من الكتاب بعد ١١ سبتمبر متضمنة فصلاً عن الأحداث ودور جهاز الأسرار (وكالة الأمن القومي الأمريكي) ، كما استضافت كل من صحيفة «واشنطن بوست» ، «وكلية السياسات العامة» في جامعة بيركلي مؤلف الكتاب؛ لتسليط الضوء على ما حدث في ١١ سبتمبر، ودور وكالة الأمن القومي. يكشف المؤلف أن وكالة الأمن القومي التي يعمل بها ٣٠ ألف موظف، تضمهم ٥٠ بناية في ميريلاند، ويستحوذون على أقوى أجهزة الكمبيوتر في العالم، و١.٦ مليون شريط مسجل تتلقى الإشارات المخابراتية، وتتنصت على الاتصالات الهاتفية، ورسائل الفاكس والبريد الإلكتروني، وكل وسائل الاتصالات عبر العالم من خلال تكنولوجيا التقاط إشارات الموجة القصيرة، كما تقوم بفك الشفرات المخابراتية. ولكن ماذا عن دور وكالة الأمن القومي في ١١ سبتمبر، والذي يقارنه البعض بالإخفاق في بيرل هاربر؟ يفاجئنا المؤلف بامفورد بأن وكالة الأمن القومي الأمريكي استطاعت فك شفرة يابانية أرسلت إلى كل من يهمه الأمر، وهي رسالة تقول: (هناك هجوم ياباني متوقع) ، ولكن الرسالة وصلت بعد ساعات من الهجوم بسبب سوء الأحوال الجوية. بالمقابل؛ فإن الوكالة لم تفعل شيئاً يساعد في منع هجمات ١١ سبتمبر، فلم تراقب أسامة بن لادن، بل إن خاطفي الطائرة التي ضربت البنتاجون (وزارة الدفاع) عاشوا في ميريلاند حيث توجد مباني الوكالة، وحدث الهجوم بينما كان رئيس الوكالة يتناول إفطاره في واشنطن. ويفجر المؤلف مفاجأة بأن الوكالة قد رصدت وصول جهاز تليفون فضائي إلى بن لادن من لندن إلى أفغانستان، وقد سجلت مكالمة له مع والدته، وكان يمكنها أن تحدد مكانه من خلال رصد الترددات. وقصف بوش بالصواريخ مقر بن لادن ولكنه لم يكن هناك، وتوقف بعد ذلك عن استخدام التليفون الفضائي، ولم تسمع الوكالة صوت بن لادن بعد ذلك. ومفاجأة أخرى أن مهمة الوكالة في أفغانستان كانت مراقبة الروس والأسلحة الروسية، ولم يكن أفرادها هناك يتحدثون اللغة الأفغانية. ومفاجأة ثالثة أن الوكالة كانت تستخدم في التنصت على المحادثات الأطباق الفضائية، وهي وسيلة تقادمت تكنولوجياً بعد أن حلت تكنولوجيا الكابلات والألياف محلها؛ وذلك بسبب خفض ميزانية الوكالة بعد الحرب الباردة بنحو الثلث؛ في الوقت الذي تشعبت فيه مهامها، ولذلك أخفقت وكالة الأمن القومي في رصد التجارب النووية في الهند، وتفجير المدمرة كول، وتفجير السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا.. وأخيراً أخفقت في توقع هجمات ١١ سبتمبر. ومثل إخفاق وكالة الأمن القومي كان إخفاق وكالة المخابرات المركزية الأمريكية قبل أحداث ١١ سبتمبر، إنه (النوم القاتل.. الإخفاق المخابراتي الأمريكي الأعظم) ، وذلك هو عنوان الكتاب المقبل لجيمس بامفورد. [الأهرام، العدد: ٤٣٢٠٦] الاستراتيجية الأمريكية الجديدة: «القوة فوق القانون» ! اعتبر أحد الخبراء الروس أن (الاستراتيجية الأمريكية للدفاع الوطني) التي صاغتها إدارة بوش مؤخراً هي محاولة لتشريع هيمنتها على مستوى العالم، ولوضع الولايات المتحدة فوق المجموعة الدولية، ولمنحها منزلة القاضي الأعلى الذي يحكم في جميع القضايا وينفذها. المقال التحليلي المقدم من نائب مدير (معهد الولايات المتحدة الأمريكية وكندا) في أكاديمية العلوم الروسية البروفيسور (فيكتور كريمنيوك) ، والذي نشرته وكالة (نوفوستي) الروسية للأنباء يرى أن «هذه الوثيقة المؤلفة من ٣٥ صفحة تكشف رغبة أمريكا بشكل علني بأن تصبح القوة العظمي الوحيدة: (قوات البلاد المسلحة دائماً ستكون قوية بما فيه الكفاية لكي لا تحاول أي أمة أخرى منافسة إمكانيات الولايات المتحدة العسكرية) » . وبعد هذا الاقتباس من الوثيقة يقول كريمنيوك: «من الآن فصاعداً؛ ستكون الولايات المتّحدة أول من يوجه الضربات ضد أي خصم، وهي تملك الحق بالتصرف بشكل مستقل وفق تقديراتها الخاصة» ، مضيفاً: «وتبدو جلية محاولة وضع حدّ لمجلس الأمن الدولي كهيئة دولية رئيسة مسؤولة عن تقرير ضرورات استخدام القوة ضد هذه أو تلك من الدول. وفي الحقيقة؛ فإن الولايات المتحدة الأمريكية تدّعي بأنها لم تعد تحتاج لموافقة مجلس الأمن الدولي، وأنها ستتجنب هذا الجهاز، وقد أثبت الأمريكيون هذا الأمر قبل ثلاث سنوات حين توجيههم القصف على يوغسلافيا» . ويرى كريمنيوك في مقاله أنه «على الرغم من أن الاستراتيجية الجديدة تعتبر الإرهاب الخصم الأول للولايات المتّحدة، وتدّعي الحق بتوجيه الضربات الوقائية ضده، من الواضح أنّ الأمر لا يدور حول الإرهاب، لكن حول إحجام الولايات المتحدة عن تقييد نفسها بأيّ التزامات دولية، ورغبتها بالتصرّف وفق تقديراتها الخاصة في أيّ حالة، والعديد من الأعمال الأمريكية الأخيرة التي سبّبت ردّ الفعل السلبي في أنحاء العالم كافة تشهد على هذه الحقيقة» ، وهنا يشير إلى الانسحاب الأمريكي من (اتفاقية كيوتو) التي تفرض التقييدات على انبعاثات التلوث، وانسحابها الأحادي الجانب من معاهدة (حظر انتشار الصواريخ البالستيّة عام ١٩٧٢م) ، والانتهاك العملي لـ (اتفاقية جنيف) ؛ بسبب رفضها اعتبار مقاتلي طالبان الذين أسروا أثناء عملية مكافحة الإرهاب في أفغانستان أسرى حرب. وبحسب كريمنيوك فإن «هذا الميل الخطير يتشكّل الآن رسمياً في الاستراتيجية التي صيغت مؤخراً، ولا سيما أن ذلك جاء مصادفة مع حدث مثير؛ فقد حثّ جورج بوش الكونجرس الأمريكي على العمل على مراجعة وتحديد قانون سلطات الرئيس العسكرية عام ١٩٧٢م في الالتزام بهذا القانون الذي ينص على أنه (خلال شهر بعد بداية حملة عسكرية، على الرئيس الأمريكي أن يوضّح للكونجرس الأسباب ويحصل على موافقته، وإذا وجد الكونجرس أسباب الرئيس غير مقنعة؛ فإنه يتعين على رئيس الدولة أن يوقف العمل العسكري الذي باشره) ، ويريد بوش الآن تعديل هذا القانون لكي يتمكن من إطلاق العنان لرغباته ويشنّ حرباً بدون موافقة الكونجرس، وهذا يكشف تصميم البيت الأبيض على الخروج عن سيطرة الكونجرس في الداخل (بتعديل قانون سلطاته العسكرية) ، وفي خارج البلاد (بواسطة تبنّي استراتيجية الدفاع الوطنية الجديدة) . ومع الأخذ في الحسبان حقيقة أن الكونجرس الأمريكي من المحتمل جداً أن ينضمّ إلى جانب بوش لزيادة سلطاته العسكرية، وحقيقة أن استراتيجية الدفاع الجديدة لا تتطلب موافقة الكونجرس مطلقاً؛ فيمكن حينها الاستنتاج أن البيت الأبيض ستطلق أيديه للعمل على التخلص من أي نظام غير مناسب في أي مكان، وبالطبع، فإن هذا يشير إلى العراق أولاً، وإلى حملة جديدة في الخليج العربي، وحرب ستكون الطبعة الثانية لـ (عاصفة الصحراء) ، بينما وزارة الدفاع الأمريكية تعتقد أن هذه الحرب ستضع حداً لنظام صدام حسين الأكثر كراهية» . ويشير المقال إلى أن «المحاولة الأمريكية لجعل مجلس الأمن الدولي يعطيها الحق باستخدام القوة ضدّ العراق أخفقت» ، مضيفاً «لكن الولايات المتحدة تريد إطلاقها على أية حال، وغرض استراتيجية الدفاع الوطنية الأمريكية الجديدة هو تسويغ هذه الحملة» . [جريدة (الزمان) اللندنية، العدد ١٣٢٥]

стр. 4437

في دائرة الضوء إشكاليات الديمقراطية المستدامة مقالة في الفلسفة السياسية مدى الفاتح في أوقات المنافسات الحزبية والانتخابية تكثر أكثر من أي وقت آخر الوعود السياسية ويزداد التنظير السياسي، وفي هذه المرحلة يستخدم السياسيون كثيراً من العبارات البراقة والفضفاضة التي تصلح للتفسير بحسب وجهة نظر السياسي المعين وحسب مصلحته، ومن هذه العبارات ما يُخترَع بحسب الحاجة، ومنها ما يعاد اجتراره واستخدامه بصورة جديدة؛ ولعل عبارة: «الديمقراطية المستدامة» هي مما يدخل في إطار ذلك النوع الأخير. ومنذ البدء يحملنا المنظر السياسي لا سيما إذا كان ينتمي إلى العالم الإسلامي على تجاهل المدلول اللغوي المباشر لكلمة «ديمقراطية» الذي لا يعدو أن يكون «حكم الشعب» أو «التحاكم إلى الشعب» ؛ لتعارض هذا المعنى صراحة مع أبسط قواعد العقيدة الإسلامية التي تعطي الحاكمية المطلقة في الدين والدنيا لرب الشعب.. ونجد أنفسنا مضطرين للتعامل مع الديمقراطية بوصفها النظام الذي تتلاقى فيه قيم الحرية والمساواة والعدل، وتراعى فيه حقوق الشعب والمواطن، وتنفذ فيه وصايا الأغلبية كما تراعى حقوق الأقلية؛ وهو النظام الذي يسود فيه الرضا المتبادل بين الحاكم والرعية؛ فالحاكم ليس سوى ممثل لطموحات شعبه وإرادة مواطنيه؛ وبذلك يصبح النظام الديمقراطي النظام النموذج، وتتعالى بذلك النداءات الشعبية التي تطالب بتطبيق النظم الديمقراطية التي تلبي احتياجات المواطنين وتطلعاتهم. ثم ينطلق المنظر السياسي بعد أن يثبت في أفهام الجماهير هذا الفهم القاصر والحالم للديمقراطية يتحدث عن الديمقراطية المستدامة التي يمكن فهمها على ضوء ما سبق بأنها الديمقراطية التي تمتلك أسباب بقائها، وتنحدر من وجدان كل من المؤسسة الحكومية والشعب على حد سواء، ويعمل كل منهما على تثبيتها وتطويرها، وعادة ما يؤخذ الغرب والولايات المتحدة خصوصاً مثالاً يحتذى في الوعي والتقدم الديمقراطي. إلا أن كل هذه الكلمات الجميلة سرعان ما تفقد بريقها حينما تعرض على واقعنا المنظور، فيعترف دعاة الديمقراطية أنفسهم بأن أحلامهم في الحرية والمساواة لم تطبق كما أريد لها في أي نظام سياسي عبر تاريخ الممارسات الديمقراطية الطويل؛ ليس ذلك فقط؛ بل إن الديمقراطية الغربية قد بدأت تفقد رواجها وجاذبيتها حتى في منشئها الأوروبي؛ فقد كشف استطلاع واسع للرأي أجراه معهد «لينزباخ» الألماني أن نصف الألمان فقدوا ثقتهم بالديمقراطية [١] . وفي الحقيقة فإن أولئك الذين بدؤوا الدعوة للفكرة الديمقراطية من المفكرين والفلاسفة الأوروبيين أمثال «جوزلوك» و «جان جاك روسو» وغيرهم كانوا أول من أحس بتناقض دعوتهم؛ فهم كانوا يبحثون عن حرية مطلقة لا توجد؛ فلما أيقنوا بذلك عرّفوا الديمقراطية على أساس أنها النظام الذي تتفق فيه الأغلبية على التنازل عن بعض حرياتها وقالوا: إن حريتك تنتهي حينما تبدأ حرية الآخرين. أما أول صدمة تعرضت لها الديمقراطية بشكلها الحديث كانت إبان الثورة الفرنسية التي كانت تحمل شعارات الحكم الديمقراطي؛ فقد كانت صدمة قاسية جداً؛ إذ بدأت هذه الثورة عهدها بإرهاب شديد وقمع لا نظير له وكثير من الجرائم؛ مما حدا بفيلسوف كبير مثل «جان جاك روسو» الذي عدّ كتابه (العقد الاجتماعي) إنجيلاً للثورة الفرنسية أن يعتزل الناس ويصاب بالقلق والإحباط والصراع النفسي الشديد [٢] ؛ ومنذ ذلك الوقت المبكر بدأ الحديث عن التجارب الديمقراطية؛ حيث توهم المنظِّرون السياسيون أو حاولوا أن يوهمونا أن الأزمة ليست إلا مجرد أزمة تطبيق وليست أزمة مبادئ، وأنه يمكن إذا ما تبنت الحكومات المناهج الصحيحة أن تنزل هذه الشعارات إلى أرض الواقع، وأصبح هدف الأنظمة «المعلن» هو توحيد المثال والواقع وتطبيق ديمقراطياتها بشكل مُرْضٍ أو بأقل الخسائر والضرر. ومن مطلع القرن العشرين أصبحت الدول المستقلة ملزمة أو شبه ملزمة بتبني مثل هذه الأطروحات؛ فالضمير العالمي كله معبأ ليقف ضد الأنظمة الديكتاتورية المتسلطة التي يعنون بها باختصار النظم غير الديمقراطية، وهكذا تترك العبارة فضفاضة خاضعة لتفسير أهواء أصحاب المصالح في الشرق والغرب، وتصبح الديمقراطية وتطبيقاتها الشغل الشاغل للأمم المتحدة ومنظماتها، فترفع التقارير، وتعقد المؤتمرات، وتوضع «الديمقراطية» على رأس جميع أجندات العمل. وأمام الضغط العالمي عبر وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان لم تلبث الحكومات في تاريخنا المعاصر إلا أن تحولت لحكومات ديمقراطية بين يوم وليلة تسعى لتحقيق الديمقراطية حسب وجهة نظرها الخاصة وبقليل مما يسمى: (فلسفة سياسية) استطاعت حتى الحكومات الأحادية المستبدة والشديدة الديكتاتورية أن تجد مسوغات مقنعة تبرهن بها على أن الديكتاتورية قد تكون نوعاً من الديمقراطية الحقة كحديث الشيوعيين الملاحدة عن «ديكتاتورية البروليتاريا» ، أو تفترض أن تتوحد الحكومة والشعب معاً كما كان «هتلر» يريد أن يثبت إبان حكمه ورئاسته لحزبه «الديمقراطي» . وبجانب الدور الذي تلعبه الفلسفة السياسية في إقناع الآخر بمشروعية الرؤية السياسية الخاصة يأتي دور القوة الاقتصادية والمصلحة السياسية؛ ومعهما لا يحتاج النظام السياسي لكثير من الجهد في إقناع الآخرين ومحاولة تسويغ مواقفه. ومن ذلك حديث الرئيس الأمريكي «بيل كلينتون» العام الماضي عن المثال الديمقراطي في الهند إبان زيارته لـ «دلهي» ؛ فنحن جميعاً نعلم أن «كلينتون» لا يهتم كثيراً بحريات المواطن الهندي على المستوى الشخصي، ولم يطلق آراءه إلا من منظور المصلحة السياسية. وهكذا يختلف تقييم التجارب الديمقراطية بحسب اختلاف فلسفة الناظرين ومصالحهم؛ وفي حين نصف بلداً ما بأنه ديمقراطي يصر غيرنا على نفي هذه الصفة بتاتاً عنه، وينطبق الحال على البلد الواحد؛ فترى السلطة على الدوام أنها مثال الديمقراطية في حين تشتكي المعارضة باستمرار من الكبت والقمع اللذين لن يزولا إلا بقيام نظام سياسي جديد. والإشكالية الكبرى التي واجهت المنظرين السياسيين إبان تنزيل الفكرة الديمقراطية الرومانسية على أرض الواقع شديد التعقيد والتناقض هذه الإشكالية كانت وما تزال إشكالية تحديد الثوابت؛ فتركيا مثلاً حينما تصر على قمع الحجاب تستند في ذلك إلى ثوابت الدولة العلمانية، وحينما تتنكر فرنسا لقضايا الحريات وتطارد بعض الصحفيين والكُتاب الأحرار تستند إلى المصلحة العامة للشعب الفرنسي، وكذلك الحال بالنسبة لكثير من الأنظمة التي يصل بها الحال إلى التنكر علانية لنتائج الانتخابات الحرة وإعطاء نفسها حق تسمية النواب مثلما حدث العام الماضي بالنسبة لانتخابات الجامعة الأردنية التي حصل فيها الإسلاميون والقوميون في البداية على غالبية الأصوات. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: من الذي يحدد هذه الثوابت؟ فعلى الصعيد النظري يمكن فهم الثوابت على أساس أنها ما اتفق عليه الشعب أو غالبيته، أي أنها مبادئ وأولويات نابعة من صميم الشعب، ولا يمكن أن تفرض عليه بأي حال من الخارج؛ إلا أن الذي يحدث في دول الانهزام هو أن رجالات الحكم يتلاعبون بهذه الثوابت فيطوعونها لتناسب تحولات النظام العالمي وتغيراته؛ فتكون الدولة المعينة راضية مرضية، وهنا تتشابك المصالح والأهواء الشخصية والحزبية مع الثوابت والمبادئ؛ فلا تصبح الشريعة الإسلامية مثلاً من ثوابت الدولة المسلمة وإن كان أغلبية سكانها من المسلمين، أو يحاول أهل التشريع فيها تفسير أحكامها على ما يرضي الشرق والغرب، وتحميل معانيها ما لا يحتمل تفادياً للصدام مع «الدول الكبرى» . قارن هذا الموقف الانهزامي المتخاذل الذي يتنازل بكل سهولة عن ثوابت الشرع والعقيدة أو يجعلها على أخف تقدير محلاً للتفاوض والجدال بمواقف اليهود التي ظلت ترتكز منذ بداية التفكير في إنشاء الدولة اليهودية وحتى الآن على أساطير التوراة. ودعاة الديمقراطية هم في أغلب الأحوال دعاة العلمانية لما بين المصطلحين من تكامل، وربما بدت هذه الفكرة في العالم الغربي شديدة الوضوح، أما دعاة الديمقراطية من المسلمين فهم يضعون أنفسهم في مآزق حرجة، ومن ذلك أن أحد أقطاب الفكر العلماني يقول شارحاً: «إن الديمقراطية تستوجب التعددية الحزبية والفكرية وحرية المناقشة والتفاهم، واستخدام الرموز الدينية في النظام الديمقراطي يلغي مبدأ المنافسة المتساوية بين الأحزاب التي تمارس السياسة؛ لأن القواعد الدينية هي أمور يجب إطاعتها كما هي؛ فلو تم استخدامها لأمور العامة تلغى بطبيعة الحال حرية المناقشة والتعددية، هذا ما يعني نهاية الديمقراطية؛ وليست الديمقراطية هي المتضرر الوحيد من هذه العملية؛ بل إن الدين أيضاً سوف يتضرر من كونه أصبح مادة مفتوحة للنقاش» [٣] . وهكذا فالعدو الأول للديمقراطيين هم أهل الشرائع؛ فإذا علمنا أن النصرانية تنص في نصوصها الصريحة على تحييد الدين في المسائل السياسية، إضافة إلى عدم وجود أي نص يمكن تفسيره على أساس أنه بيان اقتصادي أو سياسي، وإذا استثنينا اليهود باعتبارهم حالة خاصة، ولسيطرتهم على الإعلام وتوجيه القرارات السياسية العالمية فلن يتبقى أمام الديمقراطيين عدو إلا الشريعة الإسلامية والمطالبون بتطبيقها من المسلمين، وبدلاً من أن نعي حجم التحدي الذي نواجهه نظل نطالب بالتعددية وندافع دفاعاً مستميتاً عن النظم الديمقراطية. ومغالطة أخرى يحاول أصحاب الهوس الديمقراطي [٤] إقناعنا بها، ألا وهي زعمهم أن الغرب أنموذج للنظام الديمقراطي برغم أننا نعلم اليوم مدى تأثير رجال المال والاقتصاد على السياسة الغربية حتى تصبح القرارات السياسية بيد طبقة دون أخرى كما يفعل اللوبي اليهودي في أمريكا وغيرها فيسقط هذا الادعاء الزاعم أن الشعب هو الذي يحكم، وقد تابعنا في الانتخابات الأمريكية الأخيرة كيف كان المرشح «آل جور» ساخطاً على مسيرة العمل الانتخابي، وكيف كان يعتبر تقدم «بوش» الابن خيانة للنظام الديمقراطي الأمريكي العريق. والحق أن العمل الانتخابي وما يحتاجه من دعاية وتمويل يبدو في كثير من الأحوال محتكراً وغير عادل، وهذه اللاعدالة هي التي تجعل مفكري الغرب اليوم يبحثون عن وسائل لتعديل النظرية الديمقراطية بحيث تحتوي على تمثيل أكثر صدقاً وعدلاً للمواطنين؛ فلا نتوقع مثلاً من «برنار تاي» رئيس نادي «ميلانو» الإيطالي وصاحب شبكة القنوات التلفزيونية أن يبذل كثيراً من الوقت لعلاج مشكلة الفقر والتنمية حينما يصبح نائباً في البرلمان، ومثل ذلك يقال عن «سلفيو برلسكوني» ، رئيس نادي أوليمبك مرسيليا الذي كوَّن بسبب قدرته المالية الفائقة حزباً سياسياً خلال شهرين ليفوز بواسطته بالأغلبية الانتخابية ثم يتولى منصب وزير أول [٥] . ولعل الصورة تبدو أكثر وضوحاً إذا ما ألقينا نظرة على الظلال العالمية للفكرة الديمقراطية، فكم من الجرائم ترتكب سواء برعاية الدول الديمقراطية الكبرى، أو بزعم الحفاظ على الديمقراطية وحقوق الإنسان. انظر إلى قضايا البوسنة وفلسطين والعراق والسودان وغيرها من الدول المسلمة، وإلى التدخل السافر في الشأن الداخلي للدول المستقلة، ثم إلى الفساد والإفساد الذي يروّج له تحت هذه المسميات البراقة والذي تعج به الدول الديمقراطية المتقدمة وما يصحبه من دعوات للتحلل الأخلاقي وتسويغ لأشنع الجرائم كالزنا والشذوذ وغيرهما من فنون الفساد. وهكذا؛ فإن الإشكاليات التي تواجه فكرة أو حلم الديمقراطية المستدامة نظرية وتطبيقاً كثيرة ومركبة؛ ذلك لأن الأزمة في اعتقادنا هي أزمة في الفكرة نفسها وليس فيما يصاحبها من إسقاطات؛ فهي تقوم على تصور إلحادي ينازع المولى عز وجل في حق من حقوقه وهو حق التشريع، وإعطائه للبشر أفراداً أو مؤسسات. ونحن وإن كنا نجد العذر للكافرين الذين يحاولون البحث عن أي طريق لا وحي فيه ولا غيب؛ فإننا لا نستطيع أن نعذر أولئك المنتسبين للإسلام الذين يتعمدون إسقاط العقيدة الإسلامية من حساباتهم أو يحاولون المتاجرة بالقيم الإسلامية الصحيحة كالشورى والمصلحة المرسلة؛ وما ذلك إلا لنيل رضى الكافرين والعياذ بالله. أما الحل الذي نفهمه وندعو إليه فليس هو محاولة تعديل للفكر الديمقراطي؛ بل هو العودة الرشيدة للنظام الإسلامي الأصيل، وهنا يجب أن يكون الجهد والمجاهدة. والله من وراء القصد.

