← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

دراسات في الشريعة حرية الرأي والضوابط الشرعية للتعبير عنه هاني بن عبد الله جبير [*] H_ j _٣٠@naseej.com (كفل الإسلام حريَّة الرأي والتعبير بمفهومها الإسلاميّ، وحرية الرأي والتعبير تعني: تمتع الإنسان بكامل حريته في الجهر بالحق، وإسداء النصيحة في كل أمور الدين والدنيا، فيما يحقق نفع المسلمين، ويصون مصالح كل من الفرد والمجتمع، ويحفظ النظام العام، وذلك في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومع اهتمام الإسلام بحرية الرأي والتعبير إلاَّ أنَّه حرص على عدم تحريرها من القيود والضوابط الكفيلة بحسن استخدامها، وتوجيهها إلى ما ينفع الناس ويرضي الخالق جل وعلا، فهناك حدود لا ينبغي الاجتراء عليها وإلا كانت النتيجة هي الخوض فيما يُغضب الله، أو يُلحق الضرر بالفرد والمجتمع على السواء، ويُخل بالنظام العام وحسن الآداب) [١] . ولهذا الحق المكفول طرق ووسائل توصِّل إليه، منها ما نص الشارع على عينه بإباحة أو تحريم، ومنها ما سكت عنها فلم ينص على اعتبارها ولا عدم اعتبارها، كوسائل الإعلام الحديثة. ويرى كل متابع ما يحصل من تداعٍ كبير لتناول الأطروحات، وتبادل الآراء، وتعاطي الحوارات، كما يشاهد ما يسلكه كل ذي رأي من وسائل للتعبير عمَّا في نفسه ليستشعر أنه بذل شيئاً مما تبرأ به الذّمة مهما كان حال هذه الوسيلة. والباحث الشرعي إذ يدرس أي نازلة أو يبحث في أي فكرة؛ فهمّه تنزيل الأحكام على الوقائع، ورائده تطلُّب الحق والبحث عن الدليل وإعمال الضوابط بعد استطلاع الواقع ونشدانه. وفي هذه الأوراق القليلة نظرات عاجلة تبيّن ضوابط في هذا الموضوع؛ علَّها تكون مقدمة لدراسات أكثر جداً وتوسعاً. * أولاً: قواعد ومقدمات: تحتاج كل حادثة إلى معرفة أُصول وقواعد يتفرع عن معرفتها وتقريرها بيان الحكم الشرعي لها، وسأتناول هنا مقدمات أصول أربعة: الأولى: مجالات إبداء الرأي. كل أمر جاء الشرع بحكمه بدليل من الأدلة، سواء كان متعلقاً بالعبادات أو المعاملات أو العقوبات أو العلاقات الشخصِيَّة، فهذا ليس للإنسان فيه إلا أن يعمل بمقتضى الدليل ويتفقَّه فيه، [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] (الأحزاب: ٣٦) . وهذا أظهر من أن يُستدل له؛ إذ العبوديَّة لله تقتضي الامتثال لأمره. ومعنى الرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً؛ هو التحاكم إلى منهاج الله تعالى ورد الأمر إليه، ولذا نفى الله تعالى الإيمان عمن لم يستكمل هذا فقال: [فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] (النساء: ٦٥) . وهذا أصل عظيم من أصول الإيمان، وهو معنى الإسلام، فإن حقيقة الإسلام هي الاستسلام لله والانقياد له، ومن لم يرد إليه الأمر لم ينعقد له. ودين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع الأمة، وهي الأصول المعصومة التي لا يجوز تجاوزها أو الخروج عنها [٢] . وعلى أساسها توزن جميع الآراء والأقوال والأعمال [٣] . قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِه] (الحجرات: ١) ، قال الحافظ ابن كثير في معنى الآية: (أي لا تُسرعوا في الأشياء بين يديه، أي قبله، بل كونوا تبعاً له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ ﵁ حيث قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن: «بم تحكم؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال ﷺ : فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ . قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي. فضرب في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله» [٤] . فالغرض منه أنه أخّر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدَّمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: « [لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِه] : لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة» . وقال مجاهد: «لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ حتى يقضي الله تعالى على لسانه» ) [٥] . وعلى هذا الهدي في الرد إلى الكتاب والسنة وعدم مخالفتهما مهما ظهر بالرأي والفكر مخالفتهما للمصالح؛ سار سلف هذه الأمة. قال أبو الزناد ﵀: «إن السنن لا تُخاصَم، ولا ينبغي لها أن تُتبع بالرأي والتفكير، ولو فعل الناس ذلك لم يمض يوم إلا انتقلوا من دين إلى دين، ولكنه ينبغي للسنن أن تُلزم ويُتمسك بها على ما وافق الرأي أو خالفه» [٦] . ولذا كان مجال الرأي في الإسلام مجالاً محكوماً بالكتاب والسنة والإجماع، فما قرر فيها فهو أصل معصوم لا يُخرج عنه. وإذا أعمل الإنسان رأيه وقرر نتائج بناها على مقتضى المصالح أو غيرها وهي معارضة لكتاب الله وسنة رسوله؛ فقد راغم الشرع ولم يقابله بالرضى والتسليم [٧] . عن أبي هريرة ﵁ قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورّثها ولدها ومن معهم، فقام حَمَل بن النابغة الهذلي فقال: يا رسول الله! كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل؛ فمثل ذلك يُطَل؟ [٨] فقال رسول الله ﷺ : «إنما هو من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع» [٩] . قال العلماء إنما ذم سجعه لأنّه عارض حكم الشرع ورام إبطاله، ولذا شبهه بالكهان الذين يروّجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق السامعين [١٠] . وأما ما لم يبين حكمه والموقف منه بعينه في الشرع؛ فإن للمسلم أن يتخذ فيه رأياً يبديه لا يتعارض مع الضوابط العامَّة لإبداء الرأي. وذلك كطريقة تنفيذ ما أمر الله به وسكت عن طريقة تنفيذه، أو ما لم يرد به نص محكم. ولذا كان من القواعد المقررة عند أهل العلم أن (لا اجتهاد في موارد النص) [١١] ، وأن ما عارض النص ففاسد الاعتبار [١٢] . الثانية: صاحب الرأي. ذمَّ الله تعالى من يقول بلا علم، فقال: [وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ] (النحل: ١١٦) . قال الشاطبي: «الاجتهاد في الشريعة ضربان: أحدهما المعتبر شرعاً ... والثاني غير المعتبر، وهو الصادر عمن ليس بعارف بما يفتقر الاجتهاد إليه؛ لأن حقيقته أنه رأي بمجرد التشهي والأغراض. وخبط في عماية، واتباع للهوى، فكل رأي صدر على هذا الوجه فلا مرية في عدم اعتباره؛ لأنه ضد الحق الذي أنزل الله، كما قال تعالى: [وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُم] (المائدة: ٤٩) [١٣] . وهذا كما يكون في أحكام الشرع فهو في كل علم، فليس لأحدٍ أن يتناوله بغير إتقان له. وقد ذم الله تعالى من يتبع الظن: [وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَناًّ إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً] (يونس: ٣٦) . وجعل طاعة من يتبع الظن ضلالاً: [وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ] (الأنعام: ١١٦) . فلا بُدَّ أن يكون صاحب الرأي من أهل الخبرة والاختصاص فيما يتكلّم عنه، وكلام الإنسان فيما يجهله غير مفيد. والله تعالى أمر بسؤال أهل الذكر دون غيرهم: [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] (النحل: ٤٣) ، وهذا دليل على أن ما يقوله غير العالم لا عبرة به. ولذا لما وصف أهل العلم رجال المشورة جعلوا من صفاتهم العلم فيما يُسْتشارون فيه، قال ابن خويز منداد: (واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أُشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلّق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعَلَّق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلّق بمصالح البلاد وعمارتها) [١٤] . فجعل كلاً يُسْتشار فيما هو مختص به. وكذا إبداء الرأي لا يسوغ لمن لم يكن مختصاً في فن أن يتكلم فيه، ولذا ذكر الفقهاء أنه يُشرع الحَجْر على المتطبب الجاهل [١٥] ، فكذلك غير الطب يُمنع مَنْ لم يكن مؤهلاً من إبداء رأيه؛ إذ لا يوثق برأيه. فالعالم بالشرع يبين أحكام الشرع وضوابطه في كل أمر وتصرّف، لكن ليس له أن يصف العلاج المركَّب للمرضى إلا إذا كان مع ذلك طبيباً. والمهندس له أن يتناول أموراً هندسيَّة بالرأي لكن الفتوى إنما تناط بالعالم بالشرع فقط.. وهكذا. والسبب في هذا أن الرأي المعتبر هو المبني على العلم والتثبت، وأما ما لم يُبن عليهما فهو محض ظن لا يغني عن الحق شيئاً، ومعلوم أن للخيالات والأوهام رواداً لا يعبأ بهم في مجال الفكر، ومن هنا كان أهل العلم لا يعتبرون بكل خلاف حتى قيل: وليس كل خلاف جاء معتبراً ... إلا خلاف له حظ من النظر وإذا أريد قياس الرأي ومعرفة مكانته استند الناظر إلى ما استمد منه؛ هل هو العلم والتثبت، أو بني على المصالح الشخصية والعصبيات الجاهلية ومحض الهوى؟ وقد قرر أهل العلم أدلة يُبنى عليها الحكم الشرعي، وطرقاً للاستدلال والترجيح فيها توصّل للمطلوب، وإذا راعى أهل العلم ذلك في الأحكام الشرعية؛ فهو تنبيه على اعتبار المنهج نفسه في سائر معمولات الذهن، فلا بد أن تُبنى على دليل معتبر، ولا بد من مراعاة طرق الترجيح بين الآراء. وكما يُشترط لإبداء الرأي: القدرة على ذلك، والتأهل له، واستناده على ما يعضده؛ فإنه يُشترط فيه أيضاً: إرادة الحق والخير، وهذا من معنى الإخلاص وحسن الإرادة التي هي مناط خيريّة العمل وصلاحه وقبوله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:» وسبب الفرق بين أهل العلم وأهل الأهواء مع وجود الاختلاف في قول كل منهما: أن العالم قد فعل ما أمر به من حسن القصد والاجتهاد.. بخلاف أصحاب الأهواء فإنهم: [إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ] (النجم: ٢٣) ، ويجزمون بما يقولون بالظن والهوى، فلم يصدر عنهم من الاجتهاد والقصد ما يقتضي مغفرة ما لم يعلموه، وكانوا ظالمين شبيهاً بالمغضوب عليهم، وجاهلين شبيهاً بالضالين. فالمجتهد الاجتهاد العلمي المحض ليس له غرض سوى الحق وقد سلك طريقه، وأما متبع الهوى المحض فهو من يعلم الحق ويعاند عنه، وثَمَّ قسم آخر وهو غالب الناس، وهو أن يكون له هوى، وله في الأمر الذي قصد إليه شبهة، فتجتمع الشهوة والشبهة. فالمجتهد المحض مغفور له أو مأجور، وصاحب الهوى المحض مستوجب للعذاب، وأما المجتهد الاجتهاد المركب على شبهة وهوى فهو مسيء، وهم في ذلك على درجات بحسب ما يغلب « [١٦] . وكما يشترط لإبداء الرأي: القدرة على ذلك والتأهل له واستناده لما يعضده؛ فإنه يشترط فيه أيضاً: إرادة الحق والخير، وهذا من معنى الإخلاص وحسن الإرادة التي هي مناط خيرية العمل وصلاحه وقبوله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:» وسبب الفرق بين أهل العلم وأهل الأهواء مع وجود الاختلاف في قول كل منهما: أن العالم قد فعل ما أمر به من حسن القصد والاجتهاد.. بخلاف أصحاب الأهواء فإنهم: [إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ] (النجم: ٢٣) ، ويجزمون بما يقولون بالظن والهوى .. فلم يصدر عنهم من الاجتهاد والقصد ما يقتضي مغفرة ما لم يعلموه فكانوا ظالمين شبيهاً بالمغضوب عليهم أو جاهلين شبيهاً بالضالين. فالمجتهد الاجتهاد العلمي المحض ليس له غرض سوى الحق وقد سلك طريقه، وأما متبع الهوى المحض فهو من يعلم الحق ويعاند عن. وثم قسم آخر وهو غالب الناس، وهو أن يكون له هوى وله في الأمر الذي قصد إليه شبهة فتجتمع الشهوة والشبهة ... فالمجتهد المحض مغفور له أو مأجور، وصاحب الهوى المحض مستوجب للعذاب، وأما المجتهد الاجتهاد المركب على شبهة وهوى فهو مسيئ، وهم في ذلك على درجات بحسب ما يغلب « [١٧] . الثالثة: مراعاة مآل الرأي. إنَّ إبداء الرأي الذي يستند لأصل ولا يخالف الشريعة، وإن كان في أصله مباحاً، قد ثبت الإذن بإبدائه بحسب الأصل، غير أنه في بعض الأحوال قد ينجر عنه في مآله من الأضرار والمفاسد ما ينافي مقصد الشرع في المصلحة والعدل، فتكون الآراء المباحة أو المشروعة مؤدية إلى خلاف مقاصدها. ويحدث ذلك بسبب عدم التبصّر بمآلات التصرّفات والآراء والأقوال، أو سبب الباعث السيئ عند متعاطيها. وسواء كان الباعث فاسداً أو صالحاً فإن مجرد مفسدة المآل، والنتيجة السلبيّة للرأي؛ يجعل الرأي رأياً مذموماً واجب الكتمان. فهذا معيار توزن به الآراء والاجتهادات، وهو مدى كون آثارها محقِّقة لمقاصد الشرع أو مناقضة له، قال الشاطبي:» لما ثبت أن الأحكام شُرعت لمصالح العباد كانت الأعمال معتبرة بذلك؛ لأنه مقصود الشارع فيها، فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقاً والمصلحة مخالفة فالفعل غير صحيح وغير مشروع؛ لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها وإنما قصد بها أمور أخر هي معانيها، وهي المصالح التي شُرعت لأجلها، فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع فليس على وضع المشروعات « [١٨] . ومن هنا نشأت قاعدة: (سد الذرائع المفضية للفساد) ، ومقتضاها تحريم أمر مباح لما يفضي إليه من مفسدة. وامتناع النبي ﷺ عن قتل المنافقين دفعاً لمفسدة تحدُّث الناس بأن محمداً يقتل أصحابه؛ فرد من أمثلة هذه القاعدة. وعليه؛ فإنه لا يسوغ لصاحب رأي ولا لمفت أو مفكر أن يقرر رأياً مهما كان صواباً إذا ترتب على ذلك مفسدة أعظم، أو كان مثيراً لفتنة. فالذي ينتقد بعض كتب علماء أهل السنة، ويقرر أن فيها تقريرات غير معصومة؛ فهو وإن قرر حقاً إن أظهر رأيه في زمن تشرئب فيه الفتن وتظهر البدع فقد ناقض هذا الأصل. وإذا حوّل إنسان دين الله تعالى ليكون وجهة نظر تُعرض إلى جانب وجهة نظر أخرى مخالفة؛ فإنه، وإن تذرّع باستمالة المعارضين للإسلام، قد أعطى مُعارِض الشريعة شرعية وقدم مساواة مع الإسلام [١٩] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية:» على المفتي أن يمتنع عن الفتوى فيما يضر بالمسلمين ويثير الفتن بينهم، وله أن يمتنع عن الفتوى إن كان قصد المستفتي كائناً من كان نصرة هواه بالفتوى وليس قصده معرفة الحق واتباعه « [٢٠] . ومراعاة مآل الرأي يتضمن ملاحظة الوقت الذي يُبدي فيه الرأي، ومدى تعلّق أهل الفساد به، وهل يفهمه من خوطب به على وجهه أم لا. وفي أخبار الصحابة وقائع تؤكد استشعار الصّحابة ﵃ لهذا الأصل، فعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب ﵁ فقال:» إن فلاناً يقول لو قد مات عمر بايعتُ فلاناً. فقال عمر: إني قائمٌ العشيّة في الناس فمحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم. قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وإنهم الذين يغلبون على مجلسك إذا قمت في الناس؛ فأخشى أن تقول مقالةً يطير بها أولئك فلا يعوها، ولا يضعوها على مواضعها، ولكن حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسُّنة، وتخلص بعلماء الناس وأشرافهم، فتقول ما قلت متمكناً، فيعون مقالتك ويضعونها مواضعها. فقال عمر: لئن قدمت المدينة صالحاً لأكلمن بها الناس في أول مقام أقومه. فلما قدم المدينة قام على المنبر فكان مما قال: فإني قائل مقالةً من وعاها وعقلها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومَنْ لم يعها فلا أحل له أن يكذب عليَّ «. ثم ذكر قصة بيعة أبي بكر [٢١] . الرابعة: لا يسوغ الإلزام بما هو من موارد الخلاف. المسائل في شريعة الإسلام منها ما هو قطعي محكم؛ فهذا ثابت الحكم لا يتغيّر بتغير الزمان والمكان، ومنها مسائل الاجتهاد وموارد الخلاف التي لم يحسمها نص قاطع، ولم يثبتها دليل ظاهر؛ فليس فيها نص شرعي ولا إجماع قطعي، فهذه يحكمها اجتهاد المجتهدين المؤهلين، فيختار المجتهد منها أظهرها عنده. فأما القسم الأول: فإن الناس ملزمون بالسير على وفقها التزاماً للشرع، واتباعاً له، ولا يسوغ مخالفته كما سبق. وأما الثاني: فهي منوطة باجتهاد المتكلم متى كان أهلاً فيتكلم فيها بالبينات والحجج العلمية، لكنها ليست مورداً للإنكار ولا محلاً للمفاصلة. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - عمن قلد بعض العلماء في مسائل الاجتهاد؛ هل ينكر عليه أو يهجر؟ فأجاب:» مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم يُنكر عليه ولم يُهجر، ومن عمل بأحد القولين لم يُنكر عليه، فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به وإلا قَلّد بعض العلماء الذين يُعتمد عليهم في بيان أرجح القولين « [٢٢] . ومن هنا فإن كل رأي لم يستند بقاطع في الشريعة؛ فإنه لا يسوغ لقائله أن يستبد به ويحتكر الصواب، بل ما دام قولاً لغير معصوم فالخطأ عليه وارد والخلاف سائغ والإنكار ممنوع. * ثانياً: وسائل التعبير عن الرأي: لقد كلَّف الله تعالى هذه الأمة بإبلاغ الدين ونشر الرسالة: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ] (آل عمران: ١٠٤) ، وجعل ذلك سبب خيريتها. [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] (آل عمران: ١١٠) . وجعل النصيحة من الدين، عن تميم بن أوس الداري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :» الدين النصيحة «قلنا لمن؟ قال: » لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم « [٢٣] . كما أنه كفل لأتباعه التعبير عن آرائهم [٢٤] فيما يسوغ ذلك. ولا تتحقق النصيحة والدعوة والتعبير عن الرأي إلا بوسائل وطرق وأسباب للمسلم أن يسلكها؛ ليصل من خلالها لما يريد ولو كانت حادثة لم ينص عليها الشرع ولم يستعملها السلف؛ ما دامت معبّرة عن المراد وموصلة إليه [٢٥] . قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀:» لا ريب أن كل أمر مهم عمومي يُراد إعلانه وإشاعته والإخبار به.. يُسلك فيه طريق يحصل به هذا المقصود.. ولم يزل الناس على هذا يعبرون ويخبرون على مثل هذه الأمور بأسرع وسيلة يتعمّم ويشيع فيها الخبر.. وكلما تجدد لهم وسيلة أسرع وأنجح مما قبلها أسرعوا إليها، وقد أقرهم الشارع على هذا الجنس والنوع، ووردت أدلة وأصول في الشريعة تدل عليه، فكل ما دل على الحق والصدق والخبر الصحيح مما فيه نفع للناس في أمور دينهم ودنياهم؛ فإن الشرع يقره ويقبله، ويأمر به أحياناً ويجيزه أحياناً؛ بحسب ما يؤدي إليه من المصلحة. فاستمسك بهذا الأصل الكبير فإنّه نافع في مسائل كثيرة، ويمكنك إذا فهمته أن تطبق عليه كثيراً من الأفراد والجزئيات الواقعة والتي لا تزال تقع، ولا تقصر فهمك عنه فيفوتك خيرٌ كثيرٌ، وربما ظننت كثيراً من الأشياء بدعاً محرماً إذا كانت حادثة ولم تجد لها تصريحاً في كلام الشارع، فتخالف بذلك الشرع والعقل وما فطر عليه الناس ... [٢٦] . والسبب في هذا أن الوسائل من قبيل العادات والأصل فيها الإباحة، قال الشاطبي - يرحمه الله -: (والتبليغ كما لا يتقيّد بكيفيَّةٍ معلومة؛ لأنه من قبيل المعقول المعنى؛ فيصح بأيّ شيء أمكن من الحفظ والتلقين والكتابة وغيرها) [٢٧] . وإذا تبين أن هذه الوسائل اجتهاديّة - ليست توقيفيَّة -؛ فللمسلم أن يسلك ما شاء من وسائل التعبير عن الرأي. إلا أن سلوك هذه الوسائل وممارسة هذا الحق مقيد بضوابط تمنعها عن معارضة مقاصد الشريعة الإسلاميَّة، وأهم هذه الضوابط: ١ - ألا تخالف الشرع في نفسها، فإذا كانت الوسيلة مخالفة للأدلة الشرعية أو القواعد الكليّة فإنها تكون ممنوعة؛ كمن يستعمل المحرمات بقصد أن يتوب الناس مثلاً [٢٨] . وهذا الضابط هو الذي يميّز أهل السُّنة عن غيرهم، وهذا هو الذي يكفل البقاء على الجادة مؤذناً بطاعة الله ورسوله. وليس نبل المقصد وحسن الهدف مسوّغاً لمعصية الله ورسوله ومخالفة قواعد الشريعة، فإن ما خالفها ضرر وفساد ولا يترتب عليه مصلحة: [وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً] (الأحزاب: ٣٦) . وتأمل في كره النبي ﷺ استعمال الناقوس للإعلام بدخول وقت الصلاة قبل الأمر بالأذان؛ لما فيه من مشابهة النصارى مع كون الهدف هو الدعوة إلى العبادة والاجتماع لها. ففي السنن أنه لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يجمعهم لها فقالوا: لو اتخذنا ناقوساً! فقال رسول الله ﷺ : ذاك للنصارى. فقالوا: لو اتخذنا نابوقاً! قال: ذاك لليهود. ثم أمر بالنداء للصلاة [٢٩] . ٢ - أن يكون المقصود من الوسيلة مشروعاً؛ فإن كان الغاية منها الوصول لما هو ممنوع في الشرع؛ فإنه لا يجوز التوسل لها بأيَّة وسيلة. فمتى كان المراد من الوسيلة المعيّنة الدعوة إلى باطل، أو نشر فكر منحرف أو الوصول إلى غرض فاسد؛ كانت الوسيلة محرمة. قال ابن القيم ﵀: «إذا حرّم الرب تعالى شيئاً وله طرق ووسائل تفضي إليه؛ فإنّه يحرمها ويمنع منها تحقيقاً لتحريمه وتثبيتاً له» [٣٠] . عن جرير بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سنَّ في الإسلام سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً» [٣١] . وعن عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعاً: «لا تُقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأوّل كفلٌ من دمها؛ لأنّه أول من سَنَّ القتل» [٣٢] . فمن دعا لباطل أثم بذلك وكان عليه وزر من عمل به. وكذا كل وسيلة موصلة للباطل؛ فإنه لا يسوغ سلوكها. ٣ - ألا يباشرها معتقداً أن نفس مباشرتها قربة يتقرب بها إلى الله إلا إذا كانت عبادة نص عليها الشارع. أما لو فعل الفعل المباح المؤدي للمصلحة مثلاً وهو يعتقد أنه قربة وطاعة فهو مخطئ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «.. حقيقة السؤال: هل يباح للشيخ أن يجعل هذه الأمور التي هي إما محرمة أو مكروهة أو مباحة قربة وعبادة وطاعة وطريقة إلى الله يدعو بها إلى الله ويتوِّب العاصين.. ولو سُئِل العالم عمّن يعدو بين جبلين هل يباح له ذلك؟ قال: نعم. فإذا قيل له: إنه على وجه العبادة كما يسعى بين الصفا والمروة؟ قال: إن فعله على هذا الوجه حرام ومنكر ... فمن فعل ما ليس بواجب ولا مستحب على أنّه من جنس الواجب أو المستحب فهو ضال مبتدع. وفعله على هذا الوجه حرام بلا ريب» [٣٣] . وذلك أن العبادات توقيفيّة لا يُشرع منها إلا ما دل عليه النص. ٤ - ألا يترتب على الأخذ بها مفسدة أكبر من المصلحة المقصودة منها؛ إذ درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح. وقد نهى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن سب آلهة المشركين وإن كان فيه مصلحة إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين، قال تعالى: [وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ] (الأنعام: ١٠٨) . قال ابن عباس ﵄ في هذه الآية: «قالوا: يا محمد، لتنتهين عن سَبِّك آلهتنا أو لنهجون ربك. فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم» [٣٤] ، ومن ذلك أن يحصل من سلوك الوسيلة زيادة فساد أو إتلاف لنفس معصومة أو مال محترم أو كان مسبباً لفرقة واختلاف، أو سبباً لتعصب أو نحو ذلك. قال ابن القيّم ﵀: «إن النبي ﷺ شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله؛ فإنه لا يسوغ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنّه أساس كل فتنة وشر إلى آخر الدهر.. ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم ومنعه من ذلك مع قدرته عليه خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر. ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد؛ لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وُجد سواء» [٣٥] . وكذا ألا يترتب عليها فوات مصلحة أعظم ولو مع حصولِ مصلحةٍ أَقَلّ؛ إذ لا شك أن الشرع يطلب تحصيل المصالح الأعظم، ومن قواعد الشرع: (تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أقلهما) [٣٦] . وبعدُ: فإن جميع ما سبق موازنة فقهيةٌ وتأملات شرعيَّة بتفصيل ارتضاه كاتبه، أمَّا الفتوى التي تبرأ بها الذمم، وتناط بها الأحكام فهي لمن تولاها موكولة، ولمن أنيطت به متروكة. اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

стр. 4867

دراسات في الشريعة نور البصيرة د. خالد سعد النجار alnaggar٦٦@hotmail.com ما أن يُخبت قلب العبد لرب العالمين، وتذوق جوارحه لذة النَّصَب في العبادة؛ حتى يفيض الكريم الوهاب على صاحب هذا القلب بنور البصيرة، هذا النور الذي يرافقه في سَيْره إلى الله تعالى، يهديه إلى مسالك الرشد، فيفرق به بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والسنة والبدعة، إلى أن يرزقه الله حسن الخاتمة. إن هذا النور منحة ربانية لا تشاهدها الأبصار، ولا تحدها الكلمات، بل يحسها كل صادق في إيمانه؛ ليعلم مَنْ فَقَدَ هذا النور أنه في العبادة يلعب، فما ضُرب عبد بعقوبة أعظم من ظلمة القلب. * تعريف البصيرة: قال علماء اللغة: البصيرة: الفطنة. تقول العرب: أعمى الله بصائره؛ أي فطنه. وفي حديث ابن عباس ﵄ أن معاوية ﵁ لما قال لهم: يا بني هاشم! تصابون في أبصاركم. قالوا له: وأنتم يا بني أمية! تصابون في بصائركم. وإنه لبصير بالأشياء أي عالم بها. ويقال للفراسة الصادقة فراسة ذات بصيرة [١] . وقال الراغب: البصر يقال للجارحة الناظرة، كقوله تعالى: [وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ] (الأحزاب: ١٠) ، وللقوة التي فيها، ويقال لقوة القلب المدركة بصيرة، نحو قوله تعالى: [أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ] (يوسف: ١٠٨) [٢] . أما في الشرع فيعرّفها ابن القيم بقوله: «هي نور يقذفه الله في القلب، يفرّق به بين الحق والباطل، والصادق والكاذب» ، وفي تعريف آخر له يقول: «هي نور يقذفه الله في قلب، يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل كأنه يشاهده رأي عين، فيتحقق مع ذلك انتفاعه بما دعت إليه الرسل وتضرره بمخالفتهم، وهذا معنى قول بعض العارفين: (البصيرة تحقق الانتفاع بالشيء والتضرر به) » [٣] . * البصيرة في القرآن الكريم: قال تعالى: [أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (الأنعام: ١٢٢) . فهذا مثل للذي هداه الله بعد الضلالة، وأضاء بصيرته بنور الحجج والآيات، يتأمل بها الأشياء فيميز بين الحق والباطل (ويجد الإنسان في قلبه هذا النور؛ فتتكشف له حقائق الوجود وحقائق الحياة وحقائق الناس وحقائق الأحداث التي تجري في هذا الكون وتجري في عالم الناس، ويجد الإنسان في قلبه هذا النور فيجد الوضوح في كل شأن وفي كل أمر وفي كل حدث، يجد الوضوح في نفسه وفي نواياه وخواطره وخطته وحركته، ويجد الوضوح فيما يجري حوله، سواء من سنة الله النافذة أو من أعمال الناس ونواياهم وخططهم المستترة والظاهرة، ويجد تفسير الأحداث والتاريخ في نفسه وعقله وفي الواقع من حوله كأنه يقرأ من كتاب، ويجد الإنسان في قلبه هذا النور فيجد الوضاءة في خواطره ومشاعره وملامحه، ويجد الراحة في باله وحاله وقاله، ويجد الرفق واليسر في إيراد الأمور وإصدارها وفي استقبال الأحداث واستدبارها، ويجد الطمأنينة والثقة واليقين في كل حالة وفي كل حين) [٤] . وقال تعالى: [قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ] (الأنعام: ١٠٤) ، قال القرطبي: «قد جاءكم آيات وبراهين يُبصر بها ويُستدل. جمع بصيرة وهي الدلالة، ووصفها بالمجيء لتفخيم شأنها؛ إذ كانت بمنزلة الغائب المتوقع حضوره للنفس، كما يقال: جاءت العافية وقد انصرف المرض» [٥] . وقال تعالى: [وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (الشورى: ٥٢) ، [رُوحاً] أي وحياً من أمرنا. وسمَّاه روحاً لأنه تحيا به القلوب الميتة لما فيه من الهداية والعلم الذي هو كالحياة. وقال تعالى: [وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ] (ص: ٤٥) ، يقول ابن القيم: «أي البصائر في دين الله ، فبالبصائر يُدرك الحق ويُعرف، وبالقوة يُتمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه، فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم في الدين والبصر بالتأويل، ففجرت من النصوص أنهار العلوم، واستنبطت منها كنوزها، ورُزقت فيها فهماً خاصاًَ، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وقد سُئل: هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء دون الناس؟ فقال:» لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة! إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه «. فهذا الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب الكثير الذي أنبتته الأرض» [٦] . * درجات البصيرة: قسم ابن القيم البصيرة ثلاث درجات: ١ - البصيرة في الأسماء والصفات: وهي أن لا يتأثر إيمانك بشبهة تعارض ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ ، بل تكون الشُّبه المعارضة لذلك عندك بمنزلة الشُّبه والشكوك في وجود الله، فكلاهما سواء في البلاء عند أهل البصائر. ٢ - البصيرة في الأمر والنهي: وهي تجريده عن المعارضة بتأويل أو تقليد أو هوى، فلا يقوم بقلبه شبهة تعارض العلم بأمر الله ونهيه، ولا شهوة تمنع من تنفيذه وامتثاله والأخذ به، ولا تقليد يريحه عن بذل الجهد في تلقي الأحكام من مشكاة النصوص. ٣ - البصيرة في الوعد والوعيد: وهي أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت في الخير والشر عاجلاً وآجلاًَ في دار العمل ودار الجزاء، وأن ذلك هو موجب إلهيته وربوبيته وعدله وحكمته، فإن الشك في ذلك شك في إلهيته وربوبيته بل شك في وجوده، فإنه يستحيل عليه خلاف ذلك، ولا يليق أن يُنسب إليه تعطيل الخليقة وإرسالها هملاً وتركها سدى، تعالى الله عن هذا الحسبان علواً كبيراً [٧] . * المعاصي تطفئ نور البصيرة: فمن عقوبات المعاصي أنها تُعمي بصيرة القلب، وتطمس نوره، وتسد طرق العلم، وتحجب مواد الهداية، قال تعالى: [وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ] (الأنفال: ٢٤) ، إنها صورة تستوجب اليقظة الدائمة والحذر الدائم والاحتياط الدائم، اليقظة لخلجات القلب وخفقاته ولفتاته، والحذر من كل همة فيه وكل ميل مخافة أن يكون انزلاقاً، والاحتياط الدائم للمزالق والهواتف والهواجس، والتعلق الدائم بالله سبحانه مخافة أن يقلب هذا القلب في سهوة من سهواته أو غفلة من غفلاته أو رفعة من رفعاته، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم يكثر من دعاء: «اللهم! يا مقلب القلوب؛ ثبّت قلبي على دينك» ، فكيف بالناس وهم ليسوا مرسلين ولا معصومين؟! [٨] وقد قال مالك للشافعي لما اجتمع به ورأى مخايل النجابة عليه: «إني أرى الله تعالى قد ألقى عليك نوراً؛ فلا تطفئه بظلمة المعصية» . ولا يزال هذا النور يضعف ويضمحل، وظلام المعصية يقوى حتى يصير القلب في مثل الليل البهيم، فكم من مهلكة يسقط فيها ولا يبصرها، كأعمى خرج بالليل في طريق ذات مهالك ومعاطب، فيا عزة السلامة ويا سرعة العطب! ثم تقوى تلك الظلمات وتفيض من القلب إلى الجوارح، فيغشى الوجه منها سواد بحسب قوتها وتزايدها، فإذا كان عند الموت ظهرت في البرزخ فامتلأ القبر ظلمة، كما قال ﷺ : «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم» [٩] ، فإذا كان يوم المعاد وحُشر العباد علت هذه الظلمة الوجوه علواً ظاهراً يراه كل أحد، حتى يصير الوجه أسود مثل الحممة (الفحم) ، فيا لها من عقوبة لا توازن لذات الدنيا بأجمعها من أولها إلى آخرها [١٠] . * أسباب تحصيل البصيرة: - صِدْقُ الإيمان بالله ورسوله: قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (الحديد: ٢٨) ، فهذا النور هبة لدنيه يودعها الله القلوب التي تستشعر تقواه، وتؤمن حق الإيمان برسوله، هبة تنير تلك القلوب فتشرق وترى الحقيقة من وراء الحجب والحواجز، ومن وراء الأشكال والمظاهر فلا تتخبط ولا يلتوي بها الطريق. - العلم النافع بما جاء به الرسول ﷺ : قال تعالى: [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] (الجمعة: ٢) . فالحكمة نور الأبصار، وموقظة القلوب من سِنَة الغفلة، ومنقذة للبصائر من سِنَة الحيرة، ومحيية لها بإذن الله من موت الجهالة، ومستخرجة لها من ضيق الضلالة، وهي صديقة العقل، وميزان العدل، وروضة الأرواح، ومزيحة الهموم عن النفوس، وأنس المستوحش، وأمن الخائف، ومتجر الرابح، وحظ الدنيا والآخرة. ومن أحب أن يكون للأنبياء وارثاً وفي مزارعهم حارثاً فليتعلم العلم النافع، ففي الحديث: «العلماء ورثة الأنبياء» [١١] ، وليحضر مجالس العلماء فإنها رياض الجنة، ومن أحب أن يعلم ما نصيبه من عناية الله فلينظر ما نصيبه من الفقه في دين الله، ففي الحديث: «مَنْ يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» [١٢] ، وكفى بالجهل قبحاً أن صاحبه عدو للحق وأهله. قيل للحسين بن الفضل: هل تجد في القرآن: مَنْ جهل شيئاً عاداه؟ قال: نعم، في موضعين: [بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ] (يونس: ٣٩) ، وقوله تعالى: [وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ] (الأحقاف: ١١) . - العمل بالعلم: فمن عمل بما علم رزقه الله علم ما لم يعلم، وحقيقة التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، قال تعالى: [وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ] (البقرة: ٢٨٢) ، والتقوى تقود إلى نور البصيرة، قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ] (الأنفال: ٢٩) ، فإذا اتقى العبد ربه، وذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه وترك الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات، وشحن قلبه بالنية الخالصة وجوارحه بالأعمال الصالحة، وحفظ نفسه من شوائب الشرك الخفي والظاهر بمراعاة غير الله في الأعمال والركون إلى الدنيا بالعفة عن المال الحرام؛ جعل له بين الحق والباطل فرقاناً، ورزقه فيما يريد من الخير إمكاناً. ولما قال حارثة: «أصبحت مؤمناً حقاً» ، قال رسول الله ﷺ : «إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟» قال: «عزفت نفسي عن الدنيا وشهواتها، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاوون فيها» ، فقال النبي ﷺ : «عرفت فالزم، عبد نوَّر الله الإيمان في قلبه» [١٣] . - صِدْقُ اتباع السنة ظاهراً وباطناً: فالطريق إلى الله مسدود على خلق الله إلا على المقتفين آثار النبي ﷺ ، قال تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة] (الأحزاب: ٢١) ، وقليل في سُنَّة خير من كثير في بدعة، وهذا يستلزم تعلم السنة، وتقديمها في الأصول والفروع على قول كل أحد وهديه، كما قال ابن القيم في شأن الهجرة إلى النبي ﷺ بالقلب: «سفر النفس في كل مسألة من مسائل الإيمان، وحادثة من حوادث الأحكام، ومنزلة من منازل القلوب إلى منبع الهدى، ومصدر النور المتلقى من فم الصادق المصدوق ﷺ ، فكل مسألة طلعت عليها شمس رسالته وإلا فاقذف بها في بحر الظلمات، وكل شاهد عدله هذا المزكى وإلا فعدّه من أهل الريب والتهمات» [١٤] . - المداومة على ذكر الله : فالذكر يورث حياة القلب، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: «الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟!» [١٥] ، وأشرف الذكر تلاوة القرآن وفهمه وتدبره، وبحسب نصيبك من القرآن يكون نصيبك من نور البصيرة، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «إن هذا القرآن مأدبة الله، فمن دخل فيه فهو آمن» ، وقال: «من أحب القرآن فليبشر» [١٦] . - كثرة العبادة: فمن أعظم الوسائل التي ينال بها العبد نصر الله وتأييده الاجتهاد في العبادة، فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه» [١٧] . ومن أفضل العبادات الصلاة، فإنها خيرٌ موضوع، قال تعالى: [كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ] (العلق: ١٩) ، وفي الحديث: «والصلاة نور» [١٨] ، وفيه: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛ فأكثروا من الدعاء» [١٩] ، فكلما اقترب العبد من ربه رأى الأمور على حقيقتها، وقدَّرها حق قدرها، ووزنها بميزان الحق، وكلما أخلد إلى الأرض ولم يرتفع واتبع هواه؛ التبس عليه الحق بالباطل وترك الحق. ومن خير العبادات أيضاً الصوم، فإنه نصف الصبر، وفي الحديث: «والصبر ضياء» [٢٠] . - غضّ البصر وحفظ الفرج وتجنب الاختلاط المحرم: فغضّ البصر يُلبس القلب نوراً، كما أن إطلاقه يُلبسه ظلمة، ولهذا ذكر الله سبحانه آية النور عقيب الأمر بغضّ البصر: [اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] (النور: ٣٥) ، أي مَثَل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه، وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل ناحية، كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان، ونور القلب يورث صاحبه فراسة صادقة يميز بها بين الحق والباطل، وكان شجاع الكرماني يقول: «مَنْ عمَّر ظاهره باتباع السُّنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغضَّ بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشبهات، واغتذى بالحلال؛ لم تخطئ له فراسة» [٢١] ، وكان شجاع لا تخطئ له فراسة. إن نور البصيرة عبق من الجنة، يأنس به الموحدون الذين نزَّهوا الخالق عن أي شائبة من شوائب الشرك، فانقادوا له؛ لا يقدمون قولاً على قوله، ولا أمراً على أمره، ولا نهياً على نهيه. أولئك هم المفلحون.. أولئك هم المفلحون.

стр. 4868

دراسات في الشريعة من يرد الله به خيراً .. أحمد بن عبد الرحمن الصويان من السمات البارزة التي يتميز بها العمل الإسلامي المعاصر أنَّ معظم القيادات الرئيسة إلا ما ندر تظهر عليهم آيات الصدق والإخلاص هكذا نحسبهم والله حسيبهم، وهذا أمر عظيم جليل القدر، ولعله من أبرز أسباب التوفيق الذي نلمس آثاره هنا وهناك، فنحمد الله على ذلك حمداً كثيراً. لكن اللافت للنظر أنَّ حظَّ كثير من تلك القيادات في العلوم الشرعية ربما يكون قليلاً، فتراهم يتحدثون في مسائل إسلامية خطيرة، ونوازل عصرية معقدة، ويقودون أتباعهم إلى مفاوز متشابكة، ومبلغهم من العلم مجرد ثقافة إسلامية عامة، ولم ترسخ أقدامهم في رياضه، ولم تتضلع صدورهم من بركته..! بل إن المتخصصين في الدراسات الشرعية قد يجدون الإقصاء والتهميش أحياناً؛ لأن لهم رؤية علمية مستقلة، تنطلق من محكمات الشرع، وتقدم المقاصد والمصالح الشرعية على غيرها من المقاصد والمصالح المتوهمة، ولأنهم قد يتحفظون في بعض المواقف والممارسات العملية بسبب مخالفتها للنصوص والقواعد الشرعية، وقد يُوصَفون بالجمود، ويُلمزون بالجهل بالسياسة..! هذه الظاهرة جديرة بالدرس والتحليل؛ لأن الانفصام بين العلم والدعوة عواقبه خطرة جداً، وانعكاساته المتراكمة كثيرة، والحركة الدعوية إذا ازدرت العلماء، وهجرت العلم الشرعي، أو اكتفت بمُلَحِه وزغله، وغلَّبت المناورات السياسية؛ وقعت في شَرك الانحراف والتخبط، وما أكثر ما سمعنا أو رأينا من المواقف المضطربة لبعض التجمعات الإسلامية التي تضرب بها في دروب الفتنة، دون أن تلجمها بقواعد الشرع ونصوصه المحكمة. قال الله تعالى: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] (يوسف: ١٠٨) . تأمل هذه الآية.. وستجد أن البصيرة ليست مهمة القادة فحسب، بل إنها مهمة القادة ومهمة الأتباع على حد سواء، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ يُرد اللهُ به خيراً يُفقِّه في الدين» [١] ، وهذا عام في الأفراد والجماعات، ومقتضى ذلك أن مَنْ لم يُرد به خيراً ينزع منه الفقه في الدين، فتراه يتيه في دروب الجهالة، ومفاوز الضلالة. في كل نازلة تعصف بالأمة يزداد يقيني بأهمية الدور الريادي للعلماء الربانيين، فهم أقدر من غيرهم على معرفة أدوائها، وأفقه في إدراك سبيل نجاتها، وأبصر في رؤية مستقبلها وتطلعاتها. إنَّ العلم الشرعي هو الأساس الذي يبني العقل، ويوسِّع المدارك، ويربي الخُلُق، وما ظهرت الغثائية في بعض جموعنا الإسلامية، وانتشرت الهشاشة الفكرية؛ إلا بعد أن هُجر العلم الشرعي، وأصبح عند بعضهم مجرد ترف كمالي، يصرفهم عنه أدنى صارف من الصوارف!

стр. 4869

قضايا دعوية دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب حقائق وأوهام د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف [*] شغب بعضهم على شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري ﵀ فاتهموه بالرفض والإلحاد، فقال بعض العلماء حينئذٍ: «والله! لو سُئل هؤلاء عن الرفض والإلحاد ما عرفوه ولا فهموه!» . والتاريخ يعيد نفسه، فإن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه يُتهمون في هذه الأيام بالتكفير وإراقة الدماء؛ من قبل علمانيين منافقين ومن تبعهم بسوء من تنويرين ومنهزمين، مع أن في أولئك القوم من لم يفقه الإيمان فضلاً عن أن يعرف الكفر والتكفير وشروطه وموانعه، فهم أحوج ما يكونون إلى الاستتابة والدخول في دين الله تعالى، وتعلم الأصول الثلاثة التي يُسئل عنها كل مكلف في قبره ويوم بعثه ونشره. وقد استغل كثير من هؤلاء القوم الحملة الأمريكية على الإسلام وأهله تحت ستار الحملة على (الوهابية!) ، وراحوا يثيرون الشبهات، ولا يتوخون الموضوعية والأمانة العلمية فيما يقولون. ومنذ أن أشرقت شمس هذه الدعوة على جزيرة العرب، وصار لها من القبول والظهور ما لها، وخصوم هذه الدعوة يحيكون المؤامرات، ويثيرون الشبهات والاعتراضات. وتتضمن هذه المقالة عدة حقائق عن هذه الدعوة، مع جملة من الأوهام والإشكالات المثارة ضدها والجواب عنها: - تميزت هذه الدعوة بالالتزام بمنهج راسخ وعقيدة ثابتة وأهداف جلية، كالتلقي من نصوص الكتاب والسنة الصحيحة، ووجوب صرف جميع أنواع العبادة لله تعالى وحده، والتحذير من الشرك ووسائله وذرائعه، فكثيراً ما كان الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب يقرر أن الله تعالى هو المعبود المقصود، فلا يُقصد إلا الله تعالى، وأن الحنيفية ملة إبراهيم ﵊ هي الإقبال على الله تعالى والإعراض عما سواه، وظهر أثر هذه التربية والتقرير من خلال مواقف عملية سطّرها المؤرخون كابن بشر وغيره، ومن ذلك أن «امرأة أتت إلى الشيخ واعترفت عنده بالزنا بعدما ثبت عنده أنها محصنة، وتكرر منها الإقرار، واستخبر عن عقلها فإذا هي صحيحة العقل، فقال: لعلك مغصوبة؟ فأقرت واعترفت بما يوجب الرجم، فأمر بها فرُجمت» [١] . إن التعلق بالله تعالى وخشيته في السر والعلن جعل تلك المرأة تُقْدم بكل طواعية على الاعتراف بفعلتها، وترغب في تطهيرها بتلك العقوبة الموجعة خوفاً من الله تعالى ورغبة فيما عنده سبحانه. يقول الأستاذ محمد جلال كشك معلقاً على تلك الحادثة: «فهذه المرأة التي جاءت تتوب، أو تستشهد، بأقسى عقوبة فُرضت على الإنسان، تعكس حالة الوجد الاستشهادي التي أطلقها محمد بن عبد الوهاب في البدو، والتي تفسر فتوحاتهم، فحكاية المرأة الخاطئة هي مؤشر لإيمان الرجل المتطهر الذي صنعته دعوة الشيخ، فانطلق يطوي الصحراء لإعادة الناس إلى الدين الحق، فلا يجوز أن تقف العين العاجزة عند قسوة العقوبة، فالشيخ اقتداءً برسول الله ﷺ استخدم معها كل الدفوع لوقف التنفيذ، أو دفعها إلى سحب اعترافها، ولكن جذوة الإيمان التي أطلقها في نفس الخاطئة؛ كانت أقوى حتى من رحمته الإسلامية» [٢] . وقد أثار بعضهم آنذاك شبهة أن الشيخ أقام الحدود بدون إذن الإمام، فكان من جوابه ﵀ عن تلك الشبهة: «لا يُعرف أن أحداً من العلماء ذكر أن شيئاً من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم.. ولكن أعداء الله يجعلون هذه الشبهة حجة في ردّ ما لا يقدرون على جحده، كما أني لما أمرتُ برجم الزانية قالوا لا بد من إذن الإمام، فإن صح كلامهم لم تصح ولايتهم القضاء ولا الإمامة ولا غيرها» [٣] . - لما أظهر الشيخ دين الله تعالى، وحقق التوحيد في نفسه وأتباعه في جزيرة العرب، وأقام شرع الله تعالى؛ استتب الأمن؛ وتحقق الاستقرار، وعم الرخاء، وكثرت الخيرات. وسيتضح للقارئ البون الشاسع بين حال الجزيرة العربية أمنياً واقتصادياً قبيل ظهور الدعوة وبعدها من خلال أحداث واقعية، وهاك مثالاً عمّا قبل ظهور الدعوة، ففي قرية صغيرة في نجد تُسمّى «التويم» عَمَد أحدهم إلى قتل أميرها وكان ابن عمه، وما أن صار القاتل أميراً حتى قُتِل، ثم ولي الإمارة شخص ثالث فغُدِر به، ثم وليها رابع فتمالأ عليه رجال فقتلوه، ثم تنازع «القَتَلة» في الإمارة، فقسّموا تلك القرية الصغيرة أربعاً، وصار كل واحد أميراً على ربعها، وكلّ هذه الوقائع حدثت في سنة واحدة. قال المؤرخ ابن بشر معلِّقاً على تلك الحادثة: «وإنما ذكرتُ هذه الحكاية ليعرف من وقع عليها وعلى غيرها من السوابق نعمة الإسلام والجماعة والسمع والطاعة، ولا تُعرف الأشياء إلا بأضدادها، فإن هذه قرية ضعيفة الرجال والمال، وصار فيها أربعة رجال كل واحد منهم يدعي الولاية على ما هو فيه!» [٤] . وأما بعد ظهور الدعوة؛ فقد كانت البلاد آمنة مطمئنة، «والشخص الواحد يسافر بالأموال العظيمة أيّ وقت شاء، في نجد والحجاز واليمن وتهامة وعُمان وغير ذلك، لا يخشى أحداً إلا الله، لا سارق ولا مكابر.. وكانت جميع بلدان نجد في أيام الربيع يُسيّبون جميع مواشيهم في البراري ليس لها راع» [٥] . وقد تحدث ابن بشر عن الرخاء الاقتصادي في الدرعية مبعث الدعوة الإصلاحية فقال: «لقد نظرتُ إلى موسمها يوماً وأنا في مكان مرتفع، فرأيت موسم الرجال في جانب، وموسم النساء في جانب، وما فيه من الذهب والفضة والسلاح والإبل والأغنام، وكثرة ما يتعاطونه من صفقة البيع والشراء والأخذ والعطاء، وغير ذلك، وهو مدّ البصر، لا تسمع فيه إلا دوي النحل من النجناج [٦] ، وقول بعت واشتريت. والدكاكين على جانبيه الشرقي والغربي، وفيها من الهُدم [٧] والقماش والسلاح ما لا يوصف» [٨] . من الآثار المشرقة لهذه الدعوة المباركة ما أورثته من تسطير لتاريخ موطنها وتدوين الحوادث والوقائع فيها كما هو ظاهر في تاريخ ابن غنام وابن بشر ونحوهما، فلقد ظلت نجد نسياً منسياً طوال القرون الماضية، ولم يحفظ لنا التاريخ عن تلك الحقبة المظلمة سوى نتف مبعثرة كما هو مذكور في سوابق ابن بشر، ولعل الأمر كما قال ابن عقيل الحنبلي ﵀: «لما كان البلد مملوءاً بالأخيار قيض الله لها من يحكيها، فلما عُدموا وبقي المؤذي والذميم العقل؛ أعدم المؤرخ، وكان هذا ستر عورة» [٩] . ومن جملة تلك الآثار العلمية ما سطّره علماء الدعوة من رسائل وفتاوى وتقريرات جُمعت في (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) ، وفي (الدرر السَّنية في الأجوبة النجدية) ، فلقد حوت هذه الرسائل تراثاً نفيساً في مسائل الاعتقاد ولا سيما توحيد العبادة وما يضاده وأحكام العبادات والمعاملات، وأحكام الجهاد، والمرتد، والتفسير، والردود. وانظر إلى هذا التراث المتميّز وما جمعه ابن منقور في كتابه (الفواكه العديدة في المسائل المفيدة) لعلماء نجد قبيل الدعوة، فلا مقارنة بين الأمرين، فمجموع ابن منقور مجرد جزأين في فتاوى ومسائل في فروع مذهب الإمام أحمد، بينما تميزت الدرر بثراء في التأليف، وتنوّع العلوم الشرعية، وقوة الدليل، وصحة الاستدلال، وتنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع والأحداث. يقول الشيخ عبد الله البسام ﵀: «منذ عرفنا علماء نجد حتى قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀؛ فإن علمهم يكاد ينحصر في الفقه أي في المسائل الفروعية الفقهية.. فعلم التفسير والحديث والتوحيد مشاركتهم فيها قليلة جداً. فلما انتشرت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تغيّر هذا الاتجاه وتنوعت الثقافة وتعددت العلوم، فصارت العناية بالتوحيد لا سيما توحيد الألوهية، وصار الاهتمام بكتب التفسير السلفية كابن جرير وابن كثير والبغوي ونحوها، وصار الالتفات إلى الحديث وأمهات كتبه وشروحه، كما دُرّست أصول هذه العلوم وصار الاهتمام بالفقه، وموضوع الدرس منه هو فقه الإمام أحمد بن حنبل مع الأخذ بالقول الراجح الذي يعضده الدليل. وإذا أردت المقارنة بين العهدين بتحقيق المسائل العلمية؛ فقارن بين فتاوى علماء نجد التي نقل بعضها الشيخ أحمد المنقور في مجموعه، وبين فتاويهم التي جُمعت في الدرر السَّنية؛ لترى أنهم في الأول يقتصرون على المشهور من المذهب، ويحاولون تطبيق ما يفتون به على ما قاله فقهاء الحنابلة، عارية عن سوق الأدلة من الكتاب والسنة. أما في الدرر السَّنية فترى الفتاوى مستقاة من مذهب أحمد ﵀ إلا أنها مقرونة بأدلتها الشرعية، كما تجد أنها قد تخالف المشهور من المذهب حينما يكون الدليل الصحيح خلاف المذهب. وتجد بجانب الفتاوى الفقهية بعد قيام الدعوة علوم الشريعة الأخرى، فهذا علم التوحيد الذي قامت الدعوة لتحقيقه، وهو الذي نال القسط الأوفر من العناية والتحقيق، والتأليف، وكتابة الرسائل، والنصائح، لا سيما فيما يتعلق بتوحيد العبادة، كذلك نجد الكتابة في التفسير والحديث. والقصد أنه تغير اتجاه الثقافة بين العهد الأول والعهد الثاني، حيث تحررت الأفكار، واتسعت المدارك، وتعددت جوانب العلوم» [١٠] . وقد ادعى بعضهم أن في (الدرر السَّنية) غلواً وإفراطاً، وتكفيراً للمخالفين، وتعطشاً للدماء، وهذه مجرد أوهام وظنون، وسبب ذلك الوهم جملة أمور منها: ١ - أن أولئك القوم لم ينظروا إلى الملابسات والظروف التي حُررت فيها تلك الرسائل، فليس من الموضوعية أن يُجتزأ نص من الدرر السَّنية دون نظر إلى سياقه ومناسبة تأليفه. ٢ - أن الناظر إلى تقريرات وأجوبة أولئك الأعلام لَيدرك التزامهم بطريقة أهل السنة، وبراءتهم من تكفير من لا يستحق التكفير، وإن كان ثمة إشكال؛ فإنما هو في تحقيق المناط (التطبيقات) ، وتنزيل الأسماء والأحكام كالكفر مثلاً على الدور والأشخاص، وهذا الاختلاف في تحقيق المناط واقع ووارد، فقد اختلف السلف الأوائل في تكفير الخوارج مع ورود النصوص بمروقهم من الدين، ومع ذلك فجمهور الصحابة ﵃ لا يرون تكفير الخوارج، لكنهم لم يتهموا مخالفيهم القائلين بتكفير الخوارج بالتطرف والغلو! ٣ - لم يقتصر علماء الدعوة على تحرير المسائل وتحقيقها، بل عمدوا إلى تنزيل الأحكام الشرعية الملائمة على الوقائع والأحداث، فمثلاً عندما يحررون مسائل الولاء والبراء يُتبعون ذلك بسلوك وتطبيق ومواقف عملية تجاه طوائف ودول وأشخاص، كما هو مبسوط في مؤلفاتهم، لكن حصل في هذا الزمان الأخير الاشتغال بالتنظير لتلك المسائل والتنصل من تطبيقها لجملة من المسوغات التي ليس هذا موضع بحثها، فهؤلاء الغارقون في التنظير تعتريهم الدهشة عندما يطالعون تراث علماء الدعوة وما تحويه من أحكام على واقعهم آنذاك، وربما أنكروا على أئمة الدعوة كما هو حاصل الآن. وها هو العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀ والمعروف بعمق علمه، وبرحابة صدره وسعة أُفقه حتى عند أولئك «الإصلاحيين» ؛ يقرر حسب فتاويه معنى دار الكفر، ثم ينزِّل هذا الحكم على دول عربية كانت محكومة آنذاك بالاستعمار البريطاني [١١] . ٤ - ينبغي أن يراعى أن أولئك الأعلام ﵏ عندما يحكمون بكفر أشخاص وطوائف ومن خلال منظور شرعي؛ كانوا في ظل ولاية شرعية وزمن قوة وغلبة شوكة، ومن ثم نجد أن الأمر ظاهر عندهم، فمن استبان كفره أقيمت عليه الحجة واستتيب فإن تاب وإلا قتل؛ بخلاف زمن الضعف وبداية الدعوة، حيث كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في ابتداء دعوته إذا سمعهم يدعون زيد بن الخطاب قال: «الله خير من زيد، تمريناً على نفي الشرك بلين الكلام، نظراً إلى المصلحة وعدم النفرة» [١٢] ؛ بخلاف لما ظهرت الدعوة وقامت الدولة. ونلاحظ في الطرف المقابل لتلك القوة والعزة ما هو مشاهد في عصرنا من هيمنة وتسلط أمريكا، وغياب الولاية الشرعية في أكثر الأمصار، وخور أهل الإسلام، واستجابة كثير منهم لضغوط ومطالب أمريكا؛ مما جعل أولئك المستسلمين ينفرون من هذه الدعوة التي تصادم ضعفهم واستكانتهم. ٥ - لا يخفى أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ذات نَفَس جهادي، والناظر إلى كتاب الجهاد من (الدرر السَّنية) يلاحظ فتاوى مهمة وتقريرات علمية في أحكام الجهاد ونوازله، كما يدرك ما حفل به تاريخ الدعوة من معارك وغزوات. لقد ذاقت بريطانيا في أوج تسلطها ضربات موجعة في بحر الخليج العربي من أتباع الدعوة أو من تسميهم بـ «القراصنة الوهابيين» ، كما أن الحركات الجهادية المعاصرة التي أقضّت مضاجع الغرب، ودوّخت الشرق تعدّ امتداداً لهذه الروح الجهادية. وقد غَلَب على معشر أهل الإسلام الركون إلى الدنيا وكراهية الموت، وإن اضطر بعضهم إلى الحديث عن الجهاد؛ فيكون بانقباض شديد واختزال مخل، مع تكلف في إيراد الشروط والقيود.. ومن ثم حصلتْ النفرة بين جملة من العلماء والدعاة وبين أهل الجهاد. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وسنام ذلك الجهاد في سبيل الله، فإنه أعلى ما يحبه الله ورسوله، واللائمون عليه كثير؛ إذ كثير من الناس الذين فيهم إيمان يكرهونه، وهم إما مخذِّلون مفتِّرون للهمة والإرادة فيه، وإما مرجفون مضعِّفون للقوة والقدرة عليه، وإن كان ذلك من النفاق» [١٣] . إن من يسعى إلى إسلام «وديع» يُرضي الأمريكان، ولا يسخط الرحمن؛ كمن يسعى إلى الجمع بين النقيضين، بين الحق والباطل. أيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله! كيف يلتقيانِ؟! هي شامية إذا ما استقلت و ... سهيلٌ إذا استقل يمانِ استطاع الشيخ محمد بن عبد الوهاب مع الإمام محمد بن سعود وابنه الإمام عبد العزيز ﵏ أن يقيموا دولة إسلامية في جزيرة العرب، تُحكِّم شرع الله تعالى، وتنشر العلم، وتقيم الحدود، وتحقق الأمن، وتُظهر الجهاد في سبيل الله تعالى، وتجبي الأموال عن طريق الزكاة والغنائم ونحوهما. يقول محمد جلال كشك: «إذا كان محمد بن عبد الوهاب من ناحية العقيدة ليس بمبتدع، فهو من الناحية السياسية مجدد ومبدع، لقد استطاع أن يوقف حركة التاريخ، ويلوي عنق الأحداث التي كانت تدفع العالم الإسلامي دفعاً إلى التغريب، فمع الهزيمة الشاملة التي أصابت العالم الإسلامي أمام الغزو الأوروبي؛ كان الظن أو اتجاه الأحداث هو خضوع العالم الإسلامي للقانون الحضاري العام، وهو فناء المهزوم بالاندماج في حضارة المنتصر» [١٤] . وإذا تقرر أن هذه الدعوة المباركة سبب في وجود الدولة السعودية الأولى؛ أفيسوغ ما تفوّه به بعضهم بأن المذهب الوهابي سبب سقوط الدولة السعودية الأولى؟ أفيصح أن يكون سبب وجودها هو سبب عدمها؟ اللهم إلا أن يكون مقصودهم أن تمسُّك هذه الدولة بالدين الصحيح، وقيامها بشعيرة الجهاد تجاه البريطانيين؛ كان سبباً في تسلط أولئك الصليبيين وأذنابهم (محمد علي باشا، وابنه طوسون، وإبراهيم) ، فهل يريد أولئك التفلت من دين الله تعالى من أجل السلامة من الغرب وعملائه؟! لقد اتُّخذ القرار بتدمير الدولة السعودية الأولى حماية للمصالح البريطانية، حيث أصبحت الحملات الجهادية في بحر الخليج العربي خطراً مباشراً على بريطانيا، فلقد أقلقت بريطانيا تلك القوة البحرية ذات الأسطول الهائل، «بل أرهبتها، وأشدّ جوانبها خطورة هو أنها ترفع لواء الإسلام، فأي حرب مكشوفة ستكون بدون شك طويلة ومريرة، ولن تكون ناجحة إلا إذا قضي على الأصل، أي على الدولة السعودية في قلب الجزيرة العربية، وإذا أقدمت بريطانيا على هذه الحرب فإنها ستكون مغامرة محفوفة بالمخاطر طويلة الأمد، قد تتحول بفعل تفاعل الظروف والأحداث إلى حرب صليبية» [١٥] . ولذا تم تسخير العملاء المستغربين (محمد علي باشا، وابنه طوسون، وإبراهيم) لسحق هذه الدولة المتميزة، وقتل حكامها وعلمائها، فمنهم من قُتل صبراً بالبنادق، ومنهم من جُعل في فوهة المدفع، ثم رمي حتى سقط في الجو قطعاً، ومنهم من كانت تُخلع جميع أسنانه قبل قتله كما هو مبسوط في تاريخ الجبرتي وابن بشر! فأي الفريقين أحق بالإفساد وسفك الدماء؟! وكما قال المؤرخ محمد البّسام في كتابه (الدرر المفاخر في أخبار العرب الأواخر) : «ولا والله تغلب عليهم صاحب مصر عن ضعف منهم أو جبن، بل خيانة من العربان، ورضا من ساكني البلدان» . «ثم تَوَّج إبراهيم باشا هذه الأعمال، وهو رسول الحضارة الغربية بهدم مدينة الدرعية التي سلّم الإمام عبد الرحمن بن سعود نفسه بشرط الإبقاء عليها، وتركها أطلالاً ما زالت تقوم شاهداً حياً على عِظَم الجريمة النكراء» [١٦] .

