← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

المسلمون والعالم أمريكا وجدلية الحرب على الإرهاب خليل العناني بعد مرور نحو عامين على وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م؛ دخلت الولايات المتحدة الأمريكية في حقبة جديدة من تاريخها السياسي والفكري؛ قوامها الاستبداد والتحكم العالمي، ليس لانتهاجها لسياسات متعجرفة مع مختلف شعوب الأرض فحسب، ولكن أيضاً لأنها قضت على كل النماذج والقيم التي طالما تغنى بها الأمريكيون باعتبارهم مهد القيم العالمية. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قد حددت لنفسها هدفاً محورياً غداة وقوع أحداث سبتمبر، تمثل في «مكافحة الإرهاب الدولي» ، فإنها في الواقع قد استخدمت هذا الهدف لإخفاء أهداف أخرى كونية أبعد ما تكون عن مكافحة ما يسمى بالإرهاب الدولي. بل لا نبالغ إذا قلنا إن الولايات المتحدة نفسها قد أصبحت أكثر من يمارس هذا الإرهاب، وما زالت أحداث حربي أفغانستان وفلسطين ماثلة في أذهان الجميع. * أشكال حرب الإرهاب وأبعادها: وقد اتخذت فكرة الحرب على الإرهاب التي ابتدعتها عقول المحافظين الجدد (النصارى المتصهينين) أشكالاًَ وأبعاداً متعددة، تفوق ما لدى الأمم والجماعات الأخرى من تصور لهذه الفكرة، لعل أكثرها دلالة هو اعتبار مقاومة الاحتلال من أفعال الإرهاب الدولي. ويظل التساؤل الأجدى في هذه المرحلة هو: كيفية تحقيق هذه الفكرة لما تطمح له الولايات المتحدة؟ وقد تبدو الإجابة عن هذا التساؤل بسيطة ولكنها في غاية التعقيد، ويمكن استنتاجها عبر عدة نقاط أولها أن الولايات المتحدة عبر استخدام هذه الفكرة قد توفر لنفسها أرضية جديدة في التعامل مع الآخرين بما في ذلك دول العالم الأول (أوروبا) من منطلق أن الإرهاب خطر عالمي لا يفرق بين ما هو أمريكي أو أوروبي، وهو ما يوفر للولايات المتحدة متسعاً من الحركة افتقدته وترددت في استخدامه منذ انتهاء حقبة الحرب الباردة، كما يسوغ تفردها بقيادة الجانب الشرقي للأطلسي دون معارضة حقيقية. والنقطة الثانية هي أن هلامية الفكرة وعدم وضوحها والذي قد يكون مقصوداً في جزء كبير منه قد يترك المجال مفتوحاً أمام مختلف التفسيرات، وبالتالي يبيح أي تصرفات أمريكية لمحاربة هذا الخطر؛ بما في ذلك غزو دول بعينها كما حدث مع أفغانستان والعراق، أو محو منظمات بعينها كما حدث مع العديد من منظمات المجتمع المدني خاصة تلك التي تحمل طابعاً إسلامياً. أما الاستنتاج الثالث؛ فهو أن الإدارة الحالية، وبالنظر إلى مرجعيتها الفكرية، كانت تبحث عن أداة فعالة تحقق طموحها التوسعي ونهجها المنفرد، فضلاً عن افتقارها للقدرة على تحقيق إنجازات اقتصادية أو اجتماعية ملموسة ترفع عنهم الحرج أمام ناخبيهم، ولذا لن يكون مستبعداً أن يصبح الانتصار الأمريكي على العراق هو الوقود الأساسي للحملة الانتخابية القادمة. وفضلاً عما سبق؛ فقد حققت هذه الفكرة للولايات المتحدة ما تمناه وحلم به قادتها ومسؤوليها قبل أكثر من نصف قرن، وهو رغبتهم في أن تحتل الولايات المتحدة قمة النظام العالمي باعتباره الوضع الطبيعي لقوة مثلها. فمنذ خروج الولايات المتحدة من عزلتها الاختيارية وانخراطها في شؤون المعمورة عقب الحرب العالمية الثانية؛ وهي ترغب في تحويل قوتها الاقتصادية والتقنية إلى سلاح سياسي فعّال يحقق أهدافها بأقل تكلفة ممكنة، ولكن ظهور القطب السوفييتي السابق شكّل عائقاً وقيداً خانقاً على هذه الرغبة الأمريكية، وكبح جماحها على مدار أكثر من أربعة عقود من القرن المنصرم. ورغم انهيار القطبية الثنائية وانتفاء المنافس أمام الولايات المتحدة؛ فإنها ترددت في الإعلان عن تفردها وتطبيقها على رأس النظام العالمي، ولجأت إلى تحقيق ذلك عبر مفهومات وأدوات اقتصادية، شكلت العولمة سياجها الحاكم، ونسجت خيوطها الشركات الأمريكية العملاقة. ولكن يبدو أن هذه الأدوات لم تحقق طموح الولايات المتحدة؛ خاصة مع دخول الاقتصاد الأمريكي في نفق الركود والتراجع منذ انفجار فقاعة التقنية أواخر العقد الماضي؛ لذا فقد شكلت أحداث سبتمبر فرصة ذهبية للولايات المتحدة للبحث عن أداة مفتقدة تمكنها من الإعلان عن هيئتها العالمية الواجب فرضها، ومن ثم شكّلت فكرة «الحرب على الإرهاب» السوط الجديد لقيادة النظام العالمي في بدايات القرن الحادي والعشرين، ولتكون طوق نجاة يرفع عن الأمريكيين الحرج عن جنوحهم بعيداً عن السرب العالمي. غير أن ما يلفت الأنظار ويثير الحيرة تساؤل مهم، وهو: لماذا وجهت أمريكا هذه الفكرة ناحية العالم الإسلامي باعتباره مهداً لهذه الظاهرة؟ بالطبع فقد ربطت الولايات المتحدة بين مرتكبي أحداث ١١ سبتمبر وبين دولهم وجنسياتهم، ولكن هذا وحده ليس مسوّغاً كافياً لتوجيه دفة السياسة الخارجية الأمريكية بكل ثقلها ناحية هذه البقعة من العالم. ودون الغوص في بحور «نظرية المؤامرة» ؛ يمكن القول بأنه إذا كانت الولايات المتحدة قد اتخذت من العالم الإسلامي عدواً لها تحت ذريعة محاربة الإرهاب، فمرد ذلك ليس فقط لأن هذا العالم يمثل نموذجاً حضارياً وثقافياً يضاهي في أفكاره وقيمه تلك المبادئ والأفكار التي تستند عليها الحضارة الغربية فحسب، بل وإنما أيضاً لحاجة الولايات المتحدة لستار تخفي وراءه طبيعة الأهداف والمصالح الأمريكية في عالم اليوم. بيد أن فكرة الحرب على الإرهاب لن تحقق الكثير مما يصبو إليه العديد من أصحاب التوجه الفردي في الولايات المتحدة؛ ليس لكونها تستند على أساس هش وغير مقنع فحسب، بل لعدم واقعيتها عملياً رغم ثبات خطر الإرهاب في حد ذاته. فالولايات المتحدة مهما بلغت قوتها وقدراتها فهي في النهاية تعيش في عالم تحكمه قواعد وأساسيات للتعامل تقوم في جزء كبير منها على التوافق الدولي أكثر منه الإكراه والعقاب، وبافتراض حدوث ما تصبو إليه الولايات المتحدة فإنه لن يدوم لفترة طويلة؛ ليس انطلاقاً من ظهور قوة منافسة لها بقدر ما هو مرتبط بقدرة الولايات المتحدة نفسها على الاستمرار ومواصلة هذا النهج المستهجن من بقية دول العالم. فضلاً عن ارتفاع كلفة هذه الفكرة سياسياً واقتصادياً بالنسبة للولايات المتحدة، ويكفينا في ذلك حساب ما تكبدته واشنطن سواء في إقامة الأحلاف الجديدة؛ مثل ما حدث مع باكستان وبعض جمهوريات آسيا الوسطي، فضلاً عن دول أوروبا الشرقية، أو تدعيم بعض الأحلاف القديمة؛ مثل الأردن ومصر وغيرها من الدول الصديقة للولايات المتحدة. * هذه الحرب والاستراتيجيات الثلاث: وقد ساهمت فكرة «الحرب على الإرهاب» بشكل كبير في صنع أدوات جديدة للحركة الخارجية للولايات المتحدة تتناسب والأهداف الأمريكية الجديدة، وتمثل ذلك في مثلث الاستراتيجيات الثلاث؛ وهي استراتيجية الحرب الوقائية، والتوجه المنفرد، وتغيير الأحلاف، وقد عبرت حالة العراق خير تعبير عن هذا المثلث. ويشير الضلع الأول: والذي يمثل قاعدة هذا المثلث إلى «استراتيجية الأمن القومي الأمريكي» ، والتي ينظر إليها بعضهم باعتبارها دستور أمريكا الجديد، واستبقتها الإدارة الحالية بتقسيم العالم لشطري الخير والشر، وأن هذه الاستراتيجية قد صيغت لمعاقبة هذا الشطر الأخير، والذي يضم في جعبته كل من يجرؤ على التصريح بمعارضة الولايات المتحدة أو تصدير أي فكر يروّج لذلك، ولذا فقد ضمت القائمة كل من يخالف واشنطن أيديولوجياً أو يهمس بذلك سراً، ومن هذه الدول العراق وإيران وكوريا الشمالية والصين وكوبا وليبيا وسوريا ولاحقاً السعودية والسودان وغيرها. وقد لا يقتصر الأمر على بلدان الشرق الأوسط بل قد يتعداه لبعض القوى العالمية النسبية مثل فرنسا وألمانيا وروسيا؛ وإن اختلف أسلوب التعامل في الحالتين. وقد تم اختبار هذه الاستراتيجية في الحرب على العراق وأثبتت نجاحها إلى حد كبير، وإن كان هذا يعود في جزء كبير منه إلى طبيعة الحالة العراقية أكثر من ارتباطه بواقعية الاستراتيجية نفسها. ويعبّر الضلع الثاني: في مثلث الاستراتجيات الأمريكية الجديدة عن حقيقة الحلم الأمريكي، ويصب في صلب الرغبة الأمريكية التي طال انتظارها، وحالت ظروف عديدة دون تحقيقها ممثلة في إعلان الهيمنة الأمريكية على الكون وإعلاء الكلمة الأمريكية فوق الجميع. ويعد هذا التوجه المنفرد بمثابة الإعلان العالمي عن عدم الوقوف في وجه القطار الأمريكي؛ حتى إن خرج عن قضبان الشرعية الدولية، ليس لقوة بطش هذا القطار فحسب، ولكن لعدم وجود قوة فاعلة قد تردع حركته وتبطئ منها؛ سواء كانت قوة جماعية كالأمم المتحدة أو قوة فردية أخرى. وقد كشف الصراع في مجلس الأمن إبان الاستعداد الأمريكي لإعلان الحرب على العراق عن هذه الحقيقة، وعبّرت الحرب عن هذا المنحى المنفرد. وقد أثبتت هذه الاستراتيجية فعاليتها بشكل عملي خلال الحرب، وإن تراجعت مؤخراً بشكل ملحوظ يمكن الاستدلال عليه من رغبة واشنطن في توسيع دور الأمم المتحدة في العراق تفادياً لاحتمالات الإخفاق هناك. أما الضلع الثالث للمثلث؛ فمثلته استراتيجية تغيير الأحلاف، ويقصد بها إعادة فك وتركيب القوى الصديقة للولايات المتحدة تمشياً مع فكرة الحرب على الإرهاب، واتساقاً مع استراتيجية الحرب الوقائية. ولذا فلم يكن مستغرباً أن تصبح باكستان حليفاً مهماً في الحرب على أفغانستان بعد أن كانت في قائمة الدول المحظورة أمريكياً، وكذلك وجدت روسيا لنفسها دوراً جديداً في قلب الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، وتبدلت علاقات البلدين خلال أقل من عامين بسرعة تفوق أضعاف سرعة علاقتهما قبل عام ١٩٩٠م، كما دخلت دول جديدة من أوروبا الشرقية في زمرة الحلفاء الجدد للولايات المتحدة مثل بولندا ورومانيا والتشيك وغيرها. وعلى الجانب الآخر تبدلت أدوار وأشكال الحلفاء القدامى، فتبدل دور بعض الدول لتصبح الخصومة هي الطابع المميز للعلاقات، بعد أن كانت علاقة تحالف على مدار أكثر من نصف قرن، في حين بدأت دول جديدة في حجز مقعد دائم لها في علاقة التحالف مع واشنطن؛ مثل قطر وغيرها. وكذلك الأمر بالنسبة إلى دول غرب أوروبا؛ حيث ابتعدت دول عن صفة الحليف لواشنطن مثل ألمانيا وفرنسا وتركيا بشكل مؤقت. ولن يقف الأمر عند هذا الحد بل قد يمتد ليشمل آفاقاً جديدة، ويضم دولاً أخرى ما دام الأمر يصب في النهاية في تحقيق المطامح الأمريكية. ولعل التساؤل المهم في هذه المرحلة هو: هل فكرة الحرب على الإرهاب مجرد نبت يميني، أو هي تعبير عن وجهة نظر الشعب الأمريكي بشكل عام؟ وتسهم الإجابة عن هذا التساؤل في إمكانية تقييم وتوقع مدى استمرارية هذه الفكرة والاستراتيجيات المصاحبة لها من عدمه. وتدل الخبرة التاريخية الأمريكية على أن هناك انفصالاً شبه عميق بين توجهات الساسة ورؤية الشعب الأمريكي بشكل عام. وهو ما يعني أنه قد لا يكون هناك توافق بين الشعب الأمريكي وقادته حول هذه الفكرة؛ ما قد يجعلنا نستنتج أن الفكرة لن تعيش أكثر من عمر الإدارة الحالية، وسرعان ما ستزول مع قدوم وافد جديد للبيت الأبيض، وذلك دون إغفال التأثير الكبير لأحداث الحادي عشر من سبتمبر على توجهات الشعب الأمريكي بشكل عام تجاه العالم الخارجي، وتجاه موقف قيادته من قضية الحرب على الإرهاب.

стр. 4797

مرصد الأحداث أحمد فهمي afahmee@albayan-magazine.com أقوال غير عابرة: - إن الولايات المتحدة لا تقوم بتدمير الرؤوس النووية، بل بتخزينها منزوعة عن حاملها «يوري بالويفسكي النائب الأول لرئيس الأركان الروسي، يتهم أمريكا بالتحايل على اتفاقية تخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية النووية. [الوطن، ٤/١٠/١٤٢٤هـ] -» لو كنت عضواً في منظمة القاعدة لما أهدرت وقتي بالأسلحة النووية، ولحضرت دروس ميكروسوفت التدريبية «جون نوتون خبير الإنترنت في بريطانيا، يتحدث عن قدرة الفيروسات على إشاعة فوضى عالمية. [النيوزويك، ١١/١١/٢٠٠٣م] -» اتصالاتي بجارانج لم تنقطع، وكان من أوائل الناس الذين خاطبوني بعد إطلاق سراحي، حيث أبلغني أنه قرأ جميع كتبي التي ألفتها في السجن ونشرتها « الدكتور حسن الترابي زعيم المؤتمر الشعبي السوداني المعارض. [الوطن، ١٧/١١/٢٠٠٣م] -» إن عرفات يحب الدولة اليهودية أكثر مني أنا شخصياً، وهو المسؤول عن جميع الاتفاقات مع إسرائيل، وهو صانع القرار «أبو علاء أحمد قريع رئيس حكومة السلطة الفلسطينية الجديدة. [النيوزويك، ١٨/١١/٢٠٠٣م] -» أنا لم أعلم أنه تلفزيون إسرائيلي، فالمذيع جاء وقدّم نفسه بأنه عربي من تلفزيون عربي، وأراد مني أن أرد على بعض تساؤلات لديه مرتبطة بشهر رمضان، فهل كنت أرفض الإجابة؟ «الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، يرد على ما نشر في بعض وسائل الإعلام عن إدلائه بحديث لتلفزيون » إسرائيلي «. [المجلة، العدد، (١٢٤١) ] -» يا ربّ هناك أشخاص أشرار في هذا المكان، ساعدنا على قتلهم « قسيس مرافق لكتيبة أمريكية يردد صلاة قصيرة مع الجنود الأمريكيين قبل الهجوم على منزل عراقي بعد منتصف الليل. [النيوزويك، ١١/١١/٢٠٠٣م] -» لقد كان يغطي على أبناء جلدته.. اللعنة عليهم، لنقتلهم جميعاً «جندي أمريكي غاضب بعد انفجار لغم في بعض زملائه، يتهم شرطي عراقي بالتغطية على المقاومة. [النيوزويك، ١٨/١١/٢٠٠٣م] -» لقد ظللت أغطي أنباء حروب العصابات لمدة ٢٥ عاماً تقريباً، وكنت في كل مرة أزداد اقتناعاً بأن السبيل الوحيد لهزيمة المتمردين الملتزمين الذين يحاربون على أرضهم على المديين القصير والمتوسط؛ هو باستخدام أساليب قمع شرسة لا تعرف الرحمة، وبعد ذلك يمكن التوصل إلى حل وسط لإنهاء المشكلة بصورة نهائية «كريستوفر ديكي صحفي أمريكي بارز. [النيوزويك، العدد (١٧٩) ] أحاجي وألغاز: قدم في الفم حصل وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد بجدارة على جائزة» قدم في الفم «، والتي تقدمها منظمة حملة اللغة الإنجليزية الواضحة، وذلك عن عدد من تصريحاته غير المفهومة، ومنها قوله في مؤتمر صحفي:» تقول التقارير إنني أهتم دائماً بما لا يحدث، لأنه كما تعرفون هناك أشياء معروفة نعرفها، وهناك أشياء نعرف أننا نعرفها، كما أننا نعرف أن هناك أشياء غير معروفة نعرفها، وأنا أعني أننا نعرف أن هناك بعض الأشياء التي لا نعرفها، لكن أيضاً هناك بعض الأشياء غير المعروفة لا نعرفها، والأشياء التي لا نعرفها لا نعرفها «، وعلق متحدث باسم المنظمة ساخراً بالقول:» أعتقد أننا نعرف ما يعنيه، لكننا لا نعرف إذا ما كنا نعرف بالفعل «، وقد واجه رامسفيلد منافسة قوية من حاكم ولاية كاليفورنيا الممثل أرنولد شوارزينجر، والذي كان قد علق على زواج الشواذ قائلاً:» أعتقد أن زواج المثليين جنسياً يجب أن يكون زواجاً بين رجل وامرأة «. [موقع البي بي سي، بتصرف، ١/١٢/٢٠٠٣م] نظرية» الكبش «في تفسير الحجاب تسبب ارتداء ١٢ مذيعة يعملن في التلفزيون المصري للحجاب في مشكلة كبيرة كونهن من الكفاءات الإعلامية، حيث يمنع ظهور أي مذيعة محجبة على الشاشة، وقد اضطرت رئيس قناة النيل للأخبار» سميحة دحروج «إلى تحويل المذيعات المحجبات إلى العمل في إعداد النشرات الإخبارية وتحريرها، وفسرت قرار الحجاب بين المذيعات بأنه يرجع إلى إخفاقهن في إدارة بيوتهن وعملهن معاً، فيلجئن للتضحية بالعمل» ككبش فداء «، ويذكر أن ٩٥% من طالبات كليات الإعلام قسم إذاعة وتلفزيون من المحجبات. [ميدل إيست أون لاين، بتصرف، ١/١٢/٢٠٠٣م] كلية الشريعة و - العزف على - القانون » الموسيقى ترقى بالروح والمشاعر، وتثير في النفس الهدوء.. أستمع للموسيقى القديمة، وأحب الموسيقى الإيرانية ففيها نوع من الشجن، وأحب أيضاً الموسيقى السريعة التي يسمونها شبابية، ففيها طرب سريع «. عائشة المناعي أول امرأة تشغل منصب عميدة لكلية الشريعة والقانون جامعة قطر. [مفكرة الإسلام، ٢٩/١١/٢٠٠٣م] مرصد الأخبار: التفاني الباكستاني في طلب الرضا الأمريكاني لا تدخر حكومة باكستان وسعاً في سبيل نيل لمحات من الرضا الأمريكي عن أدائها السياسي الداخلي قبل الخارجي، وفي سياق تقديم القربات على مذبح إدارة الرئيس الإنجيلي جورج بوش تأتي الحملة الشعواء التي تشنها السلطات ضد التعليم الإسلامي بغرض تصفيته في خلال عدة سنوات بدعوى اعتباره مفرخة للإرهاب، ونقلت الوطن (١٧/١١/٢٠٠٣م) أن بياناً صادراً عن الداخلية الباكستانية ذكر أنه تم طرد عشرة آلاف من طلبة المدارس الدينية الأجانب وأنها تتخذ خطوات لطرد ألف آخرين بزعم وجود اتصالات مع طالبان، كما أغلقت السلطات أيضاً في شهر رمضان الماضي ١٣٧ مدرسة دينية مرتبطة بثلاثة تنظيمات إسلامية. ولا يوجد إحصاء دقيق لعدد المدارس الدينية في باكستان، ولكن في تحقيق موسع للنيوزويك الأمريكية (٢/١٢/٢٠٠٣م) ذكرت إحصاءاً حكومياً يقدرها بـ ٢٧ ألف مدرسة دينية، وفي بلدة شامان وحدها الواقعة على الحدود في مواجهة إقليم قندهار الأفغاني توجد ٣٠٠ مدرسة على الأقل، ومن المدارس الكبرى في بيشاور دار العلوم الحقانية التي يدرس بها حوالي ٣٠٠٠ طالب، ويعارض مسؤولو المدارس إجراءات برويز مشرف لتقليص التعليم الديني، ويقول مولانا أنور علي شاه مدير إحدى المدارس:» إن حاول مشرف اتخاذ إجراءات صارمة ضد المدارس ستسفك الدماء في الشوارع «، ويقول الخبراء إن قدرة مشرف على تنفيذ قرارته ضعيفة؛ لأنه من دون هذه المدارس سيحرم حوالي ١.٥ مليون باكستاني من أي تعليم منهجي. إدارة بوش بين حماريَ العراقيين والديمقراطيين ثقافات الشعوب تتفاوت في نظرتها للحيوانات، فبينما يعتبر الحمار في الثقافة العربية رمزاً للغباء والتبعية العمياء، فإنه يحظى بمكانة متميزة في الثقافة الأمريكية جعلته يصبح رمزاً للحزب الديمقراطي الأمريكي المنافس للحزب الجمهوري بزعامة جورج بوش، وبينما يعاني الرئيس الأمريكي من هجمات منافسيه الديمقراطيين في بلاده، أصبح لزاماً عليه أن يعاني من حمار العراقيين في العراق، فقد تحول الحمار إلى سلاح فعّال بأيدي المقاومة العراقية في الأشهر الأخيرة، وصار مرأى الحمار يجر عربته يثير الفزع في قلوب الجنود الأمريكيين أكثر من الدبابة، وتعددت العمليات التي استُخدمت فيها الحمير وعرباتها، وهو ما دفع الصحفي الأمريكي كريستين كاريل إلى القول إن:» استخدام الحمير قوض بصورة جيدة صورة الوجود الأمريكي الذي لا يمكن اختراقه «، ويقول الكولونيل براد ماي من كتيبة الفرسان المدرعة:» إن استُخدام عربات الحمير يظهر تنوعاً «، ويقول البريجادير جنرال مارك كيميت:» إنهم يحاولون كسر عزائمنا « يعني بالحمير. إلا أن استخدام الحمير في المقاومة لا يخلو من سلبيات، بعضها تكتيكي حيث يتسبب صوت انفجار الصواريخ في أن يجفل الحمار فتقع حمولته كما حدث في الهجوم على فندق فلسطين ببغداد، وأيضاً فقد تضررت فئة أصحاب عربات الحمير الذين يتكسبون من هذه المهنة، فقد تعرضوا لاضطهاد من قِبَل الجنود الأمريكيين، فأي حمار أصبح مشتبهاً به، وقد يعتقل ولا يفرج عنه كما حدث مع كثيرين، ولعل هذا ما دفع كريستين كاريل الصحفي الأمريكي إلى القول: » يبدو إن الثوار يقولون إن أي شخص يمكن الهجوم عليه بحمار، يظهر في النهاية بأنه مثل حمار «. الكلاب البشرية تعوي في أوروبا صرعة جديدة تغزو بعض الدول الأوروبية كان آخرها السويد، واسمها » دوجينج «وترجمتها» التصرف كالكلاب «، وخلاصتها النتنة أن شخصين لا يعرفان بعضهما يتعارفان عن طريق الإنترنت أو الهاتف الجوال غالباً، يمارسان الزنا علانية أمام حشد من الناس في مكان عام، وهذا ما حدث في شرفة بيت الثقافة في العاصمة السويدية استوكهولم أمام عشرات من المارة، واعتبر بعض المشاهدين الأمر» مؤشراً إلى أن الإنسان يتجه إلى عالم الحيوان «. وذكرت صحيفة الحياة (٢٩/١١/٢٠٠٣م) أن الظاهرة توسعت إلى بعض الدول الأوروبية، وانتشرت في كثير من الأماكن العامة في بريطانيا، حيث اضطرت السلطات إلى إطلاق تحذيرات طبية للحد من هذا السلوك الحيواني، وأعدت جامعة» هاربر أدامس يونيفرستي كولدج «البريطانية بحثاً عن تلك الظاهرة، وتبين أن هناك صفحات على الإنترنت خاصة بها، يزور الواحدة منها أكثر من ٢٢ ألف شخص، وتظهر أرقام الدراسة الجامعية أن في الأسبوع الواحد تعقد تسعة لقاءات في أماكن عامة، ولا تستطيع السلطات في هذه الحالة أن تصدر قوانين لمنع الظاهرة؛ إذ إنها بلاد ديمقراطية كما نعرف، لا تُسن فيها القوانين بين عشية وضحاها إلا من أجل» الإرهاب «الإسلامي فقط.. حقاً إنها حضارة » الدوجينج «! كندا تطبق الشريعة الإسلامية بينما تأبى غالبية حكومات العالم الإسلامي الإذعان لرغبة الأغلبية المسلمة بتطبيق الشريعة الإسلامية، فإن الحكومة الكندية لم تجد حرجاً من تطبيق أحكام الشريعة على الأقلية المسلمة الموجودة على أراضيها ما دامت هذه إرادتهم، ومن المنتظر أن تبدأ المحاكم الكندية قريباً بتطبيق الشريعة في النزاعات بين مسلمي كندا الذين يقدر عددهم بنحو مليون نسمة؛ الأمر الذي قد يمهد لإنزال عقوبات مثل رجم الزناة حسبما أفادت مصادر قضائية كندية، ونقلت الشرق الأوسط (٢٩/١١/ ٢٠٠٣م) عن نشرة» لو تايمز «القانونية الكندية أن المندوبين في مؤتمر إسلامي عقد في أكتوبر الماضي في أونتاريو انتخبوا مجلساً من ٣٠ عضواً؛ مهمتهم تأسيس » المعهد الإسلامي للعدالة المدنية «ليكون مثل هيئة تحكيم، ويُنتظر الانتهاء من وضع لوائح عمل واختصاصات الهيئة بحلول نهاية العام الحالي، وستحكم هذه الهيئة في قضايا المسلمين، على أن تقوم المحاكم الكندية العلمانية بفرض أحكامها، وقال ناشط إسلامي حسين بهات:» إذا تم تمثيل جميع الفئات وتوحدت وثابرت، فإننا لن نواجه صعوبة في المضي قدماً «. الموساد يشن حرب إبادة للعقول العراقية بعد أن تحولت الساحة العراقية إلى ميدان تلغ فيه المخابرات الصهيونية والأمريكية؛ كان من الطبيعي أن يكون اغتيال العقول هدفاً مقدماً وفي ظل غيبة عربية تامة، فقد ذكرت صحيفة الرياض (٢٥/١١/٢٠٠٣م) أن سبعة ضباط كبار من العاملين في جهاز المخابرات العراقي السابق، وعدداً من العلماء العاملين في مجال الأسلحة والصواريخ؛ قد اغتيلوا بطريقة محترفة وبمسدسات كاتمة للصوت، وقال مصدر موثوق به إن الموساد وراء هذه الجرائم بالتنسيق مع الأمريكيين وبتشجيع منهم، وبالتعاون مع فريق» الثعالب الرمادية «الأمريكي، وأضاف المصدر أن الضباط الكبار الذين اغتيلوا كانوا يعملون في شعبة» إسرائيل «في المخابرات العراقية، وأن أحدهم هو مثنى مصطفى الآلوسي مسؤول متابعة القضايا العلمية في الكيان الصهيوني، وقد اغتيل بواسطة مسدس كاتم للصوت في سوق تجاري مزدحم، كما جرى اغتيال الدكتور محمد الراوي أحد العلماء البارزين بسلاح مماثل في مكتبه. أوروبا لم تعد مسيحية القارة العجوز تشهد في هذه الأيام مدّاً كاسحاً للعلمانية إلى درجة دفعت الكاهن ديفيد كونيك الأمين العام للكنيسة الإصلاحية المتحدة في بريطانيا إلى الإعلان بأن » أوروبا لم تعد مسيحية «، ويبدو أن استطلاعات الرأي تؤيد هذا الإعلان، فـ ١ فقط من ٢٠ من الأوروبيين يحضر القداس الديني كل أسبوع، و ٢١% فقط قالوا إن الدين مهم جداً بالنسبة إليهم، ويذكر ملحق الوسط (صحيفة الحياة، ٢٤/ ١١/ ٢٠٠٣م) أن مدارس كثيرة عمدت إلى إزالة كل إشارة إلى النصرانية بما في ذلك الصلبان، والعديد من الكنائس تُغلق أبوابها بسبب قلة الحضور والتبرعات، كما أن مسوّدة الدستور الأوروبي الجديد أسقطت كل الإشارات إلى الله أو الدين المسيحي بكونه جزءاً من الهوية الأوروبية. وقد انعكس هذا التطور على مواقف الأوروبيين من» إسرائيل «التي لم تعد بالنسبة إليهم تجسيداً للنبوءات التوراتية والإنجيلية حول عودة المسيح وقداسة دولة اليهود، وبالتالي لم تجد غالبية الأوروبيين غضاضة من الإعلان أن» إسرائيل « هي الخطر الأعظم على السلام العالمي دون خوف من اللاسامية. لكن غالبية الأمريكيين يسيرون عكس تيار الغالبية الأوروبيبة، فهم ما زالوا يشعرون بالراحة مع مفهومات دينية مثل الخير والشر، وأخرى لاهوتية مثل الحق والباطل، وأوضح استطلاع لمؤسسة جالوب هذا العام أن ٥٨% من الأمريكيين ما زالوا يقولون إن الدين مهم جداً بالنسبة إليهم. ويقول فيليب جينكينز أستاذ التاريخ والدراسات الدينية إن الأمريكيين ما زالوا يؤمنون جدياً بالمقولات الإنجيلية والتوارتية، وبالتالي يعلقون أهمية كبيرة على المشروع الصهيوني، ولذلك ترّحب أكثريتهم بالخطاب السياسي للرئيس جورج بوش بسبب إشاراته المتكررة والمتعمدة إلى الأخلاق والدين في سياق حملاته على الإرهاب، في حين يعتبره الأوروبيون مهووساً دينياً، ولهذا فإن معظم جهود» إسرائيل «حالياً تتركز على الساحة الأمريكية كمنصة انطلاق نحو باقي أنحاء العالم. لقطات من العراق: هذه مقتطفات من مجلة النيوزويك الأمريكية عدد ١٧٨، تكشف جوانب ذات دلالة من الحياة اليومية للجنود الأمريكيين في العراق: - عندما يضع الفدائيون قنبلة من صنع محلي على جانب إحدى الطرقات؛ فإنهم أحياناً يكتبون تحذيراً على الشارع باللغة العربية، يفهم السكان المحليون أن عليهم الابتعاد عن المكان، أما الأمريكيون فيستمرون في التوجه نحو الكمين، ويشتكي لوتاننت جوليو تيرادو من كتيبة المشاة ١٢٤ التابعة للحرس الوطني التي تقوم بمهام الدورية في الرمادي:» الجميع يعرفون الأمر إلا إيانا «. - اقترب أحد العراقيين من الجنود الأمريكيين وعرض بيعهم صاروخ أرض جو من طراز إس إيه ٧، وهو الطراز الذي يمكنه إسقاط طائرات مدنية، فعرض الجنود على الرجل فوراً مبلغ ٢٥٠ دولاراً، فذهب غير بعيد وعاد إليهم بشاحنة محملة بالصواريخ قبض ثمنها ٤٠ ألف دولار، وأخبرهم أنه كان يود إحضار صواريخ أكثر لكن الشاحنة لم تتسع..! - اعتاد جنود المجموعة برافو الأمريكية العاملة في [ما يطلق عليه] المثلث السني أن يطلقوا على العراقيين لقب (الحُجاج) ، وذلك بشكل يقصدون به الإهانة، وفي حملة على أحد المنازل التي وجدت فارغة قال أحدهم: لا يوجد حُجاج الليلة. وفي منزل آخر اعتقل شخص كان يشغل منصباً مهماً في المخابرات العراقية، فكبله أحد الجنود وضربه ببندقيته وقال له: أنت حاج سيئ. - مشاعر الود تبدو مفتقدة تماماً بين الجنود الأمريكيين والعراقيين في [ما يطلق عليه] المثلث السني، يقول الجندي خوزيه لوبيز - ٢١ عاماً -:» نراهم يقفون من بعيد - العراقيين - ويشيرون بأيديهم هكذا علامة الذبح، نحن نراهم ولكن ما عسانا فاعلين؟ هل نقتلهم؟ أنا أمسك بهم من رقابهم وأضربهم بقوة «. أما النقيب ويليام سانشيز فلا يشعر بالود حتى مع الشرطة العراقية التابعة لهم، يقول:» قائد الشرطة جاء ليتحدث إلينا، كان سيعطيني القبلة العربية، فقلت له: أنا لا أقبل يا صاح، كيف حالك؟ «. مرصد الأرقام: -» الأمريكيون يموتون من الشبع «، هذه حقيقة واقعية، فالبدانة هي المرض الأخطر في أمريكا، حيث يوجد ١٢٧ مليون بدين، يتكلفون ١٧ مليار دولار سنوياً تكاليف علاجية، وتنتهي حياة ٣٠٠ ألف أمريكي سنوياً بسبب كثرة الأكل وما يترتب عليه. [الوطن، بتصرف، ٢٥/١١/٢٠٠٣م] - ذكرت صحيفة الديلي تليجراف البريطانية في عدد ١٦/١١/٢٠٠٣م أن الرئيس الأمريكي بوش اصطحب في زيارته لبريطانيا ٢٥٠ من رجال المخابرات، ١٥٠ من المستشارين العاملين في مجلس الأمن القومي، ٢٠٠ شخص من ممثلي أجهزة وهيئات حكومية، و ٥٠ من معاونيه السياسيين، ١٠٠ صحفي، فضلاً عن عدد من معاونيه في الأمور الخاصة، وفريق طبي كامل، و ٤ من الطهاة، و ١٥ كلباً بوليسياً، وضابط برتبة كولونيل مهمته حمل الحقيبة النووية. - أذى الأمريكيين يلحق حتى حلفاءهم، وفي الفلبين قضى عشرات الألوف من الأهالي نحبهم بسبب المواد السامة الناجمة عن مخلفات القوات الأمريكية في قواعدها، والناجمة عن استخدام النحاس والزئبق والرصاص والأمينات، وهي مواد تسبب السرطان، وذكرت الحياة (١/١٢/٢٠٠٣م) أنه يوجد مئات الألوف من النساء الفلبينيات اللاتي لا يزلن يضعن أطفالاً مشوَّهين، أو مصابين بعاهات دائمة، وتشير التوقعات إلى احتمال موت مئات الألوف من الأطفال خلال السنوات العشر القادمة؛ بسبب نسبة التلوث المرتفعة. ترجمات عبرية خاصة بالبيان: محمد زيادة أخبار: عوفاديا يوسف: النبي محمد أكد أننا شعب الله المختار!! أعاد الحاخام سليط اللسان عوفاديا يوسف هجومه على المسلمين في برنامج تليفزيوني بقوله:» إنهم حفنة من القاذورات سيذكرهم التاريخ في مزبلته فقط؛ لأنهم خالفوا تعاليم دينهم بشأن حق اليهود في أرض فلسطين!! وأخذوا يعادون شعب الله المختار، ويزعمون أنهم أفضل منهم بالرغم من أن نبيهم محمداً نفسه كان يتحدث دائماً أمام أصحابه عن أن اليهود هم شعب الله المختار!! وأن أرض فلسطين أرضهم!! «. [الزعيم الروحي لحزب شاس الديني، لقناة» تكليت « التليفزيونية الدينية اليهودية، ٢٧/١١/٢٠٠٣م] أزمة في الطريق بين بولندا وإسرائيل تسببت تقارير صحفية في بولندا عن التصرفات الوحشية لليهود مع الأسرى الألمان في الحرب العالمية الثانية في أزمة بين بولندا والكيان الصهيوني، فقد تحدثت التحقيقات البولندية عن شخص اسمه» سلومو مورال «فر إلى » إسرائيل «فور كشف الوثائق المتعلقة بالقضية، لدوره في قتل وتعذيب أكثر من ٥ آلاف أسير ألماني وقت الحرب، حيث كان يشغل منصب قائد معسكر للأسرى الألمان، وقد أدلى العديد من الأسرى بشهادات حول جرائم هذا الشخص وسعادته التي كان يبديها كلما أراق دماء أحد الأسرى سواء بالقتل أو التعذيب. [يديعوت أحرونوت، ٢٥/١١/٢٠٠٣م] تصريحات: -» ليس لنا أي تعليق على ما جاء على لسان أحد المسؤولين الأتراك حول دور الموساد في تأسيس منظمة «التكفير» التي أشار المحققون الأتراك إلى مسؤوليتها عن العمليات. وكيف يكون للموساد دور في تدمير معبدين يهوديين؟ وما الهدف من ذلك؟! أؤكد على أن المسلمين هم من قاموا بهذا العمل «. [برنامج» صباح جديد «في الإذاعة الإسرائيلية العامة، ٢٥/١١/٢٠٠٣م] -» الدين الإسلامي هو سبب ما يحدث من تفجيرات في أنحاء العالم والتي كان آخرها في تركيا. فالإسلام الراديكالي يهدف إلى تدمير الغرب الأوروبي المتحضر من أجل فرض الهيمنة الإسلامية على العالم كله، وستصيب العمليات الدول الأوروبية المؤيدة للعالم الإسلامي مثل فرنسا وبلجيكا، وأنا على اقتناع كامل بهذا الشأن، ويمكن أن يحدث ذلك خلال عدة أيام أو من سنتين إلى ثلاث سنوات «. [» ليمور ليفنات «وزيرة التعليم الإسرائيلية، ليديعوت أحرونوت، ١٤/١١/٢٠٠٣م] أخبار التنصير: أبو إسلام أحمد عبد الله جهود صليبية لمنع تطبيق الشريعة الإسلامية في ماليزيا أصدر الأساقفة الكاثوليك في ماليزيا بياناً صحفياً عبَّروا فيه عن قلقهم من إعلان رئيس الوزراء بأن ماليزيا دولة إسلامية في الأصل، وأبدوا مخاوفهم من تعميم تطبيق الشريعة الإسلامية في ماليزيا، كما حدث في ولاية تيرينغانو، ولتزايد الاهتمامات بالشريعة الإسلامية في الحياة السياسية بماليزيا. ودعا البيان الماليزيين إلى المحافظة على الدستور العلماني الحالي الذي قالوا إنه يضمن حرية الأديان، وقال كبير الأساقفة أنتوني فيرنانديز إن الضمانات التي أطلقها رئيس الوزراء بعدم تعديل الدستور ليست كافية لتضمن عدم تحول ماليزيا إلى» نموذج إسلامي «. وجدير بالذكر أن نصارى ماليزيا لا يتجاوزون ٩% من سكان ماليزيا، ويمثل البوذيون ١٩%، والهندوس ٦%، بينما يمثل المسلمون في ماليزيا أكثر من ٦٠% من السكان. [مجلة المنبر، بيروت، ٢٠٠٣م] منصرون بروتستانت يستهدفون تنصير ٥٠ ألف تركي ذكرت صحيفة» زمان «التركية الإسلامية نقلاً عن تقرير أمني؛ أن منصّرين بروتستانت يستهدفون تنصير خمسين ألف تركي في العامين المقبلين، مع العلم أن التنصير محظور في تركيا، ويعتزم هؤلاء إنشاء كنيسة جديدة فى البلاد، وإعطاء دروس في الدين» لمواطنين دخلهم قليل ولا يعرفون الكثير عن الإسلام، وسوف تتركز الجهود في الأساس على الشيعة العلويين في محافظات وسط الأناضول وشرقه؛ كونهم يؤيدون بشدة الفصل بين الدولة والدين، ويبلغ عددهم بين ١٠ ملايين و ١٥ مليون نسمة في تركيا، والتي يبلغ عدد سكانها سبعين مليون نسمة، ويتمركز عدد من الكنائس، وخصوصاً البروتستانتية، في عدد من المدن التركية الكبرى، لكن نشاطاتها تخضع لمراقبة دقيقة من السلطات. [أنقرة - (أف ب) ١٠/١١/٢٠٠٣م] احتفالية سلام للأديان الثلاثة قبالة مقر الأمم المتحدة شهد ميدان همرشولد بلازا المواجه لمقر الأمم المتحدة في مانهاتن، احتفالية لمنظمات تمثل الأديان الثلاثة الإسلام واليهودية والمسيحية؛ بمناسبة اختتام المناقشات العامة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك تحت الشعار المفبرك «صلاة دينية مشتركة من أجل السلام» ، وشارك فيها عدد من القيادات الدينية الأمريكية من بينهم داني دافيز عضو الكونجرس الديمقراطي، والأسقف جورج ستالينجز من الكنيسة الأمريكية الإفريقية، وهيثم بونداكجي أمام مسجد أورانج كانونتي وحسين محمد ببيت الحكمة الإسلامي بميشيجان، والحاخام الدكتور ديفيد عامي من المحفل المسيحي اليهودي الأمريكي، وقد أصدر هذا التجمع بياناً ناشدوا فيه حكومات جميع الدول أن تتجاوز المصلحة الذاتية الوطنية والطائفية، وتتبنى المبادىء الروحية والأخلاقية العليا من أجل السلام العالمي. [مصراوي نيوز، أكتوبر ٢٠٠٣م]

стр. 4798

دراسات إعلامية الصحافة العربية المهاجرة بين بث الوعي وتسويق التبعية د. شعيب الغباشي [*] تلعب وسائل الإعلام المختلفة دوراً مهماً في التأثير والتغيير في الرأي العام، سواء أكان هذا الدور سلبياً أم إيجابياً؛ لهذا تحرص كل الأنظمة السياسية والمجتمعية على أن يكون لها جهازها الإعلامي المتكلم بصوتها، والمعبر عن حالها، والداعي إلى سبيلها والمدافع عن آلامها وآمالها وطموحاتها. ولا شك أن الصحافة من أقدم وأهم وسائل الإعلام، ويتعاظم دور هذه الوسيلة في المجتمعات الحضرية التي تكثر فيها نسبة المتعلمين والقارئين، فضلاً عما لها من ميزات وخصوصيات تنفرد بها دون الوسائل الإعلامية الأخرى؛ لهذا لا نكاد نجد نظاماً أو مؤسسة أو هيئة أو جماعة إلا وتعتمد بشكل كبير على الصحافة المقروءة في الدعاية لها أو التعريف بها، ومن ثم تباينت اهتمامات تلك الصحف تبعاً للجهة أو النظام الذي تمثله أو تعبِّر عنه. وفي منتصف السبعينيات من القرن العشرين حدث أن هاجر بعض الصحفيين العرب من أقطارهم إلى بلاد الغرب، وأنشؤوا صحفاً تنطق بالعربية سميت هذه الصحف فيما بعد بالصحف المهاجرة، وقد عرَّفها أحد الباحثين بأنها «الصحف التي يصدرها عرب مهاجرون إلى بلاد الغرب وتنطق باللغة العربية» [١] . وليست هي الصحف التي تصدرها جهات غير عربية باللغة العربية، وكذلك ليست هي الطبعات الدولية التي تظهر لبعض الصحف العربية [٢] . * أسباب النشأة: ولقد كانت هناك عوامل عديدة وراء ظهور هذا اللون من الصحافة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي: ١ - افتقاد بعض الصحف والصحفيين العرب في العديد من الأقطار العربية لإمكانية التعبير عن آرائهم وأفكارهم ومواقفهم بحرية داخل أقطارهم، وذلك إما للطبيعة الاستبدادية لبعض أنظمة الحكم، أو لوجود قيود قانونية على ممارسة الحريات الصحفية، أو بسبب وقوع خلاف بين بعض الصحف والصحفيين وبين الأنظمة الحاكمة في بلادهم. ٢ - تدخل قوة خارجية، أجنبية أو عربية تحول بين الصحفيين وبين التعبير عن آرائهم وأفكارهم. ٣ - وجود قوانين للمطبوعات في العديد من البلدان العربية تحول بين الأفراد وإصدار الصحف. ٤ - قيام بعض الأنظمة الحاكمة في العالم العربي بالتشجيع على إصدار صحف عربية في المهجر لتكون صوتاً غير رسمي يعبر عن سياستها، ويدافع عن موقفها ويتصدى للمعارضين لها. كذلك فإن بعض الأنظمة العربية تستخدم الصحف العربية المهاجرة كسلاح إعلامي في معاركها السياسية مع غيرها من الأنظمة العربية المخالفة لها [٣] . ٥ - تأميم الصحافة في بعض البلدان كتأميم الصحافة المصرية في أوائل الستينيات من القرن العشرين. ٦ - تحول بعض البلدان إلى ساحة حرب أهلية تمنع استقرار العمل الصحفي، كما حدث في لبنان عام ١٩٧٥م. ٧ - الانفراط والتشرذم الذي حدث في معظم البلاد العربية عقب اتفاقية كامب ديفيد، بين مصر والكيان الصهيوني؛ حيث أدى ذلك إلى نشوء صراعات إعلامية حادة، احتاجت إدارتها إلى استصدار صحف من خارج بعض البلدان. وأياً كانت الأسباب التي أدت إلى ظهور هذه الصحف العربية في بلاد الغرب، فنحن أمام ظاهرة من الظواهر الصحفية التي تستحق من المعنيين والمهتمين بالعمل الإعلامي والفكري أن يقفوا حيالها لدراستها وتحليلها ومساءلتها؛ فهي ظاهرة لا يمكن تجاهلها، وتزداد أهميتها يوماً بعد يوم؛ ذلك أن عدد الصحف المهاجرة يرتفع بمضي الوقت، وقد لا يمر عام دون أن نسمع عن صدور صحيفة عربية في بلاد المهجر: لندن، باريس، أو قبرص.. أو في أي عواصم أجنبية أخرى [٤] . وعندما انتهت الحرب الباردة بين الشرق والغرب تحولت الحرب الباردة العربية إلى حرب ساخنة في الخليج، وقد أطاحت هذه الحرب ضمن أشياء كثيرة بعدد من الصحف العربية المهاجرة، فقد توقفت مجلتا «كل العرب» و «اليوم السابع» اللتان كانتا تصدران في باريس و «الدستور» و «التضامن» اللتان كانتا تصدران في لندن، وكذلك تدهورت مجلتا «المستقبل» و «الطليعة العربية» اللتان تصدران في لندن، وتدهورت كذلك مجلة «الدعوة» التي كانت تصدر عن التنظيم العالمي للإخوان المسلمين من النمسا، وفي الوقت نفسه ازدهرت الجرائد العربية اليومية المهاجرة؛ ففي لندن وحدها يصدر: «الشرق الأوسط» و «العرب» و «الحياة» و «القدس» [٥] . * الولاء أم الاستقلال؟ وفي هذه الفترة تميزت تلك الصحف بالاستقطاب شبه الكامل من قِبَل الأنظمة العربية، وأصبح من الصعب العثور على صحيفة عربية مهاجرة مستقلة بالمعنى الحقيقي، وقد ساعد على ذلك الارتفاع الكبير في تكلفة إصدار الصحف في أوروبا، وهو ما دفع بالقلة النادرة من الصحف العربية المستقلة إلى الارتماء في أحضان بعض الأنظمة العربية تحت ضغط الحاجة إلى التمويل؛ لذلك فقد حفلت هذه الفترة بتحولات كثيرة، تم فيها انقلاب كامل في مواقف وسياسات بعض الصحف العربية المهاجرة؛ حيث انتقل بعضها من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وانتقل بعضها الآخر من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار؛ وبذلك فقدت العديد من الصحف العربية المهاجرة مصداقيتها عند القارئ العربي [٦] . ولكنني أرى من الأمانة أن أنقل هنا رأياً يدافع عن موقف تلك الصحف. يقول صاحب الرأي: إن الدور الكبير الذي تلعبه المجلة العربية المهاجرة كوسيلة اتصال جماهيرية لا يمكن أن نتجاهله، خصوصاً في الربع الأخير من القرن العشرين؛ حيث برزت هذه الصحف، كظاهرة قائمة بذاتها، مسلحة بالمال والخبرة والتقنية الحديثة، واستطاعت من موقفها في المهجر أن تطرق أبواب القارئ العربي في كل مكان، وتقدم له الأحداث الساخنة التي تجري في الوطن العربي والعالم، ومن هنا فقد حاولت الأنظمة العربية المختلفة شراء هذه المجلات بطريقة الدعم المباشر تارة، والدعم غير المباشر تارة أخرى، ويكفي أن نعرف أن مليارديراً عربياً عرض على سليم اللوزي رئيس تحرير مجلة «الحوادث» التي تصدر باللغة العربية من لندن شيكاً بمبلغ خمسة ملايين دولار، وعقداً لمدة عشر سنوات بمقابل شهري قدره عشرة ملايين دولار، لكي تكون ثمناً لمجلة «الحوادث» لتصبح صحيفة نظام، ولكن اللوزي رفض وقال: «إنني أريد تحويل هذه المجلة إلى مؤسسة لا بيعها لمن يدفع أكثر!» [٧] . والحقيقة أن مسألة تمويل الصحف بصفة عامة من المسائل الشائكة، ولكن هناك أمراً لا يختلف عليه اثنان، وهو أن الصحيفة مهما بلغ حجم توزيعها لا يمكن أن تفي بكل احتياجاتها، ومن ثم فلا بد من الاعتماد على مورد آخر غير التوزيع، تستند إليه أي صحيفة لتغطية تكاليفها ومصروفاتها، ويمثل الإعلان الصحفي أهم مصدر لتمويل الصحيفة؛ لذلك تحرص كل الصحف على اجتذاب الإعلان إليها؛ حتى تستطيع من خلال عائده المادي أن تغطي احتياجاتها المالية، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ماذا تفعل الصحيفة إذا كانت نسبة الإعلانات المنشورة على صفحاتها لا تمثل نسبة معقولة من دخلها، قدرها المتخصصون في الإعلان الصحفي بألا تقل نسبة الإعلان عن ٢٥% من عدد صفحات المطبوعة؟ والجواب: هو الدعم من الأفراد أو من الهيئات والمنظمات أو الأنظمة والحكومات، وإن لم يتوفر هذا الدعم للصحيفة التي لا يسد الإعلان احتياجاتها، فمصيرها التعثر ثم التوقف!! ومن هنا نعلم أن أي صحيفة لا يمثل الإعلان موردها الأساس، فإنها ولا شك تعتمد في تمويلها على الدعم الخارجي؛ أي من خارج موارد الصحيفة الطبيعية المتمثلة أساساً في التوزيع والإعلان، والواقع أن تمويل الصحف ودعمها في حد ذاته لا غبار عليه، ولكن متى تحول هذا التمويل إلى قيد يقيد حركة وحرية الصحيفة أو يوجهها الوجهة التي يريدها الممول؛ فهنا يكمن الخطر، وهنا يكون الخطأ والخلل. وليس عيباً أن تبحث الصحف عن مناخ أفضل تتحرك من خلاله أو عن مصدر أفضل للتوزيع والكسب؛ ما دام ذلك يتم تحت راية أخلاقية، فالسلوك الأخلاقي بالنسبة لعامة الناس، وللمهتمين بنشر الكلمة على وجه الخصوص، ضرورة حيوية، ويتحتم على المرء التمسك بها إذا أراد أن يحترمه الناس ورغب في كسب ثقتهم، وإذا تخلى المرء عن الخلق، خاصة إذا كان من المتعاملين بالكلمة، فإنه يتحول إلى شيء آخر له اسمه في قاموس المنحرفين عن الجادة والطريق السوي [٨] . * مخاطر التمويل: والمشكلة التي قد تنجم عن اعتماد الصحيفة في تمويلها على مصادر أخرى تتمثل في الأفراد أو الحكام أو الهيئات والأنظمة؛ هي أن تؤثر هذه المصادر بشكل أو بآخر في توجهات الصحيفة ومواقفها وحيدتها ونزاهتها واستقلالها؛ فالصحف ذات المبادئ، والتي تُؤسس في الأصل من أجل الدفاع عن قضية أو من أجل الدعوة إلى مبدأ وعقيدة، لا يمثل تمويلها مشكلة بالنسبة لها؛ لأن الممول هنا يكون صاحب عقيدة ومبدأ، ويقف وراء هذه الصحف التي تدعو إلى هذا المبدأ، ولا يبغي من وراء ذلك إلا الحق والخير، ومن ثم فلا تأثير في توجهها أو حيدتها أو استقلالها. أما الصحف التجارية التي تسعى في المقام الأول إلى تحقيق الربح والكسب؛ فإن وقوف بعض الناس وراءها ودعمها ومساندتها لا يكون إلا لمنفعة أو مصلحة تخص تلك الجهة الممولة، سواء كانوا أفراداً أو هيئات، وعندئذ نرى تلك الصحف التجارية قد انحازت بشكل أو بآخر إلى الجهة أو الوجهة التي يريدها الممول، فهذه الصحف يسميها بعضهم بالصحف «الارتزاقية» للأسف الشديد كان الدافع وراءها هو دافع الهجرة الصحفية للكثير إلى الغرب وهو التكسب أو الارتزاق بالمعنى اللاأخلاقي، وبالأسلوب الذي يحقق أكبر قدر من الدخل أياً كان هذا الأسلوب مشروعاً أو غير مشروع، وليس هذا الحكم عشوائياً أو ضرباً من التخمين، بل هو الواقع الذي تؤكده الأدلة والوقائع، فالمفروض في صحافة مهاجرة تبحث عن مناخ أفضل مليء بالحرية والحيوية والحركة أن تعالج قضايا الوطن العربي المسلم بدرجة من الإنصاف والموضوعية.. ولكن لم تفعل الصحافة المهاجرة شيئاً من ذلك، بل أسهمت في تعميق الواقع الشائه، وأسهمت في زيادة الفرقة والحرقة، ووقفت وراء من يدفع لها فقط. والأمثلة عديدة وكثيرة لا حصر لها، كلها تؤكد شيئاً واحداً؛ أن هؤلاء الناس الذين يحركون الصحافة المهاجرة «مرتزقة» بالدرجة الأولى، وباحثون عن الدينار والدرهم قبل أي اعتبار ودون مراعاة لأدنى سلوك أخلاقي. لقد انتهجوا سلوكاً «ميكيافيلياً» خلع كل أستار الحياء، وتعرى من كل القيم ... إن منطق «الارتزاق» بالمعنى اللاأخلاقي هو الذي يجعل الصحافة المهاجرة تقف في جانب بعض الدول العربية ضد بعضها الآخر، بينما الموقف الأخلاقي يحتم عليها أن ترفع راية الحق والعدل والوحدة والتضامن، والسفارة الخيّرة بين الدول العربية، والتبشير بالأمل لتخطي العقبات والدعوة إلى الحرية [٩] . * أنواع الصحف المهاجرة: ويجدر بنا الآن أن نميز بين نوعين من الصحف المهاجرة: النوع الأول: ويتمثل في «الصحف التجارية» التي يسعى أصحابها في المقام الأول إلى التربح والتكسب، وهذا النوع من الصحف ليس من أصحابه من ينتمي إلى تيار إسلامي أو هيئة أو جمعية إسلامية، أو من يُصدر صحافة لكي تخدم الفكر الإسلامي والعقيدة الإسلامية والقضايا الإسلامية. والنوع الثاني من الصحف العربية المهاجرة: هي «الصحف الإسلامية» ، وهي التي قام بإصدارها أفراد ينتمون إلى الفكر الإسلامي أو الحركات الإسلامية المعاصرة؛ بهدف الدعوة إلى الإسلام والدفاع عن المسلمين وقضاياهم، وبث الفكر والوعي الديني لدى الجماهير المسلمة في بلاد المهجر؛ حتى يظلوا متمسكين بالقيم الإسلامية والمبادئ الأخلاقية التي يدعو إليها الدين الحنيف. والنوع الأول من الصحف العربية المهاجرة والذي أسميناه بـ «الصحف التجارية» يتمثل في العديد من الجرائد اليومية والمجلات الأسبوعية، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: جريدة «العرب» ، و «الشرق الأوسط» ، و «الحياة» و «القدس» وتصدر جميعها من لندن، ومجلة «الحوادث» ، و «التضامن» و «المجلة» ، وجميعها أيضاً تصدر من لندن، بينما تصدر في فرنسا مجلة «الوطن العربي» و «الفرسان» و «المنار» [١٠] . وأما النوع الثاني من الصحف العربية المهاجرة، وهي «الصحف الإسلامية» ، فهي كثيرة ومتعددة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر أيضاً: مجلة «الرائد» و «البيان» و «النذير» و «الدعوة المهاجرة» و «فلسطين المسلمة» و «الكلمة الطيبة» [١١] . ومن خلال الدراسة الاستطلاعية لعينة من الصحف العربية المهاجرة بنوعيها، التجارية والإسلامية، والوقوف على ما سبق من دراسات وأبحاث علمية سابقة حول ظاهرة الصحافة العربية المهاجرة، نحاول التعرف على طبيعة الدور الذي تؤديه هذه الصحف، ومدى قدرتها على بث الوعي والمعرفة بين الجماهير، والأخذ بيد القراء نحو الأفضل في مجالات الفكر والثقافة والأدب والسياسة، وأيضاً نحاول الوقوف على مدى فاعليتها وتفاعلها مع هموم الأمة ومشكلات المجتمع المسلم. وكذلك نهدف من وراء هذه الدراسة إلى الوقوف على طبيعة السلبيات التي وقعت فيها تلك الصحف، وخطرها في تكريس مفهومات وآراء ومواقف تنم عن ضعف في الإرادة ووهن في التوجيهات والمواقف التي من شأنها أن تجعل هذه الصحف تتبنى أحكاماً وأفكاراً تدعو إلى التخلف وتسوِّق فكر التبعية، وتخرج عن طبيعة الدور الذي يجب أن تقوم به؛ بحيث تظل بعيدة عن هيمنة رأس المال أو السلطات السياسية أو المذاهب والتيارات الفلسفية والتغريبية التي لا تتفق وأصولنا وعقائدنا، وتاريخنا وحضارتنا. * مظاهر بث الوعي: ومن خلال هذه الأسطر نقدم بعضاً من النماذج التي تشير إلى حالة بث الوعي لدى تلك الصحف المهاجرة، ولكن قبل أن نتحدث عن ذلك؛ أود أن أسجل أمراً مهماً في نظري وهو أن الصحف العربية الإسلامية المهاجرة لم تصدر في الأساس إلا من أجل هذا الغرض؛ وهو بث الوعي لدى الجماهير بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ؛ فقد كانت عند الظن بها، فقد ناقشت هموم الأمة الحقيقية، وأبانت عن حكم الإسلام فيما تعرضه من قضايا ومشكلات، ولم تكن بأي حال من الأحوال إلا صوت الحق الذي آمنت به، ولسان الصدق الذي تتحدث عنه، وأراني لست في حاجة إلى شواهد وأدلة كي أؤكد بها ما أشرت إليه؛ ولكن لا بأس أن نذكر بعضاً من ذلك [لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ] (الأنفال: ٤٢) . فعن القضية الجزائرية كتبت إحدى المجلات تبين وجه الحق والحقيقة في هذه القضية وموقف الإسلام الصريح الواضح في هذا الشأن، فكتبت تقول: إن سلخ الجزائر عن إسلامها، أو محاربة مشروعها الإسلامي، أو التآمر على العربية والتعريب، لمصلحة لغة أجنبية أخرى، ومصلحة التغريب؛ هو أمر خطر جداً على الصعيد الوطني الجزائري، وعلى الصعيد العربي والإسلامي؛ فالعربية والإسلام هما صلة الوصل الوثيقة بين الشعوب والبلاد العربية والإسلامية؛ فالتآمر على العربية والإسلام في الجزائر تآمر على وحدة العرب والمسلمين جميعاً، وإسهام في تحقيق المخططات الغربية الاستعمارية الراهنة التي تهدف إلى تفكيك العالم العربي والإسلامي، وفصله عن ينابيع وحدته ومقوماته الشخصية لاستكمال استعباده السياسي والحضاري، ومن هنا ارتبط ما يجري في الجزائر، في بعض جوانبه، بالمؤامرة الكبرى التي يجري تنفيذها في العالم العربي والإسلامي، والتي يعتمد في جانب كبير من تنفيذها على عناصر داخلية تبيع دينها وشرفها وأمتها وبلادها بمناصب حقيرة ومكاسب هزيلة، وغير ذلك من عرض الدنيا الزائل [١٢] . ثم اقترحت المجلة حلولاً في نقاط اقترحتها على حكومة الجزائر. ولا شك أن هذا النموذج يقدم صورة حية لمدى الوعي بالواقع، والحرص على بثه ونشره وتوصيله إلى الأفراد والجماعات والحكام على حد سواء. وهذا نموذج آخر من الصحف الإسلامية المهاجرة يدل على وعيها بقضايا الأمة، وما يجب علينا حيال الصهاينة المحتلين والأمريكان الظالمين في ظل هذا الواقع المؤلم الذي نحياه؛ فتحت عنوان «المقاطعة أضعف الإيمان» كتبت مجلة البيان تقول: «العلاقة الاستراتيجية بين العدو الصهيوني وأمريكا هي علاقة لا نقول تاريخية؛ إنما هي علاقة مصلحية استغلها اليهود بأموالهم وإعلامهم ووصولهم لمركز القرار؛ مما أنتج تلك العاطفة المعروفة بين الطرفين ... لذا وجدنا التعاون الكبير بينهم، ووقوف الغرب بعامة والأمريكان بصفة خاصة في صفهم، وتأييد العدو الصهيوني في عداوته المستمرة منذ قيام دولتهم عام ١٩٤٨م وحتى الآن.. ونحن نقول: إن كل ذلك الانحياز يجعلنا نكره الغرب، والعدو الصهيوني والمتواطئين معه، والمكبلين باتفاقيات الاستسلام، ونعتقد أن واجب الولاء والبراء يجعلنا نطالب بمقاطعة العدو وكل الشعوب المنحازة له، حتى يعلم أولئك قيمة أمتنا، وقدرتها على تطويعهم بهذا الأسلوب البسيط، ولو قاطعنا أولئك مقاطعة تامة في كل ما يُصدِّرونه لنا بخاصة أن هناك بدائل عنه لأذعنوا لنا، ولكن هل نفعل؟» [١٣] . وأراني بعد ذلك، لست في حاجة إلى مزيد استشهاد لبيان مدى الدور الذي تؤديه الصحف الإسلامية المهاجرة في بث الوعي، وتعميق الفكر، والدفاع عن هموم الأمة وقضاياها المصيرية. * نحو مزيد من الوعي: أما نوع الصحف العربية المهاجرة التي وصفناها بالتجارية، فنراها اهتمت بالأحداث الجارية، وحرصت على أن تقدم خدمة إخبارية للقارئ قلَّ أن نجدها في صحف أخرى، وذلك يرجع إلى طبيعة الإصدار لهذه الصحف؛ حيث إنها صحف يومية، ومعروف أن الخبر الصحفي هو العمود الفقري لهذا النوع من الصحف، ولا شك أن وقوف القارئ ومتابعته للأحداث يؤدي إلى زيادة الوعي وتعميقه لديه، ولا يجعله بعيداً عن نبض الحياة، وهناك سبب آخر يساعد تلك الصحف على القيام بمتابعة ما يجري وما يحدث داخل الأقطار العربية المختلفة، وهو أن هذه الصحف تمتلك مكاتب تابعة لها في معظم الأقطار، تمدها أولاً بأول بما يجري ويدور داخل تلك البلدان مما قد لا يتوفر لكثير من الصحف المحلية أو حتى الصحف الإسلامية المهاجرة. وعلى كل؛ فإن الباحث يمكنه أن يقدم لهذه الصحف وبخاصة الإسلامية منها بعضاً من العوامل التي من شأنها أن تنمي الوعي وترشده لدى القراء، وتكون بمثابة المحددات والمكونات له، وهي كالآتي: ١ - تعميق الإيمان بالله بأركانه وشموله في النفوس والقلوب. ٢ - الوقوف ضد الهجمات التغريبية الشرسة على كل ما هو إسلامي. ٣ - تبسيط العلوم والمعارف الحديثة ونقلها إلى القارئ العربي والمسلم. ٤ - تصحيح المفهومات والمصطلحات الخاطئة التي تنتشر في أوساط المسلمين. ٥ - محاربة كل مظاهر الخروج عن الدين والتقليد الأعمى للآخر في المأكل والمشرب والملبس وفي كل مظاهر الحياة، والدعوة لإحياء قيمنا وآدابنا وثقافتنا. ٦ - رصد الحركات والتيارات والمذاهب الهدامة وكشفها. ٧ - كشف المؤتمرات المشبوهة والمؤامرات والمخططات الاستعمارية التي تسعى إلى الهيمنة والسيطرة على مقدرات العالم الإسلامي. ٨ - الدفاع عن قضايا الأمة وحقوقها ومقدساتها، والدعوة إلى إحيائها في نفوس الجماهير؛ حتى لا تموت بنسيانها والغفلة عنها. ٩ - محاربة البدع والخرافات والمنكرات، وحث الجماهير على ضرورة التمسك بعرى الدين، قرآناً وسنة؛ حفاظاً على هوية الأمة وعقيدتها. ١٠ - إحياء روح المقاومة، وحب الجهاد، والرغبة في الشهادة في سبيل الحق والعدل والحرية، ودعوة الأمة للتصدي لكل مظاهر الظلم والطغيان والاستبداد. * من مظاهر التبعية: أما عن موقف الصحف العربية المهاجرة بشقيها التجارية والإسلامية، من مسألة تكريس التبعية وتسويقها، فإن الموقف جد مختلف؛ حيث إننا نرى أن الصحف الإسلامية المهاجرة لم تسلك هذا السبيل غالباً، في حين أن الصحف التجارية المهاجرة سلكت هذا السبيل، ووقعت في فخ التبعية البغيض، إما بالتبعية للأفكار والمذاهب الوافدة، وإما للأنظمة والسلطات الحاكمة، وإن كانت هذه التبعية قد أخذت صوراً وأشكالاً متعددة. أما الصحافة الإسلامية المهاجرة فقد نجت بفضل الله من الوقوع في فخ التبعية للأنظمة، فلم تقف وراء حاكم، ولم تطرق باب سلطان، وكان معيار القرب منهم أو البعد عنهم هو مدى تمسكهم بدينهم وتطبيقهم لشريعة ربهم واحترامهم لمبادئ الحق والعدل في شعوبهم، فإذا ما هاجمت تلك الصحف حكاماً، أو أنظمة؛ فلأنهم يستبدون في حكمهم أو يطغون على شعوبهم، أو لأنهم يقفون من الشريعة الإسلامية موقفاً سلبياً، وما أثنت على حاكم أو نظام إلا لأنه يسعى إلى تطبيق الشريعة، أو لأنه يقف حجر عثرة أمام الأطماع الغربية والمؤامرات الاستعمارية. وكذلك الأمر فإن الصحف الإسلامية نجت أيضاً من الوقوع في فخ التبعية للأفكار والمذاهب الوافدة؛ لأنها بطبيعة الحال ما خرجت إلى الوجود إلا لمحاربة هذه الأفكار وتلك التيارات الوافدة، وبيان عوارها وكشف زيفها وخطئها وخطرها. ولكن إذا كان لنا من مأخذ على تلك الصحف في هذا الصدد؛ فإنه يتمثل في حرصها على الدفاع عن التيار الذي ينتسب إليه، فنرى صحيفة ذات توجهٍ ما تدعو إلى هذا التوجه وتدافع عنه، وقد تشتبك مع صحيفة إسلامية أخرى تناولتها بالنقد، وكذلك الأمر بالنسبة لصحيفة ذات توجه مغاير، نراها تدافع عنه وقد تدخل في محاورات وانتقادات مع صحيفة أخرى تناولت هذه المسألة من قريب أو بعيد، والحق أن هذا الانتماء أو ذاك لا يمثل عيباً أو انتقاصاً للصحيفة في حد ذاته ولا ينبغي أن يشعرها بالحرج، فتسعى إلى الدفاع عنه والدخول في خصومات ومعارك بشأنه؛ فكل ذلك ليس من الصواب في شيء؛ لأن كل هؤلاء على ثغرة من ثغور الإسلام، فليحذروا أن يؤتى الإسلام من قِبَلهم. فينبغي أولاً وآخراً أن يكون ولاؤنا للإسلام وحده، مترفعين عن الرايات والشارات؛ لأنها وسائل وليست غايات، وقد تختلف الوسائل وتتعدد للوصول إلى الحق الذي ندين به ونعمل له وندعو إليه جميعاً. فأما الصحف التجارية وللأسف الشديد فإنها وقعت في فخ التبعية السياسية بمسايرتها ودفاعها عن الأنظمة، طمعاً ورغبة في مزيد من العطايا والهبات، بل إن قسماً من هذه الصحف ما نشأ إلا من أجل الدفاع عن حاكم أو التسبيح باسم نظام، وخاصة في المرحلة الأولى من ظهورها؛ لأن طبيعة مرحلة البدء كان يقتضي ذلك. وإن بدأت مظاهر التبعية للحكام والأنظمة تخف شيئاً فشيئاً في الصحافة العربية المهاجرة؛ فإن الجانب الآخر من جوانب التبعية المظلمة ما زال مستمراً وقائماً، ألا وهو التبعية في مجال الفكر والثقافة والقيم، وذلك راجع بالدرجة الأولى إلى أن أصحاب تلك الصحف لا ينتمون إلى الفكر الإسلامي، ولكنهم مصابون بلوثة العلمانية والحداثية التي ينادي أصحابها ويؤمنون بفكرة فصل الدين عن الحياة بكل نواحيها ومجالاتها. وإذا أردنا أن نذكر بعضاً من الشواهد التي تؤكد ما ذكرنا؛ فإن هذه الصحف تعج بآلاف الشواهد والأدلة؛ فهذه صحيفة تدعو صراحة إلى الحداثة في الأدب، وتهاجم القرار الذي اتخذ بشأن بعض الروايات الساقطة في مصر فتقول: «نسمع اليوم أن في مصرنا نفسها يُطارد الإبداع والمبدعون مرة باسم مكافحة الإسلام، وأخرى بحجة إدانة الإباحية وأدب الفجور.. إن للدولة حق السماح بنشر أو عدم نشر أي كتاب في مؤسساتها الرسمية، ولكن ليس من حقها أن تجعل نفسها الحَكَم والقاضي في التعامل مع ما يكتب، ناهيكم عن التحريض الرسمي والعلني ضد الكاتب ونتاجه!!» [١٤] . وتكتب الصحيفة نفسها معلقة على ذلك فتقول: «إن المثقفين المصريين أو قسماً كبيراً منهم، قد أسقط في أيديهم وشعروا أن الدولة تخلت عنهم في معركتهم » التنويرية «ضد قوى» الانغلاق والظلام «!! [١٥] . وأهل التنوير هم فلول العلمانيين الحداثيين في الفكر والثقافة والأدب، أما قوى الانغلاق والظلام فالمراد بهم الإسلاميون الذين ينادون بتطبيق منهج الله في جميع مجالات الحياة. وما يقال في الأدب والثقافة في هذه الصحف يقال أيضاً في الفن بشكل عام؛ فهذه الصحف المهاجرة انتهجت نهج تكريس التبعية للفكر الغربي الذي ليس عنده ضابط من شرع أو دين إلا الهوى والمنفعة، ولذلك نرى تلك الصحف قد أفردت صفحات عديدة للحديث عن السينما ليس كصناعة وأداة تثقيف وتعليم وتربية وتهذيب، ولكن كحرفة يحترفها البعض للشهرة والارتزاق، والعبث بأخلاق الأمة وقتل وقت شبابها [١٦] ، لذلك رأينا إحدى تلك الصحف تخصص أسبوعياً أربع صفحات عن هذا الفن تحاور فيه الممثلين والممثلات عن آخر أعمالهم وأدوارهم ... إلخ، ولذلك نستطيع القول: إن الصحف العربية المهاجرة التجارية أفضل ما توصف به أنها أسيرة الواقع بكل ما يحمل وبكل ما يموج [١٧] . ولهذا يحسن بنا في هذا الإطار أن نضع تعريفاً إجرائياً لما يمكن أن نطلق عليه تسويق التبعية أو تكريسها، وهو يعني: إشاعة أو نشر أو عرض أو تقديم أو تناول ما من شأنه الانتقاص من الدين أو الحط من قدراته أو فاعلياته أو ما يتعارض أو يتناقض مع الأصول والقواعد العامة التي شرعها الله لعباده لتكون منهج حياة لهم، أو الدعوة بشكل مباشر أو غير مباشر إلى تبني الآراء والمواقف والأفكار السلطوية أو الغربية في الأدب والفكر والثقافة والرياضة وغيرها من مجالات الحياة المختلفة؛ مما يدفع بعض الناس إلى التقليد الأعمى والتبعية البغيضة لمذاهب وتيارات غربية لا تتفق ومبادئنا وحضارتنا الإسلامية. وعلى أساس هذا التعريف يمكن أن يكون تسويق التبعية على الصعيد السياسي أو الاقتصادي والثقافي والفني والأدبي والرياضي أو الإعلاني؛ وذلك بالأخذ عن الآخر بلا وعي أو بتبني آرائه والانطلاق من رؤيته للأحداث والمواقف، وعندئذ لا يكون للصحيفة شخصيتها المستقلة النابعة من إيمانها بعروبتها وإسلامها. ويمكن أن نقدم بعضاً من المظاهر التي تؤكد قضية تسويق التبعية، وتتمثل فيما يلي: ١ - الدفاع عن بعض الأنظمة الحاكمة وتعظيم دورها في إدارة الأحداث الجارية، بحق وبغير حق. ٢ - الهجوم على معارضي تلك الأنظمة واتخاذ المواقف المضادة حيالهم. ٣ - تسويغ الأخطار والسلبيات التي تظهر على تلك الأنظمة الحاكمة. ٤ - تبني الآراء والمواقف التي تصدر عن هذه الأنظمة والدعوة إليها. ٥ - إثارة النعرات القومية والشعوبية التي من شأنها إحداث شروخ في الصف، وانقسام في كيان الأمة، وتشرذمها. ٦ - إشاعة الفلسفات الغربية والمادية والمذاهب والنحل الهدامة. ٧ - التقليد الأعمى لأساليب الغرب في تناول القضايا وعرض الموضوعات. ٨ - إثارة الموضوعات التي لا وزن لها وافتعالها، وإلهاء وإشغال القراء بها. ٩ - التأثر بمنهاجية الغرب في العادات والتقاليد؛ حيث الحرية المفرطة والغرائز الملتهبة والمكبوتة.

