← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

دراسات في الشريعة غسيل الأموال.. مفهومه وحكمه فارس بن مفلح آل حامد farisalrashed@hotmail.com * المبحث الأول: الكلام عن أصول التجارات وما يحل منها وما يَحرُم: مما يحسن في هذا المقام ذكره أن يقال: إن الأصل في المعاملات الحل، وهو ما يُعبَّر عنه في القاعدة الفقهية: (الأصل في الأشياء الإباحة؛ حتى يدل الدليل على التحريم) [١] . جميع صور الحرف والمهن والتجارة يجمعها معنى واحد تؤول إليه جميع هذه الصور؛ ألا وهو «تبادل المنافع» . وقد اشترط الشرع في المكاسب التجارية أن تكون حلالاً لتُنتِجَ آثارها المشروعة، وهذا يقودنا إلى الكلام عن مشروعية الطرق التي يُكتسب المال منها؛ وبناءً عليه نقول: إن تجارات الناس كلها آيلة إلى ما ينتفعون به من: مأكول، أو مشروب، أو ملبوس، أو مركوب، أو مسكن، أو خدمة، أو صحة، أو زينة، أو مسموع، أو مرئي، أو معلوم، ولا تخرج جميع التجارات على إطلاقها عن هذه الإحدى عشرة [٢] . وجميع تلك الأصول منها ما هو مباح، ومنها ما هو محرم، وكذا الوسائل إليها منها ما هو مباح، ومنها ما هو محرم كذلك. والتفصيل في ذلك يطول جداً؛ لذا لا يهمنا من ذلك إلا ما نحن بصدده من موضوع هذا البحث، وما هو إلا تمهيد ومقدمة لما بين يديه. وبالله التوفيق. * المبحث الثاني: التعريف اللغوي والاصطلاحي لكل من كلمتي (غسيل) و (تبييض) ، والتنبيه على اللفظة المناسبة في ذلك: جاء في معجم مقاييس اللغة ما يلي: «غَسَل: الغين والسين واللام أصل صحيح يدل على تطهير الشيء وتنقيته. يُقال: غسلتُ الشيء غَسْلاً. والغُسْلُ الاسم. والغَسُول: ما يُغسَلُ به الرأس من خِطمِيٍ وغيرِه» [٣] . وقال في لسان العرب تحت مادّة (غسل) : «غَسَلَ الشيءَ يغسِلُه غَسْلاً وغُسْلاً، وقيل: الغَسْلُ: المصدر من غَسَلتُ، والغُسْلُ بالضمِّ: الاسم من الاغتسال [٤] ، ... والغَسُول: الماء الذي يُغَتسَلُ به، والمُغَتسَلُ: الموضع الذي يُغَتسَل فيه.... وغُسَالَةُ الثوب: ما خرج منه بالغسل ... » [٥] . ومجيئه على فَعِيل: يجعله على وزن مغسول، فيكون اسم مفعول، كقتيل بمعنى مقتول، وسليب بمعنى مسلوب. وقال السمين الحلبي: «والغَسْلُ والغِسْلُ مصدَرا غَسَلَ يَغسِلُهُ؛ إذا أسال عليه الماء فأزال درَنه» [٦] . وأما الأموال: فهي جمع مال. قال في القاموس المحيط: «المال: ما ملكته من كل شيء. جمع أموال» [٧] . وقال في لسان العرب: «قال ابن الأثير: المال في الأصل ما يُملك من الذهب والفضة، ثم أُطلِق على كل ما يُملَك ويُقتنى من الأعيان [٨] » [٩] . فتبين من هذا أن المال يُطلق على ما تقع به المنفعة ويحصل به الملك، فلا بد من هذين الأمرين: المنفعة والملك؛ فقد ينتفع الإنسان بشيء وليس هو في حال الانتفاع مالاً، كالتراب في البر، والماء في البحر. وأما الملك فهو فرع المنفعة، فلا يمكن للإنسان أن يملك ما لا نفع فيه عنده [١٠] . فقَصْر المال على أعيان مخصوصة لا يصح، ولعل مما يقوِّي هذا: قوله تعالى: [وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً] (الجاثية: ١٣) . فقوله [سَخَّرَ] مع كلمة [جَمِيعًا] ينسحب على كل ما تقع عليه تصرفات الإنسان. أما التعريف الاصطلاحي بالتركيب الإضافي للكلمتين (غسيل الأموال) ؛ فلم يرد في كتب الفقهاء تعبير عن المعنى المراد بهذا الاصطلاح، وإنما يعبرون بـ (المكاسب المحرمة) كما سوف يأتي في تضاعيف هذا البحث. وهذه الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث كما يقول شيخ الإسلام: «إذا عُرِف تفسيرها وما أريدَ بها من جهة النبي ﷺ لم يُحْتَجْ في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم، ولهذا قال الفقهاء: الأسماء ثلاثة أنواع: ما يُعرَفُ حدُّه بالشرع كالصلاة والزكاة، ونوع يُعرف حده باللغة كالشمس والقمر، ونوع يُعرف حده بالعرف كلفظ المعروف في قوله تعالى: [وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف] (النساء: ١٩) » [١١] . واصطلاح (غسيل الأموال) هو من النوع الأخير قطعاً، وبناءً على ذلك فيُمكن أن يُعَرَّف مصطلح (غسيل الأموال) بأنه: «جعل الأموال الناتجة عن أصول محرَّمة ذات أصول مباحة في الظاهر بطرق مخصوصة، وهي باقية على أصلها المحرم في واقع الحال» . ولكن التعبير بـ (غسيل) من جهة العربية لا يستقيم في الدلالة على مقصوده؛ إذ معناه: الأموال الناتجة عن الغسل فحسب، ولا يدخل في دلالة العبارة طريقة ذلك الغسل، وقد يقصدون به (تغسيل) ، وهذا خطأ فالتغسيل يدل على الفعل الواقع على محل، والغسيل إنما يدل على نتاج ذلك الفعل فحسب، ففرق بين اللفظين وإن كانا مصدرين. والتعبير بكلمة (غسيل) للدلالة على الطريقة أو الطرق التي يتم بها تحويل الأموال الخبيثة إلى أموال مباحة في الظاهر؛ كما أن التعبير بكلمة (الأموال) يُراد بها الأموال النقدية على وجه الخصوص؛ غير أن التعبير بكلمة غسيل يُشكِِلُ؛ لذا يُقترح وضع كلمة بديلة دالة على المراد مؤدية للغرض؛ ألا وهي (تبييض) ؛ ففيها دلالتان: الأولى: التمويه بإظهار الشيء على غير ما هو عليه في باطن الأمر. الثاني: أن حصول هذا واقع من فاعل عامد لذلك. وهذان المعنيان لا تفيدهما كلمة غسيل؛ لذا سوف نثبت هذه الكلمة بدلاً من كلمة (غسيل) فيما يُستقبل من هذا البحث بإذن الله تعالى. ويحسن هنا أن يُقال: إن التعبير بكلمتي: (غسيل) و (تبييض) هما تعبير بلاغي؛ إذ هما في علم البلاغة من باب الاستعارة الخيالية المجرَّدة، والاستعارة على التعريف المختار: «تصييرُك الشيءَ الشيءَ وليس به، وجَعْلُك الشيءَ للشيءِ وليس له؛ بحيث لا يُلْحَظُ فيه معنى التشبيه صورةً ولا حُكماً [١٢] » [١٣] . وتلك الاستعارتان هما من قسم استعارة المحسوس للمعقول [١٤] ، كقوله تعالى: [بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ] (الأنبياء: ١٨) ، فالقذف والدمغ أمران معقولان مستعاران من صفات الأجسام، والمستعار له الحق والباطل، والجامع هو الإعدام والإذهاب. فكلمة (غسيل) معقول مستعار من إجراء الماء على جسم لغرض التطهير من درن ألمَّ به، والمستعار له: المال، والجامع إزالة القذر. وكذا (التبييض) ؛ فهو معقول مستعار من إكساب جسم لون البياض؛ لغرض إخفاء لونه الأصلي، والجامع إظهار الشيء على غير ما هو عليه تمويهاً على الغير. وبذلك يظهر الفرق بين الاستعارتين ورجحان هذه الأخيرة؛ إذ هي أدلُّ على المراد، فكأن التاجر موَّه على الناس باستثمار الأموال المحرَّمة في أعيان مباحة. وبالله التوفيق. * المبحث الثالث: في بيان قصد الشارع من حفظ مصالح الخلق في باب الأموال: من المعلوم أن المال أحد الضرورات الخمس التي نزلت الشرائع بحفظها، وهي: «الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال» . وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون ضرورية. الثاني: أن تكون حاجية. الثالث: أن تكون تحسينية. فأما الضروريات: فمعناها ما لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا؛ بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الناس على استقامة؛ بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين [١٥] . وأما الحاجيات: فمعناها: أنها مفتقَرٌ إليها من حيث التوسعة، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تُراع دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد المعتاد المتوقَّع في المصالح العامة [١٦] . وأما التحسينيات: فمعناها: الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب المدنِّسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق [١٧] . وتلك المقاصد يَكُون حفظها بأمرين: ١ - ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود، وهي في المال كالاتجار في المباحات؛ كالإجارة والصناعة والزراعة ... ونحو ذلك. ٢ - ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جهة العدم [١٨] ، وهي في المال: كالنهي عن السرقة، والغرر، وإضاعة المال. وتبييض الأموال هو من هذا الباب. وعلى هذا فالمال المتولد عن محرَّم يأخذ أصله فيصير حراماً. فمثال الكسب الخبيث في باب الدين: بيع كتب الضلال والانحلال، ككتب الشرك، والسحر، والزندقة. ومثله في باب النفوس: أخذ الأجرة على المخدرات والدخان، وكأخذ الأجرة على الأنفس المعصومة، أو التعدي على أطرافها.. ونحو ذلك. ومثاله في باب الأعراض: أخذ الأجرة على الزنا، كما هو الحال في مراكز الدعارة المنظمة أو ما كان وسيلة إليه. ومثاله في باب العقول: أخذ الأجرة على المسكرات، والمفترات. ومثاله في باب الأموال: الربا، والرشوة، والتزييف، والسرقة، والقمار، ونحو ذلك. وهكذا نجد كل تلك الأكساب الخبيثة تُخِلُّ بتلك الضرورات جميعها، وجريمة (تبييض المال الحرام) لا شك أنها امتداد لتلك الجرائم واستثمار لما يتحصَّل عنها. * المبحث الرابع: حكم الشرع في غسيل الأموال: إذا تبين ما ذكرنا؛ فلا شك في حرمة هذه الأموال وما تولد منها، وقد دل على ذلك الكثير من النصوص في الكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله تعالى: [وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ] (الأعراف: ١٥٧) ، وهذه صفة النبي ﷺ في كتب اليهود والنصارى، ولا شك أن تبييض الأموال المحرمة هي من الخبيث؛ إذ هي نتاج ما تولدت عنه، وهي محرمة في الأصل كالسرقة، والغصب، والاختلاس، والقمار، ودور الدعارة.... إلخ. وكذا قوله تعالى: [وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ] (البقرة: ٢٦٧) ، وإن كانت الآية في سياق الصدقات، وأن المؤمن لا ينبغي له أن يعمد إلى أرذلها فيتصدق به وهو قادر على الأفضل منها؛ ولكن القاعدة الأصولية تقرر أن «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» [١٩] ؛ فيكون داخلاً في الآية عدم جواز الإنفاق من المال الحرام. ومن الأدلة أيضاً: [وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ] (البقرة: ١٨٨) ، وقوله: [بِالْبَاطِلِ] هنا بمعنى الحرام، وهو ثلاثة أقسام: - محرم لعينه: كالخمر، ولحم الخنزير. - ومحرم لوصفه: كالربا. - ومحرم لكسبه: كالغصب [٢٠] . و (تبييض الأموال) يدخل في هذا القسم. وقد قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: «والمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق، فيدخل في هذا القمار والخداع والغُصوب وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، أو حرَّمته الشريعة وإن طابت نفس مالكه، كمهر البغي أو حُلوان الكاهن، وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك» [٢١] . وأما من السنة فكثير كذلك، فمنه ما صح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود ثلاثاً؛ إن الله حرم عليهم الشحوم فجمَّلوها وباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم شيئاً حرَّم ثمنه» [٢٢] . وجه الاستشهاد: بيان بطلان كل حيلة يتوصل بها إلى محرَّم، وأنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه [٢٣] . وكذا ما صح عن أنس بن مالك ﵁ قال: «لعن النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له» [٢٤] . دل الحديث على أن الحرمة غير مقصورة على العين الواقع عليها التحريم؛ بل ينسحب التحريم على ما سواها، فيشمل كل وسيلة إليه أو ما تولد عنه. وكذلك ما روي عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة: «من جمع مالاً من حرام ثم تصدق به؛ لم يكن له فيه أجر، وكان إصره عليه» [٢٥] . والحديث وإن كان ضعيفاً فمعناه صحيح بأحاديث أخرى، ووجه الاستشهاد منه أن الكسب الأخروي لا يُنال بوسيلة محرمة، وإذا كان هذا في الآخرة فالدنيا لها تبع. ومثله في الحديث الآخر: «لا يكسب عبد مالاً حراماً، فيتصدق به فيُقبل منه، ولا ينفق منه فيبارَك له فيه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله تعالى لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث» [٢٦] . والحديث صح بمعناه في أحاديث كثيرة كذلك، والشاهد من الحديث قوله: «إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ» ، وقوله: «إن الخبيث لا يمحو الخبيث» ، ووجه الاستشهاد أن المعنى في ذلك: إن الله لا يمحو السيّئ من العمل في مقابل السيّئ من المال، وكذا الخبيث من المال لا يمحو الخبيث من العمل. وإنما يُمحى السيئ من العمل بالحسن من المال، ومن هذا الباب قوله تعالى: [إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ] (هود: ١١٤) . ولعل فيما ذُكر من الأدلة غُنية وكفاية إن شاء الله تعالى. وفيما يلي نذكر بعض القواعد الفقهية التي استنبطها الفقهاء على ضوء تلك الأدلة. فمن تلك القواعد: ١ - «الضرر يُزال» [٢٧] . وهذه القاعدة برُمَّتها؛ إحدى القواعد الكبار التي تندرج تحتها قواعد كثيرة، وهي تدل بمفهومها وبمنطوقها على أن ما لحق به وصف الضرر أنه تجب إزالته، وتبييض الأموال من هذا الباب. ٢ - «إذا سقط الأصل سقط الفرع» [٢٨] . والقاعدة تفيد بطلان الفرع إذا بطل الأصل، يبين هذا القاعدة التالية. ٣ - «التابع تابع» [٢٩] ؛ حيث تفيد أن الفرع يتبع حكم الأصل. وعلى ذلك؛ فإن نتاج المال الحرام يأخذ حكم ما نتج عنه وهو الحرمة، وذلك أن الأموال المحرمة نتاج جرائم محرمة في الأصل فتبعتها في الحكم؛ وعليه تفيد القاعدة الأولى أن جميع العقود والمعاملات الناتجة من تلك الأموال تسقط، ولا تكون منتجة لآثارها المباحة شرعاً. ٤- «ما حرم أخذه حرم إعطاؤه» . ومعنى القاعدة أن الشيء المحرم الذي لا يجوز لأحد أن يأخذه ويستفيد منه؛ يحرُم عليه أيضاً أن يقدمه لغيره ويعطيه إياه؛ سواء كان على سبيل المنحة ابتداءً أم على سبيل المقابلة؛ وذلك أن إعطاء الغير عندئذ يكون من قبيل الدعوة إلى المحرم أو الإعانة والتشجيع عليه، فيكون المعطي شريك الفاعل، ومن المقرر شرعاً أنه كما لا يجوز فعل الحرام فلا يجوز الإعانة والتشجيع عليه؛ لقوله تعالى: [وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَان] (المائدة: ٢) . ٥ - «الحريم له حكم ما هو حريم له» [٣٠] ؛ يريد ما لا يتم المحرم إلا به فهو محرم، وأن الوسائل المفضية إلى الحرام محرمة كذلك. وهكذا نرى تقارب تلك القواعد مع بعض الفروق في بعضها، وبعضها تدور على نفس المعنى واللفظ. * المبحث الخامس: حكم الأموال الناتجة عن المعاملات المختلف فيها؛ من حيث الحرمة والإباحة: ينبغي أن يُقال في هذا الموضع: «إنه ليس كل ما اعتقد فقيه معيَّن أنه حرام كان حراماً، إنما الحرام ما ثبت تحريمه بالكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو قياس مرجح لذلك، وما تنازع فيه العلماء رُدَّ إلى هذه الأصول. ومن الناس من يكون نشأ على مذهب إمام معيَّن، أو استفتى فقيهاً معيَّناً، أو سمع حكاية عن بعض الشيوخ، فيريد أن يحمل المسلمين كلهم على ذلك، وهذا غلط» [٣١] . بعد ذلك نقول: إن المعاملات المختلف فيها بين أهل العلم قسمان: ١ - ما كان الخلاف فيه قوياً بحيث لم يصادم نصاً أو إجماعاً؛ بحيث تكون الخلافات في الدلالات المستنبطة، أو تعارض ظواهر الأحاديث، وذلك أغلب سبب اختلاف أهل العلم، كثمن الكلب، وثمن الحجامة، وكعقد بيع المعاطاة، وكعقد المزارعة، وعقد المساقاة [٣٢] ... ونحو ذلك. ٢ - ما كان الخلاف فيه ضعيفاً، وقد بيَّن السيوطي حقيقة الخلاف الضعيف غير المعتبر؛ من خلال شروط ثلاثة اشترطها في مراعاة الخلاف المقبول عند الفقهاء، وهي: ١ - ألا تؤدي مراعاة الخلاف إلى الوقوع في خلاف آخر. ٢ - ألا تؤدي مراعاة الخلاف إلى مخالفة سنة ثابتة. ٣ - أن يكون الخلاف مما قوي مَدرَكُهُ؛ بحيث لا يُعَدُّ هفوة من قائله [٣٣] . وأمثلة هذا القسم: بيع العينة، وكبيع المرابحة للآمر بالشراء لكونه من بيع ما لم يُملَك، كما أن الربا داخل فيه بصورته الحالية، وكمذهب عطاء في جواز الاستمتاع بعارية الجواري قياساً على الاستمتاع بعارية الأعيان، وذلك قياس مع الفارق بل هو زنا. ومثاله في وقتنا: ما ذهب إليه الشيخ مصطفى الزرقا من إباحة التأمين بجميع صوره؛ مخالفاً بذلك أصول الشريعة وقواعدها التي تحرم كل معاملة يدخلها القمار والغرر، فخلاف الشيخ مصطفى في هذه المسألة ضعيف؛ لأن الحرمة فيه ظاهرة؛ فإن عقد التأمين من عقود المعاوضات المالية القائمة على الاحتمال المشتمل على الغرر الفاحش [٣٤] . ويترتب على ذلك: أن كل عقد اعتقد المسلم صحته بتأويل من اجتهاد أو تقليد لإمام، أو اتباع لبعض أهل العلم؛ فإن الأموال المكتسبة المقبوضة حلال وليس عليهم إخراجها، فإن تبين لهم بعد ذلك أنهم كانوا مخطئين في تقليدهم، أو أن الذي أفتاهم كان مخطئاً؛ فإنهم كذلك لا يكلفون بإخراج ما اكتسبوه، وإنما يُكلَّفون بالانتهاء عن تلك المعاملات فيما يُستقبل [٣٥] . فالتأويل عذر يَسقُطُ به الإثم بشرط ألا يصادم نصّاً يفيد التحريم بصريح الدلالة كالربا، والخمر ... ونحو ذلك. ومن آثار ذلك أن الحرام لكسبه إذا اختلط بالحلال لم يُحَرِّمه، وهذا أصل نافع؛ فإن كثيراً من الناس يتوهَّم أن الدراهم المحرَّمة إذا اختلطت بالدراهم الحلال حَرُم الجميع؛ فهذا خطأ. وإنما تورَّع بعض العلماء فيما إذا كانت قليلة، وأما مع الكثرة فما أعلم فيه نزاعاً [٣٦] . ومن ذلك أيضاً أن المسلم إذا عامل معاملة يعتقد هو جوازها وقَبَض المال؛ جاز لغيره من المسلمين أن يعامله في مثل ذلك المال وإن لم يعتقد هو جواز تلك المعاملة [٣٧] . * المبحث السادس: أسباب إباحة تملك المال الحرام: ١ - (الجهل) : فالجهل عذر مؤثر في رفع الإثم والعقوبة، وليس ذلك مطَّرِداً في جميع أنواع الجهل، بل المقصود الجهل الذي يتعذر الاحتراز عنه عادة، وما لا يتعذر عنه ولا يشق لم يُعف [٣٨] . فلو كان حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ولم يَعلَم حكم الخمر؛ فإن ماله حلال قبل العلم، فإذا علِم حَرُم. وكذا الرجل يجد اللُّقطة هي من أصل حرام وهو يجهل ذلك. ٢ - (الإسلام) : فإن الرجل إذا أسلم كان ما معه من المال حلال وإن كان نتاج معاملة محرَّمة، يدل عليه ما رواه البخاري في صحيحه: عن عروة بن مسعود الثقفي ﵁: كان المغيرة بن شعبة صحب قوماً في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : «أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلستُ منه في شيء» [٣٩] . فامتناع الرسول صلى الله عليه وسلم عن تخميس هذا المال وتركه في يد المغيرة دلَّ على تمليكه له بالأخذ. وروى البيهقي في سننه عن النبي ﷺ : أنه كان يقول في أهل الذمة: «لهم ما أسلموا عليه من أموالهم وعبيدهم وأرضهم وماشيتهم؛ ليس عليهم فيه إلا الصدقة» [٤٠] . وقد أسلم في عهد رسول الله ﷺ خلق كثير من المشركين، ودخلوا في دين الله أفواجاً، ولم يسأل أحداً منهم عن مصدر كسبه، ولا عن الأموال التي حازوها: أمِن حلال هي أم من حرام؟ بل أقرهم على أموالهم وأنكحتهم [٤١] . ٣ - (الاستحالة) : فإن زوال علة التحريم في المال موجبة لزوال حكم التحريم؛ إذ الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً؛ وعليه فلو وهب المغصوب منه للغاصب ما غصبه أو سرقه حل له الانتفاع بذلك المال، وكذا لو استحال عين المال كأن ينقلب خَلاًّ (بدون فعل فاعل) ؛ فإنه يجوز الاتجار في ذلك.. وهكذا. ٤ - المال المأخوذ بأمر شرعي ممن لا حرمة له؛ كالمال المتحصل من جهاد الكفار الذين لا أمان لهم مع المسلمين ولا عهد كالغنائم، وكالجزية المضروبة على أهل الذمة؛ مع أنه يدخل في كسبهم نتاج لحم الخنزير والخمور والربا وغير ذلك من المحرمات. يدل على ذلك ما روي من أن بلالاً قال لعمر بن الخطاب ﵁: إن عمالك يأخذون من الخمر والخنزير في الخراج، فقال: «لا تأخذوا منهم، ولكن ولُّوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن» . قال راوي الحديث: أبو عبيد: «يريد أن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذمة الخمر والخنزير من جزية رؤوسهم وخراج أراضيهم بقيمتها ثم يتولى المسلمون بيعها. فهذا الذي أنكره بلال ونهى عنه عمر، ثم رخَّص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها إذا كان أهل الذمة هم المتولين لبيعها؛ لأن الخمر والخنزير مال من أموال أهل الذمة، ولا تكون مالاً للمسلمين» [٤٢] . * المبحث السابع: الفرق بين حقوق الله وحقوق المخلوقين في المال الحرام: الأموال المحرمة المقبوضة على قسمين: ١ - قبضُها بغير إذن صاحبها ولا إذن الشارع، وهذا هو الظلم المحض: كالسرقة، والخيانة، والغصب الظاهر، وهذا أشهر الأنواع بالتحريم. ٢ - قبضُها بغير إذن الشارع ولو أذن صاحبها وهي العقود والقبوض المحرَّمة: كالربا، والميسر ونحو ذلك، والواجب على من حصلت بيده ردُّها إلى مستحقها، فإذا تعذر ذلك فالمجهول كالمعدوم، وقد دلَّ على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في اللقطة: «فإن وجدت صاحبها فارددها إليه، وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء» . فبيَّن النبي ﷺ أن اللُّقطة التي عرف أنها ملكٌ لمعصوم وقد خرجت عنه بلا رضاه إذا لم يوجد؛ فقد آتاها الله لمن سلطه عليها بالالتقاط الشرعي [٤٣] . وتقريراً لذلك نقول: إن المال المحرَّم ما كان منه في حقوق الله كالسرقة من مال عام، وكالرشوة، والتزييف، والمخدرات، والربا، وفي الجملة: كل ما حرم لعينه كالخنزير والخمر، أو بوصفه كالربا، فهذه ليس لها مالك معين خاص، أو كانت نتاج محرم تراضى عليه المتعاقدان، فالحكم الشرعي في ذلك كله مصادرة الأموال المتحصلة من تلك المعاملات وتعزير صاحبها [٤٤] . أما الحقوق الخاصة بالمخلوقين كالسرقة لملك إنسان بعينه، أو غصب مال شخص ونحو ذلك، فهذا إن عُرف صاحب المال وإلا صُرفِ في مصالح المسلمين [٤٥] . وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الدول، فالمال المرحَّل نتيجة معاملات محرمة هو من حق الدولة التي رُحِّل المال منها؛ دليله قوله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا] (النساء: ٥٨) . * المبحث الثامن: طبيعة جريمة تبييض المال الحرام: لقد جرى أو يجري الخلاف في طبيعة جريمة (تبييض الأموال المحرَّمة) ؛ من حيث كونها جريمة أصلية أو تبعية، والذي يظهر أنها أصلية من حيث الصورة؛ إذ لم يُسبق إليها؛ فهي جريمة منظمة ذات أنماط حديثة، وهي في الوقت نفسه تبعية من حيث إنها تستمد حكمها الشرعي الموصوف بالتحريم مما تولدت عنه، ويتبين ذلك بما يلي: إن الشرع عندما يحكم على المال بوصف شرعي يتناول الحل والحرمة؛ فإنا نجده ينظر إلى ما يستتبعه هذا المال؛ فإن كان في مقابل محرم، أو نتاج محرم: اكتسب وصف الحرمة، وإن كان في مقابل مباح أو نتاج مباح: اكتسب وصف الحل، فعلى هذا فحكم المال تابع لحكم عِوَضِه أو ما تولد عنه، وهذا يندرج تحت القاعدة الشرعية السابق ذكرها (التابع تابع) ، فالمال تجري عليه الأحكام الخمسة: وهي الإباحة، والإيجاب، والتحريم، والكراهة، والندب. فهو منُوط بأحد هذه الأحكام بحسب ما يستتبعه. وبناءً على ذلك فعملية (تبييض الأموال المحرمة) وهي جعل الأموال المتولدة عن جرائم محرمة، مباحة في الظاهر جريمة أصلية، وذلك أن ما هو ناتج عنها مقصود [٤٦] منها هذا المال بقصد الاتجار به [٤٧] ، فمثلاً من كان يأخذ الأجرة على الزنا فإنه قاصد للمال من تلك المنفعة المحرمة فحسب. أما الذي يبيض الأموال فهذا قاصد للمال من أجل الاتجار به في سلعة مباحة، فخرج المال الحرام بذلك من كونه فرعاً إلى كونه أصلاً [٤٨] . فكون المال محرماً لا يجعله جريمة تبعية من حيث الحكم بل من حيث الصورة، فالربا جريمة مستقلة في الشريعة وهي مالية، والرشوة جريمة مستقلة وهي مالية كذلك، والقمار جريمة مستقلة وهي مالية أيضاً. وذلك - والعلم عند الله - لاختلاف القصد والوسيلة والصورة، وذلك سبب في اختلاف الاسم، والاختلاف في الاسم اختلاف في المسمى ضرورة ولو بوجه من الوجوه؛ وذلك سبب في اختلاف الأحكام التعزيرية. بالإضافة إلى ذلك فإن جريمة تبييض الأموال القذرة هي من (الجرائم المركبة) ؛ أي الجريمة المتولدة عن جريمة أخرى، وكونها مركبة لا يعني ذلك جعل عقوبتين منفصلتين على كل من تورَّط بجريمة المال القذر إلا إذا تيقَّنَّا تورُّط الشخص نفسه في الجريمة الأصلية أيضاً؛ إذ قررنا آنفاً أن جريمة تبييض الأموال جريمة مستقلة ذات صورة مميزة لا تدخل تحت حكم الأصل الذي نشأت عنه، وعلى هذا الأساس يختلف النظر في الحكم التعزيري بين المال المحرم المتَّجَرِ فيه وبين الأصل المحرَّم الذي تولَّد عنه ذلك المال. يبقى بعد ذلك أن صاحب الشأن في تحديد العقوبة المناسبة هو الحاكم؛ إذ إن هذه الجريمة هي في العقوبات من باب التعازير، ومعلوم أن جريمة تبييض الأموال لا يمكن ضبطها تحت عقوبة واحدة تنتظم جميع صورها؛ إذ إن الحادثة الواحدة وإن تعدَّدت صورُها فلا بد أن تختلف في الوصف والمقدار، وبحسب اجتهاد القاضي فإنه يوقع العقوبة التي يُظن معها أنها أردع للجاني والأقرب إلى تحقيق قصد الشارع، وليس بالضرورة أن يكون حكمه في حادثة منها هو الحكم نفسه في كل ما هو من جنسها، بل يُراعى في ذلك عدة أمور كنوع الجناية وقدرها، والفاعل لها، والوقت الذي وقعت فيه [٤٩] ، وكذا المكان، وشواهد الحال المحيطة بالمتهم، وأوصاف المتهم في قوة التهمة وضعفها، وهكذا [٥٠] . وفي ختام هذا البحث أشير إلى أمر مهم للغاية وهو: أن الكسب الخبيث غير مقتصر على المخدرات، أو القمار، أو الدعارة ... إلخ، بل يُعَد مالاً حراماً كل ما كان من كسب حرام، وإنما تشتكي معظم الدول من عمليات تبييض المال القذر؛ لأن المال يرحَّل منها بالدرجة الأولى، والمال لا يتم ترحيله إلا لأنه نتاج عمليات تمنعها أنظمة تلك الدول، ولكن ما بال بقية الأموال المستثمرة في داخل تلك الدول نفسها وتتمتع بكامل الحرية، بل وقد يتم تقنينها في نفس الأمر كالبنوك الربوية، وكالمؤسسات الإعلامية بجميع وسائلها المرئية والمسموعة والمقروءة، وكالمكوس المسماة في النظام بالضرائب، والرسوم وغير ذلك كثير مما يضيق عنه الحصر؟! كما أنَّا نجد النظام الغربي كذلك يقصر المال الحرام على صور خاصة، ولا يطردون ذلك في كل مال لم يأت من وجه مباح كما في شريعة الإسلام؛ فهم يقصرون قذارة المال: على المخدرات، وبيوت الدعارة، وبيع السلاح.. بمعنى كل ما يجرمه النظام من الأكساب الممنوعة لديهم فإنه مال قذر عندهم، ولكنهم كعادتهم يُفرقون بين المتماثلات؛ فلا تجدهم يمنعون الربا مثلاً بل يقرُّونه ويقننونه، وكالضرائب، وأثمان الخنازير والخمور والكلاب، وكصالات القمار وآلاته وغير ذلك كثير. أما الشرع فهو يفرق بين المختلفات ويجمع بين المتماثلات؛ فهو إذا حرم أمراً لعلة حرم جميع ما تضمنته هذه العلة كالربا. أما ذوو العقول القاصرة بلهَ العقيمة فقد سوَّوْا بين المختلفات في ذلك فقالوا: [إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا] (البقرة: ٢٧٥) ، فجعلوا الربا أصلاً، والبيع فرعاً عنه؛ فهم قد بلغوا في الانتكاس إلى الغاية التي انقلبت معهم فيها موازين الأشياء؛ فهم لا يزنون بالميزان الشرعي الأخروي، وإنما بالميزان العقلي الدنيوي، [أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ] (المائدة: ٥٠) . نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، واليقين فيهما. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4447

دراسات في الشريعة آخر الزمان بين المبشرات والمنفرات الربيع بن إبراهيم مليحي الحديث عن فضائل آخر الزمان ومساوئه من زاوية تربوية بات أمراً ملحاً، ومطلباً شرعياً مهماً، ومن هذا المنطلق أحاول فتح هذا الباب المهم الذي يعطي تصوراً صحيحاً للمستقبل من خلال النصوص الشرعية، أمام دراسات جادة وقوية بإذن الله تعالى. * ما المراد بآخر الزمان؟ آخر الزمان: أي آخر زمان الدنيا الذي يكون بين يدي الساعة، ولعل أوله بعثة الرسول ﷺ ، كما ثبت في الحديث الذي رواه أبو جبيرة مرفوعاً: «بُعثت في نسم الساعة» [١] ، ومعنى «في نسم الساعة» ، قال في النهاية هو من النسيم؛ أي أول هبوب الرياح الضعيفة؛ أي بُعثت في أول أشراط الساعة وضعف مجيئها، وقيل هو جمع نسمة؛ أي بُعثت في ذوي أرواح خَلَقَهم الله قبل اقتراب الساعة، كأنه قال في آخر البشر من بني آدم [٢] ، ويؤيد ما سبق حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين يعني إصبعين» [٣] . أما نهاية آخر الزمان فهي خراب الدنيا وقيام الساعة. * شرور آخر الزمان (المنفرات) : تظهر في آخر الزمان مساوئ كثيرة جداً، وردت بها السنة النبوية، وجمعها العلماء في كتب أشراط الساعة، وأحاول في هذه المقالة المتواضعة من خلال النصوص الوقوف على بعضها. أولاً: ما رواه أبو موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود ﵄، قالا: قال رسول الله ﷺ : «إن بين يدي الساعة أياماً ينزل فيها الجهل، ويُرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهَرْج. والهَرْج القتل» [٤] . ثانياً: ما رواه أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنا، ويُشْرَب الخمرُ، ويذهب الرجال وتبقى النساء؛ حتى يكون لخمسين امرأة قيِّم واحد» [٥] . ثالثاً: ما رواه أبو مالك الأشعري ﵁ أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف..» [٦] . تضمنت هذه النصوص مجموعة من المساوئ التي تكون في آخر الزمان، ويرتبط بعضها ببعض، وهي كما يلي: ١ - فُشُوُّ الجهل وقلة العلم، وقد بدأ النقص في العلم من بعد أن أكمل الله الدين وأتم النعمة، وانتقل الرسول ﷺ إلى ربه ، ولا يزال ينقص إلى أن يُرفع بالكلية، كما ثبت ذلك في الحديث الذي رواه حذيفة بن اليمان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يُدرى ما صيام ولا صلاة ولا صدقة، ويسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله؛ فنحن نقولها» [٧] ، أما السنة المطهرة فإنها تُرَدُّ ولا تُقبل، كما في حديث أبي رافع ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري؛ ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» [٨] ، وقد ظهر هذا النقص في هذا الزمن بصورة واضحة جداً؛ حتى جهل أكثر الناس المعلوم من الدين بالضرورة، ومن تأمل النصوص ونظر في الواقع أدرك أن هذا النقص إنما هو نتيجة حتمية لأسباب كثيرة؛ لعل من أبرزها ما يلي: ١ - موت العلماء، ويدل عليه ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء؛ حتى إذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً؛ فسُئلوا فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا» [٩] . ٢ - عدم الإخلاص في طلب العلم، ويدل عليه ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اتُخذ الفيء دولاً والأمانة مغنماً..» الحديث، وفيه: «وتعلم العلم لغير الدين» [١٠] . وقد حصل هذا عندما رُبط العلم الشرعي بالمال في كثير من البلاد، فنزع الله منه الخشية والبركة والنفع والعمل إلا ما شاء الله فمات العلم في القلوب، فهو لا يتجاوز التراقي والحناجر، وقد شهد هذا الزمن موت كثير من العلماء الربانيين الذين كانوا منارات يُهتدى بها من ظلمات الشهوات والشبهات، كما شهد الرؤوس الجهال الذين يتجرؤون على الفتوى بغير علم، والله المستعان، ولا يزال يشهد مظاهر ضعف العلم ونقصه في التماس العلم عند الأصاغر، واتخاذ القرآن مزامير، وتقديم الرجل ليس بالفقيه ولا العالم ما يُقدم إلا من أجل صوته.. ونحو ذلك. ٣ - تقديس العقل والمصلحة، وتقديمهما على النصوص الجلية من الكتاب والسنة، وهو تيار ظاهر له مدارسه ومنظروه وقادته ومفكروه. ٤ - الحرب ضد تعلم الدين، وسياسة تجهيل الشعوب بالإسلام تحت ستار مكافحة الإرهاب، ومن مظاهر ذلك تغيير المناهج وتقليص مواد الدين، وقفل المعاهد والمدارس الشرعية، ومضايقة أهل السنة ودعم أهل البدعة، ونحو ذلك مما يساهم في إبعاد الناس عن العلم الشرعي، ومما يدل على ذلك ما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سَيَلي أموركم بعدي رجال يُطفئون السنة، ويعملون بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها. فقلت: يا رسول الله! إن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: تسألني يا ابن أم عبد كيف تفعل؟ ! لا طاعة لمن عصى الله» [١١] . ٢ - فشو الزنى وكثرته؛ حتى أصبحت تجارة البغاء تشكِّل ربحاً هائلاً ومورداً ضخماً من موارد المال في بعض البلاد، وقد هيأ المجرمون وسائله ودواعيه حتى أصبح أسهل مما يتصور، ولا يزال يزداد ويكثر حتى تموت الغيرة في النفوس، وتسقط آخر مرتبة من مراتب الإنكار، فيُقارف الزنى علانية على قارعة الطريق، كما ثبت في الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده! لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق، فيكون خيارهم يومئذ من يقول: لو واريتها خلف هذا الحائط» [١٢] . وكما ثبت أيضاً في الحديث الذي رواه النواس بن سمعان ﵁ وفيه: «ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» [١٣] ، وكما ثبت أيضاً في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يتسافدوا في الطريق تسافد الحمير. قلت: إن ذلك لكائن؟ قال: نعم ليكونن» [١٤] . ٣ - ظهور الأغاني والمعازف. قال الأستاذ مصطفى أبو النصر شلبي: «وأما ظهور المعازف آلات الملاهي واستحلالها فحدِّث ولا حرج؛ فقد وقعت هذه العلامة في العصور السابقة، وهي الآن أشد انتشاراً وتنوعاً، وقد استهان بحرمتها كثير من الناس، بل ممن ينتسبون إلى أهل العلم، نسأل الله السلامة، وبات التهديد بالمسخ والقذف والخسف قريباً، ما دامت الأمة لاهية تستحل ما حرَّم الله عليها من تعاطي أسباب الفسق والفجور» [١٥] . وقد ازداد هذا البلاء حتى تجاوز مرحلة السماع والاستمتاع إلى التقنين والتقعيد، والتخطيط والتنظيم، وجلب الخبراء، وفتح المعاهد، وصياغة المناهج؛ حتى أصبحت فناً يدرَّس وعملاً يمارس؛ فأي ظهور بعد هذا الظهور؟! ٤ - استحلال الخمر وكثرة شربها وتداولها بين الناس؛ حتى أصبحت أمراً مألوفاً يقدم مع الطعام، ويوزع في الفنادق، وهو نديم المسافر في رحلاته، ورفيق الضال في سهراته وخلواته، وتلحق به المخدرات بجميع أنواعها التي ابتليت بها البشرية فأصبحت شبحاً يهدد أمن الدول وحياة الأفراد. ٥ - الاستخفاف بالدم (كثرة القتل) ، وقد جاء عنه ﷺ في الحديث: «بادروا بالأعمال خصالاً ستاً ... » الحديث، وذكر منها: «واستخفافاً بالدم» [١٦] ، وقد استخف الناس اليوم بالدم عندما مكنوا المجرمين من قيادة الأمم؛ حيث أشعلوا الحروب الطاحنة في كل مكان، ويزعمون أنهم دعاة سلام، ومن الاستخفاف الخفي بالدم تلك الفتاوى التي تحل قتل الدعاة والعلماء وغيرهم من البشر بغير ذنب، ومن تأمل النصوص الواردة في هذا الشأن استطاع أن يضع يده على الأسباب الحقيقية لفشو تلك الظاهرة الخطرة، وهذه بعض تلك الأسباب أضعها بين يدي القارئ مقرونة بأدلتها: * الأشر والبطر، والتكاثر، والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد إلى درجة القتل، ويدل على ذلك ما رواه أبو هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيصيب أمتي داء الأمم. فقالوا: يا رسول الله! وما داء الأمم؟ قال: الأشر والبطر، والتكاثر، والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي» [١٧] . * غياب العقول وضعفها، كما ثبت في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن بين يدي الساعة الهَرْج ... » الحديث، وفيه: «حتى يقتل الرجل جاره، ويقتل أخاه، ويقتل عمه، ويقتل ابن عمه. قالوا: ومعنا عقولنا يومئذ؟ قال: إنه لينزع عقول أهل ذلك ويخلف لهم هباءً من الناس، يحسب أكثرهم أنهم على شيء وليسوا على شيء» [١٨] . رابعاً: ما رواه طارق بن شهاب، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور القلم» [١٩] ، تضمن هذا الحديث ستة أمور كلها تحتاج إلى وقفات وتأمل؛ إلا أنني سأقف مع واحدة فقط من هذه الست؛ هي فشو العقوق وقطيعة الرحم؛ حيث تظاهرت النصوص على كثرته في آخر الزمان، ومن ذلك الحديث الذي رواه أبو هريرة مرفوعاً: «إذا اتُّخِذَ الفيء دولاً» وذكر فيه: «وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه» [٢٠] ، ومن ذلك الحديث الذي تقدم: «بادروا بالأعمال خصالاً ستاً» وذكر منها: «وقطيعة الرحم» [٢١] ، ومن ذلك حديث أبي هريرة ﵁ في مراتب الدين، وفيه: «إذا ولدت الأمة ربتها» [٢٢] ، وقد فُسِّر بعدة أقوال؛ من أحسنها ما رجحه الأستاذ مصطفى أبو النصر الشلبي في صحيح أشراط الساعة، وهو أن ذلك كناية عن كثرة العقوق في الأولاد [٢٣] . وفي هذا الزمن ظهر العقوق، وتعددت أنواعه، واستهلكت مراتبه كلها؛ من كلمة التضجر (أف) إلى الاعتداء على النفس والمال والعرض.. والله المستعان. وقد ظهر اليوم عقوق يتفق مع حضارة هذا الزمن وتقدمه؛ نتيجة لغياب الرؤية الشرعية السليمة، ومن مظاهره ما نراه اليوم من انقلاب مفهوم الخدمة؛ حتى أصبحت الأم المسنة تقوم بخدمة البنت الشابة بحجة المذاكرة والاختبارات، فإذا فرغت من الدراسة وعملت بعد ذلك رمت أطفالها في حضن أمها لتستمر عملية العقوق إلى ما شاء الله. خامساً: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم: يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا» [٢٤] . في هذا الحديث العظيم يأمر النبي ﷺ بالمبادرة بالأعمال الصالحة التي تكون حصناً قوياً من الفتن العظيمة المظلمة التي تكون بين يدي الساعة، ومنها الفتنة في الدين؛ حيث يضعف التمسك به ويعز الثبات عليه لدرجة أن العبد يتقلب بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر في اليوم الواحد؛ حتى إنه يصبح مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً.. ولا حول ولا قوة إلا بالله. كما بين الحديث السبب الحقيقي لتلك الفتنة؛ وهو تعلق القلب بمتاع الدنيا الزائل: «حتى يكون الدين الذي هو عصمة الأمر وطوق النجاة من عذاب الله سلعة تباع بثمن بخس في عالم المادة والمناصب، وقد فشت هذه الفتنة واكتوت بنارها الأمة، ورأى الدعاة والمصلحون من يلوي أعناق النصوص ليساير الواقع ويرضي الطواغيت، ويقرب وجهات النظر، ويفتح مجالاً للحوار حتى في المسلَّمات، و» يعطى تصوراً رائعاً بزعمه عن سماحة الإسلام وعدالته، ورأوا ذلك التساقط المخيف على جنبات الطريق، ورأوا الردة الجماعية التي تزداد بزيادة الدعوة إلى التنصير، ورأوا تلك التبعية الممقوتة، وذلك التقليد الأعمى الذي يعد مظهراً من مظاهر تلك الفتنة، ومن نظر في واقع المسلمين اليوم؛ فإنه يدرك حجم تلك التبعية التي صبغت الأمة الإسلامية من رأسها إلى أخمص قدميها؛ حتى قلدت الكفار في كل شيء؛ ابتداءً من كرسي الحكم وانتهاءً بكرسي الحمام، وقد أخبر الرسول ﷺ بذلك كما في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع؛ حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لتبعتموهم. قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!» [٢٥] . وستعظم هذه الفتنة بمظاهرها المختلفة حتى تعبد الأوثان، كما جاء في حديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : « ... ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان» [٢٦] . سادساً: ما رواه حذيفة بن اليمان ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع» [٢٧] . وما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيأتي على الناس سنوات خداعات يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة» [٢٨] ، واللكع هو رديء الحسب والنسب الذي لا يُعرف له أصل، ولا يُحمد على خلق [٢٩] ، والرويبضة هو الرجل التافه كما فسره الحديث، والمراد من الحديث بيان فساد آخر الزمان؛ حيث تختل المقاييس وتتقلب الموازين، فيتصدر الأمة من ليس لذلك بأهل، ويتزعم القبيلة أفسقهم، ويسود القوم أرذلهم، كما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اتُّخذ الفيء دولاً، والأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً ... » الحديث، وفيه: «وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأُكرم الرجل مخافة شره» [٣٠] ، ومن تأمل الواقع وأمعن في النصوص رأى سفينة الأمة تمخر عباب بحر متلاطم من الفتن والبلاء، يقودها الرجل التافه بمجموعة كاملة من الفسقة والمجرمين. * أخي المسلم! إن الأمة لم تصل إلى ما وصلت إليه من ذلك الواقع السيئ إلا نتيجة أسباب كثيرة؛ أشير إلى بعضها باختصار: - فشو الجهل وقلة العلم، وقد مضى الكلام عليه. - ضعف المسلمين في كثير من المجالات، وبُعْدهم عن مراكز التأثير ومواقع القيادة؛ مما مكن أعداء الإسلام من السيطرة التامة على ذلك فأصبحوا قادة العالم وصناع القرار، يضعون من يشاؤون في المكان الذي يشاؤون؛ فيضمنون بذلك بقاء السيادة في أيديهم، فلا تتنقل إلا من لكع إلى لكع. وقد أخبر بذلك صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح مرفوعاً: «ليأتين عليكم أمراء يقرِّبون شرار الناس، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها؛ فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفاً، ولا شرطياً، ولا جابياً، ولا خازناً» [٣١] . وكما في قوله ﷺ : «بادروا بالأعمال خصالاً ستاً: إمرة السفهاء، وكثرة الشرط ... » [٣٢] ، ومن أمعن النظر في الحديثين، وحاول أن يربط بينهما رأى عَلَماً من أعلام النبوة، واستطاع أن يربط بين تلك النصوص الصحيحة وبين الواقع الذي يعيشه وهو يرى الولاة يقربون العلمانيين والحداثين، ويزرعون الجلادين (الشرط) في كل بقعة من البلاد، كل ذلك من أجل حماية النظم المفروضة، والمحافظة على منهجيتها وعدم المساس بها بأي حال من الأحوال، ومن مظاهر هذا الوضع المخزي غياب الوعي وضعف الرؤية الشرعية السليمة، حتى وجد في الأمة وبكثرة من يُلمِّع اللكع ويشيد بالرويبضة، كما جاء في حديث حذيفة بن اليمان ﵁ وفيه: «حتى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان» [٣٣] . ومن المظاهر المؤلمة تداعي الأمم على الأمة الإسلامية، ونهب خيراتها، والعبث بعقول أبنائها، كما في حديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: لا؛ بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» [٣٤] ، وفي هذا الحديث إشارة إلى السر الحقيقي في ضعف المسلمين وتداعي الأمم عليها، وأنه يكمن في ذواتهم، وهو حب الدنيا وكراهية الموت، وقد تعلقت القلوب في هذا الزمن بالمال حتى عبدت الدينار والدرهم، وتعاملت بالربا، وانهمكت بالحرث والزرع، وأوغلت في الترف، ونسيت الجهاد في سبيل الله؛ فتداعت عليها الأمم ووقع الذل الذي لا يرفع إلا بالعودة إلى الجهاد في سبيل الله تعالى، ولن يكون ذلك إلا إذا تعلقت القلوب بالله تعالى وحده، وقد أخبر رسول الله ﷺ بهذا الواقع، كما في حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» [٣٥] ، وقد عانت الأمة من ذل الاستعمار المفروض بالنار والحديد، وهي اليوم تعاني أشكالاً جديدة منه؛ بسبب ما خلفه الكفار في الأمة من ثقافاتهم وعاداتهم وقوانينهم التي تمارس من قبل الأمة الغثائية بطيب نفس، أو تفرض عليهم فلا خيار لهم، والله المستعان. سابعاً: ما خرجه الألباني في السلسلة الصحيحة: «إن من شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم، الذين يطلبون ألوان الطعام وألوان الثياب، يتشدقون بالكلام» [٣٦] ، والحديث واضح المعنى ولا يحتاج إلى بيان، لكنه يشير إلى قضية الترف التي هي أخطر المراحل التي تمر بها الأمم؛ إذ ليس بعدها إلا السقوط، ولقد بلغت الأمة اليوم حد الترف وأوج الرفاهية في كل مجالات الحياة؛ حتى أصبح الوضع ينذر بالخطر، والله جل وعلا يقول: [حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْس] (يونس: ٢٤) ، ومن مظاهر الترف التي تعيشها الأمة اليوم زخزفة المساجد والبيوت، كما ثبت في حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» [٣٧] ، وكما ثبت في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يبني الناس بيوتاً يوشونها وشي المراحيل» [٣٨] ، أي يخططونها ويزخرفونها كما تخطط وتزخرف الثياب [٣٩] . فتأمل أخي المسلم كيف بلغ الترف هذا المبلغ العجيب في الطبقات الغنية، والمتوسطة، وبعض الطبقات الفقيرة التي لا تجد أحياناً قيمة الضروريات؛ لكنها تحاكي الآخرين تحت ضغط الواقع الاجتماعي المبني على المظاهر والكماليات! * فضائل آخر الزمان (المبشرات) : رغم كثرة المساوئ والمنفرات التي تقع في آخر الزمان؛ فإن هناك فضائل ومبشرات كثيرة تفتح باب الأمل للمسلم، وتزيد في يقينه وثقته بنصر الله تعالى، وقد جاءت تلك المبشرات في كثير من النصوص النبوية، وسأقتصر على بعضها خشية الإطالة: أولاً: ما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى. فقالت عائشة ﵂: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله: [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] (التوبة: ٣٣) أن ذلك تاماً! قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله» [٤٠] ، وكذلك ما خرجه الألباني في الصحيحة: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر» [٤١] . في هذين النصين الكريمين بشارة من النبي ﷺ بأن الأمة ستعود إلى دينها بإذن الله تعالى، وسيدخل هذا الدين الحواضر والبوادي، وسيظهر على الدين كله ولو كره المشركون، وذلك يوم تكون الأمة أهلاً لذلك تعمل للدين وتضحي من أجله. ثانياً: ما رواه أبو قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وسئل: أي المدينتين تفتح أولاً: القسطنطينية أو رومية؟ الحديث، وفيه: «فقال رسول الله ﷺ : مدينة هرقل تفتح أولاً. يعني قسطنطينية» [٤٢] ، وما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق فيخرج لهم جيش من المدينة..» الحديث، وفيه: «فيفتحون قسطنطينية» [٤٣] . وما رواه أبو هريرة أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : «سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟! قالوا: نعم يا رسول الله. قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق» [٤٤] ، الحديث رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه شجر اليهود» [٤٥] . هذه النصوص الكثيرة تبشر بعودة الجهاد في سبيل الله، وكثرة الفتوحات، وتطهير الأرض من نجاسة اليهود وخبثهم، ولعل ما نراه اليوم من جهاد في مناطق عدة يكون بارقة أمل، وبوابة إلى جهاد أعظم يؤذن بنصر قريب إن شاء الله. ثالثاً: ما رواه حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضّاً ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت» [٤٦] ، في هذا الحديث بشارة عظيمة بوقوع خلافة راشدة على منهاج النبوة، ولكنها لن تقوم إلا بما قامت به الخلافات الراشدة الأولى. رابعاً: ما رواه المستورد القرشي ﵁ عند عمرو بن العاص ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول:» تقوم الساعة والروم أكثر الناس «، فقال له عمرو بن العاص: أبصر ما تقول! قال: أقول ما سمعت من رسول الله. قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسه حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك» [٤٧] . استنبط العلماء من هذا الحديث أن الروم يسلمون في آخر الزمان، وذلك من المبشرات ولا شك. قال الأستاذ مصطفى أبو النصر الشلبي: «وهذا يدل والله أعلم أن الروم سيسلمون في آخر الزمان؛ لأن هذه الصفات قلما توجد إلا في أصحاب الإيمان الصادق، ودليلي على ما أقول قوله ﷺ :» والذي نفسي بيده! لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من هؤلاء «يعني فارس والروم [٤٨] ، ويؤيد ما ذهب إليه الشلبي الحديث الذي تقدم:» ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار «، وهو عام لا يخصص بأمة دون أمة ولا بمكان دون مكان. ولعل المراكز والدعوات الإسلامية التي تنتشر في بلاد الكفار على أيدي الدعاة والعلماء مقدمات لهذه البشارة العظيمة. خامساً: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً، ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوة « [٤٩] . صِدْقُ الرؤيا من المبشرات في آخر الزمان، كما في هذا الحديث؛ لكن بشرط الإيمان وصدق الحديث، ومن عظيم شأنها أنها جزء من النبوة؛ فهي دعوة للإيمان الصادق وصدق الحديث. سادساً: ما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :» لا تذهب الدنيا حتى يملك العربَ رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي « [٥٠] ، هذا الحديث من المبشرات بالمهدي؛ حيث تواترت النصوص بخروجه وصفاته ومدة حكمه، وهي مستوفاة في كتب السنة، والمراد أنه من مبشرات آخر الزمان. وما رواه أبو أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : » فيكون عيسى بن مريم في أمتي حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً؛ يدق الصليب ويذبح الخنزير ويضع الجزية، ويترك الصدقة فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض، وتنزع حمة كل ذات حمة حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتضرب الوليدة الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور الفضة تنبت نباتها بعهد آدم؛ حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بدريهمات « [٥١] ، وكذلك ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :» طوبى لعيش بعد المسيح! يؤذن للسماء في القطر، ويؤذن للأرض في النبات؛ حتى لو بذرت حبك على الصفا لنبت، وحتى يمر الرجل على الأسد فلا يضره، ويطأ على الحية فلا تضره، ولا تشاحَّ ولا تحاسد ولا تباغض « [٥٢] . ومن المبشرات التي تكون في آخر الزمان ما تقدم في الحديثين من نزول عيسى ﵇، وما يتبع ذلك من الخيرات والبركات المذكورة.

стр. 4448

دراسات في الشريعة تحقيق دعوى ردة عبيد الله بن جحش محمد بن عبد الله العوشن اشتهر في كتب السيرة أن عبيد الله بن جحش قد تنصّر في أرض الحبشة، وكان قد هاجر إليها مع زوجه أم حبيبة ﵂؛ فهل ثبتت ردّته بسند صحيح؟ قال ابن إسحاق ﵀ في ذكر بعض من اعتزل عبادة قريش للأصنام، وهم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل، فقال بعضهم لبعض: «تعلمون والله! ما قومكم على شيء. لقد أخطؤوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف به؛ لا يسمع ولا يبصر، ولا يضرّ ولا ينفع؟! التمسوا لأنفسكم؛ فإنكم والله! ما أنتم على شيء. فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية، دين أبيهم إبراهيم، فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية ... وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة، فلما قدمها تنصّر وفارق الإسلام، حتى هلك هناك نصرانياً» . ثم قال ابن إسحاق: «فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: كان عبيد الله بن جحش حين تنصَّر يمر بأصحاب رسول الله ﷺ وهم هنالك من أرض الحبشة، فيقول: فقّحنا وصأصأتم؛ أي أبصرنا، وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروا بعد» [١] . وشيخ ابن إسحاق هنا محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، مات سنة بضع عشرة ومائة، من الطبقة السادسة، وهي طبقة لم يثبت لأحد منها لقاء أحد من الصحابة، فالخبر مرسل. ثم ذكره ابن إسحاق في قدوم جعفر بن أبي طالب من الحبشة فقال: «حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة قال: » خرج عبيد الله بن جحش مع المسلمين مسلماً، فلما قدم أرض الحبشة تنصَّر، قال: فكان إذا مر بالمسلمين ... « [٢] ، وذكر نحو ما سبق. وهذا سند صحيح لكنه مرسل، وهو أصحّ ما ورد في تنصُّر عبيد الله بن جحش. وذكره أيضاً في تزوج النبي ﷺ أم حبيبة ﵂ فقال:» ثم تزوج رسول الله ﷺ بعد زينب، أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قبله عند عبد الله [عبيد الله] بن جحش.. فمات عنها بأرض الحبشة، وقد تنصر بعد إسلامه « [٣] ، والخبر هنا بدون إسناد. وروى القصة ابن سعد في (الطبقات) فقال:» أخبرنا محمد بن عمر حدثنا عبد الله بن عمرو بن زهير عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: قالت أم حبيبة: رأيت في النوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهها، ففزعت، فقلت: تغيرتْ والله حاله! فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة! إني نظرت في الدين فلم أرَ ديناً خيراً من النصرانية، وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، ثم قد رجعت إلى النصرانية. فقلت: والله! ما خير لك. وأخبرتُه بالرؤيا التي رأيت له فلم يحفل بها، وأكبّ على الخمر حتى مات « [٤] ، ورواه أيضاً في ذكر عدد أزواج النبي ﷺ ، فقال عند ذكر أم حبيبة ﵂:» وكانت قبل رسول الله ﷺ عند عبيد الله بن جحش، وكان قد أسلم وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم ارتد، وتنصّر، فمات هناك على النصرانية « [٥] ، وشيخ ابن سعد في الخبرين هو الواقدي، وهو متروك على سعة علمه. ورواه الحاكم في» المستدرك «عن الزهري مرسلاً، وفيه:» ثم افتتن وتنصّر فمات وهو نصراني، وأثبت الله الإسلام لأم حبيبة، وأبت أن تتنصّر « [٦] ، ورواه موصولاً من طريق الواقدي، وفيه رؤيا أم حبيبة [٧] ، كرواية ابن سعد.» ومراسيل الزهري ضعيفة « [٨] ، قال الإمام الذهبي ﵀: » قال يحيى بن سعيد القطان: مرسل الزهري شرّ من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكل ما قَدرَ أن يُسمّي سَمّى، وإنما يترك من لا يحب أن يسميه. قلت (الذهبي) : مراسيل الزهري كالمعضل؛ لأنه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أن نظن به أنه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه، ولما عجز عن وصله، ومن عدّ مرسل الزهري كمرسل سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير ونحوهما، فإنه لم يدر ما يقول، نعم كمرسل قتادة ونحوه « [٩] . وروى الخبر الطبري في تاريخه، في:» ذكر الخبر عن أزواج رسول الله ﷺ «عن هشام بن محمد مرسلاً، وفيه عند ذكر أم حبيبة: » فتنصّر زوجها، وحاولها أن تتابعه فأبت، وصبرت على دينها، ومات زوجها على النصرانية « [١٠] ، والخبر فضلاً عن إرساله؛ فإنه عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وهو رافضي متروك، قال الإمام أحمد ﵀: » إنما كان صاحب سمر ونسب، ما ظننت أن أحداً يحدِّث عنه « [١١] . ونقله ابن الأثير في تاريخه [١٢] عن ابن الكلبي أيضاً. ورواه البيهقي في» الدلائل «من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال:» ومن بني أسد بن خزيمة: عبيد الله بن جحش، مات بأرض الحبشة نصرانياً، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة، فخلف عليها رسول الله ﷺ ، أنكحه إياها عثمان بن عفان بأرض الحبشة « [١٣] ، والخبر فيه علتان: الإرسال، وضعف ابن لهيعة. والمتن هنا فيه غرابة. قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -:» وأما قول عروة إن عثمان زوّجها منه فغريب؛ لأن عثمان كان قد رجع إلى مكة قبل ذلك ثم هاجر إلى المدينة، وصحبته زوجته رقية « [١٤] . وعبيد الله بن جحش لم يترجم له ابن عبد البر في» الاستيعاب «، ولا ابن الأثير في» أُسد الغابة «، ولا ابن حجر في» الإصابة «، وفي ترجمة أخيه عبد الله ﵁ في» الإصابة «لم يذكر ابن حجر شيئاً، أما ابن عبد البر فقد قال في» الاستيعاب «في ترجمة عبد الله:» وكان هو وأخوه أبو أحمد عبد بن جحش من المهاجرين الأولين ممن هاجر الهجرتين، وأخوهما عبيد الله بن جحش تنصّر بأرض الحبشة، ومات بها نصرانياً، وبانت منه امرأته أم حبيبة « [١٥] ، وكذا ذكر ابن الأثير في ترجمة عبد الله. وفي ترجمة أم حبيبة ﵂ في» الإصابة «قال ابن حجر: » ولما تنصر زوجها عبيد الله، وارتد عن الإسلام فارقها، فأخرج ابن سعد من طريق إسماعيل بن عمرو بن سعيد الأموي قال ... « [١٦] ، وذكر القصة التي رواها ابن سعد عن الواقدي، وسبقت. وفي ترجمتها في» التهذيب «لم يذكر الحافظ تنصّر عبيد الله بل قال: » هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش هناك، ومات، فتزوجها رسول الله ﷺ وهي هناك، سنة ست، وقيل سنة سبع « [١٧] ، وقال الذهبي في» السير «في ترجمة أم حبيبة ﵂:» ابن سعد: أخبرنا الواقدي: أخبرنا.. «، وذكر رؤياها ﵂ وردّة زوجها، ثم قال (الذهبي) :» وهي منكرة « [١٨] . ولم يبيّن ﵀ وجه النكارة. ومما يرجّح أن خبر ردته غير صحيح: أن الروايات الصحيحة في نكاحه ﷺ بأم حبيبة ﵂ لم تذكر شيئاً من ذلك؛ فقد روى الإمام أحمد بسند صحيح من طريق الزهري عن عروة عن أم حبيبة رضي الله عنها:» أنها كانت تحت عبيد الله ابن جحش، وكان أتى النجاشي فمات، وأن رسول الله ﷺ تزوج أم حبيبة وهي بأرض الحبشة، زوّجها إياه النجاشي، وأمهرها أربعة آلاف « [١٩] ، ورواه أيضاً أبو داود [٢٠] ، والنسائي [٢١] . مما سبق يتبين والله أعلم أن قصة ردة عبيد الله بن جحش لم تثبت، لعدة أدلة؛ منها: ١ - أنها لم تُروَ بسند صحيح متصل، فالموصول من طريق الواقدي. والمرسل جاء عن عروة بن الزبير، ولا يمكن أن نحتج بالمرسل (عند من يرى الاحتجاج به) في مسألة كهذه؛ فيها الحكم على أحد السابقين الأولين رضي الله عنهم بالردة. ٢ - أن الروايات الصحيحة في زواجه ﷺ بأم حبيبة لم تذكر ردة زوجها السابق، كما في الرواية السابقة عند أحمد، وأبي داود، والنسائي. ٣ - أنه يبعد أن يرتد أحد السابقين الأولين للإسلام عن دينه، وهو ممن هاجر فراراً بدينه مع زوجه، إلى أرض بعيدة غريبة. خاصة أن عبيد الله بن جحش ممن هجر ما عليه قريش من عبادة الأصنام، والتماسه مع ورقة وغيره الحنيفية كما في رواية ابن إسحاق (بدون سند) الواردة أول هذا البحث وفي رواية ابن سعد (عن الواقدي) أنه كان قد دان بالنصرانية قبل الإسلام. ومعلوم أن البشارة ببعثة الرسول ﷺ كانت معروفة عند أهل الكتاب من يهود، ونصارى؛ فكيف يُتصور من رجل يترقب الدين الجديد أن يعتنقه ثم يرتد عنه لدين منسوخ؟! كما أن زواج النبي ﷺ بأم حبيبة كان في سنة ست، وقيل سبع، وردة عبيد الله المزعومة قبل ذلك بمدة، وهي مرحلة كان الإسلام قد علا فيها وظهر حتى خارج الجزيرة العربية، بل أصبح هناك من يُظهر الإسلام ويُبطن الكفر؛ كحال المنافقين. ٤ - في حوار هرقل مع أبي سفيان وكان إذ ذاك مشركاً أنه سأله ضمن سؤالاته:» هل يرتد أحدٌ منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فأجاب أبو سفيان: لا «. ولو كان عبيد الله قد تنصّر لوجدها أبو سفيان فرصة للنيل من النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته، كما فعل لما سُئل:» فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها؟ قال: ولم تمكنِّي كلمة أُدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة « [٢٢] ، ولا يمكن القول بأن أبا سفيان لم يعلم بردّة عبيد الله لو صحت لأنه والد زوجه أم حبيبة. وبعد؛ فالمسألة متعلقة بأحد أصحاب رسول الله ﷺ ، بل ومن السابقين الأولين، فإن صحّ السند بخبر ردّته فلا كلام، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. أمَا والسند لم يثبت؛ فإن نصوص الشريعة حافلة بالذبّ عن عِرْض المسلم؛ فكيف إذا كان هذا المسلم صحابياً بل ومن السابقين؟! والله أعلم.

стр. 4449

دراسات تربوية قاعدة الانطلاق وقارب النجاة (٢ ـ ٢) فيصل بن علي البعداني albadani@hotmail.com في الحلقة السابقة تحدث الكاتب عن منزلة الإخلاص وبين أنه حقيقة الدين، وأشار إلى أن الإخلاص مع وضوحه وجلائه إلا أنه من أشق الأمور على النفس، وذكر ثمرات الإخلاص، وتحدث عن طرق تحصيله. وفي هذه الحلقة يتابع الحديث في أمور أخرى تتعلق بالإخلاص. - (البيان) - * علامات المخلصين: للمخلصين علامات عدة؛ من أبرزها: ١- إرادتهم وجه الله: سمة المخلصين العظمى أنهم يريدون بعملهم وجه الله، فلا يريدون به مغنماً ولا جاهاً ولا ثناءً ولا عَرَضاً من عروض الدنيا الزائلة [١] . قال تعالى: [وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ] (الكهف: ٢٨) ؛ أي يرتقبون بدعائهم رضا الله سبحانه لا عَرَض الدنيا [٢] ؛ فلذا وصفهم في الآية بالعبادة والإخلاص فيها [٣] ، وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه؛ فمن في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» [٤] ، فالمخلصون أصحاب نيات صالحة، يريدون الله ورفعة دينه، والعمل إنما يكون معتبراً بالنية الصالحة، وإذا لم تصح النية فلا أثر له [٥] ، وقد جاء ذلك منصوصاً عليه في قوله صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» [٦] . ٢- حبهم لعمل الخلوة: المخلصون أحرص على إخفاء صالح أعمالهم من غيرهم على كتمان ذنوبهم؛ رجاء أن ينالهم الخير الوارد في الحديث: «إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي» [٧] ، وقد كان ذلك هدياً بيِّناً للسلف الصالح، وسمتاً ظاهراً لهم، ومن ذلك: قول الخريبي: «كانوا يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح، لا تعلم به زوجته ولا غيرها» [٨] ، وقول أيوب السختياني: «والله! ما صدق عبد إلا سره ألا يُشْعَر بمكانه» ، وقول سلمة بن دينار: «اكتم حسناتك أشد مما تكتم سيئاتك» [٩] ، وقول بشر الحافي: «أَخْمِل ذكرك، وطيِّب مطعمك، لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب في الدنيا أن يعرفه الناس» [١٠] ، وقول محمد بن العلاء: «من أحب الله أحب أن لا يعرفه الناس» [١١] ، وقول الشافعي: «وددت أن الخلق يتعلمون هذا العلم، ولا ينسب إليَّ منه شيء» [١٢] . ومن الشواهد العملية: ما ورد «أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج في سواد الليل فرآه طلحة، فذهب عمر فدخل بيتاً، ثم دخل بيتاً آخر، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت، فإذا بعجوز عمياء مقعدة، فقال لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟ قالت: إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى، فقال طلحة: ثكلتك أمك يا طلحة! أَعثرات عمر تتبع؟!» [١٣] ، وما ورد أن منصور السلمي «صام أربعين سنة وقام ليلها، كان يبكي فتقول له أمه: يا بني قتلت قتيلاً؟! فيقول: أنا أعلم بما صنعت بنفسي، فإذا كان الصبح كحل عينيه، ودهن رأسه، وبرق شفتيه، وخرج إلى الناس» [١٤] ، وأن داود بن أبي هند «صام أربعين سنة لا يعلم به أهله، وكان خرازاً يحمل غداءه من عندهم، فيتصدق به في الطريق، ويرجع عشياً فيفطر معهم» [١٥] ، وكان زين العابدين علي بن الحسين ينفق على أهل مئة بيت في المدينة، يأتيهم في الليل بالطعام، ولا يعرفون مَن الآتي به، حتى مات ففقدوا ذلك؛ فعرفوا أن ذلك منه، ووجدوا في ظهره أثراً من نقل الطعام إلى بيوت الأرامل [١٦] ، وقال سفيان: «أخبرتني سرية الربيع بن خثيم قالت: كان عمل الربيع كله سراً، إن كان ليجيء الرجل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه» [١٧] وقال محمد بن واسع: «إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم» [١٨] ، وكان ابن المبارك يضع اللثام على وجهه عند القتال لئلا يُعرف، قال أحمد: «ما رفع الله ابن المبارك إلا بخبيئة كانت له» [١٩] . وهذا الإخفاء إنما هو لما يُشرع إخفاؤه من العمل، وذلك مخصوص بالنوافل دون الفرائض، واستثنى أهل العلم من ذلك من يقتدي الناس به؛ إذ الإبداء في حقه أوْلى. قال الطبري: «كان ابن عمر وابن مسعود وجماعة من السلف يتهجدون في مساجدهم، ويتظاهرون بمحاسن أعمالهم؛ ليُقتدى بهم، قال: فمن كان إماماً يُستن بعمله، عالماً بما لله عليه، قاهراً لشيطانه؛ استوى ما ظهر من عمله وما خفي؛ لصحة قصده» [٢٠] . ٣ - أن سريرتهم أحسن من علانيتهم: فالمخلص ليس من يظهر التنسك أمام الناس ثم يسيء فيما بينه وبين الله، بل هو قوَّام على نفسه يحاسبها؛ كأنه أبداً يرى الله، فهو مراقب له سبحانه في سره وعلانيته، لا روغان في استقامته، وهذه من أعظم قرباته، قال ابن عطاء: «أفضل الطاعات مراقبة الحق على دوام الأوقات» [٢١] ، فصفته كما ذكر الله: [وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً] (الفرقان: ٦٤) ، قال الحسن: «هذا ليلهم إذا خلوا بينهم وبين ربهم تبارك وتعالى» [٢٢] ، فهو أبعد ما يكون عن خلال أولئك الذين ضعف إخلاصهم، وقلّت مراقبتهم، ممن حكى النبي ﷺ لنا حالهم، فقال: «لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباءً منثوراً. قال ثوبان: صفهم لنا يا رسول الله! أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون؛ ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها» [٢٣] . فإتيان المعاصي وانتهاك الحرمات في السر عمل مشين، وليس من أخلاق المخلصين، ولذا قال الربيع بن خثيم: «السرائر السرائر.. اللاتي تخفين من الناس وهنَّ لله تعالى بَوَادٍ، التمسوا دواءهن ثم يقول: وما دواؤهن إلا أن تتوب ثم لا تعود» [٢٤] ، وقال حميد الطويل: «لئن كنت إذا عصيت الله خالياً ظننت أنه يراك لقد اجترأت على أمر عظيم، ولئن كنت تظن أنه لا يراك فلقد كفرت» [٢٥] ، وقال ابن الأعرابي: «أخسر الخاسرين من أبدى للناس صالح أعماله، وبارز بالقبيح مَنْ هو أقرب إليه من حبل الوريد» [٢٦] . ٤ - أنهم يخافون من رد أعمالهم: ودليله في قوله تعالى: [وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ] (المؤمنون: ٦٠) ، وقد بين النبي ﷺ أنهم «يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات» [٢٧] ، قال الحسن: «يؤتون الإخلاص ويخافون ألا يقبل منهم» [٢٨] ، وعن محمد بن مالك بن ضيغم، قال: حدثني مولانا أبو أيوب قال: «قال لي أبو مالك يوماً: يا أبا أيوب! احذر نفسك على نفسك؛ فإني رأيت هموم المؤمنين في الدنيا لا تنقص، وأيم الله! لئن لم تأت الآخرةُ المؤمنَ بالسرور لقد اجتمع عليه الأمران: همّ الدنيا وشقاء الآخرة. قال: قلت: بأبي أنت! وكيف لا تأتيه الآخرة بالسرور، وهو ينصب لله في دار الدنيا ويدأب؟ قال: يا أبا أيوب! وكيف بالقبول؟ وكيف بالسلامة؟ ثم قال: كم من رجل يرى أنه قد أصلح شأنه، قد أصلح قربانه، قد أصلح همته، قد أصلح عمله يُجمع ذلك يوم القيامة ثم يضرب به وجهه» [٢٩] . ولعل من أعظم مشاهد الخوف من رد العمل أن الإمام الماوردي صاحب التصانيف الحسان في فنون عدة، ك (الحاوي الكبير) في الفقه، و (النكت والعيون) في التفسير، و (الأحكام السلطانية) ، و (أدب الدنيا والدين) «لم يُظهر شيئاً من تصانيفه في حياته، وجمعها في موضع، فلما دنت وفاته، قال لمن يثق به: الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي، وإنما لم أظهرها لأني لم أجد نية خالصة، فإذا عاينت الموت، ووقعت في النزع، فاجعل يدك في يدي، فإذا قبضت عليها وعصرتها، فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها، فاعمد إلى تلك الكتب وألقها في دجلة، وإن بسطت يدي، فاعلم أنها قبلت. قال الرجل: فلما احتُضر، وضعت يدي في يده، فبسطها، فأظهرت كتبه» [٣٠] . ٥ - لا ينتظرون ثناء الناس: ولذا تراهم لا يعاتبون من أساء إليهم، ولا يحقدون على من منعهم، ولا يرجون من الخلق جزاءً ولا شكوراً؛ حالهم كما قال الله تعالى: [إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً] (الإِنسان: ٩) ، قال مجاهد وسعيد بن جبير: أما والله! ما قالوه بألسنتهم، ولكن علم الله به من قلوبهم، فأثنى عليهم به ليرغب في ذلك راغب « [٣١] ، وجاء عن عائشة ﵂ أنها كانت تبعث بالصدقة إلى أهل بيت، ثم تسأل الرسول ما قالوا، فإذا ذكر دعاءهم دعت لهم بمثله؛ ليبقى ثواب الصدقة لها خالصاً عند الله تعالى [٣٢] . ولعل من أروع ما دوَّنه التأريخ في ذلك قصة صاحب النقب. قال ابن قتيبة: » حاصر مسلمة حصناً، فندب الناس إلى نقب منه، فما دخله أحد، فجاء رجل من عُرْض الجيش فدخله ففتحه الله عليهم، فنادى مسلمة: أين صاحب النقب؟ فما جاءه أحد، فنادى: إني قد أمرت الآذن بإدخاله ساعة يأتي، فعزمت عليه إلا جاء! فجاء رجل، فقال: استأذن لي على الأمير، فقال له: أنت صاحب النقب؟ قال: أنا أخبركم عنه. فأتى مسلمة فأخبره عنه، فأذن له، فقال له: إن صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثاً: ألا تسوِّدوا اسمه في صحيفة إلى الخليفة، ولا تأمروا له بشيء، ولا تسألوه ممن هو. قال: فذاك له. قال: أنا هو. فكان مسلمة لا يصلي بعدها صلاة إلا قال: اللهم اجعلني مع صاحب النقب! « [٣٣] . * مسائل في الإخلاص: ١ - ما يضاد الإخلاص: الأمور التي تنافي الإخلاص عديدة، من أبرزها: أولاً: الرياء والسمعة: الرياء: إظهار العبادة لقصد رؤية الناس ونيل حمدهم [٣٤] . قال الغزالي: » الرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإيرائهم الخير «، والسمعة: العمل لأجل إسماع الناس طاعته، كأن يقرأ القرآن ليسمعه من حوله» [٣٥] ، ويرى العز بن عبد السلام أن المراد بالتسميع أن يحدث المرء غيره بما يفعله من الطاعات التي لم يطلع عليها المتحدث؛ إذ جعل التسميع ضربين: «أحدهما: تسميع الصادقين، وهو أن يعمل الطاعة خالصة لله، ثم يظهرها ويسمع الناس بها ليعظموه ويوقروه وينفعوه ولا يؤذوه ... الثاني: تسميع الكاذبين، وهو أن يقول: صليت ولم يصل، وزكيت ولم يزك، وصمت ولم يصم، وحججت ولم يحج، وغزوت ولم يغزُ» [٣٦] ، وقد جاءت النصوص بالتحذير من الرياء والسمعة. وداعي العبد إلى الرياء والسمعة: حب المحمدة ونيل المنزلة في قلوب الخلق، وهو أمر مغروس حبه في أعماق النفس البشرية، ومتجذر داخلها «ولذلك قيل: آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرئاسة» [٣٧] ، قال ابن تيمية: « ... الإنسان عليه أولاً أن يكون أمره لله، وقصده طاعة الله فيما أمره به ... فإن فعل ذلك لطلب الرئاسة لنفسه وطائفته وتنقيص غيره، كان ذلك حمية لا يقبله الله، وكذلك إذا فعل ذلك لطلب السمعة والرياء كان عمله حابطاً» [٣٨] ، وطرق الخلاص أن يعمق العبد إيمانه، ويلجأ إلى ربه ويتضرع إليه، ويزهد في الدنيا ويعرف حقارتها، ويدرك عاقبة الرياء والسمعة دنيا وأخرى، وما لم يفعل ذلك فسيكون من العسير عليه مدافعتهما، واجتثاث باعثهما من القلب [٣٩] . ثانياً: العُجْبُ بالنفس: العُجْبُ: كِبْرٌ باطن بخصال النفس، يورث تكبراً ظاهراً في الأقوال والأعمال والأحوال [٤٠] ، وإنما كان العجب مهلكاً؛ لأن صاحبه يستعظم عبادته «ويتبجح بها، ويمن على الله بفعلها، وينسى نعمة الله عليه بالتوفيق والتمكين منها، ثم إذا عجب بها عمي عن آفاتها، ومن لم يتفقد آفات الأعمال كان أكثر سعيه ضائعاً، فإن الأعمال الظاهرة إذا لم تكن خالصة نقية عن الشوائب قلما تنفع، وإنما يتفقد من يغلب عليه الإشفاق والخوف دون العجب. والمعجب يغتر بنفسه وبرأيه، ويأمن مكر الله، ويخرجه العجب إلى أن يثني على نفسه ويحمدها ويزكيها» [٤١] ، وقد أدرك السلف هذا الأمر، فقد «قيل لعائشة: متى يكون الرجل مسيئاً؟ قالت: إذا ظن أنه محسن» [٤٢] ، وقال مطرف بن عبد الله: «لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إليَّ من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً» [٤٣] ، وقال مسروق: «كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعلمه» [٤٤] . ومرد العجب بالنفس إلى الجهل المحض بها وعدم معرفة حقيقتها، وعلاج ذلك: أن يعرف المعجب حقيقة نفسه، وكثرة عيوبه، وأن يقدر ربه حق قدره [٤٥] . ومن الدلائل على أن ذلك هو الدواء: ما روي «أن مالك بن دينار مر عليه المهلب بن أبي صفرة وهو يتبختر في مشيته، فقال له مالك: أما علمت أن هذه المشية تكره إلا بين الصفين؟! فقال له المهلب: أما تعرفني؟ ! فقال له: أعرفك أحسن المعرفة. قال: وما تعرف مني؟ قال: أمَّا أولك فنطفة مذرة، وأما آخرك فجيفة قذرة، وأنت بينهما تحمل العذرة. فقال المهلب: الآن عرفتني حق المعرفة» [٤٦] ، وما جاء عن ابن حزم قال: «كانت فيّ عيوب ... ومنها عُجْبٌ شديد، فناظر عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها؛ حتى ذهب كله، ولم يبق والحمد لله أثر، بل كلّفت نفسي احتقار قدرها جملة، واستعمال التواضع» [٤٧] . ثالثاً: اتباع الهوى: الهوى ميل الطبع إلى ما يلائمه [٤٨] ، وهو باعث لصاحبه على العمل، فمتبع الهوى لا يهوى شيئاً إلا أتاه واتجه إليه، فإلهه هواه، قال تعالى: [أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً] (الفرقان: ٤٣-٤٤) ، فـ «الهوى شر داء خالط قلباً» [٤٩] ، وصاحبه كما قال قتادة: «كلما هوى شيئاً ركبه، وكلما اشتهى شيئاً أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى» [٥٠] ، وقال ابن تيمية: «وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك، ولا يطلبه، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه، ... » [٥١] ، وهذا بخلاف المخلص فإنه متوجه إلى الله تعالى بكليته، قال سبحانه: [وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى] (النازعات: ٤٠) ؛ أي: كفها عن شهواتها الصادة عن طاعة الله تعالى [٥٢] ، فاتباع الهوى مضاد للإخلاص مبطل للعمل، بل إن متبع الهوى إذا عمل عملاً صالحاً اتباعاً لهواه لا عبودية لله فإن عمله غير مقبول؛ لأنه لم يقصد بعمله وجه الله تعالى بل اتباع الهوى، قال عمر بن عبد العزيز: «لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواه، ويخالفه إذا خالف هواه، فإذاً أنت لا تثاب على ما وافقته من الحق، وتعاقب على ما تركته منه؛ لأنك إنما اتبعت هواك في الموضعين» [٥٣] ، وقال الشاطبي: «اتباع الهوى طريق إلى المذموم وإن جاء في ضمن المحمود؛ لأنه إذا تبين أنه مضاد بوضعه للشريعة فحيثما زاحم مقتضاها في العمل كان مخوفاً» [٥٤] . ومخالفة الهوى شاقة على النفس، ولذا بلغ الهوى بأهله مبالغ لا يبلغها غيرهم، وكفى شاهداً على ذلك حال المحبين، وحال من بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين وأهل الكتاب وغيرهم ممن أصر على ما هو عليه، حتى رضوا بإهلاك النفوس والأموال، ولم يرضوا بمخالفة الهوى، قال الشاطبي: «المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد لله اضطراراً» [٥٥] . فعلى مريد الإخلاص أن يقوي إرادته، ويخاف مقام ربه، وينهى النفس عن الهوى، حتى تكون الجنة هي المأوى [٥٦] . يقول الحسن البصري: «أفضل الجهاد جهاد الهوى» [٥٧] . ٢ - ثناء الناس على العمل: يلازم المخلص العمل الصالح كارهاً الشهرة وظهور ما لا يشرع ظهوره من عمله. يقول علي ﵁: «لا تبدأ لأن تشتهر، ولا ترفع شخصك لتُذكر، وتعلم واكتم، واصمت تسلم؛ تسر الأبرار، وتغيظ الفجار» [٥٨] ، ويقول إبراهيم بن أدهم: «ما صَدَقَ اللهَ مَنْ أحب الشهرة» [٥٩] ، وكان ابن محيريز يقول: «اللهم إني أسألك ذكراً خاملاً» [٦٠] . لكن ذلك يعود على المخلص بعكس مراده، فيحبه الناس لتلك الملازمة ويحمدونه عليها؛ فيُسَر بذلك ويستبشر من دون تعرض منه لحمدهم وتقصُّد لنيل ثنائهم، فهذه بشرى لا تضر العبد ولا تخرجه عن الإخلاص [٦١] ، يدل على ذلك حديث أبي ذر ﵁ قال: قيل لرسول الله ﷺ : أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» [٦٢] ؛ فالسرور إنما هو «بحسن صنع الله ونظره له ولطفه به ... لا بحمد الناس وقيام المنزلة في قلوبهم، فأما إن كان فرحه باطلاع الناس عليه لقيام منزلته عندهم حتى يمدحوه ويعظموه ويقضوا حوائجه؛ فهذا مكروه مذموم» [٦٣] . ٣ - ترك العمل مخافة الرياء: ترك العمل خشية الرياء وسوسة من الشيطان، وحبالة من حبالاته، قال ابن حزم: «لإبليس في ذم الرياء حبالة، وذلك أنه رُبَّ ممتنع من فعل خيرٍ خوف أن يُظَنّ به الرياء» [٦٤] ، ف «لو فعل إنسان ذلك لأوشك إذا علم منه الشيطان بذلك أن يعترض له عند كل عمل بالخطرات بالرياء فيدع كل طاعة» [٦٥] ، ولكن على العبد أن يمضي في طاعته فإن ذلك شديد الألم على شيطانه. قال الفضيل: «ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله عنهما» [٦٦] ، وفصل المقدسي الأمر فقال: «فأما ترك الطاعات خوفاً من الرياء، فإن كان الباعث له على الطاعة غير الدين، فهذا ينبغي أن يترك؛ لأنه معصية لا طاعة فيه، وإن كان الباعث على ذلك الدين، وكان ذلك لأجل الله تعالى خالصاً، فلا ينبغي أن يترك العمل؛ لأن الباعث الدين، وكذلك إذا ترك العمل خوفاً من أن يقال: إنه مراء، فلا ينبغي ذلك؛ لأنه من مكائد الشيطان» [٦٧] . ومن وفق لابتداء عمله بنية صالحة فعليه أن يجاهد نفسه لتستمر على الإخلاص وتبتعد عن ضده، نظراً لتبدل النية وتقلبها في لحظات، قال سليمان بن داود الهاشمي: «ربما أحدث بحديث واحد، ولي فيه نية، فإذا أتيت على بعضه تغيرت نيتي؛ فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات» [٦٨] ، لكن ليس للعبد أن يترك مواصلة العمل خوف الرياء، قال النخعي: «إذا أتاك الشيطان وأنت في صلاة فقال: إنك مراءٍ، فزدْها طولاً» [٦٩] . ٤ - الإقبال على العمل عند مخالطة الصالحين: وليس هذا برياء لحديث حنظلة ﵁، وفيه: «فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ ، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! ! فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنَّا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً. فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده! إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة! ساعة وساعة. ثلاث مرات» [٧٠] ، قال المقدسي: «قد يبيت الرجل مع المجتهدين، فيصلون أكثر الليل، وعادته قيام ساعة، فيوافقهم، أو يصومون فيصوم، ولولاهم ما انبعث هذا النشاط، فربما ظن ظان أن هذا رياء، وليس كذلك على الإطلاق، بل فيه تفصيل: وهو أن كل مؤمن يرغب في عبادة الله تعالى، ولكن تعوقه العوائق، وتستهويه الغفلة، فربما كانت مشاهدة الغير سبباً لزوال الغفلة، واندفاع العوائق؛ فإن الإنسان إذا كان في منزله تمكن من النوم على فراش وطيء وتمتع بزوجته، فإذا بات في مكان غريب اندفعت هذه الشواغل، وحصلت له أسباب تبعث على الخير، منها مشاهدة العابدين، وقد يعسر عليه الصوم في منزله لكثرة المطاعم، بخلاف غيره؛ ففي مثل هذه الأحوال ينتدب الشيطان للصد عن الطاعة، ويقول: إذا عملت غير عادتك كنت مرائياً، فلا ينبغي أن يلتفت إليه، وإنما ينبغي أن ينظر في قصده الباطن، ولا يلتفت إلى وسواس الشيطان» [٧١] . ٥ - تشريك النية: لتشريك النية صورتان: الأولى: أن يقصد العبد بعمل واحد قربتين فأكثر، وجواز ذلك استثناءٌ؛ إذ الأصل أن لكل قربة عبادة خاصة بها، فمثلاً: لو نوى بالصلاة الرباعية الظهر والعصر لم يصح إجماعاً، ولكن جاء الشرع باستثناء بعض العبادات من ذلك، كأن ينوي بغسله: غسلَيْ الجمعة والجنابة، وبصلاته: تحية المسجد والسنة الراتبة، وبصدقته على القريب: الصدقة والصلة، وبمكثه في المسجد: الاعتكاف وانتظار الصلاة، وبطوافه: طواف القدوم والعمرة، وبقراءته للقرآن: القربة وعدم النسيان، ... ونحو ذلك من صور التشريك المشروعة [٧٢] ، والتي لا تتنافى مع الإخلاص بل كلما أكثر العبد من استحضارها كلما زاد أجره وتضاعفت مثوبته [٧٣] ، يقول الغزالي: «فاجتهد أن تكثر من النية في جميع أعمالك حتى تنوي لعمل واحد نيات كثيرة» [٧٤] ، ويقول ابن القيم: «تداخل العبادات في العبادة الواحدة.. باب عزيز شريف لا يعرفه إلا صادق الطلب، متضلع من العلم، عالي الهمة؛ بحيث يدخل في عبادة يظفر فيها بعبادات شتى، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» [٧٥] . الثانية: أن يقصد العبد بعمل واحد قربة وعملاً مباحاً في آن واحد، كأن يخلط في الوضوء: نية الطهارة بنية التبرد أو التنظيف، وفي الصوم: نية التقرب بنية الحمية، وفي الحج: نية أداء النسك بنية التجارة، فهذا التشريك لا يقدح في الإخلاص؛ لأن «هذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيم الخلق، بل هي تشريك أمور من المصالح ليس لها إدراك، ولا تصلح للإدراك ولا للتعظيم، فلا تقدح في العبادات ... نعم لا يمنع أن هذه الأغراض المخالطة للعبادة قد تنقص الأجر، وأن العبادة إذا تجردت عنها زاد الأجر وعظم الثواب، أما الإثم والبطلان فلا سبيل إليه» [٧٦] . ومن أدلة جواز التشريك في النية وأنه لا يفسد العمل ولا يقدح في الإخلاص: قوله ﷺ : «يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجَاء» [٧٧] ؛ إذ أمر ﷺ «بالصوم لهذا الغرض؛ فلو كان ذلك قادحاً لم يأمر به ﵊ في العبادات» [٧٨] ، وحديث أبي قلابة قال: «جاءنا مالك بن الحويرث، فصلى بنا في مسجدنا هذا، فقال: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة، ولكن أريد أن أريكم كيف رأيت النبي ﷺ يصلي» [٧٩] ، فجمع في نيته بين الصلاة وقصد التعليم [٨٠] . ٦ - حالات العمل مع الرياء: للعمل مع الرياء حالات متنوعة، فهو: إما أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى لا رياء فيه ولا سمعة، فهذا سبب للرفعة والثواب، وإما أن يكون رياء محضاً، لا يقصد به صاحبه إلا مراءاة المخلوقين ونيل منزلة عندهم، فهذا من أعمال المنافقين، ولا يكاد يقع من مؤمن بالله العظيم، قال ابن رجب عنه: «وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة» [٨١] . وإما أن يشترك في باعثه إرادة الله تعالى ومحمدة الناس، فهو على الصحيح باطل وصاحبه معاقب؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله : أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمن عمل لي عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو للذي أشرك» [٨٢] ، قال ابن رجب: «وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه» [٨٣] . وإما أن يكون أصل العمل لله تعالى لكن طرأت نية الرياء عليه، فإن كان خاطراً ودفعه فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه ففي حبوط العمل خلاف بين علماء السلف [٨٤] ، والظاهر بطلانه لقوله تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي تركته وشركه» [٨٥] . وإما أن يكون أصل العمل لغير الله لكن طرأ الإخلاص عليه، فهذا إن كانت العبادة متصلة لا يصح أولها إلا بصحة آخرها، فالعمل باطل للحديث السابق، وإن كان لا تعلق لأوله بآخره فهما كالعملين، الأول باطل والآخر صحيح [٨٦] ، والله أعلم. وأخيراً: فالموفق من ضمن أعماله كلها الإخلاص، وصار تحقيق مرضاة الله ومحبته، والطمع في ثوابه، وخشية عقابه هو باعثه للعمل ومراده منه. نسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يرزقنا إخلاص القول والعمل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4450

تأملات دعوية بين تغيُّرين محمد بن عبد الله الدويش dweesh@dweesh.com تتسارع المتغيرات في هذا العصر بصورة غير مسبوقة، وتترك أثرها في حياة الناس وسلوكهم، وفي قيم الأفراد والمجتمعات، وفي طريقة تفكير الناس ورؤيتهم للأمور. وكثير مما كان مؤثراً فيما مضى أصبح اليوم هامشياً محدود التأثير، وما لم يكن في الحسبان أصبح اليوم يشكل تفكير الناس ويصنع مواقفهم. ويصبح الدعاة إلى الله تعالى أمام هذا الواقع بين تغيُّرين: الأول: أن يجرفهم الواقع، ويستجيبوا لضغطه فيصيبهم التغير في سلوكهم، أو يتنازلوا عن بعض الحق الذي كانوا ينادون به، وقد رأينا طائفة من ذلك في حياة كثير من الصالحين، كاستمراء كثير من المنكرات، والجرأة على كثير مما كان يُتورع عنه أو يُتأثم منه، بل شهدنا كثيراً من حالات التساقط والتراجع. والثاني: مراجعة الأهداف الدعوية، والخطاب الدعوي، والأساليب الدعوية، والتفاعل مع متغيرات العصر في ذلك. إننا بحاجة إلى دعوة إلى الثبات وتركيز عليه، وإلى اعتناء بالتربية الإيمانية الجادة، فنحن أحوج إليها؛ خاصة مع كثرة فتن الشهوات والشبهات، وبحاجة إلى انتقاد مظاهر التميع والتساهل في الدين، والتراجع في المواقف، والتحذير من هذه الظواهر. وفي المقابل نحن بحاجة ماسة إلى تقويم واقعنا الدعوي، وإلى السعي إلى مراجعة الخطاب الدعوي والنهوض به، وتجاوز الأطر التقليدية. فنحن أمام اتجاهين: اتجاه بحاجة إلى أن يُدفع ويُتفاعل معه، واتجاه بحاجة إلى أن يُحجَّم ويُحَدَّ منه. وفي مثل هذه المواقف يصعب التوازن، وتترك العوامل الشخصية والنشأة التربوية أثرها في الناس، فمنهم من يسير في طريق التراجع مسوِّغاً كل ما يفعله بالتفاعل مع متغيرات العصر، ومنهم من يحجم ويفوت الفرص مسوِّغاً ما يفعله بالثبات في زمن المحن. إن الاتفاق على نقطة واحدة يلتقي عندها الجميع مطلب مستحيل، ولو ساغ في أي عصر لامتنع في عصرنا، لكننا بحاجة إلى الاعتناء بأطر وقواعد عامة مشتركة يُسعى إلى تحقيق الاجتماع عليها، وتبقى بعد ذلك مساحة للاجتهاد والفروق الشخصية. ومن ذلك: * الاعتناء بالسلوك والهدي الشخصي، والبعد عن الوقوع فيما حرم الله، والحذر من التساهل في الدين. * تأصيل الثوابت والاعتناء بها، والاعتدال بين طرفين: طرف يوسع دائرة الثوابت ويدرج كل ما اعتاد عليه وألفه فيها، وطرف يتجرأ على مناقشة كل شيء بحجة تغير العصر واختلاف الظروف. * الاعتناء بالعلم الشرعي والاهتمام به؛ فإنه يضبط المسيرة ويحمي بإذن الله من الزلل. * استيعاب تعدد الآراء والمدارس الفكرية والدعوية فيما يسوغ فيه الاجتهاد، وثمة فجوة واسعة في ذلك لدينا بين النظرية والتطبيق؛ فمع تقريرنا لذلك نظرياً إلا أننا نضيق ذرعاً بالخلاف ولا نستوعب تعدد المدارس. * فتح مجالات واسعة للحوار والتناصح، وإحسان الظن بالآخرين حتى لو اختلفنا معهم في المواقف والاجتهادات، وتجنب وصم من يخالفنا بالانغلاق أو التسيب؛ فهذا مما يزيد الفجوة. * إعادة النظر في كثير من المواقف التي صيغت وفق ظروف معينة، ومراجعتها مع المتغيرات الجديدة، ولا ينكر تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان.

