← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

ملفات فلسطين.. نزف مستمر وعطاء دائم! البيان تقتفي خطى الشيخ ياسين في فلسطين نائل نخلة يوم ١/٢/١٤٢٥هـ الموافق ٢٢/٣/٢٠٠٤م، وهو يوم اغتيال الشيخ أحمد ياسين ﵀ سيكون يوماً مفصلياً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وسيكتب التاريخ أن هذا اليوم شكَّل نقطة تحوُّل في المواجهة مع هذا العدو. مجلة «البيان» تقدم هذه التغطية الخاصة من واقع الحدث في فلسطين وغزة بالتحديد؛ حيث نستعرض محطات غائبة في حياة الشيخ، ونتحدث مع الأشخاص الذين رافقوه في الأسْر طوال فترة اعتقاله في سجون الاحتلال الصهيوني، ونتتبع الدقائق واللحظات التي سبقت اغتياله مع أقرب الناس إليه. * عبد الغني ياسين: هكذا اغتالوا أبي. عبد الغني ابن الشيخ ياسين، بدا جالساً على سريره في مستشفى الشفاء بغزة هزيلاً، غير قادر على الكلام، يتحدث وكأن في فمه ماءً، وبجواره جلس بعض رفاقه محاولين تخفيف آلام جراحه، وآلام فقدانه لوالده الشيخ. عبد الغني يشبه في ملامحه إلى حد بعيد ملامح أبيه ﵀ وهو ما يجعل مهمة التعرف عليه ليست صعبة. ما الذي حدث ساعة القصف؟ - صليت الفجر مع والدي يوم الإثنين أنا وشقيقي عبد الحميد، ثم سبقنا والدي للبيت، وكذلك شقيقي عبد الحميد الذي يعمل سائقاً للباص الذي يتنقل فيه الشيخ، وما هي غير ثوانٍ حتى سمعت صوت انفجار فخرجت مسرعاً من البيت. هل بيتكم قريب من مكان الجريمة؟ - نحن نقطن في حي الصبرا بغزة، وبيتنا لا يبعد إلا أمتاراً عن مسجد المجمَّع الإسلامي الذي صلى فيه أبي الشيخ صلاته الأخيرة. هل لك أن تشرح لي ما حدث؟ - ليلة الجريمة كانت الطائرات الزنانة (الاستطلاع) تحوم بكثرة في سماء غزة، وكان الكل يتوقع أن ترتكب قوات الاحتلال جريمة ما؛ حيث إنه ما أن تحوم الطائرات حتى نعلم أن هناك جريمة ستحدث، وحينما سمعت صوت الانفجار الأول الذي كان قوياً جداً توقعت أن هذه عملية اغتيال لأبي الشيخ ﵀، فخرجت مسرعاً إليه. وفجأة أطلقت الطائرة صاروخاً ثانياً، أُصبت جراءه ولم أدرِ بعدها ما الذي حدث. من الذي أطلق الصواريخ: هل هي طائرات مروحية من نوع أباتشي كما قيل؟ - لا، لا، لم تكن هناك طائرات أباتشي في الجو، إنها الطائرات الزنانة (استطلاع بدون طيار) وكما سمعنا فإن إسرائيل طورت هذه الطائرات وجعلتها بالإضافة إلى عمليات الرصد والاستطلاع تقوم بعمليات إطلاق صواريخ؛ وذلك لأن المجاهدين حينما يسمعون صوت طائرات الأباتشي يتخذون احتياطات أمنية على الفور، لكن طائرات الاستطلاع هذه لا تصدر أصواتاً. لماذا أطلقت الطائرات الصاروخين الآخرين؟ - كما تعلم إسرائيل لم تفلح في المرة السابقة في اغتيال الشيخ حينما أطلقت صاروخاً على البيت الذي كان يتواجد فيه.. فأرادت هذه المرة التأكد من قتله، ومن أجل إيقاع أكبر عدد ممكن من القتلى. هل شاهدت الشيخ وهو على الأرض شهيداً؟ - لم أرَ سوى جثث ملقاة على الأرض، وكانت الدنيا لا تزال فجراً، ولم تشرق الشمس بعدُ، فلم أتبين شخصية أبي، إنما شاهدت جثثاً ملقاة على الأرض. ما هو نوع هذا الصاروخ؟ - إنها صواريخ صغيرة جداً، ومليئة بالمسامير، عرفت هذا من خلال إصابتي، وكذلك أخبرني الإخوة أن المكان الذي وقعت فيه جريمة الاغتيال مليء بالثقوب في الجدران والأرض. كيف كان شعورك حينما أخبروك بأن أباك استشهد؟ - كنت أتوقع هذا اليوم منذ زمن؛ فأنا كنت أشعر أن الشهادة هي نهاية أبي، وهو كان يتمناها بصدق، ويدعو الله في صلاته وتهجده أن يرزقه إياها، والحمد لله نال أبي ما تمنى، ولحق بإخوانه الشهداء. كيف أصيب أخوك عبد الحميد؟ - أخي عبد الحميد أصيب أيضاً من الصاروخ الثاني أو الثالث، وكان لحظتها سائقاً للباص الذي يستخدمه أبي في التنقل، وكان متوجهاً إلى البيت سابقاً أبي الذي يحب أن يعود إلى البيت على كرسيه، وحينما حدث الانفجار ترك الباص وتوجه إلى المكان، وعندها سقطت بقية الصواريخ فأصيب أخي. كيف هي حالته الآن؟ - الحمد لله اليوم زالت عنه حالة الخطر، ووضعه الصحي مستقر، كما اخبروني. والدك كان مهدداً بالتصفية؛ فلماذا كان يصلي في المسجد ويعيش في العلن؟ - كان ﵀ مؤمناً أن لكل أجل كتاباً، كما أنه كان لا يخشى الموت، بل يطلب الشهادة. كان أحياناً يتخذ بعض الاحتياطات الأمنية، ويخلي البيت ويومها كان معتكفاً في المسجد. هل بقية الشهداء هم من المصلين؟ - هؤلاء كانوا معتادين على توصيل الشيخ للبيت كل يوم. هل استشهد الثمانية في نفس المكان؟ - نعم! وفي نفس اللحظة. حسب معلوماتك كيف أصيب الشيخ واستشهد؟ - سمعت أنهم أطلقوا أول صاروخ على مرافقه كي يوقفوه، فجاء الصاروخ في مؤخرة رأس الشيخ، وسمعت أنه أصيب في بطنه مباشرة، لكن لا أدري بالضبط ما الذي حدث، هم أطلقوا الصواريخ على رصيف يبتعد أمتاراً قليلة عن مسجد المجمع. هل كان الشيخ يشعر أن أجله قد اقترب؟ - نعم! كان يشير إلى أنه في أيامه الأخيرة، وسمعت أنه قال لبعض أفراد أسرتنا قبل استشهاده بيوم واحد إنه يشعر أنه سيُستشهد، وأنه قال لهم: أنا أطلبها، ولا أريد الدنيا. هل كنتم تبيتون في البيت في الفترة الأخيرة؟ - ليس دائماً. كانت أخَواتي يبتن خارج البيت، لكن أمي كانت تبيت في البيت وتسلم أمرها إلى الله، وكنا نتخوف من قصف بيتنا. كان أبي رغم أنه مطارد إلا أنه يحاول القيام بالكثير من الأعمال. كيف كان يومه الأخير؟ - كان معتكفاً في المسجد، وكان صائماً؛ حيث اعتاد الصيام يومي الإثنين والخميس. * بنت الشيخ ياسين: بيتنا بدون بلاط، وحار جداً في الصيف، وبارد جداً في الشتاء: تصف إحدى بنات الشيخ ياسين أم همام في حوار مع البيان بيت أبيها، فتقول: إنه بدون بلاط، ومساحته ضيقة، والمطبخ فيه متهتك، في الشتاء بارد جداً، وفي الصيف حار جداً، لم يكن مطلقاً ﵀ يفكر في تجديد البيت، ورفض عرضاً، من السلطة عندما أفرج عنه بالانتقال للإقامة في منزل فاخر وضخم في أحد الأحياء الراقية في القطاع. وتتابع أم همام: لقد كان يحض أبناءه على الصلاة والصوم وتقوى الله، وكان يحرص على تعليمهم في المدارس حتى المرحلة الثانوية، إلا أن ظروفه المادية لم تسمح له بأن يدخلهم الجامعات. ومن المواقف التي تتذكرها أم همام عن والدها ما روته لنا قائلة: في أحد الأيام تبرع تاجر بخمسة قمصان من النوع الفاخر لتوزيعها على المحتاجين، وعندما اقترح عليه أحد أبنائه أن يستبدلها بـ ٢٠٠ قميص متوسطة الجودة حتى يعطي عدداً اكبر، لكنه رفض وقال: أليس من حق الفقير أن يلبس قميصاً فاخراً؟ * حارس الشيخ ياسين: أكثر ما كان يسعده العمليات الاستشهادية ورؤية الأطفال الحافظين لكتاب الله: «ليتني استشهدت ولم أبق حياً أتجرع لوعة الفراق» .. بهذه الجملة عبّر عدنان أبو جبر، أحد حراس الشيخ أحمد ياسين، عن مشاعره التي تعصف بكيانه منذ فارق شيخه الياسين مع اثنين من رفاق دربه من حراس الشيخ. متى التحقت بحراسة الشيخ ياسين؟ - كنت مرافقاً للشيخ الدكتور الشهيد إبراهيم المقادمة ﵀؛ وذلك مدة عامين ونصف، ولم يرد الله لي الشهادة؛ حيث لم أكن يومها (٨/٣/٢٠٠٣م) برفقته. بعدها نلت شرف مرافقة الشيخ الشهيد إلى أن حقق الله له أمنيته بالشهادة، ولم يكرمني الله أيضاً هذه المرة بالشهادة. كيف تركت الشيخ أحمد ياسين؟ - كان مريضاً جداً وذهبنا به للمستشفى، ولقد توقعت ألا يعيش أكثر من أسبوع؛ حيث إنني لم أره مريضاً كهذه المرة من قبل، كان متعباً للغاية.. ولقد قلت للشباب (المرافقين) الشيخ: العلم عند الله أن الشيخ لن يعيش حتى نهاية الأسبوع. ما هي المهام الموكلة لكم في فريق حراسة الشيخ؟ - نحن مكلفون بعدة مهام: أولها: حراسة الشيخ؛ حيث وفرت لنا الحركة (حماس) أسلحة أوتوماتيكية خفيفة، وثانيها: مساعدته على كافة أمور حياته؛ فالشيخ لا يستطيع تحريك أي جزء من جسده، كنا نحمله ونطعمه ونشربه ونساعده على قضاء حاجته، ونساعده على الوضوء والصلاة وكل شيء تقريباً. وكذلك نساعده على قراءة الكتب والرسائل والأوراق الخاصة بالحركة، وننظم زيارات الناس والضيوف له. ما أكثر ما كان يميز الشيخ؟ - بساطته الشديدة وطيبة قلبه وورعه الشديد وحبه للناس وعشقه للجهاد في سبيل الله.. مهما تحدثت عن هذا الرجل فلا يمكن أن أوفيه حقه. وبخصوص الأمور الشخصية كان الشيخ قليل النوم، لا ينام أكثر من ثلاث أو أربع ساعات، وكذلك أكله خفيف جداً. ما هو برنامجه اليومي؟ - كان يستيقظ قبل الفجر بساعتين أو ثلاث، ونوضئه فيصلي ويتهجد ويقرأ القرآن، ثم يصلي الفجر في مسجد المجمع الإسلامي. بعد الفجر يقرأ القرآن، ويستمع للأخبار ويقرأ نشرات خاصة يعدها المكتب الخاص به حول آخر الأخبار والمستجدات. وكان يهتم بشدة بالشؤون الإسرائيلية، ويظل هكذا حتى الساعة السادسة أو السابعة صباحاً. ثم ينام حوالي ساعتين ويصحو حوالي الساعة ١٠ أو ١١ فيتناول فطوره، وهو فطور خفيف جداً حيث لا يكمل رغيف خبز واحد بالإضافة إلى كوب من لبن الزبادي. وكان يؤدي صلاة الظهر في مسجد المجمع، ويجلس مع الناس في المسجد، وبعد الظهر يجتمع مع قادة حماس وكوادرها، وكذلك مع الصحافيين أو مع الناس العاديين الذين يأتون لزيارته. أنت عايشت اثنين من قادة الحركة الإسلامية: ما الفرق الذي لاحظته بين الشهيد إبراهيم المقادمة واحمد ياسين؟ - كان الشيخ ﵀ صورة طبق الأصل عن الشهيد الدكتور إبراهيم المقادمة؛ فكلاهما كان زاهداً في الدنيا، كل وقته وجهده وتفكيره من أجل الإسلام، وكانا طالبي شهادة بحق، وكانا قليلي النوم والأكل. كيف كان الشيخ يعامل حراسه، ويعاملكم؟ - كان كالأب الحنون، كان بسيطاً للغاية وكنا نحيا مع رئيس ليس بمستكبر أو متعجرف؛ نتحدث إليه ويحدثنا بكل بساطة ورفق ولين. كان لا يرد أحداً، وأذكر أنه في عيد الأضحى الأخير جاء إلى منزل الشيخ رجل معوق، فلم يأذن له الحراس بالدخول، فغضب الشيخ غضباً شديداً وطلب منا أن نحضره. ولما دخلنا به على الشيخ جلس إليه وتحدث معه وسأله: ماذا تريد؟ فقال: جئت (أعيّد) عليك يا شيخ: فأنا أحبك. ما أكثر ما كان يسعد الشيخ ياسين؟ - العمليات الاستشهادية والجهادية، وكذلك رؤية الأطفال والأشبال الحافظين للقرآن والمهتمين بالدعوة. هل كان الشيخ يغضب بسرعة، ومتى؟ - لم أره غاضباً إلا مرة واحدة وهي حينما قصفت طائرات الاحتلال منزل الدكتور محمود الزهار، وأسفر ذلك عن استشهاد ابنه ومرافقه؛ حيث رأيت الشيخ غاضباً وأقسم قائلاً: «واللهِ لأركِّعهم» يقصد الصهاينة. هل لمست كرامات خاصة للشيخ؟ - كل حياة الشيخ كرامات.. وأنا أذكر أننا في أحد الأيام قمنا بنقل الشيخ من بيته إلى مخبأ؛ وذلك لأسباب أمنية، وكانت المنطقة مليئة بالبعوض، وكنا نعاني بشدة من قسوة لدغات البعوض لدرجة أننا كنا نضرب أنفسنا، لكننا فوجئنا أن البعوض لا يقترب من الشيخ نهائياً، فسألنا الشيخ: لماذا لا يقترب منك البعوض يا شيخ؟ فقال: هذا من فضل الله. وبالفعل فهذا من فضل الله؛ فالشيخ لا يحتمل لدغات البعوض، ولا يستطيع أن (يهش) عن نفسه بعوضة. هل كان يحب المزاح والمداعبة؟ - نعم! كان ضحوكاً. تجده مبتسماً دوماً، وكان صبوراً وكاظماً لغيظه. وأذكر قبل استشهاده بيوم أنني تسلمت نوبة الحراسة من دون أن أعلم أن بذراع الشيخ (حقنة ومحلولاً) فشددت قميصه بعنف كي أساعده على الوضوء فتسببت له بألم شديد جداً لكنه ﵀ لم يغضب وتحمل الألم. ما أكثر ما كان يزعجه؟ - أي عمل منافٍ للأخلاق والدين، وأي تأخير في مواعيد الصلاة والعبادات. وكذلك كان يغضب إذا ما عاملنا الناس بطريقة غير ملائمة، وكان لا يحب استعجال شباب حماس وتسرعهم، ويكره أي عمل يهدد الوحدة الوطنية. هل لا تزال حزيناً على فراق الشيخ؟ - الفراق صعب جداً؛ فما بالك إذا كان هذا الفراق لإنسان مثل الشيخ ياسين؟! أنا حزين جداً على فراق الشيخ؛ ليتني استشهدت معه ولم أظل حياً أتجرع لوعة الفراق. رغم التهديدات الإسرائيلية للشيخ: هل كان خائفاً ومتخذاً لاحتياطات أمنية؟ - لا، الشيخ لم يكن خائفاً من الموت. كنا حينما نطلب منه مغادرة المنزل يقول: أنتم تريدون أن تحرموني الشهادة. وبصراحة أنا أرى أن كل عمليات الاختباء التي كنا نقوم بها كانت شكلية؛ وذلك لأن الشيخ كان يرفض الاختباء ولا يخاف الموت، ولا زلت أذكر ذلك الصحفي الذي سأل الشيخ: هل أنت خائف يا شيخ من التهديدات الإسرائيلية بقتلك؟ فأجابه الشيخ: نحن طلاب شهادة. أنا حزين جداً وطوال الوقت أتذكر الشيخ ومرافقتي له وذكرياتي معه. زوجتي تسألني دوماً فيمَ أنت سرحان؟ رافقت المقادمة عامين ونصفاً، ورافقت الشيخ ١١ شهراً. * كان سجناء اليهود ينتظرون ليسلموا عليه: كان السجناء اليهود ينتظرونه لحظة خروجه إلى «النزهة» للتسليم عليه. هكذا يتحدث بعض من رافقه أثناء اعتقاله في سجون الاحتلال. في السنة التي رافقه فيها أبو القاسم، أحد الأسرى الفلسطينيين استشهد المجاهد يحيى عياش وكان ذلك في ٦/١/١٩٩٦م، حيث حزن الشيخ كثيراً لاستشهاده، وبكاه وتمنى لو أنه التقى به وتحدث معه، واحتجاجاً على اغتياله أضرب يوماً عن الطعام هو ومرافقوه جميعاً، وكان ذلك في سجن تلموند. ويذكر أبو القاسم أنه في أحد المرات التي كان يُجرى له مساج لجميع أعضاء جسمه، كسر أحد أصابع قدميه؛ وبالرغم من الألم الشديد الذي تسبب به إلا أنه لم يغضب أو يرفع صوته، واكتفى بالقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» . لم يكن أمام شيخ قعيد للدفاع عن نفسه ضد إدارة مصلحة السجون الصهيونية وقراراتها الظالمة بحقه سوى إعلانه عن الإضراب المفتوح عن الطعام والدواء، وهذا ليس بالأمر البسيط بالنسبة لشخص مصاب بعدة أمراض قد تصل في بعض الأحيان إلى سبعة أمراض معاً. وكان برنامجه اليومي في السجن يبدأ منذ صلاة الفجر جماعة، ثم تلاوة القرآن حتى موعد الفطور، ويسبق صلاته الفجر قيام الليل ما تيسر له، تليها فترة قراءة ومطالعة حتى موعد الفورة وهي النزهة اليومية للمعتقلين في العاشرة صباحاً والتي تستمر حتى صلاة الظهر التي كان يصليها دوماً في ساحة النزهة. ثم يأتي موعد الغداء الذي تقدمه إدارة السجون، يلي ذلك فترة قراءة الكتب الثقافية والدينية التي تستمر حتى صلاة العصر، وبعد صلاة العصر يسمع الأخبار ويشاهد التلفاز في محاولة منه ليبقى على تواصل دائم مع شعبه خارج السجن. يصلي المغرب مع مرافقيه، ولم يكن يحب أن يصلي فيهم إماماً نظراً لانخفاض صوته، ثم يكرر مشاهدة التلفاز ويتحدث في أمور الدنيا والأمور التي تهم الأسرى مع مرافقيه ومن تواجد داخل غرفته حتى صلاة العشاء التي تليها فترة قراءة تستمر عادة حتى الثانية عشرة أو الواحدة حيث يخلد شيخنا الجليل للنوم. * الشيخ عبد العزيز الكجك: هذه قصتي مع الشيخ أحمد ياسين: على مدار ٣٧ عاماً، عاشر رجلُ الإصلاح الفلسطيني المعروف الشيخ عبد العزيز الكُجُك (أبو ناصر) عاشر الشيخَ أحمد ياسين، مشاركاً إياه درب الدعوة الإسلامية التي بدأها الشيخ في وقت كانت رياح الإلحاد تعصف بالمجتمع الفلسطيني، ومعاً شكَّلا أول لجان لإصلاح ذات البين، بين الناس حقناً لدماء المسلمين. متى تعرفت على الشيخ؟ - تعرفت على هذا الشيخ الفاضل في عام ١٩٦٧م، وكان الشيخ - يرحمه الله - يمشي بصعوبة، ولم يكن أصيب بالشلل الكامل بعدُ، وكان يأتي إلى حي الشجاعية حيث أسكن وقتها لإلقاء الدروس والمواعظ، وكان يصعد منبر مسجد المحكمة ويلقي الدروس والندوات. وتعرفت منذ ذلك الحين على القائد الفذ الرباني أحمد ياسين ﵀ وكان عمري وقتها حوالي ٣٠ عاماً. أين كان موقع الدعوة إلى الله في حياة الشيخ؟ - الشيخ أحمد ياسين ظهر في فترة كانت رياح الإلحاد تعصف بالمنطقة، والله أرسل الشيخ أحمد ياسين في تلك الفترة لإحياء النفوس، فأخذ يتجول في مخيمات اللاجئين وأحياء القطاع يدعو إلى الله، ولم يكن هناك نشاط إسلامي على الإطلاق؛ فعندما كنت تدخل المساجد لم تكن تجد فيها إلا المسنين والطاعنين في السن، وحتى داخل البيوت، ولا تجد في الشارع كله صفاً واحداً. من أين بدأ الشيخ دعوته؟ - بدأ - يرحمه الله - دعوته من المسجد الشمالي في مخيم الشاطئ، وبدأ يتحرك من ذلك المكان، وكذلك من بيته، ولم يقتصر على هذا المسجد فاعتمد كذلك على مسجد العباس بحي الرمال. عرف عن الشيخ نشاطه المميز في مجال الإصلاح بين الناس، وكنتَ تشاركه في ذلك: كيف يمكن أن تصف لنا هذا النشاط؟ - كان الإصلاح من أهم الأمور التي يهتم بها الشيخ ويوليها جلّ اهتمامه؛ لأنه كان يقول: إن إصلاح ذات البين هي أرضية ودعامة لبناء المجتمع الصالح وللعمل الإسلامي، خاصة أن مجتمعنا قَبَلي، وكانت فيه عادة الثأر عميقة. كان الشيخ ذا وقار بين العائلات، واستطاع بحكمته ووعيه وذكائه أن ينال احترام جميع العائلات في قطاع غزة. حينما كنا نذهب لحل أي مشكلة ويعلمون أن الشيخ موجود فيها.. صدقوني أننا كنا نحل ٩٠% منها فوراً؛ لأنهم يعلمون أن هذا الشيخ نذر نفسه لإصلاح ذات البين ولإصلاح المجتمع كله. هل أقمتم لجاناً للإصلاح؟ - خلال الانتفاضة المجيدة الأولى عام ١٩٨٧م ركزنا كثيراً على مجال الإصلاح؛ لأن العدو كان يبث العملاء داخل مجتمعنا لافتعال المشاكل بين العائلات والفصائل من أجل إشعال المجتمع بمشاكل داخلية. وسبحان الله فقد التفت الشيخ بفطنته إلى ذلك الخطر الجسيم الذي كان يدبره العدو لشعبنا لتفتيت قواه، وكان الرجل متواضعاً برغم هيبته ووقاره، ولا يقطع في الإصلاح أمراً إلا بعد أن يسال ويستشير، والله وفقنا في إصلاح كثير من المشاكل وخاصة مشاكل (الدموم) القتل والثأر. هل تذكر حادثة معينة نجح الشيخ في حلها؟ - الله أجرى على أيادينا حل ما لا يحصى من المشاكل العادية، وكذلك لما يقارب من سبع مشاكل بين عائلات كبيرة كان بينها (دموم) والله أجرى الخير على أيادينا بفضل كرامة وبركة هذا الشيخ. و (الدموم) كانت من أمور الجاهلية في القطاع، وكانت تأكل الأخضر واليابس، ولقد سن الشيخ سُنَّة حسنة في الإصلاح بين الناس لم تكن موجودة من قبل؛ فلقد كان رجال الإصلاح يعملون على حل المشاكل بشكل مؤقت. وكان بعضهم يقولون لأهل المقتول: خذ الدية اليوم، ثم خذ بثأرك بعد سنوات، وكانت حلولهم مؤقتة. لكن الشيخ خط للجميع سُنَّة «تحكيم شرع الله» في أمور القتل؛ فكنا نرغِّب أهل المقتول في أخذ الدية (وهي مشروعة) وحينما يأخذها نبصِّره أنك أنت الآن عفوت، وأخذُك للدية أنهى القضية، ونبصِّره أنه إذا غدر فإن الله سبحانه سينتقم منه؛ لأن الله هو المنتقم. وبهذا استطاع الشيخ إنهاء الكثير من نزيف الدم والاقتتال الداخلي وتفتيت المجتمع، والله وفقنا في حل الكثير من حالات الشجار. ولقد تدخل الشيخ في حادثة أخيرة قبل شهور من استشهاده في حي الشجاعية عندما قتل شاب من عائلة (م) بعد أن انفجرت قنبلة في يده، وكان قد تشاجر قبلها مع أفراد من عائلة (س) فذهبنا أنا والشيخ واستحلفناهم على حقنهم الدماء. وللعلم أن تلك العائلتين هما أكبر عائلتين في قطاع غزة. والله وفق الشيخ في حل جذري للمشكلة بعد أن وضع سند تحكيم، وأقام لجنة شرعية ولجنة تحقيق، والحمد لله بعد جلسات وإحضار أهل الخبرة (كان الشيخ يستعين بهم دوماً) من أطباء شرعيين وتشريح وخبراء متفجرات وخبراء تدريب عسكري تبين أن الشاب - يرحمه الله - قتل من القنبلة التي كان يحملها في يده وليس من العائلة الأخرى. وهل كان الشيخ بالرغم من مشاغلة في حركة حماس ومرضه يصلح بين الناس؟ هذا الرجل نقول - والقلب ينزف دماً على فراقه - إنه ترك فراغاً كبيراً؛ فقبل وفاته بأسبوع فقط استدعاني لحل قضية شجار بين عائلة (ج) وعائلة (س) نتيجة عن مقتل شاب كان قد أصيب في ساقه، وتوفي نتيجة الإهمال الطبي، وأرادت عائلته الثأر. فالشيخ رغم انشغاله وأمراضه أرسل لي وقال: يجب أن نحاصر هذه المشكلة فوراً وفي المهد؛ وذلك لأن أهل العرف ذهبوا للعائلتين، ولم يفعلوا شيئاً. فقلت له: «أعطني وقتاً، فرد عليَّ قائلاً:» يا أخي! يجب التحرك بسرعة لحقن دماء المسلمين «. وقبل استشهاده بيوم أرسل لي يقول:» ماذا فعلت في هذه القضية؟ هل عملت سند تحكيم؟ هل ذهبت إلى العائلات؟ «وكان الرجل لا يفكر إلا أن تعيش العائلات مستقرة وفي حسن جوار.. وحدّث ولا حرج» . كيف كان يتحرك في بداية حياته الدعوية رغم مرضه والشلل الذي كان يعاني منه؟ - عندما بدأ الشيخ حياته الدعوية في السبعينيات كان يتحرك على دراجة هوائية يقودها أحد الإخوة، وأحياناً كان يتحرك على رجليه، وحينما كان يأتي إلى حي الشجاعية شرق غزة يأتي مشياً رغم أن المشي كان صعباً جداً عليه، وكان الله سبحانه يمده بمدد من عنده؛ فيأتي مشياً لمسافات طويلة وهو يعرج، ويأتي لحي الشجاعية لإعطاء الندوات، ولم يكن الناس يعرفون قبله هذه الندوات والدروس. في فترة الستينيات والسبعينيات كانت تعصف رياح الشيوعية والإلحاد والعلمانية في المجتمع الفلسطيني؛ فماذا كان دور الشيخ في نشر الدعوة الإسلامية؟ - الشيخ ﵀ كان رجلاً صاحب خبرة؛ فحتى الشيوعيون والإلحاديون وكل أصحاب التيارات الإلحادية عندما كانوا يلتقون بالشيخ لا يجاهرونه العداء إطلاقاً، وكانوا يقبلونه رغم حقدهم عليه، وكان بسياسته الحكيمة لا يُغضب أحداً، ولا يستثير أحداً، ويعامل حتى الملاحدة برفق وطمأنينة حتى إن كثيراً من الناس هداهم الله إلى الإسلام عن طريق الشيخ ومعاملته معهم. ولم يكن الشيخ يجد أنصاراً وأعواناً، ورغم ذلك شق طريقه بكل صعوبة. ما حقيقة المزاعم أن الشيخ كان يعارض في البداية العمل العسكري ويركز فقط على العمل الدعوي؟ - هذا صحيح؛ فالشيخ في البداية لم تكن لديه أرضية يرتكز إليها؛ فكيف يقاتل وهو لا يمتلك قاعدة يقف عليها؟ كان في ذلك الوقت يبني؛ فكيف يترك الدعوة ويقاتل وهو لا يمتلك شيئاً؟ حينما امتلك العتاد والقوة كان من السباقين إلى الجهاد. كان الرجل حكيماً ذا بُعد نظر، والله حقق له ما تمنى. يروج الصهاينة لادعاء أنهم موَّلوا حركة حماس في بدايتها من أجل محاصرة منظمة التحرير وخنقها؛ فكيف ترد على هذه الفرية؟ - هذا هراء وكذب وافتراء، هذه فرية افتراها الشيوعيون في حينه، وكانوا يعادون الحركة الإسلامية، ويكرهون الإسلام والمسلمين؛ لأن حركتهم قامت على العداء للإسلام، وهم من روَّج لهذه الافتراءات. وبالمناسبة لم تكن هذه الافتراءات وحدها يستخدمونها ضد الحركة الإسلامية في ذلك الوقت؛ فعندما بدأ الشيخ في عمله وانطلق من المجتمع الإسلامي، ولم تكن حركة حماس قد تكونت، كانوا يكيلون شتى الاتهامات للمجمَّع ولشبابه ويسخرون منهم. فحينما كان أحد أفراد المجمَّع الإسلامي يطلق لحيته ينظرون إليه بمنظور أنه من (المجمَّع) ويتهمونه بشتى الاتهامات ويسألونه: كم تقبض على لحيتك؟ وكم تأخذ معاشاً شهرياً؟ ويسخرون منه، وكانت هذه دعايات مغرضة. والحمد لله هؤلاء الناس اندثروا اليوم وانتهوا؛ في حين تعاظمت قوة الحركة الإسلامية؛ وذلك لأنهم كانوا قائمين على حرب الله ورسوله. وهناك مزاعم كذلك أن إسرائيل منحت ترخيصاً للمجمَّع الإسلامي؟ - إسرائيل منحت الترخيص للمجمَّع كجمعية عثمانية خيرية، كما منحت ترخيصاً لجمعية الهلال الأحمر (الشيوعية) قبل المجمع بسنوات. لو كانت كل جمعية تمنح ترخيصاً هي مشبوهة لكان الأوْلى أن نقول إن المشبوهين هم من أخذوا ترخيصاً قبل المجمَّع بسنوات. ثم إن الشيخ ياسين اعتقل في البداية بتهمة إنشاء المجمَّع الإسلامي دون ترخيص، وأفرج عنه بعد تدخل (الحاج هاشم الخزندار) الذي كان من أكبر الشخصيات في القطاع وقتها قبل أن يُقتل على خلفية تأييده لاتفاقية كامب ديفيد. وقام هذا الرجل بالحصول على ترخيص للمجمع الإسلامي من السلطات الإسرائيلية التي جاملته؛ لأنه أيد اتفاقية كامب ديفيد بين إسرائيل ومصر والتقى السادات. والحق يقال إن هذا الرجل (الخزندار) لم يكن معادياً للإسلام والحركة الإسلامية وقد قتل على يد الشيوعيين لتأييده كامب ديفيد. وأذكر أن هذا الرجل الذي كان تاجراً كبيراً جداً يقوم وحده عام ١٩٦٧م بجمع جثث الشهداء الملقاة في الشوارع لدفنها، ونحن لا نغمط الناس حقهم. وُصِفَ الشيخ بأنه كان أشهر خطباء القطاع: كيف تصف طبيعة خطبه، والمواضيع التي كان يتحدث فيها؟ - كان الشيخ محبوباً في خطبه، كان لا يطُول الناس، ويتطرق إلى القضايا المجتمعية، كان لا يسب ولا يشتم ولا يتطاول ولا يجرح، ولذلك كان الناس ينتظرون خطب الشيخ من أجل الروحانيات التي كان يبثها فيهم. كان صوته في تلك الفترة أنقى من الفترة الأخيرة وأقوى، وكان صوته حنوناً رنانًا. كان يحث الناس على العمل للإسلام، ويركز أكثر من أي شيء آخر على قضية التربية والأخلاقيات، وعندما آتت جهوده ثمارها أصبح يحث على الجهاد والمقاومة. كيف كان قبل وفاته؟ - الشيخ معجزة: تراه مريضاً لا يستطيع الحراك؛ لذلك تقول إنه في الصباح سيموت. تأتي إليه في الصباح تراه جالساً ووجهه يشع نوراً، ومن فضل هذا الشيخ أنه كان يداعب الصغير والكبير، ولا يُغضب أحداً. دائماً متفائل، وعندما تذهب إليه وتكون مهموماً وتجلس بين يديه تجد جميع المشاكل قد انتهت. كيف كان تأثيره في الناس؟ - كان بعض الشباب في قضايا الإصلاح تجده شرساً، وكنا لا نقدر عليه؛ فنرسل به إلى الشيخ بطريقة ما. وسبحان الله فما أن يجلس مع الشيخ حتى ينقلب الشاب ويصبح كرديف وسند لنا في حل المشكلة. وحينما كان المحامي عبد المالك دهامشة يزوره في سجنه، ويأتي إلينا لنسأله عن حال الشيخ يقول لي: الشيخ (مكيِّف) نقول له: كيف؟ يقول: «السجناء أجدهم يضجرون ويتأففون، وحينما أزور الشيخ أجده يضحك ويداعبني» . ويقول للمحامي: «أنا بخير في روضة من رياض الله، ويقول له: كيف (ابن الداية) يقصدني أنا، ويقول له مداعباً: انظر إنهم (الصهاينة) يضعون عليّ الحراس، أنا أنام وهم يسهرون يحرسونني» . يقال إن الشيخ كان ذا ذاكرة قوية جداً، ما صحة هذه الأقوال؟ - كان ذكياً جداً، وكان الله تعالى يلهمه التقوى. صدقني كان يذكرني بأيام السجن، وعندما خرج كان يحدثنا بأحداث حصلت ونحن نسيناها. عندما كان يأتي يسلم عليه الشباب يسألونه: هل تذكرنا يا شيخ؟ فيقول: نعم! أنت فلان. يحدثنا عن أحداث حدثت قبل ١٥ عاماً يسردها كأنها حصلت قبل دقائق. هل تذكر يوم ذهبت للقائه بعد خروجه من السجن؟ - عندما فرَّج الله كربه جاء معه شاب من الضفة الغربية، وقال لي الشيخ: خذ هذا الشاب واصطحبه في بيتك، وأخذته وتعرفت عليه؛ وإذا بهذا الشاب كان يخدم الشيخ في سجنه، وهو من عائلة بلبول بالضفة الغربية. قلت له: حدثنا عن الشيخ! قال لي: أنا خرجت بكرامة الشيخ، قلت له: كيف؟ قال: عندما جاء الحراس ليأخذوا الشيخ ذهبت لأعد حلوى له، وعندما رجعت لم أجده، ثم عاد، وقلت له: أين أنت يا شيخ؟ قال لي: أعدَّ نفسك، واحزم أمتعتي وأمتعتك. قلت له: إلى أين يا شيخ؟ قال لي: إلى أمر يعلمه الله. وقال: بدأت أجمع كتب الشيخ وأمتعته، وبعد فترة جاء الحراس ليأخذوا الشيخ، فقال لهم: «هذا الشاب سيكون معي» . قالوا له: «لا، أنت وحدك» قال لهم: «إذاً أرجعوني إلى داخل السجن، والله لا أخرج إلا ومعي هذا الشاب» (انظر إلى الوفاء) فقال لي الشاب: «رفضوا بشدة، وقالوا له: هذا أمر خطير لا نقدر عليه» . قال لهم الشيخ: «أنا لا أفهم هذه الأمور؛ أنا لا أعرف إلا أنني سأخرج مع هذا الشاب» . فأرجعوا الشيخ، ومكث في السجن، وهم يفاوضون القيادة السياسية والعسكرية الصهيونية لمدة ساعتين إلى أن خرجت معه بفضل الله وكرمه. وذكر لي الشاب قصة أخرى حدثت له مع الشيخ قال: «في مرة جئت للشيخ وقلت له: يا شيخ! هل سمعت ماذا قالوا في التلفاز؟ يقولون إن أحد المسؤولين العرب سوف يخرجك من السجن (هذا الكلام قبل أن يخرج الشيخ من السجن بعامين أو أكثر) . ويضيف الشاب:» نظر إليَّ الشيخ بعينه نظرة، وقال: «اللهم يا رب العالمين! لا تجعل للظالمين عليَّ سبيلاً، ولا تجعل فرجي إلا بفضل منك ومنة منك وحدك» . فقلت له مازحاً: يا شيخ! إذا قدر الله لك الحرية فلا تنسني، خذني بجناحك. وبالفعل كان للشيخ ما تمنى، ولم ينسني، وخرجت معه. * إسماعيل هنية: تعلمت من رفقتي للشيخ في سنواته الأخيرة أكثر مما تعلمت في كل حياتي: تحدث الأستاذ إسماعيل هنية القيادي في حركة المقاومة الإسلامية حماس ومدير مكتب الشيخ أحمد ياسين عن أستاذه في سنواته الأخيرة التي رافقه فيها من خلال عمله كمدير لمكتبه. كيف كانت صفات الشيخ وأخلاقه؟ - لقد شرفني الله بأن ألازمه هذه الأعوام منذ أن خرج من السجن عام ١٩٩٧م، ووالله لقد تربيت في تلك السنوات وتعلمت أكثر مما تربيت وتعلمت طيلة حياتي؛ فقد كانت أعواماً مختلفة. لقد عشت مع الشيخ وأكرمني الله - وأنا من تلامذة تلامذة الشيخ - أن أكون إلى جنبه مصاحباً ملازماً له، لا أقول ذلك مبالغاً وتقديسا؛ فنحن لا نعبد الرجال، ولكننا ننزلهم منازلهم. كان الشيخ كالأب الحنون لعائلته الصغرى وعائلته الكبرى (حماس، والشعب الفلسطيني) ، وأذكر أنه حين يشتد عليه المرض نجده يقول: أريد أن ازور ابنتي الفلانية، فيذهب ويُدخل عليهم السرور وهو الرجل المعذور الذي يُزار ولا يزور. ولكنه ﵀ كان أباً حنوناً يأخذ زوجته رغم كل ظروفها، ويصطحب أولاده معه ويزور بناته ورحمه وأهله، ولا يتخلف عنهم في أمر من الأمور. ما أقام مناسبة في عمل إلا دعا أشقاءه الكبار ليستقبلوا معه المدعوين على طعام الغداء، وكم كان رحيماً رؤوفاً بزوجه (أم محمد) فما أن يأتي الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أو أبو خالد الزهار، حتى يدعوهما إلى قراءة تقاريرها الطبية؛ لأنها كانت مريضة؛ وذلك كي يسعدها ويدخل السرور إلى قلبها، ويشعرها باهتمام إخوانها بها. اذكر يوماً جاءه شاب مسرع وقال له إن سيارة دهست حفيده، فلم يهتز الشيخ ولم يسأل عن الذي دهسه، وإنما اطمأن على حفيده، ولم يسأل عن صاحب السيارة أبداً ولم يطلب ملاحقته. أما أبوته لعائلته الأوسع فحدث ولا حرج. حينما كان يأتي إخوانه من قادة حماس والإخوان يتحدث إليهم قائلاً: أستاذنا يا حبيبنا.. فقد كان ينزل الناس منازلهم. بيته كان مفتوحاً لا يغلق أمام أي أحد من إخوانه أو أمام قضية من القضايا. لم يعوّد أحد من مرافقيه أن يمنعوا أي أحد عنه حتى وهو نائم رغم أنه كان قليل النوم. فإذا أتاه أحد وهو نائم يقول: أجلسوني. فيتهيأ للقاء إخوانه، ولم يلق أحداً عاري الرأس؛ فقد كان يحترم إخوانه ويسمع إليهم، ويحل قضاياهم، ويخفف آلامهم. ما هي وصية الشيخ لحركة حماس؟ - كانت وصية الشيخ أحمد ياسين: «عجلوا بإنجاز ورقة الحوار والتفاهم مع الفصائل قبل أن تأخذكم التطورات» ، وقبل استشهاده بيوم وصلتنا منه رسالة تقول: «أنجزوا الأوراق، وواصلوا الحوار مع الناس جميعاً» . كيف كان الشيخ يعامل الناس والمواطنين العاديين؟ - كان ﵀ لا يغلق بابه أمام محتاج أبداً، ولا يمنع عن الناس شيئاً، وعندما كان يطلب بعض الإخوة منه التحقق من صدق هؤلاء الذين يأتون لطلب المساعدة من الشيخ، كان يقول: «لا تسألوا! والله لو أن عندي جبلاً من المال لما أبقيت منه شيئاً، والمال مال الله» . وإذا صادف أن طلب أحد الإخوة من الشيخ مالاً، ولم يكن عنده وقتئذ، ويخرج الطالب، حتى يأتي الشيخ المال، فيطلب من مرافقيه أن يبحثوا عن الطالب ليعطيه. كان شيخنا ﵀ رحمة واسعة أباً رحيماً رؤوفاً. كان يمثل عنواناً للمقاومين حتى تبقى المقاومة مشدودة إلى قضيتها. ماذا عن روحه المرحة، وحبه للدعابة؟ - كان الشيخ ﵀ مرحاً يحب أن يُدخل السرور على الناس، وأذكر أن أحد الشباب طلب الدخول على الشيخ وقال له: يا سيدي أريد الزواج. فقال له الشيخ: كم عمرك؟ قال له: ١٨ عاماً، فقال له مازحاً: «اسكت! نحن عندنا قائمة طويلة وكلهم فوق الثلاثين روح، روح، ولكنه أعطاه» . كيف تصف لنا جهوده نحو الوحدة الوطنية؟ - عند خروج الشيخ من السجن رفع شعار: [لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ] (المائدة: ٢٨) . هذا الشعار رفعه الشيخ، وصار عُرفاً لكل أبناء الشعب الفلسطيني. وأذكر أن أمين سر حركة فتح في قطاع غزة أحمد حلِّس، كان في زيارة للشيخ وحدثهم الشيخ يومها عن الشعب والقضية. وبعد أن خرج يومها فإذا بحلِّس يقول لي: الشيخ أحمد ياسين ليس لكم وحدكم؛ الشيخ أحمد ياسين للشعب كله.

стр. 4902

وقفات لا ينال عهدي الظالمين ..! أحمد بن عبد الرحمن الصويان إنجازات الانتفاضة الفلسطينية إنجازات عظيمة ليس هذا مجال استعراضها؛ فقد تحدث عنها الكثيرون من زوايا مختلفة، لكن أحسب أنَّ أعظم إنجاز وأبلغه أنَّ الانتفاضة نقلت المعركة مع اليهود من أوحال الشعارات القومية والوطنية، ومتاهات المزايدات السياسية، إلى رياض الكتاب والسنة. فانتقل الناس من مصطلحات الثورة والنضال إلى مصطلحات (الجهاد في سبيل الله) ، فأصبح الشباب يهتف بالتكبير، ويتربى على الصلاة والإقبال على الطاعة، ويردد آيات (آل عمران والأنفال) ، ويتعلق فؤاده بالبذل والتضحية لدين الله، ويتشوق إلى الشهادة في سبيله. نقلة كبيرة في العقيدة القتالية، انعكست بجلاء على طبيعة المعركة وموازينها؛ فمن عمر قلبه بالإيمان والتوكل على الله وحده: وجد قوة وثباتاً وإقبالاً على الموت لا تصنعه الشعارات الثورية، ولا تبنيه التربية الحزبية المادية. شخصية الشيخ أحمد ياسين ﵀ كان لها أثر كبير في هذه النقلة النوعية، وحسبي أن أقف على ثلاث صفات في شخصيته الفذة: الصفة الأولى: كان الشيخ عابداً، صوَّاماً، قوّاماً، تالياً للقرآن، يلهج لسانه بالذكر والتسبيح؛ وفي يوم استشهاده يصر على البكور إلى صلاة الفجر رغم مرضه الشديد، وكانت حقنة الجلوكوز في يده! وبالعزائم والقلوب المخبتة تقاد الشعوب. قال الله تعالى: [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ] (السجدة: ٢٤) . وما أحوج العمل الإسلامي للقادة الربانيين، عبَّاد الليل، الذين يعرفون برقَّة القلب، وطهارة النفس..! الصفة الثانية: أنه لم يكن رأساً لحزب أو قائداً لجماعة، فانتماؤه للإخوان المسلمين، وقيادته لحركة حماس، لم تجعله رجلاً حزبياً مغلقاً ينطلق لنصرة جماعته، بل أحسبه والله حسيبه رجل أمة صادق اللهجة، اتسع أفقه لتربية الناس جميعاً على الولاء لدين الله، والتناصر لخدمة قضيتهم الكبرى.. وهذه التي لا يقوى عليها إلا الخُلَّص من أولياء الله. وما عرفت أن الإسلاميين بمختلف توجهاتهم أجمعوا في العقود الأخيرة على أحد كما أجمعوا على الشيخ ابن باز والشيخ أحمد ياسين - رحمهما الله -. الصفة الثالثة: كان الشيخ ﵀ رجل عامة عاش مع الناس بهمومهم وآلامهم، وكان يشاطرهم أحزانهم وفقرهم، لم يتميز عنهم بمال أو جاه.. رجل معطاء سخي النفس يتفقد الناس بالصلة، فتح للناس صدره وداره، وكان له أثر كبير في علاج مشكلاتهم وخلافاتهم؛ فأحبوه، والتفوا حوله. إنَّ الإمامة في الدين ليست منصباً أو منحة أو جاهاً يتزين به الإنسان، بل هي منزلة ربانية جليلة لا تؤخذ إلا بحقها. قال الله تعالى: [قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ] (البقرة: ١٢٤) .

стр. 4903

نص شعري إلى جنة الخلد يا شيخ ياسين د. أحمد بن عبد الله السالم [*] قد أصاب القلوب منه انفطارُ ... وأصاب النفوس منهُ انكسارُ وغدا الدمعُ في العيونِ شحيحاً ... لا كفاها ولا الدموع تُعارُ قد أُصِبْنَا بفقدِ شيخٍ جليلٍ ... فالأعادي عليه صبحاً أغاروا لم يصونوا من القذائف وجهاً ... قد كساهُ المشيبُ وهو وقارُ فوق كرسيِّه يروح ويغدو ... مُقْعَداً، لا يديره بل يُدَارُ فانقضتْ صُحْبَةٌ فلا الشيخ شيخٌ ... ذو قرارٍ ولا الإطارُ إطارُ ضَرْبُ أمثالِهِ إذا كان ذنباً ... ليس يُمحى فالقتلُ جُرْمٌ وعارُ هو جُرمٌ في الملَّتينِ كبيرٌ ... وهو في سيرةِ الطريق انحسارُ هو نارٌ والمسلمون هشيمٌ ... للظاها في كلِّ قلبٍ أوارُ لم يقصرْ في الذود عنه ذووهُ ... أو يقصرْ في حفظ ياسينَ جارُ أيُّ حولٍ لهم على حفظِ شيخٍ؟ ... قد أتاه من السماء عِيَارُ يا شباب الشآم كونوا شهاباً ... واحرقوهم فالزاد زيتٌ ونارُ ربَّما يُهْزَمُ القويُّ فيفنى ... ومع الضعف قد يكون انتصارُ أنتمو إرثُ طارقٍ والمثنَّى ... لهما الصبرُ والكفاحُ شعارُ وإذا لم نجدْ سجايا نزارٍ ... في رجال الشآم، أين نزارُ؟ قد أصاب السُّعَارُ شارونَ هذا ... وبأشلائكمْ يداوى السُّعارُ ليس يثني إقْدَامَكم هدمُ بيتٍ ... واعتقالٌ ولا يَرُدُّ جدارُ لابن صهيونَ في فلسطين شرٌّ ... مستطيرٌ، والغرب لا يستجارُ ذاك غربٌ شارونُ يحكم فيهِ ... وبأقلامِهِ يصاغ القرارُ خبِّروه بأنَّ في القوم صنفاً ... ما له من مُنَاهُ إلا الثارُ قد تضيع الدماءُ هدراً ولكنْ ... دَمُ ياسينَ ليس منه فرارُ دَمُهُ في المزادِ شيءٌ عظيمٌ ... لا يُبَارى إن قيست الأسعارُ فاحسبوا كم إزاءه من دماءٍ ... وارصدوها فلن يطول انتظارُ وارقبوا ساحة القداسات يوماً ... ودم المجرمين فيها بحارُ نهج شارون قتلُ كلِّ بريءٍ ... شرعُهُ لا تصانُ فيه الصغارُ أيها المسلمون إنَّ الأماني ... سوف تبقى تحفُّها الأخطارُ ليس إلا بالعلم تبقى حظوظٌ ... في حياةٍ كريمةٍ لا تضارُ فإذا اثَّاقلت إليه خطانا ... فعلى مثلنا يفوت القطارُ فافعلوا من أسبابِهِ ما تَأَتَّى ... فيدانا من دون علمٍ قِصَارُ نحن ندري أَنَّ القضية أَضْحَتْ ... صفقاتٍ يديرها تُجَّارُ نحن ندري أَنَّ السلام سرابٌ ... عهْدنا بالسراب لا يستجارُ ويقيني أن الحبال خيوطٌ ... عنكبوتيةٌ فبئس الإصار ويقيني أن الطريق طويلٌ ... وجبالٌ وظلمةٌ وقِفَارُ تتمادى كواشرُ الوحشِ فيه ... ويغنِّي في وحلِهِ الصرصَارُ عامرٌ بالأسرار يا ليت شعري: ... أيُّ وقتٍ يزاحُ عنها الستارُ لستُ ممن تشاءموا حين قالوا: ... ما عساه أنْ يُصْلِحَ العطَّارُ

