← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

المحرم ة - ١٤٢٥هـ مارس - ٢٠٠٤م (السنة: ١٩)

стр. 4832

كلمة صغيرة العدو الداخلي .. كانت الحقبة التي أعقبت عصر الاحتلال الصليبي الأخير؛ هي حقبة الأحزاب العلمانية والقومية، والتي كانت صنيعة للاحتلال الصليبي نفسه، حيث جذَّر لها جذوراً في الأمة الإسلامية، فهيمنت على مواقع القيادة، ومنابر الإعلام والثقافة، وعلا صوتها، وفرضت مبادئها فرضاً.. ولم تكن النتيجة والثمرة التي جنتها الأمة من وراء تلك الأحزاب والتيارات، خلال تلك الحقبة ولا تزال، إلا المر والحنظل. هذه الحقبة التي لا تزال فصول ذلها وهوانها تعصف بالأمة؛ يجب أن تقف منها الشعوب الإسلامية موقف الجد، وأن تعمل بكل إصرار وجهد على إنهائها لترمي بها في مزبلة التاريخ، وتقول لرعاتها وأتباعها: - كفاكم ذلاً وهواناً، ولعباً بمقدرات الأمة ومصالحها، وعودوا إلى مصدر العزة والنصر والتقدم! - كفاكم تبعية وعمالة؛ وارجعوا إلى هوية الأمة الحقيقية الأصيلة! - كفاكم خيبة وإخفاقاً؛ فقد ذقتم من ولائكم للغرب وأذقتم الأمة معكم الخذلان والخسران! كفوا أيديكم عن أمة الإسلام، ودعوا الشعوب الإسلامية تحيا وتسير بدينها وعقيدتها. إن من أهم واجبات الشعوب الإسلامية اليوم، في هذه المرحلة العصيبة، رفض تلك الأحزاب والتيارات العلمانية والقومية جملة وتفصيلاً، والاستمساك بالإسلام جملة وتفصيلاً. وإذا كانت مقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية واجبة، وحققت فيها الشعوب الإسلامية قدراً كبيراً من التجاوب والنجاح؛ فإن مقاطعة تلك الأحزاب والتيارات لا تقل وجوباً؛ لأن مواجهة العدو الداخلي لا تقل أهمية عن مواجهة العدو الخارجي، فيجب نشر الوعي، بين الخاصة والعامة حتى رجل الشارع، بضرر تلك التيارات والأحزاب القومية والعلمانية على الأمة، ومخالفتها للإسلام عقيدة وشريعة، ومقاطعة أنشطتها السياسية والثقافية والإعلامية، والتنفير من المشاركة فيها وترشيحها ودعمها، وكشف زيفها وبيان عوارها وما أسهل ذلك، لتقول لهم الشعوب الإسلامية إن الأمة تعرف طريقها ولن تحيد عنه، وتملك مصدر عزتها ولن تفرط فيه، وإن من يخالف ويضاد ويقف ضد إرادة الشعوب الإسلامية؛ فلن يرى منها إلا الرفض والإنكار. وليعلم الغرب وأتباعه بعد أن تلك الأحزاب والتيارات لن تجد لها في أمة الإسلام أرضاً تنبت فيها، ولا مياهاً تسقيها، [وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] (المنافقون: ٨) .

стр. 4833

الافتتاحية رسالة مفتوحة للدعاة في السودان.. «أما آن الأوان لوحدة الكلمة ..؟!» الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين.. وبعد: فإنَّ السودان يمر بمرحلةٍ غاية في الحساسية والحرج، فقد أجلبت الولايات المتحدة الأمريكية بكل طاقاتها لممارسة أقسى الضغوط لاختراق السودان، وإملاء كل الشروط عليه لإسقاطه في الحظيرة الأمريكية. واستثمرت أمريكا طائفتين من المجتمع لتحقيق مشروعها التغريبي في السودان: الطائفة الأولى: مجموعة الأحزاب العلمانية التي تصطاد عادة في الماء العكر، وتستغل الحملة الأمريكية لتحقيق مآربها المنحرفة، فَهُم طلائع التغريب، وحُداته لاختراق المنطقة، ويده الملوثة التي يعبث بها، ويستخدمها لزعزعة الاستقرار. الطائفة الثانية: مجموعة الميلشيات الجنوبية التي صنعها الغربيون لتهديد أمن السودان منذ عهد الاستعمار، وأخذوا يغذونهم بالمال، ويدعمونهم بالسلاح، ويؤزونهم على المسلمين أزّاً؛ لاستنزاف الاقتصاد السوداني، وتشتيت قدراته. وها هو ذا السودان يشهد أخيراً مستنقعاً جديداً من الكيد في غرب السودان في دارفور وما حولها، وتتواطأ الدول أيضاً على تغذيته وتصعيده، وتضرب المسلمين بعضهم ببعض لتزيد جراحهم وآلامهم..! وقد تمخضت هذه الضغوط عن واقعٍ غاية في التعقيد، أنتم أعرف بتفاصيله وتداعياته، لكننا نلحظ بجلاء تواطؤ الدول النصرانية، والأحزاب العلمانية، والإرساليات الكنسية، والميلشيات النصرانية والوثنية، لمسخ الهوية الإسلامية، وتجريد السودان من خصوصيته العقدية والثقافية. وبمقدار ما يكون التنازل تزداد الضغوط، ويرتفع سقف المطالب، وصَدَقَ المولى جل وعلا: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم] (البقرة: ١٢٠) . إزاء هذا الواقع المحزن يلتفت المشفقون على السودان ذات اليمين وذات الشمال؛ يبحثون في داخله عن دور التجمعات الإسلامية والمنظمات الدعوية، ويفتشون عن حضور أهل العلم والدعوة في الأحداث الأخيرة، فيألمون أشد الألم من ذلك الغياب المذهل..! إننا نلمس جهوداً مشكورة محمودة على المستوى الجماعي والفردي، ونرى أفذاذاً من الدعاة والمصلحين يبذلون الغالي والنفيس في بذل المعروف، ونشر الخير، وإنكار المنكر.. لكن هل التجمعات الإسلامية بمختلف فصائلها ودعاتها قادرة على مواجهة المشروع الأمريكي في المنطقة، وإحباط تطلعاته..؟! هل يستطيع العلماء مواجهة التيارات العلمانية، وهل لديهم القدرة على تأهيل طلبة العلم والمفكرين القادرين على درء شبهات القوم وكشف زيوفهم..؟! هل تملك التجمعات الإسلامية رؤية علمية وعملية لمواجهة الزحف التنصيري..؟! هل أعد المصلحون خطة دعوية لمرحلة ما بعد السلام..؟! وهل العلماء والدعاة على مستوى التحدي الذي يحيط بالسودان من كل مكان..؟! نحسب أن الجميع يتفق معنا على أنها دون ذلك بكثير، على الرغم من الأعمال المباركة التي نرى آثارها هنا وهناك، والشاعر العربي يقول: ولَمْ أَرَ في عيوب النَّاس عيباً ... كنقص القادرين على التمام والمتابع للمشهد الدعوي في السودان لا يخطئه على الإطلاق النظر إلى الشرخ الغائر الذي يزداد تجذراً وعمقاً في المحاضن الدعوية، ولا يعجزه إدراك حجم الفُرقة والتشتت الذي يفري في صفوف الدعاة فرياً..! تعددت الفصائل والتجمعات الإسلامية، وتمزَّق الفصيل الواحد إلى فصيلين أو أكثر، وكثر التهارش والتحاسد، والقيل والقال، وتجاوز ثلبُ الصالحين الحد، وطفح في كثير من القواعد الدعوية، وأصبحت اللغة الحزبية الضيقة هي اللغة السائدة عند بعض الناس، وارتفعت حمّى التصنيف عند بعض الشباب التي تؤدي إلى الازدراء والتنقيص وشحن النفوس. وإذا كان الإمام مالك بن أنس يقول: «ما في زماننا شيء أقلّ من الإنصاف» [١] ، فماذا نقول نحن في زماننا..؟! والله! إن القلب ليتقطع ألماً وحزناً على طاقات الشباب المهدرة في تلك الصوارف التي تُذهب حلاوة الدعوة، وتُفسد على المرء دينه. قال الفضيل بن عياض: «تكلمتَ فيما لا يعنيك فشغلك عمّا يعنيك، ولو شغلك ما يعنيك تركتَ ما لا يعنيك» [٢] . وأخشى ما نخشاه أن يؤدي ذهاب الشيوخ - أمدَّ الله في أعمارهم - على طاعته إلى مزيد من الشتات والتنابذ، نسأل الله العافية..!! نعلم يقيناً أنَّ هناك اختلافات منهجية وجوهرية، ولا نطالب بتجاهلها وغضِّ الطرف عنها، لكننا نؤكد ضرورة تقديرها بقدرها الصحيح، دون تهويل أو تهوين، كما نؤكد ضرورة دراستها بتجرد وموضوعية، وإبراز القواعد الشرعية التي تدرأ النزاع، وتجمع الصفوف، وتؤلف القلوب، قال ابن تيمية: «متى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب» [٣] . ومع علمنا بتلك الاختلافات المنهجية؛ إلا أننا نرى أحياناً أن حدوث بعض الاختلافات قد يُفسر بتكلف واضح على أنها خلافات منهجية أو جوهرية، مع أنها في الحقيقة ليست كذلك؛ بل بعضها خلافات اجتهادية يسوغ فيها الاختلاف، ويُعذر فيها المجتهد المخطئ، وبعضها خلافات شخصية أو حزبية تلبس لبوس الخلافات المنهجية. وقد أشار علماؤنا إلى أن أكثر الاختلاف الحاصل في هذه الأمة إنما هو من البغي، نسأل الله العافية [٤] ..! وأحسب أننا لسنا في حاجة إلى التذكير بالنصوص الشرعية المتواترة التي تدعو إلى الاعتصام بحبل الله المتين، ونبذ الفرقة والاختلاف؛ لأنها لا تخفى على طلبة العلم المبتدئين، فضلاً عن العلماء والدعاة الراسخين، وما جلسنا في مجلس، أو تذاكرنا مع أحد؛ إلا اتفق الجميع عليها، لكن! المشلكة المزمنة هي في تنزيل تلك النصوص إلى ممارسة عملية جادة، يُطامن فيها المرء من كبريائه، ويتجرد فيها من حظوظه، ويلين مع إخوانه، مهتدياً بقول النبي ﷺ : «تطاوعَا ولا تختلفَا» [٥] ، ويجعل النص الشرعي حكماً يستسلم لحدوده، ولن يتحقق ذلك إلا بالتربية الربانية التي أساسها: ابتغاء وجه الله تعالى في السرِّ والعلن، وحفظه في القول والعمل، وعمودها: العزيمة في الرشد، والقوة في الحق. وما أجمل قول الإمام ابن القيم: «عادتنا في مسائل الدين كلها، دقها وجلها، أن نقول بموجبها، ولا نضرب بعضها ببعض، ولا نتعصب لطائفة على طائفة، بل نوافق كل طائفة على ما معها من الحق، ونخالفها فيما معها من خلاف الحق، لا نستثني من ذلك طائفة ولا مقالة، ونرجو من الله أن نحيا على ذلك ونموت عليه، ونلقى الله به، ولا قوة إلا بالله» [٦] . نعم.. نرى أن الفرقة بلغت حداً غير مقبول شرعاً ولا عقلاً، والتنازع مهما كان صغيراً فهو من أبواب ضعف الأمة، فكيف إذا كان هذا التنازع كبيراً؟! وكنا نظن أن الفتن والتحديات ربما توحِّد الصالحين، وتجعلهم صفاً واحداً أمام أعدائهم، لكننا فوجئنا بعكس ذلك في مواقف عديدة لا تخفى عليكم. إنَّ ضعف الأمة، وذهاب ريحها، وهوانها على الناس؛ إنما يكون بتنازعها وشقاقها، قال الله تعالى: [وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] (الأنفال: ٤٦) ، وهلاك مَنْ هلك ممن كان قبلنا إنما كان بسبب اختلافهم، قال رسول الله ﷺ : «لا تختلفوا؛ فإن مَنْ كان قبلكم اختلفوا فهلكوا» [٧] . وصدق الأستاذ العقاد عندما قال: «كثيراً ما يكون الباطل أهلاً للهزيمة، ولكنه لا يجد مَنْ هو أهل للانتصار عليه» [٨] !! لا تقل لنا - أيها الموفق - إنك تُقبل على إخوانك، ولكنهم يعرضون عنك، وإنك تحسن إليهم، ويسيئون إليك؛ لأنَّ مَنْ أراد الآخرة وسعى لها سعيها احتسب ذلك عند الله.. [يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ] (الشعراء: ٨٨-٨٩) . والرائد في أهله لا بد أن يُروِّض نفسه على الصبر، والإقبال على الناس حتى لو أعرضوا عنه، أو جهلوا عليه، وهذا من أعظم المجاهدات المأمور بها، وها هنا يتميَّز الربانيون، أصحاب المبادئ النقية، الذين ينحتون في الصخر بكل جَلَد وأناة، لبناء مناخ صحي يجمع ولا يفرِّق، يؤلِّف ولا يشتت، يؤسس ولا يهدم. ومَنْ استوحش المضي في هذا السبيل بسبب قلَّة الناصر أو المعين، أو استثقل مطارق الأذى؛ فليس له في الريادة نصيب، قال الله : [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ] (السجدة: ٢٤) . وقال الله : [وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] (فصلت: ٣٤-٣٥) ، قال ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية: «ادفع بحلمك جهل مَنْ يجهل عليك» [٩] . وعنه أيضاً: «هو الرجل يسبُّ الرجل، فيقول الآخر: إنْ كنتَ صادقاً فغفر الله لي، وإنْ كنتَ كاذباً فغفر الله لك» [١٠] . * أيها العلماء والدعاة: دعونا نتحدث بمكاشفة ووضوح، فالمقام مقام مناصحة. ولنقدم حسن الظن سلفاً قبل أن يقذف الشيطان في قلوب بعض الناس بأن المعنى من هذا الكلام أو ذاك الداعية الفلاني أو الجماعة الفلانية. أيرضيكم أن تُكْتَسَحَ الخرطوم بالكنائس وأنشطة التنصير.. وبعض طلابكم لا يزال يلوك خلافات حزبية، يبدأ بها ويعيد، وغاب عنهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ضلَّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» [١١] ..؟! أيسركم - بالله عليكم -! رؤية ذلك الطوفان الجارف من التغريب والإفساد والتحلل الأخلاقي، وبعض طلابكم غفل عن ذلك، وسَلَّ لسانه للوقوع في أعراض إخوانه، وتسفيه أعمالهم وإنجازاتهم..؟! أين أنتم من تكالب الأمم عليكم، وتواطئهم على حربكم..؟! يا الله! .. من يُبصِّر العوام والبسطاء بخطورة الشرك والتمسح بالمزارات والأضرحة..؟! مَنْ لتلك الصحف التي أسرفت في جرأتها، وراحت تهزأ بثوابت الأمة بأسفِّ العبارات وأرخصها..؟! مَنْ لأولئك الفتيان والفتيات المتشوقين لمن يربيهم ويرعاهم رعاية كريمة..؟! مَنْ ذا الذي يطمئن منكم وهو يرى أن خروق السفينة تزداد تصدُّعاً يوماً بعد يوم، وأواصر الأخوُّة تتآكل شيئاً فشيئاً. إننا لا ندعوكم إلى ترك جمعياتكم وجماعاتكم، ولكن نطالبكم بأن تتقوا الله تعالى في طلابكم.. أن تتقوا الله في المسلمين.. وتستشعروا ضرورة التلاحم، وتنسيق الجهود. لقد تربَّى بعض أبنائنا على ترديد الشعارات الحزبية، وأصبحت تلك الشعارات من معاقد الولاء والبراء، وهذه آفة خطرة تصيب الأمة في مَقَاتِلها، ولا تبني إلا جموعاً هزيلة هشَّة لا تفقه دينها، تجيد بكل إتقان فنَّ المحاكاة والتقليد، ولا تقوى على العطاء والعمل ومدافعة المبطلين..! نسألكم بالله العلي العظيم! أما آن الوقت بعدُ لرسم خطة شاملة بعيدة المدى لاستنقاذ الأمة من براثن التجهيل والتغريب، وحمايتها من مستنقعات الرذيلة والأمركة..؟! أما آن الأوان لاستنهاض الهمم كافة، وتوظيف شتى الطاقات لتربية الأمة على منابعها الكريمة وأصولها الشريفة التي لم تكدّرها شوائب البدعة وأهواء الضلالة..؟! أما آن الأوان لسلِّ سخيمة النفوس، وإعادة ترتيب الجموع، والوقوف صفاً واحداً متماسكاً، مَنْ كان في الساقة كان في الساقة، ومَنْ كان في الحراسة كان في الحراسة..؟! إنَّ الأمر جدُّ خطير، وليس الوقت وقتَ تحقيق لمكاسب حزبية أو شخصية، وليس وقت تطلعات أو طموحات مصلحية، وليس وقت علو للفصيل الفلاني، أو خسارة للفصيل الآخر [١٢] . إن الداعية الصادق هُمه نصرة الإسلام سواء كان ذلك على يده أو على يد غيره. ويفرحه ولا يحزنه أن أخاه قد حقق مكاسب دعوية وحضوراً في الساحة؛ لأنه يعلم أن مردّ ذلك سيعود في نهاية الأمر لخدمة الدين وإعزاز أهله. إنَّ المرحلة التي يمر بها السودان هي مرحلة أخطر من ذلك وأعمق أثراً، إنها مرحلة (إسلام أو لا إسلام) .. إي والله!! وإنَّ النجاح الحقيقي الذي تشرئب له الأعناق، وتتطلع له النفوس الشريفة؛ هو ذلك النجاح الذي يجعل راية الدين الحق عزيزة كريمة على يد أي مسلم كائناً من كان، وتأمَّلوا قول الإمام الشافعي: «ما كلمتُ أحداً قط إلا أحببتُ أن يوفَّق ويُسدَّد ويُعان، وما كلمتُ أحداً قط إلا ولم أبال بيَّن الله الحق على لساني أو لسانه» [١٣] . إننا على يقين جازم أن هناك عدداً كبيراً من إخواننا الدعاة والعلماء قد ملّ الفرقة والشتات، ونفسه تتوق إلى التئام الصف وجمع الكلمة والتعاون مع بقية إخوانه الدعاة؛ ولكن ربما يمنعه من ذلك الضغط الذي يلقاه من بعض طلابه ومن حوله؛ حتى إنه ربما بدتْ منه بعض المواقف التي ليست من محض قناعاته!! إنما دفعه إليها المجاملة وخوف الانتقاد من الوسط الذي يعيش فيه!! ولكن ليعلم أولئك جيداً أن الله تعالى سائلهم عن ذلك، ولن يغني عنهم أحد من الله شيئاً. ومن استجلب رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس. لقد أسعدنا كثيراً وجود قيادات علمية ودعوية كريمة في السودان، علت على حظوظها، وبذلت نفوسها بكل صدق وورع لخدمة الدين، وتصدَّرت للذبِّ عن حياض الأمة، كما أسعدنا رؤية مبادرات عديدة لجمع الكلمة وتوحيد الصف.. لكننا نتطلع إلى المزيد والمزيد؛ فلدينا يقين راسخ بأن هذا العصر هو عصر الأقوياء، ولا مكان فيه للضعفاء والمتفرقين. أتحنو عليك قلوب الورى ... إذا دمع عينيك يوماً جرَا؟! وهل ترحم الحمَلَ المستضامَ ... ذئابُ الفَلا وأُسود الشّرَا؟! ولا تتعلل ببغي البغاةِ ... وكُنْ كاسراً قبل أن تُكسرَا ونحسب أن ضعف أمتنا ليس بسبب قلة أعدادها، أو ضعف طاقاتها المادية، ولكن بسبب الغثائية التي أنهكتها، وأصبحت تخدعها عند الأزمات؛ ولذا فإن من أولى الأولويات في المرحلة القادمة العناية بالتربية الجادة وإعداد الرجال الربانيين إعداداً شاملاً ومتوازناً، فهذه هي مهمة الأنبياء والمرسلين، قال الله تعالى: [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَة] (الجمعة: ٢) ، وإذا لم يتصدر لذلك العلماء والدعاة فمَنْ يتصدر له..؟! * ختاماً.. يعلم الله الذي لا إله إلا هو أننا ما أردنا بهذه الرسالة التعالي عليكم، أو الظهور بمظهر المشيخة أو الأستاذية، معاذ الله! ومثلكم يُحسن الظن، ويلتمس العذر، وإنما أردنا إخلاص النصيحة لكم، تحقيقاً لقول الله جل وعلا: [وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (وَالعصر: ٣) ، وزادنا إقبالاً على ذلك ما رأيناه منكم من طيب المعشر، ودماثة الخلق، ولين الجانب، نحسبكم كذلك والله حسيبكم. وما أوصيناكم به نحن أحوج منكم إليه، ففينا من الخلل والقصور ما الله به عليم، فنسأل الله أن يغفر لنا ولكم، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته، وأن يجعلكم مفاتيح للخير، مغاليق للشر، مباركين أينما كنتم. وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 4834

دراسات في الشريعة المخالفات الشرعية في بطاقتي الخير والتيسير الائتمانيتين خالد بن إبراهيم الدعيجي aldoijy@awalnet.net.sa * مقدمة: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: ففي ظل تنامي السوق المالية، وتطور شبكة الاتصالات الدولية، أدى ذلك إلى تنافس المصارف التجارية بجلب أكبر عدد من العملاء؛ لتوفير قدر أعلى من الربح: فقامت بتقديم خدمات مصرفية، وتسهيلات لعملائها، فأنشأت في ساحة التعامل المصرفي مجموعة من: «عقود الائتمان» منها: ١ - بيع المرابحة للآمر بالشراء. ٢ - بيع الأجل. ٣ -الاستصناع. ٤ - بطاقات الائتمان. وأوسع هذه العقود انتشاراً هي بطاقات الائتمان؛ إذ يصدرها نحو: «٢٠٠» مائتي بنك في العالم في أكثر من «١٦٣» دولة، مستخدمة في أكثر من (١٢.٠٠٠٠٠٠) محل تجاري في العالم، وللسحب والتمويل فيما يقرب من: «٥٠.٠٠٠» مؤسسة مالية، وجهاز صرف إلكتروني، من خلال شبكات الصرف الدولية [١] . وهذه البطاقات نشأت وتطورت في دول لا تحكم شرع الله في معاملاتها، وكانت في بنوك قائمة على الربا غير مراعية الشرعية الإسلامية، فداخل بعضها من الأوصاف، والشروط، ما يعلم قطعاً بحرمة بعضها، ومن ثم تلقفها المسلمون على ما فيها من مخالفات شرعية، وأعظمها القرض بفائدة المجمع على تحريمه [٢] . ولكن بتوفيق من الله، قامت جهود مخلصة في هيئات شرعية لدى البنوك الإسلامية، بتنقيح وتهذيب هذا النوع من البطاقات، حتى صيرتها بطاقات إسلامية. وتتالت الهيئات الشرعية في البنوك بدراسة هذا النوع من البطاقات، ومحاولة أسلمتها، وتأصيلها، وتخريجها على ضوابط المعاملات وقواعدها؛ وذلك إما بإضافة شروط أو إلغائها، أو بتركيبها بعقدين أو أكثر حتى لا تقع فيما حرمه الله من الربا. ومن ذلك ما قامت به الهيئتان الشرعيتان لدى البنكين الأهلي والسعودي الأمريكي، فقد قامتا بإصدار قرار بشرعية بطاقتي الخير والتيسير الائتمانيتين التابعتين للبنكين، وأنهما متوافقتان مع الشريعة الإسلامية. ولكن بعد التأمل في كيفية عمل هاتين البطاقتين، تبين للباحث أنهما تتضمنان مخالفات لا تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية؛ لأسباب سوف أذكرها خلال البحث. وهذه الورقات: هي بيان لبعض المخالفات الشرعية التي تضمنتها بطاقتا الخير والتيسير الائتمانيتين، ينتظم عقدها في مبحثين: المبحث الأول: تصوير عمل البطاقتين. المبحث الثاني: المخالفات الشرعية في عمل البطاقتين. علماً أني لن أتطرق في هذا البحث إلى بعض المسائل وهي: أ- التورق المصرفي. ب - البيع الفضولي. ج - التوكيل بالبيع والشراء، أي أن يتولى الوكيل طرفي العقد. للأسباب التالية: ١ - إن العمل الآن على جواز هذه المعاملات، وإن كان يوجد فيها خلاف قوي. ٢ - لعدم إطالة البحث، والخروج به عن مقصوده. ٣ - إن مسألة التورق المصرفي مثلاً من المسائل الشائكة، ولهذا سوف تُبحث في الدورة القادمة لمجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي؛ فمن الأوْلى عدم الاستعجال في بحثها؛ لأنه سيصدر فيها قرار من المجمع الفقهي. * وأخيراً: فقد بذلت في هذا البحث جهدي وهو جهد المقل؛ فما أصبت فيه فمن الله تعالى وله الحمد والثناء، وما أخطأت فيه فمن نفسي وأستغفر الله. وإني لأتوجه بالدعاء إلى الله قيوم السموات والأرض أن يأخذ بأيدينا إلى سواء السبيل، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. المبحث الأول: تصوير عمل البطاقتين: قال الفقهاء: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقبل أن نبدأ بالحكم على البطاقتين لا بد من تصوير عملهما، ومن ثم بيان حكمهما. - أولاً: تصوير عمل بطاقة تيسير الأهلي: جاء في شروط وأحكام بطاقة تيسير الأهلي: (ميعاد الاستحقاق: تستحق كافة الالتزامات المترتبة على حامل البطاقة نتيجة إصدار البطاقة أو استعمالها في تاريخ إصدار البنك لكشف الحساب، وبحيث يقوم حامل البطاقة بسداد قيمة الرصيد (كاملاً أو يلتزم بسداد الحد الأدنى الواجب دفعه ٥% من كامل المبلغ المستحق أو مبلغ ٢٥٠ ريالاً أيهما أكثر) إلى البنك خلال ٢٠ يوماً من تاريخ إصدار كشف الحساب، ومن ثَمَّ تنشيط حد التيسير للمبلغ المتبقي. وفي حالة عدم تسديد المبلغ كاملاً أو الحد الأدنى على الأقل يقوم البنك ببيع سلعة معينة يملكها البنك قيمتها تقارب المديونية ويبيعها على العميل بيعاً فضولياً، ويقسط الثمن على ٢٤ قسطاً، وفي حالة عدم اعتراض العميل بعد إبلاغه بهذا التصرف خلال عشرين يوماً من تاريخ الكشف اللاحق يعتبر هذا إجازة منه بذلك) ا. هـ. التوضيح: مما لا يخفى أن هدف البطاقة الائتمانية هو إقراض حاملها، وذلك إما بالسحب الفوري من مكائن الصرف، أو من خلال ضمانه لدى التجار؛ حيث إن البنك يدفع عنه ما يستحق عليه لدى التجار، ومن ثم يطالبه فيما بعد بالسداد، وتحدد المدة غالباً بشهر أو تزيد قليلاً. فإذا شغلت ذمة حامل البطاقة بالديْن نتيجة استعمالها إما بالقرض أو الشراء، فإن مصدر البطاقة (البنك الأهلي) يتيح له السداد من خلال طريقين: الطريق الأول: إما بالتسديد النقدي لكامل المبلغ. الطريق الثاني: إذا لم يسدد كامل المبلغ، وحل الأجل، فإن المصرف يقوم بعملية التورق، وذلك ببيع سلعة معينة يمتلكها البنك.. إلخ. كما هو مبين سابقاً. ولتوضيح الصورة أكثر، جاء في التعريفات في نفس الاتفاقية ما يلي: التيسير: هو صيغة تمويل معتمدة من هيئة الرقابة الشرعية تتيح الحصول على النقد على سبيل التورق. حد التيسير الائتماني: هو مبلغ التمويل الشخصي الائتماني المعتمد من البنك الأهلي التجاري (البنك) لحامل البطاقة بناء على طلبه ليكون الطريقة الثانية (بجانب التسديد النقدي) لسداد حساب البطاقة الائتمانية الذي ينتج عن استخدام البطاقة من قِبَل حاملها «حامل البطاقة» . استعمالات حد التيسير الائتماني: يستخدم حد التيسير الائتماني لسداد حساب البطاقة الائتمانية فقط، ويتم استخدامه لهذا الغرض بتفويض من حامل البطاقة. استخدام حد التيسير الائتماني: هو أمر حامل البطاقة البنك بشراء سلعة / سلع وإعادة بيعها لتسديد جزء أو كل دين البطاقة الائتمانية، ومن ثَمَّ سداد ثمن تلك السلع على ٢٤ قسطاً شهرياً. - ثانياً: تصوير عمل بطاقة الخير التابعة للبنك السعودي الأمريكي: جاء في اتفاقية بطاقة الخير الائتمانية التي يصدرها البنك السعودي الأمريكي: (في حالة عدم دفع كامل المديونية المطلوبة من عضو البطاقة فسوف يقوم سامبا بوقف البطاقة، وفي حالة استمرار عدم الدفع يقوم سامبا بإلغاء البطاقة، ولن يتم إصدار بطاقة بديلة إلا بعد سداد كامل المبلغ؛ مع أن سامبا يتيح لعضو البطاقة فرصة لسداد المديونية عن طريق دخوله مع سامبا في عملية تورق تجنباً لإلغاء البطاقة) . وجاء في نفس الاتفاقية: (في حالة رغبة العميل في تغطية مديونية البطاقة عن طريق التورق تكون مدة البيع بالتقسيط ١٥ شهراً بمعدل ربح ١٦.٣٠% على كامل المدة، وإذا كان المبلغ المتبقي على العميل أقل من خمسمائة ريال فلن يلبي البنك طلبه لتنفيذ عملية التورق) . وجاء في الاتفاقية: (نموذج وكالة: أوكل السادة / مكتب عبد العزيز القاسم للاستشارات الشرعية والنظامية في شراء سلع من إدارة الائتمان الشخصي لدى البنك السعودي الأمريكي (سامبا) بالتقسيط بغرض تنفيذ عمليات التورق في حال وجود رصيد مدين على بطاقة الخير الائتمانية في يوم الاستحقاق أو بعده من كل شهر وذلك حسب سجلات البنك. كما أنني أوكل إدارة الائتمان الشخصي لدى سامبا ببيع السلع التي اشتريتها؛ وذلك لطرف آخر حسب السعر السائد وقت البيع مع حق توكيل إدارة الائتمان الشخصي لدى سامبا لطرف آخر لإتمام عملية الوكالة واستخدام المبالغ المتحصلة لتسوية الرصيد المدين على بطاقة الخير الائتمانية. ويعتبر هذا التوكيل غير قابل للنقض طالما كانت اتفاقية بطاقة الخير الائتمانية سارية المفعول) . وجاء في نشرة تعريفية لبطاقة الخير ما يلي: (بطاقة الخير هي البطاقة الائتمانية الجديدة، الأولى والوحيدة المجازة من هيئة الرقابة الشرعية لدى سامبا والتي تستخدم في أي مكان حول العالم. تتم عبر تنفيذ عملية التورق والتي من خلالها يقوم العميل بشراء سلع مملوكة من قِبَل البنك «معادن» بالأجل بسعر معين ويفوض البنك ببيع هذه السلع «معادن» حسب سعر السوق إلى طرف ثالث. المبلغ الناتج من عملية بيع السلع «معادن» سوف يتم استخدامه لتسوية الرصيد القائم على بطاقة الخير الائتمانية في يوم الاستحقاق من كل شهر) . وجاء فيها: (متى يكون العميل مؤهلاً لتنفيذ عملية التورق؟ يجب على العميل على الأقل أن يقوم بتسديد الحد الأدنى المستحق على بطاقته في يوم تاريخ الاستحقاق، وفي حال عدم قيام العميل بسداد أي مبلغ فلن يتم تنفيذ عملية تورق. ويجب أن يكون المبلغ المتبقي بعد سداد الحد الأدنى يساوي خمسمائة ريال سعودي أو أكثر) . التوضيح: من الشروط المتفق عليها بين البنك المصدر وحامل البطاقة: أنه متى حل وقت السداد ولم يسدد حامل البطاقة فإنه تجرى عملية تورق بسلع مملوكة للبنك، ومن ثم يسدد الدين المستحق على البطاقة، وينشأ دين آخر على حامل البطاقة بسبب عملية التورق، ولكن يقوم بتسديده خلال (١٥) عشر شهراً. أوجه الشبه والاختلاف بين بطاقتي الخير والتيسير: أما وجه الشبه: فإن كلاً من البطاقتين تتيح لحاملهما سداد الدين الذي استحق بسبب استعمالهما عن طريق إجراء عملية تورق، وذلك ببيع سلع مملوكة للبنكين إلى حامل البطاقة، ومن ثم يتولى البنكان بيع هذه السلع لمصلحة العميل إلى طرف ثالث، وتؤخذ القيمة ويسدد بها الديْن الأول، وينشأ بعد ذلك ديْن جديد على حامل البطاقة يسدده خلال مدة معينة. أما أوجه الاختلاف فكما يلي: أولاً: تختلفان في عملية إجراء التورق: ففي بطاقة التيسير عن طريق البيع الفضولي؛ حيث يتولى البنك إجراء عمليتي الشراء لحامل البطاقة، والبيع لطرف ثالث لأجل مصلحة حامل البطاقة، ويعتبر التصرف نافذاً خلال عشرين يوماً إذا لم يعترض حامل البطاقة. أما بطاقة الخير فعن طريق التوكيل لطرف ثالث بشراء السلع، ومن ثم توكيل إدارة الائتمان الشخصي وهو تابع للبنك الأمريكي ببيعها لطرف آخر. ثانياً: معدل الربح في بيع التورق: ففي بطاقة الخير: معدل الربح ١٦.١٥% وهو أكثر بكثير من معدلات الربح العالمية في بيع الأجل والمرابحة، بل إنه يشبه إلى حد ما معدلات الفائدة على بطاقات الائتمان الربوية العالمية؛ حيث إنها تحتسب أكثر فائدة ربا على مستعمليها مقارنة بمعدلات الفوائد الربوية الأخرى. أما بطاقة الخير فلم يذكر بشأن معدلات الربح شيء. ثالثاً: مدة الأجل في سداد عملية التورق: ففي بطاقة التيسير (٢٤) شهراً، أما في بطاقة الخير (١٥) شهراً. المبحث الثاني: المخالفات الشرعية لعمل البطاقتين: من خلال الوصف السابق لعمل البطاقتين، يتضح للباحث أن فيهما مخالفات شرعية جلية، يمكن إيضاحها كالتالي: - المخالفة الأولى: أنهما من قلب الديْن المجمع على تحريمه. فسداد الديْن في هاتين البطاقتين يتم عن طريق قلب الديْن. وقلب الدين: هو زيادة الديْن في ذمة المدين بأي طريق كان. قال شيخ الإسلام: «وأما إذا حل الدين وكان الغريم معسراً: لم يجز بإجماع المسلمين أن يقلب بالقلب لا بمعاملة ولا غيرها؛ بل يجب إنظاره، وإن كان موسراً كان عليه الوفاء فلا حاجة إلى القلب لا مع يساره ولا مع إعساره» [٣] . وجاء في (مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى) [٤] : (وحرم قلب ديْن) مؤجل على معسر لأجل (آخر اتفاقاً) . قال الشيخ تقي الدين: ويحرم على صاحب الدين أن يمتنع من إنظار المعسر حتى يقلب عليه الدين، ومتى قال رب الديْن: إما أن تقلب الدين، وإما أن تقوم معي إلى عند الحاكم، وخاف أن يحبسه الحاكم؛ لعدم ثبوت إعساره عنده، وهو معسر، فقلب على هذا الوجه، كانت هذه المعاملة حراماً غير لازمة باتفاق المسلمين؛ فإن الغريم مكره عليها بغير حق، ومن نسب جواز القلب على المعسر بحيلة من الحيل إلى مذهب بعض الأئمة فقد أخطأ في ذلك وغلط. وقال الشيخ السعدي ﵀: «أعظم أنواع الربا قلب الدين على المدينين، سواء فعل ذلك صريحاً أو تحيلاً؛ فإنه لا يخفى على رب العالمين؛ فمن حل دينه على غريمه، أُلزم بالوفاء، إن كان من المقتدرين، ووجب على صاحب الحق إنظاره إن كان من المعسرين» [٥] . وقد اصطلح الحنابلة على تسمية هذه المعاملة بقلب الدين، بينما المالكية يسمونها: فسخ الدين بالدين. قال الإمام القيرواني: «ولا يجوز فسخ دين في دين، مثل أن يكون شيء في ذمته، فتفسخه في شيء آخر لا تتعجله» [٦] وقال: «وكان فسخ الديْن أشد في الحرمة؛ لأنه من ربا الجاهلية» [٧] . بل عده المالكية من أشد صور بيع الكالئ بالكالئ الذي هو محرم بالإجماع [٨] . وقلب الديْن له طريقان: الطريقة الأولى: قلب الديْن صراحة؛ وذلك بقول الدائن للمدين: إما أن تقضي وإما أن تُرْبي، ويقول المدين: أنظرني أزدْك. وهذا هو ربا الجاهلية. الطريقة الثانية: قلب الديْن بالحيلة، وهذا ما يتفنن به أَكَلَةُ الربا، فيعمدون إلى معاملات ظاهرها الصحة؛ لأجل قلب الدين على المدين، ولهذه الطريقة عدة صور: ١ - منها: أن يكون في ذمة شخص لآخر دراهم مؤجلة فيحل أجلها وليس عنده ما يوفيه، فيقول له صاحب الدين: أدينك فتوفيني، فيدينه فيوفيه، وهذا من الربا، بل هو مما قال الله فيه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (آل عمران: ١٣٠) وهذه الصورة من أعمال الجاهلية؛ حيث كان يقول أحدهم للمدين إذا حل الدين: إما أن توفي؛ وإما أن تُرْبي. إلا أنهم في الجاهلية يضيفون الربا إلى الديْن صراحة من غير عمل حيلة، وهؤلاء يضيفون الربا إلى الديْن بالحيلة [٩] . ٢ - ومنها: أن يكون لشخص على آخر دين؛ فإذا حل قال له: إما أن توفي دينك أو تذهب لفلان يدينك وتوفيني، ويكون بين الدائن الأول والثاني اتفاق مسبق في أن كل واحد منهما يدين غريم صاحبه ليوفيه، ثم يعيد الدين عليه مرة أخرى ليوفي الدائن الجديد. أو يقول: اذهب إلى فلان لتستقرض منه؛ ويكون بين الدائن الأول والمقرض اتفاق أو شبه اتفاق على أن يقرض المدين. فإذا أوفى الدائن الأول قلب عليه الدين، ثم أوفى المقرض ما أقترض منه، وهذه حيلة لقلب الدين بطريق ثلاثية [١٠] . ٣ - ومنها: إذا حل الدين على المدين مثلاً (مائة) ولا وفاء عنده، وأراد أن يدينه أيضاً مائة، جعل فائدة المائة الجديدة مضاعفة، فإن كانت فائدة المائة الأولى ٢%، جعل فائدة المائة الثانية ٤%، مراعاة للمائة الحالَّة، والمدين يلتزم بذلك لاضطراره [١١] . ٤ - ومنها: أن يكون للرجل دين على آخر، فيحل أجل الدين، وليس عند المدين ما يوفي به دينه، فيحتال الدائن ويعطي المدين المعسر نقوداً على أنها رأس مال سَلَم، لمبيع موصوف مؤجل في الذمة، ثم إن الدائن يستوفي بهذه النقود عن دينه السابق [١٢] . وجاء في الدرر السنية: ومنها - أي المعاملات الربوية -: قلب الدين على المعسر، إذا حل الدين على الغريم، ولم يقدر على الوفاء أحضر طالب الدين دراهم، وأسلمها إليه في طعام في ذمته، ثم أوفاه بها في مجلس العقد، ويسمون هذا تصحيحاً، وهو فاسد ليس بصحيح، فإنه لم يسلم إليه دراهم، وإنما قلب عليه الدين الذي في ذمته، لما عجز عن استيفائه؛ والمعسر لا يجوز قلب الدين عليه [١٣] . وقد حرر هذه المسألة الموفق ﵀ وقال: إذا كان له في ذمة رجل دينار، فجعله سَلَماً في طعام إلى أجل، لم يصح. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم، منهم مالك، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وعن ابن عمر أنه قال: لا يصلح ذلك؛ وذلك لأن المسلم فيه دين، فإذا جعل الثمن ديناً كان بيع دين بدين، ولا يصح ذلك بالإجماع [١٤] . ٥ - ومنها: من له دين على شخص قد حل أجله فطالبه به فوجده معسراً بجميعه، ووجد عنده سلعة لا تفي به فأخذها منه في جميع الدين، ثم باعها له بأكثر من الدين، فهذا لا يجوز أيضاً؛ لأن السلعة التي خرجت من اليد وعادت إليها تُعدُّ لغواً، وكأنه فسخ ما في ذمة المدين في أكثر منه ابتداء فهو ربا الجاهلية [١٥] . ٦ - ومنها: ما جاء في الموطأ: (قال مالك في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل؛ فإذا حلت قال له الذي عليه الدين: بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقداً بمائة وخمسين إلى أجل. قال مالك: هذا بيع لا يصلح، ولم يزل أهل العلم ينهون عنه. قال مالك، وإنما كره ذلك؛ لأنه إنما يعطيه ثمن ما باعه بعينه، ويؤخر عنه المائة الأولى إلى الأجل الذي ذكر له آخر مرة، ويزداد عليه خمسون ديناراً في تأخيره عنه فهذا مكروه، ولا يصلح، وهو أيضاً يشبه حديث زيد بن أسلم في بيع أهل الجاهلية أنهم كانوا إذا حلت ديونهم قال للذي عليه الدين إما أن تقضي، وإما أن تُربي فإن قضى أخذوا، وإلا زادوهم في حقوقهم وزادوهم في الأجل) . ا. هـ. قال الباجي: وهذا على ما قال؛ لأن من كان له على رجل مائة دينار إلى أجل فاشترى منه عند الأجل سلعة تساوي مائة دينار بمائة وخمسين فقضاه دينه الأول، وإنما قضاه ثمن سلعته، وزاد خمسين ديناراً في دينه لتأخيره به عن أجله؛ فهذا يشبه ما تضمنه حديث زيد بن أسلم من بيوع الجاهلية في زيادتهم في الديون عند انقضاء أجلها ليؤخروا بها، ويدخله أيضاً بيع وسلف؛ لأنه إنما ابتاع منه هذه السلعة بمائة معجلة وخمسين مؤجلة ليؤخره بالمائة التي حلت له عليه، ووجوه الفساد في هذا كثيرة جداً [١٦] . ٧ - ومنها: ما جاء في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: «وسئل عن رجل له مع رجل معاملة فتأخر له معه دراهم فطالبه وهو معسر، فاشترى له بضاعة من صاحب دكان وباعها له بزيادة مائة درهم حتى صبر عليه. فهل تصح هذه المعاملة؟ فأجاب: لا تجوز هذه المعاملة، بل إن كان الغريم معسراً فله أن ينتظره. وأما المعاملة التي يزاد فيها الديْن والأجل فهي معاملة ربوية وإن أدخلا بينهما صاحب الحانوت. والواجب أن صاحب الدين لا يطالب إلا برأس ماله لا يطالب بالزيادة التي لم يقبضها» [١٧] . فإذا تقرر أن ما يجري عمله في بطاقتي الخير والتيسير إنما هو من قلب الدين المجمع على تحريمه؛ فإن من تعامل بها فإنه سيقع لازماً بمخالفتين عظيمتين: أحدهما: الوقوع في ربا الجاهلية. الثاني: التحايل على الربا. وإليك إيضاح ذلك. - المخالفة الثانية: أنهما داخلتان في ربا الجاهلية: «إما أن تقضي وإما أن تُربي» . إن أسوأ أنواع الربا وأشدها تحريماً هو ربا الجاهلية الذي يزيد فيه الدين لأجل تأخير الوفاء؛ فإذا حل الأجل قال الدائن: أتقضي أم تُرْبي؟ ويقول المدين: أَنظِرْني أزدْك. وهذا هو الذي نزل فيه قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (آل عمران: ١٣٠) [١٨] وقوله جل شأنه: [أَضْعَافاً مُّضَاعَفَة] (آل عمران: ١٣٠) بيان لما يؤول إليه حال الربا من تضاعف الدين في ذمة المدين وما يترتب عليه من الظلم الفادح وأكل المال بغير حق. والأمة مجمعة على تحريم هذا النوع من الربا تحريماً قطعياً لا يتطرق إليه أدنى شك. وجه الشبه بين ربا الجاهلية وعمل البطاقتين: إن ما يحدث في بطاقتي الائتمان المشار إليهما هو من هذا الباب؛ فالبنك المصدِّر للبطاقة يخير العميل بين وفاء دينه الذي حل أجله وبين تأخير الوفاء مع زيادة الدين في ذمته من خلال التورق، ثم إذا حل أجل الدين الجديد تكرر الأمر مرة أخرى، فينمو الدين ويتضاعف في ذمة المدين، وهذا عين ربا الجاهلية. ولا يؤثر في هذه الحقيقة كونها تتم من خلال سلع أو بضائع غير مقصودة لأي من الطرفين؛ فإن العبرة بالحقائق والمعاني لا بالصور والمباني. والله شرع البيع والشراء لتحقيق مصلحة الطرفين، لا للاحتيال به على الربا. ويؤيد ذلك ما ورد عن الإمام مالك: (قال مالك في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل فإذا حلت قال له الذي عليه الدين: بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقداً بمائة وخمسين إلى أجل. قال مالك: هذا بيع لا يصلح، ولم يزل أهل العلم ينهون عنه. قال مالك: وإنما كُره ذلك؛ لأنه إنما يعطيه ثمن ما باعه بعينه، ويؤخر عنه المائة الأولى إلى الأجل الذي ذكر له آخر مرة، ويزداد عليه خمسون ديناراً في تأخيره عنه؛ فهذا مكروه، ولا يصلح، وهو أيضاً يشبه حديث زيد بن أسلم في بيع أهل الجاهلية أنهم كانوا إذا حلت ديونهم قال للذي عليه الدين: إما أن تقضي، وإما أن تربي؛ فإن قضى أخذوا، وإلا زادوهم في حقوقهم وزادوهم في الأجل) . ا. هـ. فالإمام مالك ﵀ جعل هذه المعاملة التي فيها قلب للدين شبيهة بربا الجاهلية: إما أن تقضي وإما أن تربي. وأما قول الإمام مالك «وإنما كُره ذلك» ليس المراد به الكراهة التي يحدها الأصوليون بأنها: ما نهي عنه نهياً غير جازم، أو ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، بل المراد بالكراهة عند السلف التحريم؛ خلافاً للمتأخرين؛ فإنهم اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم [١٩] . - المخالفة الثالثة: أن فيهما تحايلاً على الربا. من خلال ما سبق، تبين للباحث أن عمل البطاقتين ما هو إلا تحايل على الربا، وقد حذرنا النبي ﷺ من الاحتيال على ما حرمه الله تعالى بقوله: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود؛ فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» [٢٠] . وقال ﷺ : «قاتل الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فجمَّلوها فباعوها» [٢١] . وحقيقة الحيلة المحرمة أنها توسُّل بعمل مشروع لتحقيق غاية محرمة؛ فالبيع مشروع لكن التوسل به لزيادة الدين في ذمة المدين مقابل تأخير الوفاء توسل لغاية ونتيجة محرمة، فيكون البيع في هذه الحالة حيلة محرمة. قال الموفق: «ثبت من مذهب أحمد أن الحيل كلها باطلة» [٢٢] ، وقال: «الحيل كلها محرمة، غير جائزة في شيء من الدين، وهو أن يظهر عقداً مباحاً يريد به محرماً، مخادعة وتوسلاً إلى فعل ما حرم الله» [٢٣] . قال ابن القيم ﵀: «النبي ﷺ قد قال كلمتين كفتا وشفتا وتحتهما كنوز العلم وهما قوله:» إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى «فبين في الجملة الأولى أن العمل لا يقع إلا بالنية، ولهذا لا يكون عمل إلا بنية، ثم بين في الجملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه؛ وهذا يعم العبادات والمعاملات والأيْمان والنذور وسائر العقود والأفعال، وهذا دليل على أن من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا، ولا يعصمه من ذلك صورة البيع. وإذا نوى بالفعل التحيل على ما حرمه الله ورسوله كان له ما نواه؛ فإنه قصد المحرم وفعل مقدوره في تحصيله، ولا فرق في التحيل على المحرم بين الفعل الموضوع له وبين الفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعة له، لا في عقل ولا في شرع؛ ولهذا لو نهى الطبيب المريض عما يؤذيه وحماه منه فتحيل على تناوله عد متناولاً لنفس ما نهى عنه، ولهذا مسخ الله اليهود قردة لما تحيلوا على فعل ما حرمه الله، ولم يعصمهم من عقوبته إظهار الفعل المباح لما توسلوا به إلى ارتكاب محارمه، ولهذا عاقب أصحاب الجنة بأن حرمهم ثمارها لما توسلوا بجذاذها مصبحين إلى إسقاط نصيب المساكين، ولهذا لعن اليهود لما أكلوا ثمن ما حرم الله عليهم أكله، ولم يعصمهم التوسل إلى ذلك بصورة البيع. وأيضاً فإن اليهود لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها؛ فإنها بعد الإذابة يفارقها الاسم وتنتقل إلى اسم الودك، فلما تحيلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك. قال الخطابي: في هذا الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوسل إلى المحرم؛ فإنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه. إذا تبين هذا فمعلوم أنه لو كان التحريم معلقاً بمجرد اللفظ وبظاهر من القول دون مراعاة المقصود للشيء المحرم ومعناه وكيفيته لم يستحقوا اللعنة لوجهين: أحدهما: أن الشحم خرج بجَمْله عن أن يكون شحماً، وصار وَدَكاً، كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى أن يصير بيعاً عند من يستحل ذلك؛ فإن من أراد أن يبيع مائة بمائة وعشرين إلى أجل، فأعطى سلعة بالثمن المؤجل، ثم اشتراها بالثمن الحالّ، ولا غرض لواحد منهما في السلعة بوجه ما، وإنما هي كما قال فقيه الأمة: دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة؛ فلا فرق بين ذلك وبين مائة بمائة وعشرين درهماً بلا حيلة ألبتة، لا في شرع ولا في عقل ولا عرف، بل المفسدة التي لأجلها حرم الربا بعينها قائمة مع الاحتيال أو أزيد منها، فإنها تضاعفت بالاحتيال لم تذهب ولم تنقص؛ فمن المستحيل على شريعة أحكم الحاكمين أن يحرم ما فيه مفسدة ويلعن فاعله ويؤذنه بحرب منه ورسوله ويوعده أشد الوعيد، ثم يبيح التحيل على حصول ذلك بعينه سواء مع قيام تلك المفسدة وزيادتها بقصد الاحتيال في معصية ومخادعة الله ورسوله. هذا لا يأتي به شرع؛ فإن الربا على الأرض أسهل وأقل مفسدة من الربا بسلم طويل صعب التراقي يترابى المترابيان على رأسه؛ فيا لله العجب! أي مفسدة من مفاسد الربا زالت بهذا الاحتيال والخداع؟ فهل صار هذا الذنب العظيم وهو عند الله من أكبر الكبائر حسنة وطاعة بالخداع والاحتيال؟ ويا لله! كيف قلب الخداع والاحتيال حقيقته من الخبيث إلى الطيب ومن المفسدة إلى المصلحة وجعله محبوباً للرب تعالى بعد أن كان مسخوطاً له؟ ولئن كان هذا الاحتيال يبلغ هذا المبلغ فإنه عند الله ورسوله بمكان ومنزلة عظيمة، وإنه من أقوى دعائم الدين وأوثق عراه وأجلّ أصوله. ويا لله العجب! أي فرق بين بيع مائة بمائة وعشرين درهماً صريحاً، وبين إدخال سلعة لم تُقصَد أصلاً، بل دخولها كخروجها؟ ولهذا لا يسأل العاقد عن جنسها ولا صفتها ولا قيمتها ولا عيب فيها ولا يبالي بذلك ألبتة حتى لو كانت خرقة مقطعة أو أذن شاة أو عوداً من حطب أدخلوه محلِّلاً للربا، ولما تفطَّن المحتالون أن هذه السلعة لا اعتبار بها في نفس الأمر، وأنها ليست مقصودة بوجه، وأن دخولها كخروجها تهاونوا بها، ولم يبالوا بكونها مما يتمول عادة أو لا يتمول، ولم يبال بعضهم بكونها مملوكة للبائع أو غير مملوكة، بل لم يبال بعضهم بكونها مما يباع أو مما لا يباع كالمسجد والمنارة والقلعة، وكل هذا وقع من أرباب الحيل، وهذا لما علموا أن المشتري لا غرض له في السلعة فقالوا: أي سلعة اتفق حضورها حصل بها التحليل» [٢٤] . - المخالفة الرابعة: أنهما داخلتان في حديث «نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سلف وبيع» . عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك» [٢٥] . قال ابن القيم ﵀: «وأما السلف والبيع: فلأنه إذا أقرضه مائة إلى سنة، ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة: فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك» [٢٦] . ووجه الشبه بين هذا التفسير للحديث وعمل البطاقتين: أن العلاقة بين مصدر البطاقة وحاملها: هي علاقة مقرض يتمثل في مصدر البطاقة، ومقترض هو حامل البطاقة. فحامل البطاقة إما أن يشتري سِلَعاً ومن ثم يقوم البنك بالسداد، ويكون هذا المبلغ ديناً في ذمة حامل البطاقة، أو أنه يسحب مبلغاً نقدياً من مكائن الصرف، وفي كلا الحالتين تكون ذمة حامل البطاقة مشغولة للبنك المصدر لها، ويحدد له يوماً يقوم بسداد الدين فيه. وعند الرجوع إلى اتفاقية عمل البطاقتين نجد أن البنك السعودي الأمريكي وضع من ضمن الاتفاقية أنه متى حل سداد الدين ولم يسدد حامل البطاقة فإنه سوف يجري عملية تورق بالوكالة. وأما البنك الأهلي فقد قرر في الاتفاقية أنه متى حل الدين فإنه سيجري عملية التورق من خلال التصرف الفضولي. وفي كلا الحالتين: نجد أن البنكين اشترطا في عملية الإقراض أنه متى حل موعد سداد الدين ولم يسدد حامل البطاقة فإنه تجرى عملية التورق، فهنا اجتمع في هذه المعاملة سلف وبيع. - المخالفة الخامسة: أنهما داخلتان في حديث «نهي النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة» . عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة. وفي لفظ: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا» [٢٧] . قال الإمام الخطابي ﵀ في بيان معنى الحديث: «كأن يسلفه ديناراً في قفيزين إلى شهر؛ فلما حل الأجل وطالبه بالبر، قال له: بعني القفيز الذي لك عليَّ بقفيزين إلى شهر. فهذا بيع ثان قد دخل على البيع الأول فصار بيعتين في بيعة فيردان إلى أوكسهما وهو الأصل، فإن تبايعا المبيع الثاني قبل أن يتناقضا الأول كانا مرتبين» معالم السنن (٢/١٠٤) . وتوضيح ذلك: أن المراد به قلب الديْن على المعسر في صورة بيع الدين المؤجل على المدين إلى أجل آخر بزيادة عليه. ووجه الشبه بين هذا التفسير وعمل البطاقتين كالتالي: ففي عمل البطاقتين لما حل الأجل وكان صاحب البطاقة مديناً للبنك بريالات، وليس عنده ما يوفيه، فكأنه باع هذا الدين بدين آخر إلى أجل مع زيادة، ولكن أدخلا بينهما سلعة عن طريق التورق. فاجتمع في المعاملة بيعان، فإما أن يأخذا بالبيع الأول وهو الدين الأقل، وإما أن يتما البيع الثاني، فيقعا في النهي وهو الربا. وهذا التفسير للحديث لا يمنع التفسير المشهور عن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم بأن المراد بالحديث بيع العِينة، من وجهين: الأول: أن في كلا الصورتين تحايلاً على الربا. الثاني: أن من القواعد المقررة عند أهل العلم: أنه إذا احتمل اللفظ أكثر من معنى وليس بينهما تعارض فإنه يُحمل عليهما. فكل معاملتين ظاهرهما الصحة وباطنهما التحايل على أكل الربا فهما داخلتان في النهي الذي في الحديث، فيشمل الحديث بيع العِينة وقلب الديْن وغيرها من المعاملات. * وأخيراً: هذه بعض المخالفات في هاتين البطاقتين، وأحسب أن هذا البحث ما هو إلا بداية لبحوث أخرى من العلماء وطلاب العلم المهتمين بهذه المعاملات، وإني أدعو الباحثين إلى تجلية هذا الأمر وزيادة بحثه، حتى يكون الناس على بصيرة من أمرهم. فوالله لو ترك هذا الأمر ومر مرور الكرام فلن يكون ربا في البنوك، وسينتهي الربا إلى غير رجعة بالتحايل عليه، وسيصعب رد الناس عنه إذا انغمسوا فيه. ونحن بأمسِّ الحاجة إلى الرجوع إلى الله، والتوبة إليه؛ فالأمة تعيش في عصر تكالب عليها أعداء الله من كل جانب، والنصر لا يأتي إلا من عند الله، وكيف ندعو الله بالنصر؛ ونحن نحاربه بأكل الربا؟ كما أدعو القائمين على الهيئات الشرعية الذين أجازوا مثل هذه المعاملات أن يبينوا لنا مسلك إباحتهم لهذه المعاملة بالأدلة الصريحة الصحيحة، حتى تظهر للعيان حجج الطرفين ومسلك كل فريق. وإني لأتوجه بالدعاء إلى الله قيوم السموات والأرض أن يأخذ بأيدينا إلى سواء السبيل، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 4835

دراسات في الشريعة حقيقة الظلم معناه - أنواعه - صوره - عاقبته د. عبد العزيز بن فوزان بن صالح الفوزان [*] fawzan١@yahoo.com الظلم، ما الظلم؟ وما أدراك ما الظلم؟! إنه خلق ذميم، وذنب جسيم، وأذى عظيم، ووصف لئيم، يحلق الدين، ويأكل الحسنات، ويجلب الويلات والنكبات، ويورث العداوات والمشاحنات، ويثمر الأحقاد والضغائن، ويسبب القطيعة والعقوق، ويحيل حياة الناس إلى جحيم وشقاء، وكدر وبلاء. أما والله إن الظلم لؤمٌ ... وما زال المسيء هو الظلومُ إلى الديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصومُ ستعلم يا ظلومُ إذا التقينا ... غداً عند الإله مَنِ الملومُ [١] والظلم طبيعة بشرية، وجبلة متأصلة في النفوس كما قال تعالى: [وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً] (الأحزاب: ٧٢) ، فهذا هو الأصل في الناس: الظلم والجهل إلا من زكَّاه الله بالإيمان والتقوى، والعلم والهدى، والعدل والإنصاف. وقد صدق المتنبي [٢] حين قال: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفةٍ، فلعله لا يظلمُ قال الماوردي [٣] : «وهذه العلة المانعة من الظلم لا تخلو من أحد أربعة أشياء: إما عقل زاجر، أو دين حاجز، أو سلطان رادع، أو عجز صاد، فإذا تأملتها لم تجد خامساً يقترن بها» . * تعريف الظلم وأنواعه: الظلم معناه: مجاوزة الحد، ووضع الشيء في غير موضعه [٤] . وهو أنواع شتى، وله صور كثيرة، ووجوه متنوعة عديدة، ولكن يمكن إجمالها في ثلاثة أقسام: الأول: ظلم العبد نفسه بالإشراك بالله (الظلم الذي لا يغفر الله منه شيئاً) . الثاني: ظلم العبد نفسه بمعصية الله (الظلم الذي لا يعبأ به شيئاً) . الثالث: ظلم العبد لغيره من العباد (الظلم الذي لا يترك الله منه شيئاً) . أما القسم الأول: فإنه أقبح الظلم وأفحشه، قال الله تعالى: [إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ] (لقمان: ١٣) ، وسئل النبي ﷺ : «أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك» [٥] ، فالشرك أعظم أنواع الظلم، ولهذا كان جزاء صاحبه أن يخلد في النار يوم القيامة، كما قال تعالى: [إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ] (المائدة: ٧٢) . وكل ذنب قد يغفره الله تعالى إلا الشرك فإنه لا يُغفر لصاحبه، قال الله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ] (النساء: ٤٨) . ومن الشرك الأكبر المخرج من الملة: التقرب إلى الموتى وأصحاب القبور من الأولياء والصالحين وغيرهم، وذلك بدعائهم والاستغاثة بهم، والذبح والنذر لهم، والطواف بقبورهم، والحلف بهم تعظيماً لهم، واعتقاد النفع والضر فيهم، وأن لهم تصرفاً في هذا الكون، وقدرة على الدفع والرفع، والضر والنفع، والعطاء والمنع، كما هو الواقع في بعض بلاد الإسلام مع الأسف الشديد. وأما القسم الثاني: فهو ظلم العبد نفسه بمعصية الله والخروج عن طاعته؛ لأن حق الله تعالى على عباده أن يعبدوه ويوحدوه، ويطيعوه ولا يعصوه، ويشكروه ولا يكفروه، فإذا خالفوا ذلك كانوا من الظالمين. قال الله تعالى: [وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (البقرة: ٢٢٩) ، وقال: [وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه] (الطلاق: ١) ؛ أي: أساء إليها، وذلك بتعريضها لسخط الله تعالى ومقته، وأخذه وسطوته. قال ميمون بن مهران: «إن الرجل يقرأ القرآن، وهو يلعن نفسه، قيل له: وكيف يلعن نفسه؟ قال: يقرأ: [أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ] (هود: ١٨) ، وهو ظالم» [٦] . والله تعالى غني عن عباده، لا تنفعه طاعة المطيعين، ولا تضره معصية العاصين، إنما ينفعون أنفسهم أو يضرونها، قال الله تعالى: [مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكُ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ] (فصلت: ٤٦) ، [وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ] (العنكبوت: ٦) . فمن أشرك بالله أو عصاه، فإنه لا يظلم إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً، كما قال ربنا : [وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] (البقرة: ٥٧) . وفي الحديث القدسي: «يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفّيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومنّ إلا نفسه» [٧] . وأما القسم الثالث: فهو ظلم العبد لغيره من العباد، وهو محل البحث هنا، وهو أشهر أنواع الظلم وأكثرها. وهذا القسم أغلظ من سابقه، وأعظم إثماً، وأسوأ عاقبة، ولا يمكن الخروج منه والتخلص من شؤمه وإثمه بمجرد الإقلاع والندم، بل لا بد من استحلال صاحبه، ورد حقه إليه. ومَن الذي يضمن لنفسه أن يحله المظلوم ويبيحه، إذا استحله واستباحه؟! فنسأل الله تعالى أن يعيذنا من ظلم العباد، وألا يجعلنا في القوم الظالمين. قال سفيان الثوري ﵀: «إن لقيت الله تعالى بسبعين ذنباً فيما بينك وبين الله تعالى؛ أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد» [٨] . وذُكر عن أبي بكر الوراق أنه قال: «أكثر ما ينزع الإيمان من القلب: ظلم العباد» [٩] . وقال ابن القيم ﵀: «والظلم عند الله يوم القيامة له دواوين ثلاثة: ديوان لا يغفر الله منه شيئاً، وهو الشرك به، فإن الله لا يغفر أن يُشْرَك به. وديوان لا يترك الله تعالى منه شيئاً، وهو ظلم العباد بعضهم بعضاً، فإن الله تعالى يستوفيه كله. وديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه ، فإن هذا الديوان أخف الدواوين وأسرعها محواً، فإنه يُمحى بالتوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ونحو ذلك. بخلاف ديوان الشرك؛ فإنه لا يُمحى إلا بالتوحيد. وديوان المظالم لا يُمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها واستحلالهم منها» [١٠] . وما ذكره ابن القيم ﵀ هو معنى حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الدواوين ثلاثة: فديوان لا يغفر الله منه شيئاً، وديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، فأما الديوان الذي لا يغفر الله منه شيئاً: فالإشراك بالله ، قال الله : [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ] (النساء: ٤٨) ، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً قط: فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً: فمظالم العباد بينهم، القصاص لا محالة» [١١] . وقد حذَّر الله عباده من الظلم والتظالم، فقال في الحديث القدسي: «يا عبادي، إني حرَّمُت الظلم على نفسي وجعلتُه بينكم محرماً؛ فلا تظالموا» [١٢] . فلا يجوز لأحد كائناً من كان أن يظلم عباد الله، ويؤذيهم ويضارهم، ويتجنى عليهم، ويعتدي على مصالحهم، وينتهك محارمهم. كما لا يجوز له أن يمنعهم حقوقهم، ويبخسهم أشياءهم، ويقصِّر فيما يجب عليه تجاههم، فإن الخلق خلق الله، وأحبهم إليه أنفعهم لهم، وخير الناس أقومهم بمصالح الناس. وقد أوجب الله على المؤمنين أن يكونوا إخوة متحابين، متراحمين متكاتفين، متواصلين متعاطفين، بل قال النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [١٣] . فإذا كان المؤمن لا يكمل إيمانه الكمال الواجب، ولا تبرأ ذمته حتى يحب لإخوانه ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه [١٤] ، ويعاملهم بمثل الذي يحب أن يعاملوه به، فكيف يجوز له ظلمهم، ومنعهم حقوقهم، وأذيتهم والبغي عليهم، والتعدي على أبدانهم أو أعراضهم أو أموالهم؟! خطب النبي ﷺ يوم النحر في حجة الوداع في مجمع عظيم شهده أكثر من مائة ألف مسلم، فقال: «أتدرون أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسمّيه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى. قال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسمّيه بغير اسمه، فقال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى. قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسمّيه بغير اسمه، قال: أليست بالبلدة الحرام؟ قلنا: بلى. قال: فإن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد! فليبلغ الشاهد الغائب، فرُبَّ مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» [١٥] . وقال ﵊: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» [١٦] . * من صور الظلم الشائعة: ظلم العباد بعضهم لبعض لا ينحصر في صور معدودة، بل كل تعد على مصالحهم، أو تقصير في حقوقهم؛ فإنه يعد ظلماً لهم، سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل. ولذلك قال النبي ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» [١٧] . فبيَّن في هذا الحديث علامة المسلم التي يُستدل بها على حسن إسلامه، وهي سلامة المسلمين من لسانه ويده، كما ذكر مثله في علامة المنافق. وقيل: الألف واللام في قوله: «المسلم» للكمال، نحو: زيدٌ الرجل؛ أي: الكامل في الرجولية. وتُعقّب بأنه يستلزم أن مَنْ اتصف بهذا خاصة كان كاملاً. ويجاب بأن المراد بذلك مع مراعاة باقي الأركان، فأفضل المسلمين مَنْ جمع إلى أداء حقوق الله تعالى، أداء حقوق العباد. وذكر المسلمين هنا خرج مخرج الغالب؛ لأن محافظة المسلم على كفِّ الأذى عن أخيه المسلم أشد تأكيداً، وحقه عليه أعظم من حق الكافر غير المحارب الذي لا يجوز الاعتداء عليه أيضاً. وخصّ اللسان بالذكر لأنه المعبِّر عما في النفس، وهكذا اليد؛ لأن أكثر الأفعال بها، وعبَّر باللسان دون القول؛ ليدخل فيه من أخرج لسانه على سبيل الاستهزاء [١٨] ، فاشتمل الحديث على جميع أنواع الظلم بالقول والفعل. ومن صور الظلم باللسان: الغيبة والنميمة، والكذب والبهتان، والسب والشتم، والتنابز بالألقاب، والسخرية والاستهزاء، والإهانة والتحقير، والقذف والاتهام بغير حق، ونشر قالة السوء عن الناس، وفضح أسرارهم، إلى غير ذلك من أنواع الظلم بالقول واللسان. أما الظلم بالفعل والجوارح؛ فإنه يكون بالضرب والقتل بغير حق، وبالسرقة والغش والرشوة وأكل أموال الناس بالباطل، ومنه كذلك الزنا واللواط، والتجسس والتصنت، وتتبع العورات، والتلصص على محارم الناس. وفي الحديث المتفق عليه: «مَنْ اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه» [١٩] . وفي صحيح البخاري [٢٠] : «ومَنْ استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صُبّ في أُذنَيْه الآنك يوم القيامة» ، والآنك: هو الرصاص المذاب [٢١] . ومن الظلم الشديد، بل الكفر البواح: السحر الذي يستخدمه شياطين الإنس مستعينين بشياطين الجن، من أجل تحقيق أغراضهم الخبيثة، وأهدافهم الدنيئة، أو استجابة للحقد والحسد الذي أقسى قلوبهم، وأصمَّهم وأعمى أبصارهم، فباعوا دينهم، وظلموا إخوانهم. والسحر داء خطير، وشر مستطير، فمنه ما يُمرض، ومنه ما يقتل، ومنه ما يسبب الجنون والخبل، وما يجعل المسحور يهيم في الخلاء، ومنه ما يفرّق بين المرء وزوجه، وما يبغِّض أحدهما إلى الآخر، أو يعطفه عليه ويعميه عن عيوبه، ومنه ما يعقد المتزوج فلا يقدر على الوطء، ومنه ما يجعل المسحور ألعوبة في يد الساحر، وتابعاً ذليلاً [٢٢] . ومن صور الظلم الشائعة الذائعة بسبب الشح والبخل، وإيثار الدنيا على الآخرة: أكل أموال الناس بالباطل، وذلك عن طريق الجحود والمماطلة، أو الغش والمخادعة، أو عن طريق الرشوة، أو الربا، أو أكل مال اليتيم، أو عن طريق التدليس والتلبيس، كمن يأخذ أرض غيره أو بعضها بأدنى الحيل وبمستندات واهية، أو بينات مختلقة مزورة، أو أيمان كاذبة فاجرة. وكم حصل بسبب ذلك من الظلم والجور، وكم ترتب عليه من القطيعة بين الجيران والإخوان، وكيد بعضهم لبعض، وكم ذهبت أوقاتهم، وشغلت أذهانهم، وترافعوا إلى المحاكم سنين طويلة بسبب ظلم بعضهم لبعض، وتعدي بعضهم على بعض. وفي غمرة هذا الظلم والجشع، واللهاث وراء حطام الدنيا الفانية، ينسى هؤلاء عذاب الآخرة، فضلاً عن العقوبة المعجَّلة في هذه الدنيا. وقد حذَّر النبي ﷺ من ذلك، فقال: «مَنْ ظلم قيد شبر من الأرض؛ طُوِّقه من سبع أرضين» [٢٣] . وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقتطع مال امرئ مسلم بيمين كاذبة؛ لقي الله وهو عليه غضبان. قال عبد الله: ثم قرأ رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله جل ذكره: [إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناًّ قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ] (آل عمران: ٧٧) » [٢٤] . وحذَّر النبي ﷺ من جحد الحقوق، والمماطلة في أداء الديون، فقال: «مطل الغني ظلم» [٢٥] ، وقال: «قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره» [٢٦] . فأين أولئك الذين يستضعفون عمَّالهم وخدمهم، فيأكلون أجورهم، أو يماطلون في أدائها، أين هم عن هذا الوعيد الشديد، وأنى لهم أن يفلحوا والله تعالى خصمهم؟! فخفِ القصاص غداً إذا وفِّيْتَ ما ... كسبت يداك اليوم بالقسطاسِ في موقف ما فيه إلا شاخصٌ ... أو مهطع أو مقنع للراسِ أعضاؤهم فيه الشهود وسجنهم ... نار وحاكمهم شديد الباسِ أن تمطل اليوم الحقوق مع الغنى ... فغداً تؤديها مع الإفلاسِ [٢٧] جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يتقاضاه ديناً كان عليه، فاشتد عليه، حتى قال: «أحرّج عليك إلا قضيتني. فانتهره أصحابه، فقالوا: ويحك! تدري مَنْ تكلم؟ فقال: إني أطلب حقي. فقال النبي ﷺ : هلا مع صاحب الحق كنتم! ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها: إن كان عندكِ تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمر فنقضيك. فقالت: نعم! بأبي أنت وأمي يا رسول الله. فاقترضه فقضى الأعرابي وأطعمه، فقال: أوفيت أوفى الله لك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا قُدّست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير مُتَعْتَع [٢٨] » [٢٩] . وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «لما رجعتْ إلى رسول الله ﷺ مهاجرة البحر قال: ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟ قال فتية منهم: بلى يا رسول الله! بينا نحن جلوس مرَّت بنا عجوز من عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قلة من ماء، فمرت بفتى منهم، فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثم دفعها فخرَّت على ركبتيها، فانكسرت قلتها، فلما ارتفعت التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا غُدَرُ إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غداً. فقال رسول الله ﷺ : صَدَقَتْ، صَدَقَتْ، كيف يقدّس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟!» [٣٠] . ومن أقبح صور الظلم: الجرأة على الله تعالى بشهادة الزور، يبذلها المرء لقاء أجر خسيس خبيث، أو محاباةً لقريب أو صديق، أو مجاملة لرئيس أو وجيه، أو للإضرار بخصم أو منافس، أو لغير ذلك من الأغراض الفاسدة، ليقتطع بها مال امرئ مسلم، أو ليُضيع بها حقاً من حقوقه، أو ليثبت عليه شيئاً هو بريء منه. وكالرجل المسؤول حين يكتب للجهة المختصة تقريراً بعدم صلاحية موظف، أو عدم كفاءته في عمله، والحقيقة على العكس من هذا، وقد يكون قصد مضارته، والإساءة إليه، والحط من قدره، وتشويه سمعته بهذه التقارير الكاذبة؛ لما يرى من نجاحه وتميُّزه عنه، وتفوقه عليه. كل أولئك ومن على شاكلتهم، ممن يقرر خلاف الواقع لغرض دنيوي، أو طمع مادي، أو منافسة غير شريفة، أو لمجرد التجنِّي على عباد الله والإضرار بهم، كل أولئك شهداء زور يلحقهم من الوعيد الوارد في حق شاهد الزور؛ بقدر ما احتملوا من هذه الشهادة الكاذبة الظالمة. يقول النبي ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثاً قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت!» [٣١] ، يعني إشفاقاً عليه، وكراهيةً لما يزعجه ويغضبه ﷺ [٣٢] . وجلوسه ﵊ بعد أن كان متكئاً، وتكراره التحذير من قول الزور وشهادة الزور؛ يدل على شناعة هذا الجُرم، وشدة قبحه، ووجوب الحذر الشديد منه. قال ابن حجر: «وسبب الاهتمام بذلك: كون قول الزور أو شهادة الزور أسهل وقوعاً على الناس، والتهاون بها أكثر، فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم، والعقوق يصرف عنه الطبع، وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة كالعداوة والحسد وغيرهما، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه، وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها من الإشراك قطعاً، بل لكون مفسدة الزور متعدية الشاهد، بخلاف الشرك فإن مفسدته قاصرة غالباً» [٣٣] . * عاقبة الظالم: الظلم مرتعه وخيم، وشؤمه جسيم، وعاقبته أليمة، وقد توعّد الله أهله بالعذاب والنكال الشديد، فقال: [وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً] (الفرقان: ٣٧) قال: [وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ] (إبراهيم: ٤٢-٤٣) ، وإنه والله! لوعيد تنخلع له القلوب الحية، وتقشعر له الجلود المؤمنة، وكفى به زاجراً عن مقارفة الظلم أو الإعانة عليه. ويقول سبحانه: [أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ] (هود: ١٨) ، ولكل ظالم حظ من هذه اللعنة بقدر مظلمته، فليستقل أو ليستكثر. ويقول تعالى: [فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ] (الزخرف: ٦٥) ، ويقول مهدداً بسوء العاقبة وشؤم المنقلب: [وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ] (الشعراء: ٢٢٧) . وبيَّن أن الظالم محروم من الفلاح في الدنيا والآخرة، ومصروف عن الهداية في أمور دينه ودنياه، فقال: [إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ] (الأنعام: ٢١) ، وقال: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] (المائدة: ٥١) . وروى مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المُفلس من أمتي مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار» [٣٤] . وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم» [٣٥] . وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا يا رسول الله: وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» [٣٦] . والموبقات: هي المهلكات [٣٧] ، وسميت بذلك لأنها توبق صاحبها في الإثم، ثم في النار والعياذ بالله. وفي هذه الموبقات السبع من الظلم والأذى ما لا يخفى. ولشناعة الظلم، وكثرة أضراره، وعظم الأذية به؛ جعل الله تعالى عقوبته معجلة في الدنيا قبل الآخرة، يقول النبي ﷺ : «ما من ذنب أجدر أن يُعجّل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يَدَّخِر له في الآخرة؛ من البغي وقطيعة الرحم» [٣٨] . وحذَّر النبي ﷺ من دعوة المظلوم، فقال: «واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» [٣٩] . وتصور حال ذلك الظالم المخذول، وهو فرح بظلم الناس وغمطهم حقوقهم، حسداً وبغياً، أو شحاً وبخلاً، أو صلفاً وكبراً، أو سفهاً وجهلاً، ينام ملء عينيه، وأولئك المظلومون قائمون يدعون الله عليه، ويجأرون إليه بأن ينتقم منه، ويشتت شمله، ويعجل عقوبته، ويُنزل به بأسه، ويحل عليه سخطه، ويأخذه أخذ عزيز مقتدر. فمَنْ ذا الذي يرضى لنفسه ذلك، ويعرِّضها لهذه السهام التي تزلزل الجبال؟! لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً ... فالظلم ترجع عقباه إلى الندمِ تنام عيناك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك، وعين الله لم تنمِ [٤٠] لكن غلاظ الأكباد، وقساة القلوب، لا يحفلون بأمر الدعاء، ولا يتقون دعوة المظلوم، وذلك لما ران على قلوبهم من الذنوب، حتى صارت قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، فهم آمنون من مكر الله، مستهترون بالدعاء وآثاره. أتهزأ بالدعاء وتزدريه ... وما تدري بما صنع الدعاء سهام الليل لا تخطي ولكن ... لها أمد، وللأمد انقضاء [٤١] يقول النبي ﷺ : «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين» [٤٢] . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجراً ففجوره على نفسه» [٤٣] . فإذا كان هذا شأن دعوة الفاجر، فما بالك بدعوة التقي الصالح، بل ما بالك بالعالم والداعية الناصح؟! فاحذر يا أخي أن تكون غرضاً لدعوات المظلومين، ومحلاً لسهامهم الصائبة. واحذر من المظلوم سهماً صائباً ... واعلم بأن دعائه لا يحجبُ وإذا دعتك نفسك إلى الظلم، فتذكر أنك إن غلبت الناس وأخذت حقوقهم بقوتك، أو سلطانك، أو جاهك، أو بلاغة حجتك وذلاقة لسانك؛ فإن الله أقوى عليك منك عليهم، ولا يخفى عليه ظلمك، وهو القادر على أخذك وقهرك. وما من يد إلا يد الله فوقها ... ولا ظالمٌ إلا سيُبلى بأظلمِ [٤٤] وفي الحديث: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ رسول الله ﷺ : [وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ] (هود: ١٠٢) » [٤٥] . وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: «كنت أضرب غلاماً لي بالسوط، فسمعت صوتاً من خلفي: اعلم أبا مسعود! فلم أفهم الصوت من الغضب. قال: فلما دنا مني إذا هو رسول الله ﷺ ، فإذا هو يقول: اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود! قال: فألقيت السوط من يدي. فقال: اعلم أبا مسعود! أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام. قال فقلت: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً» [٤٦] . وكان يزيد بن حكيم يقول: «ما هبتُ أحداً قط هيبتي رجلاً ظلمته، وأنا أعلم أنه لا ناصر له إلا الله، يقول: حسبي الله، الله بيني وبينك!» . ولما حُبس خالد بن برمك وولده في نكبة البرامكة المعروفة، قال ولده: «يا أبتي! بعد العز صرنا في القيد والحبس» ، فقال: «يا بني! دعوة المظلوم سرت بليل، غفلنا عنها ولم يغفل الله عنها» [٤٧] . والقصص والشواهد الواقعية قديماً وحديثاً على إجابة دعوة المظلوم وتعجيل العقوبة للظالم كثيرة جداً [٤٨] . * عاقبة المظلوم: أما أنت أيها المظلوم، فأبشر بالذي يسرُّك، فأنت إن شاء الله خير الرجلين، وأفضل الطائفتين، فكن عبدَ الله المظلوم، ولا تكن عبدَ الله الظالم، واعلم أن الله ظهيرك ونصيرك، وأنه لن يخذلك ويُسلمك لعدوك، وأن العاقبة لك في الدنيا والآخرة. يقول الله تعالى: [إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ] (الأنعام: ٢١) ، فلا فلاح لهم في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنهم ظالمون. وقال بعض السلف: «ثلاث مَنْ كن فيه كن عليه: البغي، والمكر السيئ، والنكث. قال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم] (يونس: ٢٣) ، وقال: [وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِه] (فاطر: ٤٣) ، وقال: [فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِه] (الفتح: ١٠) » [٤٩] . وتذكَّر أيها المظلوم أن الأمور كلها تُقضى في السماء، وما هؤلاء الخلق إلا أدوات يقضي الله بها من أمره ما يشاء، وإنك أن تصبح مظلوماً تنتظر النصر والمثوبة؛ خير من أن تكون ظالماً تنتظر الهزيمة والعقوبة. ولك أيها المظلوم أسوة بيوسف الصديق ﵊، حيث عزم إخوته على قتله ظلماً وعدواناً، وألقوه في غيابة الجب؛ ليهلك أو يلتقطه بعض السيارة، ثم باعوه بثمن بخس، وزعموا أنه عبد آبق، ثم قالوا عنه وعن شقيقه بعد حين: [إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْل] (يوسف: ٧٧) . وعندما بِيعَ لعزيز مصر، وصار في بيته راودته امرأة العزيز عن نفسه، فانتقل من بلاء الجب المخيف إلى بلاء الحب غير الشريف، ولما كُشف أمرها اتهمته زوراً وبهتاناً بأنه كان يراودها عن نفسها، [ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ] (يوسف: ٣٥) ، [فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ] (يوسف: ٤٢) . فاتُهم في عرضه وهو العفيف، وسُجن وهو البريء، وبِيعَ في سوق النخاسة وهو الحر الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم [٥٠] ، وبعد كل هذه الابتلاءات المتتالية، والمظالم المتنوعة، مكَّنه الله في الأرض، وجعل له العاقبة في الدنيا والآخرة، وآثره على كل من آذاه وظلمه. يقول الله تعالى: [وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ * وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ] (يوسف: ٥٦-٥٧) ، وقال عنه أيضاً: [قَالُوا أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ] (يوسف: ٩٠-٩١) .