стр. 4870

قضايا دعوية كيف نتعامل مع الأحداث ؟ فهد بن محمد بن عبد الرحمن القرشي falserhani@hotmail.com إن الناظر والمتأمل في حال الأمة الإسلامية منذُ فجر الإسلام إلى عصرنا الحاضر لَيرى في تاريخها سِجلاً حافلاً بالانتصارات، كما أنه يرى في أثناء ذلك التاريخ وطياته كبوات وصفعات مُنيت بها الأمة الإسلامية كادت أن تأتي فيها على الأخضر واليابس، كما حصل لها في سقوط بغداد على يدي التتار؛ كل ذلك يحصل لها عندما تبتعد عن منهج ربها وخالقها، عندئذ تحتاج إلى من يردها إلى الصراط المستقيم، سواء عن طريق المصلحين والدعاة والمجددين، أو عن طريق الأعداء الذين لا يرقبون فيها إلاً ولا ذمة، ولكنهم يقدّمون لها معروفاً عندما يُجبرونها بصفعاتهم الموجعة وضرباتهم المؤلمة على مراجعة وضعها وحساباتها لتبدأ في التغيير، وهذه سنّة ربانية، كما قال تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم] (الرعد: ١١) . والأمة الإسلامية لديها منهج واضح في كيفية التعامل مع الأحداث، سواء كانت انتصارات أو ضربات وصفعات، فإن كانت الأولى؛ فهو الشكر والخضوع للمنعم المتفضل عليها، وهو الله الذي نصرها على عدوّها من غير حول منها ولا قوة، قال تعالى: [وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ] (آل عمران: ١٢٦) ، وقال تعالى: [إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ] (آل عمران: ١٦٠) ، وكما فعل ﷺ عندما دخل مكة فاتحاً، فإنه دخلها خاشعاً شاكراً، يقرأ سورة الفتح، يقول عبد الله بن مغفل: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح يُرجِّعُ» . وإن كانت الأخرى فالثبات على المنهج، والالتزام به، والدعوة إليه، وعدم تغييره ولا تبديله، وخاصة ما يتعلق بالقضايا العقدية كالولاء والبراء، وما يتعلق بخصائص هذه الأمة الإسلامية، ومن أوليات ذلك مناهجها التعليمية، فالتمسك بالإسلام والإيمان هو النصر الحقيقي؛ إذ ليس بالضرورة أن يكون النصر دائماً نصراً عسكرياً، قال تعالى مخاطباً رسول الله ﷺ وصحابته الكرام بعد غزوة أحد التي هُزم فيها المسلمون: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٣٩) ، وقال تعالى: [فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ] (محمد: ٣٥) ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى وهي بيت القصيد أننا نرى كثيراً من المسلمين عندما تُصاب أمتهم الإسلامية بنكبة أو هزيمة أو ما شابه ذلك؛ يُصاب بعضهم بنوع من اليأس، والإحباط، والخمول، ويصبحون يرددون فصول تلك الهزيمة وأحداثها المريرة؛ معرضين عن العمل الجاد المثمر الذي يُساهم في إخراج الأمة من أزمتها ونكبتها وهزيمتها. كما أن منهم من يكون مهيئاً لتلقف أي مذهب أو فكرة منحرفة يشعر أنها سوف تخرجه من الأزمة أو مرارة الحدث. والمتأمل في سيرة المصطفى ﷺ يرى كيف تعامل مع مثل هذه الأحداث، وكيف كان ينقل أصحابه - رضي الله تعالى عنهم - من وضع الشدة والكرب إلى وضع الفتح والنصر، وعلى ذلك أمثلة كثيرة من سيرته صلى الله عليه وسلم، منها: أولاً: عن خباب بن الأرت ﵁ قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسدٌ بردةً له في ظل الكعبة قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض فيُجعل فيه، فيُجاء بالميشار - المنشار - فيوضعُ على رأسه فيُشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه. والله! لَيُتِمَّنَّ هذا الأمر حتى يَسير الراكب من صنعاءَ إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» [١] . وفي رواية عند البخاري أيضاً: عن خباب بن الأرت ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ وهو متوسد بردةً وهو في ظل الكعبة وقد لقينا مِنَ المشركين شِدةً فقلت: يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر وجهه، فقال: لقد كان مَنْ قبلكم ليُمشط بمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع الميشار - المنشار - على مفرق رأسه فيُشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه. وليُتِمَّنَّ الله هذا الأمرَ حتى يَسير الراكب من صنعاءَ إلى حضرموت ما يخاف إلا الله» زاد بياناً: «والذئب على غنمه» [٢] . ولنا مع هذه الحديث وقفات: أ - خباب ﵁ لم يطلب من النبي ﷺ أمراً محرماً ولا مستحيلاً، بل طلب دعاءً واستنصاراً جرَّاء ما يلاقيه هو وبعض الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - من أذى كفار قريش، ومع هذا نرى أن النبي ﷺ يغضب ويحمر وجهه، فلماذا غضب النبي صلى الله عليه وسلم؟ الذي يظهر، والله تعالى أعلم، أن غضبه ﷺ كان بسبب ما لَمسه من نوع استعجال من خباب ومن معه - رضي الله تعالى عنهم - لنصر الله تعالى أولاً؛ بدلالة قوله في آخر الحديث: «ولكنكم تستعجلون» ، ومن الاعتماد على الخوارق التي تحصل بدعاء النبي ﷺ ونحو ذلك ثانياً. ب - نلاحظ أن النبي ﷺ نقل خباب ومن معه - رضي الله تعالى عنهم - من الوضع الذي يعيشونه تحت التعذيب والاضطهاد إلى وضع لا يُعد شيئاً بالنسبة لما يلاقونه، حيث إن الواحد ممن كان قبلنا يُمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يرده ذلك عن دينه، ويوضع في حفرة ثم يُنشر بالمنشار لا يرده ذلك عن دينه. وينقله نقلة أخرى، وهي انتصار هذا الدين، حتى يسير الراكب من صنعاءَ إلى حضرموت وبينهما مسافة بعيدة لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه؛ ولكن الأمر يحتاج إلى صبر وعمل، ولا شك أن طريق النصر والتمكين ليس مفروشاً بالورود والرياحين. - هَبْ أن النبي ﷺ دعا على كفار قريش فهلكوا، وجاء النصر سهلاً يسيراً لم يُبذل في الوصول إليه ما يستحقه ذلك النصر والتمكين! فإنه سرعان ما يزول ويذهب، وحري بنصر يأتي بهذه السهولة واليسر وبخرق العادة أن لا يُقدَّر حق قدره، ولا يُحافظ عليه، ولك أخي القارئ الكريم أن تتأمل قصة بني إسرائيل وما حققه الله تعالى لهم من نصر عظيم، وهو هلاك ذلك الطاغية الذي كان يسومهم سوء العذاب، كما قال تعالى: [إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ] (القصص: ٤) ، ففلق الله تعالى لهم البحر وجعله فلقتين، كل فلقة كالطود العظيم: [فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ البَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ العَظِيمِ] (الشعراء: ٦٣) ، ونجَّى الله تعالى موسى ومن آمن معه، وجعل لهم في البحر طريقاً يبساً يمشون عليه لا يخافون من أحد يتبعهم: [وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي البَحْرِ يَبَساً لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى] (طه: ٧٧) ، وبعد أن خرجوا سالمين ناجين أهلك الله تعالى فرعون وجنوده وهم ينظرون: [وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ البَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ] (يونس: ٩٠) ، وبعد هذه المعجزة العظيمة، وهذا النصر المبين، وقبل أن تجف أرجلهم من ماء البحر الذي كان طريقاً لنجاتهم، ومقبرة لعدوهم، قالوا لموسى ﵊ نبيهم: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، [وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ البَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ] (الأعراف: ١٣٨) ، فانظر إلى عدم تقديرهم لذلك النصر العظيم، حتى طلبوا أن يأذن لهم موسى ﵊ بالشرك! ثانياً: خرج النبي ﷺ إلى أهل الطائف ليبلغ دين الله تعالى، وعندما وصل إليهم قابلوه برفض الدعوة وأغروا به سفهاءهم، فأخذوا يرجمونه بالحجارة حتى خرج مهموماً مغموماً، ولم يستفق ﷺ إلا وهو بقرن الثعالب، فقد سألته عائشة ﵂: «هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيتُ من قومك، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت، وأنا مهموم، على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردُّوا عليك، وقد بعث الله إليك مَلك الجبال لِتأْمُرَهُ بما شئت فيهم، فناداني مَلك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال النبي ﷺ بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً» [٣] . فلو أن النبي ﷺ عاش أسيراً لتلك اللحظة، واستغرق فيها؛ لطلب من مَلك الجبال وهو بين يديه أن يطبق عليهم الأخشبين، ولكنه صلى الله عليه وسلم ضرب لنا بهذا أروع الأمثلة في الصبر والتفاؤل، وحذرنا من اليأس، وفتح لنا أملاً مشرقاً، وصدق الشاعر عندما قال: أعلِّل النفس بالآمال أرقبها ... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل ثالثاً: في هجرة النبي ﷺ وأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وخروجهما من مكة إلى المدينة، بلغ ذلك كفار قريش، فجعلوا جائزةً لمن يأتي به أو يدل عليه مائة من الإبل، وقدَّر الله تعالى أن يتبعه سراقة بن مالك وأن يعرف طريقه، فقال له النبي ﷺ : «كيف بك إذا لبست سواري كسرى!» . يقول النبي ﷺ هذا وهو خارجٌ من مكة مطاردٌ من كفار قريش!! ويَعِد سراقة بن مالك بسقوط مملكة من أعظم الممالك آنذاك وهي مثل أمريكا في عصرنا الحاضر، فيقول له سراقة ﵁: كسرى بن هرمز!! نعم كسرى بن هرمز الذي ربما لم يكن يخطر ببال سراقة ﵁ أن يراه فضلاً عن أن يلبس أسورته. رابعاً: ما حصل في غزوة الأحزاب، ولعله أقرب مَثل ينطبق على أمتنا في هذا العصر، عندما تحزب الكفار على المسلمين وأحاطوا بهم إحاطة السوار بالمعصم، قاصدين قتل النبي ﷺ واستئصال شأفة الإسلام والمسلمين، وقد صوَّر القرآن حال أولئك الأحزاب، فقال تعالى: [إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً] (الأحزاب: ١٠-١١) ، في هذا الظرف العصيب الرهيب الذي زاغت فيه الأبصار وبلغت القلوب فيه الحناجر؛ نرى النبي ﷺ يربّي أصحابه على الثقة بموعود الله، وعلى التفاؤل، وعدم اليأس والاستكانة للكافرين والمنافقين والمتربصين بهم الدوائر، ففي أثناء حفر الخندق تعترض الصحابةَ - رضي الله تعالى عنهم - كديةٌ (صخرة) ، قال البراء بن عازب ﵁: «أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق. قال: وعَرَضَ لنا صخرةٌ في مكان من الخندق لا تأخذ فيها المعاول. قال: فَشَكوْها إلى رسول الله ﷺ ، فجاء رسول الله ﷺ . قال عوف بن أبي جميلة: وأحسبه قال: وضع ثوبه، ثم هبط إلى الصخرة، فأخذ المِعْوَلَ، فقال:» بسم الله «. فضرب ضربة، فكسر ثُلُثَ الحجر، وقال:» الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيح الشام، والله! إني لأبصر قصورها الحمرَ من مكاني هذا «. ثم قال:» بسم الله «وضرب أُخرى، فكسر ثُلُثَ الحجر، فقال:» الله أكبر، أُعطيت مفاتيح فارس، والله! إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا «. ثم قال:» بسم الله «وضرب ضربة أُخرى، فقلع بقية الحجر، فقال:» الله أكبر، أُعطيت مفاتيح اليمن، والله! إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا « [٤] . فانظر كيف نقل النبي ﷺ أصحابه - رضي الله تعالى عنهم - من ذلك الوضع الشديد، والكرب العظيم، إلى وضع أوسع منه، ومجالٍ أرحب منه، فأي درس أعظم في التفاؤل من هذا الدرس، وأي درس أعظم في الثقة بموعود الله ونصره من هذا الدرس؟! وفي قصة الخندق لما اشتد البلاء على النبي ﷺ وأصحابه؛ نافق بعض الناس وتكلموا بكلام قبيح، وجاءه ﷺ خبر نقض بني قريظة للعهد، فلما رأى رسول الله ﷺ ما الناس فيه من كرب وبلاء؛ جعل يبشرهم ﷺ محاولاً أن يقلب هذه المحنة وهذا الكرب إلى نصر، فقال ﷺ :» والذي نفسي بيده! ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة والبلاء، فإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمناً!! ... وليهلكن الله كسرى وقيصر، ولتُنفقن كنوزهما في سبيل الله «، فقال رجل ممن معه لأصحابه: ألا تعجبون من محمد! يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق، وأن نغنم كنوز فارس والروم، ونحن هنا لا يأمن أحدنا أن يذهب إلى الغائط، والله! لمَا يعدنا إلا غروراً..» . فالمؤمنون الصادقون صدَّقوا بهذه البشارة لما في قلوبهم من الإيمان، وقالوا: [هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً] (الأحزاب: ٢٢) ، أما المنافقون فقالوا: [مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً] (الأحزاب: ١٢) . وأخيراً لعلي أذكر بعض الإيجابيات التي جنيناها من تلك الحرب التي قادتها أمريكا وبريطانيا وحلفاؤهما، والتي عشنا حرها وقرها، فمن تلك الإيجابيات: أولاً: استشعار الأمة الإسلامية بالجسد الواحد، وغياب وتلاشي العصبيات المقيتة، والنعرات القبلية المذمومة، وأنها أي الأمة الإسلامية جميعاً في خندق واحد، وأن هذه الحرب الصليبية بقيادة أمريكا ليست حرباً على أسلحة دمار شامل كما يزعمون؛ بقدر ما هي حرب على الإسلام والمسلمين، وظهر هذا جلياً كما صرح به الرئيس الأمريكي عقب أحداث ١١سبتمبر!! عندما قال هذه «حرب صليبية» ، وهذا مصداق قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ] (آل عمران: ١١٨) . ثانياً: سقوط كل الشعارات التي صكت بها أمريكا أسماعنا؛ من حرية، وديمقراطية، وعدالة، و ... ،... إلخ، كما سقطت معها كل العهود والمواثيق الدولية بلا استثناء، وكذلك سقطت الشرعية الدولية والقانون الدولي، وكان أول المسقطين لها أمريكا بمعول صلفها وغطرستها وكبرها. ثالثاً: سقوط النموذج الغربي المتمثل في بلاد الحرية والديمقراطية والمساواة أمريكا كما يزعمون!! الذي كان ينادي به المنافقون العلمانيون من بني جلدتنا؛ لنحذو حذوه، وهذا النموذج عند العارفين به لم يقم قياماً صحيحاً في أول نشأته حتى يسقط، ولكنه بعد أحداث ١١سبتمبر ظهر سقوطه للقاصي والداني. رابعاً: سقوط أمريكا أخلاقياً، ودولياً، بسبب حربها على العراق، حيث ضربت بالأمم المتحدة وقراراتها عُرض الحائط، كما ضربت بكل الاتفاقات التي كانت هي نفسها إحدى الدول الموقعة عليها عُرض الحائط أيضاً؛ لأنها لم تعد تسير في صالحها أو تعارضت مع مصالحها؛ لأن أمريكا همها الأول مصلحتها أولاً وآخراً ولو كان ذلك على حساب العالم كله، كما هو الحال في هذه المرحلة مرحلة العولمة التي هي الأمركة، حيث تريد أن تفرض قيمها وأعرافها وكل ما تستطيع فرضه على العالم كله، فتصبح هي المهيمنة وحدها. خامساً: ظهر جلياً خطر المنافقين الذين هم العدو، كما قال تعالى: [هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُون] (المنافقون: ٤) ، ويكفي أن الله تعالى أنزل في شأن هؤلاء أكثر من ثلاثمائة آية في كتابه العزيز، تحذر منهم، ومن فعالهم، ومن السماع إليهم، ... إلخ، فضلاً عن سورة في القرآن العظيم سميت باسمهم، وأستطيع أن أجزم بأن كل الحروب التي شنتها أمريكا على الإسلام والمسلمين لو لم تجد من المنافقين من يمهد لها الطريق، ويفتح لها الأبواب أمامها، ويسهل طريقها، ويقومون بالحرب وكالةً عنها في بعض الأحيان؛ لما استطاعت أن تحقق نصراً؛ لأنهم أقل وأحقر من ذلك، فالمسلمون إلى الآن لم يخوضوا حرباً مع أمريكا وجهاً لوجه. سادساً: خذلان من توكل على غير الله تعالى، وأن الله سبحانه يكله إلى نفسه وإلى من توكل عليه، هذا فضلاً عن أن من توكل عليه سيعود عليه، فيكون حاله كحال الثور الأسود عندما قال: أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض! فأمريكا بعد أن قضت مأربها من أفغانستان والعراق عادت على بعض الدول بالتهديد والوعيد، فأرغت وأزبدت عليهم، وأصبحت تطالب بعضهم بتغيير مناهجهم والتخلي عن خصوصياتهم، كما تطالب بعضهم بأن يُشهروا الحرب على الإسلام ويحاربوا المنظمات الإسلامية ويضايقوها ويسدوا الطرق أمامها، وهذا مصداق قوله تعالى: [وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزاًّ * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِداًّ] (مريم: ٨١-٨٢) . سابعاً: سقوط القناع عن ذلك الوجه القبيح للرافضة الذين هم دائماً مع كل عدو على الإسلام والمسلمين، وهل نسي المسلمون ما فعله ابن العلقمي الرافضي الخبيث عندما سقطت بغداد على يد التتار!! فلعل هذا يدفعنا لأن نقتنع بخطر أولئك القوم، وماذا عسى (دعاة التقارب) أن يعللوا دورهم المشبوه هذا؟! ثامناً: سقوط حزب البعث، والذي حكم العراق لأكثر من ثلاث وثلاثين سنة، ولم يكن أحد يصدق أنه سيسقط قريباً أو بهذه السرعة. تاسعاً: ظهور صدق الدعاة والعلماء والمصلحين والغيورين في تحذير أمتهم المسلمة من كيد اليهود والنصارى والملحدين، وعدم اتخاذهم أولياء؛ لأن بعضهم كما قال تعالى: [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] (المائدة: ٥١) . وأن حربهم هذه ليست إلا على الإسلام والمسلمين، وأن لا تغتر الأمة الإسلامية بمعسول كلامهم، ولطف عباراتهم، وصَدَقَ الشاعر عندما قال: إن الأفاعي وإن لانت ملامسها ... عند التقلب في أنيابها العطب ولعل الأمة الإسلامية تأخذ درساً جيداً من هذه الأحداث، وتصغي لما يقوله العلماء والدعاة من تحذير لها من أعداء الله، وتفتح آذانها لهم، فهم والله الذي لا إله غيره! صمام الأمن لها. وأخيراً: إن المتفائلين والواثقين بنصر الله تعالى لدينه وأوليائه هم وحدهم الذين يستطيعون بإذن الله تعالى صياغة التاريخ، وإعادة أمجاد هذه الأمة التليدة، وهم وحدهم الذين يستطيعون البقاء ومواجهة الأحداث العصيبة المتلاحقة والمتلاطمة، أما من سواهم فهم بين طرفين؛ طرفٍ لا يرى إلا بعين السيئات فيموت كمداً وقهراً، وآخر لا يرى إلا بعين الحسنات فيغرق وهماً وضياعاً، والواجب أن يسير المسلم بكلتي عينيه. وكم نحن بحاجة إلى مثل هذا المنهج الذي يفتح لنا مجالاً واسعاً في تعاملنا مع الأحداث، نستطيع من خلاله مواجهة عدو - اليهود والنصارى (أمريكا) - هو في الحقيقة من أشرس أعدائنا، وقد رأينا كيف كشر عن أنيابه في حربه علينا، ولئن كان غير اليهود والنصارى أعداء ساعة لنا، فاليهود والنصارى (أمريكا) أعداؤنا إلى قيام الساعة بنص حديث النبي ﷺ ، حيث قال: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق، أو بدابق - موضعان بالشام قرب حلب -، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافُّوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سُبوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا، والله! لا نخلي بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم، فينهزم ثُلُثٌ لا يتوب الله عليهم أبداً، ويُقتل ثُلُثُهم أفضل الشهداء عند الله، ويَفتتح الثلثُ لا يُفتنون أبداً....» [٥] . وعن عوف بن مالك ﵁ قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك - وهو في قبة من أدم - فقال: اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يُعطى الرجل مائة دينار فيظلُّ ساخطاً، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانينَ غايةً، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً» [٦] . وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يُقاتل المسلمون اليهود، فيقتُلُهم المسلمون، حتى يختبئ اليهوديُّ من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله. إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود» [٧] . وبناءً على ما سبق؛ فالذين يحاولون إبرام صداقات مع اليهود والنصارى في ظل سلام دائم؛ فإنهم يطلبون مستحيلاً، ويلهثون خلف سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، فضلاً عن أنه تقف أمامهم عقبة كؤود لا يستطيعون اقتحامها إلا إذا تخلوا عن إسلامهم ودينهم، وهذه العقبة الكؤود نصَّان قطعيان؛ يقرر في أحدهما المولى - عز في علاه - أن اليهود والنصارى أهل الكتاب عموماً مستمرين في قتالنا حتى يردونا على أعقابنا كافرين، قال تعالى: [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] (البقرة: ٢١٧) . والنص الآخر يبين فيه المولى - عز في علاه - أن أهل الكتاب لن يرضوا عنا نحن المسلمين حتى نتهوَّد أو نتنصر، قال تعالى: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم] (البقرة: ١٢٠) . ولا أدري متى يقتنع المسلمون بأن شرفنا وعزنا - أمة الإسلام - في التمسك بديننا، والمحافظة على ثوابتنا، وخصائصنا، ومهما ابتغينا العزة في غير الإسلام أذلنا الله، ولعل في هذه الأحداث التي نعيش فصولها أكبر دليل على ذلك، ولعلها توقظ نائمنا، وتنبه غافلنا، وتعلّم جاهلنا، وتردّ شاردنا، لنرجع إلى كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ ومنهج سلفنا؛ لنستعيد شيئاً من مجدنا وعزنا، والله تعالى غالب على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.

стр. 4871

الإسلام لعصرنا سهام بوش ضد الإرهاب تصيب الروح الأمريكية في مقتل أ. د. جعفر شيخ إدريس [*] أعني بالروح هنا ما يشعر به فرد أو جماعة أو شعب بأكمله من اعتزاز بسبب ما يراه من فضل يتميز به عمن سواه؛ فضل في خصال أو علم أو مال أو قوة أو غير ذلك، سواء كان محقاً في شعوره هذا أو واهماً، والإنسان يصاب في هذه الروح حين يفقد ما كان يعتز به، أو حين يتبين له أنه ليس كما تصوره، أو حين يظهر له أنه ليس وحده الذي يتميز به، وهكذا. فما الروح الأمريكية بهذا التعريف، وكيف أصيبت؟ تتمثل الروح الأمريكية في أمرين: القوة المادية، والقيم السياسية. لا يكاد الأمريكان يكفُّون عن ترديد القول بكثير من الفخر والزهو بأنهم أعظم قوة على وجه الأرض، بل أعظم قوة في تاريخ البشرية، وأنه لن تستطيع لذلك أية قوة بشرية أخرى أن تهزمهم، وأنهم سيعيشون لذلك آمنين لا يخافون من أن تُشن عليهم حرب أو يغلبهم عدو، فمخزونهم من أسلحة الدمار الشامل وغيرها لا مثيل له، ولا مثيل لقواتهم العسكرية في عددها وعدتها وتدريب أفرادها. وهي ما تزال تطور كل هذا وتنفق عليه ما لا تنفق دولة أخرى على وزارة دفاعها، فميزانية البنتاجون تساوي الآن مجموع ميزانيات الخمس وعشرين دولة التي تلي الولايات المتحدة في القوة العسكرية، ويقال إنها ستكون بعد بضعة أعوام أكثر من ميزانيات كل وزارات الدفاع في العالم مجتمعة. وهذا يعني أن هذه القوة العسكرية الهائلة وراءها اقتصاد قوي، بل يقال إنه أقوى اقتصاد في العالم. ثم وقعت حوادث نيويورك وضُربت أمريكا لأول مرة في تاريخها في عقر دارها. وقد كانت الواقعة وحدها كافية لتبدد شيئاً من ذلك الشعور بالأمن، لكن إدارة بوش أرادت استغلالها كما يقول كثير من الأمريكان أنفسهم لتنفيذ أجندة كانت قد أعدت سابقاً، فصارت في سبيل ما تسميه بمحاربة الإرهاب تهوّل من الأمر وتذكّر المواطنين في كل مرة بأن هنالك خطراً ماثلاً ارتفعت درجته اليوم إلى كذا، انخفضت إلى كذا، ارتفعت مرة أخرى إلى كذا، وهكذا. تحول ذلك الشعور بالأمن إلى خوف دائم، كان سهماً في المقوم الأول من مقومات الروح الأمريكية، ومما زاد من الخوف بل والهلع أن بعض المختصين يرون أن حكومة بوش لم تقم بما يجب من المحافظة على أمن البلاد، فهذا أحدهم يقول في مقال له: «إن الرئيس جورج بوش قد أفرد الهجوم الإرهابي النووي على الولايات المتحدة بأنه التهديد الحقيقي الذي ستواجهه الأمة في المستقبل المنظور. في مواجهته لهذا الخطر أكد بأن » الأسبقية العليا للأمريكان هي أن يحُولوا بين الإرهابيين وامتلاك أسلحة دمار شامل «، لكن كلماته لم يتبعها حتى الآن عمل [١] . وإذا كان الرئيس بوش قد عجز عن أن يتبع قوله بعمل يراه هذا الكاتب لازماً؛ فإنه قد قام بأعمال أخرى رأى أنها هي التي ستساعد على تسديد ضربات موجعة للإرهابيين، لكن تبين أنها سهام تصيب في الوقت نفسه المقوم الثاني من مقومات الروح الأمريكية. وذلك أن الأمريكان يعتقدون أن نظمهم السياسية والقضائية هي أحسن النظم وأعدلها [٢] ، وأن دستورهم الذي كُتب في القرن الثامن عشر هو أحسن وثيقة كتبها بشر (بل يبالغ بعضهم فيزعم أنها كانت إلهاماً من الله تعالى!) . ومما زادهم فخراً بهذا وفتنة به؛ أنهم رأوا الناس في العالم كله تقريباً يثنون على نظمهم هذه ويعدونها المثال الذي يجب أن تحذو الدول الأخرى حذوه. وكان الأمريكي إذا خرج سائحاً قوبل بالترحاب والاحترام في دول العالم كله تقريباً. ثم انقلب كل شيء بفضل سياسة بوش في محاربة ما يسميه بالإرهاب التي هي في حقيقتها محاربة باسم الدين المسيحي للإسلام. ماذا بقي للولايات المتحدة لتفخر به؛ أبرئيس يتهمونه كما لم يتهموا رئيساً قبله بكثرة الكذب؛ حتى إنهم ليؤلفون الكتب في هذا، ويتخذون له مواقع على الشبكة؟ أبحكومة تبيّن لهم أنها خدعتهم وغشتهم حين سوغت هجومها الظالم على العراق بحجة امتلاكه لأسلحة دمار شامل؟ (كيف يكون الحكم باسم الشعب إذا كان من يختاره الشعب يخدعه ويفعل ما لا تريد أغلبيته؟) أباحتجاز المئات من الشباب المسلم (بل بعض الأطفال بتعريف قانونهم) في جزيرة نائية بتهمة الإرهاب وعدم تقديمهم لمحاكمة وعدم السماح لهم بمحامين؟ أبسنّ قوانين جديدة تتعارض مع كل ما كان يعتز به الأمريكان من قيم الحرية والعدالة؟ أباكتشافهم بأنهم أصبحوا دولة بل شعباً مكروهاً يستحيي الواحد منهم الآن أن يصرح إذا ذهب إلى الخارج بأنه أمريكي؟ أبما يعرفه الكثير منهم الآن من قصص في معاملة المتهمين من المسلمين حتى في داخل الولايات المتحدة؟ قبل بضعة أيام عقد أحد المحامين الذين كانت الدولة قد عينتهم (بحكم قوانين سابقة) للدفاع عن متهمين مسلمين فقراء لا يملكون ما يستأجرون به محامياً. عقد هذا الرجل مؤتمره بعد أن كان من دافع عنهم قد أُدينوا، قال الرجل كلاماً فحواه أنه سيقال لكم إن هؤلاء الشباب إرهابيون وإنهم مجرمون. ثم قال إنه لم يكن يعرف شيئاً عن الإسلام ولا المسلمين حتى كان اتصاله بهؤلاء الشباب، فأثنى على ما وجد فيهم من خلق مثالي، وضرب لذلك مثلاً بواحد منهم، قال إنه حصلت مساومة بينه وبين متهميه (من المخابرات) بأن يعترف ببعض الجرائم في مقابل إسقاط بقيتها عنه، وأن عقاب ما يعترف به لن يزيد على سنتين، مع أن عقابها كلها يصل إلى أكثر من ١٠٠ سنة، يقول إنه وافق، لكنه عندما رأى الورقة التي طُلب منه أن يوقّع عليها، قال إن هذه كلها أكاذيب، فأنا لا أستطيع أن أحلف بالله على شيء أعلم أنه كذب مهما كانت النتيجة. قال المحامي: من منا يفعل هذا؟ وقال: إنني لا أقول فقط إن هذا الشاب لا يكذب، بل أقول ما أظنه يعرف حتى كيف يكذب! ونقول نحن إنه إذا كان من شأن الأكاذيب والاعتداءات الظالمة والاتهامات الباطلة أن تفت من روح الأمة الأمريكية؛ فإنها بحمد الله تعالى تقوّي من روح المسلمين منهم، وتزيدهم ثقة بدينهم واعتزازاً به. وقد كانت السهام الموجهة إلى المقوم الثاني من مقومات الروح الأمريكية أكثر إيلاماً وأشد تأثيراً، تجد التعبير عنه في كثرة ما قيل ويقال عنه في وسائل الإعلام مسموعة ومشهودة ومقروءة، فهم الآن يناقشون أموراً كانوا يعدُّونها من مسلَّمات حضارتهم، وصدق الله العظيم: [وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِه] (فاطر: ٤٣) .

стр. 4872

نص شعري أماه.. وأنت على فراش المرض عبد الغني التميمي عيناكِ دجلة والفرات ... تدفّقا خصباً وماءْ نهران لم يتوقفا ... أو يوقفا دفق العطاءْ فَسَخِيَّتَانِ لدى الودا ... عِ سخيَّتان لدى اللقاءْ كل الدموع كذوبة ... لم تخلُ من شوب الرياءْ إلا دموعكِ إنها ... مَثَلُ المحبة والوفاءْ * * * أمّاه أعذب همسة ... همس الزمان بمسمعي أمّاه لا تتوجعي ... يكوي أنينكِ أضلعي نفسي فداكِ من السقا ... مِ ومقلتاي.. وأدمعي في حضنكِ الهادي ... أعيد طفولتي.. فتربّعي مهما كبرتُ فإنني ... أهفو لتلك الأذرعِ * * * أمّاه: أقرأ في عيو ... نِكِ قصة الوهن المريرةْ أمّاه: أُبصر في يدَيْكِ ... نسيج أضلاعي الصغيرةْ وأظل من شفتَيْكِ ... أنهل قُبلة المهد المثيرةْ يَسري نداها في دمي ... برداً كبرد القشعريرةْ وأعود طفلاً طاعناً ... أمضي على تلك الوتيرةْ * * * أمّاه! في هذي الأخاديد العميقة في الخدودْ ... أبصرت مطرقة الليالي تستبد بلا حدودْ ... في كل أخدود مسيرات من الهمّ الشديدْ ... شهدت عليها رحلة الآلام في العمر المديدْ ... * * * أمّاه! كيف تطيق نفسي أن تقولي آهْ ... تفديك أنفاسي ونفسي اليوم يا أمّاهْ ... لا فضل لي في هذه الأنفاس أو هذي الشفاهْ ... أنت التي غذّيتِها وسقيتِها ماء الحياةْ ... فدمي وأعضائي جميعاً من دمائكِ مستقاةْ ... أمّاه! في عينَيْكِ ألوان من الترياقْ ... شفتاكِ صانعتا الحنان مقيمتان على وفاقْ ... كل الشفاه مزيّفات اللثم تصطنع النفاقْ ... إلاّ شفاهكِ فهي صادقة التبسم والعناقْ ... فتغرّدان لدى اللقاء وتدعوان لدى الفراقْ ... * * * أمّي! وأحزاني إذا ما قلتُ أمي تختفي ... وأعود طفلاً تأتسي خطوي الحياة وتقتفي ... ويرف قلبي للرجاء وكاد حزناً ينطفي ... وأرى جماد الصخر يورق للّقاء ويحتفي ... فأعيد في ضوء ابتسامتكِ الحبيبة موقفي ... * * * أمّاه! دوحةَ أسرتي.. ما زال ظلكِ وارفَا ... ناديتِ باسمي.. فانتشى قلبي وأقبل راجفَا ... هذا خويدمك المدلّل عند رجلكِ واقفَا ... أنا لو قدرت جعلت جسمي دون جسمكِ نازِفَا ... وجعلت من جلدي لجرحكِ مرهماً ولفائفَا ... * * * ناديتني باسمي فكدت إليكِ من فرحٍ أطيرْ ... مجدي إذا قبَّلتُ رجلكِ - إن قبلتِ - بلا نكيرْ ... ووضعتُ خدي تحتها فغدا لأخمصها حصيرْ ... وغفوت كالطفل الصغير بجانب القلب الكبيرْ ... فتجاوزي تقصير خادمكِ الصغير بل الحقيرْ ...

стр. 4873

نص شعري إلى غيمة عز الدين سليمان سليمان .. واملئي كفَّيْكُ بالرَّعد ... ... وهزي الأفقَا شجر البرقِ مضى معتذراً لم يعدْ يسكبُ في ثغر خوابينا ... ... سناه الأزرقَا وقطيعُ الغيم لا يثغو فلا أَوَّله غيثٌ ولا آخره وعلى أطراف وديان السَّماء ... ... اختنقَا وحدَكِ الأنثى وهذا الأفق العاقر لا يخجلُ جُرِّي ذيلَ فستانكِ ... ... واسقي الطُّرقَا العصافيرُ بلا أجنحة تزحفُ للماءِ العناقيدُ تصلِّي، والرَّياحينُ وتوتُ الجبلِ البرِّيُّ لا يعرف طعم النَّومِ ... ... لا يشربُ إلا الأرقَا وغزالُ القلبِ في مرعاه يبكي وسرابُ البادياتِ احترقَا عطشٌ يرقصُ في منديله دمعةُ الرَّاعي وأشباحُ السَّواقي وحماماتُ النَّدى المذبوحِ، ... ... جوعٌ صفَّقَا وحدَكِ الأنثى اقرئي في دفتر الرِّيحِ ... ... دعاءَ الأرضِ طوفي في برارينا ... ... ورشّي العبقَا واملئي كفَّيْكُ بالرَّعد وطوفي إنْ يكنْ نبعاك جفَّا فاشربي من نبع أشعاري ... وشُمِّي في يديَّ ... ... الحبقَا

стр. 4874

نص شعري بين.. بين عبد الرحمن بن صالح العشماوي ما تركنا الليلَ ممدودَ اليدينْ ... بل فتحنا بابَه للمشرقينْ وتركنا الشمس تطوي ثوبَه ... وتركناه رهينَ المحبسينْ وتركنا كلَّ مخدوعٍ به ... حائراً، يسأل: أين الليلُ، أينْ؟ لا تَسَلْ فالليل لا يبقى إذا ... أقبل الفجر عريضَ المنكبينْ مُشرقَ الوجهِ على بسمته ... أثر التغريد بين الشفتينْ حينما اهتزَّ حراءٌ للهدى ... وأضاءَ النورُ وجهَ الأخشبينْ وارتوتْ مكة من زمزمها ... ورأتْ غارَ حراءٍ رأيَ عينْ ورأتْ بطحاؤها أنَّ الذي ... ينذر الناسَ نبيُّ الثقلينْ وسرى الإيمانُ في وجدانها ... يشرح الصدر ويجلو المقلتينْ لا تسلني ما جرى من بعد ما ... هزَّت الأمجادُ صدرَ الخافقينْ بعد آلاف البطولات التي ... كتبتْها الشمسُ بين الدَّفتينْ لا تسلْ عن حالنا من بعد ما ... رفع المجد لنا لافتتينْ بعد أنْ سلَّمت الروم لنا ... وبكى قيصرُ بُعْدَ الغُوطتَينْ وبكى كسرى على إيوانه ... ومحونا ظُلْمَه في جولتينْ لا تسلْ عن حالنا من بعدها ... حين أصبحنا أذلَّ الفرقتينْ ورفعنا قَدْرَ أعداءِ الهدى ... ومنحناهم خَراج الضِّفتَين لا تسلْ عن أمةٍ لاهيةٍ ... غرقت من لهوها في لُجَّتَيْن باعت الأقصى فلا تنظر إلى ... أمّة ضحَّتْ بأولى القبلتين أمةٌ لاهيةٌ لا تَعتلي ... ويحَها إلا بحذف النُّقْطَتَينْ لا تسلْ عن كثرة القوم فلم ... تُجْدِنَا كثرتُنا يوم حُنينْ إنما ضيَّعنا من قومنا ... مَنْ إلى الأعداءِ أصغى الأذنينْ يا بني قومي! أرى سكرتكم ... أنزلتكم عن مقام الفرقدينْ كيف يُغريكم سرابٌ كاذبٌ ... كيف أحفَيْتُم إليه القدمينْ؟! يا بني قومي! أفيقوا إنما ... يخسر الجولةَ أغوى الجانبينْ إن أعداء الهدى لن يرتووا ... لو سقيناهم بماءٍ الرَّافدينْ أو جعلنا كلَّ غربيٍّ على ... بئر نفطٍ وأضفنا حفرتينْ أيها السائل عني، إنني ... أرقب الأحداثَ مبسوط اليدينْ لم أزل أشعر أني مسلمٌ ... للضحايا عنده حقٌ ودَيْن لا تقلْ قد نام حزني إنه ... لم يزل يرمق وجداني بعَيْن أيها السائل! خُذْها حكمةً ... واسقِ منها كلَّ غاف شربتينْ يغرق الإنسانُ في ذِلَّتهِ ... حين يبقى تائهاً ما بينَ بَيْنْ

стр. 4875

نص شعري عام أطل ..!! رشا عبد اللطيف الكردي عام أطل.. نادى فحي على العمل.. هيا لنمزج همّة معها أمل.. نبني صروح المجد تشمخ فوق أنقاض الكسل.. عام أطل.. لا للكلل.. لا للملل.. ولئن أطل البؤس يوماً فاصبروا.. فلبؤسنا حتماً أجل.. وسينقضي إن شاء ربي.. والجراح ستندمل.. * * * مهما تعثرت الخطى.. مهما دجى ليل الفتور.. سيظلّ دين الله منصوراً على مرّ العصور.. وتمرّ أحقاب عِجاف.. ويسود أمتنا خِراف..!! نرنو إلى الماضي ونهتف حسرة: «إنا ضِعاف..!! همّ الجدود كهمّنا.. لكننا حقاً.. ضِعاف..!!» * * * ونظل نجرع حزننا.. نبكي مآثر عزنا.. لكننا.. نخشى السباحة في بحور الهمة العليا.. فنرضى بالضفاف..!! ولعجزنا بدلاً من السعي الدؤوب إلى ثراء الفكر.. نرضى بالكفاف..!! ونظلّ نهتف حسرة: كم نحن يا قومي ضعاف.. * * * عام أطل ونزفنا لا ليس ينفد.. وعدوّنا - تباً له! - ما زال يرغي فوق أظهرنا ويزبد.. أنظلّ أسرى العجز نشجب أو نندّد؟! أنتيه في سكرات أوهام.. ونهتف: سوف نصمد؟! وعلام نصمد؟ أَعَلَى تلاحمنا؟ تكاتفنا؟ رباطة جأشنا؟ إصرارنا؟ وجِلادنا؟ أم بالهوان نظل نصمد؟! حتام يا قومي نظلّ مكاننا؟ حتام نرزح تحت وطأة ذلّنا وصَغارنا؟ حتام نرضخ للوهن؟ حتام تصهرنا المحن؟ أوَ نحن يا صحبي ضِعاف؟ لسنا ضعافاً أمتي..!! لسنا ضعافاً أمتي..!! لسنا ضعافاً أمتي..!! ما نحن إلا شامة يزهو بها صدر الزمن..!! هيا لنجمع شملنا كي لا تشتّتنا الإحن.. هيا نجدّد عزمنا.. هيا لنبني صرح نصر لا تهدده الفتن.. هيا بنا.. الموت سحقاً للعدو الحق: خضراء الدِّمن..!!

стр. 4876

البيان الأدبي في استطلاع أدبي للبيان.. أين تمضي الندوات الأدبية في الرياض ؟! د. محمد شلال الحناحنة * أهم الندوات الأدبية: تنفرد مدينة الرياض من بين العواصم العربية والإسلامية بكثرة ندواتها الأسبوعية والشهرية المنعقدة في بيوت مثقفيها وأدبائها، والتي تزيد عن إحدى عشرة ندوة، فلا تخلو ليلة من الأسبوع دون ندوة أو لقاء أدبي ثقافي، وقد بدأت بعض الندوات نشاطاتها منذ أكثر من أربعة عقود؛ إذْ يؤمها الشباب والشيوخ من المثقفين والمتابعين من داخل المملكة وخارجها من الضيوف الزائرين، ومن العلماء والأدباء، وكبار رجال الفكر والثقافة، وهي لا تتوقف إلا في إجازة الصيف والعيدين. وقد قامت البيان باستطلاع لهذه الندوات، ورصد أدبي تحليلي لها من خلال لقاءات مع نخبة من الأدباء، ومن هذه الندوات: * (ندوة الوفاء) في منزل الشيخ أحمد باجنيد، وأسسها الشيخ الأديب عبد العزيز الرفاعي ﵀، وهي من أوائل الندوات التي نشطت في الرياض، وتطرح موضوعات فكرية وثقافية وأدبية متنوعة، وفي نهايتها أمسية شعرية. * (ندوة الدكتور راشد المبارك) ، وتتميز بطابعها العلمي، والفكري، وتركيزها على الحوار، وقد تنفرد أحياناً بأمسية أدبية حين يكون ضيفها أديباً أو ناقداً. * (ندوة الشيخ عثمان الصالح) ، وموضوعاتها حسب شخصياتها المدعوة من رجال البلد أو الشخصيات المرموقة الزائرة. * (ندوة النخيل) ، تقام في منزل الأستاذ الدكتور محمد بن سعد بن حسين، وهي متنوعة في موضوعاتها، وتعقد مساء الثلاثاء من نهاية كل شهر، وهي ذات طبيعة منهجية نقدية في تناول ما تطرحه. * (ندوة الدكتور اللواء أنور عشقي) ، وهي فكرية ثقافية تعقد كل أربعاء. * (ندوة الأستاذ إبراهيم المبارك) ، وهي أدبية ثقافية تعقد كل أحد. * (خمسيّة الشيخ العلامة حمد الجاسر ﵀) ، ولها إيقاع متميز في نفوس كثير من المثقفين لما تطرحه من آراء، وتقوم به من نشاط أصيل. * (ندوة الشيخ أبي عبد الرحمن الظاهري) ، ويؤمها كوكبة من المثقفين والباحثين والأدباء. * (ندوة الدكتور إبراهيم العواجي) ، وهي أدبية فكرية. * (ندوة الأستاذ محمد المشوّح) ، وهي ثقافية أدبية متنوعة. * (ندوة الشيخ سعود الربيض) ، وغالباً يكون موضوعها حسب المدعو، كلٌّ في تخصصه وما لديه، وهي متنوعة في نشاطاتها من أدبية وفكرية وثقافية، وتُعقد كل أسبوعين بعد صلاة الجمعة. وهناك ندوات شبه رسمية مثل (ندوة نادي الرياض الأدبي) ، و (ندوة دائرة الثقافة والفنون) ، و (ندوة رابطة الأدب الإسلامي العالمية) ، وغيرها من الندوات. * ما دلالة كثرتها؟! أمّا القضيّة التي نطرحها بعد تعرّفنا على هذه الندوات بإيجاز، فهي: ما دلالة كثرتها وتنوّعها؟ وما إيجابياتها؟ وهل لها من سلبيات على الثقافة والفكر والأدب؟ أيبشّر المستقبل بزيادتها أم بنقصها؟ * عطر الرياض: لإثراء رؤيتنا التقت (البيان) عدداً من الأدباء والمثقفين والمتابعين، فكان لقاؤنا الأول مع الأستاذ الدكتور عبد القدوس أبو صالح رئيس (رابطة الأدب الإسلامي العالمية) ، يرى الأستاذ الدكتور عبد القدوس أن في هذه الندوات إثراءً للفكر والثقافة والأدب، وقد خرّجت بعض الأدباء المشهورين اليوم، بل هي تعطّر جوّ الرياض بأريجها الثقافي والأدبي، وتستقطب أعظم النشاطات الثقافية في هذه المدينة، وإن كان يحصل فيها بعض المجاملات على حساب الأدب! * حاجتنا إليها في ظل التغريب: وإن كان في الندوات الأدبية إثراءٌ للفكر والأدب؛ إلا أن ثغراتها تتجاوز مجرد المجاملات على حساب الثقافة والأدب، كما يشير الأستاذ الدكتور عبد القدوس أبو صالح. وجاء ضيفنا الكاتب المسرحي علي الغريب ليؤكد ما ذهبنا إليه، فبيّن بعض إيجابياتها - الكثيرة بالطبع -، ولمْ يُخْفِ ما ينقصها فقال: «إن الرياض تُعدّ من أهم المدن العربية والإسلامية التي تحظى بهذا العدد الكبير من الندوات الأدبية؛ مما يمثل رافداً متجدداً ومتنوعاً ينهل منه طالبو الثقافة والأدب، فأصبح لا غنى عنها، بل نحن في مسيس الحاجة إليها في ظل عاديات التغريب التي شوّهت لغتنا، وثقافتنا الأصيلة، وهي وشيجة مهمة يجتمع أصحاب الاهتمام المشترك من خلالها يفيدون ويستفيدون، كما أنها بدائل مهمة لنشر اللغة والأدب خارج أسوار الجامعات، فمرتادوها من جميع المستويات، والكل يأنس بها وينتفع! لكنني أطمح أن تتجاوز هذه الندوات الجانب التنظيري إلى الجانب التطبيقي، فتقدم قراءات في الكتابات الجديدة، وتتناولها بالنقد والتقويم في حضور صاحب العمل ليسمع تقويم عمله، وَيُنَبَّه إلى ما وقع فيه فلا يعود إليه؛ لأن الجانب التنظيري مكانه في الجامعات والمعاهد الأكاديمية، أما هذه الندوات فينبغي أن تكون مجالاً للتدرب على التفكير والبحث والإبداع» . * النقد الغائب: تُرى أين تمضي هذه الندوات؟ أين إبداع الشباب فيها؟ وما تقويمه؟ وهل تقبع كثير من نشاطاتها في الجانب التنظيري - كما يرى الكاتب علي الغريب -؟ أليس النقد المتابع غائباً في معظمها؟ ألا يشير ذلك إلى عدم تطورها النوعي والإبداعي؟ أَمَا يُشعر أنها ما زالت صورة مكررة من بعضها بأدبائها وحتى جمهورها؟ أليست هذه الأسئلة مهمة إلى حد ما؟ * تواصل جميل: ولمزيد من إلقاء الضوء على هذه القضية التقينا في إحدى الندوات الإعلاميّ الأستاذ عوض حسين الشلالدة، وهو عضو كبير في الجمعيات الإعلامية والنوادي الثقافية، فقال: سأتحدث بصراحة عن إيجابياتها وثغراتها، لا سيما أنني أواظب على حضور معظمها منذ سنوات، فبصفة عامة هي مجال للطرح الفكري والأدبي والثقافي الجادّ، لإخراج الأدب والفكر والثقافة من الانعزال عن هموم المجتمع ونبضه في آلامه وآماله، فأرى أنها احتياج أدبي وثقافي فعلي، وتواصل جميل يساعد في تفعيل الدور الأدبي والثقافي والمعرفي مما يبهج النفس ويسر الخاطر، كما أجد أن طرح الموضوعات الذي يُقدَّم في هذه الندوات أكثر فاعلية وصدقاً وصراحة مما يُقدَّم في المنابر الثقافية الرسمية المعتادة، لا سيما إذا صدر هذا من مختص عالم بجوانب موضوعه. كذلك تسهم هذه الندوات في دفع الحركة الأدبية والثقافية المحلية والعربية، فترصد المشهد الثقافي السعودي خاصة والعربي عامة بأطيافه المتنوعة؛ إذ تقوم بعضها بتكريم المبدعين والمتميزين من علماء ومفكرين وأدباء ورموز لهذه الأمة داخل المملكة وخارجها لتوثيق مسيرتهم العلمية والأدبية، ولذا تظل مجالس علم وتنوير، وملتقى النخبة المثقفة والناشئة من الشباب الواعد، ومشهداً من مشاهد التكوين الثقافي لهذه الأمة الإسلامية رغم ما يحيط بها من أسى ومواجع! أمّا ما آمل استدراكه في نشاطاتها: - تسجيل النص أو المحاضرة أو الأمسية وطبعها؛ إذ يُغفل عن ذلك في معظم الندوات. - الحرص على الاهتمام بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب؛ إذ ينقصها أحياناً التخطيط الفاعل، لذلك تجد أن المحاضرة باهتة لا جديد فيها. - قد نلمس في بعضها أنها محصلة مظهر اجتماعي معين، وليس لها هدف واضحٌ في خدمة الأدب والثقافة. - تغيير الأوقات لانعقادها أحياناً يربك عملها وأهدافها؛ مما يؤثر في جمهورها والمهتمين بالفكر والثقافة. - نلاحظ أن بعض الندوات تفتقر إلى معايير النقد والتقويم العلمي والفني لما يطرح فيها؛ مما يفقدها القدرة على التواصل أحياناً مع مرتاديها «. ولعلي أزيد على مآخذ الأستاذ عوض الشلالدة: انتهاء بعض الندوات إلى ما بعد منتصف الليل؛ مما يعطل على الناس أعمالهم وعبادتهم فجراً، ليعودوا مرهقين متعبين، ولعل هذه المسألة تتعلق بثغرة أخرى، وهي اعتذار بعض المدعوين في اللحظات الأخيرة أو تأخرهم عن الموعد المحدد؛ مما يربك نهج الندوة ونشاطها في البحث عن البديل، على أن ذلك لن يُنْسينا تلك المحبة والتواصل والألفة بين صاحب الندوة ومدعويه وزوّاره وجمهوره، بل بين أفراد الجمهور أنفسهم؛ مما يصنعه دفء اللقاء المتجدد، وشفافية الحوار الأدبية الواعية، والإنصات والشعور المرهف المتفتح للرأي الآخر، ورحابة الصدر في تقبل النقد، والتواضع في تقويم الذات مهما علت مرتبتها! ومن روعة هذا الدفء والتواصل والمحبة الصادقة رؤيتي الدكتور راشد المبارك يتفقد الأدباء والمثقفين الحاضرين والمدعوين، ويحييهم واحداً واحداً بلهجة حارة، مبيناً أنه يتشرف بلقاء وحوار هذه العقول النيرة، وتغمره السعادة والبهجة حين يرى هذا الجمهور المتعطش للفكر والحوار والأدب، ويقوم ليلتقي زواره عند الباب ليلة ندوته، فيبشّ في وجوههم، ويرحب بمقدمهم، ويودّعهم بطريقة طيبة مماثلة. كما سرني أن أرى الشيخ أحمد باجنيد صاحب (ندوة الوفاء) يفعل مثل ذلك، ويسأل عن الغائب، وقد يكلف أحد أبنائه بالاتصال به، والسؤال عن أحواله، وسبب تأخره! * زينة المجالس: ويحدثنا الدكتور عائض الردادي في كتابه (الندوة الرفاعية) فيعطينا نموذجاً معبراً عن ندوات الرياض، وقد سمعت حديثاً شبيهاً به في جلسة أدبية قبل أيام: (كانت الندوة زينة المجالس في رقي حوارها، فالحوار يدور على مستوى رفيع، يتعرف من يحضره على حوارات الرجال والمثقفين وآدابها، وحسن الكلام، وحسن الصمت، ويرى بعينه أن مجالس ذوي الفضل مدارس آداب، ومعاهد ثقافة، وأنها راحة للنفس، وواحة الوجدان، وسلوة للحزين الحيران) [١] . * من نبض القوافي: تظل هذه الندوات واحات خضراء في صحراء الحضارة المادية الحديثة، وكان للقوافي الشفيفة دورٌ في نظم عقودها النفيسة، فهذا الشاعر أحمد سالم باعطب يحيي ندوة معالي الشيخ عبد العزيز الرفاعي ﵀ بمناسبة مرور عشرين عاماً على تأسيسها، وأنشدها في أوائل عام ١٤٠٠هـ بعنوان: (ينبوع يشعّ ضياءً) . نبعٌ تدفق في الرياض سناءَ ... ينسابُ سمحاً رائقاً وضّاءَ تتعانق الأفكار فيه طروبةً ... وتطيب في ثغر الزمان غناءَ تَسْري النّسائم منه عاطرة النّدى ... تروي الليالي الخالدات عطاءَ أما الشاعر الدكتور زاهر بن عواض الألمعي فيراها روضة غنَّاء فواحة الشذى، وكأنها سوق عكاظ في تنافس الأدباء والشعراء فيقول في إحدى قصائده: هي الروضة الغنَّاء فوَّاحة الشذى ... تميس اختيالاً بالعطر ورودها ... هي الغيث هطّالاً سخياً متى اغتذت ... به ممحلات العود أَوْرَقَ عودها ... هي المنهل الرقراق عذبٌ نميره ... إذا نهل الروّاد طاب ورودها ... ويرتادها من كل قطر فطاحلٌ ... فكل خميس جاء باليُمْن عيدها ... كأنَّ (عكاظ) الشعر عاد مجدّداً ... و» حسان «و» الأعشى «و» كعب «شهودها ... » وقُسٌّ «يباري بالفصاحة» أكثماً « ... و» عمرو «يغذيها ويشدو» لبيدها « ... أما الشاعر الدكتور حيدر الغدير فيجد الرياض بندواتها وأدبائها حدائق وخمائل يفوح عطرها أصالة وهدى فيقول: قالوا الرياض حديقة وجنان ... قد زانها الأحبابُ والإخوانُ سَمِقَتْ بعزٍّ من خيار رجالها ... المكرمات لفضلهم عنوانُ وتلذُ فيك خمائلٌ وجداول ... ويضوع فيك الفلُّ والريحانُ وتجود فيك قرائحٌ وبلابلٌ ... هم للأصالة والهدى فرسانُ ولكل معنى عبقري منبعٌ ... فيه التلاقي والوصال جُمانُ ولأمّنا الفصحى عكاظ يلتقي ... فيه النبوغ الثَرُّ والأقرانُ

стр. 4877

البيان الأدبي مسرحية حديث موسى !! محمد علي البدوي - هل أتاكم حديث موسى؟! المنظر أمام مسجد قرطبة العظيم يظهر موسى بن نصير متوشحاً سيفه يتأمل روعة البناء ودقة التصميم، يدخل فجأة موسى بن أبي غسان يضع يده على كتفه الذي يثعب بالدم والسيف باليد الأخرى ... موسى: يا الله.. يا لروعة البناء! ابن أبي غسان (يدخل فجأة وهو ينزف) : آه.. أ ... أ.. السلام عليك يا أخا الإسلام! موسى (فزعاً) : ورحمة الله وبركاته.. ما الذي أصابك يا بني؟ ابن أبي غسان: لا شيء.. جرح وسيندمل.. ولكن أنت!! ما الذي شغلك عن المواجهة؟ موسى (يساعده في الجلوس) : وأي مواجهة؟ .. هل بدأت الحرب؟ ابن أبي غسان: بدأت!! الحرب توشك على نهايتها.. ولم يتبق لنا سوى غرناطة؟ موسى: غرناطة! ماذا يحدث هنا؟ ابن أبي غسان: من أنت يا سيدي؟ موسى: أنا موسى بن نصير. ابن أبي غسان: يا الله!! موسى بن نصير الفاتح العظيم. موسى: لا عظيم إلا الله.. ومن أنت؟ ابن أبي غسان: الأمير موسى بن أبي غسان.. قائد المقاومة المسلحة في غرناطة. موسى: مقاومة فقط! .. وأين جيش الإسلام؟! لقد تركناها لكم مؤمنة موحدة. ابن أبي غسان: إيه يا موسى.. إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك؟ موسى: ويلكم.. ثكلتكم أمهاتكم.. وأين هو أميركم؟ ابن أبي غسان: وما أضاعها إلا أمراؤها.. إنه يختبئ كالفأر المذعور في جحره. موسى: لا حول ولا قوة إلا بالله.. رحماك يا رب! ابن أبي غسان (يأخذ في النهوض) : ادعوا لنا يا موسى.. فالأعداء على أسوار غرناطة.. الوداع. موسى (متشبثاً به) : وأي أعداء؟! ابن أبي غسان: إيزبيلا، وفرناندو.. لقد ابتلعوا البلاد.. ولم يتبق لنا سوى غرناطة. موسى بن نصير: وهل ستقاتلهم وحدك يا موسى؟ ابن أبي غسان: الله معي.. ولن يخذلني.. إما النصر وإما الشهادة.. الوداع! (يخرج) . موسى: بورك فيك يا بني.. امض إلى نصرك أو شهادتك. (يدخل الشاب موسى وتبدو عليه آثار المدينة الحديثة والتقليد الأعمى ويأخذ في الهذيان كالمخمور) الشاب موسى (يشير لموسى بن نصير) : إيه.. أنت.. هل أنت مرشد سياحي؟ موسى: ويلك.. انظر ماذا تقول؟ الشاب: أنت تجيد العربية إذن.. جميل.. جميل. موسى: أنا عربي مسلم.. من بلاد الله. الشاب: وما الذي جاء بك إلى بلاد بني الأصفر.. أيها المسلم؟ موسى: جئنا لننشر دين الله.. في أرض الله. الشاب: على فرعون يا هامان! .. لقد جئت من أجل حسناوات بني الأصفر. موسى: أنت معتوه ولا شك! الشاب: ها.. ها.. كلنا في الهواء سواء.. لا بأس.. سأدلك على حاناتهم. موسى (في نفسه) : لا حول ولا قوة إلا الله.. الرجل مخمور. الشاب: ماذا تقول؟ .. منصور.. اسمك منصور. موسى: أنا القائد المسلم.. موسى بن نصير. الشاب: موسى.. أبو نصير.. وأنا أيضاً موسى.. ولكن أين طارق بن زياد؟! .. يبدو أنه سبقك إلى الداخل (يغمزه في جنبه) . موسى (شاهراً سيفه) : تأدب يا هذا.. وإلا..! الشاب (في رعب) : ما.. ما هذا.. سيف.. يبدو أن الأمر جد لا هزل فيه! موسى: وهل جئنا إلى هذه البلاد من أجل الهزل والعربدة.. كما تفعلون.. الشاب (متوسلاً) : أ.. أ.. المعذرة يا سيدي.. كلنا يفعل ذلك. موسى: سحقاً لكم.. تهزمكم شهواتكم.. وتريدون النصر على أعدائكم. الشاب: و.. و ... وماذا تريدنا أن نفعل؟ موسى: ويلكم.. وهل نسيتم دوركم في الحياة.. عمارة الأرض بشرع الله. الشاب: فاستسلمتم وركنتم إلى الدنيا.. ورضيتم بالذل والعار. الشاب: حتى حين.. حتى حين يا سيدي. موسى: حتى يتمكن الأعداء من رقابكم.. أم تسعى إليكم أجالكم؟ الشاب:..... موسى: كم هو الفرق واسع.. بين موسى الذي يسعى إلى حتفه وموسى الذي يسعى إلى شهوته؟ الشاب: وهل هناك موسى غيرنا.. يا سيدي؟ موسى: الأمير موسى بن أبي غسان.. حتى أجدادكم وأبطالكم تنكرتم لهم! الشاب: هوّن عليك.. يا سيد موسى! موسى: سأفعل.. يبدو أنني جئت في الزمن الخطأ وفي المكان الخطأ (يهم بالخروج) . الشاب: هل ستغادرنا يا موسى؟ موسى: يبدو ذلك.. ولكن دعني أقدم لك هذا السيف (يناوله) فقد تحتاج إليه يوماً ما.. الوداع! (يعود موسى بن نصير إلى يمين المسرح ويقف كتمثال قديم من صخر بينما يتأمل الشاب السيف ويعود إلى هذيانه) الشاب (يضحك) : ها.. ها.. سيف!! ما كل هذا العنف يا موسى؟ حسناً .. سأعود به إلى البلاد فقد أبيعه بثمن باهظ فهو كنز أثري لا يقدر بثمن.. وقد أحتاج إليه فعلاً عندما أمتطي صهوة فرسي الأبلق.. وأشق الصفوف.. مكبراً: الله أكبر.. يا خيل الله اركبي.. ها.. ها.. ها! (يدخل مجموعة من الجنود يتقدمهم الضابط ويحيطون بالشاب) الضابط (يشير إلى الشاب) : إنه هنا.. اقبضوا عليه بالجرم المشهود. الشاب (مرعوباً) : أ.. أ.. أنا.. وماذا فعلت؟ الضابط: نحن من قسم مكافحة الإرهاب.. وكنا نراقبك منذ دخولك البلاد.. فأنت عربي ومشبوه في بلادنا. الشاب: أ ... أ ... أنا.. أنا. الضابط: نعم أنت.. كنت تخطط لعمل إرهابي كبير.. وهذا السيف هو أداة الجريمة. الشاب: إنه.. إنه سيف موسى بن نصير.. لقد كان هنا منذ فترة. الضابط (يشير إلي تمثال موسى بن نصير) : لعلك تقصد هذا التمثال الحجري. الشاب: تمثال!! ومتى أصبح تمثالاً؟ الضابط: أيها المعتوه.. تتظاهر بالجنون.. (للجنود) : خذوه. الشاب: صدقوني.. إنه سيف موسى بن نصير.. إنه موسى بن نصير.. انطق يا موسى.. تكلم يا بن نصير..! (يقتادونه إلى الخارج، تخف الإضاءة تدريجياً) ستارة

стр. 4878

ملفات ماذا يجري في الجزائر ؟! ماذا يجري في الجزائر؟! .. إنه سؤال محير يجري على ألسنة الكثيرين، فهذا البلد المسلم له في القلوب مكانة، ومنذ أكثر من عشر سنوات والغموض سيد الموقف في الجزائر، لا أحد يدري على وجه الدقة ماذا حدث ويحدث هناك؟ .. فالأطراف المتصارعة متداخلة، والتحالفات متغايرة، ورواة الأحداث تتخالف مروياتهم، حتى الإسلاميون ليسوا على قلب رجل واحد! وفي العام الأخير تصاعدت وتتابعت الأحداث مع قرب انتخابات الرئاسة، فقد أُفرج عن الشيخين (عباسي مدني، علي بلحاج) ، وغادر الشيخ عباسي مدني الجزائر لغرض يراوح بين العلاج من أمراض صحية، والمعالجة للشأن الجزائري بمبادرة سلمية، وبقي الشيخ بلحاج يعاني من الأسر، وترشّح بوتفليقة لفترة ثانية؛ مُؤيَّداً من حركة حمس الإسلامية، ومنافساً لحركة الإصلاح الإسلامية. وفي خلفية المشهد الجزائري يزداد دور الجيش غموضاً، وتزداد أزمة القبائل تصاعداً، ولا تزال المذابح مستمرة، ثم يصرح الرئيس المصري حسني مبارك محذراً الإدارة الأمريكية أن مبادرتها (الشرق الأوسط الكبير) سوف تجعل دولاً عربية تتحول إلى النموذج الجزائري. كل هذه الأحداث تثير تساؤلات عدة، دفعتنا لفتح ملف الجزائر، في محاولة للإجابة عن السؤال الأهم: ماذا يجري في الجزائر؟

стр. 4879

ملفات ماذا يجري في الجزائر؟! خفايا الصراع بين العسكر وبوتفليقة يحيى أبو زكريا [*] yahya@swipnet.se تُعَدُّ الانتخابات الرئاسيّة في الجزائر حدثاً غير معتاد؛ لارتباطها عضويّاً بالإرادات الحقيقيّة التي ترسم المسار السياسي للجزائر منذ استقلالها سنة ١٩٦٢م، ودعوة الشعب الجزائري للمشاركة في هذه الانتخابات هو من قبيل الإيحاء بأنّ الشعب هو لاعب مهم في العمليّة الانتخابية؛ فيما هو لا يقدّم ولا يؤخّر في تنصيب الرئيس الجزائري الذي سيتربّع على كرسي الرئاسة في قصر المراديّة! وهذه المعادلة لا تنطبق على الانتخابات الرئاسيّة الجزائرية التي ستُجرى في أبريل / نيسان المقبل إذا جرت في أحسن الظروف فحسب؛ بل هي معادلة واكبت النظام السياسي الرسمي في الجزائر منذ عهد الرئيس أحمد بن بلة الذي أوصله الجيش إلى سدّة الرئاسة؛ منهياّ الخلاف بين ثوّار الأمس حول مسألة: مَنِ الأولى بتولي الحكم في الجزائر بعد مغادرة فرنسا الجزائر؟ وقد أطاح وزير الدفاع الجزائري هواري بومدين بالرئيس أحمد بن بلة سنة ١٩٦٥م؛ ليحققّ بذلك التزاوج الكامل بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية الجزائرية التي كان بومدين على رأسها، بل ليكرّس الاتحاد بين المؤسسة العسكريّة وحزب جبهة التحرير الوطني الحزب الحاكم الأحادي في تلك الفترة في الجزائر. وبعد وفاة هواري بومدين أو اغتياله حسب تعددّ الروايات؛ اختارت المؤسسة العسكريّة العقيد الضعيف الشاذلي بن جديد الذي فاجأ اسمه جميع الرسميين في الجزائر، وكان اختيار الشاذلي بن جديد مقصوداً للإطاحة بعبد العزيز بوتفليقة ومحمّد صالح يحياوي أبرز المرشحين لخلافة هواري بومدين. وللإطاحة بالانتخابات التشريعية التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ؛ أطاحت المؤسسّة العسكرية كما اعترف بذلك الجنرال خالد نزار وزير الدفاع في ذلك الوقت بالرئيس الشاذلي بن جديد، فخرمت العملية الانتخابية من أساسها، وطعنت الشرعيّة لدى أول امتحان لها في جزائر التعدديّة السياسيّة، واضطرّت المؤسسة العسكريّة أن تستغيث بمحمد بوضياف الذي كان منفيّاً في المغرب لتغليب شرعيته التاريخية على الشرعية الانتخابية، ولاستغلال رصيده النضالي لكونه من مؤسسي الثورة الجزائريّة سنة ١٩٥٤م، ولما جرت تصفيته من قِبَل الملازم في الأمن العسكري مبارك بومعرافي؛ عينّت المؤسسة العسكرية علي كافي رئيساً للدولة، ثمّ خلفه وزير الدفاع اليامين زروال إلى تاريخ إجراء الانتخابات الرئاسية سنة ١٩٩٩م، ففاز عبد العزيز بوتفليقة بهذا المنصب لأنّه كان مرشح الأقوياء، وتحديداً بعد خروج بقيّة المرشحين. ولا يمكن القول بأن عبد العزيز بوتفليقة وصل إلى قصر المراديّة - قصر الرئاسة - على صهوة الجماهير التي فقدت ثقتها كليّة في النظام السياسي الرسمي، بل وصل إلى ما وصل إليه باتفاق مع الكبار الذين يديرون اللعبة في الجزائر منذ الاستقلال؛ شرط أن يلتزم بمجموعة شروط والتزامات لا يحيد عنها أبداً، بالإضافة إلى ضرورة التزامه بقواعد اللعبة المعروفة وغير المكتوبة، بل هي معروفة لكل الممارسين للعمل السياسي الجزائري. وفي غضون السنوات الأربع عمد بوتفليقة إلى تكبير دور المؤسسة الرئاسية، كما حاول أن يكون رئيساً بصلاحيات كاملة حسب النصّ الدستوري، ووقع أكثر من تقاطع بين الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وبعض الكبار، وذهب إلى أبعد من ذلك عندما زاحمهم في بعض مشاريعهم التجارية والاقتصادية؛ من خلال تطويق مجموعة «الخليفة» ذي العلاقة الوثيقة ببعض كبار الضبّاط، ولم تمرّ هذه دون أن يكتب اللواء خالد نزار وزير الدفاع المتقاعد، والذي ما زال يقحم أنفه في اللعبة السياسية الجزائرية، كتاباً يتحدث فيه عن الغنى الفاحش لبوتفليقة، ودور أخيه سعيد بوتفليقة في جباية الأموال لحسابه وحساب أخيه الرئيس. وبعد مجموعة كبيرة من التقاطعات بين الرئيس بوتفليقة وبين الكبار؛ وصل الأمر إلى طريق مسدود، فجرى تفجير اللعبة من أساسها ليشهد المشهد السياسي الجزائري احتقاناً ليس بين النظام السياسي وطرف من خارج النظام كما كان يحدث في السابق؛ بل هو احتقان من الداخل، وانفجار من الداخل؛ سببه تراكمات كبيرة أدّت إلى تمرد (علي بن فليس) ابن النظام السياسي الرسمي على رئيسه عبد العزيز بوتفليقة ابن النظام أيضاً، ولذلك فاللعبة محصورة بين أطراف من داخل النظام الجزائري، يحركّها المشرفون على النظام. ومثل علي بن فليس كمثل ذلك اللاعب الذي تسللّ إلى منطقة الجزاء، فسجّل هدفاً وهو في حالة تسللّ دون أن يرفع الحَكمَ الشارة لإيقافه، فأدرك بوتفليقة - اللاعب في قلب الهجوم - اللعبة والتواطؤ بين الحكم واللاعب المتسلل، فركله ركلة قويّة فأسقطه في عين المكان أمام الحكم الذي هيأ اللعبة والملعب، أما الجماهير المشاهدة فلم تدرك حقيقة ما يجري داخل الملعب! والذي حدث أنّ بعض الجنرالات وتحديداً المحسوبين على خطّ الاستئصال أعطوا إشارات إيجابيّة لعلي بن فليس رئيس الحكومة السابق بأنّه رجل الجزائر المقبل، وقد تخندق خلفه الكثير من دعاة الاستئصال؛ بدءاً برضا مالك ومروراً بالهاشمي شريف ووصولاً إلى دعاة استئصال الإسلاميين بالقوة من الواقع السياسي الجزائري. وأدرك بوتفليقة اللعبة، وهو الذي يحاول أن يكبر على حساب الكبار ويفوز برئاسة ثانية قد تعطيه فرصة كبيرة للقضاء على مراكز القوة على الرغم من أخطائه الفظيعة، فتحرك بطريقة ذكيّة قاطعاً الطريق على علي بن فليس مسخرّاً مؤسسات الدولة وبعض فقهاء الانقلاب من داخل حزب جبهة التحرير الوطني، تماماً كما استغلت المؤسسة العسكرية المحكمة الدستورية العليا وأجبرتها على إصدار قرار بحلّ الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وبالمحصّلة: فإنّ مؤسسات الدولة الجزائرية باتت لعبة في يد الكبار يسخرونّها لمآربهم السياسية. ويبقى القول إن الملعب الجزائري محتقن وقد يصل إلى ذروة الانفجار قبل الانتخابات الرئاسيّة، فبوتفليقة قطع الطريق على الحصان الذي راهن عليه بعض الكبار، وليس أمام الكبار خيارات كبيرة؛ لأنّ الذي يخرم اللعبة الأساسيّة لاعب محترف عاش في كواليس النظام ونشأ في الدائرة نفسها التي أنتجها الكبار؛ فإمّا سيقلبون الطاولة على بوتفليقة، وإما سيلجؤون إلى حصان آخر غير علي بن فليس. ومهما كانت الخيارات فإنّ المفاجأة واقعة لا محالة في المشهد السياسي الجزائري، من هنا وإلى أبريل / نيسان القادم، خصوصاً أنّ طرفاً نافذاً قررّ أن لا يعطي لبوتفليقة فرصة ثانيّة وهو مصرّ على افتكاكها!! * الانتخابات الرئاسيّة في الجزائر ومفاجأة ربع الساعة الأخيرة: لم يعد يفصل بيننا وبين موعد الانتخابات الرئاسيّة في الجزائر إلاّ بعض الأسابيع التي ستكون حبلى بالتطورات السياسية وحتى الأمنيّة، والتي تعودّت عليها الجزائر أثناء أيّ مرحلة انتخابية. وفي الوقت الذي طالب فيه زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ الدكتور عبّاسي مدني بتأجيل الانتخابات، والشروع في حلحلة الأزمة السياسية والأمنية القائمة في البلاد منذ أزيد من عقد؛ فإنّ السلطات الرسمية تجاهلت هذه الدعوة؛ معتبرة أنّ الانتخابات الرئاسيّة ستُجرى في موعدها وفي شهر أبريل / نيسان المقبل على وجه التحديد. وعلى الرغم من أنّ العديد من الملفات الشائكة ما زالت مفتوحة؛ من قبيل الملف الأمازيغي - حركة المطالب الأمازيغيّة في بلاد القبائل -، والملف الأمني الذي ما زال شائكاً وقائماً، وخصوصاً بعد أن ردّت المؤسسّة العسكرية عمليّاً على مبادرة عباسي مدني بوقف العنف الرسمي والمضاد له تزامناً مع عيد الأضحى الماضي، حيث شنّ الجيش الجزائر هجوماً كبيراً على مجموعة إسلامية مسلحة كانت تتموقع في مناطق الصحراء الجزائرية في اتجاه الجنوب. وملف بارونات الأزمة الذين جمعوا فأوعوا من الأموال، ويهدفون إلى بقاء الأزمة على حالها، بل يسعون إلى تفاقمها؛ لأنّها المظلّة التي يمررون تحتها جميع مصالحهم وأعمالهم واستثماراتهم أيضاً. ويضاف إلى هذه الملفات الملف الاجتماعي والاقتصادي، حيث بات المواطن الجزائري يعاني من صعوبات لا حدود لها في مجال البحث عن لقمة العيش وفرصة عمل، وقد صعب على الحكومات الجزائرية المتعاقبة إيجاد حلول جذرية للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية القائمة. ويبقى الملف السياسي المؤثّر والمتعلّق أساساً بمشروع مراكز القوى في الجزائر في هذه المرحلة الراهنة؛ هو: من الشخص الذي يجب أن يُدعم للوصول إلى قصر المرادية - قصر الرئاسة الجزائرية -، والذي يجب أن يكرّس مصالح الكبار ويحافظ عليها؟ صحيح أنّ رئيس هيئة الأركان محمد العماري صرح بأنّ المؤسسة العسكرية لا تدعم شخصاً بعينه، وهي لا تتدخّل لا من قريب ولا من بعيد في صناعة الرئيس في الجزائر، غير أنّ هذا التصريح هو للاستهلاك السياسي والإعلامي، والكل يدرك في الجزائر وخارجها أنّ المؤسسة العسكريّة هي اللاعب الأبرز والأحسم في قضية شائكة من قبيل الرئاسيات في الجزائر. فعبد العزيز بوتفليقة، رغم أنّه استطاع أن يكتسب شعبية محدودة في الشارع الجزائري لأنه لسن ومنتج مبدع لحلو الكلام الذي يدغدغ مشاعر الجزائريين؛ فإن طموحه لا يُنظر إليه بعين الرضا من قِبَل بارونات الأزمة الذين يعتبرونه مهددّاً لمشاريعهم وغير ضامن لاستمرارها، وعلى الرغم من أنّ بوتفليقة عمل على إعادة الاعتبار لمؤسسة الرئاسة والبنود الحرفية للدستور الجزائري الذي يقر بمبدأ الفصل بين السلطات؛ إلاّ أنّه لم ينجح نجاحاً كاملاً، بل إنّه أنشأ جهازاً أمنياً مرتبطاً به مباشرة، وهو يواجه بقيّة الأجهزة الأمنية الأخرى التابعة لمراكز قوى أخرى. وقد روى لي شخص كان يقيم خارج الجزائر، وكان محسوباً على تيار معيّن في الجزائر حصل على عفو رئاسي، وعندما عاد إلى الجزائر استقبله الجهاز الأمني الرئاسي في مطار هواري بومدين الجزائري؛ فيما أراد جهاز أمني آخر اعتقاله، وهنا تدخّل رجالات الرئاسة محبطين محاولات الأجهزة الأخرى لاعتقاله! وعلى صعيد آخر؛ فإنّ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يتبنّى مشروع المصالحة الوطنية الشاملة، وهو المشروع الذي رفضته مراكز الاستئصال في الجزائر منذ اندلاع الأزمة الجزائرية وما زالت ترفضه إلى يومنا هذا؛ معتبرة أنّ خيار القوة والاستئصال بقوة السلاح هو الخيار الوحيد؛ خصوصاً بعد التداعيات الدولية التي أعقبت أحداث سبتمبر / أيلول في أمريكا، وميلاد لغة دوليّة ضدّ الإرهاب. وعلى الرغم من أنّ بوتفليقة يبدو في دوائر الأقوياء ضعيفاً وتابعاً؛ فإنه يملك العديد من أوراق القوة الضاغطة ضدّ البارونات، ومنها علاقاته الدولية التي رممّها بسرعة وبنى عليها الكثير من خطواته السياسية في الداخل الجزائري، ومن أوراقه الضاغطة أيضاً أنّه يعرف خصومه المتنفذين واحداً واحداً؛ لأنّه ابن النظام الأحادي الذي أفرز الأزمة المعقدة في الجزائر، وأفرز رجال الثروة الذين نخروا الاقتصاد الجزائري، والذين طالبهم يوماً هواري بوميدن بالخروج من دائرة الثورة؛ لأنّه لا مجال للجمع بين الثورة والثروة. ويملك بوتفليقة ملفات لكل الذين تسببوا في الأزمة الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا يتيح له هامشاً كبيراً للمناورة. وبالتأكيد؛ فإنّ الآخرين أرباب مناورات، ويملكون من الأوراق الشيء الكثير، وإذا لم يكن هناك توافق بين مراكز القوة بشأن الرئيس المقبل؛ فإنّ لعبة الانتخابات الرئاسيّة ستشهد تطورات كثيرة في ربع الساعة الأخيرة، وقد يكون المشهد السياسي الجزائري من أبرز الأحداث العربية والعالمية مجدداً!!