стр. 4904

ملفات فلسطين.. نزف مستمر وعطاء دائم! وترجل الفارس ... د. جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين [لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً] (النساء: ٩٥) . [إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاًّ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ] (التوبة: ١١١) . [مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً] (الأحزاب: ٢٣) . [وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] (آل عمران: ١٦٩-١٧٠) . قال رسول الله ﷺ : «إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطَّلع عليهم ربك اطَّلاعة، فقال: ما تبغون؟ فقالوا: يا ربنا! وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ ثم عاد عليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يُتركون من أن يُسألوا قالوا: نريد أن تردَّنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نُقتل فيك مرة أخرى لِمَا يرون من ثواب الشهادة فيقول الرب ﷻ : إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون» [١] . «السر يكمن في الإرادة، وإيمان الإنسان بالمبدأ الذي يسير عليه، فالدنيوي يقول: لو أن الدنيا ذهبت فقد خسرت كل شيء، لكن الإنسان المؤمن الذي يؤمن أنه ذاهب إلى جنة عرضها السموات والأرض يريد أن ينتقل من دنيا فانية إلى الراحة والطمأنينة والاستقرار عند رب العالمين، فهو ينتظر هذا اليوم، ويستبسل ويقاتل من أجل الفوز في هذا اليوم، ويثبت في الميدان حتى آخر رمق في حياته» الشيخ أحمد ياسين. فالمؤمن يقف أمام هذه الحقيقة الهائلة.. حقيقة حياة الشهداء في سبيل الله ... فالله ربهم الذي قتلوا في سبيله، يظل يتعهدهم بالهداية بعد الاستشهاد ويتعهدهم بإصلاح البال، وتصفية الروح من بقية أوشاب الأرض، أو يزيدها صفاء لتتناسق مع صفاء الملأ الأعلى الذي صعدت إليه، وإشراقه وسناه. فهي حياة مستمرة في طريقها لم تنقطع إلا فيما يرى أهل الأرض المحجوبون. وهي حياة يتعهدها الله ربها في الملأ الأعلى، ويزيدها هدى، ويزيدها صفاء، ويزيدها إشراقاً، وهي حياة نامية في ظلال الله. إنه لا جهاد، ولا شهادة، ولا جنة، إلا حين يكون الجهاد في سبيل الله وحده، والموت في سبيله وحده، والنصرة له وحده، في ذات النفس وفي منهج الحياة. لا جهاد ولا شهادة ولا جنة إلا حين يكون الهدف هو أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن تهيمن شريعته ومنهاجه في ضمائر الناس وأخلاقهم وسلوكهم، وفي أوضاعهم وتشريعهم ونظامهم على السواء. وليس هنالك من راية أخرى، أو هدف آخر، يجاهد في سبيله من يجاهد، ويستشهد دونه من يستشهد، فيحق له وعد الله بالجنة.. إلا تلك الراية وإلا هذا الهدف، لا ما يروج في الأجيال المنحرفة التصور من رايات وأسماء وغايات. فهؤلاء ناس منا، يقتلون وتفارقهم الحياة التي نعرف ظواهرها، ويفارقون الحياة كما تبدو لنا من ظاهرها، ولكن لأنهم: «قتلوا في سبيل الله» وتجردوا له من كل الأعراض، والأغراض الجزئية الصغيرة، واتصلت أرواحهم بالله فجادوا بها في سبيله؛ فهم ليسوا أمواتاً، وينهانا أن نحسبهم كذلك، ويؤكد لنا أنهم أحياء عنده، وأنهم يرزقون فيتلقون رزقه لهم استقبال الأحياء. إنها تعديل كامل لمفهوم الموت متى كان في سبيل الله وللمشاعر المصاحبة له في نفوس المجاهدين أنفسهم، وفي النفوس التي يخلفونها من ورائهم، وإفساح لمجال الحياة ومشاعرها وصورها؛ بحيث تتجاوز نطاق هذه العاجلة، كما تتجاوز مظاهر الحياة الزائلة، وحيث تستقر في مجال فسيح عريض، لا تعترضه الحواجز التي تقوم في أذهاننا وتصوارتنا عن هذه النقلة من صورة إلى صورة، ومن حياة إلى حياة. * سبحان الله! قبل أن يجف مداد القلم وأنا أكتب الجزء الثاني من مقال «كامب ديفيد.. ربع قرن بلا سلام» محاولاً التدليل على مراوغة الصهاينة وعدم جديتهم في السلام؛ لأنهم أعداءه؛ وإذا برسائل الهاتف الجوال تتوالى عليَّ لتبلغني بخبر استشهاد الشيخ أحمد ياسين نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً بقصف صاروخي، فقلت: يا سبحان الله! اليهود هم اليهود، فرفعت يدي داعياً: اللهم ازرقني ما رزقت به الشيخ أحمد ياسين من الشهادة والظفر والفوز. ولقد تأملت تفاصيل الحدث فوجدت الشهادة جاءت للشيخ لتتوج هذا الكفاح المرير الدامي في سبيل مقدسات المسلمين؛ فقد كنا للتو قد انتهينا من شهر الله المحرم وهذه مفارقة، وكان الشيخ خارجاً بعد أن أدى صلاة الفجر، ومن صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، وبعد أن أكمل الشيخ ورده الصباحي، ولعله كان صائماً حيث كان اليوم هو الإثنين، جاءته الشهادة سريعة مشتاقة على ثلاثة صواريخ وجهتها مروحيات عسكرية إلى الشيخ المشلول كهدف سهل لا يحتاج إلى عناء. وما كان من طبيعة الشيخ الهروب والاختفاء، وكأن الصاروخ قد قصد تقطيع الشيخ إلى ثمانية أشلاء ليدخل كل جزء من جسده إلى الجنة من أحد أبوابها الثمانية، ولا أريد التألُّه على الله في ذلك، ولكن النبي ﷺ أخبر: «أنتم شهداء الله في أرضه» [٢] ، وما شهدنا إلا بما علمنا من جهاد الشيخ وصبره وتضحياته، فكان جزاؤه شهادة مستحقة يغبطه عليها العاملون المخلصون، ويتجنبها الجبناء المتخاذلون، فلا نامت أعين الجبناء!! إن من يطلب الشهادة بصدق يبلِّغه الله إياها ولو مات على فراشه، وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ في أيام خلافته يطلب الموت شهيداً وهو في عاصمة الإسلام الأولى المدينة المنورة، فكانت ابنته حفصة ﵂ تقول له: يا أبتِ! من طلب الشهادة سعى لها في الثغور وأنت هنا في المدينة من أين تأتيك؟ فكان يقول: يا ابنتي! إن كتبها الله لي فستأتيني في مدينة رسول الله ﷺ ، وقد كان؛ فمن يصدق اللهَ يصدقه اللهُ. وقد كان تاريخ الشيخ أحمد ياسين كله دلائل صدق على طلب الرجل للشهادة، وقد عانى من الاحتلال حتى نال الشهادة أخيراً، وكأن كل معاناته السابقة كانت تخليصاً وتطهيراً للشيخ من أدران الدنيا حتى يلقى ربه طاهراً مطهراً. لقد عانى الشيخ من شظف الحياة والاحتلال منذ ولادته وحتى لقي ربه؛ فقد مات والده وهو في الخامسة من عمره، واضطر إلى اللجوء إلى قطاع غزة عقب هزيمة عام ١٩٤٨م، واقتات هو وأهله على ما كان يتبقى من معسكرات الجيش المصري هناك، ثم اضطر الشيخ ياسين لترك الدراسة لمدة سنة في عام ١٩٤٩م ليعين أسرته، ثم تحول خطيباً مفوهاً في الخطابة، وكان كالشهيد المجاهد عز الدين القسام الذي استخدم منبر الخطابة للدعوة إلى الجهاد والصمود. وقد اعتقلته السلطات الإسرائيلية عام ١٩٨٢م، ووجهت إليه تهمة تشكيل تنظيم عسكري وحيازة أسلحة، وحكمت عليه بالسجن ١٣ عاماً، لكنها اضطرت إلى إطلاق سراحه في عملية لتبادل الأسرى مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ثم عاد الشيخ أكثر قوة ونضجاً وخبرة عام ١٩٨٧م في الانتفاضة التي رسخت اسم حماس في أذهان الجماهير العربية والإسلامية، وهي الانتفاضة التي اشتهرت بانتفاضة المساجد. وفي أغسطس ١٩٨٨م داهمت السلطات الإسرائيلية منزله وهددته بالنفي إلى لبنان، وفي عام ١٩٨٩م، اعتقلته السلطات الإسرائيلية حيث حكمت عليه عام ١٩٩١م بالسجن مدى الحياة، لكنه خرج بعد محاولة الاغتيال المحبَطة التي قامت بها إسرائيل ضد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس في العاصمة الأردنية، مما وضع (إسرائيل) في حرج وخاصة أنها كانت قد وقَّعت معاهدة سلام مع الأردن مما اضطرها للإفراج عن الشيخ المجاهد. وفي عام ١٩٩٨م وفي أعقاب عملية استشهادية جريئة قامت بها حماس قامت السلطة على الرغم من اعتراض الكثير من أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني، على فرض الإقامة الجبرية على الشيخ، وقد قام الشيخ أيضاً في تلك الفترة بحملة علاقات عامة واسعة لحماس في جولة شملت العديد من الدول العربية والإسلامية. وقد بقي الشيخ شوكة في خاصرة الكيان اليهودي، وخصوصاً وهو يعلن الثوابت التي لا تنازل عنها في سبيل زوال كل الاحتلال عن فلسطين، فحاولت اغتياله في سبتمبر ٢٠٠٣م، لكن المحاولة أخفقت، وأخيراً نجحت إسرائيل في مسعاها يوم الإثنين ٢٢/٣/٢٠٠٤م، ومن المضحك المبكي أن هذا التاريخ يشهد ذكرى إنشاء جامعة الدول العربية، وعلى بضعة أيام من ذكرى اتفاقية كامب ديفيد. كان الشيخ يعاني من أمراض عديدة؛ فبالإضافة إلى شلله التام الذي ألزمه الكرسي لفترة تجاوزت نصف قرن، فهو يعاني من فقدان البصر في العين اليمنى بعدما أصيبت بضربة خلال التحقيق معه على يد المخابرات الإسرائيلية المجرمة أثناء فترة سجنه، إضافة إلى ضعف شديد في قدرة إبصار العين اليسرى، والتهاب مزمن بالأذن، وحساسية في الرئتين، وبعض الأمراض والالتهابات المعوية الأخرى. وكان الرجل قد بلغ السادسة والستين من العمر، ولو تركته إسرائيل مع هذه الأمراض لمات في أجله المحتوم، ولكنها الشهادة التي صدق الله في طلبها فلم يحرمه منها. قال تعالى: [وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ] (آل عمران: ١٤٠) . لقد عاش الشيخ بين اليتم والشلل، وعندما أعطى حياته لأمته عاش بين الاعتقال والاغتيال، وكان دائماً يقول: «إن من مظاهر وعلامات السلامة أن تشعر الأمة بقلق إزاء قضية فلسطين، قضية الأمة، ولكن المقاومة مستمرة، وفي كل يوم هناك عمليات وشهداء وتضحيات» . نقولها بكل ثقة: إن شهادة الشيخ أحمد ياسين ستجعل من كل حماس أحمد ياسين، بل من من كل مسلم صادق وغيور أحمد ياسين وكل شباب الحركة الإسلامية في النهج والصدق والثقة بالله ونصره أحمد ياسين، وبالثبات والصمود حتى يصدق الوعد ويحق الوعيد على بني صهيون؛ فالاستشهاد بداية الحياة وليس نهايتها. قال تعالى: [وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ] (العنكبوت: ٦٤) ، لكن مشكلتنا في الذين لا يعلمون إلا [ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ] (الروم: ٧) . إن الشهادة بداية العطاء وليست نهايته؛ فكلامنا كالدمى تدب فيها الحياة إذا سقيناها بدمائنا، وكل كلمة خرجت من هذا الرجل ستكون منهجاً لأبناء الدعوة والصحوة في العالم كله، وقد قال الشيخ ياسين ذات مرة: «أؤكد لكم أن الله غالب على أمره، وأن ثقتنا في الله أولاً، ثم في شعوب أمتنا الإسلامية، الشعوب المؤمنة كبيرة وعالية، وإننا بفضل الله ثم بدعائكم ودعمكم سننتصر، وسيجعل الله لنا ولكم بعد عسر يسراً» . * مسيرة الدماء والتضحيات: لقد كان دائماً المخذولون والمتواطئون يحاولون أن يغطوا سوءاتهم وتخاذلهم عن نصرة الأقصى بالهجوم على الحركة الإسلامية واتهامها باستغلال الدين لتحقيق مصالحها الدنيوية؛ فأين هي المصالح الدنيوية التي تحققت للحركة الإسلامية وهي تدفع شلالات الدماء من أرواح أبنائها وشبابها، سواء في ساحات الوغى في فلسطين أو خارجها على أعواد المشانق؛ حيث وجد اليهود فيهم خطراً على بقائهم في الأرض المقدسة. فمنذ قيام ما يسمى بدولة إسرائيل والحركة الإسلامية تحولت إلى قافلة شهداء لا تتوقف، بل من قبل ذلك، ولقد ذكَّرنا استشهاد الشيخ أحمد ياسين باستشهاد الشيخ فرحان السعدي خليفة عز الدين القسام في قيادة التنظيم القسامي. إذ إنه بعد أن فجَّر القساميون المرحلة الثانية من الثورة (سبتمبر ١٩٣٧م) وأخذت العمليات الجهادية تتسع وتزداد، سعت القوات البريطانية إلى القبض على الشيخ فرحان، واستطاعت بالفعل القبض عليه في ٢٢/١١/١٩٣٧م ولم تجد دليل إدانة (قانونياً) ضده سوى بندقية قديمة في بيته، لكنها ساقته إلى محاكمة عسكرية في ٢٤ نوفمبر وحاكمته محاكمة صورية استمرت ثلاث ساعات، وأصدرت حكمها بإعدامه، ولم تأخذ المحكمة بدفاع المحامين من أنه لم يُقبض عليه وهو يحمل السلاح، ولا بكبر سنه الذي قارب الثمانين، كما أنها سارعت بتنفيذ الإعدام في ٢٧/١١/١٩٣٧م (١٤ رمضان ١٣٥٦هـ) ولقد لقي الشيخ المجاهد فرحان السعدي ربه وهو صائم، ورفض المندوب السامي تأجيل الحكم إلى ما بعد رمضان على رغم أنه لم يحدث في تاريخ البلاد أن أعدم شيخ في مثل عمره وهو صائم. * ما الفرق بن الجلاد وسوطه؟ نحن نعتبر أمريكا وإسرائيل في الجريمة سواء؛ فأمريكا لم تدعُ إسرائيل إلى ضبط النفس وهي تجتاح المدن الفلسطينية وتقتل المدنيين وتبيد الأطفال والنساء، وتهدم المنازل على رأس ساكنيها، ولم تدن كل العمليات الوحشية التي قامت بها إسرائيل وتقوم بها؛ فليس من حق أمريكا أن تخرج بأسلحتها وجيشها المدجج بالسلاح المتطور لتجتاح الدول الأخرى وتسقط أنظمتها وتتحكم بمصائر شعوبها وثرواتهم، لكنها لا تعطي نفس هذا الحق لمن يريد أن يدافع عن عرضه وأرضه، ويحرر أرضه المحتلة. فما الفرق بين الجلاد وسوطه؟ فالجلاد هو راعي البقر، والسوط هو إسرائيل؛ فلماذا تنهال الشتائم والتهم والإدانات والاستنكارات على السوط الذي هو بلا إحساس وحراك، ويُترك الجلاد بلا أدنى عقاب، إلا إذا كان هذا الجلاد هو الشرطي الذي يخيف المنطقة ولا يملك أحد أن يقول للظالم: يا ظالم! أنت ظالم؟ حتى تبرأ الذمة بين يدي الله ينبغي أن نقول للحكام والرؤساء والعلماء الشعبيين والنظاميين إن من لم يتبرأ من اليهود وأمريكا فقد تبرأ الله منه، وهذا ليس افتراءً عليهم، بل مصداقاً لقوله تعالى: [لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ] (المجادلة: ٢٢) ، وهؤلاء لم يحادوا الله ورسوله فقط، بل أعلنوها حرباً صريحة مباشرة على الأمة الإسلامية ودينها وهويتها، وآن للغافل والمخدوع أن ينتبه إلى عسل الشعارات البراقة الخداعة المغشوشة بدماء شعوب المنطقة. لقد تدخلت أمريكا وللأسف الشديد حتى في أرقام ومقاسات ملابسنا الداخلية، وما يجوز وما لا يجوز منها، وكلما فصّلوا ثوباً، وكلما خاطوا سروالاً لبسناه رغبة أو رهبة مهما كان شكلنا شاذاً أو مضحكاً في لبسه، بل أصبح ساسة أمريكا (ملالي) يفتون في: «الدين الإسلامي، ويصنفون المسلمين كما يشتهون: فهذا معتدل، وهذا متطرف، وهذا منفتح، وهذا منغلق» . لقد وصف الشيخ الشهيد أحمد ياسين المهرولين بقوله: «هؤلاء المهرولون الذين انتصروا لمعصية الله» وأكد أنهم «لا يصلحون أن يدافعوا عن قضايا الأمة، وأن يقفوا في وجه الأعداء، وسيلفظهم التاريخ كما لفظ مَنْ قبلَهم، والأيام دول، وصدق الله العظيم القائل: [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] (آل عمران: ١٤٠) ، وصدق الله العظيم القائل: [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ] (الأنبياء: ١٠٥) ؛ فهؤلاء مفسدون لا بقاء لهم في سجل الخالدين لا أحياء ولا أموات» . * حياة العز: لقد آن للمسلمين أن يحددوا ما يريدون منهجاً للحياة: هل يريدون إسلاماً قاديانياً صنع في مصانع الغرب، أم إسلاماً جهادياً صنع على هدى من منهج الرحمن؟ والحركة الإسلامية كذلك بالخيار: هل تريد أن يكون الجهاد الصحيح في مكانه وزمانه أصلاً في منهجها وتربية أبنائها، أو أن يكون الذل والجور والضعف والانبطاح للسلاطين والحكام هو الأصل المسيطر؟ فهم بالخيار: أن يكونوا عبيداً لمنهج الله الشامل الكامل، أو عبيداً لمصالحهم وأهوائهم وضعفهم ونزغهم، وهم إما أن يأخذوا بالدين الذي نزل على محمد ﷺ وترك أمته عليه كالمحجة البيضاء بكل تشريعاته وفرائضه وتكاليفه، أو يأخذوا بدين صنعته إياد متخاذلة، وصاغته أجهزة الاستخبارات ليخرج جنيناً مشوهاً على يد علماء السوء الذين يغدق عليهم أهل الباطل ليزينوا للناس القعود، ويثبطوهم عن تكاليف الدين الصحيح؟ لا بد أن نربي الأمة على أن الحياة الحقيقية هي الحياة الآخرة، وأن الدنيا عرض زائل، نسأل الله السلامة من الفتن فيها، لكننا لا نتهرب من مسؤولياتنا وتكاليف هذا الدين العظيم الذي جاء ليضمن العزة لأمة الإسلام، ويسود الدنيا. لا بد أن نربي الأمة على معاني العزة والإباء والخوف من الله وحده؛ فهو الرزاق وهو المعطي وهو المانع، ولا نخاف من غيره أبداً، ولتستقر هذه الحقيقة في القلوب والوجدان. ويجب أن نربي أبناءنا على أن نعيم الدنيا وشرابها وطعامها أمر عارض مؤقت، وأن الآخرة هو الحيوان، وليكن لهم في الصحابة - رضوان الله عليهم - خير قدوة؛ فعندما يرمي أحدهم بسهم يقول ﵁ وهو يرى حنوطه الحور العين له: فزت وربِّ الكعبة! وليتعلموا أن المجاهد الكبير شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يكل أمره إلى الله بكل شؤونه، ويعلنها لا مواربة: «ماذا يصنع أعدائي بي، إن جنتي في قلبي؛ فقتلي شهادة، ونفيي سياحة، وسجني خلوة» فإذا لم تكن القلوب هي القلوب، والعقول هي العقول، والأرواح هي الأرواح، فلا خير فينا إذا لم تتمكن هذه القيم العزيزة من نفوسنا، حتى لا تتحول إلى سبة وعار على الإسلام والمسلمين؛ فكيف نربي أبناءنا على فروض الولاء والبراء لله، ونحن نطعمهم ليل نهار من وجبات اللحوم التي تربى في إسرائيل، وتعجن من راعي البقر عليه من الله ما يستحق. إن تربية الأبناء على الانتماء لهذه الأمة تربية شعورية في الضمير أمر لا يحتمل التردد وأنصاف الحلول، فيجب أن يشعر أبناؤنا بما تعيشه الأمة من محن وفتن، وأن يعرفوا أعداءها وكيف يكيدون لها، ونعرفهم أن طريق العزة لا يمر باسترضاء راعي البقر ولا سوطه المسلط على رقابنا، ولنتذكر كيف كانت الدنيا هينة لا تساوي عند صحابة رسول الله ﷺ شيئاً، وهي أساساً لا تعدل عند الله جناح بعوضة. لنعلمهم كيف ترك صهيب الرومي أمواله وتجارته في مكة وهاجر إلى مدينة رسول الله ﷺ ، فاستقبله رسول الله ﷺ قائلاً: «ربح البيع أبا يحيى!» ولنقص عليهم قصة مصعب بن عمير وكيف تنقل من الترف إلى خشونة العيش طاعة لربه ومرضاة لدينه، ولنقص عليهم شجاعة أنس بن النضر وإقدامه على الجنة في غزوة أحد. إن على الحكام إن أرادوا استقراراً حقيقياً لأممهم وشعوبهم أن يخلعوا ثوب أمريكا ثوب الذل والهوان، وليلبسوا ثوب التلاحم مع دين الله وشرعه، والتلاحم مع شعوبهم وأمتهم، وأن تعلن الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي نقضهم لكل مواثيق الذل والاستسلام والعودة إلى أمتهم، وليتها تكون صحوة ... ولو متأخرة!! * ياسين إلى خلود وإسرائيل إلى زوال: إن كانت غارة فجر عام ١٩٦٧م قد حطمت طائرات الناصرية والقومية وأحيت المارد الإسلامي، فإن استشهاد أحمد ياسين في فجر عام ٢٠٠٤م ستؤكد الخيار الإسلامي لدى شعوب المنطقة، وستحرق كل معاقل اليهود ومراكز قواهم ومن ولاَّهم ولو بعد حين. نعم! إن اغتيال أحمد ياسين عمل إجرامي من الدرجة الأولى، وما كانت إسرائيل لتقدم على هذا العمل الوحشي الشنيع لولا أن لها قدوة في الدول العربية التي تعتقل وتعذب وتسجن وتغتال الآلاف من أمثال الشيخ أحمد ياسين في سجونها ومعتقلاتها وعلى أعواد المشانق. لقد حرك الشيخ ياسين النفوس الآن وهو ميت مثلما حركها وهو حي، وربما سيقتل من اليهود بموته أكثر مما لقوا حتفهم أثناء حياته، فسيبكي اليهود طويلاً مقتله، وإن كان قد ذهب الشيخ إلى الحياة والرضوان؛ فإن اليهود لن يذوقوا طعم الراحة بعد الآن إلا مع زوال دولتهم ونزوحهم عن فلسطين المباركة المقدسة. لقد تابعتُ شبكة الإنترنت بعد مضي ١٢ ساعة على اغتيال الشيخ فوجدتها مشحونة بآلاف التعليقات والرسائل؛ فمنهم القائل: «اللهم أمتني شهيداً» ومنهم القائل: «موتوا على ما مات عليه» ومنهم من كتب: «نقبل التهاني لا التعازي في الشهيد ياسين» . لقد باتت إسرائيل الآن في خوف وهلع لا من إدانات أصحاب الياقات البيضاء وطاولات المفاوضات والاستنكارات والإدانات، بل من رد المقاومة العنيف والمزلزل الذي ينتظرها، فباتت شوارعها خالية، والقلوب هلعة، والنفوس ضيقة؛ وسيطرت حالة من الرعب الشديد لدى الإسرائيلي الغاصب المحتل. لقد حاولت إسرائيل أن تخلخل بنية حركة حماس قبل انسحابها من غزة من خلال اغتيال الشهيد أحمد ياسين، وربط هذه العملية القذرة بموجة محاربة الإرهاب وأنى لهم ذلك! فسيرتد كيدهم إلى نحرهم. وإن كان الشيخ أحمد ياسين يرقد في سلام فهم لن ينعموا بالراحة أبداً، ولعل استشهاد الشيخ جاء استجابة لدعائه في وقت السحر، توجه به بقلبه لربه، فلم يحرمه الله الشهادة.

стр. 4905

ملفات فلسطين.. نزف مستمر وعطاء دائم! الشيخ الأمة أحمد بن صالح السديس Asasat٢٠٠١@yahoo.com روي أنّ عمر بن الخطاب لما استبطأ فتح مصر بعث إلى عمرو بن العاص أربعة رجال ﵃ أجمعين وأعلمه أنّ الرجل منهم مقام الألف. وهكذا هم الرجال الذين يُستشعر فضلُهم وقدرُهم وفقدُهم، قد ترى أحدهم في هيئة متواضعة، وجسد ضعيف متهالك، لكنه يكشف لك عند الشدائد عن قلب أسد، وفعل بطل!! ترى الرجل النحيل فتزدريه ... وفي أثوابه أسدٌ هصورُ وإننا نحسب أنّ الشيخ أحمد ياسين ﵀ واحد من هؤلاء ببذله وجهاده وعطائه، الذي لم يتوقف على الرغم من تتابع المحن والمصائب، وتراكم الأمراض والنوائب. فلم يكن الشيخ يومًا مبعثًا للعطف أو الرحمة؛ إذْ كان مُقْعدًا حرَّكتْ همَّتُه أمَّتَه، وكم فينا من قويٍّ صحيح قعدتْ به همّتُه، ورضيت بالدون نفسُه!! لقد كان رمزًا لهذه الأمة، أو مثالاً حيًّا يجسِّد حالها. فهو وإنْ كان كبير السن، إلا أنه ظلّ كبيرًا في عقله وقوله وفعله، ثابتًا على مبادئه وعقيدته، وصنع ما لم يصنعه الشباب الأشدّاء، فظلّ متجدِّد الحيوية والنشاط. والأمّة وإنْ كانت كبيرة في عمرها إلا أنّها لا زالت كبيرة في قدرها ومقامها، ولا تزال مبادئها وقيمها ماثلة حاضرة؛ لم تشِخْ أو تهرَم، وصنعت في النفوس ما لم تفعله مئات المذاهب والأفكار الشابّة، فظلّت الأمة وستظلّ بإذن الله متجدِّدة النشاط والحيوية، ولا تزال طائفة منها يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة [١] . والشيخ وإنْ كان مريض البدن ضعيف الإمكانات إلا أنه لم يعجز عن بعث روح العزّة والكرامة في نفوس قومه وأمّته. ومثله الأمّة التي وإنْ كانت مريضة ضعيفة إلا أنها لا تزال تنجب الأبطال البررة، وتبعث في نفوس أبنائها القوة والرفعة. والشيخ وإنْ كان محاصرًا في بلده المحتلّ، ومُقعدًا لا يقوى على الحراك، إلا أنه مات وهو يمثِّل هاجسًا مقلقًا، ورعبًا لأعدائه مُفزعًا، ولم يَحُلْ دون خوفهم وقلقهم جيوش وعتاد وأسلحة دمار. وفي المقابل فإنّ الأمة وإنْ كانت محاصرةً في كثير من بقاعها، مقعدةً عن جُلّ وأجلّ أعمالها، إلا أنها لا تزال تمثِّل لأعدائها عدوًّا قويًّا مرعبًا، توجَّه من أجله الحشود، وتبذل من أجله الجهود. لقد علَّمنا الشيخ ألا نحقر أنفسنا، وأنّ بيد كل منا سلاحاً يملكه، قد يكون مختلفاً عن كل سلاح آخر، وأنّ لكل منا دوراً يحسنه، قد لا يحسنه غيره، وأنّ أحدنا لن يكون ضعيفاً ما لم يكن هو مَنْ أضعفَ نفسَه، بإضعاف عزيمته وهمّته. وذكَّرنا بأنّ الخير في هذه الأمة لا يُدرى أين يكون، ولا أين طرفاه، وأنّ المؤمن كالغيث ينفع حيث حلّ. كان الشيخ كبيرًا في حياته، فاستحق نهاية تليق بمقامه، بشهادة أعدائه. فلم تكن الرَّصاصة القاتلة كافية، بل وجّهوا إليه وهو الشيخ الأعزل، الذي لا يقوى على تحريك أصبع واحد من أصابع قدميه أو يديه!! طائراتٍ تحمل من السلاح ما يكفي لتدمير مبان شاهقة؛ فهم يرون الشيخ ذا قامة عالية ونفس حرّة شامخة، توازي تلك المباني القوية الشاهقة. ولئن ظنّ اليهود أنهم بمثل هذه الفعلة قد قضوا على المقاومة والجهاد، فإننا على يقين راسخ بأنهم في ظنهم وتوهّماتهم وأمانيهم كباسطِ كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وما هو ببالغه؛ ذلك أنّ هذه الأمة لا تموت بموت رجالها، بل إنّ الله يهيّئ لها من الخلف ما يجدِّد به ذكرَ السلف، ويرزقها من حيث لا تحتسب ولا يحتسب أعداؤها: إِذا ماتَ مِنّا سَيِّدٌ قامَ بَعدَهُ ... نَظيرٌ لَهُ يُغني غِناهُ وَيُخلِفُ وحين يغتال العدو بطلاً صنديدًا تنبعث روحه ومبادئه في نفوس الكثيرين، ويصبح قتله وبالاً على المجرمين القاتلين، ويعرفه حقَّ المعرفة من لم يكن يعرفه، ويُعجب به من لم يكن يوليه عنايتَه، ويظلّ رمزًا في نفوس الناس لكل مبدأ من مبادئه؛ فتحيا مبادئه، ويكون الأعداء وسيلة لنشرها، من حيث أرادوا وأدها. وأخيرًا فلا حزن ولا جزع، وكما قال عمر: قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، والله غالب على أمره، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 4906

نص شعري نقش الصمود محمد بن عبد الله المقرن في رثاء الشهيد - بإذن الله - الشيخ أحمد ياسين - رحمه الله تعالى -: «ياسين» أحييت في ذكراك موتانا! ... قد آن أن تجتني أحلامك الآنا بشراك هذا الذي ترجوه من زمن ... وافاك روحاً ووافى الكل أحزانا رزية أن يموت الفذ في زمن ... نتوق فيه لمن يخفي رزايانا عزاؤنا أنه ما مات في فُرُش ... منسوجة بالهوى ذلاًّ وإذعانا عزاؤنا أنه اختار الجهاد خطى ... خطا بها لجنان الخلد هيمانا عزاؤنا أنه أرسى مراكبه ... على الإباء وكان الهون مرسانا عزاؤنا أنه في الخلد متكئ ... على أرائكها إن شاء مولانا!! * * * «ياسين» أحدثت بين الحزن موقعة ... وبين صبري فأمسى القلب ميدانا أبكي فتسرع كف الصبر تمسح ما ... كسا عيوني من الأحزان إيمانا هذي نهاية أبطال الجهاد إذا ... راموا الشهادة شدوا العزم فرسانا وأطلقوا في حياض الموت أنفسهم ... وقدموا الروح مهر الحور برهانا درب الشهادة درب الموت ليس هوى ... يُحكى.. ولا عنباً يجنى ورمانا من عاش لله لا من عاش مضطرباً ... شتان بينهما يا قوم شتانا يا شيخ علمتنا أن اليهود بلا ... عهد وأن قتال الكفر قد حانا مدوا يد الغدر شل الله مفصلها ... لما رمتك بذاك الوبل عدوانا في غفلة قذفت.. بل غيلة قتلت ... تباً لما فعلت غدراً وطغيانا أخافهم وهو في كرسيه.. عجباً ... فكيف لو كان يمشي في سرايانا؟! أخافهم وهو ذو شيب وذو وهن ... فكيف لو كان كالشبان ريانا؟! الرعب ألقاه ربي بين أضلعكم ... يا نسل قردٍ غدا في الشكل إنسانا!! أقسمت بالله يا «شارون» أن لكم ... يوماً ستلقون فيه الذل خسرانا حان الجهاد فما أحلى بشارته ... لما دُعينا حسبنا الحرب بستانا بشارة النصر أو بشرى الشهادة إن ... حانت منيَّتنا روحاً وريحانا «ياسين» موتك قد أحيا عزائمنا ... وزادنا ببلوغ النصر إيمانا واللهِ واللهِ لن ننساك ما نبضت ... فينا العروق ولن ننسى ضحايانا!! هذي هي القدس تحني رأسها ألماً ... على الفراق كما يبكيك مسرانا دُفنتَ فيها ولم يُدفن هواك بها ... يبقى خلود الهوى للحب برهانا لن تنتهي سيرة الأبطال ما نقشوا ... صمودهم في كتاب المجد عنوانا!

стр. 4907

ملفات فلسطين.. نزف مستمر وعطاء دائم! اغتيال الشيخ ياسين.. حماقة أم مؤامرة ؟ عاطف الجولاني [*] طرحت عملية اغتيال مؤسس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) العديد من التساؤلات حول دوافع الجريمة وتوقيتها وتداعياتها المتوقعة على الساحة الفلسطينية وعلى الكيان الصهيوني والوضع السياسي في المنطقة، ولا سيما أن غالبية المحللين السياسيين رأوا في العملية تطوراً خطيراً وانعطافاً مهماً في مسار المواجهة المحتدمة بين الفلسطينيين والاحتلال الصهيوني. وذهب أحد السياسيين الصهاينة إلى وصف العملية بأنها شكّلت تجاوزاً للخطوط الحمر، وتغييراً لقواعد اللعبة بين الجانبين. بعضهم رأى في جريمة الاغتيال محاولة من رئيس الحكومة الصهيونية آرئيل شارون لحفظ ماء الوجه وردّ الاعتبار للجيش الصهيوني بعد العملية الجريئة التي نجح خلالها مجاهدان فلسطينيان في اجتياز سياج غزة، واختراق جميع الحراسات المشددة المفروضة على ميناء أشدود العسكري، وتنفيذ عملية تفجير موجعة أسفرت عن قتل وجرح العشرات، وكادت تتحول إلى كارثة صهيونية كبيرة لو تمكن المهاجمان من الوصول إلى مواقع المواد الكيماوية في الميناء، وهو ما اعتبر تطوراً استراتيجياً ونقلة نوعية في مستوى قدرات المقاومة الفلسطينية. في حين رأى محللون سياسيون آخرون أن عملية الاغتيال محاولة من شارون للخروج من أزمته الداخلية الخانقة، وتحسين مكانته في الشارع الصهيوني، بعد أن أظهرت استطلاعات الرأي تراجع شعبيته بصورة حادة في ظل عجزه عن تحسين الوضع الأمني، وتزايد الشكوك حول نزاهته الشخصية، وتوجيه الاتهامات له ولنجليه بالتورط في قضايا فساد مالي. وذهب بعضهم إلى القول بأن عملية الاغتيال لا تعدو كونها حماقة تنسجم مع طبيعة شارون ورعونته وتاريخه الإجرامي الحافل. * عدو استراتيجي: ومع عدم إغفال الطبيعة الإجرامية لشارون والتوجهات المتطرفة لأعضاء حكومته، وعدم التهوين من شأن الأزمة التي يعيشها بعد أن كاد حبل اتهامات الفساد يلتف حول عنقه، ومع أهمية رد الاعتبار للجيش الصهيوني بعد عملية أشدود البطولية، فإن تصريحات القيادات السياسية والعسكرية الصهيونية، قبل جريمة اغتيال الشيخ ياسين وعقبها، تؤكد وجود دافع أكثر أهمية، وأن العملية كانت جزءاً من خطة سياسية تتعلق بترتيب الأوضاع في قطاع غزة قبل الهروب الصهيوني الذي أعلنه شارون مغلفاً بشعار الفصل أحادي الجانب، وفك الارتباط بين الكيان الصهيوني والقطاع. فقبل يومين من تصفية الشيخ ياسين أعلن وزير الدفاع الصهيوني شاؤول موفاز الحرب ضد حماس، وصنفها كـ «عدو استراتيجي لإسرائيل» وقال: إن خطة شاملة وضعت لمكافحة هذا العدو على كل الأصعدة بما في ذلك تصفية نشطاء كبار في الحركة، وإغلاق صنابير دعمها المالي، وضرب بناها التحتية. وأكد موفاز أن للكيان الصهيوني مصلحة كبيرة في إضعاف حماس قبل الانسحاب من غزة. وكان الخوف من تنامي قوة حماس في الأراضي الفلسطينية بخاصة في قطاع غزة قد تزايد في أعقاب تقارير أمنية صهيونية أظهرت تراجع قوة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية على مختلف المستويات السياسية والعسكرية والشعبية، لصالح حركة حماس التي أكدت التقارير أنها باتت مؤهلة لسدّ الفراغ الذي تتركه السلطة والمنظمة، وللسيطرة على قطاع غزة حال انسحاب القوات الصهيونية منه. وعزز هذه المخاوف نتائج الانتخابات النقابية والجامعية واستطلاعات الرأي التي أظهرت جميعها تقدم حركة حماس على حركة فتح وحلفائها من القوى العلمانية. وقبل يوم واحد من اغتيال الشيخ ياسين قال الخبير الصهيوني في الشؤون الفلسطينية داني روبنشتاين: «مرت عشر سنوات منذ التوقيع على اتفاق أوسلو، والآن أصبحت مكانة منظمة التحرير الفلسطينية الأكثر بؤساً ربما خلال تاريخها كله، وأكثر شكاً في وحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني مما كان عليه عند تأسيسها، ومن حاول التعرض لها خلال السنوات السابقة كانوا خصوماً غير فلسطينيين، أما الآن فقد ظهر الخصم الذي يهدد بالقضاء عليها من الداخل ومن صفوف الشعب الفلسطيني» . وأضاف روبنشتاين: «الخصم الحالي الداخلي يحقق النجاح على ما يبدو في تنفيذ ما لم ينجح به الخصوم الخارجيون، حماس هي الخصم السياسي والأيديولوجي للمنظمة وللسلطة الفلسطينية التي أقامتها.. وحسبما يحدث في غزة يبدو أن المنظمة لم تعد الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، هناك الآن ممثل آخر هو حماس» . ولم تقتصر التحذيرات من سيطرة حماس على قطاع غزة بعد انسحاب القوات الصهيونية منه على أجهزة الاحتلال الأمنية؛ فأوساط فلسطينية وعربية عبّرت هي الأخرى عن المخاوف ذاتها، وجرت لقاءات رسمية صهيونية عربية تم خلالها مناقشة هذه المخاوف وسبل مواجهتها والحدّ منها. السلطة الفلسطينية التي كانت رحبت بادئ الأمر بإعلان شارون نيته الانسحاب من قطاع غزة، عادت بعد أيام وعلى لسان رئيس وزرائها أحمد قريع لتناقض موقفها السابق، ولتعبّر عن رفضها خطط شارون بإخلاء القطاع من طرف واحد دون ترتيبات مسبقة مع السلطة في سياق خطة خريطة الطريق، وحذرت من مخاطر هذه الخطوة على الأوضاع داخل قطاع غزة، وهو ما أثار الاستهجان حول هذا الرفض غير المسوَّغ لانسحاب صهيوني غير مشروط من قطاع غزة!! كما عبّرت كل من مصر والأردن على لسان وزيري خارجيتيهما عن مخاوف مشابهة، وقالتا إن انسحاب القوات الصهيونية من القطاع دون ترتيبات مسبقة مع السلطة سيتسبب في «كارثة لكلا الجانبين» الفلسطيني والصهيوني، في إشارة إلى الخشية من سيطرة حركة حماس على الأوضاع في قطاع غزة. كذلك صدرت عن الإدارة الأمريكية تحفظات مماثلة على الفصل أحادي الجانب من غزة. المخاوف والتحذيرات السابقة أدت إلى طرح اقتراحات صهيونية بإعطاء دور أمني لدول عربية مجاورة للإشراف على الوضع الأمني داخل القطاع ومساعدة السلطة الفلسطينية على بسط سيطرتها السياسية والأمنية. وأشارت صحف صهيونية إلى تفاهمات تم الاتفاق عليها بهذا الخصوص بين مصر والكيان الصهيوني، وقال مسؤولون مصريون إنهم لا يعارضون دوراً أمنياً مصرياً في القطاع، لكنهم طالبوا بإدخال تعديلات على معاهدة كامب ديفيد تتيح تنفيذ المهام المطلوبة. تخوفات الأطراف العربية المرتبطة باتفاقيات تسوية مع الكيان الصهيوني من خطة فك الارتباط مع قطاع غزة مصدرها الخشية من أن يكون للسيطرة المحتملة لأطراف إسلامية على القطاع انعكاساته السياسية والأمنية على أوضاعها الداخلية. مصدر آخر للقلق ينبع من انزعاج تلك الأطراف التي اعتمدت المفاوضات خياراً استراتيجياً وحيداً في التعامل مع الكيان الصهيوني، من مغبة سقوط هذا الخيار لصالح خيار الجهاد والمقاومة الذي سيتعزز إذا ظهر أن الانسحاب كهروب صهيوني من جحيم المقاومة المتصاعد في غزة، في تكرار لمشهد الهروب الصهيوني قبل أربعة أعوام من جنوب لبنان. * تطهير القطاع: شارون ووزير دفاعه موفاز لم يرغبا هما الآخران بتكرار المشهد اللبناني في قطاع غزة؛ فكلاهما انتقد في حينه الطريقة التي أخرج بها رئيس الوزراء الصهيوني السابق إيهود باراك قواته من الجنوب اللبناني؛ حيث ظهر الجيش الصهيوني كجيش مذعور يفرّ من ساحة المعركة. وقد كشفت تصريحات مسؤولين إسرائيليين إضافة إلى تسريبات نشرتها الصحافة الصهيونية خلال الأيام الماضية كشفت النقاب عن بعض ملامح خطة شارون - موفاز لقطاع غزة التي بدأ تنفيذ أولى خطواتها الكبيرة باغتيال مؤسس حماس. ووفق المصادر الصهيونية فإن الخطة ترمي إلى تحقيق هدفين بضربة واحدة: الأول: حرمان المقاومة الفلسطينية من تسجيل انتصار معنوي على الجيش الصهيوني، عبر توجيه ضربات عنيفة للحركات المجاهدة قبيل إخلاء قطاع غزة؛ بحيث يظهر شارون والجيش الصهيوني بصورة القوي المنتصر الذي يخرج بإرادته لا بفعل ضربات المقاومة. وهذا من شأنه أن يخلّص الجيش من الضرر الذي لحق به جراء خروجه المذل من جنوب لبنان، أو كما قال المحلل السياسي الصهيوني بن كسبيت: «يريد شارون أن يمحو عار الهروب من لبنان» . والثاني: تنظيف قطاع غزة وتطهيره وترتيب الأوضاع داخله وتهيئة الظروف لنقل السيطرة لقيادة فلسطينية (معتدلة) تنسجم مع الرغبات الصهيونية؛ وذلك من خلال إضعاف حركة حماس وتوجيه ضربات مؤلمة لبنيتها السياسية والعسكرية. صحيفة معاريف الصهيونية نقلت عن ضابط كبير في الجيش قوله: «إن تصفية الشيخ ياسين ستتيح المجال للمعتدلين والبراغماتيين (في المعسكر الفلسطيني) العودة إلى الصورة الفلسطينية.. دحلان سيخرج من قبره، وأبو مازن سيعود، وأبو علاء سينتعش.. وعندها سيأتي لصهيون الخلاص، هذه هي خطة جيش الدفاع باختصار شديد» . وأضافت معاريف أن محمد دحلان المسؤول السابق لجهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة والمقرب من سلطات الاحتلال يمكث حالياً في بريطانيا في دورة لتعلم اللغة الإنجليزية، وتوقعت أن يقطع دحلان تلك الدورة وأن يعود إلى القطاع لمحاولة منع حماس من استغلال شعبيتها في فرض سيطرتها عليه. ونسبت الصحيفة إلى مصادر في جهاز الأمن الصهيوني قولها: إن الجهاز يأخذ الانطباع بأن مصر تمارس هذه الأيام ضغطاً كبيراً على السلطة الفلسطينية لكبح جماح حركة حماس. صحيفة هآرتس نقلت هي الأخرى عن مصادر في الجيش الصهيوني قولها: إن اغتيال الشيخ ياسين يهدف إلى إلحاق ضرر كبير بحركة حماس للسماح لأطراف في السلطة الفلسطينية مثل محمد دحلان بالسيطرة على القطاع بعد انسحاب الجيش الصهيوني منه. ونقلت الصحيفة عن وزير الدفاع شاؤول موفاز قوله: «مع مرور الوقت حماس ستضعف لا سيما إذا واصلنا تصفية كل القيادة السياسية للحركة» . وبرأيه فإن «هذا سيسمح لأشخاص مثل دحلان بأن يعيدوا باسم السلطة القانون والنظام إلى غزة، والسماح لإسرائيل بخروج مرتب» . صحيفة يديعوت أحرونوت الصهيونية نسبت لمسؤول كبير في الجيش قوله إن الجيش سيحاول خلال الأشهر القادمة المس الجسدي بأكبر عدد ممكن من قادة حماس في قطاع غزة «ليس فقط من أجل ألا يتخذ الانسحاب صورة الهرب، بل ببساطة من أجل سحق هذه المنظمة» . وأضاف المسؤول: «كل الخطوات هي بقدر كبير أيضاً مصلحة للسلطة الفلسطينية، وهي ستسمح لمحمد دحلان السيطرة على قطاع غزة بدل حماس بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي» مؤكداً أن «الحرب مع هذه المنظمة (حماس) انطلقت على الدرب ولا نية للتراجع» . وكشفت الصحيفة النقاب عن أن مسؤولي جهاز الأمن الصهيوني شاركوا في اجتماع المجلس الوزاري عقب اغتيال الشيخ ياسين، وطرحوا وجهة نظرهم حول أهمية هذه الخطوة، وقالوا: «إن قوة حماس تتعزز والسلطة الفلسطينية تضعف، ولما لم تكن هناك أي إمكانية للحديث مع حماس أو حتى الوصول إلى اتفاقات بالصمت معها، فيجب إضعافها قبل أن نخلي غزة، وتصفية ياسين كفيلة بأن تترك حركته دون زعيم كارزماتي، وأن تورطها في حرب خلافة، وأن تعزز ما تبقى من قوى خصومها» . المحلل السياسي الصهيوني أبراهام تيروش رأى أن اغتيال الشيخ ياسين يؤكد نية شارون إخلاء قطاع غزة وتنفيذ خطة الانفصال، ولكن شارون «يريد قبل ذلك أن يطهّر القطاع من زعماء حماس.. من أجل الإقلال من خطر أن تستولي الحركة تماماً على القطاع بعد إخلائه، وأن تقضي قضاء مبرماً على السلطة الفلسطينية» . ويتفق مع هذا الرأي المحلل السياسي آري شبيط الذي قال إن اغتيال الشيخ ياسين «خطوة أولى في سلسلة خطوات تهدف إلى تمكين قيادة فلسطينية أخرى من الإمساك بدفة القيادة» ، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تشكل «فرصة جديدة لأشخاص مثل محمود عباس ومحمد دحلان وسلام فياض الذين أزيحوا إلى الهامش في الأشهر الستة الأخيرة» . لكن أخطر ما ذكره شبيط أن أطرافاً فلسطينية وعربية تدرك مرامي خطة شارون موفاز من وراء اغتيال الشيخ ياسين و «قسم من الفلسطينيين يرحب بالخطوة، وكذلك الحال مع بعض الدول العربية التي تشعر بالرضا» . وفي خطوة أثارت الاستياء في الشارع الفلسطيني وتعزّز ما ذهب إليه شبيط، أدان رئيس وزراء السلطة الفلسطينية أحمد قريع بعد أسبوع واحد من اغتيال الشيخ ياسين أي عمليات استشهادية قد تنفذ ضد إسرائيليين رداً على الجريمة. وسبق هذه الإدانة بثلاثة أيام مذكرة أصدرها ٧٠ شخصية فلسطينية مؤيدة لاتفاقية أوسلو ووثيقة جنيف تطالب بالامتناع عن الردّ على عملية اغتيال الشيخ ياسين، ووقف العمليات الاستشهادية، وإنهاء المقاومة المسلحة، والانتقال إلى الانتفاضة الشعبية السلمية ضد الاحتلال. * نتائج عكسية للمؤامرة: وإذا كانت ملامح مؤامرة شارون - موفاز ضد حماس والمقاومة الفلسطينية باتت واضحة وتتقاطع مع مصالح بعض الأطراف الفلسطينية والعربية، فثمة أصوات في المعسكر الصهيوني تبشّر بإخفاق هذه المؤامرة وتحقيقها نتائج عكسية. المحلل السياسي الصهيوني (يرون لندن) سخر من الأهداف التي يراهن شارون على تحقيقها من عملية تصفية الشيخ ياسين وقال إن «ياسين الميت أقوى من ياسين الحي، وصورته ككبير الشهداء المسلمين باتت تلهب خيال الجماهير وتقلّص حرية عمل الزعماء الفلسطينيين العقلانيين» . روني شكيد اتفق هو الآخر مع يرون، وقال: «إن الشيخ ياسين كان أسطورة وهو على قيد الحياة ورمزاً للكفاح لروح مصممة في جسد محطم، لكن موته كشهيد عزز الأسطورة وحوله إلى قوة تجند لعمليات الإرهاب. ياسين تمت تصفيته لكن حماس تعززت، والضربة المعنوية التي تلقتها الحركة أصبحت دافعاً للحث على الإرهاب، والشارع الفلسطيني مفعم اليوم بحماس بقدر أكبر مع استعداد أكبر للتضحية والثأر؛ بحيث لا ينبغي أن يكون لدينا أي وهم بأننا نحن سندفع الثمن» . ويسخر شكيد من توقعات شارون وموفاز بأن يؤدي اغتيال الشيخ ياسين إلى إضعاف حماس وإرباكها؛ فهي حسب رأيه «ليست حركة تستند إلى عمل زعيم، بل إلى أيديولوجيا دينية متصلبة. قيادة حماس واسعة وكبيرة في غزة وفي الضفة وفي الخارج، وحتى عندما كان ياسين قيد السجن واصلت حماس مراكمة القوة، ونفذت عمليات تفجيرية غاية في الإيلام. وإذا اعتقد أحد ما أنه في أعقاب التصفية ستغير الحركة طريقها فقد أخطأ خطأ جسيماً» . ويرى العديد من المثقفين والسياسيين الصهاينة المعارضين لاغتيال الشيخ ياسين أن العملية أضفت على المواجهة الراهنة بعداً عقائدياً وفجرت صراعاً دينياً ستكون حماس وحركات المقاومة المستفيد الأول منه. البروفيسور الصهيوني غي ياخور يؤكد أنه «مع الاغتيال اندمجت غزة برمتها في حماس، ومن سعى لتقزيم الحركة منحها الآن أبعاداً وطنية ودينية وتاريخية هائلة» .

стр. 4908

ملفات فلسطين.. نزف مستمر وعطاء دائم! حماس وما حولها بعد الشيخ ياسين أمير سعيد amirsaid@gawab.com شأن العظماء دوماً ألا يكون موتهم وحياتهم سواء، وأن يتعدى فقدانهم التأثيرات المحلية إلى الإقليمية والدولية، وذاك شأن الشيخ أحمد ياسين الذي أحدث استشهاده انقلاباً في حياة فلسطين والأمتين العربية والإسلامية.. وسر العظمة أن في «غيابه» تجتمع الخسارة الكبيرة والربح الوافر، وهما لا يتقابلان إلا لدى استشهاد الشيخ أحمد ياسين تاج المقاومة الإسلامية الفلسطينية وعنوان الصمود. هل شهد العالم المعاصر من قبل رجلاً تُوِّج زعيماً للأمتين العربية والإسلامية يوم استشهاده؟ بالتأكيد إن ذلك لم يحدث من قبل، ولم يتوافر إلا للشيخ ياسين عليه رحمات الله المدرارة؛ فقد شهد العالم الإسلامي أعظم استفتاء بزعامة الشيخ ياسين؛ عرفاناً لرجل ضن التاريخ أن يخلف مثله. لم يكن الزعيم قبل استشهاده بهذه الشعبية الجارفة، ولم يكن موحداً للأمة الإسلامية مثلما كانها يوم أن نال الشهادة، فكان شهيداً وشاهداً للأمة الإسلامية وشاهداً عليها، ولا غرو؛ فذاك أمر قضاه الله، ونطق بآيه القراء في الآفاق: [إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ] (آل عمران: ١٤٠) ، فهو إذن اصطفاء من المولى للشهيد وإعلاء قدر واستشهاد من الله، ليلقي شهادته للأمة ويكون شاهدها عند الله. يقول صاحب الظلال في تفسير الآية: (.. هم شهداء يتخذهم الله، ويستشهدهم على هذا الحق الذي بعث به للناس. يستشهدهم فيؤدون الشهادة. يؤدونها أداء لا شبهة فيه، ولا مطعن عليه، ولا جدال حوله. يؤدونها بجهادهم حتى الموت في سبيل إحقاق هذا الحق، وتقريره في دنيا الناس. يطلب الله سبحانه منهم أداء هذه الشهادة، على أن ما جاءهم من عنده الحق، وعلى أنهم آمنوا به، وتجردوا له، وأعزوه حتى أرخصوا كل شيء دونه، وعلى أن حياة الناس لا تصلح ولا تستقيم إلا بهذا الحق، وعلى أنهم هم استيقنوا هذا، فلم يألوا جهداً في كفاح الباطل وطرده من حياة الناس، وإقرار هذا الحق في عالمهم وتحقيق منهج الله في حكم الناس.. يستشهدهم الله على هذا كله فيشهدون. وتكون شهادتهم هي هذا الجهاد حتى الموت. وهي شهادة لا تقبل الجدال والمحال!) . وللمفارقة البحتة الدالة على عظمة الرجل ومدى تأثيره الفاعل في العالم كله، أن يلقب الرجل بين المسلمين بـ «شيخ المجاهدين» وبين اليهود بـ «زعيم الإرهاب» وهو في الحالين لم تكن تقوى يداه على الإمساك بورقة فضلاً عن حمل قنبلة!! قضى الشيخ نحبه، ويستقوي غيره بالانتظار، وقد ترك المحللين السياسيين يتحدثون في بقاع الدنيا عن تأثيرات «غيابه» المفترض على الساحتين العربية والإسلامية، سواء داخل فلسطين أو خارجها، ومدى تأثير قتله غيلة على أيدي شارون وعصابته على حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي كان الشيخ ياسين يتزعمها. - أوروبياً: بحكم قرب أوروبا من فلسطين فإن الحدث لم يكن غائباً عن الأوروبيين، وهو من دون شك سيرفع تلك النسبة العالية أصلاً التي صوتت في آخر استطلاع للرأي حول الإرهاب والذي أوضح مسؤولية «إسرائيل» عن انتشار الإرهاب في العالم؛ حين صوت الأوربيون على اختيار «إسرائيل» كأول «دولة» إرهابية في العالم بنسبة ٥٩%، ما أحرج السياسة الأوروبية كثيراً في حينه. وأوروبا وإن كانت ماضية في طريق وصم حركة حماس بالإرهاب وحظر أنشطتها ومنع المسلمين فيها من دعمها مادياً ومعنوياً فإن استمرارها في هذا السبيل مرتبط بعقيدتها أولاً، ثم مدى تحررها من ربقة التبعية السياسية للولايات المتحدة الأم الرؤوم لـ «إسرائيل» ومدى استثمار المنظمات الإسلامية لهذا الحادث في تجسيد إرهابية الفعل العسكري «الإسرائيلي» . - أمريكياً: ليس لها كبير تأثير على السياسة الأمريكية على المدى القريب؛ إلا أن لها تأثيرات على المدى البعيد استناداً إلى انزعاج الـ A. I. C من الغضبة الشعبية العارمة التي عمت الحوض الإسلامي (الشرق الأوسط الكبير حالياً!!) من المحيط إلى المحيط، والتي أظهرت أن هذه الأمة رغم كل ما حاق بها من تغريب تمسك بتلابيبه الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلا أنها ما زالت عصية على كل محاولات تركيعها وتسجيدها للبيت الأبيض، وأنها لا تحلم بغد أمريكي بقدر ما تحلم بالخلاص منه. - عربياً: كان الأمر مفاجئاً للجميع ومحرجاً لزعامات كانت تستعد لقمة مهيضة سرعان ما عرفت طريقها إلى الانزواء. والحق أن تتويج الشيخ ياسين كزعيم حاضر للأمة العربية كان أعظم نتائج حادثة الاغتيال؛ فبعد الزعيم القومي عبد الناصر لم تلتئم الأمة العربية على زعيم، وإذ أردنا الدقة أكثر من ذلك لقلنا إن الذي يجمع الأمة العربية هو الإسلام لا القومية، ولذا فإن تتويج الشيخ كزعيم حقيقي للأمة لا كزعيم حنجوري كما ألفناه في القوميين وعلى رأسهم «الزعيم الملهم» يعد سابقة فريدة في العصر الحديث؛ ذاك أنه ولأول مرة منذ سقوط الخلافة العثمانية تدين الأمة العربية لرجل لا يمارس فعلياً أي سلطان على الأمة العربية إلا سلطان العقيدة، وإذا كان كثير من الزعامات الكرتونية قد نجحوا في أسر عشرات الآلاف من مناضلي شعوبهم؛ فإن الشيخ من دون أن يحرك يديه كان قادراً على أسر قلوب مئات الملايين في العالم العربي والإسلامي. حتى صار كرسيه أشهر من كل الكراسي الوثيرة، ولا غرابة فكرسيه «متحرك» وكراسيهم «جامدة» ، وكرسيه وإن خلا فهو مفعم بكل معاني القيادة والرفعة والشموخ، وكراسيهم متخمة وأصحابها خواء وأفئدتهم هواء. وفي صلب السياسة لا نبتعد ولا نهرب إلى الأحلام وعبارات الأدب حين نقول إن مشهد رأس الشيخ وهو يبتسم وقد خرج دماغه من رأسه لا يعبر فيما يعبر إلا عن أفكار كانت حبيسة رأسه فشاعت في الآفاق لا تحدها حدود فلسطين، لتكون عنوان المرحلة «عقيدة بلا حدود.. مقاومة بلا حدود.. جهاد بلا حدود» . ولا أبالغ إن قلت: إن اغتيال الشيخ سيكون له أثر قد لا يظهر الآن؛ لكنه قد انقدح في لا شعور الكثير من شباب وأطفال العروبة بما لا يمكن تلمسه في يوم وليلة، وبما يعجز معه المتابع أن يدعي إلمامه بتأثيره النفسي والسلوكي على المدى القريب فضلاً عن البعيد. لم يكن العرب كل العرب يجتمعون على شخص زعيم سياسي مثلما اجتمعوا إثر استشهاد الشيخ الزعيم، ومكسب كبير للأمة العربية أن يكون رمزها المرحلي هو رمزاً إسلامياً سواء كان حياً في الأرض أم حياً عند ربه. - فلسطينياً: وهو بيت القصيد: لتداعيات اغتيال الشيخ الشهيد تداعيات على أصعدة مختلفة يمكن اختزالها فيما يلي: ١ - يتوقع أن يكون لاغتيال الشيخ تأثير قوي على حركة حماس؛ فهي قد فقدت رمزاً لها كان موضع احترام كل الفصائل ولا يختلف بشأنه اثنان، وهو في الوقت المناسب كان فائق النجاح في لملمة الجراح والحؤول دون انفراط عقد الوحدة الفلسطينية وصمام أمان ضد احتمالات الاحتراب الداخلي الفلسطيني. إن خسارة الشيخ هي خسارة للحمة الفصائل وإلى المهابة الكبيرة الداخلية للحركة بسبب أن الشيخ ياسين كان موضع تقدير واحترام الجميع من أتباعه ومخالفيه أيضاً. ٢ - من جهة أخرى؛ فإن اغتيال الشيخ سيؤدي في الغالب إلى منح حركة حماس قدراً من الحصانة الداخلية لعدة أشهر على الأقل لا يتوقع خلالها أن تستهدف الحركة من قِبَل السلطة الفلسطينية أو أي جهة قد تتولى مسؤولية إدارة قطاع غزة في القريب المنظور، ومرد هذه الحصانة المفترضة ليس قوة حماس المادية فهي قد تأثرت بالغاً من سياسة الاغتيالات في الداخل والتضييق على سبل دعمها من الخارج وإنما من ارتفاع شعبيتها الملحوظ في فلسطين خصوصاً والعالم الإسلامي والعربي عموماً الذي بات متفهما إلى حد كبير لضرورة ردها على العدوان الصهيوني الذي لا يسير إلا بطريق القهر المسلح للفلسطينيين. وإلى ذلك، فالمتوقع أن تكون حركة حماس الآن قد تبوأت وضع الفصيل الشعبي الأول في فلسطين، وإنها وإن كانت تخسر كل فترة وجيزة قيادياً متميزاً يندر أن يجود الزمان بمثله إلا أنها تكسب آلافاً من الأنصار الجدد، ولعلنا نلحظ أن رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس وزرائه أحمد قريع لم يكن لهما أي حضور أو تأثير يذكر في الحادث برغم أنهما أرادا أن يركبا موجة التنديد، وأن بيت العزاء الذي أقامه الأول لم يشهد حضوراً لائقاً من أحد اللهم إلا من أركان حكمه وبعض المستفيدين والبسطاء، وهذا كله يشي بأن الحركة قد صارت عنوان فلسطين الأوحد في هذه المرحلة وهو مكسب عظيم لحماس في وقت تعاني فيه من الضعف العسكري واللوجيستي. ٣ - أخطر ما في قضية اغتيال الشيخ ياسين فيما يخص حركة حماس، أن الكيان الصهيوني بات يتحرك بلا محرمات وبلا خطوط حمراء، وهو يسعى جاهداً للنيل من قادة الحركة الفلسطينية الراشدة، ومن ثم فإن الحديث عن عزم أجهزة الأمن الصهيونية استهداف نحو ٧٠ من قادة حماس لا يمكن وضعه في خانة التهديد الفارغ، وإنما هو هدف ستسعى إليه «إسرائيل» حثيثاً، ويعني أول ما يعني أن الحركة الإسلامية الفلسطينية باتت في خطر بالغ يتهددها؛ إذ لا فرق بين عسكري ومدني من قادة حماس، وهذا من شأنه أن يدفع الحركة للانكماش التأميني لحياة قادة لا ترى لهم نظراء في الجيل الثاني والثالث من الشباب. وصحيح أن الحركة مؤسسة ولها أجندتها الواضحة، وقد تجذرت بعمق سحيق داخل التربة الفلسطينية بما لا يجعل اجتثاثها حتى مجرد حلم يراود الصهاينة؛ غير أن ذلك لا يجعلنا ندفن رؤوسنا في الرمال مهملين تأثير غياب قادة الفكر والتنظير والتنظيم والتاريخ والخبرة والحنكة والتجارب وحتى العسكرية منها على هذه الحركة المناضلة واحداً تلو الآخر (الشيخ أحمد ياسين زعيمها الروحي ٢٢/٣/ ٢٠٠٤م، المهندس إسماعيل أبو شنب مؤسس بُناها التنظيمية وخلاياها، والشيخ صلاح شحادة مؤسس كتائب عز الدين القسام يوليو ٢٠٠٢، وإبراهيم المقادمة القيادي البارز مارس ٢٠٠٣م، ومحمود أبو هنود أحد أبرز قادة كتائب عز الدين القسام ٢٣/١١/٢٠٠١، وجمال منصور وجمال سليم القياديين السياسيين البارزين في نابلس (الضفة الغربية بعد دقائق من إدلائهما بحديث صحفي لـ C. B. B ٣١/٧/٢٠٠١م، فضلاً عن المحاولتين اللتين لم تفلحا لاغتيال زعيم حركة حماس في غزة الدكتور عبد العزيز الرنتيسي والقائد السياسي البارز إسماعيل هنية) . وإذا كان المنظِّر الصهيوني (رؤوبين باز) من مركز هرتسليا قد قال في ندوة أجرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية بعد أيام قليلة على اغتيال الرمز الفلسطيني إن «اغتيال ياسين لن يضعف حماس البتة. وما تفعله إسرائيل من شأنه فقط أن يضاعف قوة الجذب التي تنطوي عليها هذه الحركة (..) وحتى لو تم القضاء على سائر القادة فإن هناك ما يكفي من الناس لدى القيادة الوسطى لملء الصفوف في القيادة العليا أيضاً» . وإذا كان هذا أيضاً ما قاله مسؤول أمني صهيوني كبير حين وصف سياسة التصفيات التي تنتهجها «إسرائيل» بأنها «مثل تفريغ البحر بوعاء» ، وأيضاً ما أكده (يعقوب بيري) الرئيس الأسبق للشاباك، قائلاً: «لا يمكن تصفية الأيديولوجيات بالقوة من خلال قتل الزعماء» ، إلا أن ذلك لا يقلل أبداً من حجم العبء الذي تنوء به حماس وحدها حين تجد نفسها مضطرة كل يوم لتغيير تحركات قادتها، مدفوعة إلى الانكماش رغماً عنها. ٤ - وثمة ما هو أخطر من النقطة السابقة؛ بيد أنه غير متضح إلى اللحظة، أننا نخشى أن يكون تصفية القادة وسياسة الاغتيالات توطئة لمرحلة الترانسفير؛ إذ إن الواضح أن كلا الكيانين المحتلين في فلسطين والعراق لا يتورعان عن تنفيذ مخططاتهما الشيطانية؛ سواء بالنسبة للترحيل القسري لأعداد كبيرة من الفلسطينيين خشية من تغير الخريطة السكانية في فلسطين لصالح أصحاب الأرض، وعطفاً عليه الهجرة العكسية الصهيونية التي أدت لرحيل ثلاثة أرباع مليون صهيوني منذ بدء الانتفاضة قبل ٤٠ شهراً، أو بالنسبة لتقسيم العراق «الإقليم الشرقي لدولة إسرائيل الكبرى» ، وكلا الأمرين لا يحدهما في نظر المحتلين سوى وجود «المتاعب» التي تسببها لهم المقاومة في فلسطين والعراق. ٥ - وضع اغتيال الشيخ ياسين حركته المجاهدة في موقف صعب؛ إذ كان توقيت اغتياله محكماً؛ فقد قرأ شارون رد فعل الحركة على اغتيال كل من المهندس إسماعيل أبو شنب والشيخ إبراهيم المقادمة وغيرهما من قادة حماس البارزين فوجده دون قدر الرجلين، وأثار ذلك شهوته الدموية لتسديد ضربة مؤلمة لحماس في وقت ربما تكون فيه عاجزة عن الرد المكافئ ما يوفر له ميزة كسر الحاجز النفسي الصهيوني لاغتيال زعماء المقاومة بشكل عام ويمهد لتكرار ذلك دون خوف من رد الفعل، ويظهر الحركة بصورة العاجز أمام الشعب الفلسطيني وهو ما يخلع عنها حينئذ بأمله البائر رداء حامية الفلسطينيين. ٦ - بقدر ما كانت حادثة الاغتيال موضع فخر لرئيس العدوان الصهيوني شارون وزادت من شعبيته (أظهر استطلاع فوري للرأي عقب اغتيال الشيخ أن نسبة الصهاينة المؤيدين لسياسة شارون بلغت ٦١%) ، بقدر ما كشفت عن أن شارون نفسه وأركان حكمه مأزومون ويمارسون سياسة الهروب إلى الأمام في ظلال سياسة لا ترى أي أفق للحل يوفر للمغتصبين قدراً من الأمن. شارون الذي عجز عن إسكات صوت المقاومة واختراق كتائب القسام التي لا زالت تعمل تحت الأرض لم يجد أمامه سوى هذا الهدف السهل الذي لا يراه وحده بل يراه كل العالم، ولا يحتاج اصطياده لأجهزة استخبارات كبيرة بل لمجرد مرشد أمني لا يجيد القراءة والكتابة ليعرف متى يخرج الشيخ من بيته للصلاة. هو إذن كان معروفاً للجميع وتعاقبت الحكومات عليه ولم تجد مسوغاً لاستهدافه، بل مر أكثر من ٣٠ شهراً وشارون في الحكم ولم ير لذلك بداً؛ فما الذي تغير؟ الذي تغير هو حالة الانسداد التي بات يحياها الكيان الخرب؛ الذي يمارس زعيمه سياسة الهروب إلى الأمام ويتبعه القطيع (٦١%) لا يرون في الأفق أي حل لكنهم يسيرون بلا هدى في طريق الخنازير. ولعل شارون نفسه الآن يضحك باستهزاء بينه وبين نفسه لهؤلاء الذين استحسنوا غباءه، لكنني عن يقين أقول إن فرحته هذه نسفها الـ (١٠٠%) الذين خرجوا يوم ٢٢ مارس يصوتون بحناجرهم ودموع مآقيهم وقبضات أيديهم الفتية الواعدة المتوعدة للشيخ الجليل وشهيد الأمة البار. ٧ - مثلت عملية اغتيال الزعيم المسلم أحمد ياسين هزيمة نوعية للجيش الصهيوني ونظريات الأمن الصهيونية؛ فكما هو معلوم أن تراكم عمليات المجازر توهن كثيراً من عضد الجيوش التي أنشئت بالأساس لخوض غمار حروب وتحقيق بطولات عسكرية، والجيش الصهيوني برغم خسته وأصوله الضاربة بجذورها الوضيعة، وبرغم تنفيذه عدة مجازر من قبل إلا أن عملية بهذا الحجم من الحقارة والضعة لا تجعل الجيش الصهيوني موضع فخر حتى عند اليمين الصهيوني ذاته؛ لأن ما ينسحب على كل جيوش العالم ينسحب أيضاً على جيش الاحتلال من حيث إن طياريه ومقاتليه الذين يحظون بتدريبات فائقة الجودة لم يكونوا يخوضونها ليصطادوا المقعدين مهما مثلوا من قيمة عندهم وعند عدوهم، ولذا فلا يستبعد أن يجر هذا الحادث مزيداً من الاحتقان داخل جيش الصهاينة وهو ما قد يستدعي من جديد صوراً لرافضي الخدمة العسكرية التي لا تخدم إلا الأعمال الاستخبارية القذرة. ٨ - حركة حماس يعرف الجميع أن لمكتبها السياسي وضعاً متميزاً فيها قبل رحيل الشيخ وبعده، ولعل أول من يعرف أهميته هو الكيان الصهيوني ذاته؛ فهو قد حاول اغتيال عبقري الحركة الأستاذ: خالد مشعل رئيس المكتب (سلمه الله وحفظه) من قبل، وأوعز إلى الولايات المتحدة فألقت القبض على الأستاذ موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب (ورئيسه سابقاً) إلى أن أرغمت على الإفراج عنه قبل سنوات. ونخشى أن يتعرض الآن وبعد مضي «أيام العزاء» إلى ضغوط أو ربما اغتيالات، أو لنقل بكل أسف هذا ما نتوقعه في ظل ضغوط عامة على الدول العربية، لا سيما بعد أن أصبحت سوريا تحت المطرقة الأمريكية مباشرة بعد إذعان ليبيا وخلو المنطقة من معارضي الولايات المتحدة. ولا شك أن الكيان الصهيوني لن ينظر للظهور المتكرر لقادة حماس في الخارج بعين «الارتياح» ومن ثم فإنه وهو يسعى لتصفية الداخل، سيسعى بمعية الأمريكان لأن ينال من البعد السياسي الخارجي للحركة. وتبقى حركة حماس بحاجة أكثر من أي وقت مضى للمساندة الشعبية الفاعلة، ولا يقبل على وجه الإطلاق أن تبقى مساندة الشعوب العربية والإسلامية لهذه الحركة التي تدافع عن دينها ومقدساتها وأعراضها وأوطانها في هذه المرحلة العصيبة مقتصرة على تلك الدموع التي جرت على الخدود هتانة حزناً على الشيخ الجليل. بل لا بد من تحركات شعبية مساندة لحق هذه الشعوب السليب في فلسطين، وتظل الحركة رغم كل أتراحها وجراحها هي أمل هذه الشعوب بعد الله سبحانه في تحقيق نصر لهذه الأمة المهيضة ولمّ شعثها، وتظل هي السد المنيع الذي يقف بوجه الطوفان الصهيوني أن يُغرق المنطقة.. تظل مرابطة بأكناف بيت المقدس لا يضرها من خذلها ولا من خالفها، ولكن يضر خاذليها خذلانهم لها، [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) .