стр. 4836

السياسة الشرعية السياسة الشرعية.. تعريف وتأصيل محمد بن شاكر الشريف alsharef@albayan-magazine.com حاجتنا إلى السياسة الشرعية السياسة الشرعية باب من أبواب العلم والفقه في الدين، وفي قيادة الأمة وتحقيق مصالحها الدينية الدنيوية، جليل القدر عظيم النفع، أفرده جماعة من العلماء بالتصنيف في القديم والحديث، وانتشرت كثير من مباحثه أو مسائله في بطون كتب التفسير والفقه والتاريخ وشروح الحديث، وهذا الباب خطره عظيم ينتج عن الغلط فيه وعدم الفهم له شر مستطير، والخطأ في التفريط فيه كالخطأ في الإفراط؛ إذ كلاهما يقود إلى نتائج مرذولة غير مقبولة، وقد وضَّح ذلك شيخ الإسلام ابن القيم فقال: «وهذا موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك، ومعترك صعب، فرَّط فيه طائفة فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرَّؤوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقاً صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له وعطلوها.. وأفرطت فيه طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة، فسوَّغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلتا الطائفتين أُتيَت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه» [١] . وإدراكاً منّا لأهمية هذا الباب وموقعه من الدين وحاجة الناس إليه، فقد رأينا أن نجعل له زاوية دورية في المجلة؛ سائلين الله تعالى أن يتحقق المقصود منها، وأن تقوم بالدور المراد منها على الوجه الذي يحب ربنا ويرضى، والله من وراء القصد. - البيان - * السياسة في اللغة: لفظ «السياسة» في لغة العرب محمّل بكثير من الدلالات والإشارات والمضامين، فهي إصلاح واستصلاح، بوسائل متعددة من الإرشاد والتوجيه والتأديب والتهذيب والأمر والنهي، تنطلق من خلال قدرة تعتمد على الولاية أو الرئاسة. وما جاء في معاجم اللغة يدل على ما تقدم، فقد جاء في تاج العروس في مادة سوس: «سستُ الرعية سياسة: أمرتها ونهيتها، والسياسة القيام على الشيء بما يصلحه» [٢] ، وفي لسان العرب في المادة نفسها: «السَّوْس: الرياسة، وإذا رأسوه قيل سوسوه، وأساسوه، وسُوِّس أمر بني فلان: أي كلف سياستهم، وسُوِّس الرجل على ما لم يُسم فاعله: إذا مُلِّك أمرهم، وساس الأمر سياسة: قام به، والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه. والسياسة: فعل السائس يقال: هو يسوس الدواب إذا قام عليها وراضها، والوالي يسوس رعيته» [٣] . والإصلاح في «السياسة» ليس مجرد هدف أو غاية تسعى السياسة في حركتها لتحقيقه، بل هو السياسة نفسها وحقيقتها، إذا فقدته فقد فقدت نفسها. * السياسة في النص الشرعي: لم يرد لفظ «السياسة» ولا شيء من مادته في كتاب الله ، وإن جاء الحديث فيه عن الصلاح والإصلاح والأمر والنهي والحكم وغير ذلك من المعاني التي اشتمل عليها لفظ «السياسة» . وأما السنَّة فقد جاء قوله ﷺ : «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي....» الحديث [٣] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: «تسوسهم الأنبياء» ؛ أي: تتولى أمورهم كما يفعل الأمراء والولاة بالرعية « [٤] . ويتبين بما تقدم أن السياسة في الشريعة استُخدمت بمعناها اللغوي، وهي تعني: القيام على شأن الرعية من قِبَل ولاتهم بما يصلحهم من الأمر والنهي والإرشاد والتهذيب، وما يحتاج إليه ذلك من وضع تنظيمات أو ترتيبات إدارية تؤدي إلى تحقيق مصالح الرعية بجلب المنافع أو الأمور الملائمة، ودفع المضار والشرور أو الأمور المنافية. وهذا التعريف يبرز الجانب العملي للسياسة، فالسياسة هنا إجراءات وأعمال وتصرفات للإصلاح، وعلى ذلك فإن سياسة الرعية تتطلب القدرة على القيادة الحكيمة التي تتمكن من تحقيق الصلاح؛ عن طريق إتقان التدبير وحسن التأتي لما يُراد فعله أو تركه، وهذا بدوره يحتاج إلى معرفة تامة بما تتطلبه القيادة والرئاسة من خبرة وحنكة، وقدرة على استعمال واستغلال الإمكانات المتاحة على الوجه الأمثل الذي يحقق المراد المطلوب. وقد جاء من كلام أهل العلم عن السياسة ما يدل لذلك، فمن ذلك: قال ابن جرير الطبري ﵀ في بيان السبب الذي من أجله جعل عمر - رضي الله عنه - أمر الخلافة في الستة الذين اختارهم:» لم يكن في أهل الإسلام أحد له من المنزلة في الدين والهجرة والسابقة والعقل والعلم، والمعرفة بالسياسة؛ ما للستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم « [٥] . وقال ابن حجر ﵀:» والذي يظهر من سيرة عمر في أمرائه الذين كان يؤمرهم في البلاد أنه كان لا يراعي الأفضل في الدين فقط، بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة مع اجتناب ما يخالف الشرع منها « [٦] ، ومما ورد في ذلك أيضاً ما جاء في شرح قول النبي ﷺ :» يا عائشة، لولا قومك حديثٌ عهدهم بكفر لنقضتُ الكعبة، فجعلتُ لها بابين؛ باب يدخل الناس، وباب يخرجون « [٧] ، والذي ترجم له البخاري في صحيحه بقوله:» باب مَنْ ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشدَّ منه «، قال ابن حجر:» ويستفاد منه أن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم، ولو كان مفضولاً، ما لم يكن محرماً « [٨] . والسياسة فيما تقدم مجالها رحب فسيح، فهي ليست مقصورة على شيء أو محجوزة عن شيء؛ إذ هي» القيام على الشيء بما يحمله لفظ الشيء من العموم والشمول بما يصلحه «، فيعمل بها كل صاحب ولاية في تدبير أمر ولايته. ومن أمثلة السياسة في عصر الراشدين ﵃ ما قام به أبو بكر ﵁ من استخلافه لعمر ﵁، وما قام به عمر من جعل أمر الخلافة شورى في ستة من أفاضل أصحاب النبي ﷺ رعاية لمصلحة الأمة وتجنيبها مضرة الاختلاف، ومن ذلك جمع عثمان - رضي الله عنه - المسلمين على مصحف واحد، وإحراق ما سواه من المصاحف؛ لأن ذلك يحقق المصلحة من الائتلاف والاتفاق، ويدفع مضرة التفرق والاختلاف، وكذلك ما أمر به عثمان من إمساك ضوال الإبل لما ضعفت الأمانة، وصار تركها مضيعاً لها على أصحابها، ومن ذلك نفي عمر بن الخطاب لنصر بن حجاج لما افتُتنت بعض النساء بجماله من غير ذنب أتاه لما كان في ذلك تحقيق مصلحة العفة والطهارة، ودفع مضرة تعلق القلوب به، ومن أمثلة ما تلاهم من عصور تسعير السلع التي يضطر إليها الناس إذا تمالأ التجار على رفع سعرها بغير مسوّغ يدعو لذلك، فكان في التسعير دفع مضرة الظلم عن الرعية من غير ظلم للتجار، والأمثلة في هذا كثيرة، والجامع بينها تحقيق المصلحة ودفع المضرة من غير مخالفة للشريعة. * السياسة عند الفقهاء: هناك اتجاهان عند الفقهاء في نظرتهم للسياسة: الاتجاه الأول: ويمثله قول أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي:» السياسة ما كان من الأفعال؛ بحيث يكون الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول ﷺ ولا نزل به وحي «، وقد قيده بقوله:» ما لم يخالف ما نطق به الوحي « [٩] ، وعلى هذا النحو يُحمل كلام ابن نجيم الحنفي، حيث يقول في باب حد الزنا:» وظاهر كلامهم ها هنا أن السياسة هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي « [١٠] ، وكلام ابن نجيم يحتمل أن يصب في الاتجاه الثاني كما يأتي، وكلام ابن عقيل أدق منه وأسدَّ؛ لأنه قيَّد تحقيق المصالح ودرء المفاسد بعدم مخالفة الشريعة، وقد يكون هذا أيضاً مراد ابن نجيم، لكن عبارته قصرت عن ذلك، وهذا الاتجاه موافق لما تقدم ذكره من أمثلة السياسة. والاتجاه الثاني: وهو اتجاه يضيِّق مجال السياسة ويحصرها في باب الجنايات أو العقوبات المغلظة، وقد تجعل أحياناً مرادفة التعزير، وهذا الاتجاه غالب على الفقه الحنفي في نظرته للسياسة، قال علاء الدين الطرابلسي الحنفي: » السياسة شرع مغلظ « [١١] . وقد» نقل العلامة ابن عابدين (الحنفي) عن كتب المذهب: أن السياسة تجوز في كل جناية والرأي فيها إلى الإمام، كقتل مبتدع يتوهم منه انتشار بدعته وإن لم يحكم بكفره.. ولذا عرَّفها بعضهم بأنها تغليظ جناية لها حكم شرعي حسماً لمادة الفساد، وقوله: لها حكم شرعي معناه أنها داخلة تحت قواعد الشرع وإن لم ينص عليها بخصوصه ... ولذا قال في البحر: ظاهر كلامهم أن السياسة هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي « [١٢] . وقال بعض علماء الحنفية:» والظاهر أن السياسة والتعزير مترادفان، ولذا عطفوا أحدهما على الآخر لبيان التفسير كما وقع في الهداية والزيلعي وغيرهما « [١٣] . وتضييق هذا الاتجاه لمعنى السياسة وحصرها فيما حصرها فيه ليس بسديد؛ » إذ السياسة قد تكون بغير التغليظ، وبغير العقوبة، وقد تكون بتخفيف العقوبة أو تأجيلها أو إسقاطها إذا وجدت موجبات التخفيف أو الإسقاط، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتل المنافقين مع علمه بأعيانهم لما يترتب على ذلك من المفسدة، وقال: «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» [١٤] ، وترك تأديب أو تعنيف الأعرابي الذي بال في المسجد [١٥] تقديراً لظروف بداوته وجهله، ونهى عن قطع الأيدي أو إقامة الحد في الغزو [١٦] ؛ تأخيراً للحد لمصلحة راجحة؛ إما لحاجة المسلمين إليه، أو خوف اللحاق بالمشركين « [١٧] . وأيضاً فإن عهد أبي بكر لعمر بالخلافة، وكذلك جعلها عمر شورى في ستة من الصحابة، وعمل عمر للديوان، وجمع عثمان للمصحف الإمام وتحريق ما عداه ليس من العقوبة في شيء. * السياسة الشرعية: تنقسم السياسة بحسب مصدرها إلى قسمين كبيرين: سياسة دينية، وسياسة عقلية، وقد بين ذلك ابن خلدون عندما تحدث عن وجوب وجود قوانين سياسية مفروضة في الدولة يسلم بها الكافة، فقال:» فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبُصرائها كانت سياسة عقلية، وإن كانت مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها كانت سياسة دينية « [١٨] . وانطلاقاً من تقسيم ابن خلدون للسياسة؛ فإنه بين أنواع النظم السياسية القائمة عليه، فيقول:» الملك السياسي: هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها « [١٩] . وابن خلدون ﵀ في حديثه عن القوانين السياسية يبرز الجانب الكُلِّي أو المعياري لها بوصفها تشريعات ضابطة أو حاكمة، وحديثه في هذا المجال يقترب من الحديث عن» الأحكام السلطانية « [٢٠] . ومن هنا ومما تقدم يتبين أن للسياسة جانبين: أحدهما معياري كُلِّي (تأصيلي) ، والآخر عملي تطبيقي، والسياسة الشرعية ما كانت مراعية للشرع في الجانبين: تلتزم به وتتقيد، ولا تخرج عنه. والذي يظهر لي أن عبارة» السياسة الشرعية «لم تكن مقيدة أولاً بقيد » الشرعية «؛ انطلاقاً من أن السياسة هي الإصلاح، ولا إصلاح حقيقياً إلا بالشرع، فكان إطلاق لفظ» السياسة «بدون قيد كافياً في إفادة المطلوب من عبارة» السياسة الشرعية «، ثم مع ضعف العلم وعدم الفقه الجيد لسياسة الرسول ﷺ عند الولاة وعند من تقلد لهم القضاء؛ صارت» السياسة « تخالف الشرع، فاحتيج إلى تقييد السياسة بالشرعية لإخراج تلك السياسة الظالمة من حد القبول، وتسمّى السياسة الشرعية أحياناً بالسياسة العادلة. وقد تحدث شيخ الإسلام عن هذا التغيير الحاصل في السياسة وبيَّن سببه، فقال:» لما صارت الخلافة في ولد العباس، واحتاجوا إلى سياسة الناس، وتقلد لهم القضاء من تقلده من فقهاء العراق، ولم يكن ما معهم من العلم كافياً في السياسة العادلة؛ احتاجوا حينئذ إلى وضع ولاية المظالم، وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع، وتعاظم الأمر في كثير من أمصار المسلمين حتى صار يقال: الشرع والسياسة، وهذا يدعو خصمه إلى الشرع، وهذا يدعو خصمه إلى السياسة ... والسبب في ذلك أن الذين انتسبوا إلى الشرع قصّروا في معرفة السنة، فصارت أمور كثيرة إذا حكموا ضيعوا الحقوق، وعطلوا الحدود، حتى تسفك الدماء، وتؤخذ الأموال وتستباح المحرمات، والذين انتسبوا إلى السياسة صاروا يسوسون بنوع من الرأي من غير اعتصام بالكتاب والسنة « [٢١] . ويقول ابن القيم ﵀:» ومَنْ له ذوق في الشريعة، واطلاع على كمالاتها، وتضمنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد ومجيئها بغاية العدل الذي يسع الخلائق، وأنه لا عدل فوق عدلها، ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح، تبين له أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها، وأن من له معرفة بمقاصدها ووضعها، وحَسُنَ فهمه فيها؛ لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة، فإن السياسة نوعان: سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي من الشريعة، علمها من علمها وجهلها من جهلها « [٢٢] ، إلى أن يقول:» فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعاً لمصطلحهم، وإنما هي عدل الله ورسوله « [٢٣] . * الفقه في السياسة الشرعية: تواجه السياسة الشرعية نوعين من المسائل: أحدهما: جاءت فيه نصوص شرعية. والثاني: لم تأت فيه نصوص بخصوصه. والفقه في النوع الأول يكون عن طريق: ١ - فهم النصوص الشرعية فهماً جيداً، ومعرفة ما دلت عليه، والتنبه للشروط الواجب توافرها في تطبيق الحكم والموانع التي تمنع من تنفيذه، ثم يلي ذلك تطبيق الحكم وتنفيذه. ٢ - التمييز بين النصوص التي جاءت تشريعاً عاماً يشمل الزمان كله، والمكان كله وهذا هو الأصل في مجيء النصوص، وبين النصوص التي جاءت الأحكام فيها معللة بعلّة، أو مقيدة بصفة، أو التي راعت عرفاً موجوداً زمن التشريع، أو نحو ذلك. والأول يسميه ابن القيم:» الشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة «، بينما يسمي الثاني:» السياسات الجزئية التابعة للمصالح فتتقيد بها زماناً ومكاناً « [٢٤] . ومن مسائل هذه السياسات (النوع الثاني) منع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سهم المؤلفة قلوبهم عن قوم كان يعطيهم إياه، وذلك لزوال تلك الصفة عنهم، فإنما كانوا يعطون لاتصافهم بهذه الصفة لا لأعيانهم، فلما زالت الصفة منع السهم عنهم، وليس في هذا تغيير للحكم وإنما هو إعمال له، وهو من باب السياسة الشرعية، وكذلك أمر عثمان ﵁ بإمساك ضوال الإبل مع أن المنع من إمساكها مستفاد من سؤال أحد الصحابة لرسول الله ﷺ عن إمساك الإبل فقال:» ما لك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها (ترد الماء وتأكل من الشجر) حتى يلقاها ربها « [٢٥] ، ومع النظرة الثاقبة في الحديث يتبين دقة فهم عثمان ﵁، فإن الرسول ﷺ قد ظهر من كلامه أنه يفتي عن حالة آمنة تأكل فيها الإبل من الشجر وتشرب من الماء، من غير أن يلحقها ضرر حتى يجدها صاحبها، فأما إذا تغير حال الناس وَوُجد منهم من يأخذ الضالة؛ صار هذا الحال غير متحقق، فإنها إذا تركت في هذه الحالة لن يجدها صاحبها، ومن هنا أمر بإمساكها وكذلك نقول: لو أن حالة الناس من حيث الأمانة لم تتغير، وإنما كان الناس يعيشون بجوار أرض مسبعة، وكان في تركها هلاك لها حتى يأكلها السبع؛ لكان الأمر بإمساكها هو المتعين حفظاً لأموال المسلمين، وهذا من السياسة الشرعية، والأمثلة في ذلك كثيرة [٢٦] . والنوع الثاني من المسائل: وهو ما لم تأت فيه نصوص بخصوصه، فإن الفقه فيه يكون عن طريق الاجتهاد الذي تكون غايته تحقيق المصالح ودرء المفاسد، والاجتهاد هنا ليس لمجرد تحصيل ما يُتوهم أنه مصلحة أو درء ما يُتوهم أنه مفسدة، بل هو اجتهاد منضبط بضوابط الاجتهاد الصحيح، وذلك من خلال: ١ - أن يجرى ذلك الاجتهاد في تحقيق المصالح ودرء المفاسد في ضوء مقاصد الشريعة تحقيقاً لها وإبقاءً عليها، والاجتهاد الذي يعود على المقاصد الشرعية أو بعضها بالإبطال هو اجتهاد فاسد مردود، وإن ظهر أنه يحقق مصلحة، أو يدرأ مفسدة. ٢ - عدم مخالفته لدليل من أدلة الشرع التفصيلية؛ إذ لا مصلحة حقيقية وإن ظهرت ببادي الرأي في مخالفة الأدلة الشرعية. والنوعان الأول والثاني من المسائل قد يحتاج كل منهما وخاصة في هذا العصر لضمان حسن تطبيقه وتنفيذه إلى إنشاء هيئات أو مؤسسات تكون مسؤولة عن التطبيق والتنفيذ، وإنشاء هذه الهيئات أو المؤسسات في ظل موافقة مقاصد الشريعة وعدم مخالفتها لنصوصها التفصيلية؛ هو من السياسة الشرعية. والاجتهاد في مسائل السياسة الشرعية قد يؤدي إلى» استنباط أحكام اجتهادية جديدة تبعاً لتغير الأزمان مراعاة لمصالح الناس والعباد، أو نفي أحكام اجتهادية سابقة إذا ما أصبحت غير محصلة لمصلحة أو مؤدية لضرر أو فساد، أو غير مسايرة لتطور الأزمان والأحوال والأعراف، أو كانت الأحكام الاجتهادية الجديدة أكثر تحقيقاً للمصالح ودفعاً للمفاسد « [٢٧] . * السياسة الشرعية والنظم السياسية: مما تقدم يتبين أن موضوعات السياسة الشرعية كثيرة، وأن أحد موضوعاتها هو التشريعات السياسية التي تسير بمقتضاها الدولة أو بالتعبير القديم» الأحكام السلطانية «، أو بالتعبير المعاصر» النظام السياسي «، فإن البحث في النظام السياسي الإسلامي وتطبيقه في الواقع والاجتهاد في تكوين مؤسساته، ووضع النظم واللوائح المنظمة لذلك؛ هو مما يدخل في السياسة الشرعية، ولمكانة هذا الموضوع من السياسة الشرعية؛ فإن بعض أهل العلم المعاصرين قد عرَّف السياسة الشرعية به فقال:» فالسياسة الشرعية هي تدبير الشؤون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار؛ مما لا يتعدى حدود الشريعة وأصولها الكلية، والمراد بالشؤون العامة للدولة كل ما تتطلبه حياتها من نظم، سواء أكانت (دستورية) أم مالية أم (تشريعية) أم قضائية أم تنفيذية، وسواء أكانت من شؤونها الداخلية أم علاقاتها الخارجية، فتدبير هذه الشؤون، ووضع قواعدها بما يتفق وأصول الشرع هو السياسة الشرعية « [٢٨] ، وعلم السياسة الشرعية على ذلك هو » علم يبحث فيه عما تُدبّر به شؤون الدولة الإسلامية من القوانين والنظم التي تتفق وأصول الإسلام، وإن لم يقم على كل تدبير دليل خاص « [٢٩] . ولا شك أن هذا من السياسة الشرعية لكنه جزء من أجزائها كما تقدم، ويدخل في ذلك الرد على الشبه التي تثار حول السياسة الشرعية، وعليه فإن التعرض للنظم المناقضة للنظم الإسلامية وبيان فسادها وبطلانها يدخل في علم السياسة الشرعية. * متطلبات النظر في السياسة الشرعية: نظراً لطبيعة السياسة الشرعية على الوجه المتقدم بيانه، فإنه يلزم الناظر فيها والمتفقه أمور منها: - المعرفة التامة بأن الشريعة تضمن غاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، وأنها كاملة في هذا الباب صورة ومعنى؛ بحيث لا تحتاج إلى غيرها؛ فإن الله تعالى قد أكمل الدين وقال: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ] (المائدة: ٣) ، ومنها الاطلاع الواسع على نصوص الشريعة مع الفهم لها ولما دلت عليه من السياسة الإلهية أو النبوية، ومنها المعرفة الواسعة الدقيقة بمقاصد الشريعة، وأن مبناها على تحصيل المصالح الأخروية والدنيوية ودرء المفاسد، ومنها التفرقة بين الشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة، والسياسات الجزئية التابعة للمصالح التي تتقيد بها زماناً ومكاناً، ومنها المعرفة بالواقع والخبرة فيه، وفهم دقائقه، والقدرة على الربط بين الواقع وبين الأدلة الشرعية، ومنها دراسة السياسة الشرعية للخلفاء الراشدين والفقه فيها، ومنها معرفة أن الاجتهاد في باب السياسة الشرعية ليس بمجرد ما يُتصور أنه مصلحة وإنما يلزم التقيد في ذلك بالمصالح المعتبرة شرعاً، ومنها رحمة الناظرين في هذا الباب بعضهم بعضاً عند الاختلاف في مواطن الاجتهاد.

стр. 4837

دراسات تربوية المحافظة على الأسرار د. عبد اللطيف بن إبراهيم الحسين [*] trastaaa@hotmail.com * أهمية الموضوع: تعد المحافظة على الأسرار خاصية إنسانية في العلاقات الاجتماعية؛ من حيث تعامل الفرد مع الآخرين، ومع المجتمع الذي يعيش فيه، والأسرار لها أهمية كبيرة في الأمم، فهي من أعظم أسباب النجاح، وأدوم لأحوال الصلاح. ومن هنا فرعاية الإسلام للمحافظة على الأسرار يستهدف من ورائها تكوين المجتمع الإسلامي، ووضع التشريعات الضابطة لحماية العلاقات وتنميتها أمر لازم لدوام الحياة الاجتماعية وتقدمها من الناحية المعنوية. ولو أُهملت المبادئ الأخلاقية والاجتماعية، وسُمح للخيانة وفشو الأسرار بالانتشار؛ لزالت المعاني الإنسانية، كالأمانة وكتمان الأسرار، من حياة الناس، وتحولت الحياة الاجتماعية إلى جحيم لا يطاق [١] . يقول الماوردي: «إن من الأسرار ما لا يُستغنى فيه عن مطالعة صديق مساهم، واستشارة ناصح مسالم، فليختر لسرّه أميناً، إن لم يجد إلى كتمه سبيلاً، وليتحر المرء في اختيار مَنْ يأتمنه عليه، ويستودعه إياه، فليس كل مَنْ كان أميناً على الأموال؛ كان على الأسرار مؤتمناً، والعفة عن الأموال أيسر من العفة عن إذاعة الأسرار؛ لأن الإنسان قد يذيع سر نفسه، بمبادرة لسانه، وسقط كلامه، ويشح باليسير من ماله، حفظاً لَهُ، وضناً به، ولا يرى ما أضاع من سرّه كبيراً، في جنب ما حفظه من يسير ماله، مع عِظَم الضرر الداخل عليه، فمن أجل ذلك كان أمناء الأسرار أشد تعذراً، وأقل وجوداً من أمناء الأموال، وكان حفظ المال أيسر من كتم الأسرار؛ لأن أحراز الأموال منيعة، وأحراز الأسرار بارزة يذيعها لسان ناطق، ويشيعها كلام سابق» [٢] . وينبغي التنبيه في هذا المقام إلى أن المحافظة على الأسرار مشروطة بأن لا تؤثر في حق الله تعالى أو حق المسلمين، وإلا عُدَّ من الخيانة لحق الله تعالى أو حق المسلمين، وليس حفظ الأسرار هنا من الأمانة [٣] . ونتناول موضوع المحافظة على الأسرار من خلال الأمور الآتية: تعريف السِّر، والمحافظة على الأسرار أمانة عظيمة، وصفات أمين السر، والتحذير من إفشاء الأسرار، ونماذج من السلف في المحافظة على الأسرار. أ - تعريف السِّر: ١- في اللغة: اسم لما يُسر به الإنسان؛ أي يكتمه، وهو مأخوذ من مادة (س ر ر) التي تدل على إخفاء الشيء [٤] . ٢ - في الاصطلاح: قال الراغب الأصفهاني: «السِّرُّ هو الحديث المُكَتَّمُ في النفس» [٥] . ويقول الجاحظ: «كتمان السر خُلُق مركب من الوقار والأمانة؛ فإن إخراج السر من فضول الكلام، وليس بِوَقُورٍ مَنْ تكلم بالفُضُول. وأيضاً فكما أنه من استودع مالاً فأخرجه إلى غير مودعه فقد خفر الأمانة؛ كذلك من استودع سراً فأخرجه إلى غير صاحبه فقد خفر الأمانة، وكتمان السر محمود من جميع الناس، وخاصة ممن يصحب السلطان؛ فإن إخراجه أسراره مع أنه قبيح في نفسه يؤدي إلى ضرر عظيم يدخل عليه من سلطانه» [٦] . ب - المحافظة على الأسرار أمانة عظيمة: حفظ الأسرار وكتمانها أمانة عظيمة، يجب الوفاء بها، وقد حثَّنا الشرع عليها، وحذَّرنا من فشو الأسرار والتفريط فيها، قال تعالى: [وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً] (الإسراء: ٣٤) ، وقال تعالى: [وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ] (المعارج: ٣٢) . ويقول النبي ﷺ : «استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان» [٧] . وعلى من أُودِعَ سراً أن يحافظَ عليه ولا يفشيه أبداً، وإلا أصبح خائناً، وهي صفة مشابهة للمنافق الذي إذا ائتمن على شيء خانه، كما في حديث عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «أربعٌ من كُنَّ فيه كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً، ومَنْ كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النِّفَاقِ حتى يَدَعَهَا: إِذَا ائْتُمِنَ خَانَ، وإِذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإِذَا عَاهَدَ غَدَر، وإِذَا خَاصَمَ فَجَر» [٨] ، وجاء في حديث عمران بن حصين ﵁ قول النبي صلى الله عليه وسلم: «.. إِنَّ بَعْدَكُم يَخُونُونَ ولا يُؤتمنُونَ» [٩] . ويقول الكفوي عن عظم المحافظة على الأسرارِ والحذرِ من التساهلِ في التفريطِ فيها: «أوكد الودائع كتم الأسرار» [١٠] . ولذا؛ فإن المحافظة على الأسرار أمر عظيم لا يقوم به إلا الخلَّص من الناس، وقد أجاب الراغب الأصفهاني عن سبب التفريط الشنيع في المحافظة على الأسرار بقوله: «إن للإنسان قوتين: آخذة، ومعطية، وكلتاهما تتشوف إلى الفعل المختص بها، ولولا أن الله تعالى وكَّل المعطية بإظهار ما عندها لما أتاك بالأخبار مَنْ تزوده، فصارت هذه القوة تتشوف إلى فعلها الخاص بها، فعلى الإنسان أن يُمسكها ولا يُطلقها إلا حيثما يجب إطلاقها» [١١] . ولِيُعْلَم أن أمناء الأسرارِ عزيزٌ وجودهم، فهم أقل وجوداً من أمناء الأحوال، «وحفظ المال أيسر من كتم الأسرار» [١٢] . ج - صفات أمين السِّر: قد تدعو الضرورة بعض الناس إلى الإفضاء بأسرارهم إلى بعض أصدقائهم من أجل مشورتهم أو تخفيف بعض همومهم، لكن عليه أن يتخير صاحب السِّر، من وُصِفَ بالأمانة والدِّينِ والعقلِ. ويذكر الماوردي بعض الخصال في صفات أمين السر، أن يكون: «ذا عقل صاد، ودين حاجز، ونصح مبذول، وود موفور، وكتوماً بالطبع» [١٣] . ومما ينبغي التنبه إليه في المحافظة على الأسرار وتخير صفات أمين السر ما يأتي: ١ - عدم إيداع السر إلى من يتطلع إليه، ويؤثر الوقوف عليه: قال الشاعر: لا تُذِعْ سراً إلى طالبه ... منك فالطالب للسر مذيع ٢ - عدم كثرة المستودَعين للسر، فإن كثرتهم سبب الإذاعة؛ إذ القليل منهم الذي يحافظ على السر [١٤] : وقال الشاعر: فلا تنطِق بسرك كلُّ سرٍّ ... إذا ما جاوز الاثنين فاشي قال عمر بن عبد العزيز ﵀: «القلوب أوعية الأسرار، والشفاه أقفالها، والألسن مفاتيحها، فليحفظ كلُّ امرئ مفتاح سرِّه» [١٥] . وقال الشاعر: إِذَا ضَاقَ صَدر المرء عَن سِر نَفسِهِ ... فَصَدر الذِي يستودع أَضيَق وحكي أن رجلاً أَسَرَّ إلى صديق لَهُ حديثاً، ثم قال: «أفهمتَ؟ قال: بل جهلتُ، قال: أحفظتَ؟ قال: بل نسيتُ» [١٦] ، وهو بهذا يُكَنّي عن نفسه بعدم البوح لأي أحد. د - التحذير من إفشاء الأسرار: تعقد المجالس بالأمانة على ما يجري فيها من أمور، فيجب على الجالس أن يحفظ أسرارها، ولا يحل لَهُ أن يُفشي عن إخوانه ما لا يحبّون أن يخرج عنهم، فعن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إذا حَدَّثَ الرَّجُلُ الحَديثَ ثم الْتَفَتَ فَهِي أَمَانَةٌ» [١٧] ، قال المباركفوري في شرحه للحديث: «تَحْسُنُ المَجَالسُ، أو حُسْنُ المجَالسِ وشَرَفُها، بأَمَانة حَاضِريها على ما يقع فيها من قَول وفعل. فكأن المعنى: ليكن صاحب المجلس أميناً لما يسمعه ويراه» [١٨] . ويؤكد هذا المعنى العظيم الحسن البصري بقوله: «إنما تُجالسون بالأمانة، كأنكم تظنون أن الخيانة ليست إلا في الدينار والدرهم، إن الخيانة أشد الخيانة أن يجالسنا الرجل، فنطمئن إلى جانبه، ثم ينطلق فيسعى بنا» [١٩] . ومن هنا؛ فإن حفظ الأسرار أمانة كبرى يجب رعايتها، والحذر من إفشاء ما يُدار في المجالس من أمور وأخبار مهمة رُبَمَا يُعَدُّ كشفُها خيانة صغرى أو كبرى. * ومن الأمور التي يجدر التنبيه إليها في هذا الخصوص: ١ - كشف السر خيانة صغرى: ورد في سبب نزول قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ] (الأنفال: ٢٧) ، أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري ﵁، وذلك أن رسول الله ﷺ حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة، ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله ﷺ : «أن ابعث إلينا أبا لبابة نستشيره في أمرنا، فبعثه رسول الله ﷺ فأتاهم، فقالوا: يا أبا لبابة، ما ترى أَنَنْزِل على حكم محمد؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه - أنه الذبح فلا تفعلوا -. ثم ندم بعد ذلك وقال: والله! ما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله» [٢٠] ، فإن أبا لبابة ﵁ كان يعلم الحكم في يهود بني قريظة بأنه الذبح! ولكنه أشار بيده إلى حلقه، فكان ذلك منه خيانة لأمانة المجلس [٢١] . ٢ - كشف السر خيانة كبرى: حفظ أسرار المجالس أمانة كبرى يجب رعايتها، وعدم إفشاء ما يُدار فيها من أمور وأخبار مهمة ربما يصلُ كشفُها إلى الخيانة الكبرى، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁، في نقله لخبر رسول الله ﷺ بفتح مكة إلى زعمائها [٢٢] ؛ إذْ إن حاطباً ممن أخبره النبي ﷺ بوجهته إلى مكة، وهو ما جاء في سبب نزول [٢٣] قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ] (الممتحنة: ١) . ٣ - حفظ أسرار الزوجين: الرجل والمرأة مؤتمنان على حفظ أسرار كل منهما، ويجب عليهما أن يحرصا أشد الحرص على عدم إفشائها، ولا شك أن حفظ سر الزوجين من أخص خصائص كل منهما تجاه الآخر، ومن أكثرها إسهاماً في ديمومة الحياة الزوجية واستقرارها، ويدخل في المحافظة على الأسرار ستْر العورات في العلاقات الزوجية كما في حديث النبي ﷺ : «إنَّ من [٢٤] أعظمِ الأمانَةِ عند اللهِ يوم القيامةِ، الرجل يُفْضِي إلى امرأتِهِ وتُفْضِي إليهِ ثم يَنْشُرُ سِرَّهَا» وفي رواية: «إنَّ من أَشَرِّ النَّاس عند اللهِ مَنزِلَة يَوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها» [٢٥] . وقال جرير يرثِي امرأته في عفافها ومحافظتها على حديثه: كَانَت إذا هَجَرَ الخَليل فِرَاشَهَا ... خَزْنَ الحَدِيثِ وعفَّت الأسرارِ [٢٦] هـ - نماذج من أخلاق السلف في المحافظة على الأسرار: إن حفظ الأسرار وكتمانها من الأخلاق العظيمة التي تُعْلِي من شيم أصحابها وشمائل صفاتهم، فقد كان الصحابة والصحابيات ﵃ جميعاً - مضرب المثل في حفظ الأسرار التي يؤتمنون عليها. فهذا حذيفة بن اليمان ﵄ أمين سِرِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين، وكان يقال له: صاحب السِّر الذي لا يعلمه أحدٌ غيره [٢٧] . وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر حين تَأَيَّمَتْ بنته حفصة ﵂، قال: «أتيتُ عثمان بن عفان، فَعَرَضْتُ عليه حَفْصَةَ، فقال: سأنظر في أمري. فلبثت لياليَ ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوجَ يومي هذا. قال عمر: فلقيتُ أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئتَ زَوَّجْتُكَ حفصةَ بنتَ عمرَ، فَصَمَتَ أبو بكرٍ، فلم يرجعْ إليَّ شيئاً، وكنتُ أَوْجَدَ عليهِ مني على عثمانَ، فلبثتُ لياليَ، ثم خطبها النبي ﷺ ، فأنكحتُها إياه. فلقيني أبو بكر فقال: لقد وَجَدْتَ عليَّ حينَ عَرَضْتَ عليَّ حفصةَ فلم أرجعْ إليكَ شيئاً؟ قال عمر: قلت: نعم. قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجعَ إليكَ فيما عرضتَ عليّ إلاَّ أنِّي كنتُ علمتُ أَنَّ رسول ﷺ قد ذكرها، فلم أكنْ لأفْشِيَ سِرَّ رسولِ الله ﷺ ، ولو تركَهَا رسولُ الله ﷺ قَبِلْتُهَا» [٢٨] . وهذه فاطمة بنت محمد ﷺ ورضي الله عنها تضرب لنا مثالاً في أمانة حفظ السِّر، كما روت أم المؤمنين عائشة ﵂: «إِنَّا كُنَّا أزواجِ النَّبِي ﷺ عنده جميعاً لم تغادرْ منا واحدة، فأقبلت فاطمة - ﵂ تمشي ما تُخطئ مِشيتَهَا من مِشيةِ رسولِ اللهِ ﷺ فلما رآها رحَّب، قال: مرحباً بابنتي. ثم أجلسَها عن يمينه أو عن شماله ثم سَارَّهَا، فَبَكَت بُكاءً شديداً، فلما رأى حُزْنَها سَارَّهَا الثانية، فإذا هي تضحك. فقلت لها: أنا من نسائه خَصَّك رسول الله بالسِّرِ من بيننا ثم أنت تبكين! فلما قام رسول الله ﷺ سألتُها عَمَّا سَارَّهَا؟ قالت: ما كُنتُ لأفشي على رسولِ اللهِ ﷺ سِرَّهُ. فلما توفي قلت لها: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما أخبرتني! قالت: أما الآن فنعم. فأخبرتني قالت: أما حين سارَّني في الأمر الأول فإنه أخبرني أن جبريل ﵇ كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة، وإنه قد عارضني به العام مرتين، ولا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري، فإني نعمَ السلفُ أنا لك. قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارَّني بالثانية، قال: يا فاطمة! ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة!» [٢٩] . ولا يتوقف الأمر على أمانة حفظ الأسرار عند الرجال والنساء من الصحابة بل حتى الغلمان، فهذا أنس بن مالك ﵁ الغلام الصغير الذي يخدم رسول الله ﷺ يقول: «أَسَرَّ إِلَيَّ النبي ﷺ سِراً فما أخبرتُ به أحداً بعدهُ، ولقد سألتني أم سُلَيم فما أخبرتُها به» [٣٠] . وفي الختام: على المرء أن يتخير الأمين لسِرِّهِ، وكما قال عامر بن الطفيل: إذا أنت لم تجعلْ لسركَ جُنَّةً ... تعرَّضتَ أن تُرْوى عليكَ العَجَائِبُ وأن كل امرئ عهد إليه بسِرٍّ يجب أن يحفظه؛ سواء حاكماً أو طبيباً أو موظفاً أو عاملاً..، وكما قيل: «قلوب العقلاء، حصون الأسرار» [٣١] . وما أجمل قول حسان في حفظ الأمين للسر: وأمينٍ حَفَّظته سِرَّ نفسي ... فوعاهُ حِفْظَ الأمينِ الأمينَا [٣٢] وإن المحافظة على الأسرار من أعظم الأمانات في العلاقات؛ ليس على المستوى الفردي فحسب؛ بل على مستوى الدول والحكومات، وكم من أسرار كُشفت للخصوم والأعداء؛ سبَّبت الذل والهوان لأفراد وشعوب وأمم! ونؤكد أن المحافظة على الأسرار مشروطة بأن لا تؤثر في حق الله تعالى، أو حق المسلمين، وإلا عُدَّ من الخيانة لحق الله تعالى أو حق المسلمين، وليس حفظ الأسرار هنا من الأمانة.

стр. 4838

قضايا دعوية نظرات في منازلة النوازل (٣) العمل الإسلامي.. نحو حلول ممكنة لأزمات مزمنة د. عبد العزيز كامل kamil@albayan-magazine.com نشأت بدايات العمل الإسلامي الجماعي منذ ما يزيد عن سبعين عاماً في ظرف ضرورة، وزمان أزمة، وحقبة اغتراب خيمت على المسلمين في العالم بعد انفراط عقدهم بإلغاء نظام الخلافة لأول مرة بعد ثلاثة عشر قرناً من عمر الدعوة، وكان على العاملين للإسلام في ذلك الوقت أن يواجهوا طوفاناً من الفتن الهاجمة على الأمة بعد غياب سلطان الإسلام عنهم وتحالف أحزاب الشيطان عليهم، دون أن يكون لهم معسكر يفيئون إليه، أو أرض ينطلقون منها، أو قوة كبرى يعتمدون عليها، لم يكن أمامهم إلا الاعتماد على الله والاستناد إلى ركنه المكين، وهم ينشدون نشر الدعوة وإعادة المنعة لهذا الدين. وتطور العمل الإسلامي وتوسع في البلدان بأطياف مختلفة وأهداف متنوعة، تشكلت للعمل لأجلها جماعات كثيرة، اتخذت كل منها سبيلاً للوصول إلى غاية مفترضة واحدة، وهي إعلاء كلمة الله، ونشر دعوة الإسلام. فكان من تلك الجماعات ما تخصص في العلم ونشره، ومنها ما تفرع للدعوة والأعمال التربوية، ومنها ما توجه نحو مشاريع الرعاية الاجتماعية والأنشطة الخيرية، وبينما انتصبت جماعات للسعي في الإصلاح ليكون الإسلام هو الحل من خلال وسائل وقنوات سياسية، رأى آخرون أن ذلك الحل لن يتحقق إلا عبر مشروعات تغيير جهادية، تقوم على فرض حلول عسكرية للنوازل التي بدأت عسكرية، بغزو الكفار للمسلمين في عقر ديارهم حتى وصل الأمر إلى ذروته باحتلال الإنجليز لعاصمة الخلافة الأخيرة (إسطنبول) - القسطنطينية سابقاً - عام ١٩١٨م وكان ذلك تتويجاً لمسيرة طويلة من الاجتياح العسكري لبلاد المسلمين، اشتركت فيها الدول الاستعمارية بمذاهبها النصرانية الثلاثة: البروتستانية، والكاثوليكية، والأرثوذكسية، فالإنجليز البروتستانت اشتركوا مع الفرنسيين الكاثوليك منذ وقت مبكر في التربص بجزيرة العرب، فضربوا مدينة جدة عام ١٨٥٨م، ثم احتل الإنجليز الإمارات الخليجية عام ١٨٦٦م، واحتلوا مصر عام ١٨٨٢م، والسودان عام ١٨٩٩م، وكانوا قد بسطوا هيمنتهم على جنوب اليمن قبل ذلك في العام ١٨٣٩م واحتلوا عُمان عام ١٨٥٨م، هذا في القرن التاسع عشر أما في القرن العشرين فقد احتل الإنجليز العراق عام ١٩١٧م، وفلسطين عام ١٩١٨م، وسوريا عام ١٩٢٠م، وها هم يعودون إلى العراق في القرن الحادي والعشرين بالاشتراك مع الأمريكيين في العام ٢٠٠٣م، ولا يزالون يتربصون مع الأمريكيين بقائمة أخرى من البلدان العربية والإسلامية في السنوات القليلة المقبلة. وأما فرنسا الكاثوليكية فقد احتلت مصر عام ١٧٩٩م، واحتلت الجزائر عام ١٨٣٠م، وتونس عام ١٨٨٢م، والمغرب ١٩١١م، وموريتانيا ١٩٠٣م، وسوريا ١٩١٨م، واحتل كذلك الإيطاليون الكاثوليك إريتريا عام ١٨٧٨م وليبيا عام ١٩١١م، وحتى النمسويون احتلوا أراضي المسلمين في البوسنة والهرسك عام ١٨٨٧م. أما الروس الأرثوذكس، فقد بطشوا بالمسلمين أيام روسيا القيصرية، وفي عهد روسيا الشيوعية وإلى اليوم بعد أن عاد الروس نصرانيتهم الأرثوذكسية، فقد احتلوا بلاد القوقاز عام ١٨٦٤م، وطشقند عام ١٨٧٨م، وأوزبكستان وتركستان الغربية عام ١٨٩٠م، وضموا طاجيسكتان عام ١٩٢٩م، وتركمستان عام ١٩٢٥م، وهم إلى اليوم يتربصون بالوجود الإسلامي في آسيا؛ فبعد غزوهم لأفغانستان عام ١٩٧٩م؛ غزوا الشيشان عام ١٩٩٤م، ثم انسحبوا منها، ثم غزوها مرة أخرى عام ١٩٩٩م. وقد رأى الذين اختاروا الحل المسلح أن المنافقين العلمانيين الذين خلفوا المستعمرين الكفار في بلاد المسلمين لم يكونوا يقلون عن الأعداء الظاهرين إفساداً وعداءً للإسلام وأهله، لأنهم نابوا عنهم في كل ما جاؤوا من أجله: إقصاء الشريعة ... مطاردة الدعوة.. هدر الثروات.. شق الصفوف.. إفساد الأجيال.. ترسيخ التبعية ... توطين الطغيان ورهن الأوطان؛ فقد كانوا باختصار خلفاء للاستعمار باسم مستعار وهو: الوطنيون الأحرار. وبغض النظر عن تعيين الخيار الأنجع والأوقع من بين تلك الخيارات التي توزع إليها العمل الإسلامي؛ فإن الأمة بمجموعها كانت تحتاج إلى التنويع بين كل ذلك؛ فاختلاف أحوالها زمانياً ومكانياً؛ كان يفرض بين آن وآخر ومكان وآخر؛ التركيز على لون من ألوان تلك التوجهات؛ فبينما وجد الإسلاميون أنفسهم في ساحات معينة غير قادرين إلا على التوسع في النشاطات السلمية الرسمية، اضطر آخرون لاتخاذ موقف الدفاع في جبهات معارضة سياسية، أو أقحموا في منازلات ومواجهات عسكرية، وبخاصة عندما كان يأتي الخطر من الخارج عبر الداخل من خلال المنافقين أو المغفلين، مثلما حدث في كل البلاد التي احتلها الكفار وآخرها أفغانستان التي احتلها الروس الملحدون في أول القرن الهجري الحالي، ثم احتلها النصارى الصليبيون آخر الربع الأول منه، وكذلك العراق التي احتلت مؤخراً، ووجد الإسلاميون فيها أنفسهم فجأة في مواجهة عدو غازٍ محتل، لا يملكون خياراً في مواجهته إلا حمل النفس على حمل السلاح دون سابق إعداد أو استعداد. لقد كان كل فصيل من فصائل العمل الإسلامي في الجملة يقوم بدور مكمل لأدوار الآخرين، بحيث لا يمكن الزعم بأن جهداً واحداً منهم كان يمكن أن يغني عن جهود الآخرين، فلم يكن بوسع الأمة في مرحلة ما أن تتحول كلها إلى مجاهدين، ولم يكن مطلوباً منها في أخرى أن تفرغ كل جهدها خلف السياسيين، ولم يكن واجباً عليها في يوم من الأيام أن تحول كل العاملين إلى علماء أو طلاب علم أو مفكرين، كما أنها لم يكن في مستطاعها أن ترهن كل أنواع التغييرات التحتية انتظاراً للتغييرات الفوقية. كان لا بد للسفينة أن تمضي وتسير مهما حاربتها الرياح وعرقلتها الأعاصير، صحيح أن فصائل العمل الإسلامي لم تنسق مسبقاً لتوزيع الأدوار، ولم تتفق قبلاً على تنويع المهام، إلا أن الأمور سارت بقدر من الله نحو تكامل معقول أدى فيه العاملون للإسلام بمجموعهم ولا يزالون الكثير مما كان يجب أن تقوم به الأنظمة والحكومات، تلك التي كانت في غالبها الأعم لا تكتفي بكف يدها عن الإصلاح الشرعي المطلوب لأحوال الأمة، وإنما تعدت ذلك إلى سد الأبواب أمام المصلحين، وفتحها أمام المفسدين والمنحرفين. لقد كان هذا التكامل - غير المقصود - بين تخصصات العمل الإسلامي برهاناً على خيرية الأمة، ودليلاً على قابلية التشريع؛ لأن يعيش فيها وبها في ظل أحلك الظروف، فحتى مع غياب الكيان الجامع المسؤول عن القيام بكل هذا في عالم المسلمين - أعني به نظام الدولة الواحدة (الخلافة) - فإن سفينة الإسلام سارت ولا تزال تسير - ويا للعجب - بغير ربان ولا قبطان. وعندما أقول أنها سارت ولا تزال بلا ربان ولا قبطان؛ فإني أعني بذلك غياب الولاية العالمية العامة للمسلمين، بشقيها: السياسي والعلمي لنحو قرن بين الزمان، فلم يكن لهم طوال أكثر من قرن مضى ولاية سياسية موحدة تُخضع الجميع، ولا ولاية علمية عامة تقنع الجميع وتجب لها طاعة الجميع كما أمر الله تعالى في قوله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ] (النساء: ٥٩) . لهذا سارت السفينة خلال قرن مضى تعترضها الأخطار، وتصارعها الأمواج، وتصفق فوقها الصواعق والبروق فلا تنتهي، وتجري عكسها الرياح بما لا تشتهي، كل ذلك وقلة من المخلصين من ركابها ينوبون عن ربانها الغائب في القيادة الجماعية القائمة على غير خبرة أو اختصاص، وعلى غير ترتيب سابق ولا تنسيق لاحق، لكن السفينة سارت، وبقيت في سيرها للآن محاولة الوصول إلى بر الأمان. إن أي تقويم لنتائج العمل الإسلامي في حقبه السابقة لا بد أن يستصحب ويستحضر هاتين المقدمتين المهمتين: غياب الولاية السياسية العامة، وغياب الولاية العلمية العامة؛ لأن غيابهما قد حول أحوال الأمة إلى ظرف استثنائي، تعسّر فيه علاج المعضلات على أصولها، وتعذَّر جمع الآراء حول حل لها، فأصبح الضعف العام في الأمة لذلك يكاد يبدو بدهياً في ظل تلك الأوضاع غير الطبيعية. * إنجازات رغم الصعوبات: مع كل ما اقترن بمسيرة العمل الإسلامي من عراقيل وعقابيل؛ فقد أنجز العاملون للإسلام على اختلاف أطيافهم وانتماءاتهم إنجازات كبيرة في ظل ظروف الأزمة تلك، ويمكن تعداد أبرزها فيما يأتي: - إحياء كثير من معالم الدين التي كادت تندرس منهجياً وعملياً وبث الروح في صلة المسلمين بعقائدهم المستمدة من أصول أهل السنة، مع توسيع دائرة النفور من الابتداع وأهله. - تحريك الضمير الديني العام للأمة نحو أهمية العودة للإسلام منهجاً وسلوكاً، وجعل تطبيق الشريعة قضية عامة على مستوى الشعوب، بعد أن كانت مطلباً خاصاً للجماعات الإسلامية. - تحقيق قفزة هائلة نحو إنقاذ شباب الأمة من الضياع، باستقطاب شريحة كبيرة منهم نحو الالتزام الديني، واتضاح ذلك من خلال ظاهرة عمران المساجد وتفعيل الأنشطة الدعوية بعناصر شبابية. - إحياء الكثير من سَمْت الإسلام المعلن وشعائره الظاهرة بين الرجال والنساء، وإعادة الاعتبار بشكل معقول لفريضة الحجاب في كثير من البلدان رغم الحرب السافرة لأنصار السفور. - إعادة الحياة لشرعة الجهاد ضد المعتدين من الكفار تحت رايات إسلامية، دون تحرج من الاتهامات المعتادة بالإرهاب والتطرف، ووضع حد لظاهرة الجرأة على استعمار بلاد المسلمين وإطالة احتلالها، كما حدث خلال القرنين الماضيين. - كسر حاجز الخوف من الاحتساب على الظلم والظالمين، وخوض المنازلات ضد الجبروت والجبارين، ومباشرة المواجهة ضدهم، كما حدث في الملحمة الأفغانية السابقة وما تلاها من ملاحم في الشيشان والبوسنة والصومال، وما يحدث الآن في فلسطين والعراق. - إبراز إفلاس العلمانية براياتها المختلفة، من خلال وضع حكوماتها تحت مجهر المحاسبة الشعبية في ضوء المعايير الشرعية، حيث تركزت الأضواء لكشف إخفاقها العام سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً، وبطلانها شرعياً واعتقادياً. - النجاح في ابتكار منابر إعلامية إسلامية، بجوار المنابر الأصلية في المساجد، وتحقيق قفزة إعلامية نسبية، أصبحت مرشحة على تواضعها أن تنافس إمبراطوريات الإعلام الفاسدة داخلياً وخارجياً، وتحقق شيئاً من الندية معها في صناعة الرأي العام الإسلامي. - إيجاد صوت سياسي إسلامي قادر على إيصال إرادة الأمة لمن بيدهم السلطان، مع التمكن من إعادة نظريات الحكم والسياسة في الإسلام إلى موقع الأهلية للتطبيق. - أسلمة كثير من العلوم الإنسانية، وإضفاء ضوابط شرعية على بعض العلوم التطبيقية، إضافة إلى المشاركة في النهوض بمستوى التعليم الديني بالانخراط في المدارس والمعاهد والجامعات المتخصصة في تخريج أجيال من طلبة العلوم الشرعية. - فضح زيف المناهج الفكرية والأطر المذهبية المناوئة للإسلام عقيدة وشريعة في العصر الحاضر، من خلال شن هجوم مضاد على المستشرقين والمستغربين، وبروز رموز فكر إسلامي قادرين على جهاد الكلمة ضد جراءة الإلحاد والعلمنة والتغريب والانحلال مع كشف عوار المبادئ الأرضية المنافسة للشرائع الإلهية في أوطان المسلمين، كمبادئ الديمقراطية والرأسمالية والليبرالية والشيوعية والماركسية ونحوها. ويمكن إضافة الكثير والكثير من التفاصيل حول تلك الإسهامات الإيجابية لما اصطلح على تسميته بـ (الصحوة الإسلامية) تلك الصحوة التي جاءت تحقيقاً قدرياً لما أخبر عنه الرسول ﷺ عندما قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها» [١] . وبما أن لفظة (مَنْ) في الحديث تصدق على الفرد والمجموع، ولمَّا لم يشهد أحد لفرد واحد بالقيام بكل ما سبق، فقد ثبت أن ذلك التجديد هو من فعل المجموع؛ فكل العاملين للإسلام شركاء في تلك الإنجازات المتنوعة بتنوع تخصصات هؤلاء العاملين، وبفضل الله تعالى ثم بفضل تلك النجاحات فإنه لا يسع أحداً أن ينكر أن أحوال الأمة في الربع الأول من القرن الخامس عشر، أفضل منها بكثير عن قرن مضى من حيث صلتها بالدين علماً وعملاً. ولكن إنباء الرسول ﷺ عن تجديد الدين مع بداية كل قرن، لم يرافقه إخبار بالتمكين له مع مطلع كل قرن؛ فصحيح أن الدين من حيث جوهره قد تجدد مصداقاً لتلك السنة الإلهية، إلا أنه لم يتمكن بعدُ؛ لأن تمكنه خاضع لسنن أخرى ليست زمانية قدرية، ولكنها شرعية دينية. فإذا كان الله تعالى قد تكفل بحفظ الدين بحفظ كتابه وتجديد منهاجه كوناً وقدراً، كما في قوله تعالى: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] (الحجر: ٩) ، وقوله : [فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ] (القيامة: ١٨-١٩) فإنه سبحانه جعل التمكين للدين موكولاً لأهله شرعاً وديناً كما قال جل شأنه: [وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ] (محمد: ٤) ، وقال: [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) ، وعلى هذا الصعيد أخفق المسلمون بعامة، والإسلاميون منهم خاصة في تحقيق الحد الأدنى من التمكين الذي تترتب عليه إعادة رفعة المسلمين ليكونوا كياناً مهاب الجانب مرهوب القوة نافذ السلطان، فالإسلام كلمة الله لا بد أن يكون لأهله سلطان مهاب مطاع، حتى يتمكن الدين من أن يكون متاحاً مباحاً لكل العالمين، ليقبلوا عليه مختارين ويدخلوا فيه أفواجاً. ولعل هذا سبب اقتران الفتح بالنصر في قوله تعالى: [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً] (النصر: ١-٣) . إن تجديد الدين وإحياءه علمياً لا يغني عن التمكين له عملياً، إلا أن ذلك التجديد مقدمة ضرورية تسبق التمكين، فتسهل مهماته، وتساهم في إزالة معوقاته، وقد أخفق الإسلاميون في أن يوظفوا ثمرات التجديد في حمل راية التمكين من جديد، وحجج الاعتذار هنا لا تساعدهم، ومنطق التسويغ لا يشفع لهم؛ لأن فرصاً كثيرة ضاعت مع أن اقتناص فرصتها كان متاحاً لولا الاختلاف والارتجال. * إخفاقات رغم الإمكانات: بالإضافة إلى الإخفاق الكبير في إعادة التمكين للمسلمين رغم مرور عشرات السنين، فإن تحت هذا الإخفاق إخفاقات أخرى، فبالرغم من ضخامة كل ما سبق ذكره من إنجازات للعمل الإسلامي في العقود القليلة السابقة، فإن تلك الإنجازات ستبدو متواضعة إذا وضعنا على خلفيتها بُعدين مهمين: أحدهما: أن الإمكانيات الكامنة في الأمة كانت تسمح بأكبر من هذه النتائج والإنجازات. الثاني: أن عدم الوصول إلى تحقيق الغاية الكبرى، وهي إقامة دولة الإسلام العالمية المُمكنة مرة أخرى، وتطاول الفاصل الزمني بين عهدي الاستضعاف والتمكين، يهيئ فرصة كبيرة للأعداء لكي يعيدوا الكرة، ويسلبوا الإنجازات، ويذهبوا بنا بعيداً عن تحقيق بقية الغايات. ومن هنا تظهر جسامة المهمة وعظم المسؤولية في وجوب تجاوز الطرق التقليدية في التعامل مع نوازلنا، وبخاصة في الأوقات الراهنة؛ حيث الظروف الاستثنائية التي تحتاج إلى جهود استثنائية. نحتاج - نحن الإسلاميين - أن نتعود على استحضار إخفاقاتنا، كما نتغنى بنجاحاتنا؛ فالنظر إلى النجاحات فقط يصيب بالغرور، كما أن النظر إلى الإخفاقات فحسب يوقع في الإحباط، ونحن المسلمين بحمد الله أكبرُ بديننا وإيماننا من أن نُحبط أو نيأس؛ فإنه [إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ] (يوسف: ٨٧) ، وإذا ذكرنا إخفاقاتنا فليس ذلك مدعاة لاستجلاب يأس أو استحضار إحباط، ولكن لاستشعار حجم المشكلات وتطوير القدرات لحلها والتصدي لها. إننا إذا تأملنا النتائج الموضوعية لمسيرة جمهور الصحوة الإسلامية خلال ما مضى من عمرها، سنرى كمّاً من الإخفاقات التي كان من الممكن تجاوزها في فترات السلامة النسبية الفائتة. فمن ذلك: - إخفاق في تفعيل فقه الوفاق ووحدة القلوب بين الفصائل والتيارات بالرغم من التقارب النسبي بين كثير من المناهج مقارنة بما مضى، وقد ترتب على ذلك تقصير في تحقيق حد أدنى من التعاون العملي المباشر بين تلك الفصائل في مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية، عملاً بشرعة البنيان المرصوص وفريضة الاعتصام بحبل الله. - تأخر في تفعيل دور جماعي للعلماء، وتردد في تكوين مرجعية علمية عامة يرجع إليها المسلمون إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف، أو نزلت بهم كوارث عامة أو خاصة. - قلة التأصيل العلمي لمناهج التغيير الشرعية التي ابتليت بالخوض فيها العديد من الفصائل الإسلامية بلا ضوابط علمية، سواء في العمل السياسي أو الجهادي أو الجماهيري. - ضعف الهمة في تجاوز العقبات المعطلة للعمل مثل الحزازات الحزبية والنزعات الإقليمية والنزغات العنصرية، والتعامل معها وكأنها قدر سابق أو قضاء محتوم، مع شح الوسائط الدعوية المشتركة والمبادرات الإصلاحية التي تذيب الفوارق وتكسر الحواجز النفسية بين الجماعات والتيارات المختلفة، إضافة إلى شدة العناية بجوانب الفرقة والاختلاف، على حساب الرعاية لجوانب الاتفاق والائتلاف. - غياب نقد الذات لحساب نقد الغير، وقلة بلورة النقد الذاتي في حال وجوده إلى مراجعات جادة بدلاً من التراجعات الحادة. - اعتماد صيغة ردود الأفعال في التعاطي مع النوازل بعد نزولها بدلاً من المواجهة المدروسة لها عند وقوعها فضلاً عن التحسب لها قبل حدوثها. وإذا كان ما سبق، أزمات داخلية واجهت العمل الإسلامي فلم يوفق في تجاوزها؛ فإن هناك نازلات خارجية أخرى غلب على الإسلاميين تجاهلها، مع أنهم هم الوحيدون الذين يعنيهم شأنها بعد ذهاب زمن الحلول الثورية والشعارات الوهمية. إن الوسط الإسلامي يشهد ما يشبه الغياب التام عن وضع تصورات نظرية أو عملية لكيفية التصدي المبكر لكوارث يتوقع وقوعها، ونوازل يخطط الأعداء لإنزالها، وليس غير الإسلاميين في وارد الاهتمام لها أو العمل لأجلها، ولهذا فليس من المقبول منهم طي ملفاتها انتظاراً لحدوث موانع قدرية قد لا تكون مقدورة، أو كرامات غيبية قد لا تكون مكتوبة، خذ أمثلة على ذلك من مخططات ومؤامرات معلنة منشورة؛ دعك مما هي غامضة مستورة: ١ - خطط الغزو لمزيد من البلدان العربية والإسلامية بذرائع مصطنعة، كتلك التي حيكت شباكها للعراق، حيث ستنفتح شهية الأمريكيين وحلفائهم لاستئناف برنامج الغزو إذا وجدوا مهمتهم سهلة في العراق، وإذا ما استمر عدم الإجماع على موقف إسلامي فاعل وموحد مما يحدث فيها وفي أفغانستان. ٢- الخطط اليهودية المبيتة منذ عقود لهدم المسجد الأقصى، وبناء الهيكل اليهودي الثالث على أنقاضه، تلك الخطط التي تشكلت لأجل تنفيذها أكثر من عشرين جماعة صهيونية، يهودية أو نصرانية؛ مع توزيع تلك الجماعات للتخصصات اللازمة لتنفيذ المخطط في الوقت المناسب، وبالرغم من أن المتصدرين لتنفيذ هذا المخطط المعلن جماعات لا حكومات؛ فإننا لم نسمع عن خطة واحدة مضادة لجماعة واحدة فضلاً عن حكومة واحدة أو هيئة عربية أو إسلامية أو عالمية واحدة لردع هؤلاء الشياطين النشطاء. ٣ - البرنامج الصهيوني المدعوم أمريكياً وغربياً باستكمال خريطة (إسرائيل الكبرى) من النصف الغربي للعراق إلى النصف الشرقي من مصر، ومن جنوب تركيا إلى شمال الجزيرة العربية على حدود المدينة المنورة، تلك الأراضي التي قد يجد أهلها وعلى رأسهم الإسلاميون أنفسهم بين ليلة وضحاها في مواجهة مباشرة مع يهود أو نصارى، دون أن يكونوا قد أعدوا من قبل للأمر عدته، أو أخذوا له أهبته، كما يحدث الآن لأهل العراق وأهل فلسطين وأهل أفغانستان. ٤ - التوجه العارم نحو ضرب المفاهيم والقيم الإسلامية، من خلال الإعلام والتعليم وتمييع ما سبق إحياؤه وتثبيته من قضايا مهمة تتعلق بالولاء والبراء والجهاد في سبيل الله وفريضة الحجاب، وشرعة الحسبة والحكم بما أنزل الله؛ حيث لم تتضح للإسلاميين خطة في مواجهة هذه الهجمة المرسومة قديماً والتي بدأ تطبيقها حديثاً. ٥ - الحرب الأمريكية المفتوحة على الإسلام باسم الحرب على الإرهاب؛ حيث تكتفي الغالبية العظمى من الإسلاميين بالوقوف في أحد أبراج المراقبة عن بعد، بانتظار مجيء الدور، إما إدراجاً في قوائم الإرهاب، أو تجميداً للأرصدة وتحديداً للأنشطة، أو تهديداً بالتصدير إلى (جوانتانامو) . ٦ - الإصرار من عموم الكفار على استهداف الحركات الإسلامية الجهادية المجمع على مشروعيتها، وبذل كل الجهود في محاصرتها وخنقها، بعد وصمها بالتطرف والإرهاب والخروج على الشرعية الدولية، كما يحدث الآن ضد فصائل المقاومة الفلسطينية والمقاومة العراقية، والمقاومين الكشميريين والأفغانيين وغيرهم من جماعات التصدي المشروع للعدوان على الحرمات والمقدسات. * الإسلاميون ومعطيات عصر جديد: عندما أعلن جورج بوش (الأب) عن قيام ما أسماه (النظام العالمي الجديد) بعد حرب الخليج الثانية، لم يحالفه الحظ في إرساء معالم هذا النظام بسبب سقوطه السريع الذي حرمه من فترة رئاسية ثانية يُتم بها ما بدأه، ولكن جورج الابن أراد أن يكمل نقص أبيه، فشرعت الولايات المتحدة الأمريكية في عهده في رسم ملامح هذا النظام الجديد، وتمخض هذا عن معطيات جديدة، لا بد للعمل الإسلامي الذي سيستمر بإذن الله ألا يتجاهلها عند رسم برامجه الآنية ومخططاته الآتية المستقبلية، ومما يخص المسلمين من هذا (اللانظام) ما يأتي: أولاً: توجه العالم نحو نمط إدارة واحدة يكاد رئيس الولايات المتحدة فيها أن يكون (رئيس العالم) واتفاق هذا العالم شرقه وغربه مع الولايات المتحدة على (شطب) شيء اسمه نظام إسلامي ودولة تحكم بالشريعة وتقيم العقيدة مهما كان سبيل إقامتها، سواء كان طريق مجيئها بالانتخابات النيابية، أو الثورات الشعبية، أو الانقلابات السلمية أو غير السلمية، فلن ترضى الآن أمريكا ولا أوروبا ولا روسيا ولا حتى الصين بقيام مثل تلك الدولة وانضمامها للمجتمع الدولي، اللهم إلا إذا كانت دولة إسلامية على الطريقة الأمريكية شبيهة بتلك التي قامت على الطريقة الروسية في الشيشان والتي بدأ العالم يعترف بها وبرئيسها العميل المعمم (أحمد قديروف) . إن الخطر الذي سيلاحق الدولة الإسلامية المؤمل قيامها، لن يكون قانونياً فقط برفض (الأمم المتحدة) الاعتراف بها، بل قد تواجه الحظر السياسي والحصار الاقتصادي، والتربص العسكري كما حدث لدولة الطالبان وقبلها دولة الشيشان وما قد يحدث لدولة السودان، وهنا نقول: هل من المناسب في ضوء ذلك أن يظل هدف إقامة الدولة الإسلامية النموذجية في هذه المرحلة على رأس أولويات الحركات الإسلامية في أنحاء العالم، كما كان العهد في العهود الماضية بحيث تتمحور حولها البرامج وتتركز التحركات؟! أم يتحول الجهد إلى إزالة العقبات من أمامها، وتأسيس الأرض الصلبة لإنشائها؟! ثانياً: انتهاء عصر الاستقلال بانتهاك مفهوم سيادة الدول بالمعنى القديم المعهود وخاصة الدول الإسلامية، حيث برزت في السنوات القليلة الماضية ظاهرة التدخل المباشر في شؤون الدول الضعيفة، وتوجيه سيادتها عسكرياً واقتصادياً وسياسياً وأمنياً، دون الرجوع في أحيان كثيرة إلى من يفترض أنهم (المسؤولون) في هذا البلد أو ذاك، ولن نضرب المثل بما يحدث الآن في أفغانستان أو العراق، فذلك أمر قد فُرغ منه، بل انظر إلى ما يحدث في باكستان وإندونيسيا والسودان، حيث تُفرض الحلول الأمريكية فرضاً، حتى وصل الأمر في بعض الحالات إلى انتهاك المجال الجوي لبعض الدول من أجل تعقب من تطلق عليهم أمريكا (الإرهابيين) ، وما أمر اليمن منا ببعيد عندما دخلت الطائرات الأمريكية لتعقب سيارة مدنية بها أشخاص تشتبه بهم، ومثلما حدث عندما أغار الأمريكيون في عهد كلينتون على كل من السودان وأفغانستان دون مقدمات بزعم ضرب أهداف معادية. ثالثاً: التغيير الحاد في مفهوم (سيادة القانون) بما فيها القانون الدولي؛ فمع ما ندين الله به من بطلان كل قانون بشري مخالف لشريعة الإسلام، دولياً كان أو إقليمياً، إلا أن تلك القوانين على عجزها عن تحقيق العدالة المطلوبة، تقيَّد الآن، لتكون شريعة الغاب أو الغرب هي سيدة الموقف، بما فيها من تسلط وكبرياء وغطرسة، لا تفهم إلا القوة ولا تعترف بحقوق الإنسان إلا إذا كان إنساناً غربياً أو بالأحرى نصرانياً أو يهودياً! فأين سيادة القانون الدولي الآن مما يحدث في فلسطين، وأين «سيادته» مما يحدث في العراق وأفغانستان والسودان والبلقان وإندونيسيا والشيشان؟! الأمر مرشح لمزيد من الفوضى القانونية الدولية، وخاصة أن أمريكا تمضي قُدماً في تطبيق مفهوم (الحرب الوقائية) و (الضربات الاستباقية) التي ستغير كل ما كان معهوداً من أعراف تتعلق بإعلان الحروب واستعداد الشعوب لدخولها قبل أن تقحم بها. إننا مقبلون فيما يبدو على عصر (اللاقانون) مع عصر (اللانظام) ، فإذا كان القانون الدولي يداس الآن بأقدام أمريكية، فإن القوانين المحلية سيجري الجري فوقها لا مجرد دوسها، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالإسلاميين، ولذلك فإن الرهان على عودة الاستقرار في الساحات المتوترة، لا ينبغي أن تفضل فيه الأسباب الخارجية عن الداخلية. رابعاً: تعاظم دور الجاسوسية في العالم باسم (المخابرات) ؛ فالحرب العالمية ضد ما يسمى بـ (الإرهاب) يبدو أنها ستحتاج إلى تجييش الجواسيس من مستوى الخفير إلى الوزير، بل إلى رئيس الدولة، وما لنا نذهب بعيداً وبوش الأكبر، الذي كان رئيساً لأكبر دولة، تولى المنصب الأكبر في قيادة الجاسوسية الأمريكية حيث كان رئيساً لوكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) قبل تولي الرئاسة. وكذلك فإن الدولة التي كانت تمثل القطب الثاني في العالم (روسيا) يترأسها الآن رجل الجاسوسية الروسية الضليع (فلاديمير بوتين) الذي كان ضابطاً في المخابرات السوفييتية (KGB) . ولهذا لم نستغرب ولن نستغرب أن تكون أشهر المبادرات والتحركات السياسية الخاصة بالشرق الأوسط في الوقت الراهن يديرها قادة في المخابرات، من أمثال (جورج تينت) الذي تولى منصب وكالة المخابرات المركزية منذ عام ١٩٩٦م والذي وضع منذ فترة فترة ما يعرف بخطة (تينت) . يبدو أننا أيضاً في عالمنا الإسلامي سنشهد بعد حقبة الحكومات العسكرية، حقبة جديدة من الحكومات المخابراتية! وهي حقبة سيحتاج فيها الإسلاميون ولا شك لطرق أخرى في التعامل مع الواقع. خامساً: تقلص دور الحكومات في العالم النامي وأغلبه إسلامي بعد أن كرست أحداث السنوات الأخيرة عجز أغلب تلك الحكومات عن مواجهة التحديات، وهذا سيضاعف من مسؤولية الشعوب في تحمل أعبائها بنفسها، والإسلاميون شاؤوا أم أبوا هم طليعة تلك الشعوب، وهم قادتها الحقيقيون، ومع ذلك ويا للمفارقة فهم المعنيون قبل غيرهم بالعداوة الصليبية واليهودية الراهنة، ولا خيار لهم في تحمل مسؤولياتهم المزدوجة في حماية أنفسهم وحماية الأمة. سادساً: تحول وظيفة إنقاذ الأجيال إلى مهمة عسيرة، في ظل اختراق الإعلام لخصوصيات الشعوب، وهذا المعطى ليس خاصاً بالحرب الأمريكية على الإسلام وما تشكله من نظام دولي جديد، بل هو من عوامل تغير الزمن، وظهور الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكنه مؤثر على كل حال في أهم وظائف العمل الإسلامي وهو تربية الأجيال؛ فبالأمس القريب كان الدعاة يتحدثون عن خطر (الغزو الفكري) وتأثيره الضار على الأجيال، مع أن خطر الغزو الفكري وقتها ربما اقتصر على شرائح معينة تتعامل مع وسائل الثقافة والإعلام المخاطِبة للطبقة المتعلمة. أما اليوم فلم يعد الأمر أمر كتاب أو شريط أو فيلم، وإنما أضحى طوفاناً من الفساد المبثوث عبر القنوات الفضائية والشبكات الحاسوبية، أصبحت معه مهمة الدعاة بالغة الصعوبة في توسيع دائرة المنتمين للدعوة من الأجيال الجديدة، بل إن الخطر لم يعد يحاصر الأطفال والفتيان والفتيات، بل غدا يطارد الكبار أيضاً، فأصبحنا بين خطرين: خطر العسر في المحافظة على مكتسبات عقود ماضية من شريحة الملتزمين بالدين بتآكل أطرافها، وخطر المخاوف من تقلص الفرص في جلب شرائح جديدة إلى صفوف الملتزمين الجادين بسبب صعوبة التمسك بالدين في ظل انفجار تيار الفجور. بمعنى آخر: نحن نسير بسرعة متهورة نحو ظاهرة (خفة الدين) ، ولا بد للدعاة أن يعكفوا على إيجاد حلول لتلك النازلة؛ لأن المراحل القادمة في مصير الأمة لا يصلح للتعامل معها خفاف الدين، صغاراً أو كباراً. سابعاً: التحول من الهموم العامة إلى الهموم الخاصة؛ فعلى مستوى المسلمين عموماً تكرست العزلة بين ما يسمى بـ (العالم الإسلامي) وبين ما يسمى بـ (العالم العربي) بفعل القوميات، ثم تجذرت العزلة بين أجزاء كل عالم منهما بعد ذلك بفعل الوطنيات؛ فالهَمُّ المحلي الآن هو منتهى اهتمام الجميع، حتى إن بعضهم أضحى يقول: أنا ومن بعدي الطوفان! ومن إفرازات هذه الظاهرة على الأرض ما يحدث الآن في فلسطين؛ حيث جُردت قضيتها بشكل شبه نهائي من بُعدها العربي، بعد فصلها عن بُعدها الإسلامي، وأصبحت (قضية العرب والمسلمين الأولى) مجرد همٍّ فلسطيني، وقس على ذلك الهم السوداني والأفغاني والشيشاني، والبلقاني؛ فالكل مشغول عن الكل بنفسه أثرة وشحاً، أو عجزاً وضعفاً. وأخشى ما نخشاه أن تنتقل هذه العدوى إلى العمل الإسلامي، فتصبح كل ساحة منكبة على نفسها، منغلقة على ذاتها، تاركة هموم غيرها وراء ظهورها، وبخاصة عندما يكون لحمل تلك الهموم ضريبة لا يريد الكثيرون دفعها. * ضعفنا وقوتهم: قد يكون المسلمون اليوم بالفعل أضعف من اللازم وهم مقبلون على منازلة ما ذكر من نوازل حاضرة ومستقبلة، إلا أن ما عند الله تعالى من نواميس السنن، كثيراً ما يجري بخلاف ما يظن البشر من عادات ومجريات الزمن؛ فالضعيف قد يقوى بعوامل لم تكن مقدورة للبشر ولا منظورة، والقوي قد يضعف بمستجدات مكتوبة وغير محسوبة. والذي أشعر به أن الله تعالى يُودِع قوة المسلمين اليوم في ضعفهم، كما يضع ضعف أعدائهم في قوتهم، كحال وحوش كبيرة ثقيلة كاسرة، محصورة في ميدان محدود، تطاردها طيور صغيرة عنيدة في فضاء غير محدود، فتهزم تلك الضعاف الخفاف بطلاقتها وخفة مؤنتها، تلكم الوحوش المحشورة في مرابض الأشر والبطر! طابق - إن شئت - هذه الصورة المتخيلة على ما حدث مع فرسان الصحابة حينما خرجوا من جزيرة العرب خفافاً وثقالاً، ينازلون الفرس ويناوشون الروم وغيرهم من طواغيت العالم، فهزوا عروشهم ثم أورثهم الله أرضهم وديارهم وأموالهم، وطابق الصورة على ما كان قبل الإسلام من غلبة المستضعفين المطاردين من أتباع موسى ﵇ لطاغية ذلك العصر فرعون، حيث جعل الله ذله على أيديهم ونهايته أمام أعينهم حتى قبل أن يُكتب الجهاد عليهم: [وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ] (القصص: ٥-٦) . ثم طابقها على ما كان بعد ذلك من قيادة داود الشاب ﵇ لقومه المستضعفين المطرودين من أرضهم، حيث جبر الله كسرهم فاقتحموا على الجبارين أبواب حصونهم: [قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (المائدة: ٢٣) . فحين مد داود يده وأمسك بقطعة الحجر، وقذف بمقلاعه نحو الجبار جالوت؛ كان هذا إيذاناً بتحول موازين القوى، وتغير الأوضاع لدى قومه، فتحولوا من شراذم تفر أمام الأعداء إلى جيوش نظامية حقيقية لها وجود. ولا تظن أخي القارئ أن زمان هزيمة الطغيان على أيدي المستضعفين من أهل الإيمان قد ولَّى؛ فقد أرانا الله في عصرنا من هذا آيات، ليس آخرها ما كان من انهزام إمبراطورية الإلحاد السوفييتي السابق، ثم انهدام بنيانها وتفكك اتحادها، تحت ضربات المستضعفين من المؤمنين من أنحاء الأرض آنذاك، الذين جاؤوا في ذلك الوقت لنصرة إخوانهم الأفغان الذين استنصروهم في الدين؛ فقد ادخر الله تعالى للمستضعفين منهم شرف إسقاط تلك القوة الطاغوتية الإلحادية الكبرى التي كانت تعد القوة العسكرية الأكبر في العالم وقتها، هذا في حين لم يكن للمجاهدين فيه دولة فتحاصر، ولا سفارات فتغلق، ولا جيش نظامي فيدمر. صحيح أن أن أمريكا كان لها دور في الدعم من وراء ستار، ولكن ذلك كان من تأييد المؤمنين بتسخير الكفار، ثم انظر أيضاً إلى روسيا الصليبية الأرثوذكسية التي ورثت روسيا الإلحادية الشيوعية؛ حيث أذل الله اتحادها الروسي الفيدرالي، على أيدي المستضعفين الشيشانيين الذين لا يتجاوز عدد شعبهم ٨٠٠ ألف نسمة، في مقابل ما لا يقل عن ١٥٠ مليون نسمة هم سكان الاتحاد الروسي. ونعيد نظرك بعد ذلك إلى ما حدث ولا يزال يحدث في فلسطين، وإلى ما حدث ولا يزال يحدث في العراق، حيث تُغير الطيور الحرة الطليقة، بغايات شريفة ومؤن خفيفة على الديناصورات ذات الترسانات، فتدمي أنوفها، وتغرس الشوك في عيونها، وتعلن للعالم أن قول الله تعالى: [كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] (البقرة: ٢٤٩) . لا يزال، ولن يزال باقي الصلاحية في إحداث التغيير والفاعلية. ومع هذا، لا نقول للمسلمين عامة، والإسلاميين خاصة حوِّلوا العالم كله إلى ساحات حرب وميادين نزال، لا ... ، فلا تزال الدنيا تتطلع إلى سماع صوت دعوتكم، قبل سماع سوط سخطكم على المتآمرين وصريخ ثأركم من الجبارين، لا يزال المسلمون والبشرية كلها معهم في أشد الحاجة إلى فقه العالم منكم، وثقافة المفكر، وحلم السياسي، وصبر المربي، ومثابرة الداعية، بما لا يقل عن الحاجة إلى مصابرة المرابطين، ورباطة جأش المجاهدين في المشروع من الميادين، لم نسدَّ بعدُ نحن الإسلاميين وإن كثرنا فرض الكفاية لأمتنا [٢] من الأطباء الشرفاء والمهندسين الأكفاء، والمعلمين والمهنيين الذين يكفون الأمة عار أن تظل عالة على عالم الكفاية، ليس مطلوباً من الإسلاميين فقط أن يكونوا خير الأدلاَّء على طريق النجاة في الآخرة، بل المطلوب منهم أيضاً أن يكونوا في طليعة المصلحين للدنيا؛ فصلاح الدنيا، ورعاية مصالح الخلق مطلب شرعي أصيل، وغاية التشريع الإسلامي الذي تشرئب إلى تحقيقه وتطبيقه كافة الفصائل الإسلامية؛ هي الإصلاح فيما يمنع وفيما يمنح، فيما يُحل وفيما يُحرم؛ لأن من أنزل هذا التشريع سبحانه لا يريد بالناس إلا بيان الحق والهداية إليه وإصلاح الدنيا والآخرة به. قال تعالى: [يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً] (النساء: ٢٦-٢٧) . وشريعتنا شريعة القرآن تتوخى مع إصلاح الخلق، رعاية مصالحهم ولا أدل على ذلك من أن قسماً من الواجبات فيها يتعلق بكل ما يعود بمصلحة عامة، وهذا القسم يتمثل في الواجبات الكفائية التي توجب كل ما من شأنه عزة المسلمين واستغناؤهم عن غيرهم. والذين يظنون أن مهمة الإسلاميين هي تعليم الناس أحكام العبادات والمعاملات فقط، هم مخطئون؛ لأن عبادة العبد تعود إلى العبد، ومعاملاته ترجع إليه، والله تعالى غني عن العالمين، فلم يجعل الشريعة قاصرة فقط على رفع درجة العباد في الآخرة، بل شاملة لما يصلح شأنهم في الدنيا. يقول الإمام الشنقيطي ﵀: «وإنه من المعلوم من الدين بالضرورة أن الله جل وعلا غني لذاته الغنى المطلق، وجميع الخلق فقراء إليه غاية الفقر والفاقة والحاجة، ولكنه جل شأنه يشرِّع ويفعل لأجل مصالح الخلق المحتاجين إليه لا لأجل مصلحة تعود إليه، عن ذلك علواً كبيراً» [٣] . * وبعد: لم تنته بعدُ النظرات في النوازل ومنازلتها؛ لأن موضوعها أكبر من أن يستوعب بنظرة متأمل، أو قلم كاتب، في سطور وصفحات، وإنما تحتاج إلى دراسات ودراسات، ومع هذا فالأمر لا يمنع من مساهمات قد تفتح مجالاً لحوار، أو تلفت نظراً لمراجعة نظرية أو عملية. إن الأزمات التي واجهها وسيواجهها العمل الإسلامي يظل علاجها داخلاً في إطار الممكن والمشروع، أمَّا ما ليس ممكناً ولا مشروعاً من الأعمال؛ فإنه يطيل أمد النوازل من جهة، ويضيع الجهود ويفرق الصفوف ويقوي الأعداء من جهة أخرى؛ ولهذا فإن المواءمة والموازنة بين الإمكانية والمشروعية في العمل الإسلامي، وتصفية خلاصة إيجابية منها من بين ركام المشروعات المستحيلة وغير المشروعة؛ تحتاج إلى وعاء يجمع خلاصة فقه وفكر وتجربة خلصاء هذه الأمة، وهنا لا يحتاج الأمر فقط إلى معالجات فقهية لنوازلنا وإن كان الفقه مفتاح الحلول وإنما يحتاج إلى عمل مؤسسي بحثي شامل يتبناه الأثرياء، ويشرف عليه العلماء يتخصص في رصد مشكلات الأمة ونوازلها ورصد أزمات العمل الإسلامي في التعامل معها، وتحديد ضوابط سيره، وتجديد الدماء في عروقه بمعرفة عوامل قوته وأسباب ضعفه؛ فمن غير المعقول أن تعقم عقول أمة تقارب ربع سكان المعمورة عن حل مشكلات حاضر غير مستقر، بانتظار مشكلات مستقبل غير واضح، في زمن لا يمهل المهمل حتى ينشط، ولا المتأخر حتى يتقدم، صحيح أن المشوار طويل، ولكن نهايته محسومة لصالح ديننا الأغر، وحضارته الباقية بلا دولة في مواجهة دولة الباطل القائمة بلا حضارة [فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْض] (الرعد: ١٧) .