стр. 4880

حوار ماذا يجري في الجزائر؟! الشيخ عباسي مدني في حوار خاص مع البيان: حاوره في قطر: أحمد بن عبد الرحمن الصويان هذه خطتي لوقف نزيف الدم في الجزائر لكن متى ترى النور؟! تشهد الساحة الجزائرية صراعاً داخلياً عنيفاً، برزت معالمه بقوة بعد إلغاء الانتخابات في عام ١٩٩٢م، ثم اشتعلت حرب ضروس قادها التيار الاستئصالي في المؤسسة العسكرية، أدخلت البلاد في دوَّامة سياسية مضطربة، أنهكت الشعب الجزائري وأتت على كثير من حقوقه وخيراته. وبعد أكثر من عشر سنوات من السجن خرجت قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وعلى رأسها: الشيخان عباسي مدني، وعلي بن حاج، وقبيل عيد الأضحى الماضي أعلن الشيخ عباسي مبادرته للوئام، في الوقت الذي يستعد الجزائريون للانتخابات الرئاسية في شهر أبريل القادم. وللوقوف على حقيقة هذه المبادرة وموقف المؤسسة السياسية منها؛ نلتقي فضيلة الشيخ عباسي مدني رئيس الجبهة الإسلامية، ونسمع منه رؤيته في الانتخابات، والمخرج من الأزمة التي يعاني منها الشعب الجزائري. * ضيفنا في سطور: وُلد الشيخ الدكتور عباسي مدني بمدينة سيدي عقبة جنوب شرقي الجزائر ٢٨/٢/١٩٣١م، بدأ تعليمه في المدرسة القرآنية، وختم حفظ القرآن الكريم في سنوات طفولته، التحق بالمدارس الفرنسية الابتدائية لكنه طرد منها كمعظم أطفال الجزائر القرويين، إثر ذلك تكفل بتعليمه الشيخ النعيمي في أحد مساجد بسكرة العتيقة، كما تعلم أيضاً بالمدارس الحرة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في عام ١٩٦٣م سجَّل في الدراسات العليا لدراسة الفلسفة والتربية، واستمر في دراسته حتى حصل على الدكتوراه درجة ثالثة، في الفترة من ١٩٧٥ - ١٩٧٨م انتقل إلى لندن وحصل على دكتوراه دولة في التربية المقارنة، عاد إلى بلده مدرساً ومحاضراً بجامعة الجزائر، وبدأ بعد عودته بسلسلة من الدروس والمحاضرات والنشاطات المتنوعة والاتصال بالشيوخ والدعاة. وحياة الشيخ - حفظه الله - حافلة بالأعمال الجليلة، مواكبة للأحداث والتطورات التاريخية التي مرت بها الجزائر منذ شبابه إلى الآن، في كفاح مستمر وجهد متواصل يسعى إلى تحقيق حياة إسلامية ينعم بها الشعب الجزائري المسلم، ويعد تأسيس حزب «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» أبرز المحطات والأعمال في حياة الشيخ، حيث سعى مع الشيخ علي بن حاج إلى تأسيس الحزب، والذي فاز بالأغلبية في الانتخابات البلدية عام ١٩٩٠م، وبعد استعداد الجبهة لدخول الانتخابات التشريعية بزعامته تم إلغاء الانتخابات، ليدخل الحزب في إضراب سلمي، ويُعتقل الشيخان، ويصدر في حقهما حكم نهائي بالسجن ١٢ سنة نافذة، لكن أفرج عن الشيخ عباسي مدني بعد ٦ سنوات إفراجاً مشروطاً، ثم حُوّل إلى الإقامة الجبرية، صار بعدها معزولاً عن عائلته التي استقرت في ألمانيا وعن الناس وعن الأحداث، وصار تهدده أمراض كثيرة، إلى أن رُفعت عنه الإقامة الجبرية يوم الأربعاء ٢/٧/٢٠٠٣م، ليطرح بعد ذلك مبادرته لحل الأزمة في الجزائر. البيان: فضيلة الشيخ عباسي مدني، بعد الانتخابات السابقة التي تدخّل فيها الجيش، ودخلتم إلى السجن مع قيادات الجبهة، حصلت تغيرات كثيرة في داخل الجزائر، وحصلت فتنة عريضة، هل لكم أن تحدثونا عن الذي جرى في هذه الفترة؟ - بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، ورضي عن الصحابة وعن التابعين، والحمد لله رب العالمين. الحقيقة سؤالكم الكريم يريد أن يرجع بي إلى ما يزيد على ١٢ عاماً، والرجوع لهذه الفترة قد يكون مفيداً إلى حد ما؛ لأن القضايا المستجدة كلما أردنا النجاعة والفعالية يقل اهتمامنا بتلك الفترة، وما دامت الرغبة أن نتذكر، فلنتذكر وإن بشيء من الاختصار. الذي حدث في الجزائر بعد الانتخابات التشريعية التي قرر فيها الشعب الجزائري إرادته في التغيير في إطار لحظة شاملة أصيلة، في إطار مشروع مستقبلي رسالي حضاري؛ هو توقيف المسار الديمقراطي وليس الانتخابي فقط؛ بدليل المدة التي مرت كلها، والتي دلت على أن البلاد منذ ذلك العهد ألقي بها في محيط اليأس والبؤس والفقر والتقتيل والتشريد؛ بحيث لا مجال للمقارنة بين ذلك وبين ما كانت عليه الجزائر إبان تلك اللحظة، وإبان تلك الصحوة، وإبان تلك الوثبة التي وثبها الشعب الجزائري؛ مما يبين كيف أن الكيد كان خطراً، وأنه ما يزال يمضي بالبلاد في أعماق المجهول، وفي أغوار اليأس والبؤس، حتى صار الشعب الجزائري الذي كان أغنى شعب في المنطقة؛ أفقر شعب في المنطقة، وحتى صار الشعب المنتصر بنصر الله له إثر حرب التحرير التي خاضها ضد الاستعمار الفرنسي، والتي كلل الله مسعاه فيها بنجاح تام، واسترجع استقلاله الكامل، وسيادته على كافة ترابه الوطني؛ يلقى به في المجهول ثانية، وما يزال على تلك الحالة. ويلاحظ كل المؤرخين أن الشعب الجزائري ما يزال على عهده مع الله ثابتاً، وما يزال على نهج الرسول ﷺ مستمراً، وما يزال يطمح في نهضة أصيلة تكون في مستوى قيادة إفريقيا وتلك المنطقة دون شك. كما تعلمون أن الشعب الجزائري ابتلي باستعمار يعترف جل المؤرخين بأنه كان وما يزال أخبث استعمار في العالم؛ لماذا؟ لأنه في الجزائر خاصة كان يركز على الدين الإسلامي وعلى اللغة العربية، ولكن حرص الاستعمار الفرنسي على القضاء حسب زعمه على الإسلام وعلى اللغة العربية في الجزائر؛ ما زاد الشعب الجزائري إلا تشبثاً واستماتة إلى أن نصره الله واسترجع سيادته وحريته واستقلاله، وبصفة لم يسبق أن حققها شعب ابتلي بالاستعمار من قبل ولا من بعد حتى الآن. هذا ما جعل الاستعمار عندما عجز عن فرض سياسته الاستعمارية التي كانت متمثلة فيما يسميه بالجزائر الفرنسية، عندما خاب وخضع للاعتراف بالاستقلال التام والسيادة التامة للشعب الجزائري؛ لجأ إلى المكر والخديعة، فاعترف بالاستقلال لكنه لم يترك القرار السياسي في يد الشعب، بل وضعه في يد عملائه، وضعه في يد عملائه الذين تكفلوا بما كُلفوا به للقيام به في فترة ما بعد الإعلان عن الاستقلال الجزائري استقلالاً تاماً، والمتمثل في النظام الذي استُجلب واستورد وفُرض بطريقة الخداع بطريقة العناصر، العناصر التي تسربت من الجيش الفرنسي في جيش التحرير وسرعان ما استولت على قيادة جيش التحرير، وما أن جاء الاستقلال حتى استولت عن طريق الانقلاب الذي حدث أولاً، حتى قبل عودة المهاجرين إلى الجزائر؛ أعني في طرابلس سنة ١٩٦٢م، استعمل الانقلاب الأول على الحكومة المؤقتة الجزائرية التي فاوضت فرنسا على الاستقلال، وكان يرأسها بن يوسف بن خدّة ﵀. إذاً تلاحظون أن الانقلاب وقع من أجل أن يكون القرار في يد عملاء فرنسا، وكان كذلك في عهد بومدين ثم استمر إلى اليوم، إذاً الجزائر استقلت واعتُرف باستقلالها، الجزائر استرجعت سيادتها، الجزائر صارت دولة، ولكن النموذج الذي حاربت من أجل تحقيقه والمتمثل في نداء أول نوفمبر ١٩٥٤م لإقامة دولة حرة مستقلة ذات سيادة في إطار المبادئ الإسلامية، هذه الدولة هذا النموذج الذي حُدد في نداء أول نوفمبر كان هو منطلق ثورة التحرير الوطني، هذا النموذج جُمّد ووضع موضعه النظام الاشتراكي العسكري الاستبدادي الذي أقل ما يقال عنه إنه خليفة الاستعمار، وبالفعل أوغل بالجزائر في التخلف وفيما آلت إليه إلى هذه الساعة. هكذا ترون كيف أن الشعب كافح من أجل نموذج لدولة جزائرية حرة مستقلة ذات سيادة، تحترم الحريات الديمقراطية في إطار المبادئ الإسلامية، هذا المشروع الذي له أكثر من معنى من حيث الأصالة، ومن حيث أنه كان موضع إجماع من الشعب الجزائري؛ يؤجل ويجمد إلى الساعة، لم يتحقق هذا النموذج بل أتي ببديل له هو الحكم الاشتراكي العسكري. من هذا الواقع الأليم يمكن للمؤرخ أن يستنبط جميع ما يمكن أن يترتب على مثل هذا المسعى المخيب للآمال، آمال شعب أبلى البلاء الحسن طيلة قرن ونصف وهو يواجه الاستعمارالفرنسي دون هوادة، لكن شاء الله أن جعل إرادة الشعب قوية على الرغم من كل الذي حدث في عهد الاستعمار والذي حدث أيضاً في هذا العهد، فإن الشعب الجزائري ما يزال ثابتاً على دينه، ما يزال مستمسكاً به أشد الاستمساك ولن يرضى به بديلاً، من أجل ذلك بقي الشعب الجزائري قوياً وما يزال ذا طموح وذا آمال وذا استعدادات قوية لفرض وجوده، فهو كما خرج من بلية الاستعمار التقليدي منتصراً؛ إن شاء الله سيخرج أيضاً من بلية الاستعمار الحديث منتصراً إن شاء الله. البيان: كما أن أبناء فرنسا قطفوا ثمرة مواجهة الاستعمار، كذلك في الانتخابات السابقة جاء أبناء فرنسا وقطفوا ثمرة الانتخابات، وأعادوا المنطقة إلى أتون الصراع السياسي والعسكري، وحدثت في هذه الفترة مجازر كثيرة وكثر الخلط واللبس، فمن المسؤول عن هذه المجازر التي تستهدف المدنيين بكل وحشية؟ - سؤالكم يحمل كل أبعاد المأساة، في مختلف أشكال التضليل والمكر والخديعة، إلى درجة أنهم جعلوا من الضحية المجرم، يذبحون القتيل ويتهمونه بالجريمة! أخي الكريم! الآن الأمور اتضحت، والمكايد انكشفت، ولم تعد ثمة أي صعوبة كي نتكلم في هذا الباب بالوضوح الذي لا يترك أي مجال للشك؛ حيث إن الضباط الذين عاينوا هذه الأحداث وعايشوا هذه المأساة انفلتوا من قبضة الجيش وخرجوا للخارج وكشفوا ما حدث، مثل الضابط (سويدية) في كتابه (الحرب القذرة) ، فقد بيّن كيف كان الجنود المخصصون لمثل هذه المذابح يخرجون من الثكنات، وكيف يلبسون لباساً أفغانياً أو ما شاكله، ثم يُغيرون على الأماكن المحددة مسبقاً، وماذا يفعلون بها من مجازر، حتى إنهم يأخذون الصبي الصغير ويشوونه على النار، هذه الحقيقة ما ذكره الضابط سويدية، ثم ضباط آخرون جزاهم الله كل خير عندما خرجوا من الجزائر قدموا اعترافات وبينوا بالأدلة القاطعة ما فعلته هذه الأيدي الآثمة المجرمة الوحشية بالجزائر في هذه الفترة، من أولئك العقيد سمراوي، الذي كان قد وعد بنشر كتاب يفضح فيه هذه الجرائم، وسمعت أن الكتاب قد نشر الآن، ويوجد في الأسواق على ما أعتقد باللغة الفرنسية. إذاً هذه الأمور صارت مفضوحة الآن، ولا تحتاج إلى جهد كبير لإظهار هذه المآسي وهذه الجرائم، في الحقيقة باختصار شديد نطرح السؤال: لِمَ حدث وما يزال يحدث؟ كل الذي حدث من الجرائم في حق الشعب الجزائري، ماذا فعلوا بعد أن أوقفوا المسار الديمقراطي مسار الانتخابات وحرموا الشعب من استعمال قراره السياسي في صالحه والتصرف في ثرواته وفي مجالات سيادته؟ الجواب صار لا يحتاج إلى دليل، عندما زعموا أنهم منعوا من أسموهم بالإسلاميين من الوصول للحكم لأنهم إن وصلوا للحكم لا يتركونه، ثم ماذا فعلوا في هذه المدة كلها؟ لو أنهم بنوا الجزائر في هذه العشرية كما كان المشروع الذي أعده المسلمون لهذه الفترة للنهوض بالجزائر حضارياً ورسالياً! ماذا فعلوا؟ لو أنهم بنوها لقلنا لهم الحق في الكلام، لكن ماذا فعلوا؟ لقد زادوا الشعب فقراً، وزادوا الشعب تقتيلاً، وزادوا البلاد هدماً وتخلفاً وبؤساً إلى الدرك الأسفل الذي لم يشهده حتى في عهد الاستعمار الفرنسي المباشر! لذلك الحقيقة أخي الكريم هذه المأساة من قام بها ومن دبرها ومن يزال يعمل حتى الآن على استمراريتها واضح. البيان: لكن ألم يتورط بعض المتسرعين من أبناء الحركة الإسلامية في شيء من هذه المجازر؟ - والله يا أخي الكريم يأتي متسرع كما يقولون ويشعل عود ثقاب فيشعل بركاناً! هذا غير معقول، البركان اشتعل ولا يمكن أن يُشعله عود ثقاب، البركان هو بركان معد، وتفجيره هو تفجير في وجه نهضة أمة، وفي وجه مشروع عالمي رسالي عظيم. أخي الكريم! الناس يدَّعون ولهم أن يدعوا، ولكن هناك منطق، هناك علم يسمى بعلم التاريخ يحتاج إلى أدلة يحتاج إلى براهين يحتاج إلى منطقية تجريبية تاريخية. كل هذه المزاعم باطلة باطلة تماماً، بطلان مزاعم الكفر والإلحاد طيلة صراعها مع الحقيقة الرسالية الربانية القرآنية، الحمد لله. البيان: لكن ألا توجد جماعات مسلحة تنتمي إلى الحركة الإسلامية موجودة في الساحة؟ - الحركات الإسلامية التي تسمعون عنها أغلبها.. حتى أخيراً في الأيام الأخيرة في اليوم الذي كنت أنا قادم فيه من جدة إلى الدوحة في الطائرة؛ وجدت صحيفة الحياة اليومية اللندنية، وجدت فيها ما ادعى بأنه تقرير عن نشاط حركات الدعوة السلفية التي في الجبال، تبين أن هذه الحركة هي الأخرى سطوا على قيادتها الحقيقية، وأُتي بقيادات أخرى لتقودها، كما فعل غيرها بما يسمى بالحركات الإسلامية المسلحة، كما فعل (الزوابري) ، وكما فعله (زيتوني) ، وما فعله غيرهما. البيان: تعني أن الحركات المسلحة اخترقوها؟ - أغلبها أغلبها بنسبة عالية تماماً، هي الآن مخترقة، وهي الآن تعمل وفق المخطط الذي يريد أن يبقي الجزائر تشتعل بنار الفتنة التي أشعلوها منذ حادثة ١٩٩٢م، أخي الكريم! تلك المزاعم باطلة. البيان: لكن هذه الفتنة التي حدثت في الجزائر خلال الثنتي عشرة سنة الماضية؛ ألم تؤثر على قاعدة الحركة الإسلامية في الجزائر؟ - القاعدة الإسلامية هي من الشعب الجزائري المسلم، مائة في المائة، الشعب الجزائري كما قلت لك عانى من أجل الإسلام منذ ما يزيد عن قرن ونصف، وما زاده ذلك إلا صلابة في دينه وثباتاً عليه، فهذه المزاعم لا تستطيع أن تغير الحقيقة التي تتمثل في رغبة الجزائر في النهضة بسيادتها وحريتها واستقلالها من أجل تشييد قطرها وعمرانها؛ بدءاً بتشييد دولتها على أحسن ما يكون عليه القوام، وعلى أحسن ما تكون عليه الشرعية والمشروعية، المشروعية العقائدية والشرعية القانونية الوضعية التي ينجح الشعب الجزائري في تأسيسها كدولة تتمتع بكافة شروط الوجود؛ من حرية واستقلال وأمن واستقرار بإذن الله، هذا الهدف هو الذي يشغل بال كل راشد وكل عاقل وكل مسلم في هذا البلد، ولئن أرادوا أن يمنعوا أو يحرموا الشعب الجزائري من تحقيق هذا المبتغى؛ فإنهم لا شك - إن شاء الله - خائبون في مسعاهم، فكل ما يحدث من أحداث هو فقط للحيلولة دون ترك الشعب الجزائري يبني هذه الدولة التي حلم وجاهد من أجل تحقيقها. البيان: بعد أن حُظرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وزج قادتها وكثير من قواعدها في السجون؛ هل ترون أن قاعدة الجبهة انحازت إلى الحركات الأخرى الموجودة في الساحة الإسلامية وتركت الجبهة بعد ذلك؟ - والله! هذا أمر لا يهمنا كثيراً، المهم هو أن تبقى الجبهة جبهة القضية الجزائرية، جبهة الحق، جبهة الجد في الحق والصواب فيه، الناس يتغيرون، الناس يموتون، ولكن الحق يستمر، والحركة التي ثبتت على الحق تستمر باستمرار الحق، هذا بالتجربة التي عشناها ما يزيد عن نصف قرن من مواجهة الاستعمار، وما يزيد عن قرن ونصف في مواجهة الاحتلال الاستعماري الفرنسي، تبين أن الأمر يتعلق بصدق الموقف، والتعامل مع المنهج القويم المناسب للمبدأ الشريف الذي هو تحرير البلاد، الذي هو احتضان الشعب في محنته، والذي هو قيادة الشعب من أجل نهضته، هذا المسعى هو الذي ينجح، هذا المسعى هو الذي سيحقق الله له وبه النصر بإذن الله إن آجلاً أو عاجلاً. البيان: لبثتم - حفظكم الله - في السجن أكثر من عشر سنين ثم خرجتم، خلال فترة السجن كان هناك انقطاع وعزلة عن الشعب الجزائري، ما الذي تغير بعد خروجكم؟ كيف وجدتم الشباب الجزائري بعد هذا الانقطاع؟ - سؤال مهم جداً، هذا الذي كان يُظن قبل أن نخرج إلى الشارع ونذهب إلى المساجد، لكن الحقيقة كذّبت هذه المزاعم تماماً، ثق أخي الكريم! أننا لم نجد شيئاً من الضعف فيما تركناه خلفنا بل العكس وجدنا العزيمة، ووجدنا الروح الفياضة الوثابة في المجتمع الجزائري، إذا لم تكن أقوى ليست أقل من تلك التي تركناها قبل أن ندخل السجن، هذه هي الحقيقة، ويشهد بها كل من ذهب إلى الجزائر وشاهدنا عندما ندخل المسجد أو نمشي في الشارع أو ندخل السوق، أو عندما كنا في موسم الحج، كلما كنا نلتقي بالجزائريين استقبلونا بحرارة وشوق عجيب لا يمكن أن يترك المرء يشك في هذه الروح القوية التي ما يزال المجتمع الجزائري يعيشها ويتمتع بها، ولله الحمد، «ما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل» ، سبحان الله تتجلى لك هذه الأسرار وتعيشها، رغم أننا في موقف حرج لا أخرج من البيت إلا وتمشي معي ست سيارات من الشرطة ليرهبوا الناس، لكن ذلك لم يؤثر فيهم شيئاً، والغريب هناك أطفال ولدوا بعدما سُجنّا يجرون وراء السيارة: الله يحفظك يا شيخ، الله يحفظك، الله يحفظك ... ، هذا في الجزائر العاصمة، وكذلك الأمر بعدما انتقلت إلى البليدة وإلى شرشال وإلى ناحية دلّس، حيثما ذهب المرء يجد هذه الروح، اطمئن أخي الكريم. البيان: هذا على مستوى الثبات العاطفي، لكن ماذا على مستوى الوعي السياسي والوعي الفكري بمجريات الأحداث؟ هل تشعر بأن هناك نمواً في هذا الوعي؟ - والله! حجمتموه في نطاق عاطفي، وإن كنت لا أوافقك على ذلك؛ لماذا؟ لأن العاطفة انطباع، والعقيدة مكمنها العقل والوجدان، لو لم تكن عقيدة راسخة، لو لم تكن إرادة ثابتة، لو لم تكن وجداناً يتأجج بإرادة الحق والرغبة فيه والاستمرار عليه؛ لما دعا الأمر إلى كل هذا الثبات بعد كل الذي جرى وبعد كل الذي يجري، وطيلة كل هذه المدة. المواقف الانطباعية لا تدوم أخي الكريم، المواقف الانطباعية لا تثبت فهي تتأرجح، فهي تتغير، لو كانت كذلك لانتهى كل شيء، وهذا ما كانت تعتقده فرنسا، كانت تظن أن الإسلام في الجزائر هو عاطفة وانطباع، ومن أجل ذلك صبت جام غضبها على الشعب الجزائري بكل أنواع الأسلحة، التجهيل والتفقير والتضليل والتشتيت إلى غير ذلك والتهجير، ولكن ما زاد السياسة الاستعمارية إلا وبالاً وضياعاً، إلا دليلاً قاطعاً على أن الإيمان لا تزعزعه هذه الأمور، إيمان الشعب الجزائري معروف، شهد بذلك المؤرخون، حتى المؤرخون الفرنسيون الموضوعيون المعروفون. البيان: فضيلة الشيخ، أحداث الجزائر وانعكاساتها الداخلية هل أثرت في الحركة الإسلامية في تقديركم في خارج الجزائر، بمعنى أن الحركات الإسلامية كيف نظرت إلى أحداث الجزائر وتجاوبت معها؟ - كثير من الحركات الإسلامية ضُللت في العالم، سواء كانت في البلاد أو في خارجها، الحقيقة ضُللت تضليلاً كلياً، بحيث نجد أن القضية الجزائرية منذ بدء الغزو الفرنسي للجزائر لم تُظلم ظلمها في هذه الفترة، كأن وسائل الإعلام المحلية والدولية كلها شكلت حصاراً على ما يحدث في الجزائر، وتكالبت كلها لتضليل الناس، الرأي العام الدولي ضُلل، أما الرأي العام المحلي، أما الشعب الجزائري بحكم خبرته بحكم تجربته؛ لم يُضلل وما يزال والحمد لله ثابتاً ثبات جباله الشم جبال الأطلس والصحراء. البيان: لكنني لا أشير إلى الرأي العام العالمي، ولا أشير إلى الرأي العام العربي، وإنما أشير تحديداً إلى الحركات الإسلامية التي تؤمن من حيث الأصل بالأهداف التي تؤمن بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، يعني كيف كانت رؤيتها لهذه الأحداث؟ - أرجوك أن تعفيني من الحكم على ما وقعت فيه الحركات الإسلامية، وعلى الابتلاء الذي ابتُليت به في هذه الفترة، هي أمام امتحان صعب جداً، ويُخشى عليها من الله، ويخشى عليها من التاريخ. البيان: فضيلة الشيخ، ننتقل إلى محور آخر، وهو محور المبادرة الشعبية التي طرحتموها قبل شهر تقريباً على الشعب الجزائري، كانت هذه المبادرة جريئة على الرأي العام الوطني والعالمي، فلعلكم تعطون فكرة عن هذه المبادرة؟ - تتلخص المبادرة في أمرين رئيسيين: أولهما: إنهاء المحنة، بمعنى وضع نهاية للمأساة بتوجيه نداء لتوقيف وسائل العنف؛ بدءاً بتوقيف القتال، ثم على السلطة هي الأخرى توقيف ما تقوم به من العنف بأشكاله تدعيماً لنداء وقف نزيف الدم في البلاد، ثم رفع حالة الطوارئ، بحيث لا يخشى الناس الذين ينزلون من الجبال من أن يكونوا فريسة لعنف السلطة، كذلك لا بد من إصدار عفو عام رئاسي يشمل جميع المعتقلين الموجودين في سجون البلاد، وإعادة الأحياء المختطفين إلى ذويهم سالمين بما هم عليه إن كانوا من المصابين بأذى، مع السماح كذلك للمهاجرين الذين فروا حتى لا تمتد إليهم يد الشر والظلم يد الاعتقال أو الاختطاف أو التقتيل إلى غير ذلك، ثم بعد ذلك إن أدت السلطة ما عليها نكون قد وضعنا نهاية للمأساة؛ مما يجعلنا قادرين على حل الأزمة والتي كانت هي السبب في كل شيء. وكذلك مشروع مباشر في تغيير النظام الذي أفضى بالبلاد إلى هذه المآسي: والذي بلغ به حد الفساد مبلغاً لم تبق فيه مؤسسة سالمة قادرة على أن تؤدي المهام في مختلف مصالح الدولة، وفي مختلف مصالح الأمة، وبناء على ذلك الفساد الكلي الذي عم أرجاء السلطة والحكم؛ قدَّمنا البديل في ضوء المآسي التي حدثت منذ سنة ١٩٦٢م، منذ بداية زرع بذور هذا النظام الذي خلف الاستعمار، وأفضى بالبلاد إلى ما هي عليه من التخلف بكل أبعاده، وعلى مستوى أعمق مشكلاته وتناقضاته. إذاً المبادرة قدمت النموذج الذي يكون في مستوى طموحات الشعب الجزائري وأجياله المستقبلية على مدى قرن من الزمن في المستقبل إن شاء الله، لتكون الجزائر في طلائع الأمم الناهضة بما وهبها الله من إمكانات بشرية ابتداء، ثم طبيعية ينهض بها القطر الجزائري من ثروة طبيعية متنوعة، مع الموقع الاستراتيجي من إفريقيا ومن أوروبا في آن واحد، ومن موقع بين العالمين؛ العالم العربي، والعالم الإسلامي والتي تنتمي إليه بالأصالة من حيث هي بلد الإسلام دار الإسلام، من حيث هي شاركت في نهضة أمة الإسلام منذ أن وصل إليها عقبة بن نافع ﵁ وإخوته الفاتحون الأبرار. هكذا نقدم هذه المبادرة كحل جذري للمعضلة الجزائرية فيما بعد الاحتلال الفرنسي وبعد اعتراف فرنسا بحق الشعب الجزائري، واسترجاع سيادته كاملة على كافة ترابه الوطني، وطن واحد وشعب واحد يدين بدين الرب الواحد. هكذا إذاً قدمت هذه المبادرة في ضوء المحنة وفي ضوء الأزمة وفي ضوء التجربة من جهة، وحسب تطورات العالم في القرن الجديد. البيان: لكن هل هذه المبادرة تمثل عباسي مدني أو أنها تمثل الجبهة الإسلامية للإنقاذ؟ - بطبيعة الحال المبادرة تعالج قضية الشعب الجزائري في المستقبل القريب والبعيد، ومن ثم لا يمكن أن تكون مبادرة شخص، كذلك لا يمكن أن تكون مبادرة حزب، فهي تتجاوز حدود الزعامة الفردية، وتتجاوز حدود الزعامة الحزبية والحركية، بل هي مبادرة الشعب الجزائري، قدمت للشعب الجزائري، وعلى الشعب الجزائري مسؤولية كل المسؤولية كي يتجاوب معها بالقدر المطلوب من حيث العبقرية، ومن حيث الإرادة المغيرة الواعية التي تكون في مستوى مستجدات عالم القرن الجديد. البيان: يعني هذا: أن هذه المبادرة عُرضت على قيادات الجبهة في الداخل والخارج وتبنوها، ثم أيضاً عُرضت على بعض قيادات الحركة الإسلامية والشعب الجزائري واتفقوا عليها ثم اطلقت؟ - لا؛ بل عُرضت على الشعب الجزائري، عُرضت على كل من كان له استعداد لكي يدرسها ولكي يقبل ما فيها مما يقبله ويرفض ما يراه جديراً بالرفض، هي مشاركة عامة مفتوحة، لم تُترك لتحتكر لطرف ولا لشخص؛ لماذا؟ لأن الحق حجة على الناس ولا يمكن أن يكون الناس حجة على الحق، فالحق يجمع من يريده ويفرق من لا يريده، فنحن ننشد ليس الناس بل رب الناس، فنحن غايتنا ليس أن تقنع الناس وإنما نقدم للناس ما يقنعهم إن كانوا على صواب، إن كانوا يريدون الخير للناس جميعاً ولأمة الإسلام ولبلاد الإسلام والتي منها الجزائر، إذاً المعيار ليس هو الناس، ومتى كان الحق معياراً يخضع للناس؟! وإنما الناس هم الذين بمنطقهم بعلمهم بنواياهم يقاسون حسب تجاوبهم واستجابتهم للحق. البيان: هناك من الناس من يذكر أن أحد مفاتيح حل الأزمة الجزائرية هو موقف الشيخ علي بن حاج؟ - إن شاء الله نعم. البيان: فهل الشيخ علي على وجه التحديد موافق على هذه المبادرة ومتبنيها في داخل الجزائر؟ - والله! هذا يُستحسن أن يوجه للشيخ علي بن حاج، أما علمه بها فأكيد، ورأيه عليها أكيد، تبقت الإجابة، ما دام حراً وما دام حياً يرزق زاده الله إن شاء الله حياة وصحة وعافية؛ فالأحسن أن يُوجّه إليه السؤال. البيان: كيف نظرت المؤسسة العسكرية في الجزائر إلى هذه المبادرة؛ هل ظهر شيء من التجاوب أو ردود الفعل في المؤسسة العسكرية أو في المؤسسات السياسية في الجزائر؟ - الحقيقة في البداية هناك تعبير بالاستعداد للتجاوب مع المبادرة إلى أيام بل إلى شهور بعد خروجي من الجزائر، والورقة عندما أُعدّت بشكلها شبه النهائي، وإن كانت هي ما زالت تقبل التغيير والتطوير حتى تكون محل إجماع إن شاء الله، أُرسلت إليهم عن طريقهم، ولكن مع الأسف ونحن لا نلومهم قد أنكروا وصولها وجحدوا اطلاعهم عليها، وبالتالي ما لم يعلنوا رأيهم للاتفاق كما سبق أن وعدوا؛ فلا داعي لتحميلهم ما لا يتحملون، فهم مسؤولون. والظاهر أن السلطة بقيت مهتمة فقط بالانتخابات، والحقيقة هنا يقف العاقل وبوسعه أن يتبين الأمور؛ إذا كانت البلاد منذ ١٢ عاماً وهي غارقة في الدماء، يُقدَّم حلٌّ على هذا المستوى من الشمولية والوضوح والنداء؛ بدءاً بتوقيف القتال وسائر أمور العنف بما في ذلك عنف السلطة، ثم السلطة لم ترد عليه بشيء إلا التركيز على الانتخابات فقط؛ ألا ترى أن في هذا دلالة على أن همّ السلطة ليس هو إيقاف القتال، أن همها ليس إيقاف النزيف الدموي، أن همها ليس وضع حد لهذه المآسي المريرة التي يعيشها الشعب الجزائري في كافة أجزاء القطر الجزائري، إذا كان همها في هذا الأمر لا شيء؛ ألا يكفي هذا دلالة على أن أمر السلطة ما زال لم يتغير، ما زالت على حالها تريد بقاء الحال على حاله! البيان: لكن بعض اللائكيين من المفكرين والصحفيين يقولون إن هذه المبادرة تفتقر إلى جدية، وإنما هي ورقة انتخابية جاءت في هذا التوقيت من أجل أن تدعم الحركة الإسلامية في العام الانتخابي القادم؟ - هذا بعيد عن الواقع، أولاً نعتبر أي انشغال عن هذا الأمر بأي شيء آخر كالانتخابات ما هو إلا موقف منحرف يطمح دائماً إلى إبقاء الحال على حاله لكي تبقى دار لقمان على حالها، وهذا هو الناتج عن الانتخابات، ليس هو التغيير، هل هذه الانتخابات هي التي ستضع حداً لهذه المآسي؟ الجواب لا، ما دام لا؛ إذاً ما مبرر هذه الانتخابات وهي تُجرى في حالة الطوارئ، وهي تُجرى والشعب يعاني، الحقيقة الأمور واضحة، لم ندع لحزب ولا لشخص من هؤلاء الذين نعتبرهم بكل صراحة إن تورطوا في أمر الانتخاب أبعد ما يكون عن الصواب المفضي إلى وضع نهاية لهذه المحنة، ومن أجل إخراج البلاد من هذه الأزمة الحادة التي صارت تهدد كل مكاسب الشعب الجزائري بالضياع. البيان: لكن لو أن السلطة لم تستجب لهذه المبادرة كما يبدو في هذه الأيام؛ هل ما زلتم مصرين على الدعوة إلى وقف إطلاق النار من طرف واحد، يعني هل أنتم مصرون على دعوة الشباب إلى وقف أعمال العنف في هذه المرحلة؟ - الحقيقة المسألة كلية، وجّهنا المبادرة لجميع الشعب الجزائري بما فيه السلطة وما فيه الأحزاب وما فيه الإخوة في الجبال، ولا يمكن أبداً أن نرى أن المسلك الجزئي يفيد في هذا الأمر، نحن لا نستطيع أن نحمل الناس ما لا يتحملون، فإذا كانت السلطة ما زالت تتابعهم، وإذا كانت ما زالت تحمل السلاح وهي تغطي أوسع رقعة في البلاد جبالاً وسهولاً شمالاً وجنوباً شرقاً وغرباً كافة التراب الوطني، الآن السلطة هي التي تقوم بكل أعمال العنف حتى ضد الجندرمه وضد العسكر أنفسهم، إذاً فالمسؤولية واضحة؛ من جهة هي على الدولة بل على السلطة حتى نكون أكثر دقة، ثم على الشعب الجزائري، الآن الشعب الجزائري هو المطالب بأن يضع حداً لهذه المأساة، وهو مسؤول أمام الله، ثم مسؤول أمام التاريخ، مسؤول أمام أجياله المقبلة، وبلاده صارت في خطر، يهددها الاستعمار مرة أخرى، إذاً على الشعب الجزائري أن يقف الموقف المطلوب كما هو معهود ومعروف في التاريخ. البيان: لكن هل يظن فضيلتكم بأن السلطة حينما تنتهي في الأزمة الانتخابية سوف تلتفت من جديد إلى هذه المبادرة؟ - أخي! السلطة ما ركبت صهوة جواد الانتخابات إلا لكي يبقى الحال على حاله، وبالتالي لا يُرجى من السلطة خير أبداً، إلا ما شاء الله. البيان: إذاً على من تعولون في هذه المبادرة؟ - على الله، ثم على الشعب الجزائري المعني بالأمر، السلطة الآن في وضعية الميؤوس منها، ونسأل الله أن يكون العكس، [قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ] (البقرة: ١١١) ، فالباب مفتوح، باب الخير لن يُغلق أبداً لا للسلطة ولا لغيرها. البيان: لكن إذا لم تتجاوب السلطة مع هذه المبادرة ستبقى هذه المبادرة مجرد رأي من الآراء التي تطرح ثم يقف الأمر عند هذا الحد؛ أليس كذلك؟ - لا يا أخي الكريم! المبادرة ليست رأياً، المبادرة حل، كالدواء إذا ثبت المرض وعُلم بحقيقته وحيثياته وعُرف دواؤه؛ أصبح الأمر منتهياً أراد المريض أن يُشفى أو لا، أراد الطبيب أن يعالجه ليُشفى أو لا، هذه أمور تبقى للمستقبل، هكذا رفضت فرنسا استقلال الجزائر، وهكذا قاومت فرنسا فكرة استقلال الجزائر طيلة أكثر من أربعين عاماً ثم انتهى الأمر في النهاية إلى أن اعترفت بالجزائر، فجحود الذي لا يريد للشمس الظهور لا يمنع الشمس من الظهور، هذا الشعب له حقه في البقاء، حقه في الوجود، وحقه في السلم، وحقه في الأمن، وحقه في الحضارة وحقه في الرسالة، وحقه في الكرامة، لا يمكن بحال أن يهضم ما دام له طالب، ما ضاع حق وراءه مطالب، كما قال الصديق رضي الله تعالى عنه. البيان: ننتقل - حفظكم الله - إلى العملية الانتخابية، الآن الجزائر مقبلة على مسار ديمقراطي جديد؛ فهل ما زلتم مؤمنين بالعملية الانتخابية في داخل الجزائر؟ - والله! قلتم مسار ديمقراطي جديد، المسار الديمقراطي أوقف ولو ترك على الشرعية لحلت المشكلة، إذاً الإشكالية هي هنا أن السلطة لا تريد أن تكون هناك ديمقراطية حقيقية تساعد على إرجاع القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للشعب الجزائري، هي تريد أن تحتفظ به هي ومن يستفيد منه في الخارج، وهذا هو عمق الإشكالية، السلطة لا تريد أن يسترجع الشعب الجزائري قراره السياسي وقراره الاجتماعي وقراره الاقتصادي كي يتصرف في أمره، السلطة تريد أن يبقى الشعب الجزائري مستقلاً شكلياً ولكنه مستعمر حقيقياً، هذا الذي سعت إليه وما زالت تسعى إليه ما استطاعت، لكن إلى متى؟ إلى متى يدوم هذا الظلم؟ إلى متى يدوم هذا الجور؟ إلى متى يقبل الشعب الجزائري استمرار هذا الوضع؟ هذه هي الأسئلة الجادة التي يمكن أن تُطرح، وهي مطروحة إن لم تكن بلسان المقال مطروحة بلسان الحال. البيان: إذاً ما هدف السلطة من هذه الانتخابات؟ - لكي يبقى الوضع على حاله، لكي تجد في وجه الرأي العام الدولي والعربي والإسلامي والمحلي؛ تجد مبررات شرعية شكلية وهمية فقط لا غير. البيان: في داخل الجزائر هناك من يتحدث عن ضرورة دعم موقف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على وجه التحديد، على اعتبار أنه من أنظف السياسيين في هذه المؤسسة الجزائرية، ودعمه ربما يساعد في تطوير مرحلة الوئام الوطني؟ - والله! يا أخي، هذا سؤال يخرج بي عن المنهج. أولاً القضية ليست قضية شخص، لو كان الأمر عائداً للرئيس عبد العزيز بوتفليقة لانتهى الأمر، أنا لا أعتقد أن الرئيس يتواطأ ويرضى ببقاء الجزائر على هذه الحال وهو قادر على تغيير الوضع، عبد العزيز بوتفليقة لم يستطع أن يحقق ما كان يريده وما كان قد وعد به ليحققه، ولن يستطيع ما بقي الوضع على هذه الحالة أبداً لا هو ولا غيره، الأزمة لا بد أن تحل بإرادة شعبية عامة، يجتمع فيه أو عليه كافة أو أغلب الجزائريين، ما لم يقف الجزائريون مثل وقفتهم أمام الاستعمار الفرنسي، ما لم يقفوا هذا الموقف مستحيل أن تستطيع الجزائر أن تخرج من هذه الورطة. البيان: لكن هناك من يقول إن تحالف التيار الإسلامي مع التيار الوطني ربما يكون من أفضل الخيارات التي تنتظر الجزائر لقطع الطريق على التيار الاستئصالي اللائكي؟ - الحقيقة؛ ما لم يعد الأمر لمحورية التاريخ علام يتفقون؟ إن كان الاتفاق على التغيير تفضلوا! [قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ] (البقرة: ١١١) ، أنا في هذا الأمر سامحني لا أفرق بين هذا ولا ذاك، المعيار كما هو الشأن في العراق البحث عن استعادة سيادة العراق للعراقيين، دولة بدون سيادة لا معنى لها، كذلك الجزائر اليوم دون أن تعود السيادة للشعب الجزائري، دون أن يعود قرارها قرار السيادة للشعب الجزائري؛ بحيث يصبح هو المتصرف في أموره في مصالحه في ثرواته في إمكانياته البشرية والطبيعية؛ لا يمكن للجزائر أن ترى خيراً أبداً إن بقيت على هذه الحال، هذه الحقيقة أخي الكريم. البيان: لكن الآن بعض الحركات الإسلامية تحضّر بقوة للخوض في هذه الانتخابات؟ هل تتوقع أن يحققوا مكاسب تُذكر في هذه المرحلة؟ - إن لم يستقم الإسلاميون على قاعدة العقيدة الحقة، وعلى قاعدة الشرعية العادلة؛ يتحولوا إلى أشرار مهما كان اسمهم، والله! لا أرى في هذه المساعي غير السوية غير القائمة على المنهجية الشرعية كما جاءت في القرآن الكريم والسنة النبوية بوضوحها ولا الشرعية الدولية المتعارف عليها، ما لم تكن الأمور في هذه الأطر الواقعية الموضوعية العلمية والمنطقية التاريخية الشرعية؛ فكل ذلك يبقى في نطاق العبث، والذي لن يزيد الأمور إلا فساداً، ولن يزيد الأزمة إلا تعقيداً، ولن يزيد الزمن إلا ضياعاً. البيان: من أبرز المرشحين في الحركة الإسلامية للخوض في الانتخابات الشيخ عبد الله جاب الله؛ فهل تتوقعون أن يكون له دور فاعل في مثل هذه الأحداث؟ - لا أبداً، لا جاب الله ولا غيره، على احترامي له كأخ، لكن إنْ أحترم جاب الله أحترم الحق أكثر، والصواب ألزم، لن يغير شيئاً أبداً لا جاب الله ولا غيره ما بقي الحال؛ لماذا؟ لأن المنطق يقول لا يمكن أن تتغير النتائج ما لم تتغير مقدماتها، فإذا بقيت المقدمات، كيف يمكنك أن تتوقع تغيير النتائج! البيان: لكن المؤسسة العسكرية أعلنت بأنها لن تتدخل في تغيير المسار الديمقراطي في هذه المرة، وذكر هذا على لسان الركن محمد العماري؟ - الحقيقة نتمنى أن يكون هناك شيء من الصدق في هذه الأمور. ولكن شتان بين الحقيقة وبين المزاعم، فالعسكر ليس كل الجيش، ولكن هذه القيادة ومن بينها الذي ذكرتم الآن هم الذين يعملون على بقاء الوضع على حاله بأي طريقة كانت، وما الانتخابات إلا لعبة من لعبتهم. البيان: إذاً أنتم ترون أن مصلحة الشعب الجزائري في مقاطعة هذه الانتخابات؟ - الشعب الجزائري ينبغي له أن يعرف، وهو يعرف ما ينبغي أن يفعله، يعود الأمر بعد الله إلى الشعب الجزائري، لا بد من أن يفكر ليس فقط في مقاطعة الانتخابات في تغيير الوضع كلية. البيان: لكنه سوف يستخدم العملية الديمقراطية في تغيير هذا الوضع! - أبداً اللاديمقراطية وليس الديمقراطية، الديمقراطية تتطلب الشرعية، وأين هي الشرعية لهذه السلطة؟ كيف يمكن أن تكون انتخابات مشروعة وشرعية تحت طائلة حالة الطوارئ؟ وأنتم تعلمون أن الانتخاب بيعة ولا بيعة لمكره، فهي باطلة من أساسها. البيان: إذاً أفهم أنك متشائم من نتائج العملية الانتخابية، وأن الحل ليس في العمل الديمقراطي وإنما في صورة جديدة من صور العمل السياسي؟ - لا، يا أخي الكريم، بل هذه واقعية تاريخية مبنية على أدلة مشروعة معقولة، أنا لا حق لي بأن أتدخل في الأمر، أن أكون انطباعياً تشاؤمياً أو تفاؤلياً، لا محل للتشاؤم ولا للتفاؤل في هذا الباب، اسمح لي! قبل كل شيء فأنا دارس، دارس لهذا الميدان على مستوى علم التاريخ، وعلى مستوى العلوم الإنسانية السياسية والاجتماعية وغيرها، أنا لا أسمح لنفسي أن أعالج أمراً كهذا على هذا المستوى من الخطورة المصيرية للشعب الجزائري ولأمة الإسلام جمعاء، أن أعالجه بالطريقة العاطفية الانطباعية أبداً، بل هذه هي الحقيقة، وسنرى عما قريب، سوف ترون أن الانتخابات تُجرى ثم بعد ذلك كل شيء ينتهي ويبقى الحال على حاله. البيان: هل أفهم من هذا فضيلة الشيخ بأن العملية الديمقراطية في شتى الدول العربية والإسلامية ليست من أجل الوصول إلى مصالح الشعوب، وإنما هي من أجل تخدير الشعوب وتضليلهم؟ - حتى الآن لم تحصل بعد ديمقراطية حقيقية في البلاد العربية والإسلامية، حتى تركيا، رغم الضغوط الأوروبية من أجل أن يعود الأمر إلى الشعب التركي، وعلى الرغم من أن الانتخابات في تركيا هي أقرب إلى الديمقراطية الحقيقية؛ فإن ما عدا ذلك، ولعل - إلى حد ما - الأمر يكون بالنسبة لإيران، بعد ذلك لم نر بعد بلداً تُجرى فيه الانتخابات بطريقة مشروعة جدية تعبّر عن إرادة الشعوب والأمة، ما لم تتحقق هذه يا أخي! لن تحل المشكلة السياسية ولا المشكلات الاقتصادية والاجتماعية بحال من الأحوال. البيان: بعد أن خرجتم - حفظكم الله - من السجن، وخرجت قيادات الجبهة؛ هل حصل هناك تواصل مع قيادات الحركات الإسلامية الأخرى في داخل الجزائر لتنسيق المواقف وإعادة بناء الحركة الإسلامية؟ - عاطفياً هناك تواصل، أما عملياً ومنهجياً فلا، فبعض الحركات التي ذكرتم تمشي حسب مصالحها وحسب توجهاتهم غفر الله لنا ولهم، فالحقيقة الذي يجمعنا هو الإسلام الحق، الذي يجمعنا هو الصواب في التعامل مع الأمانة، أمانة الله ورسوله ﷺ ، أمانة هذه الشعوب، أمانة أمة الإسلام، هذا الذي يجمعنا بهؤلاء، فإن غيروا فلا سبيل إلى الاجتماع على الباطل، إخواننا إخوان لنا ولكن في الحق، أما في غيره فلا؛ كانوا من كانوا. البيان: لكن ربما تكون هناك بعض القضايا اجتهادية ويسع فيها الاختلاف ولا تمنع من التواصل والتعاون! - نحن نتكلم عن البديهيات، حق الشعب في العزة، حق الشعب في الحرية، حق الشعب في الاستقلال، حق الشعب في التصرف في ثرواته وإمكاناته، هذه مسلمات في شريعتنا تسمى بمقاصد الشريعة، فمن خالفنا في هذا فلا نستطيع أن نجتمع معه، إنها بديهيات يا أخي الكريم، ساعة كنا في الاستعمار البين الواضح كان أناس مع الاستعمار على الرغم من أنهم مسلمون يصلون ويزكون ويحجون وإلى آخره، إلا أننا لم نكفرهم ولم ندخل في هذا الباب، لكن لم نستطع أن نرتبط بهم، ارتبطنا بالحق، حتى من عاد منهم إلى الصواب بعد الثورة وبعد الاستقلال وبقي من بقي إلى الآن على نهجه، إذاً معيارنا هو الحق، معيارنا هو مقاصد الشريعة، فمن كان ضدها بصريح النص وكان في حكم الخيانة لا نستطيع أن نجاريه بل ينبغي أن نصارحه بموقفنا. البيان: وهل هذا موجود في الحركة الإسلامية! نحن لا نتحدث عن عامة الناس، نحن نتحدث عن أبناء الحركة الإسلامية؟ - وقد يوجد، أنا لا أستطيع أن أنصّب نفسي حكماً على الناس وإنما حكم على تصرفات الناس، سلوكيات الناس، مواقف الناس، عندما يمشي واحد في خط هذه السلطة على ما ارتكبته من إجرام وما ترتكبه من ظلم، حتى وإن كان لا قدر الله ابني هذا الذي هو أمامك؛ لا أعترف له ولا أعترف به، ولن أستطيع أن أجاريه ولن أوافقه بل أقاومه، وهو نفسه لا قدر الله لو يراني سرت على هذا الخط، خط الخيانة له أن ينتقم مني، وله أن يحاربني، ما يجمعنا هو الحق، ما يجمعنا هو الشرع، ما يجمعنا هو مقاصد الشريعة الواضحة البينة المتفق عليها، ومن كان على غير ذلك فإن كان مخطئاً فله أن يعود إلى صوابه، وإن كان عامداً مستمراً فأمره إلى الله ثم إلى الشعب الجزائري، لست أنا الذي أحكم عليه، أترك الشعب، والشعب الجزائري له خبرة وله وعي، والحمد لله، وهو قادر على التبين وعلى معرفة من هو أهل لأمانته، ومن تلزم مواجهته وحرمانه من حق ثقته فيه، ثقة الشعوب غالية لا تعطى وإنما تكتسب، فهم لذلك بيننا وبينهم الله، وبيننا وبينهم الشعب الجزائري، ولا ندخل لا في خصام ولا في مشاجرة ولا في أي شيء أبداً الحمد لله، والله يشهد أنه على الرغم مما قد يأتي من شيء لم نرد، نحن لسنا معارضة للمعارضة. البيان: لعلي أختم بسؤال أخير لو سمحتم لي فضيلة الشيخ، وهو أن تجربة الجبهة الإسلامية للإنقاذ تجربة عامرة بالأحداث ومليئة بالتجارب، وهذه التجارب لا شك بأنها حق الجبهة، لكنها أيضاً من حق الحركات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم الإسلامي ليطلعوا على هذه التجربة، لكن ربما كانت الأحداث السياسية السابقة لم تجعل أدبيات الجبهة تظهر، وتجاربكم الشخصية أنتم وبقية الحركة لم تصل إلى جمهور الناس، وقد ذكرتم قبل قليل بأن بعض الحركات الإسلامية ربما ضُللت في كثير من الأحداث؛ فهل في خطتكم أن تدوّن هذه التجربة بوضوح وصراحة، أو على الأقل ما يسمح بالظهور والصراحة؛ بحيث أن الجميع يستفيدون من تفاصيل هذه التجربة؟ - الحقيقة وعد الحر دين، أنا لا أريد أن أتحمل هذا الدين فضلاً على الديون التي أثقلت كاهلي، أسأل الله أن يوفق الجميع ممن أسهموا ومن عاشوا هذه التجربة وذاقوا حلوها ومرها وعانوا من آلامها واكتسبوا منها خبرة قد تكون في مستوى التدوين للإفادة منها، نشجعهم جميعاً على مثل هذه التجربة. وفيما أعتقد أن هذا الجهد كبير يحتاج إلى تعاون جميع أهل الخير، من حيث النصح ومن حيث الإفادة بالنشر نشر الكلمة كلمة الحق، كما أسأل الله أن يوفق إخواننا أن يكتبوا الكتابة الصادقة وأن يكونوا أمناء؛ لأنها أمانة كبيرة بإمكانها أن تغير الأجيال كل الأجيال المتعاقبة؛ لأن المسيرة طويلة وطويلة جداً جداً، وهذه الكنوز ينبغي أن تكون محفوظة، عندما تُعرض تُعرض بموضوعية تامة أي بأمانة كاملة، وقد أوصانا الله بأداء المهمة في قوله ﷻ بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ] (النساء: ٥٨) ، فإن لم نحكم حتى يقال إنكم عدلتم أو ظلمتم، وإن حكمنا كان ما تصرفنا به في إطار الشرع وفي إطار ما وعدنا به أمتنا والحمد لله، والله شاهد، والتاريخ شاهد، والشعب الجزائري شاهد، فإن ما بقي يبقى ممكناً طالما نحن بقينا على العهد، على عهد الصدق، على عهد الأمانة من بينها أمانة التاريخ. هذه التجربة الثرية ينبغي أن تُقدّم بشكل موضوعي تماماً لا زيغ فيه ولا تزوير ولا تحامل على الحق ولا على الحقيقة، هكذا أنصح جميع إخواني ممن أعطاهم الله فرصة إمكانية تقديم هذه التجربة؛ أن تكون بالكيفية المشروعة المطلوبة علمياً وتاريخياً وعقائدياً رسالياً وحضارياً. البيان: ما وصيتكم - حفظكم الله - لأبناء الحركة الإسلامية في داخل الجزائر وفي خارجها بشكل عام؟ - الحقيقة وصيتي الصدق مع الله، ثم الصدق مع أمة الإسلام، ثم العلم والتثبت فيه، والعمل إلى درجة اليقين، وهذه من شروط الصدق، ثم النزاهة وإبعاد الذاتية والأغراض الشخصية والأهواء الفكرية أو المذهبية أو الطائفية أو الحزبية، ينبغي أن نتجرد، أن نكون لله، وأن نكون لرسالته، وأن نكون لمشروع الأمة، أمة الإسلام التي تتطلع لتكون في مستواها الرسالي، ومستواها الناهض الحضاري، أن نكون أمناء، أمناء لخير أمة، جادين في تحقيق هذا النموذج الرباني القرآني ليبقى شاهداً ومعلماً في قيادة الأمم الحائرة أمم هذا العالم الحائر، هذا العالم المتعطش للحق، إلى نموذج الصدق والدعاء، بالجدية المطلوبة والحكمة المحمودة، وإن شاء الله إن بقي الجيل الصاعد على هذا المنهج القويم، ثابت على عهد الصدق مع الله ثم مع الأمة؛ سيكون إن شاء الله هو المرشح لقيادة الأمة والإنسانية إلى ما فيه الخير، وما فيه أمن وأمانة وسلم واستقرار عبر ربوع العالم وفي كل أرجاء الإنسانية جمعاء، وهكذا كان رسول الله ﷺ قدوتنا، وهكذا كان صحبه الكرام سائرين، وعلينا أن نبقى على النهج ثابتين مستمرين، وبالله التوفيق. وشكراً لكم.

стр. 4881

حوار ماذا يجري في الجزائر؟! البيان تحاور الشيخ كمال قمازي القيادي البارز في الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالجزائر أجرى الحوار: يوسف شلي [*] هناك تراجع كبير عن المكتسبات التي اكتسبها الشعب الجزائري في هذا الحوار الذي تفضل به الشيخ كمال قمازي لمجلة «البيان» ، يكشف فضيلته عن الأجواء التي أحاطت بمبادرة الشيخ عباسي مدني لحل الأزمة الجزائرية، وردود الفعل السياسية والشعبية حولها، وموقف الجبهة منها. ويوضح الشيخ كمال قمازي أن «المبادرة» التي أعلن عنها الشيخ عباسي تحمل تصورات الجبهة الإسلامية نفسها لحل الأزمة الجزائرية التي جاء ذكر تفاصيلها في الوثيقة السياسية المؤرخة في ١٨/٦/١٩٩٥م، والمقدمة إلى السلطات الجزائرية آنذاك أثناء لقاءات الحوار الثنائي بينهما. ولمعرفة المزيد إليكم تفاصيل هذا الحوار. * ضيفنا في سطور: الشيخ كمال قمازي عضو قيادي بارز في الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، وشخصية مهمة في الحركة الإسلامية، اقتحم المجال السياسي، وكان من بين مؤسسي الجبهة الإسلامية، وكان فيها عضواً في مجلس الشورى والمكتب الوطني، كما كان رئيساً للمجلس الشعبي لمدينة الجزائر، وهذا ما جعله يحظى بثقة الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج، ويعدُّ اليوم من المقربين إليهما، ليصبح الشيخ من بين أهم الشخصيات في القيادة التاريخية التي تحوز ثقة أنصار الجبهة والتيار الإسلامي عموماً. البيان: ما هو تقييمكم لردود أفعال الطبقة الوطنية والسياسية التي أحدثتها مبادرة الشيخ عباسي مدني لحل الأزمة الجزائرية؟ - بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد.. في البداية نهنئ فريق مجلة «البيان» الشهرية، هذا الصرح الإعلامي المميز الذي نتمنى له التوفيق والنجاح، وأن يكون فاتحة خير للقضايا التي تهم الشعب الجزائري الذي يعاني، والمصالحة الوطنية، ولغة الضاد بصفة عامة. أما بالنسبة لسؤالكم حول تقييم ردود أفعال الطبقة السياسية حول مبادرة الشيخ عباسي مدني؛ فلا نعتقد أن كل فاعل في الساحة الوطنية كان منسجماً مع موقفه، فالاستئصاليون بطبيعة الحال وقفوا ضدها، ومنهم من طلب حتى بمحاكمة الشيخ لخرقه الممنوعات العشرة، أما دعاة المصالحة الوطنية فوقفوا بين المرحب بها، وعلى الأقل المتوقف، والطالب لمزيد من المعلومات حول الموضوع. لكن في اعتقادنا أن الشعب هو الحكم بالنسبة لهذه المواضيع، فالشعب هو الذي يعاني من الأزمة، وهو الذي يدفع الثمن من دم أبنائه وأمواله، ومن مستقبل شبابه، وقدرته المعيشية، وفي الكثير من الأوضاع المزرية التي يعيشها، وهو الذي يطالب بالحل والسلم، لفتح صفحة جديدة لآفاق جديدة. البيان: صرحتم لإحدى الأسبوعيات بأن المبادرة تحمل تصورات الجبهة الإسلامية للإنقاذ نفسها لحل الأزمة.. هل من توضيح أكثر؟ - في الحقيقة المبادرة تحمل عدة جوانب: أولها: الجانب الذي يُعتبر القاسم المشترك بين ما طرحه الشيخ عباسي مدني وبين ما قدمته الجبهة الإسلامية للإنقاذ في مختلف اتصالاتها بالسلطة، ومنها على وجه الخصوص الوثيقة المؤرخة بـ ١٨/٦/١٩٩٥م، التي كان الشيخ عباسي مدني أحد الموقعين عليها مع بقية الشيوخ السبعة، ومنهم الشيخ عبد القادر حشاني ﵀ وغيرهم. ثانيها: الجانب الذي نشترك فيه مع بقية الطبقة السياسية من دعاة المصالحة الوطنية والعقد الوطني في مطالبهم، كرفع حالة الطوارئ، وعودة الحريات، وغيرها من الأمور التي نتفق مع غيرنا فيها حول موضوع حل الأزمة. وثالثها: الجانب الشخصي لصاحب المبادرة، حيث إن بصمات الشيخ واضحة وبارزة فيها، فاجتهاده الخاص تجلى، خصوصاً عندما طرح فكرة وقف الاقتتال ودورة العنف الدموية بداية من عيد الأضحى المبارك، أو تأجيل الانتخابات الرئاسية وغيرها، فهذه الأمور من اجتهاد الشيخ نفسه. لكن نحن نعتقد في عمومها - أي المبادرة - أنه لا بد من التركيز على جانب مبادئ الحل السياسي قبل الإجراءات؛ لأن الشيء الذي كانت تدعو إليه الجبهة الإسلامية - المحظورة - كنقطة رئيسية؛ لا بد من الوصول إليها حتى تفتح صفحة جديدة من الآفاق أمام الشعب الجزائري، مثل التداول على السلطة، عدم استعمال العنف للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها، عدم تدخل الجيش في الشؤون السياسية، احترام حقوق الإنسان، فتح مجال الحريات السياسية والإعلامية والدعوية والخيرية وغيرها. هذه المبادئ إذا تم الاتفاق عليها، نذهب بعدها إلى الإجراءات التي من أولويتها: إطلاق سراح المساجين، ورفع حالة الطوارئ، وغيرها من الإجراءات التي أشار إليها الشيخ عباسي. وفي العموم نعتقد أن هذه الأمور هي محل توافق وقواسم مشتركة. البيان: هناك مصادر إعلامية ذهبت إلى أن الرجل الثاني في الجبهة الشيخ علي بلحاج غير راض عن تحركات الشيخ عباسي مدني قبل وبعد إطلاق مبادرته.. هل هذا صحيح؟ وما هو موقفكم الرسمي من المبادرة؟ - الحقيقة أن العلاقات بين شيخي الجبهة الإسلامية للإنقاذ لا يمكن أن يعوّل فيها على وسائل الإعلام، التي في أغلبها هي بين المروّجة للشائعات المغرضة، ومنها في أحسن الأحوال ما يفتقد إلى الحقيقة وإلى المعلومات الصحيحة؛ فتجده يخبط خبط عشواء، لكن ما نعلمه ونقر به أن هناك انسجاماً بين الشيخين وتناصحاً وتضامناً وأخوة بينهما، وتخلُّقاً بالأخلاق الإسلامية؛ ما يجعل هذا كله يُستثمر في صالح الأمة، وفي صالح خدمة القضايا التي تهم الشعب الجزائري المسلم. أما عن موقفنا الرسمي من المبادرة فقد ذكرته آنفاً في جوابي عن السؤال السابق، ونجمله فيما يلي: إن هناك قواسم مشتركة نتفق فيها مع الشيخ عباسي ومع بقية شيوخ الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، حتى مع الذين وقّعوا على العقد الوطني، ومع الكثير من أهل الخير في البلد ومن دعاة المصالحة الوطنية. وهناك أمور اجتهادية خاصة بالشيخ عباسي مدني؛ بعض منها تنقصنا معلومات حولها، لكن على العموم نسأل الله له العون والتوفيق والنجاح. أما نقطة تأجيل الانتخابات فنعتقد أن الكلام عن التأجيل لا يكون إلا بعد الاتفاق على المبادرة وعلى الحل الشرعي الشامل والعادل الذي تنشده وتسعى إليه الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، وإذا كان التأجيل من أجل الوصول إلى تجسيد إجراءات الحل، فيمكن أن يكون هذا في مصلحة الشعب الجزائري، أما إذا كان التأجيل من أجل التأجيل أو لإطالة عمر الأزمة والمد في أجلها؛ فنعتقد أنه ليس من الصواب بمكان. البيان: لماذا أصر الشيخ عباسي مدني على أن مبادرته شخصية لا تمثل الجبهة الإسلامية وهو أحد قياداتها التاريخية؟ ألا ترى أن هذا مؤشر قوي على أن بيت الجبهة ليس على حاله؟ - الشيخ عباسي مدني كما تعلمون رجل علم، ورجل مجاهد، وقدم الكثير من التضحيات من أجل البلد، أو من أجل خدمة الأجيال سواء في الجامعات أو المساجد أو غيرها، وهو أهل لأن يُكرّم ويعزز، والبلد الذي لا يُكرِّم أبناءه ترى فيه هذه الحالة التي وصلنا إليها. فبعد أن يقدم هذه الخدمات، ومنها هذه المبادرة، من أجل وقف النزيف الدموي والاقتصادي والأخلاقي وحالات التردي عموماً؛ تجده مقيداً بالممنوعات العشرة، ومقيد الحريات، فيذهب إلى الخارج لأجل أن يُسمع صوته من وراء البحار، وهذا نتأسف له. ونعتقد أنه لو كان الشيخ عباسي مدني في الجزائر لأمكن له التشاور أكثر، والعمل بكل حرية؛ لنصل إلى درجة أحسن مما هي الحال عليه الآن. ونرى أن ما يقوم به الشيخ عباسي بحكم الظروف يحاول أن لا يلزم إخوانه به، ولا يلزم الجبهة الإسلامية المحظورة بمجهودات خاصة ومبادرات يمكن أن يوظف فيها طاقاته ومجهوداته دون أن يحرج إخوانه في أمور قد يصيب فيها أو يخطئ، والأمر لا يعدو أن يكون أكثر من هذا. البيان: بصفتكم أحد قيادات الجبهة من الداخل؛ هل أنتم راضون عن سياسة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وخاصة موقفه من المصالحة الوطنية؟ - بالنسبة لسياسة رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة؛ في حملته الانتخابية وعد وقدّم وعوداً كثيرة، وكان يرى أنه بعد أن يصل إلى كرسي الرئاسة ستصبح أوضاع الجزائر في حال أفضل، لكن واقع الحال يفند ذلك، فدار ابن لقمان ما زالت على حالها، الوضع الأمني مترد، والمصالحة الوطنية لم تتقدم شبراً، بالعكس ما زالت دعوات الاستئصال، حتى بعض الأسماء التي نصبها الرئيس تُحسب على الجناح الاستئصالي، وهذا لا يخفى على عاقل، حتى بالنسبة لموضوع التراجع عن الثوابت الوطنية، كاستعمال اللغة الأجنبية على حساب اللغة العربية، والشروع في تغيير المنظومة التربوية قسراً ودون رضا أو قبول من المعني الأول بالموضوع وهو السلك التربوي، أقول هناك تراجع كبير عن المكتسبات التي اكتسبها الشعب الجزائري، سواء بعد خروج الاستعمار أو بعد انتفاضة أكتوبر ١٩٨٨م؛ لهذا نرى أنه يجب عليه أن لا يكتفي بالوعود، خاصة أنه مكث حوالي خمس سنوات في الرئاسة، وكان بإمكانه أن يفعل الكثير، وخاصة الاستعانة بأهل الخير في البلد وهم كُثُر، لكن هذا لم يحصل، فحالة الطوارئ قائمة، والأوضاع لم تتغير، يضاف إلى ذلك المضايقات التي تقع على شيوخ الجبهة الإسلامية المحظورة، وعلى رأسهم الشيخان، بأسلوب قد تجاوزه الزمن! البيان: عائلة بلحاج تندد بالمضايقات التي يعاني منها ابنها، والجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة في الخارج ترفع شكوى إلى الأمم المتحدة حول جملة المضايقات التي تعاني منها قيادات الداخل.. بماذا تجيبون؟ - تعلمون أن الشيخ علي بلحاج لبث في السجن ١٢ سنة، ولما خرج من السجن قُيد بجملة من الممنوعات والتقييدات؛ القصد منها شل حركته ووضعه في سجن آخر كبير، وبين الحين والآخر يُستدعى وتُطرح عليه أسئلة ليست من اختصاص مصالح الأمن؛ لأنها تعد من الحريات الخاصة بالرجل، رغم أن الشيخ لا يزيد في تحركاته عن زيارة إخوانه، أو القيام بزيارات لمن يدعونه لا أكثر ولا أقل، فهذا يترتب عليه استدعاءات في مخافر الشرطة، بينما نرى الكثير من رجال الطبقة السياسية كالهاشمي شريف أو غزالي وغيرهم كثير، أو العروش الذين حطموا وخربوا وطالبوا بالاستقلال الذاتي، وأحرقوا العلم الوطني، ومنعوا الوزراء من التنقل ميدانياً في منطقة القبائل، هؤلاء يُدعَون إلى الحوار ويُترجَّون أن يقبلوا دعوات الحوار! إنها سياسة الكيل بمكيالين، وهو أسلوب التردي الذي وصلت إليه السلطة في تعاملها مع الأطراف الوطنية، بينما الشيخ علي بلحاج الذي يدعو إلى الحل السياسي وإلى الخير والفضيلة وإلى الحريات وإلى كل ما فيه مصلحة للبلاد والعباد؛ هذا جزاؤه..! ولأول مرة في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يُضايق ويستدعى شيوخ الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، وتُطرح عليهم أسئلة خاصة بما يتعلق بأحوالهم الشخصية أو التاريخية التي مكانها الجامعة أو مراكز البحث في التاريخ، وأسئلة أخرى، وكل ذلك مبالغة في المضايقة والإحراج، وقد بلغنا كما أشرتم أن الإخوة في الخارج من إطارات الجبهة رفعوا شكوى إلى الأمم المتحدة على موضوع المضايقات، وكان هذا اجتهاداً منهم من باب غيرة الأخ على أخيه.. وشكراً لمجلتكم الغراء.

стр. 4882

ملفات ذهاب الريح، وغياب المشروع د. عبد الرزاق معاش [*] eljazairi@yahoo.fr إن الذي يجري في الجزائر ليس شيئاً واحداً بل أشياء كثيرة، يغطّي بعضها على بعض بفعل الاحتقان على أكثر من صعيد، وبفعل التسارع في الأحداث بسبب التسابق والتنافس وما يستلزمه كل منهما من آليات، ومن أهمها: التحزّبات والتحالفات التي تذوب بداخلها كل الخصوصيات إلا ما يخدم ذلك الحزب أو ذاك التحالف. وأخطر ما غابت معالمه في هذا الخضمّ المتلاطم هو مشروعٌ للإصلاح على منهج الكتاب والسُّنة، بالرغم من وجود إسلاميين كُثُر في مهيع الصراع الجاري، مشروعٌ كالذي قاده في مثل ظروف الجزائر الراهنة شيخ النهضة الجزائرية الإمام عبد الحميد بن باديس ﵀، فقد تدهورت الحالة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والدينية للمجتمع الجزائري، فحلّت اللغة الفرنسية - أو تكاد - محل اللغة العربية، وحُوصر الدين في أضيق نطاق، وما بقي منه عبث به أصحاب الأهواء؛ وما أشبه الليلة بالبارحة إلا في نهج الإصلاح ووعي الأمة بواجبها وبالأخطار المحدقة بها! لقد كان ردّ الإمام ابن باديس وصحبه وأمته على مقولة سكرتير حاكم الجزائر آنذاك الجنرال «بيجو» : (إن أيام الإسلام قد دنت، وفي خلال عشرين سنة لن يكون للجزائر إله غير المسيح) [١] ، كان ردّهم حاسماً بانتهاج نهج الإصلاح، وتجديد الدين وإعزازه، وإشاعة العلم والثقافة بلغة القرآن، فخاب ظن الكفرة الصليبيين، وانتصر أتباع محمد بن عبد الله ﷺ ، ولم يعبدوا غير الله تعالى إله الأولين والآخرين. ولهذا فإن الواجب على العلماء والدعاة وأهل الرأي في الجزائر؛ أن يكونوا صفاً واحداً لإصلاح البلاد والعباد، وألا يسمحوا للشيطان بالتحريش بينهم. [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] (الأنفال: ٤٦) .