стр. 4909

حوار فلسطين.. نزف مستمر وعطاء دائم! الأستاذ محمد نزال في حوار مع البيان الانسحاب من غزة لا يعني نهاية المقاومة جاء اغتيال الشيخ أحمد ياسين ﵀ حدثاً فوق العادة، ليس فقط لمكانة الشيخ وفداحة المصاب، وإنما لأن اغتياله فتح الباب على مصراعيه لتغيرات كثيرة حدثت وتحدث على الساحة الفلسطينية، ويتوقع المختصون أن يكون اغتيال الشيخ علامة فارقة بين مرحلتين في تاريخ النضال الفلسطيني، وتراكمت علامات الاستفهام مرة أخرى تحت عنوان «الصراع العربي الإسرائيلي» وبات البحث عن إجابات تتسم بالمصداقية قبل الواقعية أمر لازم للإعلام الإسلامي، وقد جمعنا قدراً لا بأس به من هذه التساؤلات وطرحناها بين يدي الأستاذ محمد نزال العضو البارز في المكتب السياسي لحركة حماس الذي تفضل بالإجابة عنها. البيان: أصدرت مجموعة من سبعين شخصية فلسطينية بياناً دعوا فيه إلى التراجع عن عسكرة الانتفاضة، وانتقدوا استخدام الصبية في عمليات جهادية، فما ردكم على هذا البيان؟ - أنا أعتقد أن معظم الأشخاص الذين وقعوا على مثل هذا البيان شهادتهم مجروحة، ولا يمكن للشارع الفلسطيني أن يلتفت إليهم، هؤلاء متورطون بعلاقات تطبيعية مع الكيان الصهيوني، وهم الذين وقعوا على اتفاقية جنيف التي فرطت في حق الشعب الفلسطيني، وبدلاً من أن يوجهوا نصائحهم للفلسطينيين عليهم أن يوقفوا العدوان عليهم، فلا يجوز أن تكون هناك مساواة بين الضحية والجلاد، لا يجوز أن تكون هناك دعوة للفلسطيني ألا يدافع عن نفسه، ما هو المطلوب من الفلسطيني؟ هل المطلوب أن يرفع الرايات البيضاء؟ أن يعلن الاستسلام؟ الحقيقة أن على هؤلاء الذين وقعوا هذا الاتفاق أن يوفروا نصائحهم ويوفروا توصياتهم، وبكل صراحة: نحن لن نكترث بهذا البيان. البيان: هل ترى أن مثل هذه الدعوات لها قبول في الشارع الفلسطيني؟ فعلى سبيل المثال نشرت الـ (بي بي سي) في موقعها على الإنترنت تحقيقاً يتحدث عن رأي فلسطيني رافض للانتفاضة بدعوى طلب الاستقرار؟ - هذا ليس صحيحاً؛ الشعب الفلسطيني ليس له خيار إلا أن يدافع عن نفسه، ونتمنى أن يكون هناك استقرار وأمن وهدوء، ولكن هل المطلوب استقرار وهدوء وأمن من جانب واحد وهو الفلسطيني؛ في حين أن الجانب الصهيوني يواصل عملياته العدوانية؟ أعتقد أن أي حديث عن أن هناك رأياً آخر هو حديث غير موضوعي، ونحن نعتقد أن أي استطلاع واستفتاء نزيه في أوساط الشعب الفلسطيني يمكن أن يجيب عن هذه الادعاءات. البيان: كيف تقوِّمون موقف الفصائل الفلسطينية من اغتيال الشيخ ياسين؟ وهل حقيقة ما يقال إن هذا الاغتيال قرَّب المسافات بينها؟ - بالتأكيد عملية الاغتيال أوجدت حالة من التلاحم والتضامن والتكافل قلَّ مثيلها في الشارع الفلسطيني بمختلف توجهاته الفكرية والسياسية وانتماءاته؛ حيث شعر بالإهانة باغتيال شخصية لها مكانتها في الأمة الإسلامية؛ لهذا خرج الفلسطينيون عن بكرة أبيهم بشتى انتماءاتهم وتياراتهم وتوجهاتهم خرجوا إلى الشارع في مظاهرات ومسيرات يعبرون عن غضبهم وشجبهم وإدانتهم لهذا الاغتيال، ما نأمله هو أن تستمر هذه الروح في الشارع الفلسطيني ويستمر هذا التلاحم؛ لأن من شأن هذا أن يدفع بالقضية الفلسطينية إلى الأمام إن شاء الله. البيان: في رأيكم هل هناك مؤشرات على أن هذا التقارب تخطَّى مستوى المسيرات والتأييد العاطفي والمؤازرة؟ - أعتقد ذلك؛ خصوصاً أنه قبل اغتيال الشيخ كان هناك مجموعة من العمليات التي نفذت بشكل مشترك من فصائل المقاومة، بين كتائب شهداء الأقصى، وكتائب عز الدين القسام، وسرايا القدس، وكتائب أبو علي مصطفى، ومن ثم فإنني أعتقد أن المرحلة المقبلة ستشهد تعاوناً أكبر وأكثر من ذي قبل. البيان: هل هناك مؤشرات على تعامل سياسي مقبل؟ - لا أستطيع أن أقول إن هناك مؤشرات لسبب موضوعي هو أننا نتحدث فقط بعد أيام على اغتيال الشيخ أحمد ياسين؛ بمعنى أننا لا نستطيع الآن أن نتحدث عن مؤشرات عملية، إنما أستطيع أن أقرأ المزاج العام في الشارع الفلسطيني. المزاج العام الآن مع تصعيد المقاومة، المزاج العام مع الوحدة الوطنية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال، هذا هو المزاج العام. البيان: يقول بعض الناس إن الصهاينة يهدفون من الاغتيالات إبعاد حماس عن مسارها الرئيس، وإغراقها في دوامة الفعل ورد الفعل، ومن ثم فإن عدم الرد يكون أفضل للحركة؟ كيف تردون على ذلك؟ - الحقيقة أن من يطرحون هذا الطرح بكل صراحة هم يريدون أن يوصلونا إلى هدف واحد؛ إنهم لا يريدون لحركة حماس أن تنفذ أي عملية ضد الاحتلال، وحتى إذا لم تكن هناك عملية اغتيال. عندما تنفذ أي عملية لحركة حماس أو أي فصيل من فصائل المقاومة يتم الحديث إما عن التوقيت أو يتم الحديث عن أن هذه ردود فعل، وأن الهدف استدراجنا. يعني ما هو المطلوب الآن؟ هناك عمليات اغتيال لقادة حماس، ما هو المطلوب من الحركة: هل المطلوب أن تعلن أنها لن ترد؛ لأنها لا تريد أن تُستدرَج إلى مواجهة مع الاحتلال؟ وجود الاحتلال هو جذر المشكلة وجذر الأزمة، ومن ثَم إذا كان الاحتلال موجوداً فإن المقاومة ستصبح واجبة، وفي الشريعة الإسلامية هي فريضة، وبالمعنى الوطني واجبة. من يقول بأن المطلوب هو مقاومة فنحن معه بغض النظر عن التفاصيل. مثلاً: الذين أصدروا البيان، هؤلاء أساساً ضد العمليات العسكرية، يتحدثون عن انتفاضة سلمية، يا أخي: الاحتلال الآن يستخدم طائرات إف ١٦ وطائرات الأباتشي أمام شعب أعزل لا يملك إلا سلاحاً بسيطاً بالمقارنة مع سلاحه؛ فهل المطلوب أن يضربونا بالطائرات ونضربهم بالورود؟ لهذا أعتقد أن من يطلقون هذا الكلام أساساً هم ضد العمليات، ولذلك هم يحاولون الالتفاف على هذا المعنى بطرق متعددة: مرة بحجة أن التوقيت غير مناسب، ومرة بحجة أن شارون يريد أن يستدرجنا، وهكذا. البيان: الموقف العربي الرسمي من جريمة الاغتيال بدا متفاوتاً، ومهزوزاً، حتى إن بعض القادة جمع بين إنكار الاغتيال وإنكار عملية اشدود الاستشهادية، وركز آخرون على كون الشيخ ياسين مسناً ومقعداً؛ معرضين عن حقيقة كونه قائداً سياسياً لحماس؟ فكيف تقوِّمون هذا الموقف العربي؟ - أولاً أنا أعتقد أن جميع الحكومات والأنظمة العربية أدانت حادثة الاغتيال بغض النظر عن تفاوت مستوى الإدانة. الأمر الآخر أنه من الواضح أن الأنظمة العربية الرسمية الآن تمر بحالة من العجز والضعف والهوان، وهي قضية ينبغي أن نأخذها بعين الاعتبار. الإشكالية عند كثير من الأنظمة العربية الآن أنها تحاول أن توازن بين شعوبها التي خرجت غاضبة وحانقة على الوضع العام، وبين نظرة الولايات المتحدة لها؛ لهذا أستطيع أن أقول بأن معظم مواقف الأنظمة العربية تنطلق في الأساس من حسابات خوف من الولايات المتحدة، ولا شك أن هذا يؤثر على مواقفها، فتبدو أحياناً مرتبكة أو غير متوازنة أو ليست بالمستوى المطلوب. ورغم هذه الملاحظة فإن ما نطلبه من الأنظمة الآن هو الحد الأدنى، وهو أن لا توفر هذه الأنظمة أي خطاب سياسي للعدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني. نعتقد أن أي محاولات جديدة لزيادة جرعة التعاون أو التنسيق بين الاحتلال والأنظمة العربية يضر بالقضية الفلسطينية، والمطلوب الآن خطوات إيجابية وعملية باتجاه وقف عملية التطبيع مع الاحتلال، والحد الأدنى الذي نطلبه من الأنظمة العربية: وقف عملية التطبيع، وعدم توفير قطاع سياسي للاحتلال؛ لأنه بصراحة يتكئ ويستند في عدوانه على الشعب الفلسطيني على ضعف الموقف العربي، ووجود علاقات بين بعض الأنظمة العربية وبينه. البيان: هناك سؤال ربما يكون محرجاً بعض الشيء: يذكر أن حكومة شارون أخذت ضوءاً أخضر من بعض الحكومات العربية لتنفيذ عملية الاغتيال؟ - أعتقد أن أي حديث عن أن هناك ضوءاً أخضر أُخذ من نظام عربي هذا كلام غير صحيح، لكن لا أعتقد أن شارون لا يحتاج إلى ضوء أخضر، إلاَّ أن شارون يكفيه الضوء الأخضر الذي يأخذه من الولايات المتحدة وحسبه ذلك. البيان: يتوقع المراقبون في الفترة المقبلة أن تشتد الضغوط لحصار نشاط حماس خارج فلسطين، ويشمل ذلك أعضاء المكتب السياسي؛ فهل أنتم متأهبون لهذه المرحلة؟ - الضغوط على حركة حماس لن تتوقف لا في الداخل ولا في الخارج، وعندما طردت الحركة كان ذلك أيضاً في إطار هذه الضغوط، وما أريد أن أقوله إن كل شيء وارد، ولكن ما تمتاز به حركة حماس أنها ليست موجودة في بقعة جغرافية معينة، حركة حماس الآن حركة منتشرة في كل مكان، موجودة في الداخل وموجودة في الخارج، وهناك مؤسسات قيادية متوزعة في كل الأماكن الأساسية، وهذا يعطي الحركة مرونة كبيرة جداً في مواجهة أي مستجدات، وإذا كانوا يعتقدون أن الضغط الجغرافي سيدفع حماس لتقديم تنازلات، فإن حركة حماس كلما زاد الضغط عليها كانت أكثر إحساساً بالمسؤولية، وأكثر إحساساً بأن الوضع يستلزم منها المزيد من التماسك والتمسك بثوابتها ومنطلقاتها. ولهذا أستطيع أن ألخص قولي بأنه من الوارد أن تتواصل الضغوط على الأنظمة العربية تجاه محاصرة حماس، ولكن حماس لديها القدرة على أن تتكيف مع أصعب الظروف. البيان: هل لديكم أجندة خاصة في هذا المجال بالنسبة لأعضاء المكتب السياسي الخارجي؟ - بالتأكيد! نحن نضع ذلك في اعتبارنا، ولا بد من ذلك. نحن نحسب حساباً لكل الاحتمالات، وهناك سيناريوهات عديدة للتعامل مع هذا الموضوع. البيان: ننتقل من الضغط الخارجي إلى الضغط الداخلي: من المعروف أن السلطة تبنت منذ سنوات سياسة تجفيف منابع حماس بالاستيلاء على المؤسسات الاجتماعية والخيرية والتعليمية، وأخيراً كان قرار تجميد الأرصدة الخاصة بالجمعيات الخيرية في غزة والضفة؛ فإلى أي مدى نجحت السلطة في تحقيق هذا الهدف؟ - أعتقد أن تجفيف المنابع المالية يسير على قدم وساق، ليس في الداخل، وإنما في كل مكان خارج فلسطين، وصحيح أن هذه العملية تصعِّب الأمور أمام حماس، ولكن ما أريد أن أشير إليه أنه وبكل صراحة كلما زادت الضغوط على حركة حماس وواجهت المزيد من المحن؛ دفع ذلك إلى الالتفاف الشعبي حولها بشكل أكبر، ولهذا أقول: في كل محنة تتعرض لها الحركة فإن تفاعل الشعوب يزداد، والدعم المالي الذي نأخذه من الشعوب يزداد، وأنا قد لا أذيع سراً إذا قلت إنه وبعد حادثة الاغتيال البشع الذي تعرض له الشيخ أحمد ياسين فإن الدعم المالي لحركة حماس زاد أكثر من ذي قبل. البيان: هناك تفاوت في مستويات العلاقة بين حماس وفتح؛ فعلاقة القسام بكتائب الأقصى تبدو متميزة، وهناك تنسيق واضح في العمليات، والعلاقة مع التنظيم السياسي متوترة قليلاً وتراوح بين اجتماعات للتنسيق أو لتبادل الانتقادات، أما العلاقة مع الأجهزة الأمنية فتصل إلى ذروة التوتر، نريد تفسيراً لهذا التناقض في أداء فتح، وهل فتح الآن حركة واحدة أو مراكز قوى داخلية تتحرك كلها في اتجاهات متناقضة؟ - إذا أردنا أن نتحدث موضوعياً وبدون أي حساسيات؛ أقول وللأسف إن حركة فتح وإن كانت لها قيادتها ولها رأسها فهي تعيش الآن حالة مؤسفة من الانقسامات، وقبل عملية اغتيال الشيخ ياسين كانت هناك مجموعة من الحوادث والمواجهات بين أجهزة فتح نفسها، لهذا أقول إنه لا شك أن ذلك ينعكس بشكل سلبي على الموقف السياسي لحركة فتح، وهناك مواقف لها غير منسجمة وغير متلائمة، ولكن موضوعياً وبأمانة في حادث اغتيال الشيخ ياسين كان الموقف العام في حركة فتح واضحاً وغير ملتبس وإيجابياً يجسم الوحدة الوطنية بشكل جيد. البيان: ألا يُتوقع في الفترة القادمة في قطاع غزة خاصة وعلى ضوء إرهاصات الانسحاب أحادي الجانب أن تحصل احتكاكات واستفزازات من الأجهزة الأمنية ضد حركة حماس؟ - لا شك أن الحديث في هذا الموضوع فيه مخاوف ويقلق الجميع. هناك مخاوف من حدوث ما يمكن أن يدفع إلى الاقتتال لا سمح الله، لكن أقول إن هناك موروثاً وتجربة عملية منذ اتفاقيات أوسلو، حين حاول كثيرون العمل على زرع بذور الفتنة، ولكن كان هناك قرار من حركة حماس بعدم الاقتتال الداخلي؛ ولهذا فإن التجربة العملية فرضت ألا ننزلق ولا نُستدرَج إلى أي مواجهات فلسطينية، وهذا حقيقة كانت له آثار إيجابية على مسيرة حركة حماس. البيان: وهل سيظل هذا هو خط الحركة في الفترة المقبلة؟ - الخط القادم هو الحفاظ على الوحدة الوطنية، وعدم حدوث أي مواجهات، هذا هو الخط العام. البيان: ما هي ثوابت الحركة في قطاع غزة في الفترة المقبلة، وخاصة في حال تنفيذ خطة الانسحاب أحادي الجانب؟ - أولاً: حركة حماس تعتبر أن أي انسحاب للعدو الصهيوني من قطاع غزة سواء أخذ صورة شكلية جزئية أو كلية؛ لا يعني نهاية المشروع الوطني الفلسطيني، وإذا ظن شارون أن الانسحاب من قطاع غزة يعني خروج قطاع غزة من مسيرة الصراع معه فهو واهم ومخطئ، حركة حماس تعتبر أن هناك مشروعاً وطنياً فلسطينياً يجب أن تحقق أهدافه؛ ولذلك فإن هذه قضية أولى بالنسبة للإخوة في قطاع غزة. المسألة الثانية: الوحدة الوطنية الفلسطينية لا بد من الحفاظ عليها؛ لأن أي خلاف يؤدي - لا سمح الله - إلى اقتتال معناه إحباط المشروع الوطني الفلسطيني. أعتقد أن هذه أولويات الحركة، وبالتأكيد فإن استمرار المقاومة هو أيضاً في مقدمة أولويات الحركة؛ بمعنى أننا يمكن أن نقول إن عندنا ثلاثة ثوابت هي: ١ - المقاومة ضد الاحتلال. ٢ - أيُّ انسحاب من قطاع غزة لا يعني نهاية المشروع. ٣ - تأكيد الوحدة الفلسطينية وعدم الانقسام الداخلي. البيان: لو انتقلنا من غزة إلى الضفة نلاحظ أنه بعد حركة الاغتيالات والاعتقالات لقيادات الضفة الغربية، مثل: الشيخ جمال منصور والشيخ جمال سليم رحمهما الله، والشيخ حسن يوسف، نلاحظ أن نشاط الحركة في الضفة قد خفت إلى حد كبير حتى على مستوى العمليات الاستشهادية؛ فهل هناك تفسير لذلك؟ - من حيث المبدأ الوضع العام للضفة وضع جيد، ولكن كما تعلم أن الضفة الغربية تعرضت لاجتياحات وحشية متواصلة لم يلتقط فيها الشعب الفلسطيني أنفاسه على الإطلاق خلال انتفاضة الأقصى، ولهذا فإن حركة حماس كما هو واقع الفصائل الفلسطينية كلها تواجه لا شك حملة انقسام كبيرة ومتواصلة، ولكن لا تزال هناك عمليات تنطلق من الضفة الغربية؛ لا تزال المقاومة مستمرة على تفاوت، وأنا أعتقد أنه عندما نتحدث عن حركة واحدة ومتكاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة فإننا نتحدث عن أن كل منطقة تسند الأخرى؛ بمعنى أنه إذا كان الوضع داخل قطاع غزة صعباً فإن الضفة الغربية تقوم بواجبها والعكس، وهذا هو السر في أن المقاومة مستمرة. وإن حركة حماس لا يزال لها حضورها رغم كل الضربات التي تعرضت لها؛ حركة تقدم مؤسساتها وتقدم قياداتها: جمال منصور، وجمال سليم، وصلاح الدين، وفي قطاع غزة د. إسماعيل أبو شنب، وصلاح شحاته، وإبراهيم المقادمة. ستة من خيرة الشعب الفلسطينى تقدمها خلال فترة وجيزة جداً إضافة إلى القيادات العسكرية الأخرى من محمود أبو هنود ويوسف ال ... وغيرهم من القيادات العسكرية. حركة تقدم هذه الأركان من الشهداء فضلاً عن آلاف الأسرى الموجودين في سجون الاحتلال ولا تزال صامدة فإن ذلك يعني أن هناك سراً موجوداً، وهذا السر في رأيي: أولاً: أن هذه الحركة تدفع ثمناً باهظاً في بناء أبنائها وهي التي تواصل الطريق وتشعل نار المقاومة. والأمر الآخر: أنها حركة منتشرة في كل قرية ومخيم ومدينة فلسطينية. البيان: في مواجهة تعاظم الدورين العسكري والسياسي للحركة، ما هي وضعية النشاط الدعوي، وهل حدث له تراجع؟ - تكاد تكون حركة حماس هي الحركة الوحيدة التي استطاعت أن تنجح في جميع المجالات سواء في المجال العسكري أو المجال الاجتماعي أو المجال الدعوي؛ فهذا الاستقطاب من أعداد المجاهدين لم يكن إلا لأن الحركة إضافة إلى عملها المقاوم منخرطة ومتغلغلة في صفوف الشعب الفلسطيني اجتماعياً ودعوياً. العمل الدعوي لم يتوقف وهو موجود، ومسيرته تزيد وتنقص حسب المعطيات والظروف؛ لكن ما ينبغي إدراكه أن الدماء والتضحيات هي جزء من العمل الدعوي؛ لأن العمل الدعوي والتربوي يبقى عملاً منقوصاً دون قدوة، ولا أظن أن هناك قدوة عملية أكبر من الدماء، والدماء والتضحيات هي الرد العملي، وهي التربية العملية التي تؤكد بشكل واضح تماماً أن الذين يتحدثون ويعظون ويدعون الناس إنما هم في مقدمة ما يدعون إليه. البيان: بعد اغتيال الشيخ كان هناك عدة تصريحات اعتبرت نوعاً من تحميل الحركة للكتائب فوق طاقتها، مثل: المعركة مفتوحة، ثورية الرد، الدعوة إلى اغتيال شارون، الحرب مزلزلة، هناك عمليات نوعية غير مسبوقة، أليس ذلك تحميل لكتائب القسام فوق طاقتها في ظل الحصار؟ - بداية لا شك أننا ندعو الله أن يعين الإخوة في كتائب القسام؛ فالآمال المعقودة عليهم كبيرة، والكل يطالب كتائب القسام بالرد، وما أريد أن أقوله لكل جماهير الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية: عليكم أن تلتمسوا للإخوة في كتائب القسام العذر، وعليكم ألا تمارسوا ضغوطكم عليهم. أولاً: كتائب القسام عودتنا على أنها إذا قالت فعلت، وأن لها من المصداقية ما يعرفه الجميع؛ ولذلك فإن المطلوب أن نصبر على الإخوة في كتائب القسام حتى يكون الرد مدروساً وموجعاً. أما التصريحات التي تنطلق ففي رأيي أنه لا بد من الأخذ بعين الاعتبار الأجواء المحيطة بها، الأجواء العاطفية والمشحونة من زاوية، ومن زاوية ثانية أن هناك جدية في الرغبة في الرد، بمعنى أن التهديد لا ينطلق من فراغ ولا من ترف، إنما ينطلق من رغبة حقيقية هي الرد، ولكن كما قلت أحياناً تكون تصريحات لا بد من أخذ الظروف المحيطة في عين الاعتبار. البيان: بعض الناس يقول إن الانتفاضة وإن كانت مستمرة حتى الآن؛ إلا أنها على المستوى السياسي نجد أن أكثر الافتراضات الحالية إيجابية لا تصل بالفلسطينيين إلى ما كانوا عليه قبل الانتفاضة؛ فهل يعتبر هذا حكم على الانتفاضة بالإخفاق، أم أن الانتفاضة لا تزال حبلى بالمفاجآت؟ - أعتقد أن الانتفاضة لا تزال تعمل المفاجآت، ولا تزال قادرة على الاستمرار. الانتفاضة هي فعل مقاوم يتفاوت بين أعلى الدرجات وهو استخدام القوة المسلحة، وأدنى الدرجات وهو استخدام الحجارة، والانتفاضة لن تتوقف في لحظة من اللحظات؛ تتراوح بين المظاهرات والمسيرات واستخدام الحجارة وقنابل المولوتوف، والنقطة الأعلى هي استخدام القوة المسلحة، لهذا علينا أن نكون متفائلين - إن شاء الله -. أبناء الشعب الفلسطيني الذي خرجت جماهيره تعلن مواقفها وتعلن رفضها وحزنها وألمها، هذه الجماهير قادرة - إن شاء الله - على أن تستمر في هذه المسيرة. البيان: ننتقل إلى حركة فتح مرة أخرى: هناك علامات استفهام تتعلق بمستقبل الحركة، ومنظمة التحرير، والسلطة خاصة بعد رحيل عرفات، بعض الناس يفسر خطة الانسحاب أحادية الجانب أنها خطوة استباقية من الجانب الإسرائيلي لمرحلة ما بعد عرفات، وأن الجانب الصهيوني يمهد الأرض في غزة والضفة لسيطرة مراكز القوة التي في السلطة بعد الانسحاب، لن تكون هناك بعد الانسحاب وبعد رحيل عرفات سلطة مركزية؛ ولكن ستكون هناك مراكز قوى تغذي بيئة الصراع؛ فما رأيكم في هذا الطرح؟ - من المؤسف أن أقول إنه ما لم تكن هناك إصلاحات حقيقية وجذرية عند الإخوة في حركة فتح فإن الأمور ستكون مفتوحة على مصراعيها أمام أوضاع غير محسوبة. المطلوب تعميق الديمقراطية، المطلوب الإصلاح التنظيمي الإداري والمالي عند الإخوة في حركة فتح، أنا أقول ذلك ليس من موقع أنني عضو في حركة فتح، وإنما أقول من موقع الصديق ومن موقع المحب، حركة فتح كانت في يوم من الأيام هي الحركة الأولى في الشارع الفلسطيني، أريد لحركة فتح أن تعود إلى ما كان عليه الأمر سابقاً؛ لهذا أتمنى أن تصحح حركة فتح مسيرتها لتعود حركة تمارس الديمقراطية، تمارس المؤسسية حتى لا تترك الأمور باتجاهات غير محسوبة، وتحتمل كل الاحتمالات السيئة في المستقبل. البيان: ردة الفعل الجماهيرية على اغتيال الشيخ ياسين هل تجدونها كافية؟ - لا شك أن ردة فعل الجماهير العربية ردة فعل ممتازة، وكانت تتناسب مع حجم الجريمة، ولكن نحن عندما نقول ردة فعل فتحدث ردة فعل عن ردة فعل مباشرة؛ المطلوب هو أن تطور الجماهير العربية والمسلمة ردة فعلها، بالمشاركة في فك الحصار عن حركة حماس، وهذا لا يتأتى إلا بالدعم الذي تقدمه هذه الجماهير سياسياً وإعلامياً ومادياً، وبرأيي هذه من شأنها أن ترفع الحصار عن حركة حماس. البيان: نريد تحديداً أكثر للدور المطلوب من الجماهير؛ فالملاحظ أنه في بعض المظاهرات خرجت كتائب القسام بالانتقام، الذهنية العربية تنتظر وتراقب ما تفعله كتائب القسام؟ - كتائب القسام على العهد مع الجماهير - إن شاء الله -، وستقوم بواجبها المطلوب منها، لكن المطلوب أيضاً من هذه الجماهير أن تقوم بواجبها، قامت بواجبها المعنوي والإعلامي والسياسي، مطلوب أن يستمر هذا الأداء الواجب، وأن يستمر الواجب الآخر وهو الدعم المالي حقيقة؛ لأنه كما ذكرت لك هناك حالة من تجفيف المنابع المادية، هناك حصار على الحركة يتطلب من الجماهير أيضاً أن تقوم بواجبها؛ لأنه لا يجوز أن تطلب من جهة فقط أن تقدم أقصى ما عندها وأغلى ما عندها وهي الدماء؛ فالذي يريد أن يطلب من حركة أن تقدم الدماء أيضاً عليه أن يطلب من نفسه أو يحدد ما هو المطلوب من ذلك. البيان: فيما يتعلق بالجانب المالي ما صدر في بريطانيا؛ هذه التصريحات التي صدرت في أكثر من بلد، هل قادة الحركة يملكون كل هذه الأرصدة المنتشرة في بلدان كثيرة؟ - الحقيقة أن الولايات المتحدة وجميع الأنظمة والحكومات في العالم تدرك جيداً أنه ليس هناك بنك أو مصرف يحتوي على أرصدة مالية لحركة حماس أو بأسماء قادة حماس الذين يزعم أنه جمدت أرصدتهم، هذه الخطوة في تقديري هي خطوة ذات بعد معنوي؛ بمعنى أن الولايات المتحدة تريد أن تسهم في الحملة ضد حركة حماس، وجزء من هذه الحملة الموضوع المالي، والولايات المتحدة ماذا فعلت بعد أن أعلنت عن تجميد حسابات قيادات حماس؟ طلبت من جميع الدول في العالم القيام بهذه الخطوة، بعض هذه الدول قام وبعضها لم يقم، إلا أن بعض الدول قالت إنه ليس هناك لدينا أرصدة، عندما تقوم بلد مثل اليابان بهذه الخطوة؛ أظن أنه حتى العرب ليس لديهم أرصدة في اليابان، أنا أعتقد بصراحة أن هذه إجراءات سخيفة، وأسخف هذه المواقف جاء من حكومة بريطانيا. تخيل أنه بعد يومين من حادثة الاغتيال وجدنا الخطوة البريطانية بتجميد أرصدة خمسة، طبعاً كان يتوقع أن يضاف الشيخ ياسين، وكان عيباً عليهم أن يضعوا اسمه وإلا فستكون مهزلة، ومن ثَمَّ ما الذي حدث؟ الذي حدث: نقص العدد واحداً، وضعت أسماء الخمسة وجمدت، لو سألنا: لماذا فعلت الحكومة البريطانية ذلك؟ في تقديري أنه جزء من محاولة صرف الأنظار؛ فكل الأنظار متوجهة إلى إدانة الكيان الصهيوني، وهنا تريد الحكومة البريطانية المشاركة في البازار الأمريكي في دعم وإنقاذ ماء وجه الكيان الصهيوني، لهذا أرادوا من هذه الخطوة القيام بهذا الإجراء. إذن ما أستطيع أن أقوله هو أن تجميد الأرصدة هو إجراءات سخيفة ولا مسوغ لها. البيان: على صعيد العلاقات الأوروبية مع الحركة، ذكرت بعض التقارير، وخاصة بعد تصريحات الدكتور الرنتيسي بأن حركة حماس ليس لها غرض في مواجهة أمريكا، ذكرت أن هناك بعض الجهات الأوروبية تحاول فتح قنوات اتصال بين الحركة وبين الولايات المتحدة من أجل إعادة رسم وضعية جديدة يمكن فيها استيعاب الحركة سياسياً في غزة بعد انسحاب الكيان الصهيوني؛ فهل هذا صحيح؟ - كما ذكرت في السابق أن حادثة اغتيال الشيخ ياسين لم يمض عليها بضعة أيام، وأعتقد أن الأيام الماضية كانت مزدحمة بالمسيرات والمظاهرات وتلقي العزاء، كان لا يمكن الحديث في هذا الشأن. حقيقة لم تحدث أي اتصالات مع أي جهة أوروبية. نحن من طرفنا كنا على علاقة مع كثير من الجهات الأوروبية، ولم تتوقف حتى بعد إدراج حماس على لائحة الإرهاب، ولن تتوقف هذه الاتصالات. البيان: كيف تقومون الموقف الأوروبي بعد إدراج حماس على قائمة الإرهاب، واستنكار حادثة الاغتيال استنكاراً خجلاً كما يقولون؟ - إذا أردت أن أكون موضوعياً؛ فإن الموقف الأوروبي أقل سوءاً من موقف الإدارة الأمريكية، ولكن أيضاً لا يمكن الحديث عن موقف أوروبي واحد؛ بمعنى أنه أيضاً هناك مواقف دول موالية للموقف الأمريكي وأمريكية أكثر من أوروبيتها، وهذا رأيناه في الموقف من العراق من الحرب والعدوان على العراق واحتلاله، لهذا لا يمكن القول إن هناك موقفاً أوروبياً موحداً. في نفس الوقت أنا أعتقد أن الموقف الأوروبي بشكل عام غير حقيقي، أي ليس نابعاً من حساباته الذاتية إنما هو من الأساس نابع من الضغوطات الأوروبية، إنها مسؤولة أولاً وأخيراً عن هذا الموقف. لكن نرى أنه ينبغي الأخذ بعين الاعتبار أنه لا بد من الإبقاء على علاقات مع دول أوروبية؛ لأن هناك إمكانية لتصحيح هذا الموقف بعكس الموقف الأمريكي برأيي، أعتقد أنه يصعب إن لم يكن يستحيل تغيير وجهته في المدى المنظور. البيان: على الجانب السياسي مع الكيان الصهيوني بعضهم ينسب كل التطورات المأساوية في العام الأخير على وجه التحديد إلى الطابع الشخصي لأداء شارون السياسي؛ فهل يعني ذلك أنه لو..............؟ - التعويل على أسماء معينة أثبت أنه غير صحيح؛ ففي يوم من الأيام كان رابين، وذهب رابين، وجاء بيريز فارتكب مجزرة قانا، ذهب بيريز وجاء نتنياهو، وذهب نتنياهو، وجاء باراك، وذهب باراك، وجاء شارون، وفي كل مرة يكون هناك تعويل على أن الشخص الذي يأتي يمكن أن يكون أفضل من السابقين أو أقل سوءاً. الوقائع أثبتت أن جوهرالسياسة الصهيونية واحد، قد يكون هناك درجات من الاختلاف؛ هذا صحيح، ولكن في الجوهر السياسة واحدة. البيان: لتوضيح الرؤية للقارئ العربي المسلم المتعاطف مع الحركة؛ نريد أن تذكروا لنا التوصيف القيادي الحالي لقادة الحركة بدءاً من قائدها العام، وانتهاء بأعضاء المكتب السياسي في الداخل والخارج؟ - أولاً: الهيكلية القيادية عند حركة حماس: هناك مكتب سياسي، هذا المكتب السياسي يمثل القيادة العليا بحركة حماس، وهو يمثل في الخارج والداخل. رئيس المكتب السياسي هو الأخ خالد مشعل، وهو المسؤول الأول أو المرجعية الأولى لحركة حماس. هناك قيادة في قطاع غزة، وهناك قيادة في الضفة الغربية. المسؤول في قطاع غزة د. عبد العزيز الرنتيسي، وطبعاً بالاختيار، حيث اختاره مجلس شورى قطاع غزة. المسؤول في الضفة الغربية غير معلن بسبب يتعلق بالظروف الأمنية في الضفة الغربية فنتيجة الضربات التي تعرضت لها الحركة رأت الحركة عدم الإعلان عنه. هناك آليات معينة، نحن لا نحب الحديث عنها في التواصل بين هذه الحلقات القيادية الثلاثة: قطاع غزة، الضفة الغربية، الخارج. وفي القرارات ذات الطابع الاستراتيجي يتوافق القادة في الداخل والخارج على هذه القرارات، سواء فيما يتعلق بالمقاومة أو ما يتعلق بالسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، الموقف من اتفاقيات سياسية يتم الإعلان عنها، هذه القضايا يتم التوافق عليها بين هذه الحلقات القيادية السياسية. البيان: من هم أعضاء المكتب السياسي المعلنون؟ - هناك الأخ د. موسى أبو مرزوق، العلمي، محمد نزال، إبراهيم روشة، سامي خاطر، عبد العزيز العمري، هؤلاء من الخارج، هناك أعضاء في الداخل، ولكن نتيجة للظروف الأمنية لا يتم الإعلان عنها ما عدا الأخ عبد العزيز الرنتيسي.

стр. 4910

ملفات فلسطين.. نزف مستمر وعطاء دائم! قراءة في مستقبل المقاومة الفلسطينية أحمد فهمي afahmee@albayan-magazine.com تعددت وسائل نقل المعلومات وتنوعت ما بين فضائيات وإنترنت ومطبوعات، ولم يعد السؤال الذي يشغل الناس: ماذا يحدث الآن؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: ماذا سيحدث في الفترة القادمة؟ والمقاومة الفلسطينية من القضايا الحيوية للأمة التي يكثر بشأنها التساؤلات وتقل الإجابات، وخاصة ما تعلق منها بالمستقبل؛ وسعياً لرؤية متوازنة تستوعب أبعاد الصراع، كان لنا هذا اللقاء مع مجموعة من الإسلاميين والمتخصصين في الشأن الفلسطيني، طرحنا عليهم عدداً من المحاور وتلقينا إجاباتهم. * أما المحاور فهي: س ١: هل نجحت المقاومة الفلسطينية في تحقيق أهدافها في فلسطين؟ س ٢: هل يوجد أمام الفلسطينيين حل آخر سوى الانتفاضة؟ وهل هناك إمكانية لبحث حل سلمي؟ س ٣: هل تؤيد مشاركة مصرية في الإدارة الأمنية لقطاع غزة؟ ولماذا؟ س ٤: ما هو مستقبل السلطة الفلسطينية بعد عرفات؟ س ٥: هل تتوقع حدوث تغيير في الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية إذا انتهت الانتخابات بفوز الديمقراطيين؟ س ٦: حسب المبادرة الأمريكية «الشرق الأوسط الكبير» هل تتوقع تخلي العرب عن حل عادل للقضية الفلسطينية كمطلب رئيس؟ * وأما ضيوفنا في هذا التحقيق فهم: - الدكتور عبد الحي يوسف، رئيس قسم الثقافة الإسلامية بجامعة الخرطوم، السودان. - الدكتور علي مقبول أستاذ مساعد في كلية الآداب جامعة صنعاء. - الأستاذ عبد الغفار عزيز نائب رئيس الجماعة الإسلامية الباكستانية. - الأستاذ ياسر الزعاترة باحث ومحلل سياسي إسلامي. - الأستاذ عامر عبد المنعم رئيس تحرير صحيفة الشعب على الإنترنت. ونبدأ بالمحور الأول بالسؤال عن مدى نجاح المقاومة في تحقيق أهدافها. وهنا تختلف الإجابات بحسب تحديد المقصود من الأهداف، وتبرز وجهتا نظر: فيقول الدكتور عبد الحي يوسف: «الهدف الرئيس للمقاومة يتمثل في زوال الاحتلال ورد الحقوق إلى أهلها، ويتبع ذلك عودة اللاجئين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، وإقامة الدولة الفلسطينية على كامل التراب الفلسطيني، هذا الهدف الأهم لم يتحقق إلى الآن في ظل غياب الدعم العربي والإسلامي الرسمي والشعبي، مع استمرار الدعم الكامل لليهود من قِبَل الغرب الصليبي مادياً ومعنوياً » ولكن هذا لم يمنع من تحقق أهداف أخرى كثيرة يذكر منها الدكتور يوسف: أولها: تجييش الشعب رجالاً ونساءً في مواجهة العدو. ثانيها: تحقيق توازن الرعب. ثالثها: إبقاء جذوة الجهاد حية في نفوس الشعب الفلسطيني. رابعها: زرع الأمل في نفوس الناس بأن الأمة قادرة على صنع الكثير رغم تفاوت ميزان القوة بينها وبين عدوها. خامسها: ربط الأمة بالقيادات القمينة بالريادة، وفضح القيادات الهزيلة والعميلة. سادسها: تحقيق الوحدة الوطنية للشعب الفلسطيني. سابعها: تعطيل مشاريع التسوية الأمريكية «. أما وجهة النظر الأخرى فيتبناها الأستاذ ياسر الزعاترة، وهي تعتبر أنه: » لا بد من تحرير مصطلحَيِ النجاح والإخفاق في صراع تتداخل فيه عناصر التاريخ والجغرافيا بوقائع الصراع الدولي وميزان القوى على نحو سافر بين الأمة وأعدائها. وهنا يمكن القول إن حسم الصراع على نحو شامل في ضوء المعطيات القائمة يبدو صعباً، لكن لمعادلة الصراع بين عدو محتل ومقاومة شعبية عناصر مختلفة، ثم يزيد الأمر وضوحاً بالقول: «فما دام الشعب قادراً على مواصلة المقاومة ورفض الخضوع لإملاءات المحتل، فإن بالإمكان القول إنه يحقق جزءاً مهماً من أهدافه» . ويعتبر الزعاترة أن من هذه الأهداف المتحققة: «استنزاف العدو وإحباط مخططاته في الوصول إلى التسوية التي يريد، والتي تتمثل في اعتراف فلسطيني بوجوده من دون استرداد حقيقي لجزء من الحق» . ويشير الأستاذ عامر عبد المنعم إلى بعض الدلائل الهامة على نجاح المقاومة، وآخرها: «إعلان إسرائيل الانسحاب من غزة بقرار أحادي الجانب، وأيضاً بناء شارون للسور العنصري للتحصن خلفه والانكماش بعد موجة التوسع في الاحتلال خلال العقود الماضية» أضف إلى ذلك أسلمة الجهاد في فلسطين. ويلقي الاستاذ عبد الغفار عزيز الضوء على بُعد آخر في المعادلة الفلسطينية من حيث النجاح والإخفاق، فيقول: «إن المقاومة قد نجحت في أداء دورها وفي إحياء قضية المسلمين، ولكن الأمة فاشلة إلى الآن» . ويوافقه الدكتور علي مقبول الذي يعتبر أنه لولا «الخيانات من بعض العرب لانهارت إسرائيل تماماً؛ ولله في ذلك حكمة» . المحور الثاني في تحقيقنا يتساءل عن حلول أخرى مطروحة سوى الانتفاضة، وعن إمكانية نجاح الحل السلمي، وهنا تتفق جميع الآراء على أنه لا بديل عن المقاومة، وأن الحل السلمي ثبت إخفاقه قطعاً، فيقول الدكتور مقبول: «الانتفاضة هي التي سترغم الكيان الصهيوني على الحلول السلمية» ولكنه يتوقف بالقول: «وإن كنت أرى غدر اليهود وعدم إيفائهم بعهودهم» . ويقول عبد الغفار عزيز: «لو كان هناك طريق آخر لسلكه الشعب الفلسطيني» ثم يتناول موقف شارون فيقول: «لسان حال شارون يقول: سحقاً لكل المبادئ الإنسانية، ولا طريق غير طريق الإبادة الكاملة لأعداء السامية المزعومة» ثم يؤكد على بطلان وَهْم الحل السلمي قائلاً: «التجارب أثبتت أن كل المحاولات السلمية كانت لكسر شوكة الانتفاضة ولتضليل الرأي العام فحسب» . ويتناول الزعاترة المسألة بطريقة عقلانية فيقول: «من المؤكد أنه يوجد لدى الفلسطينيين خيار آخر غير الانتفاضة، فبإمكانهم مثلاً القبول بالاحتلال والتعايش معه، ولعب دور الجسر الذي يعبُر من خلاله إلى الواقع العربي، كما أن بإمكانهم القبول بصيغة التسوية التي يعرضها عليهم الاحتلال؛ لكن هل يختار الفلسطينيون أيّاً من ذلك؟ يقول:» ولكنهم شعب حر ومؤمن، ولا يمكنهم القبول بذلك؛ فهم يفضلون التضحية على القبول بحل ذليل «. وهناك أمثلة على عدم جدوى الحل السلمي، منها، كما يقول الدكتور يوسف؛ ما طرحه العرب من:» مبادرة سلمية في مؤتمر قمة بيروت؛ فكيف كان ردُّ العدو عليها؟ بل كيف الرد على مبادرات تتابعت منذ قمة فاس عام ١٩٨٦م؟ «ويذكر عامر عبد المنعم مثالاً آخر:» عندما أعلنت حركات المقاومة هدنة من جانب واحد خرقتها إسرائيل ولم تتجاوب معها «. المحور الثالث يتناول المشاركة المصرية المحتملة في الإدارة الأمنية لقطاع غزة، بداية هذا الأمر مرفوض بالإجماع، ويصل كما يقول الأستاذ ياسر إلى أنه: » من الخطأ بل الخطيئة أن يوافق المصريون على أي ترتيبات أمنية مع الإسرائيليين «. ويقول الأستاذ عامر:» تورط مصر في أي إدارة أمنية لقطاع غزة لن يضعف المقاومة، وإنما يضعف مصر، ويجعلها تخضع لمزيد من الابتزاز الصهيوني «. وتعدت الأسباب التي قدمها الضيوف الأفاضل لهذا الرفض التام، فيذكر الدكتور عبد الحي أن:» القيادة المصرية كسائر القيادات العربية ليس في استراتيجيتها سوى الحل السلمي منذ أطلق السادات صيحته الشهيرة بأن حرب أكتوبر هي آخر الحروب، وليس الجهاد المسلح من خياراتها «ثم يفصل القول موضحاً حيثيات الرفض: » أولاً: هذه المشاركة سيكون هدفها الأول القضاء على المقاومة المسلحة أو تقزيمها. ثانياً: المشاركة المصرية قد تثير حفيظة أهل فلسطين وهم الذين صبروا على جور السلطة وأذاها، فلا يصبرون على المصريين، فيقع المحظور. ثالثها: المشاركة المصرية يراد لها القيام بالدور الذي عجزت عنه الدولة الصهيونية «. ويرى الزعاترة رفض المشاركة في الأساس؛ لأن» شارون سيخرج من غزة فراراً من المقاومة، ولذلك عليه أن يخرج بلا ثمن، أما الأهم فهو أن خروجه من غزة بفرض خروجه الكامل لا ينبغي أن يلفت الانتباه عن أن المهمة لم تنته بعد، حتى بمنطق القرارات الدولية التي تقبل بها الأنظمة «. ويكشف عامر عبد المنعم سبباً هاماً للرغبة» الإسرائيلية «في تولية مصر الملف الأمني:» فاليهود يجيدون الضغط على الدول؛ لأن تهديدها ممكن، ولكنهم يعجزون عن إخضاع حركات المقاومة السرية والمعقدة، ولهذا السبب وافقوا على مجيء السلطة الفلسطينية بقيادة عرفات للقيام بهذا الدور؛ فلما لم يفعل حبسوه في مقر المقاطعة وقوضوا سلطته «. ويوافقه الدكتور مقبول لأن» مصر تتبنى مكافحة الإرهاب، وحماس من المؤسسات الإرهابية على زعم أمريكا؛ فقد يحصل ضغوط أمريكية على مصر لملاحقة الانتفاضة «، ولذلك يؤكد الأستاذ عزيز في الختام أن» الطريق الأمثل هو أن يترك أمر الشعب الفلسطيني للشعب الفلسطيني «. المحور الرابع يتساءل عن مستقبل السلطة الفلسطينية بعد عرفات، وهو تساؤل حير الكثيرين، وبحثه متخصصون سياسيون واستخباراتيون، وتفاوتت فيه الآراء. وبداية يفصل ياسر الزعاترة بين الوفاة الطبيعية لعرفات أو قتله كما يلي: » لن يتغير الكثير في حال مات الرجل بشكل طبيعي ولم يقتله الإسرائيليون؛ ذلك أن وفاة الرجل ستبقي السلطة في يد حركة فتح التي ستتوافق على شخص جديد يوافق عليه المصريون بشكل أساسي، ولا يكون للأمريكيين عليه اعتراضات كبيرة، أما في حال قتله فإن الوضع سيكون أفضل من زاوية مصلحة القضية؛ لأن ذلك قد يكون إيذاناً بانتهاء السلطة التي يشكل وجودها مصلحة للاحتلال من الزاوية الأمنية والاقتصادية والسياسية. وستغدو المقاومة خياراً شاملاً وقادراً على استنزاف العدو «. أما الدكتور يوسف فيرى أنه:» ليس في قيادة السلطة الفلسطينية ممن هم حول عرفات من يمثل الثقل الذي يمثله عرفات، بالإضافة إلى ظهور عجز السلطة التام في مواجهة الكيد الصهيوني؛ مع الاستخفاف الذي تعاملت به الإدارة الأمريكية والحكومة الصهيونية معها، أضف إلى ذلك أنه لم يَعُدْ للسلطة سيطرة على أفراد المقاومة المسلحة من حركة فتح نفسها «ويحسم رؤيته لمستقبل السلطة بقوله: » لا أرى لهؤلاء المحيطين بعرفات مستقبلاً في إدارة الشأن الفلسطيني نظراً لغياب البعد الشعبي لهم من ناحية، وظهور القيادات البديلة التي التصقت بواقع الناس «. وينبه الأستاذ عامر إلى حقيقة هامة، وهي:» هناك تأثير خارجي استطاع تشكيل مجموعات داخل الحركة تعمل على تقزيم العناصر المقاومة واعتبار التفاوض خياراً استراتيجياً؛ وهذه العناصر ستلعب دوراً تكاملياً مع شخصيات أمنية متنفذة مدعومة من إسرائيل ومن دول عربية أخرى مثل محمد دحلان وجبريل الرجوب اللذين عادا بقوة مرة أخرى للبروز رغم استبعادهما عقب فضائح تتعلق بتعاونهما مع الاحتلال «ثم يذكر أن هذا السيناريو الخارجي للسلطة يواجهه » سعي للتقارب بين فصائل المقاومة المسلحة والذي برز في تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة، وهذا التقارب يصاحبه تقارب بين ممثلي التنظيمات السياسيين « ولذلك يتوقع عبد المنعم أن تخفق أي سلطة أمنية تتسلم المهام بعد هروب الاحتلال من غزة، ويقول:» الأقرب هو تشكيل قيادة جماعية تمثل كل الفصائل الفلسطينية متناغمة مع القوة الشعبية والعسكرية لكل فصيل «. المحور الخامس في هذا التحقيق يتحدث عن التغيرات المتوقعة في الموقف الأمريكي لو فاز الديمقراطيون بالرئاسة: يجيب الأستاذ عزيز بالمختصر المفيد: » هما وجهان لعملة واحدة، ولا يفوز الديمقراطيون إن فازوا للمرة الأولى « ويوافقه الدكتور مقبول في عدم حدوث تغيير» اللهم إلا لعب أدوار معينة، وإعادة ترتيب الأوراق، والدخول في مفاوضات عقيمة «والدكتور يوسف يسير على نفس المنوال، لكنه يفصل قليلاً:» للإدارة الأمريكية ثوابت لا تحيد عنها سواء كانت للجمهوريين أو الديمقراطيين، ومن أهمها حفظ أمن دولة اليهود وضمان تفوقها العسكري على العرب والمسلمين، وهم لا يهتمون بالشأن الفلسطيني إلا بقدر ما يضمن عدم شيوع الفكر الجهادي بين الناس «. ويستشهد الأستاذ عبد المنعم على صحة ذلك بالقول:» نحن نتذكر كيف أن جورج بوش فاز في الانتخابات السابقة بأصوات العرب انتقاماً من إدارة كلينتون؛ فإذا به أكثر ضراوة وشراسة من سابقه «. لكن للأستاذ الزعاترة رأي آخر فيقول:» ربما يكون الملف الوحيد الذي يزايد فيه الجمهوريون على الديمقراطيين في الولايات المتحدة هو ملف القضية الفلسطينية، ولذلك يمكن القول إن السوء على القضية سيكون واحداً في الحالين، لكن فوز بوش سيكون أفضل وإن بدا أكثر انحيازاً، والسبب أنه قائد أرعن سيواصل ارتكاب الأخطاء وكسب الاعداء، وهو الأمر الذي سيحقق مصالح كثيرة للأمة «، ثم يبين الزعاترة حجم التغلغل اليهودي في الحزب الديمقراطي: » اليهود ينحازون تقريباً إلى الحزب الديمقراطي بدليل أن ثلاثة من المتنافسين على ورقة ترشيح الحزب كانوا يهوداً او نصف يهود، فويسلي كلارك يهودي، أما هواراد دين فزوجته وكذلك أبناؤه يهود، بينما جون كيري يهودي من ناحية أمه وأبيه، وإن ادعى الأب أنه تنصر عام ١٩٠٥م، لكن شقيقه عاد وتهود مرة أخرى «. المحور الأخير يتناول مبادرة الشرق الأوسط الكبير الأمريكية وتحديداً إهمالها للقضية الفلسطينية كمحور للسياسة العربية الخارجية، وسبَّب كثيراً من المشكلات، وهنا يؤكد الزعاترة على أن هناك خطوطاً حمراء لا يمكن للدول العربية وخاصة مصر تجاوزها، رغم القابلية لتقديم المزيد من التنازلات، فلن يصل الأمر إلى الحدود التي يريدها الطرف الصهيوني، ولكن عامر عبد المنعم يخالف هذا الرأي قليلاً، فيقول:» الطغيان الأمريكي لم يعد يحتمل أن تكون الحكومات العربية بوجهين، ولم يعد يقبل أن يقال في العلن خلاف ما يقال في الغرف المغلقة «. ويفرق الدكتور عبد الحي يوسف بين موقف الزعامات والشعوب، فيقول: » إذا كان المقصود الزعامات فقد حصل هذا التخلي من وقت بعيد منذ طرحت الحلول السلمية التي أهملت موضوع القدس وعودة اللاجئين، وأقرَّت حق اليهود في العيش بسلام على أرض فلسطين؛ وأما الشعوب فلا تزال في الجملة بخير، وهي بانتظار من يحرِّكها مما يضاعف من مسؤولية الدعاة والموجهين وأهل الفكر «، ويوافقه الدكتور علي مقبول في ذلك تماماً، ويختم الأستاذ عبد الغفار عزيز بالقول:» المعادلة المطلوبة والتي قد تكون صعبة أن تجمع الأمة بين قوة الشعب ومصالحها العليا، وبين الأنظمة المستعدة لرعاية شعوبها، ومن ثم تسير على درب البناء والنمو متمسكة بحبل الله المتين «.