стр. 4839

قضايا دعوية الإسلاميون بين دولة ضائعة وفرصة سانحة (٢ ـ ٢) أحمد فهمي afahmee@albayan-magazine.com تناول الكاتب في العدد السابق الأزمة التي تمر بها الحركات الإسلامية نتيجة قصور المناهج الفكرية والدعوية عن مواكبة التطورات الداخلية والخارجية؛ بعد ثلاثين عاماً من بدء الصحوة الإسلامية المعاصرة، وذكر أن العمل الإسلامي أنهى دورته الثانية ويقف الآن على أعتاب مرحلة جديدة، تفتقر إلى الفكر القائد القادر على أن يجتاز بالإسلاميين أزمتهم الحالية إلى فرصة سانحة تلوح بوادرها، وبيَّن الكاتب أن تعدد الحركات الإسلامية قدَّم لها طوق النجاة من التعرض للذوبان والتصفية بتأثير المواجهة، كما استشهد بقصة الخضر مع موسى ﵇ في وصف المرحلة القادمة بـ «مرحلة إقامة الجدار» ، ويواصل عرض بقية الأفكار في الجزء الثاني. الحركات الإسلامية وسيلة تجديدية، أفرزها المجتمع المسلم للمرة الأولى لمواجهة الظرف الطارئ، والذي مرت به الأمة أيضاً للمرة الأولى في تاريخها عندما طُويت مظلة الخلافة الإسلامية، وصارت معظم البلاد الإسلامية تُحكم بغير الإسلام، وانطلقت هذه الحركات في مدة تربو على سبعين عاماً، تنافح من أجل إعادة الخلافة، وكانت النتيجة أن الأمل في تحقق هذا الهدف السامي تلاشى تدريجياً، حتى يمكن القول بأن دولة الخلافة ضاعت مرات، كانت الأولى في تركيا منذ أكثر من سبعة عقود، ثم فقدت الحركة الإسلامية عبر تاريخها الطويل فرصاً نادرة في أكثر من بلد لإعادتها من جديد، وإن كانت الحركة قد اقتربت من تحقيق الهدف حلماً وواقعاً قبل عهود الاستقلال، ثم اقتربت منه حلماً وفارقته واقعاً في السبعينيات؛ فقد فارقته حلماً وواقعاً في نهاية القرن الميلادي العشرين، ولمدة لا يعلمها إلا الله. وقد عايشت فترة السبعين عاماً التي هي عمر الحركة الإسلامية أحداث جسام مرت بها الأمة، ويمكن خلالها أن نلحظ دورتين تاريخيتين للعمل الإسلامي، بدأت الأولى في إثر سقوط الخلافة، وتحديداً عندما أسَّس الشيخ حسن البنا جمعية «الإخوان المسلمون» ، وانتهت عندما غلب المد القومي إبان فترة الاستقلال، وتسلق على أكتاف الإسلاميين في دول مثل: مصر وسوريا وتونس والجزائر. وبدأت الثانية في حقبة السبعينيات عندما اكتسح المد الإسلامي الشعبي فلول القومية والناصرية، وانتهت في السنوات الأخيرة بالكيفية التي ذُكرت في المقال السابق، وإن كانت قد انتهت مبكراً عن ذلك الثمانينيات في بعض البلدان مثل سوريا. والتعرض لهاتين الدورتين بالدراسة والتحليل مطلب لا تراجع عنه، فإضافة إلى أن التاريخ يعيد نفسه؛ فالحركة الإسلامية تعيد إنتاج أخطائها بصورة متجددة، وتهمل قراءة واقعها المعاصر على ضوء تجاربها الماضية، وفي هذا المقام لا يسعنا أن نستوعب سرد وتحليل وتقويم التجربة الإسلامية في دورتيها، ولكن حسبنا أن نقتطف أهم الخبرات التي نحتاج إليها في موضوعنا موزعة على كلتا الدورتين، ونبدأ بأولاهما: * الدورة التاريخية الأولى من العمل الإسلامي: مرت الحركة الإسلامية في هذه الدورة، وتحديداً في مصر، بثلاثة مراحل: النشأة والتكوين، ثم التوسع والانتشار، ثم ما قبل التمكين. وقدمت الحركة في هذه الفترة تجربة ثرية لا تزال أدبيات العمل الإسلامي تتعيش عليها إلى يومنا هذا، ونسلط الضوء هنا على بعض الإشكاليات وجوانب القصور التي رافقت الحركة الإسلامية في مراحلها الثلاث ونؤكد هنا أن ذلك طرح اجتهادي يحتمل الصواب والخطأ: - إشكالية الفكر والحركة هي أول ما يعرض لنا في هذه الفترة، والوضعية المثالية تقتضي أن يكون للفكر دوماً بادرة السبق على الحركة، كما تقتضي التوازن بينهما، فلا يتسع الفكر ليجول في سياحات نظرية، ولا ينطلق العمل بلا رؤية ضابطة وموجهة، وعندما ينشأ بينهما فراغ زمني يحدث الخلل، فلا يمكن للعمل الإسلامي أن ينطلق برشد دون إطار فكري واضح ينشط خلاله. واختل التوازن بين الفكر والحركة في هذه المرحلة التاريخية؛ لأن العمل الإسلامي وقتها كان على غير مثال سابق، وهذا يعني أن رصيد التجربة السابقة يساوي صفراً، ولا أحد يتحمل المسؤولية هنا لأن ذلك من لوازم السبق، وأيضاً فقد اتسع نطاق العمل محققاً طفرات لم يستطع الإطار الفكري التمدد لاستيعابها بسرعة كافية، وأصبح هناك تفاوت بين المنهج الحركي الدعوي الذي ينظم الجماعة من الداخل، والمنهج الفكري الذي يقودها ويوجهها من الخارج، وظهرت دلائل ذلك في ضعف القدرة على استغلال الإمكانات المتاحة لتحقيق الأهداف المطلوبة، وهو ما أدى في النهاية إلى تسلق القوميين - الأضعف - على أكتاف الإسلاميين - الأقوى -. - يدفع حسنُ الظن الإسلاميين إلى الثقة بشخصيات أو جهات علمانية أو ذات تاريخ مشبوه أو غامض؛ دون تمحيص أو تدقيق لحيثيات مختلفة في كل مرحلة تاريخية، وقد ظل أشخاص مثل عبد الناصر وخالد محي الدين زعيم حزب التجمع الشيوعي في مصر منتظمين كأعضاء محوريين في التنظيم الخاص للحركة لأكثر من ثلاث سنوات؛ في الوقت نفسه الذي كانوا فيه أعضاء في - حدتو - أبرز المنظمات الشيوعية وقتها، وغيرها من الجهات المشبوهة. - تنشأ كثير من السلبيات مع نشأة أي حركة، ولكن عند إهمال المعالجة حتى تصل الحركة إلى مستوى متقدم من النمو والانتشار؛ يصبح تدارك الخلل بالغ الصعوبة؛ لأنه نما وتداخل مع نسيج العمل، ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك عدم توفر طاقات بشرية ذات كفاية قادرة على ملاحقة النمو السريع للحركة في ذلك الوقت، فتولى غير القادر ما لا يقدر عليه، وتولى القادر ما يتجاوز حدود مقدرته كماً أو كيفاً. - تميزت هذه الفترة بعدة أمور ينبغي اختزانها في الذاكرة لمقارنتها تلقائياً بما يقابلها في الدورة التالية؛ حيث يضيق المقام عن التفصيل فيها، وهي: تفرد حركة واحدة بالعمل القيادة آسرة ومتفردة ذات جماهيرية داخل الحركة وخارجها، ولا توجد رؤية واضحة لقيادات بديلة؛ لأن البداية كانت واضحة ومحددة؛ فقد أثمرت واقعاً أكثر انضباطاً وانتظاماً وأقلَّ أخطاء وتجاوزات في مرحلة الانتشار الأولى كان رد الفعل من قِبَل الرافضين هو الغفلة وعدم الاكتراث، وعندما تجاوزت الحركة الخطوط الحمراء تمثل رد الفعل في التضييق ثم التصفية ارتباط حدة المواجهة باقتحام الحركة للعمل السياسي ثم الجهادي في حرب ١٩٤٨م بفلسطين. * الدورة التاريخية الثانية من العمل الإسلامي: قبل التعرض للخبرات المستقاة من هذه الدورة؛ نحتاج إلى بلورة منهجية لعملية تقويم الحركات الإسلامية نظراً لقرب عهدها، ولكونها أكثر إثارة للجدل وتفاوت وجهات النظر؛ مما يجعل التعرض للتقويم مطلباً صعب التنفيذ والإرضاء، ولا يُتخيل أن يحظى تصور في هذا المجال بمطلق التأييد أو حتى غالبيته. فالحركات الإسلامية إضافة لكونها جاءت على غير مثال سابق؛ فإنها تخوض في مجال اجتهاد رحب لا يحده إلا قليل من الثوابت الشرعية، تختلف بدورها من تيار إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى داخل التيار الواحد، وبعض هذه الثوابت قابل للنظر الاجتهادي، أيضاً فهذه الحركات الإسلامية تمارس عملاً طويل الأجل لا يعلم إلا الله متى تتحقق أهدافه، وقد لا يؤتي ثماره إلا بعد عشرات السنين. لهذا كله نقول إن التعرض لتقويم مسيرة الحركات الإسلامية يتطلب استخدام أطر فكرية واسعة ومرنة، ترتكز على عنصرين رئيسين: - الثوابت الشرعية المتفق عليها. - التجربة أو النتاج النظري والعملي التاريخي للحركة الإسلامية. ونتناول في هذا المقال البعد التاريخي في التقويم، وقد تناولنا هذا البعد في المقال السباق باعتبار: قدرة الحركات الإسلامية على تحقيق أهدافها المعلنة في فترة زمنية نحسبها كافية لذلك، أو بعبارة أخرى مستوى التطابق بين ما تهدف إليه الحركة وما حققته بالفعل، وقد خلصنا إلى أن أغلبها قصر عن تحقيق أهدافه في فترة زمنية متوسطها ٣٠ عاماً، وهو ما دفع إلى القول بانتهاء دورة تاريخية كاملة للعمل الإسلامي. وفي هذا المقال نتناول البعد التاريخي في التقويم باعتبار آخر، وهو: مستوى التقدم الذي حققته الحركات الإسلامية في ميدان العمل الإسلامي، ويمكن أن نلحظ هنا ثلاثة مستويات: تراجع - ثبات - تقدم. وتنبع أهمية هذا الاعتبار في التقويم من أن غالبية الجماعات الإسلامية تفتقر إلى معايير دقيقة لقياس الأداء، وهذا ينشأ عنه التباسات ذهنية متعددة؛ بحيث يمكن أن تجد من يتفاوت تقويمهم لأداء حركة إسلامية ما بين التراجع والثبات والتقدم في الوقت نفسه، ونحسب أن المعيار العلمي الدقيق لتقويم الأداء يعتمد على ثلاثة عناصر: الزمن - الظرف - أحد مفردات نشاط الحركة والذي يُقوَّم أداؤها من خلاله. فبالنسبة للزمن، يتم تحديد عدة نقاط في النطاق الزمني الذي يراد تقويم الأداء من خلاله، وهو في حالتنا هذه ٣٠ عاماً تقريباً، أو عمر الحركة، أيهما أقل، ثم تتم المقارنة بينها لتحديد المنحنى العام لأداء الحركة. أما الظرف؛ فنعني به التأكد أن النقاط الزمنية المختارة ذات ظروف معتادة تتوافق مع السياق الطبيعي للأحداث؛ بعيداً عن الأزمات العابرة أو الحوادث الوقتية التي يمكن أن يكون لها تأثير مؤقت في أداء الحركة. وأما مفردات النشاط، والتي تُستخدم كأساس للتقويم؛ فتختلف حسب التقسيم المنهجي للحركات الإسلامية إلى ثلاثة تيارات: سلفية - سياسية - جهادية. فمع التيارات السلفية يمكن استخدام مفردات مثل: عدد المساجد والخطباء - الرموز العلمية البارزة - الرموز الدعوية الجماهيرية - عدد المنتظمين في طلب العلم الشرعي - مستوى الانتشار عددياً وجغرافياً.. إلخ. وأما التيارات التي تجمع بين النشاط السياسي والدعوي؛ فيمكن بالإضافة إلى ما سبق استخدام مفردات مثل: مستوى المشاركة النيابية - مستوى المشاركة في الهيئات والنقابات والاتحادات الطلابية - المؤسسات المعترف بها والتي يُمارس من خلالها العمل السياسي - المنابر الإعلامية. أما التيار الجهادي داخل الدول العربية؛ فلا يمكن التعرض لتقويمه من خلال التجربة التاريخية فقط، لكونه تجاوز في العقدين الأخيرين عدداً من الثوابت الشرعية في أدائه داخل هذه الدول. وحسب المعلومات المتوفرة يمكن القول باختصار حيث لا يتسع المقام لأكثر من ذلك - إن إنجازات الحركة الإسلامية بصفة عامة في عقد الثمانينيات من القرن الماضي أكثر بدرجة ملحوظة منها في العقد الأخير، وإن كثيراً من مكتسبات الحركات الإسلامية قد تآكلت، وحسب الرؤية الاستراتيجية يمكن القول بأن المنحنى العام للعمل الإسلامي منذ أكثر من عقد كامل يحقق انخفاضاً بمعدلات متزايدة، نعم قد تكون هناك بعض المكاسب الجديدة أو الإنجازات المبهرة، ولكننا بصدد تحديد التوجه العام للعمل الإسلامي، وعندما يكون هذا الانخفاض عابراً فلا بأس، ولكن عندما يأتي بعد عقدين كاملين من النمو والارتفاع، وعندما تتضاءل دلائل على التحول الإيجابي، وعندما تتوفر مؤشرات تنذر بمزيد من الخطر؛ فإن ذلك يستدعي وقفات للتأمل. وعود على بدء؛ فإن الدورة الثانية من تاريخ الحركات الإسلامية يمكن بدورها أن تنقسم إلى مراحل ثلاث باعتبار منهجي: مرحلة تولُّد المناهج والأفكار - مرحلة تطبيق المناهج والأفكار - مرحلة تراجع المناهج والأفكار. وكانت الفترة الممتدة من منتصف السبعينيات وحتى بعد منتصف الثمانينيات فترة ذهبية لتأسيس عدد كبير من الجماعات الإسلامية واندثارها أيضاً، حيث كانت الخطوة التغييرية المفضلة التي يفكر فيها من توفرت لديه صفات قيادية أو علمية هي أن يؤسس جماعة خاصة به، ولكن لم تستمر هذه الظاهرة حتى النهاية، فقد تبلورت نتيجة التدافع المستمر داخلياً وخارجياً إلى جماعات رئيسية لا تزال محافظة على بقائها ووجودها. وننتقي فيما يلي بعض أهم الإشكاليات وجوانب القصور التي رافقت ونتجت عن أداء الحركات الإسلامية في دورتها التاريخية الثانية، والتي تحتاج إلى مراجعتها على أعتاب الدورة الثالثة: - هناك أنماط من المواقف التي اتخذتها الحركات الإسلامية في كلتا الدورتين، وهي تتكرر بصورة تكاد تكون حرفية دون استفادة فيما يبدو من التجارب الماضية، وهو ما يُشعر بأن ذاكرة الحركة الإسلامية في دورتها الثانية قصيرة الأجل؛ مما يجعلها تقع في الخطأ الواحد عدة مرات في أزمنة متقاربة، والأمثلة على ذلك كثيرة، فهناك: إشكالية الجناح العسكري، الجهاد الخارجي، دور المعتقلات في تشكيل منهج الحركة، تقديم التضحيات والتنازلات دون مقابل يتناسب معها. ونختار من هذه الأمثلة أحدها للتركيز عليه، وهو: الجهاد الخارجي، فقد قامت به الحركة الإسلامية للمرة الأولى عام ١٩٤٨م في حرب فلسطين، وهي حرب لا لبس فيها ولا شبهة، ولكن ماذا كانت النتيجة؟ كانت هذه المشاركة سبباً في التبكير باتخاذ مواقف تصفوية ضد الحركة؛ إذ كشفت مدى خطورتها، ثم بعد عقود اشتعلت الحرب في أفغانستان، وفتحت أبواب الجهاد على مصراعيها، وهنا كان ينبغي على الحركة الإسلامية أن تعي التجربة الأولى ولا تنزلق إلى الفخ قبل أن تكوّن رؤية متوازنة، وهذا لا يعني بالضرورة عدم الاكتتاب في هذه الفريضة، والفارق بين الحركة الإسلامية وبين الأطراف المواجهة لها، خاصة الخارجية، أنهم يستفيدون من الأنماط المتكررة وبمستوى قد يصل أحياناً إلى افتعال حاضر لنمط سابق؛ من أجل حصر الإسلاميين في مسالك معينة من الفعل سيكون لها مردودها وتبعاتها في المستقبل، وكان ذلك يعني أنه لا بد من عسكرة العمل الإسلامي عن طريق الجهاد الأفغاني؛ لتصبح أفغانستان حلقة ثابتة في أي سلسلة تمتد لخنق العمل الإسلامي في أي مكان، ولأنها مزلق فقد تتابعت الأحداث وانتقل ميدان الجهاد إلى الداخل العربي، وسيأتي التعليق على ذلك في فقرة لاحقة. - كان الغالب على جيل المؤسسين للحركة الإسلامية في هذه الحقبة أنهم من شباب طلبة الجامعات، وتبلورت مناهج الدعوة وقتها على أيدي هؤلاء، نعم كانت هناك رموز تاريخية لكنها لم تسلب الشباب قوتهم أو رأيهم، وكان النضج والحكمة عنصرين نادرين في العمل الإسلامي وقتها رغم العاطفة والحماس، وهذا ما يصرح به هؤلاء الرموز أنفسهم، يكفي أن تجلس مع أحدهم ليحدثك متعجباً عن تصرفات وسلوكيات وأفكار عجيبة، نشأت عليها أجيال، وأُزهقت في طريقها أرواح، ثم تخلى عنها مطلقوها إلى غيرها بعد أن تبين لهم عوارها! في المقابل لم يكن للعلماء دور فعَّال في تأسيس هذه الجماعات أو بلورة مناهجها أو قيادتها وتوجيهها بالدرجة الكافية بعد ذلك، وانتشرت ظاهرة «مفتي الجماعة» المتفرد الذي يُرجع إليه لإصدار الفتاوى فيما يتعلق بأداء الحركة، واعتُبر ذلك غطاء علمياً شرعياً كافياً لدى كثيرين. - نشأت في هذه الفترة ما يمكن أن نسميه ظاهرة «المطلق» في التفكير الإسلامي، خاصة لدى التيارات السلفية، ونعني بها اختفاء النسبية من المنهج العلمي ومنهجية التفكير، واتخاذ القرارات ووضع التصورات، فالأحكام مطلقة، والقرارات مطلقة، وفتاوى العنف مطلقة، وأيضاً المراجعات مطلقة، بل حتى تحقيق الأحاديث النبوية صار حقاً مطلقاً لرموز معينة، ومشكلة التفكير بالمطلق أنه يجعل الحركة الإسلامية - السلفية بالأخص - تأكل مبادئها، فهي تبدأ بنبذ التعصب المذهبي ثم تنتهي به، وتدعو إلى نبذ الفرقة والاختلاف بمنهجية ترسخهما، وتنادي بفتح باب الاجتهاد لكي تُحكم إغلاقه من جديد. - إشكالية «الانتماء» إحدى المشكلات العويصة التي واجهت الحركة الإسلامية في دورتها الثانية، وهي مشكلة ذات طرفين متناقضين، فبعض الحركات توسع من مفهوم الانتماء إليها حتى يصبح الأيسر على المراقب توصيف من لا ينتمي، وبعضها يغالي في شروط الانتماء حتى يضيق المقام عن ذكرها، والحاصل أن قضية الانتماء تفتقر إلى تأصيل شرعي؛ إذ بها كثير من الدخن الذي يعيق تقدم العمل الإسلامي. - العمل الجهادي له أركان ثلاثة: التسويغ الشرعي - القدرة - المصالح والمفاسد. وأي عمل جهادي لا بد أن يعتبر هذه الثلاثة قبل انطلاقه، والتجربة التي قدمتها الحركة الإسلامية في الحقبة الماضية تكشف عن خلل في هذه التراتبية، وبتأثير عسكرة العمل الإسلامي عن طريق الجهاد الأفغاني كما سبق، فقد أصبحت القدرة هي محور الارتكاز في العمل الجهادي، وليس التسويغ الشرعي أو اعتبار المصالح والمفاسد، ومن ثم فقد تحول العمل الجهادي من وسيلة تنطبق عليه الشروط الشرعية للوسائل الدعوية إلى غاية يُسعى إليها - وليس بها - بغضِّ النظر عن النتائج والتبعات، وحسب ذلك المفهوم فمع تزايد الحصار لهذا التيار تفجرت إشكالية الأهداف البديلة، والتي حوّلت عدداً من الدول العربية إلى ميادين للجهاد المزعوم، وخطر هذه الأهداف البديلة أنها تجعل الاستفادة من القدرة المتاحة في حدودها الدنيا ممكنة، فيمكن دائماً تنفيذ عمليات يسمونها جهادية بغير اسمها.. من أجل أي شيء؟ لا أحد يدري، ويرحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية الذي قرر أن الحكمة ليست في معرفة الخير المحض أو الشر المحض، بل في معرفة خير الخيرين وشر الشرَّين. - التغيرات الحادة في المواقف تنبئ حتماً عن خلل ما، إما في الموقف الأول أو الثاني، ولا يشترط أن يكون الموقف الثاني غالباً هو الصواب المحض كما يعتقد بعض الناس، فقد تكون ضالة المؤمن بينهما، ويمكن التمثيل على ذلك بتجربة الجماعة الإسلامية في مصر، والتي بدأت مسيرتها باغتيال السادات، ثم كان لها سلوكيات حادة في تطبيق منهجها الدعوي، تطور لاحقاً إلى عمليات العنف، وقبل تصاعد الأحداث كانت هناك محاولات رسمية لامتصاص الجماعة ولكن بغطاء شرعي، تمثلت في زيارات قام بها المفتي وعدد من المسؤولين إلى مساجد الجماعة في الصعيد، ثم تشكل مجلس علماء من أجل الوساطة والتهدئة عام ١٩٨٩م، وكان يضم: الشيخ محمد الشعراوي، والشيخ محمد الغزالي، والشيخ محمد الطيب النجار، فأعرضت الجماعة تماماً عن ذلك، ولم تحاول الالتقاء أو تحقيق نوع من التوازن، ليأتي إعلان التوبة والمراجعات بعد ذلك بـ ١٢ عاماً على يد أحد الصحفيين العلمانيين! - من السمات البارزة في هذه الحقبة التاريخية (راجع الفقرة المماثلة في الدورة الأولى) : كان التعدد هو طبيعة المرحلة - ظهر جيل من القادة الذين ربما يحظون بشعبية داخل فصيلهم، لكن لم تبرز قيادة آسرة، أو تجمع بين جماهيرية الداخل والخارج، مع وجود وفرة في القيادات البديلة كانت البداية عشوائية غير منتظمة، فأثمرت واقعاً مضطرباً متقلباً متناقضاً مع بداية الانتشار لم يكن رد الفعل غافلاً أو مهملاً، بل كان هناك توظيف للصحوة بغرض تحقيق توازن مع القوى القومية، ثم لما بدر الخطر؛ كان رد الفعل التضييق والحصار والتصفية الجزئية مع العجز عن تصفية الوجود الإسلامي تماماً. * الفرصة السانحة: ملامح - معالم - محاذير: خرجت الحركات الإسلامية من مرحلتها التاريخية الثانية تلملم أطرافها، وتجمع شتاتها، وقد بدا للكثيرين أن حجم الخسائر قد فاق المتوقع، وأن التنازل ينبغي أن يكون شعار المرحلة المقبلة، وحقيقة الأمر أن هذا التصور هو أول قصور فكري يمكن أن تواجه به الحركة الإسلامية حقبتها الجديدة، وكأن المبالغة قد أصبحت وصفاً لازماً لكثير من الإسلاميين، ففي مطلع السبعينيات بالغوا في تقدير قوتهم فأخطؤوا، والآن يبالغون في تقدير ضعفهم، فيخطؤون من وجه آخر. والذي ينبغي أن يترسخ في العقل الجمعي للإسلاميين أنهم الآن يمرون بمرحلة قوة لا ضعف، مرحلة استقبال التنازلات وليس تقديمها، وأن الأيام المقبلة تحمل في طياتها ملامح فرصة سانحة للإسلاميين لمعاودة الانطلاق من جديد وفق معالم وضوابط ورؤى مغايرة، وأن السنوات المقبلة يمكن أن تشهد عصراً ذهبياً للعمل الإسلامي لو جمع الإسلاميون بين حكمة التاريخ، وحنكة الحاضر، وبصيرة المستقبل. * ملامح الفرصة السانحة: عندما نقول إنه لدى الإسلاميين فرصة سانحة كبرى لامتلاك ناصية التأثير في بلدانهم وتحقيق خطوات متقدمة على طريق التمكين؛ فنحن لا نقول ذلك جزافاً أو من أجل الاستهلاك العاطفي، فهناك من الدلائل والمؤشرات ما يدعم ذلك، وفي هذا السياق نُذكِّر بما جاء في المقال السابق أن إحدى مشكلات الحركات الإسلامية أن نياتها وأهدافها في اتجاه، وأغلب ما حققته من إنجازات ومنافع للدعوة والدين كان في اتجاه آخر، وبعبارة أخرى نقول إنها جهدت لكي تهدم الجدار، فكان مجمل سعيها يصب في اتجاه إقامته لا هدمه - راجع المقال السابق في مجلة البيان عدد ١٩٦ -. وللتوضيح أكثر نقول: إن الحركات الإسلامية في الأعوام الثلاثين الأخيرة نوت فجراً وصلّت عشاء، فلما لم تعاين الإسفار ضاقت عليها الأرض بما رحبت، وظن أتباعها أنه قد أحيط بهم ولما يحدث شيء من ذلك. والنتيجة الإيجابية لهذه المفارقة لا تعني ترسيخ أو تأييد استمرار مثل هذا التفاوت بين المستهدف والمتحقق، فهذا الجانب الإيجابي لطف من الله بعباده، وتبقى مسؤولية الحركات الإسلامية قائمة قبل وبعد. ونستعرض بعض المؤشرات التي تدعم القول بوجود فرصة سانحة للعمل الإسلامي في الفترة المقبلة: أولاً: على مدى أكثر من سبعة عقود، هل بقيت هناك وسيلة لم تُجرّب لحصار أو وأد أو تصفية الحركات الإسلامية في الدول العربية العلمانية؟ وماذا كانت النتيجة؟ لم ينجح أعداء العمل الإسلامي بمحض فعلهم في محو اسم حركة إسلامية واحدة من الوجود، وتظل الحقيقة ناصعة يعترف بها العدو قبل الصديق: لا يمكن بحال أن يتم تصفية حركة إسلامية ذات كيان جماعي، قد يُضيق عليها حيناً، وقد يختفي نشاطها حيناً آخر، ولكنها لا تختفي للأبد، قد تحدث تغييرات في المنهج، وقد تعدل بعض الثوابت، وقد تحدث بعض الانشقاقات، ولكن تبقى حقيقة البقاء لا لبس فيها، وأقرب مثال ما نراه في العراق، ففور أن سقط نظام صدَّام البعثي الذي قهر الإسلاميين عقوداً؛ برز وجود مكثف للتيارات الإسلامية بشتى صنوفها وكأنها كانت تُعِدُّ لهذا اليوم طيلة سنوات، وقد لا نضيف جديداً إذا قلنا إن الأطراف المحاربة للعمل الإسلامي تعاني حالياً حالة من الارتباك في تحديد الوسائل الناجعة لخنق الدعوة الإسلامية. وها هنا وقفة لا بد منها لفهم لفتة ربانية في هذه الحقيقة يغفل عنها كثيرون، ونسترشد في وقفتنا هذه بحادثة غلام الأخدود التي ذكرها النبي ﷺ ليُعَلِّم أصحابه أن الابتلاء الذي يمكن أن تتعرض له الدعوة في طريقها أمر لازم لنموها، لن تنمو وتزدهر بدونه، وهذا الابتلاء لن يتم إلا بأيدي أعداء الدعوة في سياق سعيهم للقضاء عليها، ومعنى ذلك أن محاولات الأعداء لتصفية الدعوة هي بالمصطلح الإسلامي محاولات إنعاش لها، وذلك بنقلها من مرحلة إلى أخرى تالية في مسيرتها، وهذا ما لا يمكن أن يفهمه أعداؤها لأن الإقرار بفهمه لا يعني إلا الانتظام في سلك الإيمان بهذه الدعوة. فهذه الدعوة ربانية قدَّر الله أن محاولات هدمها تنزلق على جانبيها لتستحيل دعامات لها، ولذلك كان الحاكم في قصة الأخدود كلما بذل جهده حسب رؤيته في قتل الدعوة أو الغلام؛ ازداد الغلام رسوخاً، وازداد الناس به تعلقاً، ولما أعيته الحيل لم يكن بد من استشارة الغلام في كيفية قتله، ولم يكن بد من اتباع الطريقة الربانية للقضاء على الدعاة ممثلين في الغلام، وهي بإنهاء مهمتهم الرئيسية عندما يدخل الناس أجمعين في دين الله ، ومن ثَمَّ لم تعد هناك حاجة إلى وجودهم أو حياته، والذي ينبغي أن نستفيده من هذه القصة الموحية أن كل عامل للإسلام ينبغي أن يرفع شعار الغلام في وجه أعدائه: «إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به» [١] . ولن يفعل العدو ولن يموت الغلام بإذن الله. ثانياً: مناسبة الحال: تمر الأمة الإسلامية بمختلف فئاتها وطبقاتها بحالة متردية من التيه وفقدان الثقة، ولَّدت بدروها شعوراً عاماً بالسخط وعدم الرضا، وهو شعور يتزايد يوماً في إثر يوم مهدداً بالانفجار، وبات الناس يتلمسون المخرج، ويبحثون عن أي زعامة أو قيادة جماهيرية تقدم لهم العون. وقد تسببت الحرب الأمريكية على الإسلام بدعوى الإرهاب في زيادة السخط، وتبلور مفهومات الولاء والبراء بصورة لم تكن موجودة منذ عقود، وهذا المناخ النفسي يوفر بيئة مثالية للعمل الدعوي، فليس هناك أفكار أو رموز أو أحزاب أو مذاهب منافسة تفتن الناس عن الاستجابة للدعوة إلى الله، وهذه فرصة ذهبية لا تتوفر إلا كل عدة عقود، وتفتقر إلى من يحسن استغلالها قبل أن يُبتلى المسلمون بما يفتنهم ويلبس عليهم أمر دينهم لسنوات قادمة. ثالثاً: على الصعيد الداخلي للحركات الإسلامية يمكن أن نلحظ عدة مؤشرات مهمة تهيئ الظرف أكثر لانطلاقة إسلامية قوية، وأبرزها: - تراجع حدة التعصب والاحتكاكات التعصبية بين الجماعات المتنافسة، وظهور نماذج طيبة للتنسيق والتعاون وتوحيد المواقف. - عدد متزايد من صفوف الجماعات بات يشعر بالملل من حالة الجمود الفكري والمنهجي المرافقة للعمل الإسلامي منذ فترة، وكثير منهم يتوق للتغيير، ويتلهف بحثاً عن فكرة جديدة أو رؤية متجددة. - في ظل شعور كثير من الإسلاميين بفقدان الثقة في شمولية وكمال المنهج الذي يتبناه فصيل كل منهم؛ تصبح الأجواء مهيأة لتقبل أي طرح جديد بعقول أكثر انفتاحاً، وهذه حالة نادرة الحدوث كسابقتها لا تتكرر إلا كل عدة عقود من الزمان. - تنامي ظاهرة المستقلين في العمل الإسلامي، وأغلبهم كانت لهم انتماءات سابقة، إلا أنهم تخلوا عنها لانتقادات أو اعتراضات. رابعاً: عند مقارنة معطيات البدء في كل من الدورتين التاريخيتين للعمل الإسلامي في الأعوام السبعين الماضية بمثيلتها على أعتاب الدورة الثالثة، نكتشف بسهولة أن الدورة الأخيرة تتمتع بحظوظ وافرة عن سابقتيها: فللمرة الأولى في تاريخ العمل الإسلامي تبدأ المرحلة والكيانات الدعوية موجودة بكامل هيئتها وصفوفها، وإمكاناتها الدعوية والتربوية لا تزال باقية إلى حد كبير، والعشوائية والفوضى التي حدثت في منتصف السبعينيات تتراجع احتمالاتها الآن بدرجة كبيرة، وأهم من ذلك كله أن خوف الزوال والتصفية قد زال إلى غير رجعة، ولم يعد مطلق البقاء همّاً وحيداً تتمحور عليه جهود الحركة. * معالم على الطريق: في بداية مرحلة جديدة من عمر الحركات الإسلامية يبدو الأمل وافراً في تحقيق إنجازات أعظم وأعمق أثراً في المجتمعات المسلمة، وذلك على الرغم من الصورة القاتمة الغالبة لدى كثيرين، ولكن العمل الإسلامي يلزمه ليقتنص الفرصة السانحة بين يديه أن يسترشد بمعالم تُنير له الطريق، يستقيها من خلاصة تجربة عريقة امتدت لأكثر من سبعين عاماً، وهذه المعالم، والتي سيرد الحديث عن أهمها لاحقاً، هي رؤية اجتهادية قد يتفق أو يختلف معها كثيرون، وقد تكون - كلها أو بعضها - صواباً أو خطأ، ونسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه. أولاً: التعدد هو سمت المرحلة المقبلة: فلا يحتاج العمل الإسلامي في انطلاقته المشرفة تلك إلى توحّد في الكيانات، بل يبقى الوضع على ما هو عليه، مع ترسيخ مفهومات التعاون على البر والتقوى، ونبذ الخلاف والتعصب، وقد مرّ في المقال السابق عن فقه التعدد ما يُغني عن إعادة طرحه من جديد. ثانياً: الدور الرئيس للحركات الإسلامية في المرحلة المقبلة ينبغي أن يكون الإعانة وليس الإقامة للدولة الإسلامية المنشودة: التمهيد وليس التشييد، والهدف الرئيس ينبغي أن يكون النشر والانتشار، نشر الدعوة وانتشار الدعاة في كل مكان وإلى كل إنسان، وبذلك فإن تركيبة الجماعات الإسلامية بوضعها الحالي هي تركيبة مناسبة لكن مؤقتة لها مهمة محددة، عندما تُوفَّق في إنجازها ينتفي الغرض من وجودها، ويصبح لزاماً علينا البحث عن صيغة أخرى مناسبة لاحتواء طاقة العمل الإسلامي تتناسب مع الظرف الجديد، والذي ربما لن يكون التعدد بصورته الحالية مناسباً له، والحق أن أغلب ما سيرد من معالم في هذا المقال يعتبر تطبيقاً نظرياً لهذا المفهوم. ثالثاً: التوجيه الاستراتيجي للعمل الإسلامي في هذه المرحلة يمكن بلورته في ثلاث نقاط: ١ - الاستقصاء في نشر الدعوة والدعاة؛ على أن يُترجم ذلك إلى حصيلة عددية متزايدة للموالين أو المؤيدين والمتعاطفين. ٢ - حشد ما يتبعثر من طاقة العمل الإسلامي على نسق واحد. ٣ - عرقلة الزحف العلماني. رابعاً: التغيير عن بعد: هناك قاعدة ذهبية تقول إن: ما لا تبلغه الحركة رغم العسر تبلغه الدعوة بيسر: والمعنى المقصود أن الحركة بكيانها وتنظيمها قد تعجز عن تجاوز خطوط حمراء كثيرة في طريقها من أجل الوصول إلى أهدافها الدعوية، في حين أن الدعوة غير المقيدة تستطيع ذلك بيسر وسهولة، والتطبيق العملي لهذه القاعدة يعيدنا إلى الحديث عن الانتماء في العمل الإسلامي، والذي أصبح يمثل عائقاً في ظل حرص كثير من الجماعات على توزيع صكوك عضويتها على كل من يرتبطون بها، وخلاصة تجربة السنوات الأخيرة أن الدعاة الجماهيريين غير المنتمين كانوا أقدر على الوصول إلى الناس والتأثير فيهم من أقرانهم المنتمين، وهذا التأويل لا يعني رفض الانتماء، بل رفض أن يتحول من وسيلة إلى غاية، وبدلاً من أن يسهل القيام بالدعوة يصبح معوقاً لها. وطيلة العقود الأخيرة كانت الحركات الإسلامية تحرص على أن تُظهر بصماتها على كل عمل تنفذه أو تشارك فيه، ولكن مع الوقت تحولت هذه الرغبة الطبيعية إلى منطلق أساسي في تحديد أولويات وجداول الأعمال؛ بمعنى أن العمل الذي لا تستطيع الحركة أن تضع بصمتها عليه أو تنسبه إلى نفسها يكون حظه التأجيل أو الإلغاء، وفي المرحلة المقبلة لن يصبح ذلك النهج ملائماً، بل يجب أن تتعلم الحركات الإسلامية إتقان «فن التغيير عن بعد» ؛ دون الحاجة إلى تحمل أعباء وتكاليف الممارسة المباشرة التفصيلية، وأكثر من ذلك؛ قد يصبح إخفاء نسبة العمل إلى جماعة معينة هو الأولى لإتمامه ونجاحه. خامساً: أحد التطبيقات النظرية المهمة للمفهوم السابق هو اعتماد أسلوب العينة النموذجية في التغيير: وهذا التطبيق يخص في الأساس الحركات المشاركة في العمل السياسي وما أكثرها في البلدان العربية، والمعنى المقصود أن يُستعاض عن مسلك المشاركة الموسعة لتحقيق السيطرة الشاملة بمسلك آخر، وهو الاقتصار على المشاركة الجزئية في المجالس النيابية أو النقابات أو الهيئات أو اتحادات الطلاب وفق معادلة توازن تحفظ للحركة المشاركة دون أن تتحفز أو تُستفز الأنظمة لاستئصالها أو إبعادها، والدافع لتفضيل هذا المسلك خلاصة التجربة التاريخية التي تعلمنا أن المشاركة الشاملة تستفز قطاعات كثيرة معارضة للعمل الإسلامي داخل المجتمع المسلم، فالأنظمة عندما تشعر بالخطر تبادر بالمواجهة، وفئات أخرى تكيل الاتهامات للإسلاميين بحب السيطرة والسعي للسلطة، وتكون المحصلة في النهاية لا شيء وتعود الحركة إلى نقطة الصفر مرة أخرى، ولم تحقق حركة إسلامية في العالم العربي النتيجة التي أحرزتها جبهة الإنقاذ الجزائرية في الانتخابات النيابية مطلع التسعينيات، وكانت هذه النتيجة هي السبب المباشر فيما حدث لها من بعد. لكن هذه المشاركة الجزئية ينبغي أن تصدر من الحركة وفق منهج اختياري معلن وليس إجبارياً من الأنظمة، وذلك لكي تحقق تأثيرها المنشود، فينبغي أن نفرق بين المشاركة الجزئية التي أجبرت عليها الحركة بتأثير الضغوط القوية، وبين تلك التي تتخذها بمحض إرادتها. ومن فوائد هذا النهج أنه يتيح للحركة الإسلامية أن تقدم نموذجاً مثالياً مقارناً، سيتحول مع الوقت إلى معيار لتقويم الأداء في مجاله، وإلى قدوة تجبر حتى المخالفين على تقليد بعض سماته، وهذا النتاج التغييري هو المبتغى الرئيس للعمل الإسلامي، وكمثال، لعلنا نلاحظ أن الوجود الإسلامي في العمل السياسي أجبر الكثيرين بالفعل على تقليد الشعارات الإسلامية في حملاتهم الانتخابية لما رأوا تأثر الناخبين بها. فائدة أخرى لهذا المفهوم، وهي أنه كثيراً ما يكون الاحتفاظ بالقوة دون استخدامها أكثر تأثيراً من استخدامها بالفعل، يعني كما يقول عامة الناس إن «ترقب البلاء قد يكون أصعب من البلاء نفسه» ، وهذا بالنسبة لجبهة المعارضين للعمل الإسلامي، وليس من الحكمة أن تستخدم الحركات الإسلامية دوماً قوتها السياسية أو الدينية أو الاجتماعية وفق حدها الأقصى. سادساً: الفصل بين العمل السياسي والدعوي في هذه المرحلة يبدو خياراً مفضلاً، وقد يُشْكِل ذلك على كثيرين، ولكن ذكر بعض مسوغاته قد يزيل بعض الإشكال: ١ - الارتباط بين العمل السياسي والدعوي لا شك في أنه ارتباط لمصلحة الجانب السياسي، وأي فائدة يجنيها النشاط الدعوي من ذلك لا يعد الارتباط شرطاً لحصوله عليها، وبالتالي فإن مَغْرَم السياسة يلزم الدعوة بينما مَغْنَمها لا تفتقر إليه. ٢ - العمل السياسي يمكن اعتباره بمثابة «تلابيب» الحركات الإسلامية السياسية، أو كما يقال «خُنَّاق» ، ونقصد أن أعداء هذه الحركات في سعيهم لتصفيتها أو اختراقها أو توجيهها؛ لن يستطيعوا إمساكها أو الضغط عليها إلا من خلال النشاط السياسي؛ لأن النشاط الدعوي واسع المجال متعدد الأساليب مقارنة به، وهذا يعني أن العمل السياسي مدخل لاختراق العمل الدعوي، ويعني أيضاً أن دعوةً لا «تلابيب» لها أقدر على مواجهة الضغوط. ٣ - عندما تكون ممارسة العمل السياسي هي وسيلة التغيير الرئيسة لدى جماعة ما؛ فإن ذلك يعني أنه بقصد أو بدون قصد سوف تنتظم أنشطتها في جميع المجالات وتتساوق لخدمة هذا الخيار وتدعيمه، ومع تتابع التضييق والحصار والمنع من ممارسة هذا العمل في كثير من البلدان العربية العلمانية؛ فإن ذلك ينعكس على القاعدة الدعوية للحركة بالاختناق والارتباك. ٤ - هذا الفصل بين النشاطين يُخلِّص الحركات السياسية من كثير من التناقضات بين الأدبيات والأداء العملي والخطاب المعلن، والتي تحمل عبئها بسبب طبيعة الممارسات السياسية، خاصة أنه مع الطفرة الإعلامية المتمثلة في الإنترنت والفضائيات؛ أصبح التعرض المحرج لهذه التناقضات والتركيز عليها من قبل الإعلام العلماني أمراً شبه يومي. سابعاً: من معالم الفكر الاستباقي الذي يجدر بالانطلاقة الإسلامية الجديدة أن تتبناه؛ أن تؤسس لعمل مهم يفترض أن يؤتي ثمرته الكاملة في نهاية المرحلة المقبلة: وذلك العمل هو: التمهيد لتحقيق وحدة في العمل الإسلامي بين الحركات الإسلامية، ولئن قلنا بأن الوضعية الأنسب للمرحلة المقبلة وضعية التعدد؛ فإن ذلك لا يمنع أن التوحد سيكون هدفاً رئيساً فيما يلي ذلك من مراحل تمر بها الدعوة الإسلامية، ولا يليق أن ننتظر حتى تحين هذه اللحظة لنطالب الحركات الإسلامية بذلك، بل ينبغي أن يتضمن منهج العمل خطوات تمهيدية لهذا الهدف، ومن هذه الخطوات: طرح أعمال مشتركة بين الجماعات يكون النجاح احتمال غالب عليها، الترويج لثقافة الاندماج والتوحد من خلال كل الوسائل الإعلامية المتاحة للحركة، زيادة مساحة التنسيق بين الحركات بصورة تدريجية.. إلخ. * محاذير على طريق الانطلاقة الإسلامية: مرَّ بنا عند الحديث عن الخبرات المستقاة من الدورتين التاريخيتين للعمل الإسلامي؛ أنه لدى نشأة الحركة الإسلامية في دورتها الأولى كان رد فعل أعدائها الغفلة والإهمال لوجودها، ثم في الدورة الثانية تعلموا أكثر فكان رد الفعل تجاه نشأة الصحوة الإسلامية هو السعي إلى توظيفها من أجل تهميش تيارات القومية والناصرية، أما الدورة الثالثة فالوضع أخطر كثيراً، فالأعداء ينتظرونها، ولا نبالغ إذا قلنا إنهم يعملون بطريقتهم لتحقيق انطلاقة إسلامية مستأنسة مشوهة الشكل فارغة المضمون، وذلك على ضوء القناعات التي تكونت لديهم من التجربة التاريخية باستحالة القضاء على العمل الإسلامي. ويمكن رصد عدد من المعالم التي تميز هذا المسار المشبوه الذي يراد للحركات الإسلامية أن تسلكه: أولاً: التيار السلفي بات في وجه المدفع، والأمريكيون أنفسهم يرونه منبع الخطر الذي يجب تجفيفه بشتى الوسائل، ولم يعد ذلك التيار يمثل بالنسبة لهم عنصر أمان داخل الحركات الإسلامية، وبات النموذج الأكثر قبولاً في المستقبل، ذلك الذي يحشر الحركات الإسلامية أجمعها في مربع سلمي تنويري، كما يتبين من الشكل الآتي. ثانياً: تعريض تيارات العمل الإسلامي بصورة مستمرة لأنواع من الضغوط تجعلها تقلص من ميادين أنشطتها؛ مخلفة وراءها ساحات شاسعة خالية من العمل الإسلامي؛ بحيث يتم على الفور ترميم هذه الفراغات قانونياً أو نظامياً لمنع عودة النشاط السابق إليها، وهذا يحتم على الإسلاميين أن يراجعوا أنفسهم قبل تحجيم أي نشاط دعوي قائم. ثالثاً: المعلم الأخطر هنا أن يتم صياغة فكر إسلامي جديد للحركات الإسلامية في أروقة المخابرات ودهاليز مراكز الدراسات الغربية، يصبح أشبه بمقرر دراسي لا يسوغ لها العدول عنه، وهذا الفكر يتكون من مجموعة من الثوابت بلا متغيرات، ويتم تدشين هذا الفكر إسلامياً عن طريق دفع بعض الحركات إلى تبنيه لظروف خاصة بها، ومن ثم يصبح صالحاً للاستهلاك الإسلامي، ويتحول إلى دستور لمحاسبة أو محاكمة الحركات الإسلامية وفق مبادئه، وبذلك يكون أعداء الدعوة يخططون لتوحيد الفكر الإسلامي لكن على طريقتهم، ولعله بذلك تتضح بعض أسباب القول بأن التعدد هو فرض الوقت للعمل الإسلامي. رابعاً: هناك سيناريو لا يقل خطراً عن السابق، تلوح بوادره من أطراف عديدة إسلامية وغير إسلامية، هذا السيناريو يعتمد على تفعيل النموذج التركي في أكثر من بلد عربي، ويلزم لتنفيذه ثلاثة أطراف؛ أحدها يمثل قطاع من الإسلاميين، والثاني النظام الرسمي، والطرف الثالث أمريكي. ويتطلب التوافق بين الثلاثة أن يقدم كل منهم تنازلاً ليحصل على بعض المكاسب، فالإسلاميون يقدمون تنازلاً بالموافقة على تصعيد السمت العلماني للدولة ليشمل جميع المجالات بما فيها الدستور، وفي المقابل يحصلون على حرية أكبر في ممارسة العمل السياسي، وربما يؤسسون حزباً لو كان ذلك محظوراً عليهم من قبل، والنظام يقدم تنازلاً بالموافقة على منح الحرية السياسية للإسلاميين، ويحصل على مكسب علمانية الدولة، والأمريكيون يقدمون تنازلاً بالسماح للإسلاميين بحرية العمل السياسي، ويحققون في المقابل النموذج التركي الآمن حسب تفكيرهم، وأيضاً الدعاية بنجاحهم في تفعيل الديمقراطية في بعض دول الشرق الأوسط. وحجة الإسلاميين الذين يؤيدون هذا السيناريو ولا يزالون قلة أنَّ تحقُّق علمانية الدولة بصورة كاملة يعتبر مسألة وقت، ولن تجدي جهود الحركات الإسلامية نفعاً في وقفها، ومن ثَمَّ لا بأس بحصاد بعض المكاسب لقاء ضرر واقع لا محالة، وهو منطق خطر لا شك، ويحمل في طياته بوادر لانحرافات طويلة الأجل. لا جدال في أن الأمر يحتاج إلى تفصيل أكثر مما ذُكر، فالقضية شائكة، وتعقيداتها كثيرة، وشواهدها لا حصر لها، ولكن المقام لا يسمح بأكثر من ذلك، ولعل الله ييسر طرح القضية تفصيلاً في إصدار خاص مستقل في المستقبل القريب، وحسبنا أن نضع نصب أعيننا تجارب الماضي سلباً وإيجاباً، ونسعى جادين إلى فهم أكثر لواقعنا، ثم نخطو بقوة نحو المستقبل لتحقيق الانطلاقة الإسلامية المنشودة، مع اليقين بأن الحركات الإسلامية تقدم التضحيات، وتدفع الثمن حتى مع تقديم التنازلات، وبدرجة كثيراً ما تكون أكبر منها لو آثروا خيار الثبات والصبر، [وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً] (آل عمران: ١٢٠) ، والله عز وجل قادر على إنفاذ جهدنا وتحقيق غايتنا، فقط: [إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] (محمد: ٧) .

стр. 4840

حوار الشيخ جعفر إدريس في حوار خاص مع البيان الخوف من الإسلام يوجه السياسة الأمريكية البيان: نبدأ مع فضيلة الشيخ في تفسير تأثير البعد الديني في الأداء السياسي الأمريكي، خاصة في الإدارة الحالية، حيث تبدو إشكالية تتباين فيها الآراء؛ هل الدين يحرّك هذه الإدارة أو أنها تستغل الدين في تحقيق مصالحها؟ - بسم الله الرحمن الرحيم، أولاً تدل الإحصاءات التي تُجرى في الغرب أن أمريكا تعتبر أكثر البلاد الغربية تديناً، يعني مثلاً عدد المؤمنين بوجود الخالق نسبة كبيرة في أمريكا، يقولون إنها ٩٥%، مع أنها في بلاد غربية أخرى أقل من هذا بكثير، أظن أن أخفض نسبة هي في السويد. ففي مجرد الإيمان بوجود الخالق هم أحسن من غيرهم، ثم يتبع ذلك الإيمان بالنصرانية والذهاب إلى الكنيسة، والقنوات الدينية كثيرة جداً، بل يقولون إن الإحصاءات تدل الآن على أن الإقبال على الدين في ازدياد. أما هذه الإدارة، فالذي يقال عنها إنهم أناس متدينون، فمؤلف كتاب (بوش محارباً) ، يذكر اسم الطائفة النصرانية التي ينتمي إليها، ويقول إن له كتاباً يجلس ليدعو منه في الصباح الباكر من كل يوم. فهذا يدل على أنه رجل يأخذ دينه مأخذ الجد، وسئل مرة: من فيلسوفك السياسي؟ فقال: المسيح. ومعروف أيضاً عن أشكروفت أنه كان يعقد جلسات لدراسة ما يسمّى بالكتاب المقدس في مكتبه، حتى احتج على ذلك كثير من الأمريكان وقالوا نحن دولة علمانية، فما ينبغي أن تُستغل المكاتب الرسمية لمثل هذا. وهكذا سائرهم: باول، رامسفيلد، كوندوليزا رايس.. إلخ. بل يقال إن الصلة الأساس بين هؤلاء هي الصلة الدينية، فكلهم ينتمون إلى التيار الذي يطلق عليه اسم «المحافظون الجدد» ، وهم قوم معروفون بشدة تمسكهم بدينهم وتسخير نشاطهم السياسي لخدمته. الانتماء الديني حتى على المستوى الشخصي لم يبرز في الماضي بهذه الطريقة الصارخة، فإذا كان الرئيس بوش يصرّح بأن فيلسوفه السياسي هو المسيح؛ فقد ذهب غيره إلى أكثر من ذلك، رئيس الأغلبية في الكونجرس يقول: أنا مهمتي أن أنشر المسيحية. بهذا الوضوح، وسمعتم عن هذا الرجل الذي هو نائب رامسفيلد، ومسؤول عن المخابرات، وضابط كبير، هذا كان يذهب إلى الكنائس ويتكلم عن المسيحية وهو الذي تكلم في إحدى هذه الكنائس عن الإسلام كلاماً سيئاً؛ حتى إن المسلمين طالبوا بفصله عن عمله، لكنّ شيئاً من هذا لم يحدث. بل عندما كتبتْ عن كلامه هذا صحيفة لوس إنجليس تايمز؛ كان كل الذي قاله بوش: إن ما يقوله لا يمثل رأي الدولة. عندما نقول إن دوافعهم دينية؛ إنما نعني في الغالب مثل هذه المواقف السلبية من الإسلام. أما أن لهم ديناً معيناً هم متفقون عليه وداعون إليه فلا، نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن أحد العلماء الذين خبروا النصارى قوله: «إنك لو سألت عشرة قساوسة سؤالاً أعطوك أحد عشر جواباً» . وإذا كان هذا في زمن ابن تيمية؛ فأظن الأجوبة الآن تكون عشرين أو أكثر. قبل يومين أو ثلاثة كتب أحدهم مقالاً عن تدين السياسيين، وقال إن الناس في أمريكا ليسوا متعصبين، بوش كان في طائفة كذا انتقل إلى طائفة كذا، هاوارد دين المرشح الديمقراطي للرئاسة، يقول إنه ترك كنيسته لأنه اختلف معهم في شارع كان يرى إقامته. والكنيسة كما تعلمون ليست مجرد مكان للعبادة كالمسجد، بل هي انتماء إلى جماعة أو طائفة معينة، فتحول الإنسان من كنيسة إلى أخرى كخروجه من طائفة إلى أخرى. وذكر عن مرشح آخر أنه نصراني من طائفة كذا لكن أبناؤه يهود، ربما لأن أمهم يهودية. بل إن مما يأخذونه على المسلمين ويرونه تشدداً وسيراً ضد تيار العصر (والعصر عندهم هو السائد في حضارتهم) ؛ هو أخذ المسلمين لنصوص دينهم مأخذ الجد، لأن غالبيتهم لا يعتقدون أن نصوص كتبهم هي كلام الله تعالى، وإنما هي أو معظمها كلام بشر تأثروا بالجو الثقافي الذي كان سائداً في زمانهم، فلا معنى إذن لفرض ثقافتهم على عصر مختلف عن عصرهم. لكن مشكلتهم - التي هي من علامات غرورهم - أنهم يرون أن كل دين لا بد أن يكون كدينهم أو أسوأ. ولهذا السبب قال كلينتون كلمته تلك الوقحة جداً؛ أنه لو كانت السيارات موجودة في زمان الرسول محمد ﷺ لسمح لزوجاته بقيادتها. وقد قلت تعليقاً على كلامه الوقح هذا في كلمة باللغة الإنجليزية: إنه لو كان السبب الذي اعتمد عليه العلماء الذين أفتوا بعدم جواز قيادة المرأة للسيارة هو ما ذكر الشيخ كلينتون وهو عدم وجودها في عصر الرسول ﷺ ؛ لما حصروا المنع في القيادة! بل لقالوا إنه لا يجوز لهن ركوبها، بل لعمموا هذا على الرجال والنساء، بل لشمل المنع كل وسائل المواصلات الحديثة من الدراجة إلى السيارة إلى الباخرة إلى الطائرة أو المركبة الفضائية! ولعل أكبر دليل على عدم أخذهم لدينهم مأخذ الجد ما حدث أخيراً في الكنيسة الإنجيلية بأمريكا، فقد اختارت هذه الكنيسة شخصاً يستعلن بانحرافه الجنسي ليكون قسها الأكبر، وقد بلغت به الصفاقة أن جاء إلى الاجتماع ومعه صاحبه، ورغم ذلك انتُخب بنسبة ٦٠% من الأصوات! ولكن الأغرب من هذا أنه قال كلاماً حرصت على حفظه لكي أستدل به على اتخاذهم دينهم لعباً، قال هذا الرجل بعد انتخابه: «إن الذين عارضوا انتخابه كانوا محقين؛ لأن هذا الأمر مخالف لتقاليد الكنيسة، ومخالف لتعاليمها، ومخالف لنصوص الكتاب المقدس، لكن هذا لا يعني أنه خطأ» ! فكنا نقول لإخواننا في أمريكا إن هذا كمثل مسلم يقول إن هذا الأمر مخالف لنصوص القرآن، ومخالف للأحاديث الصحيحة، ومخالف للإجماع، لكن كل هذا لا يعني أنه خطأ. ولكن يبدو أن خوفهم من الإسلام هذا على نصرايتهم الشكلية هذه أمر قديم، بالأمس حكى لي أحد إخواننا السودانيين، عن رجل كان في وظيفة كبيرة في زمن النميري، قوله إنه عندما أعلن الرئيس النميري الشريعة الإسلامية جاءني مندوب من السفارة البريطانية وآخر من السفارة الأمريكية وطلبَا مني أن أبلّغ الرئيس بأن هذا البلد أصله بلد نصراني ونحن لا نقبل أبداً أن يتحول إلى بلد إسلامي. وقد قابلت الرئيس نميري وتحدثت معه بعد الإطاحة به، فوجدته معتقداً اعتقاداً جازماً بأن الذي أزاحه عن الرئاسة ليس الانتفاضة كما يظن الناس، وإنما هم الأمريكان، وأن السبب الأساس هو إعلانه للشريعة. فالغربيون مصابون بنوع من الهلع من الإسلام. البيان: ولعل هذا ما أشار إليه فوكوياما في نظرية نهاية التاريخ، حينما ذكر أن التحدي الفاشي والنازي والشيوعي انتهى، ولم يبق إلا التحدي الحضاري الإسلامي؛ لأن المسلمين يشعرون بأن عندهم حضارة؟ - نعم! ذكر هذا، قال كل العالم سائر في اتجاه الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية، وذكر أن الأمة الوحيدة التي تشعر أن لديها بديلاً أحسن هم المسلمون. إنهم يقولون الآن إن الحرب القادمة حرب أفكار، ونحن نقول إذا كانت حرب أفكار هُزمتم. إن كثيرين منهم يعتقدون - وهم محقون في اعتقادهم - بأن القوة المادية عسكرية كانت أو اقتصادية لا تكفي، فلذلك لا بد من نوع من المحاربة للإسلام ما دام هو العدو الوحيد الباقي في هذه المعركة بعد سقوط الشيوعية. البيان: لكن هذه الخلفية الدينية في السياسة الأمريكية؛ ما انعكاسها على الحملة الأخيرة، يعني في العالم العربي، سواء فيما يتعلق بقضية الحرب على العراق وقبلها أفغانستان أو الحرب على ما يسمى بـ (الإرهاب) ؟ - نعم! إنهم يريدون أن يُضعفوا أي مصدر يعين على انتشار الإسلام. بالنسبة لطالبان، يقول كثير من الأمريكان أنفسهم من خصوم بوش وصحبه إن المشكلة الأساسية لم تكن الإرهاب، وإن حوداث ١١ سبتمبر وإن لم تصنعها الإدارة الأمريكية إلا أنها أعطت هذه الفئة فرصة لم تكن تحلم بها لأن ينفِّذوا أجندة كانوا هم أصلاً قد أعدوها. بالنسبة للعراق الشيء نفسه، كثير منهم يتكلم بنوع من الزهو والبطر عن أنهم يحتلون الآن بلداً كان عاصمة المسلمين الفكرية والثقافية ومصدراً من مصادر اعتزازهم وفخرهم. ثم إن السبب الأساس لغزو العراق، كما يعترف بذلك بعض الأمريكان حتى من الذين أيَّدو الغزو، إنما كان الخوف على إسرائيل، والخوف على إسرائيل أيضاً داخل في مسألة الإسلام؛ لأن إسرائيل هي سلاحهم الذي يحاربون به المسلمين، فإذا زالت إسرائيل، ربما يمهد هذا لانتشار الإسلام. وكانوا يعتقدون أن العراق سيكون إلى جانب ثروته البترولية قاعدة ثقافية للفكر الغربي بعد إسرائيل. كانوا يعتقدون أنهم وجدوا طلبتهم في بلد أهله مستعدون لاستقبالهم لما عانوا من حاكمهم. كانوا يحلمون وأظنهم ما زالوا بأن يقيموا في العراق دولة ديمقراطية على النمط الغربي تفصل بين الدين والدولة، وتتبنى الثقافة الغربية، فتكون بذلك مثالاً تطالب الجماهير في البلاد الأخرى بأن تحذو بلادهم حذوه، وأن نفطها سيغنيهم عن الحاجة إلى السعودية حتى يتفرغوا أكثر لشن حربهم الثقافية عليها. ولفرط اهتمامهم باحتلال العراق كانوا يحذرون قومهم من أن لا يتوقعوا انسحاباً منها إذا حصل موت وتضحيات أي أنهم لن يفروا منها كما فروا من لبنان والصومال حين استحر فيهم القتل. ومما فعلته الحكومة في هذا المجال أنها أصدرت قانوناً يمنع عرض جثث القتلى من الجنود على شاشات التلفاز كما كان يحدث في الماضي. وفعلاً ما أظن أحداً كان يتصور أن يستمر الموت بهذه المعدلات، والإدارة تصر على الاستمرار في الاحتلال. بالطبع هنالك أسباب أخرى لكنها أيضاً متعلقة بالدين. خذ البترول مثلاً الذي يرى بعض الناس أنه هو الدافع الوحيد أو الأهم لغزو أمريكا للعراق، لكنهم ينسون أن البترول له علاقة بقوة المسلمين. لعلكم قرأتم في الصحف عن الوثائق السرية التي نشرت، والتي بينت أنهم كانوا يفكرون في غزو السعودية والكويت سنة ١٩٧٣م، وأنا أذكر جداً كلاماً لكيسنجر قبل ثلاثين عاماً؛ يثبت هذا. فقد قال آنذاك كلاماً فحواه أنهم لا يمكن أن يدعوا أمريكا تؤثر فيها مصادفة جغرافية (يعني وجود البترول في العالم العربي الإسلامي) ! حتى الكلام عن دعم الديمقراطية وجعل العراق أنموذجاً تحذو الدول العربية الأخرى حذوه مرتبط بهذه الدوافع الدينية، لقد ساعدوا في الماضي على وأد الديمقراطية في مصر وسوريا والعراق والسودان؛ لأنهم وجدوا أن الحركة الإسلامية ترعرعت في ظلها. وهم يقولون الآن إنهم كانوا مخطئين، وإنهم يريدون الآن تشجيع الديمقراطية، لكن السبب واحد؛ وذلك أنهم يرون الآن أن الديمقراطية هي التي ستُذهب بريق الحركات الإسلامية، وتقرّب الجماهير من نمط الحياة الغربية. ويريدون الديمقراطية أيضاً لأنهم يرون أن الدكتاتورية هي التي ساعدت على الإرهاب؛ لأن المواطنين أصبحوا يرون أن أمريكا هي التي تساند الحكومات التي تذلهم وتخنق أنفاسهم، لذلك يتوجهون بجام غضبهم إليها. يتساءل بعضهم: ماذا نفعل إذا أتت الديمقراطية بحكومات غير موالية لنا؟ يقولون: لا، نحن سنعمل على أن تكون الديمقراطية لمصلحتنا. بل إن هنالك سبباً دينياً مباشراً للاهتمام بأحوال العالم الإسلامية، ولا سيما الجماعات الخيرية وجماعات الدعوة والمناهج الدراسية؛ لأنهم يرون أن هذا كله ذو علاقة وثيقة بسرعة انتشار الإسلام في أمريكا، وهو أمر يخيفهم. فالمسألة إذن ليست محصورة في محاربة الإرهاب بمعنى العدوان المسلح، بل تشمل كل نشاط ثقافي علمي يساعد على نشر الإسلام أو حتى تحسين صورته في الغرب. البيان: لكن عامة الشعب الأمريكي هل هو منسجم مع السياسة الأمريكية؟ - تركيزنا في معظم ما قلناه كان على تلك الفئة المسماة بـ «المحافظون الجدد» ، والتي تمثل أمريكا رسمياً الآن، لكن من الإنصاف أن نذكر أننا عندما عمَّمنا القول لم نكن نعني كل فئات الشعب الأمريكي، فهذا الشعب كما يقول بعض المختصين باستطلاعات الرأي العام هو الآن منقسم انقساماً حاداً لم يشهد له مثيل في تاريخه، حتى إن بعضهم صار يتحدث عن شعبين أو أمتين. لكن إذا فصَّلنا القول عنهم بعض الشيء فيمكن أن نقول إن بعضهم يؤيد سياسة حكومته للأسباب التي تذكرها له لا لدوافعها الحقيقية، وكثير من هؤلاء يتحول متى ما استبانت له الحقيقة. دوافعهم ليست كدوافع بوش وأشكروفت، ولكن هذه الإدارة استغلت محركاً من أقوى المحركات في البشر، هو حرصهم على أن يعيشوا آمنين حتى لو كان ذلك على حساب حريتهم وأكلهم وشربهم. حتى خصوم هذه الإدارة يعترفون بأنها نجحت في استغلال هذه المسألة النفسية استغلالاً كبيراً، ماذا تتوقع من إنسان يقال له إن هؤلاء القوم المسمون بالمسلمين هم سبب الرعب والخطر الذي يحدق بك وببلدك؟ ومما ساعد على ذلك شيء معروف عن الشعب الأمريكي خاصة هو جهله الشديد بالعالم. وهنالك جماعات ليبرالية لعل أكثر من يمثلها من المرشحين الديمقراطيين هو «هاوارد دين» . فهؤلاء خلافهم مع المحافظين الجدد ليس خلافاً سياسياً بالمعنى الضيق بل هو خلاف نابع من جذور أيديولوجية، فهذا الرجل كان هو الوحيد الذي وقف صراحة ضد شن الحرب على العراق، وهو الوحيد الذي صرَّح بأن على الولايات المتحدة أن تكون متوازنة في موقفها من الفلسطينيين والإسرائيليين، ويقولون إنه يمثل عدداً كبيراً من المثقفين لأن الاتجاه الليبرالي هذا يشيع بينهم أكثر من شيوعه بين عامة الأمريكان، وهم أكثر معرفة بالعالم وقضاياه من بقية مواطنيهم، ولكنهم لا يمثلون أغلبية الشعب فيما يبدو. ولكن عندما نقول إن دوافعهم في حربهم لنا دينية؛ لا نعني أنهم سيجعلون هذه الحرب همهم الأوحد، ويضحّون في سبيلها بكل مرتخص وغال، بل يبدو أنه إذا كان هنالك أمل في أن لا ينجح بوش في الانتخابات القادمة؛ فلن يكون بسبب رفض الناس لسياسته، بل سيكون لأسباب اقتصادية إذا ما تدهور الاقتصاد، أو لكثرة عدد الموتى. سيقول كثير من المعترضين إننا بحساب الكسب والخسارة لم نكسب من هذه الحرب ما وعدنا به بل كنا نحن الخاسرين. البيان: لكن هذه السياسة هل المتوقع أن تتغير مع الحزب الديمقراطي، أو أن القضية عبارة عن استراتيجية للسياسة الأمريكية ليست مرتبطة بالحزب الحاكم؟ - هذا سؤال صعب، لكن الذي يبدو أنها لن تتغير تغيراً كاملاً؛ لأن من أوائل الناس الذين أيدوا بوش كلينتون، وكلينتون قائد ديمقراطي كبير، لكنه أيضاً من الذين يتحدثون عن الإسلام حديثاً سلبياً من منطلق ليبرالي لا منطلق ديني. وكان قد ألقى محاضرة مهمة في جامعة جورج تاون قال فيها كلاماً فحواه أن المسلمين يعتقدون أن الحق كله معهم، ولذلك يستهينون بحياة من يخالفهم ويبيحون قتلهم. وقد كنت من الذين ردوا عليه في عدة أحاديث بيَّنت فيها أن كلينتون ينساق مع خطأ شائع هو الخلط بين الموقف من الاعتقاد والموقف من المعتقدين، فنحن لا نتردد في مسألة العقائد في القول بأن الحق معنا، وأن كل ما خالف الإسلام فهو باطل، لكن هذا لا يعني كما ظن كلينتون وغيره أننا نستنتج من هذا أن كل من خالفنا يستحق أن يُقتل، بل نقول إن حقه علينا أن ندعوه ونجادله ونعامله معاملة حسنة ما دام مسالماً، ولا نلجأ لحربه إلا إذا كان هو الذي يلجأ إلى الحرب. وموقفنا في مسائل الدين هو موقف كل إنسان عاقل عرف الحقيقة في أمر ما؛ إذ لا بد له من الاعتقاد بأن من خالفه لا بد أن يكون مبطلاً، سواء كانت الحقيقة التي عرفها فيزيائية أو بيولوجية أو جغرافية أو غيرها، فلا أحد عاقل يقول أنا أعرف أن الأرض مكورة، لكن قد يكون الذي يقول إنها مسطحة على حق أيضاً. ولا أحد عاقل يقول إن من يخالفني ويجهل هذه الحقيقة وينكرها يستحق مني عقاباً. فكلينتون من الذين قالوا كلاماً كهذا، ومحاضرته في جدة تدلكم على عدم احترامه للمسلمين ودينهم، وما أظنه إلا قد خرج منها أكثر احتقاراً للمسلمين بعدما رأى التصفيق الذي قوبل به كلامه. وإذا كان هذا قول كلينتون ففي أقوال المرشحين للرئاسة الآن كثير مما يدل على عدم احترامهم للمسلمين، وتأييدهم الكامل لإسرائيل مهما عملت. ولذلك فمع ظني بأن السياسة ستتغير إذا ما جاء الديمقراطيون إلا أنني لا أظن أنها ستتغير تغيراً كاملاً، فسياسة الديمقراطيين لن تكون قائمة على أساس ديني بالمعنى الإيجابي، وموقفهم من الحريات والتشدد في فصل الدين عن الدولة سيكون أحسن. البيان: تحدثتم فضيلة الشيخ قبل قليل عن حرب الأفكار، وفي بداية الحملة على العراق تحدث الرئيس بوش عن تغيير في منطقة الشرق الأوسط في خلال السنوات العشر القادمة، وبعدها أطلق وزير الخارجية الأمريكي كولن باول مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية لتطوير منطقة الشرق الأوسط؛ فما هي الرؤية الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط بشكل عام؟ - الرؤية الأمريكية بالنسبة للعالم كله هي رؤية غربية لكن فيها مبالغة بالنسبة للأمريكان، هم يريدون للناس أن يكونوا مثلهم، وأن يحذو حذوهم، إذا كان عندهم دين فينبغي أن يفهموا الدين كما فهموا هم دينهم، قيمهم الخلقية ينبغي أن تكون مثل قيمهم، نظامهم السياسي يجب أن يكون مثل نظامهم، مع شرط واحد هو أنهم يجب أن يكونوا مع ذلك موالين لأمريكا. رغبة الناس بل حرصهم؛ أن يكون سائر الناس مثلهم حتى في الأمور التافهة، بل حتى فيما يعلمون أنهم فيه على باطل، فالناس لا يأنسون إلا لمن كان على شاكلتهم، ألم يقل الله تعالى: [كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ] (الأنعام: ١٠٨) ؟! ألم يقل سبحانه: [وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء] (النساء: ٨٩) ؟! بل ألم يقل: [وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداًّ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقّ] (البقرة: ١٠٩) ؟! ثم إن حالنا وحال كثير من الأمم غير الغربية صار فتنة للغربيين، جعلهم يعتقدون أنهم فعلاً أحسن من سائر الناس عقلاً وقيماً وفكراً ومقدرة على إدارة شؤون الحياة، وإلا فلماذا يقول لهم الناس إنهم يريدون أن يكونوا مثلهم؟ ثم هنالك سبب آخر هو أن أمريكا فقرها بين عينيها، فهم في خوف شديد وهلع من أن يفقدوا هذه القوة وهذه المكانة العالية، فهنالك قوة وغرور، وفي الوقت نفسه هلع وخوف، ولذلك تجدهم حريصين على أن يقضوا على كل بادرة يرون فيها تهديداً لقوتهم ومكانتهم، سواء كانت بادرة عسكرية، وهذا هو السر فيما يسمى بأسلحة الدمار الشامل، أو بادرة ثقافية. فهم يعتقدون أن قوتهم الحالية لا تتمثل فيما يسمونه بالقوة الصلبة قوة السلاح والاقتصاد التي يعترف الناس كلهم بتفوقهم فيها، بل يعتقدون أنهم أقوياء فيما يسمونه بالقوة اللينة أيضاً، أعني القوة الثقافية. فلا يريدون لأحد غيرهم أن ينافسهم في أي من القوتين حتى لو كانوا إخوانهم الأوروبيين. وإذا لم يكن العالم العربي ذا قوة صلبة فربما تمثل قوته اللينة (الإسلام) خطراً. لذلك ترونهم بدؤوا يزيدون من اهتمامهم بنشر ثقافتهم في عالمنا العربي، فمجلة نيوزويك تُطبع الآن باللغة العربية، قبل أيام رأيت مجلة اسمها (السياسة الخارجية) مترجمة من الإنجليزية، وسمعت أن وزارة الخارجية ستصدر جريدة خفيفة للشباب اسمها (هاي) ، وهناك إذاعة (سوا) ، ولذلك انتقد بعضهم حكومة بوش في تضييقها على الطلاب العرب ولا سيما السعوديين، قالوا كيف سنؤثر فيهم إذا كنا سنمنعهم من الدراسة عندنا؟! وأظنهم لذلك سيغيرون هذه السياسة، ربما يراقبون الطلبة أكثر لكن سيفتحون الباب من جديد لهم. البيان: لكن يلاحظ بأن التيارات الليبرالية والعلمانية في بلادنا الإسلامية والعربية تؤيد توجهات التغيير الأمريكي، ومن الضغوط التي تواجه العالم الإسلامي، أن هناك توافقاً فكرياً بين الأجندة الأمريكية والأطروحات العربية العلمانية، إلى أين سوف يصل هذا الحال؟ - لعل من الإنصاف أن نقول إن العلمانيين عندنا نوعان، فنوع عندهم وطنية يرون أن هذا بلدهم، ولا يريدون له أن يكون تابعاً من الناحية السياسية والاقتصادية وغيرها لا لأمريكا ولا لبلد آخر، بل بعضهم فيما يبدو قد خاب ظنه في أمريكا وربما في الغرب بصفة عامة. وكان سبب فتنته بأمريكا والغرب بصفة عامة، اعتقاده بأنهم مثال للديمقراطية والحرية وسائر القيم التي كان يربط بينها وبين العلمانية، لكنه الآن يرى أن الأمر ليس كذلك. النوع الآخر هو الذي ينطلق والعياذ بالله من كراهيته للإسلام، لقد كنا نقول لبعض زملائنا أنتم هدفكم فقط هو محاربة الإسلام. ولذلك حتى اليساريون منهم الذين كانوا في الماضي يعدُّون أمريكا أكبر عدوٍّ؛ هم الآن بعدما سقط الاتحاد السوفييتي صاروا مع الغرب، بل صار كثير منهم كالعملاء له، وذلك لأنهم ضد الإسلام وليسوا مع شيء معين. فللغرب إذن قوة طابور خامس في داخل بلادنا، إنهم من قومنا ومواطنون مثلنا من أبناء جلدتنا، يتكلمون لساننا ويعيشون بيننا، لكنهم موالون لأعدائنا. ومما يساعدهم على هذا أنه حتى أصحاب الدين منا صار كثير منهم متأثراً بفكرة الوطنية، فهو يرى أنه ما دام الشخص من أبناء وطنه فلا بد أن يكون ولاؤه لهذا الوطن حتى لو كان معروفاً بكفره وردته، بل إننا صرنا تبعاً للتأثر بالثقافة الغربية نخشى من وصف الإنسان بالكفر ما دام مواطناً يتكلم بلساننا واسمه كأسمائنا مهما قال أو عمل. فلم يعد هنالك حد فاصل بين المؤمن والكافر في البلاد الإسلامية. وكل هذا من مصلحة الغربيين ولا سيما الولايات المتحدة، وخاصة أن كثيراً من هؤلاء الموالين لها هم أصحاب النفوذ في السياسة والاقتصاد والإعلام والمؤسسات العسكرية. إن المعتدي لا يستطيع أن يغزو بلداً ويحل بها آمناً لكي يسيّر أمورها إلا إذا وجد في تلك البلد من يواليه ويعينه، حدث هذا في الماضي ويحدث الآن، حدث هذا في أفغانستان، ويحدث الآن في العراق. وكلما كثر عدد هؤلاء وتمكنوا كان الاحتلال أهون على المعتدين. البيان: لكن على المدى البعيد هل تتوقعون نجاح المشروع التغريبي في البلاد العربية؟ - يعتمد هذا، والله أعلم، أولاً على وعي المتدينين وفقههم ونشاطهم، وإدراكهم للخطر الذي يحدق الآن ببلادهم، فإذا أدركوا هذا ركزوا على القضايا الكبيرة المؤثرة فعلاً، والتي هي بحمد الله تعالى محل إجماع بينهم، ولم ينشغلوا عنها بما هو أقل منها خطراً. كل هذا من الفقه، لأن الفقيه هو الذي يعرف كيف يضع الأمور في نصابها، يقدم ما يقدم في الوقت المعين، ويؤخر ما يؤخر وكذا. فإذا ما أدرك المستمسكون بدينهم أن عدوهم لا يفرق بينهم، وأنهم جميعاً هدف؛ أدركوا أن عليهم أن يتعاونوا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ونسوا في سبيل ذلك انتماءاتهم الجماعية والحزبية، ولم يجعلوها معيار الحكم على الناس بالصدق في الاستمساك بالدين. لماذا لا نتعاون مثلاً على تقديم حلول إسلامية عملية لقضايانا المعاصرة، بل لقضايا عالمنا، ونثبت بذلك أن عندنا فعلاً ما نقدمه ونعتز به ولا نحتاج إلى أن نكون دائماً مقلدين، وإن كنا مستفيدين من تجارب غيرنا؟! رجائي أن نؤثر بذلك في الغرب نفسه وليس فقط على العلمانيين في بلادنا. إن كثيراً من العلمانيين من النوع الأول الذي ذكرته قد راجعوا دينهم وصاروا من خير الدعاة إليه، فأنا مع دعوتي للحذر منهم لست يائساً من أمرهم. من الأمور المبشرة في هذا الصدد ما لاحظه كاتب ومفكر فلسطيني اسمه طيباوي، كان يكتب في الخمسينيات والستينيات الميلادية باللغة الإنجليزية في بريطانيا، لاحظ هذا الكاتب - عليه رحمة الله - أن هنالك ظاهرة في العالم الإسلامي، هي أن كثيراً من المثقفين ممن يكونون في شبابهم بعيدين عن دينهم ومتأثرين بالفكر الغربي، لا يلبثون أن يعودوا إليه مع كبر سنهم وازدياد علمهم وعقلهم وتجاربهم. وأقول إن ملاحظته هذه ما زالت صادقة، تدل عليها شواهد كثيرة فيمن نعرف من المثقفين في مصر والسودان مثلاً، نعرف في هذه البلاد أناساً كانوا من قادة الشيوعيين مثلاً ثم هداهم الله تعالى، حتى قال لي أحدهم إن الروس كانوا قد لا حظوا هذا، وقالوا لهم أنتم الشيوعيون السودانيون لا فائدة ترجى منكم. يكون الواحد منكم شيوعياً في ما بين العشرين إلى الخامسة والثلاثين، فإذا ما تجاوز ذلك ذهب للحج! البيان: يعني هل الصحوة الإسلامية بمختلف تياراتها تفقه هذا الصراع وعلى مستوى التحدي؟ - لا، أبداً، ومن مشكلاتنا، سواء في الصحوة الإسلامية أو الدراسات الإسلامية أو كذا، أننا عزلناها عن الواقع، حتى الدراسات الإسلامية في الجامعات تتناول كثيراً من الدراسات الإسلامية وكأنها تاريخ لا صلة له بواقع الأمة، ولذلك صار كثير من أفاضل علمائنا يجيدون من علوم الشريعة تلك التي لا تتغير مع الزمن، وهي بحمد الله كثيرة ومفيدة، بل هي أساس الدين فجزاهم الله خيراً. لكن علماءنا لم يكونوا في الماضي كذلك، فهم قد علموا أن في الدين أشياء تكفل الله تعالى ببيانها في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، وأشياء ندب الناس إلى معرفتها، فنحن ركزنا في دراساتنا الرسمية على النوع الأول، وهو كما قلت الأهم والأساس لغيره، لكنه مع عظم قدره لا يكفي لتسيير حياة بشرية اجتماعية، ولذلك ندبنا الله تعالى للاهتمام به، وعلم أنه في نطاق قدراتنا وإمكاناتنا. لكن الكثيرين منا عدُّوا هذا من أمور الدنيا التي لا شأن لهم هم بها، وقد أدى هذا إلى فتن وعواقب وخيمة، بيد أننا بدأنا الآن نسير في الطريق الصحيح، ونسد هذا النقص في ثقافتنا الإسلامية، فكثير من الذين تخصصوا في علوم مثل الاجتماع والتاريخ والاقتصاد والسياسة، بل والعلوم الطبيعية والفلسفية ثقَّفوا أنفسهم ثقافة إسلامية. وكثير من الذين لم ينالوا حظاً من هذه الدراسات في معاهدهم وجامعاتهم الإسلامية؛ نالوا قدراً كبيراً منها بمجهوداتهم الفردية. لكننا ما زلنا بحاجة أكثر إلى معرفة العالم الذي نعيش فيه، وإلى التفكير في طريقة التعامل معه، بطريقة مفصلة لا تعتمد فقط على المبادئ العامة والشعارات. فكما أننا احتجنا إلى أن نفصل في أمور العبادات، بل وأمور العقيدة، فنحن محتاجون إلى أن نفصل في الطريقة التي نتعامل بها مع عالمنا. إذا عرف المسلم العالَم الذي يعيش فيه، وعرف الخطر الذي يواجه المسلمين، وعرف مدى ضعفهم بالنسبة لأمم الغرب؛ كان هذا قميناً بأن يوقظه من سباته، يشحذ همته ويدفعه لأن يستفرغ وسعه في نصرة دينه وأمته بحسب ما أعطاه الله تعالى من إمكانات، وهيأ له من أسباب، إن من أسوأ الغفلات أن يظن الإنسان أن حدود العالم هي حدود البلد يعيش فيه ولا يدري الأخطار المحيطة به. البيان: ما زال الحديث في الصحوة الإسلامية، ربما في الفترة الأخيرة أصبح التيار السلفي في واجهة الصراع مع الغرب؟ - الحقيقة أن هذا ليس بالأمر الجديد، وإن كان قد صار الآن أكثر ظهوراً. حدثني قبل أكثر من خمسة عشر عاماً أحد إخواننا من قادة هذا التيار في الولايات المتحدة أن المخابرات اتصلت به، فقال لهم: لماذا أنتم مهتمون بنا، فنحن أناس لا دخل لنا بالسياسة ولا عمل لنا إلا تعليم الناس العقيدة؟! قال: فكان جوابهم: نحن نعرف هذا، ولكننا نرى أنكم أنتم الخطر! أو كلاماً هذه فحواه. على الدعاة إذن أن يستمروا في الاستمساك بدينهم ودعوتهم، وأن لا يخطر ببالهم أنهم يمكن أن يرضوا أعداء دينهم بغير التنازل عنه، كما قال تعالى عن المصرّين على باطلهم من اليهود والنصارى: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) ، قلت المصرّين؛ لأن الآية ليست على عمومها؛ إذ لو كانت شاملة لكل فرد يقول إنه يهودي أو نصراني لما آمن منهم أحد، كيف ونحن نعرف أن الكثيرين منهم ما زالوا يسلمون، وكيف ونحن نرى الكثيرين منهم يساعدون المسلمين ويدافعون عنهم؟! من ناحية أخرى هذا السلوك ليس قاصراً على اليهود والنصارى، بل هو شامل لكل أنواع المشركين المصرّين على باطلهم مهما تعددت أديانهم واختلفت أسماؤهم من شيوعيين وعلمانيين. لكن عدم المداهنة وعدم التنازل لا يعني إهمال أقوالهم أو عدم الرد على شبهاتهم. وإذا كانوا يأخذون على الأفراد منا أو على جماعاتنا أموراً نحن نعلم أنها مخالفة لديننا؛ فيجب أن نعترف بأنها خطأ؛ لأن المهم هو الدفاع عن دين الله تعالى لا عن تصرفاتنا. إننا نعيش في حالة ضعف والضغط علينا شديد، لكن لا بد من الصبر والاستعانة بالله تعالى على أخذ الدين بقوة، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا توفيق إلا بفضل الله، ألم يقل الله تعالى لنبيه ﷺ : [وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً] (الإسراء: ٧٣-٧٤) ؟! هذه آية مخيفة جداً، لأنه إذا كان النبي ﷺ قد كاد ولم يفعل، وإذا كان ما كاد أن يفعله ولم يفعله شيء قليل، فما بالنا نحن؟ ثم علينا نحن المؤمنين بالطريق الصحيح أن نمشي فيه ولا نحزن كثيراً لمن يتخلف، فقد نهانا ربنا سبحانه عن الحزن، والحزن عاطفة سلبية، قال العلماء إن الحزن لم يرد في كتاب الله تعالى إلا منهياً عنه أو تقريراً لأمر واقع، فلم يرد مأموراً به ولا مثنى على فاعله. البيان: هناك دعوات قوية جداً في العالم الإسلامي لتجديد الخطاب الديني، وتتبناه بعض المؤسسات الرسمية، لكن أيضاً بعض أبناء الصحوة الإسلامية لهم دور كبير جداً في هذا، فهل يمكن أن يكون لذلك تأثير في قواعد الصحوة؟ - لا، إذا كان الخطاب بمعنى أن تكلم الغربيين أو المثقفين عندنا أو كذا أو كذا بطريقة يفهمونها، فهذا طبعاً ما تميزت به الصحوة الإسلامية. نحن عشنا في السودان مثلاً في زمان كان الذي يدرس عندنا في المدرسة والجامعة لا يستطيع أن يقرأ الجلالين؛ لأنه لا يفهم لغته، فعندما جاء رجل كـ (سيد قطب) وكتب بلغة يفهمها الناس؛ انتشر كتابه بين هذه الفئات، فإذا كان المقصود بهذا هو هذا فلا شيء فيه. فنحن مأمورون بأن نخاطب الناس بما يعقلون. البيان: لكنهم يقصدون تمييع أحكام الإسلام؟ - التمييع هو ما قال الله تعالى عنه [وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ] (القلم: ٩) ، إن مهمتنا أن نبلغ دين الله تعالى كما هو، وأن نبذل وسعنا في بيانه وتحبيبه إلى الناس، لكن التحبيب لا يعني المساومة أو التبديل، قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَه] (المائدة: ٦٧) ، نعم إن الذين يكرهون ما أنزل الله تعالى سيفرحون بتغييره، ويوالون من يفعل ذلك ويمدحونه، كما قال تعالى في آيات الإسراء التي ذكرناها آنفاً: [وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً] (الإسراء: ٧٣) . نسأل الله تعالى أن يجعلنا أئمة في الاستمساك بدينه، وأن يوفقنا بالوفاء بشرطي هذه الإمامة، [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ] (السجدة: ٢٤) ، لا بد من الصبر، ولا بد من اليقين، أما إذا كان الإنسان متردداً وجزعاً خائفاً فإنه لا ينصر ديناً ولا يقمع عدواً. البيان: لو سمحتم نتوجه إلى العراق، الوضع في العراق لا شك أنه في غاية التعقيد، والأيدي الأمريكية تعبث في العراق بشكل واسع، والسنة ربما يكونون هم من أقل الناس تحركاً في مثل هذه الأحداث، فما هي رؤيتكم لأوضاع أهل السنة تحديداً في العراق؟ - إذا قلنا إن المستهدف في هذه الحملة الجديدة الجائرة على الإسلام؛ فهم في المكان الأول الذين يمثلونه تمثيلاً صحيحاً، فمن المعلوم أن أقرب الناس إلى هذا التمثيل الصحيح هم أهل السنة على درجات متفاوتة، وقد تكلم هؤلاء الأعداء كثيراً عن أهل السنة حتى قبل الغزو، وذكروا أن من أهدافهم إنهاء حكم ما أسموه بالأقلية السنية في العراق، فهم في النهاية أصدقاؤهم الشيعة. وإذا كان أهل السنة هم أقرب الطوائف الإسلامية إلى حقيقته؛ فإن كل من بعد عنهم كان أبعد عن الدين الصحيح، وهذا يشمل طوائف مثل الشيعة وغيرهم من أهل الأهواء، كما يشمل المارقين عن دين الله، لقد أدرك كثير من الغربيين قوة هذا الدين لما رأوا مقاومته للشيوعية، رغم أنهم كانوا آنذاك قد استفادوا من هذه المواجهة لكنهم ربما يكونون قد قالوا لأنفسهم إذا كان هذا الدين قد وقف ضد الشيوعية كما لم يقف أي دين ولا أي عقيدة أخرى في العالم، فهو الذي يقف الآن ضد الفكر الغربي، وأن الذي يمثل هذا الموقف الصلب هم أهل السنة، فلا بد إذن من العمل على إبعادهم وإضعافهم. البيان: ما وصيتك لعلماء السنة في العراق على وجه التحديد، وعموم المسلمين في العراق؟ - يبدو أنهم حتى من غير وصية من أمثالي قد أدركوا أنهم لا بد أن يتجمعوا، وأن يكون لهم ما يشبه التنظيم والقيادة؛ لأن الناس إذا لم يفعلوا هذا لا يستطيعون أن يؤثروا تأثيراً كبيراً. لكن المشكلة في التنظيم أن العمل يكون فيه مكشوفاً تسهل محاربته. فلا بد إذن من نوعين من العمل، لا بد من العمل السياسي الدعوي الواضح المكشوف، ولا بد أيضاً من أشياء لا تعلن، وهذا موجود في العالم كله، الحكومات البريطانية والأمريكية ما كل سياساتها معلنة، ولذلك يقول لك الأجندة الخفية وكذا، فلا بد أن يكون لأهل السنة في العراق مثل هذه الأجندة الخفية ثم إن أهل السنة في العراق هم الآن رأس الرمح في هذه الحرب الحضارية الجديدة، لا بد إذن من إعانتهم والوقوف معهم كلٌّ بحسب استطاعته، ونحن حين نفعل هذا لا ندافع عن العراق فحسب ولكن ندافع عن أوطاننا أيضاً، فالعدو يقاتلنا كافة. نسأل الله تعالى العون والنصر، وأن لا يجعلنا فتنة للذين كفروا وظلموا.