стр. 4438

ملتقى البيان الثقافي المسلمون والمتغيرات.. إلى أين ؟ يحفل العالم اليوم بالكثير من المتغيرات والتحولات على شتى المستويات السياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية، وتختلط الأحوال على كثير من الناس، وتكثر الفتن والشبهات، ويتصدر الإعلام الغربي والعلماني فضاءنا الإعلامي ليمعن في التشويه والتضليل؛ ولذا كان لزاماً على الدعاة والمصلحين أن يكون لهم قصب السبق والمبادرة في تبصير الأمة وتوضيح مسارها. وتحقيقاً لهذا المطلب فقد يسر الله تعالى لمجلة البيان إقامة (الملتقى الثقافي الأول) في قاعة الصداقة في مدينة الخرطوم بعنوان: (المسلمون والمتغيرات.. إلى أين؟) ، في الفترة من ١٦ - ٢١ رجب ١٤٢٣ هـ، شارك فيه جمع من أهل العلم والفكر، وتضمن سلسلة من الفعاليات والأنشطة العلمية والثقافية، نذكر أهمها فيما يأتي: أولاً: المحاضرات المسائية: وقد تم بثها على شبكة الإنترنت، وهي خمس محاضرات، تناول فيها المشاركون عدداً من جوانب قضية المتغيرات وأثرها على المسلمين. وقد قام بالتعليق والمداخلة في كل ليلة واحد أو اثنان من العلماء والدعاة، وكانت المحاضرات على النحو الآتي: ١ - الصراع الحضاري ومستقبل المسلمين: ألقاها فضيلة الأستاذ الدكتور جعفر شيخ إدريس. تناول فيها مفهوم الحضارة، وبيَّن أنه لا توجد حضارة إسلامية معاصرة حتى يمكن أن نقول إن هناك صراعاً مع الحضارة الغربية، وإنما تتمثل المشكلة في محاولة الدول الغربية فرض حضارتها وثقافتها على العالم. ولخوف الغرب من عودة الأمة الإسلامية لحضارتها وقوتها، ولكي يضمن عدم بعثها من جديد؛ اتخذ هدفين هما: العمل على ألا يعود المسلمون للفهم الصحيح للدين، وألا تكون لهم قوة مادية. ثم أشار إلى التطور التاريخي لمحاولات الغرب للقضاء على الحضارة الإسلامية، والتي انتهت في هذا العصر إلى تفرد أمريكا بالقوة، ومحاولة فرض هيمنتها على العالم الإسلامي. وبعد أحداث ١١ سبتمبر عاد الحديث بشدة في الغرب عن خطر الإسلام، ودارت نقاشات كثيرة حول كيفية التعامل مع المسلمين، وكانت هناك ثلاثة حلول تتمثل في: إزالة الفهم الحرفي للإسلام وإيجاد صورة جديدة له تتلاءم مع الواقع الغربي، ومعالجة الأسباب الاجتماعية التي يرون أنها تؤدي لعداء الغرب، ومعالجة القضية الفلسطينية. وفي ختام المحاضرة أكد أن فرص بعث الحضارة الإسلامية متوفرة؛ فقد ضمن الله تعالى لهذه الأمة ألا ترتد ردة كاملة إلى الجاهلية، ومن براهين ذلك: أن الإسلام هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، وأنه أكثر الأديان انتشاراً في الأرض، وأن الناس يجدون فيه تصادقاً بينه وبين مقتضيات العقل، وأن العلم التجريبي يشهد له ولا يشهد عليه. ٢ - الثبات في زمن المتغيرات: ألقاها فضيلة الشيخ الدكتور إبراهيم الدويش. دارت المحاضرة حول عدد من النقاط: أولاً: أدوات التغيير: وتتمثل في وسائل الإعلام كالبث المباشر، والمجلات، وشبكة الإنترنت، وكذلك الدعاية والإعلان التي لها أثر كبير في الناس، ثم هناك السفر إلى الخارج. ونبه إلى أن من التغيير محموداً ومذموماً، فالمحمود هو التغير إلى الأحسن ما دام منضبطاً بالثوابت الشرعية، أما المذموم فهو التأثر بتيارات الأخلاق والتصورات المخالفة للإسلام. ثانياً: أمثلة على المتغيرات: تناول فيها أمثلة عديدة من التغيرات التي أصابت المجتمعات الإسلامية على مستوى المظهر واللباس، وعلى مستوى الأفكار والتصورات، ومن أهم ما ذكر: التشبه بالكافرين في لباسهم وأخلاقهم، تسلل الفكر العلماني، الأخذ برأي الأغلبية في مسائل حسمتها الشريعة، تمييع الأحكام الشرعية وإيراد الأقوال الشاذة والشبهات عليها كما في مسألة الغناء، وكشف الوجه. ونبه إلى أن خطورة التشبه بالكافرين تكمن في أن التقليد انهزامية، وفقدان للهوية، وأنه يورث محبة الكافرين، ويقود إلى التأثر بالعقائد الباطلة. ثالثاً: أصناف الناس في قضية المتغيرات: بيَّن أن منهم من ركب قطار الحضارة الغربية دون حذر ولا زاد. ومنهم من أُركب قطار الحضارة الغربي وغُسل عقله ليكون سهماً ضد قومه. ومنهم من رفض الركوب إما ورعاً، وإما رد فعل للصنف الأول. ومنهم من أخذ من الحضارة الغربية محاسنها، وسعى لنشر الهداية في بلادها، مع حذر من زيفها. رابعاً: وسائل الثبات في زمن المتغيرات: ومن أهم ما ذكره: وضوح الهدف والغاية من الخَلْق، وضوح المنهج والالتزام بسبيل المؤمنين، القناعة والرضى بالدين، والاعتصام بالله، تنظيم الوقت، كثرة الذكر، المحافظة على الفرائض، طلب العلم الشرعي. ٣ - المسلمون في ظل المتغيرات الدولية: ألقاها فضيلة الشيخ عبد العزيز مصطفى كامل. في بداية المحاضرة بيَّن فضيلة الشيخ أن القرن الماضي يعد قرناً استثنائياً في حياة الأمة، تتمثل أبرز معالمه في غياب الكيان الإسلامي الواحد (الخلافة) ، وذكر أن غياب هذا الكيان من أكبر الأسباب لأكثر المشكلات التي تعيشها الأمة من الاستضعاف وتسلط الأعداء. وذكر أن الكيان الإسلامي (الخلافة) يقوم على معرفة الدين، والامتثال له، والاجتماع عليه، والدعوة إليه، وبقدر توفر تلك الأركان تتوافر للمسلمين القوة والتمكين. وذكر أن أعداء الأمة جعلوا القضاء على هذا الكيان هدفاً أولياً، وكانت بدايات هذا القرن هي بدايات الشروع الفعلي في إسقاط الكيان الإسلامي العالمي متمثلاً في الدولة العثمانية، وكانت مراحل تطبيق هذا الهدف هي باختصار أحداث العالم الإسلامي في القرن المنصرم. ثم استعرض متغيرات القرن الماضي، مقسماً سنواته أربعة أقسام، يمثل كل منها ربع قرن، وأخذ يتناول أبرز الأحداث في كل قسم مبيناً أثرها على المسلمين. ومن الملاحظات المهمة التي لفت الشيخ عبد العزيز النظر إليها: أن القضية الفلسطينية كادت أن تغيب من برامج الإسلاميين في فترة المد الثوري وتصدي العلمانيين للقضية، وعلل ذلك بأنه ربما لأن الإسلاميين رأوا القضية واجهة للعلمانيين. ثم تساءل: أين المسلمون في ظل تلك المتغيرات التي جعلتهم في ذيل الأمم؟ وذكر أن كل محاولات العودة للكيان الإسلامي كانت تقف أمامها الأنظمة العلمانية، ثم تولت أمريكا تلك المهمة لكي تصفي كل عناصر القوة في العالم الإسلامي، مبيناً أن الغثائية التي وقع فيها المسلمون جعلت محصلة ما بأيديهم من قوى صفراً. وذكر أن النظم العلمانية أفلست في مجالات الحروب، كما أفلست في مجال السياسة؛ حيث خدعوا الأمة بعمليات السلام التي قادت إلى سراب، وينتهي الحال إلى تهديد الدول العربية كلها بالضرب والحرب، ولا نجد من يُظهر ولو إرادة التحدي، وإنما اللهجة السائدة على لسان تلك الأنظمة أن الأمة ليست مستعدة! أما أبرز المتغيرات في أول القرن الجديد فهي: انقلاب اليهود على مشروع السلام، وظهور الانتفاضة الثانية التي أربكت خطط شارون على الأقل إلى حين، وأحداث سبتمبر، وتناولها من حيث آثارها مبيناً أن الإعلام العلماني والغربي لم يقصرا في ذكر الآثار السلبية. أما الآثار الإيجابية التي ينبغي أن يستثمرها المسلمون فهي: ظهور الوجه الحقيقي للغرب وأمريكا، وانكشاف الحجم الحقيقي لقوة أمريكا، وإثبات أن بإمكان الأمة في نطاق الجهاد الشرعي أن يلحقوا الأذى والإذلال بأشد الأعداء. كما أظهرت تلك الأحداث حقارة النظم العلمانية؛ حيث أرضى النظام الباكستاني الغرب على حساب المسلمين؛ مما يبين أنهم ليسوا أمناء ولا أهلاً لمواجهة أعداء الأمة. ٤ - القضية الفلسطينية في ظل المتغيرات الدولية: ألقاها فضيلة الدكتور عبد الغني التميمي. افتتح الدكتور عبد الغني التميمي محاضرته بالتنبيه إلى وجوب أن نفقه المتغيرات الدولية وفق السنن الإلهية؛ لأن فهم المتغيرات خارج الرؤية الإسلامية يوقع الناس في أوهام وتخبطات كثيرة. ثم بدأ بذكر ثوابت القضية من منظور إسلامي، وهي: ١ - فلسطين أرض إسلامية مغتصبة، واليهود تحولوا من أهل ذمة إلى محاربين يجب قتالهم. ٢ - القضية الفلسطينية قضية إسلامية، ومحاولة جعلها شأناً فلسطينياً هو توجه صهيوني. ٣ - هذه القضية هي القضية المركزية المحورية للأمة، وأي محاولة لإبعاد القضية عن مركزيتها هو اعتداء على مسلَّمات الدين. وبيَّن أن كل ما يتم تحت مسميات (التطبيع، السلام) لا يمت بصلة لما هو معروف في أحكام الفقه الإسلامي بـ (الصلح والهدنة) . أما محاولات التأثير على القضية في ظل المتغيرات الدولية، فقد ركز فيها على التوظيف السياسي من قِبَل اليهود للبعد الديني في الصراع، وأنهم قد استطاعوا أن يجعلوا البعد الديني يشكل مرتكزاً للصراع في السياسة الأمريكية، وذلك في تحالف صهيو إنجيلي. وأورد عدداً من الأمثلة التي توضح مدى تأثير البعد الديني على السياسة الأمريكية، منها كما ذكرت جريس هاليسل أن الكونجرس الأمريكي لا يجتمع لاتخاذ قرار إلا في وجود مندوب من الحركة الإنجيلية ليتواءم القرار مع المعتقد الديني للحركة، وأن الشعارات التي أطلقها بوش (الحرب الصليبية، العدالة المطلقة، محور الشر) هي مصطلحات دينية للحركة. ٥ - رؤية في تقارب الأديان: ألقاها فضيلة الدكتور أحمد القاضي. دارت المحاضرة على أربعة محاور: المحور الأول: بيَّن فيه مفهوم الدين، ومدلول التقارب، موضحاً خطأ التعبير الشائع (الأديان السماوية) ، (الأديان الثلاثة) ، ثم ذكر من صور التقارب : صورة التسويغ، بمعنى تسويغ جميع الأديان، ويمثلها في الماضي أصحاب وحدة الوجود، وفي الحاضر أصحاب الدعوة الإبراهيمية. وصورة التلفيق، وهي نحت دين ملفق من أديان كثيرة، ويمثلها في السابق إخوان الصفا والبهائية، وظهر حديثاً المونية (مونيزم) . وصورة التقريب، وتسعى إلى إبراز أوجه الاتفاق، وإغفال أوجه الاختلاف، والامتناع عن نقد الآخر، ويمثلها قرارات المجمع الفاتيكاني الثاني. أما المحور الثاني: فقد أعطى فيه رؤية تاريخية، استعرض فيها تاريخ محاولات التقريب، موضحاً أن تلك المحاولات قد حسمت في العهد النبوي حينما أنزل الله تعالى سورة الكافرين، وغيرها من الآيات التي تفضح وتكشف أهداف اليهود والنصارى من محاولات التقريب، مثل قوله تعالى: [وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداًّ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (البقرة: ١٠٩) . وبين أنه لم يعهد طوال التاريخ الإسلامي أن دعا أحد إلى التقارب إلا بعض الشواذ الذين لا يعدون من أهل الإسلام، ذكر منهم أصحاب وحدة الوجود، والحلاج، وإخوان الصفا، والإمبراطور المغولي (أكبر) ، والبهائية، والحركة الماسونية، منبهاً أن من بين من وقعوا في حبائل الماسونية ودعوا إلى تقارب الأديان جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده. وفي المحور الثالث: أعطى رؤية وصفية معاصرة لمحاولات التقارب بين الأديان، بيَّن فيها أن هذه القضية ظهرت في العصر الحديث مع التغير الجذري الذي حدث في تاريخ الكنيسة، حيث قرر المجمع الذي عقد في الستينيات أن الكنيسة الكاثوليكية لا تنقد شيئاً مما جاء في الديانات، ودعا المجمع إلى التخلص من المنازعات والعداوات بين المسيحيين والمسلمين. ثم ذكر أمثلة من مظاهر التقارب؛ منها عقد مؤتمرات التقارب، الصلوات المشتركة، مجمعات المعابد، الدعوة إلى طباعة الإنجيل والتوراة المحرفين مع القرآن الكريم، إقامة مجمعات سكنية تجمع أهل الأديان. وختم برؤية شرعية وضح فيها أن الطريقة النبوية في خطاب أهل الأديان الأخرى هي الدعوة المباشرة للإسلام، دون الدخول فيما يسمى بالبيان المشترك، أو إبراز أوجه الاتفاق دون الاختلاف والافتراق. ثانياً: أمسية شعرية: شارك فيها الدكتور عبد الغني التميمي، والأستاذ أحمد محمد إسماعيل. ثالثاً: المحاضرات العامة: أقيمت سلسلة من المحاضرات العلمية والفكرية والتربوية في عدد من الجامعات والمساجد. رابعاً: الدورات العلمية، وقد أقيمت دورتان: الأولى: في مهارات التفكير، قدمها فضيلة الشيخ محمد الدويش. والأخرى: في شرح مقدمة ابن أبي زيد القيرواني، قدمها فضيلة الشيخ الدكتور أحمد القاضي. وأقيم على هامش الملتقى الثقافي معرض للكتاب والشريط الإسلاميين. وقد حظيت هذه الفعاليات ولله الحمد والمنة بإقبال كبير، وحضور حاشد، من شتى الاتجاهات الإسلامية رجالاً ونساءً. وكانت فرصة كبيرة للحوار وتبادل الآراء. نسأل الله تعالى أن يرفع الدرجات، ويحسن النيات، وأن يجعلنا من المتواصين بالحق المتواصين بالصبر.