стр. 4451

قراءة في كتاب التحالف الأسود بين وكالة الاستخبارات المركزية والمخدرات والصحافة تأليف: ألكسندر كوكبرن، وجيفري سانت كلير ترجمة: أحمد محمود عرض: خالد محمد حامد في خبر أوردته وكالات الأنباء ذكر عقيد سابق في جهاز الاستخبارات الروسية الخارجية أن الجهاز هو المسؤول عن مجموعة التفجيرات التي شهدتها العاصمة الروسية موسكو في سبتمبر/ أيلول ١٩٩٩م، والتي نُسبت إلى (متطرفين) شيشان، وأدت لاحقاً في سياق تطورات الموقف إلى اندلاع الحرب الروسية في جمهورية الشيشان. وقد أدلى الضابط بشهادة مكتوبة، وأخرى عبر التلفزيون للجنة وطنية روسية ما زالت تبحث عن أسباب تلك التفجيرات. لم يكن هذا أول الاتهامات ولا آخرها لجهاز مخابرات ما بتدبير أعمال تخريبية ضد مواطني بلده، ثم إلصاقها بقوى سياسية أخرى، أو استغلال هذه الأعمال لتحقيق مكاسب سياسية بعيدة وغير ظاهرة للجمهور.. وليس ببعيد عنا الجدل الدائر حول ما حدث في الجزائر؛ خاصة أنه لم تَخْبُ بعد جذوة الاعترافات العلنية والاتهامات للجيش وأجهزة الأمن الجزائرية بتدبير المذابح البشعة أو على الأقل بعضها ضد المواطنين الجزائريين العزل، وإلصاقها بالجماعات الإسلامية المختلفة. وإن صدقت هذه الاعترافات والاتهامات؛ فإن الهدف من تلك الأعمال هو إشاعة الذعر بين المواطنين، وتسويغ قمعهم باسم الحفاظ على الأمن، واستمرار الحكم بحالة الطوارئ، وتشويه صورة التيار الإسلامي كله، وتحقيق مكاسب سياسية وإعلامية داخلية وخارجية من وراء ذلك.. وليس ذلك بمستغرب على أجهزة الاستخبارات عموماً؛ حيث تَعُدُّ هذه الأجهزة (العمليات القذرة) من صلب أعمالها، بل تضع مثل هذه الأعمال ضمن مفاخرها التي تُظهر فيها مهاراتها وكفاءاتها. والكتاب الذي نعرض له يكشف كثيراً من هذه الأعمال، ولكنه يضيف أطرافاً أخرى ضالعة في هذه الأعمال ومكملة لأدوارها، كأجهزة الإعلام وعصابات المخدرات؛ لذا جاء عنوانه: (التحالف الأسود.. وكالة الاستخبارات المركزية والمخدرات والصحافة Whiteout - The CIA, Drugs and the Press) وقد صدرت الطبعة الأولى للترجمة عام ٢٠٠٢م عن المجلس الأعلى للثقافة بمصر. يقع الكتاب في ٥٠٠ صفحة من القطع المتوسط، وينقسم إلى مقدمة وخمسة عشر فصلاً، وهو بدون تقديمات أو تمهيدات من المترجم أو غيره من أصحاب مثل هذه الاهتمامات من الكتَّاب والباحثين العرب. وإذا كنت لن أستطيع في مثل هذا المقال تقديم عرض تلخيصي واف لمثل هذا الكتاب الضخم المليء بالمعلومات والتفاصيل، فيمكن تقديم نبذ وإلماحات سريعة مما ورد فيه عن هذا العَالَم الذي أقل ما يوصف به: أنه عَالَم شياطين ومتجردين من جميع الصفات والمعاني الإنسانية. قبل أن يخوض الكاتبان في التفاصيل يؤكدان في المقدمة نقطة مهمة قد تغيب عن كثيرين أو قد تعمَّى عليهم، وهي إسناد المسؤولية عن هذه الأعمال إلى أصحابها الحقيقيين، فيقولان صراحة: «ونحن لا نقبل هذا الفصل بين أنشطة وكالة الاستخبارات المركزية عن سياسات الحكومة الأمريكية وقراراتها ... فقد كانت وكالة الاستخبارات المركزية على الدوام المنفِّذ المطيع لإرادة الحكومة الأمريكية التي تبدأ بالبيت الأبيض» . يبدأ الكتاب بذكر قصة الصحفي «جاري وب» ، وهو أول من كشف بمثل هذه القوة تورط الـ (CIA) مع عصابات تجارة المخدرات في إغراق المجتمع الأمريكي بأصناف المخدرات الفتاكة، وذلك عندما نشر أيام ١٨ و ١٩ و ٢٠ أغسطس عام ١٩٩٦م في صحيفة (سان هوزيه ميركوري نيوز) سلسلة مقالات بعنوان رئيس: (التحالف الأسود) ، وعنوان فرعي: (القصة التي وراء زيادة تدخين الكوكايين المفاجئة) ، وكان العنوان الرئيس في اليوم الأول هو: (جذور بلاء أمريكا في حرب نيكارجوا) . ويمضي الفصل الأول من الكتاب وهو بعنوان: (قصة «وب» الكبيرة) في ذكر تفاصيل هذا التورط، ولأن وكالة الاستخبارات المركزية كانت في كل مرة تنكر من خلال الصحافة الموالية لها الاتهامات الموجهة لها، مدعية أنها اتهامات «لا أساس لها» ، أو أنها «مبالغ فيها» أو أنها «غير مؤكدة» ... فقد اهتم «وب» وتابعه الكتاب الذي نعرض له بذكر التفاصيل الدقيقة المدعمة بالوثائق والمستندات والشهادات التي تدل دلالة دامغة على هذا التورط. ترجع بدايات هذا التورط عندما سقط نظام «سوموزا» الموالي لأمريكا في نيكارجوا، واستيلاء شيوعيي جبهة «ساندينستا» على الحكم هناك؛ مما أقلق الإدارة الأمريكية برئاسة كارتر حينها ودفعها إلى تنظيم ميليشيات مقاومة عسكرية مضادة عرفت فيما بعد بـ (كونترا) ، تمركزت في هُندوراس، وأشرف عليها ضباط (فرق الموت) الأرجنتينيون السابقون، وقبل أن يوقِّع الرئيس ريجان في نوفمبر ١٩٨١م على قرار الأمن القومي الذي يوفر ميزانية مقدارها ١٩.٣ مليون دولار لكونترا من خلال وكالة الاستخبارات المركزية؛ وجد رجال الكونترا أنفسهم في ضائقة مالية، ولأن بعض قياداتهم ومن على صلة بهم من أصحاب المصلحة في عودة النظام القديم كان من أصحاب السوابق والملفات الإجرامية خاصة في التهريب؛ فقد برز تهريب المخدرات وبيعها بأسعار رخيصة في شوارع المدن الأمريكية وخاصة جنوب وسط لوس أنجلوس ذات الأغلبية السوداء وسيلة واقعية للتمويل تحت شعار (الغاية تسوِّغ الوسيلة) . إلى هنا والأمور قد تبدو متوقعة، ولكن غير المتوقع أن الـ (A.I.C) عندما لم تحصل من الكونجرس على المخصصات المالية التي طلبتها لتمويل الكونترا (خصص الكونجرس عام ١٩٨٤م مبلغ ٢٤ مليون دولار، وهو تقريباً ربع ما طلبته الـ A.I.C) ؛ بحثت عن مصادر تمويل بديلة، وكان نشاط رجال الكونترا في تهريب المخدرات هو الوسيلة الواقعية أمام وكالة الاستخبارات المركزية للحصول على ما تريده من مال خاصة بعد تفجير فضيحة (إيران كونترا) التي تورطت فيها الوكالة أيضاً فكان تهريب المخدرات وبيعها يتم بعلم وأحياناً بإشراف الوكالة، بل كانت الطائرات العسكرية تهبط في بعض المطارات لتفرغ حمولتها من شحنات السلاح لمقاتلي الكونترا، وتعود محملة بشحنات المخدرات التي تأخذ طريقها فيما بعد لعصابات التوزيع في الشارع الأمريكي، ومارست الوكالة نفوذها لحماية هؤلاء المهربين والتستر عليهم، وإحباط جهود وكالة مكافحة المخدرات وجهات تنفيذ القانون الأخرى في ملاحقتهم. وبحلول عام ١٩٨٥م كانت هناك ١٥ مدينة أميركية تشكل أسواقاً مفتوحة أمام مافيات المخدرات التي كانت توزع المخدرات أحياناً بنظام (الأمانات!) .. وتركت العصابات والتجار والموزعين الصغار الذين يروِّجون هذه المخدرات في كاليفورنيا وسان فرانسيسكو يجوبون الشوارع الخلفية بحُريَّة، وهكذا تسببت الوكالة في رفع نسبة المدمنين الأمريكيين بنحو ١٨% خلال عقد الثمانينيات، ولم يهتم هؤلاء جميعاً بحجم الشباب الذين كانوا يموتون من الجرعات الزائدة، أو يفقدون عقولهم عندما يلح عليهم المخدر ولا يجدونه. لقد تسبب كوكايين التدخين الذي كانت هذه العصابات توزعه في تحطيم أسر بسبب الإدمان، وكان المدمنون يسرقون بأي صورة للحصول على الجرعة التالية، وكانت هذه العصابات تدخل في معارك دامية للسيطرة على مناطق النفوذ؛ مما أوجد مناخاً إجرامياً واسعاً في هذه المدن. * الهجوم المضاد: لم يكن «وب» أول من أثار هذه الاتهامات ضد وكالة الاستخبارات المركزية؛ فالاتهامات نفسها أثيرت من قَبْلُ في منتصف الثمانينيات، ولكنها في ذلك الوقت لم تأخذ ما تستحقه من اهتمام وتم تجاهلها، أما عندما نشر «وب» مقالاته في منتصف التسعينيات فقد لعب الإنترنت دوراً مهماً في نشر هذه المقالات واتساع الجدل حولها؛ لذا لم يكن من الممكن تجاهلها، كما أن أحد الأبعاد التي تناولها «وب» في مقالاته ما ذكره من أن نشاط موزعي كوكايين التدخين الرخيص كان في المناطق التي يغلب على سكانها الأمريكان السود ذوو الأصول الأفريقية؛ مما أوجد موجة من السخط العارم وسط هذه الأوساط، وهذا أيضاً مما يعطي لمقالاته أبعاداً خطيرة، وخاصة أنه يشيع في هذه الأوساط من قَبْلُ اضطهادها من قِبَل السلطات التي يغلب عليها ذوو الأصول البيضاء؛ فهناك اتهامات بمؤامرات مفترضة مثل أن الحكومة تعمدت إصابة السود بفيروس الإيدز، وأن دجاج الكنيسة المحمَّر، ومشروبات سنابل أضيفت إليها كيماويات لتعقيم الرجال السود.. لذا جاءت هذه الاتهامات الجديدة لتجد آذاناً صاغية، وتشعل ثورة الغضب من جديد؛ مما ينذر بخطر اجتماعي داهم. من أجل ذلك كله كان لا بد من هجوم مضاد يهدف إلى أمرين: تحطيم «وب» مهنياً والقضاء على مصداقيته هو والصحيفة التي نشر فيها مقالاته، وتبرئة ساحة وكالة الاستخبارات المركزية مما نسب إليها من اتهامات. ومن ثم شُن على «وب» وصاحب صحيفته أشرس هجوم من وسائل الرأي العام المعروفة، ثم شاركت فيما بعد الصحيفة التي يعمل فيها «وب» نفسه في الهجوم عليه وتحطيمه. ونستطيع القول إنها كانت «حملة إبادة» شاركت فيها وسائل الإعلام المعروفة لدى الرأي العام التي لبعض محرريها صلات بوكالة الاستخبارات المركزية، كالواشنطن بوست، ولوس أنجلوس تايمز، ونيويورك تايمز، وشبكة NBC، وشبكة CNN ... ولكنهم لم يكونوا موضوعيين، ولم يناقشوا المستندات التي قدمها «وب» ، ولا شهادات بعض الأطراف التي أدلوا بها تحت اليمين القضائي، ولكنهم بدلاً من ذلك حاولوا ممارسة نوع من النيل المعتمد على التجريح الشخصي، والتشكيك في الهدف من نشر المقالات، وكان بعضهم يدفع بأن ضرورات (الأمن القومي) تقتضي عدم نشر مثل هذه الأخبار، ف «نحن نعيش في عالم قذر وخطير، وهناك بعض الأمور التي يجب ألا يعرفها الجمهور العام.. وأعتقد أن الديموقراطية تزدهر عندما يتخذ رجال الحكومة خطوات مشروعة للحفاظ على أسرارها، وعندما تقرر الصحافة إن كان عليها نشر ما تعرفه أم لا!!» ، وغاية ما كان يأتي من بعض هؤلاء هو إحالة الاتهامات بتبرئة ساحة الوكالة كجهة حكومية، والزعم أن «أغلب ما سيظهر هو أن بضع ضباط من وكالة الاستخبارات المركزية كانوا يتربحون لحسابهم الخاص» ، وهو ما تدحضه المستندات والشهادات التي قدمها «وب» . ثم يمضي الكتاب سارداً: تجنيد الوكالة للعلماء النازيين لخدمة أنشطتها المريبة، والتحالف مع أمراء الأفيون في بورما وتايلاند ولاوس، وبرنامج الاغتيالات في فيتنام، والتواطؤ لقلب نظام حكم «سلبادور أيِّندي» في شيلي، وتسليح تجار الأفيون في أفغانستان، وتدريب الشرطة القاتلة في جواتيمالا والسلفادور، إضافة إلى التورط في نقل المخدرات والسلاح بين أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة.. ورغم كل ذلك يقول أعوان الوكالة في الصحافة إنهم اكتشفوا أن أيدي الوكالة ناصعة البياض، وعندما يتصدى صحفي معارض لهذا التيار مثل جاري «وب» يكون زملاؤه الصحفيون هم الأدوات التي تشن بها الحرب عليه لتكذيبه والتشهير به، رغم ما لديه من أدلة ومستندات وشهود على قيد الحياة. * جذور البارانويا السوداء: لم تكن ردود الفعل الغاضبة التي صدرت عن الأمريكان السود نابعة من فراغ؛ فهناك تاريخ طويل من الاضطهاد العرقي الذي مارسه الرجل الأبيض في القارة الأمريكية ما زال ماثلاً في أذهان الملونين، والقصة التي ساقها «وب» عن تواطؤ المخابرات المركزية في انتشار المخدرات بين سكان الأحياء الفقيرة من مدن الجنوب الأمريكي مسَّت وتراً حساساً في نفوس السود، واستدعت حالة البارانويا [١] التي خلفتها تصرفات الرجل الأبيض. ونستطيع إيراد لمحات دالة من هذه التصرفات: استخدام السود كحيوانات تجارب: فمن الحقائق المرعبة في هذا التاريخ: استخدام السود حقل تجارب طبية؛ فمنذ عام ١٩٣٢م، وعلى مدى أربعين عاماً، جُنِّد ٦٠٠ من السود بدون علمهم من مقاطعة ماكون بولاية ألباما؛ من أجل دراسة تجريها هيئة الصحة العامة الأمريكية ومعهد تكسيجي، وأظهرت الدراسة أن أربعمئة من بين الستمئة مصابون بالسفلس (الزهري) ، ولم يعط ضحايا تكسيجي أي علاج طبي فعال؛ لأن الباحثين كانوا يريدون دراسة التطور الطبيعي لذلك المرض التناسلي، وعندما كان أطباء آخرون يشخِّصون السفلس لدى بعض الرجال كان باحثو هيئة الصحة العامة يتدخلون لمنع إعطاء أي علاج. التطهير العرقي: على نمط حضارة (إسبرطة القديمة) و (أفكار النازية) اهتم بعض الأمريكان البيض بالظروف السيئة التي اتسمت بها الحياة في الأحياء الفقيرة، ومن هؤلاء: المعالج النفسي «فريد جودوين» الذي كان في عام ١٩٩٢م مديراً لهيئة حماية اسمها (إدارة إساءة استعمال الكحول والمخدرات والصحة العقلية) ، وكان «جودوين» شديد الحرص على تنفيذ برنامج حيوي طبي قومي للحد من العنف؛ حيث كانت الفكرة الجوهرية هي البحث عن (جين العنف) ، وبحثاً عن الأساس البيولوجي المفترض. كان «جودوين» يردد كل الوساوس (المالثوسية) التي تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، والمفكرين والساسة الأمريكيين البيض في أوائل القرن العشرين، وقد كانوا يعتقدون أن (التعقيم) هو أفضل طريقة للحفاظ على نقاء (مجمع الجينات القومي) . وكان «جودوين» يتبع خطوات المعالج النفسي في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس (جولي ويست) الذي وضع خطة عام ١٩٦٩م لوضع أقطاب كهربائية في أدمغة المشتبه فيهم من الجناة الذين يتَّسمون بالعنف، وكان «ويست» يعمل لفترة طويلة مع كيميائيي وكالة الاستخبارات المركزية، وغيرهم من العلماء والباحثين في استخدام (عقار الهلوسة) لتعديل السلوك البشري.. وفي هذه الفترة بالذات (أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات) كان علماء الأعصاب والمعالجون النفسيون مشغولين إلى حد كبير بمشاكل العنف الحضري، وكان أحد أساتذة «ويست» هو الدكتور «أرنست رودين» يوصي بإجراء جراحات المخ النفسية والإخصاء باعتبارها التكنولوجيا الطبية المناسبة للطبقات الخطيرة، وقد أوصى «ويست» بعد تمرد مقاطعة واتس في لوس أنجلوس بأن تحل مادة «أسيتات السيبرتيرون» وهي مادة معقِّمة ابتكرها الألمان الشرقيون محل منجل الخَصَّائين، وبحلول عام ١٩٧٢م اقترح «ويست» استغلال نزلاء السجون مواد للبحث في ذلك العلاج. إن فكرة (مجمع الجينات القومي) فكرة قديمة، فقد كان مؤسسو معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا على سبيل المثال متعصبين لتحسن الجنس البشري، وفيما بين ١٩٠٧م و ١٩١٣م وضعت اثنتا عشرة ولاية وأولها إنديانا لوائح للتعقيم الإجباري لأي شخص يثبت أنه مجرم أو معتوه أو مغتصب أو أبله موجود في مؤسسة حكومية، وتقرر لجنة طبية أن حالته (غير قابلة للتحسن) . ويورد «ألان تشيس» في كتاب Malthus of Legacy The أن ٦٣٦٧٨ شخصاً عُقِّموا تعقيماً تاماً فيما بين ١٩٠٧م و ١٩٦٤م في ثلاثين ولاية ومستعمرة واحدة بموجب تلك القوانين، إلا أنه يشير كذلك إلى أن أولئك الضحايا يمثلون «أقل جزء من العدد الحقيقي للأمريكيين الذين أخضعوا في هذا القرن لعمليات تعقيم إجبارية لتحسين النسل البشري؛ أجرتهاً جهات فيدرالية وأخرى تابعة للولايات» . ويورد «تشيس» ما قاله القاضي الفيدرالي «جيرهارد جيسيل» عام ١٩٧٣م في قضية رفعت باسم ضحايا التعقيم الإجباري للفقراء: «على مدى السنوات القليلة الماضية؛ كان يعقم ما بين ١٠٠ ألف و١٥٠ ألف شخص من ذوي الدخل المنخفض سنوياً؛ في إطار برنامج ممول فيدرالياً» ، وكما يشير «جيسيل» فإن هذا المعدل يساوي ما تحقق في ألمانيا النازية. لقد كانت تتردد باستمرار في برنامج التعقيم الكبير نبرة (العمل من أجل خير البشرية) ، وفي بعض الأحيان كان يعترض على هذا البرنامج بأن التعقيم سوف يحرم العالم على الأقل من المواطنين المفيدين الممتثلين للقانون الذين يرعون أنفسهم، وهناك إقرار بأنهم قد لا يكونون أذكياء، ولكن لو توقف إنجاب محدودي الذكاء كافة؛ فمن ذا الذي سيحفر المجارير ويجمع القمامة؟! ومع أن «اليوجينيين» الذين يفضلون كلمات من قبيل (ضعاف العقول) أو (البُله) ، ويتحاشون عادة المصطلحات التي تنطبق على جنس بشري بعينه؛ فقد كان الهدف في الغالب هو (السود) . ألا يمكن أن يزداد ما لدى الرجل الأسود أو المرأة السوداء الذي يعاني بالفعل من (البارانويا) بشأن فكرة معالجة الفقر أو العنف عل يد كيميائيين حكوميين يحملون في حقنهم عوامل (إعادة التوازن) من بارانويا عند رؤيته آثار وساوس قديمة موجودة لدى الجهات الحكومية مثل وكالة الاستخبارات الأمريكية؟! إنها إذن ليست (البارانويا) التي تجعل أي شخص أسود يستنتج أنه منذ تكريس المفكرين والساسة البيض البارزين في القرن التاسع عشر الكثير من جهدهم لتقليل عدد السود؛ عن طريق وسيلة (التعقيم) أو (الاعتداء الطبي الانتقائي) الذي يوصف تأدباً بـ (علم اليوجينيا) ! . الحرب البيوكيماوية العنصرية: يعود استخدام أمريكا للأسلحة البيولوجية إلى ستينيات القرن التاسع عشر؛ عندما وزع الأمريكان البطاطين الملوثة ببكتيريا الكوليرا على قبائل الهنود الحمر (مواد إغاثة خيرية!!) ، وفي عام ١٩٠٠م نقل أطباء الجيش الأمريكي في الفلبين إلى خمسة من السجناء نوعاً من الطاعون، كما نقلوا البري بري إلى ٢٩ آخرين. وفي عام ١٩٤٢م أصاب أطباء الجيش والبحرية الأمريكيون ٤٠٠ سجين في شيكاغو بالملاريا؛ في تجربة قصد بها الحصول على (صورة المرض، وابتكار علاج له) ، وكان معظم النزلاء من السود ولم يُبَلَّغ أي منهم بمخاطر التجربة. وفي عام ١٩٥١م لوث الجيش الأمريكي سراً مركز (نورفولك) للتموين البحري في فيرجينيا بالبكتيريا، واختير نوع من البكتيريا كان يعتقد أن السود أكثر قابلية للتأثر به من البيض. وفي عام ١٩٧٠م، وفي مقال نشرته (ميليتاري ريفيو) المجلة التي يصدرها الجيش الأمريكي وكلية الأركان العامة، ناقش عالم وراثة سويدي اسمه «كارل لارسون» الأسلحة المنتقاة وراثياً، وذكر «لارسون» أنه رغم أن دراسة الإنزيمات المؤيضة للمخدرات لا تزال في بدايتها؛ فإن «التفاوتات الملحوظة في الاستجابة للعقاقير أوضحت احتمال وجود اختلافات وراثية كبيرة في قابلية الإصابة بالعوامل الكيماوية بين الشعوب المختلفة» . ومضى «لارسون» ليتوقع أنه في عملية أشبه بخرطنة الجماعات العرقية في العالم «قد يكون لدينا عما قريب شبكة نضع عليها الملاحظات الجديدة من هذا النوع» ، وهي الفكرة التي تحققت مؤخراً من خلال ما يعرف بـ (مشروع الجينوم البشري) ، وفي الاتجاه نفسه أشار تقرير للجيش الأمريكي صادر في ١٩٧٥م في خاتمته إلى أنه «من الممكن نظرياً ابتكار ما تسمى أسلحة عرقية؛ يمكن تصميمها بحيث تستغل الفروق الطبيعية في قابلية الإصابة بين جماعات سكانية محددة» . الانتقائية العنصرية في تنفيذ القوانين: يعد التطبيق العنصري لقوانين المخدرات الأمريكية أحد الموضوعات التي يتم تجاهلها دائماً عند ذكر قصص (البارانويا السوداء) ، وكان أول تطبيق عنصري لقوانين المخدرات في أمريكا ضد عمال كاليفورنيا؛ فبعد الحرب الأهلية الأمريكية كان إدمان الأفيون مشكلة كبيرة؛ وفي عام ١٨٧٥م أصبحت سان فرانسيسكو أول مدينة تجرِّم تدخين الأفيون بناءً على تشريع كان من الواضح أنه يستهدف العمال الصينيين الذين جُلبوا إلى الجنوب ليحلوا محل العبيد؛ جالبين معهم عادة تدخين الأفيون التي شجعهم البريطانيون على إدمانها.. فجاء القانون الأمريكي ليعاقب من يدخنون الأفيون دون الذين يتعاطونه سائلاً؛ حيث كان الرجال والنساء البيض يتعاطونه على هذه الصورة. في عام ١٩٣٠م أنشئت إدارة جديدة في الحكومة الفيدرالية، هي مكتب «المخدرات والعقاقير الخطيرة» برئاسة «هاري أنسلنجر» الذي فرض رأيه بأن الإدمان غير قابل للعلاج، وإنما يمكن القضاء عليه بالعقوبات الجنائية، وكانت أولى حملات «أنسلنجر» الكبرى لتجريم المخدر المعروف في ذلك الوقت باسم (القنّب) ، ولكن «أنسلنجر» أسماه (ماريوانا) لربطه بالعمال المكسيكيين الذين كانوا كالصينيين قبلهم منافسين غير مرحب بهم في فرص العمل النادرة في فترة الكساد. وفي عهد نيكسون؛ أكد الرئيس أن مشكلة المخدرات تكمن في السود، وكانت هذه الإلماحة فاتحة لغضب تام في سنوات ريجان وبوش وكلينتون، عندما أصبحت الحرب على المخدرات صراحةً حرباً على السود. وهكذا نجد أنه في عام ١٩٩٥م راجعت لجنة الأحكام الأمريكية ثماني سنوات من تطبيق بند في قانون صدر عام ١٩٨٦م؛ يقضي بالحكم بإعدام العقول المدبرة لتجارة المخدرات، ومنع طلب تخفيف الأحكام حتى جرائم الحيازة الصغيرة، ووجدت أنه عنصري بصورة لا سبيل إلى إنكارها في تطبيقه؛ ذلك أن ٨٤% ممن ألقي القبض عليهم لحيازتهم كوكايين التدخين كانوا من السود؛ بينما ١٠% فقط من البيض، و ٥% من ذوي الأصول الإسبانية، بل إن التباين في تحقيقات تجارة الكوكايين التدخيني كان أوسع؛ ذلك أن ٨٨% من السود، و ٧% من ذوي الأصول الإسبانية، و ٤% من البيض. وكان ٧٠% من أحكام الإدانة بموجب القانون فيما بين ١٩٨٩م و ١٩٩٦م ضد البيض، و ٢٤% ضد السود، ولكن في ٩٠% من المرات التي سعى خلالها المحققون الفيدراليون إلى تطبيق عقوبة الإعدام لم يكن هناك ولا أبيض واحد، فقد كان ٧٨% منهم سوداً، والباقون من ذوي الأصول الإسبانية، علماً بأن السود يمثلون ١٦% فقط من عدد سكان أمريكا. التجسس الداخلي باسم الأمن القومي: وباسم الأمن القومي ساد عام ١٩٦٨م نظام واسع من التجسس الداخلي ضم ٣٠٤ مكاتب في أنحاء البلاد، إلى جانب «ملفات أمن قومي مدمِّرة» عن ٨٠٧٣١ أمريكي، بالإضافة إلى ١٩ مليون ملف شخصي مودعة في فهرس التحريات المركزي بوزارة الدفاع، ومن أشهر من مُورس عليه هذا التجسس زعيم مقاومة التفرقة العنصرية الأسود الدكتور «مارتن لوثر كينج» ، الذي شكل التجسس عليه واحدة من أطول المراقبات المفروضة على أي عائلة في التاريخ الأمريكي، بل يذكر الكتاب الشكوك التي تدور حول مقتل كينج نفسه. ومن الشخصيات البارزة التي خضعت لهذا النظام: «إ. ب. دوبيوس» مؤسس الاتحاد القومي لتقدم الملوَّنين؛ حيث خضع للمراقبة قرابة سبعين عاماً، وألقي القبض عليه وقيد بالأصفاد بسبب دعوته لإجراء محادثات سلام مع كوريا الشمالية. وكانت وكالة الاستخبارات المركزية قد جمّعت من خلال (العملية فوضى) ، وما شابهها من برامج، ملفات عن أكثر من ٣٠٠ ألف اسم، وكانت تتنصت على المكالمات التليفونية الخاصة بالصحفيين الأمريكيين، وتخترق الجماعات المنشقة، كما أنفقت ٣٣ ألف دولار لدعم حملة لكتابة خطابات تأييد لغزو كمبوديا. * تاريخ أسود: في ٢٢/١١/١٩٩٦م وجهت وزارة العدل الأمريكية إلى الجنرال «جين دافيلا» من فنزويلا اتهامات تتعلق بتوريد الكوكايين إلى أمريكا، وادعى المحققون الفيدراليون أنه أثناء رئاسة الجنرال «جين» لوحدة مكافحة المخدرات في فنزويلا!! هرّب ما يزيد على ٢٢ طناً من الكوكايين إلى داخل أمريكا وأوروبا، ولكن «جين» رد على الاتهامات من ملاذه في كاراكاس بأن أكد أن شحنات الكوكايين إلى أمريكا كانت بموافقة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. والحقيقة أن لهذه الوكالة تاريخاً حافلاً من (العمليات القذرة) ، فلا خلاف على أن وكالة الاستخبارات المركزية استخدمت الاغتيال سلاحاً لإضعاف النظام السياسي أو الاجتماعي، وعلى سبيل المثال فقد اعترف مدير سابق للوكالة في سبعينيات القرن الماضي «وليام كولبي» بإشرافه على (برنامج فينيكس) وغيره من العمليات التي تسمى (مضادة للإرهاب) في فيتنام. وفي شهادة أدلى بها «كولبي» أمام الكونجرس تباهى بمقتل ٢٠٥٨٧ من نشطاء (الفيت كونج) بين ١٩٦٧م و ١٩٧١م فقط، بينما أعلن الفيتناميون أن ٤١ ألفاً لقوا حتفهم. وربما كان هؤلاء أسعد حظاً من ٢٩ ألف مشتبه فيهم من (الفيت كونج) قبض عليهم واستجوبوا بأساليب مرعبة؛ حتى بمعايير ديكتاتورات العالم الثالث، وفي عام ١٩٧٢م أدلى طابور من الشهود بشهاداتهم أمام الكونجرس بشأن الأساليب التي اتبعها محققو فينيكس: كيف كانوا يستجوبون المشتبه فيه ثم يلقون بهم من الطائرات، وكيف كانوا يقطعون أصابعهم وآذانهم، وكيف كانوا يستخدمون الصدمات الكهربائية، ويدقون الخوابير الخشبية في أدمغة بعض المسجونين، ويضعون المناظير المكهربة في فتحات شرج غيرهم. ومن هذه العمليات التخلص من الزعماء الذين يمثلون مصدر خطر على مصالحهم، ولو كانوا من حلفائهم وعملائهم، فبحلول عام ١٩٦٠م كان «روفائيل تروخيو» رئيس جمهورية الدومينيكان قد أصبح مصدر إزعاج لواضعي السياسة الخارجية الأمريكية؛ إذ بدا فساده الواضح وكأنه سيؤدي إلى ثورة أشبه بتلك التي أتت بـ «فيدل كاسترو» إلى السلطة، وكانت الطريقة الوحيدة لتلافي ذلك الاحتمال غير المرغوب فيه هو ضمان انتهاء حياة «تروخيو» السياسية على الفور، وهو ما حدث في أوائل ١٩٦١م، فقد أردي «تروخيو» قتيلاً وهو في سيارته خارج بيته، وظهر أن وكالة الاستخبارات المركزية كانت وفرت السلاح والتدريب لمنفذي اغتيال الطاغية الذي كانت الوكالة قد جاءت به إلى السلطة في البداية. ويذكر الكتاب سلسلة من محاولات اغتيال الزعماء السياسيين الذين بدا وجودهم مزعجاً لأمريكا في أنحاء كثيرة من العالم؛ منهم: الزعيم الكونغولي «لومومبا» الذي حاولوا اغتياله بتسميم طعامه ومعجون أسنانه بسُمٍّ حيوي؛ يشبه في أثره مرضاً متوطناً في الكونغو، ورغم تهريب السم والأدوات إلى البلاد في حقيبة ديبلوماسية إلا أن المحاولة أخفقت. ولم تدخر الوكالة جهداً لإجراء حوالي ثلاثين محاولة لاغتيال الزعيم الكوبي «فيدل كاسترو» ؛ منها محاولة بتصميم طريقة لتشبيع ستوديو الإذاعة الذي يلقي منه «كاسترو» أحاديثه بـ (عقار الهلوسة) البخاخ وغيره من «المنشطات النفسية» ، ودعت خطة أخرى إلى تشبيع نوع السيجار المفضل لدى «كاسترو» بالمخدرات المؤثرة على العقل أو بسُم الالبوتولينوم الذي يقتل خلال ساعات، بل كان يكفي لمس السيجار فقط وليس تدخينه كي يقتل ضحيته. وفي عام ١٩٧٠م أُجبرت الوكالة قضائياً على نشر خبر وجود سبعة صناديق من المعلومات عن برنامج أبحاث قامت بها الوكالة على مدى عشرين عاماً عن «المخدرات المؤثرة على العقل وتعديل السلوك» ، والواقع أن هذا البرنامج ومجموعة كبيرة من المشروعات ظلت قائمة حتى ١٩٧٣م على الأقل، وشملت السعي لابتكار أساليب لضبط العقل بما في ذلك (جراحة المخ النفسية) ، وكانت وكالة الاستخبارات المركزية ترغب في إيجاد نوع من (المرشح المنشوري) ؛ وهي قائمة تضم أسماء القتلة والجواسيس (المبرمجين كيميائياً ونفسياً) . وهذا ناهيك عن حملات الدعاية المضللة، وجراحة المخ النفسية التي كانت تمارسها بشكل واسع على الشعب الأمريكي (إدارة الفهم) بوكالة الاستخبارات؛ بواسطة بعض وسائل الإعلام، وكبار شركات العلاقات العامة في البلاد ... والأمر كما يقول الكتاب فكما تذكرنا تلك اللمحات الموجزة؛ فإن وكالة الاستخبارات المركزية هي على وجه الدقة ما يتوقعه المرء من هيئة ذات تفويض يمتد من جمع وتحليل البيانات الاستخبارية حتى تنفيذ التدمير، والتلاعب في الانتخابات، والاغتيالات، وإدارة الحروب السرية.... والكذب جزء من توصيف وظيفة وكالة الاستخبارات المركزية؛ حيث تقدم البيانات الزائفة دوماً للحلفاء، والصحافة، وغيرها من الوكالات الفيدرالية، والكونجرس.. * ماذا يعني (التحالف الأسود) ؟ يسجل كتاب (التحالف الأسود) إخفاق الـ A.I.C في عملياتها أكثر من مرة، ولكن الإخفاق الكبير الذي يشير إليه هو الإخفاق الأخلاقي الذي لازم مسيرتها، بل إخفاق النظام السياسي الأمريكي في أن يكون وفياً لمبادئ إنسانية يدَّعي أنه يؤمن بها ويحميها، ويشن الحملات العديدة على الدول الأخرى بدعوى مخالفتها لهذه المُثُل: فأين هي حقوق الإنسان عندما تنفذ «جهة حكومية» عمليات تستهدف القضاء على حياة هذا الإنسان أو تغييب عقله عندما تشرف على تهريب المخدرات؟! وأين هي هذه الحقوق عندما تمارس «جهات حكومية» عمليات تطهير عرقي وتفرقة عنصرية حتى ضد مواطنيها؟! وأين هي هذه الحقوق عندما تمارس أساليب القمع وانتهاك الحرمات والتجسس؟! ورغم أن الكتاب يشير في متابعاته إلى نجاح بعض الصحفيين إلى حد ما في نشر ما يريده، وممارسة نوع من الرقابة على أجهزة تنفيذ القانون؛ فإنه يسجل كذلك كيف أن بعض أباطرة الإعلام وأعمدة الحكم متواطئون في العمل على إخفاء الحقيقة عن الرأي العام، ومحاربة من يسعون لنشرها، وهو ما يشير إلى حقيقة الإعلام الغربي المخدوع به كثيرون. كما أن الكتاب يقدم شهادة على زيف الديموقراطية التي ينعق بها الغرب؛ فلقد ديست (إرادة الشعب ممثلاً في الكونجرس) مع كل شحنة مخدرات كانت تدخل أمريكا بعلم وكالة الاستخبارات الأمريكية؛ حيث لم ترض هذه الوكالة بالحصة المالية التي قررها (ممثلو الأمة الأمريكية) ، ولجأت إلى تحقيق ما تريده هي باعتبارها جهة تنفيذ ولو كان ذلك بأقذر الأساليب وأبشعها وأضرها على المواطنين؛ فالمبدأ الوحيد الخالد عندهم هو (الغاية تسوِّغ الوسيلة) .

стр. 4452

ندوات القضية الأمازيغية في المغرب بين الهوية الإسلامية ومحاولة الاحتواء العلماني د. فريد الأنصاري [*] ليس من السهولة تقديم توصيف دقيق، أو تعريف جامع مانع للتيار الأمازيغي في المغرب، فهو تيار معقد ومتشابك؛ لما دَاخَلَه من ملابسات وتوجهات مختلفة: ثقافية، وإيديولوجية، وقومية، وسياسية، واجتماعية، واقتصادية ... إلخ. فـ «الأمازيغية» في معناها المعجمي البسيط هي: لغة السكان الأصليين لمناطق الشمال الإفريقي. و «الأمازيغيون» قبائل شتى تلتقي أنسابهم جميعاً عند جدهم الأعلى الذي يتسمون باسمه نسبةً، وهو (مازيغ) الذي تقول بعض المصادر التاريخية إنه من أحفاد نوح ﵇. إلا أن التيار الأمازيغي اليوم شيء مختلف؛ فالملف الأمازيغي الموضوع على الطاولة السياسية المغاربية اليوم ملف معقد؛ فهو يرجع إلى مجموعة من الجمعيات الثقافية والأحزاب السياسية المختلفة التوجهات والأغراض، وإشكالاته مركبة من قضايا شتى: فهو أولاً من الناحية اللسانية متعدد ومختلف، وهو من الناحية التصورية متضارب إلى درجة التناقض أحياناً، ثم هو بعد ذلك من الناحية التنظيمية متعدد غير متجانس؛ فمن جناح أمازيغي ثقافي محض.. إلى جناح أمازيغي يرفع شعار الأمازيغية كإيديولوجية سياسية ذات مضمون علماني صرف؛ يتنكر للمكونات الثقافية الإسلامية، ويجعل مرجعيته الحضارية في مغرب ما قبل الفتح الإسلامي. * فما هي حقيقة التيار الأمازيغي؟ هل هي الأصول الحضارية التي اصطبغ بها الوجود التاريخي للمغرب؛ إذ تكون من فسيفساء متناسقة مركبة من مجموع متعدد، ومختلف غير متناقض من المكونات العرقية، والثقافية، واللغوية، في إطار الدين الإسلامي الجامع؛ هذا الدين الذي برهن تاريخياً ولا يزال في العديد من بقاع العالم المتعدد الأعراق واللغات على شموليته الاحتضانية، وقدرته الاستيعابية لكل اللغات والأعراق والثقافات؟ أو أن حقيقة التيار الأمازيغي إنما هي هذه الطوارئ الظرفية، والنتوءات (الشعوبية) التي لا تظهر عادة إلا في أحوال الفتور الحضاري للأمم؟ أو أن حقيقته هي هذا التيار اللينيني الغريق الذي يسعى للتشبث بأي شيء يمكن أن يمد له في عمره؛ ريثما يستعيد قوته، ويجدد تصوراته، ويلم صفوفه؛ ليستأنف مسيرته المستقلة بصورة أوضح؛ كما هي معروفة في الفكر الماركسي الذي يجمع بين القوميات واللغات في إطار ديكتاتورية البروليتاريا، وفي إطار مفهوم (المجتمع الشيوعي) ؟ وهل بمقدور الأمازيغية من حيث هي جنس بشري، وبما هي (لغة طبيعية) كما يقول علماء اللسانيات أن تتحمل كل ذلك؛ فتسعف كل هذه التيارات، وكل هذه الأجنحة والتوجهات للوصول إلى مقاصدها الإيديولوجية والسياسية؟ أم أن ذلك كله مجرد مخض الماء وطحن الهواء؟ لماذا هذا الاهتمام الإعلامي المتزايد خاصة منه الفرنكوفوني بالتيار الأمازيغي السياسي في المغرب والجزائر؟ ما الأمازيغية إذن؟ ما هي إمكاناتها الحالية؟ وما احتمالاتها المستقبلية؟ لتسليط الأضواء حول جوانب من هذا الموضوع عقدت مجلة البيان ندوة: (القضية الأمازيغية بالمغرب؛ بين الهوية الإسلامية ومحاولة الاحتواء العلماني) . فاستضافت متخصصين في هذا المجال؛ بلا ممالأة لأي اتجاه إيديولوجي أو سياسي؛ فهم جميعهم أمازيغيون عرقياً ولغوياً، كما أنهم أكاديميون يعيشون الملف الأمازيغي بوعي علمي، وبواقع معاش، وهم كما يلي: من جامعة المولى إسماعيل بمكناس: - الأستاذ الدكتور الحسين كنوان، أستاذ اللغة العربية، متخصص في علم النحو. - الأستاذ الدكتور عبد الرحمن حيسي، أستاذ التفسير والعقائد الإسلامية. - الأستاذ الدكتور محمد سدرة، أستاذ العقيدة والفكر الإسلامي. ومن جامعة السلطان محمد بن عبد الله، بمدينة فاس: - الأستاذ جواد بنامغار، عدل موثق بالمحكمة الابتدائية بولاية القنيطرة بالمغرب، وباحث في الدراسات الإسلامية بجامعة السلطان محمد بن عبد الله بمدينة فاس. ندعو الله أن يوفقهم لإجلاء الحقائق، وإفادة القراء بكل نافع ومفيد. البيان: لنبدأ بالمصطلحات: (الأمازيغ) و (البربر) مصطلحان يستعملان اليوم كما في كتب التاريخ للدلالة على السكان الأصليين لبلاد المغرب؛ فأيهما أدق في الدلالة وأصدق؟ - الدكتور عبد الرحمن حيسي: إن الذي يناسب الطبيعة الاشتقاقية للأسماء في هذه اللغة هو اسم «أمازيغ» ، ويُجمع على «إمازيغن» ، وكثير من الأسماء المذكرة تأتي على هذا الوزن. ثم إنه الاسم الأصيل الذي أطلقه السكان الأصليون للمغرب على أنفسهم - بغض النظر عن دلالته عندهم - فلا ينبغي أن نحيد عنه. أما اسم «البربر» أو «البرابرة» ؛ فأصله لاتيني بلا خلاف، ويعني: (المتوحشين) أو (الهمجيين) ، وكل اللغات الأوروبية الحديثة ذات الأصول اللاتينية تستعمله بهذا المعنى. ويظهر أن أول إطلاق له على السكان الأصليين للمغرب كان من قِبَل الرومان في غزواتهم التاريخية المعروفة لبلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، والتي شملت أجزاء من المغرب الأقصى، وهذا أمر معروف في تاريخ الحركات الاستعمارية؛ حيث تستعمل مثل هذه الأوصاف للتنقيص من شأن الشعوب المستعمرة. البيان: بمناسبة اللغات؛ فإن علماء اللسانيات يقولون: (اللغة فكر) ؛ أي إنه من المستحيل تجريد اللغة مثلاً من حمولتها الدينية التي امتزجت بها من الناحية العرقية والتاريخية، فيكون بذلك لكلماتها مضمون نفسي يرتبط بالانتماء الديني لأهلها؛ وبناء عليه فهناك من يريدون أن يصنعوا من اللغة الأمازيغية حاجزاً للمغاربة عن الإسلام؛ على أساس أن اللغة العربية فصيحها وعاميها ذات مضمون إسلامي؛ فهل اللغة الأمازيغية فعلاً تسعفهم بطبيعتها في ذلك؟ وهل صحيح أن اللغة الأمازيغية خالية من المضمون الإسلامي؟ - الأستاذ جواد بنامغار: مضمون أي لغة إنما يتكون من عقيدة الناطقين بها وتصوراتهم، والأمازيغ اعتنقوا الإسلام منذ حوالي أربعة عشر قرناً، وآمنوا به، وأحبوه، وتعلموه، ونشروه، ودافعوا عنه خلال هذه القرون كلها؛ فكيف لا يكون للأمازيغية مضمون إسلامي؟! هذا من الناحية النظرية، أما عملياً وواقعياً؛ فدعني أقل لك إنني من أصل أمازيغي، وأن والدي وأعمامي، وأخوالي يتكلمون الأمازيغية، وأخالط كثيراً من الأمازيغيين من ذوي القرابة أو المصاهرة أو «أولاد البلاد» ، فلا أشعر أبداً أن ما يتخاطبون به، ويتواصلون من خلاله من لغة أمازيغية خالية من المضمون الإسلامي، بل على العكس من ذلك تجدها مليئة في عباراتها، ومعانيها، وأمثالها، وأهازيجها، وقصصها الشعبية بما يؤكد هذا المضمون، وينبئ عن تشبع أهلها بالإسلام ومبادئه. - الدكتور الحسين كنوان: اللغة الأمازيغية لغة كباقي اللغات الإنسانية يمكن التعبير بها عن الخير والشر معاً؛ حسب إرادة المُعَبِّر بكسر الباء وقصده. لكن يبدو أن المقصود من الشطر الأول من سؤالكم حسب ما فهمت منه هو أنكم تريدون أن تقولوا: هل يتضمن معجم اللغة الأمازيغية مفاهيم إسلامية، أم أنه خال منها تماماً؛ ومن ثم هل يتوفر ضمير الإنسان الأمازيغي على روح إسلامية؟ على اعتبار أن اللغة الأمازيغية ما كانت ولن تكون حاجزاً بين من لا يحسن غيرها وبين الإسلام، وذلك للأسباب التالية: أ - أن اللغة الأمازيغية لغة مرنة تقترض المفردات الأجنبية عنها بدلالاتها عند الاحتياج، وتضفي عليها من بنيتها التنظيمية ما يجعلها طيعة للسان الأمازيغي. ويبدو أن هذا يقع فيما يدل على الثوابت من المعاني المتداولة في الحياة الإنسانية أكثر منه في المتغيرات؛ فالكلمات التالية تُنطق بالأمازيغية دون تغيير يذكر، أو مع تغيير طفيف يتلاءم مع النطق الأمازيغي كما يلي: فـ (الله) جل جلاله هو (الله) بلا تغيير، و (جهنم) هي (جهنم) ، والرسول صلى الله عليه وسلم هو الرسول ﷺ ، لكن «الجنة» تنطق «أَدْجَنْثْ» أو «الجَنْثْ» حسب اختلاف اللهجات، و «الآخرة» هي «لُخْرَى» ، والنبي ﷺ هو «نْبي» بسكون النون.. وهكذا. ب - لقد تغلغلت المفاهيم الإسلامية في عمق الفكر الأمازيغي عبر القرون الطويلة التي مرت على الفتح الإسلامي للمغرب الأمازيغي، وعلى الرغم من ضعف التعهد التربوي الإسلامي للإنسان الأمازيغي، كما هو الحال بالنسبة للمغرب عموماً لظرف أو لآخر؛ فإن الروح الإسلامية تسري في عروق الأمازيغيين، وذلك ما تعبر عنه إنشاداتهم وأهازيجهم في كثير من نواحي الحياة. - الدكتور عبد الرحمن حيسي: الذي يعتقد أن بإمكانه جعل اللغة الأمازيغية حاجزاً بين الأمازيغ والإسلام مخطئ في تصوره؛ لأن هذه اللغة قابلة بطبيعتها الصرفية والاشتقاقية لحمل المضامين الإسلامية، بل هي تحملها فعلاً، كما يظهر واضحاً في تراثها الأدبي الذي يزخر بقصائد شعرية رائعة في الإرشاد بتعاليم الإسلام والدعوة إلى التمسك بها، والتزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة، وما إلى ذلك من أغراض دينية. ومنذ دخل الإسلام المغرب اهتم به الأمازيغ وأولوه كامل عنايتهم، فاجتهدوا في حفظ القرآن والحديث وتعلم الفقه، ووُجِدَ منهم علماء أعلام أتقنوا العربية وألَّفوا بها، ونقلوا منها إلى لغتهم الأمازيغية ما شاء الله نقله من المضامين الإسلامية. ولتيسير الفهم والاستيعاب كانوا يدرسون ويعظون باللسانين العربي والأمازيغي. ولم تكن الأمازيغية أبداً حائلاً بينهم وبين معرفة أحكام دينهم، وما حالهم في ذلك إلا كحال الترك وغيرهم من الشعوب التي دخلت في الإسلام وأبلت فيه البلاء الحسن؛ بنصر دعوته ونشر تعاليمه باللغة العربية وبلغاتها الأصلية. البيان: إذا تحدثنا عن التاريخ: من وَطَّنَ الإسلامَ في المغرب: الأمازيغ أم العرب، أم هما معاً؟ وكيف تنظرون إلى المقولة الشعارية التي ترفعها الحركة الأمازيغية والملخصة في عبارة: (الاستعمار العربي للمغرب) ؟ - الدكتور الحسين كنوان: إن كنتم تقصدون بسؤالكم من حمل بذرة الإسلام وغرسها في المغرب؟ فالجواب واضح: هم العرب المسلمون. أما إن كان القصد هو الدفاع عن الإسلام إحياءً وحراسةً، وهذا ما يفهم من كلمة «الوطن» الواردة في سياق سؤالكم؛ فهم المسلمون المغاربة دون تمييز. نعم! يحدث في فترة من التاريخ أن يحمل قائد، أو زعيم، أو مصلح لواء نشر الإسلام، أو إحياء تعاليمه في قلوب الناس وسلوكاتهم، أو الدفاع عنه؛ ممن تسمى أمازيغ، أو نشأ في منطقة يسكنها الأمازيغ بالغلبة؛ مثل طارق بن زياد، وعبد الله بن ياسين، أو عبد المؤمن، أو عبد الكريم الخطابي، أو موحى أحمو الزياني ... هذا صحيح، ولكنه لا يعني أن المغاربة من أصل عربي لم يشاركوا في هذه العملية أو تلك بأي نصيب، ولم يحدثنا التاريخ عن أن العنصر العربي تقاعس عن أداء الواجب عندما كانت الزعامة لأحد هؤلاء الأعلام في الدفاع عن الإسلام؛ ذلك أنه بالنسبة لي يصعب عليَّ أن أميز بين المغاربة عندما يناديهم داعي الواجب. هذا بالإضافة إلى انصهار الأجناس البشرية في المغرب، وتداخلها فيما بينها إلى درجة يستحيل معها أن تميز عنصراً من الآخر؛ فالهجرات، والمصاهرات، وتنقلات الأسر من منطقة إلى أخرى لأسباب متعددة لا تترك مجالاً للقول بأن الإنسان المغربي خالص النسب إلى عنصر كذا عبر التاريخ. والحكمة الأمازيغية تقول ما ترجمته بالعربية: (قيل للثعبان: من هو أخوك؟ قال: الذي يوجد معي في الغار) ؛ أي إنها تعتبر رابطة التساكن الجغرافي فقط موجباً للأخوة. هذا بالنسبة للشطر الأول من سؤالكم. أما الشطر الثاني فيبدو أن فيه شيئاً من التعميم؛ لأني لا أعتقد أن كل الحركات الأمازيغية تقول بذلك، ولا أن أفراد الفصيل الذي يقول بذلك متفقون عليه بنفس الدرجة من إيمانهم بما يقولون. مع العلم أنه يمكن القول: إلى أي حد تمثل هذه الحركة الأمازيغية بجميع فصائلها الإنسان الأمازيغي في المغرب؟ ثم ما هي شروط الانتماء لهذا الفصيل أو ذاك من فصائل الأمازيغية؟ هل هو الأصل، أو اللغة، أو الجغرافيا؟ أو لا بد من إعلان الولاء والعداء.. هل وهل؟ صحيح أن ثَمَّ عوامل كثيرة تجعل بعض الشرائح الاجتماعية من سكان المغرب تشعر بشيء من التهميش، وبالخصوص الأمازيغ منهم؛ لأسباب متعددة، منها: غياب اهتمام العالم العربي الإسلامي بهذه اللغة وأهلها، ومنها: ما هو مبثوث في القاموس الشعبي العامي من عبارات اللمز والتحقير في حق الأمازيغ ولغتهم! وهي عبارات لا يؤبه لها حين تقال لهذا الشخص أو ذاك، ولكنها تعمل عملها في النفوس، فتدسها إلى لحظة الحاجة، عندما ينفخ نافخ في بوق الوسوسة؛ لتصير المنبه المعتمد للشعور بالإقصاء والتحقير؛ خصوصاً عندما يُربط ذكرها بمظهر من مظاهر الحرمان، كالفقر المادي، والتهميش الاجتماعي؛ مقارنة مع الآخر الذي كان الأمازيغي يسلم أنه وإياه إخوة بعامل التساكن فقط. ومن نماذج تلك العبارات العامية التي ينبغي أن يعزر مستعملوها: (الزيت ما هو إدام، والشلحة ما هي كلام) ، و (أنغ، أنغ) ... إلى آخر ذلك من عبارات التهكم والسخرية بالإنسان الأمازيغي! والغريب أن يصدر مثل هذا أيضاً من بعض الأشخاص المثقفين الذين هم في موقع الإرشاد والتوجيه الاجتماعي أو السياسي، بل حتى الحضاري أحياناً! والنفوس حساسة، وقد قال تعالى: [وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ] (الحجرات: ١١) . - الدكتور محمد سدرة: مقولة: (الاستعمار العربي للمغرب) هي شعار الراقصين على الجراح؛ من المخبولين في هذه الحركة، والذين يريدون جرها إلى الإلحاد والعنصرية ليس إلا! البيان: الآن ندخل في صلب موضوعنا (الحركة الأمازيغية) : من المعروف أن تفسير الحركات الاجتماعية والسياسية التي يفرزها مجتمع ما في مرحلة تاريخية ما ليس بالأمر السهل، ولا شك أن حركة الأمازيغية التي ظهرت في البلدان المغاربية؛ بوصفها حركة ذات بعد عرقي وإيديولوجي هي من هذا القبيل. ثم إن الأمازيغية بوصفها حركة سياسية أيضاً أصبحت ظاهرة متحركة في الوسط السياسي والثقافي المغربي؛ فكيف تفسرون بروز الحركة الأمازيغية بهذه الصورة التي نشاهدها اليوم؟ - الأستاذ جواد بنامغار: تعود المراحل التأسيسية الأولى للحركة الأمازيغية إلى ما بعد الاستقلال مباشرة؛ حيث تأسست أولى الجمعيات بهذا الصدد في الستينيات من القرن المنصرم، إلا أن ظهور الحركة وانتشارها، وإعلانها عن نفسها من مختلف المنابر الثقافية، والسياسية، والإعلامية محلياً وعالمياً طغى في السنوات الأخيرة، وقد ساعد على ذلك مجموعة عوامل ذاتية وموضوعية، وأخرى تتصل بعوامل خارجية إقليمياً ودولياً. وإذا كنا لا نشك في سعي السياسة الاستعمارية إلى السيطرة على بلدان العالم الإسلامي من خلال الغزو الفكري والثقافي؛ فإن الفرنكوفونية من تجليات هذه السياسة بالمغرب، وإن من وسائلها في ذلك احتواء الاتجاه الأمازيغي ودعمه، والدفع به في اتجاه يضر بالمصلحة الوطنية المغربية، ووحدة الشعب المغربي المبنية على الإسلام، ويخدم الأطماع الاستعمارية الفرنسية المغلفة بالفرنكوفونية. إلا أننا في المقابل لا ننكر أن في الحركة الأمازيغية أفراداً وجمعيات من يهتم بالأمازيغية باعتبارها قضية وطنية، وإحدى مكونات الهوية المغربية الإسلامية، وتعتني بالمطالب العادلة لها في إطار الوحدة والمرجعية الإسلامية. - الدكتور الحسين كنوان: للإجابة عن السؤال السابق شقان: أحدهما وهو الأساس: هو الجانب السياسي، وثانيهما وهو وليد الأول وتابع له: وهو الثقافي، ولكل منهما اعتباراته الخاصة فيما يتعلق بمعطيات الإجابة عنه؛ ولذا تنقسم الإجابة في نظري إلى قسمين: أ - الجانب السياسي: لهذا الجانب مغذياته، وأسبابه السياسية والاجتماعية، وربما حتى النفسية التي قد تكون وليدة ظروف متعاقبة، وأسباب متضافرة نرى أن الحكمة تقتضي عدم الخوض فيها، وإلا زدنا الجرح عمقاً، والقلوب تنافراً، في الوقت الذي يتطلب الأمر العمل على لمِّ الشمل، وتوحيد الرؤى في إطار منظومة ثقافية اجتماعية وحيدة موحدة؛ أشبه ما تكون بما أطلق عليه الرومان: «كوينتي» ؛ فكل الذين يعيشون على أرض الوطن إخوة مغاربة، وقد سبق القول بأن الحكمة الأمازيغية تعتبر رابطة التساكن الجغرافي فقط موجباً للأخوة، والحمد لله على أن الحركة الأمازيغية سياسية وليست قومية، وإن كانت يُشم منها بعض هذه البوادر أحياناً. ب - الجانب الثقافي: هذا الجانب غني غنى حياة الإنسان الأمازيغي الذي تلاقحت ثقافته بثقافة الأجناس البشرية التي تعاقبت على أرض المغرب، وعلى الرغم من كون هذه الثقافة غير مدونة؛ فإن ثمة بقية بصمات منها على أرض المغرب لغوياً وجغرافياً وسلوكياً. فمن الناحية اللغوية نرى أن الدراسة العلمية النزيهة السليمة يمكن أن تكشف عن قواسم مشتركة في جوانب متعددة بين اللغة العربية والأمازيغية، وقد يكون ذلك ناتجاً عن تأثر الأمازيغية بالحضارة الإسلامية العربية. ولكل هذه الاعتبارات وغيرها كثير لا نستغرب أن تظهر حركة سياسية تعتمد الأمازيغية إطاراً ومنطلقاً لها في ظروف مهدت لتعددية سياسية؛ لتحقيق أهداف معينة قد تسمو إلى درجة النبل إذا ما كان القصد منها هو الكشف عن جانب من جوانب ثقافة المغرب وحضارته. وقد تنزل إلى الحضيض عندما تغذيها أهداف نفعية ذاتية، أو إيعازات ماكرة شريرة لا يتفطن لخبثها إلا من كان فكره مُحصَّناً، وأوتي فهماً ثاقباً، وقوة فائقة في الإيمان بحب الله ثم الوطن. - الدكتور محمد سدرة: الأمر مرده في تقديري إلى الإخفاقات التي لحقت بالأطروحة الماركسية بالمغرب؛ بفضل أصالة الدين والتدين في نفوس المغاربة، فشكَّل هذا المنعطف مشجباً بديلاً يود الفكر اليساري النفوذ من خلاله إلى الطبقات الشعبية التي تشكل القاعدة الخلفية للأطروحة. وقد ساهمت الإحباطات التي مني بها المجتمع، من جراء إخفاق التنظيمات السياسية في تحقيق طموحاته، في تغذية هذا التوجه وتشجيعه. البيان: المعروف أن التيار الأمازيغي قد نشأ وترعرع في ظل الدعم الفرنكوفوني؛ فكيف تفسرون ذلك؛ وخاصة أن الأهداف المعلنة للفرنكوفونية إنما هي دعم اللغة الفرنسية وثقافتها في مستعمراتها السابقة؟ - الدكتور عبد الرحمن حيسي: السؤال ليس وجيهاً؛ لأنه يُسلِّم بأن التيار الأمازيغي نشأ وترعرع في ظل الدعم الفرنكوفوني؛ فعليكم إثبات ذلك أولاً وإبراز مظاهر الدعم التي يتلقاها الأمازيغ من الفرنكوفونيين؛ حتى لا نخرج في حوارنا عن حدود الإنصاف. والذي أعتقده شخصياً أن الدعوة إلى الأمازيغية لها أسباب نابعة من واقع المجتمع المغربي ذاته، وقد تقدم بيان بعضها. أما الفرنكوفونية فهدفها نشر الثقافة الفرنسية بكل مقوماتها، وتعميمها في كل الأوساط المغربية؛ بغض النظر عن المستهدَفين بهذه الثقافة؛ سواء أكانوا من الأمازيغ أم من العرب؛ إذن فهدفها غير هدف الدعوة إلى الأمازيغية، بل تتعارض معها. وعليكم أن تعلموا أيضاً أن الحاملين للواء الفرنكوفونية والأنجلوفونية فيهم من العرب المغاربة عدد كبير! فعليكم أن تفسروا ذلك لتستقيم الإجابة عن السؤال المطروح! البيان: طبعاً لا نتحدث عن الأمازيغ، وإنما نتحدث عن التيارات السياسية الأمازيغية! - الدكتور الحسين كنوان: هذا موضوع خصب وخطير، تتطلب الإجابة عنه حلقة خاصة، بل أكثر من ذلك؛ لأن المسألة تتجاوز دعم اللغة الفرنسية وثقافتها؛ إلى المحافظة ما أمكن على المكاسب التوسعية للاستعمار الاقتصادي والفكري في المنطقة، والتي تعد بوابة استراتيجية لإفريقيا، تلك المكاسب التي تحققت له (أعني الاستعمار) في المنطقة بعد كل ما بذله من جهود متواصلة خلال فترة قد لا تقل عن قرنين من الزمن، كان ذلك على فترات، يصنع لكل فترة شعارها الملائم؛ انطلاقاً من الصليبية إلى الفرنكفونية بعد التمهيد لها بالغزو العسكري؛ ولذا نرى كثيراً من أبنائنا مع الأسف قد انطلت عليهم الحيلة نتيجة تأثرهم الثقافي، وجرفهم هذا التيار أو ذاك، وهم يعتقدون أنهم يحسنون صنعاً، ومع ذلك فهم معذورون إلى حد ما في تقديري. وعليه يمكن القول بأن التيار الأمازيغي لم ينشأ مع ظهور الفرنكوفونية، وإن كانت تغذيه، وإنما وُضعت له أسس قبل ذلك بكثير؛ يوم كان الدخيل يخطط للاستفادة من خيرات المنطقة أولاً، ثم رتب تلك الخطط بإحكام لما حال هذا العنصر البشري «إمازيغن» بينه وبين مقصوده الذي هو إخضاع المناطق التي يسكنها هؤلاء لنفوذه؛ على غرار إخضاع جميع أجزاء الوطن؛ حيث أصيب بذهول من هول الكارثة التي أصابت جيوشه وتوقف زحفها لمدة عشرين سنة على يد مقاومين أشاوس من أبناء «إمازيغن» ، كما تقول بعض الأبحاث التاريخية الحديثة. ولذا تكون الفرنكفونية صياغة ظرفية للاستمرار في تطبيق ما رُسم آنذاك من خطط لإخضاع هذا النوع البشري «إمازيغن» ، بل وتقريبه والاستفادة منه. - الأستاذ جواد بنامغار: نعم! حينما أخفقت فرنسا في زرع التفرقة بين المغاربة من خلال ظهير ١٩٣٠م المصطلح على تسميته «الظهير البربري» ، وكان غرضها من ذلك تكوين مناطق متفرنسة مفصولة عن الإسلام ولغته العربية تكون سندها في الاستعمار، ووسيلتها في السيطرة على البلاد، وتسخرها لأغراضها الاستعمارية؛ فلما لم تنجح في ذلك عمدت إلى الفرنكوفونية التي ظاهرها نشر اللغة الفرنسية ودعمها في مستعمراتها السابقة، وباطنها «الغزو الفكري» والتمكين للثقافة الفرنسية، والتصورات الفرنسية، ونمط الحياة الفرنسي الذي هو جزء من الحضارة الغربية المبنية على أسس مناقضة للإسلام، ولذلك فلا عجب أن تحتضن في هذا السياق التيارات المتطرفة، أو تحتويها وتدفع بها في اتجاه يخدم أطماعها الاستعمارية، وتحقق لها ما أخفقت فيه من تفرقة وسيطرة من خلال ظهيرها الاستعماري. - الدكتور محمد سدرة: في رأيي لا غرابة ولا مفارقة في دعم الفرنكوفونية للتيار الأمازيغي (الإيديولوجي) ؛ فهما رضيعان من لبن واحد، وهو الحركة الاستشراقية ذات الأهداف العدوانية على الإسلام والمسلمين؛ ففرنسا بعدما أعياها البحث عن وسائل مسخ الهوية الإسلامية في البلدان المستعمرة وفق المخطط الاستشراقي المعروف تاريخياً؛ لجأت إلى سياسة (فرِّق تسد) ، والتي بدأت بأطروحة الظهير البربري في كل من الجزائر والمغرب، وهي ذاتها تعاليم الأطروحة التي تمارس على مستوى أطروحة الأمازيغية في بعدها (الإيديولوجي) لا الواقعي كما قلت. البيان: إذن؛ هل يمكن الحديث عن علاقة ما بين الظهير البربري الذي أصدره المقيم الفرنسي العام بالمغرب [**] ، وبين الحركة الأمازيغية في صورتها الحديثة؟ هل هناك علاقة بين القديم والجديد، أم أن التاريخ لا يعيد نفسه؟ - الدكتور الحسين كنوان: أود أن أسجل قبل إعطاء وجهة نظري بخصوص هذا السؤال الملاحظات التالية: أ - لا بد من الاهتمام بجذور المسألة وجواهرها، لا بتجلياتها وأعراضها. ب - لا ينبغي أن نضع الآخرين في قفص الاتهام دون تحديد المسؤولية في الظروف التي دفعتهم إلى مثل ذلك السلوك. ج - في هذا التاريخ الذي ذكرتموه (١٩٣٤م) كان الداعي إلى شق وحدة الصف بتوظيف الأمازيغية هو المقيم العام الفرنسي ... والآن الذي يخدم هذه القضية بشكل أو بآخر هم أبناء المغرب، والسؤال الملح والعريض هو: لماذا؟ د - أنجب المغرب أبطالاً ومجاهدين مخلصين من الأمازيغ، حملوا راية الإسلام لنشره تارة، وحمايته من سطوة الدخيل تارة أخرى؛ فهل انقلبت الأمور، والسؤال أيضاً: لماذا؟ هـ - أشرتم في سياق هذا السؤال إلى أن الظهير البربري كان يقوم على نوعين من العزل هما: عزل الإدارة السلطانية ... وعزل الشريعة الإسلامية. لقد فعل الدخيل ذلك بخبثه إدارياً وجغرافياً؛ لكنه لم يستطع أن يحقق ذلك كل التحقيق على مستوى القلوب؛ حيث بقي الأمازيغ متشبثين بوحدتهم الوطنية، وبدينهم الحنيف، وثَمَّ شهادات حية على ذلك لا يسمح المقام بذكرها. و ألغى ظهيرُ ١٩٥٦م الظهيرَ البربري، ولكنه مع الأسف لم يلغ بعض مظاهر هذه المرحلة؛ مما يحتج به عند البعض في إطار الحركة الأمازيغية. أما بخصوص الجواب عن سؤالكم آنف الذكر؛ فإنه يمكن القول باختصار شديد بأن العلاقة موجودة بشكل أو بآخر بين مضمون الظهير البربري وأهدافه وبين الحركات الأمازيغية بالشكل الذي تعبر به عن نفسها، مهما كانت التفسيرات المقدمة لذلك؛ لأنها تخدم القصد بوعي منها أو بدون وعي، وليس هذا من باب اتهام دعاة الأمازيغية في وطنيتهم ... ولكن فقط لأجل التنبيه إلى عدم سلامة المنطلقات الأساسية لهذه القضية وأهدافها؛ ولذا يجب على كل من يرفع شعار الأمازيغية لسد ثغرة تنظيمية يراها؛ أن يتحرى في تحديد الأهداف التي يرمي إليها، والوسائل التي يستعملها لتخليص الفكرة من شوائب المنطلقات الاستعمارية وأهدافها، وأن يحتاط من تقديم الخدمات المجانية للغير ضد بلده، وإلا وضع نفسه في قفص الاتهام طوعاً أمام المغاربة كافة عرباً وأمازيغ. - الدكتور عبد الرحمن حيسي: لا توجد أي علاقة بين الحركة الأمازيغية الحديثة وبين الظهير البربري الذي أصدره الاستعمار الفرنسي في ٨ أبريل من سنة ١٩٣٤م؛ فهذا الظهير كما لا يخفى كان هدفه الأساسي هو سلخ الأمازيغ عن دينهم، والتفريق بينهم وبين إخوانهم العرب لخلق جو من الفوضى والفرقة في الرأي يضمن لفرنسا الاستمرار في احتلال المغرب، وقد رفض الأمازيغ هذا الظهير يومئذ وعارضوه بشدة، وأحبطوا كل مخططات المستعمر في تنفيذه. أما الحركة الأمازيغية الحديثة فليس من أهدافها شيء مما ذُكر، وقد سبق بيان ذلك في الإجابات السابقة. - الدكتور محمد سدرة: أنا عندما أتحدث في محاضراتي عن الحركة الاستشراقية الممهدة للاستعمار الغربي لبلدان العالم الإسلامي أركز دائماً على قضية أساسية، وهي أن الغرب وإن أخفق في الاحتفاظ بجيوشه في البلاد المستعمرة وانسحب منها؛ فقد بقيت جيوشه الأخرى في رباطها تؤدي المهام المنوطة بها أحسن قيام، وقد استطاعت أن تنجح فيما لم تنجح فيه الأسلحة النارية، ومن ضمنها النعرات القومية والعرقية التي لم تنجح الظهائر في تحقيقها فيما سبق. - الأستاذ جواد بنامغار: إن الربط بين ظهير التفرقة الاستعماري الفرنسي وبين الحركة الأمازيغية عند كل حديث عنها أمر تمليه تخوفات كل غيور على وحدة الشعب المغربي، وتماسكه، وتشبثه بدينه، وقد تجاوز الأمر مجرد التخوف إلى قلق حقيقي بظهور أصوات من داخل الحركة الأمازيغية تحيي هذا الظهير، وتتبنى مبادئه، وتنادي بها!! البيان: ولكن كيف تفسرون إخفاق الظهير البربري في العهد الاستعماري العسكري، ونجاح التيار الأمازيغي بعد ذلك في عهود الاستقلال، بل في ظل المغرب الحديث بعد ما يقرب من خمسين سنة من تاريخ إلغاء الظهير البربري (١٩٥٦م) ؛ وهل هناك خلل وقع للمجتمع المغربي ولتماسكه الوطني والديني؟ أم أن الحركة الأمازيغية جاءت بشيء جديد قَبِلَه بعض المغاربة، وقبلوا بمقتضاه ما أجمعوا على رفضه بالأمس إجماعاً شاملاً؛ مع العلم أن الحركة الوطنية هي التي تصدت له آنئذ، لكن بعض رجالاتها اليوم هم الذين يتزعمون التيار الأمازيغي ويرفعون مقولة: (الاستعمار العربي للمغرب) ؛ فكيف تفسرون ذلك؟ - الدكتور الحسين كنوان: أراكم أخي هنا تتحدثون عن الإخفاق والنجاح: إخفاق الظهير البربري في العهد الاستعماري ... ونجاح التيار الأمازيغي ... فهل ثمة إخفاق بالفعل؟ ونجاح محقق؟ أي هل أخفق الظهير البربري الاستعماري فعلاً، وزالت المؤسسات التي تخدمه على أرض المغرب؟ أم أنه وضع أدواته في حالة كمون؟ وغيَّر استراتيجيته لما اصطدم بإرادة جيل من المغاربة كانت لهم مواقف من الأجنبي الدخيل؛ ريثما يهيئ جيلاً آخر من أبناء الرافضين ليتبنى ثقافته، ويخدم مصالحه، بعد أن صنعه على عينيه؛ لتكون نظرته إلى الكون والحياة هي نظرته، وترتبط مصالحه بمصالحه، فيقدم له خدمات من حيث يدري أو لا يدري، وهو يعتقد أنه يحسن صنعاً؟ وماذا حقق التيار الأمازيغي، وشعاراته سياسية أكثر منها قومية إصلاحية، هل قدم بالفعل برنامجاً إصلاحياً لرفع المعاناة عن المناطق التي يسكنها الأمازيغ، هل تجاوز فعلا أُمَّ المشاكل عنده؟ يتعلق الأمر بمسألتين: أولاهما: من يحق له أن يدخل تحت مصطلح (أمازيغ) ؟ وهي التسمية الأصل، ومن يرضى بالتبعية والفرعية فيسمى باسم المنطقة الجغرافية التي يوجد فيها: (الريف) ، (سوس) ، ولا ضير في ذلك على كل حال، أو يسمى بالمصطلح الآخر الذي بدأت تقل فرص استعماله (الشلح) ، وهذا المصطلح يحمل دلالة قدحية، ولا يُستعمل مع الأسف إلا ليميز سكان المغرب من غير أصل عربي! وثانيهما: هي معضلة المتن الذي ليس له مرجع مدون يُرجع إليه، وينبغي العمل على تجاوز هذه المعضلة قبل التفكير في تقعيد القواعد، والسؤال الجوهري بهذا الخصوص هو: ما هي نسبة المتن المعجمي المتبقية من هذه اللهجة أو تلك من بين لهجات «تامزيغت» الثلاث؟ وهل يمكن أن تلبي حاجات المتكلم لو صُنع منها معجم ملفق؟ هل وهل ... ؟ إن رفع الشعارات أمر سهل ميسور على كل من يريد أن يفعل ذلك، لكن عند التنظير والتنزيل على أرض الواقع يختلف الأمر. وعليه يمكن القول في النهاية بأنه ليس ثم إخفاق بالنسبة للظهير البربري إن تأملنا بشيء من التروي أحداث التاريخ. وليس ثم نجاح محقق للأمازيغية بعد، لا سياسياً ولا ثقافياً؛ لأن شيئاً ما لم يتم بالشكل المطلوب على أرض الواقع. وبناء عليه؛ فالجواب عن السؤال الجزئي الوارد ضمن عناصر السؤال السابق هو أن الخلل ليس وليد اليوم، ولا الأمس القريب، وإنما هو خلل تاريخي؛ لأن المغرب منذ الفتح الإسلامي لم يعرف سياسة تربوية شاملة تذيب الحواجز بين سكانه مع إمكان احتفاظ كل عنصر بما يميزه، إذا ما استثنينا الإسلام الذي يؤمن به الجميع على تفاوت في ذلك، ويتمثل بناء على ذلك تعاليمه في سلوكه بقدر فهمه وإيمانه، فيوجد الكل على ذلك الإيمان. وهذه الفجوة - أي عدم صهر المغاربة تربوياً في بوتقة واحدة تزيل الفوارق الاجتماعية واللغوية بين الأمازيغ والعرب - هي التي استغلها الاستعمار لإحداث التفرقة بين المغاربة عن طريق ما يسمى بالظهير البربري. أضف إلى ذلك ما أصاب المغاربة من خيبة أمل في كثير من مؤملات ما بعد عهد الحماية؛ مما جعل المحرومين منهم يبحثون لأنفسهم عن متنفس؛ فهذا عن طريق الدعوة الأمازيغية، وآخر عن طريق المذهب الشيوعي الماركسي، وآخرون عن طريق الهجرات القانونية وغير القانونية إلى خارج أرض الوطن؛ بما في ذلك ما يسمى في القاموس الإعلامي المغربي عن الهجرة السرية بـ (قوارب الموت) ! فالخلل إذن تاريخي؛ إلا أن مركباً اجتماعياً وسياسياً سمح لهذه الدعوات وهذه السلوكات أن تظهر بفعل العوامل المشار إليها سابقاً، وبفعل خفوت نور الإسلام في القلوب، والذي هو الرابط الوحيد الأوحد بين جميع المغاربة؛ على مستوى الفكر والواقع، كمنهج سلوكي يتعامل بمقتضى تعاليمه رغم ما يشوب أفهام المتعاملين به من نقص أحياناً أفقياً وعمودياً. ولعل عدل الإسلام ونورانية تعاليمه هو ما جعل المغاربة الأمازيغيين يقبلون بالعنصر العربي أن يشاركهم في استيطان أرض المغرب لأول مرة؛ حيث اعتقادها بالإسلام ديناً وبالله رباً لا معبود سواه، وبالمصطفى ﷺ رسولاً ونبياً. وقد سجلوا هذه المعاني وما يشبهها في أناشيدهم وأهازيجهم التي يرددونها في شتى المناسبات. وعليه ليست الحركة الأمازيغية إلا إفرازاً لتلك الظروف والعوامل ضمن غيرها من الإفرازات، وقد تم الاهتمام بها أكثر من غيرها؛ لأنها لصيقة بالبعد القومي الذي لا يتأتى لغيرها من الدعوات الموجودة على الساحة اعتماده، ومع ذلك تبقى الحركة الأمازيغية مجرد شعار إلى أن تحقق للمؤمن بها شيئاً على أرض الواقع، وإلا تم تجاوزها كما تتجاوز الحركات المعتمدة على الشعارات، وقد ملَّ المغاربة عموماً والأمازيغ خصوصاً لغة الشعارات التي لا تحقق شيئاً على الواقع؛ وحالة التجارب الحزبية أكبر دليل على ذلك؛ ولذا فالرفض أو القبول رهينان بما سيترجم من شعارات على أرض الواقع؛ من أعمال إيجابية تحترم فيها المقدسات والثوابت. وما ورد في سؤالكم من أن بعض رجالات الحركة الوطنية هم الذين يتزعمون اليوم التيار الأمازيغي، وهم الذين يرفعون مقولة (الاستعمار العربي للمغرب) ؛ فإنه يمكن القول بأن هذا يدخل في إطار بعض سلوكات السياسيين من عرب وأمازيغ، وتاريخ المغرب الحديث يحفظ لنا أكثر من دليل على ما وقع بين السياسيين من مشاحنات خطيرة تتجاوز الأقوال إلى الأسوأ! - الدكتور عبد الرحمن حيسي: السؤال يربط ضمنياً بين الحركة الأمازيغية الحديثة والظهير البربري الاستعماري من حيث المبادئ والأهداف، وقد بينت سابقاً أن لا علاقة بينهما، وإلا فعليكم إثبات العكس بأدلة ملموسة من مقررات ومواثيق هذه الحركة حتى أصحح معلوماتي. وكذلك فما جاء في السؤال من وصف الوطنيين الأمازيغ في أيامنا هذه بالتنكر لقيمهم التاريخية والدينية، ولنضالهم ضد الاستعمار ومحاربتهم للظهير البربري ورفعهم لشعارات معادية للعرب يحتاج أيضاً إلى دلائل موضوعية وحجج ثابتة؛ حتى تكون الإجابة منطقية ومعقولة ومنصفة. ولا بد من التأكيد في هذا الصدد على أن كثيراً من المذاهب الفكرية والسياسية قد تكون لها أحياناً مواقف شاذة ومتطرفة، لكن هذه المواقف لا تمثل أبداً الإرادة الجماعية والموقف الجماعي لهذه المذاهب. البيان: عفواً فضيلة الأستاذ المحترم؛ نحن طبعاً لا نتهم جميع الجمعيات الأمازيغية، ونحترم الاتجاهات الوطنية منها كل الاحترام، ولكنه تواتر عن بعضها مع الأسف مقولة: (الاستعمار العربي للمغرب) ، والمطالبة بإحياء الثقافة الأمازيغية القديمة؛ أي أمازيغية ما قبل الفتح الإسلامي، وهي ثقافة وثنية محضة! - الأستاذ جواد بنامغار: أرى أن هناك بعداً آخر في الموضوع، وهو أن الاستعمار العسكري يستفز بطبيعته إرادة المقاومة في الشعوب، ويشعرهم بقيمة الوحدة والتلاحم، أضف إلى ذلك أن التيار السائد آنذاك هو تيار الوطنية المبني على أساس ديني سلفي، لكن بعد مرحلة الاستعمار عرفت كثير من البلدان فلسفات ونظريات وافدة، وتفرقت كثير من الأحزاب على أسس ومرجعيات لا دينية، إضافة إلى ما أصبحت البلدان الإسلامية ومنها المغرب عرضة له من غزو فكري وثقافي، وتغريب للنخب من أجل رجوع الاستعمار من النافذة بعدما خرج من الباب، مع تفريط كثير من الحكومات المتعاقبة في تحصين الأجيال الناشئة، وتربيتها على أسس متينة من التربية الإسلامية التي تفرقت بها السبل عن سبيل الله، وهذه كلها عوامل قوية ومساعدة لنجاح أي دعوة أو حركة كيفما كانت، وفي هذا الإطار يمكن فهم الدعوات المتطرفة في الحركة الأمازيغية التي تعيد إلى الأذهان الظهير الاستعماري الفرنسي لفصل «البربر» عن الإسلام، والتفريق بينهم وبين العرب. البيان: ولكن العجيب أيضاً أن التيار الأمازيغي صار مدعوماً من قبل الشيوعيين المتطرفين؛ خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، بل إن فلولهم هي التي تملأ الآن صفوف الحركة الأمازيغية! فكيف تفسرون ذلك؟ - الدكتور محمد سدرة: لا غرابة أيضاً في هذا الأمر؛ فالإناء الفارغ كما يقال توجد فيه القابلية للامتلاء بأي شيء مهما كان نوعه، فهؤلاء الأتباع - الذين كنت أسميهم دائماً (بالخبزيين) المصلحيين - ديدنهم الثابت هو التصفيق لكل ما يرون فيه مطية لعداوة الإسلام، وتحقيق طموحاتهم المخبولة، وإن لم يكونوا على يقين من النتائج، كما يشهد المسار التاريخي للفكر والعقيدة الشيوعية على ذلك. - الدكتور الحسين كنوان: يمكن أن ندرج ضمن الإجابة عن هذا السؤال نقاطاً ثلاثاً هي: أ - تتبنى الشيوعية مقولة الدفاع عن الطبقة الكادحة المحرومة، ولعلها لاحظت معالم الحرمان في أوساط «إمازيغن» ؛ ولذا وجدت مجالها الخصب في عقلية بعض المتعلمين من أولئك، فعندما يتحدث الشيوعي المستقطب في أوساط الشباب عن الفقر والحرمان، ويجعل سبب ذلك هو البورجوازية المستبدة بخيرات البلاد، وبالخصوص تلك التي تسكن المدن الكبرى ويتوفر لأبنائها من فرص العيش ما لا يتوفر لغيرهم؛ فإن هذا المتعلم الأمازيغي يرى تجليات تلك الأوصاف منطبقة على حياته بشكل أو بآخر؛ ولذا لا نستغرب أن نجد بعض هؤلاء قد تمركسوا؛ لأن المناطق التي تسكنها هذه الشريحة الاجتماعية المهمة من أبناء وطننا؛ لم تحظ بالعناية الاقتصادية والاجتماعية اللازمة. ويبدو أن لصعوبة التضاريس دوراً في عسر التنمية بالمناطق المذكورة؛ لأن الأمازيغ يقطنون الجبال والأرياف، عكس غيرهم ممن يكونون متضررين من نقصان التنمية مثلهم. إلا أن بعض سنوات الخصب، أو قربهم من المدن التي تتركز فيها الحركة الاقتصادية، أو مرور بعض الطرق المهمة التي تربط قراهم بالمناطق الاقتصادية؛ قد يخفف عنهم وطأة الحرمان، والآلام إلى حد ما. ب - يبدو أن هذا العنصر البشري من سكان المغرب «إمازيغن» يحظى بعناية خاصة لسبب من الأسباب من لدن عدد من دول العالم غير العربية والإسلامية وهذه الدول استعمارية عسكرياً وفكرياً، أو فكرياً فقط في أغلبها؛ إذ من المعلوم أن اللغة الأمازيغية تُدرّس في حوالي ست عشرة (١٦) مؤسسة جامعية موزعة على إحدى عشرة دولة من بينها دولة إفريقية واحدة، أما الباقي فهو موزع بين دول القارات الثلاث هي: أوروبا (ولها حصة الأسد) ، ثم أمريكا، وآسيا. ويمكن أن نلاحظ زيادة اهتمام فرنسا صاحبة «الفرنكوفونية» بالأمازيغية في الدرجة الأولى بأربع مؤسسات جامعية من بين العدد المذكور، تليها أمريكا بثلاث مؤسسات، وهذا أمر لا يحتاج إلى تعليق. والغريب في الأمر هو غياب تام لاهتمام الدول العربية والإسلامية بهذا الأمر. ج - إن الشيوعية ترفض الدين جملة وتفصيلاً، والإنسان الأمازيغي مؤمن بربه كما تمت الإشارة إلى ذلك محب لوطنه، مستميت في الدفاع عن مقدساته. وقد سبقت الإشارة إلى أنه أمد في عمر حرية وطنه عشرين عاماً، وهذا ما يفسر الاهتمام الاستعماري بلغته؛ ومن ثم الاهتمام به نفسه من لدن عدد من دول العالم وأنظمته ومن ضمنها الشيوعية. - الأستاذ جواد بنامغار: إن الاندحار الماركسي في العالم الإسلامي، وإخفاق الشيوعية على الصعيد العالمي بسقوط الاتحاد السوفييتي لا بد أن يؤدي بفلول الشيوعيين إلى البحث عن مظلات يعملون تحتها، وقنوات يصرفون من خلالها مبادئهم، ومن بين هذه القنوات «المسألة الأمازيغية» ؛ وذلك لأنها تحقق لهم بالشكل الذي يتبنونها به أمرين أساسيين: ١ - إذكاء الشقاق والصراع بين مكونات الشعب المغربي، والصراع هو مفتاح النظرية الشيوعية في توجيه الأحداث وفهم التاريخ. ٢ - محاربة الإسلام، العدو اللدود للشيوعية، والذي اندحرت أمامه فكرياً وواقعياً، وذلك من خلال محاربة العربية لغته ووسيلة فهمه وتشويه تاريخه، وإحداث قطيعة بين الأمازيغية والإسلام، وإحياء نعرات عرقية وعصبية وأفكار جاهلية أماتها الإسلام في هذه البلاد منذ ما يزيد عن أربعة عشر قرناً. البيان: بالتأكيد يصعب تحديد أهداف حركة اجتماعية ما بدقة؛ خاصة إذا كانت تتسم بالغموض وتحوي فصائل وتوجهات فكرية وإيديولوجية متعددة. ولكن لنحاولِ المقاربة؛ ففي نظركم هل يمكن اعتبار أهداف الحركة الأمازيغية إنما هي لمواجهة الصحوة الإسلامية، أم لتهديد الوحدة الوطنية، أم لهما معاً، أم هي رد فعل لنزعة القومية العربية، أم لا هذه ولا تلك؟ - الدكتور الحسين كنوان: نبدأ من السؤال الأخير بالترتيب العكسي للإجابة عن هذه التساؤلات؛ مع استحضار التحفظ السابق المتعلق بعدم تعميم هذا الحكم على جميع فصائل الحركة الأمازيغية. فأما السؤال الأخير: «أم لا هذه ولا تلك؟» ؛ فغير وارد في تقديري؛ لأن الأصابع التي ينبغي أن نفترض وجودها، وأقول هذا مع احترامي لكل الآراء ما لم تمس الوحدة الوطنية؛ هذه الأصابع موجودة ولو عن طريق الإيحاء، والتوجيه من بعيد، أو استغلال الحدث وتوظيفه لصالحها بالشكل المناسب، في الوقت المناسب. وبخصوص السؤال الثاني: الذي هو احتمال رد فعل لنزعة القومية ... إلخ؛ فيمكن القول بأن نسبة من ذلك موجودة، وإن لم نقل إنها سائرة إلى الزوال إذا بقي الحال على ما هو عليه، فهي ضعيفة جداً عند الأفراد، وهي كلام أكثر منها تخطيط وإنجاز، وتآزر فعلي في الشدائد عند الهيئات؛ فالأجهزة القومية العربية شبه معطلة. ومع ذلك فهذا الجانب وارد عند البعض بنسبةٍ ما، وقد يحركه ويوقظه عامل عقد مؤتمرات القومية العربية؛ في دولٍ نسبة كبيرة من سكانها أمازيغ؛ دون أن يعار لهم أي اعتبار، فقد قدر لي أن حضرت إحدى جلسات «مؤتمر القوميين العرب» بمدينة فاس، وكان الإلحاح من لدن المتدخلين على تثبيت دعائم القومية العربية؛ مما جعلني أهمس في أذن أحد الإخوة (مازحاً بالطبع) : إن مثلي لا مكان له في هذا الملتقى؛ لأنه خاص بالقوميين العرب وأنا أمازيغي! وعليه فالذي يبقى مقصوداً في بؤرة تساؤلاتكم هذه هو الشطر الأول من سؤالكم بقسميه: محاربة الإسلام الذي حمل أبناء الأمازيغ لواء نشره، أو الدفاع عنه في أكثر من مناسبة من تاريخ المغرب، مع العمل على شق صف الوحدة الوطنية؛ لأجل إضعافها كوسيلة لخدمة الهدف الأول، وهو أمر خطط له الدخيل (الاستعمار) منذ زمان بإحكام، كما سبقت الإشارة إلى ذلك؛ ولذا لا يتوانى في توظيف أدوات الضغط التي يراها مناسبة في كل زمان. - الدكتور عبد الرحمن حيسي: الحقيقة أن الأمازيغية كما ذكرت سابقاً ليست حركة عنصرية، وليس من أهدافها مواجهة الصحوة الإسلامية؛ لأن «الأمازيغ» سلفاً وخلفاً يدينون بالإسلام، ولا يوجد بينهم من يعتنق غيره، وهو اختيار لن يرتدوا عنه إن شاء الله أبداً، وتاريخ المغرب القديم والحديث يشهد على ذلك. وليس من أهداف «الأمازيغ» أيضاً تهديد الوحدة الوطنية؛ لأن دينهم يدعو إلى الوحدة لا إلى التفرق، وهم يدركون جيداً أن قوة المغرب واستقراره تستلزم الحفاظ على هذه الوحدة والذود عنها، ولا يوجد في مواثيقهم وتقاريرهم الرسمية ما يخالف ذلك، أما الهدف الحقيقي لهذه الحركة فهو إحياء التراث الثقافي الأمازيغي بوصفه إرثاً حضارياً للمغرب ولكل المغاربة، ومن مكونات ذاكرتهم التاريخية، وأعتقد أن هذا الهدف يعطي لهذه الحركة الحق في الوجود قبل حركات أخرى أكثر بعداً عن دين المغاربة وقيمهم وثقافتهم؛ كالفرنكوفونية والأنجلوفونية وغيرهما. - الدكتور محمد سدرة: في اعتقادي أن الحركة هي ردة فعل طبيعية لحركة القومية العربية الحديثة؛ على غرار ما وقع في البلاد العربية الأخرى، من فرعونية وقبطية وفينيقية وبابلية ... إلخ. وقد ساهم الاستعمار الأوروبي الغربي في تغذية هذا الشعور وتحميسه؛ لزيادة الفرقة بين أبناء العالم الإسلامي. - الأستاذ جواد بنامغار: ومع ذلك؛ فإني أرى أن هناك توجهات معينة داخل الحركة الأمازيغية؛ هي مع الأسف ترمي إلى التفرقة العرقية، ومحاربة اللغة العربية، وفصل الأمازيغ عن الإسلام، وتفكيك الوحدة الإسلامية التي انصهر فيها المغاربة عرباً وأمازيغ ... إن كل هذا يهدد الوحدة الوطنية طبعاً ويهدد الإسلام الذي هو غاية الصحوة الإسلامية ومقصدها. البيان: في ضوء ذلك: هل نعد ما تطالب به الحركة الأمازيغية اليوم من تعليم اللغة الأمازيغية بالمدارس الحكومية والمعاهد الرسمية والتي يبدو أن شيئاً من ذلك بدأ بالتحقق بالفعل على أرض الواقع، مع الإصرار على المطالبة بالكتابة بالحرف الأمازيغي القديم دون الحرف العربي؛ هل نعد هذا ظاهرة سلبية أم إيجابية؟ - الدكتور محمد سدرة: أعتقد أن هذه الظاهرة سيف ذو حدين؛ فهي ولا شك دعوة خبيثة وإن كانت عند البعض عن حسن نية ستؤدي إلى تقويض اللغة العربية في أذهان الأمازيغ كما وقع في تركيا (لا قدر الله ذلك) ، وهي من جهة أخرى قد تنقلب ضداً على إرادة التيار الإلحادي العنصري في الحركة، فتكون وسيلة ناجحة لتعميق الإسلام والهوية الإسلامية في نفوس الأمازيغ؛ لو نجحت فكرة الكتابة باللغة الأمازيغية. ولا أظن ذلك ناجحاً. - الدكتور الحسين كنوان: كان ينبغي أن نفرق منذ البداية بين الأمازيغية كمعطى تاريخي اجتماعي أصيل على أرض المغرب؛ بجميع ما يحمله من مكونات ثقافية وحضارية، وبين الحركة الأمازيغية كمفهوم سياسي محض، وإن كانت تستند في ادعاءاتها إلى التاريخ، وهذا المفهوم الأخير لمصطلح «الأمازيغية» هو الذي يثير شيئاً من الحساسية عند البعض، ولولا هذه الحساسية لاعتبرت الحركة كأي حزب سياسي، ولكان من الواجب على المؤسسات التي تمثل المغاربة تأطيراً أن تطالب بتدريس الأمازيغية في إطار مفهوم ثقافي شامل؛ لأنه لا يعقل أن يجدف المغرب بجناح واحد في هذا المجال، ولأن اللغة الأمازيغية إن لم تكن لغة المصالح؛ أي لغة العلم نظراً لأسباب تاريخية طبيعية يمكن أن تنطبق على أي لغة من اللغات الإنسانية التي ضعف أهلها (كما هو حال اللغة العربية في وقتنا الحاضر) ، فهي لغة المشاعر لدى شريحة اجتماعية لا يستهان بها، أضف إلى ذلك أنها علمياً على مستوى أسماء الأعلام قد تفيد المؤرخ والجغرافي وعالم الحفريات، وربما حتى الاجتماعي والسياسي؛ ولذا من الإنصاف للتاريخ أن يطالب المغاربة بإتمام شخصية ثقافتهم؛ لا أن يترك ذلك لفئة معينة، أو تجنح بها الأهواء، وقصور الرؤية، فتسيء من حيث كان قصدها الإحسان. والمغرب منذ بداية التخطيط لعهد الحماية، وهو خاضع بشكل ممنهج للغزو الفكري واللغوي، بما لا يمت إلى شخصيته بصلة، وإنما بما يمثل الأطماع الأجنبية إلى درجة أن اللغة العربية التي هي في الدرجة الأولى دستورياً صارت ثانية على المستوى الفعلي، وربما تصبح في الدرجة الثالثة، ثم الرابعة؛ إذا بقيت الأمور على ما هي عليه؛ إذ إن كثيراً من المغاربة المحسوبين على العروبة لا يعرفون اللغة العربية، ومن عرفها منهم لا يحرص على استعمالها في الدرجة الأولى كتابة ومخاطبة إلا من رحم الله. وربما لا يرغب البعض الآخر في تعلمها وتعليمها لأبنائهم، وهذا ما يفسر اكتظاظ مدارس البعثات الثقافية بأبناء طبقة من المغاربة؛ لأن الشعور بالانتماء الحضاري ضعيف عند هؤلاء، إن لم يكن قد زال تماماً. في هذا المناخ يحق لمن يطالب بتعليم الأمازيغية أن يفعل ذلك من وجهة نظري؛ لأنها اللغة التي تسهم في حماية الهوية المغربية - إذ الرجوع إلى الأصل أصل - لما بدأ التفريط في المقومات التي تجمع المغاربة منذ قرون، وفتح الباب على مصراعيه لحرية الانتماء الإيديولوجي؛ هنا يكون تدريس الأمازيغية أمراً واجباً؛ لأنها وحدها المعطى الحضاري الوحيد الذي يحتضن بعض المفاهيم الأصلية، ولا نحتاج إلى تقديم أدلة على تنامي عدد المعرضين عن العروبة والإسلام من المغاربة غير الأمازيغ. وعليه يكون هذا المطلب (تدريس الأمازيغية) إيجابياً باعتبار الحيثيات المذكورة. أما الإصرار على الكتابة بالحرف الأمازيغي فإنه يمكن القول بقطع النظر عن الخلفية التي تدفع إلى ذلك بأن الحرف العربي على الحالة التي هو عليها لا يمثل مخارج أصوات الأمازيغية بالشكل الكيفي المطلوب، ولعل هذا التمثيل قد يتوفر في الحرف الأمازيغي؛ لأنه موضوع أصلاً لذلك؛ حيث يجمع بين الشكل والنطق في ذهنية المتعلم. أما الحرف العربي فإن كان لا بد من استعماله فإنه ينبغي إدخال بعض التعديلات عليه بإضافة علامات يصطلح عليها لبعض الحروف؛ حتى تمثل أصواتاً أمازيغية لا وجود لمقابلاتها في الحرف العربي الموجود حالياً. البيان: كيف تقومون موقف الحركة الإسلامية من اللغة الأمازيغية؟ وكيف تقومون تعاملها الدعوي معها؟ وذلك باعتبار أن الحركة الإسلامية حركة ذات بعد حضاري شمولي؛ الأصل فيها أن تكون لها ورقة علمية وتصور معين لكل مسألة اجتماعية ذات ارتباطات بالوجود التاريخي للوطن، ثم أن يكون - بناء على ذلك - لها أسلوبها الخاص لمعالجة مثل هذه الملفات؟! - الدكتور الحسين كنوان: أخي الكريم! يبدو أن سؤالكم هذا في حاجة إلى شيء من التحوير؛ حتى ينسجم أكثر مع القصد المتبادر إلى الذهن؛ ولذا أقترح عليكم تعويض جملة «الحركة الإسلامية» بـ «الحركات الإسلامية» ؛ لأنه ليس ثم وحدة حركية تامة متطابقة في وجهات النظر بين العاملين في الحقل الدعوي بالمغرب على المستوى الشكلي على الأقل، وإلا لما تعددت التسميات وتنوعت القيادات. وقد يكون لأسباب هذا الاختلاف الشكلي أثر في اختلاف وجهات النظر إزاء هذا الموضوع، والذي حملني على هذا الاقتراح هو قولكم: (وكيف تقومون تعاملها الدعوي معها؟) ؛ لأن التعامل أوْلى أن يكون مع الذوات منه مع المعاني، والله أعلم. وحتى لا أكون متعسفاً أجيب عن سؤالكم كما هو، ثم أضيف إجابة عما يحتمل من القصد المفترض. إن كان قصدكم هو تقويم موقف الحركة الإسلامية من اللغة الأمازيغية - كما هو وارد في سؤالكم - فإن الأمر واضح؛ لأن الإسلام رسالة، واللغة أداة تبليغ، وعليه لا يمكن أن يكون موقف الداعية المسلم من أي لغة إلا موقفاً إيجابياً؛ لأنها صلة وصل بينه وبين المدعوين، ولعل من شروط صحة كونه داعية في بيئة معينة أن يعرف لغة القوم المدعوين؛ مصداقاً لقوله تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ] (إبراهيم: ٤) ؛ وعليه فكل داعية يجهل لغة القوم المدعوين فضلاً عن أن ينكر عليهم الاهتمام بلغتهم يكون قد أخل بشرط من شروط صحة كونه مؤهلاً لهذه المهمة في تلك البيئة. وأرى أن الشطر الثاني من سؤالكم بشكله: (وكيف تقومون تعاملها؟) ... يدخل ضمن هذه الإجابة. أما إن كان قصدكم كما أراه هو تقويم موقف الحركات الإسلامية من الحركات الأمازيغية؛ فإن الأمر واضح أيضاً؛ ذلك أن الإسلام ممثلاً في الحركات الإسلامية (إن كان ممثلاً بالمستوى المطلوب حقاً) ، لا يقبل التجزؤ والتشتت بين أفراد المجتمع المسلم، بل يقبل التنوع والاختلاف في الجزئيات، في إطار وحدة شاملة تؤطرها الكليات، وفي هذا الإطار يمكن وصف ما قد يحصل بين الحركتين من خلاف. وإن كانت ثمة مواقف متباينة، أو سلوكات من هذا الجانب أو ذاك إزاء الآخر؛ فإنه يمكن تفسيره بضعف في فهم فقه تنزيل الإسلام على الواقع (إن حدث من أية جماعة إسلامية) . أو ضيق في أفق الرؤية السياسية (إن وقع من إحدى الحركات الأمازيغية) . - الأستاذ جواد بنامغار: أظن أن موقف الحركة الإسلامية من اللغة الأمازيغية ينطلق - أو هكذا ينبغي أن يكون - من موقف الإسلام نفسه؛ فاختلاف اللغات آية من آيات الله، وتعليم اللغات وتعلمها من أجل التواصل، ومن أجل الدعوة إلى الله خاصة وتبليغ رسالته أمر مطلوب؛ مصداقاً لقوله الله : [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ] (إبراهيم: ٤) . لكن في المقابل فإن أساس الالتحام ووحدة الأمة هو العقيدة الإسلامية التي تنبذ العرقيات والعصبيات، وتربط الناس بالله تعالى رب العالمين. والاهتمام باللغة العربية وإعطاؤها الأولوية عقيدة لا قومية ولا عصبية؛ لأنها هي مفتاح فهم الدين الإسلامي عقيدة وأحكاماً وأخلاقاً. هذا من حيث المبدأ، أما عملياً فأظن أن الحركة الإسلامية كفيت هذا النقاش حيناً من الدهر بالموقف التاريخي للأمازيغ أنفسهم الذين أحبوا العربية لمكانها من الدين، فأقبلوا عليها، وتعلموها، وبرعوا فيها لأجل فهم الإسلام، والعمل به، وتبليغه. لكن هذا لا يعفي الآن الحركة الإسلامية - خاصة في ظل المتغيرات الجديدة - من تركيز الاهتمام باللغة الأمازيغية، بل والمسألة الأمازيغية عامة، وخاصة أن فئة عريضة من أعضائها أمازيغ، أو من أصول أمازيغية، بل كثير من قيادييها وعلمائها كذلك. وهذا الاهتمام يجب أن يسير في اتجاهات ثلاثة: ١ - تكوين دعاة ووعاظ قادرين على شرح الإسلام ومبادئه بالأمازيغية؛ لأن كثيراً من أهالي المناطق الأمازيغية لا يفهمون العربية، أو على الأقل لا يستوعبون بها استيعابهم بالأمازيغية. ٢ - إقامة أبحاث ودراسات تبين عمق ارتباط الأمازيغ بالإسلام، ولإسهامهم في الدعوة إليه في مختلف المجالات، والدفاع عنه في شتى المناسبات، وتجلية ما تنطوي عليه الأمازيغية من مضامين إسلامية عموماً. ٣ - مد جسور التواصل والحوار مع مختلف مكونات الحركة الأمازيغية لتطويق التطرف، وإزالة الاختلاف المذموم، وإنضاج رؤية للمسألة الأمازيغية تعترف بالخصوصية، وتتشبث بالوحدة في إطار التنوع والتكامل. البيان: ما الأخطار في نظركم التي يمكن أن تسببها الحركة الأمازيغية لمستقبل المغرب الإسلامي؟ طبعاً نتحدث عن التيارات السياسية العنصرية؛ لا عن الأمازيغية من حيث هي لغة وطنية؟ - الدكتور الحسين كنوان: لقد سبق أن قلت لكم: ينبغي أن نهتم بجواهر الأمور لا بأعراضها، وفي هذا السياق أقول: أراكم تتحدثون عن الأمازيغية كأنها غول دخيل يتربص بالمغرب الدوائر، وكأن غيرها من الحركات - وهي دخيلة فعلاً شكلاً ومضموناً لا يشكل أي خطر على الوحدة الوطنية، وقد سبق أن قلت أيضاً: عندما لا تحترم مقومات العروبة بالشكل اللائق، وتعلن ممارسات ضد الإسلام؛ فإن الرجوع إلى الأصل أصل، ونحن نرى على أرض الواقع أن مجال استعمال اللغة العربية وهي المقوم الأول للعروبة يضيق عند الأفراد والمؤسسات، وإن سجلنا - بكامل الأسف - أثناء الحديث عن سؤال سابق: الغياب المطلق لاهتمام العالم الإسلامي عموماً، والعالم العربي خصوصاً بالثقافة الأمازيغية، مقابل العناية المشبوهة لعدد من الدول الأوروبية، والآسيوية والأمريكية بها، أمام كل هذا، عندما نقول للأمازيغ: «إن حركتكم هذه تشكل خطراً ما على مستقبل المغرب الإسلامي» ؛ فإننا نقول له أحد الأمرين: أولهما: أنك لست مغربياً، ولا حق لك في أن تفكر في هويتك، فكن فرنكفونياً، أو شيوعياً، أو ما شئت إلا أن تدعي أنك أمازيغي، وكان بالإمكان أن نختار لك الإسلام الذي لم نلقنك ما يكفي من مبادئه لتشب عليها منذ نعومة أظفارك، وربما لم تعامل مرة بعدله، ولا شملتك رحمته فيما عشت من حياتك، أو العروبة المفككة التي لم يعد كثير من أبنائها يحترمون أبسط مظاهر انتمائهم لها، ممن يوجدون حولك. ثانيها: ونقول له ثانياً: عليك أن تعطل عقلك، وتبدل إحساسك، وتزكم ذوقك؛ لتتبع من أهمل أحوالك المادية والمعنوية. إنه والله منطق غير مقبول. فالأمازيغي مهما كان؛ إنسان مغربي وطني مسلم أصيل، ولن يشكل أي خطر على مستقبل بلده، نعم من حقه أن يمارس نشاطه السياسي كغيره! فإن ضل هديناه، وإن أخطأ وجَّهناه، وإن أصاب عضدناه، وإن اشتكى من أننا ظلمناه أنصفناه. وأرى أن التنظيمات الأمازيغية كغيرها من التنظيمات السياسية قد تمثل فئة من المواطنين الذين يتعاطفون معها لسبب أو لآخر، كُلاً أو بعضاً، فقد ينساق البعض وراء شعارات الأمازيغية كمفهوم عام، ولكن قد يتبرؤون من هذا الادعاء أو ذاك؛ مما فيه ثقل المسؤولية أو شبه احتمال الإضرار بسمعة البلاد بشكل ما. وأخيراً فإن الحركة الأمازيغية في تقديري حركة وطنية؛ تسعى إلى البناء لا إلى الهدم والتخريب؛ حتى يتوقع منها خطر على الوحدة الوطنية في المستقبل؛ لأن هؤلاء أحفاد المجاهدين المؤمنين الصادقين كطارق بن زياد، وعبد الكريم الخطابي، وموحى أحمو الزياني، وموحى أسعيد، ومحمد الحنصالي، وعسو أباسلام، وغيرهم كثير ممن خدموا الإسلام وجاهدوا في سبيل الله، ولم يكتب لأسمائهم أن تظهر على صفحات التاريخ، ولكنهم عند ربهم يرزقون إن شاء الله. - الدكتور عبد الرحمن حيسي: إذا وجدت النيات الحسنة، وسادت روح التعاون بين جميع الأطراف الفاعلة في الحقل السياسي والثقافي المغربي؛ فإن الأمور ستسير سيراً طبيعياً، ولن تأخذ القضية أكثر من حجمها الحقيقي. ولا بد من التأكيد في هذا السياق على أن وجود الإسلام في المغرب وجود راسخ ومتجذر في أعماق تاريخه العريق وحضارته الأصلية، وهو اليوم كما كان بالأمس دين كل المغاربة على اختلاف توجهاتهم ومشاربهم الثقافية والفكرية؛ منه يستمدون قوتهم ووحدتهم وعزتهم واستقرارهم، لا يجادل في ذلك ولا يساوم إلا من سفه عقله، أو كان جاهلاً بواقع المغرب وتاريخه. وقد تبادر إلى ذهني سؤال وأنا أجيب عن الأسئلة حول «الأمازيغية» ؛ وهو: لماذا لم يحدث مثل هذا التخوف من الشيوعية والعلمانية والفرنكوفونية والأنجلوفونية وغيرها من التيارات التي لها وجود فعلي في الوسط السياسي والثقافي المغربي؟! - الدكتور محمد سدرة: لا أعتقد أن هناك أخطاراً مباشرة من الحركة الأمازيغية؛ إذ لا أعتبرها تقف على أسس بإمكانها زعزعة الوحدة الوطنية، وخاصة حول الدين المتغلغل في أعماق المغاربة رغم كل العواصف. ولكن الخطر الوحيد الذي يمكن أن تكون الأمازيغة طرفاً فيه هو الإحباط المؤدي إلى الاستسلام والعبثية، خاصة مع الإحباطات السياسية والاجتماعية، على المستوى المحلي والجهوي والدولي للأمة الإسلامية، وهذا خطر يصيب المغاربة عبر التاريخ لفترات طويلة، لكنهم ينتفضون منه في الوقت المناسب. - الأستاذ جواد بنامغار: إن الخطاب المتطرف في الحركة الأمازيغية ينذر لا قدر الله بمشكلات التفرقة، والتجزئة والانفصال كما آلت كثير من الحركات في بلدان متعددة من العالم؛ من حركات ثقافية لغوية إلى حركات متطرفة انفصالية. البيان: ما هو السبيل للعودة بالبلاد إلى سابق عهدها الوحدوي المتماسك دينياً وسياسياً واجتماعياً ونفسياً؟ - الدكتور عبد الرحمن حيسي: هذا السؤال لا مسوِّغ له؛ لأن المغرب لم يفقد شيئاً من وحدته الدينية والاجتماعية والنفسية كما ذكر، وما نلاحظه على أرض الواقع من تعايش واستقرار سياسي واجتماعي ووحدة في الموقف تجاه القضايا الكبرى والمصيرية للمغرب خير شاهد على ذلك. - الدكتور الحسين كنوان: نشر عدل الإسلام ورحمته، وتعلم اللغة العربية لفهمه على أكمل وجه. - الدكتور محمد سدرة: في تقديري المتواضع، هناك وصفتان لا بديل عنهما: الأولى دينية: تتمثل في تكثيف عملية التوعية الدينية والحملات الدعوية عبر شرائح المجتمع، وخاصة الطبقات الشعبية والأمازيغية منها على وجه الخصوص. وقد دلت قرائن متعددة على دور هذه التوعية في التحام المغاربة وتماسكهم؛ رغم الأوضاع المزرية التي يعيشونها، وخير مثال على ذلك ما أثارته قضية (مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية) الذي أراد التيار الشيوعي فرضه على المغاربة، فعبروا بإجماع، عرباً وأمازيغ؛ عن رفضهم ومقاومتهم له، وأولهم النساء. الثانية اجتماعية: تتمثل في إعادة الثقة إلى الشرائح المحرومة من المجتمع بالاهتمام بها على مستوى ضمان خبزها اليومي، والعناية بصحتها وتعليمها، والتواصل معها في همومها اليومية. - الأستاذ جواد بنامغار: لا شك أن التمسك بالإسلام هو أساس وحدة الشعب المغربي عبر تاريخه كله، وهو أساس الأخوة والتكامل والتضامن بين جميع أفراده، لكن هذا المعنى شابته شوائب مختلفة - على مر السنين - أضعفت من قوته وفاعليته، فلا بد من تكثيف الجهود الدعوية، والتربوية، والعلمية والإعلامية؛ لبناء الإنسان القرآني الذي يجسد الإسلام حقاً على أرض الواقع. وموازاة مع ذلك لا بد من محاصرة بوادر الخلاف والتفرقة، ومعالجة علل التدين، والتصدي للجهل بالدين الأساس أو تجاهله، وكذا التصدي لموجات الغزو الفكري، والإباحية الأخلاقية. لا بد من مواجهة كل هذا بالدعوة إلى الله تعالى على بصيرة، وعلى نهج الحكمة والموعظة الحسنة، والحوار البناء مع كل مخلص غيور، والتعاون مع كل ذي نية حسنة تكثيراً لسواد الخير وأهله، ومحاصرة لأهل البغي والفساد والإفساد. ولا بد كذلك من نقد ذاتي صريح، وعلاج شامل متكامل؛ ذلك أن كثيراً من الظواهر الفكرية والاجتماعية تجد لها عمقاً في الذات؛ فهماً وممارسة وتعاملاً، وربنا ﵎ يقول: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: ١١) . البيان: نشكر السادة الأساتذة الفضلاء على قبولهم المشاركة في هذا الحوار العلمي القيم، ونشكرهم كذلك على صبرهم على أسئلتنا، وتفضلهم بآرائهم في كل ما تعلق بكلماتها، وبما وراء كلماتها. لقد تبين إذن من خلال حديثكم القيم أن الإسلام هو الوعاء الطبيعي لكل نشاط ثقافي أو سياسي يرجى له النجاح في علاج مشكلات الأمة، وأن أي شذوذ عن الإطار الإسلامي إنما هو تحليق خارج سرب الأمة؛ فلا هو يمثلها وإنما هو يمثل نفسه خاصة، وأن الأمازيغية الحرة ترفض أن يتكلم باسمها الماركسيون اللينينيون، أو الفرنكوفونيون الاستئصاليون. وأن أي استغلال علماني لمظلتها إنما مصيره الإخفاق؛ لسبب بسيط هو أنه مناقضة لسنن الحضارة، وأصول العمران، وقواعد الاجتماع البشري؛ فالمغرب المعاصر الذي يستمد وجوده من التاريخ إنما كان يوم كان بهذا الدين؛ فقد تشكلت هويته عبر قرون من التراكم الثقافي والإثني في إطار الإسلام؛ فمنذ الفتح الإسلامي الذي وقع في القرن الأول الهجري، وهو يتشكل عبر تعاقب الدول والأجيال، لينتهي في الأخير إلى هذه الصياغة الحضارية التي مزجت بشكل عجيب ودقيق بين مكونات شتى، فكان هذا البلد كما هو حقيقة: المغرب المسلم! وكذلك هو الحال بالنسبة لدول الغرب الإسلامي عامة: ليبيا وتونس والجزائر وموريتانيا. فليس أحد أقدر على الاضطلاع بمشروع التجديد لثقافته - بمعناها الشمولي - من طلائع الصحوة الإسلامية، لكن إلى أي حد هي فعلاً على صلة وثيقة بهموم الناس وبنياتهم الاجتماعية؟ وإلى أي حد هي جادة في دراسة المآلات الاجتماعية والحضارية لما يقع للأمة اليوم من إعادة تشكيل عولمي؟ تلك أسئلة أخرى، لها قصة أخرى!