стр. 4841

ملفات الحرب على الحجاب مدخل للتغريب الحجاب فريضة إلهية وشرعية ربانية وسنة إيمانية ماضية وباقية إلى يوم الدين؛ على رغم أنف الزيغ والضلال، وأهل الشرك والإلحاد، لا يترك العمل به إلا فاسق فاجر، ولا يمنع منه أو ينتهي عنه إلا مارد هالك. جاء الأمر في الآي والسنن , وأجمع أهل العلم عليه في قديم وحديث الزمن، وهو شريعة رب الناس للناس خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم , وباعثهم بعد الموت فمحاسبهم، فيجزي كل نفس بما كسبت. والحجاب لغة المنع، وهو ما يحجب النساء ويسترهن , فيمنعهم من أعين الرجال؛ فإذا كانت المرأة في بيتها فحجابها بيتها، وإذا خرجت لحاجتها فحجابها ما تستر به جسدها من اللباس السابغ، وله شروط دلت عليها نصوص الشريعة؛ فمن ذلك أن يكون اللباس سابغًا ساترًا لجميع بدن المرأة، وليس في هذا خلاف بين أهل العلم إلا في تغطية الوجه والكفين، ومنها أن يكون صفيقا سميكا أي لا يكون رقيقا، بحيث يشف عما تحته، ومنها أن يكون واسعا فضفاضا، ولا يكون رقيقا، بحيث يشف عما تحته، ومنها أن لا يكون معطرا أو مبخرا، وأن لا يكون زينة في نفسه، وفي الحجاب مزيد العفة والطهارة في المجتمع وهو ما تحرص عليه الشريعة في مصادرها ومواردها. قال الله تعالى: [وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِن] (الأحزاب: ٥٣) . وأول من وجه إليه ذلك الكلام من النساء هن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، والنساء من بعهدهن تبع لهن، وأول من وجه إليه ذلك الكلام من الرجال أصحاب رسول الله ﷺ الأطهار الأبرار، والرجال من بعدهم تبع لهم في ذلك، وقد تعرض الحجاب لحملات كثيرة من الكارهين لله ورسوله ودينه حتى قال قائل منهم: «لن تستقيم حالة الشرق ما لم يرفع الحجاب عن وجه امرأة ويغطى به القرآن» [١] . وقد تآمر على الحجاب الغرب الكاره لدين الله والمتغربون من أبناء جلدتنا، وما تعيشه أمتنا اليوم ما هو إلا حلقة من حلقات التدافع بين الحق والباطل ولكل منهما دعاته ورجاله. نسأل الله أن يجعلنا ممن يعمل بالحق ويدعو إليه، ويصبر على ما يلاقي في سبيله حتى يأتي وعد الله: [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] (غافر: ٥١) .

стр. 4842

ملفات الحرب على الحجاب مدخل للتغريب تسويق التبعية أحمد بن عبد الرحمن الصويان alsowayan@albayan-magazine.com تضطرب البيئة المعاصرة بطوفان متعدد الأطياف من التيارات الفكرية، وهذا الاضطراب ناتج في كثير من الأحيان عن صراع فكري واجتماعي متعدد الجبهات في البلاد الغربية، تمتد انعكاساته في البيئة العربية والإسلامية، فترى ألواناً من التخبط والخلط الفكري الذي بلغ مداه في العقد الأخير. ومع كثرة الهزائم والنكسات السياسية والحضارية التي تشهدها البلاد الإسلامية ازداد التخبط والاضطراب، وتكاثر المتهوكون في أودية الباطل.. أولئك المنهزمون الذين لم يجدوا سبيلاً لرفع رؤوسهم إلا بالتقليد المطلق لكل ما غربي؛ فهو المحور الذي يدورون في رحاه، واستعلوا بانهزاميتهم، وتطاولوا بسقوطهم، وعدُّوا ذلك باباً من أبواب التزيّن يتبخترون به على غيرهم..! قال الله تعالى: [وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] (الأعراف: ١٧٥-١٧٦) . إننا نرى آثار هذه الانهزامية هشيماً يسري في أغلوطات فكرية وإعلامية مستمرة، ويتطاير شررها في الحاضر والبادي، وضجت الصحافة العلمانية والقنوات الفضائية بثرثرة مملَّة، فيها كل شيء ما عدا الكلام العلمي الذي يبني العقل ويربي الخلق..! من آخر الأمثلة الصارخة على ذلك: موقف هؤلاء المنهزمين إزاء القانون الفرنسي الفج من الحجاب الإسلامي؛ حيث تسابقوا على تسويقه والتماس المعاذير له بتملق وتكلف لا يخفى، وأسرف بعضهم في الهجوم على الحجاب والقيم الإسلامية، ونعى على المسلمين بسخرية وشماتة تخلفهم ومتاجرتهم بـ (فقه الآخرة!) ، وبتعلقهم بتلك التوافه الشكلية التي تقيد الحركة وتنتهك الحقوق، في الوقت الذي تقدمت فيه المرأة الفرنسية، وبلغت قمة السمو الحضاري بزعمه، بل إن بعضهم راح يؤكد بكل أنواع التأكيد سلامة النهج العلماني، وأنَّه هو الخيار الأمثل أو هو الوحيد الذي سوف يضع أمتنا في مدارج التحضر والتقدم الإنساني..! وصدق المولى جل وعلا: [فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ] (الحج: ٤٦) . والطريف في الأمر أن وزير الخارجية الفرنسي قام بزيارة إلى دول الخليج وبعض البلاد العربية لشرح موقف بلاده، ونسي أن بعض هؤلاء المتساقطين من بني جلدتنا ربما كانوا أكثر حماساً وتشنجاً في الدفاع عن كل ما هو غربي، وتزيينه بكل أنواع الزينة المصطنعة، إنها بكل وضوح عقدة الانكسار والهزيمة التي تطغى على العقل، وتجعله كالإمَّعة الوضيع، وتحوطه بالمهانة والصغار، وصدق المولى جل وعلا: [وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ] (الأعراف: ٢٠٢) . ولهذا ليس عجيباً أننا بدأنا نقرأ ونسمع في بلادنا العربية من أثنى على فتوى شيخ الأزهر، وطار بها فرحاً، بل والأخطر من ذلك من يريد تعميم هذه الفتوى على الواقع الإسلامي لتشابه الظروف والدواعي التي من أجلها صدرت الفتوى. وكل ذلك ليس حباً في الأزهر أو انتظاراً لرأيه، ولكن لأنها وافقت هوى استقر في نفوسهم..!! إنَّ المأزق الذي يتساقط فيه هؤلاء يوماً بعد يوم أنهم لا يملكون مشروعاً حضارياً جاداً لنهضة الأمة كما يزعمون، وإنما غاية ما يملكونه أنهم يريدون أن يزجوا بالأمة في المستنقع الغربي الآسن، ليكون أبناؤها عبيداً يتمرغون تحت أعتابهم، ويجترون بكل بلاهة قيمهم المادية والاجتماعية، حلوها ومرها، خيرها وشرها، كما قال أحد أشياخهم منذ زمن ليس بالبعيد! وحسبك أن تقرأ أطروحات ما يسمى بالاتجاه الليبرالي في منطقة الخليج بخصوص قضية المرأة مثلاً؛ فالحجاب الشرعي هو الحائل بزعمهم عن تسريع عجلة التنمية والنمو الاقتصادي، ومنع الاختلاط عندهم رمز من رموز البدائية والتخلف، جعل الأمة العربية في حضيض المجتمعات الإنسانية المعاصرة. والانتصار الكبير الذي ينتفشون به ويصفقون له عندما تتجرأ إحداهن بنزع حجابها متجاوزة حدود الشرع وقيم الأمة، وفي كل بلد تتكرر مسرحية سعد زغلول، وهدى شعراوي..! والعجيب أنهم يريدون أن يقنعونا بأن التحديث والتطوير الذي يتطلع إليه جميع الناس قرين التغريب الثقافي والاجتماعي..! إن النازلة القادمة التي تجددت الدعوة إليها بعد مبادرة (الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية) التي أعلنها كولن باول وزير الخارجية الأمريكي هي: قضية المرأة وتغيير القيم الاجتماعية للأسرة التي قررها الشرع المطهر. وأحسب أن المسألة ليست مجرد معركة حجاب عابرة، أو دعوة للاختلاط بين الرجال والنساء فحسب، بل هي مقدمات حثيثة لإعادة صياغة جميع القيم الاجتماعية صياغة جديدة، تُمسخ فيها الهوية الإسلامية، وتنتزع فيها الكرامة الإنسانية، وتصبح فيها المرأة المسلمة مجرد ألعوبة تافهة، ودمية هزيلة، يعبث بها رؤوس الفساد، ودعاة المنكر. لست قلقاً من هؤلاء الصغار؛ لأن هذه المواقف المكشوفة تفضحهم عند الخاصة والعامة، وتميط اللثام عن انتكاسهم الفاضح، وتبرز بجلاء حقيقة شعاراتهم المتناقضة التي يتشدقون بها بكل صفاقة ومهانة. قال الله تعالى: [وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ] (محمد: ٣٠) . نعم.. لست قلقاً من هؤلاء إذا ما وعى الدعاة والمصلحون طبيعة المعركة، وأدركوا أن الحق يُصرَع إذا أُخِذَ بتهاون وتثاقل. ولكن ثمة حقيقة في غاية الأهمية، وهي أن العلماء والدعاة قصروا تقصيراً بيناً في الدعوة في أوساط النساء، وكان الخطاب الدعوي في مجمله خطاباً رتيباً مكرراً يفتقد للجاذبية والتجديد والإبداع، في الوقت الذي تصدَّر فيه المفسدون للتغريب ونشر الرذائل والعبث بالقيم، وفتنوا الناس في أخلاقهم وأعراضهم. هذه حقيقة مهمة يجب أن نعيها؛ لأن ذلك سيقودنا بعون الله تعالى إلى إعداد رؤية شاملة للدعوة في الوسط النسائي، وتقديم البدائل العملية الجادة التي تحفظ للأمة كرامتها وعفتها. وها هنا وقفة مهمة مع الأخوات الداعيات لتذكيرهن بواجبهن الشرعي في أخذ زمام المبادرة، والإقبال على الدعوة والتربية، والحرص على سعة الأفق، والبدء بالأولويات. إن للمرأة الداعية طاقات كبيرة ومجالات عديدة لا يملكها الرجال، وتستطيع بإذن الله تعالى إن هي أقبلت على الدعوة وجدَّت في العمل أن تنجز إنجازات كبيرة، وتذبّ عن الأمة شروراً كثيرة. ولئن كنا قد قصرنا في وقت مضى، فلا عذر لنا فيما يأتي. وردود الأفعال الآنية مهمة ولا بد منها، لكن لا يجوز أن نبقى هكذا عاجزين متواكلين، بل يجب أن نبادر بأطروحات مستبصرة، نستشرف فيها أبعاد المرحلة وتبعاتها. قال الله تعالى: [فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ] (الرعد: ١٧) .

стр. 4843

ملفات الحرب على الحجاب مدخل للتغريب مع قضية الحجاب د. عدنان علي رضا النحوي اتخذ الرئيس الفرنسي شيراك قراراً بمنع الفتيات المسلمات من الحجاب في المدارس الفرنسية، وتناول عدد من الكتاب والصحف ووسائل الإعلام هذا القرار بالتعليق والاعتراض والتنديد، إلا أن شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي فاجأ العالم بفتواه أن من حقّ فرنسا أن تصدر مثل هذا القرار، وعلى المسلمة أن تستجيب له ما دامت تعيش في فرنسا تحت حجّة الضرورة التي يبدو أن شيخ الأزهر غاب عنه معنى الضرورة في الإسلام. كانت المشكلة الردّ على الرئيس الفرنسي فصارت المشكلة الآن الردّ على محمد سيد طنطاوي وشيراك. أمريكا وإنجلترا والطائفة الكاثوليكية في فرنسا والفاتيكان اعتبرت أنه ليس من حق فرنسا إصدار مثل هذا القرار حسب المنهج الديمقراطي العلماني، وحسب النصرانية، وقامت ردود كثيرة على الطنطاوي من شيوخ الأزهر ومسلمي العالم الإسلامي، كما سبق لهم أو لبعضهم أن ردَّ على شيراك. مشكلة الحجاب في فرنسا قديمة ربما ظهرت في العقد الماضي من القرن الخامس عشر الهجري (العقد العاشر من القرن العشرين الميلادي) ، وبدأت القضية حين فصلت بعضُ المدارس الفرنسية طالبات مسلمات؛ لأنهنَّ أصررن على الحجاب، وبدأ المسلمون ينقلون اعتراضهم من دائرة إلى دائرة، ومن مستوى إلى مستوى، دون الوصول إلى نتيجة. واستمرت القضية مع ضخامة الجهود التي بذلها مسلمو فرنسا إلى اليوم حين أصدر شيراك قراره الأخير، ونهض شيخ الأزهر يؤيده. أين هي المشكلة، وما أسبابها؟! عزا الكثيرون السبب إلى وجود تحدٍّ للإسلام والمسلمين، وهذا مظهر من مظاهر هذا التحدي، ونحن نؤكد وجوده بصورة أوسع من الحجاب، وأوسع من فرنسا؛ إن نطاق التحدي للمسلمين واسع ممتدٌّ في الأرض، ممتد في الأساليب، تتكاتف فيه قوى كثيرة. ولكني أود أن أشير إلى سبب هو من أهم الأسباب في نظري، ذلك هو مسلسل التنازلات من المسلمين خلال تاريخ غير قصير، سواء أكان المسلسل في العالم الإسلامي، أم في الغرب، أم في فرنسا بالذات. كنت في مؤتمر إسلامي في باريس فرنسا قبل بضع سنين. فوجئت أن من بين الأفكار التي طرحت آنذاك هو أن العلمانية مساوية للإسلام في مقصودها. وتناول هذه الفكرة عدد من الدعاة المسلمين بالتأييد والشرح؛ حتى قال أحدهم: «لا نملك إلا أن ندخل في النسيج الفرنسي الثقافي والديني» . وتردد هذا الكلام في مواقع متعددة، كان من بينها الحوار الذي دار بيني وبينهم، بالرسائل، ثم في منزلي في الرياض شهده عدد من الدعاة، ثمَّ الحوار الذي دار على صفحات المجتمع في أكثر من حلقتين، لقد نصحتُ في حدود وسعي، ونبهتُ إلى الخطر الذي يقع بسبب هذه التنازلات [١] . فإذا أضيف هذا إلى مسلسل التنازلات في العالم الإسلامي، التنازلات التي انتهى بعضها بحكم علماني واضح يمنع الحجاب ويمنع كثيراً من أحكام الإسلام وشرعه غير الحجاب. لقد كوَّن هذا المسلسل من التنازلات التي امتدت زمناً طويلاً قوة نفسية للكثيرين في العالم الغربي تغريهم بالجرأة على تحدي الإسلام والمسلمين في قضايا الحجاب وغيرها، لما رأوا أن بعض المسلمين أنفسهم يتنازلون شيئاً فشيئاً عن إسلامهم، حتى توافر لديهم، لدى بعض المسلمين، الاستعداد النفسي والفكري للتنازلات. أضف إلى ذلك صدور بعض الفتاوى عن بعض المسلمين فيها ضعفٌ وتراخٍ، أو مخالفة صريحة للإسلام، وحتى في فرنسا قامت مؤخراً دعوة تطلب استبدال الحروف الفرنسية بحروف اللغة العربية، وقام عدد من أبناء العرب المسلمين يؤيدون ذلك. ومن المنتسبين إلى الإسلام من طالب بتبنّي اللغة العامية بدلاً من لغة القرآن، والأمثلة على ذلك كثيرة يطول عرضها، إنها من مسلسل التنازلات المشهود. أما بالنسبة لرأي الشيخ الطنطاوي، فأستحي أن أسميها فتوى، إنه رأي أورثنا صدمة كبيرة حين يخرج هذا الرأي المخالف كليةً للإسلام من شيخ الأزهر، الأزهر الذي ظل قروناً يحمي الإسلام والمسلمين. الخطأ الكبير الذي وقع فيه شيخ الأزهر هو أنه كان من واجبه أن يخاطب الناس جميعاً بالإسلام وشريعته وأحكامه، وأن يبلغ دين الله كما أنزل على رسول الله محمد ﷺ ، وأن يدعو الناس إليه. فالإسلام هو دين الله، دين جميع الأنبياء والمرسلين. فالله واحد، وما كان لله الواحد الأحد أن يبعث للبشرية بأديان مختلفة، ولكنها رسالات تحمل الدين الحق الواحد، رحمة من الله بعباده. فالإسلام دين نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء والمرسلين ﵈، ودين محمد ﷺ ، خاتم الأنبياء والمرسلين، دين واحد. فهو رسالة الله إلى الناس جميعاً، وإلى شيراك وشيخ الأزهر وغيرهما؛ فإن عصى أحدهم ربَّه وخالف رسالة الله إليه، أفنقرّه نحن على ذلك؟! فليس من شأن شيخ الأزهر أن يقر الاتجاهات المنحرفة عن الدين الحق، ولا أن يعطيها المسوِّغات لوجودها، ولا أن يعطي المسوِّغات لأحد من المسلمين أن ينحرف عن دين الله ويخضع إليها. ليس من حق فرنسا ولا غيرها أن تصدر قوانين تخالف شرع الله، فإن فعلت ذلك من منطلق قوتها وعلمانيتها، فليس من حق شيخ الأزهر ولا أحد من المؤمنين أن يُقرّوا ذلك ويقبلوه ويدعموه، أو أن يتحاكموا إليه. العلمانية تدَّعي أن الدولة لا تتدخل في دين الناس؛ فكل فرد حرٌّ بأن يتبع الدين الذي يريده. ومع ذلك فالدول العلمانية تطلق الحركات التنصيرية وتدعمها بالمال والإعلام وغير ذلك. وأما الإسلام، الدين الواحد الحق من عند الله، فيجعل أول مسؤوليات الدولة حماية الدين الإسلامي وإقامة شرعه والدعوة إليه، ونشره في الأرض كما أُنزل على محمد ﷺ . [إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ] (آل عمران: ١٩) . [أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ] (آل عمران: ٨٣) . وكذلك: [وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] (آل عمران: ٨٥) . ولقد لاحظنا في كثير مما كتب رداً على شيراك وشيخ الأزهر أنهم تحاكموا إلى العلمانية وقوانينها في ردودهم، وإلى أعراف وقوانين يبرأ الإسلام منها. إن واجب كل مسلم، كما هو واجب شيخ الأزهر، أن يرد كل قضاياه صغيرها وكبيرها إلى الكتاب والسنة، وأن يخرج برأي تدعمه الحجة والبينة من الكتاب والسنة، ولا بأس بعد ذلك أن يرد عليهم من خلال علمانيتهم وديمقراطيتهم. ولكن أين الديمقراطية التي يزعمونها؟ إنها عدوان واحتلال ونهب لخيرات الشعوب. إنها شعار كذب في المواقع كلها، وخدع به المسلمون كما خدعوا بغيره من الشعارات. إننا ندرك أننا اليوم ضعفاء. ولكن ضعفنا لا يحل لنا تغيير دين الله، ولا أن نتخلى عنه ولا أن نتنازل عن شيء منه مراءاة لأحد من خلق الله. ولا بد أن يعي المؤمن أنه مهما تنازل عن شيء من دينه مراءاة إلى العلمانية ودولها، فإن ذلك لن يكسبه ودهم، وإنما يخسر بذلك أمرين: أولاً: يخسر رضا الله. ثانياً: يخسر مهابته في قلوب أولئك، فيكون من الخاسرين، كما قال الله : [وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] (آل عمران: ٨٥) . ومهما بذل المسلم من أجل هذه المراءاة فلن ينال رضاهم أبداً: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ] (البقرة: ١٢٠) . فإصدار قرار بمنع الطالبات المسلمات من الحجاب في المدارس الفرنسية هو هوى من النفوس لا حجة له من الدين أو العلم أو الأخلاق؛ فهل نسي شيخ الأزهر هذه الآيات الكريمة فاتبع أهواءهم؟! إننا ندعو شيخ الأزهر إلى التوبة من فتواه هذه، إلى أن يتوب إلى الله؛ ففتواه خرجت به عن حدود الفتوى إلى المعصية والإثم، فَلْيَتُبْ وليعلنْ توبته قبل أن يلقى الله وهو من الخاسرين، ليس له من الله ولي ولا نصير. ونقول للمسلمين في فرنسا وغيرها أن اثبتوا على دين الله إيماناً وعلماً ودعوة وبلاغاً على نهج جليٍّ، مهما كلفكم ذلك، واعلموا أن الضرورة الشرعية هي الحالة التي تهدد المسلم بالموت من الجوع والعطش وأمثاله. وهي ضرورة للفرد، لا يُعقل أن تكون ضرورة للأمة كلها أو للجماعة، ليتنازلوا عن دين الله. ونقول للمسلمين بعامة كفاكم تنازلات، فاجهروا بالحق، بدين الله، بالإسلام، عن إيمان وعلم وخشية من الله لا خشية من الناس، وادعوا إلى دين الله واجهروا به؛ فهو مصدر قوتنا وسبب نجاتنا، فاجهروا بدين الحق ولا تنحرفوا ولا تتنازلوا مهما تكن المغريات، وإلا فالهلاك الهلاك! إن القضية لدى فرنسا وغيرها ليست قضية الحجاب، إنها قضية الإسلام ورسالته، قضية الإيمان بالله وبدينه. إن الله لم يعط لأحد من خلقه الحق في أن يكفر فيكون في نجاة مع كفره، كلاَّ! إن الله يريد من عباده الإيمان الصادق النابع من القلب واليقين، ومن التأمل والتفكير، ومن رسالة النبوة الخاتمة؛ فمن آمن فله الجنة والأجر والثواب، ومن كفر فله جهنم والعذاب الشديد: [وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً] (الكهف: ٢٩-٣٠) . ولا يتكئن أحدٌ على سوء تأويله لقوله : [لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّين] (البقرة: ٢٥٦) ؛ فعليه أن يكمل الآية ليتضح المعنى: [لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] (البقرة: ٢٥٦-٢٥٧) .

стр. 4844

ملفات الحرب على الحجاب مدخل للتغريب الحجاب.. وحرب قديمة لم تنتهِ ممدوح إسماعيل [*] elsharia٥@hotmail.com الحرب ضد الحجاب قديمة بدأت في مصر منذ أكثر من مائة عام؛ حيث ظهر أول صوت من أعداء الإسلام وأنصار التغريب ضد حجاب المرأة المسلمة، ومنذ ذلك الحين لم تهدأ المعركة التي اشتعلت نيرانها في أماكن كثيرة من العالم الإسلامي بل وغير الإسلامي. وكانت أول شرارة في تلك المعركة من الجانب التغريبي في مصر من صديق اللورد كرومر (مرقص فهمي) في كتابه (المرأة في الشرق) عام ١٨٩٤م، ولكنها لم تُحدث أثراً كالطلقة التي أطلقها قاسم أمين في كتابه المسمى (تحرير المرأة) عام ١٨٩٩م؛ وذلك بعد عودته من إتمام دراسته في فرنسا. ويلاحظ تلك النقطة الهامة ألا وهي المتعلقة بعودة قاسم أمين من فرنسا وتأليفه كتاباً سماه (تحرير المرأة) . ثم بعد أكثر من مائة عام تأتي فرنسا لتمنع الحجاب وهي الحاضنة لكل الأفكار التي تعادي الحجاب، وقد أحدث الكتاب ردود فعل شديدة وخاصة في التيار الإسلامي والمحافظ، خاصة بعد أن أشارت بعض الأخبار إلى دور الشيخ محمد عبده في وضع بعض فصول الكتاب، ولكن طلقة قاسم تم الرد عليها بمائة طلقة أو مائة كتاب ترد على شبهات وأباطيل قاسم أمين كان أبرزها كتاب (قولي في المرأة) للشيخ مصطفى صبري، واشتعلت نيران حرب ضد الحجاب لم تنتهِ، ومن الملفت للنظر أنه انبرى من التيار المحافظ طلعت حرب مؤسس الاقتصاد المصري للرد على قاسم أمين في كتابين هما كتاب (تربية المرأة والحجاب) والآخر (فصل الخطاب في المرأة والحجاب) ، شن فيهما هجوماً شديداً على قاسم أمين، وانبرى الزعيم الوطني مصطفى كامل للرد على قاسم أمين عقب صدور الكتاب مباشرة في شهر سبتمبر ١٨٩٩م في خطبة له بالقاهرة في أول اجتماع للحزب الوطني جاء فيها: (فلا يليق بنا أن نكون قردة مقلدين للأجانب تقليداً أعمى، بل يجب أن نحافظ على الحسن من أخلاقنا، ولا نأخذ من الغرب إلا فضائله؛ فالحجاب في الشرق عصمة أي عصمة؛ فحافظوا عليه في نسائكم وبناتكم، وعلموهن التعليم الصحيح، وإن أساس التربية التي بدونه تكون ضعيفة وركيكة هو تعليم الدين) وفتح مصطفى كامل جريدة اللواء لكل الكتاب للرد على قاسم أمين. وصل صدى الكتاب إلى العراق والشام وانبرى الشعراء والكتاب للرد عليه مثل الشاعر العراقي البناء حيث قال: وجوه الغانيات بلا نقاب ... تصيد الصيد بشرك العيون إذا برزت فتاة الخدر حسرى ... تقود ذوي العقول إلى الجنون واهتم الإنجليز بترجمة كتاب قاسم أمين وعرضه حتى وصل خبر وموضوع الكتاب مترجماً إلى الهند؛ واهتمام الإنجليز بترجمة الكتاب ونشره يدل بوضوح على أن الحرب ضد بلاد المسلمين لم تقف عند احتلال الأراضي فقط. ولقد رعى الإنجليز هذا التيار التغريبي، وانضم إليهم سعد زغلول، وألقت هدى شعراوي بحجابها، إعلاناً بدخولها المعركة عملياً، وألف قاسم أمين كتابه الثاني (المرأة الجديدة) على خطى ومنوال الكتاب الأول، وتصدى له أيضاً مصطفى كامل. والملفت أن القصر وقف مؤيداً التيار الإسلامي والمحافظ في تلك المعركة التي أسفرت في ذلك الوقت عن ظهور وتفوق التيار الإسلامي والمحافظ (ولكن أعداء الحجاب ظل لهم وجود وإن كان ضعيفاً) وظهر تفوق أنصار الحجاب في موقف الملك فؤاد عندما استضاف ملك أفغانستان أمان الله الذي انهزم أمام أعداء الحجاب، وكانت زوجته ثريا سافرة، وعندما علم الملك فؤاد بذلك ألغى الزيارة، ثم وافق على شرط أن تكون إقامة الملكة غير رسمية ولا تظهر في أي تجمع، بل ولا تظهر سافرة أبداً حتى تغادر مصر، ووافق على ذلك الملك أمان الله. (يلاحظ أنه بعد تحرير أفغانستان من الاحتلال السوفييتي كان الحجاب الأفغاني من أهم معالم أفغانستان التي عمل الاحتلال الأمريكي بعد ذلك على طمسها بكل السبل) ولكن كان لمركز سعد زغلول السياسي أثره في تقوية التيار التغريبي في الحياة المصرية خاصة في قضية الحجاب، حتى إنه بدأ بزوجته صفية كي تكون قدوة للآخريات. ولقد ساعد التيار التغريبي في حربه ضد الحجاب عدة عوامل أهمها: ١- سقوط الخلافة الإسلامية، وقيام دولة علمانية فرضت خلع الحجاب بالقوة عام ١٩٢٥م، ولم يكن من قبيل المصادفة أيضاً أنه عندما نصب الإنجليز شاه إيران رضا بهلوي على حكم إيران أن ألغى الحجاب الشرعي، وبدأ بزوجته، فخلع حجابها، وصادف ذلك التوقيت السيطرة العسكرية الاستعمارية للغرب على البلاد العربية والإسلامية مع إظهار تقدمهم الصناعي والتكنولوجي، وإبرازه في الدول المستعمرة لإبهار الشعوب خاصة المثقفين مع ربطهم للحضارة باتباعهم، وإبراز أن التخلف والتأخر في تمسك الشعوب بدينها وعاداتها وتقاليدها، كل ذلك أوجد حالة من الانهزام النفسي عند كثير من المثقفين فتعلقت قلوبهم وعقولهم بكل ما هو غربي، ولم يفرقوا بين النافع والضار لمجتمعاتهم. ٢ - انتشار السينما والمسرح، وسيطرة التيار التغريبي على تلك الوسائل، ونشر أفكاره عبر دس السم في العسل. ٣ - السيطرة على التعليم عبر منهج دنلوب الإنجليزي والمدرسين الأجانب والبعثات التعليمية للبلاد الأوروبية والمدارس الأجنبية. ٤ - السيطرة على الصحافة. كل هذه العوامل ساعدت في ذلك الوقت في الثلاثينيات على زيادة قوة التيار التغريبي ليس في مصر فقط، ولكن أيضاً في بعض البلاد الإسلامية. وكان أخبث خطط التغريبيين التي تم تنفيذها عبر الوسائل الإعلامية أن جعلوا أعظم أهداف الشعوب هو الجلاء العسكري للمحتلين فقط، أما غير ذلك من فكر وعادات الغرب التي تخالف عقيدة وهوية الشعوب فقد سربوها للناس على أنها وسائل النهضة والتقدم والرقي كي نلحق بركب الأمم القوية. وظل الحال كذلك حتى الخمسينيات، ولم يعرف خلع الحجاب طريقه إلا عند بعض المثقفين المتغربين ومن قلدهم، وانحصر في نطاق ضيق، ولم يتغير الوضع كثيراً مع رحيل الاستعمار وتغير الأنظمة الحاكمة؛ ذلك أن الوطنيين الذين ملكوا زمام الحكم شربت عقولهم كل الأفكار الغربية. ولكن مع ذلك التفوق التغريبي ظهر تواجد قوي تمثل في الإخوان المسلمين وبعض الجمعيات الإسلامية؛ ولكن فترة الخمسينيات في مصر تميزت بصدام الدولة مع الإسلاميين، وأيضاً فترة السيتينات، وتزامن ذلك مع امتداد المد الشيوعي إلى مصر، فظهر تفوق للسفور، وانتشر خلع الحجاب خاصة في المدن، وظهرت تقليعة الميني جيب والميكرو جيب، وكان ذلك لنجاح الفكر الغربي في بناء قاعدة قوية موالية في التعليم والصحافة والفن استطاعت مع ظهور التلفزيون وانتشاره أن تظهر تفوق التيار التغريبي في معركة الحجاب مع خلو الساحة من النشطاء من التيار الإسلامي والمحافظ، وضعف المؤسسة الدينية الأزهرية نتيجة كبت الحريات والاعتقالات، واضطهاد التيار الإسلامي في ذلك الوقت، ولعل في ذلك تأويلاً لحديث النبي ﷺ : «صنفان من أمتي لم أرهما قط: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها ظهور الناس، ونساء كاسيات عاريات..» ، وقد فسر الحديث أنه مع اشتداد طغيان السلطة الحاكمة في بلاد المسلمين يقترن بذلك ظهور النساء كاسيات عاريات، ويؤكد ذلك التفسير الحكم الأتاتوركي في تركيا، والحكم البهلوي في إيران، وبورقيبة في تونس الذي فرض خلع الحجاب على النساء في تونس. إلا أن هزيمة ١٩٦٧م كانت صدمة أعادت الناس إلى الإسلام، ووضح ذلك في بداية السبعينيات مع حكم الرئيس السادات؛ فمع أنه كان مولعاً بالغرب إلا أن حسابات الواقع فرضت عليه الانفتاح مع الإسلاميين وإخراجهم من السجون والمعتقلات، فعاد التيار الإسلامي إلى التواجد بقوة، وازدادت معركة الحجاب سخونة في مصر، وظهر لأول مرة النقاب في جامعة القاهرة، وظهرت معارض بيع الحجاب في الجامعات المصرية بأسعار زهيدة، وانبرى الدعاة غير الرسميين يحملون اللواء في معركة الحجاب عن طريق المنابر وأشرطة الكاسيت، ولم يسكت التيار التغريبي الذي ازدادت قوته بانفتاح الدولة على الغرب سياسياً واقتصادياً وفي شتى المجالات، وتبوأت الريادة في الفريق التغريبي الصحفية أمينة سعيد، وما لبثت أن دخلت زوجة الرئيس السادات معركة الحجاب؛ ففي حديث لمجلة فرنسية سئلت عن انتشار عادة الحجاب في مصر ورأيها في ذلك، فأجابت: (إنني ضد الحجاب؛ لأن البنات المحجبات يخفن الأطفال بنظرهن الشاذ، وقد قررت بصفتي مدرِّسة في الجامعة أن أطرد أي فتاة محجبة من محاضرتي..) . وقد بلغ قلق التغريبيين من الحجاب مداه بعدما تعدت الدعوة إلى الحجاب والالتزام به التيار الإسلامي إلى التيار المحافظ وإلى عامة الشعب، وتميزت فترة السبعينيات والثمانينيات بظهور التيار السلفي بقوة بجانب الإخوان المسلمين في معركة الحجاب لمواجهة المخالفين بالأدلة الشرعية الواضحة في حكم فريضة الحجاب مما أعطى التيار الإسلامي قوة في المعركة، واندفع كل فريق في المعركة مستخدماً أسلحته: التيار التغريبي استخدم الصحف والمجلات والإذاعة، وكان لظهور التلفزيون مع بداية السبعينيات في الريف والوجه البحري والقبلي أثره البالغ في التبرج وخلع الحجاب فضلاً عن السينما والمسرح. ومن جانب آخر استخدم التيار الإسلامي منابر المساجد والجامعات ومعارض الكتب لبيع الحجاب وأشرطة الكاسيت، وكانت قوته في الالتفاف الشعبي حوله، بينما كانت قوة التيار التغريبي في طبقة النخبة من بعض المثقفين المتعلقين بالتغريب والفنانين والإعلاميين المتغربين، واستطاع التيار التغريبي أن يؤلب النظام ضد الإسلاميين مستغلاً عدة أحداث؛ فاصطدم النظام بالإسلاميين، وكانت أحداث سبتمبر واعتقال معظم الدعاة أصحاب الدور الرائد في معركة الحجاب.. وكان رد الإسلاميين عنيفاً، فقتل السادات، وقال خالد الإسلامبولي قاتل السادات في أسباب قتله إنه - أي السادات - استهزأ بالحجاب، وقال عن الحجاب إنه خيمة في إحدى خطبه، واصطدمت الدولة بالتيار الإسلامي، وانحسر المد الإسلامي فترة مؤقتة، ثم عاد الوضع في منتصف الثمانينيات كما كان عليه من صراع ونزال بين الإسلاميين والتغريبيين في معركة الحجاب، ولكن في تلك الفترة وقعت مفاجأة مذهلة حيث انضم لمسيرة الحجاب طائفة جديدة أحدث اهتداؤها للطريق الصحيح نكسة وزلزلة لدى التغريبيين وهن الفنانات المعتزلات التمثيل المعلنات عن ارتدائهن الحجاب، ولم يفق التيار التغريبي من تلك الصدمة حتى الآن، ولكنه اجتمع يوجه سهامه ضد تلك الفنانات بكل الطرق والأساليب، ولكن معركته معهن كانت خاسرة؛ حيث ازدادت أعدادهن، ومن ثم لجأ أعداء الحجاب إلى التشكيك، وأدخلوا سلاحاً جديداً في المعركة ضد الحجاب وهو الأفلام والمسلسلات، واستطاع أعداء الحجاب أن يستغلوا الصراع بين الدولة والتيار الراديكالي في أحداث العنف التي وقعت في بداية التسعينيات في الحصول على قرار بمنع دخول المنقبات الجامعات المصرية، ودارت معارك قانونية استطاع فيها التيار الإسلامي أن يفوز بأحكام قانونية لصالح الحجاب، ولكن أعداء الحجاب نجحوا في التضييق على لبس الحجاب في المدارس. ولكن: هل وقفت الحرب ضد الحجاب بعد مرور أكثر من مائة عام؟ المؤكد أنها لم تقف وإن كانت انتشرت في أماكن كثيرة في العالم الإسلامي بصور شتى؛ ففي تركيا أرض الخلافة الإسلامية العثمانية سابقاً كانت هناك معركة من الدولة ضد الحجاب في الجامعات، بل وضد نائبة في البرلمان بسبب ارتدائها الحجاب، وفي تونس حرب متنوعة ضد الحجاب والمرأة المسلمة بأشكال متنوعة وسافرة. الحرب ما زالت مستمرة لم تقف، ولعل ما قدمناه في هذه الدراسة الموجزة عن المعركة والحرب ضد الحجاب في مصر وغيرها من بلاد المسلمين يعطينا الرؤية للقرار الفرنسي بمنع الحجاب، فهو يمثل انعكاساً للمعركة، وحالة الاختلاف حول الحجاب في بلاد المسلمين الذي يعد فرضاً شرعياً على كل مسلمة وليس رمزاً أو مظهراً تستطيع المسلمة التنازل عنه، ولكن نظراً لحالة الضعف والتفلت من الأحكام الشرعية عند المسلمين وتساهل المسلمات في شأن الحجاب كان صدى ذلك القرار الفرنسي الذي لم يجد حول الحجاب قوة تحفظ له مكانته في بلاد المسلمين، وازداد الأمر سوءاً بتساهل بعض المرجعيات الإسلامية في الأمر «شيخ الأزهر» وتقديم التبريرات والمسوغات للحكومة الفرنسية في منع الحجاب؛ مع أن القرار يتعارض مع علمانية فرنسا وحقوق الإنسان، ولكن لما هان الأمر عند المسلمين كان أهون عند غيرهم من غير المسلمين. ولعلهم يتساءلون في حيرة: لماذا تلك الضجة إذا كان المسلمون لا يتمسكون هم بالحجاب؟ ولكن الحقيقة أن الموقف يدل على زاوية أخري وهي أن الغرب وجد أن علمانيته تحافظ على هوية المسلمين رغم التزامهم بالقوانين؛ فلم يجد مفراً من الدخول في المعركة لإثبات الذات والهوية الغربية التي نجح في ترسيخها عبر وكلاء له في دول المسلمين. ويبقى أن المستجدات بالنسبة لكل تعارض مع أحكام الإسلام سوف تكثر؛ لأن مناخ الضعف والتمزق والانفلات من أحكام الإسلام والتسيب يسود العالم العربي والإسلامي. وأيضاً لا ننسي أن العولمة من مقاصدها تذويب الهوية الإسلامية، والفرصة متاحة الآن في ظل حالة العداء ضد الإسلام المعنونة بـ (الحرب ضد الإرهاب) والحرب ضد الحجاب أهم مدخل لتفكيك هوية المرأة المسلمة التي هي نصف المجتمع وأساس الأسرة؛ فإن انعدمت هويتها تزلزل المجتمع وانهارت الأسرة إسلامياً، وبقي الوجه الغربي ظاهراً في الحياة في بلاد المسلمين. ولكن كما سبق هي معركة لها طرف آخر وهم المتمسكون بأحكام الإسلام الذين يجاهدون بكل الطرق للحفاظ على الهوية والحفاظ على المجتمع والأسرة ليظل الصراع مستمراً. وبقي أن الحرب ضد الحجاب مظهر ووجه من أوجه الصراع ضد الإسلام بأشكال وأنماط مختلفة ومتنوعة.

стр. 4845

ملفات الحرب على الحجاب مدخل للتغريب المرأة وملامح الحرب الصليبية الجديدة على عالم الإسلام كمال السعيد حبيب يمثل القرن الجديد قرناً فاصلاً في التاريخ الإنساني، وفي التاريخ العربي والإسلامي خاصة، فهو أشبه بمذراة كبيرة هائلة قلبت الأمور رأساً على عقب، وأثارت زوابع وعواصف وضباباً محيراً، وكيف يكون هذا القرن فاصلاً، والعالم العربي والإسلامي يواجه وحده دون بقية حضارات العالم وأممه هجمة لا ترحم هي في الحقيقة التي لا مراء فيها هجمة صليبية عاتية وعنيفة يوجهها ما يمكن أن نصنفهم بأعلى طبقات الأصوليين الإنجيليين (الصليبيون الجدد المتحالفون مع اليهود) الأمريكيين والبريطانيين؛ متسلحين بقوة عسكرية وتقدم تقني لا مثيل له في التاريخ. في الحملات الصليبية على العالم الإسلامي، والتي قادتها بشكل أساسي الكنيسة الكاثوليكية فيما عُرف باسم «حملات الاسترداد» ، والمقصود بها استرداد العالم العربي والإسلامي إلى حظيرة الصليبية، هذه الحملات استمرت مئتي عام كاملة في موجات لم تهمد أو تهدأ إلا على يد صمود إسلامي، عبّرت عنه الأمة بكامل قوتها وطاقتها شعوباً وقادة. وبالمناسبة فهذه الحملات الصليبية كانت موضع دراسة وافرة من قِبَل اليهود لمعرفة الأسباب التي أدت إلى إخفاقها رغم نجاحها في بعض الأحيان في إقامة مواطئ أقدام لها على سواحل البحر المتوسط في فلسطين مركز الصراع بين عالمنا العربي والإسلامي منذ الحملات الصليبية. وانتهى اليهود إلى فهم أسباب إخفاق الحملات الصليبية في أن تكوّن وجوداً استعمارياً استيطانياً ثابتاً لا يتزعزع في هذه المنطقة المقدسة، وإبّان الموجات اليهودية الاستعمارية الجديدة للسيطرة على فلسطين كان المشروع الصهيوني يحاول استكمال المشروع الصليبي؛ أي أن التكامل بين المشروع الصليبي القديم والمشروع الصليبي الجديد هو في جوهره تعبير عن موقف الحضارة الغربية في مواجهة الحضارة الإسلامية، فالمشروع الصهيوني هو بالأساس مشروع غربي في مواجهة العالم الإسلامي، يحاول استكمال المشروع الصليبي القديم [١] . واليوم تأتي الحملة الأمريكية الجديدة على العالم الإسلامي تمثل إعادة التكامل والتلاحم بين المشروع الصليبي واليهودي معاً في مواجهة العالم الإسلامي المعاصر [٢] ، وهنا نجد المحافظين الجدد المتربعين على سدة الحكم في البيت الأبيض يمارسون الدور القديم نفسه لرجال الكنيسة الكاثوليكية الذين قادوا الحملات الصليبية على العالم الإسلامي، وروجوا لها ولكن بثياب مدنية؛ أي أن الروح الصليبية القديمة لا تزال في حكام العالم الغربي وإن اختلفت الثياب والبزات والموضات والأشكال، إنها الروح القديمة في ثياب جديدة [٣] . ومع انتهاء الحروب الصليبية على عالمنا العربي والإسلامي بالإخفاق الذريع، وقدرة الأمة المسلمة على أن تستعيد زمام المبادرة، وتصمد للتحدي الصليبي؛ بدأنا نسمع عما يمكن أن نطلق عليه بذور الحرب الجديدة على العالم الإسلامي، هذه البذور هي ما أطلق عليه في الأدبيات الإسلامية «الغزو الفكري» ، و «الغزو الثقافي» ، و «الغزو الحضاري» ، بدأ الغرب يكوّن طبقات جديدة، هذه الطبقات لم تنتجها الكنيسة ولا روح التعصب الديني الغربي في العصور الوسطى، أنتج هذه الطبقات عصر التنوير الأوروبي، وعصر النهضة والتقدم والعقل والإنسانية؛ ذلك لأن مرجعية العقل والتنوير والتحديث والتقدم والتطور وكل ما آثاره الفكر الغربي؛ لم ينفصل عن روح الحضارة الغربية التي ورثتها عن اليونان الوثنية، وعن روما الصليبية، وعن أفكار الفترة الكنيسية نفسها، الروح العنصرية البراجماتية التي تنظر للآخر باعتباره موضوعاً وليس ذاتاً. ومن هنا قادت هذه الأفكار الإنسانية إلى الاستعمار وإلى ابتلاء العالم العربي والإسلامي بل والعالم القديم كله ببلاء الحضارة الغربية [٤] ، هذه الطبقة الجديدة المستلهمة للأفكار العلمانية؛ أسست قواعد جديدة لإدارة العالم واستعماره، كان على رأسها «تحقيق ما نريد بوسائل جديدة» ، هذه الوسائل هي فهم خصائص العالم الإسلامي، واختراقه عبر الجواسيس والسفراء والدراويش والدراسات الاستشراقية، ومن هنا كان فهم روح الشرق أداة لاستلابه واستعماره، وسمعنا عن التبشير والاستشراق ثم الاستعمار [٥] . اليوم تمثل الحملة الأمريكية البريطانية على العالم الإسلامي «أعلى» مراحل الموجات الاستعمارية ضد أمة من الأمم، وهي «أعلى» موجات المد الغربي في مواجهة العالم الإسلامي، نقول «أعلى» بمعنى أنها تمتلك خبرة الغزو الفكري الحضاري الثقافي والغزو العسكري الاستعماري الاستئصالي معاً؛ أي أن بذور الغزو الفكري المتخلف القديم بلغت ذروتها اليوم، فالمؤسسات التي تدير معركة الأفكار والعقول والثقافة والحضارة اليوم؛ لا تقارن بالأساليب المتخلفة القديمة ذات الطابع الفردي، لكن القضايا هي نفسها، والاستراتيجية هي نفسها، استراتيجية عدم الاقتصار على الغزو العسكري كأداة للتطويع والامتلاك والسيطرة والهيمنة، وإنما يسبق ويرافق الغزو العسكري غزو ثقافي وحضاري وعسكري. بل إن الغزو الحضاري الثقافي هو الأسبق والأهم، وإذا قامت المعارك العسكرية لن تستمر، فإن معركة الأفكار يجب أن لا تهدأ ولا تنام [٦] . السؤال الأساسي في معركة الحضارة الممتدة بيننا وبين الغرب هو: كيف استطاع العالم الإسلامي الصمود في مواجهة الحملات الصليبية القديمة والجديدة دون أن تموت روح المقاومة فيه؟ ما الذي يجعل الناس في هذا العالم وحده يقفون مناوئين للأفكار القديمة التبشيرية الأمريكية؟ إننا بإزاء أمة لا تموت وحضارة كتب لها البقاء، لماذا؟ إن الإسلام هو الدين الحق، وكلمة الله الخاتمة للبشر، ولذا لا بد من الهجمة عليه، وإعادة تعريفه من جديد بحيث يتسق مع النصرانية، وبحيث لا يكون عاملاً مميزاً للأمة الإسلامية في مواجهة الاكتساح الغربي، لا بد من تفكيك عناصر التمسك في العالم الإسلامي وعلى رأسها الإسلام نفسه، بحيث حين يعرّف المسلم نفسه كمسلم لا يجد فرقاً بينه وبين النصراني أو البوذي أو الهندوسي ... لم نسمع مثلاً عن حملة صليبية على اليهود لإعادة هندسة أفكارهم وعقائدهم لتتكيف مع الصليبية الجديدة؛ على الرغم من أن الأفكار اليهودية كلها قائمة على أسس أسطورية عنصرية، وهي ضاربة في أطناب التخلف والرجعية والوثنية. دعك من الحديث المزيف لبوش أو غيره من العصابة التي تحكم البيت الأبيض عن الإسلام واحترامه، وانظر إلى حقيقة ما يحدث على الأرض ... إن السياسة العملية هي تعبير كامل عن فكر طبقة الاستراتيجيين الجدد في دوائر البيت الأبيض، مثل «هنتنجتون، فوكوياما، نيكسون، وولفويتز، كارل روف، كوندوليزا.. وغيرهم كثيرون» ، وهذا الفكر في جوهره يقوم على صِدَام ماحق مع الحضارة الإسلامية للإجهاز عليها. والمراقب للعلاقة بين الحضارة الغربية وعالم الإسلام حتى قبل أحداث سبتمبر؛ سوف يلاحظ نمو موجة عدوان وتصعيد على العالم الإسلامي لإخضاعه وتركيعه، وسوف يلاحظ المراقب أيضاً أن الغرب في علاقته بمناطق الدنيا قاطبة يرتب استراتيجية وفق مصالحه ورؤى أهل هذه المناطق؛ فيما عدا عالمنا العربي والإسلامي، حيث يرتب أوراقه من منظور صهيوني صليبي، يأخذ العمق الحضاري في الصراع مع العالم الإسلامي في اعتباره. وفلسطين وكشمير والشيشان والهجرة والأقليات المسلمة والعلاقة بين الجنوب والشمال؛ كلها شاهدة على أنها حرب صليبية حقيقية. وتمثل المنظومة العقيدية للإسلام موضوعاً للحرب الصليبية الجديدة على العالم الإسلامي، فهي منظومة من وجهة النظر الغربية تولد العداء للآخر غير المسلم خاصة، وهم يقصدون بذلك إلغاء صفة الكافر عن غير المسلم، وهم يقصدون إلغاء كل ما يتصل بمفهوم الولاء الإسلامي الذي يجعل من الأمة بنياناً مرصوصاً، وهم يريدون إلغاء كل ما يتصل بمفهومات الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبراءة من الكفر وأهله؛ أي أن مفهوم الكوكبة والعولمة (globalization) هو بالأساس مفهوم ثقافي يريد أن يفرض على العالم المفهوم الديني الغربي الأمريكي فقط. وليس شرطاً أن يفرض عليك مفهومات صليبية كما يفعل المنصرون، وإنما يفكك (Dissolution) ما تتمسك أنت به، وهذه معركته الكبرى وأرض المواجهة الحقيقية والمدافعة بين الحق والباطل. وفي متابعة لعلاقة الدين بالدولة في أمريكا وجدت تعبيراً أعتقد أنه صحيح، وهو ما يسمونه الدين المدني الأمريكي؛ أي أن أمريكا ليس لديها دين حقيقي منزل فيه شرائع ونظم كما هو في الإسلام، وإنما هو إطار تملؤه الأفكار والعادات والتقاليد التي لها طابع مدني ثابت. ومن ثم فالأفكار الأمريكية عن الإصلاح الديمقراطي، وعن حرية المرأة، وعن تغيير مناهج التعليم، وعن الخطاب الديني الجديد، وعن الحجاب والاختلاط ونظم الأسرة والأحوال الشخصية؛ جميعها ذات طابع مدني تحمل روح الأفكار الأمريكية إلى العالم، أو رسالة أمريكا إلى العالم، وبناءً على ذلك؛ فإن أمريكا تريد تفكيك ما لديك لتتبع أنت ما عندها. والسؤال هو: وما الذي يفيد أمريكا في أن تبقى المرأة محجبة أو أن تمارس تقدمها وتطورها وهي غير مختلطة بالرجال؟ وما الذي يجعل أمريكا تصر على إعادة بناء قوانين الأحوال الشخصية في العالم الإسلامي؟ لماذا تتدخل السياسة الأمريكية في العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة لدى المسلمين فقط؟ لماذا تمثل المرأة المسلمة محوراً للاهتمام الأمريكي؟ كل هذه الأسئلة تكشف عن حقيقة يتبناها الفكر الغربي، وهي أنه لكي تغير أمة أو شعباً فإن مفتاح تغييره هو المرأة [٧] ، من هنا لاحظنا مؤتمراً عالمياً عن المرأة في المغرب، وقانوناً جديداً للأسرة هناك، وفي مصر مجلس قومي للمرأة، وفي السعودية وهي المنطقة الأساسية الآن، المقصودة بالحملة الغربية على المستوى الفكري والحضاري يراد للمرأة أن تخرج وتختلط وتتبرج كما فعلت في منتدى جدة الاقتصادي الأخير [٨] ، ونحن بالطبع لسنا ضد المرأة، فهي أم وأخت وزوجة وبنت، ولكن أن تكون أداة العدو لتحطيم ثوابتنا وهز مجتمعاتنا، وهزيمة قيمنا وثوابتنا؛ فهذا ما نرفضه بقوة. لماذا يفرح الأمريكيون حين تعمل امرأة أفغانية مصففة للشعر، ولماذا يفرحون حين تشارك في فريق كرة القدم؛ هل المرأة العراقية أو الأفغانية تحررت بمجيء الاحتلال الأمريكي لبلادها؟ ولماذا يؤرخ العلمانيون لتحرير المرأة بنزع حجابها في مصر؟ هنا بعد رمزي، فحيث تتخلى المرأة المسلمة عما يربطها بدينها وإسلامها؛ فهذا معناه من المنظور الغربي الدخول إلى عالمي الحداثة والتحديث الغربيين. ألا يمكن للمرأة المسلمة أن تجمع بين الحداثة وبين الإسلام؟ أن تكون مسلمة وقادرة على التعامل مع أدوات العصر وتقنياته؟ لم تعد الحداثة عنواناً لنبذ الدين، وإنما الحداثة في مفهومها التقدمي الغربي هي التي تجمع بين أصول الدين وبين حقائق العصر، ولمن لا يصدق؛ عليه أن يراجع كتاب المفكر الفرنسي الكبير «آلان تورين» (نقد الحداثة) [٩] . إننا في عالمنا العربي والإسلامي نشاهد عن كثب نكسة الغرب وحيرته بسبب فصامه الفكري مع دينه، وهو يريد أن يحقق عندنا هذا الفصام، فليحذر العقلاء وأولو الأمر، خاصة في السعودية، من وسوسة الغرب ونفثه ونفخه الماكر لفرض صيغة حداثية علينا ثبت إخفاقها عنده. ثم تأتي معركة الحجاب في فرنسا وألمانيا وبلجيكا، وهي معركة تكشف عن البعد الحضاري الصليبي العميق في العلمانية الفرنسية، فالعلمانية وفق التعريف العلمي لها هي فصل السياسة عن الدين بحيث لا يكون للدولة أي دور في الموقف الديني أو العقيدي لأفرادها، فالدولة العلمانية هي دولة محايدة تجاه الدين لا يهمها أن يكون لمواطنيها دين معين، كما لا يهمها أن يكونوا بلا دين أصلاً، كما لا يهمها أن يكونوا متدينين، فحرية العقيدة هي من الحريات المكفولة في كل الدساتير الغربية، وهي مأخوذة من أفكار الحق الطبيعي للبشر وهي أفكار ذات طابع مسيحي، وترفع فرنسا شعار الحرية والإخاء والمساواة، وترى أنها مدينة النور والعقل والحرية، لكن ما الذي حدث لها اليوم حتى تضيق بالنساء المسلمات المحجبات في المدارس والمؤسسات العامة وفي الشوارع؟ ما الذي جعل فرنسا التي اتسعت شوارعها وآفاقها لكل شارد مطرود ومتسكع ومتحرر وملحد وهيبز أن تضيق على الحجاب الإسلامي؟ إن المتابع لخطب شيراك الذي أعلن فيه تأييده لمشروع القانون الذي يقضي بمنع الحجاب الإسلامي في المدارس والمؤسسات العامة بدعوى حماية العلمانية؛ يكتشف الوجه الاستبدادي للعلمانية، إن العلمانية هي أيديولوجية الدولة القومية التي تعطي الحرية للبروتستانت لكنها لا تمنحها للمسلمين، فالعلمانية هي التي أعطت البروتستانت الحق في التعبير عن عقائدهم في مواجهة الشمولية الكاثوليكية. والعلمانية هي التي أعطت اليهود الحق في التعبير عن عقائدهم وأفكارهم ووجودهم، لكنها اليوم تنتفض لمنع المسلمين حقهم في إقامة فرائض دينهم؛ ذلك لأن العلمانية تستبطن التقاليد الكاثوليكية في فرض صيغة كلية ذات طابع شمولي على مواطنيها؛ هي أيديولوجية الدولة القومية الفرنسية. لكن هذه الدولة الفرنسية العلمانية ذات طابع كاثوليكي، فهي تحتفل بأعياد الميلاد وتمول المدارس الكنيسية وتدعم الكنيسة وتستخدمها كأداة أيضاً في السياسة الدولية. إن بعض المحللين الفرنسيين تحدث عن أن العلمانية لم تكن سوى قلب للكاثوليكية لكنها استلهمت روحها، فهي استبدلت الحرية والإخاء والمساواة بـ الأب والابن والروح القدس. واستبدلت الطابع الشمولي للكنيسة بالطابع الشمولي للدولة القومية - التي يعبر بعضهم عنها بالدولة الإله -، واستبدلت طابع الإيمان بالله بالإيمان بالعقل والإنسان، وبقيت الروح العنصرية التي ترفض التسامح كامنة في جذورها، لكن التساؤل هو: لماذا ظلت العلمانية عاملاً محايداً حتى إذا بلغ المسلمون في فرنسا ستة ملايين نسمة، فإذا بها تنصب لتفرض عليهم سلوكاً يتنافى مع حريتهم العقيدية؟ العلمانية الفرنسية اليوم هي تقليد لما يطلق عليه العلمانية النضالية secularism Militant [١٠] ، وهي في ذلك مثل العلمانية الكمالية في تركيا وعلمانية بورقيبة في تونس؛ أي هي علمانية استبعادية في مواجهة الإسلام، وعلمانية متحررة مع المذاهب الأخرى. وأخيراً فإن ملامح الحرب الصليبية الجديدة على العالم الإسلامي تهدف بشكل وافر إلى تفكيك المحاضن الاجتماعية والعقيدية والحضارية التي حمت الإسلام منذ ظهوره، فلم يعد الأمر متصلاً بما تسميه السياسة «احتلال الدول» ، وإنما تغيير التركيبة الحضارية الشاملة لأمة الإسلام بدءاً من الإسلام نفسه وحتى اللحى [١١] وأنماط اللبس والأكل. ومجيء أمريكا إلى المنطقة هو بقصد الإشراف على تنفيذ ما يطلقون عليه «حرب الأفكار ومعارك العقول والعقائد» ، وهم في ذلك يريدون البدء بالدول التي تعتبر معاقل للإسلام، وبالمناطق التي حافظت على التقاليد الإسلامية الاجتماعية خاصة الحجاب. وهذا واضح في منطقة الخليج والسعودية تحديداً، فرغم اقتحام الحداثة الغربية فقد ظلت التقاليد الإسلامية حية فيما يتصل بنمط الملبس سواء بالنسبة للرجل والمرأة، والعلاقات الاجتماعية، وعدم الاختلاط، وهنا فإن أحد أهداف هذه الحرب تفكيك التواصل الاجتماعي مع نمط الحياة الإسلامية في هذه المجتمعات، وعلينا أن نأخذ العبرة من الدولة العثمانية التي أذعنت للضغوط الغربية في فرض أنماط جديدة للعلاقات داخلها وفق النمط الغربي، وهو ما أدى إلى تفكيك الدولة العثمانية فيما بعد، وأيضاً «البروسترويكا» و «الجلاسنوست» اللتان أطلقهما جورباتشوف قبل تفكك الاتحاد السوفييتي؛ هما اللتان أدتا إلى انهياره، ونحن فقط نأخذ العبرة، نحافظ على خصوصياتنا وننفتح للغة العصر وقواعده، دون إهدار لهذه الخصوصية إزاء خصائص العصر، في وسطية عاقلة ورزينة. المعركة اليوم حول إعادة رسم وبناء أسس الحضارة الإسلامية وفق الرؤية الغربية التي لا تمتلك في الواقع رؤية، لكنها فقط تريد التفكيك لما نملكه نحن؛ لذا فالحرب شرسة وتحتاج إلى يقظة ووعي، الإصلاح والتجديد مطلوبان لكن وفق قواعدنا وليس وفق إملاءات الخارج وشروطه.. بالطبع الحرب لها رجال وأموال، وهذا ما تفعله أمريكا، فهي تنشئ شبكة من المثقفين الموالين لأفكارها، وهو ما يعرف باسم حزب أمريكا في العالم العربي والإسلامي، «وهي تنفق المال لإعادة تغيير المناهج ونظم التعليم وحرية الصحافة والنقابات والمرأة. وبعض هذه القضايا قد يكون مطلوباً وحقيقياً، ولكن بأيدينا نحن ووفق مقتضيات ومطالب مجتمعاتنا لا وفق إرادة الغرب، [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا] (البقرة: ٢١٧) ، [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) ، والملة هنا معنى أوسع من مجرد الدين، فهي تعني نمط حياتهم، ورضا الأمريكان والغرب هو بداية الانهيار والسقوط، من هنا كان قولنا بأن العالم الإسلامي يمر بمرحلة مفصلية في تاريخه؛ فإما أن يصمد وإما أن يستبدله الله استبدالاً: [وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ] (محمد: ٣٨) . إن بعض الناس يتحدث عن القتال هل هو فرض عين أو كفاية في حال دهم العدو ليلاً لبلاد المسلمين؟ لكن الدهم الثقافي لعقولنا ولأفكارنا ولضمائرنا ولإسلامنا هو الذي عناه الحديث:» وليس وراء ذلك أدنى حبة خردل من إيمان «؛ أي أنه فرض لا يجوز الترخص فيه أو المهادنة أو السكوت؛ لأنه يقصد الإسلام نفسه، ويقصد الأمة نفسها، ويقصد الذكر نفسه. وعلينا - نحن المسلمين - أن نتمسك بحبل الله ونستعين به، ونرابط على الأمانة التي كلفنا الله بها، [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا] (آل عمران: ١٠٣) ، والدفع والدفاع والمرابطة هو سبيل هذه الأمة للبقاء. [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ] (البقرة: ٢٥١) .