стр. 4799

دراسات في السيرة والتاريخ ماذا وراء الهجوم على التاريخ الإسلامي ؟ محمد بن حامد الناصر كان تحطيم التاريخ الإسلامي، والعبث به هدفاً من أهداف المدرسة العصرانية [*] ، ولم تقف عملية التزوير عند عصر دون عصر، ولا عهد دون عهد، بل شملت كافة عصور الإسلام بلا استثناء [١] . فحروب الردة لم تكن برأي أحد الباحثين منهم حروباً دينية، ولا الحرب مع خصومه كانت حرباً دينية؛ لأنها كانت حرباً في سبيل الخلافة والرئاسة، وهذه سلطة ذات طبيعة سياسية ومدنية، ومن ثم كانت الحرب التي نشبت لأجلها سياسية ومدنية هي الأخرى «. - ويزعم حسين أحمد أمين أن ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان ﵁ حذف من القرآن (٥٠٠ آية) تطعن في بني أمية وتذم أبا سفيان، ويرى أن معركة بدر كانت ناتجة عن حسابات للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين، يريدون تصفيتها مع قريش التي طردتهم من ديارهم [٢] . - وكان الهجوم على الفتوحات الإسلامية هدفاً من أهداف المستشرقين والمبشرين الحاقدين من كل ملة، وأصبح الجهاد في سبيل الله مجالاً للتشكيك والتزوير، وقد شهد الأعداء قبل الأصدقاء بعدل المسلمين الفاتحين» فما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب «. إلا أن العلمانيين والعصرانيين، دأبوا على متابعة سادتهم من أعداء المسلمين في تشويه تاريخنا، وحاولوا تحطيم أبرز وأعظم الصفحات المضيئة في تاريخنا الزاهر. - فالدكتور عبد المنعم ماجد: يعجب من توهم بعض المستشرقين الذين يرون أن العرب المسلمين فتحوا البلدان بدافع إسلامي، يقول:» لا نوافق بعض المستشرقين في قولهم إن العرب كانوا مدفوعين نحو الفتوح بحماس ديني؛ فمن غير المعقول أن يخرج البدوي - وهو الذي لا يهتم بالدين لينشر الإسلام « [٣] . - ويعتبر حسين أحمد أمين أن الفتوحات الإسلامية هي نوع من الاستعمار، كالاستعمار الغربي لبلاد المسلمين [٤] . - والدكتور محمد جابر الأنصاري: يحرص على تجريد العثمانيين من كل فضيلة، حتى غدوا في نظره» جماعة من الهمج المتوحشين الذين دمروا الحضارة العربية الزاهية « [٥] . - فهل يعتبر هذا الهجوم على العثمانيين جزاء إيقافهم للزحف الأوروبي الصليبي على ديار العرب عدة قرون؟ وهل هذه هي مكافأة للجيش الذي فتح القسطنطينة؟! حتى السلطان صلاح الدين الأيوبي يصفونه بأنه» القائد الإقطاعي البارز «. - وكان على رأس هؤلاء المشككين [٦] . الدكتور الطبيب خالص جلبي في كتبه ومقالاته، وقد تحمل وزر الهجوم الحاقد على تاريخ بني أمية، وتشويه حركة الفتح في أيامهم، كما أنه ما فتئ يهاجم السلطان محمد الفاتح، الذي فتح القسطنطينة، ليسلم له توجهه نحو فكرة موهومة، فكرة السلم المزعوم واللاعنف الخيالي، حتى وقع في خندق أعدائنا تشويهاً وتزويراً لتاريخنا. - وخلال هجومه على الفتوحات زمن بني أمية يقول:» إن العالم العربي ما زال يحكم بسيف معاوية بعد انطفاء الوهج الراشدي، والثقافة العربية تستحم بالعنف منذ المصادرة الأموية وتوديع حياة الرشد، واعتناق حياة الغي، وتفشي روح الغدر والتآمر والقتل؛ فليس بعد الرشد إلا الغي «. ثم يقول:» عندما يقلب معاوية الوضع الراشدي لبناء دولة بيزنطية، ومسح الخلافة الراشدة بالتآمر الأموي، كان سيتم الأمر ولا راد لقضاء الله « [٧] . أيقال هذا عن دولة خير القرون بعد الخلافة الراشدة؟! - ولا يتورع عن مهاجمة الصحابة ﵃ بقوله: » وشخصيات هامشية في الثورة الإسلامية الأولى، من طراز عمرو بن العاص ومعاوية، حرفت مسيرة الخلافة الراشدة (١٨٠ درجة) [٨] ، ثم يقول: (باسم القرآن حبكت أعظم خديعة في تاريخ السياسية، فرفع على رؤوس الرماح في حق يراد به باطل، لينشئ ملكاً عضوداً «- جريدة الشرق الأوسط -. - ونتساءل الآن: لمصلحة من يأتي هذا الهجوم على بني أمية وعلى صحابة رسول الله ﷺ ؟! ألا يلتقي هذا الهجوم مع حملات الرافضة وتشويه اليهود والصليبيين لتاريخنا؟! ألا يذكر أن عهد بني أمية كان ضمن القرون الثلاثة الأولى المفضلة بحديث رسول الله ﷺ ؛ إذ يقول: » خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم « [٩] . - والتجريح لهؤلاء الصحافة (معاوية وعمرو بن العاص) ومن حضر صفين، لم يتجرأ عليه إلا الرافضة وغلاة المعتزلة، مخالفين الأحاديث الصحيحة لرسول الله ﷺ . قال ﵊:» من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين « [١٠] ، وقد ثبت في صحيح مسلم (ج ٤/ ٩٤٥) أن معاوية ﵁ كان أحد كُتَّاب الوحي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. - وقال أبو زرعة الرازي: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق) [١١] . - وأختم هذا الموضوع بحديث السيد محب الدين الخطيب حول الفتوحات زمن بني أمية؛ إذ يقول:» ودخلت معظم الشعوب في هداية الإسلام على أيدي الخلفاء الأمويين وولاتهم وقادة جيوشهم.. ولا شك أن الأجيال المسلمة إلى يومنا هذا منهم من يسعد بذلك ويمتلئ قلبه سروراً ... ومنهم من امتلأ فؤاده حقداً على الفاتحين، وجعل من دأبه أن يصمهم بكل نقيصة. وانتشرت الفتوحات حتى نودي بكلمة: الله أكبر حي على الفلاح، على جبال السند، وفي ربوع الهند، وفي أودية أوروبا وجبالها.. كل هذا في زمن بني أمية، الذي لو صدر عن اليهود والنصارى، وعبدة الأوثان عُشْرُ ما صدر عنها من الخير، ومن إنصاف ومروءة وكرم وشجاعة.. لرفعوا لأولئك اليهود والنصارى الثناء والتقدير في الخافقين «.» والتاريخ الصادق يريد لكل متحدث عن رجاله، أن يذكر لهم حسناتهم على قدرها، وأن يتقي الله في ذكر سيئاتهم فلا يبالغ فها « [١٢] . - ولا ينسى الدكتور الطبيب خالص جلبي أن يهاجم فتوحات بني أمية في الأندلس، وتوغلهم في بلاد النصارى، فيقول بـ (أن الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر) كان قد خرب ودمر، ثم رجع محملاً بالسبي والغنائم. هذا الذي حصل من اغتيال العقل الإسلامي منذ الانقلاب الأموي عندما ذهب الأمويون بسذاجة أعرابي جاء متأخراً عن درس التاريخ بحوالي سبعة آلاف سنة، حتى انتقلت روح الإسلام إلى الغرب، فألغت بريطانيا الرق رسمياً عام (١٩٣٣م) [١٣] . - ويذكر المؤرخون الثقات أن الخليفة الناصر، كان كثير الجهاد بنفسه، ويغزو دار الحرب الصليبي، وكانت له في جهاد العدو اليد البيضاء [١٤] ؛ وذلك خلال خمسين عاماً من خلافته. - وقد سار ولاة بني أمية على طريق الخلفاء في غزو النصارى كالمنصور بن أبي عامر (٣٦٦هـ - ٣٩٩هـ) ، خلال فترة حكم (هشام الثاني) ؛ إذ غزا سبعاً وخمسين غزوة دوخ خلالها النصارى المتربصين، وأعاد للمسلمين مكانتهم وهيبتهم [١٥] . - لقد كانت حركة الفتح الإسلامي لبلاد الأندلس حلقة في سلسلة جهاد المسلمين أيام بني أمية؛ فلم تكن حركة غزو وغنائم، أو سيطرة سياسية، بل هو موكب دعوة إصلاحية، تدعو إلى الله على هدى وبصيرة، منهجها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ميدانها الأرض كلها، أما موضوعها فهم البشر جميعاً [١٦] . هذا هو واقع المسلمين في الأندلس، وخلال فتوحاتهم المشروعة، كما جاءت في المصادر الموثوقة، أما ما يعتمده الطبيب جلبي، فهو نزوات مريضة، وأهواء شعوبية جديدة وحاقدة. * مهاجمة الفتوحات العثمانية: دأب الدكتور خالص جلبي على مهاجمة الفتوحات الإسلامية كلها ابتداء بفتوحات بني أمية، وانتهاء بانتصارات السلاجقة والعثمانيين على قوات الصليبيين، في آسيا الوسطى، وشرقي القارة الأوروبية. يقول: (كانت الإمبراطورية العثمانية من حجم مرعب، اجتاح المربع الشرقي من قارة أوروبا، وجلس لمدة خمسة قرون في البلقان، مما يفسر الحقد التاريخي للصرب ضد الوجود الإسلامي الحالي..) [١٧] . - ويكفي العثمانيين في ميزان الله أنهم توغلوا في أوروبا الصليبية، وفتحوا للإسلام ما فتحوا من أراض وقلوب، فدخل الناس في الإسلام بعشرات الملايين، ويكفيهم أنهم حموا العالم الإسلامي من غارات الصليبيين خمسة قرون متوالية، ومنعوا قيام الدولة اليهودية على أرض الإسلام، ولم يتمكن شذاذ الآفاق من التجمع لإقامة دولتهم إلا بعد أن زالت دولة الخلافة من الوجود [١٨] . - وسوف نتحدث عن واقعتين انتصر فيهما المسلمون هما: معركة ملا ذكرد، وفتح القسطنطينية، وكيف حاول» جلبي «تشويه الانتصارات العظيمة التي قادها سلاطين مجاهدون عظماء. فمعركة ملا ذكرد التي انتصر فيها السلطان السلجوقي» ألب أرسلان «على الروم بقيادة ملكهم» أرمانوس الرابع «تحدث خالص جلبي عن هذه المعركة بنفسية المستشرقين فقال: (ولم ينتبه مؤرخونا إلى هذه الواقعة وآثارها البعيدة، فيعجب المرء وهو يقرأ السرد التاريخي الأسطوري، والذهول عن معركة مشؤومة للشرق الأوسط بكل المقاييس؛ فهي التي عجلت بانهيار بيزنطة، وهي التي فجرت الحروب الصليبية» [١٩] . - فانظر إلى هذا التزوير العجيب لحقائق تلك الموقعة «فملك الروم هو الذي هاجم بلاد المسلمين، (حلب وما حولها) وانتصر على أمرائها، ثم توجه بجيش كبير جداً من الأوروبيين الذين وفدوا على بيزنطة، وكانوا يحملون الصليب رمزاً لحربهم المقدسة! ولتعاونهم مع بني جلدتهم البيزنطيين» [٢٠] . - لقد كان السلطان «ألب أرسلان» من خيار الملوك، محباً للعدل، فيه رحمة وشفقة. وكان ملك الروم «أرمانوس» قد استاء من قوة السلاجقة وتوسعهم، فقرر مهاجمة البلاد الإسلامية، فهاجم مدينة حلب وما حولها، وانتصر على أمرائها، ثم توجه شرقاً بجيش كبير حشد فيه الآلاف من الروس والفرنسيين والبلغار واليونان، وعسكر في أقصى شرق الأناضول، وكان مع ألب أرسلان جيش صغير ولم يتوقع أنه سيلتقي مع الروم في هذا الحشد الكبير. حاول ألب أرسلان أن يعقد صلحاً مع (أرمانوس) ، ولكن أرمانوس كان مغروراً بجيشه الضخم، فرفض كل عروض الصلح، وقال لرسول السلطان: (لن يتم الصلح إلا في الري) عاصمة السلاجقة. - ولذلك أعلن (أرسلان) بين جنوده أن الإسلام في خطر، ودعاهم إلى الاستماتة في القتال، ونصحه الفقيه (محمد بن عبد الملك البخاري) البدء بالقتال وقت صلاة الجمعة؛ فلعل دعوات المسلمين في صلاتهم أن تصيبه. وقد أعد السلطان نفسه للموت، ونزل عن فرسه وعفَّر وجهه بالتراب، ودعا الله سبحانه وتعالى، ثم حمل مع جنوده على الروم، وما هي إلا ساعات حتى منح الله النصر للمسلمين، فأُسر ملك الروم، ثم افتدى نفسه، وتم الصلح بين السلطان وملك الروم، على أن يتوقف القتال خمسين عاماً، وأن يرد الروم كل أسرى المسلمين. وعند عودة أرمانوس إلى بلاده، أعطاه السلطان عشرة آلاف دينار لنفقة الطريق؛ فهذه هي أخلاق المسلمين في السلم والحرب، ولم تكن المعركة مشؤومة على المسلمين كما يصفها كاتب مشؤوم على بلاده وأمته. وتعتبر هذه المعركة نقطة تحول في التاريخ الإسلامي؛ فهي التي يسرت القضاء على نفوذ الروم في معظم أرجاء الأناضول مما مهد الطريق بعد ذلك لفتح القسطنطينية [٢١] . - لقد تناول الطبيب (خالص جلبي) الصفحات المشرقة في تاريخنا، وراح يلطخها بالسواد ويشحنها بالتشكيك والتزوير، متجاوزاً كل حقائق التاريخ، لاهثاً وراء فكرة خيالية ليس لها في الواقع نصيب: فكرة اللاعنف، والسلم الذليل، مما أوقعه في هذا المنزلق الخطير والتناقض العجيب، ليقف مع أعداء أمتنا في خندق واحد. * فتح القسطنطينية: كان فتح القسطنطينية عام ١٤٥٣م تاج الفتوحات الإسلامية، وإحدى البشائر النبوية لذلك الفتح العظيم، وللقائد الفاتح. إلا أن أصاحب اللاعنف الموهوم، ودعاة التعطيل للجهاد المشروع، راحوا يشككون بهذا الفتح المبارك ودوافعه، فقال الطبيب خالص جلبي في مقال له بعنوان: (لا إكراه في السياسة) : يفرح المسلمون بسقوط القسطنطينية، ولكن هناك من يذكرها مع الدموع؛ فهل كان فتحها إسلامياً؟! والمشكلة أنه لا يخطر في بالنا أن تاريخنا قد يكون في بعض صفحاته مربادّاً أسود كالكوز مجخيّاً! ثم يقول: «فالسلطان محمد الفاتح، وفتح المدينة يذكِّر بشارون وهو يريد احتلال القدس، وطرد أهلها منها، وبغضِّ النظر عن فظاعات الفتح وحجم النهب والسلب والاغتصاب على يد الانكشارية؛ فإن أول ما فعله (محمد الفاتح) أن وضع يده على أقدس مقدساتهم أيا صوفيا، تلك التحفة التاريخية، ليحولها إلى مسجد. لم يكن هذا الفتح انتشاراً على منهج النبوة، بل اجتياحاً عسكرياً.. ونسميه إسلامياً؟!!» . ثم يقول: «ولا تقف مشكلة الإكراه على صورة الفتح الفجة البدائية، بل آثارها المدمرة، حيث انطلق تنين أوروبي برتغالي وإسباني كرد فعل على حروب لا نهاية لها، في هذه الحافة المشؤومة..» ويتابع قوله: «فليس لدينا قدرة على مراجعة تاريخنا، ولا نعتبر مثلاً أن معركة (صفين) كانت كارثة توقف فيها المد الإسلامي الصحيح، وظهرت على السطح نسخة إسلامية مزورة، صادرت الحياة الراشدية، وتدثر الخليفة مرتاحاً بين الغلمان والحريم بعباءة كروية، وتحولت دولة العدل إلى امبراطورية بيزنطية، تجتاح الممالك بالسيف» [٢٢] . هذه مقتطفات من مقال طويل مملوء بكلام سقيم ولغو ثقيل، يهاجم حقائق التاريخ، ويحزن على مآل الفتح، ويسرُّ لِمَا يصيب المسلمين. يقول الدكتور عدنان رضا النحوي [٢٣] : «ومن الغريب أن الدكتور خالص يحزن لما يفرح به المسلمون أمثال هذه الفتوحات العظيمة، ولا يحزن للمجازر التي يقوم بها الأعداء ضد المسلمين قديماً وحديثاً» ويقول: «على الدكتور خالص جلبي أن يتقي الله، وأن يدرس التاريخ الإسلامي بميزان العدل بعيداً عن التزوير المتعمد، لا بميزان اليهود والنصارى.. وعليه أن يدرس سيرة السلطان محمد الفاتح بعناية.. وقد كان الفتح بشرى لأهل المدينة، ونجاة مما كانوا فيه من فتنة وظلم وضلال» . ويتابع الدكتور النحوي: «وقد استبشر أهل المدينة بعدل الفاتح، حتى قام أحد وزراء النصارى» توتاراس «ينادي في شوارع إسلامبول قائلاً:» أود من سويداء قلبي أن أشاهد هنا تاج السلطان محمد الفاتح، من أن أرى فيها إكليل «بابا» أو «قلنسوة كاردينال» . ثم يقول الدكتور النحوي: «ولقد ذهب الكاتب بعيداً وأساء كل الإساءة، وخالف العلم وحقائق التاريخ، حين هبط فشبه محمد الفاتح حيناً بستالين، وحيناً بشارون! عجباً كل العجب! حتى لو وسوس له الشيطان بهذا الخطأ، لكان هناك ألف سبب لمنعه من إطلاق هذه الأقوال، وما كان لرجل يأخذ حقائق تاريخه من ظنون أعدائه، ويدع الحديث الشريف وتاريخ الصحابة، وحسبك أبو أيوب الأنصاري.» وعلى كل حال سيظل هذا الفتح شرفاً للسلطان الفاتح، الذي منَّ الله عليه بتحقيق بشرى رسول الله ﷺ ، الذي يرويه (بشر بن سحيم ﵁ في التاريخ الكبير للبخاري وفي المستدرك للحاكم، وفي المسند للإمام أحمد: (لتفتحن القسطنطينية؛ فلنِعْمَ الأمير أميرها، ولنِعْمَ الجيش جيشها) «. ولذلك تسابق الخلفاء المسلمون إلى فتحها لينالوا تحقيق بشرى مشرقة في التاريخ الإسلامي. إن تاريخ المسلمين لا يُفهم بأسلوب يحمل الغيظ لكل خير يصيب المسلمين، والغيظ لكل أسى يصيب غيرهم.. فالجريمة عند جلبي أن يكون للمسلمين قوة، ليتبرأ من العنف لدى المسلمين، وليته يوجه كلامه للأمريكان والروس وكذا للأوروبيين. » لقد كانت الفتوحات الإسلامية عملاً فريداً في تاريخ البشرية كله، كانت فتوحاً تحمل رسالة الله إلى خلقه وعباده ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور ثم يقول: «مهلاً أيها الكاتب! ليتك توجه كلامك عن العنف إلى الطرف الآخر الذي يملأ الأرض مجازر ودماً دفاقاً، وأيتاماً وثكالى، ليتك توجه كلامك إليهم وتدرس تاريخهم وتنقده، ودعك من التاريخ الإسلامي؛ فميزانك في دراسته جائرة غير عادلة.. ليتك تطلب من كبار المعتدين أن يوقفوا أسلحة الدمار الشامل التي يملكونها..» انتهى الاقتباس من مقال الدكتور عدنان رضا النحوي. وها هي أمريكا وإسرائيل وما تشيعانه من دمار وقتل وخراب، وعلى أرض الرافدين والبلاد المقدسة في فلسطين فيسكت عنها!! وعموماً فإن الذين يتظاهرون بالظَّرَف والوداعة، وينادون بالسلم الموهوم، يتغافلون عن أيدي الأعداء وقد لطخت بدماء إخوانهم وأخواتهم من أبناء المسلمين في فلسطين والبوسنة والشيشان وكشمير وفي كل مكان.. والذين يسعون بعد كل ذلك إلى قتل روح الجهاد بتأصيل تربية ذليلة خائفة تستسلم للعدو، وتدعو إلى الاستسلام تحت حجج واهية بعيدة عن روح الإسلام وطبيعته وتاريخه؛ فهؤلاء باتت مواقفهم مريبة مفضوحة!! [٢٤] . ومحمد الفاتح: قائد مسلم لبى الدعوة إلى الله، وبلَّغها للناس كافة مجاهداً فاتحاً يرحمه الله. وقد كان الفاتح من الملوك الذين يهتمون بالعلم، فأنشأ المدارس الكثيرة، وعرف بحبه للعلماء واستقدامهم من البلاد البعيدة، كما كان يشاور العلماء ويحترمهم، قال بعد الفتح: «إنكم ترونني فرحاً، فرحي ليس لفتح هذه القلعة، بل تتمثل فرحتي بوجود شيخ عزيز الجانب في عهدي، هو مؤدبي» الشيخ محمد شمس الدين «. وكان والده السلطان مراد: قد عهد إلى علماء الحديث والفقه في زمنه بتعليم ولده (محمد الفاتح) القرآن والحديث والفقه، كما أنه تعلم التاريخ والرياضيات والعلوم العسكرية، وأتقن عدة لغات غير التركية. وكان أحد مشايخه (الشيخ محمد بن حمزة) يذكِّره بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فتح القسطنطينية، ويرجو له أن يكون فاتحها، هذه المدينة التي حاول خلفاء المسلمين فتحها، لأهميتها وموقعها الممتاز، وبشارة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقد حاول المسلمون فتحها في عهد معاوية ﵁، وفي عهد سليمان بن عبد الملك، وأيام الرشيد، ﵏ جميعاً [٢٥] . ورغم كل ما تقدم من أهمية هذا الفتح؛ فإن للعصرانيين والعلمانيين رأي آخر حول هذا الفتح المبين. ومن عادتهم وعلى رأسهم خالص جلبي أن لا يترك فرصة سارة للمسلمين إلا ويحاول طمسها وتشويهها، ولا قائداً عظيماً إلا ويحاول التعريض به. انظر إلى قوله في صلاح الدين الأيوبي: (كل حكام العالم العربي تقريباً جاؤوا عن طريق بوابة الانقلابات العسكرية وفرض الآراء بالقوة المسلحة. وكذلك الاتحاد السوفييتي والنازيون والفاشيون والأمويون والعباسيون؛ وحتى صلاح الدين الأيوبي؛ فقد أخذوا السلطة بالقوة المسلحة والغلبة) [٢٦] . وبعد كل هذا فأصدق كلمة تقال في هؤلاء المشككين، ما قاله القدماء: (ولا أخس ممن يتتبع القبيح ليستخرجه بين ظهراني الحسن) . وفي الفقرة القادمة سنتحدث عن طبيعة الفتوحات الإسلامية، بعيداً عن أحقاد الشعوبيين الجدد والعلمانيين الحاقدين، وبقية المشككين. * طبيعة الفتوحات الإسلامية:» ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب «: هذا ما استشهد به الأعداء، من خلال أخلاقيات كتائب الإيمان، وهي تنشر نور الإسلام وعدله ورحمته بين الأمم التي فتحوا بلادها. يقول غوستاف لوبون: » ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب «. ويقول توماس أرنولد في كتابه (الدعوة إلى الإسلام) :» ولما بلغ الجيش الإسلامي وادي الأردن، وعسكر أبو عبيدة في بلدة فحل، كتب الأهالي النصارى في تلك البلاد إلى العرب الفاتحين يقولون: يا معشر المسلمين! أنتم أحب إلينا من الروم، وإن كانوا على ديننا، وأنتم أوْفى لنا وأرأف بنا، وأكفُّ عن ظلمنا، وأحسن ولاية علينا، ولكنهم غلبونا على أمرنا «.» وغلَّق أهل حمص أبواب مدينتهم، دون جيش هرقل، وأبلغوا المسلمين أن ولايتهم وعدلهم أحب إليهم من ظلم الإغريق والروم وتعسفهم « [٢٧] . هذه هي الحرب المشروعة في الإسلام، وقد أبطل الإسلام حروب التشفي والتخريب والتدمير والتنافس في مجالات الاقتصاد والسياسة.. مما تجعله الأمم الجاهلية قديماً وحديثاً سبباً لحروبها البشعة التي نشاهد لها أمثلة كثيرة هذه الأيام، في الهجوم على العراق، وما يجري من تدمير وقتل وتشريد فيما يسمى (حرب الخليج الثالثة) . ومن المعروف أن القائد المسلم ينذر العدو بالدعوة إلى الإسلام أولاً، وإلا فالجزية، وإن رفضوا استعان المسلمون بالله وقاتلوهم، مع تجنب قتل الأطفال والنساء والشيوخ، وتحريق النخيل، وهذا ما أوصى به أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - يزيد بن أبي سفيان، لما أرسله فاتحاً وقائداً لأحد الجيوش الفاتحة المتوجهة نحو بلاد الشام. كان الإسلام في فتوحاته رائد رحمة وعدل، وما حمل المسلمون السيف لإكراه الناس على اعتناقه، وإنما ليقرر حرية الدعوة بعد تقرير حرية العقيدة، ولإزالة العقبات من طريق الدعوة.. وهذا ما أخاف الأعداء من عقيدة الجهاد، فخدعوا بعض المتباكين من أبناء المسلمين.. وقام المستشرقون وأتباعهم من أبناء المسلمين، يشككون في مفهوم الجهاد عند المسلمين، ويهاجمون أنقى الفتوحات التي كانت في التاريخ [٢٨] . وعموماً: فلا بد من عرض التاريخ الإسلامي بعيداً عن افتراءات الأعداء من مستشرقين وعلمانيين، وهذا العرض لا يمكن أن يتهيأ إلا إذا كان المنطلق إسلامياً، وبقلم من يعيش بكل كيانه في جو الإسلام؛ وذلك يعني منتهى الإنصاف، ولا يصح مثلاً أن يؤخذ تاريخنا من كتابات المنصِّرين المتعصبين، ولا من المستشرقين وأهل الأهواء [٢٩] . ويندرج تحت مظلة هؤلاء العلمانيون والعصرانيون، وقد وجدنا نماذج من هذا التحامل على التاريخ الإسلامي وفتوحاته التي نشرت لواء العدل والمساواة في أرجاء المعمورة. ولكن العلمانيين والعصرانيين لا يفقهون.

стр. 4800

بأقلامهن ميراث المرأة.. أحكام ثابتة وتأويلات متغيرة د. رقية طه جابر العلواني drruqaia@yahoo.com ازداد الحديث في الآونة الأخيرة عن قضايا المرأة وما يتعلق بها من أحكام، وخاصة فيما يتعلق بميراثها وتنصيفه في الشريعة الإسلامية. وقد تمّ طرح وتناول تلك القضية وغيرها من باب الطعن في موقف الإسلام من المرأة وهضمه لحقوقها، وإهانته لإنسانيتها وكرامتها بزعمهم. وراحت تلك الكتابات تحاول إضفاء سمة الظلم والانتقاص الواقع على المرأة المسلمة من جراء تمسكها بتعاليم الشرع التي لم تفتأ تنصف حقوقها في الميراث والشهادة. ومنذ ما يزيد على قرن من الزمن والأدبيات المهتمة بقضايا وشؤون المرأة تدور في فلك الدفاع عنها تارة، والمقارنة والمقاربة مع الفكر الغربي تارة أخرى. وقضية ميراث المرأة على الرغم من مجيء أحكامها في سياق نصوص قرآنية قطعية، إلا أن التعرض لها بالتأويل والفهم لا يزال مُشْرعاً منفتحاً، وعلى هذا جاء العديد من التأويلات في هذه المسألة. بِيد أن العديد من تلك المحاولات التأويلية تأثرت بطبيعة الظرفية الفكرية والاجتماعية السائدة في عصرها، تأثراً حدا بها في بعض الأحيان إلى تجاوز الحكم الثابت بالنص القرآني. وفي سبيل التوصل إلى إدراك هذه التأويلات وطبيعتها فلا بد من النظر في الخلفية الكامنة وراء ظهورها، ومحاولة التوصل إلى ظرفيتها التاريخية والفكرية. فالعرب في الجاهلية (على سبيل المثال) حرموا الأطفال والنساء من الميراث؛ وذلك لعدم قدرتهم على تحمل مسؤولية الذب والدفاع عن القبيلة. فالميراث عندهم نظام مرتبط بالحماية والدفاع عن الأسرة الكبيرة القبيلة أكثر من تعلقه بالقرابة والنسب ونحوها من علاقات اجتماعية. وكان أمراً مفهوماًِ له ما يسوغه عندهم تماماً؛ فالمرأة بحاجة إلى حماية وصيانة خاصة في ذلك المجتمع المشحون بالاعتداءات والحروب والغارات، والرجل هو القادر على القيام بذلك الدور؛ فإعطاء الميراث للرجل دونها أمر مستساغ وله أسبابه. وقد استمر العمل بنظام الميراث السائد بين العرب في صدر الإسلام على أساس أن الأحكام التشريعية كانت تتنزل بصورة تدريجية إلى أن نزلت آيات المواريث التي ألغت تلك القوانين الجائرة التي سار عليها العرب ردحاً من الزمن. وخلافاً لغالب التنظيمات الأخرى في الإسلام؛ فقد جاء تنظيم الميراث بتفصيل دقيق لكل الأنصبة ومستحقيها وأوجه استحقاقها لحسم كل أسباب النزاع الذي يمكن أن يتولد بين الأقارب من جراء توزيع الأنصبة بينهم. وما ذلك إلا للحفاظ على المقصد الأساسي الذي قام عليه في الأصل نظام الميراث، ألا وهو صيانة آصرة القرابة وروابطها من أي تصدع أو تفكك. وتدرج الإسلام في أحكام المواريث نظراً لظهوره في بيئة جاهلية تمكنت منها قوانين بالية مجحفة تقوم على هضم حقوق الضعفاء والأطفال والنساء. فبدأ الإسلام أول ما بدأ بتقرير حق توريث تلك الفئات المستضعفة وإثبات أحقيتها في الميراث سواء أكان كثيراً أو قليلاً. قال تعالى: [لِلرِجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً] (النساء: ٧) . ولم يلق ذلك التغيير استحساناً أو قبولاً من قِبَل عدد من الناس الذين درجوا على تلك العادة من حرمان النساء من الميراث. ولكن الإسلام جاء ليبطل بأحكامه وتشريعاته العادلة عادات الجاهلية وما حملته من الأمم السابقة وتعسفها إزاء المرأة، كما أتى على كل الأعراف المناقضة لمقاصد تعاليمه وشريعته القائمة على العدالة. فالإسلام أعطى للنساء والصبيان نصيباً مفروضاً، ولكنه جعل للذَّكَر مثل حظ الأنثيين؛ فالمرأة لا تحصل على نصف نصيب الرجل إلا إذا كانا متساويين في الدرجة والسبب الذي يتصل به كل منهما إلى الميت. فالابن والبنت ... والأخ والأخت، يكون نصيب الرجل هنا ضعف نصيب المرأة. جاء في القرآن الكريم: [يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْن] (النساء: ١١) . وقال تعالى: [وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] (النساء: ١٧٦) . ورأى العلماء آنذاك الحكمة السامية في تنصيف نصيب المرأة في الميراث في حالة في الميراث؛ وحكمته أن الرجال تلحقهم مؤن كثيرة وتحمل غرامات ونفقات وغير ذلك. فالرجل تقع على كاهله إعالة الأسرة بما فيها البنات، فكان ذلك متمشياً تماماً مع تلك المسؤولية والعبء المالي المناط على عاتق الرجل. وعلى هذا النهج القويم فهم العلماء السابقون تلك النصوص الواردة حول ميراث المرأة، وأجروها على ظواهرها الواضحة، ولم يكن لهم فيها إلا ما ظهر من محاولات بعضهم في تعليل الحكم على النحو المذكور آنفاً. فالأحكام الشرعية المنصوص عليها في قضية ميراث المرأة لا تخرج عن نطاق النصوص القطعية الثبوت والدلالة، وهي على هذا الأساس غير خاضعة ولا قابلة لتأويل جديد أو فهم آخر بعيد. إلا أن أمر تأويل النصوص المتعلقة بميراث المرأة، بدأ يتخذ أبعاداً جديدة تختلف عما كان عليه الأمر في تلك العصور الخيّرة؛ فقد تسلل العديد من الأعراف المناقضة لتعاليم الشرع إلى المجتمعات المسلمة المختلفة شيئاً فشيئاً حتى تمكنت من إطلاق القول بالدعوة إلى المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة في مختلف المجالات. وظهرت آثار تلك الأعراف واضحة جلية في فكر العديد من الكتّاب المعاصرين ممن رأوا في نصوص الميراث مناهضة صريحة لما بات يسري في مجتمعاتهم من دعاوى المساواة المطلقة بين المرأة والرجل. والمتأمل في طبيعة الظروف الاجتماعية والتاريخية التي صاحبت تلك الدعاوى، يلحظ حجم المداخلات المفروضة من قِبَل بعض المستشرقين الذين طرحوا مسألة تنصيف ميراث المرأة، على اعتبارها نوعاً من التمييز والتفرقة بين الرجل والمرأة، ودليلاً واضحاً على إهدار الإسلام لكرامتها وآدميتها، وسلباً لحقوقها المشروعة. وقد جوبهت تلك الأفكار بعدد من النصوص القرآنية القاضية بتنصيف ميراث المرأة، مما حدا ذلك للجوء إلى محاولات جديدة لتأويل تلك النصوص، ومن ثمّ الخروج بمفهوم جديد لميراث المرأة يتلاءم مع ما يسود في العصر من دعاوى وأفكار. فذهب بعضهم أول ما ذهب إلى أن النصوص المتعلقة بميراث المرأة قد نزلت في بيئة جاهلية هضمت حق المرأة في الميراث، ولم تعرف لها نصيباً مطلقاً، فكان لا بد من التدرج في شرع ميراث المرأة وفرضه على تلك البيئة الجاهلية، فنزلت الآية القرآنية مقررة حق التنصيف كمرحلة أولية لها ما بعدها، وعلى المجتمعات المتلاحقة مراعاة ذلك أي القيام بتشريع يتوافق مع المجتمعات وتطورها. وانتشر هذا الرأي في بدايته بين عدد من المستشرقين الغربيين الذين رأوا في الشريعة الإسلامية مجرد حالة متطورة للقانون الجاهلي السائد بين العرب آنذاك. فالشريعة في نظرهم قانون مركب على القوانين العرفية السائدة من جهة، وعلى بعض التعديلات من جهة أخرى وإخراجها في صيغة قانون متماسك متوافق. فالشريعة الإسلامية - خاصة فيما يتعلق بتنظيمات الأسرة والمواريث - استمدت أحكامها - في نظرهم - من النظام القبلي والأعراف الجاهلية على الرغم من أن العرب في الجاهلية لم يورثوا النساء شيئاً، وكان التوريث قائماً على أساس المقدرة على نصرة القبيلة والدفاع عنها وحمايتها. ومن مشاهير المستشرقين الذين تبنوا هذا الاتجاه: اجنتس جولدتسيهر، وولفرد كانتويل سميث، وذهب الأخير إلى أن الإسلام مرّ بمراحل عديدة من التطور العقائدي والتشريعي، وعلى هذا فأحكام الإسلام لا بد من تغييرها وفق تغير الزمان والظروف. فالدين في نظر هؤلاء تراكم لعناصر ثقافية متوارثة عن الأمم والشعوب عبر التاريخ؛ بمعنى أن الدين تاريخ يقع في إطاره وليس بخارج عنه. وهكذا سوّى أصحاب هذا الاتجاه بين الدين والفكر الديني مما ساق في نظرهم إلى النظر إلى الأحكام الشرعية الثابتة بالوحي على أنها ذات قيمة تاريخية نسبية تخضع لسنة التغير والتطور. ولم يميز هؤلاء بين الشريعة الصادرة عن دين صحيح سماوي مصدره الوحي الإلهي، التي لا يمكن أن تخضع في أساسياتها وأصولها للتطور والتبدل والتغيير بحكم مرجعيتها الإلهية المعصومة، وبين الفروع والجزئيات التابعة لحياة الناس في المجتمعات المختلفة القابلة بطبيعتها للتغيير والتعديل والتطور وفق احتياجات الناس وأحوالهم. والقول بإمكانية وقوع التطوير في أساسيات الشريعة وأبجدياتها يستلزم وجود نقص أو خلل فيها في هذا الوقت مثلاً؛ وهذا بطبيعة الحال ينافي ذاتيتها وحقيقتها. فالشريعة لم يكن مصدرها البشر الذين يصدق عليهم القول بالنسيان أو الجهل والإغفال لجانب دون آخر. وهذه حقيقة معروفة عن الشريعة الإسلامية المغايرة في جوهرها لكل القوانين الوضعية. فالشريعة الإسلامية بخلاف كل الأنظمةِ القانونيةِ العلمانيةِ التي نَمت خارج المجتمعِ وتغييراتِه وظروفه؛ فقد فُرِضت الشريعة على المجتمعِ من الإرادة العليا. وعلى هذا ففي علم التشريعِ الإسلامي لا يتدخل المجتمع ليصمم القانون وسيره، بل القانون هو الذي يتحكم في سيرورة المجتمع والسيطرة عليه. وظهر من يتبنى هذا الاتجاه في بعض المجتمعات المسلمة، وراحوا يروِّجون للقول بوجوب المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، وأنها الحالة المثلى التي ينبغي أن تسير عليها المجتمعات المسلمة بعد سريان رياح التطور إليها والتقدم. فالتشريعات الخاصة بالتنصيف لا ينبغي أن تُفهم (في نظرهم) إلا في إطارها التاريخي ضمن الأعراف القبلية في الجزيرة العربية في إطار مجتمع كانت السيادة فيه والسيطرة للرجل، وكان منهج السلوك فيه هو استنباط الأحكام من النصوص. وكان مجتمع سلطة وليس مجتمع تحرر، مجتمع ضبط اجتماعي وليس مجتمع حراك اجتماعي. ولنا أن نتساءل: هل منهج السلوك في المجتمع المتغير بطبيعته هو الذي تستنبط منه الأحكام، أم أن الاحكام تستنبط من نصوص ثابتة مفارقة للزمان والمكان، حاكمة على الأعراف والظروف المتغيرة؟ فأحكام الشريعة الثابتة المبنية على النصوص الشرعية الواردة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة المنزلة على البشر من خارج مجتمعاتهم، ليست بنصوص تاريخية، وهذا بخلاف الأعراف والظروف السائدة في المجتمعات والخاضعة بطبيعتها للتاريخية والتغير. إن أحكام الميراث وتحديد الأنصبة من القضايا الثابتة بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، لا تخضع بحال لتقلبات الظروف والزمان والمكان، بل هي من المسائل التي نادراً ما تناولتها الشريعة بالتفصيل حسماً لمادة الخلاف المتوقع في مثل تلك الحالات، وحفاظاً على البنية الاجتماعية والأسرية، وتأكيداً على عدم إخضاعها لتقلبات الزمان والمكان والظروف. وعليه فلم يكن لاجتهادات العلماء السابقين فيها نصيب؛ فتأويل السابقين ﵏ لا يُنسب إلى أحكام وردت بها نصوص القرآن الكريم والسنة، بل ينسب إلى فقههم واجتهاداتهم ﵏. لقد أثرت الظروف الاجتماعية السائدة الدائرة حول فكرة المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة في كثير من المجتمعات المسلمة، على طريقة فهم وتأويل عدد من الكتّاب للنصوص القطعية الواردة في الميراث. وبناءً على هذا التأثر تمّ النظر إلى العديد من الآيات القرآنية الكريمة على أنها مؤسسة لفكرة التفرقة بين الرجل والمرأة. لقد لجأ أصحاب هذا الاتجاه إلى القول بأن تلك النصوص بما حوته من مبادئ قانونية كانت ضمن سياق ثقافي واقتصادي اجتماعي محدد. أما وقد تغير ذلك السياق وتلك الظروف الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، فالنصوص لم تعد مدعاة لشرعية التفرقة والتمييز بين الرجل والمرأة مطلقاً. ومما ساهم في انتشار تلك الدعاوى والأعراف البعيدة عن مقاصد الشرع حالة الضعف الذي منيت به المجتمعات المسلمة في ذاك الوقت؛ فمن المسَلّم به في علم الاجتماع أن المجتمعات في فترات ضعفها وانحلالها تتسرب إليها عادات وتقاليد العناصر الغالبة فيها، والمغلوب مولع بتقليد الغالب. فالدعوة إلى تأويل نصوص ميراث المرأة من جديد، جاءت بتأثر واضح لما ساد في العصر من القول بالتطور والدعوة إلى المساواة. وعلى هذا ذهب بعضهم إلى القول بتاريخية النصوص القرآنية. ولا يخفى أثر القول بتاريخية النصوص القرآنية الكريمة ودورها في إلغاء الشرائع والأحكام الثابتة التي جاءت تلك التعاليم والنصوص بها. وتظهر خطورة ذلك الاتجاه وأثره عند محاولة تقديم تأويل يلغي الحكم الثابت بالنص القرآني ليُحِل محله حكماً جديداً، على اعتبار أن حكم التنصيف قد ارتهن بالشروط الاجتماعية والتاريخية السالفة. فالقول بأن أحكام القرآن الكريم جاءت لمجتمع له أسسه وروابطه قول يحكم على الإسلام بإقليميته، ويقوض عالمية رسالته وصلاحيتها لكل زمان ومكان، ويعتبر أحكامه الثابتة بالنصوص صدى لقيم ومثل عليا مرتبطة بظروف تاريخية تجاوزها الزمن. فاللجوء إلى تأويلات أبعد ما تكون عن روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها في سبيل إلغاء الأحكام الشرعية القاضية بالتنصيف من خلال إخضاع النصوص لأعراف المساواة والحرية والتطور المنتشرة في مجتمعاتهم، أمر لا تخفى خطورته في تقويض حاكمية النصوص القرآنية وليّ أعناقها، وإخضاعها لتأويلات مسبقة ودعاوى بعيدة كل البعد عن الشريعة ومقاصدها. إن فسح المجال لأمثال تلك التأويلات والأفهام يمكن أن يسوق إلى القول بتاريخية النصوص القرآنية ومن ثمّ إبطالها وإلغاؤها بناءً على انتهاء سياقها التاريخي الذي ظهرت فيه. فالدعاوى والأعراف والظروف الاجتماعية والتاريخية ينبغي لها أن تخضع للنصوص الشرعية التي سَمْتُها الثبات وعدم التغير، بل ينبغي لها أن تحتكم لتلك النصوص وليس العكس. وانفتاحية مشروع تأويل النصوص لا تعني بحال مشايعة الفكر الغربي في كل ما ينتحله من فلسفات وقوانين مخالفة لمقاصد الشريعة الإسلامية وجوهرها؛ كما أنها لا تعني التفلُّت من الأحكام الثابتة أصلاً بالنص. كما أن القول بأن نصوص القرآن الكريم هي في ذاتها نصوص تاريخية محدودة بالظروف الاجتماعية المقارنة لظهورها يسوق إلى جعل المجتمع المتغير في أحكامه وعاداته وأعرافه حاكماً على النصوص المطلقة وقاضياً عليها؛ فكلما تغير العرف وتغيرت أحكام المجتمع تغير معه تأويلها وطريقة فهمها. وعلى هذا ينبغي التأكيد على ضرورة ضبط عملية التأويل ضمن سياق بحثي متواصل يستنبط منهجه من فكر أصيل منبثق من مقاصد الكتاب والسنة.

стр. 4801

في دائرة الضوء المواقف الفرنسية إزاء (حرب الإرهاب الأمريكية) حسن الأشرف [*] * أمريكا بعيون فرنسا: حاول المؤرخ «ميشيل كايار» تحديد علاقات الشد والجذب، والمد والجزر بين فرنسا وأمريكا فكتب: «تُعد فرنسا أكثر البلدان بأوروبا مُناهضة للنزعة الأمريكية، لكنها لا تستطيع مقاومة جاذبية مجتمع تلك القوة وثقافتها.. تلك مفارقة غريبة، لا تستعصي على التفسير، فكلا البلدين يطمحان إلى العالمية، إلا أن فرنسا تعتبر نفسها صاحبة رسالة حضارية، في حين ابتدعت الولايات المتحدة طريقة للعيش (life of way) تعمل على تصديرها عن طريق القوى العسكرية، والنفوذ الاقتصادي. وبينما تنتمي فرنسا إلى عالم ولّى كانت فيه رائدة، تحتل الولايات المتحدة الأمريكية مقدمة عَالَم وُلد سنة ١٩٤٥م، إنها في الوقت نفسه النموذج والعدو في نظر فرنسا. وبدأت مع الحرب الباردة وانطلاقاً من سنة ١٩٤٧م، تتحدد صورة الأمريكي العدو، فقد تميزت السنوات الممتدة من ١٩٤٧م إلى ١٩٥٥م بمعارضة ذات طبيعة سياسية للنزعة الأمريكية، جسّدها تحالف ضمّ الشيوعيين والمسيحيين واليسار المسالم والمثقفين ذوي الميول الشيوعية أو المسيحية، حيث اعتبرت الولايات المتحدة بلداً إمبريالياً يهدد بأسلحته ورؤوس أمواله وثقافته الاستقلال السياسي والثقافي والاقتصادي لفرنسا. ولم يَسلم الفرنسيون من جاذبية طريقة العيش الأمريكية؛ إذ في إطار مشروع » مارشال «انتقل إلى الولايات المتحدة مواطنون فرنسيون من أجل النفاذ إلى سرار الرفاهية الأمريكية، ويتعلق الأمر بالنسبة إليهم برغبة في نشر لروح المقاولة والإنتاجية والتايلورية (نسبة إلى مبدعها تايلور) ، والتبادل الحر في فرنسا، لقد استبطنوا النموذج الأمريكي دون إيجاد الجواب المناسب عن السؤال الآتي: هل يمكن لفرنسا أن تتماهى مع النموذج الأمريكي دون أن تفقد هويتها واستقلالها؟ إنه سؤال وجيه في بلد يرى أن الولايات المتحدة هي من القوة بحيث تحشر أنفها في كل شيء، وتسيء معاملة الفرنسيين ولا تريد فهمهم. ودون انتظار الإجابة عن هذا السؤال؛ فإن الفرنسيين الذين استفادوا من الرخاء الاقتصادي لبداية النصف الثاني من القرن الماضي؛ انخرطوا في مجتمع الاستهلاك الذي تجلى من خلال ارتفاع الأجور وتوفر القروض ومواد التجهيز، وأقبلوا على المنتوجات الأمريكية (America in Made) ، وقد حظيت سياسة دوغول المناهضة للعدو الأمريكي بسندٍ شعبي واسع لم يتوفر لليسار الذي سبقه إلى ذلك.. ومرّت السنون.. واستطاع الرئيس» بومبيدو «بمشروعه الذي سماه» الضرورة الصناعية «، » وفاليري جيسكار ديستان «المدافع عن» المجتمع الليبرالي المتقدم «؛ طي صفحة المفارقات الدوغولية، فحصل الانفراج في العلاقات الفرنسية الأمريكية، والذي بلغ مداه خلال الثمانينيات من القرن المنصرم، غير أن حليمة عادت إلى عادتها القديمة، حيث حورب» ميشيل روكا «المتطلع إلى رئاسة الجمهورية الفرنسية من طرف أنصار» فرانسو ميتران «بدعوى تمثيله» اليسار الأمريكي « فتم إقصاؤه؛ وبدأت فرنسا تستعد لخوض» الحرب الثقافية «للخروج من منطقة الاحتلال الأمريكي، وهو الشعار الذي ظهر في السبعينيات وبعثه من جديد » جاك لانغ «و» جون بيير شوفينمان «؛ إذ ندد الأول بالإمبريالية المالية والثقافية التي تخلب ألباب الناس، وحارب الثاني التغلغل الثقافي الأمريكي الذي يؤدي إلى الخضوع السياسي..» . إن فرنسا تعيش أزمة هوية ناتجة عن البناء الأوروبي الذي يطمس الأمم من أعلى، واللامركزية التي تحول فرنسا إلى إقطاعيات، والهجرة التي تعصف بآليات الاندماج، وبذلك يعتبر الاستثناء الفرنسي والحضارة التي ترمز إليها بمثابة عمل رائع مُعرّض للضياع، لكن فرنسا تتوفر على الضحية المناسبة التي تهدد الفلاحة والثقافة الفرنسية.. إنها «العدو الأمريكي» . ولقد جاءت أحداث ١١/٩/٢٠٠١م لتشكل صدمة كبيرة للأمريكيين، واختلف المفكرون الفرنسيون في رؤيتهم لما حدث؛ إذ برزت تيارات معينة حاولت فَهْم ما جرى: التيار الأول: هو تيار نعت الإسلام صراحة بأنه ديانة عنيفة يشوبها التعصب والتطرف، وهذا كان السبب في أحداث ١١ سبتمبر. التيار الثاني: يرى من خلال تلك الأحداث ضرورة أن تعيد الولايات المتحدة الأمريكية النظر في سياساتها الخارجية، وتراجع دورها في العالم. التيار الثالث: هو الذي اكتفى أصحابه بمحاولة إعطاء تفسيرات اقتصادية أو اجتماعية أو دينية لما وقع يوم «الثلاثاء الأسود» كما يسميه الأمريكيون. التيار الرابع: هو الذي يمثله الموقف الفرنسي الرسمي. ثم هناك رأي المسلمين في فرنسا في أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م. فلنعالج اتجاهات المفكرين والمحللين الذين يمثلون هاته التيارات من خلال التصريحات أو الاستجوابات التي أجرتها معهم الصحافة الفرنسية. * التيار الأول: التحذير من الأصولية الإسلامية: هذا التيار اهتم أساساً بالخطر الذي يمثله المد الإسلامي على الغرب، وفسر أحداث الحادي عشر من سبتمبر على أنها تعبّر عن حالة من العداء والعنف الذي يُكنّه المسلمون للغرب وللولايات المتحدة الأمريكية، وأبرز من يمثل هذا التيار: المستشرق الفرنسي «مكسيم رودنسون» صاحب كتاب: (الرأسمالية والإسلام) ، ومن هذا التيار أيضاً عالم الاجتماع ومدير معهد الدراسات العليا بباريس «ألان تورين» ، ثم الباحث المتخصص في الدراسات الاستراتيجية «إلكسندر ديلفال» . يقول المستشرق الفرنسي «مكسيم رودنسون» في مجلة لوفيجارو (Le FiGARO) : «إن العالم الإسلامي تؤسسه أفكار متنوعة ومتضاربة أحياناً، وتخترقه تيارات جد مختلفة، إنه عالم يمتد من الفلبين إلى الأنتيل.. أما الغرب فلا يمكن أن نجد له تعريفاً موحداً، رغم أنه يدافع الآن عن قيم مشتركة تحت تهديد العمليات. إن ضرب المركز التجاري العالمي مؤشر قوي على تنامي العداء داخل العالم العربي والإسلامي إزاء العالم الغربي، غير أن هاته الظاهرة ليست وليدة اليوم أو الأمس، فمنذ البدايات الأولى للإسلام وخصوصاً بعد وفاة الرسول برزت نقاشات حول إمكانية قتل المخالفين؛ إذ إنه تم فهم الإسلام منذ بدايات توسعه بطريقة تختلف عما جاء به الرسول، فالأصولية ليست جديدة في الإسلام، بل هي معطى وجودي في هذا الدين ... يجب الحذر من العمى التاريخي، فقد وجد دائماً صراع الحضارات، وعلى ضوء الأحداث الأخيرة ليوم الحادي عشر من سبتمبر، لا بد من إنصاف» صمويل هانتنغتون «الذي تنبأ منذ خمس سنوات بصراع الحضارات، رغم الخاصية النسقية لنظريته، وهو على حقٍّ مقارنةً بـ» جيل كبيل «الذي يعتقد انطلاقاً من نظرية متفائلة بأن النزعة الإسلامية ولّت. لنكف عن طمأنة النفس عبر القول مسبقاً بغياب رد فعل الجماهير المسلمة ... أنا لستُ من أولئك الذين يقللون من خطر الأصولية الإسلامية، ويمكن تفسير حدة العداء اعتباراً لكون الإسلام يأتي من المصدر نفسه الذي جاءت منه النصرانية، فإنه تطور في نوع من الانفصام في علاقته بالإشعاع الغربي ... إن جزءاً كبيراً من التعصب الحالي يعبر عن محاولة يائسة للإجابة عن سؤال: لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟ أما عالم الاجتماع الفرنسي» ألان تورين «فيركز على مسألة تراجع الإسلام السياسي كما يسميه؛ مما جعل الحركة الإسلامية تلتجئ إلى العنف. يعتبر » تورين «أن الهجوم على المراكز المالية والعسكرية للقوة الأمريكية وتدميرها لم يكن فقط انفجاراً للعنف وتعبيراً عن الحقد الذي شهدته بعض المدن العربية؛ بقدر ما كان إعلان حرب أعلنته بعض الشبكات الإسلامية في الوقت الذي يعرف فيه الإسلام السياسي انحساراً وتراجعاً!! لقد توسعت هذه الحركات الدينية في البداية كحملة وطنية، ثم بعد ذلك كحركة سياسية تسعى إلى الاستيلاء على السلطة أكثر من الدعوة الدينية، لكن النجاح الذي حققه اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية أضعف هذه الحركات، وانخرطت البورجوازية العربية شيئاً فشيئاً في معسكر الاقتصاد المعَوْلم، بدون طبقة تساندها، وبدون قادة للجماهير الغفيرة بالمدن. وبفرضها الاستيلاء على السلطة في أنحاء عديدة من البلاد الإسلامية؛ لم تملك الحركة الإسلامية إذاً خياراً آخر غير الانحلال الذاتي أو العنف، وربح العنف ضد الخيار الأول، كما ربح ضد قوة الولايات المتحدة الأمريكية؛ لأنه يوحّد الذين ينقسمون على أنفسهم. فالعالم في رأي» ألان تورين «يمكن أن يصير» بلاد باسك «كبيرة؛ » لضعف الإسلام السياسي وبروز الإسلام المُحارب (يقصد الدعوة إلى الجهاد) .. إن التغير الأساسي هو أن أعداء الولايات المتحدة الأمريكية أصبحوا أكثر خفاء «. وآخر مثال لهذا التيار الأول هو الباحث المتخصص في الدراسات الاستراتيجية» إلكسندر ديلفال « (DELVALL ALEXANDERE) ، والذي كتب في جريدة لوفيجارو الفرنسية مقالاً تحت عنوان:» أسس الإرهاب الإسلامي «، تحدث عما سماه» عنف ودموية الإسلام «، واعتبر الفكر الإسلامي فكراً يميل إلى الإرهاب أكثر من ميله إلى أي شيء آخر ... وتصيّد آياتٍ من القرآن الكريم تحث المسلمين على القتال في الحرب، لكنه فصلها عن نسقها البياني، ولم يضعها في سياقها الحقيقي. واعتبر الأحداث التي عرفتها الولايات المتحدة الأمريكية إرهاباً حقيقياً ضحيته الشعب الأمريكي والقيم الأمريكية في الحرية والمساواة والديمقراطية، ومرتكبوه أصوليون متعطشون للدم والهيمنة عبر العنف. * التيار الثاني: ضرورة مراجعة أمريكا لدورها في العالم: مفكرو هذا التيار ركّزوا على مظهر مهم من مظاهر تداعيات الثلاثاء الأسود، ألا وهو: ضرورة إعادة الولايات المتحدة الأمريكية النظر في سياستها الخارجية إزاء عدد من القضايا الدولية، وكيفية معالجتها لبؤر التوتر في العالم خاصة مشكلة الصراع العربي الإسرائيلي، حيث تكيل الولايات المتحدة بمكيالين تجاه الفلسطينيين، وأبرز من نادوا بهذه الفكرة: المفكر الفرنسي» برتراند بادي « و» ألان جوكس «مدير الدراسات، ومختص في قضايا الاستراتيجيات والقارة الأمريكية. كتب المفكر» برتراند بادي «في جريدة ليبراسيون يقول:» يلزم الانطلاق من شحنة العنف القوية التي تميز العالم اليوم.. إن العنف يُولّد العنف ... ثمة أناس يعانون منذ ولادتهم من عنف يومي، ويشعرون أن هذا العنف الذي أخذ يكتسح المناطق التي كانت محمية وهي المناطق التي يعتبرونها عن حق أو باطل والذي كان يصيب بعضاً ويُعفى منه بعضها الآخر؛ يتجه نحو الانتشار. إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر موجهة ضد القوة، فهي ليست عملاً إرهابياً ضد الديمقراطية، وليست عملاً إرهابياً ضد الغرب أو المسيحية، إنه فعل موجه ضد قوة معتبرة، عن حق أو عن باطل، وجد متقدمة أو بُولغ في تقديرها مقارنة بقدراتها الحقيقية. إن القوة العظمى لأمريكا اهتمت بتعبئة الموارد التكنولوجية والاقتصادية والمادية والعسكرية في الوقت الذي لم تبعأ فيه بالجانب الأساسي والأهم، وهو قدرتها على استعمال ما تراكم لديها من تلك الموارد، خصوصاً في مواجهة بعض الرهانات والتحديات ... لقد رأينا كيف أصيبت الولايات المتحدة الأمريكية بالرعب في الصومال والعراق وليبيريا ويوغسلافيا إزاء تمظهرات العنف المنتشر: عنف الفقراء؛ وبالتالي فإن هاته القوة تبدو كما هي هشة! وهي قوة مختلة أيضاً؛ على اعتبار أن فكرة النظام الدولي الجديد تُحمّل الولايات المتحدة الأمريكية مسؤولية إضافية، تتمثل في تنظيم النظام الجديد، ومن ثم فإن هذه القوة التي ربحت الحرب الباردة قد طرأ تغيُّر على دورها، حيث انتقلت من دور المصارع إلى دور المُنظم (Régulérateur) ؛ بيد أن الولايات المتحدة لم تخفق فقط في الدور الجديد الذي أسند إليها، بل انتقلت في أغلب الصراعات من دور الحَكَم إلى وضعية طرف في الصراع. وأفضى ذلك على مدى عشر سنوات خلت إلى تراكم كره رهيب نتيجة إحساس الأطراف المتصارعة بعدم حيادها! وفي المستقبل فإن الولايات المتحدة الأمريكية مدعوة إلى إعادة التفكير بشكل مضاعف في دورها من أجل مواجهة هذه الأشكال الجديدة للصراع باعتبارها مصارعاً، ومن ثم راكمت على عاتقها كتلة من العنف لم تُحسن ربما تقدير حجمها، وهي مدعوة أيضاً إلى حصر حدود قوة أضحت من الآن نسبية، وهذا لا يؤدي بالضرورة إلى الانعزالية، بل إلى التحلي بالتواضع، ومراجعة دورها في الصراعات الدولية. أما «ألآن جوكس» فقد كتب في جريدة لوموند ما يلي: «يمكن طرح السؤال: هل هجمات الحادي عشر من سبتمبر يمكنها أن تسهم في جعل الولايات المتحدة الأمريكية تعيد النظر في سياستها؟ الجواب سيكون بالإيجاب؛ إذ ينبغي على الأمريكيين أن يعوا ضرورة مراجعة البناء الاستراتيجي الذي يسندون إليه سياستهم مراجعة عميقة، لكن المشكل هو أنهم ليسوا مبرمجين لبسط المعضلة الاجتماعية على المستوى العالمي، بل إنهم مبرمجون على إنكارها من أجل اعتبار الإرهاب شراً، وأن جميع أشكال الإرهاب وجوه متعددة لإرهاب واحد ... إن الأهم هو قمع المسؤولين عن الإرهاب ثم المرور بسرعة إلى معالجة الأسباب، وإذا لم نقم بذلك، فلن نتمكن من خفض عدد المتطوعين للعمليات الانتحارية؟ سيكون من الخطأ أن نعتبر أنفسنا جميعاً أمريكيين ... إننا أوروبيون يقول جوكس وقد تأثرنا بما حدث بالرغم من أننا لم نتأثر للأسباب نفسها، فوحدة الشعور تعود للمظهر الفاشي والدموي الذي طبع الحادث؛ يجب علينا كذلك أن نحافظ على حرارة الشعور، ونحتفظ بهدوء الأعصاب. إن المثير للانتباه هو المظهر الانتحاري والدموي الذي يطبع النظام الإرهابي الجديد، حيث أصبح الإنسان فيه (الضحية) عبارة عن أشياء ثابتة، بينما الفاعلون هم الانتحاريون لذلك، فرجال القاعدة الانتحاريون يشكّلون النخبة، ولهم طموح جماعي ما دام المنتحرون أنفسهم لا يمكنهم التمتع بنتائج هذا الطموح. ثم إن الطموح الجماعي شكل من أشكال السيطرة على المسلمين، فإذا تمكنوا من إحكام قبضتهم على العالم الإسلامي، فسيمكنهم إذن تسليطه ضد الحضارة الغربية. إذن هناك منطق استراتيجي؛ يمكننا القول إنهم فاشيون؛ لأنهم يؤمنون بالوصول إلى الحكم عبر المرور فوق أكوام من القتلى ومنطق الإرهاب؛ بينما نحن لنا تقليد يقضي بالوصول إلى الحكم انطلاقاً من قناعة المواطنين من خلال الانتخابات.. إن ما نواجهه اليوم هو تحدٍّ كبير يهدد مستقبل الثقافة الديمقراطية الغربية» . * التيار الثالث: محاولة تفسير ما حدث: هناك من أصحاب هذا التيار أو الاتجاه الثالث من يرى ضرورة الاجتهاد لتفادي التأويل السيئ للإسلام. وهناك من دعا إلى وحدة للديانات الكبرى، وآخرون عالجوا الأثر التراجيدي للعولمة وقالوا بأن العمليات العسكرية وحدها لن تقضي على الإرهاب. وهناك من مفكري هذا الاتجاه من فسّر أحداث الحادي عشر من سبتمبر بالصراع بين الشمال والجنوب والحرمان السياسي والثقافي الذي يعاني منه الجنوب. في حوار مع «برونو إتيان» المختص في علم اجتماع الأديان ومدير مرصد الديانات بفرنسا أدلى به لمجلة «ليكسبريس» يقول: «ثمة إمكانيات متباينة لتأويل القرآن. مثلاً؛ يتم الحديث اليوم عن العمليات الانتحارية، بينما هناك حديث للرسول يقول إنه امتنع عن الصلاة على منتحر، ويعتبر القرآن بوضوح أن من قتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعاً.. أما شروط الجهاد والحرب والقصاص فقد حددها أساساً خلال ١٤ قرناً في إطار تأويلات مختلفة» . ومن ثَمَّ تمّ تأميم الخطاب الإسلامي الذي حل محل خطاب البعث أي اليسار العربي الذي يتراجع شيئاً فشيئاً، وهناك تفسير آخر يتجلى في إخفاق الإسلام الذي لم يفلح في إحداث مدينة فاضلة بالحداثة، فمن الضروري أن ينكب المسلمون أنفسهم على القيام بالمجهود الذي سبقهم إليه المسيحيون واليهود منذ عقود؛ أي التفكير في الشروط الموضوعية لإنتاج خطاباتهم الدينية وتاريخهم الديني، وذلك لتفادي التأويل الخطر للإسلام «. في كتابه (عنق العالم) حاول الفيلسوف الفرنسي» جان بودريار « (BAUDRILLARD JEAN) أن يبحث عن أسباب العنف المنتشر في العالم المعاصر ... يقول إن البرجين التوأمين (TOWRES TWIN) قد تعبا من أن يكونا رمزاً اقتصادياً ثقيل الحمل، فانتحرا! ... وهذه إشارة لطيفة لها أكثر من دلالة. يتفق الفيلسوف» جان بودريار «مع الفيلسوف» إدكار موران « (MORIN EDGAR) على أنه لا يمكن اختزال أحداث الحادي عشر من سبتمبر في البُعد المالي فقط.. فهذه الأحداث دعمت المراقبة الأمنية أكثر.. وهنا يكمن النصر الحقيقي للإرهاب بأن ينشر الرعب.. إن الإرهاب معاصر لعولمة التقنيات والمعلومات. والتدفق المتزايد للمال وانحسار دور القيم يشكلان السمة البارزة في عالم تروج فيه الديمقراطية وحقوق الإنسان تماماً كأي منتوج إعلامي. كما أنهما يعتقدان كون الإيمان بالتقدم انطفأت جذوته خلال القرن العشرين.. إن البنية التحتية لمجتمع عالمي مهيأة ومعدة بفضل وسائل الاتصال والتبادل الأكثر تطوراً.. ولكن حالة الذل والهوان التي يعيش فيها جزء كبير من سكان العالم تُعتبر سرطاناً حقيقياً، كحالة الفلسطينيين، وكره الولايات المتحدة الأمريكية والغرب ينتشر في العالم العربي الإسلامي انتشار النار في الهشيم، ينبغي أن تتم القطيعة مع مصطلح التنمية، والجزم بأن الغرب يحمل الهمّ الكوني للإنسانية على عاتقه. ويضيف الفيلسوفان على ذلك نداءهما إلى تكوين وحدة للديانات الكبرى انطلاقا من نقطها المشتركة؛ مثل الكونية، والتضامن، والإحسان. أما الخبير في الدراسات الاستراتجية» جون بيرغالو فيرى «أن ما حصل هو ثأر الدول الفقيرة من الدولة الغنية، يقول هذا الخبير:» لقد أظهرت الولايات المتحدة الأمريكية القوة العالمية الأولى اقتصادياً وعسكرياً وثقافياً هشاشتها القصوى في مواجهة التهديد، وإذا ما اعتبرنا القوة الأمريكية؛ فإن ما حصل يشكّل بدون شك إخفاقاً ... إن أمريكا لا يمكنها في الحقيقة أن تصنع شيئاً ضد سلطة الإنسان وإصراره، وبدرجة أقل الشيء نفسه نلاحظه في فلسطين، فلم يتمكن الإسرائيليون من إيقاف الفلسطينيين، ولنتصور كم من الصعب تسوية هذا المشكل داخل ديمقراطية كبيرة مثل الولايات المتحدة الأمريكية. بالتأكيد؛ لقد وضعت الولايات المتحدة الأمريكية وسائل ضخمة لتطوير علومها وتجارتها، وأنشؤوا صناعة عسكرية ضخمة، وبالنتيجة أعطوا تسويغاً لنمو قوتهم العسكرية والعلمية بوجود «الدول المارقة» (voyous Etat) ؛ مثل كوريا الجنوبية، والتي لا نرى الأسباب التي تدعوها للهجوم على الولايات المتحدة الأمريكية. لقد خصصت (و. م. أ) مصادر مالية ضخمة لقواتها العسكرية، وتخلت عن قضايا أخرى، وما حصل يمكن النظر إليه بأنه ثأر أو رد فعل مشروع من الدول الفقيرة ضد الدول الغنية «. * التيار الرابع: الموقف الرسمي والتيار التغريبي: بُعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ صرّح الرئيس الفرنسي» جاك شيراك «بما مفاده:» لا يجب أن تقتصر الحرب على الجانب العسكري، وأيضاً ينبغي معالجة مشكلة الإرهاب على المدى الطويل «. إن الموقف الفرنسي منذ هجمات الثلاثاء ١١ سبتمبر؛ كان منذ الأساس مركزاً على ضرورة الابتعاد عن أي خلط بين الإرهاب والعرب والمسلمين؛ إذ هو تصرف خاطئ وخطر! غير أن فرنسا أوضحت منذ البداية أن هذا الوضع سيتغير إذا ما ظهرت براهين دامغة تثير العلاقة بين طرف عربي والأعمال الإرهابية ... وفرنسا ترى الرد الأمريكي على أفغانستان من جرّاء أحداث الحادي عشر من سبتمبر رداً شرعياً ومسوَّغاً؛ لأنه» لا يمكن القول بمحاربة الإرهاب ثم الامتناع عن توفير الوسائل المادية لذلك «. ولقد أشار الكاتب محيي الدين عميمور في عدد ٧/١٠/٢٠٠١م في جريدة » الشرق الأوسط «إلى مسألة الإعلام الفرنسي والتيار التغريبي الذي يخترقه، مثلاً يقول الكاتب محي الدين:» حين يشير الإعلام الفرنسي إلى عدد من الذين تم القبض عليهم في إطار بعض الشبكات الإجرامية بأنهم جزائريون لا يذكر جنسيتهم الفرنسية، في حين يفعل العكس مع أشخاص مرموقين عالمياً كلاعب الكرة الشهير زيدان؛ حيث يُنسى أنه جزائري الأصل أو يكتفي بالإشارة إلى أنه من أصل قبائلي. ولقد وجد الرئيس الفرنسي فرصة لتمرير مشروعه الرامي إلى تكريم (الحركيين) (Harkis Les) ، وهم الجزائريون الذين جندتهم فرنسا لمحاربة (الإرهابيين) ؛ أي الذين عانت منهم الجزائر، ثم كرمهم شيراك تحت أضواء إعلامية جعلت كثيرين يتصورون بأن التكريم لا يقتصر على أعمال الماضي البعيد، بل قد يمتد ليشمل أعمال ماض قريب؛ أي أن التزامها حاضر يمتد إلى مستقبل بعيد. وبقي أن ندرك أن مجرد غضبة محتمشة فرضت على رئيس وزراء إيطاليا أن يتراجع عن تعبيراته المتسرعة، وعلى رئيس الوزراء الفرنسي وقائد الحزب الاشتراكي الحليف التقليدي لإسرائيل أن يزور مسجداً إسلامياً لكسب ود الجالية الإسلامية، وهي التي تمثل الديانة الثانية في فرنسا؛ بغضّ النظر عن أن تمثيل المسلمين هزيل بكل المقاييس «. * استقراء للرأي: أنجزت مؤسسة فرنسية لفائدة جرائد لوموند، ولوبوان، وأوروبا؛ استقراء للرأي في عينة من سكان فرنسا (أنجز ما بين ٢٢ و ٢٨/٩/٢٠٠١م) حول الأحداث التي عرفتها الولايات المتحدة الأمريكية يوم ١١ سبتمبر، والتي وجهت فيها أصابع الاتهام إلى جماعات إسلامية. ويمكن الاستنتاج من خلال هذا الاستقراء أن المسلمين بفرنسا يبدون أكثر تمسكاً بهويتهم عبر ممارسة الشعائر، يتجلى ذلك في الحرص على أداء الصلوات الخمس، والصوم، والتطلع إلى الحج؛ على الرغم من ذلك أنهم مندمجون في المجتمع الفرنسي ويحترمون قيمه العلمانية. وبخصوص العينة المسلمة؛ فإن الإسلام يُدين هذا النوع من العمليات، ويذهب ٩٠% منهم إلى أن منفذي العمليات لا يمكن أن يدّعوا الانتماء إلى الإسلام؛ لأن الدين الإسلامي يدعو إلى السلم والوسطية، فيما اعتبر ٦٨% من العينة أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط قد تكون دفعت الإسلاميين إلى التطرف. ويشير استقراء الرأي إلى تراجع النظرة السلبية إلى الإسلام لدى العينة الثانية التي تشمل السكان الفرنسين؛ حيث إن ٢٢% منهم يربطون بين الإسلام والتعصب، مقابل ٣٤% في استقراء سابق للرأي سنة ١٩٩٤م. غير أن الباحث الفرنسي» فرانك فريكوزي «الباحث في سوسيولوجيا الإسلام بالمركز الوطني للبحث العلمي؛ يلاحظ أنه رغم هذه المواقف الإيجابية ما زال ثمّة غموض يكتنف صورة الإسلام في فرنسا تشير إليه مقولات من قبيل » رفض القيم الغربية «و» صراع الحضارات «اللتين تترددان كثيراً في الآونة الأخيرة. * خاتمة: إذا كان السياسيون الفرنسيون، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م؛ قد ركزوا على مباحث: النظرة إلى العالم، والأمن الداخلي، والعلاقة مع الإسلام، فإن المفكرين الفرنسيين انصب اهتمامهم أكثر على محاولة إعطاء تفسيرات منطقية لما وقع، مثل الأثر التراجيدي للعولمة، أو الصراع الحضاري بين دول الشمال ودول الجنوب؛ أي بين الدول الفقيرة والدول الغنية، وهناك من فسَّر ما حدث بتنامي الحرمان السياسي والأيديولوجي والثقافي أكثر من الحرمان الاقتصادي. لكن على الرغم من ذلك هناك من الباحثين والمفكرين الفرنسيين من اتهم الإسلام بالتطرف والعنف والتعطش إلى الدم، وإن كان هؤلاء قلة قليلة بالمقارنة مع باقي المفكرين الذين ذهب بعضهم إلى حد المطالبة بأن تُغَيِّر الولايات المتحدة الأمريكية سياستها إزاء العالم؛ خاصة تجاه قضية الشرق الأوسط. إذن؛ اختلفت الاتجاهات الفكرية إزاء ما حدث يوم الثلاثاء ١١/٩/٢٠٠١م في عقر الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنها جميعاً اعتبرت ما حدث إرهاباً فظيعاً، على الجميع أن يتضامن مع الأمريكيين من جراء وقائع ذلك اليوم الذي سيظل محفوراً في ذاكرتهم إلى الأبد. ويحق لنا أن نتساءل عن مصير كثير من المفهومات والمبادئ الإنسانية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وهذا ما تساءل عنه الفيلسوف الفرنسي الكبير » جاك ديريدا « (DERRIDA JACQUE) .. انطلاقاً من مسألة السيادة والدور الحالي للولايات المتحدة والقلاقل والتغيرات الناتجة عن العولمة، تساءل » ديريدا «في كتابه الجديد عن مصير مفهومات» المنطق «و» الديمقراطية « وأيضاً» السياسة «و» الحرب «و» الإرهاب «، وخاصة بعد أن فقد شبح سيادة الدولة (ératique Souveraineté La) مصداقيته! * المراجع: - مجلة ليكسبريس L'Exspress. - مجلة لوفيجارو Le Figaro. - جريدة لوموند Le Monde. - جريدة ليبيراسيون LiBeration.

стр. 4802

المنتدى مع القراء تتوالى الرسائل من جمهور القراء الكرام؛ بين مشاركات، وتعقيبات، وتصويبات، واقتراحات، ونحاول الرد عليها قدر المستطاع نظراً لكون المجلة شهرية، وليس من السهولة بمكان الرد على رسائل كل القراء؛ لأسباب عملية وفنية. - الأخت عائشة المطيري، السعودية: أرسلت كوكبة وافرة من الثناء والدعاء لأسرة مجلة البيان، كما تقدمت باقتراح لتغطية قضية مهمة، حيث تقول: «تعلمون ما للفتن من أثر عميق في النفوس، وما يحدث فيها من المشكلات التي يسوّغها قومها بمسوغات يستغلون بها الأزمة، وتعلمون ما يحدث هذه الأيام من أزمة فكرية وتشويه لمبادئ الإسلام ومقاصد الشريعة الغراء، فأصبح الكثير يتكلم بما لا يعلم، ويغتاب علانية فضلاً عن السر، ويتعالم على غيره مع حب لإظهار الذات على الآخرين بما لا يعلمه ولا أصل له البتة، بل إن الكثير يتابع قنوات الإفساد التي تريد أن تفرق جماعتنا ووحدتنا.. ألا ترون أنه من الضروري مناقشة هذه القضايا على نحو واسع لا سيما أنها أزمة أمَّة!» . ونقول للأخت إن هذه القضية لا شك في أهميتها، وقد تناولت المجلة بعض جوانبها في أعداد سابقة، وفي هذا العدد مقال بعنوان: «موقف المسلم من الفتن» يغطي جوانب أخرى. - الأخ عمرو بن إبراهيم محمد العمرو، السعودية، الرياض: أرسل يقترح إضافة زاوية جديدة تخاطب الطفل المسلم بين ثنيات المجلة؛ لما يمثله الطفل من أمنيات، وما يُعوَّل عليه من توقعات، ونشكر الأخ على اقتراحه. ونقول إنه رغم أهمية مخاطبة الطفل المسلم إعلامياً؛ فإن التخصص في هذا المجال يكون قرين التأثير الإيجابي المطلوب، خاصة مع اتساع نطاق القضايا الشرعية والفكرية والتربوية والسياسية التي تسعى المجلة إلى تغطيتها. - الأخ أبو الفتوح شيمي حسن عبد العزيز: يتقدم بعدة ملاحظات واقتراحات، فمن ملاحظاته: أن يكون الخط الذي تُطبع به المجلة أكثر وضوحاً وأكبر حجماً لتسهل القراءة، كما يطلب زيادة عدد الموضوعات القصيرة لخفتها على القارئ. أما بالنسبة للملاحظة الأولى؛ فنحن نسعى دوماً إلى الموازنة بين المادة من حيث الكم وبين حجم الخط؛ بحيث لا يجور أحدهما على الآخر. وأما الثانية فنوافقه عليها، ونبحث تنفيذها بالفعل بدءاً من عدد محرم المقبل إن شاء الله تعالى. ويقترح الأخ أبو الفتوح إضافة بعض الأبواب الجديدة للمجلة؛ مثل: استراحة المجلة، باب بعنوان: من صاحبكم؟ ؛ عبارة عن مسابقة خفيفة يتم الإجابة عنها في العدد التالي، باب بعنوان: مواقف خالدة، باب بعنوان: شخصية العدد، ونحن نشكر الأخ الكريم على اقتراحاته ونعده بدراستها. - الأخ أبو أنس عبد الله بن علي الشهري: يقدم عدة نصائح وملاحظات بدافع حبّه للمجلة واعتبارها مجلته المفضلة، كما يقول: «بدأت العلاقة بيننا منذ عام ١٤٠٩هـ، أنتظرها نهاية كل شهر بفارغ الصبر، فهي وجبة دسمة ثمينة» . ويقول الأخ عبد الله إنه لاحظ توسع المجلة في المتابعات السياسية على حساب التربوية والفكرية، كما أن بعض كبار الكتاب السابقين اختفت مقالاتهم، ويشير إلى غياب لبعض الزوايا، كما يحذر من تأثير شبكة الإنترنت بمواقعها العديدة على المجلة. ونقول لأبي أنس إن المجلة لم تتوسع في المتابعات السياسية، ولكن هذه المتابعات هي التي توسعت جداً وفرضت نفسها على أي دورية إسلامية تهتم بالقضايا الحيوية للأمة، وصرنا نجد حتى الدوريات غير المتخصصة تتناول هذه القضايا السياسية لأهميتها. أما الموضوعات التربوية فنعتقد أنها تلقى عناية لائقة، ولكن نتفق معك في أن الموضوعات الفكرية تحتاج إلى مزيد اهتمام، وهذا ما ستلحظه في الأعداد القادمة بمشيئة الله. أما ما يتعلق بغياب بعض الكتاب الكبار فهذا أمر طبيعي، والمداومة على الكتابة مطلب عسير، ولا بأس بفترات انقطاع يسيرة يعقبها تواصل إن شاء الله. وأما الزوايا الغائبة؛ فما ينشر في كل عدد تقريباً من الأبواب يعادل ثلث الأبواب المعتمدة بالفعل، وهذا يؤدي إلى أن تحتجب أبواب كثيرة عن النشر لفترة طويلة، بينما نجد في المقابل كثيراً من الإخوة يقترحون علينا إضافة أبواب جديدة. - كثير من الإخوة يرسلون إلينا مشاركات تتعلق بمناسبات إسلامية، ولكن في أوقات مبكرة جداً أو متأخرة عن توقيت مناسبتها، والموعد المفضل لهذه المشاركات هو: قبل موعد المناسبة المتعلقة بها بما لا يقل عن شهرين؛ لنتمكن من إعدادها وإدراجها في خطة النشر في حال إجازتها.

стр. 4803

الورقة الأخيرة جريمة في جنيف ! محمد نزال [*] * توطئة: هل نحن بحاجة إلى الكتابة عن «وثيقة جنيف» التي تم التوقيع عليها قبل أسابيع في ١/١٢/٢٠٠٣م؟ هل تحتاج منا إلى الوقوف عند بنودها وتحليل نصوصها كي نستنتج أنها باطلة؟ هل من جديد في تلك الوثيقة بعد خريطة الطريق، وكامب ديفيد الثانية، وخطة تينت، وتقرير ميتشل، ومحادثات طابا، واتفاق واي بلانتيشن، واتفاق أوسلو، ومباحثات مدريد؟ لعل من نافلة القول أن ما بني على باطل فهو باطل، وهو ما يختصر كل ما سنورده عن تلك الوثيقة التي أُسّس بنيانها على شفا جرف هار لا أساس له ولا حق بسنده، ولا نرى إلا أنه سينهار سريعاً على رؤوس مهندسيه والمخططين له والموقِّعين على وثيقته. إن الدافع الذي يجعلنا نكتب عن تلك الوثيقة هو السير على نهج نبي الله إبراهيم ﵇ حين جادل قومه في بطلان ألوهية الكواكب والقمر والشمس وإثباتها لله الواحد الأحد، ومجادلته للنمرود، ومجادلته لقومه عقب تحطيمه للأصنام، وقبل كل ذلك فإن مما يسعنا في هذا الأمر أن نقول قولته عليه السلام: [قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي] (البقرة: ٢٦٠) ، فمثل تلك الوثيقة لا تزيدنا إلا يقيناً بأن قضية فلسطين لا حل لها بغير جهاد وصبر ومصابرة. أما هم فمثل خفافيش الظلام، كانوا يلتقون حتى ظهر ما خطَّطوه ودبروه، فإذا به يفيض سوءاً عن كل ما سبق من اتفاقات جائرة ظالمة؛ وهو ما يجعلنا نصطف إلى جانب كل من أدانها ورفضها بل واعتبرها جريمة بحق شعبنا وأمتنا. * الزمان: أما التوقيت الذي اختاره الموقِّعون على وثيقة التفريط ليخرجوها فيه إلى العلن؛ فقد تزامن مع محاولات محمومة أخرى من أطراف عديدة لتقديم ما يسمى بـ «المبادرات السلمية» بزعم «لحلحة» الأوضاع على الساحة الفسلطينية، والتي رافقها عقد العديد من اللقاءات العلنية بين أطراف صهيونية وأخرى فلسطينية؛ كذلك اللقاء الذي جمع جبريل الرجوب مستشار عرفات لشؤون الأمن القومي، وعمري شارون نجل الإرهابي شارون العضو في الكنيست الصهيوني، وذلك في منطقة «ديتشلي بارك» القريبة من إكسفورد، حيث جرت بينهما مفاوضات سُميت إعلامياً «ندوة عمل» ، وتم الاتفاق على تواصل اللقاءات والمباحثات بينهما، وهو ما يمكن تفسيره بأنه جزء من «الأفكار السياسية الجديدة للتسوية» ، والتي قيل إن الإرهابي شارون عاكف على بلورتها في مواجهة «هجمة المبادرات السلمية» التي انطلقت من حوله. وبالتوازي مع هذه الندوة عُقدت ندوة بعنوان «بحثاً عن حل دولي لفلسطين» في مدريد، شارك فيها محمد دحلان وزير شؤون الأمن الفلسطيني السابق وشلومو بن عامي وزير الخارجية الصهيوني الأسبق وغيرهما من الشخصيات الفلسطينية والصهيونية. كما تزامن ذلك مع إعلان حزب العمل الصهيوني أن لجنة برئاسة الوزير السابق حاييم رامون قد انتهت من إعداد «خطة سلام» كحل دائم للنزاع الفسلطيني الصهيوني، إضافة لإعلان مماثل عن حزب «شينوي» الشريك في الائتلاف الحاكم مع المجرم شارون. كل ذلك الصخب تزامن مع تصاعد وتيرة العمليات النوعية للمقاومة في العراق ضد الاحتلال الأمريكي؛ مما جعل الإدارة الأمريكية تتيقن أنها بدأت تغوص في المستنقع العراقي، وهو ما شغلها كثيراً عن متابعة التفاصيل الدقيقة على جبهة الصراع العربي الصهيوني، خاصة بعد إخفاقها الذريع في فرض رؤيتها المتمثلة بخريطة الطريق، ونجاح حركات المقاومة في تخطي الضغوط الهائلة التي رافقت الترويج لتلك الخطة لتستمر الانتفاضة ولو بحدها الأدنى. وبالنظر إلى الأهداف الحقيقية للاحتلال الأمريكي للعراق؛ فالورطة الأمريكية تشمل العدو الصهيوني بمعنى أن الإخفاق الأمريكي في العراق يضاف تلقائياً للإخفاق الذي تعاني منه حكومة شارون، والمتمثل بدرجة أولى في وقف المقاومة وإنهاء الانتفاضة، مع استنفاد كل وسائل القمع والبطش والإرهاب في مواجهة الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني. من هنا يتبين أن أصحاب «وثيقة جنيف» قدّموا خدمة جليلة لبوش الحريص على تهدئة المنطقة، وتحقيق أي إنجاز سياسي قبل أن يخوض معركة الانتخابات القادمة، كما أنهم بطريقة أو بأخرى قدموا خدمة للإرهابي شارون الغارق بدماء ضحاياه بالتغطية على كل ما ارتكبه من جرائم خلال السنوات الأخيرة، وذلك من خلال العودة إلى أجواء ما قبل الانتفاضة التي تهافت فيها فريق أوسلو على موائد المفاوضات؛ دون أن ينالوا من ذلك سوى المزيد من السخط الشعبي على نهجهم التفريطي، والالتفاف المتعاظم على برنامج المقاومة، والذي تجسد في انتفاضة الأقصى المباركة. إن مجرد عقد لقاءات مع شخصيات صهيونية في هذا الوقت، حيث المدن الفلسطينية ما زالت ترزح تحت حصار خانق والجرائم الصهيونية، وعمليات القتل والاغتيال والاعتقال لأبناء شعبنا لم تتوقف يوماً واحداً، وفي ظل تنامي بناء المستوطنات وتسمينها، وإصرار على إتمام بناء جدار الفصل العنصري، إن مجرد اللقاء مع الصهاينة هو إقرار لهم بما ارتكبوه ويرتكبونه من جرائم، واستهانة بتضحيات شعبنا وبدمائه وجراحه وأنات أبنائه في سجون العدو، وفي السجن الكبير الذي حشرهم فيه داخل الوطن. * المكان: في البلد الذي احتضن المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل، ودعا فيه ثيودر هيرتزل إلى إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين؛ تم التوقيع على «وثيقة جنيف» لتشكل امتداداً للمؤامرات التي حيكت وما تزال تحاك على أرضنا المقدسة لانتزاعها من المالك الشرعي لها وتسليمها لإخوان القردة والخنازير، ولعل من المفارقات اللافتة أن اسم جنيف ارتبط في سبعينيات القرن الماضي بـ «مؤتمر السلام» الذي حاولت الأطراف الدولية آنذاك عقده في جنيف، ولم يتجرأ أحد وقتها على الإذعان للضغوط الدولية في مواجهة الرفض الشعبي للحلول الاستسلامية، ومما يؤرخ لتلك الحقبة قول شاعر فلسطيني: كل الدروب سوى جنيف مغلقة ... ودرب جنيف فيه ضيعة القيم!! * الأطراف الموقعة: على الرغم من أن وثيقة جنيف استحوذت على اهتمام غير معتاد، حيث شارك في حفل التوقيع عليها رؤساء دول سابقين؛ من بينهم الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر مهندس اتفاقات كامب ديفيد، ونيلسون مانديلا رئيس جنوب إفريقيا السابق، وليخ فاونسا رئيس بولندا السابق، إضافة لمئات من المدعوين البارزين، وعلى الرغم من الصخب الإعلامي الكبير الذي صاحب التوقيع عليها والاهتمام الدولي بها؛ فإن أصحاب الوثيقة في واقع الأمر ليس لهم أي وزن سياسي سواء لدى الطرف الفلسطيني أو الطرف الصهيوني، والذي ترأسه بيلين رئيس حزب شاحار الصهيوني الذي لا يحظى بأي وزن معتبر في الخريطة السياسية الصهيونية، أو حتى عمرام ميتسناع رئيس حزب العمل السابق الذي لم يطل بقاؤه فيه بسبب تدهور أوضاعه على جميع الأصعدة، حيث شارك كعضو في الوفد الصهيوني مع أبراهام بورغ (رئيس المكتب الصهيوني السابق) وعدد آخر من الشخصيات اليسارية. وقد تعارف الوسط الصهيوني على أن الحزب المهزوم في الانتخابات يبرع في تقديم مبادرات سلمية ما دام بعيداً عن مقاليد الحكم، وهو ما يفسر عدم الحماس الصهيوني، لها بل ومهاجمتها إلى درجة إصدار فتوى حاخامية تعتبر توقيع «وثيقة جنيف» بمثابة «خيانة» ، والموقّعين عليها هم «خونة» ، وزادت على ذلك بالمطالبة بمحاكمة «الإسرائيليين» المشاركين في مراسم توقيع الاتفاقية بتهمة التآمر على الدولة والدس على دعائمها وأسسها وزعزعة ركائز أمنها!! أما الطرف الفلسطيني الذي ضم في عضويته هشام عبد الرزاق وزير شؤون الأسرى، ونبيل قسيس الوزير في حكومة قريع، ومحمد الحواراني عضو المجلس التشريعي، وقدورة فارس الوزير أيضاً في حكومة قريع؛ فقد ترأسه ياسر عبد ربه الذي تجمعه مع نظرائه الصهاينة قواسم مشتركة عديدة على خلفية التوجه اليساري الذي يميزهم جميعاً. ياسر عبد ربه الذي تنقل مراراً خلال ممارسته للعمل السياسي من صفوف حركة القوميين العرب إلى أحضان الجبهة الشعبية، ليغادرها عام ١٩٦٩م ليكون مساعداً لنايف حواتمة في قيادة الجبهة الديمقراطية، لينسلخ عنها ويصبح أميناً عاماً للاتحاد الديمقراطي الفلسطيني (فدا) عام ١٩٩١م؛ لم يعرف عنه إلا أنه كان ضمن الخلية المصغرة التي قادت بسرّية تامة مفاوضات أوسلو سنة ١٩٩٣م، حيث ذكر أبو مازن في كتابه «طريق أوسلو» أن قناة أوسلو السِّرية اقتصرت تفصيلاتها على ثلاثة هم: «ياسر عرفات، وأبو مازن، وياسر عبد ربه» . ياسر عبد ربه كان حاضراً في أغلب المفاوضات التي تم عقدها بين السلطة الفلسطينية والصهاينة، وبعد أن أمضى زمناً طويلاً وزيراً للإعلام لدى السلطة؛ فإن قيامه بتوقيع «وثيقة جنيف» لا يمكن أن يحسب عليه كإنجاز شخصي، فما كان لمثله أن يمضي قدماً في إتمام صفقة جنيف دون تفويض من عرفات الذي أرسل جبريل الرجوب مستشاره للأمن القومي للمشاركة في حفل التوقيع. وبهذا فيمكن الجزم بأن تلك الوثيقة هي إحدى محاولات فريق أوسلو لإحياء مسيرة المفاوضات المتعثرة، والتي داس عليها شعبنا الفلسطيني خلال انتفاضته المباركة. * الوثيقة الجريمة: لعل الجديد في وثيقة جنيف هذه المرة هو حجم التفريط الذي قدمه الجانب الفلسطيني، والذي لم يسبق له مثيل في السابق؛ إذ إنها تجرأت على شطب حق العودة للاجئيين الفلسطينيين، وهو الملف الأكثر خطورة وحساسية في ملفات القضية الفلسطينية، وكان وما يزال الشوكة في حلق المفاوضين، خاصة أنه يرتبط بمصير ملايين اللاجئين الذين تشتتوا داخل فلسطين وخارجها. لقد أعفت هذه الوثيقة العدو الصهيوني من كل مسؤولية أخلاقية أو قانونية عن تهجير أولئك اللاجئين، وبذلك فقد أقر الطرف الفلسطيني للصهاينة على روايتهم، والتي تدّعي أن العصابات الصهيونية لم تقم بتهجير اللاجئين قسراً وعبر خطة مدروسة، كما أنها رفعت عنه تبعات حل مشكلة اللاجئين وحملتها للمجتمع الدولي، وتركت مصير تلك الأعداد الهائلة من اللاجئين بيد الصهاينة، وهو ما يعني حرمانهم من العودة إلى أرضهم، وحرمانهم من التعويض عن الأضرار التي لحقت بهم بسبب إخراجهم من أرضهم، ولا نبالغ إن قلنا إن جريمة جنيف بحق اللاجئين الفلسطينيين لا تقلّ بشاعة عن مذبحة اللاجئين في مخيّم جنين. إن الجريمة التي ارتكبت في جنيف لم تقتصر على بند اللاجئين بل تعدته إلى كل محاور الوثيقة، كما في ملف القدس الذي تنازل فيه الجانب الفلسطيني عن الحائط الغربي للمسجد الأقصى (كحائط البراق) للصهاينة، وتم الإقرار ولأول مرة بأن لليهود علاقة بالحرم القدسي، والتسليم للعدو بالهيمنة على جبل الزيتون والعديد من الأماكن التي تقع ضمن القدس الشرقية، مع أن مجرد الإقرار لليهود بسيادتهم وهيمنتهم على القدس الغربية جريمة لا تُغتفر!! في تلك الوثيقة (الجريمة) أدان الموقّعون جهاد شعبنا ووصموه بالإرهاب، وتعاهدوا على محاربة القائمين عليه والمتمسكين به؛ من خلال تشكيل تبادل المعلومات الأمنية والاستخبارية، وشن حرب لا هوادة فيها ضد كل من يقاوم الاحتلال الصهيوني البغيض. الشيء الوحيد الذي غفل عنه أولئك الذين اجتمعوا في حفلة ليرقصوا على جراح شعبنا الفلسطيني ومعاناته وآلامه؛ هو أن وثيقتهم ما كان لها أن تقدم أو تؤخر شيئاً في جوهر صراعنا مع الاحتلال الصهيوني، فتحرير فلسطين والقدس وإعادة ملايين اللاجئين لن يتم عن طريق المفاوضات السلمية الذليلة، وإنما عن طريق الجهاد والمقاومة، وكما أن مزبلة التاريخ تحوي العديد من الوثائق والاتفاقات التي تم التطبيل والتهليل لها؛ فلن يكون حال «وثيقة جنيف» أفضل منها؛ شأنها شأن أي زبد فارغ.. [فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْض] (الرعد: ١٧) .

стр. 4804

ذو الحجة - ١٤٢٤هـ فبراير - ٢٠٠٤م (السنة: ١٨)

стр. 4805

كلمة صغيرة ولا تستوي الحسنة ولا السيئة قال الإمام يحيى بن معين: «ما رأيت على رجل خطأ إلا سترته، وأحببتُ أن أزين أمره، وما استقبلت رجلاً في وجهه بأمر يكرهه، ولكن أبيّن له خطأه فيما بيني وبينه، فإن قبل ذلك وإلا تركته» [١] . هذه القاعدة النفيسة ليحيى بن معين ﵀ في غاية الأهمية لأسباب من أهمها: أن ابن معين من أجلِّ أئمة الجرح والتعديل، وأعرفهم بالرجال، ومع ذلك يقول هذه الكلمة التي تلخص منهج أئمة الحديث في التعامل مع الأخطاء وزلات أهل العلم والفضل. ومن المعضلات الكبرى التي أنهكت الدعوة ومزَّقت الصف الإسلامي، ذلك التطاحن والتهارش، وتصنيف العلماء والدعاة والمؤسسات الإسلامية، الذي أشغل بعض الناس وأصبح معولاً قاسياً لتفريق الأمة وتعطيل طاقاتها..! ولنا في مجلة البيان وصيتان: الوصية الأولى: للمشتغلين بمثل هذه الأمور، فنقول لهم: هبوا أن إخوانكم قصَّروا أو أخطؤوا أيكون التصحيح بالرحمة والستر والنصحية، أم بالتشفي والتعيير والفضيحة؟! أتحبون أن تلقوا ربكم بإحسان الظن بإخوانكم، والتماس العذر لهم، أم بالقيل والقال وأخذ الناس بالظِّنة؟! إذا رأيتم خطأ فبينوا.. لكن بعد التثبت والتزام الدليل، والتماس الأدب النبوي، قال الله تعالى: [وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] (المائدة: ٨) . وقاعدة أهل الحديث في ذلك أن: «الكلام في الرجال لا يجوز إلا لتام المعرفة، تام الورع» [٢] . الوصية الثانية: للدعاة وللمؤسسات التي تعرضت لذلك الأذى، فنقول لهم: إخوانكم منكم وإن بغوا عليكم، فاحمدوا لهم حرصهم، واقبلوا الحق الذي دلوا عليه، فطالب الحق يقبله من كل أحد، واغفروا لهم ما سوى ذلك. ومَنْ نذر نفسه لخدمة دينه فلن يجد في وقته فسحة للالتفات إلى تلك الصوارف التي تفسد على المرء دينه، وتشغل قلبه، قال أبو عبيدة: «مَنْ شغل نفسه بغير المهم أضرَّ بالمهم» [٣] . إنَّ التحديات التي تواجهنا، والنوازل التي تعصف بنا، لن نقوى على الثبات في ميدانها إلا بنفوس عَليَّة، وقلوب نقيَّة، مطمئنة بذكر الله، معتصمة بحبله، قال الله تعالى: [وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] (فصلت: ٣٤-٣٥) .