стр. 4453

حوار فضيلة الأستاذ خالد مشعل في حوار خاص مع البيان على كل الحركات الإسلامية أن تدرك أن الخطر الصهيوني يستهدفها الحمد لله رب العالمين، وصلوات الله وسلامه على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. مع تلاحق الأحداث واشتدادها في فلسطين؛ تزداد انتفاضة الأقصى ثباتاً وصموداً، وفي ظل التطورات التي تحيط بأمتنا من كل جانب، ولا سيما في الأرض المباركة؛ تواصل البيان متابعتها للأحداث هناك، وتستضيف فضيلة الأستاذ خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس، في حوار يلقي الضوء فيه على كثير من الجوانب المهمة لانتفاضتنا المباركة، وما يجري على الساحة من أحداث وتطورات. البيان: دعوتم في كلمتكم بمناسبة مرور عامين على بدء الانتفاضة الثانية الشعوب العربية والإسلامية إلى أن تجدد تفاعلها مع الانتفاضة؛ فما هو رأيكم إن ضَعُفَ هذا التفاعل مع شدة الأحداث في فلسطين؟ - بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. نحن أولاً ظننا بأمتنا أنها لم تقصِّر، ولذلك لسنا متخوفين من تقصير الأمة، بل نستبشر أنها ستؤدي واجبها ورسالتها، ونتفهم الظروف التي تقود أو تؤدي إلى مثل هذه الحالة غير المستقرة من تفاعل الشعوب العربية والإسلامية، ومع ذلك فأملنا ودعوتنا هي تجديد هذا التفاعل، لكن لا شك أن هذا التفاعل إذا قصر أو تراجع؛ فهنا مشكلتان: الأولى: تقصير الأمة في واجبها؛ وهذه مسؤولية أمام الله . والمشكلة الثانية: أن أهلنا في فلسطين الصامدين المنتفضين المجاهدين سيُحرمون من دعم أهلهم وأُمَّتهم، ولا شك أن شعبنا في فلسطين بحاجة إلى هذه المساعدة؛ لأن أي حركة مقاومة لا تستغني عن محيطها، وفي التاريخ كل الثورات وكل حركات المقاومة كانت تعتمد على دولة مجاورة؛ سواء في الدعم البشري، في الدعم المالي، في الدعم العسكري، التزويد بالسلاح، حرية الحركة، الدعم اللوجستي بصورة عامة، ولذلك لا يعقل أن حركة المقاومة في فلسطين، أو قوى المقاومة في فلسطين تُحرم من هذا السند، لا أقول السند الخارجي؛ لأن الأمة ليست شيئاً خارجاً، وإنما تحرم من أُمَّتها من أهلها من جوارها، وإلا يصبح هذا استثناء من كل تجارب المقاومة في التاريخ. فإذن نحن بحاجة فعلاً إلى هذه المساعدة؛ خاصة أن متطلبات المقاومة لا يمكن أن تستمر بدون هذا الدعم. على سبيل المثال: السلاح. السلاح صحيح أنه متوفر في الأرض المحتلة بشكل محدود، ولكنه بأسعار غالية، وليس كل الأنواع إنما أنواع بسيطة، وتجارة السلاح في الداخل محفوفة بالخطر؛ بحكم أن غالبية التجار لديهم خطوط مع الأمن الإسرائيلي وغيره، ومن ثم فنحن بحاجة إلى السلاح. نحن بحاجة إلى المال الذي يدعم المجاهدين، ويدعم أسر المجاهدين، وأسر المعتقلين، ويوفر متطلبات الصمود للشعب الفلسطيني. نحن بحاجة إلى الدعاء وإلى الإسناد المعنوي من خلال تفاعل الجماهير؛ لأن الشعب الفلسطيني عندما يرى نفسه وحيداً في المعركة يصاب بالإحباط لا سمح الله أو بالشعور بالأذى النفسي؛ خاصة أنه يعلم أن قضية فلسطين ليست مسؤولية فلسطينية فقط بل هي مسؤولية عربية وإسلامية؛ ولذا فمن غير المقبول ويصعب تفسيره عند جماهير الفلسطينيين أن يقف العرب، وخاصة على المستوى الشعبي، مكتوفي الأيدي! نحن نعتقد أن الدور العربي الإسلامي دور مطلوب وأساس. ومع ذلك أقول: حتى لو قصَّر المسلمون في واجبهم فإننا في فلسطين لن نتوقف عن المقاومة، سنبقى نواصل هذا الطريق؛ لأن هذا قَدَرُنا، وهذه مسؤوليتنا، ونحن نستشعر أن الله كلفنا بهذه المهمة الكبيرة، ونحن نشرف بتنفيذها، وبالثبات عليها. ودائماً أقول في كثير من هذه المناسبات، وأستشهد بقول الله مخاطباً رسوله ﷺ : [فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً] (النساء: ٨٤) ، فنحن نستشعر كأننا المكلفون وحدنا في المعركة؛ ومن واجبنا أن نحرِّض المؤمنين، مع استبشارنا أن أمتنا لن تقصِّر معنا إن شاء الله تعالى. البيان: لو انتقلنا إلى دائرة أخص، وهي دعوة الحركات الإسلامية؛ فهل تشعرون أن الحركات الإسلامية خلال الفترة الماضية قدمت ما يجب عليها إزاء القضية الفلسطينية، أو أن الحركات الإسلامية انشغلت بهمومها على حساب القضية الأهم؟ - بموضوعية أقول: هناك جهد طيب ومبارك من الحركات الإسلامية، ولكن لا يكفي، ولا تزال هناك غلبة الهموم المحلية الإقليمية على الحركات الإسلامية، وهذا ينطبق على الحركات الأخرى الوطنية وغيرها، وأعتقد أن هذا تقصير كبير؛ ونحن في فلسطين لا نطالب الحركات الإسلامية أن تتخلى عن همومها المحلية، ولكن أن تتوازن؛ فتعطي مساحة مناسبة للهموم المحلية، وهذا شيء طبيعي؛ لأن هذه مسؤولية، وتعطي مساحة أيضاً كافية للهم العام للأمة، لهموم الأمة العامة، وأعتقد أن من هموم الأمة العامة قضية فلسطين. ثم إن الخطر الصهيوني لا يتهددنا في فلسطين وحدها، وعلى كل قيادة لحركة إسلامية في العالم أن تدرك أن الخطر الصهيوني يستهدفها؛ يستهدفها بأشكال مباشرة وغير مباشرة، ولذا فهي لا تستطيع أن تعيش في منأى عن هذا الخطر. البعض يتصور أنه يستطيع أن يطبق برامجه بعيداً عما يجري على أرض فلسطين، نحن نقول لا؛ بدليل الخطر الصهيوني الذي يتوسع وبأشكال عدة، وما جرى قبل سنوات في ماليزيا حين استُهدف اقتصادها، فتأثرت كل ماليزيا، ليس فقط الشعب، بل الدولة والقوى المختلفة فيها؛ بما فيها الحركات الإسلامية؛ إذن إذا استشعرت كل حركة إسلامية مسؤوليتها الدينية تجاه فلسطين والأقصى والقدس، وهي مسؤولية مؤكدة، ولا يستطيع أحد أن يتنصل منها، وإذا استشعرت هذه الحركة أنها ليست بمنأى عن الخطر الصهيوني، هي كحركة والبلد الذي تعيش فيه؛ أعتقد أن هذا سيدفع الجميع إلى القيام بمسؤولياته، وأعتقد أن كل حركة تستطيع أن توازن بين همها المحلي وهمها العام. ثم هناك واجب النصرة والأخوة، وأنني دائماً أستشهد بالحديث النبوي: «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم» [١] ؛ فكيف يؤمن من بات أخوه الفلسطيني ليس فقط جائعاً بل يعاني هذه المعاناة تحت العدوان الصهيوني، ويخوض معركة وحده في مواجهة، لا أقول الصهاينة وحدهم، بل كل القوى الظالمة في الأرض التي تناصر الصهاينة؟! فالحقيقة هنا اختبار للإيمان، وهنا اختبار أيضاً للبرامج التي تضعها الحركات الإسلامية. ثم أخيراً أقول: إن اشتغال الحركات الإسلامية في الوطن العربي والإسلامي بقضية فلسطين هو مكسب لها، صحيح أنها مُكلِّفة، ولكن لها استحقاق على كل حركة إسلامية، ولكن أيضاً هو في ذات الوقت مكسب لها، وكثير من الحركات تستفيد من ذلك، لنستحضر هذا المعطى، أو هذه الزاوية، ولتحاول كل حركة إسلامية وهي تسعى إلى مرضاة الله ، والقيام بالواجب؛ أن تستفيد من خلال انشغالها بقضية مباركة كقضية فلسطين؛ فهذا يعلي شأنها، ويزيد أنصارها، ويؤكد مصداقيتها، وإلا تصبح الشعارات المرفوعة لا قيمة لها؛ أن ترفع شعارات ولا تجد طريقها إلى التطبيق.. فلا قيمة لها. ولذلك؛ أنا دعوتي للحركات الإسلامية أن تعد الاشتغال بقضية فلسطين، ودعم الجهاد والمقاومة، ودعم صمود الشعب الفلسطيني، ودعم الانتفاضة أن تعده واجباً ومسؤولية، ثم هي فرصة لها لتعزيز مصداقيتها، ولتحقيق كسب إن شاء الله لها وللإسلام وللأمة بشكل عام. البيان: دعا فضيلة الشيخ أحمد ياسين الأمة الإسلامية في مقابلة سابقة مع المركز الفلسطيني الإعلامي إلى تهديد مصالح أمريكا المتصهينة؛ ألا يُعد هذا تحولاً في توجه حماس الداعية إلى الاقتصار على الداخل في الصراع مع العدو اليهودي؟ - أستطيع التأكيد بوضوح وبشكل حاسم أنه لا تغيير على سياسة الحركة؛ فمعركتنا محصورة ضد الاحتلال الصهيوني، ومحصورة داخل فلسطين، هذا ما اختارته الحركة منذ نشأتها ولا تزال عليه، وما ورد من حديث للشيخ أحمد ياسين هو في سياق ممارسة ضغوط على أمريكا ومصالحها، وليس استهدافاً بمعنى ضربة عسكرية؛ بمعنى أن تشعر الولايات المتحدة الأمريكية أنها لا تستطيع أن تجمع بين دعمها للكيان الصهيوني اللامحدود وبين استمرار مصالحها في المنطقة، وهذه دعوة للحكومات وليس فقط للشعوب، وأعتقد أن الدول العربية سبق أن مارست هذا، مثلاً عندما استُعمل سلاح النفط أيام الملك فيصل ﵀، وأعتقد أن الأمة تستطيع أن تفعل ذلك اليوم؛ بمعنى أن تدفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى إعادة حساباتها، أما إذا شعرت الولايات المتحدة الأمريكية أنها تستطيع أن تدعم إسرائيل دعماً كبيراً ومطلقاً، ثم هي تستطيع أن تحافظ على مصالحها في الوطن العربي؛ فما الذي سيدفعها إلى تغيير سياساتها؟! نحن نريد أن نشكل ضغطاً جماهيرياً، وضغطاً سياسياً، وضغطاً دبلوماسياً؛ بحيث تضطر الإدارة الأمريكية إلى تغيير سياستها في المنطقة؛ هذا أعتقد أنه هو المفهوم الذي يقصده الشيخ أحمد ياسين، وليس الدخول في معركة عسكرية ضد الولايات المتحدة الأمريكية، هذا ليس من سياستنا. البيان: هناك حديث عن عودة خيار غزة أولاً؛ ففي ظل احتلال الضفة؛ هل يمكن القول بأن غزة ستكون مرشحة مستقبلاً لأن تكون هي الدولة الفلسطينية التي تطالب بها السلطة وتَعِدُ بها أمريكا؟ - كل هذه المشاريع العديدة تنطلق من رؤية صهيونية تدعمها أمريكا، أو على الأقل تسكت عنها أمريكا، وهي تبرهن على عدم الاعتراف أو التسليم بالحق الفلسطيني، وإصرار القيادة الصهيونية على استمرار الاحتلال، وقهر الشعب الفلسطيني، ووقف انتفاضته ومقاومته، والخيار الأمني العسكري، ويريدون من شعبنا أن يسكت ويقبل بالفتات وبالقليل، هذه الرؤية الصهيونية تحاول أن تعبر عن نفسها بمثل هذه المشاريع؛ غزة وحدها، أو غزة - الخليل، أو غزة - بيت لحم، أو غزة - أريحا، أو غيرها من المشاريع المطروحة، ولكن هذه المشاريع لن تنجح بالتأكيد، وشعبنا الفلسطيني لن يقبل إلا بتحرير أرضه، ولن يتنازل عن حقوقه وعن أرضه وعن مقدساته، هذه حقيقة، هناك استماتة صهيونية أمريكية من أجل صنع الاستقرار في المنطقة، وتحقيق الأمن للكيان الصهيوني بأبخس الثمن، وهو أن يعطوا الفلسطينيين شيئاً قليلاً من حقوقهم، ونحن نقولها للعالم كله، وللأمريكان وللصهاينة: إن الاستقرار في المنطقة لن يكون على حساب حقنا، لا استقرار في المنطقة إلا إذا رحل الاحتلال، ولا يستطيع العالم كله مهما توفر له من قوة مادية أن يجمع بين الاحتلال والاستقرار: إما احتلال، وإما استقرار، وهذا بالنسبة لنا يقين بعون الله. وهذه المشاريع أخفقت كما أخفقت أوسلو؛ لأنه ما دام هناك فلسطيني لن أقول ما دام هناك عربي أو مسلم يشعر بالظلم، وبأن حقه لم يعد له، وبأن هناك أرضاً فلسطينية مقدسة مباركة لا تزال محتلة، أو أن القدس لم تعد له؛ فإن المقاومة ستستمر حتى يرحل الاحتلال. ربما يفهم الصهاينة الآن جزءاً من هذه الحقيقة، وكذلك الأمريكان، لكن لم يصلوا بعد إلى التسليم بهذه الحقيقة؛ لأن هذا يحتاج فيما يبدو إلى ثمن أعلى، وإلى أن يروا حقائق مؤلمة على الأرض؛ حتى يُجبروا على الخضوع لهذا المنطق كما خضعوا له في جنوب لبنان، مع تقديري أن الواقع الفلسطيني يختلف عن لبنان، والمعركة في فلسطين أكثر شراسة، وأكثر خطورة، وهي تمثل المعركة الاستراتيجية الكبرى. البيان: ولكن كيف وتلك التنازلات يروِّج لها بعض المدافعين عن القضية الفلسطينية؛ فهل تتوقعون أن الضغوط الكبيرة التي يواجهها الشعب الفلسطيني سوف تجعله في مرحلة من المراحل يقبل مثل هذه الحلول الجزئية؟ - لا أعتقد؛ لأن الذين يقبلون ويروجون مفهوم أو مشروعات التنازل والمساومة؛ هؤلاء ينطلقون ليس من الحقائق والواقع؛ ولكن ينطلقون من نفسية مهزومة، هؤلاء تعبوا ويريدون للناس أن يخضعوا لمنطقهم المهزوم، هذا لن ينجح، ولماذا لن ينجح؟ لعدة أسباب: السبب الأول: أن هذه التجربة جُرِّبت؛ ونحن لسنا أمام تجربة جديدة، هذه التجربة جربت في أوسلو، أوسلو قامت على منطق المساومة والتفريط، القبول بالقليل والتنازل عن الكثير، واعتبروها مرحلة تدريجية لعلها توصلهم خلال خمس سنوات إلى الدولة، والنتيجة كانت أننا عدنا إلى الوراء وخسرنا الكثير، وبالعكس استغلها العدو في توسيع الاستيطان والتهويد للقدس وللضفة والقطاع؛ فإذن هي تجربة، أو هي رؤية أو مشاريع جُرِّبت ولم تنجح. السبب الثاني: أن شعبنا الفلسطيني يدرك أن أي مشاريع من هذا النوع لن ترفع عنه الظلم، وستبقي على الاحتلال، يعني كل منطق أوسلو وما يقارب أوسلو منطق المساومة؛ يؤدي إلى حلول ترقيعية، وحلول لا تُخرج الاحتلال، لا تخلص شعبنا من قبضة الاحتلال وهيمنة الاحتلال؛ بدليل كما اكتشف شعبنا وأدرك ما كنا نقوله مبكراً أن مناطق أوسلو التي هي مناطق (أ) ليست مناطق محررة؛ إذ يستطيع العدو أن يعود لها في أي وقت يريد، ومن ثم فإن شعبنا لن يقبل مشروعاً يجعل الاحتلال هو صاحب الهيمنة عليه، وهكذا يبقى الظلم، يبقى الاحتلال، يبقى القتل، يبقى السجن، تبقى مصادرة الأراضي، يبقى التهويد، هدم المزروعات، كل ظلم الاحتلال سيبقى حتى في ظل هذه المشاريع؛ ولذلك أصبحت هناك قناعة الآن لدى جماهير شعبنا أنه يريد التخلص من الاحتلال بشكل حقيقي، وأن يكون هو صاحب السيادة على أرضه وقدسه ومقدساته، هذا هو المطلب، وشعبنا أدرك أن الطريق إلى ذلك هو الجهاد والمقاومة والصمود، مع أن الصمود كلفته عالية لا شك. وكما تفضلتم؛ ربما شدة الأذى الذي يقع على الفلسطينيين، وتقصير القريب والبعيد؛ فربما يوصل الناس إلى حالة من الإحباط.. ربما، لكن في النهاية ليس هناك خيارات أخرى، بل انعدام الخيارات الأخرى يجعل شعبنا أكثر تمسكاً ببرنامج المقاومة والانتفاضة، وأكثر صبراً وثباتاً، ولا خيار أمام شعبنا غير هذا، وهذا أحد أسباب الصمود العظيم طبعاً بتوفيق الله ، ثم بسبب شعور شعبنا بانعدام الخيارات، ومن ثم ليس أمامه إلا كما قال الشاعر: إذا لم يكن غير الأسنة مركباً ... فماذا على المضطر إلا ركوبها؟! لا يوجد عندنا خيار آخر. البيان: كثر حديث بعض رموز المقاومة عن استحالة غزو القوات الإسرائيلية لمدينة غزة كما فعلوا في الضفة؛ فعلى أي أساس يتم الحديث عن هذه الاستحالة؛ في ضوء سقوط مدينة جنين وغيرها من مناطق المقاومة؟ - لم يطرح رموز المقاومة الاستحالة؛ إنما كانوا يتحدثون عن التحليل والترجيح، ودراسة الاحتمالات بين إمكانية الاجتياح الشامل أو عدمه، أو الاجتياحات الجزئية من باب الاستنزاف والإرهاق، أما الحسم.. فلا أحد يستطيع أن يحسم بأن الاجتياح لن يكون، كما كان هناك تحليل انطلاقاً من أن الواقع الديموجرافي والواقع الجغرافي لقطاع غزة يختلف عن الضفة الغربية، الكثافة السكانية في غزة كثافة كبيرة، ولا شك أن العدو سيدفع خسارة باهظة، فعلى الرغم من أن إمكانيات العدو العسكرية والأمنية تتيح له أن يجتاح غزة، ولكن سيكون الثمن باهظاً؛ خاصة أن هناك إصراراً من جميع القوى على الصمود، وعلى مواجهة هذا الاجتياح، وإضافة إلى الكثافة السكانية؛ فإن حجم التسليح نسبياً أفضل من التسليح في الضفة، هذه العوامل كان يرى البعض فيها أنها فعلاً ربما تعيق الاجتياح، ومن ثم تفرض على قادة العدو أن يعيدوا حساباتهم، لكن هذا لا يمنع الاجتياح الشامل، والناس مهيؤون في قطاع غزة لمثل هذا الاحتمال، وفي هذا قَدَرُنا، إن حصل فسنواجهه، وإن لم يحصل فإننا نحمد الله ، ومع ذلك فالمعركة مستمرة حتى بدون الاجتياح الشامل، الاجتياحات المتكررة موجودة، هناك مجازر ترتكب في رفح باستمرار، في خان يونس، في بيت حانون، في أطلال غزة، في جباليا، باستمرار.. اقتحامات ومجازر ترتكب في حق الشعب الفلسطيني. أيضاً هناك حسابات تتعلق بغزة من حيث مستقبلها، ربما تكون هناك رؤية إسرائيلية أن يُحشر الفلسطينيون في غزة، ويقال لهم هنا دولتكم؛ مثلاً. هذه حسابات.. لكن في النهاية العدو لن يتورع عن أن يقوم بمثل هذه الخطوة عندما هو يقرر، ولكن أيضاً في النهاية قَدَرُنا كفلسطينيين أن نصمد، وأن نثبت، وأن نواجه العدوان إن شاء الله مستعينين بالله . البيان: ما هي فرص نجاح المشروع الذي تم الإعلان عنه؛ بتشكيل غرفة عمليات مشتركة في غزة بين جميع القوى والفصائل الفلسطينية؟ - هذا الأمر أُعلن في فترة التوقع للاجتياح، وأعتقد أن فرصة هذا واردة، كما جرى في جنين؛ يعني في جنين المجاهدون واجهوا الاحتلال والاجتياح فعلاً في صف واحد وتنسيق جيد؛ لأن ضرورات المعركة تدفع الناس إلى مثل هذا التعاون وإن كانوا مختلفين سياسياً أو فكرياً، وأعتقد أنه في حالة الاجتياح لغزة الاجتياح الشامل لن يجد المجاهدون من جميع الفصائل إلا أن يتوحدوا وينسقوا جهودهم؛ لأنهم يدافعون عن أنفسهم، عن أعراضهم، عن أهلهم، عن أرضهم، وهناك تجارب ناجحة ستشجع الجميع على تكرارها إن شاء الله. البيان: في الفترة الماضية طالب شارون بعقد مؤتمر إقليمي للسلام، ولكنه لم يُلق بالاً لدعوة عرفات للتفاوض؛ فما معنى هذا التصرف؟ - نعم.. شارون يتبع سياسة خبيثة تقوم على شعبتين: الشعبة الأولى: هي استمرار سفك الدم الفلسطيني، والقتل، وارتكاب المجازر، وتقويض أركان السلطة، وملاحقة المجاهدين واعتقالهم، وإرهاق الشعب الفلسطيني بالحصار والتجويع، والعقوبات الجماعية، وفي ذات الوقت يمارس: الشعبة الأخرى من سياسته: هي أن يظهر أمام العالم أنه يريد السلام، ويريد التفاهم، ويريد التفاوض، ويريد أن يعقد صفقات تسوية مع الفلسطينيين؛ ليخدع العالم، وليخدع الأمريكان، ويسوِّغ تصرفاته على الأرض، ولعل تعيينه شمعون بيريز وزيراً للخارجية في مطلع حكومته.. هذا ما القصد منه؟ قبضة تقتل دماً في الواقع على أرضنا الفلسطينية، وقبضة أيضاً خبيثة ولئيمة ولكنها مغطاة بقفاز من حرير تحاول أن تخدع العالم، وأن تسوِّق الرؤية الإسرائيلية على العالم، هذه هي فلسفة موقف شارون، ولكن في اعتقادي أن العالم بدأ يدرك حقيقة الموقف الصهيوني، وباعتراف الصهاينة أنهم بدؤوا يخسرون كما يقولون أخلاقياً، ويخسرون سمعتهم أمام العالم. والحمد لله؛ هناك تحول نسبي معقول على المستوى الشعبي في العالم، وعلى مستوى بعض الحكومات في العالم، وهذا نعده تقدماً إيجابياً؛ سببه الجريمة الصهيونية من زاوية، والصمود الفلسطيني من زاوية أخرى. البيان: أعلنت حركة حماس أكثر من مرة دعمها للرئيس عرفات في المرحلة الراهنة؛ ألا توجد خطوط حمراء في ضوء تجاوزات السلطة مع حركة حماس على وجه التحديد؟ - حركة حماس لم تدعم ياسر عرفات من زاوية الالتقاء السياسي معه، فنحن مختلفون مع السلطة ومع ياسر عرفات سياسياً، ولكن نحن في حركة حماس أعلنا موقفنا برفض الحصار على شعبنا، بما فيه الحصار على ياسر عرفات؛ بمعنى أننا أمام العدو الخارجي نقف مع كل الفلسطينيين في مواجهة الخطر الخارجي، فنحن ضد الحصار سواء كان على غزة، أو الحصار على الضفة، أو الحصار على رام الله، أو الحصار على ياسر عرفات؛ أي أننا نرفض العدوان الصهيوني من حيث هو عدوان على شعبنا حتى لو كان عدواناً أو حصاراً على من نختلف معه سياسياً؛ لأننا في النهاية شعب واحد، نتوحد في هذه المعركة لمواجهة العدو. وأيضاً.. ثانياً: أعلنا أننا ضد التدخل الأمريكي لفرض قيادة بديلة، نعم نحن مختلفون مع ياسر عرفات سياسياً، ولكن لا نقبل من أمريكا أو غير أمريكا أن تتدخل لفرض قيادة بديلة، كما أعلنا أننا لن نقبل كرزاي فلسطينياً في المنطقة، أما أننا مختلفون مع ياسر عرفات أو غيره في السلطة الفلسطينية؛ فهذا شأن فلسطيني ونعالجه داخلياً، ولا نقبل التدخل الخارجي، وهذا موقف حماس الذي سبق أن أعلنت عنه. البيان: لكن هناك من يفترض أن كل ما يحدث من حصار على الرئيس ياسر عرفات ما هو إلا مجرد مسرحية لتهيئته لدور قادم؛ بعد أن فقد الكثير من أوراقه الشعبية في المجتمع الفلسطيني! - نحن لا نميل إلى هذا الترجيح، وأعتقد كما ترون في الآونة الأخيرة أن الموقف الإسرائيلي الأمريكي أصبح واضحاً بتجاوز ياسر عرفات وإنهاء دوره السياسي، أعتقد أن هذا هو ما يجري على الأرض الآن، ومن ثم ينبغي ألا نتعب أنفسنا في مثل هذه الاحتمالات، المهم أن نعرف مسارنا، أن نعرف أهدافنا، مع اليقظة والحذر، وأن ننحاز دائماً إلى مصالح شعبنا، وهذا هو المهم. البيان: في داخل السلطة الفلسطينية ألا يوجد هناك مراكز قوى مختلفة يمكن أن تتلاعب بالقضية الفلسطينية؟ - لا شك أن هناك في السلطة الفلسطينية تيارات وأجنحة، وهناك خلافات داخلية، وخاصة بعد الموقف الأمريكي الأخير، والموقف الإسرائيلي كذلك الذي دعا إلى تغيير قيادة السلطة الفلسطينية، فازداد الصراع الداخلي، وتعددت الخلافات والأجنحة، وهناك جزء من الشخصيات الفلسطينية في السلطة تحاول تسويق نفسها لتقدم نفسها البديل للقيادة الفلسطينية، البديل الأمريكي، وتكسب رضا الأمريكان، وعندها استعداد أن تدفع فواتير هذا الموقع وهذا المنصب، لكن هؤلاء في تقديري مستقبل القضية ليس بأيديهم، المستقبل بإذن الله تعالى هو بأيدي شعبنا، هو الذي سيقرر هذا المستقبل؛ لأن الذين يريدون المساومة على حقوق شعبنا، وأن يتلاعبوا بقضيتنا تحقيقاً لمصالحهم ولمصالح الأعداء لن ينجحوا بإذن الله، وقد انكشفت أوراقهم، والله سيعين المخلصين في شعبنا على أن يسيروا بالشعب إلى بر الأمان بإذن الله؛ مع المحافظة على الأرض، وعلى العرض، وعلى المقدسات، وعلى حقوق شعبنا ومصالحه إن شاء الله. البيان: يردد الإسلاميون الفلسطينيون وغيرهم أن وعود أمريكا بدولة فلسطينية لن تكون إلا بمواصفات إسرائيلية، ولتحقيق المصالح اليهودية؛ فهل بذل الإسلاميون جهداً أكبر لكشف هذه الحقيقة، وبيان أبعاد هذا المخطط الأمريكي في المنطقة؟ - أعتقد أخي الكريم أن الغالبية العظمى من جماهير الأمة ليس في فلسطين وحدها، بل على امتداد الأمة أصبحت تدرك الدجل الأمريكي، الكذب الأمريكي، الخداع الأمريكي، وأن الأمريكان عندما يتدخلون ببعض مبادراتهم في فلسطين لا يتدخلون حقناً للدم الفسلطيني، ولا تحقيقاً لمصالح شعبنا، وإنما يتدخلون بأحد دافعين: إما لإنقاذ إسرائيل نفسها من ورطتها وأزمتها، وإما لتبريد الصراع في فلسطين تمهيداً لضرب العراق، إما هذا أو ذاك، لكن ليس هناك جدية أمريكية أبداً لرفع الظلم عن شعبنا الفسلطيني ولجم العدوان الإسرائيلي، وخاصة إذا علمنا حجم النفوذ الصهيوني في أمريكا، وتأثير الكيان الصهيوني واللوبي الصهيوني في صناعة القرار الأمريكي، أعتقد أن الأمر أصبح في غاية الوضوح والجلاء. البيان: طرحت حركة حماس منذ مدة هدنة مشروطة مع العدو اليهودي، والآن تطرح مبادرة عن الكف المتبادل عن استهداف المدنيين؛ فهل ترون استجابة من العدو لمثل هذه المبادرة، وهل يمكن ضبط جميع الفصائل الفلسطينية في عدم استهداف المدنيين ولو أخذاً بالثأر؟ - موضوع الهدنة هذه مسألة قديمة، طرحتها الحركة لتكشف حقيقة الموقف الصهيوني أن الصهاينة لو انسحبوا من الأراضي التي احتلت عام ١٩٦٧م فيمكن أن نصنع هدنة؛ دون أن نتنازل عن بقية حقنا في فلسطين، ودون أن نعترف بشرعية الاحتلال الصهيوني؛ لأن هذا لا يجوز لا شرعاً ولا منطقاً ولا سياسة ولا حقاً لبقية الشعب الفلسطيني الذي كان يعيش في الـ ٤٨، وثبت أن إسرائيل لم تتعامل مع هذا المشروع، ولم تقبل بهذا المنطق أصلاً؛ لأنها تمارس العدوان، تريد إنهاء القضية الفلسطينية وتصفيتها وحرمان شعبنا من حقه، ولذلك فنحن لا نثق بالكيان الصهيوني، ولا ننطلق في برامجنا أو مواقفنا السياسية من الرهان على الأخلاقية الصهيونية، أو على إمكانية أن يتغير الصهاينة، هؤلاء أعداؤنا بنص القرآن وبالحديث وبتاريخ الأمة، وهم أعداؤنا في الواقع، وما يفعلونه أكبر دليل على ذلك. أما موضوع تحييد المدنيين؛ فهذا موضوع سبق أن طرحته الحركة قديماً أيضاً؛ للرد على الدعوات في قصة استهداف المدنيين، ولكن أيضاً الصهاينة لم يستجيبوا؛ ولذلك لم نعد نطرقه من جديد؛ خاصة أننا في يقيننا أن هؤلاء الذين قدموا إلى فلسطين هم غاصبون، نحن لم نذهب إلى بلد آخر ونقتل عسكرييه ومدنييه، نحن كنا آمنين في أوطاننا فجاءنا الغزاة، هؤلاء المحتلون غزاة، ونحن ندفع صائلاً عنا، وخاصة إذا علمنا أن غالبية المجتمع الإسرائيلي مجتمع مسلح، فهو إما في الجيش، وإما في قوات الاحتياط وهي ثلاثة أضعاف الجيش وإما فيما يسمى بالمنظمات العسكرية من الشبابية وغيرها، وهذا إضافة إلى المستوطنين؛ فهناك ٣٥٠ ألف مستوطن في الضفة والقطاع كلهم مسلحون، فهو مجتمع تحت السلاح، وعند اجتياح جنين والضفة الغربية عندما استدعى العدو ٢٠ ألفاً من قوات الاحتياط، هؤلاء كانوا يعملون في المصانع وفي المحلات التجارية وفي محطات البنزين، وفجأة خلال ٧٢ ساعة امتشقوا السلاح؛ لأن هؤلاء مدربون وكل يعرف قطعته في الجيش، والموقع الذي يُستنفر إليه؛ فإذن نحن ندافع عن أنفسنا، ونقاوم مجتمعاً محارباً معتدياً غاصباً. وحركة حماس أو غيرها من القوى حين تطرح مثل هذه الأمور؛ هي تطرحها من باب المحاججة، ومن باب كشف حقيقة الموقف الصهيوني، وإبراز نظرة شعبنا، وإنما الحقيقة أننا نعرف أن العدو لا يفهم إلا لغة القوة. البيان: امتداداً للغة القوة؛ تمكن المجاهدون في فلسطين بحمد الله تعالى وفضله من تحطيم أسطورة الدبابات الإسرائيلية (الميركافا) ؛ فهل هناك مبشرات بتطورات نوعية في التسليح الفلسطيني؟ - من فضل الله تعالى علينا أن شبابنا المجاهدين في فلسطين من كل القوى قضوا فعلاً على أسطورة (الميركافا) ؛ لا نقصد أنهم قضوا على الأسطورة أنهم أوقفوها عن الخدمة، ولكنهم حين دمروا أكثر من ١٠ دبابات في محطات مختلفة وبإمكانات يسيرة؛ بعبوات يضعونها تحت الدبابة، وبشجاعة أسطورية بفضل الله فهم قضوا على أسطورتها نفسياً ومعنوياً، وهذا ترك أثراً كبيراً في الكيان الصهيوني؛ خاصة أن دبابة (الميركافا) هي الأكثر تصفيحاً وحماية في كل دبابات العالم، بل أثَّر على صفقات هذه الدبابة عند دول مثل الهند والصين، وهذا أيضاً من المكاسب الكبيرة للانتفاضة، طبعاً التوكل على الله ثم الإرادة تصنع المستحيل بإذن الله تعالى. وكما قضى المجاهدون على أسطورة (الميركافا) يمكن أن يحققوا تطوراً أعلى ضد كل السلاح المستعمل من الصهاينة، لكن هذا لا شك يحتاج إلى جهد أكبر، ودعم أكبر، وإمكانات أكبر، وهذه أعتقد أنها مسؤولية الأمة. نحن في فلسطين حين عز السلاح صنعنا السلاح، وحين عزت المتفجرات صنعنا المتفجرات، هذا هو التحدي، المهم شعبنا لن يستسلم، والمطلوب الآن هو الدعم العربي؛ خاصة من الشعب على الأقل، دعم بالمال، دعم بالسلاح، دعم بالخبرة، دعم بكل الإمكانات، نريد للأمة أن تنخرط في المعركة؛ حتى يعظم إن شاء الله الإنجاز، ويتطور بإذن الله تعالى، ونحن نستبشر بقول الله : [وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا] (العنكبوت: ٦٩) هذه بشارة رب العالمين للمجاهدين. البيان: في خطاب ياسر عرفات الأخير في تشكيل الحكومة؛ أشار إلى أن السلام خيار استراتيجي؛ فهل يعني هذا أن الفلسطينيين سيعودون مرة أخرى إلى مسار المفاوضات وهذا النفق المظلم؟ - والله! واضح أن جماعة التسوية في الساحة الفلسطينية لم يتراجعوا عن موقفهم، ربما صدرت منهم تصريحات في الماضي تُشعر بأنهم تخلوا عن مسار التسوية، ولكنهم يتحدثون صراحة أنهم مع منطق التسوية، وكانوا يضعون قدماً في الانتفاضة وقدماً في التسوية، وأعتقد أن رهاناتهم ستخسر كما خسرت في الماضي. أما نحن فهذا واضح بالنسبة لنا؛ ونحن ندعوهم دائماً ونأمل فعلاً أن يغيروا نهجهم؛ لأنه نهج لن يقود إلى خير. ومصلحة قضيتنا وشعبنا، ومصلحتهم هم أنفسهم أن ينحازوا إلى برنامج المقاومة والصمود والثبات، والتمسك بالحق الفلسطيني. ونعتقد بهذه المناسبة أخي الكريم أن أكبر خطأ وقعت فيه الأمة على الصعيد الرسمي عربياً وفلسطينياً هو الحديث عن أن السلام خيار استراتيجي، حتى لو فعل ذلك البعض بدافع تكتيكي؛ مثل هذه المقولة خاطئة؛ لأنه عندما تُشعر عدوك أنك ليس لك خيار إلا خيار السلام؛ فهو عند ذلك سيغريه ضعفك، ويدفعه إلى التشدد أكثر، إنما عندما نُشْعِر عدونا أننا نملك الخيارات الأخرى؛ إن لجأنا إلى السلام حيناً فإننا مستعدون لركوب صهوة الحرب حين نضطر إليها، لا بد أن يشعر عدونا بجاهزيتنا للاحتمال الآخر، أما إذا شعر أننا عاجزون إلا عن الحديث، وعن الكلام، وعن الاستجداء، وعن المفاوضات؛ فإنه لن يعطينا شيئاً، هذا فضلاً عن المنطق الطبيعي، منطق التاريخ، منطق الدين، منطق العقل، منطق تجارب الشعوب والأمم الأخرى؛ أنه فعلاً ما أُخِذَ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وأن القوة والمقاومة وحدها هي الطريق للحصول على الحقوق والأهداف، وأمتنا بغير هذا الطريق ما حققت أهدافها، ولا طردت الغزاة، نحن طردنا الصليبيين والتتار والاستعمار الحديث بالجهاد والمقاومة وليس بالمفاوضات، والشعوب الأخرى في فيتنام وغيرها لم تصل إلى أهدافها وتتخلص من الاحتلال الأجنبي على أرضها أيضاً إلا بالصمود وبالمقاومة، وبالاستبسال، وتقديم التضحيات الكبيرة. أعتقد أن هذا هو منطق الأشياء. البيان: عودة إلى خطاب الرئيس عرفات بمناسبة تشكيل الحكومة؛ حيث أدان في هذا الخطاب ما سماه بالأعمال الإرهابية ضد المدنيين الإسرائيليين في المنطقة المحتلة؛ فهل هذه مناورة سياسية، أو أنه فعلاً يدين الإرهاب ويرفض هذه الأعمال؟ - هذا مما نختلف فيه مع ياسر عرفات، ومع كل من يدين العمليات العادية أو الاستشهادية؛ لأننا لا نقبل هذا الموضوع، بصرف النظر: هذا المنطق كان تكتيكاً أم حقيقة؛ لأنه لا يجوز أن ندين أنفسنا، لا يجوز أن نجلد ذاتنا حتى نرضي الآخرين، لا يجوز الطعن في نية وعمل المجاهد الذي ضحى بأغلى ما يملك في سبيل الله؛ دفاعاً عن أرضه وعن شعبه وعن مقدساته. وثبت من زاوية أخرى أن كل هذه الإدانات لم تشفع لأصحابها عند أعدائنا؛ كل الذين أدانوا المقاومة والعمليات الاستشهادية، وأدانوا عسكرة الانتفاضة كما سموها لم يشفع لهم ذلك لا عند الصهاينة ولا عند الأمريكان، ومن ثم فإن أصحاب هذا المنطق يخسرون مرتين: يخسرون أمام شعوبهم، وأمام ضمائرهم، ويخسرون أيضاً أمام أعدائهم. البيان: ما الانعكاسات التي تتوقعونها ضمن تداعيات الحرب القادمة ضد العراق، وتداعيات هذه القضية على الواقع الفلسطيني داخلياً وخارجياً؟ - لا شك أن ضرب العراق ليس لذاته فقط، بل لأبعد من العراق، التداعيات كبيرة على قضية فلسطين وعلى غيرها: * أول هذه التداعيات هو طبعاً إضعاف العراق وتمزيقه ونهب ثرواته. * والتداعي الثاني هو تحكم أمريكا في ثروات الأمة؛ ليس في النفط العراقي فقط بل في نفط الأمة كله والتحكم في أسعاره، وبهذا أمريكا تضرب مصالح أمتنا بل حتى مصالح الدول الصناعية الكبرى؛ حين تتحكم بأسعار النفط وتصديره وبيعه وغيره. * والتداعي الثالث هو إضعاف الأمة كلها، وخاصة الدول المؤثرة في المنطقة، وسيكون بعد العراق لا سمح الله سيكون العدوان على سوريا، وعلى المملكة العربية السعودية، وعلى إيران، وعلى مصر، كل الدول العربية ذات الوزن المؤثر ستكون مستهدفة؛ لأن المنطق الأمريكي المتصهين والمدعوم بالصهاينة هو منطق يريد للأمة أن تكون دولاً ممزقة ضعيفة، وأن يكون المهيمن الوحيد في المنطقة هو الكيان الصهيوني؛ مع أمريكا من خلال وجودها المباشر. * ثم التداعي الرابع هو على قضية فلسطين، وهذا سر التشجيع الكبير من قِبَل شارون والصهاينة واللوبي الصهيوني لأمريكا وتحريضها على ضرب العراق؛ أولاً ليتخلصوا من أي خطر محتمل أو مستقبلي من العراق أو غير العراق على إسرائيل، وليتاح لهم في ظل تداعيات هذه المعركة وما قد ينشأ عنها من ضعف عربي وتمزق عربي وتهديد أمريكا للعرب أن تنشأ حالة من الفراغ أو الضعف تسمح لهم بحسم صراعهم مع الفلسطينيين؛ بمعنى أن ما عجزت عنه إسرائيل خلال العامين الماضيين من وقف الانتفاضة والمقاومة؛ يريدون في ظل ضربة العراق وتداعياتها السلبية على أمتنا أن يحسموه، مع الفلسطينيين؛ فيكسروا شوكة الفلسطينيين، ويوقفوا المقاومة؛ حين تجد المقاومة أنها بلا سند لا سمح الله عربي أو إسلامي أو حتى شعبي؛ حيث تكون الأمة منشغلة بهمومها والدفاع عن ذاتها. فالحقيقة أن تداعيات الحرب خطيرة جداً، وهذا يتطلب من الأمة أن تقف ضد هذا العدوان الصهيوني، حتى وإن كان البعض مختلفاً مع هذا النظام أو ذاك؛ لأننا في النهاية نحن جميعاً مستهدفون، وينطبق عندئذ إذا قصَّرنا المثل الذي يقول: «أُكِلْتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض» ، أعتقد أن هذه مسؤولية أن نواجه هذا الخطر مواجهة جماعية وليست فردية. البيان: من تداعيات الحرب المتوقعة ما يطالب به اليهود بإيجاد وطن بديل للفلسطينيين؛ سواء في الأردن أو في أي منطقة أخرى؛ فهل تتوقع أن الفلسطينيين سوف يقبلون بهذا البلد الآمن؟ - لا؛ بالتأكيد. لن يستغني الفلسطينيون عن أرضهم، ولن يقبلوا العوض لا المالي ولا الأرض البديلة ولا الوطن البديل، وسبق أن أعلنت قوى شعبنا أنها ضد الوطن البديل، ولن نستبدل بأرضنا بلداً آخر رغم أن الأمة كلها هي أرضنا وأمتنا. نعم هناك حديث عن مخططات لشارون في استغلال أجواء ضربة العراق والعدوان على العراق؛ أولاً لارتكاب مجازر ضد شعبنا، ومن ثم تهجير قطاعات كبيرة من شعبنا إلى الأردن، والبعض ربما يتوقع أن يكون ذلك مروراً إلى العراق ليكون التهجير في العراق، هذه كلها مشاريع لا شك أنها خطيرة ومحتملة، ولكني أؤكد أن شعبنا الفلسطيني لن يقبل الوطن البديل من ناحية، ولن يقبل التهجير، أعتقد أن شعبنا مهما وقع عليه من الأذى سيبقى منغرساً في أرضه ولن يبرحها، ولن يخضع لمنطق التخويف الذي يحرضه أو يُجبره قسراً على الرحيل عن أرضه، لن يكون هذا بإذن الله، ونسأل الله أن يعيننا. البيان: الآن مرَّ على إنشاء حركة حماس حوالي ١٤ عاماً؛ فهل أنتم راضون عن أدائها طوال هذه الفترة الماضية، وهل هناك إمكانية لاستيعاب تيارات إسلامية أخرى داخل الحركة؟ - نعم! مضى للدقة ١٥ عاماً، من ١٩٨٧م إلى الآن، نحن نعم راضون، ونحمد الله على ما وفقنا إليه، ونشعر أن الله أكرمنا بأشياء كثيرة، وأعاننا على إنجازات كثيرة لصالح شعبنا وأمتنا، ووفقنا في ساحات كثيرة من هذه التجربة، ومن هذه المسيرة المباركة. وبالتأكيد وقعنا في أخطاء أيضاً، وهناك جوانب لا تزال قاصرة لدينا؛ فنحن بشر؛ لكن الحمد لله أننا نتعلم من أخطائنا، وننشد الكمال، ونسعى إلى الأفضل، ونطوِّع أنفسنا، ونستفيد من غيرنا، ونحن طلاب حق نبحث عن الحق والحقيقة في كل مواردها، والهداية من الله ، ونشعر بالاعتزاز على ما نجده من تعاطف المسلمين ودعمهم لنا، وما أكرمنا الله به من مصداقية نحافظ عليها أمام الجميع؛ ونتميز بها أمام الجميع؛ سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي، ونحن مطمئنون أننا نسير في الطريق الصحيح، ويبقى العامل عامل الزمن، مع مزيد من الجهد والصبر والثبات. أما موضوع استيعاب الآخرين، وخاصة من الحركات الإسلامية، فنحن نقول هذه فلسطين هي للأمة جميعاً، ولا حَجْرَ على أحد أن ينخرط في هذه المسيرة المباركة، وتبقى بعد ذلك الآليات والأطر وغيرها، هذه تحتاج لا شك إلى بحث وتفكير، وإلى إيجاد السبل التي تنخرط فيها جهود الأمة في هذه المعركة؛ رغم أن هناك معوقات كما تعلمون فحدود فلسطين مغلقة، وهناك أوضاع عربية وإقليمية تحول دون مشاركة الأمة في معركة فلسطين بشكل مباشر؛ كما كان يجري مثلاً في القضايا الأخرى مثل أفغانستان، أو الشيشان حيث كانت الجغرافيا والحدود تسمح بانخراط المجاهدين بشكل مباشر، للأسف في الحالة الفلسطينية حتى هذه اللحظة ليس هناك إمكانية سهلة أو مباشرة. ولكنني واثق أن الأمة تسير باتجاه انخراطها الشامل والحقيقي في المعركة، وتصرفات أعدائنا تدفعنا قسراً نحو هذا الأمر، ولعل هذا من مكر الله ؛ وإن شاء الله هذا يكون خيراً لقضيتنا ولأمتنا. البيان: بعد مرور أكثر من سنتين على عمر الانتفاضة الأخيرة؛ ما هي المكاسب التي جناها الفلسطينيون منها؟ - مكاسب الانتفاضة عظيمة بفضل الله ، وهذا من باب [وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ] (الضحى: ١١) ، مكاسبها توحيد الصف الفلسطيني خلف المقاومة والانتفاضة، من بعد أن تمزق الصف الفلسطيني بفعل أوسلو، زيادة الأمل لدى شعبنا بإنجاز أهدافه وتحرير أرضه، زيادة الثقة بالنفس، الصورة العظيمة التي ظهر بها شعبنا من الصمود والتضحية والثبات أعلت مقامه ومكانته أمام العالم، وكسب بها تعاطفاً إسلامياً وعربياً ودولياً؛ في الوقت الذي خسر العدو فيه على الصعيد الدولي والدبلوماسي. أيضاً من الإنجازات ما وقع للعدو الصهيوني نفسه من خسارة وتأثير بالغ على اقتصاده، أكثر من ١١ مليار دولار خسرها العدو خلال السنتين الماضيتين، التأثير على الهجرة؛ حيث تراجعت نسب الهجرة إلى فلسطين، وفي المقابل زادت الهجرة المعاكسة، التأثير على الاستيطان، التأثير على السياحة، التأثير على الاستثمارات الأجنبية في الكيان الصهيوني، التأثير على أمن هذا الكيان، وهذا من أهم الأمور؛ حيث فقد الصهاينة الشعور بالأمن في أي مكان، لم يعودوا يأمنون، لا في الشارع، ولا على الساحل، ولا في المطاعم، ولا في أماكن اللهو، ولا في الباصات، ولا في غيرها، وفقدان الأمن هو إن شاء الله بداية انهيار الاحتلال وتراجعه. وأيضاً التأثير المعنوي، وهو أن الصهاينة بدؤوا يشكُّون في مستقبلهم، وكما قال قادتهم إن هذه الانتفاضة أعادت الكيان الصهيوني إلى حرب الاستقلال؛ أي عام ١٩٤٨م، وهي حرب احتلالهم لفلسطين، فهذا أمر عظيم بفضل الله . بالإضافة إلى أنها أثرت على التركيبة الحزبية الصهيونية، زادت من الخلافات، والاستقطابات الداخلية؛ بسبب ضغط المقاومة. ثم الخسائر العسكرية، لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني تصبح نسبة القتلى اليهود إلى الشهداء في شعبنا؛ نسبة ١ مقابل ٣ تقريباً، الآن عدد القتلى اليهود وصل إلى ٦٤٥ أو ٦٥٠، هذه الإحصائيات الأقرب إلى الدقة، مقابل عدد شهداء شعبنا حوالي ١٩٠٠، هذه نسبة عظيمة، نسبة ١ مقابل ٣ لم تكن في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، فأنا أعتقد أن هذه أيضاً من المكاسب العظيمة من الانتفاضة وإنجازاتها. وتوحيد الأمة على قضية فلسطين، وتفاعل الجماهير، ونجاح الشعوب العربية والإسلامية في هذا الاختبار، حتى السقف العربي الرسمي ارتفع في ظل الانتفاضة، وشعوب الأمة رأينا أن لديها خيارات أخرى غير الاستسلام، وغير القبول بالعروض الأمريكية الصهيونية، وأعتقد أن أي نظام عربي واع يدرك أن الانتفاضة مكسب؛ ليس للفلسطينيين وحدهم بل للأمة كلها، هذه كلها مكاسب عظيمة، وكما قلت يكفي تعاطف العالم كله معنا، وتراجع سمعة ومكانة هذا الكيان الغاصب الذي انكشفت حقيقته أمام العالم بعد أن دلس وخدع العالم سنوات طويلة؛ فالانتفاضة مكاسب عظيمة، لكنها خطوة تحتاج إلى مواصلة المسيرة؛ حتى نصل إلى أهدافنا إن شاء الله تعالى. البيان: بعض المراقبين الإسلاميين في القضية الفلسطينية يقول إن الخطاب الشرعي لبعض القيادات الإسلامية التي تتبنى الجهاد في فلسطين ربما يكون أقل مما ينبغي أن يطرح؛ خاصة في قضية ذات بعد عقدي وديني مثل القضية الفلسطينية؛ إذ غلب الخطاب السياسي على الخطاب الشرعي؛ هل لكم رأي في هذه المسألة؟ - نحن نتفهم من يقول هذا الكلام وندرك حرصه علينا، وفي المقابل نقول لهم اطمئنوا.. نحن واعون لهذه الحقيقة وعياً كاملاً، ندرك حقيقة الصراع مع الصهاينة، وندرك حقيقة البعد الديني في القضية، ونحن الحمد لله في حماس شبابنا وقادتنا، وكل أبناء الحركة ملتزمون دينياً وإسلامياً، وثقتهم بالله كبيرة، والموازين الشرعية واضحة لديهم، ومعظم المجاهدين والاستشهاديين من حفظة كتاب الله تعالى؛ فهذا أمر واضح لدينا، وما يراه البعض من أن نسبة هذه الجرعة الشرعية في خطابنا قد تكون أقل مما يتوقعون؛ فإنه في حقيقة الأمر مؤصل تأصيلاً كبيراً، ونحن لا نتجاوز البعد الشرعي، كما أننا حريصون على إيجاد حالة من التوحد الفلسطيني، حتى إن ظلت هناك خلافات فكرية وسياسية وعقائدية، لكن أمام الخطر الداهم نحن نريد أن ندفع هذا الصائل عنا، وبعد ذلك نتفاهم في خلافاتنا المختلفة، كمن يشب حريق في بيته، فعند ذلك هو يريد أن يطفئ هذا الحريق، حتى لو شاركه من يخالفه فكراً أو سياسة، هذه هي الفلسفة التي ننطلق منها، ولكن معاييرنا واضحة، رؤيتنا واضحة؛ فالإسلام هو الذي سينتصر في النهاية إن شاء الله، هذه هي القضية كما ندركها، وأطمئن كل من يطرح هذا الأمر أن الصورة والمعايير واضحة جداً على أرض فلسطين إن شاء الله. البيان: أخيراً: هل عندكم توجيه لقراء مجلة البيان فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية؟ - نحن أولاً نشكر الإخوة القائمين على مجلة البيان على حرصهم وعلى اجتهادهم، ونحييهم ونحيي من خلالهم ومن خلال صفحات هذه المجلة الغراء جميع القراء. ونخاطب جماهير الأمة والقراء الكرام بضرورة أن يطمئنوا أولاً إلى صلابة المقاومة في فلسطين، وإلى استقامتها، وإلى وعيها، وإلى رشدها، وإلى ما تتمتع به بفضل الله من ثبات وصمود وإصرار، والاستناد إلى إرادة قوية عظيمة، وإلى يقين بنصر الله ؛ فليطمئنوا من هذه الزاوية. والأمر الثاني أن يستشعروا مسؤولياتهم، وأن يضاعفوا جهودهم، وأن ينتقلوا كما قلتُها مراراً من موقع الدعم إلى موقع المشاركة؛ ففلسطين هي لنا جميعاً؛ القدس قدسنا، والأقصى أقصانا، وأرض النبوات والصحابة والتابعين هي أرض المسلمين جميعاً، والخطر الصهيوني خطر على الجميع؛ لأن اليهود أعداؤنا جميعاً، فينبغي للأمة أن تستشعر مسؤوليتها. صحيح أن هناك معوقات، كما أن الشعب الفلسطيني أمامه معوقات، ولو استسلم شعبنا للمعوقات لما قاتل الصهاينة، وأكبر المعوقات أنه لا يجد سلاحاً، ومن ثم فوجود معوقات في الأمة لا يسوِّغ العجز، ولا يسوِّغ التقاعس أو التقصير؛ إذن هناك مسؤولية ينبغي أن تمارس، وينبغي أن تحمل على العوائق، وأن تبادر الأمة إلى تحمل مسؤوليتها، وتنتقل كما قلت من موقع الدعم إلى موقع المشاركة؛ حتى نشرف جميعاً بهذه المعركة، وبالتكليف الشرعي إزاءها، وبذلك إن شاء الله نشترك جميعاً في مكاسبها، وفي الافتخار بنتائجها، وفي أجرنا إن شاء الله عند الله في الدنيا والآخرة. ومن خلالكم نشكر كل من يساهم في دعم صمود شعبنا وتعزيزه؛ سواء بالدعم المالي أو بالدعاء، أو بالحركة الجماهيرية، أو بالقلم، أو بالتبشير بمشروع المقاومة، أو بالرد على المهزومين.. إلى آخر ذلك، وبارك الله فيكم.

стр. 4454

البيان الأدبي رشفات من اللغة المحرر الأدبي * تنبيه: نشكر الإخوة الأدباء واللغويين على حرصهم وتجاوبهم، ونأمل أن يراعي المشاركون ما يأتي: ١ - أن تكون المشاركة بالعربية الفصحى. ٢ - ألا تزيد القصيدة على ٢٠ - ٢٥ بيتاً. ٣ - ألا تزيد القصة على ١ - ١.٥ صفحة. ٤ - ذكر اسم صاحب المشاركة، وعنوانه وهاتفه. ٥ - تنوع المشاركات ما بين قصيدة، وقصة، ومقامة، ومقالة، ودراسة ونقد. * ترتيب الحروف العربية: حروف اللغة العربية ثمانية وعشرون، على خلاف في حرف الهمزة، ولها عدة ترتيبات: ١ - الترتيب الأبجدي، وهو أقدمها، وهو مرتب بهذه الكلمات الثمانية: أَبْجَدْ هَوَّزْ حُطِّيْ كَلَمُنْ سَعْفَصْ قَرَشَتْ ثَخَذْ ضَظَغْ. ٢ - الترتيب الهجائي، وسمي الألفبائي، ويعتمد على جمع الحروف المتشابهة، وينسب إلى نصر بن عاصم (ت ٨٩ هـ) ، وهو: أب ت ث - ج ح خ - د ذ - ر ز - س ش - ص ض - ط ظ - ع غ - ف ق - ك ل - م ن هـ وي، ويسمى الترتيب الهجائي المشرقي؛ لأن بعض أهل المغرب خالفه ورتب الحروف هكذا: أب ت ث - ج ح خ - د ذ - ر ز - ط ظ - ك ل - م ن - ص ض - ع غ - ف ق - س ش - هـ وي. ٣ - الترتيب الصوتي، وضعه الخليل بن أحمد الفراهيدي حسب مخارج الحروف، وهو: ع ح هـ - خ غ - ق ك - ج ش ض - ص س ز - ط ت د - ظ ذ ث - ر ل ن - ف ب م - وي اء. والترتيب الهجائي هو الذي غلب أخيراً، فصار المعتمد في الترتيب اللفظي. * كتاب (الخصائص) لأبي الفتح عثمان ابن جنّي (ت ٣٩٢ هـ) : من أهم الكتب التي درست أسرار العربية وخصائصها، وفيه بحوث لغوية ما تزال تدرس وتبحث إلى اليوم؛ مثل: أصل اللغة، ومقاييس العربية، والاطراد والشذوذ، وتعارض السماع والقياس، والاشتقاق الأكبر، والتقديم والتأخير.. * من فصاحة الأعراب: - نظر أعرابي إلى رجل سمين فقال له: «يا هذا! أرى عليك قَطيفة من نَسْج أضراسك مُحْكَمة» . - وقفت أعرابية على قبر أخيها فقالت: «نِعْم السيد كنت لعشيرتك، كنت والله مُناخ الضيفان، وحوض الظمآن، وسُمّ الفرسان، وكنت عند الغضب حليماً، وعند الله كريماً» . * أمثال: - ذئب يوسف: لمن يرمى بذنب جناه غيره. - واو عمرو: لما لا يحتاج إليه. - حالب التيس: لمن يطمع في غير مطمع. - فم الأسد: للشيء الصعب المرام. * كُنى: - أبو غياث: الماء. - أبو راحة: النوم. - أبو مالك: الجوع. - أبو يحيى: الموت. * أكْفَاء وأكِفَّاء وأكْفِيَاء: يخلط بعض المتكلمين بين معاني هذه الكلمات، والصواب أن (الأكْفاء) جمع كُفْء، وهو النظير والمساوي، تقول: هؤلاء أكْفاء هؤلاء أي نظراؤهم ومساووهم، و (الأكِفَّاء) جمع كفيف وهو الضرير، و (الأَكْفِيَاء) جمع كفِيْء، وهو الكافي والمتفوق والمتميز على غيره، تقول: هؤلاء أكْفِياء لهذا العمل أي يكفونه ويقومون به. * عامي فصيح: - دَعَسَه: داسه بشدة. - هَبْرة: قطعة لحم. - سَكّر الباب: أغلقه. - سلق اللحم أو البيض: طبخه على النار بالماء وحده.

стр. 4455

البيان الأدبي أهمية اللغة العربية لدارس الكتاب والسنة والمتأمل فيهما عبد الله بن حمد الخثران لا يمتري أحد في أن اللغة العربية وعلومها تنزل من علوم الإسلام ومعارفه منزلة اللسان من جوارح الإنسان، ولا نبعد كثيراً إذا قلنا: بل منزلة القلب من الجسد؛ لأنها لسان الإسلام الأسمى، بها نزل القرآن الكريم؛ وهو الدستور المهيمن على جميع شؤون الحياة. فإذا اعتور اللغة العربية أو أصابها جمود باعد بينها وبين ألسنة المسلمين وعقولهم؛ واستعجم عليهم فهم كتاب الله تعالى، وأغلقت دونهم أبوابه؛ فيصعب عليهم فهم أسراره التشريعية. ولو أن باحثاً رمى نظره إلى ماضي المسلمين لرأى في يسر ووضوح أن عهود التقدم والقوة، وأزمان المجد والسيادة في تاريخ الأمة الإسلامية كانت مرتبطة أشد الارتباط بفهم القرآن الكريم وأساليبه فهماً كان منطلقه فهم أسرار هذه اللغة والنَّهْل من منابعها، ولم تكن العناية باللغة العربية في عصور الإسلام الذهبية بأقل من العناية بأي شأن من شؤون الدين؛ بل لقد كان الدين دافعاً قوياً على العناية بها، وحسبنا أن نعلم أن قواعدها لم تُدوَّن إلا صوناً للقرآن الكريم من أن يَدْلِفَ إليه اللحن. ولقد دأب العلماء منذ القديم على أن يصلوا بين علوم العربية والدين الإسلامي بأوثق الصلات؛ حتى إن بعضهم يقدمها في التعليم على جميع العلوم؛ من أجل أن فهم الأحكام وأخذها من الأصول متوقف على التفقه في فنون الإعراب. إن هذا الفرض الديني من دراسة اللغة العربية هو المنهج الذي قامت عليه دراسة اللغة العربية في العصور الإسلامية المزدهرة، وهو المنهج الذي أصَّله العلماء القدامى، وحثوا على الأخذ به؛ مما سنبينه إن شاء الله. * أقوال الصحابة والسلف في أهمية اللغة العربية: تعد اللغة العربية كما أسلفنا مفتاح الأصلين العظيمين: الكتاب والسنة؛ فهي الوسيلة إلى الوصول إلى أسرارهما، وفهم دقائقهما؛ ولهذا السبب عُني السَّلف بعلوم اللغة العربية، وحثوا على تعلمها والنَّهل من عبابها. يقول عمر بن الخطاب ﵁: «تعلموا العربية؛ فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم» [١] . وكتب إلى أبي موسى الأشعري ﵄: «أما بعد: فتفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية، وأَعْرِبُوا القرآن؛ فإنه عربي» . ففي توجيه عمر بن الخطاب ﵁ أمران: الأول: الدعوة إلى فقه العربية. الثاني: الدعوة إلى فقه الشريعة. لأن الدين فيه فقه أقوال وأعمال؛ ففقه العربية هو الطريق إلى فقه الأقوال، وفقه الشريعة هو الطريق إلى فقه الأعمال [٢] . وقال عبد الله بن عباس ﵄: «ما كنت أدري ما معنى [فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض] (الأنعام: ١٤) ، حتى سمعت امرأة من العرب تقول: أنا فطرته. أي: ابتدأته» [٣] ، وقال: «إذا خَفِيَ عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب» . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إن الله لما أنزل كتابه باللسان العربي، وجعل رسوله مبلغاً عنه الكتاب والحكمة بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين به، ولم يكن سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط هذا اللسان، صارت معرفته من الدين، وأقرب إلى إقامة شعائر الدين ... » [٤] . وفي كلام ابن تيمية ما يستدعي الوقوف، وهو أن بين اللغة العربية والعقيدة الإسلامية ارتباطاً عضوياً وثيقاً لا يماثله ترابط آخر في أي من المجتمعات القديمة والمعاصرة؛ لأن اللغة العربية هي لغة الإسلام، ولغة كتابه العزيز، ولغة رسوله محمد ﷺ ؛ ولذا فإن الاهتمام بها والعناية بها إنما هو استكمال لمقوم من مقومات العقيدة الإسلامية التي نجتمع جميعاً على إعزازها والدعوة إليها. وانطلاقاً من هذا المفهوم؛ فإننا نعتقد أن تعلم اللغة العربية والاهتمام بها ليس مهنة تعليمية أو قضية تعليمية فحسب، وإنما هو قضية عقدية، ورسالة سامية نعتز بها. ولهذا يقول الرازي: «لما كان المرجع في معرفة شرعنا إلى القرآن والأخبار، وهما واردان بلغة العرب ونحوهم وتصريفهم؛ كان العلم بشرعنا موقوفاً على العلم بهذه الأمور، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به، وكان مقدوراً للمكلف؛ فهو واجب» [٥] . وما ذكره الرازي صحيح؛ لأن علم أصول الفقه إنما هو أدلة الفقه، وأدلة الفقه إنما هي الكتاب والسنة، وهذان المصدران عربيان، فإذا لم يكن الناظر فيهما عالماً باللغة العربية وأحوالها، محيطاً بأسرارها وقوانينها تعذر عليه النظر السليم فيهما، ومن ثم تعذر استنباط الأحكام الشرعية [٦] منهما؛ ولذا يقول الشافعي: «من تبحر في النحو اهتدى إلى كل العلوم» ، وقال أيضاً: «لا أُسأل عن مسألة من مسائل الفقه إلا أجبت عنها من قواعد النحو» [٧] ، وقال أيضاً: «ما أردت بها (يعني العربية) إلا الاستعانة على الفقه» [٨] . * أقوال أهل اللغة في أهمية اللغة العربية لدارس الكتاب والسنة: لقد أبان عن هذه الأهمية أهل اللغة أنفسهم. يقول الزمخشري: «وذلك أنهم لا يجدون علماً من العلوم الإسلامية فقهها وكلامها وعلمي تفسيرها وأخبارها؛ إلا وافتقاره إلى العربية بيِّن لا يُدفع، ومكشوفٌ لا يتقنَّع، ويَرَوْن الكلام في معظم أبواب أصول الفقه ومسائلها مبنياً على علم الإعراب» [٩] . وما ذكره الزمخشري صحيح؛ وذلك لتوقف معرفة دلالات الأدلة اللفظية من الكتاب والسنة، وأهل العقد والحل من الأمة على معرفة موضوعاتها لغة من جهة (الحقيقة والمجاز) ، والعموم والخصوص، والإطلاق، والتقييد، والحذف والإضمار، والمنطوق والمفهوم، والاقتضاب، والإشارة، والتنبيه وغير ذلك؛ مما لا يعرف في غير علم العربية [١٠] . وقال ابن جنِّي: «إن أكثر من ضل من أهل الشريعة عن القصد فيها، وحاد عن الطريقة المثلى إليها؛ فإنما استهواه واستخف حِلْمَه ضعفُهُ في هذه اللغة الكريمة الشريفة التي خوطب الكافة بها» [١١] . وقال أبو حيان في البحر المحيط في معرض ثنائه على سيبويه ﵀ قال: «فجدير لمن تاقت نفسه إلى علم التفسير، وترقت إلى التحرير والتحبير؛ أن يعتكف على كتاب سيبويه؛ فهو في هذا الفن المعوَّل والمستند عليه في حل المشكلات إليه» [١٢] . ويفهم من كلام الصحابة والسلف وأقوال اللغويين أنه ليس المقصود من تعلم اللغة العربية الاقتصار فقط على القواعد الأساسية التي تتوقف وظيفتها على معرفة ضوابط الصحة والخطأ في كلام العرب، وإنما المقصود من تعلم اللغة العربية لدارس الكتاب والسنة والمتأمل فيهما؛ هو فهم أسرارها والبحث عن كل ما يفيد في استنطاق النص، ومعرفة ما يؤديه التركيب القرآني على وجه الخصوص؛ باعتباره أعلى ما في العربية من بيان، وقد نبه على هذه الخاصية الزجاجي في كتابه «الإيضاح في علل النحو» ؛ حيث يقول: «فإن قيل: فما الفائدة في تعلم النحو؟ ... فالجواب في ذلك أن يقال له: الفائدة فيه للوصول إلى التكلم بكلام العرب على الحقيقة صواباً غير مبدل ولا مغير، وتقويم كتاب الله الذي هو أصل الدين والدنيا والمعتمد، ومعرفة أخبار النبي ﷺ وإقامة معانيها على الحقيقة؛ لأنه لا تفهم معانيها على صحة إلا بتوفيتها حقوقها من الإعراب» [١٣] . ولهذه الأهمية التي نبه عليها العلماء السابقون جُعِلَت اللغة العربية شرطاً من شروط المفسر، وشرطاً من شروط المجتهد في الفقه. * أهمية اللغة العربية للمفسر لكتاب الله : قال الزركشي: «واعلم أنه ليس لغير العالم بحقائق اللغة وموضوعاتها تفسير شيء من كلام الله، ولا يكفي في حقه تعلم اليسير منها؛ فقد يكون اللفظ مشتركاً وهو يعلم أحد المعنيين والمراد المعنى الآخر» [١٤] . ولهذا السبب يقول مالك ﵀: «لا أُوتَى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالاً» [١٥] ، ولذا أيضاً نجد التفاسير مشحونة بالروايات عن سيبويه والأخفش والكسائي والفراء وغيرهم. فالاستظهار لبعض معاني القرآن الكريم وأسراره نابع من الاستعانة بأقاويلهم، والتشبث بأهداب فسرهم، وتأويلهم، كما قال الزمخشري في المفصل [١٦] . وتزداد أهمية تعلم اللغة العربية حين بَعُد الناس عن المَلَكة والسليقة اللغوية السليمة؛ مما سبب ضعف المَلَكات في إدراك معاني الآيات الكريمة؛ مما جعل من الأداة اللغوية خير معين على فهم معاني القرآن الكريم والسنة المطهرة، وقد نبه ابن خلدون على ذلك بقوله: «فلما جاء الإسلام، وفارقوا الحجاز لطلب الملك الذي كان في أيدي الأمم والدول، وخالطوا العجم تغيرت تلك الملكة بما ألقى إليها السمع من المخالفات التي للمستعربين من العجم؛ والسمع أبو الملكات اللسانية؛ ففسدت بما ألقي إليها مما يغايرها لجنوحها إليه باعتبار السمع، وخشي أهل الحلوم منهم أن تفسد تلك الملكة رأساً بطول العهد؛ فينغلق القرآن والحديث على الفهوم، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردة شبه الكليات والقواعد، يقيسون عليها سائر أنواع الكلام، ويلحقون الأشباه منها بالأشباه» [١٧] . ولهذا حرص العلماء في العصور المتقدمة على التأليف في إعراب القرآن ومعانيه؛ مما يدل أيضاً على أهمية اللغة العربية في فهم الكتاب العزيز، بل إن بعض هذه الكتب منها ما يسمى بـ (معاني القرآن) ؛ مما يوحي بأهمية الإعراب في فهم المعاني، والدليل على ذلك ما جاء في كشف الظنون حين عَدَّ «إعراب القرآن» علماً من فروع علم التفسير، وقد قام بهذا العمل علماء في النحو واللغة، فاستفاد منهم المفسرون، فهذا تفسير الطبري قد أودع فيه معظم آراء النحويين كسيبويه والكسائي والأخفش والفراء وشواهدهم؛ حيث بلغت شواهده الشعرية ما يقرب من ثمانمائة وألف شاهد شعري، غير ما اشتمل عليه من أقوال العرب وأمثالهم. ومما يجب التدقيق في فهمه بالنسبة للمفسر لكتاب الله ما يلي: ١ - معرفة أوجه اللغة؛ وهو أمر ضروري في اختيار ما يناسب النص، وقَصْر المعنى على الوجه المراد، ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى: [وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى] (الضحى: ٧) ؛ فإن لفظة «الضلال» تقع على معان كثيرة، فَتَوَقَّعَ البَعْضُ أنَّه أراد «بالضَّلال» الذي هو ضد «الهدى» ، وزعموا أن الرسول ﷺ كان على مذاهب قومه أربعين سنة، وهذا خطأ فاحش؛ فقد طهره الله تعالى لنبوته، وارتضاه لرسالته، ومن سيرته صلى الله عليه وسلم رد على مزاعمهم إذ سُمِّي في الجاهلية الأمين، وكانوا يرتضونه حكماً لهم وعليهم، والله إنما أراد «بالضَّلال» الذي هو الغفلة كما قال في مواضع أخرى: [لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى] (طه: ٥٢) أي لا يغفل [١٨] سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً. وقال ابن عباس ﵄: «هو ضلاله وهو في صغره في شعاب مكة، ثم رده إلى جده عبد المطلب، وقيل: ضلاله من حليمة السعدية مرضعته، وقيل ضل في طريق الشام حين خرج به عمه أبو طالب» [١٩] . ٢ - معرفة الصِّيغ وما تدل عليه من معنى؛ لئلا يؤدي ذلك إلى تفسير القرآن الكريم بما لا يليق أو فهم المعنى غير المراد، ومن ذلك على سبيل المثال: [مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكُ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ] (فصلت: ٤٦) ، وغير ذلك من الآيات التي ورد فيها نفي الظلم عن الله بصيغة «فعَّال» ؛ ففي هذه الآية وما أشبهها وردت لفظة «ظلاّم» بصيغة المبالغة، ومعلوم أن نفي المبالغة لا يستلزم نفي الفعل من أصله، مثال ذلك قولك: زيد ليس بنحَّار للإبل. لا ينفي إلا مبالغته في النحر، فلا ينافي أنه ربما نَحَر بعض الإبل، ومعلوم أن المراد بنفي المبالغة في الآيات هو نفي الظلم من أصله عن الله سبحانه وتعالى؛ أجيب عن ذلك بناءً على فهم اللغة العربية؛ وهو أن المراد نفي نسبة الظلم إليه سبحانه؛ لأن صيغة «فعّال» قد جاءت في اللغة العربية مراداً بها النسبة فأغنت عن ياء النسب، ومثاله في لغة العرب قول امرئ القيس: وَلَيْسَ بِذِي رُمْحٍ فَيَطْعَنني ... وَلَيْسَ بِذِي سَيْفٍ وَلَيْسَ بِنَبَّال [٢٠] أي ليس بذي نَبْلٍ. وعلى هذا أجمع المحققون من المفسرين واللغويين [٢١] . ٣ - معرفة الأوجه الإعرابية: فمما يجب معرفته للمفسر معرفة أوجه الإعراب؛ لأن المعنى يتغير بتغير الإعراب، ويختلف باختلافه، وعلى سبيل المثال لو أن قارئاً قرأ: [وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ] (الإِخلاص: ٤) برفع (كفو) ونصب (أحد) لكان قد أثبت كفواً لله؛ تعالى عما يقولون علواً كبيراً، ولو أن قارئاً قرأ: [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ] (فاطر: ٢٨) ، برفع لفظ الجلالة ونصب (العلماء) لوقع في الكفر؛ لأن المعنى يفرض رفع العلماء فاعلاً، ونصب لفظ الجلالة مفعولاً به؛ لأن المراد حصر الخوف من الله في العلماء لا حصر الخوف من العلماء في الله، كما نلاحظ أن الوقف بالسكون على آخر العلماء اختياري لا شيء يمنعه، أما نصب لفظ الجلالة فلازم لا يجوز فيه الوقف العارض؛ أي لا يتم المعنى بدون النصب، بل إن الحركة لها دور في المعنى ولو لم تكن إعراباً، ويدل على ذلك لزوم كسر الخاء في قوله تعالى: [هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ] (الحديد: ٣) ، وكسر الواو في قوله تعالى: [هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ] (الحشر: ٢٤) . فإن فتحها يؤدي إلى الكفر. * أهمية اللغة العربية للفقيه: جَعَل علماء أصول الفقه من شروط المجتهد أن يكون عالماً بأسرار العربية وبخاصة «علم النحو» ، قال الأنصاري الحنفي: «من شروط المجتهد أنه لا بُدَّ من معرفة التصريف والنحو واللغة» [٢٢] ؛ لأن الشريعة عربية ولا سبيل إلى فهمها إلا بفهم كلام العرب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما ذكر ذلك صاحب «المحصول في أصول الفقه» [٢٣] . ولكن العلماء يفرقون بين طبيعة العمل الاجتهادي؛ فمنه ما يتعلق باستنباط المصالح والمفاسد مجرداً من اقتضاء النصوص لها، وإنما العلم بمقاصد الشريعة، فهذا العلم لا يلزم له معرفة واسعة في العلوم العربية، وإنما يلزم العلم بمعرفة مقاصد الشريعة. وإن تعلق الاستنباط بالنصوص الشرعية فلا بد من اشتراط العلم بالعربية [٢٤] . وقد مر قول الشافعي: «ما أردت بها (يعني العربية) إلا الاستعانة على الفقه» ، فالعربية وسيلة من وسائل الاهتداء إلى بعض الأحكام الفقهية من نصوص الشريعة، وقد نبه العلماء الأوائل على هذه الأهمية في استنباط الأحكام الشرعية، ومن هؤلاء على سبيل المثال: ١ - القرافي (ت ٦٨٢ هـ) ، في كتابه «الاستغناء في أحكام الاستثناء» . ٢ - الإسنوي (ت ٧٧٢ هـ) ، في كتابه: «الكوكب الدري» . ٣ - أبو بكر محمد بن عبد الله، المعروف بابن العربي، صاحب كتاب: «أحكام القرآن الكريم» . ٤ - القرطبي في تفسيره؛ حيث إنه كثيراً ما يعبر في الرد على بعض الأقوال بقوله: «وهذا كله جَهْلٌ باللسان والسنة ومخالفة إجماع الأمة» [٢٥] . ولا أدل على ذلك من جَعْل «النحو» أحد ثلاثة مصادر: منها استمداد أصول الفقه، (وهذه المصادر: علم الكلام، وعلم العربية، والأحكام الشرعية) [٢٦] ، فإن تحديد الدلالة اللفظية قد يتوقف عليها تقرير الحكم الشرعي؛ لأن الأسلوب العربي في لغة القرآن الكريم يتميز بالتصرف في فنون القول، وتكثر فيه الألفاظ التي تمثل أكثر من معنى، ومن ذلك على سبيل المثال: ١ - لفظة «اللمس» الواردة في قوله تعالى: [أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً] (النساء: ٤٣) ، فمن الفقهاء من حدد معنى «اللمس» بالاتصال بالمرأة، ومنهم من حدده بمعنى «المس» فقط. ٢ - ومن ذلك أيضاً ما ورد في حديث الرسول ﷺ ، فقد قال رسول الله ﷺ : «أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً» [٢٧] ، قاله لنسائه فحسبنه «من الطول» الذي هو ضد «القصر» ، فظنت سودة إحدى زوجاته أنها المرادة، فلما ماتت زينب ﵂ قبلها علمن حينئذ أن المراد بالطول هو الفضل والكرم، وكانت زينب أكثرهن صدقة، وهذا يوافق كلام العرب فهم يقولون: «فلان أطول يداً» في حالة الكرم [٢٨] . وقد فطن بعض العلماء إلى أهمية تلك المعرفة ومنهم الراغب الأصفهاني (ت ٥٥٢ هـ) في كتابه «المفردات في غريب القرآن» ؛ حيث تناول في هذا الكتاب التحديد الدقيق بين دلالات الألفاظ في القرآن الكريم، وكذلك فعل الزمخشري في كتابه «أساس البلاغة» ؛ حيث وضح الاستعمالات المختلفة للفظ، وما يضيفه الاستعمال من دلالة (حقيقية أو مجازية) ، كما فطن إلى ذلك أيضاً الإمام الشافعي ﵀ في كتابه «الرسالة» [٢٩] ، كما ذكر السيد البطليموسي في كتابه «التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين» [٣٠] ، فقد ذكر أن الإعراب له تأثير بيِّنٌ في الأحكام الفقهية وتوجيهها؛ فالمعاني تختلف باختلاف وجوه الإعراب، ويختلف الحكم تبعاً لذلك، وعلى سبيل المثال: لو قال شخص: له عندي مائةٌ غيرُ درهم. برفع (غير) لكان مقراً بالمائة كاملة؛ لأن «غير» هنا صفة للمائة، وصفتها لا تنقص شيئاً منها [٣١] . ولو قال: له عندي مائةٌ غيرَ درهم. بنصب (غير) لكان مقراً بتسعة وتسعين درهماً؛ لأنه استثناء، والاستثناء إخراج ما بعد حرف الاستثناء من أن يتناول ما قبله. ولو قال لزوجته: أنت طالق إن دَخَلْتِ الدار. بكسر همزة (إن) ؛ لم تطلق حتى تدخل الدار؛ لأن (إن) للشرط. ولو قال: أنت طالق أن دَخَلْتِ الدار. بفتح همزة (أن) ؛ وقع الطلاق في الحال؛ لأن معنى الكلام: أنت طالق لأن دخلت الدار؛ أي من أجل أنك دخلت الدار؛ فصار دخول الدار علة طلاقها لا شرطاً في وقوع طلاقها [٣٢] . بل إن الحكم يختلف باختلاف تصاريف الكلمة؛ فلو أن رجلاً حلف ألا يلبس مما غزلته فلانة، فلا يحنث إلا بما غزلته قبل اليمين، ولو قال: مما تغزله. فلا يحنث إلا بالذي تغزله بعد اليمين، فلو قال: من غَزْلِها. دخل فيه الماضي والمستقبل [٣٣] . وعلى هذا يجب أن يكون اهتمامنا نابعاً من هذا المفهوم، وهو ارتباط اللغة العربية بالدين والتراث، فالواجب يقتضي ترسيخ هذا المفهوم؛ لأنه سوف يكون الحارس بعد الله على هذه اللغة الشريفة، ويمكن تلخيص هذا المفهوم في الفقرات التالية: ١ - النظر إلى اللغة العربية على أنها لغة القرآن الكريم والسنة المطهرة، ولغة التشريع الإسلامي؛ بحيث يكون الاعتزاز بها اعتزازاً بالإسلام وتراثه الحضاري العظيم. ٢ - النظر إلى اللغة العربية على أنها عنصر أساسي من مقومات الأمة الإسلامية والشخصية الإسلامية. ٣ - النظر إليها على أنها وعاء للمعرفة والثقافة بكل جوانبها، ولا تكون مجرد مادة مستقلة بذاتها للدراسة؛ لأن الأمة التي تهمل لغتها أمة تحتقر نفسها وتفرض على نفسها التبعية الثقافية. إذا عملنا على ذلك وضعنا سياجاً قوياً يحفظ اللغة العربية في كل حين وفي كل زمان؛ لأن اللغة قد أصبحت لغة العقيدة والعلم على حد سواء؛ لأن بين اللغة العربية والوجود الإسلامي في أي مكان وفي أي زمان تلازماً واضحاً في الماضي والحاضر والمستقبل، فحين يتعرض الإسلام لأنواع الغزوات والنكبات تكون اللغة العربية هي أداة التفكير والتعبير والاتصال؛ تحفظ عليه وجوده الحضاري، وهي التي تساعده على أن يستأنف هذا الوجود بعد كل هجمة أو تعثر. وهناك أسباب ملحة في الوقت الحاضر تدعونا إلى الاهتمام باللغة العربية، ومن هذه الأسباب: ١ - أن هناك شعوباً إسلامية تعيش في قارات العالم تتطلع إلى استخدام اللغة العربية والحرف العربي، ومن حق هذه الشعوب الإسلامية علينا أن نيسر لها السبيل إلى ذلك، ونمكن لها منه، فإذا هي وجدتنا منصرفين عن لغتنا، أو أننا ضائقون بها، أو أننا لا ننزلها المنزلة السامية أو أن حركة تعلمها أو تعليمها تمضي في سلسلة من التعثرات؛ كان ذلك مدعاة لانصرافهم عنا وعنها، وهو الأمر الذي يهدد بالضعف والتراجع عن روابط الأخوة الإسلامية التي نعتز بها ونعمل من أجلها. ٢ - ما نراه من تهديد للجبهة اللغوية التي هي ثغر من الثغور التي يحاول الأعداء الولوج منها للقضاء على تراث الأمة الإسلامية العظيم، وهذا التهديد يكمن في سيطرة اللهجات المحلية التي زاحمت الفصحى في ميادين متعددة لا سيما وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة، كما يكمن في اللغات الأجنبية التي أصبح إتقانها عند كثير من أبنائنا علامة التقدم الحضاري [٣٤] . وهذا كله يستدعي منا الاهتمام باللغة العربية وتعميمها في كل المجالات. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 4456

نص شعري سفينة الأمة د. عبد الرحمن صالح العشماوي مَنْ يحمل الإيمانَ لا يفتري ... لا يكره الحقَّ ولا يَزْدري ومَنْ يريد الخيرَ يَظْفَرْ به ... يوماً، وإنْ خِلْناه لم يَظْفَرِ ما كلُّ عينٍ أبصرتْ قادماً ... تعرف وجهَ الخائفِ المُدْبرِ ما كلُّ مَنْ يُدنيكَ من نفسه ... يكشف ما للسرِّ من مصدَرِ هل يعرف الشاطئُ من بحره ... ما تحمل الأعماقُ من جَوْهَرِ؟ كم في حنايا القلب من حَسْرةٍ ... أَغوارُها في النفسِ لم تُسْبَرِ وكم سؤالٍ مَاجَ في خاطري ... لولا اشتعالُ الحزنِ لم يَخْطُرِ ماذا ترى يا شاعراً، قلبُه ... أصبح بالأحزانِ كالمِجْمَرِ؟ ماذا ترى في أَرضِ إسرائنا ... ماذا ترى في ساحةِ المحشرِ؟ ماذا ترى من قتل أحبابنا ... في مَنْظَرٍ أسوأَ من منظرِ؟ ما لي أرى جَفْنَك لم ينكسر ... ما لي أرى قلبك لم يُصْهرِ؟! انظرْ إلى أشلاء أطفالنا ... مَغمورةً في الدَّافقِ الأحمرِ انظر إلى الأمِّ التي عَبَّرَتْ ... أجفانُها عن عارضٍ مُمْطِرِ انظر إلى الشيخ الذي لفَّه ... ليلُ الأسى، والصُّبْحُ لم يُسْفِرِ يسأَل عن أَحفادِه: ما لهم ... لم يهتفوا بالحلُم الأَخْضرِ؟! ما بالُهم لم يركضوا خَلْفَه ... مثلَ الأزاهير إلى البَيْدَرِ؟! ما بالهم لم يطبعوا قبلةً ... على جبين الفارسِ الأسمرِ؟! يا شيخُ، أحفادُك طاروا إلى ... حيث المُنَى تُعْطى لمستكثرِ لا تبتئسْ! إني أرى منزلاً ... يُبْنَى من الدُّرِّ على الكوثَرِ ماذا ترى يا شاعراً، عَصْرُه ... أمسى يُعاني من «بني الأَصْفَرِ» ؟ ما لي أرى قومَك، أَوهامُهم ... تعصف بالموسر والمعسرِ؟! أطباقُهم تَعرض أَفْلامَها ... مشحونةً بالفسق والمنكرِ وربما تعرض أخبارَنا ... عرضاً يُرينا غفلةَ المُخْبرِ يا سائلي: مَهْلاً ففي عصرنا ... صقرٌ رمى الرِّيش لمُسْتَنْسِرِ عالَمُنا ... جمَّد ... إحساسَه ... حُبُّ الرِّبا والخمر والميسرِ قد واجهَ اللهَ بعصيانه ... وأغلق السَّمْعَ عن المُنذِرِ شعري يناديه، ولكنَّه ... كالصخرة الصمَّاء لم يشعُرِ يا جامدَ الإحساسِ يا عالَماً ... يعجز عن إعلانِ مُستنكرِ يا من تَبثُّ الرُّعْبَ في أرضنا ... تريد أنْ نهربَ للمشتري؟! هذي فلسطينُ التي أطلقتْ ... من قُدسها صرخةَ مُستنصرِ تستنفر الأمةَ ... لكنَّها ... مشغولةٌ عن صوت مُستنفِرِ هذي فلسطين التي أصبحتْ ... نَهْباً لغدَّارٍ ومستكبرِ تلقى صواريخ الأسى دونما ... تُرْسٍ ولا دِرْعٍ ولا مِغْفَرِ تستقبل الفجر بلا بسمةٍ ... لأنَّ ضوءَ الفجر لم يَحْضُرِ غابَ، ولم يأتِ سوى حَسْرةٍ ... باقيةٍ من ليلها المُدْبرِ لمَّا هَمَى النورُ رأتْ حولَها ... جماجمَ الأطفالِ لم تُقْبَرِ تدعو بني الإسلام، لكنّهم ... باعوا حُسامَ العزمِ بالمِزْهَرِ والعالَم الواهمُ مُستسلمٌ ... للخوف من صاحبةِ المِجْهَرِ سفينةُ الأمَّةِ يا سائلي ... عن شاطئ الغَفْلةِ لم تُبحِرِ ما زال يدعوها إلى حَتْفها ... مَنْ لم يَخَفْ رَبَّاً ولم يذكُرِ قَتْلٌ وتشريدٌ وهَدْمٌ فلا ... نامتْ عيونُ السَّيفِ والخنجرِ يا سائلي مَهْلاً ففي أحرفي ... حزنٌ به تقسو على الأَسْطُرِ هذا الذي تُبصره مَشْهَدٌ ... من مسرحٍ في عالمٍ مُقْفِرِ هذا الذي تبصره حُفْرَةٌ ... لولا ضلالُ الناس لم تُحْفَرِ فرَّطتِ الأمَّةُ فيما مضى ... واستسلمتْ للشانئ الأَبْتَرِ ما جهَّزَتْ جيشاً له صولةٌ ... تمنعُها من سَطْوةِ «العَسْكَرِ» نامتْ ولصُّ الدَّار يُلقي إلى ... غرفتها نَظْرَةَ مُسْتَسْعِرِ نامتْ، ولما استيقظتْ حدَّثتْ ... مأساتُها عن حقِّها المُهْدَرِ سفينةُ الأمَّةِ باتتْ على ... بابِ مَضيقِ الذُّلِّ لم تَعْبُرِ أَعدَّتِ العُدَّةَ لكنَّها ... عُدَّةُ مَن يلهو عن المصدرِ صامتْ عن الإبحارِ منذ الْتقى ... بالشاطئ الموجُ، ولم تُفْطرِ وكيف يرجو أنْ يرى عِزَّةً ... مَنْ باع بالخسرانِ ما يَشْتري يا سائلي: لا تبتئسْ! إنني ... بالرغم من بحر الأسى المُسْجَرِ أسمع في آفاقِ إيماننا ... صوتاً ينادي أمتي: أَبشري لا تحلف الشمسُ لنا أَنَّها ... جميلةُ المَظْهرِ والمَخْبَرِ لكنَّها تَنْشُر أَضواءَها ... تعصف بالإنكار والمنكِرِ

стр. 4457

المسلمون والعالم مخابرات الباكستان والصراع من أجل البقاء حسن الرشيدي «الاستخبارات الباكستانية تخوض حرب استنزاف ضد القوات الأمريكية والدولية في أفغانستان من خلال القاعدة وطالبان، وبمعلوماتها المضللة التي أعطتها للقوات الأمريكية تريد إغراقنا في الوحل الأفغاني كما غرق السوفييت من قبل، ويجب تلقين باكستان درساً على موقفها هذا» . هذا قول صحفي أمريكي كبير في إحدى الصحف الأمريكية؛ عقب إخفاق القوات الأمريكية في إلقاء القبض على معظم زعماء القاعدة وطالبان.. ولم يقتصر النقد الموجه للمخابرات الباكستانية على هذا الصحفي فقط، بل شنت وسائل الإعلام الأمريكية حملة موسعة على عناصر المخابرات الباكستانية وقياداتها متهمة إياها بموالاة القاعدة، وفي المقابل انبرى رؤساء سابقون لهذه الهيئة في منابر إعلامية عديدة يدافعون عن المخابرات الباكستانية، وفي وسط هذا الخضم المائج، بالإضافة إلى عامل السرية والغموض الذي يكتنف عمل المخابرات؛ يبدو التحقق من حقيقة دور المخابرات الباكستانية من الصعوبة بمكان. * دور المخابرات بصفة عامة، وطبيعة عملها: لا شك بأن عالم الاستخبارات عالم ظل زاخراً بالأخبار والأسرار، لكن ولأنه عالم الأسرار يصبح الغوص في تاريخه وعلاقاته الراهنة من الصعوبة بمكان. والنظرية الشائعة في مجال عمل المخابرات تقول بأن أجهزة المخابرات هي التي تحكم حقيقة بلدانها. والافتراضات المتضمنة في تلك النظرية ليست صحيحة بوجه عام؛ فهناك عدة عوامل تتحكم في طبيعة عمل المخابرات؛ منها طبيعة النظام السياسي، والظروف التي تمر بها الدولة بصفة عامة، ومدى تشبع العناصر القيادية في المخابرات بالأهداف الطموحة؛ سواء كانت أهدافاً شخصية أو سياسية؛ فالدولة ذات الطموح المستقبلي، والتي تسعى للحصول على أدوات القوة بعناصرها المختلفة؛ هي التي تسلط أجهزة استخباراتها بهدف جمع أسرار صناعة التسليح، وأسرار التجارة العليا وغيرها. أما الدول المنكمشة والتي يهمها في المقام الأول المحافظة على مكانة أصحاب القرار فيها؛ فهي التي تسلط عناصر مخابراتها على أفراد شعبها لكتم أنفاسهم أو إحصائها، ووضع تقارير كاملة عنهم في السجلات. وكذلك كان لطموح القيادات الاستخبارية دوره في بناء السلطة السياسية، فشهدت بعض الدول الكبرى صعود رؤساء أجهزة المخابرات ليتولوا أعلى سلطة رئاسية؛ فجورج بوش الأب تولى رئاسة المخابرات الأمريكية قبل انخراطه في السلك الرئاسي، كذلك كان أندربوف رئيس الاتحاد السوفييتي السابق، وحتى الرئيس الحالي لروسيا بوتين كان رئيساً للمخابرات الروسية قبل توليه الرئاسة. كذلك نجد أن عملية صنع القرار الاستراتيجي الخاص بدولة معينة يتم وفق عناصر محددة تدخل في تركيبة هذا القرار، ولا شك أنه كلما قويت أجهزة المخابرات زاد الحديث عن دورها في صنع القرار. وآلية عمل المخابرات تتضمن شقين: شقاً نظرياً، والثاني عملي: فالشق النظري له وظيفتان رئيسيتان: ١ - تقديم المعلومات والمعطيات في الميادين الاستراتيجية: العسكرية والسياسية والاقتصادية لدائرة القرار في مجال السياسة الخارجية. ٢ - تقديم التحليلات، والتقويمات، والتقديرات للأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية والاستراتيجية في بلدان العالم؛ بناء على طلب رأس الجهاز التنفيذي، أو عندما تتبلور لدى مسؤولي الوكالة تقويمات بشأن أوضاع بلد أو منطقة معينة في العالم. أما الشق العملي فله وظيفة أساسية، وهي القيام بأعمال أو عمليات سرية في الخارج؛ لتنفيذ أهداف استراتيجية أو سياسية أو عسكرية محددة في إطار برنامج السياسة الخارجية. وهذه الأعمال منها الإيجابية الهجومية للحصول على المعلومات عن طريق التجسس، والمراقبة والمتابعة، والقبض على الجواسيس، وتحويلهم إلى عملاء مزدوجين، أو تقديمهم للمحاكمة، والقيام بأعمال التخريب، وتدمير منشآت العدو، وانتهاج الحرب النفسية بما تشمله من أعمال الدعاية والشائعات. ومنها السلبية الوقائية؛ فتشمل إجراءات الأمن والسلامة التي تقوم بها الدولة لتحقيق الأمن مثل: الأسلاك الشائكة، ووسائل الإنذار، وإجراءات حفظ المعلومات السرية، ومشروعات الأمن الداخلي، وإجراءات أمن المنشآت، وأمن الأفراد، ومقاومة التآمر والتمرد والنشاطات الهدامة. * تكوين المخابرات الباكستانية: إن أهم ثلاث وكالات للمخابرات في باكستان هي: خدمة المخابرات الداخلية (ISI) ، والمخابرات العسكرية (MI) ، ومكتب المخابرات (IB) . وتختص كل هيئة بمسؤوليات محددة، ولكنها تلتقي جميعاً في هدف واحد هو حماية الأمن القومي الباكستاني، وفي حالة أي نشاط داخلي أو خارجي يمس الأمن القومي الباكستاني يحدث تشابك ملحوظ في أنشطة الهيئات الثلاث؛ فتركز الآي إس آي (ISI) والمخابرات العسكرية (MI) بشكل عام على موضوعات الاهتمام العسكري الطارئ، بينما يركز مكتب المخابرات (IB) على النشاطات السياسية الداخلية. يذكر أن الأصل في مكتب المخابرات أن يُرسل تقاريره مباشرة إلى رئيس الوزراء، وترسل الوكالتان العسكريتان تقاريرهما للقائد العام في الجيش. يقع مقر (ISI) الذي هو أهم فروع المخابرات وأكثرها تشعباً وتأثيراً في إسلام أباد، ويرأسها مدير عام يخدم في الجيش الباكستاني برتبة فريق. وهناك ثلاثة نواب للمدير: نائب سياسي، ونائب خارجي، ونائب عام. وفريق العمل في (الآي إس آي) بشكل أساسي عبارة عن مجموعة منتدبة من البوليس، والقوات العسكرية العليا، والمجموعات المتخصصة في الجيش، وهي تضم أكثر من خمسة وعشرين ألفاً من الأعضاء النشطاء، وتقول مصادر هندية وغربية إن الآي إس آي تضم ١٠.٠٠٠ ضابط؛ علاوة على المحاضرين والملحقين. والهيئة مقسمة إلى ستة أقسام: القسم الأكبر في الآي إس آي (ISI) : هو مكتب المخابرات المشترك، فهو مختص بتغطية مجالات معينة مثل الأحزاب السياسية، ومواجهة الإرهاب، وأمن الشخصيات المهمة، العمال والطلاب. وقام المكتب بتخصيص ثلاثة أقسام: قسم يختص بشكل محدد بالهند، وآخر بالدول الشيوعية، وثالث بإفريقيا وغرب آسيا. وهذا القسم مسؤول بشكل رئيس عن تعيين وإرسال الأفراد في مهمات بالخارج. القسم المهم الثاني: هو مكتب مخابرات الإشارة المشترك، والذي يقوم بالإشراف على شبكة الاتصالات الخاصة بالآي إس آي (ISI) ، وجمع الاستخبارات من خلال مراقبة قنوات الاتصالات بالدول المجاورة، وتضم الآي إس آي (ISI) عدداً كبيراً من أفراد سلاح الإشارة في الجيش، وتنتشر وحداتها في كراتشي ولاهور وبيشاور، وترصد وتلتقط الصور وتعترض الاتصالات اللاسلكية؛ على أن هدفها الرئيس هو متابعة تحركات القوات على امتداد الحدود الهندية؛ فخلال عمليات حرب عام ١٩٧١م كانت تمتلك ما يزيد على ٢٠٠ محطة راديو سرية في جبهة الحرب. القسم المهم الثالث: هو مكتب المخابرات المضادة المشترك، وكما يوحي اسمه فإنه يتولى الإشراف على البعثات الأجنبية، وعلى أفراد الآي إس آي (ISI) وهو القسم المختص بشكل أساسي بالهند، ويطلق عليه أيضاً ملحق المخابرات الشمالية، وتنحصر مهمته الرئيسية في تنفيذ العمليات في جامو وكشمير، والشرق الأوسط، وجنوب آسيا، والصين، وأفغانستان، والجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفييتي السابق. القسم الرابع: وهو مكتب المخابرات المنوع المشترك، وهو مسؤول عن الأحداث السرية في الأنحاء الأخرى من العالم، إلى جانب الاتفاقات السرية للتكنولوجيا النووية، وتكنولوجيا الصواريخ. القسم الخامس: مكتب المخابرات الفنية: مسؤول عن جمع المعلومات الفنية، بالإضافة إلى بحث وتطوير الآليات الاستخبارية. القسم السادس: مكتب المخابرات المشترك إكس x: يعمل كسكرتارية للهيئة، ويقوم بإعداد وتنسيق الدعم الإداري للأقسام الأخرى في الآي إس آي (ISI) والمنظمات الميدانية، ويقوم أيضاً بإعداد التقديرات الاستخباراتية وتقارير التهديدات. وبالإضافة إلى هذه العناصر الأساسية تضم الآي إس آي (ISI) قسماً آخر للحرب الكيمياوية. * ذراع باكستان الاستراتيجي: تعتقد باكستان دائماً أن الهند لم تتقبل قط وجودها، ومن ثم كانت ترى أن الهند عازمة على إنهاء تقسيم شبه القارة؛ مما يعني ضمناً وضع نهاية لاستقلال باكستان؛ ففي عام ١٩٦٤م صرح نهرو رئيس وزراء الهند حينذاك لصحيفة الواشنطن بوست أن هدف الهند النهائي هو قيام اتحاد هندي باكستاني؛ مما يعني دخول باكستان مرة أخرى تحت الهيمنة الهندوسية؛ وعليه فقد كان الهدف الجوهري لاستراتيجية باكستان الرئيسية هو مجرد البقاء في وجه منافستها الهند الأكبر منها حجماً والأكثر قدرة، والتي تريد بوضوح تصحيح الوضع القائم؛ مع الحفاظ على سلامة استقلاليتها قدر الإمكان. وكانت المخابرات الباكستانية وبالتحديد الآي إس آي أحد أذرع تنفيذ هذه الاستراتيجية. تشعب عمل هذه المخابرات على عدة محاور: المحور الأول: هو نزاع كشمير: تمثل كشمير بؤرة مهمة للصراع في جنوب آسيا؛ تلك المشكلة التي صنعتها الهند؛ فقد نص قانون استقلال الهند على أن الإمارات داخل الدولة الهندية حرة في أن تنضم إلى أي من الهند أو باكستان، أو أن تبقى مستقلة مع الأخذ في الاعتبار بعض العوامل مثل الوضع الجغرافي ورغبات الشعب. ولكن الهند تجاهلت هذا المبدأ عند الاستقلال؛ وخصوصاً فيما يتعلق بكشمير، وكانت غالبية السكان مسلمين وحاكمها كان هندوسياً. وحين تردد مهراجا كشمير في إعلان انضمام الإمارة إلى باكستان تمرد المسلمون الكشميريون الذين كانوا يمثلون نسبة ٨٢% من السكان، وقام جنود الحاكم الهندوسي بارتكاب المذابح في منطقة بونش وميربور في سبتمبر/ أيلول ١٩٤٧م، ويقال إنه قتل في هذه الاضطرابات ما لا يقل عن مائة ألف مسلم، وجرت هذه المجازر لإجهاض انتفاضة مسلمي كشمير ضد الحاكم الهندوسي، وفي محاضرة لوزير الدفاع الهندي جورج فرنانديز ألقاها في جامعة هارفارد في الولايات المتحدة عام ١٩٩١م قال: «هناك اعتقاد واسع النطاق بأن أيدياً خارجية تقف وراء أحداث كشمير، وتتم في كل مرة الإشارة إلى باكستان باعتبارها المسؤولة عما يحدث، لكنني أعتقد أنه لا دخل للأيدي الخارجية في قضية كشمير؛ فنحن (أي الهنود) الذين صنعنا مشكلة كشمير، وإذا ما قرر آخرون الاستفادة من الوضع؛ فلا أعتقد أنه يجب أن نصنع من هذا الأمر قضية تشغل البال» . ولكن الذي أخفاه وزير الدفاع الهندي هو سبب ذلك التآمر الهندي على كشمير؛ ألا وهو جعل مشكلة كشمير؛ ورقة ضغط لضمان أن تكون باكستان في إطار وحجم معين تحت الهيمنة الهندية. وظلت الهند تنتهج سياسة مزدوجة تجاه هذه القضية، فعلى الصعيد الرسمي ظلت تعد ولاية (جامو وكشمير) جزءاً من الهند منذ عام ١٩٤٧م، بينما استمرت في الوقت نفسه في إجراء المحادثات مع باكستان حول هذه القضية؛ كلما شعرت بضغوط تمارس عليها. وأدرك النظام الباكستاني منذ نشأته هذه المعضلة، وعمل على تفتيتها واستعادة كشمير عبر عدة محاور: - العمل على تدويل المشكلة وطرحها عالمياً للتأثير على الدول الكبرى؛ لتضغط بدورها على الهند وإرغامها على التنازل. - تفعيل جهاز المخابرات الآي إس آي التي بلورت عملها في عدة اتجاهات منها: دعم الجماعات الكشميرية التي تطالب بالانفصال عن الهند؛ حيث كانت الممول الرئيسي لبعض جماعات مقاتلي جامو وكشمير، فقد استمرت في تزويدهم بالأسلحة والذخيرة، وتوجيه العمليات التي يقومون بها. ولقد حققت الآي إس آي (ISI) هدفها الأول في مطلع التسعينيات، فأصبحت كشمير قضية دولية، بالإضافة إلى التمويل؛ حيث قامت الآي إس آي بتزويد المقاتلين بالبنادق الهجومية وغيرها من الأسلحة شبه المتطورة حسب بعض المصادر الهندية. ونشرت النيويورك تايمز تقريراً ادعت فيه أن ضبّاطاً في جهاز المخابرات الباكستانية قاموا بممارسة دور في تدريب حركة (جيش محمد) ، وذكرت الصحيفة وللمرة الأولى اسم أحد هؤلاء الضباط، وهو العميد عبد الله الذي وصفته الصحيفة بارتباطه النشيط بالجماعات الإرهابية، وذلك نقلاً عن تقرير من الجيش ومسؤولي المخابرات الباكستانيين. وردت الهند والتي كانت تشك منذ فترة طويلة بهذا الترابط بأنها تتمنى أن تنتهي هذه الارتباطات والعلاقات بين المخابرات الباكستانية والحركات الجهادية الكشميرية. وذكر التقرير الذي نشرته النيويورك تايمز أن العميد عبد الله سهّل أيضاً رحلات شيخ عمر أحمد سعيد - المشتبه به الرئيسي في قضية اختطاف الصحفي الأمريكي وذبحه - بين أفغانستان وباكستان، وتشير الصحيفة إلى أنه ربما كشفت التحقيقات المستمرة حول قتل «دانيال بيرل» عن الروابط بين المجموعات الجهادية المختلفة والمخابرات الباكستانية. وطالب سيليغ هاريسون مدير برنامج (آسيا في مركز السياسة الدولية) ، وأقدم باحث في مركز (وودرو ويلسون الدولي للباحثين) الإدارة الأمريكية بمناشدة وكالات المخابرات الباكستانية لإيقاف عمليات الاغتيال المتواصلة للكشميريين الذين يؤيدون المشاركة في الانتخابات، مثل شخصية عبد الغني لون الذي لقي مصرعه في ٢١/٥/٢٠٠٢م. كما قُتل أيضاً سبعة من زعماء حزب المؤتمر الوطني الذي يحكم الجزء الهندي من كشمير خلال الشهر الماضي. وأشار إلى تورط باكستان في مصرع لون، وحسب أقوال الباحث فإن «لون» كان قد عبَّر عن عزمه على الترشيح في انتخابات الجمعية التشريعية في كشمير. وكان مدير وكالة المخابرات الداخلية الباكستانية الآي إس آي الفريق إحسان الحق قد ترأس اجتماعاً استراتيجياً عقد في الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة في ٤/٢٠٠٢م، مع سبعة من زعماء المتمردين الكشميريين البارزين، ممن كانوا يتلقون مساعدة باكستانية، وكان لون بينهم، وقد أدان إحسان موقف لون في دعم المشاركة في الانتخابات، وحذره مطالباً إياه بالتوقف عن ذلك وفقاً لتقارير نشرتها صحف الشارقة الصادرة بالعربية والصحف الباكستانية، والتي أكدها دبلوماسي باكستاني. وبعد الاجتماع توجه لون إلى الولايات المتحدة لغرض المعالجة الطبية، ثم عاد إلى كشمير في ١٩/٥/٢٠٠٢م، وفي اليوم التالي لعودته وفي اجتماع للجماعات الكشميرية المدعومة من جانب باكستان؛ حث على المشاركة في الانتخابات، وقد اغتيل في اليوم التالي للاجتماع؛ أي في ٢١/٥/٢٠٠٢م. وواصل الباحث هاريسون اتهاماته لوزير الخارجية الأمريكي بأنه تفادى بشكل واضح دعوة باكستان إلى تفكيك مخيمات التدريب، وتسهيلات الاتصالات في جانبها الكشميري من خط وقف إطلاق النار، وما دامت هذه البنية الأساسية قائمة في موضعها فيمكن لباكستان أن تتحكم بمستوى التسلل ساعة تشاء مانعة عودة الأوضاع إلى حالتها الطبيعية، وهي حالة ضرورية لانتخابات هادفة. وأفادت مصادر صحفية غربية أن الآي إس آي (ISI) قد أقامت معسكرات التدريب بالقرب من الحدود مع بنجلاديش؛ حيث كان أعضاء الجماعات الكشميرية للولايات الشمالية الشرقية، والتي عُرفت بجبهة الأخوات السبع المتحدة، ويتم تدريبهم على المعدات العسكرية والأعمال القتالية. وقالت هذه المصادر أيضاً إن الآي إس آي (ISI) قد كثفت نشاطها في الولايات الهندية الشرقية؛ في حيدر آباد وما جاورها من ولايات. ولكن تثار شكوك كثيرة حول حقيقة التعاون بين الآي إس آي والمجاهدين في كشمير؛ خاصة أن أغلب مفردات هذه العلاقة تأتي من مصادر غربية أو هندية، وهي بطبيعتها معادية لباكستان والإسلاميين، ولكن عند تأمل عملية كارجيل عام ١٩٩٩م؛ فإنها تقدم دليلاً لا يقبل الجدال حول التعاون بين بعض فصائل المجاهدين الكشميريين وبين الجيش الباكستاني، وهذا التعاون لا يتم إلا عبر قنوات سرية وهي المخابرات؛ حيث هاجمت الجماعات الجهادية الكشميرية الجزء المحتل من المقاطعة، واستولت على بعض المرتفعات بدعم وتنسيق من الجيش الباكستاني، ورُصدت وقتها محادثة هاتفية بين الجنرال مشرف وكان وقتها قائداً للجيش وبين المجاهدين في كارجيل يحثهم فيها على الصمود. ولكن بعد الهجوم على البرلمان الهندي في ديسمبر الماضي والذي نُسب إلى جماعات كشميرية؛ قامت السلطات الباكستانية باعتقال أكثر من ألف شخص حسبما ذكرت قوات الشرطة، وأعلن الرئيس برويز مشرف - الذي يقود حملة التعقب - في خطابه للشعب أنه قام بحظر نشاط خمس جماعات لها علاقة بأنشطة الميليشيات. وظلت جماعة جيش محمد وهي إحدى الجماعات المحظور نشاطها، وكان مكتبها في كراتشي؛ وأصابه دمار كبير إثر حادث انفجار غامض ظلت تعمل خارج هذا المكتب إلى أن قامت الحكومة بإغلاقه هذا العام، ولكن معظم الميليشيات قامت منذ ذلك الوقت بإعادة التنظيم، وغيرت من أسمائها، وربما تحول بعضها إلى جماعات سرية تعمل في الخفاء؛ مما يصعب على المسؤولين تعقبهم. المحور الثاني: إيجاد امتداد استراتيجي لباكستان داخل أفغانستان: جعل الغزو السوفييتي لأفغانستان من باكستان دولة لها أهمية جيو استراتيجية بالغة، وبعد عدة أيام من هذا الغزو أعلنت الولايات المتحدة أن باكستان دولة المواجهة ضد العدوان السوفييتي، وعرضت أن تستأنف تقديم المساعدات والدعم العسكري لباكستان. وقامت إدارة المخابرات الداخلية التابعة للجيش (ISI) في باكستان بمراقبة أنشطة المجاهدين، وتقديم الدعم والتوجيه لهم، وتحدثت مصادر غربية عن أن قوات كوماندوز باكستانية من مجموعات الخدمات الخاصة في الجيش ربما تكون قد ساعدت في توجيه العمليات داخل أفغانستان، وبالغت هذه المصادر حتى إنها زعمت أن الآي إس آي (ISI) قد قامت بتدريب حوالي ٨٣.٠٠٠ من المجاهدين الأفغان بين الفترة من ١٩٨٣ - ١٩٩٧م وإرسالهم لأفغانستان، ودفعت باكستان ثمن أنشطتها؛ حيث قامت القوات الأفغانية والسوفييتية بشن حملة إرهابية من الانفجارات وأعمال التخريب داخل باكستان، قام بتوجيهها عملاء المخابرات الأفغانية، وتسببت في إحداث خسائر فادحة. وسجلت في باكستان حوالي ٩٠% من الأعمال الإرهابية التي حدثت في العالم في ذلك العام. واستمرت الآي إس آي (ISI) في مشاركتها النشطة في الحرب الأهلية الأفغانية، ودعمها لطالبان في حربها ضد حكومة رباني. وتقول مصادر غربية إن ناصر الله خان بابار الجنرال المتقاعد الذي كان وزيراً لداخلية باكستان عام ١٩٩٤م قد ملأ مناصب البعثات الدبلوماسية الباكستانية في أفغانستان بوكلاء الاستخبارات لضمان حصول طالبان على المساعدة التي تحتاجها على زعم مصادر غربية. وقال الجنرال بابار في مقابلة أجريت معه أخيراً في بيته بمدينة بيشاور: كثير من رجال الاستخبارات الباكستانية كانوا يقومون بالجهاد، ويتمتعون بالكثير من احترام الأفغان لهم. ويقول: كان أحد أولئك الوكلاء أمير سلطان ترار الذي عين بمنصب القنصل العام في هرات الواقعة في الغرب، وكان يستخدم الاسم المستعار: الكولونيل إمام. ويضيف بابار: وأقام سلطان علاقة صداقة مع زعيم طالبان الملا محمد عمر، وقدم له استشارات في الخطط لقواته، وكما هو شأن كثير من الأفغان كان يرتدي العمامة ويطيل اللحية لكي ينسجم مع من يتعاملون معه. وفي أوائل عام ١٩٩٦م عندما كانت بنازير بوتو في ولايتها الثانية رئيسة للوزراء أصبحت تشعر بالقلق من صلات باكستان القوية مع طالبان، ومن هيمنة وكالة الاستخبارات الباكستانية على السياسة الأفغانية، كما قالت في مقابلة مع صحيفة أمريكية مؤخراً. وجرت دعوة اجتماع لكبار مسؤولي الحكومة لمناقشة الانسحاب من العلاقة مع طالبان، وطالب الجنرال جيهانجير كرامات رئيس الأركان حينئذ بإيقاف نشاطات الوكالة داخل أفغانستان، وقال أعضاء مدنيون في الحكومة إنه إذا ما سحبت باكستان دعمها؛ فإن طالبان ستنتهي؛ وفقاً لعرض موجز قدمه أحد المشاركين في ذلك الاجتماع. وقد انتصرت وكالة الاستخبارات ولم تنسحب باكستان، وفي الأشهر اللاحقة حققت طالبان انتصارات مهمة في ميدان المعركة؛ حيث استولت على هرات، وجلال آباد، والعاصمة كابل بحلول خريف عام ١٩٩٦م. وكان ضباط المخابرات الأميركية واثقين من أن الباكستانيين كانوا يوفرون التدريب والاستشارات العسكرية لطالبان إلى جانب الأموال والأسلحة. وواصلت بنازير بوتو معارضتها إلى أن أزيحت عن السلطة في نوفمبر عام ١٩٩٦م، وقد وسع خليفتها المدعوم من العسكر في بادئ الأمر نواز شريف العلاقات عبر أول اعتراف دبلوماسي بطالبان في مايو ١٩٩٧م، وقام بزيارات إلى دول إسلامية أخرى في محاولة لإقناعها بالاعتراف بطالبان. وبحلول عام ١٩٩٨م عزز أسامة بن لادن موقعه في أفغانستان بعد قدومه من السودان، وقد أقام وقاعدته معسكرات تدريب في مختلف أنحاء البلاد، وكان كثير منها إلى جانب المعسكرات التي كانت تديرها طالبان. وبينما كانت هناك علاقة وثيقة بين طالبان والمخابرات الباكستانية قال دبلوماسيون غربيون وضباط استخبارات أجانب إن العلاقات بين وكالة الاستخبارات الباكستانية وشبكة بن لادن كانت أكثر حذراً. ولم تحتوِ المحادثات التي جرى اعتراض سبيلها وتسجيلها من جانب مسؤولين في المخابرات الأميركية على معلومات عن صلات مباشرة بين الاستخبارات الباكستانية وشبكة العرب والأجانب الآخرين الذين جاؤوا لتعلم القتال في أفغانستان؛ وفقاً لما ذكره مسؤول مخابراتي أمريكي كبير قام بمراجعة الكثير من الوثائق والسجلات. ولكن بن لادن في المقابلة الشهيرة التي أجراها مع الجزيرة اعترف بوجود صلات قوية للقاعدة مع بعض النافذين في النظام الباكستاني، ولم يسمِّهم أو يذكر مناصبهم. وبعد تفجير السفارتين الأميركيتين في شرق إفريقيا في صيف عام ١٩٩٨م حاولت الولايات المتحدة أن تجد سبيلاً إلى بن لادن الذي اتهمه الأميركيون بالمسؤولية عن التفجيرات وأن تبعده عن أفغانستان. وقال مسؤولون حكوميون إنه في سبتمبر عام ١٩٩٩م استدعي المدير العام لوكالة الاستخبارات الباكستانية الجنرال ضياء الدين وشقيق رئيس الوزراء شاهباز شريف إلى واشنطن؛ حيث أبلغهما مسؤولون أميركيون أن على باكستان أن ترغم طالبان على تخفيف مواقفها وتسليم بن لادن. وذكر مسؤولون باكستانيون أنه عندما عاد المبعوثان أرسل رئيس الوزراء الجنرال ضياء الدين إلى قندهار لإيصال الرسالة الأميركية إلى الملا عمر الذي رفضها. وفي ١٢/١٠/١٩٩٩م أطاح انقلاب عسكري بنواز شريف، وفي ذلك الوقت كان القائد العسكري الأعلى في باكستان الجنرال مشرف في طريق عودته إلى البلاد من سري لانكا، وكان نائبه الفريق عزيز خان الذي كان مدافعاً عن طالبان عندما كان يعمل في الاستخبارات الباكستانية، وقد ضمن تسليم السلطة إلى الجنرال مشرف عندما هبطت طائرته في إسلام آباد. ومرة أخرى كانت هناك أسباب كثيرة للانقلاب لكن محللين قالوا إن الوكالة والموالين لها كانوا يشعرون بأنه كان على شريف أن يبتعد إلى حد ما عن المخاوف من أنه قد يذعن للضغط الأميركي ويغير سياسة باكستان تجاه طالبان. وكانت إحدى المهمات الأولى للحاكم العسكري الجديد إلغاء العملية الشديدة السرية، والتي جرى التخطيط لها مع الولايات المتحدة لإرسال قوات خاصة تستخدم المعلومات الاستخباراتية الباكستانية إلى أفغانستان لإلقاء القبض على بن لادن. وأوردت النيويورك تايمز قول مسؤول أمريكى كبير سابق إن المخاوف الأمريكية بشأن تعاملات وكالة المخابرات الباكستانية مع نظام طالبان الحاكم في أفغانستان تزايدت بشدة، ومنذ حكم كلينتون؛ لدرجة أن المخابرات الامريكية عارضت بإصرار زيارة مزمعة للرئيس السابق بيل كلينتون لباكستان خوفاً على سلامته. وقالت الصحيفة إن هذا التخوف كان أساسه أن أجهزة الأمن الباكستانية مخترقة إلى حد بعيد من جانب الإرهابيين؛ لدرجة أن الجماعات المتطرفة التي يحتمل أن يكون بينها تنظيم القاعدة الذي يتزعمه بن لادن قد تعرف خط سير رحلة الرئيس كلينتون من المتعاطفين داخل وكالة المخابرات الباكستانية ويحاولون إسقاط طائرته. وقال مسؤولون سابقون إن كلينتون تجاهل تحذير المخابرات الأمريكية وقام بالرحلة؛ مما استدعى اتخاذ تدابير غير معتادة للحفاظ على حياته؛ حيث تم تسيير طائرة رقم واحد التابعة للسلاح الجوي الأمريكي شاغرة؛ بينما قام الرئيس بالرحلة على متن طائرة صغيرة غير ملحوظة، كما أن ركب كلينتون توقف تحت أحد الجسور العلوية، وقام كلينتون بتغيير السيارة التي تقله. وعلى الرغم من الضغط المتواصل من جانب الولايات المتحدة والعقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على أفغانستان؛ واصل الجنرال مشرف دعم بلاده لطالبان؛ حتى غيرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر الطريقة التي كان ينظر بها كثير من دول العالم إلى قوات طالبان وضيفها بن لادن. ففي أثناء تفجيرات نيويورك وواشنطون كان رئيس جهاز الاستخبارات الباكستاني في زيارة لأمريكا، وتوالت اجتماعاته مع المسؤولين الأمريكيين في أعقاب الغارة. وقال السيناتور الأميركي جوزف بيدن (ديمقراطي) : إن رئيس أجهزة الاستخبارات الباكستانية الجنرال محمود أحمد عقد اجتماعات في واشنطن مع مسؤولين أميركيين؛ وعدهم خلالها بتعاون إسلام أباد بشأن كشف مرتكبي الاعتداءات على الولايات المتحدة. وصرح بيدن لشبكة سي. بي. إس: لقد قلت للجنرال إنه عليهم الباكستانيين اختيار معسكرهم: إما أن تكونوا أصدقاء، وإما أعداء لنا؛ موضحاً أن وزير الخارجية كولن باول ومساعده ريتشارد أرميتاج كانا قد قالا له الشيء نفسه. وأكد بيدن الذي يترأس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ أن الباكستانيين سيكونون متعاونين بكل الأوجه الممكنة، وهذه مساهمة إيجابية جداً لبناء تحالفنا. وأضاف أن الجنرال محمود أحمد هو على الأقل الرجل الثاني في باكستان إن لم يكن الأقوى فيها. وتقول النيويورك تايمز: كانت وكالة الاستخبارات الباكستانية توفر منذ زمن بعيد ممراً آمناً لمجموعة كبيرة من سائقي الشاحنات والمهربين الذين يزودون ماكينة طالبان الحربية بكميات هائلة من الأسلحة، ولكن كان يفترض أن هذه السياسة قد تغيرت في سبتمبر الماضي بعد أن وجهت واشنطن إنذاراً لباكستان. وفي تحقيق لمجلة نيوزويك الأمريكية ذكرت فيه أنه بينما تواصل القوات الأمريكية مطاردة أعضاء القاعدة والطالبان في المناطق العشائرية في باكستان اجتمع كبار مسؤولي حركة طالبان مؤخراً بالقرب من بيشاور؛ وبالرغم من وجود مسؤول من المخابرات الباكستانية إلا أنه تركهم يرحلون بدون أن يتدخل. واعترف مسؤول كبير في الاستخبارات الباكستانية أن شحنة الثامن من أكتوبر من العام الماضي؛ أي بعد القصف الأمريكي لأفغانستان كانت تحتوي فعلاً على أسلحة مرسلة إلى طالبان، لكنه قال إنها كانت آخر دفعة مقررة رسمياً، وإن الباكستانيين كانوا منذ ذلك الحين ملتزمين بتعهدهم للأميركيين. ولكن كانت هناك دلائل على تغير الموقف الباكستاني من طالبان؛ فقد سُحِبَ مستشارون عسكريون باكستانيون من أفغانستان خلال الأسابيع اللاحقة للضربة الأمريكية، وهي خطوة يقول مسؤولون في الاستخبارات الغربية إنها ربما كانت عاملاً حاسماً في الانهيار السريع المفاجئ لقوات طالبان عندما واجهتها قوات تحالف الشمال. وقال دبلوماسي غربي عمل في المنطقة لسنوات عديدة: لم ندرك بالكامل أهمية دور باكستان في دعم طالبان إلا بعد انسحاب الباكستانيين والانهيار السريع لطالبان. وكان أحد مديري وكالة الاستخبارات ويوصف في الدوائر الغربية بأنه إسلامي، الفريق حامد غول الذي ترأس الوكالة في أواخر الثمانينيات ولا يزال يتمتع بنفوذ داخلها قد قال في مقابلة أجريت معه أخيراً: إنه لن يكون من اليسير بالنسبة للضباط أن يتخلوا عن معتقداتهم ويغيروا مواقفهم. وقد شجب غول إدانة الأميركيين لهم ولأسامة بن لادن من دون تقديم أي دليل ضدهم. وقال: إن أسامة بن لادن رجل حساس ولا علاقة له بالهجمات على أميركا؛ مضيفاً: أنتم الأميركيون سيتعين عليكم يوماً ما أن تدعموا طالبان، إنهم لن ينتهوا؛ فهم جماعة مستقيمة ومتراصة ومهمة تاريخياً. وقد اتفقت وكالة الاستخبارات والجنرال مشرف على إنهاء دعم طالبان في سلسلة من الاجتماعات والمحادثات الهاتفية مباشرة بعد الحادي عشر من سبتمبر. وفي السابع من أكتوبر وهو اليوم الذي بدأ فيه الأميركيون قصف أفغانستان اتخذ الجنرال مشرف خطوة قوية وجريئة بإقالة مدير الاستخبارات الباكستانية الفريق محمود أحمد الذي يعد من مؤيدي طالبان، وعين مكانه شخصاً مقرباً منه هو الفريق إحسان الحق. لكن الكثير من المعلقين الباكستانيين يربطون عزل الجنرال محمود بمخالفته لأوامر مشرف الذي أرسله بعد أحداث ١١ سبتمبر إلى أفغانستان للتفاوض مع زعيم حركة طالبان ملا محمد عمر، وإقناعه بتسليم بن لادن، وبدلاً من ذلك أخذ الجنرال محمود بتحريض حركة طالبان على مقاومة أمريكا. ومن هنا اعتبر قرار عزل الجنرال محمود بمثابة الخطوة الأولية لتدجين المؤسسة. وترى مصادر غربية أن التعاون بين المخابرات الباكستانية والأمريكية وإن كان مجدياً في الفترة التي أعقبت الهجمات إلا أن عدداً من قادتها ما زالوا يحملون ولاءات مزدوجة، وتقول هذه المصادر إن خمسة من كبار قادة المخابرات الباكستانية مارسوا دوراً كبيراً في تسليح وتدريب وإعانة طالبان في تحضير دفاعاتها ضد الهجمة الأمريكية في قندهار. وقال مسؤول أميركي كبير متحدثاً عن الجنرال مشرف إنه يعرف أن هناك خلايا من طالبان في الاستخبارات، ولديه قاعدة تتمثل في أنه سيزيح كل من كان في الاستخبارات لفترة أربع أو خمس سنوات؛ لأن المرء لا يعرف أين هذه الخلايا. وللمساعدة في عملية التطهير يقوم مسؤولون أميركيون باستجواب باكستانيين سابقين؛ بهدف إعداد قائمة بأسماء ضباط استخبارات ومسؤولين آخرين في الحكومة ممن لديهم مواقف مؤيدة للإسلاميين تجعلهم عرضة للاشتباه فيهم وفقاً لما ذكره أشخاص قالوا إن تحقيقاً أجري معهم كجزء من هذه العملية. وفي ضوء التغييرات التي حصلت على تنظيم دائرة العلاقات والأولويات؛ فالاتفاق الذي تم بين الأمريكيين والباكستانيين يقضي بقيام الأمريكيين بتقديم أجهزة المراقبة والمساعدات المالية المغرية لمن يدلي بمعلومات؛ في الوقت الذي تقوم فيه المخابرات الباكستانية بتقديم الرجال والمخبرين الذين يعرفون المناطق. وحتى الآن أدى التعاون لحدوث عدد من الثمار الجيدة. ونالت المخابرات الباكستانية رضى من المسؤولين الأمريكيين، ولكن هذا التعاون لم يصل إلى مداه الأعلى نظراً للحساسيات الباكستانية تجاه تعاون مفتوح خاصة بعد قيام الأمريكيين بعدد من العمليات المشتركة مع المخابرات الباكستانية في مناطق القبائل البشتونية خاصة منطقة وزيرستان. وفي حالة واحدة قامت المخابرات بالتخلي عن تعاونها حينما سمحت لأحد المطلوبين المصريين بالهروب مع مجموعة من مؤيدي طالبان لممر خيبر، وإبعاده عن أيدي المحققين المصريين الذين جاؤوا على وجه الخصوص للمدينة الحدودية بيشاور لإلقاء القبض عليه، ويرى المصريون أن قرار المخابرات بالتغاضي عن هروب أحمد خضر الذي يقال إنه يعرف كثيراً عن العلاقة بين المخابرات الباكستانية وتنظيم القاعدة هو نوع من التعاون بين المخابرات الباكستانية وتنظيم القاعدة. ويقول ستيفن كوهين أحد الخبراء في مؤسسة بروكنجز: إن أي جهة لا يمكنها أن تطور مثل هذه العلاقات (يقصد العلاقة بين طالبان والمخابرات الباكستانية) على مدى عشر أو خمس عشرة سنة ثم تقطعها فجأة. وكان يونس قانوني وزير الداخلية الأفغاني الحالي قد اتهم الوكالة علناً بمساعدة بن لادن على الفرار من أفغانستان. وقد نفت الحكومة الباكستانية هذه الاتهامات، وقال الجنرال غول: إن الآي إس آي التي يقال إنها دعمت ومولت طالبان بدعم من الولايات المتحدة لم تكن متورطة بقوة في أفغانستان إلا خلال حقبة الاحتلال السوفييتي. ويقول غول: من الخطأ الاعتقاد بأن الوكالة قد خلقت طالبان، فالحركة ولدت تلقائياً وتلقت دعماً من الوكالة؛ لأن كل الشعب الأفغاني كان يرغب في نهاية للاقتتال الداخلي بين الفصائل المختلفة. المحور الثالث: حماية الرادع النووي الباكستاني: أوكلت الآي إس آي لإحدى فروعها التي قامت بإنشائها بهدف وضع الإجراءات السرية بشأن التكنولوجيا النووية من الخارج، وبالتبعية القيام بشراء وشحن الصواريخ وتكنولوجيا الصواريخ من الصين وكوريا الشمالية، وقد ساهم هذا الفرع في مساعدة باكستان في الوصول للتسليح النووي. لذلك فقد تطورت الآي إس آي (ISI) التي أنشئت في البداية كوكالة لجمع الاستخبارات الخارجية؛ لتصبح وكالة متميزة في الأعمال السرية، والاتفاقات والتدابير الخفية الخاصة بالتكنولوجيا غير المعلنة. ولا يقتصر دور الوكالة على مجرد الحصول على التكنولوجيا النووية؛ إنما امتد ليشمل أيضاً الحفاظ على قوة باكستان النووية وحمايتها؛ حيث أفادت تقارير صحفية أن الاستخبارات الباكستانية نجحت في إحباط خطة إسرائيلية كان يجري التحضير لها، وتقضي بقصف المنشآت النووية في باكستان بواسطة طائرات وقاذفات إسرائيلية كانت قد وصلت بالفعل إلى إحدى القواعد العسكرية الهندية، وجرى طلاؤها بألوان سلاح الجو الهندى للتمويه. وأضافت المصادر أن الرئيس الباكستاني استدعى سفيري الولايات المتحدة الأمريكية والهند المعتمدين في باكستان، وجرى خلال الاجتماع عرض لتفاصيل الخطة الإسرائيلية؛ حيث أبدى الرئيس مشرف استياء شديداً من هذا الموضوع، وطلب من السفير الهندي نقل رسالة تحذير وإنذار لحكومته مفادها أن الحكومة الباكستانية لن تقف مكتوفة الأيدي حيال ما يدبر ضدها من قِبَل إسرائيل والهند، وأنها ستلجأ إلى الهجوم فوراً في حال تم تنفيذ هذا المخطط ضدها. وطلب الرئيس الباكستاني أن يصار إلى سحب الطائرات الإسرائيلية فوراً وإلا فعليّ وعلى أعدائي، وقد تم إلغاء العملية بعد الإنذار الباكستاني، وعادت الطائرات الإسرائيلية إلى قواعدها في فلسطين المحتلة.