стр. 4846

ملفات الحرب على الحجاب مدخل للتغريب ضجة جديدة حول الحجاب تفتح ملف حقوق المسلمين في فرنسا فوزية محمود سليمان [*] fawzia_m_s@hotmail.com أثيرت مجدداً في عدد من البلاد الأوروبية ظاهرة انتشار الحجاب (غطاء الرأس) بين زوجات وبنات المهاجرين المسلمين المقيمين في تلك البلدان، وفي الوقت الذي أقرت فيه محكمة ألمانية يوم الثلاثاء ٢٧/٧/١٤٢٤هـ الموافق ٢٣/٩/ ٢٠٠٣م، حق واحدة من المعلمات من أصل أفغاني في إحدى المدارس الحكومية، بلبس الحجاب بعد أن منعت من ذلك أثناء ممارسة التدريس، عبرت «توقية سيفي» وزيرة التنمية في حكومة يمين الوسط الفرنسية، عن معارضتها الشديدة لارتداء الطالبات المسلمات الحجاب الشرعي في المدارس الفرنسية، وقالت إنها ستبذل كل ما في وسعها لمنع مثل هذا الأمر. * إعادة موظفة محجبة بأمر المحكمة: ولعل قصة الحجاب في فرنسا قد أخذت بُعدها المناسب في الصحافة والتلفزيون الفرنسيين، منذ النصف الثاني من ديسيمبر ٢٠٠٢م، عندما أمرت المحكمة الفرنسية شركة كبرى في باريس، بإعادة موظفة مسلمة إلى عملها كانت قد فصلتها من العمل بسبب ارتدائها الحجاب في عملها. وطالبت المحكمة شركة إس. آر تيلي بيرفورمانس للهواتف؛ بأن تدفع لـ «دليلة طاهري» (٣٠ عاماً) الجزائرية المولد، كافة أجورها التي لم تتقاضها منذ فصلها في يوليو السابق ٢٠٠٢م، مع دفع غرامة مالية قدرها ألف يورو بسبب الفصل التعسفي للموظفة المذكورة. وفصلت دليلة التي ترتدي الحجاب منذ ثماني سنوات من عملها بعد أن رفضت الإذعان لمطالب مديرها بأن ترفع الحجاب عن جبهتها ورقبتها، ودفعت دليلة أمام المحكمة في العاصمة باريس بأن دينها يمنعها من ذلك، ورفضت افتراضاً بأن ارتداء الحجاب يقلل من شأن المرأة، وقالت في مقابلة معها للتلفزيون الفرنسي بعد الجلسة: «بالنسبة لي، فالمرأة والرجل متساويان [١] ، ويجب أن تتمكن المرأة من العمل وتشارك في المجتمع الذي تعيش فيه» ، بينما علقت المحامية والخبيرة في قضايا الهجرة إيمانويل هاوز فيليزون قائلة: «إن الحكم يرسي سابقة في أكبر تجمع للمسلمين في أوروبا» ، وأضافت: «إذا قرر صاحب عمل آخر فصل سكرتيرته؛ لأنها ترتدي الزي الإسلامي، فإن محاميها سيستخدم هذه القضية» . ويرى مراقبون أن هذه القضية أتت يومها في سياق محاولة الدولة العلمانية التي تقطنها أغلبية كاثوليكية متعصبة، تحسين العلاقات مع خمسة ملايين مسلم من سكانها. وقال تينو جرومباش محامي دليلة: «إن هذا يثير تساؤلات عما إذا كان ذلك مؤشراً على تحول في المناخ العام للشركة التي سمحت بالحجاب ثم غيرت رأيها بعد ١١ سبتمبر» . لكن القضية لم تنته بعد صدور الحكم، إنما بدا وكأنها قد بدأت؛ حيث بدأت حملة إعلامية مكثفة تحت ستار سياسي خفي، يعلن عن حيرته بين شعارات الحرية التي نصت عليها فرنسا العلمانية في صلب دستورها، وبين ضغط الرأي العام الكاثوليكي الذي أصبح يشعر بكثير من عدم الارتياح للتوسع الأفقي الذي يحققه المد الإسلامي بين ثنايا المجتمع الفرنسي. * المحفل الماسوني يقرر: وكان على جان بيير رافاران، رئيس الوزراء الفرنسي الذي لم تمض أيام على توليه منصبه أن يدلي بدلوه، ويفصح عن رأيه في أول لقاء له أمام أكبر لوبي ضغط في فرنسا، وهو المحفل الماسوني الفرنسي، يوم الأربعاء ٢٥/٤/١٤٢٤هـ الموافق ٢٥/٦/٢٠٠٣م؛ حيث قال رداً على سؤال عدد كبير من أعضاء المحفل: «إن فرنسا ربما تصدر قانوناً جديداً يحظر الحجاب الإسلامي وغيره من الرموز الدينية (الإسلامية) في المباني والمدارس العامة، إذا لم يحترم هؤلاء الناس السياسات العلمانية للجمهورية. وأوضح رافاران أمام المحفل الماسوني الفرنسي أنه يأمل أن تكون التقاليد العلمانية لفرنسا من القوة، بما يكفي لأن يحترمها كل السكان، قائلاً:» إذا لم يكن هناك إجماع وخاصة على الرموز والسلوك المرتبط بالدين في المنشآت العامة، فلن أتردد في فرض احترام العلمانية بالقانون «. ورأى بعض أعضاء المحفل أن يتقدم عدد من النواب المحافظين بطلب إصدار» قانون بحظر الحجاب «، لكن آخرين ترددوا وكشفوا القناع عن حقيقة ممارسة العنصرية ضد المسلمين، وعبروا عن خشيتهم مما يمكن أن يترتب على ذلك من عواقب، مثل حظر غطاء الرأس اليهودي التقليدي، أو تعليق قلادة الصليب التي ترتديها الفتيات النصرانيات، وغير ذلك من مظاهر دينية هي جزء من ممارسات الشعب الفرنسي. إلا أن التقارير الصحفية الفرنسية التي لم تعلم ما دار في كواليس المحفل الماسوني، ارتفعت حدتها أكثر من ذي قبل ضد فتيات يرتدين الحجاب في المدارس، وضد حمامات سباحة البلدية التي اضطرت لتخصيص فترات للنساء استجابة لطلب جماعات إسلامية؛ وهو الأمر الذي اضطر معه رئيس الوزراء الفرنسي جان بيار رافاران أن يجدد رفضه لارتداء الحجاب في المدارس والمؤسسات التعليمية الفرنسية، وقال في تصريح له يوم الإثنين ٢٦/٧/١٤٢٤هـ الموافق ٢٢/٩/٢٠٠٣م:» إن المظاهر الدينية مثل ارتداء الحجاب الإسلامي لا مكان لها في المؤسسات التربوية في فرنسا «. وأوضح في حديث تلفزيوني» أن المدرسة الرسمية لا يمكن أن تكون مكاناً للتعبير عن الالتزام الديني «. وأضاف رافاران أنه مع ممارسة كل فرد ديانته بحرية، ولكنه أعرب عن معارضته للتعبير من خلال المظهر عن الانتماء الديني، مشيراً إلى أن المدرسة ليست مكاناً للدعاية السياسية والدينية، وأنه:» إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، فإن قانوناً بهذا الأمر سيصدر «. وفي مواجهة الاعتبارات التي نبه بعض الماسون إلى الخشية من حدوثها صدر قرار بتشكيل لجنة وطنية تهدف إلى إيجاد مساحة تفاهم أوسع حول مبادئ العلمنة في فرنسا، لكن اللجنة سرعان ما أصابها شرخ كبير، بسبب انقسام حاد بين أعضائها، حول حق المسلمات في ارتداء الحجاب، بين مؤيد للمنع الكلي له في المدارس، وبين مؤيد للحوار حوله، ووضع قواعد عادلة تساوي بين المسلمين وغيرهم في إعلان مظاهر عقيدتهم. * الوزيرة الفرنسية تعلن الحرب: وهنا لم تشأ» توقية سيفي «أن تضيع الفرصة لمساندة الرجل الذي اختارها لتكون وزيرة في وزارته، ولتعبر له عن امتنانها بالجميل، فبادرت وهي الوزيرة المسلمة الوحيدة في الحكومة الفرنسية [٢] في تصريح مطول لها يوم الأربعاء ٥/٨/١٤٢٤هـ الموافق ١/١٠/٢٠٠٣م، أنها ترفض وضع الطالبات لغطاء فوق الرأس، وطالبت بتضمين إرشادات العام الدراسي ٢٠٠٤ توصية بمنع الطالبات من وضع ذلك الغطاء، وإجراء تحقيق فوري وموسع حول المظاهر الدينية في المدارس الحكومية التي تشهد تزايداً واضحاً في عدد الطالبات المسلمات اللاتي يرتدين هذا الغطاء ويطلق عليه اسم الحجاب. وتقية سيفي (٤٣ عاماً) المولودة في عائلة جزائرية مكونة من عشرة أشخاص، هاجر والدها لفرنسا سنة ١٩٤٥م واستوطن شمال فرنسا، عاملاً فى مصانع الحديد والصلب، كانت أول عربية فرنسية دخلت البرلمان الأوروبي سنة ١٩٩٩م، على قائمة حزب الديمقراطيين الليبراليين بزعامة آلان مادلين، ثم اختارها رئيس الوزراء الفرنسي المؤقت جان بيير رافاران في مايو ٢٠٠٢م، على قائمة حكومته التي تضم ١٥ وزيراً و٢٢ وزير دولة، لتكون أول وزيرة للتنمية الدائمة منذ ١٩٥٨م. * طرد شقيقتين محجبتين من مدرستهما: واستجابة فورية لتصريحات الوزيرة المسلمة، اتخذ المجلس التأديبي في مدرسة هنري والون لاوبرفيلييه الثانوية الفرنسية قراراً نهائياً بطرد شقيقتين من المدرسة؛ لأنهما رفضتا نزع الحجاب. مما دعا حركة مكافحة العنصرية والدفاع عن الصداقة مع الشعوب إلى إعلان قرار المجلس بطرد» إلما «و» ليلا «ليفي؛ المسلمتين الفرنسيتين، نهائياً من مدرستهما في ختام اجتماع له يوم الجمعة ١٤/٨/ ١٤٢٤هـ الموافق ١٠/١٠/٢٠٠٣م. وكانت إدارة المدرسة قد وجهت انتقاداتها المتكررة للطالبتين منذ بداية السنة الدراسية أمام زميلاتهما، معتبرة أنهما ترتديان زياً بهدف التفاخر، وهو ما نفته الفتاتان باستمرار. وبعد عدة اجتماعات كانت هيئة التفتيش الأكاديمية قد قررت يوم ٢٤ سبتمبر الماضي طردهما مؤقتاً بانتظار اجتماع المجلس التأديبي. وقالت» إلما «عند مغادرتها المجلس التأديبي:» أشعر بخيبة أمل وغضب، إنه أمر فظيع، أعتقد أن القرار اتخذ منذ فترة طويلة، وأرادوا أن يجعلوا القضية مثالاً «. وبينما لم تعلق الوزيرة المسلمة تقية سيفي على الواقعة التي جاءت استجابة لتصريحاتها. من ناحية أخرى قال مولود أونيت رئيس حركة مكافحة العنصرية: » إنها هزيمة كبيرة تفضح العلمانية وضجيج ادعاءاتها بالفكر والحوار «، كما أعلن جيرار تشوكاليان محامي الشقيقتين، عزمه على استئناف القضية أمام المحكمة الإدارية. * نصيحة جزائرية لفرنسا بشأن الحجاب: وعلى صعيد آخر صرح وزير الداخلية الفرنسي نيقولا ساركوزي، الذي قام بزيارة إلى الجزائر السبت ٢٩/٨/١٤٢٤هـ الموافق ٢٥/١٠/٢٠٠٣م، أنه تلقى نصيحة من العديد من الأشخاص الذين التقاهم بعدم الاستجابة لرغبات زميلته الوزيرة المسلمة العلمانية في إصدار قانون ضد الحجاب الإسلامي في فرنسا. وقال ساركوزي أمام صحفيين فرنسيين إن بعض محاوريه حذروه من سن قانون يحظر الحجاب، معتبرين أن إصدار قانون إزاء هذا الموضوع سيؤدي إلى تشدد أكثر. واعترف ساركوزي بصعوبة تشريع مثل هذا القانون، وقال إنه إذا اضطرت فرنسا لإصداره، فإن» صياغته ستكون صعبة «، كما أكد أن» الوقت ليس مناسباً لمثل هذا القانون «. وكان ساركوزي قد أبدى على الدوام معارضته لإقرار قانون كهذا» إلا كحل أخير «. وأشار وزير الداخلية الفرنسي إلى أن ظاهرة ارتداء الحجاب تتراجع في المدارس، بينما يشهد ارتفاعاً في قطاع العمل، وقال إنه في المدرسة» يجب الوثوق بمديري هذه المدارس لعلاج هذا الأمر «معتبراً في الوقت نفسه أن» وزير التربية الوطنية الفرنسي يمكنه إصدار التعليمات المناسبة لمديري المدارس «. ومن جهته قال السفير الفرنسي في الجزائر دانيال برنار الذي كان حاضراً أثناء الإدلاء بهذه التصريحات: إن وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بلخادم قدم له النصيحة نفسها. * ملف التمييز العنصري: وكان وزير الداخلية الفرنسي نيقولا ساركوزي قد اعترف في تصريح له تناقلته وكالات الأنباء يوم الأربعاء ١٢/٨/١٤٢٤هـ الموافق ٨/١٠/٢٠٠٣م، بأن المسلمين في فرنسا يعانون من التحيز ضدهم في العمل ونقص دور العبادة وغيرها من الخدمات الدينية مقارنة مع أتباع الديانات الأخرى. كما نقلت الوكالة الفرنسية قول الوزير الفرنسي في اليوم السابق مباشرة، أمام لجنة رسمية معنية بمراجعة قانون الفصل بين الكنيسة والدولة:» من الحقائق الاعتراف بأن مواطنينا من المسلمين لا يتمتعون بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها معتنقو الديانات الكبرى الأخرى، وعلى سبيل المثال فإنه لا وجود تقريباً لأي مسلم في المناصب الرفيعة في فرنسا، كما أن المسلمين يفتقرون إلى العدد الكافي من المساجد، وإلى أماكن الدفن في المقابر العامة والأئمة في المدارس، ويرجع ذلك إلى أن كثيراً من المسؤولين الذين ينتمون إلى الأغلبية الكاثوليكية يستغلون القانون في التمييز ضد المسلمين «. ثم وجه ساركوزي اتهامه إلى المجالس البلدية للمدن والبلدات برفض منح تراخيص لبناء مساجد، قائلاً:» بذلنا من الجهد في استغلال قوانين تخصيص الأراضي لعرقلة بناء المساجد، أكثر مما بذلناه في حماية شواطئنا من التلوث والأخطار «. وأضاف:» إن المسلمين في فرنسا يفتقرون إلى معاهد لتدريب الأئمة، مما يضطرهم إلى استقدام أئمة من الخارج، وهؤلاء لا يتحدثون الفرنسية في كثير من الأحيان، ويدعون إلى الأصولية في بعضها «. واعتبر ساركوزي أن المعاملة التفضيلية قد تساعد في دمج المسلمين، ومعظمهم من أصول عربية تنتمي إلى شمال أفريقيا على نحو أكمل في الحياة الفرنسية. وانتقد وزير الداخلية الفرنسي المثقفين الفرنسيين الذين يخصون الإسلام بالانتقاد في معرض الحديث عن التمييز ضد المرأة، قائلاً: إن هذا يمثل مشكلة في جميع الديانات وليس في الإسلام وحده. وأوضح:» إنني لا أرى كثيراً من النساء في مؤتمرات الأساقفة الكاثوليك في فرنسا «. وأبلغ الوزير اللجنة المكلفة ببحث دمج الأقلية المسلمة في البلاد؛ بأنه ليس من المفيد إصدار قانون جديد متشدد يحظر على النساء والفتيات ارتداء الحجاب في المدارس أو في أماكن العمل الرسمية، واعتبر أن من شأن ذلك أن يعزل المسلمين ويشجعهم على تبني مواقف أكثر راديكالية. وفي تعليقه على تصريحات الوزير الفرنسي، قال صادق سلام الباحث في الشؤون الإسلامية، في لقاء مع فضائية الجزيرة: إن هذه التصريحات أثارت ارتياحاً كبيراً في أوساط الجالية الإسلامية التي تعاني في أحسن الأحوال من عدم المبالاة من المجتمع ومن التيارات الدينية والعلمانية على حد سواء في فرنسا. وقال سلام: إن وزير الداخلية الفرنسي يجب أن يكون مثالاً يحتذى، في منهج التوفيق بين احترام عقيدة المسلمين وشعائرهم، واحترام قوانين الجمهورية العلمانية. وحيث يعيش في فرنسا التي يبلغ عدد سكانها ٦٠ مليون نسمة، نحو خمسة ملايين مسلم نصفهم من المهاجرين والنصف الآخر مولود في فرنسا، يمثلون أكبر تجمع للمسلمين في كل أوروبا، وثاني أكبر ديانة في فرنسا بعد الكاثوليكية، يتمسكون بالعودة لجذورهم الإسلامية رغم كونهم فرنسيين. تستمر حملة الصليب الكاثوليكي في عاصمة الحرية والماسونية، وتستمر شكوى المسلمين الفرنسيين وغير الفرنسيين على السواء، من التمييز والعنصرية في أشد صورها قبحاً، مؤكدين أن الرموز الدينية للديانات الأخرى حتى البوذية والسيخية مسموح بها في المدارس والمباني العامة، أما الرموز الإسلامية فلا، بل وغطاء الرأس لا. * المصادر: - رويترز، الجزيرة، وكالة الأنباء الفرنسية، صحيفتا الشرق الأوسط والحياة اللندنيتان.

стр. 4847

ملفات الحرب على الحجاب مدخل للتغريب ثورة أوروبا ضد الحجاب.. أم ضد الهوية الإسلامية ؟ خليل العناني k_anany٢٠٠٠@yahoo.com لم تكد تمر أسابيع معدودة على صدور قرار الرئيس الفرنسي جاك شيراك بحظر ارتداء الحجاب للطالبات المسلمات في المدارس الفرنسية، حتى اندلعت في أوروبا جدالات ونقاشات واسعة حول قضية الحجاب في المجتمعات الأوروبية بشكل عام، وبدا أن هناك بوادر «ثورة» غير معلنة ضد الحجاب الإسلامي في القارة العلمانية سواء في بلجيكا أو في ألمانيا؛ وبالطبع فقد انطلقت شرارتها الأولى في فرنسا. ولعل ما يثير الغرابة والاستهجان من هذه القضية هو ذلك التناقض الذي تقع فيه أوروبا؛ فهي من ناحية تعد القارة الأولى التي تحترم الحريات الفردية وتقدسها، ولكنها من ناحية أخرى تفرض قيوداً على الحريات الدينية تحت غطاء سياسي، وتقدم مسوغات وحججاً واهية تقلل إلى حد كبير من نقاء الصورة التي رسمتها أوروبا طيلة القرون الماضية في أذهان وعقول الشعوب الأخرى. وواقع الأمر؛ فإنه لتحري الموضوعية والحيادية في تناول قضية الحجاب في أوروبا تجدر الإشارة إلى أن هذه المسألة ما هي إلا مجرد وجه واحد من الصورة الكلية التي للمسلمين في أوروبا، أي أن مناقشة هذا الأمر يجب ألاَّ ينظر إليها منفردة، بل بتناول حقيقة التعايش الإسلامي في أوروبا. * أوروبا العلمانية في مواجهة أوروبا الدينية: بادئ ذي بدء تجدر الإشارة إلى أن قضية الحريات الدينية خاصة فيما يتعلق بالمسلمين في أوروبا ترتبط ببعدين أساسين: أولهما: يتعلق بمدى القدرة على الحفاظ على أكبر قدر من التوازن بين ممارسة الحريات، وبين فصل الانعكاسات السياسية لهذه الحريات عن المجتمعات الأوروبية، أي فصل الدين عن الدولة فيما يعرف مجازاً بـ «العلمانية» . والبعد الثاني: هو مدى التأثير الذي يمكن أن تتركه ممارسات المسلمين في أوروبا على غيرهم من ذوي الديانات الأخرى. وباختبار هذين البعدين يتضح لنا حقيقة الإشكالية التي تواجهها أوروبا في كيفية الحفاظ على منهجيتها العلمانية من جهة، والضغوط التي تمارسها لتقليل الصبغة الدينية لبعض الممارسات الحياتية في المجتمع الأوروبي. ويغلف هذين البعدين بالطبع نوع من خصوصية العلاقة بين مسلمي أوروبا وغيرهم من ذوي الديانات الأخرى؛ فأوروبا التي يعيش فيها ما يقرب من ثلاثين مليون مسلم وفق بعض التقديرات تجد نفسها مضطرة للاعتراف بخصوصية هؤلاء المسلمين، وهي ظلت لعقود طويلة تحافظ على هذه الخصوصية. بيد أن ما يثير اللغط والتضارب هو مدى قدرة أوروبا على استيعاب وامتصاص المشاعر والتقاليد الإسلامية بها، وهي ظلت أيضاً لسنوات طويلة تحاول جاهدة الحفاظ على آلية الامتصاص هذه؛ بيد أن الأمر قد اتخذ منحى آخر حين ترددت الأحاديث حول المدى المسموح به لممارسة الطقوس والعادات الدينية الإسلامية في البلدان الأوروبية، وهو ما قد يقذف في الأذهان فكرة عدم استعداد أوروبا لامتصاص المزيد من السلوكيات والتصرفات الإسلامية في مجتمعاتها، ولربما يدفعها في هذا المنحى وجود هواجس قوية حذرة تجاه هذه السلوكيات يدعمها القلق من أمرين: أولهما: التخوف من أن تتأثر بقية الشعوب الأوروبية بهذه السلوكيات، وهو ما قد يمثل خطراً داهماً على الطبيعة المسيحية لأوروبا. والأمر الثاني: هو ارتباط الصورة الذهنية للمسلمين في أوروبا بالعنف والإرهاب. ولا ننسى في هذا الصدد الإشارة إلى الدور المؤثر الذي لعبته أحداث سبتمبر في رسم الصورة السيئة الحالية للمسلمين بشكل عام، وكلا الأمرين ربما يدفعان أوروبا إلى مراجعة استراتيجياتها ونهجها في التعاطي مع إشكالية الأقليات المسلمة الموجودة على أراضيها. * الحجاب وعلمانية المدارس في أوروبا: لعل ما أثار الجلبة والبلبلة في قضية الحجاب «الفرنسي» هو أنه جاء متناقضاً مع ما تعود عليه المسلمون في الغرب عموماً وفي أوروبا على وجه الخصوص؛ فالمسلمون في أوروبا يتمتعون بحقوق وحريات تفوق ما كانوا يمارسونه في بلادهم الأصلية بمراحل عديدة، ولذا يصبح من الصعب عليه تقبل فكرة تقليص هذه الحريات أو العبث بها تحت أي مسمى أو ادعاءات لا تخلو من الجهل السياسي. فغالبية الدول الأوروبية لا تمتلك تشريعات حول وضع رموز دينية في المدرسة تاركين للمدارس والسلطات المحلية حرية تدبير هذه الأمور حالة بحالة. لكن هناك حالة خاصة هي تركيا البلد المسلم الذي يتمتع بنظام علماني؛ حيث ارتداء الحجاب محظور في المدارس والجامعات والمباني العامة، وقد بقيت مسألة الرموز الدينية في المدارس موضع نقاش متجدد في فرنسا وألمانيا، وفي الأولى تم البت فيها بمنع أي رموز دينية إسلامية كانت أو غيرها، وفي ألمانيا فإن التشريع حول الرموز الدينية في المدرسة هو من اختصاص المقاطعات المحلية التي تمتلك الصلاحيات في مجال التربية والتعليم. وفي نهاية سبتمبر الماضي اعتبرت المحكمة الدستورية أن سلطات مقاطعة (بادن - فورتمبرغ - جنوب غرب ألمانيا) لا يمكنها أن تمنع مدرِّسة من أصل أفغاني من ارتداء الحجاب في الصف، لكنها أكدت على أن المناطق يمكنها إصدار قوانين تمنع ارتداء ملابس لها دلالة دينية في المدارس الحكومية مع الحرص على التوصل إلى «تشريع يقبله الجميع» . ولنضع خطوطاً طويلة وعديدة حول هذه العبارة الأخيرة، فلا يجوز لأي مقاطعة فرض إجراء معين يتعلق بالحريات الدينية إلا بعد حصد الموافقة والقبول لهذا الإجراء. ويذكر أن مقاطعتيْ «بادن - فورتمبرغ وبافاريا» قد رفعتا الصلبان في الصفوف (اللتان يحكمهما المحافظون وكذلك مقاطعة برلين التي يحكمها الاجتماعيون الديموقراطيون والشيوعيون الجدد) وتستعدان لإصدار تشريعات لمنع وضع الحجاب. في حين لا تمتلك بلجيكا قانوناً فدرالياً يحكم وضع علامات دينية في المدارس التي لها في المقابل حرية وضع أنظمة خاصة بها في هذا الإطار لمنع ارتداء الحجاب إذا اقتضت الضرورة، وقد عاد الجدل إلى الواجهة في سبتمبر الماضي؛ وذلك حين أعرب المسلمون عن تحفظهم على قرار اتخذته مدرسة رسمية في منطقة بروكسل بمنع وضع الحجاب خلال العام المدرسي الجديد. وفي الدول الأخرى لا يثير ارتداء علامات دينية ظاهرة أي جدل بشكل عام؛ ففي بريطانيا يترك لكل مدرسة حرية اعتماد نظامها الداخلي الخاص في ما يختص بالزي المدرسي، وبشكل عام يسمح بارتداء الحجاب والقلنسوة اليهودية والعمائم، وفي هولندا يحظر القانون أي تمييز ديني، ويسمح بشكل عام بوضع الحجاب والرموز الدينية الأخرى في المدارس الرسمية. وفي الدانمارك يسمح بوضع الرموز الدينية لكنه غير منتشر كثيرا في المدارس. ولا تعتمد أسبانيا أي تشريع وطني بهذا الخصوص، ولا تخضع العلامات الدينية في المدرسة ومنها الحجاب لأي جدل علني. وفي حال وقوع نزاعات يعود القرار النهائي إلى المناطق التي تتمتع باستقلال ذاتي، وفي إيطاليا يسمح قانونان أقر العام ١٩٢٤ و ١٩٢٧م بوجود علامات خاصة بالديانة الكاثوليكية في المدارس. وعليه فإن التفرقة بين سلوكيات المسلمين وعاداتهم بشكل عام وبين سلوكيات وتصرفات الأديان الأخرى كالمسيحية واليهودية تثير تساؤلات عديدة حول حقيقة التعاطي الأوروبي مع الأقليات المسلمة في أوروبا بشكل عام. * الحجاب وصراع الهوية: في نفس الوقت فقد لفتت قضية الحجاب في أوروبا إشكالية الصراع بين العنصرية من جهة والمحافظة على الهوية الوطنية داخل البلدان الأوروبية في الجهة الأخرى، فالمسلمون في أوروبا رغم عددهم القليل إلا أنهم ذوو تأثير كبير في نفوس الآخرين مما ولد مخاوف من إمكانية انتقال هذا التأثير إلى مستويات وقطاعات عريضة من السكان المحليين. فضلاً عن هذا ترى بعض الدول الأوروبية ومن بينها فرنسا بالطبع، أن مسألة الحجاب تثير حساسيات داخل جدران المدارس بما قد يؤثر على العملية التعليمية، ويحدو بها بعيداً عن هدفها الأساسي. بيد أن هذا القول مردود عليه؛ لأن هناك العديد من المدارس الفرنسية والألمانية والأمريكية في العديد من البلدان الإسلامية تمارس فيها سلوكيات وتقاليد بلدان كل مدرسة دون أن يكون هناك تخوف من امتداد تأثير هذه السلوكيات خارج الصرح التعليمي. الأكثر من ذلك أن بعضاً - خاصة في فرنسا - ينظر للحجاب باعتباره غطاء لمفاهيم إسلامية أخرى، وينتج في نفس الوقت ثقافة عنيفة؛ فعلى سبيل المثال بات يُنظر إليه في فرنسا باعتباره عنواناً للأقلية المسلمة التي تعيش هناك، وتحولت المعاداة والريبة من قطعة القماش إلى النسيج الاجتماعي نفسه، ومن الحجاب إلى الديانة الإسلامية. وأصبحت مناطق الحظر تتوسع، وأخذ إطار الحرية لهذه الأقلية يتقلص شيئاً فشيئاً. فمن المدرسة أصبح الحديث عن المستشفيات، وطالب بعضٌ بأن تحترم العلمانية من طرف الطبيب والمريض؛ حيث تبين أن بعضاً من الطاقم الطبي النسائي يلبسن الحجاب؛ فقبل أن تكون طبيباً أو مريضاً عليك أن تكون علمانياً، ثم تم غلق مسبح كان يسمح فيه لسويعات معدودة في الأسبوع للنساء المسلمات بالترفيه عن أنفسهن بعيداً عن أعين الغرباء، حتى لا يتناقض مع مياه العلمانية التي ترفض الفصل بين المواطنين! ثم قام رئيس بلدية إحدى الضواحي الباريسية (marne sur Nogent) برفض الإشراف وقبول الزواج المدني لعروس؛ لأنها رفضت نزع الخمار، بدعوى عدم احترام القيم العلمانية للدول؛ لأن مقر البلدية رمز ومكان مبجل للجمهورية، ثم تلاه رفض أحد مديري المدارس دخول أولياء متحجبات إلى المدرسة لحضور حوار داخلي دعت إليه الدولة لمناقشة دور المدرسة، بدعوى علمانية المكان. وكل هذه المظاهر الجديدة في المجتمع الفرنسي ليست شواذاً، ولكنها تعبير خطير عن عقلية جديدة بدأت تُنسج خيوطها في البيت السياسي أولاً، ثم تفشت في النسيج الاجتماعي، وهي الخوف والتوجس من هذا الدين ومن أصحابه، واعتبار أن جزءاً من هذا الوطن غير مرغوب فيه. وبالرغم من أن الرئيس الفرنسي قد حذر من هذا المنعطف، إلا أن القانون الذي أصدره بحظر الحجاب، قد يؤدي إلى نتائج خطيرة ترتبط بطبيعة العلاقة بين مختلف الطوائف بعضها ببعض، وإلى التدرجات الاجتماعية داخل الوطن الواحد، وسيشعر جزء منه أنه مضطهد، وأنه مواطن من الدرجة الثانية لاختلافه في المعتقد والدين. فهل هو عجز المجتمع الفرنسي عن استيعاب هذا الدين وتفهم ثقافة حامليه والقبول بالظاهرة الإسلامية؟ أم أن الخوف من الاحتواء الإسلامي للثقافة الأوروبية ولتاريخها يسوِّغ مثل هذه القوانين ويبشر بالمزيد منها؟ في نفس الوقت فقد كشفت قضية الحجاب في فرنسا أن العلمانية لم تعد تمارس حضورها كوعاء حاضن للاختلاف والتعدد أي لا تمارس علمانيتها إلا من خلال الأطر الثقافية والاجتماعية المهمشة، أو تلك المفرغة من أية مضمون أو بنية «عقائدية نضالية» ، والتي لا تمثل تهديداً لـ «هويتها الثقافية» وليس لـ «علمانيتها السياسية» ، مثل الجماعات الداعية إلى «عبادة الشيطان» أو «البوذية» أو «الزواج المثلي» أو الحرية الجنسية، وذلك على سبيل المثال لا الحصر. ومن هنا فإن فرنسا لم تخفق في محاولتها دمج المسلمين في المجتمع الفرنسي، وإنما تعمدت تهميشهم، وحصارهم داخل المناطق والجماعات المهمشة، وحشرهم داخل الأطر المشابهة، غير المؤهلة بطبيعتها للتمدد والتأثير الثقافي. هنا وهنا فقط تظل العلمانية الفرنسية محتفظة بوظيفتها كمظلة يستظل بها التعدد والاختلاف؛ وهذا شرط أساسي من الشروط التي تستقي منه العلمانية الفرنسية حيويتها. ولذا فإن فكرة دمج المسلمين في المجتمع الفرنسي، ربما تكون «واقعاً» ، ولكن عندما يستسلم المسلمون لثقافة فرنسا وهويتها المسيحية، وليس الانصياع كما يُدعَى لمبادئ العلمانية، فليس ثمة مشكلة في الأخيرة؛ فهي في روحها وقوانينها تقبل هذا الاندماج، متى تحررت من القيود الحضارية (أو الثقافية) ، وكذلك من أعباء الحفاظ على الجذور المسيحية للهوية الفرنسية. من جانب آخر قد يتساءل أحد: ولماذا تثار حفيظة المسلمين نتيجة إلغاء هذه القطعة من القماش «الحجاب» باعتبارها ليست دليلاً قائماً على إيمان العبد وقربه من ربه خاصة في البلدان المسلمة؟ وهنا يأتي الجواب من مسلمي أوروبا؛ فالحجاب بالنسبة لهؤلاء ليس مجرد سترة تستتر بها الفتاة أو المرأة المسلمة التزاماً بتعاليم دينها، بقدر ما هو تعبير عن الهوية الإسلامية والتخوف من انصهارها في الهوية الغربية المسيحية كما يأمل الأوروبيون. وعليه يصبح التفريط في حق ارتداء الحجاب بمثابة التفريط في ركن أصيل من أركان الهوية الإسلامية التي يجاهد المسلمون في أوروبا في التمسك بها والمحافظة عليها.

стр. 4848

ملفات الحرب على الحجاب مدخل للتغريب أوروبا وظاهرة الحجاب يحيى أبو زكريا [*] yahya@swipnet.se تحوّل الحجاب الإسلامي في الغرب إلى ظاهرة حقيقية أصبحت تؤرق كثيراً من صناع القرار السياسي والاجتماعي والثقافي في الغرب، وموقف هذه العواصم الغربية من الحجاب يتشعب إلى ثلاث توجهات: التوجه الأول وهو الرافض لظاهرة الحجاب جملة وتفصيلاً، وتقف فرنسا في طليعة الدول الغربية المؤيدة لهذا التوجه. والتوجه الثاني وهو الذي يعتبر الحجاب مسألة شخصية تتعلق بحرية الشخص وقناعاته الذاتية؛ وهذا التوجه سائد في العديد من الدول الأوروبية وتحديداً في أوروبا الشمالية. وتوجه ثالث يعتبر الحجاب مسألة خاصة، لكن يحرم المحجبة الكثير من الحقوق، كحقها في العمل في كثير من القطاعات المتاحة. وتتوافق هذه التوجهات الغربية الثلاث على أن للحجاب علاقة كبيرة بالإسلام الذي بدأت ملامحه تتجلى بوضوح في الغرب؛ ولذلك وضعه الاستراتيجيون الغربيون تحت دائرة الضوء والتشريح لمعرفة مستقبله وتأثيره على المعادلة الاجتماعية وحتى الثقافية والسياسية في الغرب، خصوصاً بعد أن تبين لهؤلاء الاستراتيجيين أن أبناء المرأة المسلمة غير الملتزمة هم أسرع في الاندماج في المجتمع الغربي بكل تفاصيله مسلكاً ولغة وثقافة ومعتقداً. أما أبناء المرأة المسلمة المحجبة؛ فمن الصعوبة بمكان إدماجهم في المجتمع الغربي وإذابة قيمهم وتوجهاتهم. ويربط الاستراتيجيون الغربيون الحجاب في الغرب بالإسلام، ويعتبرون تنامي هذه الظاهرة تنامياً للظاهرة الإسلامية في حد ذاتها باعتبار أن الإسلام يتحرك في الواقع الغربي بمظاهر متعددة أبرزها الحجاب والمدارس الإسلامية والمساجد والجمعيات الإسلامية، وغير ذلك من مفعلات العمل الإسلامي في الغرب. ويعود عدم إقدام الكثير من الدول الغربية على محاصرة الحجاب إلى القوانين المعمول بها في هذه الدولة أو تلك التي تقدس إلى أبعد الحدود الحرية الشخصية للفرد، وهي القوانين التي تم التوافق عليها بين مواطني هذه الدولة الغربية وتلك، ومن الصعوبة بمكان تغيير هذه القوانين التي جاءت استجابة للتطورات الحاصلة في الغرب على عقود طويلة. وإطلاق فرنسا حملة إعلان الحرب على الحجاب مرده إلى أن فرنسا يوجد على أراضيها أكثر من أربعة ملايين مسلم، وهذا الكم الهائل من المسلمين جعل الحجاب الذي تلتزم به الفتيات المسلمات في فرنسا مسألة لافتة إلى أبعد الحدود؛ حتى إن فرنسا بدأت تخشى من ضياع صورتها الماجنة أمام منظر الحجاب وما يمثله من عفة وطهر، والذي له وجود كبير في كل المحافظات الفرنسية. ويتوافق أصحاب التوجهات الثلاث المذكورة على أن ظاهرة الحجاب الإسلامي في الغرب ظاهرة مقلقة، وقد تصبح خطيرة على المدى المتوسط والبعيد لأسباب عديدة منها أن وجود الحجاب في الشارع الأوروبي يشير إلى إخفاق سياسة الاندماج التي سعى من خلالها الاستراتيجيون الغربيون إلى تذويب الإنسان المسلم في الواقع الغربي منعاً من قيام إثنية دينية في الخارطة الأوروبية في المستقبل المنظور، إضافة إلى أن التلازم الأكيد بين الإسلام والحجاب تجعل الإسلام وبشكل دائم حاضراً في الشارع الأوروبي من خلال الحجاب، وهذا ما يجعل الإنسان الأوروبي يتساءل عن الإسلام الماثل أمامه، وقد يكون ذلك مدخلاً لإسلامه كما حدث مع كثيرين. وفي كثير من المدارس الغربية عندما توجد فيها فتاة مسلمة محجبة تطلب المعلمة الغربية من هذه الفتاة أن تتقدم إلى مقدمة القسم وتشرح سبب ارتدائها للحجاب، ولماذا الإسلام أوصى البنت بالحجاب؛ وهذا قد يكون مدخلاً أيضاً باتجاه أسلمة عقول بعض الناشئة الغربيين، وما زلت أتذكر عندما توجهت ابنتي بحجابها إلى المدرسة السويدية طلبت منها المعلمة أن تلقي كلمة عن الإسلام في القسم السويدي، بل دعت المعلمة أمها المحجبة أيضاً لتقدم شرحاً مستفيضاً عن ثقافة الإسلام والمرأة، وقد لاقى شرحها استحسان الحضور، إلى درجة أنه وبعد ذلك أصبح هناك تفهم كامل من قبل المعلمات السويديات والتلميذات السويديات لظاهرة الحجاب واعتزاز الفتاة المسلمة به، باعتباره مظهراً مميزاً لها في هذا المجتمع الغربي. ولم يصبح حجاب المرأة المسلمة في الغرب مجرد قطعة قماش تستر به مفاتنها، بل أصبح محفزاً للمرأة المسلمة لتدافع عن حجابها وإسلامها في الوقت ذاته؛ فلأنها تعيش في خضم مجتمع يرمقها صباح مساء ويعتبرها مظلومة؛ فإنها تضطر أن تدافع عن نفسها وخيارها الإسلامي في المدرسة والشارع والحافلة والمستشفى، وقد أدى كل ذلك إلى تكريس قناعاتها بالإضافة إلى إقناع الأوروبيات بعظمة الإسلام، ومن تم أسلم الكثير من الأوروبيات وارتدين الحجاب تماماً. وقد صادف أن أسلمت فتاة سويدية تعمل في محل لبيع الثياب النسائية، فطردت من عملها، ورفعت دعوى على رب العمل، فأنصفتها المحكمة السويدية، وردتها إلى عملها مقرة بحقها في ارتداء الحجاب، واعتبار حجابها ذلك لا يتنافى مع العمل. وأشد ما يخشاه الاستراتيجيون الغربيون هو حجاب المرأة المسلمة المولودة في الغرب والتي تجيد اللغة الغربية في هذه الدولة أو تلك بطلاقة؛ حيث كان المعول أن يكون هؤلاء بحكم المولد الغربي وبحكم الدراسة في المدارس الغربية غربيات، خصوصاً إذا علمنا أن الكثير من الدول الغربية فتحت باب الهجرة للعرب والمسلمين ليس طمعاً في الكهول المشربين بالعادات والتقاليد الإسلامية، ولكن طمعاً فيمن هم في أصلابهم من الجيل الذي سيولد في الغرب فيكثرون به الشعوب الغربية، ويخضعونه لعملية غسيل دماع حضاري حتى يكون النسيج الاجتماعي والثقافي والحضاري في الغرب بعد خمسين سنة واحداً من وحي التركيبة الفكرية والثقافية والحضارية الغربية. وقد أصبح هذا الجيل من المحجبات المسلمات المولودات في الغرب يشاركن في التظاهرات والنقاشات السياسية والثقافية التي تدور في وسائل الإعلام الغربية، ومثلما يثرن الدهشة فإنهن يثرن التساؤل لدى المهتمين الغربيين حول تبدد المشاريع الاندماجية في الغرب التي لم تستطع أن تزحف باتجاه معتقد المرأة المسلمة المحجبة الذي يردف هذه المرأة بكثير من معاني القوة والاندفاع. كما لاحظ هؤلاء الاستراتيجيون أن أبناء المرأة المحجبة الملتزمة يظلون محافظين على قيمهم الدينية ومبادئهم الإسلامية وهو الأمر الذي يعتبره هؤلاء عقبة في وجه إنجاح سياسة الاندماج بشكل كامل. وفوق هذا وذاك فإن المنظومة الاقتصادية الغربية التي تقدس المادة إلى أبعد الحدود وتعتبر الربح هدفاً في حد ذاته، تعتبر أن الحجاب منافس لكثير من صناعات الملابس في الغرب، وقد يشكل انتشاره بين الفتيات المسلمات والأوروبيات إلى حرمان هذه الشركات المنتجة للملابس والخليعة منها على وجه التحديد من الرواج المطلوب حيث إن الحجاب بات يصدم أصحاب الفكر المادي مادياً وروحياً. ويبقى القول أن الاستراتيجيين الغربيين يخشون أن تكون فريضة الحجاب المنتشرة في أوروبا والتي يلتزم بها المحجبات المسلمات منطلقاً باتجاه تكريس الفرائض الأخرى، وهو ما تخشاه أوروبا، وبدأت تدق لأجله الدوائر المعادية للإسلام في الغرب نواقيس الخطر.

стр. 4849

نص شعري الخطوط الأرضية عبد الحميد سالم الجهني خطٌ أخضرْ خطٌ أحمرْ لا تتقدم.. لا تتأخرْ كل الدنيا خطٌ أخضرْ للمستعمرْ ليس هنالك خطٌ أحمرْ لا تتردد.. لا تستنكر والخط الأحمر.. يتغيرْ اذبح شعباً.. يصبح أخضرْ!! ويصير الدرب لهم أيسرْ * * * جاؤوا من أطراف الدنيا بحثوا عن أرض أكبرْ عن مال أكثرْ يا الله المشهد يتكررْ وطني يَصْغُرْ وتضيق عليَّ سمائيْ فأُلَمْلِمُ أشلائيْ وتضيق علي حذائيْ أَبحثُ عن مَقبَرْ!! ويصير الأيمن أيسرْ لا أتقدم.. لا أتأخرْ ماذا؟؟ انتظر النسرَ الأشقرْ؟ حتى أحني رأسي أكثرْ؟

стр. 4850

نص شعري تباشير د. محمد ظافر الشهري alshahri_m@yahoo.com لما عَلَتْ وجهَ الهلالِ غشاوةٌ، والليلُ قاتمْ ... واستشكَلَتْ عينُ الفتى ما كان وضّاحَ المعالمْ ... وجَفا الطريقَ مُشاتُها من غيرِ أربابِ الجرائمْ ... واسْطالَ تفحاحُ الأفاعي فوقَ صيحاتِ الضياغمْ ... ورأيتُ خفاشاً يتيه مُحَلِّقاً والصقرُ واجِمْ ... وسمعتُ أنّاتِ الظليمِ تخاشَعَت لغطيطِ ظالمْ ... أيقنتُ أن الليلَ تُنزعُ روحه والفجرَ قادمْ ...

стр. 4851

المسلمون والعالم حرب المقاومة الشعبية خيار الضعفاء لمواجهة اختلال موازين القوى عاطف الجولاني مع أن هذا النمط من المواجهة معروف على المستوى العالمي، واستخدمته كثير من الشعوب التي خضعت لاحتلال عسكري من أطراف أقوى منها عدة وعتاداً؛ فإن الجديد في الأمر هو اعتماد عدة شعوب عربية وإسلامية لهذا الأسلوب في الوقت الراهن، في مواجهة قوى متغطرسة تمارس ضد العرب والمسلمين سياسة القهر والقمع والعدوان. ويمكن الحديث حالياً عن خمس ساحات عربية وإسلامية تشهد مثل هذا النوع من المواجهة، أبرز تلك الحالات في فلسطين التي يخوض شعبها حرب مواجهة شعبية متصاعدة ضد الاحتلال الصهيوني. وما ميَّز المقاومة التي تمارسها شعوب عربية وإسلامية هذه الأيام عن غيرها من القوى الشعبية؛ أنها تمتلك عنصراً مهماً وحيوياً لا يتوافر للمقاومات الأخرى، هو عامل الإيمان والعقيدة وروح التضحية، والذي يفجّر طاقات المجاهد واستعداداته للتضحية؛ طمعاً في الشهادة والجنة والفوز برضوان الله. في حين افتقدت مقاومات الشعوب الأخرى العامل الديني والبعد العقائدي الذي يجعل المجاهد يضحي بنفسه غير هيّاب أو متردد، لا يبحث عن غرض دنيوي أو متاع زائل، ولا تحركه دوافع أرضية. وقد أثبتت تجارب الواقع مدى تأثير هذا العامل بالغ الأهمية في تفجير الطاقات، وتحصين المجاهد ضد عوامل اليأس والإحباط التي تصيب الآخرين في لحظات الضعف والشدة، فالمجاهد يدرك أن أجره يقع ويتحصل، تحقق النصر أو تأخر، وإن كانت شهادة فهي غاية المطلوب. والملاحظ أن المقاومات الإسلامية الشعبية تحقق هذه الأيام نجاحات متراكمة؛ في سعيها نحو التحرر والتخلص من الاحتلال والهيمنة الأجنبية، يأتي ذلك فيما انتهت غالبية الحروب التي خاضتها جيوش عربية رسمية خلال العقود الأخيرة إلى الهزيمة وخسارة المزيد من الأرض، إذا ما استثنينا حرب عام ١٩٧٣م التي يمكن القول بأنها كانت نصف هزيمة ونصف انتصار، وحرب الكرامة عام ١٩٦٨م التي كانت في حقيقتها مزجاً بين خيارين: العسكري الرسمي الذي مثله الجيش الأردني، والمقاومة الشعبية التي مثلتها المنظمات الفلسطينية الشعبية آنذاك، وهو ما أثمر في حينه انتصاراً معقولاً رغم أفضلية القوة للجانب الصهيوني المهاجم. هذا الأمر أفقد الشعوب العربية والإسلامية ثقتها بالخيار العسكري الرسمي، في ظل تعامل الحالة الرسمية العربية بصورة غير جادة مع قضية مواجهة قوى الاحتلال خلال العقود الماضية، ووصل بها الأمر في السنوات الأخيرة إلى إعلان التخلي الكامل عن الخيار العسكري، وتبنِّي التفاوض والسلام كخيار استراتيجي. وجاءت الهزيمة السريعة لقوات الجيش العراقي في شهر نيسان (أبريل) الماضي؛ لتعزّز القناعة لدى الشعوب بأن المؤسسة العسكرية الرسمية العربية لم تعد قادرة على الصمود وإنجاز انتصار في مواجهات عسكرية تقليدية. في المقابل كان أداء المقاومة الشعبية في العراق متميزاً، ودفع قوات الاحتلال الأجنبي للاعتراف بأنها تكبدت في المواجهة مع المقاومة، في مرحلة ما بعد احتلال العراق، خسائر تزيد كثيراً عن تلك التي تكبدتها في الحرب الرسمية. ولم يعد مستغرباً هذه الأيام أن يعبّر كثير من المثقفين والقطاعات الشعبية؛ عن قناعتهم بأن حرب المقاومة الشعبية باتت تشكل عنصراً مكافئاً وبديلاً لخيار المواجهة الرسمية التي أثبتت إخفاقها بجدارة، بل إن بعض الناس بات يتحدث بصوت مرتفع عن أن هذه المقاومة ربما باتت تمثل خياراً استراتيجياً، يوازن ويسد الخلل المترتب على سقوط أو تراجع الخيار العسكري الرسمي. * ما هي حرب المقاومة الشعبية؟ تسميات عديدة أطلقت على هذا النوع من المواجهة، فبعضهم يسميها «حرب العصابات» ، وآخرون يطلقون عليها اسم «حرب الاستنزاف» . وهناك تعاريف متعددة لهذه المقاومة، ويمكن تعريفها بصورة مبسطة على النحو التالي: القيام بعمليات هجومية صغيرة بعدد محدود من المقاتلين، بهدف استنزاف العدو وحرمانه من الاستقرار، وتكبيده خسائر فادحة في الأرواح والعتاد والمعدات والمعنويات، بما يقنعه بعدم جدوى مواصلة عدوانه واحتلاله. ويتم اللجوء إلى هذا الأسلوب من المواجهة في العادة عند اختلال موازين القوى العسكرية بين طرفين متحاربين، وحين يتعرض شعب لاحتلال وقهر قوة عسكرية تفوقه قوة وعتاداً. وغالباً ما تم اللجوء لهذه المقاومة الشعبية إثر خسارة مواجهة عسكرية تقليدية بين الجيوش نظراً لتفوق الخصم. وتقوم نظرية حرب المقاومة الشعبية على أساس حرمان العدو من استخدام قوته الهائلة وأسلحته الثقيلة من طائرات وقنابل ودبابات وقوة صاروخية، واستغلال نقاط ضعفه، وحرمانه من الأمن والاستقرار، واستنزافه بصورة طويلة المدى، تجعل من استمرار احتلاله أمراً مرهقاً بالغ التكلفة. بمعنى آخر؛ هي تحرم العدو من ميزة التفوق العسكري، وتمكّن الطرف الضعيف من تجاوز مشكلة اختلال موازين القوى لصالح الخصم. ولا تحتاج حرب المقاومة الشعبية إلى إمكانات مادية كبيرة، كما لا تحتاج إلى أعداد كثيرة من المقاومين، وتستخدم أسلحة خفيفة من بنادق أتوماتيكية، وأسلحة رشاشة، وقنابل يدوية، وعبوات ناسفة، وألغام مضادة للإنسان والآليات، وقذائف هاون، وقد يتطور الأمر إلى استخدام القذائف الصاروخية المضادة للدروع والطائرات. أما الأسلحة الثقيلة التي تُستخدم في الحروب التقليدية فنادراً ما يتم اللجوء إليها، وإن حصل ذلك ففي مراحل متقدمة من المواجهة، حين يشتد ساعد المقاومة الشعبية وتتحول إلى جيش شبه نظامي. ويتجنب المقاومون من رجال حرب العصابات خوض مواجهات تقليدية مباشرة مع قوات الخصم، ويعتمدون على محدودية العنصر البشري مع كثافة النيران، حيث تعمل مجموعات المقاومة على استغلال الفرص في توجيه ضرباتها لأهداف محددة، فتضرب الأطراف العسكرية للعدو ثم تختفي على قاعدة «اضرب واهرب» ، فهي تلدغ كالنحلة ثم تتوارى سريعاً عن الأنظار، ولا تتمسك بالأرض التي تحررها. وتعتمد حرب المقاومة الشعبية على التخطيط المحكم، والمعلومات الدقيقة حول تحركات العدو، والمقاوم في حرب العصابات يحدد هو زمان المواجهة ومكانها بما يناسب ظروفه وإمكاناته. وتستغل المقاومة الشعبية عنصر المفاجأة والمباغتة الذي يُعَدّ عاملاً أساسياً مهماً في نجاح هذا النوع من المواجهة، وهو ما يفسر استفادة المقاومين من الليل كساتر لتحركاتهم وتنفيذ هجماتهم. وتستفيد مجموعات المقاومة الشعبية بصورة جيدة من عامل الجغرافيا والديموغرافيا، فهي تستغل ميزة معرفتها الجيدة بالأرض مقابل جهل العدو بها، وتستغل كذلك قدرتها على الذوبان في أوساط الشعب، وكلما تعاطف الشعب مع المقاومة وتفاعل معها؛ وفّر لها محضناً آمناً تكون في أمسّ الحاجة إليه لحماية تحركاتها. ولحرمان رجال المقاومة الشعبية من هذه الميزة تلجأ القوى المحتلة في العادة إلى إحداث اختراقات في أوساط الشعب، من خلال تجنيد عيون من الشعب نفسه ترصد له تحركات المقاومين، وتزوده بالمعلومات اللازمة لملاحقتهم وإحباط عملياتهم، وهذا واضح في الساحة الفلسطينية التي يولي فيها الجيش الصهيوني اهتماماً كبيراً لقضية تجنيد العملاء بوسائل الإغراء والضغط والإسقاط الأخلاقي. وعادة ما ترتبك الجيوش التقليدية المدججة بالأسلحة عند مواجهتها حروب مقاومة شعبية، والسبب في ذلك أنها تكون مدربة على مواجهة جيوش نظامية واضحة في حرب تقليدية. أما في الحرب مع مقاومة شعبية؛ فإن العدو يكون مجهولاً ومختفياً، ويستخدم تكتيكات عسكرية مختلفة عن تلك التي تستخدمها الجيوش النظامية. * هل يمكن القضاء على المقاومة الشعبية؟ يتفق الخبراء العسكريون على صعوبة القضاء على أي مقاومة شعبية تملك قدراً من الإرادة وإمكانات متابعة هذا النمط من الحرب، فيكفي لاستمرار المواجهة أعواماً وأعواماً؛ أن يبقى حفنة من المقاومين المصرّين على مواصلة طريقهم. وهو ما يزيد من أزمة الجيوش المحتلة التي تضطر للبقاء في حالة تحفز واستنفار طويلة ومرهقة لمواجهة أعداد محدودة من المقاومين المجهولين. وفي غالب الحالات انتهت حروب المقاومة الشعبية باستنزاف وإنهاك الجيوش الضخمة المحتلة، والتي تضطر للهرب من وحل المستنقع الذي تورطت به، بعد أن تسلم بعجزها عن القضاء على تلك المقاومة، وبعد أن تتكبد خسائر بشرية وسياسية واقتصادية فادحة لا تقوى على احتمالها. خبير عسكري صهيوني متخصص في دراسات مستقبل الحروب يدعى البروفيسور «مارتين فان كرفيلد» قال: «إن مقاتلي الحرية دائماً ينجحون.. لذلك ليس أمام الجيش النظامي الذي يواجههم إلا الإخفاق» . ورأى أن المواجهة الحالية في فلسطين في ظل انتفاضة الأقصى محسومة لصالح الفلسطينيين، فمن «الصعوبة بمكان أن نجد جيشاً نظامياً نجح في مواجهة انتفاضة كالتي نواجهها. ما يحدث معنا اليوم حدث مع الأمريكيين في فيتنام، ومع الجيش الإسرائيلي في لبنان، ومع الروس في أفغانستان، وهذا ما سيحدث معنا مرة أخرى، وهذا ما سيحدث مع الأمريكيين في أفغانستان» . ويضيف كرفيلد: «أنا لا أعرف مثالاً مخالفاً، إننا ندير حرباً للطرف الثاني فيها كل الإيجابيات، فنحن نقاتل في ملعبه.. نحن في الجهة غير الصحيحة. إن الجيش اليوم موجود في الجانب غير الصحيح، في الجهة التي سيُحكم عليه فيها بالإخفاق» . ويؤكد كرفيلد أن القوة لا تكفي وحدها لحسم المعركة لصالح الطرف القوي في مواجهة مقاومة شعبية: «لدينا قوة، ولكن معظم هذه القوة لا يمكننا أن نستعملها، وحتى لو استعملناها فثمة شك في نجاحها، فالأمريكيون أنزلوا ستة ملايين طن من القنابل على فيتنام، ولا أذكر أن هذا الأمر ساعدهم. ونحن كنا نملك قوة هائلة في لبنان ولكننا هربنا من هناك، إن هذه مواجهةٌ الذكي لا يقتحمها، ومَنْ اقتحمها فعليه أن يجد الطريق بسرعة للخروج من وحلها، فإسرائيل دخلت في مواجهة خاسرة ضمناً، وهذه المواجهة ستُنهينا» . ويرى كرفيلد أن سقوط خسائر كبيرة في صفوف الشعوب الخاضعة للاحتلال مقارنة بالقوات المغتصبة لا يؤثر في حسم نتيجة المعركة، ولا يعطي أفضلية للقوة المحتلة، ويضرب مثالاً على ذلك ما حدث للألمان في يوغسلافيا، حيث قتل الألمان في الحرب ٨٠٠ ألف مواطن يوغسلافي، ويضيف كرفيلد أن الألمان «قتَّلوا وحرَّقوا وفجَّروا، ولا أعتقد أن هذا الأمر ساعدهم، فلقد حدث مع جيشهم النظامي ما يحدث اليوم مع جيشنا (الصهيوني) ، وهناك شهادات من قبل الجنود الألمان تؤكد ذلك» . ويعطي كرفيلد أمثلة أخرى على أن حجم الخسائر ليس العامل الحاسم في حرب المقاومة الشعبية، فقد «قُتل خمسون ألف أمريكي مقابل ٣ ملايين فيتنامي، وقتل عدة آلاف من الفرنسيين مقابل ٣٠٠ ألف جزائري» ، لكن ذلك انتهى بهزيمة القوات المحتلة. ويرى كرفيلد أن الأفضلية في الحرب هي دائماً لرجال حرب العصابات، «إن القوي الذي يقاتل الضعفاء مصيره إلى الضعف، ومن يتصرف كخائف ويقاتل ضعفاء؛ مصيره أن يتصرف كجبان وخائف» . ويرى كرفيلد أن نتائج المواجهة الدائرة حالياً بين الفلسطينيين والصهاينة تميل لصالح الفلسطينيين رغم فارق القوى الكبير بين الطرفين، مؤكداً «إننا نقترب من نقطة سيفعل الفلسطينيون بنا ما فعله المجاهدون (الأفغان) بالجنود السوفييت في أفغانستان» . ويضيف: «عندما بدأنا نحارب من هم أكثر منا ضعفاً؛ فإننا نسير من إخفاق إلى إخفاق» . * خيار للمستقبل: وفي ظل المعادلة القائمة في المنطقة العربية والإسلامية: إخفاق الخيار العسكري الرسمي، ونجاحات المقاومة الشعبية، والتي أثبتت أن هذا النمط من المواجهة هو خيار الضعفاء المناسب لإلغاء موازين القوى العسكرية مع أطراف متغطرسة مدججة بقدرات تدميرية هائلة؛ فإن سؤالاً مهماً يطرح نفسه: ألا يمكن الاستفادة من خيار المقاومة الشعبية إلا بعد أن تقع الفأس بالرأس، وبعد أن تخضع البلاد والعباد لاحتلال أجنبي؟ بكلمات أخرى: هل بإمكان الدول العربية والإسلامية الاستفادة من ميزات حرب المقاومة الشعبية في تصديها لاعتداءات وتهديدات خارجية؟ ليس هناك ما يمنع أبداً أن تكون المقاومة الشعبية جزءاً من الخطط الدفاعية للدول العربية والإسلامية المهددة بأخطار خارجية، بل إن هذا الأمر بات جدّ ملح بعد كل التجارب القائمة، وتخطئ الدول العربية والإسلامية إن هي أصرت على مواجهة العدوان الخارجي بجيوشها النظامية وحدها. وأهمية المقاومة الشعبية حين تُخاض المعركة بخطة تمزج بين نمط المواجهة التقليدية التي تخوضها الجيوش الرسمية ونمط المواجهة الشعبية التي تخوضها مجموعات المقاومة الشعبية تأتي في مرحلتين: الأولى: تعزيز قدرات الدولة على الصمود في المواجهة العسكرية، ووضع المزيد من العراقيل أمام العدو في سعيه لحسم المعركة المباشرة لصالحه. الثانية: لو تمكن العدو من كسب المعركة الرسمية نتيجة تفوقه العسكري الهائل؛ فإن المقاومة الشعبية تحرمه من السيطرة والاستقرار، وتخوض ضده حرب استنزاف طويلة تدفعه في النهاية إلى التراجع يجرّ أذيال الخيبة والهزيمة. إن تجربة (أبو بصير) في التعرض لقوافل قريش بعد صلح الحديبية؛ شكلت نوعاً من حرب العصابات والاستنزاف أرهقت قريشاً آنذاك، ودفعتها لتطلب هي بنفسها إلغاء شروط مجحفة كانت أصرت على تضمينها في وثيقة الصلح. وهي تؤكد أن المقاومة الشعبية لها نماذج في تاريخنا الإسلامي، وليست أمراً طارئاً. كما أن المتطوعين كانوا جزءاً مهماً من جيوش الفتح الإسلامي، وكان دورهم فاعلاً ومؤثراً؛ نظراً لما يتميزون به من إقدام وتضحية وطلب للشهادة.

стр. 4852

المسلمون والعالم مطلب الانتخابات في الوضع الراهن وتداعياته على مستقبل العراق إبراهيم العبيدي aladhami@hotmail.com في وسط الجدل المحتدم حول قانون نقل السلطة للعراقيين غداة حلول شهر يونيو/ حزيران القادم من العام الجاري يتصاعد الجدل الدائر في الأوساط الرسمية والشعبية في العراق حول مطلب المرجع الشيعي علي السيستاني بضرورة إجراء انتخابات عامة لتشكيل المجلس التشريعي للحكومة العراقية المرتقبة. ومن الجدير بالذكر أن جميع أطياف الأحزاب العراقية والكتل السياسية المهمة والكبيرة بالعراق لا تعارض من حيث المبدأ إجراء انتخابات عامة لتشكيل الحكومة الجديدة في العراق. وقبل الحديث على أوجه الاختلاف لا بد من تناول بعض المحاور بشيء من التفصيل كي تتضح معالم المشهد العراقي للوصول إلى مرامي ودوافع الإصرار على مطلب إجراء الانتخابات العامة في الوقت الراهن. * المشهد العراقي من الداخل: لا يخفى على أحد أن الوضع العراقي الراهن يعاني من مشاكل كبيرة وعلى كافة الأصعدة؛ فمجلس الحكم الانتقالي لم يتمكن من تحقيق أي إنجازات هامة تذكر في أمور محورية وجوهرية للمواطن العراقي. فالوضع الأمني لا زال متردياً، وحوادث القتل اليومي وعمليات السطو والاختطاف قد ألفها الناس، ولا يكاد يمر يوم إلا وهو حافل بهذه الجرائم المستمرة، ولا توجد أي سلطة أو قانون يحد من استمرار مثل هذه الأعمال ومعاقبة الجناة الذين يروعون الناس الآمنين، أضف إلى ذلك ما هو أخطر من هذا كله وهو تنامي ظاهرة الاغتيالات بين طوائف الشعب العراقي سنة وشيعة وغيرهم الذي تنفذه أياد تابعة لجهات مجهولة لها مصالحها في ذلك، ولا يستبعد أن تكون فرق الموساد الإسرائيلي المدربة (وأفرادها يجيدون اللغة العربية بطلاقة، وبعضهم يهود من أصل عراقي) وكذلك عناصر من الاستخبارات الإيرانية تصول وتجول في أنحاء العراق؛ إضافة إلى إمكانية وجود عناصر أخرى لجهات معينة تتقاطع مصالحها في العراق لزرع الفتنة واستهداف العناصر السنية والشيعية المؤثرة على السواء لإثارة الطائفية بين العراقيين، وما يترتب على هذا الوضع من تداعيات خطيرة في الوضع الأمني العام. ومن جهة أخرى لم يتمكن مجلس الحكم ولا سلطات الاحتلال من تأمين الخدمات الأساسية للمواطن العراقي والتي أصبحت كابوساً يرهق نفسية العراقي كل يوم؛ فالتيار الكهربائي لا زالت كثير من المدن العراقية تفتقده (عدا المدن الجنوبية) ، ولم تنعم بالكهرباء أكثر من ثماني ساعات كمعدل في اليوم، وأزمة الوقود بأنواعه. فمثلاً لا زال العراقي يقف عدة ساعات حتى يحصل على نصف خزان سيارته (بسبب ترشيد قوات الاحتلال) مع ارتفاع سعر اللتر الواحد إلى عشرة أضعاف في السوق السوداء، وكذلك النفط الذي يستخدمه كثير من المواطنين في التدفئة بسبب البرودة القارسة في شتاء العراق المعروف. أضف إلى ذلك البطالة وارتفاع مستوى الأسعار في السوق العراقية؛ ولا سيما للمواد الغذائية مقابل انخفاض سعر الدولار مع محدودية دخل الفرد العراقي، وهو الأمر الذي يجعل من الصعب بمكان أن يقال إنه يمكن إجراء عملية انتخابات عامة مستوفية الشروط؛ في وقت لا يتمتع فيه العراقي بأقل الحقوق والخدمات المفترض توفرها. * الأمم المتحدة ومطلب الانتخابات: منظمة الأمم المتحدة وأمينها العام كوفي عنان وما لديها من خبرة طويلة في هذا المجال، قد أقحمت هي الأخرى من قِبَل مجلس الحكم وقوات الاحتلال في وسط الجدل الدائر بخصوص إجراء الانتخابات المباشرة في العراق لنقل السلطة للعراقيين بحسب ما يطلبه السيد السيستاني؛ فقد تنبأ الأمين العام في أول تصريح له لوسائل الإعلام بصعوبة إجراء انتخابات عامة مباشرة في العراق، واستبعد تحقيق ذلك لأسباب منها: ١ - عدم وجود قانون انتخابات في العراق. ٢ - عدم وجود قانون ينظم الأحزاب المشاركة بالانتخابات. ٣ - عدم وجود إحصاء سكاني رسمي دقيق ومحايد للعراقيين. ٤ - عدم استقرار الوضع الأمني في العراق. وقال إن للانتخابات آليات وشروطاً لا بد من توفرها لضمان النزاهة والموضوعية والعدالة التي ينبغي أن تتحقق في عملية الانتخابات لتكون نتائجها معتمدة في تمثيل المرشحين تمثيلاً حقيقياً من قِبَل الشعب. وهو الرأي الذي يتفق مع ما يقوله الحاكم المدني للعراق ومجلس الحكم الانتقالي ومن ورائهم الإدارة الأمريكية مع اختلاف الأسباب والنوايا الحقيقية للإدارة الأمريكية. ومع ذلك فلم يجزم الأمين العام كوفي أنان بالقول بعدم إمكانية إجراء الانتخابات في الوقت الراهن قبل أن يرسل وفداً فنياً لتقصي الحقائق، وتقييم الوضع عن كثب ثم يتخذ القرار. والذي أصبح من المؤكد أن يكون قرار الوفد هو عدم إمكانية إجراء الانتخابات للأسباب الظاهرية الآنفة الذكر. ومن ثم ستكون توصية منظمة الأمم المتحدة ملزمة للمرجع الديني علي السيستاني بالعدول عن مطلبه بإجراء انتخابات عامة ومباشرة في الوقت الراهن. ولا يخفى على المراقب ما تتميز به الأمم المتحدة من مواقف سلبية بخصوص القضية العراقية؛ فهي التي أضفت الشرعية على الحرب الأمريكية على العراق، وسوغت ذلك بخروج بعثتها قبل أيام قلائل من العراق، ولم تتخذ موقفاً جدياً ضد الحرب والقرار الأمريكي، وهي التي ساهمت في تأجيج الأزمات حول عملية التفتيش عن الأسلحة في العراق من خلال تصريحاتها بهذا الخصوص والمحرضة للإدارة الأمريكية على شن الحرب، وهي لا تعدو أن تكون أداة بيد الإدارة الأمريكية تمارس عليها الضغوط؛ لذلك لا يعول كثيراً على عودة الأمم المتحدة إلى العراق، وهي لا تملك الوقوف والصمود بوجه قرارات مخالفة للإدارة الأمريكية. ومن الجدير بالذكر أن الأمم المتحدة سيبقى دورها منقوصاً وغير فعال ما لم تلعب دوراً إيجابياً وشاملاً لكل العملية السياسية في العراق، وهذا لا يمكن أن يكون إلا بإصدار قرار دولي ينص على إخراج القوات الأمريكية وحلفائها من العراق والاستعاضة عنها بقوات تابعة للامم المتحدة. * المقاومة العراقية: لا شك أن المقاومة العراقية ولا سيما في المناطق السنية من العراق أصبحت أمراً واقعاً في يوميات العراق والعراقيين، وباتت اليوم تشكل خطراً حقيقياً على القوات الأمريكية من خلال العمليات التي تشنها المقاومة، والتي تتراوح بين (١٨ - ٢٥) عملية - وباعتراف القوات الأمريكية - يومياً، وما يرافقها من عمليات نوعية تكبد الأمريكان خسائر أصبحت موجعة لهم، وبات شبح المقاومة العراقية التي تتكون من أطياف عدة من تنظيمات وتشكيلات إسلامية جهادية وعسكريين وطنيين وعرب غير عراقيين وسواهم يشكلون خطراً كبيراً على القوات الأمريكية، وهو الأمر الذي جعل الإدارة الأمريكية تغير بعض خططها العسكرية والسياسية، وتجسد ذلك في تنازلات الإدارة عن أمور كانت لم تتركها لولا ضربات المقاومة والاضطراب الأمني لقواتها في العراق، ومنها على سبيل المثال تشكيل المجلس الانتقالي للعراقيين وإعطاؤه هامشاً من الصلاحيات بعد أن كانت تريده مجلساً استشارياً فقط، وكذلك تحديد موعد لانتقال السلطة والسيادة للعراقيين، وإنهاء الاحتلال قانونياً في نهاية حزيران، بعد أن كانت تقول لا يوجد سقف زمني لبقائنا في العراق، والحديث عن حكومة عراقية سابق لأوانه، إلى آخر ذلك من المكاسب التي حققتها المقاومة واستفاد منها مجلس الحكم المعارض لها وهو لا يدري! وهكذا كلما تتواصل ضربات المقاومة، تتواصل قوات الاحتلال في إرجاعها للحقوق تحت مطارق العبوات الناسفة والسيارات المفخخة وصواريخ مدافع الهاون وإسقاط الطائرات المروحية؛ حتى يتحقق مستقبل العراق، ويعود إلى العراقيين ليحكموا أنفسهم في نظام يضمن لجميع العراقيين حقوقهم من دون تمييز للون أو طائفة أو عرق. * المأزق الأمريكي: مما لا شك فيه أن الإدارة الأمريكية في مأزق كبير في العراق بسبب مطلب الانتخابات العامة المباشرة التي يطالب بها المرجع الشيعي علي السيستاني، وهو الأمر الذي يعني تعكير صفو الطبخة الأمريكية المعدة مع الحكومة المؤقتة بعد نقل السلطة، والتي كان من المفترض أن يتبوأ فيها مواقع بعض الأعضاء الأوفياء للإدارة الأمريكية أمثال أحمد الجلبي أمين عام المؤتمر الوطني، وإياد علاوي أمين عام الوفاق الوطني وكلاهما وأخرون معهم ممن يشغلون الآن منصب عضو في مجلس الحكم قد جاؤوا على الدبابة الأمريكية والذين من خلالهم تحقق الإدارة الأمريكية أهدافها الرئيسية من التواجد العسكري (بطلب من الحكومة الجديدة كما صرح بذلك مسؤولون أمريكيون بمعرض الإجابة عن أسئلة الصحفيين: هل سترحلون من العراق بعد تسليم السلطة للعراقيين؟) وإبرام اتفاقات وعقود استراتيجية في العراق وعلى رأسها إرساء قواعد عسكرية، والسيطرة على مخزون النفط، وحيازة مجمل عقود الإعمار للشركات الأمريكية لتطويق الشرق الأوسط وموارده النفطية لصالحها. وهم في قرارة أنفسهم لا يرغبون في إجراء انتخابات مباشرة؛ لأن الانتخابات بهذه الطريقة سترجعهم من حيث أتوا من خارج العراق لعدم وجود أي تأييد أو قاعدة شعبية لهم. لذلك يمكننا القول إن الإدارة الأمريكية اليوم في محك حقيقي أمام مطلب الانتخابات العامة، وهو الأمر الذي يتمثل في صدق النوايا لدعاوى قوات الاحتلال، ورفعهم شعار التحرير والديمقراطية، وبين الشارع العراقي بكافة شرائحه وطوائفه. فهناك مقاومة سنية بالقوة ضد القوات الأمريكية، وهناك مقاومة شيعية سلمية عبر المظاهرات الحاشدة والشعارات المنددة بالاحتلال. * مطلب السيستاني: لقد أثار مطلب المرجع الشيعي علي السيستاني بضرورة إجراء انتخابات عامة مباشرة لتشكيل المجلس التشريعي في الحكومة العراقية الجديدة ضجيجاً كبيراً في الأوساط العراقية والعالمية حول إمكانية ذلك من عدمه، ومن الواضح أن جميع العراقيين متفقون على مبدأ إجراء الانتخابات لتشكيل الحكومة الجديدة، ولكن الاختلاف هو في التوقيت والآلية التي يمكن أن تتوفر لتجعل من هذه الانتخابات صورة حقيقية لاختيار الشعب العراقي لمرشحيه، وتكون الانتخابات نزيهة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وقد قوبل هذا المطلب برفض سني قاطع، وقد جاء ذلك عبر بيان أصدره مجلس شورى أهل السنة الممثل الأكبر لأهل السنة في العراق، وكذلك على لسان أحد ممثلي جمعية علماء المسلمين من أن الظروف الأمنية غير مناسبة ألبتة، إضافة إلى أمور اخرى فنية وإدارية يتطلب توفيرها لإجراء أي انتخابات عامة ونزيهة وعادلة، وتحت إشراف دولي محايد لتحقيق الأهداف المرجوة من الانتخابات ليتمكن الشعب العراقي من تمثيل مرشحيه بصورة طبيعية وحقيقية. إن الناظر لمعطيات المشهد العراقي بتمعن يجد بوضوح أن هناك خشية وتحفظاً وحسابات سياسية طائفية تفوح رائحتها في الوسط العراقي من خلال الضغط الإيراني الكبير من خلال المرجع الديني الشيعي السيد علي السيستاني ودفعه بقوة بضرورة مطالبته بإجراء انتخابات مباشرة في الوقت الحاضر والضغط على الإدارة الأمريكية من خلال التظاهرات الحاشدة لتحقيق هدفين رئيسيين للسياسة الإيرانية في العراق الجديد وهي: ١ - إيجاد موطئ قدم راسخة ونفوذ سياسي مؤثر في العراق الجديد. ٢ - الاحتفاظ بالمرجعية الشيعية الموالية لإيران والمتمثلة بالسيد علي السيستاني ذي الأصل الفارسي، وسد الطريق أمام تنامي المرجعية الشيعية من أصل عربي والمتمثلة بمقتدى الصدر ابن المرجع العراقي محمد صادق الصدر الذي اغتيل على يد النظام العراقي السابق. وهذا يعني بقاء الوارد المالي الكبير الذي يدر على المرجعية من خلال دفع الشيعة في العالم للخُمْس والذي يقدر بالمليارات التي يتم استثمارها في إيران. لذلك يتوقع أن يتعمق الخلاف والحساسية المتنامية بين خط مقتدى الصدر والمرجع السيستاني، وربما يتطور إلى نوع من الخلاف الذي قد يكون عامل ضعف في الكتلة الشيعية في العراق مستقبلاً، بسبب رغبة شيعة العراق (العرب) في أن يتقلدوا زمام الأمور، ويعيدوا لحوزة النجف مكانتها الأولى، بدلاً من حوزة قم الإيرانية؛ وهذا لا يكون إلا بعودة المرجعية وكسر التوارث الفارسي لهذه المرجعية، وإحلال المرجعية العربية مكانها. إن القول بأن مطالبة المرجع الديني علي السيستاني بإجراء الانتخابات المباشرة والإصرار عليها في الوقت الراهن فيها نَفَس طائفي واضح لتحقيق مكاسب طائفية ولا سيما إذا ما قورنت هذه المطالبة ببعض المعطيات والتوجهات التي طفت على السطح من خلال التصريحات الرسمية لممثلي السيستاني والرموز الشيعية الأخرى عبر وسائل الإعلام وقولهم: إن الشيعة أغلبية ساحقة ويمثلون نسبة ٨٠% من الشعب العراقي، وصيحة أخرى أكثر إنصافاً تقول إن الشيعة يمثلون ٦٠% من الشعب العراقي، وناطق آخر يقول إن لدينا أكثر من أربع ملايين شخص قد أسقطت عنهم الجنسية العراقية في عهد النظام البائد (والمقصود كلهم من الشيعة) لا بد من إرجاع الجنسية لهم! والقول الآخر وهو الأخطر والذي صرح به ممثل السيستاني من ضرورة إجراء انتخابات ولا سيما في المناطق الآمنة (وهي المناطق الجنوبية والتي فيها أغلبية شيعية والمتمثلة في محافظة الناصرية والعمارة والنجف وكربلاء، وواسط) وتترك المناطق التي فيها مشاكل أمنية وغير المستقرة التي هي كلها مناطق سنية والمتمثلة (بمحافظة الموصل والرمادي وديالى وبعقوبة وغالبية العاصمة بغداد) إلى حين آخر. وهذه النظرة وما رافقها من توجهات أخرى حول نسبة الشيعة ومحاولة المبالغة المتعمدة بزيادة النسبة، وتردد القول بأن الشيعة هم الأغلبية في العراق عبر وسائل الإعلام، وهو أمر منافٍ للحقيقة العملية؛ حيث إن من المؤكد قطعاً وحسب الإحصائيات الرسمية السابقة والتوزيع الجغرافي للسكان وعدد العراقيين البالغ ٢٢ مليوناً إلى ٢٤ مليوناً؛ فإن نسبة الشيعة لا تتجاوز (٣٥ - ٤٠) بالمئة في أحسن الأحوال، ومن ثم فإن نسبة السنة (عرباً وأكراداً) تصل إلى ٦٠% إذا ما اعتبرنا (٣ - ٥) بالمئة للأقليات الأخرى. والقول بأن هناك أكثر من أربع ملايين عراقي (شيعي) قد أسقطت عنهم الجنسية العراقية من قِبَل النظام السابق بحجة أنهم (تبعية إبرانية) قول في غاية الغرابة ومجانب للصواب. والمؤكد أن الذين أسقطت عنهم الجنسية للسبب المذكور لا يتجاوز المائتي ألف على أكثر تقدير، وهو أمر ثابت ومعروف للعراقيين! ولكن هذا هو أسلوب للمبالغة للحصول على أكبر قدر من الحقوق وهو أسلوب قديم، ومحاولة منح الجنسية العراقية لهؤلاء المهجرين، في ظل الفوضى التي يمر بها العراق اليوم والتي أعقبت الحرب وإسقاط النظام، وما صاحبه من تدمير وحرق متعمد للمؤسسات الحكومية ولا سيما ما يتعلق بدوائر الجنسية والأحوال الشخصية المدنية العراقية لتكثير السواد الشيعي في العراق والجنوب على وجه التحديد ليكون جنوباً شيعياً خالصاً ومهيأ للانفصال (فيما إذا اقتضت الضرورة ذلك) ويكون متواصلاً مع إيران والشيعة في الخليج المجاور للعراق. هذه بعض المخاطر التي تنطوي عليها دعوى السيستاني لإجراء الانتخابات المباشرة في الظرف الراهن، ومن دون تدخل دولي يضمن ويشرف على عملية الانتخابات وتأمين كل ما تحتاجه من إجراءات قانونية لازمة لتكون نزيهة وعادلة. * حلول بديلة ممكنة: في ظل هذه الأزمة التي أفرزتها دعوى السيستاني للانتخابات العامة يمكن القول بأن هناك بعض الحلول المتوقعة لتسوية الأمر بين سلطات الاحتلال والقوى العراقية، والاتفاق على حلول توافقية لتجاوز هذه الأزمة وتشكيل أول حكومة انتقالية مؤقته تتمتع بكامل السلطة والسيادة على العراق. منها: ١ - تمديد فترة مجلس الحكم الانتقالي ثلاثة أشهر أخرى على ما هو عليه للاستفادة من عامل الزمن لترتيب كل ما تتطلبه عملية الانتخابات؛ على أن يتم تسليم السلطة للعراقيين في الموعد المقرر في نهاية حزيران من قِبَل قوات الاحتلال، وعلى أن لا يمنح مجلس الحكم أي صلاحية لإبرام أي اتفاقات وعقود هامة وحساسة تمس العراق الجديد (والتي ينبغي أن يقررها جميع العراقيين) مع قوات الاحتلال في هذه الفترة. ٢ - القبول بنقل السلطة للعراقيين على ضوء الخطة المتفق عليها من قِبَل الإدارة الأمريكية ومجلس الحكم، وبدون إجراء انتخابات في الوقت الراهن، والقبول بالحكومة المؤقته المنبثقة عن هذا الاتفاق، شريطة أن تقيد هذه الحكومة بعدم إبرام أي عقود واتفاقات هامة تمس العراق الجديد، ولحين الانتهاء من توفير الاستعدادت التامة لإجراء الانتخابات العامة خلال فترة لا تتجاوز ستة أشهر، أي حتى نهاية العام الجاري، وأن يصبر العراقيون ويتحملوا سلبيات الوضع الحالي على مرارتها حتى إجراء الانتخابات العامة بصورة نزيهة وعادلة ليختار العراقيون من يمثلهم حقيقة في الحكومة الجديدة. وعندها فقط سيتذوقون طعم الحرية المنشودة في بلاد الرافدين. ٣ - القبول بأي حلول أخرى يمكن أن يتوصل إليها بين قوات الاحتلال ومجلس الحكم والمجتمع الدولي في نقل السلطة للعراقيين. بشرط أن تضبط هذه الحكومة بالشرط المذكور أعلاه. وأي حلول أخرى خارجة عن هذا النطاق ولا تنضبط بهذا الشرط الهام الذي يحقق مصلحة الشعب العراقي؛ فهي حلول عميلة يراد لها تكريس الاحتلال وإعطاؤه الشرعية في السيطرة على العراق ومقدراته، والهيمنة على المنطقة بأكملها. لذلك ينبغي على القوى المناوئة للاحتلال بجميع أطيافها وخاصة الإسلامية منها والشيعية على وجه التحديد أن تدرك هذا الأمر، وأن تعطي الفرصة المقترحة (وكل آت قريب) لقوات الاحتلال لاتخاذ ما يلزم، وبعدها ستنكشف النوايا الحقيقية لكل الأطراف؛ وعندئذٍ يمكن للمرجع الديني السيستاني أن يحرض على المقاومة بكافة الوسائل المتاحة له ومنها المقاومة السلمية، وأن يدعو إلى المظاهرات والعصيان المدني، وأن لا يعترف بشرعية الحكومة التي أقرتها قوات الاحتلال، وعند ذلك ستلتقي معه كل القوى الوطنية وعلى رأسهم الأحزاب السنية في خندق واحد، لمعارضة الاحتلال وخططه الشريرة لتحقيق مصلحة الشعب العراقي الجريح، ويكون حينها موقفه أكثر تجرداً ووطنية من مطلبه الحالي في إجراء انتخابات عامة في الوقت الراهن، مخالفاً فيه للسنة في العراق. * خلاصة: هل ستستجيب الإدارة الأمريكية لمطالب المقاومة بشقيها السلمي والعسكري، وتقبل أن تكون بمثابة هيئة خيرية تعمل لتحرير الشعوب من الدكتاتوريات، وتترك العراق للعراقيين أمام صيحات المتظاهرين وعمليات المقاومين، وتنسحب أدراجها، وتمزق جميع خططها الاستعمارية التي جاءت من أجلها إلى المنطقة، وخاضت الحرب على العراق بخرق قانون الأسرة الدولية ومجلس الأمن، وأنفقت الكثير من الأموال والسلاح، واستنزفت مغامرتها هذه مئات القتلى والجرحى من الجنود الأمريكان بحسب إحصائيات الإدارة الرسمية؟ نعم! سيكون كذلك إذا ما أصرت إرادة وعزيمة العراقيين على مطالبهم المشروعة شرعاً وقانوناً، والمقاومة برزت صفاً واحداً في سبيلها مهما بلغت التضحيات [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) . وهل ستتحمل الإدارة الأمريكية مضاعفات الشأن العراقي وتداعياته على الانتخابات الأمريكية في الأشهر المقبلة؟

стр. 4853

المسلمون والعالم عقلية «يسقط» و «يعيش» وثمار موسم التيه العربي والعراقي عصام حسن [*] esam١٢٦@hotmail.com كنا نتصور أن كلمتي «يسقط» و «يعيش» قد اختفتا من الحياة السياسية العراقية، فيما بات يعرف هذه الأيام بالعراق الجديد. والسبب أن هذا «النَّفَس» بفتح النون والفاء فيه نزعة استئصالية للرأي أو الطرف الآخر، بغض النظر عن أحقية هذا الطرف أو ذاك، أو صوابية المواقف المتخذة. والمتابع للعمل السياسي العراقي وحتى العربي المعارض طيلة العهود السابقة، يجد أنه كان «مكملاً» من وجه لممارسات السلطات الحاكمة التي ما فتئت تقسّم الشعب العراقي بين موالٍ للحكومة يجب أن يحتضن ويُدعم بشتى الإمكانيات، وبين معاد لها لا معارض يجب استئصال شأفته وتدميره. بعض الممارسات التي تتم في الساحة العراقية لا زالت تذكرنا بـ «عقلية» الأنظمة السابقة، (من ليس معنا فهو علينا) ؛ فالحراك السياسي الحالي محكوم بهذه الطريقة من التعاطي السياسي بين العراقيين، ولا بد أن نتمرن في التخلص من هذه الحالة ويتحمل بعضنا للآخر، إذا قدر لنا أن نعيش جميعاً تحت سقف هذا الوطن. وإلا فإن اختلافاً يحدث بين طلبة واعين لا بد أن تحسمه الشرطة حول رفع «علم» أو «صورة» أو «لافتة» ظاهرة تكشف أننا لم نتخلص بعدُ من تلك التركة الثقيلة، وأخشى أن تنعكس على بقية الممارسات السياسية. والطلبة - كبقية الناس - بحاجة إلى من يقتدون به من السياسيين، ليوسعوا صدورهم، ويتحملوا الرأي الآخر والتصرف الآخر، وعندما لا يجدون تلك القدوة فإنهم يستصحبون الحالة القديمة في «طرد» الرأي الآخر والموقف الآخر؛ ومن يدري لعل بعضهم يغذي نزعة «التصدي» و «استعراض العضلات» ، ليحقق مكاسب على الأرض طالما الأجواء مساعدة في موسم «التيه» . ربما تسمية الأمور بأسمائها ستكون «توضيحاً للواضحات» ، ولكننا إذا نظرنا إلى خارطة العراق وربما أماكن من العالم العربي فسنجد هذه الظاهرة تكرر نفسها، في هذه المحافظة أو تلك، مع استبدال «العلم» باللافتة والصورة بالمنشور. بعضهم في عجالة من أمرهم، يحاولون «الحصاد» - بلا رحمة - وكأنهم في سباق ماراثوني محموم مع الزمن؛ ليت هذا «الاهتمام» بالزمن كنا قد «ابتلينا» به من قبل بأبعاده الإيجابية وليس الموسمية! عندها كنا نوفر الكثير من الوقت والجهد والأموال والأنفس.