стр. 4911

ملفات فلسطين.. نزف مستمر وعطاء دائم! اغتيال أحمد ياسين بين السياسة الأمريكية والشارع العربي محمد سليمان أبو رمان في الوقت الذي كانت فيه العواصم الغربية تشهد مسيرات كبرى في الذكرى السنوية الأولى للغزو الأمريكي للعراق خرجت مسيرات محدودة في العواصم العربية على استحياء، وقد فاقت قوات الأمن في بعض هذه العواصم أعداد المتظاهرين. إلاّ أنه بعد أيام قليلة فقط لم تكد تمضي ساعات على ارتكاب شارون جريمته باغتيال الشيخ أحمد ياسين حتى تحركت الشعوب العربية، وانتفضت القوى الشعبية، وغُصت الشوارع والطرقات بالمتظاهرين والغاضبين في مختلف أقطار العالم العربي والإسلامي، وعادت لغة الوعيد والتهديد على لسان الجميع من مختلف الشرائح الاجتماعية. حتى إن هذه الجريمة كما يرى رشيد الخالدي (مدير معهد الشرق الأوسط في جامعة كاليفورنيا) أغضبت واستفزت كثيراً من الناس غير المهتمين بتطور الأحداث في فلسطين. وتشير التقارير الإعلامية أن كثيراً من المدن العربية لم تشهد مسيرات غاضبة منذ فترة طويلة كما شهدت على أثر اغتيال ياسين. بكلمة موجزة: أيقظت جريمة شارون الشارع العربي بأسره [١] . بيد أننا إذا حاولنا قراءة عملية الاغتيال من زاوية القدرات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية فإنها لا تشكل أية قيمة حقيقية؛ فأحمد ياسين شيخ كبير في السن مقعد، يتحرك بين الناس بمنتهى الحرية بلا احتياطات أمنية حقيقية تذكر، وهو عاجز حتى عن الدفاع عن نفسه جسدياً، ولا تشكل عملية «اصطياده» هدفاً عسكرياً ذا قيمة. ناهيك أن الشيخ ياسين ليس له أي دور عسكري، ومن هنا: فإن اغتياله لن يوقف العمليات العسكرية ولن يؤثر على قدرات جناح عز الدين القسام، ولن يؤثر كذلك على صنع القرار داخل الجهاز السياسي لحركة حماس. في المقابل فإن الأثر الواضح لهذه الجريمة هو استفزاز الشارع العربي وتفجير غضبه، ومزيد من الإحراج للولايات المتحدة أمام الشعوب العربية. وهنا يكمن جوهر الموضوع الذي نريد مناقشته: فهل أسقط شارون من حساباته نهائياً الجماهير العربية، ولذلك فهو لا يعبأ أبداً بمشاعر الغضب وأصوات الوعيد التي تصدر من هذا الشارع؟ وهل ارتكب حماقة كبرى باغتياله شيخ الانتفاضة، أم أنه مدرك أكثر من غيره بكثير لطبيعة هذه الشعوب، وأنها لا تزيد عن كونها «ظاهرة صوتية» ؟ هل فعلاً الشارع العربي لا «قيمة سياسية عملية» له على صعيد الصراع مع الكيان الصهيوني؟ الأسئلة السابقة تقودنا إلى تناول رؤية الإدارة الأمريكية المتطابقة مع رؤية حكومة الليكود الصهيونية لأهمية الشارع العربي ودوره في الحياة السياسية، وتحليل هذه الرؤية وأسبابها ثم مناقشتها على ضوء المؤشرات الواقعية، والاحتمالات المستقبلية. * العرب لا يفهمون غير لغة القوة: يصعب تناول رؤية الإدارة الأمريكية للشعوب العربية ولأهمية الرأي العام العربي دون التطرق إلى المحافظين الجدد وعقائدهم الجديدة، والذي يعنينا في هذا المجال هو التحالف الوثيق بين المحافظين الجدد وبين الليكود الإسرائيلي، وتعانق الأساس الأيديولوجي لكلا الطرفين، والذي تعمق بشكل أكبر مع أحداث الحادي عشر من أيلول وإعلان الإدارة الأمريكية ما يسمى بـ «الحرب على الإرهاب» ؛ إذ حدثت عملية «إدماج» لمصادر التهديد لكل من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، واعتبرت حركات المقاومة في فلسطين على الصعيد الرسمي الأمريكي حركات إرهابية تمثل تهديداً لأمن الولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة. من هنا تم إضفاء المشروعية على عمليات الاغتيال والإرهاب التي تمارسها حكومة الليكود ضد القيادات الفلسطينية، في نفس الوقت الذي مارست فيه الولايات المتحدة ضغوطاً شديدة في سبيل تجميد الدعم المالي والمعنوي الذي تتلقاه هذه الحركات من الخارج [٢] . السياسة الأمريكية السابقة أثارت جدلاً داخلياً بين النخب الفكرية والمثقفة الأمريكية؛ إذ ذهب اتجاه من المحللين والمثقفين إلى أن تواطؤ الإدارة الحالية مع حكومة شارون وتغاضيها عن كثير من سياسات الليكود التي ضربت عملية السلام في الصميم سيؤدي إلى مزيد من مشاعر الغضب والكراهية ضد الولايات المتحدة ومصالحها في المجتمعات العربية، وسيزيد من مصادر التهديد في المنطقة وربما في العالم بأسره. في حين ذهب اتجاه آخر إلى أن الشعوب العربية تحمل ابتداءً موقفاً عدائياً من الولايات المتحدة، وأنه لا فائدة من محاولة استرضاء هذه الشعوب لتغيير موقفها من الإدارة الأمريكية، وإنما المطلوب هو تغيير قناعات هذه الشعوب الذاتية والثقافية، وأن إظهار الولايات المتحدة لقوتها وتفوقها هو الطريق لتغيير هذه القناعات، ولا بد أن تعرف الشعوب العربية أن الولايات المتحدة «نمر حقيقي» وليست نمراً من ورق - كما يدّعي قادة تنظيم القاعدة - وإذا كان لا بد أن تكون الولايات المتحدة «قوة مكروهة» فلتكن ولكنها قادرة وليست ضعيفة. الاتجاه الثاني هو الاتجاه الذي تتبنى الإدارة الأمريكية تصوراته وآراءه حول الشعوب العربية وقيمة الرأي العام العربي وأهميته السياسية، ويوضح عدد من المنظِّرين والمحللين الأمريكيين جوهر هذا التصور وفلسفته؛ إذ يقول فريد زكريا: «الشيء الوحيد الذي يفهمه العرب هو القوة: هذه هي العقيدة المركزية السائدة التي تحكم السياسة الخارجية الأمريكية لإدارة الرئيس بوش في الشرق الأوسط، وهو وصف قديم سوّقه الباحثون التقليديون في شؤون المنطقة، ولكنه يبدو وصفاً أفضل لإدارة بوش نفسها» [٣] . ويشرح الباحث الأمريكي لاينتش مارك Marc Lynch هذه الرؤية والافتراضات الفكرية التي تقف وراءها في مقاله (التعامل مع العرب بجدية) إذ يقول: «إن أحد المفاتيح الرئيسة لفهم الشرق الأوسط كما يرى الصقور في إدارة بوش هو قول أسامة بن لادن بأن الناس يندفعون أفواجاً خلف الجواد القوي؛ حيث يعتقد المسؤولون في إدارة بوش بأن مشكلات الولايات المتحدة أساساً ترجع في جزء كبير منها إلى ضعف رد أفعال الإدارات السابقة تجاه الهجمات الإرهابية في الثمانينيات والتسعينيات، وبأنهم قد جاؤوا للسلطة وهم مصممون على إعادة احترام القوة الأمريكية خارجياً» [٤] ، ويرى مارك - وهو معارض لهذا الاتجاه - أن الإدارة الأمريكية قد بنت رؤيتها على عدة افتراضات خاطئة حول الشعوب العربية، منها افتراض أن العرب يحترمون القوة ويحتقرون أي علامات تدل على الضعف، ولذا فالطريقة المناسبة للتعامل معهم أن تدفعهم إلى الخضوع والإذعان. وافتراض آخر هو أن الرأي العام العربي ليس له شأن؛ لأن الدول السلطوية تتجاهله. وافتراض قديم ما يزال قائماً وهو أن الغضب من الولايات المتحدة يمكن بل يجب التغاضي عنه وإهماله؛ لأن جوهر هذا السخط يرجع إلى الثقافة العربية أو الإسلامية التى تقوم على الحقد على الولايات المتحدة، وهذا يمثل حقد الضعيف المخفق على القوي الناجح، أو ربما ببساطة شديدة هو من صنع القادة العرب غير المحبوبين من شعوبهم؛ وذلك لصرف الانتباه عن عيوبهم الشخصية [٥] . ويعزز افتراضات مارك السابقة مقال لفؤاد عجمي في مجلة (الشؤون الخارجية Policy Foreign) بعنوان «زيف العداء لأمريكا في العالم» حول أسباب الكراهية المتزايدة للولايات المتحدة في كثير من أنحاء العالم؛ إذ ينفي أن تكون السياسة الخارجية الأمريكية هي السبب، وإنما تكمن أسباب الكراهية في كثير من الأحيان في المشاكل الداخلية أو في الحقد والحسد تجاه التفوق والقوة الأمريكية [٦] . وقد تشرّبت القوات الأمريكية المحتلة للعراق هذه الرؤية العنصرية ضد العرب والمسلمين؛ إذ يرصد الخبير الأمريكي ستيفن زونز Zones Stephen في مقالته (العراق بعد عام) جملة من التصريحات والمواقف التي تكشف عن تغلغل هذه الرؤية لدى القادة والجنود الأمريكان؛ فأحد القادة في قوات الاحتلال الأمريكي في العراق يصرّح أنه «بقدر كبير من الخوف والإرهاب، وبكثير من المال أعتقد أننا نستطيع إقناع هؤلاء الناس أننا هنا لمصلحتهم» ، ويصرّح تود براون Brown Todd أحد القادة العسكريين كذلك لصحيفة نيويورك تايمز قائلاً: «يجب أن تفهم العقل العربي، الشيء الوحيد الذي يفهمه هو لغة القوة» ، ووفقاً لزونز فإن القوات الأمريكية في العراق تستعين بمستشارين إسرائيليين لقمع المقاومة الشعبية العراقية، كما يذهب عدد من القادة العسكريين الأمريكان إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة ليراقبوا عن قرب الطريقة الإسرائيلية في قمع الانتفاضة وضرب المقاومة العسكرية [٧] . وتعزز كثير من مراكز الدراسات والأبحاث الأمريكية المرتبطة بالمحافظين الجدد واللوبي الصهيوني الرؤية السابقة تجاه الشعوب العربية وثقافتها وأهميتها؛ إذ يصوغ ألكسندر جوفي أحد الخبراء الأمريكيين نظرية البيسيبول والنافذة المكسورة Windows Broken and Baseball في التعامل مع الشعوب العربية، وبالتحديد الشعب العراقي؛ إذ يرى أن محاولة الولايات المتحدة كسب الشارع العراقي يجب ألاّ تكون بطريق ودي قائم على الاسترضاء، وإنما من خلال تغيير أصول المجتمع العراقي الثقافية [٨] . ولعل رؤية جوفي السابقة تقودنا إلى نتيجة مهمة ترتبط بسعي الولايات المتحدة إلى إرغام المجتمعات العربية بالقوة على التسليم بالهيمنة الأمريكية، وهو الأمر الذي توظف له الولايات المتحدة كثيراً من جهودها من خلال كثير من الأدوات الإعلامية والثقافية والاقتصادية التي انتقلت إلى مخاطبة المجتمعات العربية والأهلية من خلال ما يسمى بـ «الدبلوماسية الأهلية» ، وتعتمد الإدارة الأمريكية في تعاملها مع الشعوب العربية على تقسيم الخبير الأمريكي جوزيف ناي القوة الأمريكية إلى قسمين: القوة الصلبة Power Hard والمتمثلة بالجانب العسكري والقوة الرخوة أو الناعمة Power Soft والمتمثلة بالنموذج الثقافي والاجتماعي الأمريكي، ومن ثَم فهي تستخدم هذين النوعين في التعامل مع الشعوب والمجتمعات العربية، والمحصلة العامة هي العمل على تغيير قناعات الشعوب ومواقفها من الولايات المتحدة ليس من خلال تغيير السياسة الخارجية الأمريكية، وإنما من خلال القوة الأمريكية الصلبة أو الرخوة. وبناء على التصور السابق تتوقع كثير من المقالات والدراسات في الولايات المتحدة والعالم العربي أن احتلال العراق وسقوط بغداد سيكون بداية لمرحلة جديدة للحياة السياسية العربية، وسيؤدي إلى تغير في طبيعة الشارع العربي وتوجهاته السياسية، وطبيعة المُناخ الثقافي السائد؛ إذ ستتخلى هذه الشعوب كما يرى محمد الجاسم بعد سقوط صدام عن الشعارات المثالية السابقة (والتي كانت بمثابة مخزن الخيال السياسي العربي) وستتجه الشعوب العربية إلى الواقعية السياسية والقضايا الداخلية المرتبطة بالفساد السياسي والأزمات الداخلية، خاصة بعد تحجيم القضية الفلسطينية في بُعدها الفلسطيني - الإسرائيلي، وزوال منطق «الأزمة» الذي كانت تتعامل من خلاله الأنظمة العربية مع شعوبها، وهذا وذاك سيؤدي إلى تغير حقيقي في توجهات الشارع العربي واهتماماته [٩] ، والنتيجة السابقة يصل إليها كذلك الخبير الأمريكي مارتن والكر في مقالته (بعض الأفكار على النصر Some Victo on Thoughts) أن الانهيار السريع للعراق ولنظام صدام ونجاح التحالف الأنجلو ساكسوني الذي يقود العراق حالياً بالوصول بالبلد إلى الاستقرار والتقدم سيؤدي إلى مستقبل بديل للشعوب العربية يقوم على أنقاض الثقافة المنهارة مع سقوط بغداد [١٠] . * الشعوب العربية بين الاحتلال الخارجي والاستبداد الداخلي: بلا شك فإن التصور الأمريكي السابق ينطوي على رؤية تحتقر العرب وتزدريهم، ولا تلقي بالاً للرأي العام العربي ولا لدوره أو أهميته، وهذا يقودنا إلى الأسباب والعوامل التي تقف وراء هذا التصور. هناك أسباب دينية وتاريخية معروفة وراء هذه «الصورة الذهنية» المتحيزة ضد العرب والمسلمين، وقد تحدّث عدد كبير من الباحثين والمتخصصين حول هذا الأمر، ومن أبرزهم إدوارد سعيد الذي فكك وشرّح الرؤية الاستشراقية القائمة على (شيطنة) العرب والمسلمين في التصور الثقافي الغربي العام. كذلك هناك دور اللوبي الصهيوني وتأثيره على النخب السياسية والإعلامية والثقافية الأمريكية، يضاف إلى ذلك ما يصفه الباحث منار الرشواني بـ «خلق خصوصية الإنسان العربي» في الرؤية الغربية، بمعنى: نزع صفة الإنسانية عنه وتجريده من حقوقه السياسية؛ وذلك بفعل الفلسفة الموروثة والحاكمة في الحياة الثقافية الغربية عموماً والأمريكية خصوصاً التي تمجد الغرب ونرجسيته، وتُسقط على شعوب الشرق طابع الهمجية والبربرية. ويرصد الرشواني عدة نصوص فكرية لمجموعة من رواد الفكر الغربي - الذين نظَّروا عن الديمقراطية والحرية: امثال ستيوارت مل، ومونتسكيو، وتوكفيل - تظهر هذه النزعة في احتقار الإنسان العربي والتقليل من شأنه ومن كرامته [١١] . بيد أن هناك كثيراً من الأسباب العملية - التي تعزز الأسباب التاريخية والدينية السابقة - تقف خلف الرؤية الأمريكية السابقة تجاه الشعوب العربية، يتمثل أبرزها في الخبرة الواقعية في علاقة هذه الشعوب بحكامها والأنظمة السلطوية القمعية التي تحكمها؛ إذ إنه على الرغم من الوضع المأساوي الكبير الذي وصلت إليه الشعوب العربية بفعل الاستبداد والفساد السياسي، إلاّ أنها لم تجرؤ على التظاهر ضد حكوماتها، وكلما حاولت ذلك استخدمت الحكومات معها سياسة «العصا» وأجبرتها على الخنوع مرة أخرى، وعلى الرغم من غياب أسس الشرعية لأغلب الحكومات العربية فإنها باقية ومستمرة من خلال القوة والإرهاب، وليس من خلال اقتناع الجماهير؛ ولذلك فمهما كانت مواقف الشارع العربي ومشاعره، فإن اللغة الوحيدة التي يفهمها هي لغة القوة والخوف. كما أنه لا داعي للقلق من ردة فعل الرأي العام والشارع العربي، طالما يستطيع الناس في كثير من دول العالم الغربي التظاهر والخروج بمسيرات والتنديد بجرائم إسرائيل وبالسياسة الخارجية الأمريكية، بينما لا يستطيع العرب التظاهر في الشوارع العربية احتجاجاً على السياسة الأمريكية أو الجرائم الصهيونية. كيف يراد لكل من الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية أو الحكومات الغربية احترام الرأي العام العربي أو حتى كرامة المواطنين العرب وحرمة دمائهم ونفوسهم والحكومات العربية لا تقيم لها وزناً يذكر؛ وهذا صدّام حسين كم داس رقاباً من الناس، وكم أذل شعبه وأوصله إلى حال بائس، ولم يستطع الشعب الخلاص منه إلاّ بعد تدخل القوات الأمريكية وإزالة حكمه بالقوة. بالفعل: ما قصة الشارع العربي؟ كم هو حجم التحديات الكبرى التي تعصف به، وكم هي الأحداث الكبيرة التي تلم به، وكم هو فاسد الواقع الذي آل إليه إلاّ أنه لا يستطيع تغييره؟ فهل فعلاً أصاب شارون في حساباته بإخراجه الجماهير والشعوب العربية من دائرة الصراع؟ وهل صدقت الرؤية الأمريكية في أن الشعوب العربية عاجزة ولا تفهم غير لغة القوة؟ وهل الرأي العام العربي بلا «قيمة سياسية فعلية» تذكر في موازين وحسابات الصراع؟! ماذا فعلت الجماهير والقوى السياسية العربية إزاء كل جرائم شارون والصلف الأمريكي غير الخروج بمظاهرات ومسيرات سرعان ما تنتهي، وتزول حالة الغضب ويعود الناس إلى حياتهم الطبيعية؟ بينما تمر الأحداث من حولهم دون أدنى قدرة على مواجهتها على قاعدة: «أوسعناهم شتماً وذهبوا بالإبل» . هذه التساؤلات هي محور نقاشنا القادم. * الشارع العربي: آفاق مستقبلية: أثبت الشارع العربي أنه موجود، وله موقفه تجاه أغلب الأحداث الجسام التي مرت بها الأمة الإسلامية في السنوات الأخيرة، وفي اللحظة التي كان يتصاعد فيها الجدل وتتضارب الآراء حول «نعي» هذا الشارع وموته، لا يلبث الجدال أن يتوقف على هدير وأصوات الجماهير الغاضبة من فاس إلى المنامة، على الرغم من حجم الإحباط الكبير الذي يسود الناس، وعلى الرغم - كذلك - من سيف الأمن المسلّط على رقاب العباد. بيد أن المشكلة لا تتمثّل في مدى استعداد وقابلية الرأي العام العربي للتغيير، والانتقال من موقع الشهادة غير المؤثرة على الأحداث السياسية إلى ساحة الفعل التاريخي الفاعل والمؤثر، والذي يحسب الجميع حسابه. إن جوهر المشكلة يكمن في غياب تقاليد الحركة الشعبية عن الجماهير والقوى العربية، وعجز «النخب المثقفة» وقيادات الحركات السياسية الشعبية عن صوغ استراتيجية عملية تنقل لحظات الغضب والانفعال والطاقة الكامنة داخل هذه الشعوب إلى مراحل وخطوات منهجية تقوم على تصور عملي وآليات تنقل هذا التصور إلى حيّز التطبيق. ولنا في التجربة الأوروبية المعارضة للحرب الأمريكية على العراق والمتعاطفة مع قضايا العالم الإسلامي مثال على تحول المواقف الانفعالية إلى تصورات ومؤسسات وآليات عمل تطبيقية؛ فقد تشكلت مجموعة كبيرة من المؤسسات الفاعلة والمؤثرة في الغرب، التي تسعى إلى ديمومة التأثير على الرأي العام العالمي ضد السياسة الخارجية الأمريكية، وإيجاد وابتكار العديد من الأساليب والآليات التي تكشف عن الجرائم الامريكية، وتؤثر في توجهات الشارع الغربي، ولعل الملاحظة التي يرصدها خالد الحسن (رئيس تحرير مجلة العصر الإلكترونية) حول تجربة اليسار الأوروبية تقدّم مثالاً لاتجاه من اتجاهات التطور المطلوبة في الحركة الشعبية العربية؛ إذ يتحدّث خالد الحسن عن هذه التجربة قائلاً: «هؤلاء كتبوا وكتبنا، وتحركوا وتحركنا، وقادوا حملات توعية، وبادرنا بها في ديارنا أيضاً، لكنَ» النضال «لم يتوقف عندهم في حدود تسجيل الموقف وإبراء الذمة، وإنما أسسوا لهم منابر ومنتديات، وصنعوا لهم تياراً عارماً وتوجهاً واضح المعالم، وأكثر من هذا وذاك: حددوا لهم آلية للحراك والنشاط؛ وهذا ما ينقصنا؛ فمن بيننا كتاب متألقون ومتحدثون مؤثرون ومفكرون نبغاء وعلماء عاملون ومصلحون.. لكننا توقفنا عند حدود البيان والتوعية، وحتى القلة القليلة التي خرجت للأمة بمشروعات وإن غطَت جوانب مهمة من مناطق الوعي والتوجيه، لكنَها اكتفت بتوضيح المسالك وقواعد السير، وأمام» الفتوحات «الأمريكية للقارات، والتحكم في مناطق الضخ يبرز مجال أوسع وأعمق في مهمة المفكرين والمصلحين والكتاب والفاعلين والقوى الحية في الأمة، وهو رفع مستوى التحدي ومواجهة استراتيجيات الهيمنة والسيطرة ليس ببث الوعي المجرد والأعزل فقط، ولكن أن نؤسس لوعينا ولتصوراتنا مؤسسات ومنتديات تتابع الخطط وتكشفها وتميط اللثام عن الاستراتيجيات وترسم خطوط المواجهة الشاملة للأمة. إن أوقاتنا الراهنة لا يصح فيها تسجيل موقف والتوقيع على بيان إبراء للذمة وإعذاراً إلى الله، وبعدها يرجع كل منا إلى عرينه يستأنف مسيرة الوعي المجرد!» [١٢] . على النقيض من كثير من التصورات التي تحاول إجهاض دور الشارع العربي، وأهميته، فإن المؤشرات على واقع هذا الشارع مستقبلاً تبدو إيجابية إلى أبعد مدى، وفي الوقت الذي يشهد فيه النظام الرسمي العربي بشقيه الإقليمي والقطري حالة من «أزمة الشرعية المزدوجة» التي تبشر بأفول هذا النظام وانقطاع عهده، فإنّ بوصلة المستقبل تتجه إلى الشعوب العربية التي أثبتت أنها تجاوزت في وعيها النضالي حالة الأنظمة العربية؛ إذ إنه في مقابل السقوط المريع للنظام العربي في التعامل مع إدارة أزماته الداخلية في الحكم والتنمية وفي مجابهة الأخطار الخارجية المتمثلة في الاحتلال، فإن الشعوب العربية تتغلب دوماً على أوضاعها وتتفاعل مع شروط حركتها وتنتج مقاومة فاعلة ضد الاحتلال كما هو الحال اليوم في فلسطين والعراق [١٣] . وربما نجد في الدرس العراقي مثالاً لإرادة الشعوب العربية؛ إذ إن الشعب العراقي استطاع خلال أيام معدودة تجاوز الميراث المدمر لحقبة حكم صدام حسين، وانتفض على جراحه وآلامه، وقام بتشكيل مقاومة مسلحة، لم تكن أبداً المصادر الأمريكية تتوقع جزءاً منها، ومع مرور الوقت فإن المقاومة العراقية تزداد عمقاً وتوغلاً في النسيج الاجتماعي والثقافي العراقي، وتتطور في أدائها وقدراتها، ولذلك [في رأيي الخاص] إذا أراد الأمريكان أن يحكموا على أهمية الشارع العربي وطبيعة الشعوب العربية فما عليهم إلا تلقي الدرس من المقاومة العراقية والفلسطينية، والتي يسجل لها خبراء أمريكيون من الآن أنها تظهر أن لغة القوة المزعومة لا تؤدي إلاّ إلى زيادة إصرار الشعوب على المقاومة والجهاد. ولم تسعف خبرة الكيان الصهيوني وجنرالاته الفاشلة في التعامل مع المقاومة الشعبية العربية لم تسعف القوات الأمريكية في مواجهة قدرات مبتكرة من قِبَل الشعب العراقي في أساليب المقاومة والقتال وتكبيدهم خسائر فادحة. إنّ الملاحظة السابقة تقودنا إلى موضوع مهم حول مستقبل الحركة الشعبية العربية، وهي أنّ الحركة الشعبية نجحت في تخطي كثير من المعوقات وإثبات ذاتها في ميادين الصراع المباشر والمكشوف مع الاحتلال، لكنها إلى الآن عاجزة عن القيام بنفس الشيء على صعيد التغيير السياسي والجهاد المدني السلمي، وهنا تبدو الحاجة الماسة إلى دور العلماء والنخبة الدعوية في استثمار المُناخ الشعبي العام الساعي إلى التغيير؛ فالشروط النظرية والتاريخية للتغيير السياسي متوافرة ولا تحتاج سوى إلى رؤية عملية وخطوات منهجية للانتقال إلى حالة سياسية عربية جديدة تحطم فيها الجماهير العربية الرؤية الأمريكية المتمثلة بأنّ «الشارع العربي مجرد وهم» ولا حقيقة مؤثرة له في الواقع. ومما يبشر بالإضافة إلى ما سبق بمستقبل فاعل وجديد للحركة الشعبية العربية التطور الكبير في دور مؤسسات الإعلام والمجتمع المدني، وتقلص دور السلطة وهيمنتها على الحياة السياسية والاقتصادية والرمزية، وهو الأمر الذي اعتبره عدد من المنظرين العالميين الكبار انتهاء عصر الدولة القومية (التي تشكلت على أثر معاهدة وستفاليا عام ١٦٦٨م) بل وتغير في مفهوم الدولة ذاته، ومن ثَم زاد الوعي الشعبي العربي، واتسعت مساحة الحرية والتعبير - من خلال الشبكات والاتصالات والمؤسسات الجديدة - ولم تستطع حتى أكثر الدول انغلاقاً ممانعة هذه الموجة الجديدة، وفقدت كثير من النظم القطرية العربية كثيراً من قدراتها في التأثير على الرأي العام وتحديد قوته ودوره، واضطرت للسماح للمؤسسات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني بممارسة دور كبير بضغط من الخارج والداخل، وهو ما يعني منطقياً تقليص أهمية مؤسسات السلطة وخطورتها. إن جريمة اغتيال الشيخ أحمد ياسين تلفت انتباه العلماء والدعاة العرب والمسلمين، وتوجه القوى السياسية والشعبية إلى عدم الاكتفاء بمنطق المسيرات والمظاهرات ورفع الأصوات، وإنما بضرورة قراءة اللحظة التاريخية الراهنة التي تبشر بمولد جديد للحركة الشعبية، إن أحسنت هذه النخب قراءتها واستثمارها وتقديم الرؤية الشرعية المستمدة من عقيدة الأمة التي تنتظرها الشعوب المتلهفة للتغيير والخروج من هذا الواقع البائس.

стр. 4912

ملفات فلسطين.. نزف مستمر وعطاء دائم! ٢٠ وسيلة لنصرة الأقصى د. إبراهيم بن عبد الله الدويش الحمد لله ينصر من نصره وأطاعه، ويخذل من ترك أمره وأضاعه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خير من نصر الدين وأعلى كلمته، وبعد: يا مسلمون انصروا الأقصى ولا تهنوا ... ... ... ... ... ... وطهروا القبلة الأولى من القذَرِ رأينا وسمعنا خلال الأيام الماضية الكثير من الوسائل لنصرة الأقصى والوقوف مع إخواننا في فلسطين ومنها: المظاهرات؛ والشجب والاستنكار بالخطب الحماسية؛ والمقالات المؤثرة؛ والقصائد الملتهبة، كل هذه وسائل للتعبير عما يجيش في النفوس ويعتلج في الصدور، وبغض النظر عن شرعية بعضها وجديتها ومدى تأثيرها فإنه يسرنا غضبة الإيمان لدى الشعوب؛ ومعرفتها بحقيقة اليهود؛ والنداء بالجهاد ونصرة المستضعفين في فلسطين..، وفي طيات هذه الأحداث خير كثير، لكن بعيداً عن العاطفة والحماس، ومحاولة جادة للمراجعة والتدبر والبحث الجاد عن حلول عملية لا مجرد أصوات وانفعال يتجمد بمجرد التنفيس أو بمجرد كلام أو تصريح لامتصاص غضب الشعوب. فهذه الصحوة في الشعوب الإسلامية تحتاج إلى توجيه وإلى تذكير وتحذير. فتحتاج إلى توجيه بأن نصرة القضية تحتاج إلى مراجعة النفوس وتربيتها ورجوعها إلى الله بحق. فكم من متظاهر ربما لا يُصلِّي فرضه، وكم من مستنجد يستغيث بغير الله، وكم من صارخ بعيد غافل عن الله وكم وكم ... وتحتاج إلى تذكير بأن الصيحة يجب أن تكون من أجل لا إله إلا الله، وأن القضية يجب أن تكون من أجل الله؛ فلا حمية ولا عصبية، بل لله وحده خالصة نقية. وتحتاج إلى تحذير من أن يندس بين الصفوف بعض شياطين الإنس من الانتهازيين الذين لا يهمهم سوى مصالحهم وأهوائهم، ولذا أتمنى من كل قادر من علماء الأمة وإعلامييها الصادقين الجادين التكاتف والتعاون لتوجيه الشعوب ورسم الطريق الأسلم لها من خلال المنهج القويم منهج القرآن والسنة والصراط المستقيم [صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ] (الشورى: ٥٣) . فتعالَوا إخوة الإسلام لنبحث عن حلول عملية فاعلة، ولا نحتقر شيئًا؛ فإن الجبال من الحصى؛ فإليكم بعضًا من هذه الوسائل: وأول هذه الوسائل وأهمها: أن التغيير يبدأ من الداخل أولاً: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: ١١) : فإذا بدأ كل واحد من المسلمين بتغيير ما في نفسه وذاته، وجدّد الصلة بالله تعالى فإن الله سيغيّر واقع المسلمين، ويمكنهم من عدوّهم، ويجعل الدائرة تدور على عدوهم، فلا بد أن نعلم أن النصر له أسباب من أهمها: الرجوع إلى الله، والتمسك بالكتاب والسنة؛ فإلى متى والأحداث تطحن في أمتنا، ونحن غارقون في الترف والشهوات، وأنواع المحرمات من: تحايل وربا، ولواط وزنا، وخمور ومخدرات؟! متى يشعر كل طواف بالقبور، مستغيث بها، أنه سبب من أسباب تسليط اليهود على المسلمين؟ متى يعلم كل مُرابٍ أنه سبب في البلاء الذي ينزل بساحة المسلمين؟ متى يعلم كل زان وشارب للخمر ومتعاط للمخدرات أنهم ممن شارك اليهود في أذى المسلمين؟ متى يعلم كل عاص وغافل ولاه أنهم من أسباب تأخر المسلمين، وذلهم وهوانهم؟! إلى متى والشرك والبدع والخرافات تضرب أطنابها في الكثير من بقاع المسلمين؟ إلى متى ونحن غافلون عن المكر الدولي لأمة الإسلام باسم الإرهاب والتطرف؟ ألا يتعظ المثقفون من بني أمتي، المنخدعون ببريق الديموقراطية، والعدالة الغربية؟ ألا يتعظ الغافلون من بني أمتى الغارقون في بحر الشهوات والطرب واللذات؟ ألا يتعظ المترفون، والعصاة المذنبون، بأن مثل هذه الأحداث نذر وتذكير بأن الله يمهل ولا يهمل؟ وأن الله لا ينصر إلا من نصره وأطاعه واتبع صراطه المستقيم؟ ألا يتعظ الصالحون من بني أمتي المضيعون للأوقات، ألا تُربي فيهم الأحداث العزم والجد وتربية الذات؟ فلِمَ لا تُربَّى النفوس على الشجاعة، وعلى قصص البطولة والجهاد، بدل إغراقها في الترف وحب الراحة والخمول والكسل؟ فالنفس إن لم تُشغلها في الطاعة والجد والاجتهاد، اشتغلت في المعصية، والضياع والفساد. إذاً فطريق الرجوع يكون بإحياء سنة النبي ﷺ ، والتمسك بها، والحذر من إحداث ما لم يأذن به. ثم بالحذر من الوقوع في المعاصي والمنكرات التي حذرنا منها ﷺ ، وإعادة الأمة إلى شرع ربها وقيامها بواجبها في الدعوة والبلاغ ونشر دين الله باللسان والبنان والسنان حتى يتحقق ما وعد به رسولنا ﷺ من بلوغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها. ثم أيضاً بتحذير الأمة من الاشتغال بالمظاهر عن الحقائق؛ فإن في هذا تضييعاً للقضايا العظيمة واختزالها في مظاهر جوفاء، لا يوافق عليها نقل صحيح ولا عقل سليم. إذاً فلا نجاة للأمة الإسلامية، إلا بالأخذ بأسباب النصر الحقيقية, والتي من أهمها: الإخلاص، ومتابعة الحبيب ﷺ ، والحرص على سلامة المنهج. ولو تساءلنا عن سبب انتصار صلاح الدين في معركة حطين؛ لقلنا إنه بنشر العلم الصحيح؛ وإحياء السنة؛ وقمع البدعة؛ وتوحيد المسلمين على عقيدة التوحيد، واقرؤوا إن شئتم تاريخ الملك الصالح؛ محمود نور الدين زنكي [١] ، وكيف كانت آلاف المدارس والمعاهد الشرعية في عصره تؤصل في النفوس عقيدة التوحيد؛ وحب الجهاد؛ وبذل النفس من أجل دين الله، ومحاربة البدع والخرافات، مما كان تهيئة لعصر صلاح الدين الذي أكمل المشوار؛ وقاد تلك النفوس لرفع راية التوحيد؛ ولتكون كلمة الله هي العليا. إذاً فهي منهجية علمية وتربوية، تحتاج إلى صبر ومجاهدة وطول نفس، فهل نستفيد من دروس التاريخ والسيرة؟ ثانياً: من الوسائل لنصرة الأقصى: الجهاد في سبيل الله: ولا أحد يشك في أن الحل بذروة سنام الإسلام، الجهاد في سبيل الله؛ فقد أوضحت الانتفاضة أن الجهاد هو السبيل الأقوم والطريق الأمثل لأخذ الحق والاعتراف به، وأيقن المسلمون أن راية الدين إذا ارتفعت تصاغرت أمامها كل راية. لكن لا بد أن نتذكر دائماً أن الجهاد يحتاج إلى قاعدة صلبة من الإيمان والرجال، وليس مجرد عواطف وحماس، ولا بد أن نسأل أنفسنا بعمق وتدبر: هل واقع البلاد الإسلامية والعربية مهيأٌ الآن لقيام الجهاد الذي سيقود للنصر؟ أو أنه جهاد سيستغل لرفع رايات وأهواء، وغيرها مما لا يخفى على عاقل؟! ثم كيف لنفوس لم تنتصر على أنفسها فهي أسيرة للشهوات والملذات والمعاصي أن تنتصر بساحة الجهاد. قال بعض الشباب الغافلين: أنتم افتحوا لنا الطريق وسترون؟ قلت: كيف وأنتم بهذه الحالة من الغفلة والبعد عن طاعة الله؟ وهنا تكمن المشكلة حين نفهم أن الجهاد قوة وشجاعة فقط. فمن ظن هذا فقد أخطأ؛ فالجهاد قوة إيمانية وروحية قبل أن يكون مجرد قوة عتاد وشجاعة نفوس، والتاريخ يشهد بهذا. فهل ما يتلقفه الكثير من المسلمين من خلال وسائل الإعلام المتنوعة من فساد للدين وانحراف الأخلاق وشيوع الرذائل هل هي أسباب تؤهل للنصرة على الأعداء، أم لسيطرة الأعداء على العالم الإسلامي؟ بكل صراحة نقول: إن الكثير من النفوس غير مؤهلة للارتقاء لمستوى المسؤولية والإحساس بواجبهم تجاه القضايا التي يعيشونها. ولكن هذا كله يزول لو اتخذت التدابير والأسباب بجدية من الراعي والرعية، على مستوى الشعوب الإسلامية، وإنما عجزت الشعوب الإسلامية عن هزيمة اليهود؛ لأنها رفعت رايتها باسم العصبية القومية، وليس لتكون كلمة الله هي العليا، [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ] (الحج: ٤٠-٤١) ؛ فهل نجح اليهود بإبعاد الإسلام عن معركتهم مع العرب؟ فهم يعرفون تماماً أن دين الإسلام هو مصدر عزة هذه الأمة، وقوتها الحقيقية، ويعلمون أن الموت في سبيل الله حياة تتمناها النفوس، وتُبذل في طلبها المهج كما قال تعالى: [وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] (آل عمران: ١٦٩) [٢] ، ثم لنعلم ونتذكر أن الجهاد في سبيل الله أنواع؛ فمن لم يستطع بنفسه فبماله وقلمه؛ أو بكلمته؛ أو بعلمه؛ ولو بهمِّه وحرقته ودعائه وقنوته. ثالثاً: من أهم الوسائل للنصرة: الدعاء: وكم سمعنا من أخ يقول: لا تقل لنا الدعاء، نريد شيئًا آخر، نريد عملاً لا كلاماً، وأقول لمثل صاحب هذا القول: أول أسباب الهزيمة، وعدم الإجابة: هذه النظرة للدعاء، وعدم إعطائه قدره، وترك القيام به كما ينبغي بآدابه وشروطه وواجباته، نعم أخي لقد جاء في الحديث: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاهٍ» [٣] . أتسخر بالدعاء وتزدريه ... وما تدري بما صنع الدعاءُ سهام الليل لا تُخطي ولكن ... لها أمدٌ وللأمد انقضاءُ شأن الدعاء في كشف البلاء من الأمور المعتقدة والمشاهدة، وهو من حسن الظن بالله، وهو سلاح عظيم يُستدفَع به البلاء، ويرد به سوء القضاء، وهل شيء أكرم على الله من الدعاء؟! ولو لم يكن في الدعاء لإخواننا إلا الشعور بالجسد الواحد، والمواساة ورقَّة القلب، لكفى [فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (الأنعام: ٤٣) ، ولو لم يكن في فضله إلا هذه الآية لكفى: [قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ] (الفرقان: ٧٧) ، ويكفي قول الرسول الله ﷺ : «أفضل العبادة هو الدعاء» [٤] ، أليس الدعاء تذللاً وخضوعاً، وإخباتاً وانطراحاً بين يدي الكريم المنان، بل صح أنه ﷺ قال: «الدعاء هو العبادة» [٥] . فمتى يعرف المسلمون قيمة وقدر هذا السلاح؛ فالدعاء سلاح الخطوب، سلاح المؤمن الصادق في إيمانه، لكنه يحتاج من يجيد الرماية، ويحسن تسديد السهام، يحتاج لاستمرار ومواصلة؛ وصبر وجلد؛ وعدم ملل. ففي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: « ... فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِسلامِ لا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ. فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِه، ِ وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ] (الأنفال: ٩) فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلائِكَةِ. قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ! فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ. فَجَاءَ الأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: صَدَقْتَ؛ ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ» [٦] . إخوة الإيمان! بمثل هذا الدعاء يكون النصر للمسلمين، دعاء من قلب صادق، وليس غافل لاه، دعاء من قلب مليء بالثقة واليقين كلما رأى الأمور تشتد؛ والمكر والكيد يزداد، قال: [هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُه] (الأحزاب: ٢٢) ، ثم زاد في دعائه وعمله وسعيه لفعل كل ما يستطيع من أسباب النصر دون تردد أو خوف، أما الدعاء من قلب ضعيف شاك بنصرة الله فما عساه أن يفعل ولم يؤثر بدءاً بقلب صاحبه؟ فما أجمل الدعاء إذا كان من قلب قوي موقن بالإجابة! وما أجمل الدعاء إذا امتزج بالسعي والعمل، والخضوع والانكسار! وما أجمل انتهاز فرص أوقات الإجابة كوقت السحر حين نزول ملك الملوك، وناصر المستضعفين، ووقت السجود، والخلوات! وكيف إذا صاحب هذا أيضاً انكسار وخشوع وبكاء، وتوجهت الأحاسيس كلها إلى بارئها تعالى، هنا يكون للدعاء أثر، وهنا يكون الدعاء وسيلة فاعلة؛ بل أعظم وأهم وسيلة للنصرة الحقيقية للمسلمين؛ فليكن للأقصى حظ من دعائك، بل أليس القنوت في النوازل من سنن المصطفى ﷺ ؛ فأين قنوتنا؟ فإن لم يكن جماعة أفلا يمكن أن يقنت العبد بمفرده من أجل إخوانه وعقيدته؟ فادعُ وأكثرْ ولا تيأسْ، ولا تتعجل، [وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ] (يوسف: ٨٧) ، إذاً فأنت مطالب بالدعاء لإخوانك؛ والتضرع والإلحاح بالدعاء، الدعاء الذي يتحرك به القلب قبل أن يلهج به اللسان، دعاء القلب الذي يعتصره الألم، ويحرقه الهم للمسلمين؛ فمن منا أيها الإخوة رفع يديه إلى السماء، وتوجه إلى الله بالدعاء؟ من مِنَّا قنتَ في ليله ودعا على أعداء الإسلام واليهود الغاصبين؟ وسلاحنا النووي تقوى ربنا ... فبها سنجعلهم هشيم المحتظرْ ولنا سهام الليل تفعل فعلها ... والأمر للمولى كلمحٍ بالبصرْ جبناء يستخفون رغم رصاصهم ... يخشون طفلاً راح يقذف بالحجرْ فإلى كل مسلم يريد نصرة إخوانه: اللهَ، اللهَ بالدعاء، سبحان الله.. أليس في المليار أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره؟ فإياكم وقسوة القلب، وشدة الغفلة، والإغراق في الدنيا، ونسيان مصاب إخوانكم. إن دمعة من عينيك، ودعوة من قلبك، وزفرة من صدرك لهي دليل على صدق الانتساب لهذا الدين. رابعاً: الصدقة وبذل المال في سبيل الله: وكما أن الله تعالى أوجب الجهاد بالنفس فقد أوجب الجهاد بالمال، وحث عليه ورغب فيه فقال: [وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيه] (الحديد: ٧) ، فما أروع أن يتفاعل المسلمون وخاصة التجار والأثرياء فيجعلوا الهم للإسلام والمسلمين أولاً؛ فما نقص مال من صدقة، فهل نجعل لقضية فلسطين، ولإخواننا المستضعفين من أموالنا نصيباً؟ وهذا من المشاركة معهم في جهادهم، بل قد يكون الجهاد بالمال أحياناً أعظم من الجهاد بالنفس؛ لأن بذل المال الكثير يكون نفعه متعدياً، ونفع جهاد النفس يكون مقصوراً على صاحبه أحياناً، فما أروع تلك البادرة التي بدرت من صاحب تلك الإبل الذي اهتم واغتم حزناً للأقصى وحال إخوانه هناك، وأصبحت القضية هماً يعتلج في ذهنه فما وجد إلا أن باع إبله وهي كل ما يملك وتبرع بقيمتها. خامساً: بث روح العزة واليقين وعدم التيئيس والتخذيل: بالصبر واليقين يُنصر المسلمون وتنال إمامة الدين، اليقين بوعد الله تعالى لأوليائه المؤمنين بالنصر مهما زادت المحن والعقبات؛ فهذه بشارات تلوح قبل النصر. قال تعالى: [وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ] (الصافات: ١٧٣) ، [وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ] (الروم: ٤٧) ، واسمع لليقين والتفاؤل العجيب عند النبي ﷺ وفي أشد المواقف وأصعبها؛ فقد كان يضرب بالمعول في غزوة الأحزاب ويقول: «اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا. ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَضَرَبَ أُخْرَى فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ؛ وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْصِرُ الْمَدَائِنَ وَأُبْصِرُ قَصْرَهَا الأَبْيَضَ مِنْ مَكَانِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَقَلَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ؛ وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا» [٧] . ومن طريف ما يروى في الإيمان واليقين، ما ذكره ابن كثير ﵀: «لما افتتحت مصر أتى أهلُها عمرو بن العاص حين دخل بؤنةُ من أشهر العجم فقالوا: أيها الأمير! إن لنيلنا هذا سُنّة لا يجري إلا بها. قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كانت اثنتا عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من أبويها، فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحُلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل. فقال لهم عمرو: إن هذا مما لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما كان قبله. قال: فأقاموا بؤنةَ؛ وأبيبَ؛ ومسرى؛ والنيلُ لا يجري قليلاً ولا كثيراً، حتى همُّوا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بذلك، فكتب إليه عمر: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وإني قد بعثت إليك بطاقةً داخل كتابي فألقها في النيل، فلما قدم كتابُهُ أخذ عمرو البطاقةَ فإذا فيها: » من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر: أما بعد: فإن كنتَ إنما تجري من قِبَلِكَ ومن أمرك فلا تجرِ؛ فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت إنما تجري بأمر الله الواحد القهار، وهو الذي يجريك فنسأل الله تعالى أن يجريك «. قال: فألقى البطاقة في النيل، فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة، وقد قطع الله تلك السُّنَّة عن أهل مصرَ إلى اليوم» [٨] . وربما خطر على بعض الناس سؤال: متى يكون هذا النصر للإسلام؟! اليوم أو غداً أو بعد سنوات؟! فأقول: المهم أن تثق بنصرة هذا الدين؛ وقد لا تشهد أنت هذا النصر ولكن.. اسأل نفسك: هل أنت ممن صنع هذا النصر؟ هل أنت ممن شارك فيه؟ ما هو رصيدك من العمل والدعوة والعبادة؟ ما هو رصيدك من البذل والتضحية في سبيل الله ومن أجل هذا الدين؟ إن النصر لا ينزل كما ينزل المطر، وإن الإسلام لا ينتشر كما تنتشر الشمس حين تشرق. ألم تقرأ في القرآن قوله : [حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ] (يوسف: ١١٠) ، ألم تقرأ قوله تعالى: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ] (البقرة: ٢١٤) . نعم بلغ الأمر منتهاه. حتى كان النداء: متى نصر الله؟ [أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] (البقرة: ٢١٤) . إذاً فالأمر يتطلب منا أن نبذل ما نستطيع من جهود مالية وبدنية وفكرية لأجل نصرة المسلمين والإسلام، وأن نحذر من التيئيس والتثبيط. سادساً: كلنا يعلم أن المعركة اليوم معركة إعلامية: لا أحد ينكر دور الإعلام في توعية الناس، وإشعال روح العزة للإسلام والمسلمين، وأن قضية فلسطين هي قضية الجميع؛ فأين الكاتب من كتابة المقالات المعبرة، وأين المصوِّر من نقل الأخبار بالصوت والصورة؟ فكن أيها الإعلامي ناصراً للضعفاء والمضطهدين بقلمك وعدستك ومقالك، افضح حقيقة الأعداء وحيلهم ومكرهم. وأيضاً كلكم يعلم أثر دور الشعراء والأدباء، فلا بد من تفعيل هذه الأدوار أكثر وأكثر؛ فالقضية قضية عقيدة ومقدسات، وغيرة وعزة وإباء؛ فعلى الإعلاميين واجب عظيم بالمجاهدة بالقلم ونصرة الحق والمظلومين، وبذل الكلمة من أجل العقيدة والمقدسات؛ فقد رأينا في الأيام الماضية كيف أن الإعلام لما أثارته الغطرسة اليهودية تفاعلت معه الشعوب، وهذا واجبهم ولهم من الله الجزاء الأوفى ومن الناس الدعاء والثناء، لكن عليهم الثبات على المبادئ التي أخبر عنها القرآن ونبي الإسلام بدل التخبط والتردد والحيرة؛ فكم من قلم صور بالأمس أن بإمكان اليهود أن يكونوا إخواناً لنا، ويمكن التعايش معهم بسلم وأمان أو الوثوق بهم اقتصادياً وعسكرياً مع أن آيات القرآن وأحاديث السنة متواترة في التحذير من غدرهم ونقضهم للعهود وخيانتهم، وكم هو جميل اليوم أن نرى كثيراً من الأقلام عرفت حقيقة اليهود فرجعت للحق، والرجوع للحق فضيلة، ولا نملك لهم إلا الشكر والدعاء والثبات في زمن يصبح الرجل فيه مؤمناً ويمسي كافراً. ولتتق الله تلك الوسائل الإعلامية التي ما زالت تُشغل الأمة بتوافه الأمور، وتخدير الشعوب وصرفها عما يهمها، وعلى العقلاء والأغنياء نصحها ومن ثم هجرها حتى تثوب لرشدها، وتهتم بأمور وشؤون المسلمين وما ينفعهم. سابعاً: تكرار قصص الشجاعة والبطولة على مسامع الناس والتشويق للجهاد والفداء: ورسم القدوات الحقيقية للأجيال كموقف أحمد ياسين ذلك البطل المعاق وصبره وحكمته. وأذكر أنني قرأت قول أبي شامة: «.. بلغني من شدة اهتمام نور الدين ﵀ بأمر المسلمين، حين نزول الفرنج على دمياط، أنه قُرئ بين يديه جزء حديث له، كان له به رواية، فجاء في جملة تلك الأحاديث حديثٌ مسلسل بالتّبسم، فطلب منه بعض طلبة الحديث أن يبتسم ليتمّ السلسلة على ما عُرف من عادة أهل الحديث، فغضب من ذلك، وقال: إني لأستحيي من الله تعالى أن يراني مبتسماً، والمسلمون محاصرون بالفرنج» [٩] . وأنا أقول لك أخي: تبسم فتبسمك في وجه أخيك صدقة، ولكن كن شجاعاً عزيزاً: فإما حياة تسر الصديق ... وإما ممات يغيظ العدا ثامناً: دور الآباء والأمهات مع أبنائهم بتربيتهم على الشجاعة وحب الإسلام ونصرته: وجعل القضية هي حديثهم، وزرع العداء لليهود في نفوسهم؛ أما سمعتم بذلك الطفل الذي سمع ورأى كثيراً من أخبار المتبرعين والمتصدقين لنصرة إخواننا في فلسطين، فقال لوالده: بابا! أريدك أن تشتري لي حصالة كبيرة. قال له والده: لماذا؟ قال: أجمع فيها فلوسًا كثيرة ونوصلها بالطيارة لفلسطين. وأذكر أن إحدى الأمهات حدثتني عن طفلها الذي بكى ودمعت عيناه لما سمع قصة الطفل محمد الدرة ووقف بعصبية وحماس، وقال: أنا إذا كبرت سأقتل كل اليهود. فرفعت رأسي إذ بشبلٍ شامخٍ ... خجلتْ لفرط علوّه الأجرامُ فسألته: من أنت؟ قال بعزةٍ ... أنا مسلمٌ وشعاري الإسلامُ تاسعاً: دور المعلم والمعلمة في المدرسة والكلية: فمثلاً: أين معلمو التاريخ عن تاريخ القضية؟ وحقيقة اليهود؟ والإفادة من دروس التاريخ وعبره، وتوجيه الطلاب والطالبات لحقيقة الصراع؟ لقد أثبتت الأحداث الماضية جهل الكثير من المتعلمين والمتعلمات بأصول وبدهيات القضية الفلسطينية؟ ولذا نطالب الأساتذة في كل التخصصات بحمل همِّ تعريف طلابهم بقضيتهم الإسلامية، وبالذات أساتذة التاريخ والمواد الشرعية واللغة العربية؛ فأين أستاذ التعبير مثلاً عن مطالبة الطلاب بمعرفة القضية والتعبير عنها، وعن شعورهم تجاه القضية؟ ومعلم الجغرافيا يعرض موقع فلسطين للطلاب ويوضح لهم كم نسبة الأراضي المتبقية أمام ما اغتصبه اليهود المعتدون على أرض المسلمين الطاهرة. وماذا لو جعل معلم التربية الفنية حصصاً يطالب الطلاب برسم يحكي هذه القضية من خلال رسم المسجد الأقصى الحقيقي مثلاً، بدل التلبيس بأنه هو مسجد القبة المشهور عند الناس اليوم أنه هو الأقصى، وأيضاً من خلال رسم وتصوير الهم الذي يعتلج في ذهن الطالب، ورسم بعض الرسومات التي تعبر عن عزة وقوة المسلمين، وأن النصر والتمكين لهم مهما طال الزمن؟ وأين دور النشاط اللامنهجي عن المسابقات والندوات عن القضية؛ فمثلاً مسابقة وجائزة على أفضل ثلاثة أفكار أو ثلاث وسائل لنصرة المسلمين في فلسطين، وأيضاً دور الطلاب الكبار والصغار في الإذاعة المدرسية؛ وذلك بغرس هذه القضية في قلوبهم وجعلها همهم الأكبر، وجعل برامج الإذاعة عن القضية، وواجب الطلاب ودورهم تجاه إخوانهم؟ كم سيكون لها أثر في نفوس الطلاب، وهكذا عندما يتكاتف المعلمون في جميع تخصصاتهم، فسيكون لهذا ثمرة ناضجة ويانعة هي العداء لليهود، واليقين بنصرة الله للمسلمين، خاصة إذا حُركت الهمم ووجهت العقول أن الدين سوف ينتصر بمشيئة الله على أكتافهم وسواعدهم. عاشراً: دور إمام المسجد: أيها الأئمة! ماذا أعددتم لمساجدكم تجاه هذه القضية التي تهم العالم الإسلامي؟ ماذا أعددت للرجال الذين يلتقون خمس مرات في اليوم والليلة؟ ماذا أعددت للنساء في البيوت من خلال التوزيع الشهري؟ ماذا أعددت لصغار الحي وأنت تراهم كل يوم في الشارع؟ ماذا أعددت لهؤلاء تجاه هذه القضية؟ ما دورك معهم تجاه همهم للمسلمين؟ إن مجرد حرصك على قنوت النازلة فيهم تحريك للهمم، ونصرة للقضية، وقراءتك للأحاديث في اليهود ونصرة المسلمين في حديث العصر فيه خير كثير؛ المهم أن تستشعر دورك وواجبك، أسأل الله أن يعينك ويسددك. الوسيلة الحادية عشرة: دور المرأة: وذلك بالحرص على توعية المرأة نفسها وأخواتها في كثير من المواطن، وماذا يضير المرأة لو أخذت معها كيساً تحمل فيه أشرطة ومطويات تتحدث عن القضية ودورنا فيها؟ وأيضاً دور القادرات باللسان، والقلم، والمال؟ كل بحسب ما أعطاه الله؛ فلله در تلك المرأة الفقيرة التي جلست على عتبة باب المسجد تسأل الناس، ولما سمعت عن إخوانها وأخواتها في فلسطين تحركت أشجانها وقويت همتها فأرادت أن ترمي بسهم فما وجدت غير دريهمات جمعتها من باب المسجد فوضعت كل ما جمعته في صندوق التبرعات تصدقت به لله. إننا نطالبك أيتها الأخت بحمل الهم للمسلمين، بحمل الهم للمسجد الأقصى وأرض المسرى في بيتك مع أبنائك ومع زوجك وأهلك وبنات عشيرتك وقريباتك، ومع زميلاتك في المدرسة؛ فيا ليت المرأة تعي أن لها دوراً عظيماً تجاه هذه القضية، بدل الإغراق في الترف والموضات، أو كما تقول بعض الضعيفات: لماذا نسمع أو نرى أحوال الفلسطينيين أو غيرهم من المسلمين؛ لا أتحمل رؤية أو سماع الأحداث المؤلمة؟ وماذا سأعمل؟ ونسيت هذه وأمثالها أن من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم. إنني أقف أحيانًا عند مذكرات (جولدا مائير) وهي ممن ساهمَ مساهمة قوية في قيام دولة إسرائيل، قال عنها بن غوريون عندما عادت من أمريكا محملة بخمسين مليون دولار بعد حملة تبرعات واسعة قامت بها: «سيقال عند كتابة التاريخ: إن امرأة يهودية أحضرت المال، وهي التي صنعت الدولة» [١٠] اهـ. وها هو يقال عنها ذلك، وقال عنها مرة أخرى: " إنها الرجل الوحيد في الدولة « [١١] . اسمعي أخيتي شيئًا من كلماتها، تقول:» لقد كانت مسألة العمل في حركة العمل الصهيوني تجبرني على الإخلاص لها، ونسيان همومي كلها، وأعتقد أن هذا الوضع لم يتغير طيلة مجرى حياتي في العقود الستة التالية «. وتقول:» لم يُقدَّم لنا الاستقلال على طبق من ذهب، بل حصلنا عليه بعد سنين من النزاع والمعارك، ويجب أن ندرك بأنفسنا ومن أخطائنا، الثمن الغالي للتصميم والعزيمة « [١٢] ؛ إنها عزيمة المرأة الجادة وإن كانت على باطل، فأين عزيمة المرأة المسلمة الجادة والتي تحمل الحق بين جنبيها في مثل زماننا هذا؟! . الوسيلة الثانية عشرة: دور المؤسسات الحكومية والجمعيات والهيئات وغيرها: وذلك بتكثيف اللافتات والملصقات التي تحوي بعض الكتابات والصور التي تجسد الجرح الذي تعيشه الأمة في فلسطين، وتجسد وتزرع في نفوس الناس خيانة اليهود وغدرهم، وذلك في المحلات التجارية الكبيرة، وعند مواقف الإشارات الضوئية، وفي الزوايا الدعائية الكبيرة، وإقامة المهرجانات واللقاءات، بل وتكثيف توزيع المطويات والأشرطة والكتيبات وغيرها من أجل دعم وتفعيل القضية، وتوجيه الناس. الوسيلة الثالثة عشرة: نتمنى لو تحرك رجال الأعمال والموسرون بتخصيص أوقاف دائمة لصالح الأقصى ونصرته وتحريره: وكذلك دور أصحاب المحلات التجارية التي يرتادها الناس باستمرار؛ كمحلات الملابس؛ والمطاعم؛ وغيرها، لو اقترح عليهم وضع نسبة معينة من مبيعاته مخصصة للقضية الفلسطينية. أو مثلاً: بكتابة كلمات تأييد ونصر للقضية الفلسطينية عبر أكياس البضائع، أو على بعض أنواع البضائع المستهلكة نفسها. الوسيلة الرابعة عشرة: إلى مستخدمي الإنترنت: سواء عن طريق المحادثات، أو تناقل الأخبار والصور، وغيرها من وسائل إيصال الهم لجميع المسلمين في جميع أنحاء المعمورة. بل اسمعوا هذا الخبر العجيب الذي نشر في ملحق جريدة المدينة (الرسالة) يقول الخبر:» تعرضت عدة مواقع إسرائيلية على الإنترنت في الآونة الأخيرة لعمليات تخريب وقصف إلكتروني « [١٣] ، من قِبَل قراء عرب؛ وذلك بإرسالهم آلاف الرسائل البريدية المحمّلة بـ» الفيروسات «إلى مواقع إسرائيلية حكومية. وقال خبراء إسرائيليون: إن مواقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، ووزارة المالية، ومكتب رئيس الوزراء، والكنيست الإسرائيلي قد انهارت منذ أسبوع تقريبًا؛ مشيرين إلى أن عشرات الآلاف من الفلسطينيين والعرب تدخل هذه المواقع بأعداد كبيرة دفعة واحدة، وأن عمليات التخريب يقوم بها مواطنون عاديون في كل من مصر ولبنان وفلسطين.. ويعتقد خبراء الحاسوب: أن الحرب قد تنتقل في الأيام المقبلة إلى مرحلة أكثر شراسة ربما يستخدم فيها سلاح» الفيروسات «مشيرين إلى أن المواقع الحكومية الإسرائيلية بدأت تنهار جراء ما أسمته بـ» الهجوم العربي «أو» القذائف العربية على الإنترنت «. وكان الجيش الإسرائيلي قد لجأ إلى شركة الإنترنت الأمريكية» آي. تي. إن. تي «لتزويده بالحماية اللازمة حتى لا ينهار موقعه على الإنترنت. وحسب مصادر إسرائيلية فإن الهجوم المضاد الذي يشنّه العرب قد أصاب على الأقل (١٤) موقعاً إسرائيلياً منها:» مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، الكنيست الإسرائيلي، الحكومة الإسرائيلية، وزارة الخارجية الإسرائيلية، مركز المعلومات الإسرائيلي «. الخامسة عشرة: عبر شاشات الجوال كانت وسائل جديدة للنصرة: قالت إحدى الكاتبات: هذه سطور مترجمة لبعض جمل جاءتني بالإنجليزية، رسائل من خارج الوطن على شاشة جهاز الهاتف» المتنقل «تقول السطور: » لا تفرحي.. لا تنسي مع أطفالك أطفالهم.. لا تغب عنك مع ابتسامتك أحزانهم.. ارفضي شراء ما لا يستطيعون شراءه.. لا تأكلي ما ليس في متناول أيديهم.. تذكري محمد الدّرة.. ذكري به صغارَك.. ومن حولكِ.. وفضلاً: وجهي هذه الرسالة إلى عشرة آخرين تعرفينهم. انتهت الرسالة بالإنجليزية، تقول الكاتبة: أُرسلُها ليس لعشرة، بل عشرين، ومئة، وألوف، ولكل القارئين والقارئات، والسامعين والسامعات. أتساءل معها: من ذا الذي يفرح وأرض هناك تنوء، ودماء هناك تسفك، وموت هناك يسحق الحياة في رمق الحياة؟! من ذا الذي يبتسم، وقد سدّت منافذ البسمة، وغابت الضحكة، وهلّت الدمعة، والصدر ينوء كالمرجل غلياناً، قهراً وحسرة، قهراً وفجيعة، قهراً وكرباً؟! من ذا الذي يأكل، والأطباق مليئة بشظايا البارود، وأشلاء الجثث، والمحاجر تبكي دماً وحرقة؟! من ذا الذي يحلو له التسوّق، ويهفو للشبع، والحلوق جفت من النداء الحزين، والدعاء الباكي: اللهم ارحم، اللهم ارحم، اللهم ارحم؟ .. إلى آخر مقالها « [١٤] . السادسة عشرة: » أعلنت لجنة أموال الزكاة في محافظة جنين في فلسطين أنها تعتزم بناء قرية لرعاية أبناء الشهداء لتوفير الحماية لهم، وضمان مستقبل أفضل لهم ... إلخ « [١٥] ، وهذا مشروع جميل، ويمكن القول أيضاً: لِمَ لا يكون هناك بناء لمساكن وبيوت للفلسطينيين بدل عيشهم في المخيمات والخَرِبات، ويكون هناك ضغوط دولية وأممية لتسهيل العقبات؟ أليست إسرائيل الآن تبني آلاف المستوطنات جبرًا أمام أعين ومسامع العالم كله وهي مغتصبة للأرض؟!! فلِمَ لا تكون المطالبات ببناء مشاريع سكنية لأهل الحق والأرض تدعمها الدول الإسلامية والعربية لتثبيت أهل الأرض بأرضهم، وإعانتهم على تأكيد حقوقهم؟ السابعة عشرة: المقاطعات الاقتصادية لليهود: المقاطعة الاقتصادية ورقة ضغط لها أثر كبير ومؤثر؛ وكان لبعض الدول العربية وقفة تذكر وتشكر في مثل هذا الشأن، وهذا واجب على كل دولة إسلامية صادقة في شعورها تجاه الأقصى وشعب فلسطين؛ فإن مجرد قطع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية سيلحق بالدولة العبرية ومن شايعها أفدح وأكبر الخسائر الاقتصادية. الثامنة عشرة: التأكيد دائماً على ضعف كيد الكافرين: مهما كان عملهم ومهما كانت قوتهم فإن سعيهم في ضلال مهما كان هذا الكيد ومهما كان هذا الجهد في حرب الإسلام والمسلمين ومهما اتبعوا من وسائل فإن الله تعالى يقول: [الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ] (النساء: ٧٦) ، فأنت صاحب عقيدة، وصاحب مبدأ، ويكفيك هذا فخراً ونصرًا، [فَقَاتِلُوا أُوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً] (النساء: ٧٦) ، إذاً فهو كيد ضعيف، لكن ما دام حال المسلمين أضعف، فلا شك أن كيد الشيطان وأوليائه سيكون أقوى رغم ضعفه وهوانه وحقارته، لكن اعمل وسترى؛ فقد قال تعالى: [ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكَافِرِينَ] (الأنفال: ١٨) ؛ فالمهم اعمل.. تحرك.. فكر.. ابذل لهذا الدين ونصرته.. سجل في موازين أعمالك وفي حسناتك أعمالاً صالحة تنصر بها دين الله . احمل هم الأمة، وعندها ستفهم جيداً قول الحق : [فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ] (غافر: ٢٥) . ثم أخيراً اعلم وتفطن وتذكر دائماً أن الأعداء بعضهم أولياء بعض [وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ] (الأنفال: ٧٣) . التاسعة عشرة: لا بد أن نغرس في النفوس سنة الله في المداولة والابتلاء: فقد يَرِدُ على كثير من الناس سؤال: لماذا ينتصر أعداء الله على المسلمين، ولماذا يُمَكِّن الله الكافرين من المؤمنين؟ هذا السؤال قد يرد على كثير من الناس.. أقول: الإجابة أسوقها إليك من كلام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتابه (إغاثة اللهفان) عندما قال:» الأصل الثامن: أن ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم وكسرهم وقهرهم لهم أحياناً فيه حِكَمٌ عظيمة لا يعلمها إلا الله : فمنها: استخراج عبوديتهم وذلهم لله، وانكسارهم له، وافتقارهم إليه، وسؤاله نصرَهم على أعدائهم، ولو كانوا دائمين منصورين قاهرين غالبين لبطروا وأشروا. ولو كانوا دائماً مقهورين مغلوبين منصوراً عليهم عدوهم، لما قامت للدين قائمة، ولا كانت للحق دولة فاقْتضتْ حكمة أحكم الحاكمين أن صرّفهم بين غلبهم تارةً، وكونهم مغلوبين تارةً. فإذا غُلبوا تضرعوا إلى ربهم، وأنابوا إليه، وخضعوا له، وانكسروا له، وتابوا إليه، وإذا غَلبوا أقاموا دينه وشعائره، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وجاهدوا عدوه، ونصروا أولياءه. ومنها: أنهم لو كانوا دائمًا منصورين غالبين لدخل معهم من ليس قصده الدين، ومتابعة الرسول ... ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائماً لم يدخل معهم أحد، فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدولة تارة، وعليهم تارة. فيتميز بذلك بين من يريد اللهَ ورسولَه، ومن ليس له مرادٌ إلا الدنيا والجاه. ومنها: أنه سبحانه يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم. فلله سبحانه على العباد في كلتا الحالين عبودية بمقتضى تلك الحال. لا تحصل إلا بها، ولا يستقيم القلب بدونها، كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر، والبرد، والجوع، والعطش، والتعب والنصب، وأضدادها. فتلك المحنُ والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني والاستقامة المطلوبة منه، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع. ومنها: أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم ويهذبهم. كما قال في حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يومَ أحد: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ] (آل عمران: ١٣٩-١٤١) ، يخلصهم من ذنوبهم من غفلتهم مما تراكم عليهم من الغفلة والذنوب؛ فإن في هذه الابتلاءات تمشيطاً اًو تخليصاً وتهذيباً لهم من الله ، واتخاذاً للشهداء منهم في مثل هذه الأمور، ثم يقول سبحانه: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ] (آل عمران: ١٤٢-١٤٤) ، يقول ابن القيم: فذكر الله سبحانه أنواعاً من الحِكَم التي لأجلها أديل عليكم الكفار، بعد أن ثبتهم وقوَّاهم وبشرهم بأنهم الأعلون بما أُعطوا من الإيمان، وسلاَّهم بأنهم وإن مسّهم القرح في طاعته وطاعة رسوله فقد مس أعداءهم القرح في عداوته وعداوة رسوله « [١٦] . وأخيراً الوسيلة العشرون: لا بد من التذكير والتواصي دائماً: بأن موتانا في الجنة وموتاهم في النار، الدنيا لهم والآخرة لنا، حقيقة نسيها المسلمون حتى أصبحت الدنيا لكثير من المسلمين غاية وهدفاً، فأصابهم الهوان والذل؛ وهذا هو واقع الكثير من المسلمين؛ كما قال ﷺ : » وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ. فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ « [١٧] . وفي الختام لنا أن نتساءل: هل ستظل مواقفنا تجاه قضايانا ردود أفعال وحماساً ربما انطفأ بعد أيام؟ فبعد هذه المشاعر الأخوية الرائعة، مع قضيتنا الفلسطينية، قضية الأمة الإسلامية، لا بد من التأكيد على أهمية الاستمرار حتى النهاية، وألا تكون هذه التحركات والصيحات مجرد ردود أفعال تثيرها مواقف، وتُجمدها أخرى، وليست القضية الشيشانية عنا ببعيدة؛ فقد تألمنا وتكلمنا واجتهدنا، ثم غفلنا عنها وطويتْ أحداثُها لدى الكثير من الناس رغم أن الجرح ما زال ينزف، والفئة المؤمنة وحدها هناك تصول وتجول وتقاتل، ليس لهم ناصر ولا معين إلا الله، فحقٌّ على أهل الإسلام أن تربيهم التجارب والوقائع؛ وتصقلهم الابتلاءات والمحن، ومن الابتلاء ما جلب عزاً وذكراً، وكتب أجراً، وحفظ حقاً. [فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً] (النساء: ١٩) . صبراً جميلاً يا فلسطين الإبا ... فالله ينصركم ولا لا تجزعوا هبوا جميعاً والإله نصيركم ... لا تيأسوا فالنصر آت يسطعُ يا قدسنا بشراك في يوم الأسى ... إن الطهارة سوف تأتي تسرعُ وتزول أرجاس تدنس أرضنا ... ونعيش في خير وعز يُمْتِعُ اللهم فُكَّ أسر الأقصى؛ وطهره من الأنجاس الحاقدين، واحفظ المسلمين المستضعفين في فلسطين، وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم آمين!