стр. 4439

المنتدى وقفة مع هلال أول الشهر زياد بن أحمد خبشي هلاَّ وقف أحدنا يوماً بعد صلاة المغرب يتأمل هلال أول الشهر بجماله البراق ونحفه المتواضع: بياض باهت وسط ذلك الظلام الدامس تجاوره نجومٌ متواضعة ترصع السماء فتعطيها روعة وجمالاً.. كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال قال: «الله أكبر، اللهم أهلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربنا وربك الله» [١] . في هذا الحديث يطلب خير البرية ﷺ من ربه أن يدخل علينا شهرنا ونحن ننعم بالأمن من الآفات والمصائب، وأن نكون ثابتي الإيمان، وأن يكون حالنا في سلامة من آفات الدنيا والدين، بل ضمَّن ﷺ الدعاء سؤال ربه التوفيق والهداية لكل ما يحبه ربنا ويرضاه من الأقوال والأعمال بل والمقاصد، ثم ختم دعاءه ﷺ بحقيقة واضحة يجب أن لا تغيب عن الأذهان أبداً، هذه الحقيقة هي أننا كلنا عبيدٌ مربوبون لله جل وعلا: الإنسان منا والحيوان بل والجماد، وأرجو يا أخي الكريم أن لا تنسى وأنت تُردد هذا الدعاء وتنظر إلى هلال أول الشهر إلى أن تتأمل مرة أخرى في هذا الدعاء لتلمح شيئاً من هديه وخُلُقه ﷺ ، وكيف أنه جعل الدعاء عامّاً له ولأمته صلى الله عليه وسلم وأنه لم ينسها، وصدق ربنا حين قال عنه: [عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] (التوبة: ١٢٨) . أخي! وأنت تنظر إلى هلال أول الشهر كأني بك وقد استدار بك الزمان والمكان، وقد أخذتك الذاكرة إلى قبل أربعة عشر قرناً من الزمان؛ لتلقي نظرة على ذلك البيت الطيني الذي كان يمر عليه الهلال والهلال ولا توقد فيه نار للطهي، بل كان التمر والماء هما طعامهم كما أخبرت بذلك أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -. يقول الحسن البصري: «كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان بن عفان فأتناول سُقُفها بيدي» . «إنه بيت متواضع وحُجَر صغيرة ... لكنها عامرة بالإيمان والطاعة، وبالوحي والرسالة» [٢] . بيت من الطين بالقرآن تعمره ... تباً لقصر منيف بات في نغم لقد كان ﷺ لا يتكلف طعاماً أبداً، ولا يعيب طعاماً: إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه. ومات ﵊ «وما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام بُر ثلاث ليال تباعاً» كما في الصحيحين. وأرع سمعك لما رواه الترمذي عن ابن عباس ﵄ وهو يقول: «وكان أكثر خبزهم خبز الشعير» . طعامك التمر والخبز الشعير وما ... عيناك تعدو إلى اللذات والنعم تبيت والجوع يلقي فيك بغيته ... إن بات غيرك عبد الشحم والتخم وهذا الهلال الماثل أمام عينيك ما هو إلا مرحلة تنقضي، ثم يتبعها مرحلة أخرى.. هكذا دواليك حتى يكون عرجوناً كهلال أول الشهر [وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ] (يس: ٣٩) . وهكذا أنت أيها الإنسان: طفل رضيع، ثم صبي، فغلام، فشاب، فرجل، فكهل، ثم شيخ، حالك كحل ذلك الطفل الرضيع لا تعلم شيئاً ولا تحرك شيئاً [وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً] (الحج: ٥) . فانظر يا أيها الإنسان في حال عمرك، وتحسس جسدك، وانظر في أي المراحل أنت تسير: هل أنت في الهلال ما زلت؟ أم أنك قاب قوسين أو أدنى من العرجون القديم؟ وما هي إلا أيام أو لحظات ثم تفارق هذه الحياة. واحذر ثم احذر يا أخي! أن يباغتك الموت فجأة وأنت لا زلت في ريعان الشباب لم تأخذ أُهبتك، ولم تستعد لهذا الطارق الذي لا يُرد أبداً؛ فالحذر ثم الحذر! فإن الخسوف لا يقع إلا للبدر.

стр. 4440

المنتدى الدعوات والفتن محمد الزهراني من سنة الله أن يحصل الابتلاء للمؤمنين أفراداً وجماعات: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ] (البقرة: ٢١٤) . لكن هذه الفتن بوجهها الآخر مبشرات؛ فإنه لا تحدث فتنة إلا كان بعدها فَرَج، وحصل لأهلها من الخير الكثير، وإن شدة ظلام الليل دليل على قرب صبحه. وينبغي على الدعاة والمصلحين أن يوقنوا بأن الخير فيما يقدره الله؛ فكم غَدَر أعداء هذا الدين وكادوا ضده، وكاد ربنا بكيده؛ فكان ما قدره الله وكان فيه الخير للدعوة وأهلها. قتل فرعون كل مواليد بني إسرائيل فزعاً وخوفاً من طفل قال الكهان إن على يديه يزول مُلك فرعون، وكاد ربنا، فقدّر أن يكون فرعون هو الذي يعتني بموسى ﵇ ويرعاه في عقر داره رعاية أبناء الملوك [لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوا] (القصص: ٨) . وحسد إخوة يوسف أخاهم ﵇ فكادوا ودبّروا [غَيَابَةِ الجُب] (يوسف: ١٠) ، فجعل الله في ذلك خيراً كثيراً، فأخرجه الله سيداً لمصر وأميناً على خزائن الأرض [وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً] (يوسف: ١٠٠) . واجتمعت قريش وغطفان ويهود في الأحزاب ضد نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم وقلة المؤمنين معه، فكادوا ودبروا لاستئصال شأفة المؤمنين حتى بلغت قلوب المؤمنين الحناجر، وأرجف المنافقون في المدينة، فجاءت [وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ] (الروم: ٤٧) ، فدبر ربنا سبحانه وقدّر، وارتحل الأعداء منهزمين، فقال نبي الله ﷺ : «الآن نغزوهم ولا يغزونا» . وهكذا تجري الأقدار ولا يعرف الناس في أيٍّ الخير، فلربما شُدّد على الدعوات، ومُلئت السجون بالدعاة، وأُلجم الناصحون فكان في ذلك كل الخير، فزاد عدد المنتمين للدعوة، وكثر أنصارها وقد ظن ضعفاء النفوس أن لن تقوم لها قائمة، وإنما يحصل هذا [لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً] (الأنفال: ٤٤) ، وإنما الخير فيما يقدره الله [فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً] (النساء: ١٩) . والذي يجب بعد هذا هو أن نعلم أن البلاء والرخاء جولات ينبغي أن تجعلنا حريصين على إعداد العدة وقت الشدة؛ لتنطلق الدعوة في أوقات السعة والرخاء وتتقدم، وأن نأخذ من السنوات السمان للسنوات العجاف، ونوقن أن الله يأبى [إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ] (التوبة: ٣٢) .

стр. 4441

المنتدى الإرهاب محمد عبد السلام الباشا عملاقُ العالم أمريكا ... شربت من كأس الأخطارِ النارُ ستحرق صاحبها ... لعبت أمريكا بالنارِ طيران يصدم أبراجاً ... ويقول لأمريكا انهاري هلع أو رعبٌ داهمها ... أحداث مثل الإعصارِ آلاف القتلى قد شهدت ... وانهارت كل الأسوارِ يرتد الفعل على الباغي ... هذا إنذار الجبارِ الله سيهدم أمريكا ... وسيهدم كل الأشرارِ عادٌ وثمودُ تشابهها ... تحذير جاء من الباري كانت أمريكا عدواناً ... وستبقى بعد الإنذارِ دعموا أعداء قضيتنا ... فتمادوا في قصف الدارِ وأذاقوا أمتنا هولاً ... في القدس عرين الأحرارِ (صبرا شاتيلا) ما غابت ... (شارون) قرين الأوزارِ كانت أمريكا سمساراً ... وشريكاً قبل السمسارِ

стр. 4442

الورقة الأخيرة إلهي لا تعذب لساناً يخبر عنك د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف [*] «إلهي لا تعذب لساناً يُخبر عنك، ولا عيناً تنظر إلى علوم تدلّ عليك، ولا يداً تكتب حديث رسولك؛ فبعزتك لا تدخلني النار» [١] . هكذا كان ابن الجوزي ﵀ يناجي ربه، وربما ابتهل إلى ربه قائلاً: «ارحم عبرة ترقرق على ما فاتها منك، وكبداً تحترق على بُعدها عنك» [٢] . إن الانكسار والانطراح بين يدي الله تعالى أعظم العبادات وأجلُّ القربات؛ فالدعاء هو العبادة؛ حيث يتضمن أنواعاً كثيرة من العبادة كإسلام الوجه لله تعالى، والرغبة إليه، والاعتماد عليه والتذلل والافتقار [٣] . يقول مطرف بن عبد الله بن الشخّير ﵀: «تذاكرتُ: ما جماع الخير؟ فإذا الخير كثير الصيام والصلاة، وإذا هو في يد الله، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله إلا أن تسأله فيعطيك، فإذا جماع الخير الدعاء» [٤] . وقال سهل بن عبد الله التستري ﵀: «ليس بين العبد وبين ربه طريق أقرب إليه من الافتقار» [٥] . ولما كان الله تعالى لا يخلق شراً محضاً، فإن المحن المتتابعة على أمة الإسلام في هذا العصر من أعظم أسباب اللجوء إلى الله تعالى، والابتهال إليه. وتحقيق التوحيد كما حرر ذلك ابن تيمية ﵀ بقوله: «فمن تمام نعمة الله على عباده المؤمنين أن ينزل بهم الشدة والضر وما يلجئهم إلى توحيده فيدعونه مخلصين له الدين، ويرجونه لا يرجون أحداً سواه، وتتعلق قلوبهم به لا بغيره، فيحصل لهم من التوكل عليه والإنابة إليه، وحلاوة الإيمان وذوق طعمه والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض والخوف، أو الجدب، أو حصول اليسر وزوال العسر في المعيشة؛ فإن ذلك لذَّات بدنية ونِعَم دنيوية قد يحصل للكافر منها أعظم مما يحصل للمؤمن. وأما ما يحصل لأهل التوحيد المخلصين لله الدين فأعظم من أن يعبر عن كنهه مقال، أو يستحضر تفصيله بال، ولكل مؤمن من ذلك نصيب بقدر إيمانه، ولهذا قال بعض السلف: يا ابن آدم، لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها من قرع باب سيدك. وقال بعض الشيوخ: إنه ليكون لي إلى الله حاجة فأدعوه فيفتح لي من لذيذ معرفته وحلاوة مناجاته ما لا أحب معه أن يعجل قضاء حاجتي خشية أن تنصرف نفسي عن ذلك» [٦] . إن الناظر إلى حالنا يرى غفلة عن الدعاء؛ فقد ندعو الله تعالى دون إلحاح أو افتقار، وربما دعونا الله تعالى مع ضعف ثقة ويقين بإجابة الدعاء، ولذا تغيب حلاوة المناجاة ولذة الابتهال إلى رب العالمين. وإن مما يحقق ذلك أمرين مهمين: أحدهما: أن نستحضر أسماء الله الحسنى وصفاته العلا، فنتعبد الله تعالى بأسمائه وصفاته؛ فهو ﷻ البرّ الكريم، الرحمن الرحيم، الملك القدوس السلام المؤمن المهمين العزيز الجبار المتكبر. كما نتعرّف على الله تعالى من خلال آلائه ونعمه، [وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] (النحل: ١٨) ، [وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ] (النحل: ٥٣) . والأمر الآخر: أن نستصحب في مناجاتنا فقرَنا وضعفَنا ومسكنَتَنا، وكثرةَ ذنوبنا، وظلمَنا وتفريطنا؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله. أرأيت إلى دعوات الأنبياء ومناجاتهم وما تحويه من هذين الأمرين المهمين؟ فهذا زكريا ﵇ ينادي ربه قائلاً: [قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِياًّ] (مريم: ٤) ، وها هو يونس - ﵇ ينادي ربه في بطن الحوت فيقول: [لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ] (الأنبياء: ٨٧) ، وكان نبينا ﷺ يقول: «سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» [٧] . ومما يحسن ذكره ها هنا أن عبد الملك بن مروان خطب خطبة بليغة ثم قطعها وبكى بكاء كثيراً، ثم قال: يا رب! إن ذنوبي عظيمة، وإن قليل عفوك أعظم منها، اللهم فامحُ بقليل عفوك عظيم ذنوبي. فبلغ ذلك الحسن البصري فبكى وقال: لو كان كلامٌ يكتب بالذهب لكُتِب هذا الكلام [٨] . ومع أن ابن تيمية - قدس الله روحه - ينكر على الشاعر المتنبي مبالغته في قوله: يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ... ولا يهيضون عظماً أنت جابره إلا أنه يقول: «ربما قلتُ هذين البيتين في السجود أدعو الله بما تضمناه من الذل والخضوع» [٩] . وقد رئي أبو الحسين الرازي (٣٠٤ ت هـ) في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بقولي عند الموت: اللهم إني نصحت الناس قولاً، وخنت نفسي فعلاً؛ فهب خيانة فعلي لنصح قولي [١٠] . ونختم المقالة بخير الهدي؛ فقد كان من دعاء المصطفى ﷺ : «اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقر بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وذلّ لك جسده، ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقياً، وكن ربي رؤوفاً رحيماً! يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين!» [١١] .

стр. 4443

شوال - ١٤٢٣هـ ديسمبر - ٢٠٠٢م (السنة: ١٧)

стр. 4444

كلمة صغيرة الثبات الثبات.. يا أهل الرباط ! ذكرت بعض المصادر الإخبارية أنَّ الفاتيكان أعلن نداء للفلسطينيين الكاثوليك، وللمنصِّرين الأوروبيين للبقاء في الأرض المقدسة، وعدم التخلي عنها بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة، وأعلن الفاتيكان أن القس الكاثوليكي (بول جوزيف كورديس) مدير الذراع الخيري للفاتيكان قام بتوزيع ٤٠٠ ألف دولار أمريكي للكاثوليك الفلسطينيين في الضفة الغربية، وداخل فلسطين المحتلة حتى يساعدهم على الثبات والبقاء، ويعوضهم عن الخسائر الفادحة التي أصابتهم بسبب الانهيار الاقتصادي وضعف الحركة السياحية..! أما المسلمون الفلسطينيون فيمارس عليهم العدو اليهودي أشدّ الضغوط ليهاجروا من أرضهم المباركة، فتُهدم المنازل، وتُحرق المزارع، وتُهدم المدارس والمستشفيات، وتُصب الحمم فوق رؤوسهم صباً، ويُهجَّرون قسراً بعيداً عن أرضهم وأهليهم ... ولكنهم لا بواكي لهم..!! من أجل هذا نقول للمرابطين في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس: إنَّ طريق الفلاح والتمكين هو طريق المصابرة والمرابطة، كما قال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (آل عمران: ٢٠٠) . نعم.. نعلم يقيناً أن التضحيات جسيمة، والضغوط عليكم لتتخلوا عن رباطكم، ومصابرتكم تنوء بها الجبال الرواسي، ولكنَّ الظنَّ بكم أن تكونوا أسوة للمرابطين من أمة محمد ﷺ ؛ فبرباطكم وثباتكم سيشع نور النصر بإذن الله وعونه، وما عهدناكم إلا أهل قوة ويقين، وتأملوا قول الله تعالى: [وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] (آل عمران: ١٤٦) ، فمن تربى على معين الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام لن يتطرق الوهن أو الضعف إلى قلبه؛ بل تراه شامخاً بدينه، معتزاً بعقيدته، صابراً محتسباً، وإن أحاطت به الفتن من كل جانب.

стр. 4445

الافتتاحية فهلا فسحتم الطريق ! الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن الفوز الساحق لحزب (العدالة والتنمية) الإسلامي التوجه في تركيا، واكتساحه لبقية الأحزاب، يقابله تقدم واضح للحزب (الجمهوري) الذي يقوده أعضاء المنظمات النصرانية في أمريكا، وسيطرته لأول مرة على مجلسي النواب والشيوخ، وهناك إجماع على تقدم حزب (الليكود) اليهودي المتطرف أياً كان رئيسه المقبل؛ سواء كان شارون أم نتنياهو؛ على حزب (العمل) الصهيوني الاشتراكي الذي يمثل اليهود الصهاينة العلمانيين الذين أقاموا دولة يهود في فلسطين بالحديد والنار وبدعم الغرب، وتفردوا بالحكم أكثر من ثلاثين سنة متوالية، ثم شاركوا (الليكود) لثلاثين سنة أخرى، ويبدو والله أعلم أن المرحلة القادمة ستشهد بقاء حزب (العمل) خارج الحكم؛ حيث تبدو عليه آثار الهزيمة التي بدت حتى في تبادل زعمائه المتنافسين الألفاظ السوقية في المناظرات التلفزيونية. وفي الهند يبدو أن حزب (بهارتيا جاناتا) الهندوسي المتطرف سيبقى طويلاً في الحكم أمام الأداء الضعيف لحزب المؤتمر العلماني الذي حكم الهند فترات طويلة منذ الاستقلال. أما في أطراف العالم الإسلامي فقد حصلت الأحزاب الإسلامية على مراكز متقدمة في كل من المغرب والباكستان، والبحرين، ونجحت في تطبيق بعض أحكام الشريعة في بعض الولايات النيجيرية. إن المظاهر السابقة من تقدم أصحاب التوجهات الدينية، وتفضيل الشعوب لهم على غيرهم في الدول التي يعبر فيها الناس عن آرائهم بحرية تعطي مؤشراً قوياً على أوضاع الرأي العام في الدول الأخرى سواء الإسلامية أو غيرها، والتي يمكن أيضاً تلمسها من بعض تصريحات وتصرفات الزعماء أو من الصور السلوكية، والمظاهر الواضحة للعيان في الشارع العام، فمثلاً ماذا تفهم أخي القارئ من: - تصريح رئيس دولة حارب المتدينين طويلاً: أن الضغط الغربي والإسرائيلي عليه سيدفعه لإطلاق لحيته؛ كناية عن التنفيس للعمل الإسلامي في بلاده. - دولة يحكمها حزب علماني حاول طويلاً القضاء على مظاهر التدين؛ تضيف لعَلَمها كلمة «الله أكبر» ، ولا تخلو الآن خطابات الرئيس من مضامين دينية إسلامية. - انتشار المظاهر الإسلامية في الشارع، وبروزه خاصة في أوساط الأجيال الجديدة، ففي حين كنت ترى الأم المحجبة تمشي مع بنتها المتبرجة؛ أصبحت ترى العكس. وأصبحت المساجد تمتلئ بالمصلين بل والمصليات بعد طول غياب، ولا شك أن حجاب البنات، وصلاة الأبناء في المساجد سيدفع الآباء عاجلاً أو آجلاً إلى متابعتهم. - بعض الأنظمة الشمولية وبعضها له ماض إلحادي تحاول الآن إحياء الطرق الصوفية التقليدية، ودعمها لقيادة الصحوة الإسلامية الشعبية أمام تيار الدعوة السلفية الجارف. - السماح بعد حظر طويل لبعض الأحزاب الإسلامية بالعمل السياسي، مع محاولة تقزيمها واحتوائها. إن إعطاء حزب إسلامي معارض وقديم في انتخابات مزورة حوالي ٧% مثلاً من الأصوات يراد به الإيحاء للناس أن هذا هو المعبر عن شعبية التوجه الإسلامي. - وأخيراً: إن من يريد قياساً مبسطاً لانتشار الصحوة فليذهب إلى المساجد الثلاثة (الحرمين والأقصى) ، وسيرى إقبال الناس الذي لا يمكن مقارنته بالسنوات الماضية. إن مظاهر إقبال الشعوب الإسلامية على الدين يقابله تخوف شديد من زعماء الدول الاستعمارية، فقد اضطر بابا الفاتيكان للدعوة أخيراً إلى الحفاظ على أوروبا نصرانية، وهي دعوة لم يطلقها أمام سيطرة اللادينية التي كانت سائدة في أوروبا في عصر نهضتها المادية، بل أطلقها خوفاً من تنامي الإسلام في أوروبا، والذي يتقدم بسرعة خاصة في أوساط المهاجرين. أما (بوتين) الذي برز فجأة للحكم من قاع المخابرات الشيوعية؛ فلم تسعفه ثقافته للرد على الصحافيين حول المجازر التي ترتكبها القوات الروسية في الشيشان إلا بتهديد أضحك الحاضرين من مد إسلامي سيؤدي إلى ختانهم جميعاً! نعم! إن أوروبا تدعي العلمانية، ولكنها تخفي مشاعرها الصليبية التي لم تتمكن من إخفائها عند منع تركيا، والتي يحكمها دستور علماني من الانضمام للاتحاد الأوروبي بحجج مختلفة؛ منها حقوق الإنسان، ولكن سيطرة الإسلام على الشارع التركي أبرز السبب الرئيس للمنع؛ حيث صرح «فاليري جيسكار ديستان» الرئيس الفرنسي السابق أن تركيا ليست أوروبية، وأن عاصمتها ليست في أوروبا. وأضاف أن دخولها للاتحاد يعني نهايته. وكان وزير الخارجية الإسباني أكثر وضوحاً حيث صرح بأن وصول الإسلاميين للحكم لا يمنع انضمام تركيا للاتحاد؛ لأنه ليس نادياً نصرانياً. ونحن نقول: كاد المريب أن يقول: خذوني. أما في أمريكا فقد أخذت مواجهة الإسلام تتخذ مظاهر عديدة أهمها هو الاعتراف بوجوده بعد طول تجاهل، وبدأ الرئيس في الدعوة إلى مائدته الرمضانية، والتصريح أن أمريكا لا تحارب الإسلام بوصفه ديناً، وإنما (تحارب الإرهابيين) . أما التوجهات النصرانية فقد بدأت الهجوم المباشر، ولم يعد غريباً أن يصرح أحد وعاظ التلفاز أصحاب الشعبية الكبيرة أن الرسول ﷺ هو الإرهابي الأول، وآخر يهاجم المسلمين ويقارنهم بالنازيين. إن الأمريكي العامي لم يسمع غالباً لا بالإسلام ولا بمحمد ﷺ إلا أخيراً، واضطرار هؤلاء للهجوم المباشر يدل على خوفهم وهلعهم من حب الاستطلاع الفطري لدى العوام في أمريكا، ومع ذلك فلا شك لدينا بالأثر الإيجابي لهذه التصرفات؛ لأن الله قد حكم على كل شانئ للرسول ﷺ بالبتر وقطع الذِّكْرِ والخمول: [إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ] (الكوثر: ٣) . إن الهجوم على الإسلام يعتمد على تحالف صليبي يهودي معلن يقوده الزعماء السياسيون الذين يلبسون مسوح الدين، ويحاولون جر شعوبهم من خلفهم في حرب نعرف أولها في أفغانستان والعراق، ولا نعرف نهايتها، وفي المقابل فإن الشعوب الإسلامية تقف وحدها أمام الإعصار الذي قد يقتلع الجميع. إن واجب النخب تحديد موقفها بوضوح من الصراع، وألا يكون همهم فقط الحفاظ على مصالحهم الضيقة؛ حتى لو أدى هذا للتعاون المصلحي مع الأحزاب، ولنتذكر حال ملوك الطوائف في الأندلس قديماً وحال السلطة الفلسطينية حالياً، وما آل إليه حال كل منها. وأخيراً نقول: إنه صراع مبادئ، وإن لم تكونوا في المقدمة فأفسحوا الطريق لغيركم، [وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ] (محمد: ٣٨) .