стр. 4854

المسلمون والعالم نقاش في الهم الفلسطيني نائل نخلة استمرار المقاومة، المرأة في قاموس الاستشهاد، العمليات المشتركة، حوارات التهدئة، الضغوط المتراكمة، التهديدات المستمرة ضد قادة حماس، استهداف الشيخ ياسين، كلها محاور غدت حديث الساعة في الشهور الأخيرة، وانفجر بركانها إثر عملية (إيرز) الاستشهادية التي نفذتها ولأول مرة استشهادية من حماس، ولا سيما أنه أعقب هذه العملية تهديد مباشر من قِبَل نائب وزير الدفاع الإسرائيلي باستهداف الشيخ ياسين وقيام الإدارة الأمريكية بتحميل الشيخ ياسين المسؤولية المباشرة عن هذه العملية. هذه المحاور كانت موضع نقاش مع رأس الهرم في حماس الشيخ أحمد ياسين، وأحد القادة السياسيين في الحركة الشيخ سعيد صيام، إضافة إلى المحلل السياسي الدكتور عاطف عدوان المحاضر في قسم العلوم السياسية في الجامعة الإسلامية في غزة. * في دائرة الاستهداف: استخف الشيخ أحمد ياسين زعيم حركة المقاومة الإسلامية حماس في تصريحات خاصة لمراسل مجلة البيان بالاتهام الإسرائيلي له بالوقوف وراء العملية الأخيرة للاستشهادية (ريم الرياشي) في معبر بيت حانون التي أوقعت أربعة قتلى وعشرة جرحى من جنود الاحتلال؛ معتبراً أن لا أساس من الصحة لمثل هذا الادعاء، وأنه يأتي لتسويغ إخفاق العدو في منع حدوث العملية، وقال الشيخ ياسين إن هذه الاتهامات برهان على إخفاق العدو في الحفاظ على أمنه، وإخفاق كل جهوده التي يبذلها لوقف المقاومة والجهاد، مكملاً: «العدو الآن يفتش عن شماعة يعلق عليها إخفاقه في الحفاظ على أمنه» . ونفى ياسين أن تكون هذه الاتهامات والتهديدات الإسرائيلية قد أضعفت وقللت نشاط رموز الحركة، خوفاً من عمليات اغتيال بحقهم، مضيفاً: «لم تؤثر بالمطلق على نشاط الحركة إلا من بعض الاحتياطيات الأمنية الواجب اتباعها» معتبراً أن قادة العدو الإسرائيلي أصبحوا غير قادرين على تحمل مسؤولية اغتيال القيادات الفلسطينية، ونحن بدورنا لن نختبئ، وسنؤدي رسالتنا على أكمل وجه، وعلى العالم أن يقف بجانبنا ويضغط ليرفع ممارسات العدو ضدنا «. وفي الإطار ذاته حذر سعيد صيام القيادي في حركة حماس من مغبة الإقدام على اغتيال الشيخ أحمد ياسين، متوعداً الاحتلال بدفع ثمن باهظ في حال إقدامه على تنفيذ التهديدات، وقال للبيان:» إن التهديدات الإسرائيلية باستهداف الشيخ ياسين ليست جديدة، وإسرائيل عملياً مارست محاولة اغتيال للشيخ، ولكن الله أنجاه منها، وهذه التهديدات تأتي في سياق الإفلاس والإخفاق لحكومة شارون في تحقيق الأمن للصهاينة «. وأضاف صيام:» ... إن هذه التهديدات لا تفتُّ في عضدنا، ولا تؤثر على مسيرة المقاومة، وإذا ما تجرأ الاحتلال على تنفيذ هذه التهديدات فسيدفع ثمناً باهظاً؛ إذ إن الشيخ أحمد ياسين برمزيته لم يعد يمثل حماساً فقط، فهو محور قيادة ورمز فلسطيني وإسلامي وعربي «. من جهته يؤكد الدكتور عاطف عدوان أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الإسلامية بغزة جدية التهديدات الإسرائيلية باستهداف الشيخ أحمد ياسين مشيراً إلى المحاولات المتكررة لاستهداف قيادات حركة حماس؛ مضيفاً في حوار خاص للبيان:» أظن أنها تهديدات جدية؛ لأنه لو لم تكن كذلك؛ فما الداعي لإطلاقها! .. فهل هي مجرد رادع نفسي فقط، أم تراها تحمل نظرة جدية؟ «، وأردف يقول:» أرجح أنها جدية، خصوصاً أن عملية اغتيال الشيخ لم تعد بعيدة التصور عقب استهدافه سابقاً، والآن يعاد تهديده؛ فهذا يحمل مضامين ربما تكون جدية أكثر في هذه المرحلة؛ وخصوصاً إذا علمنا أن التمهيد لمثل هذا العمل من ناحية نفسية وإعلامية، ومن ناحية رأي عام عالمي يمكن بعد ذلك أن تكون وطأة تنفيذه أقل «. وعن ردة الفعل المتوقعة إذا ما تم اغتيال الشيخ ياسين أوضح المحلل السياسي الفلسطيني أن الحكومة الإسرائيلية تأخذ بعين الاعتبار الردود المتوقعة لمثل هذه الخطوة، مضيفاً:» لا شك أن أي سياسي سواء كان إسرائيلياً أو غير إسرائيلي يضع مثل هذه القضايا في عين الاعتبار، وأتصور أن من يضع خطة وآليات تنفيذ لما يريد، يضع في اعتباره مثل هذه الحركات الشعبية؛ لأنها لا تخرج من فراغ، ولكنها تخرج نابعة من إعلان من قبل المجتمع بكل فئاته وأفراده عن أن لديهم الاستعداد للانتقام إذا ما نفذت إسرائيل تهديدها باغتيال الشيخ ياسين «. وأكد د. عدوان أن الإقدام على اغتيال الشيخ ياسين يقضي تماماً على الجهود الدبلوماسية الهادفة لإعلان هدنة واستئناف عملية السلام وقال:» أعتقد أنه حينها ستصبح كل القضايا: الحديث عن السلام، الحديث عن الهدنة والتهدئة، لا وجود لها؛ لأن إسرائيل في هذه الحالة تكون ضربت بعرض الحائط كل هذه القضايا، والشعب الفلسطيني على مضض يتصور ويحاول أن يتعايش مع الواقع «. وتابع يقول:» عندما تأتي (لا قدر الله) هذه الضربة سيكون الواقع أكثر مرارة وأقل احتمالاً، وحينها قد تنفجر القضايا، وقد لا تكون مقصورة على الواقع الفلسطيني؛ ففي هذه الحالة ستفتح كل الاحتمالات ربما على أوسع أبوابها خصوصاً أن الشيخ ياسين ليس شخصية مغمورة، وهو قائد حركة لها تأثير سياسي، ولها تأثير نفسي في جميع النواحي «معتبراً التهديدات الإسرائيلية باستهداف الشيخ ياسين تعبيراً واضحاً عن ضيق أفق، وأن المنافذ أمام الحكومة الإسرائيلية قد غدت قليلة، وعلى هذا الأساس بقي أمامها منفذ التهديد المباشر لحياة الشيخ ياسين؛ مشيراً إلى أن» هذا مؤشر من مؤشرات إفلاس التفكير السياسي والعسكري الإسرائيلي: بمعنى أنه عندما تقزم قضية شعب في شخصية زعيم سياسي، مصاب، بهذا المنظر، أظن أن القضية في هذه الحالة تعطي مؤشراً ليس صحيحاً على طبيعة التفكير السياسي والعسكري الاسرائيلي «. * وحول أول العنقود: أكد ياسين تعقيباً على استخدام حماس لأول مرة النساء في تنفيذ عمليات استشهادية أن حركته لم تغير استراتيجيتها في المقاومة ضد العدو الإسرائيلي، وقال: » المرأة والرجل بالأساس سيان في ساحة المعركة، ولكن المرأة كانت احتياطاً كأي جيش له جنود احتياط، وحين رأى إخواننا في القسام ضرورة وجود امرأة في هذه المرحلة كان لهم ذلك «. وقال: إن هذا الأمر مرجعه الشريعة الإسلامية؛ لأن الجهاد أصبح فرض عين على كل مسلم ومسلمة كفرض الصلاة تماماً، وأضاف:» المرأة تعتبر خط دفاع ثانياً، إلا أن الإخوة في كتائب القسام حينما رأوا أن عمليتهم تحتاج إلى امرأة، كان للمرأة أن تأتي بجانب الرجل في الصف الأول لتنفيذ عملية استشهادية «. وقد أكد صيام هذا الاتجاه متحدثاً عن استخدام الحركة للعنصر النسائي في العمليات العسكرية:» .. الحكم الفقهي يقول إن الجهاد فرض عين، وللمرأة دورها في التاريخ الإسلامي، وربما تأخر إدراج المرأة في مثل هذا العمل بالنسبة لحركة حماس له علاقة بالجهاز العسكري.. ربما لظروف تكتيكية ميدانية، لكن من حيث المبدأ شعبنا جميعه في دائرة الاستهداف؛ ومن ثم شعبنا جميعه متحمس، ويبحث عن دور لمقاومة ومقارعة الاحتلال، والمرأة هي جزء من هذه المواجهة المفتوحة «. أما الدكتور عدوان فنفى أن تكون حركة حماس قد خسرت أكثر مما ربحت من عملية (إيرز) الأخيرة حسب ما زعم بعض المراقبين الذين قالوا إن رأس الحركة بات تحت المقصلة بعد العملية. في حين وصف صيام التحليلات التي زعمت أن حماساً خسرت أكثر مما ربحت في عملية (إيرز) وأن رأسها السياسي بات تحت المقصلة وصفها بـ» الساذجة «، وقال:» مع احترامي الشديد هذا تحليل ساذج إلى أبعد الحدود، ولم أكن أتوقع بعد هذه العملية الناجحة التي أقضت مضجع الاحتلال، وحازت الثقة باجتياز كل حواجز الأمن الصهيوني ضد جنود صهاينة أن يكون هناك من يتحدث عن خسارة وربح «. أما عن الدلالات التي قد تكون عملية (إيرز) حملتها قال عدوان:» السيدة (ريم الرياشي) لم تكن هي الأولى التي نفذت مثل هذه العمليات، ولم تكن حماس هي الأولى التي استخدمت فتاة؛ فقد رأينا استشهاديات سابقات، وهذه القضية لا جديد فيها، ولكن الجديد هو من ناحية حركة حماس؛ فهي لم تستخدم سابقاً سيدة استشهادية، وهذه هي المرة الأولى، والدلالة فقط متعلقة بحركة حماس، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل ستستمر حماس في تجنيد الاستشهاديات، أم لا؟ وهذا أمر يتوقف على الظروف الفنية أو الظروف الموضوعية أو ربما إمكانية التنفيذ أو عدم إمكانية التنفيذ «. * سيناريو العمليات المشتركة: وعن رؤيته لدور كتائب شهداء الأقصى في عملية (إيرز) المشتركة مع كتائب القسام ولا سيما أن كافة تفاصيل العملية تظهر لمسات القسام عليها، وعما إذا كان هذا يعود لأهداف سياسية من جانب حركة حماس، قال المحلل السياسي الدكتور عدوان:» بناءً على ما هو موجود في البيان الذي نشر على صفحات أجهزة الإعلام أنا لا أتصور أن الجهات العسكرية تكتب قيام كتائب القسام بالاشتراك مع كتائب شهداء الأقصى في هذه العملية دون أن يكون لهم دور.. لا بد أن يكون لهم دور ما، يمكن أن يكون في التخطيط، يمكن أن يكون في التنفيذ، يمكن أن يكون في أي مرحلة من مراحل العمل، وطالما أن الطرفين اتفقا على أنهما عملا معاً فلا بد أن يكون لكل منهما دور معين. قد يكون الدور الأكبر لكتائب القسام كما ظهر في وصية الاستشهادية كما رأيناها على جهاز التلفزيون، مضيفاً: «أنا لا أدري أين كمن دور كتائب شهداء الأقصى؟ وهذه قضية لا أتصور أن تكون قضية سرية أن تجد من يقدم لك إجابة على هذا السؤال» . وحول إذا ما كانت حماس سعت لإرسال رسائل إلى جهات معينة من خلال توقيع شهداء الأقصى على بيان العملية، أجاب عدوان: أتصور أنه مجرد تخمين، وأتصور أن القائمين على شهداء الأقصى ليسوا أطفالاً؛ بمعنى أنهم أناس لهم خبرة سياسية وخبرة عسكرية، خصوصاً أن كتائب شهداء الأقصى هي جناح عسكري لفصيل فتح؛ ولذلك لا أتصور أنها تتورط في مثل هذه القضية لو لم يكن لديها فعلاً النية، واعتبار أن هذا التورط تورط ممتاز، وهم أقبلوا عليه بكل الرضى، وخصوصاً أني سمعت تصريحاً لحسين الشيخ أمين سر فتح بالضفة الغربية يبارك مثل هذا الموضوع معتبراً أن هذا أمر طبيعي؛ فهو يوافق أن تكون هناك عمليات مشتركة، وعندما أراد أن يتحدث ألقى باللوم على الطرف الإسرائيلي في تنفيذ مثل هذه العمليات، نافياً أن تكون العملية توريطاً من طرف لآخر «. أما الشيخ سعيد صيام فعقب قائلاً:» .. ليس لنا اطلاع على ماهية دور كتائب شهداء الأقصى، ولا أعتقد أن القضية فقط هي بصمة.. بالطبع طبيعة العمل يحدده الجناحان العسكريان، قد يكون الدور رصداً للهدف، وقد يكون تسهيل النقل، ونحن نبارك كل الجهود التي تدفع باتجاه التنسيق بين المقاومين «. في حين عبر الشيخ ياسين عن أن هذه العملية المشتركة تشير إلى أن التعاون بين حماس وبقية الأجنحة المسلحة مستمر، وهو دليل على وحدة الفصائل الفلسطينية على خيار المقاومة. وحول طبيعة العلاقة المستقبلية بين الأجنحة العسكرية في ضوء تزايد العمليات المشتركة، أوضح المحلل السياسي عدوان أن التعاون بين الأجنحة العسكرية سيكون له انعكاسات مستقبلية، وقال:» نحن إذا نظرنا إلى الماضي وإلى المرحلة الحالية يمكن أن نستشرف آفاق المستقبل؛ فقديماً عندما كانت تجري عملية عسكرية معينة كنا نجد كل الفصائل تتبنى هذه العملية، والكل يدعي أنه قام بهذه العملية ويضع التفصيلات ويضع أرقام بعضها قد يكون خيالياً، وبعضها واقعي، بمعنى أنه كان هناك تنافس شديد حول تبني العمليات بحق أم بباطل، أما الآن فهؤلاء المتنافسون المتناحرون حول تبني عملية معينة اتفقوا على أن يكون بينهم شكل من أشكال التعاون؛ فهذه خطوة أخرى، ثم إن الشيء الأكثر إغراءً أن تنجح هذه العملية؛ فإذا نجحت أي عملية فستكون إغراء حقيقياً لهذه الأجنحة العسكرية كي تزيد من شكل تعاونها، وهذا يعطينا مؤشراً للمستقبل؛ فقد نرى حقيقة آفاق تعاون أوسع بين الأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة تؤدي إلى تنفيذ عمليات نوعية ذات طابع أفضل أو أكبر مما عليه الحال، وما كان عليه في الأيام التي خلت «. * حوار الطرشان: ورداً على سؤال حول وجود ضغوط عربية على حماس من أجل دفعها لقبول هدنة، قال مؤسس حماس:» ممكن أنهم يريدون أن يضغطوا علينا لنقبل بالهدنة والاستسلام للعدو الصهيوني ليأخذ هو أمنه واستقراره ونحن نوقف المقاومة الجهاد.. ليس هناك شيء يمنع المجاهد أن يقوم بالدفاع عن نفسه في وجه العدوان، والاحتلال والاستيطان هو أعلى درجات العدوان الموجودة «، واعتبر زعيم حماس العملية رسالة للأطراف التي تطالب حماس بالهدنة، مضيفاً:» هذه العملية رسالة مفادها أن لا هدنة «. وفي ذات الموضوع قال الدكتور عدوان:» حماس حسب ما قرأنا في الصحف، أعلنت أنه فعلاً كان بينها وبين الأمريكان اتصالات، وأن الأمريكان فعلاً عرضوا عليها عدم استهداف قادتها مقابل إيقاف العمليات الاستشهادية؛ إلا أنها رفضت وقالت إنها لن تنصاع لهذا الموقف، وأنا لا أتصور أن حماساً معنية بمثل هذا الموضوع؛ لأنه لم يتغير شيء في استراتيجية حماس ولا في رؤيتها لمقاومة العدو الصهيوني. أما ما يتردد عن تهدئة أو هدنة لاحت في الأفق خلال الفترة السابقة فيعلق الدكتور عدوان على ذلك: «.. قد يكون مر بالمنطقة مرحلة من مراحل الهدوء، ربما نتيجة لأسباب فنية، لأسباب سياسية، لأسباب مجتمعة، قد يكون، ولكن لم تشهد الانتفاضة وإلى اليوم إعلان موقف من جانب حماس تقول فيه إنها وضعت مبدأ المقاومة جانباً، وعلى هذا الأساس أنا لا أتصور أن حماساً كانت معنية بأن ترد عن نفسها تهمة معينة، خاصة أنه لم يكن هناك تهمة في المرحلة السابقة من قِبَل أي جهاز إعلامي، رغم أن هذا الكلام كان تسريبات من هنا وهناك» . أما الشيخ سعيد صيام فنفى وجود أي اتصالات (مع الإدارة الأمريكية) بغرض التهدئة قائلاً: «كان هناك عرض، وهذا العرض تم رفضه في حينه، وهو يقوم على التهدئة من قِبَل حماس مقابل الحفاظ على رؤوس قادتها وعناصرها، وهو كلام مرفوض رفضاً قاطعاً من قِبَل الحركة» . ونفى صيام ما تردد حول أن حماساً أرادت من خلال عملية (إيرز) الرد على التسريبات الإعلامية التي ذكرت أن الإدارة الأمريكية عرضت عليها وقف العمليات مقابل وقف استهداف القيادات، وقال: «هذه تسريبات لسنا معنيين بأن نقوم بما يبطلها؛ نحن نقاوم الاحتلال، ومتى أتيحت فرصة للمقاومين، وأصبح هناك هدف تحت رمايتهم فلا أعتقد أنهم يتأخرون عن الوصول إليه واستهدافه» .

стр. 4855

المسلمون والعالم الجدار الفاصل في الفكر الصهيوني د. يوسف إبراهيم [*] yousifib@p-i-s.com إن فكرة الجدار محفورة ومعششة عميقاً داخل الفكر الصهيوني، وهي ترافق هذا الفكر منذ نشأة الصهيونية. وقد كتب ثيودور هرتسل في كتابه «دولة اليهود» الذي كان حجر الأساس للصهيونية المعاصرة أن دولة اليهود في فلسطين ستشكل «جزءًا من السور الأوروبي أمام آسيا وهي نقطة انطلاق للحضارة ضد البربرية» . وبعد أكثر من مئة عام يجسد جدار شارون هذه الرؤيا تجسيدًا كاملاً؛ وما كلمة «الجيتو» إلا تطبيق عملي لفكرة العزل فـ «الجيتو» أو «حارة اليهود» في مجتمعنا العربي هي المكان الذي اختاره اليهودي ليعزل نفسه عن محيطه، وهي عقدة لا تزال تسيطر على اليهودي أينما حلّ، حتى بعد إقامة كيانه المغتصب فوق أرض فلسطين. ولأن هاجس العزلة والبعد عن الآخر أكثر ما يميز اليهودي على مر التاريخ؛ فقد جاءت فكرة السور الواقي أو الجدار الواقي. * بدايات فكرة الجدار: الفكرة قديمة: إن فكرة جدار الفصل وبنائه قديمة حديثة، وليست وليدة اليوم كما تدعي القيادات الإسرائيلية، فترجع فكرة بناء جدار فاصل إلى عام ١٩٣٧م حين طُلب من تشارلز بتهارت، الخبير البريطاني لشؤون الإرهاب، بوضع خطّة لإقامة جدار على طول محاور الطرق الرئيسة من الحدود اللبنانية في الشمال وحتى بئر السبع، وقام الخبير البريطاني بتهارت برسم المرحلة الأولى من عملية إقامة الجدار حسب الحاجات الاستراتيجية العاجلة، وهو جدار من أربع طبقات وبارتفاع مترين يتم بناؤه على طول ٨٠ كم من طبريا في الشمال الشرقي وحتى رأس الناقورة في الشمال الغربي بالقرب من محاور الطرق المركزية. وكانت تكلفة المشروع آنذاك ٦٠ مليون دولار، وأوكلت بريطانيا إلى شركة «سوليل بونيه» مهمة بنائه؛ ولمجموعات «الهاجانا» لحراسته. وقد تم هدم الجدار من قِبَل سكان القرى العرب على جانبي الجدار. تجديد الفكرة حديثاً: ومع استمرار الانتفاضة الأولى وتصاعدها وتحولها الى الطابع العسكري، وبعد أن أصبحت الانتفاضة عبئاً كبيراً على المؤسسة العسكرية والأمنية، بدأت أول خطوات للفصل بين سكان الضفّة ومناطق الـ ٤٨، عبر المباشرة بإصدار تصاريح خاصة لكل فلسطيني يريد الدخول للعمل أو ما شابهه؛ وذلك بعد تصاعد أعمال المقاومة الفلسطينية. وعليه فإن فكرة إصدار التصاريح تعتبر الفكرة الأولى في طريق ما سمّي التطبيق الفعلي والعملي لفكرة الفصل، إلا أن هذا الإجراء لم يفد، فابتدعت المؤسسة العسكرية فكرة الإغلاق على المناطق الفلسطينية إلى جانب ما يعرف بنظام منع التجول ١٩٤٨م، وبعد ذلك اقترح رابين إنشاء ما يسمّى بالجدار الأمني العازل، وكانت البدايات الحقيقية في إقامة سياج أمني حول قطاع غزّة من الناحية الشمالية والشرقية على امتداد الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧م، أو ما يعرف بالخط الأخضر فيما يزيد عن ٥٥ كم، وحول محيط المستوطنات في قطاع غزّة وخاصة المنعزلة منها، وكان الجدار سياجاً بسيطاً وهو عبارة عن أسلاك مكهربة شائكة بارتفاع مترين، وله عدة بوابات ترتبط مع قطاع غزة لاستخدامها في ملاحقة رجال المقاومة. وبعد البدء بتطبيق اتفاقيات أوسلو أصبح هذا الجدار نموذجاً للفصل الأمني، وكأنه تجسيد للحدود النهائية لقطاع غزة. واستقرت الأمور على هذا الحال حتى هبة الأقصى التي تحولت إلى انتفاضة منظمة، وتحولت من صورتها الشعبية إلى المقاومة العسكرية الشرسة، وخاصة بعد أن ظهرت العمليات الاستشهادية بشكل كبير. في عام ٢٠٠١م، تقدم وزير الحرب الصهيوني السابق بنيامين بن أليعزر بخطة لبناء جدار الفصل بين الضفة الغربية وإسرائيل، وفي نيسان / أبريل ٢٠٠٢م طالبت لجنة التوجيه الحكومية الإسرائيلية بسرعةِ إنشاءِ الجدار الفاصل في الضفة الغربية، وقد صودق بداية على إقامة جدار بطول ١٠٠ كم حتى منطقة طولكرم، ثم جاء الأمر العسكري رقم ت/٨/٢٠٠٢ وت/٩/٢٠٠٢ الصادر في شهر مايو / أيار عام ٢٠٠٢م وقضى بإقامة جدار طوله ١٠ كم. وفي ٢٣/٦/٢٠٠٢م قررت الحكومة الإسرائيلية إنشاء جدار عازل بطول الضفة الغربية يفصل بين الأراضي المحتلة في الضفة من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، ويبلغ طول الجدار العازل ٣٥٠ كم. * طبيعة الجدار وتكلفته: يمكن الاستنتاج من خلال تصريحات القادة الصهاينة أن الجدار عبارة عن ثلاثة جَدُر، وهي: ١- الجدار الغربي. ٢- الجدار الشرقي. ٣- جدار رفح. * أقسام الجدار الغربي: تخطط سلطات الاحتلال لينقسم الجدار الغربي إلى ثلاثة أقسام: القسم الشمالي، القسم الخاص بالقدس، القسم الجنوبي. ويهدف الجدار الغربي الذي أعلنت عنه الحكومة الإسرائيلية لتطويق الضفة الغربية، ويمتد على ٣٦٠ كم؛ حيث يمتد من قرية سالم غربي جنين إلى أقصى جنوب محافظة الخليل والذي بدأ العمل فيه، في حين سيمتد الجدار الشرقي على طول الضفة الغربية من أقصى الشمال عند جنين إلى أقصى الجنوب عند محافظة الخليل وبطول يصل إلى حوالي ٣٠٠ كم، وبعرض ما بين ٥ - ١٥ كم، كما أن جداراً ثالثاً يتم بناؤه على طول الحدود مع جمهورية مصر العربية وقطاع غزة، ويصل طول هذا الجدار حوالى ١٢ كم وبعرض ما بين ٢ - ٣ كم، وتعمل الجدر في الضفة الغربية على تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاثة أقسام، وهي: ١ - منطقة أمنية شرقية على طول الغور بمساحة ١٢٣٧ كيلو متراً مربعاً أي ما يعادل ٢١.٩% من مساحة الأراضي الفلسطينية وتضم هذه المساحة ٤٠ مستعمرة إسرائيلية. ٢ - منطقة أمنية غربية بمساحة ١٣٢٨ كيلو متراً مربعاً، أي ما يعادل ٢٣.٤% من مساحة الأراضي الفلسطينية. وهذا يعني أن كلتا المنطقتين ستضمان ٤٥.٣% من مساحة الأراضي الفلسطينية. ٣ - المنطقة الثالثة والتي تبلغ ٥٤.٧% من الأراضي الفلسطينية والتي تضم المدن الفلسطينية الكبرى ستقسم إلى ٨ مناطق و٦٤ معزلاً فلسطينياً. في حين أن جدار رفح تسبب في تدمير أكثر من ١٠٠٠ منزل، وسيعمل على إحكام السيطرة على منطقة الحدود مع مصر، ويمنع الأقارب من رؤية بعضهم بعضاً أو التواصل فيما بينهم. * تكلفة الجدار: يتضح من معطيات قدمها نائب رئيس هيئة الأركان العامة في الجيش الإسرائيلي، اللواء غابي أشكنازي، في لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، أن مجمل تكاليف بناء الجدار الفاصل ستصل إلى ٨.٥ مليار شيكل، حيث تم صرف مبلغ ١.٢٧ مليار شيكل حتى الآن في إطار المشروع، كما سيتم رصد مبلغ ٦٠٠ مليون شيكل العام القادم. وأضاف اللواء أشكنازي أن مقطعًا طوله ١٤٦ كيلو مترًا (١٣٠ كيلو مترًا من سالم حتى إلكَناه، ٦ كيلو مترات بين باقة الشرقية وباقة الغربية، و١٠ كيلو مترات في شارع «حاضن القدس» قد بدأ بالعمل. ووفقًا لما قاله نائب رئيس الأركان الإسرائيلي، فسيتم الانتهاء من بناء ٤٠ كيلو متراً إضافيًا من «الغلبواع» إلى باقة حتى شهر شباط / فبراير ٢٠٠٤م. وستنتهي أعمال البناء في «حاضن القدس» حتى نهاية عام ٢٠٠٤م، كما سيتم بناء ٢٠٠ كيلو متراً حتى مستوطنة «كرميل» الواقعة جنوب جبل الخليل. وتعهد أشكنازي بالانتهاء من بناء الجدار الفاصل حتى نهاية عام ٢٠٠٥م، موضحًا أنه من المقرر أن يبلغ إجمالي طول الجدار ٧٢٨ كيلو مترًا من غور الأردن حتى جنوب جبل الخليل، منها ١٠٦ كيلو مترات تشمل المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية. * الآثار المترتبة على الجدار: التعليم: من المتوقع أن يؤدي استكمال بناء الجدار إلى تضرر ٧٥٠٠ طالب من محافظات طولكرم وقلقيلية وجنين؛ فعلى سبيل المثال هناك ١٥٠ مدرساً و٦٥٠ طالباً في طولكرم وحدها يجدون حالياً صعوبة في الوصول إلى مدارسهم ناهيك عن تدمير المدارس وتعرض مرافقها للأضرار، ومن ثم ستزداد تكلفة الدراسة نتيجة لانتقال الطلاب من أماكن سكنهم نحو مدارسهم التي ستقع بعد اكتمال البناء خارج قراهم، نتيجة لاضطرارهم لاستخدام وسائل النقل. الصحة: سيتسبب الجدار في عزل التجمعات الفلسطينية المتضررة وما ينجم عن ذلك من تقييد للحركة والتنقل، وإنشاء هذه الجيوب يتزامن مع بنية تحتية غير كافية. وتشير النتائج إلى أن ٣٠ تجمعاً تم فصلها عن المراكز الصحية، و ٢٢ تجمعاً تم فصلها عن المدارس، و ١١ تجمعاً تم فصلها عن بدالة الهاتف، و ٨ تجمعات تم فصلها عن المفتاح الرئيسي لشبكة المياه، و٣ تجمعات تم فصلها عن المحول الرئيسي لشبكة الكهرباء. المياه: سيشكل بناء الجدار تدميراً كاملاً لمصادر المياه الفلسطينيّة في الضفة الغربية حيث تقوم «إسرائيل» بانتزاع أكثر من ٨٥% من المياه الفلسطينية من الطبقات الجوفية للضفة الغربية، أي حوالي ٢٥% من استخدام «إسرائيل» للمياه، ومصادر ٣٠ بئر ماء في محافظتي قلقيلية وطولكرم. والمعروف عن هذه الآبار طاقتها التصريفية العالية؛ علماً أنه تم حفرها قبل عام ١٩٦٧م، وتقع على الحوض الجوفي الغربي، وهذا الأمر سيفقد الفلسطينيين ١٨% من حصتهم في هذا الحوض، والتي هي ٢٢ مليون متر مكعب سنويًّا من أصل ٣٦٢ مليون متر مكعب حسب اتفاقات أوسلو، إضافة إلى أنه سيدمر البنية التحتية لقطاع المياه من مضخات وشبكات الأنابيب الخاصة لمياه الشرب والري الزراعي، ومما سيعمل على فقدان بعض القرى الفلسطينية من مصادرها المائية بالكامل. * مصادرة الأرض: بلغت مساحة الأراضي المصادرة من أراضي السلطة الفلسطينية حوالي ٤٠، ٤٦٠ دونماً، تركز معظمها في محافظة جنين، بينما بلغت مساحة الأراضي المصادرة من الأملاك الخاصة حوالي ١٢٤، ٣٢٣ دونماً، تركز معظمها في محافظة القدس. وكان معظم الأراضي المصادرة مزروعة بالزيتون والتي قدرت مساحتها بحوالي ٦٢٦٢٣ دونماً تليها المحاصيل الحقلية ١٨٥٢٢ دونماً، ثم المراعي ٩٨٠٠ دونم، ثم الحمضيات ٨٠٠٨ دونمات. كما بلغت مساحة الأراضي المجرفة من أملاك السلطة الفلسطينية حوالي ١٢٩٦ دونماً، تركز معظمها في محافظة جنين، بينما بلغت مساحة الأراضي المجرفة من الأملاك الخاصة حوالي ٢١٠٠٢ دونماً، تركز معظمها في محافظة القدس؛ حيث كان معظم الأراضي المجرفة مزروعة بالزيتون والمحاصيل الحقلية ثم الحمضيات. الجدار ألحق أضراراً بثلاثة وخمسين تجمعاً فلسطينياً في جنين وطولكرم وقلقيلية، ويدمر ٨٣ ألف شجرة، و ٣٧ كيلو متراً من شبكات الري، و١٥ كيلو متراً من الطرق الزراعية يعزل ٣٥٠.٢٣٨ دونماً، وبلغ عدد التجمعات السكانية التي صادرت قوات الاحتلال الإسرائيلي أراضيها من أجل بناء الجدار الفاصل ٧٥ تجمعاً سكنياً منها ٢٦ تجمعاً بقرار «عسكري» ، مقابل ١٨ تجمعاً سكانياً عن طريق وضع اليد على الأراضي في هذه التجمعات، و٣١ تجمعاً سكانياً تم مصادرة أراضيها بالطريقتين، هذا ما أكدته نتائج مسح قام به الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. * تدمير الزراعة: يتسبب الجدار في تدمير قطاع الزراعة؛ حيث سيؤدي إلى خسارة ٥٠٠٦ وظائف، وكذلك تدمير صناعة زيت الزيتون، وكذلك سيتأثر إنتاج هذه المنطقة من الفاكهة والخضروات. وتبلغ نسبة الأراضي المروية التي أقيم الجدار حتى الآن على أراضيها في مرحلته الأولى (٥%) من مساحة الضفة الغربية، لكن مساهمة هذه النسبة المتواضعة في الإنتاج الزراعي للضفة تساوي (٥٢%) ، في وقت تعد مناطق شمال الضفة الغربية من أهم المناطق المروية والحيوية في فلسطين. إن إنتاج الزيتون سينخفض بسبب تقطيع آلاف الأشجار المثمرة والمعمرة بمعدل (٢٢٠٠) طن سنويًّا من الزيت في الأعوام المقبلة، إضافة إلى انخفاض إنتاج ثمار الفواكه بمعدل (٥٠) طناً سنويًّا، والخضروات بمعدل (١٠٠٠٠٠) طن سنويًّا، وستفقد حوالي ١٠٠٠٠ رأس من الماشية مناطق رعيها، وسيتم تدمير المئات من البيوت البلاستيكية ومزارع الطيور وحظائر الحيوانات؛ وهو ما سيؤدي إلى أضرار بالغة وتراكمية للاقتصاد الفلسطيني. فأكثر من ١٢ ألف نسمة من سكان جنين موزعين على ٣٠٠٠ أسرة، دخلوا في المنطقة التي تقع أمام الجدار العازل، ومع أكثر من ٢٢٠٠ وحدة سكنية موزعة على عدد من التجمعات السكانية. وفي منطقة قلقيلية وحدها تم خسارة ٨٦٠٠ دونم مربع، أي بنسبة (٧٢%) من أراضيها المروية. * تدمير وعزل المواقع التاريخية والأثرية: سيؤدي الجدار إلى ابتلاع الكثير من المناطق والمواقع التاريخية والأثرية الفلسطينية وخاصة في مدن: بيت لحم والقدس والخليل، مثل «موقع الذهب» الواقع شمال مدينة جنين، الذي يحوي مقتنيات أثرية تعود للفترة الرومانية والبيزنطية. الجدار سيعزل محيط مسجد بلال بن رباح، والمقبرة الإسلامية، ودائرة الأوقاف الإسلامية عن باقي أجزاء مدينة بيت لحم؛ إضافة لفصل مدينتي بيت لحم والقدس اللتين تشكلان أحد أبرز المقاصد السياحية الرئيسة في فلسطين، وإلحاق الدمار بالعشرات من المواقع الأثرية وأهمها: عيون الماء القديمة، والخرب الأثرية في منطقة حوسان غرب مدينة بيت لحم ومنها: خربة حمود، خربة قديس، خربة الكنيسة، وخربة دير بغل. * المنشآت الاقتصادية: إن الاستمرار في بناء الجدار العازل سيؤدي إلى عزل مئات المنشآت الاقتصادية التي أصبحت داخل الجدار (ما بين الجدار الفاصل والخط الأخضر) وقد تصل إلى ٧٥٠ منشأة، منها ٤٧٣ منشأة في محافظة طولكرم لوحدها، بينما بلغ عدد المنشآت المدمرة بشكل كلي ٢٧ منشأة، وبلغت مساحتها ١١.٥٠٠ متر مربع، وقدرت قيمتها بحوالي ١٣٠ ألف دولار أمريكي، وقد بلغ عدد العاملين فيها ٨٠ فرداً. * الأضرار السياسية: إن الاستمرار في بناء الجدار الفاصل سيحسم قضايا الحل النهائي من خلال الرؤية الإسرائيلية حيث سيتم حسم قضية تعديل حدود عام ١٩٦٧م، كما سيتم حسم قضية السيطرة على المياه وإحكام السيطرة على القدس، وإلغاء أن يكون للأراضي الفلسطينية منافذ أو معابر إلا من خلال الأراضي التي تم السيطرة عليها. ويمكن تلخيص الأبعاد السياسية بما يلي: - منع إقامة أي كيان سيادي فلسطيني على الأرض الفلسطينية. - ضم أجزاء كبيرة من الأراضي الفلسطينية خالية من سكانها إلى (إسرائيل) بشكل نهائي. - ضم الكثير من المستوطنات القريبة أصلاً من الخط الأخضر إلى (إسرائيل) بدل تفكيكها وإنهاء وجودها. - خلق وقائع مادية ملموسة على الأرض لتستخدمها في أي مفاوضات قادمة للحل النهائي. - ضمان سيطرة الدولة العبرية التامة على عبور الأشخاص والبضائع سواء على المعابر بين (إسرائيل) والأراضي الفلسطينية أو تلك المعابر على الحدود مع الدول الأخرى.

стр. 4856

مرصد الأحداث أحمد فهمي afahmee@albayan-magazine.com أقوال غير عابرة: - «الرجال والنساء الأفغان يبنون الآن أمة حرة تحارب الإرهاب وفخورة بأبنائها» الرئيس الأميركي جورج بوش يتحدث أمام الكونجرس. [الجزيرة نت، ٢١/١/٢٠٠٤م] - «الرئيس بوش عندما يتحدث عن ضرورة بقاء الحرية؛ فإنه يقصد بذلك ضرورة بقاء الولايات المتحدة» .. الملياردير الأميركي جورج سوروس يتحدث عن ازدواجية الإدارة الأميركية. [وجهات نظر، يناير ٢٠٠٤م] - «إنها مثل قطعة كبيرة من الصوف المغزول، ما أن تسحبها حتى تكشف عن أمكنة أخرى» مسؤول كبير في وكالة الطاقة الذرية يعبر عن سعادته بالمعلومات التي كشفها القذافي عن السوق السوداء للأسلحة النووية. [النيوزويك، ١٣/١/٢٠٠٤م] - «نعم إذا صدر هذا القرار يصبح جائزًا للمرأة المسلمة خلع الحجاب، والمسلمات في هذه الدار يكُنَّ قد دخلن في دائرة الضرورة؛ وبذلك يصبح خلع الحجاب جائزًا» الشيخ علي جمعة مفتي الجمهورية في مصر يتحدث عن القرار الفرنسي بمنع الحجاب. [آفاق عربية، ٢٢/١/٢٠٠٤م] - «قد يبدو شيعة العراق من الخارج مجموعة متجانسة، ولكن عند النظر إليهم من الداخل يتبين أنهم يشكلون تركيبة معقدة وغاضبة من التنافس على المال والسلطة» . [النيوزويك، ١٦/١٢/٢٠٠٣م] - «لقد ولدت سوق سوداء في القطاع النووي يحركها ذكاء خارق؛ إذ ترسم الخطط في بلد، وتنتج محركات الطرد المركزي في بلد آخر، وتنقل في البواخر انطلاقاً من بلد ثالث، بينما تبقى الشكوك قائمة بالنسبة إلى وجهتها النهائية» . محمد البرادعي مدير وكالة الطاقة الذرية. [ميدل إيست أون لاين، ٢٥/١/٢٠٠٤م] - «إنه تقليد حزبي تقريباً.. فالديمقراطيون يفقؤون أعين بعضهم بعضاً في شتاء السنة الانتخابية وربيعها، ثم يقضون الصيف والخريف وهم يحاولون إصلاح ما أفسدوه» .. جوناثان آلتر، صحفي أميركي معروف. [النيوزويك، عدد، ١٨٧] - «القوانين الدولية! من الأفضل لي أن أتشاور مع المحامي الخاص بي؛ فهو لم يذكر لي شيئاً عن ذلك» .. الرئيس الأميركي جورج بوش يرد ساخراً على سؤال صحفي حول تأثير القوانين الدولية في السياسة الخارجية الأميركية. [وكالات الأنباء] أحاج وألغاز: فتش مع باول «السؤال الذي لم يحسم هو: كم عدد المخزونات التي لديهم إن كانت هناك مخزونات.. وإذا كانت لديهم أي مخزونات فأين ذهبت؟ وإن لم تكن لديهم أي مخزونات فلماذا لم يعرف هذا من قبل؟ .. كولن باول وزير الخارجية الأميركي يتحدث عن أسلحة الدمار الشامل العراقية. [الجزيرة نت، ٢٥/١/٢٠٠٤م] من يحرر أمريكا؟ في إحصائية مقارنة ذكرتها النيوزويك تبين أنه في أكتوبر الماضي كان هناك خمس جرائم لكل ألف شخص في بغداد مقابل ١٧ في لوس أنجلوس، و٢٢ في شيكاغو. [النيوزويك، ١٣/١/٢٠٠٤م] المخ و.. الدولارات » الولايات المتحدة والغرب عموماً يخترقان الصحافة العربية بشراء كبار الكتاب، وهناك مقالات أميركية يتم نشرها بالنص في الصحف المصرية مع وضع اسم كاتب مصري عليها بعد حصوله على مبلغ مالي «عبد العال الباقوري كاتب صحفي مصري وعضو سابق في مجلس نقابة الصحفيين. [المجلة، عدد، ١٢٤٧] إشكالية العقل والقمل » ترميم العقل العربي يحتاج إلى أسلوب الصدمات، وعلى أميركا أن تستغل اللحظة العاطفية الحزينة التي يمر بها قطاع عريض من العرب إثر القبض على صدام حسين للمضي قُدُماً في مشروعها لتغيير الواقع العربي السائد.. لا بد من عرض مشهد البحث عن القمل في رأس (حامي البوابة الشرقية) مرات ومرات كي يبقى في ذاكرة العرب؛ فلعل العقل يستعيد ثباته وتوازنه وواقعيته «. [الصحفي الكويتي محمد عبد القادر الجاسم رئيس تحرير الطبعة العربية لمجلة النيوزويك (١٨٤) ] وعلى» المقاومين «خارجها مراعاة فروق التوقيت الشيخ عبد القادر منير رجل دين معروف في مدينة تكريت، لكن له موقف مغاير من المقاومة؛ إذ يقول لصحيفة الحياة (١٤٩٠٣) : ما زلنا نوضح للأميركيين أن رجال صلاح الدين لم تبدر منهم بادرة لإباحة المجاهدة وجواز الجهاد، نحن هنا في تكريت سلفيون وغير سلفيين لم نقل بالمجاهدة، ولو قلناها لما ظلّ أميركي في تكريت، وهم يحاولون إلحاق ما يحدث لهم بنا، نحن نرى أن الوقت لم يحن بعد للقيام بواجب الدفاع الشرعي؛ لأنهم قالوا إنهم سيرحلون قريباً. مرصد الأخبار: عالم الزواحف كتبت صحيفة» الزحف الأخضر «الناطقة باسم اللجان الثورية الليبية، مقالاً لافتاً في ٢٢/١/٢٠٠٤م دعت فيه إلى تحويل ليبيا إلى» دولة «بعد انتهاء فترة الحكم باسم الثورة، وطالبت أيضاً بأن يصبح الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي » رئيساً «لهذه الدولة، وذلك باعتبار أنه لا يشغل منصباً رسمياً في الوقت الحالي، وهذا يعني بالطبع أنه يشغل كل المناصب، وكتبت الصحيفة الزاحفة في مقال بعنوان:» وجاء زمن الرئيس الليبي «:» هناك وقت للحب وهناك وقت للكراهية، هناك وقت للحرب وهناك وقت للسلم، هناك وقت للكفاح وهناك وقت للبناء، هناك وقت للثورة وهناك وقت للدولة «، وتابعت الصحيفة تبلور فكرها الزاحف بالقول:» ليبيا مثلها مثل بقية العالم قطعة أرض وحكومة وشعب؛ حيث كان العالم في الستينيات في ثورة ضد الإمبريالية وضد الظلم الاجتماعي وضد التفرقة العنصرية، كانت الشعوب تسعى إلى استقلالها وتقرير مصيرها؛ فكان لا بد لليبيا أن تتحول من دولة ضعيفة لا يعرفها أحد إلى ثورة يهابها الجميع، كان لا بد أن يأتي الفارس ويقلب الأوضاع ويقوم بالثورة «. ويبدو أن الفارس قد اكتشف أن الأوضاع قلبت على رأسه، فقد تابعت الزحف الأخضر:» كان لا بد لهذا الفارس الآتي على جواده الأخضر أن يشعل النار في الدولة المهترئة ويحولها إلى ثورة خاف منها الأعداء، وفرح بها الأصدقاء.. وبعد نضوج ثمار الثورة أمسى من الضروري أن تتغير قواعد اللعبة، تتغير لتواكب تطورات العالم على أرضية الواقع، وإذا كان ذلك هو زمن الثورة، فقد جاء زمن الدولة وحان الوقت للفارس المحارب الذي قاد الثورة أن يترجل ليبني الدولة ويكون رئيسها «! [بتصرف عن الحياة، ٢٦/١/٢٠٠٤م] طالبان وأسلحة» الكيف «الشامل تصاعدت الانتقادات الموجهة للإدارة الأميركية التي تحتل قواتها أفغانستان بعد إسقاط نظام طالبان؛ وذلك للانتعاش الهائل الذي تمر به زراعة وتجارة المخدرات بأنواعها هذه الأيام انطلاقاً من الأراضي الأفغانية؛ فقد ذكر باحثون أن هجوم نظام حكم طالبان على إنتاج الهيروين في أفغانستان كان السياسة الأكثر فاعلية لمكافحة المخدرات في العصور الحديثة، إلا أن الإنتاج ارتفع مرة أخرى بعد إطاحتها، وقال غراهام فارو أستاذ علم الجريمة في جامعة لوبورو: إن دراسة بينت أن الحملة الصارمة لطالبان أدت إلى انخفاض الإنتاج العالمي من الهيرويين نحو الثلثين، وانخفاض الإنتاج في المناطق التي سيطر عليها نظام طالبان بنسبة ٩٩%، وأضاف فارو الذي حلل بيانات الأمم المتحدة لإعداد بحثه:» التهديد بالعقاب كان الشيء الأساسي، هناك إشاعات تقول إن الرد كان وحشياً، إلا أننا نجد صعوبة في الحصول على دليل موثوق به «، وقال فارو إنه بعد أن أطاحت الولايات المتحدة طالبان عاد الفلاحون إلى زراعة الخشخاش؛ لأنه محصول أكثر ربحية، وأضاف أن أفغانستان أصبحت مرة أخرى أكبر مصدر في العالم للهيروين المستخرج من الخشخاش، وفي نوفمبر الماضي أشارت بيانات أمريكية أن زراعة نباتات الخشخاش في أفغانستان عام ٢٠٠٣م كانت أكبر ٣٦ مرة من العام الذي سبق سقوط نظام طالبان، وقال فارو:» إجراءات طالبان الصارمة فرضها قادة الجماعة الذين كانوا يتم معاقبتهم هم أنفسهم إذا زرعت النباتات التي يستخرج منها المخدرات في مناطقهم «. [بتصرف عن الشرق الأوسط، ٩٨١٥] رؤية برويز مشرف فاعل أم مفاعل؟ لمن يعمل برويز مشرف؟ سؤال يحير كثيرين داخل باكستان وخارجها، فلا يبدو الأداء السياسي للجنرال مشرف متبلوراً حول وجهة محددة، أو ينطلق من رؤية استراتيجية واضحة، والدور الأبرز الذي بات يتقنه أن يعمل كجهاز استقبال وتنفيذ للضغوط الأميريكية أياً كان مجالها، ولذا يبدو أداؤه مشتتاً في مجالات لا رابط بينها في باكستان؛ لأن محورها في البيت الأبيض، ولم يعد لدى حكومته مشكلة إلا ضبط الحدود مع أفغانستان، أو اعتقال متسللي القاعدة وتسليمهم إلى الإف بي آي، ثم تطور الأمر إلى اعتقال نخبة باكستان من علماء الذرة، وترددت شائعات قوية باحتمال تسليم بعضهم لأميركا ما استدعى نفياً رسمياً. وبهدوء يلتف الحبل حول العنق الباكستاني، فقد وُظفت انتكاسة القذافي الأخيرة في اتجاه اتهام باكستان بأنها بائع نشط في السوق السوداء للسلاح النووي، وأصبح عبد القدير خان هدفاً للانتقام الغربي؛ حيث اتهم بأنه سرق تكنولوجيا الطاردات المركزية وهي جزء حساس من المفاعل النووي، أثناء عمله في أوروبا في السبعينيات ثم نقلها إلى بلاده، وصرح مسؤول أميركي بأن خان هو:» الناشر اللاشرعي الأكبر للتكنولوجيا النووية في العالم «. وفتحت الملفات القديمة - إن كانت موجودة - واعتبرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون نزع الأسلحة تيريز ديلباش أن باكستان تستغل الشبكات الدولية السرية لترويج التكنولوجيا النووية، بل ذكرت أن باكستان تستخدم مدينة دبي لنقل مبيعاتها عبر الوسطاء بزعم أنها - دبي - أحد مراكز الانتشار النووي الأكثر نشاطاً في العالم. ويمكن أن نجمع عدة متفرقات لتبدو أمامنا الصورة واضحة؛ فهناك دور مشرف، والخيانة الليبية، واتهامات الترويج الأميركية، والغزل الباكستاني الإسرائيلي، أضف إلى ذلك تصريح غريب أطلقه محمد البرادعي مدير وكالة الطاقة الذرية ذكر فيه أن اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية ينبغي أن تُراجع مرة أخرى من أجل حظر النشاط النووي السلمي أيضاً، وبذلك يمكن أن نقرأ الصورة كما يلي: استفاد الأميركان من التجارب السابقة: ينبغي تطويق العنصر البشري النووي أولاً لمنع التسرب، يأتي بعد ذلك الغطاء القانوني الدولي الذي يحظر النشاط السلمي النووي، ولا بأس بإضافة بروتوكول لوضع مفاعلات الدول التي لا تضبط التكنولوجيا النووية لديها تحت الحراسة الدولية، وعندما تفقد المفاعلات قيمتها الإنتاجية، تبقى قضية السيطرة على المخزون المحدود لدى باكستان من الرؤوس النووية. وعندما تفقد باكستان قدرتها الردعية أمام الهند فلن يصبح استيلاء الهندوس على الجزء الباكستاني من كشمير إلا مسألة وقت، وستنفرط بعدها حبات العقد لدولة إسلامية كانت يوماً نووية. ريم على القمة.. وغيرها على القاع تبدو قصة الاستشهادية الفلسطينية (ريم الرياشي) مثالية بصورة غير معتادة، على الأقل لدينا نحن العرب، وليس اللافت للنظر هنا أنها تجاسرت على تنفيذ عملية استشهادية؛ فقد جعل الفلسطينيون ذلك حدثاً عادياً لا جديد فيه؛ لكن في حالة (ريم) كانت هناك عدة ملامح تعطي الأمل في أن الأمة لا يزال الخير معقود في نواصيها؛ فهي أم لها طفلان أحدهما في الثالثة والآخر في عامه الأول، تبيع مثيلتها الدنيا ولا تفارقهما، وهي زوجة يلزمها الحصول على موافقة زوجها حسب ما اشترطت كتائب القسام، ولم يكن ذلك صعباً؛ فقد رحب الزوج زياد عواد - ٢٧ عاماً - بل وشارك زوجته بالتنسيق في مهمتها، وتبين لاحقاً أنه أوصلها بنفسه إلى الحاجز العسكري في (إيرز) الذي يقوم بفحص آلاف العمال الفلسطينيين، ولا بد أنه مكث حتى اطمأن إلى سماع صوت الانفجار الذي ينبئه أن زوجته قد تحولت إلى أشلاء ممزقة في سبيل دينها، ووفقاً لما تقوله قوات الأمن الفلسطينية فإن الزوجين قد أعدا ودبرا بدقة لعمليتهما، حيث شوهدا قبل ذلك بيوم مع (سامي أبو عاصي الرياشي) أحد أعضاء القسام، فيما يعتقد أنهم كانوا يضعون اللمسات الأخيرة على العملية، وكان الزوجان يتحدثان وهما يتجولان في حي الزيتون في غزة. وقد اعتبر المسؤولون اليهود أن الشيخ أحمد ياسين تسبب بتأييده للاستشهاديات في تنفيذ هذه العملية، وقال نائب وزير الدفاع الصهيوني زيف بويمر: » لقد تقرر قتله، والأفضل له أن يختفي في سراديب تحت الأرض حيث لا يمكنه التمييز بين الليل وبين النهار «، ويفكر الصهاينة في طرق يواجهون بها مداً محتملاً من الاستشهاديات، وإحدى الأفكار هي نشر مجندات متخفيات ومتنكرات كنساء عربيات، وفي هذا السياق قال إسحق ليفانون من كبار موظفي وزارة الخارجية:» إن إسرائيل ستعامل النساء الفلسطينيات منذ الآن معاملة الرجال؛ حيث لن تعود هناك معاملة خاصة لهن فهم جميعاً مشتبه بهم «. المحافظون الجدد.. هل يتحولون إلى ملفات قديمة؟ يقول أحد المسؤولين في إدارة بوش:» لقد أصبحنا نقف وجهاً لوجه أمام حدود إمكانياتنا، وأصبحنا ندرك أن استراتيجية التغيير التي كسبنا بها الحرب لم تعد مجدية لنكسب بها السلام «. في الواقع الوضع في العراق أصبح مزرياً ومكلفاً من الناحيتين البشرية والمالية إلى درجة أنه لم يعد هناك ما يدعو بصورة جدية لتنفيذ الخطة الأساسية التي كان المحافظون الجدد يسعون لتنفيذها، وهي تغيير الأنظمة الحاكمة في أي دولة أخرى، أصبح المحافظون المتشددون يدركون أن العسكريين الأميركيين الذين يواجهون شحاً في الإمكانات سيتمردون بصورة أوضح مما هي عليه حالهم الآن؛ وعليه فقد تبخرت التهديدات التي كانت توجه إلى سوريا وإلى كوريا الشمالية، وبالنسبة إلى إيران أصبحت الإدارة أكثر ميلاً لاستخدام الوسائل المساعدة مثل الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية. وبعد أن تكشف الضعف الذي يعانيه بوش، تجرأ بعض الديمقراطيين الذين كانوا خائفين في الماضي من أمثال نانسي بيلوسي زعيمة الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب على مهاجمة الرئيس، وفي الحزب الجمهوري ازداد نفوذ التيار التقليدي الذي يتبع نهج الرئيس السابق جيفرسون الرافض للانتشار الأميركي على نطاق أوسع مما يجب، وقد اضطر بوش إلى التجاوب مع هذا التيار إلى حد ما. واليوم أصبح أصلب المحافظين الجدد الذين سيطروا على مقاليد الأمور في واشنطن لفترة وجيزة يخشون من عودة الروح إلى ما أطلق عليه أحدهم: » الانعزالية الجديدة «. وأصبح المقياس الحقيقي للتحول في ميزان القوى يتوقف على نتيجة حدثين عام ٢٠٠٤م، أولهما: هو ما إذا كان العراق سيصبح دولة ديمقراطية نموذجية، وثانيهما: ما إذا كان بوش سيحقق فوزاً حاسماً في الانتخابات؛ فهل يتحقق ذلك أم يتحول المحافظون الجدد إلى ملفات قديمة تحفظ في الأرشيف؟ [بتصرف عن النيوزويك، عدد، ١٨٣] تركيا بين العلمانية والعلوية تعتزم الحكومة التركية تدريس المذهب» العلوي «لطلبة التعليم الأساسي في المدارس التركية اعتباراً من العام الدراسي الجديد، وقال وزير التعليم حسن شاليك أنه ينبغي أن يفهم الشعب التركي حقائق هذا المذهب، ويأتي ذلك ضمن خطة حكومية للاستجابة لمطالب أخرى للطائفة في تركيا أقرها البرلمان بضغط من الاتحاد الأوروبي، والتقدير الرسمي للعلويين يبلغ ١٢ مليون نسمة، بينما يقدرون أنفسهم بـ ٢٠ مليون نسمة من إجمالي عدد السكان البالغ ٧٠ مليون نسمة، وأتباع الطائفة لا يذهبون إلى الحج، ولا يصلّون في الجوامع، بل يذهبون إلى أماكن عبادة خاصة يسمونها» بيوت الجمع «يمارسون فيها العبادة رجالاً ونساءً، وعلى أنغام» الساز «وهي آلة موسيقية تركية شهيرة. [جريدة الخليج، ١١/٢/٢٠٠٤م] مرصد الأرقام: - كشفت تقارير بريطانية أن عدد المصلين الذين يؤدون الصلاة في مساجد بريطانيا ولو مرة واحدة في الأسبوع في مساجد بريطانيا ٩٣٠ ألف مسلم، بينما يبلغ عدد المصلين في الكنائس الإنجليكانية لمرة واحدة في الأسبوع ٩١٦ ألف فقط.. [مفكرة الإسلام، ٢٥/١/٢٠٠٤م] - أقر الكونجرس ضمن الموازنة الأميركية لعام ٢٠٠٤م مبلغ مليون دولار مساعدة سنوياً تقدم لمركز ابن خلدون بالقاهرة الذي يديره الدكتور سعد الدين إبراهيم؛ وذلك دون اقتطاع من المعونة السنوية لمصر كما كان مقرراً من قبل، ويذكر أن سعد الدين إبراهيم اتهم من قبل السلطات المصرية قبل فترة بتلقي مساعدات خارجية وحوكم من أجل ذلك. [موقع محيط، ٢/١/٢٠٠٤م] - أكدت صحيفة» تورنتو صن «الكندية أن المسؤولين الأمنيين في الولايات المتحدة يمتلكون قائمة بأسماء ٥ ملايين شخص من مختلف الجنسيات العالمية من المشتبه بهم في الانتماء لمنظمات محظورة أو ملاحقة، وقال مسؤول الهجرة الكندي برايان ديفيز إن ضباط التأشيرات الكنديين لا يحتفظون بقائمة كبيرة مثل الأمريكيين؛ لأن المشتبه بهم يمكن أن يستخدموا وثائق مزورة ويغيّروا هوياتهم. ترجمات عبرية خاصة بالبيان: محمد زيادة أخبار: أبو حصيرة عاد لإسرائيل!! قام التاجر الإسرائيلي ديفيد حفيد» أبو حصيرة «اليهودي الذي توجد مقبرته في مصر بعملية نصب كبرى، فبعد أن أعلن إفلاسه توصل إلى حيلة لبيع أحجبة البركة على المواطنين، وزعم أن جده ظهر له في المنام وطالبه بذلك وبالفعل نجح ديفيد في بيع حوالي ١٠٠٠ حجاب في يوم واحد، والغريب أن إحدى فرق كرة القدم الإسرائيلية الشهيرة اشترت هذه الأحجبة ووزعتها على الفريق ليتمكن من الفوز في إحدى مباريات الدوري الهامة، وكانت الصدمة أن لقي الفريق أقسى هزيمة له هذا الموسم. [صحيفة معاريف، ١٩/١/٢٠٠٤م] وزير خارجية أستراليا: بلادنا مفتوحة لاستقبال اليهود دعا وزير الخارجية الأسترالي» ألكسندر دونار «الشباب اليهودي من سن ١٨ - ٣٠ عاماً إلى ترك إسرائيل والسفر إلى أستراليا للعمل هناك، وقال الوزير الأسترالي: إن هؤلاء الشباب مدعوون لرؤية وكسب الأموال في بلدنا؛ فلسنا آخر دولة على وجه الأرض فقط، بل توجد لدينا فرص عمل كبيرة، وسنكون سعداء بوجود الآلاف من الشباب الإسرائيلي في بلادنا لينضموا إلى الجالية اليهودية الموجودة هنا والتي تقدر بـ ١٠٠ ألف يهودي. [صحيفة معاريف، ٢٧/١/٢٠٠٤م] تصريحات: -» ها هي إسرائيل تجري مفاوضات مع تنظيم إرهابي، تتوصل إلى تسوية معه وتمنحه مكانة محترمة وشرعية. لقد وعد أبو مازن بمحاربة الإرهاب دون أن يحصل على أي أسير، أما حسن نصر الله فيعد بمواصلة الإرهاب، ويحصل على مطالبه. يمكن فهم كيف حدث ذلك، لكنه يصعب التصفيق «. [ناحوم برنياع المعلق السياسي لصحيفة يديعوت أحرونوت، ٢١/١/٢٠٠٤م] -» إن المظاهرة التي وقعت في نهاية الشهر الماضي والتي قام بها الطلاب الحرييديم «المتدينين اليهود المتطرفين» والتي هاجمت معارضي شارون كانت من إعداد وترتيب شارون نفسه، ورئيس الوزراء يخدع هؤلاء الطلاب باللعب على وتر الدين عن طريق الحديث عن الأرض الموعودة، والعديد من المصطلحات الحماسية الدينية التي يقوم بإعدادها نخبة من كبار الحاخامات ويتم تطعيم فكر هؤلاء الطلاب بها. [عضو الكنيست ونائب وزير التعليم الإسرائيلي، «تسافي هيندل» ، ٢٠/١/٢٠٠٤م] أخبار التنصير: أبو إسلام أحمد عبد الله منظمة الأقدام السوداء تجهر بالتنصير في الجزائر احتج عدد من الشباب في مدينة وهران الجزائرية على قيام مندوبين من جمعيتي (أنغام) و (العين الصفراء) النصرانيتين بتوزيع نشرات على المواطنين المسلمين في شوارع المدينة تدعوهم إلي عبادة المسيح، والمنشورات خاصة بمنظمة تنصيرية فرنسية اسمها «الأقدام السوداء» ، كانت قد عاودت ممارسة أنشطتها التنصيرية منتصف عام ٢٠٠٣م في إطار ما أسموه بـ «برنامج التآخي بين مدينتي وهران الجزائرية، وليون الفرنسية» ، وقد زار المدينة تباعاً منذ ذلك الحين القس شومبير رئيس المنظمة الذي أمضى في الجزائر سبعة أيام ألقى فيها عدة محاضرات تنصيرية عامة، ثم زارها القس «إيمانويل دامون» أحد أشهر أعضاء «الأقدام السوداء» ، الذي عاش في نفس المنطقة (وهران) إبان فترة الاحتلال الفرنسي، وأعد مجموعة كبيرة من المنصرين الجزائريين أسند إليهم مهمة العمل قبل مغادرته السابقة للبلاد، وكانت زيارة الرئيس شيراك للجزائر في مارس الماضي قد أسهمت في دفع حركة التنشيط التنصيري الفرنسي. مؤتمر تنصيري عالمي في ماليزيا لمدة ٦ أيام عقد في العاصمة الماليزية كوالالمبور مطلع ديسمبر الماضي المؤتمر الثاني عشر لمقرري الجمعية العمومية لإرساليات العالم البروتستانتية تحت إشراف منظمة (زمالة التنصير الدولية) في ماليزيا، وحضره ممثلون من ١١٠ دول، وقد ألقيت عدة محاضرات حول الإعلام الكنسي وقوانين الحرية الدينية في البلاد الإسلامية وقضايا المرأة، وقالت صحيفة (كريستيان ساينس) لسان حال منظمة العلم المسيحي الأميركية إنه تم مناقشة أنشطة التحالفات الثلاثة الكبرى التي تكونت في مؤتمر العام السابق وهي: الرابطة الإنجيلية لدول البحر الكاريبي، والرابطة الإنجيلية في القارة السوداء، والتحالف الإنجيلي الأوروبي الذي يضم ٣٢ فرعاً في أوروبا. حملة اغتيال ضد الكاثوليكية أصدر الفاتيكان بياناً غاضباً في أول يناير الماضي ندد فيه بحملة الاغتيال المنظمة ضد قادة الكنيسة والتي بدأت في الأسبوع الأخير من العام المنصرم؛ حيث اغتال مسلحون مجهولون كاهناً كاثوليكياً في جواتيمالا أثناء توجهه لمكتب الإرسالية التنصيرية هناك، وقد اتهمت الشرطة جهات تنصيرية منافسة بأنها وراء الحادث، كما اغتيل في بوروندي القاصد الرسولي برتبة سفير أول في بروندي، ميشيل كورتناي، الذي كان يعمل رئيساً للأساقفة هناك، وله تاريخ حافل في مجال التنصير في كل من السنغال ونيجيريا ومصر.

стр. 4857

قصة قصيرة حنكة رجل لبابة محمد زهير أبو صالح seewansan@hotmail.com كان عليه أن يفكر منذ زمن بمصارحتها.. عليه أن يقول ما يشعر به ويُحسُّه.. يجب أن يرمي بجملته «الأيام ستغيرها» خارج قاموسه اليومي.. لينفض الغبار عن كلمات وجمل خبأها قبل أن يتزوج.. كم كان يتشدق أمام أصحابه وإخوانه الذين تحكمت بهم زوجاتهم حتى صاروا كالخواتم في الأصابع.. «سترون غداً.. لا رجل سواي في العائلة» .. ماذا الآن؟! .. وبعد سنوات من زواجه.. هل يذهب ليقول لها: «كفى! أنا الرجل وأنت المرأة!» . نعم! عليه أن يقولها.. فهو لم يعد قادراً على الاحتمال أكثر.. طيب وبعدها.. ماذا؟! لا يدري! خرج من عمله بعد أن رسم الخطة وهو يردد في داخله: «صار لا بد من رسم الخطط لاستعادة الرجولة، زمن عجيب» .. اتصل بهاتفه النقال: «عزيزتي.. جهزي نفسك.. سأدعوك الليلة إلى العشاء خارج المنزل» . (حالة تلطف سيضطر إلى الابتداء بها.. فهذه سياسة ناجحة كما يرى) .. لكنها ذكرته باختفاء كلمته الأولى عندها كرجل: - «لا.. آسفة.. أنا أتابع فيلماً على التلفاز.. (يوم آخر) » . جملة مستفزة.. عاثت في نفسه.. فزادت تصميمه على مواجهتها بعيوبها.. خرج من عمله.. ركب سيارته وهو يردد بغضب: «في يوم آخر.. حتى تريد هي.. فتأمرني.. فأقول: سمعاً وطاعة، لا يا» وداد «هذا الأسلوب سينتهي الليلة..» . عند الإشارة الضوئية.. شعر بالضجر.. صمتٌ مطبقٌ وجدالٌ منهكٌ يصوغهما في عقله.. عجز عن التفكير.. زاد ضجره.. فتح مذياع السيارة.. أخذ يضرب بأصابعه على المقود وهو غاضب.. أذاعت المحطة الإخبارية خبر سقوط بغداد في يد الأمريكان.. حمراء.. فخضراء.. كاد ينسى أن الخضراء تعني أن يتحرك بسيارته إلى الأمام.. لولا أبواق السيارات الصاخبة من خلفه.. بعد ذاك الخبر السيئ ازداد حنقه..: - «وكيف سقطت.. أين الرجال؟!» استدرك: - «ربما يضعون خططاً لصنع رجولتهم؟! ..» أغلق المذياع بضربة من سبابته الحانقة هي الأخرى.. ثم عاد يتذكر عباراته الحاسمة التي سيلقيها في وجه زوجته.. يتخيل كيف ستبدو.. حتماً ستطرق رأسها إلى الأرض خجلة من تصرفاتها.. نعم.. وسيستعيد كامل رجولته حين تُقبل عليه متوسلة السماح بصوت خفيض.. وتعده بأن تكف عن ممارسة العنجهية في نظراتها وصوتها وحديثها.. - ( «يا سلام!» عندها ستكون حقاً رجل العائلة الوحيد) . ابتسم تلقائياً بعد أن حقق انتصاره في خياله.. دس مفتاح الباب في القفل بثقة.. أطبق الباب خلفه بقوة: - «سأتغدى بها قبل أن تتعشى بي» . فوجئ بالأنوار مطفأة.. أين هي..؟ دخل حجرة النوم ليجدها تغط في نوم عميق.. - وداد!! أجابته بانزعاج: - أفّ، ماذا تريد؟! - أريد أن أحدثك.. - نم الآن وحدثني في الغد.. - حسناً.. خلع عقاله.. ارتدى ثوبه.. واستلقى بجانبها على الفراش يبحث عن دفء لا يجده..