стр. 4913

نص شعري صبراً د. عبد الرحمن صالح العشماوي صبراً إذا احترقت حقول البرتقالْ وإذا تكسَّرت النِّصالُ على النِّصالْ وإذا تطاولتِ السهولُ على الجبالْ صبراً إذا ضاق المجال وإذا تَزَحْزَحَتِ وإذا تَزَلْزَلتِ الهضابُ لأنها تشكو مطاولةَ التِّلالْ صبراً إذا أبصرْتَ ثغراً مات فيه النُّطْقُ وانتحر السؤالْ وإذا رأيتَ يمينَ مَنْ يُعطي تُرَدُّ إلى الشِّمالْ وإذا سمعتَ فَمَ الجنوب يقول ما يشقى به سَمْعُ الشَّمالْ وإذا رأيتَ الطفل قد فقد الأمومةَ قبل أنْ يحبو ... وماتَ أبوه مُبْتَهِجَ النِّضالْ وإذا غدتْ لغةُ الحزام النَّاسفِ الناريِّ رائجةً.. لأن المعتدي قطع الحبالْ صبراً إذا طال الطريق بنا وما شُدَّتْ إلى الأقصى الرِّحالْ وإذا رأينا أَلْفَ دَجَّالٍ وأَلْفَ يدٍ تذكِّرنا بكفِّ أبي رِغَالْ صبراً، فوَ الله الذي خلق الوجودَ لنا ... وأرشدنا إلى صِدْقِ المقالْ قسماً يقرِّب للحقيقة ما تباعَدَ مِنْ خَيَالْ لن يَثْبُتَ الباغي على قدمٍ ... إذا عُدْنا إلى ربِّ الجَلاَلْ

стр. 4914

المسلمون والعالم الأمريكيون وشيعة العراق.. تورط أم استدراج ؟ د. عبد العزيز كامل kamil@albayan-magazine.com تشير المتابعة الأولية لتطور التصعيد الأمريكي ضد بعض تيارات الشيعة في العراق، إلى بواكير مواجهة، بين الإدارة الصهيونية الأمريكية من جهة، وبين نظام الحكم الشيعي القائم في إيران من جهة أخرى؛ فبالرغم من أن الأحداث بدت وكأنها تورط أمريكي جديد في العراق مع الشيعة، إلا أنه عند التدقيق في الأحداث يتبين عكس ذلك؛ حيث يظهر أن الشيعة في العراق ربما يستدرجون الآن، لتوصَل حبال استدراجهم بمَنْ خلفهم في إيران التي تواترت تصريحات المسؤولين الأمريكيين على أنها ستكون المحطة التالية بعد العراق، لتشهد مواجهة حقيقية، قد لا تكون عسكرية بالضرورة، ولكنها ستكون جذرية وشاملة. وحكاية مقتدى الصدر وتياره المتنامي في العراق، تؤيد القول بذلك؛ فهذا الزعيم الشاب الذي لا يتعدى عمره الثلاثين عاماً، يريد أن يحتل مرتبة الصدارة من بين التيارات الشيعية المتنافسة في العراق، وتطلعاته في ذلك تتعدى الطموح إلى الجموح؛ فهو يتجاوز الآن المرجعيات الأكبر والأعلم في نظر الشيعة، ليطلق مبادرات وتصريحات تربك من حوله من الزعامات والرموز. ويبدو أن الأمريكيين وجدوا ضالتهم في الفتى مقتدى، الذي تشير أسهم علاقاته وإمكاناته إلى أنه لا يتحرك من داخل العراق، وإنما من عمق إيران؛ فجيشه المثير للاستغراب، والذي أطلق عليه (جيش المهدي) تم تجهيزه في مدة قياسية، لا تزيد على عام واحد، ومع ذلك فقد وصل قوامه إلى ما بين عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألف مقاتل، مدربين ومسلحين تسليحاً جيداً، ولا يمكن استبعاد الدور الإيراني في ذلك، سواء على الأرض الإيرانية أو العراقية، وسيكون أمراً مثيراً حقاً؛ أن تقوم إيران بالمساعدة في إنشاء جيش عقائدي منظم في العراق، ليحل محل الجيش النظامي الذي حلته الولايات المتحدة بعد الغزو، وسرحت أفراده وشردت كوادره؛ فهل قامت بذلك ليحل نفوذ أصحاب العمائم محل أصحاب رموز البعث؟ .. بالطبع لا. ولكن الشيء الأكثر إثارة هو أن يتم ذلك بقدر غير قليل من التغاضي والتغافل الأمريكي؛ فهل يتصور أن يتم كل هذا الإعداد من وراء ظهر أمريكا وعملائها في العراق؟! لقد صرَّح (جون أبي زيد) رئيس القيادة المركزية الأمريكية في العراق في حديث للمراسلين في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون في ١٢/٤/٢٠٠٤م) أن إيران وسوريا، ضالعتان في ممارسة أدوار مشبوهة، تؤثر على استقرار العراق، وأشار إلى وجود من يدعمون مقتدى الصدر داخل إيران، وذكر أن هناك عناصر معتدلة أيضاً تحاول تحجيم دوره. إن وراء الأمر شيئاً، لا أظنه إلا استدراجاً مبكراً تضع فيه الولايات المتحدة في صناراتها طُعماً في سمكة صغيرة اسمها (مقتدى الصدر) لتجرَّ به من محيط منطقة الخليج الحوت الأكبر الباقي في (محور الشر) وهو النظام الحاكم في إيران. * فمن يكون مقتدى الصدر؟! هو ابن المرجع الشيعي (محمد صادق الصدر) الذي قُتل على يد أعوان صدام حسين عام ١٩٩٩م، وقد تبنته قوىً في إيران بعد وفاة والده، لتعده لما بعد عهد صدام، ولكن يبدو أن إمكاناته الشخصية أقل من الدور الذي رُسم له؛ فهو قليل الثقافة، ثقيل الكلام، فلا يستطيع أن يعبِّر عما يجول في خاطره بسهولة وتلقائية كشأن بقية رموز الشيعة العرب، وحداثة سنه تجعله يتصرف بقدر زائد من الثقة البالغة حد الغرور، وقلة علمه تجعله يتعلثم عندما يتعرض لشيء من دقائق الأمور. فكل إمكاناته فيما يبدو أنه ابن للمرجع الشيعي الكبير (محمد صادق الصدر) وعلاقات مقتدى ببقية رموز الشيعة تتراوح بين الفتور والنفور؛ فهناك خلاف بينه وبين السيستاني وجماعة الحكيم؛ فهما يمثلان شيعة العراق الذين يعتبرون أنفسهم الأصل بين الشيعة في العالم، فمنشأ الطائفة في العراق، وما يسمى بـ (عتباتها المقدسة) واقعة في مدن العراق بين الكوفة والنجف وكربلاء، وعلاقة الصدر بما يسمى بـ (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية) يشوبها الكدر؛ فقد سئل في حوار له مع قناة الجزيرة الفضائية عن موقفه من ذلك المجلس، فقال: «ما أعرف شيء عنه، ما أعرف (شنو) ، أهدافه، (شنو) نتائجه (شنو) اللي يريد، هل هو مأذون من» الحاكم الشرعي «اللي إحنا مأذونين منه، لا أنا ما أعرف، لم أتصل به، ولم أحاول» . وسئل عن مدى رضاه عن الدور الذي يقوم به ذلك المجلس فقال: «أي دور..؟ أنا لم أرَ منه دوراً ناشطاً، ولله الحمد، لم أره! فقال له المذيع في ذلك البرنامج الذي أذيع في ٢٥/٥/٢٠٠٣م:» لكن استقبال السيد محمد باقر الحكيم كان حاشداً عندما وصل إلى العراق «فرد عليه مقتدى الصدر:» وهذا تسميه دور..؟ هذا استقبال لعله ينظم بصورة أو أخرى «! أما عن ما يعرف بـ (تيار الخوئي) في العراق، فتلك قضية أخرى، تدل على أن تيار الصدر، يذهب في خصوماته إلى حد التصفية الجسدية؛ فهناك مؤشرات قوية على أن له يداً في اغتيال شيخ هذا التيار (عبد المجيد الخوئي) لدى عودته إلى العراق بعد الاحتلال، وعندما سُئل عمَّا أثير حول مقتل الخوئي، وما تردد من اتهام تياره بذلك قال كلاماً كله تورية وتَقيَّة، ولكن خلاصته أن الخوئي جلب شخصاً مشبوهاً هو (حيدر كليدار) وهو كما يقول أحد أعضاء النظام السابق، فأدخله الخوئي» الحضرة الحسينية «بعد أن جاء هو - أي الخوئي - على ظهر دبابة بريطانية بعد الاحتلال وقال:» كانت للخوئي تصرفات شحنت الشعب العراقي «كله» ضده؛ لأن الشعب العراقي «كله» محب لـ (السيد الصدر) «! ثم قال:» بسبب هذا قُتل هو، وإن كان هو لا يُراد أولاً وبالذات، لكل مثل ما «ينقال» : يُراد ثانياً «!! [١] . وهنا يظهر أن التقية خانت مقتدى الصدر، فأدلى بما يشبه الاعتراف بأن الخوئي كان ينبغي أن يُقتل. وقد صدر اتهام رسمي لمقتدى الصدر بالضلوع في قتل الخوئي، وبسببه طُلب للمحاكمة، ولكن الأمر جُمد، ولم يفعَّل إلا في الأحداث الأخيرة التي صُور فيها على أنه هو الذي أعلن الثورة على قوات الاحتلال، مع أن موقفه الحقيقي من الاحتلال مزرٍ من حيث المبدأ، حيث إنه ربط ذلك الموقف بصدور تصريح من (المرجعية) في إيران؛ فعندما سُئل في الحوار المذكور عن نظرته لقوات الاحتلال الأمريكية في العراق، وهل يعدها قوات احتلال أم تحرر؟ قال:» المهم إحنا موننظر إلى الاحتلال أو عدم الاحتلال، المهم عليَّ إنه الله بواسطتهم خلصنا من هذا الظلم الذي كان «! ثم لما سئل عن السبب في عدم تعامل الشيعة مع المحتل الأمريكي كما تعاملوا في الماضي مع المحتل البريطاني قال:» لعل الفقهاء أفتوا وقتها بمجابهتهم، وهم الآن (ماكو) أصلاً «، وحدد موقفه من قوات الاحتلال بقوله:» محايد.. لا مع، ولا ضد «وسئل سؤالاً أكثر تحديداً عن موقفه العملي، فقال:» ما عندي موقف أصلاً، ما إلي علاقة، سواء بقوا أو طلعوا، إنما يرجع هذا إلى فتوى الحاكم الشرعي «فسأله المذيع:» ألا توجد فتوى للحاكم الشرعي بخصوص القوات الأمريكية؟ فقال الصدر: «توجد فتوى بعدم الجهاد، وطبعاً هذا موجود» ثم صرح بما يترتب على هذه الفتوى فقال: «إن الجهاد في هذه الحالة يسقط، بل يحرم» !! ولكن يبدو أن (الفتوى) صدرت للصدر من إيران بعد عام كامل من الاحتلال، فأصدر مؤخراً تصريحاً بأن جيش المهدي هو الذي سيحرر العراق..! * إيران.. «والحاكم الشرعي» لثورة الصدر: المرجعية الدينية لتيار الصدر يمثلها كما قال مقتدى الصدر نفسه في مناسبات كثيرة هو المدعو: (آية الله العظمى كاظم الحائري) ، وهو تلميذ والد مقتدى (محمد صادق الصدر) ؛ فقد عايشه مدة طويلة، وتلقى عنه علوم الشيعة، فاستخلفه في المرجعية بعده، وهو ذو أصول إيرانية ومقرب من مرشد الثورة الإيرانية (علي خامنئي) ومُقيم الآن في مدينة قم بإيران، وله مكاتب في سوريا، ولبنان، إضافة إلى مكتب مقتدى الصدر الذي يدير شؤون تلك المرجعية في العراق، وقد دمرته قوات الاحتلال مؤخراً. وعلى هذا يبدو جلياً أن الخيوط التي تمسك بأطراف مقتدى الصدر وتحركه على المسرح العراقي، تنسدل من قم الإيرانية مباشرة، بما يرشح لدور خطير منتظر لإيران في العراق ربما يستثمر ضدها، وقد بدأت بواكيره في أحداث النجف والكوفة وغيرها من المدن الشيعية في الفترة الأخيرة. وقد سئل مقتدى الصدر، في حديث قناة الجزيرة المذكور سؤالاً عن إيران، بدا مستفزاً له، حيث قال له المذيع (ياسر أبو هلالة) : «لماذا انتقدت إيران في إحدى خطب الجمعة؟» فرد قائلاً: «انتقدت..؟! بالعكس، ما يعتبر نقد، وإنما نتوقع منها الأكثر، كل ما كانت الدولة أقرب، نتوقع منها أكثر، مساعدات مادية، أو مساعدات معنوية» . وما يذكره مقتدى الصدر عن المساعدات والإعانات الإيرانية لتيار الصدر وغيره ليس من باب التمنيات أو المطالب، ولكنه واقع حقيقي، تجسده المؤسسات التابعة لهم في العراق التي أنشأتها ودعمتها إيران؛ فقد صرح المسؤول السابق عن الملف العراقي في إيران في حديث له إلى صحيفة الشرق الأوسط في ٣/٤/٢٠٠٤م، بأن المخابرات الإيرانية بتنظيماتها المتعددة، قد أنشأت في العراق ١٨ مكتباً، تحت واجهات خيرية لمساعدة الفقراء، وتوزيع الإعانات الطبية والغذائية والمالية، وقال: إن مخصصات تلك المكاتب تزيد عن سبعين مليون دولار، منها ٥ ملايين يتصرف بها رجال الدين من الشيعة الموالين لإيران. وقد نتج عن مساعي التغلغل الإيرانية، القديمة والحديثة أن أصبح لها حضور مباشر في العراق سياسياً، واقتصادياً، وأمنياً، وهي تسعى من خلال ذلك إلى إقامة جسور مع مختلف القوى في الساحة العراقية، وتوظف نفوذها التقليدي على بعض (الحوزات) العلمية الشيعية للنفاذ إلى توجيه السياسات هناك بما يخدم مصالحها. وإذا كانت مصالح إيران كبيرة في العراق منذ اندلاع الثورة الإيرانية، باعتبار أن العراق هو (الوطن الأم) للشيعة في العالم؛ فإن تلك المصالح قد اكتسبت أبعاداً أكبر وأخطر بعد الغزو الأمريكي للعراق؛ فهي لم تعد مجرد مصالح، بل أصبحت خطوط خطر استراتيجي حمراء، ولهذا أصبح التغلغل، بل التدخل الإيراني في العراق مسألة حياة أو موت. وقد تحرك الإيرانيون في الآونة الأخيرة، من خلال نفوذهم على (تيار الصدر) للتحريض ضد الوجود الأمريكي في العراق، بل تجاوزوا ذلك التحريض إلى دور ميداني، ترافق مع قرار سلطات الاحتلال بإبعاد القائم بالأعمال الإيراني في العراق (حسن كاظمي قمي) ، وهو ضابط في الحرس الثوري الإيراني، سبق أن عمل في لبنان. وتحاول إيران الاستفادة مما يحدث في الفلوجة، ويرى بعض المراقبين أن الإيرانيين قد لا يكونون بعيدين عن دعم استمرار حالة التوتر هناك، لإشغال أهل السنة من جهة، وإشعال المقاومة بالنيابة ضد الأمريكيين لإلهائهم عن الرقابة الصارمة المضروبة على التغلغل الإيراني في بقية أنحاء العراق، ولعل مما يؤيد ذلك؛ قيام مقتدى الصدر، بزيارة للفلوجة لحث الناس هناك على مزيد من المقاومة. * أمريكا: هل تُستدرَج أم تَستدرِِِج؟ يثير تغافل الولايات المتحدة عن إعداد جيش قوامه عشرة آلاف أو خمسة عشر ألف مقاتل، في ظروف احتلال عسكري علامات استفهام وتعجب لا يمكن تجاوزها، كما أن ضرب الأمريكان على أشد الأوتار حساسية لدى الطائفة الشيعية في العراق، لا ينبغي أن يمر أيضاً مرور الكرام؛ فتحدي الأمريكيين المعلن لـ (رجل دين) يقود تياراً دينياً كاملاً، واتهامه بالقتل، وإغلاق الصحيفة الناطقة باسم طائفته، وإصرارهم على تسليم نفسه طوعاً، أو القبض عليه كرهاً، واعتقالهم بالفعل لرئيس مكتبه (مصطفى اليعقوبي) وعرض صور حية مهينة له وهو في معتقله، ثم حصار ذلك (الزعيم) وهو معتصم في مسجد من أقدس المساجد لدى الشيعة في الكوفة، ثم الصدام العسكري مع أنصاره وقتل العديد منهم، والتعهد العلني بالقضاء على ما يسمى بـ (جيش المهدي) المليء من خلال تسميته بالإيحاءات والمضامين الدينية الشيعية، ثم التعهد العلني بقتل أو اعتقال الصدر كل هذا يصب في خانة التصرفات الاستدراجية، التي تضرب على وتر الفعل المتعمد، بانتظار رد الفعل المتوقع.. فأمريكيون محتلون يصعِّدون، وشيعة عراقيون يتحدون، ثم شيعة إيرانيون يتحمسون كما فعل رفسنجاني. ثم يتصايحون بالتنديد والوعيد، فيعطون الأمريكيين بذلك ما يريدونه تماماً، من الضلع الثاني في (محور الشر) في نظر بوش، الذي تعهدت عصابته بالقضاء عليه حرقاً أو خنقاً. * هل هي حرب خليج رابعة؟! أعرف أن الحديث عن ذلك مبكر جداً، ولكن أرجو ألا يكون إدراكنا لجديته متأخراً جداً فمنذ أن أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش في خطاب الاتحاد الشهير في ٩/١/٢٠٠٢م، بأن إيران هي أحد دول (محور الشر) الذي يضم بالإضافة إليها العراق (قبل الغزو) وكوريا الشمالية، منذ ذلك الحين، وتصريحات كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية يتطاير شررها كل حين بتوعد إيران بالدرجة نفسها التي تُوعدت بها العراق ثم نُفذ فيها الوعيد. وقد تولى كِبَر هذه التحريضات فريق من يهود الإدارة المنتشرين كالسرطان في أطرافها، وبخاصة في وزارتي الدفاع والخارجية، وهم المعروفون إعلامياً بـ (المحافظين الجدد) . وعلى الرغم من أن إيران دولة شيعية، تدخل بالنظر الإسلامي الصحيح في عداد الكيانات البدعية الغليظة في بدعتها، إلا أن ذلك لا يعني شيئاً عند الأمريكيين، ولا يغير من عداوة الصهيونية العالمية، يهودية ونصرانية، تلك التي تريد السيطرة على العالم الإسلامي، بجميع طوائفه، بل تستغل بعضهم في ضرب بعض. إن الجميع في النهاية كما يقولون (محمديون) ينبغي القضاء على أية قوة لهم، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، وبالرغم أيضاً مما قام به النظام الإيراني، من إجراءات لتسهيل غزو أفغانستان، وتثبيت احتلال العراق، فإن كل ذلك لم يشفع ولن يشفع لتلك الدولة كي يخرجوها عن دائرة التربص؛ فإضافة إلى احتلال إيران الآن لموقع الصدارة في (محور الشر) بعد سقوط نظام العراق، فإنها مصنفة منذ سنوات عديدة ضمن الدول الداعمة لما يُسمّى بـ (الإرهاب) بتأييدها للعلويين في سوريا والشيعة في لبنان ودول الخليج. لقد كتب كبار رموز المحافظين الجدد، بالاشتراك مع أعضاء اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة كتابات عديدة وأدلوا بتصريحات كثيرة تكشف عن مواقف متشددة، يزمع الأمريكيون اتخاذها ضد الحكومة الإيرانية، ويعزمون على أن يجعلوا من إيران هدفاً تالياً للعراق، في مسلسل (الإصلاح) الصهيوني، لدول الشرق الأوسط الكبير، الداخل ضمن مشروع (القرن الأمريكي الجديد) الذي يتبناه العتاة من يهود أمريكا المسمين بـ (المحافظين الجدد) الذين يحكمون أمريكا اليوم بالتقاسم مع تيار الأصولية الإنجيلية المعروف بالصهيونية المسيحية. لقد صرح المحافظون الجدد على لسان زعيمهم اليهودي (وليام كريستول) رئيس مشروع (القرن الأمريكي الجديد) بأن المعركة الكبرى القادمة ستكون ضد إيران، وألقى (موري آميني) المدير التنفيذي السابق للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) ونائب رئيس المعهد اليهودي بشؤون الأمن القومي محاضرة في الفترة الأخيرة في مقر المعهد، كشف فيها عن تأسيس منظمة إيرانية معارضة أطلق عليها اسم: (التحالف من أجل الديمقراطية في إيران) تضم إيرانيين يحملون الجنسية الأمريكية، تعدهم الولايات المتحدة لمرحلة ما بعد حكم (الآيات) في إيران، وقد أقنع فوز (المحافظين) الأكثر تشدداً في الانتخابات الأخيرة في إيران الولايات المتحدة بضرورة وضع نهاية لنظام الحكم القائم هناك. إن المحافظين اليهود الجدد الذين أكثروا من الزعيق والنعيق لخراب العراق يكررون الدور نفسه الآن لخراب إيران، وهم يعدون كل حرب ضد أي بلد إسلامي (حرب تحرير) ؛ فكل بلد يدخلها الأمريكيون منذ «تحرير» الكويت، هي بلد «محرر» ، وسوف لا يتأخرون عن تطبيق الخطوات نفسها التي طبقت خلال إدارة المعركة ضد العراق، مع البلد المستهدف الجديد. بعد حرب العراق؛ نشر زعيم المحافظين الجدد (وليام كريستول) مقالاً بعنوان (نهاية البداية) في مجلة (ويكلي ستاندرا) وصف فيه انتصار أمريكا في حربها على العراق بأنه النهاية لبداية الحرب الكبرى في الساحة الكبرى، وهي الشرق الأوسط، أما الساحات الأخرى، فإن الخطر فيها (محتمل) ويمكن تأجيله أو احتواؤه. لقد قال: «إن كوريا الشمالية تمثل خطراً أيضاً، ولكنه يمكن احتواؤه، وخطرها الحقيقي - أي كوريا - هو إمداد» الإرهابيين «الشرق أوسطيين أفراداً وجماعات بالأسلحة الفتاكة» وذكر كريستول، أن حرب «تحرير» العراق كانت أكبر المعارك من أجل مستقبل الشرق الأوسط، واعتبر أن المعركة الأكبر ستكون من أجل «تحرير إيران» ، مؤكداً على أن النظام القائم في العراق، يمثل خطراً على مستقبل (العراق الحر) ، ولهذا.. «ينبغي نقل المعركة إلى إيران نفسها» . وقال ذلك اليهودي النافذ في عصابة المحافظين الجدد: «إن ذهاب النظام في إيران، سوف يتبعه بسهولة تغييرات إيجابية في سوريا والسعودية، بما ينعكس إيجابياً على فرص التسوية الفلسطينية الإسرائيلية» . وقال في مقال آخر في مجلة (ويكلي ستاندرد) : «إن تحرير العراق، كان المعركة العظيمة الأولى من أجل مستقبل الشرق الأوسط، إلا أن المعركة الكبرى التالية - ونأمل ألا تكون عسكرية - ستكون في إيران، إننا مستعدون لقتال مستميت ضد إيران من أجل مستقبل العراق، وإن المنظرين الدينيين القائمين على السلطة في إيران، يفهمون أن التحدي الآن مضاعف، ولا شيء سوف يمكِّنهم من البقاء في السلطة إذا أعاقوا التعددية اللادينية في إيران» . فتغيير الأوضاع في إيران من حكم ديني شيعي، إلى حكم علماني ليبرالي موالٍ للولايات المتحدة، يبدو أنه قرار لا رجعة فيه عند الأمريكيين سلماً أو حرباً. وقد نُشر مقال مطول لأحد منظري المحافظين الجدد، وهو (رويل مير) في شهر أغسطس ٢٠٠٢م دعا فيه إلى تحويل دول الشرق الأوسط إلى نمط العلمانية التركية التي لا تسمح للدين بأن يتدخل في السياسة. وفي سياق تسخين الحملات العدائية ضد إيران، عقد معهد (أمريكا أنترابرايز) وهو أهم مؤسسات المحافظين الجدد، وملتقى رموزهم، عقد مؤتمراً في ٦/٥/٢٠٠٣م، بعنوان: (مستقبل إيران) ركز المؤتمرون فيه على الدعوة إلى إحلال (المبادئ الديمقراطية) في إيران بدفع من الخارج، وقال أحد خبراء السياسة الخارجية بالمعهد (مايكل لادين) وهو من رموز المحافظين الجدد: «إن النظام الإيراني الآن حالة مثل حال النظام السوفييتي قبل انهياره، يحتاج فقط إلى عوامل مساعدة خارجية لكي يسقط» ، وقد شارك في ذلك المؤتمر السيناتور الجمهوري (سام برونياك) عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، وكشف عن تفاصيل مساندة الأمريكيين لجماعات إيرانية (أمريكية) معارضة لنظام الحكم في إيران، وقال في تصريح شبيه بما كان يقال عن العراق: «إن إيران تمثل خطراً حقيقياً على الولايات المتحدة الأمريكية» ، وذكر أن من الأسباب التي تزيد من هذا الخطر، أن النظام الإيراني سيحرص على الاستفادة من سقوط النظام العراقي، وتكون إيران بذلك أكبر مساند للإرهاب في الشرق الأوسط، لكي تبسط سيطرتها وتمد إمبراطوريتها الشيعية، بمساندة الشيعة في كل من العراق وأفغانستان ودول الخليج «. وفي الإطار نفسه دعا نائب المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي في كلمة ألقاها أمام المؤتمر إلى نفض اليد من دعاوى الإصلاح والتغيير في إيران [٢] ، وقال: لا بد أن تضع الحكومة الأمريكية تغيير النظام في إيران على رأس أولوياتها في المرحلة القادمة» . أما ما يسمى بـ (التحالف من أجل الديمقراطية في إيران) المرموز له بـ (CDI) فقد أنشأ موقعاً له بتلك الأحرف على شبكة الإنترنت، وذكروا في ذلك الموقع قائمة بأسماء أبرز المؤيدين لحركتهم في الإدارة الأمريكية، وتبين من المعلومات المنشورة أن شخصاً يدعى (روب سوبهاني) أو «سبحاني» وهو أمريكي من أصل إيراني، يراهن عليه الأمريكيون لمرحلة ما بعد خامنئي. وقد صرح ذلك المعارض الإيراني بأن سقوط نظام الحكم في إيران سيكون نهاية لتجرية (نظام الحكم الإسلامي) التي تغاضى عنها الغرب لفترة، وسوف يوفر هذا السقوط فرصاً عظيمة للأمريكيين للاستثمار في إيران التي يبلغ عدد سكانها ٧٠ مليون نسمة، وسوف يفتح منطقة وسط آسيا بثرواتها العظيمة أمام أمريكا والغرب، وسوف يساعد الأمريكيين على القفز بخطى كبيرة في حربها ضد الإرهاب، وسوف يساعد في إحلال السلام بين العرب وبقية المسلمين وبين «إسرائيل» ، وسوف يحد من مخاطر انتشار أسلحة الدمار الشامل التي تحوم الشكوك حول إمكانية حيازة الإيرانيين لها، من خلال برنامجهم النووي. * إيران وذرائع السلاح النووي: في لهجة شبيهة بما كان يردده الرئيس الأمريكي وأبوه من التحذيرات الموجهة ضد العراق؛ أعلن جورج بوش الابن في ١٨/٦/٢٠٠٢م بأن تطوير إيران لبرنامجها النووي خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وقال: «لن نتساهل مع قيام إيران بإنتاج سلاح نووي» . وكعادتها، سارعت المنظمات الدولية، وعلى الأخص الوكالة الدولية للطاقة النووية، إلى ترديد صدى ما يصرح به الأمريكيون من تحذيرات، وربما تهديدات، فقد اتهم (محمد البرادعي) مدير تلك الوكالة، إيران علناً بغموض برنامجها النووي في مرات عديدة، كان آخرها في يناير ٢٠٠٤م، بل صرح بأنها تخفي أجزاء من ذلك البرنامج، وتدخلت دول الاتحاد الأوروبي إلى جانب الولايات المتحدة والأمم المتحدة في الضغط على إيران، فطالبت الحكومة الإيرانية بأن توافق فوراً، ومن دون شروط على التوقيع على ملحق معاهدة انتشار الأسلحة النووية وأن تسمح بعمليات تفتيش مفاجئة لمواقعها النووية. ويبدو أن الحكومة الإيرانية، استشعرت جدية الخطر المحدق بها من جراء ذلك التربص، ففضلت أن تنحني للعاصفة، فوافقت على التوقيع على ملحق معاهدة حظر انتشار السلاح النووي، وسمحت بدخول المفتشين الدوليين لمنشآتها النووية، بل إن الرئيس الإيراني محمد خاتمي، صرح في حديث أدلى به في اجتماع أمام مجلس الكنائس العالمي في (١٢/١٢/٢٠٠٣م) بأن بلاده لن تصنع أسلحة نووية؛ لأن «تطوير الأسلحة النووية لا يتفق مع تعاليم الدين الإسلامي» ! ولكن تصريحات محمد خاتمي لن تنهي المواجهة بين إيران وبين الولايات المتحدة بشأن أسلحة الدمار الشامل، سواء كان نووياً أو كيمياوياً أو بيولوجياً، فالأمريكيون يُبقون على هذا الملف حياً، لاستخراجه في الوقت المناسب؛ فإيران كان لديها بالفعل ما يحملها على الشروع في تطوير برنامجها النووي قبل غزو العراق، وقد تضاعفت حاجتها لذلك بعد أن أحكم الأمريكيون الخناق حولها من أفغانستان شرقاً ومن العراق غرباً، ومن الخليج جنوباً، إلا أن الظروف ليست مواتية لأي تصلب في المواقف، وقد تضطر إيران تحت الضغوط إلى أن تسير على درب ليبيا، والعراق قبلها، وتسلك طريق التجرد الذاتي من كل ما تبقى من نية في إنتاج أسلحة نووية، أو حتى كيمياوية، أو بيولوجية، ولكن ذلك سيعني أن إيران (الثورة) قد سلمت رقبتها بلا ثمن كما فعل صدام لعدو لن يتنازل عن تسلم السلطة فيها، ليعطيها لعملاء خُلَّص، يكفونه (صداع) الثورات والشعارات. ولكن: هل هناك بالفعل خطر إيراني يمكن أن يهدد الأمن القومي للولايات المتحدة كما تلهج بذلك رموز بارزة في الإدارة الأمريكية؟! إن قصة اهتمام الإيرانيين بحيازة النووي طويلة، وهي وإن كانت اليوم قد توقفت، أو بسبيلها إلى التوقف، إلا أن في ثناياها ما يجعل من يريدون الصيد في الماء العكر يتفاءلون، بأن إيران كانت لها في يوم من الأيام «نوايا نووية» ، وقد كان أحد الأسباب على رأي المتحدث باسم الخارجية الأمريكية (آري فليشر) في أن تشن الولايات المتحدة الأمريكية حربها على العراق؛ فقد سئل هذا المسؤول في مقابلة صحفية في ٩/٤/٢٠٠٤م، عن سبب ضرب العراق مع ما ظهر من خلوه من أسلحة الدمار الشامل، فقال: «لقد ثبت لدينا أنه كانت لديهم» النية «في إنتاج وتطوير هذه الأسلحة» . فالنية النووية لدى إيران كانت موجودة بالفعل، وهذا لا يضير ولا يعيب إيران ولا غيرها من حيث المبدأ؛ فكل دولة يتهددها خطر اليهود والنصارى المتترسين في إجرامهم بهذا السلاح، من حقها، بل من أوجب الواجبات الجهادية عليها أن تحوز ما تردع به عدو الله وعدوها، وإلا.. فما الذي جرَّأ كلاب الأرض وخنازير العالم أن يتداعوا على قصعة العالم الإسلامي، قطعة قطعة، لولا افتقار هذا العالم إلى ما يحمي به نفسه من الأعداء الجبناء الذين يهددون بحرق الشعوب وهي حية، وهم آمنون من ردود رادعة؟! إيران، مثلها مثل العراق، ومثل ليبيا، وربما مثل مصر وسوريا، كانت لديها نوايا لحيازة أسلحة رادعة، ولكن الوقت أدرك الإيرانيين، ربما في الساعات الأخيرة؛ فبرنامجها قديم حتى قبل اندلاع الثورة الإيرانية؛ فقد قررت إيران إطلاق برنامج للأبحاث النووية في عهد الشاه السابق، وكانت وقتها شريكاً رئيساً للولايات المتحدة في حربها الباردة ضد الاتحاد السوفييتي السابق الذي تحاذيه إيران من جهته الجنوبية، ولهذا لم تعارض أمريكا هذا البرنامج، بل ساعدت فيه، ولكن هذا البرنامج توقف مع انطلاق الثورة الشيعية، حتى اندلعت حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق؛ فعندها، وفي عام ١٩٨٢م قررت إيران إعادة النظر في إمكانية تطوير برنامجها النووي، لمواجهة خطر العراق، الذي كانت التقارير تحذر من تطويره هو الآخر لبرنامج نووي، مع حيازته الفعلية للأسلحة الكيمياوية واستعماله لها، إضافة إلى أن إيران كانت محاطة بدول قريبة تحوز أسلحة نووية، أو تعمل على حيازتها، كروسيا وإسرائيل والهند وباكستان. لست الآن بصدد المدح أو القدح في نوايا الإيرانيين وهم يعيدون النظر في تطوير برامجهم النووية، ولكن الحاصل، أن البرنامج انطلق في تلك الأثناء لأغراض عسكرية، رغم توقيع إيران على اتفاقية الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل، ولكن هذا البرنامج عاد إلى التباطؤ في عهد خاتمي، الذي وصل إلى السلطة عام ١٩٩٧م؛ حيث بدا أن الخطر الأهم في نظر الإيرانيين الإصلاحيين قد زال، أو هو في طريقه إلى الزوال بعد حرب الخليج الثانية التي ضُربت فيها قوة العراق العسكرية، والتي استمرت فرق التفتيش الدولية لسنوات بعدها تدمر ما لدى العراق من أسلحة دمار شامل، بلغت في بعض التقديرات ما قيمته ٩ مليارات دولار. وانصرفت إيران بعد ذلك إلى الاهتمام ببناء قوة اقتصادية، ظنت أنها ستغنيها عن القوة العسكرية، ولكن هذا لا يعني أن المساعي الإيرانية لحيازة السلاح النووي توقفت بالكامل، وإنما أخذت إيقاعاً بطيئاً. وبالرغم من أن ذلك التباطؤ تحول إلى مزيد من الحيطة والحذر بعد تداعيات حرب الخليج الثالثة، فإن الضغوط بدأت تتوالى على الحكومة الإيرانية، لتجد نفسها تعامل بمثل ما كان يعامل به العراق، فقد صدر في ٦/٦/٢٠٠٢م، تقرير من الوكالة الدولية للطاقة، انتقدت فيه الحكومة الإيرانية، لتسترها على جزء من برنامجها النووي، بما يعد خرقاً كما قالت الوكالة لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية التي وقعت عليها إيران. ومن الغريب أن فرنسا التي يفترض أنها الحليف الغربي الباقي لإيران، قد ساعدت في تقديم معلومات تدعم هذا الاتهام! والتقطت الولايات المتحدة الخيط، فادعت أن إيران ستتمكن خلال عام من إنتاج سلاح نووي إذا استمرت في برنامجها، وقال كولن باول في تصريحات أدلى بها لشبكة سي. إن. إن في شهر مارس ٢٠٠٣م معلقاً على تحذيرات البرادعي المتكررة: «هذا أكبر برهان على أن أي دولة تصمم على تطوير السلاح النووي، في إمكانها أن تحافظ على سرية برامجها، حتى عبر المفتشين والمراقبين الدوليين» . الحرب على العراق أوجدت معطيات جديدة، مثلت خطراً على إيران، أكثر مما كان يمثله صدام حسين قبل حرب الخليج الثالثة، بل قبل حرب الخليج الثانية، فأمريكا قد حطت رحالها العسكرية على طول الحدود الغربية لإيران، بعد احتلال العراق، وكذلك فإن الحكم الذاتي الذي استقل به الأكراد، والذي قد يتطور إلى دولة مستقلة في حال التقسيم، سيغري أكراد إيران بالسعي للاستقلال أسوة بأكراد العراق ، وأيضاً فإن الوضع المتردي الذي صارت إليه أفغانستان، والذي شاركت إيران في صنعه بوقوف حكومتها الظالم مع تحالف الشمال الجائر، سينعكس سلباً على الاستقرار في المناطق الحدودية بين إيران وأفغانستان التي تخضع هي الأخرى للاحتلال الأمريكي، ويضاف إلى ذلك أن دولة اليهود (إسرائيل) قد نقلت إيران إلى خانة العداء الأول بعد سقوط نظام صدام، وبدأت تتعامل معها كعدو بديل وند جديد، لدرجة أن شارون هدد بضرب المفاعل النووي الإيراني، مثلما ضرب سلفه في الإجرام (مناحيم بيجن) المفاعل النووي العراقي. إن كل هذه الضغوط جعلت إيران في وضع ضعف غير مسبوق، ولا يقال هنا في رأيي الخاص إن إيران بدأت في تحريك أمثال جيش مقتدى الصدر لإزعاج الأمريكيين في العراق، ومنازلتهم على أرضه من موقع قوة بل الأوضح والأوقع أن الأمريكيين هم الذين بدؤوا في استدراج إيران عن طريق فتى جنوب العراق (مقتدى الصدر) كما تستدرج (إسرائيل) سوريا من خلال فتى جنوب لبنان (حسن نصر الله) بحيث يسير طريق الاستدراج لإيران على محورين أيهما أقرب: محور الاستدراج بالملف النووي، ومحور الاستدراج بالملف الشيعي؛ بحيث يقود أحدهما إلى مواجهة لا راد لها إلا الله، إما عن طريق غزو خارجي، أو عن طريق تفكيك داخلي، وما قد يبدو من هدوء على صعيد التصعيد الأمريكي ضد مقتدى الصدر وجيشه الغامض؛ إنما هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، والخوف هنا ليس من العاصفة، بل مما سيعقب العاصفة. ولكن السؤال هنا هو.. هل بوسع الأمريكيين أن يدخلوا حرباً جديدة أو يهيئوا الأجواء لها والانتخابات الأمريكية على الأبواب، ومصداقية بوش على المحك، وفي وضع دفاع ضعيف ... ؟! أقول ... هذا بالذات ما قد يغري بالمغامرة أكثر نحو تصعيد أكبر، قد لا يكون حرباً الآن بالمعنى الشامل كما حدث في العراق، ولكن التهديد الشديد بها من باب إشعار الأمريكيين أنهم يعيشون أجواء حرب جديدة، تتطلب فترة رئاسية جديدة، وتحتاج إلى المحافظة على فريق المحافظين اليهود الجدد، والمحافظين النصارى التقليديين، بقيادة الزعيم (الفلتة) جورج بوش! أما إيران، فهي بالحرب أو بغيرها، تحت المواجهة والنيران، نيران التغيير القادم، الذي لا مكان فيه لعمامة سوداء أو بيضاء، إلا أن يشاء الله شيئاً. - هل آن الأوان لشيعة إيران أن يشايعوا إخوان القبلة من أهل السنة داخل إيران وخارجها، ضد العدو المشترك، بدلاً من إضاعة مزيد من الأوقات في الخلافات والمنازعات التاريخية والمذهبية التي كثيراً ما تتطور إلى مواجهات وصدامات لا يستفيد بها إلا أعداء الأمة كما حدث في أفغانستان والعراق؟! - هل آن الأوان لهؤلاء أن يضعوا أيديهم في أيدي المجاهدين على أرض الرافدين، فيضحوا معهم، بدلاً من أن يضحوا بهم على العتبات المنجسة لقوى التحالف على الإسلام. - هل آن لهم أن يعوا أن أرض العراق التي فتحها عمر الفاروق - رضي الله - عنه ليحكم فيها أمير المؤمنين علي ﵁ هي اليوم بيد عباد الصليب الذين لن يكتفوا بها عن غيرها، ولن يتركوها حتى يسلموها لقردة آل صهيون، ينزون فيها ويقفزون منها إلى إيران وإلى ما بعد إيران، ليحكموها باسم «المحافظين الجدد» من الإيرانيين والإسرائيليين والأمريكيين؟! - هل يدرك المحافظون والإصلاحيون في إيران قبل فوات الأوان أن استمرار سقوط بغداد، هو مقدمة لسقوط طهران، وأن سقوطهما يعني تهديد بقية ما حولهما من البلدان؟! نحن نعلم أن من الشيعة من يرجعون إلى الحق، وإلى طريقه يعدلون، وما لهم لا يرجعون [وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ] (الأعراف: ١٥٩) . إنهم إن يرجعوا يرجعوا إلى صواب، وإن يعدلوا يعدلوا إلى حق، دلت عليه آي الكتاب، وصحيح السنة وصريح العقل، وأما إذا رفضوا الحق مع الرافضين؛ فإن العدو سينفرد بهم وبنا أجمعين. لقد أمر الله أهل الإسلام أن يقولوا لغير المحاربين من أهل الكتاب: [تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّه] (آل عمران: ٦٤) ، أليس أهل القبلة أوْلى بذلك التنادي اليوم فيما بينهم، أكثر من تناديهم لأهل الكتاب بأن يجتمعوا معهم عى كلمة سواء؟ إن الطوفان قادم، ولا أمل إلا في الاعتصام بحبل الله جميعاً، دون أن نكون من الذين قال الله تعالى فيهم: [إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ] (الأنعام: ١٥٩) .