стр. 4446

دراسات في الشريعة غسيل الأموال.. مفهومه وحكمه فارس بن مفلح آل حامد farisalrashed@hotmail.com * المبحث الأول: الكلام عن أصول التجارات وما يحل منها وما يَحرُم: مما يحسن في هذا المقام ذكره أن يقال: إن الأصل في المعاملات الحل، وهو ما يُعبَّر عنه في القاعدة الفقهية: (الأصل في الأشياء الإباحة؛ حتى يدل الدليل على التحريم) [١] . جميع صور الحرف والمهن والتجارة يجمعها معنى واحد تؤول إليه جميع هذه الصور؛ ألا وهو «تبادل المنافع» . وقد اشترط الشرع في المكاسب التجارية أن تكون حلالاً لتُنتِجَ آثارها المشروعة، وهذا يقودنا إلى الكلام عن مشروعية الطرق التي يُكتسب المال منها؛ وبناءً عليه نقول: إن تجارات الناس كلها آيلة إلى ما ينتفعون به من: مأكول، أو مشروب، أو ملبوس، أو مركوب، أو مسكن، أو خدمة، أو صحة، أو زينة، أو مسموع، أو مرئي، أو معلوم، ولا تخرج جميع التجارات على إطلاقها عن هذه الإحدى عشرة [٢] . وجميع تلك الأصول منها ما هو مباح، ومنها ما هو محرم، وكذا الوسائل إليها منها ما هو مباح، ومنها ما هو محرم كذلك. والتفصيل في ذلك يطول جداً؛ لذا لا يهمنا من ذلك إلا ما نحن بصدده من موضوع هذا البحث، وما هو إلا تمهيد ومقدمة لما بين يديه. وبالله التوفيق. * المبحث الثاني: التعريف اللغوي والاصطلاحي لكل من كلمتي (غسيل) و (تبييض) ، والتنبيه على اللفظة المناسبة في ذلك: جاء في معجم مقاييس اللغة ما يلي: «غَسَل: الغين والسين واللام أصل صحيح يدل على تطهير الشيء وتنقيته. يُقال: غسلتُ الشيء غَسْلاً. والغُسْلُ الاسم. والغَسُول: ما يُغسَلُ به الرأس من خِطمِيٍ وغيرِه» [٣] . وقال في لسان العرب تحت مادّة (غسل) : «غَسَلَ الشيءَ يغسِلُه غَسْلاً وغُسْلاً، وقيل: الغَسْلُ: المصدر من غَسَلتُ، والغُسْلُ بالضمِّ: الاسم من الاغتسال [٤] ، ... والغَسُول: الماء الذي يُغَتسَلُ به، والمُغَتسَلُ: الموضع الذي يُغَتسَل فيه.... وغُسَالَةُ الثوب: ما خرج منه بالغسل ... » [٥] . ومجيئه على فَعِيل: يجعله على وزن مغسول، فيكون اسم مفعول، كقتيل بمعنى مقتول، وسليب بمعنى مسلوب. وقال السمين الحلبي: «والغَسْلُ والغِسْلُ مصدَرا غَسَلَ يَغسِلُهُ؛ إذا أسال عليه الماء فأزال درَنه» [٦] . وأما الأموال: فهي جمع مال. قال في القاموس المحيط: «المال: ما ملكته من كل شيء. جمع أموال» [٧] . وقال في لسان العرب: «قال ابن الأثير: المال في الأصل ما يُملك من الذهب والفضة، ثم أُطلِق على كل ما يُملَك ويُقتنى من الأعيان [٨] » [٩] . فتبين من هذا أن المال يُطلق على ما تقع به المنفعة ويحصل به الملك، فلا بد من هذين الأمرين: المنفعة والملك؛ فقد ينتفع الإنسان بشيء وليس هو في حال الانتفاع مالاً، كالتراب في البر، والماء في البحر. وأما الملك فهو فرع المنفعة، فلا يمكن للإنسان أن يملك ما لا نفع فيه عنده [١٠] . فقَصْر المال على أعيان مخصوصة لا يصح، ولعل مما يقوِّي هذا: قوله تعالى: [وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً] (الجاثية: ١٣) . فقوله [سَخَّرَ] مع كلمة [جَمِيعًا] ينسحب على كل ما تقع عليه تصرفات الإنسان. أما التعريف الاصطلاحي بالتركيب الإضافي للكلمتين (غسيل الأموال) ؛ فلم يرد في كتب الفقهاء تعبير عن المعنى المراد بهذا الاصطلاح، وإنما يعبرون بـ (المكاسب المحرمة) كما سوف يأتي في تضاعيف هذا البحث. وهذه الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث كما يقول شيخ الإسلام: «إذا عُرِف تفسيرها وما أريدَ بها من جهة النبي ﷺ لم يُحْتَجْ في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم، ولهذا قال الفقهاء: الأسماء ثلاثة أنواع: ما يُعرَفُ حدُّه بالشرع كالصلاة والزكاة، ونوع يُعرف حده باللغة كالشمس والقمر، ونوع يُعرف حده بالعرف كلفظ المعروف في قوله تعالى: [وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف] (النساء: ١٩) » [١١] . واصطلاح (غسيل الأموال) هو من النوع الأخير قطعاً، وبناءً على ذلك فيُمكن أن يُعَرَّف مصطلح (غسيل الأموال) بأنه: «جعل الأموال الناتجة عن أصول محرَّمة ذات أصول مباحة في الظاهر بطرق مخصوصة، وهي باقية على أصلها المحرم في واقع الحال» . ولكن التعبير بـ (غسيل) من جهة العربية لا يستقيم في الدلالة على مقصوده؛ إذ معناه: الأموال الناتجة عن الغسل فحسب، ولا يدخل في دلالة العبارة طريقة ذلك الغسل، وقد يقصدون به (تغسيل) ، وهذا خطأ فالتغسيل يدل على الفعل الواقع على محل، والغسيل إنما يدل على نتاج ذلك الفعل فحسب، ففرق بين اللفظين وإن كانا مصدرين. والتعبير بكلمة (غسيل) للدلالة على الطريقة أو الطرق التي يتم بها تحويل الأموال الخبيثة إلى أموال مباحة في الظاهر؛ كما أن التعبير بكلمة (الأموال) يُراد بها الأموال النقدية على وجه الخصوص؛ غير أن التعبير بكلمة غسيل يُشكِِلُ؛ لذا يُقترح وضع كلمة بديلة دالة على المراد مؤدية للغرض؛ ألا وهي (تبييض) ؛ ففيها دلالتان: الأولى: التمويه بإظهار الشيء على غير ما هو عليه في باطن الأمر. الثاني: أن حصول هذا واقع من فاعل عامد لذلك. وهذان المعنيان لا تفيدهما كلمة غسيل؛ لذا سوف نثبت هذه الكلمة بدلاً من كلمة (غسيل) فيما يُستقبل من هذا البحث بإذن الله تعالى. ويحسن هنا أن يُقال: إن التعبير بكلمتي: (غسيل) و (تبييض) هما تعبير بلاغي؛ إذ هما في علم البلاغة من باب الاستعارة الخيالية المجرَّدة، والاستعارة على التعريف المختار: «تصييرُك الشيءَ الشيءَ وليس به، وجَعْلُك الشيءَ للشيءِ وليس له؛ بحيث لا يُلْحَظُ فيه معنى التشبيه صورةً ولا حُكماً [١٢] » [١٣] . وتلك الاستعارتان هما من قسم استعارة المحسوس للمعقول [١٤] ، كقوله تعالى: [بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ] (الأنبياء: ١٨) ، فالقذف والدمغ أمران معقولان مستعاران من صفات الأجسام، والمستعار له الحق والباطل، والجامع هو الإعدام والإذهاب. فكلمة (غسيل) معقول مستعار من إجراء الماء على جسم لغرض التطهير من درن ألمَّ به، والمستعار له: المال، والجامع إزالة القذر. وكذا (التبييض) ؛ فهو معقول مستعار من إكساب جسم لون البياض؛ لغرض إخفاء لونه الأصلي، والجامع إظهار الشيء على غير ما هو عليه تمويهاً على الغير. وبذلك يظهر الفرق بين الاستعارتين ورجحان هذه الأخيرة؛ إذ هي أدلُّ على المراد، فكأن التاجر موَّه على الناس باستثمار الأموال المحرَّمة في أعيان مباحة. وبالله التوفيق. * المبحث الثالث: في بيان قصد الشارع من حفظ مصالح الخلق في باب الأموال: من المعلوم أن المال أحد الضرورات الخمس التي نزلت الشرائع بحفظها، وهي: «الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال» . وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون ضرورية. الثاني: أن تكون حاجية. الثالث: أن تكون تحسينية. فأما الضروريات: فمعناها ما لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا؛ بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الناس على استقامة؛ بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين [١٥] . وأما الحاجيات: فمعناها: أنها مفتقَرٌ إليها من حيث التوسعة، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تُراع دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد المعتاد المتوقَّع في المصالح العامة [١٦] . وأما التحسينيات: فمعناها: الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب المدنِّسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق [١٧] . وتلك المقاصد يَكُون حفظها بأمرين: ١ - ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود، وهي في المال كالاتجار في المباحات؛ كالإجارة والصناعة والزراعة ... ونحو ذلك. ٢ - ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جهة العدم [١٨] ، وهي في المال: كالنهي عن السرقة، والغرر، وإضاعة المال. وتبييض الأموال هو من هذا الباب. وعلى هذا فالمال المتولد عن محرَّم يأخذ أصله فيصير حراماً. فمثال الكسب الخبيث في باب الدين: بيع كتب الضلال والانحلال، ككتب الشرك، والسحر، والزندقة. ومثله في باب النفوس: أخذ الأجرة على المخدرات والدخان، وكأخذ الأجرة على الأنفس المعصومة، أو التعدي على أطرافها.. ونحو ذلك. ومثاله في باب الأعراض: أخذ الأجرة على الزنا، كما هو الحال في مراكز الدعارة المنظمة أو ما كان وسيلة إليه. ومثاله في باب العقول: أخذ الأجرة على المسكرات، والمفترات. ومثاله في باب الأموال: الربا، والرشوة، والتزييف، والسرقة، والقمار، ونحو ذلك. وهكذا نجد كل تلك الأكساب الخبيثة تُخِلُّ بتلك الضرورات جميعها، وجريمة (تبييض المال الحرام) لا شك أنها امتداد لتلك الجرائم واستثمار لما يتحصَّل عنها. * المبحث الرابع: حكم الشرع في غسيل الأموال: إذا تبين ما ذكرنا؛ فلا شك في حرمة هذه الأموال وما تولد منها، وقد دل على ذلك الكثير من النصوص في الكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله تعالى: [وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ] (الأعراف: ١٥٧) ، وهذه صفة النبي ﷺ في كتب اليهود والنصارى، ولا شك أن تبييض الأموال المحرمة هي من الخبيث؛ إذ هي نتاج ما تولدت عنه، وهي محرمة في الأصل كالسرقة، والغصب، والاختلاس، والقمار، ودور الدعارة.... إلخ. وكذا قوله تعالى: [وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ] (البقرة: ٢٦٧) ، وإن كانت الآية في سياق الصدقات، وأن المؤمن لا ينبغي له أن يعمد إلى أرذلها فيتصدق به وهو قادر على الأفضل منها؛ ولكن القاعدة الأصولية تقرر أن «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» [١٩] ؛ فيكون داخلاً في الآية عدم جواز الإنفاق من المال الحرام. ومن الأدلة أيضاً: [وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ] (البقرة: ١٨٨) ، وقوله: [بِالْبَاطِلِ] هنا بمعنى الحرام، وهو ثلاثة أقسام: - محرم لعينه: كالخمر، ولحم الخنزير. - ومحرم لوصفه: كالربا. - ومحرم لكسبه: كالغصب [٢٠] . و (تبييض الأموال) يدخل في هذا القسم. وقد قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: «والمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق، فيدخل في هذا القمار والخداع والغُصوب وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، أو حرَّمته الشريعة وإن طابت نفس مالكه، كمهر البغي أو حُلوان الكاهن، وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك» [٢١] . وأما من السنة فكثير كذلك، فمنه ما صح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود ثلاثاً؛ إن الله حرم عليهم الشحوم فجمَّلوها وباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم شيئاً حرَّم ثمنه» [٢٢] . وجه الاستشهاد: بيان بطلان كل حيلة يتوصل بها إلى محرَّم، وأنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه [٢٣] . وكذا ما صح عن أنس بن مالك ﵁ قال: «لعن النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له» [٢٤] . دل الحديث على أن الحرمة غير مقصورة على العين الواقع عليها التحريم؛ بل ينسحب التحريم على ما سواها، فيشمل كل وسيلة إليه أو ما تولد عنه. وكذلك ما روي عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة: «من جمع مالاً من حرام ثم تصدق به؛ لم يكن له فيه أجر، وكان إصره عليه» [٢٥] . والحديث وإن كان ضعيفاً فمعناه صحيح بأحاديث أخرى، ووجه الاستشهاد منه أن الكسب الأخروي لا يُنال بوسيلة محرمة، وإذا كان هذا في الآخرة فالدنيا لها تبع. ومثله في الحديث الآخر: «لا يكسب عبد مالاً حراماً، فيتصدق به فيُقبل منه، ولا ينفق منه فيبارَك له فيه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله تعالى لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث» [٢٦] . والحديث صح بمعناه في أحاديث كثيرة كذلك، والشاهد من الحديث قوله: «إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ» ، وقوله: «إن الخبيث لا يمحو الخبيث» ، ووجه الاستشهاد أن المعنى في ذلك: إن الله لا يمحو السيّئ من العمل في مقابل السيّئ من المال، وكذا الخبيث من المال لا يمحو الخبيث من العمل. وإنما يُمحى السيئ من العمل بالحسن من المال، ومن هذا الباب قوله تعالى: [إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ] (هود: ١١٤) . ولعل فيما ذُكر من الأدلة غُنية وكفاية إن شاء الله تعالى. وفيما يلي نذكر بعض القواعد الفقهية التي استنبطها الفقهاء على ضوء تلك الأدلة. فمن تلك القواعد: ١ - «الضرر يُزال» [٢٧] . وهذه القاعدة برُمَّتها؛ إحدى القواعد الكبار التي تندرج تحتها قواعد كثيرة، وهي تدل بمفهومها وبمنطوقها على أن ما لحق به وصف الضرر أنه تجب إزالته، وتبييض الأموال من هذا الباب. ٢ - «إذا سقط الأصل سقط الفرع» [٢٨] . والقاعدة تفيد بطلان الفرع إذا بطل الأصل، يبين هذا القاعدة التالية. ٣ - «التابع تابع» [٢٩] ؛ حيث تفيد أن الفرع يتبع حكم الأصل. وعلى ذلك؛ فإن نتاج المال الحرام يأخذ حكم ما نتج عنه وهو الحرمة، وذلك أن الأموال المحرمة نتاج جرائم محرمة في الأصل فتبعتها في الحكم؛ وعليه تفيد القاعدة الأولى أن جميع العقود والمعاملات الناتجة من تلك الأموال تسقط، ولا تكون منتجة لآثارها المباحة شرعاً. ٤- «ما حرم أخذه حرم إعطاؤه» . ومعنى القاعدة أن الشيء المحرم الذي لا يجوز لأحد أن يأخذه ويستفيد منه؛ يحرُم عليه أيضاً أن يقدمه لغيره ويعطيه إياه؛ سواء كان على سبيل المنحة ابتداءً أم