стр. 4806

الافتتاحية تداعي الديمقراطية الفرنسية أمام فريضة الحجاب الحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن المتأمل في قصة الفتاتين المسلمتين الفرنسيتين اللتين منعتا من الدراسة لالتزامهما بالحجاب وكانتا حديث الساعة ومحل اهتمام وسائل الإعلام بدعوى أن حجابهما يخالف ما تدين به الدولة الفرنسية من علمانية يلزم معها أن يتساوى الجميع في المظهر حتى يتسنى الاندماج في المجتمع الفرنسي يجد الكثير من التناقض؛ فمنذ كلف الرئيس الفرنسي (جاك شيراك) لجنة مختارة بعناية برئاسة (برنارستاري) وهو سياسي ليبرالي فرنسي مشهور، وبعد عمل استمر ٣ أشهر وعقد ١٢٠ جلسة انتهت اللجنة إلى قرار يمنع ارتداء الحجاب للمسلمات، والقلنسوة اليهودية، و (الصليب الكبير) على حين يسمح بتعليق الصليب إن كان صغيراً، وهو ما يشير إلى سقوط الديمقراطية الفرنسية في قرار أبعد ما يكون عن العدالة والمساواة والإنصاف، وقدم التقرير للرئيس الفرنسي في ١١/١٢/٢٠٠٣م ووافق عليه. وقال رئيس اللجنة بعد يوم من تقديم التقرير: إن فرنسا لن تتسامح مع المعارضين الذين يسعون إلى تقويض قيم الجمهورية الفرنسية وعلى رأسها مبدأ العلمانية. والواضح لكل ذي عينين أن هذا القرار موجه في الأساس ضد المسلمات، ويأتي منع شعارات الدينين الآخرين ذراً للرماد في العيون؛ لأن القلنسوة والصليب وإن كانا شعارين يعلنان عن هوية كل مستخدم لهما، وأنه ينتمي لدين معين؛ إلا أن الحجاب ليس شعاراً، بل هو تشريع رباني جاء في الكتاب والسنة، بل كان تشريعاً في الديانات السابقة قبل الإسلام. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل أصبح حجاب الفتاة المسلمة من الخطورة بحيث يشكل خطراً على العلمانية الفرنسية، ويهدد ذلك الحجاب بانتهاك القوانين الفرنسية؟ .. نعتقد أن ذلك مبالغة في التوصيف، وتطرف في تصوير الهلع والخوف من مظاهر الإسلام. ثم كيف نصدق أن العلمانية الفرنسية العريقة التي تضمن حق مواطنيها بالدين الذي يعتنقونه، وبالحريات الشخصية التي يرونها في حياتهم كيف نصدق إعلانها سقوطها على رؤوس الأشهاد؟ ونحن نعتقد أن ذلك مظهر من مظاهر العقدة الجديدة التي أشاعها الإعلام الغربي وأسماها (الإسلام فوبيا) أو بمعنى أوضح (عقدة الخوف من الإسلام) وهذه العقدة لم تأت من فراغ، وإنما لها أسباب عديدة نؤجل بيانها مؤقتاً، ونوضح لكل منصف أن هذا القرار وُوجه برفض من كثير من المسؤولين حتى الفرنسيين؛ فهذا وزير الداخلية الفرنسي (نيكولاس ساركوزي) يعارض ذلك القرار ويقول بأن حظر المختلف عليه في فرنسا يمثل (نوعاً من الأصولية العلمانية) . وتقول النائبة الفرنسية المحافظة (كريستين بواتين) إنه كان يجب تهميش الموضوع بدلاً من التركيز عليه وتحويله إلى أزمة. كما رفض ذلك كل من (الحزب الشيوعي) و (حزب الخضر) والجهات الدينية بفرنسا. ومن جانب آخر قال مسؤول الحريات الدينية في الخارجية الأمريكية (جون هانفورد) إن حظر المظاهر الدينية في فرنسا يشكل مصدر قلق مهم لأمريكا ونتابعه. وقالت وزيرة الدولة البريطانية (فيونا ماكتاجارت) في نقد غير مباشر لفرنسا: (لقد نجحنا في أن نجد ضمن ثقافتنا سبيلاً لإحياء التنوع بعيداً عن الجدل.. إلى أن قالت: إن بوسع المرأة أن ترتدي الحجاب من دون أي مشكله في الأماكن العامة أو في المدرسة) . انظر (صحيفة المدينة الصادرة في ٢٦/١٠/١٤٢٤هـ) . فهذا القانون الذي كان محل استغراب الكثيرين لماذا لم يفكر فيه إلا مؤخراً؟ فالمسلمون في فرنسا يُعتَبَرون أكبر الجاليات المسلمة في الغرب؛ حيث يشكلون خمس ملايين نسمة أي بنسبة ٧% من السكان، والأسباب التي يسوِّغ بها المسؤولون الفرنسيون تمرير هذا القرار ساقطة وبخاصة العمل على دمج الوافدين والمتجنسين بالجنسية الفرنسية مع الشعب الفرنسي؛ فهذا التوجه الذي يعمل على إشراك المسلمين في أوروبا بعامة أخفق إخفاقاً ذريعاً كما بينت ذلك دراسة أجريت على خمس مدن أوروبية متفرقة تتميز بوجود كثافة سكانية من المسلمين؛ حيث تم التوصل إلى نتائج هامة تبين من خلالها تهميش المسلمين مع وجود الأحكام المسبقة والخصومة ضدهم، وهذا سائد في كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وقد قادت هذه التفرقة ضدهم إلى إقصائهم عن النشاطات الاقتصادية والاجتماعية [١] . أما زعم أن حجاب المسلمات يفرض عليهن من أهليهن وبدون رغبتهن وبإملاء من الجماعات الإسلامية: فهذه دعوى بلا دليل؛ وإنما يكون حجابهن عن قناعة؛ فهو طاعة لله تعالى، وابتغاء رضوانه. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإن الواقعة محل البحث للفتاتين المسلمتين المشار إليهما سابقاً هي أكبر دليل على كذب هذه الدعوى؛ فالفتاتان اللتان ثارت المشكلة لأجلهما أبوهما يهودي ملحد، وأمهما نصرانية كاثوليكية؛ فكيف يقال إنهما مأمورتان من والديهما؟ بل هذه وجهة نظرهما وقناعتهما ليس إلا. أما دعوى أن المجتمع الفرنسي علماني ومنع الحجاب هو منع لكل علامة دينية للجميع، فنقول بأن الحجاب ليس شعاراً بل هو شعيرة أمر بها الدين وحث عليها، وهذا خيارهما الذي تدينان به. ألم تضمن العلمانية حقهما في الدين وحقهما في الخيار الشخصي فضلاً عن عوار القرار الذي وضحناه آنفاً؟ ونعود لبيان الأسباب الدافعه للحكومة الفرنسية على فرض ذلك القرار المغرض، ونعتقد أنه يرجع لما يلي: - ما يوجد في فرنسا من تيارات فاعله تكره الإسلام وكل ما يذكر به سواء من المستشرقين أمثال (مكسيم رودنسون) الذي يقول إن الإسلام دين غريب ومخيف يرهب العالم والحداثة. وللإعلام الفرنسي دور فاعل في مهاجمة الإسلام والتخويف منه. - ومن ذلك ما نشرته (صحيفة لوفيجارو) عما تسميه (الخطر الإسلامي) على المجتع الفرنسي عن تقرير تم تسريبه من المخابرات الفرنسية يحذر من انتشار الإسلام بفرنسا؛ حيث يُسْلِمُ ما بين ٢٠ ألف إلى خمسين ألف نسمة كل عام، وفي هذا مبالغة واضحة لها آثارها في مجتمع كاثوليكي كالمجتمع الفرنسي. - وهناك (التيار الوطني المتطرف) بزعامة (لوپوان) الذي يلعب على أوتار المشاعر القومية العنصرية ودائماً ما يطالب بطرد العرب والمسلمين من فرنسا. ومما يؤكد هذه العنصرية بشكل جلي ما قامت به الصحفية الفرنسية (كارولين فونتان) من تحقيق صحفي بنفسها عن موقف الفعاليات الفرنسية من الحجاب؛ حيث لبسته بدعوى أنها مسلمة فرنسية محجبة تبحث عن عمل، وزارت العديد من المؤسسات والأحزاب ونشرت تقريرها في (الباري ماتش) ، وكيف أنها جوبهت بالرفض والطرد الذي تراوح بين الاعتذار الدبلوماسي والرفض الصريح. (التجديد في ٨/١٠/١٤٢٤هـ) . كما أن هناك رأياً قوياً يقول بأن بعض الدول العربية والإسلامية المعروفة بعلمانيتها المتطرفة تطالب بعض الدول الغربية مثل فرنسا بأهمية إعلان منع المظاهر الإسلامية للمسلمين ومنها حجاب المسلمات وهذا ليس مستبعداً. - والحقيقة التي قد تغيب عن الجميع لمعرفة دوافع هذا الموقف الفرنسي الغريب من حجاب الفتيات المسلمات هو ما أعلنته الكاتبة الفرنسية (صوفي بسيس) في كتابها (الغرب والآخرون: تاريخ من الهيمنة) حيث قالت بكل صراحة: إن الغرب الحديث ولد في عصر النهضة مؤسساً ذاته على رفض كل ما ليس أوروبياً أو نصرانياً. هذه هي الحقيقة التي غابت عن أحد العلماء في اجتهاد غير موفق حينما أعلن بأن من حق فرنسا منع حجاب المسلمات؛ لأنه شأن داخلي، وكنا نود من فضيلته - عفا الله عنا وعنه - رفض الموقف الفرنسي نحو الحجاب الإسلامي وتذكيرهم بعلمانيتهم وديمقراطيتهم التي تكفل حق الدين وحق الرأي ولا سيما أن هناك دولاً غربية رفضت وانتقدت تلك الخطوة الفرنسية، واعتبرت ذلك مخالفة للديمقراطية والعلمانية. وأخيراً: يحق لنا أن نتساءل: حتى متى يُشَرَّد المسلمون من بلدانهم فيضطرون للهرب من الكبت والاستبداد والإقصاء القائم في كثير الدول التي نحَّت شريعة الله، فطردت الآلاف من المسلمين الملتزمين بدينهم أو المنتمين لبعض التيارات الإسلامية، فنتجت مثل تلك المشكلات؛ فمتى تعود الطيور إلى أعشاشها آمنة مطمئنة؟ ومتى ينال هؤلاء المطارَدون حقوقهم الشرعية بالأمن في أوطانهم؟ بل متى ينالون حقوقهم النظامية فيما يسمى بحقوق الإنسان والتي يطالب الغرب بها كثيراً من الدول العربية والإسلامية؟ بل إن الغرب يساوم تلك الدول على تطبيق تلك الحقوق. ويحق لنا أن نستغرب الأمر مع الشاعر شوقي: حرامٌ على بلابله الدوحُ ... حلالٌ للطير من كل جنسِ! وحسبنا الله، ونعم الوكيل

стр. 4807

دراسات في الشريعة السبيل إلى حج مبرور د. أحمد العمراني [*] elamrani_ahmed@hotmail.com تُعَدُّ العبادات من أعظم ما يُتقرب به إلى الله تعالى، ومن أيسر وأوسع وأجلّ الطاعات التي ينال بها العبد محبة الله ومرضاته، حيث روي عن النبي الأمين قوله: إن الله قال: «مَنْ عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ حتى أحبه..» [١] . وتتجلى أهمية العبادات وعظمتها في ارتباطها بحياة المسلمين زماناً ومكاناً وأشخاصاً، فهي لم تُنتزع من كيانهم يوماً ما، كما أنها لم تغب عن حياتهم رغم ما عرفته الأمة الإسلامية من أزمات قاسية، وفترات جهل عصيبة، وتخلف فكري حاد، وركود اقتصادي مضن، وتبعية وتمزق كبيرين للأعداء. وليس هذا غريباً على أمة يحمل تابعوها دينهم في قلوبهم، ويعتقدون فيه الخلاص لمشكلاتهم؛ مهما حصل الانحراف، ومهما تقهقرت النفوس إلى الوراء، ومهما أثَّرت الغفلة. وقد سبق للرسول ﷺ أن أخبر بحصول مثل هذه الفتن للأمة، تظهر على شكل هزات تقوّض أركان الدين، وتطيح بشرائعه من واقع الناس، ولكن تبقى العبادات الركن الأقوى من آخر ما يُنتقض منها، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «لتنتقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتُقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضاً الحكم وآخرهن» [٢] . وليتحقق الأثر الذي تولده العبادات، سواء الإيمانية منها أو الأخلاقية أو الاجتماعية؛ لا بد أن يؤديها العبد بذاته وصفته، ليحيا في رحابها بنفسه، ويستشعر أثناءها قدرة الخالق وجلاله وعظمته، ويتذوق حلاوة معانيها مع كل حركة أو كلمة أو خطوة أو نفقة. هكذا أراد الخالق للعبادات أن تكون؛ تُباشر بالذات، وتُسكب فيها العبرات، وتُشد إليها الرحال. والعبادات - كما هو معلوم - أنواع، منها ما هو مالي محض كالزكاة، ومنها ما هو بدني خاص كالصلاة والصيام، ومنها ما يجمع بينهما كالحج. فالحج ركن من أركان الإسلام الخمسة، عبادة مقصدها الامتثال لله والوفاء بحقه تعالى، هو شحنة تربوية كبيرة يتزود بها المسلم لتحقيق الخشية واستنفار مشاعر الأخوّة، وإيقاظ شعلة الحماسة الدينية والغيرة على حرمات الله، والعزم على الطاعة، والندم على المعصية، والحب لله ورسوله. وهو تدريب على السلام؛ لأنه رحلة سلام في شهر سلام إلى أرض سلام، وتدريب على المساواة والوحدة، فلا طبقية هناك، بل وحدة في المشاعر والشعائر، وفي الهدف والقول والعمل. وهو فرصة للثقافة وللتعليم، قال أحدهم: «مَنْ يعش ير كثيراً» فردَّ عليه آخر: «بل مَنْ يسافر ير أكثر» . إنه السفر إلى أول بيت أقيم على الأرض لعبادة الله، قال صلى الله عليه وسلم: «أول مسجد وضع للناس المسجد الحرام، ثم بيت المقدس» ، فسُئل كم بينهما؟ قال: «أربعون عاماً» [٣] . عبادة عظيمة تكفَّل المصطفى ﷺ لمن أدَّاها كما ينبغي بالجنة بقوله: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» [٤] . ** فهل من سبيل إلى حجة مبرورة؟ إن أول ما ينبغي أن يعلمه المسلم هو أن عبادة الحج من العبادات التي تلزم المستطيع والقادر، فهي في حقه واجبة على الفور لا على التراخي؛ لقول الرسول ﷺ : «مَنْ أراد الحج فليعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتكون الحاجة» [٥] . وفي رواية: «تعجَّلوا الحج؛ فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له» [٦] . وهذا أمر طبيعي لأن الحج من عمل الآخرة، وأعمال الآخرة لا تُؤَدة فيها كما قال ﷺ : «التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة» [٧] . ولمعرفة مواصفات الحجة المبرورة، وجب علينا أن نعرف معنى البر المطلوب، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بمعرفة الوافد على بيت الله قيمة المكان الذي سيفد إليه وقدره. عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «الغازي في سبيل الله والحاج والمعتمر وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم» [٨] . بالتأكيد فالمسلم أول ما يفكر في إقامة فريضة الحج؛ يبدأ بالبحث عمن يُعلِّمه، أو يبدأ في تعلُّم مناسك الحج من حيث الأركان والواجبات والمستحبات والمكروهات والكفارات؛ لأن الله يُعبد بالعلم وليس بالجهل. وهذا أمر أتركه لجهد كل راغب في أداء هذا المنسك، وللمطبوعات الموزعة هنا وهناك، لكني سأحاول في هذه الورقات أن أبين لكل راغب في زيارة بيت الله الحرام قدسيته، وفضائل كل شعيرة تُقصد فيه للتعبد أولاً؛ لأصل فيما بعد إلى بيان طريق تحقيق الحجَّة المبرورة ثانياً. ** أولاً: مكانة البيت وقيمة شعائره في الإسلام: * فضل مكة ومسجدها: فالمسلم أول ما يفكر في الحج، يضع نصب عينيه أنه سيزور مكة خير أرض الله، كما قال ﷺ : «إنكِ لخير أرض الله ، وأحب أرض الله إليَّ» [٩] . ويصلي بمسجدها لقوله ﷺ : «صلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما سواه» [١٠] ، وهو فضل يغري كل راغب في الأجر وباحث عن الفضل. * الكعبة والطواف بها: وهي محل طواف حجاج البيت، حيث يطوف المتعبد بالكعبة، والطواف فرصة أمرنا الرسول الكريم بالاستمتاع بها قبل أن نُحرَمها، ولأنها قد لا تدوم طويلاً، حيث أخبر ﷺ بضرورة استغلالها قبل فوات الأوان، فقال: «استمتعوا بهذا البيت؛ فإنه قد هُدم مرتين ويُرفع الثالثة» [١١] . ولكي يستحضر العبد رمزية هذا المكان وعظمته يجب أن يستحضر أولاً أنه سيلبي نداءَ الرحمن الذي فرض على عباده زيارة بيته، كما قال في كتابه: [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً] (آل عمران: ٩٧) . وسيلبي نداء خليل الرحمن إبراهيم ﵇ الذي أمره الله بالنداء، بقوله تعالى: [وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ] (الحج: ٢٦-٢٧) . ويكفي لبيان فضل الطواف به ما قاله الرسول ﷺ : «مَنْ طاف بهذا البيت أسبوعاً يحصيه، كُتب له بكل خطوة حسنة، وكُفِّر عنه سيئة، ورُفعت له درجة، وكان عدل عتق رقبة..» [١٢] . وقال: «مَنْ طاف بالبيت وصلى ركعتين كان كعتق رقبة» [١٣] . يطوف طوافاً يمثل الامتثال التام، والطاعة دون سؤال، فلا يجوز الطواف بغيره، ومَنْ طاف بغيره فإنما يعبد الشيطان. * الحجر الأسود: وموقعه في ركن من أركان الكعبة الأربعة، وهو من الجنة لقول الرسول ﷺ : «الحجر الأسود من الجنة» [١٤] ، وكان أبيض اللون كما قال ﷺ : «نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضاً من اللبن فسودته خطايا بني آدم» [١٥] . بل هو ياقوتة من ياقوت الجنة، كما قال النبي ﷺ : «إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولولا أن الله طمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب» [١٦] . وهو من الشهود يوم القيامة لقول الرسول ﷺ : «إن لهذا الحجر لساناً وشفتين يشهد لمن استلمه يوم القيامة بحق» [١٧] . وعند ابن ماجه: «ليأتين هذا الحجر يوم القيامة وله عينان يبصر بهما ولسان ينطق به، ويشهد على من يستلمه بحق» [١٨] . وفي رواية: «يأتي الركن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس له لسان وشفتان» [١٩] . وأبو قبيس هو الجبل المجاور للكعبة. وقال ﷺ : «إن مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطاً» [٢٠] . وقال ﷺ : «الحجر الأسود من الجنة وما في الأرض من الجنة غيره، وكان أبيض كالمها، ولولا ما مسه من رجس الجاهلية ما مسَّه ذو عاهة إلا برئ» [٢١] . * ماء زمزم: وهو الماء الذي غُسل به صدر النبي ﷺ مرتين: - مرة لما كان غلاماً برفقة الغلمان، «حيث جاءه جبريل ﵇ وصرعه فشق قلبه، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم أعاده إلى مكانه..» [٢٢] . - ومرة قبل الإسراء، حيث يقول ﷺ : «فُرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء..» [٢٣] . وهو خير ماء على وجه الأرض لقوله ﷺ : «خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من الطعم، وشفاء من السقم. وشر ماء على وجه الأرض ماء بوادي برهوت بقبة حضرموت كرجل الجراد من الهوام، يصبح يتدفق ويمسي لا بلال فيها» [٢٤] . وهو من الماء النافع حيث يقول ﷺ : «ماء زمزم لما شُرب له» [٢٥] . وفي رواية الدارقطني: «إن شربتَه تستشفي به شفاك الله، وإن شربتَه لشبعك أشبعك الله، وإن شربتَه ليقطع ظمأك قطعه الله، وهي هزمة جبريل، وسقيا الله إسماعيل» [٢٦] . * يوم عرفة: هو يوم عظَّم الله أمره، ورفع على الأيام قدره، فقد أقسم سبحانه به، والعظيم لا يُقْسم إلا بعظيم، في قوله تعالى: [وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ * وَالْيَوْمِ المَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ] (البروج: ١-٣) ، المشهود: يوم عرفة [٢٧] . وهو من أعظم أيام الله، وفيه يحصل لأهل الإيمان من الأجر ما لا يحصل في سواه، قال ﷺ : «إن الله تعالى يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، يقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً» [٢٨] . وقال ﷺ : «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟» [٢٩] . وهو اليوم الذي يصغر فيه الشيطان، حيث روى الإمام مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما رئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ فيه من يوم عرفة، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام..» [٣٠] . * التلبية: ولها أهميتها الخاصة؛ إذ إنها تعني أن العبد جاء يلبي نداء الله، فيقول بصوت مسموع وقلب مكلوم: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» . يلبي ملك الملوك دون سواه متجرداً من كل الشهوات، وحابساً إياها عما سوى الله، والتفكير في جلاله، فصوت المسلم شهادة على النفس بما يشهد له من حجر أو مدر؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من ملبٍّ يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر؛ حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا» [٣١] . * المسجد النبوي: وموقعه بالمدينة المنورة، وهي طابة مستقر الإيمان ومأواه، منها انتشر الدين وإليها يعود، قال ﷺ : «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» [٣٢] . وفي رواية: «إن الإيمان ليأرز إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها» [٣٣] . ساكنها مع الإيمان والتقوى مفضل في الحياة والممات، جاء الحث على لزوم الإقامة فيها والموت بها، ومَنْ فعل ذلك كان له النبي صلى الله عليه وسلم شهيداً أو شفيعاًَ يوم القيامة، حيث قال: «مَنْ استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليفعل فإني أشهد لمن مات بها» [٣٤] . وهو مسجد أسس على التقوى من أول يوم، وأول مسجد أُذّن فيه في الإسلام، وآخر مسجد أسسه الأنبياء ﵈، و «الصلاة فيه خير من ألف فيما سواه» [٣٥] . ما بين بيته ومنبره ﷺ روضة من رياض الجنة [٣٦] ، ومنبره على حوضه [٣٧] ، وعلى ترعة من ترع الجنة [٣٨] . وفيها مسجد قباء كان النبي ﷺ يأتيه راكباً وماشياً يصلي فيه ركعتين [٣٩] ، قال فيه ﷺ : «مَنْ تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة؛ كان له كأجر عمرة» [٤٠] . ** ثانياً: وسائل تحقيق الحجة المبرورة: إذا عرف المسلم هذه الفضائل وهذه الخيرات، فهل يسمح لنفسه أن يضيع بعضاً من وقته فيما لا ينفع، أو يسمح للشيطان أن ينغص عليه عبادته، أو يوقعه فيما حذَّر منه الشرع الحنيف؛ مما قد يبطل حجه أو يحرمه من تحقيق الحجة المبرورة؟ بالطبع.. لا ثم ألف لا، فالمؤمن كيس فطن، وقاف متثبت، وهو ليس بالخب ولا الخب يخدعه [٤١] . فحجه لبيت الله عمل قاصد، والهدف منه واضح وهو تحصيل الجنة، وهذا لا يتحقق إلا بحسن الفهم لهذه العبادة؛ أي فهم ما يلزمها لتنفيذه، وفهم ما يهدمها لاجتنابه. وقد ذكر بعض العلماء أن الحج المبرور هو الذي لا يُعصى فيه الله ولا بعده [٤٢] . وقيل: هو المتقبل، وعلامته أن يزداد الحاج بعده خيراً، ولا يعاود المعاصي بعد رجوعه. قال الحسن البصري ﵀: «الحج المبرور أن يرجع زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة» [٤٣] . وقيل الحج المبرور هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة ولا رفث ولا فسوق ولا جدال؛ لقوله تعالى: [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجّ] (البقرة: ١٩٧) . ولكي نُحسن فهم لفظة مبرور يجدر بنا أن نبحث عن دلالتها فيما ورد من نصوص قرآنية وأحاديث نبوية خصتها بالذكر والبيان، فالمبرور من البر، والبر صفة عظيمة في شرعنا، وخصلة كبيرة في ديننا، إن لم نقل هي الدين كله، ويكفي في بيانها قول الله تعالى: [لَيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ] (البقرة: ١٧٧) . وفي أحاديث جامعة حدد الرسول الكريم مفهوم البر فقال ﷺ : «البر حسن الخلق» [٤٤] . وهو خلق عظيم شامل، أجره عظيم كما قال ﷺ : «أثقل شيء في الميزان الخلق الحسن» [٤٥] . وفي رواية: «أكثر ما يلج الناس به الجنة حسن الخلق» [٤٦] ، وقال ﷺ : «إن المسلم المسدد ليدرك درجة الصائم القوام بآيات الله ؛ لكرم ضريبته وحسن خلقه» [٤٧] . فالمطلوب إذن من الحاج: التميز وتمثل الأخلاق الحسنة، وتجنب الأخلاق السيئة؛ من أجل تحقيق الحجة المبرورة، وهي كما يلي: ١ - الإخلاص: كل عبادة لا يمكن أن تُقبل إلا إذا توفر فيها شرطان هما: الإخلاص، والمتابعة. والإخلاص شرط أساس لصحة الحج وقبوله، قال تعالى: [ِفَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ] (الزمر: ٢) ، وقال الله فيما يرويه عنه صلى الله عليه وسلم: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ مَنْ عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» [٤٨] . ٢ - المتابعة: أي: معرفة الأركان والواجبات والالتزام بها دون زيادة أو نقصان؛ لأن الأصل في العبادات الامتثال، وقد علَّمنا رسول الله ﷺ كيف نحج، فقال: «يا أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجُّوا. فقال رجل: أُكلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله ﷺ : لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم. ثم قال: ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك مَنْ كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» [٤٩] . وعلَّمنا كيف نحج فقال في حجة الوداع: «لتأخذوا عني مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أراكم بعد حجتي هذه» [٥٠] . وأمرنا بأن لا نزيد ولا ننقص فيما أمر به الشارع، فقال ﷺ : «مَنْ عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» [٥١] . ومما يؤكد هذا المبدأ؛ ما دأب عليه العلماء من الدفاع عن الدين، وإبقائه صافياً نقياً لا تشوبه شائبة، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فهذا الإمام مالك بن أنس ﵀ جاءه رجل فقال: من أين أُحرم؟ فقال: من الميقات الذي وقَّت رسول الله ﷺ وأحرم منه، فقال الرجل: فإن أحرمتُ من أبعد منه؟ فقال مالك: لا أرى ذلك، فقال: ما تكره من ذلك؟ فقال مالك: أكره عليك الفتنة، قال: وأي فتنة في ازدياد الخير؟ فقال: فإن الله تعالى يقول: [فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] (النور: ٦٣) ، وأي فتنة أعظم من أنك خُصصت بفضل لم يختص به رسول الله ﷺ « [٥٢] . ٣ - التوبة النصوح: فإذا عزم المؤمن على السفر إلى الحج، استُحب له أن يوصي أهله وأصحابه، فيكتب ما عليه من الدين، ويُشهد على ذلك، ويجب عليه المبادرة إلى التوبة النصوح من جميع الذنوب لقوله تعالى: [وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (النور: ٣١) . وحقيقة التوبة: الإقلاع عن الذنوب وتركها، والندم على ما مضى منها، والعزيمة على عدم العودة فيها، وإن كان عنده للناس مظالم من نفس أو مال أو عرض ردها إليهم، أو تحللهم منها قبل سفره؛ لما صح عنه ﷺ قال:» مَنْ كان عنده مظلمة لأخيه من مال أو عرض؛ فليتحلل اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم؛ إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه « [٥٣] . وفي لفظ البخاري:» مَنْ كانت لأخيه عنده مظلمة من عرض أو مال؛ فليتحلله اليوم قبل أن يُؤخذ منه يومَ لا دينار ولا درهم « [٥٤] . ٤ - النفقة الطيبة: وينبغي للحاج أن ينتخب لسفره نفقة طيبة من مال حلال؛ لما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:» إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: [يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ] (المؤمنون: ٥١) ، وقال: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ] (البقرة: ١٧٢) ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب! ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام؛ فأنى يستجاب لذلك! « [٥٥] . وقال الشاعر: إذا حججتَ بمال أصله سحتٌ ... فما حججتَ ولكن حجّت العيرُ لا يقبل الله إلا كلَّ صالحة ... ما كل مَنْ حج بيت الله مبرورُ ٥ - تمثل السكينة: وتعني الوقار، والسير الهادئ، والتواضع، وعدم أذية الآخر، والصبر والرحمة، وهي كلها من الأخلاق المطلوبة في مثل هذه العبادة، كما هي مطلوبة في كل العبادات، فقد أمر بها النبي ﷺ في الصلاة، فقال:» إذا أقيمت الصلاة؛ فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة « [٥٦] . ورأى ﷺ جنازة يسرعون بها فقال:» لتكن عليكم السكينة « [٥٧] ، وأخبر ﷺ أنها تنزل عند قراءة القرآن، فعن البراء قال:» كان رجل يقرأ وعنده فرس مربوط بشطنين، فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال: تلك السكينة تنزلت للقرآن « [٥٨] . وقد أوصى السلف الصالح باغتنام فضلها والتجلبب بها، حيث ورد عن علي ﵁:» تجلببوا بالسكينة وأكملوا اللؤم « [٥٩] وقال ابن مسعود: » السكينة مغنم وتركها مغرم « [٦٠] . وبما أن عبادة الحج عبادة خاصة، يجتمع في موسمها الكثير من الناس في مكان محدود وزمان محدود؛ فإن طبيعة المناسك تقتضي بالضرورة أن يحصل شيء مما لا ترتاح له النفوس أو لم تتعود عليه من ضيق وتأخر وتعثر؛ سواء في الطريق أم في الحافلات أم في أماكن الاستحمام أم في غيرها. وكذا ما يحصل من ازدحام شديد أثناء محاولة تقبيل الحجر الأسود، ورمي الجمرات، وحتى في السكن المخصص للحجاج من كل بلد، حيث يجد الحاج نفسه في مسكن مؤجر، ومع أفراد قد تكون له بهم معرفة مسبقة وقد لا تكون. وكل هذه الأمور تجعل الحاج في اختبار مهم مع نفسه، هل ينجح فيه أو يخفق؟ لهذا تُطلب السكينة في هذا المنسك، ولأهميتها نادى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالتمسك بها وحث عليها وهو يقوم بأداء المناسك، حيث ثبت عنه قوله ﷺ وقد رأى ازدحام الناس، وإسراع بعضهم وتثاقل آخرين، وقوة بعضهم وضعف آخرين، فنبه إلى الأهم:» عليكم بالسكينة؛ فإن البر ليس بالإيضاع (الإسراع) « [٦١] . وفي رواية:» عليكم بالسكينة والوقار، فإن البر ليس بإيجاف الإبل والخيل، فما رأيت ناقة رافعة يدها عادية حتى بلغت منى « [٦٢] . وفي رواية (تعدو) بدل عادية [٦٣] . ٦ - التحكم في الجوارح: عن ابن عباس ﵄ قال: كان فلان رديف رسول الله يوم عرفة، قال: فجعل الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهن، قال: وجعل رسول الله ﷺ يصرف وجهه بيده من خلفه مراراً، قال: وجعل الفتى يلاحظ إليهن، قال: فقال له رسول الله ﷺ :» يا ابن أخي: إن هذا يوم مَنْ ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غُفر له « [٦٤] . فالمسلم في كل العبادات التي يتقرب بها إلى الله، يعبده بكل جوارحه، ولا يقوم بأداء الشعائر كأداء المهام التقنية، بل يجب أن يحسّ بحلاوة العبادة ويتذوقها، وهذا لا يتم إلا إذا أخضع جميع جوارحه لله تعالى، فالعين غاضة الطرف عن محارم الله، واللسان مقيد إلا عن ذكر الله، والأذن صماء إلا عما يرضي الله، واليد مسلسلة إلا عن الخير والمعروف، والرّجْل لا تمشي فيما يُسخط الله، والبطن لا تقبل أن يدخلها ما عنه نهى الله. وينبغي على الحاج أن يتجنب ما يلي: ١ - الرفث: والرفث من رفث يرفث بكسر الفاء وضمها، وهو الجماع وغيره مما يكون بين المرأة والرجل، يعني من تقبيل ومغازلة ونحوهما. وهو أيضاً الفحش من القول وكلام النساء في الجماع [٦٥] ، ومنه قوله تعالى: [أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُم] (البقرة: ١٨٧) . وهو رذيلة ساقطة توغر القلب، وتذهب بالاحترام، وتغرس العداوة والبغضاء بين الأفراد. وهو كل كلام ساقط يُستحيى من التلفظ به والاستماع إليه، وتشمئز منه النفس وترفضه المروءة، فمثله لا يصدر إلا من سفهاء الناس وغوغائهم، وهو من الأمور المنهي عنها في الحج لقوله صلى الله عليه وسلم:» مَنْ حج البيت ولم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه « [٦٦] . ٢ - الفسق: والفسوق من الفسق، ويعني: الخروج عن طريق الحق، وترك أمر الله كما فسق إبليس عن أمر ربه [٦٧] . وفي الحديث سميت الفأرة فويسقة، تصغير فاسقة، لخروجها من جحرها على الناس وإفسادها. قال ﷺ :» خمِّروا الآنية وأوكوا السقية، وأجيفوا الأبواب، وأكفتوا صبيانكم عند العشاء، فإن للجن انتشاراً وخطفة، وأطفئوا المصابيح عند الرقاد، فإن الفويسقة ربما اجترت الفتيلة فأحرقت أهل البيت « [٦٨] . وقال أيضاً ﷺ :» خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم: الفأرة، والعقرب، والحديا، والغراب، والكلب العقور « [٦٩] ، وإنما سميت هذه الحيوانات فواسق على الاستعارة لخبثهن [٧٠] . والفسوق أنواع: أ - جميع المعاصي: وهو قول ابن عباس وعطاء والحسن وابن عمر، حيث قال ابن عمر:» إتيان معاصي الله في حال إحرامه بالحج؛ كقتل الصيد، وقص الظفر، وأخذ الشعر.. وشبه ذلك « [٧١] . ب - الذبح لغير الله: وهو قول مالك وابن زيد [٧٢] . لأن الحج لا يخلو عن ذبح، وكان أهل الجاهلية يذبحونه لغير الله فسقاً، فشرعه الله تعالى لوجهه نسكاً، ومنه قوله تعالى: [أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ] (الأنعام: ١٤٥) . ج - التنابز بالألقاب: قاله الضحّاك، ومنه قوله تعالى: [وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَان] (الحجرات: ١١) . ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:» سباب المسلم فسوق « [٧٣] . وقال النووي في الأذكار:» اتفق العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكرهه سواء كان صفة له كالأعمش، والأعرج والأحول والأصفر، أو كان صفة لأبيه أو لأمه، أو غير ذلك مما يكرهه « [٧٤] . قال ابن العربي المعافري ﵀:» والصحيح جميعها « [٧٥] . وقد حذَّر منه الرسول الكريم، وبشَّر مَنْ تجنبه بالمغفرة التامة، فقال صلى الله عليه وسلم:» مَنْ حج البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمّه « [٧٦] . بل حذَّر من رمي المؤمن به فقال:» لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق أو يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك « [٧٧] . والفسوق في مقام الحج ينصرف إلى الآثام والمعاصي التي تهدم الأواصر وتفكك الروابط، كالسباب والشتائم والغيبة والنميمة وتتبع العورات، وغيرها من الأمراض اللسانية التي تُسهم في تفكك العلاقة بين أفراد المجتمع. ٣ - الجدال: ويطلق في اللغة على معان [٧٨] ؛ أهمها: أ - الصرع والغلبة، تقول: جدل الرجل؛ أي صرعه وغلبه في الجدل. ب - الإتقان والإحسان، تقول: جدل الحبل جدلاً؛ أي أحكم فتله وأتقن. ج - شدة الخصومة والمناقشة، تقول: جادله مجادلة وجدالاً، ناقشه وخاصمه، ومنه قوله سبحانه: [وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن] (النحل: ١٢٥) . د - مقابلة الحُجّة بالحُجّة: جادل فلان فلاناً؛ أي قابل حجته بحجته عنده. ولا تعارض بين هذه المعاني جميعها، فإن إتقان الخصومة وحسنها والمناقشة؛ ينتهي إلى الصرع والغلبة غالباً. وهو في الاصطلاح:» القصد إلى إفحام الغير وتعجيزه وتنقيصه بالقدح في كلامه، ونسبته إلى القصور والجهل فيه «، وهو غالباً ما يكون في المسائل العلمية [٧٩] . وللعلماء في الجدال في الحج أقوال مختلفة: منها المماراة، والسباب، والاختلاف في زمن المناسك أو أماكنها أو طريقة الأداء، وهذا لا يجوز مطلقاً [٨٠] ؛ لقول الرسول ﷺ :» إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض.. « [٨١] ؛ ليتبين بذلك أن أمر الحج له يومه ووقته، وقوله: » خذوا عني مناسككم « [٨٢] ، وأن مواقف الحج ومواضعه واضحة بيِّنة ولا ينبغي الجدال فيها. والجدال في الحج من الأعمال المنهي عنها؛ لقول الله تعالى: [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجّ] (البقرة: ١٩٧) ، ولأنه من أقبح الخصال وأشنعها؛ لما يسببه من اختلاف وفرقة تسهم في التنافر والقطيعة بين المسلمين والإخوة والأصدقاء والمقربين. ٤ - الرياء: وهو في اللغة مشتق من الرؤية، تقول: أرأى الرجل؛ إذا أظهر عملاً صالحاً [٨٣] ، ومنه قوله تعالى: [فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ] (الماعون: ٤-٧) . ومنه قوله تعالى أيضاً: [وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاس] (الأنفال: ٤٧) . ومعناه إطلاع المسلم الناس على ما يصدر منه من الصالحات طلباً للمنزلة والمكانة عندهم أو طمعاً في دنياهم، وهو ما صرح به العز بن عبد السلام في قوله: » الرياء أن يعمل لغير الله « [٨٤] . ويكفي بياناً لخطره أن النبي ﷺ قال بعد أن قصد الحج: » اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة « [٨٥] . وفي الحديث:» مَنْ يرائي يرائي الله به « [٨٦] . وقال ﷺ أيضاً:» إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله عز وجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء؟ « [٨٧] . وفي رواية عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:» يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى مَنْ كان يسجد في الدنيا رئاء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً « [٨٨] . ٥ - السمعة: وهي في اللغة مشتقة من سمَّع، تقول سمَّع الناس بعمله؛ أي أظهره لهم بعد أن كان سراً [٨٩] . وفي الاصطلاح إسماع المسلم الناس ما يصدر منه من الصالحات طلباً للمنزلة والمكانة عندهم أو طمعاً في دنياهم. وقد سأل النبي ﷺ ربه أن يقي حجه من السمعة؛ بقوله: » اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة « [٩٠] . هكذا يحقق المسلم الحجة المبرورة، ويتحقق له بذلك ما وعد به المصطفى ﷺ :» الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة « [٩١] .

стр. 4808

دراسات في الشريعة هكذا حج الصالحون .. د. علي الصياح aliasayah@maktoob.com أثناء جمعي لمادة هذا المَقَال مِنْ كتب الآثار والسير وغيرها؛ كانت تمرّ عليّ آثارٌ أجدني مضطراً للوقوف عندها طويلاً مُعْجباً ومندهشاً مما فيها: - مِنْ فقهٍ سليمٍ لحقيقةِ الحجِ وَمقصدِهِ وَحكمتهِ وَغَايتهِ. - ومِنْ قوةٍ في العَبادةِ، وَصدقٍ في الالتجاء، والانطراحِ بين يدي الربّ . - ومِنْ صفاء أرواحٍ تستشعرُ قربها مِنْ الله في هذه الشعيرةِ العظيمةِ. - ومِنْ إخاء ومحبة وبذل وعطاء ... وَمَا مَثَلي وَمَثل هذه الآثار إلاّ كرجلٍ دَخَلَ حَدِيقَةً ذات بهجة، تأسر الناظر بكثرة ورودها المتنوعة، ورائحتها الجميلة، ويحتار المرء فيما يختار من هذه الورود التي فيها.. فالكلّ جميل، وإنْ كان بعضها أفضل من بعض. وأنتَ واجدٌ هذا الاستشعار لحكمة الحج من لدن سلفنا الصالح منذ أوَّل لحظة يُحْرمون فيها بالحج.. إلى أن يطوفوا طواف الوداع. وكلٌّ يتعبد الله بما يُسّر له بما لا يخرج عن دائرة اتباع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك صحابته الكرام. فمن السلف من يُسِّر له الصلاة.. ومنهم من يُسِّر له الإكثار من الحج والعمرة، ومنهم من يُسِّر له الذكر والدعاء ... والعلم.. والدعوة.. والبكاء من خشية الله.. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يعود إلى فقه المرء بنفسه وطاقتها وميلها.. وهذا الفقه مطلوبٌ شرعاً. وأعظم ما تلمس في هذه الآثار الواردة في الحجّ: - عنايةُ السّلف بالتوحيدِ.... ونبذ الشرك: نعم! لا فائدة من حجٍّ لا يقوم على التوحيد.. ونبذ الشرك.. إنّ مَنْ يقول وهو متلبس بشعيرة من أعظم الشرائع: «مَدَداً يا رسولَ الله» أو «مَدَداً يا علي» .. أو يذبح لغير الله، ويتوسل بالأولياء والصالحين.. ويدعوهم من دون الله.. لم يستشعر أنّ الحج شُرع في الأصل لتوحيد الله ، قَالَ تعالى: [وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ] (الحج: ٢٦) . فللتوحيدِ أُقيمَ هذا البيت مُنذُ أوَّل لحظة عرَّف الله مكانه لإبراهيم - عليه السلام -، وملَّكه أمره ليقيمه على هذا الأساس: [أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً] . وقال تعالى في سياق آيات الحج: [حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ] (الحج: ٣١) . وفي القرآن الكريم سورة تُسمّى «سورة الحج» ، كلها تتحدث عن التوحيد والعبادة، ونبذ الشرك بجميع صوره، وتنعى على أولئك الذين يعبدون غير الله تعالى، أو يدعون من دونه ما لا يضرهم ولا ينفعهم، بل يدعون مَن ضَرُّه أقرب من نفعه. وفي حديث جابر بن عبد الله ﵁: «ثم أهلَّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك» [١] . ومما يُشرَعُ في يوم عرفة الإكثار من شهادة التوحيد بإخلاصٍ وصدقٍٍ، ففي حَدِيثِ عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قَالَ: كانَ أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير» [٢] . ومما تلمس في هذه الآثار أيضاً: - تعظيم حرمات الله: وهذا التعظيم امتثال لأمر الله في قوله في سياق آيات الحج: [ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّه] (الحج: ٣٠) . فهل عظَّم حرمات الله من واقعها وفي الحج أيضاًَ؟! كم نرى في الحج من أخلاق وأفعال لو صدرت من غير الحاج لاستُنكرت؛ فكيف بالحاج؟! فيا حجاجَ بيتِ الله! حُجّوا كَما حَجَّ الصالحون؛ بدءاً من إمامِ الصالحين المتقين رسول الله ﷺ ، ثم صحابته الكرام، ومن تبعهم بإحسان من سلفنا الصالح.. لا أطيل عليك - أيها القارئ الكريم - وأدعك تعيش مع حج الصالحين ... علّك تضع لك منهجاً علمياً وعملياً مستفيداً من سِيَر هؤلاء الصالحين وأخلاقهم وأعمالهم ... ١ - قَالَ مجاهد: قَالَ رجلٌ عند ابنِ عُمر ما أكثرَ الحاج! فقالَ ابنُ عمر: ما أقلهم! قَالَ: فرأى ابنُ عُمَر رَجلاً عَلى بعيرٍٍ عَلى رَحلٍٍ رَثٍّ خطامه حبل، فَقَالَ: لعلَّ هذا [٣] . ٢ - قَالَ الجريري: أحرم أنس بن مالك من ذات عرق، قَالَ: فما سمعناه متكلماً إلا بذكر الله حتى حلّ، فَقَالَ له: يا ابن أخي هكذا الإحرام [٤] . ٣ - قَالَ منصور بن المعتمر: «كَانَ شُرَيح هو: ابن الحارث القاضي إذا أحرمَ كأنَّه حَيةٌ صمَّاء» [٥] . قَالَ ابن قدامة تعليقاً على قول أبي القاسم الخرقي: «ويستحب له قلة الكلام إلا فيما ينفع، وقد روي عن شريح أنه كان إذا أحرم كأنه حية صمّاء» : (وجملة ذلك أن قلة الكلام فيما لا ينفع مستحبة في كل حال صيانة لنفسه عن اللغو والوقوع في الكذب وما لا يحل، فإنَّ مَنْ كثر كلامه كثر سقطه. وهذا في حال الإحرام أشدُّ استحباباً؛ لأنه حال عبادة واستشعار بطاعة الله فيشبه الاعتكاف، وقد احتج أحمد على ذلك بأن شريحاً ﵀ كان إذا أحرم كأنه حية صماء، فيُستحب للمحرم أن يشتغل بالتلبية وذكر الله تعالى، أو قراءة القرآن، أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو تعليم لجاهل، أو يأمر بحاجته أو يسكت، وإن تكلم بما لا مأثم فيه أو أنشد شعراً لا يقبح فهو مباح ولا يُكْثِر) [٦] . ٤ - قَالَ أبو إسحاق السبيعيّ: «حَجّ مَسروقٌ هو: ابن الأجدع فَمَا نَامَ إلاّ سَاجداً» [٧] . قَالَ ابنُ مفلح: «باتَ عند الإمام أحمد رجلٌ فَوَضع عنده ماء، قالَ الرجلُ: فلم أقمْ بالليل، ولم أستعمل الماء، فلمَّا أصبحتُ قال لي: لِمَ لا تستعمل الماء؟ فاستحييتُ وسكتُ، فقالَ: سبحان الله! سبحان الله! ما سمعت بصاحب حديثٍ لا يقوم بالليل. وجرت هذه القصة معه لرجلٍ آخر، فقال: أنا مسافر، قالَ: وإن كنت مسافراً، حَجَّ مسروقٌ فما نام إلاّ ساجداً. قال الشيخ تقيّ الدين: فيه أنه يُكره لأهل العلم ترك قيام الليل، وإن كانوا مسافرين» [٨] . ٥ - قَالَ محمد بن سوقة عن أبيه أنه حَجّ مَعَ الأَسْود، فكان إذا حضرت الصلاة أناخ ولو على حجر، قَالَ: وَحَجَّ نيفاً وَسبعينَ [٩] . ٦ - وقالَ ضمرةُ بنُ ربيعة: «حَججنا مع الأوزاعي سنة خمسين ومائة، فما رأيته مضطجعاً في المحمل في ليل ولا نهار قط، كان يصلي، فإذا غلبه النوم استند إلى القتب» [١٠] . ٧ - قَالَ الربيع بن سليمان: حججنا مع الشافعي، فما ارتقى شرفاً ولا هبط وادياً إلا وهو يبكي وينشد: يا راكباً قف بالمحصب من منى ... واهتف بقاعد خيفنا والناهضِ سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى ... فيضاً كملتطم الفرات الفائضِ إن كان رفضاً حب آل محمدِ ... فليشهد الثقلان أني رافضي [١١] ٨ - قَالَ خيثمة: «كَانَ يعجبهم أن يموتَ الرجلُ عند خير يعمله؛ إما حج، وإما عمرة، وإما غزوة، وإما صيام رمضان» [١٢] . ٩ - قَالَ ابنُ المبارك: جئتُ إلى سفيان الثوري عشية عرفة، وهو جاثٍ على ركبتيه، وعيناه تهمِلان، فالتفت إليَّ، فقلت له: مَنْ أسوأ هذا الجمع حالاً؟ قَالَ: الذي يظنُّ أن الله لا يغفر لهم [١٣] . ١٠ - وروي عن الفُضَيل أنه نظر إلى نشيج الناس وبكائهم عشيَّة عرفة، فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجلٍ فسألوه دانِقاً - يعني: سدس درهم - أكان يردُّهم؟ قالوا: لا. قَالَ: والله! لَلْمغفرة عند الله أهون من إجابة رجلٍ لهم بدانِق. وكان للسلف عناية بكثرة الحج: ١١ - قَالَ إبراهيمُ النخعيّ عن الأسود بن يزيد قَالَ قَالَ عبدُ الله بنُ مسعود: «نُسُكان أحبّ إليَّ أنْ يكونَ لكل واحدٍ منهما: شعثٌ وسفرٌ» ، قَالَ: فسافر الأسود ثمانين ما بين حجة وعمرة لم يجمع بينهما، وسافر عبد الرحمن بن الأسود ستين ما بين حجة وعمرة لم يجمع بينهما [١٤] . ١٢ - وقال ابنُ شوذب: «شهدتُ جنازة طاوس بمكة سنة ست ومائة، فسمعتهم يقولون: رحمك الله يا أبا عبد الرحمن! حَجَّ أربعين حجة» [١٥] . ١٣ - قَالَ أبو إسحاق السبيعيّ: «جمع الأسود بن يزيد بين ثمانين حجة وعمرة، وجمع عمرو بن ميمون بين ستين حجة وعمرة» [١٦] . ١٤ - قَالَ الحسنُ بنُ عمران - ابن أخي سفيان بن عيينة -: حججتُ مع عمي سفيان آخر حجة حجَّها سنة سبع وتسعين ومائة، فلمَّا كنا بجمع وصلى استلقى على فراشه ثم قَالَ: قد وافيتُ هذا الموضعَ سبعين عاماً، أقولُ في كلّ سنة: اللهم! لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وإني قد استحييتُ مِنْ الله من كثرة ما أسأله ذلك، فرجع فتوفي في السنة الداخلة يوم السبت أول يوم من رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، ودُفن بالحجون ... وتوفي وهو ابن إحدى وتسعين سنة [١٧] . وممن ذُكر أنه حجّ أكثر من أربعين حجة: سعيد بن المسيب [١٨] ، عطاء بن أبي رباح [١٩] ، ومحمد بن سوقة [٢٠] ، وبكير بن عتيق [٢١] ، وابن أبي عمر العدني [٢٢] ، سعيد بن سليمان [٢٣] ، جعفر الخلدي [٢٤] ، العباس بن سمرة أبو الفضل الهاشمي [٢٥] ، وأيوب السختياني [٢٦] ، وهمام بن نافع [٢٧] .. وغيرهم كثير. ومن المعاصرين سماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز - عليه رحمة الله - وغيره. قلتُ: والأصلُ أنَّ كثرةَ الحج والعمرة مرغبٌ فيها شرعاً، ففي حديث عبد الله بن مسعود قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة» [٢٨] . وفي حديث أبي هريرة ﵁ قَالَ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه» [٢٩] . وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قَالَ: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» [٣٠] . وقال أبو غالب: قَالَ لي ابنُ عباس ﵄: «أَدْمِن الاختلافَ إلى هذا البيت، فإنك إنْ أدمنتَ الاختلافَ إلى هذا البيت؛ لقيتَ الله عز وجل وأنت خفيف الظهر» [٣١] . فيا أخي: لا تغلب على الحج إلاّ من عُذر، فالعمر قصير، والفُرص لا تعوّض، وهذا هدي الرسول ﷺ والصالحين وحسبك! نعم! ربما يكون هناك مصالح تقتضي عدم الإكثار من الحج، ولكن هذه المصالح لا يقررها إلاّ العلماء العارفون بالكتاب والسنّة.

стр. 4809

دراسات في الشريعة الحج مدرسة محمد بن شاكر الشريف alsharef@albayn-magazine.com «مَنْ حج لله فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه» [١] . تلك كلمات معدودات قالهن أفضل خلق الله وأبرُّهم وأصدقهم محمد بن عبد الله ﷺ ، فيها فضل عظيم وخير عميم من الله الغني عن العالمين، وقد دل على ذلك أيضاً نصوص كثيرة؛ منها قوله ﷺ لعمرو بن العاص ﵁ عندما جاء مسلماً وقال: «أريد أن أشترط. فقال له الرسول ﷺ : تشترط بماذا؟ قال: أن يغفر لي. قال: أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله!» [٢] ، وغير ذلك كثير. ولَكَمْ تتطلع النفس لتدرك: لِمَ كان هذا الفضل كله على تلك العبادة التي لم يُطالب بها المسلم إلا مرة في عمره، وهذا التطلع ليس استكثاراً لفضل الله الواسع المنان، فهو أهل الفضل والخير والبركة، وإنما هي محاولة للوصول إلى الأسباب والمسوغات؛ ليكون العلم بذلك قائداً إلى تحقيقها، ومعيناً على تحصيلها على الوجه المرضي، للفوز بذلك الفضل العظيم الذي أخبر به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. وبقراءة الحديث والتأمل في ألفاظه نجده قد اشتمل على أربعة عناصر، هي: أولاً: العبادة المطلوبة وهي الحج. ثانياً: المتوجه بها إليه أو المقصود بها وهو الله تعالى. ثالثاً: مضيعات هذه العبادة أو مفسداتها وهو الرفث والفسوق. رابعاً: الجائزة وهي مغفرة الذنوب جميعها. فمن قام بهذه العبادة على الوجه الذي شرعه الله تعالى، قاصداً بذلك الله وحده، متجافياً عما يخل بها أو يكدر صفوها؛ ناله من ذلك ما أخبر به الرسول الصادق الوعد ﷺ . ولنعد بعد ذلك إلى تلك العناصر بشيء من التفصيل. * أولاً: الحج: الحج لغة: القصد أو كثرة القصد إلى من تُعظِّم. وشرعاً: قصد بيت الله الحرام على هيئة مخصوصة، في زمن مخصوص، والإتيان بأفعال مخصوصة [٣] . والحج عبادة من العبادات التي يشترك المال والبدن في القيام بها، ولها شروطها وأركانها وواجباتها ومستحباتها، ومرادنا هو ما وراء ذلك من المعاني الكثيرة العظيمة، والفوائد الغزيرة التي اشتمل عليها الحج، والتي لن نتمكن من أن نأتي على ذكرها جميعاً، بل حسبنا أن نشير على وجه الاختصار إلى بعضها. ١ - الهجرة إلى الله ورسوله ﷺ : من المعاني التي نلحظها في أداء عبادة الحج الهجرة إلى الله ورسوله، ففي قيام المسلم به يترك ماله وولده وأهله وعمله ودياره، ويقدم على الله جامعاً بين الخوف والرجاء، فيطلب مغفرة ربه ويرجو رحمته وفضله، قال الله تعالى في بيان استجابة المسلمين لهذه الهجرة: [وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ] (الحج: ٢٧) . «والفج: الطريق الواسعة، والجمع فجاج.. والعميق معناه البعيد» [٤] . فيخرج المسلمون من فجاج الأرض ما قرب منها وما بعد، كلٌّ حسب داره وموطنه، قاصدين وجه الله تعالى، مهاجرين له فارين إليه: [فَفِرُّوا إِلَى اللَّه] (الذاريات: ٥٠) ، «لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك» ، والغريب أن هناك، ممن يحجون بيت الله ويقصدونه، من لا ينتبهون لهذا المعنى في تلك العبادة ولا يمتثلونه، وأنت تستغرب عندما ترى الحاج وعليه آثار السفر، ومظاهر الهجرة، وهو في الوقت نفسه غير قادر على هجر «السيجارة» ، ولو تفطن الحاج إلى معنى الهجرة في الحج لكان من أوائل ما ينبغي عليه فعله هو هجر السيئات والمعاصي؛ فإن «المهاجر مَنْ هَجَرَ ما نهى الله عنه» [٥] ، و «المهاجر مَنْ هَجَرَ السيئات» [٦] ، وإذا لم يأخذ المسلم نفسه بذلك فأنى يتحقق له هذا المعنى من تلك العبادة العظيمة؟! قال الله تعالى في شأن الهجرة والحج داخل فيها: [وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ] (النساء: ١٠٠) ، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ خرج حاجاً فمات؛ كُتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة» [٧] . وقال الذهبي في السِّيَر: «قال الحاكم: سمعت ابنَيْ المؤمل بن الحسن يقولان: أَنْفَقَ جدُّنا في الحجة التي توفي فيها ثلاثمائة ألف. قال الحاكم: فحججت مع ابنيْ المؤمل وزرنا بالثعلبية قبر جدهما فقرأت لوح قبره: [وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ] (النساء: ١٠٠) » [٨] . ٢ - المجاهدة في طاعة الله: ومن المعاني التي نجدها في الحج بذل الجهد في طاعة الله تعالى، فالمسلم الحاج يخرج من داره وبلده قاصداً بيت الله الحرام فيقدم في طائرة أو على ظهر سفينة أو دابة، وأحياناً يقدم على رجليه محققاً بذلك عبادة ربه، لا تحول بينه وبين ذلك الصعاب أو المشاق التي تعترض سبيله، بل هو كما قال الله تعالى: [يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ] (الحج: ٢٧) ، رجالاً: أي (مشاة) على أرجلهم، «والضامر هو البعير المهزول الذي أتعبه السير» [٩] ، فيتعب المسلم نفسه ويجهد دابته ابتغاء رضوان الله، والحج بذلك هو نوع من أنواع الجهاد، وبذلك جاء الحديث، قال رسول الله ﷺ : «جهاد الكبير والضعيف والمرأة: الحج والعمرة» [١٠] . وقد ضمن الله تعالى الحاج كما ضمن المجاهد، فقد أخرج أحمد من حديث رسول الله ﷺ : «ثلاثة في ضمان الله : رجل خرج من بيته إلى مسجد من مساجد الله ، ورجل خرج غازياً في سبيل الله عز وجل، ورجل خرج حاجاً» [١١] . ولم يستفد من هذا الدرس مَنْ إذا اعترضته الصعاب أو المشاق تقاعس عن أداء ما وجب عليه واعتذر عن ذلك؛ بأن هذا صعب، وهذا شاق، والطقس حار أو بارد.. ونحو ذلك. ٣ - الأمة الواحدة: أمة المسلمين واحدة مذ خلق الله تعالى آدم ﵇، إلى أن يرث الأرض ومن عليها، جمع بينهم توحيد الله وعبادته، فلم يعد شيء يقدر على التفريق بينهم؛ لا جنس ولا شكل ولا لون ولا لغة ولا بلد، وها هم المسلمون على تنوعاتهم الكثيرة في هذا الموسم العظيم يجمعهم موقف واحد لعبادة الله العلي الكبير، وفي هذا الموقف الكبير أكد رسول الله ﷺ هذا المعنى الجليل، فعن جابر ﵁ قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق خطبة الوداع، فقال: «يا أيها الناس! ألا إن ربكم واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود؛ إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلَّغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فليبلغ الشاهد الغائب» [١٢] . وهذه أمانة، أمانة البلاغ حمَّلها رسول الله ﷺ الأمة من بعده، فما قام بهذه الأمانة على وجهها مَنْ تقاعس عن تبليغها أو عمل بما يخالفها، وما فقه هذا الدرس مَنْ فرَّق بين المسلمين في نظرته إليهم أو تعامله معهم على أساس أشكالهم أو ألوانهم أو بلدانهم أو أجناسهم أو لغاتهم، وما فقه هذا الدرس مَنْ عاش لنفسه دون أمَّته، وهو يرى إخوانه المسلمين وهم يُتخطفون وتنتقص أراضيهم من أطرافها، وهو مع ذلك لا يشعر بضر أو ألم إلا ما أصابه هو أو أهله الأقربين. ٤ - تعظيم الشرع والتسليم له: المسلم معظِّم للشرع مقدِّم له على كل شيء؛ على الآراء والأقوال، على العقول والأفهام، على الرجال، على النفس والمال، يرى الشريعة معصومة، يقبل منها كل ما جاءت به وثبتت نسبته إليها؛ حتى لو لم يستوعب ذلك عقله، أو لم تتبين له في ذلك الحكمة، ويظهر ذلك المعنى جلياً في الحج، يظهر في كل شعيرة من شعائره، وأظهر ما يكون في ذلك تقبيل الحجر الأسود، فالحجر الأسود حجر، والحجر لا يضر ولا ينفع، ولكنَّ رسول الله ﷺ قبَّله، والمسلم المتبع لأجل ذلك يقبِّل الحجر ويحرص عليه اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم وثقةً فيه. وقد سجَّل هذه القضية الصاحب الجليل والخليفة الراشد عمر بن الخطاب - ﵁ عندما أراد أن يقوم بهذا العمل فقال: «إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبّلك ما قبّلتك» [١٣] . قال ابن حجر ﵀: «وفي قول عمر هذا: التسليم للشارع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يُكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي ﷺ فيما يفعله ولو لم تُعلم الحكمة فيه» [١٤] ، وهذا الدرس لم يفهمه الكثير ممن قدَّم عقله وفكره وهواه، أو ممن قدَّم رغبته وشهوته، أو ممن توقف في امتثال الأمر أو النهي الثابت بالدليل حتى يعلم العلة أو الحكمة. ٥ - البراءة من الشرك وأهله: من الأمور المحكمة التي دلت عليها النصوص الشرعية الثابتة من الكتاب والسنة، وجوب البراءة من الشرك وأهله، قال الله تعالى: [قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ] (الممتحنة: ٤) . قال ابن كثير ﵀: « [إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ] ؛ أي بدينكم وطريقتكم، [وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً] ؛ يعني وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا ما دمتم على كفركم، فنحن أبداً نتبرأ منكم ونبغضكم [حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَه] ؛ أي إلى أن توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد» [١٥] . وقد كرَّست شعائر الحج المتعددة هذا المعنى، فخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين في الموقف بعرفة والدفع منها، وكذلك الخروج من المزدلفة، وعلَّل ذلك بقوله: «هدينا مخالف لهدي أهل الأوثان والشرك» [١٦] ، فعن المسور بن مخرمة ﵁ قال: «خطبنا رسول الله ﷺ بعرفة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من ها هنا عند غروب الشمس حتى تكون الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها، هدينا مخالف هديهم. وكانوا يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها، هدينا مخالف لهديهم» [١٧] . هذا درس عظيم في بغض المشركين والبراءة منهم ومن أفعالهم وعباداتهم وسلوكهم وأخلاقهم، وما فقه هذا الدرس مَنْ يتشبه بالمشركين في العبادات أو الأخلاق والسلوك أو المظهر أو الزي واللباس؛ لأن من البراءة ترك التشبه بهم، والقصد إلى مخالفتهم. ٦ - مجانبة الكبر والبعد عنه تواضعاً لله تعالى: المسلم متواضع في غير ذل، عزير في غير كبر، فإن الذل والكبر من الأخلاق الذميمة التي تأباها الشريعة والنفوس الشريفة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة مَنْ كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» [١٨] ، والحُجاج في هذا المجمع العظيم في يوم عرفة، ما بين رئيس ومرؤوس، وأمير ومأمور، وملك ومملوك، جميعهم في لباس واحد إزار ورداء، رؤوسهم عارية، أيديهم مرفوعة، ألسنتهم تلهج بالذكر والدعاء وطلب المغفرة، همُّهم الفوز بالرضوان ودخول الجنان؛ لا التعالي أو التكبر على عبيد الخالق الديان، وقد كان الرسول ﷺ يترجم ذلك عملاً في تلبيته، فعن أنس - رضي الله عنه - قال: «كانت تلبية النبي ﷺ :» لبيلك حجاً حقاً، تعبداً ورقّاً « [١٩] . وهذا درس لم يفقهه مَنْ يمشي على الأرض يدكها برجله دكاً، أو من يصعِّر خده للناس تعالياً وكبراً. ٧ - تزكية النفوس وتطهيرها: حضت الشريعة المسلم على تزكية نفسه وتطهيرها، وتحريرها من شح النفس وبخلها، فأمرت بإعطاء الفقراء والمساكين حقهم من الزكوات، وحثت على الإنفاق عليهم والإحسان إليهم، ووعدت على ذلك الأجر الجزيل، وفي الحج يحتاج الناس إلى الزاد الذي به قيام النفوس، وفي هذا الموقف يأمر الله الحجاج أن يُخرِجوا من أموالهم وأزوادهم ما يطعمون به الفقير؛ من النسك الذي ذبحوه تقرباً إلى الله تعالى، فقال تعالى: [فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ] (الحج: ٢٨) ، فيفعل الحاج من ذلك ما يفعل طعمةً للفقراء والمساكين، وتقوى لله قال تعالى: [لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ] (الحج: ٣٧) . وقد أكد الرسول ﷺ أمر النفقة في الحج فقال صلى الله عليه وسلم:» النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف « [٢٠] . وهذا الدرس لم يفهمه مَنْ يبخل على قريبه أو جاره الفقير من المسلمين فيمنع عنهم ما ينفعهم أخذه، ولا يضره عطاؤه. ولم يفهمه أيضاً مَنْ يقدِّم في نسكه العجفاء أو العرجاء أو ذات العيب، فإنما ذلك شيء يقربه الإنسان لربه، والإنسان عندما يقرّب لحبيب أو يهدي لصديق؛ فإنه يختار من الأشياء الجيد النفيس. ٨ - منافع الدنيا والآخرة: الحياة الدنيا هي معبر المسلم إلى الآخرة، وهو محتاج إليها في تحقيق مراده من الفوز بالآخرة، فالمسلم على ذلك لا يهجر الدنيا ولا يعتزلها متقوقعاً في زاوية أو ناحية، وإنما هو يكون في وسطها يستخدمها ولا تستخدمه، يطوعها لتحقيق الغايات الشرعية، ويأخذ منها ومن بهجتها ما يعينه على ذلك، والحج وهو من أعظم العبادات، وأحد أركان دين الإسلام، لم يُمنع المسلم من الانتفاع فيه بمنافع الدنيا، وفي هذا جاء قوله تعالى: [لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَات] (الحج: ٢٨) ، قال ابن كثير ﵀:» قال ابن عباس: [لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ] ، قال: منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البُدن والذبائح والتجارات، وكذا قال مجاهد وغير واحد: إنها منافع الدنيا والآخرة « [٢١] . فمن اعتزل الناس وتخلى بزعمه للعبادة، ولم يشارك أمته في السعي والعمل والجهاد ومدافعة الأعداء؛ لم يتحقق له هذا المعنى من الحج، وكذلك مَنْ كانت الدنيا همّه بالليل والنهار، حتى أضر ذلك بدينه، فإن الآية قرنت شهود المنافع بذكر الله . ٩ - إكمال الدين: يوم حج النبي ﷺ مع أمته نزل قوله تعالى: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً] (المائدة: ٣) ، في هذا اليوم يوم عرفة من العام العاشر من هجرة المصطفى ﷺ ؛ أكمل الله لهذه الأمة دينها، وأتم عليهم النعمة، ورضي لهم الإسلام ديناً، وهذه منة عظيمة من الله على عباده، وكلما وقف المسلم على عرفة تذكر هذا الفضل، وشكر الله على جزيل فضله وإنعامه، وعاهد الله على أن لا يُؤتى الإسلام من قِبَله، فإن الله لم يحوجه بعد إكمال الدين إلى غيره، قال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية المتقدمة:» هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة؛ حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل ما أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف « [٢٢] . فهل كمل الدين عند مَنْ رنا ببصره إلى شرق أو غرب أو إلى شمال أو جنوب، وهو يستورد الآراء والأفكار والعقائد؟! وهل فقه هذا الدرس وانتفع به مَنْ راح يبتدع في العبادات، أو يغلو فيما شرع الله له، أو حكم بغير ما أنزل الله في الأعراض والدماء والأموال. ١٠ - الحج فريضة العمر: العبادات مع الزمن أنواع، فمن العبادات ما هو فريضة العام كصوم شهر رمضان، ومنها ما هو فريضة الأسبوع كفريضة الجمعة، ومنها ما هو فريضة اليوم، وهي الصلوات الخمس، ومنها ما هو فريضة العمر، وهو الحج فلا يجب في العمر كله إلا مرة واحدة. وقد يحاول الإنسان أن يبحث: لِمَ فُرض الحج مرة واحدة في العمر؛ أهو من أجل التيسير؟ قد يكون.. لكن المؤكد أن الحج قد اشتمل على دروس كثيرة وتعاليم جليلة، لو فقهها المسلم وعمل بها لأغنته، فلم يحتج إلى الحج مرة أخرى؛ إذ كانت الأولى تكفيه لو أداها كما يحب ربنا ويرضى، ويبقى المسلم مندوباً بعد ذلك إلى تكرار الحج مرة ومرات حتى تتأصل عنده تلك المعاني وغيرها مما اشتمل عليه الحج؛ حتى تصير كالملكة للنفس، فيفيض الله عليه من رحمته ويفتح عليه من كنوزه. * ثانياً: المقصود بالحج هو الله: فالحج لُحْمَته وسُدَاه توحيد الله والإخلاص له، وكذلك جاء التعبير في الحديث: » مَنْ حجَّ لله «، فهو يحج لله شاهداً بذلك على توحيده، والتوحيد في هذه العبادة ملحوظ في ابتداء فرضه، كما هو ملحوظ في أدائه عملاً من بدايته إلى نهايته. قال الله تعالى: [وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ] (الحج: ٢٦) . قال القرطبي ﵀:» وفي الآية طعن على مَنْ أشرك من قُطَّان البيت؛ أي هذا كان الشرط على أبيكم فمَنْ بعده وأنتم، فلم تفوا بل أشركتم « [٢٣] ، والمشركون ممنوعون من قربان البيت الحرام؛ لقوله تعالى: [إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا] (التوبة: ٢٨) . وبالتوحيد يبدأ الحاج نسكه، فيقول ملبياً:» لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك «. ويكثر المسلم من الذكر والتلبية، ومن قول لا إله إلا الله، ويكبِّر مع رمي الجمار» الله اكبر، حتى إذا أراد المسلم العودة إلى بلده بعد نهاية حجه جاء البيت طائفاً مودعاً مكثراً من الذكر والدعاء والتهليل والتكبير، فبالتوحيد بدأ، وبالتوحيد ينتهي. وبعد التوحيد يأتي الإخلاص؛ بأن يريد الحاج بتلك العبادة وجه الله لا يريد رياءً ولا سمعة، كما قال رسول الله ﷺ : «اللهم! هذه حجة لا رياء فيها ولا سمعة» [٢٤] . * ثالثاً: مضيعات الحج ومفسداته: الرفث والفسوق مانعان من الموانع التي تحول دون حصول الأجر على النحو المأمول، فأما الرفث فالمراد به الجماع وهو مفسد للحج أو ما دونه من المباشرة والتقبيل، أو التكلم به بحضرة النساء [٢٥] . وأما الفسوق فالمراد به المعاصي [٢٦] ، وحديث الرسول ﷺ هنا موافق لقول الله : [فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجّ] (البقرة: ١٩٧) ، قال أبو بكر الجصاص: «فتضمنت الآية الأمر بحفظ اللسان والفَرْج عن كل ما هو محظور من الفسوق والمعاصي. والمعاصي والفسوق وإن كانت محظورة قبل الإحرام؛ فإن الله نَصَّ على حظرها في الإحرام تعظيماً لحرمة الإحرام، ولأن المعاصي في حال الإحرام أعظم وأكبر عقاباً منها في غيرها» [٢٧] ، فجلال الحج وعظمته لا يناسبه وقوع الحاج في تلك الرذائل، فيمتنع الحاج من ذلك وينتهي عنه تطهيراً لنفسه، وتزكية لها، وصعوداً بها في مراقي العلا، يقطعها عن عوائدها، ليخرج الحاج من حظ نفسه وداعيتها، إلى تكميل نفسه بالخُلُق الرفيع العالي والسلوك الحسن. * رابعاً: جائزة الحاج: ويا لها من جائزة! غفران الذنوب جميعها، فيرجع المسلم بعد أداء حجه على الوجه الذي يحبه الله ورسوله وما عليه خطيئة، ويرجع إلى داره بعدما هاجر وجاهد وتبرأ من المشركين، وعطف على الفقير والمسكين، وحاله من البعد عن الذنوب والآثام كحاله يوم ولدته أمه، صفحة بيضاء نقية لم تكدرها أو تشبها شائبة، قال ابن حجر ﵀: «قوله: (رجع كيوم ولدته أمه) أي بغير ذنب، وظاهره غفران الصغائر والكبائر والتبعات» [٢٨] . فما أعظمها من جائزة، جائزة لا تُقدّر بملء الأرض ذهباً، حيث أَمِنَ غائلة ما فات، فليستعدّ الحاج لما يستقبل من الأيام، وليحرص على نقاء صحيفته.. [يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراّ] (آل عمران: ٣٠) . وقد تبين مما تقدم أن الحج مدرسة، مملوء فوائد وعبر، وما ذكرت منه لم يكن إلا بعض القطوف الدانية، والقطوف كثيرة مهيأة ومزينة، وهي تنتظر مَنْ يقطفها.

стр. 4810

نص شعري عبرات على صعيد منى د. أحمد حسبو [*] يا رعى اللهُ زماناً في مِنَى ... لا تُعجِّلْ أيها الحادي بنا واحبسِ الركْْبَ علينا ساعةً ... علَّنا نَرْوي غليلاً علَّنا رُبَّ محرومٍ ينادي لاهفاً ... يا إلهي أنْت أنْت، مَنْ أنا؟! ما أنا إلا فقيرٌ يرتجي ... منك يا ربِّ البريَّاتِ الغنى رُبَّ عينٍ من هجيرٍ أقفرتْ ... زارها الدمعُ وأضحى ديْدَنا رُبِّ ذي ذنبٍ كبيرٍ مخجلٍ ... قام يبكي الذنبَ يرجو المِنَنَا صاحَ تبتُ الآن فأقبْل نادماً ... جاء يبغي في حماكَ المَوْطِنَا رُبَّ نفسٍ من شديدِ وحشةٍ ... أسرعتْ من وجْدِها تشكو الضَّنَا فاطمأنَّتْ في حِمَى خالِقهَا ... فوقَ تربٍ فَاحَ زهراً وَجَنَا * * * قمْ أخيِّي الآنَ والزْم بابَهُ ... نادِ لنْ أبرحَ حتى تَأذَنا علَّك المقبولُ من زوَّارِهِ ... علَّ فينا من يوافيه المنى رَبِّ فاقبلنا بشيخٍ طاعنٍ ... أو بطفلٍ جاء يسعى بيننا * * * أيها الركبُ سريعاً أقبلتْ ... ساعةُ البيْنِ فهاجَتْ حُزْنَنَا كم وددْنا لو أقمنا صحبةً ... بين هاتيك الروابي عُمرَنا فهنا كمْ كبدٍ مكْلومةٍ ... تشتكي للهِ هذا البَدَنا وهنا كمْ لحظةٍ أنوارُهَا ... جرَّدتنا من شقاءٍ وَعَنا وهنا أنفاسُ أزكى مرسلٍ ... عطْرتْ أطيابُها كلَّ الدُّنَا * * * أيها الركبُ وداعاً واذكُرُوا ... خيرَ أيامٍ وأبكُوا الأعينا في مآقينا دموعٌ أفْصَحتْ ... منطقُ الألفاظِ أَعْيَا الأَلْسُنا إن تلاقيْنَا بدنيانا فلا ... تُنكرُوا عهدَ الإخاءِ بيننا فاذكرونا إن صفَا الدهر بكُمْ ... واذكرونا إن نزلنا قبْرنا نُشْهِدُ المولى على حبٍ لكمْ ... خالص، ولْتَشهدوا أنتم لنا * * * يا عظيمَ العفوِ قد حان الرَّحيل ... اغفرِ الأوزارَ وارحَمْ ضعْفَنا لا تدعْ فينا شقياً بائساً ... مَنْ سواك للعطاء، ربَّنَا! وأَنِلْنَا في الحساب جَنَّةً ... واجعلِ الفردوسَ فيها مسكَنا وأعدْ للمسلمين مجْدَهم ... قوةً في الدينِ وامْحُ الوهَنَا يا إلهي لا يكنْ هذا اللِّقَا ... آخرَ العهدِ على تُرْبِ مِنى