стр. 4915

المسلمون والعالم أسلحة الدمار الشامل.. واستهداف سوريا الأبعاد الاستراتيجية والواقعية.. بين المصيدة والمخرج نبيل شبيب هل أصبحت سورية هي الهدف الأوّل في قضية «نزع أسلحة الدمار الشامل» بعدما بدت الأحداث الأخيرة للمراقب عن بعد في صورة تطويع إيران، وانبطاح ليبيا، والمماطلة مع كوريا الشمالية؟ .. وإذا كانت سورية لا تملك هذه الأسلحة كما يقال باستمرار، أو لا تملك منها ما يشكّل خطراً حقيقياً على أحد؛ فهل المقصود الأهمّ من الحملة الراهنة تطويعها لأهداف سياسية؛ فإن لم يتحقّق ذلك كان البديل هو الإعداد لحملة عسكرية على غرار ما جرى في العراق، بتنفيذ أمريكي أو تنفيذ إسرائيلي أو بصورة مشتركة؟ .. ثمّ ما هي الأوراق التي تستطيع سورية أن تستخدمها في مواجهة الحملة الراهنة؟ * تثبيت معطيات أولية: أمر لا بدّ من إيضاحه وتأكيده باستمرار، كلّما دار الأمر حول أسلحة الدمار الشامل، وهو أنّ القضية المطروحة تحت هذا العنوان، ليس بالنسبة إلى سورية فقط، وإنّما عالميّاً، لا يمكن وصفها كما يقال رسمياً على الدوام بتعبير: «نزع أسلحة الدمار الشامل» بل يجب وصفها بتعبير: «احتكار أسلحة الدمار الشامل» . فالحديث لا يدور حول تخليص البشرية من أسلحة الدمار الشامل، بمختلف أنواعها: النووية والكيمياوية والحيوية المكدّسة في المخازن الأمريكية والروسية والبريطانية والصينية والفرنسية وغيرها، والمنتشرة مع قابلية استخدامها في كل مكان، برّاً وبحراً وجوّاً، بل يدور الحديث حول «الاحتفاظ» بهذه الأسلحة وتطويرها لدى عدد محدود من الدول؛ فهي لا تتلف منها إلاّ ما بات قديماً ليستعاض بأحدث منه، كما يدور الحديث في الوقت نفسه حول «حرمان» بقية دول العالم، ولا سيما في المنطقة الإسلامية، من امتلاك شيء «رادع» تجاه استخدام تلك الأسلحة والتهديد باستخدامها، أو حتى امتلاك التقنيات المشتبه بإمكانية توظيفها لصناعتها، مهما كانت ضرورية لتحقيق التقدّم في الميادين غير العسكرية. الجديد.. أو الجانب القديم الذي تضاعف التركيز عليه منذ سقوط المعسكر الشرقي، هو أنّ عملية «الاحتكار.. والحرمان» هذه لم تعد تقتصر على مستوى توازن القوى الدولي الشامل في الشمال وعالمياً، بين معسكرين كبيرين وأتباعهما، كما كان الأمر في حقبة الحرب الباردة، بل بدأت الجهود لتطبيق الصورة نفسها على مستوى إحداث الخلل في توازن القوى إقليمياً، في كلّ منطقة على حدة، وهنا استطاعت باكستان تجاوز «المصيدة» في مواجهة الهند، ولا يراد «عالمياً بزعامة أمريكية» أن تتجاوزها بلدان إسلامية أخرى، بما فيها البلدان العربية في مواجهة الكيان الإسرائيلي، المندمج عسكرياً وسياسياً ومالياً بالدولة الأمريكية. أمر آخر يحتاج إلى تثبيت وإيضاح، هو أنّ الحملة على أي بلد من البلدان العربية والإسلامية بشأن حرمانها من قوّة عسكرية رادعة، وليس المقصود حرمانها من قوّة عسكرية فاعلة فحسب، بل ومن قوّة عسكرية دفاعية كافية.. هذه الحملة تجري بغضّ النظر عن نوعية الحكم القائم في أيّ بلد من هذه البلدان، بما في ذلك سورية؛ فلا يفيد الحديث في هذا الموضوع كما لو كانت له علاقة ما بما يُطرح تضليلاً بشأن الديمقراطية ونشرها في المنطقة العربية بالذات، كما لا ينبغي بالمقابل طرحه في مواجهة المطالبة الداخلية بالحريات والحقوق، وبأوضاع سياسية قويمة، إنّما تُطرح قضية أسلحة الدمار الشامل في صيغة العمل المتواصل القائم بحدّ ذاته، مهما كانت نوعية العلاقات بالقوى الدولية أو ما هي نوعية الحكم الداخلي، من أجل أن تكون هذه المنطقة بسائر بلدانها «مكشوفة» أمام أيّ قوّة عسكرية خارجية، ومن ثم أن تكون تحت تأثير الابتزاز العسكري (وغير العسكري) على الدوام، وهو ما يمكن وصفه بصيغة الهيمنة الأجنبية أو «الاستعمار الخارجي» الذي يختلف عمّا عُرف بعنوان «الاستعمار الحديث» من حيث إنه لا يعتمد على ترسيخ التبعيات السياسية والاقتصادية «المحلية» كبديل عن وجود قوّات عسكرية أجنبية في حقبة «الاستعمار التقليدي» القديم. الأمر الثالث والأخير الذي يجب تثبيته وتوضيحه: أنّ مفهوم «الردع» أو «الردع المتبادل» لا يمكن إسقاطه من الحسابات الدولية والإقليمية، مهما قيل من ادّعاءات بشأن وجود نظام حكم «ديمقراطي» يشعر بالمسؤولية فلا يستخدم تلك الأسلحة أو عدم وجوده، ولا يكاد يوجد خلاف يستحق الذكر بين الباحثين والمحلّلين الغربيين من ذوي الاختصاص في قضايا التسلّح ونزع التسلّح على ثلاث نقاط رئيسية، وهي: ١ - منذ النشأة الأولى للأسلحة الكيمياوية والحيوية فالنووية، كانت تُستخدم في الحروب العدوانية والدفاعية على السواء، ما دام الطرف الآخر لا يملك قوّة رادعة، وبغضّ النظر عن «نوعية» الحكم القائم في الدولة التي استخدمتها، بدءاً باستخدام الغازات السامّة من جانب ألمانيا النازية في عهد هتلر، ومروراً باستخدام السلاح النووي من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، وانتهاء بعشرات الحالات لاستخدام الأسلحة الفتاكة المحرّمة دولياً في فيتنام وأفغانستان وكامبوديا وفلسطين وجنوب لبنان. ٢ - لم يكن العامل الرئيسي الذي حال دون تحوّل الحرب الباردة إلى حرب ساخنة على امتداد أربعين عاماً، عاملاً «أخلاقياً.. أو ديمقراطياً» ، إنّما كان هو عامل الردع العسكري المتبادل فقط، بل كانت السياسة الدولية قائمة من الأصل على ترسيخ هذا الردع المتبادل للحيلولة دون نشوب حرب مدمّرة، وكان أبرز دليل على ذلك اتفاقية عام ١٩٧٢م بين الدولتين الكبريين على امتناعهما عن نشر صواريخ «دفاعية» ضدّ الصواريخ الهجومية البعيدة المدى من الطرف الآخر، ليبقى لدى كلّ منهما الإحساس بالخوف من ضربة مضادّة قائماً، فتمتنع من جانبها عن توجيه ضربة عسكرية أولى. ٣ - ينبني على ذلك أنّ السياسة الأمريكية الجديدة بعد سقوط المعسكر الشرقي التي تضمّنت الانسحاب من هذه الاتفاقية الدولية، والشروع في تنفيذ ما عرف بالدرع الصاروخي، مع ممارسة سياسة «حرمان» الأطراف الأخرى، من القوى الأصغر إقليمياً، من قوّة «رادعة» ، إلى جانب ممارسة سياسة توسيع الهوّة الفاصلة بين حجم تسلّحها وتسلّح القوى الدولية «الكبرى» الأخرى، علاوة على تبني ما عُرف بمبدأ «الحرب الاستباقية» .. هذه السياسة بمجموع عناصرها تستهدف في حصيلتها إلغاء «العامل الرئيسي» لمنع نشوب الحروب، وعلى وجه التخصيص الحروب العدوانية التي تمارسها الدولة الأمريكية بالذات؛ وذلك من خلال إزالة عنصر الخوف لديها وهي الطرف المسلّح أكثر من سواه، من احتمال تلقّي ضربة مضادّة. ومن ثم فإنّ دعم هذه السياسة أو الاستجابة لها، خضوعاً أو تطوّعاً، يعني الإسهام في مضاعفة الأخطار على الأمن الإقليمي والعالمي، وفق النظرة الدولية نفسها، وإنّ رفض هذه السياسة وعدم الاستجابة لها، هو الأمر الأبلغ أهميّة المفروض على كلّ طرف يريد أن يساهم واقعيّاً في دعم الأمن والسلام الدوليين. * قضية فلسطين والقضاء على «قوّة الردع» : ليس مجهولاً أنّه من المستحيل الفصل بين قضية فلسطين وبين مختلف القضايا الأخرى في المنطقة، ولا سيّما قضية تجريد البلدان العربية والإسلامية من أسلحة رادعة؛ فالمشروع الصهيوني قام واستمرّ، ولا يمكن أن يتابع طريقه ويحقّق أهدافه الاستيطانية والعدوانية والتوسعية إلاّ بالقوّة، وتكفي الإشارة إلى أنّه بغض النظر عن الأوضاع الداخلية في البلدان العربية في الستينيات والسبعينيات الميلادية، فإنّ مجرّد وجود قوّة عسكرية «رادعة» لدى بعض الدول العربية المجاورة، ورغم أنّ انعدام التعاون وفق ميثاق الدفاع العربي المشترك جعلها دون مستوى التوازن الضروري مع القوّة الإسرائيلية المدعومة أمريكياً.. لم يكن من المتصوّر آنذاك مثلاً أن تصنع القوّات الإسرائيلية ما تصنعه في الوقت الحاضر بأبناء فلسطين وأراضيهم وثرواتهم، دون أن تضع في حسابها احتمال تدخّل بلد عربي أو أكثر. إنّ السياسة الدولية بمشاركة الطرفين الأمريكي والسوفييتي كانت في تلك الحقبة قائمة على إيجاد تفوّق عسكري إسرائيلي واستمراره، اعتمد على «فرقة» البلدان العربية، وليس على الناحية الكمية أو النوعية للتسلّح فقط، أمّا الآن فباتت السياسة الدولية بزعامة أمريكية مفروضة أو متفق عليها في إطار المساومات الدولية القائمة على «المقايضة» تعتمد على تحويل هذا التفوّق إلى خلل مطلق، بمعنى أن يكون الكيان الإسرائيلي قادراً على توجيه ضربة عسكرية، حيثما شاء ومتى شاء، دون أن «يخشى» من أن يتلقّى ردّاً عسكرياً، ولو محدوداً، وليس هذا أمراً «مبتكراً» لقضية فلسطين بالذات، بل اتّجهت إليه السياسات الأمريكية الإسرائيلية المندمجة فيما بينها، منذ سنوات عديدة، وانعكس على أرض الواقع مثلاً في اعتماد تطوير الأسلحة الجويّة والصاروخية لاستخدامها عن بُعد قبل خوض أيّ معركة مواجهة بريّة مباشرة. وبالمقابل فإنّ السياسة العربية التي اعتمدت بين نكبتي ١٩٤٨ و ١٩٦٧م عنصر المواجهة دون إعداد عسكري «مشترك» على المستوى الكافي لتحقيق أهداف المواجهة، تحوّلت بعد حرب ١٩٧٣م وعلى وجه التحديد منذ مسيرة كامب ديفيد الأولى، إلى «سياسات» عديدة أسقطت البقية الباقية من أركان الأرضية العربية المشتركة؛ ممّا شمل في الدرجة الأولى تفتيت القضية المحورية إلى قضايا ومشكلات، عبّرت عنها تسميات «مشكلة الشرق الأوسط» و «النزاع الفلسطيني الإسرائيلي» وما شابه ذلك، وغطّت عليها إعلامياً شعارات «السلام الدائم والشامل» ، ولكن بغضّ النظر عن التسميات والشعارات، بقيت الحصيلة واحدة، وهي انفراد الطرف الإسرائيلي بكلّ طرف عربي على حدة، فباتت مصر على استعداد للتعاون مع الدول العربية الأخرى بما فيها سورية، في بعض الميادين، ولكن ليس في ميدان مواجهة الخطر الإسرائيلي، وباتت الأردن على استعداد لممارسة علاقاتها المتقلّبة مع سورية في مجالات مختلفة ما عدا تثبيت سياسة مشتركة في مواجهة الخطر الإسرائيلي، وأصبحت قضية إيران ثمّ قضية العراق في الصدارة بالنسبة إلى مجموعة الدول الخليجية العربية.. هذا ما جعل سورية منفردة كسواها في مواجهة الطرف الإسرائيلي ومن ورائه الأمريكي على صعيد قضية فلسطين بما في ذلك تحرير الجولان، رغم أنّ حكومتها أعلنت منذ سنوات عديدة الاستعداد النظري والعملي لما سمّي السلام الشامل والدائم، أو ما يقال تحت عنوان «الأرض مقابل السلام» ، أو ما نُشر من مبادرات عربية متتالية منذ مشروع السلام في فاس في مطلع الثمانينيات الميلادية، إلى مشروع السلام في قمة بيروت عام ٢٠٠١م، وهو أيضاً ما يضعها منفردة في الميدان في قضية «أسلحة الدمار الشامل» الآن. * «التفتيش» على التسلّح: لقد كان التركيز على قضية العراق في التسعينيات الميلادية تحت عنوان «نزع أسلحة الدمار الشامل فيه» مقدّمة لعنصر جديد في التعامل مع هدف الهيمنة الأمريكي الإسرائيلي العدواني تجاه المنطقة بكاملها، واختير النموذج العراقي بعناية فائقة، سواء من حيث علاقات نظامه الوثيقة سابقاً مع الأمريكيين وسواهم من الدول الغربية، أو من حيث وصوله إلى شوط أبعد من سواه على صعيد صناعة السلاح في حقبة الحرب ضدّ إيران، أو من حيث نوعية علاقات المواجهة التي قامت تلقائياً أو اصطنعت اصطناعاً بينه وبين دول الخليج العربية الأخرى. يتمثّل هذا العنصر الجديد من ناحية تجريد المنطقة من قوّة رادعة: في عدم الاكتفاء بتعهدات سياسية واتفاقيات عالمية وتقديرات دولية ودراسات معاهد التسلّح المرموقة عالمياً، وهو الطريق الذي اختاره نظام الحكم في مصر في عهد الرئيس مبارك، وأنظمة عربية أخرى، في غفلة خطيرة، على أنّه يمثل عند القوى الدولية، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، خطوة مقبولة مرحلياً، ولكنّه لا يمثل ضماناً لعدم التعامل مع هذه الدول أيضاً وفق المنظور الجديد، أو العنصر الجديد القائم على الانتقال إلى خطوة أبعد مدى، تتمثل في «التفتيش المباشر» ، وهو ما يحقّق عدداً من الأهداف دفعة واحدة: ١ - الهدف العسكري الرئيسي وهو التأكّد المباشر من عدم وجود أسلحة أو عناصر تصنيع أسلحة متطوّرة عموماً، بما يشمل أسلحة الدمار الشامل، كما يشمل أسلحة من المستوى الثاني، مثل الصواريخ المتوسطة المدى، بغض النظر عن علاقتها بأسلحة الدمار الشامل. ٢ - الهدف العسكري الأبعد مدى، وهو ما يتحقّق عن طريق الحصار والمقاطعة بالقوّة لحصول الدولة المستهدفة على ما لا تملكه محلياً، فتستورده من عتاد أو تقنيات أجنبية لدعم قدراتها العسكرية الذاتية. ٣ - تدمير جزء من القدرات العسكرية للدولة المستهدفة، دون حرب، وهو ما يعني اشتراكها ذاتياً في إضعاف قدرتها الرادعة إلى أدنى حدّ ممكن، وإن كانت الحرب مبيّتة كما كان واضحاً في مثال تدمير صواريخ عراقية قبل حرب الاحتلال الأمريكية مباشرة. ٤ - الهدف التقني بمنع وصول تقنيات حديثة، كتقنيات الحاسوب المتطوّرة، إلى البلدان المستهدفة، وفق النظرية العسكرية المعروفة. إنّ «التوازن العسكري» لا يقوم على المقارنة بين عدد قطع السلاح فقط، بل على مقارنة مستويات التقدّم الاقتصادي والصناعي عموماً. ٥ - الهدف السياسي على أكثر من صعيد: أ - السياسة المتبعة أمريكياً ودولياً حوّلت امتلاك سلاح رادع، كحقّ معترف به في القانون الدولي، إلى «تهمة» ، وساهمت السياسات العربية بالمقابل في ذلك بأسلوب «نفي التهمة» ومن ثم القبول باعتبارها تهمة يجب التنصّل منها. ب - تحويل الدول الإقليمية غير المستهدفة في مرحلة راهنة، إلى قوى محلية تضغط على «الدولة المستهدفة» لتستجيب إلى الضغوط الدولية، بدلاً من أن تكون سنداً لها، وهي سياسة فيها من قِصَر النظر ما لا يمكن استيعابه؛ فجميع الدول مستهدفة، على مراحل، وما يجري القبول به بحقّ أحدها، يتحوّل إلى سيف مسلّط على الدول الأخرى التي تقبل بذلك. ت - إبراز عنصر «الخضوع» المطلق إلى درجة الإذلال لسياسات الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية؛ فعملية التفتيش بحدّ ذاتها، لا تعني مجرّد اتهام الدولة المعنية بالكذب السياسي، وإنّما تعني تخلّيها عن سيادتها، فإذا كان هدف الحروب عادة، هو تقييد السيادة، فإنّ هذا الهدف بات يتحقّق مسبقاً من خلال التعامل السياسي وهو «إلقاء السلاح» من جانب تلك الدولة تجاه «العدوّ الخارجي» . * استهداف مصر بعد سورية: إنّ وصف قضية فلسطين بأنها قضية محورية، وصف يطابق الواقع لأسباب عديدة، من أهمّها أنّها باب من الأبواب الرئيسة لترسيخ الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية على كامل المنطقة، وليس في صيغة وجود الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين فقط، وكان خروج مصر في «كامب ديفيد» من المعادلة السياسية والعسكرية لقضية فلسطين إقليمياً ودولياً بمثابة كسر ما سمّي لفترة من الزمن «دول الطوق» ، وهو ما أدّى سريعاً إلى سقوط الجناح الأردني الضعيف أصلاً في الطوق نفسه، وأصبح العراق رغم الخلاف المعروف بين جناحي حزب البعث، بمثابة «العمق الاستراتيجي» البديل لسورية ولبنان، وكان من المفروض أن ترى الدول العربية منذ حرب الخليج الثانية ضدّ العراق، أنّه بغض النظر عن «تحرير الكويت» ، يبقى أنّ سقوط العراق من المعادلة السياسية والعسكرية في قضية فلسطين، لن يكون إلا مرحلة أخرى، تليها مرحلة «إسقاط سورية» من المعادلة أيضاً، ومن ثم الوصول بهدف نشر الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة إلى مداها الأقصى في المرحلة التاريخية الراهنة. إنّ استهداف سورية بهذا المنظور يعني استهداف مصر بعدها بالوسائل نفسها، وصحيح أنّ الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية بعد كامب ديفيد، وتضمّنت تقليص حجم القوات العسكرية، وانخفاض مستوى تسلّحها، والقيام بمناورات عسكرية مشتركة مع القوات الأمريكية، جعلها من الناحية العسكرية أشبه بكتاب مفتوح، ولكنّ الخطأ الكبير والفاحش في هذه التصوّرات والخطوات الرسمية المصرية، يكمن في عدم تقدير وجود أهداف أبعد مدى من القضاء على أسلحة الدمار الشامل أو برامج تصنيعها، فالمشكلة لا تنحصر في إعطاء الأدلّة على عدم وجودها، وقد أظهرت حرب الاحتلال العدوانية ضدّ العراق ذلك بكلّ وضوح، فلم تمنع من الإقدام على الحرب عمليات التفتيش الدولية، ولم يكن مجهولاً لدى واشنطن ولندن كما ثبت من الكشف عن عمليات «تزوير» المعلومات الاستخباراتية أنّ العراق لم يعد يملك تلك الأسلحة، ولا يستطيع صناعتها في المستقبل المنظور، إنّما وقعت الحرب رغم ذلك، لتحقيق تلك الأهداف الأبعد مدى، بما فيها القضاء على الطاقة العلمية والصناعية الذاتية في العراق. مصر هي المرشّحة بعد سورية على الطريق ذاتها؛ لأنّها تبقى هي الدولة العربية الأكبر التي يمكن أن تؤثر التطوّراتُ الداخلية فيها في المستقبل، بمجرى التطوّرات في المنطقة عموماً، وستجد مصر نفسها آنذاك منفردة في هذا الميدان، بعد أن ساهم انفرادها هي في عهد الرئيس السابق السادات بمسيرة كامب ديفيد، في أن تجد «دول الطوق» الأخرى بالإضافة إلى العراق وحتى ليبيا نفسها منفردة، فسقطت واحدة بعد الأخرى وإن اختلفت «صور» السقوط ما بين أقصى درجات العنف حرباً عدوانية في حالة العراق، وبين أقصى درجات التسليم ذاتياً في حالة ليبيا. إنّ الصيغة التي تتبعها مصر رسمياً، ودول عربية أخرى، والتي يمكن تبسيطها بالقول: إعطاء الأمريكيين ما يطلبون سلماً، كيلا يعملوا على تحصيله ضغوطاً وحرباً، صيغة بعيدة كلّ البعد عن مقتضيات السياسة الواقعية؛ فكلّ ما يحصل عليه الأمريكيون، ومعهم الإسرائيليون سلماً يوظفونه للحصول على المزيد سلماً أو حرباً.. وهي أيضاً صيغة تغفل بصورة خطيرة، عن أنّ ما يريده الأمريكيون والإسرائيليون، لا يقتصر على ما يطالبون به هذه الدولة العربية أو تلك، في اللحظة الآنية.. إنّما هو على الدوام جزء يقدّرون قابلية تحصيله أو انتزاعه فيعلنون عنه بإلحاح، تاركين «الأجزاء الأخرى» لمرحلة تالية. * الأوراق السورية: المحلّلون داخل سورية يؤكّدون أنّ الحالة السورية حالة متميّزة، لا يسري عليها ما يسري على سواها، وأنّ سورية كانت على الدوام قادرة على أن توظّف عدة «أوراق» في وقت واحد، ويشيرون بصدد أسلحة الدمار الشامل على وجه التخصيص إلى عدة أمور أبرزها أمران رئيسان: أحدهما: مسارعة أوروبا إلى عقد اتفاقية شراكة مع دمشق ردّاً على ما سمّي بـ «قانون محاسبة سورية» الأمريكي، كإشارة إلى عدم تلاقي الأمريكيين والأوروبيين على «عزلة سورية» والثاني: المناورة السورية في مجلس الأمن بتقديم طلب لحظر أسلحة الدمار الشامل إقليمياً أي بما يشمل الترسانة الإسرائيلية، والذي يوصف بأنّه خطوة إحراج للأمريكيين تمنعهم من الإلحاح في مطالبة سورية بالقبول بعمليات تفتيش بشأن أسلحة الدمار الشامل. ومن المؤكّد أنّ أصحاب هذه التحليلات سيضيفون بعد زيارة الرئيس السوري لتركيا أمراً ثالثاً هو قدرة السياسة السورية على اختراق جدران العزلة الإقليمية التي تسعى واشنطن لإقامتها حولها، وأن تفتح أبواباً كانت موصدة لفترة طويلة. من الناحية المبدئية يمكن القول إنّ سياسة المناورات السياسية، وتعدّد الأوراق سياسة واقعية تستفيد من المعطيات المتوفّرة لمواجهة الأزمات الطارئة، ولكن: هل يمكن وصفها بالسياسة القائمة على معطيات استراتيجية لمواجهة أهداف استراتيجية معادية، ذات غايات ونتائج بعيدة المدى؟ بهذا المنظور يبدو أنّ التعامل الرسمي السوري مع الضغوط الراهنة تحت عنوان «نزع أسلحة الدمار الشامل» ينطوي على نقاط ضعف يُخشى من نتائجها، وفي مقدّمتها: ١ - استحالة الاعتماد على القوى الدولية الأخرى في هذه القضية؛ فمن حيث الأهداف لا يوجد أيّ خلاف بين الولايات المتحدة الأمريكية، وحلفائها القدماء في أوروبا الغربية، أو الجدد في شرق أوروبا بما في ذلك الاتحاد الروسي؛ فجميع هذه القوى الدولية تشارك في المساعي المبذولة لتحقيق «الاحتكار.. والحرمان من الردع» على صعيد أسلحة الدمار الشامل بالنسبة إلى سائر البلدان العربية والإسلامية. ومن حيث الوسائل لا يصل الاختلاف عليها، كما أظهرت حالة العراق، إلى مستوى القطيعة أو المواجهة أو المشاركة في الدفاع عن بلد ما، وإذا كانت المعارضة الدولية القوية، المرتبطة بمصالح كبرى، منها الاقتصادية والنفطية، لم تمنع واشنطن ولندن عن التحرّك العسكري في قضية العراق، فلن تمنع مثل تلك المعارضة المحتملة واشنطن ولندن وتل أبيب، عن التحرّك العسكري في حالة سورية.. بغض النظر عن العواقب الدولية. ٢ - إنّ التحرّك العسكري ضدّ العراق بدعوى تجريده من أسلحة الدمار الشامل أتى رغم وجود حدّ أدنى من المحاولات العربية لرأب الصدع معه، وقبل أن يبلغ «حجم التصدّع» في السياسات العربية المشتركة درجة الانهيار المطلق، بينما أصبحت سورية الآن منفردة أكثر ممّا مضى في ميدان «الامتناع» عن المضيّ إلى آخر الشوط، كما صنعت ليبيا طوعاً، أو إيران كرهاً، ولا يبدو أن مشاريع إصلاح جامعة الدول العربية ستأخذ مداها بالسرعة الضرورية، لإنقاذ المنطقة عموماً، وليس سورية فقط، من مخاطر عدوان أجنبي. ٣ - ما تزال غالبية التصوّرات المستقبلية المطروحة من جانب المحلّلين من داخل سورية، تعتمد على مقاييس «سياسية منطقية» ربّما كان لها دور كبير أو صغير في صناعة السياسة الدولية والتعامل معها قبل فترة من الزمن، أمّا في الوقت الحاضر فإنّ سياسات الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية الاندماجية، لا تستند إلى أيّ منطق سياسي تقليدي، بل أصبح كبار المحللين والمتخصصين في الشؤون الدولية في أوروبا خاصة، وفي الولايات المتحدة الأمريكية نفسها جزئياً، يعتبرون هذه السياسات «هوجاء» لا تكفي مواجهتها بالمنطق السياسي، وعلى الأقل لا يكفي بناء التوقّعات المستقبلية بصددها على ما يقول به المنطق السياسي وحده. ٤ - لعلّ ممّا تضعه السياسة الرسمية السورية في حسابها أنّ مواصلة المناورات السياسية إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية عام ٢٠٠٤م في الولايات المتحدة الأمريكية، ستوصل إلى وضع جديد في مواجهة سياسة أمريكية جديدة محتملة. والواقع أنّ مثل هذه التوقعات التي اعتمدت عليها السياسات الرسمية العربية في قضية فلسطين خاصة، زمناً طويلاً، لم تُثبت خطأها فقط، بل عبّرت أيضاً عن عدم إدراك واقع صناعة القرار في الدولة الأمريكية، وهو ذو صفة «استمرارية» على الصعيد الخارجي الدولي، منفصلة تماماً عن التبدّل الجزئي على مستوى السياسات الاقتصادية والداخلية، ولا يتوقع تبدّل ذلك في المستقبل المنظور على الأقل، ولا يكاد يوجد خطّ منهجي في السياسات التي مارسها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، إلاّ وكانت له بداية منظورة يمكن الرجوع بها إلى عهد الرئيس الأمريكي الأسبق ريجان على الأقل، أي آخر رئيس أمريكي من حقبة الحرب الباردة. إنّ الطاقة الهجومية الشرسة التي تتعرّض لها المنطقة العربية والإسلامية عموماً، والتي يمكن أن يُوجّه رأس حربتها إلى سورية في المرحلة المقبلة، تحتاج إلى قوّة ذاتية رادعة، وإذا كانت سورية لا تملك أسلحة دمار شامل، أولاً تملك في ميدان صناعتها ما يمكن أن يجعل منها قوّة رادعة بمعنى الكلمة، فإنّ القوّة الرادعة التي يتركّز مفهومها على خشية الطرف الآخر من تعرّضه لخسائر ضخمة في حالة ممارسته العدوان، لن تتوفّر في سورية إلاّ عندما تتحوّل حكومة وشعباً، إلى كيان ملتحم بأهدافه واستعدادته على كلّ صعيد؛ بحيث تصبح أي مغامرة عسكرية ضدّ سورية، خطوة غير محسوبة النتائج، ليس في لحظة انطلاقها فقط، وإنّما فيما يترتّب عليها عبر استحالة استقرار نتائجها، واستحالة أن تكون مقاومتها محدودة في إطار فئات دون أخرى من فئات الشعب، سواء نتيجة «نقمة» بعضها على نظام الحكم، أو نتيجة عدم استعدادها للمقاومة موضوعياً، والناجم عن إقصائها عن مثل هذا الاستعداد، واقتصاره على فرق أو قوى عسكرية وشبه عسكرية مرتبطة مباشرة بالنظام السياسي القائم. هذا أحد الأسباب الحيوية الموجبة والملحّة التي تستدعي الارتفاع بهدف الإصلاح السياسي الداخلي على كلّ صعيد أمني أولاً، ودستوري تشريعي ثانياً، واقتصادي ثالثاً، إلى مرتبة الأولوية المطلقة، وهذا ما لا تظهر حتى الآن للأسف دلائل أو مؤشرات قويّة توحي بأنّه دخل فعلاً إلى حيّز «الاقتناع» ناهيك عن التخطيط والتنفيذ بالسرعة اللازمة لدى المسؤولين في سورية.

стр. 4916

المسلمون والعالم الغزو الثاني للعراق.. قتال في الفلوجة حسن الرشيدي «إن انتقامنا سيكون منهجياً وسيكون دقيقاً وسيكون ساحقاً» هذا قول العميد «مارك كيميت» المتحدث الرسمي للجيش الأمريكي في العراق في مؤتمر صحفي له بعد الحادثة التي وقعت في «الفلوجة» التي قامت فيها المقاومة العراقية بتدمير سيارة كانت تقل أربعة من الأمريكيين، وبعدها قام عدد من أهالي الفلوجة بجر هذه الجثث بعد تفحمها، وكتبت صحيفة «واشنطن بوست» أمس أن الأمريكيين الأربعة الذين مُثِّل بجثثهم كانوا من صفوة عناصر «كوماندوس» يعملون في العراق لحماية موظفي شركات أمريكية، واستأجرتهم الحكومة الأمريكية لحماية بيروقراطيين وجنود وضباط استخبارات. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين أنهم يعتقدون أن الأربعة الذين كانوا يعملون لشركة «بلاكووتر سيكيوريتي كونسلتينغ» لم يكونوا ضحايا مكمن عشوائي، بل استُدرجوا. واعتبر مسؤول في شؤون الدفاع أن ذلك يلمح إلى «درجة عالية من التنظيم والتعقيد» , بينما ذكر ناطق باسم «بلاكووتر» أن الأربعة كانوا يتولون حماية قافلة في طريقها لنقل أغذية لقوات أمريكية، وكشف التقرير هوية ثلاثة من القتلى , استناداً إلى أقوال لعائلاتهم أو ناطقين باسمها , وأحدهم كان ينتمي سابقاً إلى وحدة «سيل» التابعة للبحرية الأمريكية , وهي قوة خاصة لمكافحة الإرهاب. وتتولى الشركة أيضاً حماية مسؤولي سلطة «التحالف» ومن ضمنهم بول بريمر الحاكم الأمريكي في العراق. وتوالت تصريحات المسؤولين الأمريكيين متوعدة بالانتقام من الفلوجة وأهلها، وقال (بول وولفويتز) نائب وزير الدفاع الأمريكي: نحن مصممون على دخول الفلوجة بالقوة. وقال العضو الجمهوري في مجلس الشيوخ (تشوك هاجيل) في نهاية الأسبوع الماضي: إن الولايات المتّحدة تقترب «بشكل خطير» من الخسارة الاستراتيجية في العراق. لقد مثلت الفلوجة النموذج السني المقاوم في العراق، والذي يأبى على الانكسار لدرجة أن أحد كبار خبراء ما يعرف بالإرهاب الفرنسيين قد ذكر في حديثه إلى إحدى محطات التلفزة الفرنسية عن الفلوجة في يونيو من العام الماضي: أن من أكبر المناطق الإرهابية الكبرى في العالم منطقة في العراق تسمى «الفلوجة» فتلقين الفلوجة درساً هو في الواقع كسر لإرادة المقاومة عند الجانب السني في الشعب العراقي. وبدأت قوات المارينز الأمريكية بقوة تبلغ في بعض التقديرات عشرين ألف جندي في مهاجمة المدينة الصامدة، وحتى كتابة هذه السطور لم تفلح هذه القوات في اقتحام المدينة، وسقط ما يقرب من ٤٥٠ شهيداً من النساء والأطفال والشيوخ. ويبقى السؤال الأهم: لماذا نحت الأوضاع خاصة في الفلوجة ذلك المنحى؟ خاصة أننا لا نستطيع تفسير ما جرى بفصله عن سياق الأحداث التي سبقته وعن الاستراتيجية الأمريكية في العراق ومدى نجاحها وإخفاقها، ولذلك كان التفسير الصحيح يتطلب دراسة المحددات التي تتحكم في مستقبل الاحتلال الأمريكي في العراق، وأثر أحداث الفلوجة على وجود هذا الاحتلال. ولا شك أن السياسة الأمريكية يحكمها هدف استراتيجي عام، وهو الخيار الذي ظل مدار بحث داخل دوائر صنع القرار الأمريكي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة؛ حيث كانت هناك تيارات فكرية تتنازع في محيط صناعة القرار السياسي الأمريكي: التيار الأول: تيار انعزالي: وهو يدعو إلى التخلي عن السيطرة والتفوق، واختيار الانطواء على الذات، وهذا التيار كان هو المسيطر على الفكر السياسي الأمريكي طيلة القرن التاسع عشر حتى بدايات القرن العشرين؛ وهذه الانعزالية - وفي نظر هذا التيار - تسهم في تخفيض الإنفاق الدفاعي في مواجهة عجز الميزانية؛ مما يحسِّن القدرة التنافسية الاقتصادية للولايات المتحدة، وكذلك يقلل من احتمالات مقتل عدد متزايد من الجنود الأمريكيين؛ غير أن هذا التوجه الانعزالي في نظر مركز أبحاث راند الأمريكي «يضاعف على المدى الطويل من خطر نشوب الصراعات الكبرى؛ مما يتطلب قيام الولايات المتحدة بمجهود دفاعي أكبر، كما أنه في النهاية يقوّض الازدهار الأمريكي بتقليص الفرص التجارية الناتجة عن الهيمنة» . أما التيار الثاني: السائد في الفكر السياسي الأمريكي هو الزعامة العالمية أو الهيمنة الشاملة: وهي تقتضي منع ظهور منافس عالمي آخر يكون معادياً لها، وقد كانت كل الظروف مهيأة مع سقوط الاتحاد السوفييتي أن يكون هذا الخيار هو المطمح الأمريكي الأساسي. ولكن في سبيل تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي يوجد اتجاهان داخل المدارس السياسية الأمريكية: المدرسة الأولى: مدرسة الديموقراطيين، وهي تقوم على تعدد القطبية تحت زعامة أمريكا للحيلولة دون ظهور قوة مهيمنة جديدة، والقوى المحتملة في المنظور الأمريكي هي الصين واليابان وأوروبا وروسيا، وقد تتغير هذه القوى في المستقبل. وقد ذهب صمويل هنتنجتون نفسه إلى وصف النظام العالمي الراهن بنظام الواحد والمتعدد الأقطاب، أي النظام الذي يقوم على وجود قوة عظمى متفردة في عالم متعدد الأقطاب. فالنظام متعدد الأقطاب يعني التساوي النسبي في قوى الدول الكبيرة في العالم , وهو أمر لم يتوافر بعدُ إذا قيست هذه القوى بالقوة الأمريكية. كما أنه من الصعب وصف النظام العالمي بالنظام أحادي القطبية بشكل كامل؛ لأن هذا الأخير يعني وجود قوة عظمى وحيدة في العالم، وبجانبها قوى أخرى صغيرة متعددة، وينفي في المقابل وجود قوى كبيرة يكون لها وزن تحسب له القوى العظمى حساباً في القضايا الدولية والإقليمية المختلفة. المدرسة الثانية: مدرسة المحافظين الجدد، وهي تنطلق من النظرة الاستعلائية المبنية على الإحساس بالتفوق الأمريكي ومقدار ما وصلت إليه هذه الهيمنة، وهذه المدرسة تريد استغلال التفوق الأمريكي في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والتكنولوجية وغيرها من المجالات في أعلى مدى هذا التفوق؛ مما أدى بهذه المدرسة إلى اختراع استراتيجية الضربات الوقائية وهي تمثل النزعة التي ازدادت ضراوة مع وصول بوش الابن للإدارة، ولكنها بدأت تتبلور مع نهاية الحرب الباردة عندما راحت تتفشى طروحات الهيمنة المكشوفة، والاعتماد على القوة المتفوقة كواحدة من أهم أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، ولم يُخْفِ الرئيس بوش وطاقمه في الإدارة منذ البداية نزوعه إلى احتضان هذا التوجه، بل انتماءه لهذا الخندق حين سارع لرفع لواء التفرد والتفوق باعتبارهما حقاً وامتيازاً خاصين بالولايات المتحدة؛ لكونها القوة العظمى الوحيدة على الساحة الدولية، وتجلى ذلك في رفض واشنطن الانضمام لعديد من الاتفاقيات الدولية أو الانسحاب من عدد منها. وجاء غزو العراق ليعطي لهذا الفريق فرصة لتطبيق سياساته وأهدافه التي ترمي في النهاية لتعزيز الهيمنة الأمريكية على العالم عبر عدة أهداف منها: السيطرة على النفط، ومحاربة الإرهاب، وتعزيز أمن إسرائيل، وإعادة ترتيب الأوضاع ورسم الخريطة السياسية للمنطقة. ولكن: ما هي الاستراتيجية الأمريكية لتحقيق تلك الأهداف منذ أن احتلت بغداد في التاسع من أبريل عام ٢٠٠٣م؟ توزعت الاستراتيجية الأمريكية في العراق في المجالات الآتية: في المجال السياسي: محاولة إيجاد نظام حكم وبيئة سياسية في العراق تكون نموذجاً للشرق الأوسط الكبير، وهو المشروع الذي تريد الولايات المتحدة تعميمه على المنطقة. ولا نتفق مع آراء كثيرة تقول إن أمريكا لم يكن لديها مشروع سياسي في العراق، بل على العكس؛ فإن أمريكا منذ أحداث ١١ سبتمبر قد غيرت القاعدة التي تقوم عليها استراتيجيتها ذات الرؤوس الثلاثة في المنطقة: (الإرهاب، وإسرائيل، والنفط) . فقبل هذه الأحداث قامت استراتيجيتها على حفظ الاستقرار في المنطقة، ونقصد بالاستقرار بقاء الأنظمة الحاكمة في هذه المنطقة، ولكن بعد الأحداث أصبح الاستقرار لا يرتبط بوجود هذه الأنظمة بل العمل على إيجاد أنظمة تستطيع استيعاب التطرف بداخلها وهذا ما قال به «جراهام فوللر» نائب رئيس الاستخبارات الأمريكية السابق، وقد دلت أحداث ١١ سبتمبر على أن أمريكا بحاجة إلى وجود دولة إسلامية علمانية تكون نموذجاً لكل الدول العربية والإسلامية الأخرى. وهذه برأيها هي الطريقة الأسلم لإبعاد المنطقة العربية عن أجواء أسامة بن لادن. فما تسميه أمريكا الديموقراطية الإسلامية، وملخصها في تركيا حزب العدالة، هو النموذج الذي ينبغي أن يحتذى، وفي هذا الإطار أعلن باول من أنقرة في ٢/٤/ ٢٠٠٣م، أنه سيكون لتركيا «دور مهم تلعبه في جهود إعادة بناء المؤسسات في العراق في فترة ما بعد الحرب؛ ليس في إعادة الإعمار فحسب بل أيضاً في إقامة نموذج لديمقراطية إسلامية تعيش في سلام مع دول الجوار معرباً عن أمله في أن يكون النظام التركي نموذجاً لكافة الدول في منطقة الشرق الأوسط، ونلاحظ في الفترة الأخيرة السعار الأمريكي لإنضاج هذا النموذج، مثل مؤتمر مركز كارينيجي للسلام الأمريكي والذي عقد في الكويت مؤخراً، ويبدو أن هذا المركز منوط به دور خطير في ذلك الاتجاه؛ فقد قام ذلك المركز باستقدام أحد المتخصصين في العلوم السياسية في مصر؛ وهو الدكتور مصطفى كامل السيد وأقام الباحث ما يقرب من شهرين في الولايات المتحدة، وهما شهر يوليو وأغسطس ٢٠٠٢م، ليخرج بدراسة معمقة لصالح المركز تسمى: (الوجه الآخر للحركة الإسلامية) . ولكن قبل فرض هذه الديموقراطية لا بد من إيجاد البيئة المناسبة التي تنتعش فيها هذه الديموقراطية الموعودة؛ لأن الديموقراطية في حقيقتها هي حكم فئة معينة مرتبطة بأصحاب المصالح. وينقل» ناعوم تشومسكي «عن» والتر ليبمان « عميد الصحفيين الأمريكيين قوله: هناك وظيفتان في النظم الديموقراطية: الوظيفة الأولى منوطة بالطبقة المتخصصة؛ وهؤلاء الرجال المسؤولون يقومون بالتفكير وفهم التخطيط للمصالح العامة، ثم هناك أيضاً القطيع الضال؛ وهذا القطيع أيضاً يتمتع بوظيفةٍ ما في النظام الديموقراطي، تلك الوظيفة حسب تصور ليبمان تتمثل في كونهم مشاهدين، وليسوا مشاركين بالفعل، وهناك وظيفة أخرى بالإضافة لتلك المشاهدة من قِبَل القطيع؛ فمن وقت لآخر يُسمح لهذا القطيع بتأييد أحد أفراد الطبقة المتخصصة؛ وبمعنى آخر: يسمح لهم بالقول: نحن نريدك قائداً لنا؛ وذلك لأنها ديموقراطية وليست نظاماً شمولياً» . ويكشف «هيس» مدير التخطيط السياسي بوزارة الخارجية وهو يهودي ذو ميول صهيونية في محاضرة له عن أحد أسباب سعي أمريكا إلى نشر الديمقراطية، وهو كما قال: سوف نزدهر أكثر كشعب وكدولة في عالم من الديمقراطيات بدلاً من عالم من الأنظمة الاستبدادية والفوضوية. ويشرح «هيس» أسباب هذه الخطوة فيقول: العالم الديمقراطي هو عالم مسالم بشكل كبير؛ فنمط الديمقراطيات المتأصلة التي لا تحارب مع بعضها مع بعض هو أحد أهم النتائج التي أمكن إثباتها في دراسات العلاقات الدولية. فتربية هذه الطبقة وإيجادها تحتاج لسنوات؛ ولذلك تجيء تصريحات المسؤولين الأمريكيين المختلفة التي تتحدث عن وجود عسكري أمريكي ممتد لسنوات حتى يمكن إنضاج هذه الطبقة قبل إجراء انتخابات في العراق. ولكن حتى تنضج هذه الطبقة، ويتكون القطيع تكون هناك فترة زمنية تطلق عليه الإدارة الأمريكية اسم: (الفترة المؤقتة) وتسعى الإدارة الأمريكية في هذه المرحلة نحو إيجاد شكلٍ ما يظهرها بمظهر من يسلِّم الحكم للشعب العراقي ويبعد عنها تهمة الاحتلال والغطرسة التي وصم بها العالم تلك الإمبراطورية؛ وهنا بدأ التخبط الأمريكي؛ فمن مجلس للحكم، إلى هيئة تمثيلية؛ إلى غيرها من الصيغ السياسية التي سوف تمارس على الشعب العراقي حتى تستوي أدوات التغيير من مناهج تربوية، وتغيير الخطاب الديني، وتنضج البيئة العراقية في المفهوم الأمريكي. والذي نراه أن هذا التخبط مهما بلغ مداه فإنه سيظل في التكيتيكات الأمريكية ولا يتعلق بالاستراتيجيات. في المجال العسكري: إيجاد سلسلة من القواعد العسكرية الدائمة في العراق تكون ركيزة رئيسة للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة؛ والعمل على القضاء على المقاومة المسلحة في العراق قضاء تاماً، أو تقزيمها لأقل ما يمكن، ومحاصرة نطاقها. وفي المجال الأول أفادت أنباء صحفية أن الولايات المتحدة قد أقامت حتى الآن خمسة قواعد عسكرية أحدها في منطقة لورانس الشعلان على الحدود الأردنية، وهي المنطقة التي أطلقت منها صواريخ صدام على إسرائيل عام ١٩٩١م، وهناك باشور في الشمال مع التداخل الحدودي مع إيران وتركيا، ثم الناصرية في الجنوب، وسعد الغربي بالقرب من إيران، وأخيراً قاعدة مطار بغداد. بالنسبة للمواجهة الأمريكية للمقاومة العراقية، وبالرغم من أن هذه المقاومة استطاعت أن تلحق بالقوات الأمريكية خسائر فادحة في الأفراد والمعدات على أمل أن يتكرر المشهد الفييتنامي أو اللبناني أو الصومالي، ولكن الإدارة الأمريكية واجهت ذلك الموقف بعدة مسارات منها: * التأكيد على أن هذه الإدارة غير الإدارات السابقة، ويؤكد هذا المعنى «رامسفيلد» في مقال نشرته واشنطن بوست تحدث فيه عن الدروس التي استخلصها من تفجير مقر المارينز في بيروت قبل عشرين عاماً؛ حيث ذكر أن الولايات المتحدة وضعت نفسها في موقع دفاعي، فتكيَّف الإرهابيون مع ذلك، وضربوا؛ فأمام كل عمل دفاعي كان الإرهابيون يتحركون صوب طريقة أخرى للهجوم. ويلاحظ أن الإرهابيين يملكون قدرة الضرب في كل مكان؛ ولذلك ليس من الممكن الدفاع عن كل هدف وفي كل زمان ومكان. وبناء عليه فإن الطريقة الوحيدة لهزيمة الإرهابيين هي أخذ الحرب إليهم عن طريق ملاحقتهم أينما يعيشون أو أينما يخططون للاختباء. ويضيف رامسفيلد: إن هذا ما يفعله جورج بوش، ولا مأخذ عليه سوى ضرورة رفع وتيرته، وقد توجت تلك السياسة بأخذ موقف حاسم من الصدر وميليشياته التي تعرف بـ (جيش المهدي) ثم كسر إرادة المقاومة في الفلوجة. * استلهام النموذج الإسرائيلي في البطش والضرب؛ فالشعبان الإسرائيلي والأمريكي متشابهان في ظروف نشأتهما وصراعهما لإيجاد دولتهما وتثبيت حكمهما، وهما يعيان ذلك التشابه؛ فالتجارب التي مر بها المهاجرون البروتستانت من أوروبا إلى أمريكا حينما قارنوا بينها وبين التجارب التي مر بها اليهود القدماء عندما فروا من ظلم فرعون إلى أرض فلسطين يقوي أواصر التحالف بينهما، ويصبغه بالصبغة الدينية. لقد كان هؤلاء المستوطنون بحاجة إلى شيء يسوّغ أفعالهم هذه، ويضفي عليها نوعاً من الشرعية والأخلاقية، فلم يجدوا هذا التسويغ إلا في العهد القديم. بل إنهم ادعوا أن الله اختار العنصر الأنجلو سكسوني البروتستانتي الأبيض لقيادة العالم كما جعل الله اليهود شعبه المختار. بل وصل تطرفهم إلى زعم أحد الكتاب، ويدعى (ريتشارد بروتزر) في كتابه: (المعرفة المنزلية للنبوءات والأزمنة) أن الإنجليز من أصل يهودي؛ على أساس أنهم ينحدرون من سلالات الأسباط التي ادّعى اليهود أن أفرادها فُقدوا بعد اجتياح الآشوريين لمملكة إسرائيل عام ٧٢١ قبل الميلاد. * تدريب الجيش والشرطة العراقية، وإعادة تشكيل جهاز المخابرات، وجعل أفرادهما في الواجهة لتلقِّي جزء من الضربات التي تكال إلى قوات الاحتلال. في المجال الاقتصادي: وضع اليد على نفط العراق وثروات العراق، والتمكين للنفوذ اليهودي؛ ففي أول سبتمبر الماضي نشرت صحيفة الحياة تقريراً يفيد بأن هناك عشر شركات إسرائيلية بصدد التوقيع مع القوات الأميركية في العراق على عقود للإعمار، وفي أكتوبر الماضي احتجت تركيا على قيام إسرائيل بالعمل في شمال الموصل وشراء قطع أراض غنية بالنفط، وأعلن بول بريمر الحاكم المدني للعراق أن إسرائيل لها الحق مثل غيرها في شراء عقارات وشركات في العراق، ويستند في ذلك إلى قانون الاستثمار الجديد الذي يعطي المستثمرين الحق في شراء ١٠٠% من أصول الشركات العراقية، وأنشأت الإدارة المدنية لبريمر دائرة اسمها (دائرة الاستثمار الأجنبي) يرأس هذه الدائرة شخص اسمه «توم فولي» الذي عقد مؤتمراً صحفياً قال فيه: للإسرائيليين الحق في الاستثمار داخل العراق كأي طرف آخر من الراغبين في الاستثمار في العراق. وتحدثت أنباء صحفية على أن الموساد والمستثمرين الإسرائيليين استأجروا فندقاً في بغداد بالكامل اسمه فندق (إيكال) ويقال إن أربعة فنادق أخرى في بغداد قد اشتراها الإسرائيليون؛ حتى إن أفراد الحراسة عليها هم من اليهود المسلحين برشاشات عوزي الإسرائيلية. وزاد من الشكوك بالدور (الإسرائيلي) في العراق تصاعد عمليات اغتيال شخصيات علمية عراقية لا علاقة لها بالسياسة أو الأحزاب أو النظام السابق، مما دفع بالمحللين إلى الترجيح بأن تلك العمليات تستهدف إفراغ المجتمع العراقي من طاقاته الكبيرة من العلماء والاختصاصيين المرموقين. ويبدو أن نشاط الموساد في العراق لا حدود له، وغير معروف أو معلن، بسبب الحماية التي يلقاها من الجانب الأمريكي، وهو آخذ بالتصاعد أيضاً من خلال الأعمال التجارية والشركات. وتؤكد مصادر اقتصادية عراقية أن نشاط الشركات (الإسرائيلية) قد زاد في العراق، ضمن عقود شركة (بكتل) التي تتولى إعادة إعمار العراق الذي خربته قوات الاحتلال، في وقت تسربت إلى العراق بضائع (إسرائيلية) تقدر قيمتها بأكثر من ٧٠ مليون دولار، منذ سقوط بغداد تحت الاحتلال وحتى الآن، بينما تشارك عشر شركات (إسرائيلية) في حملة إعمار العراق وفقاً لتقارير اقتصادية تحدثت عنها الصحف (الإسرائيلية) نفسها. إن كسر المشروع الأمريكي في العراق، ومن ثم في المنطقة يجب أن يعتمد على تبصُّر أبعاده كلها، والإحاطة بمراميه وأهدافه ومدى نجاحه وإخفاقه في هذه الأهداف بنظرة واقعية متجردة.