стр. 4883

ملفات ماذا يجري في الجزائر؟! حمى الانتخابات الرئاسية الجزائرية والاحتمالات المجهولة يوسف شلي [*] youcef٤٦@gawab.com أسباب كثيرة قد تجعل من الانتخابات الرئاسية الجزائرية المقبلة والمقرر إجراؤها في شهر أبريل ٢٠٠٤م؛ حدثاً أساسياً ومهماً في تاريخ الجزائر المعاصر، والذي سعى منذ أكثر من عقد بعد أحداث أكتوبر ١٩٨٨م الأليمة من أجل تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني، وتجاوز كل تبعات مراحل المواجهات بين السلطات المتعاقبة على الحكم والمعارضة السياسية عموماً والإسلامية خصوصاً المسيَّس منها والمسلح. ذلك أن هذه الانتخابات العاشرة في تاريخ الجزائر؛ تعكس إلى حدّ كبير عقدة الشرعيّة المفقودة التي أربكت وما زالت تربك النظام السياسي في الجزائر منذ الحصول على الاستقلال في يوليو ١٩٦٢م. كما تأتي في ظروف مختلفة عن انتخابات ١٩٩٩م التي فاز فيها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة؛ بعد خروج المرشحين الستة الآخرين احتجاجاً على ما وصفوه وقتها بتحيز الإدارة ضدهم، وسياسة التزوير الواسعة المتبعة من طرف أعوان السلطة. هذه الانتخابات التي جاءت في ظروف خاصة وصعبة؛ تميزت بالتدهور في جميع المجالات الضرورية الحية، وأزمة سياسية خانقة، وحالة اقتصادية واجتماعية مريرة، أفرزت في حينها ما سُمّي بالهدنة من جانب واحد من طرف الجيش الإسلامي للإنقاذ الذي تم حلّه، ما أدى إلى ديناميكية جديدة عند الإعلان عن قانون الوئام المدني والمصادقة عليه، ومن ثم العفو عن المسلحين وإدماجهم في المجتمع مواطنين عاديين رجعوا إلى أحضان شعبهم. وتتم بعد تحوّل كبير وجذري طرأ على علاقة السلطة بالجبهة الإسلامية للإنقاذ التي أعلنت نبذها للعنف كوسيلة للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها، ودعت لإقامة مجتمع «ديمقراطي» انطلاقاً من مبادئ ثورة التحرير الوطنية، والتي تبنت في أحد بنودها الرسمية مبدأ أن الإسلام رافد أساسي من أهم روافد الدولة الجزائرية الحديثة بعد الاستقلال. رغم أن طرح الشيخ عباسي مدني لمبادرته المشهورة لحل الأزمة الجزائرية لم يلق تجاوباً؛ إذ بقيت مبادرتهُ يتيمة بعد أن تجاهلها الجميع حتى أطراف من الجبهة المحظورة نفسها؛ علماً بأن زعيم جبهة الإنقاذ أدلى بدلوه هو أيضاً حول الانتخابات المقبلة؛ عندما دعا إلى تأجيلها والعمل على توفير شروط شرعيتها ومصداقيتها؛ موضحاً أن الظروف الحالية «لا تسمح بإجراء انتخابات تفضي إلى حل مشكلة (عدم شرعية النظام الحالي) » .. ورغم أن باقي قادة الجبهة وفي مقدمتهم الشيوخ: علي بن حاج، وكمال قمازي، وعبد القادر بوخمخم، ورابح كبير؛ قد أعلنوا عبر وسائل الإعلام وغيرها عدم مسؤوليتهم عن تلك المبادرة؛ فإن تأثيرها في التطور الإيجابي السياسي بالبلاد يظل قائماً؛ خصوصاً إذا ما عمل الرئيس بوتفليقة على الاستفادة منها لدعم موقفه في الانتخابات؛ إذا ركز في حملته الانتخابية بعد أيام قليلة على المصالحة الوطنية الشاملة، ووقف النزيف الدموي، وهو المسعى الذي يُجمع عليه جل الجزائريين ولا يختلفون عليه. الأمر الذي دفع المراقبين السياسيين إلى طرح التساؤل: حول إمكانية قيام السلطة باحتواء الجبهة الإسلامية للإنقاذ من جهة، وحول استعداد هذه الأخيرة لاستغلال الانتخابات الرئاسية ٢٠٠٤م لمصلحتها؛ للعودة من جديد إلى الواجهة الوطنية وممارسة العمل السياسي مرة أخرى؟ * الساحة السياسية بين لهيب الرئاسيات وبرودة التوقعات: في محاولة لتبديد الشكوك التي تحيط بأجواء الانتخابات الرئاسية أعلنت الحكومة الجزائرية مراراً وتكراراً بأن الانتخابات المزمع تنظيمها في الثامن من شهر أبريل ٢٠٠٤م؛ ستكون شفافة ونزيهة أكثر مقارنة بأي بلد في العالم بما فيها الدول العريقة في الديمقراطية [١] والتداول على السلطة. وكرر وزير الداخلية يزيد زرهوني أن الحكومة أعطت ضمانات قوية بتوجيهات من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة نفسه حتى تكون هذه الانتخابات شفافة ونزيهة وذات مصداقية، لا تشوبها شائبة في نظر المراقبين الدوليين والمهتمين بالأوضاع السياسية الداخلية الجزائرية. إن الصراع الدائر حالياً بين الرئيس بوتفليقة وجبهة التحرير الوطني - جناح رئيس الحكومة السابق علي بن فليس -، والجدية التي تبديها الفعاليات السياسية والحزبية الأخرى في المنافسة على الرئاسة في الانتخابات المقبلة؛ قد تنقل الجزائر نقلة نوعية: إما إلى مجهول غامض حتماً سيترك بصماته في مستقبل الجزائر على المدى القريب، وإما إلى مستقبل مشرق ووضع جديد، قد يفتح الطريق أمام إخراج البلاد من محنتها التي طالت منذ أكثر من عشر سنوات من الآلام والأحزان. ومعروف في الجزائر أن الحملة الانتخابية تبدأ دائماً قبل موعدها المحدد قانونياً ورسمياً، وقد أنتج ذلك حالة من الاستنفار الحزبي المتبادل داخل النخبة الوطنية السياسية التي انقسمت بين مؤيد لإعادة ترشيح الرئيس بوتفليقة للمرة الثانية أو معارض لها، كما أن من النتائج البارزة للوهلة الأولى: انقسام الحزب «العتيد» جبهة التحرير الوطني، صاحب الأغلبية البرلمانية والمحلية، على نفسه إلى تيارين رئيسين: التيار الأول: يقوده الأمين العام علي بن فليس، ويؤيد ترشيح هذا الأخير للرئاسيات. والتيار الثاني: يطلق على نفسه اسم «الحركة التصحيحية» ، ويقوده وزير الخارجية الحالي عبد العزيز بلخادم أحد أقرب المقربين للرئيس، وهو يؤيد بقوة إعادة ترشيح عبد العزيز بوتفليقة لعهدة ثانية؛ باعتباره أحد أبرز أبناء جبهة التحرير الوطني إبان الثورة التحريرية وبعدها، وممن ناضلوا من أجل تحرير الوطن من ربقة المستعمر الفرنسي الغاشم. هذه المعطيات رفعت من وتيرة وحِدَّة تجليات الأزمة السياسية الجزائرية عشية الانتخابات الرئاسية على واجهات متعددة لتضييق الخناق على الرئيس الحالي، وتضع على المحك حظوظه في الفوز بعهدة ثانية؛ خاصة أنه أصبح يقف في خط المواجهة المباشرة مع عدد من الأحزاب والشخصيات السياسية المنافسة له على كرسي الرئاسة، وفي مقدمتهم عبد الله جاب الله [٢] ، وسعيد سعدي [٣] ، ولويزة حنون [٤] ، والدكتور أحمد طالب الإبراهيمي [٥] ومفاجأة إقصائه المبكر، وسيد أحمد غزالي [٦] المقصى، ومنافسه القوي أيضاً داخل حزب جبهة التحرير الوطني علي بن فليس الذي سبق أن قاد بوتفليقة إلى الحكم في سنة ١٩٩٩م. مهمة الرئيس بوتفليقة لم تكن سهلة، فقد ورث تركة ثقيلة متعلقة بتدويل الأزمة في الجزائر، وهو لم يسر على منوال سابقه اليامين زروال وفقاً لتصريحاته؛ إنما اعتمد في برنامجه السياسي على جبهتين: - الجبهة الداخلية؛ من ناحية إعادة تنظيم المجتمع الجزائري وعلاقاته، والكشف عن أمراضه وعلاجها، وهيكلته سياسياً، وإعادة ثقة المواطن في الدولة وفي مؤسساتها، ومد الجسور المنقطعة، وجعل قوى الشعب الحية عنصراً قوياً في المعادلة الجزائرية المعقدة وليس كبش فداء فقط يُذَبح في المجازر، أو ورقة انتخابية صرفة تُستغل في حينها! وإنما مشارك في صنع القرار السياسي وتقرير مصيره بنفسه. - الجبهة الخارجية؛ من خلال استعادة دور الجزائر الريادي على الصعيد الدولي، ونقلها من مرحلة رد الفعل السلبي إلى مرحلة الفعل الإيجابي، وهو المسعى الذي لقي تأييداً دولياً منقطع النظير، وخاصة مساعيه لحل الأزمة الأمنية أولاً، والتقليل من الأزمة الاقتصادية ثانياً. هكذا تبدو ملامح الجزائر من خلال رئاسة عبد العزيز بوتفليقة في عهدته الرئاسية الأولى واضحة المعالم؛ من حيث التعامل مع الملف الأمني عبر ترقية الوئام المدني إلى مصالحة وطنية، والحوار مع العروش [٧] (البربر) عبر فتح قنوات الاتصال والاعتراف باللغة الأمازيغية لغة وطنية، وعودة رؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار في القطاعات الاقتصادية المشلولة، ومحاربة جماعات الفساد عبر ورش إصلاح الإدارة وأجهزة الدولة والقضاء، وتوظيف التأييد الشعبي في تبني مواقف الرئيس من الملفات الكبرى التي تثقل كاهل البلاد والعباد، ومقاومة جماعات القوى الضاغطة، بل أكثر من هذا؛ فإن كل المؤشرات توحي باقتراب انتهاء ثقافة العنف والحقد التي سادت بين الجزائريين لسنوات طويلة بفعل التيار الاستئصالي المهيمن جيداً على الساحة الوطنية إعلامياً وسياسياً، وإن كان لا يحظى بأي شعبية تذكر. * من المستفيد المباشر من الصراع؟ : ما لم يحسب له السياسيون حساباً في الجزائر؛ أن وضعاً كهذا الذي يعيشه الشعب وهو على أبواب انتخابات رئاسية مصيرية؛ من شأنه أن يساعد أصحاب المصالح المشبوهة التي تعمل على إثارة المشكلات والتأثير في مجريات الأحداث، وهي العناصر التي فقدت مكانتها في الساحة الوطنية بعدما لفظها الشعب الجزائري في أكثر من محطة انتخابية وسياسية، والتي تنتمي قلباً وروحاً إلى ما يُسمّى بالتيار الجمهوري العلماني الغريب عن مقومات الشعب الجزائري الأصيلة، وبدأت تستفيد من الوضع الجديد.. ومما يجري تداوله إعلامياً في هذه الأيام القول بأن الأمين العام لجبهة التحرير الوطني علي بن فليس يحاول أن يستفيد من دعم وأصوات أنصار هذا التيار المتنفذ والمنتشر في دواليب السلطة، والمتحكم في وسائل الإعلام الخاصة، وتُرجع الأوساط المروِّجة لهذه الفرضية ذلك إلى كون المعارضين لترشيح الرئيس بوتفليقة من جناح بن فليس اصطفوا مع «الاستئصاليين» ، وقادوا الحملة الإعلامية ضد الرئيس والمحيطين به؛ بالرغم من اعتراض جزء كبير من المناضلين «الشرفاء» والمتعاطفين مع الحزب على ذلك. واتهم علي بن فليس الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بالوقوف وراء مؤامرة خطرة تُحاك ضد استقرار البلاد؛ معتبراً أنها أكثر خطراً من تلك التي تستهدف حزبه في المدة الأخيرة، وهي التهمة التي حاول التيار الاستئصالي تسويقها في وسائل إعلامه. * بورصة الاحتمالات لرئاسيات ٢٠٠٤م تتدعم من جديد: ومما تسرب من كواليس الساحة السياسة الجزائرية؛ أن قادة المؤسسة العسكرية غاضبون جداً من «التعفن» السياسي القائم في البلاد، وخاصة ما يحصل داخل أكبر حزب ممثل في الجزائر جبهة التحرير الوطني وتفاعلات الانقسامات داخله، بعد شكوى الأمين العام بن فليس من تدخلات الرئيس في الشؤون الداخلية للحزب مستغلاً مكانته الرسمية؛ الأمر الذي أثار حفيظة المؤسسة العسكرية وقلقها إزاء الوضع الذي لا يلائم أحوال الجزائر في هذه الظروف، ورغبتها في إيجاد الحل دون تدخل مباشر منها، أو التلميح بأن المؤسسة العسكرية لن تسكت طويلاً إذا بقي الوضع على حاله؛ رغم تأكيدها المستمر بأنها تقف على الحياد في هذا الصراع، وأنها ستلتزم موقفاً محايداً تجاه الانتخابات المقبلة، إلا أنها من الممكن أن تتدخل في الوقت المناسب إذا خرجت الأمور عن إطار الصراع الانتخابي؛ خصوصاً أن هناك اجتماعاً ضم بعض المرشحين على الرئاسة، منهم أحمد طالب الإبراهيمي، ومولود حمروش [٨] ، وعلي بن فليس وآخرون، طالبوا فيه بتدخل المؤسسة العسكرية للإشراف على الانتخابات؛ لضمان عدم استخدام الرئيس بوتفليقة لصلاحياته الدستورية في التدخل والتلاعب بالانتخابات. وهنا تُطرح جملة من التساؤلات حول المخرج من الأزمة وطرق حلها: يرى بعضهم أن المؤسسة العسكرية قد تسعى إلى «حل جذري» عن طريق فرض خيار ثالث راديكالي، يقوم على دعم شخصية «حزبية» و «غير مختلف عليها» و «ممثلة» و «ذات بعد إسلامي ووطني» وتحظى «بالاحترام» في الداخل والخارج، وهذا بغرض رفع الغطاء والدعم السياسيين مهما كان حجمهما عن التيارين المتنافسين عقاباً لهما، مع توجيه رسالة خاصة وواضحة إلى من يشغل حالياً كرسي الرئاسة؛ مفادها أن جزائر ٢٠٠٤م ستكون جزائر الاستقرار السياسي، والنمو الاقتصادي، والانضمام إلى المؤسسات الدولية بعد تحسن الأوضاع الأمنية، ولن تقبل بأي تشويش. وهناك تكهنات غير رسمية تذهب إلى أن الاختيار قد وقع على شخص «عبد الله جاب الله» رئيس حركة الإصلاح، وهو من الشرق - معقل الجيش -، وأحد أقدر الشخصيات الحالية الشابة على تسلم مهام الرئاسة؛ باعتباره يحوز ثقة جهات في السلطة وفي الأحزاب وفي أوساط الشعب؛ علماً بأن المؤسسة العسكرية قد أعلنت رسمياً من خلال قائد الأركان محمد العماري في تصريح له لجريدة «الأهرام المصرية» بأن المؤسسة العسكرية لن تشارك من قريب أو بعيد في فرض أو اختيار رئيس الجمهورية في أبريل ٢٠٠٤م، وستقبل بالرئيس المقبل ولو كان عبد الله جاب الله. ويرى بعض آخر أن خيار الدكتور سعيد سعدي سيُستعمل ورقة ضغط على الرئيس بوتفليقة، وليس بديلاً له أو لغيره في الرئاسة إذا ما تفاقمت الأوضاع السياسية، ووصلت العلاقة بين الرئيس والجيش إلى درجة يُتعذر فيها الوصول إلى أي تفاهم أو تراض؛ حيث إن سعيد سعدي يتمتع بقدر لا بأس به من المصداقية لدى بعض أطراف المؤسسة، ويحظى بقبول في منطقة القبائل الكبرى وشيء من القبول في العاصمة، ورصيد خارجي وخاصة عند المغتربين بفرنسا وأوروبا. كما أن حملات إعلامية وتقارير صحفية وعناوين بارزة اضطلعت بمهمة تسويق اسم سعيد سعدي بهدف التشويش على الرئيس بوتفليقة نفسه، وتسميم الأجواء السياسية التي تحيط به، وقد يكون هدفها الضغط أيضاً على الرئيس من أجل تقديم تنازلات لبعض الجهات التي رفضت أن تذكرها بالاسم. أوساط مطلعة أعربت عن مخاوفها مما يمكن أن يؤول إليه الوضع خلال الأيام المقبلة، بعد أن فصلت الغرفة الدستورية الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي ورفضت تزكية ترشيحه للرئاسيات المقبلة، وكان اسمه متداولاً في بورصة الأسماء القابلة للترشح والتزكية في آن واحد من طرف المؤسسة العسكرية؛ بسبب استمرار تدهور العلاقة بين الرئيس وأصحاب القرار، وانعكاس ذلك على سير الحياة السياسية والاقتصادية. المؤسسة العسكرية كانت تعتبر الرئيس بوتفليقة «الشخصية المثالية لإدارة المصالحة التي لا تُحدث قطيعة مع النظام؛ بل تعمل بشكل ذكي ولبق للمحافظة على الوضع القائم ولاعبيه الرئيسيين دون إحداث أي خلل في لعبة موازين القوى» ، لكن بحسبهم تجاوز الرئيس حدود اللعبة المتفق عليها، وكان من نتائج ذلك أنه صار أسيراً للعبة النقد والنقد المضاد، والتي «قد تشكل خطراً على مصالح أصحاب القرار» . * كيف تبدو صورة الوضع في الجزائر عشية الانتخابات الرئاسية المقبلة؟ وما هو موقع التيارات السياسية الأساسية في البلاد؟ هناك ثلاثة تيارات سياسية أساسية في الجزائر: التيار الوطني: التيار السياسي الأكبر في البلاد، ويؤدي دوراً رئيساً في وصول أحد المرشحين إلى قصر الرئاسة. ويقود هذا التيار تاريخياً حزب جبهة التحرير الوطني برئاسة أمينها العام ورئيس الحكومة السابق علي بن فليس. وبما أن تزكية الحزب صاحب الغالبية في المجلس الشعبي الوطني (البرلمان) ضرورية لفوز أحد المرشحين؛ فإنه لم يكن مستغرباً أن يتصارع المتنافسون لكسب ودّه، وكان بن فليس نفسه أول هؤلاء.. فنظّم في مارس الماضي المؤتمر الثامن للحزب، وكرّس فيه استقلاليته عن مراكز صنع القرار في الحكم. الرئيس بوتفليقة لم يخطئ في تفسير القرار وأنه المستهدف به، فحرّك مؤيديه داخل الحزب للإطاحة ببن فليس وإعادة جبهة التحرير إلى «بيت الطاعة» ، لكن ذلك لم يكن بالأمر السهل؛ إذ إن بن فليس كان قد عدّل قوانين الحزب الداخلية في شكل يسمح له بالتحكم في مجريات الأمور داخله وخارجه، وإدارته إلى الوجهة التي يريدها (منحه الحزب صلاحيات واسعة في تعيين المناضلين بدل انتخابهم، والتحكم في أموال الحزب ومقراته وكل ممتلكاته) . وفي ظل الصراع بين بوتفليقة وبن فليس للسيطرة على حزب جبهة التحرير الوطني؛ يطل التجمع الوطني الديمقراطي برأسه بوصفه القوة الأساسية الثالثة في البلاد بعد حركة الإصلاح. وتكمن أهمية التجمع الديمقراطي في أمور عدة؛ أهمها قربه من دوائر صنع القرار في الحكم، وتوليه مواقع حساسة في الإدارة، وتحكّمه في المنظمات الجماهيرية والنقابية والمهنية والمدنية؛ منها على الخصوص عائلات ضحايا الإرهاب وجماعة المقاومين [٩] الذين يبلغون الآلاف بأسلحتهم وذخيرتهم. وكان التجمع الديمقراطي قد حسم موقفه منذ فترة بإعلان أمينه العام أحمد أويحيى ورئيس الحكومة الحالي دعم ترشيح بوتفليقة لعهدة رئاسية ثانية. وتختلف الأوساط السياسية في الجزائر في تفسيرها لخطوة أويحيى، ففي حين تقول بعض المصادر إن ذلك يعني أن المؤسسة العسكرية التي يُحسب أويحيى عليها؛ لن تؤيد مرشحاً ضد بوتفليقة، وتركت الحرية لمن يريد مساندته. يقول آخرون إن أويحيى «يرد الجميل» لرئيس الجمهورية الذي تدخل العام الماضي لإنقاذه؛ عندما بدا أن موقعه على رأس التجمع مهدد بانقلاب داخلي كاد أن يؤدي إلى تولي وزير البيئة والتهيئة العمرانية الحالي في حكومته الشريف رحماني منصب الأمين العام محله. ويوضح هؤلاء أن بوتفليقة «رمى بثقله» آنذاك لمصلحة أويحيى، فقرر الأخير رد الجميل له. مصادر أخرى تقول إن أويحيى لديه طموحه السياسي، وإنه أراد الترشح للرئاسة، فسعى إلى «جس نبض» أطراف فاعلة في الدولة لمعرفة رأيها فيه، لكنه لم يتلق رداً مشجعاً، فقرر دعم بوتفليقة؛ على أساس أنه المرشح الأوفر حظاً للفوز بمنصب رئاسة الجمهورية في ٢٠٠٤م؛ أملاً في أن يبقى إلى جانبه خمس سنوات جديدة تؤهله ربما إلى الترشح للرئاسة في ٢٠٠٩م. أحمد أويحيى غير محبوب في الأوساط الشعبية، والتي تأثرت كثيراً بالقرارات الأليمة والصعبة التي اتخذها عندما كان رئيساً للحكومة في عهد الرئيس اليامين زروال؛ مثل إغلاق آلاف المؤسسات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، ورمي مئات الآلاف من العمال إلى الشارع، وسجن الآلاف في عملية أُطلق عليها اسم «الأيادي النظيفة» ، والتسبب في موت وحرق العشرات من المسجونين عندما كان وزيراً للعدل ... ويُنظر إليه بوصفه محسوباً على القوى الفاعلة في السلطة ومنفّذاً لتوجيهاتها بكل إخلاص وتفان وإن كانت تستفز الشعب البسيط؛ لذا كان يقول عن نفسه بأنه: «صاحب المهام القذرة» . التيار الإسلامي: الطرف الثاني بعد التيار الوطني الأكثر قوة في المعادلة السياسية في الجزائر، لكن لا يبدو أنهم متفقون على مرشح واحد، وهذه نقطة ضعفهم. ولعل الشيخ عبد الله جاب الله رئيس حركة الإصلاح الوطني هو أقواهم حتى الآن، وينوي أن يفرض نفسه هذه المرة حسب أقواله وتصريحاته في الصحف ولقاءاته مع الفضائيات العربية، ولكن رغم التأييد الذي يحظى به خصوصاً في مناطق الشرق (معقله) ، وقول رئيس أركان الجيش الفريق محمد العماري إن المؤسسة العسكرية لن تعترض على الرئيس المقبل حتى إن كان إسلامياً «مثل جاب الله» ؛ فإن الأرجح أن زعيم حركة الإصلاح سيدخل الانتخابات من باب تعزيز موقعه السياسي في الخريطة الوطنية أكثر من إيمانه بأنه سيكون الرئيس الجزائري الجديد. وهو يعلم أنه إذا حقق نسبة مهمة من الأصوات في الدور الأول؛ سيعني ذلك بلا شك أن المتنافسين في الدورة الثانية (بوتفليقة، وبن فليس) حسب سبر الآراء سيسعيان إلى خطب ودّه وتلبية الكثير من مطالبه التي لا تخفى على أحد؛ كتدعيم المنظومة التربوية، والحفاظ على أصالتها، وحماية الجانب الشرعي لقانون الأسرة، وإلغاء مرسوم العار الصادر في عهد رئيس الحكومة السابق بلعيد عبد السلام، والذي ضيق مهنياً ومعيشياً على المحجبات وأصحاب اللحى، وكل من تُشم فيه رائحة الالتزام، وفتح المجال الدعوي، وتنمية الجانب الأخلاقي في المجتمع الجزائري، ودعم المسجد، وفرض المصالحة الوطنية، وإطلاق سراح المساجين السياسيين، وغيرها من المطالب الأخرى. وإلى جانب جاب الله؛ هناك قوة إسلامية ثانية مهمة في البلاد، هي «حركة مجتمع السلم» بقيادة أبو جرة سلطاني [١٠] ، وهذه الحركة قوية، خصوصاً في مناطق الوسط الجزائري المحيطة بالعاصمة (كولايات: البليدة، والمدية، والمسيلة، والجلفة، والأغواط ... ) ، لكنها فقدت الكثير من وهجها وشعبيتها بعد وفاة زعيمها محفوظ نحناح العام الماضي.. و «حركة مجتمع السلم» كانت من المؤيدين لعبد العزيز بوتفليقة عام ١٩٩٩م، ثم أصبحت عنصراً دائماً في الحكومة وفي مختلف هيئات السلطة. وذكرت مصادر قريبة من الحركة أن أبو جرة سلطاني تلقى «لوماً أقرب إلى التوبيخ» من جهات رسمية؛ بسبب توقيع الحركة على بيان موجه أساساً لقطع الطريق أمام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، خاصة أنه جاء في وقت عملت فيه المؤسسة الرئاسية على تعزيز وجود الحركة في الهيئات الرسمية؛ بتعيين الرئيس بوتفليقة أربعة نواب جدد في الثلث الرئاسي (المعين) بمجلس الأمة. ونفى سلطاني أن تكون الحركة تعرضت لضغوط من أجل السير في خيار التحالف الاستراتيجي مع الرئيس بوتفليقة وترشيحه وتزكيته لعهدة ثانية؛ مؤكداً أن حزبه سيد قراراته التي تُتخذ وفق المعطيات السياسية ومصالح الحزب بعيداً عن أي ضغط أو حسابات خارجية. وثمة قوة إسلامية ثالثة تملك بالطبع وهجاً إعلامياً قوياً ومخزونا انتخابياً لا يُستهان به رغم ما أصابها من محن ووهن وضيق، هي «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» . وتقول مصادر مطلعة قريبة من الجبهة الإسلامية إن قادتها مختلفون على من سيدعمون في الانتخابات المقبلة، وقد انقسموا إلى أربع فرق كما يأتي: الفريق الأول: يقوده الشيخ عباسي مدني، والذي على الأرجح سيُصدر بياناً قريباً يطلب فيه من عناصر ومؤيدي الجبهة الإسلامية للإنقاذ مقاطعة الانتخابات الرئاسية، وعدم المشاركة فيها أو تزكية مرشح من مرشحيها حتى لو كان من التيار الإسلامي. الفريق الثاني: يقوده مدني مزراق الأمير السابق للجيش الإسلامي للإنقاذ الذي تم حلّه وعناصر من تنظيمه، والذين قد يُصدرون بيان مساندة لترشيح الرئيس رداً للجميل له بعد أن تبنى قضيتهم بإصدار قانون الوئام المدني والعفو الشامل عنهم. الفريق الثالث: يرفض تأييد الرئيس بوتفليقة أو غيره من المرشحين، ويمثله الشيخان علي بن حاج الرجل الثاني في الجبهة، وكمال قمازي وهو قيادي بارز من قيادات الداخل. الفريق الرابع: يمثله جانب من قيادة الجبهة في الداخل، والتي سعت في جمع استمارات التزكية للمرشح أحمد طالب الإبراهيمي الذي أُسقط ترشيحه مؤخراً بقرار من المجلس الدستوري، وقد ذكرت بعض الصحف اسمي الشيخين علي جدي وعبد القادر بوخمخم. إن نظرة فاحصة لخريطة التوجهات الإسلامية القائمة من أجل التعامل المنطقي مع الانتخابات الرئاسية؛ تقود إلى التسليم بمراهنة كل فارس على جواده وقدراته؛ وهذا يقودنا لتسجيل ما يأتي: التوصل إلى شبه إجماع تجاه شخصية إسلامية لدخول المعترك الانتخابي، تحظى بدعم أغلبية القوى الموجودة على الساحة، هذا الأمر لم تستطع هذه الأحزاب تحقيقه بسبب الصراع على زعامة التيار الإسلامي، وكانت رابطة الدعوة الإسلامية بقيادة الشيخ أحمد سحنون ﵀ قد أخفقت في الجمع بين جميع الحركات والأحزاب الإسلامية الجزائرية، وصياغة برنامج عمل موحد. - دخول الانتخابات من قِبَل عدة أحزاب إسلامية، كل حزب على حدة، كحركة الإصلاح ومرشحها، وحمس وترشيحها للرئيس بوتفليقة في إطار ما يُسمّى بالتحالف الاستراتيجي مع التجمع الديمقراطي والهيئة التصحيحية الجناح الثاني لجبهة التحرير الوطني، وحركة النهضة المترددة في مساندة طرف على حساب طرف آخر بعد صدمة تشريعات ومحليات مايو أكتوبر ٢٠٠٢م. - دخول بعض الأحزاب (كالإصلاح) ، ومقاطعة بعضها الآخر (كالجبهة الإسلامية) لعدم استئناسها بقواعد اللعبة الفاقدة للشرعية حسب تصريحات الشيخ عباسي مدني. - توزيع دعم أنصار التيار الإسلامي لأكثر من شخصية وطنية (بوتفليقة أو جاب الله أو لويزة حنون) ؛ مما يضعف عامل التأثير، ويهدر الصوت الإسلامي. إن فرضية قيام قطب إسلامي في الوقت الحالي ضرب من الخيال، وتصطدم على الأقل بالنظرة الحزبية الضيقة التي ترتكز المصلحة الحزبية على حساب قيام هذا القطب الإسلامي الجامع. وإذا كانت جل الأحزاب الإسلامية ترى في انتخابات الرئاسة فرصة لتجذير الوجود الشعبي ليس إلا، وإذا أخذنا بعين الاعتبار استحالة تربع شخصية إسلامية على كرسي الرئاسة في ظل الظروف الحالية؛ فإن المطلوب من الأحزاب الإسلامية ألا تسقط من حساباتها الجوانب الأخرى التي قد يقود التنازل فيها إلى تقريب المسافات الفارقة بين الأحزاب الإسلامية التي ما تزال بعيدة عن تشكيل قطب إسلامي، على الأقل في الوقت الحاضر. التيار الديمقراطي: وإضافة إلى التيارين الوطني والإسلامي، ثمة تيار ثالث هو «التيار الديمقراطي» القوي بحكم ارتباطه بمؤسسات صنع القرار، والضعيف من حيث تمثيله الشعبي. يقف في الإجمال حالياً في خانة معارضي الرئيس بوتفليقة؛ بسبب سياسته في المصالحة مع الإسلاميين. ويأخذ هؤلاء عليه أن المصالحة التي يدعو إليها «تساوي بين الإرهابيين وضحاياهم» ، وتسمح لـ «القتلة» بالعيش في حياة طبيعية في ظل حصانة منحها لهم عفو رئاسي أصدره بوتفليقة بموجب قانون الوئام المدني. ويشارك كثير من أصحاب هذا التيار في تحركات تؤيد بن فليس في صراعه مع بوتفليقة. ومن أبرز شخصياته سعيد سعدي المرشح للرئاسيات، والهاشمي شريف [١١] ، وحسين آيت أحمد [١٢] الذي تتميز سياستة بالانفتاح على الإسلاميين المعتدلين وهجومه على أركان الحكم، وشخصيات أخرى بارزة ممثلة للمجتمع المدني. أخيراً: في ظل هذه الأوضاع والحسابات، وتضارب الآراء واختلافها؛ لم يعد للطبقة السياسية الجزائرية من همّ سوى محاولة الإجابة عن سؤال مهم؛ صيغته: ما الاحتمالات التي ستعيشها الجزائر في الانتخابات الرئاسية المقبلة في حالة وصول أحد هؤلاء المرشحين إلى سدة الحكم؟ إذا فاز الرئيس بوتفليقة للمرة الثانية، قد تكون فرصته الأخيرة لإحداث تغيير جذري وعلى أكثر من صعيد في طريقة حكمه، وتكون أولى أولوياته كما اعتاد أن يصرح به تطبيق المصالحة الوطنية الشاملة بما تفرضه من تضحيات وإغلاق لكل الملفات التي تولدت جراء الأزمة الوطنية الكبرى؛ لتتغير الأوضاع عما هي عليه الآن. أما إذا فاز علي بن فليس؛ فقد تستمر الأزمة إلى حين؛ إذ هو ضد الوئام المدني كما خطط له الرئيس بوتفليقة، وضد المصالحة الوطنية التي تعفو عن المذنبين من أي جهة كانوا، وتصفح عن المساجين ومن يضع سلاحه، فالتقى بذلك وتصورات التيار الديمقراطي العلماني المعادي تماماً لأي مصالحة مع الإسلاميين، وخاصة مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ. أما إذا ما تمكّن مرشح إسلامي من الوصول إلى الدور الثاني الحد المسموح به؛ فقد تزداد احتمالات تدخل أنصار ما يُسمّى بحماية الجمهورية وإنقاذها، تماماً كما حدث في ديسمبر ١٩٩١م. أما مؤسسة الجيش حامي الجمهورية؛ فقد ترتاح لوصول الرئيس بوتفليقة إلى قصر المرادية مرة ثانية، فالاحتكاك بين الطرفين منذ أبريل ١٩٩٩م الذي لم يخرج عن إطاره المسموح به، وتجاوز لحظات الاختلاف المعتادة؛ كلها مؤشرات تدل على أن الهوى مع الرئيس بوتفليقة الذي خدمها جيداً في وقت تكالبت فيه الاتهامات عليها من الداخل والخارج بانتهاكها حقوق الإنسان. أما هل سترتاح إذا ما اضطر للتدخل كي يغيّر نتيجةً ما تعكس الواقع المتناقض في الجزائر؟ فذلك سؤال تصعب الإجابة عنه؛ لأن الأوضاع تغيّرت عما كانت عليه قبل خمسة عشر عاماً. وتُعطي هذه الاحتمالات صورة لدرجة الاحتقان التي لا تزال قائمة داخل الطبقة السياسية الجزائرية بمختلف تياراتها؛ ذلك أن اثني عشر عاماً من العنف الأعمى لم تُسفر عن فهم متبادل للأفكار أو استعداد للتعايش والقبول بالاختلاف، بل إن الشك في الآخر لا يزال عُملة رائجة.

стр. 4884

المسلمون والعالم دولة الصهاينة.. المستقبل مظلم قراءة في محطات الهبوط والصعود للمشروع الصهيوني عاطف الجولاني [*] المستقبل مظلم على كل صعيد، وليس في الأفق ما يُبشّر بأمل أو ضوء في نهاية النفق يتيح الخروج من الأزمات المتلاطمة في نظر الإسرائيليين، وأصحاب القرار السياسي جرّبوا كل الخيارات للهروب من الوضع المعقد، لكن كل محاولاتهم باءت بالإخفاق، وينتقلون من مأزق إلى أكبر. هكذا يبدو المشهد في (إسرائيل) التي تعيش هذه الأيام واحدة من أكثر فترات وجودها تأزّماً، وهو ما دفع سياسيين ومثقفين صهاينة كباراً إلى أن يندبوا حظ دولتهم، وأن يرفعوا الصوت محذرين من أن المشروع الصهيوني بات في خطر داهم. فهل بدأ المشروع بالتراجع والتقهقر حقاً، أو أنه ما زال يملك من مقومات البقاء وقوة الدفع ما يجعله قادراً على تجاوز أزماته الراهنة، ومتابعة إفساده ومؤامراته وأطماعه التوسعية؟ * منحنى بياني سالب: إذا أردنا استعراض مسار المشروع الصهيوني خلال العقود السابقة لدراسة حالات التقدم والتراجع التي مرّ بها؛ فيمكن الوقوف عند عدد من المحطات، وبشكل عام يمكن الحديث عن مرحلتين مرّ بهما المشروع الصهيوني: الأولى: الاندفاع والصعود والتوسع: حيث تميز المشروع في هذه المرحلة بمعنويات عالية، وقوة دفع كبيرة، وشهية مفتوحة للتوسع، وبقيادات سياسية على درجة كبيرة من الحماس والثقة والاندفاع والمبادرة. وأهم محطات هذه المرحلة: - (عام ١٩٤٨م) شكَّل المحطة الأهم والإنجاز الأكبر للمشروع الصهيوني الذي تحول من إطار النظرية إلى التطبيق الواقعي، ومن الأحلام والتطلعات والأطماع إلى الحقائق المفروضة على الأرض بقوة التخطيط والتآمر الصهيوني، وبفعل التواطؤ الدولي والضعف والتخاذل العربي الرسمي. - (عام ١٩٦٧م) حقق المشروع الصهيوني إنجازاً مهماً جديداً، وتمكن من ضم بقية مساحة فلسطين (الضفة الغربية والقدس) ، مضيفاً إليها سيناء والجولان. - (عام ١٩٧٧ - ١٩٧٩م) حقق المشروع الصهيوني إنجازاً سياسياً بالغ الأهمية، تمثل في جرّ مصر الدولة العربية الأكبر في العالم العربي إلى خانة التسوية والمفاوضات، وعزلها عن محيطها وإخراجها من الصف العربي، وهو ما أحدث شرخاً خطراً في جدران صمود الأمة. - (عام ١٩٨٢م) خطا الكيان الصهيوني خطوة توسعية جديدة باتجاه جنوب لبنان بحجج وذرائع أمنية، وتمكّن آنذاك من توجيه ضربة قاصمة للقوة العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي شكل خروجها من بيروت نهاية عملية لخيار الكفاح المسلح الذي كانت تتبناه فصائلها قبل ذلك. لكن هذا التوسع الجغرافي كان الأخير بالنسبة للكيان الصهيوني. الثانية: التراجع والانكفاء: وتميزت هذه المرحلة بفقدان قوة الدفع، وتراجع المعنويات، وتفاقم الانقسامات السياسية والعرقية والطائفية في المجتمع الصهيوني، وغياب الرموز والقيادات القوية التي تملك «كاريزما» ومقومات الزعامة الحقيقية. وأهم محطات هذه المرحلة: - (عام ١٩٨٧م) شكّلت الانتفاضة الفلسطينية الأولى بداية التراجع للمشروع الصهيوني، حيث اضطر الجيش الإسرائيلي لمواجهة حرب من نوع آخر لم يعتدها، وهو الذي تدرب على خوض المواجهات التقليدية مع جيوش نظامية، وتمتع خلال تلك الحروب بالتفوق العسكري على الجيوش العربية مجتمعة؛ فضلاً عن الدعم والإسناد الأمريكي غير المحدود. وشكّلت الانتفاضة بحقٍّ عامل استنزاف حقيقي للكيان الصهيوني، ولم ينقذه من مأزقه ذاك سوى حرب الخليج الثانية وتداعياتها الخطرة على الوضع الفلسطيني والعربي، وما أعقبها من عقد مؤتمر مدريد، وانطلاقة مفاوضات التسوية، وتهالك قيادة منظمة التحرير الفلسطينية على تحقيق اعتراف رسمي بها من (إسرائيل) والولايات المتحدة الأمريكية كطرف مفاوض، وهو ما أفضى عام ١٩٩٣م إلى توقيع «اتفاقية أوسلو» التي قامت بموجبها سلطة فلسطينية هزيلة في الضفة والقطاع مرتهنة لقيود مشددة حوّلتها إلى سلطة قمع للشعب الفلسطيني ولحركاته المقاوِمة. كما تمكن الكيان الصهيوني عام ١٩٩٤م من توقيع معاهدة (وادي عربة) مع الأردن في خطوة هي الثانية بعد معاهدة (كامب ديفيد) مع مصر عام ١٩٧٩م، ومع أن عملية التسوية حققت للكيان الصهيوني إنجازات سياسية مهمة؛ غير أنها أصابت الجيش والمجتمع الصهيوني بحالة استرخاء، وشعور بتراجع الخطر الذي يتهدد الكيان، وهو ما أثر سلباً في حالة التأهب والتحفز رغم حرص الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على زيادة حجم الموازنة العسكرية والأمنية والحيلولة دون الوصول إلى مثل هذه الحالة من الاسترخاء. - (عام ١٩٩٥م) شكّل انتكاسة جديدة للمشروع الصهيوني، حيث تم اغتيال رئيس الوزراء آنذاك إسحق رابين، وهو ما عبّر عن حالة انقسام عميقة يعيشها المجتمع الصهيوني وتتزايد مع مرور الأيام. - وإذا كانت الانتفاضة الأولى عام ١٩٨٧م شكَّلت بداية التراجع؛ فإن (عام ٢٠٠٠م) كان بداية الانحسار والتقهقر الواضح والمعلن للمشروع الصهيوني. فللمرة الأولى يضطر الكيان الصهيوني للخروج من أرض عربية تحت وقع ضربات المقاومة دون اتفاقات أو تفاهمات سياسية. ليس هذا فحسب؛ بل إن الكيان الصهيوني أبدى رغبة جامحة بعد الانسحاب بترسيم حدوده الشمالية مع لبنان، واستجدى الأمم المتحدة من أجل التدخل لتطبيق قرار مجلس الأمن رقم ٤٢٥، وهو الذي كان يرفض سابقاً إعلان حدود لدولته، وضرب عُرض الحائط بكل القرارات الدولية! - (عام ٢٠٠٠م) شكَّل أيضاً تراجعاً سياسياً خطراً للكيان الصهيوني، فعلى الرغم من التنازلات الكبيرة المطلوبة من الفلسطينيين التي تضمنها مشروع التسوية الذي عرضه الرئيس الأمريكي بل كلينتون في (كامب ديفيد ٢) ؛ فإن المفاجئ أن رئيس الوزراء الصهيوني إيهود باراك، على خلاف بقية القادة الإسرائيليين السابقين، أبدى إصراراً غريباً على التوصل لاتفاق نهائي يضع حداً للصراع مع الفلسطينيين بصورة نهائية، ومن أجل ذلك أبدى استعداداً للتخلي عن أكثر من ٩٥% من الضفة الغربية المحتلة عام ١٩٦٧م، إضافة إلى كامل قطاع غزة، في خطوة كانت موضع انتقاد حادّ من اليمين الصهيوني. وسوَّغ باراك تعجله في التوصل إلى اتفاق نهائي مع الفلسطينيين؛ بحالة التراجع الحادّة في معنويات المجتمع والجيش الإسرائيلي، وبأنه توصل إلى أن عامل الوقت لم يعد يعمل لمصلحة (إسرائيل) . - وجاءت انتفاضة الأقصى أواخر عام ٢٠٠٠م بعد أسابيع من إخفاق قمة (كامب ديفيد ٢) ؛ لتشكّل الأزمة الأكثر حدّة في تاريخ الكيان الصهيوني. * حصاد انتفاضة الأقصى: نهاية العام الثالث من عمر الانتفاضة قبل أربعة أشهر؛ كانت مناسبة للإسرائيليين لإعلان بعض الأرقام التي تعبِّر عن حجم الخسائر التي تكبدوها خلال سنوات المواجهة المريرة مع الفلسطينيين، والتي عبّرت عن تراجعات إسرائيلية على كل صعيد: - فعلى صعيد الخسائر البشرية: اعترف الصهاينة بمقتل ٨٦٧ صهيونياً حتى ٢٨/٩/٢٠٠٣م؛ من بينهم ٢٥٩ جندياً و ٦٠٨ مستوطنين. أما الجرحى فوصل عددهم إلى ٥٨٧٨ جريحاً؛ منهم ١٦٩٤ جندياً و ٤١٨٤ مستوطناً. ووصفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الصهيونية غالبية هؤلاء الجرحى بأنهم «معوقون ويحملون حتى اليوم ندباً وحشية للإرهاب الفلسطيني» . وأظهرت الإحصاءات الإسرائيلية أن الفلسطينيين نفَّذوا خلال ثلاث سنوات من الانتفاضة ١٨٨٧٦ عملية؛ بمعدل ٦,١٧ عملية في اليوم الواحد، ونُفذ ٩٦% من هذه العمليات في الضفة والقطاع، و ٤% في الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨م، لكنها كانت الأقوى والأكثر فتكاً، وحصدت نحو نصف عدد القتلى والجرحى. وفي إحصائية جديدة عن عدد القتلى الإسرائيليين في الانتفاضة؛ أورد موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية على الإنترنت أن عددهم وصل ٩٣٤ قتيلاً حتى ١٠/٢/٢٠٠٤م. - وعلى صعيد الخسائر الاقتصادية: تكبد الكيان الصهيوني خسائر مباشرة قُدّرت بنحو ٧٥ مليار (شيكل) ؛ أي ما يعادل ١٨ مليار دولار خلال سنوات الانتفاضة الثلاث؛ بمعدل ستة مليارات دولار للعام الواحد. وبسبب تدهور الوضع الاقتصادي عانت ٧٠% من المصالح الإسرائيلية الصغيرة من صعوبات اقتصادية جمّة، وتم إغلاق نحو ٥٨ ألفاً منها خلال العام الماضي، كما تم إغلاق أكثر من ٤٠ ألف مصلحة في عام ٢٠٠٢م، كذلك أغلقت ١٥٠ شركة تكنولوجيا متقدمة في العام نفسه. ووصفت دائرة الإحصاء المركزية عامي ٢٠٠٢م و ٢٠٠٣م بأنهما العامان الأسوآن للاقتصاد الإسرائيلي منذ عام ١٩٥٣م، وقالت إن «حجم البطالة في إسرائيل اليوم هو الثاني في ارتفاعه بين كل الدول الغربية» ، حيث ازدادت نسبتها لتصل إلى ١٠.٤% من مجموع القوى العاملة. وكشف تقرير أعده «معهد بروك جيل المتخصص بدراسة الأوضاع الاجتماعية» أن نحو مليون إسرائيلي يعانون الجوع، ويجدون صعوبة في الحصول على الطعام الكافي. وأظهر التقرير أن ظاهرة الجوع احتدمت بصورة كبيرة في العامين الأخيرين. وعبثاً ذهبت كل محاولات وزير المالية بنيامين نتنياهو لإنقاذ الاقتصاد الإسرائيلي من أزمته الخانقة؛ بعد أن عُلّقت عليها آمال كبيرة في استنهاض الوضع الاقتصادي من كبوته. وقد ذهب المحلل الاقتصادي الإسرائيلي «سيفر بلوتسكر» إلى وصف وضع الاقتصاد الإسرائيلي المتردي بالقول: «الأرض الاقتصادية تتحرك تحت الأقدام. الأفق يموج، المستثمرون يُحْجِمون عن الاستثمار، المستهلكون يؤجلون الشراء!» . في حين أكد المحلل الاقتصادي «جدعون عيشت» أن «من أذاق الاقتصاد الإسرائيلي المرّ هو الانتفاضة!» . - وعلى الصعيد السياسي: وصلت خيارات حكومة شارون إلى حائط مسدود، ولم تنجح كل محاولاتها لإنقاذ الكيان الصهيوني من الورطة القائمة، واتضح للإسرائيليين وللعالم أنها لا تملك أي رؤية لوضع حدٍّ للانتفاضة والمقاومة، ولا آفاق سياسية للتعامل مع الوضع القائم. ولم يقتصر التأزم على الوضع السياسي الداخلي في (إسرائيل) ، بل تعداه ليشمل مكانتها الدولية؛ بخاصة على صعيد الشعوب. وكان لنتائج استطلاع الرأي الذي أجراه الاتحاد الأوروبي قبل عدة أشهر، والتي أظهرت حجم الكراهية العميقة التي باتت تحملها الشعوب الأوروبية لـ (إسرائيل) ، وقع الصاعقة على المسؤولين وعلى المجتمع الإسرائيلي؛ حيث قال ٥٩% من الأوروبيين إن (إسرائيل) تشكّل الخطر الأكبر على الأمن والاستقرار في العالم. ثم قال الأمريكيون كلمتهم بعد أسابيع من ذلك الاستطلاع، ورأى ٤٣% منهم أن (إسرائيل) تشكّل خطراً على السلام والأمن في العالم، وشمل الاستطلاع ١٢٠٠ أمريكي. - وعلى الصعيد النفسي والمعنوي: كان للخسائر البشرية والاقتصادية التي تكبَّدها الكيان الصهيوني ولانسداد آفاق الخروج من الأزمة السياسية المتفاقمة؛ تأثير سلبي بالغ على معنويات الإسرائيليين الذين عبَّروا بوضوح عن حجم انحطاط معنوياتهم وقدرتهم على التحمل، ويصف نحو نصف الإسرائيليين أنفسهم في استطلاعات الرأي بأنهم يائسون، ويرى نحو ٨٠% منهم أن المستقبل ليس مضموناً في (إسرائيل) ، ولن يكون أفضل من الوضع القائم، ويتوقع ٨% فقط منهم نهاية وشيكة خلال عام للمواجهة الراهنة مع الفلسطينيين. وقد زاد من تدهور معنويات الإسرائيليين تلك التصريحات المغرقة في التشاؤم التي صدرت عن مسؤولين إسرائيليين كبار لم يملكوا إخفاء مشاعرهم الحقيقية؛ غير عابئين بتأثيرها الخطر في الروح المعنوية للشارع الإسرائيلي. «إبراهام بورغ» أحد أبرز قادة حزب العمل الإسرائيلي؛ فجّر قنبلة عنيفة حين أعلن أن «إسرائيل على شفا الانهيار!» ، وأن «العد التنازلي لنهاية المجتمع الإسرائيلي بدأ!» ، وأن «الجيل الحالي قد يكون الجيل الصهيوني الأخير!» . أما «شاؤول موفاز» وزير الدفاع الصهيوني وأحد أبرز الصقور في حزب الليكود؛ فرأى أن (إسرائيل) تمرّ اليوم بواحدة من أكثر فتراتها القاسية والمصيرية. فيما رأى «يهود أولمرت» رئيس بلدية القدس السابق وأبرز المرشحين لخلافة شارون في زعامة الليكود؛ أن «الوضع الراهن هو أسوأ الأوضاع، إنه يسحقنا ويعزلنا عن العالم» . وأكد أن عامل الوقت لا يعمل لمصلحة (إسرائيل) . وهو ما أكده وزير العدل ورئيس حزب شينوي «تومي لبيد» الذي قال إن «الوقت ليس في مصلحتنا، وهذه الحقيقة تحتم علينا بذل جميع الجهود المعقولة في أسرع وقت ممكن؛ من أجل وضع حد للحرب، وتحقيق وضع يمكننا العيش في ظله» . خبير عسكري إسرائيلي رأى أن «إسرائيل دخلت في مواجهة خاسرة ضمناً، وهذه المواجهة ستنهينا» ، مضيفاً أنه «إذا استمر الوضع على ما هو عليه؛ فإننا سنصل إلى تفكيك دولة إسرائيل» . - وعلى الصعيد الديمغرافي (السكاني) : أظهرت نتائج المسح السنوي الذي يجريه مكتب الإحصاء المركزي في الكيان الصهيوني؛ أن عدد الفلسطينيين داخل الضفة والقطاع وأراضي ١٩٤٨م؛ يوشك للمرة الأولى أن يساوي عدد اليهود، حيث بلغ عدد اليهود في نهاية عام ٢٠٠٣م نحو ١,٥ ملايين نسمة؛ مقابل نحو خمسة ملايين فلسطيني يعيشون داخل فلسطين. وعزا المكتب التراجع في نسبة اليهود مقارنة بالفلسطينيين إلى ثلاثة عوامل أساسية: الأول: انخفاض خصب المرأة اليهودية مقارنة بالمرأة الفلسطينية، حيث يولد في المعدل نحو ١٦٠ ألف طفل فلسطيني؛ مقابل ٩٠ ألف طفل يهودي في العام الواحد. وهو ما دفع بروفيسور إسرائيلياً متخصصاً في الجانب الديمغرافي إلى القول: «نحن نمر في حالة انهيار ديمغرافي!» . الثاني: تراجع حجم الهجرة اليهودية إلى فلسطين، حيث انخفض العدد عام ٢٠٠٢م إلى ٣٤ ألفاً، ثم وصل عام ٢٠٠٣م إلى ٢٣ ألفاً؛ تبين فيما بعد أن أكثر من نصفهم ليسوا من اليهود، ولم يتم الاعتراف بهم كمهاجرين يهود. الثالث: زيادة الهجرة اليهودية المعاكسة من داخل فلسطين المحتلة إلى الخارج، ورغم تكتم (إسرائيل) على الأرقام الحقيقية ومحاولتها التخفيف من حجم المشكلة؛ فإن مؤشرات عديدة تؤكد هجرة مئات ألوف الإسرائيليين إلى الخارج خلال أعوام الانتفاضة وعودتهم إلى بلدانهم الأصلية. - جدار الخوف: وتأتي خطة حكومة شارون في فك الارتباط مع الفلسطينيين والانفصال عنهم من جانب واحد، والمترافقة مع مواصلة بناء الجدار الفاصل؛ لتؤكد عمق المخاوف الإسرائيلية من المستقبل. صحيح أن الجدار يقتطع نحو ٥٧% من أرض الضفة الغربية بدون القدس، وأنه يقطّع أرض الضفة الغربية إلى عدة كانتونات ومعازل منفصلة، لكن ينبغي الأخذ بالحسبان أن شارون والليكود واليمين الصهيوني كانوا إلى ما قبل فترة قصيرة يرفضون التخلي عن أكثر من ٤٠ - ٥٠% من مساحة الضفة الغربية في أي اتفاق تسوية نهائي مع الفلسطينيين، والمطروح حالياً إخلاء مساحة موازية من طرف واحد دون اتفاق سياسي والتزامات من الطرف الآخر، وهذا تراجع مهم في الفكر الصهيوني المتشدد، وينبغي أن يوضع في سياق التراجعات والانهيارات الإسرائيلية المترتبة عن حالة الضعف التي يعيشها الكيان الصهيوني في المرحلة الراهنة، ولا سيما حين يأتي التراجع من شارون تحديداً. - الهروب من غزة: ويأتي إعلان شارون عن نيته إخلاء جميع مستوطنات غزة منتصف العام الحالي؛ مؤشراً جديداً على حالة الضعف والارتباك التي يعيشها كيانه المهزوز بفعل بطولات الانتفاضة، وصمود الفلسطينيين، وإصرارهم على مواصلة المقاومة والاستنزاف الذي يتعرض له المجتمع الصهيوني في المواجهة الحالية. وهذا يسجل إنجازاً جديداً مهماً للانتفاضة والمقاومة الفلسطينية التي دأب بعض المهزومين في المنطقة العربية على التشكيك بجدواها وبإمكانية تحقيقها إنجازات عملية على الأرض؛ باتجاه دحر الاحتلال ودفعه للفرار طلباً للنجاة وتخفيف الخسائر. لقد حوّلت المقاومة الفلسطينية حياة الإسرائيليين إلى جحيم لا يطاق، وجعلت احتلالهم للأرض الفلسطينية أمراً باهظ الثمن والتكلفة، وهذه بداية الطريق لتحقيق الإنجازات بتوفيق الله، وهو ما يتطلب المزيد من الصمود. ويعزز هذا الصمود؛ إدراك حجم الانهيارات والتراجعات التي يعيشها الكيان الصهيوني في المرحلة الراهنة، حيث يقف أمام تحديات يصفها الساسة والمثقفون الصهاينة بـ «التحديات الوجودية» ، ويعتبرها بعضهم تحديات «نكون أو لا نكون» .

стр. 4885

تحت المجهر أين بواكي حمزة ؟ د. يوسف بن صالح الصغير [*] لا أدري لماذا خطر لي الشيخ عبد الله عزام فور سماعي بنبأ اغتيال الرئيس الشيشاني السابق سليم خان ياندرباييف! ولكن ربما للتشابه الكبير بين الحادثين، فالشيخ عبد الله عزام اغتالته المخابرات السوفييتية بتفجير لغم زُرع في الشارع الذي مر به في طريقه لصلاة الجمعة، أما سليم خان فقد اغتالته المخابرات الروسية بتفجير سيارته بعد خروجه من صلاة الجمعة. وليس هذا فقط؛ بل إن كل واحد منهما كان يُمثّل قناة دعم رئيسة للجهاد ورابطاً مهماً مع العالم الإسلامي. واغتيال الاثنين يدل على عظم دورهما، ومحاولة يائسة من الروس لإبعاد شبح الإخفاق عن مغامرة الغزو الروسي للشيشان. لقد هالتني محاولة الإعلام التغطية على الجريمة البشعة، فقد أُبرز خبر وساطة قطر بين المغرب والبوليساريو في عملية تبادل للأسرى، ولم يعد الحادث للواجهة إلا بعد اعتقال قطر لعميلين روسيين وُجّه إليهما الاتهام بتدبير العملية، وقد ردت المخابرات الروسية باعتقال قطريين بتهمة العلاقة مع جماعات مسلحة، ولا ندري هل يُقفل الملف بمقايضة المحتجزين، وتُنسى الجريمة الصغرى بقتل سليم خان كما نُسيت وأُغفلت الجريمة الكبرى التي يتعرض لها الشعب الشيشاني المسلم الأبي بأكمله؟! وإذا كان بعض دعاة حقوق الإنسان الروس قد خرجوا قبل عدة أسابيع في موسكو يحملون لوحات كُتب عليها: «أيها الشيشان سامحونا!» فما بالنا لم نُقدّم للشعب الشيشاني اعتذارنا؟ بل لماذا لم نُقدّم للشعب الشيشاني عزاءنا بفقيدهم الذي إذا كان ليس له بواكي في بلادنا التي ثوى فيها؛ فإن له في حمزة الشهيد عبرة وسلفاً؟ تمثل حياة الفقيد مثالاً حياً لما مرَّ به الشعب الشيشاني العظيم، فقد تم نفي الشيشان من بلادهم بُعَيْد الحرب العالمية الثانية بأمر من الطاغية ستالين، ووزعوا في أصقاع الاتحاد السوفييتي، وقد وُلد الفقيد في المنفى البعيد في كازاخستان عام ١٩٥٢م، وعادت العائلة عام ١٩٥٨م إلى موطنها الأصلي بعد إعادة الاعتبار للشيشان. حصل ياندرباييف على الشهادة الجامعية في غروزني في الأدب، ثم أكمل دراسته في موسكو. كان سليم خان كاتباً وشاعراً ومفكراً وسياسياً، وقد انضم إلى اتحاد الأدباء السوفييت. وله عدة مؤلفات تبلغ ١٥ كتاباً، وقد تُرجم بعضها إلى اللغتين الإنجليزية والتركية. انتُخب في عام ١٩٩١م عضواً في البرلمان الشيشاني، وفي ١٩٩٣م عُيّن نائباً للرئيس الشيشاني (جوهر دوداييف) ، وبعد مقتل الرئيس عام ١٩٩٦م عُيّن سليم خان رئيساً للشيشان، وأكمل مهمة تحريرها وطرد الروس، وبعد طرد الروس أرسى دعائم تطبيق الشريعة الإسلامية في الشيشان. وأشرف على إجراء انتخابات رئاسية لم يكن ضمن المتنافسين فيها، حيث فاز الرئيس الحالي (أصلان مسخادوف) بالرئاسة عام ١٩٩٧م، استقال سليم خان من رئاسة الحكومة، واستمر نشاطه السياسي، وأصبح رئيساً لمنظمة تُعنى بتوحيد الشعوب الإسلامية في منطقة القوقاز، كان مقرها في جروزني، وبعد الهجوم الروسي على الشيشان خرج ياندرباييف ممثلاً خاصاً للرئيس وللحكومة الشيشانية الشرعية في البلدان الإسلامية، حيث شارك في بعض المؤتمرات الإسلامية، واستقر في قطر يمارس من النشاطات ما يستطيع وتسمح به شروط الاستضافة القاسية. إن مجرد وجود هذا الزعيم الصلب الذي كان من المعارضين لأي مفاوضات مع الاحتلال الروسي؛ يمثل علامة على أن قضية الشيشان حية، وستبقى حية بإذن الله وإن مرت بأطوار من الابتلاء يعجز عن وصفها اللسان، وقد أبانها لنا الرحمن، حيث قال تعالى: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] (البقرة: ٢١٤) .

стр. 4886

المسلمون والعالم الدعوة إلى الشرق الأوسط الكبير الحقيقة والمحاذير طلعت رميح [*] النص الذي تم تسريبه من الخطة الأمريكية المسماة بـ «الشرق الأوسط الكبير» على ما يبدو استهدف في توقيته المبكر اختبار ردود أفعال الأطراف المختلفة، حيث أُعدت للعرض على اجتماع الدول الثمانية الصناعية المقرر انعقاده في سي آيلاند بالولايات المتحدة في يونيو القادم يقدم مؤشراً جديداً على تراجع الولايات المتحدة المضطرد عن العمل منفردة ضد العالم، أو عن اتجاهها للعمل من خارج كل أطر تقسيم المصالح مع الدول الاستعمارية الأخرى، سواء من خلال الأمم المتحدة أو من خلال حلف الأطلنطي أو من خلال مراعاة مراكز النفوذ للدول الأخرى اللهم إلا بريطانيا والكيان الصهيوني، وهو الاتجاه الذي بلغ ذروته في العدوان على العراق من خارج التحالف مع الدول الاستعمارية الأخرى، والاستيلاء على ثرواته على انفراد وبعيداً عن مواجهتها. وهذا التراجع قد بدأ يظهر مؤخراً بعودة الولايات المتحدة إلى إعطاء دور للأمم المتحدة مجدداً في التعامل مع واقع الاحتلال في العراق؛ للخروج من مأزق الولايات المتحدة المتعاظم هناك تحت ضربات المقاومة، واتضح ذلك أكثر مع اللهفة الأمريكية المتزايدة لجلب قوات من مختلف دول العالم.. وهذا التراجع يتعزز وضوحه من داخل نص الخطة الجديدة، والذي شدد على توحيد جهود الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلنطي ومجمل دول الثمانية الصناعية في هذا المشروع أو الخطة، إلى درجة جعلت بعض المحللين يُطلقون عليها وصف «اتفاقية هلسنكي الجديدة» ، إشارة إلى الاتفاقية القديمة لمواجهة الديكتاتورية في البلدان الشيوعية.. وكذا شدد في إشارته على توحيد أو دمج الخطط الأوروبية والأمريكية السابقة بشأن التغييرات في الشرق الأوسط. غير أن الأهم هو أن هذا التخطيط الاستراتيجي الأمريكي يكشف من الزاوية الأخرى عن أن تلك المنطقة المرشحة لتشكيل «الشرق الأوسط الكبير» من دولها؛ باتت على محك إعادة تقسيم مناطق النفوذ الاستعماري داخلها؛ على غرار اتفاقيات التقسيم الدولي التي شهدها العالم، سواء «اتفاقية سايكس - بيكو» في العقد الثاني من القرن الماضي، كنتيجة لتوازنات القوى عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، أو «اتفاقية يالطا» التي تم توقيعها في العقد الرابع من القرن نفسه كنتيجة للتغيرات في موازين القوى الدولية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية .. وهو ما يجعل الخطة الجديدة حال إقرارها تمثل تحدياً أعلى من كل تحد سبق أن واجهته الأمة. ووفق هذا النص.. فإن «الشرق الأوسط الكبير» سيضم البلدان العربية بالإضافة إلى ٥ دول أخرى هي (باكستان، وإيران، وتركيا وأفغانستان، والكيان الصهيوني) .. وإذا كان تحديد الدول العربية يأتي في إطار أنها المستهدفة، وأن المطلوب هو إنهاء منظومتها وتذويبها في محيط أوسع؛ فإن كل بلد من البلدان الخمسة يأتي لأهداف خاصة، ووفق تصور لدور محدد، ويحوي دلالات خاصة. فبالنسبة إلى الكيان الصهيوني يعني ذلك إدراجه ضمن «الشرق الأوسط الكبير» ، وهذا التشكيل هو الأول الذي يضمن دمج الكيان الصهيوني في إطار منظمة تضم معظم دول العالم الإسلامي في حين أن فكرة «الشرق أوسطية» التي طرحها بيريز كانت تركز على العالم العربي والكيان الصهيوني بالدرجة الأولى أو في المرحلة الأولى. وكذلك هو يكشف عن الأبعاد الاستراتيجية للكثير من التحالفات والإجراءات والترتيبات السابقة على المرحلة الحالية، وربما التي يأتي هذا التطور لدفعها إلى الأمام خطوة كبيرة.. سواء كان ذلك في مجال العلاقات التركية الصهيونية، أو التحالف التركي الإسرائيلي، أو في مجال العلاقات الباكستانية الإسرائيلية التي يجري اختراق أسسها السابقة وتطويرها من المقاطعة إلى بدء اللقاء والتعاون. وبالنسبة لإيران؛ فإن ذكرها في الخطة يلقي الضوء مجدداً على الرؤية الأمريكية للدور الاستراتيجي لإيران تجاه الدول الإسلامية الأخرى، وبشكل خاص تجاه العالم العربي، حيث تستهدف الاستراتيجية الأمريكية تقليل توجه إيران نحو الشمال ممثلاً في نفوذها في الدول الإسلامية الخارجة من تحت عباءة الاتحاد السوفييتي، ودفعها للاتجاه نحو المحيط العربي لإعادة تقسيم المنطقة العربية وفق الرؤية الأمريكية إلى دويلات سنّية وشيعية. وبالنسبة لإدراج تركيا ضمن هذه المنظومة؛ فهو من ناحية يكشف الرؤية الأمريكية للدور التركي في المنطقة وهي العضو الوحيد بحلف الأطلنطي ضمن هذه الدول، كما يكشف عن أبعاد العلاقات التركية الصهيونية؛ بالقدر نفسه الذي يكشف أبعاد التحركات التركية التي تجري منذ فترة باتجاه العالم العربي، سواء ما حدث من الضغط على سوريا، أو الاشتراك الاستراتيجي في الحالة العراقية، والسعي لدور موسع في جمع أطراف الدول المحيطة بالعراق.. إلخ. أما أفغانستان؛ فإن إدراجها ضمن هذا التصور إنما يعني مجدداً تحويل الحالة الأفغانية المحتلة إلى دور محدد أمريكياً في العالم العربي وفي المنطقة.. كما يعني السعي إلى تحويل المشكلة الأفغانية إلى حالة إقليمية، تتحمل نفقات إعمارها والمواجهات فيها الدول العربية والدول الأخرى. وعلى صعيد آخر؛ فإن هذا التصور المطروح للمنطقة؛ يكشف عن أسرار الاهتمام الصهيوني منذ فترة طويلة باختراق العديد من دول غير فاعلة في المنظومة الحالية؛ مثل قطر وموريتانيا وإريتريا.. ويلقي أضواء جديدة على هذا التحول اللافت للنظر من دول المحيط للعالم العربي، خاصة تركيا وإيران، نحو الجامعة العربية، وطلب التعامل كعضو مراقب فيها خلال الفترة الأخيرة. * الجديد في الخطة: في مبادرة كولن باول لتنمية الديمقراطية وتعزيزها كما ادعى، وكذلك في مبادرة الشراكة الاقتصادية الأمريكية الشرق أوسطية التي طرحها بوش بعدها؛ جرى طرح وترويج لأفكار الحريات، وتغيير مناهج التعليم، وربط «الديمقراطية» بالمساعدة الاقتصادية التي وردت في نص الخطة الأمريكية لمشروع «الشرق الأوسط الكبير» .. أو التي تمحورت حولها الخطة، ومن ثم فلا جديد في هذا المنطق والاتجاه، غير أن الخطة الجديدة تمثل مع ذلك «نقلة كيفية» في الهجوم على الأمة وليست «نقلة كمية» فقط. فإذا كنا أشرنا إلى استدعاء الولايات المتحدة الدول الأخرى للمساهمة في الخطة، أو بعبارة أدق السعي إلى المشاركة في تقسيم المصالح والنفوذ في المنطقة؛ فإن الأخطر هو أن هذا التقسيم للنفوذ والعمل من أجل تحقيق أهداف هذه الخطة؛ إنما سيجري وفق اتفاق مؤسسي، ووفق معاهدة محددة تحدد الأدوار لكل طرف فيها، وهو ما يجعل الخطة مثل حرب «دولية» منظمة ومرتبة، أو هي مثل «إعلان حرب» شاملة بالمفهوم نفسه. ومضمون «معاهدة هلسنكي عام ١٩٧٥م» ، والتي على أساسها جرى صراع مفتوح بين الرأسمالية والشيوعية؛ انتهى بسقوط وتفكك الاتحاد السوفييتى، أو تدقيقاً انهيار التجربة السوفييتية وحلف وارسو.. وهذا يعني في حالتنا الآن أو في حالة (اتفاقية هلسنكي الجديدة - خطة الشرق الأوسط الكبير -) رفع درجة الصراع المفتوح بين الغرب والإسلام مع جذب ممثلي حضارات أخرى من درجة الخلاف بين الأنظمة بعضها مع بعض، ومن درجة الخلافات والصراعات على المصالح.. أو من فكرة مطالبة الأنظمة بتغيير المناهج والأفكار، أو إدخال العملاء الحضاريين للغرب ضمن النخب الحاكمة تحت شعارات الديمقراطية والحرية المخادعة.. إلخ؛ إلى درجة الصدام الحضاري الشامل. وتأتي شمولية هذا الصدام من أن الخطة الأمريكية تقوم على محاولة إيجاد توافق واتفاق أمريكي أوروبي ودولي أطرافه وقواه وعناصر تنفيذ قراراته هي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف الأطلنطي؛ مهما كان مستوى التنسيق والاتفاق ودرجته أو درجاته على خوض حرب شاملة، يحدد فيها كل طرف دوره وخطته ومهامه وفق قواعد ملزمة، وداخل أطر تنظيمية محددة. وهو ما يعني إذا تم الاتفاق على المبادرة نجاح الولايات المتحدة في خطتها التي سعت إلى تنفيذها بجر أوروبا إلى هذه المواجهة، أو لنِقُل بتعبير آخر إن الولايات المتحدة التي رأت أوروبا تتحرك بعيداً عنها في بعض الأحيان في مواجهتها تحاول استعادة السيطرة عليها مرة أخرى ضمن رؤية لمواجهة العالم الإسلامي. فإذا كانت أوروبا قد تحركت بعيداً عن الخطة الأمريكية منذ أن انتهى الخوف من الخطر السوفييتي؛ فإن الولايات المتحدة حال إقرار الخطة مع أوروبا تكون قد نجحت من خلال استدعاء الخطر الإسلامي في إعادة أوروبا تحت السيطرة، أو ضمن الخطة والاستراتيجية الأمريكية مرة أخرى. وهو ما يقلل من الفرصة التي أتيحت خلال المرحلة الماضية، من بروز خلاف مؤثر داخل الحالة الغربية، كان بالإمكان التعويل على بعض فوائده عربياً وإسلامياً، وهو ما يعني ليس فقط أن الفجوة تضيق بين الولايات المتحدة وأوروبا؛ وإنما الأخطر هو أن الهوة ستتوسع بيننا وبين أوروبا وهي الجار لنا!! ولعل في الإشارة الواردة في الخطة بشأن مشاركة حلف الأطلنطي تأكيداً لهذا المعنى بدلالاته ... خاصة أن ثمة دراسات يُفصَح عنها حالياً بعد أن جرى الحوار حولها وربما الاستقرار والاتفاق عليها حول تغيير في عقيدة حلف الأطلنطي؛ ليكون التركيز الاستراتيجي لجهود الناتو في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين على «الشرق الأوسط الأكبر» ، والعراق، وأفغانستان، ومنطقة البحر المتوسط، و «القضية الإسرائيلية الفلسطينية» حسب وصف الدراسات الأمريكية، وهو ما وضحت مؤشراته العملية من خلال تصاعد دور الأطلنطي في أفغانستان، وتؤكده المؤشرات التي بدأت في الوضوح في العراق، حيث تحاول الولايات المتحدة انتزاع موافقة من حلف الأطلنطي على المشاركة في احتلاله والمتوقع أن يتغير الموقف الرسمي الحالي للحلف فيما يتعلق بإرسال قوات عسكرية، عقب ما يُسمَّى بتسليم السلطة للعراقيين، هذا بالإضافة إلى ما تتبناه بعض الدراسات والأصوات التي باتت تطالب علناً بإنزال قوات لحلف الأطلسي في فلسطين المحتلة عام ١٩٦٧م، بديلاً لقوات الاحتلال الإسرائيلي. وعلى خلفية هذا التغيير في دور حلف الأطلنطي يجري النقاش والترتيبات من أجل إعادة هيكلة الوجود الأمريكي في أوروبا وتخفيضه؛ لتركيز الجهد العسكري للحلف وقواعده على منطقة الشرق الأوسط الكبير. ويبقى أن ما في جعبة الولايات المتحدة هو التحول بهذه القوة الدولية إلى فكرة استراتيجية الحرب العدوانية الاستباقية ومنهجها؛ إذ من غير الممكن الحديث عن تغيير في المنطقة وإعادة تقسيمها، أو إدخال عامل القوات العسكرية في تنفيذ الخطة؛ دون أن يأتي ذلك من خلفية ومنهج من يطرحها الآن؛ أي الإدارة الأمريكية المتطرفة. غير أن الخطة لا تطرح فقط رؤية وتحالفاً وآليات لتنفيذها، وإنما هي تكشف عن جانب مهم آخر، ألا وهو أن تنفيذ اتفاقيات التجارة الحرة وإزالة القيود الجمركية وإنهاء الإجراءات الحمائية للصناعة الوطنية.. أو تنفيذ اتفاقيات الجات، من حرية تدفق الاستثمارات، وحرية خروج الأرباح وانتقال العمالة والملكية الفكرية.. إلخ؛ لن يتم في هذه المنطقة وفق القواعد العامة التي ستُطبق في مختلف مناطق العالم، ويحتفظ فيها ببعض أشكال السيادة الوطنية؛ وإنما سيأتي من خلال دمج اقتصاديات المنطقة، وبشكل خاص الاقتصاد الإسرائيلي داخل اقتصاديات المنطقة، وإعادة تشكيل الهياكل السياسية والاقتصادية الداخلية والتوازنات في المنطقة. * موقع الخطة على خريطة الصراع التاريخي: ليس من المصادفة أن يكون توقيت إطلاق هذه الخطة هو موعد الانتهاء من ترتيب احتلال العراق نفسه، أو موعد الانتهاء من استقرار العراق تحت الاحتلال، وكذا هو نفسه موعد إجراء الانتخابات في أفغانستان، بل جاء ليكون أيضاً هو موعد إطلاق اتفاق تقسيم العالم الإسلامي نفسه. وإذا كانت المفارقة في هذه الخطة هي أن العالم العربي الذي لم يتوحد على رأي وموقف ومصلحة سيجري «توحيده» ضمن إطار «الشرق الأوسط الكبير» .. وأن العالم الإسلامي - الذي طالما كان الأمل في أن يتوحد - اقتُطعت منه بعض الدول الكبرى.. لتدمج مع الدول العربية.. وفق مناطق نفوذ وتقسيمات جديدة ... فإن النظرة التاريخية لسوابق هذه الخطة تُظهر أنها تأتي تطويراً لأهداف بعيدة المدى، وخطط سابقة جرى التعامل بها مع الأمة الإسلامية وتشهد الآن حالتها الأخطر، حيث وصل الصراع إلى العظم. منذ أواخر القرن التاسع عشر ومع بداية القرن العشرين كانت الرؤية الغربية الاستعمارية قد تبلورت في أهداف محددة في مواجهة الأمة، وإذا كانت التطورات التي شهدها القرن الماضي قد تمحورت حول إضعاف الدولة العثمانية كآخر رمز للدولة الإسلامية، وهو ما طرح تحدياً أحدث انقسامات وصراعاً فكرياً داخل جسد الأمة بين تيارين؛ الأول يتبنى رؤية «الجامعة العربية» ، والثاني يتبنى رؤية «الجامعة الإسلامية» ، إذا كان ذلك هو الحال في القرن الماضي؛ فإن تمكن الدول الاستعمارية من إنهاء الدولة العثمانية، ثم إعلان أتاتورك نهاية الخلافة رسمياً وما تبعها من تطورات ونتائج الحرب العالمية الثانية؛ قد ترتب عليه مع ضعف المستعمرَيْن الرئيسين بريطانيا وفرنسا وتصاعد حركات التحرر الوطني؛ أن لعبت بريطانيا ومن خلفها الولايات المتحدة لعبة التركيز على الإطار المؤسسي العربي لإنهاء فكرة الجامعة الإسلامية في مرحلة أولى، ثم إنهاء فكرة الجامعة العربية في مرحلة ثانية.. فقد كانت بريطانيا هي الدافع والمدعم لفكرة الجامعة العربية، حيث صرح وزير الخارجية البريطاني في عام ١٩٤١م قائلاً: «لقد خطا العالم العربي خطوات واسعة في طريق الرقي، وهو يطمح الآن إلى تحقيق نوع من الوحدة يجعل منه عالماً متماسكاً، ويرجو أن تساعده بريطانيا العظمى على بلوغ هذا الهدف. ويسرني أن أعلن باسم حكومة صاحبة الجلالة، ترحيب بريطانيا بهذه الخطوة واستعدادها لمساعدة القائمين لها حالما تتأتى لها الأدلة على تأييد الرأي العام العربي لها» . كما كرر الوزير البريطاني كلامه مرة أخرى بعد أقل من عامين لكن بصورة أصرح: «إن الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلى كل حركة بين العرب؛ لتعزيز الوحدة الاقتصادية والثقافية أو السياسية بينهم، وأعتبر أن الخطوة الأولى لتحقيق أي مشروع لا بد أن تأتي من جانب العرب أنفسهم، والذي أعرفه أنه لم يوضع حتى الآن مشروع كهذا، أما إذا وضع فإنه سينال استحساناً عاماً» . وإذا كان كلام الوزير البريطاني لا يعني بالطبع أن بريطانيا أوجدت فكرة العروبة من عدم؛ فإنها بطبيعة الحال وبالقدر نفسه أيضاً لم تستهدف وحدة العالم العربي، وإنما استهدفت بناء هذا الفهم والإطار أولاً لتوجيه ضربة قاضية لفكرة الدولة الإسلامية أو الجامعة الإسلامية، وفي الوقت نفسه بناء هذه التجربة الجامعة العربية على أسس ووفق توازنات وضغوط تمنع تحولها إلى إطار حقيقي للإرادة العربية ... في مرحلة أخرى. واليوم وبعد أن تحولت الجامعة العربية إلى إطار رمزي، أو تدقيقاً حينما انفرط الوضع العربي، وأصبح مجرد كيانات إما متخاصمة وإما مختلفة، وما يجمعها مع الخارج عملياً أكبر مما يجمعها مع نظيراتها العربية؛ تنتقل الحالة الآن إلى إغراق هذه الحالة المتفككة من الدول العربية في طوفان المحيط، وتحديداً مع دول لكل منها دور استراتيجي محدد. أي أننا أمام مرحلة إنهاء فكرة العروبة التي سبق أن تمت رعايتها شكلياً خلال الحرب الثانية وما بعدها، لندخل مرحلة التفكيك وإنهاء الهوية العربية؛ وسط زخم الحرب على الإسلام الذي هو الشكل الأرقى للحرب على فكرة الجامعة الإسلامية وعلى مؤسسة الدولة الإسلامية الواحدة؛ إذ هي حرب مباشرة على العقيدة.. لتكون النتيجة المتحققة عبر قرن من الزمان أنه لا دولة إسلامية تأسست ولا جامعة أو وحدة عربية أُنجزت.. وأنه لم يعد هناك مكان للدول المتفرقة أو احتفاظ بأي من صور الهوية العربية أو الإسلامية؛ بعد أن تُنثر في وسط محيط كبير يجري تأسيسه على معاملات وملامح غربية، ويحتاج تغيير أوضاعه وتوازناته إلى عشرات السنين. * تغييرات استراتيجية كبيرة: قامت اتفاقية هلسنكي القديمة (١٩٧٥م) ، كإطار للاتفاق والعمل، على ما سمّي بنشر الحريات في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية وفق نمط من صراع مرير، عبر الحرب الباردة، والأهم أنها كانت تسليماً أوروبياً بقيادة الولايات المتحدة للعالم الغربي في هذا الصراع. وتأتي المبادرة - الخطة الأمريكية - إلى عقد «اتفاقية هلسنكي الجديدة» بعد مرور ٢٩ عاماً على القديمة تأكيداً للمعنى نفسه، وفي هذه المرة هي لا تكتفي بالمواجهة مع العالم العربي والإسلامي تحت شعارات تعزيز الديمقراطية والتنمية.. إلخ فحسب، وإنما هي أيضاً تأتي تطويراً لنتائج «اتفاقية سايكس - بيكو» ، والتي التقى خلالها ممثل الإمبراطورية «البريطانية» مارك سايكس، وممثل الإمبراطورية الفرنسية فرنسوا جورج بيكو.. في مفاوضات مطولة استمرت من نوفمبر ١٩١٦م إلى فبراير ١٩١٧م، حيث جرى توقيع الاتفاقية، ومن هنا تأتي المفهومات والأهداف والأسس تجميعاً لأخطر اتفاقيتين حددتا مصير العالم.. وحيث هي كذلك تنص على أنها «تجمع كل مبادرات الشراكة الأوروبية والأمريكية في مبادرة واحدة، وتبين» الشراكة الأوروبية «، وتبيّن» الشراكة الأوروبية المتوسطية «، و» مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط «، وجهود إعادة الأعمار المتعددة الأطراف في أفغانستان والعراق، والتزام مجموعة الثمانية بالإصلاح في المنطقة.» إن التغيرات الديموغرافية المشار إليها أعلاه، وتحرير أفغانستان والعراق من نظامين قمعيين، ونشوء نبضات ديمقراطية في أرجاء المنطقة، بمجموعها، تتيح لمجموعة الثمانية فرصة تاريخية «. وينبغي للمجموعة، في قمتها في سي آيلاند، أن تصوغ شراكة بعيدة المدى مع قادة الإصلاح في» الشرق الأوسط الكبير «، وتطلق رداً منسّقاً لتشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المنطقة» . وبعد هذه الإشارة في نص الخطة إلى الدول والقوى المرشحة لتقسيم المصالح؛ تشير المبادرة إلى أنه يجب التعامل مع الأوضاع في المنطقة من زاوية أنها منطقة تمثل مصالح وطنية للدول الثمانية، فتقول: إن الأوضاع في المنطقة «تهدد المصالح الوطنية لكل أعضاء مجموعة الثمانية» ، وإن الأوضاع في المنطقة لزيادة تأكيد المعنى «تمثل تهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة والمصالح المشتركة لأعضاء مجموعة الثمانية» . وهو إعلان صريح بالمشاركة في محاولة لإعادة تقسيم المصالح في المنطقة على غرار الاتفاقيات السابقة. ووفقاً لما جاء في البند الثاني من الملاحظات الواردة في ختام الخطة؛ فإن النتيجة لن تكون فقط هي فرض تشكيل عام لضم دول المحيط إلى دول الداخل ضمن منظومة «الشرق الأوسط الكبير» .. ولن ينتج عنها فقط دمج إسرائيل على كل المستويات داخل الجسد العربي والإسلامي؛ وإنما سيجري وفق خطة محددة من الخارج ترشيح إسرائيل لكي تكون هي الدولة المحورية في تنفيذ عمليات التطوير والتغيير الديمقراطي داخل هذه الدول، حيث أشارت الخطة في متنها إلى أنه وفق «تقرير فريدوم هاوس لعام ٢٠٠٣م؛ فإن إسرائيل كانت البلد الوحيد في الشرق الأوسط الذي صنف بأنه حر» !! وقد حدد هذا البند - الثاني - الدول التي سيجري فيها انتخابات خلال المرحلة القادمة ليتم تشكيل إطار لمتابعتها ومراقبتها، وتشكيل مرجعية للفصل فيها وإنزال العقاب بشأنها؛ بما يعني تشكيل هيئات تراقب وتتابع وتنفذ عمليات التغيير الداخلي. أما البند الثالث فهو يحدد الدول التي تريد الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية؛ ليكون الأقطاب الصناعيون جاهزين لتحديد وتقسيم المصالح بشأنها. وإذا كانت الأمور قدمت في هذه البنود الثلاثة وفق رؤية معلوماتية؛ فإن بنود المبادرة توضح المقصود منها وفيها بدقة وبتحديد يندر أن يصدر بشأن دول ذات سيادة!! حيث حددت آليات محددة للرقابة، والتدخل، والمتابعة، والثواب والعقاب! وإذا انتقلنا من النص إلى الحالة التي ستصبح عليها المنطقة - إذا مضى هذا المشروع للتنفيذ - فإن تغيراً كبيراً في التوازنات وفي أولويات قضايا الصراع ستدخل على الأمة العربية والإسلامية، حيث إن الدول التي سيجري دمجها في المشروع في إجماليتها دول قوية أو محورية (باكستان - تركيا - إيران - إسرائيل) وهو ما سيغير التوازنات في المنطقة العربية، ويعيد رسم خريطة قوى جديدة.. ويعيد رسم وتشكيل خريطة أوضاعها السياسية والاقتصادية والجغرافية بطبيعة الحال، وهو ما يعني أن العالم العربي سيتم إغراقه في محيط أوسع منه وهو غير موحد أو متضامن أو متوافق في داخله بما يسمح بصنع محاور داخله، وبما يغير وزن وأولويات قضاياه، وبما يجعل قضايا أفغانستان والعراق وفلسطين ضمن دائرة إقليمية محكمة. * احتمالات النجاح والإخفاق: من البديهي القول بأن الخطأ الفكري الذي تقوم عليه الخطة؛ هو أنها تتعامل مع العقيدة والحضارة الإسلامية بالمنطق نفسه الذي تعاملت به مع نظرية وضعية، وهي الشيوعية التي لم تكن سوى أحد الروافد الفكرية للحضارة الغربية نفسها. لكن على المستوى العملي فإن مثل هذه الخطة، وإن استهدفت تحقيق كل ما سبق الإشارة إليه، ليست فقط قائمة على رؤية خاطئة، ولكن أيضاً على تصور براجماتي خاطئ؛ إذ هي تتصور أن بالإمكان تغيير الأوضاع العقدية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ثم جمع كل هذه الأطراف والدول والقوى ضمن منظومة تقوم على الاقتصاد أو النظام الديمقراطي المتماثل في أساليب الحكم نظام سيجري فرضه وجمعها في منظومة موحدة.. أو هو تصور يحوي قدراً هائلاً من المشكلات والتعقيدات المركبة والمتداخلة.. ويتواجه مع عشرات من القوى المختلفة التوجهات والإرادات التي ستتحول جميعها إلى مواجهة هذه الخطة ورفضها؛ بعضها بالدافع العقدي، وبعضها بالدافع المصلحي، بل بعضها بدافع الحفاظ على أوضاعها المستقرة حالياً. وهذه الخطة من قبل ومن بعد تقوم على تصور ساذج لشعوب أمتنا؛ بأنها تتطلع إلى منقذين حتى إن كانوا هم الأعداء. كما يمكن القول باطمئنان بأن كل تجميع تقوم به الولايات المتحدة لأطراف من الأمة لن ينتج عنه في الصورة النهائية، أو لن يبقى منه مستقبلاً، إلا اقتراب أكثر بين الشعوب والقوى بعضها مع بعض، وكذلك درجة أعلى من التنسيق في مواجهة الخطط الأمريكية.. التي وإن نجحت مؤقتاً في إرباك الموازين وأولويات القضايا؛ فإن النتيجة لن تكون سوى تعميق الصراع وليس إضعافه أو إفقاده لمحتواه العقدي والحضاري.