стр. 4858

المنتدى سفينة المنتدى تواصل المسير.. رغم تدافع الأمواج هاهي ذي سفينة المنتدى الإسلامي تبحر بكم من جديد، في مسيرة خمسة أشهر مضت.. (شعبان - رمضان - شوال - ذو القعدة - ذو الحجة) لعام ١٤٢٤هـ.. لتمخر عباب البحر وتشق طريقها نحو أهدافها، ملقية بكل ما يعوق طريقها من أمواج الفتن المتدافعة عن يمينها وشمالها، ولتبقى شامخة وسط هذه الأمواج العاتية , تشج نور التفاؤل في وسط ظلام بحر المحن. تحوطها بعد رعاية الله.. أيد كريمة امتدت بالنفع.. هي من وراء السبيل، ومن خلف الأنظار، لا نملك إلا أن نلهج بالشكر والثناء لها بعد شكر الله، ونقول لقد سلكتم - بإذن الله - طريق المقربين.. فكنتم نورا يهدي، وشعلة تضيء، ويدا تجود وتعود.. بفضل الله، فسدد الله أعمالكم، وبارك في أموالكم. (٩) مساجد شيدها المنتدى لينطلق من مآذنها صوت الأذان مجلجلا في الآفاق، تصدح منها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.. ليسمعها كل غافل لهى، ويشربها قلب كل ضال يبحث عن هدى، فلقد كانت المساجد ولا تزال مركز بزوغ الدعوة منذ ظهور الإسلام وحتى وقتنا هذا.. ولقد كان تشييد المنتدى لهذه المساجد في عدة دول إضافة إلى ما شيده من قبل، فيصبح عدد ما قد أنشأ المنتدى الإسلامي من المساجد (٥٤٢) مسجدا بفضل الله.. في بقاع كثيرة من الأرض. قوافل المنتدى.. وأكثر من ثلاثة آلاف ينطقون بالشهادة سارت قوافل المنتدى الإسلامي على نور من الله.. [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي] (يوسف من الآية: ١٠٨) ، لتنشر هذا الدين العظيم في شتى الآفاق، فها هي ذي أنوار الهداية تلوح في الأفق بدخول (٣٣٧٣) شخصا في رحاب الإسلام، بعد أن حطت (٥) قوافل دعوية رحالها في ثلاث دول هي: (تشاد، بنين، توجو) . كما سيَّر المنتدى الإسلامي قافلتين في (بنغلادش) ، وسيَّر كذلك (١٠) قوافل رمضانية في دولة غانا، استفاد منها بفضل من الله (٥٠٠٠) شخص، فالحمد لله أولا وآخرا. المنتدى يوزع أكثر من (١٢٠٠٠) نسخة من (صحيح) خير الكتب كلاما وأفصحها بيانا.. كتاب الله، هو نبراس هذه الأمة التي شرفها الله به، تستقر به نفوسهم، في زمن تعج به الفتن والمحن، فتراه غضا طريا كما أنزل، يكون به أنس أفئدتهم، وسلوى ما تمر به أمتهم. من هنا ساهم المنتدى الإسلامي في نشر هذا المعين المبين، فلقد قام المنتدى بتبني ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية تحت اسم (صحيح) ، وقد وزع منه (١٢٠٠٠) نسخة في أمريكا وأوروبا وإفريقيا، ليسجل المنتدى هذا الرقم مع ما سبقه من توزيع كتاب (صحيح) ، فيكون الإجمالي أكثر من (١١٢.٠٠٠) نسخة.. ولله الحمد. تحجيج (٣٠) سلطانًا تبعا لبرنامج سلاطين تشاد يتواصل العمل ضمن أحد أسمى أهداف المنتدى في دعوة الناس إلى اعتناق الإسلام بطرق متنوعة، ولعل من إحدى هذه الطرق ما قام به المنتدى الإسلامي من دعوة هؤلاء السلاطين في جنوب تشاد.. ليتعرفوا على دين الإسلام، والذي كان من أبرز ثماره - ولله الحمد - دخول (٣٠) سلطانًا إلى الإسلام. ولم يغفل المنتدى عن ما لهؤلاء السلاطين من دور فعال في دعوة أتباعهم وأبناء قبيلتهم لهذا الدين.. فاعتنى بهم بعد إسلامهم، حيث قام بعقد دورات شرعية على مدار سنة، وهاهو ذا يكمل فرحة هؤلاء السلاطين في نهاية العام الماضي ويجعلهم يؤدون فريضة الحج لعام ١٤٢٤هـ.. تقبل الله منهم، وجزى خيرا من سعى في دعوتهم وأداء فريضتهم. حلقات التحفيظ تُخرِّج (٤١) حافظًا لكتاب الله مزيد من الفتن، ومزيد من الحاجة.. حاجة الناس إلى نهر متدفق لا ينقطع عطاؤه حتى قيام الساعة.. كتاب الله هو النور المبين في وسط تراكمات الظلام الموحشة، حيث كانت حلقات المنتدى الإسلامي هي أحد هذه المصابيح التي تبدد تلك الظلمات.. لأولئك الشباب طلابًا وطالبات؛ إذ يلتحق بفضل من الله آلاف الطلاب في ركاب هذه الحلقات كل عام.. وهاهي ذي تتوج نتاجها بتخريج عدد من الحفظة لكتاب الله كل حين، كان من آخرها تخريج (٤١) حافظا لكتاب الله من دولتي (غانا، بنغلادش) ، ليصل بذلك عدد حفاظ تلك الحلقات إلى (٢٢١) طالبا وطالبة. (٢٧) دولة ينفذ المنتدى فيها مشروع تفطير الصائمين استشعارا من المنتدى بحاجة الآلاف من المسلمين، وإيمانا منه بالأجر الجسيم المترتب على تفطير الصائمين. فقد نفذ هذا المشروع في (٢٧) دولة في قارتي آسيا وإفريقيا، استفاد منه قرابة (٩٠٠.٠٠٠) صائم.. يصاحب هذا الإفطار الآلاف من البرامج الدعوية المكثفة، والدروس الشرعية، ليكون هذا المشروع مفتاحا إلى قلوب هؤلاء المستفيدين، يصاحبه الغذاء العقلي والفكري، فتأتي النتائج بدخول كثير ممن يشاهد هذه الصورة الإسلامية الجسدية الواحدة في رحبات هذا الدين العظيم. (١٠٧) دورة يستفيد منها أكثر من (٨٠٠) شخص (٨٦٦) هو عدد المستفيدين من الدورات التي يقدمها المنتدى الإسلامي، في خطوة من المنتدى للعناية بالتأهيل التربوي والدعوي للعاملين في مجال الدعوة، فقد قدم المنتدى بفضل الله (١٠٧) دورة خلال هذه الفترة في (٧) دول. هي (غانا، توجو، نيجيريا، مالي، تشاد، بنين، بنغلادش) ، تنوع المستفيدون منها ما بين (دعاة، خطباء، شباب، نساء، طلبة) . كما يعقد المنتدى اللقاءات التربوية التي تهدف إلى تطوير أداء العاملين، وتبادل الخبرات مع المربين، لتكون هذه اللقاءات مع تلك الدورات الوقود التربوي.. الدعوي.. الإيماني.. يستمدون منه بعون الله نشاطهم ويجددون به إيمانهم. وأكثر من (٦٠٠٠) مستفيد في دورات رمضانية امتدادًا لما يقوم به المنتدى من الدورات التأهيلية والتطويرية فقد خصص المنتدى عددًا من الدورات لاستقبال شهر رمضان. وهي دورات تربوية عن استقبال هذا الموسم العظيم , وكيفية الاستعداد له من شتى النواحي، فرمضان هو المدرسة (الروحية، التربوية، العبادية، الإغاثية، التطوعية) .. حتى ما يهل رمضان بخيره إلا والنفوس المؤمنة المتعطشة قد هيأت نفسها للعمل.. والعبادة والزيادة، والاستزادة. وقد بلغ عدد هذه الدورات (٣٦) دورة في خمس دول: هي (بنغلادش، مالي، بنين، تشاد، غانا، نيجيريا) وقد وصل عدد المستفيدين من هذه الدورات إلى (٦٤٨٨) مستفيدا. ولله الحمد. برامج الاعتكاف وأكثر من (٥٠٠٠) مُعتكِف نفوس متعطشة إلى الأجواء الإيمانية حيث الخلوة مع النفس والانقطاع لوقت عن الدنيا، والارتفاع عن الملذات والرغبات، والانشغال فقط بالعبادة.. جو من التربية الإيمانية، تصنعه تلك المُعتكفات في نفوس المعتكفين. بفضل من الله أشرف المنتدى الإسلامي على عدد من المعتكفات، وصل عدد المعتكفين فيها إلى (٥١٧٥) معتكفا، في كل من (توجو، غانا، نيجيريا، جيبوتي، بنغلادش، مالي، بنين، تشاد) . الجمعة توزع أكثر من (٣٩٠.٠٠٠) كتيب كتاب الجمعة خطاب دعوي بصوت المنتدى بالإنجليزية، ولدت فكرته مع مجلة (الجمعة) التي تستهدف الأسر المسلمة في الغرب بأسلوب راق.. كتيب مشروع رمضان هو واحد من الكتب التي يُصدرها المنتدى باللغة الإنجليزية، يعرض التطبيق الأمل لحياة المسلم في رمضان، وقد طبع المنتدى منه ١٦٢.٠٠٠ نسخة، وزعت في آسيا وإفريقيا وأمريكا. كما قامت (الجمعة) باستقبال موسم الحج الذي تجتمع فيه الوفود من كل فج عميق، بطباعة (٢٣٠.٠٠٠) كتيب ومطوية باللغة الإنجليزية وتوزيعها.. لتخاطب تلك الشريحة التي تقرأ بالإنجليزية.. وتجسد لهم فضل عشر ذي الحجة. وصفة حجة النبي ﷺ ، لكي يؤدي الحجاج مناسكهم كما يجب.. فلله الحمد. (١٠٠.٠٠٠) حاج يستفيدون من برنامج دعاة في الحج وهو أحد البرامج التي ينظمها المنتدى الإسلامي للسنة الثالثة، من أبرز أهدافه أن يؤدي الحجاج مناسكهم وفق هدي رسولهم ﷺ ، لذا يحرص المنتدى الإسلامي على اختيار عدد من دعاة المؤسسة البارزين في مناطق عملهم وتمكينهم من الحج.. ليرافقوا بذلك أقوامهم. بلغتهم نفسها. فيكونون كالمنار لهؤلاء الحجاج الذين تحملوا عناء السفر ومشقته من بلدانهم؛ لتأدية فريضة الحج على الوجه الصحيح. وقد وفق الله المنتدى لهذا العام فاستفاد من هذا البرنامج ما يزيد على (١٠٠.٠٠٠) حاج بواسطة أكثر من (٢٥٠) داعية، يقدمون أكثر من ٦٠٠ كلمة ودرس لهؤلاء الحجاج، ولله الحمد. أكثر من ٣٣.٠٠٠ يستفيدون من مشروع الأضاحي ما أجمل أن يُرى الإسلام وهو يتمثل في إحدى شعائره، فالكل يجمعهم وقت واحد، ومعنى واحد، فتراهم وقد عادوا لحينهم من صلاة العيد وعليهم سكينة العبادة، وكل منهم يتوجه نحو أضحيته وهو يعلم أن [لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُم] (الحج من الآية: ٣٧) . من هنا فقد قام المنتدى بتنفيذ مشروع الأضاحي في (٢٤) دولة، ليستفيد منه بفضل الله ما يقارب (٣٣.٥٠٠) مستفيدًا.. في خطوة إيمانية إغاثية، حيث تنعم أنفس المؤمنين بهذا العمل التعبدي، وتسعد نفوس المحتاجين الملهوفين من فقراء المسلمين بهذا الجانب الإغاثي. وما زال الفقراء.. يسعدون بقطرات من ماء فلقد أضاف المنتدى خلال هذه الفترة (٣٥) بئرًا.. لتُسَجَّل مع ما سبقها. فيكون المجموع (٩٣٣) بئرًا ولله الحمد.. ويرد إليها هؤلاء المساكين.. وهم بأشد الحاجة إلى الماء.. الأرض قد جفت والنفوس عطشت , ومن قبلها عطشت القلوب لموارد الهداية، فتسهم هذه القطرات بإذن الله في الوصول إلى هذه النفوس، تسد حاجة النفس، وحاجة القلب والعقل. ويكون الأجر إن شاء الله أجرين.. أجر السقاية، وأجر الهداية. القوافل الطبية وأكثر من ٢٠٠ عادوا يبصرون كان المنتدى واحدا ممن سخرهم الله لإجابة نداءات المتأوهين.. حين سيَّر القوافل الطبية , ولعل من أبرز أدوار هذه القوافل مخيمات مكافحة العمى، حيث استقبلت المخيمات التي حطت رحالها في دولتي (غانا.. كينيا) بفضل من الله (١٠.٤٠٠) مريض، وقامت بتوزيع عدد (٣٢٠٠) نظارة طبية، وإجراء (٤٧٥) عملية جراحية، كان من أعظم نتائجها - ولله الحمد - أن عادت نعمة البصر إلى (٣٢٧) شخصا، عاد لهم نور البصر، مع نور جديد يضيء القلوب .. نور الهداية. وختاما لنكن مع الركب فإن سفينة المنتدى الإسلامي لم تكن لتشق طريقها إلا بتوفيق الله - تعالى - أولا ثم بكم، بتقديم النصح بالرأي والكلمة، أو الدعم والدعوة. وإن تسيير السفينة والمضي بها قدما واجب علينا جميعا. ولا نملك إلا أن نرفع أكف الدعاء لرب السماء، أن يتقبل من المحسنين إحسانهم، ومن الباذلين بذلهم.

стр. 4859

المنتدى مع القراء تتوالى الرسائل من جمهور القراء الكرام؛ بين مشاركات، وتعقيبات، وتصويبات، واقتراحات، ونحاول الرد عليها قدر المستطاع نظراً لكون المجلة شهرية، وليس من السهولة بمكان الرد على رسائل كل القراء؛ لأسباب عملية وفنية. - الأخت القارئة ج. م. ر الرياض أرسلت تعبر عن امتنانها للمجلة، واستمتاعها بكل ما يُنشر فيها من أخبار وآراء، وتقول إن المجلة أصبحت «بمثابة النبع الصافي الذي ننهل منه الأخبار الصحيحة والأحداث الحقيقية دون زيف أو تضليل، بعدما امتلأت الساحة بزخم كبير من الأخبار والمهاترات المضللة المليئة بالغش والتدليس، والتي لا يكاد الإنسان العاقل أن يستسيغ تضاربها وتناقضها، وكذلك أوجّه الشكر لكتَّاب مجلتكم الميامين الذين يصولون ويجولون في شتى الدروب، فجزاهم الله كل خير» .. ونحن نشكر الأخت الفاضلة على هذا الثناء الجميل، ونرجو من الله تعالى أن نكون عند حسن ظنها وقراء المجلة. - كثير من الإخوة يرسلون مشاركاتهم، والتي يتم إجازتها في زاوية «الباب المفتوح» ، ولكنهم يشتكون من تأخر نشرها فترة طويلة، ونستسمح هؤلاء الإخوة، ونرجو قبول العذر لهذا التأخير الخارج عن إرادتنا لكثرة المادة المجازة المتوفرة في هذا الباب، كما أن الزاوية تصدر بالتبادل مع زاوية أخرى هي منتدى القراء، وهذا يعني أنه ليس بالإمكان نشر أكثر من ٦ - ١٠ مقالات في عام كامل ضمن الباب المفتوح، فماذا نستطيع أن نفعل؟ إنها مشكلة نسأل الله أن ييسر لنا حلها بما يُرضي قراء المجلة الكرام. - الأخ محمود من حلب - سوريا، أرسل يقول إنه اطلع على المجلة مرتين؛ الأولى حين أدائه لفريضة الحج، والثانية حين أدائه للعمرة، ويقول عن انطباعه عنها: «جهودكم محمودة ومأجورة إن شاء الله، وكم كنت أتمنى رؤيتها في مكتبات حلب» ، ونحن نشارك الأخ هذه الأمنية، وحتى تتحقق؛ ندعو الله تعالى أن ييسر له المتابعة بين الحج والعمرة. - الأخ طارق مصطفى من طرابلس - لبنان أرسل يقول: «لا يسعني إلا أن أثني على الجهود المبذولة من قبلكم؛ لتبقى مجلتنا البيان رائدة بين مثيلاتها، فالحمد لله وحده الذي سخركم لهذا العمل الإسلامي الراقي النبيل» ، ونشكر الأخ طارق على ثنائه، ونطمئنه أن ما طلبه من معلومات عن بعض إصدارات المجلة سيصله بإذن الله على عنوانه البريدي. - كثير من الإخوة من دول مختلفة يطلبون اشتراكات مجانية في المجلة، ونحن نتمنى تحقيق ذلك لهم، لكن إمكاناتنا المالية لا تسمح بتحقيق جميع الطلبات، ولكن يمكن متابعة المجلة من خلال موقعها على الشبكة العالمية (الإنترنت) على عنوانها: www.albayan-magazine.com

стр. 4860

المنتدى وقفة محاسبة.. طاقاتنا إلى أين ؟! يحيى الغامدي إن قيام كل أمة ونهوضها لا يمكن أن يكون إلا بطاقات أبنائها، وقدراتهم التي منّ الله تعالى بها عليهم؛ [لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ] (الأنعام: ١٦٥) . وإن حسن استغلالها وتصريفها مطلب ملحٌّ يأتي في قائمة المطالب التي ينبغي على الأمة أن تعيها؛ وذلك لأمرين: الأول: أن من سنة الله في هذه الطاقات أن تكون قليلة في الأمة، «إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة» [١] ، وأعني طاقة الراحلة التي يحتاجها كل عمل؛ لا أي طاقة. الثاني: ما نراه من تكالب الأعداء علينا في هذا العصر؛ بدعوى حاجة الأمة إليها؛ فإن هذا مما لا يثمر إلا العلقم المر، تسير الأيام تلو الأيام وما زالت الأعمال كما هي، والثغرات لم تُسد ... كالمُنْبَتِّ لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى. رحم الله امرأً عرف قدر نفسه، ورحم الله دعاة عرفوا قدر طاقاتهم وطاقات من معهم فأحسنوا توجيهها، ووضعوها في مواضعها وإن قلَّت الثغرات والأعمال.. المهم أن تثمر وتنتج أو تكاد. فقليل مثمر مستمر خير من كثير مبعثر غير مثمر.. كسباً للدعاة، وتوفيراً للوقت في أعمال أخرى، ونصرة لدين الله تعالى.. لا دعوة للكسل والخمول، ودنو الهمة وراحة البال.. وكما قيل: فإن الواجبات أكثر من الأوقات. وكم رأينا من أعمال الدعوة المختلفة، لما لم تقدّر الطاقات الموجودة، فوزعت في كل مكان ... أصبحنا نسمع في كل يوم منادياً: أن أسعفونا.. كل يطالب بالمزيد من الطاقات.. مع العمل المضني الذي يقومون به.. لكن الثغرة أكبر، والخرق أوسع! فلنعد النظر - يا معشر الدعاة - في قدرات من معنا، ونحسن وضعها في أماكنها. غفر الله لي ولكم، ورزقنا مزيداً من الإخلاص وهمة في العمل. آمين. حيث الطاقات الهائلة والقدرات الفذة التي خرجوا ويخرجون بها علينا في كل يوم؛ مما أنتجت أفكارهم وابتكرت طاقاتهم؛ مقابل طاقات أهل الخير وجهودهم نسأل الله أن يبارك فيها. ومما يزيد الأمر أهمية وحساسية ما نراه في كثير من أعمال الدعوة المختلفة من تبديد للطاقات وتشتيت لها؛ وهو الأمر الذي يجعلنا نعيد النظر في أعمالنا ووسائلنا. إن كل عمل يقوم بخطوات ثابتة، وبخطة منهجية واضحة، قد شُغّلت طاقاته ووضعت في أماكنها.. مآله إلى النجاح والتوفيق بإذن الله وعونه. أما توزيع الطاقات في أعمال كثيرة بدعوى حاجة الأمة إليها، فإن هذا مما لا يثمر إلا العلقم المر.. تسير الأيام تلو الأيام ولا زالت والأعمال كما هي، والثغرات لم تسد.. كالمنبت لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى. فلنعد النظر - يا معشر الدعاة - في قدرات من معنا، ونحسن وضعها في أماكنها. غفر الله لي ولكم ورزقنا مزيداً من الإخلاص وهمة في العمل. آمين.

стр. 4861

الورقة الأخيرة فلنتدارك أخطاء الماضي ..! محمد هاشم الهدية [*] لقد طالت الحرب في جنوب السودان، وأسرف التمرد الذي يقوده (جون قرنق) في إطالة أمد الحرب وتوسيع رقعتها، وسمّى ثورته: «تحرير السودان» ! وأعجب عجباً شديداً ممَّ يُحرر السودان؟! أيحررها من العرب والمسلمين؟! أم يحررها من الإسلام؟! الذي لا شك فيه أن الاستعمار البريطاني الذي جثم على صدر السودان أكثر من خمسين سنة، واستنزف خيراته، نجح في قفل الجنوب وبعض المناطق الأخرى، وعزلها عن الشمال، فلا يدخلها عربي ولا مسلم إلا بتفويض من السكرتير الإداري للاستعمار، وقد يرسل بعض الموظفين الإداريين من الشمال لأعمال محددة لا يوجد من يقوم بها من الشماليين. حرص الاستعمار البريطاني على تمزيق العلاقة بين الشمال والجنوب، وأذكر عندما كنت موظفاً إدارياً وجدت كتاب مطالعة باللغة الإنجليزية بيد طالب في إحدى مدارس التنصير الكنسي بين «بور» و «جوبا» من أبرز مواضيع الكتاب: صورة لعدد من الجنوبيين مجنزرين، وأمامهم تاجر عربي مسلم يحمل بيده سوطاً يضربهم به، هذه الصورة توحي بمعان كثيرة للطالب الجنوبي، فأولئك الشماليون هم الذين استرقّوا آباءكم وساموكم سوء العذاب، ونحن الإنجليز جئنا لنحرركم..!! وإذا كان الاستعمار لم يسمح للشماليين بالذهاب إلى الجنوب؛ فإنه كذلك منع الجنوبيين من الذهاب إلى الشمال، فكان الطالب الذي ينجح في الشهادة الثانوية يُرسل إلى معاهد وجامعات شرق إفريقيا ليتعلم التنصير الكنسي، ولكن لم يستجب لهم إلا عدد قليل من أبناء بعض قبائل المناطق الاستوائية. ولما حصل السودان على استقلاله من الاستعمار بالجهد الذي قام به الشماليون، وفتحوا الجنوب على الشمال، وفُتحت جميع مدارس وجامعات الشمال أمام الجنوبيين، ووجدوا الرعاية الكاملة، وحصلوا على الشهادات العالية، وتخرَّج منهم الأطباء والمهندسون؛ استمرت عزلة الجنوبيين، وكانوا وهم في سني الدراسة متقوقعين على أنفسهم بعيداً عن بقية الطلاب، حتى أركان النقاش في الجامعات كانت منعزلة عن حلقات الشماليين. ولمَّا كثر عددهم ولم يجدوا رعاية من الشماليين دخلوا في الغابات، وسبق أن اقترحنا بمذكرة خاصة لثورة «عبود» ؛ مفادها أن الجنوب يحتاج إلى رعاية خاصة، وأن الموظفين والعسكريين الذين يُرسَلون إلى العمل في الجنوب لا بد أن يتميزوا بالنضج وحسن الخُلُق، ويكونوا في سن الخمسين من أعمارهم على الأقل، ويُوصى كلٌّ منهم بأن يعامِلَ الناس معاملة كريمة تُشعرهم بإنسانيتهم، وألا يُظلم أحد منهم، أو يُكلَّف من العمل ما لا يطيق، واقترحنا أن يوضع المتعلم منهم في الوظيفة التي تليق به آنذاك. لكن مع الأسف لم تجد تذكرتنا آذاناً صاغية؛ ممَّا زاد من الجفوة بين الشماليين والجنوبيين. والآن اضطر كثير من الجنوبيين إلى النزوح إلى الشمال بسبب الحرب، وهم يسكنون في كل مدن الشمال وقراه في غاية الراحة والطمأنينة؛ حالهم كحال غيرهم من أبناء الشمال، ولعل أكثرهم لا يرجع إلى الجنوب مرة أخرى، خاصة إذا تم الاتفاق على السلام بين الحكومة وجيش التمرد، وهذا يجعلنا نؤكد ضرورة معالجة الأخطاء السابقة، وتدارك الحال بنظرة عميقة، والسعي الحثيث لدعوتهم إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، ونشر الآداب والأخلاق الفاضلة بينهم، وهذا هو السبيل القوي للحفاظ على البلد، وحماية خصوصيته العقدية والثقافية. أما عملية السلام فمن أخطر ما علمناه فيها أن أعضاء الإيقاد قدَّموا مذكرة يطلبون فيها أن تكون الخرطوم عاصمة قومية يباح فيها كل ما تحرِّمه الشريعة الإسلامية، ورجاؤنا في الله ثم من المفاوضين من الحكومة ألا يقبلوا بمثل هذه الاقتراحات التي ستزيد من بلاء السودان!

стр. 4862

صفر - ١٤٢٥هـ أبريل - ٢٠٠٤م (السنة: ١٩)

стр. 4863

كلمة صغيرة أكاذيب حرَّة ! (lies me Tell) (أَخْبِرني أكاذيب) كتاب جديد حرَّره الكاتب الأسكتلندي «ديفيد ميلر» الأستاذ بمعهد البحوث الإعلامية بجامعة ستيرلنج، وشارك في كتابته عدد من ألمع الصحفيين والمفكرين الغربيين؛ من أشهرهم «نعوم تشومسكي» و «روبرت فيسك» و «مارك ستيل» .. وغيرهم. يتحدث الكتاب عن لعبة الإعلام والهيمنة على صناعة الرأي العام المحلي والدولي، وكيف استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العبث بعقول الناس وخداعهم بالتهديد الذي تمثله أسلحة الدمار الشامل العراقية، والتي لا حقيقة لها على الإطلاق. ينقسم الكتاب إلى أربعة أقسام، كل قسم يضم عدداً من المقالات: القسم الأول: الحرب الإعلامية. القسم الثاني: الحرب الدعائية. القسم الثالث: التلفيق في تغطية أخبار الحرب. القسم الرابع: البدائل. والكتاب في مجمله يُسقط بجلاء الاعتقاد السائد بنزاهة الإعلام الغربي، ويستشهد المؤلفون بعشرات الأكاذيب المتعمَّدة التي رُوِّجت بإتقان شديد، ويذكرون آليات التضليل الإعلامي المهينة التي مارستها الإدارتان الأمريكية والبريطانية في التعامل مع وسائل الإعلام المختلفة..!! عندما نستحضر هذه الأكاذيب ونحن نشاهد (قناة الحرة) التي بدأ بثها باللغة العربية في الأيام الماضية؛ فهل سنصدق الرئيس بوش وهو يقول لنا عن قناته: (إننا من خلال هذه الجهود نبلّغ الشعوب في الشرق الأوسط الحقيقة عن قيم الولايات المتحدة ومبادئها، وأن الحقيقة تخدم دائماً قضية الحرية) ؟! نحسب أن إطلاق (قناة الحرة) علامة جديدة من علامات إخفاق الدعاية الأمريكية قبل الحرب وبعدها، فالإدارة الأمريكية إنما أقدمت على بث هذه القناة بعد أن افتُضحت أمام العالم، وبعد أن أدركت الشعوب العربية زيف الشعارات الأمريكية، فهي تحاول لاهثة استدراك ما يمكن استدراكه من سمعتها، وعلى الرغم من ذلك فسوف نجد من أبناء جلدتنا من سيرفع رأسه دون حياء مدافعاً عن مواقفها، متكلفاً في التماس المعاذير لها! أدركت أمريكا أن مزايداتها السياسية والثقافية كشفت للعرب عن وجه استعماري لا يقل ديكتاتورية وقمعية عن أنظمة تدّعي تخليصنا منها..!! لن نقلل من خطر القناة، لكننا نتوقع سقوطاً جديداً للسياسة الأمريكية، فالحرية التي كان يُبشَّر بها الشعب العراقي أضحت جحيماً يصطلي بناره ليلاً ونهاراً.. وهل ثمة أحد في العراق آمن بهذه الحرية؟! و (الحرة) بوجهها الكالح في فضائنا الإعلامي سوف تكون دليلاً صارخاً على أكاذيب يومية تشوِّه الحقيقة، وتسُوق الشعوب إلى عبودية جديدة..!!

стр. 4864

الافتتاحية رسالة مفتوحة إلى أسود الفداء في العراق إنقاذ العالم الإسلامي مهمتكم.. هل تصدقون ..؟! بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: إخوتنا أرباب البطولة والفداء في أرض الرافدَيْن، نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، ونبتهل إليه سبحانه أن يربط على قلوب المرابطين منكم، ويؤيد بجنده جهود المجاهدين فيكم، فقد جرت المقادير بأن تصل سلسلة الأحداث المتتابعة على أرض العراق التي تدافعون عنها الآن، إلى سقوط تلك الأرض تحت أقدام الغزاة الظالمين، وقد ظن الغافلون أن تلك هي نهاية المطاف على ضفاف النهرَيْن الخالدَيْن، إلا أن إرادة الله وشرعته تأبى للأباة المجاهدين منكم تلك الدنية في الدين، فكان أن انطلقت على أرض الخلافة وعاصمتها في بغداد وما حولها، أعمال التصدي والتحدي لذلك العدوان الغشوم؛ لا ليكفّ الله بها بأس الذين كفروا عن العراق فحسب؛ ولكن ليصرف شرَّهم عن بقية المنطقة العربية والإسلامية، بل وسائر العالم، هذا في حال استمرارها على وتيرتها من الصبر والمصابرة والمجاهدة والمرابطة، نسأل الله أن يثبتكم على الطريق، ويهدينا وإياكم سواء السبيل. إننا عندما نقول إن مقاومتكم المشروعة، وجهادكم الواجب، من شأنه أن يصرف كثيراً من السوء عن العالم كله، لا عن العراق فحسب لعقود طويلة قادمة؛ فإن هذا الكلام لا ينطوي على أي قدر من المبالغة، لعدد من الحقائق الكبيرة، نوجزها فيما يلي: أولاً: لقد بدا بما لا يدع مجالاً للشك أن احتلال العراق لم يكن مرتبطاً بحيازة النظام السابق لأسلحة دمار شامل، ولا ناتجاً عن أحداث سبتمبر، ولا حتى بقدرة العراق على تهديد جيرانه، وإنما ارتبط ذلك بالمشروع الإمبراطوري الأمريكي بالهيمنة على العالم انطلاقاً من الشرق الأوسط، كما دلت على ذلك روح ومادة المشروع الكبير المعلن الآن باسم (الإمبراطورية الأمريكية العالمية) ، والذي تقوم على رسم خططه وتنفيذها قوى اليمين الإنجيلي النصراني في الولايات المتحدة الأمريكية، تلك التي ينتمي إليها بوش وفريقه المغامر، وهو المشروع الذي يتواكب مع مشروع آخر بأجندة أخرى تحت اسم (القرن الأمريكي الجديد) ، والذي تقوم على تخطيطه وتنفيذه عصابة المتنفذين اليهود في الإدارة الأمريكية والمعروفين إعلامياً بـ (المحافظين الجدد) . إن هاتين القوتين المتحالفتين اليوم على خلفية مشروع السيطرة على العالم؛ قد التقت جهودهما وتوحدت أهدافهما نحو اتخاذ العراق أرضاً للانطلاق إلى هجمة تسلطية، تبدأ بالحلقة الأضعف والأهم، وهي العالم الإسلامي الذي يريدون إخضاعه كله لهيمنة استعمارية ودينية صريحة، تستمد طموحاتها من إمكانية النجاح في المحطة الأولى (العراق) . فاستمرار الاستقرار لهؤلاء على ربوع العراق؛ سوف يتيح لهم باباً مفتوحاً نحو المزيد من خطوات الاختراق المتسارع لمقدَّرات الأمة وثوابتها، أما إذا تعرقلت هذه المشروعات الخطيرة في بدايتها وفي محطتها الأولى على أيديكم؛ فإن العالم كله سيكون مديناً لجهادكم بالانعتاق من الاجتياح الأمريكي اليهودي القادم. ثانياً: تواترت في الآونة الأخيرة الأنباء عن عزم الولايات المتحدة الأمريكية على إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط بعد توسيع مفهومها لتشمل (إيران، وباكستان، وأفغانستان، وتركيا) ، تحت ما يُسمَّى بـ (الشرق الأوسط الكبير) ؛ بحيث يكون لدولة اليهود (إسرائيل) دور الشراكة الأساسية للولايات المتحدة في تسيير سياساته اقتصادياً وعسكرياً وأمنياً، ومن المعلوم أن إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط بهذا التوجه؛ لن يتسنى إلا في أجواء مشابهة لما هو حادث الآن في العراق وأفغانستان؛ حيث الاحتلال العسكري المباشر، أو في ليبيا، وسوريا، وإيران، والسودان، وباكستان؛ حيث الابتزاز والتهديد والتصعيد، وفي كلتا الحالتين فإن ترك قطار التآمر يسير، باسم (إصلاح) الشرق الأوسط الكبير، لن يزيد المنطقة المستهدفة إلا فساداً على فساد، وتخلفاً إلى تخلف، ودكتاتورية فوق الدكتاتوريات، وذلك لسبب بسيط، وهو أن هذه هي تجربة الاستعمار العسكري والفكري خلال مئتي عام سابقة، وهي تجربته الماثلة الآن للعيان في العراق وأفغانستان. إن أبجديات مشروع (الشرق الأوسط الكبير) تدل على أن العراق سيكون محطة التجارب العملية الأولية لهذا المشروع، بالاتفاق مع الإسرائيليين، والتنسيق مع فريق المنافقين من العراقيين. وأنتم ... أنتم فقط، أيها المقاومون المجاهدون، القادرون بعون الله وقوته؛ أن تدفعوا هذا الشر عن الشرق الأوسط «الكبير» أو بالأحرى (الشرق الإسلامي الأسير) . ثالثاً: مسلسل النهب المباشر لثروات ومقدَّرات المنطقة والعالم الإسلامي، بلغ ذروته في العراق، حيث تآمرت ثلة من سماسرة السلاح، وتجار النفط الدوليين من المسؤولين في الإدارة الأمريكية في عملية سطو مسلح بُيَّتَ بليل، على هذا البلد الثري الغني بكل أنواع الثروة، فالدراسات تؤكد أن أرض العراق مستودع لأكبر مخزون نفط في العالم، تلهث لاستغلاله دول الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة، في وقت تشير فيه أغلب التقديرات إلى انخفاض القدرة الإنتاجية لمنطقة بحر الشمال؛ بما يعني أن الثروات النفطية للعرب والمسلمين، وفي مقدمتها الثروة العراقية المستولى عليها الآن بالكامل، ستكون الخيار الأمثل للاستنزاف الموجه لصالح مزيد من الرفاه والترف والأشر والبطر لشعوب الغرب على حساب الشعوب الإسلامية التي يُحرم أغلبها من حد الكفاية رغم تجاوز ثرواتها الفعلية حد الغناية لو أُحسن استغلالها، فمنطقتنا العربية والإسلامية نصيبها من الإنتاج العالمي سيصل عام ٢٠١٥م إلى حوالي ٤٦% مقارنة بـ (١٩%) عام ١٩٩٤م، ومعنى هذا أن مستقبل الأجيال العربية والإسلامية - إذا امتنع وسطاء السطو - مرشح للاستقرار والازدهار، فإذا أضفنا إلى ذلك أن العراق يشكِّل حلقة وصل بين شبكات أنابيب النفط من منطقة الخليج إلى أوروبا عبر تركيا، ومن الأردن وسوريا عبر البحر المتوسط، ومن دول الخليج عبر البحر الأحمر؛ لوجدنا أن استمرار احتلال العراق سيمكِّن حلف الشيطان المتربع في ربوع العراق من الهيمنة على طرق إمدادات النفط، ومخزونه العالمي، استخراجاً وصناعة وتسويقاً، إنها إذن عملية سرقة دولية لثروات وكنوز شعوبنا العربية والإسلامية وليس العراق فحسب، ولهذا نقول: أيها المجاهدون في العراق: دونكم أيدي هؤلاء السُرَّاق فاقطعوها، فقد تجاوزت سرقاتهم النصاب، تحت سمع وبصر «الشرعية الدولية» ، لا بل شريعة الغاب. رابعاً: الأمريكيون الذين نصبوا خيامهم العسكرية في العراق، لا يستهدفون دنيا الناس وثرواتهم فقط، بل يستهدفون دينهم وعقيدتهم وأخلاقهم وهويتهم، ولا أدل على ذلك من إصرار «الرئيس الأمريكي» للعراق بول بريمر، على رفض أن يكون الإسلام هو مصدر التشريع في العراق، بل يصر على أن الإسلام هو فقط مجرد مصدر من مصادر التشريع إلى جانب المصادر العلمانية والنصرانية وربما اليهودية، التي كان أحد الذين يدينون بها وهو المستشار القانوني اليهودي (نوح فيلدمان) قد كلف بأن يضع أسسه وخطوطه العريضة. ولا يقف الأمر عند استهداف الدين بالتبديل عن طريق التشريع، بل إنه يستهدف عقائد المسلمين بالتنصير المباشر، الذي فتحت الولايات المتحدة مصاريع العراق أمام أفواجه، فقد نشرت جريدة (الديلي تلجراف) البريطانية مؤخراً تقريراً يشير إلى أن العراق أصبح مرتعاً للحملات التنصيرية، وأشارت إلى أن أعضاء الجماعات (التبشيرية) في الولايات المتحدة بدؤوا حرباً تنصيرية ضارية تحت عنوان: (إنقاذ النفوس في العراق) ، حيث أكد قادة تلك الجماعات أن احتلال أمريكا للعراق أوجد فرصة تاريخية «لهداية النفوس» الحائرة من الشعب العراقي، سواء كانوا من المسلمين، أو النصارى الشرقيين (الأرثوذكس) . إن تلك الحملات التنصيرية تأتي كالمعتاد تحت ستار المعونات الإنسانية والإغاثية، للشعب الذي ينهبون ثرواته ثم يمنُّون عليه بفتات الغذاء والدواء، ومن المعلوم أن تلك الحملات التنصيرية يشرف عليها مجلس التنصير العالمي، الذي يصول الآن ويجول في البلاد العربية والإسلامية في ظل المطاردة المتزايدة، والتضييق المستمر على الأنشطة الخيرية الإسلامية. يقول رئيس مجلس التنصير هذا (جون برادي) المسؤول عن التنصير في الشرق الأوسط: إن أعضاء كنيسة المعمدانية البالغ عددهم ١٦ مليون نسمة قد طلبت منهم الكنيسة قبل الحرب، أن يواصلوا الدعاء من أجل «فتح العراق» ! وقال (جون حنا) أحد المنصرين بعد زيارة قام بها لبغداد «المسؤولية كبيرة على المبشرين الأمريكيين، فالأبواب كلها مفتوحة، وأساليب التبشير متاحة، والدعم العسكري موجود لإنقاذ العراقيين من القيم المعادية للمسيح والمسيحيين» . ماذا يبقى بعد استهداف أصل التوحيد في العراق؟! وهل يظن أن يظل العراق فقط هو الساحة المستباحة للمنصرين؟! .. إن الجواب محزن؛ لأن كل بلد سيحل فيه الأمريكيون عسكرياً أو ثقافياً؛ ستنطلق فيه تلك الأعمال العدائية من التكفير باسم التبشير، وهذا يضاعف من مسؤولياتكم يا من تحوطون الذمار وتحمون الديار. خامساً: مصيبة أخرى يريد المحتلون للعراق أن يوظفوا الاحتلال لتحقيقها، وهي التأمين النهائي لكيان الإرهاب والاغتصاب (إسرائيل) ، فالعراق الذي استُهدف كشعب قبل أن يُستهدف كنظام؛ كان يمثل آخر معقل محتمل لمواجهة المشروع الصهيوني، ولهذا فإن قيادته السابقة جرى إشغالها واستغفالها في صراعات جانبية ريثما يحين الوقت لقفل أبواب الجبهة الشرقية بإقصاء العراق، بعدما أغلقت الجبهة الغربية بإغراء مصر، وبذلك أمَّنوا اليهود من الخارج، ومكَّنوهم من الداخل، حيث انفردت عصابة الشر الشاروني بشعب فلسطين الأعزل الذي مثَّل احتلال العراق بالنسبة له نكبة ثانية، لا تقل خطراً عن النكبة الأولى عام ١٩٤٨م؛ لأن احتلال العراق له ما بعده في الحسابات الإسرائيلية، حيث يجري التآمر على قدم وساق.. بل أقدام وسوق، لإسدال الستار على حفل (الحل النهائي) لقضية فلسطين، أو ما تبقى من قضية فلسطين؛ بابتلاع القدس، واقتلاع الأقصى، والسطو على المياه، والتحكم في الحدود، وإلغاء أي حل لقضية الأربعة ملايين من اللاجئين، لا بل إلحاق آخرين بهم إلى بلدان مجاورة، من ضمنها العراق! في سياق عمليات التهجير والترانسفير. لكن عامل أمل جديد يمكن أن يلوح للفسطينيين من أراضيكم، أيها المجاهدون في العراق، وذلك بأن تفشلوا مخطط الحلف الأمريكي الإسرائيلي على أرضكم، فبانكسار هيبة أمريكا على أرض العراق؛ ستنكسر إرادة اليهود على أرض فلسطين، وسيختل توازنهم، وتختلف أوراقهم؛ لأن الكثير من حسابات اليهود المستقبلية مبنية على استقرار الاحتلال في العراق، وعلى وأد روح الجهاد في فلسطين بقتلها في الشعوب المجاورة، لكن متى رأت الطائفة المقاتلة على الحق في فلسطين إخواناً لها يقاتلون على الحق في العراق؛ فإن ذلك جدير بأن يحيي الأمل في الشعبين، بل في الشعوب الإسلامية كلها، التي تُستهدف كلها بتلك الحرب العالمية الصليبية اليهودية ضد العالم الإسلامي، ولكل هذا نقول ونقصد ما نقول: إن مهمة المجاهدين في العراق، لا إنقاذ العراق فحسب، بل إنقاذ العالم الإسلامي كله، فهل تُصَدِّقون؟

стр. 4865

دراسات في الشريعة ثبات الأحكام الشرعية وضوابط تغيُّر الفتوى محمد بن شاكر الشريف alsharef@albayan-magazine.com أنزل الله شريعته التي جاءت في كتابه القويم القرآن الكريم وسنة رسوله الأمين ﷺ لتكون هادية للناس الصراط المستقيم، ولتكون حاكمة على أقوالهم وأفعالهم وتصرفاتهم إلى يوم الدين. وقد ختم الله تعالى كتبه بالقرآن المجيد، وختم رسله بمحمد صلى الله عليه وسلم الرسول الأمين. ومن ضرورة ذلك أن تكون الأحكام الشرعية التي تضمنتها تلك الشريعة الخاتمة شاملة وثابتة لا يشوبها نقص أو قصور، ولا يعتريها تبديل أو تغيير. وهذه قضية بدهية عليها أدلة كثيرة من النصوص الشرعية، وليس من قبيل المبالغة إذا قلت إن هذه المسألة عليها عشرات الأدلة من الكتاب والسنة. * بين الحكم الشرعي والفتوى: وقبل المضي قدماً في الموضوع يحسن التعريف بالحكم الشرعي وبالفتوى. فالحكم الشرعي: «عبارة عن حكم الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين» [١] . والفتوى والفتيا: «ذكر الحكم المسؤول عنه للسائل» [٢] ؛ أي «جواب المفتي» [٣] . و «الإفتاء: بيان حكم الواقع المسؤول عنه» [٤] ، فالإفتاء هو عمل المفتي، والفتوى هو ما يصدر عن المفتي. والغالب أن الحكم الشرعي هو الحكم المتعلق بأفعال العباد على وجه العموم من غير التفات إلى واقع معين يرتبط به الحكم، كالقول بوجوب الصلاة وحرمة شرب الخمر وهكذا. والغالب أن الفتوى هي ما كانت مرتبطة بواقع ما، فالفتوى على ذلك هي تطبيق الحكم الشرعي على الواقع، وإن كان في بعض الأحيان يأتي أحدهما بمعنى الآخر فهما مرتبطان، ولا تكون الفتوى صحيحة إلا إذا كان الحكم الشرعي منطبقاً على الواقع انطباقاً صحيحاً، يقول ابن القيم ﵀ في بيان علاقة الفتوى بالحكم الشرعي: «ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم. أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علماً. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر» [٥] . وعندما استُفتي ابن تيمية ﵀ في قتال التتار بيَّن ذلك الارتباط وأفتى بقوله: «نعم يجب قتال هؤلاء، بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق أئمة المسلمين، وهذا مبني على أصلين: أحدهما المعرفة بحالهم، والثاني: معرفة حكم الله في مثلهم» [٦] . ومن البيّن هنا أن الفتوى قد تدخل فيها أو ترتبط بها عدة عوامل، وبالتالي فإن الفتوى تكون مرتبة عليها، وقد يحدث أن يُستفتى المفتي في واقعة قد اجتمعت لها كل عواملها، فيفتي بالحكم الشرعي الذي ينطبق عليها، ثم تأتي واقعة أخرى مشابهة لها في الظاهر، لكن بينهما فرق مؤثر في الحقيقة نتيجة غياب بعض تلك العوامل أو وجود عوامل أخرى؛ فيفتي المفتي بحكم شرعي مناسب للحالة الجديدة، وهو بطبيعة الحال مغاير للفتوى الأولى، ومن هذا الوجه ونحوه على ما يأتي تفصيله في هذا المقال - إن شاء الله - قال من قال من أهل العلم بـ «تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد» [٧] ، فأخذت هذه الكلمة وأضرابها طائفة من المعاصرين وطاروا بها في كل حدب وصوب، وصاحوا بها في كل واد وناد، يرومون تغيير الشريعة وأحكامها إرضاءً وتجاوباً مع الأهواء مما لا يحبه الله ورسوله، بل صارت عمدة من عمد الذين يريدون تحريف الدين تحت ما يزعمونه من ضرورة «تجديد الخطاب الديني» ، وفي هذا المقال نتعرض لمسألتين: الأولى: أدلة ثبات الأحكام الشرعية. الثانية: الضوابط التي من خلالها يمكن أن تتغير الفتوى. * أولاً: أدلة ثبات الأحكام الشرعية: والمراد بالثبات هنا بقاء الحكم الشرعي على ما هو عليه ودوامه وعدم تغيره لا بزمان ولا بمكان ولا بغير ذلك. والأدلة على ذلك كثيرة كما قدمنا، فمنها: ١ - قوله تعالى: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً] (المائدة: ٣) ، فالدين قد كمل، والنعمة تمت، والتغيير فيما قد كمل نقْص، وما لم يكن يومئذ ديناً فلن يكون بعدُ ديناً، والقول بجواز تغيير الحكم الشرعي يلزم عنه عدم التصديق بأن الله أكمل الدين، وهو في الوقت نفسه رفض لنعمة الله التي أتمها علينا. ٢ - قوله تعالى: [وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً] (الأنعام: ١١٥) ، قال ابن كثير ﵀: «أي صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأوامر والنواهي» [٨] ، والحكم الشرعي هو في باب الأمر والنهي، وحيث تغير العدل كان الظلم. ٣ - قوله تعالى: [وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ] (المائدة: ٤٩) . ففي هذه الآية ثلاثة أمور: ١ - الأمر بالحكم بما أنزل الله (الشريعة) . ٢ - بيان أن ترك الحكم بها إنما هو اتباع للأهواء. ٣ - بيان أن من الفتنة ترك بعض الشريعة. وهذا الأمر للنبي ﷺ ، وأمته من بعده، فكلهم مخاطب به، ولا شك أن القول بجواز تغيير الحكم الشرعي مؤد للحكم بغير ما أنزل الله، ومؤد لترك بعض الشريعة، وهذا اتباع للهوى ووقوع في الفتنة، ولا يسلم المرء من ذلك إلا بالقول بثبات الحكم الشرعي وعدم تغييره. ٤ - قوله تعالى: [وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً] (الإسراء: ٧٣) ، وهو يبين أن تغيير الحكم الشرعي إنما هو من الافتراء على الله ، والافتراء على الله لا يجوز عند أحد من المسلمين، فظهر من ذلك أن تغيير الحكم الشرعي أو القول بجواز ذلك محرم لا يجوز القول به ولا الإقدام عليه، وهذه الآية تدل على مدى حرص الكفار ورغبتهم في تغيير الحكم الشرعي، حتى إنهم ليتخذون من يفعل ذلك أو يقوم به «خليلاً» ، والخُلة أعلى درجات المحبة، قال ابن جرير ﵀: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن نبيه ﷺ أن المشركين كادوا أن يفتنوه عما أوحاه الله إليه ليعمل بغيره، وذلك هو الافتراء على الله» [٩] . ٥ - قال الله تعالى: [وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ] (المائدة: ٤٤) . وقال: [وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (المائدة: ٤٥) . وقال: [وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] (المائدة: ٤٧) . فبيَّن الله تعالى أن من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق، ومن قال بجواز تغيير الحكم الشرعي، فهو إما حاكم بغير ما أنزل الله وإما مجوز لذلك. ٦ - قال الله تعالى: [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ] (الأنعام: ١٥٣) . فمن لم يتبع صراط الله المستقيم (الكتاب والسنة) اتبع سبل الشيطان، ولا يمكن للمرء أن يتبع الكتاب والسنة مع القول بعدم ثبات الحكم الشرعي وجواز تغييره. ٧ - قال الله تعالى: [اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ] (الأعراف: ٣) ، فأمر الله الناس أن تتبع ما أنزل إليها من ربها خالقها ورازقها، وبيَّن أن من اتبع غير ذلك فقد اتبع أولياء من دونه، والقول بجواز تغيير الحكم الشرعي مؤد لاتباع الأولياء من دون الله. ثم تهدد الله وتوعد من يتبع الأولياء من دونه، فقال عقيب الآية المتقدمة: [وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ] (الأعراف: ٤) . ٨ - قال الله تعالى: [ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] (الجاثية: ١٨) ، فأمر رسوله ﷺ باتباع الشريعة التي أوحاها إليه، وبيَّن أن ترك شيء من هذه الشريعة إنما هو اتباع لأهواء الذين لا يعلمون، ولا يمكن اتباع الشريعة كاملة مع القول بعدم ثبات الأحكام الشرعية أو بعضها وجواز تغييرها، ثم بيَّن الله تعالى أن هؤلاء الداعين إلى ترك اتباع الشريعة بتغيير الحكم الشرعي ظالمون، وأنهم لن يغنوا عن أحد شيئاً أو يدفعوا عنه شيئاً من عذاب الله، فقال تعالى عقيب الآية المتقدمة: [إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ] (الجاثية: ١٩) . ٩ - قال تعالى: [سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ] (البقرة: ٢١١) ، فقد توعد الله بالعقاب الشديد من يبدل نعمته التي أنعمها على العباد، والأحكام الشرعية التي باتباعها استقامة العباد وصلاح الدنيا، والنجاة من النار والفوز بالجنة من أجل النعم التي أنعم الله بها، والقول بعدم ثبات الحكم الشرعي وجواز تغييره هو من تبديل نعمة الله. ١٠ - قال الله تعالى: [وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ] (يونس: ١٥) . وفي هذا من الدلالة على رغبة الكفار في أن يقع المسلمون في تغيير الأحكام الشرعية أو تبديل الوحي المنزل، وقد بينت الآيات أنه ليس لأحد ولو كان رسول الله ﷺ أن يغير الحكم الشرعي من تلقاء نفسه، بل عليه أن يتبع الأحكام الشرعية التي يوحيها الله إليه؛ لأن من فعل ذلك فقد عرض نفسه للعذاب العظيم، قال القرطبي ﵀: «إني أخشى من الله إن خالفت أمره وغيرت أحكام كتابه وبدلت وحيه فعصيته بذلك عذاب يوم عظيم هوله» [١٠] . والآيات في ذلك أكثر من أن تحصر، ولو ذهبنا نتتبعها لطال بنا المقام. وقد دلت السنة على ما دل عليه القرآن في ذلك، فمن السنة: ١ - قوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» [١١] ، أي مردود عليه، والقول بتغيير الحكم الشرعي إحداث في الدين لم يأت به كتاب ولا سنة، ولا أثر عن أصحاب رسول الله ﷺ ، فهو مردود على صاحبه. ٢ - قوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» [١٢] . فبيَّن الرسول ﷺ أن النجاة في اتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين الذين اتبعوه وساروا على سنته، وأمر أن يُعض على ذلك بالنواجذ تمسكاً بها، وعدم الحيد عنها قيد أنملة، وحذر من محدثات الأمور، وبيَّن أن المحدثات في الدين ضلالة، والقول بجواز تغيير الحكم الشرعي يخالف كل ذلك، فهو يخالف التمسك بالسنة ويوقع في المحدثات. ٣ - قوله ﷺ : «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي» [١٣] . فمن تمسك بالكتاب والسنة لم يضل أبداً، والمفهوم من ذلك أن من لم يتمسك يضل، والقول بجواز تغيير الحكم الشرعي مؤد لعدم التمسك بالكتاب والسنة أو ببعضها الذي تغير، والأدلة على ذلك من السنة كثيرة أيضاً. وبالنظر إلى أصول الفقه نجد أن علماء أصول الفقه يعرّفون الحكم الشرعي بأنه «خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد أمراً أو نهياً أو تخييراً أو وضعاً» [١٤] . وخطاب الشارع هو الكتاب والسنة، والقول بأنه يمكن تغيير الحكم الشرعي مكافئ للقول بإمكانية تغيير خطاب الشارع، وخطاب الشارع لا يملك أحد من البشر أن يغيره، وبالتالي فمن غير المستطاع القول بجواز تغيير الحكم الشرعي، ومن وجهة نظر ثانية فإن القول بتغيير الحكم الشرعي بتغير الزمان هو نسخ للحكم الشرعي، هذا هو معنى النسخ عند الأصوليين، فالنسخ يراد به عندهم «رفع الحكم الشرعي بخطاب» أو «رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر» ونحو ذلك [١٥] ، فمضمون النسخ على ذلك هو تغيير الحكم الشرعي الثابت وإلغاء الحكم الشرعي القائم واستحداث حكم جديد، لكن النسخ لا يكون إلا من الله تعالى أو من رسوله ﷺ ، وهو ما يعني أن النسخ قد انقطع بموت رسول الله ﷺ ، فعلى ذلك الأحكام الشرعية ثبتت على ما مات عليه رسول الله ﷺ ، وقد بيَّن الرسول ﷺ أنه يدعو يوم القيامة على من بدل شيئاً من الدين بعده فقال ﷺ : «ألا ليُذادنَّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هلُّم! فيقال: إنهم قد بدَّلوا بعدك. فأقول: سُحقاً سُحقاً» [١٦] ، وفي رواية: «سحقاً حقاً لمن بدل بعدي» ، والقائل بجواز تغيير الحكم الشرعي لا شك أنه داخل في هذا الحديث، نسأل الله السلامة. وقد بيّن ابن تيمية ﵀ أن من يجوّز النسخ بعد موت رسول الله ﷺ فهو «يُجوِّز تبديل المسلمين دينهم بعد نبيهم، كما تقول النصارى أن المسيح سوغ لعلمائهم أن يحرموا ما رأوا تحريمه مصلحة، ويحلوا ما رأوا تحليله مصلحة، وليس هذا دين المسلمين» [١٧] . وبالجملة فإن الأدلة على بطلان القول بتغيير الأحكام بتغير الزمان كثيرة جداً، وفيما قدمت من الأدلة كفاية إن شاء الله. قال الشاطبي ﵀ في بيان ثبات الأحكام الشرعية وعدم تغييرها: «فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخاً، ولا تخصيصاً لعمومها، ولا تقييداً لإطلاقها، ولا رفعاً لحكم من أحكامها، لا بحسب عموم المكلفين، ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمان دون زمان ولا حال دون حال، بل ما أثبت سبباً فهو سبب أبداً لا يرتفع، وما كان شرطاً فهو أبداً شرط، وما كان واجباً فهو واجب أبداً أو مندوباً فمندوب، وهكذا جميع الأحكام فلا زوال لها ولا تبدل، ولو فرض بقاء التكليف إلى غير نهاية لكانت أحكامها كذلك» [١٨] . إن القول بثبات الحكم الشرعي وعدم إمكانية تغييره من قبل أحد كائناً من كان إضافة إلى أنه الحكم الذي دلت عليه الأدلة كما تقدم؛ يمثل ضمانة من أهم ضمانات استقرار أحوال الأمة، واستتباب الأمن فيها، ومنع الاستبداد، ولقد أدرك أصحاب القوانين الوضعية أهمية الثبات وأثره في أمن المجتمع واستقراره فقالوا بثبات الدساتير، ولكنهم مع ذلك لم يستطيعوا لأنها من صنع البشر. وإذ تقدم هذا فإنه من غير المقبول أن نجد من بين المعاصرين من يقسم الأحكام الشرعية إلى قسمين: أحدهما ثابت، والآخر متغير، ويعرف المتغير بأنه «موارد الاجتهاد وكل ما لم يقم عليه دليل قاطع من نص صحيح أو إجماع صريح» [١٩] ، فهذا قول غير صحيح لأنه مخالف للدليل، ولم ينقله قائله عن أحد من أهل العلم المعروفين السابقين على امتداد أجيال الأمة التي بلغت أربعة عشر قرناً وربعاً من الزمان وعلى اتساع مذاهبها الفقهية وتنوعها [٢٠] . * مفاسد القول بتغيير الحكم الشرعي بتغير الزمان: ويترتب على القول بجواز تغيير الحكم الشرعي بتغير الزمان مفاسد كثيرة من أبرزها: ١ - اتخاذ الأولياء من دون الله، وهم المشرعون الذين يشرعون الحكم الجديد. ٢ - القول بقصور الشريعة وعدم صلاحية أحكامها لعموم الزمان والمكان. ٣ - تغيير وتبديل الدين بمرور الزمن. ٤ - عدم استقرار أحوال الأمة، وزوال الأمن، وشيوع الظلم والاستبداد. * الشبهة في القول بتغيير الحكم الشرعي بتغير الزمان: القائلون بتغيير الأحكام الشرعية بتغير الزمان لا يتعلقون في ذلك بنص سواء كان من القرآن أو من السنة، فليس عندهم أدلة على ذلك، فكل ما عندهم في ذلك كلمات لبعض أهل العلم من مثل «تغير الفتوى بتغير الزمان» ونحوها، وهم طوائف: طائفة اشتبه عليها ذلك ولم تدرس الأمر دراسة واعية وظنت هذا أمراً مشروعاً. وطائفة مناوئة للدين وجدت في هذه الشبهة بغيتها في نفث سمومها والسعي في إطفاء نور الله الذي لا يطفأ، فأخذت تنشر هذا وتضخمه وتؤكد عليه، وأصبح مثل هذا الكلام أداة كبيرة في أيدي الدعاة إلى تحريف الدين باسم تجديد الخطاب الديني. وطائفة مهزومة أمام الفكر الغربي المعاصر، وجدت في ذلك القول مخرجاً ووسيلة للتوفيق بين ذلك الفكر وبين أحكام الشريعة. ونحن بعون الله نبيّن الصواب في ذلك من خلال الحديث عن ضوابط تغير الفتوى. * ثانياً: ضوابط تغير الفتوى: ١ - اختلاف العوائد والأعراف: من الأمور التي تتغير بسببها الفتوى تغير العوائد والأعراف التي تُبنى عليها الفتوى، سئل الإمام القرافي ﵀ عن الأحكام المدونة في الكتب المرتبة على العوائد والأعراف التي كانت موجودة زمن جزم العلماء بهذه الأحكام، هل إذا تغيرت العوائد وصارت لا تدل على ما كانت تدل عليه أولاً، هل يُفتي بما تدل عليه العوائد والأعراف الجديدة، أو يفتي بما هو مدون في الكتب؟ فأجاب - رحمه الله - بقوله: «إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد، خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة» ، ثم شرع يفصل فقال: «ألا ترى أنهم لما جعلوا أن المعاملات إذا أطلق فيها الثمن يحمل على غالب النقود، فإذا كانت العادة نقداً معيناً حملنا الإطلاق عليه، فإذا انتقلت العادة إلى غيره عيَّنا ما انتقلت العادة إليه، وألغينا الأول لانتقال العادة عنه» ، إلى أن يقول: «بل ولا يشترط تغيير العادة، بل لو خرجنا نحن من تلك البلد إلى بلد آخر عوائدهم على خلاف عادة البلد الذي كنا فيه، وكذلك إذا قدم علينا أحد من بلد عادته مضادة للبلد الذي نحن فيه؛ لم نفته إلا بعادته دون عادة بلدنا، ومن هذا الباب ما روي عن مالك: إذا تنازع الزوجان في قبض الصداق بعد الدخول؛ أن القول قول الزوج مع أن الأصل عدم القبض، قال القاضي إسماعيل: هذه كانت عادتهم بالمدينة أن الرجل لا يدخل بامرأته حتى تقبض جميع صداقها، واليوم عاداتهم على خلاف ذلك، فالقول قول المرأة مع يمينها لأجل اختلاف العوائد، وينبغي أن يعلم أن معنى العادة في اللفظ أن ينقل إطلاق لفظ واستعماله في معنى حتى يصير هو المتبادر من ذلك اللفظ عند الإطلاق مع أن اللغة لا تقتضيه، فهذا هو معنى العادة في اللفظ، وهو الحقيقة العرفية، وهو المجاز الراجح في الأغلب، وهو معنى قول الفقهاء إن العرف يقدم على اللغة عند التعارض، وكل ما يأتي من هذه العبارات» [٢١] . وقد نقل الإمام علاء الدين الطرابلسي الحنفي كلام القرافي وأقره [٢٢] . ومن بعد القرافي قال ابن القيم الحنبلي: «فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد» [٢٣] . وهنا يظهر أمران: الأول: أن الفتوى هي التي تتغير وليس الحكم الشرعي. الثاني: أن الفتوى التي تتغير يكون حكمها الشرعي مرتباً على العوائد والأعراف. ومن الأمثلة التي يذكرها الفقهاء على ذلك: ما يخرج في صدقة الفطر، فإن الحديث جاء بإخراج صاع من تمر أو شعير أو زبيب أو أقط، فرأى العلماء أن هذه الأقوات كانت هي غالب القوت عندما قال رسول الله ﷺ ذلك الحديث في ذلك الزمان، فكأنه قال: أخرجوا صاعاً من غالب قوت البلد التي أنتم فيها، وعلى ذلك أفتى العلماء بجواز إخراج صاع من الأرز والذرة ونحوه إذا كان هذا هو غالب قوت البلد في زمنهم، فبالنظر المجرد إلى الفتوى بجواز إخراج الأرز والذرة يقول القائل: قد حدث تغير في الحكم، وبالنظر إلى حقيقة الأمر وأن المطلوب هو إخراج الصاع من غالب قوت البلد، فليس هناك تغير في الحكم الشرعي، كل ما هنالك أن الذي تغير هو غالب قوت البلد، والحكم باق على ما هو عليه، وهذا المثال ونحوه قد ينظر إليه على أنه تغير للفتوى بتغير الزمان، والحقيقة أن الزمن بمجرده ليس مسوّغاً لتغيير الفتوى لأن هذا هو النسخ الذي لا يملكه أحد إلا الشارع وإنما نسب التغيير لتغير الزمان في كلام بعض أهل العلم؛ لأن الزمان هو الوعاء الذي تجري فيه الأحداث والأفعال والأحوال، وهو الذي تتغير فيه العوائد والأعراف، فنسبة تغير الفتوى لتغير الزمان من هذا الباب، وإلا لو ظل العرف كما هو عدة قرون لم يكن أحد مستطيعاً أن يغير الفتوى. ٢ - وجود السبب وتحقق الشرط وانتفاء المانع أو عدم بعض ذلك: من المعلوم أن الأحكام مرتبة على وجود سببها، فإذا وجد سبب الحكم وتحقق شرطه وانتفى المانع، انطبق الحكم على الواقع، فإذا تخلف أحد الشروط أو وجد أحد الموانع انطبق حكم آخر على الواقع. والناظر من بعيد يرى أن الواقعتين متشابهتان، ولهما حكمان متغايران، فيظن أن الحكم قد تغير، والحقيقة أن الواقعتين وإن كانتا متشابهتين لكنهما غير متماثلتين، فهما واقعتان مختلفتان لكل منهما حكم يخصها، ونضرب مثلاً لذلك، لو أن رجلاً ملك نصاب الزكاة، ثم استفتى أهل العلم عن وجوب إخراج الزكاة؛ فإن المفتي يسأله: هل حال على النصاب الحول؟ فلو قال: نعم. وسأله: هل عليك دين؟ فقال: لا. هنا يجيبه المفتي بقوله: نعم تجب عليك الزكاة. ويحدد له المقدار الواجب إخراجه حسب نوع المال الذي يملكه، فلو بعد فترة من الزمان جاءه الرجل نفسه وسأله: هل عليَّ زكاة؟ فإذا سأله المفتي: هل عليك دين؟ وقال: نعم، علي دين يستوعب أكثر مالي حتى لا يبقى منه قدر النصاب. هنا يقول المفتي: ليس عليك زكاة. والرائي غير المتبصر يرى أن الحكم تغير، والأمر ليس كذلك، فالحالة الأولى وجد السبب وتحقق الشرط وانتفى المانع، وأما الحالة الثانية فقد وجد المانع وهو الدين، فهنا حالتان مختلفتان، لكل حالة حكم في الشرع، وليس في هذا اختلاف، وفي مثل هذا يقول الشيخ عابد السفياني - وفقه الله -: «إن تلك الواقعة التي تغير حكمها؛ إما أن تكون هي هي عند تغير الحكم بجميع خصائصها والحيثيات التي تكتنفها، وإما أن تختلف في بعض خصائصها وحيثياتها، فإن كانت الأولى فنحن ننازع أشد المنازعة في تغير حكمها؛ لأن ذلك هو النسخ والتبديل المنهي عنه كما سيأتي بيانه، وإن كانت الثانية فليست في موضع النزاع؛ لأنها حينئذٍ حادثتان، وحادثتان متميزتان من حيث خصائصهما والاعتبارات التي تحفهما لهما حكمان ليس غريباً ولا عجيباً، ولا يقال له تغير ولا تبدل» [٢٤] . وبالمثل لو أن شخصاً سرق ثم تبين أن شروط إقامة الحد غير مستوفاة، فلم يحكم عليه القاضي بالقطع، فإنه لا يقال هنا قد تغير الحكم ولكن شروط إقامة الحد هي التي لم تكتمل، وهذا هو الذي حدث في عهد عمر ﵁ عام المجاعة عندما قُحط الناس، وتعرضوا للهلاك بسبب الجدب، أصبح كثير ممن يسرق إنما يسرق لاضطراره إلى ذلك ليدفع عن نفسه الهلاك، وهذه حالة تدرأ عن صاحبها الحد، ونظراً لأن الأمر كان منتشراً واختلط من يسرق للضرورة ومن يسرق لغير ذلك ولم يمكن تمييزهما من بعض، فصار ذلك شبهة درأ بها عمر ﵁ الحد في عام المجاعة، فلله دره! ما أفقهه وما أعلمه، ولما زالت المجاعة زالت الشبهة فكان من يسرق يقام عليه الحد، فليس في هذا أيضاً تغيير للحكم الشرعي؛ لأن ما فعله عمر ﵁ في عام المجاعة كان هو الواجب في مثل تلك الحالة. ٣ - الضرورة الملجئة: هناك أحوال اضطرار يقع فيها العبد المسلم مما يكون معه مضطراً لفعل ما حرم الله، ومن رحمة الله بالعباد أنه في هذه الأحوال لم يجعل عليهم إثماً فيما فعلوه، والناظر غير المتبصر يظن أن الحكم اختلف، وهما في الحقيقة حالان مختلفان، لكل حال حكم، فحال الاختيار له حكم، وحال الاضطرار له حكم، وحالان مختلفان لهما حكمان متغايران لا يقال له تبدل ولا تغير، ولنضرب المثل لذلك، من المعلوم أن الله حرم أكل الميتة، فيحرم على العباد أكل لحوم الميتات (إلا ميتة البحر) ، فمن أكل منها يقال له: هذا حرام، وقد فعلت ما يستوجب عقاب الله. فلو تغير حال أحد الناس وصار في حالة اضطرار بحيث إذا لم يأكل من الميتة هلك؛ هنا يصدق عليه وصف المضطر، وهنا يباح له الأكل من الميتة، والحكم تغير هنا في الظاهر، ولكن في الحقيقة الحكم لم يتغير، وإنما الذي تغير هو الحال التي ترتب عليه الحكم. ومن أمثلة ذلك ما حصل من غلمان حاطب الذين سرقوا ناقة، ولم يقطعهم عمر، فإنه أحضر عبد الرحمن بن حاطب وقال له: «والله! لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له؛ لقطعت أيديهم» [٢٥] ، فهذا يبين أن عمر رأى أن هؤلاء في حالة اضطرار تدرأ عنهم الحد، وأن عقوبتهم القطع لو كانوا غير مضطرين، وقد عاقب عمر حاطباً على ذلك وأضعف عليه الغرم. ٤ - تغير الوصف أو الاسم: هناك أحكام رُتبت على أوصاف أو أسماء، فإذا تغيرت تلك الأوصاف أو الأسماء تغير الحكم تبعاً لذلك. مثال: رجل تزوج امرأة، حل له منها ما يحل للرجل من امرأته، فلو طلقها حرم عليه منها ما كان حلالاً له، هنا تغيرت صورة الحكم لأن ما كان حلالاً جائزاً للرجل تغير وصار حراماً، وفي الحقيقة فإن المتغير هو الصفة أو الاسم وليس الحكم الشرعي؛ إذ الحكم باقٍ على ما هو عليه، وهو أن الرجل تحل له زوجته، وأن الرجل تحرم عليه غير زوجته. ومن أمثلة تغير الاسم أو الوصف الدال على تغير الحقيقة، تغير الخمر بحيث تصير خلاً، فالخمر من أحكامها النجاسة، فإذا تغيرت حقيقة السائل المسكر وصار خلاً، فقد تغير وصف السائل وتغير اسمه وصار خلاً، والخل ليس بنجس (سواء قلنا بجواز تخليل الخمر أم لا) ، وحكم الخمر لم يتغير، وإنما الخمر نفسها هي التي تغيرت. وكمثال على ذلك أيضاً أمر الله تعالى بصرف الزكاة إلى مستحقيها بقوله: [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] (التوبة: ٦٠) . فالله بعلمه وحكمته وزع الزكاة على هذه الأصناف الثمانية، فإذا كان عام ولم نجد فقيراً يستحق الزكاة فمنعنا سهم الفقراء لعدم وجودهم، فهذا لا يُعد تغييراً، وإنما فقدنا المستحق، وكذلك إذا كان فلان من الناس يعطى من الزكاة لأنه فقير، ثم وسع الله عليه وصار غنياً ومنعنا عنه الزكاة فلا يقال إن الحكم تغير، بل صفة هذا الشخص التي يستحق عليها الزكاة هي التي تغيرت، وهكذا فعل عمر - رضي الله عنه - في سهم المؤلفة قلوبهم، فالمؤلفة قلوبهم هم من يعطون من الصدقات لأجل تألف قلوبهم على الإسلام، أو لأجل ضعف المسلمين حتى يأمن المسلمون شرهم، فهو حكم معلق على وصف وليس على أشخاص بأعيانهم، فإذا تحقق هذا الوصف في شخص أو عدة أشخاص فأعطيناهم سهم المؤلفة قلوبهم، ثم جاء العام الذي يليه وقد فقدوا وصف المؤلفة (كأن حسن إسلامهم، أو قوي المسلمون فلم يعد بهم ضعف) فمنعنا عنهم سهم المؤلفة قلوبهم؛ فليس في هذا تغير للحكم، وإنما الذي حدث أن هؤلاء الأشخاص استحقوا السهم في المرة الأولى لانطباق الوصف عليهم وليس لأشخاصهم، ثم فقدوا الوصف في العام الذي يليه، ففقدوا ما كان مترتباً على الوصف، وهذا إعمال للحكم الشرعي وليس تغييراً له. ٥ - تدافع المأمورات أو المنهيات: قد يكون هناك أمران مطلوب تحصيلهما ولكن لا يمكن تحصيل أحدهما إلا بتفويت الآخر، فهما على ذلك متدافعان، كما أنه قد يكون هناك أمران مطلوب اجتنابهما ولا يمكن اجتناب أحدهما إلا بفعل الآخر، فهنا تُحَصَّل أعظم المصلحتين، وتُدفع أقبح المفسدتين، فمثلاً: الشهادة يُطلب فيها العدول، فإذا لم نجد العدول صرنا بين أمرين: إما ضياع الحقوق، وإما قبول شهادة غير العدول، أمران أحلاهما مر، وقد أفتى أهل العلم في مثل ذلك أن لكل قوم عدولهم، وعلى القاضي أن يتوسم فيهم ويقبل أكثرهم صلاحاً وأقلهم فجوراً، فقد ينظر هنا إلى أن هذا من قبيل تغيير الحكم، وذلك بقبول شهادة من لا يعرف بعدالة، والحقيقة أن هذا من باب التعارض وأنه لا يمكن تحصيل أحدهما إلا بتفويت الآخر، وهي فتوى وليست حكماً، وهي فتوى خاصة بمثل هذه الحالة؛ بمعنى أنه إذا وجد العدول في هذا المكان لم تُقبل شهادة غيرهم. قال الإمام علاء الدين الطرابلسي الحنفي: «قال القرافي في باب السياسة: نص بعض العلماء على أنه إذا لم نجد في جهة إلا غير العدول؛ أقمنا أصلحهم وأقلهم فجوراً للشهادة عليهم، ويلزم ذلك في القضاة وغيرهم لئلا تضيع المصالح، قال: وما أظن أحداً يخالف في هذا، فإن التكليف شرط في الإمكان، وهذا كله للضرورة لئلا تهدر الأموال وتضيع الحقوق، قال بعضهم: وإذا كان الناس فساقاً إلا القليل النادر قبلت شهادة بعضهم على بعض، ويحكم بشهادة الأمثل فالأمثل من الفساق، هذا هو الصواب الذي عليه العمل، وإن أنكره كثير من الفقهاء بألسنتهم» [٢٦] . ٦ - وجود العارض وزواله: قد يكون هناك شيء محبوب شرعاً لكن يخشى من فعله أن يترتب عليه تكليف قد لا يقوم به الناس، فيترك هذا الشيء لذلك العارض، فإذا زال العارض رجع الأمر إلى حاله الأولى، وقد يظن أن هذا تغيراً للحكم وإنما هو من باب زوال العارض، مثال ذلك امتناع الرسول ﷺ عن قيام الليل في رمضان في المسجد بعدما فعل ذلك عدة ليال، وذلك خوفاً من أن يفرض قيام الليل على المسلمين رحمة منه ﷺ بالمسلمين، فلما زال هذا الأمر بوفاة الرسول ﷺ وأُمن عدم فرض قيام الليل؛ جاز الاجتماع في المسجد في رمضان لقيام الليل، وليس في هذا تغيير للحكم الشرعي. ٧ - تغير الآلات والوسائل: هناك من الأحكام الشرعية ما يكون تنفيذها عن طريق آلة أو وسيلة، والشريعة لم تحدد في كثير من الأمور الآلات والوسائل التي يتحقق بها الحكم الشرعي، بل تركتها ليختار المسلمون في كل زمان ومكان ما هو أنفع لهم وأصلح وأفضل في تنفيذ الحكم الشرعي؛ إذ ربما لو ألزم المسلمون بآلة أو وسيلة معينة لتعسر عليهم ذلك، ووجدوا في ذلك من المشقة والحرج الشيء الكثير لا سيما أن الوسائل والآلات تتعدد وتتباين، وقد يكون بعضها ميسراً وبعضها غير ذلك، وقد يختلف العسر واليسر بالنسبة للآلة أو الوسيلة نفسها باختلاف الزمان والمكان، والله يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر، فله الحمد والمنة. مثال ذلك: أمر الله تعالى المسلمين بالجهاد في سبيله وقال: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ] (الأنفال: ٦٠) ، وقد كانت القوة المستطاعة في ذلك الزمان هي السيف والرمح والترس ونحو ذلك، فإن المفتي والعالم في ذلك الزمان: يقول يجب على المسلمين إعداد السيوف والرماح والحراب وما أشبه ذلك، ثم بعد الزمن المتطاول الذي أوصل إلى عصرنا يقول المفتي والعالم الآن يجب على المسلمين إعداد المدفع والدبابة والصاروخ والطائرة، ولا يجب إعداد السيف ولا الرمح ولا الحربة، فقد وجب اليوم ما لم يكن قبلُ واجباً، وسقط وجوب ما كان قبلُ واجباً، وهذا قد ينظر إليه على أنه تغير في الحكم الشرعي، والحقيقة أن الحكم لم يتغير؛ لأن الحكم الشرعي هو وجوب إعداد القوة المستطاعة، وكانت القوة المستطاعة في الزمن الأول: السيف والرمح ونحوه، وصارت اليوم المدفع والصاروخ، ونحوه، وقد تكون بعد فترة من الزمن شيئاً آخر فالحكم الشرعي لم يتغير، وإنما الذي تغير هو الآلة أو الوسيلة التي يتحقق بها الحكم الشرعي في الواقع، وهذه الآلات والوسائل والأساليب المستجدة، لا يكفي فيها أن تكون محققة للحكم الشرعي بل هي محكومة بشروط هي: ١ - ألا تعارض قاعدة كلية من قواعد الشريعة. ٢ - ألا تخالف دليلاً من أدلة الشرع التفصيلية. ٣ - ألا يترتب عليها مفسدة تربو على المصلحة المتحصلة منها [٢٧] . من كل ما تقدم يتبين أن مسألة تغير الفتوى ليست مسألة متعلقة بالزمان المجرد، أو المكان المجرد، وكأن الزمان والمكان هما سبب تغيير الفتوى، ولكن لما كان الزمان والمكان أوعية للأحداث والأفعال والتغيرات والعوائد والأعراف نُسب التغير للزمان والمكان، وهذا يطلق عليه في عرف البلاغيين مجاز مرسل علاقته الظرفية، وقد تبين بما تقدم أيضاً أن الموضوع منضبط وله قواعد تحكمه، وليس هو مجرد استجابة أو إذعاناً لضغط الواقع، وهذه الأمثلة المتقدمة يمكن أن تندرج تحت قسمين كبيرين: الأول: فتاوى مؤسسة من أول أمرها على العرف أو المصلحة المرسلة، ثم يتغير العرف أو المصلحة بتغير الزمان والمكان، فتتغير الفتوى تبعاً لذلك. الثاني: فتاوى مؤسسة على نصوص، لكن هذه النصوص كانت معللة بعلة أو راعت عرفاً قائماً، أو كانت مرتبة على صفة أو مقيدة بحالة ونحو ذلك، فإذا زالت العلة أو تغير العرف أو الصفة أو الحالة؛ فإن الفتوى تتغير أيضاً لذلك [٢٨] . ويمكننا أن نلاحظ مما تقدم عدة أشياء: ١ - أن عملية تغير الفتوى بتغير ما هي مرتبة عليه؛ إنما هي عملية تهدف إلى إبقاء الأمور تحت حكم الشريعة، وإن تغيرت صورتها الظاهرة، وهي ليست خروجاً على الشريعة واستحدثاً لأحكام جديدة. ٢ - أن التغير في الفتوى هو تغير خاص من حيث الزمان والمكان والشخص، حيث تتغير فقط بالنسبة للزمان أو المكان أو الشخص الذي تغيرت في حقه مسوّغات الفتوى، وهذا معناه أن الأمور تكون باقية على ما هي عليه في بقية الأماكن والأزمان والأشخاص. ٣ - أن أهل العلم عندما قالوا بمراعاة الأحوال والعوائد ونحوها؛ إنما قالوا ذلك حتى لا يقعوا في الظلم: إما ظلم العباد بإلزامهم بما لم يلزمهم به الشرع، وإما ظلم أنفسهم بالخطأ على الدين. ٤ - أن الذي يقول في حق هذه العوائد والأعراف إنها تغيرت وبالتالي تتغير الفتوى المرتبة عليها؛ إنما هم أهل العلم والمعرفة بالشرع، وليس أهل الهوى والجهل. ٥ - أن العرف الذي تتغير به الفتوى ليس هو العرف الحاصل من وقوع الناس في مخالفة الشرع، فإذا صار من عرف الناس اليوم في بعض البلدان خروج المرأة كاشفة صدرها ونحرها، وكذلك إذا صار من عرف الناس التعامل بالربا في البنوك الربوية؛ فإن هذا العرف لا تتغير به الفتوى؛ لأنه عرف قائم على مخالفة الشرع فلا يعتد به؛ إذ العرف الذي يعتد به هو ما لم يكن مخالفاً للشرع. وأختم المقال بقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ليس لأحد أن يغير شريعته التي بعث بها رسوله، ولا يبتدع في دين الله ما لم يأذن به» [٢٩] .