стр. 4811

دراسات تربوية الافتقار إلى الله.. لبُّ العبودية أحمد بن عبد الرحمن الصويان alsowayan@albayn-magazine.com من أخص خصائص العبودية: الافتقار المطلق لله تعالى، فهو: «حقيقة العبودية ولبُّها» [١] . قال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ] (فاطر: ١٥) ، وقال تعالى في قصة موسى - عليه الصلاة والسلام -: [فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ] (القصص: ٢٤) . عرَّفه الإمام ابن القيم ﵀ بقوله: «حقيقة الفقر: أن لا تكون لنفسك، ولا يكون لها منك شيء؛ بحيث تكون كلك لله، وإذا كنت لنفسك فثمَّ ملك واستغناء مناف للفقر» . ثم قال: «الفقر الحقيقي: دوام الافتقار إلى الله في كل حال، وأن يشهد العبد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة إلى الله تعالى من كل وجه» [٢] . فالافتقار إلى الله تعالى أن يُجرِّد العبد قلبه من كل حظوظها وأهوائها، ويُقبل بكليته إلى ربه متذللاً بين يديه، مستسلماً لأمره ونهيه، متعلقاً قلبه بمحبته وطاعته. قال الله تعالى: [قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ] (الأنعام: ١٦٢-١٦٣) . قال يحيى بن معاذ: «النسك هو: العناية بالسرائر، وإخراج ما سوى الله عز وجل من القلب» [٣] . والمتأمل في جميع أنواع العبادة القلبية والعملية يرى أن الافتقار فيها إلى الله هي الصفة الجامعة لها، فبقدر افتقار العبد فيها إلى الله يكون أثرها في قلبه، ونفعها له في الدنيا والآخرة، وحسبك أن تتأمل في الصلاة أعظم الأركان العملية، فالعبد المؤمن يقف بين يدي ربه في سكينة، خاشعاً متذللاً، خافضاً رأسه، ينظر إلى موضع سجوده، يفتتحها بالتكبير، وفي ذلك دلالة جليَّة على تعظيم الله تعالى وحده، وترك ما سواه من الأحوال والديار والمناصب. وأرفع مقامات الذلة والافتقار أن يطأطئ العبد رأسه بالركوع، ويعفِّر جبهته بالتراب مستجيراً بالله منيباً إليه. ولهذا كان الركوع مكان تعظيم الله تعالى، وكان السجود مكان السؤال، قال رسول الله ﷺ : «فأما الركوع فعظّموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقَمِنٌ أن يستجاب لكم» [٤] . ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ في ركوعه: «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت. خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي» [٥] . قال الحافظ ابن رجب: «إشارة إلى أن خشوعه في ركوعه قد حصل لجميع جوارحه، ومن أعظمها القلب الذي هو ملك الجوارح والأعضاء، فإذا خشع خشعت الجوارح والأعضاء كلها؛ تبعاً له ولخشوعه» . ثم قال: «ومن تمام خشوع العبد لله وتواضعه في ركوعه وسجوده؛ أنَّه إذا ذلَّ لربه بالركوع والسجود، وصف ربه حينئذ بصفات العز والكبرياء والعظمة والعلو، فكأنه يقول: الذل والتواضع وَصْفي، والعلو والعظمة والكبرياء وَصْفك» [٦] . إنَّ هذه المنزلة الجليلة التي يصل إليها القلب هي سرُّ حياته وأساس إقباله على ربه ؛ فالافتقار حادٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ يحدو العبد إلى ملازمة التقوى ومداومة الطاعة. ويتحقق ذلك بأمرين متلازمين؛ هما: - الأول: إدراك عظمة الخالق وجبروته: فكلما كان العبد أعلم بالله تعالى وصفاته وأسمائه كان أعظم افتقاراً إليه وتذللاً بين يديه، قال الفضيل بن عياض: «أعلم الناس بالله أخوفهم منه» [٧] ، وقال: «رهبة العبد من الله على قدر علمه بالله» [٨] . ومَنْ تدبر الآيات البينات والأحاديث الشريفات التي جاء فيها ذكر صفاته العلى وأسمائه الحسنى انخلع قلبه إجلالاً لربه، وتعظيماً لمقامه، وهيبة لسطوته وجبروته . قال تعالى: [اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ] (البقرة: ٢٥٥) . وقال تعالى: [وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ] (الزمر: ٦٧) . وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهنَّ بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرض بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون» [٩] . قال الإمام ابن القيم: (القرآن كلام الله، وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته، فتارة يتجلى في جلباب الهيبة والعظمة والجلال، فتخضع الأعناق، وتنكسر النفوس، وتخشع الأصوات، ويذوب الكبر كما يذوب الملح في الماء. وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال، وهو كمال الأسماء وجمال الصفات وجمال الأفعال الدال على كمال الذات، فيستنفد حبه من قلب العبد قوة الحب كلها، بحسب ما عرفه من صفات جماله ونعوت كماله، فيصبح عبده فارغاً إلا من محبته، فإذا أراد منه الغير أن يعلق تلك المحبة به أبى قلبه وأحشاؤه ذلك كل الإباء..) . ثم قال: (.. وجماع ذلك: أنه سبحانه يتعرف إلى العبد بصفات إلهيته تارة، وبصفات ربوبيته تارة، فيوجب له شهود صفات الإلهية المحبة الخاصة والشوق إلى لقائه، والأنس والفرح به، والسرور بخدمته، والمنافسة في قربه، والتودد إليه بطاعته، واللهج بذكره، والفرار من الخلق إليه، ويصير هو وحده همه دون ما سواه. ويوجب له شهود صفات الربوبية التوكل عليه، والافتقار إليه، والاستعانة به، والذل والخضوع والانكسار له « [١٠] . وعرّف ابن القيم الخشوع بأنه: (خشوع القلب لله بالتعظيم والإجلال والوقار والمهابة والحياء، فينكسر القلب لله كسرة ملتئمة من الوجل والخجل والحب والحياء، وشهود نعم الله، وجناياته هو؛ فيخشع القلب لا محالة، فيتبعه خشوع الجوارح) [١١] . - الثاني: إدراك ضعف المخلوق وعجزه: فمن عرف قدر نفسه، وأنَّه مهما بلغ في الجاه والسلطان والمال؛ فهو عاجز ضعيف لا يملك لنفسه صرفاً ولا عدلاً؛ تصاغرت نفسه، وذهب كبرياؤه، وذلَّت جوارحه، وعظم افتقاره لمولاه، والتجاؤه إليه، وتضرعه بين يديه. قال : [فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ] (الطارق: ٥-١٠) . وقد جمع الإمام ابن القيم بين هذين الأمرين بقوله: (مَنْ كملت عظمة الحق تعالى في قلبه؛ عظمت عنده مخالفته؛ لأن مخالفة العظيم ليست كمخالفة مَنْ هو دونه. ومَنْ عرف قدر نفسه وحقيقتها؛ وفقرها الذاتي إلى مولاها الحق في كل لحظة ونَفَس، وشدة حاجتها إليه؛ عظمت عنده جناية المخالفة لمن هو شديد الضرورة إليه في كل لحظة ونَفَس. وأيضاً فإذا عرف حقارتها مع عظم قدر من خالفه؛ عظمت الجناية عنده؛ فشمَّر في التخلص منها، وبحسب تصديقه بالوعيد ويقينه به يكون تشميره في التخلص منها، وبحسب تصديقه بالوعيد ويقينه به؛ يكون تشميره في التخلص من الجناية التي تلحق به» [١٢] . * ومن علامات الافتقار إلى الله تعالى: أولاً: غاية الذل لله تعالى مع غاية الحب: فالمؤمن يُسلم نفسه لربه منكسراً بين يديه، متذللاً لعظمته، مقدماً حبَّه على كل حب. طمأنينة نفسه، وقرَّة عينه، وسكينة فؤاده، أن يعفِّر جبهته بالأرض، ويدعو ربه رغبة ورهبة، قال ابن جرير الطبري: (معنى العبادة: الخضوع لله بالطاعة، والتذلل له بالاستكانة) [١٣] . ومَنْ كانت هذه هي حاله وجدته وقَّافاً عند حدود الله، مقبلاً على طاعته، ملتزماً بأمره ونهيه، فثمرة الذل: أن لا يتقدم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، مهتدياً بقوله : [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] (الأحزاب: ٣٦) ، وقوله تعالى: [وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ] (البقرة: ٢٨٥) . وقوله تعالى: [إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ] (النور: ٥١-٥٢) . قال الحسن ﵁: «ما ضربتُ ببصري، ولا نطقتُ بلساني، ولا بطشتُ بيدي، ولا نهضتُ على قدمي، حتى أنظر أعلى طاعة أو على معصية؟ فإن كانت طاعة تقدمتُ، وإن كانت معصية تأخرتُ» [١٤] . وأمّا مَنْ طاشت به سبل الهوى، ولم يعرف الله حق المعرفة؛ رأيته يستنكف الاستسلام لربه ، ويستكبر فلا يخضع له، قال الله تعالى: [لَن يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلَّهِ وَلاَ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِياًّ وَلاَ نَصِيراً] (النساء: ١٧٢-١٧٣) . ويقول الله تعالى في وصف المؤمنين: [إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ] (السجدة: ١٥) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (كلما ازداد القلب حبّاً لله ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حباً وحرية عما سواه، والقلب فقير بالذات إلى الله من وجهين: من جهة العبادة، وهي العلة الغائية، ومن جهة الاستعانة والتوكل، وهي العلة الفاعلية، فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا يلتذ ولا يُسر ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه، وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه، ومن حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه) [١٥] . وقال ابن القيم: (إنَّ مقام العبودية هو بتكميل مقام الذل والانقياد، وأكمل الخلق عبودية أكملهم ذلاً لله وانقياداً وطاعة، ذليل لمولاه الحق بكل وجه من وجوه الذل، فهو ذليل لقهره، ذليل لربوبيته فيه وتصرفه، وذليل لإحسانه إليه وإنعامه عليه) [١٦] . ثانياً: التعلّق بالله تعالى وبمحبوباته: فشعور العبد بفقره وحاجته إلى ربه يدفعه إلى الاستكانة له والإنابة إليه، ويتعلق قلبه بذكره وحمده والثناء عليه، والتزام مرضاته، والامتثال لمحبوباته. قال بعض الصالحين: (مفاوز الدنيا تُقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تُقطع بالقلوب) [١٧] . ولهذا ترى العبد الذي تعلق قلبه بربه وإن اشتغل في بيعه وشرائه، أو مع أهله وولده، أو في شأنه الدنيوي كله مقيماً على طاعته، مقدماً محبوباته على محبوبات نفسه وأهوائها، لا تلهيه زخارف الدنيا عن مرضاة ربه، قال الله تعالى: [لَيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ] (البقرة: ١٧٧) . وثبت في الصحيحين أنَّ رسول الله ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظلّه..» ، وذكر منهم: «رجل قلبه معلَّق في المساجد» [١٨] . قال الحافظ ابن حجر: (إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان جسده خارجاً عنه) [١٩] . ولاحِظْ هذا التعبير البليغ: (قلبه معلّق) ، وهذا يعني: أنه دائم الصلة بالله تعالى، دائم الاستحضار لأوامره، لا يشغله عن ذلك شاغل، ولا يصرفه عنه صارف، ولهذا قال الله تعالى: [فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ] (النور: ٣٦-٣٧) . وثبت في الحديث الصحيح عن عائشة ﵂: «أنّ رسول الله ﷺ كان يكون في مهنة أهله - تعني: خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة» [٢٠] . ويصف الإمام ابن القيم الافتقار إلى الله تعالى بقوله: (يتخلى بفقره أن يتألَّه غير مولاه الحق، وأن يُضيع أنفاسه في غير مرضاته، وأن يُفرق همومه في غير محابه، وأن يُؤْثر عليه في حال من الأحوال، فيوجب له هذا الخلق وهذه المعاملة صفاء العبودية، وعمارة السر بينه وبين الله، وخلوص الود، فيصبح ويمسي ولا هّم له غير ربه، فقد قطع همُّه بربه عنه جميع الهموم، وعطلت إرادته جميع الإرادات، ونسخت محبته له من قلبه كل محبة لسواه) [٢١] . ومن تعلّق قلبه بربه وجد لذة في طاعته وامتثال أمره لا تدانيها لذة، (فأوامر المحبوب قرة العيون، وسرور القلوب، ونعيم الأرواح، ولذات النفوس، وبها كمال النعيم، فقرُّة عين المحب في الصلاة والحج، وفرح قلبه وسروره ونعيمه في ذلك، وفي الصيام والذكر والتلاوة، وأما الصدقة فعجب من العجب، وأما الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله والصبر على أعداء الله سبحانه؛ فاللذة بذلك أمر آخر لا يناله الوصف، ولا يدركه مَنْ ليس له نصيب منه، وكل من كان به أقوم كان نصيبه من الالتذاذ به أعظم) [٢٢] . وأعظم الناس ضلالاً وخساراً مَنْ تعلّق قلبه بغير الله تعالى، ويزداد ضلاله وخساره بزيادة تعلُّقه بغير مولاه الحق، ولهذا كان ركون العبد إلى الدنيا أو إلى شيء من زخرفها آية من آيات العبودية لها، قال الله تعالى: [أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ] (الجاثية: ٢٣) . وقال رسول الله ﷺ : «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي منها رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا ِشيكَ فلا انتقش» [٢٣] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (كل من علَّق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه، أو يرزقوه، أو أن يهدوه؛ خضع قلبه لهم، وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميراً متصرفاً بهم، فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر، فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له؛ يبقى قلبه أسيراً لها تحكم فيه وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدها؛ لأنه زوجها، وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها، تحكم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه. فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استُعبد بدنه واستُرق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحاً من ذلك مطمئناً، وأما إذا كان القلب الذي هو الملك رقيقاً مستعبداً متيماً لغير الله؛ فهذا هو الذل والأسر المحض، والعبودية لما استعبد القلب) ، ثم قال: (ومن أعظم هذا البلاء إعراض القلب عن الله، فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله والإخلاص له؛ لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك، ولا ألذ ولا أطيب) [٢٤] . وقال الإمام ابن القيم: (أعظم الناس خذلاناً من تعلق بغير الله، فإنَّ ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه؛ أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات. ومثل المتعلق بغير اللَّه كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت) [٢٥] . ثالثاً: مداومة الذكر والاستغفار: فقلب العبد المؤمن عاكف على ذكر مولاه، والثناء عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى في كل حال من أحواله، دائم التوبة والاستغفار عن الزلل أو التقصير، يجد لذته وأنسه بتلاوة القرآن، ويرى راحته وسكينته بمناجاة الرحمن. قال الله تعالى: [الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ] (الرعد: ٢٨) . وقد وصف الله أهل الإيمان بقوله: [أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون] (الزمر: ٩) . وقوله: [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] (آل عمران: ١٩٠-١٩١) . كما أمر الله نبيه بمداومة الذكر والاستغفار، فقال سبحانه: [فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ] (غافر: ٥٥) . ولهذا كان رسول الله ﷺ يقول: «يا أيها الناس! توبوا إلى اللَّه؛ فإني أتوب إليه في اليوم مئة مرة» [٢٦] . وقال ﵊: «والله! إني لأستغفر الله وأتوب في اليوم أكثر من سبعين مرة» [٢٧] . وقال: «إنه ليُغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة» [٢٨] . إنَّ مداومة الذكر والاستغفار آية من آيات الافتقار إلى الله تعالى، فالعبد يجتهد في إظهار فاقته وحاجته وعجزه، ويمتلىء قلبه مسكنة وإخباتاً، ويرفع يديه تذللاً وإنابة؛ فهو ذاكر لله تعالى في كل شأنه، في حضره وسفره، ودخوله وخروجه، وأكله وشربه، ويقظته ونومه، بل حتى عند إتيانه أهله، فهو دائم الافتقار لعون الله تعالى وفضله، لا يغفل ساعة ولا أدنى من ذلك عن الاستعانة به والالتجاء إليه. ومقتضى ذلك أنه لا يركن إلى نفسه، ولا يطمئن إلى حوله وقوته، ولا يثق بماله وجاهه وصحته، ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ لبعض أصحابه: «اللهم لا تكلهم إليَّ فأضعف، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم» [٢٩] . وعن أبي بكرة ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو؛ فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، أصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت» [٣٠] . وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة ﵂: «ما يمنعك أن تسعمي ما أوصيك به؟! أن تقولي إذا أصبحت وأذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، وأصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً» [٣١] . تأمل أذكار النبي ﷺ وأدعيته تر عجباً في هذا الباب؛ ففي سيد الاستغفار تتجلى أعظم معاني العبودية، وتبرز أسمى معاني الانكسار والتذلل.. «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي، اغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» [٣٢] . وتأمل دعاء النبي ﷺ وتذلله إذا قام من الليل يتهجد ويناجي ربه، قال: «اللهم لك الحمد أنت قيَّم السموات والأرض ومن فيهنَّ، ولك الحمد لكَ مُلْك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، ولك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، أو لا إله غيرك» [٣٣] . إنَّ حمد الله تعالى وشكره، والثناء عليه بما هو أهله، مع الاعتراف بالذنب والعجز؛ يعمّر القلب بالنور، ويوجب له الطمأنينة والسعادة، وما أجمل كلام الإمام ابن القيم عندما قال: «إن في القلب خلة وفاقة لا يسدَّها شيء ألبتة إلا ذكر الله عز وجل، فإذا صار الذكر شعار القلب بحيث يكون هو الذاكر بطريق الأصالة، واللسان تبع له، فهذا هو الذكر الذي يسدّ الخلة ويغني الفاقة، فيكون صاحبه غنياً بلا مال، عزيزاً بلا عشيرة، مهيباً بلا سلطان. فإذا كان غافلاً عن ذكر الله عز وجل؛ فهو بضد ذلك، فقير مع كثرة جدته، ذليل مع سلطانه، حقير مع كثرة عشيرته» [٣٤] . رابعاً: الوجل من عدم قبول العمل: فمع شدة إقبال العبد على الطاعات، والتقرب إلى الله بأنواع القربات؛ إلا أنه مشفق على نفسه أشد الإشفاق، يخشى أن يُحرم من القبول، فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية: [وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ] (المؤمنون: ٦٠) : أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟! قال: «لا يا ابنة الصديق! ولكنهم الذين يصومون ويصلّون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات» [٣٥] . فعلى الرغم من حرصهم على أداء هذه العبادات الجليلات فإنهم لا يركنون إلى جهدهم، ولا يدلون بها على ربهم، بل يزدرون أعمالهم، ويظهرون الافتقار التام لعفو الله ورحمته، وتمتلئ قلوبهم مهابة ووجلاً، يخشون أن ترد أعمالهم عليهم، والعياذ بالله، ويرفعون أكف الضراعة ملتجئين إلى الله يسألونه أن يتقبل منهم. وتتأكد هذه الحقيقة عند أهل الإيمان بأربعة أمور: الأول: أنَّ الله غني عن طاعات العباد: فالله جل وعلا غني عن عباده، وليس في حاجة إلى عبادتهم وطاعاتهم، قال الله : [وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ] (لقمان: ١٢) ، وقال تعالى: [إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ] (الزمر: ٧) ، وقال تعالى: [وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ] (النمل: ٤٠) ، وقال تعالى: [وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ] (إبراهيم: ٨) . وفي الحديث القدسي قال الله تعالى: «يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر» [٣٦] . قال قتادة وغيره من السلف: «إنَّ الله سبحانه لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليه، ولا نهاهم عنه بخلاً منه، بل أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم» [٣٧] . الثاني: أنَّ قبول الأعمال إنما هو من فضل الله ورحمته: ولهذا قال رسول الله ﷺ : «والله! لا أدري وأنا رسول الله ما يفُعل بي ولا بكم» [٣٨] . فإذا كان هذا هو حال سيد ولد آدم عليه أفضل الصلاة والسلام فكيف بغيره من الناس؟! ومَنْ قرأ قول النبي ﷺ : «لن ينجي أحداً منكم عملُه» ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» [٣٩] ؛ أيقن بضعفه وعجزه، وازداد تضرعاً وافتقاراً لربه جل وعلا، ولم يتعاظم في نفسه، أو يُعجب بجهده وعمله. قال الإمام ابن القيم: «كلما شهدت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية، وعرفت الله، وعرفت النفس، وتبيَّن لك أنَّ ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق، ولو جئت بعمل الثقلين؛ خشيت عاقبته، وإنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله، ويثيبك عليه أيضاً بكرمه وجوده وتفضله» [٤٠] . وكلما شعر العبد بهذه الحقيقة بانت له عظمة الخالق جل وعلا، وعرف مقدار نفسه، وهكذا ربَّى النبي ﷺ أصحابه ﵃، فها هو ذا أجلّهم وأعلاهم منزلة أبو بكر الصديق ﵁ يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: (علمني دعاء أدعو به في صلاتي) ، والنبي ﷺ أعرف الناس بصاحبه ومع ذلك قال له: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» [٤١] . إنها تربية ربانية تحدُّ من استعلاء العبد، وتجعله دائم الافتقار لربه، دائم الانكسار بين يديه، وإذا كانت هذه هي وصية النبي ﷺ لأبي بكر ﵄ وهو مَنْ هو إمامة وجلالة وجهاداً ونصرة لدينه وذباً عن نبيه؛ فكيف يكون حالنا ونحن المذنبون المفرطون؟! نسأل الله السلامة. وكنت أعجب من حال عمر بن الخطاب ﵁ كيف يخشى النفاق على نفسه، وهو الفاروق الذي بشّره النبي ﷺ بالجنة؟! ثم عرفت أن العبد كلما ازداد عبودية وافتقاراً إلى ربه ازداد ازدراء للنفس وخوفاً عليها، وتعلق قلبه بربه . قال ابن رجب الحنبلي: «كان الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد قلقهم وجزعهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة فيخرجه إلى النفاق الأكبر، كما تقدم أن دسائس السوء الخفية توجب سوء الخاتمة) [٤٢] . الثالث: أن المنة لله جميعاً: فالمؤمن ينسب ما به من نعمة، وما عنده من طاعة؛ إلى ربه ومولاه عز وجل، فله الفضل والمنة، ولا يزعم أن ذلك من حوله وكده وجهده، قال الله تعالى: [فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاًّ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء] (الأنعام: ١٢٥) . وقال تعالى: [يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَان] (الحجرات: ١٧) . وفي الحديث القدسي قال الله تعالى:» يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم « [٤٣] . ومن عجائب آي الذكر الحكيم: ما ورد في مطلع سورة المدثر، فعندما أمر النبي ﷺ بالنذارة بادئ الأمر، وُضِّح له طبيعة الطريق، فقال عز وجل: [وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ] (المدثر: ٦) . إنها وصية واضحة لا غموض فيها، تجرد العبد من استعلائه وإدلاله على ربه؛ تملأ القلب مهابة وإجلالاً لله صاحب الفضل والمنَّة. ومن لطائف هذا الباب أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ حينما طُعن وجعل يألم، قال له عبد الله بن عباس مواسياً:» يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون «.. وبعد هذا الثناء العظيم على أمير المؤمنين ﵁؛ تأمّل جوابه عندما قال لابن عباس:» أمّا ما ذكرت من صحبة رسول صلى الله عليه وسلم ورضاه: فإنما ذلك منٌّ من الله تعالى عليَّ، وأمّا ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه: فإنما ذاك منٌّ من الله جل ذكره منَّ به عليَّ، وأمّا ما ترى من جزعي: فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله! لو أنَّ لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه « [٤٤] . الرابع: أنَّ العبد لا يأمن على نفسه الفتنة: فقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال:» إنَّ قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء « [٤٥] . فالعبد مهما بلغت منزلته لا يأمن على نفسه الفتنة، ويخشى أن تجرفه رياح الأهواء والفتن، ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ :» اللهم مصرف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك « [٤٦] . فإمام المتقين يتضرع إلى الله بهذا الدعاء افتقاراً إلى الله تعالى، فكيف بنا ونحن الفقراء المحاويج..؟! ومن كان لا يأمن على نفسه رأيته أشد وجلاً على نفسه، وأشد انكساراً بين يدي مولاه العظيم . ولهذا فإن من أدرك هذه الحقائق الأربعة؛ علم أنَّ إعجاب المرء بطاعته وإدلاله بها على ربه من أعظم الأدواء والآفات التي تُسقط العبد، وتجعله على شفا جرف من الضلال والانتكاس، والعياذ بالله. قال مطرف بن عبد الله الشخّير:» لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً؛ أحبّ إليَّ من أن أبيت قائماً فأصبح معجباً « [٤٧] . وقال الإمام ابن القيم:» إنك إن تبيت نائماً وتصبح نادماً؛ خير من أن تبيت قائماً وتصبح معجباً، فإن المعجب لا يصعد له عمل. وإنك إن تضحك وأنت معترف خير من أن تبكي وأنت مدل. وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبّحين المدلين. ولعلَّ الله سقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داءً قاتلاً هو فيك ولا تشعر « [٤٨] . وقال في وصف مشهد الذل والافتقار:» يشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة ضرورة تامة، وافتقاراً تاماً إلى ربه ووليه، ومَنْ بيده صلاحه وفلاحه، وهداه وسعادته. وهذه الحال التي تحصل لقلبه لا تنال العبارة حقيقتها، وإنما تُدرك بالحصول، فيحصل لقلبه كَسْرة خاصة لا يشبهها شيء؛ بحيث يرى نفسه كالإناء المرضوض تحت الأرجل الذي لا شيء فيه، ولا به ولا منه، ولا فيه منفعة، ولا يرغب في مثله. وأنه لا يصلح للانتفاع إلا بجبر جديد من صانعه وقيّمه، فحينئذ يستكثر في هذا المشهد ما منّ ربه إليه من الخير، ويرى أنه لا يستحق قليلاً منه ولا كثيراً. فأي خير ناله من الله استكثره على نفسه، وعلم أن قدره دونه، وأن رحمة ربه هي التي اقتضت ذكره به، وسياقته إليه، واستقل ما من نفسه من الطاعات لربه، ورآها ولو ساوت طاعات الثقلين من أقل ما ينبغي لربه عليه، واستكثر قليل معاصيه وذنوبه. فإن الكَسْرة التي حصلت لقلبه أوجبت له هذا كله «. ثم قال ابن القيم:» فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور! وما أدنى النصر والرحمة والرزق منه! وما أنفع هذا المشهد وأجداه عليه! وذرة من هذا ونَفَس منه أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال من المدلين المعجبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم. وأحب القلوب إلى الله سبحانه: قلب قد تمكنت منه هذه الكسرة، وملكته هذه الذلة، فهو ناكس الرأس بين يدي ربه، لا يرفع رأسه إليه حياء وخجلاً من الله « [٤٩] . خامساً: خشية الله في السرَّ والعلن: الخوف من الله تعالى من أجلّ صفات أهل الإيمان، قال : [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ] (الأنفال: ٢) . وقال : [وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ] (الحج: ٣٤-٣٥) . وخشيته في السر والعلن من أعظم آيات الافتقار والفاقة إليه سبحانه، فمن عرف الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأدرك عظمته وجبروته، وسلطانه الذي لا يقهر، وعينه التي لا تنام، وقدَّره حق قدره؛ خاف منه حق الخوف، ولهذا قال الله : [وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ] (الرحمن: ٤٦) ، وقال تعالى: [وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى] (النازعات: ٤٠-٤١) . وقال تعالى: [ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ] (إبراهيم: ١٤) . ومن كانت هذه هي حاله رأيته متيقظ القلب، يرتجف خشية وإشفاقاً، دائم المناجاة لربه، يستجير به ويستغيث استغاثة المفتقر الذليل، قال الله تعالى: [أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون] (الزمر: ٩) . وقال : [تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً] (السجدة: ١٦) . وقال: [وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً] (الفرقان: ٦٤) ، قال الحسن البصري: » تجري دموعهم على خدودهم فَرَقاً من ربهم « [٥٠] . وتأمل معي قول الحق جلَّ وعلا: [قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً] (الإسراء: ١٠٧- ١٠٩) . فهو الافتقار التام لله ، والانكسار بين يديه تذللاً وإنابة، قال الأستاذ سيد قطب:» إنهم لا يتمالكون أنفسهم، فهم لا يسجدون ولكن [يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً] ، ثم تنطلق ألسنتهم بما خالج مشاعرهم من إحساس بعظمة الله وصدق وعده: [سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً] ، ويغلبهم التأثر فلا تكفي الألفاظ في تصوير ما يجيش في صدورهم منه، فإذا الدموع تنطلق معبرة عن ذلك التأثر الغامر الذي لا تصوّره الألفاظ « [٥١] . وشرط الخشية الصادقة أن تكون بالغيب؛ لأن القلب لا يتعلق إلا بالله، ولا يلتفت إلى ما سواه، قال الله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ] (الملك: ١٢) . وقال تعالى: [الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ] (الأنبياء: ٤٩) . وقال تعالى: [وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ] (ق: ٣١-٣٣) . وفي الحديث الصحيح قال رسول الله ﷺ :» سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. «، وذكر منهم:» ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه « [٥٢] . قال الحافظ ابن حجر:» خالياً: أي من الخلو؛ لأنه يكون حينئذ أبعد من الرياء، والمراد: خالياً من الالتفات إلى غير الله ولو كان في ملأ « [٥٣] . والخوف من الله عبادة قلبية تدفع العبد إلى الحرص والجدية والإقبال على الطاعة، قال رسول الله ﷺ :» مَنْ خاف أدلج، ومَنْ أدلج بلغ المنزل « [٥٤] . ولهذا قال الحافظ عبيد الله بن جعفر:» ما استعان عبد على دينه بمثل الخشية من الله « [٥٥] . وتتجلى حقيقة هذه العبادة القلبية على الجوارح، ولهذا جاء فى حديث السبعة الذين يظلهم الله:» ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله « [٥٦] . فالمعصية تعرضت له بأكمل زينتها، وأبهى فتنتها، وهو بشر كالبشر، لكن ما حبسه عنها إلا الخوف من الله ، ونظير هذا ما جاء في حديث الثلاثة الذين أطبق عليهم الغار، فقال أحدهم:» اللهم! إن كنت تعلم أني كنت أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجال النساء، فقالت: لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار، فسعيت فيها فجمعتها، فلما قعدتُ بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفضَّ الخاتم إلا بحقه! فقمت وتركتها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة.. [٥٧] ، وفي لفظ: «فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرِّج عنا» [٥٨] . فالمرأة الضعيفة استسلمت له، ولم تملك إلا تخويفه بالله ، فاستيقظ قلبه، وامتلأ خشية من الله، فحال ذلك بينه وبين المعصية، ومن أجمل ما وقفت عليه في تعريف الخشية قول سعيد بن جبير: «إن الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيتك بينك وبين معصيتك، فتلك الخشية» [٥٩] . سادساً: تعظيم الأمر والنهي: فغاية العبودية: التسليم والانقياد محبَّة وتذللاً، فتعظيم الأمر والنهي من تعظيم الله جلَّ وعلا، قال الله : [ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّه] (الحج: ٣٠) ، وقال الله تعالى: [ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ] (الحج: ٣٢) . وما انتشرت المعاصي، وكثرت المنكرات والأهواء في ديار المسلمين؛ إلا بسبب ضعف الإيمان، والتهاون في تعظيم أمر الله ونهيه. وتعظيم الأمر والنهي يعني: الوقوف عند حدود النصوص الشرعية، والالتزام الصادق بمقتضاياتها ودلائلها، والعض عليها بالنواجذ، فأَمْر الله وأَمْر رسوله ﷺ حقه الإجلال والامتثال، قال الله تعالى: [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] (الأحزاب: ٣٦) . قال الإمام ابن القيم: «استقامة القلب بشئيين: أحدهما: أن تكون محبة الله تعالى تتقدم عنده على جميع المحاب ... الأمر الثاني: تعظيم الأمر والنهي، وهو ناشئ عن تعظيم الآمر الناهي، فإن الله تعالى ذمَّ من لا يُعظّمه ولا يعظّم أمره ونهيه، قال الله : [مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً] (نوح: ١٣) ، قالوا في تفسيرها: ما لكم لا ترجون لله تعالى عظمة» . ثم قال: «.. فعلامة التعظيم للأوامر: رعاية أوقاتها وحدودها، والتفتيش على أركانها وواجباتها وكمالها، والحرص على تحسينها وفعلها في أوقاتها، والمسارعة إليها عند وجوبها، والحزن والكآبة والأسف عند فوت حق من حقوقها..» . ثم ذكر عدداً من علامات تعظيم المناهي، وهي على وجه الاختصار: ١ - الحرص على التباعد عن مظانها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كل وسيلة تقرب إليها. ٢ - أن يغضب لله إذا انتُهكت محارمه، وأن يجد في قلبه حزناً وكَسْرة إذا عُصي الله تعالى في أرضه، ولم يُطع بإقامة حدوده وأوامره، ولم يستطع هو أن يغير ذلك. ٣ - أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حد يكون فيه جافياً غير مستقيم على المنهج الوسط. ٤ - أن لا يحمل الأمر على علة تُضعف الانقياد والتسليم لأمر الله ، بل يسلم لأمر الله تعالى وحكمه، متمثلاً ما أمر به، سواء ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه أو لم تظهر.. « [٦٠] . ومن المسائل الجديرة بالعناية في هذا الباب: أنَّ على العلماء وطلبة العلم والباحثين والمثقفين.. ونحوهم، العناية بالاستدلال، والاعتماد على النصوص الشرعية في العلم والعمل،» وقلَّ أن تُعْوِزَ النصوص مَنْ يكون خبيراً بها، وبدلالتها على الأحكام « [٦١] . ويجب أن يكون نظرهم في النصوص نظر المفتقر إليها، المتتبع لهداياتها، الملتزم بدلالتها. وما أجمل قول الإمام الثوري:» إن استطعت أن لا تحك رأسك إلا بأثر فافعل « [٦٢] . ومَنْ نظر في النصوص الثابتة، ثم تقدم بين يديها، أو أغار عليها بالتأويل المتعسف، أو التحريف المتكلف، وراح يفسرها مجاراة لأهواء الناس، أو مداهنة لأهل العلمنة والتغريب؛ لم يكن في الحقيقة مفتقراً لها، معظماً لحدودها، قال ابن تيمية:» من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان: أن لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن برأيه، ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه، ولاَ وجْده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم « [٦٣] . وأحسب أن الدعاة وأبناء الصحوة الإسلامية لو فقهوا هذه المسألة حق الفقه، والتزموها في مناهج التربية والحركة والإصلاح؛ لأثمر ذلك انضباطاً كبيراً في خططهم الدعوية والإصلاحية، ولساروا على جادة الصراط المستقيم، ولكن مع الأسف الشديد قلَّ عند بعضهم تعظيم النصوص الشرعية، وأصبحت القوالب الحزبية والمصالح المتوهمة هي المعيار الذي توزن به شؤون الدعوة، نسأل الله السلامة!!

стр. 4812

دراسات تربوية المال بين نظر الغني والفقير سامي بن عبد العزيز الماجد [*] sami_rla@hotmail.com المال زينةُ الحياة الدنيا، قد فُطِرَ الإنسانُ على حُبِّه؛ فهو منهومٌ في طلبه، مطبوعٌ على الضنِّ به، كنودٌ لربِّه؛ تلك طبيعة الإنسان يُجلِّيها لنا القرآن: [وَتُحِبُّونَ المَالَ حُباًّ جَماًّ] (الفجر: ٢٠) ، [إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ] (العاديات: ٦-٨) ، [قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإِنسَانُ قَتُوراً] (الإسراء: ١٠٠) . وما على الإنسان أنْ يحبَّ المالَ وقد فطره على ذلك ربُّه؟! وما عليه أن يحب المال وقد جعله الله قِواماً للمعاش لا تصلح بدونه الحياة؟! بل وما عليه أن يطلبَه من حِلِّه، ويسعى إلى كسبه، وقد أذن له بذلك ربُّه، فقال سبحانه: [فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ] (الجمعة: ١٠) ، [هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ] (الملك: ١٥) ؟! إنَّ الإسلامَ لم يأتِ لينتزعَ من صدور الناس هذه الفطرةَ التي فطرهم اللهُ عليها، ولم يُرِدْهم على الانسلاخِ منها وانتباذِها؛ فليس الشرُّ ولا الإثمُ في طلبِ المال نفسه، ولا في حُبِّه، وليس هذا ما يخافه الإسلام على المسلم أو ينقمُه عليه. إنما الذي يخافُه الإسلام على المسلم: أن يتعبَّده المالُ حتى يعتلقَ حُبُّه قلبَه اعتلاقاً يجعله مَهووساً في جمعه، ويختلبَ حواسَّه وفكرَه، فيتركَه مجذوباً لا تستهويه إلاّ بوارقُ الثراء وعدُّ الأرصدة والأموال، حتى يصبح لصيقاً بالرَّغام، عبداً للدرهم والدينار؛ فالمالُ قصدُه أينما توجَّه، وغايتُه كلَّما تسبب، لا ينافس إلا عليه، ولا يهتدي إلا إليه. لا يبالي من أين أخذه، ولا كيف أنفقه، فمَطْعمُه حرامٌ، ومشْرَبُه حرامٌ، وملبسُه حرامٌ، وغُذِّي بالحرام؛ فهذا هو مَن عناه صلى الله عليه وسلم بدعوته المستجابةِ: «تَعِسَ عبدُ الدينار، تعسَ عبدُ الدرهم، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انْتَقَش» [١] . وما أتعسه المالُ، ولكنْ حرصُه الشديدُ أتعسه، وغلوُّه في حُبِّه أهلكه. إنَّ المالَ نعمةٌ لا تعدو أن تكونَ كسائر النِّعَم، هي محلٌّ للخير كما قد تكون محلاً للشرِّ، فإنْ يكن أحدٌ قد فسد بماله، فلقد شقي غيرُه بعقله. وإن يكن قد بطر بالمال أقوامٌ؛ فلقد بطر بالعافية والفراغِ آخرون. وكُل نعمة: الشاكرُ لها قليل، والكافرُ بها كثير. ولذا؛ فليعلم الفقيرُ المعدمُ أنَّ ما يعانيه من الإملاق وقِلَّة ذات اليد حالٌ لا يرضاها له الإسلامُ وإنْ أمرَه بالصبر عليها، فضلاً أنْ يحبِّب إليه حياةَ العَيْلَةِ أو يدعوَه إليها. وكيف يُظن بالإسلام هذا ورسولُ الله ﷺ كان يداوم الاستعاذةَ من الفقر، ويأمرُ بمدافعة الفاقةِ والعِوزِ كلَّ سبيل، فقال في وصيته الشهيرة: «إنك أنْ تذرَ ورثتَك أغنياءَ خيرٌ من أن تذرْهم عالةً يتكففون الناس» [٢] ، وهو الذي دعانا إلى الخروج من رِبقة الفقر والتحرُّرِ من ذِلَّة الحاجة والمسألة، فقال: «اليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى» [٣] . وليعلم كذلك الغنيُّ الواجد أنَّ الغِنَى الذي ينعمه وسعةَ المال التي أُوتيها؛ ليست منزلةً يستكثرُها عليه الإسلام فيمقته عليها، أو يدعوه أن ينسلخَ منها، أو ينخلعَ من ماله وقد كسبه من حِلِّه، كيف وقد قال ﷺ : «إنِّ هذا المالَ خضِرةٌ حلوةٌ؛ فمن أخذه بحقِّه ووضعه في حقِّه؛ فنِعمَ المعونةُ هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع» [٤] ، وقال ﷺ : «نِعمَ المالُ الصالح للرجل الصالح» [٥] . أمَا إن الإسلامُ لا يَذُمُّ الغِنَى، ولكنَّه يذمُ السَّرَفَ والتَّرَفَ فيه، وهو - كذلك - لا يُثني على فقيرٍ بفقره، ولكنَّه يُثني على حُسنِ ظنِّه وصبره. فإذن ليس يلحق الغِنى ذمٌّ كما لا يلحق الفقرَ ثناء، وإنما العبرةُ بثباتِ الإنسان وتقواه وأخذِه في كلِّ حال بما يناسبها، فَلَغَنيٌّ متعفِّفٌ شاكرٌ خيرٌ من فقير حسودٍ ساخط؛ يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ويتسخط قضاءَ الله وقدرَه، وَلَفَقيرٌ صَابرٌ خيرٌ مِنْ غنيٍ جَاحدٍ: لا يرى لله عليه فَضْلاً، ولا يَرفعُ إليه شُكْراً. فإن تساءل أحدٌ: فأين الأحاديث في ذم المال، كقوله ﷺ : «ما ذئبان جائعان أُرسلا على غنم، بأفسد لهما من حرص المرء على المال والشرف؛ لدينه» [٦] ، ونحو ذلك من الأحاديث؟ فإننا نجيب عن ذلك بما أجاب به الإمام الحافظُ ابنُ عبد البر؛ إذ قال: «وجهُ ذلك كلِّه عند أهلِ العلم والفهم في المال المكتسب من الوجوه التي حرَّمها الله ولم يُبِحْها، وفي كلِّ مالٍ لم يُطِعِ الله جامعُه في كسبه، وعصى ربه من أجله وبسببه، واستعان به على معصية الله وغضبه، ولم يؤد حقَّ الله وفرائضَه فيه ومنه؛ فذلك هو المال المذموم والمكسب المشؤوم. وأمّا إذا كان المال مكتسباً من وجهٍ مباح، وتأدّت منه حقوقُه، وتُقرِّبَ فيه إلى الله بالإنفاق في سبيله ومرضاته؛ فذلك المالُ محمودٌ، ممدوحٌ كاسبُه ومنفقُه، لا خلاف في ذلك بين العلماء، ولا يخالف فيه إلاّ مَنْ جهل أمرَ الله» اهـ. فإن قيل: لو كان في الغِنى خيرٌ لاختار له الله أفضلَ عبادِه رسولَه صلى الله عليه وسلم، ولكنه عاش فقيراً مسكيناً. قلنا: أمّا هذا فوَهْمٌ؛ فلم يعش صلى الله عليه وسلم فقيراً ولا مسكيناً بالمعنى الذي يفهمه الناس للمسكنة؛ مِن الحاجة إلى الناس وهوانِ النفس، بل كان عائلاً في أول حياته فأغناه الله، ومنَّ عليه بذلك فقال: [وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى] (الضحى: ٨) ، وجمع الله له بين مقامَيِ الصبرِ والشكر، وكيف يصحُّ هذا الزعم، وهو الذي كان يعطي عطاءَ مَن لا يخشى الفقر، ويثيب على الهدية بخيرٍ منها، وأنَّى يكون له الفقرُ وهو الذي كان يستعيذ بالله منه. وأمّا أنه لم يكن من أصحاب الثراء؛ فنعم! ولكن لله في ذلك الحكمةُ البالغة؛ فإنّه سبحانه لم يختر نبيّه ﷺ صاحبَ ثراء، بل ولا زعيمَ قبيلة، ولا رئيسَ عشيرة، ولا صاحبَ جاه؛ كيلا تلتبس قيمةٌ واحدة من قيم هذه الأرض بهذه الدعوة الربانية النازلة من السماء، ولكي لا تزدان هذه الدعوة بزينة من حلي الأرض ليست من حقيقتها في شيء، ولكي لا يدخلها طامعٌ ولا يتنزَّه عنها متعفف. وإننا حين نستجلي موقفَ الإسلام من المال، وحين نستبينُ منزلةَ الغِنى والفقر فيه؛ فليس خوفاً على الأغنياء أن ينخلعوا من أموالهم ويتخفّفوا من ثرواتهم، ولا خشيةً على الفقراء أنْ يستمسكوا بغَرْزِ الفقرِ لا يبغون عنه حولاً؛ فما على الناس من خوفٍ في هذا الباب أبداً، وإنما الخوف عليهم من ضدِّه، ولكننا نستذكر ذلك لقصدين: أمّا الأول: فهو تبرئة الإسلام مما أُلصق به، أو ظُنَّ أنه من شِرعته من المزاعم الباطلة، ومن ضروب ذلك: توهُّمُ النُّفرة بين طلب المال والسعي للآخرة، وتوهُّمُ التناقضِ بين الغنى والزهد، وظنُّ التلازم بين الثراء والفجور. وكم يلد الجهلُ للإسلام من تُهمةٍ تتدثَّر بدثاره وتلبس لَبُوسَه وهو منها براء! والجهل بأحكام الشريعة والفهمُ المغلوطُ لحِكَمِها يُري صاحبَه أنَّ كلَّ مشهدٍ في واقع المسلمين هو ظلٌّ لشريعة الإسلام يُحسَبُ عليها، حتى أصبحتْ صورتُه باهتةً شائهةً مُرقَّعة. وأمَّا القصدُ الثاني: فهو رسالةٌ إلى كلِّ غنيٍ متعفِّفٍ طاهرِ اليد لم يكتسب مالَه إلا من حِلِّه، رسالةٌ نُشعِره فيها وبها عظيمَ نعمةِ الله عليه؛ فقد فضّلَه وبَوّأَه منزلةً حُرِمَها كثيرون، فعليه أنْ يَستتمَّ هذه النعمةَ بالشكر، ولا ينبغي له وهو في غمرة النعيم ورغدِ العيش أنْ ينساها أو يتغافلَ عنها، وإلاَّ فإنّ نسيانَها أجدرُ أن يستجرَّه إلى نكرانها، وإنْ تغافلَ عن شكرِها فذلك أوْلى به أن يزدريَها. ثم ليذكر نعمةً أُخرى هي من تمام هذه النعمةِ وكمالها، ليذكر نعمةَ الله عليه إذ وفَّقه للرزق الحلال يستطيب به مطعَمه، فكثَّرَه الله له، وبارَكَ له فيه، وحماه بفضله ورحمته أنْ يستهويَه كسبٌ خبيثٌ، فلم ينهزم لإغرائه كما انهزمتْ أمامَه القلوبُ المنخوبةُ التي وَثِقتْ في الدنيا أكثرَ من الآخرة، فاستأكلت من هذا المالِ الخبيث، ونمَّتْ ثراءَه به ونبتَ لحمُها من سُحتِه، فليس شيءٌ أوْلى بها بعد ذلك إلاَّ النار، كما قال صلى الله عليه وسلم: «كلُّ لحم نبت من سُحتٍ فالنار أوْلى به» [٧] ؛ فهذا بابٌ عظيمٌ مُشرعٌ إلى النار، ولكنَّ الله تعالى نجَّاه منه، ولولا فضلُ الله عليه ورحمتُه لتكبكبَ فيها مع الهالكين. غير أنَّ شكرَ هذه النعمةِ الواجب لا تقوم به تمتمةُ اللسان بكلمات الحمد والشكر، وإنما يقوم بشكرِها حقَّاً عملُه فيها وبها؛ بأن يتقيَ اللهَ في إنفاق ماله كما كان يتقيه في كسبه، فيؤدي حقَّ الله فيه بلا مَنٍّ ولا أذى، ويبذلُه في مرضاته لا يؤودُه عن ذلك شحٌّ ولا بخل، ولا يضعُه في حرامٍ، ولا يُفضي به إلى تَرَفٍ ولا سَرَف، ولا ينحرفُ به عن الغاية. إنَّ من أخطر الوساوس وأخبثِ الحيل التي يتسلل بها الشيطان إلى قلب الغني ليثنيه عن الخير، ويعطفه عن التسبب إلى الصلاح أنْ يقذفَ في رُوعه: أنَّ هذا الثراءَ العريضَ الذي يملكه قد باعد بينه وبين الزهد والتعبد، وقارَب بينه وبين الغفلة والإخلاد إلى الأرض، فتستحيل هذه الوساوس عُقَداً في نفسه، تمُدُّ له في الغفلة، وكأنها حالٌ طبيعية لازمةٌ لكل غنيٍّ مثلِه، وتُضلُّه عن كثيرٍ من أبواب الخير؛ فلا يرى منها إلا ما لا يناسب حالَه لكثرة شواغله كنوافل الصلاة والصيام، فيستسلم لخدْرِ هذه الوساوس، ويفرِّط في استعمال جاهه وثرائه في مرضاة الله. ودفعاً لهذه الوساوس؛ فليعلم الغنيُّ أنّ الزهدَ الذي يدعو إليه الإسلام لا ينافي حالةَ الغنى، ولا يختصُّ بحالة الفقر والمسكنة، بل إنَّ زهدَ الغَنيِّ أصدقُ وأكملُ من زهد الفقير؛ لأنَّ زهدَ الغني عن قدرةٍ واختيار، وزهدَ الفقير عن عجزٍ واضطرار، وبينهما فرقٌ بعيدٌ. وحقيقةُ الزهد فراغُ القلب من الدنيا لا فراغ اليدين منها، ولذا فكم من غنيٍّ هو في ثرائه أزهدَ من الفقير في فقره؛ لأنه ملك المال ولم يملكه المال، فزهِدَ في شهواتِ الدنيا وهو قادر عليها، وابتغى فيما آتاه الله الدارَ الآخرة وفي يديه ما أغرى أمثالَه عنها. والزهد يتأتَّى للغني ولو كان له مالُ قارون؛ لأن الإسلامَ يزهِّدُه في الدنيا بقدر ما يمنعه من إيثارها على الآخرة. إنَّ الزهدَ لا يمنع الغنيَّ أنْ يُريَ ربَّه أثرَ نعمتِه عليه، ولا أن يحدِّث بها، إنما يمنعه الترفَ والسرفَ، وما تولَّد منهما من المخيلةِ والكِبر، والبغيِ والفخر، وهذه المعاني هي أشدُّ ما يُناقض الزهدَ ويُناهضه. وأمَّا المسكنةَ التي يحبها اللهُ من عبده فليست هي مسكنةَ الفقر، ولكنَّها انكسارُ القلب وذلُّه وخشوعُه وتواضعُه لله، وهذه المسكنةُ لا تنافي الغنى، ولا يُشترط لها الفقر. ولو استشعر الغَنيُّ أنه في منزلةٍ هي من أوسعِ المنازل وأقربِها لوجوه الخير كُلِّها أو أكثرِها لأَعْظَمَ تفريطَه في اغتنامها، وَلَتحسَّر على تضييعها وهي قريبة بين يديه؛ فإنَّ أمامه من أبوابِ الخير والبر والإحسان ونصرةِ الإسلام ما لا يغنى أحدٌ فيها غَناءه، ولا يبلي أحدٌ فيها بلاءَه، فإنَّ بلاءَه فيها يغني غَنَاءَ الآلاف ممن يعيشون حياة الكفاف، ولو وَلَجَها لسبق بالأجر أولئك المنقطعين للعبادة الذين كان يحسَبُ أنّهم سابقون بالأجر لا يُدركهم أحدٌ، فضلاً أن يسبقهم؛ فهل يسعه وهو يرى سِعةَ طرقِ الأجر بين يديه أنْ يفرِّطَ فيها أو يزدريَها؟! أتى فقراءُ المهاجرين رسولَ الله ﷺ ، فقالوا: ذهب أهلُ الدثور من الأموال بالدرجات العُلا والنعيمِ المقيم؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجُّون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون. فقال ﷺ : «أفلا أعلِّمكم شيئاً تُدركون به مَن سبقكم، وتسبقون به من بَعدَكم، ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم إلا مَن صنع مِثلَ ما صنعتم؟» قالوا: بلى يا رسول الله! فقال: «تُسبِّحون وتكبرون وتُحمِّدون دُبُرَ كلِّ صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين مرة» ، فرجع فقراءُ المهاجرين إليه ﷺ ، فقالوا: سمع إخوانُنا أهلُ الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله! فقال ﷺ : « [ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء] (الجمعة: ٤) » [٨] . وأخيراً: فإننا نُذكِّرُ الغنيَّ الثري أنّ المالَ هو مالُ الله ﷻ يضعه حيث يشاء سبحانه، وإنما هو مستخلَفٌ فيه، عمَّا قليلٍ سيؤديه، كما قال سبحانه: [وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ] (النور: ٣٣) ، [وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيه] (الحديد: ٧) . ولعل الغني حين يتذكَّر هذه الحقيقةَ أنْ تخِفَّ يدُه للإنفاق، ويذهبَ عنه التردد في البذل حين يسمع داعي الله، بل ولعل أنْ تهونَ له مجاهدةُ الشحِ والبخلِ والمن والأذى؛ فالفضل لله أولاً وآخراً.

стр. 4813

قضايا دعوية الإسلاميون بين دولة ضائعة وفرصة سانحة (١) أحمد فهمي afahmee@albayan-magazen.com فِكْر الحركة الإسلامية أشبه ما يكون بطلقات ضوئية تنير السبيل للسالكين، بيد أنها غير بعيد يخبو ضوؤها، وربما ارتبك السائرون فتنكبوا السبيل أو ظلوا حائرين، وقد خبا ضوءٌ قد التمع قبل أكثر من ثلاثين عاماً لتصبح الحيرة سيد الموقف في العمل الإسلامي في الآونة الأخيرة، وليصبح فرض الوقت تفقد جذوات بديلة جديدة نتلمس على نورها خطانا، علَّنا نهتدي السبيل. وفي هذا المقال وما يليه نتلمس جذوات الحق، ونبحث في تجارب الماضي عن أخطاء الحاضر ومحاذير المستقبل، لنصل مراحل العمل الإسلامي بعضها ببعض منذ البداية المباركة قبل أكثر من سبعين عاماً؛ ليكون بنياننا راسخاً على ما بذل فيه مَنْ سبقونا المهج والأعمار، وليس على حافة هاوية في بقعة نائية، ومهما تجدد من الفكر وتمحص من المنهج؛ فإن الفضل الأكبر بعد الله يبقى لرعاة العمل الإسلامي الأوائل. * النهايات الثلاث: من مشكلات العمل الإسلامي ارتباكه في التعامل مع الفقه المرحلي، فيلجأ إلى النمطية فيما من حقه التغيير، وإلى التغيير فيما من حقه الثبات، وتحديداً نقول إن هناك ثلاث عقبات في هذه الإشكالية: أولها: تحديد المرحلة التي يعيشها العمل الإسلامي. ثانيها: إدراك مؤشرات نهاية المرحلة. ثالثها: استيعاب متطلبات الانتقال بين المراحل. والذي نتناوله تحت العنوان الأخير ما يتعلق بمؤشرات نهاية المرحلة، ونحسب أنه قد رسخ في ثقافة كثير من الحركات الإسلامية العاملة في الدول العلمانية أو التي يغلب عليها التوجه العلماني أن المرحلة التي يعيشونها تمتد إلى نهاية العمر، وأن الذي يتخذ خطوات جادة لإنهاء المرحلة فقط خصوم الحركة الإسلامية، قياساً على تجارب ماضية؛ أبرزها تجربة عبد الناصر في مصر عندما اتخذ قراراً بإجهاض الحركة بصورة تامة، وبذلك فإنه ما لم يحدث تصرف نمطي مشابه فإن المرحلة مستمرة، وقد يؤكد ما نقول أن المراجعة الجدية الوحيدة التي تم اتخاذها من قِبَل حركة إسلامية في الفترة الأخيرة هو ما قامت به الجماعة الإسلامية في مصر، واعتبرت بمراجعتها تلك أن الحركة قد انتقلت من مرحلة إلى أخرى جديدة تماماً، وكانت نتيجة مواجهة رسمية مشابهة لما حدث في الخمسينيات. والمراقب لأداء الحركات الإسلامية في الدول العربية العلمانية أو التي يغلب عليها التوجه العلماني في العقد الأخير من القرن العشرين الميلادي، وكذا للتطورات السياسية الإقليمية والدولية؛ يمكن أن يلاحظ ثلاث نهايات للمرحلة الدعوية الحالية، كل واحدة منها تعضد الأخرى وتؤكدها، فعلى المستوى الداخلي لكل حركة على حدة؛ بدا واضحاً أن هناك قائمة طويلة من التساؤلات والإشكاليات التي يقصر المنهج عن تفسيرها، وعلى مستوى العمل الإسلامي بات واضحاً أن الحركات الإسلامية تعيد نفسها وتفقد توازنها بصورة واضحة، وعلى المستوى الدولي فقد دُشنت الحرب الأمريكية على الإرهاب، والتي بدأت بالتيارات الجهادية ثم اتسعت لتشمل الحركات الإسلامية كافة؛ سواء كان منهجها سلمياً أم عنيفاً. وهذه النهاية الثلاثية الأبعاد تفرض علينا وقفة شاملة على المستوى نفسه بما يكفي للتنظير لمرحلة حرجة حالية، ومرحلة قادمة يمكن حسب المعطيات التي بين أيدينا - وبعد توفيق الله أن تكون فرصة سانحة لتحقيق مكاسب وإنجازات غير مسبوقة. * كيف نعرف أن حركةً ما تعيش أزمة فكرية منهجية؟ (متى تحتاج الحركة الإسلامية إلى تجديد الفكر والمنهج؟) : المنهج أو الفكر الذي تنطلق من خلاله أي حركة إسلامية يشبه بئراً نفطية إلى حد كبير، ففي أوله تتضاعف التكلفة (التأسيس) ، ثم بعد ذلك يتزايد عائده وتبدو ثماره، ولكن في نهاية الأمر تفوق تكاليف التشغيل قيمة العائد، ومن ثَمَّ يصبح الخيار الأصوب تركه والبحث عن غيره، والمشكلة هنا أن كثيراً من الحركات الإسلامية لا تشعر بالتغيير الأخير، أو لا تقدر على معالجته واتخاذ قرار بشأنه، أو لا تجد خيراً منه لتنتقل إليه. وتتوزع الحركات على الحالات الثلاث، وهناك حالة رابعة تتمثل في بعض الحركات التي تخلصت من كثير من ثوابتها، ولكنها لم تجد بديلاً، فعاشت فترة من التيه والحيرة انتهت (أو لم تنته بعد) بتشتتها وتفرقها، وهو ما يجعل جماعات كثيرة تُؤْثر خيار الوضع القائم على ما فيه من دخن وخلل على وضع التيه والشتات. وهناك عدد من الطرق يمكن للحركة بواسطتها أن تدرك حاجتها إلى التجديد الفكري: وأولها الطريقة المباشرة التي تتمثل غالباً في تعرض الحركة لأزمة مواجهة عنيفة، ينتج عنها خسائر كبيرة على جميع الأصعدة، ومن ثم تنشأ بعد فترة من الأزمة محاولات للمراجعة والتجديد، وعادة ما يتم ذلك داخل المعتقلات، حيث تخرج الجماعة بفكر ومنهج جديدين؛ محورهما الأول قابلية التعايش مع الأوضاع القائمة. وفيما عدا هذه الطريقة المباشرة؛ يندر أن توجد جماعة تبادر بنفسها ودون ضغوط خارجية إلى إجراء مراجعات شاملة ومحاولات للتجديد والتغيير، ويصعب على كثير من الجماعات أن تعترف بخلل في منهجها أو بفراغ فكري لديها. ولكن لا يمنع ذلك من وجود علامات غير مباشرة كثيرة تدل بمجموعها وبقدرِ ما يتوفر منها على المستوى الذي وصلت إليه حركة إسلامية ما، ونذكر أهمها: - انقضاء فترة زمنية كافية دون أن يحقق المنهج أهدافه أو قدراً مناسباً منها حسب الرؤية الذاتية للحركة، ومحاولة معالجة ذلك بترويج مكثف لفكر الصبر وذاتية الأخطاء والتعبد بالوسائل لا الغايات، في حين أن مفهومات هذه المعالجة نحتاج إليها في جميع مراحل العمل الإسلامي، وليس فقط عندما تتعقد الأمور. - تراجع المكاسب والإنجازات التي تم تحقيقها من قبل؛ دون أن يبدو ذلك التراجع مجرد كبوة أو حالة عارضة. - حدوث تطورات سياسية واجتماعية وثقافية يعجز المنهج الحالي عن استيعابها والتعامل معها؛ بحيث تظهر جوانب من الخلل وتناقضات في الأقوال والمواقف، ويصبح للحركة بعد مدة مذهبان: قديم وجديد. - تزايد الانشقاقات والخلافات الداخلية. - تراجع مستوى الانتشار كماً وكيفاً. - تدني مستوى القيادة والعجز عن إبراز رموز تحظى بشعبية آسرة حتى داخل الحركة نفسها، فضلاً عن الجماهيرية العامة. - تراجع في أدبيات الحركة، وندرة الإصدارات التي تقدِّم الجديد. - تراجع مبيعات الكتاب الإسلامي الفكري والشرعي في أوساط الحركة وبين أتباعها وقلة الجديد منها. - حدوث فجوة بين الأجيال داخل الحركة نتيجة تراخي الدعوة في بعض مستوياتها، وتتعاظم الفجوة على مستوى العمل الإسلامي ككل داخل البلد الواحد في حال تشارك باقي الحركات في هذه السلبية. - ارتفاع معدلات الانتكاس، وترك طريق الالتزام والدعوة من قِبَل المنتمين للحركة الإسلامية. - غياب أو تراجع دور العلماء في مسيرة الحركة، وتحوُّل الغلبة للرموز الفكرية والسياسية والحركية. وينشأ عن غفلة الحركة عن هذه العلامات البارزة، والتي يتكرر أغلبها في معظم الجماعات، ظاهرة يمكن أن نسميها: التحرك الدائري، ونعني به إعادة اجترار الأفكار نفسها بصورة مستمرة في مواجهة المستجدات المتغيرة، ولا نريد هنا إلقاء اللوم بصورة كلية على الحركات الإسلامية، فهي نشأت في الأساس وليس لديها آلية يومية أو حتى ظرفية للاجتهاد المنهجي، بل كان من ضرورات النشأة حسب رؤية الكثيرين وقتها الاجتهاد بغلق باب الاجتهاد وثبات المنهج أو تجمده، ومن ثَمَّ وقعت أغلب الحركات في أسر مناهجها، ولم تستطع منها فكاكاً، ولم يفلت من هذه الوضعية المعقدة إلا مَنْ تعرض للضغوط المباشرة التي كسرت جدر الفكر كما سبق الذكر، ودفعت الحركة دفعاً لإجراء المراجعات والتحديثات. ولكن في ظل العلامات السابقة يمكن أن تستمر الأوضاع الحالية على ما هي عليه لسنوات طويلة، فما الحل؟ * الفكر القائد: وفي هذا الصدد يمكن أن نشير إلى مأزقين تتعرض لهما حالياً أغلب الحركات الإسلامية: أولهما: كثير من الحركات الإسلامية تعيش حالة من السيولة الفكرية وربما التنظيمية، وتقبل باهتزاز ثوابتها فقط عند تعرضها لضغوط التغيرات السياسية والثقافية والدينية في المنطقة، بينما تؤثر الجمود وتأبى المراجعة والتجديد الذاتيين إذا انبعثت الدعوة إليهما من أطراف موالية، وتتراجع القدرة على اتخاذ قرارات جذرية أو تغييرية لو وجد تصور لها من الأصل؛ لأن ذلك ربما يؤدي إلى إعادة تشكيل الحركة على خلاف المراد، أو يستحدث منهجية تدفع في اتجاه التفكك والانهيار. وقد يكون مفيداً الإشارة هنا إلى أن مراجعات الجماعة الإسلامية في مصر تمت في ظروف شبه معملية، لذلك لم تحدث انقسامات واضحة داخل الجماعة، ولكنها قد تكون مهددة بذلك حقيقة حال انتقالها إلى الهواء الخارجي. ثانيهما: إشكالية: أجب بنعم أو لا؟ والتي تتمثل في الامتحانات الكثيرة التي تُعقد للحركات الإسلامية ولقادتها ورموزها من قِبَل الأنظمة العلمانية أو التي يغلب عليها العلمانية وأبواقها، والتي تمثل مأزقاً؛ كونها لا تتيح مجالاً للمداراة أو مواربة الفكر في ظلال الفعل فضلاً عن القول، وهذا له تأثيره السلبي على المصداقية وعلى الثوابت، والتي يمكن أن تتحول تحت الضغط المستمر إلى مجرد شكليات وأثريات لا أثر لها في الواقع، وبذلك تفجأ الجماعة بأنها أمست لا هي ناشطة في التجديد، ولا هي قادرة على التجميد. ومثال هذه الإشكالية: المطالبة المستمرة من قِبَل القوى العلمانية للإسلاميين بتحديد مواقفهم وآرائهم من قضايا وأحداث شائكة؛ بطريقة تجعل من التجاوب تنازلاً عن الثوابت، ومن الإعراض تخلياً عن مكاسب جنتها الحركة من أدائها فيما سبق، والمؤسف أن بعض الإسلاميين باتباعهم مسلكاً صِدَامياً يُعمِّقون من الآثار السلبية لهذا المأزق، ويتيحون مجالاً أوسع لتقليص ثوابت العمل الإسلامي من قِبَل العلمانيين. والحال هكذا يصبح الافتقار واضحاً إلى قيادة فعَّالة تُخرج الحركة الإسلامية من مكمنها الذي «حُشرت» فيه، أياً كانت هذه القيادة بصورها الثلاث: الفكر القائد، أو الشخص القائد، أو الحدث القائد. وسبق أن تناولنا هذه القضية في عدد سابق من البيان (كلمة صغيرة، شهر رجب) ، وذكرنا أن الفكر القائد يعدُّ أقرب الوسائل إلى التفعيل في وقتنا الحالي، وأقلها مؤونة لإخراج الحركة من حالتها الساكنة.. «وتزداد أهمية هذا البعد الفكري القيادي في ظل محاولات الترويج لرؤى فكرية ارتدادية تفكيكية، تعود بالحركة الإسلامية ثلاثين عاماً إلى الوراء لتجد نفسها منشغلة - بعد كل هذا العناء - بلملمة ما تبعثر من ثوابتها، وترميم ما اهتز من أصولها، ومَن ثَّم كان لا بد أن تتوفر في هذه الرؤية المجددة الفكر القائد قدرتان: القدرة على مقاومة الفكر الارتجاعي، والقدرة على تحريك العمل الإسلامي والأمة بأسرها خطوات إلى الأمام» . هذه الدعوة إلى قيادة فكر جديد لا تعني أبداً إهدار الإنجازات الفكرية التي تراكمت طيلة عقود ماضية، فلا شك لدينا في ثرائها، ولكنها لا ترقى إلى مستوى القيادة المطلوب؛ لأنها فقدت قدرتها على الموائمة الظرفية الزمنية؛ لذا بدا واضحاً: التعثر، والتكرار، والتناقض، في أداء الحركات الإسلامية تحت وطأة التداعيات السياسية في العقد الأخير، حيث انتهى الأمر إلى أن أصبح منهاج الفعل ينحصر لدى بعض الناس في أعمال تفجيرية، تُدمي العمل الإسلامي قبل أن تخدش أعداءه، أو مبادرات فردية لا تحرك الماء الساكن، بينما قنع آخرون بمنهاج رد الفعل، واعتبروه الأسلم والأحكم. * حقائق مهمة: وقبل الاستغراق في التفاصيل يحسن بيان ما تهدف إليه هذه المقالة وما يليها؛ لكي تتراكم الأفكار بصورة صحيحة تتساوق مع النتائج المرجوة: - الجماعات الإسلامية التي نشأت في الدول العلمانية التي رُزئت لعشرات السنوات تحت أسر الاستعمار الغربي قبل أن تبتلى بالعلمانية؛ ربما تكون الإنجاز الأعظم الذي قدمته الأمة الإسلامية في سياق تفاعلها مع مصيبة سقوط الخلافة الإسلامية عام ١٩٢٤م. - لم ينته عصر الجماعات ولم يمض عهدها، بل الأقرب أن المرحلة القادمة تستلزم ازدهاراً لها. - استخدام المثاليات المجردة بعيداً عن موائمة الظرف (الزمان - المكان) يعطي نتائج وتوجهات خاطئة، ربما من أبرزها في هذا المجال اعتبار تعدد الجماعات واختلافها (الطبيعي) ظاهرة سلبية تماماً، وتبنِّي الدعوة إلى توحيدها ووحدتها، بينما يصرخ الظرف فينا: دعوا الأمور كما هي، فلكل صراع مقال وفِعال، وليس هذا موطن التجديد المطلوب في زمننا. - ما عدا الأصول والثوابت الشرعية؛ فليس هناك مرجعية فكرية أو حركية تُلزم الحركات الإسلامية بأنماط جبرية من السلوك في الخطاب والفعل. - تقع الحركات الإسلامية منذ أكثر من سبعين عاماً دوماً في أنماط متكررة من الأخطاء التي تتشابه قلوبها، وإن تباينت قوالبها. - إذا كانت الحركة الإسلامية قد ضيعت فرصة ذهبية لإقامة دولة إسلامية في بداية عهود الاستقلال، ثم فوتت فرصاً ثمينة في السبعينيات، فإنه رغم صعوبة الظرف الحالي تلوح بين يدي الحركة الإسلامية فرصة سانحة تفتقر إلى من يستثمرونها. - فقه أو «فن» المواجهة مع الكيانات العلمانية هو أكثر ما تعاني الحركات الإسلامية من فقده، ويمكن توضيح ذلك بالمثال التالي: لو افترضنا أن ركب العلمانية متمثل في عربة سريعة الانطلاق؛ فإن مواقف الإسلاميين من حولها نجدها تتوزع كما يلي: فئة تعتبر العنف أسرع الوسائل لتحقيق المُبتغى، فتُهرع إلى الوقوف أمام العربة.. والنتيجة معروفة، وفئة أخرى تمتطي العربة لتلجمها وتوجهها، فإذا بها تتوجه هي معها، وفئة ثالثة تركض بجوار العربة، فلا هي سبقتها ولا هي منعتها، وفئة رابعة ارتأت أن السير عكس اتجاه العربة ينأى بها عن المشكلات والفتن، أما الفئة الخامسة فهي ما نفتقده في أداء الحركة الإسلامية، وهي التي ستعمل على إعاقة تقدم العربة بإذن الله؛ بحمل الأثقال عليها ومن خلفها، فتُبطئ مسيرتها وتعرقل تقدمها وتوجهها، وهو ما سنترجمه لاحقاً بمشيئة الله تعالى. * هل اختلاف الجماعات رحمة؟ في الفترة الثلاثينية الأخيرة، والتي تميزت بتعدد الجماعات الإسلامية واختلافها، نستطيع القول بأن هذا التعدد والاختلاف في حد ذاته كان والله أعلم سبباً مهماً في بقاء الحركة الإسلامية وحفظها من الزوال في كثير من البلدان العربية العلمانية؛ مثل: مصر - الجزائر. ويتضح ذلك لو قارنّا هذه البلاد بغيرها ممن لم تتمتع بهذا القدر من التعدد والتنوع: تونس - سوريا، فسنجد أن التعدد كان بتوفيق الله عاملاً حيوياً في بقاء الحركة، بل لو أخذت المقارنة بعداً تاريخياً على مستوى الدولة الواحدة - في مصر مثلاً - لوجدنا أن الحركة الإسلامية لما تفردت وهو ليس عيباً قطعاً قبل ثورة يوليو كان في ضربها إجهاض للعمل الإسلامي على مستوى البلد، ولكن تغير الحال في السبعينيات وما تلاها. ولكن ما الذي يجعل لتعدد الجماعات الإسلامية هذه المزية الفريدة؟ هناك أسباب عدة، من أبرزها: - تعدد سياسات المواجهة، فالأسلوب المتَّبَع دوماً في حالة التعدد طرح قائمة أولويات قابلة للتغيير، يكون على رأسها أكثر الحركات الإسلامية «نشاطاً» في العادة، ولا يمكن بحال حسب تجربة التاريخ أن تشمل كل الجماعات في وقت واحد. - صعوبة الاختراق الكامل للحركات الإسلامية من قِبَل أعدائها. - تعتبر الجماعات وسائل فعالة لترسيخ مختلف المفهومات الإسلامية بين المسلمين، حيث المنابر المتعددة، والاجتهادات المتفاوتة، والخطابات المتنوعة، والتي تتغلغل في أوساط الناس بطريقة شمولية، ويكفي أن ننظر إلى منظومة الدعاة الجماهيريين في أي بلد لنكتشف أنهم ينتمون تقريباً إلى كل التيارات داخل هذا البلد، فهل لو كانت الجماعة واحدة متوحدة سيتحقق شيء من ذلك؟ ربما يقول بعض الناس إن هذا حدث بالفعل في مصر عندما نشأت الحركة الإسلامية بعد سقوط الخلافة العثمانية، ولكن هناك اختلاف بارز بين الحقبة الحالية وتلك الحقبة الماضية من وجهين: فلا الظروف الدينية والاجتماعية والسياسية متشابهة، ولا الحركة نفسها هي الحركة التي كانت قبل أكثر من خمسين عاماً، فقد تغيرت أفكار كثيرة، وتبلورت رؤى مختلفة نوعاً ما في فترة الانبعاث الثاني في السبعينيات. * قصة الخضر والحركات الإسلامية: التقسيم المرحلي للعمل الإسلامي لدى كثير من الحركات الإسلامية يبدو منتظماً ومتساوقاً مع هدف إقامة الحكم الإسلامي (الدولة الإسلامية) ، وأغلب أنماط العمل لدى الجماعات يمكن ربطها بصورة مباشرة أو غير مباشرة بهذا الهدف، فضلاً عن كون أدبياتها تتحدث عنه بلا مواربة، نعم قد يترسخ في أذهان الكثيرين في وقت ما حجم الصعوبات الهائلة التي تحول دون تحقيق هذا الهدف، ولكن تظل مع ذلك أنماط العمل مرتبطة به إلى حد كبير؛ دون تغيير للأسباب التي سبق أن أشرنا إليها، ونتيجة لذلك؛ فإن تقويم العمل من قِبَل الإسلاميين وفق هذا التقسيم سوف يكون محبطاً إلى درجة كبيرة من ناحية، كما أنه لن يصلح منطلقاً لتجديد الفكر في مرحلة قادمة من ناحية أخرى، وهذا يلفتنا إلى أن هناك تقسيماً مرحلياً آخر ينتج عن هدف مغاير للحقبة التي بدأت أوائل السبعينيات، وهذا التقسيم ينعكس في الأذهان بصورة تلقائية عند المراقبة الحيادية لآثار تطبيق التقسيم المرحلي الأول؛ بمعنى أن ما نراه من أخطاء وتجاوزات وتراجعات تبلور بصورة آلية في رؤية معالجة لمواطن الخطأ والتراجع، وفي مقدمتها الهدف الذي يتمحور حوله العمل الإسلامي، وهذا التقسيم المرحلي يمثل رؤية جديدة في حد ذاته يمكن أن تنتظم من حولها منظومة الإيجابيات والسلبيات التي تحققت في هذه الفترة، وبطريقة ترفع كماً كبيراً من الإحباط عن كاهل الإسلاميين، والهدف الذي نتحدث عنه هو: الانتشار والنشر، انتشار دعوة الحركات الإسلامية بين مختلف الفئات والقطاعات، ونشر تعاليم الإسلام الصحيحة من غير تحريف ولا بدعة - وسيأتي بيان ذلك لاحقاً بإذن الله -. وحتى لا نذهب بعيداً نقول إن أبرز ما يمكن أن تتغير نظرتنا نحوه وفق هذا التقسيم أو الرؤية الجديدة هو قضية التعدد والتنوع والخلاف بين الحركات الإسلامية، والتي يعتبرها الكثيرون المشكلة الأكبر التي تواجه العمل الإسلامي، والذي نخلص إليه أن هذا التعدد ربما يكون من ضرورات المرحلة الحالية والقادمة - بالاعتبار السابق -. ونحاول فيما يلي الاسترشاد في هذا الصدد بالحكمة المستنبطة من قصة الخضر مع موسى ﵉، وتحديداً من قوله : [فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِداَراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً] (الكهف: ٧٧) ، ثم بعد ذلك وفي سياق الشرح يقول الله حاكياً عن الخضر: [وَأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ] (الكهف: ٨٢) . فنحن هنا أمام تصرف من الخضر استعصى فهمه على نبي الله موسى ﵇، وهو أن معطيات الموقف كانت تحتم هدم الجدار أو تركه مهدماً وليس إقامته من جديد، ثم تبيَّن بعدها أن واقع الأمر كان خلاف ما يوحي به المنطق العاجل، فقد كان هدم الجدار كشفاً لكنز الغلامين قبل أوانه، ومَنْ تعجَّل شيئاً قبل أوانه عُوقب بحرمانه، وكان في إقامة الجدار صيانة للكنز وحفظ له حتى يأتي الوقت المناسب لاستخراجه مع القدرة على حمايته. وأوجه التشابه هنا أن كنز العمل الإسلامي هو إقامة دولة إسلامية، وهدم الجدار يتضمن أموراً؛ منها الدعوة للتوحد ونبذ التعدد بين الجماعات وفق رؤية تتسامى لتصل إلى أمل الجماعة الواحدة في البلد الواحد، وإقامة الجدار هو إقرار للوضع على ما هو عليه باعتباره الأنسب وفق موازين القوى الحالية. وتطبيقاً لهذا المفهوم على واقع الحركات الإسلامية نقول: إن هناك طريقتين للتفكير في هذه القضية: الأولى: مباشرة وتتعامل بصورة تبدو منطقية للوهلة الأولى، فالإقامة لا تعني إلا الإقامة، والهدم لا يعني إلا الهدم، والمنطق يقول إن الهدم يسبق البناء أو الإقامة. الطريقة الثانية للتفكير: تناسب الأوضاع المعقدة المتداخلة، وتتعامل مع الإقامة بمعنى الهدم، والهدم بمعنى الإقامة، وإن بدا ذلك غير منطقي للوهلة الأولى وربما الثانية، ولكنها متطلبات المرحلة الاستثنائية التي تعيشها الأمة، وهل تعيش الأمة إلا أوضاعاً استثنائية منذ عشرات السنين؟! ونلفت الأنظار هنا إلى أن الواقع من حولنا يحمل لنا خبرات كثيرة غير متناهية، ولكننا نقصّر في استيعابها، والله رحيم بنا، قد بيّن لنا فيما حولنا ما قد يشق علينا استخراجه والتنقيب عليه في غياهب التاريخ، فنحن نعيش زمناً تداخلت فيه المراحل حتى على مستوى البلد الواحد، فما كان يحتاج منا إلى عقود طويلة لمعايشته وتجربته وسبر عواقبه؛ نراه ماثلاً أمام أعيننا في لحظة واحدة، وقد سبق أن ذكرنا تجربة الحركة الإسلامية في كل من مصر والجزائر وسوريا وتونس؛ بما يكشف أثر التعدد في حفظ الحركة الإسلامية من الزوال، ففي الجزائر على سبيل المثال لما تناولت معاول المواجهة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، كانت حركات النهضة وحماس أو حمس بمنأى عن ذلك، ولما دخلت الجماعة الإسلامية في مصر في مواجهات عنيفة مع السلطات كانت الجماعات الأخرى بعيدة نسبياً عن معايشة الأجواء نفسها، وعلى خلاف ما حدث مع الحركة الإسلامية في بداية حكم عبد الناصر. مثال آخر يتضمن شرحاً لمعنى التعجل بهدم الجدار رغبة في استخراج الكنز في غير أوانه، فما كادت جبهة الإنقاذ في الجزائر تهدم جدارها لتستخرج كنزها؛ حتى تكالبت القرية الظالمة عليها وحالوا بينهم وبين كنزهم، وفي السودان تمكنت الجبهة بالفعل من هدم الجدار واستخراج الكنز حقيقة، ولكن ماذا حدث بعدها؟ تكاثرت القرى الظالمة عليهم لسرقة كنزهم قطعة قطعة، حتى لم يبق بين أيديهم إلا القليل الذي يخضع للمساومة والفصال، واختلف الغلامان وتفرَّقا في مرحلة تبغي التوحد. والذي نخلص إليه من ذلك أن مرحلة إقامة الجدار هي التي نعيشها واقعاً، والتي ينبغي أن نعايشها فكراً ومنهجاً، وهي مرحلة تبغي التعدد والتنوع، نستأنس فيها بقول يعقوب ﵇ لبنيه: [وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ] (يوسف: ٦٧) . أما مرحلة هدم الجدار التي يريد بعض الناس أن يعيشها واقعاً، فهي من قضايا المستقبل التي لا يلزمنا أن نعايشها فكراً حالياً، كما أننا لا نعيشها واقعاً، والتي يمكن لنا أن نستأنس عند تحققها بقول الله في قصة موسى ﵇: [قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (المائدة: ٢٣) .

стр. 4814

تأملات دعوية تشويه الحق محمد بن عبد الله الدويش dweesh@dweesh.com الحق واضح لا لبس فيه ولا غموض، وقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل البيضاء ليلها كنهارها، ومع وضوح الحق وجلائه فقد فطر الله ﵎ الناس على قبوله والأنس به، بل الباطل لا تستقيم النفوس عليه ولا تستقر؛ فهي إنما خلقت لتعيش على الحق وتلتزمه. لكن هذا لن ينقل الناس إلى دائرة الموضوعية؛ فهم قلَّما يفصلون بين الحق وبين واقع أتباعه وأحوالهم. وقد أخبر أنه لم يميز الكفار بالنعم لئلا يلجأ الناس إلى الكفر معتقدين الصلة بينه وبين محبة الله لأهله: [وَلَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ] (الزخرف: ٣٣) . قال ابن كثير ﵀ حول هذه الآية: «أي لولا أن يعتقد كثير من الناس الجهلة أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه فيجتمعوا على الكفر لأجل المال؛ هذا معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وغيرهم» . وامتن على نبيه ﷺ بأن رزقه الرفق واللين للناس، وأخبر أنه لو حُرِم ذلك ﷺ لأعرض عنه الناس: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ] (آل عمران: ١٥٩) . فإذا كان هذا شأن النبي ﷺ فكيف بشأن غيره من الناس؟ وقد حذر الله ﵎ من شأن علماء السوء الذين يلبسون الحق بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، ويكتمون ما أنزل الله. وشأن هؤلاء على خطورته واضح جلي؛ لكن تشويه الحق قد يصدر من صاحب نية صالحة حسنة، فيؤدي ذلك لصد الناس عنه. * ومن ذلك: - سوء التعامل مع الناس والفظاظة والغلظة، وقد يسوِّغ لنفسه بأن هذا من البغض في الله، ومن الغلظة على أصحاب المنكر وأهل الفسق، وهؤلاء من أبعد الناس عن هدي صاحب الرسالة ﷺ . - السطحية والسذاجة، وضحالة الثقافة، وقلة الوعي بأمور الحياة، وبخاصة أنه كثيراً ما يتحدث ويبدي رأيه باعتبار أنَّ لما يثار صلةً بأمور الشرع، ويفترض أن ما يملكه من خلفية معرفية كاف لإبداء رأيه فيما يحسن وما لا يحسن. - الجمود والتعصب، أو الإصرار على إفتاء الناس بالورع والاحتياط في أمور وسَّع الشرع فيها، والنفور من كل جديد مستحدث، وكأن الأصل التحريم والتضييق. - التخلف في السلوك الشخصي، أو في المؤسسات والمنشآت التعليمية والدعوية. - الحديث مع الناس بلغة التعالي غير المقصود وانتظار السماع والإنصات منهم، دون أن يكون لهم حق الاعتراض والمناقشة؛ لأنهم ليسوا أهل علم ولا فقه. إن دعوتنا للحق وصدق نيتنا لا تعفينا عن الاجتهاد في حسن إبلاغه للناس، وإن انحراف بعض أهل العلم في مجاراة واقع الناس وتوسعهم في التيسير غير المنضبط لا يسوِّغ لنا التضييق، ووفود كثير من المستجدات التي تحوي انحرافاً وزيغاً لا يسوِّغ لنا رفض كل جديد. والثبات على الحق والمنهج لا يستلزم الإصرار على وسائل لم تعد مجدية ولا ملائمة للعصر بحجة أن من سبقنا استخدموها. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعلنا فتنة للناس.

стр. 4815

الإسلام لعصرنا الديمقراطية اسم لا حقيقة له أ. د. جعفر شيخ إدريس [*] لم تجد الديمقراطية في تاريخها كله رواجاً مثلما وجدت في عصرنا هذا؛ لقد كان معظم المفكرين الغربيين منذ عهد اليونان كثيري النقد لها، بل ورفضها، حتى إن أحد الفلاسفة البريطانيين المعاصرين ليقول: إذا حكمنا على الديمقراطية حكماً ديمقراطياً بعدد من معها وعدد من ضدها من المفكرين لكانت هي الخاسرة [١] . أما في عصرنا فإن الدعاية الواسعة لها أعمت كثيراً من الناس ولا سيما في بلادنا عن عيوبها التي يعرفها منظروها الغربيون. بل إن المفتونين بها المروجين لها صاروا يصورونها كالبلسم الشافي لكل مشكلات المجتمع السياسية وغير السياسية. لذلك رأيت أن أشارك في تصحيح هذه الصورة الكاذبة ابتداء بهذا المقال الذي أرجو أن يكون فاتحة لكتاب كامل عن مشكلات الديمقراطية والبدائل الإسلامية. أول ما يؤخذ على الديمقراطية كونها اسماً لا حقيقة له؛ أعني أنه إذا وصف لك نظام سياسي بأنه دكتاتوري أو ديني مثلاً تصورت ما المقصود بهذا الوصف، وكانت صورتك الذهنية هذه مطابقة للواقع الذي يوصف بهذا الوصف. ولكن ليس كذلك الأمر بالنسبة للديمقراطية؛ إذ إن الديمقراطية كما يدل عليها اسمها، وكما يعرفها كبار منظريها وساستها هي حكم الشعب. لكن الصورة الواقعية لما يسمى بالديمقراطية مهما كانت حسناتها أو سيئاتها ليست هي حكم الشعب: أولاً: لأن مفهوم الشعب نفسه مفهوم غامض كما يرى بعض كبار منظري الديمقراطية. استمع إلى الأستاذ (روبرت دال) الذي ربما كان صاحب أشمل بحث أمريكي عن الديمقراطية، وهو الذي وُصف في غلاف كتابه هذا الذي ننقل عنه بأنه «من أبرز منظري زماننا السياسيين» وأنه نال على هذا الكتاب جائزتين كبيرتين: «إن دعاة الديمقراطية بما في ذلك الفلاسفة السياسيون يتميزون بكونهم يفترضون مقدماً أن هنالك شعباً موجوداً فعلاً. إنهم يعدون وجوده واقعاً صنعه التاريخ. لكن هذه الواقعية أمر مشكوك فيه، كما كان مشكوكاً فيه في الولايات المتحدة عام ١٨٦١م، عندما حسم الأمر بالعنف لا بالرضى ولا بالإجماع. إن الافتراض بأن هنالك شعباً موجوداً، وما يبنى على هذا الافتراض من لوازم تصير جزءاً من النظرية الديمقراطية الخيالية» [٢] . ثانياً: لأن الشعب لم يكن في يوم من الأيام ولن يكون حاكماً؛ ذلك أمر متعذر. وإليك بعض شهادات أهلها على ذلك: إن الديمقراطية المثالية هي ما يسمى بالديمقراطية المباشرة التي يقال إنها كانت تمارس في أثينا، أول دولة ديمقراطية نشأت في القرن الخامس قبل الميلاد. تسمى بالمباشرة؛ لأن «الشعب» كان يجتمع في العام أربعين مرة ليناقش كل القضايا السياسية المهمة مناقشة مباشرة ويصدر فيها قراراته. لكنها مع ذلك لم تكن حكم الشعب: ١ - لأن الذين أسسوا النظام الديمقراطي كانوا فئة قليلة من الناس هم الذين قرروا من الذي يستحق أن يدخل في مسمى الشعب الحاكم ومن الذي لا يستحق، فاستثنوا النساء، والرقيق، وكل من كان من أصل غير أثيني مهما طال مكثه فيها؛ وعليه فلم يكن الذين لهم حق المشاركة السياسية إلا نسبة ضئيلة من المواطنين [٣] . ٢ - كان يكفي لاعتبار الاجتماع منعقداً أن يحضره ستة آلاف مما يقدر بست وثلاثين ألف عضو، أي إن القرارات المتخذة فيه لم تكن قرارات تلك الفئة كلها التي أعطيت حق الحكم. ٣ - كانت مدة الاجتماع لا تتجاوز عشر ساعات؛ فلم يكن بإمكان الناس جميعاً أن يشاركوا في المداولات، وإنما كان الذي يستأثر بالكلام بعض قادتهم، وكانت البقية تابعة لهم. لما بعثت الديمقراطية مرة ثانية في القرن الثامن عشر في أوروبا كان من المتعذر أن تكون ديمقراطية مثل ديقراطية أثينا بسبب الازدياد الكبير في عدد السكان، وصعوبة اجتماعهم. ولكن بدلاً من أن يقال إن الديمقراطية بمعنى حكم الشعب غير ممكنة الآن، فلنبحث عن نظام حكم آخر يتناسب مع واقعنا. تحايل بعضهم فسمى ديمقراطية أثينا بالديمقراطية المباشرة، واقترح أن تكون الديمقراطية الحديثة ديمقراطية غير مباشرة، أو ديمقراطية تمثيلية، أي ديمقراطية يختار فيها الشعب فئة قليلة منه تكون ممثلة له وحاكمة باسمه. كان هذا التحايل ضرورياً؛ لأنه كانت هنالك أزمة سيادة: من هو الجدير بأن يكون السيد الآمر الناهي الذي لا معقِّب لحكمه؟ كانت هذه السيادة للملوك، وكانوا يعدون هذا الحق حقاً إلهياً أعطاهموه الله تعالى؛ لأن الناس كانوا قبل ذلك مؤمنين يعتقدون أن مثل هذه السيادة لا تكون إلا لله أو لمن أعطاها الله له. لكن الناس لم يعودوا يؤمنون بهذا بعد الثورة الفكرية الكبيرة التي حدثت في قرنهم الثامن عشر، والتي كانت في مجملها دعوة للانسلاخ من حكم الدين في كل مجال من مجالات الحياة. لم يكن هنالك من بديل لحكم الله أو لحق الملوك المقدس في الحكم، إلا أن يقال إن الحكم للشعب كله؛ فهو صاحب الكلمة الأخيرة فيما ينبغي أن يكون أو لا يكون. لكن الديمقراطية التمثيلية أو النيابية كانت بالضرورة أبعد من الديمقراطية المباشرة عن أن تكون حكماً للشعب؛ وذلك: ١ - لأن الحكم له معنيان: حكم تشريعي، وحكم تنفيذي. فبأي معنى يَحْكُم الشعب؟ لا يمكن أن يَحْكُم بالمعنى الثاني؛ لأن الشعب لا يمكن أن يكون كله رأس دولة أو مجلس وزراء أو قائد جيش، وكان الفيلسوف الفرنسي روسو أول من سخر من الديمقراطية بمعنى الحكم التنفيذي، فقال: إذا أخذنا العبارة - يعني كلمة الديمقراطية - بمعناها الدقيق؛ فإنه لم تكن هنالك قطُّ ديمقراطية حقيقية، ولن تكون. إنه من المخالف للنظام الطبيعي أن تكون الأغلبية حاكمة والأقلية محكومة. إنه لا يتصور أن يكون الشعب مجتمعاً دائماً لقضاء وقته في تصريف الشؤون العامة. ومن الواضح أنه لا يمكن أن يكون لجاناً لهذا الغرض إلا بتغيير شكل النظام الإداري [٤] . ٢ - لم يبق إذن إلا الحكم بمعنى التشريع؛ لكن الشعب ليس هو المشرِّع في الديمقراطية النيابية، وإنما هو الذي ينتخب من يشرع. ومرة أخرى نستمع إلى روسو ساخراً من هذا: إن الأمة الإنجليزية تعتبر نفسها حرة؛ لكنها مخطئة خطأ فادحاً؛ إنها حرة إبَّان فترة انتخابات أعضاء البرلمان؛ وبمجرد أن ينتخبوا؛ فإن العبودية تسيطر عليها، فلا تكون شيئاً. وكيفية استفادتها من لحظات الحرية القصيرة التي تستمتع بها تدل حقاً على أنها تستحق أن تفقدها [٥] . ٣ - لأن نواب الشعب ليسوا هم الشعب حتى لو كان اختياره لهم بالإجماع. ربما كان هذا معقولاً لو أن النواب يجتمعون للبت في قضية واحدة يعرف كل منهم رأي ممثليه فيها، أما والقضايا كثيرة ومعقدة وبحاجة إلى علم لا يتأتى لعامة الناس؛ فإن الحكم لا يكون حكم الشعب. نعم! إن كل نائب منهم يتجنب المشاركة في تشريع يعلم أن أكثر الناس في دائرته الانتخابية لا توافق عليه، وأنه إن شارك فيه فربما يفقد مقعده في الانتخابات التالية. لكن هذا قليل جداً من كثير. ٤ - والمنتخبون لا يكونون في الواقع منتخبين بالإجماع الذي يقتضيه وصف الحكم بأنه حكم الشعب، وإنما ينتخبون بالأغلبية، والأغلبية ليست هي الكل، وما ترتضيه الأغلبية في دائرة معينة قد لا ترتضيه الأغلبية في دائرة أخرى، أو قد لا ترتضيه أغلبية الشعب لو كان انتخابه مباشراً، لكنه مع ذلك يعد ممثلاً للشعب وحاكماً باسمه. ٥ - ثم إن الأغلبية لم تكن في بداية الديمقراطية هي أغلبية الشعب كله؛ فقد استثنوا منها النساء، واستثنوا بعض الفقراء، واستثنى الأمريكان الأرقَّاء، فلم يدخل النساء في مفهوم الشعب الحاكم الذي يحق له أن يصوِّت إلا في عام ١٩١٨م في بريطانيا، وعام ١٩٢٠م في الولايات المتحدة، ولم يُعطَ السود هذا الحق إلا بتعديل للدستور الأمريكي في عام ١٨٨٦م؛ ولكن حتى بعد شمول مفهوم الشعب الحاكم لكل المواطنين باستثناء الأطفال، ظلت بعض الفئات محرومة من حق المشاركة في الانتخابات. استمع إلى ما يقول هذا المؤلف الأمريكي في كتاب له حديث عن الديمقراطية: ملايين من الناس يبقون فاقدين حق التصويت كلياً أو جزئياً: مئات الألوف من المواطنين الذين يعيشون في واشنطن العاصمة، مليون ونصف مليون ممن ارتكبوا جنحاً وعوقبوا على ارتكابها؛ لكن ولاياتهم تحرمهم رغم ذلك من التصويت. عدة ملايين من الذين يعيشون في بورتوريكو وأقاليم فيدرالية أخرى، والملايين غير المحددة في أمريكا كلها الذين تضيع أوراق تصويتهم، أو تحسب خطأ، أو تحطم في كل انتخاب [٦] . ٧ - وبما أن الانتخابات في أمريكا إنما يشارك فيها من سجل اسمه للمشاركة فيها قبل بدئها، وبما أن كثيراً من الناس لا يسجلون أسماءهم؛ فإن الأغلبية إنما تكون أغلبية من صوتوا ممن سجلوا ممن يحق لهم أن يصوتوا. وقد كانت هذه النسبة في انتخابات عام ٢٠٠٠م كالآتي كما جاء في تقرير حكومي رسمي: من مجموع عدد الناس البالغ ٢٠٣ مليون والذين كانت أعمارهم ١٨ عاماً أو أكثر، ١٨٦ مليوناً منهم مواطنون، سجل منهم للانتخابات ١٣٠، وصوَّت منهم ١١١، وعليه فقد كانت معدلات تصويت السكان الذين أعمارهم ١٨ عاماً أو أكثر ٥٥% من مجموع السكان، و٦٠% من المواطنين، ٨٦% من المسجلين [٧] . * الديمقراطية الليبرالية: هنالك أمر لا يتفطن إليه كثير من الناس هو أن الديمقراطية في البلاد الغربية ليست ديمقراطية خالصة مطلقة وإنما هي ديمقراطية مقيدة بالليبرالية. ما معنى هذا؟ الليبرالية نظرية سياسية فحواها أن المجتمع يتكون أساساً من أفراد لا من طبقات ولا من أسر ولا من أي تجمعات أخرى. وبما أن الفرد هو أساس المجتمع، وبما أن له بوصفه فرداً حقوقاً أهمها حريته، فإنه لا يجوز للحكومة ولا لفئة من الشعب، بل ولا لأغلبية الشعب أن تتغول على حريته. ولذلك فإنهم يدعون إلى ما يسمونه بالحد الأدنى من الحكومة، أي إن الأساس هو أن يترك الأفراد أحراراً يختارون ما شاؤوا؛ فعلى الدولة أن لا تتدخل إلا تدخلاً اضطرارياً الغرض منه حفظ حقوق الأفراد التي قد يتغول عليها بعضهم. ويحذرون لذلك مما يسمونه بدكتاتورية الأغلبية. كنت أنوي الاستدلال على ذلك بكتابات عدد من الساسة والمنظرين الغربيين ولا سيما الأمريكيين منهم، لكن أغناني عن كل ذلك كلام وجدته لواحد منهم معروف اسمه (ليبمان) قال عنه مقدمو الكتاب الذي نشروا فيه مجموعة من مقالاته، والذي ننقل منه النصوص التالية: «إنه ربما كان أعظم مفكر سياسي أمريكي في القرن العشرين» [٨] فإليك بعض ما قال مما نحن بصدده: «يجب في رأيي أن نرفض القول بأن مبادئ الحرية والعدالة والحكم الصالح إنما تتمثل في حكم الأغلبية. هنا يكمن أصل المسألة. لقد كان [الرئيس] واشنطن يعتقد أن الشعب يجب أن يحكم، لكنه لم يكن يعتقد أنه بسبب حكم الشعب تتحقق الحرية ويتحقق العدل والحكم الصالح. كان يعتقد أن الشعب ذا السيادة لا يؤتمن كما لم يؤتمن الملك ذو السيادة الذي كان هو خلفاً له على السلطة المطلقة. إنه لم يخدع نفسه.... إنه لم يكن يؤمن بما صار الآن الأديولوجية الديمقراطية السائدة: أن كل ما رأت جماهير الناس أنها تريده فيجب أن يقبل على أنه الحقيقة. لقد كان يعلم أنه لا ضمان من أن يتحول حكم الشعب إلى حكم قهري، تعسفي، فاسد، ظالم وغير حكيم. إن الشعب أيضاً يجب أن يكبح جماحه. إنه كغيره يجب أن يحاسب. إنهم كغيرهم يجب أن يعلموا. إنهم كغيرهم يجب أن يرفعوا فوق مستوى سلوكهم المعتاد» [٩] . سيقول الديمقراطي الملتزم بمبدئه: لكنكم بهذا تضعون سلطة فوق سلطة الشعب؛ والمبدأ الديمقراطي هو أن السلطة للشعب، فلا أنت إذن يا ليبمان ولا واشنطن من قبلك بديمقراطيين. سيرد ليبمان بأنكم تحاجوننا بالديمقراطية الخالصة التي تؤمن بسيادة الشعب إيماناً مطلقاً، لكن الديمقراطية التي أتحدث عنها وأدعو إليها هي الديمقراطية الليبرالية التي تحد من هذه السلطة. سيذهب بعض الليبراليين الذين جاؤوا من بعد واشنطن بعقود إلى أبعد مما ذهب إليه فيؤكدون أن الليبرالية عندهم هي الأساس، وأنه إذا حدث تعارض بينها وبين الديمقراطية فينبغي التضحية بهذه لا بتلك. فهذا هو المفكر الليبرالي هايك يقول بعد أن دافع عن الديمقراطية دفاعاً قوياً، وبعد أن بين ضرورة الليبرالية لها في كتاب له نال شهرة واسعة قبل خمسين عاماً: لا أريد أن أجعل من الديمقراطية وثناً يُعبد؛ فربما يكون حقاً أن جيلنا يتحدث ويفكر أكثر مما يجب عن الديمقراطية، وأقل مما يجب عن القيم التي تخدمها.... إن الديمقراطية في جوهرها وسيلة. إنها أداة عملية لضمان الأمن الداخلي والحرية الشخصية. فليست هي بهذه المثابة معصومة ولا مضمونة. كما يجب أن لا ننسى أنه كثيراً ما تحقق قدر من الحرية الثقافية والروحية في ظل حكم مطلق أكثر مما تحقق في بعض الديمقراطيات « [١٠] . * موقفنا من النظم التي تسمى بالديمقراطية: النظم السياسية التي تسمى بالديمقراطية ليست هي إذن ديمقراطية بمعنى أن الحكم فيها للشعب، وإنما هي نظم سياسية مختلفة وإن كان بينها خصائص مهمة مشتركة. فمن الخطأ إذن تعريف الديمقراطية بأنها نظام الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة أو فرنسا أو غيرها من الدول الغربية. وعليه فإذا كان من حق هذه الدول أن تجتهد وتختار لنفسها ما تراه مناسباً لها من تفاصيل المؤسسات والقيم السياسية، مع أنها جميعاً تتسمى بالديمقراطية، أفلا يكون من حقنا أيضاً أن نختار من المبادئ والقيم السياسية ما نراه مناسباً لهويتنا وواقعنا ووسيلة أحسن لتحقيق أهدافنا، سواء كان فيه ما يشابه النظم الديمقراطية أو يخالفهأ؟ بلى! بل إن هذا لهو المسلك الطبيعي لكل أمة تقضي بعقلها وتحترم نفسها وتعتز بهويتها وأصالتها. وعليه فإذا أرادت دولة من دولنا أن تختار لنفسها نظاماً تراه معبراً عن هويتها ومناسباً لعصرها، فيجب أن تبدأ بتقرير المبادئ والقيم التي تريد للدولة أن تلتزم بها، ثم تبحث بعد ذلك عن المؤسسات المناسبة لعصرها وظروفها التي يمكن أن تحمل تلك القيم وتعبر عنها. يمكنها مثلاً أن تقول إنها تريد لدولتها أن تتميز بخصائص منها اختيار الأمة لحاكمها، وسيادة حكم القانون، وحرية الرأي، وأن يكون كل هذا في نطاق ما تؤمن به من منهج في الحياة لا يلزم أن يكون مماثلاً لمناهج الحياة الغربية. فإذا كانت أمة مسلمة جعلت كل ذلك في نطاق هدي الكتاب والسنة، وأضافت إليه أموراً مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة على الدين والدفاع عنه، وهكذا. إنه لا يلزم من موافقة الديمقراطية الليبرالية الغربية في بعض الجزئيات أن يأخذ الموافق سائر ما فيها، أو أن يتبنى فلسفتها، أو يتسمى باسمها. ثم إن ما في الديمقراطية من حسنات ليس خاصاً بها ولا مرتبطاً بها، بل يمكن أن تخلو هي منه كما يمكن أن يوجد في غيرها، بل قد وجد الكثير منه حتى في حياة جاهليتنا العربية! لكن المجال الآن ليس مجال التوسع في هذا الأمر.