على سبيل المقابلة؛ وذلك أن إعطاء الغير عندئذ يكون من قبيل الدعوة إلى المحرم أو الإعانة والتشجيع عليه، فيكون المعطي شريك الفاعل، ومن المقرر شرعاً أنه كما لا يجوز فعل الحرام فلا يجوز الإعانة والتشجيع عليه؛ لقوله تعالى: [وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَان] (المائدة: ٢) . ٥ - «الحريم له حكم ما هو حريم له» [٣٠] ؛ يريد ما لا يتم المحرم إلا به فهو محرم، وأن الوسائل المفضية إلى الحرام محرمة كذلك. وهكذا نرى تقارب تلك القواعد مع بعض الفروق في بعضها، وبعضها تدور على نفس المعنى واللفظ. * المبحث الخامس: حكم الأموال الناتجة عن المعاملات المختلف فيها؛ من حيث الحرمة والإباحة: ينبغي أن يُقال في هذا الموضع: «إنه ليس كل ما اعتقد فقيه معيَّن أنه حرام كان حراماً، إنما الحرام ما ثبت تحريمه بالكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو قياس مرجح لذلك، وما تنازع فيه العلماء رُدَّ إلى هذه الأصول. ومن الناس من يكون نشأ على مذهب إمام معيَّن، أو استفتى فقيهاً معيَّناً، أو سمع حكاية عن بعض الشيوخ، فيريد أن يحمل المسلمين كلهم على ذلك، وهذا غلط» [٣١] . بعد ذلك نقول: إن المعاملات المختلف فيها بين أهل العلم قسمان: ١ - ما كان الخلاف فيه قوياً بحيث لم يصادم نصاً أو إجماعاً؛ بحيث تكون الخلافات في الدلالات المستنبطة، أو تعارض ظواهر الأحاديث، وذلك أغلب سبب اختلاف أهل العلم، كثمن الكلب، وثمن الحجامة، وكعقد بيع المعاطاة، وكعقد المزارعة، وعقد المساقاة [٣٢] ... ونحو ذلك. ٢ - ما كان الخلاف فيه ضعيفاً، وقد بيَّن السيوطي حقيقة الخلاف الضعيف غير المعتبر؛ من خلال شروط ثلاثة اشترطها في مراعاة الخلاف المقبول عند الفقهاء، وهي: ١ - ألا تؤدي مراعاة الخلاف إلى الوقوع في خلاف آخر. ٢ - ألا تؤدي مراعاة الخلاف إلى مخالفة سنة ثابتة. ٣ - أن يكون الخلاف مما قوي مَدرَكُهُ؛ بحيث لا يُعَدُّ هفوة من قائله [٣٣] . وأمثلة هذا القسم: بيع العينة، وكبيع المرابحة للآمر بالشراء لكونه من بيع ما لم يُملَك، كما أن الربا داخل فيه بصورته الحالية، وكمذهب عطاء في جواز الاستمتاع بعارية الجواري قياساً على الاستمتاع بعارية الأعيان، وذلك قياس مع الفارق بل هو زنا. ومثاله في وقتنا: ما ذهب إليه الشيخ مصطفى الزرقا من إباحة التأمين بجميع صوره؛ مخالفاً بذلك أصول الشريعة وقواعدها التي تحرم كل معاملة يدخلها القمار والغرر، فخلاف الشيخ مصطفى في هذه المسألة ضعيف؛ لأن الحرمة فيه ظاهرة؛ فإن عقد التأمين من عقود المعاوضات المالية القائمة على الاحتمال المشتمل على الغرر الفاحش [٣٤] . ويترتب على ذلك: أن كل عقد اعتقد المسلم صحته بتأويل من اجتهاد أو تقليد لإمام، أو اتباع لبعض أهل العلم؛ فإن الأموال المكتسبة المقبوضة حلال وليس عليهم إخراجها، فإن تبين لهم بعد ذلك أنهم كانوا مخطئين في تقليدهم، أو أن الذي أفتاهم كان مخطئاً؛ فإنهم كذلك لا يكلفون بإخراج ما اكتسبوه، وإنما يُكلَّفون بالانتهاء عن تلك المعاملات فيما يُستقبل [٣٥] . فالتأويل عذر يَسقُطُ به الإثم بشرط ألا يصادم نصّاً يفيد التحريم بصريح الدلالة كالربا، والخمر ... ونحو ذلك. ومن آثار ذلك أن الحرام لكسبه إذا اختلط بالحلال لم يُحَرِّمه، وهذا أصل نافع؛ فإن كثيراً من الناس يتوهَّم أن الدراهم المحرَّمة إذا اختلطت بالدراهم الحلال حَرُم الجميع؛ فهذا خطأ. وإنما تورَّع بعض العلماء فيما إذا كانت قليلة، وأما مع الكثرة فما أعلم فيه نزاعاً [٣٦] . ومن ذلك أيضاً أن المسلم إذا عامل معاملة يعتقد هو جوازها وقَبَض المال؛ جاز لغيره من المسلمين أن يعامله في مثل ذلك المال وإن لم يعتقد هو جواز تلك المعاملة [٣٧] . * المبحث السادس: أسباب إباحة تملك المال الحرام: ١ - (الجهل) : فالجهل عذر مؤثر في رفع الإثم والعقوبة، وليس ذلك مطَّرِداً في جميع أنواع الجهل، بل المقصود الجهل الذي يتعذر الاحتراز عنه عادة، وما لا يتعذر عنه ولا يشق لم يُعف [٣٨] . فلو كان حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ولم يَعلَم حكم الخمر؛ فإن ماله حلال قبل العلم، فإذا علِم حَرُم. وكذا الرجل يجد اللُّقطة هي من أصل حرام وهو يجهل ذلك. ٢ - (الإسلام) : فإن الرجل إذا أسلم كان ما معه من المال حلال وإن كان نتاج معاملة محرَّمة، يدل عليه ما رواه البخاري في صحيحه: عن عروة بن مسعود الثقفي ﵁: كان المغيرة بن شعبة صحب قوماً في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : «أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلستُ منه في شيء» [٣٩] . فامتناع الرسول صلى الله عليه وسلم عن تخميس هذا المال وتركه في يد المغيرة دلَّ على تمليكه له بالأخذ. وروى البيهقي في سننه عن النبي ﷺ : أنه كان يقول في أهل الذمة: «لهم ما أسلموا عليه من أموالهم وعبيدهم وأرضهم وماشيتهم؛ ليس عليهم فيه إلا الصدقة» [٤٠] . وقد أسلم في عهد رسول الله ﷺ خلق كثير من المشركين، ودخلوا في دين الله أفواجاً، ولم يسأل أحداً منهم عن مصدر كسبه، ولا عن الأموال التي حازوها: أمِن حلال هي أم من حرام؟ بل أقرهم على أموالهم وأنكحتهم [٤١] . ٣ - (الاستحالة) : فإن زوال علة التحريم في المال موجبة لزوال حكم التحريم؛ إذ الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً؛ وعليه فلو وهب المغصوب منه للغاصب ما غصبه أو سرقه حل له الانتفاع بذلك المال، وكذا لو استحال عين المال كأن ينقلب خَلاًّ (بدون فعل فاعل) ؛ فإنه يجوز الاتجار في ذلك.. وهكذا. ٤ - المال المأخوذ بأمر شرعي ممن لا حرمة له؛ كالمال المتحصل من جهاد الكفار الذين لا أمان لهم مع المسلمين ولا عهد كالغنائم، وكالجزية المضروبة على أهل الذمة؛ مع أنه يدخل في كسبهم نتاج لحم الخنزير والخمور والربا وغير ذلك من المحرمات. يدل على ذلك ما روي من أن بلالاً قال لعمر بن الخطاب ﵁: إن عمالك يأخذون من الخمر والخنزير في الخراج، فقال: «لا تأخذوا منهم، ولكن ولُّوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن» . قال راوي الحديث: أبو عبيد: «يريد أن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذمة الخمر والخنزير من جزية رؤوسهم وخراج أراضيهم بقيمتها ثم يتولى المسلمون بيعها. فهذا الذي أنكره بلال ونهى عنه عمر، ثم رخَّص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها إذا كان أهل الذمة هم المتولين لبيعها؛ لأن الخمر والخنزير مال من أموال أهل الذمة، ولا تكون مالاً للمسلمين» [٤٢] . * المبحث السابع: الفرق بين حقوق الله وحقوق المخلوقين في المال الحرام: الأموال المحرمة المقبوضة على قسمين: ١ - قبضُها بغير إذن صاحبها ولا إذن الشارع، وهذا هو الظلم المحض: كالسرقة، والخيانة، والغصب الظاهر، وهذا أشهر الأنواع بالتحريم. ٢ - قبضُها بغير إذن الشارع ولو أذن صاحبها وهي العقود والقبوض المحرَّمة: كالربا، والميسر ونحو ذلك، والواجب على من حصلت بيده ردُّها إلى مستحقها، فإذا تعذر ذلك فالمجهول كالمعدوم، وقد دلَّ على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في اللقطة: «فإن وجدت صاحبها فارددها إليه، وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء» . فبيَّن النبي ﷺ أن اللُّقطة التي عرف أنها ملكٌ لمعصوم وقد خرجت عنه بلا رضاه إذا لم يوجد؛ فقد آتاها الله لمن سلطه عليها بالالتقاط الشرعي [٤٣] . وتقريراً لذلك نقول: إن المال المحرَّم ما كان منه في حقوق الله كالسرقة من مال عام، وكالرشوة، والتزييف، والمخدرات، والربا، وفي الجملة: كل ما حرم لعينه كالخنزير والخمر، أو بوصفه كالربا، فهذه ليس لها مالك معين خاص، أو كانت نتاج محرم تراضى عليه المتعاقدان، فالحكم الشرعي في ذلك كله مصادرة الأموال المتحصلة من تلك المعاملات وتعزير صاحبها [٤٤] . أما الحقوق الخاصة بالمخلوقين كالسرقة لملك إنسان بعينه، أو غصب مال شخص ونحو ذلك، فهذا إن عُرف صاحب المال وإلا صُرفِ في مصالح المسلمين [٤٥] . وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الدول، فالمال المرحَّل نتيجة معاملات محرمة هو من حق الدولة التي رُحِّل المال منها؛ دليله قوله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا] (النساء: ٥٨) . * المبحث الثامن: طبيعة جريمة تبييض المال الحرام: لقد جرى أو يجري الخلاف في طبيعة جريمة (تبييض الأموال المحرَّمة) ؛ من حيث كونها جريمة أصلية أو تبعية، والذي يظهر أنها أصلية من حيث الصورة؛ إذ لم يُسبق إليها؛ فهي جريمة منظمة ذات أنماط حديثة، وهي في الوقت نفسه تبعية من حيث إنها تستمد حكمها الشرعي الموصوف بالتحريم مما تولدت عنه، ويتبين ذلك بما يلي: إن الشرع عندما يحكم على المال بوصف شرعي يتناول الحل والحرمة؛ فإنا نجده ينظر إلى ما يستتبعه هذا المال؛ فإن كان في مقابل محرم، أو نتاج محرم: اكتسب وصف الحرمة، وإن كان في مقابل مباح أو نتاج مباح: اكتسب وصف الحل، فعلى هذا فحكم المال تابع لحكم عِوَضِه أو ما تولد عنه، وهذا يندرج تحت القاعدة الشرعية السابق ذكرها (التابع تابع) ، فالمال تجري عليه الأحكام الخمسة: وهي الإباحة، والإيجاب، والتحريم، والكراهة، والندب. فهو منُوط بأحد هذه الأحكام بحسب ما يستتبعه. وبناءً على ذلك فعملية (تبييض الأموال المحرمة) وهي جعل الأموال المتولدة عن جرائم محرمة، مباحة في الظاهر جريمة أصلية، وذلك أن ما هو ناتج عنها مقصود [٤٦] منها هذا المال بقصد الاتجار به [٤٧] ، فمثلاً من كان يأخذ الأجرة على الزنا فإنه قاصد للمال من تلك المنفعة المحرمة فحسب. أما الذي يبيض الأموال فهذا قاصد للمال من أجل الاتجار به في سلعة مباحة، فخرج المال الحرام بذلك من كونه فرعاً إلى كونه أصلاً [٤٨] . فكون المال محرماً لا يجعله جريمة تبعية من حيث الحكم بل من حيث الصورة، فالربا جريمة مستقلة في الشريعة وهي مالية، والرشوة جريمة مستقلة وهي مالية كذلك، والقمار جريمة مستقلة وهي مالية أيضاً. وذلك - والعلم عند الله - لاختلاف القصد والوسيلة والصورة، وذلك سبب في اختلاف الاسم، والاختلاف في الاسم اختلاف في المسمى ضرورة ولو بوجه من الوجوه؛ وذلك سبب في اختلاف الأحكام التعزيرية. بالإضافة إلى ذلك فإن جريمة تبييض الأموال القذرة هي من (الجرائم المركبة) ؛ أي الجريمة المتولدة عن جريمة أخرى، وكونها مركبة لا يعني ذلك جعل عقوبتين منفصلتين على كل من تورَّط بجريمة المال القذر إلا إذا تيقَّنَّا تورُّط الشخص نفسه في الجريمة الأصلية أيضاً؛ إذ قررنا آنفاً أن جريمة تبييض الأموال جريمة مستقلة ذات صورة مميزة لا تدخل تحت حكم الأصل الذي نشأت عنه، وعلى هذا الأساس يختلف النظر في الحكم التعزيري بين المال المحرم المتَّجَرِ فيه وبين الأصل المحرَّم الذي تولَّد عنه ذلك المال. يبقى بعد ذلك أن صاحب الشأن في تحديد العقوبة المناسبة هو الحاكم؛ إذ إن هذه الجريمة هي في العقوبات من باب التعازير، ومعلوم أن جريمة تبييض الأموال لا يمكن ضبطها تحت عقوبة واحدة تنتظم جميع صورها؛ إذ إن الحادثة الواحدة وإن تعدَّدت صورُها فلا بد أن تختلف في الوصف والمقدار، وبحسب اجتهاد القاضي فإنه يوقع العقوبة التي يُظن معها أنها أردع للجاني والأقرب إلى تحقيق قصد الشارع، وليس بالضرورة أن يكون حكمه في حادثة منها هو الحكم نفسه في كل ما هو من جنسها، بل يُراعى في ذلك عدة أمور كنوع الجناية وقدرها، والفاعل لها، والوقت الذي وقعت فيه [٤٩] ، وكذا المكان، وشواهد الحال المحيطة بالمتهم، وأوصاف المتهم في قوة التهمة وضعفها، وهكذا [٥٠] . وفي ختام هذا البحث أشير إلى أمر مهم للغاية وهو: أن الكسب الخبيث غير مقتصر على المخدرات، أو القمار، أو الدعارة ... إلخ، بل يُعَد مالاً حراماً كل ما كان من كسب حرام، وإنما تشتكي معظم الدول من عمليات تبييض المال القذر؛ لأن المال يرحَّل منها بالدرجة الأولى، والمال لا يتم ترحيله إلا لأنه نتاج عمليات تمنعها أنظمة تلك الدول، ولكن ما بال بقية الأموال المستثمرة في داخل تلك الدول نفسها وتتمتع بكامل الحرية، بل وقد يتم تقنينها في نفس الأمر كالبنوك الربوية، وكالمؤسسات الإعلامية بجميع وسائلها المرئية والمسموعة والمقروءة، وكالمكوس المسماة في النظام بالضرائب، والرسوم وغير ذلك كثير مما يضيق عنه الحصر؟! كما أنَّا نجد النظام الغربي كذلك يقصر المال الحرام على صور خاصة، ولا يطردون ذلك في كل مال لم يأت من وجه مباح كما في شريعة الإسلام؛ فهم يقصرون قذارة المال: على المخدرات، وبيوت الدعارة، وبيع السلاح.. بمعنى كل ما يجرمه النظام من الأكساب الممنوعة لديهم فإنه مال قذر عندهم، ولكنهم كعادتهم يُفرقون بين المتماثلات؛ فلا تجدهم يمنعون الربا مثلاً بل يقرُّونه ويقننونه، وكالضرائب، وأثمان الخنازير والخمور والكلاب، وكصالات القمار وآلاته وغير ذلك كثير. أما الشرع فهو يفرق بين المختلفات ويجمع بين المتماثلات؛ فهو إذا حرم أمراً لعلة حرم جميع ما تضمنته هذه العلة كالربا. أما ذوو العقول القاصرة بلهَ العقيمة فقد سوَّوْا بين المختلفات في ذلك فقالوا: [إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا] (البقرة: ٢٧٥) ، فجعلوا الربا أصلاً، والبيع فرعاً عنه؛ فهم قد بلغوا في الانتكاس إلى الغاية التي انقلبت معهم فيها موازين الأشياء؛ فهم لا يزنون بالميزان الشرعي الأخروي، وإنما بالميزان العقلي الدنيوي، [أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ] (المائدة: ٥٠) . نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، واليقين فيهما. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4447