стр. 4458

المسلمون والعالم نتائج الانتخابات التركية.. تفاؤل دون حد الإغراق أمير سعيد على أعتاب رمضان وبقيادة رجب أردوغان كان للمسلمين موعد مع النصر في الجمهورية التركية، عندما فاز حزب العدالة والتنمية الإسلامي بأكثرية مقاعد البرلمان التركي بحصوله على ٣٦٣ مقعداً من أصل ٥٥٠ مقعداً، متقاسماً بذلك مقاعد البرلمان مع حزب الشعب اليساري الأتاتوركي الذي حاز المقاعد المتبقية، وذلك في الانتخابات البرلمانية والبلدية التركية التي جرت يوم ٣/١١/٢٠٠٢م، وصوت فيها أكثر من ٢٧ مليون تركي لصالح الخيار الإسلامي. قبل ما ينيف على عام تشكل حزب (العدالة والتنمية) بقيادة رجب الطيب أردوغان (٤٨ عاماً) ، إثر حل محكمة تركية لحزب (الفضيلة) الإسلامي الذي انشطر إثر حله إلى حزبين: - حزب (السعادة) بزعامة رجائي قوطان النائب السابق للزعيم الإسلامي الشهير لحزب (الرفاه) المحظور نجم الدين أربكان، والذي يحظى بدعمه، ويمثل التقليديين في الرفاه. - وحزب (العدالة والتنمية) بزعامة الشاب أردوغان الذي يمثل جيل الشباب الإصلاحي الذي يميل إلى التدرج في التغيير؛ مستفيداً من تجربة الرفاه المؤلمة. في هذا الوقت الذي تزامن مع أحداث ١١ سبتمبر الصاعقة؛ كان عدد كبير من المتابعين للحركات والتنظيمات والأحزاب الإسلامية يرون أن المرحلة القادمة هي مرحلة انكماش وكمون صفوف التيار الإسلامي ونشطائه، وتدني سقوف طموحات قياداته. بيد أن الواقع كان مغايراً لجميع التكهنات، فبعد أكثر من عام فاز الإسلاميون الذين ينتمون إلى كل من جماعة (الإخوان المسلمين) و (التيار السلفي) البحريني بأكثر من ثلث مقاعد برلمان البحرين الجديد البالغ عدد مقاعده ٤٠ مقعداً؛ ليشكلوا معاً أكبر كتلة في البرلمان البحريني، وفي السابع والعشرين من سبتمبر الماضي تمكن إسلاميون ينتمون إلى حزب (العدالة والتنمية) المغربي من الفوز بـ ٤٢ مقعداً من أصل ٣٢٥ مقعداً، علماً بأن الحزب لم يخض الانتخابات سوى في ٥٥ من أصل ٩١ دائرة (لئلا يصبح الحزب الأول) بحسب أمينه العام ليتجنب الإطاحة به، كما أن الجماعة ذات الشعبية وهي: (التوحيد والإصلاح) والتي تعتبر امتداداً لجماعة (العدل والإحسان) تقاطع الانتخابات منذ أمد بعيد لعدم جدواها بنظرها. وللمفارقة؛ فإن حزب (العدالة والتنمية) التركي قد حقق نجاحات مبهرة هو أيضاً على الساحة السياسية التركية. ومغايرة هذا الواقع لتحليلات المراقبين مرده - في أحد وجوهه - إلى أن العاصفة الإمبريالية الأمريكية الجديدة قد نفضت الغبار - دونما قصد منها - عن الهوية والعاطفة الإسلامية لدى شعوب المنطقة؛ مما جعل المندرس منها يظهر ويتألق. غير أن هذا لم يكن السبب الأوحد وراء هذا الانتصار المبهر للعدالة والتنمية؛ فثمة أسباب متعددة لذلك نستطيع الوقوف على معظمها لدى إجابتنا عن هذا السؤال: * لماذا فاز حزب العدالة والتنمية؟ تضافرت عدة عوامل داخلية وخارجية لتحقيق حزب (العدالة والتنمية) لهذه النتيجة (٦٦% من عدد مقاعد البرلمان) ، لعل أطرفها هو القانون الانتخابي نفسه، هذا القانون الذي لم ينصف الإسلاميين في أي بقعة من العالم، والذي كثيراً ما تم تفصيله للحؤول دون تحقيق الإسلاميين لانتصار بحجمهم الحقيقي، هذا القانون هذه المرة هو الذي خدم (العدالة والتنمية) ، فعلى الرغم من عدم حصول الحزب سوى على ٣٤% من مجموع الأصوات الانتخابية فإنه تمكن من الإفادة من إخفاق ١٦ حزباً في الحصول على نسبة ١٠% فما فوق التي تؤهلها لدخول البرلمان في حصد مقاعدهم باعتبار حزب (العدالة والتنمية) هو «الحزب الأول» ؛ ليصل مجموع مقاعده في البرلمان كما تقدم إلى ٣٦٣ مقعداً، وهي بالمناسبة أقل بأربع مقاعد فقط من النسبة التي تمكنه من تعديل أو تغيير الدستور (الأتاتوركي) (٣٦٧ مقعداً هم عدد المقاعد اللازمة لذلك) . ومن عجائب القدر أن الانشقاق الذي حدث داخل حزب (الفضيلة) قد حسبه علمانيو تركيا موهناً بدرجة كبيرة لهدف الإسلاميين في تحقيق انتصار يلامس انتصار حزب (الرفاه) بقيادة نجم الدين أربكان في عام ١٩٩٥م؛ حيث حقق يومها (الرفاه) ما نسبته ٢١.٣٦% من مقاعد البرلمان، لكن الإسلاميين أظهروا حنكة عظيمة عندما صوتت قواعدهم للحزب الأوفر حظاً؛ فلم يحدث أي تشتيت لأصوات الإسلاميين، وربما تم ذلك بإيعاز من المخضرم أربكان الذي أدرك أن قوطان زعيم (السعادة) الإسلامي لن يتمكن من استقطاب أصوات المؤيدين للتيار الإصلاحي التجديدي، ومن ثم فمن الحكمة منع تشتيت أصوات المؤيدين للتيار الإسلامي. وهذا الظن العلماني لم يكن في محله، فما حسبوه لم يكن صحيحاً بدرجة كبيرة؛ إذ وحّد الإسلاميون صفوفهم خلف أردوغان، وبذلك انطوى انتصاره على نوع من المفاجأة لهم لم تكن متوقعة على هذا النحو. * أسباب أخرى للفوز: ولا شك أن هذين العاملين أعني القانون الانتخابي وترصيص صفوف الإسلاميين خلف القائد الأوفر حظاً قد أسهما بصورة أو بأخرى في فوز الإسلاميين بهذه النسبة العالية، إلا أن الأسباب الحقيقية لانتصار (العدالة والتنمية) والأكثر وضوحاً تكمن في: - شخصية رجب الطيب أردوغان زعيم الحزب الآسرة: يعزو كثير من المحللين الأتراك قوة حزب (العدالة والتنمية) في جانب منها إلى قوة شخصية زعيمه واستحواذها على قلوب الناس، ويذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك بالقول إن الناخبين صوتوا لأردوغان قبل أن يصوتوا للعدالة والتنمية، فالرجل الذي ولد في عام ١٩٥٤م، ومارس رياضة كرة القدم لمدة ١٦ عاماً، واشتغل بالتجارة بدءاً من بيع (السميط) والحلوى في مدرجات ملاعب كرة القدم، وتخرج من ثانوية الأئمة والخطباء، وكلية علوم الاقتصاد والتجارة بجامعة مرمرة؛ هذا الرجل بدأ نشاطه السياسي بتولي منصب رئيس حزب (السلامة الوطني) بزعامة نجم الدين أربكان في إسطنبول وعمره ٢٢ عاماً، ثم تولى نفس المنصب لحزب (الرفاه) في عام ١٩٨٥م وعمره آنذاك ثلاثون عاماً. والرجل أسر قلوب الملايين من سكان إسطنبول بحبه يوم تولى منصب عمدة إسطنبول عام ١٩٩٤م ولمدة أربع سنوات؛ إذ تمكن في زمن قصير من تحويل ديون بلدية إسطنبول التي بلغت وقتها نحو ملياري دولار للبنوك إلى أرباح؛ محققاً قيمة استثمارات تلامس سقف الـ ١٢ مليار دولار. وسن أردوغان توزيع الإعانات المادية والعينية على الفقراء من الأهالي في شهر رمضان، وساهم بنفسه في توزيعها ومراقبة توزيعها، وساهم أردوغان بشكل فعال في حل مشكلة المياه المزمنة في منازل وأحياء إسطنبول، ونجح في توفير أماكن كثيرة لبيع مياه الشرب بأسعار زهيدة في أحياء إسطنبول، ونجح كذلك في ضخ المياه إلى كافة منازل المدينة. ولم يستنكف الزعيم الكبير أن يلبس ملابس عمال البلدية، ويشاركهم أعمالهم تشجيعاً لهم على المضي قدماً في مشروعه الطموح لنظافة المدينة، وتبنى مشروع زرع مليون شجرة بأنحاء المدينة مما أسهم بدوره في تحويل إسطنبول لمدينة جميلة تحوي متنفسات خضراء ومتنزهات متنوعة. وقد سر كل مسلم وقتها أن الرجل إذ لم يتمكن من حظر بيوت الدعارة بشكل قاطع في إسطنبول بسبب قوة القوانين العلمانية الجائرة وبطش العسكر؛ فإنه التف على ذلك على نحو لا يخلو من ذكاء؛ حيث فتح العديد من مشاغل الحياكة ودور التوبة التي استوعبت أعداداً كبيرة ممن يردن التوبة من عاهرات دور الدعارة (القانونية) ! كل هذا جعل الرجل يأسر قلوب الناس ليس في إسطنبول وحدها وإنما في كل ربوع تركيا المسلمة، وهو ما جعل قلوب العلمانيين المتحجرة تنفطر من الحنق والغيظ عليه، فتربصوا به الدوائر، وما أن ألقى الرجل أثناء توليه منصبه في إسطنبول أبياتاً من الشعر في مدينة (سعرت) التركية للشاعر محمد عاكف يقول فيها: (المآذن حرابنا، والقباب خوذنا، والمساجد حصوننا، والمصلون جنودنا) حتى أطلق عتاة العلمانية عقيرتهم مطالبين بمحاكمته، وهو ما تحقق على أيدي قضاة الزور الذين قضوا عليه بعد محاكمة جائرة بالحبس لمدة عشرة أشهر بسبب قراءة هذه الأبيات يتم ذلك في ظل الديمقراطية التركية العرجاء. بيد أن الله أراد أن يبور كيد العلمانيين، وأن يأتيهم من حيث لا يحتسبون؛ إذ أسهم سجن الرجل كثيراً في مضاعفة شعبيته، وكان يوم توديع الجماهير الغفيرة التي احتشدت بعشرات الآلاف أمام منزله المتواضع، بحي البرهانية بإسطنبول، إلى السجن يوماً عظيماً بلا شك، فالرجل قد صلى الجمعة بمسجد محمد الفاتح يوم وقفة عرفات، ثم توجه ومن خلفه آلاف السيارات وعشرات الآلاف من المسلمين الأتراك إلى السجن تتحشرج هذه الكلمات وهي تخرج من أفواههم: (لتقطع الأيدي الممتدة لطيب، المآذن حرابنا، والقباب خوذنا..) ، وبكلمات حانية التفت أردوغان إلى الموكب الباكي الذي يضم أكثر من ١٥٠٠ سيارة، ويمتد لأكثر من ٥.٢ كيلو متراً قائلاً: (أستودعكم الله، هذه الأنشودة لن تنتهي هنا..، سأعمل بجد داخل السجن، وأنتم اعملوا خارجه كل ما تستطيعونه..) ، ودخل الرجل السجن وقضى فيه شهوراً أربعة، وعاد أكثر طموحاً وأكثر تصميماً، وعادت إليه الجماهير أكثر لهفة واقتناعاً ببرنامجه الذي رأوه يضحي من أجله، وتزايدت شعبيته إلى حد كبير، وتوقع الناس أن يصبح أردوغان رئيس حكومتهم الجديد، وكان ذلك محتملاً جداً لو لم تكن هذه (السابقة) قد حالت دون دخوله البرلمان، ومن ثم تولي رئاسة الوزراء (إلا أن يتم تعديل الدستور، وهو أمر غير واضح حتى الآن) . - الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي أخفقت جميع الحكومات العلمانية الائتلافية في حلها، بل ساهمت برعونتها في تفاقمها، فقد بلغت ديون تركيا أكثر من ٢٠٠ مليار دولار، وتجاوزت نسبة البطالة حد الـ ٢٠%، ولأن حزب (الرفاه) قد نجح إلى حد كبير في تقليص العجز في ميزان المدفوعات التركي إبان حكمه، ولأن أردوغان نفسه قد نجح اقتصادياً في إسطنبول؛ فإن أكثر من مليوني عاطل عن العمل ورثتهم حكومة بولنت أجاويد وحدها، وغيرهم من المتضررين من حماقة الحكومات السابقة يعولون كثيراً على حكومة (الإسلاميين الإصلاحيين الديمقراطيين) ، لا سيما أن التيار الإصلاحي الإسلامي لم تصبه لوثة الفساد التي أصابت معظم أطياف العمل السياسي والاقتصادي التركي، فلقد اختار أردوغان أعضاء حزبه من الوجوه المعروفة بنظافة اليد، والابتعاد عن مواطن الفساد المالي والخلقي. - رغبة ملايين الأسر المسلمة في حل مشكلة الحجاب المزمنة في تركيا؛ إذ تعد هذه القضية من الإشكاليات المهمة جداً التي يحرص العلمانيون على استمرارها بإدمانهم إصدار القوانين المتوالية للحؤول دون عودة المرأة المسلمة لدينها وحجابها، ولإدراكهم العميق أن هذه هي الطريقة الناجحة لتغييب هوية المسلمين والمسلمات عبر تغريب الأسرة المسلمة التي تلعب الأم فيها الدور الأعظم في تنشئة الأجيال المسلمة وتربيتها، فتراها لا تمل من إصدار القوانين المانعة للحجاب الشرعي بدءاً من قانون (القيافة) عام ١٩٣٤م الذي أصدره الهالك مصطفى كمال، إلى قانون منع الحجاب في الجامعات التركية الذي أصدره الحكم العسكري عام ١٩٨١م، وهو ما حاول تورجوت أوزال رئيس الوزراء قبل ترؤسه الدولة في عام ١٩٨٣م أن يمنعه، ثم أبطلته المحكمة الدستورية بعد ذلك، غير أنه لا زال يجري تطبيقه إلى الآن؛ مما يضطر الآلاف من الطالبات المسلمات التركيات العفيفات للسفر إلى آذربيجان والمجر والنمسا لاستئناف دراستهن الجامعية؛ برغم سعي الحكم العلماني لرفض اعتماد شهاداتهن الجامعية! .. وانتهاءً بقضية النائبة البرلمانية التركية المحجبة مروة قاوقجي عضوة حزب الرفاه المحظور، والتي حاول مجلس الأمن القومي التركي أن يبطل عضويتها البرلمانية استناداً إلى قانون (القيافة) ، لكنه أخفق أولاً بسبب كون مروة ليست من «موظفي الدولة» وإنما من «ممثلي الشعب» ، ثم نجح بعد ذلك في إبطال عضويتها استناداً إلى جنسيتها الأمريكية!! والجميع يدرك أن حزب (العدالة والتنمية) يضع هذه القضية في صدر أولوياته في الحكم؛ فمعلوم أن رئيس الحزب ذاته قد اكتوى بنار منع الحجاب، فلديه ابنتان درستا في الولايات المتحدة الأمريكية لتتمكنا من الاحتفاظ بحجابيهما! وقد أعلن أردوغان فور انتصاره أن حزبه سيقترح إلغاء قرار منع ارتداء الحجاب، مؤكداً «في هذا البلد الذي ألغى عقوبة الإعدام سيكون من المؤسف أن نكون عاجزين عن إلغاء قرار يقيد حق التعليم، وهي مسألة تتعلق بالإيمان» . - تطلع الأتراك إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي، فذاك حلم يراود الكثيرين من أبناء الشعب التركي الذي نهب الفساد أمواله، ويريد أن يلحق بركب اقتصادي مستقر، وحزب العدالة يعطي هذا الأمر أولوية كبيرة، وهو رفعه شعاراً له في حملته الانتخابية، وبرغم أن هذه رؤية تثير تحفظات كبيرة لدى الإسلاميين، إلا أن الحزب يحاول أن يوازن بين طموحاته وإمكاناته بنوع من الواقعية التي تضع في اعتبارها انقلاب العسكر على رئيس الوزراء الإسلامي الأسبق نجم الدين أربكان لدى تطلعه إلى شراكة «إسلامية» ؛ من خلال مشروعه في تنفيذ حلمه الاقتصادي الطموح لما عرف باسم «دول الثماني الإسلامية» . وإذا جاز لنا أن لا نأخذ الأمور بظواهرها، فربما قلنا إن أردوغان يريد أن يضع العربة أمام الحصان الأوروبي، فقد يكون الرجل أراد أن يأتي رفض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي من الأوروبيين أنفسهم، أو أن تنجح حكومة «إسلامية» فيما لم تفلح فيه الحكومات العلمانية..! - رفض الأتراك لأن يعاملهم العسكر كفئران تجارب، تتبدل عليهم الحكومات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وتطبق عليهم جميع النظريات المختلفة للحكم من دون أن يؤدي ذلك إلى حلحلة معضلاتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتطلعهم إلى الخروج من حالة التصادم مع فطرتهم الإسلامية التي مهما شرقت بهم الأحزاب أو غربت، فإنها أبداً لن تستطيع أن تقتلعها من نفوسهم. - نجاح الحزب في تطبيق مبادئه التحررية على الداخل الحزبي أولاً، وتلك من أهم عوامل النجاح، فتوافر الشفافية الداخلية، وحرية النقد والتقويم زادت من رصيد الحزب داخلياً وخارجياً، ولا سيما وهو يؤكد على لسان قادته غير مرة أنه يرفض التعصب لزعيم واحد حتى النهاية، ولعل هذا مما لا تلتفت إليه بعض التيارات الإسلامية حين تريد أن يحدث الإصلاح في الخارج وحسب. * أصداء هذا الفوز الكاسح: كان لتحقيق حزب (العدالة والتنمية) الإسلامي الأغلبية المطلقة في البرلمان أصداء واسعة النطاق على المستويات الإقليمية والدولية والشعبية. فعلى الصعيد الأوروبي: استقبلت الدول الأوروبية ذلك برد فعل يتراوح بين التخوف والترقب عبرت عنه كبريات الصحف الأوروبية بما يلي: فقد أكدت صحيفة لوموند الفرنسية (اليسار - الوسط) على التحدي الكبير الذي يشكله فوز حزب (العدالة والتنمية) بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وشددت على أنه تقع على عاتق الحزب الإسلامي مسؤولية إظهار توافق الإسلام مع الديموقراطية. ورأى كاتب الافتتاحية في الصحيفة نفسها أن الرهان كبير بالنسبة للقيادة العسكرية التركية التي سيكون عليها السماح لزعيم حزب (العدالة والتنمية) رجب الطيب أردوغان بالحكم، مؤكدة في الوقت نفسه أن غالبية الأحزاب التقليدية استبعدت عن الساحة السياسية التركية. وأضافت لوموند أنه إذا عرف حزب (العدالة والتنمية) كيفية التكييف بين الإسلام والحداثة؛ فإن ذلك سيشكل درساً للعالم العربي!! ومن جهتها اعتبرت صحيفة ليبراسيون اليسارية الفرنسية أن تركيا ستصبح مختبر «ديمقراطية إسلامية» ، وميداناً يشهد مبارزة شديدة المخاطر بين إسلاميين أقوى أكثر من أي وقت مضى، والجيش حامي الدولة الجمهورية والعلمانية (لاحظ نبرة التحريض) . وخلصت ليبراسيون إلى القول بأنه على الأوروبيين التذكير (للطرفين) بأن الديمقراطية والتسامح هما الشرطان اللازمان لانضمامهم المحتمل (الأتراك) إلى الاتحاد الأوروبي. وفي ألمانيا حيث يعيش أكثر من ٢.٥ مليون تركي كتبت صحيفة فايننشال تايمز دوتشلاند الليبرالية أنه يصعب على أوروبا التصديق بأنه يمكن التوفيق بين الديمقراطية والإسلام. لكن على الاتحاد الأوروبي الأخذ بإعلان المبادئ المؤيد للديمقراطية، والاستمرار في الحكم على تركيا من خلال تطبيق إصلاحاتها القضائية والاقتصادية، وليس من خلال المعتقد الديني لمسؤوليها. واعتبرت صحيفة فرانكفورتر راندشو اليسارية أنه إذا كانت جذور حزب (العدالة والتنمية) غارقة في الإسلام السياسي ( ... ) فسنرى قريباً إذا ما كان أبدى ليونة فقط خلال الانتخابات؛ لخداع الأتراك والوصول إلى السلطة، أو إذا كان بوسعنا فعلاً تصديقه. وكتبت الصحيفة أنه في مطلق الأحوال؛ فإن الناخبين الأتراك لم يعطوهم بالتأكيد تفويضاً لإقامة حكومة إسلامية ( ... ) إن الجيش التركي حامي النظام الدستوري العلماني وسيسهر على ذلك. من جانبها اعتبرت صحيفة دي برس النمساوية أن تركيا قد تكون وجدت، بعد سنوات من النضال، نموذجاً يوفق بين إرث كمال أتاتورك (مؤسس الجمهورية العلمانية) وتقليدها الإسلامي. فيما طالبت صحيفة كورييرا ديلا سيرا الإيطالية الواسعة الانتشار (وسط - يمين) بأدلة وأدلة إضافية من أجل الوصول إلى تجاوب الاتحاد الأوروبي مع طموحات تركيا. وتحت عنوان (نحو إسلام يتوافق مع أوروبا) أكدت صحيفة لوتان السويسرية (وسط - يمين) أيضاً على التحدي الذي يواجهه الاتحاد الأوروبي، وكتبت أنه سيكون على الدول الأعضاء الـ ١٥ التي كانت تخشى هذا الفوز «الإسلامي» في أنقرة من الآن وصاعداً إدخالهم في نقاشاتها حول كيفية جعل تركيا أوروبية. وكتبت الصحيفة السويسرية بالنسبة لأوروبا؛ التحدي يكمن في الوصول أخيراً إلى الاعتراف ببعدها المسلم، وهو ما عجزت عنه فعلياً في البلقان، من البوسنة إلى ألبانيا. أما صحيفة لاستامبا الإيطالية (وسط - يمين) فكانت أكثر تشاؤماً؛ معتبرة أن المخططات الأميركية لشن حرب ضد العراق ستتعقد، وأن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي سيتباعد أكثر، وأن الاستقرار المحلي والإقليمي سيترنح. من جهتها دعت صحيفة لافانجارديا الإسبانية الاتحاد الأوروبي إلى أن يكون سخياً، وأن يحرك بقناعة عملية انضمام تركيا، وأن يقضي بشكل نهائي على النزعة نحو تحويل أوروبا إلى ناد مسيحي. واعتبر كاتب الافتتاحية في صحيفة لا ليبر بلجيك البلجيكية أن الكثيرين يرون في ترشيح تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي تهديداً، إلا أن يفترض بدلاً من ذلك التساؤل: كيف يمكن أن نستفيد من ذلك؟ وفي بولندا أكدت صحيفة ريشبوسبوليتا أنه على رئيس حزب (العدالة والتنمية) طيب رجب أردوغان أن يثبت الآن أن تعبير «إسلامي» لا يعني بالضرورة «خطراً» ؛ لا بالنسبة للأتراك ولا بالنسبة للغرب. ويعتقد فولكر برتس مدير قسم الشرق الأوسط في «المعهد الألماني للدراسات الدولية» ، أن المستقبل سيكون لصالح إسلام سياسي معتدل، وهو رأي ربما تؤكده التطورات المتسارعة، والتي تشير إلى بدء بروز نخب إسلامية ليبرالية جديدة تدعو إلى التصالح مع الغرب في الخارج، وإلى التصالح مع الديمقراطية في الداخل. وعلى الصعيد الأمريكي: رحبت الولايات المتحدة بنتائج الانتخابات باعتبارها داعمة للنظام الديمقراطي في تركيا، غير أنه ليس من الطبيعي النظر إلى الموقف الأمريكي بنوع من السطحية، فثمة رأي حصيف ردده أحد المحللين العرب ألحق الترحيب الأمريكي بنظام شرق أوسطي جديد تريد الولايات المتحدة له أن يكون تابعاً لها قلباً وقالباً؛ متدثراً برعاية الولايات المتحدة لترسيخ القيم الديمقراطية الحرة، مما يجعل الأنظمة والشعوب الشرق أوسطية في ظل المنظومة الجديدة مدينة للولايات المتحدة في رعايتها لـ (الانقلابات الديمقراطية) الجديدة التي (بشر) بها كولين باول بإعلانه عن مشروع جديد للشرق الأوسط (تأجل الحديث عنه بعدما كان مقرراً إماطة اللثام عنه أوائل نوفمبر الماضي) . وقد عبرت عن ذلك بعض الصحف الأمريكية، فنقرأ في «واشنطن بوست» : «برغم أن أردوغان قد يخفق في الداخل التركي، إلا أنه قد ينجح في خلق نموذج لممارسة سياسية ديمقراطية يحتاجها بإلحاح العالم الإسلامي» . وتقول «نيويورك تايمز» : «التجربة التركية الإسلامية الجديدة قد تُثبِتُ للعالم الإسلامي، وللعالم أيضاً، أن العلمانية يمكن أن تكون حقاً ليبرالية، وأن الديمقراطية يمكن أن تترعرع في بيئة إسلامية» . وتُقرّ «لوس أنجليس تايمز» : «هذه المرة الأولى التي تبرز فيها فرصة زواج بين الإسلام والديمقراطية الليبرالية» . وعلى الصعيد العسكري: عبر الجيش التركي على لسان رئيس أركانه حلمي أوزكاك عن احترامه لإرادة الناخبين؛ بيد أن معظم المراقبين يتوقعون من العسكر رقابة صارمة جداً تحول دون تنفيذ الإسلاميين لمعظم طموحاتهم؛ من دون تدخل انقلابي مباشر قد يقضي على آمال تركيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي. ونعتبر أن الكرة قد ألقيت في ملعب العسكر الآن، بالنظر إلى المرونة العالية التي يبديها الحزب الفائز حيال معظم القضايا محل الخلاف مع العسكر. وعلى الصعيد الإسلامي: وأعني هنا الإسلاميين في العالم العربي خصوصاً: استقبل معظم الإسلاميين فوز العدالة بنوع من الارتياح: لكن هذا الارتياح لا يعني بالضرورة الرضا عن رؤية العدالة، ولذا كان طبيعياً أن ينقسم الرأي حول فوز العدالة: - ففريق رأى في منهجية العدالة نوعاً من التدرج المحمود في تنازلاته، وأنها ضرورية لتحقيق مكاسب مهمة للمسلمين الأتراك، فالحزب لم يخض الانتخابات ليقدم مشروعاً لتطبيق الشريعة في تركيا، بل ليحد من غلواء العلمانية، وليترك لمن بعده بيئة صالحة للبناء عليها في إطار من تبني مشروع يطلق الحريات، ويحافظ على حقوق الإنسان (المسلم) ، ويحد من مخاوف العسكر.. إلى غير ذلك. وهذا الفريق يرى ضرورة التفريق بين بلد وآخر، فبلد يقذف بناته لدول الشرق والغرب بدلاً من السماح لهن بوضع «غطاء للرأس» يحتاج لتدرج بطيء يحقق مكتسبات مرحلية. - وفريق تحفظ. - وفريق ساءته تصريحات قادة العدالة ومنهجه؛ معتبراً أن كل مكتسبات الدنيا لا تسوِّغ لحزب «إسلامي» أن يصم نفسه بأنه حزب «علماني» ، وقد يرى أصحاب هذا الفريق أن العبرة ليست بوصول «أجساد» الإسلاميين إلى البرلمان، وإنما العبرة بهيمنة «منهجهم الشرعي» عليه. ولعل من نافلة القول التأكيد على أن كل فريق من هؤلاء تتوافر له من الحجج ما يدعم رؤيته، لكن هذه الحجج لا تجعل «اجتهاده» بالضرورة أمراً توقيفياً لا يجوز الحياد عنه. * مستقبل الحزب وما سيواجه من تحديات: يتوقع أن يحرص الحزب على التفرغ للقضايا الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، وأن يصب فيها جل مجهوداته؛ فمن المنتظر أن ينزع أردوغان إلى إصدار قرارات وسن قوانين تطلق الحريات العامة، وتدعم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان؛ متذرعاً بتحقيق شروط الاتحاد الأوروبي لانضمام تركيا إليه؛ بما يعنيه ذلك من التحرك نحو حل قضية الحجاب، وإعادة الاعتبار للتعليم الديني، وإطلاق أنشطة الجمعيات الأهلية الخيرية والاجتماعية (ودون ذلك عوائق كثيرة بالطبع) . وعلى الجانب الآخر يتوقع أن تحيل الحكومة الجديدة ملف العلاقات الخارجية للعسكر منعاً للاصطدام معهم، ولا يبدو أن الإسلاميين سيكون بمقدورهم البت في ملفات من ذوات الوزن الثقيل، كملف موقف تركيا من ضرب العراق، واستخدام الولايات المتحدة لقاعدة «إنجيرليك» الجوية في قصف العراق؛ والذي اكتفى فيه أردوغان بالتأكيد على «أننا خسرنا ٤٠ مليار دولار في حرب الخليج الثانية.. لا نريد أن نرى الدم والدموع» . وملف الشراكة بين تركيا والكيان الصهيوني الذي اقتصر فيه كلام أردوغان على إدانة ممارسات شارون، فيما أراد نائبه عبد الله جول أن يؤكد لمواطنيه مسؤولية العسكر وحدهم عن هذه العلاقة غير الشرعية؛ حين أجاب على سؤال حول الملف قائلاً: «سنسأل العسكر» !! وبرغم هذين الموقفين «المرنين جداً» من العدالة إلا أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لا زالا متخوفين من «إرباك خطط الولايات المتحدة في العراق» ، و «الشراكة التركية (الإسرائيلية) » بحسب أوساط صحفية صهيونية. وملف الأكراد الذي يتوقع المراقبون الأتراك أن يقتصر دور الحكومة الجديدة فيه على منح الأكراد بعض الحقوق الثقافية فقط. ويبقى أخيراً التحدي الداخلي لحزب (العدالة والتنمية) الذي يجسده ازدواجية القيادة الحزبية بين القائد الذي عبر بالحزب نحو النصر، والذي تمنعه الدولة من تولي رئاسة الوزراء، وبين رئيس الحكومة الفعلي. * الآثار المحتملة لهذه الانتخابات على المنطقة العربية: يعتبر أثر الانتخابات التركية وحده على المنطقة العربية متوسط الحدة، لكن إذا أضيف إليه الآثار المترتبة على كل من انتخابات المغرب والبحرين، فيمكن اعتبار آثارهم جميعاً جد مؤثرة، فمن أهم آثارها أنها في حال نجاح تلك التجارب ستعد نموذجاً لنوع من «التعايش» بين الأنظمة العلمانية والإسلاميين. ومن بين آثارها إثارة مخاوف أكثر الأنظمة من أنها ستكون مكشوفة أمام شعوبها في رفضها لآلية تداول السلطة، ولا سيما أن الولايات المتحدة تريد إحداث تغييرات وممارسة ضغوط معينة من خلال تبنيها لها في المنطقة العربية خصوصاً. غير أن الزلزال المنتظر المترتب على هذه النتائج، فهو لدى الإسلاميين ذاتهم: فمن جهة يتوقع أن ترجح هذه الانتخابات ومثيلاتها في حال عدم الانقلاب على نتائجها كفة الإسلاميين الداعين لها، وإلى تبني منهجية المشاركة السياسية في الحكم، وآلية تداول السلطة عبر صناديق الانتخابات. ومن جهة أخرى، فربما يساهم فوز التيار الإصلاحي «الشبابي» التجديدي بـ ٣٤% من أصوات الناخبين الأتراك، في الوقت الذي لم يتمكن التيار الإسلامي التقليدي الذي يمثله «الشيوخ (كبار السن) » سوى في تحقيق نسبة ٢.٥% فقط من الأصوات، وهي ما لم تمكنه من دخول البرلمان التركي ربما يساهم ذلك في توسيع الهوة بين تياري «الشباب» و «الشيوخ» في غير ما جماعة وتنظيم وحزب إسلامي عربي، وربما يقوي ذلك حظوظ جيل الشباب في «التبشير» بمنهج جديد أكثر واقعية وسياسية، ويطلق المزيد من «المراجعات» المنهجية لتلك الجماعات. نسأل الله أن يصلح شأن الشعب التركي العريق ليكون في نهضته والتزامه قدوة لغيره.

стр. 4459

المسلمون والعالم تداعيات المشهد العراقي صورة من الداخل محمد صادق أمين [*] على مدى العقدين المنصرمين تتصدر أخبار العراق وتداعيات الأحداث الملمة بهذا البلد نشرات الأخبار المحلية والدولية، واهتمامات صناع السياسة في العالم، وأصحاب الفكر والتخطيط؛ لعظم الأحداث الجارية وأهميتها على هذه الساحة التي خضبت بالدم القاني منذ ما يربو على ثلاثة عقود من الزمن، والتي أسهمت في جملة من التغيرات على الساحة الدولية والإسلامية والعربية والخليجية، كان آخرها وأهمها بروز النظام العالمي الجديد بعد أن قادت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً لاستئصال شأفة الغزو العراقي للكويت، ومن ثم لتنفرد بقيادة نظام عالمي جديد يقوم على الأحادية القطبية. ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتُحوِّل البوصلة مؤقتاً باتجاه آخر، ولدت من رحمه الحرب الأمريكية على الإرهاب؛ هذا الشعار المعلن الفضفاض الذي حار في تعريفه ذوو الألباب، والذي لم يستثن أحداً على هذه المعمورة؛ فإما أن تكون مع الإرهاب أو ضده؛ بحيث لا يوجد حياد في النظام القائم على الأحادية القطبية. ثم ما لبثت البوصلة أن توجهت من جديد نحو العراق؛ هذا البلد الذي تقرحت جراحه بسبب الحروب التي ما أن تنطفئ نارها في موضع حتى تشتعل في آخر. الحرب هذه المرة ليست ككل الحروب؛ فهي حرب المارد الأمريكي الثائر بسبب أحداث الحادي عشر من سبتمبر بكل جبروته وقوته العسكرية، والهدف المعلن نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية التي وافق النظام العراقي على نزعها؛ بموجب وثيقة الاستسلام الموقعة في خيمة صفوان. والهدف الحقيقي لهذه الحرب تدمير العراق كدولة تشكل محوراً مهماً للعالَمَيْن العربي والإسلامي؛ في مواجهة التهديد الذي يمثله المشروع الصهيوني في بلاد العرب والمسلمين، متزامناً ذلك كله مع وصول اليمين المتطرف إلى سدة الحكم في كل من أمريكا ودولة الكيان الصهيوني على حد سواء. ولعل الحديث في هذا الباب تطول فصوله، وتتعدد سيناريوهاته لكثرة الأخبار والتحليلات والأفكار المطروحة حول هذه القضية، إلا أن المُغيَّب عن الرأي العام في القضية هو المشهد العراقي من الداخل، وحجم الأزمة وتداعياتها على الشعب العراقي الخاسر الأول والأخير في كل هذه الحروب والأحداث والتداعيات، والغائب الوحيد عن المشهد برمته بإرادة دولية ومحلية تتعمد إغفال معاناة شعب فَقَدَ ما يربو على ثلاثة ملايين من شعبه خلال عقدين من الزمن قُدِّموا قرابين للحروب التي خاضها النظام العراقي؛ دون أن يكون للشعب العراقي فيها ناقة ولا جمل! ونحن سنحاول في هذه العجالة أن نسلط الضوء على الجزء المُغيَّب من القضية برُمَّتها، وهو تأثير الأحداث المتلاحقة على المشهد العراقي من الداخل، وما خَلَّفه من تأثيرات على حياة الشعب العراقي المسلم. * بداية المعاناة: كانت البداية مع انطلاق ثورة السابع عشر من تموز (يوليو) ١٩٦٨م بقيادة حزب البعث العراقي، والتي لم تلبث كثيراً حتى انقلبت الأجنحة الثورية على بعضها، فحصل انقلاب في صفوف الانقلابيين؛ سجلت فصوله بالدماء في الثلاثين من تموز من العام نفسه، وذهب أقوام وجاء غيرهم لتبدأ فصول جديدة لحكم يرفع شعار الاشتراكية اليسارية التي كانت سائدة في تلك الحقبة، وبحسب النهج اليساري قَبَضَ على مقدرات العراق بقبضة من الحديد والنار، وكُتمت الأنفاس في الصدور، ومُلئت السجون والمقابر على حد سواء، وشرد الأحرار في أصقاع الأرض المترامية، واستتب الأمر للثوريين اليساريين. * الحرب مع إيران: في نهاية السبعينيات تقدم رجل مغمور من الصفوف الخلفية لتنظيم حزب البعث العراقي إلى الصفوف القيادية بسرعة عجيبة، وبين ليلة وضحاها أصبح الرجل نائباً للرئيس العراقي أحمد حسن البكر الذي أطاح به فيما بعد في بداية ١٩٧٩م؛ ليصبح رئيساً للجمهورية، ولتبدأ حقبة جديدة في تاريخ العراق دشنت بإعدام جميع القياديين البارزين في حزب البعث الذين ساهموا في تفجير الثورة ليخلو الطريق للقادم الجديد؛ ليقود البلاد إلى سلسلة من الحروب بدأت في ١٩٨٠م ولم تنته إلى هذه اللحظة؛ حيث تؤكد أدبيات النظام العراقي على أن (أم المعارك) أي غزو الكويت وما أعقبها من مواجهات ما زالت مستمرة؛ فمع قيام الثورة الإيرانية في نهاية السبعينيات شعر الغرب والولايات المتحدة بالخطر على مصالحهم في المنطقة؛ فكان لا بد من تنفيس لهذا الخطر، فاشتعلت الحرب مع الجارة إيران فكانت حرباً بالنيابة أنهكت اقتصاد البلدين، ودمرت حركة التنمية فيهما، بالإضافة إلى الدمار الذي لحق بالبنى التحتية، والضحايا في الأرواح التي قدرت بحوالي مليون شاب من الطرفين، ومثلهم من المعوقين، ومثلهم من الأسرى والمفقودين. حين اندلعت الحرب مع إيران لم يكن قد مضى بعد على تأميم النفط العراقي من الشركات الاحتكارية عشر سنوات، فلم تتح الفرصة للشعب العراقي كي يشعر بمردودات العائدات النفطية، فجاءت الحرب لتبتلع كل واردات النفط العراقي زائداً كل مدخرات العراق، مضافاً إلى ذلك عشرات مليارات الدولارات من الديون التي لا تزال روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي تطالب العراق بما تبقى منها. ولم يسلم الأشقاء من تبعات هذه الحرب التي أوقفت عجلة التطور في الخليج وعموم المنطقة العربية. لقد كانت سنوات الحرب الثماني مع الجارة الإيرانية سنوات عجافاً على الشعب العراقي؛ من حيث النقص في الأموال والأنفس والثمرات والأمن والطمأنينة؛ فمطحنة الحرب أدخلت إلى كل بيت عراقي مأتماً؛ فما من بيت إلا وخرج منه شاب أو اثنان أو ثلاثة أو أكثر، بعضهم عاد وبعضهم لم يعد، فتجد في العراقيين من فقد ابناً أو أخاً أو أباً؛ وفيهم من فقد اثنين وثلاثة من أبنائه أو إخوانه. أما الأسرى والمفقودون فلهم حكاية مأساوية أخرى؛ حيث وَدَّعَ عشرات آلاف الشباب في المعتقلات شبابهم؛ بعد أن قضى بعضهم عشرة أعوام في الأسر، والبعض لا يزال ينتظر الفرج رغم مرور أربعة عشر عاماً على بداية الحرب، وقد عاد الكثير من الأسرى إلى العراق يعانون من الأمراض النفسية، والكثير منهم لم يتمكن من التأقلم مع مستجدات الوضع العراقي، وما خلفته عملية غزو الكويت من آثار اجتماعية ونفسية ومادية على المشهد العراقي، وحكايات الأسرى باتت مشهورة في الوسط العراقي؛ حيث إن آلاف الأسرى عادوا بعد بضع سنين فوجدوا زوجاتهم قد تزوجن؛ لأن الحكومة اعتبرتهم متوفين وأصدرت لهم شهادات وفاة، والأقسى في هذه الحكايات قصص أولئك الذين عادوا ووجدوا إخوانهم قد تزوجوا من زوجاتهم بناء على العرف الدارج لدى بعض العشائر العراقية، وهناك العديد من الحكايات الغريبة في هذا الباب تكاد لا تجدها إلا في كتب الفقه القديمة التي خاضت في هذه المسائل بناء على افتراضات فقهية. * غزو الكويت: في ٨/٨/١٩٩٨م أعلن العراق وإيران إنهاء الحرب رسمياً بينهما، والتي دارت رحاها على مدى ثماني سنوات، لم يكن بمقدور الشعب العراقي تصديق حقيقة انتهاء الحرب حتى عاد أبناؤه من ساحتها؛ فالحرب تحولت إلى شبح يطارد حياتهم بكل تفاصيلها اليومية، وعلى قرع طبولها نشأت أجيال عدة؛ فالجيل الذي عاصر الحرب حين اندلاعها وهو في مرحلة الطفولة تحول إلى مرحلة الشباب بفعل التقادم الزمني للحرب، وأفنت الحرب آلافاً منهم بعد وصولهم إلى سن التجنيد وسوقهم إلى ساحات المعارك، والجيل الذي ولد مع ميلاد الحرب تفتحت مداركه على أخبار الحرب، وتشبعت حواسه بأحاسيسها وتداعياتها، ولا ننسى أن مئات الآلاف منهم جاؤوا إلى الحياة ووجدوا أنفسهم في عداد الأيتام بعد أن قضى آباؤهم في الحرب؛ لأجل ذلك لم يكن الناس ليصدقوا أن الحرب انتهت لولا أن عاد أبناؤهم منها. والحقيقة التي لم يكن يدركها الناس هي أن الحرب إنما توقفت لالتقاط الأنفاس فقط ليس إلا، وقبل أن يتسع الوقت لإعمار ما دمرته الحرب من خراب على الأرض، وفي الاقتصاد والتنمية، وفي الأنفس؛ دقت طبول الحرب من جديد هذه المرة من حيث لم يكن أحد ليحتسب قط، ولا ليخطر على قلب مؤمن ولا عربي؛ فمن كان يظن أن العراق سيغزو الجارة الشقيقة الكويت التي وقفت مع العراق والعراقيين في أحلك الظروف وأصعبها، وفي الأول من آب ٨/١٩٩٠م حلت الكارثة هذه المرة ليس على العراقيين فقط بل على العرب والمسلمين، وعلى القضية الفلسطينية، وعلى الصراع العربي الإسرائيلي، وعلى مقدرات الأمة والمنطقة بأكملها، وتساءل الأحرار في هذا العالم على اختلاف انتماءاتهم عن مغزى وحقيقة وسبب هذا الغزو! فالحرب مع إيران يمكن أن يوجِد لها النظام العراقي آلاف المسوغات والحجج لكن غزو الجار والشقيق والأخ لا يمكن أن يسوّغ بحال من الأحوال؛ إذ أين المبادئ والشعارات التي صفقت لها الجماهير وهتفت لها حتى بحت الأصوات وتقطعت الأيدي؟! لقد أعيدت سيرتها الأولى وألقيت في سلة المهملات لتلحق بالمزابل التي قدمت منها؛ فما هي إلا شعارات كاذبة نظَّر لها نصارى العرب والباطنيون من أمثال ميشيل عفلق وزكي الأرسوزي وشبلي العيسمي وغيرهم؛ ليبعدوا هذه الأمة عن مصدر عزها وشموخها على مدى ثلاثة عشر قرناً من عمر الزمان. لم تفلح كل الوساطات ولا التدخلات الإسلامية والعربية في ثني النظام العراقي عن خطوته هذه، فكانت الفرصة مواتية للقوى الخارجية التي لطالما سعت لإقامة موطئ قدم لها في بلادنا، فصدر القرار الأممي القاضي بتحرير الكويت، وتصدت الولايات المتحدة للأمر بوصفها القوة العظمى الوحيدة في العالم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، فشكلت حلفاً عالمياً لم يقنع النظام بأن العراق سيتحول إلى ركام أمام القوة الهائلة التي يملكها، والتقنية العالية التي تمثل آخر ما تفتق عنه العقل البشري في العصر الحديث؛ حيث كان لا بد من ساحة تجرب فيها تلك التقنيات والقدرات؛ فكان العراق لها، ومن هنا بدأت فصول مأساة عراقية جديدة. * تداعيات الغزو على المشهد العراقي: لم يكن غزو الكويت نزهة كما تصور النظام؛ فهناك أطراف دولية تتربص بالمنطقة وتبحث عن ذريعة للتدخل فيها بناء على مصالح استراتيجية لها، وهناك من المحللين من يقول إن الغزو إنما جاء بضوء أخضر أمريكي، ويستدلون على ذلك بالقول بأن ما دار بين السفيرة الأمريكية والرئيس العراقي لا يزال طي الكتمان، بل إن السفيرة نفسها غُيبت عن الساحة ومنعت من الحديث لأي من وسائل الإعلام، وهي الآن سفيرة للولايات المتحدة في مجاهل أفريقيا بعيداً عن الأضواء، ثم إن الأطراف الإقليمية والعربية لا يمكن لها بحال من الأحوال أن ترضى بضم الكويت إلى العراق، وليس لأي من هذه الأطراف القوة الكافية لمواجهة الجيش العراقي الذي بات خبيراً في الحروب بسبب الخبرة التراكمية التي خلفتها حربه مع إيران، من هنا كان لا بد من حلف دولي يتصدى لردع العراق، فكان الحلف المعروف الذي لم يقنع جبروته النظام بأن العراق ومقدراته في خطر عظيم، ومع بداية الغارات الجوية للتحالف على العراق بدأت الكارثة؛ إذ إن الغارات لم تكن تستهدف مؤسسات عسكرية أو جيشاً نظامياً أو مؤسسات النظام ومؤسسات صنع القرار فيه، بل استهدفت العراق كبلد والشعب العراقي كشعب؛ من خلال تدمير البنى التحتية للبلد بكل تفاصيلها وأبعادها، وبما يضمن إعادة العراق إلى مصاف الدول المتخلفة؛ فالغارات استهدفت الطرق والجسور، ومحطات توليد الكهرباء، ومحطات تصفية المياه، ومراكز الاتصالات، والمنشآت والآبار، والمصافي النفطية، ومراكز تخزين الحبوب والأغذية والأدوية، ومحطات الوقود، ومنشآت الري، والمراكز الاقتصادية والزراعية، وهو ما تسبب في تدمير العراق خلال بضعة أيام تدميراً كاملاً شاملاً، وقد شهد بذلك تقرير الأمم المتحدة الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الذي جاء فيه: (الغارات الجوية وما ألقت به من قذائف وقنابل وصواريخ، قضت على بنية المنشآت العامة قضاء شبه كامل؛ بما شمل مصانع توليد الكهرباء، وتأمين المياه، ومصافي النفط الخام، والمخازن النفطية، بالإضافة إلى ستة آبار لاستخراج النفط، ولم يعد بالإمكان تشغيل مضخات الماء، كما تسربت كميات كبيرة من المواد الكيميائية من المصانع المدمرة إلى المياه السطحية والجوفية، وبات من المستحيل إصلاح تلك المصانع في السنوات التالية بسبب حظر استيراد قطع الغيار اللازمة لذلك) ؛ وبهذا الاستعراض الأفقي لما استهدفته الغارات الجوية؛ ندرك أن المستهدف كان العراق بوصفه مسلماً امتلك في يوم من الأيام ناصية القوة التي يمكن أن تهدد مصالح الدول الكبرى وحلفائها في المنطقة، وإلا فإن المنطق يقول إن استهداف النظام الذي اتخذ القرار بغزو الكويت كان أيسر وأسهل على القنابل الذكية التي استهدفت مقدرات العراق! ولمعرفة جانب من تأثيرات هذه الضربات على العراق يمكن أن نستدل ببعض الأرقام: كانت نسبة النمو في الاقتصاد العراقي قبل الضربات الأمريكية التي أعقبت غزو الكويت تقدر بـ ١٣%، وهي نسبة تتجاوز النمو في دول النمور الآسيوية، بل وتتجاوز نسبة النمو في الصين التي يوصف اقتصادها بالأسطوري، أما بعد الحرب فإن النمو في العراق لم يتوقف فقط بل إن نسبة التضخم بلغت ١٠٠٠%، وكان الناتج الاجتماعي العام يقدر بـ (٦٠) مليار دولار إلا أنه هبط بعد ذلك بنسبة (٦٣%) ، وهو يساوي الآن (١٣) مليار دولار فقط، وكان متوسط دخل الفرد في العراق يقدر بـ (٣٢٠٠) دولار سنوياً، والآن يساوي (١٠ - ٢٠) دولار في الشهر الواحد. لم يتوقف مخطط تدمير العراق عند حد سحق البنية التحتية للعراق بل تعداه إلى تدمير الإنسان العراقي الذي يمكن أن يكون في المستقبل أداة لإعادة إعمار العراق، وذلك من خلال فرض الحصار الاقتصادي عليه، والهدف المعلن للحصار هو تعطيل النظام العراقي عن استهداف دول المنطقة والجوار، وعن تهديد الأمن والسلم الدوليين؛ وذلك من خلال إضعافه وربما إسقاطه بحسب ما هو معلن، ولكن المؤشرات على أرض الواقع تشير إلى أن المستهدف هو الإنسان العراقي الذي دفع فاتورة الحروب كلها، أما النظام فيمكن إزالته بوسائل أخرى إذا ما توافرت الإرادة لذلك. ومسلسل استهداف الإنسان العراقي بدأ مع بداية تقهقر الجيش العراقي عند ساعة الصفر؛ فالقيادة العراقية لم تصدر أوامرها بإطلاق النار على الجيوش المتحالفة، بل كانت الأوامر هي الانسحاب من ساحة المعركة مع ساعة الصفر؛ ولذا فإن الانسحاب جاء عشوائياً وغير منظم، وبحسب ما تقتضيه أخلاقيات الحرب؛ فإن استهداف جيش مهزوم منسحب أمر غير مشروع إلا إذا كنت تريد أن تستهدف عدوك لذاته، وهو ما لم يقره الأمريكان في حربهم ضد العراق؛ فهي حرب لتحرير الكويت حسب ما هو معلن، لقد أعلن متفاخراً رئيس الأركان الأمريكي (نورمان شفار تسكوبف) عن تمكن القوات الأمريكية من قتل (١٠٠٠٠٠) ألف جندي عراقي ليس في جبهة القتال، وإنما بعد أن حسمت المعركة من بدايتها بانسحاب الجيش العراقي، وبعد أن ألقى الجنود العراقيون سلاحهم ورجعوا في انسحاب غير منظم مشياً على الأقدام، على طريق البصرة بغداد استهدفت الطائرات الأمريكية الجنود العزل. ثم إن حجم ما ألقي من قنابل على العراق يعطيك تصوراً واضحاً عمن هو المستهدف؛ فقد ألقي على العراق (٨٨٥٠٠) طن من القنابل، وهو ما يعادل (٤٤٢٥) قنبلة نووية بقوة القنبلة التي ألقيت على هيروشيما؛ علماً أن منها ما كان مغلفاً باليورانيوم المشع، وقد استخدم في تغليف القنابل لرفع كفاءتها التدميرية، ولكي تتمكن من اختراق الجدران الإسمنتية المحصنة؛ حيث تقول التقارير الدولية إن حجم ما ألقي منها على العراق بلغ (٣٠٠٠٠٠) ألف طن، وهو ما يعادل عشرة أضعاف ما ألقته القوات الأمريكية والبريطانية في البلقان. لقد تسبب اليورانيوم في قتل عدد كبير من الجنود الأوروبيين والأمريكان، والمرجح أن ألوف الجنود الأمريكان مصابون نتيجة لذلك؛ حيث منعت وزارة الدفاع الأمريكية إجراء تحقيق في الموضوع لكشف ملابساته، هذا بالنسبة لمن تعاملوا مع القنابل؛ فما ظنك بمن ألقيت عليهم هذه القنابل؟! ذكر تقرير وزارة الصحة العراقية بتاريخ ٢/٨/٢٠٠٢م أن هناك ما يقارب من (٧١٩ - ١.٢٦١) طفل ماتوا ما بين عامي ١٩٩٠ - ١٩٩٩م، ويعد السبب الرئيس للوفاة تحت سن الخامسة هو (أمراض الجهاز التنفسي، الإسهال، القرحات، التهاب الأمعاء، سوء التغذية) ، أما الأطفال فوق الخامسة (أمراض القلب، ضغط الدم، السكري، أمراض الجهاز البولي، الكبد، الأورام السرطانية) ، ويصل تعداد الأطفال من الوفيات (٥٠٠٠ - ٦٠٠٠) شهرياً، وقد ازدادت حالات اللوكيميا بنسبة ٣٥%، وارتفعت نسبة أمراض السرطان بعشرة أضعاف عما كان عليه الحال عام ١٩٨٩م، وتشير تقديرات دولية أن نسبة ٤٤% من السكان يمكن أن يصابوا بالسرطان بعد عشر سنوات، وأصابع الاتهام تشير إلى اليورانيوم المشع؛ حسب ما ذكر موقع (الأجندة الخفية) على الإنترنت لجون بيجلار. إن اغتيال الإنسان العراقي لا يتوقف عند قتله مادياً فقط، بل يتعداه إلى القتل المعنوي؛ وذلك من خلال وقف كل ما من شأنه أن يساهم في تطور مستقبل الجيل القادم وتقدمه؛ فالحصار لا يقف عند حد الدواء والغذاء للجسد، بل يتعداه إلى حظر استيراد ما يحتاج إليه قطاع التعليم العراقي (المدرسي، والمهني، والجامعي) ، وهذا القطاع قد وصل إلى مرحلة خطيرة من الانهيار التام؛ خصوصاً مع هجرة العقول العراقية تحت وطأة الضغط الاقتصادي والسياسي معاً؛ حيث بلغ عدد الهاربين من العراق ثلاثة ملايين مهاجر، بل إن كل المشاريع التي أطلق عليها إنسانية لم تتجاوز هذه المعضلة الخطيرة، وهو ما يجعلنا نجزم أن المستهدف هو القتل المعنوي حاضراً ومستقبلاً للإنسان العراقي. * العراق وآفاق المستقبل: لم يكتف منظرو الحرب ومخططوها التي تستهدف العراق بتدمير الاقتصاد والبنى التحتية للعراق، ولا باستهداف قتل الإنسان العراقي جسدياً ومعنوياً، بل تعدوا ذلك إلى استهداف مستقبل العراق والقضاء على هذا المستقبل وتكبيله بأغلال من حديد. ربما يتصور البعض وخصوصاً المعارضين من العراقيين الذين يتعاملون مع أمريكا أن تغيير النظام في العراق هو بصيص الضوء في النفق العراقي المظلم؛ والواقع ومعطياته لا يبشران بذلك ولا يوحيان به؛ فكرزاي عراقي لن يغير شيئاً في النهج والبعد الاستراتيجي لاستهداف العراق من قبل الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل؛ إذ إن المستهدف هو العراق نفسه كما أسلفت، وكرزاي العراق سيكون دوره البكاء والنواح على أنقاض ما تبقى من العراق؛ مع الكثير من التوسلات والتنازلات لاستجلاب المساعدات التي يفترض أنها ستعمر العراق بعد الخراب الذي ستخلفه الضربة المرتقبة، والتي ستعقب عودة المفتشين إلى العراق بحسب قرار مجلس الأمن الجديد، وهناك من يقول إن العراق بلد نفطي وبلد فيه الكثير من الثروات لن يكون حاله كحال أفغانستان، والحقيقة أن المنظِّر لهذه الحرب لم يغفل هذه الحقيقة وهو يخطط لاستهداف العراق؛ فالعراق الذي سيقوده كرزاي قادم مرتهن مستقبله على مدى نصف قرن قادم بحسب الأرقام التالية: في حال ضرب العراق وتغيير النظام فيه حسب ما تشير إليه الأحداث والتصريحات الأمريكية؛ فإن على النظام الجديد للولايات المتحدة أعباء مادية لا تتوقف عند إعمار ما دمرته آلة الحرب الأمريكية خلال عدوانها المتكرر على العراق في ١٩٩١م و ١٩٩٦م و ١٩٩٨م، والغارات اليومية المتكررة على المنشآت العراقية، وما ستخلفه الحرب المرتقبة القادمة من دمار وآثار، والتي عنوانها (تغيير النظام) بل تتعداه إلى التزامات مادية بأرقام خيالية أولها دفع فاتورة الحرب الجديدة التي ستصل إلى عدة مليارات من الدولارات، ثم تسخر عائدات العراق لدفع ما يسمى بالتعويضات؛ وتقدر بـ (١٠٠) مليار دولار، ثم دفع ديون العراق الخارجية مع فوائدها الربوية وتقدر بـ (١٤٠) مليار دولار، هذه الأرقام الخيالية لا تحتاج إلى تعليق إطلاقاً؛ فهي ترسم صورة لمستقبل عراقي يقول الرئيس الأمريكي إنه سيشن الحرب من أجل تحريره!! * الوضع الإنساني في العراق: هذه أرقام تتكلم بنفسها عن نفسها: ١ - كان العراق ينفق قبل الحصار (٥٥٠) مليون دولار على الرعاية الصحية، أما الآن فإجمالي ما توفره مذكرة النفط مقابل الغذاء هو (٢٦) مليون دولار سنوياً. ٢ - مرض سوء التغذية يصيب واحداً من كل أربعة أطفال في العراق تحت سن خمس سنوات، كما أن ٩٠% من مواليد ١٩٩٠م أقل من الوزن الطبيعي، ويشير تقرير المنظمة العالمية للصحة أن عدد الأطفال العراقيين المصابين بنقص الوزن نتيجة نقص الأغذية والأدوية تجاوز (٨٠٠٠٠٠) ألف طفل، وهذا الرقم يعادل (٧%) من نسبة الأطفال في كل العالم منهم (١٦٢٠٠٠) يعانون من نقص شديد في البروتينات والفيتامينات، و (٢٤٠٠٠) ألف منهم وصلوا إلى مرحلة الضمور الكامل! ٣ - ازدادت نسبة وفيات الأطفال بسبب الإصابة بمرض (اليرقان) بنسبة (٤٥%) ، وأصبحت الوفيات تشكل نسبة ١٠٠%، تقرير اليونسيف يشير إلى أن المنظمة أجرت دراسة شملت (١٨٨) دولة في العالم حول نسبة تسارع ارتفاع الوفيات بين الأطفال دون سن الخامسة؛ خلال الفترة من ١٩٩٠ - ٢٠٠٠م؛ فاحتل أطفال العراق المرتبة الدنيا الأخيرة من القائمة. ٤ - ارتفعت نسبة الإصابات المرضية بشكل عام بين الأطفال دون سن خمس سنوات من (٣٧) إلى (٢٥٤) في كل ألف خلال السنوات الماضية. ٥ - نسبة الوفيات في المستشفيات لعدم توفر العلاج والمعدات الطبية بين البالغين تعادل (٣٠%) ، وبين الأطفال (٧٠%) . ٦ - بلغ عدد الوفيات بين الأطفال (٥٠٠٠٠٠) ألف طفل، و (١٠٠٠٠٠٠) بين البالغين. ٧ - خلال الفترة من ١٩٩٧ - ٢٠٠٢م طلب العراق استيراد أغذية وأدوية ومعدات طبية بقيمة (٣٥) مليار دولار، وصل منها فعلياً (٢٣) مليار فقط، ورُفضت طلبات قيمتها (٥) مليارات دولار. ٨ - عائدات العراق من النفط للفترة من ١٩٩٧ - ٢٠٠٢م بلغت (٥٢) مليار دولار، ذهب منها (٢٥%) للتعويضات؛ فبقي (٣٩) مليار دولار، ثم تولت الأمم المتحدة حصة كردستان العراق بنسبة (١٥%) ؛ فبقي (٣١) مليار دولار، وحصلت الهيئة الدولية على نسبة (٣%) نفقات موظفيها وإداراتها؛ فبقي (٣٠) مليار في المحصلة النهائية، وهذا المبلغ يساوي ١٢٠ دولار في السنة للفرد؛ أي (٢٢) سِنْتاً في اليوم، وهو ما يعادل نسبة (٢٢%) مما تعده الأمم المتحدة الحد القاتل من مستويات الفقر والجوع، والمقدر بـ (١) دولار، وهو مقياس للمجاعات والكوارث التي تحصل في إفريقيا. * خاتمة: إن المتابع للمشهد العراقي بأرقامه وإحصائياته وتفاصيله الكاملة يدرك أن العراق إنما هو بلد وضع تحت سلاح جديد من أسلحة الدمار الشامل هو (العقوبات الاقتصادية) ، وأن النظام العراقي الذي قاد البلد إلى هذه النهاية والخاتمة المأساوية إنما كان شماعة لتنفيذ سيناريو معد سلفاً في إطار الغارة التي تشن على العالم الإسلامي، كما أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت شماعة لإخراج الحرب على الإسلام من ديوان السر إلى ديوان العلن، وأن الحرب القادمة على العراق بذريعة تغيير النظام إنما هي حلقة في مسلسل (سايكس بيكو) جديدة لتغيير خريطة المنطقة؛ بما يتوافق مع المصالح الأمريكية الاستراتيجية والإيديولوجية التي تتبنى دعم قيام دولة إسرائيل من النيل إلى الفرات كشرط أساسي لقدوم المسيح المخلص الذي ينتظره النصارى للنزول في آخر الزمان، وهذه العقيدة يؤمن بها ٧٠% من الشعب الأمريكي، وهم من يدعمون إسرائيل في هذه المرحلة.

стр. 4460

المسلمون والعالم أصابت من حيث أخطأت ماجد الحمد الماجد لي أمٌّ.. مثلها مثل كثير من أمهات المسلمين.. أَمَضَّ فؤادها، وأجرى مدامعها ما تراه من ذلة المسلمين وهوانهم على الناس، وتسلط أهل الكفر والنفاق عليهم بالتقتيل والتشريد وسَوْمهم المسلمين سوء العذاب، فلنا في كل قُطْر دم زكي مراق لا بواكي له، وهي لا تملك حيال هذا الواقع المأزوم إلا أن ترفع كفيها بتضرع وإلحاح؛ تسأل رباً كريماً أن ينصر المسلمين على أعدائهم عبَّاد الصليب وإخوان القردة والخنازير.. هذا غاية ما تستطيع. فهي لم تألف الذل وإن طال الزمان به، وما استكانت لقتامة الوضع وإن يئس الكثير من انقشاعها؛ لذا فهي توقن يقيناً لا يخالطه شك أن النصر في النهاية للإسلام وأهله؛ وإن حاول الطواغيت وعبيد الطواغيت أن يحولوا بين الأمة وبين موعود الله لها؛ بتمكينها في الأرض، وضرب الذلة والصغار على من ناوأها. فكانت تتسقط أخبار المسلمين في كل مكان علَّها تسمع خبراً يُفرحها؛ يكون سلوى لنفسها المكلومة؛ بيد أنها ما كانت تعرف السياسة الدولية وما يجري في دهاليزها المظلمة، ولا ما يدور في أروقة مجلس الأمن، ولكن ثمة سياسة واحدة عَرَفَتْها، استقتها من كتاب ربها: أنها لا يمكن بحال أن تحب مَنْ غَضِبَ الله عليه ولعنه، ولا أن توالي مَنْ ضل عن الطريق المستقيم، فإذا نزلت قارعة بقوم كان إسلامهم الفيصل بين أن تبتسم أو تبكي عليهم. رَأَتْ مرة جلسة مفاوضات بين اليهود والعرب، تأملَتْ في وجوه الجالسين خلف طاولة المفاوضات فهالها ما رأت!! نظرت ذات اليمين فما عرفَتْهم، فنظرَتْ ذات الشمال فأنكرَتْهم، فأرجعَتْ بصرها تتأمل في ملبسهم علَّها تهتدي بسببه إلى التفريق بينهم؛ فوجدَتْه زياً واحداً لا أثر للعروبة فيه، ثم أرجعَتْ بصرها كرة أخرى تبحث في وجوههم عن شعيرة من شعائر الإسلام فما وجدَتْها، فانقلب بصرها حسيراً كسيراً، عندها اغرورقت عيناها بالدموع، فصرخت تسألني: أيهم اليهود؟ .. إي والله! أيهم اليهود؟! أمَّاه.. أولئك الشامخون بأنوفهم، الباسطو أيديهم.. يسألون ما لا يستحقون، ويقولون فيفعلون، ويفعلون أكثر مما يقولون، وإن هددوا أوفوا وأجزلوا الوفاء.. هم اليهود.. إخوان القردة والخنازير. أما المطأطئو رؤوسهم ذلة وانكساراً، الباسطو أيديهم.. يعطون ما لا يملكون، ويقولون ما لا يفعلون، ويفعلون غير ما يقولون، يهددون فلا يوفون.. أولئك هم العرب المسالمون. ومن عجيب أمرها أطال الله عمرها في طاعته أنها لا تفرق بين «الأمم المتحدة» و «الولايات المتحدة» ؛ فهما سيّان عندها؛ تحسبهما شيئاً واحداً، فإذا سمعَتْ مثلاً أن «الأمم المتحدة» أرسلت قوة حفظ سلام حسبَتْها قوة أمريكية، فكنتُ أضحك في نفسي من جهلها بالفرق بينهما، وألتمس لها عذراً بتشابه الاسمين، لكن رجعت إلى نفسي أتأمل كلامها فما وجدت كبير فرق بينهما؛ فهما إن اجتمعا افترقا، وإن افترقا اجتمعا؛ فما تقرره «الولايات المتحدة» تنفذه «الأمم المتحدة» ، ولا يمكن أن يتخيل فضلاً عن أن يتصور حدوثه أن تقرر «الأمم المتحدة» خلاف ما تريد «الولايات المتحدة» ، عندها علمتُ أنها أصابتْ من حيث أخطأتُ في عدم التفريق بينهما.

стр. 4461

المسلمون والعالم لماذا اختارت موريتانيا التطبيع ؟! يحيى أبو زكريا [*] عندما لجأت موريتانيا إلى تطبيع علاقاتها مع الدولة العبرية، وفتحت سفارة لتل أبيب في عاصمتها نواكشوط لم تقدم للرأي العام الموريتاني والعربي على السواء المسوغات الموضوعية التي دعتها إلى اتخاذ هذه الخطوة التي اعتبرت بأنها تشكّل خرقاً لمواثيق الجامعة العربية القاضية بوقف التطبيع بكل أشكاله مع الدولة العبرية ريثما يتجلى ما سوف تكون عليه المفاوضات النهائية. وجاء الإعلان عن إقامة علاقات موريتانية - إسرائيلية بعد لقاءات سرية هنا وهناك أفضت دون علم الموريتانيين إلى عرس التطبيع في واشنطن بحضور ممثلي الديبلوماسية من كلا البلدين. والواقع أنّ موريتانيا لجأت إلى التطبيع لأسباب كثيرة منها أن موريتانيا كانت على الدوام تشعر أنّها مهددة من قِبَل الجزائر والمغرب. ومعروف أنّ موريتانيا تحدّها من الشمال الشرقي الجزائر، ومن الشمال الغربي المغرب؛ فالجزائر في عهد هواري بومدين سبق لها أن أطاحت بنظام مختار ولد داده في نواكشوط بسبب وقوف هذا الأخير إلى جانب المغرب في قضية الصحراء الغربية التي كانت تدعمها الجزائر، كما أن المغرب كانت ترفض جملة وتفصيلاً قيام الكيان الموريتاني. وكانت الرباط تعتبر أنّ موريتانيا كيان مختلق وهي في الواقع امتداد للأرض المغربية شأنها شأن الصحراء الغربية. وعندما منحت فرنسا الاستقلال لموريتانيا في ٢٨/١١/١٩٦٠م كانت المغرب تنظر بعين الريبة إلى هذه المناورة الاستعمارية الجديدة، إضافة إلى أن جمال عبد الناصر في مصر كان لا يعترف باستقلال موريتانيا التي كان يعتبرها أرضاً مغربية؛ وهو الأمر الذي خلق عقدة موريتانية رسمية تجاه الفكرة القومية العربية التي كان يتبناها جمال عبد الناصر. وعندما نعود إلى بدايات تشكل الكيان الموريتاني نكتشف أنّ فرنسا ساهمت بالدرجة الأولى في إقامة الدولة الموريتانية الحديثة، ولما كانت موريتانيا ترزح تحت السيطرة الفرنسية أصدرت باريس قراراً يقضي بأن موريتانيا يحق لها ترشيح نائب واحد يمثلها في البرلمان الفرنسي، وسمح هذا المناخ السياسي بتأسيس أحزاب في موريتانيا ومنها الاتحاد التقدمي الموريتاني بقيادة مختار ولد داده وحزب الوفاق الموريتاني بزعامة خورما ولد بابانه، وقيل في موريتانيا إنّه كان عميلاً للسلطات الفرنسية، وأسس حزبه للتصدي لعلماء الدين وشيوخ الإصلاح. وفي سنة ١٩٥٦م أخذت فرنسا تفكر في إدارة مستعمراتها في الشمال الإفريقي بطريقة مغايرة حتى تتمكن من التصدي للثورة الجزائرية التي كانت ملتهبة في ذلك الوقت، وبناء عليه أنشأت فرنسا مجلساً حكومياً في موريتانيا رئيسه فرنسي ونائب الرئيس موريتاني، وقد اختار الفرنسيون مختار ولد داده لمنصب نائب الرئيس، وعندما قرر الفرنسيون منح الاستقلال لموريتانيا دعموا وصول مختار ولد داده الذي أصبح رئيساً لجمهورية موريتانيا، وقد أقرّ الدستور الموريتاني أنّ اللغة العربية والفرنسية هما لغتان رسميتان في موريتانيا، وقد ساهمت البنية الفرانكفونية للنظام الموريتاني في دفع نواكشوط باتجاه التطبيع على اعتبار أن فرانكفونيي المغرب العربي يعتبرون أنهم أقرب إلى المحور الغربي الإسرائيلي منه إلى محور العالم العربي والإسلامي. ويضاف إلى عاملي الخوف الموريتاني من الجزائر والمغرب والبنية الفرانكفونية للنظام والنخبة الحاكمة الموريتانية عامل آخر دفع باتجاه التطبيع الموريتاني الإسرائيلي؛ ويتمثل في بداية تصدع العلاقات الفرنسية - الموريتانية؛ حيث إن باريس ما فتئت تطالب نواكشوط بضرورة تحسين وضع حقوق الإنسان وإطلاق التعددية السياسية في موريتانيا، ووصل الأمر بالسلطات الفرنسية أن اعتقلت رسميين موريتانيين في فرنسا بحجة قيام هؤلاء الرسميين بتعذيب سياسيين موريتانيين. ونواكشوط التي كانت تشعر بالضعف من جارتيها القويتين: الجزائر والمغرب، خافت أن يؤدي تراخي علاقاتها بالحليف الفرنسي الى تكريس ضعفها أكثر من اللازم، وراحت تبحث عن حليف أشد سطوة وقوة وهو الآن الولايات المتحدة الأمريكية؛ والوصول إلى هذا الحليف يقتضي المرور بالدولة العبرية الممر الضروري باتجاه واشنطن، وكان لنواكشوط ما تريد. وقد صادف هذا التوجه الموريتاني هوى في نفس تل أبيب وواشنطن لأسباب عديدة منها أنّ موقع موريتانيا حساس للغاية؛ فهي تطلّ غرباً على المحيط الأطلسي، وجنوباً على دول إفريقية عديدة منها السنغال ومالي، وحول مدينة شنقيط الموريتانية تقع ثروة موريتانيا الأسطورية الحديد الذي ينتشر على شكل سلاسل جبليّة، ويقال إنه عند اندلاع الحرب العالمية الثانية شكا الطيارون من حدوث تغييرات على مؤشر البوصلة في كل مرة يطيرون فيها فوق الجبال المحيطة بشنقيط، وبعد أن وقفت الحرب جاء الخبراء لكشف سرّ تلك الظاهرة، وما كادوا يبدؤون عملهم حتى اتضح لهم أنّ جبل سفريات وجبل كديت الجلد ما هما إلا كتل هائلة من الحديد، وثبت أنّ حجارة هذه الجبال تحتوي على ٩٤.٥٢ من أكسيد الحديد، وهذه النسبة تضارع أعلى نسبة حديد موجودة في مناجم العالم. ويبدو أن موريتانيا وثرواتها الطبيعية أصبحت تحت المجهر، وأن تطبيعها مع الدولة العبريّة لن يكون لصالح موريتانيا بل ضدّها؛ وما خبر المطبعين عنا ببعيد!

стр. 4462

المسلمون والعالم مشاهد سياسية في خريف القلق عبد العزيز كامل تتزاحم الأحداث، وتتوالى التطورات بما يجعل المراقب للشأن الإسلامي في حيرة من أمره.. فأي قضية يتابع، وعن أي موضوع يتحدث إذا أراد للحديث أن يكون جديداً ومفيداً؟! الحقيقة أن مراوغة الأحداث للأحاديث تجعل المرء يردد كلما أراد أن يكتب قول الشاعر: تكاثرت الظباء على خِراش ... فما يدري خِراش ما يصيد ولهذا السبب؛ فعلى (خراش) أن يطارد سمان الأخبار وكبارها؛ تاركاً صغارها حتى تكبر أو تتوارى عن الأنظار، وهنا لا بد من متابعة أو ملاحقة للأحداث الساخنة والساكنة على حد سواء؛ فقد يبرد الساخن بالموت، وقد يتحرك الساكن بالزلازل، ونحن في حاجة إلى استشراف مخبوءات الأيام حتى لا تفجأنا بمعطيات جديدة قد لا نكون مستعدين لها، ولو من الناحية النفسية والمعنوية: * العراق: بدأ الاحتلال - بمجرد وصول لجنة الأمم المتحدة للتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل، مع وفد الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى بغداد؛ يكون العراق قد وقع تحت الاحتلال، وسلبت منه السيادة والاستقلال؛ فقد نجحت ولايات الشر الأمريكية في جر العالم الحر وغير الحر إلى إصدار أكبر مهزلة من الظلم الدولي الذي اتفقت عليه الدول (بالإجماع) !! قرار مجلس الأمن ١٤٤١ يخير العراق بين استباحة أرضه وانتهاك استقلاله سلماً أو حرباً، فالعراقيون مخيرون بين أن ينتحروا بأيديهم، أو ينحروا أنفسهم بأيدي أعدائهم؛ في مشهد أقرب ما يمثل له أن يُلجأ إنسان إلى حافة هاوية سحيقة، ثم يخيره من ألجؤوه بين أحد الأمرين قائلين: إما أن تلقي بنفسك أو نلقي بك نحن..؟! هذا هو تماماً ما يؤول إليه أمر قرار العار الذي حظي بالإجماع! القيادة في العراق عُزلت حكماً عن السلطة بمجرد قبولها لهذا القرار، والذي ما كان بوسعها أو في مستطاعها أن ترفضه، فالحكومة العراقية فقدت السلطة بالفعل؛ لأن (سلطات الاحتلال) الجديدة؛ ممثلة في لجنتي التفتيش والطاقة الذرية قد أُعطيت كل السلطات السيادية، فيما نزعت تلك السلطات من الحكومة العراقية؛ بموجب المادة الخامسة من قرار (الفرصة الأخيرة) الصادر في (٣/٩/١٤٢٣هـ) الموافق (٨/١١/٢٠٠٢م) ، لقد وفر مجلس الأمن للجنة الأمم المتحدة للمراقبة والتحقق والتفتيش، والوكالة الدولية للطاقة الذرية إمكانية الوصول «على الفور» و «دون عقبات أو شروط أو قيود» إلى جميع المناطق والمنشآت والمباني والمعدات والسجلات، وسمح القرار لأفراد اللجنتين «دون قيود أو معوقات» بأن يقابلوا على انفراد جميع المسؤولين، وغيرهم من الأشخاص الذين يريدون مقابلتهم في المكان والزمان الذي يختارونه؛ داخل العراق أو خارجه، وأعطى القرار فريق الجواسيس صلاحية إصدار القرارات بتسفير أي شخص مرغوب في مقابلته أو التحقيق معه هو وأسرته إلى خارج العراق؛ دون حضور مندوبين أو مراقبين من الحكومة العراقية، ويلزم القرار لجنة الأمم المتحدة ووكالة الطاقة بإنهاء مهمتها خلال مدة لا تتجاوز ٤٥ يوماً من تبني القرار، وإبلاغ المجلس بنتائج عمله خلال ستين يوماً. أعطى قرار مجلس الأمن المجمع عليه سلطات الاحتلال الجديدة تسعة «حقوق» ، أو تسع آليات لممارسة سلطتها المطلقة لأداء مهامها الجاسوسية؛ تتلخص فيما يلي: ١ - تقوم باختيار الأفراد العاملين في فرقها من أكثر الخبراء كفاءة وتأهيلاً؛ دون أن يحق للعراقيين المشاركة في اختيار جنسيات المفتشين. ٢ - يحق لكل موظفيها التمتع بالحصانة والامتيازات الممنوحة للأمم المتحدة في المعاهدات والاتفاقات الدولية. ٣ - يحق لأفراد اللجنتين الدخول إلى العراق والخروج منه، والتنقل فيه بحرية تامة بين مواقع التفتيش، مع حقهم في تفتيش أي مبنى؛ بما في ذلك المواقع الرئاسية. ٤ - من حق اللجنة والوكالة أن تطالبا الحكومة العراقية بأسماء جميع الأفراد المرتبطين سابقاً أو لاحقاً ببرامج العراق الخاصة بالأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية، وكذلك من لهم صلة ببرامج إنتاج الصواريخ ذاتية الدفع، ومنشآت البحوث والتطوير المتصلة بهذه البرامج. ٥ - يضمن العراق سلامة منشآت اللجنة والوكالة؛ عن طريق السماح بقوات أمنية تابعة للأمم المتحدة للقيام بتلك المهمة. ٦ - تمتلك اللجنة والوكالة الحق في إعلان أي موقع مشتبه به منطقة محظورة؛ بما في ذلك الطرق المؤدية إليه، والسماء التي فوقه؛ لضمان عدم تغيير أي شيء أو نقله من الموقع الذي يجري تفتيشه. ٧ - من حق اللجنة والوكالة استخدام الطائرات ذات الأجنحة الثابتة والمتحركة؛ بما في ذلك طائرات الاستطلاع التي تعمل بطيار أو بدون طيار، مع حق طياريها في الهبوط في أي مطار من مطارات العراق. ٨ - من حق اللجنة والوكالة إتلاف أو إزالة أو تدمير أو مصادرة ما ترى أهميته من الأسلحة والأنظمة والسجلات المتعلقة بها. ٩ - للجنة والوكالة الحق في الاستيراد أو التصدير أو الاستعمال لأي معدات أو مواد تلزم لعمليات التفتيش؛ دون أن يكون للسلطات العراقية حق تفتيش أي من موظفيها أو النظر في أمتعته الشخصية أو الرسمية! إن هذه الصلاحيات التي منحتها الشرعية الدولية الأمريكية الجائرة سلطات الاحتلال (المدنية) ؛ ستوطئ حتماً لسلطات الاحتلال (العسكرية) القادمة؛ حيث ستزرع أرض العراق كلها بعشرات إن لم يكن مئات الأفخاخ، والتي سيعد سقوط الحكومة العراقية في واحد منها ذريعة كافية لفريق بوش المسعور لبدء الحرب التي يتلهف إليها للتنكيل بشعب العراق؛ بعد إذلال كرامته في شخص قيادته، كما يفعل شارون في فلسطين. لا نملك إلا أن نقول: لك الله يا شعب العراق! * فلسطين: الغضبة الكبرى ... أم الكذبة الكبرى؟ - منذ أن أعلنت دولة اليهود من جانب واحد القدس بشطريها عاصمة أبدية موحدة لدولة (إسرائيل) ترددت دول العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية في نقل سفارتها إلى القدس، وكان السبب المعلن دائماً هو الخوف من «غضبة» العالمين العربي والإسلامي، بل إن الكونجرس الأمريكي الذي أصدر قراراً في عام ١٩٩٥م يلزم الرئيس الأمريكي بنقل السفارة إلى القدس؛ ربط تنفيذ هذا الإجراء بعدم التعارض مع مقتضيات «الأمن القومي الأمريكي» ؛ وهو ما يعني أن أمن الأمريكيين القومي قد يتهدد من تلك الغضبة المتوقعة إذا ما أقدمت أمريكا على نقل سفارتها للقدس. وبالفعل؛ فإن ذلك القرار الملزم قد أجَّله الرئيس بيل كلينتون مرتين، وأجله بوش مرة ثالثة في بداية رئاسته، ولكن الظاهر أن المحظور قد زال بأعين الأمريكيين في المرة الرابعة؛ عندما أقدم الكونجرس الأمريكي على إصدار قرار في ٢٨/٨/٢٠٠٢م يلزم الإدارة الأمريكية بتنفيذ القرار السابق عام ١٩٩٥م، ويبدو أيضاً أن الرئيس الأمريكي قد تبدد خوفه من تلك (الغضبة) عندما صادق على ذلك القرار في اليوم التالي لإصداره! القرار وتصديقه مرَّ بالفعل دون رد فعل يذكر من جماهير العالمين العربي والإسلامي، اللهم إلا من بعض مظاهرات عتم عليها داخل فلسطين؛ فما الذي جرى؟! هل هانت القدس على المسلمين شعوباً وحكومات حتى مرَّروا تهويدها دون تهديد أو تنديد، أو حتى مظاهرة كتلك التي نراها في أزمات الخبز أو مباريات الكرة؟! لقد قرر الكونجرس الأمريكي اعتبار القدس عاصمة لدولة اليهود؛ متجاوزاً مهمة أمريكا في «رعاية» عملية السلام المغدورة، ومتجاوزاً ما كان مقرراً من قبل بتأجيل البت في مصير القدس حتى تتم مفاوضات (الحل النهائي) ، ومتجاوزاً ومستغلاً انشغال أو إشغال أصحاب الشأن من العرب والمسلمين والفلسطينيين، وقرر الكونجرس في الوقت نفسه منع تحويل الأموال المخصصة للقنصلية الأمريكية في القدس إلا إذا خضعت لمسؤولية السفير الأمريكي الذي سيأتي إلى القدس؛ حيث جاء ذلك القرار ضمن المصادقة على الميزانية الخارجية للولايات المتحدة. القرار خطير، بل إنه في رأيي أخطر من احتلال القدس نفسها؛ لأن الاحتلال يمكن أن يزول في ظل معارضة العالم للاعتراف به، أما إذا جرَّت أمريكا العالم وهذا هو المتوقع لمسايرتها في الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة اليهود؛ فإن هذا سيضفي على ذلك الوضع المشين صفة المشروعية الدولية، وعندها ... لن تنفع احتجاجات منظمة المؤتمر الإسلامي، ولا صرخات لجنة القدس، ولا اعتراضات الجامعة العربية، ولن ينفع أيضاً ذلك القرار «المضاد» الذي أصدره الرئيس ياسر عرفات باعتبار القدس عاصمة للدولة الفلسطينية رداً على قرار الكونجرس. تُرى.. من المسؤول عن تفريغ كوامن الغضب من صدور العالمين العربي والإسلامي؛ حتى يمرر هذا القرار الخطير دون وقوع «الغضبة الكبرى» التي كان الأعداء يخشونها؟! لنبحث لهذا السؤال عن إجابة سريعة قبل أن تحل المصيبة التالية.. قبل أن يهدم الأقصى؛ فلا يجد من يغضب له أو يتحرك من أجله. * أمريكا: الكونجرس الأمريكي ... و «أصحاب الفيل» [١] إلى أين؟! - أظهرت انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي عن فوز ساحق للحزب الجمهوري ذي الاتجاه اليميني، فقد تمكن ذلك الحزب من الاستحواذ على غالبية مقاعد الكونجرس بشقيه: النواب والشيوخ، بينما انزوى الحزب الديمقراطي إلى الزوايا الخلفية؛ فماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أولاً وقوع الولايات المتحدة تحت الحكم شبه المطلق للاتجاه اليميني المتطرف ذي النزعة الاستعلائية الساعية للهيمنة، وهو يعني من جهة ثانية الإخلال بالتوازن التقليدي في الداخل الأمريكي الذي كان يميز الحياة السياسية في أمريكا خلال الخمسين سنة الأخيرة؛ حيث هُمش الحزب الديمقراطي لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة إلى الحد الأدنى. وصعود الجمهوريين اليمينيين يعني من جهة ثالثة انفتاح الطريق أمام جورج بوش الابن؛ لكي يكمل ما بدأه بوش الأب على طريق فرض السيطرة على العالم. كان جورج بوش (الأب) قد أعلن بعد انتهاء حرب الخليج الثانية، عن توجه الولايات المتحدة الأمريكية نحو إنشاء (نظام عالمي جديد) ، وهو مشروع قد تبناه الحزب الجمهوري بزعامته، ولكن عدم فوزه بفترة رئاسية ثانية جعل بريق هذا المشروع يخف ثم يخفت ثم يختفي؛ لتظهر بدلاً من ذلك الدعاية إلى مشروع (العولمة) في فترتي حكم الحزب الديمقراطي بزعامة بيل كلينتون، وجوهر «العولمة» و «النظام العالمي» واحد، وهو تكريس الهيمنة الأمريكية على العالم، إلا أن العولمة كانت تغلب عليها السمة الاقتصادية والثقافية، بينما تغلب على مشروع النظام العالمي الجديد السمة السياسية والعسكرية، والفارق في الشبه بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في طريقة فرض الهيمنة على العالم؛ تشبه الفارق بين حزبي الليكود والعمل في دولة اليهود في فرض السيطرة على العرب. والعجيب أن حزب (أصحاب الفيل) ينوي التحرك نحو السيطرة على العالم انطلاقاً من أرض العرب، ويستعمل اليهود أداة في ذلك؛ فهل تهلك جيوش «أبرهة» العصر على تلك الأرض كما هلكت جيوش أبرهة الأول؟! اللهم اجعل كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طيراً أبابيل. * اليمن: نعم ... الحكمة يمانية! - اعتبرت الحكومة الأمريكية على لسان مسؤول بارز فيها أن الضربة التي وجهتها طائرة تابعة للاستخبارات الأمريكية على سيارة تقل ستة ممن (يشتبه) في انتمائهم لتنظيم القاعدة؛ عملاً (قانونياً) و (ضرورياً) . وقال منسق عمليات مكافحة «الإرهاب» بالخارجية الأمريكية (فرانيس تايلور) في تصريح له في ٩/١١/٢٠٠٢م أن الولايات المتحدة سوف تستخدم أي شيء «ضروري وقانوني» لمهاجمة أي تهديد «إرهابي» !! إذن؛ الشيء يصبح قانونياً لمجرد أنه لصالح أمريكا، وغير قانوني لمجرد أن يكون ضد مصالح أمريكا (!!) . «والمشتبه به» يسقط حقه في المساءلة والمحاكمة، فيحكم عليه بالإعدام رمياً بالصواريخ، وينفذ الحكم في الطرقات العامة إذا كان القاضي أمريكياً أو القضية أمريكية!! الطائرة التي انتهكت أجواء بلاد اليمن المستقلة كانت بلا طيار؛ لضمان هدر دماء القتلى، وحفظ دماء القتلة، والاختراق الأخرق لم يجئ ارتجالاً أو اجتهاداً من أحد مهاويس المخابرات الأمريكية، إنما جاء بحسب ما نشرته النيويورك تايمز في ٨/١١/٢٠٠٢م وفق سياسة جديدة اختطها بوش للعمليات الخارجية؛ عندما أعطى وكالة المخابرات المركزية (A.I.C) سلطات موسعة لتخطيط وتنفيذ ما تراه من عمليات في أي مكان من العالم! العمليات إذن قابلة للتكرار في أماكن أخرى، لتوصل للعالم رسالة مفادها: ألاَّ أحد في مأمن من ذراع الطيران الأمريكي الطويلة، وأن حدود الدول، وحرمة سمائها وأرضها وبحارها؛ لا قيمة لها عندما يتعلق الأمر بمخططات أمريكا، إنها مرحلة جديدة بكل المقاييس، وخطيرة بكل المعاني، وهي ليست خاصة باليمن فقط، ولا أدل على ذلك مما نشرته صحيفة نيويورك تايمز في (٢٠/٩/٢٠٠٢م) من أن الولايات المتحدة قد أرسلت في الشهر الماضي واحدة من أكثر السفن المتقدمة تكنولوجياً إلى منطقة القرن الإفريقي؛ لتقوم بحسب ما أعلن عسكريون أمريكيون بمهام مكافحة من تطلق عليهم الولايات المتحدة وصف الإرهابيين في كل من الصومال والسودان وإرتيريا واليمن، بل إن المصادر نفسها صرحت بأن السفينة التي تضم ١٥٠ من مشاة البحرية الأمريكية؛ يمكن أن تستخدم قاعدة انطلاق لعمليات مشابهة لتلك التي حصلت في اليمن! إن هذا التطور يحتاج إلى قدر عالٍ من الحكمة في التعامل، ولا نظن أن الإسلاميين في اليمن وغيرها من البلدان المستهدفة سيفتقدون إلى تلك (الحكمة) في التعامل مع مثل ذلك المُستجد الجسيم الذي دشنت به أمريكا مرحلة من الفوضى الدولية عن طريق العولمة العسكرية! انتبهوا أيها الإسلاميون، ولا تفقدوا صوابكم، فأعداؤكم أصابهم الجنون! * أمريكا أيضاً: الازدهار أو الاستعمار أو الانتحار - بالرغم من أن الانتخابات التي جاءت بجورج بوش الابن عام ٢٠٠١م كانت (قيصرية) ولم تكن طبيعية؛ إلا أنه وبعد التربع على كرسي الرئاسة ظن أن الطريق قد أصبح ممهداً لكي ينفذ برنامج من جاؤوا به كاملاً دون معوقات؛ معتمداً على متانة الاقتصاد الأمريكي المحصن من الأزمات، والذي يستند في ازدهاره إلى الاستقرار الذي تتمتع به الولايات المتحدة المحاطة بالمحيطات من كل جانب، إلا أن ذلك الاستقرار قد سقط مع سقوط برجي التجارة، ولا يعلم أحد من الناس: هل سيعاد بناؤه معهما، أم سيظل الاستقرار والازدهار معهما من الذكريات الماضية؟ مشكلة أمريكا مع الاستقرار (سر الازدهار) أصبحت مزمنة؛ بسبب كفر تلك القرية بأنعم الله، وتسلطها على عباد الله، فلا تزال التقارير كل حين تأتي بجديد عن تلك الأزمة التي بدؤوها بمظالمهم ولا يعلمون متى تنتهي. فقد ذكر تقرير اقتصادي صدر في أمريكا في (رجب / سبتمبر) من هذا العام؛ أن مجموع ما تكبدته الحكومة الأمريكية من جراء أحداث سبتمبر بلغ ٩٥ مليار دولار؛ تدخل فيها الخسائر، وعمليات إعادة البناء والتعويضات ونحو ذلك، وهي تكلفة قابلة للزيادة على حسب ما ذكر التقرير الذي ذكر أيضاً أن ٨٣ ألفاً من مدينة نيويورك وحدها فقدوا وظائفهم، وفقد ٦٣ ألفاً آخرون فرص للتوظيف كانوا ينتظرونها. وفي تقرير أحدث صدر في (رمضان / نوفمبر) من هذا العام؛ قال خبراء اقتصاديون يتعاونون مع البنك المركزي الأمريكي: إن الخسائر المباشرة لهجمات سبتمبر بلغت ٣٦ مليار دولار، وقُدر حجم الإنفاق المقرر على الأمن في مدينة نيويورك وحدها لعام ٢٠٠٣م نحو ٧٢ مليار دولار في القطاعين العام والخاص، وتوقع التقرير خسائر جديدة بمقدار ٢٦ مليار دولار لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه في مدينة نيويورك التي خسرت إدارتها نحو ٧.٨ مليارات دولار كأرباح كانت متوقعة من نشاط برجي التجارة لعام ٢٠٠٢م لو لم يُدمرا. أما الخسائر المتوقعة بسبب نقص الطاقة الإنتاجية للمدينة بسبب استمرار الصدمة العصبية لسكانها؛ والتي أثرت في أدائهم الوظيفي، وتسببت في تفاقم ظاهرة السُّكر للهروب من الواقع؛ فيقول التقرير إنه لا يمكن تقديرها! غير أن هناك خسائر أخرى يكشف عنها التقرير بسبب (المجهول القادم) ؛ تتمثل في ٣٨ مليار دولار خصصتها الحكومة الفيدرالية لأمن الحدود، والحماية من التهديدات البيولوجية والكيماوية، وإجراءات الطوارئ المعدة للسنة المقبلة ٢٠٠٣م. وبالرغم من آمال بوش العريضة بالفوز بفترة رئاسية ثانية، بعد الفوز الكبير لحزبه الجمهوري في الانتخابات النصفية الأخيرة للكونجرس، إلا أن هاجس السقوط كما حدث مع والده يظل يطارده، والذي نعتقده أنه إذا لم يجد فرصته في إعادة الازدهار في الداخل، فقد يلجأ إلى إعادة سياسة الاستعمار في الخارج، كما كان عهد أسلاف الأمريكيين من الساكسون الإنجليز وغيرهم، وبوش يعلم أن استمرار رئاسته مرهون بتحقيق الازدهار للأمريكيين، أما إذا لم يفلح في إعادة الازدهار بالاستقرار أو الاستعمار، وخاب أمله في الوصول للبيت الأبيض مرة ثانية، فقد يبحث عن فرصته بدخول التاريخ عوضاً عن دخول البيت الأبيض. وبما أن دخول التاريخ قد لا يحتاج إلى مميزات أرقى ولا مؤهلات أعلى من مؤهلات جنكيز خان أو هولاكو أو نيرون أو هتلر أو شارون، فقد يحاول جورج بؤس دخول التاريخ من بوابة العراق التي يريد أن يجعل منها ولاية أمريكية جديدة؛ تكون منطلقاً لفرض النظام (الدكتاقراطي) الأمريكي الجديد في المنطقة، أو من بوابة أفغانستان التي سيحولها من مستعمرة إلى مقبرة للأمريكيين. أو من بوابة أوروبا التي يستفزها ويخرج أضغانها إلى الحد الذي قد يلجئها للتوحد في وجه الأمريكان، أو من بوابة الصين التي قد ينجح في إخراج تنينها النائم على العالم؛ بعد إزعاجه وتهييجه من الكوة الصغيرة المفتوحة على أفغانستان المحتلة. وقد يذكر التاريخ جورج بوش كما يحب على أنه الرئيس الذي قاد أولى حروب القرن في الألفية الثالثة، والموصلة في حال استمرار غطرسة الأمريكان إلى الحرب العالمية الثالثة. واحتمال آخر يستطيع جورج بوش أن يدخل به التاريخ من أوسع أبوابه، وهو أن يكون الرئيس الذي بدأت في عهده بواكير تحول الولايات المتحدة الأمريكية إلى الولايات «غير المتحدة» الأمريكية!! * إندونيسيا: وتداعيات بالي - مع أنها أكبر دولة إسلامية ٢١٠ ملايين نسمة، والمسلمون فيها يمثلون ٩٠% من السكان فإن إندونيسيا تُرى غائبة أو مغيبة، فغالب الحكام الذين حكموها كانوا يستلهمون نموذج العلمانية الكمالية، ورغم ذلك يظل وفاء الشعب الإندونيسي للإسلام ظاهراً لا تخطئه العين، وبالرغم من انتشار الجهل والخرافات فإن الناس يحبون الإسلام، ولا أدل على ذلك من حجم أنصار الأحزاب الإسلامية هناك. أكبر جماعة إسلامية في إندونيسيا وهي جماعة «نهضة علماء الإسلام» تأسست عام ١٩٢٦م، وتضم تحت مظلتها وليس عضويتها أنصاراً يقدرون بثلاثين مليوناً، ولكن حظها العاثر جعل (عبد الرحمن وحيد) حفيد مؤسسها يتسلق إلى ذروة القيادة فيها، وذلك عندما وصلت الجماعة إلى المستوى الذي أوصلها إلى الحكم، فقد تولى رئاسة الجماعة في بداية التسعينيات، وانتخب رئيساً لإندونيسيا في أكتوبر ١٩٩٩م، قبل أن يتم إسقاطه دستورياً بتهمة الفساد المالي والأخلاقي. وهكذا تم في إندونيسيا كما تم في غيرها تشويه النموذج الإسلامي بشخص رجلٍ واحد وضع في الواجهة ليمثل عشرات الملايين من المسلمين! يجيء بعد جمعية نهضة العلماء «الجمعية المحمدية» ، وهي أكثر تنظيماً وحركية من جمعية النهضة، وأقدم منها أيضاً؛ إذ تأسست عام ١٩٢٢م، ويقدر المنضوون تحت مظلتها بخمسة وعشرين مليوناً، وهي تعتمد في انتشارها على قطاع التعليم والمدارس، والأب الروحي لها هو «أمين الريس» ، ولكن العجيب أن هذه الملايين من أنصار الجماعات الإسلامية تُصادر عاطفتهم للإسلام دائماً، ويتم بانتظام إخضاعهم وإخضاع الشعب الإندونيسي الكبير للتحاكم لمذهب (البانكاسيلا) العلماني الذي يشكل جوهر الدستور الإندونيسي، والجامع - مثل ياسق جنكيز خان - بين مبادئ من الإسلام وغيره من الأديان (وحدانية - إنسانية - وحدة وطنية - ديمقراطية - عدالة - اجتماعية) ، ولكن ذلك الدستور مع عدم إسلاميته لا أثر لمبادئه أيضاً من الناحية الإيجابية على أوضاع الإسلام في إندونيسيا. لهذا برزت اتجاهات إسلامية تنادي بالتحول الإسلامي بطرق أخرى غير طرق البرلمانات والانتخابات التي استمرت ثلاثة أرباع القرن دون جدوى، فنشأت الجماعة الإسلامية بزعامة أبي بكر باعشير (٦٥عاماً) وهو إندونيسي النشأة حضرمي الأصل، وكان عضواً في الخمسينيات في حركة «دار الإسلام» الداعية لإقامة دولة إسلامية في إندونيسيا، ولكن سوكارنو الرئيس الإندونيسي الأسبق ووالد الرئيسة الحالية (ميجاواتي سوكارنو) قضى على الحركة، وهرب باعشير إلى ماليزيا ولم يعد إلا بعد سقوط سوكارنو، وبعد عودته أسس جماعة باسم «مجلس مجاهدي إندونيسيا» ، وأسس معهداً لتربية صفوف لهذه الجماعة أطلق عليه (المعهد المؤمن) ؛ يضم بصفة دورية ٢٠٠٠ من الطلاب والطالبات الذين يتلقون العلوم الشرعية. العداء الذي يستهدف المسلمين في عقيدتهم وأموالهم وأنفسهم في إندونيسيا وغيرها يدفع بعضهم في أحيان كثيرة إلى حافة الهاوية، وزيادة الضغوط والتضييقات قد تدفع بهم للسقوط في تلك الهاوية، فعندما تعرض المسلمون لمذابح رهيبة في إندونيسيا عام ١٩٩٩م؛ نشأت لأجل ذلك حركة عسكر الجهاد، أو (لسكر جهاد) ، لتتولى دفع صولة الباغين من النصارى الذين وقفت الحكومة منهم موقف المتفرج، وقد حاولت جماعة «عسكر الجهاد» الإندونيسية أن تدفع عن المسلمين بالمستطاع، إلا أن زعيمها جعفر عمر طالب (٣٩) عاماً اعتقل هو والعديد من أنصاره، واعتقل أيضاً باعشير زعيم جماعة «مجاهدي إندونيسيا» بعد تفجيرات مدينة بالي التي راح ضحيتها أكثر من (١٨٠) قتيلاً غالبيتهم من الأستراليين والبريطانيين. ماذا تخبئ الأيام لشعب إندونيسيا المسالم الذي يُدفع إلى طريق المواجهة؟ الحكومة الإندونيسية من ناحيتها كانت تشعر بالعجز عن فعل كل ما تريد لمواجهة الجماعات الإسلامية في السنوات الماضية، لعلمها بقدرة هذه الجماعات على حشد الجماهير، ولكنها في الآونة الأخيرة تريد إرضاء أمريكا والغرب بمحاولة الظهور بمظهر المتحمس للمشاركة في الحرب الأمريكية على «الإرهاب» . ومن الواضح أن هناك متنفذين في داخل الحكومة يريدون الصيد في الماء العكر؛ مستغلين أجواء الحرب الأمريكية، وأمريكا بدورها لا تفوِّت فرصةً للابتزاز، فبعد أن فرضت حظراً على الجيش الإندونيسي بعد أحداث تيمور الشرقية؛ تجيء اليوم لتساوم ذلك الجيش برفع الحظر عنه مقابل أن يتولى مهمة (محاربة الإرهاب) في إندونيسيا، وتحاول أن تصنع من وزير الدفاع الإندونيسي (أندريا سورتاريو) نسخة أخرى من (خالد نزار) الذي كان وزيراً للدفاع في الجيش الجزائري، لقد عرضت الحكومة الأمريكية على الحكومة الإندونيسية أن تساعدها في حملتها ضد الجماعات الإسلامية في مقابل مساعدتها في إعادة جدولة ديونها! ويدور كل ذلك رغم التهاب المشاعر الإسلامية من جراء ما يفعل بالمسلمين في كل مكان. لقد كان الرسول ﷺ يتعوذ بالله تعالى من غلبة الدين وقهر الرجال، وعندما يقهر رجال الإسلام في بلدان الإسلام؛ فلا تسل عما يحدث كيف يحدث، بل اسأل عن أسباب ما يحدث، لماذا يحدث؟ * ليبيا: الجامعة العربية و «لعب العيال» - في خطاب ألقاه الرئيس الليبي معمر القذافي في ١/٩/٢٠٠٢م أمام المؤتمر الشعبي العام (البرلمان) ؛ بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لثورة الفاتح من سبتمبر، طالب الرئيس المؤتمر بدراسة خروج ليبيا من الجامعة العربية معللاً ذلك بقوله نصاً: «الأمر أصبح لعب عيال» ! ولم يكد المؤتمر يكمل دراسته حتى أعلنت ليبيا خروجها من جامعة الدول العربية؛ وسط دهشات وتوسلات الجامعة التي أسست في الأصل لتجسيد القومية العربية التي كان الرئيس الليبي أحد رموزها. ولم تجد هذه التوسلات استجابة من الحكومة الليبية، ولكن أمانة الجامعة أعلنت بعد ذلك أن القصة لم تنته بعد وأن ليبيا قد تعود. وخروج ليبيا من الجامعة العربية، سواء تم أو لم يتم؛ فإنه يمثل طعنة نجلاء لتلك المنظمة الآيلة للسقوط، ويمثل تعجيلاً بغسل الأيدي منها، بعد أن أُريد لها لأكثر من نصف قرن أن تُحل رابطة العروبة محل رابطة الإسلام، حتى انتهت الجامعة والعروبة معها إلى طرق مسدودة. محنة القومية العربية جاءت على أيدي كبار زعمائها، فقائدها الأول عبد الناصر برهن على رهافة حسه القومي عندما زج بالجيش المصري لكي يحارب في اليمن (العربية) ذاهلاً عن الاستعداد لمحاربة الدولة العبرية، حتى ألحقت به تلك الدولة أكبر هزيمة مثلت أكبر نكسة للقومية والقوميين العرب. أما قائد القومية الثاني صدام حسين؛ فقد نكب القومية التي نكسها عبد الناصر بغزوه لدولة الكويت (العربية) قبل أن يحرك ساكناً لنصرة القضية الفلسطينية، وجاء الرمز الثالث للقومية العربية لكي يقضي على ما تبقى من معالم في وجه الصنم القومي، فذبح ذلك الصنم على أعتاب الحدود الإفريقية لليبيا؛ معلناً كفره بالوحدة العربية وإيمانه بالوحدة الإفريقية. أما القضية الكبرى التي زايد عليها القوميون العرب لأكثر من خمسين عاماً، فآل أمرها على يد الثوريين القوميين العرب قبل الخروج من الجامعة إلى اقتراح بتحويل فلسطين إلى دولة (عربية يهودية) اسمها (إسراطين) ؛ بعد التخلص من مسؤولية مسجدها الأقصى الذي قيل عنه تحت قبة مؤتمر الجامعة العربية المنعقد في عمان منذ عامين ... «خلُّوه يروح في ستين داهية» ! * (إسرائيل) : عودة النتن - بعد سقوط بنيامين نتنياهو في الانتخابات أمام منافسه إيهود باراك عام ١٩٩٩م، وبعد أن عُزل سياسياً بتهمة الفساد المالي، أتيحت الفرصلة لباراك لكي يتولى مهمة «الإجهاض السلمي» لقضية فلسطين عن طريق مفاوضات الحل النهائي في كامب ديفيد الثانية، ولكن الأجواء تغيرت بمجيء شارون لتناسب عودة نتنياهو مرة أخرى، فبعد أن دعا شارون إلى انتخابات مبكرة في الشهر الماضي، خرج حزب العمل الذي أراد شارون أن يجمِّل بدمامته بعض قبح حزب الليكود، ولكن شارون لم يعد في حاجة الآن لهذا التجمل فيما يبدو، فاستعان بمزيد من الوجوه القبيحة استعداداً لمرحلة هي الأشد سواداً على الأرجح في تاريخه الكالح، جاء بنتنياهو ليعطيه وزارة الخارجية، وبشاؤول موفاز ليسلمه حقيبة الدفاع؛ لتتحول الحكومة الإسرائيلية بعد ذلك لا إلى حكومة حرب فقط، بل إلى عصابة من محترفي القتل الديمقراطي. ماذا يريد نتنياهو بتلك العودة؟ بدا من تصريحاته الأولى أنه يزايد على جرائم شارون، ويعتبره (مقصراً) في التصدي للعرب داخل وخارج فلسطين، ووعد في حديث نشرته مؤخراً مجلة «تاج شبيجل» الألمانية بإلحاق هزيمة بالدول العربية لاحظ! وليس فقط بالسلطة الفلسطينية. وقال: «يجب إلحاق هزيمة عسكرية بالدول العربية كتلك التي هزم فيها الحلفاء كلاً من ألمانيا واليابان عام ١٩٤٥م» ، وأضاف: «لقد انتهت الحرب العالمية الثانية بنصر عسكري للحلفاء، وعمل الطرف المنتصر على تنصيب حكومة في ألمانيا ظلت منقوصة السيادة إلى أن حدث التحول المطلوب في المجتمع الألماني» . وفي سؤال آخر، قالت له الصحيفة: «إن ألمانيا كانت قد هزمت هزيمة شاملة، واستسلمت قبل أن يفرض عليها الحلفاء شروطهم؛ فهل تريد فعل ذلك مع الفلسطينيين؟» أجاب النتن: «نعم، هكذا تماماً يجب علينا أن نفعل مع الدول العربية» ! يعود إذن نتنياهو إلى الساحة السياسية أكثر سعاراً، ويصب جام غضبه على العرب والمسلمين، وخصوصاً الإسلاميين داخل فلسطين، لا في الأراضي المحتلة بعد عام ١٩٦٧م فحسب، بل على الحركة الإسلامية في أراضي ١٩٤٨م أيضاً، فقد وصفها في حديث أدلى به في (٢/١٠/٢٠٠٢م) بأنها كالورم السرطاني الذي يمكن أن ينمو ويكبر مع الزمن، وطالب باعتبار تلك الحركة خارجة على القانون، وطالب بتفكيكها واعتقال زعمائها، وجاء هذا الهجوم بسبب قيام نحو ٣٠ ألفاً من عرب ١٩٤٨م بإحياء مهرجان بعنوان: (الأقصى في خطر) ! ولا ندري: ما الذي يزعج النتن إلى هذا الحد؛ من أن يقال: الأقصى في خطر؟! نتنياهو ينافس شارون اليوم على الإرهاب اليهودي، بل لا نبالغ إن قلنا إن دوره في ذلك الإرهاب أخطر، من حيث التنظير لتوسيع دائرته، فهو عضو أصيل في هندسة الاستراتيجية الأمريكية في (الحرب ضد الإرهاب) التي جرى الإعداد لها طيلة عقد التسعينيات، وله كتاب في ذلك بعنوان (استئصال الإرهاب) ، ألفه وقدمه نصيحة للولايات المتحدة عام ١٩٩٦م، يكاد من يطالعه أن يوقن بأن اليهود من أمثال نتنياهو هم الذين هيؤوا لأجواء الحادي عشر من سبتمبر؛ كي يوصلوا أمريكا والعالم إلى مثل الوضع القائم الآن. فالكتاب مليء بالتحريض والتخويف والوشاية بالعرب المسلمين، قبل أن تحدث أحداث سبتمبر بخمس سنوات، ومما جاء فيه: - «إن هدفي الأول من هذا الكتاب هو توجيه اهتمام المواطنين في الغرب عامة، وفي دولة إسرائيل خاصة إلى طبيعة التحدي الإرهابي الجديد الذي يواجه الأنظمة الديمقراطية اليوم، نوجه نصيحة للرؤساء ولرؤساء الحكومات ولأعضاء الكونجرس والبرلمانات بالمحافظة على أمنهم ومستقبلهم من خطر الإرهاب المدمر» (ص ١٥٢) . - «غريب أن أياً من الدول الغربية، ورغم التقدم الاقتصادي والعسكري الهائل، وخصوصاً الولايات المتحدة؛ لا تستطيع أن تحصن نفسها ضد الإرهاب» ص (٩) . - «إن لم يتم قمع الإرهاب واستئصال شأفته، فقد يصبح تحديه غير سهل، وإذا نجحت تجربة للإرهاب في دولة معينة ولا سيما إذا كانت أكبر دولة في العالم فسيغري ذلك بالمحاكاة في دول أخرى» ص (١٣) . - «إن إمكانية الولايات المتحدة التقنية، وخاصة وسائل التصنت والتصوير، تفوق ما بحوزة دول أخرى؛ لهذا فإنها تستطيع تعقب الحركات الإرهابية» ص (٢٤) . - «صدقت المحكمة العليا أثناء الحرب العالمية الثانية على تقديم الأمريكيين المشتبه في تعاونهم مع النازيين إلى المحاكم العسكرية، بل وإجراء حملات اعتقال مخيفة للأمريكيين من أصول يابانية» ص (٢٦) . - «كان الإرهاب إحدى الوسائل الأساسية للسياسة الشرق أوسطية عبر مئات السنين» ص (٦١) . - «كنت مقتنعاً بأن مفتاح إجهاض الإرهاب الدولي؛ هو قيادة الولايات المتحدة لهذا الصراع، وبوقوفها على رأسه سوف تجذب القيادة الأمريكية باقي دول العالم الحر إليها، كما يجذب الديزل عربات القطار» ص (٦٨) . - «ساد اعتقاد خاطئ في الولايات المتحدة في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات بأن الإرهاب ليس سوى نتيجة للقمع السياسي والاجتماعي، وتستحيل هزيمة الإرهاب دون تصفية الظروف التي خلقته» ص (٦٨) . - ضربت إسرائيل مثلاً مشرقاً لمكافحة الإرهاب عسكرياً، ورفضت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة الخضوع لمطالب الإرهابيين «ص (٦٩) . -» أكدت عندما كنت سفيراً لإسرائيل بالولايات المتحدة عام ١٩٨٣م أن الغرب يستطيع القضاء على الإرهاب الدولي شريطة تبني مبدأين: الأول: رفض الخضوع للإرهاب، والثاني: استعداد الغرب لمواجهة الأنظمة الراعية للإرهاب «. -» جذور العداء للغرب راسخة لمئات السنين في الثقافة السياسية العربية الإسلامية المتطرفة، وهي تمثل القوة الدافعة لها، حتى قبل أن تخرج إسرائيل إلى الوجود «. -» القلة القليلة من رجال العرب هي التي على دراية وثيقة بالحقائق الأساسية لتاريخ العلاقات بين الإسلام والغرب، وهذا التاريخ يشكل حجر الزاوية للتعليم الإسلامي في جميع أنحاء العالم العربي الذي يحكي كيف استطاع محمد في عام ٦٣٠ أن يجعل من العرب أمة ذات دين مقاتل «. -» لولا دحر شارل مارتل العرب في موقعة بواتيه عام ٧٣٢، على مسافة ٢٩٠ كم فقط من جنوب باريس لكان من المحتمل أن تكون أوروبا قارة مسلمة « ص (٨٦) . -» زعم المتعصبون الإسلاميون أنه يجب العودة إلى الجذور الحقيقية لعظمة العرب والمسلمين، ودعوا إلى توحيد جميع الممالك العربية تحت حكم إسلامي خالص «ص (٨٩) . -» تبين أن تيار القومية العربية لا يستطيع مواجهة الغرب، عندئذ ازدادت الحاجة إلى ظهور قوة جديدة تعبر عن مصداقية العرب والمسلمين في مبدأ الرفض التاريخي للغرب، وتمثلت هذه القوة في الإسلام المتطرف «ص (٨٩) . -» الجماعات الإرهابية تتخفى تحت ستار المنظمات الخيرية؛ لتقوم بجمع المال ونشر وسائل التحريض، كما تقوم بتجنيد المتطوعين وحشدهم وإعدادهم للمهام الإرهابية؛ للإعداد للمعركة ضد الولايات المتحدة «ص (١٠٠) . -» وقعت حكومة إسرائيل في كل الأخطاء التي يمكن لدولة أن تقع فيها في حربها ضد الإرهاب؛ عندما منحت منظمة التحرير الفلسطينية مناطق تستقر بها، فساعدت بذلك في اندلاع الإرهاب تحت مظلة منظمة التحرير «ص (١٢٠) . وأخيراً اقترح نتنياهو خطوات عملية لاستئصال الإرهاب كما يراه، تتلخص في: ١ - فرض عقوبات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية على الدول الإرهابية. ٢ -» إبادة «بؤر الإرهاب التي لا تخضع لدول مستقلة، كالأراضي التابعة لحزب الله، أو لحماس، وحزب العمال الكردي، ومناطق الإرهاب في باكستان وأفغانستان وكشمير. ٣ - تجميد الممتلكات الخاصة بالدول والمنظمات الإرهابية الموجودة في الغرب. ٤ - نشر الثقافة المضادة للإرهاب. ٥ - الدعوة إلى إدخال تعديلات في مناهج التعليم في بلاد المسلمين.