стр. 4816

ندوات في ظل الهجمة الاستعمارية على المنطقة: ماذا يرتب للقرن الإفريقي ؟ إعداد: وائل عبد الغني يعد القرن الإفريقي من المناطق التي تتطلع إليها غالب القوى الاستعمارية اليوم، وقد اتضحت هذه الأهمية مع بداية العدوان الأمريكي على العراق حيث يبرز التلازم بين التحركات في الخليج والتحركات في القرن في حرب الخليج الثانية في عهد بوش الأب، ثم في عهد بوش الصغير، فيما بات يُعرف بـ (حرب الإرهاب) ؛ هل هذا التلازم هو من قبيل المصادفة، أو جزء من الاستراتيجية الأمريكية؟ وما طبيعة هذه المنطقة؟ وماذا يرتب لها؟ وما أثر ذلك على المنطقة العربية باعتبارها قلب العالم الإسلامي؟ هذا ما سنناقشه في ندوتنا التي تستضيف فيها (مجلة البيان) كلاً من: أ. د. حمدي عبد الرحمن: الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ورئيس مركز الدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة. الأستاذ: طلعت رميح: الرئيس السابق لتحرير صحيفة الشعب القاهرية. الأستاذ: هاني رسلان: المتخصص في الشؤون الإفريقية بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية. لمناقشة هذا الموضوع وأبعاده المختلفة. البيان: نرحب ابتداء بضيوفنا الكرام، ونستهل الموضوع بالحديث عن خصائص القرن الإفريقي من جوانبها المختلفة؛ حتى نتمكن من تتبع ما يجري أو يمكن أن يجري هناك. - أ. طلعت رميح: في سياق الحديث عن القرن الإفريقي من المفيد أن نستحضر الخلفية المشتركة لطبيعة مشكلات القارة الإفريقية بصورة كلية خلال المرحلة الأخيرة أولاً؛ فهناك قاسم مشترك من المشكلات بين مناطق القارة بكل أبعادها السياسية أو العرقية أو الطائفية أو الصراعات المسلحة، وانهيار دولة وقيام أخرى، والحدود شبه المفتوحة بين الدول، مثل هذه الرؤية تبصرنا بما عليه القرن الإفريقي كجزء من القارة، وتختصر لنا مساحات كبيرة من التفاصيل. صحيح أن منطقة القرن الإفريقي مشدودة نوعاً ما جهة قلب المنطقة العربية وتقلباتها، لكن هذا لا ينفي وجود سمات تحكم تلك المنطقة في إطار إفريقيا بوصفها قارة، وهنا أُجمل كلامي حول ثلاث سمات أساسية للقارة: أولها: أننا لو بحثنا عن الأماكن الجاهزة للاستعمار أو الباقية للاستعمار بمعناها التقليدي، لوجدنا أنها أصبحت محصورة في إفريقيا التي بقيت فيها حالة الاستعمار القديمة؛ بخلاف آسيا التي أصبح فيها إما ديناصورات أو قوى إقليمية.. أمريكا اللاتينية معروفة بوضعها التاريخي بالنسبة للولايات المتحدة. الأمر الثاني: أن هناك خصوصية شديدة للوجود الإسلامي في إفريقيا، ولا أكون مبالغاً أو متجاوزاً إذا قلت إن هناك حالة رعب خاصة من الوضع الإسلامي في إفريقيا، سواء درجة انتشار الإسلام أو نمو الاتجاه المطالب بالعودة إلى الشريعة والعودة إلى الإسلام بشكل عام، وهذا ما سيحكم بعض السياسات في التصرف، سواء فيما يتعلق بالسودان، أو فيما يتعلق بنيجيريا، أو بكينيا، أو ما يتعلق بما يجري من أسياس أفورقي. الأمر الثالث: أن القارة في مجملها تعيش حالة من التمزقات والتشرذم والتفتت والصراعات المركبة والمكثفة وعدم الاستقرار، إلى درجة ليست موجودة في أي إقليم آخر على الإطلاق، والتي يؤججها الصراع الأنجلو أمريكي - الفرنسي على القارة، كل الصراعات اليوم نجد فيها الولايات المتحدة في طرف وفرنسا في طرف، الهوتو والتوتسي كانا في أشد الوضوح: الولايات المتحدة وإسرائيل مع التوتسي، وفرنسا مع الهوتو لمصالحها ومعهم بعض الدول العربية، قبل ذلك كابيلا ودعم الأمريكيين له، ليبيريا وما حدث فيها مؤخراً. المسألة واضحة ومحددة؛ فالجديد هنا أن خط الصراع داخل إفريقيا بدأ يدخل عليه الصراع الخارجي بشكل مكثف وواضح، هذه هي أبرز الملامح العامة. - أ. د: حمدي عبد الرحمن: أريد تأكيد هذا المدخل؛ لأننا لا نستطيع أن نفهم حالة الجزء إلا إذا كان لدينا تصور عام عن واقع إفريقيا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.. هناك قواسم مشتركة تجمع ما بين غرب إفريقيا والقرن الإفريقي والجنوب الإفريقي وحتى الشمال الإفريقي. أما الخصوصيات فبالغة الدقة. هذه القواسم تكفينا مؤنة الاستغراق في تفاصيل الصراع أو التنافس الأمريكي الفرنسي أو الأوروبي الفرنسي أو حتى بعض القوى الأخرى مثل روسيا والصين، ونحن بصدد هذه الرؤية تقابلنا ثلاث رؤى كلية تتعامل مع الشأن الإفريقي: هناك الرؤية الغربية التي تقلل من الأهمية الاستراتيجية للقارة الإفريقية فيما بعد الحرب الباردة، وتنقل الاهتمام الاستراتيجي إلى أماكن أخرى من العالم كدول شرق أوروبا ودول الاتحاد السوفييتي السابق، هذه الرؤية تشيع النظرة التشاؤمية بالنسبة لمستقبل القارة الإفريقية على اعتبار أن الدولة الإفريقية لا مستقبل لها، وكونها تعيد تراث اللا دولة؛ حيث انهيار الدولة وإخفاق تجاربها التنموية. هذا الاتجاه الفكري يعكس توجه الاستراتيجية الأمريكية وليس الفوضى التي تحاول أن ترسخ مفهوم أنه لا سبيل لنهضة هذه المجتمعات إلا بتبني الوصفة الأمريكية؛ قضايا الدمقرطة والتوصيات الخاصة بالتكيف الهيكلي والاندماج في منظومة الاقتصاد، ومن هنا فنحن لا نستطيع فهم كثير من المشكلات الأنجلو - أمريكية بعيداً عن هذا التوجه. في مقابل هذا؛ هناك المنظور الإفريقي في رؤية القارة الإفريقية ومشكلاتها، هذا المنظور وإن بدا طوباوياً يؤكد مرة أخرى مفهومات الجامعة الإفريقية والعودة إلى مرحلة التحرر الوطني، ومفهوم التكامل على المستوى القاري الذي تجسد في مفهوم الاتحاد الإفريقي، ونرى أحد صوره اليوم في المبادرة من أجل التنمية في إفريقيا (نيباد) . ما بين هذين الاتجاهين هناك من يرى الحل الوسطي الذي يزاوج بين الرؤيتين: بين أن يكون هناك تعاون بين الدول الغربية، وبين النهضة الإفريقية. أعتقد أن هذه الرؤى الثلاث هي التي يطرحها بعضهم للنظر إلى مستقبل القارة. - أ. طلعت رميح: الآن أدخل مباشرة للحديث عن خصائص القرن، والذي تأتي أهمية التركيز عليه من خلال إدراك البعد الحضاري لهذه المنطقة، والتي كانت معبراً للحضارة الإسلامية إلى إفريقيا، وهي المنطقة التي دخل منها الإسلام إلى قلب إفريقيا، وهي المنطقة نفسها التي تحاول الولايات المتحدة إيجاد محل أقدام لها في القارة، وهي تشرف تقريباً على الوجود الإسلامي من جهتيه في الجزيرة العربية ووسط إفريقيا، ولو نظرنا إلى الخريطة لوجدنا الصراع بين الهوتو والتوتسي على حدود هذه المنطقة، وسنجد الوجود الإسلامي في كينيا وفي نيجيريا متاخم لهذه المنطقة، واعتبار القرن اليوم بوابة تسعى من ورائه الاستراتيجية الأمريكية إلى إقامة منطقة عازلة من جنوب السودان إلى وسط إفريقيا وما بعد الصحراء؛ لتفصل بين الكتلة المسلمة في الشمال وبقية القارة، وطرح مسميات إفريقيا السمراء في مواجهة الشمال الإفريقي الأبيض، وهي النقطة الأخطر كهدف استراتيجي حضاري رئيس للتفرد بالمنطقة كلها. - أ. د. حمدي عبد الرحمن: لدي عدة إشارات سريعة يمكن من خلالها الكشف عن خصائص هذا القرن: المسألة الأولى: تتعلق بالمفهوم.. مفهوم القرن وخصوصيته وتعريفه وما يمثله لنا من أهمية استراتيجية كبيرة، ونحن هنا نتحدث عن معانٍ ومضامين مختلفة لمفهوم القرن الإفريقي. هناك قرن إفريقي بمعناه الضيق، وهو النتوء الذي يخرج من اليابسة ويضرب المياه. وهناك المعنى الواسع الذي يُضم له السودان وكينيا وأوغندا، حتى جغرافياً بعضهم يوسِّع ليشمل ما يسمى في الأدبيات الأمريكية القرن الإفريقي الكبير ليشمل منطقة البحيرات العظمى في وسط القارة الإفريقية، بل إن بعضاً امتدوا به ليشمل منطقة الخليج العربي فيما يسمى بـ «قوس الأزمة» . وعلى هذا فهناك سوء إدراك في التعامل مع المفهومات، وهناك من يمارس ما يمكن تسميته بتسييس المفهوم لخدمة أغراضه، وهذه نقطة أردت أن أتوقف عندها وألا أقبل المفهوم على إطلاقه دون تمحيص. المسألة الثانية: ماهية القضايا الأساسية التي يطرحها مفهوم القرن الإفريقي والتي يمكن أن أضع يدي عليها وأناقشها، هناك قضايا الصراعات الحدودية والحروب الأهلية، سواء إثنية أو عرقية؛ لأن القرن الإفريقي - وهذا من السمات العامة - هو ميراث سياسة استعمارية؛ سياسة تجزئة وتقسيم القارة الإفريقية بدون مراعاة للمعطيات الثقافية والحضارية والسكانية، وحصر الدول بحدود مصطنعة. من الأمور الطريفة أن ملكة بريطانيا أهدت أحد الأمراء قطعة من الأرض هدية عيد ميلاده في منطقة جبل كليمنجارو على الحدود بين كينيا وتنزانيا، فتم تعديل الحدود استناداً إلى هدية عيد ميلاد. هكذا كان يتم تقسيم الحدود في الدول الإفريقية. المسألة الثالثة: هي الاستقرار السياسي؛ إذ لا يوجد استقرار سياسي بالمعنى المتعارف عليه في الأدبيات؛ فقد شهدت المنطقة على مدى السنوات الماضية عدداً من الانقلابات العسكرية والاغتيالات السياسية والتقلبات، إلى حد أن النظام يعاني من غياب الشرعية السياسية. القضية الرابعة: وهي قضية المياه؛ لأنه إذا نظرنا إلى القرن الإفريقي بمعناه الضيق أو الواسع؛ فسنجد أنه منبع نهر النيل؛ وهذا يعني أن مصر تحصل على ٨٥% من حصتها السنوية من هضبة الحبشة، و ١٥% من البحيرات العظمى، وهذا وفق المفهوم الكبير للقرن الإفريقي. قضية المياه كانت أحد قضايا الاستقطاب الخارجي الغربي الإسرائيلي في المنطقة، وبالنسبة إلى مصر هي قضية بالغة الأهمية. القضية الخامسة: قضايا التنافس الدولي كما أشار الأستاذ طلعت؛ فمن الواضح هنا أيضاً التنافس الأنجلو أمريكي - الفرنسي. وقضية الوجود الإسرائيلي في المنطقة. أعتقد أن كينيا، إريتريا، الحبشة هذه المناطق فيها وجود مكثف لإسرائيل؛ وبصفة خاصة في مرحلة ما بعد الحرب. القضية السادسة: ما أشار إليه الأستاذ طلعت كذلك حول الوجود الإسلامي، وأذكر أن الهجرة الأولى كانت إلى الحبشة، وكان القرن حلقة اتصال لانتشار الإسلام.. وهي منطقة ذات تركز إسلامي عالٍ. مثلاً كان يقال إن إثيوبيا أو الحبشة منطقة التركز المسيحي في شرق إفريقيا، وكانت السياسات الغربية كلها تتعامل مع هذا الافتراض، واتضح أن هذا الكلام غير صحيح حتى من الناحية العددية؛ حيث إن عدد المسلمين غالباً ما يفوق عدد النصارى في إثيوبيا. البيان: وما الذي تعنيه هذه المنطقة تحديداً بالنسبة للرؤية الغربية؟ - أ. طلعت رميح: أريد أن أكمل ما ذكره الدكتور حمدي، ولكن محاولاً الإجابة عن: لماذا الحرص الأمريكي والغربي على القرن؟ النقطة الأولى: تأتي أهمية القرن الإفريقي أيضاً على خلفية الصراع العربي الإسلامي - الصهيوني، وكما هو مفهوم هذه المنطقة مارست دوراً حيوياً ومركزياً أثناء حرب رمضان إغلاق باب المندب، ومن ثم منذ هذه اللحظة واستمراراً لها وكان وهناك رؤية استراتيجية أمريكية صهيونية إلى ضرورة عدم تكرار هذا الأمر، وما يرتبط به من فكرة أن البحر الأحمر بحيرة عربية واستبدالها بتدويل البحر الأحمر، وهو أحد فصول الصراع العربي الصهيوني، ويصبح الوجود الصهيوني في الشمال، والوجود العسكري الغربي والصهيوني في إريتريا وجيبوتي في الجنوب. النقطة الثانية: أن منطقة القرن مقابلة لمنطقة تركُّز البترول العربي في الجزيرة، ومن هنا تسعى الولايات المتحدة إلى إيجاد قواعد عسكرية منخفضة التكاليف سياسياً وأمنياً، ويمكن لهذه القواعد أن تعزز المصالح الأمريكية في الخليج، دون الحاجة إلى زيادة قواتها في الوسط العربي الملتهب، وبهذا تبقى هذه المنطقة أكثر استقراراً وأكثر أهمية من المناطق الموجودة داخل الأحداث نفسها، وكما لاحظنا رغم الوجود المباشر للقوات الأمريكية في منطقة الخليج؛ إلا أن أهمية جيبوتي وإريتريا ظلت أهمية فائقة للوجود الأمريكي والصهيوني في هذه المنطقة. النقطة الثالثة: تتعلق بالقلق البالغ من الوجود الإسلامي في القرن الإفريقي، وأحد صور هذا الوجود القبائل في الصومال وعلى أطراف السودان وكذلك في إثيوبيا، هذا الكمُّ من الوجود السكاني العربي والإسلامي بنسب ليست قليلة في هذه المنطقة يمثل أهمية لنا، وقلقاً لخصومنا وأعدائنا الحضاريين. وحيث إن الأبعاد القبلية يمكن أن تؤدي دوراً مهماً؛ كان التحالف الأمريكي والصهيوني مع جماعات عرقية إفريقية كالدينكا والتجراي والتوتسي، ودفعها لاتخاذ مواقف ضد العرق العربي وضد الإسلام، هذا الأمر متكرر كنمط عام في داخل القرن، من هيلا ماريام، أو أسياس أفورقي الذي تحدث عن ذلك صراحة رغم وجوده في الخرطوم، أو جارنج الذي يقول هذا بشكل واضح جداً إنه ضد العرق العربي، وأن «الجلابة» في السودان لا يزيد وجودهم على ٣٠ أو ٤٠%. التعاون مع المجموعات العرقية إذن يهدف إلى مواجهة المشروع الإسلامي والوجود الإسلامي داخل القارة. النقطة الرابعة: تتعلق ليس فقط بالوضع الإسلامي الاجتماعي، وإنما بالوضع الإسلامي الحركي؛ فهذه المنطقة تتميز بنشاط حقيقي، ومن ثَمَّ كان التحرك مؤخراً ضمن ما بات يعرف بالحرب على الإرهاب. النقطة الخامسة: هو الوجود العسكري المباشر كما في جيبوتي وإريتريا وأوغندا وإثيوبيا والصومال، بقواعد عسكرية مباشرة موجودة في هذا المكان ودون تكاليف سياسية أو أمنية تقريباً. النقطة السادسة: العمل على إحداث حالة من الانفراط في الدول ذات الأغلبية المسلمة، وأظن أن تجربة الصومال كانت بتخطيط متقن. وبالمناسبة فإن انشقاق إريتريا يعتبر الحالة الاستثنائية الوحيدة التي ووفق فيها على أن ينقسم بلد منذ إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية. لم يسمح بانشقاق أي دولة في إفريقيا إلا الحالة الإريترية، ومن ثم حصل عملية تفريغ من حالة إدارة الدولة بشكل عام، وهذا لم يحدث مثلاً في جنوب إفريقيا، يعني رغم كل الاضطراب رتب النظام هناك، ولم يحدث خروج داخل النظام الإفريقي؛ فهم أوجدوا احتلالاً مباشراً بقوات عسكرية وقواعد، وتعاونوا مع جماعات عرقية في مواجهة العرب والمسلمين في تكسير سلطة الدول. النقطة السابعة: لا يمكن إنكار حركة التنصير، وبالفعل هناك حركة تنصير نشطة وضخمة في هذه المنطقة بشكل غير مسبوق. وهذا يعني أن الوضع في الصومال الآن يصل إلى درجة الرعب، والوضع في جنوب السودان فيه الأمر نفسه، فالنصارى في جنوب السودان لا يمثلون أغلبية، وأقصى التقديرات كانت ١٧% والباقي مسلمون ووثنيون. الآن أعتقد أن النسب تتغير. - أ. د. حمدي عبد الرحمن: هناك ما هو أخطر من التنصير كمّاً وكيفاً لسهولة نشره وقبوله وهو نشر القيم المدنية العالمية الجديدة التي هي غير إسلامية، وهذا جانب من التنصير؛ ليس التنصير بمعنى التبشير القديم، إنما هو تغيير نمط الحياة؛ يعني نجد في غرب إفريقيا في مناطق التركز الإسلامي التي تصل إلى أكثر من ٩٩%، نجد المسلم لا يجد غضاضة في أن يشرب الخمر ويصاحب النساء، فيتم تغيير نمط الحياة ضمن فكرة العولمة، ومن ثم أصبح التبشير ليس تحويل محمد ليصبح جون، ولكن يبقى نمطه نصرانياً حتى لو بقي اسمه محمداً. - أ. هاني رسلان: حتى توضع الملاحظات المهمة التي ذكرها أخواي الكريمان في نصابها؛ أود أن أشير إلى عدة ملاحظات: الأولى: أن الإطار العام للقرن الإفريقي لا ينفي خصوصية الكيانات السياسية القائمة؛ فلا يمكن تصور شكل واحد داخل تلك الكيانات؛ فالحالة السودانية مختلفة اختلافاً كبيراً عن الحالة الإريترية، مختلفة عن الصومال، مختلفة عن كينيا، عن إثيوبيا ذلك ما أردت تأكيده هنا. الثانية: أن الاهتمام الغربي البالغ بهذه المنطقة يأتي في إطار النظام الدولي الراهن الذي تؤكد فيه الولايات المتحدة الأمريكية على مكافحة الإرهاب وخاصة بعد ١١ سبتمبر، واعتبار الإقليم تعم فيه حالة من الفوضى ويعشش فيه الفقر، ومن ثَمَّ هو مسرح مناسب لنمو حركات إسلامية مسلحة تقاوم الوجود الأمريكي أو تهدده سواء في التخطيط أو الاختباء، أو لمهاجمة مصالح الولايات المتحدة. وزاد من أهمية هذا الأمر حادثتا سفارتي الولايات المتحدة في تنزانيا وكينيا، وكذلك بعد قصف الطائرة الإسرائيلية في كينيا. الثالثة: أن جزءاً من المكون الاستراتيجي الغربي ولا أجد فرقاً كبيراً بين التفكير الفرنسي والتفكير الأوروبي أو التفكير الإسرائيلي قائم على فكرة الزعماء الجدد والتحالف مع الأقليات ضد الأغلبية السكانية. إسرائيل تتعاون مع الأقليات، أمريكا فيها فكرة الزعماء والأقليات الموالية لها استراتيجياً التي تتقبل مصالحها، ونلاحظ في هذا الإطار أن جون جارنج يتحرك في إطار فكرة الأفرقة أو الأفريقانية، وله تعاون وثيق مع موسيفيني في أوغندا، ولو لاحظنا أيضاً أن الزيارة الأخيرة للرئيس الأمريكي بوش في إفريقيا كانت أوغندا محطة أساسية فيها، وحظي بالثناء والدعم وهو يتدخل في مشكلة جنوب السودان بطريقة سلبية بالتعاون مع أسياس أفورقي في إريتريا، هناك مشتركات كثيرة بين جون جارنج وموسيفيني؛ تعلما معاً في دار السلام في تنزانيا، وحظيا برعاية أمريكية، ولديهما مقولات اشتراكية منذ نشأتهما، ولكنهما تناسياها الآن، وانقلبا إلى التعامل مع الغرب بشكل عام. فهناك اتجاه الأفريقانية؛ حيث تعاد الروح الأفريقانية على حساب الإسلامية والعربية. - أ. د. حمدي عبد الرحمن: ما أطلقت عليه الأدبيات الأمريكية القادة الجدد بغضِّ النظر عن خلفيتهم السابقة ذكر الأستاذ هاني أن أسياس أفورقي ومليس زيناوي وجون جارنج كانوا من مدرسة واحدة تربَّت على الأفكار الاشتراكية، ولم تأنف الولايات المتحدة من استخدامهم وتوظيفهم لخدمة مصالحها ضمن النمط الجديد من القادة، والذي يعني مجرد أن يكون موالياً للسياسات الأمريكية والغربية، وكما ذكر الأستاذ هاني أن هذا النمط من القيادات ينتمي إلى جماعات الأقلية وفي معظمها جماعات أقلية مسيحية يعني جون جارنج دينكاوي. نعم! الدينكا هي أكبر قبيلة في الجنوب، ولكنها تمثل أقلية في جنوب السودان، أيضاً نجد أسياس أفورقي من أقلية التيجراي، بول كاجامي.. مليس زيناوي ولوران كابيلا، ويوري موسيفيني أصله من التوتسي. إذن هناك نمط ترتيب جديد من الزعامات التي تعتمد عليها الولايات المتحدة. - أ. هاني رسلان: أنا أريد أن أشير إلى المستوى الإجرائي وما يحدث فعلاً في الواقع ضمن البرنامج الأمريكي لمفهوم القرن الإفريقي الكبير؛ وذلك من باب أن الولايات المتحدة هي اللاعب الأكبر في العالم اليوم، وهذا مهم في فهم كثير مما يدور؛ حيث تسعى الولايات المتحدة إلى الدفع بمجموعة من القادة الجدد ونشر قيم الديمقراطية؛ حتى تصبح أدبيات السياسة الأمريكية مفهومات حاكمة، وهي تسعى من وراء ذلك إلى أمور منها: - تطويق وتقليص الثقافة العربية الإسلامية، ومنعها من التمدد والتفاعل الحر مع الوسط الإفريقي؛ لأن هناك دراسات كلاسيكية تقول إن الإسلام في إفريقيا ينتشر بشكل تلقائي وبمعدلات عالية جداً، وأسرع من كل جهود التبشير التي يوفر لها إمكانات هائلة مالية وبشرية وتنموية، وهم يعلمون القدرة الذاتية للإسلام على الانتشار في إفريقيا، ومن ثَمَّ يكون مصحوباً بثقافة ووجود، فتطويق وتقليص الثقافة العربية ومنعها من التمدد والتفاعل الحر هذا هدف أساسي. - وتسعى كذلك ضمن فرض سيطرتها الكونية إلى السيطرة على منطقة البحر الأحمر وما يتعلق به من امتيازات استراتيجية؛ ولهذا حرصت الولايات المتحدة على وجود قواعد لها في كل من إريتريا وجيبوتي، وهذا يأتي ضمن حرصها على الاقتراب من مناطق البترول في العراق والخليج العربي ومنطقة وسط آسيا، وهي تحرص على أن يكون الوجود الأمريكي قوياً وفي بيئة حاضنة لهذا الوجود، تدعمه وتضمن استمراره دون قلق، ومن ثَمَّ لا بد من ترتيب الإقليم على هذا الوجود باعتباره جزءاً طبيعياً. - أ. طلعت رميح: حتى ندرك أهمية القرن للولايات المتحدة، لا بد أن نعلم أن إدارة القوات الأمريكية المنتشرة على مستوى العالم تتركز في مناطق: واحدة في الخليج، والثانية في القرن الإفريقي، والثالثة في آسيا، هذا يعني في ظل الاستراتيجية العسكرية؛ أن المشكلة على أساس هذه القوات منذ قرابة العقدين حتى الآن كان القرن الإفريقي أحد مراكزها، وهناك تزايد في هذه الأهمية. - أ. هاني رسلان: نقطة أخيرة؛ وهي متعلقة بظهور مصالح اقتصادية حسب ما أعلنه مساعد وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الإفريقية، وهي أن هناك تخطيطاً خلال سبع سنوات لأن تستورد الولايات المتحدة ٢٠% من احتياجاتها النفطية من دول إفريقية، وحددها بالاسم؛ منها السودان ونيجيريا وتشاد والكاميرون والجزائر، هناك أيضاً قدر كبير من المواد الخام والمعادن والثروات في إفريقيا تنتظر الاستغلال. - أ. د. حمدي عبد الرحمن: لو تأملنا الفكر الاستراتيجي الأمريكي في التعامل مع منطقة القرن الإفريقي؛ فسنجد أنه تم التعبير عنه بشكل رسمي وفي وثائق الخارجية الأمريكية بصفة خاصة منذ عهد كلينتون. سوزان رايس مساعدة الوزير للشؤون الإفريقية طرحت فكرة مشروع القرن الإفريقي الكبير في الأدبيات الأمريكية، والذي يتألف من القرن بمعناه الجغرافي شرق إفريقيا امتداداً إلى منطقة البحيرات العظمى ووسط إفريقيا. إن هذه الدول يجمع بينها الغنى والثراء سواء في المياه أو في المواد الخام أو في البترول إلى آخره، وأمريكا في المحصلة النهائية تحتاج إلى المواد الخام، والغرب حينما يتعامل مع الدول الإفريقية يسيطر على ذهنه المواد الخام والأبعاد الحضارية والدلالات الرمزية التي تمثلها هذه المنطقة، وكان في أذهانهم أن يتم الاهتمام بإنشاء طرق تربط بين المنطقتين، ومن ثم تسهل عملية التجارة هذه المنطقة في منظومة التجارة العالمية. البيان: وما هي الخطوات الفعلية للولايات المتحدة لإعادة رسم خريطة القرن وفقاً لرؤيتها؟ - أ. هاني رسلان: في تصوري الشخصي أن ما يحدث الآن في السودان هو حجر الزاوية للسياسة الأمريكية المقبلة في المنطقة، والوضع السوداني حتى الآن لم يأخذ شكله النهائي، لكن الولايات المتحدة تدفع به في اتجاه معين ليصب في إطار السياسة الأمريكية في القرن الإفريقي، فيما يتعلق بالسودان بشكل أساسي؛ وأنا أعتبر أنه انطلاق للقرن الإفريقي الكبير؛ حيث يتعلق الصراع أساساً حول هوية السودان وإجبارها على التخلي عن المشروع الحضاري الذي قامت به ثورة الإنقاذ منذ مجيئها للحكم سنة ١٩٨٩م، وتعاد الصياغة لإعطاء مساحات أكبر لتغليب الهوية الإفريقية على حساب الهوية العربية الإسلامية؛ بحيث تكون منطقة جنوب السودان منطقة عازلة، وتعتبر منطقة صد في الوقت نفسه. هذا مرتبط باتخاذ إريتريا كقاعدة أمريكية على مدخل البحر الأحمر تتحكم في أمن البحر الأحمر، وتمثل نقطة ارتكاز للاستراتيجية الأمريكية العسكرية تجاه منطقة الخليج العربي ومنطقة وسط إفريقيا، وهذا يتم بالتعاون مع إسرائيل وموقعها على شمال البحر الأحمر بطبيعة الحال الذي يتيح لها التحكم في البحر الأحمر بهذه الطريقة، وهو تهديد للأمن القومي المصري والمملكة السعودية واليمن، وكلها دول عربية ذات أدوار فاعلة ومهمة. الصومال ستعاد صياغته فيما بعد؛ بينما إثيوبيا الوضع فيها مستقر، ومن ثَمَّ ما يدور في السودان من المفترض أنه يتم طبقاً للمشروع الأمريكي: دولة واحدة بنظامين، وهذا يحقق أغلب الأهداف الأمريكية في المنطقة؛ بمعنى أنه سيكون في السودان نظام فضفاض يسمح بدولة في جنوب السودان تقريباً مستقلة، تمثل حائط الصد للعرب والمسلمين والثقافة العربية والإسلامية من الشمال، لكن في الوقت نفسه تحافظ على صلة ما مع الدولة الشمالية، وهذه الصلة مطلوبة لضغط وتقليص المشروع الحضاري الإسلامي في الشمال، هذا الوضع تفضله الولايات المتحدة الآن؛ لأن الانفصال يعني بقاء النظام في الشمال على إسلاميته؛ بحيث يتخذ ما يريد من سياسات وتحالفات وتوجهات استراتيجية مختلفة؛ لكن بقاء دولة الجنوب التي هي شبه مستقلة في إطار مع الشمال يحدد هذه المسألة ويضع عليها كثيراً من القيود، كما أن بقاء السودان في هذه الوحدة الهشة القلقة مطلوب، فيبقى السودان موحداً؛ لتبقى إثيوبيا موحدة؛ لأن إثيوبيا تتكون من عدة قوميات، والدستور الإثيوبي يعطي حق تقرير المصير لهذه القوميات إذا شاءت. وفي الوقت نفسه يتم تفعيل الإقليم الإريتري؛ وهذا فيه نوع من التلاقي بين أطماع أسياس أفورقي ورؤيته لذاته ولدولة إريتريا، وهذا يتلاقى أيضاً مع الاستراتيجية الأمريكية والمصالح الإسرائيلية في المنطقة، وهو ما سينعكس لاحقاً على الصومال، وما يمكن أن نسميه الأطر العامة للتحركات داخل القرن الإفريقي. * السودان: البيان: لو أخذنا خصوصية كل حالة بشيء من التفصيل؛ فما الذي سيؤول إليه الأمر في الحالة السودانية؟ وما أثر ذلك على الأمن القومي للمنطقة العربية؟ - أ. هاني رسلان: ما يجري في السودان هو حجر الارتكاز لمستقبل المنطقة، والذي يعطينا إضاءة كاشفة لهذه الاستراتيجية في الفترة المقبلة. وكما أسلفت: ما يحدث الآن في السودان هو إعادة صياغة السودان في اتجاه أفرقته على حساب الهوية العربية والإسلامية؛ وهذا ليس على الجانب الثقافي فقط وإنما يتداخل معه البعد الأمني والاقتصادي والاستراتيجي. دولة أو منطقة جنوب السودان الذي يتكون من الولايات الجنوبية الثلاث المعروفة، والتي هي «أعالي النيل» و «بحر الغزال» و «الاستوائية» ، سيعطى مواصفات أو سلطات دولة ذات صلاحيات مطلقة للحاكم الجنوبي، ويتم تقاسم الثروات، ويسيطر الجنوبيون على وزارة الدفاع، ويكون لديهم بنك مركزي يرتبط شكلياً بالبنك المركزي في الخرطوم، كما ستكون لهم هيمنة مطلقة في حكم الجنوب، وأن يتم وضع ترتيبات تجعل من الوحدة شيئاً مستحيلاً بإجراء استفتاء بعد وضع انتقالي لمدة ست سنوات، مع صلاحيات مطلقة للجنوب مع المشاركة في حكم الشمال، وحق استخدام الفيتو على كل القرارت السيادية للرئيس السوداني؛ بما في ذلك تعيين السفراء والوزراء، وتعيين الولاة، وإعلان حالة الطوارئ، وإجراء انتخابات ... ، إذا تأملنا هذه الحالة؛ فسنجد أن قضية السودان مفتوحة على احتمالين: الأول: أن فترة ست السنوات تكون فترة تهيؤ وإعداد لدولة جنوب السودان المقبلة؛ لإنشاء البنية التحتية من طرق ومؤسسات لتدعيم استقلال الجنوب. الاحتمال الثاني: أنه لا يتم الانفصال بحيث يبقى جون جارنج منفرداً بحكم الجنوبيين وفي الوقت نفسه يشارك في حكم الشمال، ويملك فيتو على الشمال. إذا تأملنا هذين الاحتمالين فسنجد أن دولة جنوب السودان المقبلة دولة غير قابلة للحياة؛ بمعنى أنه ليس لديها أي بنيات تحتية على الإطلاق، فلا يمكن الانتقال من مكان إلى آخر إلا عبر الغابات والأحراش والطرق البرية الوعرة، كذلك ليس هناك ثقافة واحدة، وليس هناك لغة مكتوبة ولا قابلة للتداول. هناك لغة عربية ركيكة. باختصار: الجغرافيا والطبيعة والسكان في هذه المنطقة في مرحلة ما قبل التاريخ، هذه الدولة بهذا الوضع غير قابلة للحياة، تعتبر طبقاً للثقافة التي زرعها المنصِّرون أن الشمال العربي المسلم هو العدو «الجلابة» ، وهو الذي استرقَّ أجدادهم وآباءهم، ومن ثم هذه الدولة لكي تستطيع الاستمرار ولكي تتبلور في أطر محددة لها الحد الأدنى من قابلية الحياة؛ لا بد أن تعتمد اعتماداً على الخارج؛ فمن هو الطرف المرشح لذلك..؟ هو الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. هذه الدولة سواء انفصلت أم لم تنفصل مطلوب بقاؤها بهذا الشكل، وتكريس هذا الوضع في أطر قانونية متفق عليها تحظى برقابة إقليمية ودولية للتطبيق بضمانات، ومن ثم ستتحكم في عدة قضايا. قضية المياه: ستكون هناك قيود على حصة مصر من المياه القادمة عبر جنوب السودان إذا انفصل، وطبيعي أن مصر دخلت في حد الفقر المائي؛ بمعنى أن الإيراد القادم لا يغطي الحد الأدنى من الاحتياج، وهذا سيتزايد في السنوات المقبلة. النقطة الأخرى: ستضع قيداً على شمال السودان في إطاره العربي والإسلامي؛ بمعنى أن السودان ليس عربياً وليس مسلماً وإنما هو خليط من العروبة والأفرقة والوثنية والمسيحية وخلافه؛ فمن ثم هناك قيود على تفاعله مع إطاره العربي والإسلامي، ونحن لدينا مثال واضح جداً في هذه القضية، وهو ما حدث بعد توقيع اتفاقية أديس أبابا سنة ٢٧٩١م؛ حيث إن الرئيس النميري لم يستطع أن يشارك في اتحاد الجمهوريات العربية في ذلك الوقت الذي كان بين مصر وليبيا وسوريا بسبب هذه الاتفاقية؛ لأنه سيواجه معارضة من الجنوبيين الموجودين رغم أن الاتفاقية المبرمة في ذلك الوقت كانت تتحدث عن اتحاد فيدرالي وليس كونفدرالياً. إسرائيل سيكون لها دور، وهذا سيؤدي إلى التأثير في أمن البحر الأحمر، وسيكون حائلاً دون التعاون بين مصر والسودان في المستقبل، ويحوِّل السودان بشكل أو بآخر إلى منطقة عازلة للمد العربي الإسلامي فيها وجود إسرائيلي.. فيها هيمنة ونفوذ أمريكي، وانطلاقاً من هذا المكان ستعاد صياغة وسط إفريقيا وشرقها بما فيها القرن الإفريقي سواء الصغير أو الكبير، إثيوبيا في هذه اللحظة لديها تعامل مع حكومة الخرطوم؛ لكن في إطارها الاستراتيجي الأبعد ليس من مصلحتها أن يكون هناك سودان موحد قادر على التنمية والنهوض له صلة بالعالم العربي والإسلامي، ولكن لها مصلحة في بقاء السودان منقسماً ومقيداً طبقاً للصيغة التي تصاغ الآن، بينما يبقى الصومال في حالة سيولة كاملة. - أ. طلعت رميح: الأستاذ هاني طرح قضية السودان باعتبارها شيئين: - أنه النموذج لما يجري في المحيط: نموذج صراعات، ونموذج إدارة أمريكية، ونموذج تدخل، ونموذج حالة دولة. - ثم باعتباره وجهاً من أوجه الاشتباك مع جميع دول المنطقة؛ ومن ثم عكس العلاقات مع أوغندا ومع إريتريا. - أ. د. حمدي عبد الرحمن: جانب كبير من مكونات السياسة الأمريكية نحو السودان هو تأثير المنظمات الأنجليكانية على صانع القرار، هؤلاء مثلاً يرفعون شعارات مثل: ادفع دولاراً تنقذ حياة السودان. وهذه عادة ما تستقبل كل الجماعات النازحة من الجنوب، وتحاول أن تعلمهم تعليماً مسيحياً، وتنشئهم مسيحياً، ثم تدفع بهم إلى المعترك. - أ. طلعت رميح: اليوم جميع عمليات الإغاثة التي تتم في جنوب السودان تقريباً تتم تحت إشراف مؤسسات تنصيرية. - أ. د. حمدي عبد الرحمن: فيما يتعلق بالحالة السودانية، لو لم يكن هناك دعم للمتمردين من الدول الغربية بل ومن دول عربية أيضاً، لما كنا سمعنا عن مشكلة في السودان ... المعارضة السودانية شمالها وجنوبها غير قادرة على الإطلاق على أن تحقق نصراً عسكرياً حاسماً. - أ. طلعت رميح: هناك ملاحظة بالغة القوة وبالغة الذكاء: لا يوجد في الجنوب السوداني أي مقومات لدولة؛ إذن من أين للتمرد في السودان هذا التسليح، وهذه القوة من أين؟! - أ. هاني رسلان: من كينيا ومن أوغندا وعبر منظمات الإغاثة التي لا تقوم في الحقيقة بأعمال إغاثية، وإنما تقوم بأعمال مساندة للتمرد؛ حيث تقصر جهودها على المناطق الخاضعة لجون جارنج، وتحمّل الطائرات أحياناً بأسلحة. هناك إمداد مالي. والخلاصة أن حركة جون جارنج في جنوب السودان لا يمكنها البقاء لشهرين متتاليين على الإطلاق دون الدعم الغربي سواء المباشر أو غير المباشر، حتى نفقات قادة التمرد الشخصية، تأتي من الغرب؛ لأن دخل جنوب السودان منذ الاستقلال حتى هذه اللحظة سواء في الحرب أو السلم هو من إيرادات الشمال الضحلة المحدودة. معلومة مهمة: وثيقة «ناكورو» غير المتوازنة، وما انبنى عليها فيما بعد والتي أعطت للمتمردين الجنوبيين أعلى مما كان يطالبون به أنفسهم، هذه الوثيقة صاغها باحث أمريكي مرتبط باليمين الصهيوني اسمه «جون برندر جاست» ، وهو الذي صاغ الوثيقة لوسطاء «الإيجاد» باعتباره خبيراً في الشأن السوداني، ولهذا نلحظ انعكاس هذا في التزام اليمين الصهيوني في قضية جنوب السودان وصياغة هذه المنطقة بشكل عام. - أ. د. حمدي عبد الرحمن: أريد أن أختم بمثال وهو يصب في هذا السياق في الحالة السودانية: كبير أساقفة كنتربري السابق الدكتور جورج كيري، حينما أراد أن يزور جنوب السودان في التسعينيات، تقدم بطلب إلى السفارة المعنية والسفارة حسب المتعارف عليه في العرف الدولي باعتباره شخصية لها وزنها وثقلها الديني ترتب زيارة من قِبَل الحكومة، فما كان من الدكتور جورج إلا أن رفض برنامج الزيارة الذي أعدته له الحكومة السودانية، ورفض أن يتقدم بهذا الطلب؛ فماذا فعل جورج كيري بعد ذلك؟ قام بزيارة جنوب السودان من خلال كينيا. فكيف نفسر مثل هذا الموقف حتى في العرف الدولي، وفي العلاقات السائدة بين الدول؟! هذا اختراق فاضح. - أ. طلعت رميح: الفكرة الأوضح عندي هي أن السودان بلد خطر للغاية؛ لأنه البلد الوحيد الذي إذا تمكن من إحداث تنمية وبناء دولة؛ فسيكون أقوى بلد في المنطقة، وسينقل الوضع العربي والإسلامي في هذه المنطقة بشكل كبير جداً، كما تعلمون البترول الموجود في هذا المكان فاق التقديرات الحقيقية؛ وهذا جزء من سعي الأمريكان نحو المنطقة؛ لأن تقديراتهم أن البترول هناك قد يفوق البترول السعودي. الأمر الثاني: بلد فيه من ٢٠٠ إلى ٣٠٠ مليون فدان صالحة للزراعة، بينما بلد مثل مصر في أعلى معدل لم تتخط ٧.١ ملايين فدان. الماء متوفر في كل مكان. بالفعل امتداده الجغرافي مخيف! وهذا تقدير كثير من الاستراتيجيين، ومن ثم فإن فكرة الإنقاذ في السودان بالفعل كانت ضرورة تفكيك إثيوبيا، وإثيوبيا هي التي مارست الدور الأخطر في إعاشة التمرد، وأنه كان هناك صراع في المنطقة بين هذه الحضارة وتلك الدولة في المنطقة. الغرب تدخل فساند إثيوبيا، والغرب دفع بأوغندا إلى المعترك، والمحيط العربي تخلى عن السودان، لم يحدث أن هناك بلداً حوصر هذا الحصار بخلاف العراق كما حدث للسودان، وهو اليوم مفتوح عليه جبهات من الجنوب والشرق والغرب! ? * إريتريا: البيان: تبدو الحالة الإريترية مليئة بالتناقضات، مشبعة بالكره لكل ما هو عربي وإسلامي: كيف يمكن أن نفسر هذه الحالة؟ - أ. د. حمدي عبد الرحمن: التقسيم هو أحد آليات العمل الأمريكي في المنطقة، ولم تنج دولة واحدة من عملية الانفراط، إريتريا هي الحالة الاستثنائية وكينيا. - أ. هاني رسلان: بالنسبة للحالة الإرترية الاستقلال الإريتري كان بناء على أسس قانونية في قرار الأمم المتحدة بإجراء استفتاء، لكن هيلاسيلاسي لم يقم به، ومن ثم كان هناك مسوِّغ ما قانوني للاستثناء في هذه الحالة، هذه موجودة في حالات أخرى بما فيها حالة جنوب السودان. - أ. طلعت رميح: أتصور أن القرار الصادر الخاص بإريتريا يمثل خصوصية في التطبيق. وفي المقابل جيبوتي؛ ألم يكن لها حق الاستقلال عن العلم الفرنسي؟ لكن متى استقلت جيبوتي؟ لقد ظل الفرنسيون يحتلونها، وضربوا بعرض الحائط كل ما صدر من قرارات لمجلس الأمن. - أ. د. حمدي عبد الرحمن: وهناك قرارات خاصة بفلسطين! - أ. هاني رسلان: فيما يتعلق بالحالة الإريترية نلاحظ الآن أن ما يفعله أسياس أفورقي في الداخل عكس ما تنادى به الاستراتيجية الأمريكية من مسألة الدمقرطة، ومسألة حقوق الإنسان، ومسألة تداول السلطة، ونشر القيم الأمريكية في الداخل، وتتغافل عنه الولايات المتحدة؛ لأنه يحقق لها مصالح استراتيجية. معروف أنه ينتمي إلى أقلية (التجراي) عرقياً، وينتمي إلى الديانة المسيحية التي تتعادل مع المسلمين في النسبة؛ تقريباً ٥٠% لكل منهما. الآن أسياس أبعد اللغة العربية عن التعليم، ويتخذ مواقف حادة للغاية من العرب والمسلمين وقضاياهم، وأذكر على وجه الدقة: دولة قليلة الموارد ينتهك نظامها كل الأعراف المتعلقة بالحريات، ويقوم الآن بسجن أعداد هائلة حتى من رفاقه الأساسيين الذين خاضوا حرب الاستقلال لعشرات السنوات، ولا يبالي بأي احتجاجات أمريكية أو أوروبية. - أ. طلعت رميح: بل لنبقى في هذه النقطة تحديداً: الوضع الإريتري كان وضعاً مسيحياً محدداً؛ هذا هو العامل الأساسي في الاعتبار في تقديري في كل ما حدث. - أ. هاني رسلان: حتى هذه اللحظة المسيحيون في إريتريا لا يشكلون أغلبية. - أ. طلعت رميح: هذا مفهوم، وهو من ضمن المفارقات؛ أن السعي الراهن في كل المنطقة يهدف إلى أن تتركز كل السلطات السياسية في أيدي الأقلية النصرانية، رجوعاً لقاعدة الوضع في إفريقيا كله؛ فهنا مسألة التقسيم وردت: إثيوبيا نفسها قُسِّمت، السودان مقسّم، الصومال أصبح مقسماً إلى أربعة أو خمسة أقسام؛ الأوجادين، وأرض الصومال، وهناك صومال حسن صلاد.. هذه هي الخطة التي ساروا عليها طوال الفترة الماضية: تنصير.. تغيير.. تقسيم، هناك أيضا فكرة المعونات؛ لأنهم مارسوا أدواراً بالمعونات في مجال التنصير. هذه خصوصية المكان وهذه وضعيته.. لكن الملاحظة الأهم أن غالبية السكان في هذه الدول جميعاً هي أغلبية مسلمة، لا يوجد أي منطقة في إفريقيا جرى فيها هذا التركيز الشديد من قِبَل الأمريكان والإسرائيليين في النشاط كمنطقة القرن، كما تتذكرون أن الزيارات الأمريكية لا بد أن يكون فيها دولتان أو ثلاثة إلى جانب بعض الدول المتفرقة في الغرب أو الجنوب، لكن لا توجد منطقة حظيت بهذا التركيز والاهتمام الأمريكي والصهيوني سوى هذه المنطقة؛ وهذا يعود إلى الأغلبية الإسلامية وإلى ضرورة الحرب على الإسلام. - أ. د. حمدي عبد الرحمن: منذ وجود الدولة العبرية في أيام حرب فلسطين كان يسود التفكير الصهيوني، وهو أنه لا بد أن تحرص العسكرية الصهيونية على أن تحصل على موطئ قدم في البحر الأحمر بأي ثمن، وهذا ما تحقق لإسرائيل بحصولها على مرفأ إيلات. في الحقيقة أن البحر الأحمر والذي يعد بحيرة عربية لهذه المشاطأة العربية الكبيرة له، وقع له: إسرائيل في الشمال عن طريق إيلات، وإريتريا في الجنوب؛ فالوجود الصهيوني في هذه المنطقة يعطيها أهمية خاصة، ولذلك تقليدياً إسرائيل موجودة مع منجستو وهيلاسيلاسي، ومع العهد الحالي؛ مع كل التغيرات التي شهدتها هذه النظم. إسرائيل موجودة في القرن الإفريقي بشكل كبير، وهذا الوجود مرتبط بالوجود الأنجلو أمريكي. - أ. هاني رسلان: أسياس لما قام باعتقال كل رفاقه، وكان منهم وزير الدفاع ووزير الخارجية وكبار قادة الجبهة الشعبية الحاكمة الآن في إريتريا، وصل احتجاج من الاتحاد الأوروبي حمله سفير إيطاليا في إريتريا وهو ممثل الاتحاد الأوروبي، وذهب ليسلم الرئيس أسياس احتجاجاً على خرق حقوق الإنسان؛ فما كان من أسياس إلا أن قام بطرد السفير من إريتريا بالكامل، ومع ذلك الآن هو الطفل المدلل للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة؛ لأن مشروعه الأساسي بالإضافة إلى ما تفضل به الأستاذ طلعت أنه ليس لديه أي موارد ولا إمكانات لا بشرية ولا ثروات على الإطلاق، لكن كل ما يعتمد عليه هو أنه يريد أن يتحول إلى إسرائيل أخرى في جنوب البحر الأحمر عند باب المندب، يتحالف مع قوى عظمى يمثلها في المنطقة، ويكون الناطق باسمها والحارس لمصالحها، ومن ثَمَّ يكتسب قيمته من هذا التحالف؛ فهو يدرك الموقع الاستراتيجي المهم على مدخل البحر الأحمر، ويحاول تسويق هذا الوضع للحصول على مساعدات ودعم خارجي، ولبقاء نظامه الديكتاتوري واستمراره. - أ. طلعت رميح: الدول العربية أيضاً مارست دوراً خطراً جداً في الحالة الإريترية في أنها صنعت فجوة استراتيجية سمحت لإريتريا أن تكون دولة لها حضور.. إريتريا أصبحت دوله تخوض حرباً ضدك.. في حين لا يتجاوز سكانها ٣.٨ ملايين نسمة، دولة بدائية جداً بلا أي مصادر وثروات ومع ذلك تتمكن من أن تشن حرباً على إثيوبيا، وتشن حرباً على اليمن وتساند تمرداً ضد السودان، وتتولى إعادة صياغة القرن الإفريقي كله؟! هذا لم يحدث في التاريخ. نحن فعلاً في وضع استثنائي غير معتاد.. والفجوة الاستراتيجية التي سمحت لإريتريا بهذا أن الصومال تكسَّر، وإثيوبيا تمر بحالة من الضعف، والسودان تتآكل بسبب حالة الجنوب، في الوقت الذي كان فيه اليمن يتوحد، والدور السعودي والدور المصري ضعفا في المنطقة، ومن ثم أصبحت إريتريا في هذا الفراغ الاستراتيجي دولة لها قدرة ولها معنى ولها قيمة، وأياً كانت المقدرات القومية لدى إريتريا من خلال ثرواتها وسكانها ووضعها، فإن ذلك لا يؤدي على الإطلاق لأن تكون دولة محورية ولا دولة إقليمية بأي معطى من المعطيات. * الصومال: البيان: بالنسبة للصومال ألا ترون أن هناك مؤامرة غربية تدور عليه ليبقى مقسماً؟ وما الذي تريده أمريكا من الصومال، وما الذي لا تريده له؟ أ. د. حمدي عبد الرحمن: أنا لا أؤمن بنظرية المؤامرة وإن كانت في بعض الأحيان واضحة. إن هناك ترتيباً لمنطقة القرن الإفريقي منذ انهيار الزعامات التقليدية في أول التسعينيات، (هيلا ماريام، وسياد بري) في مؤتمر لندن، «وديفيد كوهين» مسؤول الملف الإفريقي في الإدارة الأمريكية وهو يرتب للمسألة الإثيوبية، وتم أيضاً تهجير يهود الفلاشا من إثيوبيا وعبر السودان إلى إسرائيل، أمريكا قامت بعملية رسم للخريطة الاستراتيجية للقرن الإفريقي؛ والدليل على ذلك أن المتابع لمنطقة القرن الإفريقي والصراعات فيها يجد أن الصومال كانت مرشحة لتكون دولة متجانسة ليس فيها انقسامات؛ فالجميع مسلمون يتحدثون لغة واحدة، حوالى ٩٩% أو ٩٩.٥% مسلمون، لغتهم واحدة، والحرفة السائدة الرعي، ولديهم مطامح وآمال مشتركة نحو إقامة الصومال التاريخي أو الصومال الكبير. على الوجه المقابل نجد إثيوبيا دولة إمبراطورية قامت على التوسع والغزو تاريخياً؛ فالمفترض أن الذي يتفكك هو إثيوبيا وليس الصومال. الترتيب الذي حصل أنه وُضعت صيغة ما للحكم، وأدت إلى وجود دولة فيها سلطة مركزية وهناك مؤسسات للدولة، بغضِّ النظر عن طبيعة نظام الحكم، ديمقراطياً كان أو غير ديمقراطي في الحالة الإثيوبية.. وفي الحالة الصومالية تفككت الدولة وانهارت تماماً، هل هذه مسألة عفوية..؟!! - أ. طلعت رميح: تعبير فكرة المؤامرة تعبير يروج في أوساطنا الثقافية للتعمية على فكرة التخطيط الاستراتيجي، المؤامرة هذه يمكن تشبيهها بالسرقة وعمليات السطو، لكن الذي نواجهه ونتحدث عنه هو تخطيط استراتيجي له مراحل وأهداف تتحقق، ومن ثم السؤال لا يكون هو نظرية المؤامرة بمعنى الأحلام وأضغاث الأحلام والأحاجي والألغاز. الذي نتعامل معه هو وجود خطط استراتيجية على مستويات حضارية أو دينية أو ثقافية أو عسكرية أو اقتصادية، وهذا أمر الولايات المتحدة لا تخفيه ولا فرنسا تخفيه، ولا أي أحد يخفيه، ومن ثَمَّ ما نتعامل معه ليس فكرة المؤامرة بمعنى التآمر على نمط قلب نظام الحكم في الخفاء، الفهم الصحيح هو أننا إزاء خطط استراتيجية بعيدة المدى، نحن يجب أن نصوب هذه النقطة ونقول نحن بصدد تخطيط استراتيجي أمريكي لهذه المنطقة يقوم على فكرة الفك والتركيب، وأن الديمقراطية لا تعني لهم في إفريقيا سوى التفكيك، وأنه لم يثبت حتى الآن أنه ذهب إلى توحيد منطقة وهذه مسألة طبيعية وضرورية؛ لأن التركيبة المستقرة في كل دولة تركيبة قائمة على نفوذ: إما للفرنسيين، أو الألمان، أو البريطانيين. وهو يريد الدخول: كيف يدخل؟ يعيد التفكيك والتركيب مرة أخرى. ولماذا هو يطرح حقوق الإنسان والأحزاب؟ ليس لإيمانه بهذه القيم، ولكن لمسائل الفك والتركيب؛ ولهذا أقول: لا بد من أن نستبدل فكرة المؤامرة بفكرة التخطيط الاستراتيجي؛ لأن فكرة التخطيط الاستراتيجي تريحنا من مسألة الداخلي والخارجي؛ لأنه لا يوجد أي نظام محلي غير مرتبط بتقديرات استراتيجية خارجية؛ سواء في الفساد أو في الديمقراطية أو في غيرهما. البيان: إذن النية الأمريكية هي بقاء ما كان على ما كان في الصومال، ألا تريد التدخل المباشر كما حدث في العراق؟ - أ. طلعت رميح: المخطط العام هو التفكيك اليوم، ولو كان هناك حكومة إسلامية قوية في الصومال؛ فهل ستنجح أمريكا في وضع أقدامها هناك؟ المطلوب أن يبقى الصومال مفككاً؛ لأنه لو كان هناك حكم آخر لكان يمكن أن يوجد تصور آخر. وفي تقديري أنسب حالة إلى الحالة السودانية هي التي لا ينطبق عليها هذا والحالة الإريترية. أنسب حالة للوضع في الصومال هو بقاء الحال على ما هو عليه مجرد تحويله إلى مكان على هذا النمط بشرط واحد ألا يكون هذا مجالاً لنمو النشاط الإسلامي الجهادي، ومن ثم كل ما يحدث من تطورات الآن في الصومال كلها في الاتجاه نفسه لا السماح بوجود حلول عربية، بل حتى الآن تمنع الولايات المتحدة وإسرائيل وحدة جمهورية أرض الصومال المشكلة وبها وجود إسرائيلي ليس بالقليل، وبالعكس تسعى لأن تكون إسرائيل هي أول دولة تعترف بها. الجزء الآخر من الصومال موجود الآن تحت السيطرة الإثيوبية ممثلاً في إقليم أوجادين. الجزء الثالث من الصومال مقسم ولا يراد أن يقام له دولة، ومن ثم هذه هي الحالة النموذجية بالنسبة للمخطط الأمريكي والإسرائيلي، سواء لأنه يتيح أكبر فرصة للتنصير، وسواء أن هذا يضعف الوجود الإسلامي، وسواء أن هذا لا يجعل هناك حالة من الدفاع الذاتي في المنطقة. في تقديري أن هذا الحال النموذجي، وساهم في هذا حالة الضعف في القلب العربي والإسلامي، وعدم اتخاذ مبادرات ومساندة الصومال مساندة مالية من قِبَل الدول العربية والإسلامية حتى الآن، ومن ثَمَّ المعيار الوحيد أن أوجادين تحت الاحتلال الإثيوبي وأرض الصومال تحت سيطرة صهيو أمريكية، وبقية الصومال مقسمة ومفتتة؛ وهذا التقسيم بالمناسبة هو التقسيم نفسه الذي كان سارياً في نهاية الحرب العالمية الثانية وهو ما كان يسمى بالصومال الفرنسي، وما كان تحت إثيوبيا، وما كان تحت إيطاليا، وما حصل بعد الحرب الثانية تم الانتهاء منه وإعادتنا إليه مرة أخرى. - أ. هاني رسلان: الذي يهم الولايات المتحدة في هذه اللحظة في الصومال هو السيطرة الأمنية لمنع أي نشاط إسلامي باتجاه معاد للولايات المتحدة؛ خصوصاً أن المناطق التي تضعف فيها السلطة المركزية أو تنعدم يكون هناك إمكانية للتمدد وإمكانية أوسع للحركة والتدريب. لكن لا يعني هذا أن الولايات المتحدة تنوي التدخل في الصومال بالصورة نفسها التي حدثت في العراق؛ لأن الذاكرة الأمريكية مثقلة بالمشهد الصومالي، وهي الآن تعاني من التجربة العراقية وتخشى من التواجد في ظل حالة من الفوضى. - أ. د. حمدي عبد الرحمن: أنتم تحيزتم للسودان، وأنا أتحيز للصومال؛ لأن الصومال يعكس كل القضايا المتشابكة التي تحدثتم عنها من الاستعمار والتخطيط الاستراتيجي الذي تحدث عنه الأستاذ طلعت؛ لأن الصومال الكبير بمعناه التاريخي كان يشمل خمس مناطق، وهذه هي الدلالة الرمزية للعلم الصومالي الذي كان يتألف من خمس نجوم تمثل المناطق المفقودة بالنسبة للصومال. كان هناك ما عرف بالصومال البريطاني، والصومال الإيطالي، وهما ما استقلا وشكَّلا ما عرف بجمهورية الصومال. أما الإقليم الثالث: هو عفر وعيسى وهو ما اتفق على تسميته باسم «جيبوتي» وهو الصومال الفرنسي. الإقليم الرابع هو إقليم «الأوجادين» الذي تم ضمه لإثيوبيا، وهذا أدى إلى مصادمات وحروب دولية بين الصومال وإثيوبيا، كما اصطلح على تسميتها بحروب القرن الإفريقي. الإقليم الخامس وهذا إقليم منسي في الحقيقة وكثير من الناس لا يذكره هو الإقليم الشمالي بالنسبة لكينيا والذي تم ضمه ويعرف بـ: «NFD» المقاطعة الشمالية الحدودية اختصاراً لـ: «northern fronter distreet» ، وهذه تم الإطباق عليها من زمن، كان كينياتا الزعيم الكيني يقول للصوماليين: إذا أردتم الاحتفاظ بالهوية الصومالية فاركبوا جمالكم وارحلوا. يعني طبق قضية الحكم الذاتي على الأشخاص وليس على الإقليم، هذا كان الحلم التاريخي للصوماليين كما تحدثنا قبل ذلك في أن الصومال له خصوصية واحدة: كلهم يحدثون لغة واحدة، كلهم يمارسون نشاطاً اقتصادياً واحداً، دينهم جميعاً الإسلام، لديهم مجموعة إثنية واحدة، تم تقسيمهم بهذا الشكل؛ وهذا مخطط استعماري في مقابل المشروع الإثيوبي ولا بد من المقابلة بين النموذجين. لو تحقق المشروع الصومالي لأصبحت دولة قوية ودولة كبرى، إثيوبيا لا تمتلك مقومات الشعب المتجانس، ولو فتحنا المجال للقوميات الست الموجودة في حق تقرير المصير لتفتت إثيوبيا في ظل ما اتفق عليه من حق تقرير المصير، هنا نجد حق تقرير المصير على ورق ولا يمارس، أنا أؤيد ما تقول من أن التخطيط الاستراتيجي الآن ودعونا نقبل المصطلح، هو لتفتيت الصومال؛ لأن وحدة الصومال ليس في مصلحة الغرب؛ لأن معنى وحدة الصومال دولة مركزية قوية، معناه حذف «جيبوتي» و «إريتريا» وإنهاء مشكلة جنوب السودان؛ فتدخل الدولة المركزية في صِدَام مع إثيوبيا وتأخذ الأوجادين مرة أخرى، ستتدخل في معادلة الصراع مع المتمردين في جنوب السودان، فأعتقد أنه هذا ليس في مصلحة الأمريكان. الأمر الثاني أن الأمريكان لن يتدخلوا بشكل مباشر كما في حالة العراق، في الحالة الإفريقية كما تعكسها خبرة ليبيريا حالياً أن الأمريكان يتدخلون من خلال قوات إفريقية أو قوات دولية، ويقومون هم بتقديم المساعدات اللوجستية، ولهم في الصومال تراث سيئ؛ فأي رئيس أمريكي لن يفكر في دخول الساحة الصومالية دخولاً مباشراً؛ لأن الأمور تسير وفق مراده، هذه الكيانات المفككة: أرض الصومال، جمهورية بلاد بوند، ومقديشيو، وصلاد حسن، هذه الكانتونات يسهل عليه الضغط عليها ويفتش عليها، ومن ثَمَّ يتحكم في هذه الكيانات الضعيفة. إذن! أنا أدعم الرأي القائل: ليس في مصلحة القوى الفاعلة وحدة صومال بعد الاستقلال؛ لأن هذا معناه أنه سيعيد مرة أخرى وحدة المناطق المفقودة من الأوجادين وجيبوتي وهكذا، وهذه معناها التأثير على رسم الخريطة الاستراتيجية لمنطقة القرن الإفريقي.

стр. 4817

نص شعري لصوص النفط محمد بن عائض القرني (الإرهاب الصليبي وفرية تحرير العراق!!) حمامَ الدوح كُفّ عن النشيدِ ... ألا تبكي لعاصمةِ الرشيدِ؟! أما أبصرتَ دجلةَ سالَ قَهْراً ... تَخَضَّبَ وجهُه بدم الوريدِ وما عادَ الفُراتُ يسيلُ ماءً ... ولكنْ بالجماجم والحديدِ ضفافُ الرافدَيْن غَدَت مَلاذاً ... ومأوى للثعالبِ والقرودِ أُبيحت للغُزاةِ وكان يوماً ... يُشيب لَظَاهُ ناصيةَ الوليدِ صليبيون هجَّنَهم يهودٌ ... فماذا بعدَ تهجِينِ اليهودِ؟! لصوصُ النفطِ ما عُرفوا بعدلٍ ... عبيدُ المال ناقضةُ العهود! فيا للهِ كم ذبحوا رجالاً ... وأحراراً تُجَرجَرُ كالعبيدِ! ويا للهِ كم فتكوا بطفل! ... وكم شيخٍ يمرَّغُ في الصعيدِ! وكم من حُرةٍ هتكوا حماها ... وكم بين العشائرِ من طريدِ! جِراحُ المسلمين بكلِّ أرضٍ ... وما لِجِراحِ قوميَ من نديدِ تُسامُ اليومَ (إرهاباً) وظلماً ... وتُسقى ناقعَ السمِّ المبيدِ مآسي الرافدَيْن لها جُذورٌ ... بعُمْقِ الدهرِ من زمنِ الجدودِ! وما أعداؤها إلا بنوها! ... كحزبِ (البعثِ قاعدةِ الصمودِ) ! وكابنِ (العلقميِّ) وكان خِدْنا ... لأهلِ عمائمٍ بيضٍ وسودِ فقُل للمستجيرِ (بعمِّ سامٍ) ... كلابِ الحي ساحبةِ الجلودِ مددتم للعدوِّ حبالَ وصلٍ ... فَشَدَّ الحبلَ في عضُدٍ وجيدِ ولَغْتُم في موائدِهم زماناً ... فما ذقتُم بها غيرَ الصديدِ أتحريرُ البلادِ بقتلِ شعبٍ! ... وإفساد الطريفِ مع التليدِ؟! أيُرجَى من طغاةِ العصر نصرٌ؟! ... سَلُوا إن تجهلوا جُثثَ الهنودِ وأرضُ الرافدَيْن لكم سُدودٌ ... وقد جئتمْ لبعثرةِ السدودِ؟! وظلمُ الأقربينَ أشدُّ فَتْكاً ... على الأحرارِ من فتكِ الأسودِ فلا عاشتْ فُلولُ (أبي رِغالٍ) ... ذيولُ الخصمِ فاتحةُ الحدودِ

стр. 4818

المسلمون والعالم المقاومة العراقية والمستقبل السياسي في بلاد الرافدين أسامة بن سعيد آل دبيس القحطاني بعد أن ضُرب العراق في عام ١٩٩١م ودُمّر تدميراً كاملاً، وقُتل من جيشه فقط قرابة المائتي ألف، وانتهت تلك القوة العسكرية التي كانت تهدد مَنْ حولها، وأصبحت هباء منثوراً لم تكتف أمريكا بذلك؛ بل فُرض على العراق الحصار الكامل لعدة سنوات إلى أن أتت فكرة النفط مقابل الغذاء بعد أن مات من الأطفال فقط مليون طفل بسبب الجوع والمرض، وفُرض على العراق حظر جوي داخل بلده شمالاً وجنوباً، وفي الوقت نفسه يحق لطائرات أمريكا وبريطانيا أن تجوبه شرقاً وغرباً بدون أي استئذان، مما أثار في ذلك الوقت فكرة تقسيم العراق إلى ثلاث دول، ولكن هذه الفكرة لم تنجح، بل استطاع حزب البعث لملمة الأمور ومحاولة تسييرها ودفعها بقدر الاستطاعة، وفعلاً تجاوزوا الأزمة، وبدا تحسن في اقتصاد العراق وبنيته التحتية، وبدأت الدول تخرق الحظر علناً للضغط على أمريكا لفك الحصار عن العراق والاستفادة من خيراته، إلا أن ذلك لم يلبث طويلاً حتى أتت واقعة ١١ سبتمبر، فهاجت أمريكا وماجت وضربت أفغانستان، ثم ما لبثت أن أعادت المخطط القديم لاحتلال العراق فاحتلته، ويا ترى هل تمضي في ذلك؟! وهل ينتهي الأمر إلى التقسيم؟! وهل هناك ضحية أخرى عقب حرب العراق؟! * القوى العراقية ومواقفها من الاحتلال: أولا: الأكراد في الشمال: للأكراد قوتان رئيستان هما: الحزب الديمقراطي الكردستاني ويرأسه مسعود البرزاني , والاتحاد الوطني الكردستاني ويرأسه جلال الطالباني , وكلا الحزبين له مطامع وأهداف عرقية بحتة استغلها الأمريكان , وتحالفوا معهما فيما يخص الشمال , مما أثار حفيظة تركيا خشية تنامي النزعة العرقية لدى الأكراد فيها. ورغم محاولة أمريكا طمأنة تركيا إلى عدم إرادتها فصل الشمال عن العراق وعدم سيطرة الأكراد على حقول النفط الغنية في الشمال , وأنها ستقوم بمطاردة حزب العمال الكردستاني الذي له نشاط داخل تركيا؛ إلا أن هناك نوايا مخبوءة لا يمكن أن تخفى على المتابعين. ففي ٢٧/٣/١٤٢٤هـ كشف مصدر كردي مسؤول لمراسل وكالة أنباء الشرق الأوسط أن (بريمر) الحاكم المدني الأمريكي للعراق وافق على طلب الزعماء الأكراد (البرزاني والطالباني) بإزالة كافة أثار العروبة والتعريب , وبسط نفوذهم في كركوك - المدينة الغنية بالنفط - وذكر أن هذه الموافقة جاءت تأكيدًا لموافقة سابقة حصل عليها من غارنر (الحاكم العسكري الأمريكي السابق) . وفي ٢١/٦/١٤٢٤هـ - ١٩/٨/٢٠٠٣ أعلن البرزاني في صحيفة الجمهورية أن الإقليم الكردي لن يستخدم العَلَم العراقي الذي صممه حزب البعث! وقال: «ينبغي أن يستند - الوضع الجديد - على مبدأ الاتحاد الاختياري بين دولتين فيدراليتين: عربية وكردية» . وذكرت مصادر عسكرية تركية لوكالة الأنباء السعودية (واس) في ٢٥/٧/ ١٤٢٤هـ - ٢٢/٩/٢٠٠٣م أن القوات الأمريكية بدأت بشكل سري تدريب ١٢٠٠ من عناصر ومقاتلي حزب العمال! وهناك تصريحات كثيرة في مسألة الحكم الفيدرالي للأكراد في الشمال ومحاولة تشريعه وترسيخه؛ إلا أن هناك عوامل كثيرة تحول دون اكتمال هذا المشروع منها: معارضة تركيا الشديدة لهذه الفكرة , وكذلك جميع الدول المجاورة بدءًا من إيران شرقًا وانتهاء بسوريا غربًا وزيارة الرئيس السوري الأخيرة لتركيا دليل على ذلك. ومنها عدم استقرار الوضع في أجزاء من الشمال مثل كركوك والموصل ووجود عمليات للمقاومة فيها , وتدمير خطوط أنابيب النفط فيها بشكل مستمر مما يؤدي إلى عدم الاستفادة من رجيع تصدير النفط من قبل الاحتلال وحلفائه في الحزبين الكرديين وعرقلة الأهداف التي يريدونها. وفي هذه المنطقة أيضًا تنشط جماعة أنصار الإسلام في أعمال المقاومة للمحتلين كما صرح بذلك عدد من المسئولين الأمريكان، ولكن للأسف فقد أصبح استقلال الشمال أمر شبه واقع من قبل الاحتلال بفضل الدعم الأمريكي له. وهناك برلمان كردي أعيد توحيده عام ٢٠٠٢م من خلال ضغط أمريكي على الحكومتين (أربيل - السليمانية) وهناك مشاركة نسبية من الاتحاد الإسلامي الكردستاني في هذه الحكومة، ورغم كونه إسلاميًّا إلا أنه يؤيد إقامة كيان كردي يرتبط مع بغداد بعلاقة فيدرالية وكذلك يعتبر نفسه حزبًا كرديًّا بالدرجة الأولى [١] . ثانيا: السنة في الوسط: يكاد يجمع المراقبون على أن أكبر ضحية لهذا الغزو الأمريكي للعراق هم السنة من العرب , فمن الواضح قبل الاحتلال الأمريكي أن هناك تخطيطًا لهذا الأمر , وقد بدأ ذلك واضحًا بعد المؤتمر الذي أقيم للمعارضة العراقية آنذاك في لندن، وكان أكثر الممثلين فيه هم من الشيعة بدعوى أنهم الأكثرية، وكذلك الأكراد فقد أعطوا تمثيلاً قويًّا، إلا أن كثيرا من المراقبين يشككون في مصداقية كون الشيعة أغلبية. ومن دواعي الشك في هذا الأمر - حتى لا نُتَّهَم بعدم الموضوعية والحياد - عدة أمور, أهمها ما يلي: ١ - أن توزيع الحصص حسم أمره قبل احتلال العراق وفرضه مما يشكك في نزاهة هذا التقسيم، وأنه مبني على مخطط سابق قام على أحد سيناريوهين: إما على تقسيم العراق وهذا سيأتي له مزيد بيان ومناقشة، أو على فصل العراق عن محيطه العربي السني بإعطاء الدور الأكبر في الحكم للشيعة. وهذا السيناريو الأخير قام على الاختلاف الحضاري أو الإيديولوجي أو العقدي وكيفية الاستفادة منه في العمل السياسي. فنظرًا لهذا الاختلاف بين السنة والشيعة، والاختلاف العرقي بين العرب والأكراد , حاولت أمريكا وحلفاؤها الاستفادة منه واستغلاله أبشع استغلال. ٢ - أن حصة الأكراد من برنامج النفط مقابل الغذاء لم تكن ٢٠% كما هو الحال الآن، بل كان قرابة ١٣% فقط , وهذا مثال على ازدواجية المعايير. ٣ - أن آخر إحصاء رسمي عراقي لسنة ١٩٩٧م كانت نسبة السنة فيه ٦٥% والشيعة ٣٤% [٢] . ويؤكد هذا الأمر - كون السنة أغلبية - عدد من علماء العراق [٣] . ٤ - أن توزيع الحصص جرى قبل عملية الحصر للعراقيين، رغم أنه مُيسرة حاليا، إلا أن قوات الاحتلال رفضت ذلك مع أن مسؤولين عراقيين في مجلس الحكم الانتقالي وضعوا خطة للإحصاء في أقل من سنة إلا أن الأمريكان رفضوا ذلك, كما ذكرت ذلك صحيفة النيويورك تايمز في ٥/١٢/٢٠٠٣م وقد سُئل الشيخ حارث الضاري عضو هيئة علماء المسلمين في العراق عن سبب توزيع الحصص بهذا الشكل فأجاب باختصار: لسببين: الأول: أنه خرج العديد من الشيعة عام ١٩٩٠م ومكنوا من الحديث عن العراق، ودُعموا ضد النظام البعثي، وقُدِّمت لهم تسهيلات في ذلك، وكانوا قد ادعوا أنهم محكومون من قِبَل الأقلية (السنة) . الثاني: أن الشيعة كانوا قد رحبوا بهذا الاحتلال، وهم متعاونون معه؛ فلعله أراد أن يكافئهم بتحقيق ما أرادوا، وهو تكثير نسبتهم في هذا المجلس [٤] . ٥ - الدعوات التي أطلقت مؤخراً بعد تزايد عمليات المقاومة لمنح دور أكبر للسنة في العراق، بدلاً من التركيز على دعم للشيعة. كان هذا على لسان رئيس وزراء بريطانيا توني بلير، فيما نقلته صحيفة الديلي تلجراف في عددها الصادر في ١٨/١١/٢٠٠٣م. وقبل ذلك ما صرح به مساعد وزير الخارجية الأمريكي ريتشارد أرميتاج عندما كشف رغبة واشنطن في دفع السنة العراقيين المهمشين حالياً إلى المشاركة مرة أخرى في العملية السياسية والاقتصادية في بلادهم، كان ذلك في مقابلة مع التلفزيون المصري عند زيارته للقاهرة فيما نقله موقع الجزيرة عنه في ١٣/١١/ ٢٠٠٣م. غير أن الشيخ حارث الضاري أوضح في اتصال مع الجزيرة بعدها أن السبب الرئيس لتركيز المقاومة في منطقة السنة هو صدور فتاوى من علماء السنة بوجوب مقاومة المحتل دون علماء الشيعة حيث تعاونوا مع الاحتلال بدلاً من المقاومة على حد تعبير الشيخ حارث [٥] . ٦ - عدم الوضوح في عملية توزيع الحصص؛ فالوسط والجنوب عوملوا بطريقة طائفية فقط بغضّ النظر عن العرق؛ مع أنه يوجد عرب وفرس في الجنوب، بينما في الشمال نجد النظر العرقي فقط؛ مع أن الأكراد كلهم سُنة والتركمان قرابة المليونين، وغالبيتهم من السنة؛ ومع ذلك لم يُنظر لهم على كونهم سنة!! مما يؤكد الشك وعدم المصداقية في التوزيع الأمريكي، وأن هناك غاية ما من هذا التوزيع. ثالثاً: الشيعة: الشيعة في العراق لهم عدة زعماء ومرجعيات من أبرزهم السيستاني، ومحمد باقر الحكيم الذي قُتل مؤخراً، ومقتدى الصدر نجل محمد صادق الصدر، وحزب الدعوة الشيعي الذي يمثله إبراهيم الجعفري في مجلس الحكم ومحمد سعيد الحكيم؛ إلا أنهم مجمعون على عدم مقاومة الاحتلال بل على التعاون معه، سوى بعض المناوشات الكلامية من مقتدى الصدر والتي خبت في الآونة الأخيرة. وهناك دعوة من أحد علماء الشيعة في بعقوبة بالذات إلى مقاومة المحتل عسكرياً وهو مهدي الخالصي إلا أنه ليس له أتباع كُثر، وهو بالمناسبة من دعاة التقريب، ولكن الصفة الغالبة على الشيعة التعاون مع الاحتلال. يقول القومندان ريك هال من الكتيبة الأولى في الفيلق التابع للمارينز لوكالة الأنباء الفرنسية في ١/٥/١٤٢٤هـ: «كان بودي القول إن الأمور على ما يرام في النجف بفضل جهودنا غير أن ذلك ليس صحيحاً، وإذا كانت المدينة هادئة جداً فذلك بفضل آية الله السيستاني» ثم قال عنه: «وهو يتحدث مع الناس ويحثهم على التعاون مع التحالف» [٦] وعندما دعا صدام حسين السيستاني والحوزة الشيعية إلى الجهاد ضد الاحتلال تهافت الجميع على إنكار ذلك ورفضه ومنهم السيستاني. وقال مقتدى الصدر في ١٠/٩/١٤٢٤هـ: «إن خيارنا هو إدارة صراع سلمي وقانوني وشعبي من أجل جدولة الاحتلال واختيار حكومة وطنية نابعة من الشعب» [٧] . وقال في خطاب له ٨/٩/١٤٢٤هـ: «إلى من هم في وطننا موجودون، إلى من قد حلوا في منزلنا الكبير ضيوفاً، إلى محبي السلام كما نحن محبون له، إلى الشعب الأمريكي سلامي، فهو إلى السلام محب، وشكري له؛ فهو لنا في التظاهرات السلمية مؤازر، وحبي فأنا لهدايته قاصد ولاتحاد الشعبين رائد، فليكن هذا الشعب المبارك اجتماعاً لنا في محافل السلم والسلام» ثم قال: «إن الشعب العراقي لا يريد إلا خيراً بالأمريكيين؛ فليس عدو العراق إلا صدام وأتباعه وهم شرذمة قليلون، ونحن منهم براء إلى يوم يبعثون!!» [٨] . أما المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي كان يرأسه محمد باقر الحكيم ثم أخوه عبد العزيز فلا يخفى تعاونه مع الاحتلال على أحد، بل وصل إلى إرشاده إلى أماكن تخزين الأسلحة والذخائر ونحو ذلك [٩] . بل كان محمد باقر الحكيم يسمي أعمال المقاومة أعمال عنف [١٠] وأنها تخريب للبلاد [١١] ، بل حتى حسن نصر الله زعيم حزب الله الشيعي في لبنان اعتبر المتعاونين مع الاحتلال من الشيعة مجتهدين! ولذلك كتب الناشط الإسلامي ليث شبيلات في صحيفة لبنانية وتساءل: «هل الخيانة في العراق مجرد اجتهاد» وقال: «من غير المعقول أن نسمع منكم موقفاً يعتبر موقف الخونة المتعاملين مع الأمريكيين في العراق مجرد اجتهاد» [١٢] . ووصف مواقف بعض رموز الشيعة بأنها «دنيئة لاعتبارها المقاومة العراقية البطلة مجرد أعمال إرهابية تقوم بها فلول البعثيين ضد المحررين الأمريكان» . كما اعتبر أن النظام الحالي في إيران «يقتل الثورة الإسلامية» وانتقد ترحيب إيران بمجلس الحكم العراقي ذي الأغلبية الشيعية قائلاً: «إنني والملايين من أبناء الأمة يعتقدون أن الاعتراف بالشاه أهون بدرجات من الاعتراف بخونة العراق» [١٣] . بعد اغتيال محمد باقر الحكيم بادر الشيعة إلى اتهام السنة والوهابيين بالضلوع باغتياله مباشرة. ورد الدكتور عبد السلام الكبيسي الناطق باسم علماء المسلمين السنة في العراق داحضاً ذلك متهماً التيار المتشدد في إيران بقيادة مرشد الثورة علي خامنئي بالتدخل في الشؤون العراقية عبر تحريض مقتدى الصدر ضد السنة، وكان قد صرح بتهديدات للسنة علنية. وقال أيضاً: «حافظنا على الحد الأدنى من التنسيق مع مقتدى الصدر لكنه تغير بعد ذهابه إلى إيران واجتماعه بخامنئي» [١٤] . وسأتعرض لاحقاً إلى كلام الغربيين أنفسهم في التحالف مع الشيعة وعن سبب ذلك. أما إيران وهي لاعب أساسي في العراق؛ فمن العجيب والمثير للغرابة أنها أحد محاور الشر في نظر أمريكا، ومع ذلك فإنه لا يُسمح لجميع الدول المحيطة بالعراق أن تتدخل في الشؤون العراقية الداخلية سواها، حتى تركيا وهي أحد أعضاء حلف الناتو! بل حتى مجلس الحكم الانتقالي لا يُخفي إرادته توثيق العلاقات مع إيران، وكان من العجيب أن يصرح عبد العزيز الحكيم الرئيس السابق للمجلس ملزماً البلد بديون جديدة على العراق لصالح إيران بأنه يجب إدراجها ضمن الديون؛ بينما نرى المجلس يهاجم دول الجوار بتصدير المقاتلين أو بحشد الجنود على الحدود ونحو ذلك. ومن الغريب أيضاً أن تُدخِل أمريكا محمد باقر الحكيم الذي اتخذ من إيران (عدو أمريكا) مقراً له في معارضته للعراق، وهو يحمل الفكر الإيراني الشيعي نفسه وهو أيضاً ربيب للنظام الإيراني وجميع أسلحته منه؛ ثم يُسمح له بالدخول باتفاق سري أشارت إليه عدة صحف منها صحيفة (لوكانار انشينيه) الفرنسية عُقد في جنيف. وقالت الصحيفة إن سيناريو عودة الحكيم إلى العراق خضع لبرنامج تم وضعه بدقة في لقاء جنيف؛ حيث تعهدت إدارة بوش بتأمين سلامة عودة الحكيم [١٥] . بينما نجد أن اللاجئين العراقيين في السعودية لا يُسمح لهم بالدخول إلى العراق إلا على شكل دفعات مقطعة، وينتظرون على الحدود الأيام الطويلة للدخول. وكذلك الشيخ أحمد الكبيسي الذي أُخرج من العراق فوراً بعد خطبة واحدة فقط (هل لأنه سني؟) ! مع أن الحكيم يرأس جيشاً يسمى فيلق بدر، وقد دخل هذا الجيش إلى العراق وهدد الحكيم أتباعه إذا لم يدخلوا العراق بقطع رواتبهم [١٦] . وبعد اغتيال محمد باقر الحكيم أشاد بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الأمريكي وهو أحد صقور البنتاجون المتشددين بمناقبه ووصفه بالوطني الحقيقي وبمصدر إلهام لأتباع الديانات المختلفة [١٧] . وللعلم فإنه يوجد مكتب للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية كفرع تمثيلي بواشنطن. أما ما يتعلق بالمحادثات السرية بين إيران وأمريكا فلم تعد سرية، بل أصبحت شبه علنية قبل حرب العراق. فقد صرح وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي بوجود اتصالات مع الولايات المتحدة حول العراق في أثناء زيارته الأخيرة للمنامة في شهر مايو الأخير. وقال: «كانت لنا اتصالات مع الأمريكيين بعد سقوط النظام العراقي؛ وتباحثنا حول مستقبل العراق» [١٨] . وأكدت ذلك صحيفة (يو إس إيه توداي) الأمريكية نقلاً عن مصادر دبلوماسية إيرانية [١٩] . وكان وزير الخارجية الأمريكي باول صرّح في (إسرائيل) أن واشنطن تُجري اتصالات مع إيران بشأن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني والتطورات في العراق. وأكدت ذلك مستشارة الأمن القومي الأمريكية كونداليزا رايس بأن هناك محادثات تجري بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تتركز حول أمور عملية، تتعلق بالعراق وأفغانستان [٢٠] . وقد أشارت عدة وكالات للأنباء إلى ذلك أتركها للاختصار، بل حتى مستقبل أفغانستان أُجريت اتصالات مع إيران لأجله، وهناك أنباء عن لقاءات مع مسؤولين إسرائيليين في أثينا اليونانية تحدثت عنها مصادر إسرائيلية رسمية في إسرائيل [٢١] . وكانت إيران قد اعترفت بمجلس الحكم الانتقالي واعتبرته قادراً على تسيير شؤون البلاد، جاء ذلك في بيان رسمي نقلته وكالة الأنباء الطلابية الإيرانية عقب استقبال خاتمي في طهران لرئيس المجلس آنذاك جلال طالباني وسبعة وزراء وأحد عشر عضواً في المجلس! [٢٢] . بل قال خاتمي قبل ذلك بكثير (٣/٥/١٤٢٤هـ) وكأنك تستمع إلى مسؤول أمريكي يصف أعداءه المقاومين العراقيين: إن بقايا النظام السابق مع بعض المجموعات المتطرفة تقف وراء المشاكل التي تحصل في العراق! وأضاف: إن الشيعة العراقيين يتصرفون بشكلٍ عقلاني [٢٣] . وكان هذا التنسيق أو اللقاءات بين الإيرانيين والأمريكان قد أغضب سوريا وكان من أسباب إلغاء زيارة الرئيس السوري بشار الأسد لإيران قبل الحرب الأخيرة بأشهر. وغضبت أيضاً لما زار وفد رفيع المستوى من الخارجية الإيرانية للعراق وعقد مباحثات مع كبار أعضاء مجلس الحكم كما ذكرت صحيفة الجمهورية ذلك. واعتبروه خرقاً لما اتفق عليه البلدان من ضرورة التنسيق والتشاور حول القضايا الإقليمية خاصة العراق [٢٤] . ومما يشير إلى وجود شيء ما بين إيران والولايات المتحدة ما جاء في خطاب بوش في سبتمبر ٢٠٠٢م أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل الحرب حيث قال: «العراق لا يزال يخرق قرار مجلس الأمن رقم ١٣٧٣ من خلال تقديم المأوى والدعم للمنظمات الإرهابية التي تمارس العنف المباشر ضد إيران» . يشير إلى حركة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة في العراق التي كان لها مكتب تمثيلي في أمريكا أُغلق بعد احتلال العراق. ثم قال: «العراق غزا إيران عام ١٩٨٠م» [٢٥] وهذه أول مرة تؤيد فيها واشنطن وجهة النظر الإيرانية. وسعت إيران للدخول في إعادة إعمار العراق، وسمحت لشركاتها بالتعامل مع الشركات الأمريكية في العراق. صرح بذلك رئيس غرفة التجارة علي ناغي كموشي [٢٦] . ووافقت على تزويد العراق بمنتجات بترولية [٢٧] . وقال ممثل بريطانيا السابق في العراق جون سوورز في طهران في حديث للصحفيين: «إن لإيران دوراً تلعبه في مستقبل العراق بصفتها جارة لها اهتمام بما يجري في العراق، ونحن في التحالف نريد أن تستخدم إيران نفوذها للمساعدة على إرساء الاستقرار والديموقراطية!» [٢٨] . وكان من العجيب أن أمريكا قد أغلقت مكتب مجاهدي خلق في أمريكا، واعتقلت أتباع هذه المنظمة في العراق، وأُغلق أيضاً مكتبها في باريس واعتقلت زعيمته فجأة، بل وقصفت مواقعه في العراق كما ذكرت نيويورك تايمز نقلاً عن مسؤولين أمريكيين [٢٩] . أتى ذلك بعد أن صرحت الجماعة أنها توصلت إلى اتفاق مع الأمريكان بالاحتفاظ بمواقعهم وأسلحتهم، وقد أكد مسؤولون أمريكان هذا الأمر [٣٠] . وهذه الجماعة كانت تقدم لأمريكا معلومات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وبسبب هذه المعلومات أصدر ١٥٠ عضواً في الكونغرس بيان تأييد لها [٣١] ، ولكن ذلك لم يشفع لها. كل هذا لا يمكن أن يحصل لولا أن هناك اتفاقاً بين الولايات المتحدة وإيران. ومع كل هذا التعاون من هذه الجماعة فإنها قد حُظرت؛ بينما نجد أن فيلق بدر يدخل العراق، ونسمع عن نية مقتدى الصدر التي صرح بها علناً بتشكيل جيش المهدي المنتظر عند الشيعة بل وحكومة ظل يرأسها هو عاصمتها النجف!! والأشد والأعظم والأخطر ما صرح به عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الشيعي ورئيس المجلس الانتقالي من اقتراحه تشكيل ميليشيات مسلحة مكونة من الشيعة والأكراد فقط دون السنة لمواجهة المقاومة السنية!! يأتي هذا محاولة منهم عدم تفويت الفرصة عليهم في الاستفراد بالحكم والأغلبية في الحكومة المكونة من قِبَل الأمريكان؛ حيث أطلقت الدعوات لإدخال السنة بشكل أكبر في العملية السياسية التي سبقت الإشارة إليها. وهنا أحب أن أُذكّر بما سبق وهو النظر إلى الاختلاف الإيديولوجي أو العقدي وكيفية الاستفادة منه في العمل السياسي؛ فنحن كلنا لا نرغب أن يثار نزاع آخر بيننا وبين الشيعة، ولكن هناك أمر واقع يجب أن ننظر إليه ونصفه كما هو، ثم يأتي بعد ذلك التوجيه السياسي حسب الظروف والأحوال. وتأكيداً لهذا الأمر أنقل كلام بن جوريون عام ١٩٥٤م حيث يقول: «إننا نعيش في محيط سني؛ ولذلك على إسرائيل أن تتعاون، بل وتجند الأقليات العرقية والمذهبية في المنطقة المحيطة لخدمة المصالح الإسرائيلية» . المعنى نفسه تردد على لسان المعلق العسكري في الكيان الصهيوني عشية الغزو الصهيوني للبنان: «مصلحة إسرائيل تتطلب تجزئة العراق إلى دولة شيعية وأخرى سنية، وفصل الجزء الكردي في شمال العراق» [٣٢] . ويقول آرييل شارون في مذكراته: «توسعنا في كلامنا عن علاقات المسيحيين بسائر الطوائف الأخرى لا سيما الشيعة والدروز، شخصياً طلبت منهم توثيق الروابط مع هاتين الأقليتين، حتى إنني اقترحت إعطاء قسم من الأسلحة التي منحتها إسرائيل ولو كبادرة رمزية إلى الشيعة الذين يعانون هم أيضاً مشاكل خطيرة مع منظمة التحرير الفلسطينية، ومن دون الدخول في أي تفاصيل لم أرَ يوماً في الشيعة أعداء لإسرائيل على المدى البعيد» [٣٣] . وهذا في نظري ليس حباً في الشيعة بلا شك، ولكن المصالح هكذا، حيث توزع القوى في المنطقة بين عدة طوائف غير متفقة المصالح، فيؤدي ذلك إلى إضعاف الجميع. وكتب توماس فريدمان الصهيوني المتعصب مقالاً في عموده الشهير بالنيويورك تايمز يدعو فيه أمريكا قبل الحرب بعام إلى التحالف مع إيران بدلاً من السعودية وباكستان، وسوَّغ ذلك بعدة أسباب، منها مساعدة إيران لأمريكا في إسقاط طالبان، وفي تشكيل الحكومة الانتقالية بكابل، وعدم وجود أي إيراني في القاعدة [٣٤] . وكتبت صحيفة معاريف الإسرائيلية أن الولايات المتحدة تسعى لتحسين علاقتها مع الشيعة في العالم الإسلامي [٣٥] . * توقعات المستقبل: لما كان تصور السيناريوهات معتمداً على معرفة الجاري في العراق فقد أطلت بعض الشيء في الموضوع السابق. وقبل أن أتحدث عن السيناريوهات، أحب أن أشير إلى أن استقرار الوضع في العراق فقد للاحتلال أشبه بالكارثة على الأمة الإسلامية والعربية؛ فقد بدأ مسلسل فرض الإملاءات الأمريكية على الدول الإسلامية منذ سقوط بغداد، بل هُددت دول بتكرار نفس التجربة، وصرحوا بذلك أكثر من مرة. بل كانت هناك دراسات ومشاورات على تغيير خارطة الشرق الأوسط بأكمله، إلا أن هذه التهديدات خفَّت بعد تزايد المقاومة العراقية مما جعلهم يتراجعون بعض الشيء، والكلام في هذا الموضوع كثير. وأيضاً في المقابل الولايات المتحدة لا يمكن أن ترضى بالهزيمة بسهولة أبداً، بل هم يعتبرون هذه الحرب حرباً رئيسة في فرض الهيمنة الأمريكية والغربية على الشرق الأوسط. والأشد عليهم أنهم مقتنعون تماماً بأن هزيمة أمريكا هنا ستؤدي في نظرهم إلى تشجيع الإرهاب ونزعات التحرر لدى المسلمين. ولذلك قال بوش في كلمة أمام المجلس الوطني لتنمية الديموقراطية مشدداً على «أن إخفاق الديموقراطية في العراق سيشجع الإرهاب في العالم ويشكل تهديداً للأمريكيين» [٣٦] . هذا الكلام وإن كان فيه انهزام نفسي من قِبَل بوش إلا أنه يؤكد أنهم مدركون تماماً أن الحرب في العراق أصبحت مصيرية؛ فبعد ضربات المقاومة الموجعة أصبحت تشكل هاجساً للأمريكان وكابوساً مفجعاً لهم. وقد وصل الأمر إلى أن رامسفيلد الرجل المغرور في كل خطاباته قدم مذكرة عن نتائج الحرب ضد الإرهاب كان لها صدى في الولايات المتحدة، أقر فيها «بأن أمريكا تجد صعوبة في تقييم التقدم الذي تم إحرازه في الحرب على الإرهاب، ودعا للاستعداد للبقاء في أفغانستان والعراق لوقت طويل» . وتساءل: «هل نحن سائرون إلى النصر أم الهزيمة في الحرب على الإرهاب؟ هل يمكن وصف وضعنا الحالي بأنه كلما عملنا بكدّ تراجعنا أكثر إلى الوراء؟» ذاكراً تكلفة الحرب الباهظة في العراق [٣٧] . وأكد رئيس وزراء بريطانيا توني بلير «أن ما يحصل اليوم في العراق سيحدد العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب» . وقال: «هذه هي المعركة الأساسية في بداية القرن الحادي والعشرين» وأوضح أنه إذا خسر من وصفهم بالمتزمتين معركتهم في العراق فإنهم سيخسرون قدرتهم على جعل العالم الإسلامي ضحية وعلى أن يجعلوا من أنفسهم أبطالاً « [٣٨] . وتحدث وزير خارجية أمريكا الأسبق هنري كيسنجر محذراً من مغبة إخفاق أمريكا في العراق معتبراً أن ذلك سيبدو تراجعاً للغرب ككل على الصعيد العالمي. وأضاف:» نحن الآن في نقطة سيكون الإخفاق في العراق كارثة للغرب كله «. وأكد على ضرورة التعاون بين أوروبا وأمريكا [٣٩] . وقد أُطلقت دعوات ونُذر في العالم الغربي أجمع حتى في فرنسا وروسيا اللتين عارضتا الحرب، وكذا الاتحاد الأوروبي، بل حتى من الفاتيكان!! .. وكنت أود أن أنقل بعضاً منها لأهميتها ولكن للاختصار أتركها. * ماذا يمكن أن يحدث مستقبلاً؟ : سأحاول أن أذكر السيناريوهات المحتملة، وأناقش كل احتمال على حدة، حيث إن الجزم بسيناريو واحد خطأ في التحليل السياسي للمستقبل. السيناريو الأول: إخماد المقاومة ونجاح الاحتلال في العراق: وهذا من أسوأ ما يكون لو وقع، وربما يكون أقل ما سيحدث عندئذٍ هو تقسيم العراق إلى ثلاث دول أو فصله عن محيطه العربي السني. كتب ليسلي غيلب رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي في مقال له في نيويورك تايمز يقول:» إن الاستراتيجية الوحيدة الأمريكية في العراق القابلة للحياة هي تصحيح الخلل التاريخي والتحرك على مراحل نحو حل الدول الثلاث: الأكراد في الشمال، والسنة في الوسط، والشيعة في الجنوب «. ويقول:» الفكرة العامة هي في تقوية الشيعة والأكراد وإضعاف السنة، ومن ثم الانتظار لمعرفة ما إذا كان سيتم التوقف عند الحكم الذاتي أو تشجيع تكوين دولة يجب أن تكون الخطوة الأولى جَعْل الشمال والجنوب منطقتين تتمتعان بالحكم الذاتي مع حدود مرسومة بشكل يتوافق قدر المستطاع مع الخطوط العرقية، أعطوا مليارات الدولارات التي صوت عليها الكونغرس لإعادة الإعمار كلها إلى الشيعة والأكراد «. وقال:» يمكن لها (أمريكا) أن تساعد في تسليح وتدريب الأكراد والشيعة في حال طُلب منها ذلك « [٤٠] . وهذا السيناريو له شقان: الأول إخماد المقاومة وهذا ليس سهلاً أن يقع بسرعة إلا أن تتغير الظروف والأساليب المتبعة حالياً ونسأل الله ألا يقع. والشق الآخر وهو التقسيم؛ فهذا وارد إذا استمر تحالف الشيعة والأكراد مع الاحتلال ولو بشكل تدريجي. وقد يُستبعد هذا الأمر نظراً لمعارضة الشيعة له ولو ظاهراً؛ وذلك لأنهم يطمعون في حكم العراق كله لا أن يتقوقعوا في الجنوب فقط، إلا أن هذا الأمر مطروح على الطاولة ولا بد من ذكره. وعلى كل حال فإن لم يُفكَّر بالتقسيم فقد يفكر بالحيل الأخرى التي لا تقل خطورة عن ذلك. السيناريو الثاني: الدعم المطلق للشيعة والأكراد: وذلك بإشعال حرب طائفية عرقية مع السنة، وقد بدت أمارات لذلك خاصة مع دعوة الحكيم لتشكيل ميليشيات شيعية كردية فقط لضرب المقاومة، وقد سارعت أمريكا للترحيب بهذه الدعوة مباشرة من وزارة الدفاع [٤١] . ثم أعلن بريمر بعد ذلك رفضه لهذه الفكرة معتبراً ذلك متعارضاً مع مفهوم السيادة الوطنية [٤٢] . ثم بعد ذلك أعلنوا أنها ستشكل، ولكن ستكون تحت قيادة أمريكية!! والله أعلم بما يدار هناك، ولكن أقول والله أعلم: إن اعتماد هذا النهج علناً صعب جداً، إلا في حالة اقتناع واشنطن أنها لن تحقق شيئاً بمفردها، وأصبح الأمر المطروح هو خروجها من العراق؛ فهي قد تلجأ إليه في حالة اليأس فقط، أو على الأقل إثارته بشكل محدود غير واسع لتحقيق بعض الأهداف الصغيرة. السيناريو الثالث: محاولة تكثيف الحلفاء للأمريكان مع تقديم تنازلات جديدة داخلياً وخارجياً: وهذا أمر مطروح بقوة؛ فقد سبق ذكر محاولة إشراك السنة لتهدئتهم، وكذلك خارجياً ما تحاوله أمريكا من استقطاب لحلف الناتو وفرنسا وألمانيا، بعد أن وصل الأمر عندما سقطت بغداد وكانت أمريكا في نشوتها تسعى إلى تغيير ميزان القوى في العالم وتغيير نظام الأمم المتحدة وسحب حق الفيتو من الدول التي عارضت أمريكا، وبناء جديد للأمم المتحدة على أساس التحالف الذي قام مع أمريكا في حرب العراق. بينما نجد الآن أن أمريكا تستدرج حلف الناتو والدول الأوروبية لمشاركتها في العراق، بل يصل الأمر إلى تسليم العراق للأمم المتحدة لإدارته وجعل المعركة في العراق بين المقاومة والعالم؛ وهذا بالطبع لا تريده أمريكا؛ لأنه يفوت عليها بعض أهدافها في فرض الهيمنة، ولكن قد تلجأ إليه عند يأسها من هزيمة المقاومة. وهذا قد يحصل - أي إشراك للأمم المتحدة - عند وقوع أحد أمرين: تنامي المقاومة وضخامة ضرباتها، أو عند هروب الحلفاء وتناقصهم. وهذا الأمر إذا وقع فإنه سيكون مشكلة عصيبة للمقاومة حيث ستواجه المعارضة الداخلية والخارجية لها، ولا بد لكي ينجحوا في مقاومتهم أن يعملوا على تقوية موقفهم ورؤيتهم السياسية الضعيفة حالياً، ولا بد أيضاً من إبراز قيادات سياسية قادرة على خوض المعارك السياسية الداخلية والخارجية التي هي شبه معدومة حاليا، نسأل الله أن يسددهم للصواب. السيناريو الرابع: الخروج السريع لأمريكا: ومثل هذا لا يمكن أن يحصل بسهولة إلا أن يحدث شيء غير طبيعي أو غير متوقع. وهذا لا يعوَّل عليه في النظر السياسي. ولكن لو وقع مثل هذا فلا يعني بأي حال من الأحوال تخلي أمريكا عن التدخل في شؤون العراق الداخلية؛ فقد تتدخل بطرق مباشرة أو غير مباشرة. وملخص ما أردت أن أبينه في هذا المقال أن المقاومة للاحتلال ودعمها هو الخيار الاستراتيجي الذي ليس لنا سواه. ويجب محاولة إقناع جميع دول الجوار والعالم به من غير التحالف طبعاً إذ إن استقرار الاحتلال في العراق تهديد للأمن القومي العربي والإسلامي وللدول الكبرى التي تريد أمريكا تركيعها. ويجب التنبيه إلى أن ثمة هدفين منفصلين في العراق: الأول: هزيمة أمريكا بأي شكل من الأشكال؛ لأن ذلك يخفف من غرورها وجشعها وتدخلها المتزايد في العالم الإسلامي. والثاني: هو إقامة دولة إسلامية تحكِّم شرع الله وتحقق العدل والأمان للشعب العراقي المسلم. وأما ما يخص أمريكا وحلفاءها فإن المقاومة إذا استمرت واشتعلت أكثر فإن تراجع أمريكا لن يكون دفعة واحدة، بل سيكون بالتدريج، ولا بد لكل درجة من طريقة خاصة في التعامل معها من قِبَل المقاومة كي تنجح: فأولاً: ستخفف من مركزيتها، وستعطي الحلفاء دوراً أكبر في الشؤون العراقية، وقد تعزز مجلس الحكم. ثانياً: إذا لم تنجح بهذا فقد تسلِّم العراق للأمم المتحدة؛ وهذا يمهد الطريق لتشكيل قوة دولية لبسط الاستقرار في العراق. وثالثاً: إذا لم تنجح كل هذه المحاولات فقد تلجأ إلى إحياء حرب طائفية عراقية تحرق الأخضر واليابس لا سمح الله. وعلى كل حال فلن تقبل أمريكا الهزيمة أبداً خاصة مع قرب العراق من حدود (دولة الصهاينة) طفل أمريكا المدلل، ولن يقبل ذلك الغرب كله؛ وخاصة مع بقاء هذه الحكومة الأمريكية الأصولية في سدة الحكم، ومع تحقيق بعض النجاحات في السياسة الأمريكية في العراق كاعتقال صدام حسين أخيراً، وبعد تراجع القذافي الأخير المثير للاشمئزاز وهو لا يقل خطورة في نظري عن إخماد المقاومة في العراق فقد تستمر هذه الحكومة وتحقق مكسباً كبيراً في الانتخابات القادمة. أسأل الله العلي القدير أن ينصر دينه وكتابه ونبيه وعباده الموحدين.. آمين..