دراسات في الشريعة آخر الزمان بين المبشرات والمنفرات الربيع بن إبراهيم مليحي الحديث عن فضائل آخر الزمان ومساوئه من زاوية تربوية بات أمراً ملحاً، ومطلباً شرعياً مهماً، ومن هذا المنطلق أحاول فتح هذا الباب المهم الذي يعطي تصوراً صحيحاً للمستقبل من خلال النصوص الشرعية، أمام دراسات جادة وقوية بإذن الله تعالى. * ما المراد بآخر الزمان؟ آخر الزمان: أي آخر زمان الدنيا الذي يكون بين يدي الساعة، ولعل أوله بعثة الرسول ﷺ ، كما ثبت في الحديث الذي رواه أبو جبيرة مرفوعاً: «بُعثت في نسم الساعة» [١] ، ومعنى «في نسم الساعة» ، قال في النهاية هو من النسيم؛ أي أول هبوب الرياح الضعيفة؛ أي بُعثت في أول أشراط الساعة وضعف مجيئها، وقيل هو جمع نسمة؛ أي بُعثت في ذوي أرواح خَلَقَهم الله قبل اقتراب الساعة، كأنه قال في آخر البشر من بني آدم [٢] ، ويؤيد ما سبق حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين يعني إصبعين» [٣] . أما نهاية آخر الزمان فهي خراب الدنيا وقيام الساعة. * شرور آخر الزمان (المنفرات) : تظهر في آخر الزمان مساوئ كثيرة جداً، وردت بها السنة النبوية، وجمعها العلماء في كتب أشراط الساعة، وأحاول في هذه المقالة المتواضعة من خلال النصوص الوقوف على بعضها. أولاً: ما رواه أبو موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود ﵄، قالا: قال رسول الله ﷺ : «إن بين يدي الساعة أياماً ينزل فيها الجهل، ويُرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهَرْج. والهَرْج القتل» [٤] . ثانياً: ما رواه أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنا، ويُشْرَب الخمرُ، ويذهب الرجال وتبقى النساء؛ حتى يكون لخمسين امرأة قيِّم واحد» [٥] . ثالثاً: ما رواه أبو مالك الأشعري ﵁ أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف..» [٦] . تضمنت هذه النصوص مجموعة من المساوئ التي تكون في آخر الزمان، ويرتبط بعضها ببعض، وهي كما يلي: ١ - فُشُوُّ الجهل وقلة العلم، وقد بدأ النقص في العلم من بعد أن أكمل الله الدين وأتم النعمة، وانتقل الرسول ﷺ إلى ربه ، ولا يزال ينقص إلى أن يُرفع بالكلية، كما ثبت ذلك في الحديث الذي رواه حذيفة بن اليمان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يُدرى ما صيام ولا صلاة ولا صدقة، ويسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله؛ فنحن نقولها» [٧] ، أما السنة المطهرة فإنها تُرَدُّ ولا تُقبل، كما في حديث أبي رافع ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري؛ ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» [٨] ، وقد ظهر هذا النقص في هذا الزمن بصورة واضحة جداً؛ حتى جهل أكثر الناس المعلوم من الدين بالضرورة، ومن تأمل النصوص ونظر في الواقع أدرك أن هذا النقص إنما هو نتيجة حتمية لأسباب كثيرة؛ لعل من أبرزها ما يلي: ١ - موت العلماء، ويدل عليه ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء؛ حتى إذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً؛ فسُئلوا فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا» [٩] . ٢ - عدم الإخلاص في طلب العلم، ويدل عليه ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اتُخذ الفيء دولاً والأمانة مغنماً..» الحديث، وفيه: «وتعلم العلم لغير الدين» [١٠] . وقد حصل هذا عندما رُبط العلم الشرعي بالمال في كثير من البلاد، فنزع الله منه الخشية والبركة والنفع والعمل إلا ما شاء الله فمات العلم في القلوب، فهو لا يتجاوز التراقي والحناجر، وقد شهد هذا الزمن موت كثير من العلماء الربانيين الذين كانوا منارات يُهتدى بها من ظلمات الشهوات والشبهات، كما شهد الرؤوس الجهال الذين يتجرؤون على الفتوى بغير علم، والله المستعان، ولا يزال يشهد مظاهر ضعف العلم ونقصه في التماس العلم عند الأصاغر، واتخاذ القرآن مزامير، وتقديم الرجل ليس بالفقيه ولا العالم ما يُقدم إلا من أجل صوته.. ونحو ذلك. ٣ - تقديس العقل والمصلحة، وتقديمهما على النصوص الجلية من الكتاب والسنة، وهو تيار ظاهر له مدارسه ومنظروه وقادته ومفكروه. ٤ - الحرب ضد تعلم الدين، وسياسة تجهيل الشعوب بالإسلام تحت ستار مكافحة الإرهاب، ومن مظاهر ذلك تغيير المناهج وتقليص مواد الدين، وقفل المعاهد والمدارس الشرعية، ومضايقة أهل السنة ودعم أهل البدعة، ونحو ذلك مما يساهم في إبعاد الناس عن العلم الشرعي، ومما يدل على ذلك ما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سَيَلي أموركم بعدي رجال يُطفئون السنة، ويعملون بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها. فقلت: يا رسول الله! إن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: تسألني يا ابن أم عبد كيف تفعل؟ ! لا طاعة لمن عصى الله» [١١] . ٢ - فشو الزنى وكثرته؛ حتى أصبحت تجارة البغاء تشكِّل ربحاً هائلاً ومورداً ضخماً من موارد المال في بعض البلاد، وقد هيأ المجرمون وسائله ودواعيه حتى أصبح أسهل مما يتصور، ولا يزال يزداد ويكثر حتى تموت الغيرة في النفوس، وتسقط آخر مرتبة من مراتب الإنكار، فيُقارف الزنى علانية على قارعة الطريق، كما ثبت في الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده! لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق، فيكون خيارهم يومئذ من يقول: لو واريتها خلف هذا الحائط» [١٢] . وكما ثبت أيضاً في الحديث الذي رواه النواس بن سمعان ﵁ وفيه: «ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» [١٣] ، وكما ثبت أيضاً في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يتسافدوا في الطريق تسافد الحمير. قلت: إن ذلك لكائن؟ قال: نعم ليكونن» [١٤] . ٣ - ظهور الأغاني والمعازف. قال الأستاذ مصطفى أبو النصر شلبي: «وأما ظهور المعازف آلات الملاهي واستحلالها فحدِّث ولا حرج؛ فقد وقعت هذه العلامة في العصور السابقة، وهي الآن أشد انتشاراً وتنوعاً، وقد استهان بحرمتها كثير من الناس، بل ممن ينتسبون إلى أهل العلم، نسأل الله السلامة، وبات التهديد بالمسخ والقذف والخسف قريباً، ما دامت الأمة لاهية تستحل ما حرَّم الله عليها من تعاطي أسباب الفسق والفجور» [١٥] . وقد ازداد هذا البلاء حتى تجاوز مرحلة السماع والاستمتاع إلى التقنين والتقعيد، والتخطيط والتنظيم، وجلب الخبراء، وفتح المعاهد، وصياغة المناهج؛ حتى أصبحت فناً يدرَّس وعملاً يمارس؛ فأي ظهور بعد هذا الظهور؟! ٤ - استحلال الخمر وكثرة شربها وتداولها بين الناس؛ حتى أصبحت أمراً مألوفاً يقدم مع الطعام، ويوزع في الفنادق، وهو نديم المسافر في رحلاته، ورفيق الضال في سهراته وخلواته، وتلحق به المخدرات بجميع أنواعها التي ابتليت بها البشرية فأصبحت شبحاً يهدد أمن الدول وحياة الأفراد. ٥ - الاستخفاف بالدم (كثرة القتل) ، وقد جاء عنه ﷺ في الحديث: «بادروا بالأعمال خصالاً ستاً ... » الحديث، وذكر منها: «واستخفافاً بالدم» [١٦] ، وقد استخف الناس اليوم بالدم عندما مكنوا المجرمين من قيادة الأمم؛ حيث أشعلوا الحروب الطاحنة في كل مكان، ويزعمون أنهم دعاة سلام، ومن الاستخفاف الخفي بالدم تلك الفتاوى التي تحل قتل الدعاة والعلماء وغيرهم من البشر بغير ذنب، ومن تأمل النصوص الواردة في هذا الشأن استطاع أن يضع يده على الأسباب الحقيقية لفشو تلك الظاهرة الخطرة، وهذه بعض تلك الأسباب أضعها بين يدي القارئ مقرونة بأدلتها: * الأشر والبطر، والتكاثر، والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد إلى درجة القتل، ويدل على ذلك ما رواه أبو هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيصيب أمتي داء الأمم. فقالوا: يا رسول الله! وما داء الأمم؟ قال: الأشر والبطر، والتكاثر، والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي» [١٧] . * غياب العقول وضعفها، كما ثبت في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن بين يدي الساعة الهَرْج ... » الحديث، وفيه: «حتى يقتل الرجل جاره، ويقتل أخاه، ويقتل عمه، ويقتل ابن عمه. قالوا: ومعنا عقولنا يومئذ؟ قال: إنه لينزع عقول أهل ذلك ويخلف لهم هباءً من الناس، يحسب أكثرهم أنهم على شيء وليسوا على شيء» [١٨] . رابعاً: ما رواه طارق بن شهاب، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور القلم» [١٩] ، تضمن هذا الحديث ستة أمور كلها تحتاج إلى وقفات وتأمل؛ إلا أنني سأقف مع واحدة فقط من هذه الست؛ هي فشو العقوق وقطيعة الرحم؛ حيث تظاهرت النصوص على كثرته في آخر الزمان، ومن ذلك الحديث الذي رواه أبو هريرة مرفوعاً: «إذا اتُّخِذَ الفيء دولاً» وذكر فيه: «وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه» [٢٠] ، ومن ذلك الحديث الذي تقدم: «بادروا بالأعمال خصالاً ستاً» وذكر منها: «وقطيعة الرحم» [٢١] ، ومن ذلك حديث أبي هريرة ﵁ في مراتب الدين، وفيه: «إذا ولدت الأمة ربتها» [٢٢] ، وقد فُسِّر بعدة أقوال؛ من أحسنها ما رجحه الأستاذ مصطفى أبو النصر الشلبي في صحيح أشراط الساعة، وهو أن ذلك كناية عن كثرة العقوق في الأولاد [٢٣] . وفي هذا الزمن ظهر العقوق، وتعددت أنواعه، واستهلكت مراتبه كلها؛ من كلمة التضجر (أف) إلى الاعتداء على النفس والمال والعرض.. والله المستعان. وقد ظهر اليوم عقوق يتفق مع حضارة هذا الزمن وتقدمه؛ نتيجة لغياب الرؤية الشرعية السليمة، ومن مظاهره ما نراه اليوم من انقلاب مفهوم الخدمة؛ حتى أصبحت الأم المسنة تقوم بخدمة البنت الشابة بحجة المذاكرة والاختبارات، فإذا فرغت من الدراسة وعملت بعد ذلك رمت أطفالها في حضن أمها لتستمر عملية العقوق إلى ما شاء الله. خامساً: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم: يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا» [٢٤] . في هذا الحديث العظيم يأمر النبي ﷺ بالمبادرة بالأعمال الصالحة التي تكون حصناً قوياً من الفتن العظيمة المظلمة التي تكون بين يدي الساعة، ومنها الفتنة في الدين؛ حيث يضعف التمسك به ويعز الثبات عليه لدرجة أن العبد يتقلب بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر في اليوم الواحد؛ حتى إنه يصبح مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً.. ولا حول ولا قوة إلا بالله. كما بين الحديث السبب الحقيقي لتلك الفتنة؛ وهو تعلق القلب بمتاع الدنيا الزائل: «حتى يكون الدين الذي هو عصمة الأمر وطوق النجاة من عذاب الله سلعة تباع بثمن بخس في عالم المادة والمناصب، وقد فشت هذه الفتنة واكتوت بنارها الأمة، ورأى الدعاة والمصلحون من يلوي أعناق النصوص ليساير الواقع ويرضي الطواغيت، ويقرب وجهات النظر، ويفتح مجالاً للحوار حتى في المسلَّمات، و» يعطى تصوراً رائعاً بزعمه عن سماحة الإسلام وعدالته، ورأوا ذلك التساقط المخيف على جنبات الطريق، ورأوا الردة الجماعية التي تزداد بزيادة الدعوة إلى التنصير، ورأوا تلك التبعية الممقوتة، وذلك التقليد الأعمى الذي يعد مظهراً من مظاهر تلك الفتنة، ومن نظر في واقع المسلمين اليوم؛ فإنه يدرك حجم تلك التبعية التي صبغت الأمة الإسلامية من رأسها إلى أخمص قدميها؛ حتى قلدت الكفار في كل شيء؛ ابتداءً من كرسي الحكم وانتهاءً بكرسي الحمام، وقد أخبر الرسول ﷺ بذلك كما في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع؛ حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لتبعتموهم. قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!» [٢٥] . وستعظم هذه الفتنة بمظاهرها المختلفة حتى تعبد الأوثان، كما جاء في حديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : « ... ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان» [٢٦] . سادساً: ما رواه حذيفة بن اليمان ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع» [٢٧] . وما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيأتي على الناس سنوات خداعات يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة» [٢٨] ، واللكع هو رديء الحسب والنسب الذي لا يُعرف له أصل، ولا يُحمد على خلق [٢٩] ، والرويبضة هو الرجل التافه كما فسره الحديث، والمراد من الحديث بيان فساد آخر الزمان؛ حيث تختل المقاييس وتتقلب الموازين، فيتصدر الأمة من ليس لذلك بأهل، ويتزعم القبيلة أفسقهم، ويسود القوم أرذلهم، كما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اتُّخذ الفيء دولاً، والأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً ... » الحديث، وفيه: «وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأُكرم الرجل مخافة شره» [٣٠] ، ومن تأمل الواقع وأمعن في النصوص رأى سفينة الأمة تمخر عباب بحر متلاطم من الفتن والبلاء، يقودها الرجل التافه بمجموعة كاملة من الفسقة والمجرمين. * أخي المسلم! إن الأمة لم تصل إلى ما وصلت إليه من ذلك الواقع السيئ إلا نتيجة أسباب كثيرة؛ أشير إلى بعضها باختصار: - فشو الجهل وقلة العلم، وقد مضى الكلام عليه. - ضعف المسلمين في كثير من المجالات، وبُعْدهم عن مراكز التأثير ومواقع القيادة؛ مما مكن أعداء الإسلام من السيطرة التامة على ذلك فأصبحوا قادة العالم وصناع القرار، يضعون من يشاؤون في المكان الذي يشاؤون؛ فيضمنون بذلك بقاء السيادة في أيديهم، فلا تتنقل إلا من لكع إلى لكع. وقد أخبر بذلك صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح مرفوعاً: «ليأتين عليكم أمراء يقرِّبون شرار الناس، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها؛ فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفاً، ولا شرطياً، ولا جابياً، ولا خازناً» [٣١] . وكما في قوله ﷺ : «بادروا بالأعمال خصالاً ستاً: إمرة السفهاء، وكثرة الشرط ... » [٣٢] ، ومن أمعن النظر في الحديثين، وحاول أن يربط بينهما رأى عَلَماً من أعلام النبوة، واستطاع أن يربط بين تلك النصوص الصحيحة وبين الواقع الذي يعيشه وهو يرى الولاة يقربون العلمانيين والحداثين، ويزرعون الجلادين (الشرط) في كل بقعة من البلاد، كل ذلك من أجل حماية النظم المفروضة، والمحافظة على منهجيتها وعدم المساس بها بأي حال من الأحوال، ومن مظاهر هذا الوضع المخزي غياب الوعي وضعف الرؤية الشرعية السليمة، حتى وجد في الأمة وبكثرة من يُلمِّع اللكع ويشيد بالرويبضة، كما جاء في حديث حذيفة بن اليمان ﵁ وفيه: «حتى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان» [٣٣] . ومن المظاهر المؤلمة تداعي الأمم على الأمة الإسلامية، ونهب خيراتها، والعبث بعقول أبنائها، كما في حديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: لا؛ بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» [٣٤] ، وفي هذا الحديث إشارة إلى السر الحقيقي في ضعف المسلمين وتداعي الأمم عليها، وأنه يكمن في ذواتهم، وهو حب الدنيا وكراهية الموت، وقد تعلقت القلوب في هذا الزمن بالمال حتى عبدت الدينار والدرهم، وتعاملت بالربا، وانهمكت بالحرث والزرع، وأوغلت في الترف، ونسيت الجهاد في سبيل الله؛ فتداعت عليها الأمم ووقع الذل الذي لا يرفع إلا بالعودة إلى الجهاد في سبيل الله تعالى، ولن يكون ذلك إلا إذا تعلقت القلوب بالله تعالى وحده، وقد أخبر رسول الله ﷺ بهذا الواقع، كما في حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» [٣٥] ، وقد عانت الأمة من ذل الاستعمار المفروض بالنار والحديد، وهي اليوم تعاني أشكالاً جديدة منه؛ بسبب ما خلفه الكفار في الأمة من ثقافاتهم وعاداتهم وقوانينهم التي تمارس من قبل الأمة الغثائية بطيب نفس، أو تفرض عليهم فلا خيار لهم، والله المستعان. سابعاً: ما خرجه الألباني في السلسلة الصحيحة: «إن من شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم، الذين يطلبون ألوان الطعام وألوان الثياب، يتشدقون بالكلام» [٣٦] ، والحديث واضح المعنى ولا يحتاج إلى بيان، لكنه يشير إلى قضية الترف التي هي أخطر المراحل التي تمر بها الأمم؛ إذ ليس بعدها إلا السقوط، ولقد بلغت الأمة اليوم حد الترف وأوج الرفاهية في كل مجالات الحياة؛ حتى أصبح الوضع ينذر بالخطر، والله جل وعلا يقول: [حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْس] (يونس: ٢٤) ، ومن مظاهر الترف التي تعيشها الأمة اليوم زخزفة المساجد والبيوت، كما ثبت في حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» [٣٧] ، وكما ثبت في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يبني الناس بيوتاً يوشونها وشي المراحيل» [٣٨] ، أي يخططونها ويزخرفونها كما تخطط وتزخرف الثياب [٣٩] . فتأمل أخي المسلم كيف بلغ الترف هذا المبلغ العجيب في الطبقات الغنية، والمتوسطة، وبعض الطبقات الفقيرة التي لا تجد أحياناً قيمة الضروريات؛ لكنها تحاكي الآخرين تحت ضغط الواقع الاجتماعي المبني على المظاهر والكماليات! * فضائل آخر الزمان (المبشرات) : رغم كثرة المساوئ والمنفرات التي تقع في آخر الزمان؛ فإن هناك فضائل ومبشرات كثيرة تفتح باب الأمل للمسلم، وتزيد في يقينه وثقته بنصر الله تعالى، وقد جاءت تلك المبشرات في كثير من النصوص النبوية، وسأقتصر على بعضها خشية الإطالة: أولاً: ما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى. فقالت عائشة ﵂: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله: [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] (التوبة: ٣٣) أن ذلك تاماً! قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله» [٤٠] ، وكذلك ما خرجه الألباني في الصحيحة: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر» [٤١] . في هذين النصين الكريمين بشارة من النبي ﷺ بأن الأمة ستعود إلى دينها بإذن الله تعالى، وسيدخل هذا الدين الحواضر والبوادي، وسيظهر على الدين كله ولو كره المشركون، وذلك يوم تكون الأمة أهلاً لذلك تعمل للدين وتضحي من أجله. ثانياً: ما رواه أبو قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وسئل: أي المدينتين تفتح أولاً: القسطنطينية أو رومية؟ الحديث، وفيه: «فقال رسول الله ﷺ : مدينة هرقل تفتح أولاً. يعني قسطنطينية» [٤٢] ، وما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق فيخرج لهم جيش من المدينة..» الحديث، وفيه: «فيفتحون قسطنطينية» [٤٣] . وما رواه أبو هريرة أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : «سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟! قالوا: نعم يا رسول الله. قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق» [٤٤] ، الحديث رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه شجر اليهود» [٤٥] . هذه النصوص الكثيرة تبشر بعودة الجهاد في سبيل الله، وكثرة الفتوحات، وتطهير الأرض من نجاسة اليهود وخبثهم، ولعل ما نراه اليوم من جهاد في مناطق عدة يكون بارقة أمل، وبوابة إلى جهاد أعظم يؤذن بنصر قريب إن شاء الله. ثالثاً: ما رواه حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضّاً ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت» [٤٦] ، في هذا الحديث بشارة عظيمة بوقوع خلافة راشدة على منهاج النبوة، ولكنها لن تقوم إلا بما قامت به الخلافات الراشدة الأولى. رابعاً: ما رواه المستورد القرشي ﵁ عند عمرو بن العاص ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول:» تقوم الساعة والروم أكثر الناس «، فقال له عمرو بن العاص: أبصر ما تقول! قال: أقول ما سمعت من رسول الله. قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسه حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك» [٤٧] . استنبط العلماء من هذا الحديث أن الروم يسلمون في آخر الزمان، وذلك من المبشرات ولا شك. قال الأستاذ مصطفى أبو النصر الشلبي: «وهذا يدل والله أعلم أن الروم سيسلمون في آخر الزمان؛ لأن هذه الصفات قلما توجد إلا في أصحاب الإيمان الصادق، ودليلي على ما أقول قوله ﷺ :» والذي نفسي بيده! لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من هؤلاء «يعني فارس والروم [٤٨] ، ويؤيد ما ذهب إليه الشلبي الحديث الذي تقدم:» ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار «، وهو عام لا يخصص بأمة دون أمة ولا بمكان دون مكان. ولعل المراكز والدعوات الإسلامية التي تنتشر في بلاد الكفار على أيدي الدعاة والعلماء مقدمات لهذه البشارة العظيمة. خامساً: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً، ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوة « [٤٩] . صِدْقُ الرؤيا من المبشرات في آخر الزمان، كما في هذا الحديث؛ لكن بشرط الإيمان وصدق الحديث، ومن عظيم شأنها أنها جزء من النبوة؛ فهي دعوة للإيمان الصادق وصدق الحديث. سادساً: ما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :» لا تذهب الدنيا حتى يملك العربَ رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي « [٥٠] ، هذا الحديث من المبشرات بالمهدي؛ حيث تواترت النصوص بخروجه وصفاته ومدة حكمه، وهي مستوفاة في كتب السنة، والمراد أنه من مبشرات آخر الزمان. وما رواه أبو أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : » فيكون عيسى بن مريم في أمتي حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً؛ يدق الصليب ويذبح الخنزير ويضع الجزية، ويترك الصدقة فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض، وتنزع حمة كل ذات حمة حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتضرب الوليدة الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور الفضة تنبت نباتها بعهد آدم؛ حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بدريهمات « [٥١] ، وكذلك ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :» طوبى لعيش بعد المسيح! يؤذن للسماء في القطر، ويؤذن للأرض في النبات؛ حتى لو بذرت حبك على الصفا لنبت، وحتى يمر الرجل على الأسد فلا يضره، ويطأ على الحية فلا تضره، ولا تشاحَّ ولا تحاسد ولا تباغض « [٥٢] . ومن المبشرات التي تكون في آخر الزمان ما تقدم في الحديثين من نزول عيسى ﵇، وما يتبع ذلك من الخيرات والبركات المذكورة.