стр. 4463

مرصد الأحداث يرصدها: وائل عبد الغني مرصد الأخبار: اختراق..! كشفت التقارير التي تصدرها المنظمات التنصيرية أن حوالي ١٥٠ ألف مغربي يتلقون عبر البريد من مركز التنصير الخاص بالعالم العربي المسمى (M.W.A) دروساً في المسيحية، ولدى هذا المركز منصِّرون يعملون وسط المليوني مسلم القادمين من دول المغرب العربي والمقيمين في فرنسا. [جريدة التجديد المغربية، العدد: (٤٩٤) ] مقاطعة المقاطعة هددت السلطات الفيدرالية الأميركية بفرض عقوبات على الشركات الأميركية التي ستحترم الدعوة الموجهة من مكتب مقاطعة إسرائيل التابع لجامعة الدول العربية لمقاطعة إسرائيل اقتصادياً. يذكر أن كلاً من مصر، والأردن، وموريتانيا التي تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل؛ لا تشارك في اجتماعات مكتب المقاطعة الذي يضم «ضباط اتصال المكاتب الإقليمية لمقاطعة إسرائيل» ، والذين يمثلون الدول العربية الـ ١٩ الأخرى الأعضاء في جامعة الدول العربية. وكان مكتب مقاطعة إسرائيل الذي لم يكن قد اجتمع منذ ثماني سنوات، قد عقد اجتماعاً الشهر الماضي، وضع خلاله لائحة سوداء تضم أسماء ١٥ شركة، لكن هذه اللائحة لم تنشر. [الشرق الأوسط، العدد: (٨٧٤٥) ] شراك الشراكة تتضمن الأهداف المحددة لمبادرة الشراكة الأمريكية مع دول وشعوب الشرق الأوسط الترويج في الولايات المتحدة، ولا سيما في أوساط الإدارة، إلى ضرورة إحداث تغييرات جذرية وجوهرية في العالم العربي. هذه التغييرات التي تتطلع إليها واشنطن لا تشمل فقط أساليب الحكم والممارسة الديمقراطية، بل أيضاً أنظمة التعليم والعلاقات الاجتماعية ... تأتي ضمن برامج ومشروعات مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط التي يرعاها وزير الخارجية الأمريكي بنفسه، وفي طليعة البرامج التنفيذية الأمريكية لمبادرة التحول الديمقراطي في العالم العربي: مشروعات تجريبية لتدريب الناشطين السياسيين، والصحفيين، وزعماء نقابات العمال في المنطقة العربية، وهي مشروعات رصدت لها الخارجية الأمريكية عشرين مليون دولار في العام الحالي. وقد بدأت وزارة الخارجية الأمريكية بالفعل أحد مشروعات المبادرة لتدريب القيادات النسائية في العالم العربي على الحملات الانتخابية، واستضافت في إطار ذلك البرنامج خمساً وخمسين سيدة من القيادات السياسية النسائية العربية لحضور الحملات الانتخابية الأمريكية، للتجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، والانتخابات المحلية في الولايات المتحدة الأمريكية. وستركز مبادرة الشراكة بشكل خاص على احتياجات المرأة العربية والشباب في مجالات التعليم والمشروعات الحرة، والناشطين في مجال العمل من أجل إحداث التغيير السياسي، ومن بين مشروعات المبادرة: مشروع لتدريب الناشطين في العمل نحو التحول الديمقراطي، سيتم تنفيذه في كل من المغرب ولبنان والبحرين. كما سيتم تدريب وفود عربية أخرى على مراقبة سير الانتخابات، وتفعيل القواعد الشعبية، وكيفية تشكيل الأحزاب السياسية. [موقع الإذاعة السويسرية: سويس إنفو، على الشبكة العنكبوتية] تركيا العدالة في عيون الصحافة الأمريكية جاءت ردود فعل الصحف الأمريكية السيارة على فوز حزب العدالة التركي بأغلبية انتخابية بتوجيه الرأي العام والساسة إلى ما ينبغي أن يكون عليه الوضع، في توجه عام لفرض الإسلام الأمريكي على النموذج التركي الذي انقلب على الأتاتوركية دون ضجة؛ تقول «واشنطن بوست» : «برغم أن أردوغان قد يخفق في الداخل التركي، إلا أنه قد ينجح في خلق نموذج لممارسة سياسية ديمقراطية يحتاجها بإلحاح العالم الإسلامي» . وتقول «نيويورك تايمز» : «التجربة التركية الإسلامية الجديدة قد تُثبِتُ للعالم الإسلامي، وللعالم أيضاً، أن العلمانية يمكن أن تكون حقاً ليبرالية، وأن الديمقراطية يمكن أن تترعرع في بيئة إسلامية» . وتُقرّ «لوس أنجليس تايمز» : «هذه المرة الأولى التي تبرز فيها فرصة زواج بين الإسلام والديمقراطية الليبرالية» . [نقلاً عن موقع الإذاعة السويسرية: سويس إنفو] جبهة جديدة للحرب الصليبية صرح مسؤولون في البنتاجون أن الوزارة تعتزم إقامة مراكز قيادة أمريكية بالقرن الإفريقي لإدارة العمليات ضد تنظيم القاعدة هناك، بينما تركز القيادة الأمريكية العليا في المنطقة على العراق.. وأوضح هؤلاء المسؤولون أن الفرقة الثانية لمشاة البحرية (المارينز) في معسكر لوجون في كارولاينا الشمالية تلقت أوامر بنشر بضع مئات من العسكريين لعمليات مشتركة في القرن الإفريقي. وتتمركز قوة ضاربة تتألف من ٨٠٠ جندي من قوات العمليات الخاصة ومشاة البحرية في جيبوتي؛ لمواجهة عناصر من القاعدة في هذه المنطقة. وأضافت المصادر نفسها أن هذه القوات لم تشن أية عملية حتى الآن، وتركز خصوصاً على التدريب وتوسيع اتصالاتها مع القوات الحكومية في الصومال وأثيوبيا وإريتريا وكينيا واليمن. لكنها تقوم بالتفتيش عن قادة تنظيم القاعدة وخصوصاً في اليمن. [موقع القناة الإخباري] مرصد الأرقام: - استخدمت القوات الأمريكية أكثر من ٦ آلاف قذيفة في أفغانستان، واحتوى ثلث تلك القذائف على (اليورانيوم المنضب) ؛ مما تسبب في تلوث هائل في أفغانستان، وطبقاً لعينات عديدة أخذت على فترات متعددة؛ فقد ثبت أن درجة التلوث في التربة والمياه وأجساد الناس والجو في أفغانستان تتراوح بين ٢٠٠ و٤٧٣، وهو ضعف ما وجد من تلوث باليورانيوم في العراق وفي يوغسلافيا. - من بين الجرائم التي شقي بها المجتمع الأفغاني المسلم بعد إزاحة حكم طالبان وقوع ٢٤٠حالة اغتصاب في كابل وحدها خلال الشهور العشرة الماضية فقط، كما تضاعف إنتاج الحشيش في أفغانستان ١٨ مرة منذ إسقاط نظام طالبان، وسط مزاعم بأن مشروع مكافحة زراعة الحشيش الذي تموله بريطانيا قد تقوض. - يعيش في دول أميركا اللاتينية حوالي ٢٢١ مليون فقير يشكلون نسبة ٤٤% من مجموع السكان. - يعاني ٢٠ مليون مصري من أعراض الاكتئاب بسبب الضوضاء والتلوث والزحام. - تشير آخر الاستطلاعات إلى أن ٥٢% من الإسرائيليين يؤيدون طرد ياسر عرفات. - استهلكت نفقات العمليات العسكرية على الحرب في الشيشان ثلث ميزانية التنمية الروسية. - تشير تقارير دولية إلى أن ٨٠ ألف شيشاني لقوا حتفهم من جراء العمليات العسكرية الروسية في الشيشان. - يقدر ضحايا جنوب السودان بأكثر من مليوني قتيل، وأربعة ملايين نازح، منذ عام ١٩٨٣م. - خسر اليمن حوالي ٣.٨ ملايين دولار في شهر واحد من حادث الناقلة الفرنسية ليمبورج، بعد أن ارتفع التأمين على السفن التي تريد التوقف في المرافئ اليمنية بنسبة ٣٠٠%. - يعاني ٩٩.٧% من العرب فوق ١٥ سنة من الأمية التكنولوجية. - يشكّل المسلمون تقريباً ربع سكان العالم، ومع ذلك فإن حصتهم من الثروة العالمية تقل عن ٦%. - يعتبر ثلثا فقراء العالم تقريباً أي أولئك الذين يعيشون بأقل من دولارين يومياً من المسلمين. - هناك ١.٢ مليون مسلم من ذوي التعليم العالي يقبلون بسبب استنزاف العقول على الهجرة إلى أوروبا، وأمريكا الشمالية، وأستراليا، ونيوزيلندا كل عام. - في العقود الثلاثة الماضية، لقي ما لا يقل عن ٢.٥ مليون شخص حتفهم في حروب جرت داخل أو بين الدول الإسلامية. - يقبع ثلثا السجناء السياسيين في العالم في سجون دول إسلامية. - ٨٠% من لاجئي العالم من المسلمين. ثمن بخس! ذكرت صحيفة الجارديان البريطانية في تقرير لها: أن قرار إيفاد المبعوث الخاص الأمريكي الجنرال أنتوني زيني إلى الشرق الأوسط من جديد كان الثمن الذي يتعين على واشنطن أن تدفعه مقابل الحصول على دعم حلفائها العرب لشن هجوم محتمل على العراق. ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط عن الصحيفة قولها: إن الرئيس الأمريكي جورج بوش ونائبه ديك تشيني ظلا يقاومان النداءات الصادرة من العالم العربي، ومن كولين باول وزير الخارجية للتدخل المباشر في نزاع الشرق الأوسط، إلا أنه حدث تحول كبير مفاجئ بالموافقة على إرسال زيني للمنطقة. [عن صحيفة الأسبوع القاهرية، العدد: (٢٦٢) ] ما خفي كان أعظم تحاول وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) إضفاء مزيد من التكتم حول انتشار صور غير مصرح بنشرها لمعتقلي جوانتانامو، أثناء ترحيلهم على متن طائرة عسكرية أمريكية إلى خارج أفغانستان، وتوضح الصور المعاملة السيئة التي يلقاها المعتقلون؛ حيث تظهر المعتقلين بينما هم تحت حراسة أمنية مشددة، وقد غلت أقدامهم وأجسامهم، كما وضعت أغطية على وجوههم داخل طائرة عسكرية أمريكية من طراز C-١٣٠، وهي الطائرات نفسها التي استخدمتها القوات الأمريكية لنقل معتقلي جوانتانامو من أفغانستان إلى كوبا. وتظهر الصور أيضاً علماً أمريكياً كبيراً يتدلى من سقف الطائرة في الخلفية، كما يظهر في أحد مقاطع الصورة جندي أمريكي وهو يتحدث إلى معتقل قيد جسمه بالكامل، ووضعت يداه خلف ظهره. [عن موقع: جود نيوز فور مي] إيران.. وخان.. والأمريكان! نشرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» لحقوق الإنسان بياناً في نيويورك تتهم فيه الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بالتعاون مع «إسماعيل خان» والي مدينة هرات الذي يسيطر على المنطقة، ويستغل سلطته، ويعتقل المواطنين لأغراض سياسية، ويعذبهم ويرتكب انتهاكات أخرى لحقوق الإنسان. وقالت منظمة مراقبة حقوق الإنسان «هيومان رايتس ووتش» إنه تحت قيادة إسماعيل خان حاكم هرات تتورط قوات الجيش والشرطة والمخابرات في عمليات انتهاك واسعة لحقوق الانسان. وطلبت منظمة حقوق الإنسان في نيويورك من المؤسسات الخيرية والإغاثية العاملة في أفغانستان عدم مد إسماعيل خان بالمساعدات. [عن موقع مفكرة الإسلام] أخبار سريعة: - تنتشر الأغاني المعادية للعرب والفلسطينيين بسرعة هذه الأيام في الكنس اليهودية التابعة للحركة الصهيونية في فلسطين المحتلة، تلك الأغاني تحمل الكثير من المقاطع التوراتية التي تتحدث عن الانتقام من العرب «المسلمين» وكراهيتهم، وتدعو إلى قتلهم. - طالب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي بعقد مؤتمر دولي من أجل مكافحة ما أسماه بالإرهاب، وذلك في خطاب ألقاه في تونس بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لاستيلائه على السلطة. - اعترف روجر كينج المتحدث العسكري باسم القوات الأمريكية بأن قواعد قوات التحالف في أفغانستان تتعرض لهجمات منذ يونيو الماضي بمعدل ٣ هجمات أسبوعياً. - في الفترة من ١٢ إلى ١٥ نوفمبر المنصرم، عقدت شعبة النهوض بالمرأة، وإدارة شؤون الإعلام، في مقر الأمم المتحدة ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اجتماع خبراء حول ما سمي بـ «تمكين المرأة والإعلام» !! ، وذلك في بيت الأمم المتحدة في بيروت، بالتعاون مع لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا. - وافق مجلس الأمن الدولي في جلسة علنية بالإجماع على القرار ١٤٤١ القاضي بإرسال مفتشي الأسلحة إلى العراق، وتضمن فقرة تنذر العراق بإجراءات عقابية إذا رفض الانصياع لعمليات نزع الأسلحة. وصوت مجلس الأمن بأغلبية جميع أصوات أعضائه الخمسة عشر بما فيها سوريا لصالح قرار يمنح العراق «فرصة أخيرة» لإغلاق أي برامج لأسلحة نووية أو كيماوية أو بيولوجية، بعد أن اتهم بغداد بانتهاكات خطيرة لقرارات الأمم المتحدة السابقة. - تلقت تركيا بارتياح تأكيدات الرئيس الأمريكي جورج بوش تقديم مساعدات عسكرية واقتصادية لتركيا، لكن مصادر تركية قالت إن هذه المساعدات مشروطة بمشاركة تركية نشطة في خطة ضرب العراق. قيمة المساعدات ربما تزيد عن ٨٠٠ مليون دولار، مقسمة ما بين مساعدات عسكرية، ومساعدات اقتصادية قد تأخذ شكل تخفيف ديون. - قال مسؤول في واشنطن إن الوجود العسكري الأمريكي الكبير في دبي سيكون عاملاً مساعداً للغاية في حالة اتخاذ قرار بتوجيه ضربة عسكرية للعراق. - رجّح مدير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن الدكتور جون تشيبمان أن تقود الولايات المتحدة هجومها العسكري المحتمل على العراق في الفترة ما بين شهري كانون الأول (ديسمبر) وآذار (مارس) المقبلين، وأن لا تتأخر إلى فصل الصيف. - الهجوم المفاجئ من حركة التمرد في جنوب السودان المدعوم لوجستياً وبشرياً من إريتريا؛ استهدف ثلاثة أهداف حيوية، وهي مدينة همشكوريب، ومدينة كسلا الاستراتيجية، وطريق الخرطوم بورسودان الحيوي. - قام رئيس بلدية قرية «بريمانا» الجبلية الصغيرة في شمال إيطاليا بتنكيس علم الاتحاد الأوروبي احتجاجاً على فوز حزب العدالة والتنمية الذي يعتقد أن له توجهات إسلامية في الانتخابات التركية. أقوال غير عابرة: - مثلما كنت أجتهد لرفع مبيعاتي من الليمون والحلويات في شوارع إسطنبول حتى وصلت إلى ما أنا عليه؛ سأجتهد في رفع مستوى الشعب. [رجب طيب أردوغان، رئيس حزب (العدالة والتنمية) التركي] - إن الكثيرين يهربون من تأدية الخدمة العسكرية ويتسلحون بذرائع صحية أو نفسية، لكنهم في الحقيقة يبحثون عن حجة للتملص من الخدمة في المناطق الفلسطينية، وكثيرين من الشبان الإسرائيليين يبحثون اليوم عن طرق للرحيل عن الدولة لأنهم لا يرون هنا أي مستقبل. [رائد في الاحتياط، ران كابلان، في حوار مع (شبكة BBC) الإخبارية البريطانية، في إطار برنامج (هارد توك) ] - أمريكا تستهدف بالأساس عشرات العراقيين الذين يملكون الخبرة والتجربة دون إمكانيات الآن لبناء القوة الذاتية، ولم يهاجروا خارج العراق كما كان مأمولاً. [محمد حسنين هيكل] - إذا كان هذا القتل المتعمد بديلاً عن الاعتقال في ظروف لم يكونوا فيها يشكلون تهديداً مباشراً؛ فإن قتلهم يكون إعداماً خارج نطاق القضاء؛ في انتهاك لقانون «حقوق الإنسان الدولي» . [منظمة العفو الدولية تسأل واشنطن عن دورها في قصف علي قائد الحارثي في اليمن] - إن أولئك الذين يؤيدون ترشيح تركيا «هم أعداء الاتحاد الأوروبي» ، «فلتركيا ثقافة مختلفة، وأسلوب مختلف، وطريقة مختلفة في الحياة» . [الرئيس الفرنسي الأسبق ديستان لصحيفة لوموند الفرنسية] - حان الوقت لإنهاء السجن غير المقبول قانوناً الذي يحتجز هؤلاء السجناء فيه، وهو موقف حُرموا فيه من وضع أسرى الحرب، بينما لا يسمح لهم في الوقت نفسه بالتمتع بالحقوق المعترف بها للمشتبه فيهم جنائياً طبقاً للقانون الأمريكي. [من تقرير لمنظمة العفو الدولية حول أسرى جوانتانامو] قائد سلاح البر الإسرائيلي يهرب من مستوطنته خوفاً من المقاومة ذكرت تقارير صحفية في القدس أن الجنرال «يفتاح رون طال» قائد السلاح البري في الجيش الإسرائيلي هجر منزله في مستوطنة «عوفره» في أعقاب تقديرات أوساط أمنية بأن منظمات فلسطينية تحاول اغتياله. ووصل «رون طال» وأسرته إلى مستوطنة «عوفره» قبل ١٤ عاماً، وذلك بعد تعيينه قائد لواء رام الله إبان الانتفاضة الأولى، وقد بقي هناك آمناً إلى أن نشرت معلومات قبل حوالي العام وبعد تعيين «رون طال» قائداً بسلاح البر حول سكنه في مستوطنة قريبة من رام الله. وفي أعقاب الكشف عن منطقة سكنه أعربت أجهزة الأمن عن تقديرها بأن منظمات فلسطينية وضعت الجنرال هدفاً لضربه كما حاولت اغتياله، وقد قرر «رون طال» بعد مشاورات مع أوساط عسكرية مغادرته وأسرته للمستوطنة والانتقال للسكن في منزل بوسط إسرائيل. وجرى التحقيق قبل عدة أشهر حول شبهات بإطلاق فلسطينيين النار على الطائرة المروحية التي كان يستقلها «طال» إبان تحليقها، وقررت هيئة أركان الحرب الإسرائيلية في أعقاب إطلاق النار عدة مرات على طائرات مروحية تقليص تحليق الطائرات في المنطقة. [البيان الإماراتية، العدد: (٨١٨٠) ] البنتاجون يصمم شبكة إلكترونية للتجسس على بنوك المعلومات والحكومات والشركات والأفراد بدأ مكتب أبحاث تابع لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) بتصميم شبكة إلكترونية كونية تمكن الأجهزة الاستخباراتية من مراقبة الأنشطة الإرهابية حول العالم. ويهدف برنامج «الاطلاع على المعلومات» الذي يقوم بتطويره مستشار الأمن القومي السابق «جون بويندكستر» إلى الاطلاع على البيانات الخاصة بالأفراد والشركات والحكومات في العالم. ويبدو أن مشروع «بويندكستر» سيسهل كثيراً عمل المحققين في مجال مكافحة الإرهاب، في ظل الصعوبات التي يواجهونها للحصول على المعلومات «الهائلة» المتوفرة لدى السلطات عن المشتبه في علاقتهم بالإرهاب؛ إذ يقتضي إطلاع الأجهزة الاستخباراتية على تلك المعلومات موافقة من القضاء داخل الولايات المتحدة، أو بذل جهود دبلوماسية كبيرة خارج الولايات المتحدة. [الشرق الأوسط، العدد: (٨٧٥١) ] ولليهود عنصرية بينهم «إدفا» مركز المعلومات عن المساواة والعدالة الاجتماعية في إسرائيل نشر تقريره السنوي وأثبت فيه أن هناك هوة سحيقة بين الفقراء والأغنياء، وبين الرجال والنساء، وبين اليهود والعرب (فلسطييني ٤٨) ، وبين اليهود الشرقيين (السفارديم) واليهود الاشكناز (الغربيين) ، في كل مجالات الحياة تقريباً؛ ففي الأجور يبلغ المعدل العام في إسرائيل ٦٩٦٤ شيكلاً (١٤٨١ دولاراً) في الشهر. اليهود الإشكناز فقط هم الذين يحصلون على رواتب أعلى من هذا المعدل، ويبلغ متوسط الأجور لديهم ٩٦١٠ شيكلات (٢٠٤٤ دولاراً) في الشهر. وهو ضعف ما يتقاضاه العربي، وأعلى مرة ونصف من اليهودي الشرقي. [الشرق الأوسط، العدد: (٨٧٥١) ]

стр. 4464

الورقة الأخيرة الانحراف الأخلاقي وأثره في الانحسار الحضاري د. رقية طه جابر العلواني تلعب الأمراض الاجتماعية والآفات الأخلاقية دوراً بارزاً في تقويض عرى الحضارات الإنسانية المختلفة؛ فقد أقامت العديد من الأمم السابقة آيات من البناء المادي، وشيدت منجزات حضارية هائلة سرعان ما بادت وانحسرت بتمحورها حول القطب المادي وإغفالها للقيم الروحية والمثل الأخلاقية ودورهما الهام في عملية البناء الحضاري. فلم يشهد التاريخ مصرع حضارة فتية المثل والقيم، سليمة من الآفات والعلل الاجتماعية والأخلاقية، ولكنه شهد عدداً من مصارع حضارات وأقوام أفلست أخلاقياً واجتماعياً ودينياً، فحق عليها قول التدمير وكلمة الفناء الأزلي، ولم تغن عنها محصلاتها المادية. فالقوى المادية وإن كانت تعد من أسباب التحضر والتقدم إلا أنها قد تكون كذلك من عوامل التخلف والشقاء إذا ما قامت الأمم والشعوب بتحويلها إلى أسباب غرور وتفاخر وتسلط وظلم لمن حولها، وتهميش كل ما وراء ذلك. فالفساد والانحراف لا بد أن تجنيه الأمم تردياً وأفولاً وانحساراً في حضارتها، وتلك سنة الله في الأمم؛ ولن تجد لسنة الله تبديلاً. والانحراف الأخلاقي من أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم الله وتحول عافيته وفجاءة نقمته؛ فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب. قال تعالى: [وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ] (الشورى: ٣٠) . فتغير أحوال الأمم والحضارات من الصعود والرقي إلى التدهور والانحسار لا يكون إلا بتغيرهم وتوجههم نحو المعاصي وارتكاسهم في الانحراف والابتعاد عن منهج الله وفطرته. قال تعالى: [ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الأنفال: ٥٣) . فقد أخبر الله تعالى أنه لا يغير نعمته التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه، فإذا غير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، كان الهبوط والتردي جزاءً وفاقاً. قال تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ] (الرعد: ١١) . بل إن الانحراف الأخلاقي ليقطع على الأمم طريق النهوض والإقالة من العثرات كذلك؛ فإن نعم الله لا تستجلب إلا بطاعته، كما أن النقم تستجلب بمعصيته والانتكاس عن طريقه؛ فالخالق سبحانه اختط للأمم سنناً في النهوض والبقاء كما وضع لها سنناً وقوانين أخرى في الهبوط والزوال؛ فإذا وظفت الأمم نعم الله عليها من تقدم وتطور في ميادين الحياة المختلفة في معصيته والانحراف عن هديه انقلبت تلك النعم إلى آفات تبطل أعمالها، وتحطم منجزاتها، بل وتكون سائقها إلى سبيل الأفول والانحسار. فاستعمال النعم في معصية الخالق جل وعلا من أهم أسباب زوالها وتحولها. يقول ابن القيم ﵀: «إذا أراد الله حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها، وإذا أراد زوالها عنه خذله حتى عصاه بها. ومن العجب علم العبد بذلك مشاهدة في نفسه وغيره، وسماعاً لما غاب عنه من أخبار من أزيلت نعم الله عنهم بمعاصيه وهو مقيم على معصية الله كأنه مستثنى من هذه الجملة أو مخصوص من هذا العموم» [١] . إن غياب الوعي بسنن الله في الأنفس والحضارات وأثر الانحراف الأخلاقي في أفولها وانهيارها لا يمكن أن يسوق إلا إلى مزيد من العثرات والانحدارات التي تمهد بدورها السبيل أمام الانحسار التام والسقوط المطبق؛ فالصعود الحضاري في حياة الأمم والشعوب لا يطرأ عليه تغير أو هبوط إلا في حالة سعي تلك الأمم ذاتها في استجلاب ذلك التغيير من خلال انحرافها وحيدتها عن طريق الفطرة الإنسانية وانتكاسها في طريق الضلال. ولله در القائل: إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم هل تعي البشرية اليوم تلك السنة الإلهية الثابتة!! (أرجو ذلك) .

стр. 4465

ذو القعدة - ١٤٢٣هـ يناير - ٢٠٠٣م (السنة: ١٧)

стр. 4466

كلمة صغيرة «فويلٌ لَهُم ممَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهم» (رجال الدين) النصارى يحملون في نفوسهم عُقداً وحقداً على الإسلام منذ كشف حقائقهم في تحريف التوراة والإنجيل، وفضح مزاعمهم بدعوى صلب المسيح ﵇ وقتله، ومنذ بين أن الإسلام ناسخ لدينهم؛ مما جعلهم يناصبون الإسلام والمسلمين العداء، ولا يستحييون من إشاعة الأكاذيب والمفتريات على نبي الإسلام ﷺ الذي جاء بتوقير الأنبياء واحترام الأديان السماوية السابقة. وحينما تنشر مفتريات القوم على نبينا الكريم ﷺ تتركز ردود الفعل من المسلمين على رد المفتريات وفضح الأكاذيب، وخاصة من المنظمات الإسلامية؛ مع أن القوم لا يمر وقت إلا ونسمع بانحرافاتهم الخُلقية، وخراب ذممهم المالية، وانحرافاتهم الجنسية؛ إلى حد أن بعضهم فُصل عن عمله، وبعضهم أعيد تأهيله. ومع اعتذار بعضهم اعتذارات باردة لكنها اعتذارات تحمل في طياتها الكبرياء والعنجهية.. فإلى متى يشترون بالكتاب ثمناً قليلاً؟! وليس بعيداً ما حصل في نيجيريا مؤخراً؛ حينما حاولوا إقامة ما يسمى بمسابقة (ملكات الجمال) وفي رمضان بخاصة!! وزاد الطين بلة ما نشرته صحفية مشبوهة أن رسولنا الكريم ﷺ لو وُجِدَ لأيَّد المسابقة ولتزوج ملكة الجمال!! مما جعل المسلمين يثأرون من هذا الاستهتار بكرامتهم والإساءة البالغة لدينهم، واشتعلت حرب محدودة راح ضحيتها المئات؛ فاضطر بعضهم للاعتذار عن تلك الإساءات، ونُقلت المسابقة إلى مكان آخر؛ فإلى متى يتهور رجال يُفترض فيهم الوقار واحترام القيم الإنسانية؟! إلى متى يكذبون ويفترون؛ بينما لا يجرؤون على نقد اليهود الذين لا يعترفون بدينهم، والذين يرتكبون أفظع الجرائم في حق الإنسان بفلسطين؟! وإذا ووجهوا بذلك اعتذروا بامتناعهم عن (التجديف في الدين) ، و (عدم معاداة السامية) ؛ وكأن ذلك حق لغير الإسلام والمسلمين فقط! ومن العجيب أن الغرب ممثلاً بـ (أمريكا) احتجوا على مسلسل عربي يحكي الآثار الصهيونية في المنطقة العربية على ضوء (البروتكولات المعروفة) ، وبغضِّ النظر عن مضمونه ومدى فائدته نتساءل: أين الديمقراطية المزعومة التي ينادون بها؟ وأين حرية الرأي؟! أم أن ذلك ممنوع في حقنا استهتاراً بمقدراتنا، وإمعاناً في إذلالنا، وعدم مبالاة بحقوقنا؟! والأعجب أن ذاك المسلسل عُدِّل بعد توزيعه، وعُدل عن بثه في عدد من القنوات بضغوط خارجية، وقنوات عربية أخرى لم تفكر أصلاً في بثه؛ بينما تبث برامج ومسلسلات تحمل مضامين واتجاهات تغريبية؛ يريدون بها أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.. نسأل الله لقومنا الهداية والرشاد، والوعي لما يراد بهم. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 4467

الافتتاحية ومن يزيل ترسانة (إسرائيل) ؟ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد: فلأكثر من عقد من الزمان، والعالم مشغول بما (يخفيه) العراق من أسلحة الدمار الشامل، في وقت يتغافل فيه هذا العالم ويتعامى عما (يعلنه) الكيان اليهودي من أضعاف أضعاف ما لدى العراق أو ما كان لدى العراق من هذا السلاح! أسلحة الدمار في العراق دُمرت، وانتهت الشرعية الدولية الجائزة منها لصالح دولة الجوار «المسالم» (إسرائيل) التي أعدت للعرب كلهم، وليس للعراق وحدها، ما يكفي لجعل باطن الأرض خيراً من ظاهرها لهم جميعاً. ماذا يريد هذا العالم الغربي بالوجود العربي؟! .. لا توجد دولة عربية واحدة ثبت الآن أن لديها سلاحاً نووياً أو كيماوياً أو بيولوجياً، في الوقت الذي ثبت فيه بكل القرائن والدلائل المعلنة والخفية، أن دولة اليهود جعلت أرض فلسطين تعوم فوق بحيرة نار من أسلحة الدمار! فبالرغم من أن قوة السلاح التقليدي اليهودي يتفوق على مجموع قدرات الجيوش العربية المحيطة بـ (إسرائيل) بضمانة غربية أمريكية، إلا أن تلك الدولة، وبمباركة من أعداء المسلمين جميعاً، أصبحت تحتل الآن المرتبة السادسة في القوة النووية بعد الدول الخمس الكبرى! عندما استقرت دولة اليهود بعد إنشائها على يد قوى الغرب، سارع ذلك الغرب إلى مساعدتها على حيازة الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، فقدمت لها ألمانيا الغربية مساعدات في مجال الحرب الجرثومية، وزودتها فرنسا بمعامل لتجهيز ميكروبات الطاعون والحمى الصفراء، أما في المجال النووي، فإن الولايات المتحدة الأمريكية أهدت حبيبتها وربيبتها (إسرائيل) برنامجاً نووياً عام ١٩٥٥م، أطلق عليه وقتها: (برنامج أيزنهاور للذرة من أجل السلام) ! وتبرع علماء الذرة الأمريكيون بمساعدة اليهود بتطوير هذا البرنامج سراً، ليتحول من برنامج للاستخدام السلمي إلى برنامج للاستعمال الحربي، وتغاضت الحكومة الأمريكية عن ذلك. وفي عام ١٩٥٤م، أنشأت الدولة العبرية مفاعلاً نووياً في منطقة النقب، بمعونة فرنسية، واتجه اليهود بعد ذلك إلى دولة جنوب إفريقيا حيث تعاونوا معها في المجال النووي، وظلوا يستوردون مادة اليورانيوم من دولتهم الغنية بها. وقدمت البرازيل ومعها دول أوروبية أخرى مساعدات أخرى لليهود على شكل تبادلات تقنية وتدريبات فنية وإمدادات بالخامات اللازمة. وكانت محصلة هذا التعاون على الإثم والعدوان أن أصبحت دولة اليهود مسيطرة على أربعة مفاعلات نووية هي: - مفاعل ريشون ليفربون، وهو أول مفاعل تم تشغيله عام ١٩٥٧م. - مفاعل ناحال سوريك، وبدأ العمل به عام ١٩٥٨م. - مفاعل (النبي) روبين، وبدأ العمل به عام ١٩٦٦م، وكان هدية من الرئيس الأمريكي الأسبق «ليندون جونسون» . - مفاعل ديمونا، وهو الذي قامت فرنسا بتصميمه وتنفيذه. وأيضاً فإن لدى دولة اليهود المستثناة من دخول فرق التفتيش ثلاثة مراكز ومعاهد تعكف على إنشاء أو تطوير مفاعلات أخرى، وهي: (مركز التدريب على النظائر المشعة) و (المعهد الإسرائيلي للإشعاع والنظائر) بتل أبيب، و (معهد العلوم الفضائية) الذي تُجرى فيه التجارب العملية للصواريخ، وتتم فيه عمليات تحضير الوقود الصلب والسائل. ولدولة اليهود المدللة لدى الأمم المتحدة ثلاث هيئات رسمية لصنع السياسة النووية العسكرية: إحداها: لجنة الطاقة الذرية، والثانية: المجلس الوطني للبحث والتطوير النووي، والثالثة: اللجنة الاستشارية للتطوير بوزارة الدفاع. أما العراق فإن علماءه مطلوبون للتحقيق خارج العراق بتهمة محاولة الخروج من السور الحديدي المضروب على العرب جميعاً حتى لا يخرجوا إلى عالم القدرة على ردع أعدائهم. حصيلة النشاط الإسرائيلي في المجال النووي وغيره، أثمرت قدرة نووية يهودية سارت في سلسلة من التطوير، تمت تحت سمع العالم وبصره؛ فقد سربت مجلة تايم الأمريكية عام ١٩٧٣ أنباءً تفيد بأن بحوزة (إسرائيل) ١٣ قنبلة نووية، وفي عام ١٩٧٦ نُشرت تقارير لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية تفيد بأن (إسرائيل) أصبح لديها ٢٠ قنبلة نووية، وتصاعد العدد إلى ٤٠، ثم كشف النقاب بعد قضية الجاسوس الإسرائيلي (فعنونو) في الثمانينيات أن دولة اليهود أصبحت تمتلك مئتي رأس نووي. وفي ظل هذا الواقع المفروض على المجتمع الدولي، أصبح هذا المجتمع متقبلاً بالرضى أو الإكراه كل ما يصدر عن (إسرائيل) من «تجاوزات» أو «مخالفات» أو «انتهاكات» تعد (تافهة) بالنسبة لما سبق؛ فكون الدولة العبرية تمتلك قدراً هائلاً من القنابل النووية التكتيكية ذات الرؤوس الصغيرة، فهذا أمر ينبغي (التسامح) فيه، وكونها تمتلك ما لا يقل عن ٣٥ قنبلة هيدروجينية، فتلك يجب التغاضي عنها. أما مخالفة (إسرائيل) لتسع معاهدات دولية لحظر واستخدام أسلحة الدمار الشامل، فتلك مجرد مداعبة ثقيلة من خفيفة الظل (إسرائيل) . تعالوا إلى العراق الذي قتلت منشآته ومؤسساته ومستشفياته ومصانعه ومعامله وقصوره تفتيشاً على مدى اثني عشر عاماً خلت! ماذا بقي في حوزته من خطر - إذا وُجد - مقارنة بهذا الخطر اليهودي الماحق على الشرق الأوسط كله؟! لقد ذرعت فرق ولجان التفتيش في السنوات الماضية أرض العراق شبراً شبراً للبحث عن أي خطر نووي أو بيولوجي أو كيماوي. صحيح أن تلك الفرق وجدت عناصر خطرة هنا وهناك، ولكنها جميعاً دُمرت بعد ذلك، باعترافات رؤساء تلك اللجان أنفسهم. بدأت عملية إزالة أسلحة العراق غير التقليدية في أبريل ١٩٩١م بعد انتهاء حرب الخليج الثانية مباشرة، واعتبرت الولايات المتحدة ذلك الإجراء استمراراً لتلك الحرب بوسائل أخرى؛ فما حدث بعد تدمير العراق في فبراير عام ١٩٩١م، لم يكن إيقافاً للحرب بل وقفاً لإطلاق النار. وبموجب قرار وقف إطلاق النار ألزم العراق بتدمير ما لم تقم الحرب بتدميره؛ حيث تبين أن ١١٥ ألف طلعة جوية في ٤٣ يوماً لم تقض إلا على ٥٠% من أسلحة العراق التقليدية، أما أسلحته غير التقليدية، فلم يستطع الأمريكيون الوصول إليها؛ لأن حربهم البرية لم تكتمل، وتبين أن العراق لا يزال يحتفظ بعناصر قوته غير التقليدية بشكل شبه كامل؛ لهذا لجأت أمريكا إلى استكمال الحرب بوسائل أخرى، وكانت الأمم المتحدة أداتها في ذلك؛ فقد أصدرت تلك الأمم بإيعاز من الولايات المتحدة قراراً خاصاً بنزع أسلحة العراق يختلف عن كل القرارات السابقة التي أصدرتها الأمم المتحدة لحظر استخدام أسلحة الدمار الشامل، فأصدر مجلس الأمن القرار (٦٨٧) الذي أنشئ بموجبه فريق تابع لوكالة الطاقة الذرية ولجنة خاصة تابعة للأمم المتحدة، أوكلت إليهما مهمة تفتيش وتدمير أسلحة العراق غير التقليدية بشكل كامل، وعلى نفقة الحكومة العراقية - عفواً - بل على حساب الشعب العراقي. كان هذا القرار حالة استثنائية؛ فالأمم المتحدة رأت أن قراراتها السابقة المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل لا تعطي إلا (صلاحيات محدودة) .. وأمريكا تريد صلاحيات (غير محدودة) ، فصدر القرار (٦٨٧) لينشئ وضعاً جديداً، عبَّر عنه (رالف أكيوس) رئيس فريق التفتيش السابق بقوله: «أنشئت اللجنة الخاصة للعراق فقط، فلدينا حرب شنت بأمر الأمم المتحدة، ولدينا قرار بوقف إطلاق نار يوجب على العراق نزع أسلحته» وكان ذلك القرار قد نص من باب النفاق على أن عملية نزع أسلحة العراق، هي مقدمة لعمليات مشابهة لنزع أسلحة الدمار الشامل من منطقة الشرق الأوسط كلها!! والآن.. وبعد مضي اثني عشر سنة على عدم التقدم خطوة واحدة من اللجان للتفتيش في (إسرائيل) ، نرى أن ذلك (الوعد) يبدو أنه سيطبق على دول أخرى بعد العراق باستثناء إسرائيل بالطبع فتطالب أمريكا أي دولة تريد إذلالها بالسماح بدخول فرق التفتيش إلى أراضيها. ثم يبدأ مسلسل التهديد والوعيد، ثم الهجوم المبيد!! إن ما يجري الآن في العراق هو مهزلة بكل المقاييس وهي قابلة للتكرار في بلدان أخرى عربية وإسلامية، ويشارك في صنع تلك المهزلة العالم الذي أجمع على موافقة أمريكا على إعادة فرق التفتيش إلى العراق، وليس إلى (إسرائيل) ! إن الحجة المعلنة في ذلك هي أن العراق استخدم بالفعل أسلحة غير تقليدية. وهنا نقول: إن دولة اليهود أيضاً استخدمت أسلحة غير تقليدية مرات عديدة ضد العرب في حروبها معهم، فبعد ثمانية عشر شهراً فقط من خروج الأفعى اليهودية من بيضتها، استعملت السلاح غير التقليدي؛ ففي بعض العمليات المتعلقة بحرب ١٩٤٨، استعمل اليهود السلاح الجرثومي، وأطلقوا ميكروبات الدوسنتاريا، واستخدموا بعد ذلك في حروبهم قنابل النابالم المحرمة دولياً، وكذلك القنابل العنقودية، وطلقات دمدم وغيرها. وإسرائيل تتأسى في ذلك بقدوتها في الشر أمريكا التي كانت الأولى في استعمال القنبلة النووية في مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين، والتي استعملت في حربها ضد العراق نفسه اليورانيوم المنضب الذي أصبح عامل تهديد لسكان المنطقة لعشرات أو مئات السنين. إن موافقة العالم أجمع على القرار ١٤٤١ القاضي بإعادة المفتشين إلى العراق دون الإشارة - ولو الإشارة - إلى ترسانة الإرهاب المسماة (إسرائيل) لهي دليل جديد على أن هذا العالم يحتاج إلى قيادة رشيدة بدلاً من تلك القيادة الرعناء المسماة بالأمم المتحدة التي أصبح الإنجيليون واليهود يديرونها اليوم من البيت الأبيض والكنيست الإسرائيلي، وحاجة البشرية اليوم إلى الإسلام العظيم بعدله وإصلاحه أعظم من حاجتها في أي عصر مضى؛ فاللهم عجل بنصر الإسلام وعز المسلمين.

стр. 4468

دراسات في الشريعة المشروعية العليا في الإسلام وأثرها في العلاقات الدولية د. عثمان جمعة ضميرية drothmamjd@hotmail.com جعل الله تعالى الإنسان كائناً اجتماعياً؛ فهو مدني بطبعه، يميل إلى اللقاء بالآخرين والحياة معهم في مجتمع يقوم على جملة من القواعد والنظم التي تضبط علاقته بربه، وعلاقته بالآخرين من حوله، وتضبط معالم حياته الاجتماعية والاقتصادية والدولية؛ فهو إذن بحاجة إلى شريعة تنظم حياته وعلاقاته وارتباطاته. ولما كان الإنسان بحكم تكوينه العقلي والنفسي، وبسبب خضوعه للهوى أحياناً، والمصالح الذاتية والدوافع الخاصة أحياناً أخرى عاجزاً عن أن يضع لنفسه منهجاً متكاملاً خالياً من العيوب؛ فقد تكفَّل الله تعالى بذلك، رحمةً منه وفضلاً، وأرسل رسله وأنزل كتبه وشرائعه ليقوم الناس بالحق والعدل، وليقيم بذلك الحجة على الناس: [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ] (الحديد: ٢٥) ، [رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ] (النساء: ١٦٥) ، وجعل الله تعالى لكل أمة من الأمم سبيلاً ونظاماً ومنهجاً يتسق وحياتها الفطرية، ويحقق لها مصالحها العاجلة والآجلة: [لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجا] (المائدة: ٤٨) . وهذه الصفة الربانية والصبغة الدينية للتشريع الإسلامي تأتي في قمة الفوارق بين الشريعة الإلهية والقوانين الوضعية التي يرتضيها البشر لأنفسهم في القديم والحديث، ولها أثرها الكبير في خضوع المؤمنين جميعاً لشرع الله تعالى؛ لأنه يقوم على أساس ديني، مما يضمن له حسن الامتثال؛ بخلاف القوانين الوضعية التي تضبط إن استطاعت الظاهر من حياة الناس، ولكنها لا تستطيع أن تضبط البواطن، ولا أن تصل إلى أعماق النفوس أو أن تعرف دخيلتها، لتقدم لها ما يناسبها من علاج تشريعي؛ لذلك لا نجد لها من الهيبة والاحترام ما نجده للتشريع الإلهي الذي يقوم على الوحي المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الوحي الذي تكفل الله بحفظه. * نظرية المشروعية المعاصرة: ولذلك تلجأ القوانين الوضعية إلى اختراع مبادئ ونظريات، تضمن خضوع الدولة وخضوع الناس لسلطة القانون وأحكامه، فنشأت نظرية «المشروعية» . ولم يستعمل الأقدمون كلمة «مشروعية» كثيراً، ولكنها أصبحت في هذا العصر ذات معنى عريض ومكانة عظيمة؛ فهي أساس النظام، وبها يُعرف أن أمراً من الأمور حقٌّ وعدل أو باطل وظلم، وبها يُعرف أن الأمر محظور أو مباح؛ فهي في المصطلح الحديث تدل على سيادة القانون في دولة من الدول، وتطلَق بالذات على خضوع الدولة للقانون. وهذه السيادة تختلف في مفهومها وصفاتها في كلٍّ من النظامين الوضعيين اللذين تخضع لهما المجتمعات العصرية، وهما: النظام الفردي (وصورته الرأسمالية) والنظام الموضوعي (وصورته الاشتراكية) . ففي النظام الفردي: تكون المشروعية هي ما يسنُّه البشر من النظم العليا، وهي الدستور والقوانين التي تصدرها السلطة التشريعية الممثلة في الهيئات المنتخبة عن الشعب؛ فنظام المجتمع كله يخضع للدستور ثم للقوانين، ويجب أن تكون اللوائح والقرارات والعقود، وكل وضع آخر، خاضعاً لهذين المصدرين. وأما في النظم الموضوعية: فهناك مُثُلٌ عليا تسود المجتمع، ويجب أن يخضع لها الدستور نفسه، وكذلك القوانين من باب أوْلى؛ فلا قيمة لهما إلا إذا وافقا هذه المشروعية العليا وطابقاها [١] . * سلبيات المشروعية المعاصرة: وهذا المبدأ الذي نادت به القوانين الوضعية، وجعلته حلاً للحكم المطلق، وصاغت من أجله الدساتير والقوانين، والوثائق العالمية، والمعاهدات الدولية، والمنظمات الإقليمية، هذا المبدأ هو نفسه لون من ألوان الظلم والاستعباد والتسلط؛ لأنه يعطي فئة من البشر حقَّ التشريع والحاكمية وسنَّ القوانين التي يخضع لها مَنْ تطبق عليهم؛ إذ من السهل عليهم أن يصوغوا من الظلم قواعد، ومن الباطل قوانين، ويجعلوها أوثاناً عصرية.. وكل ما تَفَتَّقَ عنه العقل البشري في المجال القانوني من ضمانات لسيادة القانون لا يقوم على دعائم ثابتة ولا أسس راسخة، وكل ما قيل عن جمود الدساتير وعدم قابليتها للتعديل يسقط بحركة مضادة، دونما حاجة إلى إجراء تعديل دستوري أو شعبي، وأحياناً لا يستغرق التعديل الدستوري بضعة دقائق، تلبية لرغبة المتنفذين من أصحاب السلطة، رغم كل ما يقال عن ثبات القواعد الدستورية. وما قيل عن الفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية) كان في عالم الواقع أثراُ بعد عين، إلى جانب ما قيل عن الرقابة القضائية (رقابة دستورية القوانين) .. قد يكون حبراً على ورق، عندما نفتقد ذلك المستوى الرفيع من الذين يوكل إليهم ذلك.. وهذا كله ينتقص هذه المشروعية من أطرافها بوسائل متعددة، فلا تجد هذه المشروعية لها سبيلاً إلى عالم الواقع، وما نجده من استعباد القويّ للضعيف، والدولة الكبرى للصغرى، والثورات العسكرية، وإنكار حقوق الإنسان. كلُّ هذا الذي تقدّم: أمثلةٌ صارخة على أن هذا المبدأ في القانون الوضعي إنما هو صرخة في واد، أو فكرة مجنحة في عالم الخيال ... يحاولون الوصول إليها فلا يستطيعون [كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً] (النور: ٣٩) . * هذه هي المشروعية الإسلامية: فإذا عدنا إلى الإسلام دين الله الخالد الذي أتم الله به علينا النعمة، ورضيه لنا ديناً؛ حيث قال: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً] (المائدة: ٣) ؛ فإننا نجد أن القرآن الكريم قد أرسى قاعدة الشرعية على أصول ثابتة؛ إذ إن الله هو وحده الذي له الحكم ابتداءً، هو المشرع، وهو الحاكم: [إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاه] (يوسف: ٤٠) . وقد نزع الله تعالى سلطة التشريع من البشر، ولم يمنح هذه السلطة لأحد منهم: [أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ] (الشورى: ٢١) . فالله هو الذي أنزل هذه الشريعة وهذا المنهج الخالد: [لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً] (المائدة: ٤٨) . حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما هم في الحقيقة لا يشرِّعون وإنما يتلقون الوحي من الله ، ولكن الوحي قد يكون وحياً متلواً أو غير متلو؛ فقد قال الله تعالى عن النبي ﷺ : [وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى] (النجم: ٣) . * العلماء لا يشرعون: وأما العلماء والفقهاء المجتهدون فإنهم لا يشرّعون، وإنما يستنبطون الأحكام من النصوص الشرعية ضمن قواعد الاجتهاد وتفسير النصوص، وإن كان بعض المعاصرين من العلماء يطلقون لفظ «التشريع» على بعض الأحكام الاجتهادية مما لا نص فيه مما يتصل ببعض جوانب الحياة. وليس من غرضنا في هذه العجالة أن نبحث في صحة هذه التسمية والإطلاق أو عدم صحتهما. ولأن الله هو المتفرد بالأمر والنهي والحكم؛ فقد حكم بالكفر على الذين جعلوا لأنفسهم حق التشريع من دون الله أو مع الله بالتحليل أو التحريم؛ فقال عن اليهود والنصارى: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ] (التوبة: ٣١) . وقد فسر النبي ﷺ هذه الآية لعدي بن حاتم عندما قدم عليه ليُسْلِم، كما جاء في حديثه الذي يقول فيه: «أتيت رسول الله ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي! اطرح هذا الوثن من عنقك! قال: فطرحته، وانتهيت إليه وهو يقرأ في » سورة براءة «، فقرأ هذه الآية: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ] (التوبة: ٣١) ، قال: فقلت: يا رسول الله! إنَّا لسنا نعبدهم. فقال: أليس يحرِّمون ما أحلَّ الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: قلت: بلى! قال: فتلك عبادتهم» [٢] . وقد اعترف المشركون أنفسهم بأنهم وقعوا في الشرك؛ لأنهم توجهوا بالشعائر لغير الله، وحللوا وحرموا من دون الله، فقال الله تعالى عنهم: [وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ البَلاغُ المُبِينُ] (النحل: ٣٥) وبذلك يتهاوى كل ما يقال عن سلطة الأمة في التشريع، أو حكم الشعب للشعب باسم الشعب، وهو ما أُطلِقَ عليه اسم «الديمقراطية» ، وغير ذلك من الشعارات الزائفة. * ما هي المشروعية ومدلولاتها؟ وإذا أردنا تحديد المشروعية الإسلامية العليا التي يتقيد بموجبها كلُّ ما يصدر عن المكلَّف من قول أو فعل أو تصرُّف؛ فإننا نجد أنفسنا أمام معنى لغوي استُمِدَّ منه المعنى الشرعي، (وفي كل التعريفات نجد ذلك) ؛ فالمشروعية مشتقة من الفعل (شرع يشرع) وهو فعل يفيد البدء في السير على أساس منظم، أي على أساس من التنظيم المسبق. ومنه: الشارع وهو الطريق المعدّ للسير، والمشروع: هو الفكرة المنظمة، والتشريع: وهو القاعدة العامة المنظِّمة (بكسر الظاء) وكذا منه الشرع والشريعة والمشرع أو الشارع. وتطلق المشروعية عند علماء الفقه الإسلامي على الدليل الشرعي الذي يدل على حكم من الأحكام التكليفية الخمسة، فنقول مثلاً: الدليل على مشروعية البيع قوله تعالى: [وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ] (البقرة: ٢٧٥) . ومضمون المشروعية الإسلامية هو التضامن في تنفيذ ما أمر الله تعالى به، وفي منع ما نهى الله تعالى عنه [٣] ؛ فقد قال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] (آل عمران: ١٠٢-١٠٤) . وقال أيضاً: [وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ] (المائدة: ٢) . ويمكن أن نقول: إن مضمون المشروعية الإسلامية هو الحفاظ على مقاصد الشريعة العامة، وهي الضروريات والحاجيات والكماليات ... إذ هو مقصود الشريعة [٤] . وبذلك تتقيد جميع الأحكام بهذه المشروعية الإسلامية العليا، ويمتد نطاقها ليشمل علاقة الدولة بالأفراد، وعلاقة الأفراد ببعضهم. ومن هنا أيضاً تتميز أحكام العلاقات الدولية والتنظيم الدولي الإسلامي عنها في ظل القانون الدولي الحديث؛ حيث تقوم في الإسلام على هذا التضامن؛ فإن وحدة الأمة الإسلامية التي تسكن دار الإسلام إنما تظهر فيها أحكام الشريعة الإسلامية، وهذه الوحدة المتماسكة لا يجوز أن يقوم بينها وبين غيرها علاقة الحرب إلا لأجل إعلاء كلمة الله تعالى؛ فلا يجوز أن تشن على سائر البلاد حرباً بقصد الاغتناء الاقتصادي أو فتح الأسواق أو تأمين المواصلات أو غير ذلك، وإنما الهدف الوحيد الذي يسوِّغ الحرب هو الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى؛ ولذلك قال ﵊ وقد سئل عن الرجل يقاتل حميَّةً ويقاتل رياءً: أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» [٥] . * الالتزام الذاتي بقواعد العلاقات الدولية: وتؤدي هذه المشروعية أيضاً: إلى أن تقوم أحكام العلاقات الدولية (بين المسلمين والكافرين) على الالتزام الذاتي بقواعد العلاقات الدولية كجزء من قانونهم الداخلي، أي ولو بدون معاهدة أو عرف دولي، وبصرف النظر عن قوة الدولة الإسلامية وسيادتها وقدرتها على الدول الأخرى؛ فالقانون الدولي الإسلامي يستند إلى أساس ثابت للإلزام شأنه في ذلك شأن أي قانون إسلامي آخر في البلاد، وحتى الالتزامات المفروضة بمقتضى معاهدات ثنائية أو متعددة الأطراف «دولية» فإن لها نفس الأساس. فهو التزام ذاتي سببه التكليف الشرعي باعتبار أن أحكام الشريعة الإسلامية خطاب ملزم للمسلم في ذاته، فهو يطبق أحكام وقواعد السِّيَر في مجالها، كما تطبق أي قاعدة شرعية أخرى في مجالها. وكلها على وجه الالتزام وعلى وجه حكمها الشرعي من الوجوب أو الندب أو الإباحة أو الكراهية أو التحريم؛ فإنه على سبيل المثال إذا طلب العدو الهدنة أو الذمة فيجب إجابته إلى ذلك فرضاً بنص القرآن الكريم على ذلك: [وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَه] (التوبة: ٦) ، [وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ] (الأنفال: ٦١) . وفي الحديث الصحيح عن سليمان بن بريدة عن أبيه في الدعوة إلى الإسلام قبل القتال: « ... فإن هم أبوا الإسلام فاسألهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم» [٦] . وكذلك اعتبار عقد الأمان ملزماً لنا وحدنا دون من يُعقَد معهم من المشركين، وكذلك لا ننتهز فرصة ضعف للإجهاز عليه، ولا يجوز للمسلمين قتل الصبي أو المرأة في الحرب إلا في أحوال خاصة كما لو اشتركوا فعلاً بالقتال، استثناء من القاعدة العامة، ولا يجوز الغدر بهم حتى ولو غدروا هم [٧] . وهذا الالتزام الخاص منشؤه أننا مخاطَبون بأحكام الشريعة دونهم، وهم ليسوا مخاطبين بفروعها ولا يلتزمونها [٨] ، فالتزامنا بها التزام أصيل وناشئ عن خضوعنا لله تعالى في كل أعمالنا. وقد كانت الدولة الإسلامية في أوج قوتها وعنفوان سيادتها تلزم نفسها بأدق آداب الإسلام في القتال والمعاهدات، ولو لم يلتزمها من تحاربهم، إلا إذا ساغ في الشرع رد العدوان بمثله [٩] . وأساس الإلزام بهذه الأحكام وسائر الأحكام أنها أوامر الله لعباده؛ فهو وحده الحاكم الآمر الواجب الطاعة، وهو مقتضى الإيمان بالله وتوحيده وعبادته، ولذلك اتفق العلماء على أن الحاكم هو الله ، وأنه لا أحد يستحق أن ينفذ حكمه على الخلق إلا مَنْ كان له الخلق والأمر . * الوقائع التاريخية مشاهدة: ثم جاء الواقع التاريخي مَعْلَماً شاهداً صادقاً على ذلك، والوقائع الدالة على ذلك كثيرة تَعزُّ على الحصر، نجتزئ منها بثلاثة أمثلة: أولها: فيما يتصل بالقاعدة العامة فيمن تُوَجَّه إليهم العمليات الحربية؛ ومن لا يجوز أن نقتلهم في الحرب، والعمدة في ذلك، بعد النصوص القرآنية والنبوية، هو وصية الخليفة الراشد أبي بكر الصديق ﵁؛ فقد بعث أبو بكر الصديق يزيد بن أبي سفيان على جيش، فخرج معه يمشي وهو يوصيه، فقال: «يا خليفة رسول الله! أنا الراكب وأنت الماشي؛ فإما أن تركب وإما أن أنزل. فقال أبو بكر ﵁: ما أنا بالذي أركب ولا أنت بالذي تنزل؛ إني أحتسب خُطاي هذه في سبيل الله. ثم قال: إني موصيك بعشر فاحفظهن: ١ - إنك ستلقى أقواماً زعموا أنهم قد فرَّغوا أنفسهم لله في الصوامع، فَذَرْهُمْ وما فرَّغوا أنفسهم له. ٢ - وستلقى أقواماً قد حلقوا أوساط رؤوسهم من الشعر، فافلقوها بالسيف يعني الشمامسة. ٣ - ولا تقتلن مولوداً (صبياً) . ٤ - ولا امرأة. ٥ - ولا شيخاً كبيراً (هَرِماً) . ٦ - ٧ - ٨ - ولا تقطعنَّ شجراً بدا ثمره إلا لنفع، ولا تحرقنَّ نخلاً ولا تغرقنَّه، ولا تقطعنَّ كرماً. (وفي لفظ: لا تخربنَّ عامراً، ولا تغرقنَّ نخلاً ولا تحرقنَّه» ، وفي آخر (لا تعقرنَّ شجرة إلا شجراً يمنعكم قتالاً أو يحجز بينكم وبين المشركين) . ٩ - ١٠ - ولا تذبحن بعيراً أو بقرة ولا شاة، ولا ما سوى ذلك من المواشي إلا لأكل «. وفي رواية:» ولا تهدموا بِيعة «. وفي أخرى:» ولا تغلنَّ، ولا تجبننَّ، ولا تفسدنَّ ولا تعصينَّ «. وفي رواية ثالثة:» ولا تغلنَّ، ولا تجبننَّ، ولا تفسدنَّ ولا تعصينَّ « [١٠] . الثاني: حكم القاضي المسلم حاضر بن جُمَيْعٍ على جيش المسلمين في الخروج من سمرقند [١١] بعد فتحها دون إنذار؛ تحقيقاً لهذا العدل المطلق؛ فلما استخلف عمر بن عبد العزيز ﵁ قال أهل سمرقند لسليمان بن أبي السري عامل عمر على تلك البلاد: إن قتيبة بن مسلم قد غدر بنا وظلمنا وأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والإنصاف؛ فائذن لنا فليفِدْ منا وفد إلى أمير المؤمنين يشكو ظلامتنا؛ فإن كان لنا حق أُعطيناه؛ فإن بنا إلى ذلك حاجة. فأذن لهم، فوجَّهوا منهم قوماً فقدموا على عمر، فرفعوا إليه أن قتيبة دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين على غدر. فكتب عمر إلى سليمان بن أبي السري: إن أهل سمرقند قد شَكَوْا إليَّ ظلماً أصابهم، وتحاملاً من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم. فإذا أتاك كتابي فأجلِسْ لهم القاضي، فلْينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخْرِجْهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة. قال: فأجلس لهم القاضي حاضر بن جُمَيْع الناجي، فحكم بإخراج المسلمين إلى معسكرهم، وأن ينابذوهم بعد ذلك على سواء، فيكون صلحاً جديداً أو ظفراً عنوة. فقال أهل سمرقند: قد خالطنا هؤلاء القوم وأقمنا معهم وأمنونا وأمنَّاهم؛ فإن حكم لنا عدنا إلى الحرب ولا ندري لمن يكون الظفر، وإن يكن لنا قد كنا اجتلبنا عداوة في المنازعة، فنرضى بما كان ولا نجدد حرباً. فتركوا الأمر على ما كان، ورضوا ولم ينازعوا [١٢] . والثالث: حادثة أخرى فريدة، حين ردّ أبو عبيدة ﵁ على أهل الذمة في بلاد الشام ما جُبِي منهم من الجزية والخراج؛ لأنه كان قد اشترط لهم أن يمنعهم ويدافع عنهم، وهو لا يقدر على ذلك لما رأى تجمُّع الروم، وقال لهم: » إنما رددنا عليكم أموالكم؛ لأنه بلغنا ما جُمِع لنا من الجموع، وإنكم اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنَّا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم. فلما قال لهم ذلك وردُّوا عليهم الأموال التي جبوها منهم، قالوا: ردكم الله علينا ونصركم عليهم. فلو كانوا هم لم يردوا علينا شيئاً وأخذوا كل شيء بقي لنا حتى لا يَدَعوا لنا شيئاً « [١٣] . * سلبيات العلاقات الدولية الوضعية: هذا؛ بينما تقوم العلاقات الدولية الوضعية في القديم والحديث على الأنانية وحب الذات، ولا تقيم وزناً للقيم الأخلاقية ولا المبادئ الإنسانية ولا المعاهدات والمواثيق الدولية؛ فقد دانت الدول الغربية والأوروبية بتعاليم فيلسوفها مكيافيلي، فيما أودعه بكتابه» الأمير «الذي ذهب فيه إلى أن» لا وجه لتطبيق قواعد الأخلاق في أمور الدولة «، وأباح فيه للأمير أن يتظاهر بالرحمة والإنسانية والتدين، ويفعل عكس ذلك متى دعت إليه المصلحة. وكان يدعو إلى تكوين دول أكبر من الإمارات الصغرى للوقوف في وجه الدين الإسلامي [١٤] . واتخذ الملوك والقواد العسكريون مبادئ مكيافيلي شعاراً لهم، وسار الزعماء الغربيون المعاصرون على المنهج نفسه؛ فاتجهت ميول الساسة نحو الفوضى الأخلاقية، وقامت على أساس الغش والخداع والوقيعة والدسائس. فغدت الحروب في غاية القسوة والغدر والجور، وأصبحت المعاهدات والمواثيق الدولية حبراً على ورق، أو لا تساوي الحبر الذي كتبت به. ثم قامت تلك الدول الغربية الاستعمارية قديماً وحديثاً باستغلال الشعوب الضعيفة واستنزافها، كما تقوم ببسط سيطرتها ونفوذها على الدول الضعيفة والصغيرة، وإفساد عقيدتها وأخلاقها، وبعد ذلك تملي إرادتها عليها، بشكل ظاهر مباشر أو بشكل مستتر خفي، وهو لون من ألوان الاستعمار الصليبي الجديد باسم جديد وتحت شعار جديد؛ شأنها في ذلك شأن الأناني في علاقته مع الناس، مما يثير الصراع ويفشي الظلم، ويسوِّغ الغدر، ويبرر الواسطة مهما كانت بالغاية الأنانية التي تستهدف المصلحة الخاصة مهما كان الضرر الذي تلحقه بالغير. وواقع العلاقات الدولية اليوم شاهد ناطق بذلك، وما قضايا المسلمين في بقاع كثيرة من العالم ببعيدة عنا. ومن أقرب الأمثلة على ذلك: الحروب التي اصطلى المسلمون بنارها وغدر قوادها وهمجيتهم وإفسادهم: في البوسنة والهرسك، وفي الشيشان، وفي الفلبين، وفي الحبشة، وفي الصومال، وفي زنجبار، وفي الهند، وأخيراً في حرب الدول المتحالفة من قوى الصليبية العالمية ضد المسلمين في أفغانستان. وأما الحال في فلسطين فهي وصمة عار في جبين الغربيين الذين يدّعون الحضارة والعدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ويرفعون الشرعية الدولية والمبادئ الإنسانية، ويتغنون بقواعد القانون الدولي العام. * وشهد شاهد من أهلها: ولعله من المناسب بعد هذا الذي أشرنا إليه: أن نستدعي شاهداً من أبناء الحضارة الغربية المعاصرة؛ من أساتذة القانون الدولي والعلاقات الدولية، ليدلي بشهادته حيال الأسس التي تقوم عليها العلاقات الدولية في الحضارة الغربية المعاصرة، وهي شهادة فوق الشبهات؛ لأن صاحبها من أبناء تلك الحضارة ويعيش في كنفها، وهو أيضاً في موقع المسؤولية العلمية في هذا الجانب؛ ذلكم هو البروفيسور (جوزيف فرانكل) ، في كتابه:» العلاقات الدولية « (ترجمة الدكتور غازي القصيبي) . وفيه ينتهي القارئ إلى أن العلاقات الدولية المعاصرة ترتكز أساساً، إن لم يكن كلياً، على أساسين اثنين: المصلحة الوطنية، والقوة. ١ - المصلحة الوطنية:» المصلحة الوطنية هي المفتاح الأساسي في السياسة الخارجية، ويرتد هذا المفهوم في جوهره إلى مجموع القيم الوطنية، تلك القيم النابعة من الأمة والدولة في نفس الوقت، غير أن هذا المفهوم لا يخلو من غموض.. وإذا كان من الصعب بيان المقصود بالمصلحة الوطنية بفكرة مجردة؛ فإن من المستحيل أن نجد إجماعاً على ما تعنيه في قضية معينة. إن الجدل المتكرر حول السياسة الخارجية يتركز حول التفسيرات المختلفة لمتطلبات المصلحة الوطنية.. ليس من الضروري أن نعرِّف المصلحة القومية تعريفاً ضيقاً يستبعد الاعتبارات الخلقية والدينية وما على شاكلتها، وإنما تقتضي فاعلية هذه المصلحة، غير أن هذا لا يعني أنه ليس بوسعهم البتة الاتفاق على شيء ما، بل على العكس كثيراً ما يتفقون، وإن كان هذا الاتفاق ينطلق أيضاً من مصالحهم الوطنية، فإذا وافق سياسي على تقديم تنازلات فإنه لا يفعل ذلك إلا إذا اقتنع أن عمله سيعطي دولته بعض المزايا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.. إن فكرة المصلحة الوطنية مبنية على وجود قيم في الجماعة الوطنية؛ هذه القيم التي يمكن أن تعتبرها من نتاج ثقافتها ومعبراً عن روح تجانسها ... غير أن العلاقة بين هذه القيم وبين الأهداف السياسية المحددة تتطلب شرحاً أكبر. إن القيم تنتمي إلى مجال «ما يجب أن يكون» وليس من الضروري أن تترجم إلى أهداف سياسية محددة ... إن النظم القيمية يعوزها اليقين عامة، بل إنها أحياناً تتضمن قيماً متضاربة، وهو ما يثير مشكلة: أيٌّ من هذه القيم الواجب التطبيق في الحالات المفروضة؟ ... وقد تتعقد الأمور أكثر من ذلك، وقد يستهدف الساسة التضليل من وراء تصرفاتهم، بل إنه طبقاً لنظرية فرويد لا يعرفون بالضبط حقيقة الدوافع التي تسيِّرهم، وأخيراً فإن الثقافات المختلفة لا تعطي الأهمية لنفس القيم.. ولقد كان الإنسان يسعى طوال تاريخ الفكر السياسي إلى تصوير قيمة عليا تتخذ معياراً عاماً لتصرفاته؛ وللأسف فإن مجرد وجود نظريات متناقضة في هذا الموضوع يعني الشك في إمكانية أن تكون أي منها صحيحة كل الصحة. ومعيار المصلحة الوطنية رغم شعبيته شديد الغموض.. وعندما تصطدم قيمتان أو أكثر فيما بينها فإن الأهمية النسبية لأي منها يجب أن تقدر وترسى ... وهذا التصنيف للقيم ليس سهلاً؛ لأن التركيز على أهميتها يتراوح من حالة إلى أخرى، وكثيراً ما تحكمه العواطف ... «. ولا بد أن يستنتج القارئ من الشرح السابق صعوبة تعيين المصلحة الحقيقية الوطنية، وأنه ليس من الضروري أن تكون محكومة بمعايير موضوعية، كما يستنتج قابليتها للمرونة والتكيف في يد صانع القرار، وسيكون في إمكانه نتيجة لذلك أن يقيِّم مدى أهلية المصلحة الوطنية لأن تكون أساساً قوياً للعلاقات الدولية. ٢ - القوة:» إن مشكلة القوة تدخل جميع أنواع العلاقات الدولية: في الحروب والمنافسات تدخل القوة بمعناها العسكري، وفي التعاون يدخل التهديد بالقوة لقمع أحد الأطراف. يدور عالم السياسة كله حول ممارسة القوة والبحث عنها. غير أن القوة في السياسة الدولية أوضح بكثير وأقل قيوداً من القوة في السياسة الداخلية. ولهذا فكثيراً ما تسمى السياسة الدولية بسياسة القوة ... ولقد أدى الدورالهام الذي تلعبه القوة في العلاقات الدولية إلى نشوء مدرسة فكرية تفسر العلاقات الدولية على ضوء مفهوم القوة ... ولكن بالرغم من أن القوة تلعب دوراً هاماً في السياسة الدولية فإنها في الأساس وسيلة لتحقيق قيم وطنية، والسياسة الدولية لا تحددها القوة التي تملكها الدولة فحسب، وإنما تحددها بدرجة أكبر القيم التي تعتنقها هذه الدول، ومفهوم المصلحة والوطنية التي تحكم سلوك الدول لا يقف عند اعتبارات وحدها « [١٥] . وبهذه الشهادة ننهي المقال. [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١)

стр. 4469

دراسات في الشريعة المشاركة في وسائل الإعلام بين المصالح والمفاسد (١ ـ ٢) محمد بن عبد الله الدويش [*] شأن وسائل الإعلام وأثرها في نقل الكلمة وإبلاغها لا يخفى على أحد؛ فهي تصل إلى متلقيها في أي مكان على وجه الأرض، وتسهم في تشكيل مواقف الناس وسلوكياتهم وقيمهم. ولذا كان لا بد للدعاة إلى الله من أن يتطلعوا إلى استثمار هذه الوسائل في إبلاغ الدعوة وإيصالها للناس. ولما كانت معظم وسائل الإعلام المؤثرة التي تصل رسالتها إلى فئات واسعة من الناس ليست في يد الصالحين، ويغلب عليها الفساد والانحراف كانت المشاركة في هذه الوسائل محل إشكال شرعي وتوقف كثير من الدعاة إلى الله ؛ فهل يسوغ لهم أن يشاركوا فيها برغم ما تحويه من مخالفات شرعية وانحرافات؛ بل هي تحمل لواء الفساد والترويج له ونشره في الأمة؟ أم أن هذا الفساد والانحراف الذي يغلب عليها يمنع من المشاركة فيها والاستفادة منها؛ إذ الدعوة إلى الله تعالى لا بد من أن تكون على بصيرة ومنهج شرعي، ومن ثَمَّ فالوسائل التي يسلكها الدعاة إلى الله في تبليغ دعوتهم للناس ينبغي أن تخلو من أي مخالفة شرعية؟ لذا كان لا بد من تحرير مسألة المشاركة في وسائل الإعلام بأنواعها المختلفة، وهل يسوغ للدعاة أن يستخدموها في نشر دعوتهم أم لا؟ وحيث إن هذه المسألة من المسائل الحادثة ولم يكن فيها نص بخصوصها فلا بد من بحثها من خلال القواعد الشرعية وبخاصة قواعد المصالح والمفاسد؛ إذ أصل المشاركة في هذه الوسائل تحقق مصالح ويلزم منها مفاسد؛ فمن نظر إلى المفاسد وغلَّبها رجَّح جانب الحظر والسلامة، ومن نظر إلى المصالح وغلَّبها رجَّح جانب الإقدام والمشاركة. وأحسب أن هذه المسألة لا تعدو الاجتهاد في الموازنة بين المصالح والمفاسد، والعمل جارٍ على هذا عند العلماء والخاصة والعامة. ولا يكاد يخلو أمر أو نهي في الشريعة، أو عمل من أعمال الناس الدينية والدنيوية من مفاسد ومصالح: ففي الجهاد ذهاب الأنفس. وفي خروج المرأة للصلاة وفي الحج والعمرة المستحبين للرجل والمرأة: فتنة وافتتان بين مقطوع به أو مظنون. وفي خروج الرجل والمرأة لحاجتهما تعرُّض لفتن مظنونة أو مقطوعة. وفي التجارة تعرض لمثل ذلك في سفر أو سوق. وفي الجهاد مع أئمة الجور تثبيت لسلطانهم الجائر، ولكن لما اشتمل ذلك على حرب الكفار وبث الدعوة: اغتفرت هذه المفسدة. فالمصلحة الخالصة عزيزة الوجود كما قال ذلك العز بن عبد السلام [١] . ومن ثم فبحثنا لهذه المسألة سينطلق من استعراض المفاسد والمصالح الناشئة عن المشاركة وحصرها، والترجيح بينها بما نرى أنه أقرب إلى رعاية المصالح الشرعية، مع ذكر الأدلة الشرعية المتعلقة بالموضوع منعاً أو جوازاً إن وجدت. والورع في هذه المسائل ليس هو الترك والمفارقة على كل حال؛ بل إن الورع هو في القيام بأمر الله تعالى واتباع ما كان الأشبه بأنه من مراده ورسوم دينه؛ سواء كان ذلك بالفعل أو الترك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والورع ترجيح خير الخيرين بتفويت أدناهما، أو دفع شر الشرين وإن حصل أدناهما» [٢] . قال العز بن عبد السلام ﵀: «إذا اجتمعت مصالح ومفاسد فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك امتثالاً لأمر الله تعالى فيهما لقوله سبحانه وتعالى: [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ] (التغابن: ١٦) ، وإن تعذر الدرء والتحصيل فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة. قال الله تعالى: [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا] (البقرة: ٢١٩) حرمهما لأن مفسدتهما أكثر من منفعتهما.. وإن كانت المصلحة أعظم من المفسدة حصَّلنا المصلحة مع التزام المفسدة، وإن استوت المصالح والمفاسد فقد يتخير بينهما، وقد يتوقف فيهما» [٣] . * المصالح المترتبة على المشاركة في وسائل الإعلام: في هذا المبحث سنتناول عرضاً للمصالح التي يراها القائلون بالمشاركة، وجواب المانعين عنها: المصلحة الأولى: تبليغ الدعوة: وسائل الإعلام المعاصرة وسيلة لتبليغ الدعوة، وقد فرض الله ﵎ تبليغ الدين والدعوة إليه، وهذا أمر واجب لا خيار فيه، ولئن كان النبي صلى الله عليه وسلم اتَّبع الوسائل المتاحة في عصره؛ فالواجب على الدعاة اليوم أن يسعوا لتبليغ الدعوة بالوسائل الأنجع، والأكثر مخاطبة لجماهير الناس؛ ووسائل الإعلام المختلفة اليوم أقدر على إبلاغ الرسالة وإيصالها للناس [٤] . وأجيب عنها: بأن المطلوب تحقيق البلاغ المبين وإظهار دين الله تعالى على سبيل العموم والشمول، ووسائل الإعلام تحرم ذلك؛ فيتعذر في قنواتها الحديث عن الولاء والبراء، وجهاد أعداء الله تعالى، بل قد تمنع الحديث عن الربا وحقوق الرعية ونحو ذلك؛ فلا يعرض من الإسلام إلا طائفة من العبادات والأخلاق ... فيحصل من ذلك التشويه والتضليل، وقد ورد في الحديث: «إنه لا يقوم بدين الله إلا من أحاطه من جميع جوانبه» [٥] . ويُرَدُّ على هذه الإجابة بأنه يتحقق في هذه الوسائل بعض البلاغ وإن لم يتحقق البلاغ التام، وهذا أمر معهود في غيرها من الوسائل الدعوية، كترك المحاضرين والكتاب والخطباء بيان بعض الحق حتى لا يؤدي ذلك إلى مفسدة عدم وصول دعوتهم للناس؛ فلا يختص هذا بوسائل الإعلام. ومن المعلوم أنه لا يُبلَّغ من الدين إلا ما يمكن علمه والعمل به: قال الإمام ابن تيمية: «.. والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكُّن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به. فأما العاجز عن العلم كالمجنون، أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي، وإذا انقطع العلم ببعض الدين أو حصل العجز عن بعضه: كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل ببعضه كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالجنون مثلاً؛ وهذه أوقات الفترات؛ فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه لما جاء به الرسول شيئاً فشيئاً بمنزلة بيان الرسول لما بُعِثَ به شيئاً فشيئاً. ومعلوم أن الرسول لا يبلِّغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأت الشريعة جملة؛ وكما يقال: إذا أردت أن تطاع فائمر بما يستطاع. فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبلِّغ إلا ما أمكن علمه والعمل به؛ كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقَّن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها. وكذلك التائب من الذنوب، والمتعلم والمسترشد لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويُذكر له جميع العلم فإنه لا يطيق ذلك، وإذا لم يطقه لم يكن واجباً عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجباً لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كما عفا الرسول ﷺ عما عفا عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات؛ لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط. فتدبر هذا الأصل فإنه نافع..» [٦] . المصلحة الثانية: شمول تأثيرها: وهذا الشمول معلوم مشاهد لا يحتاج إلى وقفات. وأجيب عن هذه المصلحة بأن هذا الشمول قد يتأتى عبر وسائل أخرى دون المشاركة في تلك الوسائل الموبوءة.. كالخطبة والموعظة والدرس والكتاب والشريط السمعي والمرئي والمطويات والهاتف. والجواب عن هذا الإيراد بأن وسائل الإعلام أوسع في شمولها من الخطبة والموعظة والشريط ونحوها، ومن ذلك: أ - هناك طائفة ممن لم تبلغهم رسالة الإسلام أصلاً، ويموت كل يوم منهم آلاف على الكفر، وهم لم يسمعوا بدعوة الإسلام، أو لم تبلغهم بطريق صحيح، ومسؤولية هؤلاء تقع على عموم المسلمين، وكثير منهم لا يمكن الوصول إليه ومخاطبته إلا من خلال وسائل الإعلام العامة. ب - هناك طوائف كثيرة من المسلمين لا يستمعون للمواعظ والأشرطة، ولا يقرؤون الكتاب الإسلامي، أو لا تصل إليهم هذه الوسائل، وهؤلاء يعيشون في غفلة وإعراض عن الدين، فيحتاجون لموعظة تؤثر في قلوبهم، أو حديث عن محاسن الإسلام، أو خطاب يحرك عواطفهم ومشاعرهم، وكثيراً ما رأينا من المسلمين من أفاق بعد غفلة، واهتدى بعد ضلال وإعراض؛ لأنه استمع أو قرأ لداعية أو واعظ. وليس من طريق لهؤلاء إلا وسائل الإعلام التي تخاطب عامة الناس. ج - هناك طوائف أمية لا تقرأ الكتاب والصحيفة، فليس من سبيل لهم إلا عبر التلفاز أو المذياع [٧] . د - يجد معظم المسلمين حاجة ملحَّة إلى التفقه في الدين، والإجابة عن أسئلتهم واستفتاءاتهم، وتخليصهم من كثير من البدع والخرافات التي يقعون فيها، وليس كل منهم يتيسر له البحث أو يجد من يسأله ويستفتيه عن قرب، ومن ثم فالاستفادة من هذه الوسائل في نشر الأحكام الشرعية وتعليم الناس بها جزء من الواجب الشرعي في الدعوة ونشر العلم وتبليغه. المصلحة الثالثة: قوة تأثيرها: فهي تملك من التأثير ما لا تملكه غيرها؛ فمع أن جمهور المتعاملين معها أكثر من جمهور سائر الوسائل، فهي تتفوق على كثير من الوسائل المتاحة في تأثيرها على الناس وجذبها لهم؛ فالتلفاز يجمع بين الصورة والصوت والحركة، وأساليب الإخراج التي تدفع المشاهد إلى الاستمرار والإقبال، والمذياع يستمع الناس إليه وهم في سياراتهم، أو في متاجرهم وأعمالهم، والصحيفة يجدها الإنسان في أي مكان، ويقرؤها في جميع أحواله [٨] . وأجيب على ذلك بأن عندنا من الوسائل ما هو أقوى تأثيراً من وسائل الإعلام كخطبة الجمعة مثلاً؛ فلو أُحسِنَ اغتنامها والانتفاع بها لكان في ذلك خير كثير؛ فلا يعني كثرة المتابعين لوسائل الإعلام أن ثمة تأثيراً متحققاً. المصلحة الرابعة: توفير الجهود والطاقات: فهي تختصر الجهود والأوقات، فتخاطب قطاعاً عريضاً من الناس بجهد وتكلفة أقل. إننا حين نريد إيصال الرسالة إلى عدد معين من الناس فهذا يتطلب منا عدداً من الدعاة، ووقتاً وجهداً وسفراً.. إلخ، وكثيراً ما تعوقنا الإمكانات وتقعد بنا القدرات عن القيام بكثير من الواجبات الدعوية؛ لكن وسائل الإعلام تتيح لشخص واحد أن يخاطب الآلاف والملايين بجهد محدود وهو في مكانه. وليس الأمر ضناً بالجهود عن أن تبذل للدعوة للدين؛ لكن المطالب أكثر من الإمكانات المتاحة حين نريد التعامل من خلال الوسائل الأخرى. المصلحة الخامسة: أنها وسيلة لإنكار المنكرات: فالمشاركة في وسائل الإعلام قد تكون وسيلة لإنكار المنكرات التي تظهر فيها؛ فكثيراً ما تنشر الصحف كتابات فيها من المنكرات والمخالفات الشرعية بل الكفر والردة في أحيان كثيرة ما ينطلي على كثير من المسلمين، أو يشعرهم بالهزيمة والضعف؛ فحين ينكر هذا المنكر من خلال المنبر والموعظة؛ فالخطاب في معظم الأحوال يتجه إلى طائفة أخرى غير تلك الطائفة التي قرأت ما نشر وتأثرت به، بل معظمهم لا يبلغه الإنكار حين يكون من خلال هذه الوسائل. فليس من سبيل أنجع وأبلغ من الإنكار من خلال المنابر التي سمع الناس منها المنكر؛ ففيه إبلاغ وإعذار، وفيه إشعار لأهل المنكر بأن للحق أنصاراً وأعواناً، وفيه إعلاء لهمة الغيورين وإعلامهم بأنه لا يزال للحق ناصر. والأمر لا يقف على مجرد منكر معين ورد في مقالة أو حلقة مسموعة أو مرئية، بل قد يكون حديثاً حول منكر عام يتكرر بصورة وأخرى، كالسخرية بالدين، والدعوة للاحتكام لغير الشريعة، والدعوة للسفور والاختلاط، ونحو ذلك. وأجيب عنه بأن وسائل الإعلام المقروءة كثيراً ما تُعرِض عن نشر ذلك الإنكار، وكثيراً ما تمتنع الصحف عن نشر بعض ما يبعثه أهل العلم إليها، وأما الإنكار على الوسائل المرئية والمسموعة فهو أبعد كما هو واقع. ويُردُّ على هذه الإجابة بأن الواقع أن الصحف كثيراً ما تنشر الرد والتعقيب حين يكون بلغة هادئة، وحين تمتنع عن الرد فقد أدى المشارك ما عليه. والوسائل المسموعة والمرئية يستطيع المشارك فيها إنكار كثير من المنكرات التي تُعرَض فيها في الجملة؛ فكثيراً ما يتحدث أهل العلم عن تحريم الغناء والمعازف والنظر الحرام مثلاً، وغير ذلك، ويعرض هذا الحديث في وسائل الإعلام، والداعية الحصيف يستطيع أن يبلغ ما يريد للناس بالصورة التي تمكنه، والأمر لا يتوقف على اللغة الصريحة والمباشرة والتعبير الحاد، أو التعيين لأحاد الأشخاص والمؤسسات. المصلحة السادسة: تعريف الناس بالدعاة وطلبة العلم: فالمشاركة في وسائل الإعلام العامة وسيلة لتعريف الناس بالدعاة وطلبة العلم وإبراز قيادات في المجتمع؛ فالقطاع العريض من الناس إنما يعرف من يسمع له أو يقرأ له في وسائل الإعلام، وحين يبتعد الدعاة إلى الله وطلبة العلم عن المشاركة في هذه الوسائل العامة، فستبقى فئات كبيرة من المجتمع لا تسمع بهم ولا تعرفهم، وتنحصر دائرة تأثيرهم في محيط ضيق من الناس. والتعريف بهم أمام الناس ليس بحثاً عن الظهور وسعياً وراء الشهرة بقدر ما هو وسيلة لتوسيع دائرة تأثيرهم وانتشار دعوتهم. وأجيب على ذلك بأن التعريف يتحقق بعدة وسائل لا محذور فيها.. وثمة علماء ودعاة قد عرفوا واشتهروا وصار لهم ذكر حسن ولسان صدق مع اجتنابهم هذه الوسائل. ويرد على هذه الإجابة بأن تحقق التعريف لبعض الناس دون المشاركة في وسائل الإعلام، لا يعني أنه يمكن أن يتحقق لغيرهم، فثمة عوامل تاريخية وعلمية كان لها أثر في التعريف بهم، أما من بعدهم ومن دونهم فلا يزالون بحاجة لمزيد من التعريف والتواصل مع طبقات واسعة من المجتمعات لن تعرفهم إلا من خلال هذه الوسائل، ولو أن هؤلاء شاركوا في وسائل الإعلام لتحقق لهم قدر أكبر من التعريف والانتشار. المصلحة السابعة: تخفيف الشر والفساد: فالمشاركة في وسائل الإعلام وسيلة لتخفيف الشر الذي يظهر فيها؛ فكل وقت يشغل بالخير فهو على حساب فساد ومنكر كان يمكن أن يعرض فيها، والتخفيف من الشر والفساد إذا لم يمكن أن يزال بالكلية مطلوب شرعاً. سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجل متولٍّ ولايات، ومُقطَع إقطاعات، وعليها من الكُلَف السلطانية ما جرت به العادة، وهو يختار أن يسقط الظلم كله، ويجتهد في ذلك بحسب ما قدر عليه، وهو يعلم أنه إن ترك ذلك وأقطعها غيره وولى غيره فإن الظلم لا يُترَك منه شيء؛ بل ربما يزداد، وهو يمكنه أن يخفف تلك المكوس التي في إقطاعه، فيسقط النصف، والنصف الآخر جهة مصارف لا يمكنه إسقاطه.. فأجاب الشيخ ﵀: «إذا كان مجتهداً في العدل ورفع الظلم بحسب إمكانه، وولايته خير وأصلح للمسلمين من ولاية غيره، واستيلاؤه على إقطاع خير من استيلاء غيره، كما قد ذكر: فإنه يجوز له البقاء في الولاية والإقطاع، ولا إثم عليه في ذلك؛ بل بقاؤه على ذلك أفضل من تركه إذا لم يشتغل إذا تركه بما هو أفضل منه، وقد يكون ذلك عليه واجباً، إذا لم يقم به غيره قادراً عليه» [٩] . المصلحة الثامنة: حماية الناس من المضلين وأهل الأهواء: كثيرٌ من الوسائل الإعلامية تلتزم بنسبة من البرامج والزوايا الدينية لأغراض ودوافع شتى؛ فحين يعتذر عنها الأخيار وطلبة العلم، فلن تزول المفسدة، بل سيجد هؤلاء من يتصدى لتقديم البرامج الدينية من أهل البدع والأهواء، أو أصحاب المطامع الدنيوية وغيرهم، وذلك له أثر في إضلال الناس وصدهم عن الدين باسم الدين، وكثيراً ما كان هؤلاء فتنة للناس. وقد يعترض على هذه المصلحة بأن أهل الفجور قد يتواطؤون في اختيار الشيخ المناسب، وهؤلاء لا يرعون المنهج الصحيح، وفي هذا تفريط. والجواب أن هذه مصلحة ضمن مصالح كثيرة، وليست هي المصلحة الوحيدة، ثم إن الواقع أنه يمكن أن يشارك طائفة من أهل العلم والدعاة من غير أهل الترخص أو الأهواء. * المفاسد المترتبة على المشاركة: إن هناك طائفة من المفاسد تترتب على المشاركة في وسائل الإعلام المعاصرة بوضعها الحالي، وهذه المفاسد تتفاوت من حيث أصل وجودها؛ فما يوجد في التلفاز قد لا يوجد في الصحف، وما يوجد في الصحف قد لا يوجد في الإذاعة. كما أنها تتفاوت أيضاً في درجة وجودها؛ فالمفسدة التي توجد في صحيفة معينة قد تكون أقل منها في أخرى، والتي توجد في قناة فضائية قد تكون أشدَّ منها في قناة محلية، وهكذا. ومن ثَمَّ فما نذكره هنا إنما هو محاولة لحصر المفاسد المتصور وقوعها، وليس شرطاً أن تكون المفسدة المعينة موجودة في كل وسيلة من الوسائل، لكن كل وسيلة لا تخلو من قدر من هذه المفاسد. المفسدة الأولى: التصوير وغيره من المنكرات: فالظهور فيها قد يؤدي إلى الوقوع في المنكر؛ فالتصوير ملازم لكل مشاركة تكون من خلال التلفاز، وقد جاء الشرع بالنهي عن التصوير لذوات الأرواح والتغليظ على من فعله. «عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها أخبرته أنها اشترت نُمْرُقة فيها تصاوير؛ فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب فلم يدخله، فعرفت في وجهه الكراهية، فقلت: يا رسول الله! أتوب إلى الله وإلى رسوله ﷺ ماذا أذنبت؟ فقال رسول الله ﷺ : ما بال هذه النمرقة؟ قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتَوَسَّدها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذَّبون، فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم. وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة» [١٠] . عن سعيد بن أبي الحسن، قال: «كنت عند ابن عباس ﵄ إذ أتاه رجل فقال: يا أبا عباس! إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير. فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، سمعته يقول: من صوَّر صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبداً. فرَبا الرجل ربوة شديدة واصفرَّ وجهه؛ فقال: ويحك! إنْ أبَيْتَ إلا أن تصنعَ فعليك بهذا الشجر كل شيء ليس فيه روح» [١١] . والأحاديث في النهي عن التصوير كثيرة، وكل ما يحدث من أنواع تصوير ذوات الأرواح فهو داخل في عموم النهي عن التصوير. قال الشيخ ابن باز ﵀: «ولا شك أن البروز في التلفاز مما قد يتحرج منه بعض أهل العلم من أجل ما ورد من الأحاديث الصحيحة في التشديد في التصوير ولعن المصورين» . ومما يحصل من المنكرات في المشاركة في هذه الوسائل: الاختلاط مع العاملين والعاملات فيها ومعظم العاملين في هذه الوسائل ممن لا يلتزمون بحدود الله. وأجيب عنه: أولاً: بأن التصوير التلفزيوني فيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه مباح وليس داخلاً في أحاديث النهي عن التصوير، وقد قال بذلك بعض أهل العلم المعتبرين، فلا تعارض. الثاني: أن التصوير إنما حُرِّم تحريم وسائل، وما كان كذلك فقد قرر بعض أهل العلم بأنه يباح عند الحاجة. قال ابن القيم: «وتحريم الحرير إنما كان سداً للذريعة؛ ولهذا أبيح للنساء وللحاجة والمصلحة الراجحة، وهذه قاعدة: ما حرم لسد الذرائع فإنه يباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة، كما حرم النظر سداً لذريعة الفعل وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة والمصلحة الراجحة، وكما حرم التنفل بالصلاة في أوقات النهي سداً لذريعة المشابهة الصورية بعُبَّاد الشمس وأبيحت للمصلحة الراجحة، وكما حرم ربا الفضل سداً لذريعة ربا النسيئة وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة من العرايا» [١٢] . وقال أيضاً: «وما حرم تحريم الوسائل فإنه يباح للحاجة أو المصلحة الراجحة كما يباح النظر إلى الأَمَة المستامة والمخطوبة ومن شهد عليها أو يعاملها أو يطبها» [١٣] . الثالث: أنه داخل في عموم التصوير، ومحرم تحريم مقاصد؛ لأن فيه مضاهاة لخلق الله، ولو سلَّم بذلك من يرى المشاركة فإنه يقول: إن هذا قد عارضته مصلحة أرجح من مفسدة التصوير. المفسدة الثانية: تزكيتها: فالظهور في وسائل الإعلام والمشاركة يعده بعض الناس إقراراً لما يعرض فيها وتزكية لها، أو تهويناً من مفاسدها؛ فمعظم ما يعرض فيها إنما هو من الباطل والفساد، وما نزال نسمع كثيراً من الناس حينما ينصحون بالابتعاد عما يعرض في هذه الأجهزة من فساد ومنكرات يحتجون بأن الدعاة وأهل العلم يشاركون فيها، وأنه لو كان فيها مخالفة شرعية لما شارك هؤلاء، أو لأنكروا ما فيها من المنكرات. وهذه المواقع التي تعرض البرامج الدينية قد تلحق بمساجد الضرار التي ظاهرها الخير والإيمان، وباطنها ما ينافي ذلك؛ فالذين اتخذوا هذه المواقع الدينية يريدون الشهرة والدعاية. قال القرطبي: «قال علماؤنا: وكل مسجد بني على ضرار أو رياء وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه» [١٤] . وقد عقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ باباً بعنوان: (لا يُذبَح لله في مكان يُذبَح فيه لغير الله) واستدل بالآية: [لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً] (التوبة: ١٠٨) على سبيل القياس، قال الشيخ سليمان بن عبد الله: «ووجه الدلالة من الآية على الترجمة من جهة القياس؛ لأنه إذا منع الله رسوله ﷺ عن القيام لله في هذا المسجد المؤسس على هذه المقاصد الخبيثة مع أنه لا يقوم فيه إلا لله، فكذلك المواضع المعدة للذبح لغير الله لا يذبح فيها الموحد لله؛ لأنها قد أسست على معصية الله والشرك به» [١٥] . ولا ريب أن المواقع الإعلامية في الجملة أسست للصد عن سبيل الله تعالى، ونشر الرذيلة وإشغال الأمة باللهو والمجون وسفاسف الأمور. وأجيب عليه: ١- أن الواقع قلة من يحتج بمشاركة هؤلاء على تزكيتها، وكثير ممن يحتج بذلك إنما يفعله تسويغاً لموقفه. ٢- أنه ليس كل مشارك يعد الناس مشاركته تزكية لهذه الوسائل، فهذا إنما يكون في الغالب بالنسبة للأئمة المقتدى بهم. ٣- أن عامة الناس يعلمون أن هذا المتحدث لا يقر ما في هذه الوسائل فهو ليس من القائمين عليها، ولا يطلع على معظم ما تقدمه، وهو إنما يستثمر هذه الفرصة لتقديم ما عنده للناس. والمحكَّم في ذلك هو واقع غالب الناس ولا عبرة بالنادر. وأما إلحاقها بالذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله فهو غير صحيح لأمرين: الأول: أن هذا الرجل يستطيع أن يذبح في أي مكان غير هذا المكان، والدعاة إنما لجؤوا لهذه الوسائل لأن تبليغ الدين لفئة من المجتمع لا يصل إلا بهذه الطريقة فلا يصح هذا الإلحاق. الثاني: أن الذبح لغير الله شرك، والذبح لله عبادة؛ فالمسألة إذن من الأمور التعبدية، ويخالف ما هاهنا بعدم وجود التعبد المحض. ويلزم من الامتناع عن الدخول في كل مكان عُصِيَ الله فيه: أن تمنع أشياء كثيرة كالتدريس في جامعة فيها منكرات، فالجامعات الآن فيها منكرات إما في أنظمتها، أو مناهجها، ومع ذلك لم يترك العمل فيها كثير من الصالحين، ولم يعدَّ غيرهم مثل هذا العمل تزكية لهذه الجامعة. أو طباعة كتاب في مطبعة يطبع فيها كتب فساد وإضلال. وقد دعا النبي ﷺ في مواضع فيها منكرات كأسواق الجاهلية ومنتدياتها. ورُدَّ على الاستدلال بذهاب النبي ﷺ لأسواق الجاهلية، بأنه كان يعلن فيها إنكاره لما هم عليهم، ويعيب آلهتهم ويسفه أحلامهم، وليس هذا كحال المشاركين في وسائل الإعلام. المفسدة الثالثة: أن المشاركة تجرئ بعض الناس على اقتنائها: إن المشاركة في هذه الوسائل تجرئ طائفة ممن لا يقتنونها على اقتنائها بحجة أنهم يريدون استماع ورؤية هذه البرامج الخيرة، أو قراءة الزوايا والأعمدة التي يكتبها المصلحون والدعاة؛ لكن ذلك يقودهم ويدعوهم إلى الاسترسال في متابعة غيرها مما تعرضه من المنكرات، وإن كان صاحبها حازماً مع نفسه فقد تقع في يد أهل منزله ممن لا يحسنون استخدامها. وتبدو هذه الصورة كثيراً في اقتناء أعداد بعض المجلات التي تظهر فيها مقالات أو زوايا إسلامية، فما يلبث مقتنوها أو من يجدها من أهل بيته أن يسترسل في متابعة سائرها. وأجيب عليه: بأن عامة الناس لا يحتجون بذلك إلا في مقام المجادلة والمكابرة، وهم يعلمون أن الداعية إنما يستثمر هذه الفرصة التي أتيحت له؛ فلا بديل لديه سوى هذه الوسائل، والذين يقتنون هذه الوسائل لأجل مشاركة الدعاة قلة بالنسبة لمن يتابعونها سواء أشارك فيها الدعاة أم لم يشاركوا، والعبرة بالأغلب؛ فلا ينبغي أن نهمل دعوة الملايين من الناس من أجل عدد يسير ممن يترخصون ويتساهلون باقتناء هذه الأجهزة، وهذا الأمر متحقق في وسائل أخرى فخروج رجال الحسبة لإنكار المنكرات في الأسواق قد يتسبب في فتنة بعضهم، والتدريس في المدارس قد يؤدي إلى فتنة المعلم بالمردان، ومع ذلك فلغلبة المصلحة وندرة المفسدة لم يُمنع ذلك. وبأن نسبة أولئك لا تساوي شيئاً في مقابل الآخرين ممن يقتنونها سواء أَشارك فيها الدعاة أم لم يشاركوا. المفسدة الرابعة: وجود المناقضات لما يقرره الدعاة: كثيراً ما يعقب البرامج الدينية ما يعارض ما طرح فيها ودعت إليه، أو يعرض في الصفحة نفسها التي ينشر فيها الداعية مقاله ما يناقض ذلك، وذلك يشعر الناس أن القضية ليست جادة، أو أن ما يقال لا يمكن تطبيقه، أو تسويغ تلك المخالفات، أو الوقوع في الازدواجية، أو أن يقال بأن هذا الداعية ساذج ومغفل يسخر به أمثال هؤلاء. وبناء على ذلك تفقد هذه البرامج تأثيرها ومصالحها التي تراد من وراء المشاركة فيها، أو تقل وتتضاءل. ثم إن هذه الوسائل ينطبق عليها ما ورد من النهي عن الخوض في آيات الله، ومجالسة أصحابه. قال تعالى: [وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ] (الأنعام: ٦٨) . قال القرطبي: «فأدَّب الله نبيه ﷺ بهذه الآية؛ لأنه كان يقعد إلى قوم من المشركين يعظهم ويدعوهم فيستهزئون بالقرآن؛ فأمره الله أن يعرض عنهم إعراض منكِر. ودل بهذا على أن الرجل إذا علم من الآخر منكراً، وعلم أنه لا يقبل منه فعليه أن يُعرض عنه إعراض منكِر ولا يُقبِل عليه» [١٦] . ولا يخفى أن ما في برامج الإعلام من الفسق والفجور واللهو، ويقترن مع شيء من البرامج الدينية لا ينفك أن يكون استخفافاً وعبثاً بآيات الله تعالى. وقال الجصاص: «أمر الله نبيه بالإعراض عن الذين يخوضون في آيات الله وهي القرآن بالتكذيب وإظهار الاستخفاف إعراضاً يقتضي الإنكار عليهم وإظهار الكراهة لما يكون منهم إلا أن يتركوا ذلك ويخوضوا في حديث غيره. وهذا يدل على أن علينا ترك مجالسة الملحدين وسائر الكفار عند إظهارهم الكفر والشرك وما لا يجوز على الله تعالى إذا لم يمكنا إنكاره» [١٧] . وقال سبحانه: [وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ] (النساء: ١٤٠) . قال القرطبي: «فدل على وجوب اجتناب أهل المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله تعالى: [إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ] (النساء: ١٤٠) فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية» [١٨] . ولا ريب أن برامج الإعلام مشحونة بهذا الخوض في آيات الله تعالى، والتوثب على شرعه، وإذا تقرر اجتنابهم والقيام عنهم؛ فكيف يسوغ اللحوق بهم بدعوى المشاركة في الإصلاح؟ مع تعذر الإنكار عليهم من جهة، وتعذر التصرف بالتعديل والتحوير في تلك المشاركات من جهة أخرى. والله المستعان. وكما قال ابن العربي: «والخوض هو المشي فيما لا يتحصل حقيقة» [١٩] . وهذا وصف ينطبق على برامج الإعلام. قال الجصاص: «فإن قيل: فهل يلزم من كان بحضرته منكر أن يتباعد عنه وأن يصير بحيث لا يراه ولا يسمعه؟ قيل له: قد قيل في هذا إنه ينبغي له أن يفعل ذلك إذا لم يكن في تباعده وترك سماعه ترك الحق عليه، من نحو ترك الصلاة في الجماعة لأجل ما يسمع من صوت الغناء والملاهي، وترك حضور الجنازة لما معه من النواح، وترك حضور الوليمة لما هناك من اللهو واللعب، فإذا لم يكن هناك شيء من ذلك فالتباعد عنهم أوْلى، وإذا كان هناك حق يقوم به لم يلتفت إلى ما هناك من المنكر وقام بما هو مندوب إليه من حق بعد إظهاره لإنكاره وكراهته» [٢٠] . ويجاب على ذلك: بأنه لا شك بأن هذا ليس في محل النزاع؛ فالحديث ليس عن تسويغ ما تفعله وسائل الإعلام إنما في المشاركة فيها؛ حيث هي الوسيلة المتاحة لتبليغ الدعوة لفئة من الناس لا يمكن تبليغهم إلا من خلالها. وبأن ما يعرض فيها من منكر لا يعرض في الوقت نفسه الذي يقدم فيه الداعية برنامجه وحديثه، وحتى حين يعقبه مباشرة، فهو غير مصاحب لبرنامجه الذي يقدمه ويعتبره الناس مسؤولاً عما فيه. قال الشيخ ابن عثيمين: «ثم هذا المنكر الذي يُعرَض كما يقول السائل لا يعرض في الوقت الذي أنت تلقى فيه الخير، بل هو منفصل عنه، فيكون من أراد استمع إليه وشاهده، وإذا جاء الوقت الذي فيه المنكر يغلق المذياع أو التلفاز وينتهي منه» [٢١] . وبأنه ينكر هذه المنكرات على سبيل العموم، والنهي إنما هو لمن لم ينكر. المفسدة الخامسة: سيطرة أهواء المفسدين عليها: فالذين يديرون هذه الأجهزة والمؤسسات الإعلامية هم في الأغلب ما بين مفسد صاحب فكر هدام، أو صاحب هوى وشهوة لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، أو دول لا تخدم إلا مصالحها، وهؤلاء هم أصحاب القرار في هذه المؤسسات والأجهزة، ومن ثَمَّ فإنهم لن يسمحوا بالمشاركة إلا لفئة من الناس دون أخرى، ولن يسمحوا بأن ينشر إلا ما لا يتعارض مع أهوائهم ومبادئهم. وسيجد المشارك فيها أنه لا يستطيع أن يقول كل ما يريد، وأن هناك كثيراً مما يجب أن يعرض للناس في هذه الوسائل تقف دونه شهوات هؤلاء وأهواؤهم، فلو أنه لم يتحدث أمام الناس أصلاً لالتمسوا له العذر، أما وهم يرونه صباح مساء على الشاشة، أو يقرؤون له على الصحيفة فسوف ينتظرون رأيه وفتواه في مسائل كثيرة مما لا تسمح بها أهواء القائمين على هذه الأجهزة. وأجيب عليها: بأن ما يقوله الداعية هو الحق الذي يستطيعه، وهو لا يكلَّف إلا بما يستطيع؛ قال : [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ] (التغابن: ١٦) ، وقال ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» [٢٢] . ومن القواعد الفقهية المقررة أن الميسور لا يسقط بالمعسور؛ فالقادر على بعض السترة يستر بها القدر الممكن، ومن لا يحفظ إلا بعض الفاتحة يجب عليه أن يأتي به. وهكذا فمن لا يستطيع إلا قول بعض الحق يجب عليه أن يقوله. ثم إن قول الداعية لبعض الحق الذي يستطيعه وسكوته عما لا يستطيعه ليس قاصراً على وسائل الإعلام وحدها؛ فالخطيب والمحاضر والمؤلف والأستاذ قد يمتنعون عن قول بعض الحق مراعاة لمصلحة بقائهم ونشرهم كثيراً من الخير الذي يستطيعون نشره. المفسدة السادسة: عدم أمانة القائمين عليها: إن القائمين على هذه المؤسسات والأجهزة الإعلامية ليسوا أهل ثقة وأمانة؛ فهم لا يُؤمَنون من التحريف والتغيير، والحذف والإضافة، وكثيراً ما يضعون عناوين بالخط العريض أثناء المقابلات الشخصية، أو المقالات المنشورة، وهذه العناوين ليست بالضرورة من نص ما قاله المتحدث، أو تكون مبتورة من سياقها فيفهم منها الناس غير ما قصد صاحبها، خاصة أن كثيراً منهم يكتفي بقراءة العناوين. وأحياناً تسجل حلقة في ظرف أو وقت معين، ثم تذاع في غير الوقت الذي سجلت فيه، إما في مناسبة بدعية أو وطنية، فيفهم منها الناس غير ما قال صاحبها، وأحياناً يُعمَد إلى محاضرة أو مقالة طرحت في وقت ما فتعرض في وقت آخر. ومن ذلك ما تفعله بعض المؤسسات الإعلامية من تسجيل حلقات عن مكانة النبي ﷺ ومنزلته، ثم تذيعها وتبثها وقت الاحتفال بالمولد. وأجيب على ذلك: بأن الأغلب السلامة من الحذف والتغيير، وإذا حصل حذف شيء مما قاله المتحدث أو الكاتب فسيبقى خير كثير، ثم المشارك في هذه الوسائل يجتهد في صياغة ما يريد بقدر يوصل الحق للناس ويمكن عرضه في هذه الوسائل، ومن حقه لو حصل تصرف في ما نشره أن يعقب على ذلك. المفسدة السابعة: الإقرار بالواقع السيئ: فالأنظمة الفاسدة اليوم هي التي ترعى أجهزة الإعلام وتسيطر عليها في الغالب، وهذه الأجهزة تتحدث باسمها وتمارس الترويج لها وتسويغ واقعها السيئ، والمشاركة في هذه الوسائل تعني الإقرار بواقع هذه الأنظمة وتلبيسها على الناس، خاصة أنه قلما يخلو حديث يعرض من خلالها إلا ويدعو لها بالحفظ والبقاء والتمكين، أو يدعو الناس لطاعتها والخضوع لها. وأجيب عليه: بأن المشاركة لا تعني ولا تستلزم إضفاء الشرعية، وإلا لزم منه الاقتناع عند استخدام كل مؤسسة نفيها هذه الأنظمة. أما المديح فهو يعود إلى نوعية المشاركين، ولو شارك الأكفاء الجادون لما برزت هذه الظاهرة. ثم إن الواقع أن هناك من يشارك ولا يقع في هذا المحذور. المفسدة الثامنة: إضعاف التطلع لإنشاء إعلام إسلامي: ذلك أن الواجب على الدعاة إلى الله تعالى أن يسعوا إلى إيجاد مؤسسات إعلامية مستقلة تخلو من المنكرات التي تلازم الإعلام المعاصر، وتسلم من تسلط أهل الفساد، فتقول الحق، وتبينه واضحاً للناس. والمشاركة في الوسائل القائمة اليوم مما يضعف البحث عن هذا البديل، والسعي في إقامة هذا الواجب الشرعي، وتوجيه الطاقات والإمكانات لإحيائه. وأجيب عليه: بأن وجود القنوات والمؤسسات الإسلامية لا يكفي؛ فالمطلوب مخاطبة فئات لا يتابعون هذه الوسائل، ولا يزال المتابعون للوسائل الإسلامية شريحة محدودة من المجتمع. المفسدة التاسعة: التساهل والترخص: إن المشاركة فيها تؤدي إلى التساهل والترخص؛ وذلك واضح في حال كثير ممن يشارك في هذه الوسائل؛ فهو يجامل الناس في فتاويه، ويجاري واقعهم في كثير مما يقوله، ويتدرج الأمر لديه بين السكوت عن شيء من الحق، إلى تسويغ الباطل والدفاع عنه، وإضفاء المشروعية عليه. وأجيب على ذلك: إن المشاركة ممكنة دون الترخص، وقد حصلت مشاركات من بعض الدعاة دون أن يقعوا في ذلك، ثم إن الترخص يحصل من أصحابه في مواقف كثيرة وليس قاصراً على المشاركات الإعلامية، والتخلص من هذا الداء لا يكون بترك المشاركة في الوسائل الإعلامية إنما يتحقق الورع وتقوى الله في الفتيا ونشر العلم. المفسدة العاشرة: فتنة المال والشرف: المشاركة في هذه الوسائل مدعاة لوقوع المشارك في فتنة المال والشرف؛ فهو يتلقى أجراً مادياً مقابل مشاركته، مما قد يدعوه إلى التعلق بالمال والسعي للمحافظة على بقاء مشاركته في هذه الوسائل، ولو على حساب الحق. وفتنة الشرف حاصلة في حق كثير ممن تتحقق شهرته بسبب هذه الوسائل؛ فهي تعطي المشارك شهرة واسعة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسدَ لهما من حرص المرء على المال والشرف لدينه» [٢٣] . وأجيب عليه: بأن هذه ليست قضية مختصة بوسائل الإعلام، بل هي واردة في غيرها من المجالات كتولي المناصب التي يراد من ورائها نصرة الدين وخدمة الدعوة، وهي واردة في كثير من المشاركات الدعوية، وها نحن نرى بعض الدعاة اكتسبوا شهرتهم دون مشاركة في هذه الوسائل، وهذا يلزم منه أن نمنع كل مجال دعوي يكون سبباً لاشتهار صاحبه. أدلة أخرى للمانعين: واستدل المانعون أيضاً ببعض القواعد الفقهية، ومنها: تغليب الحظر على الإباحة، وأقل الأمر في ذلك أن يتورع المسلم عما يشك فيه ويستريب منه، وقد قال ﷺ : «فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كراعٍ يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه» [٢٤] . وأجيب على ذلك: بأن الورع المشروع إنما هو حين يكون التعارض بين المبيح والحاظر، والأمر في هذه المسألة ليس كذلك؛ فالمعارض هنا مما يجب القيام به في أصله، ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حين تحدث عمن امتنع من قتال الكفار مع الإمام الجائر: «وصاحب هذا القول تورع فيما يظنه ظلماً، فوقع في أضعاف ما تورع عنه بهذا الورع الفاسد، وأين ظلم بعض ولاة الأمر من استيلاء الكفار، بل من استيلاء من هو أظلم منه؟ فالأقل ظلماً ينبغي أن يعاون على الأكثر ظلماً؛ فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين، حتى يقدم عند التزاحم خير الخيرين ويدفع شر الشرين» [٢٥] .