стр. 4819

المسلمون والعالم ملامح المرحلة الاستراتيجية الجديدة في السودان طلعت رميح أنباء «إنجازات» المفاوضات بين الحكومة السودانية وحركة التمرد.. ومترتبات هذه الاتفاقات من تغييرات على صعيد الأوضاع الداخلية حضارياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وعلى مستوى هيكل وفلسفة الدولة السودانية، أصبحت تطرح التساؤل عن مستقبل السودان، كما يثير التساؤل أيضاً إعلان حزب المؤتمر الشعبي رفضه لنتائج تلك المفاوضات حتى قبل الوصول إلى اتفاقات نهائية، وهو ما يترتب عليه انقسام كبير في الحركة السياسية في الشمال عموماً والإسلامية خصوصاً، وكذلك تصاعد الأحداث في دارفور، بعد سكون الصراع المسلح في الجنوب والشرق، كل ذلك يثير التساؤلات، كما تثيرها تلك الاتصالات الرسمية الأمريكية السودانية التي كان آخرها اتصالان: أحدهما من الرئيس بوش، والثاني من كولن باول وزير الخارجية الأمريكي، مع الرئيس السوداني ثم تطورات ونتائج اجتماعات محور (اليمن - إثيوبيا - السودان) التي انتهت قمته الأخيرة على مستوى الرؤساء بهجوم سياسي «كاسح» على الرئيس الأريتري أسياسي أفورقي وكذلك التطورات في العلاقات المصرية السودانية التي تتسارع إلى مستوى أعلى مما كانت عليه من قبل تصاعد الخلافات والقطيعة على مستوى السياسة والاقتصاد.. هذه كلها عناوين عامة رئيسية متكاثرة خلال المرحلة الأخيرة من أزمة السودان باتت تجعل التساؤل ملحا: هل دخل السودان مرحلة استراتيجية جديدة على كافة الأصعدة؟ ثمة مؤشرات متعددة على ذلك. فمن ناحية هناك مؤشرات على تغيير في استراتيجية حكم الإنقاذ.. فبديلاً لشعارات الاستقلال السياسي والحضاري.. والحرب الجهادية في الجنوب، والإصرار على إنهاء التمرد بالقوة المسلحة والارتباط بالحركات الإسلامية الذي شهد تاسيس المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي بقيادة الدكتور الترابي ليكون شكلاً منظماً للعلاقات بين الحركات السياسية والمقاومة والجهادية.. وغيره من الشعارات التي رفعتها ثورة الإنقاذ بعد وصولها للسلطة في عام ١٩٨٩م.. صارت هناك شعارات جديدة حول توزيع الثروة والسلطة، وجيشين وبنكين، للشمال والجنوب ووقف نزيف الدم في الجنوب، واعتبار السلام خياراً استراتيجياً، كما انتهت الأمور إلى القبول بإشراف الولايات المتحدة على المفاوضات مع التمرد وسط حديث رسمي متكاثر ومتواتر حول الحملة الدولية لـ «مكافحة الإرهاب» ومن ناحية أخرى وفي المقابل أي في جانب التمرد، ثمة مؤشرات حول تغيير في استراتيجية حركة التمرد «لتحرير السودان» تحرير السودان وليس تحرير الجنوب من الصراع العسكري وبناء دولة علمانية في السودان وطرد العرب «الجلابة» حسب أوصاف جارانج من الجنوب، والتحلص من الاستعمار العربي.. إلى المشاركة في حكم السودان وتقاسم السلطة والثروة مع الشماليين أو المشاركة في الحكم المركزي.. وقيام وفد من حركة التمرد بزيارة الخرطوم.. إلخ. هذه التطورات والتغييرات على جانبي طرفي الصراع أو في استراتيجيتي طرفي الصراع باتت معلنة وفي تعزيز وتأكيد مستمر؛ مما يطرح التساؤل مرة أخرى: هل نشهد سوداناً جديداً مختلفاً حتى عما كان قبل ثورة الإنقاذ من جراء تراجع طرفي الصراع كل منهما عن استراتيجيته؟ وما هي ملامح هذا السودان الجديد أو المختلف؟ وهل تتشكل في داخله تحالفات بين قوى سياسية ترفض الاتفاقات ضد كل من الحكم الراهن وحركة جارانج في المرحلة المقبلة بعد اتفاقهما؟ أم أن ما نراه ليس سوى مرحلة مؤقتة تسير فيها الأوضاع نحو الانفصال السلمي للجنوب لا أكثر ولا أقل.. أي أن ما جرى ويجري لن ينتج عنه في النهاية سوى تجهيز الأرض إلى مرحلة تقسيم السودان..؟! * استراتيجيتا الصراع ومراحلهما: قبل وصول الإنقاذ إلى السلطة كانت الدولة السودانية قد شارفت على الانهيار تحت ضربات التمرد في الجنوب، الذي كان قد وصل إلى مرحلة من القوة العسكرية باتت تهدد العاصمة السودانية ذاتها إضافة إلى وجود أعداد كبيرة من مواطني الجنوب داخل العاصمة وهو ما دعا قيادة الجيش السوداني إلى توجيه إنذارات إلى قيادة الحكم وقتها.. وبعد وصول الإنقاذ للسلطة اعتمد الحكم الجديد استراتيجية جديدة تقوم على استعادة الهوية الإسلامية للسودان.. فقام بتعبئة الجهود في مواجهة تمرد الجنوب انطلاقاً من شعارات جهادية.. كما طرح قبولاً بالحكم الفيدرالي للسودان، وشكلت على هذا الأساس حكومة مركزية وحكومات في الأقاليم (الولايات) المختلفة بناء على نتائج وتوصيات عدة مؤتمرات وطنية لقادة شماليين وجنوبيين انتهت إلى وضع تصور جديد للحكم في السودان.. وفي الوقت نفسه نشط الحكم في محاولاته لتفكيك قوى التمرد من خلال عقد اتفاقات مع بعض القوى المنشقه على «الحركة الشعبية لتحرير السودان» أهمها الاتفاق الموقع بين حكومة الإنقاذ بقيادة الرئيس البشير ونحو ٦ فصائل سودانية عام ١٩٩٦م أبرزهم فصيل جناح الناصر بقيادة رياك مشار كان ضمن مقرراته القبول بحق تقرير المصير خلال ٤ سنوات. وقد حقق الحكم خلال تلك المرحلة العديد من الإنجازات سواء على مستوى بناء أجهزة الدولة السودانية، أو على مستوى أسلمة فلسفة الحكم والمجتمع.. كما مد الحكم يد التعاون إلى الحركات الإسلامية خارج السودان من خلال المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي الذي عقد عدة دورات شارك فيها ممثلو الحركات الجهادية والمقاومة السياسية.. وحقق الحكم إنجازات هامة على المستوى العسكري؛ إذ تمكنت القوات المسلحة السودانية من دحر قوات التمرد ودفعها للتقهقر وحصرها في جيوب ضيقة في الجنوب اقتصرت تقريباً على منطقة توريت في أقصى الجنوب. كانت علاقات السودان مع دول المحيط في بداية هذه المرحلة علاقات متميزة وخاصة العلاقات مع مصر.. كما ساهمت بعض المتغيرات الإقليمية في إضعاف حركة التمرد خاصة أحداث انهيار نظام منجستو في أديس أبابا، والصراع الداخلي الذي نتج عنه تدهور أوضاع التمرد عسكرياً ولوجستياً. وقد كان نظام منجستو هو أبرز الحلفاء والداعمين للتمرد.. غير أن هذه المرحلة ورغم ما تحقق فيها من إنجازات انتهت إلى نتائج مختلفة في أوضاع المحيط الإقليمي للسودان. وعلى صعيد الأوضاع الداخلية سرعان ما غيرت المعادلات التي تحققت فيها هذه الإنجازات. على صعيد العلاقات السودانية مع المحيط العربي والإقليمي فقد تدهورت على نحو حاد علاقات السودان مع كل من مصر وأوغندا وإثيوبيا وإريتريا، وعلى صعيد الأوضاع الداخلية تمكن التمرد من عقد تحالف مع أحزاب الاتحادي الديموقراطي والأمة وغيرهما تحت مسمى: التجمع الوطني الديموقراطي.. ونتيجة للحصار الخارجي المتصاعد والعزلة الداخلية المشددة.. تدهورت الأوضاع داخل الحكم نفسه ووقع الانقسام داخل نواة الحركة الإسلامية؛ حيث تم إقصاء الدكتور الترابي من موقعه كرئيس لمجلس الشعب السوداني؛ كما حدث انقسام داخل الحزب الحاكم الذي انقسم إلى حزبين.. فتداخلت كل هذه العوامل لتهيئ وضعاً جديداً تصاعدت فيه قوة حركة التمرد، وتراجعت فيها قوة الدولة السودانية ... كان الحكم معزولاً في الداخل ومختلفاً عليه بين أهل الشمال، ومنقسماً على نفسه. وصار في الخارج معزولاً بصفة كاملة في المحيط الإقليمي، فتمكن التمرد من كسب مساحات سياسية في المحيط الجغرافي وفيما بين القوى السياسية الشمالية ... وتواصل الصراع بين استراتيجيتي الحكومة والتمرد إلى أن عادت التطورات للتشابك والتفاعل من جديد.. لتصل بجميع الأطراف إلى طاولة التفاوض.. لنصل إلى التطورات والنتائج التي وصلنا إليها اليوم. * ضرورات قهرية للتفاوض: قبل بدء المفاوضات كانت الأوضاع بالنسبة لطرفي التفاوض ترسمها عدة ملامح، أصبحت تمثل في مجموعها وضعاً قهرياً على جميع الأطراف دفعها للتفاوض، أو لنقل إن هذه الظروف جعلت التفاوض هو الحل الوحيد أمام جميع الأطراف الدولية والإقليمية إضافة للأطراف المباشرة في الصراع بطبيعة الحال والتي يمكن رصدها في التالي: الملمح الأول: متعلق بالأطراف الدولية؛ حيث كانت الولايات المتحدة وبريطانيا قد عقدتا تحالفهما لإحياء ظاهرة الاستعمار القديم من جديد؛ خاصة في المناطق العربية والإسلامية التي تمثل الحلقة الأضعف في الوضع الدولي الراهن.. والذي استهدف ضمن ما استهدف السيطرة على مصادر النفط.. وإذا كانت العراق هي الدولة المرشحة أولاً للعدوان العسكري والاحتلال والاستيلاء على بترولها، فإن السودان كانت بدورها هي الحلقة الأضعف التالية، والتي كانت جاهزة للتدخل في شؤونها دون عناء الاحتلال والتدخل العسكري والحرب المباشرة في تلك المرحلة لوجود قوة التمرد المرتبطة بالمشروع الغربي والتي تحمل السلاح كما أنها الدولة الأكثر تأهلاً لنشر المسيحية في الجنوب، أو هي الدولة الأكثر نموذجية لممارسة حرب الحضارات والتفكيك الداخلي لدولة إسلامية.. وهذه أولويات بالنسبة لليمين الجديد المسيطر للولايات المتحدة. والملمح الثاني: يتعلق بالأطراف على الصعيد الإقليمي. وإذا بدأنا بمصر وليبيا فقد كانت الدولتان قد بدأتا التعاطي بإيجابية مع خطوة الحكم في السودان بالإطاحة بالدكتور الترابي ومن معه، فعملتا بسرعة على حماية النظام ودعمه، وطرحتا المبادرة المصرية التي أدخلت البلدين على خط استعادة القوى الشمالية التي انضمت إلى تمرد الجنوب ضمن التجمع الوطني الديموقراطي.. ضمن قلق الدولتين من التدخل الأمريكي لدعم تمرد الجنوب، وهو الأمر الذي كان يشي باحتمالات انفصال الجنوب وتفكيك السودان كله.. وهو أمر له تأثيرات خطيرة على الأمن القومي العربي والمصري والليبي بصفه خاصة.. وفي المحيط الإقليمي أيضاً كانت كل من إريتريا وإثيوبيا في حاجة إلى وقت لالتقاط الأنفاس في ضوء وقائع الحرب بينهما.. كانت الدولتان جاهزتين لمفاوضات بين الحكومة السودانية وقوات التمرد في الجنوب. إريتريا لأنها لم تعد قادرة على تطوير خطتها للضغط على السودان من خلال دعم العمل المسلح على الجبهة الشرقية في السودان سواء لإنهاكها في الحرب مع إثيوبيا، أو لأنها أصبحت في حاجة إما إلى تقليل فعالية الضغط السوداني الذي كان متحمساً لتطويق إريتريا بتحالف مع كل من إثيوبيا واليمن، أو لأنها لم تعد قادرة على تطوير مشروعها الأصلي في اقتطاع جزء من شرق السودان المليء بالأرض الزراعية والمياه وكلاهما مفتقد لديها. أما من ناحية إثيوبيا فقد كانت هي الأخرى راغبة في حدوث حالة تفاوضية بين الحكومة السودانية وحركة التمرد، بهدف الاقتراب من الحكومة السودانية من أجل تطويق إريتريا وعزلها في المحيط الإقليمي حيث لا نصير لها في ذلك في المحيط الإقليمي سوى السودان واليمن على الطرف الآخر من البحر الأحمر بعد انهيار الصومال. وعلى صعيد أوغندا فقد كانت بدورها في أمسِّ الحاجة إلى تفاوض بين التمرد والحكم في السودان لتقايض على جيش الرب الناشط من جنوب السودان من خلال المفاوضات استغلالاً لحاجة حكومة السودان إلى موقف أوغندي غير معادٍ أو هي أي أوغندا رأت في التفاوض فرصة لتضمن هدوء حدودها الشمالية على الأقل أو لتصاعد قدرتها على السيطرة عليها إذا ما توقفت العمليات في جنوب السودان وخاصة أن الرئيس الأوغندي يوري موسوفيني كان يخوض معركة انتخابية ضارية. وأما طرفا النزاع المباشرين وهما الحكومة والتمرد فقد كانا بدورهما في أمس الحاجة للحوار والتفاوض.. بغض النظر عن نتائج التفاوض. من ناحية الحكم السوداني فقد كان يعاني من عزلة إقليمية مشددة بسبب خلافاته مع كل دول الجوار، كما كان متعرضاً لأخطر حالة انقسام بين أهل الشمال بعدما انحازت أحزاب الأمة والاتحادي وغيرهما من الأحزاب الشمالية إلى جانب حركة جارانج مشكِّلة معها تحالفاً سياسياً وعسكرياً فيما سمي بالتجمع الوطني الديمقراطي.. كما كان الحكم في السودان يعاني أيضاً من انقسام داخل نواة الحركة الإسلامية التي وصلت للسلطة عبر انقلاب عسكري في يونيو ١٩٨٩م. كان الخلاف الداخلي شديد الوطأة والتأثير على وضع الحكم بالنظر إلى أن الترابي ومن معه كان في جانب، وكان نائبه علي عثمان محمد طه هو والدكتور غازي صلاح الدين والدكتور مصطفى عثمان وأمين حسن عمر وغيرهم قد انحازوا لصف الفريق عمر البشير وهؤلاء هم بالدقة قادة الحكم.. وهو ما جعل الحكم في مواجهة هي الأصعب بعدما انقسمت القيادة إلى شطرين متعارضين متنافسين.. وكان الأخطر في نتائج ذلك هو الضرر الذي لحق بسمعة الحركة الإسلامية في الشارع السوداني وأصاب أهليتها في تولي الحكم إصابة مباشرة، وهو ما أضعف تأثير شعار الجهاد ضد التمرد في الجنوب داخل الشارع السوداني، وهو الشعار الذي جرى تبنيه منذ بدء القتال في الجنوب إثر الاستيلاء على الحكم، وكان ذا تأثير حاسم في الانتصارات التي تحققت ضد التمرد في بداية تولي حكم الإنقاذ وقت أن كانت قوات التمرد تهدد العاصمة السودانية. كانت الأوضاع ضاغطة بشدة على الحكم في السودان في الداخل، وكان الحكم في أمسِّ الحاجة إلى إعادة تأسيس شرعيته من جديد في الداخل أو هو على الأقل بات في حاجة إلى استعادة ثقة الشارع فيه.. وعلى الصعيد العسكري فقد كانت أوضاع الجيش السوداني على جبهات القتال قد أصيبت بالضعف والتشتت بعدما نجحت قوى المعارضة والتمرد في فتح جبهة للصراع العسكري في الشرق من جانب الحدود الإريترية وهو ما ساهم في تشتيت قوة الجيش السوداني وعدم قدرته على حسم المعركة على أي من الجبهتين.. وهنا جاء الضغط الأمريكي والبريطاني والحملة الغربية الشاملة لتجعل من التفاوض أمراً لا مفر منه ولا مهرب.. لكن وعلى الرغم من كل ذلك فإن الحكم في المقابل كان ما يزال ممسكاً ببعض الأوراق، منها أنه كان يتمتع باختراق داخل صفوف حركة التمرد من خلال الاتفاقيات التي عقدها مع الفصائل الجنوبية الستة وأهم عناصرها (رياك مشار) و (كاربينو) ، وإذا كان الأول يتمتع بوضع عسكري وقبلي متميز باعتباره من قبيلة أخرى غير قبيلة الدينكا التي ينحدر منها جارانج؛ فإن كاربينو يمثل رمزية هامة بالنظر إلى أنه واحد من أهم العناصر الجنوبية سمعة وتأثيراً باعتباره أحد كبار المؤسسين لحركة التمرد تاريخياً.. كما كانت الحكومة السودانية قد نجحت في تطوير النشاط الاقتصادي في مجال استخراج البترول وتصديره وهو الأمر الذي حسَّن وضعها التفاوضي دولياً، وحسن من أوضاعها الاقتصادية أيضاً.. وطرح عليها فكرة تهدئة الأوضاع العسكرية لكي تتمكن من زيادة حجم المستخرج من بترولها، وخاصة بعد تهديدات التمرد بالاعتداء على الشركات العاملة في حقول النفط، والاعتداء على طرق تصديره. على الجانب الآخر المشارك في المفاوضات، فإن حركة التمرد كانت قد قويت بانضمام الأحزاب الشمالية إليها واتفاقها معها على ميثاق سياسي يقوم على إعطاء التمرد حق تقرير المصير في جنوب السودان وفق ميثاق عام ١٩٩٦م. كما كانت نجحت في عقد اتفاق سياسي مع حزب المؤتمر الشعبي بقيادة د. حسن الترابي بما مثل ضغطاً قوياً على الحكم في السودان، وكذلك كانت الحركة قد نجحت في الدخول على خارطة السياسة الأمريكية كتابع مباشر لها في مواجهتها للحكم في السودان، وكذلك بريطانيا، وفي القلب من كل ذلك كانت قد وطدت أواصر التعاون مع الأعصاب المؤثرة في الكنيسة الغربية، وهو ما حشد قوة ضغط هائلة على الحكم في الشمال، هذا بالإضافة إلى ما أشرنا إليه من فتح جبهة الشرق تحت شرعية من شماليين لتكون المرة الأولى التي يقاتل فيها شمالي إلى جانب التمرد الجنوبي ... ورغم عوامل القوة هذه إلا أن حركة التمرد كانت تعاني بالمقابل من مشكلة خطيرة بسبب الحرب الإريترية الإثيوبية، حيث كانت قوات التمرد تعتمد في الانتقال والحركة والدعم اللوجيستيكي لقواتها في الشرق على الانتقال من جنوب السودان إلى شرقه عبر الأراضي الإريترية الإثيوبية.. فجاءت الحرب الإريترية الإثيوبية لتضعف قدرتها على الحركة بين الجبهتين مما جعل هذه القوات غير قادرة سوى على تثبيت القوات السودانية على هذه الجبهة حتى لا تنتقل للتركيز في جبهة الجنوب، دون أن تكون قوات التمرد قادرة على فعالية الهجوم السابق. كما أثرت تلك الحرب على اهتمام إريتريا بدور الحركة في الضغط على السودان بحكم حاجة إريتريا لتهدئة الوضع الحدودي بعدما استغل السودان فرصة الحرب الإريترية الإثيوبية ليهدد بحرب مع إريتريا.. كما وضعت تلك الحرب الحركة في مأزق لا يمكنها الانحياز فيه إلى طرف من طرفي الحرب، وبما أعطى الحكومة السودانية فرصة لتحسين علاقاتها مع إثيوبيا والعمل على حصار وتطويق إريتريا حيث تلاقت تلك الرغبة مع اليمن كذلك، ومن ثم أعلن تحالف سياسي طوق إريتريا وطوق معها حركة التمرد.. وعلى صعيد التمرد في الجنوب كانت الحركة تعاني من الصراعات الجنوبية الجنوبية بوجود اتفاقات بين الحكومة السودانية وفصائل جنوبية جعلت قوات جنوبية تتقاتل لصالح الحكم السوداني. في نهاية المطاف كان الجميع في حاجة للتفاوض؛ حيث وصلت مشاريع الجميع وخططهم إلى مأزق.. الحكم في السودان. وفق الأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية وصل مشروع الحسم العسكري للمعركة مع التمرد إلى طريق مسدود؛ بينما كان المتوفر من أوراق في يديه هي أوراق سياسية واقتصادية.. وحركة التمرد توقفت عوامل القوة العسكرية في الشرق والجنوب عن التطور إلا باتجاه تدخل عسكري أمريكي مباشر وهو تطور له عواقبه الخطيرة على الوضع في الجنوب مثل الشمال؛ إذ هو يغير استراتيجية حركة التمرد القائمة على أنها جزء من الشعب السوداني، كما يعطي الفرصة الكاملة للحكم في السودان للخروج من مأزقه الداخلي والإقليمي باعتبار ذلك عدواناً خارجياً. وقبل هذا وبعده فإن هذا التدخل العسكري الأمريكي غير مطروح أمريكياً في هذا الوقت.. وكان المتوفر في يد التمرد هي أوراق الضغط الخارجي خاصة الضغط الأمريكي. وكان الحال كذلك بالنسبة للأطراف الإقليمية والدولية التي كانت المفاوضات وحدها هي الطريق الذي يحقق مصالحها على الأقل في هذا الوقت. * السودان إلى أين؟ بدأت المفاوضات بين طرفي الصراع في ظل هذه الخريطة بأبعادها العربية والإقليمية والدولية.. والتي جرت وقائعها بين شد وجذب وتأزم وانفراج؛ وكانت محصلتها الأهم هي اعتراف بإخفاق استراتيجيتي طرفي الصراع.. وأن الوضع الدولي يعزز فرص التمرد في هزيمة الاستراتيجية الحكومية.. وأن لا خيار أمام هذه الحكومة في ظل أوضاعها ومفاهيمها سوى القبول بتلك النتائج. وبإلقاء نظرة على ما تحقق للأطراف نجد أن جميع الأطراف كسبت من عملية التفاوض ذاتها قبل أن تكسب من نتائجها النهائية. وإذا بدأنا بما حققته الولايات المتحدة نجدها تقف على رأس الذين استفادوا حتى الآن من خلال إدخال الطرفين إلى حلبة التفاوض، ومن خلال إلهاب ظهر الحكم في السودان؛ حيث هي وضعت أقدامها قوية في هذا الجزء من العالم الذي لم يكن لها فيه وجود من قبل، كما أنها باتت ضامنة مكاناً لشركاتها في السيطرة على البترول السوداني بحكم الدور الذي يأخذه الجنوب الآن وفق الاتفاق في ثروة السودان وبحكم الانصياع الحكومي السوداني تحت ضغوطها.. كما أنها باتت الأقرب إلى حزام وسط إفريقيا التي تعمل على استبدال الوجود الفرنسي فيه بقوتها وهيمنتها إلخ؛ وهي أمور لا تكتمل فائدتها إلا إذا تم توقيع الاتفاق.. ومن ناحية الأطراف الإقليمية فلعل أكبر الخاسرين حتى الآن هو إريتريا حيث لم يتراجع السودان عن مناورته في إقامة التحالف مع إثيوبيا واليمن.. في الوقت الذي لم يتم الانتهاء حتى الآن من المشكلات مع إثيوبيا.. وإذا انتقلنا إلى بقية المحيط الإقليمي نجد أن ثمة استفادات بدرجات متفاوتة للجميع: إثيوبيا وجدت ظروف المفاوضات فرصة لحصار غريمتها إريتريا في الإقليم.. ونجحت في عقد تحالف إثيوبي سوداني يمني يطوق إريتريا.. وأوغندا باتت مرتكزاً أقوى للمشروع الأمريكي ومتعاوناً وحليفاً، واستفادت هدوءاً أكثر من ضعف عمليات جيش الرب الذي تأثرت أوضاعه كثيراً بحكم الموقف السوداني.. كما استفادت مصر بدرجة متفاوتة أيضاً؛ حيث هي رسخت فكرة المصالح المصرية في السودان، واستعادت دورها كاملاً في الشمال، وانتهت مشاكلها حول حلايب وغيرها، وعاد تأثيرها الثقافي والاقتصادي في الشمال كما بدأت تعود لعلاقات أقوى مع الجنوب.. طرفا التفاوض كان لكل منهما مكاسبه، وإن كان طرف التمرد هو الحاصد الأكبر للمكاسب؛ حيث هو تمكن من إحراز عدة نجاحات أولها أنه استعاد السيطرة على كل فصائل التمرد التي سبق أن اتفقت مع الحكم في الشمال تحت ضغط خوفها من أن تخرج تماماً خارج اللعبة، كما نجح التمرد في استغلال فترة التفاوض ووقف إطلاق النار ليمد نفوذه إلى دارفور لفتح جبهة جديدة على الحكم والجيش السوداني، وربما كان نجاحه الأهم هو في مجال الوضع الخارجي والدولي للتمرد، حيث حصل جارانج على اعتراف عربي ودولي لم يكن يحلم به؛ فقد أصبح ضيفاً مقبولاً على الجامعة العربية وزائراً متكرراً إلى مصر، وزائراً للأمم المتحدة ولدول العالم الغربي. الحكم في السودان ورغم أنه كان الخاسر الأكبر، إلا أن لم يخلُ الأمر حتى الآن من تحقيق قدر من المكاسب، أولها: فك الحصار والعزلة الإقليمية التي ضُربت حوله باستعادة العلاقات مع مصر، وإثيوبيا، وحصار الدور الإريتري وتقييده، وتحييد الدور الأوغندي ولو مؤقتاً. وفي الشأن الداخلي تمكن الحكم من سحب البساط من تحت أقدام المعارضة الشمالية، وخاصة أن هذه التطورات قد ترافقت مع حدوث تشققات داخل هذه الأحزاب نفسها، وكذلك فقد حصل على مهلة من الوقت قل فيها الضغط من أجل الديمقراطية الداخلية انتظاراً للتطورات وفق الاتفاقيات.. كما أنه واصل تطوير حقول البترول. * سيناريوهات المرحلة القادمة: الأوضاع السابقة على التفاوض.. والنتائج المتحققة خلال عملية التفاوض لا شك أنها تولد بدورها قوة ضغط على أطراف التفاوض والاتفاق.. وهو ما يوفر غطاء سياسياً لتنفيذ الاتفاقات، غير أن ثمة عوامل مضادة لهذه الضواغط والمصالح لا شك أنها ستكون في الطرف الآخر من الاتفاقات.. أولها أن الاتفاق يجري بضغوط أمريكية على الحكومة السودانية، وهو إذا كان اليوم عاملاً من عوامل الضغط على الاتفاق فإنه قد يكون في حالة تغير في وضع الإدارة الأمريكية الحالية أو في حال انهماك الولايات المتحدة في نزاعات أخرى، عاملاً يدفع الطرف الأضعف اليوم راغباً في إعادة تعديل الاتفاق الذي سيستمر اتفاقاً انتقالياً لمدة ٦ سنوات متصلة، وهي فترة كافية لحدوث انقلابات على هذا الصعيد. وهناك من ناحية ثانية قوى في المحيط الإقليمي لن ترضى للسودان أن ينعم ولو بهدوء مرحلي حتى ولو كان جارانج في السلطة، فهي لم تكن تتدخل من قبل مساندة للتمرد لأنها كانت ترى أن المتمردين على حق؛ وإنما تنفيذاً لأجندة تخص مصالحها أو مصالح أطراف خارجية أخرى. وهناك أيضاً قوى في داخل السودان ترى أن الاتفاق يأتي فاقداً الشرعية، وقد أعلن الدكتور حسن الترابي الذي أثبتت كل الأحداث السابقة أنه صاحب خبرة وتجربة في الحكم على التطورات المستقبلية في السودان «أن كل ما ستتمخض عنه المفاوضات الجارية بين الحكومة المركزية والحركة الشعبية لتحرير السودان لن يكون له قيمة؛ لأن الشرعية الشعبية منزوعة عنها بعد أن أقصيت كل القوى السياسية الفاعلة على الساحة» .. وهناك على الطرف الآخر من قيادات الجنوب من يرى أن الاتفاق ليس سوى مرحلة تمهيدية لانفصال سلمي بين الجنوب والشمال، حيث قال (يوتا ملوال) وزير الثقافة والإعلام في عهد الرئيس جعفر النميري: «معظم الجنوبيين يقفون إلى جانب الانفصال، ولكنهم يختلفون حول التفاصيل.. وإن اتفاق السلام المرتقب يهدف إلى ترتيب انفصال الجنوب بشكل سلمي ومتفق عليه. وأضاف: نحن مع الانفصال وليس للجنوبيين في الوقت الراهن خيار غيره» . نحن إذن أمام مرحلة تغيير كبيرة في تاريخ السودان.. فإما إلى انفصال الجنوب ليصبح السودان سودانين.. وإما إلى تشكيل سودان يحكم فيه جارانج من داخل حكم الإنقاذ في مواجهة جبهات معارضة أخرى، وهو ما يعني توافر فرص جديدة لاندلاع الحروب.. وإما أن ينجح الاتفاق في إيجاد حالة جديدة في السودان تقوم على فكرة الاندماج القومي، والتصالح حول هوية أخرى للسودان ليكون الإسلاميون وحدهم في المعارضة إلى وقت يعلمه الله.

стр. 4820

المسلمون والعالم التغلغل الهندي في دول آسيا الوسطى علي محمد مطر ammatar@gawab.com ربما كان الطمع والجشع، أو الاستغلال الاقتصادي، أو طموحات فرض الهيمنة والسيطرة، من أهم الدوافع التي شكلت طبيعة المصالح الهندية في جمهوريات آسيا الوسطى، ويعزز هذه المصالح تضارب المصالح الأمريكية والروسية والصينية في المنطقة، وهو سببب آخر وراء اندفاع الهند باتجاه إيجاد موطئ قدم لها في هذه المنطقة. وتتمحور اللعبة الهندية في آسيا الوسطى في الحصول على موطئ قدم على صورة وجود عسكري مؤسس وقوي، وهو ما حصلت عليه الهند من خلال فرض سيطرتها المباشرة على قاعدة «أيني» الجوية في طاجيكستان، وإعادة إصلاح هذه القاعدة وتجهيزها، وذلك بتكلفة قدرها عشرة ملايين دولار، وهو الأمر الذي يعكس نجاح مخططات مجموعة الصقور ومنفذي السياسة الخارجية الهندية القابعين في أروقة صنع القرار الهندي. ويصف المسؤولون بوزارة الدفاع الهندية هذا التحرك بأنه يهدف إلى حماية المصالح الهندية في آسيا الوسطى، ويحرصون على أن يتم ذلك بأيدي الهنود أنفسهم وليس بأيدي أحد سواهم. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: ما هي هذه المصالح التي تطمح الهند إلى حمايتها في آسيا الوسطى؟ أو ما هي التهديدات التي ترى الهند أنها قد تتعرض لها وتدفعها إلى إقامة قاعدة جوية في طاجيكستان؟ ومن المقرر أن يقام في قاعدة «أيني» الجوية، والتي ظلَّت بدون استخدام منذ عام ١٩٨٥م، مدرجاً لانطلاق الطائرات المقاتلة وطائرات النقل العسكري الضخمة. وحرص المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الطاجيكية على نفي المعلومات المثيرة التي نشرت بتاريخ ١٤/١١/٢٠٠٣م حول موضوع التعاون العسكري الوثيق بين طاجيكستان والهند، وأكد على أنه تعاون يقتصر على تدريب الكوادر العسكرية الطاجيكية، وتبادل المعلومات والخبرات والخدمات الفنية. ويتمركز في جمهورية طاجيكستان والتي تُعَدُّ من الدول المتخلفة نسبياً حوالي ١٠٠٠٠ جندي روسي، يجوبون منطقة الحدود الطاجيكية مع شمال أفغانستان، والبالغ طولها ١٢٠٦ كيلو متراً. وتزعم الهند أن الغرض من إنشاء قاعدة جوية لها في آسيا الوسطى هو بالدرجة الأولى لحماية مصالح الطاقة والأمن الهندية. وهذا الزعم يمكن تفنيده من حقيقة أن اليابان (التي تُعَدُّ معقلاً رئيساً للقوة الاقتصادية) ؛ قد تمكنت من حماية مصالحها الاقتصادية بدون أن تحتاج إلى إقامة قواعد عسكرية خارج حدودها. وعلى صعيد آخر ترى المصادر الباكستانية أن الهدف من إقامة هذه القاعدة هو العمل بالضرورة من أجل الالتفاف على باكستان والتغلب عليها في إحدى نقاط المواجهة الإضافية؛ على ضوء أوضاع اللاحرب واللاسلم القائمة على الحدود بين البلدين، والتي بدأت تشهد انفراجاً في الآونة الأخيرة بعد قيام الجنرال برويز مشرّف بتقديم الكثير من التنازلات أمام الهند؛ في محاولة للبدء في مفاوضات ترفضها الأخيرة حول كشمير. ويضاف إلى هذا التقارب الهندي - الطاجيكي ما يُوصف بالباب المفتوح أمام الهند في أفغانستان، والذي أصبح ممكناً من خلال التعاون الوثيق بين الهند، وتحالف الشمال المسيطر على الأوضاع في أفغانستان والمتمثل في (الجنرال فهيم، ويونس قانوني، ود. عبد الله عبد الله) . وكل هذه التحركات تهدف إلى إضعاف الموقف الدفاعي الباكستاني، وجعل باكستان توزع دفاعاتها على حدودها الشرقية مع الهند، وحدودها الغربية مع أفغانستان، وبالتالي إضعافها لدرجة القبول بالهيمنة الهندية على المنطقة بأسرها. وقد أعلن رئيس وزراء الهند خلال زيارته الأخيرة لطاجيكستان عن مساعدات ودعم لهذا البلد بمقدار ٤٠ مليون دولار، والتي منها إلغاء ديون طاجيكية للهند بقيمة ١٠ ملايين دولار، و ٥ ملايين دولار هبة هندية، و ٢٥ مليوناً على صورة قروض. وتشكّل طاجيكستان منطقة عازلة بين أفغانستان المشتعلة بالحروب دائماً، وبين دول آسيا الوسطى الأخرى الغنية بحقول النفط والغاز الطبيعي، ويحتوي حوض بحر قزوين على ١٠٠ بليون برميل من النفط. وقد قدمت الولايات المتحدة ٤٦ مليون دولار لإقامة معاهد للتدريب على مقاومة الأنشطة الإرهابية، وتبادل المعلومات، وتأسيس برلمانات في جورجيا وأوكرانيا وأزبكستان وأذربيجان. وتطمح كل من روسيا والصين بدورهما إلى بناء الوجود الواضح لهما في بحر قزوين لمواجهة التقدم الأمريكي بهذا الاتجاه؛ ولهذا فإنهما قد أقامتا «منظمة شنغهاي للتعاون الإقليمي» ، والتي تضم بالإضافة لهما كلاً من كازخستان وأزبكستان وقرغيزستان وطاجيكستان، ومقرها في بكين، ولها مركز لمكافحة الإرهاب في بيشكيك عاصمة قرغيزستان. إن الأهمية الجيو - سياسية لدول آسيا الوسطى والفرص الاقتصادية الضخمة فيها، والتي يضاف إليها احتياطي كبير من النفط والغاز الخام يجعلها منطقة جذب للكثير من الدول الكبرى، والتي تحاول الهند أن تصبح واحدة منها من خلال مضاعفة قدراتها العسكرية في المجالين التقليدي وغير التقليدي، وإيجاد قواعد عسكرية هندية خارجية أسوة بغيرها من الدول الكبرى، والتي لا يميزها عن الهند سوى أن أوضاعها الاقتصادية قوية مقارنة بمعدلات الفقر المرتفعة في الهند، والتي تشكل أحد العوائق المهمة أمام سياسة التوسع الهندية. وتحاول روسيا أن تدعم الوجود الهندي في آسيا الوسطى، بل وتدافع عنه لكي يصبح عامل توازن في وجه الوجود الأمريكي وكذلك الصيني في تلك المنطقة. كما أن روسيا تبذل مساعي حثيثة لضم الهند إلى عضوية «منظمة شنغهاي للتعاون الإقليمي» ، وكذلك للتعاون الأمني الوثيق في مثلث موسكو ونيودلهي وبكين. كما تحاول الهند أن تبسط عضلاتها الاقتصادية، وأن تفتح لها طرقاً وسبلاً تسلكها في دول آسيا الوسطى. وتعني الزيارات الأخيرة التي قام بها رئيس الوزراء الهندي إلى المنطقة؛ أن الهند تحاول أن تخرج بسياستها الخارجية عن النطاق الضيّق الذي ظل محصوراً بفضاء علاقاتها مع الصين وباكستان. وتعتبر احتياجات الهند المضطردة للطاقة أحد العوامل المهمة في الاندفاع الهندي باتجاه آسيا الوسطى. فالهند بسكّانها الذين يصل تعدادهم إلى البليون، وباقتصادها المتنامي؛ تُعَدُّ سادس أكبر دول مستهلكة للطاقة. وإذا رغبت الهند في الحفاظ على نمو اقتصادها بمعدل يتراوح ما بين ٧ - ٨%؛ فإن عليها أن تزيد من استهلاكها للطاقة بنسبة ٥% سنوياً، وهذا يتطلب جهوداً تُبذل من أجل توفير مصادر الطاقة، والتي توجد بمقادير كبيرة في دول آسيا الوسطى وتنتظر الاستثمارات المناسبة، وهذه الاستثمارات بدورها تحتاج إلى قوة عسكرية تدعمها في ظل الشتات الفكري والعقائدي الذي تحركه عوامل كثيرة ومتضاربة في مجتمعات تلك الدول، ومن هنا جاء الاهتمام الهندي بإقامة قواعد عسكرية خارجية في تلك المنطقة، والتركيز على زيادة الارتباط معها بصورة تجعل هذا الوجود الهندي أمراً مقبولاً، بل ومحبذاً في كثير من الأحيان من جانب جمهوريات آسيا الوسطى.

стр. 4821

المسلمون والعالم أوروبا الباحثة عن دور في العصر الأمريكي يحيى أبو زكريا [*] yahya@swipnet.se يفسّر أحد الغربيين المتابعين لتطورات المسار السياسي والاقتصادي في أوروبا تسارع الأوروبيين باتجاه إنجاح وحدتهم وتقوية اقتصادهم بأنّه بدون ذلك ستتلاشى أوروبا سياسياً واقتصادياً تماماً كما تلاشى العديد من الدول والتكتلات التي غرقت في أتون المشاكل السياسيّة والاقتصاديّة المتفاقمة. ويرى هذا الخبير أنّ العصر الأمريكي الراهن لا يعترف لا بالصغار ولا بالمراهقين السياسيين، ويجب أن تكون الدول في خانة الكبار لتتمكن من مقاومة خطر التلاشي والانفلات الذي سيكرّس التبعية المطلقة للغول الأمريكي. كما أنّ المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة من قبيل البطالة والتردّي الاقتصادي والحفاظ على البيئة وصحّة الإنسان أمور يضطلع بها المجموع، وكلما كانت الدول المشاركة في تطويق هذه الأزمات كثيرة، أمكن إنهاء هذه الأزمات في ظرف زمني وجيز. وانطلاقاً من هذه المرتكزات تحركت السياسة الأوروبيّة؛ والأرجح أنها ستكمل سيرها في الاتجاه نفسه في السنوات العشر المقبلة. وقد كان التركيز الأوروبي في السنوات الأخيرة على مجموعة أمور هي: رسم سياسة داخليّة أوروبية مشتركة، ورسم سياسة اقتصادية مشتركة، بالإضافة إلى ضرورة التعاطي مع القضايا الدوليّة المشتركة بشكل جماعي؛ وهذا ما يفسّر بداية تحرّك الاتحاد الأوروبي ككتلة واحدة في الشرق الأوسط وفي الأزمات الدولية الأخرى وفي المحافل الدوليّة. وعلى صعيد رسم السياسة الأوروبية الداخلية الموحدة فقد تكثفت لقاءات المندوبين الأوروبيين بشكل كبير في بروكسل وفي غيرها من العواصم الأوروبية، وكثيراً ما كان يجتمع وزراء الزراعة الأوروبيون لينسّقوا في الملف الزراعي، ويصمّموا قوانين موحدة في هذا المجال، وكثيراً ما كان يجتمع وزراء التعليم ليرسموا طرائق للتعليم متقاربة، وقد قطع الأوروبيون في سبيل وحدتهم في التفاصيل أشواطاً كبيرة، وكان القادة الأوروبيون في قمم الاتحاد الأوروبي يوقعون على كل هذه التفاصيل. والعجيب أنّ الأوروبيين اتفقوا حتى على نوعية إشارات المرور وكيفياتها، وطرائق تصميم الأراجيح التي يستخدمها الأطفال في مدارسهم. ويمكن القول إن التوافق بين الدول الأوروبية في السياسات الداخلية بات كاملاً في مجال مكافحة ما يسمى بالإرهاب والحد من الهجرة غير الشرعية وغير ذلك من المواضيع، وقد أصبح المسافر من النرويج إلى فرنسا برّاً لا يصادف البتة رجال الأمن، ولا داعي أن يبرز أوراقه الثبوتية، وخصوصاً بعد أن أصبح الحاسوب الأمني موحداً، ويمكن معرفة تفاصيل شخص ما سافر من الدانمارك إلى فرنسا عبر إدراج اسمه في الحاسوب الأمني الفرنسي. وعلى الصعيد الاقتصادي تمكنت أوروبا من توحيد عملتها، ورفعت القيود عن الصادرات والواردات من وإلى أوروبا؛ فالبضاعة التي تصل من فرنسا إلى السويد تكون معفاة من الضرائب؛ وما دامت البضائع من الدول الأوروبية فهي معفاة من الضرائب، وبهذا الشكل اتسعت السوق الأوروبية، وبات بالإمكان أن يسوّق الأوروبي بضائعه في عشرات الدول الأوروبية دون أن يوقفه أحد. وبفضل الخطة الاقتصادية التي وضعها الأوروبيون أصبحت عملتهم الموحدة تنافس العملة الأمريكية، كما أنّ الخطّة الاقتصادية الأوروبية الموحدة كسرت الاحتكار الأمريكي للأسواق الأوروبية وهو ما بدأ يولّد بدايات عدم رضى أمريكي من مشروع الاتحاد الأوروبي وخصوصاً إذا كبر أكثر ممّا ينبغي. وكان قادة الاتحاد الأوروبي قد اجتمعوا في العاصمة الدانماركيّة كوبنهاغن بين ١٢ - ١٣/١٢/ ٢٠٠٢م للبحث في العديد من القضايا المتعلقة بسياسة الاتحاد الأوروبي ومشاريع ضمّ عشر دول أوروبيّة إلى الاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى بحث مجموعة قضايا تتعلّق بانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي والأوضاع في الشرق الأوسط. وللإشارة فإنّ الدانمارك التي تترأس الآن الاتحاد الأوروبي سبق لها أن طرحت مجموعة مبادرات سياسيّة لتقريب وجهات النظر بين الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينيّة. والدول الأوروبيّة التي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي هي مالطا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا وسلوفينيا والمجر وسلوفيكيا والتشيك وبولندا مع ضمّ قبرص بعد إزالة بعض الإشكالات العالقة في الملف القبرصي. وبذلك سيصبح عدد دول الاتحاد الأوروبي ٢٥ دولة بإضافة الدول العشر المذكورة. وقد قرر قادة الاتحاد الأوروبي بالإجماع عدم البتّ في عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي لعدم أهلية تركيا سياسياً واقتصادياً، وقد طالب قادة الاتحاد الأوروبي تركيا بإعداد نفسها، وفي سنة ٢٠٠٥م سيجري التفاوض معها بشأن انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، وينتظر قادة الاتحاد الأوروبي الحصول على تقرير كامل عن الوضع التركي السياسي والاقتصادي في نهاية سنة ٢٠٠٤م. وإضافة إلى توسيع الاتحاد الأوروبي ناقش القادة الأوروبيون موضوع الهجرة إلى الاتحاد الأوروبي وسبل الحد منها؛ وذلك عبر المساهمة في تنمية الدول الفقيرة، وفي هذا السياق يشار إلى أنّ الدانمارك وبعد نجاح اليمين في الانتخابات التشريعية الأخيرة اتخذت إجراءات شديدة ضدّ طالبي اللجوء وهو الأمر الذي جعل دولة كالسويد تشدد على سياستها الجديدة تجاه المهاجرين وطالبي اللجوء. وقد ناقش قادة الاتحاد الأوروبي الأوضاع في الشرق الأوسط في شقّه الفلسطيني دون التطرق إلى موضوع العراق؛ حيث أصبحت هناك قناعة لدى عواصم الاتحاد الأوروبي في أنّ الغارة الأمريكية على العراق قائمة لا محالة، والاعتراض على أمريكا في هذا الموضوع قد تبديه شخصيات أوروبية رسمية، لكن لا تعبّر عنه توجهات الحكومات الرسمية الموزّعة بين القبول المطلق أو الصمت المطبق. وإذا كانت أوروبا الموحدة قد استطاعت ترتيب أوراقها الداخلية السياسية والاقتصاديّة فقد أصبحت تتعاطى مع القضايا الساخنة في العالم العربي والإسلامي والثالث بشكل جماعي، وأصبحت لأوروبا وجهة نظر واحدة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أو القضايا الإفريقية، وسبب ذلك يعود إلى تكثيف التنسيق بين الدول الأوروبية، حيث إن لكل دولة أوروبية ممثلاً عنها سواء في البرلمان الأوروبي الموحد في لوكسمبورغ أو في اللجان العاملة فيما يعرف بالحكومة الأوروبيّة في بروكسل. وما يتفق عليه المندوبون الأوروبيون يصل لتوّه إلى عواصم القرار في الدول الغربية والتي تتحرّك في ضوء ما قرره المندوبون الأوروبيون في بروكسل أو في العواصم الغربية التي تشهد على الدوام لقاءات ومؤتمرات لاستراتيجيي الاتحاد الأوروبي. وهذا لا يعني أنّ هناك دولاً أوروبية لا تسعى للتغريد خارج السرب الأوروبي؛ فبريطانيا وبسبب إدماج سياستها الخارجية بالسياسة الأمريكية تسعى على الدوام ليكون الموقف الأوروبي في جهة الهوى الأمريكي، ولكنّها لم تنجح بسبب الجدار الفرنسي حيناً، والجدار الألماني أو جدارات دول أوروبا الشماليّة. مع العلم أنّ بريطانيا ما زالت إلى يومنا هذا ترفض فكرة العملة الموحدة اليورو، وما زالت محتفظة بالجنيه الإسترليني. وإذا كانت أوروبا الموحدة قد حققت حتى الآن الكثير من الأشياء والإنجازات فإنّ هناك العديد من التحديّات الداخلية والخارجيّة التي قد تعيق وصول المشروع الأوروبي إلى أهدافه النهائيّة. فانضمام الدول الأوروبية الفقيرة التي كانت محسوبة على المحور اليساري سابقاً سيرخي بظلاله على أوروبا الموحدة، وسيجعل أوروبا منقسمة إلى قسمين: أوروبا غنيّة ومصنِّعة، وأوروبا فقيرة ومستهلكة. وقد أصبحت أوروبا الغنيّة والمصنعة تشكو من تبعات انضمام أوروبا الفقيرة إليها؛ فقد بدأت جيوش المتاجرين بالمخدرات يأتون إلى الخارطة الأوروبية الغنية بسمومهم البيضاء، ورقيقهم الأبيض، وهو ما بدأ ينتج مشاكل اجتماعيّة إضافية في الخارطة الأوروبية الغنية لتضاف إلى المشاكل القديمة. كما أنّ النهوض بأوروبا الفقيرة يتطلب رساميل كبيرة للغاية قد لا تستطيع أوروبا الغنية توفيرها على المدى القريب والمتوسّط. وإضافة إلى ذلك فإنّ أوروبا الغنية التي كانت تشكو من هجرة غير محدودة من العالم الثالث إليها باتت تواجه تحدّي هجرة الأوروبيين الفقراء إليها باعتبار أنّ قوانين الاتحاد الأوروبي تجيز لأي أوروبي أن يقيم في أي دولة أوروبية عضو في الاتحاد الأوروبي دون الحاجة إلى بطاقة الإقامة. والتحدي الخارجي الذي تواجهه أوروبا الموحدة هو أمريكا نفسها التي أشرفت على بعث الحياة في أوروبا عقب الحرب الكونية الثانية، والتي كانت تريد بناء أوروبا موالية لها، وإذا فكّرت أوروبا أن تستقلّ بسياستها واقتصادها فقد يكون ذلك مؤشّراً على قرب الطلاق البائن بين أمريكا وأوروبا كما توقعت دراسة أمريكية خاصة، ومعنى ذلك أنّ واشنطن بعد أن تنتهي من صدامها مع العالم الإسلامي قد تدخل في صدام آخر مع مجموعات دولية أخرى ما دام الصدام هو مرتكز أساس للسياسة الأمريكيّة. * أمريكا وأوروبا هل ينهار التحالف بينهما؟ أظهرت دراسة أمريكيّة استشرافيّة خاصة أشرفت عليها وكالة الاستخبارات الأمريكية أنّ تصاعد حدّة التوتر بين أمريكا وأوروبا قد يؤدّي على المدى المتوسط إلى انهيار التحالف بين أمريكا وأوروبا، وقد تكون سنة ٢٠١٥م هي سنة الطلاق الكامل بين أمريكا وأوروبا. وهذه الدراسة الاستشرافيّة لا تتعلّق باستشراف العلاقات الأمريكيّة الأوروبيّة فقط، بل تتطرّق إلى دور أمريكا في العالم ومصير النظام العالمي الجديد ذي الصياغة الأمريكيّة، كما تطرقت الدراسة إلى مستقبل الحركات الإسلاميّة في الشرق الأوسط والعالم العربي، وجاء في الدراسة أنّ هذه الحركات ستعمّر أكثر ممّا ينبغي، وسوف يتواصل وجودها السياسي وحضورها في أغلب الساحات العربيّة والإسلاميّة على الأقل إلى سنة ٢٠١٥م باعتبار أنّ هذه الدراسة تستشرف الغد السياسي الأمريكي إلى سنة ٢٠١٥م. وقد بدأت أصوات أوروبيّة رسميّة وغير رسميّة تتحدّث عن السياسة الأمريكية اللاعقلانية في بُعدها السياسي والاقتصادي، وانعكاس هذه السياسة على العلاقات الدوليّة والنسيج الاقتصادي العالمي، وقد جاء رفع أمريكا ضريبتها على الصلب والفولاذ المصدّر إلى أمريكا من الدول الأوروبيّة وغيرها ليفجّر تصريحات ومواقف أوروبيّة ضدّ المواقف الأمريكيّة. وبدأ بعض الكتّاب في أوروبا الشماليّة كما في وسط أوروبا وجنوبها يتحدثون عن قلقهم من إرادة واشنطن لاستيعاب الساحة الكونيّة لصالحها وعدم سماعها حتى لحلفائها الأوروبيين، وتفردها المطلق في صناعة القرار العالمي وتجاوزها المؤسسات الدوليّة. وللإشارة فإن بعض الصحف البريطانيّة شنّت حملة إعلاميّة كبيرة على رئيس الوزراء توني بلير الذي اعتبرته بعض الصحف حامل الحقيبة الأمريكيّة الصغير. ويرى المراقبون في أكثر من عاصمة غربيّة أنّ هذه المقالات والآراء التي بدأت تنتشر في الصحف الأوروبيّة هي مقدمة لانشقاقات كبيرة في جدار العلاقات الأمريكيّة الأوروبيّة، وتذهب بعض الآراء في بعض العواصم الغربيّة إلى القول بأنّ أمريكا قد لا تسمح بأنّ تمضي أوروبا الموحدة اقتصادياً قُدُماً في تقدمها وتكامل مشروعها السياسي؛ لأنّ ذلك قد يجعلها أهمّ منافس سياسي لأمريكا مع بعض الكتل المرشحة للصعود كالصين واليابان والعالم الإسلامي كما أشار يوماً ريتشارد نيكسون في كتابه المعروف: (أمريكا والفرصة السانحة) . وبعض المفكرين المحسوبين على خطّ اليسار في الغرب يرون أنّ أمريكا مثلما ساهمت في قيام أوروبا بعد الحرب الكونيّة الثانيّة لمواجهة الأمبراطوريّة السوفياتيّة الحمراء، ولإقحام أوروبا في معادلة حربها ضدّ السوفيات سابقاً، فإنها قد تتخلّى عن تحالفها مع أوروبا إذا تحولت الكتلة الأوروبيّة من كتلة تابعة إلى كتلة منافسة وفاعلة. وهذا ما بدأ يتنبّأ به بعض المفكرين الغربيين، كما جاء في الدراسة الاستشرافيّة التي أشرفت على وضعها وكالة الاستخبارات الأمريكية. وللإشارة فإن التخوّف الأوروبي من أمريكا ليس من أدائها السياسي والاقتصادي، بل بدأ العديد من المحافل والمؤسسات الثقافيّة تبدي تخوّفها من ذوبان ثقافتها وخصوصياتها الفكريّة والثقافيّة، خصوصاً في ظلّ سيطرة الفيلم الأمريكي والأغنية الأمريكية والإيقاع الحياتي الأمريكي على مجمل وسائل الإعلام الغربيّة، ومثلما يتحدّث العرب والمسلمون عن غزو ثقافي أمريكي - أوروبي لمواقعهم الجغرافيّة، فإن الأوروبيين يتحدثون عن غزو ثقافي أمريكي قد يلغي شخصيتهم الثقافيّة على المدى المتوسّط، وكل هذه الرؤى والآراء قد تمهّد لإقامة جدار برلين مجدداً لكن ليس بين الألمانيتين لكن بين أمريكا وحليفتها أوروبا. ومثلما لا يوجد حوار بين أوروبا والعالم العربي والإسلامي، ومثلما يتعامل الغرب مع العرب والمسلمين من منطلق تعليمهم واستتباعهم، فإن أمريكا تتعامل مع أوروبا من منطلق تعليمها واستتباعها، وهو ما يخلق إشكالاً بين أوروبا التي تدعي أنّ حضارتها أصيلة وعريقة، وبين أمريكا التي قامت حضارتها على قتل الهنود الحمر وتقطيع أوصالهم!!

стр. 4822

المسلمون والعالم هل يعود المسيح إلى أوروبا ؟ أ. د. محمد يحيى [*] ظهر هذا العنوان على مقالة في صحيفة «بوستون كرونيكل» الأمريكية في ١٨ يوليو، ورغم عنصر الإثارة الواضح في اختيار الكلمات بهذا العنوان فإنه تصدّر مقالة تبدو معتادة، وتتحدث عن احتمال انضمام بولندا إلى الاتحاد الأوروبي في استفتاء قريب، وأنها ستكون بذلك دولة يسيطر عليها وعلى حكومتها الحالية الاتجاه الديني المحافظ (الكاثوليكي) ، وتنضم إلى اتحاد يفترض أنه علماني دنيوي. وأراد كاتب المقال باختياره لهذا العنوان أن يلفت النظر إلى حقيقة دخول دولة يسيطر عليها الاتجاه الديني والكنسي إلى الأسرة الأوروبية، وقد تتبعها دول أخرى تمثل الاتجاه نفسه في أوروبا الشرقية؛ مما يعني عودة للاتجاه الديني، أو ما يسمونه عودة «المسيح» ، إلى الأوضاع في أوروبا بعد عقود طويلة أو حتى قرون من التوجه الدنيوي العلماني. ولم يكن الكاتب في الواقع بحاجة إلى تأكيد سيطرة الاتجاه الديني على الحكم في بولندا بهذه الصورة الدرامية؛ لأن ذلك البلد قد أفصح عن ذلك التوجه الديني المسيحي القوي والصريح بشكل لفت الأنظار بدعمه ومساندته للدعوة التي أطلقتها الفاتيكان أولاً، ثم عززها بأوروبا بعد ذلك بأن يُنص في الدستور المزمع وضعه للاتحاد الأوروبي على أن الهوية النصرانية هي تراث أوروبا، وأن أوروبا هي ذات هوية مسيحية. ولم تكن بولندا وحدها في تلك المساندة لدعوة البابا والفاتيكان، بل انضمت إليها أربعة بلدان من أوروبا الشرقية، على الرغم من وجود فئة أرثوذكسية كبيرة في تلك البلدان، مع صدور الدعوة عن الجانب الكاثوليكي، ولكن يبدو أنه عندما تعلق الأمر بالدعوة إلى اعتبار النصرانية وتراثها وهويتها العماد الأساس للذات الأوروبية الموحدة؛ ذابت الفوارق المذهبية والطائفية بل والعقدية بين جوانب النصرانية. وصحيح أن دعوة الفاتيكان قد واجهتها معارضة من جانب فرنسا العلمانية التوجه من الناحية الرسمية، ولكن من الصحيح كذلك أن تزكية الدول الأوروبية الأربع لهذه الدعوة البابوية ومعها ثقل الفاتيكان سوف يجعل حظوظ نجاحها كبيرة. ويجب ألا ننسى أن عدداً متزايداً من الساسة الأوروبيين وليس من اليمين وحده بل العكس أخذ في الآونة الأخيرة يركز على الدين وعلى الهوية النصرانية الأوروبية، وذلك في مواجهة الإسلام والمسلمين هناك، وكان من بين هؤلاء رئيس فرنسا الأسبق فاليري جيسكار ديستان. لقد ترجم هؤلاء الساسة الدعوة إلى الهوية النصرانية لأوروبا بشكل لا يتسم بمباشرة دعوة الفاتيكان ووضوحها لكنه لا يقل عنها صراحة؛ حيث دعوا في مواجهة الحضور الإسلامي والطلبات المتصاعدة من جانب مسلمي أوروبا بالاعتراف بهم وبمؤسساتهم وعقيدتهم وشعائرهم إلى وضع أو تأليف إسلام جديد وُصف بمسميات قوية خدَّاعة مثل «الإسلام الفرنسي» أو «الإسلام الإيطالي» .. إلخ، لكنه في الواقع «إسلام أوروبي» مطلوب منه أن يتغير ويتكيف ويتعدل ويتماشى في كل جوانبه مع «التراث والهوية الأوروبية» ، وهي بالأساس المسيحية وليس العلمانية كما يتصور بعض الكتّاب العرب المحبذين لهذه الدعوة. إن الساسة الأوروبيين، وحتى مَنْ قد يرفع منهم شعار العلمانية، قد أيدوا بالفعل وفي الواقع دعوة الفاتيكان الصريحة إلى اعتبار النصرانية وتراثها هوية ثقافية وحياتية لأوروبا، وذلك من خلال الدعوات المتكررة التي نسمعها الآن للخروج بإسلام معدَّل يتماشى مع الأوضاع في أوروبا ومع الهوية الثقافية والتراثية لها. ويعني هذا في مجموعه أن مسألة الهوية الدينية لأوروبا؛ قد أصبحت الآن دعوة مطروحة على مستويات وجوانب عدة، وليس فقط من جانب هيئة دينية هي الفاتيكان. ومن الغريب أن أوروبا التي تريد هيئاتها الدينية وبعض دولها وساستها النص في وثيقتها الدستورية على أن هويتها نصرانية؛ هي نفسها أوروبا التي تدعو هيئاتها الدينية ومؤسساتها الكبرى وبعض دولها الرئيسية والعديد من ساستها إلى تقنين العلمانية وتأسيسها في البلاد العربية والإسلامية، والنص في الدساتير والمواثيق فيها على فصل الدين عن الدولة، مع تنحية الدين (أي الإسلام) عن جوانب الحياة المختلفة، وإبعاده عن تحديد معنى الهوية والذاتية لتلك البلدان والمجتمعات. وتعوّل أوروبا وتساعد وتشجع التيارات والأقلام العلمانية في البلاد الإسلامية، كما تستخدم أدواتها السياسية والاقتصادية للضغط على الحكومات والأنظمة صوب ذلك الطريق. وتسير أوروبا في هذا التوجه على النسق الأمريكي حذو النعل بالنعل؛ ذلك لأن أمريكا، وهي تُحكم الآن على يد توجه ديني مسيحي أصولي (كما يسمّونه) صهيوني متطرف [١] ، تشجع العلمانية في البلدان الإسلامية، وتريد فرضها على المجتمعات الإسلامية بالقوة؛ بما فيها قوتها المسلحة، كما حدث في أفغانستان، وفي العراق ثم غيرها. ويجري هذا التوافق (الأوروبي الأمريكي) على مستوى التمسك بدينهم من ناحية، وإرادتهم أن يتخلى المسلمون عن دينهم! في وقت يجري فيه الحديث حول خلافات بين الطرفين في قضايا جزئية هنا وهناك. وهنا نعود مرة أخرى إلى بولندا، فإذا كانت بولندا تمثل الآن، وكما قال الصحفي الأمريكي (عودة المسيح إلى أوروبا) ، فإنها كذلك أصبحت تمثل عودة العم سام إلى القارة الأوروبية في هيئة الفاتح المسيطر صاحب النفوذ. فوسط أنباء حول التزام أمريكا نقل قواعدها وقواتها العسكرية من ألمانيا، حيث مركزها الرئيس في أوروبا إلى بولندا؛ تأتي تلك الدولة كي تدعم الوجود العسكري للاحتلال الأمريكي في العراق بالقوات الكبيرة العدد، وتعطيها دون غيرها قطاعات العراق لتسيطر عليه وتحكم عسكرياً. وفي الوقت نفسه تتوافر الأنباء والتقارير في بولندا حول شعبية أمريكا، إلى وجود أمريكي اقتصادي قوي يدعم بولندا ويحل مشكلات البطالة وسائر الأزمات الاقتصادية فيها. ويلتقي هذا التوجه مع رغبة أمريكية شديدة في فتح السوق البولندية لاستثماراتها وشركاتها ورؤوس أموالها. وهنا وفي بولندا رافعة لواء النصرانية في أوروبا الآن، والتي سبق أن أسقطت كنيستها الحكم الشيوعي فيها، تلتقي دوائر عودة الدين إلى ساحة البروز والنفوذ في الغرب بجناحيه الأمريكي والأوروبي، وذلك من ناحية ليكون علامة الهوية الغربية الجديدة، وليكون كذلك أداة المواجهة وشعارها وسلاحها مع الإسلام. فليست مصادفة أن تنتقل الجيوش الأمريكية في أوروبا من ألمانيا إلى بولندا مسيحية التوجه ومعها الثقل الاقتصادي، وليست مصادفة كذلك أن تجتمع قوات أمريكا الصليبية الصهيونية التوجه مع قوات بولندا رافعة لواء الهوية النصرانية الأوروبية في احتلال وإذلال بلد هو رمز الخلافة الإسلامية الأصيلة، كما سبق أن اجتمعت أوروبا ثم أمريكا على إخضاع تركيا بلد الخلافة العثمانية. والمدهش أن البعض، وتحت دعاوى الثقافة والاستنارة والعصرية، يقف الآن ليصفق للهوية الأوروبية الدينية الجديدة، ويدعو في الوقت نفسه إلى إسقاط الهوية العربية الإسلامية الدينية!

стр. 4823

نص شعري رجل السلام عبد الله موسى بيلا أغلِقْ عينَكَ عن آلامِكْ ... واسبَحْ.. واغرَق في أوهامِكْ واقنَعْ بالذُلِّ وعِش عبداً ... وتمرَّغ في وَحلِ سلامِكْ هادِنْ.. داهِنْ ... سالِمْ تَسْلَمْ ... فاوِضْ.. واكسِرْ حدَّ حُسامِكْ * * * ... لا تَعْدِمْ للسِلمِ سبيلاً ... واصمُمْ أُذْنَكَ عَنْ لُوَّامِكْ ... ما نَفْعُ الدينِ بلا دُنيا؟ ... فاخلَعْ دينَكَ عن هِندامِكْ! أعْلِنها في الكونِ جِهاراً ... واكفُرْ.. وابرَأْ مِنْ إسلامِكْ * * * ... هاوِدْ شارونَ ولا تَوْجَلْ ... أو تترَدَّدْ في إقدامِكْ وابسُطْ كفَّ السِّلم لإسر ... ائيلَ ... ولا تحفِلْ لِذِمامكْ أحسِنْ ظنَّكَ دوماً أبداً ... لا تتعجَّلْ في أحكامِكْ! * * * ... مهما عربَدَ شارونُ ولو ... أفنى شعبَكَ تحتَ ظَلامِكْ وانس الأسرى.. وكذا الجرحى ... وَضَعِ القتلى تحت رُغامِكْ وارسُمْ (خارطةً لطريق ... السِلْمِ) ؛ وصُنْ مجدَكَ بكلامِكْ * * * ... واحبِسْ كُلَّ شريفٍ يأبى ... الضَيْمَ ... ويأبى كأسَ مُدامِكْ واجعَلْ شارونَ أخا سِلمٍ ... في سِرِّكَ؛ أو في إعلانِكْ وتَمَتَّعْ بمسيلِ دِماءِ ... الشعبِ ... على نهجِكَ ونظامِكْ! * * * ... نَمْ.. واحلَمْ بالسِلْمِ وشاهِدْ ... سِلْمَ يَهُودٍ في أحلامِكْ عَلَّ حَمامَ السِلْمِ سَيُبعَثُ ... قبل الحشرِ ... على أنغامِك..!