стр. 4887

مرصد الأحداث أحمد فهمي afahmee@albayan-magazine.com أقوال غير عابرة: - «الأمريكيون على خطأ حينما يظنون أن مشرّف سيسلم بن لادن إليهم، إنه ورقة ضمان لبقاء حكمه؛ لذلك فإنه لن يسلمه مطلقاً لواشنطن» . بنازير بوتو. [جريدة الوطن، ٢٣/٢/٢٠٠٤م] - «إن الرئيس بوش والمسز بوش والأسرة كلها حزنوا حزناً عميقاً لوفاة سبوت» من بيان رسمي صادر عن البيت الأبيض ينعى الكلبة الخاصة بالرئيس الأمريكي «سبوت» . [جريدة الحياة، ٢٤/٢/٢٠٠٤م] - «لقد قررنا تحويل العوجة إلى حقل أسماك» . الليفتاننت «كولونيل ستيفن راسل» قائد كتيبة أمريكية، يصف الحصار الشديد الذي فُرض على قرية العوجة؛ بسور بلغ طوله ٥ أميال من الأسلاك الشائكة لاعتقال عناصر المقاومة. [مجلة نيوزويك، ٢٤/٢/٢٠٠٤م] - «يبدو الأمر كما لو أن يداً خفية تضمن على نحو مستمر أن تأتي التدخلات الأمريكية بالنتائج التي سعت الولايات المتحدة لتفاديها في المقام الأول» . سلافوج زيزيك.. فيلسوف وباحث سياسي بارز. [مجلة السياسة الخارجية - أمريكا، عدد ١٤٠] - «قالوا إننا حذفنا بعض الآيات من القرآن الكريم، وحذفنا أحاديث الرسول ﷺ ، وكل ذلك محض افتراء، هل نبيع آخرتنا بدنيانا؟» . وزير التعليم المصري حسين كامل بهاء الدين، يرد على انتقادات الإسلاميين لسياساته العلمانية المتطرفة. [الشرق الأوسط، ٢/٣/٢٠٠٤م] - «صدقونا.. هناك عائلات كاملة تقدم نفسها للاستشهاد في سبيل الله، لكن لسنا على استعداد للتفريط بها؛ في حالة عدم غلبة الظن بإمكانية الوصول إلى الأهداف المقصودة» . محمد ضيف، القائد العام لكتائب القسام. [جريدة السبيل، ٨/٣/٢٠٠٤م] - «كفاية عليكم تشويهاً لسمعة الشعب المصري.. حرام عليكم اللي بتقولوه.. والله العظيم! إنتم سبب الفساد» . رئيس الوزراء المصري يرد على اتهامات نواب المعارضة للحكومة بالفساد. [جريدة الحياة، ٤/٣/٢٠٠٤م] - «من يتكلم ويقول إن هذا جزء من مشروع أمريكي من أجل التغيير؛ يستخف بعقول الناس» . موفق حرب، مدير عام قناة الحرة (الأمريكية التأسيس والتمويل والتوجيه) ، يدافع عن سياسة القناة. [جريدة الرياض، ٢٥/٢/٢٠٠٤م] - «لم يكن لدينا عمل بهذا الحجم من قبل.. هناك رجال شجعان مثلي ورجال شرطة سابقون من أحياء أمريكية، وثمة عقود للجميع» . مرتزق أمريكي، يصف السوق العراقية التي ازدهرت فيها شركات الأمن الخاصة. [جريدة الحياة، ٢٤/٢/٢٠٠٤م] أحاج وألغاز: بوش والإبريق (لتفسير منطق الأحلام الغريب كان فرويد يشير مراراً إلى قصة إبريق الشاي المستعار: عندما يتهمك صديق بأنك أعدت إليه إبريقاً استعرته منه وهو مكسور؛ فإن جوابك سيكون: أولاً: أنك لم تستعر الإبريق منه قط، وأنك. ثانياً: أعدته إليه سالماً، وأن الإبريق. ثالثاً: كان مكسوراً أصلاً حينما استعرته منه. وهذا التعداد المتناقض للحجج يؤكد تماماً ما تحاول إنكاره؛ أي أنك استعرت الإبريق وقمت بكسره. هذه القصة تفسر تماماً الرؤية الأمريكية فيما يتعلق بأسباب غزو العراق، وهي: ترويج الديمقراطية، فرض الهيمنة الأمريكية عالمياً، استغلال النفط العراقي، وحينما تؤخذ هذه الحجج مجتمعة؛ فإنها تصبح متنافرة ومتناقضة على نحو يماثل قصة الإبريق) .. سلافوج زيزيك فيلسوف وخبير سياسي في معهد الدراسات الاجتماعية - سلوفينيا. [بتصرف عن مجلة السياسة الخارجية، واشنطن، عدد ١٤٠] حكمة: علاج النظر بالنظر.. قلة نظر في تصريح لـ (بي. بي. سي) قال الأنبا شنودة بطريرك النصارى الأرثوذكس في مصر؛ تعليقاً على أزمة الحجاب في فرنسا: «المسألة الدينية تدخل في القلب من الداخل أكثر من المظهر الخارجي.. المرأة الفاضلة التقية لا تسمح إطلاقاً لأي رجل أن ينظر إليها بشهوة مهما كان هذا الرجل.. مجرد نظرة منها توقفه عند حده فلا يوقفه الحجاب ولكن توقفه براءة المرأة وعفتها» . [مجلة المختار الإسلامي، عدد محرم ١٤٢٥هـ] تذاكر.. تذاكر! في تصريح للشيخ صباح الأحمد رئيس الوزراء الكويتي قال: «حان الوقت أن تركب دول المنطقة قطار السلام المتجه سريعاً للمستقبل الزاهر، ولا يزال هناك أمل، فالقطار لا يزال في المحطة، وهو لن ينتظر طويلاً، كما أن في ذلك القطار متسعاً لجميع دول المنطقة وشعوبها» . [مفكرة الإسلام، ٢٠/٢/٢٠٠٤م] مرصد الأخبار: (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة) قالت مصادر صحفية في تركمانستان إن الرئيس «سابرمروات نايازوف» أصدر قراراً بمنع اللحى والشوارب بين الرجال في بلده، وذلك في خطوة هي الأولى من نوعها في الدولة منذ الانفصال عن الاتحاد السوفييتي سابقاً، وقال «نايازوف» إنه يأمل ألا يرى رجلاً بشارب أو لحية في البلاد بعد إصدار هذا القرار. وقالت المصادر إن المسؤولين أرجعوا هذا القرار إلى البعد عن اتهامات الإرهاب وتحسين صورة البلد بعد الانطباع السيئ الذي أصبح منتشراً عن بعض الدول الإسلامية خاصة في أوروبا وآسيا. وقالت السلطات المحلية إنها أعلنت في المطارات الدولية الخاصة بها عدم دخول أي أجنبي أو مواطن تركمانستاني للبلاد إلا بعد حلقه للحيته أو شاربه، كما أمَّنت عدداً من صالونات الحلاقة في كل مطار لتسهيل الأمر على الوافدين، ويأتي قرار «نايازوف» بعد عدد من القرارات المثيرة للجدل مذذ توليه السلطة في عام ١٩٨٥م؛ كان منها فرض ضريبة على الأجانب الذين يتزوجون من نساء تركمانستانيات. [جريدة الوطن، ١/٣/٢٠٠٤م] رجل أعمال عربي يموّل الجدار العازل في فلسطين نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت اليهودية عن وزير المالية «الإسرائيلي» بنيامين نيتنياهو أن رجل أعمال من إمارة دبي قام بشراء سندات دين أصدرتها الحكومة الصهيونية تُقدّر قيمتها بملايين الدولارات، وهي عملية الإصدار الأولى في العام الميلادي الجديد، ونقلت الصحيفة أن إصدار السندات لرجل الأعمال الخليجي الذي لم يُذكر اسمه كان ناجحاً جداً، وأشارت إلى أنها المرة الثانية التي يقوم فيها رجل أعمال من دولة لا تقيم علاقات مع الكيان اليهودي بشراء سندات تصدرها الحكومة «الإسرائيلية» ، ومن المعروف أن إصدار سندات الدين هي إحدى الوسائل التي تعتمد عليها الدول في تمويل ميزانيتها؛ يعني بعبارة أخرى يكون رجل الأعمال هذا قد ساهم بصورة غير مباشرة في بناء الجدار اليهودي العازل للفلسطينيين! [وكالات الأنباء] يوميات جندى أمريكي بالعراق في رسالة من كتيبة المدفعية ١٢٤ في الحرس الوطني لفلوريدا قال أحد الجنود الاحتياطيين لأصدقائه وعائلته: إن الأيام العنيفة أصبحت عادية بشكل غريب، ففي الأسبوع الماضي واجه ورفاقه هجوماً بقذائف «الهاون» و «آر بي جيه» بل حتى سيارة مفخخة في المنطقة، لكن ذلك لم يكن أمراً استثنائياً لقد كانت مجموعة أخرى من الأيام تمر.. معظمنا لم يعد يميز الأيام، وأصبح مفهوم أيام الأسبوع ونهاية الأسبوع غريب علينا، ثم كتب الجندي بفخر عن كيفية اكتشافه مخبأً كبيراً للأسلحة في الرمادية مضيفاً بسخرية: «لا أسلحة دمار شامل حتى الآن.. عذراً» ، ثم يروي: «قمنا ذات مرة بغارة على مكان سمعنا أنه قد يكون فيه مخزون من غاز الخردل، ولكوننا وطنيين نسعى دائماً لإثبات مزاعم قائدنا الأعلى يتهكم على بوش، فقد أعددنا العدة وارتدينا أطقمنا المضادة للمواد الكيميائية، وهاجمنا المكان، وظهر أنه مطعم.. لكن كان لدى المطعم خردل آخر - نوع من الطعام -، وكان بعض الشباب هناك يعانون من الغازات» ..! [مجلة النيوزويك، بتصرف، ١٠/٢/٢٠٠٤م] رضا الأمريكان غاية لا تدرك أبدت دوائر دبلوماسية عربية تعجُّبها من الانتقاد الذي ورد في تقرير أوضاع حقوق الإنسان في العالم الذي تصدره وزارة الخارجية الأمريكية لقرار دولة الإمارات إغلاق «مركز زايد» للتنسيق والمتابعة بوصفه متعارضاً مع حرية التعبير، واعتبرت تلك الدوائر أن الانتقاد مخالفاً للضغوط الأمريكية التي مُورست من أجل إغلاق المركز قبل أشهر على خلفية الحملة الإعلامية التي تعرض لها بدعوى معاداته للسامية، وقال بعض المراقبين إن المركز لو لم يتم إغلاقه لكان تعرض للانتقاد من التقرير السنوي نفسه بدعوى ممارسته لأنشطة تعادي السامية! ضعف ذاكرة أم ذاكرة الضعف تلقى وزير المواصلات اليهودي اليميني الأكثر تطرفاً أفيجدور ليبرمان دعوة رسمية لزيارة قطر للمشاركة في المؤتمر الدولي الذي سيُعقد فيها مطلع شهر مايو القادم تحت عنوان: «المواصلات والسياحة والنقل الجماهيري» ، ورد الوزير الصهيوني بأنه يدرس بإيجابية إمكانية تلبية هذه الدعوة مؤكداً أنها ليست المرة الأولى التي يزور فيها هذه الدولة العربية، حيث سبق أن زارها عندما كان مديراً عاماً لمكتب رئيس الوزراء الأسبق نيتنياهو للمشاركة في المنتدى الاقتصادي العالمي، وقوبلت هذه الدعوة بفرحة لدى مساعدي ليبرمان الذين رأوا فيها تقديراً خاصاً للوزير المعروف بتصريحاته المتعصبة ضد المسلمين والعرب، حيث سبق أن هدد بقصف السد العالي في مصر، ودعا إلى إحراق المسجد الأقصى، ومقر عرفات في رام الله، ومقر الرئاسة السورية، والأسواق والمصارف الفلسطينية على من فيها!! [الشرق الأوسط، ٤/٣/٢٠٠٤م] حليقو الرؤوس يتصيدون المسلمين في روسيا كانت الطفلة الطاجيكية المسلمة «خورشيدا سلطانوفا» ذات السنوات التسع؛ تسير مع أبيها وابن عمها عائدين إلى منزلهم في أحد شوارع مدينة سان بطرسبرج، عندما خرجت عليهم مجموعة من الشبان حليقي الرؤوس مسلحين بالسكاكين، فاختطفوها من بين يدي والدها، وانهالوا عليها طعناً بالسكين حتى ماتت أمام عينيه. هذه واحدة من قائمة ممتلئة بجرائم الاعتداء والقتل، تنفذها عصابات حليقي الرؤوس في روسيا ضد المسلمين المهاجرين من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وحسب التايمز البريطانية - الوطن القطرية، ٢١/٢/٢٠٠٤م - فهذه العصابات التي تُقدّر منظمات حقوق الإنسان عدد أتباعها بحوالي خمسة وثلاثين ألف عضو؛ تزايد عددها في العامين الأخيرين، وقدرت دراسة من جانب مكتب حقوق الإنسان في موسكو أن حليقي الرؤوس في روسيا ينضوون تحت ألوية ثلاث مجموعات؛ الأولى: تعتبر فرعاً لمجموعة ألمانية حليقة الرؤوس. والمجموعة الثانية تُسمّى: الدم والكرامة. والثالثة هي: اللواء الموحد ٨٨. ويعتقد أن كل مجموعة تضم حوالي مائتين وخمسين عضواً، وهنالك حوالي خمسة آلاف وخمسمائة من حليقي الرؤوس في موسكو، وما قد يصل إلى ثلاثة آلاف من سان بطرسبرغ. ويُعتقد أن السبب الرئيس وراء اعتداءاتهم على المسلمين الدوافع العنصرية في الأساس، ثم كثرة أعداد المهاجرين، وتزايد عمليات المقاومة الشيشانية داخل روسيا، وفي استطلاع للرأي يوضح مستوى العنصرية لدى الروس تجاه المسلمين؛ أبدى نحو ٢٠% تفهمهم لدوافع قتل الطفلة الطاجيكية وغيرها من ضحايا حليقي الرؤوس، وحتى الذين صُدموا من الحادثة أبدوا تعاطفاً وتسامحاً مع هذه العصابات العنصرية!! وقال رومان موغيلفيسكي مدير وكالة البحث الاجتماعي: «الوضع خطر للغاية، حيث لا يحرك المجتمع ساكناً ضد أفكار القوميين والعنصريين في سان بطرسبرغ، وحيث أصبحت الجرائم هناك أمراً معتاداً» . ولا يبدو أن السلطات الروسية تعبأ بهذه القضية حيث تنتشر الجريمة في روسيا، وحيث يُقتل المسلمون بصورة يومية في الشيشان، أضف إلى ذلك أن ٧٠% من الروس يعيشون تحت خط الفقر، ولذلك يعتذر رجال الشرطة لعجزهم عن متابعة العصابات العنصرية؛ بدعوى أنهم لا يعملون في مجموعات منظمة؛ مما يجعل من الصعب اقتفاء آثارهم، ويقول «كيريل ماز ويث» رئيس دائرة الإعلام في مركز شرطة موسكو: «لو كان الأمر كذلك لكنا قد تخلصنا منهم منذ زمن طويل» . مُنصّر كيني ينفذ عملية انتحارية في بريطانيا الشاب الكيني «هوكسلي فرانك أوتشينج» ذو أربع وعشرين عاماً، ابتعثه مجلس كلية سانت جوزيف اللاهوتية الواقعة شمال العاصمة البريطانية لندن من بلده كينيا إلى مقر الكلية لكي يتعلم كيف يصبح منصراً، لكن أحد مسؤولي الكلية الفرير «مارك كونولي» حكى إن أوتشينج أخبره أنه يرغب في ترك الكلية والاستفادة من وقت الدراسة في البحث عن عمل للحصول على سكن بديل، وقال إنه قد ملَّ من الدراسة في سانت جوزيف ويريد تركها، لكن طلبه رفض من مجلس الكلية؛ لأنه ابتعث إلى بريطانيا ليصبح منصراً بعد عودته إلى بلاده، واستبد اليأس بالمنصر الشاب، فترك رسالة على سريره يقول فيها: «ستجدوني ميتاً في الحمام» ، وبالفعل عثرت عليه السلطات منتحراً بعد أن كسروا الباب، لينتهي طالب اللاهوت في تابوت. [بتصرف عن مفكرة الإسلام، ٢١/٢/٢٠٠٤م] الريال القطري يتحدى ريال مدريد ذكرت صحيفة «ألموندو» الإسبانية استناداً إلى مصدر رسمي؛ أن مسؤول قيادي رفيع المستوى في دولة قطر ينوي شراء فريق أوروبي لكرة القدم، ويفكر بالخصوص في نادي بلد الوليد الإسباني. وقال أبو منير ممثل المسؤول القطري أن الأخير: «يريد إنشاء فريق يكون الأفضل في أوروبا، ويحمل قمصاناً باسم قطر» ، وذكر أن الهدف شراء فريق مدينة بلد الوليد التي تبعد عن العاصمة مدريد بنحو ٢٠٠ كم، وقال إنه التقى مؤخراً عمدة المدينة ليون دي لا ريفا، وأبلغه بالاهتمام القطري بشراء ٥٧% من رأسمال النادي؛ أي نحو ١٢ مليون يورو. [إيلاف، ٢٠/٢/٢٠٠٤م] رؤية: هذا عارضٌ مُمطرُنا قد نزعم أننا نرى الواقع، ولكن أبداً لا يمكن الزعم بأننا نستوعبه، فمفرداته كثيرة، متشابكة ومعقدة، وقد أعجز نقصُ الوعي أُناساً عن إدراك الواقع جملة، فمضوا يجزئونه بغية سبر أغواره فلم يفلحوا، وفريق من هؤلاء غلبت عليه حالة الرضا فلم يعد يرى إلا كل ما هو إيجابي وبنَّاء فيضمه إلى باقته، وآخر غلب عليه السخط فلم يعد يبصر إلا الرديء، والحق بين هذا وذاك. وما نريد بيانه أن كثيراً منّا يحب رؤية الأشياء على ما يتمنى وليس على ما هي في الواقع، فيجمع من المؤشرات والدلائل ما يجعله يقتصر على صيحة: لَمْ تُراعوا.. لَمْ تُراعوا! ويعلن على الملأ أن الإسلام والمسلمين بخير، وأن الناس مقبلة على دينها غير مدبرة! ويغفل هؤلاء عن قطاع عريض من الجمهور؛ تتكون ثقافته الخاصة وسلوكياته وتصوراته بل. عقيدته بعيداً تماماً عن الإسلام، هناك أجيال كاملة سُرقت منّا ونحن في غفلة، وأعداء الإسلام لم يعودوا يأبهون بنا فأمامهم هذه الأجيال يشكلونها كما يريدون. والحقيقة التي قنعوا بها أن علمنة الفعل أسهل ألف مرة من علمنة الفكر، لم يعد أحد يحفل بإلإشكاليات الحمقاء التي طرحها أمثال فرج فودة، والعفيف الأخضر، ورفعت السعيد، فعلمانية الفكر لم ولن تكتسب يوماً جماهيرية مطلقة حتى في تركيا، أما علمانية الفعل والسلوك فحدِّث ولا حرج، ومن ثمَّ لم يعد كافياً أن نهش ونبش لمرأى علماني دُحر أو انتُكِس في لقاء أو مناظرة أو مقال أو كتاب حتى هذا لا يحدث دائماً. حسناً.. قد يكون هذا عمل جيد، ولكن المعركة الحقيقية ليست ها هنا، إن المعركة في تلك الساحة التي يكتظ فيها ملايين الشباب العربي ليشاركوا في عبث اسمه «سوبر ستار» ٨ ملايين مشاركة أو ليدمنوا قنوات «الفيديو كليب» وما يسمونه «تلفزيون الواقع» أكثر الفضائيات جماهيرية، المعركة حيث تباع أشرطة المغنين والمغنيات بعشرات الملايين، وحيث ينتشر الزنا العرفي في الجامعات كالنار في الهشيم، وحيث يُدرَّس في دولة عربية كبيرة كتاب عن القيم والأخلاق ليس به آية واحدة من كتاب الله أو حديث للنبي ﵊، [اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ] (المجادلة: ١٩) ، وحيث يتمادى الأمريكيون فينصِّبون أنفسهم أولياء علينا، لنترك خير الهدي ونقتفي خُطى الشواذ .. خُطى مَنْ رجالُ دينهم يراوحون بين إتيان أمثالهم وأطفالهم. في خضم هذا الواقع المتلاطم؛ هل من داع لتذكير الإسلاميين أن مبادرة «الشرق الأوسط الكبير» هي خطر عظيم يتهدد أمتنا سياسياً ودينياً وأخلاقياً؟ .. نعم نحتاج إلى ذلك لأننا نرى بعض الناس يرى فيها خيراً قليلاً يقترن بشر كثير لا مفر منه، فيسيل لعابه لبعض محتواها، فيتحدث عن المقاربة لا المواجهة!! إن هذه المبادرة غيمٌ ينبغي أن يُعرف في وجوهنا الكراهية لمرآها، ولا نكون كمن قال فيهم رسول الله ﷺ : «رأى قومٌ العذابَ فقالوا: [هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا] (الأحقاف: ٢٤) » . مرصد الأرقام: - باعت سلطات الاحتلال في العراق ١٥٠ شركة من أصل ٢٠٠ شركة كانت تملكها الدولة العراقية في مجالات الأدوية والطيران والبترول وغيرها، وكانت سلطة الاحتلال قد أصدرت قوانين تسمح للمستثمر الأجنبي بتملك شركات كاملة في العراق، وهو أمر غير مطبق في دول المنطقة، كما صدر القرار ٣٩ الذي يعفي الشركات الأجنبية من استثمار جزء من الأرباح داخل العراق. [جريدة الحياة، ٢٥/٢/٢٠٠٤م] - سان فرانسيسكو تعتبر عاصمة الشواذ في العالم، وبمجرد أن أصدر رئيس بلديتها قراراً يسمح بقبول تسجيل زواج الشواذ؛ صدر في يوم واحد في شهر فبراير ١٠٠ ترخيص لهذا النوع من الانحراف، وفي مدينة بورتلاند أعلن ٢٠٠ منحرف من هؤلاء المنحرفين زواجهم، وشارك رئيس بلدية مدينة صغيرة في نيويورك في احتفال تزوج فيه ٢٥ منهم، وقال أن لديه قائمة بنحو ١٢٠٠ شخص ينتظرون الموافقة على عقد هذا الزواج، ويحذر زعيم الأغلبية الجمهورية بيل فريست إن زواج الشاذين سينتشر في الولايات الخمسين الأمريكية ما لم يحظره الكونجرس، وهو ما يبدو عسيراً هذه الأيام! [بتصرف عن الحياة، ملحق الوسط، ١/٣/٢٠٠٤م، الوطن، ٧/٣/٢٠٠٤م] - تملك الدول العربية احتياطات مؤكدة من النفط تبلغ نحو ٦٥٣.٢ مليار برميل، وهو ما يمثل ٦١.١% من الاحتياطي العالمي، ويقدر الإنتاج العربي بنحو ربع الإنتاج العالمي من النفط، ويبلغ دخل هذه الدول من النفط ٢٠٠ مليار دولار سنوياً. [جريدة الرياض، ٢٤/٢/٢٠٠٤م] - تسببت الألغام التي تركتها القوات الأمريكية في فيتنام بعد انتهاء الحرب في مقتل ٣٨ ألف فيتنامي حتى يومنا هذا. [الشرق الأوسط، ٢٦/٢/٢٠٠٤م] ترجمات عبرية خاصة بالبيان: محمد زيادة أخبار: ماكدونالدز «الإسرائيلي» يفصل عاملة لتحدثها بالعربية! قام فرع ماكدونالدز للوجبات الغذائية الأمريكية السريعة بـ (فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م) ؛ بفصل عاملة تدعى «عبير زناتى» من العمل، وأرجعت الفتاة سبب الفصل إلى رفض مدير الفرع الأمريكي الجنسية اليهودي الديانة تحدثها بالعربية أكثر من العبرية، وقامت الفتاة العربية برفع دعوى قضائية ضد المدير، لكن قرر الكنيست عدم إثارة القضية على المستوى الإعلامي بعد تقدم أحد النواب العرب باستجواب، وأصدر الكنيست قراراً بعودة الفتاة «عبير زناتي» للعمل، لكن لم ينفذ المدير ما قرره الكنيست حتى الآن. [صحيفة معاريف، ١٨/٢/٢٠٠٤م] هل تأثر مفاعل ديمونة بالزلزال؟ وجه النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي أحمد الطيبي للحكومة «الإسرائيلية» سؤالاً حول تأثير الزلزال الذي ضرب فلسطين بقوة ٥.٤ درجات بمقياس ريختر على مفاعل «ديمونة» النووي في جنوب النقب، ولم يتمكن وزير البنية التحتية «آفي ايتام» من إعطاء جواب قاطع؛ لأنه ببساطة لا يعلم ماذا حدث للمفاعل! وهل هو مؤمّن للدرجة التي تؤهله للصمود أمام هزة أرضية مثل التي ضربت مدينة «بم» الإيرانية قبل شهر ونصف أو لا؟! [راديو جيش الاحتلال الإسرائيلي «جلاتس» ، ١٩/٢/٢٠٠٤م] فضيحة: الحاخام الشهير ونائب البرلمان زوَّر شهادة تخرجه! تبين أن شهادة المعادلة الجامعية التي حصل عليها النائب الحاخام «يائير بيرتس» من حزب شاس الديني كانت مزورة، وكشفت تحقيقات الكنيست السرية أنه دفع رشوة مالية كبيرة لمسؤول في جامعة «بن جوريون» مقابل الشهادة المزورة، وحاول النائب أن يدفع رشوة إضافية للحصول على إثبات بصحة الشهادة لكن افتُضح أمره، ومن المتوقع أن يرفع الكنيست عنه الحصانة. [الإذاعة العامة الإسرائيلية، ١٢/٢/٢٠٠٤م] تصريحات: - «التوقيت ملائم الآن بعد سقوط صدَّام وكراهية الغرب للتطرف الإسلامي، لمنح النساء العربيات المساواة والحقوق المتمثلة في الميراث، وقيادة السيارات، والمشاركة في الحياة السياسية، إن المرأة العربية تحتاج إلى جهود ضخمة، وحلول إبداعية لتحسين مكانتها» . الكاتبة الصهيونية سيمدار بيري. [صحيفة يديعوت أحرونوت، ٢٠/٤/٢٠٠٤م] - «فحص رئيس الحكومة - أرييل شارون - في الأسابيع الأخيرة إمكانية لف قطاع غزة في ظرف هدية فاخرة، وأن يضعها على عتبة باب مبارك، وبالتالي ينقل شارون الصداع الموجود في رأسه إلى ما بين عيني الرئيس المصري. هذا الصداع المتمثل في الأنفاق، التهريب، المخدرات، النساء، وسائل القتال، الصواريخ، المواد المتفجرة، الوُعاظ، صواريخ القسام، القذائف، الشيخ أحمد ياسين، عبد العزيز الرنتيسي. كل أولئك، في رزمة واحدة، تنتقل إلى مصر؛ حيث ستكون مسؤولة عن بركان غزة في حال خروج إسرائيل منه» . الكاتب الصهيوني، بن كسفيت. [صحيفة معاريف، ٢٠/٢/٢٠٠٤م] أخبار التنصير: أبو إسلام أحمد عبد الله البحرين تستضيف قساً أرثوذكسياً هندياً ومؤتمر أديان عُقد في البحرين مؤتمر حوار بين الأديان تحت عنوان: ماذا تعتقد في الإله؟ شارك فيه من الهند محمد كاراكاننو رئيس تحرير صحيفة لبرابودانام الأسبوعية، والقس زكريا كومات، وعن الهندوس: مادان موهان مراليدر، وكان القس الأرثوذكسي الهندي كوتشي ماثيو قد وصل إلى البحرين في زيارة تمتد لأسبوعين، وحسب صحيفة جولف دايلي نيوز فسوف يقوم القس بعدد من النشاطات الدينية والاجتماعية في كنيسة سانت ماري الأرثوذكسية، وسوف تستضيفه إحدى المدارس الهندية بالبحرين، ويشغل ماثيو منصباً في إدارة الكنيسة الأرثوذكسية الهندية.. رئيس أساقفة أمريكا يرحب برفض أن يكون الإسلام مصدر التشريع نقلت شبكة «زي نت» عن الأسقف «جون ريكارد» رئيس لجنة الأساقفة الأمريكيين العالمية قوله: «إن نجاح الجهود الرامية إلى إعادة بناء عراق ديمقراطي وتعددي تعتمد اعتماداً رئيساً على ضمان الحرية الدينية لجميع أفراد الشعب» ، وقال: «إذا كان الإسلام المصدر الرئيس للتشريع؛ فإن هذا سيضيق مساحة الحرية الدينية للأقليات» ؛ مادحاً تأكيد الحاكم الأمريكي بول بريمر على اعتبار الإسلام أحد مصادر التشريع وليس المصدر الرئيس. الفاتيكان - زي نت -. [وكالات الأنباء، ٢٤/٢/٢٠٠٤م] مقتل منصّر برازيلي في موزمبيق صرح مسؤول بالشرطة الموزمبيقية أن مهاجمين مجهولين قتلوا منصّراً برازيلياً في مدينة نامبولا شمالي موزمبيق، وقال المسؤول إن المنصر المقتول دوراسي إبينجير كان عضواً بالكنيسة اللوثرية الإنجيلية، التي بدأت العمل في موزمبيق منذ عام ١٩٩٨م، ولا يزال الدافع للجريمة مجهول، فلم تتم سرقة سيارة القتيل ولا أي من الممتلكات داخل منزله. [أول أفريكا نت، ٢٨/٢/٢٠٠٤م] أرقام تنصيرية عدد المنظمات التي ترسل منصِّرين ٢٢٠٠ منظمة عام ١٩٧٠م، وفي عام ٢٠٠١م بلغ العدد ٤١٠٠ منظمة، ومن المتوقع أن يصل إلى ٦٠٠٠ منظمة عام ٢٠٢٥م، وكان هناك ١٢٣٠ محطة إذاعة وتلفزيون تنصيرية في عام ١٩٧٠م، وفي عام ٢٠٠١م بلغت ٤٤٥٠ محطة، والمتوقع أن تصل إلى ٥٤٠٠ محطة عام ٢٠٢٥م، وبلغ عدد المنصِّرين الأجانب عام ١٩٧٠م حوالي ٢٤٠ ألف منصِّر، وفي عام ٢٠٠١م بلغ ٤٢٥ ألف منصِّر، ومن المتوقع أن يبلغ العدد عام ٢٠٢٥م حوالي ٥٥٠ ألف منصِّر. [مجلة النبأ، عدد ٦٠]

стр. 4888

قضايا ثقافية مقدمة في تطور الفكر الغربي والحداثة (١ ـ ٢) د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي قدَّر الله تعالى أن يكون لهذه القارة الصغيرة ذات البيئة القاسية (أوروبا) أثر كبير في تاريخ الجماعة البشرية كلها، وأن تتولى قيادة ركب الغواية في صراعه الأبدي مع ركب الإيمان الذي قدَّر الله أن يكون معتصمه بلاد التين والزيتون وطور سينين والبلد الأمين [١] . والاستكبار على الله والشرود عن دينه الذي بلغت به المجتمعات الغربية المعاصرة غايته لم يأت عرضاً، وإنما هو وليد قرون من الصراع والتخبط ثم الجموح والتمرد، فقد كان منبت الحضارة الأوروبية من القاع الذي اجتمعت فيه رواسب الحضارات الجاهلية البائدة (سومرية، آشورية، فرعونية، إغريقية، رومانية) بعد تصفية كل تلك الحضارات من آثار النبوة وبقايا الرسالات، حيث استبعدت أو طمست أية إشارة إلى توحيد الله وإلى رسله الكرام وكتبه المنزلة [٢] ، ونُفض الغبار عن الأوثان القديمة وشرك القرون الأولى، ونُقِّب عما طمره الدهر من أساطير وأصنام وضلالات وجهالات. ذلك أنه في ظل الحضارة الجاهلية الأخيرة (الرومانية) اعتنقت أوروبا نصرانية «بولس» المنسوبة زوراً إلى المسيح ﵇؛ حينما أعلن ذلك الإمبراطور قسطنطين سنة ٣٢٥م، وانتقلت عاصمة الإمبراطورية من روما إلى بيزنطة (القسطنطينية) ، ويشاء الله تعالى أن يلي ذلك مرحلة مفجعة من تاريخ أوروبا الغربية، وهي المرحلة الممتدة من سنة ٤١٠م (أي تاريخ سقوط روما بأيدي البرابرة) إلى ١٢١٠م (أي تاريخ ظهور أول ترجمة لكتب أرسطو في أوروبا) ، ثمانية قرون كاملة من التيه والضلال، اصطلح المؤرخون الغربيون على تسميتها - أو جزء منها - عصور الظلمات، وأفاضوا في الحديث عن الانحطاط الكامل حينئذ في الثقافة والعلم والفن، وكل جانب من جوانب الحياة إلا جانباً واحداً شذ عن ذلك وهو الدين، حيث توغلت النصرانية في الممالك البربرية الوثنية، وكان ذلك العصر هو العصر الذهبي لانتشار النصرانية في أوروبا كلها، وأسست كنائس وأنظمة رهبانية جديدة [٣] . تطيرت أوروبا بانتقال العاصمة من روما إلى القسطنطينية الذي أعقبه الاجتياح البربري الكبير لروما والإمبراطورية الغربية، وحدث هذا التناقض الحاد؛ انهيار كامل حضارياً وعلمياً، وانتشار هائل دينياً!! وهذا ما أدى لأن يجاهر بعض المؤرخين (ومنهم أكبر المؤرخين لتلك الفترة قاطبة: إدوارد جيبون) بالقول بأن سبب انهيار الإمبراطورية الغربية هو تحولها من الوثنية إلى النصرانية، وبالطبع لم تقل الشعوب الأوروبية حينئذ مثل هذا، ولكن في «اللاشعور» ارتبطت الوثنية بالحضارة والقوة، وارتبط الدين بالهزيمة والانحطاط، وهو ما كان له آثار بعيدة المدى في علاقة أوروبا بالدين [٤] ؛ أعني دينها. أما الإسلام فإنه لما كان الرومان عامة يعدُّون كل ما عداهم من الشعوب برابرة، ولما كان البابوات ورجال الكنيسة يعدُّون الإسلام وثنية؛ فقد اتفق الموردان في النظرة القاتمة إلى العالم الإسلامي، وامتزجت العنصرية القديمة بالحقد الديني الجديد. مع أننا لو انتقلنا إلى واقع الحياة الإسلامية حينئذ وعقدنا مقارنة بين الدينين والحضارتين؛ لوجدنا البَوْن شاسعاً والفرق بعيداً: ١ - لم يكن لدى أوروبا مركز حضاري يمكن أن يُسمّى «مدينة» بالمفهوم السائد عن المدن فيما بعد، وأكبر ما كانت تعرفه هو (بيزنطة وروما) اللتان لم تكونا سوى قريتين متأخرتين إذا قورنتا بالمدن العالمية آنذاك (بغداد، دمشق، القاهرة، قرطبة ... إلخ) [٥] . ٢ - لم يُؤلف في أوروبا خلال تلك الحقبة الطويلة كتاب علمي على الإطلاق؛ في حين نجد الواحد من علماء المسلمين يكتب العشرات وربما المئات من المصنفات في فنون المعرفة جميعها. وإذا كانت أوروبا تعد ظهور ترجمة كتب أرسطو بداية الخروج من عصر الظلمات؛ فإن الفضل عليها في ذلك يرجع إلى رجل ليس أوروبياً ولا نصرانياً بل هو ابن رشد المتوفى سنة ١١٩٨م. ومن هذا المنطلق العنصري، وبتلك الرواسب الجاهلية؛ انتقلت أوروبا ببطء في مرحلة مفعمة بالمفاجآت والإنكسارات الحادة من عصر الظلمات البربري إلى عصر الظلمات الصناعي، وصولاً إلى المرحلة المعاصرة من الظلمات المتراكمة المسماة عصر ما بعد الحداثة. واستمر القدر الإلهي ألا تعتنق أوروبا الإسلام، [وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ] (يونس: ١٠٠) ، هذا مع أن أساس نهضتها كان إسلامياً، وأن العربية كانت لغة العلم فيها إلى القرن الثامن عشر، وأن جامعاتها إنما قامت محاكاة للجامعات الإسلامية. وليت الأمر وقف عند هذا الحد؛ غير أن ما فعلته أوروبا كان أفظع من مجرد التعصب لوثنيتها وترك الاهتداء بهدى الله، فقد تعدى ذلك إلى العدوان العسكري المتواصل أبداً على الإسلام وأهله، والوقوف الدائم مع كل عدو لهم وإن كان عابد حجر أو بقر!! لقد كان إجحافاً أن تنظر أوروبا للمسلمين نظرتها إلى البرابرة «القوط، والنورمانديين، والفايكنج» بلا أدنى اختلاف، لكن أنكى منه أن تتداعى القارة طولاً وعرضاً شرقاً وغرباً، وتهبُّ هبة رجل واحد لتحرير الأرض المقدسة من البرابرة الجدد زعمت!! وهكذا كانت الحملات الصليبية.. وكانت الصدمة الحضارية التي لم تنسها أوروبا لحظة واحدة من عمرها: * أوروبا التي لا تعرف المدن تحاصر مدناً هي صغرى في محيط الحضارة الإسلامية، لكن بعضها يبلغ عشرة أضعاف روما عاصمة المتحضرين المقدسة!! * أوروبا التي لم تعرف العلم قروناً بل لم تعرف كتاباً إلا الإنجيل ولا قارئاً إلا القسيس؛ تذهل للمكتبات الهائلة التي تختزنها هذه المدن الصغرى من عامة وخاصة وفي كل فنون المعرفة من الفلك إلى النقد الأدبي!! * أوروبا التي لا تستطيع أن تستغفر ربها أو تصلي له أو تقدم له قرباناً إلا بتوسط البابا وكهنته، ولا تستطيع أن تقرأ كتابها المقدس ولا تفسره أو تترجمه إلى لغة حية؛ تجد كتاب الله الأخير «القرآن» في الشرق الإسلامي المتحضر يتلوه الملايين في المساجد والبيوت، والكل يعبد رب العالمين بلا واسطة مخلوق. * أوروبا التي يعيش ٩٩% من أهلها عبيداً ورقيق أرض وفلاحين، ولا يستطيع أحدهم أن يتنفس الهواء خارج إقطاعيته، وإن حاول ذلك كان عقابه الكي بمياسم عريضة تطبع العبودية على جبينه مدى الحياة؛ تجد الناس في الشرق الإسلامي يعيشون ويتنقلون أحراراً في أرض الله الواسعة من المحيط الهادي إلى المحيط الأطلسي، ويتاجرون مع جنوب إفريقية والدول الإسكندنافية وربما مع جزر الكاريبي!! * أوروبا التي كان أفضل نموذج لوحداتها الإدارية هو حكومات «الكوميون» في إيطاليا؛ تجد الشرق المسلم يعيش أرقى النظم الإدارية في ممالك تبلغ مساحتها مساحة القمر!! * أوروبا التي يحكمها الأباطرة حكماً استبدادياً مطلقاً، ويعتقد الرعايا فيها أن القيصر من نسل الآلهة، وأن الله هو الذي أعطاه هذا الحق قدراً وشرعاً وأورثه لسلالته المقدسة؛ تُفاجأ بالمسلمين وسلاطينهم من الترك تارة، ومن الكرد أخرى ومن المماليك ثالثة، والكل بشر في نظر سائر البشر [٦] . * أوروبا الغارقة في الهمجية والوحشية التي تحرق المخالفين وهم أحياء، وتتفنن في تعذيب المنشقين وإذلال المقهورين، ولا تعرف عهداً ولا ميثاقاً تبهرها الأخلاق الإسلامية في الحرب والسلم سواء [٧] . * أوروبا التي ما كانت تحسب العالم إلا أوروبا، والتي تسمي الوصول إلى شيء من أطراف الشرق اكتشافاً [٨] [وظلت هكذا إلى القرن التاسع عشر] ؛ فوجئت بالمسلمين يجوبون الدنيا شرقاً وغرباً تجاراً ورحالة ودعاة بكل تواضع وهدوء، لقد وصلوا إلى أجزاء من شمال أوروبا قبل أن تعرفها أوروبا نفسها، هذا عدا العالم الشرقي الهائل السعة بالنسبة لها براً وبحراً [٩] ، وما المساجد التي اكتُشفت في جزر الكاريبي وصرخ كولمبس حين رآها: «يا إلهي!! حتى اليابان فيها مساجد؟!!» إلا أحد الشواهد الثابتة لهذا. * أوروبا التي كانت تتداوى بمركبات من الروث والبول وأشلاء الحشرات الميتة؛ تُفاجأ بالعالم الإسلامي زاخراً بالمستشفيات والمعامل القائمة على منهج التجربة والاستقراء مع الخبرة والحدس، في التشريح والتشخيص والجراحة وتركيب الدواء، وكل ذلك مدون في موسوعات ضخمة ظلت المصدر الأول لنهضة الطب الحديث ولا تزال رافداً متجدداً له [١٠] . وإجمالاً: ولدت أوروبا ولادة جديدة، ووُجِد لديها لأول مرة في تاريخها الشعور بأنها أمة واحدة تواجه عدواً أبدياً هو الإسلام، وكانت طفولتها في ذلك العصر الذي سُمّي «عصر النهضة» أو «الانبعاث» الذي تعمّدت ألاَّ تجعله يبدأ تاريخياً بمعرفة الدين الرباني واكتشاف حضارته العظمى، بل بلحظة الإبحار العكسي إلى الجاهلية الإغريقية واكتشاف أرسطو. إن ولادة أوروبا في ظل الحروب الصليبية وشعورها بذاتها من خلالها؛ هو الذي يفسر تلك التناقضات الصارخة التي يعيشها الفكر الغربي متمثلة في هذه المعادلات الصعبة: * تعصب صليبي على الإسلام من بطرس الناسك إلى كلاوس [١١] ، يوازيه داخلياً تمرد كامل على دين الصليب. * ازدراء مطلق للعصور الوسطى باعتبارها عصور إيمان، يوازيه تحيز فاضح لها إذا قورنت بنظيرها التاريخي في الإسلام!! * الحكم بالسذاجة والبدائية على الفكر الإغريقي باعتباره نقطة البداية في مسيرة الحضارة الغربية، يوازيه الحكم عليه بالعظمة والإبداع بالنسبة للحضارة الإسلامية. ولقد صدق أحد المفكرين الغربيين حين قال في وصف هذه الحالة من التناقض: «كانت أوروبا تعبد أرسطو وتلعنه في آنٍ واحدٍ!» ، وهو التناقض الذي يدفع المسلمون ثمنه للحضارة الغربية إلى الآن. ولئن كانت كتب أرسطو بمنزلة الكوّة الصغيرة التي نفذت منها أوروبا في انفلاتها من سجن الكنيسة المظلم؛ فإنها لم توصلها إلى بر الأمان بل إلى نفق الجاهلية الإغريقية التي لم تخرج منه إلا إلى صحراء القلق والضياع التي يصطلي الإنسان الغربي المعاصر بلهيبها. ومع أننا لا ننسى إطلاقاً مسؤولية الأمة الإسلامية في كل ما حدث ويحدث؛ فإننا سنتجاوز هذا لننظر نظرة مجردة: كيف أصبح الوليد عملاقاً مارداً؛ أي كيف تشكَّلت أوروبا الحديثة؟ وللإجابة الإجمالية عن هذا نقول: إن هناك اتفاقاً عاماً لدى مؤرخي الفكر الأوروبيين على أن النهضة الأوروبية قامت على دعائم (أو حركات) ثلاث: ١ - النزعة الإنسانية «Humanism» وإحياء الآداب القديمة (أي الانتكاس للجاهلية الإغريقية) . ٢ - حركة الإصلاح الديني. ٣ - النظرة التجريبية. وفي كل هذه الحركات نجد الأثر الإسلامي ظاهراً، يوازي - إن لم يزد على - الثورة العقلية الذاتية على خرافات الكنيسة والرغبة الفطرية في التحرر من ظلمها واستبدادها. ومع هذا التوازي في الدوافع والأسباب استطاعت أوروبا بدهاء شيطاني أن تحتفظ بأسبابها الذاتية وتمدها إلى نهايات بعيدة، أما الخط الآخر فأسدلت عليه حجباً كثيفة من الإهمال والتناسي. فالنزعة الإنسانية مدينة كلياً للحضارة الإسلامية، ولا ينحصر ذلك في الأثر الأدبي (اقتباس أبرز ممثليها وهو دانتي من أبي العلاء وابن طفيل) ، بل يشمل العصر كله، حتى إن الإمبراطور فردريك الثاني وهو أكبر أباطرة القرون الوسطى بإطلاق، ويعتبر لدى بعض المفكرين أول المحدثين ورائد النهضة؛ كان يتكلم العربية، وكان بلاطه عربي العلم واللسان، حتى إنه حينما قابل الملك الكامل الأيوبي للصلح لم يحتج إلى مترجم، ولهذا اتهمته الكنيسة بالإسلام وسمته «الزنديق الأعظم» !! [١٢] . أما حركة الإصلاح الديني فلم تولد مع «لوثر» و «كالفن» ، بل لها جذور عميقة الصلة بالإسلام لا يستطيع أي باحث أوروبي أن يُغفلها مهما قلل من شأنها، ومنها «حركة تحطيم الصور والتماثيل» التي اجتاحت الإمبراطورية البيزنطية في أوائل القرن الثامن الميلادي أي بعد قرن تقريباً من ظهور الإسلام، وممن آمن بذلك وأصدر مرسوماً عاماً به الإمبراطور «ليو الثالث» [١٣] . صحيح أن التوراة حرَّمت ذلك [١٤] ، ولكن الكنيسة أحلته فيما حرَّفت من شريعة الله ووصاياه، وكل ما فعلته تحويل الناس من تصوير العظماء الدنيويين إلى تصوير المسيح وأمه والقديسين عندها. أما التجريب الذي تُعزى إليه نهضة أوروبا العلمية عامة؛ فإن باعثه الظاهري هو التساؤل العقلي الذي افترقت عليه الفلسفة القديمة، وهو: أيهما أصدق: الفكر المجرد أم التجربة الحسية؟ ولم يكن صعود «جاليليو» إلى البرج وإسقاط جسمين متماثلين في الوزن إلا تدليلاً على بطلان قول «أرسطو» في ذلك [١٥] . ومن هنا فإن الفكر الإسلامي (السنّي خاصة) الذي رفض أرسطو رفضاً مطلقاً، ودعا وفقاً لصريح القرآن إلى نبذ تقليد السالفين، والتأمل في ملكوت السماوات والأرض، والنظر في آيات الله الآفاقية والنفسية؛ هو أصل تقدم الإنسانية الحالي كلها، وما فعله «جاليليو» بالنسبة لحركة الأجرام السماوية ما هو إلا جزء من الأثر السنّي الذي شمل العالم، وصرع المنطق الصوري الإغريقي في الشرق قبل أن تتخلص أوروبا منه بعدة قرون [١٦] . وعلى أية حال انطلقت أوروبا في نهضتها بعيداً عن الدين، وسوف نتتبع خط سيرها مقتصرين على الجانب المقصود خاصة، وهو «الأدب والفن» الذي تنعكس على صفحات محيطه المتماوج الأوجه المتعاورة لأوروبا في مراحلها التاريخية المتتالية: كان جمود الآداب جزءاً من الجمود المطلق في ظل الكنيسة، حيث كان العلم (وبالأصح معرفة القراءة والكتابة) منحصراً في رجال الدين، وأسوأ من ذلك أنه كان بلغة ميتة «اللاتينية» ، وهي لغة معقدة الأسلوب والقواعد؛ في حين كانت أوروبا تتكلم لهجات كثيرة متباينة. أما المعايير الفنية للأدب والبلاغة والشعر والمسرح فكلها مصفَّدة بآراء أرسطو ونظرياته، وغاية العبقرية والإبداع والتجديد أن يستنبط الأديب أو الناقد من كلام أرسطو شيئاً أو يفرّع عليه آخر، أما الخروج عليه فهو المحال! فالملحمة (وهي التي ينعى الأوروبيون على أدبنا العربي خلوّه منها) ظلت خلال القرون الوسطى والعصر الحديث محكومة بتلك القواعد المتزمتة والتقاليد الثابتة، ومنها ضرورة الاستهلال بالتضرع إلى ربات الشعر مثل «كليوبي» ، فالشاعر الإغريقي هو «ميروس» يتضرع إليها في ملحمته، وكذا تضرع صنوه «هزيود» ، وعلى أثرهما نجد «دانتي» المسيحي يتضرع إلى «أبولو» (إله الشعر) في الكوميديا، وكذلك تضرع «ميلتون» إلى «أورانيا» (ربة علم الفلك) في ملحمته «الفردوس المفقود» !! تعالى الله عما يشركون. وفي الشعر نجد التقيد المطلق بما ورَّثه القدماء في المضمون والشكل، ومن ذلك الالتزام بالمقاطع وعدد الأبيات في كل مقطع وعدد التفعيلات أيضاً. أما النقد فكان ما قرره أرسطو هو المعيار الدقيق، وكانت المحاكمات الأدبية تتخذ كلامه دستوراً. وهكذا لم تكن الكلاسيكية إلا تعبيراً واضحاً عن اعتقاد أوروبا الكمال المطلق لعمالقة الفكر الإغريقي وعلى رأسهم أرسطو. والمهم أن أوروبا النصرانية قدَّست اللاتينية تقديسها للنص الديني نفسه، وقدَّست معايير أرسطو الفنية تقديسها لعلم الكلام الكنسي المنقول عن الفكر الإغريقي. ومن هنا كانت الحركة الأدبية المتحررة موصومة منذ البداية بالإلحاد والزندقة، وكان لا بد لدعاتها من التسلح بقدر كبير من المغامرة والجرأة. إنه ليس تحرراً من القيود الأدبية ولكنه تحرر من القبضة الكنسية الجائرة. وكانت الزحزحة الأولى، حيث ظهر حدثان أدبيان كبيران: أولهما: «الكوميديا الإلهية» للشاعر الإيطالي دانتي ١٣٢١م أبرز رواد عصر النهضة (معه: بتراك، دافينشي، تشوسر، مايكل أنجلو) ، وبذلك سجلت أوروبا كما يقول برتراند رسل: «وثيقة التحرر الأولى» !! أما وثيقة التحرر الأخرى: وهي أعظم من الأولى فكانت على يد المصلح الكنسي «مارتن لوثر» ، ذلك المتدين الثائر الذي هاله ما رأى من فظائع البابوية، فكتب وثيقة الاحتجاج المشهورة سنة ١٥١٧م وجعلها خمسة وتسعين بنداً، وعلقها على مدخل كنيسة ويتنبرج، وليست هذه هي وثيقة التحرر التي نريد هنا ولكنها انبثقت منها، فقد ترجم لوثر الإنجيل إلى اللغة (اللهجة) الألمانية الدارجة، وكانت أوروبا قد عرفت المطبعة لأول مرة على يد جوتنبرج الألماني، فكانت طباعة الإنجيل مترجماً بلغة غير اللاتينية هي الوثيقة الأدبية الأم، وإن شئت فقل هي (البيان الحداثي الأول) [١٧] ، إلا أن أحداً من الناس حينئذ لم يطلق على هذا اسم الحداثة «موديرنزم» بمصطلحها الأدبي؛ ذلك أن الخلاف بين لوثر والكنيسة أكبر من أن يكون في الأدب أو اللغة. وظهر بعد اللوثرية مذاهب وألوان دينية جديدة ولا سيما في القرن السابع عشر، وكان من أهم أسباب ظهورها انتشار الإنجيل بلغات حية كثيرة، فدخل الجميع من الباب الذي فتحه لوثر، ومنها (الكالفينية = كالفن) (الجزويت = إجناثيوس) (الكويكرز = جورج فوكس) (الويزلية = جون ويزلي) ، ومع أنها اتجهت كلها تقريباً لمحاربة الكنيسة الكاثوليكية أو مخالفتها؛ فقد برزت في المقابل محاولات لإعادة الوحدة الدينية إلى أوروبا. ولكن حدث في المرحلة التالية من الدواهي ما أذهل الكنائس جميعها وأنساها شيئاً من الخلافات فيما بينها، وإن شئت فقل غمرها إلى حين. ونعني بذلك التحولات الكبرى في الحياة الأوروبية التي يسمونها جميعاً ثورات وأهمها: ١- الثورة العلمية. ٢- الثورة الفرنسية. ٣- الثورة الصناعية. ويهمنا الآن الحديث عن الأولى منها: لقد كان العلم (وتدقيقاً: العلم + موقف الكنيسة الأحمق من العلماء) يمثل الثورة الكبرى التي نسفت خرافات الكنيسة، وأطاحت بعرشها، وقوضت وجودها الطاغي إلى الأبد (كما نسفت في الوقت نفسه أرسطو ونظرياته في العلم والفن والحياة) . وقد صدرت بيانات هذه الثورة تباعاً: - نظرية كوبرنيق عن الأجرام السماوية ١٥٤٠م. - تطوير النظرية على يد تيكو براهي ١٥٧٥م. - نظرية جاليليو في الحركة وصنع المرقب ١٥٩٧م. - قوانين كبلر الثلاثة ١٦٢٠م. - نظرية الجاذبية وقوانين الحركة لنيوتن ١٦٨٧م. - أول نظرية كونية وضعها لابلاس ١٧٨٠م. وصاحب ذلك متأثراً به نظريات سياسية واقتصادية واجتماعية قدمت بيانات مساندة للثورة: ١- المكيافيللية في السياسة: مكيافيللي يؤلف (الأمير) سنة ١٥١٣م. ٢- ظهور الفلسفة الحديثة على يد ديكارت ١٦٥٠م. ٣ - النظرية الطبيعية للدولة والمجتمع «التنين» هوبز ١٦٧٩م. ٤ - سبينوزا ١٦٧٧م يؤسس مدرسة النقد التاريخي للكتب النصرانية المقدسة [١٨] ، ويجاهر بنبذ النصرانية في السياسة والأخلاق، والاعتقاد بوحدة الوجود. ٥ - تطوير نظرية هوبز وفلسفة ديكارت على يد لوك ١٧٠٤م. ٦ - فيكو ١٧٤٤م ينادي بإحلال الوضع الإنساني محل الوحي الإلهي. ٧ - آراء جديدة في المنطق: باركلي ١٧٥٣م. ٨ - رفض النصرانية، والإيمان بالشك المطلق: هيوم ١٧٧٦م. ٩ - ولادة النظرية الرأسمالية في كتاب «ثروة الأمم» : آدم سمث ١٧٧٦م. ١٠ - نظرية العقد الاجتماعي، وتقديس العاطفة لا العقل: روسو ١٧٧٨م. ١١ - فولتير ١٧٨٤م يجاهر بالكفر بالأديان، ويطالب بمجتمع علماني. ١٢ - ديدرو ١٧٨٤م والموسوعيون الفرنسيون يضعون دائرة المعارف لتكون بديلاً عن الكتاب المقدس (كُتبت بين عامي ١٧٥١ - ١٧٧٧م) . وهكذا نكون قد اقتربنا من الثورة الثانية التي هي نتيجة لهذه الأولى: ففي سنة ١٧٨٩م حدثت الثورة الفرنسية فأضحت معلماً فاصلاً لا في تاريخ الفكر والأدب فحسب بل في التاريخ عامة. ومنذ عصر النهضة حتى ظهور الثورة الفرنسية كانت «الكلاسيكية» هي السائدة على الأدب الأوروبي. وقيمة الأدب الكلاسيكي تتمثل في مضمونه الأخلاقي، والتزامه المدرسي، وحديثه الدائم عما ينبغي أن تكون عليه الحياة، فالنهايات الكلاسيكية (في المسرحية والملحمة سواء) تأتي دائماً انتصاراً للحق والفضيلة. إنه دعوة إلى الحكمة العملية لكنها لا تخاطب الناس باسم الدين ضرورة، كما أنه كان في جوانب منه لا يهدف إلى أكثر من إعطاء أكبر قدر من المتعة للقارئ ولو كانت متعة لغوية تقوم على أنواع المحسنات اللفظية، وإثبات القدرة على الحذلقة، وكان المسرح من احتكار الطبقة الأرستقراطية (الملوك والنبلاء) ، تفوح منه روائح العهر والفحش والإباحية وغمزات دائمة للدين ورجاله. ونتيجة التغيرات الطارئة، وجرياً على سنة التذبذب في التاريخ الأوروبي؛ تحول الأدب الأوروبي من الكلاسيكية إلى نقيضها «الرومانسية» : والرومانسية هي ارتداد صوفي، ولكن موضوعه ليس الرب كما في رهبانية النصارى بل «الطبيعة» ، وهي لا تهدف إلى التوجيه العقلي للناس عن طريق حكمة القدماء، بل إلى الإشباع العاطفي الذي يجعل الذات محور العالم. إنها مزيج من اليأس الرهباني والهروب من الواقع الذي كلما تقدمت المعرفة العقلية أظهرت أنه أكثر قتامة وكآبة. وهكذا كان محورها الدائم هو البؤس، البؤس الديني كما في (الفردوس المفقود) [١٩] ، أو البؤس الأخلاقي كما في (البؤساء) [٢٠] ، أو البؤس العاطفي والنفسي الذي عبَّر عنه «روسو» !! فلئن كان الأوروبيون قبل اعتناق النصرانية يعبدون الحجارة والأشجار والحيوان والكواكب؛ فإن الرومانسية الهاربة من النصرانية قد جمعت هذه الأوثان جميعاً في صنم واحد سمَّته «الطبيعة» ، وجعلت محل التراتيل الكنسية تلك الأشعار الوجدانية التي تتعشق المعبود الجديد، كما فعل رمزها الكبير روسو في (راهب سافوي) . حقاً وجد الفكر الأوروبي في الرومانسية راحة من الكد المنطقي الذي أرهق مفكري عصر النهضة وما بعدها؛ نتيجة البحث العقيم في الكليات والماهيات والعلاقة بين العقل والمادة، والتطلع اليائس إلى معرفة كنه الأشياء منطقياً، واستطلاع الميتافيزيقيا (ما وراء الطبيعة) !! كما وجدوا فيها مهرباً من الالتزام بالمعايير الخُلُقية عامة، واستطاعوا إحلال المعايير الجمالية المجردة محلها. كما كانت الرومانسية ملاذاً لأولئك النفر الذين أزعجتهم الحروب القومية والدينية التي لم تهدأ قط [٢١] ، حيث فتحت لهم مجال تعويض الذات القانطة المغتربة في صراع ليس له ما يسوِّغه عندها، كما فعل «همنغواي» في (وداعاً أيها السلاح) بعد حوالي قرنين. ثم كان القرن التاسع عشر هو قرن التغيرات الكبرى في كل مجالات الحياة الأوروبية: * الثورة الصناعية تعم أرجاء القارة حاملة الكوارث الاجتماعية مع التقدم المادي الكبير. * الرأسمالية بوجهها الكالح تسيطر على أوروبا، وتحفز الأوروبيين للتنافس الضاري على خيرات العالم كلها؛ حيث كان العصر الذهبي للتوسع الاستعماري والاحتكار التجاري. * الثورات السياسية تجتاح القارة مزلزلة بقايا الإقطاع والأنظمة الملكية. * الفلسفة المثالية تسود القارة (وخاصة ألمانيا) ؛ والمذهب النفعي يسيطر على إنجلترا. * خريطة أوروبا تشهد تغيرات مفاجئة متلاحقة (إمبراطوريات تسقط، ولايات تصبح إمبراطوريات، دول تنكمش وأخرى تختفي..) [٢٢] . * التعصب القومي يبلغ ذروته (جذور الفاشية، جذور النازية، الحركة الصهيونية) . * ظهور الحركات المتطرفة (الماركسية، العدمية، الفوضوية) . ولعل أكبر الأحداث الفكرية في أول القرن هو ظهور الفلسفة الوضعية التي نادى بها «كونت» ١٨٥٧م ديناً جديداً للإنسانية. ثم تلاها البركان الذي تجاوبت أصداؤه في أنحاء القارة كلها، وأحدث انقلاباً عاماً في الأفكار والآراء والمعتقدات التي توارثتها أوروبا بل الإنسانية قروناً طويلة، وهو البركان الذي فجره «داروين» في كتابه «أصل الأنواع» المشتمل على نظرية التطور العضوي والانتقاء الطبيعي. وقد وصلت سيول الحمم التي قذفها البركان إلى أرجاء المعمورة كافة؛ نتيجة جهود عظيمة قام بها أناس متعددو الاتجاهات لكنهم متفقو الدوافع على ما يبدو، ومن أبرزهم اليهود الثلاثة «ماركس، فرويد، دوركايم» [٢٣] ، وتبعهم بالطبع جموع هائلة من المغررين (أو المسيّرين!) في كل مكان. هذا الحدث المذهل أثار حفيظة دعاة القديم وبالأخص رجال الكنيسة، فاستجمعوا قواهم، واستنجدوا بكل حميم، وخاضوا معركة كان فيها حتفهم، وانقشع الغبار عن سقوط آخر قلاع الكنيسة وخروجها كلياً عن ميدان الصراع الفكري العام واندحار الدعاة الأخلاقيين ودعاة الالتزام عامة، ولم يبق لهم إلا شراذم في (حزام الإنجيل) [٢٤] وشبهه. وهكذا كان الغرور الهائل الذي أوحت به النظرية، والثقة في التقدم المطلق في كل المجالات الذي أسهمت فيه الاكتشافات العلمية المذهلة حينئذٍ، وكانت نهاية المطاف ظهور النظرية النسبية في أوائل القرن العشرين (١٩٠٥م) . ونتج عن ذلك تنكر مخيف للماضي بكل ما فيه، وقطع متعمد للأواصر الرابطة به، وثورة شاملة على الأخلاق والتقاليد لم يسبق لها نظير من قبل. في هذا الجو المحموم تأرجح الأدب واستقر في اتجاه مضاد هو «الواقعية» : والواقعية تعني أوضح ما تعني السقوط: السقوط من خيال الرومانسية إلى أرض الواقع، فالمحور ليس الشاعر بل العامل والفلاح والموظف الصغير. والنزول من برج اللغة المعقدة المتأنقة إلى احتضان اللهجات المبتذلة. والصراحة في عرض ما يدور في النفس الإنسانية بلا مواربة، فالحبيبة هنا ليست ملاكاً تحوم حوله الأشواق المثالية، بل هي جسد تظمأ له رغبات الجوارح. القضايا الكلية ليست ما يتعلق بحقيقة الوجود وغاية الإنسان فيه وإنما هي الهدف اليومي للفرد العادي. وعلى المستوى العام بقيت في أوروبا إلى مطلع القرن العشرين بقايا من الأوضاع الاجتماعية الموروثة، وشيء من القيم الشاحبة (الأسرة، الرابطة القومية، احترام ظاهري للعهود والمواثيق، نوع من الالتزام بالمبادئ الأخلاقية) ، وهذه البقايا عصفت بها الرياح الهوجاء التي حملت دخان الحرب العالمية الأولى إلى أرجاء القارة ومنها إلى أطراف العالم الأخرى. وأسفرت تلك الحرب مما أسفرت عنه عن انكسار حاد في نظرة الإنسانية إلى مصيرها، وانقلبت الثقة والتفاؤل خيبة وتشاؤماً، وأفاق الإنسان الأوروبي المخدر بنشوة التقدّم المطلق على المدافع وهي تدمر مع القلاع والمدن أحلامه بيوتيبيا [٢٥] علمية إنسانية، لقد كان فصلاً جديداً من مسرحية التاريخ الأوروبي، حيث اختفى مشهد «بروميثوس» وظهر مشهد «سيزيف» [٢٦] . في هذا الوضع الخانق تنادت الأصوات للعودة إلى شيء من المسلّمات الثابتة والالتزامات الإنسانية، وظهرت نقاط «ويلسون» الأربع عشرة، ثم الالتفاف حول شبح عصبة الأمم. وكانت فترة ما بين الحربين من أعظم الأحقاب في التاريخ الأوروبي هيجاناً وصراعاً ولا سيما في الميدان الفكري، حيث تضاربت الدعاوى والاتجاهات، وظهرت مذاهب جديدة في كل فن، ومعايير جديدة في كل علم، ومجموعات اجتماعية غريبة. وفي ظل هذا الهيجان نمت ظاهرة الشعر الإنجليزي الحر، وتألق «إليوت» [٢٧] أبرز شعراء الحداثة، أما الشعر الفرنسي الحر فقد ظهر قبل ذلك بكثير. وفي الجانب الآخر؛ قفز العلم التجريبي قفزات هائلة كان من أعظمها ما سُمّي اكتشاف الذرة سنة ١٩٣٨م. وتدور السنون ولم يدرك أكثر الناس مغزى هذا الاكتشاف حتى انفجرت أعنف حروب التاريخ وأشدها هولاً (الحرب العالمية الثانية) ، هناك ذهلت أوروبا بجحافل هتلر وهي تدك باريس، وقذائفه وهي تغطي سماء لندن، وكتائبه وهي تسحق لينينجراد، ولكن الذهول الأكبر كان ساعة الانتصار حيث سقطت القنبلة الذرية على هيروشيما [٢٨] ، وكان إعلان انتصار الحلفاء يعني في الوقت نفسه إعلان وقوف الإنسانية على حافة الهاوية الكبرى. وفي هذه الأجواء الخانقة والمشاهد الفظيعة ظهرت ألوان من الآراء والمذاهب أكثر قتامة وعبوساً، وأكثر شعوراً بتفاهة الحياة وعبثها: لقد انهارت الآمال الكبرى في التقدم والثقة في عقل الإنسان!! أما الآلة التي أراحت الإنسان من عناء العمل اليدوي المرهق؛ فقد أصبحت صنماً يسحق إنسانية الإنسان، بل معبوداً جباراً ينتقم من الجنس الإنساني بوحشية لا نظير لها في التاريخ كله!! لم تعد المأساة تتمثل في «أرض يباب» فحسب بل أصبحت «طاعوناً» [٢٩] ، واتسعت دائرة البلاء بواسطة وسائل الاتصال المتقدمة والتدفق المسيطر للمعلومات، ليصبح الإنسان في جزر الهند السحيقة وحوض الأمازون وأحراش إفريقية يعيش مأساة الوجود الحائر والمستقبل المعتم، ويرى هذا الشبح الرهيب معلقاً فوق رأسه. أما داخل أوروبا نفسها فقد أصبح الفرد العادي يحمل الهموم الكبرى التي ما كان يكابدها في عصور خلت، إلا قلة من الفلاسفة التشاؤميين أمثال «شبنجلر وأرويل» ، ويعيش الأزمة الخانقة التي ذهبت بعقل نيتشه، ودمرت نفسية شوبنهاور، وألجأت تولستوي إلى المنفى. حتى المسرح الذي كان وسيلة الناس للهروب من الواقع الكالح إلى ميادين من المتعة واللهو وإشغال الوقت تحول (ومعه السينما) إلى مسرح عبث ووجودية وفوضوية وعدمية.... إلخ. لم يعد أحد يتحدث عن «طرطوف» بل عن «دماء الخنازير» وأمثالها [٣٠] . إنها بأصرح عبارة: مأساة أمة لم تُسلم وجهها إلى الله، ولم تعرف الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى. إن الذنوب والمعاصي تدمر الأمة وتُنزل بها من موجبات العقوبة ما لا يعلمه إلا الله، فكيف بالإلحاد الصريح المتدفق موجات إثر موجات في ذلك المحيط الهائج المضطرب. ومع اتساع الهوة بين الواقع المعاصر بيأسه وقنوطه ومعضلاته المستعصية وبين النظريات الوضعية الشمولي منها والنسبي ظهر جلياً عقم الفلسفة، وارتدت في كرَّة خاسرة يصدق عليها قول أحد كبارها: «إنها ثرثرة تهدف إلى التخلص من الثرثرة» ، وتسرب فراغ المضمون هذا إلى الملجأ الهش الذي هرب إليه فلاسفة اللامعقول وهو «الأدب» ، وكان الدخول من باب «النقد» الذي باسمه تحولت اللغة إلى موضوع رئيس لجدل فلسفي عقيم، وكان استدراج فروع الأدب كافة إلى هذا المستنقع متلاحقاً وسريعاً، ولعل أوضح الأدلة على ذلك انسياق الماركسية له رغم شموليتها المغالية واعتسافها المطلق للأدب في إطار «الواقعية الاشتراكية» التي لا تزيد عن كونها نموذجاً مدرسياً معاصراً كما عبّر جارودي. وهكذا تحول الاهتمام (وبخاصة في فرنسا) عن موضوع «الأنا والعالم، والوجود، والمادة، والعقل ... » إلخ، إلى «النص، الشكل، التركيب، البنية، الرمز، الأسطورة ... » إلخ، كما تحولت الأفكار من المعارك التقليدية بين الفلسفات المنهجية كالحال بين الماركسية والوجودية إلى ضروب جديدة متنافرة من التقلبات الفكرية والجدل غير ذي الموضوع، وهو ما شهده العقد السادس الميلادي الذي يمكن أن يُوصف بأنه «عقد البنيوية» !! ففي الستينيات برزت البنيوية، منافساً للوجودية من جهة، وتطويراً للمادية الجدلية من جهة أخرى، وتغلغلت في كثير من العلوم حتى ظهر منافسها «التفكيكية» في السبعينيات. واختلفت آراء البنيويين في البنيوية؛ وذهب بها كل منهم مذهبه، وحدثت نتيجة لذلك فوضى فكرية ما تزال تغمر الفكر الغربي، وقد جلبها اليسار العربي ومؤسساته، وبعض الاتجاهات الوجودية الملفقة إلى العالم العربي، حتى اكتظت بها الملاحق الأدبية في الجرائد اليومية فضلاً عما عداها، هذا في حين أن الزمن قد عفى عليها في بلادها.