стр. 4470

دراسات في الشريعة السرف في الأموال والمتاع إبراهيم محمد الحقيل من طبيعة البشر التوسعُ في النفقات، والمبالغة في الاستهلاك، وهدرُ الأموال عند أول شعور بالثراء واليسار، ولا يعرفون أي معنى لوفرة المال إذا لم يصاحبها استهلاك أكثر، ورفاهية وتمتع بالكماليات أوسع. وقد صرح القرآن بأن من طبيعة الإنسان السرف عند الجدة، وتجاوز حدود القصد والاعتدال. قال الله تعالى: [كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى] (العلق: ٦-٧) ، وقال تعالى: [وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ] (الشورى: ٢٧) . ولتهذيب الإنسان وتربيته أمر الله تعالى بالقصد في الأمور كلها حتى في أمور العبادات كيلا يملها العبد. قال ﵊: «والقصدَ القصدَ تبلغوا» أخرجه البخاري وبوَّب عليه بقوله: «باب القصد والمداومة على العمل» [١] وضدُّ القصد السرف وهو منهي عنه كما في قوله تعالى: [وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ] (الأعراف: ٣١) . قال عطاء رحمه الله تعالى: نُهوا عن الإسراف في كل شيء [٢] . * أنواع السرف: يُطلقُ الإسراف على الكفر؛ فمن أسرف على نفسه بالعصيان حتى وقع في الكفر فهو مسرف على نفسه، كما كان فرعون من المسرفين قال تعالى: [وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ] (يونس: ٨٣) ، وعاقبة هذا الصنف من الناس النار خالدين فيها إن لم يتوبوا ويؤمنوا قال تعالى: [وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى] (طه: ١٢٧) ، وفي آية أخرى قال تعالى: [وَأَنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ] (غافر: ٤٣) . ويُطلق كلاهما على العصيان. والعبد إذا أسرف على نفسه بالعصيان مأمور أن يتوب إلى الله تعالى فإنه تعالى يقبل توبته مهما عظُم جرمه، وكثر إسرافه كما قال تعالى: [قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ] (الزمر: ٥٣) ، ومن دعاء عباد الله الصالحين: [رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا] (آل عمران: ١٤٧) . والإسراف في شراء الأطعمة وأكلها أو رميها من مواطن النهي الجلي في القرآن. قال تعالى: [كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ] (الأنعام: ١٤١) ، وكذا الإسراف في الملابس والمراكب والأثاث وغيرها محرم كما قال تعالى: [يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ] (الأعراف: ٣١) . وقال النبي ﷺ : «كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مَخْيَلَة» [٣] ، وقد حذر النبي ﷺ من التنعم ولو كان بالمباحات؛ لأنه مظنة للسرف، وتضييع المال، فقال ﵊: «إياكم والتنعم؛ فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين» [٤] . * لماذا ينهى عن السرف؟ هذا التشديد في النهي عن السرف ما كان إلا لأجل الحفاظ على الأموال والموارد التي يُسأل عنها العبد يوم القيامة؛ فهو يُسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟ والسرف يعارض حفظ المال، بل يتلفه ويؤدي إلى إفقار نفسه ومن ثم إفقار أهل بيته وقرابته وأمته، والله تعالى كره لنا قيل وكثرة السؤال وإضاعة المال. إن حفظ المال فيه حفظ الدين والعرض والشرف، والأمم التي لا تمتلك المال لا يحترمها الآخرون، والشخص الذي ليس له قوة من مال أو جاه لا ينظر الناس إليه ولا يأبهون به، ومن أجل ذلك قال الحكماء: من حفظ ماله فقد حفظ الأكرميْن: الدين، والعرض [٥] . ولم تحرم الشريعة اكتساب الأموال ونماءها والتزود منها، بل حضت على ذلك؛ ولكنها حرمت الطرق المحرمة في كسبها وإنفاقها. وإن من الطرق المحرمة في إنفاقها: السرف فيها وإهدارها بغير حق، إما في سفر باذخ محرم، وإما في حفلة زواج باهظة الثمن. وإن ما ينفق من أموال على السفر إلى بلاد الكفر والفجور ليعدل ميزانيات دول كاملة، وما ينفق على حفلات الأعراس التي يلقى فائض أطعمتها في النفايات يساهم في إنقاذ الملايين ممن يموتون جوعاً، وفي كل عام يموت الآلاف من البشر جوعاً؛ فهل من حفظ المال هدره بأي طريقة؟ وهل من شكر الله تعالى على نعمته إنفاقه فيما يسخطه ؟! * حال السلف مع الأموال: لم يكن من هدي السلف الصالح الإسراف وتضييع الأموال؛ بل كانوا مقتصدين ينفقون أموالهم في الحق، ويحفظونها عن الإنفاق فيما لا فائدة فيه. قال الحسن ﵀: «كانوا في الرحال مخاصيب، وفي الأثاث والثياب مجاديب» [٦] . قال الزبيدي: «أي: ما كانوا يعتنون بالتوسعة في أثاث البيت من فرش ووسائد وغيرها، وفي ثياب اللبس وما يجري مجراها كما يتوسعون في الإنفاق على الأهل» [٧] . لقد كانوا ﵏ مع زهدهم وورعهم يعتنون بقليل المال ولا يحتقرون منه شيئاً مع اقتصاد في المعيشة والنفقة؛ ولذا كان القليل من المال يكفيهم. وقد أبصرت أم المؤمنين ميمونة ﵂ حبة رمان في الأرض فأخذتها وقالت: «إن الله لا يحب الفساد» [٨] . وقال أحمد بن محمد البراثي: «قال لي بِشر بن الحارث لما بلغه ما أنفق من تركة أبينا: قد غمني ما أُنفق عليكم من هذا المال؛ ألا فعليكم بالرفق والاقتصاد في النفقة؛ فلأن تبيتوا جياعاً ولكم مال أعجبُ إليّ من أن تبيتوا شباعاً وليس لكم مال، ثم قال له: اقرأ على والدتك السلام وقل لها: عليك بالرفق والاقتصاد في النفقة» [٩] . والتقط أبو الدرداء ﵁ حباً منثوراً في غرفة له، وقال: «إن من فقه الرجل رفقه في معيشته» [١٠] . وقال عمر ﵁: «الخرق في المعيشة أخوف عندي عليكم من العوز، لا يقلُّ شيء مع الإصلاح، ولا يبقى شيء مع الفساد» [١١] ، وأخبارهم في ذلك كثيرة. * السرف الجماعي المعاصر: إن السرف في العصور المتأخرة تحوَّل من سلوك فردي لدى بعض التجار والواجدين إلى ظاهرة عامة تجتاح الأمة كلها؛ فالواجد يسرف، والذي لا يجد يقترض من أجل أن يسرف ويلبي متطلبات أسرته من الكماليات وما لا يحتاجون إليه، وهذا من إفرازات الرأسمالية العالمية التي أقنعت الناس بذلك عبر الدعاية والإعلان في وسائل الإعلام المختلفة. إن المذاهب الرأسمالية ترى أن المحرك الأساس للإنتاج هو الطلب؛ فحيثما وجد الطلب وجد الإنتاج، ومن ثم فإن الإعلانات التجارية تتولى فتح شهية المستهلك للاستهلاك، وتلقي في روعه أنه إذا لم يستهلك السلع المعلن عنها فسيكون غير سعيد، وغير فعال، وسيظهر بمظهر غير لائق، وهذا كله جعل الناس يلهثون خلف سلع كمالية، ويبكون عليها كما يبكي المولود في طلب الرضاعة [١٢] . وأضحى رب الأسرة المستورة يستدين بالربا من البنوك لتلبية رغبة أسرته في السفر للخارج، أو لإقامة حفلة زواج لابنه أو ابنته تليق بواقع الناس، وهكذا يقال في العمران والأثاث والمراكب والملابس والمطاعم وغيرها. بينما منهج الإسلام تربية الناس لا على الاستهلاك وإنما على الاستغناء عن الأشياء بدل الاستغناء بها حتى لا تستعبدهم المادة كما هو حال كثير من الناس اليوم؛ إذ أصبحوا منساقين بلا إرادة ولا تبصُّر إلى الإسراف وهدر الأموال فيما لا ينفع تقليداً للغير. وبعدُ: أوَ كلما جاء صيف جديد يجيء معه هدر الأموال وإتلافها وفي المسلمين مشردون محرومون لا يجدون ما يسد جوعتهم، ولا ما يكسو عورتهم: في فلسطين والشيشان، وكشمير وغيرها من بلاد المسلمين المنكوبة؟ وهل من معاني الأخوة في الدين أن تستمتع - أيها المسلم - بما أعطاك الله - تعالى - فيما حُرِّم عليك وأنت ترى مآسي إخوانك المسلمين؟! ولو لم يوجد مسلم على وجه الأرض يحتاج إلى جزء من مالك يسدُّ رمقه ويبقي على حياته لمَا حَسُن بك أن تهدر مالك في غير نفع؛ فكيف والمسلمون في كل يوم يموت منهم العشرات بل المئات من جراء التجويع والحصار والحرمان؟! إن عدم الاهتمام بذلك قد يكون سبباً للعقوبة وزوال الأموال، وإفقار الناس؛ حتى يتمنوا ما كانوا يُلقون بالأمس في النفايات. عوذاً بالله. وكم يمر بالناس من عبر في ذلك ولكن قلَّ من يعتبر؛ فكم من أسر افتقرت من بعد الغنى؟! وكم من دول بطرت شعوبها وأسرفت على نفسها فابتلاها الله بالحروب والفتن التي عصفت بها، فتمنى أفرادها بعض ما كانوا يملكون من قبل؟! والتاريخ مليء بأحداث من هذا النوع؛ فالمعتمد بن عَبَّاد ﵀ كان من ملوك الأندلس، ويملك الأموال الطائلة، والقصور العظيمة، ولما اشتهت زوجته وبعض بناته أن يتخوَّضن في الطين أمر بالعنبر والعود فوضع في ساحة قصره، ورُشَّ عليه ماء الورد وأنواع من الطيب، وعُجِن حتى صار مثل الطين؛ فتخوَّضت فيه أسرته المترفة. وما ماتت تلك الأسرة المترفة حتى ذاقت طعم الفقر وألم الجوع؛ إذ استولى يوسف بن تاشفين على مملكة ابن عباد، وكان النسوة اللائي تخوَّضن في العود والعنبر لا يجدن ما يأكلن إلا من غزل الصوف بأيديهن الذي لا يسد إلا بعض جوعهن. وهذا أبو عبد الله الزغل من آخر ملوك غرناطة الأندلسية باع أملاكه فيها بعد أن استولى عليها النصارى، وحمل مالاً عظيماً قُدِّر بخمسة ملايين من العملة المعروفة آنذاك بـ (المراويد) ورحل إلى إفريقيا؛ فقبض عليه سلطان فاس وصادر أمواله، وسمل عينيه، ورماه في السجن بسبب بيعه غرناطة للنصارى وتخليه عنها، ولما خرج من السجن لم يجد من يطعمه ويؤويه، فأخذ يستعطي الناس في الأسواق، ويطوف وعلى ثيابه رق غزال مكتوب عليه: (هذا سلطان الأندلس العاثر المجد) لعل من يراه يرحمه ويعطيه بعض المال [١٣] . فالتاريخ أبان لنا عاقبة المسرفين التي كانت ذلاً وخسراً؛ فواجب علينا أن لا نطغى إذا أُعطينا؛ بل نشكر المنعم سبحانه بتسخير نعمه لطاعته والاقتصاد في الإنفاق؛ فذلك خير لنا في الدنيا والآخرة، وهو سبب حفظ المال. والله حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 4471

دراسات في الشريعة الجهاد شرعة باقية جماز بن عبد الرحمن الجماز * حقيقة الجهاد في الإسلام: الجهاد في اللغة: هو استفراغ الوسع في المدافعة بين طرفين ولو تقديراً. والطرف الآخر هو ما يجاهده المسلم من نفس أو شيطان أو فاسق أو كافر. واصطلاحاً: قتال الكفار لإعلاء كلمة الله، والمعاونة على ذلك. وهذا ملخص ما ذكره أئمة هذا الشأن [١] . وذكر ابن رشد أن لفظ الجهاد إذا أطلق فالمراد به قتال الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى، ولا ينصرف إلى غير قتال الكفار إلا بقرينة تدل على المراد [٢] . وهكذا؛ كل الأحاديث التي تدل على فضائل الجهاد المراد بها الجهاد الحقيقي؛ وهو قتال الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى، وكذلك تبويب أهل العلم في كتبهم للجهاد؛ المراد به جهاد الكفار لا مجاهدة النفس. وبعض الباحثين يزعم اتفاق العلماء على أن جهاد النفس هو الجهاد الأكبر، ويحتج بحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ عندما قدم من غزوة غزاها قال: «قدمتم خير مقدم، وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، مجاهدة العبد هواه» ، وفي رواية «جهاد القلب» ، وبناء على هذا الحديث يدعي أن قتال الكفار هو الجهاد الأصغر، والجهاد الأكبر هو جهاد النفس، وبهذا يصرف الناس عن أهمية القتال والاستعداد له، بل في هذا الادعاء تثبيط وتنويم لمشاعر المسلمين، ودعوة للرضا بالواقع الذي يعيشونه، وإذا حدث هذا لبعض المسلمين يصدق عليهم قول النبي ﷺ : «من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق» [٣] . والصواب في هذا - ولا شك -: أن وصف قتال الكفار بالجهاد الأصغر، وجهاد النفس بالجهاد الأكبر؛ مغالطة لم يدل عليها دليل من كتاب ولا سنة [٤] . وابن القيم ﵀ جعل جهاد النفس أصلاً لجهاد الكفار، وأراد بجهاد النفس التزام شرع الله بكامله، والدعوة إليه؛ بما في ذلك تحقيق التوحيد والكفر بالطاغوت، ولا شك أن جهاد الكفار بالسيف هو ثمرة تحقيق التوحيد، فالكفر بالطاغوت هو اجتنابه وبغضه، ونهاية البغض المقاتلة والمحاربة. وجهاد النفس يندرج تحته أنواع كثيرة، وذكر ابن القيم أن العبد ما لم يجاهد نفسه أولاً لتفعل ما أمرت به وتترك ما نهيت عنه، ويحاربها في الله لم يمكنه جهاد عدوِّه في الخارج والانتصاف منه، بل لا يمكنه الخروج إلى عدوِّه حتى يجاهد نفسه على الخروج [٥] . وأما حديث: «قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» فهو منكر، وقال ابن تيمية: لا أصل له. وضعفه البيهقي والعراقي والسيوطي والألباني [٦] . واختار الإسلام كلمة «الجهاد» للقتال، وجعلها مصطلحاً خاصاً به بدلاً من الكلمات القديمة الشائعة بين الأمم كالحرب مثلاً؛ لما اشتملت عليه من معان سامية؛ من تحرير الإنسان في هذه الأرض من العبودية للعباد، ومن العبودية لهواه وشهواته إلى العبودية لخالقه ورازقه. والجهاد ليس له أي علاقة بحروب البشر وأغراضها وأهدافها [٧] . * الجهاد.. هل هو تدخل في شؤون الآخرين؟ إن الغاية التي يتوقف عندها الجهاد: هي إسلام أهل الأرض كلهم واعتناقهم عقيدة الإسلام، ولا يتوقف الجهاد الإسلامي مدى الحياة؛ لأن الشيطان مستمر في إغواء بعض البشر، والصراع بين الحق والباطل سنة إلهية؛ لا تنتهي حتى ينتهي وجود البشر في هذه الأرض. وعن جبير بن نفير أن سلمة بن نفيل ﵁ أخبرهم أنه أتى النبي ﷺ فقال: «إني سئمت الخيل، وألقيت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها؛ قلت: لا قتال. فقال له النبي ﷺ : الآن جاء القتال، لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس، يرفع الله قلوب أقوام فيقاتلونهم ويرزقهم الله منهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، ألا إن عقر دار المؤمنين» رواه أحمد وهو صحيح [٨] ، ورواه النسائي ولفظه: «كنت جالساً عند رسول الله ﷺ ، فقال رجل: يا رسول الله! أذال الناس الخيل ووضعوا السلاح، وقالوا: لا جهاد، قد وضعت الحرب أوزارها. فأقبل رسول الله ﷺ بوجهه، وقال: كذبوا.. الآن الآن جاء القتال، ولا يزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق، ويزيغ الله لهم قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة وحتى يأتي وعد الله، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وهو يوحى إلي أني مقبوض غير ملبث، وأنتم تتبعوني أفناداً يضرب بعضكم رقاب بعض، وعقر دار المؤمنين الشام» [٩] ، وحسنه البزار وصححه الألباني [١٠] . وفي حديث جابر بن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لن يبرح هذا الدين قائماً يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة» رواه مسلم [١١] . وفي حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة» رواه مسلم [١٢] . والمعنى: ظاهرين على من عاداهم. وفي حديث عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك» رواه مسلم [١٣] . وفي حديث عروة البارقي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم» رواه البخاري [١٤] . قال الحافظ ابن حجر: «وفيه بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى يوم القيامة؛ لأن من لازم بقاء الجهاد بقاء المجاهدين وهم المسلمون» [١٥] . وبهذا يظهر لنا جلياً أن الجهاد مستمر إلى قيام الساعة، وأنه لا ينتهي جهاد الكفار إلا إذا أسلموا، أو خضعوا لحكم الإسلام ودفعوا الجزية حالة كونهم متلبسين بالذل والصغار [١٦] . هذا، وقد أحسَّ العالم بخطأ فكرة «عدم التدخل في شؤون الآخرين» في بعض الظروف في مجال العلاقات الدولية، فأباح التدخل من أجل إحقاق الحق، وإبطال الباطل، ودفاعاً عن الإنسان في حالة اضطهاد دولة ما للأقليات من رعاياها. ولكن يبقى أن الهوى في هذه الحال يَظلُّ يمارس دوره في ذلك التدخل من أجل ما ذُكِر من الأغراض، كما أن الهوى يظلُّ يمارس دوره في حكم الآخرين على ذلك التدخل؛ بين مؤيد له ومعارض، ما دام لا يستند إلى حكم صادر عن جهة بريئة من الهوى والنزعات. ومن هنا؛ فقد نقلت الإذاعة البريطانية صباح الجمعة ٣/١/١٩٩٠م عن الصحف البريطانية قولها: «بوش الرئيس الأمريكي الأسبق لا يحظى بتأييد العالم كله؛ لإعادة الديمقراطية إلى أي بلد في العالم» . وذلك بصدد غزو القوات الأمريكية لبنما من أجل اعتقال حاكمها الجنرال «نورييجا» ، والإتيان به إلى أمريكا لمحاكمته على جرائمه، وهذا ما حصل. وما دامت أمريكا قد أعطت لنفسها الحق في أن تتدخل في شؤون الآخرين من أجل تطبيق النظام الديمقراطي الذي تؤمن هي به عليهم، ويؤيدها في ذلك مؤيدون، مع أن النظام الديمقراطي لا يدعي أحد حتى أصحابه أنه النظام الذي ارتضاه الله لخلقه؛ فأي صفاقة غليظة إذن؛ تلك التي تعيب على المسلمين أن يتدخلوا في شؤون الآخرين بتكليف من الله، ولو في تصور المسلمين فحسب؛ من أجل تطبيق النظام الإسلامي على أولئك الآخرين، مع العلم أن هذا النظام يؤمن أكثر من ألف مليون من البشر أنه النظام الذي ارتضاه الله لخلقه؟! وإذا كان الآخرون ينكرون ذلك؛ فلِمَ لا يفسح المجال لتقديم النظام بعقيدته للمناقشة، على المستوى الشعبي والرسمي العالمي عبر وسائل الإعلام الحديثة؛ ليدرك العالم بالبحث الحر مدى قرب هذه الدعوى أو بعدها عن الحقيقة؛ ما دام هذا العالم هو المعنيُّ أولاً وأخيراً بهذه الدعوى؟! وخلاصة القول: هل للمسلمين أن يتدخلوا باسم الجهاد في شؤون الآخرين؟ الجواب وبدون مواربة: نعم! ولله الحمد والمنة، من أجل الإنسانية التي تدرك مصالحها الحقيقية؛ إذ ليس تدخل المسلمين في شؤون غيرهم كما تتدخل الوحوش في شؤون الضعاف من خلق الله؛ من أجل إشباع نهمة الافتراس عندها. وإنما هو كتدخل الآباء والأمهات في شؤون أبنائهم؛ من أجل إقرار الحق والعدل بينهم، وزرع المحبة والود والرحمة في قلوبهم، ولو أنفق الآباء والأمهات من جهدهم وراحتهم ومالهم الشيء الكثير في هذا السبيل [١٧] . * هدف الجهاد في الإسلام: إن الهدف الرئيس هو تعبيد الناس لله وحده، وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد، وإزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعاً، وإخلاء العالم من الفساد؛ ذلك لأن خضوع البشر لبشر مثلهم وتقديم أنواع العبادة لهم من الدعاء والنذر والذبح والتعظيم والتشريع والتحاكم؛ هو أساس فساد الأجيال المتعاقبة من لدن نوح ﵇ إلى يومنا هذا، وهو انحراف بالفطرة السوية عما خلقها الله عليه من التوحيد، كما في حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا؛ كل مال نَحَلْتُه عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأَمَرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً ... » رواه مسلم [١٨] . والدليل على هذا قوله تعالى: [وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ] (البقرة: ١٩٣) ، قال ابن كثير: «أمر تعالى بقتال الكفار حتى لا تكون فتنة؛ أي شرك ... [وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ] ؛ أي يكون دين الله هو الظاهر على سائر الأديان» [١٩] ، وقال الشوكاني: «فيه الأمر بمقاتلة المشركين إلى غاية؛ هي ألا تكون فتنة وأن يكون الدين لله، وهو الدخول في الإسلام والخروج عن سائر الأديان المخالفة له، فمن دخل في الإسلام وأقلع عن الشرك لم يحل قتاله» [٢٠] . وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» رواه البخاري [٢١] . وعن جبير بن حيَّة قال: «ندبنا عمر، واستعمل علينا النعمان بن مقرن، حتى إذا كنا بأرض العدو، وخرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفاً، فقام ترجمان فقال: ليكلمني رجل منكم. فقال المغيرة: سلْ عما شئتَ. قال: ما أنتم؟ قال: نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد، وبلاء شديد، نمصّ الجلد والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونعبد الشجر والحجر، فبينما نحن كذلك؛ إذ بعث رب السموات ورب الأرضين تعالى ذكره وجلت عظمته إلينا نبياً من أنفسنا، نعرف أباه وأمه، فأمرنا نبينا رسول ربنا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا ﷺ عن رسالة ربنا أنه من قُتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم» رواه البخاري [٢٢] . وفي حوادث غزوة القادسية نجد قصة ربعي بن عامر ﵁ لما بعثه سعد بن أبي وقاص ﵁ إلى رستم، «فدخل ربعي عليه، وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة، والزينة العظيمة، وعليه تاجه، وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة رثة وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه، وبيضته على رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك. فقال: إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت. فقال: رستم: ائذنوا له. فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله. قالوا: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي» ذكرها ابن كثير [٢٣] . وهذا الهدف السامي الرئيس موضع اتفاق بين علماء الإسلام، قال الشافعي: «فدل كتاب الله وسنة نبيه ﷺ أن فرض الجهاد إنما هو على أن يقوم به مَنْ فيه كفاية للقيام به، حتى يجتمع أمران: أحدهما: أن يكون بإزاء العدو المخوف على المسلمين مَنْ يمنعه. الآخر: أن يجاهد من المسلمين مَنْ في جهاده كفاية، حتى يسلم أهل الأوثان، أو يعطي أهل الكتاب الجزية» [٢٤] ، وقال محمد بن الحسن: «فرضية القتال؛ المقصود منها: إعزاز الدين وقهر المشركين» [٢٥] ، وقال ابن القيم: «والمقصود من الجهاد إنما هو أن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله ... فإن من كون الدين لله: إذلال الكفر وأهله وصغاره، وضرب الجزية على رؤوس أهله، والرق على رقابهم، فهذا من دين الله، ولا يناقض هذا إلا ترك الكفار على عزهم وإقامة دينهم كما يحبون؛ بحيث تكون لديهم الشوكة والكلمة» [٢٦] . وقال ابن عبد البر: «يُقاتل جميع أهل الكفر من أهل الكتاب وغيرهم، من القبط، والترك، والحبشة، والفزارية، والصقالبة، والبربر، والمجوس، وسائر الكفار من العرب والعجم، يُقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون» [٢٧] . وإن هذا الهدف السامي المتضمن لإعلاء كلمة الله وهي الإسلام، وإقامة سلطان الله في الأرض، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وإخلاء العالم من الفساد الأكبر الذي هو الشرك، وما ينتج عنه، وإزالة الطواغيت الذين يحولون بين الناس وبين الإسلام ويُعبِّدونهم لغير الله؛ هو ما يجب أن يسعى إليه المجاهدون في كل مكان وزمان؛ لا تأخذهم في الله لومة لائم. ومن الأهداف التي تتبع هذا الهدف الرئيس: ١ - رد اعتداء المعتدين على المسلمين، قال تعالى: [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ] (البقرة: ١٩٠) . وفي حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم ... وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك ... وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك» رواه مسلم [٢٨] . قال النووي: « (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك) ؛ معناه لأمتحنك بما يظهر منك؛ من قيامك بما أمرتك به من تبليغ الرسالة، وغير ذلك من الجهاد في الله حق جهاده» [٢٩] . ٢ - إزالة الفتنة عن الناس، وسواء ما يمارسه الكفار من أشكال التعذيب والتضييق على المسلمين ليرتدوا عن دينهم، أو الأوضاع والأنظمة الشركية، وما ينتج عنها من فساد في شتى مجالات الحياة، أو فتنة الكفار أنفسهم وصدهم عن استماع الحق وقبوله. ٣ - حماية الدولة الإسلامية من شر الكفار، وحقيقتها حماية العقيدة والمنهج، وكلما امتد الإسلام إلى أرض وأزال عنها أنظمة الشرك صارت داخلة في الدولة الإسلامية. ٤ - قتل الكافرين وإبادتهم ومحقهم، كما قال تعالى: [فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوَهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ] (محمد: ٤) ، وقال تعالى: [فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ] (الأنفال: ١٢) وقال عمر بن الخطاب ﵁ لما استشاره رسول الله ﷺ في أسارى بدر: «والله! ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه، وتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه؛ حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم» [٣٠] . وقال تعالى: [قَاتِلُوَهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] (التوبة: ١٤-١٥) . وقد قُتل أبو جهل على يدي شاب من الأنصار، ثم بعد ذلك وقف عليه عبد الله بن مسعود ﵁ ومسك بلحيته، وصعد على صدره حتى قال أبو جهل: «لقد رقيت مرتقاً صعباً يا رويعي الغنم!» ، ثم حز عبد الله بن مسعود رأسه واحتمله حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ ، فشفى الله به قلوب المؤمنين، قال الحافظ ابن كثير: «كان هذا أبلغ من أن تأتيه صاعقة، أو أن يسقط عليه سقف منزله، أو يموت حتفه، والله أعلم» [٣١] . ٥ - إرهاب الكفار، وإخزاؤهم، وإذلالهم، وإيهان كيدهم، وإغاظتهم، كما قال تعالى: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] (الأنفال: ٦٠) ، وفي حديث أم مالك البهزية ﵂ قالت: «ذكر رسول الله ﷺ فتنة فقرَّبها، قلت: يا رسول الله، من خير الناس فيها؟ قال: رجل في ماشيته يؤدي حقها ويعبد ربه، ورجل آخذ برأس فرسه يخيف العدو ويخوفونه» رواه الترمذي [٣٢] ، ورواه الحاكم ولفظه: «يخيفهم ويخيفونه» ، وصححه ووافقه الذهبي [٣٣] ، وصححه الألباني [٣٤] . قال ابن القيم: «ولا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوه وإغاظته له. وقد أشار سبحانه إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه؛ أحدها قوله تعالى: [وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَة] (النساء: ١٠٠) ، سمى المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله مراغماً يراغم به عدو الله وعدوه، والله يحب من وليه مراغمة عدوِّه وإغاظته، كما قال تعالى: [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ] (التوبة: ١٢٠) ، فمغايظة الكفار غاية محبوبة للرب مطلوبة، فموافقته فيها من كمال العبودية ... وعلى قدر محبة العبد لربه وموالاته ومعاداته لعدوه يكون نصيبه من هذه المراغمة، ولأجل هذه المراغمة حُمد التبختر بين الصفين» [٣٥] . * وهذه بعض الأهداف الأخرى: للجهاد أهداف سامية، ومصالح كريمة، وفوائد عظيمة تتحقق للمسلمين في ذوات أنفسهم متى مارسوا الجهاد، ومنها: ١ - كشف المنافقين: فإن المسلمين في حال الرخاء والسعة ينضاف إليهم غيرهم؛ ممن يطمعون في تحقيق مكاسب مادية ولا يريدون رفع كلمة الله على كلمة الكفر، وقد يتصنعون الإخلاص فيخفى أمرهم على كثير من المسلمين، وأكبر كاشف لهم هو الجهاد؛ لأن العبد يبذل فيه أغلى ما يملك غير عقيدته وهو روحه، والمنافق ما نافق إلا ليحفظ روحه، والله تعالى يقول: [فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا القِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ ... ] (محمد: ٢٠) . والمنافقون هم العدو الداخلي، وكثيراً ما يفوق العدو الخارجي، فإذا عُرفوا مُنعوا من الغزو مع المسلمين، ولا يستمع المسلمون لما يعرضونه عليهم من أراجيف وتثبيط، ومن أقاويل يلبسونها ثياب النصح والإصلاح. وواجب المؤمنين حينئذ هو كما قال تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ] (التوبة: ٧٣) . ٢ - تمحيص المؤمنين من ذنوبهم: كما قال تعالى: [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ] (آل عمران: ١٤٠-١٤١) ، قال ابن كثير: « [وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا] ؛ أي يكفر عنهم من ذنوبهم إن كان لهم ذنوب، وإلا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به. وقوله: [وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ] ؛ أي فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم» [٣٦] . ٣ - تربية المؤمنين على الصبر والثبات والطاعة وبذل النفس؛ إذ الركون إلى الراحة والدعة، وعدم ممارسة الشدائد والصعاب؛ تورث العبد ذلاً وخمولاً وتشبثاً بمتاع الحياة الدنيا. وهكذا خوض المعارك، ومقارعة الأعداء، والتعرض لنيل رضا الله في ساحات الوغى؛ يصقل النفوس ويهذبها، ويذكرها بمصيرها، ويوجب لها استعداداً للرحيل؛ حتى تصبح ممارسة الجهاد عادة لها تشتاق لها كما يشتاق الخاملون للقعود والراحة. وكذلك تتربى نفس المجاهد على صفات محمودة كالشجاعة والنجدة والصبر والأخوة والعفو، وتزول عنها الصفات المذمومة كالجبن والشح والهلع والأنانية.. ونحو ذلك.

стр. 4472

قضايا دعوية المكتبات الوقفية الإسلامية ومتغيرات عصر المعلوماتية محمد بن علي شماخ M.shamak@maktoob.com * المقدمة: إن من أعظم ما يتميز به الدين الإسلامي نظرته لمنفعة المجتمع بشكل عام، فقد تكون هذه المنفعة مقدمة من فرد واحد أو مجموعة أفراد؛ لذلك شجع الإسلام من منطلق الصدقة الجارية إنشاء مؤسسات ذات نفع عام متعد، ويعتبر هذا العمل من الطاعات التي تقرب إلى الله ، فـ «الطاعات ضربان: أحدهما: ما هو مصلحة في الآخرة كالصوم، والصلاة، والنسك، والاعتكاف. والضرب الثاني: ما هو مصلحة في الآخرة لباذله، وفي الدنيا لآخذيه كالزكاة، والصدقات، والضحايا، والهدايا، والأوقاف، والصِّلات» [١] . وكانت هذه المؤسسات تأخذ أشكالاً عدة؛ فمن خانات لإقامة المسافرين، إلى المستشفيات لعلاج المرضى، إلى المكتبات للبحث والاطلاع، إلى حفر الآبار، وبناء المساجد، إلى غير ذلك من أوجه البر والإحسان بما يفيد الأمة. وقد شهدت القرون الأولى للهجرة قيام حركة علمية كبيرة نشأ عنها ظهور الكثير من المؤلفات، واكتشاف العديد من العلوم لم تكن معروفة من قبل، ودعت الحاجة الماسة إلى وجود مكان يحتوي هذه المؤلفات، ويجتمع فيه العلماء وطلبة العلم للقراءة والبحث، فتم إنشاء دور العلم، وهو ما يطلق عليه في الوقت المعاصر: (المكتبات العامة) ، ونظراً للحاجة لمثل هذا الدور قام الكثير من الوزراء والعلماء والميسورين بإنشاء العديد من المكتبات التي أوقفوها لله . لقد برهن قيام العديد من دور العلم على (مدى إدراك الواقفين في ذلك العصر لأهمية المكتبات، ولا سيما لطلبة العلم، في وقت لم تعرف فيه الطباعة الحديثة، وكانت الوسيلة الوحيدة للحصول على نسخة من كتاب هي إعادة نسخه بخط اليد؛ مما جعل الكتاب نادر الوجود، وإذا وجد فإنه يكون باهظ الثمن، ومن هنا تبدو أهمية الأوقاف في تيسير الحصول على الكتاب؛ سواء للاطلاع أو النسخ أو المقابلة، وهذا ما يفسر أيضاً حرص الواقفين الشديد على هذه الكتب لضمان استمرار منفعتها، فضلاً عن أن ريع الأوقاف كان هو المصدر الرئيس للصرف على خزانات الكتب الملحقة بالمدارس وغيرها من المنشآت الدينية، وبذلك تكون الأوقاف قد ساهمت مساهمة كاملة في خلق أجيال من العلماء « [٢] ، ونظراً لعوامل مختلفة أصابت الدولة الإسلامية، وخصوصاً منذ هجوم التتار على بغداد، شهدت الحركة العلمية في العالم الإسلامي حالة من الضعف كانت تتسم بالتذبذب من مكان إلى آخر، وقد انعكست هذه الحالة على الأوقاف بصفة عامة، ومكتبات الأوقاف بصفة خاصة، فأهملت الكثير من المكتبات الوقفية؛ مما جعلها فريسة سهلة للضياع والاندثار، ومع أنه قامت في فترات زمنية مختلفة الكثير من هذه المكتبات إلا أنها تواجه الصعوبات نفسها. وأمام حالة الضعف هذه التي تعيشها المكتبات تأتي رياح التغيير العاتية لعصر المعلوماتية، فنجد الكثير من هذه المكتبات الوقفية تقف عاجزة عن اللحاق بركب هذه المتغيرات، حتى رأى البعض أن هذه المكتبات أصبحت غير نافعة لمثل هذا العصر. * تعريف الوقف والمكتبة الوقفية: روي في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:» إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له « [٣] ، ومن خلال هذا الحديث؛ سعى المسلمون على مر العصور والأزمان إلى إقامة المشاريع الخدمية؛ سعياً وراء الحصول على المثوبة والأجر من الله ؛ لذلك تم إنشاء العديد من الأوقاف التي تحقق الفائدة للأمة، فتم إنشاء المدارس والبارمستانات والمكتبات والخانات، وتم حفر الآبار وشق الطرق.. إلى غير ذلك من الخدمات التي تصب جميعها في تيسير الخدمات على المسلمين. ويعرِّف الفقهاء الوقف بأنه:» هو الحبس، وهما لفظان مترادفان يعبر بهما الفقهاء عن مدلول واحد، وإن كان الرصاع يرى أن الوقف أقوى في التحبيس، ويطلق على ما وقف فيقال: هذا وقف فلان؛ أي الذوات الموقوفة، فيكون فعلاً بمعنى مفعول؛ كنسج بمعنى منسوج. ويطلق على المصدر وهو الإعطاء، وَحَدَّه ابن عرفة بأنه: «إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازماً بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديراً» ، وحدَّه ابن عبد السلام بأنه إعطاء منافع على سبيل التأبيد، وهو «جعل منفعة مملوكة بأجرة، أو غلته لمستحق بصيغة مدة ما يراها المحبس» وعند أبي حنيفة: «حبس العين على حكم ملك الواقف، والتصدق بالمنفعة» وعند ابن قدامة: «ومعناه تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة» [٤] . ومن خلال التعريف السابق يمكن الخلوص بتعريف للمكتبات الوقفية بأنها: «دار تحتوي على مجموعة من أوعية المعلومات؛ تم تحبيسها لتقديم خدماتها للمستفيدين الراغبين في الاطلاع والبحث؛ راجين في هذا العمل المثوبة والأجر من الله » . * نبذة تاريخية عن المكتبات الوقفية: أجمل ما يمكن أن نصف به ما تمثله المكتبات الوقفية في حياة الأمة الإسلامية أنها كالعين التي تفيض بالماء، فهذه العين تفيض بماء الحياة من العلوم والمعارف، تجري منه أودية الثقافة تسقي مختلف العقول، فينتج منها مختلف الثمار تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، تكون هذه الصورة لحقل باهي الجمال، متناسق الأركان من الحضارة الإسلامية، قطفت البشرية من ثمار هذه العين حضارة بلغت أوج عزها ومنعتها، هذه العين مع مرور الزمان تقادمت أدوات الاستفادة من معينها فأصبحت في حاجة ملحة إلى إدخال الوسائل الحديثة؛ حتى تعود إلى سابق عهدها، وتعيد مجدها التليد. فـ «بالنسبة للمكتبات في الإسلام، فهي نتاج طبيعي للحضارة العربية الإسلامية، وانعكاس واضح لها، وقد ساهمت هذه المكتبات في توسيع نطاق هذه الحضارة، وفي الحفاظ عليها ونقلها سليمة إلى الأجيال المسلمة المتعاقبة، وعندما اتسع أفق المسلمين الثقافي وازدهرت حضارتهم، وتنوعت اهتماماتهم الفكرية والعلمية؛ ازداد عدد المكتبات وتنوعت أغراضها حتى شملت جميع أنواع المكتبات» [٥] . ولقد كان الهدف الذي يسعى إليه منشئ المكتبة هو «تسهيل سبل الدرس والمطالعة والتأليف والترجمة لمن يرغب في ذلك، فقد كان يتعذر على الناس أن يقفوا على الكتب العلمية النادرة، والتي ترجمت من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية، فذلل الخلفاء للناس سبل المطالعة والدرس في (بيت الحكمة) الذي أنشئ لنشر العلوم والمعارف المنقولة عن الأمم الأخرى» [٦] ، فتم إنشاء الكثير من المكتبات في مختلف المدن الإسلامية، فقلما تجد مدينة إلا وفيها مكتبة يستفيد منها أهلها والزائرون لها، وكانت تلك المكتبات ملحقة في الغالب بالمساجد التي كانت أشبه بالجامعات في وقتنا المعاصر، فيتحقق لطلاب العلم الفائدة من وجود قاعات الدرس، وأماكن للبحث والاطلاع والتصنيف. ولقد مرت المكتبات الإسلامية بشكل عام، ومكتبات المساجد بشكل خاص؛ بأدوار أو مراحل مختلفة عبر تاريخها، تتلخص فيما يأتي: أولاً: دَوْر الحضانة أو البداية (القرن الأول الهجري) ، وقد انصبَّ الاهتمام في هذه المرحلة على تدوين القرآن الكريم والحديث الشريف؛ لذا تعد نسخ القرآن الكريم والحديث الشريف النواة الأولى لمكتبات المساجد في الإسلام. ثانياً: عصر النمو والتطور والازدهار (القرن الثاني وحتى بداية السابع الهجري) ، وتبدأ هذه المرحلة بعد تأسيس الدولة العباسية بفترة وجيزة، وكان أوجها في زمن المأمون الذي شجع العلم والعلماء، وفي هذه المرحلة كانت المكتبات الإسلامية بشكل عام ومكتبات المساجد بشكل خاص مراكز إشعاع ثقافي. ثالثاً: النهاية (القرن السابع الهجري حتى بداية العصر الحديث) ، وقد تقهقرت المكتبات الإسلامية، وانتهت نتيجة عوامل داخلية تعرض لها العالم الإسلامي، أو عوامل خارجية كالغزو المغولي الذي أحرق مكتبات بغداد، والغزو الصليبي الذي دمر مكتبات بلاد الشام، وأما الإسبان فقد أحرقوا كثيراً من المكتبات الإسلامية في الأندلس « [٧] . ويمكننا إضافة المرحلة الرابعة: وهي مرحلة إعادة البناء والنهوض على قاعدة التنمية الشاملة للوقف الإسلامي من منطلق» أن هذه الصعوبات التي تعترض وقف الكتب أو الوقف عليها؛ لا ترقى إلى أن تحول دون الاستمرار في هذا النهج الحضاري المطلوب دائماً في سبيل نشر الكتاب بين مريديه والمستفيدين منه؛ مما ينعكس إيجاباً على العلم والفكر والثقافة، ويثري الحركة الثقافية بالتأليف والترجمة والنشر، ولا ينبغي النظر إليها إلا من منطلق أنها بحاجة إلى من ينظر إليها نظرة جادة؛ تضعها في موقعها اللائق بها، فلا تهمل إهمالاً يضر بحركة الوقف، ولا توضع على أنها عقبات كأداء تحد من الاستمرار في الدعوة إلى المزيد من جهود الواقفين؛ ذلك أنه مع الصعوبات التي تعترض وقف الكتب والمكتبات، يظل هذا الأسلوب الحضاري من أهم الموارد التي تعين على بناء المكتبات في المجتمع المسلم « [٨] . * بداية الطريق: لقد خلقت المتغيرات الحديثة ضرورة حتمية على المكتبات للقيام بتعديل السياسات المعمول بها؛ بحيث تكون هذه السياسة متوافقة مع التقنيات الحديثة، والكف عن الوسائل اليدوية التقليدية التي أصبحت عاجزة عن الحصول على رضا المستفيدين،» وعادة ما تكون رؤية الموظف هي أن السماح بالتغيير يتطلب موارد إضافية، وفي معظم الأحوال لا يتوفر وقت أو مال إضافيان، ويجب أن يكون هناك قرار واع لتوفير الوقت والأموال اللازمة للتجديد، كما ينبغي أن يكون ماثلاً في الذهن أن الأخطاء التي ترتكبها لن تكون أرخص مما هي عليه طالما أن النفقات في ارتفاع مستمر « [٩] . إن العمل على توجيه السياسات المالية للمكتبة، والعمل على إدخال النظم الحديثة من ضمن الأوليات؛ يحتم على المكتبة تخصيص بند في الميزانية العامة للمكتبة لشراء الأجهزة والحواسيب للسنة الأولى، ولصيانة الأجهزة وتطوير برامجها في السنوات التالية؛ كل ذلك بقدر ما سيكون مكلفاً في بداية الأمر، ولكنه سينعكس إيجابياً في مستوى الخدمات، وتوفير الكثير من المخصصات الأخرى فيما بعد؛ فالوسائل الحديثة سوف توفر الكثير من المخصصات الموجهة للاقتناء، وتخفض الحيز المكاني وشراء الأرفف لوضع الكتب ومبنى المكتبة، كذلك فإن تلك الوسائل لها أثر على السياسة العامة للتوظيف في المكتبة، وإجمالاً يمكننا مشاهدة أثر هذه المتغيرات على المكتبات من خلال محاور عدة؛ منها: ١ - مقتنيات المكتبة: إننا» في ظل تأثير التطورات التكنولوجية والإلكترونية على المكتبات؛ لم تعد مجموعاتها تعرف بأنها تلك المقتناة بين جدرانها، ولكن المعلومات التي تستطيع الوصول إليها عن طريق مراصد البيانات « [١٠] ؛ لذلك لا بد للمكتبات الوقفية من مواكبة تطورات العصر والعمل على تحقيق نقلة نوعية؛ من مكتبة تحتوي على الكتب إلى مركز للمعلومات يكون قادراً على أن يجعل» كل وثيقة في عالم الإنتاج الفكري المتوافر، أو أية بيانات تشتمل عليها الوثائق في متناول أي عضو في مجتمع المستفيدين، ويعني ذلك أن يكون عالم المصادر الوثائقية في متناول مجتمع المستفيدين على درجات متفاوتة من السرعة واليسر، ونظراً لأنه لا يمكن لأي مركز للمعلومات أن يقتني كل شيء؛ فإنه من المهم أن يقتني أنسب الوثائق وأكثرها أهمية بالنسبة للمستفيدين من خدماته، ومن المهم أيضاً أن يكون مركز المعلومات قادراً على أن يقتني بسرعة أي وثيقة أخرى تدعو الحاجة إليها في مجتمع المستفيدين؛ سواء عن طريق الشراء أو التصوير الضوئي، أو تبادل الإعارة بين المكتبات، هذا بالإضافة إلى حاجة ما تضمه مقتنيات المركز من وثائق « [١١] ؛ وعليه فلا بد للمكتبات من تعديل سياسة بناء المجموعات لديها؛ من الاقتناء إلى الوصول إلى المعلومة. ولذلك تعد قضية العمل بهذه الفكرة أمراً لا مفر منه، فيجب على الجهات المشرفة على المكتبات الوقفية، ونظام الأوقاف أن تضع البرامج العملية لتحقيق هذه النقلة النوعية؛ خصوصاً أنه ليس هناك ما يمنع ذلك من الناحية الشرعية؛ من استثمار خدمات المكتبات وتثميرها، وذلك» أن تثمير الوقف أغبط للمنتفع، وأنمى لأجر الواقف؛ لهذه الاعتبارات متضامنة، والتي تدور على محور المصلحة؛ نرى أنه لا حرج إن شاء الله في استثمار غلات الأوقاف التي نص الواقف على صرفها على جهة، بعد تغطية حاجة الجهة المذكورة، وحتى قبل ذلك إن لم توجد ضرورة شديدة تدعو إلى الإنفاق، ومع ذلك ينبغي أن تكون الأفضلية للاستثمار في عقارات من جنس الوقف، بالإضافة إلى التوثيق الأكيد، ووضوح الجدوى، وعدم المضاربة في حرام ولا في شبهة؛ لأن ذلك مخالف لقصد الوقف « [١٢] . ٢ - العمليات الفنية في المكتبات: ساهمت التقنية الحديثة في الوفرة المعلوماتية، بجانب سهولة الحصول على هذه المعلومات، كل هذه العوامل ألقت بظلالها على رؤية المجتمع لهذه الوسائل، وانعكس ذلك بدوره على الكثير من العمليات الفنية التي كانت تعمل بالوسائل اليدوية، وتستنزف الكثير من الوقت والجهد والمخصصات المالية، فلا عجب» أن التقنيات التي تؤدي إلى التحول الاجتماعي، ومن ثم تدفع منظمات خدمة المكتبات والمعلومات إلى التغيير؛ تقدم كثيراً من أدوات هذا التغيير؛ فالحاسوب والفيديو ووسائل الاتصال عن بُعد، والأجهزة الأخرى التي خلقت الحاجة إلى التغيير؛ توفر أيضاً أساليب للتأثير في ذلك التغيير، وقد استخدم الأدوات المتاحة، وأن تتعلم كيفية العناية بها، ولم يحدث في وقت من الأوقات أن توفر لأصحاب مهنة المكتبات والمعلومات مثل هذا التنوع في الأدوات المتاحة لإنجاز الأعمال « [١٣] ، ومن هذه العمليات التي تم إدخال التقنيات الحديثة في إجراءاتها العملية ما يلي: أ - إعداد الفهارس: يعد الفهرس هو المفتاح لأي مكتبة؛ فلا يستطيع أي مستفيد الحصول على بغيته من المكتبة ما لم يستفد من إمكانيات فهرس المكتبة، ولقد ظل الفهرس البطائقي فترة من الزمن من أكثر الأشكال استخداماً في الكثير من المكتبات، وكانت تواجه الباحثين في استخدام الفهرس عدة عقبات؛ منها: - أن الفهرس البطائقي لا يمكن لأكثر من مستفيد استخدامه في الوقت الواحد. - لا يمكن استعمال الفهرس البطائقي إلا داخل المكتبة. - يحتاج إلى بعض الوقت حتى يتم إضافة البطاقات الجديدة إليه. - يكلف المستفيد بعض الوقت والجهد للحصول على المعلومة. - يكون الفهرس البطائقي غالباً لشكل واحد من أوعية المعلومات وهو الكتاب. ومع ظهور الخدمات المتعددة لتقنية الحاسوب عمد المكتبيون إلى الاستفادة من الخدمات الكبيرة المتوفرة في الحاسوب؛ في سبيل تحقيق أيسر الطرق لوصول المستفيد إلى ما يحتاج إليه من محتويات المكتبة، ووجدوا» أن الوضع الأمثل لإتاحة المعلومات يكون بتوفير إمكانات البحث للمستفيد في الموضوعات التي يرغب فيها؛ من خلال الفهرس الآلي المباشر OPAC للمكتبة المحلية التي يستخدمها؛ بحيث يمكنه استرجاع المعلومات بالأشكال المختلفة التي يرغب فيها؛ بما في ذلك الأشكال الإلكترونية أيضاً، والتي قد تتوافر على الأقراص المدمجة CD-ROM أو قواعد للبيانات، أو شبكات للمعلومات مثل شبكة الإنترنت « [١٤] . ب - عملية التزويد: تعتبر عملية التزويد من أكثر العمليات الداخلية بالمكتبة مواكبة للتطورات؛ حيث إن الهدف الرئيس لعملية التزويد هو توفير كل ما هو جديد وما يحتاج إليه المستفيد في المكتبة، ولقد مرت إجراءات التزويد بعدة مراحل من خلال كل ما هو متاح من التقنية الحديثة؛ فلقد كانت عملية كتابة الطلب تتم بواسطة اليد، وترسل بواسطة البريد المعتاد في عملية تتسم بالبطء الشديد، ومتابعة سير العملية بواسطة الهاتف، ثم شهدت تغيراً ملحوظاً، وأصبحت كتابة الطلب تتم بواسطة الآلة الكاتبة، وترسل بواسطة الفاكس. وفي عصر الإنترنت تغيرت العملية بشكل كبير؛ فالكثير من دور النشر تنشئ لها متاجر افتراضية على الشبكة التي تسوّق فيها منتوجاتها، ويقوم القائمون بعملية التزويد بالمكتبة من خلال الاطلاع على المعروض، اختيار المناسب، ومعرفة أسعار تلك المواد مباشرة، ووضع تلك المواد في سلة المشتريات، وتسجيل عنوان المكتبة والبريد الإلكتروني، وتسديد الحساب، ومن ثم تقوم دار النشر بإرسال المطلوب إلى المكتبة. » ويلخص ريتشارد بوس الدوافع المحتملة لاستخدام الحاسب الإلكتروني في أعمال التزويد على النحو التالي: ١ - تحقيق السرعة في إجراءات التزويد، ورفع معدلات إصدار أوامر التوريد. ٢ - خفض تكاليف التزويد. ٣ - زيادة سرعة إعداد أوامر التوريد، وتلقِّي الأوعية المطلوبة. ٤ - الارتفاع بمستوى إدارة الموارد المالية. ٥ - تطوير النظام الآلي الخاص بقطاع معين ليصبح نظاماً متكاملاً. ٦ - الارتفاع بمستوى المعلومات الإدارية. ٧ - تحقيق التوافق مع الأقران في سياق تقاسم الموارد. ٨ - تشجيع المكتبة على الاستفادة من التكنولوجيا المتطورة « [١٥] . ت - القوائم الببليوغرافية: ساهمت تقنية الحاسوب في التعرف على كل مقتنيات المكتبة من أوعية المعلومات، والتي بدورها تسهِّل الكثير من الأعمال الخاصة بإعداد قوائم ببليوغرافية للمستفيدين عند الطلب، ومن ذلك: ١ - توفير الكثير من الوقت على الباحث في الوصول إلى مصادر المعلومات المطلوبة. ٢ - تمتاز بالدقة الكبيرة في الوصف الحقيقي لموضوع الوعاء المعلوماتي. ٣ - تحقق نسبة عالية للمستفيد تجاه الخدمات التي تقدمها المكتبة. ٤ - تكون هذه القوائم الببليوغرافية شاملة لأوعية المعلومات المختلفة. فعلى سبيل المثال» يحتوي الإنترنت على العديد من قواعد البيانات الببليوغرافية الخاصة بالعديد من المكتبات على مستوى العالم، والدخول إلى تلك القواعد عملية من العمليات السهلة والتي لا تحتاج إلى تدريب، ويمكن لأي شخص ليس لديه إلمام كاف بالحاسب أن يقوم بإجراء البحوث الخاصة به في تلك القواعد؛ إذ يكفي تتبع الأوامر والإشارات الخاصة بكل قائمة تظهر على الشاشة أمام المستفيد « [١٦] . ث - البث الانتقائي للمعلومات: تعمد المكتبة من خلال الحصول على العناوين الخاصة بالمستفيدين الدائمين في المكتبة، وبالاستعانة بقائمة اهتمامات المستفيدين من أخبار المستفيد، بل ما هو جديد في المكتبة في مجال اهتمامه، وتتم عملية الاتصال هذه بواسطة الهاتف أو البريد أو الفاكس أو البريد الإلكتروني أو غيرها من الوسائل التي تؤدي الغرض نفسه. ج - خدمة الإحاطة الجارية: من المتعارف عليه أن المكتبة تخصص مكاناً لعرض مقتنياتها الجديدة من مصادر المعلومات حتى يتمكن الزائر للمكتبة من معرفة كل ما هو جديد في هذه المكتبة، ونظراً لقيام بعض المكتبات بتطوير خدماتها نحو وصول المعلومة إلى المستفيد قبل المبادرة إلى البحث عنها، فإن المكتبة تقوم بعمل الآتي: ١ - الاستفادة من موقع المكتبة على شبكة الإنترنت؛ بتخصيص حيز من الموقع لتقديم هذه الخدمة؛ من خلال التعريف بالمقتنيات الجديدة في هذه المكتبة. ٢ - من خلال معرفة العناوين الخاصة بالمستفيدين والباحثين الدائمين بالمكتبة ترسل إليهم قائمة بالمقتنيات الجديدة فيها، وتتم عملية الاتصال هذه بواسطة الهاتف أو البريد أو الفاكس، أو البريد الإلكتروني أو غيرها من الوسائل التي تؤدي الغرض نفسه. ح - خدمة الإعارة: في غالبية المكتبات العامة التي تقدم خدماتها للجمهور يكون هناك قسم خاص لتقديم خدمة الإعارة؛ سواء كانت إعارة داخلية أو خارجية، ويتميز سجل الإعارة في المكتبة بأنه السند القوي لما تمتلكه المكتبة مما استعاره الجمهور، ولقد كان الدور الذي قام به سجل الإعارة دوراً عظيماً في حفظ ممتلكات المكتبة، ولكن نظراً لكثرة المستعيرين ضعفت حالة الضبط لدى قسم الإعارة بالمكتبة؛ فالكثير من الكتب تعار ويمر عليها فترة من الزمن بسبب أو آخر لدى المستفيدين دون إعادتها للمكتبة، ومن دون متابعة من قسم الإعارة، وكم هي المرات التي يأتي فيها مستفيد يبحث عن مرجع معين، فيتم البحث عنه فلا يتم العثور عليه على أرفف المكتبة! فيدل ذلك على أنه قد تمت إعارته، فيطلب المستفيد اسم الشخص الذي استعاره، وتبدأ عملية البحث الطويلة في سجلات الإعارة! كل ذلك الوقت والمجهود قد تم اختصاره من خلال القيام بخدمات الإعارة بواسطة الحاسوب. لقد ساهمت تقنية الحاسوب في توفير الكثير من الوقت والطاقات، فيمكن لقسم الإعارة تحديد مكان الكتاب المعار في دقائق، كذلك إعداد إحصائيات بيانية لعمليات الإعارة خلال فترة معينة من الزمن، واتجاهات المستفيدين في عملية الإعارة في دقائق معدودة. ٣ - الفريق الوظيفي في المكتبة: ساهمت التطورات التقنية في المكتبات في تغيير المفاهيم الخاصة بالقائمين على المكتبات، وتحولت مكانة أمين مكتبة إلى مختص معلومات تكون مهمته معرفة كيفية الوصول إلى المعلومة، ويتعامل مع أكثر الوسائل العلمية تطوراً. هذه العوامل أدت إلى القيام بعمليات إعداد للقائمين على المكتبات بما يكفل إجادة استخدامهم لهذه الوسائل؛ ذلك أن» وظيفة أمناء المكتبات تطرح إشكالية التجديد في المهارات والتقنيات التدريبية؛ للتحكم في وتيرة المتطلبات الجماعية للفئات الاجتماعية، وتتطلب الأوضاع الجديدة لقطاع المعلومات وسائل عملية؛ يكون بمقدورها التكيف مع مستجدات المجتمع المعلوماتي « [١٧] ؛ لذلك تسعى المكتبة من خلال إقامة الدورات التدريبية، واستضافة الخبراء، وإقامة الندوات والمؤتمرات العلمية لتحقيق هذا الهدف، ولا شك» أن دورة العمل تسمح للعاملين باستيعاب مهارات جديدة لتوسع دائرة مهاراتهم بالعمل تبعاً لنظم مختلفة على أسس مؤقتة، وتكون النتيجة أن يصير العاملون أكثر تعدداً في المهارات، إلى جانب تقليل الملل، وتبسيط جدولة العمل من جراء مرونة العامل في مجالات العمل المختلفة « [١٨] ، وتختلف الدورات الخاصة بالعاملين بالمكتبة من وظيفة إلى أخرى؛ فالعاملون ذوو الاتصال المباشر مع المستفيدين تقام لهم دورات خاصة بهم في مجال تخصصهم، وكل ما هو جديد فيه، ويضاف إلى ذلك دورات خاصة بالعلاقات العامة، وعلى المنوال نفسه بالنسبة للإدارة المكتبية، وأقسام الإجراءات الفنية، مع إقامة هذه الدورات بشكل متواصل ومستمر، و» يشكل التعليم والتدريب المتواصل للعاملين في قطاع المعلومات أحد الشروط الضامنة لنجاح السياسة الاستراتيجية للمعلومات؛ لأن العنصر البشري يبقى ركيزة أساسية في النظام المعلوماتي؛ مهما كانت درجة التطور، وتسهم البرامج التدريبة والتعليمية في تجديد المعارف والمهارات والخبرات لأمناء وموظفي المراكز التوثيقية « [١٩] . ٤ - مبنى المكتبة الوقفية: لا شك أن التحول إلى استخدام التقنية الحديثة يسهم بشكل كبير في الحصول على أعلى درجات الرضى لدى المستفيدين؛ ولذلك نجد» أن المكتبات لم تُقْدِم على استخدام هذه التقنية بدون مسوِّغ، وإنما تلقتها عندما وجدت في إمكاناتها ما يدعم خدماتها، ويحقق لها أعلى معدلات عائد التكلفة، بل ويحقق اقتناؤها أرباحاً ملموسة إن لم تكن مؤكدة، وخاصة في العائد المباشر المتمثل في خفض نفقاتها المادية التي كانت توجه إلى اقتناء مصادر المعلومات المطبوعة بكل أشكالها، وخاصة الدوريات والمصادر المرجعية، هذا فضلاً عن خفض تكاليف إجراء عمليات البحث في قواعد البيانات العاملة على الخط المباشر، إلى غير ذلك من جوانب الاستثمار المباشر أو غير المباشر في خدمات المعلومات، وتلبية احتياجات المستفيدين، وتوفير الحيز، وتعزيز المكانة الوظيفية بالمكتبات « [٢٠] . ويشكل مبنى المكتبة أهمية بالغة عند تأسيسها، ونظراً لصعوبة توفر المبنى الذي يحتوي ذلك الكم الهائل من الكلمة المطبوعة، إضافة إلى ذلك ما تنتجه المطابع كل يوم من مختلف الإنتاج الفكري؛ أدى ذلك إلى الحاجة الملحة لإيجاد وسائط يمكنها أن تحتوي أكبر قدر ممكن من المطبوعات في أقل حيز ممكن من المساحة؛ فكان لتطويع الوسائط المتعددة أثره البالغ في توفير المساحات الكبيرة التي كانت مخصصة لحفظ الكتب فيها؛ فلقد» أسهمت التقنية الحديثة في نقل المعلومات في مزاحمة الكتاب الموقوف، ولا سيما إذا تعرض هذا الكتاب للنسخ الآلي، وأضحى قابلاً للاستفادة منه آلياً بإدخال المكتبة كلها في نظام الأقراص المدمجة التي ربما استوعب الواحد منها المكتبة الموقوفة كلها، وربما هذا يصدق على النسخ المنقولة من الورق إلى الأقراص المدمجة قبل أن يتم نقل الكتب الموقوفة إلى المكتبة « [٢١] ، لقد كان للوسائط المتعددة والإنترنت أثرهما الواضح والكبير في المساحات المخصصة للكتب والمراجع، فقد تم توفير ذلك على المكتبات والذي بدوره يوفر على المكتبة الوقفية الكثير من المخصصات التي كانت توضع لصالح شراء المقتنيات، وتوفير الفريق المتخصص للفهرسة والتصنيف؛ كذلك يوفر على المكتبة الحيز المكاني الذي تستهلكه أرفف الكتب والمراجع، ويتم استثمار هذه المساحات في توفير قاعات إضافية للمطالعة يوجد بها أجهزة حاسوب لاستخدام الإنترنت والوسائط المتعددة. ومن خلال العرض السابق للمتغيرات المؤثرة على مبنى المكتبة الوقفية؛ يمكننا القول بأن المكتبة الوقفية المعاصرة تعمل على الاستفادة من المساحات الكبيرة المخصصة للكتب، وتوجيهها لصالح قاعات المطالعة، والمخصصات المالية لشراء أوعية المعلومات لصالح شراء أجهزة الحاسوب وغيرها، وصيانة هذه الأجهزة. ٥ - شكل التنظيم الإداري للمكتبات الوقفية: لا شك أن أي عمل مؤسسي ناجح يدل على وجود إدارة ناجحة، والمكتبات الوقفية بصفة عامة بحاجة إلى جهات متخصصة تشرف على إدارتها، وتنظيم الأنشطة والفاعليات التي تقوم بها في المجتمع، وجميع الأنشطة التي تقوم بها مع الجهات والمكتبات الأخرى. وكان الإشراف على المكتبات الوقفية فيما مضى من اختصاص نظار الوقف، وكان بعضهم يتصرف بمال الأوقاف بطريقة أدت إلى حالات الهدر الكبيرة وتعطيل المنافع، فكان لا بد من سن» أعراف وأنظمة مختلفة في كثير من الأقطار الإسلامية تتعلق بالأوقاف، ومن أهم هذه الأنظمة إنشاء وزارات الأوقاف التي أصبحت الجهة التي تمثل الإمام في رعاية شؤون الأوقاف العامة، أو الأوقاف المجهولة المصرف، وتتمتع بصلاحيات واسعة، إلى جانب القضاء في تقديم النظار وعزلهم، إلا أنها لا يمكن أن تحكم في الخصومات التي تنشأ في الأوقاف؛ سواء فيما يتعلق بإثبات وقفيتها أم تعيين المصرف « [٢٢] ، وعلى المنوال نفسه قامت الجمعيات الخيرية ومؤسسات النفع العام بتطبيق الفكرة نفسها؛ فقد خصص بعضها إدارة مستقلة للإشراف على الأوقاف. وزيادة في التخصص فقد تم إنشاء إدارة خاصة بالمكتبات، وهذه الجهات المسؤولة عن مثل هذه المكتبات ما لم تكن متخصصة في علم المكتبات فلن تستطيع الإمساك بزمام الأمر، وتحقيق رسالة المكتبة التي من أجلها أنشئت. ونظراً لصعوبة قيام كل مكتبة منفردة بمواكبة مثل هذه المتغيرات السريعة مما يجعلها تقف عاجزة أمام تقديم الخدمات التي تنال رضى جمهور المستفيدين؛ فإنه يمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء إدارة تكون قادرة على تحقيق التنسيق بين المكتبات الوقفية، ومواكبة هذه المكتبات لمتغيرات العصر بما لا يخالف الأحكام الشرعية وشروط الوقف. ويكون على عاتق إدارة المكتبات الوقفية عدة مهام؛ منها: ١ - الإشراف على عمليات الاقتناء للمكتبات: مما يجعل مقتنيات مجموعة من المكتبات متوفرة لدى المستفيد، والتي بدورها توفر على المكتبات الكثير من المخصصات المالية في عملية الاقتناء، فتقوم بوضع قائمة باحتياجات كل مكتبة من أوعية المعلومات وعناوينها، ومن ثم اختيار المناسب على ضوء الميزانية المقررة، وهذه العملية تساهم في الحد من تكرار العناوين في المكتبات. ٢ - إصدار الفهرس البطائقي أو الآلي: ويتم تعميم هذا الفهرس على المكتبات المنضوية تحت إشراف هذه الإدارة، كذلك يمكن وضع هذا الفهرس في شبكة الإنترنت الدولية؛ مما يوحد جهود الفهرسة والتصنيف التي تبذلها كل مكتبة وتنحصر في نطاق واحد. ٣ - التنسيق لخدمة الإعارة التبادلية بين المكتبات: والإشراف على عمليات الإعارة هذه. ٤ - رفع المستوى العلمي للعاملين؛ من خلال القيام بدورات تدريبية للعاملين تكون بصفة دورية، كذلك الدورات المتخصصة لكل موظف بحسب موقعه الوظيفي. ٥ - القيام بدورات تأهيلية للمستفيد في كيفية استخدام التقنيات الجديدة؛ حتى يتسنى للمستفيد الحصول على المعلومات التي يريدها دون الاتكال على أمناء المكتبات، وإصدار النشرات الإرشادية. ٦ - تقييم الأعمال ومستوى الخدمات لكل مكتبة، ومعالجة جوانب القصور، وتدعيم الجوانب الجيدة. ٧ - العمل على تعزيز المكانة الاجتماعية للمكتبات الوقفية، وإزالة العراقيل التي تحول دون تفاعل المجتمع مع أنشطة هذه المكتبات ودعمها، فـ» على الرغم من المحاولات المكثفة التي تقوم بها المكتبات ومراكز المعلومات من أجل توظيف فاعل ومُجْدٍ لهذه المادة؛ إلا أنها قد تواجه بعض التحديات المتعلقة بمواكبة التطورات التكنولوجية السريعة، وملاحقة جميع المنتجات الفكرية، وتزداد هذه التحديات حدة في البلدان النامية؛ لأن المكانة الاجتماعية اللائقة للمعلومات تكاد تكون مفقودة، وأن تقادم التجهيزات المسخرة تصاب بالتقادم « [٢٣] . لقد أدى ضعف المكانة الاجتماعية للمعلومات في المجتمعات الإسلامية إلى » إعراض الناس عن وقف الكتب والمكتبات على المستفيدين، وعن إلحاقها بمكتبات حكومية أو أهلية قائمة؛ بحيث تكون متاحة للمستفيدين، بل إن بعض العلماء والمثقفين الذين يكونون مكتبات جيدة في منازلهم يتركونها للورثة الذين يضعونها في (الكراتين) أو أكياس الخيش، فتطول بها المدة، وربما تعرضت للرطوبة والحرارة والأرضة التي تنخر فيها، وتنتهي الفائدة منها فترمى مأسوفاً عليها، كل هذا بسبب إغفال صاحبها من أن يدرجها في وصيته « [٢٤] . ٨ - القيام بتحديد أماكن المعلومة المفيدة من شبكة الإنترنت، وتعريف المستفيد بأماكن تواجدها، والهدف من هذه الفكرة توفير الوقت والجهد على الباحث في معرفة مكان المعلومة التي تهمه، خصوصاً أنه يقف حائراً أمام هذا الكم الكبير من المواقع على الشبكة الدولية. مثال ذلك ما قامت به بعض المكتبات العالمية من عملية البحث والتنقيب نيابة عن المستفيد، فـ» تعد مكتبة جامعة كورنل The man Library of cornell University من المكتبات التي طورت أنظمتها الخاصة محلياً؛ من أجل تحديد المعلومات التي تهمها على شبكة الإنترنت؛ حيث قامت إدارة تنمية المقتنيات في تلك المكتبة بتشكيل مجموعة خاصة لها باسم (منقبو الإنترنت) Prospectors Internet، وهي مجموعة تقوم بإجراء المسوحات على شبكة الإنترنت للبحث عن المعلومات المتوافرة على الشبكة، والتي تقع ضمن المجالات الموضوعية للمكتبة، وتزيد في المعرفة العلمية بمختلف الأدوات المستخدمة في البحث والاسترجاع في مصادر الإنترنت « [٢٥] . * مكتبة وقفية في الشبكة الدولية: نظراً لعالمية الشبكة وتوفر الوسائل في وجود الكثير من التراث الفكري الإسلامي على الشبكة الدولية؛ فإنه من الممكن الوصول إلى مكتبات وقفية يتم تمويلها بواسطة وزارات الأوقاف في الدول الإسلامية، والجمعيات الخيرية، وأهل البذل والعطاء من أبناء المسلمين من خلال إنشاء مكتبات وقفية في شبكة الإنترنت؛ بحسب الإمكانات المتاحة وقدرات أبناء المسلمين؛ فلو تم إعداد فرق عمل مختلفة من مجموعة من العاملين مهمتهم إيجاد مكتبة وقفية للمخطوطات الإسلامية، فتقوم بـ» نقل المخطوطات الإسلامية ووضعها في إنترنت، وإذا جاء اليوم الذي تصبح أغلب الكتب الإسلامية مخطوطة ومطبوعة موجودة على الإنترنت؛ فإنه يمكن للباحثين حينها أن يقوموا بجميع بحوثهم العلمية ودراساتهم الشرعية بدون أن يغادروا بيوتهم أو يتجشموا عناء السفر بحثاً عن المخطوطات المنتشرة حول العالم « [٢٦] ، ومجموعة أخرى تكون مهمتها إعداد مكتبة متخصصة بالرسائل الجامعية، وأخرى بالدوريات الإسلامية.... إلخ. لقد تم إنشاء بعض المكتبات الإسلامية التي يمكن أن يطلق عليها صفة (المكتبة الوقفية في شبكة الإنترنت) ، ويمكن أن تكون هذه الجهود ذات أثر كبير لو تم القيام بتنسيق بين هذه المكتبات، وكذلك التنبه لعدم التكرار في وضع المؤلفات، ونحن نشتكي من القلة في وفرة الكتب الإسلامية على الشبكة، والمسألة أصبحت ميسرة في ظل الطفرة الكبيرة في البرمجيات العربية لكتب التراث الإسلامي، فكم هو جميل أن نرى كتب التراث الإسلامي تزخر بها جنبات شبكة الإنترنت؛ في نطاق مكتبات إسلامية وقفية إلكترونية، فإذا تحقق فكم من الخير ستحصل عليه الأمة الإسلامية، وكم في تحققه من فوائد عظيمة؛ منها: ١ - حفظ التراث الإسلامي من مخطوطات وكتب وغيرها؛ في وسائل حديثة لا يلحق بها الضرر من كثرة الاستعمال، ولها إمكانية الاستخدام لأكثر من شخص في الوقت الواحد. ٢ - التعريف بالإنتاج الفكري الإسلامي، وسهولة وصوله للقاصي والداني؛ دون أن يكلف ذلك الباحثين الكثير من المتاعب التي تواجههم حالياً بالوصول إلى المعلومة التي يرغبون بها. ٣ - الاستفادة من أوعية المعلومات الجديدة، والتي لم تكن مستخدمة من قبل مثل: الأشرطة السمعية، والأشرطة السمع بصرية، والرسائل الجامعية، والدوريات الإسلامية. ٤ - يوفر ذلك على المكتبات الوقفية القائمة على أرض الواقع من الاستفادة من مقتنيات المكتبات الوقفية على الفضاء الشبكي؛ مما يوفر الكثير من المخصصات المالية للحصول على مقتنيات جديدة. ٥ - إزالة الحواجز الزمانية والمكانية التي تقف عائقاً أمام الوصول إلى الوعاء المعلوماتي الذي يرغب في اقتنائه المستفيد. ٦ - تساهم في عملية الضبط الببليوغرافي وتوجيه حركة التأليف؛ بحيث تساهم في معرفة آخر البحوث والدراسات، وعدم التكرار للموضوع الواحد.

стр. 4473

قضايا دعوية حوار مع أحد الأقطاب ! عبد البارئ أحمد العطار بحكم انتمائي إلى أكثر من فصيل لأبناء الدعوة الإسلامية المعاصرة؛ فقد كانت الحساسية على أشدها بيني وبين المتصوفة؛ لدرجة أنني كنت لا أطيق مجرد سماع مصطلح «صوفي» أو «متصوف» أو «صوفية» ؛ من كثرة ما كان يصل إلى مسامعي من كلامهم عن «الحب الإلهي» و «العلم اللدنِّي» و «الفناء» و «الكشف» و «العشق والوجد» و «الإلهام» و «المشاهدة» .. إلخ. وعند التعمق في فهم مدلولات تلك المصطلحات عند القوم؛ تجد بالنظر الأول وبادي الرأي ما يصطدم مع عقيدة أهل السنة والجماعة بشكل مباشر أو غير مباشر، والمسألة ليست آراءً تُقبَل أو تُرَدّ، ولكنها عقيدة حاسمة وصارمة يعتقدها القوم وينافحون عنها بكل ما أوتوا من قوة وعزم؛ سواء وافقت الدين الإسلامي أو خالفته؛ بحجة أنها «الحقيقة» التي لا يُشترط لها عندهم في ثبوتها موافقة الشريعة؛ فهي أي الحقيقة دين الخواص وأهل اليقين! أما الشريعة بعلومها الظاهرة وآلاتها؛ فهي دين العوام الذين لم يصلوا بعد إلى مراد الله من وضع الشريعة ابتداءً! وشاء الله أن أكون واحداً منهم في فترة من حياتي، وكنت لا أجد تفسيراً لما يرد في أورادهم من مبهمات ومشكلات غير مفهومة تشبه طلاسم السحرة وأحاجي الدجالين، كالاعتماد على الحروف المقطعة في فواتح السور كسورة (مريم، وطه، وق) في غالب أذكارهم، أو كوجود بعض الجمل الشركية كقولهم: «اللهم انشلني من أوحال التوحيد» ، أو كطلب المدد والعون من المخلوق، وإهمال حق الخالق في ذلك، نعوذ بالله من هذا كله وأمثاله وما يقرب إليه. ثم شاء الله بعد هذا الزمن الطويل أن أتعرف على شيخ الطريقة الشاذلية في بلدتي، وهو من الوجهاء الذين يشار إليهم بالبنان؛ فهو يحفظ القرآن وأوراد الشاذلية وأحزابهم ك (حزب البحر، وحزب النصر، وحزب البر) وغيرها، ويعرف الكثير عن حياة شيخه أبي الحسن علي الشاذلي، وقد اتفق معي في مقدمة الحوار أن الصوفية هذه الأيام تخالف ما كان عليه أئمة التصوف في العصور الماضية، ويسيئون إليهم بأفعال ليست من الدين في شيء، بل ويتجرؤون بنسبة هذا إليهم زوراً وبهتاناً، ووجدتها فرصة مناسبة للعودة إلى موضوع التصوف بعد ما تركتهم سنوات وسنوات، وقد وصلتُ حسب زعمي إلى مرحلة من النضج الفكري والفهم النقي، والإلمام ببعض علوم الشريعة التي تؤهلني للفرقان بين الحق والباطل. ولتحليل ما عليه هؤلاء تحليلاً شرعياً يتفق مع مقررات العقول السليمة؛ قلت لهذا الشيخ: هل يمكنني قراءة كتاب ولو مختصراً عن حياة أبي الحسن الشاذلي.. كيف تربى ونشأ وترعرع؟ وما هو منهجه في التعليم ووصاياه لأتباعه؟ فاستجاب جزاه الله خيراً، ففي اليوم التالي مباشرة أحضر لي كتاباً بعنوان: «الشيخ أبو الحسن الشاذلي.. نبذة من سيرته وأوراده» ، وأخذت في قراءة الكتاب لعلِّي أجد فيه ما ينفع، وكنت قد قرأت قبل ذلك للرباني عبد القادر الجيلاني وهو من أئمة التصوف في زمانه كتابَيْ: «الفتح الرباني» و «آداب السلوك» ، ونفعني الله بهما كثيراً، وقد زكاه شيخ الإسلام ابن تيمية، فاستراح قلبي لما كان عليه من الحرص على الطاعة والبعد عن المعصية، والتطلع الدائم إلى تزكية النفس من حظوظ الدنيا وشهواتها. وأخذت أقرأ في الكتاب الذي أعطانيه؛ فإذا بي أجد درراً من الحكم الباهرة، وحثاً على اتباع السنة والتحذير من الانحراف عنها، يقول أبو الحسن الشاذلي: «ما ثَمَّ كرامة أعظم من كرامة الإيمان ومتابعة السنة، فمن أعطيها وجعل يشتاق إلى غيرها فهو عبد مفتر كذاب، أو ذو خطأ في العلم بالصواب، كمن أُكرم بشهود الملك فاشتاق إلى سياسة الدواب!» [١] . ويقول ﵀: «إذا عارض كشفك الكتاب والسنة؛ فتمسك بالكتاب والسنة واضرب بالكشف عُرض الحائط، وقل لنفسك: يا نفسي! إن الله تعالى قد ضمن لكِ العصمة في الكتاب والسنة، ولم يضمنها لكِ في جانب الكشف ولا المشاهدة ولا الإلهام؛ لأنه لا ينبغي العمل بالكشف ولا المشاهدة ولا الإلهام إلا بعد عرضها على الكتاب والسنة» [٢] . ويقول أيضاً ﵀ موصياً أتباعه أو إخوانه: «لا تنقل قدميك إلا حيث تأمن غالب معصيته تعالى، وحيث ترجو ثوابه تعالى، ولا تصحب إلا من تستعين به على طاعة الله تعالى، ولا تصطفي لنفسك من الناس إلا من تزداد به يقيناً في معرفة الله » [٣] . وفي الصفحة نفسها يوضح المؤلف منهج الشيخ في علاج غفلة الناس، فينقل عنه قوله: «إذا ثقل الذكر على لسانك، وكثر اللغو في حديثه، وانبسطت الجوارح في شهواتك؛ فاعلم أنه من عظيم أوزارك، ولكون النفاق في قلبك، وليس لك طريق إلا التوبة والصلاح والاعتصام والإخلاص في دين الله تعالى» إلى أن يقول: «إذا رأيت رجلاً يدعي حالاً يخرجه عن أمر الشرع فلا تقربن منه» . وكان ﵀ محباً للعلم مبغضاً للجهل، وكان «من طريقته أن لا يدخل أحد في إخوانه إلا بعد تبحره في علوم الشريعة وآلاتها، وكان يعتبر الجهل والرضا به من أكبر الكبائر، حتى كان يقول: لا كبيرة عندنا أكبر من اثنتين: حب الدنيا بالإيثار، والمقام على الجهل بالرضا به» [٤] . ويقول المصنف بعد ذلك ناقلاً عن ابن مغيزل في المفاخر العلية: «كان يحضر مجالس الشيخ أبي الحسن في مصر أساطين العلم وسلاطين العلماء من أمثال العز بن عبد السلام، وابن دقيق العيد، وعبد العظيم المنذري، وابن الصلاح، وابن الحاجب وغيرهم» [٥] ، وبعد انتهائي من قراءة الكتاب شكرت للشيخ الذي أعطانيه، وقلت له: الآن أدركت حجم الهوة بين صوفية الأمس وما عليه أدعياء التصوف اليوم؛ إذ لا وجه معقولاً للمقارنة، فليس بينهم حتى مشابهة في بعض الأحوال. ثم دخلت معه في مناقشة حول الكتاب، فقلت مبتدئاً الحديث: إذا كان القرآن والسنة هما الدستور وطريق النجاة كما قرر الشيخ في تعاليمه؛ فلماذا تخالفون هذه التعاليم وأنتم تعتقدون إمامة الشيخ وصدق كلامه؟ قال: كيف؟ قلت: ألست معي في أن كل ما خالف الكتاب والسنة فهو من قبيل البدع والزيادات التي يحاسب العبد عليها أمام ربه تعالى؟ قال: بلى! قلت: في حلقات ذكركم ترقصون وقوفاً، وتتمايلون مع ألفاظ الشرك بشكل يدفع إلى السخرية! قال: وماذا تقصد بألفاظ الشرك؟ قلت: طلب المدد من غير الله مثلاً، وكذا الاستعانة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله قولاً أو فعلاً. فقال: عندي البراهين على صحة كل هذا. قلت: هاتوا برهانكم. قال: أما الذكر وقوفاً أو قياماً فقد أثنى الله تعالى على الذاكرين في كل الأحوال، فقال : [الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِم] (آل عمران: ١٩١) ، وقال سبحانه عن أصحاب الكهف: [إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] (الكهف: ١٤) ، فهذا نص على القيام بالذكر في أكثر من موضع في القرآن الكريم! قلت مستغرباً: لي اعتراضان: الأول: أن الرقص شيء والقيام شيء آخر؛ فهل معنى القيام في الآيات هو الرقص والتطويح؟! الثاني: وهل معنى الذكر في الآيات قائماً هو طلب المدد من غير الله تعالى، أو الذكر المكرر بالمضمر كقولكم: يا هو يا هو ... إلخ؟! ألم يعلمنا رسول الله ﷺ أن أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأن كلمة الإخلاص هذه هي أفضل ما قاله هو والنبيون من قبله؟ ألم يعلمنا أن نربع على أنفسنا في الدعاء؛ فإننا لا ندعو أصم ولا غائباً بل ندعو سميعاً قريباً، وهو معنا أينما كنا، وأقرب إلينا من حبل الوريد؟! قال: قد يكون عندنا بعض المخالفات في الهيئة وأظنها لا تتجاوز الكراهة، فالقصد هو الذكر ولا نقصد شركاً، والأعمال بالنيات. قلت: يشترط شيخكم فيمن يريد أن يكون معه على الطريق أن يتبحر في علوم الشريعة، وها أنتم تخالفون الشرط؛ إذ لو كنتم تعلمون بدهيات الشرع لعلمتم أن النية وحدها لا تكفي؛ إذ لا يُقبل العمل عند الله إلا بالنية الصالحة مع المتابعة للسنة، وهما شرطا قبول الأعمال، فالنية بلا متابعة بدعة، والمتابعة بغير نية نفاق، ودليل الشرط الأول أنت ذكرته، وهو قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» [٦] ، ودليل الشرط الثاني أنت قد أهملته، وهو قوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» [٧] ؛ أي مردود على صاحبه وغير مقبول؛ لأنه من البدع التي حث الشارع على تركها والبراءة من أصحابها إن هم أصرُّوا عليها بعد العلم. فابتسم قائلاً: هكذا أنتم معشر السُّنية - يقصد (أهل السنة والجماعة) - كل شيء لا يعجبكم تقولون إنه بدعة، حتى إن كان مجهولاً بالنسبة لكم. قلت: معاذ الله! هذا حكم جائر وقضاء ظالم، أسأل الله أن لا يؤاخذك بما تقول، وعموماً بيني وبينك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ هل ترتضيهما حَكَماً؟ قال: نعم. قلت موضحاً للبدعة حتى يفهم: قال العلماء: إن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي وصلت إلينا ويجب علينا العمل بها أقسام أربعة: قولية، عملية، إقرارية، تركية. ١ - القولية: هي ما ذكره النبي ﷺ لنا وأمرنا به وجوباً أو استحباباً. ٢ - الفعلية: هي ما فعله النبي ﷺ لتأكيد الأمر في القول أو لبيان الجواز. ٣ - الإقرارية: هي ما رآه النبي ﷺ أو عُرض عليه وأقره. ٤ - التَّرْكية: هي ما تركه النبي ﷺ وجوداً أو عدماً. قال: ما معنى الوجود والعدم؟ قلت: الترك الوجودي هو ترك الشيء مع وجود المقتضي له، والترك العدمي هو ترك الشيء لعدم وجود ما يقتضيه، ومن هنا كانت القاعدة الأصولية «ترك العمل بالشيء في عهد النبوة مع وجود المقتضي له دليل على عدم المشروعية» . قال: وضِّح فإن الأمر قد أُغلق عليَّ والتبس ولا أستطيع فهمه؟ قلت: سأضرب لك مثالاً من الواقع الذي تعيشونه معشر الصوفية. قال: تفضل. قلت: لماذا تحتفلون بموالد المقبورين وإن كانوا جميعاً كما تزعمون من أولياء الله الصالحين، وقد سلَّمنا لكم جدلاً بذلك؛ رغم أن الواقع كشف زيف هذه الدعوى في كثير من الأضرحة في مصر؟ قال: محبة وتكريماً. قلت: هل أنتم خير من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: كلا. قلت: هل أولياؤكم خير من رسول الله ﷺ ؟ قال: كلا. قلت: لم يحتفل أصحاب رسول الله ﷺ بمولده رغم وجود المقتضي؛ وهو حبهم له حتى كانوا يتمنون فداءه بالأهل والمال، وليس بعد ذلك تكريم، فأنت الآن أمام خيارات ثلاثة: ١ - أنتم أفضل من الصحابة. ٢ - أولياؤكم أفضل من رسول الله ﷺ . ٣ - أنتم على ضلالة. أما الأول والثاني؛ فنعوذ بالله من اعتقاده، وأما الثالث فهو الأقرب إلى الحق والعدل والصواب؛ إذ لو كان ما تصنعونه خيراً لسبقونا إليه، ولأرشدنا إليه خير البشر ﷺ الذي ما ترك خيراً إلا ورغَّبنا فيه، وما ترك شراً إلا ورهَّبنا منه، والعمل الذي تركه أصحاب النبي ﷺ مع وجود مقتضاه وقدرتهم عليه والنبي ﷺ بين أظهرهم ليس مشروعاً في حقنا؛ إذ هذا كالإجماع على بطلانه شرعاً وابتداع مَنْ فعله [٨] ، ولا أظن أنكم أوفى لأوليائكم من وفاء الصحابة لرسول الله ﷺ ، فهو صلى الله عليه وسلم رمز التضحية والفداء. قال: هذا شأنكم تكبِّرون الصغيرة وقد أوتيتم جدلاً. قلت: أعوذ بالله أن نجادل إلا بالحق لندحض به الباطل، وقد أجازه لنا ربنا فقال: [وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] (النحل: ١٢٥) . قال: ألا تريد أن تكون معنا؟ قلت: فرقتم الأمة إلى شيع وأحزاب، وخالفتم الاعتصام والوحدة، وأسرعتم خلف ما تشتهون، ثم تريدونني معكم؟! ليتكم اتبعتم مبادئ شيخكم؛ فلو اعتقدتموها لوجدتموني معكم دون أن تطلبوا ذلك، ولكنكم سرتم في واد غير الذي سلكه إمامكم ﵀، فأنا معه ولست معكم. وهنا تذكرت أئمة الصوفية كالإمام الجنيد، والإمام ابن القيم، وإبراهيم بن أدهم، ومعروف الكرخي، والإمام ابن رجب، والجيلاني، والرفاعي، وكذا الشاذلي، ﵃ أجمعين، ورحمهم الله رحمة واسعة، وألحقنا بهم في الصالحين، فقد كانوا مدارس في الفقه والتوحيد والتزكية. نسأل الله حسن الخاتمة، والوقاية من بدع المتأخرين، وهدايتهم جميعاً إلى ما يحبه ويرضاه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 4474

دراسات تربوية تدني المستوى الدراسي في العالم الإسلامي وأسبابه د. محمد خليل جيجك [*] يعاني عالمنا الإسلامي ضمن ما يعانيه من مشكلات ما هو ملموس من ضعف حالة (التربية والتعليم) وهذه الحالة لها مظاهر كثيرة منها موضوع هذه المقالة. * المشكلة باعتبارها ظاهرة اجتماعية: إن العاملين في حقل التعليم والتدريس في العالم الثالث وخاصة العالم الإسلامي؛ يلاحظون عن كثب ذلك التدهور البالغ والانحطاط المرعب في مستويات الطلاب الدراسية؛ وخصوصاً منها الأخلاقية والتعلُّمية والفكرية والتربوية؛ فحينما يفحص الأستاذ طلابه الجامعيين دراسياً ومعلوماتياً يتقابل مع مشهد محزن مؤلم جداً؛ من قلة معلوماتهم، وتدني مستواهم، وضآلة ثقافتهم، وهذا سيأتي فيما يؤول إليه الأمر في مستقبل الأيام بخسائر فادحة ونتائج مرهقة في جميع الميادين العلمية والمعرفية والتفكيرية، وعامة مجالات الحياة الاجتماعية، وخصوصاً منها الإدارية والسياسية والاقتصادية، إلى جانب ما يُهدر حالياً من الطاقات الإنسانية البالغة على المؤسسات التعليمية، وما ينفق من الميزانيات الضخمة الباهظة على المشاريع الدراسية والتربوية، ولكن بدون أن تعود على الشعب والأمة بخير يُذكر أو نفع يُشكر، فيتوجب على جميع من يحس في قرارة نفسه بمسؤولية واهتمام نحو قضايا الأمة أن يتدارك الأمر قبل فوات أوانه، وأن يحزم قبل ضياع زمانه؛ وذلك بمزيد الاعتناء بالقضية، والتركيز التام عليها بشتى الوسائل، ومنها اعتناء الجهات السياسية بها، وتحريض العلماء ورجال الفكر والثقافة وعامة أرباب القلم عبر القنوات الإعلامية على التوجه نحو الموضوع، وبيان أفكارهم، وإبداء آرائهم تجاه هذه القضية التي هي أمسُّ القضايا بمستقبل الأمة، وأكبرها دوراً في رفع شأنها، وإعادة عزها ومجدها. فعلى المسؤولين أن يكثفوا أولاً جهودهم على تعرف الأسباب التي أدت إلى هذا الحدث المرعب؛ فإننا ما دمنا لم نعرف أسباب الحدث ولم نحددها؛ فلا نستطيع أن نعالج القضية معالجة جذرية معمقة؛ بحيث تنفذ إلى جميع أبعادها التكونية؛ لتكون مداواتنا مداواة صحيحة موفقة؛ فإن تشخيص المرض نصف المداواة. فعلى كل أرباب الرأي والفكر في العالم الإسلامي أن يُبدوا آراءهم في مخارج القضية ومداخلها، وأسبابها ونتائجها المرهقة، وآثارها السيئة على المدى القريب والبعيد. علماً منا أن للتعليم المعاصر الذي يتغذى في معظم بلاد العالم الإسلامي من النظم العلمانية إخفاقاً من ناحية أخرى هو أدهى وأمر؛ وهو الإخفاق الذريع في تربية الأجيال تربية رشيدة على الفضائل العملية، والمحاسن الإنسانية، والمعاني السامية، والكمالات البشرية، ولكن نحن هنا لا نتناول القضية من هذه الزاوية، بل إنما نتناولها من ناحية تدني المستوى الدراسي فحسب. فقضية (تدني المستوى الدراسي) صارت ظاهرة اجتماعية مزمنة في معظم بلاد العالم الإسلامي؛ تنذر بخطر داهم، فإذا كان عدد الراسبين في بلد ما يفوق عدد الناجحين أضعافاً مضاعفة؛ فمعناه أن جرس الخطر قد دق منذ أمد غير قليل. نعم! إن لهذه القضية الداهمة أبعاداً كثيرة وأسباباً جمة؛ تتطلب صرف جهود إنسانية كثيرة كما أشرنا سابقاً؛ حتى يتسنى لنا استقصاء هوية القضية بجميع جوانبها؛ فيمكن معالجتها معالجة سليمة حكيمة، علماً منا أن أسبابها متنوعة مختلفة؛ منها سياسية، ومنها اقتصادية، ومنها عقلية، ومنها اجتماعية، ومنها جيوسياسية، ومنها بيولوجية، ومنها ما تنزل إلى مستويات أدنى كفقد البنية التحتية للدراسة الناجحة، ومنها فقدان ذهنية النقد الذاتي البنَّاء لدى غالبية أرباب القلم، وعدم إمكانية تقبله لدى بعض الجهات الإدارية، ومنها فقدان العقلية التي تسوق القادة والساسة إلى الاهتمام الذي يسبب التوجه الجماهيري نحو أهمية الموضوع. فمثلاً ترى في عرض البلاد وطولها توجهاً جماهيرياً بالغاً نحو الأمور الرياضية؛ لأن التوجه الرياضي يشكل جزءاً كبيراً في سياستها، فهنا وهناك، وفي هذا البلد وذاك يوجد إقبال جماهيري جنوني نحو المباريات الرياضية؛ لأن تلك السياسات الرياضية أو تبوؤ الرياضة المكانة العليا من سياسات البلد يعد من المؤشرات القوية على تطور البلد وتقدمه وتنوره وتخلصه من العقلية المتخلفة حسب مزاعمهم فحينما تهتم الجهات العالية بها تتوجه نحوها الجماهير الشعبية أيضاً؛ لأن الناس على دين ملوكهم. وأما سياسات التعليم؛ فلا تستحق تلك المكانة الفضلى في كثير من تلك البلدان، بل إنما يطبق بعض الأمور فيها كي تجد العادة محلها ليس إلا!! وفي العدوة الأخرى تسمع في مجال التعليم الوطني في بعض من البلاد الأخرى صخوباً تكاد تصم الآذان، فتنسق ندوات، وترتب محاضرات ومؤتمرات، وتنظم اجتماعات واحتفالات، ولكن معظمها بدون جدوى، يذهب أدراج الرياح سدى؛ فهذا مؤشر قوي على أن هناك في العقلية التعليمية، ومن ثم في الأنظمة التعليمية هوَّات وفراغات لا يُتنبه لها؛ فلا تؤتي الجهود ثمارها الطيبة؛ لأنه لا تؤتى البيوت من أبوابها. وأرى أن من الأسباب الرئيسة التي لها الأثر البالغ في ظهور القضية؛ هي قصر النظر وسطحيته عند كثير من القائمين على سياسات البلاد الإسلامية؛ وخصوصاً منها السياسات التعليمية، فبينما كان الآخرون يقسمون فيما بينهم الفضاء، أو يخططون لحرب النجوم، أو يحاولون زرع الذاكرة الصناعية في الدماغ أو.. أو.. ترى في معظم بلاد العالم الإسلامي أنه ما زال بعض الحكام والسياسيين يتصارعون مع شعوبهم على أتفه الأمور وأقلها، ولا يهتمون بمصالحها على المدى القريب والبعيد؛ اللهم إلا مصالح كراسيهم الوثيرة، فيظنون أن التلهي بهذه الأمور، أو التشبع بزخرفة المناصب سيخلصهم من ريب الدهر وكيد الزمن.. ولكن أنى يكون ذلك؟! إن معظم القائمين على أمور التعليم والتعلم في العالم الثالث لا يُكلِّفون أنفسهم عناء البحث والتنقيب التام عما يمكن أن يتحقق به مستقبل مشرق لشعبه وأمته، إلى جانب غفلتهم التامة عن الحقيقة الكونية الثابتة: أن الرفع ديناً ودنياً إنما يمكن بالتقدم في العلم والمعرفة، ولم تحقق دول الغرب وعلى رأسها أمريكا، ومن دول الشرق اليابان، وما إليها من بعض الدول التي تسعى بخطوات حثيثة في سبيل الرقي العلمي والمعرفي والحضاري لم تحقق منجزاتها المتنوعة في شتى الحقول التقنية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية وغيرها إلا بالتقدم البالغ في سبيل العلم والمعرفة. * أسباب تدني المستوى الدراسي: إننا لا نتناول الآن شرح جميع الأسباب المؤدية لتدني المستوى الدراسي في عالمنا الإسلامي؛ فإن ذلك ليس بوسعنا في هذا المقال القصير، وإنما سنركز على شرح ما نراه أهمها، وهي السبب النفسي، والسبب التربوي، والسبب الثقافي: ١ - السبب النفسي: إن من أهم الأسباب لتدني المستوى الدراسي وأكثرها مفعولاً فيه: السبب النفسي، وهو عدم الاستعداد النفسي لدى معظم الطلاب كي يكون طالب علم له وظائفه ومسؤولياته وتكاليفه وواجباته؛ يعني أن الطالب رغماً من انخراطه في الطلاب الجامعيين، حسب التسجيل في السجلات الجامعية، لكنه لم يحدد بعدُ تصوُّرياً وفكرياً موقعه الاجتماعي، فلم يتقبل نفسياًَ أن موقعه في مجتمعه موقع طالب علم عليه أداء بعض الواجبات العملية، والقيام ببعض المسؤوليات الدراسية، ولم يدرك أن عليه من يوم أن انخرط في سلك الطلبة الجامعيين تنظيم حياته، وتنسيق أموره، وترتيب شؤونه من جديد، وكذلك لم يدرك أن عليه التقليل من علاقاته، والتحديد من زياراته، والتخفيف من صِلاته، وأن عليه الترتيب لملابساته، والتصنيف لمناسباته، وأهم من الكل التنظيم الدقيق لأوقاته وفق ظروفه الدراسية ومتطلبات حياته التعليمية. وكما أن الطالب لا يفكر في هذا، كذلك لا يرشده أحد من أساتذته وأقاربه وأبويه أيضاً إليه، فتمضي سنواته الدراسية واحدة تلو الأخرى بدون أن يفهم أن موقعه في المجتمع هو موقع الطالب الذي ينبغي أن يكون منعزلاً عن وسطه الذي يعيش فيه إلى درجة ما، وأن لا يهمه إلا دراسته، وأن يكون معظم ملابساته مع نفسه وغيره متكوناً ودائراً في هذا المحور وحسب. وينشأ عدم الاستعداد النفسي لدى الطالب فينا من خمسة أمور: ١ - قلة التوجه النفسي إلى العلم. ٢ - قلة أو عدم اهتمام الطالب بخدمة شعبه وأمته (أي لم ينمُ فيه عزم كبار الرجال منذ صغره) . ٣ - ضعف الدافع العقدي لدى معظم الطلاب؛ حيث يضعف اعتقاده بما للعلماء وطلبة العلم من المكانة المرموقة عند الله والأجر والمثوبة. ٤ - فقدان العقلية الواعية لدور العلم والعلماء في تنشئة الأجيال، وعمارة الأرض، وبناء الحضارات. ٥ - التسامح البالغ لدى كثير من الإدارات التعليمية في رفع درجات الطلاب أو إنجاحهم من غير استحقاق منهم لذلك. ومعالجة هذه الظاهرة تتيسر باستعداد الطالب لما يقبل عليه من العلم نفسياً؛ من خلال توعيته التامة وإشعاره بآثار وفوائد العلم المشروع فيه من قنوات عديدة: تركيز المدرسين على أهمية العلم ومكانته عند الله، ودوره البالغ في ترقية الأمم وبناء الحضارات، وأن بالعلم شرف الدنيا والآخرة، إرشاد الأبوين له وتوجيهه دائماً نحو أهمية طلب العلم، وتركيز الأساتذة أيضاً على واجبات الطالب عبر حياته الدراسية، وأن لا نجاح له بدون القيام بها، والاهتمام الفردي من طرف الأساتذة أو غيرهم (ولعل هذا من أكثرها تأثيراً وعطاء) بالموهوبين النبغاء. (وربما يحتاج الأمر إلى تنسيق دورات لهم، أو لجميع الراغبين في دخول الجامعات قبل انخراطهم في سلك الطلاب الجامعيين، وتنظيم ندوات ومؤتمرات لهم في هذا الصدد) . ٢ - السبب التربوي: إن الدور العظيم للتربية في رفع وخفض مستوى الدراسة؛ مما أجمع عليه أهل العلم قاطبة سلفاً وخلفاً؛ بمن فيهم مؤمنوهم وكافروهم، ويشير إلى ذلك الإمام الشافعي في مقولته: أخي لن تنالَ العلمَ إلا بستةٍ ... سأنبئك عن تفصيلها ببيانِ ذكاءٌ وحرصٌ واجتهادٌ وبلغةٌ ... وإرشادُ أستاذٍ وطولُ زمانِ فليس هناك نجاح وتقدم في الدراسات العلمية بدون تربية ناضجة عن كيفيات التعليم والتعلم ومناهجهما وسلوكياتهما وممارساتهما؛ فمن دخل في الحياة العلمية دون القدر الكافي من التربية العملية؛ كان كمن دخل بيتاً مظلماً كثير الغرف والمداخل والمخارج بدون مصباح. وأيضاً إن المنتشر في بلادنا الإسلامية هو نقل المعلومات وحفظها كما هي بدون تفكر وتدبر، وبدون نقد وبحث وتمحيص، وهذا يسبب على المدى البعيد سطحية في التفكير، وركوداً وجموداً في المعلومات، وتوقفاً عن الإبداع والاختراع، ونأياً عن تحقيق الأهداف العظيمة القيمة وإنجازها، ومن ثمة بعداً عن الإنجازات الجادة في الحقول الحضارية بتاتاً. وعدم ترويض الطلاب فكرياً وعقلياً على التفكير، والأخذ والعطاء، والسؤال والجواب، والقبول والرد عبر مشواره التعليمي؛ من أهم أسباب وفي الوقت نفسه مظاهر تدني المستويات الدراسية، فمن المشاهَد الواقع أن كثيراً من الدول المتقدمة يعلمون أولادهم التفكير من السنوات المبكرة، فمثلاً الإسبان يعلمون أولادهم تفكير النقد بدءاً من السنة الثانية الابتدائية، بينما ترى أن معظم أساتذتنا الجامعيين لا يعلمون ولا أبجدية التفكير، فدعك من الأطفال والطلاب، وأكبر العوامل في ذلك هو عدم تضلعنا بالمسؤولية صغاراً وكباراً، وأيضاً فقدان البنية التحتية للتفكير، وهي الاطلاع الواسع على المعلومات الجمة المتنوعة. ٣ - السبب الثقافي: إن المجتمعات الشرقية المسلمة لها خصائص وعادات وتقاليد تكونت من مجموعها ثقافتها في طبيعتها الخاصة التي تخالف بها طبيعة ثقافة المجتمعات الغربية، وتغاير أيضاً طبيعة ثقافة مجتمعات الشرق الأقصى غير المسلمة؛ ففي المجتمعات الشرقية المسلمة نوعية العلاقات الثنائية والاجتماعية تختلف عن طبيعة العلاقات عند الآخرين، ففي المجتمع الشرقي الإسلامي العلاقات كثيفة، عميقة، دافئة، مستمرة، ومعظمها تطوعية لا تهدف إلى مكسب مادي أو ربح مالي، وكثير منها تلقائية (أوتوماتيكة) بدون أن يكون لها سائق قوي، كما أن غالبيتها عمومية تنبثق من الأخوة الإيمانية فحسب؛ بدون أن يكون لها داع آخر، فلا تنحصر في حدود الأقارب أو الأسر أو الزمالة فحسب. وهذه الطبيعة العلاقاتية التي تشكل سمة اجتماعية لثقافتنا وإن كانت لها إيجابيات كثيرة وخصوصاً في نشر روح التساند والتحابب بين أفراد الأمة، وأيضاً لها دور كبير في رص البناء الاجتماعي لدى الأمة، وإزاحة انعزالية الفرد من المجتمع التي كثر ما يعاني منها الغربيون وغيرهم من الشعوب غير المسلمة، وترسيخ روح الشعور بمساندة الآخرين؛ مما يأتي للفرد بثقة تامة على المدى البعيد، إلى غيرها من الإيجابيات الجمة لكنها تسبب سلبيات، خصوصاً لطالب العلم؛ من أبرزها عدم تركيز الطالب في دراسته، وعدم وجود إمكانية توجهه التام لدراساته. وهذه الحصيلة الثقافية إذا انتشرت ولم تعالج معالجة حكيمة فوتت على جيل الشباب فرصاً كثيرة عبر دراساتهم. وهناك شيء آخر مركوز في ثقافة البلاد الثرية، وهو تلهي شباب الأثرياء بمتع وزخارف الحياة، وانشغالهم بملذاتها وطيباتها عن الدراسة وتكاليفها ظناً منهم أن الثراء يكفيهم عن كل شيء، فثقافة الثراء من أهم العراقيل والعقبات الكؤودة في طريق الدراسة أيضاً؛ فقلما يخرج من بين أولاد الأثرياء طالب علم نابغ متفوق. ومعالجة هذه الظاهرة الثقافية لدى الطلاب تتطلب جهوداً كثيرة منسقة، ومساعي جمة موفقة؛ من المدرسين والأسر والجهات التعليمية سواء بسواء؛ تصرف تلك الجهود لإزاحة هذه العادة الثقافية واستئصالها تماماً من الطالب، والإتيان بأحسن منها أو تخفيفها وتعليقها إلى حين الفراغ من دراسته. فما دامت تلك الثقافة العلاقاتية لم تتبدل لدى الطالب؛ بتفرغه الكامل من جميع تلك العلاقات لدراسته، وإقباله التام على دروسه ومحاضراته يصعب تحصيل الأهداف المنشودة من الدراسة والتعليم؛ سواء على مستوى الفرد أم على مستوى الأمة. وما تأتي به هذه الثقافة العلاقاتية من تلك النتيجة السلبية ودورها السيئ في الدراسة؛ لتفويتها الفرص الزمنية الكثيرة على الطالب موجود كذلك لدى الأساتذة أيضاً؛ فلهذا يندر الإبداع والابتكار عند أساتذتنا الجامعيين، ويقل التحقيق والتدقيق في بحوثنا العلمية، وتغلب البساطة والسطحية على معظم أعمالنا الأكاديمية، ولذلك فإن دور الأساتذة في تدني مستوى الدراسة لا يقل تماماً عن دور الجهات التعليمية الأخرى، وعن دور الطلاب، بل ربما يكون أهم الأسباب هو إخفاق الأساتذة؛ لأن كثيراً من الأساتذة لا يجددون معلوماتهم أبداً، ولا ينكبُّون على الدراسة والقراءة، بل يلوكون المعلومات القديمة فقط، ويكتفون باجترارها، وهو ما يزيد الطين بلة والمرض علة. حسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 4475