стр. 4917

مرصد الأحداث أحمد فهمي afahmee@albayan-magazine.com أقوال غير عابرة: - «حماس لن تشهد دوائرها الداخلية أي خلاف حول أزمة القيادة؛ لأن التسابق في صفوف حماس نحو الشهادة وليس نحو القيادة» الدكتور عبد العزيز الرنتيسي قائد حركة حماس في غزة. [مفكرة الإسلام، ٢/٢/١٤٢٥هـ] - «عندما قال الرئيس بوش إنه لا وجود لمعلومات محددة حول ١١ سبتمبر، كان ذلك صحيحاً فقط لأنه قال ١١ سبتمبر» المترجمة الأمريكية السابقة في الإف بي آي سيبل إدموندز تتحدث عن رؤيتها لوثائق تثبت معرفة البيت الأبيض بمعلومات مسبقة حول هجمات سبتمبر. [الرأي العام نقلاً عن الإندبندنت البريطانية، ١٣/٢/١٤٢٥هـ] - «على الرغم من أن أتباع مقتدى الصدر اختاروا لأنفسهم اسم جيش المهدي، فإن الإمام المهدي لم يكن ليرضي عن الزج باسمه في إذكاء الفرقة والانقسام والتحزب» حسين منتظري رجل الدين الشيعي الإيراني المعارض للنظام. [وكالة رويترز، ١٠/٤/٢٠٠٤م] - «في المستقبل قد نفتح ملف التعويضات الليبي لليهود ٣٠ ألف الذين تمت السيطرة على أموالهم وأملاكهم؛ لأنهم ليبيون وقد يتم تعويضهم» سيف الإسلام معمر القذافي. [موقع ميدل إيست أون لاين، ٢٣/٣/٢٠٠٤م] - «يتعين على الحكومة السودانية أن تمنع بشكل فوري ارتكاب أعمال وحشية ضد السكان المحليين في دارفور» بوش يتحدث في بيان رسمي مكتوب في نفس توقيت اقتحام قواته في العراق للفلوجة وقتل ما يزيد على ٦٠٠ عراقي مسلم. [الجزيرة نت، ١٨/٢/١٤٢٥هـ] - «هل تعرف ماذا سأصنع بهم؟ سأنتقي الجنود الأمريكيين واحداً واحداً، وألقي بهم من الطائرة» الطفل العراقي علي حسين يتحدث عن مشاعره تجاه الأمريكيين رغم تبني مركز المعاملات الإنسانية في الجيش الأمريكي لحالته لأشهر طويلة نقل فيها إلى لندن ثم الكويت للعلاج، ثم أعيد بالطائرة إلى العراق محملاً بالهدايا. [فضائية الجزيرة برنامج وثائقي بعنوان «قصة عليين» ] - «التدفق المتواصل للمتحدرين من أصول أمريكية لاتينية يهدد بتقسيم الولايات المتحدة إلى شعبين وثقافتين ولغتين» المفكر الأمريكي صامويل هنتنجتون. [مجلة السياسة الخارجية، عدد ١٤١] - «أنا أعرف هؤلاء الناس.. أعرف كيف هم؟ إنهم سيفعلون أي شيء كي يتم انتخابهم» ريتشارد كلارك رئيس مكافحة الإرهاب السابق في البيت الأبيض يتحدث عن فريق الرئيس الأمريكي جورج بوش. [النيوزويك، عدد ١٩٩] - «الطالبانيون الذين تعاملت معهم من ذوي المناصب المتوسطة في الدولة كانوا يعيشون حياة مقتصدة، وكان تخضيب اللحية بالحناء هو أقصى ما يمكن أن يفعلوه من قبيل الإسراف» جراهام فاريل أستاذ علم الجريمة في جامعة لوبورو يتحدث عن حركة الطالبان. [التايمز البريطانية، ٢٠/١/٢٠٠٤م] أحاج وألغاز: ليست خطأ مطبعيا «نحن نصلي من أجل فوز الرئيس بوش في الانتخابات» رئيس الوزراء الباكستاني مير ظفر الله خان جمالي. الأرواح جنود مجندة قال وزير خارجية الكويت الشيخ محمد الصباح إثر عودته من واشنطن إنه بعد إعلان الكويت حليفاً رئيساً لأمريكا خارج الناتو «أصبح علينا عبء وأمانة أن نتكلم مع أصدقائنا الأمريكيين وننصحهم؛ فالنصيحة واجبة في مثل هذه الظروف التي تمر بها المنطقة [القبس ١٧/٢/١٤٢٥هـ] . وقال مخاطباً الإدارة الأمريكية: » يمكنكم أن تعتمدوا علينا من أجل تحقيق رؤية الرئيس بوش لإقامة دولتين فلسطينية وإسرائيلية تعيشان بسلام جنباً إلى جنب «. تصريحات» صديقة « جورج بوش له حظ سيئ في إطلاق التصريحات الواعدة؛ فعندما أطلق تصريحه الشهير» انتهت المهمة «بعد احتلال قواته للعراق، فوجئ بأن الحرب الحقيقية بدأت للتو، ولم يكد يتحدث أخيراً للأمريكيين في خطابه الأسبوعي قائلاً: » عندما ينظر الرجال والنساء في كافة أنحاء الشرق الأوسط إلى العراق يرون لمحة لما تكون عليه الحياة في بلد حر «حتى انقلب الحال في العراق فاشتعل شمالاً وجنوباً. [وكالات الأنباء] تجليات صدرية ذكر حسن الحيدري أحد مساعدي الزعيم الشيعي مقتدى الصدر أن زعيمه قرر الصيام احتجاجاً على العمليات العسكرية التي تنفذها قوات التحالف، وقال: » السيد مقتدى الصدر لم يأت لصلاة الجمعة في مسجد الكوفة؛ لأنه معتصم إضافة لكونه قرر الصوم كرد فعل على المجازر الأمريكية «، ونفى إشاعة منع موكبه من الذهاب إلى مسجد الكوفة لإلقاء خطبة الجمعة قائلاً:» إنه لم يذهب أصلاً إلى الصلاة «. [الرأي العام الكويتية، ٢٠/٢/١٤٢٥هـ] تنصير شيعي أم تشيع نصراني » إننا نطالب مرة أخرى وزير الإعلام المحترم أن يسمح بعرض فيلم (آلام المسيح) في التلفزيون الكويتي لمصلحة الإسلام والمسلمين ولنصرة القضية الفلسطينية وعدم الإصغاء لبعض الفتاوى الساذجة من قبل الإسلاميين القشريين الذين لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد «محمد باقر المهري أمين عام تجمع علماء الشيعة في الكويت وهو موال للمرجع علي السيستاني. [الرأي العام، ١٠/٤/٢٠٠٤م] مرصد الأخبار: أين يختفون.. وماذا يفعلون؟ ذكرت وكالة قدس برس نقلاً عن مصادر عراقية أن» الإسرائيليين « يتدفقون إلى العراق بأعداد كبيرة يومياً، وكشفت أن ثلاثة حافلات كبيرة تدخل يومياً إلى العراق من منفذ طريبيل الحدودي دون أي عوائق من قِبَل قوات الاحتلال، وتحمل الحافلات تجاراً وسياحاً وعناصر من الموساد، وبدأ سير هذه القوافل اليومية منذ سقوط النظام السابق، وذكرت معاريف اليهودية أن حوالي ٧٠ إلى ١٠٠ شركة» إسرائيلية «تعمل حالياً في العراق، وأن أبرز رجال الأعمال اليهود الذين يعملون هناك: آمنون شاحاك رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، وذكرت الإذاعة العبرية أن الحاويات التي تنقل البضائع إلى العراق تمر على ميناءي حيفا وأشدود، ثم تنقل بشاحنات إلى مدينة إيلات الساحلية ومن ثم إلى العراق، وهذا يزيد من الحركة في الموانئ» الإسرائيلية «التي تشهد حالة حادة من الركود. وتشير أصابع الاتهام إلى الموساد» الإسرائيلي «في تنفيذ سلسلة اغتيالات موسعة لعلماء عراقيين وعملاء سابقين في المخابرات العراقية، ويبلغ عدد من تم اغتيالهم بالفعل أكثر من ألف شخص، وتقول بعض المصادر العراقية إن مجموعة كبيرة من عناصر الموساد تقيم في كركوك وتتألف من ٩٠٠ عنصر. [بتصرف عن السبيل، ٢٨/٣/٢٠٠٤م، وموقع محيط، ١/٤/٢٠٠٤م] نصف الجنود البريطانيين» عادة « في بعض الدول العربية يطلق على الجنود الذين يعجزون عن القراءة والكتابة مصطلح» عادة «وقد كشفت دراسة بريطانية سرية أشرف عليها وزير الدفاع شخصياً ونشرت الحياة اللندنية جزءاً منها [٢٨/٣/٢٠٠٤م] أن مستويات التعليم لدى الجنود البريطانيين قد تدهورت إلى حد كبير، وأن ما يقرب من نصفهم لا تتعدى مهارات الكتابة أو القراءة لديهم مهارات صبي في الحادية عشرة من عمره، وهو ما يعني أنهم مرشحون ليكونوا جنوداً» عادة «. وذكرت الدراسة أن ٢٠% من الجنود البريطانيين الجدد لا تتعدى مهارات القراءة أو الكتابة لديهم مستوى طفل في السابعة من عمره، و ٤% منهم تماثل مهاراتهم مستوى طفل في الخامسة من عمره. وتبرز خطورة هذه الحالة المتردية مع تزايد الاعتماد على الأسلحة ذات التقنيات المتطورة التي تعتمد على شبكات الكمبيوتر، والتي يرفق معها كتيبات تشغيل معقدة. البيت الأبيض.. شركة مساهمة أمريكية جون دين سياسي مخضرم كان يعمل مستشاراً قانونياً للرئيس الجمهوري الأسبق ريتشارد نيكسون، وقد سجن لدوره في فضيحة ووترجيت، ألف مؤخراً كتاباً سمّاه: (التصرفات السرية لجورج بوش أسوأ من ووترجيت) حقق مبيعات ضخمة وشن فيه حملة ضارية على سياسة بوش ونائبه ديك تشيني، وقال إن إدارة بوش تتفوق حتى على إدارة نيكسون في قضايا الخداع والتضليل والتكتم والسرية والمصالح الشخصية، وأنها أكثر الإدارات فساداً ولا أخلاقية وغير ديمقراطية في تاريخ البيت الأبيض، وقال دين:» إن بوش ونائبه ديك تشيني هما من مخلفات عهد نيكسون «وكانت إدارة نيكسون قد وصفت بأنها الأكثر فساداً وتلاعباً في تاريخ أمريكا. وكشف جون دين في كتابه أنه:» تتم مراجعة ومراقبة كافة أعمال الحكومة عبر البيت الأبيض، إن هذا ليس لمصلحة الشعب بل لمصلحة حكام البيت الأبيض ولمصلحة إعادة انتخاب بوش؛ فقد أصبحت إدارة البيت الأبيض تتم كما لو أنها شركة خاصة مع فارق أنها غير مسؤولة أمام حملة أسهم هذه الشركة، وهم الناخبون في هذه الحالة «. ويقول دين إن» الوضع حالياً في إدارة بوش كما كان في عهد نيكسون؛ حيث تتم الأمور وفقاً لمبدأ: افعل ما يحلو لك طالما كان بإمكانك أن تهرب وتفلت، ولكن عندما تشعر بأنه لم يعد بإمكانك النجاة فعليك الاستسلام «، وقد عبر أحد الجمهوريين وكان يعمل أيضاً في إدارة نيكسون عن غيظه من جون دين، وقال إنه يتمنى:» لو أتيحت له الفرصة فإنه سيُجْهِز على دين عن طريق إدخال قلم وسط عنقه «. [الوطن القطرية نقلاً عن التايم الأمريكية، ١٩/٢/١٤٢٥هـ] » يدلاحيم «تبتكر أسلوباً جديداً لحرب الإسلام كتب الصحفي عزازي علي عزازي في صحيفة الأسبوع القاهرية [١٥/٢/ ١٤٢٥هـ] أن جمعية» يدلاحيم «اليهودية التابعة لمنظمة كاخ الإرهابية الصهيوينة المتطرفة دشنت حملة دعائية تجعل مهمتها الرئيسية تغيير صورة الإسلام وأصوله وصياغة قرآن جديد للمسلمين يخلو من صور العداء بزعمهم، ونفس الأمر مع أحاديث النبي ﵊، وقد أنشأت الجمعية لهذا الغرض مركزين رئيسين أولهما في تل أبيب، وثانيهما في القدس الغربية، ووضعت هاتفاً مجانياً لمن يريد التعرف على ما أسمته بالقرآن الجديد، وقد أعلن زعيم الجمعية» راب فيسك «أنه مستعد لتوصيل الطلبات و» الفتاوى الإسلامية « للمنازل لمن يريد التعرف على الإسلام الجديد، ولا يقتصر دور هذه الجمعية اليهودية على مواطني الأرض المحتلة بل يتعدى ذلك إلى أوروبا وأمريكا لتقديم الإسلام الجديد للمجتمعات الغربية، وهذا الدور الإعلامي يتوازى مع مخطط آخر تربوي وتعليمي ينقل هذه الأفكار الجديدة لأطفال اليهود والأطفال العرب في المدارس اليهودية والمختلطة والعربية في فلسطين المحتلة. ٣.٥ مليون وثيقة أمريكية مخابراتية سرية على الإنترنت في محاولة من إدارة الرئيس بوش لمعالجة عجز وكالات الاستخبارات ووكالات تنفيذ القوانين عن التواصل فيما بينها أصدر قراراً بإنشاء» مركز تكامل المعلومات «حول التهديد الإرهابي، والمركز الذي دشن في مايو من العام الماضي هيئة مستقلة مزودة بمحللين من ١٢ جهازاً استخبارياً بما فيها السي آي إيه، والإف بي آي، ويفترض أن يتشارك المحللون يومياً في المعلومات التي تردهم حول التهديدات المحتملة، وأن يعدوا تقريراً بهذا الشأن لإحالته إلى البيت الأبيض والبنتاجون وجهات أخرى، ولكن حقيقة الأمر أن مركز التكامل يشكو من عدم التكامل بين الوكالات، ويقول المسؤولون فيه إن السي آي إيه على سبيل المثال ما زالت لا تحسن التعامل معه، ويقول أحد المحللين:» البيروقراطية بكاملها ضد مركز التكامل، لقد استلوا الحراب الطويلة ضده «وأحد أسباب ذلك: هو عدم رغبة الوكالة في تمرير كافة المعلومات السرية وأفضل التحليلات إلى هذا المركز، فهي ترفض التنازل عن معلوماتها السرية لأحد خشية الكشف عن مصادر المعلومات، وهناك أيضاً الغيرة البيروقراطية. ويعمل المركز تحت إدارة جون برينان أحد كبار مسؤولي السي آي إيه الذي يقول إن المركز سينتقل في مايو إلى مبنى خاص به في مكان سري في لانجلي بولاية فيرجينيا، وقال برينان إن المركز أعطي إمكانية وصول إلى ١٤ شبكة معلوماتية سرية، لكنه يقول إن المركز لا يملك جهازاً خاصاً به من المترجمين الذين يمكنهم العمل على الوثائق الأصلية أو الإصغاء إلى المكالمات الهاتفية، ويؤكد أنه لا يريد من المركز أن يكرر أو ينسخ عمل خبراء اللغات الأجنبية في الوكالات الأخرى. وأضاف برينان أن المركز يضع حالياً بعض أفضل المواد وأكثرها فائدة على موقع سري جداً على شبكة الإنترنت، وتحوي المعطيات ٣.٥ مليون وثيقة يمكن الوصول إليها من قبل ٢.٦٠٠ شخص حول العالم، ويقول إن الإف بي آي يرسل له أكثر من ٧٠ تحليلاً إضافياً، لكن على الرغم من كل ذلك يقول المنتقدون إن المركز يعاني من مشاكل جدية في تشارك المعلومات، وهو ما يعني أنه يعمق المشكلة التي أنشئ لحلها. [بتصرف عن النيوزويك، ٦/٤/٢٠٠٤م] فضيحة كبرى في اجتماعات وزراء الخارجية العرب لم يكن يتطرق إلى ذهن أي من وزراء الخارجية المجتمعين في تونس أن اجتماعهم المغلق ينقل على الهواء مباشرة ليس فقط إلى حيث يتواجد الرئيس التونسي زين العابدين، وإنما إلى واشنطن مباشرة عن طريق كاميرات تلفزيونية وضعت في أركان القاعة لتنقل مناقشات الوزراء إلى حيث يجري تقييمها بعد ترجمتها فورياً في الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض، وهي جهات لها نظرتها الخاصة في انعقاد القمة أو إخفاقها، وقد استدعى ذلك تدخلها في اللحظات الأخيرة لإحباطها وتأجيلها إلى أجل غير مسمى. وكانت بعض الدول العربية ومن بينها تونس قد تلقت تقريراً أمريكياً عاجلاً يؤكد المتابعة المباشرة والدقيقة لأعمال وزراء الخارجية العرب، وقد نقل تقرير من الخارجية الأمريكية بشكل عاجل إلى تونس وبعض البلدان العربية الأخرى يتضمن انتقادات لمسار الاجتماع المغلق والمنعقد في تونس. وتردد أن السفير الإسرائيلي في واشنطن كان يتابع من داخل مقر الخارجية الأمريكية في واشنطن الوقائع المباشرة للاجتماع المغلق، وأنه قدم احتجاجاً سريعاً قبله كولن باول في الحال واطلع الرئيس بوش بدوره على هذه الصيغة التي كانت ستصدر من قمة تونس، ووفقاً للمعلومات الدبلوماسية فإن بوش أصدر أوامره العاجلة إلى كولن باول بالتحرك سريعاً لإحباط هذا الموقف. [بتصرف عن مصطفى بكري رئيس تحرير الأسبوع القاهرية، ١٥/٢/١٤٢٥هـ] ماذا تعرف عن غرفة الديسكو؟ كشف أحد السجناء العراقيين الذين أطلق سراحهم أن القوات الأمريكية التي احتجزته لشهور طويلة في سجن أبو غريب (٤٠ كلم غرب بغداد) عذبته في ما يسمى» غرفة الديسكو «، وقال:» يدخل السجين إلى هذه الغرفة ويطلب منه الرقص ٨ ساعات متواصلة على إيقاعات الأغاني الصاخبة وإذا توقف فإنهم يضربونه، وأكد السجين العراقي أن كل عمليات الاستجواب كانت تتم معه بعد إتمام رقصته مشيراً إلى أن «الموضوع لا يحمل أي فكاهة؛ فهذه الغرفة شكلت أحد أهم أساليب التعامل مع سجناء المقاومة» . [الحياة، ٢٩/٣/٢٠٠٤م] رؤية: من دير ياسين إلى أحمد ياسين.. الدم الحكم إنه «الدم» فقط المصطلح الذي يمكن أن يلخص العلاقة بين المسلمين واليهود على مر القرون؛ فبالنسبة لليهود كان الدم مَعْلَماً بارزاً في تاريخهم، فقد أدمنوا سفك دماء أنبياء الله، ومنذ دعوة الإسلام لم تتوقف مؤامراتهم ومكائدهم التي سالت بسببها دماء المسلمين، وعندما أرادوا إقامة دولتهم في فلسطين لم يجدوا أفضل من سفك الدم الفلسطيني كحل سريع لإخلاء الأرض، وفي سبيل قمع الانتفاضة لم تثمر قريحتهم أفضل من القتل المستمر للشعب وقادته، فسفك الدماء حاضر ومؤثر دوماً في ثقافتهم، حتى أنهم لما أرداوا ابتزاز الدول الغربية لم يجدوا أفضل من ترويج خرافة الهولوكوست المليئة بتفاصيل الدماء والأشلاء كذلك. وعلى الجانب الإسلامي، كان العلاج الأمثل لليهود يتمثل في قتلهم، والنبي ﷺ قال لسعد بن معاذ ﵁ لما حكم بقتل مقاتلي اليهود وسبي نسائهم وأطفالهم وتقسيم أموالهم: «لقد حكمت فيهم بحكم الله » فهذا حكم الله في بني قريظة الذين يعتبرون أصحاب مبادئ مقارنة ببني صهيون. وعبر التاريخ لم تتوقف شراكتهم لكل فئة ظالمة شرط أن يكون أبرز سماتها سفك الدماء، وهذه شراكتهم للأمريكان خير مثال، بل إنهم في آخر الزمان لن يفوتوا فرصة الشراكة مع الدجال، وسيصاحبه منهم سبعون ألفاً حتى يقتلهم المسلمون، والله سيُنطق الشجر والحجر ليقول للمسلمين: اقتلوا اليهود، لا حديث أبداً عن صلح أو مهادنة، وما عقده النبي ﷺ معهم كان كافياً لكي يعلمنا حقيقة موقفهم من العهود والمواثيق. إنه «الدم» إذن المصطلح الذي يلخص العلاج الأمثل للمسألة اليهودية، وهذا ما كشفته المقاومة الإسلامية في فلسطين وما نفذته بالعمليات الاستشهادية التي لا تفرق بين العسكريين والمدنيين، لأن وصف «إسرائيلي» أكثر دلالة على القتل من وصف «عسكري» ، وليكتشف اليهود أنهم «شارُون» هلاكهم وأن المجاهدين «بائعون» حياتهم. وفي المقابل فإن دعاة السلام بات أمرهم مفضوحاً أكثر من ذي قبل، ولكن لا أمل في إصلاحهم؛ فمن وراءهم مصالح لن يفرطوا فيها، وفي كل عصر وحين لا بد من وجود عرفات وقريع ودحلان وبن جاسم، ولن نعجب إذا ما دعا قوم على نسجهم في آخر الزمان لتفعيل الشراكة العربية مع الدجال ليمارس ضغطاً على حلفائه اليهود، وربما يقرر آخرون أن القضية الفلسطينية لن يتم حلها إلا بالتوسل للدجال، حينها لن يحق الحق إلا بالمجاهدين الذين يطلبون الشهادة في سبيل الله، وسيذوب الدجال الأعور الحليف الأخير لليهود بين أيديهم، وسيذبحون آخر من بقي من يهود على وجه الأرض، لينتهي بذلك الفصل الأخير من الصراع العربي الإسرائيلي بعيداً عن خزعبلات السلام. مرصد الأرقام: - ذكرت صحيفة شيكاغو تريبيون أن عدد الهاربين من الخدمة العسكرية في العراق بلغ ٦٠٠ جندي أمريكي، لم يرجعوا إلى الجيش بعد انتهاء إجازاتهم. [مفكرة الإسلام، ١٦/٣/٢٠٠٤م] - ذكرت نشرة لمنظمة الصحة العالمية أن ١.٢ مليون شخص يلقون حتفهم سنوياً بسبب حوادث الطرق، وأن حوالي ٥٠ مليون شخص يعانون من الإصابات والإعاقات بنسب متفاوتة، وهذه الأرقام مرشحة للزيادة بنسبة ٦٥% في العشرين عاماً القادمة. [يديعوت أحرونوت، ٦/٤/٢٠٠٤م] - مقارنة بالعام ١٩٩٠م تراجعت أعداد الصحف المباعة يومياً في الولايات المتحدة حالياً لتبلغ ٥٥ مليون صحيفة فقط، وبنسبة تراجع ١١% كما تراجعت نسبة الثقة في الصحف من ٨٠% عام ١٩٨٥م إلى ٥٩% عام ٢٠٠٢م، و٥٤% فقط من سكان الولايات المتحدة يقرؤون صحيفة واحدة خلال الأسبوع. [البيان الإماراتية، ١٧/٣/٢٠٠٤م] - ذكر تقرير أعده نواب ديمقراطيون في الكونجرس أن الرئيس بوش وأربعة من كبار مستشاريه أصدروا ٢٣٧ بياناً مضللاً حول التهديدات العراقية قبل وبعد الحرب. [مفكرة الإسلام، ٢٧/١/١٤٢٥هـ] - ٦٣٦، هو عدد الوفيات غير الطبيعية في العراق في شهر يناير الماضي، وهي تشمل عمليات الاغتيال الغامضة لعناصر البعث السابقين أو لبعض الكفاءات العلمية والقيادات السياسة والدعوية، وكانت بلغت مايو ٢٠٠٣م ٤٥٨، ثم ٧٥١ في يونيو، ثم ٨٧٢ في أغسطس، حسب بيانات بعض المنظمات الحقوقية في العراق. [الوطن، ٢٣/٣/٢٠٠٤م] - كشفت دراسة للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر أن هناك ٩ ملايين شاب وفتاة تجاوزوا الخمسة والثلاثين عاماً ولم يتزوجوا بعد، ويمثل هؤلاء ٢٩%من نسبة الذكور، و٢٨%من نسبة الإناث. [آفاق عربية، ٤/٣/٢٠٠٤م] ترجمات عبرية خاصة بالبيان: محمد زيادة أم إسرائيلية تزني في بيتها بمعرفة زوجها وأولادها كشفت الشرطة قبل أيام عن قيام أم يهودية في مدينة القدس الغربية بممارسة البغاء في منزلها بعلم زوجها وأولادها بعد أن تم فصل زوجها من العمل بسبب الخطة الاقتصادية التي وضعها وزير المالية «بنيامين نتنياهو» ، وقال زوجها: «لم يكن أمامنا من سبيل لتوفير طعام أطفالنا سوى أن تقوم زوجتي ببيع جسدها لمن يريد مقابل الحصول على المال» . [صحيفة معاريف العبرية، ٣٠/٣/٢٠٠٤م] مستوطنة ضخمة جديدة داخل الأراضي الفلسطينية! تقوم الوكالة اليهودية بالتعاون مع مسؤولي وزارة الإسكان الإسرائيلية بإعداد مشروع جديد لبناء مستوطنة ضخمة جديدة داخل الأراضي الفلسطينية، وتقع بمحاذاة مدينة «الطيبة» العربية القريبة من مدينة طولكرم، وستضم ٢٣٠٠ وحدة على مساحة ٣٠٠٠ دونم. [صحيفة (جلوبس) الإسرائيلية الاقتصادية، ١٢/٣/٢٠٠٤م] تصريحات إسرائيلية - «لقد أصبح شارون مثل الطاغية، والجميع في حزب الليكود يخضعون الآن لهذا الطاغية، فها هو وزير الزراعة» إسرائيل كاتس «يبدو كالدمية المطاطية في أيدي شارون، أينما يوجهه شارون يذهب. كل من في حزب الليكود يعلم تمام اليقين أنهم اصبحوا كاللُّعَب في أيدي شارون وعائلته» . [عضو الكنيست الليكودي (ميخائيل إيتان) للإذاعة الإسرائيلية، ٢٩/٣/٢٠٠٤م] - «لقد قاطع العرب مصر لمدة ١٠ سنوات؛ لأنها وقعت معاهدة سلام مع إسرائيل، ولكن هذا لم يردع المصريين الذين واصلوا طريق السلام. وبعد مضي ١٠ سنوات اعترف العرب بالزعامة المصرية من جديد، وبهذا فقط أعطوا الدليل القاطع على أن طريق السلام هو الطريق الصحيح. بعد أن كسرت مصر جليد العداء من حولنا وقعت المملكة الأردنية الهاشمية بقيادة» الملك حسين «- رحمه الله -، على معاهدة سلام مع إسرائيل، بقيادة رئيس الوزراء حينئذ المرحوم » إسحاق رابين «، ونأمل أن تسير الدول العربية الأخرى في هذا المسار» . [رئيس الوزراء الإسرائيلي (أرييل شارون) في كلمته أمام الكنيست، ٢٤/٣/٢٠٠٤م] أخبار التنصير: أبو إسلام أحمد عبد الله الكاثوليك يخطفون أبناء المسلمين في كردفان في تصريح خاص أفاد أستاذ بالجامعة الإفريقية الإسلامية بالسودان أن الأسابيع الأخيرة شهدت نشاطاً تنصيرياً محموماً في مدينة الدبخ ذات الأغلبية المسلمة جنوب ولاية كردفان على بعد ١٦٠ كم جنوب مدينة الأبيض، بالتعاون بين الكنائس الكاثوليكية الست الكبرى هناك، وهي الكنيسة الكاثوليكية الأم بحي الموظفين شرق، وكنيستا حي الطرق، وكنائس حي التومات وحي المرافيت والكنيسة الأسقفية بحي الموظفين، وذكر المصدر أن هناك حالات خطف متكررة لأبناء المسلمين، وخاصة أن هذه المنطقة قريبة من مواقع الحرب والتمرد بجبال النوبة. [الخرطوم، ٣/٣/٢٠٠٤م] الكاثوليك والأمريكان يتآمرون ضد المسلمين في كينيا في مؤتمر صحفي عقد بمومباسا ٢٥/٣/٢٠٠٤م، هدد الزعماء المسلمون بأنهم سوف ينظمون تظاهرات شعبية ضخمة في مواجهة احتجاجات النصارى في أن يكون للمسلمين محاكمهم الخاصة، وكانت السفارة الأمريكية شنت حملة إعلامية ضخمة ضد المدارس الإسلامية بدعوى مكافحة الإرهاب، وحثت الدولة على إغلاقها أو التشديد في مراقبة مناهجها، وقالت شبكة أفريكا ديلي إن وزارة التعليم قد استجابت بالفعل وبدأت في متابعة المناهج والانشطة وأسماء جميع المعلمين وجميع الطلاب ومصادر التمويل، في الوقت الذي أعلنت فيه الكنيسة الكاثوليكية عن انتهائها من مشروع جديد للمناهج التعليمية في كينيا سوف يعرض قريباً على وزارة التعليم في مؤتمر كنسي كبير يجري التنسيق له حالياً، وقال الشيخ محمد قاسم الأمين العام لمجلس أئمة ووعاظ كينيا إن السفارة الأمريكية تتدخل بشكل سافر في صياغة الدستور ضد مصالح المسلمين في كينيا. [أول أفريكا، وأفريكا ديلي، ٢٦/٣/٢٠٠٤م] مجلس كنائس الشرق الأوسط في القاهرة القاهرة ٢٣/٣/٢٠٠٤م لأول مرة بعد التشكيل الجديد للجنة التنفيذية لمجلس كنائس الشرق الأوسط في ديسمبر الماضي، استضافت الكنيسة المصرية الأرثوذكسية الاجتماع الأول للمجلس بالقاهرة في ٢٢ مارس الماضي، حضره جميع أعضاء المجلس (٤٢ عضواً) ممثلين للطوائف الكنسية الكبرى في المنطقة، وتبادل رئاسة جلسات الاجتماع كل من رؤساء الطوائف الثلاث الكبرى في مصر بالتناوب فيما بينهم، واستبعد من جدول الأعمال مناقشة ما وصلت إليه لجان الحوار بين الكنائس، بينما احتلت مشكلات العمل الكرازي (التنصير) في البلاد الإسلامية أكثر من ثماني ساعات في جلستين متواليتين لوضع حلول مشتركة بين الطوائف النصرانية الموصوفة بالوطنية. نقد الإسلام هو طريق الحوار!! عقد في أول مارس الماضى ٢٠٠٤م لقاء خاص للجنة المشتركة للحوار النصراني الإسلامي بين الأزهر والفاتيكان؛ وذلك بمعهد الدراسات العربية والإسلامية، ودار النقاش الرئيسي حول التأملات الواردة في رسالة يوحنا بولس الثاني بعنوان: (في عصرنا الحالي) الذي يهدف في المقام الأول إلى تهيئة المسلمين لقبول انتقادات النصارى ضد دين الإسلام بحسب تعبير البيان الذي أصدره اللقاء: ضرورة النقد الذاتي البناء؛ لأن انعدامه يعتبر عقبة في طريق الحوار.

стр. 4918

قضايا ثقافية مقدمة في تطور الفكر الغربي والحداثة (٢ ـ ٢) د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي في الحلقة السابقة ألمح الكاتب إلى ارتباط مفهوم انهيار الإمبراطورية الغربية في اللاشعور الغربي بتحول شعوبها من الوثنية إلى النصرانية دون التنصل من آثار تلك الوثنية التي امتزجت بالدين الجديد في النظرة إلى الإسلام والمسلمين. كما أشار إلى أن النزعة الإنسانية لدى قطاع كبير من المجتمعات الغربية مدينة كلياً للحضارة الإسلامية، وقد طاف بالقارئ في شتى تطورات الفكر الغربي ليبين مأساة أمة لم تُسلم وجهها إلى الله، ولم تعرف الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى. وفي هذا العدد يتابع الحديث عن «البنيوية» وتطور الفكر الغربي والحداثة. - البيان - ونظراً لما حظيت به النظرية ولا تزال في عالمنا العربي، ولكونها تمثل المَعْلَم الفاصل بين مرحلتي الحداثة وما بعد الحداثة فسوف ينحصر جل اهتمامنا هنا بها مع شيء من التفصيل عن مدارسها وحلقاتها وتطبيقاتها في فروع المعرفة: ١- مدرسة جنيف: في القرن التاسع عشر نادى الباحث الاجتماعي اليهودي «دوركايم» بالنظرية المسماة «العقل الجمعي» ودعا إلى دراسة الظواهر الاجتماعية باعتبارها «أشياء مستقلة» وتبعاً لذلك ظهر الباحث اللغوي السويسري «فرديناد دي سوسيور» بنظريته في «ظاهرة اللغة» حيث جرد اللغة من دلالاتها الإشارية المألوفة، وعدها نظاماً من الرموز يقوم على علاقات ثنائية، ومن هنا ظهرت فكرة «البنية» ومن أبرز ما قرره سوسيور بقوة مبدأ «اعتباطية الرمز اللغوي» [١] ، وهو ما يعني أن أشكال التواصل الإنساني ما هي إلا أنظمة تتكون من مجموعة من العلاقات التعسفية، أي العلاقات التي لا ترتبط ارتباطاً طبيعياً أو منطقياً أو وظيفياً بمدلولات العالم الطبيعي [٢] ، وأن «كل نظام لغوي يعتمد على مبدأ لا معقول من اعتباطية الرمز وتعسفه» أي تماماً كما يعتبط العقل الجمعي عند «دوركايم» ويتعسف فيفرض على الناس ما هو خارج عن ذواتهم. ومن هنا انبعثت فكرة «السيمولوجيا» أي علم الدلالة أو العلامة والإيحاء، وتطورت فيما بعد. ٢ - المدرسة الشكلية الروسية: ويرجع أصلها إلى «حلقة موسكو اللغوية» وهي نوع من الإلحاد غير الماركسي في روسيا، وقد أدمجها ستالين قسراً ضمن الواقعية الاشتراكية؛ لكن نفراً من روادها هاجروا إلى الغرب، وهناك طوروا الفكرة، ومنهم معلمها الشهير «جاكوبسون» ، ومن أهم آرائها «تحرير الكلمة الشعرية من الاتجاهات الفلسفية والدينية» [٣] ، والانطلاق من «دراسة العمل الأدبي في ذاته؛ فهي تؤكد» أن العمل الأدبي يتجاوز نفسية مبدعه، ويكتسب خلال عملية الموضعة الفنية وجوده الخاص المستقل « [٤] . وتؤكد أن» العمل الفني لا يتطابق بشكل كامل مع الهيكل العقلي للمؤلف ولا المتلقي «أو كما يقول:» موخاروفسكي «فإن» الأنا للشاعر لا ينطبق على أية شخصية فعلية ملموسة ولا حتى شخصية المؤلف نفسه؛ إنه محور تركيب القصيدة الموضوع « [٥] . هذا هو الأساس الذي بالاعتماد عليه يحمِّل البنيويون النصوص فلسفات وأفكاراً ورؤى لم تخطر لقائلها ببال، بل لم تظهر في عصره إن كان قديماً وعليه نادى» رولات بارت «أكبر ناقد في أوروبا كما وصفه الدكتور الغذامي بنظرية » موت المؤلف «!! وهكذا ابتدأت الشكلية الروسية من دعوتها إلى استقلال الكلمة الشعرية كشيء قائمٍ بذاته، وانتهت إلى استقلال العمل الأدبي عن نفسية مؤلفه من ناحية، وعن الموضوع الاجتماعي الذي يشير إليه بأدواته وإجراءاته الخاصة من ناحية أخرى» [٦] . وأكدت هذه المدرسة ضمن استقلالية العمل الأدبي أن لهذا العمل زمنه الخاص، وعارضت «الأفكار الأكاديمية التقليدية» عن تطور الأدب ومساره التقدمي المطرد، وأنكرت فكرة التوالي الطبيعي للمذاهب الأدبية أو توالدها فيما بينها، وحرصت على إبراز حقيقة عدم الاستقرار في الأشكال الأدبية « [٧] . وغايرت المدرسة الشكلية الاتجاهات النقدية الأخرى التي تهتم بالمضمون؛ حيث صرفت الاهتمام الأكبر إلى الشكل جاعلة إياه وسيلة للوعي وتجديد الرؤية؛ فوظيفة الفن عندها ليس إعطاء رؤية ولا تصوير الواقع أو التعبير عن العالم الطبيعي الموضوعي وإنما هي» استخدام اللغة بطريقة جديدة بحيث يثير لدينا وعياً باللغة من حيث هي لغة، ومن خلال هذا الوعي يتجدد الوعي بدلالات اللغة، هذا الوعي الذي تطمسه العادة والرتابة على حد تعبير «جورج لوكاش» [٨] . وهكذا نصل إلى الفكرة نفسها «موت المؤلف» كما نادى بها «رولات بارت» [٩] . ٣ - حلقات «براغ، كوبنهاجن، نيويورك» اللغوية: ويهمنا منها أمور نوجزها ما أمكن: أ - أن أصلها جميعاً هو الشكلية الروسية نفسها، وخصوصاً «جاكوبسون» المحرك الأساسي لحركة براغ؛ حيث كان يعمل ملحقاً ثقافياً لروسيا بها [١٠] ، ثم أسست على منوالها مدرسة «كوبنهاجن» [١١] . ثم حلقة «نيويورك» التي أسست بعد هجرة «جاكوبسون» إليها حيث التقى بـ «كلود ليفي شتراوس» [١٢] وهناك نبت من علاقتهما الفكرية الكثير من عناصر البنيوية الحديثة وأركانها، ثم ما لبث شتراوس أن أصبح زعيم البنيوية الفرنسية كما سيأتي. ونبغ من هذه الحلقة «نعوم جومسكي» أبرز ممثلي البنيوية الأمريكية!! وهنا لا بد أن يستوقفنا دور «جاكوبسون» الكبير في تأسيس وتطوير البنيوية حتى إن بعض الباحثين يلخص «تاريخ نشأة البنائية وتشكلاتها المختلفة في شخصيته ومغامراته العلمية ابتداءً من مطلع شبابه في موسكو حتى تخرج على يديه أجيال من الباحثين في أوروبا وأمريكا، وأصبح الحجة الأولى والمرجع الأخير في علم اللغة الحديث» [١٣] . فهل الأمر مصادفة؟ أم عبقرية فردية؟ أم أن هذه الحركة والشهرة الواسعة وراءها ما وراءها؟! لعل الإجابة تأتينا من معرفة أن كلاً من زعيمي المدرستين الأمريكية والفرنسية «جومسكي وشتراوس» يهودي، بل إن جومسكي تربى في الأرض المحتلة [١٤] . ومع أنني لم أجد من خلال بحثي المحدود ما يدل على دين «جاكوبسون» لكن ما علمناه عن دوره وما نعلمه عن دور المؤسسات المريبة في احتضان الأفكار الشاذة وتوجيهها وما هو واضح من صلته بالماركسية [١٥] التي هي فكرة يهودية يجعلنا على الأقل نستريب في انتمائه، ونتساءل: أليس من السذاجة أن نغض الطرف عن كون رجال هذا المذهب يهوداً ورموزه توراتية ونحمِّل المصادفة وحدها عبء ذلك؟! ونزيد: أليست النفسية اليهودية منذ حلول غضب الله عليها مسؤولة عن كثير من المفاسد والشرور في الفكر والواقع من غير اشتراط دافع للإفساد عمداً بالضرورة؛ فليس من شرط الأفاعي (هكذا كما سماهم المسيح ﵇) لكي تكون شريرة أن تضع بروتوكولات للإيقاع بالحمام!! ب - المدرسة الأمريكية «نيويورك» : «هي التي لقيت أكبر قدر من الذيوع في العالم العربي» كما يقول الدكتور صلاح فضل [١٦] . ولعل الأصح أن يقال في المشرق العربي وهي التي تربى في أحضانها الكاتب النصراني «كمال أبو ديب» [١٧] الذي سار على خطاه الدكتور عبد الله الغذامي وتلميذه السريحي عندنا [١٨] . ج - الاتجاهات التطويرية للبنيوية [١٩] : انبثق من البنيوية اتجاهات قامت بتطوير الفلسفات المعروفة وفق منهج بنيوي، أي بصياغة جديدة للفلسفات والنظريات المشهورة، ومن رواد تلك الاتجاهات (إضافة إلى شتراوس وتطويره للدراسات الانتربولوجية) : ١- «لوى التوسير» أعاد صياغة الماركسية بحيث تُقرأ من منظور بنيوي لا منظور هيجلي!! وقريب منه «هنري لوفيفر» الزعيم الماركسي الحركي. ٢ - «جاك لاكان» أعاد صياغة الفرويدية، بل إن كتاباته تعد في مجملها صدى لتلك النظرية، خاصة رسالته «وراء مبدأ الواقع» التي كان عنوانها محاكاة لعنوان كتاب فرويد «وراء مبدأ اللذة» . ٣ - «ميشيل فوكو» الذي صاغ نظرية جديدة في اللغة وأصلها وتراكيبها ووظيفتها، من خلال مصدره الخاص لاستكناه الحقيقة الإنسانية وهو «الجنون» معلناً أن المجنون يمكن أن يؤدي دور النبي عند المؤمنين بالأديان!! [٢٠] . ٤ - «رولان بارت» صاغ نظرية بنيوية لتغير الأزياء (الموضة) هي في جزء منها تطوير لآراء «دوركايم» كما أحدث أثراً بالغاً في النقد الأدبي خاصة بعد أن أصبح عضواً في مجلة «TELQUE» صوت الاتجاه الذي يسمى ما بعد البنيوية أو (التفكيكيين) الذين ينتمي إليهم الغذامي في كتابه السالف ذكره. د- المدرسة الفرنسية: وهي المدرسة الرائجة في القارة الأوروبية والمغرب العربي، وانتشرت في المشرق العربي تبعاً لانتشار الحداثة، ولن نفصل القول فيها وإنما نوجز أهم اتجاهاتها: ١- البنيوية الانتربولوجية: (أي التي تبحث في الإنسان وتطور حياته وعاداته الاجتماعية) وزعيمها هو اليهودي «كلود ليفي شتراوس» السالف الذكر، وقد طور اتجاهات دوركايم وفريزر عن الأساطير والعادات الاجتماعية للبدائيين وفق منظوره البنيوي، وهو كثيراً ما يعلن عن ولائه الماركسي واعتناقه لمبادئ المادية الجدلية، كما أنه يميل إلى البرنامج الاشتراكي سياسياً واقتصادياً ويرى أن مستقبل الغرب والعالم كله مرهون بانتصار الاشتراكية [٢١] . ٢ - الاتجاه الماركسي: ويمثله رواد الروس المهاجرين إلى فرنسا أو الفرنسيين الماركسيين ومن أشهرهم «لوسيان جولدمان» و «لوكاش» وهما مهاجران، وتسمى بنيويتهما «البنيوية التكوينية أو التوليدية» في حين تسمى بنيوية شومسكي «التحويلية» ، وقد استمدا النظرية من «جان بياجيه» مؤسسها الأصلي، ولكنهما حولاها إلى ماركسية [٢٢] . * البنيوية فلسفة ومنهج: زعم الدكتور كمال أبو ديب أن البنيوية «ليست فلسفة، لكنها طريقة في الرؤية ومنهج في معاينة الوجود» وعلى هذا الأساس اعتمد الحداثيون في الدفاع عنها كالغذامي والسريحي؛ وتصريحهما في أكثر من مناسبة بانتهاج هذا المنهج يجعلنا نبين حقيقة هذا الادعاء [٢٣] . جاء في «مجلة فصول» ذات الاتجاه الحداثي المعروف: «يتفق السيد زكريا إبراهيم مع السيد ياسين وغيره في النظر إلى البنيوية على أنها تنطوي على موقف عقائدي، أو تمثل منظوراً خاصاً» [٢٤] . هذا والدكتور زكريا إبراهيم (نصراني) من أكبر المتخصصين في هذا المجال، وله كتابه المتعمق «مشكلة البنية» وقد تحدث فيه عن «انزلاق البنيوية من مجال المنهجية العلمية إلى مجال» الأيديولوجيا «؛ وآية ذلك أن المنظور الفكري الذي انطوت عليه هذه البنيوية الجديدة قد جاء مؤكداً للدعوى القائلة بأن في تضاعيف هذا الاتجاه الفلسفي الجديد إنكاراً لقدرة البشر على صنع تاريخهم الخاص، ورفضاً لكل نزعة إنسانية، ومن ثم فقد راح البعض يؤكد أن النداء الخاص الذي اتحدت عنده كلمة البنيوية هو إعلان موت الإنسان» [٢٥] . هذا مع أننا نسأل أبا ديب هذا: ما هي الفلسفة إن لم تكن طريقة في الرؤية ومنهجاً في معاينة الوجود؟! ويقول «جان ماري بنو» في كتابه «الثورة البنيوية» : «إذا كان الوجوديون قد تخلصوا من» الله «فقد نجح سوسير في التخلص من الإنسان» . وقال: «كان الإنسان خالق المعنى ومصدره الحي ولكنه اختفى تماماً في ظل العلم الجديد الذي جعل المعنى حصيلة مجموعة من العلاقات اللغوية البنيوية والسيميولوجية التي تفرز العلاقات وتحدد المعاني، وفي ظل هذا التصور أصبح الإنسان إفرازاً لغوياً بدلاً منه صانعاً للغة» . إنها جبرية من نوع غريب لم تعرف البشرية له نظيراً من قبل!! وفي مقال فصول: «وربما كان أكبر دليل على أن البنيوية قد اكتسبت طابع المنظور الفكري أو الموقف العقائدي هو هجوم بعض البنيويين وعلى رأسهم » ليفي شتراوس «على» سارتر «والوجوديين، ودحض آرائهم في التقدم والمبادئ التاريخية، ويتجلى هذا الطابع العقائدي أيضاً في محاولة بعضهم وعلى رأسهم» التوسير «إعطاء تفسير جديد للماركسية بحيث حولها من منهج عمل ثوري يرتكز على الإنسان إلى نظرية رجعية تؤكد حتمية سيادة نظام لا سلطان للإنسان عليه ... إلخ» . كما أن الدكتور صلاح فضل عقد مبحثاً بعنوان «محاولة عقد زواج بين البنائية والماركسية» [٢٦] . وهنا نشير إلى ما تنضح به كتابات السريحي والغذامي ومن لف لفهما من إضفاء القوة المطلقة للغة وسلب لإرادة الإنسان (خاصة الشاعر) حتى من نسبة وضع لفظة مكان أخرى!! [٢٧] فأي ربوبية قهرية يريد هؤلاء أن يجعلوها للغة؟! على أن مما يؤكد أن البنيوية فلسفة ذات تطبيقات ثورية واقعية ارتباطها ببعض الأحداث السياسية مما كان سبباً في ظهور نقيضها «التفكيكية» . ذلك أن (التفكيكية هي رد فعل لانهيار البنيوية في فرنسا بعد أحداث ١٩٦٨م. فهي إفراز طبيعي لحالة الإحباط والكفر بالنظريات الشاملة المتماسكة ومنها الماركسية التي اجتاحت فرنسا في تلك الآونة. لقد قامت البنيوية على فكرة سيادة منطق البنية المتماسكة فوق الإنسان والمتغيرات، وكانت صدمتها شديدة حيث جعلتها أحداث الثورة الطلابية في أوروبا بصفة عامة في أواخر السبعينيات وفي فرنسا بصفة خاصة في ١٩٦٨م تدرك الدلالات الحزينة لنظريتها التي أثبتت الأيام صحتها، أي حين أثبتت البنية السياسية في فرنسا قوتها أمام أي معارضة، وأصبحت فكرة البنية عدواً لدوداً للمفكرين، وارتد الكثيرون عن البنيوية كما فعل الناقد رولان بارت في كتاباته الأخيرة، واتجه الكثيرون إلى الهجوم على جميع الأنظمة والنظريات العقائدية التي تخنق الفرد) [٢٨] . وهذا النص الصريح يذكرنا بما حصل من انهيار فكرة القومية العربية بعد هزيمة ١٩٦٧م، والسؤال هو: ما الذي ينهار بتأثير الأحداث السياسية: أهي المناهج المجردة، أم الفلسفات التي قامت عليها تلك السياسات؟ فإن أصر القوم على تسميتها مناهج لا فلسفات فلن نجادل في مجرد الألفاظ، فالمنهج الذي تقوم عليه أنظمة شمولية تارة وتسقط تارة هو «عقيدة» . والسلام. ومن هنا كان السؤال الذي جعله الدكتور صلاح فضل عنواناً لمبحث خاص: «هل البنائية تعبير عن فشل اليسار؟» [٢٩] . ومع كل ما سبق من نشأة البنيوية وما تطور عنها في سياق تاريخي معرفي مغاير ومناقض لما تنتمي إليه هذه الأمة فلا بأس أن نتنزل في الجدل ونفرض أن البنيوية ليست سوى منهج مجرد في الدراسات اللغوية والأدبية ونسأل: أليست البنيوية منهجاً مطرداً بقوانين وتحليلات شمولية قاطعة لا تستثني قائلاً ولا نصاً ولا لغةً؟ ثم أليس «الموقف الألسني يجرد كل قاعدة من قدسيتها، بل لا يرى قاعدة إلا فيما هو متداول وممارس من طرف المجموعات البشرية، وفي بعض الأحيان يرى تكسير القاعدةِ قاعدةً؟» [٣٠] . إن كل من يشك في الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب هو في نظر البنيويين عدو لدود، ورجعي تقليدي؛ ذلك أن قوة النظرية تستمد من شموليتها واطراد قانونها بخلاف سائر المناهج والاتجاهات المنطقية كما يزعمون؛ وعليه فليس لدى البنيويين نص مقدس لا يخضع لنظريتهم؛ وتبعاً لذلك جرت دراسة التوراة والإنجيل بنيوياً مثلها مثل سائر النصوص، ومن هنا ندرك مدى خطورة الدعوة إلى البنيوية وتطبيقاتها على اللغة العربية التي أسمى ما فيها وذروة نصوصها باتفاق كل ناطق بها أو دارس لها هو «النص الموحى» أي كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم [٣١] . كيف يمكن أن تطبق على القرآن الكريم نظرية موت المؤلف واستقلال النص وقيامه كوناً مستقلاً بذاته يفهمه كل قارئ كما يشاء؛ حيث إنه لا مانع لدى البنيوية من أن يكون له تفسيرات بعدد القراء بل أكثر من ذلك؟! فانظر إلى ما يقوله الدكتور الغذامي - بعد أن أطال في تقرير هذا الأمر، وجعله من أعظم ميزات المنهج وأسمى خصائصه -: «الكاتب صاغ النص حسب معجمه الألسني، وكل كلمة من هذا المعجم تحمل معها تاريخاً مديداً ومتنوعاً وعى الكاتب بعضه وغاب عنه بعضه الآخر، ولكن هذا الغائب إنما غاب عن ذهن الكاتب ولم يغب عن الكلمة التي تظل حبلى بكل تاريخياتها، والقارئ حينما يستقبل النص فإنه يتلقاه حسب معجمه، وقد يمده هذا المعجم بتواريخ للكلمات مختلفة عن تلك التي وعاها الكاتب حينما أبدع نصه، ومن هنا تتنوع الدلالة وتتضاعف، ويتمكن النص من اكتشاف قيم جديدة على يد القارئ، وتختلف هذه القيم وتتنوع من قارئ وآخر بل عند قارئ واحد في أزمنة متفاوته، وكل هذه التنوعات هي دلالات للنص حتى وإن تناقضت مع بعضها البعض» [٣٢] . * أيقبل مسلم تطبيق هذا الكلام على القرآن؟ إن إقرار تطبيقه على شعر العرب ولغتهم وهدم قواعدهم النحوية والبلاغية جملة لا بد أن يؤدي إلى ذلك حتماً. إن موقف طه حسين ومَنْ وراءه أخف من هذا الموقف ولو من بعض الوجوه؛ ذلك أنه وشيوخه المستشرقين حين أرادوا هدم البيان القرآني توصلاً إلى هدم الإسلام اتخذوا ذريعة لذلك إنكار الشعر الجاهلي في ذات نصوصه، أما هذا المنهج البنيوي فهو يتنكر للقواعد والأصول والمعايير النحوية واللغوية، بل للفطرة العربية من أساسها. إنه يستبقي النصوص أشباحاً وهلاماً فقط!! فالأولون ساروا على منهج كفار قريش في الزعم بأن النص القرآني ليس منزلاً من عند الله، والبنيويون حاكوا الباطنية في تفسيره كما يشاؤون بلا ضابط من عقل أو نقل. وإنه لو قدر للحداثة العربية أن تسير على الدرب نفسه الذي سلكته نظيرتها التركية [٣٣] لكان معنى ذلك المسخ الكامل لا للغة فحسب بل لوجه الإسلام كله. والحداثة العربية في جميع صورها إنما راجت لسببين أساسين هما: ١- جنوح الناس إلى الخروج عن المألوف، ولُهاثهم خلف «العصرنة» !! ٢ - الخلط بين الحداثة وإن شئت فقل بين الهدم والتجديد. وهما يرجعان في الحقيقة إلى أمر واحد عاشته أوروبا وتعيشه كل الأمم؛ لأنه خطأ إنساني مشترك يمكن أن يقع فيه كل من لا يملك المعيار الرباني الثابت، وهو خطأ الاعتقاد في التقدم المطلق واعتبار الزمن وحده معياراً للحكم على الأشياء. في حين أن نظرة عقلية عجلى تؤكد أن الحداثة هي نفسها مفهوم نسبي بما أن حاضرنا هو ماضي الغد. فكما رأينا - في أوروبا - كان لوثر أكبر الحداثيين في عصره وهو الآن نموذج للبروتستانتي الكلاسيكي. ودانتي كان حداثياً كبيراً في زمانه وهو الآن مثال الكلاسيكية الإنسانية. وكان ديكارت حداثي زمانه بالنسبة للفلسفة العقلية، ثم كان الرومانسيون في القرن الثامن عشر نموذج الحداثة الثائرة على العقلانية الجامدة! وفي أواخر القرن التاسع عشر كانت الرمزية ثورة حداثية على الاتجاهات جميعها. ولما ظهرت مدارس «اللامعقول» المتنوعة (السوريالية، العبثية، العدمية، الوجودية) كتب النقاد عنها باعتبارها أكبر انقلاب معرفي حداثي، وأسمى سارتر مجلته «العصور الحديثة» !! وفي الستينيات كما أسلفنا زعمت البنيوية أنها الثورة الحداثية التي لم يشهد التاريخ لها من نظير. ولكن نقيضها «التفكيكية» سرعان ما ظهر في أواخر العقد نفسه مدعياً الدعوى نفسها. وفي أمريكا كانت موجة «الهيبيز» آخر صرعة في نظر مفكري ذلك العقد، والآن تلاشت وارتد كثيرون للأصولية الإنجيلية. وهذا كله غير حداثة ماركس التي حقرت كل ما قبلها، وعندما جاء «لينين» صاغها بشكل تقدمي «حداثي» أكثر عصرية، ثم جاء عصر ستالين وتبنى اتحاد الكتاب السوفييت آراءه الأكثر حداثة، وبظهور إعادة البناء «الغورباتشوفية» لا نستبعد أن يصف الشيوعيون نظريتهم الجديدة بأنها حداثية للغاية؛ وهكذا. إنه العقل البشري المحدود الضعيف الذي يتخيل كل مرحلة من مراحله أنها نهاية التاريخ؛ والدهرُ أعظم من ذلك وأطول لو كانوا يفقهون. ولا نستطيع أن نجرد الحداثيين العرب عن فهم هذه الحقيقة، لكنهم بذكائهم اللماح لم ينسوا أن اطراد «الجدلية» إلى نهاية التاريخ = نهاية اللغة، يمكنه حل المأزق بافتراض أن اختفاء عنصر النقيض في المرحلة الأخيرة من الصراع الأبدي يؤدي إلى نهاية لا محدودة. ولذلك تعجل هؤلاء الخطى وطالبوا من الآن بالوصول بالمعرفة إلى تلاشيها المطلق وباللغة إلى تجريدها المطلق. وبتعبير الحداثيين «إن الوصول بالمعرفة السائدة والنمطية إلى تلاشيها المطلق ينفي احتمال ظهور أي وضع معرفي استاتيكي (ثابت) وسيظل الانفجار المعرفي الحداثي هو السائد والوحيد إلى ما لا نهاية» . وحسبك بهذه النتيجة من باطل لا تنكره بدائِهُ العقول فحسب، بل يرفضه الواقع الحي في كل البلاد ولا سيما في الأدب العربي؛ إنه ليس من سنة الله كما أن الجمود المطلق ليس من سنته. فالنشاط الأدبي العربي هو جزء من النشاط الحيوي العام الذي يخضع للمبدأ الكلي المطلق في التصور الإسلامي «الحركة حول محور ثابت» فالتراث الأدبي في جملته يحوي عناصر حركية مستمرة (ديناميكية) ولكنها تنطلق في حركتها من أصول ثابتة وتلتزم بمعايير ثابتة. وهكذا يتجلى المنهج الفريد الجامع بين الاستقرار والمرونة، لا التصور الجدلي الأدبي العقيم. إن من دلالات الإبداع والعبقرية أن يأتي الأديب بتلك النماذج الفائقة التي لا يستطيع سائر الناس الإتيان بمثلها مع التزامه بنفس المعايير أو الأساليب التي يعرفون. يظهر هذا المنهج الفذ في الشعر العربي الذي توهم كثيرون من الداخلين في جحر الضب أن معاييره تضيق عن الإبداع وتستلزم الجمود. كلاَّ. إن الإبداعَ تسابُقٌ، وما من سباق إلا وله مسارات وحواجز وضوابط؛ وإلا كان كل ماشٍ في الشارع متسابقاً. ولنأخذ مثالاً الالتزام بالبحور الشعرية المعروفة: أيّ ضيق أو جمود فيها؟ إنها سعة لا نظير لها مطلقاً في شعر أي أمة من الأمم مع الالتزام في الوقت نفسه بمعايير جمالية لا نظير لها كذلك. فالعروض العربي يتألف من ستة عشر بحراً، والبحر الواحد غالباً يكون منه التام والمجزوء والمشطور، وهذا ما يمكن تصنيفه حسب المعايير الأوروبية بحوراً جديدة؛ هذا غير ما يلحق التفعيلة نفسها من تغييرات معروفة لأهل الفن ولا يستفيد غيرهم من ذكرها هنا. إنها سعة تسمح للموهبة أن تبدع كما تشاء فيما تشاء مع ضبط لا يسمح بتسرب الطفيليات وولوج من لا يملك المفتاح. أما حسب المفهوم الحداثي فالطفل الصغير الذي يلغو بكلمات وتمتمات هائمة لا رابط بينها، والشعرور الذي يخبط في العروض والقوافي ويلفق التراكيب الهشة ويضع كلمة سطراً، وجملة سطراً آخر، وثلاث جمل سطراً، ثم يرجع من جديد حتى يسوِّد مساحة كبيرة من الورق بغثيان لا معنى له.. والنائم الذي يحلم ويهمهم بألفاظ لا نسق يجمعها.. والحشاش ... و ... كل أولئك حداثيون تنطبق عليهم معايير القوم ١٠٠% وبعبارة أوضح: ما دام لدى الإنسان مُسْكَةٌ من عقل فلا يمكن أن تصل معرفته إلى التلاشي المطلق؛ فهذا شأن من يتعاطى أخطر ما أبدعته العبقرية الغربية من عقاقير الهلوسة. ولو أن المقام يتسع لعرضنا نماذج ممن تاب الله عليهم وثابوا إلى رشدهم ليعرضوا كيف كانوا يفكرون ويكتبون وينظمون في الماضي الحداثي الحالك كما حدثوني بذلك شخصياً أو كتبوه لي. على أنني لو عذرت أحداً من أقطاب الحداثة لعذرت أولئك الدعاة الصليبيين التوراتيين الذين أرادوا أن تكون الثقافة العربية كلها سائرة على النمط التوراتي مضموناً وأسلوباً. إنهم أذكياء استخدموا عقولهم لبعث أساطير دينهم وإحياء أساليب كتبهم المقدسة، وليسوا كبني جلدتنا الداخلين وراءهم في جحر الضب بُلَهاءَ ساروا في طريق يهدم حقائق الدين الرباني الحق والكتاب الإلهي المحفوظ مع دعوى إيمانهم به. وإن تعجب فاعجب لأمة تهزها أزمات سياسية واجتماعية كبرى كالأزمة التي داهمت الأمة في حرب الخليج الثانية ويخرج أدباؤها ومبدعوها ليسوِّدوا الصفحات بأن سبب الأزمة هو «إشكالية النص» !! أما سائر البشر الذين جعلوا لها أسباباً أخرى فهم نمطيون سطحيون!! لقد كنا نحسب كما هم العقلاء في هذه الأمة جميعهم أن هذه الأزمة سوف تجتاح الحداثة فيما تجتاح من فقاعات سني الغفلة والترف. أما والحال كذلك وللمسوغات الموضوعية التي تجعل القضية حية متدفقة وإن تلونت أو كمنت، ولضرورة إقامة الحجة وإبانة سبيل المجرمين فلا بد من تجدد الإسهام من أهل الخبرة وفرسان الميدان في هذا المجال. وإنما سطرت هذه المقدمة تذكيرا وإعذاراً؛ والله ولي التوفيق.