стр. 4866

دراسات في الشريعة حرية الرأي والضوابط الشرعية للتعبير عنه هاني بن عبد الله جبير [*] H_ j _٣٠@naseej.com (كفل الإسلام حريَّة الرأي والتعبير بمفهومها الإسلاميّ، وحرية الرأي والتعبير تعني: تمتع الإنسان بكامل حريته في الجهر بالحق، وإسداء النصيحة في كل أمور الدين والدنيا، فيما يحقق نفع المسلمين، ويصون مصالح كل من الفرد والمجتمع، ويحفظ النظام العام، وذلك في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومع اهتمام الإسلام بحرية الرأي والتعبير إلاَّ أنَّه حرص على عدم تحريرها من القيود والضوابط الكفيلة بحسن استخدامها، وتوجيهها إلى ما ينفع الناس ويرضي الخالق جل وعلا، فهناك حدود لا ينبغي الاجتراء عليها وإلا كانت النتيجة هي الخوض فيما يُغضب الله، أو يُلحق الضرر بالفرد والمجتمع على السواء، ويُخل بالنظام العام وحسن الآداب) [١] . ولهذا الحق المكفول طرق ووسائل توصِّل إليه، منها ما نص الشارع على عينه بإباحة أو تحريم، ومنها ما سكت عنها فلم ينص على اعتبارها ولا عدم اعتبارها، كوسائل الإعلام الحديثة. ويرى كل متابع ما يحصل من تداعٍ كبير لتناول الأطروحات، وتبادل الآراء، وتعاطي الحوارات، كما يشاهد ما يسلكه كل ذي رأي من وسائل للتعبير عمَّا في نفسه ليستشعر أنه بذل شيئاً مما تبرأ به الذّمة مهما كان حال هذه الوسيلة. والباحث الشرعي إذ يدرس أي نازلة أو يبحث في أي فكرة؛ فهمّه تنزيل الأحكام على الوقائع، ورائده تطلُّب الحق والبحث عن الدليل وإعمال الضوابط بعد استطلاع الواقع ونشدانه. وفي هذه الأوراق القليلة نظرات عاجلة تبيّن ضوابط في هذا الموضوع؛ علَّها تكون مقدمة لدراسات أكثر جداً وتوسعاً. * أولاً: قواعد ومقدمات: تحتاج كل حادثة إلى معرفة أُصول وقواعد يتفرع عن معرفتها وتقريرها بيان الحكم الشرعي لها، وسأتناول هنا مقدمات أصول أربعة: الأولى: مجالات إبداء الرأي. كل أمر جاء الشرع بحكمه بدليل من الأدلة، سواء كان متعلقاً بالعبادات أو المعاملات أو العقوبات أو العلاقات الشخصِيَّة، فهذا ليس للإنسان فيه إلا أن يعمل بمقتضى الدليل ويتفقَّه فيه، [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] (الأحزاب: ٣٦) . وهذا أظهر من أن يُستدل له؛ إذ العبوديَّة لله تقتضي الامتثال لأمره. ومعنى الرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً؛ هو التحاكم إلى منهاج الله تعالى ورد الأمر إليه، ولذا نفى الله تعالى الإيمان عمن لم يستكمل هذا فقال: [فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] (النساء: ٦٥) . وهذا أصل عظيم من أصول الإيمان، وهو معنى الإسلام، فإن حقيقة الإسلام هي الاستسلام لله والانقياد له، ومن لم يرد إليه الأمر لم ينعقد له. ودين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع الأمة، وهي الأصول المعصومة التي لا يجوز تجاوزها أو الخروج عنها [٢] . وعلى أساسها توزن جميع الآراء والأقوال والأعمال [٣] . قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِه] (الحجرات: ١) ، قال الحافظ ابن كثير في معنى الآية: (أي لا تُسرعوا في الأشياء بين يديه، أي قبله، بل كونوا تبعاً له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ ﵁ حيث قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن: «بم تحكم؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال ﷺ : فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ . قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي. فضرب في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله» [٤] . فالغرض منه أنه أخّر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدَّمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: « [لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِه] : لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة» . وقال مجاهد: «لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ حتى يقضي الله تعالى على لسانه» ) [٥] . وعلى هذا الهدي في الرد إلى الكتاب والسنة وعدم مخالفتهما مهما ظهر بالرأي والفكر مخالفتهما للمصالح؛ سار سلف هذه الأمة. قال أبو الزناد ﵀: «إن السنن لا تُخاصَم، ولا ينبغي لها أن تُتبع بالرأي والتفكير، ولو فعل الناس ذلك لم يمض يوم إلا انتقلوا من دين إلى دين، ولكنه ينبغي للسنن أن تُلزم ويُتمسك بها على ما وافق الرأي أو خالفه» [٦] . ولذا كان مجال الرأي في الإسلام مجالاً محكوماً بالكتاب والسنة والإجماع، فما قرر فيها فهو أصل معصوم لا يُخرج عنه. وإذا أعمل الإنسان رأيه وقرر نتائج بناها على مقتضى المصالح أو غيرها وهي معارضة لكتاب الله وسنة رسوله؛ فقد راغم الشرع ولم يقابله بالرضى والتسليم [٧] . عن أبي هريرة ﵁ قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورّثها ولدها ومن معهم، فقام حَمَل بن النابغة الهذلي فقال: يا رسول الله! كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل؛ فمثل ذلك يُطَل؟ [٨] فقال رسول الله ﷺ : «إنما هو من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع» [٩] . قال العلماء إنما ذم سجعه لأنّه عارض حكم الشرع ورام إبطاله، ولذا شبهه بالكهان الذين يروّجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق السامعين [١٠] . وأما ما لم يبين حكمه والموقف منه بعينه في الشرع؛ فإن للمسلم أن يتخذ فيه رأياً يبديه لا يتعارض مع الضوابط العامَّة لإبداء الرأي. وذلك كطريقة تنفيذ ما أمر الله به وسكت عن طريقة تنفيذه، أو ما لم يرد به نص محكم. ولذا كان من القواعد المقررة عند أهل العلم أن (لا اجتهاد في موارد النص) [١١] ، وأن ما عارض النص ففاسد الاعتبار [١٢] . الثانية: صاحب الرأي. ذمَّ الله تعالى من يقول بلا علم، فقال: [وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ] (النحل: ١١٦) . قال الشاطبي: «الاجتهاد في الشريعة ضربان: أحدهما المعتبر شرعاً ... والثاني غير المعتبر، وهو الصادر عمن ليس بعارف بما يفتقر الاجتهاد إليه؛ لأن حقيقته أنه رأي بمجرد التشهي والأغراض. وخبط في عماية، واتباع للهوى، فكل رأي صدر على هذا الوجه فلا مرية في عدم اعتباره؛ لأنه ضد الحق الذي أنزل الله، كما قال تعالى: [وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُم] (المائدة: ٤٩) [١٣] . وهذا كما يكون في أحكام الشرع فهو في كل علم، فليس لأحدٍ أن يتناوله بغير إتقان له. وقد ذم الله تعالى من يتبع الظن: [وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَناًّ إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً] (يونس: ٣٦) . وجعل طاعة من يتبع الظن ضلالاً: [وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ] (الأنعام: ١١٦) . فلا بُدَّ أن يكون صاحب الرأي من أهل الخبرة والاختصاص فيما يتكلّم عنه، وكلام الإنسان فيما يجهله غير مفيد. والله تعالى أمر بسؤال أهل الذكر دون غيرهم: [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] (النحل: ٤٣) ، وهذا دليل على أن ما يقوله غير العالم لا عبرة به. ولذا لما وصف أهل العلم رجال المشورة جعلوا من صفاتهم العلم فيما يُسْتشارون فيه، قال ابن خويز منداد: (واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أُشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلّق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعَلَّق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلّق بمصالح البلاد وعمارتها) [١٤] . فجعل كلاً يُسْتشار فيما هو مختص به. وكذا إبداء الرأي لا يسوغ لمن لم يكن مختصاً في فن أن يتكلم فيه، ولذا ذكر الفقهاء أنه يُشرع الحَجْر على المتطبب الجاهل [١٥] ، فكذلك غير الطب يُمنع مَنْ لم يكن مؤهلاً من إبداء رأيه؛ إذ لا يوثق برأيه. فالعالم بالشرع يبين أحكام الشرع وضوابطه في كل أمر وتصرّف، لكن ليس له أن يصف العلاج المركَّب للمرضى إلا إذا كان مع ذلك طبيباً. والمهندس له أن يتناول أموراً هندسيَّة بالرأي لكن الفتوى إنما تناط بالعالم بالشرع فقط.. وهكذا. والسبب في هذا أن الرأي المعتبر هو المبني على العلم والتثبت، وأما ما لم يُبن عليهما فهو محض ظن لا يغني عن الحق شيئاً، ومعلوم أن للخيالات والأوهام رواداً لا يعبأ بهم في مجال الفكر، ومن هنا كان أهل العلم لا يعتبرون بكل خلاف حتى قيل: وليس كل خلاف جاء معتبراً ... إلا خلاف له حظ من النظر وإذا أريد قياس الرأي ومعرفة مكانته استند الناظر إلى ما استمد منه؛ هل هو العلم والتثبت، أو بني على المصالح الشخصية والعصبيات الجاهلية ومحض الهوى؟ وقد قرر أهل العلم أدلة يُبنى عليها الحكم الشرعي، وطرقاً للاستدلال والترجيح فيها توصّل للمطلوب، وإذا راعى أهل العلم ذلك في الأحكام الشرعية؛ فهو تنبيه على اعتبار المنهج نفسه في سائر معمولات الذهن، فلا بد أن تُبنى على دليل معتبر، ولا بد من مراعاة طرق الترجيح بين الآراء. وكما يُشترط لإبداء الرأي: القدرة على ذلك، والتأهل له، واستناده على ما يعضده؛ فإنه يُشترط فيه أيضاً: إرادة الحق والخير، وهذا من معنى الإخلاص وحسن الإرادة التي هي مناط خيريّة العمل وصلاحه وقبوله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:» وسبب الفرق بين أهل العلم وأهل الأهواء مع وجود الاختلاف في قول كل منهما: أن العالم قد فعل ما أمر به من حسن القصد والاجتهاد.. بخلاف أصحاب الأهواء فإنهم: [إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ] (النجم: ٢٣) ، ويجزمون بما يقولون بالظن والهوى، فلم يصدر عنهم من الاجتهاد والقصد ما يقتضي مغفرة ما لم يعلموه، وكانوا ظالمين شبيهاً بالمغضوب عليهم، وجاهلين شبيهاً بالضالين. فالمجتهد الاجتهاد العلمي المحض ليس له غرض سوى الحق وقد سلك طريقه، وأما متبع الهوى المحض فهو من يعلم الحق ويعاند عنه، وثَمَّ قسم آخر وهو غالب الناس، وهو أن يكون له هوى، وله في الأمر الذي قصد إليه شبهة، فتجتمع الشهوة والشبهة. فالمجتهد المحض مغفور له أو مأجور، وصاحب الهوى المحض مستوجب للعذاب، وأما المجتهد الاجتهاد المركب على شبهة وهوى فهو مسيء، وهم في ذلك على درجات بحسب ما يغلب « [١٦] . وكما يشترط لإبداء الرأي: القدرة على ذلك والتأهل له واستناده لما يعضده؛ فإنه يشترط فيه أيضاً: إرادة الحق والخير، وهذا من معنى الإخلاص وحسن الإرادة التي هي مناط خيرية العمل وصلاحه وقبوله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:» وسبب الفرق بين أهل العلم وأهل الأهواء مع وجود الاختلاف في قول كل منهما: أن العالم قد فعل ما أمر به من حسن القصد والاجتهاد.. بخلاف أصحاب الأهواء فإنهم: [إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ] (النجم: ٢٣) ، ويجزمون بما يقولون بالظن والهوى .. فلم يصدر عنهم من الاجتهاد والقصد ما يقتضي مغفرة ما لم يعلموه فكانوا ظالمين شبيهاً بالمغضوب عليهم أو جاهلين شبيهاً بالضالين. فالمجتهد الاجتهاد العلمي المحض ليس له غرض سوى الحق وقد سلك طريقه، وأما متبع الهوى المحض فهو من يعلم الحق ويعاند عن. وثم قسم آخر وهو غالب الناس، وهو أن يكون له هوى وله في الأمر الذي قصد إليه شبهة فتجتمع الشهوة والشبهة ... فالمجتهد المحض مغفور له أو مأجور، وصاحب الهوى المحض مستوجب للعذاب، وأما المجتهد الاجتهاد المركب على شبهة وهوى فهو مسيئ، وهم في ذلك على درجات بحسب ما يغلب « [١٧] . الثالثة: مراعاة مآل الرأي. إنَّ إبداء الرأي الذي يستند لأصل ولا يخالف الشريعة، وإن كان في أصله مباحاً، قد ثبت الإذن بإبدائه بحسب الأصل، غير أنه في بعض الأحوال قد ينجر عنه في مآله من الأضرار والمفاسد ما ينافي مقصد الشرع في المصلحة والعدل، فتكون الآراء المباحة أو المشروعة مؤدية إلى خلاف مقاصدها. ويحدث ذلك بسبب عدم التبصّر بمآلات التصرّفات والآراء والأقوال، أو سبب الباعث السيئ عند متعاطيها. وسواء كان الباعث فاسداً أو صالحاً فإن مجرد مفسدة المآل، والنتيجة السلبيّة للرأي؛ يجعل الرأي رأياً مذموماً واجب الكتمان. فهذا معيار توزن به الآراء والاجتهادات، وهو مدى كون آثارها محقِّقة لمقاصد الشرع أو مناقضة له، قال الشاطبي:» لما ثبت أن الأحكام شُرعت لمصالح العباد كانت الأعمال معتبرة بذلك؛ لأنه مقصود الشارع فيها، فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقاً والمصلحة مخالفة فالفعل غير صحيح وغير مشروع؛ لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها وإنما قصد بها أمور أخر هي معانيها، وهي المصالح التي شُرعت لأجلها، فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع فليس على وضع المشروعات « [١٨] . ومن هنا نشأت قاعدة: (سد الذرائع المفضية للفساد) ، ومقتضاها تحريم أمر مباح لما يفضي إليه من مفسدة. وامتناع النبي ﷺ عن قتل المنافقين دفعاً لمفسدة تحدُّث الناس بأن محمداً يقتل أصحابه؛ فرد من أمثلة هذه القاعدة. وعليه؛ فإنه لا يسوغ لصاحب رأي ولا لمفت أو مفكر أن يقرر رأياً مهما كان صواباً إذا ترتب على ذلك مفسدة أعظم، أو كان مثيراً لفتنة. فالذي ينتقد بعض كتب علماء أهل السنة، ويقرر أن فيها تقريرات غير معصومة؛ فهو وإن قرر حقاً إن أظهر رأيه في زمن تشرئب فيه الفتن وتظهر البدع فقد ناقض هذا الأصل. وإذا حوّل إنسان دين الله تعالى ليكون وجهة نظر تُعرض إلى جانب وجهة نظر أخرى مخالفة؛ فإنه، وإن تذرّع باستمالة المعارضين للإسلام، قد أعطى مُعارِض الشريعة شرعية وقدم مساواة مع الإسلام [١٩] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية:» على المفتي أن يمتنع عن الفتوى فيما يضر بالمسلمين ويثير الفتن بينهم، وله أن يمتنع عن الفتوى إن كان قصد المستفتي كائناً من كان نصرة هواه بالفتوى وليس قصده معرفة الحق واتباعه « [٢٠] . ومراعاة مآل الرأي يتضمن ملاحظة الوقت الذي يُبدي فيه الرأي، ومدى تعلّق أهل الفساد به، وهل يفهمه من خوطب به على وجهه أم لا. وفي أخبار الصحابة وقائع تؤكد استشعار الصّحابة ﵃ لهذا الأصل، فعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب ﵁ فقال:» إن فلاناً يقول لو قد مات عمر بايعتُ فلاناً. فقال عمر: إني قائمٌ العشيّة في الناس فمحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم. قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وإنهم الذين يغلبون على مجلسك إذا قمت في الناس؛ فأخشى أن تقول مقالةً يطير بها أولئك فلا يعوها، ولا يضعوها على مواضعها، ولكن حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسُّنة، وتخلص بعلماء الناس وأشرافهم، فتقول ما قلت متمكناً، فيعون مقالتك ويضعونها مواضعها. فقال عمر: لئن قدمت المدينة صالحاً لأكلمن بها الناس في أول مقام أقومه. فلما قدم المدينة قام على المنبر فكان مما قال: فإني قائل مقالةً من وعاها وعقلها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومَنْ لم يعها فلا أحل له أن يكذب عليَّ «. ثم ذكر قصة بيعة أبي بكر [٢١] . الرابعة: لا يسوغ الإلزام بما هو من موارد الخلاف. المسائل في شريعة الإسلام منها ما هو قطعي محكم؛ فهذا ثابت الحكم لا يتغيّر بتغير الزمان والمكان، ومنها مسائل الاجتهاد وموارد الخلاف التي لم يحسمها نص قاطع، ولم يثبتها دليل ظاهر؛ فليس فيها نص شرعي ولا إجماع قطعي، فهذه يحكمها اجتهاد المجتهدين المؤهلين، فيختار المجتهد منها أظهرها عنده. فأما القسم الأول: فإن الناس ملزمون بالسير على وفقها التزاماً للشرع، واتباعاً له، ولا يسوغ مخالفته كما سبق. وأما الثاني: فهي منوطة باجتهاد المتكلم متى كان أهلاً فيتكلم فيها بالبينات والحجج العلمية، لكنها ليست مورداً للإنكار ولا محلاً للمفاصلة. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - عمن قلد بعض العلماء في مسائل الاجتهاد؛ هل ينكر عليه أو يهجر؟ فأجاب:» مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم يُنكر عليه ولم يُهجر، ومن عمل بأحد القولين لم يُنكر عليه، فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به وإلا قَلّد بعض العلماء الذين يُعتمد عليهم في بيان أرجح القولين « [٢٢] . ومن هنا فإن كل رأي لم يستند بقاطع في الشريعة؛ فإنه لا يسوغ لقائله أن يستبد به ويحتكر الصواب، بل ما دام قولاً لغير معصوم فالخطأ عليه وارد والخلاف سائغ والإنكار ممنوع. * ثانياً: وسائل التعبير عن الرأي: لقد كلَّف الله تعالى هذه الأمة بإبلاغ الدين ونشر الرسالة: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ] (آل عمران: ١٠٤) ، وجعل ذلك سبب خيريتها. [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] (آل عمران: ١١٠) . وجعل النصيحة من الدين، عن تميم بن أوس الداري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :» الدين النصيحة «قلنا لمن؟ قال: » لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم « [٢٣] . كما أنه كفل لأتباعه التعبير عن آرائهم [٢٤] فيما يسوغ ذلك. ولا تتحقق النصيحة والدعوة والتعبير عن الرأي إلا بوسائل وطرق وأسباب للمسلم أن يسلكها؛ ليصل من خلالها لما يريد ولو كانت حادثة لم ينص عليها الشرع ولم يستعملها السلف؛ ما دامت معبّرة عن المراد وموصلة إليه [٢٥] . قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀:» لا ريب أن كل أمر مهم عمومي يُراد إعلانه وإشاعته والإخبار به.. يُسلك فيه طريق يحصل به هذا المقصود.. ولم يزل الناس على هذا يعبرون ويخبرون على مثل هذه الأمور بأسرع وسيلة يتعمّم ويشيع فيها الخبر.. وكلما تجدد لهم وسيلة أسرع وأنجح مما قبلها أسرعوا إليها، وقد أقرهم الشارع على هذا الجنس والنوع، ووردت أدلة وأصول في الشريعة تدل عليه، فكل ما دل على الحق والصدق والخبر الصحيح مما فيه نفع للناس في أمور دينهم ودنياهم؛ فإن الشرع يقره ويقبله، ويأمر به أحياناً ويجيزه أحياناً؛ بحسب ما يؤدي إليه من المصلحة. فاستمسك بهذا الأصل الكبير فإنّه نافع في مسائل كثيرة، ويمكنك إذا فهمته أن تطبق عليه كثيراً من الأفراد والجزئيات الواقعة والتي لا تزال تقع، ولا تقصر فهمك عنه فيفوتك خيرٌ كثيرٌ، وربما ظننت كثيراً من الأشياء بدعاً محرماً إذا كانت حادثة ولم تجد لها تصريحاً في كلام الشارع، فتخالف بذلك الشرع والعقل وما فطر عليه الناس ... [٢٦] . والسبب في هذا أن الوسائل من قبيل العادات والأصل فيها الإباحة، قال الشاطبي - يرحمه الله -: (والتبليغ كما لا يتقيّد بكيفيَّةٍ معلومة؛ لأنه من قبيل المعقول المعنى؛ فيصح بأيّ شيء أمكن من الحفظ والتلقين والكتابة وغيرها) [٢٧] . وإذا تبين أن هذه الوسائل اجتهاديّة - ليست توقيفيَّة -؛ فللمسلم أن يسلك ما شاء من وسائل التعبير عن الرأي. إلا أن سلوك هذه الوسائل وممارسة هذا الحق مقيد بضوابط تمنعها عن معارضة مقاصد الشريعة الإسلاميَّة، وأهم هذه الضوابط: ١ - ألا تخالف الشرع في نفسها، فإذا كانت الوسيلة مخالفة للأدلة الشرعية أو القواعد الكليّة فإنها تكون ممنوعة؛ كمن يستعمل المحرمات بقصد أن يتوب الناس مثلاً [٢٨] . وهذا الضابط هو الذي يميّز أهل السُّنة عن غيرهم، وهذا هو الذي يكفل البقاء على الجادة مؤذناً بطاعة الله ورسوله. وليس نبل المقصد وحسن الهدف مسوّغاً لمعصية الله ورسوله ومخالفة قواعد الشريعة، فإن ما خالفها ضرر وفساد ولا يترتب عليه مصلحة: [وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً] (الأحزاب: ٣٦) . وتأمل في كره النبي ﷺ استعمال الناقوس للإعلام بدخول وقت الصلاة قبل الأمر بالأذان؛ لما فيه من مشابهة النصارى مع كون الهدف هو الدعوة إلى العبادة والاجتماع لها. ففي السنن أنه لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يجمعهم لها فقالوا: لو اتخذنا ناقوساً! فقال رسول الله ﷺ : ذاك للنصارى. فقالوا: لو اتخذنا نابوقاً! قال: ذاك لليهود. ثم أمر بالنداء للصلاة [٢٩] . ٢ - أن يكون المقصود من الوسيلة مشروعاً؛ فإن كان الغاية منها الوصول لما هو ممنوع في الشرع؛ فإنه لا يجوز التوسل لها بأيَّة وسيلة. فمتى كان المراد من الوسيلة المعيّنة الدعوة إلى باطل، أو نشر فكر منحرف أو الوصول إلى غرض فاسد؛ كانت الوسيلة محرمة. قال ابن القيم ﵀: «إذا حرّم الرب تعالى شيئاً وله طرق ووسائل تفضي إليه؛ فإنّه يحرمها ويمنع منها تحقيقاً لتحريمه وتثبيتاً له» [٣٠] . عن جرير بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سنَّ في الإسلام سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً» [٣١] . وعن عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعاً: «لا تُقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأوّل كفلٌ من دمها؛ لأنّه أول من سَنَّ القتل» [٣٢] . فمن دعا لباطل أثم بذلك وكان عليه وزر من عمل به. وكذا كل وسيلة موصلة للباطل؛ فإنه لا يسوغ سلوكها. ٣ - ألا يباشرها معتقداً أن نفس مباشرتها قربة يتقرب بها إلى الله إلا إذا كانت عبادة نص عليها الشارع. أما لو فعل الفعل المباح المؤدي للمصلحة مثلاً وهو يعتقد أنه قربة وطاعة فهو مخطئ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «.. حقيقة السؤال: هل يباح للشيخ أن يجعل هذه الأمور التي هي إما محرمة أو مكروهة أو مباحة قربة وعبادة وطاعة وطريقة إلى الله يدعو بها إلى الله ويتوِّب العاصين.. ولو سُئِل العالم عمّن يعدو بين جبلين هل يباح له ذلك؟ قال: نعم. فإذا قيل له: إنه على وجه العبادة كما يسعى بين الصفا والمروة؟ قال: إن فعله على هذا الوجه حرام ومنكر ... فمن فعل ما ليس بواجب ولا مستحب على أنّه من جنس الواجب أو المستحب فهو ضال مبتدع. وفعله على هذا الوجه حرام بلا ريب» [٣٣] . وذلك أن العبادات توقيفيّة لا يُشرع منها إلا ما دل عليه النص. ٤ - ألا يترتب على الأخذ بها مفسدة أكبر من المصلحة المقصودة منها؛ إذ درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح. وقد نهى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن سب آلهة المشركين وإن كان فيه مصلحة إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين، قال تعالى: [وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ] (الأنعام: ١٠٨) . قال ابن عباس ﵄ في هذه الآية: «قالوا: يا محمد، لتنتهين عن سَبِّك آلهتنا أو لنهجون ربك. فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم» [٣٤] ، ومن ذلك أن يحصل من سلوك الوسيلة زيادة فساد أو إتلاف لنفس معصومة أو مال محترم أو كان مسبباً لفرقة واختلاف، أو سبباً لتعصب أو نحو ذلك. قال ابن القيّم ﵀: «إن النبي ﷺ شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله؛ فإنه لا يسوغ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنّه أساس كل فتنة وشر إلى آخر الدهر.. ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم ومنعه من ذلك مع قدرته عليه خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر. ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد؛ لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وُجد سواء» [٣٥] . وكذا ألا يترتب عليها فوات مصلحة أعظم ولو مع حصولِ مصلحةٍ أَقَلّ؛ إذ لا شك أن الشرع يطلب تحصيل المصالح الأعظم، ومن قواعد الشرع: (تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أقلهما) [٣٦] . وبعدُ: فإن جميع ما سبق موازنة فقهيةٌ وتأملات شرعيَّة بتفصيل ارتضاه كاتبه، أمَّا الفتوى التي تبرأ بها الذمم، وتناط بها الأحكام فهي لمن تولاها موكولة، ولمن أنيطت به متروكة. اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

стр. 4867

دراسات في الشريعة نور البصيرة د. خالد سعد النجار alnaggar٦٦@hotmail.com ما أن يُخبت قلب العبد لرب العالمين، وتذوق جوارحه لذة النَّصَب في العبادة؛ حتى يفيض الكريم الوهاب على صاحب هذا القلب بنور البصيرة، هذا النور الذي يرافقه في سَيْره إلى الله تعالى، يهديه إلى مسالك الرشد، فيفرق به بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والسنة والبدعة، إلى أن يرزقه الله حسن الخاتمة. إن هذا النور منحة ربانية لا تشاهدها الأبصار، ولا تحدها الكلمات، بل يحسها كل صادق في إيمانه؛ ليعلم مَنْ فَقَدَ هذا النور أنه في العبادة يلعب، فما ضُرب عبد بعقوبة أعظم من ظلمة القلب. * تعريف البصيرة: قال علماء اللغة: البصيرة: الفطنة. تقول العرب: أعمى الله بصائره؛ أي فطنه. وفي حديث ابن عباس ﵄ أن معاوية ﵁ لما قال لهم: يا بني هاشم! تصابون في أبصاركم. قالوا له: وأنتم يا بني أمية! تصابون في بصائركم. وإنه لبصير بالأشياء أي عالم بها. ويقال للفراسة الصادقة فراسة ذات بصيرة [١] . وقال الراغب: البصر يقال للجارحة الناظرة، كقوله تعالى: [وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ] (الأحزاب: ١٠) ، وللقوة التي فيها، ويقال لقوة القلب المدركة بصيرة، نحو قوله تعالى: [أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ] (يوسف: ١٠٨) [٢] . أما في الشرع فيعرّفها ابن القيم بقوله: «هي نور يقذفه الله في القلب، يفرّق به بين الحق والباطل، والصادق والكاذب» ، وفي تعريف آخر له يقول: «هي نور يقذفه الله في قلب، يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل كأنه يشاهده رأي عين، فيتحقق مع ذلك انتفاعه بما دعت إليه الرسل وتضرره بمخالفتهم، وهذا معنى قول بعض العارفين: (البصيرة تحقق الانتفاع بالشيء والتضرر به) » [٣] . * البصيرة في القرآن الكريم: قال تعالى: [أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (الأنعام: ١٢٢) . فهذا مثل للذي هداه الله بعد الضلالة، وأضاء بصيرته بنور الحجج والآيات، يتأمل بها الأشياء فيميز بين الحق والباطل (ويجد الإنسان في قلبه هذا النور؛ فتتكشف له حقائق الوجود وحقائق الحياة وحقائق الناس وحقائق الأحداث التي تجري في هذا الكون وتجري في عالم الناس، ويجد الإنسان في قلبه هذا النور فيجد الوضوح في كل شأن وفي كل أمر وفي كل حدث، يجد الوضوح في نفسه وفي نواياه وخواطره وخطته وحركته، ويجد الوضوح فيما يجري حوله، سواء من سنة الله النافذة أو من أعمال الناس ونواياهم وخططهم المستترة والظاهرة، ويجد تفسير الأحداث والتاريخ في نفسه وعقله وفي الواقع من حوله كأنه يقرأ من كتاب، ويجد الإنسان في قلبه هذا النور فيجد الوضاءة في خواطره ومشاعره وملامحه، ويجد الراحة في باله وحاله وقاله، ويجد الرفق واليسر في إيراد الأمور وإصدارها وفي استقبال الأحداث واستدبارها، ويجد الطمأنينة والثقة واليقين في كل حالة وفي كل حين) [٤] . وقال تعالى: [قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ] (الأنعام: ١٠٤) ، قال القرطبي: «قد جاءكم آيات وبراهين يُبصر بها ويُستدل. جمع بصيرة وهي الدلالة، ووصفها بالمجيء لتفخيم شأنها؛ إذ كانت بمنزلة الغائب المتوقع حضوره للنفس، كما يقال: جاءت العافية وقد انصرف المرض» [٥] . وقال تعالى: [وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (الشورى: ٥٢) ، [رُوحاً] أي وحياً من أمرنا. وسمَّاه روحاً لأنه تحيا به القلوب الميتة لما فيه من الهداية والعلم الذي هو كالحياة. وقال تعالى: [وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ] (ص: ٤٥) ، يقول ابن القيم: «أي البصائر في دين الله ، فبالبصائر يُدرك الحق ويُعرف، وبالقوة يُتمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه، فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم في الدين والبصر بالتأويل، ففجرت من النصوص أنهار العلوم، واستنبطت منها كنوزها، ورُزقت فيها فهماً خاصاًَ، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وقد سُئل: هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء دون الناس؟ فقال:» لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة! إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه «. فهذا الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب الكثير الذي أنبتته الأرض» [٦] . * درجات البصيرة: قسم ابن القيم البصيرة ثلاث درجات: ١ - البصيرة في الأسماء والصفات: وهي أن لا يتأثر إيمانك بشبهة تعارض ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ ، بل تكون الشُّبه المعارضة لذلك عندك بمنزلة الشُّبه والشكوك في وجود الله، فكلاهما سواء في البلاء عند أهل البصائر. ٢ - البصيرة في الأمر والنهي: وهي تجريده عن المعارضة بتأويل أو تقليد أو هوى، فلا يقوم بقلبه شبهة تعارض العلم بأمر الله ونهيه، ولا شهوة تمنع من تنفيذه وامتثاله والأخذ به، ولا تقليد يريحه عن بذل الجهد في تلقي الأحكام من مشكاة النصوص. ٣ - البصيرة في الوعد والوعيد: وهي أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت في الخير والشر عاجلاً وآجلاًَ في دار العمل ودار الجزاء، وأن ذلك هو موجب إلهيته وربوبيته وعدله وحكمته، فإن الشك في ذلك شك في إلهيته وربوبيته بل شك في وجوده، فإنه يستحيل عليه خلاف ذلك، ولا يليق أن يُنسب إليه تعطيل الخليقة وإرسالها هملاً وتركها سدى، تعالى الله عن هذا الحسبان علواً كبيراً [٧] . * المعاصي تطفئ نور البصيرة: فمن عقوبات المعاصي أنها تُعمي بصيرة القلب، وتطمس نوره، وتسد طرق العلم، وتحجب مواد الهداية، قال تعالى: [وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ] (الأنفال: ٢٤) ، إنها صورة تستوجب اليقظة الدائمة والحذر الدائم والاحتياط الدائم، اليقظة لخلجات القلب وخفقاته ولفتاته، والحذر من كل همة فيه وكل ميل مخافة أن يكون انزلاقاً، والاحتياط الدائم للمزالق والهواتف والهواجس، والتعلق الدائم بالله سبحانه مخافة أن يقلب هذا القلب في سهوة من سهواته أو غفلة من غفلاته أو رفعة من رفعاته، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم يكثر من دعاء: «اللهم! يا مقلب القلوب؛ ثبّت قلبي على دينك» ، فكيف بالناس وهم ليسوا مرسلين ولا معصومين؟! [٨] وقد قال مالك للشافعي لما اجتمع به ورأى مخايل النجابة عليه: «إني أرى الله تعالى قد ألقى عليك نوراً؛ فلا تطفئه بظلمة المعصية» . ولا يزال هذا النور يضعف ويضمحل، وظلام المعصية يقوى حتى يصير القلب في مثل الليل البهيم، فكم من مهلكة يسقط فيها ولا يبصرها، كأعمى خرج بالليل في طريق ذات مهالك ومعاطب، فيا عزة السلامة ويا سرعة العطب! ثم تقوى تلك الظلمات وتفيض من القلب إلى الجوارح، فيغشى الوجه منها سواد بحسب قوتها وتزايدها، فإذا كان عند الموت ظهرت في البرزخ فامتلأ القبر ظلمة، كما قال ﷺ : «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم» [٩] ، فإذا كان يوم المعاد وحُشر العباد علت هذه الظلمة الوجوه علواً ظاهراً يراه كل أحد، حتى يصير الوجه أسود مثل الحممة (الفحم) ، فيا لها من عقوبة لا توازن لذات الدنيا بأجمعها من أولها إلى آخرها [١٠] . * أسباب تحصيل البصيرة: - صِدْقُ الإيمان بالله ورسوله: قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (الحديد: ٢٨) ، فهذا النور هبة لدنيه يودعها الله القلوب التي تستشعر تقواه، وتؤمن حق الإيمان برسوله، هبة تنير تلك القلوب فتشرق وترى الحقيقة من وراء الحجب والحواجز، ومن وراء الأشكال والمظاهر فلا تتخبط ولا يلتوي بها الطريق. - العلم النافع بما جاء به الرسول ﷺ : قال تعالى: [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] (الجمعة: ٢) . فالحكمة نور الأبصار، وموقظة القلوب من سِنَة الغفلة، ومنقذة للبصائر من سِنَة الحيرة، ومحيية لها بإذن الله من موت الجهالة، ومستخرجة لها من ضيق الضلالة، وهي صديقة العقل، وميزان العدل، وروضة الأرواح، ومزيحة الهموم عن النفوس، وأنس المستوحش، وأمن الخائف، ومتجر الرابح، وحظ الدنيا والآخرة. ومن أحب أن يكون للأنبياء وارثاً وفي مزارعهم حارثاً فليتعلم العلم النافع، ففي الحديث: «العلماء ورثة الأنبياء» [١١] ، وليحضر مجالس العلماء فإنها رياض الجنة، ومن أحب أن يعلم ما نصيبه من عناية الله فلينظر ما نصيبه من الفقه في دين الله، ففي الحديث: «مَنْ يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» [١٢] ، وكفى بالجهل قبحاً أن صاحبه عدو للحق وأهله. قيل للحسين بن الفضل: هل تجد في القرآن: مَنْ جهل شيئاً عاداه؟ قال: نعم، في موضعين: [بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ] (يونس: ٣٩) ، وقوله تعالى: [وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ] (الأحقاف: ١١) . - العمل بالعلم: فمن عمل بما علم رزقه الله علم ما لم يعلم، وحقيقة التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، قال تعالى: [وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ] (البقرة: ٢٨٢) ، والتقوى تقود إلى نور البصيرة، قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ] (الأنفال: ٢٩) ، فإذا اتقى العبد ربه، وذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه وترك الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات، وشحن قلبه بالنية الخالصة وجوارحه بالأعمال الصالحة، وحفظ نفسه من شوائب الشرك الخفي والظاهر بمراعاة غير الله في الأعمال والركون إلى الدنيا بالعفة عن المال الحرام؛ جعل له بين الحق والباطل فرقاناً، ورزقه فيما يريد من الخير إمكاناً. ولما قال حارثة: «أصبحت مؤمناً حقاً» ، قال رسول الله ﷺ : «إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟» قال: «عزفت نفسي عن الدنيا وشهواتها، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاوون فيها» ، فقال النبي ﷺ : «عرفت فالزم، عبد نوَّر الله الإيمان في قلبه» [١٣] . - صِدْقُ اتباع السنة ظاهراً وباطناً: فالطريق إلى الله مسدود على خلق الله إلا على المقتفين آثار النبي ﷺ ، قال تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة] (الأحزاب: ٢١) ، وقليل في سُنَّة خير من كثير في بدعة، وهذا يستلزم تعلم السنة، وتقديمها في الأصول والفروع على قول كل أحد وهديه، كما قال ابن القيم في شأن الهجرة إلى النبي ﷺ بالقلب: «سفر النفس في كل مسألة من مسائل الإيمان، وحادثة من حوادث الأحكام، ومنزلة من منازل القلوب إلى منبع الهدى، ومصدر النور المتلقى من فم الصادق المصدوق ﷺ ، فكل مسألة طلعت عليها شمس رسالته وإلا فاقذف بها في بحر الظلمات، وكل شاهد عدله هذا المزكى وإلا فعدّه من أهل الريب والتهمات» [١٤] . - المداومة على ذكر الله : فالذكر يورث حياة القلب، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: «الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟!» [١٥] ، وأشرف الذكر تلاوة القرآن وفهمه وتدبره، وبحسب نصيبك من القرآن يكون نصيبك من نور البصيرة، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «إن هذا القرآن مأدبة الله، فمن دخل فيه فهو آمن» ، وقال: «من أحب القرآن فليبشر» [١٦] . - كثرة العبادة: فمن أعظم الوسائل التي ينال بها العبد نصر الله وتأييده الاجتهاد في العبادة، فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه» [١٧] . ومن أفضل العبادات الصلاة، فإنها خيرٌ موضوع، قال تعالى: [كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ] (العلق: ١٩) ، وفي الحديث: «والصلاة نور» [١٨] ، وفيه: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛ فأكثروا من الدعاء» [١٩] ، فكلما اقترب العبد من ربه رأى الأمور على حقيقتها، وقدَّرها حق قدرها، ووزنها بميزان الحق، وكلما أخلد إلى الأرض ولم يرتفع واتبع هواه؛ التبس عليه الحق بالباطل وترك الحق. ومن خير العبادات أيضاً الصوم، فإنه نصف الصبر، وفي الحديث: «والصبر ضياء» [٢٠] . - غضّ البصر وحفظ الفرج وتجنب الاختلاط المحرم: فغضّ البصر يُلبس القلب نوراً، كما أن إطلاقه يُلبسه ظلمة، ولهذا ذكر الله سبحانه آية النور عقيب الأمر بغضّ البصر: [اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] (النور: ٣٥) ، أي مَثَل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه، وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل ناحية، كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان، ونور القلب يورث صاحبه فراسة صادقة يميز بها بين الحق والباطل، وكان شجاع الكرماني يقول: «مَنْ عمَّر ظاهره باتباع السُّنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغضَّ بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشبهات، واغتذى بالحلال؛ لم تخطئ له فراسة» [٢١] ، وكان شجاع لا تخطئ له فراسة. إن نور البصيرة عبق من الجنة، يأنس به الموحدون الذين نزَّهوا الخالق عن أي شائبة من شوائب الشرك، فانقادوا له؛ لا يقدمون قولاً على قوله، ولا أمراً على أمره، ولا نهياً على نهيه. أولئك هم المفلحون.. أولئك هم المفلحون.

стр. 4868

دراسات في الشريعة من يرد الله به خيراً .. أحمد بن عبد الرحمن الصويان من السمات البارزة التي يتميز بها العمل الإسلامي المعاصر أنَّ معظم القيادات الرئيسة إلا ما ندر تظهر عليهم آيات الصدق والإخلاص هكذا نحسبهم والله حسيبهم، وهذا أمر عظيم جليل القدر، ولعله من أبرز أسباب التوفيق الذي نلمس آثاره هنا وهناك، فنحمد الله على ذلك حمداً كثيراً. لكن اللافت للنظر أنَّ حظَّ كثير من تلك القيادات في العلوم الشرعية ربما يكون قليلاً، فتراهم يتحدثون في مسائل إسلامية خطيرة، ونوازل عصرية معقدة، ويقودون أتباعهم إلى مفاوز متشابكة، ومبلغهم من العلم مجرد ثقافة إسلامية عامة، ولم ترسخ أقدامهم في رياضه، ولم تتضلع صدورهم من بركته..! بل إن المتخصصين في الدراسات الشرعية قد يجدون الإقصاء والتهميش أحياناً؛ لأن لهم رؤية علمية مستقلة، تنطلق من محكمات الشرع، وتقدم المقاصد والمصالح الشرعية على غيرها من المقاصد والمصالح المتوهمة، ولأنهم قد يتحفظون في بعض المواقف والممارسات العملية بسبب مخالفتها للنصوص والقواعد الشرعية، وقد يُوصَفون بالجمود، ويُلمزون بالجهل بالسياسة..! هذه الظاهرة جديرة بالدرس والتحليل؛ لأن الانفصام بين العلم والدعوة عواقبه خطرة جداً، وانعكاساته المتراكمة كثيرة، والحركة الدعوية إذا ازدرت العلماء، وهجرت العلم الشرعي، أو اكتفت بمُلَحِه وزغله، وغلَّبت المناورات السياسية؛ وقعت في شَرك الانحراف والتخبط، وما أكثر ما سمعنا أو رأينا من المواقف المضطربة لبعض التجمعات الإسلامية التي تضرب بها في دروب الفتنة، دون أن تلجمها بقواعد الشرع ونصوصه المحكمة. قال الله تعالى: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] (يوسف: ١٠٨) . تأمل هذه الآية.. وستجد أن البصيرة ليست مهمة القادة فحسب، بل إنها مهمة القادة ومهمة الأتباع على حد سواء، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ يُرد اللهُ به خيراً يُفقِّه في الدين» [١] ، وهذا عام في الأفراد والجماعات، ومقتضى ذلك أن مَنْ لم يُرد به خيراً ينزع منه الفقه في الدين، فتراه يتيه في دروب الجهالة، ومفاوز الضلالة. في كل نازلة تعصف بالأمة يزداد يقيني بأهمية الدور الريادي للعلماء الربانيين، فهم أقدر من غيرهم على معرفة أدوائها، وأفقه في إدراك سبيل نجاتها، وأبصر في رؤية مستقبلها وتطلعاتها. إنَّ العلم الشرعي هو الأساس الذي يبني العقل، ويوسِّع المدارك، ويربي الخُلُق، وما ظهرت الغثائية في بعض جموعنا الإسلامية، وانتشرت الهشاشة الفكرية؛ إلا بعد أن هُجر العلم الشرعي، وأصبح عند بعضهم مجرد ترف كمالي، يصرفهم عنه أدنى صارف من الصوارف!

стр. 4869

قضايا دعوية دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب حقائق وأوهام د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف [*] شغب بعضهم على شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري ﵀ فاتهموه بالرفض والإلحاد، فقال بعض العلماء حينئذٍ: «والله! لو سُئل هؤلاء عن الرفض والإلحاد ما عرفوه ولا فهموه!» . والتاريخ يعيد نفسه، فإن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه يُتهمون في هذه الأيام بالتكفير وإراقة الدماء؛ من قبل علمانيين منافقين ومن تبعهم بسوء من تنويرين ومنهزمين، مع أن في أولئك القوم من لم يفقه الإيمان فضلاً عن أن يعرف الكفر والتكفير وشروطه وموانعه، فهم أحوج ما يكونون إلى الاستتابة والدخول في دين الله تعالى، وتعلم الأصول الثلاثة التي يُسئل عنها كل مكلف في قبره ويوم بعثه ونشره. وقد استغل كثير من هؤلاء القوم الحملة الأمريكية على الإسلام وأهله تحت ستار الحملة على (الوهابية!) ، وراحوا يثيرون الشبهات، ولا يتوخون الموضوعية والأمانة العلمية فيما يقولون. ومنذ أن أشرقت شمس هذه الدعوة على جزيرة العرب، وصار لها من القبول والظهور ما لها، وخصوم هذه الدعوة يحيكون المؤامرات، ويثيرون الشبهات والاعتراضات. وتتضمن هذه المقالة عدة حقائق عن هذه الدعوة، مع جملة من الأوهام والإشكالات المثارة ضدها والجواب عنها: - تميزت هذه الدعوة بالالتزام بمنهج راسخ وعقيدة ثابتة وأهداف جلية، كالتلقي من نصوص الكتاب والسنة الصحيحة، ووجوب صرف جميع أنواع العبادة لله تعالى وحده، والتحذير من الشرك ووسائله وذرائعه، فكثيراً ما كان الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب يقرر أن الله تعالى هو المعبود المقصود، فلا يُقصد إلا الله تعالى، وأن الحنيفية ملة إبراهيم ﵊ هي الإقبال على الله تعالى والإعراض عما سواه، وظهر أثر هذه التربية والتقرير من خلال مواقف عملية سطّرها المؤرخون كابن بشر وغيره، ومن ذلك أن «امرأة أتت إلى الشيخ واعترفت عنده بالزنا بعدما ثبت عنده أنها محصنة، وتكرر منها الإقرار، واستخبر عن عقلها فإذا هي صحيحة العقل، فقال: لعلك مغصوبة؟ فأقرت واعترفت بما يوجب الرجم، فأمر بها فرُجمت» [١] . إن التعلق بالله تعالى وخشيته في السر والعلن جعل تلك المرأة تُقْدم بكل طواعية على الاعتراف بفعلتها، وترغب في تطهيرها بتلك العقوبة الموجعة خوفاً من الله تعالى ورغبة فيما عنده سبحانه. يقول الأستاذ محمد جلال كشك معلقاً على تلك الحادثة: «فهذه المرأة التي جاءت تتوب، أو تستشهد، بأقسى عقوبة فُرضت على الإنسان، تعكس حالة الوجد الاستشهادي التي أطلقها محمد بن عبد الوهاب في البدو، والتي تفسر فتوحاتهم، فحكاية المرأة الخاطئة هي مؤشر لإيمان الرجل المتطهر الذي صنعته دعوة الشيخ، فانطلق يطوي الصحراء لإعادة الناس إلى الدين الحق، فلا يجوز أن تقف العين العاجزة عند قسوة العقوبة، فالشيخ اقتداءً برسول الله ﷺ استخدم معها كل الدفوع لوقف التنفيذ، أو دفعها إلى سحب اعترافها، ولكن جذوة الإيمان التي أطلقها في نفس الخاطئة؛ كانت أقوى حتى من رحمته الإسلامية» [٢] . وقد أثار بعضهم آنذاك شبهة أن الشيخ أقام الحدود بدون إذن الإمام، فكان من جوابه ﵀ عن تلك الشبهة: «لا يُعرف أن أحداً من العلماء ذكر أن شيئاً من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم.. ولكن أعداء الله يجعلون هذه الشبهة حجة في ردّ ما لا يقدرون على جحده، كما أني لما أمرتُ برجم الزانية قالوا لا بد من إذن الإمام، فإن صح كلامهم لم تصح ولايتهم القضاء ولا الإمامة ولا غيرها» [٣] . - لما أظهر الشيخ دين الله تعالى، وحقق التوحيد في نفسه وأتباعه في جزيرة العرب، وأقام شرع الله تعالى؛ استتب الأمن؛ وتحقق الاستقرار، وعم الرخاء، وكثرت الخيرات. وسيتضح للقارئ البون الشاسع بين حال الجزيرة العربية أمنياً واقتصادياً قبيل ظهور الدعوة وبعدها من خلال أحداث واقعية، وهاك مثالاً عمّا قبل ظهور الدعوة، ففي قرية صغيرة في نجد تُسمّى «التويم» عَمَد أحدهم إلى قتل أميرها وكان ابن عمه، وما أن صار القاتل أميراً حتى قُتِل، ثم ولي الإمارة شخص ثالث فغُدِر به، ثم وليها رابع فتمالأ عليه رجال فقتلوه، ثم تنازع «القَتَلة» في الإمارة، فقسّموا تلك القرية الصغيرة أربعاً، وصار كل واحد أميراً على ربعها، وكلّ هذه الوقائع حدثت في سنة واحدة. قال المؤرخ ابن بشر معلِّقاً على تلك الحادثة: «وإنما ذكرتُ هذه الحكاية ليعرف من وقع عليها وعلى غيرها من السوابق نعمة الإسلام والجماعة والسمع والطاعة، ولا تُعرف الأشياء إلا بأضدادها، فإن هذه قرية ضعيفة الرجال والمال، وصار فيها أربعة رجال كل واحد منهم يدعي الولاية على ما هو فيه!» [٤] . وأما بعد ظهور الدعوة؛ فقد كانت البلاد آمنة مطمئنة، «والشخص الواحد يسافر بالأموال العظيمة أيّ وقت شاء، في نجد والحجاز واليمن وتهامة وعُمان وغير ذلك، لا يخشى أحداً إلا الله، لا سارق ولا مكابر.. وكانت جميع بلدان نجد في أيام الربيع يُسيّبون جميع مواشيهم في البراري ليس لها راع» [٥] . وقد تحدث ابن بشر عن الرخاء الاقتصادي في الدرعية مبعث الدعوة الإصلاحية فقال: «لقد نظرتُ إلى موسمها يوماً وأنا في مكان مرتفع، فرأيت موسم الرجال في جانب، وموسم النساء في جانب، وما فيه من الذهب والفضة والسلاح والإبل والأغنام، وكثرة ما يتعاطونه من صفقة البيع والشراء والأخذ والعطاء، وغير ذلك، وهو مدّ البصر، لا تسمع فيه إلا دوي النحل من النجناج [٦] ، وقول بعت واشتريت. والدكاكين على جانبيه الشرقي والغربي، وفيها من الهُدم [٧] والقماش والسلاح ما لا يوصف» [٨] . من الآثار المشرقة لهذه الدعوة المباركة ما أورثته من تسطير لتاريخ موطنها وتدوين الحوادث والوقائع فيها كما هو ظاهر في تاريخ ابن غنام وابن بشر ونحوهما، فلقد ظلت نجد نسياً منسياً طوال القرون الماضية، ولم يحفظ لنا التاريخ عن تلك الحقبة المظلمة سوى نتف مبعثرة كما هو مذكور في سوابق ابن بشر، ولعل الأمر كما قال ابن عقيل الحنبلي ﵀: «لما كان البلد مملوءاً بالأخيار قيض الله لها من يحكيها، فلما عُدموا وبقي المؤذي والذميم العقل؛ أعدم المؤرخ، وكان هذا ستر عورة» [٩] . ومن جملة تلك الآثار العلمية ما سطّره علماء الدعوة من رسائل وفتاوى وتقريرات جُمعت في (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) ، وفي (الدرر السَّنية في الأجوبة النجدية) ، فلقد حوت هذه الرسائل تراثاً نفيساً في مسائل الاعتقاد ولا سيما توحيد العبادة وما يضاده وأحكام العبادات والمعاملات، وأحكام الجهاد، والمرتد، والتفسير، والردود. وانظر إلى هذا التراث المتميّز وما جمعه ابن منقور في كتابه (الفواكه العديدة في المسائل المفيدة) لعلماء نجد قبيل الدعوة، فلا مقارنة بين الأمرين، فمجموع ابن منقور مجرد جزأين في فتاوى ومسائل في فروع مذهب الإمام أحمد، بينما تميزت الدرر بثراء في التأليف، وتنوّع العلوم الشرعية، وقوة الدليل، وصحة الاستدلال، وتنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع والأحداث. يقول الشيخ عبد الله البسام ﵀: «منذ عرفنا علماء نجد حتى قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀؛ فإن علمهم يكاد ينحصر في الفقه أي في المسائل الفروعية الفقهية.. فعلم التفسير والحديث والتوحيد مشاركتهم فيها قليلة جداً. فلما انتشرت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تغيّر هذا الاتجاه وتنوعت الثقافة وتعددت العلوم، فصارت العناية بالتوحيد لا سيما توحيد الألوهية، وصار الاهتمام بكتب التفسير السلفية كابن جرير وابن كثير والبغوي ونحوها، وصار الالتفات إلى الحديث وأمهات كتبه وشروحه، كما دُرّست أصول هذه العلوم وصار الاهتمام بالفقه، وموضوع الدرس منه هو فقه الإمام أحمد بن حنبل مع الأخذ بالقول الراجح الذي يعضده الدليل. وإذا أردت المقارنة بين العهدين بتحقيق المسائل العلمية؛ فقارن بين فتاوى علماء نجد التي نقل بعضها الشيخ أحمد المنقور في مجموعه، وبين فتاويهم التي جُمعت في الدرر السَّنية؛ لترى أنهم في الأول يقتصرون على المشهور من المذهب، ويحاولون تطبيق ما يفتون به على ما قاله فقهاء الحنابلة، عارية عن سوق الأدلة من الكتاب والسنة. أما في الدرر السَّنية فترى الفتاوى مستقاة من مذهب أحمد ﵀ إلا أنها مقرونة بأدلتها الشرعية، كما تجد أنها قد تخالف المشهور من المذهب حينما يكون الدليل الصحيح خلاف المذهب. وتجد بجانب الفتاوى الفقهية بعد قيام الدعوة علوم الشريعة الأخرى، فهذا علم التوحيد الذي قامت الدعوة لتحقيقه، وهو الذي نال القسط الأوفر من العناية والتحقيق، والتأليف، وكتابة الرسائل، والنصائح، لا سيما فيما يتعلق بتوحيد العبادة، كذلك نجد الكتابة في التفسير والحديث. والقصد أنه تغير اتجاه الثقافة بين العهد الأول والعهد الثاني، حيث تحررت الأفكار، واتسعت المدارك، وتعددت جوانب العلوم» [١٠] . وقد ادعى بعضهم أن في (الدرر السَّنية) غلواً وإفراطاً، وتكفيراً للمخالفين، وتعطشاً للدماء، وهذه مجرد أوهام وظنون، وسبب ذلك الوهم جملة أمور منها: ١ - أن أولئك القوم لم ينظروا إلى الملابسات والظروف التي حُررت فيها تلك الرسائل، فليس من الموضوعية أن يُجتزأ نص من الدرر السَّنية دون نظر إلى سياقه ومناسبة تأليفه. ٢ - أن الناظر إلى تقريرات وأجوبة أولئك الأعلام لَيدرك التزامهم بطريقة أهل السنة، وبراءتهم من تكفير من لا يستحق التكفير، وإن كان ثمة إشكال؛ فإنما هو في تحقيق المناط (التطبيقات) ، وتنزيل الأسماء والأحكام كالكفر مثلاً على الدور والأشخاص، وهذا الاختلاف في تحقيق المناط واقع ووارد، فقد اختلف السلف الأوائل في تكفير الخوارج مع ورود النصوص بمروقهم من الدين، ومع ذلك فجمهور الصحابة ﵃ لا يرون تكفير الخوارج، لكنهم لم يتهموا مخالفيهم القائلين بتكفير الخوارج بالتطرف والغلو! ٣ - لم يقتصر علماء الدعوة على تحرير المسائل وتحقيقها، بل عمدوا إلى تنزيل الأحكام الشرعية الملائمة على الوقائع والأحداث، فمثلاً عندما يحررون مسائل الولاء والبراء يُتبعون ذلك بسلوك وتطبيق ومواقف عملية تجاه طوائف ودول وأشخاص، كما هو مبسوط في مؤلفاتهم، لكن حصل في هذا الزمان الأخير الاشتغال بالتنظير لتلك المسائل والتنصل من تطبيقها لجملة من المسوغات التي ليس هذا موضع بحثها، فهؤلاء الغارقون في التنظير تعتريهم الدهشة عندما يطالعون تراث علماء الدعوة وما تحويه من أحكام على واقعهم آنذاك، وربما أنكروا على أئمة الدعوة كما هو حاصل الآن. وها هو العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀ والمعروف بعمق علمه، وبرحابة صدره وسعة أُفقه حتى عند أولئك «الإصلاحيين» ؛ يقرر حسب فتاويه معنى دار الكفر، ثم ينزِّل هذا الحكم على دول عربية كانت محكومة آنذاك بالاستعمار البريطاني [١١] . ٤ - ينبغي أن يراعى أن أولئك الأعلام ﵏ عندما يحكمون بكفر أشخاص وطوائف ومن خلال منظور شرعي؛ كانوا في ظل ولاية شرعية وزمن قوة وغلبة شوكة، ومن ثم نجد أن الأمر ظاهر عندهم، فمن استبان كفره أقيمت عليه الحجة واستتيب فإن تاب وإلا قتل؛ بخلاف زمن الضعف وبداية الدعوة، حيث كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في ابتداء دعوته إذا سمعهم يدعون زيد بن الخطاب قال: «الله خير من زيد، تمريناً على نفي الشرك بلين الكلام، نظراً إلى المصلحة وعدم النفرة» [١٢] ؛ بخلاف لما ظهرت الدعوة وقامت الدولة. ونلاحظ في الطرف المقابل لتلك القوة والعزة ما هو مشاهد في عصرنا من هيمنة وتسلط أمريكا، وغياب الولاية الشرعية في أكثر الأمصار، وخور أهل الإسلام، واستجابة كثير منهم لضغوط ومطالب أمريكا؛ مما جعل أولئك المستسلمين ينفرون من هذه الدعوة التي تصادم ضعفهم واستكانتهم. ٥ - لا يخفى أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ذات نَفَس جهادي، والناظر إلى كتاب الجهاد من (الدرر السَّنية) يلاحظ فتاوى مهمة وتقريرات علمية في أحكام الجهاد ونوازله، كما يدرك ما حفل به تاريخ الدعوة من معارك وغزوات. لقد ذاقت بريطانيا في أوج تسلطها ضربات موجعة في بحر الخليج العربي من أتباع الدعوة أو من تسميهم بـ «القراصنة الوهابيين» ، كما أن الحركات الجهادية المعاصرة التي أقضّت مضاجع الغرب، ودوّخت الشرق تعدّ امتداداً لهذه الروح الجهادية. وقد غَلَب على معشر أهل الإسلام الركون إلى الدنيا وكراهية الموت، وإن اضطر بعضهم إلى الحديث عن الجهاد؛ فيكون بانقباض شديد واختزال مخل، مع تكلف في إيراد الشروط والقيود.. ومن ثم حصلتْ النفرة بين جملة من العلماء والدعاة وبين أهل الجهاد. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وسنام ذلك الجهاد في سبيل الله، فإنه أعلى ما يحبه الله ورسوله، واللائمون عليه كثير؛ إذ كثير من الناس الذين فيهم إيمان يكرهونه، وهم إما مخذِّلون مفتِّرون للهمة والإرادة فيه، وإما مرجفون مضعِّفون للقوة والقدرة عليه، وإن كان ذلك من النفاق» [١٣] . إن من يسعى إلى إسلام «وديع» يُرضي الأمريكان، ولا يسخط الرحمن؛ كمن يسعى إلى الجمع بين النقيضين، بين الحق والباطل. أيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله! كيف يلتقيانِ؟! هي شامية إذا ما استقلت و ... سهيلٌ إذا استقل يمانِ استطاع الشيخ محمد بن عبد الوهاب مع الإمام محمد بن سعود وابنه الإمام عبد العزيز ﵏ أن يقيموا دولة إسلامية في جزيرة العرب، تُحكِّم شرع الله تعالى، وتنشر العلم، وتقيم الحدود، وتحقق الأمن، وتُظهر الجهاد في سبيل الله تعالى، وتجبي الأموال عن طريق الزكاة والغنائم ونحوهما. يقول محمد جلال كشك: «إذا كان محمد بن عبد الوهاب من ناحية العقيدة ليس بمبتدع، فهو من الناحية السياسية مجدد ومبدع، لقد استطاع أن يوقف حركة التاريخ، ويلوي عنق الأحداث التي كانت تدفع العالم الإسلامي دفعاً إلى التغريب، فمع الهزيمة الشاملة التي أصابت العالم الإسلامي أمام الغزو الأوروبي؛ كان الظن أو اتجاه الأحداث هو خضوع العالم الإسلامي للقانون الحضاري العام، وهو فناء المهزوم بالاندماج في حضارة المنتصر» [١٤] . وإذا تقرر أن هذه الدعوة المباركة سبب في وجود الدولة السعودية الأولى؛ أفيسوغ ما تفوّه به بعضهم بأن المذهب الوهابي سبب سقوط الدولة السعودية الأولى؟ أفيصح أن يكون سبب وجودها هو سبب عدمها؟ اللهم إلا أن يكون مقصودهم أن تمسُّك هذه الدولة بالدين الصحيح، وقيامها بشعيرة الجهاد تجاه البريطانيين؛ كان سبباً في تسلط أولئك الصليبيين وأذنابهم (محمد علي باشا، وابنه طوسون، وإبراهيم) ، فهل يريد أولئك التفلت من دين الله تعالى من أجل السلامة من الغرب وعملائه؟! لقد اتُّخذ القرار بتدمير الدولة السعودية الأولى حماية للمصالح البريطانية، حيث أصبحت الحملات الجهادية في بحر الخليج العربي خطراً مباشراً على بريطانيا، فلقد أقلقت بريطانيا تلك القوة البحرية ذات الأسطول الهائل، «بل أرهبتها، وأشدّ جوانبها خطورة هو أنها ترفع لواء الإسلام، فأي حرب مكشوفة ستكون بدون شك طويلة ومريرة، ولن تكون ناجحة إلا إذا قضي على الأصل، أي على الدولة السعودية في قلب الجزيرة العربية، وإذا أقدمت بريطانيا على هذه الحرب فإنها ستكون مغامرة محفوفة بالمخاطر طويلة الأمد، قد تتحول بفعل تفاعل الظروف والأحداث إلى حرب صليبية» [١٥] . ولذا تم تسخير العملاء المستغربين (محمد علي باشا، وابنه طوسون، وإبراهيم) لسحق هذه الدولة المتميزة، وقتل حكامها وعلمائها، فمنهم من قُتل صبراً بالبنادق، ومنهم من جُعل في فوهة المدفع، ثم رمي حتى سقط في الجو قطعاً، ومنهم من كانت تُخلع جميع أسنانه قبل قتله كما هو مبسوط في تاريخ الجبرتي وابن بشر! فأي الفريقين أحق بالإفساد وسفك الدماء؟! وكما قال المؤرخ محمد البّسام في كتابه (الدرر المفاخر في أخبار العرب الأواخر) : «ولا والله تغلب عليهم صاحب مصر عن ضعف منهم أو جبن، بل خيانة من العربان، ورضا من ساكني البلدان» . «ثم تَوَّج إبراهيم باشا هذه الأعمال، وهو رسول الحضارة الغربية بهدم مدينة الدرعية التي سلّم الإمام عبد الرحمن بن سعود نفسه بشرط الإبقاء عليها، وتركها أطلالاً ما زالت تقوم شاهداً حياً على عِظَم الجريمة النكراء» [١٦] .

стр. 4870

قضايا دعوية كيف نتعامل مع الأحداث ؟ فهد بن محمد بن عبد الرحمن القرشي falserhani@hotmail.com إن الناظر والمتأمل في حال الأمة الإسلامية منذُ فجر الإسلام إلى عصرنا الحاضر لَيرى في تاريخها سِجلاً حافلاً بالانتصارات، كما أنه يرى في أثناء ذلك التاريخ وطياته كبوات وصفعات مُنيت بها الأمة الإسلامية كادت أن تأتي فيها على الأخضر واليابس، كما حصل لها في سقوط بغداد على يدي التتار؛ كل ذلك يحصل لها عندما تبتعد عن منهج ربها وخالقها، عندئذ تحتاج إلى من يردها إلى الصراط المستقيم، سواء عن طريق المصلحين والدعاة والمجددين، أو عن طريق الأعداء الذين لا يرقبون فيها إلاً ولا ذمة، ولكنهم يقدّمون لها معروفاً عندما يُجبرونها بصفعاتهم الموجعة وضرباتهم المؤلمة على مراجعة وضعها وحساباتها لتبدأ في التغيير، وهذه سنّة ربانية، كما قال تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم] (الرعد: ١١) . والأمة الإسلامية لديها منهج واضح في كيفية التعامل مع الأحداث، سواء كانت انتصارات أو ضربات وصفعات، فإن كانت الأولى؛ فهو الشكر والخضوع للمنعم المتفضل عليها، وهو الله الذي نصرها على عدوّها من غير حول منها ولا قوة، قال تعالى: [وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ] (آل عمران: ١٢٦) ، وقال تعالى: [إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ] (آل عمران: ١٦٠) ، وكما فعل ﷺ عندما دخل مكة فاتحاً، فإنه دخلها خاشعاً شاكراً، يقرأ سورة الفتح، يقول عبد الله بن مغفل: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح يُرجِّعُ» . وإن كانت الأخرى فالثبات على المنهج، والالتزام به، والدعوة إليه، وعدم تغييره ولا تبديله، وخاصة ما يتعلق بالقضايا العقدية كالولاء والبراء، وما يتعلق بخصائص هذه الأمة الإسلامية، ومن أوليات ذلك مناهجها التعليمية، فالتمسك بالإسلام والإيمان هو النصر الحقيقي؛ إذ ليس بالضرورة أن يكون النصر دائماً نصراً عسكرياً، قال تعالى مخاطباً رسول الله ﷺ وصحابته الكرام بعد غزوة أحد التي هُزم فيها المسلمون: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٣٩) ، وقال تعالى: [فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ] (محمد: ٣٥) ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى وهي بيت القصيد أننا نرى كثيراً من المسلمين عندما تُصاب أمتهم الإسلامية بنكبة أو هزيمة أو ما شابه ذلك؛ يُصاب بعضهم بنوع من اليأس، والإحباط، والخمول، ويصبحون يرددون فصول تلك الهزيمة وأحداثها المريرة؛ معرضين عن العمل الجاد المثمر الذي يُساهم في إخراج الأمة من أزمتها ونكبتها وهزيمتها. كما أن منهم من يكون مهيئاً لتلقف أي مذهب أو فكرة منحرفة يشعر أنها سوف تخرجه من الأزمة أو مرارة الحدث. والمتأمل في سيرة المصطفى ﷺ يرى كيف تعامل مع مثل هذه الأحداث، وكيف كان ينقل أصحابه - رضي الله تعالى عنهم - من وضع الشدة والكرب إلى وضع الفتح والنصر، وعلى ذلك أمثلة كثيرة من سيرته صلى الله عليه وسلم، منها: أولاً: عن خباب بن الأرت ﵁ قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسدٌ بردةً له في ظل الكعبة قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض فيُجعل فيه، فيُجاء بالميشار - المنشار - فيوضعُ على رأسه فيُشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه. والله! لَيُتِمَّنَّ هذا الأمر حتى يَسير الراكب من صنعاءَ إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» [١] . وفي رواية عند البخاري أيضاً: عن خباب بن الأرت ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ وهو متوسد بردةً وهو في ظل الكعبة وقد لقينا مِنَ المشركين شِدةً فقلت: يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر وجهه، فقال: لقد كان مَنْ قبلكم ليُمشط بمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع الميشار - المنشار - على مفرق رأسه فيُشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه. وليُتِمَّنَّ الله هذا الأمرَ حتى يَسير الراكب من صنعاءَ إلى حضرموت ما يخاف إلا الله» زاد بياناً: «والذئب على غنمه» [٢] . ولنا مع هذه الحديث وقفات: أ - خباب ﵁ لم يطلب من النبي ﷺ أمراً محرماً ولا مستحيلاً، بل طلب دعاءً واستنصاراً جرَّاء ما يلاقيه هو وبعض الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - من أذى كفار قريش، ومع هذا نرى أن النبي ﷺ يغضب ويحمر وجهه، فلماذا غضب النبي صلى الله عليه وسلم؟ الذي يظهر، والله تعالى أعلم، أن غضبه ﷺ كان بسبب ما لَمسه من نوع استعجال من خباب ومن معه - رضي الله تعالى عنهم - لنصر الله تعالى أولاً؛ بدلالة قوله في آخر الحديث: «ولكنكم تستعجلون» ، ومن الاعتماد على الخوارق التي تحصل بدعاء النبي ﷺ ونحو ذلك ثانياً. ب - نلاحظ أن النبي ﷺ نقل خباب ومن معه - رضي الله تعالى عنهم - من الوضع الذي يعيشونه تحت التعذيب والاضطهاد إلى وضع لا يُعد شيئاً بالنسبة لما يلاقونه، حيث إن الواحد ممن كان قبلنا يُمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يرده ذلك عن دينه، ويوضع في حفرة ثم يُنشر بالمنشار لا يرده ذلك عن دينه. وينقله نقلة أخرى، وهي انتصار هذا الدين، حتى يسير الراكب من صنعاءَ إلى حضرموت وبينهما مسافة بعيدة لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه؛ ولكن الأمر يحتاج إلى صبر وعمل، ولا شك أن طريق النصر والتمكين ليس مفروشاً بالورود والرياحين. - هَبْ أن النبي ﷺ دعا على كفار قريش فهلكوا، وجاء النصر سهلاً يسيراً لم يُبذل في الوصول إليه ما يستحقه ذلك النصر والتمكين! فإنه سرعان ما يزول ويذهب، وحري بنصر يأتي بهذه السهولة واليسر وبخرق العادة أن لا يُقدَّر حق قدره، ولا يُحافظ عليه، ولك أخي القارئ الكريم أن تتأمل قصة بني إسرائيل وما حققه الله تعالى لهم من نصر عظيم، وهو هلاك ذلك الطاغية الذي كان يسومهم سوء العذاب، كما قال تعالى: [إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ] (القصص: ٤) ، ففلق الله تعالى لهم البحر وجعله فلقتين، كل فلقة كالطود العظيم: [فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ البَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ العَظِيمِ] (الشعراء: ٦٣) ، ونجَّى الله تعالى موسى ومن آمن معه، وجعل لهم في البحر طريقاً يبساً يمشون عليه لا يخافون من أحد يتبعهم: [وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي البَحْرِ يَبَساً لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى] (طه: ٧٧) ، وبعد أن خرجوا سالمين ناجين أهلك الله تعالى فرعون وجنوده وهم ينظرون: [وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ البَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ] (يونس: ٩٠) ، وبعد هذه المعجزة العظيمة، وهذا النصر المبين، وقبل أن تجف أرجلهم من ماء البحر الذي كان طريقاً لنجاتهم، ومقبرة لعدوهم، قالوا لموسى ﵊ نبيهم: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، [وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ البَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ] (الأعراف: ١٣٨) ، فانظر إلى عدم تقديرهم لذلك النصر العظيم، حتى طلبوا أن يأذن لهم موسى ﵊ بالشرك! ثانياً: خرج النبي ﷺ إلى أهل الطائف ليبلغ دين الله تعالى، وعندما وصل إليهم قابلوه برفض الدعوة وأغروا به سفهاءهم، فأخذوا يرجمونه بالحجارة حتى خرج مهموماً مغموماً، ولم يستفق ﷺ إلا وهو بقرن الثعالب، فقد سألته عائشة ﵂: «هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيتُ من قومك، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت، وأنا مهموم، على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردُّوا عليك، وقد بعث الله إليك مَلك الجبال لِتأْمُرَهُ بما شئت فيهم، فناداني مَلك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال النبي ﷺ بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً» [٣] . فلو أن النبي ﷺ عاش أسيراً لتلك اللحظة، واستغرق فيها؛ لطلب من مَلك الجبال وهو بين يديه أن يطبق عليهم الأخشبين، ولكنه صلى الله عليه وسلم ضرب لنا بهذا أروع الأمثلة في الصبر والتفاؤل، وحذرنا من اليأس، وفتح لنا أملاً مشرقاً، وصدق الشاعر عندما قال: أعلِّل النفس بالآمال أرقبها ... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل ثالثاً: في هجرة النبي ﷺ وأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وخروجهما من مكة إلى المدينة، بلغ ذلك كفار قريش، فجعلوا جائزةً لمن يأتي به أو يدل عليه مائة من الإبل، وقدَّر الله تعالى أن يتبعه سراقة بن مالك وأن يعرف طريقه، فقال له النبي ﷺ : «كيف بك إذا لبست سواري كسرى!» . يقول النبي ﷺ هذا وهو خارجٌ من مكة مطاردٌ من كفار قريش!! ويَعِد سراقة بن مالك بسقوط مملكة من أعظم الممالك آنذاك وهي مثل أمريكا في عصرنا الحاضر، فيقول له سراقة ﵁: كسرى بن هرمز!! نعم كسرى بن هرمز الذي ربما لم يكن يخطر ببال سراقة ﵁ أن يراه فضلاً عن أن يلبس أسورته. رابعاً: ما حصل في غزوة الأحزاب، ولعله أقرب مَثل ينطبق على أمتنا في هذا العصر، عندما تحزب الكفار على المسلمين وأحاطوا بهم إحاطة السوار بالمعصم، قاصدين قتل النبي ﷺ واستئصال شأفة الإسلام والمسلمين، وقد صوَّر القرآن حال أولئك الأحزاب، فقال تعالى: [إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً] (الأحزاب: ١٠-١١) ، في هذا الظرف العصيب الرهيب الذي زاغت فيه الأبصار وبلغت القلوب فيه الحناجر؛ نرى النبي ﷺ يربّي أصحابه على الثقة بموعود الله، وعلى التفاؤل، وعدم اليأس والاستكانة للكافرين والمنافقين والمتربصين بهم الدوائر، ففي أثناء حفر الخندق تعترض الصحابةَ - رضي الله تعالى عنهم - كديةٌ (صخرة) ، قال البراء بن عازب ﵁: «أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق. قال: وعَرَضَ لنا صخرةٌ في مكان من الخندق لا تأخذ فيها المعاول. قال: فَشَكوْها إلى رسول الله ﷺ ، فجاء رسول الله ﷺ . قال عوف بن أبي جميلة: وأحسبه قال: وضع ثوبه، ثم هبط إلى الصخرة، فأخذ المِعْوَلَ، فقال:» بسم الله «. فضرب ضربة، فكسر ثُلُثَ الحجر، وقال:» الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيح الشام، والله! إني لأبصر قصورها الحمرَ من مكاني هذا «. ثم قال:» بسم الله «وضرب أُخرى، فكسر ثُلُثَ الحجر، فقال:» الله أكبر، أُعطيت مفاتيح فارس، والله! إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا «. ثم قال:» بسم الله «وضرب ضربة أُخرى، فقلع بقية الحجر، فقال:» الله أكبر، أُعطيت مفاتيح اليمن، والله! إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا « [٤] . فانظر كيف نقل النبي ﷺ أصحابه - رضي الله تعالى عنهم - من ذلك الوضع الشديد، والكرب العظيم، إلى وضع أوسع منه، ومجالٍ أرحب منه، فأي درس أعظم في التفاؤل من هذا الدرس، وأي درس أعظم في الثقة بموعود الله ونصره من هذا الدرس؟! وفي قصة الخندق لما اشتد البلاء على النبي ﷺ وأصحابه؛ نافق بعض الناس وتكلموا بكلام قبيح، وجاءه ﷺ خبر نقض بني قريظة للعهد، فلما رأى رسول الله ﷺ ما الناس فيه من كرب وبلاء؛ جعل يبشرهم ﷺ محاولاً أن يقلب هذه المحنة وهذا الكرب إلى نصر، فقال ﷺ :» والذي نفسي بيده! ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة والبلاء، فإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمناً!! ... وليهلكن الله كسرى وقيصر، ولتُنفقن كنوزهما في سبيل الله «، فقال رجل ممن معه لأصحابه: ألا تعجبون من محمد! يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق، وأن نغنم كنوز فارس والروم، ونحن هنا لا يأمن أحدنا أن يذهب إلى الغائط، والله! لمَا يعدنا إلا غروراً..» . فالمؤمنون الصادقون صدَّقوا بهذه البشارة لما في قلوبهم من الإيمان، وقالوا: [هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً] (الأحزاب: ٢٢) ، أما المنافقون فقالوا: [مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً] (الأحزاب: ١٢) . وأخيراً لعلي أذكر بعض الإيجابيات التي جنيناها من تلك الحرب التي قادتها أمريكا وبريطانيا وحلفاؤهما، والتي عشنا حرها وقرها، فمن تلك الإيجابيات: أولاً: استشعار الأمة الإسلامية بالجسد الواحد، وغياب وتلاشي العصبيات المقيتة، والنعرات القبلية المذمومة، وأنها أي الأمة الإسلامية جميعاً في خندق واحد، وأن هذه الحرب الصليبية بقيادة أمريكا ليست حرباً على أسلحة دمار شامل كما يزعمون؛ بقدر ما هي حرب على الإسلام والمسلمين، وظهر هذا جلياً كما صرح به الرئيس الأمريكي عقب أحداث ١١سبتمبر!! عندما قال هذه «حرب صليبية» ، وهذا مصداق قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ] (آل عمران: ١١٨) . ثانياً: سقوط كل الشعارات التي صكت بها أمريكا أسماعنا؛ من حرية، وديمقراطية، وعدالة، و ... ،... إلخ، كما سقطت معها كل العهود والمواثيق الدولية بلا استثناء، وكذلك سقطت الشرعية الدولية والقانون الدولي، وكان أول المسقطين لها أمريكا بمعول صلفها وغطرستها وكبرها. ثالثاً: سقوط النموذج الغربي المتمثل في بلاد الحرية والديمقراطية والمساواة أمريكا كما يزعمون!! الذي كان ينادي به المنافقون العلمانيون من بني جلدتنا؛ لنحذو حذوه، وهذا النموذج عند العارفين به لم يقم قياماً صحيحاً في أول نشأته حتى يسقط، ولكنه بعد أحداث ١١سبتمبر ظهر سقوطه للقاصي والداني. رابعاً: سقوط أمريكا أخلاقياً، ودولياً، بسبب حربها على العراق، حيث ضربت بالأمم المتحدة وقراراتها عُرض الحائط، كما ضربت بكل الاتفاقات التي كانت هي نفسها إحدى الدول الموقعة عليها عُرض الحائط أيضاً؛ لأنها لم تعد تسير في صالحها أو تعارضت مع مصالحها؛ لأن أمريكا همها الأول مصلحتها أولاً وآخراً ولو كان ذلك على حساب العالم كله، كما هو الحال في هذه المرحلة مرحلة العولمة التي هي الأمركة، حيث تريد أن تفرض قيمها وأعرافها وكل ما تستطيع فرضه على العالم كله، فتصبح هي المهيمنة وحدها. خامساً: ظهر جلياً خطر المنافقين الذين هم العدو، كما قال تعالى: [هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُون] (المنافقون: ٤) ، ويكفي أن الله تعالى أنزل في شأن هؤلاء أكثر من ثلاثمائة آية في كتابه العزيز، تحذر منهم، ومن فعالهم، ومن السماع إليهم، ... إلخ، فضلاً عن سورة في القرآن العظيم سميت باسمهم، وأستطيع أن أجزم بأن كل الحروب التي شنتها أمريكا على الإسلام والمسلمين لو لم تجد من المنافقين من يمهد لها الطريق، ويفتح لها الأبواب أمامها، ويسهل طريقها، ويقومون بالحرب وكالةً عنها في بعض الأحيان؛ لما استطاعت أن تحقق نصراً؛ لأنهم أقل وأحقر من ذلك، فالمسلمون إلى الآن لم يخوضوا حرباً مع أمريكا وجهاً لوجه. سادساً: خذلان من توكل على غير الله تعالى، وأن الله سبحانه يكله إلى نفسه وإلى من توكل عليه، هذا فضلاً عن أن من توكل عليه سيعود عليه، فيكون حاله كحال الثور الأسود عندما قال: أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض! فأمريكا بعد أن قضت مأربها من أفغانستان والعراق عادت على بعض الدول بالتهديد والوعيد، فأرغت وأزبدت عليهم، وأصبحت تطالب بعضهم بتغيير مناهجهم والتخلي عن خصوصياتهم، كما تطالب بعضهم بأن يُشهروا الحرب على الإسلام ويحاربوا المنظمات الإسلامية ويضايقوها ويسدوا الطرق أمامها، وهذا مصداق قوله تعالى: [وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزاًّ * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِداًّ] (مريم: ٨١-٨٢) . سابعاً: سقوط القناع عن ذلك الوجه القبيح للرافضة الذين هم دائماً مع كل عدو على الإسلام والمسلمين، وهل نسي المسلمون ما فعله ابن العلقمي الرافضي الخبيث عندما سقطت بغداد على يد التتار!! فلعل هذا يدفعنا لأن نقتنع بخطر أولئك القوم، وماذا عسى (دعاة التقارب) أن يعللوا دورهم المشبوه هذا؟! ثامناً: سقوط حزب البعث، والذي حكم العراق لأكثر من ثلاث وثلاثين سنة، ولم يكن أحد يصدق أنه سيسقط قريباً أو بهذه السرعة. تاسعاً: ظهور صدق الدعاة والعلماء والمصلحين والغيورين في تحذير أمتهم المسلمة من كيد اليهود والنصارى والملحدين، وعدم اتخاذهم أولياء؛ لأن بعضهم كما قال تعالى: [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] (المائدة: ٥١) . وأن حربهم هذه ليست إلا على الإسلام والمسلمين، وأن لا تغتر الأمة الإسلامية بمعسول كلامهم، ولطف عباراتهم، وصَدَقَ الشاعر عندما قال: إن الأفاعي وإن لانت ملامسها ... عند التقلب في أنيابها العطب ولعل الأمة الإسلامية تأخذ درساً جيداً من هذه الأحداث، وتصغي لما يقوله العلماء والدعاة من تحذير لها من أعداء الله، وتفتح آذانها لهم، فهم والله الذي لا إله غيره! صمام الأمن لها. وأخيراً: إن المتفائلين والواثقين بنصر الله تعالى لدينه وأوليائه هم وحدهم الذين يستطيعون بإذن الله تعالى صياغة التاريخ، وإعادة أمجاد هذه الأمة التليدة، وهم وحدهم الذين يستطيعون البقاء ومواجهة الأحداث العصيبة المتلاحقة والمتلاطمة، أما من سواهم فهم بين طرفين؛ طرفٍ لا يرى إلا بعين السيئات فيموت كمداً وقهراً، وآخر لا يرى إلا بعين الحسنات فيغرق وهماً وضياعاً، والواجب أن يسير المسلم بكلتي عينيه. وكم نحن بحاجة إلى مثل هذا المنهج الذي يفتح لنا مجالاً واسعاً في تعاملنا مع الأحداث، نستطيع من خلاله مواجهة عدو - اليهود والنصارى (أمريكا) - هو في الحقيقة من أشرس أعدائنا، وقد رأينا كيف كشر عن أنيابه في حربه علينا، ولئن كان غير اليهود والنصارى أعداء ساعة لنا، فاليهود والنصارى (أمريكا) أعداؤنا إلى قيام الساعة بنص حديث النبي ﷺ ، حيث قال: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق، أو بدابق - موضعان بالشام قرب حلب -، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافُّوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سُبوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا، والله! لا نخلي بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم، فينهزم ثُلُثٌ لا يتوب الله عليهم أبداً، ويُقتل ثُلُثُهم أفضل الشهداء عند الله، ويَفتتح الثلثُ لا يُفتنون أبداً....» [٥] . وعن عوف بن مالك ﵁ قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك - وهو في قبة من أدم - فقال: اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يُعطى الرجل مائة دينار فيظلُّ ساخطاً، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانينَ غايةً، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً» [٦] . وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يُقاتل المسلمون اليهود، فيقتُلُهم المسلمون، حتى يختبئ اليهوديُّ من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله. إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود» [٧] . وبناءً على ما سبق؛ فالذين يحاولون إبرام صداقات مع اليهود والنصارى في ظل سلام دائم؛ فإنهم يطلبون مستحيلاً، ويلهثون خلف سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، فضلاً عن أنه تقف أمامهم عقبة كؤود لا يستطيعون اقتحامها إلا إذا تخلوا عن إسلامهم ودينهم، وهذه العقبة الكؤود نصَّان قطعيان؛ يقرر في أحدهما المولى - عز في علاه - أن اليهود والنصارى أهل الكتاب عموماً مستمرين في قتالنا حتى يردونا على أعقابنا كافرين، قال تعالى: [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] (البقرة: ٢١٧) . والنص الآخر يبين فيه المولى - عز في علاه - أن أهل الكتاب لن يرضوا عنا نحن المسلمين حتى نتهوَّد أو نتنصر، قال تعالى: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم] (البقرة: ١٢٠) . ولا أدري متى يقتنع المسلمون بأن شرفنا وعزنا - أمة الإسلام - في التمسك بديننا، والمحافظة على ثوابتنا، وخصائصنا، ومهما ابتغينا العزة في غير الإسلام أذلنا الله، ولعل في هذه الأحداث التي نعيش فصولها أكبر دليل على ذلك، ولعلها توقظ نائمنا، وتنبه غافلنا، وتعلّم جاهلنا، وتردّ شاردنا، لنرجع إلى كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ ومنهج سلفنا؛ لنستعيد شيئاً من مجدنا وعزنا، والله تعالى غالب على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.
следующие страницы →