стр. 4448

دراسات في الشريعة تحقيق دعوى ردة عبيد الله بن جحش محمد بن عبد الله العوشن اشتهر في كتب السيرة أن عبيد الله بن جحش قد تنصّر في أرض الحبشة، وكان قد هاجر إليها مع زوجه أم حبيبة ﵂؛ فهل ثبتت ردّته بسند صحيح؟ قال ابن إسحاق ﵀ في ذكر بعض من اعتزل عبادة قريش للأصنام، وهم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل، فقال بعضهم لبعض: «تعلمون والله! ما قومكم على شيء. لقد أخطؤوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف به؛ لا يسمع ولا يبصر، ولا يضرّ ولا ينفع؟! التمسوا لأنفسكم؛ فإنكم والله! ما أنتم على شيء. فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية، دين أبيهم إبراهيم، فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية ... وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة، فلما قدمها تنصّر وفارق الإسلام، حتى هلك هناك نصرانياً» . ثم قال ابن إسحاق: «فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: كان عبيد الله بن جحش حين تنصَّر يمر بأصحاب رسول الله ﷺ وهم هنالك من أرض الحبشة، فيقول: فقّحنا وصأصأتم؛ أي أبصرنا، وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروا بعد» [١] . وشيخ ابن إسحاق هنا محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، مات سنة بضع عشرة ومائة، من الطبقة السادسة، وهي طبقة لم يثبت لأحد منها لقاء أحد من الصحابة، فالخبر مرسل. ثم ذكره ابن إسحاق في قدوم جعفر بن أبي طالب من الحبشة فقال: «حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة قال: » خرج عبيد الله بن جحش مع المسلمين مسلماً، فلما قدم أرض الحبشة تنصَّر، قال: فكان إذا مر بالمسلمين ... « [٢] ، وذكر نحو ما سبق. وهذا سند صحيح لكنه مرسل، وهو أصحّ ما ورد في تنصُّر عبيد الله بن جحش. وذكره أيضاً في تزوج النبي ﷺ أم حبيبة ﵂ فقال:» ثم تزوج رسول الله ﷺ بعد زينب، أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قبله عند عبد الله [عبيد الله] بن جحش.. فمات عنها بأرض الحبشة، وقد تنصر بعد إسلامه « [٣] ، والخبر هنا بدون إسناد. وروى القصة ابن سعد في (الطبقات) فقال:» أخبرنا محمد بن عمر حدثنا عبد الله بن عمرو بن زهير عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: قالت أم حبيبة: رأيت في النوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهها، ففزعت، فقلت: تغيرتْ والله حاله! فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة! إني نظرت في الدين فلم أرَ ديناً خيراً من النصرانية، وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، ثم قد رجعت إلى النصرانية. فقلت: والله! ما خير لك. وأخبرتُه بالرؤيا التي رأيت له فلم يحفل بها، وأكبّ على الخمر حتى مات « [٤] ، ورواه أيضاً في ذكر عدد أزواج النبي ﷺ ، فقال عند ذكر أم حبيبة ﵂:» وكانت قبل رسول الله ﷺ عند عبيد الله بن جحش، وكان قد أسلم وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم ارتد، وتنصّر، فمات هناك على النصرانية « [٥] ، وشيخ ابن سعد في الخبرين هو الواقدي، وهو متروك على سعة علمه. ورواه الحاكم في» المستدرك «عن الزهري مرسلاً، وفيه:» ثم افتتن وتنصّر فمات وهو نصراني، وأثبت الله الإسلام لأم حبيبة، وأبت أن تتنصّر « [٦] ، ورواه موصولاً من طريق الواقدي، وفيه رؤيا أم حبيبة [٧] ، كرواية ابن سعد.» ومراسيل الزهري ضعيفة « [٨] ، قال الإمام الذهبي ﵀: » قال يحيى بن سعيد القطان: مرسل الزهري شرّ من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكل ما قَدرَ أن يُسمّي سَمّى، وإنما يترك من لا يحب أن يسميه. قلت (الذهبي) : مراسيل الزهري كالمعضل؛ لأنه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أن نظن به أنه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه، ولما عجز عن وصله، ومن عدّ مرسل الزهري كمرسل سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير ونحوهما، فإنه لم يدر ما يقول، نعم كمرسل قتادة ونحوه « [٩] . وروى الخبر الطبري في تاريخه، في:» ذكر الخبر عن أزواج رسول الله ﷺ «عن هشام بن محمد مرسلاً، وفيه عند ذكر أم حبيبة: » فتنصّر زوجها، وحاولها أن تتابعه فأبت، وصبرت على دينها، ومات زوجها على النصرانية « [١٠] ، والخبر فضلاً عن إرساله؛ فإنه عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وهو رافضي متروك، قال الإمام أحمد ﵀: » إنما كان صاحب سمر ونسب، ما ظننت أن أحداً يحدِّث عنه « [١١] . ونقله ابن الأثير في تاريخه [١٢] عن ابن الكلبي أيضاً. ورواه البيهقي في» الدلائل «من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال:» ومن بني أسد بن خزيمة: عبيد الله بن جحش، مات بأرض الحبشة نصرانياً، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة، فخلف عليها رسول الله ﷺ ، أنكحه إياها عثمان بن عفان بأرض الحبشة « [١٣] ، والخبر فيه علتان: الإرسال، وضعف ابن لهيعة. والمتن هنا فيه غرابة. قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -:» وأما قول عروة إن عثمان زوّجها منه فغريب؛ لأن عثمان كان قد رجع إلى مكة قبل ذلك ثم هاجر إلى المدينة، وصحبته زوجته رقية « [١٤] . وعبيد الله بن جحش لم يترجم له ابن عبد البر في» الاستيعاب «، ولا ابن الأثير في» أُسد الغابة «، ولا ابن حجر في» الإصابة «، وفي ترجمة أخيه عبد الله ﵁ في» الإصابة «لم يذكر ابن حجر شيئاً، أما ابن عبد البر فقد قال في» الاستيعاب «في ترجمة عبد الله:» وكان هو وأخوه أبو أحمد عبد بن جحش من المهاجرين الأولين ممن هاجر الهجرتين، وأخوهما عبيد الله بن جحش تنصّر بأرض الحبشة، ومات بها نصرانياً، وبانت منه امرأته أم حبيبة « [١٥] ، وكذا ذكر ابن الأثير في ترجمة عبد الله. وفي ترجمة أم حبيبة ﵂ في» الإصابة «قال ابن حجر: » ولما تنصر زوجها عبيد الله، وارتد عن الإسلام فارقها، فأخرج ابن سعد من طريق إسماعيل بن عمرو بن سعيد الأموي قال ... « [١٦] ، وذكر القصة التي رواها ابن سعد عن الواقدي، وسبقت. وفي ترجمتها في» التهذيب «لم يذكر الحافظ تنصّر عبيد الله بل قال: » هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش هناك، ومات، فتزوجها رسول الله ﷺ وهي هناك، سنة ست، وقيل سنة سبع « [١٧] ، وقال الذهبي في» السير «في ترجمة أم حبيبة ﵂:» ابن سعد: أخبرنا الواقدي: أخبرنا.. «، وذكر رؤياها ﵂ وردّة زوجها، ثم قال (الذهبي) :» وهي منكرة « [١٨] . ولم يبيّن ﵀ وجه النكارة. ومما يرجّح أن خبر ردته غير صحيح: أن الروايات الصحيحة في نكاحه ﷺ بأم حبيبة ﵂ لم تذكر شيئاً من ذلك؛ فقد روى الإمام أحمد بسند صحيح من طريق الزهري عن عروة عن أم حبيبة رضي الله عنها:» أنها كانت تحت عبيد الله ابن جحش، وكان أتى النجاشي فمات، وأن رسول الله ﷺ تزوج أم حبيبة وهي بأرض الحبشة، زوّجها إياه النجاشي، وأمهرها أربعة آلاف « [١٩] ، ورواه أيضاً أبو داود [٢٠] ، والنسائي [٢١] . مما سبق يتبين والله أعلم أن قصة ردة عبيد الله بن جحش لم تثبت، لعدة أدلة؛ منها: ١ - أنها لم تُروَ بسند صحيح متصل، فالموصول من طريق الواقدي. والمرسل جاء عن عروة بن الزبير، ولا يمكن أن نحتج بالمرسل (عند من يرى الاحتجاج به) في مسألة كهذه؛ فيها الحكم على أحد السابقين الأولين رضي الله عنهم بالردة. ٢ - أن الروايات الصحيحة في زواجه ﷺ بأم حبيبة لم تذكر ردة زوجها السابق، كما في الرواية السابقة عند أحمد، وأبي داود، والنسائي. ٣ - أنه يبعد أن يرتد أحد السابقين الأولين للإسلام عن دينه، وهو ممن هاجر فراراً بدينه مع زوجه، إلى أرض بعيدة غريبة. خاصة أن عبيد الله بن جحش ممن هجر ما عليه قريش من عبادة الأصنام، والتماسه مع ورقة وغيره الحنيفية كما في رواية ابن إسحاق (بدون سند) الواردة أول هذا البحث وفي رواية ابن سعد (عن الواقدي) أنه كان قد دان بالنصرانية قبل الإسلام. ومعلوم أن البشارة ببعثة الرسول ﷺ كانت معروفة عند أهل الكتاب من يهود، ونصارى؛ فكيف يُتصور من رجل يترقب الدين الجديد أن يعتنقه ثم يرتد عنه لدين منسوخ؟! كما أن زواج النبي ﷺ بأم حبيبة كان في سنة ست، وقيل سبع، وردة عبيد الله المزعومة قبل ذلك بمدة، وهي مرحلة كان الإسلام قد علا فيها وظهر حتى خارج الجزيرة العربية، بل أصبح هناك من يُظهر الإسلام ويُبطن الكفر؛ كحال المنافقين. ٤ - في حوار هرقل مع أبي سفيان وكان إذ ذاك مشركاً أنه سأله ضمن سؤالاته:» هل يرتد أحدٌ منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فأجاب أبو سفيان: لا «. ولو كان عبيد الله قد تنصّر لوجدها أبو سفيان فرصة للنيل من النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته، كما فعل لما سُئل:» فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها؟ قال: ولم تمكنِّي كلمة أُدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة « [٢٢] ، ولا يمكن القول بأن أبا سفيان لم يعلم بردّة عبيد الله لو صحت لأنه والد زوجه أم حبيبة. وبعد؛ فالمسألة متعلقة بأحد أصحاب رسول الله ﷺ ، بل ومن السابقين الأولين، فإن صحّ السند بخبر ردّته فلا كلام، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. أمَا والسند لم يثبت؛ فإن نصوص الشريعة حافلة بالذبّ عن عِرْض المسلم؛ فكيف إذا كان هذا المسلم صحابياً بل ومن السابقين؟! والله أعلم.