стр. 4824

مرصد الأحداث أحمد فهمي afahmee@albayan-magazine.com أقوال غير عابرة: - «السفراء الأمريكيون في بلدانهم كانوا يتحركون بمنطق الآمر الناهي، بعض المسؤولين العرب يسرِّب لنا الآن أنه ما من مسؤول عربي يلتقي أميركياً إلا ويقول له الأميركي: ساعدونا في العراق، نساعدكم في فلسطين» . الدكتور موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس. [الرأي العام الكويتية، ١٣/١٢/٢٠٠٣م] - «إن دولاً تنضم إلى النادي النووي - باكستان وكوريا الشمالية - لا تريد مرة أخرى إغلاق باب النادي خلفها، والآن تصبح ناشرة للمعلومات النووية أيضاً» .. بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الأمريكي. [المركز الفلسطيني للإعلام، ٢١/١٢/٢٠٠٣م] - «لو أخذت بالتقارير التي أُرسلت لي ما تركت سنياً يمشي على الأرض في البصرة» ؛ قائد القوات البريطانية في البصرة، يتحدث لوفد من وجهاء السنة عن تقارير الوشاية التي يقدمها الشيعة ضد أهل السنة في البصرة. [مفكرة الإسلام، ٢٣/١٢/٢٠٠٣م] - «إننا نتكلف المليارات أمام إرهابيين يتكلفون الملايين» . دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي، يتحدث عن خطورة المدارس الدينية في باكستان. [بي بي سي، ٢٣/١٢/٢٠٠٣م] - «نحن نتعاون مع قوات الأمن الإسرائيلية، وتستطيعون سؤال جهات الأمن لديكم: كم من العمليات أُحبطت بفضلنا؟!» . أحمد قريع رئيس حكومة السلطة الفلسطينية، يتحدث لصحيفة يديعوت أحرونوت اليهودية. [السبيل، ٢٣/١٢/٢٠٠٣م] - «ليس هناك من عرب، هناك مجموعات من الناس تسمى عرباً» . الناطق الليبي حسونة الشاويش، يرد على سؤال حول عدم قيام ليبيا بالتنسيق مع الدول العربية قبل قرارها التخلص من برامجها النووية. [النهار، ٢٤/١٢/٢٠٠٣م] - «دخل الأكراد السباق وكذلك الشيعة، أما السنة فإنهم لا يزالون متأخرين وعليهم الانطلاق» . الكولونيل الأميركي ستيف راسل، في لقاء ضم عشرة من شيوخ العشائر السنية في تكريت. [النهار، ٢٤/١٢/٢٠٠٣م] - «آمل ألا نباع هذه المرة أيضاً» . الزعيم الكردي مسعود البرزاني، يعبر عن خوفه من غدر الأميركيين بالأكراد بعد دعمهم الفائق للاحتلال الأميركي للعراق. [العصر، ٣٠/١٢/٢٠٠٣م] - «نحن نعيش اليوم زمن وعصر المقاومة، المقاومة هي التي تتوقف عندها كل مشاريع العالم، كل ما قدمته أمريكا من مشاريع تتوقف عند أقدام المقاومة في فلسطين والعراق» . خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس. [برنامج بلا حدود، فضائية الجزيرة، ٢٤/١٢/٢٠٠٣م] أحاج وألغاز: إبداع في النفاق تستحق «الجمهورية» الصحيفة الرسمية الرئيسية في ليبيا جائزة خاصة لأفضل عبارات النفاق، وذلك عن وصفها قرار ليبيا بالكشف عن برامج أسلحة الدمار الشامل بأنه: «إعلان للحرب على دبلوماسية الموت؛ لأنه يضع ضغوطاً هائلة على الإسرائيليين!! فأسطورة خوفهم من الأسلحة العربية لم تعد قائمة.. لن يتم تجاهل أسلحتهم أو تظل خافية عن أعين بيلكس والبرادعي» . [بي بي سي. بتصرف، ٢٣/١٢/٢٠٠٣م] حكمة «اكتشفت بعد خبرتي الطويلة أننا يجب أن نحترم الشرعية الدولية؛ لأننا إن لم نفعل ذلك فسوف نداس بالأقدام والنعال» . العقيد معمر القذافي. [النهار اللبنانية، ٢٤/١٢/٢٠٠٣م] السر في وجهات النظر س: يقال إن قطر لعبت الدور الأساسي في ترتيب العلاقة بين الليبيين والأميركان؟ ج: إحنا نقلنا رسائل ونقلنا وجهة نظر بين الليبيين والأميركان، وبين الليبيين والبريطانيين. س: هل صحيح أيضاً أنكم لعبتم دوراً في ترتيب علاقات السودان مع أميركا؟ ج: كان فيه اتصالات لتقريب وجهات النظر إلى أن توصلوا إلى مرحلة متقدمة من العلاقات. س: دائماً تفاجئنا بهذه المقابلات مع مسؤولين إسرائيليين؟ ج: هذه مقابلات صدقني تتم لتقريب وجهات النظر في أشياء كثيرة. من حوار للشيخ حمد بن جاسم وزير الخارجية القطري في برنامج بلا حدود. [الجزيرة، ٣١/١٢/٢٠٠٣م] اتصل الآن ولا تضع الوقت على طريقة برامج المسابقات التي انتشرت كالزكام في الآونة الأخيرة، بدأت إحدى الكنائس الأميركية في هيوستن - تكساس الإعلان عن إجراء سحب على سيارة رياضية ودراجة نارية أثناء صلاة رأس السنة، وقال والتر هالام مسؤول بالمركز النصراني للحياة الوفيرة التابع للكنيسة: «إنها مجرد حافز لحث الناس على المجيء تلك الليلة؛ خاصة من لا يحضرون بانتظام إلى الكنيسة. وقال: » لو كنا نستطيع عرض عشر سيارات وعشر دراجات لفعلنا «، وحسب النظام الجديد أتيح للذين يحضرون إلى الكنيسة تسجيل أسمائهم عن كل صلاة يشاركون فيها، ويستطيع مرتاد الكنيسة تسجيل اسمه مرتين إذا تمكن من إحضار شخص آخر معه. [مفكرة الإسلام. بتصرف، ١/١/٢٠٠٤م] مبشرات: -» من المفاجآت أن موازنة الحركة تتضاعف كلما زادت الشدائد علينا، والناس يبحثون عنا ليدفعوا لنا الأموال، وهناك أناس يتنقلون من بلد إلى آخر كي يدفعوا لنا.. «. الدكتور موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحماس. [الرأي العام، ١٣/١٢/٢٠٠٣م] -» نحن الآن متفاهمون مع «الجهاد» في قيادة سياسية مشتركة في الداخل والخارج، ومنذ أكثر من ٥ شهور بدأنا التنسيق في العمليات المشتركة، لا يوجد بيننا الآن خلاف في المواقف السياسية والفكرية، والمشكلات السابقة كانت مجرد تنافس على ساحة واحدة، وكان يتولاه شباب صغار السن، ووارد حدوث رعونة من بعضهم، وتم تجاوز هذه المسألة «. [الدكتور موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحماس، السابق] - أمراض غريبة يتعرض لها الجنود الأمريكيون في العراق، منها مرض تليف المخ الذي يصيب الجنود نتيجة استخدام المقاومة العراقية متفجرات عالية الصوت وقوية التأثير، وأسلحة تقليدية؛ في الكمائن التي تتعرض لها قوات الاحتلال في مناطق متفرقة من العراق، وقال أطباء في مركز» وولتر ريد الطبي العسكري «رفيع المستوى في واشنطن إن معدلات الإصابة في حرب العراق تفوق بثلاثة أمثال معدلاتها في حروب أخرى، وإن الخوذات الحديثة التي يستخدمها الجنود الأمريكيون من طراز كيفلار تتأثر بالموجات القصيرة الناتجة عن الانفجارات؛ وهو الأمر الذي يصيب الجنود بأضرار تتراوح بين ارتجاج معتاد في المخ وغيبوبة أو الوفاة، وذكرت دراسة مبدئية شملت ١٠٥ جنود أصيبوا في العراق في الفترة من يونيو إلى أكتوبر ٢٠٠٣م؛ أن ٦٧% يعانون من تليف في المخ على درجات مختلفة، وكانت دراسة أخرى أعدها الجيش الأمريكي قد خلصت إلى أن ٢٠% من هؤلاء الجنود مصابون بهذا المرض، وذكرت لوفيجارو الفرنسية أن ذبابة الرمال أدت إلى إصابة مائة وخمسين من الجنود الأمريكيين بأمراض جلدية طفيلية غريبة، بينها مرض يسمى الليشمانيا الذي ربما يستغرق علاجه أشهراً طويلة، ويقول عالم الحشرات بالجيش الأميركي راسل كولمان:» كنا نشاهد الجنود وهم يؤكلون أحياء.. كان يتعرض الواحد منهم إلى مائة لسعة في الليلة الواحدة، وفي بعض الحالات ألف لسعة «، وتوقع ظهور أكثر من أربعمائة إصابة جديدة مع شهر أبريل القادم، وعبَّر عن خشيته أن ينتقل المرض إلى أميركا عن طريق الجنود المصابين. [السبيل نقلاً عن الهيرالد تربيون] - ذكر أن عدد المساجد داخل الأراضي المحتلة عام ٤٨ في فلسطين قد زاد في ١٥ عاماً بمعدل ٤ أمثال، من ٨٠ مسجداً عام ١٩٨٩م، إلى ٣٦٣ عام ٢٠٠٣م، ١٤٩ مسجداً منها تشرف عليها الحركة الإسلامية بزعامة الشيخ رائد صلاح عن طريق سيطرتها على عدد كبير من المجالس المحلية. [موقع الإسلام أون لاين، ٧/١٢/٢٠٠٣م] - قوة أي أمة في المستقبل تقاس بمستوى أجيالها القادمة أخلاقياً وعلمياً وصحياً، وفي الكيان الصهيوني لا تبشر الحال بخير؛ فقد أجرت شرطة مكافحة المخدرات بحثاً ميدانياً، كشف عن أن ثلث الطلاب اليهود مدمنون للمخدرات وليسوا مجرد متعاطين، ونشرت معاريف أن الإدمان لم يقتصر على الأنواع المعتادة مثل» الحشيش «؛ بل امتد ليشمل أكثر الأنواع خطراً مثل الهيروين والكوكايين والأكستازي، وتبين أن ٤٠% من طلبة ثلاث مؤسسات تعليمية كبرى هي جامعة بن جوريون ومعهد بيت تل أبيب بلغت النسبة فيهم ٣٧%، وأرجع البحث السبب الرئيس في ذلك إلى حالة القلق التي يعيشها الشباب بسبب الانتفاضة الفلسطينية المباركة. مرصد الأخبار: إندونيسيا ترزح تحت القوات الخاصة والجواسيس تكاد القوات المسلحة الإندونيسية تتفرغ تماماً لهدف واحد هو السيطرة على الأوضاع الداخلية، وفي ظل عدم وجود تهديد خارجي جدّي، فإن الشعب الإندونيسي يحظى باهتمامات الجيش التي تتمثل في زيادة مضطردة في أعداد القوات الخاصة المكلفة بأعمال داخلية، وافتخر قائد القوات البرية ورئيس الأركان الإندونيسي رياميزارد رياكودو بأن لدى إندونيسيا أكبر قوات خاصة في العالم، وقال إن لديهم ١٠ كتائب من قوات الاقتحام التي انضمت حديثاً إلى الجيش، وذكر أن قوات الاقتحام الجديدة مسلحة ببنادق خفيفة وتلقت تدريباً مدته ٦ أشهر، وأن هذه القوات ستتولى عدداً من المهام الخاصة تتضمن مكافحة ما وصفه بـ» الإرهاب «، وتضم قوات الاقتحام الرئيسية ٨٠٠٠ فرد، يدعمهم ١٢٥٠٠ من الأفراد الآخرين الذين يتولون عمليات الإسناد، وقد أنفق الجيش خمسين مليار روبية إندونيسية على إعداد وتجهيز قوات الاقتحام. ومن ناحية أخرى فقد صرح الجنرال نفسه بأن إندونيسيا مخترقة من قبل ٦٠ ألف عميل أجنبي ينتشرون في مختلف أنحاء البلاد منذ فترة طويلة، واعترف أن عملاء الاستخبارات يدخلون إلى إندونيسيا بسهولة في ظل عدم وجود أية رقابة لمنعهم، ورفض الجنرال رياكودو توضيح هوية هؤلاء العملاء أو الجهات الاستخباراتية التي يعملون لحسابها. [مفكرة الإسلام. بتصرف، ٢٧/١٢/٢٠٠٣م] فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون يتحدث الجنود الأمريكيون في المناطق السنّية الأكثر عداء للوجود الأمريكي؛ عن أن قادة المجتمع المحلي متعاطفون مع المقاومة، ويقدمون لها جزءاً من الأموال النقدية التي تمنح للمدارس والعيادات الصحية والشرطة، ويقدرون ذلك بحوالي ١٠٠ ألف دولار، ويعتقد أحد كبار القادة العسكريين الأمريكيين في المثلث السنّي أن الأموال التي دفعها هو شخصياً جرى تسديدها على صورة هجمات آر. بي. جى وهاون، ويقول الضابط كول أوبري غارنر من الكتيبة المدرعة ١٦٨ المتمركزة قرب مدينة» بلد «شمالي بغداد: إذا ذهبت وبنيت مدرسة مهدمة فإنني متأكد بأن نسبة معينة من الأموال التي ننفقها سوف يتم تحويلها للسداد بصورة هجمات تشن على القوات الأمريكية والقوات الحليفة لها، ففي هذه المنطقة توجد منازل فخمة تطل على نهر دجلة القريب، ويسكنها بعثيون كبار، وهؤلاء بالتعاون مع شيوخ العشائر المحليين ممن كانوا يتمتعون ببركات عطايا صدام سابقاً هم الذين يستعملون ثرواتهم حالياً بالإضافة إلى ما يقدمونه من مساعدات مالية في تجنيد مقاتلين ضد الأمريكيين، ويقدر غارنر أن كل واحد من هؤلاء الأثرياء قادر على تسليح ١٥٠ مقاتلاً من خارج نطاق المنطقة التي هي في الأصل قليلة السكان، ويقول الضابط غارنر:» منذ وصولي إلى هذه المنطقة في أوائل شهر يوليو الماضي تطورت هجمات المقاومة المتفرقة في الصيف إلى أن أصبحت حرب مغاوير متواصلة «. [الوطن القطرية، نقلاً عن الإندبندنت، ١٤/١٢/٢٠٠٣م] الوجه الآخر لأحمد الطيبي كثيرون رأوا وسمعوا أحمد الطيبي الفلسطيني عضو الكنيست اليهودي، والذي طالما أرغى وأزبد دفاعاً عن الحق الفلسطيني السليب، لقد تكشف أخيراً ما وراء الضجيج الإعلامي؛ حيث ذكرت يديعوت أحرونوت أن الطيبي قدم طلباً مشتركاً مع إيهود يتوم عضو الكنيست للقاء الجنرال احتياط داني تيرزا المسؤول عن تخطيط الجدار الفاصل في المنطقة الوسطى؛ وذلك لتغيير مسار الجدار كي يدخل بيت الطيبي داخل الجدار الفاصل. وقال الطيبي إنه يشعر بالمعاناة؛ لأن الأمر يتعلق بنقل ابنته إلى المدرسة الواقعة داخل الجدار، وتكمن الفضيحة في أن أحمد الطيبي يسكن في حي الضاحية الواقع في القدس العربية، وهي من المناطق التي احتلها اليهود في عام ١٩٦٧م، وهذا يعني أنه يطالب حكومة شارون بإزاحة الجدار الفاصل إلى داخل الأراضي الفلسطينية أكثر وأكثر، ومصادرة مئات الدونمات من الأراضي كي يكون بيته داخل الحدود التي تحاول دولة الصهاينة أن ترسمها لنفسها عبر الجدار الفاصل، والمؤسف أن إيهود يتوم الليكودي واسطة الطيبي والذي يرتبط معه بصداقة قوية إلى حد ارتشاف القهوة يومياً، هو من رجال الأمن السابقين، والذي تلطخت يده بدماء الفلسطينيين عام ١٩٨٤م. [الراية القطرية، ١٣/١٢/٢٠٠٣م] من نوادر الإف بي بي نقلت صحيفة» وول ستريت جورنال «عن مصادر رسمية فرنسية أمس أن مكتب التحقيقات الفيدرالي» إف بي آي «أخطأ في شأن هوية عدد من ركاب رحلات لشركة» إير فرانس «الجوية الفرنسية كان يشتبه بأنهم إرهابيون، وهو الأمر الذي أدى إلى إلغاء ٦ رحلات بين باريس ولوس أنجليس، وكان الإف بي آي سلم الشرطة الفرنسية لائحة بستة أسماء ومعلومات مفادها أنهم إرهابيون مرتبطون بالقاعدة، ويخططون لخطف طائرة تابعة لشركة» إير فرانس «من أجل تفجيرها في أميركا، ومن ثم تقرر إلغاء ٦ رحلات بين باريس ولوس أنجليس، وتم استجواب الخطرين الذين وردت أسماؤهم في اللائحة السوداء ليتكشف أن أحد الأسماء الموصوفة بأنها لقائد إرهابي خطر هي لأحد الأطفال، والأسماء الأخرى لموظف في قطاع التأمين من ويلز، وسيدة صينية كانت تملك مطعماً في باريس، وثلاثة مواطنين فرنسيين، ومن ثم فقد عادت حركة الطيران إلى طبيعتها الجمعة ٢٦ ديسمبر. [وكالات الأنباء، ٣٠/١٢/٢٠٠٣م] » البيجو «من وسائل تجديد الخطاب الديني في العراق اختارت القوات الأميركية في العراق وسيلة سهلة لإجراء تعديلات جوهرية على الخطاب الديني لأئمة المساجد في محافظة صلاح الدين، فبدلاً من الوسائل الصعبة والتي تقوم على الحوار الفكري والثقافي؛ استورد الأميركيون مجموعة سيارات فرنسية مستعملة ماركة» بيجو ٤٠٦ «من أجل تقديمها كرشوة لأئمة المساجد، وقدم الجيش الأمريكي ثماني سيارات إلى بعض الأئمة الذين استغلوا المناسبة للشكوى من الجنود الذين يتهمونهم دائماً بالتعاطف مع القاعدة. [وذكرت جريدة الوطن، ٢٨/١٢/٢٠٠٣م] وإن القومندان ديريك جوردان من فرقة المشاة الرابعة قال في حفل تسليم المفاتيح:» إنها بادرة حسن نية من الجنرال الذي يتوقع أموراً جيدة من قبل رجال الدين «، واحتفظ الضابط بمفاتيح خمس سيارات؛ لأن بعض الأئمة لم يتقدموا لاستلام سياراتهم، بل بعثوا ممثلين عنهم، بينما تقضي الإجراءات بأن يوقعوا على وثائق لدى تسلمهم سياراتهم، وقال عباس زيدان المسؤول المحلي للمكتب العراقي للشؤون الدينية إنه تم اختيار هؤلاء الأئمة استناداً إلى معايير محددة، وإن مستوى التعليم والتعهد بعدم استخدام السيارات لأغراض شخصية أخذت في الاعتبار، وقال:» هذه السيارات ستكون مفيدة جداً؛ لأنها ستسمح للأئمة بزيارة عدة مساجد بدلاً من مسجد أو اثنين في اليوم الواحد «. وألقى الأئمة وممثلوهم كلمة شكر؛ لكنهم اشتكوا من الجنود الذين يضايقونهم؛ لأنهم ملتحون، ونفى القومندان جوردان بأن الجيش الأمريكي يحاول الحصول في المقابل على دعم رجال الدين، وصرح للصحافيين:» عندما نقوم بإصلاح محطة لضخ المياه لا نحاول رشوة مديرها بل نساعد الناس «. وحول سؤال عن سبب اختيار هذه الماركة بالتحديد قال القومندان:» إنها السيارات المناسبة بالسعر المناسب «، ويتندر بعضهم بالقول إنه يبدو أن الأمريكيين قد اشتروها من » حراج باريس «، ويوحي العدد الذي تسلم السيارات أن أغلب الأئمة لم يوافقوا على هذه الرشوة. مركز ابن خلدون يهاجم الإسلام في بلد الأزهر!! مركز ابن خلدون، والذي يديره الدكتور سعد الدين إبراهيم بمنحة أمريكية، تجاوز الحدود؛ حيث نظم ندوة لأحد باحثيه هو الدكتور عثمان محمد علي، حملت عنوان:» النبي محمد ﷺ بين القرآن الكريم وأخطاء البخاري وإخوته «، وقد انطلق الدكتور الدعيّ في بلد الأزهر يشكك في ثوابت إسلامية عقدية جاء بها القرآن؛ حيث ادعى أن الرسول ﷺ لم يكن أمياً وإنما كان:» متعلماً وحاذقاً (!!) والدليل على ذلك حفظه وإجادة قراءته للقرآن الكريم الذي يشتمل على إبداعات لفظية ولغوية لا يدركها إلا متعلم، وكيف أن الله وهو الذي اصطفى رسله واختارهم يجعل أحدهم وهو النبي محمد صلى الله عليه وسلم أقل من أقرانه في القراءة، ولماذا لم يختر أحد كتاب الوحي الذين كتبوا ودونوا القرآن الكريم كتابة (!!) «. وهو يخالف بذلك نص القرآن الصريح الذي يقول: [الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيل] (الأعراف: ١٥٧) . كما تطرق الباحث عن الضلال إلى أن المسجد الأقصى المبارك ليس موجوداً في فلسطين (!) خلاف ما هو معلوم بالضرورة، وإنما الموقع الحقيقي للمسجد الأقصى بالبقعة المباركة بجبل الطور بسيناء، وهو مكان تلقي موسى ﵇ للألواح (!) . وقال الباحث الضال إن دليل ذلك رفض عمر بن الخطاب ﵁ الصلاة داخل الكنيسة عندما ذهب لتسلم مفاتيح بيت المقدس. وزعم أنه لو كان المسجد الأقصى موجوداً في هذه المنطقة لكان الأحرى أن يؤدي فيه الصلاة (!!) خاصة أن الصلاة فيه تعادل ٥٠٠ صلاة في غيره. وهذه مغالطة تاريخية كبيرة، فلا علاقة بين الأقصى والكنيسة. [بتصرف، نقلاً عن الوطن، ٥/١/٢٠٠٤م] مرصد الأرقام: - كشفت دراسة غذائية مصرية أن ١٩% من أطفال مصر يعانون من قصر القامة بسبب سوء التغذية في المقام الأول، والذي يتسبب في أعراض أخرى مثل سوء التحصيل، وقلة المجهود العضلي والذهني. [الشرق الأوسط، عدد (٩١٦١) ] - يواصل الاقتصاد الهندي ثالث أكبر اقتصاد في آسيا تحسّنه بصورة متزايدة، فقد بلغت احتياطات النقد الأجنبي مائة مليار دولار للمرة الأولى، ويتوقع أن يبلغ معدل نمو الاقتصاد في مارس القادم أكثر من ٧%. [الشرق الأوسط، ٢٨/١٢/٢٠٠٣م] - حسب التقرير السنوي لليونيسيف يعاني ٧٠ مليون عربي من الأمية، بينهم أكثر من ٤٥ مليون امرأة وطفل، ويتركز أكثر من ربع الأميين في مصر - ١٧ مليوناً -، بينما يتوزع ٧٠% في أربع دول أخرى، هي السودان والمغرب والجزائر واليمن، ويعتبر نصف العرب الذين تجاوزوا ١٥ عاماً أُمِّيون، ويبلغ إجمالي عدد السكان ٢٨٠ مليون نسمة. [الوطن القطرية، ١٣/١٢/٢٠٠٣م] - حسب مجلس العلاقات الإسلامية - كير - فإن استطلاعات الرأي التي جرت منذ أحداث سبتمبر في أميركا كشفت أن: ٦٥% من الأميركيين يشعرون بافتقارهم إلى فهم جيد عن الإسلام، ٥٢% يرون أن الإسلام دين لا يشجع العنف، ٥٧% من الأميركيين يرفضون فكرة وجود حرب بين الإسلام والغرب، ولا يمنع ذلك من تزايد نسبة من ينظرون للإسلام نظرة سلبية بعد أحداث سبتمبر. [الخليج. بتصرف، ٨/١٢/٢٠٠٣م] ترجمات عبرية خاصة بالبيان: محمد زيادة ابن جولدشتاين الإرهابي لن يكون طياراً الجندي» يي «ابن باروخ جولدشتاين مدبر مذبحة الحرم الإبراهيمي ضد المصلين المسلمين، كان يتمنى أن يكون طياراً لكنه أصيب بخيبة الأمل عندما أخفق في اختبار عقد أمام عدد من القادة، وبذلك لن يتمكن الجندي من تحقيق حلمه؛ حيث كان يؤكد على رغبته في أن يخلف والده في قتال الأعداء الفلسطينيين في أي مجال، وليس هناك أفضل من المجال العسكري إلى حين تأتي الفرصة. [موقع القناة السابعة التابعة للمستوطنين المتطرفين، ١/١/٢٠٠٤م] يهود الأرجنتين» سرقوا «يهود فلسطين عملت الحكومة على جلب ٧١٦٤ مهاجر يهودي من الأرجنتين على مدار عامين؛ لكننا سجلنا أكثر من ١٠٠٠ مهاجر تركوا البلاد خلال شهر واحد فقط، و٢٠٠٠ آخرين يريدون العودة للأرجنتين بحجة أحداث فردية وقعت ضدهم من الفلسطينيين، والمشكلة أنهم أخذوا قروضاً ورواتب شهرية وإعانات لشراء سكن لهم لدى هبوطهم» إسرائيل «، وتجاوز المبلغ الإجمالي لكل أسرة أكثر من ٩٥ ألف شيكل؛ فمن يعيد هذه الأموال؛ خاصة أن وزارة المالية لم تشترط ضرورة رد الأموال في حالة عودتهم لبلادهم الأصلية؟ [صحيفة معاريف العبرية، ٢١/١٢/٢٠٠٣م] جندي صهيوني يهرب لبيع كليته! كشفت الشرطة العسكرية عن هروب جندي من أصل أوكراني بعد ٣ أسابيع فقط من تجنيده؛ بسبب عدم قدرته على الخدمة العسكرية وخوفاً على حياته من الفلسطينيين، لكن كشف عن الجندي لدى عودته من أوكرانيا مرة أخرى؛ حيث تبين أنه بكلية واحدة وقد باع الأخرى في أوكرانيا لمعالجة أوضاعه المادية التي تدهورت في» إسرائيل «، والتي اضطر للعودة إليها من أجل إنهاء متعلقاته والانتقال نهائياً إلى بلاده أوكرانيا. [صحيفة معاريف، ومجلة معراخوت العسكرية الإسرائيلية، عدد ديسمبر ٢٠٠٣م] تصريحات: -» الجدار الفاصل يسبب التصادم مع العرب والكراهية، لكن على العرب أن يفهموا أن المعسكرين اليميني واليساري في إسرائيل متفقان على ضرورة وجود الجدار، بل متفقان على خطة الفصل الأحادي الجانب عن الفلسطينيين. وعلى الجميع أن يقف مع الجيش ويشجعه؛ حتى لو أطلقوا النيران على ناشطي السلام المحتجين على بناء الجدار «. [الكاتب السياسي الإسرائيلي المتطرف» إسرائيل هرائيل «، هاأرتس، ١/١/٢٠٠٤م] -» الشيء الوحيد الذي أسعدني رغم وفاة والدي أنه خرج من جهنم مصر إلى مثواه الأخير في الجنة، حيث سيُدفن في المقابر اليهودية مع الآباء والأجداد، لقد عامل المصريون والدي معاملة سيئة حتى وهو مريض، ولم يتساهلوا في الاستجابة لطلبات الحكومة بالإفراج عنه، وقد وقفت الحكومة اليهودية موقف المتفرج على والدي حتى عاد إلى الوطن «جثة» . [أمنون طحان نجل تاجر المخدرات الصهيوني يوسف طحان، وقد مات في سجنه بمصر جراء مرض السكر، ١/١/٢٠٠٤م] أخبار التنصير: أبو إسلام أحمد عبد الله المسلمون يحرسون كنائس إندونيسيا شاركت عدة جمعيات إسلامية إندونيسية في حراسة الكنائس ومنازل النصارى في أيام عيدهم، وكان أبرز المشاركين «جماعة نهضة العلماء» أكبر منظمة إسلامية في إندونيسيا، وتولى عشرات من أعضائها حراسة كاتدرائية جاكرتا الكبرى إلى جانب ٢٠٠ شرطي، وفي جزيرة «باتام» قبالة سنغافورة، حيث يتزايد فيها عدد المتنصرين جراء النشاط المكثف للمنصرين، قال شاب مسلم: «رغم محاولات تنصير المسلمين في البلاد؛ فإنني ومسلمين آخرين نشارك في حراسة بعض الكنائس هنا» ! وزعم أنهم لا يعارضون احتفال الأقلية النصرانية بأعيادها؛ لكنهم يعارضون بعض المظاهر الإباحية، ويفسر السبب في هذا التصرف الغريب بالرغبة في عدم تكرار أحداث عام ٢٠٠٠م؛ حيث أدت انفجارات في كنيسة باتام الرئيسية إلى مقتل وإصابة العشرات، وتبلغ نسبة المسلمين في إندونيسيا ٨٧% - ٩٠%؛ بينما لا تتجاوز نسبة النصارى ٧%. [الوكالة الفرنسية للأنباء] البروتستانت الأميركيون يغزون العراق بالأناجيل العراق يشهد نشاطاً تنصيرياً محموماً من المنظمات البروتستاتنية تحت غطاء إنساني، وقالت الصحيفة إن الهدف الآن هو توزيع نحو مليون إنجيل باللغة العربية وشرائط فيديو وكراسات دعائية في أنحاء العراق، بعد أن تم توزيع ٨ آلاف نسخة في الفترة الماضية، ويعتقد المنصرون البروتستانت أن المسلمين والمسيحيين لا يعبدون الإله نفسه، وأبرز ممثليهم في العراق «هيئة الإرساليات الدولية» الذراع التنصيرية للمعمدانيين الجنوبيين الذين يعدّون أكبر طائفة بروتستانتية في أمريكا، وفي خطاب لأتباع كنيسته البالغ عددهم ١٦ مليون شخص؛ قال «جون برادي» رئيس «هيئة الإرساليات الدولية» للشرق الأوسط وشمال إفريقيا: «لقد دعا المعمدانيون الجنوبيون لسنوات أن يكون العراق مفتوحاً للتنصير» ، وقالت جاكي كون ٧٢ عاماً، وتعمل في التنصير: إن بعض العراقيين الذين التقت بهم قد اعتنقوا المسيحية فعلاً، وضربت مثالاً على ذلك بامرأة كردية وشقيقها اعتنقا المسيحية على يديها. [صحيفة ديلي تليجراف البريطانية، ٢٧/١٢/٢٠٠٣م]

стр. 4825

متابعات رسالة علمية في جامعة الأزهر عن: مجلة البيان ودورها في نشر الثقافة الإسلامية نوقشت في جامعة الأزهر بالقاهرة رسالة ماجستير حول «مجلة البيان ودورها في نشر الثقافة الإسلامية» تقدم بها الباحث ماهر بدر سالم حامد لنيل درجة الماجستير من قسم الثقافة الإسلامية بكلية الدعوة الإسلامية، وقد أشرف على الرسالة الأستاذ الدكتور زكي محمد عثمان رئيس قسم الثقافة الإسلامية بالكلية، وتمت المناقشة في يوم الأربعاء ١٦/١٠/١٤٢٤هـ الموافق ١٠/١٢/٢٠٠٣م، بمركز صالح كامل بجامعة الأزهر. وتكونت لجنة المناقشة من كل من الدكتور زكي عثمان مشرفاً على الرسالة، والدكتور حسن عبد الحميد حسن عميد كلية أصول الدين بالمنوفية مناقشاً خارجياً، والدكتور جلال سعد الدين البشار وكيل كلية الدعوة مناقشاً داخلياً. وقد علمت المجلة خلال اتصال الباحث بها باختياره للمجلة ودورها في نشر الثقافة الإسلامية موضوعاً لبحثه، وقد تناول الأعداد: من العدد: ١ إلى العدد: ١٥٠ التي صدرت خلال الفترة ١٤٠٦هـ إلى ١٤٢١هـ، والتي حوت أكثر من عشرين ألف صفحة من صفحات المجلة، غاص فيها الباحث قراءة وتبويباً وتحليلاً، وجاء بحثه مطولاً في ٦١٣ صفحة؛ وعندما سألناه عن سبب اختياره للمجلة أجاب: «لأن المجلة بمنهجها في الطرح والمعالجة تستحق لأن تكون موضوعاً للبحث الإعلامي» ، والباحث يُعَدُّ حديث عهد بقراءة المجلة نسبياً؛ إذ لم يكن يعرفها قبل ست سنوات؛ لكنه أضاف أنه منذ أن عرفها حرص على الاشتراك فيها وقراءتها بصورة منتظمة، وكانت دعوة كريمة من المشرف والباحث لأسرة التحرير لحضور المناقشة. وفي المناقشة أشاد أعضاء اللجنة بالبحث وبالمجلة، وكان مما قاله الدكتور حسن عبد الحميد: «المجلة كموضوع للبحث تصلح لأن تكون موضوعاً لنيل درجة الدكتوراه.. والحقيقة قبل أن أتحدث عن الرسالة لي كلمة موجزة عن المجلة وهي كلمة ألفُّها في ثوب شكر للقائمين عليها، ولا أشكرهم لأنهم ضيوف فقط، ولكن أوجه الشكر لهم أيضاً لهذا الجهد المبذول في خدمة الدعوة الإسلامية، وهو جهد لمسته من خلال الصفحات، ولست بمتابع لهذه المجلة أو قارئ لها، وإنما تابعتها عن كثب عندما قرأت هذه الصفحات الطوال التي أثقلني بها الباحث قراءة وأمتعني بها فكراً. قرأت هذه الصفحات فلمست الجهد الذي بذل في هذه المجلة والمعاناة التي عاناها الطالب في البحث وفي جمع هذه النصوص كي تخرج الرسالة على النحو الذي خرجت عليه. والحقيقة أن هذه المجلة من المجلات القليلة في ميدان الدعوة التي تختار موضوعاتها بعناية وتمحيص، تبدو أنها تدقق في اختيار موضوعاتها وتراجعها مراجعة دقيقة، فتختار لها أساتذة على مستوى المسؤولية هذا من ناحية المادة العلمية التي كتبت في المجلة، أما من ناحية الموضوعات فهي كثيرة وثرة في مختلف الميادين: تبشير، واستشراق، وقضايا اقتصادية، وسياسية، وتربوية، وشرعية» . هذه الشهادة التي نعتز بها كثيراً ونحمد الله تعالى عليها نسوقها بشرى لقرائنا الكرام الذين شاركونا رحلتنا الطويلة قراءة ونصحاً وتوجيهاً، ونحتسبها عند الله من عاجل بشرانا بمنِّه وكرمه. وقد استخدم الباحث ثلاثة مناهج في معالجته للمادة المنشورة هي: المنهج الوصفي، والمنهج التحليلي، والمنهج التاريخي. ونجح الباحث من خلالها في بلورة رؤية تبدو كلية حول منهجية المجلة في الطرح وطريقتها في العلاج وما تميزت به من هدوء في المعالجة وعمق في التحليل وانطلاقها من منهج أهل السنة اعتقاداً ومسلكاً، وتنظيراً وتطبيقاً؛ وقد حرر الباحث هذا في مقدمة البحث والتمهيد؛ ثم جاءت فصول البحث الستة لتبين مدى اهتمام المجلة بالمجالات المختلفة في فصول البحث الستة: ففي الفصل الأول: تناول الباحث اهتمام المجلة بالقضايا الدعوية من ضرورة الاهتمام بالدعاة وإعدادهم الإعداد الجيد، وتدريبهم على أساليب الدعوة من خلال مفهوم القرآن الكريم وسنة الرسول ﷺ ، واهتمامها بموضوع الدعوة وما يدعو إليه الداعية، وهو دين الإسلام بخصائصه العظيمة المميزة له عن سائر الأديان: من شموله وعمومه، ووسطيته، وجلبه للمصالح. واهتمت المجلة بالداعي من حيث وظيفته، وعِدَّته وأخلاقه وصفاته وأبرزت أهمية أساليب الدعوة ووسائل تبليغها، وأهم الطرق التي تؤدي إلى نجاحها وتأديتها بالوجه الصحيح. وفي الفصل الثاني: أبرز الباحث اهتمام المجلة بمجال التربية الإسلامية ودورها في تنشئة الجيل الصالح، وكأساس للبناء والنهوض، وأنها هي الحل الوحيد للإنسان المسلم من أجل سعادته في الدنيا والآخرة، وعالجت القضية بطريقة منهجية ترسم الأهداف أمام المربي وتحدد له الغاية العظمى، وتميز بين التربية الإسلامية وبين سائر النماذج التربوية الأخرى من حيث المفهوم.. والخصائص.. والغاية.. والوسائل.. والأساليب. وفي الفصل الثالث: تناول معالجة المجلة لعدد من الأمراض الاجتماعية التي تئن منها مجتمعاتنا الإسلامية ممثلاً لذلك بمعالجة قضية البغاء، وقضية تبرج النساء واختلاطهن بالرجال، ومشكلة شرب الخمور وتعاطي المخدرات، والتعليم المختلط وما يترتب على ذلك من فساد خلقي واجتماعي، وكذلك مسألة التقليد الأعمى وفتنة مسايرة الواقع. وفي المقابل دعت لارتداء المرأة للحجاب كجزء رئيس من حل المشكلة الأخلاقية، وعالجت قضية تعدد الزوجات بما يحقق الحكمة من تشريع التعدد ويلجم خصوم الإسلام. وفي الفصل الرابع: تناول معالجة المجلة للقضايا الاقتصادية والذي تمثل في نقد المجلة للمذهبين الرأسمالي والاشتراكي من معالجتها لأطروحاتهما وما ينجم عنهما من إشكاليات معاصرة مثل النظام المصرفي الربوي والتأمين، ومعالجة المجلة لمسألة التبعية الحضارية التي تولد التخلف. وفي الفصل الخامس: أبرز الباحث جهود كُتَّاب المجلة في الجانب الفكري ومثل له بالإسهامات في دفع مخاطر الاستشراق والتنصير والتيارات والأفكار المنحرفة كالعلمانية والماسونية، والغزو الفكري الذي بات يتهدد الأمة في دينها وهويتها ومستقبلها. وفي الفصل السادس: ركز الباحث على معالجة المجلة لقضايا الواقع السياسي مركِّزاً على موضوعين هما: القضية الفلسطينية، وقضايا الأقليات الإسلامية في العالم؛ وعدّ مجلة البيان منبراً من المنابر التي يوجه منها علماء الأمة الإسلامية كلمتهم إلى المسلمين كافةً. فتعددت المقالات، والدراسات الموثقة، والقصائد الشعرية، والبيانات شديدة اللهجة حول قضية فلسطين وما يدور حولها من أحداث. ورأى الباحث أن المجلة أسهمت إلى حدٍ كبيرٍ في تحريك الرأي العام العربي والإسلامي تجاه القضية الفلسطينية من الزاوية الدينية والجغرافية والتاريخية. ثم ختم الباحث بحثه بخاتمة ذكر فيها أهم ما توصل إليه من نتائج، كما ذكر عدداً من التوصيات التي تصب في نشر الثقافة الإسلامية ودورها في حماية المجتمعات وأمانها، ودور الإعلام الإسلامي في هذا الباب. وكنا نود أن يخص المجلة ببعض من هذه التوصيات التي يمكن أن تنمي دورها في المستقبل من واقع دراسته التي فرغ لها قرابة ثلاثة أعوام من عمره. ومع أن الباحث ألزم نفسه ذكر ما للمجلة وما عليها، إلا أنه أسهب وأطنب في ذكر ما للمجلة؛ وهو مشكور على ذلك؛ لكنه أوجز في ذكر ما عليها بل كانت تأخذه الشفقة وربما الحياء في توجيه النقد للمجلة وذِكْر ما عليها، كما أشارت إلى ذلك لجنة المناقشة. والمجلة وهي تبدي حرصها على ما يسد النقص ويرشد إلى العلاج لتشد على يد الباحث قدر ما تسمح ظروفه وتسنح بادرته أن يعيد النظر فيما يمكن أن يراه مفعِّلاً ومكمِّلاً لدور المجلة. وتغتنم الفرصة في أن تنقل اقتراحاً من أحد المحبين الكرماء المهتمين بالمجلة في أن تخصص مجموعة من الأبحاث للمجلة؛ بحيث يفرد لكل باب من أبواب المجلة رسالة تفصل ما أجمله الباحث، كدور المجلة في ترسيخ منهج أهل السنة والجماعة في العقيدة والسلوك، أو دورها في مواجهة الغزو الفكري والمذاهب والتيارات المنحرفة، ودروها في تبصير المسلمين بحاضرهم وهكذا.. بحيث تتوفر رؤية نقدية لجهود المجلة وتسديدها في كل باب من أبوابها على حدة؛ إذ هي جهود بشرية تضعف بضعف أصحابها وتقوى بعون الله ثم بتسديد المخلصين ونصحهم؛ فرحم الله امرأ أهدى إلينا عيوبنا. لساعات ثلاث استمرت المناقشة خلت بعدها اللجنة للمداولة والحكم لتعلن في الختام منح الطالب ماهر بدر سالم حامد السعودي الجنسية درجة الماجستير بتقدير ممتاز في الثقافة الإسلامية بكلية الدعوة الإسلامية. وقد حضر المناقشة لفيف من الأساتذة والعلماء، والدعاة والمثقفين وكان من بين الحضور الدكتور محمد العقيل الملحق الثقافي السعودي بالقاهرة، والدكتور طلعت عفيفي عميد كلية الدعوة، والدكتور إبراهيم الجيوشي العميد الأسبق بالكلية، والأستاذ السيد أحمد عبود الأمين المساعد لجامعة الأزهر لشؤون التعليم في الدراسات العليا.

стр. 4826

دراسات في السيرة والتاريخ ماذا وراء تمجيد الزنادقة والشخصيات المنحرفة في التاريخ القديم والمعاصر ؟ محمد بن حامد الناصر كنا لاحظنا في الحلقة السابقة [*] مهاجمة العصرانيين للفتوحات الإسلامية وقادتها، والتطاول على بعض الصحابة ﵃.. ونلاحظ هنا أن بعضهم يدافع عن الزنادقة والمرتدين باسم الدفاع عن حرية الرأي والتجديد. وقد تحمل وزر هذه الدعوة عدد من العصرانيين، فمدحوا الخوارج واعتبروا أنهم حزب العدالة والقيم الثورية، رغم أنهم كلاب أهل جهنم، كما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة. واعتبر بعضهم أن القرامطة هم الجناح اليساري في الحركة الشيعية، كما مدحوا الدولة العبيدية الإسماعيلية، وأشيد بثورة الزنج في البصرة، جرياً وراء تمجيد المستشرقين لهذه الحركات المنحرفة الطائشة [١] . ثم تابع العصرانيون الجدد، أصحاب النزعة المادية، طريق من سبقهم بجرأة أشد، وانحراف أخطر [٢] . * تمجيدهم لعدد من الزنادقة: دأب الطبيب (خالص جلبي) على تمجيد الحلاَّج والسهروردي ومحمود طه زعيم الإخوان الجمهوريين السودانيين، وهو باطني ضال حوكم شرعياً وحكم بإعدامه وأراح الله السودان منه، وستعرف المزيد عنه في هذا المقال، وقد اعتبر خالص جلبي هؤلاء مجددين قُتلوا ظلماً. يقول في مقالة له في الشرق الأوسط: «كل المظالم وقعت باسم الشعب، وباسم الأمن، أنشئت أجهزة الرعب، وتحت بعض الشعارات تغتال الحقائق؛ فباسم الشعب في بغداد حكم على الحلاج بضربه ألف سوط، ثم قطع لسانه وأطرافه» . «وإن المجتمع الإنساني يتقدم بدون التجديد الدائم.. وكل فكرة جديدة عانت وكابدت، من ذلك إعدام سقراط في أثينا وإعدام محمود طه في السودان بتهمة الردة» [٣] . ثم يعترض (الجلبي) على إعدام محمود محمد طه فيقول: «وتحت شعار تطبيق الشريعة الإسلامية، أعدم محمود طه في السودان لرؤيا رآها، فسرت أنها كفر، ولم ينفع في رفع الحكم عنه سنواته السبعون» [٤] . ويقول أيضاً: «وفي عام ١٩٧١م، أعدم محمود طه في السودان على يد الطغمة العسكرية بتهمة الردة، وكان الرجل مجدداً، فلم يكفر ولم يرتد، ولكنها السلطة التي لا تتحمل النقد والمعارضة» [٥] . * حقيقة محمود محمد طه: قتل هذا الرجل مرتداً؛ لأنه كان من مدعي النبوة، وكان قد درس مذاهب الفلسفة والمنطق، وله دراسات حول مدرسة الجدليين، واستقال من عمله في الحكومة السودانية، وشكَّل الحزب الجمهوري، ولم ينضم إليه أكثر من عشرة أشخاص. عمد إلى أسلوب المحاضرة في المقاهي والشوارع، وكان يصدر منشورات باسمه، في أخريات عام ١٩٤٥م [٦] . سجن محمود طه مرتين، وخرج بعد المرة الأولى بعد سنتين وقد أطلق لحيته وأرسل شعر رأسه، وأوضح أن الحزب الجمهوري حزب له رسالة، هي رسالة الحق، وأنه قد كُلِّف بهذه الرسالة ... ثم سجن مرة أخرى لمدة سنتين. وقد أسقط عن نفسه الصلاة، ولكنه نادى أتباعه بإقامة قواعد الإسلام. كان يتأول في تفسير القرآن الكريم، ويعتبر أن الآيات المكية هي أساس الشرع، وأن النبي ﷺ لم يتمكن في مكة من تعليم المسلمين أسس هذه الآيات. نفذ فيه حكم الإعدام لادعائه النبوة، وخروجه من الإسلام بعد أن أمهل ثلاثة أيام ليتوب ويرجع عن كفره وضلاله فلم يتب ولم يتراجع، (أعدم في سجن الخرطوم) . وتوجد حقائق مذهلة عن أفكاره، ما كان يعرفها كثير من الناس، وقد بسطتها مجلة المجتمع في بعض أعدادها؛ حيث بينت أن الجمهوريين في السودان يرون: أن محمود طه أفضل من النبي محمد ﷺ ؛ لأنه فصَّل الرسالة الثانية، وهي بزعمهم أعلى مرتبة من الرسالة الأولى.. وحكمت المحكمة على أربعة آخرين معه بالإعدام [٧] . ورغم هذه الردة عند محمود طه، فإن خالص جلبي يتباكى عليه ويدافع عنه، ويعتبر أنه قُتل مظلوماً، من قِبَل السلطة العسكرية؛ لأنها لا تتحمل النقد والمعارضة [٨] . ويتجاهل الطبيب خالص ما كُتب عن محمود طه ورِدَّته وفكره، ومن ذلك كتاب «موقف الجمهوريين من السنة النبوية» [٩] وكتاب «الردة ومحاكمة محمود محمد طه» [١٠] . * أما الحلاج: فهو الحسين بن منصور المتوفى عام ٣٠٩هـ. كان جده مجوسياً، عرف عند الفقهاء أنه زنديق، وكان يتعاطى السحر والشعوذة. وكان حفيده (الحسين بن منصور) من أكبر دعاة الحلول ودعوى امتزاج الخالق بمخلوقاته، تعالى الله عما يقوله الزنادقة علواً كبيراً. ومن شعر الحلاج قوله [١١] : مزجت روحك في روحي كما ... تُمزج الخمرة في الماء الزلال فإذا مسَّك شيء مسني ... فإذا أنت أنا في كل حال ومن شعره أيضاً: أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا والحلاج قتل بالعراق بعد أن ادعى النبوة حيناً، والألوهية حيناً آخر، وأقرَّ بكتاب منسوب إليه بهذه التهم. قال ابن تيمية ﵀: «الحلاج قتل على الزندقة التي ثبتت عليه، مما يوجب قتله باتفاق المسلمين، ومن قال إنه قتل بغير حق، فهو إما منافق ملحد، وإما جاهل ضال» [١٢] . ورغم كل ذلك فإن (جلبي) يرى: «أن الحلاج قُتل مظلوماً، وأعدم في بغداد بعد أن قطع لسانه وأطرافه» [١٣] . وقد أشاد خالص جلبي بالشهاب السهروردي أيضاً، واعتبر أن إعدامه كان تجاوزاً. يقول: «ربما حدثت تجاوزات حيث قضى السهروردي نحبه بفتوى أيام صلاح الدين الأيوبي» [١٤] ومعروف أن السهروردي كان حلولياً من أصحاب وحدة الوجود كالحلاج؛ فهو من ضُلاَّل الصوفية. يقول ابن كثير ﵀: وكان الشهاب السهروردي مبتدعاً يخالف في معتقده وآرائه حَمَلة الشرع، فصلبه السلطان الظاهر في حلب - بأمر من والده السلطان صلاح الدين - بعد أن شهَّر به [١٥] . * تمجيد جودت سعيد لعدد من الزنادقة أيضاً: كان الشيخ جودت معجباً بابن المقفع والجاحظ أشد الإعجاب؛ وذلك لكثرة قراءاتهما، حسب مفهوم الشيخ للقراءة. يقول جودت سعيد: «إن الإنسان يتصاغر أمام من هو أقرأ منه.. أجل إن من يقرأ أكثر يَنَلْ أكثر، إنه قانون الله» من يعمل سوءاً يجز به «. ثم يقول:» وإن تجرد إلقاء نظرة على تاريخ العلماء في العالم بيبن لك أن القراءة الدائمة هي دأب العلماء «. » انظر مثلاً كتاب كليلة ودمنة، وما وضع في مقدمته من الجهود التي بذلت في تحصيل هذا الكتاب؛ ففيه معلومات عالمية محجوزة لا يفرج عنها إلا بعد سنوات تطول أو تقصر حسب رؤى أصحابها « [١٦] . ثم يقول:» وإذا كان لي من نصيحة أثيرة أقدمها للشباب الذي تعلِّق الأمة عليهم آمالها، فهي أن يتطلعوا إلى مصادر للعلم غير المصادر التي كنا نستقي منها « [١٧] . ثم يقول أيضاً:» ويزداد الإنسان إعجاباً بأقوال ابن المقفع حول المُلك «السياسية» وأنه إما مُلك دين، أو مُلك عقل، أو ملك هوى «ويقول:» هذا هو النظر التاريخي العلمي الأخلاقي « [١٨] . فكثرة القراءة لا تجيز للشيخ جودت أن يمجد الملاحدة كفلاسفة الملاحدة اليونان، ولا الزنادقة، كابن المقفع وأضرابه. قال ابن عبد الهادي:» ما رأيت كتاباً في زندقة إلا وابن المقفع أصله « [١٩] . وقد أسهم ابن المقفع بنشر الثقافة الفارسية، ويقول عنه ابن النديم في الفهرست وكان معاصراً له:» كان ابن المقفع يعتني بكتاب المانوية، ونقل إلى العربية منها كتباً أخص بالذكر منها كتابه «ديانة مزدك» . وقال الخليفة العباسي «المهدي» : «وما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع» [٢٠] . ويشيد جودت سعيد بالجاحظ أيضاً: فيقول: «والجاحظ له مقام في الحضارة الإسلامية، يتألق نجمه على مر الزمن.. كان يتذوق مع آيات الله: آيات الآفاق والأنفس.. وهو وإن كان إماماً في الأدب، إلا أنه صاحب مذهب في العقيدة أيضاً» [٢١] . ويقول: «كانت وفاته تحت ركام الكتب التي تهدمت عليه، إنه شهيد الكتاب والقراءة، لقد كان قارئاً بمستوى حضاري إنساني عالمي، ولكتبه طعم خاص وذوق معين، وذلك لعلميته في القراءة، ولإنسانيته في الثقافة» [٢٢] . أخي القارئ: إليك أقوال أهل العلم بالجاحظ الذي أتخذه جودت سعيد أسوة له، وزعم أنه صاحب عقيدة. قال ابن حجر العسقلاني: «كان الجاحظ من أئمة البدع» . ويقول أبو العيناء: «كان الجاحظ قدرياً» . وقال الخطابي: «كان الجاحظ يُرمى بالزندقة» . وقال ابن حزم عنه: «كان أحد المُجَّان الضُّلاَّل، غلب عليه الهزل» [٢٣] . وقال الإمام الذهبي: «العلامة المتبحر المعتزلي، أخذ عن النظَّام.. وأنه كان يختلق» [٢٤] . يلاحظ هنا أن هنالك ارتباطاً كبيراً بين أفكار الجاحظ وأفكار جودت سعيد، وخاصة فيما يتعلق بأفكار القدر والاعتزال المبثوثة في كتبهما. * تمجيد العصرانيين الجدد للمعتزلة ورؤوس الاعتزال: يقول الدكتور خالص جلبي: «وعندما استقر الأمر للعقل الكسيح، وطُحن التيار العقلاني من المعتزلة وسواهم، أصبح التشكيك في عقيدة أي إنسان جاهزاً وحتى اليوم.. وبقيت الساحة عقلاً من دون مراجعة، ونقلاً من دون عقل» [٢٥] . والمعتزلة قوم فُتنوا بالفلسفة اليونانية، فأوَّلوا القرآن الكريم، وكذَّبوا الأحاديث التي تتعارض مع العقلية الوثنية اليونانية [٢٦] ، وحكَّموا العقل وقدَّموه على الشرع، فكَّذبوا ما لا يوافق العقل من الأحاديث الشريفة وإن صحَّت وأوَّلوا ما لا يوافقه من الآيات الكريمة [٢٧] . والمعتزلة تطاولوا على أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأن الأحاديث التي ينقلونها تخالف أصولهم. ومن هؤلاء: عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، والنَّظَّام. وقد أُعجب العصرانيون بآراء المعتزلة، ومجَّدوا النظَّام أحد رؤوسهم الذي يقول فيه البغدادي: «دخل الفساد على عقيدة النظَّام ممن خالطهم من الزنادقة والفلاسفة وغيرهم» [٢٨] . واتخذ المعتزلة ومن شايعهم الجدل والمراء وسيلة للبحث في الدين؛ وذلك مخالف لهدي رسول الله ﷺ ؛ إذ يقول: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه، إلا أتُوا الجدل» . ثم تلا ﵊: « [مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ] (الزخرف: ٥٨) » [٢٩] . * تناقضات عجيبة: بينما كان خالص جلبي يدافع عن الزنادقة والمرتدين، ويحزن لإعدامهم، نراه يشيد بما سماه «المحاكمة العادلة» التي حوكم فيها سليمان الحلبي الطالب الأزهري الذي اغتال خليفة نابليون بمصر الجنرال كليبر، وقد حكمت عليه بالإعدام؛ فقد أشاد بالمحكمة الظالمة التي تواطأت مع المستعمر الفرنسي آنذاك، فقال: «انظر إلى النظام القضائي البديع، واستيفاء الوقائع، وجمع الأدلة قبل إصدار الحكم.. كل ذلك في غياب مطبق لأي صورة من صور العدالة الحديثة والقضاء الجديد، واستغلال القضاء ونزاهته» [٣٠] . ومن الغرائب أن الطبيب خالص يحزن لمقتل الزنادقة، بينما نراه يهاجم الدعاة والعلماء، ويفرح لإعدامهم. يقول في مقال له بعنوان: «كيف تنشأ الأساطير» معرِّضاً بسيد قطب: «أفضل طريق لدخول عالم الأساطير أن يختفي صاحبها إما على حبل المشنقة، كما حصل مع سيد قطب، أو غابات بوليفيا كما حصل مع غيفارا» [٣١] . ويتشفى جلبي بسجن ابن تيمية؛ لأنه لم يتجنب العنف في خصوماته، وقد تحدثنا عن هجومه على السلطان الفاتح والقائد المجاهد صلاح الدين الأيوبي؛ لأنهم جاهدوا في سبيل الله وقاتلوا أعداء الإسلام (في ساحات المعارك) الروم والصليبيين، وخالفوا منهج الاستسلام واللاعنف كما يفهمه (جلبي وشيخه: جودت سعيد) . هذا وإن الولاء والبراء من أوثق عرى الإيمان. قال ﵊: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله» [٣٢] ، وقال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الحَق] (الممتحنة: ١) .

стр. 4827

في دائرة الضوء صفات مطلوبة في المدير المسلم د. أحمد بن عبد الرحمن الشميمري إن المتفحص في تاريخ الحضارة الإسلامية يدرك مدى إسهام الفكر الإسلامي في رقي وتطور أساسيات الإدارة؛ ذلك أن الإسلام دين شامل للحياة؛ فهو ليس مجرد دين يقتصر على العبادات، بل شملت تعاليمه وتوجيهاته كل شؤون الفرد والجماعة والدولة. لقد كانت أسس ومنطلقات الإدارة في الإسلام قائمة على مبادئه الراسخة والخالدة المتمثلة في العدالة والشورى والجودة والأمانة والإتقان والعمل بروح الفريق. وعندما طبقت تلك المبادئ في عهد الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه وفي عهد الخلفاء الراشدين من بعده، شهد التاريخ أعظم وأرقى الدول تنظيماً وإدارة وقيادة. ومن المبادئ التي أصَّل لها الإسلام خير تأصيل الصفات التي يجب أن يتحلى بها كل من ولى أمراً، ومنهم المدير المسلم. وهي في الحقيقة أصول وقيم ينبغي أن يراعي تطبيقها كل مسلم في أي مستوى إداري سواء كان رئيساً أو مرؤوساً، أميراً أو وزيراً، مديراً أو أجيراً. ولكن الإدارات العليا تزداد عليها المسؤوليات، وتتعاظم عليها الواجبات مما يزيد أهمية تحليها بالصفات الحميدة، والمبادئ الأساسية للمدير المسلم. والصفات التي يجب أن يتحلى بها المدير المسلم كثيرة ومتعددة، وقد أجملتُها في عشر صفات سنستعرضها تباعاً في السطور التالية. * أولاً: أن يكون حسن الخلق: إن من أهم الصفات التي ينبغي أن يتصف بها المدير المسلم هي حسن الخلق؛ فبالخلق الحسن يستطيع الإداري أن يكسب احترام مرؤوسيه، ومن ثم يوجههم لتحقيق الأهداف المنشودة وهم في حال معنوية عالية، فلا يشعر أحدهم أنه محتقر وإنما يُعامَل معاملة إنسانية حسنة، فترتفع حالته المعنوية، فيُقبِل على إنجاز العمل وهو في أحسن حال. وقد ضرب لنا رسولنا الكريم ﷺ المثل الأعلى في حسن الخلق، فوصفه ربه بأنه ذو خلق عظيم، فيقول جل من قائل واصفاً نبيه: [وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] (القلم: ٤) ، وكما جاء عن المصطفى صلى الله عليه وسلم عن المهمة التي بُعث بها: عن مالك أنه قد بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بُعثت لأتمم حسن الأخلاق» [١] ، ومن هنا تتضح الأهمية الكبرى لمكارم الأخلاق وحسنها. * ثانياً: أن يكون قدوة حسنة: يجب أن يكون المدير المسلم هو وأفعاله قدوة لمرؤوسيه كي يحتذوا به؛ فلا بد أن يكون الإداري المسلم هو أول من يطبق تعليمات العمل؛ فلا يأمر بشيء إلا وهو أول من ينفذه، ولا ينهى عن شيء إلا ويكون هو أول من يبتعد عنه؛ فقد كان قدوتنا رسول الله ﷺ خير مثل على ذلك؛ فما أمر بشيء إلا كان هو أول من يعمل به، وما نهى عن شيء إلا كان أول من ينتهي عنه؛ وفي هذا يقول المولى : [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة] (الأحزاب: ٢١) . فالمدير المسلم يجب أن يكون قدوة لمرؤوسيه، فلا يُعقل أن ينادي بالالتزام بمواعيد العمل وهو غير ملتزم بها، ولا يُعقل أن ينادي بالعدل وهو ظالم، ولا بالإخلاص وهو غارق في تفضيل وتقديم أعماله الشخصية على مصلحة العمل. * ثالثاً: أن يكون عادلاً: يجب أن يكون المدير عادلاً بين مرؤوسيه، وألا يفرق بينهم في تعامله معهم، ولا يحابي مرؤوساً على حساب مرؤوس آخر؛ فشعور المرؤوسين بعدالة رئيسهم يرفع من حالتهم المعنوية، وفي الوقت نفسه يمنحونه ثقتهم. أما عندما تغيب العدالة فإن النفوس تشتعل بالغضب والكراهية وتصيُّد الأخطاء، واليأس مع العمل. وفي ذلك يقول الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه عوف بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلُّون عليهم ويصلُّون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم» قال: قلنا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا، ما أقاموا فيكم الصلاة» [٢] . وهناك العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تبين ضرورة العدل، ومن ذلك قول المولى : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] (المائدة: ٨) . وعكس العدل الظلم في معاملته للمرؤوسين ولمن تحت إمرته من العمال والموظفين. ومن صوره مطل الغني وحرمان الحقوق المادية كالأجور والرواتب والحقوق المعنوية كالمراتب والترقيات والتقدير والاحترام. والظلم ظلمات يوم القيامة. وكان معاوية ﵁ يقول: إني لأستحي أن أظلم من لا يجدُ عليَّ ناصراً إلا الله. وبكى علي بن الفضل يوماً، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي على من ظلمني إذا وقف غداً بين يدي الله تعالى ولم تكن له حجة. ونادى رجل سليمان بن عبد الملك وهو على المنبر: يا سليمان! اذكر يوم الأذان. فنزل سليمان من على المنبر، ودعا بالرجل، فقال له: ما يوم الأذان؟ فقال: قال الله تعالى: [فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ] (الأعراف: ٤٤) ، قال: فما ظلمتك؟ قال: أرض لي بمكان كذا وكذا أخذها وكيلك، فكتب إلى وكيله ادفع إليه أرضه وأرضاً مع أرضه. وروي أن سلطاناً رَقَمَ على بساطه: لا تظْلِمَنَّ إذا ما كنتَ مقتدراً ... فالظلمُ مصدره يفضي إلى الندمِ تنامُ عيناك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنمِ * رابعاً: أن يكون رحيماً: فالمدير المسلم الذي يكون رحيماً مع مرؤوسيه يقترب منهم ويشعرون بمدى حرصه عليهم. وعندما يكون قادراً على توقيع عقوبة معينة على بعضهم ثم يعفو عنهم يزداد حبهم واحترامهم له. ومن الرحمة بهم أن يصبر عليهم، ويسعى إلى تقدمهم وتطورهم، ويسعد بترقيتهم ونجاحهم، وفتح سبل الخير لهم، وهو في ذلك يكون ممتثلاً لتوجيهات القرآن الكريم حيث يقول المولى : [فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ] (المائدة: ١٣) . وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: «اللهم من وَلِيَ من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم، فارفق به» [٣] . وهذا لا يتنافى مع أن يكون المدير حازماً جاداً لا يترك مجالاً للتسيب والخمول والكسل، ويحرص على مراقبة الموظفين ومتابعتهم، وحثهم على الإنجاز والفعالية. * خامساً: أن يكون عفيف النفس: لا بد أن يتصف المدير المسلم بعفة النفس؛ فإذا كان الإداري عفيف النفس، يعفها عن الشهوات المحرمات فما من شك أن مرؤوسيه سيقتدون به، ويُعِفُّون أنفسهم، ومن ثم تستقيم الأمور في العمل طالما أن هناك بُعداً عن الشبهات. فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عُرِضَ عليَّ أول ثلاثة يدخلون الجنة: الشهيد، وعبد أدى حق الله وحق مواليه، وفقير عفيف متعفف» [٤] . وعن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مزعة لحم» [٥] . وقيل: الحرص ينقص من قدر الإنسان، ولا يزيد في رزقه. وقال الحسن: لو رأيت الأجل ومروره، لنسيت الأمل وغروره. وقال بعضهم: هي القناعة فالزمها تعشْ ملكاً ... لو لم يكُ منها إلا راحة البدنِ وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير القطن والكفنِ؟ * سادساً: أن لا يستبد بالرأي: يجب أن يتصف المدير المسلم، وخاصة عند اتخاذه القرارات الهامة، بألا يكون مستبداً برأيه، وإنما عليه أن يشاور ويشيع جو المشورة التي ينادي بها الدين القويم؛ فإن للشورى تأثيراً كبيراً لدى المرؤوسين في كسب محبتهم وولائهم ومساندتهم، وقد نادى بها القرآن الكريم في العديد من المواضيع، منها قول المولى : [فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] (آل عمران: ١٥٩) . والأحاديث النبوية التي تدعو إلى المشورة كثيرة، بل إن تطبيقاته صلى الله عليه وسلم لمبدأ الشورى كثيرة، وما أدل على ذلك من قول أبي هريرة ﵁: «ما رأيت أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم» . فعندما لا ينفرد الإداري باتخاذ القرار بل يلجأ إلى مرؤوسيه وخاصة الأمناء الأقوياء لمشاورتهم يقوى الرأي ويسدد، ويكون أدعى إلى الحكمة والصواب؛ كما يكسب بذلك احترام من حوله من المرؤوسين، ويضمن مشاورتهم وتبنيهم للرأي، وحرصهم على نجاحه. قال الحسن: الناس ثلاثة: فرجل رجل، ورجل نصف رجل، ورجل لا رجل. فأما الرجل الرجل فذو الرأي والمشورة. وأما الرجل الذي هو نصف رجل فالذي له رأي، ولا يشاور. وأما الرجل الذي ليس برجل فالذي ليس له رأي ولا يشاور. ولمحمد الوراق: إن اللبيب إذا تفرق أمرُهُ ... فَتَقَ الأمور مناظراً ومشاورا وأخو الجهالة يستبد برأيه ... فتراه يعتسف الأمور مخاطرا * سابعاً: أن يكون نصوحاً: على المدير المسلم أن يكون نصوحاً، ويكثر من إسداء النصح لمرؤوسيه إذا رغب في الإقلال من الأخطاء الممكن الوقوع بها؛ فإذا ما قلَّت أخطاؤهم زادت إنتاجيتهم، وثقتهم بأنفسهم، وقربهم من رئيسهم، واحترامهم له، وقد حذر الرسول ﷺ كل مسؤول من حجب النصيحة عن مرؤوسيه؛ فقد جاء في الحديث النبوي: عن معقل قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة» [٦] . * ثامناً: أن لا يكون أنانياً: يجب أن يتصف المدير المسلم بعدم الأنانية، وألا يسعى إلى تحقيق المكاسب الشخصية من وراء اقتراحات وآراء مرؤوسيه؛ فإن ذلك يحبط معنوياتهم، ويفقد الثقة به، وإنما عليه إسناد الحق لأصحابه والفضل لأهله، والاعتراف للمحسنين بما أحسنوا، وذكر ذلك عند من هو أعلى منه دون أن ينسب العمل لنفسه ولم يكن هو فاعله. وألا يقدم مصلحته الشخصية على مصلحة مرؤوسيه، بل كما يحب المسلم لنفسه ينبغي أن يحب لغيره، وقد بين لنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ذلك في حديث عن أنس عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره أو قال لأخيه ما يحب لنفسه» [٧] . ويروى أن المسور بن مخرمة قد احتكر طعاماً كثيراً، فرأى سحاباً في الخريف فكرهه، فقال: ألا أراني كرهت ما ينفع المسلمين؟ فآلى أن لا يربح فيه شيئاً، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب ﵁ فقال له عمر: جزاك الله خيراً. وكان الحجاج بن دينار قد بعث طعاماً إلى البصرة مع رجل وامرأة على أن يبيعه يوم يدخل بسعر يومه، فأتاه كتابه إني قدمت البصرة فوجدت الطعام منقصاً فحبسته، فزاد الطعام فازددت كذا وكذا، فكتب إليه الحجاج: إنك قد خنتنا، وعملت بخلاف ما أمرناك به؛ فإذا أتاك كتابي فتصدّق بجميع ذلك الثمن ثمن الطعام على فقراء البصرة؛ فليتني أَسلَم إذا فعلت ذلك. * تاسعاً: أن يكون ذا كفاءة وعلم: لا بد أن يكون المدير المسلم على درجة عالية من الكفاءة الإدارية والعلم بأحوال العمل، بل يعمل على تنمية ذلك فيه؛ ذلك أن شعور المرؤوسين أن رئيسهم على قدر كبير من الكفاءة والعلم يشعرهم بالاطمئنان، وستزداد ثقتهم به وطاعتهم له، أما إن كان غير ذلك فقد يستصغرونه ويستغربون العمل والمسؤولية التي أوكلت إليه. وقد بين القرآن الكريم أن العلم والكفاءة تميز أصحابها عن غيرهم الذين لا يتمتعون بها. يقول المولى : [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون] (الزمر: ٩) . * عاشراً: أن يكون حكيماً وفطناً: لا بد أن يتصف المدير المسلم بأن يكون ذكياً فطناً وحكيماً؛ فإذا ما أدرك المرؤوسون أن رئيسهم بهذه الصفة زادت ثقتهم به وارتفعت حالتهم المعنوية، وزاد اهتمامهم بالعمل وحرصهم على الإتقان والتميز والإبداع. وحكمته وفطنته يجب أن لا تؤدي إلى غروره وتكبره على مرؤوسيه ومن حوله من العاملين. ومن الواجب أن يبتعد عن الهالة لمنصبه وموقعه أياً كان في المؤسسة، وأن يخفض جناحه لمرؤوسيه، وأن يعيش بينهم ومعهم بكل ود وتواضع. فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله ﷺ قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله» [٨] . وقال الأحنف بن قيس: ما تكبر أحد إلا من ذلة يجدها في نفسه. ورأى رجل رجلاً يختال في مشيه، فقال: جعلني الله مثلك في نفسك، ولا جعلني مثلك في نفسي. ومر بعض أولاد المهلب بمالك بن دينار وهو يتبختر في مشيه، فقال له مالك: يا بني! لو تركتَ هذه الخيلاء لكان أجمل لك! فقال: أوَ ما تعرفني؟ قال: أعرفك معرفة جيدة، أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك تحمل العَذِرة، فأرخى الفتى رأسه، وكف عما كان عليه.

стр. 4828

قصة قصيرة نزف حِبر فيصل عبد الرحيم مؤذن fasnm٢٠٠٠@hotmail. com في دار القضاء: المُدَّعي: فضيلة الشيخ! هذا الأخ قام باقتطاع مساحة ٢٠ متراً من أرضي الواقعة بمخطط (الفضلاء) .. المُدَّعى عليه: نعم فضيلة الشيخ! هذا صحيح، لكني طلبت منه أن يعوِّضني عن خسائري في هذا الجزء من الأرض. قضى القاضي فضيلة الشيخ (عادل) بينهما، وذهب كلٌّ إلى سبيله. ينظر الشيخ (عادل) إلى ساعته وإذا بها تشير إلى الساعة السابعة مساءً.... يخاطب كاتبه (عبد الرحمن) : - يا أخ (عبد الرحمن) ، لقد قرُب وقت أذان العشاء، ولا بدَّ أن أذهب الآن، فلديَّ درس أقدِّمه بعد صلاة العشاء كما تعلم. - تقصد درس مسجد حي (الإخلاص) ؟ - أحسنت ... فهل من أحد يريد الدخول؟ - لا أظن يا شيخ! - حسناً.. سنتقابل صباحاً بإذن الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. - وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. - يتمتم في نفسه: كم هو يرهق نفسه في الدعوة إلى الله! جزاه الله خيراً. في مسجد حي (الإخلاص) : همَّام: ما بك يا عبد الله، تأخرت.. ليس من عادتك؟! عبد الله: نعم ... لقد ارتفعت درجة حرارة محرك السيارة فجأة ... فانتظرت حتى برد ثمَّ جئت.. لا بدَّ أنَّ فيها عطلاً ما. همَّام: لا عليك يا رجل! فالحمد لله سيارتك مصنَّعة محلياً، وقطعها متوفرة، والمهندسون بكثرة ... عبد الله: همَّام ... كم تظنُّ الحضور الليلة؟ همَّام: نعم! .. هم في ازدياد ولله الحمد ... دعني أرى ... هاه ... قد يصلون إلى الثلاثمائة.. ارتفع الأذان ... صلَّى الناس العشاءَ الآخرة.. قرَّت أعينهم بذكر الله ... وبعد أداء الراتبة بدأ الشيخ (عادل) يلقي درسَه. وبعد انتهاء الدرس: همَّام: أتدري يا عبد الله! إنَّ كلام الشيخ مؤثر ... لكأنه يخاطبني ... ما أعظم أجر الجهاد في سبيل الله! عبد الله: إيه يا همَّام ... نسأل الله أن يجعلنا من الشهداء! لم تغب صورة الشيخ عن مخيلة (همَّام) طوال الليل.. أخذ يفكر في خالد بن الوليد.. وعمرو بن العاص.. وصلاح الدين.. وكل أولئك المجاهدين.. وصوت الشيخ ما زال في أذنيه: (أيها الشاب الحبيب.. لموتٌ في سبيل الله خيرٌ من موت في غيره) .. وفي الصباح ذهب (همَّام) إلى وزارة (الاكتتاب في سبيل الله) ليسجل اسمه ضمن الطلائع؛ علَّه أن يحظى بشرف الخروج للجهاد في سبيل الله. وبعد شهر من متابعة جريدة (صوت الحق) ، وانتظار بفارغ الصبر لما يُذاع في قناتهم الفضائية (صوت الإسلام) ؛ ظهر اسم (همَّام) ضمن طليعة المجاهدين رقم (٦٥) والتي سترابط في الثغور.. كم كانت فرحة (همَّام) غامرة بهذا الحدث العظيم في حياته ... فلطالما انتظرها بفارغ الصبر. جهَّز همَّام عدَّته.. انطلق إلى والدَيْه يقبّل رأسَيْهمَا.. وطلب منهما أن يدعوَا الله له طيلة غيابه عنهما ... سألا الله له التوفيق وأن يبلغه مُناه. أراد همَّام أن يجعل آخر عهده بالمسجد، فانطلق إليه وهو لا يبعد كثيراً عن بيت والديه وصلى ما كتب الله له أن يصلي، ودعا ربه بقلب خاشع أن يرزقه الشهادة في سبيل الله.. ودّع (همَّام) أهله وأصدقاءه حاملاً معه أحلامه وأمانيه، وانطلق مع رفاقه في الطليعة، وتوجهوا جميعاً ... عفواً.. هنا توقف القلم عن الكتابة بعدما نزف حبراً، ولسان حاله يقول: إلى متى وأنت تسطر هذه الآمال؟ قلت: قد تصبح الآمال في يوم حقيقة!

стр. 4829

الباب المفتوح الحكمة ضالة المؤمن.. ولكن ..! علي بن محمد الدهامي [*] يخطئ بعض الناس حينما تكون ثقته بنفسه كبيرة إلى درجة إقحامها في كل قضية، وفي كل حوار، وإلى درجة الخوض بها في معارك عقدية، وذلك بالجلوس إلى أصحاب التوجهات المنحرفة، أو الجلوس إلى كتبهم بقصد معرفة ما عندهم، وما وصلوا إليه، أو بقصد الاستفادة من الحق الذي معهم، وإن كنا نقول بالحكمة المشهورة: الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.. ولكن لا يعني هذا تجاوز الحق الذي في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، ومنه قوله : [وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ] (الأنعام: ٦٨) . وقوله سبحانه: [وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً] (النساء: ١٤٠) . قال ابن جرير ﵀: «وفي هذه الآية، الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع، من المبتدعة والفسقة، عند خوضهم في باطلهم» [١] ، وحديث: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء» لا يخفى على أحد. والذي يُقحم نفسه في هذه المجالس وما يكتبه أهلها؛ فلا شك أنه قد غامر بنفسه وعقيدته، والسلامة بعيدة. ولما كان السلف ﵏ على جانب كبير من الفقه لهذه المسألة؛ فقد ورد عنهم التحذير من فتح هذا الباب، وعدم الولوج منه؛ لأن وراءه سرداب مظلم يصعب الخروج منه، ومَنْ خرج منه فلا أقلَّ من الجراح. قال ابن عباس ﵄: «لا تجالس أهل الأهواء: فإن مجالستهم ممرضة للقلب» [٢] . وقال أبو الجوزاء: «لأن أجالس الخنازير أحب إليَّ من أن أجالس أحداً من أهل الأهواء» [٣] . وقال أبو قلابة: «لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تحادثوهم، فإني لا آمن أن يغمروكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون» [٤] . وقال شعيب بن الحبحاب: «قلت لابن سيرين: ما ترى في السماع من أهل الأهواء؟ قال: لا نسمع منهم ولا كرامة» [٥] . وقال رجل من أهل الأهواء لأيوب السختياني: يا أبا بكر، أسألك كلمة؟ فولَّى وهو يقول: ولا نصف كلمة. مرتين [٦] . وقال يحيى بن أبي كثير: «إذا رأيت المبتدع في طريق؛ فخذ في غيره» [٧] . وقال يونس بن عبيد: «ثلاثة احفظوهنَّ عني: لا يدخل أحدكم على سلطان يقرأ عليه القرآن، ولا يَخْلُوَنّ أحدكم مع امرأة يقرأ عليها القرآن، ولا يمكِّن أحدكم سمعه من أصحاب الأهواء» [٨] . وقال سفيان الثوري: «مَنْ أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة وهو يعلم؛ خرج من عصمة الله، ووُكل إلى نفسه» . وعنه: «مَنْ سمع ببدعة فلا يَحْكها لجلسائه، لا يلقها في قلوبهم» . قال الذهبي ﵀ معلقاً: «أكثر السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة، والشُّبه خطَّافة» [٩] . وكان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء، قال: «أما إني على بينة من ديني، وأما أنت فشاك، اذهب إلى شاك مثلك فخاصمه» [١٠] . وقال ابن المبارك ﵀: «ليكن مجلسك مع المساكين، وإياك أن تجلس مع صاحب بدعة» [١١] . ودخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين، فقالا: يا أبا بكر، نحدثك بحديث؟ قال: لا. قالا: فنقرأ عليك آية؟ قال: لا، لتقومان عني، أو لأقومنّه! فقاما، فقال بعض القوم: يا أبا بكر! وما عليك أن يقرآ عليك آية؟ قال: خشيت أن يقرآ آية يحرفانها، فيقر ذلك في قلبي [١٢] . وقال ابن طاوس لابن له يكلمه رجل من أهل البدع: «يا بني! أدخل أصبعيك في أذنيك حتى لا تسمع ما يقول. ثم قال: اشدد اشدد» . وقال عمر بن عبد العزيز: «مَنْ جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل» . وقال إبراهيم النخعي: «إن القوم لم يُدّخر عنهم شيء خبئ لكم لفضل عندكم» [١٣] . وقد ورد عن السلف ﵏ أضعاف ما ذكرت؛ مما يدل على أنهم كانوا يرون غلق هذا الباب من أصله، فكيف القول بمن يتتلمذ على أيدي هؤلاء بطوعه واختياره؛ سواء بالجلوس معهم أو مع آثارهم ومؤلفاتهم، أو عبر مواقعهم على شبكة المعلومات، أو غير ذلك؟ كان ابن الراوندي - وهو من أذكياء العالم - في أول أمره حسن السيرة كما قال البلخي [١٤] ، وكان يلازم الرافضة والملاحدة، فإذا عُوتب قال: «إنما أريد أن أعرف أقوالهم. ثم إنه كاشَفَ وناظر، وأبرز الشُّبه والشكوك، حتى قال ابن الجوزي عنه: كنت أسمع عنه بالعظائم، حتى رأيت له ما لم يخطر على قلب» [١٥] . هذا عمران بن حطان وكان من الأذكياء أيضاً تزوج خارجية وقال: سأردها. فصرفته إلى مذهبها [١٦] . واعتبر بأبي حامد الغزالي ﵀، فإنه دخل فما خرج منها سالماً، كما قال أبو بكر ابن العربي: «شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة، وأراد أن يتقيأهم فما استطاع» [١٧] ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد أنكر أئمة الدين على» أبي حامد «هذا في كتبه يعني المواد الفاسدة من كلام الفلاسفة وقالوا: مرضه:» الشفاء «. يعني شفاء ابن سيناء في الفلاسفة» [١٨] ، ويقول فيه الذهبي ﵀: «وحُبّب إليه إدمان النظر في كتاب (رسائل إخوان الصفا) ، وهو داء عضال، وجرب مرد، وسم قاتل، ولولا أن أبا حامد من كبار الأذكياء، وخيار المخلصين؛ لتلف» . فالحذار الحذار من هذه الكتب! واهربوا بدينكم من شُبه الأوائل، وإلا وقعتم في الحيرة، فمَنْ رام النجاة والفوز ليلزم العبودية، وليدمن الاستغاثة بالله، والله الموفق، فبحسن قصد العالم يُغفر له وينجو إن شاء الله [١٩] . فلا تغتر بما عندك، فلست بأذكى من هؤلاء، ولست بأنسك من أيوب، ولا عندك علم ابن سيرين ولا أبي الجوزاء، والنجاة لا عوض لها فكيف تغامر بدينك، وقد علمت أن أناساً كان عندهم أكثر مما عندك من العلم ففتحوا هذا الباب على أنفسهم فضلُّوا؟! ولا يعني هذا ترك دعوتهم ووعظهم، ولكن ليس كلٌّ يصلح لذلك. فاللهم! أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماماً.

стр. 4830

الورقة الأخيرة ماذا أطلب لصدام حسين ؟! الأستاذ: عصام العطار [*] izaachen@t-online.de لقد صدمتني وآلمتني وزادتني شعوراً بالضآلة والمهانة الصُّوَرُ التي أذاعتها الفضائيات، ثم نشرتها الصحف والمجلات لصدام حسين عقب اعتقاله، بصرف النظر عن الموقف منه والحكم له أو عليه. لقد أقامت الولايات المتحدة، وأقام الغرب والأمم المتحدة الدنيا، باسم الإنسانية، وحقوق الإنسان، والقوانين الدولية، واتفاقات جنيف، عندما عرض الإعلام العراقي، في الحرب الأخيرة، صُوَرَ بعض الجنود الأمريكان الأسرى. وصُوَرُ صدام، رئيس جمهورية العراق، التي عُرِضَت وما تزال تعرض أَبْشَعُ منها مائة مرّة وأفظع، وأدعى إلى الاشمئزاز والإنكار؛ ولكنها تعدّديّة المقاييس في عالمنا الراهن: مقاييسُ للأقوياء، ومقاييس للضعفاء. مقاييسُ للأغنياء، ومقاييس للفقراء. مقاييسُ للأصدقاء، ومقاييس للأعداء. مقاييس حيث تشرق الشمس، ومقاييس حيث تغرب الشمس. ومقاييس للشمال المتقدم، ومقاييس للجنوب المتخلف. ومقاييس وا أسفاه! للعرب والمسلمين، ومقاييس لغيرهما من البشر. أنا لم أُؤَيّد قطُّ «صدام حسين» ونظام صدام حسين، ولم أؤيّد قطُّ أيّ نظام عربيّ أو إسلاميّ دكتاتوريّ استبداديّ قمعيّ، عسكريّاً كان أو مدنيّاً، فرديّاً كان أو حزبيّاً. ولن يجد لي أيُّ باحث أمين، على امتداد حياتي، واختلاف ظروفي، وخطورة بعض هذه الظروف وقسوتها، وما تعرضت له من ضغوط وضربات، ومواجهة للموت مرّة بعد مرّة؛ وعلى كثرة المساومات والمغريات الكبيرة الكبيرة التي واجهتُها فرفضتُها.. لن يجد لي أيُّ باحث منقّب موقفاً واحداً أو كلمة واحدة أيدت به أو جاملت بها رَهَباً أو رَغَباً طاغوتاً من الطواغيت، مهما كان وكانت الظروف؛ فأنا أبعد الناس عن أن أدافع عن صدام حسين ونظام صدام حسين. إنما أدافع عن القيم الإنسانية والإسلامية والذوقية والجمالية التي أؤمن بها، وعن العدالة الخالصة الشاملة التي أطلبها للمذنب والبريء، والعدوّ والصديق، وعن كرامة أيّ عربيّ ومسلم، وأيّ إنسان من أيّ عرق ودين، يتعرّض لمثل هذا العبث الشائن، من المحتل المستكبر الغاشم أو من سواه. عندما اشتدّ الخلاف والنزاع بين بعث سورية وبعث العراق، وبين القيادة القطريّة في دمشق والقيادة القوميّة في بغداد، وبلغ ذروته بين حافظ الأسد وصدام حسين؛ حرص صدام حسين وكان لي تأثير شعبيّ كبير في سورية في ذلك الحين، وكنت قد مُنعت من دخول سورية لدى عودتي من الحجّ سنة ١٩٦٤م، ثمّ صودرت ممتلكاتي المنقولة وغير المنقولة وأنا في الغربة، واحتالوا لسحب جواز سفري مني، وقد انقضت مدته ولم يعد صالحاً للاستعمال حاول صدام حسين، كما حاولت جهات عربية ودولية أخرى قد أتحدث عنها في يوم من الأيام، أن يستميلني بأي ثمن، وأن يدخلني في معركته التي يخوض، ودعاني دعوة شخصيّة مُلِحّةً أكثر من مرة لزيارته ولقائه في بغداد؛ ولكنني رفضت هذه الدعوة، كما رفضت دعوات أخرى من مؤسسات أخرى في العراق، ولقد كنت صريحاً كلّ الصّراحة مع الرُّسُل والوسطاء الذين سعوا بينه وبيني للتفاهم والتعاون، قلت لهم: إنني ضدّ الدكتاتوريّة والاستبداد والظلم من حيث المبدأ في أيّ مكان من العالم العربيّ والإسلاميّ، فلا أقبل لنفسي أن أحارب الدكتاتوريّة الغاشمة في سوريّة، وأن أتعاون معها في العراق، وصرَّحت أكثر من مرة لصحفيين وصحف ووسائل إعلام، عندما كنت أُسأل في هذا الموضوع، بما خلاصته: «أنا لا أقبل أن أخوض معركة صدام حسين ضد حافظ الأسد، ولا معركة حافظ الأسد ضد صدام حسين، ولا معركة أيّ دكتاتور مستبدّ ضدّ أيّ دكتاتور آخر؛ مهما عظمت في ذلك المكاسب الشخصيّة، وأَلْجأَتْ إلى ذلك الظروف. معركتي إنما هي معركة الإسلام والإنسان العربيّ والمسلم؛ ضدّ الدكتاتورية والاستبداد والظلم السياسيّ والاجتماعيّ، من أجل الحرية والكرامة، والحق والعدالة وحقوق الإنسان، ونظامٍ شوريٍّ دستوريّ صحيح، يُمَكِّن الشعب من أن يختار لنفسه بنفسه أهدافه ونهجه ومن يمثلونه أصدق تمثيل» . وعندما حُدِّدَتْ حُرِّيّاتي السياسية في ألمانيا منذ آخر سنة ١٩٨٠م، ومُنعتُ من «الكلام والكتابة، والعمل المباشر وغير المباشر، الفعّال وغير الفعّال» ؛ لأسباب وأسباب وأسباب.. وقُتِلَتْ زوجتي الشهيدة - إن شاء اللَّه - أم أيمن رحَمِها اللَّه تعالى، وكان المقصود أن نقتل جميعاً في ١٧/٣/١٩٨١م في بيتنا في «هرستالر شتراسة» ؛ صبرنا على محنتنا، ولم نقبل بحال من الأحوال أن نخرج عن خطنا خوفاً من الموت، أو تَلَمُّساً لأسباب الحياة؛ وبقيت المعاني الأصيلة المتقدمة التي تلتزم الاستقلال والتميز، واستقامة النهج، وتأبى أن تُسْتَغَلّ وتتحوّل إلى أداة في أيدي من يملكون السلطانَ والمال، وأسبابَ الحماية والوقاية والدنيا في شرق أو غرب؛ رغم العزلة المفروضة والموت المحدق. قلت: بقيتِ المعاني الأصيلة المتقدّمة تتسرّب بصور مختلفة في كلماتي التي كنت أكتبها وكانت تنشر في «الرائد» [**] ، ومن ذلك على سبيل المثال: نحن لا نُقارع الباطل بسيف الباطل ولكنْ بسيف الحقّ، ولا نحارب باطلاً من أجل باطل آخر، ولكن من أجل الحق، فالحقُّ عندنا هو الوسيلة وهو الغاية.. وهذا ما يُمَيِّزُنا عن كثير ممن يخوضون المعارك ويحملون السلاح. نحن لا نكفر بالطاغوت في مكان ونؤمن به في مكان، ولا نحاربه في بلد ونكون جنده في بلد، ولكننا نكفر بالطاغوت ونحاربه حيثما كان، ونقف مع الحق في كل مكان وزمان. هيهاتَ! هيهاتَ! .. إن مخاصمتي لطاغوت لا يمكن أن تضعني في خدمة طاغوت آخر مهما كانت الظروف. وندّدتُ بالحرب العراقية الإيرانية، وندّدتُ باستخدام السلاح الكيماويّ في «حلبجة» وغيرها من الأماكن، وأَدَنْتُ غزو الكويت، وأهبت بالعرب والمسلمين جميعاً أن يبادروا إلى إنهاء الاحتلال، وحلّ المشكلات التي نتجت عنه أو أَدَّت إليه، وأن يمنعوا كارثة الغزو الأجنبي.. إلى أشياء أخرى نقدت بها تصرّفات النظام العراقي، أو نصحته بها، ونصحت سائر العرب والمسلمين. لم أكن قطُّ في صفّ صدام حسين، ونظام صدام حسين، بل كنت ناقداً ومعارضاً لهُ ولأمثاله من الأنظمة، ومع ذلك فقد صدمتني وآلمتني وزادتني شعوراً بالضآلة والمهانة الصورُ التي أذاعتها الفضائيات، ثمّ نشرتها الصحف والمجلات لصدام حسين عقب اعتقاله. لم يكن الذين اعتقلوه وأظهروه بهذه الصورة البشعة المزرية من العراقيين، مهما كان شأن هؤلاء العراقيين؛ بل كانوا من الغزاة المحتلين الذين اقتحموا العراق بقواهم الأسطورية الباغية، ومسوِّغاتهم الكاذبة الزائفة، وأهدافهم الآثمة الفاجرة التي تهدّد العرب والمسلمين في هذه المنطقة من العالم، وتهدّد العالم كلّه من خلال هذه المنطقة، وقتلوا الألوف من الجنود، وقتلوا الألوف من المدنيين، الأبرياء: الرجال والنساء، والشيوخ والأطفال، واعتقلوا الألوف في شروط من أسوأ الشروط، ودمّروا ما بقي للعراق، بعد ضرباتهم السابقة، من البنية التحتية، وتحكّموا بالعراقيين، ومختلف أمورهم، كما لم يتحكّم دكتاتور سابق، ولا يمكن أن يتحّكم دكتاتور لاحق. وأمسكوا برئيس العراق الفعلي مغتصِباً كان أو منتخَباً كما كان يُمسك السيّدُ في بلادهم بعبده الفارّ، وتصرفوا به كما يريدون، وأبرزوه كما يحبون، بتلك الحالة الإنسانية المزرية المؤلمة، والصورة المثيرة البشعة، والقصد البيّن للإهانة والإذلال، فعلوا ذلك به دون أن يَسْتَأْمِروا أو يسألوا أحداً من العراقيين في شأنه! ودون أن يشعروا بحاجة إلى مثل هذا السؤال! فأيّ إهانة للعراق وشعبه مثل هذه الإهانة والاستهانة واللامبالاة؟! وأيّ إهانة للعرب والمسلمين الذين لم يُقِم لهم الاحتلال المستكبر أيّ وزن، ولم يضع أحاسيسهم ومشاعرهم وآراءهم في كفة الميزان؟! والأدهى والأَمَرّ أن المسؤولين الجدد في العراق لم يشعروا بأيّ غضاضة أو تجاوز في إهمالهم وإغفالهم في هذا الأمر الذي هو من أخصّ خصوصيات العراق والعراقيين، وكأنَّ المحتلّين عندهم هم أصحاب الحق الأصلي والطبيعي في البلاد، يفعلون فيها ما يشاؤون، ويتصرفون فيها وفي أهلها بما يريدون، وأنه ليس عليهم أي على المسؤولين العراقيين إلا القبول والطاعة وتنفيذ الأوامر. لقد كنت أصف صدام حسين على الدوام بأنه دكتاتور قاس سفّاح، ولكن هل عادَتْهُ الإدارات الأمريكية لأنه دكتاتور قاس سفاح؟! لقد كان الأمريكان أصدقاءه وعونه وهو يحارب في إيران، ويقذف في أتون الحرب بمئات الألوف، ويشيع الموت والدموع والدّمار. وكانوا أصدقاءه والسلاح الكيماويّ يفتك بالألوف من الأكراد؛ فكيف نصدّقهم أَنَّهم إنّما يغزون العراق، ويحتلونه الآن، لتحريره من الدكتاتورية والدكتاتور الظالم السفاح؟! كيف نصدّقهم ونحن نرى دم الأبرياء ينسكب على أيديهم كلّ يوم، وما يقع على أيديهم كلّ يوم من الفواجع والآلام؟! * هل أطلب شيئاً لصدام حسين؟ نعم! أطلب له ما أطلبه لكلّ إنسان، كائناً من كان أو ما كان، أطلب له ما أطلبه لكلّ إنسان مؤمناً كان أو كافراً، عابداً كان أو فاسقاً، بريئاً كان أو مجرماً.. العدلَ والإحسانَ وصيانةَ الكرامة الإنسانية.. [وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] (المائدة: ٨) . أطلب أن يؤخذ من أيدي أعدائه الأمريكيين، الذين كانوا وما زالوا يريدون له الموت، ويتربصون به كلّ شرّ، والذين لا يعترفون له بوضع قانوني واضح يحميه من الضغط والإكراه، والعذاب والإذلال. وأن يوضع في يد الأمم المتحدة، أو أيّة جهة أمينة نزيهة أخرى، تحت إشراف دوليّ، أو رقابة دوليّة حقيقيّة، توفّر له محاكمة عادلة تتحقّق فيها الضمانات القانونية والأخلاقية والسياسية الفعلية. وعلى رجال القضاء، ونقابات المحامين في العراق، وفي العالم العربيّ والإسلاميّ، أن يفكروا في هذه المحاكمة الخطيرة التي سيكون لها ما بعدها على الصعيد التاريخيّ والسياسيّ النظريّ والواقعيّ، وفي المحكمة المرجوّة: كيف تتكوّن، وممن تتكَوّن، وكيف تعمل، بما يساعد على جلاء الحقائق، واستبانة الأمور، وتحقيق العدل، الذي يأمر به اللَّه، ويطمئن إليه الناس، وبعد ذلك فليحكم القضاء النزيه بما يمليه العدل والقانون والضمير، ويرضاه اللَّه . وبعد: أفما آنَ لحكامٍ ظالمين مستبدّين في بلاد العرب والمسلمين أن يعتبروا بما يشهدون كلّ يوم وبما يستمعون، وأن يفكروا ويفكروا ويفكروا بمآل أمورهم وسوء عاقبتهم في الدنيا والآخرة؟!