стр. 4889

دراسات في السيرة والتاريخ لماذا عزل عمر خالداً ﵄ إبراهيم بن محمد الحقيل [*] مقام الصحابة ﵃ مقام جليل عند الله تعالى؛ فقد اختارهم من بين العالمين لصحبة أفضل المرسلين، وخاتم النبيين ﵊، وأقام الله تعالى على أيديهم الدين الحنيف في ربوع الأرض؛ فلهم من المنزلة عند الله تعالى ما ليس لغيرهم - خلا النبيين والمرسلين ﵈، فرضي الله عنهم ورضوا عنه؛ كما قال الله سبحانه: [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ] (التوبة: ١٠٠) . ولهم من المنزلة عند الموحدين من المسلمين ما ليس لغيرهم؛ فهم يعرفون لهم فضلهم ومكانتهم التي بوَّأهم الله تعالى إياها، فيحبونهم ويوالونهم، ويبغضون من أبغضهم، ويعادون من عاداهم. ومحبة المؤمنين للصحابة ﵃ هي جزء من محبتهم للرسول ﷺ ، كما أن بغض أهل الضلال من الكفار والمنافقين والمبتدعة للصحابة ﵃ هو جزء من بغضهم للنبي ﷺ قصدوا ذلك أم لم يقصدوه، علموه أم جهلوه. قال ابن مسعود ﵁: «اعتبروا الناس بأخدانهم» [١] ، وقال الإمام مالك - رحمه الله تعالى -: «إنما هؤلاء قوم أرادوا القدح في النبي ﷺ فلم يمكنهم ذلك؛ فقدحوا في أصحابه حتى يقال: رجل سوء؛ ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين» [٢] . وبغض الصحابة ﵃ وانتقاصهم هو في واقع الأمر بغض للدين وانتقاص له من وجهين: الوجه الأول: أنهم على دين النبي ﷺ ؛ فهم أصحابه وأخلاؤه، والنبي ﷺ يقول: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» [٣] ؛ فدينهم هو دين النبي ﷺ ، وانتقاصهم هو انتقاص لدينهم. الوجه الثاني: أنهم حَمَلَةُ الدين وناقلوه إلينا. قال أبو زرعة الرازي - رحمه الله تعالى -: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح أوْلى بهم وهم زنادقة» [٤] . ومن أعظم ما يزهِّد الناس في شريعة الله تعالى القدح في نَقَلَتها، وقد رأينا كيف أن أعداء الإسلام من مستشرقين حاقدين، ومنافقين مندسين لا يجترئون على القدح المباشر في الشريعة؛ لئلا يثيروا الناس، ولكيلا ينفِّروا من أقوالهم وطروحاتهم المتزندقة، يعمدون إلى غمز الصحابة ﵃ ولمزهم، وإبراز الروايات المنكرة والموضوعة، واختزال التاريخ الإسلامي كله فيها، ومن ثم تقديمها للناس على أنها خلاصة تاريخ المسلمين، وواقع السابقين من الصحابة والتابعين، والأئمة المهديين، والقادة المجاهدين، على شكل قصص أو روايات، أو دراسات تاريخية، أو ما أشبه ذلك. وكثيراً ما تُقَدَّم هذه الكتابات الطاعنة في الصحابة ﵃ في قالب يزعم أصحابه الحيادية والموضوعية التاريخية، ويدَّعون أنهم ينطلقون في كتاباتهم عن الصحابة ﵃ من فراغ عن أي خلفيات فكرية مترسبة قد تؤثر بالحكم سلباً أو إيجاباً على الروايات المنقولة عنهم. والمقصود من هذه المقدمات التي يقدمونها في كتاباتهم الطاعنة في خير البشر بعد النبيين إكساب القارئ الطمأنينة فيما يكتبون، وجعل أنفسهم محل ثقته وقبوله. ولا خير فيمن يكتب عن رجالات الأمة الفضلاء وهو يعلن عدم انحيازه لهذه الأمة؛ بل اتخذ بديلاً عنهم أعداء الإسلام من المستشرقين والمبتدعة، فانحاز إليهم بفكره وقلمه، ثم إذا هو يزعم الموضوعية والحياد فيما يكتب، وكاد المريب أن يقول: خذوني!! وخلال سنوات مضت وقفت على كتابات عدة من مقالات ودراسات وقصص تبرز مسألة عزل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد - رضي الله عنهما - عن قيادة الجيوش، وتُسلِّط الأضواء على روايات ونقول لا تليق بمقام الصحابة الجليل، وتتغافل عن المتواتر من المنقول الذي يُظهر حقيقة ما كانوا عليه من الإيمان والتقوى والورع والتجرد في أقوالهم وأفعالهم؛ ﵃ وأرضاهم. وراح كثير منهم ينسج جملة من الأوهام والترهات المستندة إلى روايات منكرة باطلة، ويزيدون عليها ألف كذبة من ترهات عقولهم المريضة، وأحقادهم الدفينة، شأنهم شأن الكهان، ثم سمعت عمن يتناقل شيئاً من ذلك عبر الفضائيات في حوارات وندوات. وليس الأمر كما ذكر المفتونون في دينهم، المخذولون بالقَدْح في الصحابة ﵃؛ إذ إن الأمر لا يعدو أن يكون اجتهاداً رأى فيه الفاروق مصلحة المسلمين، وكان هذا الاجتهاد من عمر ﵁ نتيجة لأعمال عملها خالد ﵁ كان مجتهداً فيها أيضاً، أصاب في بعضها وأخطأ في بعضها، وكلاهما ﵄ بين أجر وأجرين. * أسباب عزل عمر لخالد ﵄: اختلف أهل السير والمغازي في السبب الذي جعل عمر يعزل خالداً عن قيادة الجيوش، وحاصل ما ذكروا أسباب ثلاثة: السبب الأول: أن عزله كان بسبب شدته، وكان عمر ﵁ شديداً؛ فما أراد أن يكون الخليفة شديداً وقائد الجيوش كذلك. وكان أبو بكر ﵁ ليناً فناسب أن يكون قائد جنده شديداً، فلما ولي عمر عزل خالداً وولَّى أبا عبيدة، وكان أبو عبيدة ليناً، فناسب مع أبي بكر ولينه خالد وشدته، وناسب مع عمر وشدته أبو عبيدة ولينه، ﵃. قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: «فلما انتهت الخلافة إلى عمر عزل خالداً وولَّى أبا عبيدة بن الجراح، وأمره أن يستشير خالداً؛ فجمع للأمة بين أمانة أبي عبيدة وشجاعة خالد» [٥] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: «وهكذا أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ ﵁ ما زال يستعمل خالداً في حرب أهل الردة، وفي فتوح العراق والشام، وبدت منه هفوات كان له فيها تأويل، وقد ذكر له عنه أنه كان له فيها هوى، فلم يعزله من أجلها بل عاتبه عليها؛ لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه، وأن غيره لم يكن يقوم مقامه؛ لأن المتولي الكبير - أي الخليفة - إذا كان خُلُقه يميل إلى اللين فينبغي أن يكون خُلُق نائبه يميل إلى الشدة، وإذا كان خلقه يميل إلى الشدة فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى اللين؛ ليعتدل الأمر؛ ولهذا كان أبو بكر الصديق ﵁ يُؤثر استنابة خالد، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يؤثر عزل خالد واستنابة أبي عبيدة بن الجراح ﵁؛ لأن خالداً كان شديداً كعمر بن الخطاب، وأبا عبيدة كان ليناً كأبي بكر، وكان الأصلح لكل منهما أن يتولى من ولاه ليكون أمره معتدلاً» [٦] . ويؤيد ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية أن عمر ﵁ لما كان يسعى إلى عزل خالد أيام أبي بكر ﵁ كان يقول: «اعزله؛ فإن في سيفه رهقاً، فقال أبو بكر: لا أشيم - أي لا أغمد - سيفاً سلَّه الله على الكفار» [٧] . قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: «والمقصود أنه لم يزل عمر بن الخطاب ﵁ يحرِّض الصديق ويذمِّره [**] على عزل خالد عن الإمرة، ويقول: إن في سيفه لرهقاً؛ حتى بعث الصديق إلى خالد بن الوليد فقدم عليه المدينة، وقد لبس درعه التي من حديد، وقد صدئ من كثرة الدماء....» إلخ [٨] . ويشهد لشدة خالد أيضاً قتله للأسرى لما بعثه النبي ﷺ إلى بني جذيمة؛ فقتل الأسرى الذين قالوا: صبأنا صبأنا، ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا. فَوَدَاهم النبي ﷺ حتى رد إليهم ميلغة الكلب [٩] ، ورفع يديه، وقال: «اللهم! إني أبرأ إليك مما صنع خالد» [١٠] . قال الخطابي - رحمه الله تعالى -: «الحكمة في تبرُّئه ﷺ من فعل خالد مع كونه لم يعاقبه على ذلك لكونه مجتهداً أن يعرف أنه لم يأذن له في ذلك، خشية أن يعتقد أحد أنه كان بإذنه، ولينزجر غير خالد بعد ذلك عن مثل فعله» اهـ. ملخصاً. وقال ابن بطال - رحمه الله تعالى -: «الإثم وإن كان ساقطاً عن المجتهد في الحكم إذا تبين أنه بخلاف جماعة أهل العلم، لكن الضمان لازم للمخطئ عند الأكثر؛ مع الاختلاف: هل يلزم ذلك عاقلة الحاكم أم بيت المال؟» ، قال الحافظ ابن حجر متعقباً قول ابن بطال - رحمهما الله تعالى -: «والذي يظهر أن التبرؤ من الفعل لا يستلزم إثم فاعله ولا إلزامه الغرامة؛ فإن إثم المخطئ مرفوع وإن كان فعله ليس بمحمود» [١١] . وكذلك قتله ﵁ لمالك بن نويرة اليربوعي، وملخص خبره: أن مالكاً صانع سَجَاحاً التميمية التي ادعت النبوة، ثم ندم مالك على ما كان منه، وقصد خالد البطاح وعليها مالك، فبث خالد السرايا في البطاح يدعون الناس، فاستقبله أمراء بني تميم بالسمع والطاعة، وبذلوا الزكوات، إلا ما كان من مالك بن نويرة فإنه متحير في أمره، متنحٍّ عن الناس، فجاءته السرايا فأسروه وأسروا معه أصحابه، واختلفت فيهم السرية؛ فشهد أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري أنهم أقاموا الصلاة، وقال آخرون: إنهم لم يؤذِّنوا ولا صلوا، فيقال: إن الأسارى باتوا في كبولهم في ليلة باردة شديدة البرد، فنادى منادي خالد أن دفئوا أسراكم، فظن القوم أنه أراد القتل فقتلوهم ... فلما بلغ ذلك خالداً قال: إذا أراد الله أمراً أصابه. وقيل: إن خالداً استدعى مالك بن نويرة فأنبه على ما صدر منه من متابعة سجاح، وعلى منعه الزكاة، وقال: ألم تعلم أنها قرينة الصلاة؟ فقال مالك: إن صاحبكم كان يزعم ذلك. فقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟! يا ضرار! اضرب عنقه، فضُربت عنقه، وأمر برأسه فجعل مع حجرين وطبخ على الثلاثة قدراً، فأكل خالد من القدر تلك الليلة؛ ليرهب بذلك الأعراب من المرتدة وغيرهم. واعتذر خالد من فعلته تلك بمالك لأبي بكر لما استدعاه، فعذره أبو بكر، وتجاوز عنه ما كان منه في ذلك، وودى مالك بن نويرة [١٢] . السبب الثاني: أن عمر ﵁ عزل خالداً ﵁ لما كان ينفق من أموال الغنائم دون الرجوع إلى الخليفة، كما روى الزبير بن بكار - رحمه الله تعالى - قال: «كان خالد إذا صار إليه المال قسمه في أهل الغنائم، ولم يرفع إلى أبي بكر حساباً، وكان فيه تَقَدُّمٌ على أبي بكر، يفعل أشياء لا يراها أبو بكر» . ونقل الزبير بن بكار عن مالك بن أنس قوله: «قال عمر لأبي بكر: اكتب إلى خالد لا يعطي شيئاً إلا بأمرك. فكتب إليه بذلك، فأجابه خالد: إما أن تدعني وعملي، وإلا فشأنك بعملك. فأشار عليه عمر بعزله، فقال أبو بكر: فمن يجزئ عني جزاء خالد؟ قال عمر: أنا. قال: فأنت. فتجهز عمر حتى أنيخ الظهر في الدار، فمشى أصحاب النبي ﵌ إلى أبي بكر فقالوا: ما شأن عمر يخرج وأنت محتاج إليه؟ وما بالك عزلت خالداً وقد كفاك؟ قال: فما أصنع؟ قالوا: تعزم على عمر فيقيم، وتكتب إلى خالد فيقيم على عمله. ففعل، فلما تولّى عمر كتب إلى خالد أن لا تعطِ شاة ولا بعيراً إلا بأمري، فكتب إليه خالد بمثل ما كتب إلى أبي بكر. فقال عمر: ما صدقتُ اللهَ إن كنت أشرت على أبي بكر بأمر فلم أنفذه. فعزله، ثم كان يدعوه إلى أن يعمل فيأبى إلا أن يخليه يفعل ما يشاء، فيأبى عمر» [١٣] . ويؤيد ذلك ما نُقل عن عمر من قوله: «إني ما عتبت على خالد إلا في تقدمه، وما كان يصنع في المال» [١٤] . وذكر الحافظ ابن كثير ذلك فقال: «وقيل: عزله؛ لأنه أجاز الأشعث بن قيس بعشرة آلاف، حتى إن خالداً لما عُزل ودخل على عمر سأله: من أين لك هذا اليسار الذي تجيز منه بعشرة آلاف؟ فقال: من الأنفال والسهمان» [١٥] . ويؤيده ما رواه الإمام أحمد بسند جيد، أن عمر ﵁ اعتذر من الناس في الجابية فقال: «وإني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد: إني أمرته أن يحبس هذا المال على ضَعَفَة المهاجرين فأعطاه ذا البأس وذا الشرف وذا اللَّسَانة، فنزعته وأمَّرت أبا عبيدة» [١٦] . السبب الثالث: أن عمر عزل خالداً ﵄ خشية افتتان الناس به؛ فإن خالداً ﵁ ما هُزم له جيش لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وقد جمع الله تعالى له بين الشجاعة والقوة والرأي والمكيدة في الحرب، وحسن التخطيط والتدبير والعمل فيها، وقلَّ أن تجتمع هذه الصفات في شخص واحد. ويدل على ذلك ما يلي: ١ - أن عمر ﵁ كتب إلى الأمصار: «إني لم أعزل خالداً عن سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فُتنوا به فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع» [١٧] . ٢ - ما رواه سيف بن عمر أن عمر ﵁ قال حين عزل خالداً عن الشام، والمثنى بن الحارثة عن العراق: «إنما عزلتهما ليعلم الناس أن الله تعالى نصر الدين لا بنصرهما، وأن القوة لله جميعاً» [١٨] . ٣ - قول ابن عون: «ولي عمر فقال: لأنزعنَّ خالداً حتى يُعلم أن الله تعالى إنما ينصر دينه. يعني بغير خالد» [١٩] . فقد يكون عزله لسبب من هذه الأسباب، أو لها مجتمعة، ورأى عمر ﵁ المصلحة في عزله. وأما تَقَدُّمُ خالدٍ على الخليفة، ودفعه للأموال دون مراجعته فقد كان اجتهاداً منه ﵁، ولعله رأى تأليف قلوب من يعطيهم، ولا سيما أنه كان ﵁ خبيراً بالحرب، عارفاً بمكايد عدوه، فلا يُظن به إلا أن يعطي من ينتفع الإسلام بإعطائه، أو يكفي الإسلام شره. وكذلك شدته كانت للإسلام ونصرته، أراد أن يُرهب أعداء الله تعالى من المشركين والمرتدين، وقد أخطأ في بعض اجتهاداته؛ فهو معذور مأجور، لا يُقر على خطئه، ولا يؤثّم في اجتهاده؛ وهذا عين ما فعله النبي ﷺ ؛ فإنه لم يقره على فعله ببني جذيمة، ولم يؤثمه أو يعاقبه، وكذلك فعل الصديق ﵁؛ فإنه عاتبه على اجتهاداته الخاطئة لكنه لم يعزله أو يؤثمه؛ بخلاف عمر ﵁ الذي أداه اجتهاده في خالد إلى عزله وتولية أبي عبيدة، ﵃ أجمعين. شبهٌ والرد عليها: وقد نقل بعض المؤرخين بعض الروايات التي يُشم منها رائحة اتهام الصحابة ﵃ بالهوى، وأن عزل عمر لخالد ﵄ كان لهوى في نفسه، وكراهية لخالد، ويذكرون قصة مصارعة قديمة بين خالد وعمر ﵄ وفيها: أن خالداً صرع عمر وكسر رجله، فحملها عمر في نفسه، فلما تولى الخلافة عزله ... إلخ. وهذه النقول وما أشبهها باطلة من وجوه عدة، منها: أولاً: أن الأصل في الصحابة ﵃ سلامة صدور بعضهم على بعض؛ كما وصفهم الله تعالى بذلك في قوله سبحانه في وصف أهل الحديبية: [أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] (الفتح: ٢٩) ، وعمر ﵁ من أهل الحديبية؛ فكيف يكون في صدره شيء على مؤمن مجاهد كخالد - رضي الله عنه -؟ وقال سبحانه في وصف التابعين للصحابة بإحسان: [وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا] (الحشر: ١٠) ، فإذا كان هذا الوصف في التابعين فالصحابة أوْلى به، ولا سيما مَنْ كان من المهاجرين السابقين كعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، والقادة المجاهدين كخالد بن الوليد ﵁. فلا يُترك هذا الأصل المتين لمجرد روايات تاريخية يتناقلها القصاص والإخباريون ليس لها خطام ولا زمام. قال ابن حزم - رحمه الله تعالى -: «فمن أخبرنا الله أنه علم ما في قلوبهم، ورضي الله عنهم، وأنزل السكينة عليهم؛ فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم أو الشك فيهم البتة» [٢٠] . ثانياً: أن من المستفيض المتواتر أن عمر بن الخطاب ﵁ من أنصح الناس للأمة، وزهده وعدله وسيرته تنضح بالأمثلة والشواهد الكثيرة على ذلك، وليس هذا مقام عرضها وسردها، فلا يُظن به وهو الناصح الأمين الذي كان يتفقد أحوال الرعية أن يغش الأمة، ويعزل قائداً هي محتاجة إليه لولا أنه رأى المصلحة تقتضي ذلك، وليس لنفسه أي حظ من ذلك. ثالثاً: أن عمر ﵁ من كبار الصحابة، ومن الخلفاء الراشدين المهديين الذين أُمرت الأمّة كلها على لسان الرسول ﷺ باتباع سُنَّتهم، واقتفاء سيرتهم؛ وذلك في قوله ﵊: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» [٢١] . فلو كان عمر ﵁ صاحب هوى، يقدّم هواه على مصلحة الأمة؛ فهل كان النبي ﷺ يزكيه، ويأمر الأمة باتباع سنته؟! وهل يقره الله تعالى على هذه التزكية؟! فهذا مما يدل على بطلان هذه الروايات التاريخية التي فيها نيل من صحابة رسول الله ﷺ . وينبغي لكل مسلم قرأ قصة، أو اطلع على خبر لا يليق بالصحابة - رضي الله عنهم - أن لا يقبله ويسلِّم به ابتداءً؛ بل يرجع إلى النصوص الثابتة في الكتاب والسنة ويقضي بها على هذه الروايات التي غالباً ما تكون منقولة عن أهل البدع والضلالات، أو في أسانيدها مجاهيل لا يُعرفون، أو مناكير لا يُقبَلون، أو كانت بلا أسانيد. فمن سار على هذه الطريقة كان منهجه صواباً؛ لأنه قدَّم الثابت من المنقول على غير الثابت. ولا يلزم من هذا التأصيل الحكم بعصمة الصحابة ﵃؛ بل هم بشر يجتهدون فيصيبون ويخطئون، وهم أقرب إلى الصواب من غيرهم، ولا سيما مَنْ كان من السابقين منهم إلى الإسلام. بيدَ أن تلك التهمة التي اتهم بها عمر ﵁ يلزم منها خيانة الأمة، وتقديم هوى النفس على المصلحة العامة، وحرمان المسلمين من قائد ما نُكِّست له راية!! وهذا الاتهام غير مقبول في الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. رابعاً: أن الروايات التاريخية المستفيضة تدل على أن خالداً - رضي الله عنه - كان مجتهداً في أفعاله التي لم يرضها الصديق ولا الفاروق - رضي الله عنهما -، كما تدل على اجتهاد عمر في عزله لتحقيق مصلحة أكبر من مصلحة بقائه قائداً. وتدل أيضاً على دوام المحبة بينهما حتى بعد العزل، وهذه الروايات تدحض كل ما ينقل مما فيه اتهام لعمر ﵁ بالهوى. ومن تلكم الروايات سوى ما ذكرته سابقاً ما يلي: ١ - أن عمر ﵁ كان عازماً على تولية خالد - رضي الله عنه - الخلافة من بعده، ومعلوم أن منصب الخلافة أعظم من مجرد قيادة الجيوش في الشام؛ ولكن خالداً ﵁ توفي قبل وفاة عمر ﵁؛ ودليل ذلك ما رواه الشاسي في مسنده عن أبي العجفاء السلمي قال: (قيل لعمر: لو عهدتَ يا أمير المؤمنين! قال: لو أدركت أبا عبيدة ثم وليته ثم قدمت على ربي فقال لي: لِمَ استخلفته؟ لقلت: سمعت عبدك وخليلك يقول: «لكل أمة أمين، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة» ولو أدركت خالد بن الوليد ثم وليته، فقدمت على ربي لقلت: سمعت عبدك وخليلك يقول: «خالد سيف من سيوف الله سلَّه الله على المشركين» ) [٢٢] . ٢ - ما ذكره سيف بن عمر من أن عمر ﵁ لما رأى زوال ما كان يخشاه من افتتان الناس بخالد ﵁؛ عزم على أن يوليه بعد أن يرجع من الحج، ولكن القدر سبق إلى خالد ﵁ فتوفي قبل ذلك [٢٣] . ٣ - أن عمر أمر أبا عبيدة أن يستشير خالداً ﵃ أجمعين - في أمور الحرب حتى بعد عزله [٢٤] ؛ فلو كان في نفس عمر شيء على خالد - ﵄ لما جعله مستشاراً لأبي عبيدة ﵁. ٤ - أن خالداً لما حضرته الوفاة أوصى لعمر ﵄، وتولى عمر وصيته [٢٥] ، وهذا يدل على المحبة بينهما؛ لأن الشخص لا يوصي إلا لمن يحب ويثق في أمانته وحزمه وورعه، والوصي لا يقبل تولي وصية إلا من يحب؛ لأن في تنفيذها جهداً ومشقة. ٥ - تزكية خالد لعمر عند أبي الدرداء ﵃ وإخباره بأن عمر باب مغلق دون الفتن والمنكرات؛ فقد قال خالد لأبي الدرداء - رضي الله عنهما -: «والله يا أبا الدرداء! لئن مات عمر لترين أموراً تنكرها» [٢٦] . وفي المسند أن رجلاً قال لخالد ﵁: «يا أبا سليمان! اتق الله؛ فإن الفتن قد ظهرت. فقال: وابن الخطاب حي؟ إنما تكون بعده» [٢٧] . فلو كان خالد يعلم أن عمر إنما عزله لهوى في نفسه وليس لمصلحة رآها؛ فهل كان سيزكيه هذه التزكية العظيمة؟! ٦ - تأثر عمر بموت خالد ﵄ ورثاؤه له، ومدحه بما يستحقه، ومن كان في نفسه شيء لا يفعل ذلك. روى ثعلبة بن أبي مالك: أن خالداً لما مات، استرجع عمر مراراً ونكس، وأكثر الترحم عليه، وقال: «كان والله سدَّاداً لنحر العدو، ميمون النقيبة، فقال علي: لِمَ عزلته؟ قال: عزلته لبذله المال لأهل الشرف وذوي اللسان. قال: فكنت عزلته عن المال، وتتركه على الجند! قال: لم يكن ليرضى! قال: فهلاَّ بلوته!» [٢٨] . ونقل الحافظ عن محمد بن إسحاق قال: «لما مات خالد بن الوليد خرج عمر في جنازته فإذا أمه تندبه وتقول: أنت خير من ألف ألف من القوم ... إذا ما كنتَ في وجوه الرجال قال: فقال عمر: صدقتِ والله، إن كان كذلك!» [٢٩] . وروى إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عمه موسى قال: «خرجت مع أبي طلحة إلى مكة مع عمر، فبينا نحن نحط رواحلنا إذ أتى الخبر بوفاة خالد، فصاح عمر: يا أبا محمد! يا طلحة! هلك أبو سليمان، هلك خالد بن الوليد ... » [٣٠] . ونقل الحافظ أن خالداً ﵁ لما جُهِّزَ بكته البواكي، فقيل لعمر: «ألا تنهاهن؟ فقال: وما على نساء قريش أن يبكين أبا سليمان ما لم يكن نقعاً ولا لقلقة» [٣١] . فهذه الروايات الكثيرة تثبت مدى محبة الصحابة بعضهم لبعض - رضي الله عنهم -، كما تثبت أن عزل عمر لخالد ﵄ كان اجتهاداً رأى فيه عمر مصلحة الأمة، ولم يكن لهذا العزل تأثير على بقاء المحبة والألفة بينهما إلى أن مات خالد فتولى عمر وصيته، والله أعلم.

стр. 4890

المنتدى مع القراء تتوالى الرسائل من جمهور القراء الكرام؛ بين مشاركات، وتعقيبات، وتصويبات، واقتراحات، ونحاول الرد عليها قدر المستطاع نظراً لكون المجلة شهرية، وليس من السهولة بمكان الرد على رسائل كل القراء؛ لأسباب عملية وفنية. * رسالة من قارئ: - أرسل الدكتور عبد اللطيف بن إبراهيم الحسين - كلية الشريعة بالإحساء - السعودية، إلى المجلة يقول: «أسأل الله تعالى أن يثيبكم على جهودكم المباركة، وجميع العاملين في مجلة البيان، وآمل التكرم بقبول الاقتراح الآتي: سبق أن نشر في مجلة البيان العدد ١٩٤ صفحة ١٠ - ١٢ مقالاً بعنوان: (سلبيات فصل العلوم عن أصلها القرآني) للدكتور أحمد بن أحمد شرشال، فقد قرأت الموضوع الرائع، وأعجبني حسن العرض للكاتب الكريم، وأسلوبه العلمي الرصين، وتوثيقه الأمين، وأتمنى أن يقوم الكاتب بكتابة بحث أو مؤلَّف في هذا الموضوع يفيد به الأمة الإسلامية من خلال طرحه المتميز، ولعل هيئة التحرير أن ترى إفراد موضوع (قواعد مهمة في التعامل مع كتاب الله الكريم) في ملف خاص للمجلة، وهذه دعوات قلب محب لكم بالتوفيق والسداد. - والمجلة تشكر الدكتور الكريم على ثنائه ودعائه، وتعده بدراسة اقتراحه القيم، وبحث إمكانية نشره عاجلاً بمشيئة الله تعالى. - هيثم محمود الحناوي، أرسل يستحث الدعاة أن يسابقوا المنصرين إلى الشعوب البدائية الفقيرة، فيقول:» قررت مراسلتكم عند سماعي عن أحد تلك الشعوب التي استغل المنصِّرون الخبثاء سذاجتهم لإدخالهم في النصرانية، وظاهر عملهم أنهم يبشرونهم ويخرجونهم من الوثنية، ولكن السبب الصحيح هو استغلال ونهب هذه الشعوب البدائية الغنية أرضها بالثروات المعدنية.. الأرض التي أتحدث عنها تُسمّى أندرادو في فنزويلا.. يسكنها الهنود الحمر.. يعيشون على الزراعة والصيد، ومن عاداتهم فصل الإناث عن الذكور عند البلوغ.. ولم يعرفوا الخمور ولا تعجبهم.. ويقول أحد السكان إنه يتأذى من الحفلات الماجنة التي يقيمها الأجانب المنصِّرون الناهبون لثروات هذه البلاد.. «، وبعد أن يمتدح الأخ هيثم أخلاق هذا الشعب البدائي يوجه تساؤلاً إلى المؤسسات الدعوية والدعاة:» ألا تستطيع هيئات الدعوة أن تسبق أفَّاقي التنصير إلى مثل هذه الشعوب.. أيكون المنصِّرون أبقى على هداية البشرية من الدعاة؟ - الأخ عبد الرحمن حسين فوزي، بغداد - العراق، أرسل رسالة مطولة يعرض فيها اقتراحاً فكرياً جيداً، وقدم الأخ عبد الرحمن لاقتراحه بالقول: «قال الله تعالى في محكم التنزيل: [وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ] (المؤمنون: ٥٢) ، لما كان القرن الماضي قد تميز بميزة فريدة قد نكون غفلنا عنها، وهي اعتناق نخب غربية مثقفة لدين الإسلام عقيدة ومنهاج حياة، وهذه أدوات ثقافية غاية في الأهمية، قد منّ الله تعالى بها على هذه الأمة فأهملتها ولم تحسن الاستفادة القصوى منها» ، ثم يبدأ فيعرض مقترحه الذي يطلب فيه: «إعداد وتهيئة أبحاث وإقامة ندوات تتخصص في دراسة وعرض الأعمال الفكرية والنشاطات الأدبية والسياسية لنخبة من المفكرين المسلمين الأوروبيين؛ أمثال: محمد أسد (ليوبولد فايس) ، رجاء جارودي، علي عزت بيجوفيتش، مراد هوفمان، وكذلك من المستشرقين الغربيين المنصفين؛ أمثال: غوستاف لوبون، زيغريد هونكه، لورا فاغليري، وغيرهم كثير» ، ويقول الأخ عبد الرحمن: «من المحاور المقترحة ما يأتي: ١- التعريف الشامل بهذه الثلة الخيّرة من المفكرين والفلاسفة والباحثين عن الحقيقة، وتقديمهم إلى القارئ العربي والمسلم؛ ليستنير بإبداعاتهم. ٢ - التعريف بالأصول الفكرية والاعتقادية التي صدروا عنها. ٣ - أسباب اعتناقهم الإسلام. ٤ - المباحث الفكرية والعملية التي أبدعوها. ٥ - المعارك الفكرية والسياسية والقضائية التي خاضوها. ٦ - تحليل للغة خطابهم؛ لبناء نموذج جديد لصيغة الخطاب الإسلامي وأساليبه الموجهة إلى الإنسان الغربي» . - ونشكر أخانا عبد الرحمن على هذا الاقتراح المتميز، لكن تفاصيله تحتاج إلى نقاش وإنضاج، ونعده بتفعيله في المجلة مستقبلاً، وقد استحدثنا زاوية: «تيارات فكرية» ، يبدأ نشرها في العدد ٢٠٠ إن شاء الله؛ لعلها تسد جانباً في هذا المجال.

стр. 4891

الورقة الأخيرة المرجع الأعلى ..! أ. د. عبد الستار فتح الله سعيد [*] [وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ] (الشورى: ١٠) . طلعت علينا (الفضائيات) المعاصرة بضروب عجيبة من المحاورات، والمناظرات، والجدليات الصاخبة، جمعت لها أطرافاً تمثل الأضداد والنقائض في كثير من الأحيان، ثم أذاعت ذلك بالصوت والصورة على جمهور عريض يمتد في جنبات الأرض وآفاقها، براً وبحراً وجواً، ويتفاوت في الدين والعلم، والثقافة والفهم، فسمع الناس ورأوا ما لم يسمعوا أو يروا هم وآباؤهم الأولون من عجائب الأفكار، وغرائب الأقوال والأفعال!! ومن حيث المبدأ نرحب نحن المسلمين بكل حوار موضوعي؛ لأن «التفكير فريضة إسلامية» ، ولأن ديننا يقوم على الفقه والفهم، ومعجزته الخاتمة تحث على الحوار والمناقشة، وتخاطب العقل والفكر، وتعتمد الحجة البرهان، وتدعو إلى النظر والموازنة، ويسوق الله تعالى لعباده الدلائل في كتابه الكريم على صحة الدين، ويطالب كل المعارضين أن يثبتوا دعاواهم: [قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ] (النمل: ٦٤) . ويضع أيديهم على موضع الخلل الرهيب فيما يزعمونه دلائل وبراهين، فيقول تعالى: [إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهُدَى] (النجم: ٢٣) . [وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً] (النجم: ٢٨) . * الجدل العقيم: ولقد كان هذا هو موقف الناس من رسالات الله تعالى من قديم، حين يكثرون من الجدل.. [وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً] (الكهف: ٥٤) ، ويقيمونه على آفتَيْه: (الظن، واتباع الهوى) في أخطر قضايا الوجود وحقائق الدين والمصير؛ لذلك يكون لجاجاً باطلاً لأنه تجرد من كل دليل صحيح: [وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّه] (الحج: ٨-٩) . وحينئذ يُهلك الإنسان نفسه، ويدمر حاضره ومستقبله؛ لأنه يقلب على نفسه أعظم خصائصه التي زوده الله تعالى بها؛ أعني العقل والفكر والبيان، [وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ] (غافر: ٥) . وهنا يتبدى لنا فضل الله على الإنسان حين أرسل له الرسل وأنزل الكتب، وثبّت له معالم الحق، وأصول الدين، وأحكام الشريعة، وسمَّاها: [هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ] (البقرة: ١٨٥) . * التائهون: ولقد تابعت كثيراً من حلقات هذه الجدليات الفضائية، ولاحظت ما فيها من شدة الجدال، والصياح، والصخب، والسِّباب، ورفع الأصوات، فتضيع معها الحقائق والجوانب الموضوعية التي يحتاج إليها الناس، فضلاً عما تقدمه من نموذج تربوي بالغ السوء في كيفية الحوار، وتبادل الآراء، وهو يناقض النموذج القرآني الراقي: [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] (النحل: ١٢٥) . ولكن أسوأ من هذا كله هو عدم الاتفاق بين المتجادلين على تحديد «مرجعية» يتحاكمون إليها عند الاختلاف، ويردون إليها عند التنازع؛ لأنه كما قيل بحق: «للناس بعدد رؤوسهم آراء!» ، فإذا لم يقم (ضابط) للحوار صار إلى جدل فارغ، واندفع به أصحابه إلى غاية الرعونة في الآراء والأفكار، مدفوعين بشهوة الانتصار؛ ولو على حساب الحق والدين والقيم العليا!! ولقد هالنا ما رأيناه وسمعناه من بعض هؤلاء المنسوبين إلى الإسلام بالوراثة، في بعض هذه الحلقات الفضائية، حين يجاهرون في صفاقة بالغة برفض عقيدة الإسلام وتفرد الله تعالى بالتشريع لعباده، وبالتمادي في رد أحكام الإسلام تبعاً لذلك، ولو كان الحكم ثابتاً في صريح القرآن والسنة، في الوقت الذي يرتضون بفرح «مرجعية» وثائق الأمم المتحدة، وحقوق الإنسان، ومؤتمرات السكان وأمثالها؛ مع ما فيها من تقرير حرية الإلحاد أو حرية الزنى، والشذوذ الجنسي، والإجهاض وزواج المثلين!! وأعجب من ذلك أن تتبجح بهذه الرذالات مجموعة من النساء (المسلمات جغرافياً) أمام ملايين المشاهدين بلا خجل ولا حياء! وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت» [١] . وهذا دليل واضح على أن ظلمات الجاهلية المعاصرة قد تغلغلت في أحشاء بعض المسلمين، وهُمْ وهُنَّ.. لا يزالون ولا يزلن قِلّة منبوذة في ضمير الأمة الإسلامية، ولكنها قِلّة صفيقة الوجه والقلب واللسان، كما وصفهم الله تعالى: [الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ] (التوبة: ٦٧) . ولقد سمعت إحداهن تطالب بإباحة كل الموبقات التي حرمها الله بحجة الحرية الشخصية!! وأخرى تطالب بإلغاء حكم الله في الميراث، وهو أحكم ما شرع الله لعباده في بابه!! أما الرجال فسمعت أحدهم يفتخر بأنه من الحزب الشيوعي العراقي العمالي، وأنه سيناضل هو ورفاقه لا في تحرير العراق من الاحتلال الأمريكي وذيوله؛ وإنما سيناضل في سبيل تقرير الحرية الجنسية للفتيات والفتيان؛ ابتداءً من الخامسة عشرة أو السادسة عشرة!! وآخر يندد بعمرو بن العاص ﵁ لأنه نشر الإسلام واللغة العربية في بلده مصر! ما أحكم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حين يخاطب أمثالهم: «يا أشباه الرجال ولا رجال، ودون ربات الحجال..» ! وقد حذَّرنا الله تعالى من هؤلاء وأمثالهم، فقال تعالى: [وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ] (النحل: ١١٦) . وحذَّرنا منهم رسول الله ﷺ تحديداً فقال: «سيكون في آخر الزمان ناس من أمتي يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم!» [٢] . * تذكرة الدعاة: وقد عجبت من بعض مَنْ يمثلون الإسلام في مثل هذه الحلقات حين يرتبكون أحياناً أمام هذه المزاعم المظلمة، أو ينكرونها إنكاراً هشّاً عابراً، ثم يواصلون المناقشة في الفروع أمام ملايين المشاهدين كأنهم لم يسمعوا هدماً لأصل الأصول في مرجعيتنا العليا، وكأنه لم تحدث جريمة دينية هائلة كان الواجب الأول دحضها بصراحة بالغة؛ لتعادل على الأقل وقاحة المنكرين من غير تأخير للبيان عن وقت الحاجة إليه؛ تصحيحاً للمعايير والأصول، ودفعاً للفتنة التي يروّج لها الجاهلون! وبعد: فهذا غيض من فيض. ونحن نسوق ذلك تذكرة لكل مسلم ومسلمة إذا أرادوا سعادة الدارين، وصدق الله العظيم: [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] (الأنعام: ١٥٣) .

стр. 4892

ربيع الأول - ١٤٢٥هـ مايو - ٢٠٠٤م (السنة: ١٩)

стр. 4893

كلمة صغيرة ردع العِدى أم رجع الصدى ؟ الردع من الأساليب السياسية العريقة، ولا يقتصر استعماله كما قد يُظن على السلاح النووي، بل له صور عديدة، وأي دولة ينبغي عليها أن تمتلك قوى ردع كافية لمنع أعدائها من التسلط عليها، وقبل أي تصرف عدائي من دولة تجاه أخرى تبحث الدولة المعتدية في ردود الفعل الممكنة على اعتدائها، ومن ثم تُقدم أو ترتدع. وفي الحالة العربية استبدل العرب أسلوب «ردع العِدى» بأسلوب آخر هو «رجع الصدى» ، وهو أسلوب استباقي لكنه ليس كمرادفه الأمريكي حيث الاستباق بالعدوان، بل في حالتنا العربية الاستباق بالانهزام، فالساسة العرب يتجاوزون دوماً ظن أعدائهم بهم، فيقدمون باقات متجددة من التنازلات تذهلهم على الدوام، ومنذ أن كسر السادات باباً إلى الفتنة عام ١٩٧٧م، وأذهل كيسنجر بتنازلات مجانية، منذ ذلك الوقت والعرب يراوحون بين الردع والرجع حتى استقر نهج غالبيتهم على الأخير. ونذكر مثالين على هذا الأسلوب لدولتين عربيتين: الأولى تونس ونكتفي فقط بترتيب الأحداث ليتكشف لنا مفهوم «رجع الصدى» فالرئيس التونسي عاد من زيارته للبيت الأبيض، ثم اغتيل الشيخ ياسين، فدعت تونس العرب إلى شجب العمليات الاستشهادية في اجتماع القمة وعدم شجب اغتيال الشيخ، ودعتهم إلى التعامل الإيجابي مع مبادرة الإصلاح الأمريكية، ثم اتهمتهم بالتخلف آخر الأمر، واعتبرت «إسرائيل» ذلك إشارة إيجابية. الدولة الثانية قطر: قبل عامين دعا وزير الخارجية إلى تطبيق مبدأ التوسل للأمريكيين لحل القضية الفلسطينية، وأُعلنت مبادرة البيت الأبيض لشرق أوسط كبير التي نصحت العرب بالكف عن اعتبار الصراع العربي الإسرائيلي سبباً للأزمات وشرطاً للإصلاحات، ثم صرح مسؤول قيادي كبير بأن على العرب أن يتوقفوا عن جعل القضية الفلسطينية سبباً لمشكلاتهم! وأخطر ما في أسلوب «رجع الصدى» في صورته العربية أن العرب الذين يطبقونه يهدفون إلى وقف التنازلات في حين أنه يُحفز العِدى على فعل وطلب المزيد، وهذا يعني بقاء المنطقة دائماً على حافة زلقة بعيداً عن الاستقرار الذي تُقدَّم باسمه كافة التضحيات على المذبح الأمريكي. أمَّا ورقة التوت المسماة «مؤتمر القمة» فيبدو أن الكثيرين لم يعد يعنيهم انكشاف العورات السياسية، بينما يبذل آخرون جهوداً مضنية، فقط للعثور على مكان لعقدها، كما صرح رئيس دولة عربية كبرى: «سنعقدها ولو في القمر» ، ولا عزاء لغزة أو الفلوجة.

стр. 4894

الافتتاحية بعد الحادث الجلل ما كان ينبغي أن يحصل وماذا حصل ؟! الحمد لله القائل: [مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً] (الأحزاب: ٢٣) ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا وقدوتنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فلقد رزئت الأمة الإسلامية بحادث جلل ومحنة أليمة يوم قامت قوات الغدر والعدوان الصهيونية باغتيال القائد المجاهد والرمز الإسلامي الشيخ (أحمد ياسين) تغمده الله بواسع رحمته حينما استهدفت طائرات الأباتشي الأمريكية ذلك الشيخ المقعد بعد صلاة الفجر من يوم ٢٢/٣/٢٠٠٤م، وهو ما كان محل نقد ومقت كل دول العالم عدا (الإدارة الأمريكية اليمينية المتطرفة) والعداء من أولئك للإسلام والمسلمين أصبح معروفاً ومألوفاً، وهذا ما نلمسه في إعلامهم وعلى ألسنة مفكريهم ورجال دينهم ومتنفذيهم صباح مساء، والشيء من معدنه لا يُستغرب، وصدق الله العظيم: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) ؛ فهذه حقيقة الديمقراطية الأمريكية التي يدعون لها، ويطالبون حكومات وشعوب المنطقة بتطبيقها فيما يسمى بمشروع الشرق الأوسط الكبير، وهذه الإدارة الأمريكية تغض الطرف عن إجرام الصهيونية وجبروتها بقتل الأطفال والنساء والعجزة وهدم البيوت وتجريف الأراضي الزراعية مما يخالف الأنظمة الدولية عند احتلال الدول، والتي تجرم كل دولة تتجاوزها ولكن كما قيل: وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا ولقد كان بُعيد هذا الاعتداء الإجرامي الصهيوني الإعداد لمؤتمر القمة العربي الأخير الذي كان مزمعاً عقده في تونس في ٨/٢/١٤٢٥هـ الموافق ٢٨/٣/٢٠٠٤م، ومع قناعتنا بأن مؤتمرات القمة العربية كما هي العادة لا تقدم ولا تؤخر في حال الأمة لكثرة الخلافات القطرية والتناقضات السياسية؛ إلا أن بعض المتفائلين توقعوا من هذه القمة التي جاءت بعد اغتيال الشيخ ياسين ﵀ ما لعله يحيي في الأمة اليقظة والانتفاضة حيال التعنت الصهيوني والاستكبار الأمريكي الذي رفض إدانة العدو الصهيوني برفع الفيتو، وكنا نؤمل أن تجتمع القمة على شيء من الاتفاق والعمل الجاد لإيقاف تلك المهازل والاستهتارات بحق أمتنا حتى نادى بعضهم بأن تكون هذه (قمة الشيخ ياسين) ويتم فيها المصالحة وعلاج المشكلات المزمنة والإجماع على أمور هامة تثبت للجميع أن أمتنا بإمكانها استعادة وعيها، وتثبت للعالم أجمع أنها قادرة على التغلب على جراحاتها، وأنها ستقول (لا) للأعداء متى استشعرت يقينها بالله وقوة إيمانها بربها وخالقها حيال من يحاول فرض وصايته عليها، وكنا نتوقع أن يضع المؤتمرون على جدول أعمالهم أموراً مهمة تتفق وخطورة المرحلة التي نعيشها من مثل ما يلي: - إيقاف كل مشاريع الاستسلام المسماة زوراً بمشاريع السلام. - طرد السفراء والقناصل الصهاينة في السفارات والمكاتب التجارية خلال ٤٨ ساعة. - اعتبار كل عدوان على بلد عربي هو عدوان على الجميع. - رفض المشاريع الغربية المشبوهة والتي يراد بها الهيمنة على الأمة من مثل مشروع الشرق الأوسط الكبير. لكن لم تلبث هذه الآمال الجميلة أن تلاشت؛ وكما قيل تمخَّض الجبل فولد فأراً؛ فالاجتماعات التمهيدية لوزراء الخارجية العرب والتي كانت تحضر برنامج القمة بعد أن قضوا جل أوقاتهم في حوارات عقيمة لم يكن همُّ الأمة الأكبر وهو القضية الفلسطينية وغطرسة العدو حيالها هو محل اهتمامهم، وإنما كان الأمر يدور في أمور أخرى. فانفض الاجتماع على غير المتوقع، بل أجلت الحكومة المستضيفة عقد المؤتمر إلى أجل غير مسمى بدعاوى ساذجة وأعذار باردة، وإذا بالخلافات كانت تدور حول مسألتي (وثيقة العهد) لإصلاح الجامعة العربية ووجهات النظر المتباينة حول أوراق الإصلاح التي تقدم بها عدد من الدول العربية مع أن المجتمعين كما نشر قد قطعوا ٥٠% من مشاريع القرارات التي رفعت لهم، وأعلن الأمين العام للجامعة العربية أن جميع المبادرات المطروحة من خارج (إطار العالم العربي) غير مرحب بها بما فيها (مشروع الشرق الأوسط الكبير) فهل تأجيل المؤتمر ناتج من رفض المشروع الأمريكي، أم أن الخلافات حول أوراق الإصلاح من حيث قربها أو بعدها من ذلك المشروع هو السبب؟ وكلا الأمرين وارد مما يعني أن الهم الأكبر لم يكن محل العناية ولا محل الاهتمام!! والله المستعان. والحقيقة أن مشكلتنا العامة شعوباً وحكومات هي أننا أصبحنا حائطاً قصيراً يتجاوزه الأعداء ليفرضوا علينا ما يريدونه؛ وذلك لضعفنا ولانحرافنا عن الصراط المستقيم؛ وحتى ولو أعيد عقد مؤتمر القمة من جديد في تونس أو غيرها فهل ستقف دولنا الموقف الشجاع وتطرح النقاط الجوهرية التي تشكل همّاً أكبر للأمة مما كان هو أملنا، أم تفرض علينا المشاريع التي أعدت لإذلالنا لتعود من جديد الأسطوانة المشروخة من الشجب والتنديد والاستنكار مما لا يقدم في حال الأمة أو يؤخر؟ وهنا مكن الخطر الذي لن يزيد أمتنا إلا الوهن وإلا الانهزامية أمام العدو الصهيوني؛ فكم نحن بحاجة ماسة إلى دراسة متأنية لواقعنا ومعالجة أدوائنا برؤية عقدية، والعمل الجاد لوحدة أمتنا، وتناسي خلافاتنا، وتجسير العلاقات بين علمائنا ومفكرينا وحكوماتنا، وتفعيل دور الشعوب في مواجهة الأزمات الكبرى فإن شعوبنا المسلمة مهمشة منذ عقود طويلة، ولم يؤخذ رأيها في كل ما يطرح ويفرض على دولنا من أفكار ومشاريع مشبوهة؛ لأن الحكومات وحدها أضعف من أن تقف وحدها في مواجهة دول الاستكبار العالمي حتى صار وضعنا النشاز فرصة سانحة للفئات الضالة والاتجاهات العلمانية ليتبنوا وبكل صفاقة الطروحات الأجنبية، وأن يدافعوا عنها بدعوى أنهم رموز إصلاح، وأنهم رواد ديمقراطية ونشطاء في حقوق الإنسان بعامة ونصرة حقوق المرأة بخاصة. والحقيقة أنهم يمثلون أدواراً مرسومة لهم درسوها في الغرب والشرق وشُجِّعوا على تبنيها في الفرصة المناسبة، وهذه فرصتهم كما فعلها أضرابهم الذين دعوا دول التحالف لغزو بلدهم بزعم تحريره من الحاكم الظالم المستبد؛ فإذا هم فريسة سهلة للأعداء ويصبح التحرير احتلالاً. وها هو الشعب المغلوب على أمره يعيش مأساة لا يحسد عليها، وهكذا يجلب أولئك لأوطانهم الدمار باسم التحرير، والتغريب باسم التنوير؛ فهل نعي خطورة الواقع، وهل نوجه مأساتنا بالإصلاح الناجع، أم تحولنا الانهزامية والخوف إلى التبعية والسقوط، ونعيش في بلداننا أذلة نسام سوء العذاب؟ فما أحوجنا حيال واقعنا الأليم إلى ردة فعل بمستوى الأحداث يشعر معها الأعداء بخسران مشاريع السلام، وخسران تداعيات ما بعد السلام، وخسران حلفائهم الاستراتيجيين آمالهم في ثروات المنطقة والاستثمار في أسواقها، وحينها لن تجرؤ أمريكا أو غيرها أن تستفرد بدولنا، ولن يستطيع الصهاينة أن يكرروا عدوانهم المستمر على إخواننا في فلسطين حين نكون يداً واحدة؛ كما دعانا الباري جل وعلا: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا] (آل عمران: ١٠٣) . فما أحوجنا إلى الشجاعة الإيمانية والنخوة الإسلامية لنقول لأمريكا العنصرية إن مصالحها مع دولنا وليس مع العدو الصهيوني، وإن الديمقراطية التي تدّعيها وتدعو إليها هي أول من يناقضها ويدوس عليها علناً لمناصرتها لدولة عنصرية ظالمة تسوم إخواننا الفلسطينيين سوء العذاب بالقتل والتدمير والمصادرة للأراضي، وتجريف المزارع وسد المنافذ، والعزل العنصري، ثم إلى متى تبقى فضائياتنا تشيع الفاحشة في الذين آمنوا وليس فيها قناة واحدة بلسان الغرب والشرق لتعرفهم بقضايانا وتنورهم بحقوقنا المستباحة؟ فهل يعقل أنه في استطلاع بين العديد من الأمريكيين أنهم كانوا يتوهمون أن الفلسطينيين هم المحتلون للأراضي، وأن الصهاينة هم المطرودون والمضطهَدون؟ كيف تعرف الشعوب الغربية أن قتل الشيخ ياسين ما كان ليتم لولا الضوء الأخضر من الإدارة الأمريكية حتى ولو أنكرت ذلك ولا سيما أن مصادر غربية ذكرت مؤخراً أن اغتيال الشيخ ياسين كان لرفضه صفقة مع واشنطن تسلب حماساً إرادتها السياسية والعسكرية كما نشرت ذلك صحيفة الوطن في العدد (١٢٧٢) في ٢٤/٣/٢٠٠٤م، وكيف نوضح للعالم أن هذه هي الديمقراطية الأمريكية تعني: إما أن نذل أو أن نُقتل؟ فإلى متى نبقى معشرَ المسلمين أسرى لهذه العنجهية، وإلى متى نعطل طاقاتنا الفاعلة ومن أهمها سلاح المقاطعة وهو ما لا يحتاج لأي جهد سوى قوة الإرادة وصدق التوكل على الله [وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ] (الطلاق: ٣) ؟ . ولا يفوتنا في هذه العجالة أن نعزي الأمة بوفاة ذلك القائد المجاهد، وأن نسأل العلي القدير أن يلهم أهله وإخوانه الصبر والسلوان، وأن يخلفه في عقبه خيراً، وأن يجعله الله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؛ كما يسرنا في الوقت نفسه أن ننشر ملفاً عن الفقيد للتعريف به وبجهوده وجهاده وعواطف الأمة نحوه. والله من وراء القصد.

стр. 4895

دراسات في الشريعة رؤية.. في الاحتفال بالمولد النبوي الأمين الحاج محمد أحمد [*] E. mail: el_ameen@hotmail.com مع إطلالة كل عام هجري أضحى من الواجب على أهل العلم وطلابه أن يذكّروا إخوانهم المسلمين بأمر لا يُعين عليه إلا الله؛ فقد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، حتى حسبوه ديناً لا يرون الحق غيره، ألا وهو الاحتفال بمولده الشريف ﷺ ، في ربيع الأول من كل عام. وذلك لأن الذكرى واجبة، نفعت أم لم تنفع، معذرةً إلى الرب ولعلهم أو بعضهم يتقون. وقبل الشروع في المقصود، وهو بيان حكم الشرع في هذا العمل، هناك مقدمات لا بد من التنبيه عليها، لصلتها الوثيقة باستيعاب حكم الشرع في هذا العمل، فأقول وبالله التوفيق: * المقدمة الأولى: ما حقيقة محبة الله والرسول ﷺ ؟ وما علامة ذلك؟ حبُّ الرسول ﷺ من الإيمان، وبغضه كفر ونفاق، بل لا يكتمل إيمان العبد حتى يحب رسول الله ﷺ أكثر من ماله وولده ونفسه التي بين جنبيه كما قال ﷺ لعمر ﵁. لقد بين الله حقيقة هذه المحبة ودل على علامتها؛ حيث قال: [قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (آل عمران: ٣١) ، سواء كان سبب نزولها كما قال ابن جرير يرحمه الله: «أنزلت في قوم قالوا على عهد رسول الله ﷺ :» إنا نحب ربنا « فأمر الله نبيه محمداً ﷺ أن يقول لهم: إن كنتم صادقين فيما تقولون، فاتبعوني؛ فإن ذلك علامة صدقكم فيما قلتم من ذلك. أو كانت نزلت في وفد نجران كما ذُكر الذين قدموا عليه من النصارى:» إن كان الذي تقولون في عيسى من عظيم القول إنما تقولونه تعظيماً لله وحباً له، فاتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم « [١] . قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في تفسيره [٢] : (هذه الآية هي الميزان التي يعرف بها من أحب الله حقيقة، ومن ادعى ذلك دعوى مجردة؛ فعلامة محبة الله اتباع محمد ﷺ الذي جعل متابعته وجميع ما يدعو إليه طريقاً إلى محبته ورضوانه؛ فلا تنال محبة الله ورضوانه وثوابه إلا بتصديق ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما) . وقال الشيخ أحمد شاكر في عمدة التفسير [٣] : (هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال:» من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدّ «متفق عليه. ولهذا قال: [قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ] (آل عمران: ٣١) ، أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تُحِب إنما الشأن أن تُحَب) . فحقيقة وعلامة محبة الله ورسوله هي اتباع أوامرهما، واجتناب نواهيهما. فالحب الوجداني له لازمه وهو الاتباع والانقياد والطاعة له ﷺ ، بأبي هو وأمي. ومن العجيب الغريب قَصْرُ بعضهم - هدانا الله وإياهم سبل السلام - محبته ﷺ على هذا الحب الوجداني، متمثلاً في إنشاد وتلحين القصائد والمدائح التي لا تخلو غالباً من الغلوّ إن سلمت من الشركيات، والرقص والتواجد، وإحياء الحوليات، والاحتفال بالمواليد، بل لقد بلغ الغرور ببعضهم أن يحكم على من لا يقرّهم على ذلك، ويشاركهم فيه، ويمارسه معهم، بأنه لا يحب الرسول ﷺ ؛ وهذا لعمرالله! من الافتراء المبين، والظلم المشين، والغرور اللئيم؛ حيث قلبوا الموازين، وافتروا على رب العالمين، وتلاعبوا بسنة سيد المرسلين، وأجحفوا في حق إخوانهم في الدين؛ حيث جعلوا البدعة سنة، والمنكر معروفاً، والباطل حقاً. * المقدمة الثانية: هل هناك بدعة حسنة محمودة، وأخرى سيئة مذمومة؟ اعلم أخي الحبيب وفقني الله وإياك أن البدعة في الاصطلاح تنقسم إلى ثلاثة أنواع هي [٤] : بدعة لغوية: وهي كل أمر حادث على غير مثال سابق سواء كان في العبادات، أو العاديات نحو اختراع الساعة، والسيارة، ومكبر الصوت، وما شابه ذلك، وهي في العاديات مشروعة. بدعة حقيقية: وهي كل أمر مُحدث في الدّين ليس له أصل يُراد به التقرب إلى الله ؛ فهي خاصة بالعبادات، نحو البناء على القبور والسماع المحدث الصوفي وما شابه ذلك. بدعة إضافية: وهي أن يكون أصل العمل مشروعاً، ولكنه عُمِل بكيفية غير مشروعة، نحو: الذكر بالاسم المفرد» الله، الله «أو» هو، هو «وما شابه ذلك. والذي يعنينا هنا هو البدعة الحقيقية، وهل فيها حسن وقبيح؟ اعلم أخي الموفّق إلى كل خير أن البدع كلها سيئة وباطل، وإن كانت متفاوتة في السوء؛ فمنها ما هو كفر، ومنها ما هو حرام، ومنها ما هو مكروه. وكلها مردودة على صاحبها، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإليك طرفاً من الأدلة على ذلك: حديث عائشة في الصحيح ترفعه إلى النبي ﷺ :» من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ «متفق عليه، وفي رواية لمسلم:» من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ «، وقد عدَّ العلماء هذا الحديث من جوامع كلمه ﷺ . حديث العرباض بن سارية ﵁:» ... فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة ضلالة « [٥] . وكلمة» كل بدعة «نكرة في صيغة العموم تشمل كل بدعة صغيرة كانت أم كبيرة، جليلة كانت أم حقيرة، سواء كانت قولية، أو عملية، أو اعتقادية. حديث جابر في خطبته ﷺ :» أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة « [٦] . قوله : [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً] (المائدة: ٣) ؛ فالدين قد تمّ وكمُل، وماذا بعد التمام والكمال إلا النقص والخسران؟ ولهذا قال الإمام مالك:» ما لم يكن في ذلك اليوم ديناً فلن يكون اليوم ديناً «وقال:» من زعم أن الدين لم يكتمل فقد زعم أن محمداً خان الرسالة « [٧] . ويتشبث البعض في تقسيم البدع إلى حسنة وقبيحة ببعض الشبه، ويتذرع ببعض الآثار والأقوال نحو: قوله ﷺ :» من ابتدع بدعة ضلالة «أُخِذ منه بمفهوم المخالفة (الذي يقول به بعض الأصوليين) أن هناك بدعة حسنة. وكلمة ضلالة هنا لا مفهوم لها كما لا مفهوم لكلمة» أضعافاً مضاعفة «في قوله تعالى: [لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَة] (آل عمران: ١٣٠) . قال الإمام الشاطبي ﵀ رادّاً لهذه الشبهة ودافعاً لها: ( ... الإضافة فيه لا تفيد مفهوماً وإن قلنا بالمفهوم على رأي طائفة من أهل الأصول فإن الدليل دلّ على تعطيله في هذا الموضع كما دلّ الدليل على تحريم قليل الربا وكثيره؛ فالضلالة لازمة للبدعة بإطلاق بالأدلة المتقدمة، فلا مفهوم أيضاً) [٨] . والحديث مع ذلك ضعيف [٩] . قوله ﷺ :» من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء « [١٠] . فقد قال ﷺ ذلك عندما حثَّ على الصدقة المشروعة على بعض المجهدين من الأعراب، فسارع إلى ذلك أحد الأنصار فجاء بصُرَّة كادت يده تعجز عنها بل عجزت كما في الحديث فتتابع الناس على الصدقة حين رأوه، فسُرَّ رسول الله ﷺ لذلك وقال:» من سنّ في الإسلام.. «الحديث. فمراد الحديث: من أحيا في الإسلام سنة قد أميتت، لا أن يُحدث فيه أمراً جديداً لا أصل له. قول عمر ﵁ عندما جمع الناس في صلاة القيام على أُبَيِّ بن كعب وقد كانوا يصلونها جماعات متفرقة، فدخل المسجد وسره اجتماعهم:» إن كانت هذه بدعة؛ فنعمت البدعة هي «. فالمراد بالبدعة هنا البدعة اللغوية لا الشرعية؛ إذ صلاة القيام جماعة لها أصل في السنَّة، فعلها رسول الله ﷺ يومين أو ثلاثة، وعندما اجتمعوا له بعد ذلك لم يخرج عليهم خشية أن تُفرض عليهم، وكان صلى الله عليه وسلم يحب التخفيف على الأمة؛ بجانب أنها من عملِ عمر، وعملُ عمر سنة يُقتدى بها. زعم بعض أهل العلم - القرافي وابن الصلاح رحمهما الله - أن البدعة تعتريها الأحكام الخمسة، وهذا وَهْمٌ منهما وممن قلدهما والله يتجاوز عنا وعنهما، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول ﷺ مهما كانت منزلة القائل. * المقدمة الثالثة: هناك خلط بين البدع والمصالح المرسلة، والمصالح المرسلة هي كل ما جلب خيراً أو دفع ضراً، ولم يرد في الشرع ما يثبته أو ينفيه، مع موافقته لمقاصد الشرع وحاجة الناس الماسة له، نحو كتابة القرآن وجمعه في مصحف في عهد الخليفتين الراشديْن أبي بكر وعثمان ﵄، وكتابة العلم، وتدوين السنة، واتخاذ المحراب، وسنّ عثمان للأذان الأول للجمعة عندما توسعت المدينة وكَثُر الناس بها، ونحو ذلك. فهل هناك من علاقة بين هذه المصالح المرسلة من ناحية وبين المحدثات البدائع التي ليس لها أصل في الدين، نحو الاحتفال بالموالد والحوليات وما شاكلها؟ هل هناك من علاقة بين ما فعله السلف الصالح واقتضته المصلحة وحتّمته الحاجة، وبين ابتداع الخلَف لأمور ما أنزل الله بها من سلطان، ولم تؤثَر عن عَلَم من الأعلام؟! اللهم! لا وألف لا. * متى ظهرت بدعة الاحتفال بالمولد الشريف؟ ومن أول من أحدثها؟ لم تظهر هذه البدعة إلا في نهاية الربع الأول من القرن السابع الهجري، أي في عام ٦٢٥هـ، على يد الملك المظفّر أبي سعيد كوكبري صاحب إربل - سامحه الله -، المتوفى ٦٣٠هـ، أحد حكام المماليك. قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تاريخه [١١] : (وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول، ويحتفل به احتفالاً هائلاً ... وقد صنف الشيخ أبو الخطاب ابن دحية له مجلداً في المولد النبوي سماه:» التنوير في مولد البشير النذير «فأجازه على ذلك بألف دينار. ثم حكى عن سبط ابن الجوزي أنه قال: حكى بعض من حضر سِماط المظفر في بعض الموالد أنه كان يمد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى، وكان يحضر عنده المولد أعيان العلماء والصوفية، فيخلع عليهم ويطلق لهم، ويعمل للصوفية سماعاً من الظهر إلى الفجر (!!) ويرقص بنفسه معهم (!!) . فلو كان الاحتفال بالمولد الشريف ديناً مشروعاً لما غفل عنه الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان في القرون الفاضلة وعُني به المتخلفون عن السنة. واللهِ لو كان خيراً لما سبق إليه المظفر وقصَّر عنه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ولم ينبه عليه الأئمة المقتدى بهم. فالخير كل الخير في الاتِّباع، والشر كل الشر في الابتداع. ورحم الله مالكاً الإمام؛ فقد كان من أشد الأئمة بغضاً للابتداع في الدين ولهذا كان دائماً ينشد: وخيرُ أمورِ الدينِ ما كان سنةً ... وشرُّ الأمورِ المحدثاتُ البدائعُ ولله در التابعي الجليل والإمام القدير وأحد تلاميذ ابن مسعود - رضي الله عنه - إبراهيم النخعي ﵀ حيث قال: (لو رأيت الصحابة - رضي الله عنهم - يتوضؤون إلى الكعبين ما توضأت إلا كذلك، وأنا أقرؤها إلى المرفقين؛ وذلك أنهم لا يُتهمون في ترك سنة، وهم أرباب العلم، وهم أحرص خلق الله على اتباع رسول الله ﷺ ، ولا يظن ذلك بهم أحد إلا ذو ريبة) [١٢] . * أقوال وفتاوى بعض أهل العلم في بدعية الاحتفال بالمولد الشريف: لقد أفتى العديد من أهل العلم قديماً وحديثاً ببدعية الاحتفال بالمولد الشريف، ولكننا سنشير إلى فتوى ثلاثة من الأقدمين وهم: ١ - تاج الدين عمرو بن علي اللخمي الشهير بالفاكهاني (٦٥٤ - ٧٣٤هـ) : وهو الفقيه المالكي صاحب شرح الفاكهاني على الرسالة [١٣] ، وقد صرح هذا العالم الرباني ببدعية الاحتفال بالمولد الشريف في أي صورة من صوره في كتاب له أسماه:» المورد في الكلام عن عمل المولد «جاء فيه: ( ... أما بعد: فإنه تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد، هل له أصل في الشرع؟ أو هو بدعة وحَدَث في الدين؟ وقصدوا الجواب عن ذلك مبيناً، والإيضاح عنه معيناً، وبالله التوفيق: لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة، ولا يُنقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطَّالون، وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون، وبدليل أنَّا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجباً، أو مندوباً، أو مباحاً، أو مكروهاً، أو محرماً. وليس بواجب إجماعاً ولا مندوباً؛ لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع، ولا فعله الصحابة، ولا التابعون، ولا العلماء المتدينون فيما علمتُ، وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن سُئلتُ عنه. ولا جائز أن يكون مباحاً؛ لأن الابتداع في الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين؛ فلم يبق إلا أن يكون مكروهاُ أو حراماً وحينئذ يكون الكلام فيه من فصلين، والتفرقة بين حالين: أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه، ولا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئاً من الآثام. وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشنيعة؛ إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام، سُرُج الأزمنة، وزين الأمكنة. والثاني: أن تدخله الجناية، وتقوى به العناية حتى يُعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه، وقلبه يُؤلمه ويوجعه، لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء: أخذ المال حياءً كأخذه بالسيف، لا سيما إذا انضاف إلى ذلك شيء من الغناء، مع البطون الملأى، بآلات الباطل من الدفوف والشبَّابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الفاتنات، إما مختلطات بهم، وإما مشرفات. إلى أن قال: (وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان، وإنما يحلو ذلك لنفوس موتى القلوب، وغير المستقلين من الآثام والذنوب، وأزيدك أنهم يرونه من العبادات لا من الأمور المنكرات المحرمات؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ) [١٤] . ٢ - الحافظ أحمد بن علي بن حجر المتوفى سنة ٨٥١هـ ﵀: نقل عنه السيوطي ﵀[١٥] : (وقد سئل شيخ الإسلام الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر عن عمل المولد فأجاب بما نصه: أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة) ولا غيرهم! ثم عاد فحسّنها إذا تُحرِّي في عملها المحاسن (!!) ، وهذا فيه تناقض، فليت شعري كيف تكون عبادةً حسنةً مهما تحروا فيها من المحاسن إذا لم يتعبدنا الله بها، ولم يفعلها السلف الصالح؟! ٣ - ابن الحاج المالكي (١٠٦٠-١١٢٨/١١٢٩هـ) ﵀: قال [١٦] : (ومن جملة ما أحدثوه من البدع مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات وإظهار الشعائر ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من المولد. إلى أن قال: وهذه المفاسد مركبة على فعل المولد إذا عمل بالسّماع؛ فإن خلا منه وعمل طعاماً فقط ونوى به المولد، ودعا إليه الإخوان، وسَلِم من كل ما تقدم ذكره فهو بدعة بنفس نيته فقط؛ إذ إن ذلك زيادة في الدين، وليس من عمل السلف الماضين ... ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد، ونحن لهم تبع فيسعنا ما يسعهم) . فها نحن نرى أن علماء الإسلام جزاهم الله خيراً بينوا حكم الشرع في عمل المولد واعتبروه من البدع الحادثات والمنكرات منذ ظهور هذه البدعة، وما فتئوا في كل وقت وحين ينبِّهون على ذلك، فما أحسن أثر العلماء على الناس، وما أقبح أثر الناس على العلماء. * شبه يرفعها المجيزون للاحتفال بالمولد ودحضها: يرفع المجيزون للاحتفال بالمولد شبهاً ضعيفة وحججاً واهية يتشبثون بها في عمل المولد، وهي شبه مدفوعة من غير دفع، (ولولا خشية أن يتأثر بها من يسمعها أو يقرؤها لما سُطّرت في دفعها كلمة واحدة) . وقد تولى كبر هذه الشبه الشيخ جلال الدين السيوطي ﵀ وسامحه، وقد سجل هذه الشبه في رسالة له بعنوان:» حسن المقصد في عمل المولد « مُتَضَمَّنة في الحاوي للفتاوي [١٧] ، ومن ثمَّ قلده فيها المقلدون من غير نظر ولا بصيرة، ومن العجيب اعتبار السيوطي هذه الشبه أصولاً بنى عليها جوازالاحتفال بالمولد (!!) ، والشبه هي: ١ - قوله ﷺ معللاً لصيام يوم الإثنين:» ذلك يوم ولدتُ فيه «، قال السيوطي: (فتشريف هذا اليوم متضمن لتشريف هذا الشهر الذي وُلِد فيه، فينبغي أن نحترمه حق الاحترام ونفضله) ! أقول: لو اكتفى المجيزون للاحتفال بمولده الشريف ﷺ بصيام يوم الثاني عشر من ربيعِ الأول لما كان لهم في هذا الحديث دليل، دعك من أن يحتفلوا به، وعجباً لهذا الفهم الذي أُوتيه الإمام السيوطي ﵀ ولم يخطر ببال أحد من سلف هذه الأمة الذين هم خيرها وأفضلها ولا ببال خلفها؛ فوالله لو كان هذا الفهم سائغاً لما غفلت عنه القرون الفاضلة واستُدرك في القرن العاشر. ٢ - إن رسول الله ﷺ عندما قدم المدينة ووجد اليهود يصومون يوم عاشوراء سألهم عن سبب صيامه فقالوا: هذا هو اليوم الذي نجّى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وحزبه، فنصومه شكراً لله. قال السيوطي تبعاً لابن حجر: فيُستفاد منه فعل الشكر لله على ما منَّ به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأيُّ نعمة أعظم ببروز هذا النبي، نبي الرحمة في ذلك اليوم، وعلى هذا فينبغي أن يُتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء. ثم قال: فهذا ما يتعلق بأصل عمله. قلتُ: إن كانت هذه أمثل حجج القوم في الاحتفال؛ فما لهم والله من حجة، فاستنتاج هذا الفهم من علة صيام يوم عاشوراء لا يقل عجباً وغرابة من الشبهة السابقة، وهذا من أفسد الأقيسة وأبطلها. ثم نعود فنقول: لماذا لم يرد هذا الفهم وذاك الدليل على خير القرون، الذين وصفهم ابن مسعود ﵁، ولا ينبئك مثل خبير بأنهم:» أَبَرُّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً «. ٣ - أما الشبهة الثالثة التي سوَّغ بها الإمام السيوطي جواز الاحتفال بالمولد الشريف فهي رواية لم يوضِّح درجة صحتها؛ حيث قال: (وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي ﷺ عقَّ عن نفسه بعد النبوة، مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عقَّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم إظهارٌ للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين، وتشريع لأمته كما كان يصلي على نفسه؛ لذلك فيستحب لنا أيضاً إظهار الشكر بمولده بالاجتماع والطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرّات) . هذه الحادثة لو صحت لما كان فيها دليل لما رمى إليه السيوطي لاحتمالات كثيرة تصادم الاحتمال الذي ذهب إليه؛ إذ ربما لم يعق عنه جده عند ولادته، أو ربما ذبح ذلك لأي غرض آخر، وثمة شيء آخر، هل كرر ذلك فيما بقي من عمره حتى يُستدل بها على الاحتفال بالمولد كل عام؟! ٤ - الشبهة الرابعة: رؤيا منامية رُئِِيَت لإمام من أئمة الكفر وهو أبو لهب بعد موته فقيل له: ما حالك؟ فقال: في النار إلا أنه يُخفف عني كل ليلة اثنين بإعتاقي لثويبة عندما بشّرتني بولادة النبي ﷺ وبإرضاعها له. هذه الرؤيا لو رُئيت لأحد من المؤمنين الصالحين لما أُخذ منها حكم شرعي؛ فكيف وهي لكافرٍ معاندٍ لرسول الله وحبيبه ﷺ ؟! بجانب أن الكافر لا يثاب على عمل. قال تعالى: [وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً] (الفرقان: ٢٣) ، وقال: [لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ] (الزمر: ٦٥) ، هذا إذا كان حبه حب تعبد واتباع؛ فكيف إذا كان حبّ حميّة؟! * الخلاصة: أن الاحتفال بالمولد الشريف بدعة حادثة ليس لها أصل في الدين بأي صورة من صوره، أسبوعية كانت أم سنوية، قرنت بالسماع وبغيره من المحرمات كالاختلاط أم خلت منه. وأن الذين يحتفلون بمولده الشريف ﷺ نحسب أن دافعهم إلى ذلك حبه، ولكن الحب لا بد من لازمه من متابعة السنة وموافقة الشرع؛ فكم من طالبٍ أمراً لم يصبه وراجٍِ رجاءً فأخطأه، ومؤمل أملاً لم يدركه. إن الدين تم وكمُل بحياة رسول الله ﷺ ؛ فما لم يكن في ذلك اليوم ديناً وشرعاً فلن يكون اليوم ديناً أو شرعاً. إن مجرد الخلاف ليس دليلاً مسوِّغاً للتشبث به مهما كانت درجة ومنزلة قائله، ما لم يكن قائماً على دليل، فكما قيل: فليس كل خلافٍ جاء معتبراً ... إلا خلافاً له حظٌ من النظر إن مرجع المسلمين عند الخلاف والنزاع إلى الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة، لا إلى قول فلان وعلان. وإن الدين ليس بالرأي والعقل، وإلا لكان باطن الخف أوْلى بالمسح عليه من ظاهره، كما قال الخليفة الراشد عمر ﵁، ولهذا فإن التحسين والتقبيح العقليين لا قيمة لهما البتة في أمور الشرع؛ فما تراه أنت حسناً يستقبحه غيرك. واللهَ أسأل أن يؤلف بين قلوب المسلمين، ويهدينا وإياهم سبل الرشاد، ويجنبنا وإياهم البدع وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يهيئ للأمة الإسلامية في كل مكان وزمان أمر رشد يُعز فيه أهل الطاعة ويُذلّ فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبي الهدى وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 4896