стр. 4449

دراسات تربوية قاعدة الانطلاق وقارب النجاة (٢ ـ ٢) فيصل بن علي البعداني albadani@hotmail.com في الحلقة السابقة تحدث الكاتب عن منزلة الإخلاص وبين أنه حقيقة الدين، وأشار إلى أن الإخلاص مع وضوحه وجلائه إلا أنه من أشق الأمور على النفس، وذكر ثمرات الإخلاص، وتحدث عن طرق تحصيله. وفي هذه الحلقة يتابع الحديث في أمور أخرى تتعلق بالإخلاص. - (البيان) - * علامات المخلصين: للمخلصين علامات عدة؛ من أبرزها: ١- إرادتهم وجه الله: سمة المخلصين العظمى أنهم يريدون بعملهم وجه الله، فلا يريدون به مغنماً ولا جاهاً ولا ثناءً ولا عَرَضاً من عروض الدنيا الزائلة [١] . قال تعالى: [وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ] (الكهف: ٢٨) ؛ أي يرتقبون بدعائهم رضا الله سبحانه لا عَرَض الدنيا [٢] ؛ فلذا وصفهم في الآية بالعبادة والإخلاص فيها [٣] ، وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه؛ فمن في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» [٤] ، فالمخلصون أصحاب نيات صالحة، يريدون الله ورفعة دينه، والعمل إنما يكون معتبراً بالنية الصالحة، وإذا لم تصح النية فلا أثر له [٥] ، وقد جاء ذلك منصوصاً عليه في قوله صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» [٦] . ٢- حبهم لعمل الخلوة: المخلصون أحرص على إخفاء صالح أعمالهم من غيرهم على كتمان ذنوبهم؛ رجاء أن ينالهم الخير الوارد في الحديث: «إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي» [٧] ، وقد كان ذلك هدياً بيِّناً للسلف الصالح، وسمتاً ظاهراً لهم، ومن ذلك: قول الخريبي: «كانوا يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح، لا تعلم به زوجته ولا غيرها» [٨] ، وقول أيوب السختياني: «والله! ما صدق عبد إلا سره ألا يُشْعَر بمكانه» ، وقول سلمة بن دينار: «اكتم حسناتك أشد مما تكتم سيئاتك» [٩] ، وقول بشر الحافي: «أَخْمِل ذكرك، وطيِّب مطعمك، لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب في الدنيا أن يعرفه الناس» [١٠] ، وقول محمد بن العلاء: «من أحب الله أحب أن لا يعرفه الناس» [١١] ، وقول الشافعي: «وددت أن الخلق يتعلمون هذا العلم، ولا ينسب إليَّ منه شيء» [١٢] . ومن الشواهد العملية: ما ورد «أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج في سواد الليل فرآه طلحة، فذهب عمر فدخل بيتاً، ثم دخل بيتاً آخر، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت، فإذا بعجوز عمياء مقعدة، فقال لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟ قالت: إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى، فقال طلحة: ثكلتك أمك يا طلحة! أَعثرات عمر تتبع؟!» [١٣] ، وما ورد أن منصور السلمي «صام أربعين سنة وقام ليلها، كان يبكي فتقول له أمه: يا بني قتلت قتيلاً؟! فيقول: أنا أعلم بما صنعت بنفسي، فإذا كان الصبح كحل عينيه، ودهن رأسه، وبرق شفتيه، وخرج إلى الناس» [١٤] ، وأن داود بن أبي هند «صام أربعين سنة لا يعلم به أهله، وكان خرازاً يحمل غداءه من عندهم، فيتصدق به في الطريق، ويرجع عشياً فيفطر معهم» [١٥] ، وكان زين العابدين علي بن الحسين ينفق على أهل مئة بيت في المدينة، يأتيهم في الليل بالطعام، ولا يعرفون مَن الآتي به، حتى مات ففقدوا ذلك؛ فعرفوا أن ذلك منه، ووجدوا في ظهره أثراً من نقل الطعام إلى بيوت الأرامل [١٦] ، وقال سفيان: «أخبرتني سرية الربيع بن خثيم قالت: كان عمل الربيع كله سراً، إن كان ليجيء الرجل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه» [١٧] وقال محمد بن واسع: «إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم» [١٨] ، وكان ابن المبارك يضع اللثام على وجهه عند القتال لئلا يُعرف، قال أحمد: «ما رفع الله ابن المبارك إلا بخبيئة كانت له» [١٩] . وهذا الإخفاء إنما هو لما يُشرع إخفاؤه من العمل، وذلك مخصوص بالنوافل دون الفرائض، واستثنى أهل العلم من ذلك من يقتدي الناس به؛ إذ الإبداء في حقه أوْلى. قال الطبري: «كان ابن عمر وابن مسعود وجماعة من السلف يتهجدون في مساجدهم، ويتظاهرون بمحاسن أعمالهم؛ ليُقتدى بهم، قال: فمن كان إماماً يُستن بعمله، عالماً بما لله عليه، قاهراً لشيطانه؛ استوى ما ظهر من عمله وما خفي؛ لصحة قصده» [٢٠] . ٣ - أن سريرتهم أحسن من علانيتهم: فالمخلص ليس من يظهر التنسك أمام الناس ثم يسيء فيما بينه وبين الله، بل هو قوَّام على نفسه يحاسبها؛ كأنه أبداً يرى الله، فهو مراقب له سبحانه في سره وعلانيته، لا روغان في استقامته، وهذه من أعظم قرباته، قال ابن عطاء: «أفضل الطاعات مراقبة الحق على دوام الأوقات» [٢١] ، فصفته كما ذكر الله: [وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً] (الفرقان: ٦٤) ، قال الحسن: «هذا ليلهم إذا خلوا بينهم وبين ربهم تبارك وتعالى» [٢٢] ، فهو أبعد ما يكون عن خلال أولئك الذين ضعف إخلاصهم، وقلّت مراقبتهم، ممن حكى النبي ﷺ لنا حالهم، فقال: «لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباءً منثوراً. قال ثوبان: صفهم لنا يا رسول الله! أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون؛ ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها» [٢٣] . فإتيان المعاصي وانتهاك الحرمات في السر عمل مشين، وليس من أخلاق المخلصين، ولذا قال الربيع بن خثيم: «السرائر السرائر.. اللاتي تخفين من الناس وهنَّ لله تعالى بَوَادٍ، التمسوا دواءهن ثم يقول: وما دواؤهن إلا أن تتوب ثم لا تعود» [٢٤] ، وقال حميد الطويل: «لئن كنت إذا عصيت الله خالياً ظننت أنه يراك لقد اجترأت على أمر عظيم، ولئن كنت تظن أنه لا يراك فلقد كفرت» [٢٥] ، وقال ابن الأعرابي: «أخسر الخاسرين من أبدى للناس صالح أعماله، وبارز بالقبيح مَنْ هو أقرب إليه من حبل الوريد» [٢٦] . ٤ - أنهم يخافون من رد أعمالهم: ودليله في قوله تعالى: [وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ] (المؤمنون: ٦٠) ، وقد بين النبي ﷺ أنهم «يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات» [٢٧] ، قال الحسن: «يؤتون الإخلاص ويخافون ألا يقبل منهم» [٢٨] ، وعن محمد بن مالك بن ضيغم، قال: حدثني مولانا أبو أيوب قال: «قال لي أبو مالك يوماً: يا أبا أيوب! احذر نفسك على نفسك؛ فإني رأيت هموم المؤمنين في الدنيا لا تنقص، وأيم الله! لئن لم تأت الآخرةُ المؤمنَ بالسرور لقد اجتمع عليه الأمران: همّ الدنيا وشقاء الآخرة. قال: قلت: بأبي أنت! وكيف لا تأتيه الآخرة بالسرور، وهو ينصب لله في دار الدنيا ويدأب؟ قال: يا أبا أيوب! وكيف بالقبول؟ وكيف بالسلامة؟ ثم قال: كم من رجل يرى أنه قد أصلح شأنه، قد أصلح قربانه، قد أصلح همته، قد أصلح عمله يُجمع ذلك يوم القيامة ثم يضرب به وجهه» [٢٩] . ولعل من أعظم مشاهد الخوف من رد العمل أن الإمام الماوردي صاحب التصانيف الحسان في فنون عدة، ك (الحاوي الكبير) في الفقه، و (النكت والعيون) في التفسير، و (الأحكام السلطانية) ، و (أدب الدنيا والدين) «لم يُظهر شيئاً من تصانيفه في حياته، وجمعها في موضع، فلما دنت وفاته، قال لمن يثق به: الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي، وإنما لم أظهرها لأني لم أجد نية خالصة، فإذا عاينت الموت، ووقعت في النزع، فاجعل يدك في يدي، فإذا قبضت عليها وعصرتها، فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها، فاعمد إلى تلك الكتب وألقها في دجلة، وإن بسطت يدي، فاعلم أنها قبلت. قال الرجل: فلما احتُضر، وضعت يدي في يده، فبسطها، فأظهرت كتبه» [٣٠] . ٥ - لا ينتظرون ثناء الناس: ولذا تراهم لا يعاتبون من أساء إليهم، ولا يحقدون على من منعهم، ولا يرجون من الخلق جزاءً ولا شكوراً؛ حالهم كما قال الله تعالى: [إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً] (الإِنسان: ٩) ، قال مجاهد وسعيد بن جبير: أما والله! ما قالوه بألسنتهم، ولكن علم الله به من قلوبهم، فأثنى عليهم به ليرغب في ذلك راغب « [٣١] ، وجاء عن عائشة ﵂ أنها كانت تبعث بالصدقة إلى أهل بيت، ثم تسأل الرسول ما قالوا، فإذا ذكر دعاءهم دعت لهم بمثله؛ ليبقى ثواب الصدقة لها خالصاً عند الله تعالى [٣٢] . ولعل من أروع ما دوَّنه التأريخ في ذلك قصة صاحب النقب. قال ابن قتيبة: » حاصر مسلمة حصناً، فندب الناس إلى نقب منه، فما دخله أحد، فجاء رجل من عُرْض الجيش فدخله ففتحه الله عليهم، فنادى مسلمة: أين صاحب النقب؟ فما جاءه أحد، فنادى: إني قد أمرت الآذن بإدخاله ساعة يأتي، فعزمت عليه إلا جاء! فجاء رجل، فقال: استأذن لي على الأمير، فقال له: أنت صاحب النقب؟ قال: أنا أخبركم عنه. فأتى مسلمة فأخبره عنه، فأذن له، فقال له: إن صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثاً: ألا تسوِّدوا اسمه في صحيفة إلى الخليفة، ولا تأمروا له بشيء، ولا تسألوه ممن هو. قال: فذاك له. قال: أنا هو. فكان مسلمة لا يصلي بعدها صلاة إلا قال: اللهم اجعلني مع صاحب النقب! « [٣٣] . * مسائل في الإخلاص: ١ - ما يضاد الإخلاص: الأمور التي تنافي الإخلاص عديدة، من أبرزها: أولاً: الرياء والسمعة: الرياء: إظهار العبادة لقصد رؤية الناس ونيل حمدهم [٣٤] . قال الغزالي: » الرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإيرائهم الخير «، والسمعة: العمل لأجل إسماع الناس طاعته، كأن يقرأ القرآن ليسمعه من حوله» [٣٥] ، ويرى العز بن عبد السلام أن المراد بالتسميع أن يحدث المرء غيره بما يفعله من الطاعات التي لم يطلع عليها المتحدث؛ إذ جعل التسميع ضربين: «أحدهما: تسميع الصادقين، وهو أن يعمل الطاعة خالصة لله، ثم يظهرها ويسمع الناس بها ليعظموه ويوقروه وينفعوه ولا يؤذوه ... الثاني: تسميع الكاذبين، وهو أن يقول: صليت ولم يصل، وزكيت ولم يزك، وصمت ولم يصم، وحججت ولم يحج، وغزوت ولم يغزُ» [٣٦] ، وقد جاءت النصوص بالتحذير من الرياء والسمعة. وداعي العبد إلى الرياء والسمعة: حب المحمدة ونيل المنزلة في قلوب الخلق، وهو أمر مغروس حبه في أعماق النفس البشرية، ومتجذر داخلها «ولذلك قيل: آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرئاسة» [٣٧] ، قال ابن تيمية: « ... الإنسان عليه أولاً أن يكون أمره لله، وقصده طاعة الله فيما أمره به ... فإن فعل ذلك لطلب الرئاسة لنفسه وطائفته وتنقيص غيره، كان ذلك حمية لا يقبله الله، وكذلك إذا فعل ذلك لطلب السمعة والرياء كان عمله حابطاً» [٣٨] ، وطرق الخلاص أن يعمق العبد إيمانه، ويلجأ إلى ربه ويتضرع إليه، ويزهد في الدنيا ويعرف حقارتها، ويدرك عاقبة الرياء والسمعة دنيا وأخرى، وما لم يفعل ذلك فسيكون من العسير عليه مدافعتهما، واجتثاث باعثهما من القلب [٣٩] . ثانياً: العُجْبُ بالنفس: العُجْبُ: كِبْرٌ باطن بخصال النفس، يورث تكبراً ظاهراً في الأقوال والأعمال والأحوال [٤٠] ، وإنما كان العجب مهلكاً؛ لأن صاحبه يستعظم عبادته «ويتبجح بها، ويمن على الله بفعلها، وينسى نعمة الله عليه بالتوفيق والتمكين منها، ثم إذا عجب بها عمي عن آفاتها، ومن لم يتفقد آفات الأعمال كان أكثر سعيه ضائعاً، فإن الأعمال الظاهرة إذا لم تكن خالصة نقية عن الشوائب قلما تنفع، وإنما يتفقد من يغلب عليه الإشفاق والخوف دون العجب. والمعجب يغتر بنفسه وبرأيه، ويأمن مكر الله، ويخرجه العجب إلى أن يثني على نفسه ويحمدها ويزكيها» [٤١] ، وقد أدرك السلف هذا الأمر، فقد «قيل لعائشة: متى يكون الرجل مسيئاً؟ قالت: إذا ظن أنه محسن» [٤٢] ، وقال مطرف بن عبد الله: «لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إليَّ من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً» [٤٣] ، وقال مسروق: «كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعلمه» [٤٤] . ومرد العجب بالنفس إلى الجهل المحض بها وعدم معرفة حقيقتها، وعلاج ذلك: أن يعرف المعجب حقيقة نفسه، وكثرة عيوبه، وأن يقدر ربه حق قدره [٤٥] . ومن الدلائل على أن ذلك هو الدواء: ما روي «أن مالك بن دينار مر عليه المهلب بن أبي صفرة وهو يتبختر في مشيته، فقال له مالك: أما علمت أن هذه المشية تكره إلا بين الصفين؟! فقال له المهلب: أما تعرفني؟ ! فقال له: أعرفك أحسن المعرفة. قال: وما تعرف مني؟ قال: أمَّا أولك فنطفة مذرة، وأما آخرك فجيفة قذرة، وأنت بينهما تحمل العذرة. فقال المهلب: الآن عرفتني حق المعرفة» [٤٦] ، وما جاء عن ابن حزم قال: «كانت فيّ عيوب ... ومنها عُجْبٌ شديد، فناظر عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها؛ حتى ذهب كله، ولم يبق والحمد لله أثر، بل كلّفت نفسي احتقار قدرها جملة، واستعمال التواضع» [٤٧] . ثالثاً: اتباع الهوى: الهوى ميل الطبع إلى ما يلائمه [٤٨] ، وهو باعث لصاحبه على العمل، فمتبع الهوى لا يهوى شيئاً إلا أتاه واتجه إليه، فإلهه هواه، قال تعالى: [أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً] (الفرقان: ٤٣-٤٤) ، فـ «الهوى شر داء خالط قلباً» [٤٩] ، وصاحبه كما قال قتادة: «كلما هوى شيئاً ركبه، وكلما اشتهى شيئاً أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى» [٥٠] ، وقال ابن تيمية: «وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك، ولا يطلبه، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه، ... » [٥١] ، وهذا بخلاف المخلص فإنه متوجه إلى الله تعالى بكليته، قال سبحانه: [وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى] (النازعات: ٤٠) ؛ أي: كفها عن شهواتها الصادة عن طاعة الله تعالى [٥٢] ، فاتباع الهوى مضاد للإخلاص مبطل للعمل، بل إن متبع الهوى إذا عمل عملاً صالحاً اتباعاً لهواه لا عبودية لله فإن عمله غير مقبول؛ لأنه لم يقصد بعمله وجه الله تعالى بل اتباع الهوى، قال عمر بن عبد العزيز: «لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواه، ويخالفه إذا خالف هواه، فإذاً أنت لا تثاب على ما وافقته من الحق، وتعاقب على ما تركته منه؛ لأنك إنما اتبعت هواك في الموضعين» [٥٣] ، وقال الشاطبي: «اتباع الهوى طريق إلى المذموم وإن جاء في ضمن المحمود؛ لأنه إذا تبين أنه مضاد بوضعه للشريعة فحيثما زاحم مقتضاها في العمل كان مخوفاً» [٥٤] . ومخالفة الهوى شاقة على النفس، ولذا بلغ الهوى بأهله مبالغ لا يبلغها غيرهم، وكفى شاهداً على ذلك حال المحبين، وحال من بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين وأهل الكتاب وغيرهم ممن أصر على ما هو عليه، حتى رضوا بإهلاك النفوس والأموال، ولم يرضوا بمخالفة الهوى، قال الشاطبي: «المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد لله اضطراراً» [٥٥] . فعلى مريد الإخلاص أن يقوي إرادته، ويخاف مقام ربه، وينهى النفس عن الهوى، حتى تكون الجنة هي المأوى [٥٦] . يقول الحسن البصري: «أفضل الجهاد جهاد الهوى» [٥٧] . ٢ - ثناء الناس على العمل: يلازم المخلص العمل الصالح كارهاً الشهرة وظهور ما لا يشرع ظهوره من عمله. يقول علي ﵁: «لا تبدأ لأن تشتهر، ولا ترفع شخصك لتُذكر، وتعلم واكتم، واصمت تسلم؛ تسر الأبرار، وتغيظ الفجار» [٥٨] ، ويقول إبراهيم بن أدهم: «ما صَدَقَ اللهَ مَنْ أحب الشهرة» [٥٩] ، وكان ابن محيريز يقول: «اللهم إني أسألك ذكراً خاملاً» [٦٠] . لكن ذلك يعود على المخلص بعكس مراده، فيحبه الناس لتلك الملازمة ويحمدونه عليها؛ فيُسَر بذلك ويستبشر من دون تعرض منه لحمدهم وتقصُّد لنيل ثنائهم، فهذه بشرى لا تضر العبد ولا تخرجه عن الإخلاص [٦١] ، يدل على ذلك حديث أبي ذر ﵁ قال: قيل لرسول الله ﷺ : أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» [٦٢] ؛ فالسرور إنما هو «بحسن صنع الله ونظره له ولطفه به ... لا بحمد الناس وقيام المنزلة في قلوبهم، فأما إن كان فرحه باطلاع الناس عليه لقيام منزلته عندهم حتى يمدحوه ويعظموه ويقضوا حوائجه؛ فهذا مكروه مذموم» [٦٣] . ٣ - ترك العمل مخافة الرياء: ترك العمل خشية الرياء وسوسة من الشيطان، وحبالة من حبالاته، قال ابن حزم: «لإبليس في ذم الرياء حبالة، وذلك أنه رُبَّ ممتنع من فعل خيرٍ خوف أن يُظَنّ به الرياء» [٦٤] ، ف «لو فعل إنسان ذلك لأوشك إذا علم منه الشيطان بذلك أن يعترض له عند كل عمل بالخطرات بالرياء فيدع كل طاعة» [٦٥] ، ولكن على العبد أن يمضي في طاعته فإن ذلك شديد الألم على شيطانه. قال الفضيل: «ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله عنهما» [٦٦] ، وفصل المقدسي الأمر فقال: «فأما ترك الطاعات خوفاً من الرياء، فإن كان الباعث له على الطاعة غير الدين، فهذا ينبغي أن يترك؛ لأنه معصية لا طاعة فيه، وإن كان الباعث على ذلك الدين، وكان ذلك لأجل الله تعالى خالصاً، فلا ينبغي أن يترك العمل؛ لأن الباعث الدين، وكذلك إذا ترك العمل خوفاً من أن يقال: إنه مراء، فلا ينبغي ذلك؛ لأنه من مكائد الشيطان» [٦٧] . ومن وفق لابتداء عمله بنية صالحة فعليه أن يجاهد نفسه لتستمر على الإخلاص وتبتعد عن ضده، نظراً لتبدل النية وتقلبها في لحظات، قال سليمان بن داود الهاشمي: «ربما أحدث بحديث واحد، ولي فيه نية، فإذا أتيت على بعضه تغيرت نيتي؛ فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات» [٦٨] ، لكن ليس للعبد أن يترك مواصلة العمل خوف الرياء، قال النخعي: «إذا أتاك الشيطان وأنت في صلاة فقال: إنك مراءٍ، فزدْها طولاً» [٦٩] . ٤ - الإقبال على العمل عند مخالطة الصالحين: وليس هذا برياء لحديث حنظلة ﵁، وفيه: «فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ ، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! ! فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنَّا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً. فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده! إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة! ساعة وساعة. ثلاث مرات» [٧٠] ، قال المقدسي: «قد يبيت الرجل مع المجتهدين، فيصلون أكثر الليل، وعادته قيام ساعة، فيوافقهم، أو يصومون فيصوم، ولولاهم ما انبعث هذا النشاط، فربما ظن ظان أن هذا رياء، وليس كذلك على الإطلاق، بل فيه تفصيل: وهو أن كل مؤمن يرغب في عبادة الله تعالى، ولكن تعوقه العوائق، وتستهويه الغفلة، فربما كانت مشاهدة الغير سبباً لزوال الغفلة، واندفاع العوائق؛ فإن الإنسان إذا كان في منزله تمكن من النوم على فراش وطيء وتمتع بزوجته، فإذا بات في مكان غريب اندفعت هذه الشواغل، وحصلت له أسباب تبعث على الخير، منها مشاهدة العابدين، وقد يعسر عليه الصوم في منزله لكثرة المطاعم، بخلاف غيره؛ ففي مثل هذه الأحوال ينتدب الشيطان للصد عن الطاعة، ويقول: إذا عملت غير عادتك كنت مرائياً، فلا ينبغي أن يلتفت إليه، وإنما ينبغي أن ينظر في قصده الباطن، ولا يلتفت إلى وسواس الشيطان» [٧١] . ٥ - تشريك النية: لتشريك النية صورتان: الأولى: أن يقصد العبد بعمل واحد قربتين فأكثر، وجواز ذلك استثناءٌ؛ إذ الأصل أن لكل قربة عبادة خاصة بها، فمثلاً: لو نوى بالصلاة الرباعية الظهر والعصر لم يصح إجماعاً، ولكن جاء الشرع باستثناء بعض العبادات من ذلك، كأن ينوي بغسله: غسلَيْ الجمعة والجنابة، وبصلاته: تحية المسجد والسنة الراتبة، وبصدقته على القريب: الصدقة والصلة، وبمكثه في المسجد: الاعتكاف وانتظار الصلاة، وبطوافه: طواف القدوم والعمرة، وبقراءته للقرآن: القربة وعدم النسيان، ... ونحو ذلك من صور التشريك المشروعة [٧٢] ، والتي لا تتنافى مع الإخلاص بل كلما أكثر العبد من استحضارها كلما زاد أجره وتضاعفت مثوبته [٧٣] ، يقول الغزالي: «فاجتهد أن تكثر من النية في جميع أعمالك حتى تنوي لعمل واحد نيات كثيرة» [٧٤] ، ويقول ابن القيم: «تداخل العبادات في العبادة الواحدة.. باب عزيز شريف لا يعرفه إلا صادق الطلب، متضلع من العلم، عالي الهمة؛ بحيث يدخل في عبادة يظفر فيها بعبادات شتى، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» [٧٥] . الثانية: أن يقصد العبد بعمل واحد قربة وعملاً مباحاً في آن واحد، كأن يخلط في الوضوء: نية الطهارة بنية التبرد أو التنظيف، وفي الصوم: نية التقرب بنية الحمية، وفي الحج: نية أداء النسك بنية التجارة، فهذا التشريك لا يقدح في الإخلاص؛ لأن «هذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيم الخلق، بل هي تشريك أمور من المصالح ليس لها إدراك، ولا تصلح للإدراك ولا للتعظيم، فلا تقدح في العبادات ... نعم لا يمنع أن هذه الأغراض المخالطة للعبادة قد تنقص الأجر، وأن العبادة إذا تجردت عنها زاد الأجر وعظم الثواب، أما الإثم والبطلان فلا سبيل إليه» [٧٦] . ومن أدلة جواز التشريك في النية وأنه لا يفسد العمل ولا يقدح في الإخلاص: قوله ﷺ : «يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجَاء» [٧٧] ؛ إذ أمر ﷺ «بالصوم لهذا الغرض؛ فلو كان ذلك قادحاً لم يأمر به ﵊ في العبادات» [٧٨] ، وحديث أبي قلابة قال: «جاءنا مالك بن الحويرث، فصلى بنا في مسجدنا هذا، فقال: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة، ولكن أريد أن أريكم كيف رأيت النبي ﷺ يصلي» [٧٩] ، فجمع في نيته بين الصلاة وقصد التعليم [٨٠] . ٦ - حالات العمل مع الرياء: للعمل مع الرياء حالات متنوعة، فهو: إما أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى لا رياء فيه ولا سمعة، فهذا سبب للرفعة والثواب، وإما أن يكون رياء محضاً، لا يقصد به صاحبه إلا مراءاة المخلوقين ونيل منزلة عندهم، فهذا من أعمال المنافقين، ولا يكاد يقع من مؤمن بالله العظيم، قال ابن رجب عنه: «وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة» [٨١] . وإما أن يشترك في باعثه إرادة الله تعالى ومحمدة الناس، فهو على الصحيح باطل وصاحبه معاقب؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله : أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمن عمل لي عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو للذي أشرك» [٨٢] ، قال ابن رجب: «وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه» [٨٣] . وإما أن يكون أصل العمل لله تعالى لكن طرأت نية الرياء عليه، فإن كان خاطراً ودفعه فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه ففي حبوط العمل خلاف بين علماء السلف [٨٤] ، والظاهر بطلانه لقوله تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي تركته وشركه» [٨٥] . وإما أن يكون أصل العمل لغير الله لكن طرأ الإخلاص عليه، فهذا إن كانت العبادة متصلة لا يصح أولها إلا بصحة آخرها، فالعمل باطل للحديث السابق، وإن كان لا تعلق لأوله بآخره فهما كالعملين، الأول باطل والآخر صحيح [٨٦] ، والله أعلم. وأخيراً: فالموفق من ضمن أعماله كلها الإخلاص، وصار تحقيق مرضاة الله ومحبته، والطمع في ثوابه، وخشية عقابه هو باعثه للعمل ومراده منه. نسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يرزقنا إخلاص القول والعمل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4450

تأملات دعوية بين تغيُّرين محمد بن عبد الله الدويش dweesh@dweesh.com تتسارع المتغيرات في هذا العصر بصورة غير مسبوقة، وتترك أثرها في حياة الناس وسلوكهم، وفي قيم الأفراد والمجتمعات، وفي طريقة تفكير الناس ورؤيتهم للأمور. وكثير مما كان مؤثراً فيما مضى أصبح اليوم هامشياً محدود التأثير، وما لم يكن في الحسبان أصبح اليوم يشكل تفكير الناس ويصنع مواقفهم. ويصبح الدعاة إلى الله تعالى أمام هذا الواقع بين تغيُّرين: الأول: أن يجرفهم الواقع، ويستجيبوا لضغطه فيصيبهم التغير في سلوكهم، أو يتنازلوا عن بعض الحق الذي كانوا ينادون به، وقد رأينا طائفة من ذلك في حياة كثير من الصالحين، كاستمراء كثير من المنكرات، والجرأة على كثير مما كان يُتورع عنه أو يُتأثم منه، بل شهدنا كثيراً من حالات التساقط والتراجع. والثاني: مراجعة الأهداف الدعوية، والخطاب الدعوي، والأساليب الدعوية، والتفاعل مع متغيرات العصر في ذلك. إننا بحاجة إلى دعوة إلى الثبات وتركيز عليه، وإلى اعتناء بالتربية الإيمانية الجادة، فنحن أحوج إليها؛ خاصة مع كثرة فتن الشهوات والشبهات، وبحاجة إلى انتقاد مظاهر التميع والتساهل في الدين، والتراجع في المواقف، والتحذير من هذه الظواهر. وفي المقابل نحن بحاجة ماسة إلى تقويم واقعنا الدعوي، وإلى السعي إلى مراجعة الخطاب الدعوي والنهوض به، وتجاوز الأطر التقليدية. فنحن أمام اتجاهين: اتجاه بحاجة إلى أن يُدفع ويُتفاعل معه، واتجاه بحاجة إلى أن يُحجَّم ويُحَدَّ منه. وفي مثل هذه المواقف يصعب التوازن، وتترك العوامل الشخصية والنشأة التربوية أثرها في الناس، فمنهم من يسير في طريق التراجع مسوِّغاً كل ما يفعله بالتفاعل مع متغيرات العصر، ومنهم من يحجم ويفوت الفرص مسوِّغاً ما يفعله بالثبات في زمن المحن. إن الاتفاق على نقطة واحدة يلتقي عندها الجميع مطلب مستحيل، ولو ساغ في أي عصر لامتنع في عصرنا، لكننا بحاجة إلى الاعتناء بأطر وقواعد عامة مشتركة يُسعى إلى تحقيق الاجتماع عليها، وتبقى بعد ذلك مساحة للاجتهاد والفروق الشخصية. ومن ذلك: * الاعتناء بالسلوك والهدي الشخصي، والبعد عن الوقوع فيما حرم الله، والحذر من التساهل في الدين. * تأصيل الثوابت والاعتناء بها، والاعتدال بين طرفين: طرف يوسع دائرة الثوابت ويدرج كل ما اعتاد عليه وألفه فيها، وطرف يتجرأ على مناقشة كل شيء بحجة تغير العصر واختلاف الظروف. * الاعتناء بالعلم الشرعي والاهتمام به؛ فإنه يضبط المسيرة ويحمي بإذن الله من الزلل. * استيعاب تعدد الآراء والمدارس الفكرية والدعوية فيما يسوغ فيه الاجتهاد، وثمة فجوة واسعة في ذلك لدينا بين النظرية والتطبيق؛ فمع تقريرنا لذلك نظرياً إلا أننا نضيق ذرعاً بالخلاف ولا نستوعب تعدد المدارس. * فتح مجالات واسعة للحوار والتناصح، وإحسان الظن بالآخرين حتى لو اختلفنا معهم في المواقف والاجتهادات، وتجنب وصم من يخالفنا بالانغلاق أو التسيب؛ فهذا مما يزيد الفجوة. * إعادة النظر في كثير من المواقف التي صيغت وفق ظروف معينة، ومراجعتها مع المتغيرات الجديدة، ولا ينكر تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان.
следующие страницы →