стр. 4831

المحرم ة - ١٤٢٥هـ مارس - ٢٠٠٤م (السنة: ١٩)

стр. 4832

كلمة صغيرة العدو الداخلي .. كانت الحقبة التي أعقبت عصر الاحتلال الصليبي الأخير؛ هي حقبة الأحزاب العلمانية والقومية، والتي كانت صنيعة للاحتلال الصليبي نفسه، حيث جذَّر لها جذوراً في الأمة الإسلامية، فهيمنت على مواقع القيادة، ومنابر الإعلام والثقافة، وعلا صوتها، وفرضت مبادئها فرضاً.. ولم تكن النتيجة والثمرة التي جنتها الأمة من وراء تلك الأحزاب والتيارات، خلال تلك الحقبة ولا تزال، إلا المر والحنظل. هذه الحقبة التي لا تزال فصول ذلها وهوانها تعصف بالأمة؛ يجب أن تقف منها الشعوب الإسلامية موقف الجد، وأن تعمل بكل إصرار وجهد على إنهائها لترمي بها في مزبلة التاريخ، وتقول لرعاتها وأتباعها: - كفاكم ذلاً وهواناً، ولعباً بمقدرات الأمة ومصالحها، وعودوا إلى مصدر العزة والنصر والتقدم! - كفاكم تبعية وعمالة؛ وارجعوا إلى هوية الأمة الحقيقية الأصيلة! - كفاكم خيبة وإخفاقاً؛ فقد ذقتم من ولائكم للغرب وأذقتم الأمة معكم الخذلان والخسران! كفوا أيديكم عن أمة الإسلام، ودعوا الشعوب الإسلامية تحيا وتسير بدينها وعقيدتها. إن من أهم واجبات الشعوب الإسلامية اليوم، في هذه المرحلة العصيبة، رفض تلك الأحزاب والتيارات العلمانية والقومية جملة وتفصيلاً، والاستمساك بالإسلام جملة وتفصيلاً. وإذا كانت مقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية واجبة، وحققت فيها الشعوب الإسلامية قدراً كبيراً من التجاوب والنجاح؛ فإن مقاطعة تلك الأحزاب والتيارات لا تقل وجوباً؛ لأن مواجهة العدو الداخلي لا تقل أهمية عن مواجهة العدو الخارجي، فيجب نشر الوعي، بين الخاصة والعامة حتى رجل الشارع، بضرر تلك التيارات والأحزاب القومية والعلمانية على الأمة، ومخالفتها للإسلام عقيدة وشريعة، ومقاطعة أنشطتها السياسية والثقافية والإعلامية، والتنفير من المشاركة فيها وترشيحها ودعمها، وكشف زيفها وبيان عوارها وما أسهل ذلك، لتقول لهم الشعوب الإسلامية إن الأمة تعرف طريقها ولن تحيد عنه، وتملك مصدر عزتها ولن تفرط فيه، وإن من يخالف ويضاد ويقف ضد إرادة الشعوب الإسلامية؛ فلن يرى منها إلا الرفض والإنكار. وليعلم الغرب وأتباعه بعد أن تلك الأحزاب والتيارات لن تجد لها في أمة الإسلام أرضاً تنبت فيها، ولا مياهاً تسقيها، [وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] (المنافقون: ٨) .

стр. 4833

الافتتاحية رسالة مفتوحة للدعاة في السودان.. «أما آن الأوان لوحدة الكلمة ..؟!» الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين.. وبعد: فإنَّ السودان يمر بمرحلةٍ غاية في الحساسية والحرج، فقد أجلبت الولايات المتحدة الأمريكية بكل طاقاتها لممارسة أقسى الضغوط لاختراق السودان، وإملاء كل الشروط عليه لإسقاطه في الحظيرة الأمريكية. واستثمرت أمريكا طائفتين من المجتمع لتحقيق مشروعها التغريبي في السودان: الطائفة الأولى: مجموعة الأحزاب العلمانية التي تصطاد عادة في الماء العكر، وتستغل الحملة الأمريكية لتحقيق مآربها المنحرفة، فَهُم طلائع التغريب، وحُداته لاختراق المنطقة، ويده الملوثة التي يعبث بها، ويستخدمها لزعزعة الاستقرار. الطائفة الثانية: مجموعة الميلشيات الجنوبية التي صنعها الغربيون لتهديد أمن السودان منذ عهد الاستعمار، وأخذوا يغذونهم بالمال، ويدعمونهم بالسلاح، ويؤزونهم على المسلمين أزّاً؛ لاستنزاف الاقتصاد السوداني، وتشتيت قدراته. وها هو ذا السودان يشهد أخيراً مستنقعاً جديداً من الكيد في غرب السودان في دارفور وما حولها، وتتواطأ الدول أيضاً على تغذيته وتصعيده، وتضرب المسلمين بعضهم ببعض لتزيد جراحهم وآلامهم..! وقد تمخضت هذه الضغوط عن واقعٍ غاية في التعقيد، أنتم أعرف بتفاصيله وتداعياته، لكننا نلحظ بجلاء تواطؤ الدول النصرانية، والأحزاب العلمانية، والإرساليات الكنسية، والميلشيات النصرانية والوثنية، لمسخ الهوية الإسلامية، وتجريد السودان من خصوصيته العقدية والثقافية. وبمقدار ما يكون التنازل تزداد الضغوط، ويرتفع سقف المطالب، وصَدَقَ المولى جل وعلا: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم] (البقرة: ١٢٠) . إزاء هذا الواقع المحزن يلتفت المشفقون على السودان ذات اليمين وذات الشمال؛ يبحثون في داخله عن دور التجمعات الإسلامية والمنظمات الدعوية، ويفتشون عن حضور أهل العلم والدعوة في الأحداث الأخيرة، فيألمون أشد الألم من ذلك الغياب المذهل..! إننا نلمس جهوداً مشكورة محمودة على المستوى الجماعي والفردي، ونرى أفذاذاً من الدعاة والمصلحين يبذلون الغالي والنفيس في بذل المعروف، ونشر الخير، وإنكار المنكر.. لكن هل التجمعات الإسلامية بمختلف فصائلها ودعاتها قادرة على مواجهة المشروع الأمريكي في المنطقة، وإحباط تطلعاته..؟! هل يستطيع العلماء مواجهة التيارات العلمانية، وهل لديهم القدرة على تأهيل طلبة العلم والمفكرين القادرين على درء شبهات القوم وكشف زيوفهم..؟! هل تملك التجمعات الإسلامية رؤية علمية وعملية لمواجهة الزحف التنصيري..؟! هل أعد المصلحون خطة دعوية لمرحلة ما بعد السلام..؟! وهل العلماء والدعاة على مستوى التحدي الذي يحيط بالسودان من كل مكان..؟! نحسب أن الجميع يتفق معنا على أنها دون ذلك بكثير، على الرغم من الأعمال المباركة التي نرى آثارها هنا وهناك، والشاعر العربي يقول: ولَمْ أَرَ في عيوب النَّاس عيباً ... كنقص القادرين على التمام والمتابع للمشهد الدعوي في السودان لا يخطئه على الإطلاق النظر إلى الشرخ الغائر الذي يزداد تجذراً وعمقاً في المحاضن الدعوية، ولا يعجزه إدراك حجم الفُرقة والتشتت الذي يفري في صفوف الدعاة فرياً..! تعددت الفصائل والتجمعات الإسلامية، وتمزَّق الفصيل الواحد إلى فصيلين أو أكثر، وكثر التهارش والتحاسد، والقيل والقال، وتجاوز ثلبُ الصالحين الحد، وطفح في كثير من القواعد الدعوية، وأصبحت اللغة الحزبية الضيقة هي اللغة السائدة عند بعض الناس، وارتفعت حمّى التصنيف عند بعض الشباب التي تؤدي إلى الازدراء والتنقيص وشحن النفوس. وإذا كان الإمام مالك بن أنس يقول: «ما في زماننا شيء أقلّ من الإنصاف» [١] ، فماذا نقول نحن في زماننا..؟! والله! إن القلب ليتقطع ألماً وحزناً على طاقات الشباب المهدرة في تلك الصوارف التي تُذهب حلاوة الدعوة، وتُفسد على المرء دينه. قال الفضيل بن عياض: «تكلمتَ فيما لا يعنيك فشغلك عمّا يعنيك، ولو شغلك ما يعنيك تركتَ ما لا يعنيك» [٢] . وأخشى ما نخشاه أن يؤدي ذهاب الشيوخ - أمدَّ الله في أعمارهم - على طاعته إلى مزيد من الشتات والتنابذ، نسأل الله العافية..!! نعلم يقيناً أنَّ هناك اختلافات منهجية وجوهرية، ولا نطالب بتجاهلها وغضِّ الطرف عنها، لكننا نؤكد ضرورة تقديرها بقدرها الصحيح، دون تهويل أو تهوين، كما نؤكد ضرورة دراستها بتجرد وموضوعية، وإبراز القواعد الشرعية التي تدرأ النزاع، وتجمع الصفوف، وتؤلف القلوب، قال ابن تيمية: «متى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب» [٣] . ومع علمنا بتلك الاختلافات المنهجية؛ إلا أننا نرى أحياناً أن حدوث بعض الاختلافات قد يُفسر بتكلف واضح على أنها خلافات منهجية أو جوهرية، مع أنها في الحقيقة ليست كذلك؛ بل بعضها خلافات اجتهادية يسوغ فيها الاختلاف، ويُعذر فيها المجتهد المخطئ، وبعضها خلافات شخصية أو حزبية تلبس لبوس الخلافات المنهجية. وقد أشار علماؤنا إلى أن أكثر الاختلاف الحاصل في هذه الأمة إنما هو من البغي، نسأل الله العافية [٤] ..! وأحسب أننا لسنا في حاجة إلى التذكير بالنصوص الشرعية المتواترة التي تدعو إلى الاعتصام بحبل الله المتين، ونبذ الفرقة والاختلاف؛ لأنها لا تخفى على طلبة العلم المبتدئين، فضلاً عن العلماء والدعاة الراسخين، وما جلسنا في مجلس، أو تذاكرنا مع أحد؛ إلا اتفق الجميع عليها، لكن! المشلكة المزمنة هي في تنزيل تلك النصوص إلى ممارسة عملية جادة، يُطامن فيها المرء من كبريائه، ويتجرد فيها من حظوظه، ويلين مع إخوانه، مهتدياً بقول النبي ﷺ : «تطاوعَا ولا تختلفَا» [٥] ، ويجعل النص الشرعي حكماً يستسلم لحدوده، ولن يتحقق ذلك إلا بالتربية الربانية التي أساسها: ابتغاء وجه الله تعالى في السرِّ والعلن، وحفظه في القول والعمل، وعمودها: العزيمة في الرشد، والقوة في الحق. وما أجمل قول الإمام ابن القيم: «عادتنا في مسائل الدين كلها، دقها وجلها، أن نقول بموجبها، ولا نضرب بعضها ببعض، ولا نتعصب لطائفة على طائفة، بل نوافق كل طائفة على ما معها من الحق، ونخالفها فيما معها من خلاف الحق، لا نستثني من ذلك طائفة ولا مقالة، ونرجو من الله أن نحيا على ذلك ونموت عليه، ونلقى الله به، ولا قوة إلا بالله» [٦] . نعم.. نرى أن الفرقة بلغت حداً غير مقبول شرعاً ولا عقلاً، والتنازع مهما كان صغيراً فهو من أبواب ضعف الأمة، فكيف إذا كان هذا التنازع كبيراً؟! وكنا نظن أن الفتن والتحديات ربما توحِّد الصالحين، وتجعلهم صفاً واحداً أمام أعدائهم، لكننا فوجئنا بعكس ذلك في مواقف عديدة لا تخفى عليكم. إنَّ ضعف الأمة، وذهاب ريحها، وهوانها على الناس؛ إنما يكون بتنازعها وشقاقها، قال الله تعالى: [وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] (الأنفال: ٤٦) ، وهلاك مَنْ هلك ممن كان قبلنا إنما كان بسبب اختلافهم، قال رسول الله ﷺ : «لا تختلفوا؛ فإن مَنْ كان قبلكم اختلفوا فهلكوا» [٧] . وصدق الأستاذ العقاد عندما قال: «كثيراً ما يكون الباطل أهلاً للهزيمة، ولكنه لا يجد مَنْ هو أهل للانتصار عليه» [٨] !! لا تقل لنا - أيها الموفق - إنك تُقبل على إخوانك، ولكنهم يعرضون عنك، وإنك تحسن إليهم، ويسيئون إليك؛ لأنَّ مَنْ أراد الآخرة وسعى لها سعيها احتسب ذلك عند الله.. [يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ] (الشعراء: ٨٨-٨٩) . والرائد في أهله لا بد أن يُروِّض نفسه على الصبر، والإقبال على الناس حتى لو أعرضوا عنه، أو جهلوا عليه، وهذا من أعظم المجاهدات المأمور بها، وها هنا يتميَّز الربانيون، أصحاب المبادئ النقية، الذين ينحتون في الصخر بكل جَلَد وأناة، لبناء مناخ صحي يجمع ولا يفرِّق، يؤلِّف ولا يشتت، يؤسس ولا يهدم. ومَنْ استوحش المضي في هذا السبيل بسبب قلَّة الناصر أو المعين، أو استثقل مطارق الأذى؛ فليس له في الريادة نصيب، قال الله : [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ] (السجدة: ٢٤) . وقال الله : [وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] (فصلت: ٣٤-٣٥) ، قال ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية: «ادفع بحلمك جهل مَنْ يجهل عليك» [٩] . وعنه أيضاً: «هو الرجل يسبُّ الرجل، فيقول الآخر: إنْ كنتَ صادقاً فغفر الله لي، وإنْ كنتَ كاذباً فغفر الله لك» [١٠] . * أيها العلماء والدعاة: دعونا نتحدث بمكاشفة ووضوح، فالمقام مقام مناصحة. ولنقدم حسن الظن سلفاً قبل أن يقذف الشيطان في قلوب بعض الناس بأن المعنى من هذا الكلام أو ذاك الداعية الفلاني أو الجماعة الفلانية. أيرضيكم أن تُكْتَسَحَ الخرطوم بالكنائس وأنشطة التنصير.. وبعض طلابكم لا يزال يلوك خلافات حزبية، يبدأ بها ويعيد، وغاب عنهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ضلَّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» [١١] ..؟! أيسركم - بالله عليكم -! رؤية ذلك الطوفان الجارف من التغريب والإفساد والتحلل الأخلاقي، وبعض طلابكم غفل عن ذلك، وسَلَّ لسانه للوقوع في أعراض إخوانه، وتسفيه أعمالهم وإنجازاتهم..؟! أين أنتم من تكالب الأمم عليكم، وتواطئهم على حربكم..؟! يا الله! .. من يُبصِّر العوام والبسطاء بخطورة الشرك والتمسح بالمزارات والأضرحة..؟! مَنْ لتلك الصحف التي أسرفت في جرأتها، وراحت تهزأ بثوابت الأمة بأسفِّ العبارات وأرخصها..؟! مَنْ لأولئك الفتيان والفتيات المتشوقين لمن يربيهم ويرعاهم رعاية كريمة..؟! مَنْ ذا الذي يطمئن منكم وهو يرى أن خروق السفينة تزداد تصدُّعاً يوماً بعد يوم، وأواصر الأخوُّة تتآكل شيئاً فشيئاً. إننا لا ندعوكم إلى ترك جمعياتكم وجماعاتكم، ولكن نطالبكم بأن تتقوا الله تعالى في طلابكم.. أن تتقوا الله في المسلمين.. وتستشعروا ضرورة التلاحم، وتنسيق الجهود. لقد تربَّى بعض أبنائنا على ترديد الشعارات الحزبية، وأصبحت تلك الشعارات من معاقد الولاء والبراء، وهذه آفة خطرة تصيب الأمة في مَقَاتِلها، ولا تبني إلا جموعاً هزيلة هشَّة لا تفقه دينها، تجيد بكل إتقان فنَّ المحاكاة والتقليد، ولا تقوى على العطاء والعمل ومدافعة المبطلين..! نسألكم بالله العلي العظيم! أما آن الوقت بعدُ لرسم خطة شاملة بعيدة المدى لاستنقاذ الأمة من براثن التجهيل والتغريب، وحمايتها من مستنقعات الرذيلة والأمركة..؟! أما آن الأوان لاستنهاض الهمم كافة، وتوظيف شتى الطاقات لتربية الأمة على منابعها الكريمة وأصولها الشريفة التي لم تكدّرها شوائب البدعة وأهواء الضلالة..؟! أما آن الأوان لسلِّ سخيمة النفوس، وإعادة ترتيب الجموع، والوقوف صفاً واحداً متماسكاً، مَنْ كان في الساقة كان في الساقة، ومَنْ كان في الحراسة كان في الحراسة..؟! إنَّ الأمر جدُّ خطير، وليس الوقت وقتَ تحقيق لمكاسب حزبية أو شخصية، وليس وقت تطلعات أو طموحات مصلحية، وليس وقت علو للفصيل الفلاني، أو خسارة للفصيل الآخر [١٢] . إن الداعية الصادق هُمه نصرة الإسلام سواء كان ذلك على يده أو على يد غيره. ويفرحه ولا يحزنه أن أخاه قد حقق مكاسب دعوية وحضوراً في الساحة؛ لأنه يعلم أن مردّ ذلك سيعود في نهاية الأمر لخدمة الدين وإعزاز أهله. إنَّ المرحلة التي يمر بها السودان هي مرحلة أخطر من ذلك وأعمق أثراً، إنها مرحلة (إسلام أو لا إسلام) .. إي والله!! وإنَّ النجاح الحقيقي الذي تشرئب له الأعناق، وتتطلع له النفوس الشريفة؛ هو ذلك النجاح الذي يجعل راية الدين الحق عزيزة كريمة على يد أي مسلم كائناً من كان، وتأمَّلوا قول الإمام الشافعي: «ما كلمتُ أحداً قط إلا أحببتُ أن يوفَّق ويُسدَّد ويُعان، وما كلمتُ أحداً قط إلا ولم أبال بيَّن الله الحق على لساني أو لسانه» [١٣] . إننا على يقين جازم أن هناك عدداً كبيراً من إخواننا الدعاة والعلماء قد ملّ الفرقة والشتات، ونفسه تتوق إلى التئام الصف وجمع الكلمة والتعاون مع بقية إخوانه الدعاة؛ ولكن ربما يمنعه من ذلك الضغط الذي يلقاه من بعض طلابه ومن حوله؛ حتى إنه ربما بدتْ منه بعض المواقف التي ليست من محض قناعاته!! إنما دفعه إليها المجاملة وخوف الانتقاد من الوسط الذي يعيش فيه!! ولكن ليعلم أولئك جيداً أن الله تعالى سائلهم عن ذلك، ولن يغني عنهم أحد من الله شيئاً. ومن استجلب رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس. لقد أسعدنا كثيراً وجود قيادات علمية ودعوية كريمة في السودان، علت على حظوظها، وبذلت نفوسها بكل صدق وورع لخدمة الدين، وتصدَّرت للذبِّ عن حياض الأمة، كما أسعدنا رؤية مبادرات عديدة لجمع الكلمة وتوحيد الصف.. لكننا نتطلع إلى المزيد والمزيد؛ فلدينا يقين راسخ بأن هذا العصر هو عصر الأقوياء، ولا مكان فيه للضعفاء والمتفرقين. أتحنو عليك قلوب الورى ... إذا دمع عينيك يوماً جرَا؟! وهل ترحم الحمَلَ المستضامَ ... ذئابُ الفَلا وأُسود الشّرَا؟! ولا تتعلل ببغي البغاةِ ... وكُنْ كاسراً قبل أن تُكسرَا ونحسب أن ضعف أمتنا ليس بسبب قلة أعدادها، أو ضعف طاقاتها المادية، ولكن بسبب الغثائية التي أنهكتها، وأصبحت تخدعها عند الأزمات؛ ولذا فإن من أولى الأولويات في المرحلة القادمة العناية بالتربية الجادة وإعداد الرجال الربانيين إعداداً شاملاً ومتوازناً، فهذه هي مهمة الأنبياء والمرسلين، قال الله تعالى: [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَة] (الجمعة: ٢) ، وإذا لم يتصدر لذلك العلماء والدعاة فمَنْ يتصدر له..؟! * ختاماً.. يعلم الله الذي لا إله إلا هو أننا ما أردنا بهذه الرسالة التعالي عليكم، أو الظهور بمظهر المشيخة أو الأستاذية، معاذ الله! ومثلكم يُحسن الظن، ويلتمس العذر، وإنما أردنا إخلاص النصيحة لكم، تحقيقاً لقول الله جل وعلا: [وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (وَالعصر: ٣) ، وزادنا إقبالاً على ذلك ما رأيناه منكم من طيب المعشر، ودماثة الخلق، ولين الجانب، نحسبكم كذلك والله حسيبكم. وما أوصيناكم به نحن أحوج منكم إليه، ففينا من الخلل والقصور ما الله به عليم، فنسأل الله أن يغفر لنا ولكم، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته، وأن يجعلكم مفاتيح للخير، مغاليق للشر، مباركين أينما كنتم. وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 4834

دراسات في الشريعة المخالفات الشرعية في بطاقتي الخير والتيسير الائتمانيتين خالد بن إبراهيم الدعيجي aldoijy@awalnet.net.sa * مقدمة: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: ففي ظل تنامي السوق المالية، وتطور شبكة الاتصالات الدولية، أدى ذلك إلى تنافس المصارف التجارية بجلب أكبر عدد من العملاء؛ لتوفير قدر أعلى من الربح: فقامت بتقديم خدمات مصرفية، وتسهيلات لعملائها، فأنشأت في ساحة التعامل المصرفي مجموعة من: «عقود الائتمان» منها: ١ - بيع المرابحة للآمر بالشراء. ٢ - بيع الأجل. ٣ -الاستصناع. ٤ - بطاقات الائتمان. وأوسع هذه العقود انتشاراً هي بطاقات الائتمان؛ إذ يصدرها نحو: «٢٠٠» مائتي بنك في العالم في أكثر من «١٦٣» دولة، مستخدمة في أكثر من (١٢.٠٠٠٠٠٠) محل تجاري في العالم، وللسحب والتمويل فيما يقرب من: «٥٠.٠٠٠» مؤسسة مالية، وجهاز صرف إلكتروني، من خلال شبكات الصرف الدولية [١] . وهذه البطاقات نشأت وتطورت في دول لا تحكم شرع الله في معاملاتها، وكانت في بنوك قائمة على الربا غير مراعية الشرعية الإسلامية، فداخل بعضها من الأوصاف، والشروط، ما يعلم قطعاً بحرمة بعضها، ومن ثم تلقفها المسلمون على ما فيها من مخالفات شرعية، وأعظمها القرض بفائدة المجمع على تحريمه [٢] . ولكن بتوفيق من الله، قامت جهود مخلصة في هيئات شرعية لدى البنوك الإسلامية، بتنقيح وتهذيب هذا النوع من البطاقات، حتى صيرتها بطاقات إسلامية. وتتالت الهيئات الشرعية في البنوك بدراسة هذا النوع من البطاقات، ومحاولة أسلمتها، وتأصيلها، وتخريجها على ضوابط المعاملات وقواعدها؛ وذلك إما بإضافة شروط أو إلغائها، أو بتركيبها بعقدين أو أكثر حتى لا تقع فيما حرمه الله من الربا. ومن ذلك ما قامت به الهيئتان الشرعيتان لدى البنكين الأهلي والسعودي الأمريكي، فقد قامتا بإصدار قرار بشرعية بطاقتي الخير والتيسير الائتمانيتين التابعتين للبنكين، وأنهما متوافقتان مع الشريعة الإسلامية. ولكن بعد التأمل في كيفية عمل هاتين البطاقتين، تبين للباحث أنهما تتضمنان مخالفات لا تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية؛ لأسباب سوف أذكرها خلال البحث. وهذه الورقات: هي بيان لبعض المخالفات الشرعية التي تضمنتها بطاقتا الخير والتيسير الائتمانيتين، ينتظم عقدها في مبحثين: المبحث الأول: تصوير عمل البطاقتين. المبحث الثاني: المخالفات الشرعية في عمل البطاقتين. علماً أني لن أتطرق في هذا البحث إلى بعض المسائل وهي: أ- التورق المصرفي. ب - البيع الفضولي. ج - التوكيل بالبيع والشراء، أي أن يتولى الوكيل طرفي العقد. للأسباب التالية: ١ - إن العمل الآن على جواز هذه المعاملات، وإن كان يوجد فيها خلاف قوي. ٢ - لعدم إطالة البحث، والخروج به عن مقصوده. ٣ - إن مسألة التورق المصرفي مثلاً من المسائل الشائكة، ولهذا سوف تُبحث في الدورة القادمة لمجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي؛ فمن الأوْلى عدم الاستعجال في بحثها؛ لأنه سيصدر فيها قرار من المجمع الفقهي. * وأخيراً: فقد بذلت في هذا البحث جهدي وهو جهد المقل؛ فما أصبت فيه فمن الله تعالى وله الحمد والثناء، وما أخطأت فيه فمن نفسي وأستغفر الله. وإني لأتوجه بالدعاء إلى الله قيوم السموات والأرض أن يأخذ بأيدينا إلى سواء السبيل، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. المبحث الأول: تصوير عمل البطاقتين: قال الفقهاء: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقبل أن نبدأ بالحكم على البطاقتين لا بد من تصوير عملهما، ومن ثم بيان حكمهما. - أولاً: تصوير عمل بطاقة تيسير الأهلي: جاء في شروط وأحكام بطاقة تيسير الأهلي: (ميعاد الاستحقاق: تستحق كافة الالتزامات المترتبة على حامل البطاقة نتيجة إصدار البطاقة أو استعمالها في تاريخ إصدار البنك لكشف الحساب، وبحيث يقوم حامل البطاقة بسداد قيمة الرصيد (كاملاً أو يلتزم بسداد الحد الأدنى الواجب دفعه ٥% من كامل المبلغ المستحق أو مبلغ ٢٥٠ ريالاً أيهما أكثر) إلى البنك خلال ٢٠ يوماً من تاريخ إصدار كشف الحساب، ومن ثَمَّ تنشيط حد التيسير للمبلغ المتبقي. وفي حالة عدم تسديد المبلغ كاملاً أو الحد الأدنى على الأقل يقوم البنك ببيع سلعة معينة يملكها البنك قيمتها تقارب المديونية ويبيعها على العميل بيعاً فضولياً، ويقسط الثمن على ٢٤ قسطاً، وفي حالة عدم اعتراض العميل بعد إبلاغه بهذا التصرف خلال عشرين يوماً من تاريخ الكشف اللاحق يعتبر هذا إجازة منه بذلك) ا. هـ. التوضيح: مما لا يخفى أن هدف البطاقة الائتمانية هو إقراض حاملها، وذلك إما بالسحب الفوري من مكائن الصرف، أو من خلال ضمانه لدى التجار؛ حيث إن البنك يدفع عنه ما يستحق عليه لدى التجار، ومن ثم يطالبه فيما بعد بالسداد، وتحدد المدة غالباً بشهر أو تزيد قليلاً. فإذا شغلت ذمة حامل البطاقة بالديْن نتيجة استعمالها إما بالقرض أو الشراء، فإن مصدر البطاقة (البنك الأهلي) يتيح له السداد من خلال طريقين: الطريق الأول: إما بالتسديد النقدي لكامل المبلغ. الطريق الثاني: إذا لم يسدد كامل المبلغ، وحل الأجل، فإن المصرف يقوم بعملية التورق، وذلك ببيع سلعة معينة يمتلكها البنك.. إلخ. كما هو مبين سابقاً. ولتوضيح الصورة أكثر، جاء في التعريفات في نفس الاتفاقية ما يلي: التيسير: هو صيغة تمويل معتمدة من هيئة الرقابة الشرعية تتيح الحصول على النقد على سبيل التورق. حد التيسير الائتماني: هو مبلغ التمويل الشخصي الائتماني المعتمد من البنك الأهلي التجاري (البنك) لحامل البطاقة بناء على طلبه ليكون الطريقة الثانية (بجانب التسديد النقدي) لسداد حساب البطاقة الائتمانية الذي ينتج عن استخدام البطاقة من قِبَل حاملها «حامل البطاقة» . استعمالات حد التيسير الائتماني: يستخدم حد التيسير الائتماني لسداد حساب البطاقة الائتمانية فقط، ويتم استخدامه لهذا الغرض بتفويض من حامل البطاقة. استخدام حد التيسير الائتماني: هو أمر حامل البطاقة البنك بشراء سلعة / سلع وإعادة بيعها لتسديد جزء أو كل دين البطاقة الائتمانية، ومن ثَمَّ سداد ثمن تلك السلع على ٢٤ قسطاً شهرياً. - ثانياً: تصوير عمل بطاقة الخير التابعة للبنك السعودي الأمريكي: جاء في اتفاقية بطاقة الخير الائتمانية التي يصدرها البنك السعودي الأمريكي: (في حالة عدم دفع كامل المديونية المطلوبة من عضو البطاقة فسوف يقوم سامبا بوقف البطاقة، وفي حالة استمرار عدم الدفع يقوم سامبا بإلغاء البطاقة، ولن يتم إصدار بطاقة بديلة إلا بعد سداد كامل المبلغ؛ مع أن سامبا يتيح لعضو البطاقة فرصة لسداد المديونية عن طريق دخوله مع سامبا في عملية تورق تجنباً لإلغاء البطاقة) . وجاء في نفس الاتفاقية: (في حالة رغبة العميل في تغطية مديونية البطاقة عن طريق التورق تكون مدة البيع بالتقسيط ١٥ شهراً بمعدل ربح ١٦.٣٠% على كامل المدة، وإذا كان المبلغ المتبقي على العميل أقل من خمسمائة ريال فلن يلبي البنك طلبه لتنفيذ عملية التورق) . وجاء في الاتفاقية: (نموذج وكالة: أوكل السادة / مكتب عبد العزيز القاسم للاستشارات الشرعية والنظامية في شراء سلع من إدارة الائتمان الشخصي لدى البنك السعودي الأمريكي (سامبا) بالتقسيط بغرض تنفيذ عمليات التورق في حال وجود رصيد مدين على بطاقة الخير الائتمانية في يوم الاستحقاق أو بعده من كل شهر وذلك حسب سجلات البنك. كما أنني أوكل إدارة الائتمان الشخصي لدى سامبا ببيع السلع التي اشتريتها؛ وذلك لطرف آخر حسب السعر السائد وقت البيع مع حق توكيل إدارة الائتمان الشخصي لدى سامبا لطرف آخر لإتمام عملية الوكالة واستخدام المبالغ المتحصلة لتسوية الرصيد المدين على بطاقة الخير الائتمانية. ويعتبر هذا التوكيل غير قابل للنقض طالما كانت اتفاقية بطاقة الخير الائتمانية سارية المفعول) . وجاء في نشرة تعريفية لبطاقة الخير ما يلي: (بطاقة الخير هي البطاقة الائتمانية الجديدة، الأولى والوحيدة المجازة من هيئة الرقابة الشرعية لدى سامبا والتي تستخدم في أي مكان حول العالم. تتم عبر تنفيذ عملية التورق والتي من خلالها يقوم العميل بشراء سلع مملوكة من قِبَل البنك «معادن» بالأجل بسعر معين ويفوض البنك ببيع هذه السلع «معادن» حسب سعر السوق إلى طرف ثالث. المبلغ الناتج من عملية بيع السلع «معادن» سوف يتم استخدامه لتسوية الرصيد القائم على بطاقة الخير الائتمانية في يوم الاستحقاق من كل شهر) . وجاء فيها: (متى يكون العميل مؤهلاً لتنفيذ عملية التورق؟ يجب على العميل على الأقل أن يقوم بتسديد الحد الأدنى المستحق على بطاقته في يوم تاريخ الاستحقاق، وفي حال عدم قيام العميل بسداد أي مبلغ فلن يتم تنفيذ عملية تورق. ويجب أن يكون المبلغ المتبقي بعد سداد الحد الأدنى يساوي خمسمائة ريال سعودي أو أكثر) . التوضيح: من الشروط المتفق عليها بين البنك المصدر وحامل البطاقة: أنه متى حل وقت السداد ولم يسدد حامل البطاقة فإنه تجرى عملية تورق بسلع مملوكة للبنك، ومن ثم يسدد الدين المستحق على البطاقة، وينشأ دين آخر على حامل البطاقة بسبب عملية التورق، ولكن يقوم بتسديده خلال (١٥) عشر شهراً. أوجه الشبه والاختلاف بين بطاقتي الخير والتيسير: أما وجه الشبه: فإن كلاً من البطاقتين تتيح لحاملهما سداد الدين الذي استحق بسبب استعمالهما عن طريق إجراء عملية تورق، وذلك ببيع سلع مملوكة للبنكين إلى حامل البطاقة، ومن ثم يتولى البنكان بيع هذه السلع لمصلحة العميل إلى طرف ثالث، وتؤخذ القيمة ويسدد بها الديْن الأول، وينشأ بعد ذلك ديْن جديد على حامل البطاقة يسدده خلال مدة معينة. أما أوجه الاختلاف فكما يلي: أولاً: تختلفان في عملية إجراء التورق: ففي بطاقة التيسير عن طريق البيع الفضولي؛ حيث يتولى البنك إجراء عمليتي الشراء لحامل البطاقة، والبيع لطرف ثالث لأجل مصلحة حامل البطاقة، ويعتبر التصرف نافذاً خلال عشرين يوماً إذا لم يعترض حامل البطاقة. أما بطاقة الخير فعن طريق التوكيل لطرف ثالث بشراء السلع، ومن ثم توكيل إدارة الائتمان الشخصي وهو تابع للبنك الأمريكي ببيعها لطرف آخر. ثانياً: معدل الربح في بيع التورق: ففي بطاقة الخير: معدل الربح ١٦.١٥% وهو أكثر بكثير من معدلات الربح العالمية في بيع الأجل والمرابحة، بل إنه يشبه إلى حد ما معدلات الفائدة على بطاقات الائتمان الربوية العالمية؛ حيث إنها تحتسب أكثر فائدة ربا على مستعمليها مقارنة بمعدلات الفوائد الربوية الأخرى. أما بطاقة الخير فلم يذكر بشأن معدلات الربح شيء. ثالثاً: مدة الأجل في سداد عملية التورق: ففي بطاقة التيسير (٢٤) شهراً، أما في بطاقة الخير (١٥) شهراً. المبحث الثاني: المخالفات الشرعية لعمل البطاقتين: من خلال الوصف السابق لعمل البطاقتين، يتضح للباحث أن فيهما مخالفات شرعية جلية، يمكن إيضاحها كالتالي: - المخالفة الأولى: أنهما من قلب الديْن المجمع على تحريمه. فسداد الديْن في هاتين البطاقتين يتم عن طريق قلب الديْن. وقلب الدين: هو زيادة الديْن في ذمة المدين بأي طريق كان. قال شيخ الإسلام: «وأما إذا حل الدين وكان الغريم معسراً: لم يجز بإجماع المسلمين أن يقلب بالقلب لا بمعاملة ولا غيرها؛ بل يجب إنظاره، وإن كان موسراً كان عليه الوفاء فلا حاجة إلى القلب لا مع يساره ولا مع إعساره» [٣] . وجاء في (مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى) [٤] : (وحرم قلب ديْن) مؤجل على معسر لأجل (آخر اتفاقاً) . قال الشيخ تقي الدين: ويحرم على صاحب الدين أن يمتنع من إنظار المعسر حتى يقلب عليه الدين، ومتى قال رب الديْن: إما أن تقلب الدين، وإما أن تقوم معي إلى عند الحاكم، وخاف أن يحبسه الحاكم؛ لعدم ثبوت إعساره عنده، وهو معسر، فقلب على هذا الوجه، كانت هذه المعاملة حراماً غير لازمة باتفاق المسلمين؛ فإن الغريم مكره عليها بغير حق، ومن نسب جواز القلب على المعسر بحيلة من الحيل إلى مذهب بعض الأئمة فقد أخطأ في ذلك وغلط. وقال الشيخ السعدي ﵀: «أعظم أنواع الربا قلب الدين على المدينين، سواء فعل ذلك صريحاً أو تحيلاً؛ فإنه لا يخفى على رب العالمين؛ فمن حل دينه على غريمه، أُلزم بالوفاء، إن كان من المقتدرين، ووجب على صاحب الحق إنظاره إن كان من المعسرين» [٥] . وقد اصطلح الحنابلة على تسمية هذه المعاملة بقلب الدين، بينما المالكية يسمونها: فسخ الدين بالدين. قال الإمام القيرواني: «ولا يجوز فسخ دين في دين، مثل أن يكون شيء في ذمته، فتفسخه في شيء آخر لا تتعجله» [٦] وقال: «وكان فسخ الديْن أشد في الحرمة؛ لأنه من ربا الجاهلية» [٧] . بل عده المالكية من أشد صور بيع الكالئ بالكالئ الذي هو محرم بالإجماع [٨] . وقلب الديْن له طريقان: الطريقة الأولى: قلب الديْن صراحة؛ وذلك بقول الدائن للمدين: إما أن تقضي وإما أن تُرْبي، ويقول المدين: أنظرني أزدْك. وهذا هو ربا الجاهلية. الطريقة الثانية: قلب الديْن بالحيلة، وهذا ما يتفنن به أَكَلَةُ الربا، فيعمدون إلى معاملات ظاهرها الصحة؛ لأجل قلب الدين على المدين، ولهذه الطريقة عدة صور: ١ - منها: أن يكون في ذمة شخص لآخر دراهم مؤجلة فيحل أجلها وليس عنده ما يوفيه، فيقول له صاحب الدين: أدينك فتوفيني، فيدينه فيوفيه، وهذا من الربا، بل هو مما قال الله فيه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (آل عمران: ١٣٠) وهذه الصورة من أعمال الجاهلية؛ حيث كان يقول أحدهم للمدين إذا حل الدين: إما أن توفي؛ وإما أن تُرْبي. إلا أنهم في الجاهلية يضيفون الربا إلى الديْن صراحة من غير عمل حيلة، وهؤلاء يضيفون الربا إلى الديْن بالحيلة [٩] . ٢ - ومنها: أن يكون لشخص على آخر دين؛ فإذا حل قال له: إما أن توفي دينك أو تذهب لفلان يدينك وتوفيني، ويكون بين الدائن الأول والثاني اتفاق مسبق في أن كل واحد منهما يدين غريم صاحبه ليوفيه، ثم يعيد الدين عليه مرة أخرى ليوفي الدائن الجديد. أو يقول: اذهب إلى فلان لتستقرض منه؛ ويكون بين الدائن الأول والمقرض اتفاق أو شبه اتفاق على أن يقرض المدين. فإذا أوفى الدائن الأول قلب عليه الدين، ثم أوفى المقرض ما أقترض منه، وهذه حيلة لقلب الدين بطريق ثلاثية [١٠] . ٣ - ومنها: إذا حل الدين على المدين مثلاً (مائة) ولا وفاء عنده، وأراد أن يدينه أيضاً مائة، جعل فائدة المائة الجديدة مضاعفة، فإن كانت فائدة المائة الأولى ٢%، جعل فائدة المائة الثانية ٤%، مراعاة للمائة الحالَّة، والمدين يلتزم بذلك لاضطراره [١١] . ٤ - ومنها: أن يكون للرجل دين على آخر، فيحل أجل الدين، وليس عند المدين ما يوفي به دينه، فيحتال الدائن ويعطي المدين المعسر نقوداً على أنها رأس مال سَلَم، لمبيع موصوف مؤجل في الذمة، ثم إن الدائن يستوفي بهذه النقود عن دينه السابق [١٢] . وجاء في الدرر السنية: ومنها - أي المعاملات الربوية -: قلب الدين على المعسر، إذا حل الدين على الغريم، ولم يقدر على الوفاء أحضر طالب الدين دراهم، وأسلمها إليه في طعام في ذمته، ثم أوفاه بها في مجلس العقد، ويسمون هذا تصحيحاً، وهو فاسد ليس بصحيح، فإنه لم يسلم إليه دراهم، وإنما قلب عليه الدين الذي في ذمته، لما عجز عن استيفائه؛ والمعسر لا يجوز قلب الدين عليه [١٣] . وقد حرر هذه المسألة الموفق ﵀ وقال: إذا كان له في ذمة رجل دينار، فجعله سَلَماً في طعام إلى أجل، لم يصح. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم، منهم مالك، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وعن ابن عمر أنه قال: لا يصلح ذلك؛ وذلك لأن المسلم فيه دين، فإذا جعل الثمن ديناً كان بيع دين بدين، ولا يصح ذلك بالإجماع [١٤] . ٥ - ومنها: من له دين على شخص قد حل أجله فطالبه به فوجده معسراً بجميعه، ووجد عنده سلعة لا تفي به فأخذها منه في جميع الدين، ثم باعها له بأكثر من الدين، فهذا لا يجوز أيضاً؛ لأن السلعة التي خرجت من اليد وعادت إليها تُعدُّ لغواً، وكأنه فسخ ما في ذمة المدين في أكثر منه ابتداء فهو ربا الجاهلية [١٥] . ٦ - ومنها: ما جاء في الموطأ: (قال مالك في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل؛ فإذا حلت قال له الذي عليه الدين: بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقداً بمائة وخمسين إلى أجل. قال مالك: هذا بيع لا يصلح، ولم يزل أهل العلم ينهون عنه. قال مالك، وإنما كره ذلك؛ لأنه إنما يعطيه ثمن ما باعه بعينه، ويؤخر عنه المائة الأولى إلى الأجل الذي ذكر له آخر مرة، ويزداد عليه خمسون ديناراً في تأخيره عنه فهذا مكروه، ولا يصلح، وهو أيضاً يشبه حديث زيد بن أسلم في بيع أهل الجاهلية أنهم كانوا إذا حلت ديونهم قال للذي عليه الدين إما أن تقضي، وإما أن تُربي فإن قضى أخذوا، وإلا زادوهم في حقوقهم وزادوهم في الأجل) . ا. هـ. قال الباجي: وهذا على ما قال؛ لأن من كان له على رجل مائة دينار إلى أجل فاشترى منه عند الأجل سلعة تساوي مائة دينار بمائة وخمسين فقضاه دينه الأول، وإنما قضاه ثمن سلعته، وزاد خمسين ديناراً في دينه لتأخيره به عن أجله؛ فهذا يشبه ما تضمنه حديث زيد بن أسلم من بيوع الجاهلية في زيادتهم في الديون عند انقضاء أجلها ليؤخروا بها، ويدخله أيضاً بيع وسلف؛ لأنه إنما ابتاع منه هذه السلعة بمائة معجلة وخمسين مؤجلة ليؤخره بالمائة التي حلت له عليه، ووجوه الفساد في هذا كثيرة جداً [١٦] . ٧ - ومنها: ما جاء في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: «وسئل عن رجل له مع رجل معاملة فتأخر له معه دراهم فطالبه وهو معسر، فاشترى له بضاعة من صاحب دكان وباعها له بزيادة مائة درهم حتى صبر عليه. فهل تصح هذه المعاملة؟ فأجاب: لا تجوز هذه المعاملة، بل إن كان الغريم معسراً فله أن ينتظره. وأما المعاملة التي يزاد فيها الديْن والأجل فهي معاملة ربوية وإن أدخلا بينهما صاحب الحانوت. والواجب أن صاحب الدين لا يطالب إلا برأس ماله لا يطالب بالزيادة التي لم يقبضها» [١٧] . فإذا تقرر أن ما يجري عمله في بطاقتي الخير والتيسير إنما هو من قلب الدين المجمع على تحريمه؛ فإن من تعامل بها فإنه سيقع لازماً بمخالفتين عظيمتين: أحدهما: الوقوع في ربا الجاهلية. الثاني: التحايل على الربا. وإليك إيضاح ذلك. - المخالفة الثانية: أنهما داخلتان في ربا الجاهلية: «إما أن تقضي وإما أن تُربي» . إن أسوأ أنواع الربا وأشدها تحريماً هو ربا الجاهلية الذي يزيد فيه الدين لأجل تأخير الوفاء؛ فإذا حل الأجل قال الدائن: أتقضي أم تُرْبي؟ ويقول المدين: أَنظِرْني أزدْك. وهذا هو الذي نزل فيه قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (آل عمران: ١٣٠) [١٨] وقوله جل شأنه: [أَضْعَافاً مُّضَاعَفَة] (آل عمران: ١٣٠) بيان لما يؤول إليه حال الربا من تضاعف الدين في ذمة المدين وما يترتب عليه من الظلم الفادح وأكل المال بغير حق. والأمة مجمعة على تحريم هذا النوع من الربا تحريماً قطعياً لا يتطرق إليه أدنى شك. وجه الشبه بين ربا الجاهلية وعمل البطاقتين: إن ما يحدث في بطاقتي الائتمان المشار إليهما هو من هذا الباب؛ فالبنك المصدِّر للبطاقة يخير العميل بين وفاء دينه الذي حل أجله وبين تأخير الوفاء مع زيادة الدين في ذمته من خلال التورق، ثم إذا حل أجل الدين الجديد تكرر الأمر مرة أخرى، فينمو الدين ويتضاعف في ذمة المدين، وهذا عين ربا الجاهلية. ولا يؤثر في هذه الحقيقة كونها تتم من خلال سلع أو بضائع غير مقصودة لأي من الطرفين؛ فإن العبرة بالحقائق والمعاني لا بالصور والمباني. والله شرع البيع والشراء لتحقيق مصلحة الطرفين، لا للاحتيال به على الربا. ويؤيد ذلك ما ورد عن الإمام مالك: (قال مالك في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل فإذا حلت قال له الذي عليه الدين: بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقداً بمائة وخمسين إلى أجل. قال مالك: هذا بيع لا يصلح، ولم يزل أهل العلم ينهون عنه. قال مالك: وإنما كُره ذلك؛ لأنه إنما يعطيه ثمن ما باعه بعينه، ويؤخر عنه المائة الأولى إلى الأجل الذي ذكر له آخر مرة، ويزداد عليه خمسون ديناراً في تأخيره عنه؛ فهذا مكروه، ولا يصلح، وهو أيضاً يشبه حديث زيد بن أسلم في بيع أهل الجاهلية أنهم كانوا إذا حلت ديونهم قال للذي عليه الدين: إما أن تقضي، وإما أن تربي؛ فإن قضى أخذوا، وإلا زادوهم في حقوقهم وزادوهم في الأجل) . ا. هـ. فالإمام مالك ﵀ جعل هذه المعاملة التي فيها قلب للدين شبيهة بربا الجاهلية: إما أن تقضي وإما أن تربي. وأما قول الإمام مالك «وإنما كُره ذلك» ليس المراد به الكراهة التي يحدها الأصوليون بأنها: ما نهي عنه نهياً غير جازم، أو ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، بل المراد بالكراهة عند السلف التحريم؛ خلافاً للمتأخرين؛ فإنهم اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم [١٩] . - المخالفة الثالثة: أن فيهما تحايلاً على الربا. من خلال ما سبق، تبين للباحث أن عمل البطاقتين ما هو إلا تحايل على الربا، وقد حذرنا النبي ﷺ من الاحتيال على ما حرمه الله تعالى بقوله: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود؛ فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» [٢٠] . وقال ﷺ : «قاتل الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فجمَّلوها فباعوها» [٢١] . وحقيقة الحيلة المحرمة أنها توسُّل بعمل مشروع لتحقيق غاية محرمة؛ فالبيع مشروع لكن التوسل به لزيادة الدين في ذمة المدين مقابل تأخير الوفاء توسل لغاية ونتيجة محرمة، فيكون البيع في هذه الحالة حيلة محرمة. قال الموفق: «ثبت من مذهب أحمد أن الحيل كلها باطلة» [٢٢] ، وقال: «الحيل كلها محرمة، غير جائزة في شيء من الدين، وهو أن يظهر عقداً مباحاً يريد به محرماً، مخادعة وتوسلاً إلى فعل ما حرم الله» [٢٣] . قال ابن القيم ﵀: «النبي ﷺ قد قال كلمتين كفتا وشفتا وتحتهما كنوز العلم وهما قوله:» إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى «فبين في الجملة الأولى أن العمل لا يقع إلا بالنية، ولهذا لا يكون عمل إلا بنية، ثم بين في الجملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه؛ وهذا يعم العبادات والمعاملات والأيْمان والنذور وسائر العقود والأفعال، وهذا دليل على أن من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا، ولا يعصمه من ذلك صورة البيع. وإذا نوى بالفعل التحيل على ما حرمه الله ورسوله كان له ما نواه؛ فإنه قصد المحرم وفعل مقدوره في تحصيله، ولا فرق في التحيل على المحرم بين الفعل الموضوع له وبين الفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعة له، لا في عقل ولا في شرع؛ ولهذا لو نهى الطبيب المريض عما يؤذيه وحماه منه فتحيل على تناوله عد متناولاً لنفس ما نهى عنه، ولهذا مسخ الله اليهود قردة لما تحيلوا على فعل ما حرمه الله، ولم يعصمهم من عقوبته إظهار الفعل المباح لما توسلوا به إلى ارتكاب محارمه، ولهذا عاقب أصحاب الجنة بأن حرمهم ثمارها لما توسلوا بجذاذها مصبحين إلى إسقاط نصيب المساكين، ولهذا لعن اليهود لما أكلوا ثمن ما حرم الله عليهم أكله، ولم يعصمهم التوسل إلى ذلك بصورة البيع. وأيضاً فإن اليهود لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها؛ فإنها بعد الإذابة يفارقها الاسم وتنتقل إلى اسم الودك، فلما تحيلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك. قال الخطابي: في هذا الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوسل إلى المحرم؛ فإنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه. إذا تبين هذا فمعلوم أنه لو كان التحريم معلقاً بمجرد اللفظ وبظاهر من القول دون مراعاة المقصود للشيء المحرم ومعناه وكيفيته لم يستحقوا اللعنة لوجهين: أحدهما: أن الشحم خرج بجَمْله عن أن يكون شحماً، وصار وَدَكاً، كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى أن يصير بيعاً عند من يستحل ذلك؛ فإن من أراد أن يبيع مائة بمائة وعشرين إلى أجل، فأعطى سلعة بالثمن المؤجل، ثم اشتراها بالثمن الحالّ، ولا غرض لواحد منهما في السلعة بوجه ما، وإنما هي كما قال فقيه الأمة: دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة؛ فلا فرق بين ذلك وبين مائة بمائة وعشرين درهماً بلا حيلة ألبتة، لا في شرع ولا في عقل ولا عرف، بل المفسدة التي لأجلها حرم الربا بعينها قائمة مع الاحتيال أو أزيد منها، فإنها تضاعفت بالاحتيال لم تذهب ولم تنقص؛ فمن المستحيل على شريعة أحكم الحاكمين أن يحرم ما فيه مفسدة ويلعن فاعله ويؤذنه بحرب منه ورسوله ويوعده أشد الوعيد، ثم يبيح التحيل على حصول ذلك بعينه سواء مع قيام تلك المفسدة وزيادتها بقصد الاحتيال في معصية ومخادعة الله ورسوله. هذا لا يأتي به شرع؛ فإن الربا على الأرض أسهل وأقل مفسدة من الربا بسلم طويل صعب التراقي يترابى المترابيان على رأسه؛ فيا لله العجب! أي مفسدة من مفاسد الربا زالت بهذا الاحتيال والخداع؟ فهل صار هذا الذنب العظيم وهو عند الله من أكبر الكبائر حسنة وطاعة بالخداع والاحتيال؟ ويا لله! كيف قلب الخداع والاحتيال حقيقته من الخبيث إلى الطيب ومن المفسدة إلى المصلحة وجعله محبوباً للرب تعالى بعد أن كان مسخوطاً له؟ ولئن كان هذا الاحتيال يبلغ هذا المبلغ فإنه عند الله ورسوله بمكان ومنزلة عظيمة، وإنه من أقوى دعائم الدين وأوثق عراه وأجلّ أصوله. ويا لله العجب! أي فرق بين بيع مائة بمائة وعشرين درهماً صريحاً، وبين إدخال سلعة لم تُقصَد أصلاً، بل دخولها كخروجها؟ ولهذا لا يسأل العاقد عن جنسها ولا صفتها ولا قيمتها ولا عيب فيها ولا يبالي بذلك ألبتة حتى لو كانت خرقة مقطعة أو أذن شاة أو عوداً من حطب أدخلوه محلِّلاً للربا، ولما تفطَّن المحتالون أن هذه السلعة لا اعتبار بها في نفس الأمر، وأنها ليست مقصودة بوجه، وأن دخولها كخروجها تهاونوا بها، ولم يبالوا بكونها مما يتمول عادة أو لا يتمول، ولم يبال بعضهم بكونها مملوكة للبائع أو غير مملوكة، بل لم يبال بعضهم بكونها مما يباع أو مما لا يباع كالمسجد والمنارة والقلعة، وكل هذا وقع من أرباب الحيل، وهذا لما علموا أن المشتري لا غرض له في السلعة فقالوا: أي سلعة اتفق حضورها حصل بها التحليل» [٢٤] . - المخالفة الرابعة: أنهما داخلتان في حديث «نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سلف وبيع» . عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك» [٢٥] . قال ابن القيم ﵀: «وأما السلف والبيع: فلأنه إذا أقرضه مائة إلى سنة، ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة: فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك» [٢٦] . ووجه الشبه بين هذا التفسير للحديث وعمل البطاقتين: أن العلاقة بين مصدر البطاقة وحاملها: هي علاقة مقرض يتمثل في مصدر البطاقة، ومقترض هو حامل البطاقة. فحامل البطاقة إما أن يشتري سِلَعاً ومن ثم يقوم البنك بالسداد، ويكون هذا المبلغ ديناً في ذمة حامل البطاقة، أو أنه يسحب مبلغاً نقدياً من مكائن الصرف، وفي كلا الحالتين تكون ذمة حامل البطاقة مشغولة للبنك المصدر لها، ويحدد له يوماً يقوم بسداد الدين فيه. وعند الرجوع إلى اتفاقية عمل البطاقتين نجد أن البنك السعودي الأمريكي وضع من ضمن الاتفاقية أنه متى حل سداد الدين ولم يسدد حامل البطاقة فإنه سوف يجري عملية تورق بالوكالة. وأما البنك الأهلي فقد قرر في الاتفاقية أنه متى حل الدين فإنه سيجري عملية التورق من خلال التصرف الفضولي. وفي كلا الحالتين: نجد أن البنكين اشترطا في عملية الإقراض أنه متى حل موعد سداد الدين ولم يسدد حامل البطاقة فإنه تجرى عملية التورق، فهنا اجتمع في هذه المعاملة سلف وبيع. - المخالفة الخامسة: أنهما داخلتان في حديث «نهي النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة» . عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة. وفي لفظ: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا» [٢٧] . قال الإمام الخطابي ﵀ في بيان معنى الحديث: «كأن يسلفه ديناراً في قفيزين إلى شهر؛ فلما حل الأجل وطالبه بالبر، قال له: بعني القفيز الذي لك عليَّ بقفيزين إلى شهر. فهذا بيع ثان قد دخل على البيع الأول فصار بيعتين في بيعة فيردان إلى أوكسهما وهو الأصل، فإن تبايعا المبيع الثاني قبل أن يتناقضا الأول كانا مرتبين» معالم السنن (٢/١٠٤) . وتوضيح ذلك: أن المراد به قلب الديْن على المعسر في صورة بيع الدين المؤجل على المدين إلى أجل آخر بزيادة عليه. ووجه الشبه بين هذا التفسير وعمل البطاقتين كالتالي: ففي عمل البطاقتين لما حل الأجل وكان صاحب البطاقة مديناً للبنك بريالات، وليس عنده ما يوفيه، فكأنه باع هذا الدين بدين آخر إلى أجل مع زيادة، ولكن أدخلا بينهما سلعة عن طريق التورق. فاجتمع في المعاملة بيعان، فإما أن يأخذا بالبيع الأول وهو الدين الأقل، وإما أن يتما البيع الثاني، فيقعا في النهي وهو الربا. وهذا التفسير للحديث لا يمنع التفسير المشهور عن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم بأن المراد بالحديث بيع العِينة، من وجهين: الأول: أن في كلا الصورتين تحايلاً على الربا. الثاني: أن من القواعد المقررة عند أهل العلم: أنه إذا احتمل اللفظ أكثر من معنى وليس بينهما تعارض فإنه يُحمل عليهما. فكل معاملتين ظاهرهما الصحة وباطنهما التحايل على أكل الربا فهما داخلتان في النهي الذي في الحديث، فيشمل الحديث بيع العِينة وقلب الديْن وغيرها من المعاملات. * وأخيراً: هذه بعض المخالفات في هاتين البطاقتين، وأحسب أن هذا البحث ما هو إلا بداية لبحوث أخرى من العلماء وطلاب العلم المهتمين بهذه المعاملات، وإني أدعو الباحثين إلى تجلية هذا الأمر وزيادة بحثه، حتى يكون الناس على بصيرة من أمرهم. فوالله لو ترك هذا الأمر ومر مرور الكرام فلن يكون ربا في البنوك، وسينتهي الربا إلى غير رجعة بالتحايل عليه، وسيصعب رد الناس عنه إذا انغمسوا فيه. ونحن بأمسِّ الحاجة إلى الرجوع إلى الله، والتوبة إليه؛ فالأمة تعيش في عصر تكالب عليها أعداء الله من كل جانب، والنصر لا يأتي إلا من عند الله، وكيف ندعو الله بالنصر؛ ونحن نحاربه بأكل الربا؟ كما أدعو القائمين على الهيئات الشرعية الذين أجازوا مثل هذه المعاملات أن يبينوا لنا مسلك إباحتهم لهذه المعاملة بالأدلة الصريحة الصحيحة، حتى تظهر للعيان حجج الطرفين ومسلك كل فريق. وإني لأتوجه بالدعاء إلى الله قيوم السموات والأرض أن يأخذ بأيدينا إلى سواء السبيل، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 4835

دراسات في الشريعة حقيقة الظلم معناه - أنواعه - صوره - عاقبته د. عبد العزيز بن فوزان بن صالح الفوزان [*] fawzan١@yahoo.com الظلم، ما الظلم؟ وما أدراك ما الظلم؟! إنه خلق ذميم، وذنب جسيم، وأذى عظيم، ووصف لئيم، يحلق الدين، ويأكل الحسنات، ويجلب الويلات والنكبات، ويورث العداوات والمشاحنات، ويثمر الأحقاد والضغائن، ويسبب القطيعة والعقوق، ويحيل حياة الناس إلى جحيم وشقاء، وكدر وبلاء. أما والله إن الظلم لؤمٌ ... وما زال المسيء هو الظلومُ إلى الديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصومُ ستعلم يا ظلومُ إذا التقينا ... غداً عند الإله مَنِ الملومُ [١] والظلم طبيعة بشرية، وجبلة متأصلة في النفوس كما قال تعالى: [وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً] (الأحزاب: ٧٢) ، فهذا هو الأصل في الناس: الظلم والجهل إلا من زكَّاه الله بالإيمان والتقوى، والعلم والهدى، والعدل والإنصاف. وقد صدق المتنبي [٢] حين قال: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفةٍ، فلعله لا يظلمُ قال الماوردي [٣] : «وهذه العلة المانعة من الظلم لا تخلو من أحد أربعة أشياء: إما عقل زاجر، أو دين حاجز، أو سلطان رادع، أو عجز صاد، فإذا تأملتها لم تجد خامساً يقترن بها» . * تعريف الظلم وأنواعه: الظلم معناه: مجاوزة الحد، ووضع الشيء في غير موضعه [٤] . وهو أنواع شتى، وله صور كثيرة، ووجوه متنوعة عديدة، ولكن يمكن إجمالها في ثلاثة أقسام: الأول: ظلم العبد نفسه بالإشراك بالله (الظلم الذي لا يغفر الله منه شيئاً) . الثاني: ظلم العبد نفسه بمعصية الله (الظلم الذي لا يعبأ به شيئاً) . الثالث: ظلم العبد لغيره من العباد (الظلم الذي لا يترك الله منه شيئاً) . أما القسم الأول: فإنه أقبح الظلم وأفحشه، قال الله تعالى: [إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ] (لقمان: ١٣) ، وسئل النبي ﷺ : «أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك» [٥] ، فالشرك أعظم أنواع الظلم، ولهذا كان جزاء صاحبه أن يخلد في النار يوم القيامة، كما قال تعالى: [إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ] (المائدة: ٧٢) . وكل ذنب قد يغفره الله تعالى إلا الشرك فإنه لا يُغفر لصاحبه، قال الله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ] (النساء: ٤٨) . ومن الشرك الأكبر المخرج من الملة: التقرب إلى الموتى وأصحاب القبور من الأولياء والصالحين وغيرهم، وذلك بدعائهم والاستغاثة بهم، والذبح والنذر لهم، والطواف بقبورهم، والحلف بهم تعظيماً لهم، واعتقاد النفع والضر فيهم، وأن لهم تصرفاً في هذا الكون، وقدرة على الدفع والرفع، والضر والنفع، والعطاء والمنع، كما هو الواقع في بعض بلاد الإسلام مع الأسف الشديد. وأما القسم الثاني: فهو ظلم العبد نفسه بمعصية الله والخروج عن طاعته؛ لأن حق الله تعالى على عباده أن يعبدوه ويوحدوه، ويطيعوه ولا يعصوه، ويشكروه ولا يكفروه، فإذا خالفوا ذلك كانوا من الظالمين. قال الله تعالى: [وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (البقرة: ٢٢٩) ، وقال: [وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه] (الطلاق: ١) ؛ أي: أساء إليها، وذلك بتعريضها لسخط الله تعالى ومقته، وأخذه وسطوته. قال ميمون بن مهران: «إن الرجل يقرأ القرآن، وهو يلعن نفسه، قيل له: وكيف يلعن نفسه؟ قال: يقرأ: [أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ] (هود: ١٨) ، وهو ظالم» [٦] . والله تعالى غني عن عباده، لا تنفعه طاعة المطيعين، ولا تضره معصية العاصين، إنما ينفعون أنفسهم أو يضرونها، قال الله تعالى: [مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكُ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ] (فصلت: ٤٦) ، [وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ] (العنكبوت: ٦) . فمن أشرك بالله أو عصاه، فإنه لا يظلم إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً، كما قال ربنا : [وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] (البقرة: ٥٧) . وفي الحديث القدسي: «يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفّيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومنّ إلا نفسه» [٧] . وأما القسم الثالث: فهو ظلم العبد لغيره من العباد، وهو محل البحث هنا، وهو أشهر أنواع الظلم وأكثرها. وهذا القسم أغلظ من سابقه، وأعظم إثماً، وأسوأ عاقبة، ولا يمكن الخروج منه والتخلص من شؤمه وإثمه بمجرد الإقلاع والندم، بل لا بد من استحلال صاحبه، ورد حقه إليه. ومَن الذي يضمن لنفسه أن يحله المظلوم ويبيحه، إذا استحله واستباحه؟! فنسأل الله تعالى أن يعيذنا من ظلم العباد، وألا يجعلنا في القوم الظالمين. قال سفيان الثوري ﵀: «إن لقيت الله تعالى بسبعين ذنباً فيما بينك وبين الله تعالى؛ أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد» [٨] . وذُكر عن أبي بكر الوراق أنه قال: «أكثر ما ينزع الإيمان من القلب: ظلم العباد» [٩] . وقال ابن القيم ﵀: «والظلم عند الله يوم القيامة له دواوين ثلاثة: ديوان لا يغفر الله منه شيئاً، وهو الشرك به، فإن الله لا يغفر أن يُشْرَك به. وديوان لا يترك الله تعالى منه شيئاً، وهو ظلم العباد بعضهم بعضاً، فإن الله تعالى يستوفيه كله. وديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه ، فإن هذا الديوان أخف الدواوين وأسرعها محواً، فإنه يُمحى بالتوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ونحو ذلك. بخلاف ديوان الشرك؛ فإنه لا يُمحى إلا بالتوحيد. وديوان المظالم لا يُمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها واستحلالهم منها» [١٠] . وما ذكره ابن القيم ﵀ هو معنى حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الدواوين ثلاثة: فديوان لا يغفر الله منه شيئاً، وديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، فأما الديوان الذي لا يغفر الله منه شيئاً: فالإشراك بالله ، قال الله : [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ] (النساء: ٤٨) ، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً قط: فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً: فمظالم العباد بينهم، القصاص لا محالة» [١١] . وقد حذَّر الله عباده من الظلم والتظالم، فقال في الحديث القدسي: «يا عبادي، إني حرَّمُت الظلم على نفسي وجعلتُه بينكم محرماً؛ فلا تظالموا» [١٢] . فلا يجوز لأحد كائناً من كان أن يظلم عباد الله، ويؤذيهم ويضارهم، ويتجنى عليهم، ويعتدي على مصالحهم، وينتهك محارمهم. كما لا يجوز له أن يمنعهم حقوقهم، ويبخسهم أشياءهم، ويقصِّر فيما يجب عليه تجاههم، فإن الخلق خلق الله، وأحبهم إليه أنفعهم لهم، وخير الناس أقومهم بمصالح الناس. وقد أوجب الله على المؤمنين أن يكونوا إخوة متحابين، متراحمين متكاتفين، متواصلين متعاطفين، بل قال النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [١٣] . فإذا كان المؤمن لا يكمل إيمانه الكمال الواجب، ولا تبرأ ذمته حتى يحب لإخوانه ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه [١٤] ، ويعاملهم بمثل الذي يحب أن يعاملوه به، فكيف يجوز له ظلمهم، ومنعهم حقوقهم، وأذيتهم والبغي عليهم، والتعدي على أبدانهم أو أعراضهم أو أموالهم؟! خطب النبي ﷺ يوم النحر في حجة الوداع في مجمع عظيم شهده أكثر من مائة ألف مسلم، فقال: «أتدرون أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسمّيه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى. قال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسمّيه بغير اسمه، فقال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى. قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسمّيه بغير اسمه، قال: أليست بالبلدة الحرام؟ قلنا: بلى. قال: فإن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد! فليبلغ الشاهد الغائب، فرُبَّ مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» [١٥] . وقال ﵊: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» [١٦] . * من صور الظلم الشائعة: ظلم العباد بعضهم لبعض لا ينحصر في صور معدودة، بل كل تعد على مصالحهم، أو تقصير في حقوقهم؛ فإنه يعد ظلماً لهم، سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل. ولذلك قال النبي ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» [١٧] . فبيَّن في هذا الحديث علامة المسلم التي يُستدل بها على حسن إسلامه، وهي سلامة المسلمين من لسانه ويده، كما ذكر مثله في علامة المنافق. وقيل: الألف واللام في قوله: «المسلم» للكمال، نحو: زيدٌ الرجل؛ أي: الكامل في الرجولية. وتُعقّب بأنه يستلزم أن مَنْ اتصف بهذا خاصة كان كاملاً. ويجاب بأن المراد بذلك مع مراعاة باقي الأركان، فأفضل المسلمين مَنْ جمع إلى أداء حقوق الله تعالى، أداء حقوق العباد. وذكر المسلمين هنا خرج مخرج الغالب؛ لأن محافظة المسلم على كفِّ الأذى عن أخيه المسلم أشد تأكيداً، وحقه عليه أعظم من حق الكافر غير المحارب الذي لا يجوز الاعتداء عليه أيضاً. وخصّ اللسان بالذكر لأنه المعبِّر عما في النفس، وهكذا اليد؛ لأن أكثر الأفعال بها، وعبَّر باللسان دون القول؛ ليدخل فيه من أخرج لسانه على سبيل الاستهزاء [١٨] ، فاشتمل الحديث على جميع أنواع الظلم بالقول والفعل. ومن صور الظلم باللسان: الغيبة والنميمة، والكذب والبهتان، والسب والشتم، والتنابز بالألقاب، والسخرية والاستهزاء، والإهانة والتحقير، والقذف والاتهام بغير حق، ونشر قالة السوء عن الناس، وفضح أسرارهم، إلى غير ذلك من أنواع الظلم بالقول واللسان. أما الظلم بالفعل والجوارح؛ فإنه يكون بالضرب والقتل بغير حق، وبالسرقة والغش والرشوة وأكل أموال الناس بالباطل، ومنه كذلك الزنا واللواط، والتجسس والتصنت، وتتبع العورات، والتلصص على محارم الناس. وفي الحديث المتفق عليه: «مَنْ اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه» [١٩] . وفي صحيح البخاري [٢٠] : «ومَنْ استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صُبّ في أُذنَيْه الآنك يوم القيامة» ، والآنك: هو الرصاص المذاب [٢١] . ومن الظلم الشديد، بل الكفر البواح: السحر الذي يستخدمه شياطين الإنس مستعينين بشياطين الجن، من أجل تحقيق أغراضهم الخبيثة، وأهدافهم الدنيئة، أو استجابة للحقد والحسد الذي أقسى قلوبهم، وأصمَّهم وأعمى أبصارهم، فباعوا دينهم، وظلموا إخوانهم. والسحر داء خطير، وشر مستطير، فمنه ما يُمرض، ومنه ما يقتل، ومنه ما يسبب الجنون والخبل، وما يجعل المسحور يهيم في الخلاء، ومنه ما يفرّق بين المرء وزوجه، وما يبغِّض أحدهما إلى الآخر، أو يعطفه عليه ويعميه عن عيوبه، ومنه ما يعقد المتزوج فلا يقدر على الوطء، ومنه ما يجعل المسحور ألعوبة في يد الساحر، وتابعاً ذليلاً [٢٢] . ومن صور الظلم الشائعة الذائعة بسبب الشح والبخل، وإيثار الدنيا على الآخرة: أكل أموال الناس بالباطل، وذلك عن طريق الجحود والمماطلة، أو الغش والمخادعة، أو عن طريق الرشوة، أو الربا، أو أكل مال اليتيم، أو عن طريق التدليس والتلبيس، كمن يأخذ أرض غيره أو بعضها بأدنى الحيل وبمستندات واهية، أو بينات مختلقة مزورة، أو أيمان كاذبة فاجرة. وكم حصل بسبب ذلك من الظلم والجور، وكم ترتب عليه من القطيعة بين الجيران والإخوان، وكيد بعضهم لبعض، وكم ذهبت أوقاتهم، وشغلت أذهانهم، وترافعوا إلى المحاكم سنين طويلة بسبب ظلم بعضهم لبعض، وتعدي بعضهم على بعض. وفي غمرة هذا الظلم والجشع، واللهاث وراء حطام الدنيا الفانية، ينسى هؤلاء عذاب الآخرة، فضلاً عن العقوبة المعجَّلة في هذه الدنيا. وقد حذَّر النبي ﷺ من ذلك، فقال: «مَنْ ظلم قيد شبر من الأرض؛ طُوِّقه من سبع أرضين» [٢٣] . وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقتطع مال امرئ مسلم بيمين كاذبة؛ لقي الله وهو عليه غضبان. قال عبد الله: ثم قرأ رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله جل ذكره: [إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناًّ قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ] (آل عمران: ٧٧) » [٢٤] . وحذَّر النبي ﷺ من جحد الحقوق، والمماطلة في أداء الديون، فقال: «مطل الغني ظلم» [٢٥] ، وقال: «قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره» [٢٦] . فأين أولئك الذين يستضعفون عمَّالهم وخدمهم، فيأكلون أجورهم، أو يماطلون في أدائها، أين هم عن هذا الوعيد الشديد، وأنى لهم أن يفلحوا والله تعالى خصمهم؟! فخفِ القصاص غداً إذا وفِّيْتَ ما ... كسبت يداك اليوم بالقسطاسِ في موقف ما فيه إلا شاخصٌ ... أو مهطع أو مقنع للراسِ أعضاؤهم فيه الشهود وسجنهم ... نار وحاكمهم شديد الباسِ أن تمطل اليوم الحقوق مع الغنى ... فغداً تؤديها مع الإفلاسِ [٢٧] جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يتقاضاه ديناً كان عليه، فاشتد عليه، حتى قال: «أحرّج عليك إلا قضيتني. فانتهره أصحابه، فقالوا: ويحك! تدري مَنْ تكلم؟ فقال: إني أطلب حقي. فقال النبي ﷺ : هلا مع صاحب الحق كنتم! ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها: إن كان عندكِ تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمر فنقضيك. فقالت: نعم! بأبي أنت وأمي يا رسول الله. فاقترضه فقضى الأعرابي وأطعمه، فقال: أوفيت أوفى الله لك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا قُدّست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير مُتَعْتَع [٢٨] » [٢٩] . وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «لما رجعتْ إلى رسول الله ﷺ مهاجرة البحر قال: ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟ قال فتية منهم: بلى يا رسول الله! بينا نحن جلوس مرَّت بنا عجوز من عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قلة من ماء، فمرت بفتى منهم، فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثم دفعها فخرَّت على ركبتيها، فانكسرت قلتها، فلما ارتفعت التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا غُدَرُ إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غداً. فقال رسول الله ﷺ : صَدَقَتْ، صَدَقَتْ، كيف يقدّس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟!» [٣٠] . ومن أقبح صور الظلم: الجرأة على الله تعالى بشهادة الزور، يبذلها المرء لقاء أجر خسيس خبيث، أو محاباةً لقريب أو صديق، أو مجاملة لرئيس أو وجيه، أو للإضرار بخصم أو منافس، أو لغير ذلك من الأغراض الفاسدة، ليقتطع بها مال امرئ مسلم، أو ليُضيع بها حقاً من حقوقه، أو ليثبت عليه شيئاً هو بريء منه. وكالرجل المسؤول حين يكتب للجهة المختصة تقريراً بعدم صلاحية موظف، أو عدم كفاءته في عمله، والحقيقة على العكس من هذا، وقد يكون قصد مضارته، والإساءة إليه، والحط من قدره، وتشويه سمعته بهذه التقارير الكاذبة؛ لما يرى من نجاحه وتميُّزه عنه، وتفوقه عليه. كل أولئك ومن على شاكلتهم، ممن يقرر خلاف الواقع لغرض دنيوي، أو طمع مادي، أو منافسة غير شريفة، أو لمجرد التجنِّي على عباد الله والإضرار بهم، كل أولئك شهداء زور يلحقهم من الوعيد الوارد في حق شاهد الزور؛ بقدر ما احتملوا من هذه الشهادة الكاذبة الظالمة. يقول النبي ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثاً قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت!» [٣١] ، يعني إشفاقاً عليه، وكراهيةً لما يزعجه ويغضبه ﷺ [٣٢] . وجلوسه ﵊ بعد أن كان متكئاً، وتكراره التحذير من قول الزور وشهادة الزور؛ يدل على شناعة هذا الجُرم، وشدة قبحه، ووجوب الحذر الشديد منه. قال ابن حجر: «وسبب الاهتمام بذلك: كون قول الزور أو شهادة الزور أسهل وقوعاً على الناس، والتهاون بها أكثر، فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم، والعقوق يصرف عنه الطبع، وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة كالعداوة والحسد وغيرهما، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه، وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها من الإشراك قطعاً، بل لكون مفسدة الزور متعدية الشاهد، بخلاف الشرك فإن مفسدته قاصرة غالباً» [٣٣] . * عاقبة الظالم: الظلم مرتعه وخيم، وشؤمه جسيم، وعاقبته أليمة، وقد توعّد الله أهله بالعذاب والنكال الشديد، فقال: [وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً] (الفرقان: ٣٧) قال: [وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ] (إبراهيم: ٤٢-٤٣) ، وإنه والله! لوعيد تنخلع له القلوب الحية، وتقشعر له الجلود المؤمنة، وكفى به زاجراً عن مقارفة الظلم أو الإعانة عليه. ويقول سبحانه: [أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ] (هود: ١٨) ، ولكل ظالم حظ من هذه اللعنة بقدر مظلمته، فليستقل أو ليستكثر. ويقول تعالى: [فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ] (الزخرف: ٦٥) ، ويقول مهدداً بسوء العاقبة وشؤم المنقلب: [وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ] (الشعراء: ٢٢٧) . وبيَّن أن الظالم محروم من الفلاح في الدنيا والآخرة، ومصروف عن الهداية في أمور دينه ودنياه، فقال: [إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ] (الأنعام: ٢١) ، وقال: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] (المائدة: ٥١) . وروى مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المُفلس من أمتي مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار» [٣٤] . وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم» [٣٥] . وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا يا رسول الله: وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» [٣٦] . والموبقات: هي المهلكات [٣٧] ، وسميت بذلك لأنها توبق صاحبها في الإثم، ثم في النار والعياذ بالله. وفي هذه الموبقات السبع من الظلم والأذى ما لا يخفى. ولشناعة الظلم، وكثرة أضراره، وعظم الأذية به؛ جعل الله تعالى عقوبته معجلة في الدنيا قبل الآخرة، يقول النبي ﷺ : «ما من ذنب أجدر أن يُعجّل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يَدَّخِر له في الآخرة؛ من البغي وقطيعة الرحم» [٣٨] . وحذَّر النبي ﷺ من دعوة المظلوم، فقال: «واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» [٣٩] . وتصور حال ذلك الظالم المخذول، وهو فرح بظلم الناس وغمطهم حقوقهم، حسداً وبغياً، أو شحاً وبخلاً، أو صلفاً وكبراً، أو سفهاً وجهلاً، ينام ملء عينيه، وأولئك المظلومون قائمون يدعون الله عليه، ويجأرون إليه بأن ينتقم منه، ويشتت شمله، ويعجل عقوبته، ويُنزل به بأسه، ويحل عليه سخطه، ويأخذه أخذ عزيز مقتدر. فمَنْ ذا الذي يرضى لنفسه ذلك، ويعرِّضها لهذه السهام التي تزلزل الجبال؟! لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً ... فالظلم ترجع عقباه إلى الندمِ تنام عيناك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك، وعين الله لم تنمِ [٤٠] لكن غلاظ الأكباد، وقساة القلوب، لا يحفلون بأمر الدعاء، ولا يتقون دعوة المظلوم، وذلك لما ران على قلوبهم من الذنوب، حتى صارت قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، فهم آمنون من مكر الله، مستهترون بالدعاء وآثاره. أتهزأ بالدعاء وتزدريه ... وما تدري بما صنع الدعاء سهام الليل لا تخطي ولكن ... لها أمد، وللأمد انقضاء [٤١] يقول النبي ﷺ : «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين» [٤٢] . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجراً ففجوره على نفسه» [٤٣] . فإذا كان هذا شأن دعوة الفاجر، فما بالك بدعوة التقي الصالح، بل ما بالك بالعالم والداعية الناصح؟! فاحذر يا أخي أن تكون غرضاً لدعوات المظلومين، ومحلاً لسهامهم الصائبة. واحذر من المظلوم سهماً صائباً ... واعلم بأن دعائه لا يحجبُ وإذا دعتك نفسك إلى الظلم، فتذكر أنك إن غلبت الناس وأخذت حقوقهم بقوتك، أو سلطانك، أو جاهك، أو بلاغة حجتك وذلاقة لسانك؛ فإن الله أقوى عليك منك عليهم، ولا يخفى عليه ظلمك، وهو القادر على أخذك وقهرك. وما من يد إلا يد الله فوقها ... ولا ظالمٌ إلا سيُبلى بأظلمِ [٤٤] وفي الحديث: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ رسول الله ﷺ : [وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ] (هود: ١٠٢) » [٤٥] . وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: «كنت أضرب غلاماً لي بالسوط، فسمعت صوتاً من خلفي: اعلم أبا مسعود! فلم أفهم الصوت من الغضب. قال: فلما دنا مني إذا هو رسول الله ﷺ ، فإذا هو يقول: اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود! قال: فألقيت السوط من يدي. فقال: اعلم أبا مسعود! أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام. قال فقلت: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً» [٤٦] . وكان يزيد بن حكيم يقول: «ما هبتُ أحداً قط هيبتي رجلاً ظلمته، وأنا أعلم أنه لا ناصر له إلا الله، يقول: حسبي الله، الله بيني وبينك!» . ولما حُبس خالد بن برمك وولده في نكبة البرامكة المعروفة، قال ولده: «يا أبتي! بعد العز صرنا في القيد والحبس» ، فقال: «يا بني! دعوة المظلوم سرت بليل، غفلنا عنها ولم يغفل الله عنها» [٤٧] . والقصص والشواهد الواقعية قديماً وحديثاً على إجابة دعوة المظلوم وتعجيل العقوبة للظالم كثيرة جداً [٤٨] . * عاقبة المظلوم: أما أنت أيها المظلوم، فأبشر بالذي يسرُّك، فأنت إن شاء الله خير الرجلين، وأفضل الطائفتين، فكن عبدَ الله المظلوم، ولا تكن عبدَ الله الظالم، واعلم أن الله ظهيرك ونصيرك، وأنه لن يخذلك ويُسلمك لعدوك، وأن العاقبة لك في الدنيا والآخرة. يقول الله تعالى: [إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ] (الأنعام: ٢١) ، فلا فلاح لهم في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنهم ظالمون. وقال بعض السلف: «ثلاث مَنْ كن فيه كن عليه: البغي، والمكر السيئ، والنكث. قال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم] (يونس: ٢٣) ، وقال: [وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِه] (فاطر: ٤٣) ، وقال: [فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِه] (الفتح: ١٠) » [٤٩] . وتذكَّر أيها المظلوم أن الأمور كلها تُقضى في السماء، وما هؤلاء الخلق إلا أدوات يقضي الله بها من أمره ما يشاء، وإنك أن تصبح مظلوماً تنتظر النصر والمثوبة؛ خير من أن تكون ظالماً تنتظر الهزيمة والعقوبة. ولك أيها المظلوم أسوة بيوسف الصديق ﵊، حيث عزم إخوته على قتله ظلماً وعدواناً، وألقوه في غيابة الجب؛ ليهلك أو يلتقطه بعض السيارة، ثم باعوه بثمن بخس، وزعموا أنه عبد آبق، ثم قالوا عنه وعن شقيقه بعد حين: [إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْل] (يوسف: ٧٧) . وعندما بِيعَ لعزيز مصر، وصار في بيته راودته امرأة العزيز عن نفسه، فانتقل من بلاء الجب المخيف إلى بلاء الحب غير الشريف، ولما كُشف أمرها اتهمته زوراً وبهتاناً بأنه كان يراودها عن نفسها، [ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ] (يوسف: ٣٥) ، [فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ] (يوسف: ٤٢) . فاتُهم في عرضه وهو العفيف، وسُجن وهو البريء، وبِيعَ في سوق النخاسة وهو الحر الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم [٥٠] ، وبعد كل هذه الابتلاءات المتتالية، والمظالم المتنوعة، مكَّنه الله في الأرض، وجعل له العاقبة في الدنيا والآخرة، وآثره على كل من آذاه وظلمه. يقول الله تعالى: [وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ * وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ] (يوسف: ٥٦-٥٧) ، وقال عنه أيضاً: [قَالُوا أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ] (يوسف: ٩٠-٩١) .
следующие страницы →