دراسات في الشريعة منهج في دراسة التصوف لطف الله بن عبد العظيم خوجه [*] abu_ebraheem@maktoob.com إن للإسلام أصولاً وأحكاماً معلومة متميزة من التزم بها فهو كامل الإسلام؛ فإن أخل بشيء من أحكامه نقص من إسلامه بقدر ذلك، من غير أن ينتفي عنه وصف الإسلام، وإن أخل بأصله عامداً عن علم ورضى وأظهر ذلك انتفى عنه الوصف كلياً، فإن لم يُظهر فهو منافق له اسم الإسلام الظاهر. ومنه يتبين أن الإسلام في أصوله وأحكامه وخصائصه ثابت لا يتغير، والمنتسبون إليه يتغيرون ويختلفون؛ فمنهم الكامل، ومنهم دون ذلك، ومنهم المفرط، ومنهم من ليس له من الإسلام إلا الاسم. وهكذا كل ملة ونحلة قد ثبتت أصولها واستقرت: قد لا تتغير كما يتغير أهلها ويتفاوتون بحسب تطبيقهم لأصولها وفروعها. والتصوف فكرة ونحلة وملة قديمة، موجودة قبل الإسلام، أصولها وأحكامها معروفة مستقرة ثابتة، بإقرار كافة الباحثين، من متصوفة وغير متصوفة ومستشرقين، والمنتسبون إليه منهم المتحقق بالتصوف، ومنهم دون ذلك، ومنهم من ليس له إلا الاسم دون الحقيقة. وبناء على هذا: إن أردنا التعرف على دين أو نحلة أو فكرة ما، فعلينا أن نعتمد مصادرها التي منها نبعت وظهرت واستقرت، وبذلك نفهم حقيقة الفكرة كما هي، ولا يصح أن نلجأ إلى المنتسبين فنعتمدهم مصدراً؛ إذ يتفاوتون في الالتزام والتحقق، كما يندر أن تكون جميع حركاتهم مردها اتباع قواعد الفكرة: - فالإسلام مثلاً: لا تُعرف حقيقته كما هي إلا من خلال القرآن والسنة. أما محاولة معرفة ذلك من خلال ما يصدر من المسلمين فهو محض الخطأ؛ فليسوا كلهم يطبقون الإسلام كما هو، وليس كل ما يصدر منهم يكون بالضرورة عن تطبيق لتعاليم الإسلام؛ إذ الإنسان في طبعه اقتراف الحسنة والسيئة. - وكذلك التصوف لا يمكن معرفة حقيقته كما هي إلا بالوقوف على مصادره الأصلية، وهو الذي نشأ وتأسس واستقر في الثقافات القديمة، بشهادة كافة الباحثين. أما الاعتماد على المنتسبين المقلدين من المسلمين فخطأ منهجي؛ فليسوا كلهم يطبقون التعاليم كما هي، وليس كل ما يصدر منهم يكون بالضرورة عن التزام بالتصوف. إن من الخطأ في دراسة التصوف: أن يُنظر إلى الإمام الصوفي في الإسلام على أنه فكرة صوفية في كل ما يصدر عنه!! .. إن معنى ذلك أن يلصق بالتصوف ما ليس منه، مما قد يناقضه، كقولهم: «علمنا مقيد بالكتاب والسنة» [١] ، فهذه المقولة توافق الإسلام؛ لأن المعرفة في الإسلام مصدرها من خارج النفس، من الوحي، لكن لا توافق التصوف؛ لأن المعرفة في التصوف مصدرها من داخل النفس، من الذوق والكشف والمنام؛ فعندما يطلق أحد الصوفية هذه المقولة فمن الجناية نسبة هذا الأصل في التلقي إلى التصوف؛ لأنه يتناقض معه كلياً، والواجب هنا: وضع كل تصرف يصدر من الصوفية في سياقه الخاص به الموافق لأصوله، بدون أن تحشر جميعها في سياق واحد ولو تشتتت أصولها؛ فالقائل: «علمنا مقيد بالكتاب والسنة» إنما يتمثل الإسلام بقوله هذا، فلا تجوز إذن تزكية التصوف به، نعم! قد يكون باباً لتزكية قائله، أو دفع تهمة عنه، أو إحسان ظن به، أو الاعتذار له، لكن دون زيادة. ولذا فإن المنهج الصحيح هو التفريق بين الفكرة والمنتسبين إليها؛ فالفكرة الصوفية باطناً وظاهراً مخالفة للإسلام، أما المنتسبون فمنهم كذلك، ومنهم دون ذلك، ومنهم ليس كذلك، معذور بجهل، أو قلة بصيرة وإدراك، أو شبهة، ونحو ذلك. وعلى هذا فلا يصح الاحتجاج بأحوال المتصوفة لتزكية التصوف، كأن يقال: هذا إمام صوفي كان مجاهداً، وهذا كان محدِّثاً، وهذا نصر الله به الإسلام، وهذا قال كذا من الحق.. إلخ؛ فكيف تذمون التصوف؟! فكل هذه الأخبار صحيحة، وفي الطوائف الأخرى أمثلة مثلها، لكن ليس هذا هو محل النزاع، إنما النزاع في الفكرة ذاتها؛ فهل الإسلام يقبل أن يضم إلى أصوله القول بالحلول والاتحاد والوحدة، تحت أي ظرف كان؟ فما يكون من متصوفة الإسلام من أعمال صادقة فمردها إلى تعاليم الإسلام، لا للتصوف، وهم في ذلك مسلمون مستنون بسنة نبيهم ﷺ ، ليسوا متصوفة؛ فالتصوف لا يأمر بجهاد، ولا بطلب علم، ولا يجادل في هذا إلا من لا يعرف حقيقة التصوف كما هي، ولذا كان من الخطأ الفاحش نسبة هذه الأعمال ذات المقامات العالية إلى التصوف. هذا هو المنهج العلمي: (معرفة حقيقة الفكرة من المصدر، لا من المنتسبين) . غير أن طائفة من الباحثين في التصوف لم تراعِ هذا المنهج، فاختل تقويمها وتحقيقها، ذلك أنها عمدت إلى أئمة التصوف في الإسلام فجعلتهم مصدراً لمعرفة صورة الفكرة الصوفية، فنسبت إلى التصوف كل ما صدر منهم، ولما كان أئمة التصوف يمزجون، في أقوالهم وأفعالهم، بين تعاليم التصوف الذي استمدوه من الثقافات القديمة، وتعاليم الإسلام الذي استمدوه من محيطهم، اختلط الأمر على هؤلاء الباحثين، فظنوا ذلك المزيج هو الصورة الحقيقية للتصوف [٢] ، وقد كان هذا خطأ ظاهراً؛ إذ بذلك جمعوا بين النقيضين؛ حيث إن أصل الإسلام التوحيد، وأصل التصوف الوحدة، وتوحيد الله تعالى ووحدة الوجود نقيضان لا يجتمعان، وهذا مما حمل المستشرق نيكلسون على إظهار تعجبه من تقبل المسلمين للمتصوفة وهذه عقيدتهم [٣] . وقد ترتب على ذلك: الخطأ في تصوير الإسلام نفسه؛ حيث أُلحق به ما ليس منه مما يناقضه، وكذلك الخطأ في تصوير التصوف كما هو؛ حيث أُدرجت أصوله قسراً تحت معاني النصوص الشرعية المخالفة لها، ولما كانت مناقضة التصوف للإسلام واضحة لا تخفى، فقد اضطر طائفة من الباحثين كانوا أمثل طريقة من غيرهم، محاولة للتوفيق والجمع أن يجعلوا التصوف على قسمين: إسلامي، وفلسفي. فنسبوا إلى الفلسفي كل ما يناقض الإسلام، من الحلول والاتحاد والوحدة، وما عدا ذلك من الزهد والذكر والمجاهدة جعلوه من الإسلام، وهكذا قسموا الفكرة الواحدة إلى نقيضين، مخالفين بذلك العقل والواقع [٤] . وعلى ذلك: فالمنهج الصحيح لدراسة التصوف يكون وفق الطريقة التالية: ١ - حصر المنتسبين لهذه الطريقة، ممن عرف بالتصوف وأقر على نفسه بالانتساب إليه، دون من لم يقر بذلك؛ إذ قد أُلحق بالتصوف من لم يعرفه أصلاً. ٢ - جمع ما نسب إليهم من أقوال وأفعال، سواء في كتبهم أو مما نقل على ألسنتهم، لأجل فحصها وتحليلها ومعرفة ما تدور عليه من معنى أو معانٍ. ٣ - بعد تحديد المعاني واتجاهات كل إمام صوفي، تعقد مقارنة بينها وبين أصول الإسلام وأحكامه؛ فما وافق الإسلام فيلحق به، وما خالفه في شيء عزل جانباً. ٤ - ينظر في هذا المعزول، للدراسة والتحليل، لمعرفة حقيقته أو حقائقه، ووسائله وغاياته، ولا بد في هذه العملية من الدقة والتمهل، لتمييز الأفكار والأصول منها خاصة، حتى لا تختلط بغيرها لمجرد شبه جزئي أو عارض. ٥ - إذا عرفت حقيقة الفكرة ومعانيها، حينذاك تعرض على أدلة الشريعة، لمعرفة موقفها، وحكمها، ودرجة ردها، وهل هي من المكروهات؟ أو من الكبائر؟ أو من الكفر؟ ٦ - هنا نصل إلى الحكم على الفكرة؛ فبعد معرفة حقيقتها، وعرضها على الأدلة الشرعية نخلص إلى الحكم النهائي على الفكرة. أما المنتسبون إليها فيؤجل إصدار الأحكام عليهم بالتعيين، للحاجة إلى معرفة تحقق الشروط وانتفاء الموانع. ٧ - بعد ثبوت أجنبية الفكرة عن الإسلام، تأتي المرحلة الأخيرة في الدراسة وهي: البحث عن مصادر هذه الفكرة الدخيلة، فينظر في كتب المقالات المتعلقة منها بمقالات أهل الأديان والملل القديمة قبل الإسلام تحديداً، لمعرفة موضوعها وأصولها، ويتم ذلك عن طريق ما يلي: أ - حين تتردد في تلك الثقافات كلمة «صوفية» أو اشتقاقاتها، فالبحث يقتضي تتبع هذه الكلمة ومعرفة كل ما ورد فيها من معانٍ، فهي المقصودة بالبحث أصالة. ب - بعد حصر تلك المعاني والأصول، تعقد المقارنة بينها وبين الأفكار التي وردت عن أئمة التصوف في هذا المعنى لمعرفة مدى موافقتهم لأصول وفروع الفكرة في القديم، وما زادوا فيه وما نقصوا. ٨ - بهذا تتم الدراسة من جميع جوانبها: عرضاً، ونقداً، ورداً إلى المصادر والجذور. تلك مسألة، وأخرى تتعلق بنسبة الأقوال الغالية إلى أئمة التصوف.. فقد كان لثناء الإمام ابن تيمية على بعض أئمة التصوف أثراً في المعظمين لعلمه وجهاده، حملهم على التشكيك في صحة نسبة الأقوال المنحرفة إلى أولئك الأئمة، وترجيح عدالتهم وصحة طريقتهم، وبنوا على ذلك صحة تقسيم التصوف إلى: - معتدلٍ: وهم رجال القشيري والغزالي ونحوهم، على حد قول أبي الوفا التفتازاني [٥] . - وغالٍ: يمثله الذين ثبت عنهم القول بالحلول. وقد استفاد المتصوفة من موقف الإمام ابن تيمية لتخفيف حدة النقد، وبعضهم جعله من المتصوفة لأجل موقفه هذا، وبالغ آخرون فزعموا أنه لا خلاف بين التصوف والسلفية!! .. فهنا مسألتان جديرتان بالبحث: - المسألة الأولى: التحقيق في نسبة الأقوال الغالية إلى أئمة التصوف. - المسألة الثانية: تحليل موقف الإمام ابن تيمية من التصوف. * المسألة الأولى: التحقيق في نسبة الأقوال الغالية إلى أئمة التصوف. الأقوال المنسوبة إلى أحد أئمة التصوف: إما أن تكون واردة في كتاب للإمام نفسه، أو نقله عنه أحد المصنفين. فإن كانت في كتاب له، فإما أن يكون الكتاب صحيح النسبة إليه فالقول ثابت، وإلا فلا. وإن كان نقله عنه أحد المصنفين في التصوف، فإما أن يكون تلقاه منه مباشرة فالقول ثابت حينئذ، إذا كان المصنف ثقة، أو بوساطة، فإن كانوا ثقات فالقول ثابت، وإلا فلا، وكذا إن رواه بغير سند. فالحاصل أن نسبة القول إلى أحد الأئمة تعتبر ثابتة: إذا كان في كتاب له، قاله على سبيل التقرير. أو إذا كان الناقل ثقة، أو النقلة ثقات. - فيما يتعلق بالحالة الأولى: فقد صنف الأئمة القدماء في التصوف، كأبي سعيد الخراز، والحلاج، والطوسي، والكلاباذي، والقشيري، والسلمي، وأبي طالب المكي، والحكيم الترمذي، والهروي على تفاوت بينهم كتباً ورسائل لم يشكك أحد في نسبتها إليهم، لا من المتصوفة ولا غيرهم، فيها كل الأقوال والأفكار الغالية التي تمثل أصول التصوف؛ فهي إذن وثيقة صوفية تثبت أن مصنفي تلك الكتب يعتقدون بكل تلك الأقوال والأفكار المنحرفة؛ فإنهم ما علقوها على سبيل الحكاية، كلاَّ، بل على سبيل التقرير والتأصيل، ما لم يرد ما يخالفه. ومعلوم أن مقام التقرير والتأصيل ليس كمقام الإخبار والنقل المحض؛ فالذي ينقل الأقوال في حالة التأصيل والتقرير لفكر ما، وهو منتسب إلى ذلك الفكر، لا شك هو مؤمن معتقد بتلك الأقوال. - فيما يتعلق بالحالة الثانية: فإن الملاحظ أن كثيراً من أقوال الصوفية ليست بأسانيد أصلاً، وما كان منها بأسانيد قد يكون البحث في صحتها مفيداً، من حيث تبرئة بعض الأئمة مما نسب إليهم من القول الغالي في حال بطلان السند؛ غير أنه لا يفيد في تبرئة الفكر الصوفي من الانحراف، بعدما امتلأت مصنفات التصوف بهذه الأقوال على جهة التقرير والتأصيل؛ وذلك كافٍ في الحكم على التصوف، ووصفه بالوصف الذي يستحقه بحسب ما في تلك الأقوال من معانٍ. غير أن مما قد يحتج به من لا يبرئ الأئمة أنفسهم مما نسب إليهم من الأقوال الغالية: ما جاء في تراجمهم من تعرضهم لإنكار العلماء، حتى لا تكاد تجد إماماً صوفياً إلا وقد تعرض للإنكار عليه من أهل العلم. أفلا ينم ذلك عن صدق ما نسب إليهم؟ [٦] . وفي كل حال نقول: إن الحكم والوصف إنما هو في حق الفكرة لا الأشخاص؛ فالفكر الصوفي ليس من الإسلام في شيء، وما عليه الفكر الصوفي من حق: - إما أن يكون حقاً متفقاً عليه عند جميع العقلاء، سواء كانوا مؤمنين أو كافرين، كالصدق وعدم الكذب، وتوقير الكبير والضعيف، وعدم الغش، أو السرقة، أو الخيانة، ونحو ذلك.. - وإما أن يكون أصله مما جاء به الإسلام، كالاجتهاد في العبادات.. ثم إن الصوفية زادوا فيها. لكن ذلك لا يسوغ تصحيح التصوف وقبوله؛ فإن الاشتراك في الوصايا الإنسانية، أو في بعض ما جاءت به الشريعة لا يلزم منه التصحيح والقبول، إلا بشرط الاشتراك في الأصول الأساسية، وأصل دين الإسلام هو التوحيد الخالص لله وحده في: ربوبيته، وإلهيته. ومخالفة أية طائفة لهذا الأصل يقطع ما بينها وبين الإسلام من صلة، ولو اشتركت معه في أصل الزهد والذكر والمجاهدة.. إلخ. * المسألة الثانية: تحليل موقف ابن تيمية من التصوف. في تحليل موقف ابن تيمية لا بد من ملاحظة أن ثناءه لم يكن على الفكرة الصوفية، بل على بعض الأئمة، وليس كلهم، ثم لم يكن ثناؤه عليهم بإطلاق، بل بكلمات صدرت عنهم تؤكد وجوب التقيد بالكتاب والسنة، ومن موقف كهذا لا يمكن انتزاع تزكية للفكرة والمذهب؛ فالثناء على الأشخاص لا يلزم منه تصحيح المذهب، وقد كان هذا منهجه، فردوده على المتصوفة وغيرهم من الفرق لم يكن يمنعه من التنويه والإشادة بما أصابوا فيه. وهذا مفيد لعامة المتصوفة الذين جعلوا من الشيخ إماماً لا يخالفونه في شيء، ولو خالف الشرع؛ فاستثمار مثل هذه الكلمات لهدم هذا الصنم الصوفي المسمى بالشيخ، والعود بالمتصوفة إلى التقيد بالكتاب والسنة مكسب كبير، يدل على فطنة هذا الإمام، حيث استطاع نقض هذه الفكرة الغالية من الداخل؛ فالأتباع لا يسمعون إلا للمشايخ، فلِمَ لا تستثمر كلماتهم في نقض مذهبهم؟ ومما يؤكد أن ابن تيمية لم يقصد بثنائه على بعض الأئمة تزكية المنهج الصوفي: ردوده على البسطامي والحلاج وابن عربي وابن الفارض وابن سبعين والتلمساني وغيرهم، من الذين بينوا حقيقة التصوف؛ فالفكرة الصوفية كانت محل نقد الإمام، في قولهم: بالتشبه بالإله، والفناء، والحلول، والاتحاد، والوحدة [٧] . حتى الهروي صاحب (منازل السائرين) كان محل نقد الإمام؛ هذا مع كونه من كبار أئمة المتصوفة، ومواقفه في باب الصفات معروفة [٨] . وبعد: فإن أهمية نقد الفكر الصوفي تأتي من جهتين: الأولى: تتعلق بأصل الدين الأعظم الذي به أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ولأجله خلق الجن والإنس: ألاَّ يعبد إلا الله وحده لا شريك له، والإعراض عن عبادة ما سواه؛ فالرد على المتصوفة في هذا الباب تحقيق لهذا الأصل، الذي خالفوه وعارضوه. الثانية: الحضور الكبير للتصوف في العالم الإسلامي؛ فما من بلد إلا ولهم فيه وجود، وهم في بعضها السواد الأعظم، ونعني بذلك كل من انتسب إلى التصوف ولو ظاهراً بالاسم؛ فإن من المتيقن أن الذين يدركون حقيقة هذا الفكر من الصوفية أنفسهم قليلون. وأما أكثرهم فلا يعرفون منه إلا الموالد والذكر، دون القضايا الفلسفية التي تمثل أصول الفكرة. إن كل واحد من هذين الأمرين، منفرداً، سبب كافٍ للكلام في التصوف عرضاً ونقداً؛ فكيف إذا انضم بعضهما إلى بعض؟ ومن هذا كانت العناية بدراسة التصوف، ومعرفة المنهج الصحيح لذلك، ولعلي أسهمت ولو يسيراً في فتح هذا الباب. والله الموفق.

стр. 4897

السياسة الشرعية أين نحن من نظامنا السياسي الإسلامي ؟ محمد بن شاكر الشريف alsharef@albayan-magazine.com «ليس دين زال سلطانه إلا بدلت أحكامه، وطمست أعلامه، وكان لكل زعيم فيه بدعة، ولكل عصر في وَهْيِهِ أثر» [١] ، كلمة عظيمة قالها إمام من أئمة عصره، لو كتبت على حد تعبير الأقدمين بماء الذهب، لم يوفها ذلك حقها، وهي كلمة واضحة مفسرة لا تحتاج إلى مزيد شرح أو بيان، والتاريخ البعيد والقريب، والواقع الحاضر المشاهد، شاهد على صدق ذلك؛ فمع التزام المسلمين في الصدر الأول بالنظام السياسي الإسلامي [٢] ، كان الدين قوياً وأحكامه محفوظة، وأعلامه عالية مرفوعة، وبمرور الزمن بدأ معدل الصعود الإسلامي يتناقص لأسباب متعددة من أهمها غياب سلطان الدين. وسلطان الدين نوعان: نوع على القلوب، ونوع على الجوارج يمثله النظام السياسي الإسلامي وكان ذلك الغياب على مستويين: ١ - المستوى العملي التطبيقي: إذ بدأ الحكم في الابتعاد شيئاًِ فشيئاً عن الالتزام بالنظام السياسي الإسلامي، حتى آل الأمر إلى الانقلاب الكلي على ذلك النظام وحلول النظام العلماني محله على تعدد صوره وأشكاله. ٢ - المستوى العلمي النظري: حيث جُهل الكثير من أحكام هذا النظام وحدوده وصلاحياته عند الساسة وصناع القرار؛ فضلاً عن العامة، فلم يعرفوا أصوله ومعالمه الرئيسة، كما لم يعرفوا تفصيلاته وجزئياته أو هيئاته ومؤسساته. وقد كان هذا الغياب على تلك المستويات مصداقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَتُنتقضنَّ عرى الإسلام عروة عروة؛ فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها؛ فأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة» [٣] . والمسلمون اليوم مطالبون بإعادة النظام السياسي الإسلامي والعودة إليه؛ وذلك لا بد له من جهود قوية وعزمات ثابتة تتضافر على فعل ذلك، منها جهود علمية ودعوية تشرح هذا النظام وتبين معالمه وأسسه كما تبين أحكامه التفصيلية، ومنها جهود تطبيقية تقوم بالتمكين لهذا النظام وتطبيقه في الواقع، وهذا المقال هو جهد دعوي يقدم في سبيل بيان عدد من الخصائص العامة، أو المعالم البارزة التي يستند إليها هذا النظام الذي لم تعرف له الدنيا مثيلاً، ولن تعرف طالما بقيت بعيدة عن هداية الوحي المعصوم المتمثل بالكتاب والسنة النبوية. * الخصائص التي يتميز بها النظام السياسي الإسلامي: - الأول: النظام السياسي نظام شرعي: فهو ليس نظاماً وضعياً تواطأ على وضعه مجموعة من الناس أو فئة وفق مقاييسسهم العقلية وتصوراتهم الشخصية أو خبراتهم التاريخية، ويترتب على هذا الأصل عدة أمور منها: ١ - استمداد هذا النظام في أصوله وفروعه من الشرع: فأصول هذا النظام وفروعه، أو قواعده وجزئياته، أو هيئاته ومؤسساته إنما ترجع إلى الشرع وتستند إليه، ويستدل عليها بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة النبوية. ٢ - الكلمة العليا في النظام السياسي الإسلامي للكتاب والسنة: الكلمة العليا في هذا النظام وفي المجتمع وكل شيء إنما هي لله ﵎، ومظهر ذلك ودليله في الواقع: القبول والإقرار والتقيد بالشرع المنزل كتاباً وسنة، والانصياع له، والدوران في فلكه، وعدم الخروج عليه. قال الله تعالى: [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] (الأحزاب: ٣٦) . وفي الكتابات المعاصرة يختصر كثير من الكتاب تلك الجملة المطولة في لفظ واحد للدلالة عليه ألا وهو لفظ «الحاكمية» وهذا اللفظ يناظر اصطلاح «السيادة» الذي يستخدم في الدراسات القانونية الدستورية، ومضمونها: تلك السلطة المطلقة المتفردة بتقرير الحق والإلزام به، والتي لها وحدها دون شريك الكلمة العليا في أمر المجتمع والدولة؛ بحيث لا توجد سلطة أخرى تساويها أو تدانيها، فضلاً أن تعلو عليها [٤] . ٣ - اشتمال الكتاب والسنة على أحكام النظام السياسي جميعها: فالكتاب والسنة كافيان ومشتملان على جميع التشريعات والأحكام التفصيلية المحتاج إليها في النظام السياسي الإسلامي، وليس هناك من حاجة إلى غيرهما في تقرير ذلك وبيانه؛ فالكتاب والسنة منفردان بذلك، ولا يقبلان المزاحمة من مصدر آخر. ٤ - الحقوق والالتزامات تقررها النصوص الشرعية من الكتاب والسنة: فتقرير الحقوق والالتزامات، وعلاقة الراعي بالرعية، وعلاقة الدولة المسلمة بغيرها من الدول إنما تتم بواسطة الشريعة، وليس لجهةٍ سلطانٌ أو حقٌّ في تقرير تلك الحقوق والالتزامات، أو تحديدها وتقييدها؛ فضلاً عن تحويرها أو تغييرها أو إلغائها. ٥ - السلطة في النظام السياسي الإسلامي مستمدة من الشرع: أساس السلطة السياسية في الدولة الإسلامية وحق الطاعة الممنوح للولاة، إنما يرجع إلى الشرع، ولا يرجع إلى الأمة أو الشعب كما هو الحال في الأنظمة العلمانية التي تجعل الأمة أو الشعب أساس السلطة السياسية في الدولة. - الثاني: وجوب طاعة الأئمة والولاة في غير معصية: وهذا قد دل عليه أدلة كثيرة متنوعة من الكتاب والسنة؛ نذكر من ذلك على سبيل المثال قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ] (النساء: ٥٩) . وقول الرسول ﷺ : «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية؛ فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» [٥] . ويترتب على ذلك أمور منها: ١ - وجوب طاعة الإمام فيما أمر به ونهى عنه، وكذلك طاعة الولاة المعينين من قِبَله. ٢ - حرمة منازعة الإمام القائم بالشرع الأمرَ، أو الخروج عليه بالسيف والسنان. ٣ - منع كل وسيلة تذهب بهيبة الإمام أو الولاة، أو تفضي إلى توهين العمل بطاعته واجتماع القلوب عليه. لكن طاعة الإمام في النظام السياسي الإسلامي ليست طاعة مطلقة، بل هي طاعة مقيدة بطاعة الإمام لله والرسول واتباع الشرع المنزل وتحكيمه بين الناس؛ ولذلك فإن الشريعة تقر بحق المسلمين في نصح الولاة وإرشادهم إلى الخير وتحذيرهم من الشر، والإنكار عليهم وفق القواعد الشرعية التي قررها علماء السياسة الشرعية، كما تقر بحق الأمة ممثلة في أهل الحل والعقد منها في عزل ولاتها متى استوجب الوالي ذلك على النحو المفصل في كتب الفقه، مثل أن يطرأ على الوالي الكفر والعياذ بالله. قال القاضي عياض ﵀ فيما نقله عنه النووي: «أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر أنعزل» [٦] . وقال ابن حجر: «ينعزل بالكفر إجماعاً؛ فيجب عل كل مسلم القيام في ذلك؛ فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض» [٧] . - الثالث: التكامل بين الراعي والرعية أو بين الحكومة والشعب: الحكومة ردف للشعب، والشعب ردف للحكومة في ظل النظام السياسي الإسلامي «وذلك لأنهما متوازيان في الاتجاة نحو تحقيق المقاصد الشرعية، ولذلك فهما معتبران سوياً من الأمة، ولا تقوم بينهما علاقة الترصد والتعارض التي تقوم بين الشعب والحكومة في القانون الوضعي» [٨] . فالراعي والرعية، أو الحكومة والشعب يؤمنون بعقيدة واحدة، ويسعون لتحقيق هدف واحد، من خلال شريعة واحدة، وهذا من شأنه أن يوجد قدراً كبيراً من التوافق في الفكر والفهم، وفي طريقة علاج الأمور، وفي اختيار الوسائل المفضية إلى ذلك، ولا يوجد بينهم من الخلاف في هذه الحالة إلا ما لا بد منه من الاختلاف أو التباين بين الناس في القدرة على الفهم والاستيعاب. كما أن الجميع مطالبون بتنفيذ الأحكام الشرعية، وتحقيق الأهداف التي دعت إليها الشريعة، كل حسب وضعه والصلاحيات التي منحتها له الشريعة، وينشأ مما تقدم بين الراعي والرعية علاقات الحب والمودة والرحمة، والسعي المشترك والتعاون على تحقيق الأهداف، وهذا بعكس العلاقة بين الراعي والرعية في الأنظمة الوضعية؛ فإنها علاقة قائمة على تقسيم المجتمع إلى فئات: حكومية ومعارضة، وهمُّ كل فئة أن تترصد للفئة الأخرى وتبحث عن أخطائها ونشرها بين الناس، وإطلاق الشائعات، أملاً في المحافظة على السلطة أو الوصول إليها. وسائل تحقيق التكامل بين الراعي والرعية: من دراسة النصوص الشرعية تظهر لنا ثلاث دوائر كبرى يتم من خلالها تحقيق ذلك التكامل وهي: الدائرة الأولى: الشورى: ففي الشورى يتم عرض الآراء ودراستها ممن يحسنون ذلك في الأمور المشكلة، واختبارها لمعرفة كنهها، واستخراج أفضلها وأنفعها وأيسرها وأقلها مؤونة، فيستشير الراعي أهل العلم والفقه والخبرة من رعيته، وتبذل الرعية المستشارة غاية جهدها في معاونة الراعي واستخراج أفضل ما تراه، والراعي ينظر في كل تلك الأقوال لا يغلِّب رأياً على رأي إلا لرجحانه عنده من جهة الشرع والمصلحة، والرعية تقبل ذلك منه لعلمها بنصحه لهم وإرادة الخير للمسلمين. قال الله تعالى في وصف المؤمنين: [وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ] (الشورى: ٣٨) . وفي الشورى تنصهر الرعية والراعي في بوتقة واحدة، ولا يكون الجميع إلا جسداً واحداً همه الوصول بالأمة في المسائل المعروضة إلى بر الأمان، وتحقيق أعلى المصالح. الدائرة الثانية: النصيحة: والنصيحة هي إرادة الخير للمنصوح إما بدلالته على ما ينبغي فعله وحضه عليه، وتيسير أسبابه والإعانة عليه، وإما بدلالته على ما ينبغي تركه واجتنابه، وحثه على الابتعاد عن ذلك، ومعاونته فيه. والنصيحة تبذلها عامة الرعية لولاتهم، كما يبذلها الولاة للرعية؛ فالرعية تنصح الراعي، والراعي ينصح الرعية، وهو واجب على الجميع؛ ففي نصح الراعي للرعية قال رسول الله ﷺ : «ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة» [٩] . قال النووي ﵀: «وفي هذه الأحاديث وجوب النصيحة على الوالي لرعيته، والاجتهاد في مصالحهم، والنصيحة لهم في دينهم ودنياهم» [١٠] . وفي نصح الرعية للراعي يقول الرسول ﷺ : «الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» [١١] ، قال ابن حجر ﵀: «والنصيحة لأئمة المسلمين: إعانتهم على ما حُمِّلوا القيام به، وتنبيههم عند الغفلة، وسد خَلَّتهم عند الهفوة، وجمع الكلمة عليهم، ورد القلوب النافرة إليهم، ومن أعظم نصيحتهم دفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن» [١٢] . الدائرة الثالثة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهو الأمر بما أرشد الشارع إليه من قول وفعل، والنهي عما حذر منه، وهو يهدف إلى نشر الخير وإذاعته، وإشاعته، والتضييق على المنكر وحصره، ومن ثم إزالته، وهو واجب يتكامل فيه الراعي والرعية لتحقيق الهدف المنشود من ذلك. قال الله تعالى: [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ] (التوبة: ٧١) . وقال تعالى: [الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَر] (الحج: ٤١) . وقال الرسول ﷺ في أمرِ الرعيةِ ولاةَ أمورهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون؛ فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا؛ ما صلوا» [١٣] . وقد بوَّب النووي على هذا الحديث ونحوه «باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع، وترك قتالهم ما صلوا ونحو ذلك» [١٤] . فالجميع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر تكميلاً للخير وتقليلاً للشر في سعي دائب نحو هدف مشترك يسعى الجميع لتحقيقه. فهذه الدوائر الثلاث يعمل من خلالها ذلك الأصل، ويؤلف بينها في نسيج واحد، وكل واحدة من هذه الدوائر لها أحكام تفصيلية كثيرة خاصة بها، ليس المقام مقام بسطها والحديث عنها. - الرابع: التوازن بين الحكومة والرعية: الحكومة قوة بما تملكه من الجيوش والعتاد العسكري، وبما تملكه من حق الطاعة على الرعية. والرعية قوة بما تملكه من الكثرة العددية والقدرة على التحرك فيما بينها، وبعض هذه القوى أكبر من بعض وأضخم، ويختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان، والأحوال المحيطة، وقد يحدث تحت تأثير تلك القوة المتزايدة لأحد الطرفين على الآخر، أن يطغى الطرف الأقوى على الطرف الأقل قوة؛ لذا كان من خصائص هذا النظام الرباني إحداث التوازن بين القوى المكونة للأمة. دلائل ومظاهر التوازن في النظام السياسي الإسلامي: ١ - ثبات التشريع الإسلامي: الأحكام الشرعية في الإسلام ثابته ثبات الطود الأشم، لا تقبل التعديل أو التحوير، أو التبديل أو الإلغاء من قِبَل آية فئة من الناس سواء أكانوا حكاماً أو محكومين، أكثرية كانوا أو أقلية، مما يمنع أي قوة من قوى المجتمع من استخدام نفوذها أو ثقلها في المجتمع في إحداث تشريعات جديدة أو تغييرات في التشريعات الموجودة تدعم بها أوضاعها، وتضعف الآخرين أمامها، بعكس النظم الوضعية (الديمقراطية) حيث التشريع فيها للبشر، فيملك الحزب الحائز على الأغلبية في المجلس النيابي (البرلماني) إحداث تشريعات جديدة، أو تغيير تشريعات قائمة يدعم بها أوضاعه أو يضعف بها معارضيه. ٢ - عدم جواز تعطيل الشريعة: فالتشريع الإسلامي دائم لا يجوز تعطيله بصورة دائمة، أو تعليق العمل به مدة من الزمن تحت أي ظرف من الظروف، أو مسمى من المسميات، مما يمنع أي قوة من قوى المجتمع من التفلت من الأحكام الشرعية وعدم التقيد بها. ٣ - كفالة شرعية النظم واللوائح: قد يحدث في بعض الظروف أن تتمكن قوة من قوى الأمة من استحداث تشريعات تخدم مصالحها، وتكرس بها من وضعها، مما يضعف قوة باقي القوى في المجتمع؛ لذا فإن الشريعة قد كفلت شرعية جميع النظم واللوائح التي يجري العمل بها بحيث يبطل كل نظام أو تشريع أو لائحة مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع، وذلك أن كل ما خالف الكتاب أو السنة أو الإجماع فهو منقوض، وعلى القاضي نقض هذه التشريعات والنظم واللوائح إن وجدت؛ وقد دل على ذلك أدلة كثيرة ذكر بعضاً منها الإمام البخاري في صحيحه، ثم بوب عليها بقوله: باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول ﷺ من غير علم فحكمه مردود « [١٥] . فنقض التشريعات أو الأنظمة التي قد تسنها الحكومات مخالفة للأحكام الشرعية يمثل توازناً بين الحكومة والرعية. ٤ - التحكيم بين الحكومة والرعية في مسائل النزاع: قد ينشأ بين الأمة أو جزء منها وبين الحكومة أو السلطة نزاع، بحيث يظن كل فريق من المتخاصمين أن الحق معه وأن الأدلة الشرعية تصوب موقفه، وقد يتمسك كل فريق بموقفه ولا يسلم للآخر بموقفه، وهذه المشكلة يلجأ النظام السياسي الإسلامي إلى حلها عن طريق التحكيم أولاً، فتتكون لذلك محكمة بين الطرفين المتنازعين على وفق الكتاب والسنة، وعلى الطرفين أن يقبلا بما انتهت إليه المحكمة، والأصل الشرعي لهذه المحكمة هو قول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ] (النساء: ٥٩) . والرد إلى الله يكون بالرجوع إلى كتابه والاحتكام إليه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته - بأبي هو وأمي - يكون بالرجوع إلى سنته والاحتكام إليها، ومن هذا الرد إلى الكتاب والسنة تنشأ تلك المحكمة المعنية بالفصل في النزاع الذي قد ينشب بين الراعي والرعية. والأصل التاريخي العملي من سير أصحاب الرسول ﷺ الذين هم القدوة والأسوة من بعد الرسول ﷺ ، تلك المحكمة التي تكونت للفصل فيما نشب بين الحكومة ممثلة في علي بن أبي طالب الخليفة الراشد ﵁، وبين بعض الأمة ممثلة في معاوية ﵁ ومن معه، فيما عرف بحادثة التحكيم المشهورة، وهذه المحكمة لا يشترط فيها أن تكون ذات تشكيل ثابت دائم؛ فإن هذا مخالف للغرض من إنشائها، بل يتم تشكيلها فقط عن الحاجة إليها؛ حيث يختار كل طرف من المتنازعين قضاة من قِبَله من أهل العلم والدين، ثم تنفضُّ المحكمة بعد صدور الحكم؛ وذلك لانتهاء السبب الداعي إلى تشكيلها؛ فلا يحكم أحد طرفي النزاع على الطرف الآخر في تلك الحالات؛ لأن ذلك سوف يخل بالتوازن بين قوى الأمة. ٥ - كفالة حق المسلم في اختياراته الفقهية: تكفل الشريعة الإسلامية للمسلم الحق في الاقتناع بأي من الأقوال الفقهية السائغة؛ فله أن يسأل من يثق بعلمه ودينه، ويكوِّن قناعته الشخصية وأفكاره الخاصة، فيما يعن له أو لمجتمعه من أمور أو مشكلات، طالما كان ذلك في إطار النصوص الشرعية من الكتاب والسنة والأحكام المجمَع عليها؛ فأهل السنة لا يلزمون بمسائل الاجتهاد، ولا يجبر المسلم على أن يرى ما تراه السلطة، طالما كان الرأي الذي اختاره مما يسوغ القول به في الشرع، بل للمسلم الحق في إعلان رأيه الذي اختاره وشرحه للناس والدعوة إليه والعمل على نشره، طالما أنه لم يخرج بذلك على الجماعة ولم يشق عصا الطاعة، والأدلة على ذلك كثيرة، منها ما أخرجه الدارمي بسنده من طريق الأوزاعي: حدثني أبو كثير وهو مالك بن مرثد حدثني أبي قال:» أتيت أبا ذر، وهو جالس عند الجمرة الوسطى، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه، ثم قال: ألم تُنْهَ عن الفتيا؟ فرفع رأسه إليه، فقال: أرقيب أنت عليَّ؟ لو وضعتم الصَّمصامة على هذه وأشار إلى قفاه ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول ﷺ قبل أن تجيزوا عليَّ لأنفذتها « [١٦] . قال ابن حجر ﵀:» رويناه في الحلية من هذا الوجه، وبين أن الرجل الذي خاطبه من قريش، وأن الذي نهاه عن الفتيا عثمان ﵁، وكان سبب ذلك أنه كان بالشام فاختلف مع معاوية في تأويل قوله تعالى: [وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّة] (التوبة: ٣٤) . فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب خاصة، وقال أبو ذر: نزلت فيهم وفينا؛ فكتب معاوية إلى عثمان، فأرسل إلى أبي ذر، فحصلت منازعة أدت إلى انتقال أبي ذر إلى الرَّبَذَة - بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة - إلى أن مات، رواه النسائي، وفيه دليل على أن أبا ذر كان لا يرى طاعة الإمام إذا نهاه عن الفتيا؛ لأنه كان يرى أن ذلك واجب عليه لأمر النبي ﷺ بالتبليغ عنه كما تقدم، ولعله أيضاً سمع الوعيد في حق من كتم علماً يعلمه « [١٧] . ومنها ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، فأمر كل رجل منا أن يقتل أسيره، فقلت: واللهِ! لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره. فذكرنا ذلك للنبي ﷺ فقال:» اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد مرتين « [١٨] . وبوب عليه البخاري بقوله: إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد. قال ابن حجر: أي مردود، ثم قال: والغرض منه قوله صلى الله عليه وسلم:» اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد «يعني من قتله الذين قالوا: صبأنا قبل أن يستفسرهم عن مرادهم بذلك القول؛ فإن فيه إشارة إلى تصويب فعل ابن عمر ومن تبعه في تركهم متابعة خالد على قتل من أمرهم بقتلهم من المذكورين [١٩] . ومنها ما أخرجه البخاري وغيره عن مروان بن الحكم قال: (شهدت عثمان وعلياً ﵄ وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلما رأى علي أهلَّ بهما لبيك بعمرة وحجة، قال: ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد) [٢٠] . قال ابن حجر ﵀: (وفي قصة عثمان وعلي من الفوائد إشاعة العالِمِ ما عنده من العلم وإظهاره، ومناظرة ولاة الأمور وغيرهم في تحقيقه لمن قوي على ذلك لقصد مناصحة المسلمين، والبيان بالفعل مع القول.. إلى أن قال: وفيه أن المجتهد لا يلزم مجتهداً آخر بتقليده، لعدم إنكار عثمان على علي؛ ذلك مع كون عثمان الإمام إذ ذاك) [٢١] . وهذا الأمر لم يكن حالة فردية بل كان مسلكاً عاماً عندهم، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك. وينبغي هنا التفريق بين حق المسلم في اختياره الفقهي لأي من الأقوال الفقهية السائغة، وبين ما إذا أخذت الحكومة الشرعية برأي أو قول آخر من الأقوال الفقهية السائغة أيضاً في مسألة تنظيمية أو إدارية؛ فهنا يجب على المسلم الطاعة في تنفيذ العمل المنوط به المترتب على تلك المسألة؛ فإن مصلحة الاجتماع والائتلاف مقدمة ها هنا، وإن كان لا يجب عليه الاعتقاد بصواب ذلك القول أو الاعتقاد بصواب رأي السلطة في تلك الحالة. - الخامس: واحدية الأمة وواحدية القيادة العليا. الأمة الإسلامية مهما تعددت أجناسها، واختلفت لغاتها، وتنوعت ألوانها، وتناءت ديارها، وتتابعت أجيالها، هي أمة واحدة يربط بين أفرادها جميعاً رابط العبودية الحقة الخاصة لله الواحد القهار. قال الله تعالى: [إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ] (الأنبياء: ٩٢) . قال ابن عباس ﵄ في تفسيرها: (دينكم دين واحد) [٢٢] . وذلك أن الدين هو أعظم ما يوحد بين الناس ويجعل منهم أمة واحدة متماسكة. قال تعالى: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا] (آل عمران: ١٠٣) . قال ابن كثير ﵀ (أمرهم بالجماعة، ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفريق، والأمر بالاجتماع والائتلاف) [٢٣] . وقال ﷺ :» هذا كتاب من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش، وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس « [٢٤] . ويترتب على ذلك أمور منها: ١ - لا يجوز تفريق الأمة أو تمزيقها تحت أي من المسميات. ٢ - مناصرة المسلمين في كل مكان. ٣ - حرمة إعانة الكفار على المسلمين. وأما واحدية القيادة العليا، فقد دل عليها كثير من النصوص الشرعية منها قوله ﷺ :» إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما « [٢٥] . قال النووي ﵀: (ومعنى هذا الحديث: إذا بويع لخليفة بعد خليفة؛ فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها، ويحرم عليه طلبها؛ إلى أن قال: واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد) [٢٦] . فالخليفة الصالح للخلافة الذي اختاره أهل الحل والعقد هو الشخص الذي تناط به السلطة السياسية في ديار الإسلام. ويترتب على ذلك أمور منها: ١ - منع ما يسمى بالقيادة الجماعية للدولة. ٢ - منع توزيع السلطة على عدة هيئات أو مؤسسات؛ بحيث تستقل كل واحدة منها بجزء من السلطة. ٣ - بيان منزلة الهيئات والمؤسسات المعاونة للإمام ومكانتها في النظام السياسي الإسلامي. ٤ - عدم جواز تقسيم دار الإسلام إلى دويلات يستقل بحكم كل واحدة منها وال من الولاة بحيث لا تكون هناك إمارة عامة يرتبط بها أولئك الولاة. - السادس: غاية النظام السياسي الإسلامي صلاح الدنيا وفلاح الآخرة: الحياة في عقيدة المسلم تنقسم إلى جزأين: جزء صغير في الدنيا، وجزء لا نهاية له في الآخرة؛ من أجل ذلك؛ فإن عناية النظام السياسي الإسلامي بحياة المسلم لا تقتصر على ذلك الجزء الصغير الذي هو في الدنيا، بل همه الأكبر تلك الحياة التي لا تنتهي؛ فالغاية لا تقتصر على صلاح الدنيا وعمارتها وتحقيق رفاهية المجتمع كما هو الحال عند الذين لم يعرفوا من الحياة إلا الجزء الصغير وهو الحياة الدنيا، بل يضيف النظام السياسي الإسلامي إلى ذلك عمارة الآخرة، بل يجعل ذلك نصب عينيه؛ إذ هو المقصود الأسمى من وجوده. لذا فإن من أهم واجبات النظام السياسي الإسلامي: ١ - حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأئمة. ٢ - حفظ الشريعة والعمل بها وتحكيمها. ٣ - جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة [٢٧] . وبعد: فهذه جملة من الخصائص العامة والمعالم البارزة في نظامنا السياسي الإسلامي تحقق بها الأولون ففازوا وسعدوا وسادوا الدنيا شرقاً وغرباً، ونحن الآن في هذه المرحلة الحرجة التي تكالب فيها أعداؤنا علينا من عُبَّاد الصليب والبقر والوثن، أحوج ما نكون للعودة السريعة إلى هذا النظام وإعادته لتحقيق الصلاح في الدنيا والفوز في الآخرة، وما أصدق قول من قال: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أولها.

стр. 4898

دراسات تربوية التربية أساس الدعوة سالم فرج سعد حين نتعمق في الفكر قد نغفل أحياناً عن مسلَّمات بدهية وأساسية، فنجعلها أموراً ثانوية إذا تناولنا الحديث حولها، فلا تبقى لها أهميتها الأساسية في طرحها أو تنفيذها في ساحة العمل الدعوي. من ذلك قضية التكامل التربوي وشخصية الداعية المربي الذي يربي الناس على مراعاة الأولويات والتدرج في تعليمها ومثله في ذلك تماماً مثل العلماء الربانيين الذين يربون الناس على صغار العلم قبل كباره. يجب علينا ألا نكتفي بإدراك تلك القضية ومعرفتها نظرياً، بل علينا أن نعمل بمقتضاها، ونسعى لتحقيقها وتطبيقها عملياً في الدعوة إلى الله . فالتربية هي أساس سلوك الفرد في مجتمع الدعوة وبناء الجيل المسلم الذي يطمح للإصلاح ومستقبل أفضل؛ مما ينعكس ذلك إيجابياً على طبيعة العمل الإسلامي، ويعطيه صبغة يميزه الناس بها. وقد ينطلق بعضهم حين يريد تقييم أسلوب العمل الإسلامي من منطلق التعميم في الخطأ أو الصواب؛ لذلك فإن التربية هنا تلعب دوراً مهماً في علاقة الداعية بالتربية الدعوية، فتؤتي ثمارها الطيبة في استجابة الناس وقابليتهم للخير بالسلوك الراقي في التعامل والثقة المتبادلة في العرض والطلب. إن المفهوم التربوي الصحيح لا يفصل التربية عن الدعوة والعلم أو الجهاد والعمل للدين؛ فهي كلها خطوط واحدة ومتوازية كما في الآية الكريمة: [يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَة] (الجمعة: ٢) . ومن الشمولية في هذا المفهوم ضرورة تجاوز التربية الحزبية بين العاملين من أبناء الأمة إلى التربية الواسعة الآفاق في العمل الاجتماعي والثقافي والعلمي المشتمل على أمور الدين والدنيا والمرتبط بالمجتمع والدولة. ذلك لأن التربية هي الأساس التوجيهي لكل عمل أو فكر أو خلق؛ ليس ذلك في العمل الدعوي وحده؛ فإن تربية المرء مثلاً على القيم والمبادئ النبيلة منذ صباه لا شك أن ذلك سيكوِّن فيه شخصية متكاملة ومتماسكة؛ لأنه عايش مراحل تأسيسه مرحلة مرحلة.. وخطوة خطوة.. وهكذا هو الأساس التربوي في تماسك بنيان الدعوة المرصوص.. والمعين على وحدة صفها وكلمتها بإذن الله ﵎..

стр. 4899

الإسلام لعصرنا تم.. تم.. تم.. أسلوب جديد ركيك أ. د. جعفر شيخ إدريس [*] هذا مقال في اللغة العربية لم يشرف صاحبه بأن يكون من علمائها المختصين بها؛ غير أنه من محبي هذه اللغة الشريفة لغة الكتاب العزيز، يسرني ما سرها ويسوؤني ما ساءها. وإنه لمما يسيء إليها أن يستبدل أهلها بعباراتها الفصيحة عبارات ركيكة فرضوها عليها تقليداً للغات أجنبية لم تبلغ من شأو الفصاحة مبلغها، ثم أشاعوها حتى صارت على لسان الصغير والكبير والعالم والجاهل. انتبهت إلى مشكلة (تمّ) هذه قبل أكثر من عشر سنوات حين قدم أحد إخواننا السودانيين الدكتور عثمان أبو زيد رسالة للدكتوراه في الإعلام من جامعة الإمام، كانت عن لغة الصحافة العربية. وجد الدكتور أن كلمة (تمّ) هي من أكثر - إن لم يقل أكثر - الكلمات تكراراً في صحفنا. تعجبت لذلك، ثم بدأت أرصد لغتنا الحديثة، فوجدت أن الأمر ليس قاصراً على الصحافة، بل هو شائع في كتبنا وأحاديثنا ومحاضراتنا. نظرت في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم فوجدت أن كلمة تمّ لم ترد في القرآن كله إلا مرة واحدة! وأن كلمة تمت وردت ثلاث مرات، وأما الصيغ الأخرى: أتم، يتم، أتمم، تماماً، متمّ - التي ليست موضوع حديثنا - فلم ترد كلها إلا أربعاً وعشرين مرة. ثم بدأت ألقي بالاً لورود هذه الكلمة فيما أقرأ من كتب الأقدمين وأشعارهم، فوجدت أن نسبة ورودها فيها قليلة جداً ربما كانت كنسبة ورودها في كتاب الله تعالى. قلت في نفسي: ما الذي اكتشفناه نحن في قرننا المتأخر هذا في هذه الكلمة مما لم يكن يعرفه أهل هذه اللغة؟ هل وجدناها هي المعبرة عن معنى جديد هو من لوازم عصرنا؟ أم ماذا؟ ثم وجدت الإجابة أمراً مؤسفاً. وجدت أننا صرنا نستعملها في أكثر الأحيان بدلاً عن صيغة نائب الفاعل المعروفة؛ فبدلاً من أن نقول: فُعل الشيء صرنا نقول تم فعله. من أمثلة ذلك ما تسمعه أو تقرؤه في بعض الصحف والقنوات من مثل قولهم: تم إغلاق مكتب الحزب، تم اكتشاف دواء جديد، تم تعيين فلان للمنصب الفلاني، تمت ترقية فلان، لم يتم العثور على أسلحة الدمار الشامل، وهكذا. كان الاستعمال الغالب لهذه الكلمة بمعنى إكمال الشيء الناقص، ولذلك لم تكن تستعمل إلا مع الأسماء. من أمثلة ذلك في كتاب الله: [وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً] (الأعراف: ١٤٢) . [قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ] (القصص: ٢٧) . [وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ] (البقرة: ٢٣٣) . ومما جاء في الحديث: فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا. ومما جاء في الشعر الجاهلي قول النابغة: أني أتمم أيساري وأمنحهم ... مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما قال ابن فارس: «تتميم الأيسار أن تطعمهم فوز قدحك فلا تنتقص منه شيئاً» . أما الاستعمال الحديث الركيك فلا علاقة له بإتمام شيء ناقص، وإنما صارت الكلمة تستعمل للتعبير عن فعل لم يسم فاعله. كنت أظن أن كل هذا التغيير حدث خطأ وغفلة، غير أن بعض الشباب بالجامعة أخبرني آنذاك أن أستاذ الإعلام في البلد التي جاء منها كان ينهاهم عن استعمال صيغة نائب الفاعل ويصفها بأنها سخيفة. وينصحهم بدلاً من ذلك بأن يستعملوا صيغة تم فعله. قلت له: إن أستاذكم هذا لأحمق؛ لأنه لم يفعل شيئاً غير أن طوَّل العبارة. فإذا كانت الصيغة التي استسخفها لا تسمي الفاعل فصيغته أيضاً لا تسميه. كل ما هنالك أنها تستبدل بالكلمة الواحدة ثلاث كلمات. فبدلاً من أن تقول مثلاً: فهم المقال، وبيعت السلعة، وعوقب المجرم، تقول تم فهم المقال، وتم بيع السلعة، وتمت عقوبة المجرم. بل قال لي أحدهم إنها تقليد للصيغة الإنجليزية التي يوصف الفعل فيها بأنه كامل أو تام. فيبدو أن أحد عباقرة المقلدة قال: لماذا لا يكون لنا كما لهم فعل تام، فاقترح أن تضاف كلمة تم للتعبير عن هذا التمام، مع أن كلمة تام لا تستعمل في العبارة الإنجليزية، وإنما يوصف بها الفعل في كتب النحو! إذا أردت أن ترى ركاكة هذا الأسلوب أو التركيب الجديد فانظر ما يحدث لو أنك عبرت به عن معاني الآيات التالية: [إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا العِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ] (التكوير: ١-١٣) . * كنت ستقول - حماني الله وإياك -: إذا الشمس تم تكويرها، وإذا النجوم تم انكدارها، وإذا الجبال تم تسييرها، وإذا العشار تم تعطيلها، وإذا الوحوش تم حشرها، وإذا البحار تم تسجيرها، وإذا النفوس تم تزويجها، وإذا الموؤودة تم سؤالها بأي ذنب قتلت، وإذا الصحف تم نشرها، وإذا السماء تم كشطها، وإذا الجحيم تم تسعيرها، وإذا الجنة تم إزلافها. فهل يقول مثل هذا إنسان بقيت له أثارة من حس جمالي، أو سليقة عربية؟ كلاَّ. ولذلك فإن أكثر الناس استعمالاً لكلمة تم بهذا المعنى لا يلتزم بها في كل حال، بل يجد نفسه مضطراً للجوء إلى الصيغة الفصيحة [١] . كيف إذن نصحح هذا الخطأ الذي رسخ في أذهاننا سنين عدة؟ إن أول خطوة هي أن نكون مقتنعين بخطئه وقبحه، ثم إذا كان الواحد منا كاتباً فعليه أن يراجع ما كتب ليحذف منه كل ورود لكلمة تم بهذا المعنى الغالط، وإذا كان مصححاً في صحيفة أو دار نشر فعليه أن يفعل مثل ذلك. ثم على الأساتذة ولا سيما مدرسي اللغة العربية أن ينبهوا طلابهم إلى هذا حتى لو كانوا هم أنفسهم من الذين يرتكبون هذا الخطأ. أكرر أخيراً أن هذا ليس إنكاراً مني لعربية الكلمة كما ظن ذلك بعض من سمعوا اعتراضي على هذا الاستعمال لها؛ إذ لا ينكر عربيتها من له أدنى إلمام بكتاب الله تعالى، لكننا إنما ننكر وضعها في غير موضعها. وقديما قال سيبويه: فليس لك في هذه الأشياء إلا أن تجريها على ما أجروها، ولا يجوز لك أن تريد بالحرف [يعني الكلمة] غير ما أرادوا.

стр. 4900

ملفات فلسطين.. نزف مستمر وعطاء دائم ! فلسطين.. هذه الأرض المباركة وما حولها ما تزال منذ ما يزيد عن قرن مضى محط أنظار الشر، والبؤرة التي يحاول الأشرار بمختلف توجهاتهم ونِحَلهم الإطباق عليها وامتلاكها دون أهلها سعياً لامتلاك ناصية الأمر في الشرق كله بل العالم قاطبة.. فلسطين هذه هي البقعة الثالثة في هذا العالم التي تشكل العلاقة بها جزءاً مهماً من عقيدة المسلمين التي لا يكون المسلم مسلماً إلا إذا آمن بها وسلَّم تسليماً لا ريب فيه ولا محيد عنه. وإذا كان اليهود يندفعون نحوها بأساطير منحولة وشريعة منسوخة محرَّفة؛ فإن المسلمين يشدهم إليها عقيدتهم المستقاة من كتابهم الخاتم الخالد، وسنة نبيهم الصادق الأمين؛ ولذلك يراهم العالم اليوم لا يستسلمون للقوة مهما طغت وتعاظمت، وما أن يفتر الجهاد قليلاً حتى تتجدد الدعوة إليه كما هو شأن هذه الأمة المختارة لتبليغ كلمات الله إلى خلقه. وإذا لم يعِ المبطلون من يهود وصليبيين تلك الحقائق فإنَّا مسلمي اليوم نعيها جيداً، وهي جزء لا يتجزأ من عقيدتنا، وشطر لا ينفك عن ثقافتنا، وإن العصر الذي نحياه بكل معطياته يؤكد حقيقة أن فلسطين لنا، وأن بإمكان المسلمين إذا ما رجعوا إلى دينهم أن يصبح باستطاعتهم الذبُّ عن مقدساتهم بقوة وصبر ومصابرة؛ وليس هناك أدل من تلك الحفنة المؤمنة التي تجاهد في فلسطين المغتصبة، والمطوقة من الجهات الأربع بعدو شرس حقود يمتلك من أسلحة الفتك ما لا قِبَل للدول القوية بالصمود أمامه؛ ومع ذلك فإن الجهاد يستعر على أرض الرباط، ويشتد أوار المعركة بين الحق والباطل؛ على الرغم من سد منافذ الإمداد لإخواننا المجاهدين هناك؛ فقد تحولت ويا لهول ذلك دول ما كان يسمى بـ (الطَّوْق) على اليهود إلى طوق على المجاهدين لا على اليهود المغتصبين. كل ذلك براهين على أن الحق سينتصر ولو كان حاملوه قلة؛ فكيف وقد أخذت القلة تتعاظم على طريق الحق، و [كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّه] (البقرة: ٢٤٩) ، وحسبك بالأطفال المجاهدين والنساء الاستشهاديات ممن بعن أنفسهن لله. وإذا كان الجهاد على أرض الرباط قد بدأ منذ العدوان الأول للاحتلال البريطاني، وكان من أبرز قادة ذلك الجهاد الشيخ عز الدين القسام واستشهاده؛ فإنه لن ينتهي باستشهاد الشيخ أحمد ياسين، بل سيزداد الجهاد أَلَقاً؛ فإنه اللغة التي يمكنها أن تُفْهِم أهل الصلف والعدوان أن لا سبيل لديهم إلى إطفاء جذوة الحق المتعاظمة: [يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ] (التوبة: ٣٢) . نعم! إن فلسطين جرح نازف مستمر، ولكنها عطاء متجدد لا يبور.