دراسات تربوية يا حبذا ريح الولد ! د. سليمان بن محمد الصغير alsoqir@yahoo.com بُنَيَّ.. وقد بلغتَ سن الرجولة، وأصبحتَ محلَّ الرجاء وموضع الأمل.. أكتبُ إليك هذه الرسالة.. بدأتها مع السَّحَر في ليلة غرة شهر رمضان المبارك، ولن أخفي عليك أنني عندما بدأتُ بها تحرَّكَتْ عاطفتي، وخفق قلبي، وذرفت عيناي.. وكدتُ أجهش بالبكاء وأضع قلمي لولا شعورٌ انتابني بأن أستمر.. لم أعهدْ مثل هذه المشاعرِ حينما أبدأُ بكتابة موضوعٍ ما.. ولكني تذكرتُ والدي الذي جاوز السبعين عاماً شفاه الله؛ تذكرتُه أيّامَ شبابه وكهولته وقوته وجَلَده وصبره، تذكرت معاناتَه.. يا ربّ! .. كم أعطى من جهده ووقته ونفسه، وكم بذل في هذه السنين من أجل ولده، بل كم يبذل الآن من أجل أولاده وهو الشيخ المقعد! .. اللهم عافه واعفُ عنه، وأقرَّ عينَه في دنياه وأُخراه. بُنَيَّ.. لقد سرحتُ في تذكر أيَّامٍ كنتُ فيها في مثل سنّك الآن.. إنني أشعر بعاطفتين تتجاذباني وأعيش الآن شعورين: شعورَ الوالد نحو ولده، وشعور الولد نحو أبيه.. إنها لحظاتٌ لا أستطيع وصفها.. ستدركها إن كان مكتوب في اللوح فسحةً في العمر.. إن مشاعر الوالدين لا يمكن وصفها أو تصويرها؛ مهما كان الإنسان بليغاً قولُه وفصيحاً لسانُه.. لكنها مشاعر ذات مشاهد تتفطر لها القلوب، وتذوب وتَلين لها القساة فتذرفُ الدموع.. إليك واحداً منها متعلقاً بذهني منذ عزمت على الكتابة لك: إن أعظم الناس بلاءً وأشدَّهم هُم الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، كما ثبتَ عن نبينا ﷺ ذلك.. وكما هو الواقعُ لهم فيما ابتلاهم به الله تعالى.. وإن من أشدّ أنواع البلاء إن لم يكن أشدَّها ما كان متعلقاً بالولد.. ابتُلِيَ يعقوب ﵇ بفقدان ولده يوسف ثم ببنيامين.. بلغ حزنه مبلغاً لا يطيقه الرجال إلا الصفوة المختارة، وتناهت الشدة، وقال عندما أصيب ببنيامين: [يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْن] (يوسف: ٨٤) ، والأسف أشد الحزن، والمصيبة الآن بأخيه وليست بيوسف.. ذلك أن مصيبته بيوسف قاعدة المصائب وإن تقادم عهدها؛ فقد أخذت بمجامع قلبه.. لن ينساه ولن يزول عن فكره أبداً حتى يلقاه.. ولم تُنْسِني أوفى المصائب بعده ولكن نكاء القرح بالقرح أوجع ابيضت عيناه من الحزن.. كُفّ بصره.. وما على الأرض يومئذ أكرم على الله تعالى منه.. وإن كان منصب النبوة يقتضي معرفة الله تعالى التي تقتضي حبّه، ومن أحبّه لم يتفرغ قلبه لحب من سواه سبحانه.. إلا أنه لا تتنافى حالة يعقوب مع منصب النبوة.. إنه حب الوالد لولده تلك المحبة الطبيعية لا تأبى الاجتماع مع حب الله تعالى! رُوي أن فراقه إلى يوم رجع ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه يوماً .. ولما كانت أشد المصائب فيما ينال الولد؛ كان ذلك مع إبراهيم وولده إسماعيل ﵉، وكان مع نبينا محمد ﷺ ؛ فقد بكى على موت ابنه إبراهيم، ودمعت عيناه، وخشع قلبه، وحزن على إبراهيم ولم يقل إلا ما يرضي ربه.. [إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ] (البقرة: ١٥٦) . ويبلغ بك يا بُنَيَّ العَجَبُ من شدة تعلق الوالد بولده عندما تتأمل ما حصل ليعقوبَ لما قَرُبت أيَّام الفرج.. لقد وجد ريحَ يوسف عندما دخل قميصُه بلدةَ يعقوب مع العير القادمة.. قميصُه ليس شخصَه! [وَلَمَّا فَصَلَتِ العِيرُ قَالَ أَبُوَهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ] (يوسف: ٩٤) .. ترى! كم كانت المسافة بين يعقوب وقميص يوسف؟! أمّا حين ألقى البشيرُ القميصَ على وجهِ هذا الوالد الذي فقد بصرَه ارتدَّ بصيراً في الحال.. بمجرد ملامسته للقميص! ثم هل من الممكن أن تستطيع وصف مشاعر يعقوبَ عندما التقى يوسفَ وبنيامينَ حقيقة؟! ووجود رائحة الولد بعد طول فراق وقعت في عهد عمر ﵁ لأمية بن الأسكر ﵀ الذي قدم إلى المدينة آنذاك، وكان له ولد اسمه كلاب، وكلاب كان باراً بوالديه، ذهب إلى الجهاد وترك والديه بعد أن أرضاهما؛ ولكنه أبطأ، فاشتدَّ حزنُ أمية على ولده، ولمّا رأى حمامة تدعو فرخها بكى، فرأته أم كلاب فبكت، فأنشأ قصيدة تغنّت بها الركبان إلى اليوم، ومنها قوله: إذا هتفت حمامةُ بطنَ وجّ ... على بيضاتها ذكرا كلابا [*] ثم أصابه العمى فجاء إلى عمر يرجوه ردّ كلاب، فكتب عمرُ برده، ولمّا وصل كلابُ سأله عمر عن برّه بأبيه. فقال كلاب: أُوثره وأَكفيه أمرَه، وكنت إن أردتُّ أن أحلبَ له لبناً أجيء إلى أغزر ناقةٍ في إبلهِ، فأريحها وأتركها حتى تستقر، ثم أغسل ضرعها حتى تبردَ، ثم أحلبُ له فأسقيه. فأمره عمر بأن يحلب ناقة كما كان يفعل، وأخذ عمر الإناء، وقال لأبي كلاب: اشرب. فلما أخذه، قال: والله يا أمير المؤمنين! إني لأشُم رائحة يدي كلاب. فبكى عمر، وقال: هذا كلاب. فوثب الأب وضمه، وبكى عمر وبكى الحاضرون، وقالوا لكلاب: الزم أبويك فجاهد فيهما ما بقيا. بُنَيَّ: ألم تهتز مشاعرك لهذه المشاهد؟! بُنَيَّ.. إن لك رائحة لا يشمها إلا والداك.. رائحة تزكي نفوسهما مهما كان مبعثها، وهذا أحد كبار التابعين المشهورين الإمام الحسن البصري ﵀ يلاعب ابنه ويرقِّصه ويقول: يا حبذا أرواحُه ونَفَسُه ... وحبذا نَفْسُه وملمسُه ... واللهُ يبقيه لنا ويحرسُه ... حتى يجرَّ ثوبَه ويلبسُه وكانت أعرابية ترقِّص ولدها بكلمات صوّرت فيها قمة التعلق بالولد، حتى شعرت بأن سعادتها بتعلقها بابنها مقصورة عليها من بين كل أمٍّ لها ولد: يا حبذا ريحُ الولدْ ... ريح الخرافي في البلدْ ... أهكذا كلُّ ولدْ ... أم لم يلدْ قبلي أحدْ ... وملاعبة الولد الصغير سلوك فطري يدل على التعلق من الوالدين ومَنْ في منزلتهما، فقد لاعبت الشيماء أختُ رسول الله ﷺ ؛ لاعبته عليه الصلاة والسلام يوم طفولته وغنَّت له، كما لاعبه الزبير بن عبد المطلب، وكانت فاطمة الزهراء ترقِّص الحسين وتقول: بأبي شبه النبي ... ليس شبيهاً بعلي ... وعلي ﵁ لما له من الفضل والمنزلة، إلا أنها تريد أن يكون أفضل من علي. هكذا والدك يندفع بالفطرة إلى رعايتك، يضحي بكل شيء حتى بذاته، كالنبتةِ الخضراء حينما تَمْتَصُّ كلَّ غِذاء في الحبة فإذا هي فتات! هكذا أنت قد مَصَصْت كل رحيق، وكل عافية، وكل جهد، وكل اهتمام من والديك؛ فإذا هما شيخوخة فانية.. وهما مع ذلك سعيدان بك منذ وُلدتَ حتى تستقل، وكل ما يأتي به الأب ويحمله إلى البيت فنصيبك نصيب الأسد منه إن لم يكن كله لك. إنه حريص على ما يلائمك ولو كان غير محبوب لديه، انتصبَ لتربيتك وجَلْبِ ما ينفعك، ودفع ما يضرُّك، همُّه رضاك، إن رآك حزيناً أو باكياً لم يترك سبيلاً لصرف ما يحزنك ويبكيك لتطيبَ نفسك وتقَرَّ عينك، لا يستكره بولك، ولا تتقزز نفسه أو تنفر من إماطة الأذى والمكروه عنك.. إن أنت غبتَ عن عينيه لم يَغِبْ خيالُك عن قلبه.. وإن لم يسمع صوتَك جهرَ بذكرك.. لو تأخرت على غير عادتك قَلِقَ وحَزَن.. لقد جبَّنته وبخَّلته.. إنه رجل شجاع قبل أن تُخْلق، وكريماً لمَّا كان بدون كنية.. فلما جئتَ جَبُنَ خوفاً عليك، وبَخِل توفيراً لك، ولئن كان شعورك يتطلع دائماً إلى المستقبل، ويتدفق حيوية وطموحاً نحو الجديد من سيارة وزوجة وذريّة و ...، وتجد دافعاً قوياً إلى ذلك بعامل الفطرة، فإن الإسلام لم يوص الوالدين بالأولاد بمثل ما أوصى الأولاد بآبائهم؛ لأن ذلك أمر مركوز في فطرة الإنسان، وشعور الإنسان الآنف الذكر ينسيه النظرَ إلى الوراء فلا يلتفت إليه، ولا يعيرُه اهتماماً؛ ولذا كان التأكيدُ على تذكير الإنسان بنشأته وفضلِ والديه عليه أمراً لا بدّ منه؛ حتى يكونَ على صلة وذكْرٍ لمن أفنيَا حياتهما سهراً عليه ورعاية له، وأسدَيَا إليه من المعروف رحيق حياتهما، آثَرَاه على نفسيهما. لقد جعل الله تعالى رضاه عنك من رضاهما، وسخطَه من سخطهما، وقَرَن حقَّهما بالإحسان إليهما بعد حقه ، وسما ببر الوالدين؛ حيث لم يفرق في ذلك بين بَرٍّ وفاجر، فهو حق عام يجب أداؤه، ومعروف ينبغي الوفاء به ما لم يترتب على ذلك معصيةٌ أو ضررٌ شرعي.. [وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً] (لقمان: ١٥) ؛ حتى الأخ المشرك تنبغي صلتُه لما ثبت من فعل عمر ﵁، وأمرِ الرسول ﷺ أسماء بنت أبي بَكر بأن تصلَ أمها المشركة. إنه لمن المؤسف حقاً أن نرى بعض الشباب، ممن تظهر عليهم سيما الصلاح والاستقامة، لا يبرون آباءهم الذين يرتكبون بعض المنهيات أو ممن قد يوصفون بالفسق، يتوهم هؤلاء الشباب أن البرَّ مقصور على الأب الصالح، وأما الفاجر العاصي فلا يجب عليه بَرُّه، وبعضهم يصوّر لهم الشيطان أن البر بهذا الأب يعني مشاركته بمعصية الله والرضى بها، وأن في عقوقه له سبيلاً لاستقامة الأب وتركَه لما عليه من فجور وفسق ومعاصٍ؛ ليوقعه في أشد مما يرتكبه أبوه وأعظم وأخطر .. والحق أن ذلك تصوُّرٌ باطل وتعليل فاسد.. وأن العكس هو الصحيح؛ فبر الولد بوالده أقرب في دفع الأب إلى تصحيح مساره وسلوكِه.. وسواء كان ذا أو ذاك فبِره واجب شرعاً، وعقوقه من كبائر الذنوب، بل يقود إلى الكفر «لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر [١] » ، لا تعجب يا بُنَيَّ! فإن هذا الحديث متفق عليه، يعني رواه البخاري ومسلم. ومظاهر العقوق كثيرة ومتنوعة، وشؤمه على الولد متحقق في حياة كل عاق وفي آخرته.. وإن صلى وصام وقرأ القرآن. يقول مجاهد: «لا ينبغي للولد أن يدفع يد والده إذا ضربه، ومن شدّ النظر إلى والديه فلم يبرَّهما، ومن أدخل عليهما حزناً فقد عقَّهما» .. قف لحظة متأملاً ما قاله هذا التابعي الجليل! ومن مظاهر العقوق: فعلُ ما يؤذيهما من منكرات أو ترك مأمورات، بل كل ما يؤذيهما حتى من الأمور المباحة والمعتادة. ثم أقف معك يا بني هنا وقفة جادة مع ظاهرة انتشرت في زماننا هذا بين الشباب الذين هم في سنك خاصة.. وقد اعتادها كثيرٌ منهم وأصبحت سلوكاً له.. ويعظُمُ خطرُها ويشتد شؤمُها عندما يرونها أمراً معتاداً.. إنها طريقة المعاملة للأصحاب التي بُنيت على أسس ومفهومات تختلف جذرياً عن أسس طريقة معاملة الأب ومفهوماتها.. وذلك أنك ترى الشاب بأخلاق وصفات وطبائعَ مختلفة قد لا تصدق عندما تراه في الحالتين بأنه شخص واحد..! بشوشاً مرحاً صبوراً كريماً حريصاً على بذل ما يستطيعه عندما يخرج من البيت ويلتقي أصحابه.. إنه بكامل استعداده لأن يقوم بخدمتهم، ويبذل جهده في محاولة تحقيق رغباتهم، ويراعي خواطرهم ومشاعرهم.. وبمجرد دخوله البيت انقلب عبوساً ضيِّقَ الخُلق، جزوعاً بخيلاً بوقته وجهده.. ويعامل أبويه بأقبح ما يُعامِلُ به الظالمُ الغشومُ الخدم ... ويل للأم المسكينة إن تأخرت في إعداد عشاء أصدقائه، أو نقصَ من كمالياته شيء ولو كان يسيراً.. يعلو صوته، لا يطيق الانتظار لخمس دقائق حتى تستكملَ المسكينة مطالبه، وهو يتبرم ويصرُخ هنا وهناك، وهكذا ديدنه.. وهي مع ذلك تدعو همساً بهدايته.. سعيدة بخدمته! يا له من حظ عاثر لهذا الأخ الصغير الذي أقبل عليه ليخبره بزميلٍ قد اتصل، مقبلاً إليه بكامل العفوية والبراءة؛ فقد تلقى صفعة قبل أن يكمل الخبر! ويا له من أبٍ مسكين يأتي بعد كد ونصب ومشقة من عمله يتلهف لرؤيته فيسأل عنه؛ فإذا هو مع أصحابه وينتظرُه حتى يعود، فإذا عاد وابتهجت أسارير الوالد عاد بالوجه الذي خرج به.. يستثقل إلقاء السلام ولا يطيق الجلوس مع هذا الأب، ولا يطيق نقاشاً، ولن يتقبل نصحاً أو توجيهاً، وإن عزم الأبُ على شيء من ذلك أو أظهر عتاباً بدافع إحساسه بالمسؤولية وحنو الأبوة.. كانت النتيجة القاسية.. ارتفع الشجار مرتفعاً ضغط الأب معه وعلا.. وتتأثر عاطفة هذه المخلوقة المسكينة تخاطب عاطفة الأب الحاني بالإذن بالتدخل وسرعان ما تأتي الموافقة.. ويجري الابن مزمجراً وناهراً ومهدداً وثائراً.. رامياً كل لوم على أبيه وأمه وإخوته، أمَّا هو فيحرم لومه وكأنه ملك مقرّب أو نبي مرسل.. وما أن يبدأ هدوء الأب وإذا بالمشهد يتكرر.. قل لي يا بُنَيَّ.. هل ترى عقوقاً أعظم من ذلك؟! إنه بهذه يقتل أبويه ولكن لم يحسن القِتْلة! لن يهنأ له القتل إلا بعد استكمال أقسى وسائل التعذيب فيهما.. بنيّ.. لست أعني أن تسيء معاملتك لأصدقائك.. كلا فإن «ابتسامتك في وجه أخيك صدقة» ، ولكن ابتسامتك في وجه أبيك أفضل صدقة، وأوثق صلة، وأعظم بر، وأخلص امتثال، وهي إشارة وفاء، ودليل شكر، ورجاحة عقل، وقبس نور، وتحقيق سرور، وأداء معروف، ورد جميل، وكسب ودٍّ.... ووصول إلى كل خير. ومن مظاهر العقوق: ازدراؤك لأبيك، ومن صوره: خجلُك من أن يراه أصحابُك لأدنى توهم يعتريك في هيئة لباسه، أو طريقة كلامه.. أو نحو من ذلك. ومن العقوق أيضاً: كثرة شجارك مع إخوتك وعلو صوتك.. تباطؤك في تنفيذ ما يأمرك.. عدم استيقاظك عندما يوقظانك لشأنك أو شأن من شؤونهما.. تأخرك في أداء فروضك وواجباتك.. كل ما يثير غضبَ الوالد وسخطه؛ من تبرم وعبوس وإظهار للضيق والملل.. حتى كلمة (أف) بنص القرآن.. كل ذلك من العقوق الذي من شؤمه تعجيل العقوبة لصاحبه، ذكر الذهبي في الكبائر عن سعد قوله: «إن الله ليُعَجِّل هلاك العبد إذا كان عاقاً لوالديه لِيُعَجَّل له العذاب» . واعلم أن من أعظم العقوبة التي تصيب الإنسان إذا استمر وتمادى على معصية؛ هي وصوله إلى مرحلة لا يستطيع الانفكاك منها حتى يموت، فالحذر الحذر أن تصل إلى هذه المرحلة! بنيّ: إنني أنشُدُ لك سعادة وطمأنينة وتوفيقاً وتيسيراً لأمورك في هذه الدنيا، ورضواناً ونعيماً دائماً لا يمكن وصفه، ولذَّات لا تنقطع في الآخرة؛ وذلك بإحسانك إلى والدك، والإحسان أعلى درجات العمل الصالح؛ لأنه يعني أداءَ الواجب مع مراقبة الله تعالى فيه، وهو كلمة جامعة تقتضي بالنسبة إلى الوالدين برَّهما والإنفاقَ عليهما إن كانا محتاجين، ورفع مستواهما إن كانت حالتهما دونك في المعيشة.. والكلمة الطيبة تبلغ في النفس ما لا يبلغه الإنفاق.. ويتميز الوالدان بالشعور المرهف نحو الولد.. ويشتد هذا الشعور بعد الكبر.. حيث يشعر أنه بحاجة إلى العون والرعاية.. وقد يزدري الإنسان حالتهما الضعيفة ويُحَقِّر من شأنها.. فالكلمة الطيبة في مثل هذا تضمد الجراح، وتنزل بلسماً على الشيخوخة.. وحسن المعاملة يبعث على الثقة، ويشيع في النفس روح البهجة.. ومهما فُقْتَ أباك بكثرة مالك وعُلوِّ جاهك؛ فإن الله يفرضُ عليك أن تُلين جانبَك وتخفضه لوالديك في صغار وذلة ورحمة بهما؛ إشفاقاً عليهما وعلى أحاسيسهما: [وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ] (الإسراء: ٢٤) . بُنيَّ: وقاك الله من كل مكروه.. لازم الدعاء لهما، والوفاء وصِلَة أهل ودّهما فهو من أبر البر.. ناد أباك بما يحب.. لا تجلس قبله.. قابله ببشاشة.. انصحْه بلطف، وإن لم يقبل فلا تؤذه.. أجب دعوته دون تضجر أو ملل أو كراهية، وبخاصة فيما لا يوافق رغبتك.. إياك والتبرم من حاجته وخدمته.. لا تسبقه بالأكل، ادع له.. ألِحَّ له في الدعاء.. غضَّ عن أخطائه وزلاته.. وقّرْه.. قبّل رأسه دوماً.. بل يده. كُنْ عضواً فعالاً في المنزل.. قدِّر منزلك الذي أمَّنه لك والدك بفضل الله، وتصوَّر أنك تعيش الآن بدون منزل.. ابدأ ذلك بأمرٍ لن يكلفك شيئاً! ابدأ وسترى تأثيره العظيم على أبويك وأسرتك وعلى نفسك أيضاً.. ابدأ بالتعبير عن حبك لأبيك وأمك ومن معك في المنزل، أخبره بأنك تحبه، قلها صراحة بأي لفظ من الألفاظ وإن صَعُبَتْ عليك هذه المرة.. ولا تعتقد أن أيّ شخص تحبه وبخاصة أبوك؛ لا يحتاج إلى سماع هذه الكلمة أو يريدها، أو أنه لن يصدقها.. ولا يمنعك العناد أو الخجل عن تكرار ذلك.. إنها كلمة تشعر أباك بالراحة، فهي تذكره بأنه ليس وحده، وبأنك تهتم به وتجعله يهتم بتقدير نفسه، وتعطيك أنت شعوراً بالارتياح، فإذا أردت الخروج من المنزل قبّل رأسه.. قل لأبيك، في أمان الله والله يحفظك.. لا شك أن جميع أفراد عائلتك يرتكبون الأخطاء.. ومنهم أبوك وأمك وإخوتك وأنت.. فالتعبير عن الحب بين أفراد العائلة يمنح الشعور بالأنس، ويقضي على الوحشة، ويبث الطمأنينة والراحة والحرية والتعاون.. ويصحح الأخطاء.. والأوقات المناسبة للتعبير عن هذا الحب كثيرة.. ابدأ يومك هذا مع أبيك بدعاء يُشعره بحبك، واختمه بمثل ذلك.. كرّر ذلك بشعور صادق.. إياك أن تخجل أو يمنعك مانع.. فهو بحاجة أيما حاجة له. لا تفكر فيما لا تملك.. ولا يستطيع أبوك أن يملكه أو يوفره لك، أو تفكر بأمور لا يستطيعُها.. وإياك أن تتذمر من قلة المال، ولا تُرَدِّد لأبيك كلمات تؤلمه، مثل حصول صديقك على كذا وكذا فتوجع قلبه وقلبك دون جدوى.. إنك بذلك توجد فجوة بين ما لديك وما تريد، وهذه الفجوة من أعظم مصادر الغم.. يمكنك القضاء عليها بالقناعة.. ولا يعني ذلك أنك لا تستحق مزيداً من المال، كما لا يعني ترك المحاولة للحصول على المزيد من المال.. والخلاصة (ليكن تفكيرك فيما تملك وبإمكانك فعله، واترك التفكير فيما لا تملك أو فيما لا يستطيع أبوك تحقيقه أو فعله أو امتلاكه..) . إن طريقة التفكير هذه ستحقق لك أولاً سعادة ستصيبك بالدهشة فعلاً، وتنأى بك بعداً عن العقوق، وتسهل طريقاً يحقق لك كمالاً في برك بوالدك.. احذر أن تردد ألفاظاً أو تقوم بتصرفات توحي بأنك تقلل من شأن أبيك أو أي فرد في أسرتك.. فهو من أقوى عوامل الهدم الأسري. وسرعان ما تتأثر العلاقات بشكل عكسي.. ضع حداً لرغباتك.. لا تشعر دائماً بأنك على حق في تصرفاتك تجاه أبيك فتكثر الجدل، بل رجّح العكس، وتيقن أن أباك أكثر خبرة وأحق منك، واحرص على مصلحتك، وأن الرأي له فهو وليُّك وعليك قبول رأيه وتنفيذ أوامره بنفس طيبة.. ولا تذهب إلى نومك وأبوك غاضب.. ولا تنم وأنت أيضاً غاضب.. لا تفكر فيما يضايقك من تصرفات أحد في الأسرة؛ وخصوصاً إن كان أباك أو أمك أو أحد إخوتك، فالتفكير السيئ يولد الشعور به.. فإن كان تفكيرك فيما يغضبك فستشعر بالغضب، وإن أسرعت في التفكير وتَعَجَّلْتَ ستشعر بأن لا وقت لديك.. وهكذا. إياك أن تصدر أحكاماً مسبقة.. غيّر هذه الطريقة مع والدك، ستعجب كيف أصبحت مصدراً لإشاعة جو من الاحترام المتبادل.. ويا له من فرح كبير! تكلم برقة وهدوء.. فإنه خير ما يبعث على الراحة ... كن مرحاً مداعباً فعّالاً.. انظر إلى خدمتك لصغار إخوتك على أنها من أفضل أنواع البر بوالدك.. لا تنظر إلى مدى استحقاقهم ذلك منك أو عدم استحقاقهم، ولا تنتظر شكراً أو جزاءً منهم وإن كان سيتحقق بإذن الله. أما إخوتك الكبار فخدمتهم برٌّ لأبويك عظيم، وصلة للرحم يصلك الله تعالى بوصلك لهم. إنك بذلك ستحقق تحولاً تاريخياً في تاريخ أسرتك، سيعلو شأنك ولن تحدّه السماء، وستُقَاد إلى كل خير.. وتذكر دائماً بأنك «أنت ومالك لأبيك» [٢] ، وتأكد يقيناً أنك لو فعلت ذلك كله لم تجزه حقه كاملاً.. أما أمك في تلك الحقوق التي عصرها لك قلب أب مشفق؛ فهي أولى بالبر من أبيك. وأخيراً ستقول: «الله يبقيه لنا ويحرسُه» تريد أباك هذه المرة. اللهم إنّا نسألك صلاحنا، وصلاح شبابنا وأبنائنا، وتيسير سبل برِّنا وبرِّهم بالوالدين كما ينبغي أن يكون البر.. اللهم أرضنا وأرضهم، وأرض آباءنا عنا وآباءهم عنهم؛ فإن رضاك الغاية الكبرى لا تتحقق إلا برضاهم، كما أوحيته إلى نبيك ﷺ الذي نشهدك بتبليغه الرسالة، وأدائه الأمانة، ونصحه للأمة، وجهاده فيك حق الجهاد، فصلّ اللهم عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 4476

حوار الأستاذ عبد الله جاب الله في حوار مع البيان ممارسات التيار التغريبي في الجزائر أتت بنتائج عكسية.. ضمن اهتمام مجلة البيان بالحوار مع العلماء والدعاة والمفكرين المسلمين؛ يسرُّها أن تلتقي الأستاذ الداعية (عبد الله جاب الله) ، أحد رموز التيار الإسلامي في الجزائر، فهو مؤسس حركة (النهضة الإسلامية) ورئيسها المنتخب، ثم هو الآن رئيس لـ (حركة الإصلاح الوطني) التي يبذل جهداً كبيراً فيها لتكون على مستوى مواجهة الواقع المعاش والمستجدات في الجزائر، بوصفها حركة إسلامية في إطار سياسي، ولتكون أكثر تعبيراً عن الإسلام الشامل والالتزام بضوابطه. وسيتحدث في محاور عدة عن الواقع الجزائري، وما يعانيه الواقع الإسلامي هناك من تحديات. البيان: نبدأ هذا الحوار بالعودة إلى عام ١٩٩٢م؛ حيث مضى على انقلاب الجيش الجزائري على العملية الديمقراطية ما يقرب من عشر سنوات حتى الآن؛ فإلى أين وصلت الجزائر بعد هذه المرحلة؟ - بسم الله الرحمن الرحيم، الانقلاب على الإرادة الشعبية والاختيار الشعبي الذي حصل سنة ١٩٩٢م؛ أكد حقيقتين أساسيتين: الأولى: أن أصحاب القرار لم يكونوا صادقين في التوجه الديمقراطي التعددي، وليس عندهم أي استعداد للالتزام بمقتضياته، وما كان من تحول ديمقراطي شهدته البلاد سنة ١٩٨٩م إنما جاء تماشياً مع النظام العالمي الجديد الذي من معالمه: الديمقراطية التعددية، كما جاء ليساعد الرأسمال الأجنبي على امتصاص التراكمات المالية في بلاده؛ بالتحالف بين الرأسمال الأجنبي والرأسمال المملوك أو الموجود لدى فئة أو فئات واسعة من الجزائريين الذين كانوا في السلطة وأثرَوْا على حساب مصالح الشعب، ومقتضيات التنمية الاقتصادية في البلاد، وكما جاء ثالثاً لامتصاص غضب الجماهير الذي ظهر جلياً في انتفاضة أكتوبر ١٩٨٨م. والحقيقة الثانية: أن كثيراً من العاملين في الساحة السياسية في البلاد يومها لم يكن مقدراً لتبعات التحول الديمقراطي التعددي؛ ولذلك صدرت منهم بعض المواقف والتصريحات البريئة ربما من جهة، والغافلة عن حقيقة ما يكاد للبلاد من جهة ثانية، وبعضهم الآخر أراد أن يستغل بيئة التحول الديمقراطي التعددي لمصالح ذاتية بدرجة أولى، أو حزبية أو فئوية بدرجة ثانية؛ فجعل من العمل السياسي سجلاً تجارياً (يبزنس به) كما يقال. والبلاد بعد ذلك الانقلاب قدمت فاتورة ثقيلة جداً: فعلى صعيد الأرواح: قدمت ولا تزال أكثر من ١٠٠ ألف قتيل؛ نسأل الله أن يتقبلهم شهداء. وعلى الصعيد الاقتصادي: قُدِّرت الخسائر المالية في مكافحة العمل المسلح، وما ترتب على ذلك من تدمير كثير من المؤسسات، قدرت بأكثر من ٢٢ مليار دولار، إلى جانب أنها أخرت عجلة التنمية الاقتصادية كثيراً، بل شهدت البلاد تقهقراً كبيراً فيها، وعلى الرغم من جميع المحاولات التي بذلت لاستجلاب الرأسمال الأجنبي للاستثمار في البلاد؛ فقد باءت المحاولات كلها بالإخفاق الكبير. وعلى الصعيد الاجتماعي: سُجِّل تقهقر كبير في الأوضاع الاجتماعية للمواطنين، ويكفي أن أشير إلى أن الجزائر نظمت سنة ٢٠٠٠م ندوة حول الفقر، واعترفوا أنه يوجد في الجزائر أكثر من ٢٠ مليون وهو ما يمثل ثلثي السكان يعيشون تحت الحد الأدنى المقدر من قِبَل صندوق النقد الدولي. وعلى صعيد المعيشة؛ معيشة المواطنين في الجانب الاجتماعي أيضاً: سُجِّلت زيادة مهولة في عدد العاطلين عن العمل، حيث وصلت نسبتهم إلى ٣٠% من السكان، ومعظم هؤلاء من الشباب المثقف من خريجي الجامعات في تخصصات مختلفة. وعلى صعيد قيمة العملة ومستوى المعيشة وغير ذلك، وهي ذات صلة أيضاً في جوانب كثيرة منها بالحياة الاقتصادية: سُجِّل انبطاح أمام شروط صندوق النقد الدولي؛ بصورة ربما تكون غير مسبوقة في تاريخ صندوق النقد الدولي، كما أخبرني سفير أمريكا في حوار دار بيننا عندما حان موعد تجديد التعامل مع صندوق النقد الدولي قال لي: «ليس هناك أي مسوِّغ ليجدد صندوق النقد الدولي للجزائر؛ لأنه في تاريخ صندوق النقد الدولي لم نسجل التزام دولة بشروط صندوق النقد الدولي كما فعلت الجزائر!» ، مما أثر بشكل مهول على مستوى قيمة العملة؛ حيث تدهورت إلى درجة كبيرة جداً، وأثر ذلك أيضاً كما قلنا على مستوى معيشة المواطنين، فالبلاد كانت تعيش في ظل نظام حكم اشتراكي كانت الدولة تتكفل فيه بدعم البضائع المختلفة، فذهب كل ذلك بين عشية وضحاها، حتى إن الطبقة الوسطى التي كانت تحافظ على الانسجام الاجتماعي في البلاد، وهي مشكَّلة في الغالب من طبقة الأساتذة والمعلمين والموظفين الإداريين وما إلى ذلك، وجدت نفسها من ضمن طبقة الفقراء، فأثر هذا كثيراً على حياة المواطنين، وعلى تعليم الآباء لأبنائهم، وأثر على سلوكات كثير من الشباب إلى غير ذلك؛ أي فُتح باب واسع أمام الجهل، وأمام الكثير من الآفات الاجتماعية كالسرقة، وتعاطي المخدرات .. وما إلى ذلك من الانحرافات. وعلى صعيد الحياة الإيمانية: سُجِّل تحطيم ما يترواح بين ٢٠٠٠ - ٣٠٠٠ مسجد؛ تحت ذريعة مكافحة الإرهاب؛ بزعم أن المساجد كانت أوكاراً للإرهاب يتموقع فيها، وينطلق منها، ويخبئ فيها أسلحته. وإضافة إلى ذلك أغلقوا جميع المصليات في المؤسسات المختلفة؛ في المطارات في الإدارات في الثكنات.. في جميع المؤسسات، وسُلط هجوم سافر على رموز الإسلام المختلفة، حتى إن الكثير من دعاة التيار التغريبي الفرنكوفوني أصبح يجرؤ على نشر مقالات في حق رسول الله ﵊، وفي حق زوجاته رضي الله تعالى عنهن، أسوأ مما نشره سلمان رشدي. كما سُجِّل أيضاً اعتقال آلاف المواطنين بتهم مختلفة، وسجن الآلاف أيضاً بتهم مختلفة، وفصل من الوظيفة الآلاف كذلك بدون تهم. وفي الحياة الثقافية: أغلقت الجمعيات التابعة للتيار الإسلامي الممثل خصوصاً لـ «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» التي قاموا بحلها، والممثل أيضاً لحركة «النهضة الإسلامية» يومها. وحدث تضييق غير مسبوق على بعض الجرائد التي كانت تنتمي أو تتبع التيار الإسلامي أو التيار الوطني، حتى أصبحت الساحة الإعلامية في الجزائر ولسنوات طويلة جداً خالية أو متروكة للتيار العلماني وجرائده، ذات مرة سألني المستشار السياسي لسفيرة الولايات المتحدة الأمريكية قبل سنة ونصف أو سنتين؛ سألني متعجباً: «أنا لمَّا قدمت الجزائر ظننت أنني قادم إلى بلد عربي مسلم، فيه صحوة إسلامية كبيرة وقوية، منذ أن جئت وأنا أطلع على الجرائد، وأقرؤها وأدرسها، فإذا بي لم أجد أثراً للصحوة الإسلامية والتيار الإسلامي ضمن المجتمع المدني والإعلامي، ما عدا جمعيات التيار العلماني وجرائده!» . وعلى المستوى النفسي: سيطر هاجس الخوف والجوع على المواطنين. وفي الواقع لو ذهبنا نعدد المصائب التي حلت بالجزائر ربما ما انتهينا، ولكن مع هذا أقول إن المستفيد الأول مما حصل خلال هذه الأزمة إنما هو التيار التغريبي؛ ازداد تمكناً على مستوى مصادر القرار، ومراكز صناعة الرأي العام، ازداد تنفذاً على مستوى المؤسسات المالية، والاقتصادية، ازداد تنفذاً على مستوى جهاز الإدارة، ازداد تنفذاً عموماً في مختلف دواوين الدولة ومؤسساتها. ولذلك من غير المستبعد أن يكون ما حصل أمراً مخططاً له، وإنما استُغلت خطابات بعض إخواننا من قيادات «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» ، والتي كانت تحمل نوعاً من التخويف للنظام، كذريعة للسير في هذا الاتجاه والقيام بتلك الأعمال، ولتطبيق برنامج ربما كان مسطراً من قبل. وفي المرحلة الأخيرة أي منذ السنوات الثلاث الأخيرة بدأنا نشهد خطوة متقدمة في التهجم على المقومات الشخصية للأمة؛ على هويتها، على دينها ولغتها وتاريخها؛ تحت شعار تكسير الطابوهات، فربما تكون هذه صورة أخرى من البرنامج المعد من طرف هؤلاء للتمكين لمشروعهم العلماني. ومع هذا والحمد لله على فضله فالأمة ما زالت بخير، وقد أتت تلك الممارسات بنتائج عكسية على مستوى الشارع الجزائري، فازداد تمسك الشباب بدينه، على الرغم من خلو المساجد من الخطباء الأكفياء، والأئمة المثاليين، وازداد إقبال المواطنين على المشروع الإسلامي، وظهر ذلك جلياً في الاستحقاقات السياسية التي نُظِّمت مؤخراً؛ خاصة في الانتخابات التشريعية في مايو ٢٠٠٢م، والانتخابات المحلية في أكتوبر ٢٠٠٢م. البيان: مع كل هذه الخسائر والمصائب التي مرت بالشعب الجزائري فإن الحكومة الحالية ماضية في هذا السبيل؛ فهل تتوقعون أن هذا الوضع سوف يستمر، وأن هذا الطريق سوف يطول، أو أن لهذا الليل آخراً؟ - المستقبل فعل كسبي، [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم] (الرعد: ١١) ، فالله وعدنا بنصره: [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) ، وقد بين في مواطن عديدة في القرآن الكريم السنن التي تحكم مسيرة الخلق، وما علينا إلا أن نبحث عن تلك السنن وأن نتفهمها جيداً، وأن نحسن الالتزام بها، فالظلم لا بد له من نهاية، والظالم لا بد له من نهاية، [وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] (آل عمران: ٨٦) ، [وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ] (آل عمران: ٥٧) ، [أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ] (هود: ١٨) ، وقد أشار القرآن الكريم - إن لم نكن مصدقين بهذه الحقيقة - إلى النظر في تاريخ الأمم السابقة: [وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ] (الحج: ٤٢-٤٦) . ولذلك فنحن متفائلون جداً بالمستقبل، وعاملون بإذن الله على تفعيل موازين القوى المعنوية التي بحوزتنا، وحسن توظيف موازين القوى المادية على قلَّتها في صراعنا مع قوى التغريب والعلمنة، وثقتنا في الله كبيرة في أنه سيكتب لمشروعنا النجاح، ولا يهمنا بعد ذلك أن نشهد نحن هذا النجاح، أو يشهده الجيل القادم، فالمهم أن نكون عاملين بصدق وبحق، ومجتهدين في تجميع شروط استحقاق نصر الله ، ومخلصين في أعمالنا لله ﵎، ثم نكل الأمر بعد ذلك لله . وقد حدثنا رسولنا ﵊ فقال: «عُرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد ... » [١] ، والشاهد عندنا أن هناك أنبياء ورسلاً أدوا الواجب كما ينبغي، وعاشوا - ربما - قروناً من الزمن.. من يدري؟ ، وأُرسلوا وحيدين، وظلوا كذلك، وماتوا وهم كذلك، وما حط ذلك من قدرهم أو مكانتهم شيئاً، ولا نقص ذلك من أجرهم، فالحديث ينص على أنهم يبعثون مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. والحقيقة؛ أن تحرير القول في هذه المسألة ضروري ومهم جداً، والحمد لله على فضله، ونحن كما قلت لك باختصار متفائلون، وعاملون إن شاء الله، ونسأل الله التوفيق. البيان: هناك غموض كبير فيمن يقف وراء المجازر وحمامات الدم التي تظهر بين الحين والآخر في مختلف ولايات الجزائر؛ فهل هناك تفسير لمثل هذه العمليات؟ - أولاً: نحن نرفض العنف بكل أشكاله وصوره ومن جميع مصادره، نرفضه بوصفه وسيلة في الممارسة السياسية، ونرفضه وسيلة للوصول إلى السلطة، ونرفضه وسيلة للبقاء في السلطة. وثانياً: فيما يتعلق بالسؤال: ليس المسؤول - كما قال عليه الصلاة والسلام - بأعلم من السائل. والحقيقة؛ أن هناك أكثر من جهة تمارس القتل في الجزائر، هناك الجماعات المسلحة تمارس القتل في البلاد، وهناك أكثر من جهة أخرى تمارس القتل، وبعضها ينتمي إلى الدوائر الرسمية؛ إلى الحرس البلدي، أو إلى المجموعات المجندة من طرف النظام، أو مصالح الأمن.. أو غير ذلك، وقد قُدّم الكثير من هؤلاء للمحاكمة؛ قدم شباب من الجماعات المسلحة، كما قدم رجال بدرجة أقل طبعاً من الجهات الأخرى. هناك إرادة من طرف التيار التغريبي لإلصاق المسؤولية في الجماعات المسلحة فقط، ومن ثم اتهام الإسلام بذلك، وللأسف هذه الإرادة لا تزال قائمة لديهم، ومن أسوأ ما أقدموا عليه على سبيل المثال لا الحصر أنهم نظموا في أيام ٢٦، ٢٧، ٢٨ أكتوبر ٢٠٠٢م مؤتمراً حول الإرهاب، ودعوا إلى المؤتمر رموز التيار العلماني في البلاد، ورجالاً من المفكرين الغربيين، وأقصوا أو استثنوا علماء الأمة ومفكريها سواء من الجزائر أو من غير الجزائر، وكان هذا المؤتمر شبه محاكمة للإسلام، ومحاكمة للجهاد، ومحاكمة للأحزاب الإسلامية وللتيار الإسلامي بشكل عام، فهم يريدون إذن أن يلصقوا تهمة القتل، وتهمة ارتكاب المجازر التي لا يقرها شرع الله ﵎، ويرفضها قطعياً بنصوص كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله ﵊، يريدون إلصاقها بالتيار الإسلامي وحده. وأؤكد أنه توجد أكثر من جهة تمارس القتل؛ منها النظام، منها السلطة، ومنها الجماعات المسلحة، ومنها مجموعات من المافيا.. وما إلى ذلك في البلاد. نحن نسجل أيضاً اليوم أن العمل المسلح قد ضعف كثيراً، لم يبق في الساحة كما تصرح الدوائر الرسمية إلا مئات، كما نسجل تراجعاً لا بأس به في القتل، ولكننا كما قلنا أكثر من مرة يؤسفنا أن يقع القتل ولو لشخص واحد، ولو قتل شخص واحد بغير حق فكأنما قتلت الأمة كلها، [مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً] (المائدة: ٣٢) . البيان: بعد انقلاب الجيش على العملية الديمقراطية تباينت مواقف الحركات الإسلامية في داخل الجزائر من السلطة، فهناك اتجاهات ما زالت تمد الجسور وتضع يدها بيد السلطة، واتجاهات أخرى نأت بنفسها تماماً عن الاتجاهات الرسمية، وتوسطت اتجاهات أخرى ووقفت موقف المُقْدم أحياناً والمُحْجم أحياناً أخرى بشيء من الحذر؛ فكيف ترون الواقع في ظل هذه المواقف المتباينة؟ - نعم.. كما تفضلتم؛ بعد الانقلاب سارت معظم الأحزاب مع السلطة، وأيدت سياساتها، وانخرطت معها في الحكم، ورضيت بأن تكون أداة من أدوات السلطة في تنفيذ سياستها؛ تحت شعار المحافظة على الدولة، حتى من بعض الأحزاب الإسلامية، وهذا شيء واضح، فانخرطت بعض هذه الأحزاب في العمل من خلال السلطة انخراطاً واضحاً، وتحملت مسؤوليتها كاملة مع السلطة، فشاركت في المؤسسات الانتقالية التي أسستها السلطة، كالمجلس الانتقالي، ثم شاركت في الحكومات المختلفة التي تعاقبت على البلاد منذ ذلك الوقت، ولا تزال، وحجتها أنها تريد أن تسهم في المحافظة على الدولة حتى لا تسقط، ولها مواقف معلومة ومكشوفة وصريحة، ومنشورة في الجرائد ومبثوثة في التلفزيون وما إلى ذلك، فهذا أمر ليس خفياً حتى نكتمه أو نتحفظ عليه، هو معلوم ومنشور. أما حركة «النهضة الإسلامية» فرفضت في الحقيقة الانخراط في سياسات السلطة رغم كثرة المحاولات التي بذلها النظام معها، وآثرت أن تتخندق مع الشعب، وأن تزاوج في نضالها بين أداء واجب النصرة للمظلومين، وبين أداء حقها في الاجتهاد والعمل والتحرك؛ لأن الحياة لا تتوقف حقيقة بموت زيد أو عمرو من الناس، أو بحل هذا الحزب أو ذاك.. لا بد من الاستمرارية. ولذلك فقد دفعت حركة «النهضة» فاتورة بسبب مواقفها هذه؛ دفعت فاتورة في الأرواح، ودفعت فاتورة في الإقالة من الوظائف، ودفعت فاتورة في المحاصرة الإعلامية، والمحاصرة المالية الاقتصادية، وتعرض رئيسها أربع مرات لمحاولة اغتيال، ولكن الحمد لله صبرنا وتوكلنا على الله، ثم دفعت فاتورة في شكل محاولة شراء ذمم بعض الأفراد من قيادات حركة «النهضة الإسلامية» ؛ لدفعهم للانقلاب على رؤوسهم، وإثارة كمٍّ من الإشاعات لتشويه رئيس الحركة، فكانت تُسيَّر قوافل إلى المدن المختلفة تلتقي الناس؛ ليس لها موضوع إلا موضوع النيل من مصداقية رئيس الحركة وتشويهه بكل الوسائل، ولكن - والحمد لله على فضله - صبرنا واحتسبنا، وما تعاملنا بالمثل على الإطلاق، بل أدرنا الصراع بطريقة غير معهودة بالنسبة لهم، فتركنا حركة «النهضة» وأقدمنا على تأسيس حركة «الإصلاح الوطني» ، والحمد لله على فضله، وبارك الله في الخطوات. نحن في الحقيقة نظرنا إلى الأمر - باختصار - مثلما نظر إليه علي رضي الله عنه لما سئل عن الخوارج وعن معاوية فقال: «هؤلاء طلبوا الحق فأخطؤوه، وهؤلاء طلبوا الباطل فأدركوه، وليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه» ، فأسقطنا هذه المقولة على الواقع، فإخواننا في «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» ومن صعدوا إلى الجبال هم قوم على الجملة يريدون حقاً؛ يريدون أن يقيموا الدولة الإسلامية، لكنهم من وجهة نظرنا أخطؤوا الطريق. أما الطرف الآخر فهم يريدون باطلاً؛ إذ الانقلاب على إرادة الشعب باطل، والسياسات التي أقدموا عليها لاحقاً في التعاطي مع حقوق الأمة باطلة، والسياسات التي أقدموا عليها في التعاطي مع الأمور المكونة لشخصية الأمة باطلة، لكنهم أدركوا هذا الباطل بما يملكون من قوة، فجميع موازين القوة بأيديهم، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه. فالحقيقة أنه ليس من السهل أن تحافظ على توازنك في جو مثل الجو الذي عشناه في الجزائر، فهذا أمر في منتهى الصعوبة ومنتهى الخطورة، مرت أيام وهناك من أصبح ويظن أنه قد لا يمسي، ومن أمسى ويظن أنه قد لا يصبح، من خرج من بيته ويظن أنه قد لا يعود إلى بيته، ومن دخل إلى بيته ويظن أنه قد لا يصبح أيضاً، ولكن - والحمد لله على فضله - صبر الناس واحتسبوا، وعملوا أيضاً واجتهدوا في وسط كل تلك الظلمات، وقادوا المسيرة بحكمة، وبارك الله في الجهود، ونسأل الله الثبات والقبول. البيان: ومع ذلك كله ما زالت بعض الحركات الإسلامية تؤمن بالعملية الديمقراطية، وتدخل في الانتخابات البلدية والتشريعية، هل تعتقد بأن هذا أمر منطقي مع استصحاب أحداث عام ١٩٩٢م؟ - من خلال تجارب الأمم المختلفة لا يوجد أفضل للأمم من الحريات، لو سألت علماء الأمم وعقلاءها الأكثر رسوخاً في الحريات والديمقراطية عن سبب ما تتمتع به بلادهم من أمن مثلاً أو من تقدم وازدهار، أو من عدالة في معالجة حقوق مواطنيهم، والتعاطي معها؟ لأجابوك بكلمة واحدة: أن السر في ذلك هو أن نظامهم بني على أركان الحريات لا على أركان الاستبداد وحكم الفرد. ولو عدت للقرآن الكريم وتصفحت آياته لوجدت أن القرآن الكريم حمل على الاستبداد وعلى الظلم حملات لم يحمل بمثلها ربما على أي شيء آخر، هناك المئات من الآيات في هذا الشأن، ويكفي أن أذكر قوله تعالى: [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي البِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ] (الفجر: ٦-١٣) . فالآيات جعلت الاستبداد والطغيان هو البوابة الكبيرة الواسعة لشيوع الفساد وظهوره؛ الفساد السياسي، والفساد الاقتصادي، والفساد الاجتماعي، الفساد بكل أشكاله، وبسبب هذا استحقوا عقاب الله . أرسل الله ﵎ موسى ﵇ إلى فرعون، وقال: [إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْض] (القصص: ٤) ؛ أي طغى وتجبر واستبد وظلم وغير ذلك، [وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ] (القصص: ٤) ، ولذلك فنحن نقول: مهما كانت العراقيل موضوعة الآن أمام المسار الديمقراطي ومسألة الحريات؛ يجب الصبر عليها والعمل على تذليلها بكل الوسائل السلمية الممكنة، وإذا أخفقنا في معركة الحريات أخفقنا في تحقيق أهدافنا المختلفة، وأعني الأهداف الكبرى طبعاً، قد تنجح في تحقيق أهداف صغرى هنا وهناك لا شك في ذلك، لكننا بالتأكيد نخفق في تحقيق أهدافنا الكبرى. ولهذا يظل أفضل منهج في تحقيق أهداف الإصلاح المختلفة، وأهداف التغيير المختلفة هو المنهج السياسي السلمي الرسمي والعلني. هذا باختصار طبعاً. البيان: لكن المسار الديمقراطي تحت مظلة الديكتاتورية نتيجته أنه إن بدأ يحقق نتائج ملموسة فسوف تُقطع جذوره كما قُطعت في المرحلة الأولى! - هذا الأمر ليس أمراً أبدياً، وهم يحاولون أن يكونوا بالنسبة لنا كذلك؛ لأنهم حملة مشروع تغريبي وعلماني وإيديولوجية علمانية، ويعلمون أنه لا سبيل أمامهم لفرض مشروعهم على الأمة إلا أن يظلوا في السلطة، فالسلطة بالنسبة لهم أصبحت هدفاً ووسيلة وغاية وهدفاً استراتيجياً.. وما إلى ذلك، ولكن هذا الأمر ليس أبدياً، هذا أمر مرهون بأن يظل القوي قوياً دائماً، وأن يظل الضعيف ضعيفاً، وأن يظل المتيقظ متيقظاً، وأن يظل الغافل غافلاً، لكن إذا تغيرت هذه الحال فضعف القوي، وقوي الضعيف مثلاً، وتيقظ وتنبه الغافل، وغفل المتيقظ، وهذه من سنن الله في البشر؛ فإن الموازين ستتغير. ثم أيضاً لا تنس أن من خصائص نظرية الحقوق في الفكر القانوني الوضعي أنها تأتي قيداً على سلطة الحاكم، وأن الحاكم أمام ضغط الجماهير يوازن في كل مرة بين استمراره في عدم الاستجابة لمطالب الجماهير، ومن ثم يوازن بين التعامل مع الجماهير بالقمع أو القهر أو التحايل.. أو ما إلى ذلك، وما قد يترتب على هذا من ضرر، وبين نزوله عند مطالب الجماهير، وأيضاً ما قد يقلل ويحد من سلطاته وصلاحياته، فإذا ما تساوت أمامه المسائل، أو قدَّر أن استمراره بالضغط سيفقده كل شيء؛ فسيضطر عندئذ للتنازل عن مفهومه والاستجابة لحقوق الأمة ومطالبها. ولذلك فإن من صميم الأعمال التي يتعين التفكير فيها باستمرار هو امتلاك قوة الجماهير، وحسن تأطير الجماهير، وحسن قيادة الجماهير في مسيرة الضغط على الحكام بالوسائل السلمية؛ من أجل دفع هؤلاء لاحترام إرادة الأمة وحقوقها، واحترام حريتها. ومثل هذا العمل لا تُوفره إلا ما يسمى بالنظم الديمقراطية التعددية، ثم لا تنس أيضاً أن النظم الديمقراطية التعددية توفر آليات للمواطنين لا توفرها النظم الأخرى، مثل آليات الرقابة على عمل السلطة، وآليات النقد، وعدم التدخل في الحريات؛ حرية الصحافة، الحريات الفردية.. إلى غير ذلك، وكل هذه من الجوانب المهمة التي إذا أحسنت الأمة استغلالها استطاعت بتوفيق الله أن تحقق لنفسها الكثير من الخير. البيان: لكن ألا ترون أن هذه المؤسسة الديكتاتورية التي تنادي بالديمقراطية الحالية في الجزائر هي التي ضحت بخيار الشعب، ولما واجهتها الجماهير لم يكن عندها تردد في أن تقضي على أكثر من مائة ألف قتيل كما قيل، وتزج بشباب الأمة في السجون، وتفعل هذه الأفاعيل، فهذه المؤسسة هي التي تطرح الآن الخيار الديمقراطي! - عفواً أخي الكريم أنت منطلق في مثل هذه الأسئلة فيما يبدو لي من أمرين أساسيين: الأمر الأول: من الرغبة في تحقيق الهدف من أول مرة، ومن القاعدة الذهبية الديمقراطية التي تقول إن الأغلبية محكمة؛ بمعنى أن تقولوا لهم: أنتم قبلتم بقواعد هذه اللعبة كما تقولون، فها نحن قد احتكمنا إلى الجماهير، والجماهير أعطتنا ثقتها، فيجب أن تسلموا. مثل هذه المقولة فيها غفلة عن حقيقة الطرف الآخر من جهة، وحقيقة الصعوبات التي تعترض المسيرة الديمقراطية من جهة ثانية. أنت لا تتعاطى مع ملائكة، وإنما تتعاطى مع بشر يحملون مشروعاً يريدون أن ينفذوه، وعليك أنت أن تحسن انتزاع حقوقك منهم بهوامش الحرية المتاحة لك. ثانياً: وتنطلق أيضاً مما تشاهده من ممارسات خاطئة صدرت من القوى السياسية المختلفة، وأنا أقرُّك، وأقول بهذا أيضاً إن ثمة أخطاء كبيرة وكثيرة في الممارسة، ولكن أيضاً الحكم على الخيار بوصفه خياراً لا يكون بالنظر إلى العراقيل التي يضعها ذاك المتنفذ، كما لا يكون بالنظر إلى الأخطاء التي يقع فيها هذا المتحرك في إطار مظلة الديمقراطية التعددية، وإنما يكون بالنظر إلى طبيعة النظام الديمقراطي، والآليات التي يوفرها، وهوامش الحرية التي يتيحها، والحقوق التي يعطيها لك كإنسان، ثم إلى التجارب الناجحة هنا وهناك، وأن تعمل على حسن استغلال تلك الهوامش كما قلنا؛ آخذاً بعين الاعتبار صعوبات التحول الديمقراطي التعددي، وآخذ بالاعتبار طبيعة الحكام النافذين، وآخذاً بعين الاعتبار كل هذه المعطيات. ثم ما هو البديل عن هذا؟ البديل عن هذا هو الاستسلام للاستبداد والواحدية، وقد أشرت إلى أن القرآن الكريم حمل على الاستبداد وبين أن الاستبداد هو طريق الفساد، وبعث الأنبياء والرسل لمحاربة الاستبداد والطغيان والفساد، فحينما تجد نفسك في مفاضلة بين هذا وذاك، حتى إذا لم تقل إن الديمقراطية هي الأفضل، لكن تقول إنها أقل سوءاً من ذلك الخيار، فينبغي أن تأخذ الأقل سوءاً؛ لأن الإسلام جاء بتحقيق المصالح وتقريبها، ودفع المضار والتقليل منها، كما جاء بتحقيق أكبر المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أكبر المفسدتين باحتمال أدناهما. البيان: لكن يمكن أن تكون المطالبة بالحريات ومواجهة الاستبداد بوسائل مختلفة وطرق متعددة؛ ليس من بينها الدخول في العملية الديمقراطية التي وضعها هذا النظام الاستبدادي، وإنما تكون بالجهر بما يؤمن به الإنسان من مواجهة هذا الظلم؛ كالدعوة العامة للحرية، والدعوة العامة لانتزاع الحقوق! - لا.. هذا الأمر يختلف باختلاف طبيعة النظام، فالنظم تختلف من بلد إلى آخر؛ هناك نظم فاقدة للشرعية، وهناك نظم ناقصة للشرعية، في ظل النظم الناقصة للشرعية يمكن أن يكون العمل من خلال ما تفضلتم - مثلاً - بالإشارة إليه؛ لأن أساس الشرعية الأول متوفر؛ وهو التزامها من حيث المبدأ بشرع الله . ولكن في ظل النظم الفاقدة للشرعية غير الملتزمة بشرع الله، بل المعتدية على شرع الله بالتعطيل والتحريف وما إلى ذلك، والمعتدية أيضاً على حقوق الأمة، في مثل هذه الحالة يترتب واجب مقدس على الأمة كلها مجتمعة أو متفرقة؛ وهو القيام بتغيير ذلك النظام بالوسائل المتاحة، ولا يتعطل هذا الواجب إلا في حالة واحدة؛ وهو أن يكون كيان الدولة مهدداً من قِبَل عدو خارجي. فالحالة التي عليها النظام في الجزائر هي هذه الحالة، ولذلك فإن القيام لإصلاح الأحوال واجب، وبالوسائل السلمية أيضاً وبحكمة، وما لا يدرك كله لا يترك جله، ليس من الضروري أن تنتقل فوراً إلى الحكم أو إلى المشاركة فيه، أو أن تنتزع الحكم عن طريق الصندوق.. أو ما إلى ذلك، وأحسب أنه يمكنك أن تستغل الديمقراطية التعددية وما توفره من حريات لتحقيق مقاصد أخرى، تجدول اهتماماتك وتجعل مسألة الحكم تأتي في مرتبة لاحقة، وتستغل الحريات لتحقيق أهداف أخرى ذات طابع اجتماعي، أو طابع فكري أو ثقافي، أو طابع اقتصادي، فهذا أيضاً من الوسائل المتاحة. البيان: لننتقل إلى محور آخر، بعض قيادات الجيش الجزائري اعترف بأن الاستخبارات الجزائرية استطاعت خلال الفترة الماضية أن تخترق كثيراً من الحركات الإسلامية وتحتويها وتوجه مسارها؛ فهل هذا صحيح ابتداء، وما حجم هذا الاختراق؟ - هذا شيء ليس بدعاً في الجزائر بل هو موجود في جميع النظم، فتلك النظم تسهر على اختراق التنظيمات المختلفة الموجودة في ساحتها الوطنية، بل استطاعت أن تخترق حتى التنظيمات الموجودة في الساحات الأخرى، أو ساحات الدول المجاورة، أو ساحات الدول المؤثرة، فهذا أمر تفعله جميع النظم، ويبقى على كل تنظيم مسؤولية وواجب تحصين نفسه من الاختراق، والناجح من يستطيع تحصين نفسه من الاختراق المؤثر تأثيراً عميقاً وتأثيراً جوهرياً، مثل الاختراق الذي يجعل القرار ليس بيد مؤسساته. البيان: لكن هل هذا يعني أن حركة «الإصلاح الوطني» انشقت عن حركة «النهضة» لهذا السبب، أو أن هناك أسباباً أخرى؟ - هذا القول ليس صحيحاً؛ فأنا مؤسس حركة «النهضة الإسلامية» ورئيسها، والفضل لله من قبل ومن بعد، والذي كتب كل أدبياتها ونظَّم لمسارها، وأنا رئيسها المنتخب أيضاً؛ المنتخب من قِبَل مؤتمراتها؛ سواء من مؤتمراتها السابقة في مرحلة السرية، أو مؤتمراتها في مرحلة الانتشار العلني، كمؤتمر ١٩٩٤م، ومؤتمر ١٩٩٨م. فالشرعية نحن من يمثلها وليس غيرنا، ونحن في الحركة ما فعلنا إلا أن تركنا الاسم؛ لأن الحزب في نظرنا ليس اسماً، والقول بأن الحزب اسم وتمسكوا بالاسم؛ هو نوع من التعصب المذموم الذي ينقل العمل الحزبي من دائرة الحمد أو الجواز إلى دائرة الذم، وهو المحذور الذي وقعت فيه للأسف بعض الأطراف، ودفعت بذلك فاتورة ثقيلة وثقيلة جداً. الحزب في نظرنا برنامج ومشروع وخط سياسي، ورموز يعرفون كيف يحولون ذلك البرنامج إلى سياسات ومواقف عملية، وكل هذا باق والحمد لله. وحركة «الإصلاح الوطني» جاءت أولاً لكي تلبي رغبة راودت الكثيرين من العاملين في الحقل الإسلامي منذ سنة ١٩٩٤م؛ حيث كان هناك حوار بين بعض رموز الصحوة من القيادات التي كانت في تنظيمات مختلفة، بعضها كان في «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» ، وبعضها كان في حركة «مجتمع السلم» ، وبعضها طبعاً في حركة «النهضة» ، وكانت هناك قناعة بضرورة إيجاد إطار سياسي إسلامي آخر يقوى على استيعاب الطاقات الإسلامية غير المستوعبة من طرف التنظيمات الإسلامية الموجودة، وهي الأكثرية، وعلى خط سياسي يكون أكثر تعبيراً روحياً عن الإسلام وانضباطاً بقواعده، ويضم المناضلين الأكثر صدقاً في نضالهم وجهادهم في خدمة الإسلام وفي خدمة الأمة، وقد اختمرت الفكرة مع الزمن، وتأكدت مع الزمن ضرورتها، إلى أن جاءت عوامل أخرى أزالت الحواجز النفسية التي كانت تقف دون إخراج هذه الفكرة إلى حيز الوجود، فكانت الأجواء التي عاشتها «النهضة» هي الفرصة التي حطمت الحواجز النفسية وفتحت الباب لتجسيد هذه الفكرة على أرض الواقع، ثم جاءت بعد ذلك حركة «الإصلاح الوطني» من إطارات معظمها كان في «النهضة» ؛ يعني يحملون اسم «النهضة» بالتدقيق، ومن إطارات كانوا في «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» ، ومن إطارات كانوا في حركة «مجتمع السلم» ، ومن إطارات كانوا في حركة «التحرير الوطني» لكن يحملون توجهاً إسلامياً. والحمد لله؛ قدَّرت الأمة جدية هذا المسعى وأهميته، وأنه الأقدر على تجسيد آمالها وتطلعاتها، فالتفت حوله من أول يوم، وظهر ذلك جلياً في نتائج الانتخابات التشريعية والمحلية. البيان: كان هناك احتواء من الجيش الفرنسي للجيش الجزائري، ثم بعد ذلك بدأت تظهر معالم الصراع بين الولايات المتحدة وفرنسا في التسابق على اقتسام هذه المنطقة؛ فما آثار هذا الانقسام على الواقع الحالي في الجزائر؟ - نعم هناك نوع من هذا الصراع؛ لأن النظام الدولي الجديد هو في مضمونه إعادة توزيع لمناطق نفوذ الدول الكبرى على العالم، ولا سيما العالم العربي والإسلامي؛ مما يجعل تلك الدول صاحبة الامتياز الأول في اقتصاديات العالم وتجاراته، ومما يجعل أمريكا أكبر الدول في هذه الاقتصاديات والتجارات، ومتفردة بالسيطرة والهيمنة العسكرية، في هذا الإطار تزاحم أمريكا مناطق النفوذ الفرنسي، وقد زاحمتها بالفعل، فهناك حضور قوي الآن لأمريكا في منطقة الآبار البترولية، أو في الاستثمارات البترولية والغازية، كما لها حضور قوي في الكثير من دول إفريقيا كالسنغال وغيرها. ولكن مع هذا ما زال النفوذ الأكبر لفرنسا لوجود النخب النافذة ذات الثقافة الفرنسية والميول الفرنكوفونية بشكل قوي، وخاصة أن منهم من يسيطر على قضايا الاستثمار.. وما إلى ذلك، ويضعون العراقيل أمام المستثمرين العرب بدرجة أولى، وغير الفرنسيين بدرجة أقل، ويحاولون ما استطاعوا إعطاء الامتياز للمستثمرين الفرنسيين، مع كما قلت، وكما ورد في سؤالكم ما تعلق بأمريكا. نحن في الحقيقة نرى الوجود الفرنسي شراً كما أن الوجود الأمريكي كذلك شر، نحن ضد التبعية المهينة لهذا أو لذاك، وهذا أحد أهم أسباب محاربة العلمانيين لنا؛ يحاربوننا لأننا نعمل على تحرير الأمة من مظاهر التبعية المختلفة، وإعادة الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للأمة؛ حتى يجتمع الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي مع الاستقلال السياسي؛ فيكون ذلك السبب الرئيس في سير الأمة نحو التقدم والازدهار. وأنت تعلم بأن هذا الأمر يرفضه الغرب، ويرفضه عملاء الغرب، ويحاربون أصحابه ويضعون أمامهم العراقيل يجب أن يكون مشروعنا رافضاً رفضاً قطعياً لكل أشكال الهيمنة، وهذا لا يتعارض مع التعامل الاقتصادي أو التعاون الاقتصادي بين الدول وبين الشعوب، تلك سنة من سنن الله في الخلق وفي الاجتماع، ولكن هناك فرق بين أن نتعاون اقتصادياً وبين أن تسيطر علي وأن تستعبدني وأن تستغلني، وأن تجعلني كأنني خمّاس لديك! البيان: أشرتم قبل قليل إلى أن من وسائل مواجهة التدين في الساحة الجزائرية فتح أبواب التغريب والإفساد، وخاصة فيما يتعلق بالأسرة والمجتمع؛ ماذا قدمت الحركة الإسلامية بشكل عام لدعوة المرأة المسلمة؟ - الحركة الإسلامية قدمت في السبعينيات والثمانينيات شيئاً كثيراً للمرأة المسلمة، وأصبح الشارع الجزائري في عمومه في القطاع النسائي متحجباً، كنت إذا دخلت المدارس الثانوية مثلاً سُررت كثيراً لقلة المتبرجات، وإذا دخلت الجامعات كذلك، وإذا تحركت في الشوارع كذلك، وأشير هنا إلى أن المجموعات التغريبية التي كانت تنادي بسفور المرأة، ومراجعة قانون الأسرة وما إلى ذلك لمَّا تجرؤوا وتفوهوا بمثل هذا في سنة ١٩٨٩م قمنا نحن التيار الإسلامي نستظل يومها بمظلة رابطة الدعوة الإسلامية، وهي مشروع حضاري واع حرصنا على تأسيسه، لكننا لم نوفق على كل حال لأسباب يطول شرحها، في ذلك الوقت كانت الرابطة موجودة ومتحركة، فدعونا لتجمع نسوي أمام البرلمان؛ فإذا بالنساء يأتوننا من كل مكان بأعداد فاقت المليون أو المليون ونصف، غطت كل الشوارع والساحات المختلفة التي تحيط بالبرلمان وهي شوارع كبيرة؛ مما أسكت الجميع وأقبر ذلك المشروع لسنوات. إلا أن المحنة التي عشناها خلال العشرية الحمراء التي أشرنا إليها في الإجابة عن السؤال الأول أثرت كثيراً في موضوع الحجاب وموضوع المرأة، وفتحت أفقاً أمام التيارات العلمانية لتعيث في الأرض فساداً، فتراجع الحجاب نسبياً في المؤسسات التعليمية، وتراجع في الجامعات، وتراجع كذلك في الشارع، ولكنه إن شاء الله تعالى هو تراجع مؤقت، سيتغير مع تغير الزمن إن شاء الله. البيان: ننتقل إلى محور آخر، وهو الورقة الأمازيغية، هذه الورقة تصاعدت في الآونة الأخيرة، وبدأت تتضخم بشكل ينذر بالخطر؛ فما هي خلفيات هذه القضية، وما هي أبعادها على الساحة الجزائرية؟ - الأمازيغية بذرة زرعتها فرنسا في الجزائر، وتعهدتها بالمال والرجال، وأوجدت لها أكاديمية بربرية في فرنسا، وأنشأت لها قناة فضائية، وأمدت رجالها بالمال، ولا يزال معظم هؤلاء الذين ينضالون من أجل الأمازيغية لديهم الجنسية المزدوجة، لديهم الجنسية الجزائرية، ولديهم الجنسية الفرنسية، ولهم حضور كذلك في الشارع الفرنسي من خلال انخراطهم في جمعيات وأحزاب فرنسية، وكل هذا يوفر لهم أيضاً حماية قوية داخل البلاد. كما أن النظام الجزائري ساعد هذا التوجه؛ ربما لأنه لم يقدِّر خطورته وتبعاته وما قد ينجم عنه من مخاطر، ساعدهم لما ترك المجال أمامهم واسعاً للنشاط والتحرك في منطقة القبائل، وبالمقابل أغلق الباب في وجه دعاة الإسلام، وفي وجه دعاة الوطنية؛ وهم إطارات تنتمي إلى الاتجاه الوطني ولها قبول قوي - حقيقة - على هوية الأمة، وغيرة على هويتها والدفاع عنها، فخلا الجو لهؤلاء لسنوات طويلة، استطاعوا فيها أن يستميلوا إليهم عواطف المواطنين في منطقة القبائل؛ لأن - بين قوسين (البربر طوائف شتى وعديدة) - هناك القبائل، وهناك الشاوية، وهناك الطوارق، وهناك الشنويين وغيرهم.. هناك أكثر من عشر طوائف. ولكن التركيز كان على طائفة القبائل الموجودة أساساً في منطقة «تيزي أوزو» ، ومنطقة «الجاية» . قلت: استطاع هؤلاء المنصرون من سكان هذه المنطقة أن يقوموا برفع مشكلة اللغة وطرحها بقوة؛ بدعوى أن الأمازيغية لغة، ويجب أن تُحترم، ويجب أن تُرسَّم، ويجب أن تدرس. وليس هدفهم هذا، إنما هدفهم فقط استمالة العواطف للتأييد الشعبي وتأييد سكان تلك المنطقة.. ليس إلا؛ من أجل تحقيق مقاصدهم الأخرى بعد ذلك في نشر التغريب والعلمنة، وإشاعة الفساد داخل سكان تلك المنطقة، وقد نجحوا في هذا إلى حد بعيد؛ استطاعوا فعلاً أن يستميلوا سكان تلك المنطقة، واستطاعوا أن يجدوا موضعاً للتنصير فيها، حتى إن الكثير من شباب تلك المنطقة تركوا الإسلام ودخلوا في النصرانية، واستطاعوا أن ينشروا الفساد؛ كشرب الخمر وأكل الخنزير.. وما إلى ذلك، واستطاعوا أيضاً أن يعززوا مواقعهم بالتغلغل في الكثير من مؤسسات الدولة؛ حتى قويت شوكتهم وقوي عددهم فخرجوا بعد ذلك وطرحوا مطالبهم الضارة بالهوية الوطنية، والضارة بالإسلام وباللغة العربية، والضارة بالوحدة الوطنية. وتتمثل تلك المطالب في المطالبة بالاستقلال الذاتي، واعتبار العرب غزاة، والرفض القطعي للغة العربية في مناطقهم. وقد أقدموا على تفجير الوضع في إبريل ٢٠٠١م، ولا يزال متفجراً إلى اليوم، ورفعوا شعارات ومطالب اجتماعية واقتصادية، وشعارات متعلقة بالحريات ليستميلوا بقية مناطق الوطن، فسيَّروا مسيرات ومظاهرات، وقاموا بعمليات تحطيم وتكسير في مناطقهم، ولكن بقية المناطق لم تتجاوب معهم؛ لأن الناس أدركوا خطرهم والأهداف الكامنة وراء هذه المطالب، وتيقنوا أن غاية هؤلاء من وراء رفع المطالب الاجتماعية والاقتصادية وغيرها ليس إلا تحريك بقية المناطق ليحققوا أهدافهم الأخرى المتعلقة بالهوية، ولذلك لم يتجاوبوا معهم. أما السلطة فإنها لم تحسن إدارة الصراع مع هؤلاء، حتى بعد انفجارهم الكبير، ظنت أن المشكلة مشكلة لغوية فعملت على احتوائها دستورياً، وكنا من الذين وافقوا على ذلك، في حين أن الأحزاب المحسوبة على التيار البربري قاطعت جلسات التصويت على (دسترة الأمازيغية) ، فإذا بالواقع يؤكد أنهم مرة أخرى لا يهدفون إلى موضوع (دسترة الأمازيغية) ، وأن المشكلة ليست مشكلة لغوية ولكن لها أبعاد أخرى. وقد انتقدنا طريقة السلطة في التعاطي مع هذا الملف، فدعونا السلطة لكي تفتح حواراً شاملاً وواسعاً، على أساس أن موضوع الأمازيغية لا يهم أبناء هذه المنطقة فقط بل يهم الجميع، وعلى أساس أن الآثار المترتبة عليه لا تنحصر في تلك المنطقة بل تعم الجميع، وعلى أساس أن المطالب المرفوعة ليست فقط مطالب ذات طابع لغوي، بل هناك مطالب اجتماعية واقتصادية.. وما إلى ذلك، وهذه المطالب تهم الجميع، فقلنا لهم: عمموا الحوار.. أشركوا أطرافاً كثيرة في الحوار، وتأتي السلطة بوصفها حكماً بدلاً من أن تأتي طرفاً، عندئذ عندما تتقابل الأطراف المختلفة المتحركة في الساحة لتتحاور وتتناقش، فإذا طرحوا طرحاً متطرفاً فسيقابل بطرح أيضاً متطرف، وتأتي السلطة في مثل هذه الحالة حكماً تفصل فيما ينشأ من خلاف، ولكن السلطة تعامت عن هذا الخيار ولم تسر فيه، بل حصرت القضية وكأنها ثنائية بينها وبين هذه الفئة. قلنا لهم أيضاً: سكان المنطقة ليسوا كلهم من هذا القبيل؛ هناك في المنطقة والحمد لله من هو غيور على دينه ولغته، هناك علماء وهناك دعاة وهناك رجال، وهناك أناس وطنيون؛ فأشركوا هؤلاء في الحوار على الأقل، إذا لم تشركوا هؤلاء في الأحزاب الأخرى فأشركوهم في الحوار، وهم من أبناء قومهم ليتصدوا لطروحاتهم الخطيرة التي تهدد الوحدة الوطنية، لكنهم للأسف لم يفعلوا، ولا تزال المشكلة عالقة إلى اليوم، ونسأل الله التوفيق والسلامة. البيان: لكن كيف تقوِّمون أثر الحركة الإسلامية في منطقة القبائل على وجه التحديد؟ - الأثر ضعيف جداً، وهذا يعود لعدة أسباب؛ منها: أولاً: أن معظم الدعاة الأكفياء من أبناء تلك المنطقة تركوا المنطقة واستقروا في الجزائر العاصمة، وكانوا يترددون على تلك المنطقة من آن لآخر فقط. ثانياً: أن المحنة التي ألمت بالبلاد بعد ١٩٩٢م؛ أتت على القليل المتبقي من دعاة الإسلام في تلك المنطقة، بعضهم سجن، وبعضهم قتل، وبعضهم شرد، وبعضهم أيضاً ترك المنطقة وعاد إلى الجزائر العاصمة، فلم يبق إلا القليل ينافح عن دينه وعن لغته، ولكن نحن نثق في عقيدة عموم الشعب، وما أصاب الكثير من عقول هؤلاء أو قلوبهم إنما هي طبقة رقيقة من الغبار لو وجد في المستقبل دعاة أكفياء، وتتاح هوامش لحرية التحرك في تلك المنطقة؛ ستزول هذه الغشاوة بإذن الله وعونه؛ لأن الفساد في تلك المنطقة مس نخبة منها فقط، أما باقي سكان المنطقة فقد استمالوهم بالمشكلة اللغوية من جهة، وبالمطالب الاجتماعية والاقتصادية من جهة ثانية. البيان: لكن النخبة هي المؤثرة! - طبعاً النخبة هي الفئة المؤثرة؛ لأنها هي النخبة الوحيدة التي يتاح لها التحرك في المنطقة. البيان: أشرتم قبل قليل إلى وجود بعض الحركات التنصيرية في منطقة القبائل، ووقفنا حقيقة على تقارير مذهلة في هذا المجال؛ فما حجم العمل التنصيري هناك؟ - هناك في الواقع تركيز كبير من طرف فرنسا على تلك المنطقة، وهي تعتمد مختلف الوسائل التي تبقي تلك المنطقة شوكة في جنب الجسم الجزائري، ومن الوسائل وسيلة التنصير، مع ملاحظة أن التنصير لا يوجد فقط في تلك المنطقة بل يوجد كذلك في بعض المناطق في الغرب الجزائري، وفي بعض المناطق في الصحراء الجزائرية، لكن أثره محدود ونسبي جداً، وأثره الأكبر كان في منطقة القبائل للأسباب التي أشرت إليها من قبل، ومع هذا أيضاً يبدو أن ما سمعت من تقارير لا تخلو من المبالغة والتهويل. البيان: أكد الفريق محمد العماري قائد أركان الجيش الجزائري عشية الاحتفال بذكرى استقلال الجزائر أن الشيخين مدني وعلي بلحاج سيطلق سراحهما بعد انتهاء المدة الرسمية لاعتقالهما، ويقدر ذلك في يونيو عام ٢٠٠٣م؛ فهل تتوقع أن السلطة الجزائرية سوف تفي بهذا الأمر، أو أن السلطة سوف تتلاعب في هذه القضية أيضاً؟ - من الناحية القانونية؛ فإن الشيخين مدني وعلي بلحاج قد أنهوا عقوبتهما، وما داموا قد أنهوا عقوبتهما فلا يوجد أي مسوِّغ لإبقائهما في السجن، وإبقاؤهما كل هذه المدة فيه ظلم؛ لأن العادة في سجون الجزائر أن المسجون لا يقضي كل العقوبة، قد يقضي ثلث العقوبة أو نصفها، ثم يطلق سراحه مهما كان الجرم الذي ارتكبه، ولكن في شأن أخوينا فقد أبقوهما كل هذه المدة، وأكملوا عقوبتهما. والمتوقع أن الشيخ عباسي مدني ترفع عنه الإقامة الجبرية المضروبة عليه، والشيخ علي بلحاج يعاد إلى بيته ولكن قد يوضع في نوع من الإقامة الجبرية، قد تكون مخففة، ولكن لا يتصور أنه سيُترك بحالة يتمتع فيها بكامل حقوقه. طبعاً نحن نتمنى أن يترك لحاله، وسنعمل على أن يتحقق ذلك بإذن الله؛ لأن ذلك حقه وواجبنا أيضاً. ولكن نعرف أن التيار التغريبي النافذ لا يهدأ له بال إلا أن يراه مسجوناً أو في إقامة جبرية، وقد بدأت أصواتهم تتعالى هنا وهناك تنادي بتنظيم محاكمة أخرى لعلي بلحاج على تصريحات أدلى بها، أو كتابة رسائل بعث بها إلى جهة معينة. نسأل الله ألا يتمكنوا من هذا، وأن يطلق سراح أخوينا، وأن يعودا إلى أهلهما وإخوانهما وشعبهما عاملين ومجتهدين في الإصلاح كما كانا من قبل، فالساحة تحتاج إليهما وإلى أمثالهما. البيان: أخيراً: التجربة كانت تجربة مريرة، وأنتم سميتم العشرية الماضية عشرية حمراء؛ فما هي توصيتكم للحركات الإسلامية خارج الجزائر للاستفادة من هذه التجربة؟ - لا شك أن التجربة الجزائرية تجربة مريرة وتجربة ثرية في الوقت نفسه؛ هي ثرية سواء في ميدان العمل السياسي، كما هي ثرية في ميدان العمل المسلح، وكما هي ثرية في ميدان العمل الحركي قبل ذلك، وفي مجال العمل التبليغي والدعوي والعمل الخيري، هي تجربة ثرية حقيقة في جميع الميادين؛ لأن كل هذه الميادين خاضت فيها الحركة الإسلامية والتيار الإسلامي في الجزائر وصارت لها بذلك تجارب كبيرة ومؤثرة، ومن خلال كل التجارب الماضية بت مقتنعاً مثلما أشرت في صلب الحوار بأن أهم معركة يتعين الاجتهاد في حسن إدارتها إنما هي الاجتهاد في معركة الحريات؛ إذا نجحنا في إدارة معركة الحريات وكسبنا المعركة كسبنا كل شيء بإذن الله تعالى. كما أتمنى أن ندرك جميعاً أن الدعوة دين ولا تؤدى إلا بالطاعة، فالبحث عن صور الطاعة المختلفة في الدعوة والعمل في سبيل الله واجب من أقدس الواجبات، وعلينا أن نتسلح بسلاح الصدق والإخلاص والأمل في النجاح، ونجمِّل كل ذلك بجمال التضحية. ونسأل الله التوفيق.

стр. 4477

الإسلام لعصرنا الحرية والعبودية أ. د. جعفر شيخ إدريس [*] jaafaridris@hotmail.com الفكر الغربي الشائع اليوم فكر إلحادي؛ لأنه كان في أصله رد فعل على الكنيسة ثم على الدين؛ فكان لذلك محاولة لإيجاد أسس فلسفية غير دينية يستند إليها الفكر العلمي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي وغير ذلك. وكونه كذلك لا يعني أن كل ما فيه من تفاصيل باطلة، لكنه يعني أنه يستند في مجمله على أساس واهٍ. لكننا كثيراً ما نأخذ هذا الفكر معزولاً عن بيئته تلك الفكرية الإلحادية، فنعده فكراً إنسانياً صالحاً لكل زمان ومكان، بل كثيراً ما ندعي لذلك أن ديننا يقول به أو أنه على الأقل لا يعارضه، وويل لمن يقول غير ذلك من أمثالي. أضرب في هذا المقال مثلاً بمفهوم واحد هو مفهوم الحرية الذي يكاد أن يكون أمراً مسلَّماً به عند جيمع الناس في عصرنا، فأقول: إن الحر حرية كاملة هو الذي لا قيود على تصرفه ألبتة هو الذي يفعل كل ما يريد. لكن الفعل يحتاج إلى علم وإلى إرادة وقدرة. فالحر حرية كاملة يجب أن يكون ذا علم كامل وقدرة كاملة وإرادة نافذة. ولا يمكن أن يكون للفاعل علم كامل وقدرة كاملة وإرادة نافذة إلا إذا كان مستغنياً عن غيره استغناء كاملاً لا يحتاج إلى أن يتعلم منه شيئاً، ولا أن يكتسب منه مقدرة؛ لأن الحاجة إلى علم الغير أو مقدرته قد يتنافى مع كمال الحرية. فما يقوله المدافعون عن الديمقراطية من أن الإنسان لا يكون حراً إذا هو أطاع قانوناً ليس من صنعه كلام صحيح. لكنهم معترفون بأن الإنسان لا بد له من أن يعيش في جماعة، وأن العيش في الجماعة يتطلب وجود سلطة تأمر وتنهى وتعاقب، وأن القوانين التي بمقتضاها تفعل هذا لا يمكن أن تكون كلها من صنع كل الأفراد الذين يكوِّنون المجتمع، وأن مشاركة الأفراد وإن كانت في النظام الديمقراطي أكثر منها في غيره، إلا أن صنع القوانين حتى في هذا النظام هو في النهاية من صنع قلة من أفراد المجتمع متمثلة في أعضاء المجالس التشريعية. وعليه فإذا كانت المشاركة في وضع القوانين هي معيار الحرية؛ فإن الناس ليسوا أحراراً إلا بقدر يسير حتى في الديمقراطية. بل نقول إنه حتى صنع القوانين ليس ضماناً للحرية حتى لو كان الفرد يتصرف كيف شاء. لماذا؟ لأنه قد يُتبِع نفسه هواها، فيفعل كل ما تأمره وتريده شهواته من إسراف في الأكل، وشرب للخمر، وتعاط للمخدرات، وارتكاب للفواحش، وهكذا. مثل هذا الإنسان ومثله اليوم كثير في الغرب ليس حراً. نعم إنه ليس عبداً لبشر مثله! ولكنه عبد لهواه. ما المخرج إذن من هذه العبودية؟ لا أمل للإنسان في حرية مثل تلك التي تريدها الفلسفات الغربية؛ وذلك أن كل الناس بما فيهم منكرو وجود الخالق سبحانه مقرون بأن الإنسان ليس هو الذي أوجد نفسه، ولا هو الذي يبقيها، وأن علمه مكتسب، وهو علم ناقص، وأنه يعتمد في استمرار حياته على ظروف لا قِبَل له بالسيطرة عليها. فالضياء يأتيه من الشمس، والماء من المطر، والزرع من الأرض، وهكذا. فأنى يكون حراً؟ وأنى يكون مستقلاً بقراره؟ والمؤمنون بوجود الخالق مقرُّون بأن الله هو وحده ذو العلم الكامل، والقدرة الكاملة، والاستغناء الكامل، فهو وحده الفعال لما يريد. أما الإنسان فهو مخلوق، وبما أنه مخلوق فهو مملوك لخالقه، والمملوك عبد. فالصفة التي تدل على حقيقة الإنسان هي كونه عبداً لا حراً، لكنه عبد لخالقه لا لمخلوقات مثله. وعبوديته لخالقه تتمثل في كونه شاء أم أبى محكوماً في كل تصرفاته بمشيئة خالقه. نعم إن للإنسان مشيئة! ونعم إن له قدرة! لكن خالقه هو الذي شاء ان يجعله شائياً، وهو الذي شاء أن يجعل له قدرة. فمشيئته ليست مطلقة، بل هي مقيدة بمشيئة خالقه. فإذا كان الخالق فعالاً لما يريد، فإن الإنسان يريد ما لا يكون ويكون ما لا يريد. لكن الخالق الذي جعل لخلقه قوانين كونية قهرية لا اختيار لهم في طاعتها، قد جعل للبشر قوانين شرعية لا تتم سعادتهم الدنيوية والأخروية إلا بها، لكنه جعلها قوانين اختيارية من شاء منهم أن يلتزم بها فعل، ومن لم يشأ لم يفعل. إذا فعل كان عبداً لله باختياره كما هو عبد له باضطراره. وإذا لم يفعل كان عبداً لهوى نفسه أو هوى غيره من البشر. فالوسيلة الوحيدة لتحقيق ما يريده دعاة الديمقراطية أعني التحرر من العبودية للبشر لا تكون كما رأينا بأن يسن كل فرد لنفسه ما شاء من قوانين. إنها لا تكون إلا بإخلاص العبودية لله بطاعة ما شرع في كل مجالات الحياة. لا مجال إذن للتخلص من العبودية للبشر إلا بالعبودية لخالق البشر. فالإنسان ليس إذن مخيراً بأن يكون حراً أو يكون عبداً، بل هو مخير بين عبوديتين. ولهذا كانت الدعوة إلى أن تكون للإنسان حرية التشريع مرتبطة دائماً بالدعوة إلى التمرد على شرع الله؛ لأنها في حقيقتها دعوة إلى أن يكون المخلوق العبد المملوك فرداً أو جماعة إلهاً مشرعاً لنفسه أو لغيره. وكان الرد الإلهي دائماً أن الإنسان المخلوق ليس من حقه أن يضع من القوانين ما شاء فيحل ويحرم ويأمر وينهى، حتى لو كانت القوانين خاصة بشخصه، وأن الخالق هو الذي من حقه حقاً لا ينازعه فيه غيره أن يشرع وأن يطاع. المتخذون دون الله آلهة من الأهواء يقولون: [أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ] (هود: ٨٧) . [مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ] (غافر: ٢٩) . لكن الرب الخالق يقول: [وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ] (الأنعام: ٩١) . [أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى] (القيامة: ٣٦) (يترك سدى أي يهمل فلا يؤمر ولا ينهى ولا يبعث ولا يحاسب) . ويقول: [قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ] (يونس: ٥٩) . ولكن بما أن للإنسان إرادة مهما كانت محدودة، وبما أن له قدرة مهما كانت أيضاً محدودة، فإن له حرية في حدود قدرته وإرادته. لكنه قد يفقد قدراً من هذه الحرية العادية المحدودة حين يُسترَقُّ فيكون عبداً يملكه ويبيعه ويشتريه بشر مثله. فإذا ما أُعتق قلنا إنه قد صار حراً، أي رجع إلى الحرية المعتادة التي وهبها الله تعالى لكل الناس. وقد يحبس ويعتقل فتحد من حريته؛ فإذا ما خرج من الحبس قلنا إنه قد أطلق سراحه. وقد تتسلط أمة على أمة أخرى فتحكمها، فإذا ما تخلصت منها قلنا إنها قد نالت حريتها، وقد يتسلط حاكم ظالم على أمة فيفرض عليها أحكاماً بهواه كما كان فرعون يقول لشعبه: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. وقد يمنعهم من بعض ما أباح الله أو أوجب من الكلام والحركة والاجتماع، فإذا ما تخلصوا منه قلنا إنهم صاروا أحراراً. لكن أسوأ أنواع العبودية أن يكون الإنسان باختياره عبداً لمخلوق مثله، عبداً له يدعوه ويرجوه ويتوكل عليه ويستغيث به، أو يرضى له بحق التشريع والطاعة فيجعله في مقام المولى سبحانه. ولا فرق في هذا بين أن يكون الحكم دكتاتورية أو وصائية أو ديمقراطية ما دام حكمَ بشر مخالفاً لحكم الله تعالى. بل إن الإنسان ليكون عبداً حتى لو كان هو المشرع لنفسه؛ لأنه يكون حينئذ متبعاً لهواه متخذاً إياه إلها [أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ] (الجاثية: ٢٣) ، وذلك أنه إما أن يكون الإنسان عبداً لله أو عبداً لهواه ولا واسطة بين الأمرين [فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ] (القصص: ٥٠) . وعليه فلا سبيل إلى التحرر من العبودية للبشر إلا بإخلاص العبودية لخالق البشر. فالقول بأن الإنسان حر أو أنه ينبغي أن يكون حراً بالمعنى الغربي الشائع كلام يكذبه الواقع، ثم إنه مخالف للإيمان بأن الإنسان عبد لله يأتمر بأوامره، وقد أدرك هذا بعض الكتاب النصارى، منهم كاتبهم الإنجليزي المشهور لويس الذي قال كلاماً فحواه: إنني لم أولد لأكون حراً، وإنما ولدت لأسمع وأطيع.

стр. 4478

البيان الأدبي رشفات من اللغة المحرر الأدبي * المفاعيل الخمسة: المفاعيل (جمع مفعول) في علم النحو خمسة، وكلها في الأصل قيود للفعل، وهي: ١- المفعول به، وهو جواب: ما الذي وقع الفعل عليه؟ ٢- والمفعول فيه، وهو جواب: ما الذي وقع الفعل في زمانه (ويسمى ظرف زمان) ، أو مكانه (ويسمى ظرف مكان) ؟ ٣- والمفعول (لأجله - من أجله) ، وهو جواب: ما الذي وقع الفعل من أجله؟ ٤- والمفعول معه، وهو جواب: ما الذي وقع الفعل معه (بمصاحبته) ؟ ٥- والمفعول المطلق، وهو المصدر بعد فعله. نحو: حَفِظَ محمدٌ والمصباحَ الدرسَ حفظاً جيداً اليوم أمامَ البيتِ استعداداً للاختبار. ١- فالمفعول به هو (الدرسَ) ؛ لأن الحفظ وقع عليه. ٢- والمفعول فيه هو (اليومَ) ؛ لأن الحفظ وقع في زمانه، ويسمى ظرف زمان. و (أمامَ) ؛ لأن الحفظ وقع في مكانه، ويسمى ظرف مكان. ٣- والمفعول لأجله هو (استعداداً) ؛ لأن الحفظ وقع من أجله. ٤- والمفعول معه هو (المصباحَ) ؛ لأن الحفظ وقع بمصاحبته. ٥- والمفعول المطلق هو (حفظاً) ؛ لأنه مصدر بعد فعله. س - طبق ذلك على: ... ... ... -[وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً] (النساء: ١٦٤) . ... ... ... - سافرتُ وكتبي ليلاً خوفاً عليها. * المترادفات: من الفصاحة والتفنن في التعبير استعمال الكلمات المترادفة؛ لتأكيد الكلام وتجديده، ومنها: - رَجَع فلان من سفره (أو عن قوله) ، وآب، وعاد، وقَفَل. - كَتَم فلان السِّرَّ، وسَتَره، وطواه، وأخفاه، وأبطنه. - أخذ الشيءَ بأجْمعه، وبحذافيره، وبرُمَّته، وبأَسْره. - أَصْل الشر، ومَنْبَع الضلالة، ومَرْسى الفتنة، ووَكْر الباطل. * أخطاء شائعة: - هَوِيَّة: هُوِيَّة؛ لأن الكلمة منسوبة إلى (هُوَ) . - مَبْرُوك (للتهنئة) : مُبارَك؛ لأن فعله (بارَك) لا (بَرَك) . - سَوِيّاً (بمعنى معاً) : معاً؛ لأن معنى (سَوِيّاً) معتدل. - ضرب به عَرْضََ الحائط: عُرْض؛ أي جانب، وأما العَرْض فخلاف الطول، وليس هو المراد. - تَعَوَّدْتُ على الخبر أو اعتدت عليه: تعودته واعتدته؛ لأن الفعلين متعديان. * الصيف والشتاء: - الصَّيْف جمعه: أَصْياف، وصُيُوف، والنسبة إليها: صَيْفي، والشِّتاء (ويقال الشَّتْوة والشَّاتاة) جمعه: أَشْتِية وشُتِيّ، والنسبة إليه: شَتْوي وشَتَوي وشِتائي وشِتاوي. - ويقال: صاف بالمكان واصطاف: إذا أقام فيه صيفاً؛ فالمكان مَصِيْف، ومُصْطاف، وشَتا بالمكان وشَتَّى وتَشَتَّى: إذا أقام فيه شتاءً، فالمكان مَشْتى. - ويقال: أَصْفَيْنا وأَشْتَيْنا: إذا دخلنا في زمن الصيف والشتاء. * قلب الألفاظ: قد يعمد بعض المتكلمين إلى قلب اللفظ بالإتيان به على وزن كلمة أخرى من باب التلاعب والمزاح، وقد جاء نحو ذلك عند العرب لا قصداً، ولكن بسبب شدة الفرح أو الخوف، فقد روى الكسائي أن أعرابياً فزع من الأسد، فجعل يلوذ والأسد من وراء عَوْسَجَة (شجرة شوك) ، فجعل يقول: يُعْسِجُني بالخَوْتَلة، يُبْصِرُني لا أُحْسِبُهُ، يريد: يَخْتِلني بالعَوْسَجَة، يَحْسِبُني لا أُبْصُره. * عامي فصيح: - سقط فلان من عيني = طرحته وأعرضت عنه. - هو آخر العنقود = أصغر أولاد أبيه. - هو على الحديدة = شديد الفقر. - عاوِز = محتاج. - تَوَرَّط = وقع في وَرْطَة. * من فصاحة الأعراب: - مدح أعرابي قوماً فقال: أقبلوا كالفُحول، يمشون مَشْيَ الوعول، فلما تصافحوا بالسيوف، فَغَرَت المنايا أفواهها. - ومدح أعرابي قوماًَ فقال: كلام الناس أشجار، وكلامهم ثمار. - وقال أعرابي: القَبْر يُقَلِّمُ أظفار الخطوب.

стр. 4479

قصة قصيرة انسلاخ السيد علي تهاوت ظلمات الليل تترى.. وادلهمَّت خطوب الآهات صمتاً.. وتشرذمت المعاني فرقاً.. وبت أنعى وحشة المكان.. ألتمس النهار.. أتحسس الفجر.. انشقاق الصبح.. لكن الخيوط الصماء السوداء تكالبت وتجمعت واستأسدت عليّ.. لتتركني قطعاً متناثرة.. ينادي اللسان بقية الأعضاء ليأتلفوا، لكن اليد اليمنى انشقت.. حالفتها القدم اليسرى.. وصارت القدم اليمنى مع اليد اليسرى في حال سبيلهما.. وهكذا تناثرت الأعضاء واختلفت، وبات القلب يئن.. ينزف.. يستغيث.. يستصرخهم ليتماسكوا قبل الانهيار.. لكن غالبية الأعضاء أبت إلا النفور.. ألا تمثلون جسداً واحداً.. لماذا تتمزقون، إذا تفرقتم إرباً.. إرباً؛ فمن سيحملني لأحيا؟! ألا تصل العروق الممتلئة بالدماء بينكم.. ألا تتدفق في أركانكم؟! الحزن والألم.. السعادة والفرح.. الراحة والتعب.. الهدوء والغضب.. ألا تشعرون بهم سوياً..؟! الفراق يقتلعكم من جذوركم.. اقتربوا لا تبتعدوا.. نبضاتي كادت تتوقف.. ولم أعد أملك سوى أنفاس الاستغاثة هذه!! واسترخى القلب بعد هذه الصرخات ينتظر الموت.. وأثناء ذلك أنصت لسماسرة (تجارة الأعضاء) يتقاسمون جسده الممدد.. القابع بلا حراك.. لقد نهبوا خيرات هذا الجسد من قبل.. صادروا ممتلكاته.. وابتلعوا استحقاقاته.. وجاء اليوم الذي يقتسمون فيه أعضاءه.. إذن فلتصمتوا أيها المتصايحون.. فالدور آت لا محالة على ألسنتكم.. ولتتوقفي يا نبضات القلب.. فإن نبضك لم يعد يجدي نفعاً.. وصرخاتك ذهبت أدراج الرياح.. وهانت على الأعضاء أنفسهم، فهانوا كذلك على سالخيهم..!! وتعمقت جروح القلب الدامي.. وتراخت عضلاته أكثر وأكثر في انتظار الموت الذي لا يأتي.. أبداً لا يأتي.. إن الموت لا يخطئ طريقه.. فماذا حدث له هذه المرة؟! ألا يريد أن ينهي عذاب هذه الأعضاء التي انسلخت وتشرذمت وسال دمها أنهاراً حمراء.. ينجرف في طريقها كل كائن يريد أن يحيا فوق بساط الحرية؟! والكرامة التي بعثرت مع تبعثر الأعضاء، واندثرت في ثنايا الآهات حين مزقت هذا القلب المنفطر.. وكان انفطاره حزناً على الأرواح التي تركت أجسادها.. وارتحلت (لا بل رحل الافتراق بها) .. فماذا تبقى بعدئذ للأنفاس كي تستنشق مرة أخرى الهواء، وتزفره..؟! يا لها من أهوال تتراءى أمام هذا القلب المكلوم.. الممدد لا يستطيع حراكاً.. ولا طاقة له ليدافع عن بنيه (الأعضاء) التي تتهاوى لحظة بعد أخرى.. أجل إنها لحظات.. ليست ساعات ولا أياماً ولا شهوراً، فقط لحظات ودقائق سوف تختطف ما تبقى من هذه (البنية) التي كانت يوماً ما قوة.. جبارة.. هائلة .. مخيفة، يتعجب لفتوتها أقوى الأقوياء.. ورغم أن بقية الأعضاء لم تصمت.. بل أدانت التفرقة، وشجبت الاختلاف، واستنكرت الاندثار، واستهجنت التشرذم والانسلاخ..! وأعلنت بكل صرامة وصراحة ووضوح: أنها مع التآلف والتآخي والاتحاد، والتحام والتئام.. الجراح!! ولا رجعة عن ذلك ولا استسلام!! وبعد أن استجمع القلب الجريح خيوط هذه الحقائق، وتجلت ملحمة استبسال الأعضاء هذه أمامه، اطمأن..، واستراح.. واسترخى..!! وتوقف.. لم يعد يئن أو ينزف أو يستغيث أو يستصرخ.. وصمد.. وصمت.. ثم انتظر.. وانتظر..

стр. 4480

نص شعري إصرار صالح بن محمد الصملة abualkattab@hotmail.com أنا سائر رغم الأسى.. رغم البكا.. رغم الدماء أنا مستمد قوتي من خالقي رب السماء هذا طريقي فيه مجدي فيه عزي والإباء قد سار فيه المرسلون بذلوا له كل الولاء ثم اقتفى الآثار كل المخلصين الصادقين الأصفياء من أجله باعوا النفوس رخيصة ولأجله سكبوا الدماء هذا طريقي.. لن أذل ولن أهون لا.. لن تحطم همتي تلك القيود أو السجون أنا قد صحوت اليوم.. لن أرضى الهوان أنا قد عشقت الموت من أجل الجنان أنا سائر وبكفي القرآن أحمله وفي الأخرى سنان أنا لم أعد أعبأ بهاتيك السجون أو القيود إني أراها في طريقي كالأزاهر كالورود أنا في سبيل الله دربي لم أعد أخشى المنون أنا قد صحوت محطماً تلك السلاسل والحديد ومهدماً تلك السجون أنا قد سموت اليوم عن دنيا العبيد

стр. 4481

نص شعري دم الشهداء عاطف عكاشة السيد ... دَمُ الشُّهَداءِ يَدْعوني: تَعالا ... وَدَعْ عَنْكَ التَّشَدُّقَ وَالْجِدالا فَإِنِّي ما شَكوتُ إلَيكَ هَمِّي ... لِتَمْلأَ مِسْمَعي قِيلاً وَقالا أُريدُ جُيوشَكُمْ تَأْتي لِنَصْري ... وَتَمْنَحُني الْمَهابَةَ وَالْجَلالا فَلا تَقُلِ الطَّريقُ إليك وَعْرٌ ... وَتَنْتَحِلِ الْمَعاذيرَ انْتِحالا فَبادِرْ بِالْمَجيءِ فَإِنَّ جُرْحي ... جَحيمُ عَذابِهِ فاقَ الْخَيالا سَتَلْقاني مُراقاً فَوقَ أَرْضي ... وَقَدْ صالَ الْعَدُوُّ بِها وَجالا عَلى الْجُدْرانِ أَصْرُخُ في جُنونٍ: ... لِماذا أُمَّتي تَأْبى النِّزالا؟ أَلَيسَ بِأُمَّةِ التَّوحِيدِ جُنْدٌ ... يَصُدُّونَ السَّفَاهَةَ وَالضَّلالا؟ أَلَيسَ الْمَسْجِدُ الأَقْصى لَدَينا ... جَديراً أَنْ نَشُدَّ لَهُ الرِّحالا؟ وَنَمْلأَ حَولَهُ الدُّنْيا عَتاداً ... وَتَنْتَقِلَ الْجُيوشُ لَهُ انْتِقالا؟ خَلاصُ الْمَسْجِدِ الأَقْصى مَحالٌ ... بِلا لَهَبِ الْقَذَائِفِ أَنْ يُنالا فَهَيَّا يا أَخي انْصُرْني بِفِعْلٍ ... وَدَعْ عَنْكَ التَّخاذُلَ وَالْمِطالا وَلا تَجْلِسْ لِتَمْشِيَ تَحْتَ نَعْشي ... وَتُنْشِدَني مَراثِيَك الطِّوالا لَقِيتُ مِنَ الْيَهودِ أَشَدَّ سَفْكٍ ... وَأَلْقى مِنْ تَقاعُسِكَ الْخَبالا مُسالَمَةُ الْيَهودِ غَدَتْ مَحالاً ... فَهَلْ دَرْبُ الْجِهادِ غَدا مَحالا؟!

стр. 4482

نص شعري ستعود حطين محمد الحسناوي ... يا هارِبِينَ إلى هوى (رابينِ) ... هل تذكرونَ مرارةَ السِكّينِ؟ إن كانتِ الثاراتُ تَنسى لونَها ... فالهُونُ لا يُنسى ولونُ الهونِ كم حرّة جاعت ولم تأكل بثد ... ييها وسال لعاب كل بطينِ يا آكلينَ، بِخُبزةٍ، أقداسَهم ... ما ينفعُ التسويفُ للمَغبونِ شهداؤكمْ خطبوا السماءَ وأنتمُ ... تتلمظونَ على فُتاتِ الطِينِ ما كانَ (بيريزٌ) أخا ثِقَةٍ ولا ... كانَ الوفاءُ العذبُ في (شارونِ) سلبوا الضِياءَ من الشموسِ، وأبَّدوا ... أسلابَهم بالسيفِ والتَّوطِينِ أَفنمنحُ الذؤبانَ صكَّ براءةٍ ... أو نُسلِمُ الأطفالَ للتِنّينِ؟ أوطانُكمْ أعراضُكم. هل يَسلمُ الشـ ... ـرفُ الرفيعُ من الأَذى.. بالدُّونِ؟ أوطانكمْ أقداسُكمْ. من ذا يُبا ... دِلُ مسجداً وممالكاً.. بِظُنونِ؟ أوطانكمْ أوطانُ أجدادٍ سَقَو ... ها حُرَّ أَفئدةٍ ونورَ عُيونِ أوطانُ أجيالٍ تُفدِّيها، تُفـ ... دّي رَمْلَةً منها بِكلِّ ثَمينِ يا هارِبِينَ من القضاءِ إلى القَضاءِ ... نَسيتمُ الميعادَ في (حِطّينِ) المجدُ مجبولٌ بِتُربتِها، وملءُ شِعا ... بِها الغازي (صلاحُ الدِّين) ستعودُ (حِطّينُ) الفخارِ، ويَرجِ ... عُ المحزونُ من زَهوِي ومن زَيتوني ما زالَ (عِزُ الدينِ) و (الياسينُ) في ... أَحداقِها في نَبْضِها المَكنونِ أُصغُوا إلى همسِ النَسيمِ بِبوحِها ... وإِلى لُغاتِ الشَوقِ في اللَّيمونِ شَدْوُ الحَمامِ أنينُها، وصَهيلُها ... سَيلٌ تَحدَّرَ من ذُرا (حَرْمُونِ) شُمّوا إذا شِئتمْ ذَرِير عُشَيْبَةٍ ... بَرّيةٍ أزرتْ على النِسرِينِ مِزمارُ (داودٍ) على غُدرانِها ... يَحكي عَنِ الفِردوسِ سكبَ لُحونِ وصلاةُ (أحمدَ) في معارِجِ طُهرِها ... نورٌ على نورٍ وعَرفُ جَبِينِ يا هاربينَ إلى سَرابِ وُعودِهمْ ... سَمُّ الخِياطِ يَضيقُ في التَطمينِ من ذا يَخيط قُلامةً في أُظفرٍ ... أو يُلحِمُ المجذوذَ بِالإسفينِ؟ الروح باقِيةٌ، وعَزَّتْ أن تُنا ... لَ بإصبعٍ أو عَظْمةٍ عُرجونِ الروحُ باقِيةٌ، وتَأبى أن تُقطَّـ ... ـعَ بينَ (صهيونٍ) وبينَ خَؤونِ الروحُ صنعُ اللهِ تمضي جُملةً ... وتعودُ واحِدَةً بِلا تَقنينِ كتبَ الإلهُ لَتَغلِبنَّ جُنودُه ... وجنودُ (عبدِ اللاتِ) في سِجّينِ في كلِّ خَلْقٍ سُنّةٌ مقدورةٌ ... تأتي على ما رِيشَ من تَدجِينِ الليلُ ليلٌ، والنَّهارُ مَسيحُهُ ... والنصرُ سيفُ الله في التَكوينِ

стр. 4483

المسلمون والعالم مشاهد سياسية: المستضعفون الأقوياء ! عبد العزيز كامل kamil@albayan-magazine.com مخطئٌ من يظن أن المسلمين الصادقين أصبحوا لقمة سائغة في أيدي أعدائهم.. ومغرورٌ من يمني نفسه بسهولة المعركة الطويلة معهم.. وواهمٌ أو مغفلٌ من يعتقد أن تلك المعركة ستنتهي بإنهائهم، أو احتوائهم، أو إلجائهم إلى التخلي عن رسالتهم الموكولة من الله إليهم بأن يخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ويملؤوا الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت جوراً وظلماً. فهؤلاء المسلمون رغم استضعافهم أداة إلهية قدرية؛ سيُجري الله تعالى بها سننه، ويحقق بها وعده بانتشار نوره وانتصار دينه، وانكسار أعدائه، [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] (التوبة: ٣٣) . صحيحٌ أن المسلمين الآن ضعفاء في تفرقهم، مشتتون بجراحهم، ضائعون بفقدان القيادة العالمية الواحدة الراشدة، وصحيحٌ أن ظلالاً من الذل لا تزال تخيِّم على رؤوس الأمة، بعد طول مخاصمة لمعقد العز والتمكين المتمثل في ذروة سنام الدين.. ولكن هذه كلها أعراض لأمراض سرعان ما تزول بزوال أسبابها.. والأيام تثبت هذا، فلا تزال العودة إلى الله تعود بالمسلمين رويداً رويداً إلى آفاق رحبة من رحمة الله، فنرى ونسمع عن مستجدات ما كان أحد يحلم بها قبل بضع سنوات؛ حيث أصبح الإسلام وأهل الإسلام عصب المادة الإخبارية التي تجذب اهتمام العالم، وتثير خوف المجرمين، وتستلفت انتباه التائهين الضالين، والذين ربما يقبل الكثير منهم على السؤال عن هذا الدين، ومنهاجه، وجوهر دعوته. وفي هذا ما فيه من بلاغ لكلمة الله للعالمين، والتي ما كان أحد يستطيع جلب انتباه العالم لها بمثل هذه القوة وهذا التركيز؛ لولا مكر الكفار الذي ينقلب عليهم، [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] (الأنفال: ٣٠) ، فالكفار مكروا بالمسلمين في فلسطين، ويمكرون بهم في أفغانستان، والشيشان، وفي كشمير، والعراق، والسودان، وهم يواصلون المكر الآن في قائمة إضافية تضم ستين دولة، كما قال (كبير الأوباش) قبل عام. فماذا أثمرت حملات أعداء المسلمين إلى الآن؟ وما هي ملامح المرحلة الجديدة من الحرب المفتوحة على الإسلام باسم الحرب على الإرهاب؟ .. لنتجول مع تلك المشاهد لنرى: كيف يسوق الله تعالى لنا البشريات بقبول دعوات الصالحين بنصرة إخوانهم المستضعفين وتحويل استضعافهم إلى قوة؛ حتى يصبح الأمر كما قال سبحانه: [وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ] (القصص: ٥-٦) ، وتلك المنة لا نشك بأنها ستُكلل بانتشار عام لكلمة الإسلام كما أخبر سيد الأولين والآخرين ﷺ في قوله: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها» [١] . * فلسطين: عطاء بلا غطاء بالرغم من المعاناة والشدة والتضييق الذي عانى ويعاني منه الشعب الفلسطيني بعد اندلاع الانتفاضة الثانية؛ فإن ما يعانيه الطرف اليهودي في المقابل يتزايد مع الأيام، وهذه سنة الله مع الصادقين إذا انحازوا إلى طريق الجهاد بوصفه حلاً أخيراً، بل وحيداً لكسر شوكة العناد لدى الأعداء، [إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً] (النساء: ١٠٤) ، وبرغم ما يعيشه المجاهدون الفلسطينيون من حصار وأذىً متعدد الأشكال؛ فإنهم يبرهنون كل يوم أن في مقدور الفئة القليلة أن تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله، واليهود اليوم هم الفئة الكثيرة بما معها من كثرة السلاح، وحملة السلاح، ونوعية السلاح المتفوق في البر والبحر والجو، ومع هذا؛ يشاء الله تعالى أن يجري على أيدي الفئة القليلة المستضعفة العزلاء من الفلسطينيين ألواناً من الإذلال والرعب والإهلاك لليهود، يتضاعف على جميع ما قدمته الأنظمة «الثورية» والحركات «النضالية» ، وما أنجزته الحكومات بحروبها ومشاريعها السلمية الرسمية وغير الرسمية، يعبر عن هذا الكاتب الأمريكي اليهودي الشهير: «توماس فريدمان» بقوله: «لقد أدت العمليات والتفجيرات التي قام بها الفلسطينيون خلال شهرين إلى قلب البلد رأساً على عقب، وأفقدت (إسرائيل) أكثر مما فقدته مع أي جيش عربي خلال السنوات الخمسين الأخيرة، وأصبحت (إسرائيل) اليوم مستعدة أكثر من أي وقت مضى للبحث بجدية في موضوع الانسحاب من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام ١٩٦٧م» . ما الذي جعل ذلك اليهودي يصرح بهذه الحقيقة؟ .. إنه في ذلك لا يعبر إلا عن واقع ملموس محسوس، بل ومُحصىً في قوائم أصبحت مذاعة؛ فإجمالي عدد العمليات التي قام بها المجاهدون في فلسطين من الفصائل كافة بلغ (٣١٧) عملية، يعلم الجميع أن كل عملية منها تبث الذعر في قلوب ملايين اليهود في العالم لا في داخل فلسطين فقط، فإذا أسفرت عملية منها عن قتلى، ورأى اليهود منظر الدماء على الشاشات في النشرات؛ فإن هذا يُطَيِّر النوم من عيون أحرص الناس على حياة. العدد المذكور من العمليات أسفر عن مصرع (٤٣٧) يهودياً، كان كل واحد منهم يُشَيَّع إلى لعنة الله في الخفاء، دون هتافات أو مظاهرات كتلك التي يُشَيِّع بها الفلسطينيون شهداءهم، والسبب في ذلك: خوف اليهود من المزيد من القتلى، أما عدد الجرحى من مجموع تلك العمليات فقد بلغ (٢٦٨٣) جريحاً، والجريح هنا قد يكون بصيراً تحول إلى أعمى أو أعور، أو سليماً تحول إلى قعيد أو كسير أو مريض، وكل واحد من هؤلاء يظل قابعاً داخل إطار في لوحة كئيبة رعيبة يشاهدها أهله وأصدقاؤه ومعارفه كل يوم؛ مما يزيد من تمكن الرهبة في قلوب اليهود، وصدق من قال: [لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ] (الحشر: ١٣) ، إن الميت قد يُنسى بعد حين، أما المصاب فإنه تذكار لتجديد الوساوس والأفكار عند كل يهودي كي يولي الأدبار، أو يسعى للهجرة نجاة بجلده.. (انج سعد فقد هلك سعيد) ! وما لا تذكره الإحصاءات من ضحايا العمليات الجهادية غير القتلى والجرحى هو عدد من يسقطون صرعى الجنون، والأزمات النفسية المزمنة، والكوابيس المخيفة، وأفلام الرعب في أحلام المنام واليقظة، وصدق الله: [سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ] (الأنفال: ١٢) ، فليس من سبيل لإلقاء هذا الرعب إلا بضرب الأعناق ونثر الأشلاء، وليس من سبيل لإكراه العدو على كف شره إلا هذا الرعب، وهذا ما يقوم به أُسُود فلسطين، ثبَّت الله أقدامهم! إن هذا الرعب المبثوث هو أقوى ورقات التفاوض، وأنجح وسائل الضغط، وأسرع رسائل المطالبة؛ فهو أدعى لقبول الخصم لمبدأ الجلوس للوصول إلى حلول غير ظالمة. وقد جرب الفلسطينيون على المستوى الرسمي كل وسائل الملاطفة والمجاملة والتذللات والتنازلات؛ فلم يُجْد ذلك ولن يُجْدي مع اليهود نفعاً، بل سيزيدهم ذلك إصراراً على التهام ما تبقى من حقوق الفلسطينيين. صحيح أنهم يزدادون شراسة في الانتقام لضحاياهم، ولكن ذلك لا بد أن يكون له سقف ونهاية، فلا بد أن ينكسر اليهود في النهاية تحت وطأة هذا الحوار الساخن الجاد الذي لا يستطيع اليهود أن يفهموا حواراً غيره. كلما صرخ اليهود من وقع ضربات المجاهدين على أم رؤوسهم؛ انبرى العلمانيون الفلسطينيون في التباكي على عملية السلام، والاعتراض على استمرار الانتفاضة، أو الدعوة إلى عدم عسكرتها، بل إن منهم من لم يمنعه الحياء من أن يطالب أطفال الانتفاضة بالكف عن رجم جنود اليهود بالحجارة!! تلك الحجارة التي يلتقطها الصبية والشباب من أطلال البيوت المهدمة، والمنشآت المدمرة!! يقول هؤلاء المطالبون: لا نريد أن نعطي لليهود ذريعة للاستمرار في العدوان..! هؤلاء لم يفهموا بعد من هم اليهود ... أو يفهمون ولكنهم يتغابون؛ فمتى كف اليهود عن العدوان؟ وهل كانوا في حاجة إلى ذرائع عندما نفذوا سلسلة المذابح التاريخية السابقة واللاحقة ضد الفلسطينيين العزل؟! هل كان في عام ١٩٤٨م من يقذفونهم بالحجارة؟! وهل نشأت حرب ١٩٦٧م بعد عمليات استشهادية ضد مدنيين أو عسكريين إسرائيليين؟! ما نستطيع أن نقوله: إن استمرار أعمال الجهاد هي السبيل الوحيد لإيقاف اليهود وغيرهم عند حدهم، فهذا مفهوم السيرة والتاريخ، ومنطوق القرآن والسنة: [فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً] (النساء: ٨٤) ، فَكَفُّ بأس الكفار في فلسطين وغيرها مرهون بإقامة شرعة القتال التي فرطت فيها الأمة عقوداً طويلة. أما (بدعة) التفريق بين المدنيين والعسكريين؛ فنحن لا نعرف في شرع الله إلا محاربين ومسالمين، فليثبت المعترضون على قتل من يسمون بالمدنيين الإسرائيليين أنهم مسالمون، ثم ليثبتوا بعد ذلك أن العسكريين منهم لم يستهدفوا مدنيين مسلمين! فإذا كانت عساكرهم تستهدف مدنيينا فعلينا أن نعمل بقول الله تعالى: [وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ] (النحل: ١٢٦) ، وقوله: [وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا] (الشورى: ٤٠) ، وقوله: [فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ] (البقرة: ١٩٤) . بل إنني أريد التنبيه - من وجهة نظر شخصية - على (بدعة) أخرى، وهي بدعة (التفريق بين يهود الداخل ويهود الخارج) ، وأقول «بدعة» على اعتبار عصمة الدم، فاليهود في عصرنا كلهم محاربون إلا من أثبتت الدلائل أنهم بخلاف ذلك، وعلى ذلك؛ فما لم تترتب مضرة راجحة من استهدافهم خارج فلسطين، كما استهدفوا هم عشرات القيادات والرموز خارج فلسطين، إذا لم توجد مضرة راجحة في ذلك فهم هدف مشروع، ومن هنا؛ فلا مُسَوِّغ للتبرؤ من العمليات التي تستهدف المصالح اليهودية خارج فلسطين إذا كان من يقومون بها يُعفون المجاهدين في الداخل من تبعة المسؤولية عنها. لقد رأينا مدى الرعب والقلق والانزعاج لدى اليهود في (إسرائيل) عندما استُهدفت مصالحهم خارج فلسطين، وعلى أيدي غير الفلسطينيين في عمليتي (مومباسا) ، فقد فرضت هاتان العمليتان منذ لحظة تنفيذهما على كل أجهزة الأمن الإسرائيلي وعلى رأسها (الموساد) تبعات أضخم وأعظم من إمكاناتها؛ لرصد الأنشطة المعادية لليهود في أطراف الدنيا الأربعة ومتابعتها، وهم الذين اعتادوا أن ينفذوا عملياتهم في كل أنحاء العالم في أمان؛ دون أن يجدوا حتى من يحاول التحقق من نسبة الجريمة لهم. فلماذا يبيح العالم لليهود أن يحولوا الكرة الأرضية ساحة للنشاط الإجرامي لهم، ويريد بعضنا أن يُحصر العمل ضد اليهود في قلعتهم المحصنة داخل فلسطين فقط، بل إن هناك من يريد حصر القضية ضد اليهود على الفلسطينيين كما يفعل عرفات عندما طالب غير الفلسطينيين بأن يكفوا عن (المزايدة) باسم فلسطين، وما علم ذلك الـ (مخذول) بأن القضية الفلسطينية ما أضيرت من أحد بمثل ما أضيرت من أمثاله؛ رغم أنه يمثل الرمز (الرسمي) للفلسطينيين! عمليتا (مومباسا) اللتان نُفذتا ضد «فندق إسرائيلي» و «طائرة إسرائيلية» في وقت واحد؛ فتحتا صفحة جديدة من الصراع مع اليهود لها ما بعدها، فنعتقد أن (ذراع إسرائيل الطويلة) التي طالما تغنى الإسرائيليون بعدم قدرة حكومات العالم كله على تحديها؛ قد وجدت من الآن ذراعاً أطول تستطيع أن تبترها أو تشلها، أو تلويها على رقاب من استطالوا بها على الإسلام وأهله. لقد عبَّر عن رعب الإسرائيليين وهلعهم من هذه العملية المعلق الإسرائيلي «إينان هار» ؛ عندما كتب في صحيفة يديعوت أحرونوت في (٩٢/١١/٢٠٠٢م) مخاطباً المسؤولين الإسرائيليين: «كُفُّوا عن الحديث عن دحر الإرهاب، وذراع إسرائيل الطويلة القادرة على قطع أذرع أعداء (إسرائيل) ، وأَقْبِلُوا على التفكير السياسي السليم لمحاولة إيجاد حل سياسي ... الحقيقة الآن هي أنه ليس بمقدور عشرة شارونات، ولا مئة موفاز، ولا ألف نتنياهو دحر الإرهاب بوسائل عسكرية فقط!» . وكتب معلق آخر هو «بن كسبيت» في صحيفة (ها آرتس) بُعيد الحادث واصفاً حال اليهود بعد عمليتي (مومباسا) في كينيا، وعملية (بيسان) قرب الأردن في اليوم نفسه؛ فقال: «نشعر أننا وصلنا إلى طريق مسدود ... حتى السفر بهدوء إلى الخارج لم يعد آمناً (يشير إلى محاولة إسقاط الطائرة الإسرائيلية) ، لم يبق لنا الآن إلا رائحة الخوف نشمها في كل مكان!» . وعلقت صحيفة (معاريف) على عملية (مومباسا) بمقال تحت عنوان (ليس من نصير) قالت فيه: «إن الخطر بات في كل مكان.. في كل ردهة من فندق، وفي كل مدرج إقلاع ... وفي كل مطعم أو ملهى.. ليس أمامنا مكان نهرب إليه، حتى الأمن خارج البلاد سلبوه منا!» . ونحن نقول للإسرائيليين: لقد مضى عهد «تنت» و «نتن» و «شارون» و «شيمون» و «أهارون» ، كما قد ولى عهد (سلام الشجعان) وجاء زمان جند الإسلام، داخل فلسطين وخارجها، هؤلاء الذين يعملون في العراء بلا غطاء من حكومات أو جيوش أو منظمات أو هيئات تناصرهم وتدعمهم؛ فماذا لو بُذل لهم الدعم، ووُفِّرت الإمكانات؟! ... اللهم كن لهم عوناً ونصيراً! * أفغانستان: طالبان وغلام الأخدود عندما سقطت دولة طالبان الصغيرة الفقيرة على أيدي الأمريكان الظالمين الغاشمين؛ كنت أقول ولا أزال: لو كان ثمن سقوط دولة طالبان اليوم هو سقوط إمبراطورية الظلم الأمريكية غداً؛ فإن طالبان لم تسقط.. ولم تُهزم، بل ولم تمت؛ فهي كالشهيد الحي الذي يريق دمه ليحقن دماء غيره، وكالشمعة المشعة التي تحترق لتضيء طريق الظلام. كنت أقول هذا على افتراض السقوط النهائي لها، وهو ما لم يحدث، وكنت أستلهم في ذلك دروس قصة غلام الأخدود الذي صوَّب الملك الجبار سهم الجريمة لإسكات قلبه الصغير؛ ليحي الله بذلك قلوب الملأ الكبير ... ولهذا فإن الغلام عندما سقط مدرجاً في دمائه؛ أَسقَط َفي الوقت نفسه كيان الجبروت، وكشف زيفه، وعرَّى باطله، وأظهر للناس أن هناك إلهاً واحداً عدلاً لهذا الكون يقول للشيء كن فيكون، وأن مشيئته نافذة في الجبارين ولو بعد حين؛ فمن الذي انتصر إذن: الغلام أم الملك الجبار؟! كلنا يعرف الإجابة عن هذا السؤال. أما السؤال الثاني وهو: من الذي انتصر في حرب أفغانستان: أمريكا أم طالبان؟! فهذا سؤال ستُعرف إجابته الواضحة عندما يتضح مصير الحرب العالمية الثالثة التي انطلقت من أفغانستان ضد حزب الرحمن في شتى أنحاء العالم، ولكن الانتظار لن يطول؛ ففضائح أمريكا تتكشف يوماً بعد يوم، والتقارير التي تتوافد عن حالة المعركة القائمة الآن بين المجاهدين في أفغانستان وبين القوات المشتركة المشركة تحت زعامة الولايات المتحدة؛ تقول الكثير عن عناصر الجواب عن السؤال السابق. والمفاجأة الكبرى التي توردها وتقررها هذه التقارير أن الغلام لم يمت، وأن مشروعه للشهادة أمام الملأ قد تأجل ليتحول إلى مشروع إحياء عام للروح التي فقدتها هذه الأمة، ففقدت بفقدها الدنيا والدين والتمكين، وهي روح الجهاد الأكبر لإعلاء كلمة التوحيد. خسائر الولايات المتحدة على أيدي المجاهدين حقيقية وكبيرة، وهي مرشحة للزيادة في ظل تقارير متواترة عن نجاح المجاهدين في إعادة تنظيم صفوفهم، بل وإعادة فتح بعض المعسكرات. وقد نشرت جريدة (نيوزويك) تقريراً يقول بأن ٩٠% من قيادات المجاهدين في أفغانستان ما زالوا أحياء طلقاء! هذا عن القيادات .. وفي داخل أفغانستان؛ فماذا عن الأتباع، وعن الخلايا النائمة والمتناومة في شتى أرجاء العالم؟! إحدى العمليات داخل أفغانستان سقط فيها باعتراف أمريكا (٤٠) قتيلاً، وأصيب (٣٤٥) ، والحكومة الأفغانية العميلة نفسها تعترف بسقوط (١١٠) أمريكيين، ولكن المخابرات الروسية والهندية تكذبها وتقول: إن خسائر أمريكا في أفغانستان بلغت حتى الآن (٤٠٠) قتيل، وهناك أطراف أخرى ربما تكون ذات اطلاع واسع على مجريات الأحداث في الداخل الأفغاني تذكر أرقاماً أخرى، فالقائد السابق حكمتيار يقول إن الخسائر البشرية الأمريكية في أفغانستان لا تقل عن (٦٥٠) قتيلاً، أما مصادر طالبان- الأكثر اطلاعاً - فتوصِّل عدد من قُتلوا بأيدي المجاهدين إلى (١٢٠٠) جندي أمريكي، وتقول إن جثثهم تُنقل إلى أمريكا عن طريق باكستان عبر بعض دول الخليج بأعداد متزايدة. هذا المعدل في الخسائر البشرية كبير بالمقاييس المعتادة، ومرعب بالمقاييس الأمريكية التي تزن الجندي الأمريكي بألف من البشر أو يزيد، والقادة العسكريون الأمريكيون الذين يخرجون كل حين لإذاعة أنباء عن النجاح في مطاردة (فلول) المجاهدين؛ تزعجهم هذه الإفاقة السريعة للجهاد في أفغانستان بعد مصيبة الغزو الذي تسبب فيه وأعان عليه المنافقون، فالأمريكيون بين شرَّيْن: إما البقاء الدامي في أفغانستان، وإما الانسحاب الذليل كما حدث في الصومال بعد مقتل مئتين من جنود المارينز هناك، وكذلك الانسحاب الصامت من الفلبين مؤخراً، وإذا حدث هذا في أفغانستان واضطرت أمريكا كما اضطرت أستراليا بعد بالي إلى سحب قواتها من أفغانستان؛ فإنها ستكون فضيحة الدهر لأمريكا، وسيكون هذا سقوطاً مدوياً لهذه القوة الشريرة التي لم تتمكن إلى الآن من تحقيق هدف واحد من أهداف حملتها على أفغانستان؛ سوى إحلال الخوف محل الأمن، والفجور محل الاستقامة، والفساد محل الإصلاح في طول البلاد وعرضها. أفغانستان بعد عام من غزوها: والنتائج الأولية للأوضاع في أفغانستان بعد عام من اضطرار طالبان لترك المدن؛ توحي بأن الشعب الأفغاني يوشك أن يجتمع مرة أخرى على زعامة طالبان في الجهاد، فالأسباب التي دعت هذا الشعب للجهاد الأول وهي الاحتلال والغزو الأجنبي تتكرر اليوم، والأسباب التي دعته للالتفاف حول طالبان وهي انتشار الفساد والجرائم تتكرر أيضاً بشكل أفظع؛ حيث أشارت مثلاً تقارير الأمم المتحدة مؤخراً إلى ثبوت بلاغات عن حدوث (٢٤٠) حالة اغتصاب في العاصمة الأفغانية وحدها، هذا عن المُبلَّغ عنه؛ فماذا عن الذي لم يُبلَّغ عنه وسط شعب يفضل الموت على العار؟! ... مصادر طالبان تؤكد أن عدد حالات الاغتصاب - فضلاً عن السرقة، وقطع الطرق، وسلب الإتاوات.. وغيرها - وصل إلى (٧٣٠) حالة، مع أن المثبت في دواوين تلك الحركة عن جرائم الاغتصاب خلال سنوات حكمها الخمس؛ لا يزيد عن ثلاث حالات اغتصاب أقيم الحد فيها على المجرمين. والمسلمون في العالم سيكتشفون أيضاً مع الوقت أن العار الأكبر الذي ظل العالم يعيِّر به حكومة طالبان ظلماً - وهو الاتجار بالمخدرات - قد عاد الآن بعد طالبان على يد الحكومة (الإصلاحية) التي تدَّعي أنها إسلامية؛ لتصبح أفغانستان الدولة الأولى في العالم في تصدير المخدرات، فهي تصدر الآن ما قيمته (٧٠%) من إنتاج العالم للأفيون. ومعروف أن الأمم المتحدة وعلى لسان مسؤولها في أفغانستان (الأخضر الإبراهيمي) كانت قد أعلنت عام ١٩٩٩م خُلُوّ أفغانستان من حقول الأفيون في ظل حكومة طالبان، كل هذه الأسباب وغيرها ستدفع الصادقين من شعب أفغانستان للالتفاف مرة أخرى حول المجاهدين الصادقين من أبناء الشعب الأفغاني وما أكثرهم! . لم أرد بتناولي للشأن الأفغاني أن أسرد إحصاءات، فربما تتوافر هذه الإحصاءات بشكل أوسع في مصادر أخرى، ولكن الذي أردت لفت النظر إليه؛ أن فرص انتعاش الحركة الجهادية في أفغانستان تتزايد يوماً بعد يوم، وهذا يعني ما يلي: - أن مخططات أمريكا في منطقة آسيا الوسطى، والتي عرقلتها طالبان أثناء مدة حكمها، يتوجه إليها التهديد من جديد بسبب طالبان وهي خارج الحكم، والمؤشرات كلها تدل على عدم قدرة حكومة كرزاي (الذي سُرقت سيارته من القصر) على توفير الأمن والاستقرار، فهي عاجزة عن الخروج بسلطتها عن حدود كابل، بل عن حدود القصر الجمهوري الذي تحميه فرق المرتزقة المستوردين من أمريكا بالأجرة. - أن رقعة الجهاد الإسلامي في آسيا الوسطى ستتوسع وتزداد في البلدان المحيطة بأفغانستان؛ إذا اضطرت أمريكا للانسحاب من هناك تحت وقع الخسائر البشرية المتزايدة، والتي لن تصبر على المزيد منها الجرذان الأمريكية البيضاء. - أن فضيحة تحالف الشمال الذي أقسم بعض قادته على عدم السماح لـ (ذبابة) بأن تطأ أرض أفغانستان، وظهور حجم الكارثة التي جلبها هؤلاء إلى بلادهم باستدعاء الأمريكان وتمكينهم من أرض أفغانستان؛ سيعمق الفجوة بينهم وبين الشعب الأفغاني مع الزمن، وسيزيد من الشروخ بينهم وبين مناوئيهم في السلطة، وهو ما سيعود بمزيد من التفكك والضعف على السلطة المركزية التي يخوض وزير الدفاع فيها صراعاً مسلحاً مع (نائبه) دوستم؛ في أضحوكة من أضاحيك الزمان التي تستثير الاستهجان! - إن صدقت توقعاتنا بتحول أفغانستان إلى ساحة صراع بين أمريكا وغرمائها الآخرين من غير المجاهدين؛ فإن الولايات المتحدة سوف تجد نفسها على أرض أفغانستان في مواجهة عداء مستحكم من كل من الصين وروسيا وإيران وباكستان، فكل تلك الدول متضررة بشكل أو بآخر من عزم أمريكا على نصب خيمتها الدائمة في أفغانستان، ولا أزال أعتقد بأن الروس وبرغم كل مظاهر النفاق للأمريكان لن يضيعوا فرصة توريط أمريكا في أفغانستان كما ورطتهم أمريكا فيها بدعمها السابق للجهاد الأفغاني؛ حيث زودت المجاهدين بصواريخ «ستالينجر» ليقاتلوا الروس نيابة عنها، وليتولى المسلمون الأفغان بدمائهم ودماء أطفالهم ونسائهم وشيوخهم؛ إنهاء الحرب الباردة بين أمريكا وروسيا لصالح الأمريكان؛ كي يتحقق ما تحدث عنه نيكسون في كتابه (نصر بلا حرب) ! - وأخيراً؛ نستخلص من قصة الغزو الأمريكي لأفغانستان منذ بدأ وحتى الآن: أن العائق الوحيد دون قدرة طالبان على العودة للحكم، وعدم قدرتها قبل ذلك على الاستمرار فيه؛ يرجع إلى السيطرة الجوية الأمريكية التي لا يملك المجاهدون وسائل مواجهتها وكسر تفوقها، ولكننا لا نستبعد في ظل حرص القوى المحيطة بأفغانستان على توريط أمريكا هناك أن تلجأ تلك القوى إلى دعم المجاهدين نكاية في الأمريكيين، وإذا صحت الأنباء التي تحدثت عن عثور القوات الأمريكية على صواريخ صينية حديثة الصنع في حوزة المجاهدين بعد بعض عملياتهم؛ فإن ذلك سيكون عامل ضغط هائل على الأمريكان؛ يجعلهم يستيقنون أنهم قد وقعوا بالفعل في الورطة الكبرى عندما قرروا غزو أفغانستان. * الشيشان: دور كبير لشعب صغير لا يتعدى شعب الشيشان كله، برجاله ونسائه وشيوخه وأطفاله عدد سكان محافظة نائية من محافظات مصر مثلاً، فعددهم لا يزيد عن المليونين، ومع هذا؛ فإن ذلك الشعب الأبي المجاهد كان ولا يزال يُصَدِّر للدنيا كلها أسمى معاني الصبر والفداء، ولا يضير شعب الشيشان أننا كنا لا نسمع به قبل أن يُبرز الإعلام قضيته إبان الغزو الروسي الأخير لبلادهم، إنهم جزء من بلاد القوقاز التي تعد شعوبها من أسبق الشعوب النائية عن جزيرة العرب دخولاً في الإسلام، فقد أرسل إليهم الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ﵁ في العام الثامن عشر للهجرة؛ كلاً من الصحابيين الجليلين حذيفة بن اليمان، وعياض بن غنم ﵄ ليبلغوهم دعوة التوحيد، فاستجاب الكثيرون منهم، ولم يكد يمر من الزمن ست سنوات حتى خضعت بلدان جنوب القوقاز كلها لحكم الإسلام، ولم تأت عهود الخلافة الأموية والعباسية إلا وشعوب القوقاز ومنهم الشيشان يمثلون جزءاً فعالاً من كيان الأمة الإسلامية، وكانت روسيا آنذاك إمارة مغمورة كريهة السمعة، فبلدهم (موسكوفيا) كان يقطنها وثنيون همج، وصفهم المؤرخون بأنهم من شر خلق الله طبعاً، وأقذرهم سلوكاً، وأكثرهم فساداً وإفساداً؛ فهم لا يعرفون حلالاً ولا حراماً، ولا يغتسلون من جنابة، ولا يتطهرون من نجس، ولا يفيقون من شرب الخمر. إلا أن أولئك الرعاع انتقلوا خلال قرون تالية من وثنية الأصنام إلى وثنية الصلبان، وتقوَّت روسيا بجيرانها من البيزنطيين النصارى، وبدأت تستأسد على المسلمين حولها في بلاد القوقاز عن طريق أعمال القرصنة التي كانت تقوم بها قبائل النورمان الذين تشكلت منها روسيا، ولكن المسلمين أخضعوهم لحكم الإسلام في القرن السادس الهجري، وجعلوهم يؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون، وحتى أواخر القرن الخامس عشر الميلادي كان الروس يؤدون الجزية للحكام المسلمين في القوقاز، ولكن الأمر تغير بعد سقوط الأندلس عام (٨٩٨ هـ / ١٤٩٢م) ؛ إذ تكالبت الأمم على المسلمين، وكان الروس من شر المتكالبين، فراحوا يبادئون المسلمين بالعدوان في بلاد القوقاز وغيرها، ويلحقون بهم أعظم الأذى، حتى بلغت ذروة ذلك على يد رمز الإجرام الروسي «إيفان الرهيب» ؛ ذلك السفاح الذي استباح مدينة (قازان) عاصمة القوقاز وقتها، وأمر بقتل جميع سكانها؛ في أبشع مجازر التاريخ عام (٩٥٩هـ/ ١٥٥٢م) . واستمر شعب القوقاز في معاناة طويلة من بطش الروس؛ في ظل انشغال الممالك الإسلامية في مصر وإيران وغيرها بالصراعات الداخلية والخارجية، ولكن الخلفاء العثمانيين تنبهوا فيما بعد لمأساة بلاد القوقاز مع الروس، فخاض العثمانيون مع الداغستانيين ومن أسلم من التتار؛ حروباً طاحنة ضد الروس، ثأروا فيها لإخوانهم القوقازيين، وظلت الأمور بين المسلمين والروس بين مد وجزر، حتى جاء القرن الثامن عشر فجرد الروس حملة بقيادة زعيمهم المسمى «بطرس الكبير» فاستولى على بلاد الشيشان وداغستان وأخضعها كلياً لحكم النصارى، وفرض الروس النصرانية على المسلمين في عهد الملكة «كاثرين» ، فاضطر الثابتون منهم إلى الإسرار والاستتار بدينهم في ظل قهر الكنيسة التي عمَّدتهم بالإكراه، وأتم الروس حلقات السيطرة على كثير من الشعوب الإسلامية بنهاية القرن الثامن عشر للميلاد، وفي القرن الذي يليه بدأت بقايا الشعوب القوقازية ومنها الشيشان في التمرد على الإكراه في الدين الذي يمارسه النصارى عليهم، وبدأت حركات جهاد ضد الروس، وتزعمهم في ذلك القائد الشيشاني «الشيخ منصور» ؛ حيث نجح في تنظيم جهاد المسلمين ضد الروس بدعم من العثمانيين، وتمكن ذلك المجاهد من إذلال الروس وإلحاق الهزائم بهم في معارك عديدة، ولكن هذا الشيخ أُسر بعد ذلك، وخلفه الإمام «مولا» الداغستاني، ثم جاء بعده الزعيم الشيشاني الشهير «الإمام شامل» ، وكان شامل الأمس كشامل اليوم حفظه الله مجاهداً عنيداً صلباً، لا تكسره الابتلاءات، ولا تضعفه الهزات.. على مدى خمسة وثلاثين عاماً متواصلة من الجهاد ضد الروس، ولم يتمكن الروس من القضاء على حركته العسكرية إلا بعد أن حشدوا له ثلت الجيش الروسي، فتصدت قوات مكونة من مئتي ألف مقاتل روسي لمهمة القضاء على الإمام شامل. لم تخمد جذوة الجهاد على أرض القوقاز على الرغم مما واجهها من أهوال على يد حكم القياصرة في روسيا، ولما قامت الثورة الشيوعية الروسية عام ١٩١٧م كان أهل القوقاز مستعدين لإعلان (جمهورية الجبل المستقلة) ، ولكن الإلحاد الروسي الشيوعي الذي خلف الإجرام النصراني أبى أن يترك المسلمين وشأنهم، بل ازداد الروس عتواً وإجراماً بعد تحولهم عن النصرانية إلى الإلحاد المطلق، وقام سفاح روسيا المعاصر «ستالين» بأبشع الجرائم ضد الشعوب في هذا العصر، فقتل من الشعب الشيشاني الصغير نصف مليون نسمة، وكان هذا العدد في وقته يوازي نصف الشعب الشيشاني، وأرغم «ستالين» الباقين على الهجرة إلى مجاهل سيبيريا بعد الحرب العالمية الثانية؛ ليتأكد بشكل نهائي من التخلص من ذلك الشعب العنيد في جهاده وصموده، لكن الله تعالى شاء أن تنتهي إمبراطورية «ستالين» ، وأن يبقى شعب الشيشان شوكة في حلوق الروس. ولما سقط اتحاد الإلحاد السابق؛ تكرمت روسيا كارهة بمنح الاستقلال للعديد من الدول التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي، إلا أنها أبت أن تمنح الشعب الشيشاني استقلاله منذ أوائل التسعينيات وحتى اليوم. وكانت قد اجتاحت قبل ذلك أرض الشيشان إلى أن اضطرت للانسحاب منها عام ١٩٩٦م؛ تحت ضغط الجهاد الشيشاني، ثم عادت واجتاحت العاصمة جروزني في أواخر عام ١٩٩٩م في عهد السكران أبداً «يلتسن» . ولما جاء «بوتين» ؛ اعتمد في دعايته الانتخابية على وعد الشعب الروسي بحسم القضية الشيشانية لصالح الروس، ومعنى ذلك ألا يسمح لهم أبداً بالاستقلال، واستمر الشيشانيون في جهادهم حتى يومنا هذا. مغزى الجهاد الشيشاني ضد الروس: في ضوء تلك الملابسات التاريخية، وفي سياقها الطويل والثقيل الذي عرضناه باختصار؛ لا بد أن نتفهم إقبال المجاهدين المستضعفين في الشيشان على خطوة نقل عملياتهم الجهادية إلى داخل روسيا؛ بدءاً من عملية احتجاز رهائن في أحد المسارح بالعاصمة موسكو مؤخراً، لا بد للمسلمين في العالم أن يتفهموا أبعاد تلك الخطوة الأخيرة، وهي نقل الصراع إلى العمق الروسي، فالشعب الشيشاني الذي سئم صمت العالم كله نعم كله، بما فيه العالم الإسلامي والعربي أصبح يشك في تواطؤ هذا العالم مع الروس ضده؛ حيث لم تُقدم أي دولة في العالم على إدانة جرائم روسيا المتواصلة ضد شعب الشيشان الذي ينزف على مسمع ومرأى من الجميع. أراد المجاهدون الشيشانيون أن يستلفتوا أنظار هذا العالم النائم إلى ما يحدث لشعبهم، فقرروا الخروج بعملياتهم من داخل الحدود الشيشانية إلى داخل الحدود الروسية؛ لعل ذلك يكون بلاغاً للعالم أن هناك شعباً يتعرض للفناء دون أن يأبه به أحد. ليست هذه الرسالة فقط هي ما يريد المجاهدون المستضعفون الأقوياء في الشيشان أن يوصلوه إلى المسلمين وغير المسلمين في العالم، ولكن الواضح أنهم أرادوا من وراء ذلك التحول الجذري في عملياتهم الجهادية أن يحققوا الأهداف الآتية: - تخفيف الضغط على المجاهدين والمدنيين في الداخل الشيشاني بنقل المعركة إلى داخل العمق الروسي؛ حيث سيتسبب التوتر الأمني الناشئ عن ذلك في تشتيت التركيز الروسي على ضرب المجاهدين داخل الشيشان، وسينشأ عن هذا توزع جزء كبير من المجهود العسكري والأمني الروسي إلى حماية المنشآت والمصالح الحيوية للروس داخل العاصمة وغيرها من المدن الروسية. - الاستنفار الأمني داخل حدود روسيا سيضاعف من المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد الروسي المتداعي، ومن شأن الضائقة الاقتصادية أن تضغط على الشعب الروسي؛ فيضغط بدوره على حكومته لتراجع سياستها الخرقاء في الشيشان، وحيث يستهلك الإنفاق العسكري بوجه عام ثلث الميزانية الروسية الحكومية للتنمية؛ فإن الأمر لم يعد يحتمل في نظر الجماهير (الكادحة) المزيد من شد الأحزمة. - من شأن هذه العمليات داخل روسيا أن تضاعف الشروخ وتعمق الخلافات بين الزعامات الروسية شيباً وشباباً، سياسيين وعسكريين؛ إذ إن المشكلة الشيشانية من أشد عوامل الاختلاف والتنازع داخل القيادة الروسية، وهذه الخلافات ستكبِّر مع الوقت علامة الاستفهام المتسائلة بحساب الربح والخسارة عن جدوى البقاء العسكري في الشيشان؟ - نقل المعركة إلى داخل روسيا سينشئ رعباً شعبياً روسياً يشبه ما حدث في أمريكا بعد أحداث ١١ سبتمبر، ومن شأن هذا الرعب أن يدفع المواطن الروسي كما يدفع الآن المواطن الأمريكي لكي يتساءل: لماذا نفقد أرواحنا وندفع أبناءنا إلى المجهول وراء الحدود؛ في حروب لا تدر علينا سمناً ولا عسلاً، بل تدور دوائرها على اقتصادنا بالكساد، وأمننا بالفراغ، ومواقفنا السياسية والعسكرية بالانشغال الزائد؟! يضاف إلى ذلك أن في روسيا عائلات وأقارب لـ (١٣٠) ألف جندي ممن يوصفون بـ «الأبطال الوحوش» ، سيظل الشعب الروسي يتساءل عن الحكمة في استمرار عودة العشرات منهم كل حين في النعوش! - إذا تكررت مثل هذه العمليات واستمرت وهذا ما يصرح به قادة المجاهدين فإن شعبية الرئيس الروسي ستتداعى، وسيتحول في نظر شعبه من درجة رجل السياسة الرفيع، إلى دركة الطائش الرقيع الذي فعل أسوأ مما فعله الدب الأحمق مع صاحبه؛ عندما ألقى على رأسه حجراً كبيراً ليقتل الذبابة التي وقفت على أنفه. وقد بدأت هذه النظرة إلى «بوتين» تتبلور بعدما تسبب في قتل معظم الرهائن الذين كان يريد إنقاذهم؛ بسبب قراره الغبي باستعمال الغاز السام (المجهول) الذي أودى بحياة العشرات. - إضافة إلى كل ما سبق؛ فإن المجاهدين يريدون بمثل تلك العمليات أن يرسلوا إلى الروس رسالة يقولون فيها: إن شعبكم لن يبقى في مدنه وقراه آمناً ما دام شعبنا لا يبقى في مدنه وقراه آمناً، وإن المدنيين منكم ليست دماؤهم أقدس من دماء المدنيين عندنا، ولا أطفالكم أعز من أطفالنا، ولا نساؤكم أولى بالأمان والسلامة من نسائنا، ومسارح اللهو عندكم ليست أولى بالبقاء من مصانعنا ومزارعنا ومتاجرنا التي تحترق كل يوم، وليست أرواح بضع عشرات منكم بأثمن من أرواح ثمانين ألفاً من الشيشان قُتلوا خلال تلك الحرب الإجرامية الظالمة. أعجب ما في الأمر أن تلك الرسالة البليغة جاءت إلى روسيا، بل إلى العالم أجمع منقوشة على أرواح رهط من الفتيات اللواتي جئن إلى عاصمة الطغيان التاريخي لمشاركة الرجال في الجهاد، متلفعات بمروط الموت والشهادة؛ ليقلن لكل رجال المسلمين وغير المسلمين: إن في أمة الإسلام نساء يُوزنَّ بآلاف الرجال. * أكراد العراق.. ووميض أمل في الآفاق مع تزايد سرعة العد التنازلي لبدء الهجوم الأمريكي على العراق؛ يتساءل المرء في حيرة: ما العمل.. وما الأمل؟ .. هل أصبح التهام الثعبان الأمريكي للعراق قدراً مقدوراً؟ وهل أصبح طريق اليهود إلى الفرات ممهداً ريثما يتمهد الطريق إلى النيل؟ .. يحز في النفس أن من أفاعيل صدام الآثمة أنه كاد أن يفرغ العراق من الأحرار الأبطال الذين كان يمكننا أن نعقد الأمل بعد الله على جهادهم وفدائهم، وتصديهم للغزو القادم. و «البعث العراقي» الذي لم يقدم شيئاً حقيقياً في (أم المعارك) يوم أن كان في عز قوته وعناده وكامل سلاحه وعتاده، هذا «البعث» لا نظن أن يصمد طويلاً هذه المرة، إلا إذا أحيا الله من بين مواته من يُخلص العودة، ويغير الراية، ويصحح المنهج. ولا يمكن أيضاً انتظار خير من «رافضة العراق» إلا إذا كان عملاً خالصاً لصالحهم ومدخراً في رصيدهم؛ فالعراق عراقهم إن كان شيعياً، وهو عدوهم إن كان سُنِّياً. أما بقية الأمة العراقية فقد استخفهم صدام فأطاعوه إلا من رحم الله! ولكن هذه الأمة ولاَّدة، وهي كالغيث الذي لا يُدرى الخير في أوله أم في آخره، ولن يعدم شعب من شعوب المسلمين أن يُخرج رجالاً أبطالاً في أي وقت من الأوقات، وبخاصة في أوقات المحن وأزمنة الشدائد. الاستباحة الأمريكية القادمة للعراق ستفرض بإذن الله نشوء حركات جهادية صادقة، ولئن كنا لا نسمع عن كيان واضح لأهل السنة العراقيين في بغداد وما حولها اليوم؛ فإن الأخبار المتواردة من خارج بغداد - خصوصاً في كردستان العراق - تشير إلى انبعاث روح إسلامية سنية جهادية؛ نحسبها صادقة في لهجتها، وسليمة في منهجها. أكراد العراق - وعلى عكس ما يظن الكثيرون - مخزون هائل، وطاقة جبارة ذات رصيد تاريخي عظيم يمكن أن يشيع روحاً جديدة في العراق، وهذه الروح قد أطلت بالفعل على مناطق من كردستان العراق، استطاع المجاهدون الأكراد أن يحرروها من سيطرة الأحزاب العلمانية الضالة، ويقيموا فيها حياة إسلامية مستقلة. وهي تجربة قابلة للاتساع في ظل الشعور بالقهر الذي يعاني منه الأكراد في العراق وغير العراق، فالعالم كله يتنكر لهذا الشعب، ولا يعترف بحقه في أن تكون له دولته وكيانه المستقل؛ مع أن الأكراد يزيدون عن خمسة وعشرين مليوناً في كل من العراق وسوريا وإيران وتركيا، فحتى في عصر القوميات الذي كانت القومية الواحدة لشعب فيه تكفي سبباً لسماح العالم لأهلها بأن يقيموا دولة؛ لم يُسمح للأكراد بإقامة دولة. نحتاج إلى إلمامة سريعة بتاريخ الأكراد؛ حتى نصل الخيوط بين ما كان وما هو كائن الآن، وبين ما نتوقع أن يكون من شأنٍ لأهل السنة من أكراد العراق، والذين نعتقد أن على أهل السنة من العرب أن يمتزجوا معهم في وحدة اعتقادية؛ تنفي خبث الروابط الجاهلية القائمة على غير الدين؛ سواء كانت عرقية أو حزبية أو مذهبية. الشعب الكردي - كما يُذكر في أدبياته - شعب عريق، كانت أرضه مهداً ثانياً للبشرية بعد الطوفان، فسفينة نوح ﵇ استوت على «الجودي» كما نص القرآن و «الجودي» اسم للجبل الذي يقع في أرض كردستان على الحدود العراقية التركية اليوم، وقد كان للأكراد دولة تسمى بهذا الاسم «جودي» أو «كودي» قبل الإسلام، وكانت لهم كذلك مملكة «ميديا» المذكورة في التوراة، والتي قضى عليها قورش الإخميني الفارسي (المعتقد بأنه ذو القرنين) عام ٥٥٠ قبل الميلاد. بعدما جاء الإسلام؛ أرسل عمر بن الخطاب ﵁ في العام السابع عشر للهجرة صحابيين جليلين إلى بلاد الكُرد، وهما: القعقاع بن عمرو، وعياض بن غنم ﵄، وعُرض الإسلام على أهل هذه البلاد بعد فتحها، فاعتنق أكثر الأكراد الإسلام طوعاً، ووجدوا فيه ملجأً وملاذاً من مظالم الفرس. وأصبحت كردستان جزءاً من نسيج الأمة، وفي عهد العباسيين أصبحت كردستان ولاية إسلامية مستقلة تمثل البوابة الشرقية للخلافة، واعتمد العثمانيون على شجاعة الأكراد في معاركهم، وكوَّنوا منهم ما كان يعرف بـ (فرق الانكشارية) لصد هجمات الدول الصليبية التي كانت تتناوب التكالب على أطراف الدولة العثمانية، ولعل هذا كان أحد الأسباب في حرص النصارى الإنجليز والفرنسيين على تشريد الشعب التركي في اتفاقيات «سايكس بيكو» بعد الحرب العالمية الأولى التي انتهت بسقوط الخلافة العثمانية آن ذاك. عُرف الأكراد طيلة التاريخ الإسلامي بالبسالة والشجاعة الفائقة، وأكثر ما اشتهر عنهم في ذلك كان على يد القائد الإسلامي صلاح الدين الأيوبي الكردي، والذي فتح الله عليه فتحين، كل فتح منهما أعظم من الآخر؛ الأول هو: تحرير بيت المقدس من الصليبيين عام ٥٨٣هـ، والثاني: تحرير مصر من العُبيديين الفاطميين الملحدين قبل تحرير فلسطين وبيت المقدس. ولأن المناطق التي يقطنها الأكراد ذات طبيعة جبلية فقد أثر ذلك على طبيعة هذا الشعب؛ من حيث الجسارة والصبر والتعود على الشدائد، ففي أرض كردستان الحاوية لأطراف من العراق وتركيا وسوريا وإيران؛ تقع أشهر سلاسل الجبال في الشرق الأوسط، وهي سلسلة (زاجروس) ، وأرض الأكراد غنية بموارد عظيمة وعلى رأسها النفط، وبخاصة في كركوك العراق التي يسيل لها الآن لعاب قوى الاستعمار الجديد. تاريخ الأكراد ليس جهاداً وفداءً فقط، بل هناك الكثير من أعلام العلم والهدى هم من الأكراد، ومنهم: ابن الصلاح، وابن الحاجب، والآمدي، وابن خلكان، والآلوسي، والزهاوي.. وعَلَم آخر عظيم، ومجدد في العلم والدين هو الإمام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحرَّاني أو (الحوراني) ، ف (حوران) من أرض كردستان. لهذا فلن نعجب إن أخرج الله من بين أكراد العراق اليوم مثل هؤلاء العظماء، ولا نقول هذا إحياء لعصبية أو عنصرية، بل إيماءً إلى المعنى العظيم الذي أشار إليه الرسول ﷺ عندما سئل عن معادن الناس فقال: «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» [٢] ، وخيار معادن المسلمين عُرف منهم: صهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وبلال الحبشي.. وغيرهم. ما أريد أن أقوله: إن الجميع الآن يترقب ما سوف يحدث على أرض العراق إذا غزاها الأمريكيون وحلفاؤهم ثم تسلل إليها اليهود وأشياعهم ... ماذا يمكن أن تكون عليه الحال هناك لو نُصبت خيمة عسكرية أمريكية جديدة في العالم الإسلامي يراد لها أن تدوم؟! توقعاتي بأن العراق سيكون بؤرة جهادية جديدة للمستضعفين الأقوياء؛ سيتحيز إليها المجاهدون من كل حدب وصوب، وستكون أرض كردستان والله أعلم المنطلق في ذلك، أو أحد المنطلقات المهمة في ذلك؛ ففي كردستان الآن أراض خالصة للمجاهدين، يقيمون فيها شرع الله، ويتولون إدارتها باستقلال تام، وهو ما دفع قوات «جلال الطالباني» إلى أن يتفانى في القضاء عليهم، ولكن الله تعالى مكن للمجاهدين في كردستان وفي مدينة (حلبجة) خاصة؛ فهم يوقعون خسائر فادحة بقوات طالباني، أحد الكرزايات المنتظرين في عهد ما بعد صدام؛ فالمجاهدون من جماعة (أنصار الإسلام) [٣] أحبطوا هجمات لتلك القوات في آخر يوم من رمضان الماضي، قضوا فيها على عنصر من عناصر «جلال الطالباني» ، والذين نفذوا تلك العملية كانوا أربعة من المجاهدين فقط. المعركة في العراق ستطول، ولن تكون كما يتمنى بوش (في أسرع وقت، وبأقل خسائر، وبأدنى التكاليف!) .. لن تكون كذلك؛ لأن بوش سبق أن تمنى هذا في أفغانستان، وأمنياته الآن في خبر كان، فالعراق ليس هو صدام، وشعب العراق ليس هو البعث، فلئن سقط صدام وسقط بعثه؛ فإن عاصمة الخلافة العباسية (بغداد) ستكون بإذن الله إحدى قلاع الجهاد المظفر على أطراف جزيرة الإسلام. * الفلبين: أول الغيث قطرة بعد ستة أشهر من إرسال بوش قوة عسكرية إلى الفلبين لـ (دحر) ما سماه بالإرهاب هناك؛ اضطرت تلك القوات أن تعود من حيث جاءت في أواخر ديسمبر ٢٠٠٢م؛ بعدما اكتشف الأمريكيون كما جاء على لسان الجنرال «دونالد وورستران» «أن القضاء على الإرهابيين ليس مهمة سهلة» معتبراً أن «من المبكر الحديث عن نهاية الإرهابيين في الفلبين» ! ووصف الجنرال «دونالد» الإرهاب الذي أصبح ندَّ أمريكا المعاصر بقوله: «عدونا متحرك، لا يملك بنية تحتية ثابتة، ويتنقل بمجموعات صغيرة، ولديه شبكة معلومات جيدة، وهذا ما يجعل مهمتنا ليست سهلة» . إنهم يعدون كل محاولة للمسلمين للخروج عن سيطرة الكفار إرهاباً!! الإرهاب هو إرهاب النصارى في الفلبين وغيرها؛ ففي الفلبين أعدت الحكومة النسوية هناك قوة قوامها مئتا ألف جندي مسلح بشكل كامل لمواجهة المجاهدين الفلبينيين، هذا إلى جانب «المتطوعين» من الميليشيات الشعبية النصرانية المسماة (بيجي لانتي) ، والبالغ قوامها عشرون ألف مقاتل، والتي فوضتها الحكومة في نشاطات هدم المنازل، وإتلاف المزارع، وقتل المدنيين، وحرق المساجد، حتى لا تُحرج أمام الرأي العمي العالمي! هذه الميلشيات لا تكتفي في إجرامها ضد المسلمين باستعمال الرصاص والقنابل، بل تتفنن في استعمال السيوف والخناجر لزيادة الإرهاب للمدنيين المسلمين. وهذه الجماعة (الدينية) المتطرفة التي لم يدرجها بوش في قوائم الإرهاب؛ يؤجج أحقادها القسس الرسميون، وقد كان إقدام أحد هؤلاء القساوسة على إلقاء محاضرة تحريضية ضد المسلمين في مدينة (جامبونجا) الجنوبية سبباً في نشوء جماعة «أبو سياف» ؛ ففي عام ١٩٩١م عقد ذلك القس تلك المحاضرة، وأثار حماس النصارى لمواجهة المسلمين، فكان من بين الحضور: (عبد الرزاق جنجلاني) المكنَّى بـ (أبي سياف) ، ولم يكن معروفاً في ذلك الوقت، فلم يتمالك نفسه بعد المحاضرة إلا أن تربص بالقس فقتله وهرب، فأُعجب به بعض الشباب وانضموا إليه، وتكونت بذلك جماعة «أبو سياف» التي رأت أن ما يفعله النصارى بالمسلمين كافٍ لإسقاط كل حرمة لهم. قبل جماعة «أبو سياف» ؛ كانت هناك الجماعة الأخرى الأكبر والأقدم، وهي: «جبهة تحرير مورو» بزعامة «سلامات هاشم» ، وهذه الجماعة تعتمد الجهاد أيضاً في الفلبين ولكن بأسلوب يختلف عن طريقة (الجهاد المطلق) التي تمارسها جماعة «أبو سياف» ، فهم يركزون على العسكريين، وفي داخل المناطق المحتلة فقط، وهي على كل حال من المنظمات المدرجة في قائمة (الإرهاب) الأمريكية، وتسيطر «جبهة تحرير مورو» على ما مساحته ٩٠% من أرض جزيرة (مينداناو) في الجنوب، بينما يسيطر الجيش الفلبيني على النسبة الباقية، وتسعى الجبهة إلى نزع اعتراف من الحكومة الفلبينية باستقلال ذلك الإقليم الذي تقطنه غالبية من المسلمين، إلا أن الحكومة الفلبينية، وبتأييد من العالم النصراني ترفض هذا المطلب العادل وغير المتعارض (نظرياً) مع شريعة الغاب المسماة بـ (الشرعية الدولية) . المجاهدون الفلبينيون يشرفون على عدد كبير من المعسكرات في أرضهم الخاصة بهم، تبلغ (٤٦ قاعدة) ، يتدرب فيها حسب مصادر الجبهة ١٢٠ ألف مجاهد، معظمهم مسلح بأسلحة خفيفة، ومع هذا فهم يواجهون جيش دولة كامل بكل ما لديه من أسلحة جوية وبرية وبحرية! ويجيء بوش.. ويشفق على «المساكين» في الفلبين، فيرسل قواته المغوارة لحسم الأمر.. فيُحسم الأمر بعد نصف عام بفضيحة مدوية لكنها مخفية، فتسحب أمريكا بهدوء الجنود الألف الذين أرسلتهم بعد فشل الحملة. وكما قلت: فأول الغيث قطرة؛ فاليوم الفلبين، وغداً أفغانستان، وبعد غد ... و ... و ... [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) ، نعم أكثر الناس لا يعلمون!

стр. 4484

المسلمون والعالم التنافس الدولي في القارة الإفريقية راوية توفيق [*] كانت القارة الأفريقية محلاً للمنافسة بين القوى الدولية الكبرى لعهود طويلة، فقد بدأ الاحتكاك الأوروبي بأفريقيا عن طريق المستكشفين والتجار والبعثات التبشيرية منذ القرن الخامس عشر حيث أبحرت السفن البرتغالية إلى سواحل غرب أفريقيا، وأنشأ البرتغاليون عدداً من الحصون الساحلية مارسوا من خلالها تجارة مربحة في الذهب والعاج والعبيد. وقد ازدهرت حركة تجارة العبيد في تلك الفترة، وشارك فيها تجار هولنديون وبريطانيون وفرنسيون إلى جانب البرتغاليين فيما أطلق عليه: «مثلث الأطلنطي للتجارة» حيث كان التجار الأوروبيون ينقلون العبيد الأفارقة عبر المحيط الأطلسي للعمل كمزارعين في الأراضي الأمريكية، ثم تنقل المحاصيل الزراعية إلى أوروبا لبيعها. وفي أواخر القرن التاسع عشر تدافعت القوى الأوروبية للسيطرة على القارة الأفريقية فيما أطلق عليه: «التكالب الاستعماري على أفريقيا» والذي كرسه مؤتمر برلين ١٨٨٤م بوضع القواعد العامة لتأسيس مناطق الهيمنة للقوى الأوروبية الرئيسية (بريطانيا، فرنسا، بلجيكا، ألمانيا) في القارة الأفريقية. وقد صورت هذه القوى الأوروبية مهمتها على أنها تهدف إلى نشر الحضارة والمدنية في كافة مناطق العالم المتخلف ومنها أفريقيا، إلا أن هذا الاستعمار كان السبب الحقيقي لتخلف القارة؛ حيث استنزف مواردها الطبيعية ووجهها لخدمة الاقتصاد الأوروبي [١] . وفي أواخر خمسينيات وستينيات القرن العشرين بدأت الدول الأفريقية تحصل على استقلالها تباعاً. ورغم تراجع أهمية ومكانة القوى الأوروبية التقليدية التي كانت تسيطر على أفريقيا إلا أن التنافس الدولي في القارة استمر مع تغير الفاعلين الرئيسيين. ففي ظل نظام القطبية الثنائية الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية حلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق محل القوى الأوروبية التقليدية مع اعتراف الولايات المتحدة بمصالح تلك القوى التقليدية في القارة الأفريقية؛ فقد انتقل الصراع بين القطبين في مرحلة الحرب الباردة إلى الساحة الأفريقية، ولكن اهتمام القطبين بالقارة في تلك الفترة تركز على محاولة استقطاب الدول الأفريقية بهدف العمل على زيادة كل طرف لنفوذه واحتواء الطرف المضاد. ومع نهاية الحرب الباردة ظهرت عدة مؤشرات ودلائل على تراجع الأهمية الاستراتيجية للقارة الأفريقية، وظهر اتجاه بارز في أدبيات العلاقات الدولية يؤكد أن القارة الأفريقية لم تعد تحتل أهمية كبيرة للدول الكبرى الأوروبية أو للولايات المتحدة الأمريكية مستنداً في ذلك إلى تناقص معدلات المعونات والقروض الموجهة من تلك القوى إلى القارة الأفريقية، أو الربط بين تقديم المعونات وبين مدى التزام الدول الأفريقية بالتحول الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان فيما أصبح يعرف باسم: «المشروطية السياسية» . وفي الوقت نفسه أدى بروز دول أوروبا الشرقية واتباعها نهج الإصلاح الاقتصادي إلى لفت انتباه القوى الكبرى إلى هذه الدول، وتخصيص قدر متزايد من المعونات والقروض إليها على حساب المعونات والقروض الموجهة إلى الدول الأفريقية. وبذلك فإن القارة الأفريقية تضاءلت أهميتها على المستوى الجيوبوليتيكي؛ حيث تراجعت أهميتها الاستراتيجية كمسرح للصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي. كما تراجعت أهميتها تنموياً؛ حيث عاد مركز الثقل إلى دول وسط وشرق أوروبا باعتبارها تمتلك بنية أساسية اقتصادية مناسبة إلى حد بعيد لعمليات التحول نحو الليبرالية واقتصاد السوق. ولكن مع منتصف التسعينيات بدأ اتجاه تهميش القارة الأفريقية في التراجع؛ حيث برز التنافس الاقتصادي بين القوى الكبرى (خاصة الولايات المتحدة وفرنسا) في القارة. فإذا كانت الأهمية السياسية والعسكرية للقارة قد تراجعت بعد انتهاء الحرب الباردة إلا أن القوى الكبرى عاودت الاهتمام بالقارة اقتصادياً منذ منتصف التسعينيات. ومن ثم كان انتهاء الحرب الباردة دافعاً لتغير صور ومظاهر الاهتمام بالقارة مع دخول عناصر جديدة اهتمت بالتواجد الاقتصادي في القارة (الصين، واليابان، وغيرهما) [٢] . ويقتضي التعرف على أبعاد ومظاهر التنافس الدولي في أفريقيا في فترة ما بعد الحرب الباردة تحليل أهداف ومصالح وأدوات القوى الكبرى الأساسية الفاعلة على الساحة الأفريقية، وهو ما يحاول المقال إلقاء الضوء عليه بشيء من التفصيل. * السياسة الأمريكية في أفريقيا: في فترة الحرب الباردة لم تكن الدبلوماسية الأمريكية جادة في التدخل في القضايا الأفريقية بشكل مباشر، وكانت تركز في سياستها تجاه أفريقيا على تحقيق أربعة أهداف رئيسية هي: احتواء المد الشيوعي، حماية خطوط التجارة البحرية، الوصول إلى مناطق التعدين والمواد الخام، ودعم ونشر القيم الليبرالية الخاصة بالديمقراطية وحقوق الإنسان. إلا أن المتغيرات الدولية الجديدة وقيادة النظام أحادي القطبية أدى إلى إعادة توجيه السياسة الأمريكية نحو أفريقيا، وإعادة ترتيب أولوياتها وأهدافها [٣] . * الأهداف والمصالح الأمريكية في القارة الأفريقية: ترتبط السياسة الأمريكية في أفريقيا بعدة مصالح. فمن الناحية الاقتصادية تهدف الولايات المتحدة إلى فتح أسواق جديدة في مناطق مختلفة من العالم ومن أبرزها القارة الأفريقية التي تتسم بوجود فرص هائلة للاستثمار وأسواق مفتوحة للمنتجات الأمريكية يؤيدها في ذلك الشركات الأمريكية الهادفة إلى توسيع نطاق الاستثمارات الخارجية، وفتح الأسواق الأفريقية الواسعة أمام السلع الأمريكية [٤] . ويمكن تلمُّس أهداف التحرك الاقتصادي الأمريكي في أفريقيا من خلال التقرير الذي صدر عن مجلس العلاقات الخارجية في منتصف عام ١٩٩٧م بعنوان: «تعزيز العلاقات الاقتصادية للولايات المتحدة مع أفريقيا» والذي أوصى بأن تكون الولايات المتحدة في مقدمة الدول الصناعية الكبرى التي تستفيد من الفرص الجديدة في أفريقيا. واستناداً إلى ذلك عملت الإدارة الأمريكية السابقة للرئيس كلينتون على تطوير التجارة الأفريقية وبرامج التنمية الاقتصادية، وهو ما اتضح من خلال عدة مؤشرات أهمها زيارة الرئيس كلينتون إلى القارة الأفريقية عام ١٩٩٨م؛ حيث أطلق خلال زيارته مبدأ أو شعار: «التجارة لا المساعدات» كسبيل إلى ازدهار القارة. وقد جاء إعلان هذا الشعار في إطار سعي إدارة الرئيس الأمريكي السابق إلى تأسيس شراكة أمريكية أفريقية جديدة تكرست فيها مع الإدارة الأمريكية الجديدة بعد موافقة الكونجرس على قانون النمو والفرص في أفريقيا الذي يقوم على دعم الدول الأفريقية بالمساعدات الاقتصادية، وفتح الأسواق الأمريكية أمام سلع ومنتجات دول القارة بشرط نجاح هذه الدول في تحقيق بعض الشروط المتعلقة بالديمقراطية والتحرر الاقتصادي [٥] . ولا شك أن تحقيق الأهداف الاقتصادية الأمريكية في القارة الأفريقية يتطلب تنافساً حاداً مع الدول الأوروبية التي سيطرت على الثروات والموارد الطبيعية للقارة لعهود طويلة؛ وخاصة أن الولايات المتحدة تسعى إلى تغيير نسب التبادل التجاري بين أفريقيا والعالم الخارجي لصالحها وهي النسب التي تحتل فيها الدول الأوروبية النصيب الأكبر. ومن الناحية السياسية ترفع الولايات المتحدة مبدأي: الديمقراطية، وحقوق الإنسان كركيزتين أساسيتين للسياسة الخارجية الأفريقية؛ إلا أن هذه المبادئ مجرد أداة تستغلها السياسة الأمريكية لتحقيق مصالحها وليست هدفاً تسعى إلى تحقيقه. فالمصالح الأمريكية تتجه في بُعدها السياسي إلى تطوير العلاقات مع دول القارة الأفريقية بما يخدم ويعزز المصالح الأمريكية الحيوية في القارة، وتتعامل مع هدف تشجيع الديمقراطية لدى النظم الأفريقية الحاكمة بمبدأ النسبية؛ حيث ترتبط بمدى الاهتمام الأمريكي بحالة كل نظام سياسي على حدة تبعاً لطبيعة المصالح التي قد تختلف من دولة إلى أخرى. كما تهدف الولايات المتحدة بالأساس في علاقتها مع أفريقيا إلى الحد من النفوذ الأوروبي، والانفراد بالنفوذ في القارة من أجل الحفاظ على الزعامة العالمية. وفي سبيل تحقيق تلك الأهداف السياسية تعمل الولايات المتحدة على تشكيل نخب جديدة في أفريقيا موالية للغرب عموماً وللولايات المتحدة بشكل خاص، وهم من تسميهم الولايات المتحدة بالقادة الجدد في أفريقيا أمثال ميليس زيناوي في أثيوبيا، وأسياسي أفورقى في إرتريا، ويوري موسيفيني في أوغندا [٦] . ومن الناحية العسكرية والأمنية تسعى الولايات المتحدة إلى تحسين قدرة القارة على التعامل مع المشكلات الأمنية المؤثرة على الأمن العالمي بصفة عامة وعلى الأمن الأمريكي بصفة خاصة وأهمها الإرهاب. كما تسعى إلى دعم الحلول السلمية للنزاعات المسلحة في القارة في مناطق البحيرات العظمى والقرن الأفريقي وجنوب السودان بشكل يحقق مصالحها. وفي هذا الإطار بادرت الولايات المتحدة بتشكيل قوة تدخل أفريقية لمواجهة الأزمات استناداً إلى المبادرة الخاصة بمواجهة الأزمات الأفريقية. بالإضافة إلى ذلك تركيز الولايات المتحدة على قضايا الإسلام السياسي في القارة؛ وخاصة بعد تفجير سفارتيها في كينيا وتنزانيا [٧] . * دوائر حركة السياسة الأمريكية في أفريقيا: تهتم السياسة الأمريكية بصفة عامة بتدعيم علاقتها بالقوى الرئيسية في القارة، فتهتم في هذا الإطار بتدعيم علاقتها مع نيجيريا التي تمثل أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة في أفريقيا وثالث مصدر للنفط للولايات المتحدة. وتسعى السياسة الأمريكية إلى تحقيق مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في غرب أفريقيا من خلال إعادة تقويم سياستها مع نيجيريا بما يحقق عودة الحكم المدني إليها. وفي هذه الإطار أيضاً تنظر الولايات المتحدة إلى جنوب أفريقيا باعتبارها حليفاً استراتيجياً؛ إذ تمثل ثاني أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة في أفريقيا، وتعتمد عليها في تحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي في منطقة الجنوب الأفريقي. بالإضافة إلى ذلك تركز الولايات المتحدة على بعض المحاور الإقليمية ذات الأهمية الاستراتيجية لتحقيق مصالحها في القارة الأفريقية، ومن أهم هذه المحاور: ١ - منطقة البحيرات العظمى: تغير الموقف الأمريكي من الأنظمة الحاكمة في المنطقة مع أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات؛ حيث سعت الولايات المتحدة إلى تحقيق هدفين أساسيين في المنطقة هما: إعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية في وسط أفريقيا، ومحاولة عزل نظام حكم الجبهة الإسلامية في السودان. ولذلك عملت الولايات المتحدة على تدعيم وتعزيز روابطها العسكرية والاقتصادية مع أوغندا بزعامة رئيسها موسيفيني التي اعترفت لها الولايات المتحدة بدور إقليمي متميز، وساعدتها على لعب دور أكبر بكثير من إمكانياتها، ورواندا تحت حكم الجبهة الوطنية التي تمثل الأقلية من التوتسي. وقد شملت هذه الروابط تقديم مساعدات عسكرية للبلدين من خلال برنامج المبيعات العسكرية الخارجية التي يديرها البنتاجون، وبرنامج المبيعات التجارية الخاصة، وبرنامج التعليم والتدريب العسكري الدولي. ومن جهة أخرى دعمت الولايات المتحدة موقف الحكومتين الرواندية والأوغندية الداعم لتحالف قوى المعارضة في الكونغو الديمقراطية بقيادة لوران كابيلا حتى استطاع كابيلا إسقاط نظام موبوتو عام ١٩٩٧م، وشجعت التدخل الأجنبي في شؤون الكونغو بحجة دعم حركة التحول الديمقراطي بها. وعندما تراجع كابيلا عقب توليه السلطة عن وعوده للولايات المتحدة شجعت تمرداً عليه تدعمه رواندا وأوغندا بهدف الإطاحة به؛ إلا أنه استطاع أن يحصل على مساندة دول أخرى مثل زيمبابوي وأنجولا وناميبيا وهو ما وسع نطاق الصراع في منطقة البحيرات العظمى بتحويل الحرب الأهلية في الكونغو إلى حرب إقليمية واسعة. ٢ - القرن الأفريقي: أفضت التطورات التي شهدتها منطقة القرن الأفريقي في أوائل التسعينيات إلى ظهور ترتيبات وأوضاع إقليمية جديدة؛ حيث انهار نظام منجستو في أثيوبيا، ونظام سياد برى في الصومال، واستقلت إريتريا مما ساهم في إعادة ترتيب ميزان القوى بين السودان وجاراتها. وقد حرصت الولايات المتحدة في هذا الإطار على الاحتفاظ بعلاقات وطيدة مع النظم المجاورة للنظام السوداني، وتأمين وجودها في المنطقة. فجاء التدخل الأمريكي في الصومال والزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش لتفقد أوضاع القوات الأمريكية المرابطة في الصومال عام ١٩٩٢م، وهو التدخل الذي أعطى للولايات المتحدة خبرة سيئة أثرت على تدخلها العسكري المباشر في النزاعات الأفريقية فيما بعد. ومن ناحية أخرى تحتفظ الولايات المتحدة بعلاقات خاصة مع أثيوبيا وهي علاقات لها بُعد تاريخي قديم ومعروف منذ العهد الإمبراطوري. ويأتي الاهتمام الأمريكي بأثيوبيا في إطار النظر إلى قضية المياه كورقة ضغط يمكن إثارتها في مواجهة الدبلوماسية المصرية، أو الترويج لمقولات حرب المياه في القارة الأفريقية. كما يأتي هذا التحالف الأمريكي الأثيوبي في إطار استراتيجية حلف المحيط التي تتبعها الولايات المتحدة والتي تهدف إلى إقامة تحالفات مع الدول والجماعات الإثنية والدينية المعادية للعرب، ومحاصرة الأمن القومي العربي خاصة في امتداده المصري والسوداني، وإحكام الطوق على المنطقة العربية واختراقها من خلال محور أثيوبيا - إسرائيل - تركيا. وبذلك كان يبدو مع بداية التسعينيات أن الولايات المتحدة تعدُّ أثيوبيا لدور إقليمي مركزي حتى تكون مرتكزاً لها في منطقة البحر الأحمر [٨] . ٣ - الدور الأمريكي في الأزمة السودانية [٩] : منذ وصول نظام الإنقاذ إلى الحكم عام ١٩٨٩م انتهجت الولايات المتحدة ضده سياسة المواجهة، وأعلنت إدانتها لنظام الخرطوم لانقلابه على سلطة ديمقراطية منتخبة، واتهامه بانتهاك حقوق الإنسان ومساندة الإرهاب، والمسؤولية عن استمرار الحرب الأهلية في الجنوب، وإعاقة جهود الإغاثة الدولية في مناطق القتال. وقد استمرت هذه السياسة طوال عهد كلينتون فوضعت الولايات المتحدة السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب عام ١٩٩٣م بعد ضغوط شديدة من الكونجرس، وعملت على خلق إطار إقليمي معاد لحكومة الخرطوم شمل أوغندا وإريتريا وأثيوبيا، وقدمت دعمها السياسي للتجمع الوطني المعارض الذي مثل الواجهة الأساسية للمعارضة وللجيش الشعبي لتحرير السودان في الجنوب بزعامة جون جارانج. ومن ناحية أخرى سعت الولايات المتحدة إلى تدويل القضية السودانية، وأيدت علناً خطة الإيغاد (الهيئة الحكومية للتنمية في الشرق الأفريقي) التي تنص على تأكيد حق أهل الجنوب في تقرير مصيرهم عبر استفتاء شعبي في حالة رفض النظام السوداني إقامة دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية. كما رفضت الولايات المتحدة على لسان وزيرة خارجيتها السابقة مادلين أولبرايت المبادرة المصرية الليبية التي تقوم على التأكيد على وحدة السودان. ومع وصول الإدارة الأمريكية الجديدة في الولايات المتحدة إلى السلطة سعت الولايات المتحدة إلى تحسين علاقاتها بالسودان، وبدأت السودان تبدي حرصها على التعاون الأمني مع الولايات المتحدة حتى قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وقد ظهرت عدة مؤشرات تبرز التحول في السياسة الأمريكية تجاه السودان؛ فقد أصدر مجلس الأمن برفع العقوبات التي فرضها على السودان منذ عام ١٩٩٦م. وامتنعت الولايات المتحدة عن التصويت وهو ما اعتبره البعض تعبيراً عن تقدير الولايات المتحدة للتعاون الأمني مع الحكومة السودانية. كما عطلت الإدارة الأمريكية تشريعاً أقره مجلس النواب بحظر تسجيل الشركات الأمريكية في البورصة الأمريكية إذا شاركت في التنقيب عن النفط في السودان. وأهم الخطوات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية الجديدة حيال السودان تمثل في تعيين السيناتور السابق جون دانفورث كمبعوث رئاسي إلى السودان، وهو الذي تمكنت الولايات المتحدة من خلاله في فترة قصيرة أن تؤثر في عدة تطورات على الساحة السودانية بداية من توقيع اتفاق جبال النوبة، ودعم جهود مكافحة عمليات الرق، وحتى الاتفاق الإطاري الأخير الذي وقعته الحكومة السودانية مع الحركة الشعبية في كينيا (يوليو ٢٠٠٢م) والقائم أساساً على وثيقة أمريكية تعطي الجنوب الحق في تقرير المصير بعد ست سنوات كفترة انتقالية. وبذلك يمكن إجمال السياسة الأمريكية في القارة الأفريقية في عدة توجهات رئيسية من أهمها التركيز على مناطق إقليمية معينة، واختيار دولة أو أكثر لممارسة دور القيادة فيها، طرح قضايا معينة ووضعها على أجندة السياسة الأفريقية للولايات المتحدة وعلى رأسها الإرهاب والجريمة الدولية، العمل على محاصرة النظم غير الموالية والتي تدعم التطرف والإرهاب من وجهة النظر الأمريكية، وتأمين وتعزيز فرص الاستثمار والتجارة في المنطقة؛ ولكن في ظل إطار من المشروطية الاقتصادية والسياسية يسعى إلى فرض النمط الغربي للتنمية على الدول الأفريقية. * القوى الأوروبية وأفريقيا: يرجع الارتباط الأوروبي بالقارة الأفريقية إلى عهود طويلة؛ فقد تمكنت القوى الأوروبية من احتلال القارة وتقسيمها بعد مرحلة طويلة من الكشوف الجغرافية، والمحاولات الفردية من قبل بعض الدول الأوروبية. وقد استطاعت القوى الأوروبية أن تحافظ على مصالحها في القارة؛ فحتى في ظل نظام القطبية الثنائية الذي تراجعت فيه أهمية ومكانة القوى الأوروبية التقليدية التي كانت تسيطر على أفريقيا راعت الولايات المتحدة مصالح حلفائها الأوروبيين في مناطق نفوذهم التقليدية في القارة، وسمحت لهم بالقيام بأدوار متزايدة في المواقف والأزمات المختلفة، بل إن الدبلوماسية الأمريكية في تلك الفترة قامت على اعتبار القارة الأفريقية مسؤولية خاصة للأوروبيين مقابل اعتراف الدول الأوروبية بمسؤولية الولايات المتحدة الخاصة في أمريكا اللاتينية. وفي ظل النظام العالمي الجديد في التسعينيات نشأت بيئة جديدة أثرت على الطرفين الأوروبي والأفريقي، ومن ثم على شكل ومضمون العلاقات فيما بينهما؛ فقد وجدت الدول الأوروبية التي طالما احتفظت بمكانتها المتميزة في القارة الأفريقية أنها أصبحت في مواجهة تحديات ومخاطر جديدة أهمها الهيمنة الأمريكية والمنافسة الشديدة من جانب القوى الاقتصادية الجديدة مثل اليابان والصين وغيرهما. ولذلك عملت الدول الأوروبية على تدعيم علاقاتها بالقارة الأفريقية على عدة مستويات وفي عدة أبعاد؛ ففي إطار التعاون الجماعي يوجد عدة أطر للتعاون في الأبعاد الاقتصادية والأمنية. فمن الناحية الاقتصادية تتعدد أطر التعاون، ومن أهمها: - إطار اتفاقية لومي: وهو أحد أهم قنوات العلاقات متعددة الأطراف التي تربط دول الاتحاد الأوروبي مع الدول الأفريقية جنوب الصحراء ودول المحيط الهادي والكاريبي. وقد وُقِّع في إطارها أربع اتفاقيات بدأت الأولى عام ١٩٧٥م وضمت ٤٦ دولة من دول أفريقيا والمحيط الهادي والكاريبي، وتوسعت العضوية حتى ضمت حوالي ٦٩ دولة في اتفاقية لومي الرابعة التي طبقت في الفترة من ١٩٩٥-٢٠٠٠م. وقد حرصت دول الاتحاد الأوروبي على تجديد الاتفاقية بعد انتهائها؛ حيث صاغت اتفاقية جديدة هي اتفاقية كوتونو في يونيو ٢٠٠٠م. واتفاقيات لومي هي أساساً اتفاقيات تنموية استطاعت الدول الأفريقية الاستفادة منها سواء في النظام التجاري المعمول به، أو المعونات المالية الممنوحة لأغراض التنمية. إلا أن الحوار بين دول الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول الأفريقية ودول المحيط الهادي والكاريبي في الفترة التي سبقت إعلان اتفاقية كوتونو الأخيرة كشف عن إدخال عناصر جديدة إلى اتفاقية التعاون بين الجانبين؛ حيث طرحت قضايا الحوار السياسي والحكم الجيد وحل الصراعات كمبادئ أساسية للاتفاق الجديد، وهي المبادئ التي أشارت إليها اتفاقية لومي الرابعة. ومن الجدير بالذكر أن طرح الولايات المتحدة لقانون النمو والفرص في أفريقيا السابق الإشارة إليه كان الغرض منه منافسة إطار اتفاقيات لومي مما يعد مظهراً من مظاهر التنافس الاقتصادي بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية في أفريقيا. - إطار الشراكة الأوروبية المتوسطية: يلاحظ أن الدول الأوروبية في تعاملها مع القارة الأفريقية عملت على فصل الشمال الأفريقي عن الجنوب الأفريقي؛ فإذا كان إطار اتفاقيات لومي قد تعامل مع دول أفريقيا جنوب الصحراء فإنها شكلت إطاراً جديداً للتعامل مع دول الشمال الأفريقي؛ من خلال مشروع الشراكة الأورومتوسطية. وقد أسس مؤتمر برشلونة ١٩٩٥م هذا الإطار تعبيراً عن وضع أساس جديد للعلاقات بين دول الاتحاد الأوروبي ودول جنوب المتوسط بما فيها دول شمال أفريقيا. ويقوم هذا الأساس على شراكة اقتصادية وأمنية وسياسية. ففي المجال الأمني أورد إعلان برشلونة خمسة مبادئ أساسية هي: حل المنازعات بالطرق السلمية، الالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، نزع أسلحة الدمار الشامل، مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، احترام مبدأ المساواة في السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وفي المجال الاقتصادي أكد الإعلان على أهمية تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة ومستدامة، وإقامة منطقة تجارة حرة بشكل تدريجي حتى عام ٢٠١٠م، والحوار بين الطرفين في قضايا الديون والمساعدات. ويعد هذا المشروع بدوره مثله كمثل الإطار الأول معبراً عن التنافس الأوروبي الأمريكي في القارة. فتأييد الاتحاد الأوروبي لمشروع الشراكة الأوروبية المتوسطية يصطدم مع تأييد الولايات المتحدة للمشروع الشرق أوسطي. كما أن منطقة الشمال الأفريقي هي منطقة تنافس أمريكي فرنسي؛ حيث طرحت الولايات المتحدة في يونيو ١٩٩٨م مشروع شراكة اقتصادية أمريكية مغاربية مع دول المغرب العربي الثلاث تمهيداً لإقامة منطقة للتجارة الحرة تتنافس بها مع العلاقات الخاصة التي تربط الدول الأوروبية بهذه الدول [١٠] . أما عن التعاون الجماعي على المستوى الأمني فقد سعت الدول الأوروبية بعد مذابح رواندا إلى دعم الدبلوماسية الوقائية، وبحث إمكانية تشكيل قوات أفريقية لحفظ السلام في إطار الدور الأساسي الذي يمكن أن تلعبه منظمة الوحدة الأفريقية. وقد حاولت دول الاتحاد الأوروبي منع نشوب الصراعات في القارة الأفريقية من خلال مشاركتها في عمليات الإنذار المبكر، والمشاركة في الدبلوماسية الوقائية، والمشاركة في قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام. ومن أمثلة النزاعات التي حاولت دول الاتحاد الأوروبي التدخل لحلها الحرب الأثيوبية الإريترية؛ حيث أرسل الاتحاد الأوروبي وفداً ثلاثياً يضم ممثلين عن ألمانيا والنمسا وفنلندا إلى أديس أبابا في مهمة وساطة لمحاولة تهدئة الصراع بين البلدين [١١] . وفي إطار العلاقات الخاصة التي تربط بين بعض الدول الأوروبية وأفريقيا تجدر الإشارة بشيء من التفصيل إلى العلاقات الفرنسية الأفريقية وسياسة فرنسا في أفريقيا. * السياسة الفرنسية في أفريقيا [١٢] : تعتبر فرنسا الدولة الأوروبية الأولى من حيث قوة نفوذها وقدرتها على الحركة والفعل في الساحة الأفريقية؛ حتى قيل إن أفريقيا تمثل أحد عوامل ثلاثة لمكانة فرنسا الدولية بجانب مقعدها الدائم في مجلس الأمن والقدرة النووية. وقد حافظت فرنسا على علاقاتها بالدول الأفريقية التي استقلت عنها نتيجة لسياسة تعاونية محكمة ودقيقة طبقتها مع هذه الدول في المجالات العسكرية والاقتصادية والثقافية. ومنذ انتهاء الحرب الباردة تأثر النفوذ الفرنسي في أفريقيا نتيجة عدة اعتبارات أهمها: انخفاض الأهمية الاستراتيجية لأفريقيا لدى القوى الغربية بصفة عامة، والنشاط الأمريكي المتزايد المنافس لفرنسا في القارة. * المصالح الفرنسية في القارة الأفريقية: تتشعب المصالح الفرنسية في القارة ما بين مصالح اقتصادية وسياسية واستراتيجية أمنية. فمن الناحية الاقتصادية تتركز المصالح الفرنسية في القارة في البحث عن أسواق لتصريف المنتجات والسلع الفرنسية المصنعة والحصول على مواد أولية لتنمية الصناعات الفرنسية؛ خاصة أن فرنسا تعاني نقصاً في هذه المواد داخل أراضيها. وقد استطاعت فرنسا تدعيم وجودها الاقتصادي في القارة الأفريقية من خلال العديد من الآليات ومن أهمها التجارة البينية؛ فما زالت فرنسا المستورد الأول للمواد الخام والمصدر الأول للسلع المصنعة في بعض الدول الفرانكفونية، والاستثمارات التي تعتبر من أهم الاستثمارات الأجنبية في بعض الدول الفرانكفونية (كوت ديفوار والجابون) ، وإنشاء شبكة مواصلات واسعة تربط بين الأجزاء المختلفة للقارة الأفريقية وبين هذه الأجزاء وفرنسا، بالإضافة إلى منطقة الفرنك الفرنسي التي ترتبط بها ست عشرة دولة من غرب ووسط أفريقيا، وتتيح لمواطني هذه الدول التعامل بالعملة الفرنسية. وكانت فرنسا في فترة الحرب الباردة تركز على تحقيق هذا الهدف؛ إذ أدركت أن المنافسة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي سيكون مجالها الرئيسي أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، ومن ثم يصبح المجال الدولي الوحيد الذي يمكن أن يظل مفتوحاً أمام النفوذ الفرنسي بعيداً عن المنافسة مع الدولتين العظميين هو القارة الأفريقية. إلا أنه مع انتهاء الحرب الباردة تراجعت الأهمية الاقتصادية لأفريقيا لدى فرنسا، ولم تعد أفريقيا تمثل اهتماماً اقتصادياً أولياً حتى أصبحت أفريقيا تعتمد على أقل من ٥% من نسبة التجارة الفرنسية؛ كما لم تعد تستقبل سوى أقل من ٢٠% من حجم الاستثمارات الفرنسية المباشرة في العالم. ومن الناحية السياسية تهدف فرنسا إلى تحويل الفرانكفونية من تجمع ثقافي إلى حركة سياسية لإنشاء تجمع سياسي فرانكفوني في أفريقيا له صوت سياسي يؤخذ به في الساحة الدولية، وهو ما يعني إنشاء تيار سياسي مناهض للتيار الأنجلوسكسوني- الأمريكي تجتمع تحت مظلته جميع الدول الهادفة إلى الحد من الهيمنة الأمريكية. كما تسعى فرنسا في هذا الإطار إلى الحفاظ على استقرار الأنظمة الأفريقية. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف السياسي توظف فرنسا أدوات اقتصادية وثقافية؛ فهي تسعى إلى إنشاء شبكات للتعاون والتبادل الاقتصادي والتكنولوجي لدعم التنمية في الدول الفرانكفونية. كما تتميز فرنسا مقارنة بالدول الغربية الأخرى في استخدام الأداة الثقافية معتمدة في ذلك على اللغة المشتركة؛ فاللغة الفرنسية هي السائدة في دول غرب ووسط القارة، والمؤسسات التعليمية والمراكز الثقافية المنتشرة في الأرجاء المختلفة للقارة بالإضافة إلى إطار المنظمة الفرانكفونية التي تضم كافة الدول الناطقة بالفرنسية ومنها الدول الأفريقية والتي توسعت لتضم دولاً غير فرانكفونية. ومن الناحية العسكرية والأمنية كانت فرنسا في فترة الحرب الباردة تهدف إلى منع انتشار النفوذ السوفييتي في القارة أو الحد من انتشاره. وبعد انتهاء الحرب الباردة أصبح الخطر الرئيسي الذي يتهدد المصالح الفرنسية في أفريقيا هو الولايات المتحدة التي تحاول ان تدعم تواجدها بالقارة، والإسلام السياسي الذي أخذ يتزايد في التسعينيات في القارة الأفريقية على أطراف الصحراء وفي القرن الأفريقي وخاصة أن نسبة المسلمين في بعض الدول الفرانكفونية نسبة مرتفعة. كما تسعى فرنسا إلى السيطرة على المواقع الاستراتيجية في بعض الدول الأفريقية. فقد اهتمت على سبيل المثال بإنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي لمراقبة المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وفي سبيل تحقيق هذه الأهداف تعتمد فرنسا على عدة آليات أهمها القواعد العسكرية التي أنشأتها في ست دول أفريقية [١٣] ، قوة التدخل السريع التي أنشأتها فرنسا وفقاً لخطة عسكرية جديدة اعتمدتها عام ١٩٩٣م، وتوجد هذه الآلية في جنوب غرب فرنسا وتستطيع أن تتدخل في وقت قصير في كل أنحاء القارة، وعقد اتفاقيات الدفاع العسكري المشترك مع عدة دول (منها الكاميرون، أفريقيا الوسطى، جيبوتي، كوت ديفوار، وغيرها) ، واتفاقيات التعاون والمعونة الفنية مع عدة دول (منها بنين، بوركينافاسو، بوروندي، الكونغو، غينيا، السنغال، توجو، وغيرها) . كما أنشأت فرنسا عام ١٩٩٧م برنامجاً لدعم المؤسسات والتجمعات الإقليمية لمساعدتها على حفاظ الأمن في القارة. ومن أمثلة الحالات التي شهدت تدخلاً عسكرياً فرنسياً في القارة التدخل الفرنسي في رواندا عقب مذابح ١٩٩٤م لصالح حكومة الهوتو، ومساندة الرئيس التشادي إدريس ديبي بقوات خاصة ضد المظاهرات الشعبية التي اندلعت عام ١٩٩٦م. كما نظمت فرنسا عام ١٩٩٨م في إطار برنامج التعاون مع المنظمات الإقليمية في أفريقيا مناورات عسكرية بالسنغال بالتعاون مع الجماعة الاقتصادية لدول الغرب الأفريقي، وأخرى في الجابون بالتعاون مع الجماعة الاقتصادية لدول الوسط الأفريقي. * دوائر حركة السياسة الفرنسية في أفريقيا: تسعى فرنسا في استراتيجيتها الجديدة في القارة إلى توسيع شبكة علاقاتها بحيث تتخطى مناطق نفوذها التقليدية إلى دول أفريقية جديدة كانت تابعة للنفوذ البريطاني والبرتغالي والبلجيكي. وبصفة عامة فإن فرنسا تهتم بوجودها في نفس مناطق الاهتمام الأمريكي؛ ولذلك تحتدم المنافسة بين البلدين في مناطق البحيرات العظمى والقرن الأفريقي والغرب الأفريقي. ففي منطقة البحيرات العظمى ساندت فرنسا نظام الرئيس موبوتو سيسي سيكو في زائير (الكونغو الديمقراطية حالياً) في مواجهة كابيلا الذي دعمته الولايات المتحدة. وكان انهيار نظام موبوتو دافعاً لظهور العديد من الاتجاهات التي أكدت قرب نهاية النفوذ الفرنسي في أفريقيا، وتدخلت عسكرياً في رواندا عقب المذابح الإثنية عام ١٩٩٤م لصالح حكومة الهوتو. وفي السودان نشأت المنافسة الفرنسية للولايات المتحدة الأمريكية من خلال مساندة فرنسا لنظام البشير في السودان، والذي كان العدو الأول للولايات المتحدة في المنطقة. وقد ساندت فرنسا النظام الإسلامي في السودان لعدة أسباب أهمها الرغبة في إيجاد مرتكز لها في منطقة البحيرات العظمى بعد أن تراجع نفوذها في هذه المنطقة، واستخدام فرنسا لحكومة الإنقاذ - خاصة في فترة وجود حسن الترابي في الحكم في الوساطة بين الجماعات الإسلامية في الجزائر وفرنسا التي كانت تسبب لفرنسا الكثير من المشكلات الأمنية والاجتماعية في الداخل بالإضافة إلى تدفق البترول في بحر الغزال واحتمالات وجوده في الشمال أيضاً. وقد استطاعت فرنسا بمساندتها لحكومة الإنقاذ أن تؤجل نسبياً تطبيق الخطة الأمريكية؛ إلا أن الوجود الأمريكي في السودان في الفترة الماضية أصبح مكثفاً مع تراجع الدور الفرنسي الذي اقتصر في تصريحات دبلوماسية بشجب الحرب وتأييد مبادرة الإيغاد. وفي منطقة القرن الأفريقي تتنافس فرنسا مع الولايات المتحدة من خلال نفوذها في جيبوتي، وهي أكبر قاعدة عسكرية فرنسية في أفريقيا، بالإضافة إلى العلاقات الطيبة التي تربطها بنظام أسياسي أفورقي في إريتريا؛ حيث تدعمها فرنسا باستثمارات ومساعدات فنية ومالية. كما كان لها موقف إيجابي مع جبهة التحرير الإريترية منذ عام ١٩٨٢م. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن فرنسا عضو في نادي أصدقاء الإيغاد. وفي منطقة الغرب الأفريقي يوجد احتكار فرنسي للأسواق في دول غرب أفريقيا الفرانكفونية تحاول الولايات المتحدة منافسته. كما يوجد تنافس أمريكي فرنسي في منطقة الجنوب الأفريقي. وعندما تحفظت جنوب أفريقيا على مبدأ «التبادل التجاري وليس المعونات» الذي أيدته الولايات المتحدة استغلت فرنسا هذا الموقف ولوحت باستعدادها لتقديم برامج للتعاون الفرنسي الأفريقي تعتمد في جانب منها على المساعدات الاقتصادية والمالية. * الخاتمة: يتضح من العرض السابق أنه مع منتصف التسعينيات ساد التنافس على القارة الأفريقية بين الأقطاب المتعددة للنظام الاقتصادي الدولي نتيجة تزايد فرص استغلال القارة استثمارياً وتجارياً. ورغم احتدام التنافس بين الولايات المتحدة والقوى الأوروبية (خاصة فرنسا) على الساحة الأفريقية كما اتضح من خلال سياستهما وردود أفعالهما تجاه أحداث القارة، فإن هناك من المحللين السياسيين من يتحفظ على هذا التنافس بعدة اعتبارات منها أن القوى الأوروبية والولايات المتحدة حلفاء، ولن يتصارع بعضهم مع بعض بشأن طموحات كل منهما على الساحة الأفريقية، كما يشير البعض إلى إحياء النمط القديم في السياسة الأمريكية الذي يؤكد على أن تكون للولايات المتحدة سياستها الخاصة في أفريقيا، ولكن في إطار التنسيق والتعاون مع القوى الأوروبية ذات الميراث الاستعماري والخبرة الطويلة. ولكن التنافس الدولي لا يقتصر على القوى الأوروبية والأمريكية فقط؛ فهناك قوى جديدة صاعدة في أفريقيا من أهمها اليابان والصين. وقد تطورت سياسات تلك الدول تماشياً مع الأوضاع الجديدة بعد انتهاء الحرب الباردة. فاليابان انحصر دورها في البداية على تقديم المساعدات إلا أنها مع أواخر الثمانينيات أعلنت سياسة جديدة تقوم على محاور ثلاثة: المساعدات، والتبادل الثقافي، وحفظ السلام. وعملت اليابان على دعم التنمية في القارة الأفريقية وإثارة انتباه المجتمع الدولي تجاه أفريقيا بعد الاتجاه إلى تهميشها؛ وذلك بدعوتها لعقد مؤتمر طوكيو الدولي الأول لتنمية أفريقيا - المعروف باسم تيكاد - عام ١٩٩٣م ثم عقد المؤتمر الثاني عام ١٩٩٨م. وبصفة عامة تركز اليابان في علاقتها مع أفريقيا على الجانب الاقتصادي مستخدمة في ذلك عدة أدوات أهمها المساعدات والاستثمارات والعلاقات التجارية. وتعد اليابان الدولة الأولى المانحة للمساعدات في أفريقيا منذ بداية التسعينيات. أما بالنسبة للصين فقد تحول اهتمامها بالقارة من دعم حركات التحرير في أفريقيا في الخمسينيات إلى تبني سياسة ترتكز على المصالح العامة والاستراتيجية بعيدة المدى لكلا الطرفين. كما تطورت العلاقات الاقتصادية بين الطرفين من الاعتماد على قناة واحدة في صورة مساعدات صينية حكومية إلى تعاون متبادل في صورة مشروعات مشتركة، وقروض بفائدة منخفضة بالإضافة إلى تطور العلاقات في مجالات الثقافة والتعليم. ويعد هذا التنافس الذي تعددت أقطابه دليلاً على عودة الاهتمام بالقارة الأفريقية؛ وهو ما تجسد في الفترة الأخيرة في دعم الدول الصناعية الكبرى لمشروع الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا (المعروف باسم نيباد) ولكن لا يزال السؤال مطروحاً: هل مشروع التنمية الجديد يعبر بالفعل عن شراكة جديدة، أم أنه مجرد مؤشر جديد على التنافس الدولي في أفريقيا، ومحاولة لفرض النموذج الغربي للتنمية على الدول الأفريقية؟

стр. 4485

المسلمون والعالم ملف العلاقات الجزائرية الفرنسية بيننا وبين فرنسا جبال من الجماجم يحيى أبو زكريا [*] عندما قام الرئيس الجزائري الأسبق (هواري بومدين) بتأميم المحروقات قاطعت فرنسا البترول الجزائري وأسمته: (البترول الأحمر) عندها قال بومدين لدى سؤاله عن العلاقات الجزائرية الفرنسية: «بيننا وبين فرنسا أنهار من الدماء وجبال من الجماجم» . وساعتها كان عبد العزيز بوتفليقة وزيراً للخارجية، وكان مقتنعاً بنظرية بومدين بشأن الطلاق الأبدي مع عدوة الأمس فرنسا. واليوم وعندما أصبح عبد العزيز بوتفليقة رئيساً للدولة الجزائرية تخلى عن نظرية جبال الجماجم وأنهار الدماء، وتبنى نظرية المصالحة التاريخية مع من قتل مليوني جزائري في ظرف سبع سنوات. ألا يدل ذلك على مدى التغيرات التي عرفتها الجزائر التي ما زالت تبحث عن ذاتها ودورها؟ وإذا كانت المصالحة الوطنية في الداخل الجزائري ما زالت معلقة فكيف يبحث عنها بوتفليقة في باريس؟ لا يمكن على الإطلاق وصف العلاقات الجزائرية الفرنسية بالطبيعية؛ إذ منذ استقلال الجزائر في الخامس من يوليو تموز ١٩٦٢م، والعلاقات بين البلدين تمر بحالة انسداد تارة وانفتاح تارة أخرى؛ والمفارقة أنّه رغم هذا التوتر في العلاقات الثنائية فقد ظلت باريس سيدة الموقف اقتصادياً وثقافياً وأحياناً سياسياً في الجزائر. ويُجمِع المراقبون كما يجمع المؤرخون أن فرنسا هي وراء هذا التوتر؛ لأنّه لا يمكن بأي حال من الأحوال نسيان الحقبة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر منذ [١٨٣٠م وإلى ١٩٦٢م] حيث مارست فرنسا خلالها كل أنواع المسخ والتقتيل والتعذيب وطمس الهوية وسلب خيرات هذا البلد المسلم، وكل هذه الصور وغيرها لم يكن في وسع الجزائريين نسيانها؛ ففرنسا في نظرهم هي الدولة التي عطّلت دورهم الحضاري على مدى ١٣٢ سنة. وبعد استقلال الجزائر ظلّت فرنسا تنظر إلى الجزائر على أنها ولاية فرنسية، ولم تعترف حتى بالحرب الجزائرية الفرنسية؛ إذ إن ذلك أي هذا الاعتراف جرى في مقر الجمعية العمومية البرلمان في بداية سنة ٢٠٠٠م، وبهذا المنطق الاستعماري نفسه تعاملت فرنسا مع الجزائر الفتية المستقلة؛ فقد واصلت احتكارها لصناعة الطاقة - الغاز والنفط - تنقيباً واستخراجاً وتوزيعاً وتسويقاً، كما كانت توفر الحماية للغتها التي كانت نافذة في الإدارة والمدرسة والجامعة، وفوق هذا وذاك كانت تفرض على الإدارة الجزائرية (تكنوقراطيين) جزائريين درسوا في المعاهد والجامعات الفرنسية وشكلوا فيما بعد نواة ما يعرف بحزب فرنسا في الجزائر المتغلغل بقوة في الإدارة والمؤسسة العسكرية. وإذا كانت علاقة الجزائريين بفرنسا أثناء احتلال هذه الأخيرة للجزائر علاقة حرب ونضال بين قوة غاشمة ومستضعفين يسعون إلى الحرية؛ فإن العلاقات الجزائرية الفرنسية منذ ١٩٦٢م وإلى الآن هي أشبه بفسيفساء كثيرة الألوان والالتواءات. فمنذ ١٩٦٢م تاريخ استقلال الجزائر توالى على الحكم في الجزائر سبع رؤساء هم على التوالي: (أحمد بن بلة) ١٩٦٢ - ١٩٦٥م، (هواري بومدين) ١٩٦٥ - ١٩٧٩م، (الشاذلي بن جديد) ١٩٧٩ - ١٩٩٢م، (محمد بوضياف) جانفي ١٩٩٢م جوان ١٩٩٢م، (علي كافي) ١٩٩٢ - ١٩٩٤م، (اليامين زروال) ١٩٩٤ - ١٩٩٩م، (عبد العزيز بوتفليقة) ١٩٩٩م، إلى يومنا هذا. وكان الحكم في فرنسا بدوره موزعاً بين اليمين واليسار، وكانت لفرنسا سياسات متنوعة تجاه الجزائر وحسب الرؤساء الذين تناوبوا على الحكم في الجزائر. * عهد بن بلة ومحاولة التمرد: في عهد (بن بلة) حاولت فرنسا التمكين لمصالحها الاقتصادية والثقافية والسياسية، وحاول (بن بلة) بدوره سحب هذه الأوراق من يد فرنسا؛ وذلك من خلال التحضير لوضع قانون للتعريب جرت مناقشته في مجلس الشعب، ولكن للأسف تمكنت القوى الموالية لثقافة المستعمر من تعطيل المشروع الذي استمرّ معطّلاً إلى أواخر التسعينيات، وطلب (أحمد بن بلة) من وزير دفاعه هواري بومدين أن يُقيل من الجيش الجزائري كل الضبّاط الجزائريين الذين كانوا في الجيش الفرنسي وانضموا قبل الاستقلال وبعده بقليل إلى الجيش الجزائري، لكن هذا لم يتحقق، وكانت حجة بومدين أنّه في حاجة إلى خبراتهم. وأطيح بـ (أحمد بن بلة) ونعمة الطاقة ترفل فيها فرنسا دون غيرها. * عهد بومدين والتأميم: وعندما استلم (هواري بومدين) الحكم بدأت العلاقات الجزائرية الفرنسية تدخل مرحلة الخطوط الحمراء وخصوصاً عندما أقدم (هواري بومدين) على تأميم قطاع المحروقات، وخرجت فرنسا صفر اليدين من نعمة الطاقة الجزائرية، وساعتها لجأت فرنسا إلى مقاطعة شراء النفط الجزائري الذي كانت تسميه: (البترول الأحمر) وحضّت حلفاءها في الغرب على عدم شراء هذا البترول الأحمر، وتصاعد الموقف الأمني بين الدولتين حيث كان (محمد بوديا) المناضل الجزائري السابق والمقيم في باريس يقوم مع (كارلوس) المشهور عالمياً بملاحقة أهداف عبرية في العواصم الغربية وعلى الأرض الفرنسية على وجه التحديد، وهو الأمر الذي فهمت منه باريس بأنه حرب جزائرية على أرضها، فقامت أجهزتها الأمنية بأشياء مماثلة على الأرض الجزائرية؛ حيث قام رجال مخابرات فرنسيون بتفجير مبنى جريدة المجاهد الأسبوعي التابعة للحزب الحاكم آنذاك (حزب جبهة التحرير الوطني) ، وشهدت العلاقات الثنائية بين البلدين تراجعاً وخصوصاً بعد توقيع عقد لبيع النفط الجزائري لشركة البازو الأمريكية ولمدة ٢٥ سنة، وربما هذا ما دفع (هواري بومدين) إلى القول لدى سؤاله عن العلاقات الجزائرية الفرنسية: إنّه بيننا وبين فرنسا أنهار من الدماء وجبال من الجماجم. * عهد بن جديد وسر مكالمة ميتران: عندما وصل الشاذلي بن جديد إلى السلطة كانت موازين القوة في دوائر الحكم قد رجحت كلية لصالح التيار الفرانكفوني الذي عمل أول ما عمل على إعادة تصحيح العلاقة مع باريس، وكانت النتيجة أن قام الشاذلي بن جديد بزيارة باريس ولأول مرة في تاريخ الجزائر المعاصرة؛ حيث كان ينص العرف السياسي الجزائري غير المكتوب أن لا يقوم الرئيس الجزائري بأي زيارة إلى فرنسا العدوة التقليدية للجزائر. وكان رضا مالك - أحد كبار المسؤولين والفرانكفونيين في آن واحد الذي اصطحبه معه عبد العزيز بوتفليقة في زيارته إلى باريس رغم أنه لا يتمتع بأي منصب سياسي رسمي - قد كتب يدعو إلى ضرورة طي صفحة الماضي وقلب الظهر للثورة الجزائرية. وهذا التألق في العلاقات الجزائرية الفرنسية الذي استمر على امتداد الحقبة الشاذلية سرعان ما خفت بعد إقالة الشاذلي بن جديد الذي طلب منه فرنسوا ميتيران شخصياً وعبر مكالمة هاتفية إلغاء الانتخابات التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وكان له ما أراد، وهذا ما كشف عنه مؤخراً وزير الدفاع السابق خالد نزار. * عهد بوضياف والتسلل الأمريكي: بعد تولي محمد بوضياف الحكم كانت الجزائر قد دخلت مرحلة الفتنة الكبرى، واستمر وضعها الأمني مضطرباً في عهد علي كافي واليامين زروال، وكانت باريس آنذاك تراقب الموقف وتشاهد بانزعاج التسلل الأمريكي إلى ملعبها القديم، وانتقلت الفتنة الجزائرية إلى أراضيها؛ حيث تكهنت الصحف الفرنسية بأن هذه الأعمال الأمنية هي من وحي المخابرات الجزائرية والغرض منها جرّ فرنسا إلى الحرب الدائرة في الجزائر ودعم الحكم الجزائري. والمفارقة أنه رغم مشهد التوتر في العلاقات الجزائرية الفرنسية فإن فرنسا حافظت على قوة نفوذها الاقتصادي والثقافي والسياسي؛ وذلك من خلال الفئة الفرانكفونية التي قدمت لفرنسا أعظم الخدمات، ولعلها الفئة التي أشار اليها الجنرال شارل ديغول بقوله وهو يغادر الجزائر أثناء استقلال الجزائر أنه ترك في الجزائر بذوراً ستينع بعد حين، وفي موضع آخر قال: سأعمل على أن تنتهي الجزائر بالضربة القاضية بعد ثلاثين سنة، وبالفعل بعد ثلاثين سنة من عام ١٩٦٢م دخلت الجزائر مرحلة السقوط بالضربة القاضية. * عهد بوتفليقة والمرحلة الجديدة: وبوصول عبد العزيز بوتفليقة إلى سدّة صناعة القرار السياسي كانت الجزائر قد دخلت مرحلة جديدة يحاول بوتفليقة من خلالها الانفتاح على عواصم القرار في الغرب لمساعدته في المجال الاقتصادي وفي المجال السياسي والأمني. وقد لجأ بوتفليقة إلى خطة ذكية لتدشين التقارب الفرنسي الجزائري؛ فقد ألمح إلى أن الجزائر قد تخرج من تحت العباءة الفرنسية بتكثيف الزيارات الرسمية للمسؤولين الأمريكيين إلى الجزائر، وإجراء مناورات عسكرية بين القوات الجزائرية والأمريكية وهو ما أقلق باريس وجعلها تعيد حساباتها في علاقاتها مع الجزائر صيانة لمصالحها الاستراتيجية والسياسية والثقافية والاقتصادية. ويبقى القول إن الزيارة التاريخية لعبد العزيز بوتفليقة إلى باريس وزيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى الجزائر لن تلغي بين عشية وضحاها كل الغيوم المتراكمة في سماء العلاقات الثنائية بين البلدين، وما زالت هناك أشواط قبل تحقُّق ما اسماه بوتفليقة بالمصالحة التاريخية بين الجزائر وفرنسا. ورغم أنّ بوتفليقة حمل لواء المصالحة إلا أنّ باريس ما زالت تشن حملة على الجزائر مثيرة ورقة الجيش تارة ودوره في المجازر كل المجازر التي عرفتها الجزائر، وتارة أخرى تثير الورقة القبائلية، وتطالب بتمكين منطقة القبائل من حكم ذاتي وتمزيق الجغرافيا الجزائرية التي وحدتها دماء مليونين من شهداء الجزائر.
следующие страницы →