стр. 4901

ملفات فلسطين.. نزف مستمر وعطاء دائم! البيان تقتفي خطى الشيخ ياسين في فلسطين نائل نخلة يوم ١/٢/١٤٢٥هـ الموافق ٢٢/٣/٢٠٠٤م، وهو يوم اغتيال الشيخ أحمد ياسين ﵀ سيكون يوماً مفصلياً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وسيكتب التاريخ أن هذا اليوم شكَّل نقطة تحوُّل في المواجهة مع هذا العدو. مجلة «البيان» تقدم هذه التغطية الخاصة من واقع الحدث في فلسطين وغزة بالتحديد؛ حيث نستعرض محطات غائبة في حياة الشيخ، ونتحدث مع الأشخاص الذين رافقوه في الأسْر طوال فترة اعتقاله في سجون الاحتلال الصهيوني، ونتتبع الدقائق واللحظات التي سبقت اغتياله مع أقرب الناس إليه. * عبد الغني ياسين: هكذا اغتالوا أبي. عبد الغني ابن الشيخ ياسين، بدا جالساً على سريره في مستشفى الشفاء بغزة هزيلاً، غير قادر على الكلام، يتحدث وكأن في فمه ماءً، وبجواره جلس بعض رفاقه محاولين تخفيف آلام جراحه، وآلام فقدانه لوالده الشيخ. عبد الغني يشبه في ملامحه إلى حد بعيد ملامح أبيه ﵀ وهو ما يجعل مهمة التعرف عليه ليست صعبة. ما الذي حدث ساعة القصف؟ - صليت الفجر مع والدي يوم الإثنين أنا وشقيقي عبد الحميد، ثم سبقنا والدي للبيت، وكذلك شقيقي عبد الحميد الذي يعمل سائقاً للباص الذي يتنقل فيه الشيخ، وما هي غير ثوانٍ حتى سمعت صوت انفجار فخرجت مسرعاً من البيت. هل بيتكم قريب من مكان الجريمة؟ - نحن نقطن في حي الصبرا بغزة، وبيتنا لا يبعد إلا أمتاراً عن مسجد المجمَّع الإسلامي الذي صلى فيه أبي الشيخ صلاته الأخيرة. هل لك أن تشرح لي ما حدث؟ - ليلة الجريمة كانت الطائرات الزنانة (الاستطلاع) تحوم بكثرة في سماء غزة، وكان الكل يتوقع أن ترتكب قوات الاحتلال جريمة ما؛ حيث إنه ما أن تحوم الطائرات حتى نعلم أن هناك جريمة ستحدث، وحينما سمعت صوت الانفجار الأول الذي كان قوياً جداً توقعت أن هذه عملية اغتيال لأبي الشيخ ﵀، فخرجت مسرعاً إليه. وفجأة أطلقت الطائرة صاروخاً ثانياً، أُصبت جراءه ولم أدرِ بعدها ما الذي حدث. من الذي أطلق الصواريخ: هل هي طائرات مروحية من نوع أباتشي كما قيل؟ - لا، لا، لم تكن هناك طائرات أباتشي في الجو، إنها الطائرات الزنانة (استطلاع بدون طيار) وكما سمعنا فإن إسرائيل طورت هذه الطائرات وجعلتها بالإضافة إلى عمليات الرصد والاستطلاع تقوم بعمليات إطلاق صواريخ؛ وذلك لأن المجاهدين حينما يسمعون صوت طائرات الأباتشي يتخذون احتياطات أمنية على الفور، لكن طائرات الاستطلاع هذه لا تصدر أصواتاً. لماذا أطلقت الطائرات الصاروخين الآخرين؟ - كما تعلم إسرائيل لم تفلح في المرة السابقة في اغتيال الشيخ حينما أطلقت صاروخاً على البيت الذي كان يتواجد فيه.. فأرادت هذه المرة التأكد من قتله، ومن أجل إيقاع أكبر عدد ممكن من القتلى. هل شاهدت الشيخ وهو على الأرض شهيداً؟ - لم أرَ سوى جثث ملقاة على الأرض، وكانت الدنيا لا تزال فجراً، ولم تشرق الشمس بعدُ، فلم أتبين شخصية أبي، إنما شاهدت جثثاً ملقاة على الأرض. ما هو نوع هذا الصاروخ؟ - إنها صواريخ صغيرة جداً، ومليئة بالمسامير، عرفت هذا من خلال إصابتي، وكذلك أخبرني الإخوة أن المكان الذي وقعت فيه جريمة الاغتيال مليء بالثقوب في الجدران والأرض. كيف كان شعورك حينما أخبروك بأن أباك استشهد؟ - كنت أتوقع هذا اليوم منذ زمن؛ فأنا كنت أشعر أن الشهادة هي نهاية أبي، وهو كان يتمناها بصدق، ويدعو الله في صلاته وتهجده أن يرزقه إياها، والحمد لله نال أبي ما تمنى، ولحق بإخوانه الشهداء. كيف أصيب أخوك عبد الحميد؟ - أخي عبد الحميد أصيب أيضاً من الصاروخ الثاني أو الثالث، وكان لحظتها سائقاً للباص الذي يستخدمه أبي في التنقل، وكان متوجهاً إلى البيت سابقاً أبي الذي يحب أن يعود إلى البيت على كرسيه، وحينما حدث الانفجار ترك الباص وتوجه إلى المكان، وعندها سقطت بقية الصواريخ فأصيب أخي. كيف هي حالته الآن؟ - الحمد لله اليوم زالت عنه حالة الخطر، ووضعه الصحي مستقر، كما اخبروني. والدك كان مهدداً بالتصفية؛ فلماذا كان يصلي في المسجد ويعيش في العلن؟ - كان ﵀ مؤمناً أن لكل أجل كتاباً، كما أنه كان لا يخشى الموت، بل يطلب الشهادة. كان أحياناً يتخذ بعض الاحتياطات الأمنية، ويخلي البيت ويومها كان معتكفاً في المسجد. هل بقية الشهداء هم من المصلين؟ - هؤلاء كانوا معتادين على توصيل الشيخ للبيت كل يوم. هل استشهد الثمانية في نفس المكان؟ - نعم! وفي نفس اللحظة. حسب معلوماتك كيف أصيب الشيخ واستشهد؟ - سمعت أنهم أطلقوا أول صاروخ على مرافقه كي يوقفوه، فجاء الصاروخ في مؤخرة رأس الشيخ، وسمعت أنه أصيب في بطنه مباشرة، لكن لا أدري بالضبط ما الذي حدث، هم أطلقوا الصواريخ على رصيف يبتعد أمتاراً قليلة عن مسجد المجمع. هل كان الشيخ يشعر أن أجله قد اقترب؟ - نعم! كان يشير إلى أنه في أيامه الأخيرة، وسمعت أنه قال لبعض أفراد أسرتنا قبل استشهاده بيوم واحد إنه يشعر أنه سيُستشهد، وأنه قال لهم: أنا أطلبها، ولا أريد الدنيا. هل كنتم تبيتون في البيت في الفترة الأخيرة؟ - ليس دائماً. كانت أخَواتي يبتن خارج البيت، لكن أمي كانت تبيت في البيت وتسلم أمرها إلى الله، وكنا نتخوف من قصف بيتنا. كان أبي رغم أنه مطارد إلا أنه يحاول القيام بالكثير من الأعمال. كيف كان يومه الأخير؟ - كان معتكفاً في المسجد، وكان صائماً؛ حيث اعتاد الصيام يومي الإثنين والخميس. * بنت الشيخ ياسين: بيتنا بدون بلاط، وحار جداً في الصيف، وبارد جداً في الشتاء: تصف إحدى بنات الشيخ ياسين أم همام في حوار مع البيان بيت أبيها، فتقول: إنه بدون بلاط، ومساحته ضيقة، والمطبخ فيه متهتك، في الشتاء بارد جداً، وفي الصيف حار جداً، لم يكن مطلقاً ﵀ يفكر في تجديد البيت، ورفض عرضاً، من السلطة عندما أفرج عنه بالانتقال للإقامة في منزل فاخر وضخم في أحد الأحياء الراقية في القطاع. وتتابع أم همام: لقد كان يحض أبناءه على الصلاة والصوم وتقوى الله، وكان يحرص على تعليمهم في المدارس حتى المرحلة الثانوية، إلا أن ظروفه المادية لم تسمح له بأن يدخلهم الجامعات. ومن المواقف التي تتذكرها أم همام عن والدها ما روته لنا قائلة: في أحد الأيام تبرع تاجر بخمسة قمصان من النوع الفاخر لتوزيعها على المحتاجين، وعندما اقترح عليه أحد أبنائه أن يستبدلها بـ ٢٠٠ قميص متوسطة الجودة حتى يعطي عدداً اكبر، لكنه رفض وقال: أليس من حق الفقير أن يلبس قميصاً فاخراً؟ * حارس الشيخ ياسين: أكثر ما كان يسعده العمليات الاستشهادية ورؤية الأطفال الحافظين لكتاب الله: «ليتني استشهدت ولم أبق حياً أتجرع لوعة الفراق» .. بهذه الجملة عبّر عدنان أبو جبر، أحد حراس الشيخ أحمد ياسين، عن مشاعره التي تعصف بكيانه منذ فارق شيخه الياسين مع اثنين من رفاق دربه من حراس الشيخ. متى التحقت بحراسة الشيخ ياسين؟ - كنت مرافقاً للشيخ الدكتور الشهيد إبراهيم المقادمة ﵀؛ وذلك مدة عامين ونصف، ولم يرد الله لي الشهادة؛ حيث لم أكن يومها (٨/٣/٢٠٠٣م) برفقته. بعدها نلت شرف مرافقة الشيخ الشهيد إلى أن حقق الله له أمنيته بالشهادة، ولم يكرمني الله أيضاً هذه المرة بالشهادة. كيف تركت الشيخ أحمد ياسين؟ - كان مريضاً جداً وذهبنا به للمستشفى، ولقد توقعت ألا يعيش أكثر من أسبوع؛ حيث إنني لم أره مريضاً كهذه المرة من قبل، كان متعباً للغاية.. ولقد قلت للشباب (المرافقين) الشيخ: العلم عند الله أن الشيخ لن يعيش حتى نهاية الأسبوع. ما هي المهام الموكلة لكم في فريق حراسة الشيخ؟ - نحن مكلفون بعدة مهام: أولها: حراسة الشيخ؛ حيث وفرت لنا الحركة (حماس) أسلحة أوتوماتيكية خفيفة، وثانيها: مساعدته على كافة أمور حياته؛ فالشيخ لا يستطيع تحريك أي جزء من جسده، كنا نحمله ونطعمه ونشربه ونساعده على قضاء حاجته، ونساعده على الوضوء والصلاة وكل شيء تقريباً. وكذلك نساعده على قراءة الكتب والرسائل والأوراق الخاصة بالحركة، وننظم زيارات الناس والضيوف له. ما أكثر ما كان يميز الشيخ؟ - بساطته الشديدة وطيبة قلبه وورعه الشديد وحبه للناس وعشقه للجهاد في سبيل الله.. مهما تحدثت عن هذا الرجل فلا يمكن أن أوفيه حقه. وبخصوص الأمور الشخصية كان الشيخ قليل النوم، لا ينام أكثر من ثلاث أو أربع ساعات، وكذلك أكله خفيف جداً. ما هو برنامجه اليومي؟ - كان يستيقظ قبل الفجر بساعتين أو ثلاث، ونوضئه فيصلي ويتهجد ويقرأ القرآن، ثم يصلي الفجر في مسجد المجمع الإسلامي. بعد الفجر يقرأ القرآن، ويستمع للأخبار ويقرأ نشرات خاصة يعدها المكتب الخاص به حول آخر الأخبار والمستجدات. وكان يهتم بشدة بالشؤون الإسرائيلية، ويظل هكذا حتى الساعة السادسة أو السابعة صباحاً. ثم ينام حوالي ساعتين ويصحو حوالي الساعة ١٠ أو ١١ فيتناول فطوره، وهو فطور خفيف جداً حيث لا يكمل رغيف خبز واحد بالإضافة إلى كوب من لبن الزبادي. وكان يؤدي صلاة الظهر في مسجد المجمع، ويجلس مع الناس في المسجد، وبعد الظهر يجتمع مع قادة حماس وكوادرها، وكذلك مع الصحافيين أو مع الناس العاديين الذين يأتون لزيارته. أنت عايشت اثنين من قادة الحركة الإسلامية: ما الفرق الذي لاحظته بين الشهيد إبراهيم المقادمة واحمد ياسين؟ - كان الشيخ ﵀ صورة طبق الأصل عن الشهيد الدكتور إبراهيم المقادمة؛ فكلاهما كان زاهداً في الدنيا، كل وقته وجهده وتفكيره من أجل الإسلام، وكانا طالبي شهادة بحق، وكانا قليلي النوم والأكل. كيف كان الشيخ يعامل حراسه، ويعاملكم؟ - كان كالأب الحنون، كان بسيطاً للغاية وكنا نحيا مع رئيس ليس بمستكبر أو متعجرف؛ نتحدث إليه ويحدثنا بكل بساطة ورفق ولين. كان لا يرد أحداً، وأذكر أنه في عيد الأضحى الأخير جاء إلى منزل الشيخ رجل معوق، فلم يأذن له الحراس بالدخول، فغضب الشيخ غضباً شديداً وطلب منا أن نحضره. ولما دخلنا به على الشيخ جلس إليه وتحدث معه وسأله: ماذا تريد؟ فقال: جئت (أعيّد) عليك يا شيخ: فأنا أحبك. ما أكثر ما كان يسعد الشيخ ياسين؟ - العمليات الاستشهادية والجهادية، وكذلك رؤية الأطفال والأشبال الحافظين للقرآن والمهتمين بالدعوة. هل كان الشيخ يغضب بسرعة، ومتى؟ - لم أره غاضباً إلا مرة واحدة وهي حينما قصفت طائرات الاحتلال منزل الدكتور محمود الزهار، وأسفر ذلك عن استشهاد ابنه ومرافقه؛ حيث رأيت الشيخ غاضباً وأقسم قائلاً: «واللهِ لأركِّعهم» يقصد الصهاينة. هل لمست كرامات خاصة للشيخ؟ - كل حياة الشيخ كرامات.. وأنا أذكر أننا في أحد الأيام قمنا بنقل الشيخ من بيته إلى مخبأ؛ وذلك لأسباب أمنية، وكانت المنطقة مليئة بالبعوض، وكنا نعاني بشدة من قسوة لدغات البعوض لدرجة أننا كنا نضرب أنفسنا، لكننا فوجئنا أن البعوض لا يقترب من الشيخ نهائياً، فسألنا الشيخ: لماذا لا يقترب منك البعوض يا شيخ؟ فقال: هذا من فضل الله. وبالفعل فهذا من فضل الله؛ فالشيخ لا يحتمل لدغات البعوض، ولا يستطيع أن (يهش) عن نفسه بعوضة. هل كان يحب المزاح والمداعبة؟ - نعم! كان ضحوكاً. تجده مبتسماً دوماً، وكان صبوراً وكاظماً لغيظه. وأذكر قبل استشهاده بيوم أنني تسلمت نوبة الحراسة من دون أن أعلم أن بذراع الشيخ (حقنة ومحلولاً) فشددت قميصه بعنف كي أساعده على الوضوء فتسببت له بألم شديد جداً لكنه ﵀ لم يغضب وتحمل الألم. ما أكثر ما كان يزعجه؟ - أي عمل منافٍ للأخلاق والدين، وأي تأخير في مواعيد الصلاة والعبادات. وكذلك كان يغضب إذا ما عاملنا الناس بطريقة غير ملائمة، وكان لا يحب استعجال شباب حماس وتسرعهم، ويكره أي عمل يهدد الوحدة الوطنية. هل لا تزال حزيناً على فراق الشيخ؟ - الفراق صعب جداً؛ فما بالك إذا كان هذا الفراق لإنسان مثل الشيخ ياسين؟! أنا حزين جداً على فراق الشيخ؛ ليتني استشهدت معه ولم أظل حياً أتجرع لوعة الفراق. رغم التهديدات الإسرائيلية للشيخ: هل كان خائفاً ومتخذاً لاحتياطات أمنية؟ - لا، الشيخ لم يكن خائفاً من الموت. كنا حينما نطلب منه مغادرة المنزل يقول: أنتم تريدون أن تحرموني الشهادة. وبصراحة أنا أرى أن كل عمليات الاختباء التي كنا نقوم بها كانت شكلية؛ وذلك لأن الشيخ كان يرفض الاختباء ولا يخاف الموت، ولا زلت أذكر ذلك الصحفي الذي سأل الشيخ: هل أنت خائف يا شيخ من التهديدات الإسرائيلية بقتلك؟ فأجابه الشيخ: نحن طلاب شهادة. أنا حزين جداً وطوال الوقت أتذكر الشيخ ومرافقتي له وذكرياتي معه. زوجتي تسألني دوماً فيمَ أنت سرحان؟ رافقت المقادمة عامين ونصفاً، ورافقت الشيخ ١١ شهراً. * كان سجناء اليهود ينتظرون ليسلموا عليه: كان السجناء اليهود ينتظرونه لحظة خروجه إلى «النزهة» للتسليم عليه. هكذا يتحدث بعض من رافقه أثناء اعتقاله في سجون الاحتلال. في السنة التي رافقه فيها أبو القاسم، أحد الأسرى الفلسطينيين استشهد المجاهد يحيى عياش وكان ذلك في ٦/١/١٩٩٦م، حيث حزن الشيخ كثيراً لاستشهاده، وبكاه وتمنى لو أنه التقى به وتحدث معه، واحتجاجاً على اغتياله أضرب يوماً عن الطعام هو ومرافقوه جميعاً، وكان ذلك في سجن تلموند. ويذكر أبو القاسم أنه في أحد المرات التي كان يُجرى له مساج لجميع أعضاء جسمه، كسر أحد أصابع قدميه؛ وبالرغم من الألم الشديد الذي تسبب به إلا أنه لم يغضب أو يرفع صوته، واكتفى بالقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» . لم يكن أمام شيخ قعيد للدفاع عن نفسه ضد إدارة مصلحة السجون الصهيونية وقراراتها الظالمة بحقه سوى إعلانه عن الإضراب المفتوح عن الطعام والدواء، وهذا ليس بالأمر البسيط بالنسبة لشخص مصاب بعدة أمراض قد تصل في بعض الأحيان إلى سبعة أمراض معاً. وكان برنامجه اليومي في السجن يبدأ منذ صلاة الفجر جماعة، ثم تلاوة القرآن حتى موعد الفطور، ويسبق صلاته الفجر قيام الليل ما تيسر له، تليها فترة قراءة ومطالعة حتى موعد الفورة وهي النزهة اليومية للمعتقلين في العاشرة صباحاً والتي تستمر حتى صلاة الظهر التي كان يصليها دوماً في ساحة النزهة. ثم يأتي موعد الغداء الذي تقدمه إدارة السجون، يلي ذلك فترة قراءة الكتب الثقافية والدينية التي تستمر حتى صلاة العصر، وبعد صلاة العصر يسمع الأخبار ويشاهد التلفاز في محاولة منه ليبقى على تواصل دائم مع شعبه خارج السجن. يصلي المغرب مع مرافقيه، ولم يكن يحب أن يصلي فيهم إماماً نظراً لانخفاض صوته، ثم يكرر مشاهدة التلفاز ويتحدث في أمور الدنيا والأمور التي تهم الأسرى مع مرافقيه ومن تواجد داخل غرفته حتى صلاة العشاء التي تليها فترة قراءة تستمر عادة حتى الثانية عشرة أو الواحدة حيث يخلد شيخنا الجليل للنوم. * الشيخ عبد العزيز الكجك: هذه قصتي مع الشيخ أحمد ياسين: على مدار ٣٧ عاماً، عاشر رجلُ الإصلاح الفلسطيني المعروف الشيخ عبد العزيز الكُجُك (أبو ناصر) عاشر الشيخَ أحمد ياسين، مشاركاً إياه درب الدعوة الإسلامية التي بدأها الشيخ في وقت كانت رياح الإلحاد تعصف بالمجتمع الفلسطيني، ومعاً شكَّلا أول لجان لإصلاح ذات البين، بين الناس حقناً لدماء المسلمين. متى تعرفت على الشيخ؟ - تعرفت على هذا الشيخ الفاضل في عام ١٩٦٧م، وكان الشيخ - يرحمه الله - يمشي بصعوبة، ولم يكن أصيب بالشلل الكامل بعدُ، وكان يأتي إلى حي الشجاعية حيث أسكن وقتها لإلقاء الدروس والمواعظ، وكان يصعد منبر مسجد المحكمة ويلقي الدروس والندوات. وتعرفت منذ ذلك الحين على القائد الفذ الرباني أحمد ياسين ﵀ وكان عمري وقتها حوالي ٣٠ عاماً. أين كان موقع الدعوة إلى الله في حياة الشيخ؟ - الشيخ أحمد ياسين ظهر في فترة كانت رياح الإلحاد تعصف بالمنطقة، والله أرسل الشيخ أحمد ياسين في تلك الفترة لإحياء النفوس، فأخذ يتجول في مخيمات اللاجئين وأحياء القطاع يدعو إلى الله، ولم يكن هناك نشاط إسلامي على الإطلاق؛ فعندما كنت تدخل المساجد لم تكن تجد فيها إلا المسنين والطاعنين في السن، وحتى داخل البيوت، ولا تجد في الشارع كله صفاً واحداً. من أين بدأ الشيخ دعوته؟ - بدأ - يرحمه الله - دعوته من المسجد الشمالي في مخيم الشاطئ، وبدأ يتحرك من ذلك المكان، وكذلك من بيته، ولم يقتصر على هذا المسجد فاعتمد كذلك على مسجد العباس بحي الرمال. عرف عن الشيخ نشاطه المميز في مجال الإصلاح بين الناس، وكنتَ تشاركه في ذلك: كيف يمكن أن تصف لنا هذا النشاط؟ - كان الإصلاح من أهم الأمور التي يهتم بها الشيخ ويوليها جلّ اهتمامه؛ لأنه كان يقول: إن إصلاح ذات البين هي أرضية ودعامة لبناء المجتمع الصالح وللعمل الإسلامي، خاصة أن مجتمعنا قَبَلي، وكانت فيه عادة الثأر عميقة. كان الشيخ ذا وقار بين العائلات، واستطاع بحكمته ووعيه وذكائه أن ينال احترام جميع العائلات في قطاع غزة. حينما كنا نذهب لحل أي مشكلة ويعلمون أن الشيخ موجود فيها.. صدقوني أننا كنا نحل ٩٠% منها فوراً؛ لأنهم يعلمون أن هذا الشيخ نذر نفسه لإصلاح ذات البين ولإصلاح المجتمع كله. هل أقمتم لجاناً للإصلاح؟ - خلال الانتفاضة المجيدة الأولى عام ١٩٨٧م ركزنا كثيراً على مجال الإصلاح؛ لأن العدو كان يبث العملاء داخل مجتمعنا لافتعال المشاكل بين العائلات والفصائل من أجل إشعال المجتمع بمشاكل داخلية. وسبحان الله فقد التفت الشيخ بفطنته إلى ذلك الخطر الجسيم الذي كان يدبره العدو لشعبنا لتفتيت قواه، وكان الرجل متواضعاً برغم هيبته ووقاره، ولا يقطع في الإصلاح أمراً إلا بعد أن يسال ويستشير، والله وفقنا في إصلاح كثير من المشاكل وخاصة مشاكل (الدموم) القتل والثأر. هل تذكر حادثة معينة نجح الشيخ في حلها؟ - الله أجرى على أيادينا حل ما لا يحصى من المشاكل العادية، وكذلك لما يقارب من سبع مشاكل بين عائلات كبيرة كان بينها (دموم) والله أجرى الخير على أيادينا بفضل كرامة وبركة هذا الشيخ. و (الدموم) كانت من أمور الجاهلية في القطاع، وكانت تأكل الأخضر واليابس، ولقد سن الشيخ سُنَّة حسنة في الإصلاح بين الناس لم تكن موجودة من قبل؛ فلقد كان رجال الإصلاح يعملون على حل المشاكل بشكل مؤقت. وكان بعضهم يقولون لأهل المقتول: خذ الدية اليوم، ثم خذ بثأرك بعد سنوات، وكانت حلولهم مؤقتة. لكن الشيخ خط للجميع سُنَّة «تحكيم شرع الله» في أمور القتل؛ فكنا نرغِّب أهل المقتول في أخذ الدية (وهي مشروعة) وحينما يأخذها نبصِّره أنك أنت الآن عفوت، وأخذُك للدية أنهى القضية، ونبصِّره أنه إذا غدر فإن الله سبحانه سينتقم منه؛ لأن الله هو المنتقم. وبهذا استطاع الشيخ إنهاء الكثير من نزيف الدم والاقتتال الداخلي وتفتيت المجتمع، والله وفقنا في حل الكثير من حالات الشجار. ولقد تدخل الشيخ في حادثة أخيرة قبل شهور من استشهاده في حي الشجاعية عندما قتل شاب من عائلة (م) بعد أن انفجرت قنبلة في يده، وكان قد تشاجر قبلها مع أفراد من عائلة (س) فذهبنا أنا والشيخ واستحلفناهم على حقنهم الدماء. وللعلم أن تلك العائلتين هما أكبر عائلتين في قطاع غزة. والله وفق الشيخ في حل جذري للمشكلة بعد أن وضع سند تحكيم، وأقام لجنة شرعية ولجنة تحقيق، والحمد لله بعد جلسات وإحضار أهل الخبرة (كان الشيخ يستعين بهم دوماً) من أطباء شرعيين وتشريح وخبراء متفجرات وخبراء تدريب عسكري تبين أن الشاب - يرحمه الله - قتل من القنبلة التي كان يحملها في يده وليس من العائلة الأخرى. وهل كان الشيخ بالرغم من مشاغلة في حركة حماس ومرضه يصلح بين الناس؟ هذا الرجل نقول - والقلب ينزف دماً على فراقه - إنه ترك فراغاً كبيراً؛ فقبل وفاته بأسبوع فقط استدعاني لحل قضية شجار بين عائلة (ج) وعائلة (س) نتيجة عن مقتل شاب كان قد أصيب في ساقه، وتوفي نتيجة الإهمال الطبي، وأرادت عائلته الثأر. فالشيخ رغم انشغاله وأمراضه أرسل لي وقال: يجب أن نحاصر هذه المشكلة فوراً وفي المهد؛ وذلك لأن أهل العرف ذهبوا للعائلتين، ولم يفعلوا شيئاً. فقلت له: «أعطني وقتاً، فرد عليَّ قائلاً:» يا أخي! يجب التحرك بسرعة لحقن دماء المسلمين «. وقبل استشهاده بيوم أرسل لي يقول:» ماذا فعلت في هذه القضية؟ هل عملت سند تحكيم؟ هل ذهبت إلى العائلات؟ «وكان الرجل لا يفكر إلا أن تعيش العائلات مستقرة وفي حسن جوار.. وحدّث ولا حرج» . كيف كان يتحرك في بداية حياته الدعوية رغم مرضه والشلل الذي كان يعاني منه؟ - عندما بدأ الشيخ حياته الدعوية في السبعينيات كان يتحرك على دراجة هوائية يقودها أحد الإخوة، وأحياناً كان يتحرك على رجليه، وحينما كان يأتي إلى حي الشجاعية شرق غزة يأتي مشياً رغم أن المشي كان صعباً جداً عليه، وكان الله سبحانه يمده بمدد من عنده؛ فيأتي مشياً لمسافات طويلة وهو يعرج، ويأتي لحي الشجاعية لإعطاء الندوات، ولم يكن الناس يعرفون قبله هذه الندوات والدروس. في فترة الستينيات والسبعينيات كانت تعصف رياح الشيوعية والإلحاد والعلمانية في المجتمع الفلسطيني؛ فماذا كان دور الشيخ في نشر الدعوة الإسلامية؟ - الشيخ ﵀ كان رجلاً صاحب خبرة؛ فحتى الشيوعيون والإلحاديون وكل أصحاب التيارات الإلحادية عندما كانوا يلتقون بالشيخ لا يجاهرونه العداء إطلاقاً، وكانوا يقبلونه رغم حقدهم عليه، وكان بسياسته الحكيمة لا يُغضب أحداً، ولا يستثير أحداً، ويعامل حتى الملاحدة برفق وطمأنينة حتى إن كثيراً من الناس هداهم الله إلى الإسلام عن طريق الشيخ ومعاملته معهم. ولم يكن الشيخ يجد أنصاراً وأعواناً، ورغم ذلك شق طريقه بكل صعوبة. ما حقيقة المزاعم أن الشيخ كان يعارض في البداية العمل العسكري ويركز فقط على العمل الدعوي؟ - هذا صحيح؛ فالشيخ في البداية لم تكن لديه أرضية يرتكز إليها؛ فكيف يقاتل وهو لا يمتلك قاعدة يقف عليها؟ كان في ذلك الوقت يبني؛ فكيف يترك الدعوة ويقاتل وهو لا يمتلك شيئاً؟ حينما امتلك العتاد والقوة كان من السباقين إلى الجهاد. كان الرجل حكيماً ذا بُعد نظر، والله حقق له ما تمنى. يروج الصهاينة لادعاء أنهم موَّلوا حركة حماس في بدايتها من أجل محاصرة منظمة التحرير وخنقها؛ فكيف ترد على هذه الفرية؟ - هذا هراء وكذب وافتراء، هذه فرية افتراها الشيوعيون في حينه، وكانوا يعادون الحركة الإسلامية، ويكرهون الإسلام والمسلمين؛ لأن حركتهم قامت على العداء للإسلام، وهم من روَّج لهذه الافتراءات. وبالمناسبة لم تكن هذه الافتراءات وحدها يستخدمونها ضد الحركة الإسلامية في ذلك الوقت؛ فعندما بدأ الشيخ في عمله وانطلق من المجتمع الإسلامي، ولم تكن حركة حماس قد تكونت، كانوا يكيلون شتى الاتهامات للمجمَّع ولشبابه ويسخرون منهم. فحينما كان أحد أفراد المجمَّع الإسلامي يطلق لحيته ينظرون إليه بمنظور أنه من (المجمَّع) ويتهمونه بشتى الاتهامات ويسألونه: كم تقبض على لحيتك؟ وكم تأخذ معاشاً شهرياً؟ ويسخرون منه، وكانت هذه دعايات مغرضة. والحمد لله هؤلاء الناس اندثروا اليوم وانتهوا؛ في حين تعاظمت قوة الحركة الإسلامية؛ وذلك لأنهم كانوا قائمين على حرب الله ورسوله. وهناك مزاعم كذلك أن إسرائيل منحت ترخيصاً للمجمَّع الإسلامي؟ - إسرائيل منحت الترخيص للمجمَّع كجمعية عثمانية خيرية، كما منحت ترخيصاً لجمعية الهلال الأحمر (الشيوعية) قبل المجمع بسنوات. لو كانت كل جمعية تمنح ترخيصاً هي مشبوهة لكان الأوْلى أن نقول إن المشبوهين هم من أخذوا ترخيصاً قبل المجمَّع بسنوات. ثم إن الشيخ ياسين اعتقل في البداية بتهمة إنشاء المجمَّع الإسلامي دون ترخيص، وأفرج عنه بعد تدخل (الحاج هاشم الخزندار) الذي كان من أكبر الشخصيات في القطاع وقتها قبل أن يُقتل على خلفية تأييده لاتفاقية كامب ديفيد. وقام هذا الرجل بالحصول على ترخيص للمجمع الإسلامي من السلطات الإسرائيلية التي جاملته؛ لأنه أيد اتفاقية كامب ديفيد بين إسرائيل ومصر والتقى السادات. والحق يقال إن هذا الرجل (الخزندار) لم يكن معادياً للإسلام والحركة الإسلامية وقد قتل على يد الشيوعيين لتأييده كامب ديفيد. وأذكر أن هذا الرجل الذي كان تاجراً كبيراً جداً يقوم وحده عام ١٩٦٧م بجمع جثث الشهداء الملقاة في الشوارع لدفنها، ونحن لا نغمط الناس حقهم. وُصِفَ الشيخ بأنه كان أشهر خطباء القطاع: كيف تصف طبيعة خطبه، والمواضيع التي كان يتحدث فيها؟ - كان الشيخ محبوباً في خطبه، كان لا يطُول الناس، ويتطرق إلى القضايا المجتمعية، كان لا يسب ولا يشتم ولا يتطاول ولا يجرح، ولذلك كان الناس ينتظرون خطب الشيخ من أجل الروحانيات التي كان يبثها فيهم. كان صوته في تلك الفترة أنقى من الفترة الأخيرة وأقوى، وكان صوته حنوناً رنانًا. كان يحث الناس على العمل للإسلام، ويركز أكثر من أي شيء آخر على قضية التربية والأخلاقيات، وعندما آتت جهوده ثمارها أصبح يحث على الجهاد والمقاومة. كيف كان قبل وفاته؟ - الشيخ معجزة: تراه مريضاً لا يستطيع الحراك؛ لذلك تقول إنه في الصباح سيموت. تأتي إليه في الصباح تراه جالساً ووجهه يشع نوراً، ومن فضل هذا الشيخ أنه كان يداعب الصغير والكبير، ولا يُغضب أحداً. دائماً متفائل، وعندما تذهب إليه وتكون مهموماً وتجلس بين يديه تجد جميع المشاكل قد انتهت. كيف كان تأثيره في الناس؟ - كان بعض الشباب في قضايا الإصلاح تجده شرساً، وكنا لا نقدر عليه؛ فنرسل به إلى الشيخ بطريقة ما. وسبحان الله فما أن يجلس مع الشيخ حتى ينقلب الشاب ويصبح كرديف وسند لنا في حل المشكلة. وحينما كان المحامي عبد المالك دهامشة يزوره في سجنه، ويأتي إلينا لنسأله عن حال الشيخ يقول لي: الشيخ (مكيِّف) نقول له: كيف؟ يقول: «السجناء أجدهم يضجرون ويتأففون، وحينما أزور الشيخ أجده يضحك ويداعبني» . ويقول للمحامي: «أنا بخير في روضة من رياض الله، ويقول له: كيف (ابن الداية) يقصدني أنا، ويقول له مداعباً: انظر إنهم (الصهاينة) يضعون عليّ الحراس، أنا أنام وهم يسهرون يحرسونني» . يقال إن الشيخ كان ذا ذاكرة قوية جداً، ما صحة هذه الأقوال؟ - كان ذكياً جداً، وكان الله تعالى يلهمه التقوى. صدقني كان يذكرني بأيام السجن، وعندما خرج كان يحدثنا بأحداث حصلت ونحن نسيناها. عندما كان يأتي يسلم عليه الشباب يسألونه: هل تذكرنا يا شيخ؟ فيقول: نعم! أنت فلان. يحدثنا عن أحداث حدثت قبل ١٥ عاماً يسردها كأنها حصلت قبل دقائق. هل تذكر يوم ذهبت للقائه بعد خروجه من السجن؟ - عندما فرَّج الله كربه جاء معه شاب من الضفة الغربية، وقال لي الشيخ: خذ هذا الشاب واصطحبه في بيتك، وأخذته وتعرفت عليه؛ وإذا بهذا الشاب كان يخدم الشيخ في سجنه، وهو من عائلة بلبول بالضفة الغربية. قلت له: حدثنا عن الشيخ! قال لي: أنا خرجت بكرامة الشيخ، قلت له: كيف؟ قال: عندما جاء الحراس ليأخذوا الشيخ ذهبت لأعد حلوى له، وعندما رجعت لم أجده، ثم عاد، وقلت له: أين أنت يا شيخ؟ قال لي: أعدَّ نفسك، واحزم أمتعتي وأمتعتك. قلت له: إلى أين يا شيخ؟ قال لي: إلى أمر يعلمه الله. وقال: بدأت أجمع كتب الشيخ وأمتعته، وبعد فترة جاء الحراس ليأخذوا الشيخ، فقال لهم: «هذا الشاب سيكون معي» . قالوا له: «لا، أنت وحدك» قال لهم: «إذاً أرجعوني إلى داخل السجن، والله لا أخرج إلا ومعي هذا الشاب» (انظر إلى الوفاء) فقال لي الشاب: «رفضوا بشدة، وقالوا له: هذا أمر خطير لا نقدر عليه» . قال لهم الشيخ: «أنا لا أفهم هذه الأمور؛ أنا لا أعرف إلا أنني سأخرج مع هذا الشاب» . فأرجعوا الشيخ، ومكث في السجن، وهم يفاوضون القيادة السياسية والعسكرية الصهيونية لمدة ساعتين إلى أن خرجت معه بفضل الله وكرمه. وذكر لي الشاب قصة أخرى حدثت له مع الشيخ قال: «في مرة جئت للشيخ وقلت له: يا شيخ! هل سمعت ماذا قالوا في التلفاز؟ يقولون إن أحد المسؤولين العرب سوف يخرجك من السجن (هذا الكلام قبل أن يخرج الشيخ من السجن بعامين أو أكثر) . ويضيف الشاب:» نظر إليَّ الشيخ بعينه نظرة، وقال: «اللهم يا رب العالمين! لا تجعل للظالمين عليَّ سبيلاً، ولا تجعل فرجي إلا بفضل منك ومنة منك وحدك» . فقلت له مازحاً: يا شيخ! إذا قدر الله لك الحرية فلا تنسني، خذني بجناحك. وبالفعل كان للشيخ ما تمنى، ولم ينسني، وخرجت معه. * إسماعيل هنية: تعلمت من رفقتي للشيخ في سنواته الأخيرة أكثر مما تعلمت في كل حياتي: تحدث الأستاذ إسماعيل هنية القيادي في حركة المقاومة الإسلامية حماس ومدير مكتب الشيخ أحمد ياسين عن أستاذه في سنواته الأخيرة التي رافقه فيها من خلال عمله كمدير لمكتبه. كيف كانت صفات الشيخ وأخلاقه؟ - لقد شرفني الله بأن ألازمه هذه الأعوام منذ أن خرج من السجن عام ١٩٩٧م، ووالله لقد تربيت في تلك السنوات وتعلمت أكثر مما تربيت وتعلمت طيلة حياتي؛ فقد كانت أعواماً مختلفة. لقد عشت مع الشيخ وأكرمني الله - وأنا من تلامذة تلامذة الشيخ - أن أكون إلى جنبه مصاحباً ملازماً له، لا أقول ذلك مبالغاً وتقديسا؛ فنحن لا نعبد الرجال، ولكننا ننزلهم منازلهم. كان الشيخ كالأب الحنون لعائلته الصغرى وعائلته الكبرى (حماس، والشعب الفلسطيني) ، وأذكر أنه حين يشتد عليه المرض نجده يقول: أريد أن ازور ابنتي الفلانية، فيذهب ويُدخل عليهم السرور وهو الرجل المعذور الذي يُزار ولا يزور. ولكنه ﵀ كان أباً حنوناً يأخذ زوجته رغم كل ظروفها، ويصطحب أولاده معه ويزور بناته ورحمه وأهله، ولا يتخلف عنهم في أمر من الأمور. ما أقام مناسبة في عمل إلا دعا أشقاءه الكبار ليستقبلوا معه المدعوين على طعام الغداء، وكم كان رحيماً رؤوفاً بزوجه (أم محمد) فما أن يأتي الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أو أبو خالد الزهار، حتى يدعوهما إلى قراءة تقاريرها الطبية؛ لأنها كانت مريضة؛ وذلك كي يسعدها ويدخل السرور إلى قلبها، ويشعرها باهتمام إخوانها بها. اذكر يوماً جاءه شاب مسرع وقال له إن سيارة دهست حفيده، فلم يهتز الشيخ ولم يسأل عن الذي دهسه، وإنما اطمأن على حفيده، ولم يسأل عن صاحب السيارة أبداً ولم يطلب ملاحقته. أما أبوته لعائلته الأوسع فحدث ولا حرج. حينما كان يأتي إخوانه من قادة حماس والإخوان يتحدث إليهم قائلاً: أستاذنا يا حبيبنا.. فقد كان ينزل الناس منازلهم. بيته كان مفتوحاً لا يغلق أمام أي أحد من إخوانه أو أمام قضية من القضايا. لم يعوّد أحد من مرافقيه أن يمنعوا أي أحد عنه حتى وهو نائم رغم أنه كان قليل النوم. فإذا أتاه أحد وهو نائم يقول: أجلسوني. فيتهيأ للقاء إخوانه، ولم يلق أحداً عاري الرأس؛ فقد كان يحترم إخوانه ويسمع إليهم، ويحل قضاياهم، ويخفف آلامهم. ما هي وصية الشيخ لحركة حماس؟ - كانت وصية الشيخ أحمد ياسين: «عجلوا بإنجاز ورقة الحوار والتفاهم مع الفصائل قبل أن تأخذكم التطورات» ، وقبل استشهاده بيوم وصلتنا منه رسالة تقول: «أنجزوا الأوراق، وواصلوا الحوار مع الناس جميعاً» . كيف كان الشيخ يعامل الناس والمواطنين العاديين؟ - كان ﵀ لا يغلق بابه أمام محتاج أبداً، ولا يمنع عن الناس شيئاً، وعندما كان يطلب بعض الإخوة منه التحقق من صدق هؤلاء الذين يأتون لطلب المساعدة من الشيخ، كان يقول: «لا تسألوا! والله لو أن عندي جبلاً من المال لما أبقيت منه شيئاً، والمال مال الله» . وإذا صادف أن طلب أحد الإخوة من الشيخ مالاً، ولم يكن عنده وقتئذ، ويخرج الطالب، حتى يأتي الشيخ المال، فيطلب من مرافقيه أن يبحثوا عن الطالب ليعطيه. كان شيخنا ﵀ رحمة واسعة أباً رحيماً رؤوفاً. كان يمثل عنواناً للمقاومين حتى تبقى المقاومة مشدودة إلى قضيتها. ماذا عن روحه المرحة، وحبه للدعابة؟ - كان الشيخ ﵀ مرحاً يحب أن يُدخل السرور على الناس، وأذكر أن أحد الشباب طلب الدخول على الشيخ وقال له: يا سيدي أريد الزواج. فقال له الشيخ: كم عمرك؟ قال له: ١٨ عاماً، فقال له مازحاً: «اسكت! نحن عندنا قائمة طويلة وكلهم فوق الثلاثين روح، روح، ولكنه أعطاه» . كيف تصف لنا جهوده نحو الوحدة الوطنية؟ - عند خروج الشيخ من السجن رفع شعار: [لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ] (المائدة: ٢٨) . هذا الشعار رفعه الشيخ، وصار عُرفاً لكل أبناء الشعب الفلسطيني. وأذكر أن أمين سر حركة فتح في قطاع غزة أحمد حلِّس، كان في زيارة للشيخ وحدثهم الشيخ يومها عن الشعب والقضية. وبعد أن خرج يومها فإذا بحلِّس يقول لي: الشيخ أحمد ياسين ليس لكم وحدكم؛ الشيخ أحمد ياسين للشعب كله.

стр. 4902

وقفات لا ينال عهدي الظالمين ..! أحمد بن عبد الرحمن الصويان إنجازات الانتفاضة الفلسطينية إنجازات عظيمة ليس هذا مجال استعراضها؛ فقد تحدث عنها الكثيرون من زوايا مختلفة، لكن أحسب أنَّ أعظم إنجاز وأبلغه أنَّ الانتفاضة نقلت المعركة مع اليهود من أوحال الشعارات القومية والوطنية، ومتاهات المزايدات السياسية، إلى رياض الكتاب والسنة. فانتقل الناس من مصطلحات الثورة والنضال إلى مصطلحات (الجهاد في سبيل الله) ، فأصبح الشباب يهتف بالتكبير، ويتربى على الصلاة والإقبال على الطاعة، ويردد آيات (آل عمران والأنفال) ، ويتعلق فؤاده بالبذل والتضحية لدين الله، ويتشوق إلى الشهادة في سبيله. نقلة كبيرة في العقيدة القتالية، انعكست بجلاء على طبيعة المعركة وموازينها؛ فمن عمر قلبه بالإيمان والتوكل على الله وحده: وجد قوة وثباتاً وإقبالاً على الموت لا تصنعه الشعارات الثورية، ولا تبنيه التربية الحزبية المادية. شخصية الشيخ أحمد ياسين ﵀ كان لها أثر كبير في هذه النقلة النوعية، وحسبي أن أقف على ثلاث صفات في شخصيته الفذة: الصفة الأولى: كان الشيخ عابداً، صوَّاماً، قوّاماً، تالياً للقرآن، يلهج لسانه بالذكر والتسبيح؛ وفي يوم استشهاده يصر على البكور إلى صلاة الفجر رغم مرضه الشديد، وكانت حقنة الجلوكوز في يده! وبالعزائم والقلوب المخبتة تقاد الشعوب. قال الله تعالى: [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ] (السجدة: ٢٤) . وما أحوج العمل الإسلامي للقادة الربانيين، عبَّاد الليل، الذين يعرفون برقَّة القلب، وطهارة النفس..! الصفة الثانية: أنه لم يكن رأساً لحزب أو قائداً لجماعة، فانتماؤه للإخوان المسلمين، وقيادته لحركة حماس، لم تجعله رجلاً حزبياً مغلقاً ينطلق لنصرة جماعته، بل أحسبه والله حسيبه رجل أمة صادق اللهجة، اتسع أفقه لتربية الناس جميعاً على الولاء لدين الله، والتناصر لخدمة قضيتهم الكبرى.. وهذه التي لا يقوى عليها إلا الخُلَّص من أولياء الله. وما عرفت أن الإسلاميين بمختلف توجهاتهم أجمعوا في العقود الأخيرة على أحد كما أجمعوا على الشيخ ابن باز والشيخ أحمد ياسين - رحمهما الله -. الصفة الثالثة: كان الشيخ ﵀ رجل عامة عاش مع الناس بهمومهم وآلامهم، وكان يشاطرهم أحزانهم وفقرهم، لم يتميز عنهم بمال أو جاه.. رجل معطاء سخي النفس يتفقد الناس بالصلة، فتح للناس صدره وداره، وكان له أثر كبير في علاج مشكلاتهم وخلافاتهم؛ فأحبوه، والتفوا حوله. إنَّ الإمامة في الدين ليست منصباً أو منحة أو جاهاً يتزين به الإنسان، بل هي منزلة ربانية جليلة لا تؤخذ إلا بحقها. قال الله تعالى: [قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ] (البقرة: ١٢٤) .

стр. 4903

نص شعري إلى جنة الخلد يا شيخ ياسين د. أحمد بن عبد الله السالم [*] قد أصاب القلوب منه انفطارُ ... وأصاب النفوس منهُ انكسارُ وغدا الدمعُ في العيونِ شحيحاً ... لا كفاها ولا الدموع تُعارُ قد أُصِبْنَا بفقدِ شيخٍ جليلٍ ... فالأعادي عليه صبحاً أغاروا لم يصونوا من القذائف وجهاً ... قد كساهُ المشيبُ وهو وقارُ فوق كرسيِّه يروح ويغدو ... مُقْعَداً، لا يديره بل يُدَارُ فانقضتْ صُحْبَةٌ فلا الشيخ شيخٌ ... ذو قرارٍ ولا الإطارُ إطارُ ضَرْبُ أمثالِهِ إذا كان ذنباً ... ليس يُمحى فالقتلُ جُرْمٌ وعارُ هو جُرمٌ في الملَّتينِ كبيرٌ ... وهو في سيرةِ الطريق انحسارُ هو نارٌ والمسلمون هشيمٌ ... للظاها في كلِّ قلبٍ أوارُ لم يقصرْ في الذود عنه ذووهُ ... أو يقصرْ في حفظ ياسينَ جارُ أيُّ حولٍ لهم على حفظِ شيخٍ؟ ... قد أتاه من السماء عِيَارُ يا شباب الشآم كونوا شهاباً ... واحرقوهم فالزاد زيتٌ ونارُ ربَّما يُهْزَمُ القويُّ فيفنى ... ومع الضعف قد يكون انتصارُ أنتمو إرثُ طارقٍ والمثنَّى ... لهما الصبرُ والكفاحُ شعارُ وإذا لم نجدْ سجايا نزارٍ ... في رجال الشآم، أين نزارُ؟ قد أصاب السُّعَارُ شارونَ هذا ... وبأشلائكمْ يداوى السُّعارُ ليس يثني إقْدَامَكم هدمُ بيتٍ ... واعتقالٌ ولا يَرُدُّ جدارُ لابن صهيونَ في فلسطين شرٌّ ... مستطيرٌ، والغرب لا يستجارُ ذاك غربٌ شارونُ يحكم فيهِ ... وبأقلامِهِ يصاغ القرارُ خبِّروه بأنَّ في القوم صنفاً ... ما له من مُنَاهُ إلا الثارُ قد تضيع الدماءُ هدراً ولكنْ ... دَمُ ياسينَ ليس منه فرارُ دَمُهُ في المزادِ شيءٌ عظيمٌ ... لا يُبَارى إن قيست الأسعارُ فاحسبوا كم إزاءه من دماءٍ ... وارصدوها فلن يطول انتظارُ وارقبوا ساحة القداسات يوماً ... ودم المجرمين فيها بحارُ نهج شارون قتلُ كلِّ بريءٍ ... شرعُهُ لا تصانُ فيه الصغارُ أيها المسلمون إنَّ الأماني ... سوف تبقى تحفُّها الأخطارُ ليس إلا بالعلم تبقى حظوظٌ ... في حياةٍ كريمةٍ لا تضارُ فإذا اثَّاقلت إليه خطانا ... فعلى مثلنا يفوت القطارُ فافعلوا من أسبابِهِ ما تَأَتَّى ... فيدانا من دون علمٍ قِصَارُ نحن ندري أَنَّ القضية أَضْحَتْ ... صفقاتٍ يديرها تُجَّارُ نحن ندري أَنَّ السلام سرابٌ ... عهْدنا بالسراب لا يستجارُ ويقيني أن الحبال خيوطٌ ... عنكبوتيةٌ فبئس الإصار ويقيني أن الطريق طويلٌ ... وجبالٌ وظلمةٌ وقِفَارُ تتمادى كواشرُ الوحشِ فيه ... ويغنِّي في وحلِهِ الصرصَارُ عامرٌ بالأسرار يا ليت شعري: ... أيُّ وقتٍ يزاحُ عنها الستارُ لستُ ممن تشاءموا حين قالوا: ... ما عساه أنْ يُصْلِحَ العطَّارُ

стр. 4904

ملفات فلسطين.. نزف مستمر وعطاء دائم! وترجل الفارس ... د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين [لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً] (النساء: ٩٥) . [إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاًّ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ] (التوبة: ١١١) . [مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً] (الأحزاب: ٢٣) . [وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] (آل عمران: ١٦٩-١٧٠) . قال رسول الله ﷺ : «إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطَّلع عليهم ربك اطَّلاعة، فقال: ما تبغون؟ فقالوا: يا ربنا! وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ ثم عاد عليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يُتركون من أن يُسألوا قالوا: نريد أن تردَّنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نُقتل فيك مرة أخرى لِمَا يرون من ثواب الشهادة فيقول الرب ﷻ : إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون» [١] . «السر يكمن في الإرادة، وإيمان الإنسان بالمبدأ الذي يسير عليه، فالدنيوي يقول: لو أن الدنيا ذهبت فقد خسرت كل شيء، لكن الإنسان المؤمن الذي يؤمن أنه ذاهب إلى جنة عرضها السموات والأرض يريد أن ينتقل من دنيا فانية إلى الراحة والطمأنينة والاستقرار عند رب العالمين، فهو ينتظر هذا اليوم، ويستبسل ويقاتل من أجل الفوز في هذا اليوم، ويثبت في الميدان حتى آخر رمق في حياته» الشيخ أحمد ياسين. فالمؤمن يقف أمام هذه الحقيقة الهائلة.. حقيقة حياة الشهداء في سبيل الله ... فالله ربهم الذي قتلوا في سبيله، يظل يتعهدهم بالهداية بعد الاستشهاد ويتعهدهم بإصلاح البال، وتصفية الروح من بقية أوشاب الأرض، أو يزيدها صفاء لتتناسق مع صفاء الملأ الأعلى الذي صعدت إليه، وإشراقه وسناه. فهي حياة مستمرة في طريقها لم تنقطع إلا فيما يرى أهل الأرض المحجوبون. وهي حياة يتعهدها الله ربها في الملأ الأعلى، ويزيدها هدى، ويزيدها صفاء، ويزيدها إشراقاً، وهي حياة نامية في ظلال الله. إنه لا جهاد، ولا شهادة، ولا جنة، إلا حين يكون الجهاد في سبيل الله وحده، والموت في سبيله وحده، والنصرة له وحده، في ذات النفس وفي منهج الحياة. لا جهاد ولا شهادة ولا جنة إلا حين يكون الهدف هو أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن تهيمن شريعته ومنهاجه في ضمائر الناس وأخلاقهم وسلوكهم، وفي أوضاعهم وتشريعهم ونظامهم على السواء. وليس هنالك من راية أخرى، أو هدف آخر، يجاهد في سبيله من يجاهد، ويستشهد دونه من يستشهد، فيحق له وعد الله بالجنة.. إلا تلك الراية وإلا هذا الهدف، لا ما يروج في الأجيال المنحرفة التصور من رايات وأسماء وغايات. فهؤلاء ناس منا، يقتلون وتفارقهم الحياة التي نعرف ظواهرها، ويفارقون الحياة كما تبدو لنا من ظاهرها، ولكن لأنهم: «قتلوا في سبيل الله» وتجردوا له من كل الأعراض، والأغراض الجزئية الصغيرة، واتصلت أرواحهم بالله فجادوا بها في سبيله؛ فهم ليسوا أمواتاً، وينهانا أن نحسبهم كذلك، ويؤكد لنا أنهم أحياء عنده، وأنهم يرزقون فيتلقون رزقه لهم استقبال الأحياء. إنها تعديل كامل لمفهوم الموت متى كان في سبيل الله وللمشاعر المصاحبة له في نفوس المجاهدين أنفسهم، وفي النفوس التي يخلفونها من ورائهم، وإفساح لمجال الحياة ومشاعرها وصورها؛ بحيث تتجاوز نطاق هذه العاجلة، كما تتجاوز مظاهر الحياة الزائلة، وحيث تستقر في مجال فسيح عريض، لا تعترضه الحواجز التي تقوم في أذهاننا وتصوارتنا عن هذه النقلة من صورة إلى صورة، ومن حياة إلى حياة. * سبحان الله! قبل أن يجف مداد القلم وأنا أكتب الجزء الثاني من مقال «كامب ديفيد.. ربع قرن بلا سلام» محاولاً التدليل على مراوغة الصهاينة وعدم جديتهم في السلام؛ لأنهم أعداءه؛ وإذا برسائل الهاتف الجوال تتوالى عليَّ لتبلغني بخبر استشهاد الشيخ أحمد ياسين نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً بقصف صاروخي، فقلت: يا سبحان الله! اليهود هم اليهود، فرفعت يدي داعياً: اللهم ازرقني ما رزقت به الشيخ أحمد ياسين من الشهادة والظفر والفوز. ولقد تأملت تفاصيل الحدث فوجدت الشهادة جاءت للشيخ لتتوج هذا الكفاح المرير الدامي في سبيل مقدسات المسلمين؛ فقد كنا للتو قد انتهينا من شهر الله المحرم وهذه مفارقة، وكان الشيخ خارجاً بعد أن أدى صلاة الفجر، ومن صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، وبعد أن أكمل الشيخ ورده الصباحي، ولعله كان صائماً حيث كان اليوم هو الإثنين، جاءته الشهادة سريعة مشتاقة على ثلاثة صواريخ وجهتها مروحيات عسكرية إلى الشيخ المشلول كهدف سهل لا يحتاج إلى عناء. وما كان من طبيعة الشيخ الهروب والاختفاء، وكأن الصاروخ قد قصد تقطيع الشيخ إلى ثمانية أشلاء ليدخل كل جزء من جسده إلى الجنة من أحد أبوابها الثمانية، ولا أريد التألُّه على الله في ذلك، ولكن النبي ﷺ أخبر: «أنتم شهداء الله في أرضه» [٢] ، وما شهدنا إلا بما علمنا من جهاد الشيخ وصبره وتضحياته، فكان جزاؤه شهادة مستحقة يغبطه عليها العاملون المخلصون، ويتجنبها الجبناء المتخاذلون، فلا نامت أعين الجبناء!! إن من يطلب الشهادة بصدق يبلِّغه الله إياها ولو مات على فراشه، وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ في أيام خلافته يطلب الموت شهيداً وهو في عاصمة الإسلام الأولى المدينة المنورة، فكانت ابنته حفصة ﵂ تقول له: يا أبتِ! من طلب الشهادة سعى لها في الثغور وأنت هنا في المدينة من أين تأتيك؟ فكان يقول: يا ابنتي! إن كتبها الله لي فستأتيني في مدينة رسول الله ﷺ ، وقد كان؛ فمن يصدق اللهَ يصدقه اللهُ. وقد كان تاريخ الشيخ أحمد ياسين كله دلائل صدق على طلب الرجل للشهادة، وقد عانى من الاحتلال حتى نال الشهادة أخيراً، وكأن كل معاناته السابقة كانت تخليصاً وتطهيراً للشيخ من أدران الدنيا حتى يلقى ربه طاهراً مطهراً. لقد عانى الشيخ من شظف الحياة والاحتلال منذ ولادته وحتى لقي ربه؛ فقد مات والده وهو في الخامسة من عمره، واضطر إلى اللجوء إلى قطاع غزة عقب هزيمة عام ١٩٤٨م، واقتات هو وأهله على ما كان يتبقى من معسكرات الجيش المصري هناك، ثم اضطر الشيخ ياسين لترك الدراسة لمدة سنة في عام ١٩٤٩م ليعين أسرته، ثم تحول خطيباً مفوهاً في الخطابة، وكان كالشهيد المجاهد عز الدين القسام الذي استخدم منبر الخطابة للدعوة إلى الجهاد والصمود. وقد اعتقلته السلطات الإسرائيلية عام ١٩٨٢م، ووجهت إليه تهمة تشكيل تنظيم عسكري وحيازة أسلحة، وحكمت عليه بالسجن ١٣ عاماً، لكنها اضطرت إلى إطلاق سراحه في عملية لتبادل الأسرى مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ثم عاد الشيخ أكثر قوة ونضجاً وخبرة عام ١٩٨٧م في الانتفاضة التي رسخت اسم حماس في أذهان الجماهير العربية والإسلامية، وهي الانتفاضة التي اشتهرت بانتفاضة المساجد. وفي أغسطس ١٩٨٨م داهمت السلطات الإسرائيلية منزله وهددته بالنفي إلى لبنان، وفي عام ١٩٨٩م، اعتقلته السلطات الإسرائيلية حيث حكمت عليه عام ١٩٩١م بالسجن مدى الحياة، لكنه خرج بعد محاولة الاغتيال المحبَطة التي قامت بها إسرائيل ضد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس في العاصمة الأردنية، مما وضع (إسرائيل) في حرج وخاصة أنها كانت قد وقَّعت معاهدة سلام مع الأردن مما اضطرها للإفراج عن الشيخ المجاهد. وفي عام ١٩٩٨م وفي أعقاب عملية استشهادية جريئة قامت بها حماس قامت السلطة على الرغم من اعتراض الكثير من أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني، على فرض الإقامة الجبرية على الشيخ، وقد قام الشيخ أيضاً في تلك الفترة بحملة علاقات عامة واسعة لحماس في جولة شملت العديد من الدول العربية والإسلامية. وقد بقي الشيخ شوكة في خاصرة الكيان اليهودي، وخصوصاً وهو يعلن الثوابت التي لا تنازل عنها في سبيل زوال كل الاحتلال عن فلسطين، فحاولت اغتياله في سبتمبر ٢٠٠٣م، لكن المحاولة أخفقت، وأخيراً نجحت إسرائيل في مسعاها يوم الإثنين ٢٢/٣/٢٠٠٤م، ومن المضحك المبكي أن هذا التاريخ يشهد ذكرى إنشاء جامعة الدول العربية، وعلى بضعة أيام من ذكرى اتفاقية كامب ديفيد. كان الشيخ يعاني من أمراض عديدة؛ فبالإضافة إلى شلله التام الذي ألزمه الكرسي لفترة تجاوزت نصف قرن، فهو يعاني من فقدان البصر في العين اليمنى بعدما أصيبت بضربة خلال التحقيق معه على يد المخابرات الإسرائيلية المجرمة أثناء فترة سجنه، إضافة إلى ضعف شديد في قدرة إبصار العين اليسرى، والتهاب مزمن بالأذن، وحساسية في الرئتين، وبعض الأمراض والالتهابات المعوية الأخرى. وكان الرجل قد بلغ السادسة والستين من العمر، ولو تركته إسرائيل مع هذه الأمراض لمات في أجله المحتوم، ولكنها الشهادة التي صدق الله في طلبها فلم يحرمه منها. قال تعالى: [وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ] (آل عمران: ١٤٠) . لقد عاش الشيخ بين اليتم والشلل، وعندما أعطى حياته لأمته عاش بين الاعتقال والاغتيال، وكان دائماً يقول: «إن من مظاهر وعلامات السلامة أن تشعر الأمة بقلق إزاء قضية فلسطين، قضية الأمة، ولكن المقاومة مستمرة، وفي كل يوم هناك عمليات وشهداء وتضحيات» . نقولها بكل ثقة: إن شهادة الشيخ أحمد ياسين ستجعل من كل حماس أحمد ياسين، بل من من كل مسلم صادق وغيور أحمد ياسين وكل شباب الحركة الإسلامية في النهج والصدق والثقة بالله ونصره أحمد ياسين، وبالثبات والصمود حتى يصدق الوعد ويحق الوعيد على بني صهيون؛ فالاستشهاد بداية الحياة وليس نهايتها. قال تعالى: [وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ] (العنكبوت: ٦٤) ، لكن مشكلتنا في الذين لا يعلمون إلا [ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ] (الروم: ٧) . إن الشهادة بداية العطاء وليست نهايته؛ فكلامنا كالدمى تدب فيها الحياة إذا سقيناها بدمائنا، وكل كلمة خرجت من هذا الرجل ستكون منهجاً لأبناء الدعوة والصحوة في العالم كله، وقد قال الشيخ ياسين ذات مرة: «أؤكد لكم أن الله غالب على أمره، وأن ثقتنا في الله أولاً، ثم في شعوب أمتنا الإسلامية، الشعوب المؤمنة كبيرة وعالية، وإننا بفضل الله ثم بدعائكم ودعمكم سننتصر، وسيجعل الله لنا ولكم بعد عسر يسراً» . * مسيرة الدماء والتضحيات: لقد كان دائماً المخذولون والمتواطئون يحاولون أن يغطوا سوءاتهم وتخاذلهم عن نصرة الأقصى بالهجوم على الحركة الإسلامية واتهامها باستغلال الدين لتحقيق مصالحها الدنيوية؛ فأين هي المصالح الدنيوية التي تحققت للحركة الإسلامية وهي تدفع شلالات الدماء من أرواح أبنائها وشبابها، سواء في ساحات الوغى في فلسطين أو خارجها على أعواد المشانق؛ حيث وجد اليهود فيهم خطراً على بقائهم في الأرض المقدسة. فمنذ قيام ما يسمى بدولة إسرائيل والحركة الإسلامية تحولت إلى قافلة شهداء لا تتوقف، بل من قبل ذلك، ولقد ذكَّرنا استشهاد الشيخ أحمد ياسين باستشهاد الشيخ فرحان السعدي خليفة عز الدين القسام في قيادة التنظيم القسامي. إذ إنه بعد أن فجَّر القساميون المرحلة الثانية من الثورة (سبتمبر ١٩٣٧م) وأخذت العمليات الجهادية تتسع وتزداد، سعت القوات البريطانية إلى القبض على الشيخ فرحان، واستطاعت بالفعل القبض عليه في ٢٢/١١/١٩٣٧م ولم تجد دليل إدانة (قانونياً) ضده سوى بندقية قديمة في بيته، لكنها ساقته إلى محاكمة عسكرية في ٢٤ نوفمبر وحاكمته محاكمة صورية استمرت ثلاث ساعات، وأصدرت حكمها بإعدامه، ولم تأخذ المحكمة بدفاع المحامين من أنه لم يُقبض عليه وهو يحمل السلاح، ولا بكبر سنه الذي قارب الثمانين، كما أنها سارعت بتنفيذ الإعدام في ٢٧/١١/١٩٣٧م (١٤ رمضان ١٣٥٦هـ) ولقد لقي الشيخ المجاهد فرحان السعدي ربه وهو صائم، ورفض المندوب السامي تأجيل الحكم إلى ما بعد رمضان على رغم أنه لم يحدث في تاريخ البلاد أن أعدم شيخ في مثل عمره وهو صائم. * ما الفرق بن الجلاد وسوطه؟ نحن نعتبر أمريكا وإسرائيل في الجريمة سواء؛ فأمريكا لم تدعُ إسرائيل إلى ضبط النفس وهي تجتاح المدن الفلسطينية وتقتل المدنيين وتبيد الأطفال والنساء، وتهدم المنازل على رأس ساكنيها، ولم تدن كل العمليات الوحشية التي قامت بها إسرائيل وتقوم بها؛ فليس من حق أمريكا أن تخرج بأسلحتها وجيشها المدجج بالسلاح المتطور لتجتاح الدول الأخرى وتسقط أنظمتها وتتحكم بمصائر شعوبها وثرواتهم، لكنها لا تعطي نفس هذا الحق لمن يريد أن يدافع عن عرضه وأرضه، ويحرر أرضه المحتلة. فما الفرق بين الجلاد وسوطه؟ فالجلاد هو راعي البقر، والسوط هو إسرائيل؛ فلماذا تنهال الشتائم والتهم والإدانات والاستنكارات على السوط الذي هو بلا إحساس وحراك، ويُترك الجلاد بلا أدنى عقاب، إلا إذا كان هذا الجلاد هو الشرطي الذي يخيف المنطقة ولا يملك أحد أن يقول للظالم: يا ظالم! أنت ظالم؟ حتى تبرأ الذمة بين يدي الله ينبغي أن نقول للحكام والرؤساء والعلماء الشعبيين والنظاميين إن من لم يتبرأ من اليهود وأمريكا فقد تبرأ الله منه، وهذا ليس افتراءً عليهم، بل مصداقاً لقوله تعالى: [لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ] (المجادلة: ٢٢) ، وهؤلاء لم يحادوا الله ورسوله فقط، بل أعلنوها حرباً صريحة مباشرة على الأمة الإسلامية ودينها وهويتها، وآن للغافل والمخدوع أن ينتبه إلى عسل الشعارات البراقة الخداعة المغشوشة بدماء شعوب المنطقة. لقد تدخلت أمريكا وللأسف الشديد حتى في أرقام ومقاسات ملابسنا الداخلية، وما يجوز وما لا يجوز منها، وكلما فصّلوا ثوباً، وكلما خاطوا سروالاً لبسناه رغبة أو رهبة مهما كان شكلنا شاذاً أو مضحكاً في لبسه، بل أصبح ساسة أمريكا (ملالي) يفتون في: «الدين الإسلامي، ويصنفون المسلمين كما يشتهون: فهذا معتدل، وهذا متطرف، وهذا منفتح، وهذا منغلق» . لقد وصف الشيخ الشهيد أحمد ياسين المهرولين بقوله: «هؤلاء المهرولون الذين انتصروا لمعصية الله» وأكد أنهم «لا يصلحون أن يدافعوا عن قضايا الأمة، وأن يقفوا في وجه الأعداء، وسيلفظهم التاريخ كما لفظ مَنْ قبلَهم، والأيام دول، وصدق الله العظيم القائل: [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] (آل عمران: ١٤٠) ، وصدق الله العظيم القائل: [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ] (الأنبياء: ١٠٥) ؛ فهؤلاء مفسدون لا بقاء لهم في سجل الخالدين لا أحياء ولا أموات» . * حياة العز: لقد آن للمسلمين أن يحددوا ما يريدون منهجاً للحياة: هل يريدون إسلاماً قاديانياً صنع في مصانع الغرب، أم إسلاماً جهادياً صنع على هدى من منهج الرحمن؟ والحركة الإسلامية كذلك بالخيار: هل تريد أن يكون الجهاد الصحيح في مكانه وزمانه أصلاً في منهجها وتربية أبنائها، أو أن يكون الذل والجور والضعف والانبطاح للسلاطين والحكام هو الأصل المسيطر؟ فهم بالخيار: أن يكونوا عبيداً لمنهج الله الشامل الكامل، أو عبيداً لمصالحهم وأهوائهم وضعفهم ونزغهم، وهم إما أن يأخذوا بالدين الذي نزل على محمد ﷺ وترك أمته عليه كالمحجة البيضاء بكل تشريعاته وفرائضه وتكاليفه، أو يأخذوا بدين صنعته إياد متخاذلة، وصاغته أجهزة الاستخبارات ليخرج جنيناً مشوهاً على يد علماء السوء الذين يغدق عليهم أهل الباطل ليزينوا للناس القعود، ويثبطوهم عن تكاليف الدين الصحيح؟ لا بد أن نربي الأمة على أن الحياة الحقيقية هي الحياة الآخرة، وأن الدنيا عرض زائل، نسأل الله السلامة من الفتن فيها، لكننا لا نتهرب من مسؤولياتنا وتكاليف هذا الدين العظيم الذي جاء ليضمن العزة لأمة الإسلام، ويسود الدنيا. لا بد أن نربي الأمة على معاني العزة والإباء والخوف من الله وحده؛ فهو الرزاق وهو المعطي وهو المانع، ولا نخاف من غيره أبداً، ولتستقر هذه الحقيقة في القلوب والوجدان. ويجب أن نربي أبناءنا على أن نعيم الدنيا وشرابها وطعامها أمر عارض مؤقت، وأن الآخرة هو الحيوان، وليكن لهم في الصحابة - رضوان الله عليهم - خير قدوة؛ فعندما يرمي أحدهم بسهم يقول ﵁ وهو يرى حنوطه الحور العين له: فزت وربِّ الكعبة! وليتعلموا أن المجاهد الكبير شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يكل أمره إلى الله بكل شؤونه، ويعلنها لا مواربة: «ماذا يصنع أعدائي بي، إن جنتي في قلبي؛ فقتلي شهادة، ونفيي سياحة، وسجني خلوة» فإذا لم تكن القلوب هي القلوب، والعقول هي العقول، والأرواح هي الأرواح، فلا خير فينا إذا لم تتمكن هذه القيم العزيزة من نفوسنا، حتى لا تتحول إلى سبة وعار على الإسلام والمسلمين؛ فكيف نربي أبناءنا على فروض الولاء والبراء لله، ونحن نطعمهم ليل نهار من وجبات اللحوم التي تربى في إسرائيل، وتعجن من راعي البقر عليه من الله ما يستحق. إن تربية الأبناء على الانتماء لهذه الأمة تربية شعورية في الضمير أمر لا يحتمل التردد وأنصاف الحلول، فيجب أن يشعر أبناؤنا بما تعيشه الأمة من محن وفتن، وأن يعرفوا أعداءها وكيف يكيدون لها، ونعرفهم أن طريق العزة لا يمر باسترضاء راعي البقر ولا سوطه المسلط على رقابنا، ولنتذكر كيف كانت الدنيا هينة لا تساوي عند صحابة رسول الله ﷺ شيئاً، وهي أساساً لا تعدل عند الله جناح بعوضة. لنعلمهم كيف ترك صهيب الرومي أمواله وتجارته في مكة وهاجر إلى مدينة رسول الله ﷺ ، فاستقبله رسول الله ﷺ قائلاً: «ربح البيع أبا يحيى!» ولنقص عليهم قصة مصعب بن عمير وكيف تنقل من الترف إلى خشونة العيش طاعة لربه ومرضاة لدينه، ولنقص عليهم شجاعة أنس بن النضر وإقدامه على الجنة في غزوة أحد. إن على الحكام إن أرادوا استقراراً حقيقياً لأممهم وشعوبهم أن يخلعوا ثوب أمريكا ثوب الذل والهوان، وليلبسوا ثوب التلاحم مع دين الله وشرعه، والتلاحم مع شعوبهم وأمتهم، وأن تعلن الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي نقضهم لكل مواثيق الذل والاستسلام والعودة إلى أمتهم، وليتها تكون صحوة ... ولو متأخرة!! * ياسين إلى خلود وإسرائيل إلى زوال: إن كانت غارة فجر عام ١٩٦٧م قد حطمت طائرات الناصرية والقومية وأحيت المارد الإسلامي، فإن استشهاد أحمد ياسين في فجر عام ٢٠٠٤م ستؤكد الخيار الإسلامي لدى شعوب المنطقة، وستحرق كل معاقل اليهود ومراكز قواهم ومن ولاَّهم ولو بعد حين. نعم! إن اغتيال أحمد ياسين عمل إجرامي من الدرجة الأولى، وما كانت إسرائيل لتقدم على هذا العمل الوحشي الشنيع لولا أن لها قدوة في الدول العربية التي تعتقل وتعذب وتسجن وتغتال الآلاف من أمثال الشيخ أحمد ياسين في سجونها ومعتقلاتها وعلى أعواد المشانق. لقد حرك الشيخ ياسين النفوس الآن وهو ميت مثلما حركها وهو حي، وربما سيقتل من اليهود بموته أكثر مما لقوا حتفهم أثناء حياته، فسيبكي اليهود طويلاً مقتله، وإن كان قد ذهب الشيخ إلى الحياة والرضوان؛ فإن اليهود لن يذوقوا طعم الراحة بعد الآن إلا مع زوال دولتهم ونزوحهم عن فلسطين المباركة المقدسة. لقد تابعتُ شبكة الإنترنت بعد مضي ١٢ ساعة على اغتيال الشيخ فوجدتها مشحونة بآلاف التعليقات والرسائل؛ فمنهم القائل: «اللهم أمتني شهيداً» ومنهم القائل: «موتوا على ما مات عليه» ومنهم من كتب: «نقبل التهاني لا التعازي في الشهيد ياسين» . لقد باتت إسرائيل الآن في خوف وهلع لا من إدانات أصحاب الياقات البيضاء وطاولات المفاوضات والاستنكارات والإدانات، بل من رد المقاومة العنيف والمزلزل الذي ينتظرها، فباتت شوارعها خالية، والقلوب هلعة، والنفوس ضيقة؛ وسيطرت حالة من الرعب الشديد لدى الإسرائيلي الغاصب المحتل. لقد حاولت إسرائيل أن تخلخل بنية حركة حماس قبل انسحابها من غزة من خلال اغتيال الشهيد أحمد ياسين، وربط هذه العملية القذرة بموجة محاربة الإرهاب وأنى لهم ذلك! فسيرتد كيدهم إلى نحرهم. وإن كان الشيخ أحمد ياسين يرقد في سلام فهم لن ينعموا بالراحة أبداً، ولعل استشهاد الشيخ جاء استجابة لدعائه في وقت السحر، توجه به بقلبه لربه، فلم يحرمه الله الشهادة.

стр. 4905

ملفات فلسطين.. نزف مستمر وعطاء دائم! الشيخ الأمة أحمد بن صالح السديس Asasat٢٠٠١@yahoo.com روي أنّ عمر بن الخطاب لما استبطأ فتح مصر بعث إلى عمرو بن العاص أربعة رجال ﵃ أجمعين وأعلمه أنّ الرجل منهم مقام الألف. وهكذا هم الرجال الذين يُستشعر فضلُهم وقدرُهم وفقدُهم، قد ترى أحدهم في هيئة متواضعة، وجسد ضعيف متهالك، لكنه يكشف لك عند الشدائد عن قلب أسد، وفعل بطل!! ترى الرجل النحيل فتزدريه ... وفي أثوابه أسدٌ هصورُ وإننا نحسب أنّ الشيخ أحمد ياسين ﵀ واحد من هؤلاء ببذله وجهاده وعطائه، الذي لم يتوقف على الرغم من تتابع المحن والمصائب، وتراكم الأمراض والنوائب. فلم يكن الشيخ يومًا مبعثًا للعطف أو الرحمة؛ إذْ كان مُقْعدًا حرَّكتْ همَّتُه أمَّتَه، وكم فينا من قويٍّ صحيح قعدتْ به همّتُه، ورضيت بالدون نفسُه!! لقد كان رمزًا لهذه الأمة، أو مثالاً حيًّا يجسِّد حالها. فهو وإنْ كان كبير السن، إلا أنه ظلّ كبيرًا في عقله وقوله وفعله، ثابتًا على مبادئه وعقيدته، وصنع ما لم يصنعه الشباب الأشدّاء، فظلّ متجدِّد الحيوية والنشاط. والأمّة وإنْ كانت كبيرة في عمرها إلا أنّها لا زالت كبيرة في قدرها ومقامها، ولا تزال مبادئها وقيمها ماثلة حاضرة؛ لم تشِخْ أو تهرَم، وصنعت في النفوس ما لم تفعله مئات المذاهب والأفكار الشابّة، فظلّت الأمة وستظلّ بإذن الله متجدِّدة النشاط والحيوية، ولا تزال طائفة منها يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة [١] . والشيخ وإنْ كان مريض البدن ضعيف الإمكانات إلا أنه لم يعجز عن بعث روح العزّة والكرامة في نفوس قومه وأمّته. ومثله الأمّة التي وإنْ كانت مريضة ضعيفة إلا أنها لا تزال تنجب الأبطال البررة، وتبعث في نفوس أبنائها القوة والرفعة. والشيخ وإنْ كان محاصرًا في بلده المحتلّ، ومُقعدًا لا يقوى على الحراك، إلا أنه مات وهو يمثِّل هاجسًا مقلقًا، ورعبًا لأعدائه مُفزعًا، ولم يَحُلْ دون خوفهم وقلقهم جيوش وعتاد وأسلحة دمار. وفي المقابل فإنّ الأمة وإنْ كانت محاصرةً في كثير من بقاعها، مقعدةً عن جُلّ وأجلّ أعمالها، إلا أنها لا تزال تمثِّل لأعدائها عدوًّا قويًّا مرعبًا، توجَّه من أجله الحشود، وتبذل من أجله الجهود. لقد علَّمنا الشيخ ألا نحقر أنفسنا، وأنّ بيد كل منا سلاحاً يملكه، قد يكون مختلفاً عن كل سلاح آخر، وأنّ لكل منا دوراً يحسنه، قد لا يحسنه غيره، وأنّ أحدنا لن يكون ضعيفاً ما لم يكن هو مَنْ أضعفَ نفسَه، بإضعاف عزيمته وهمّته. وذكَّرنا بأنّ الخير في هذه الأمة لا يُدرى أين يكون، ولا أين طرفاه، وأنّ المؤمن كالغيث ينفع حيث حلّ. كان الشيخ كبيرًا في حياته، فاستحق نهاية تليق بمقامه، بشهادة أعدائه. فلم تكن الرَّصاصة القاتلة كافية، بل وجّهوا إليه وهو الشيخ الأعزل، الذي لا يقوى على تحريك أصبع واحد من أصابع قدميه أو يديه!! طائراتٍ تحمل من السلاح ما يكفي لتدمير مبان شاهقة؛ فهم يرون الشيخ ذا قامة عالية ونفس حرّة شامخة، توازي تلك المباني القوية الشاهقة. ولئن ظنّ اليهود أنهم بمثل هذه الفعلة قد قضوا على المقاومة والجهاد، فإننا على يقين راسخ بأنهم في ظنهم وتوهّماتهم وأمانيهم كباسطِ كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وما هو ببالغه؛ ذلك أنّ هذه الأمة لا تموت بموت رجالها، بل إنّ الله يهيّئ لها من الخلف ما يجدِّد به ذكرَ السلف، ويرزقها من حيث لا تحتسب ولا يحتسب أعداؤها: إِذا ماتَ مِنّا سَيِّدٌ قامَ بَعدَهُ ... نَظيرٌ لَهُ يُغني غِناهُ وَيُخلِفُ وحين يغتال العدو بطلاً صنديدًا تنبعث روحه ومبادئه في نفوس الكثيرين، ويصبح قتله وبالاً على المجرمين القاتلين، ويعرفه حقَّ المعرفة من لم يكن يعرفه، ويُعجب به من لم يكن يوليه عنايتَه، ويظلّ رمزًا في نفوس الناس لكل مبدأ من مبادئه؛ فتحيا مبادئه، ويكون الأعداء وسيلة لنشرها، من حيث أرادوا وأدها. وأخيرًا فلا حزن ولا جزع، وكما قال عمر: قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، والله غالب على أمره، وهو المستعان، وعليه التكلان.
следующие страницы →