стр. 4919

الورقة الأخيرة المسجد الأقصى المبارك.. مآذنه تنادي ضمير الأمة عبد الرحمن فرحانة الأقصى وصلاح الدين صورة ذهنية مدمجة نسيجها يستبطن أمل البشارة ومعنى النذير لكلا الطرفين على ضفتي الصراع. أمل البشارة للمسلمين يجسده صلاح الدين باعتباره نموذج الجهاد والمقاومة، وظاهرة من ظواهر التغير التي يقدمها التاريخ كحالة ممكنة التكرار ربما بنماذج معاصرة. ومعنى النذير لليهود الذين يقلقهم مجرد ذكر اسم صلاح الدين الذي فك أسر الأقصى في ظروف مماثلة لمشهد اللحظة التاريخية الراهنة. يؤكد هذه الحقيقة ما صرح به شارون لصحيفة يهودية لما سألته: لماذا هذه المخاوف والقلق وأنت الجنرال صاحب الإنجازات والرتب العسكربة العليا؟ فقال: أخشى أن يظهر صلاح الدين جديد في العالم العربي والإسلامي. ومع أنها أجابته قائلة: ولكن العالمين العربي والإسلامي في حالة صعبة من التمزق والانحلال! إلا أنه قال مستبطناً معنى النذير: في مثل هذا المشهد العربي والإسلامي ظهر صلاح الدين. * «الأقصى في خطر» : شعار رفعه الشيخ المقدسي الأسير رائد صلاح تعبيراً عن المخاطر التي تُحْدِق بالمسجد الأقصى. ذلك الشيخ الذي قال عنه اليهود إنه الرجل الذي قدم للأقصى ما لم يقدمه المسلمون في ثلاثمائة عام. ولكن شعار الشيخ لم يكن للاستهلاك الإعلامي، بل ربما شعاره هذا لا يغطي حجم الأخطار التي يعيشها مسرى النبي صلى الله عليه وسلم في الأسر. * واقع المسجد الأقصى في الأسر: بعد أربعة أيام من حرب حزيران عام ١٩٦٧م استولى الجيش الإسرائيلي على مفتاح باب المغاربة، وشرعت الجرافات اليهودية بهدم المباني السكنية التاريخية في حارة المغاربة بالإضافة الى مسجدين. وفي ١٤/٦/١٩٦٩م قامت سلطات الاحتلال بمصادرة مبانٍ أخرى في الجهة الغربية من الأقصى في حارة المغاربة منها المدرسة التي أنشأها الأمير المملوكي تنكز الناصري. وفي نهاية عام ١٩٦٩م استولى الاحتلال على الحائط الغربي للأقصى حتى باب المغاربة. وانتهت هذه الأعمال بالاستيلاء على حارتي المغاربة والشرق وتهجير سكانها. وعمدت سلطات الاحتلال إلى تشييد ساحة للصلاة قبالة حائط البراق - المبكى حسب اعتقادهم، فقسموها إلى قسمين: أحدهما للرجال، والآخر للنساء. * الأنفاق والحفريات: اتبعت سلطات الاحتلال فيما يتعلق بشأن الحفريات استراتيجية التستر والكتمان؛ فمنذ منتصف السبعينيات من القرن الميلادي الماضي جعلت نطاق الحفر بمنأى عن الأعين وبعيداً عن الشوارع والأزقة الظاهرة، كما أنها منعت الصحفيين والباحثين حتى اليهود منهم من الاقتراب من مواقع الحفريات. وقد امتدت الحفريات زمنياً وميدانياً في (١٠) مراحل منذ نهاية عام ١٩٦٧م وحتى الآن، وقد اعتمدت استراتيجية الحفر في بداية العمل بالتركيز على المواقع المجاورة والملاصقة للأقصى متركزة بالمنطقة الجنوبية والغربية، ثم انتشرت جغرافياً وبوتيرةٍ أدنى نحو الاتجاهات الأخرى. لكن التحول الأخطر كان في توجه السلطات بالتوغل بالحفر تحت ساحات المسجد الأقصى عبر شبكة أنفاق تقدرها بعض المصادر الفلسطينية بنحو أربعة أنفاق أساسية يتفرع منها عدة أنفاق أخرى. وأشهرها نفق «وارن» الذي يسميه اليهود باسم «الحشمونائيم» والممتد ما بين باب السلسلة وباب القطانين متوغلاً أسفل ساحات الأقصى حتى سبيل قايتباي. وهو النفق الذي اندلعت على إثر افتتاحه هبَّة الأقصى في عهد حكومة نتنياهو عام ١٩٩٦م. ولعل هذه المرحلة من أخطر المراحل؛ لأنها تقع تحت قشرة باحات الأقصى؛ وعلى إثرها بدأ يظهر للعيان بعض التشققات في قطع الرخام التي تغطي ساحتي مسجدي قبة الصخرة والأقصى. وفي تقرير لمؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية في ٢/١/٢٠٠٤م كشف في مضمونه عن مخطط يهودي لحفر نفق جديد، ويشير التقرير إلى أن هدف النفق هو فرض السيطرة على المنطقة أسفل الأقصى؛ لأن في معتقداتهم أن من يسيطر على جزء من باطن الأرض يحق له السيطرة على ما فوقها. وكشف «أوري شطريت» المهندس في بلدية القدس أن فكرة النفق الجديد تهدف لربط نفق «الحشمونائيم» القائم من خلال ممر تحت الارض، تحت ساحة «المبكى» البراق بعمق ١٢ - ١٣ متراً حتى الجدار الجنوبي، ومنه إلى الشارع الهردياني ليصل إلى موقف سيارات جبعاتي قرب منطقة سلوان. وتشير صحيفة يديعوت أحرونوت أن جمعية صندوق «إرث حائط المبكى» التي تشكلت عام ١٩٨٨م والمسؤولة عن صيانة أنفاق حائط المبكى هي التي تقف وراء المشروع، وبدعم من رئيس بلدية القدس الحالي أوري لوبوليانسكي العضو في هذه الجمعية. ويرى بعض المراقبين أن الهدف من النفق هو تهويد المسجد الأقصى والمناطق الملاصقة له، وتغيير واقع الأقصى لكسب أوراق في لعبة التسوية فيما يتعلق بالأقصى، بالإضافة لتأمين مهرب للمصلين في ساحة المبكى في حالة وقوع اضطرابات مفاجئة تضطرهم للهروب. وكذلك تشجيع قدوم السياح الذين انخفضت أعدادهم على إثر هبة الأقصى عام ١٩٩٦م. فضلاً عن الهدف الأساسي الرامي لخلخلة أرضية وأساسات المسجد الأقصى. وفي فجر الأحد (١٨/١٢/١٤٢٥هـ الموافق ٨/٢/٢٠٠٤م) قامت جمعية «العاد» الاستيطانية بالاستيلاء على ١٦ منزلاً فلسطينياً في منطقتي سلوان ووادي حلوة بالقدس الشرقية على بعد بضعة عشرات من الأمتار من المسجد الأقصى وبمساعدة قوات كبيرة من الشرطة وحرس الحدود. وتهدف هذه الخطوة لخلق تواصل بين البؤرة الاستيطانية في رأس العامود وما يسمى قلعة داود التي تضم وادي حلوة وسلوان، وربطها بالمشروع الاستيطاني السياحي في باب المغاربة ومنها إلى حائط البراق تمهيداً لتهويد الجزء الجنوبي من المدينة المقدسة. * انهيار طريق باب المغاربة: في منتصف ليلة السبت (٢٥/١٢/١٤٢٥هـ الموافق ١٥/٢/٢٠٠٤م انهار الجزء الأوسط من الجدار الاستنادي الشمالي للتلة الترابية المؤدية إلى باب المغاربة الواقع على الحائط الغربي للمسجد الأقصى، وعلى إثر ذلك أكملت سلطات الاحتلال هدم الجهة الشرقية والغربية لجدران التلة كإجراء وقائي وفق زعمهم. وخوفاً من تساقط الصخور والأتربة على القسم الجنوبي الملاصق للتلة من ساحة المبكى المخصص لمصلى للنساء اليهوديات. والممر فوق التلة يتضمن أقواساً قناطر بنيت في العهد المملوكي قبل ٨٠٠ سنة، واستخدم في بنائها الحجر الجيري والرملي؛ وعلى النمط المعماري الذي كان سائداً في مصر والشام آنذاك؛ واستمر خلال العصر التركي. ويستخدم الطريق فوق التلة المنهارة كممر للمصلين القادمين من باب المغاربة على سور المدينة أو من داخل البلدة القديمة ذاتها باتجاه باب المغاربة الداخلي الواقع في الجدار الغربي للمسجد الأقصى. وقد أشار الدكتور معين صادق مدير عام الآثار والتراث الثقافي لمحافظات غزة وأستاذ آثار فلسطين بالجامعة الإسلامية بغزة في دراسة خاصة أشار إلى المحاولات اليهودية المتكررة لإزالة هذه التلة الترابية بعد تجريف حارة المغاربة بُعيد حرب عام ١٩٦٧م بهدف إغلاق باب المغاربة بشكل تام؛ إذ بدأت المحاولات في عقد الستينيات من القرن الميلادي الماضي، ولكن بسبب تصدي أهالي القدس أُحبطت تلك الجهود. وفي تموز ١٩٩٣م أعادت بلدية القدس محاولاتها لهدم التلة؛ وفي محاولة للتمويه على أهدافهم وللإيحاء للمسلمين بعدم وجود نية لإغلاق باب المغاربة اقترح عامو مار حاييم رئيس بلدية القدس بالوكالة في عام ١٩٩٣م تركيب جسر من السلالم بدلاً من هذه التلة يمتد فوق ساحة البراق لكي يستخدمه المصلون العابرون لباب المغاربة. ولكن الخطة اصطدمت بمعارضة سكان المدينة وحالوا دون تنفيذها. ويبتغي اليهود من إزالة هذه التلة زيادة امتداد حائط البراق - المبكى - وتوسعة الساحة الممتدة قبالته المخصصة للمصلين اليهود. وتعود أسباب انهيار التلة إلى أنها تقع في دائرة سيطرة أمنية يهودية، ولم تسمح سلطات الاحتلال لمؤسسة الأقصى ولا لدائرة الأوقاف الإسلامية بالقدس للكشف عن حالتها أو صيانتها مما أدى إلى انهيارها. * خطورة الوضع الراهن: خلال السنوات الثلاث الماضية تعرضت أبنية المسجد الأقصى لعدة انهيارات وتشققات أهمها الانهيار الذي حدث في مبنى المتحف الإسلامي القريب من منطقة باب المغاربة؛ وسبقه انهيار آخر كبير في الجدار الجنوبي للمسجد جهة حائط البراق، بالإضافة للانهيار الأخير للتلة الترابية المؤدية لباب المغاربة، فضلاً عن التشققات الظاهرة للعيان في أرضية مسجدي قبة الصخرة والأقصى؛ جراء شبكة الأنفاق التي تخترق باطن الأرض تحت ساحات المسجد الأقصى. كل ذلك في ظل السياسة الصارمة التي تتبعها سلطات الاحتلال في منع دخول مواد البناء لساحات الأقصى بغرض أعمال الترميم. كما أن أعماق الحفر المسموح بها لأجل البناء والترميم داخل ساحات الأقصى لا تتجاوز الـ ٢٠ سنتمتراً. وقد فرض الاحتلال هذه الإجراءات بعدما نجح الشيخ رائد صلاح من خلال مؤسسة الأقصى في ترميم وتجهيز المصلى المرواني الذي يقع أسفل المسجد الأقصى. وهو ذات النجاح الذي دفع اليهود لإيداعه السجن أيضاً. وتهدف سياسة الحصار الحالية المتبعة تجاه المسجد الأقصى لتركه كي يتآكل تدريجياً بسبب عوامل الطبيعة والزمن فضلاً عن أعمال الحفر التي تقوّض أساساته. ومن حينٍ لآخر تقوم سلطات الاحتلال ببعض الأعمال كبالونات اختبار لقياس ردة فعل العالم الإسلامي، وربما يأتي إكمال هدم التلة الترابية على إثر الانهيار الأخير كواحد من تلك البالونات. هذا حال الأقصى الأسير.. ومآذنه تنادي ضمائركم.. فهل من مجيب؟

стр. 4920

عند الطبع بعد فاجعة اغتيال الرنتيسي.. آن الأوان ! د. عبد العزيز كامل kamil@albayan-magazine.com بعد الجريمة المروعة التي أُنهيت بها حياة المجاهد الرمز الشيخ أحمد ياسين، وما أعقبها من اغتيال خلفه في القيادة الدكتور المجاهد عبد العزيز الرنتيسي. وبعد أقل من شهر، وبالأسلوب الهمجي الخسيس نفسه، وبعد أن كشرت أمريكا عن أنيابها، وأظهرت المزيد من شرها عندما انبعث أشقاها (بوش) بإصدار وعد جديد لليهود، لا يقل سوءًا عن وعد (بلفور) ، يلغي فيه حق اللاجئين في العودة، ويقر الإسرائيليين على ما اغتصبوه في مستوطنات الضفة الغربية بعد هذا وذاك، بدا واضحاً أن الطاغيتين شارون وبوش، ماضيان معاً في «تصفية» القضية الفلسطينية منهجياً ومعنوياً عن طريق تصفية رموزها دموياً وقهر شعبها عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، وذلك بعد أن تمهدت الطرق إلى ذلك عبر سلسلة طويلة من التواطؤ الغربي والتباطؤ الإسلامي والعربي في إنصاف الفلسطينيين والوقوف معهم في معركتهم التي كانت في يوم من الأيام (معركة المصير) للأمة كلها. واليوم وقد أُلجئ الفلسطينيون وبخاصة المجاهدين منهم إلى الوقوف منفردين في وجه عدو متغول متجبر، مدعوم من أعداء آخرين أكثر تغولاً وتجبراً؛ أصبح لزاماً على الأمة كلها أن تعي أنها تمر بمرحلة اختبار حاسم، بين أن تكون محل رضى الله، أو تكون موضع سخطه ... أن تكون أهلاً لنصره وتأييده؛ أو تكون مستحقة لحرمانه وخذلانه؛ فالأمة تكون على خطر، إذا كانت لا تقيم العدل الذي أمر الله به والذي قامت عليه السماوات والأرض. فليس من العدل في شريعة الله أن تُترك مجابهة عدو الأمة كلها لفئة واحدة في شعب واحد مجاهد صامد. وليس من العدل أن يسخو هؤلاء الشرفاء بالأرواح والدماء، ولا تسمح نفوس الملايين من الأثرياء والأقوياء بيسير بذل أو عطاء ... ليس عدلاً أن تتكدس أرتال السلاح في مخازن الجيوش العربية بأموال المسلمين دون وظيفة تذكر إلا (العروض العسكرية) أو (المناوشات الحدودية) في حين لا يزال الأبطال المواجهون لأعتى آلة عسكرية، يقاتلون بالأحجار والعبوات المحدودة الأثر، أو الصواريخ البدائية، المنتجة في ورش الحدادة المدنية. كثيراً ما نتغنى بشهامة الأبطال من الرجال والنساء والأطفال في فلسطين، دون أن يسأل أكثرنا نفسه: هل هذا واجبهم وحدهم دوننا؟! أم عليهم التضحية وعلينا انتظار التسوية؟! ، هل واجبهم الصبر والمصابرة، والجهاد والمجاهدة، وواجبنا (الفُرجة) والاستماع والاسترجاع والحوقلة؟! ما أنصفناهم، لا بل لم ننصف أنفسنا حين تركناهم للذئاب والكلاب التي ستبدأ بهم، ثم تنتهي بمن حولهم؛ فمواجهة الهجمة الشرسة من الصهيونيتين العالميتين واليهودية النصرانية لا يكفي فيها أن يقال: (البركة في حماس) !! فحماس زادها الله بركة وقوة وحماساً، هي وأخواتها من فصائل المجاهدين ليست مسؤولة وحدها أمام الله عن حماية ثلاثة ملايين مسلم فلسطيني في الداخل وإعادة أربعة ملايين منهم في الخارج، وتلك الفصائل ليست المسؤولة وحدها عن إعادة المسجد الأقصى أو حتى إنقاذه من الهدم أو الضم إلى معابد اليهود، وهي ليست وحدها المسؤولة عن مواجهة آثار الجدار، وتبعات ذلك من الحصار، وهي وحدها لا تستطيع مواجهة (مجاعة) يحضِّر لها شارون وبوش في ظل ضرب العمل الخيري الإسلامي في جميع العالم، وهي وحدها ليست مطالبة شرعاً ولا عرفاً ولا عقلاً بأن تدفع ضريبة إهمال المسلمين في تهيئة الجيوش لمواجهة ذلك العدو مواجهة حاسمة على مدى نصف قرن أو يزيد، حتى استفحل أمره، وتضاعف خطره على العالم الإسلامي كله، من إندونيسيا إلى موريتانيا، ومن البوسنة إلى الصومال. وحماس أو الجهاد الإسلامي أو كتائب الأقصى؛ ليست المسؤولة وحدها عن إيقاف مخطط ترحيل بقية الشعب الفلسطيني إلى حيث (الوطن البديل) الذي يبشر به شارون بإلحاح منذ كان وزيراًِ للدفاع، وحماس وأخواتها، لا تطالب وحدها بأن تحارب على أرضها وفي خارج أرضها عدوين متعاونين ومستعلنين بالعداء المتمثل في الصهيونيتين الأمريكية والإسرائيلية. لن يرفع جهاد تلك المنظمات الإثم عن عموم المسلمين القادرين، الذين أصبح الجهاد عليهم فرضاً عينياً منذ أن احتل اليهود فلسطين عام ١٩٤٨م، بل قبل ذلك بثلاثين سنة عندما احتلها الإنجليز عام ١٩١٨م، فقد تعين عليهم هذا الواجب من وقت أن عجز الفلسطينيون وحدهم عن دفع هؤلاء الغزاة الرعاع القادمين من جميع الأصقاع، ثم إن الشعب الفلسطيني كله لو تحول بأكمله إلى مجاهدين؛ فليس مسؤولاً وحده عن استنقاذ بقية أوطان المسلمين المستهدفة ضمن إطار مخطط الشر المستطير، المسمى بمشروع (الشرق الأوسط الكبير) ، ذلك المشروع المجزوم بأنه لم يطبخ إلا في أروقة الصهيونية العالمية، يهودية ونصرانية، ليكون تطويراً وتوسيعاً، وربما (تمويهاً) على المشروع الأقدم وهو مشروع (إسرائيل الكبرى) الذي تسمى برهة من الزمن بمشروع (الشرق الأوسطية) . ليس الفلسطينيون وحدهم حماساً كانوا أو جهاداً إسلامياً أو كتائب للأقصى.. ليسوا المسؤولين وحدهم عن كف الإسرائيليين وإشغالهم عن بلع وهضم العراق وما بعد العراق؛ حيث يحضِّر اليهود لتغلغل وسيطرة تنتقل من محطة إلى أخرى من النيل إلى الفرات، بل إلى ما بعد الفرات. ظلم كبير، وجناية فادحة، أن نظن أن الله تعالى قد قصر واجبات الرجولة على بعض رجال الأمة، أو اختصر كل إمكانياتها لمقاومة أنكى أعدائها، في شريحة واحدة من شعوبها، ويتضاعف ظلمنا لهم عندما نطالبهم بكل ما سبق، مع علمنا بأنهم يواجهون الآن ظرفاً تاريخياً حرجاً، بل غاية في الحرج، بعد أن أعلنت إدارة الإجرام الشاروني على لسان مسؤول أمني فيها في ٢٥/٣/٢٠٠٤م، بأن الحكومة الإسرائيلية أعلنت قائمة بـ (٧٠) من قادة حماس السياسيين والعسكريين، تريد أن تنفذ فيهم عمليات اغتيال كتلك التي نفذتها في الشيخ أحمد ياسين (تقبله الله في الصديقين) وتلك الأخرى التي نفذت سريعاً في الدكتور الفقيد، الشهيد بإذن الله عبد العزيز الرنتيسي وكذلك بعد أن أعلن منسق الجيش الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية، اللواء (عاموش جلعاد) أمام التلفزيون الإسرائيلي، أن اغتيال الشيخ أحمد ياسين، بداية لعملية ستتواصل على مدى الأشهر السبعة المقبلة، لتصفية قيادات حماس السياسية والعسكرية. لقد نقلت الإذاعة الإسرائيلية، بُعيد اغتيال الشيخ ياسين، عن مصادر أمنية قولها إن المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغر، قرر اغتيال (جميع) قادة حماس!! أما عن السبب الأبعد لهذه الخطط الإجرامية المعلنة فيكشف عنه (موشيه يعلون) رئيس الأركان الإسرائيلي، بقوله: «إن عمليات الاغتيال ستؤدي على المدى البعيد إلى ظهور شخصيات (معتدلة) تكون على استعداد لتحمل المسؤولية ووقف سيطرة حماس وغيرها في النهاية» ! وعلى هذا فقد تكون تصفية حماس هي البداية، ثم تتتابع الكرَّة، كما هو ديدن المجرمين دائماً في تعقب المؤمنين الصادقين. والقوائم التي أُعلن عن إعدادها في الفترة الأخيرة، لم تكن هي الأولى، فقد أنشأ اليهود منذ وقت مبكر، وقبل إنشاء دولتهم جهازاًِ خاصاً لعمليات الاغتيال، وأطلقوا عليه اسم (ليتحي) أي: مقاتلو الحرية، وأول ما أنجزه هذا الجهاز، هو قتل الوسيط الدولي (فولكا برنادوت) الذي اقترح تحديد الهجرة اليهودية، وعدم ترك القدس كلها لليهود. وظل هذا الجهاز يعمل بعد إعلان الدولة، وقد تولى رئاسته في بداية عقد السبعينيات، الإرهابي اليهودي (إسحاق شامير) الذي أصبح فيما بعد رئيساً للوزراء. وقد نفذت على مدى الخمسين عاماً الماضية عشرات العمليات التي اغتيل فيها رموز وقادة ومقاومون نشطون من الفلسطينين، ولكن الملاحظ أن الردود الفلسطينية عليها على قلتها كانت لا تطال رؤوساً برؤوس، ولا قادة بقادة، وإذا سارت الأمور كما سارت عليه في العقود الماضية من عدم ردع المعتدي بردٍ مكافئ، فالمتوقع أن تسود موجة من الاغتيالات اليهودية في الفترة المقبلة، وربما بصورة أكثر مما مضى؛ لأن الظروف الدولية الآن في ظل الحرب الأمريكية على الإسلام، تتيح الفرصة كاملة لأحفاد اليهود بأن ينطلقوا، بزعم أنهم يقومون بواجبهم في تلك الحرب وعلى طريقتهم، وهم على كل حال يخدمون كل مرحلة بما يناسبها؛ فمنذ عقد السبعينيات الذي انتعش فيه العمل الفدائي الفلسطيني، سادت موجة من الاغتيالات أشرف عليها كبار المسؤولين الإسرائيليين، استهدفت القيادات الفدائية الفلسطينية في أنحاء العالم، وقد حدثت في تلك الفترة عشرات التفجيرات والاغتيالات التي أعلن الموساد الإسرائيلي مسؤوليته عن بعضها، وترك الأخرى طي الكتمان، وقد اعترف قائد تلك العمليات وقتها (اللواء أهارون ياريف) الذي نفذ عشرات العمليات التي لم يعلن عنها، في حديث للإذاعة البريطانية عام ١٩٩٣م أنه كان يتلقى الأوامر مباشرة من رئيسة الوزراء الإسرائيلية (جولدا مائير) ، حيث أصدرت شارونة وقتها الأوامر بملاحقة قادة فصائل المقاومة الفلسطينية في كل مكان وبأي وسيلة. ولا أجد أجبن من الصهيونيين اليهود في ذلك، إلا إخوانهم من الصهيونيين النصارى، الذين لا يكتفون بمد يد العار في التزويد بأسلحة الدمار، بل إنهم يجاهرون علناً بمشايعة اليهود في كل ما يدبرون وينفذون من عمليات اغتيال جبان، فقد سئل (ديك تشيني) نائب الرئيس الأمريكي جورج بوش عقب اغتيال الشيخ ياسين عن رأيه في أسلوب الاغتيالات الإسرائيلية، فقال: «ما يفعله الإسرائيليون على مدار السنين، هو في بعض الأحيان، محاولة لإجهاض أنشطة إرهابية وتعقب للإرهابيين، وفي بعض الحالات أظن أن ما يفعلونه مسوغ ... أعتقد أن ثمة مسوغات لمحاولة الإسرائيليين حماية أنفسهم بهذه الحرب الوقائية» !! . وبعد اغتيال الدكتور الرنتيسي؛ كرر الأمريكيون المنطق الأثيم نفسه على لسان المتحدث باسم البيت الأبيض (سكوت مكليلان) الذي قال: «إن منظمة حماس إرهابية ومن حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها» . * ذراع الحق الطويلة، متى تثأر؟! عندما وصف الرسول ﷺ الجهاد بأنه ذورة سنام الإسلام [١] ، فإن ذلك لم يكن إلا لأن تسنم المسلمين لقمة العزة لا يكون إلا بإقامته، وترديهم في مهاوي الذلة لا يكون إلا بتركه والتنكر له، كما قال ﵊: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» [٢] . فالذل لا ينزل إلا بترك الأمة للجهاد وخذلانها المجاهدين، وهذا أمر لا يرضاه الله لخير أمة أخرجت للناس، بل ما يرضاه لهم هو رفض الضيم ورد العدوان انتصاراً للمستضعفين من المؤمنين. قال سبحانه: [وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا] (الشورى: ٣٩-٤٠) ، فالمسلم ينتصر للحق، وينتصر لحملة هذا الحق، وإذا عفا.. فإنما يعفو عمن ينفع فيهم العفو، وإذا صفا أو صفح، فلا يصفو أو يصفح إلا عمن يجدي فيهم الصفو والصفح. أما اليهود وأمثالهم، فعدوانهم الدائم، يستلزم جهاداً دائماً، يرد على اعتدائهم باعتداء من جنسه ومن أصل طبيعته، [فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم] (البقرة: ١٩٤) ، [وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا] (الشورى: ٤٠) ، [فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ] (البقرة: ١٩٣) ، ونلاحظ هنا أن الآية تستعمل لفظ (العدوان) و (الاعتداء) و (فعل السيئة) وفعل كل ذلك ضد الظالمين المعتدين شريعة ودين، وبخاصة إذا كانوا من جنس تلك الأمة الملعونة على ألسنة الرسل بسبب عدوانهم [لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ] (المائدة: ٧٨) . وقد عامل النبي ﷺ هؤلاء المعتدين بما يستحقون. فخاض ﷺ سلسلة جهادية ضد (القادة) و (الرموز) و (الزعماء) ضمن حربه المعلنة على الخائنين منهم، فأرسى بذلك شرعة عنوانها: أن من لم يُكف شره إلا بالقتل قُتل، وكان أمر النبي ﷺ بقتل عدد من زعماء اليهود تأميناً لكيان المسلمين ودولتهم التي كان من المستحيل أن تظل قائمة مع بقائهم، أو تستمر قوية مع قوتهم، وقد اعتبر إقدامهم على إيذاء المسلمين بقول أو فعل، نقضاً لعهودهم، وإبراء لذمة المسلمين في تعقبهم والترصد لهم. وقد بدأ الفصل الأول من استهداف اليهود بالجهاد في الربع الأول من العهد المدني، وظلت عمليات ملاحقتهم مستمرة، إلى أن أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن المدينة، وكان هذا خضداً لشوكتهم وفلاًّ لحدهم، وتم بعد ذلك إجلاؤهم عن القرى الأخرى في الربعين الثاني والثالث منه، فبعد انكسارهم، بُدئ بتعقب أكابر المجرمين من رؤوسهم ورموزهم، فتم قتل (أبي عفك) الذي كان يحرض على رسول الله ﷺ بشعره وهجائه، وتم إجلاء (بني قينقاع) بعد أن استهانوا بحرمة الإسلام وحماه، فهتكوا حرمة امرأة مسلمة وكشفوا سوأتها، وكذلك تم اغتيال (كعب بن الأشرف) الذي تخصص في مهنة اليهود الأولى في الإفساد وهي التحريض على الحروب، إضافة إلى تعمده إهانة أعراض المسلمين والتشبيب بنسائهم، وتم إجلاء (بني النضير) بعد أن تآمروا على اغتيال النبي ﷺ لإلقاء حجر كبير عليه من أعلى بيت كان يجلس أسفله، وذلك حين أراد أن يستعين بهم على دية بعض القتلى عملاً بواجب حلف كان قائماً معهم، وتم القضاء على (بني قريظة) بعد أن ظاهروا الغزاة الزاحفين على المدينة جهرة لقتل المسلمين، وبالتنكيل ببني قريظة، تم القضاء على يهود المدينة الذين كانوا هم الأقوى والأغنى والأبعد نكاية وأذى وكيداً للمسلمين، ولم يبق في المدينة إلا أفراد قلائل كانوا مسالمين، ولعلهم كانوا عرباً متهودين، فتركت لهم حرية الإقامة والدين. ثم التفت النبي ﷺ إلى اليهود الآخرين خارج المدينة، الذين كانت لهم أدوار في الأذى والفتنة، فتم قتل (أبي رافع بن أبي الحقيق النضري) في خيبر بعد أن حزَّب الأحزاب على النبي ﷺ ، ثم تم قتل (أسير بن رازم) وجماعة معه، بعد أن اتخذه يهود خيبر أميراً لهم بعد أبي رافع، فاستأنف مهمة تحزيب الأحزاب لحرب المسلمين، ثم أخيراً تم فتح خيبر والقرى اليهودية الأخرى بعد صلح الحديبية بنحو شهرين، وفتحت حصونهم التي كانت أوكاراً للتآمر وجحوراً للأفاعي [٣] . إننا نتأمل هذه الأحداث من السيرة، فنجد غصة في الحلق، وحرقة في القلب، أن تنقلب الموازين وتنعكس الأحوال، فنرى اليهود اليوم يطبقون ما كان ينبغي أن يطبقه المسلمون فيهم منذ أن وطئت أقدامهم النجسة أرض فلسطين المقدسة. * آن الأوان: - آن الأوان أن يكون رد جماعات الجهاد في فلسطين على اغتيال شارون وبوش لرموز الجهاد الكبيرة مثل الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، أن تُعلن قائمة كقائمة السبعين التي أعلنتها حكومة شارون بعد اغتيال الشيخ ياسين، بحيث يعلن المجاهدون فيها أسماء رموز الإجرام الصهيوني داخل فلسطين باعتبارهم مطلوبين للعدالة الإسلامية قصاصاً وثأراً. - آن الأوان أن نعاقبهم بمثل ما يعاقبوننا به، وأن نعتدي عليهم بمثل ما اعتدوا علينا، وأن نكون من الذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، والذين يرى الظالمون منهم ما كانوا يحذرون. - آن الأوان أن يُلغى من قاموسنا في فلسطين تعبير: مدنيين وعسكريين، فقد يكون المدني أكثر إجراماً وإفساداً وحرباً على المسلمين من بعض كبار العسكريين. - آن الأوان لأن تأخذ الشعوب بزمام المبادرة، بعد أن أفلست أكثر الأنظمة في حل أي مشكلة على مستوى الأمة، وبعد أن فشلت في مجرد عقد مؤتمر للقمة للشجب والتنديد. - آن الأوان أن ينحاز أهل السنة لأهل السنة في أصل قضايا الجهاد ضد اليهود، تاركين القضايا الخلافية التطبيقية لتآخذ حقها من البحث العلمي والحوار النزيه؛ فأهل السنة كلهم مستهدفون، وقوائم المطلوبين منهم سيتوالى إعلانها، فاليوم قوائم بالمجاهدين في الشرق الأوسط وبعدها قوائم بالشرق الأدنى، وغداً قوائم بالشرق الأقصى، وكما صدرت بالأمس قوائم أمريكية، تصدراليوم قوائم إسرائيلية، ولا يبعد أن تصدر بعد ذلك قوائم بريطانية وأسترالية وإسبانية ... وربما هندية وسيرلانكية! فما المانع، ما دامت دماء المسلمين رخيصة حتى في بلادهم! - آن الأوان أن تعي الأمة أن (لقاء العدو) الذي لا تتمناه ولا ترغب فيه، قد يفرض عليها فرضاً، فبالأمس أفغانستان والشيشان والفلبين، والعراق وفلسطين، وغداً.. ربما سوريا ولبنان وإيران والسودان، ومن يدري على مَنْ تدور دائرة العداء. إن كل هذا يحتاج إلى إعادة نظر من الأمة في نظرتها إلى الجهاد والمجاهدين، وفي نظر المجاهدين أنفسهم إلى طبيعة الجهاد من حيث الأولويات والولاءات والساحات، فالمعركة ستطول.. وتتسع.. وتتعقد خيوطها، وحسم قضاياها لا بد أن يبدأ فيه الجميع من الآن؛ لأننا لا ندري ماذا يحدث غداً، فمنذ عامين فقط، ما كان أحد ليحلم بأن يتحول تأييد الانتفاضة الفلسطينية إلى «تأييد للإرهاب» ، وما كان أحد يتصور أن تطال صواريخ الغدر رجلاً مثل رمز جهاد فلسطين الشيخ أحمد ياسين ثم رفيقه في درب الفداء الدكتور الرنتيسي في شهر واحد، وهو الشهر الذي صدر فيه (وعد بوش) الجديد، بتصفية قضية فلسطين وفرض (الحل النهائي) على هوى شارون حيث أسقط اللدودان بنفسيهما ما كان يسمى بـ (خيار السلام) إلى غير رجعة.

стр. 4921

ربيع الآخر - ١٤٢٥هـ يونيو - ٢٠٠٤م (السنة: ١٩)

стр. 4922

كلمة صغيرة العدد ٢٠٠ عندما صدر العدد الأول من مجلة البيان في ذي الحجة ١٤٠٦هـ، ما كان يدور بخلدنا أن المجلة ستجد هذا الانتشار والقبول - ولله الحمد والمنة -. كانت البداية - كأي عمل ناشئ - متواضعة ومحدودة، وزع العدد الأول في دائرة ضيقة وفي منطقة صغيرة.. وكانت نسبة المباع من المجلة قليلة..!! لكن الطموح كان كبيراً أيضاً، والعزيمة كانت عالية - بفضل الله وعونه -، وزاد من طموحنا التفاعل الكبير من العلماء والمثقفين والدعاة وأهل الرأي وما هي إلا سُنيات قلائل حتى أصبحت أرقام المبيعات تزداد يوماً بعد آخر، ودائرة الانتشار في البلاد العربية والإسلامية تتسع على الرغم من أن بعض الأسواق العربية لا زالت مغلقة أمام المجلة، حتى أصبحت البيان في العدد (٢٠٠) حاضرة بقوة وفاعلية في الإعلام الإسلامي المتخصص. لقد أخذت المجلة على عاتقها نشر منهج أهل السنة والجماعة، وإيضاحه في العقائد والتشريع والدعوة والتربية والرقائق، مع التصدي لأصحاب الاتجاهات المنحرفة كالعلمانيين وأشياعهم، والمبتدعة وأتباعهم، وأخذت البيان على عاتقها فضح مخططات الأعداء وكشف ألاعيبهم، مع العناية بنصرة المسلمين في أي مكان، ومساندتهم بإبداء النصيحة لهم والدعوة إلى نصرتهم. منذ بداية التأسيس خرجت المجلة بشخصية رزينة، تحرص - هيئة التحرير - على ثباتها ورسوخها، على الرغم من التطوير المتسارع والتجدد المستمر الذي نتطلع إليه دائماً. وحرصنا أن تبقى البيان مميزة في المحتوى، وفي الأسلوب، وفي الشكل، فهي ليست مجلة خفيفة كما أنها ليست مجلة نخبة متخصصة، لذلك فإن القضايا التي تطرحها قضايا جادة وحيوية، والشريحة التي تخاطبها تفرض عليها أن تعالج هذه القضايا بأسلوب راق قدر الإمكان لكنه ميسر غير معقد. كما أننا حرصنا على أن يكون إخراجها هادئاً مع وجود الجاذبية والقبول. ونرجو أن نكون وفقنا لتحقيق رسالتنا المنهجية والإعلامية، مع تأكيدنا الشديد على دعوة العلماء والمفكرين والدعاة والمثقفين على تسديد النقص، وتجديد النصح، وترسيخ التواصل تعاوناً على البر والتقوى. والله من وراء القصد.

стр. 4923

الافتتاحية أمن الحرمين.. والحرمات الثلاث بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن من أشد الأخطار على أمة أو شعب أو وطن يواجه تهديداً وتربصاً خارجياً، أن يُشغل أهله أو ينشغلوا بخلافات ومنازعات داخلية تخلخل تماسكهم، وتهدد وحدتهم، بما يسهل على المتربصين في الخارج مهمة اختراقهم أو اجتياحهم جميعاً، بلا تفريق بين مُحِقّ ومُبْطِل من المختلفين والمتنازعين، وهذه قصة كل اختلاف وتنازع تجاهل أهله المختلفون والمتنازعون، الأخطار الحقيقية انشغالاً بأخطار مفترضة يمكن تجاوزها، أو قضايا فرعية يمكن تأجيلها ريثما يتم حلها أو الحد من أضرارها. وبلاد الحرمين الشريفين ليست استثناء من هذا؛ فهي تواجه اليوم مثل أكثر جيرانها تربصات غير مخفية، وتهديدات ليست خيالية، ولا أدل على ذلك من تهديد العديد من عتاة اليهود في الإدارة الأمريكية بالنيل المباشر من تلك البلاد، حتى وصل الأمر إلى المطالبة بالاحتلال العسكري لآبار البترول وفرض السيطرة الإدارية على مكة والمدينة، وهذا ما جاء على لسان العديد من الرموز النافذة من المحافظين اليهود الجدد، من أمثال ريتشارد بيرل، وبول وولفويتز، ووليم كريستول، وغيرهم [١] ، بل بلغ الأمر أكثر من ذلك، عندما طالب اليهودي الحقود ريتشارد بيرل، نائب وزير الدفاع الأمريكي بإضافة المملكة العربية السعودية إلى «محور الشر» الذي أعلنه الرئيس جورج بوش، وتعهد بالقضاء على الخطر الصادر من دوله الثلاث: العراق، وإيران، وكوريا الشمالية في خطاب الاتحاد لعام ٢٠٠٢م. لقد أوضحت الأحداث التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م، وأحداث غزو أفغانستان ٢٠٠٢م، وأحداث غزو العراق ٢٠٠٣م، أن صقور الصهيونيتين: النصرانية واليهودية في الإدارة الأمريكية، تتلهف على ذرائع تنصبها شباكاً لصيد فرائسها، سواء أكانت هذه الذرائع حقيقية أو وهمية؛ فأفغانستان التي تم اجتياحها، والعراق الذي وقع احتلاله، لم يكن غزوهما بعيداً عن المخططات الأمريكية قبل سنوات من وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولكن الذرائع حشدت للهجوم عليهما بحجج الدفاع عن شعبيهما، وكل االشواهد تدل على أن غزو أفغانستان كان ضرورة أمريكية مهمة للاقتراب من بترول بحر قزوين، وغزو بغداد كان مطلباً أمريكياً ملحاً لوضع اليد على مخزون العراق الهائل من البترول، كما أن بترول إيران التي يتربص بها الأمريكيون الآن سيظل هدفاً عاجلاً لإدارة الشر التي تريد إخضاع شرق العالم وغربه لهيمنة إمبراطورية عالمية تبدأ بالاقتصاد، وتمر بالسياسة لتنتهي بالسيادة والقيادة العسكرية المباشرة. وتجيء دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، لتمثل حلقة رابعة من حلقات الاستهداف الصهيو أمريكي، لا من أجل السيطرة المباشرة على حقول النفط فحسب، بل من أجل وضع حدٍ لما يسميه الصهاينة الأمريكيون (منبع الإرهاب) ، ولا يقصدون في ذلك بالطبع إلا الإسلام بمنهجه القويم، وعقيدته الصافية ممثلة في المنهج السلفي النقي الذي يحيا ويُحيي في ربوع تلك البلدان وما حولها، ممثِلاً بالفعل أكبر تحدٍ حضاري شامل لحضارة الغرب الآيلة للسقوط بإذن الله. إن استهداف بلاد الحرمين بالتغيير المنافي للإسلام سلماً أو حرباً، ليس هدف الصهيونية الأمريكية فقط، بل هو هدف الصهيونية الإسرائيلية التي تمثل العدو الأقرب الذي طالما هوَّن المسلمون والعرب من خطره وفرطوا في مواجهته؛ فكم ردد دهاقنة الصهاينة ومنظروهم الأماني التوراتية الخرافية عن «مملكة إسرائيل الكبرى» التي تمتد من النيل غرباً حتى الفرات شرقاً، ومن حدود تركيا شمالاً حتى أطراف المدينة المنورة جنوباً، كم ردد هذا منظروهم، وكم خطط لتنفيذ هذه الأساطير في عالم الواقع سياسيوهم وعسكريوهم، حتى أقنعونا بالفعل قبل القول بأنهم جادون فيما يقولون؛ وذلك عندما تم غزو العراق بخطة وضعها اليهودي الأمريكي (ريتشارد بيرل) للوصول إلى الفرات، ليخضع العراق بعد تنفيذها مباشرة - وفي إشارة رمزية صهيونية صارخة - لإدارة حاكم يهودي ضليع في صهيونيته، هو (جاي غارنر) ، أول حاكم يهودي للعراق في تاريخه كله، صحيح أنه لم يستمر في الحكم طويلاً، ولكن الإشارة والرسالة اليهودية الصهيونية تم إيصالها بكل وضوح، ولذا جيء بعده بالخبير البارز في شؤون (مكافحة الإرهاب) لمدة ٢٣ سنة (بول بريمر) !! على أي شيء يدل هذا؟! .. إنه يدل بكل وضوح على أن مسار الأهداف الأمريكية والإسرائيلية يجري في اتجاه واحد فيما يتعلق بالمشروع العتيد: (إسرائيل الكبرى) التي لا بد من استكمال حدودها خالصة في حكمها (وليس سكناها) لليهود، حتى تتحول بعد ذلك إلى (مملكة) مهيأة لمجيء المسيح، سواء أكان مسيح اليهود المفترَى، أم مسيح النصارى المزعوم. لم تعد هذه الخرافات مجرد أساطير يطير بها أساطين الديانة اليهودية والنصرانية في عالم الأحلام، بل إنها أصبحت واقعاً تحركه الأساطيل الحربية والأحزاب السياسية والأحلاف الدولية، ولا أدل على ذلك من أن قائد طلائع الدجال (جورج بوش) قد صرح أكثر من مرة أنه جاء «لينفذ إرادة الله» ! وفي وسط كل تلك المخاطر والتحديات، تجيء تربصات أهل الزيغ والضلال والفساد من طوائف المبتدعة، وتيارات الإلحاد والعلمنة، لتضيف إلى البلاء بلاءً بتطلعاتها الانتهازية للفوز بنصيب من ميراث الأيتام على موائد اللئام. وتبقى أرض الحرمين، بكعبتها المشرفة، ومدينتها النبوية، غير بعيدة عن تلك الأخطار، وبخاصة في هذه المرحلة الأحرج في تاريخ الأمة. وغير خافٍ على أحد أن ثمة مستجدات بدأت تفرض نفسها في ساحة الأحداث محلياً وإقليمياً ودولياً، في وقت أصبح الفصل فيه بين المحلي والإقليمي والدولي شيئاً غير واقعي، وهذا الأمر بذاته يضاعف المسؤولية تجاه حساسية الظروف المحيطة بالمنطقة؛ فقد ينشأ الحدث محلياً، ثم يتفاعل إقليمياً، ثم يصبح هماً عالمياً وقضية دولية يستمر انشغال المسلمين بها واستثمار الكفار لها لسنوات بل عقود؛ كما حدث في عملية غزو الكويت التي لم تنته تفاعلاتها إلى الآن. مخاطر رهيبة بكل المقاييس، تحيط اليوم بمنطقة الخليج، في حلقات حديثة من مسلسل التوريط والتورط لأطراف عديدة يتم استدراجها بذكاء الخبثاء لتعمل من حيث تدري أو لا تدري لخدمة منظومة الأهداف القديمة والجديدة لأعداء الإسلام، ولا شك أن تلك المخاطر تتوزع على الأطراف المستهدفة كلها، بحيث لا يمكن لطرف أن يخرج منها بموقف راجح أو مكسب رابح، إلا إذا استمسك بالأمر المتين، من البصيرة واليقين، في كل المسائل العلمية والعملية المجمع على مشروعيتها، فلا يصلح أن ينفرد طرف من الأطراف أياً كان بتقرير مصير الأمة في أدق أمورها وأخطرها دون بقية علماء وعقلاء وحكماء الأمة؛ فبعض تلك المسائل التي تتم المجازفة فيها الآن من تبادل التكفير، والمبادرة بالتقتيل، لو عرض بعضها على عمر بن الخطاب ﵁ لجمع لها أهل بدر، ولو عَرَض بعضها لأهل بدر لاشترطوا للبت فيها إجماع المهاجرين والأنصار ﵃ أجمعين -! وكيف لا وأكثرها من طوامِّ الورطات المتعلقة بالدماء والأموال والأعراض التي تشكل بمجموعها حرمة لا تقل عن حُرمة الحرم نفسه بأخص ما فيه وهو الكعبة المشرفة التي قال عنها عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ وهو ينظر إليها: «ما أعظمك وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة منك» [٢] . إن حرمة المسلم مقررة بثوابت الكتاب والسنة؛ فكل أذى للمؤمنين في دمائهم وأعراضهم أو أموالهم محرَّم مجرَّم، كما قال الله : [وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً] (الأحزاب: ٥٨) ، وكما قال الرسول ﷺ في خطبة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» [٣] . وهذه الحرمات الثلاث عامة في كل نفس مسلمة؛ فهي ليست خاصة بالمسلمين في أرض دون أرض، أو قوم دون قوم، أو صنف أو جنس أو لون دون الآخرين؛ فدماء المسلمين جميعاً متكافئة، وأعراضهم وأموالهم مصونة بمحكمات الشرع ومسلَّمات العقل، لا يجوز أن يُعتدى عليها بتأويل أو تبديل، ولا ينتقص منها بغير تشريع أو قضاء، وإذا كان الإسلام قد حفظ دماء الكفار وأعراضهم وأموالهم، إذا دانوا للمسلمين بذمة أو عهد، وحرَّم قتلهم أو الاعتداء عليهم، أو نقض عهودهم أو الغدر بهم، فأوْلى بالمسلم ثم أوْلى به أن يكون محفوظ الدم والمال والعرض غير مخفور في ذمته، أو مغدور في دمه. إننا نرى بوضوح - من خلال نصوص الشريعة - أن حرمة أرض الحرمين، وحرمة المسلمين الساكنين فيها تتداخلان الآن، بما لم يكد يحصل في التاريخ من قبل؛ ذلك أن تربُّص الأعداء بها وبأهلها باعتبارها الأصل صار أصلاً عندهم، فقد اجتمعت فيها كل الدواعي التي تضاعف حقد الأعداء وحسدهم؛ فهي وطن المسلمين الروحي، وجهة قبلتهم في الصلاة، ومحط ركابهم في المناسك، ومهوى أفئدتهم، ومثوى نبيهم ﷺ ، إضافة إلى ما أنعم الله عليها من مقدرات وخيرات يسيل لها لعاب الطامعين الجشعين؛ فإذا كانت إجراءات الحماية والتأمين لأرض الحرمين تقع في الأساس على أهلها القاطنين بها؛ فإن إشغالهم أوقات الفتن والمحن عن الأخطار المحيطة، هو في الحقيقة من أكبر الصوارف عن وحدة الموقف في مواجهة تلك الأخطار. عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب؛ ولكنْ في التحريش بينهم» [٤] . إن الجزيرة العربية مهبط الوحي ومحضن الإسلام، تتعرض اليوم لأخطر حقبة مرت عليها منذ أن جمع الله شملها بالإسلام؛ فلم يحدث في التاريخ كله أن أحاط الخطر بها في معظم أنحائها مثل ما هو حاصل اليوم، فمن تربُّص يهودي رابض في شمالها؛ إلى تدخل نصراني سافر في شرقها؛ إلى تسرب رافضي في أنحائها، وتغلغل علماني في جنباتها، والجميع يريد حصة من القصعة: ديناً أو مالاً أو عرضاً أو دماً، نسأل الله أن يحفظها بحفظه ويكلأها برعايته. وتظل حماية بلاد الحرمين واستقرارها، مسؤولية كل مسلم موحد، يحمل بين جوانحه قلباً مخلصاً ناصحاً للمسلمين، فأمنها تأمين للدين، ووحدتها على الحق وحدة للمسلمين، وقوتها في مواجهة الباطل قوة لجميع الموحدين، هذه أمور بدهية أولية، لا تحتاج إلى مزيد تنظير، أو عميق تقعير، وهي لذلك تتطلب من كل ذي مُسْكَة عقل أو مسحة دين أن يتبرأ إلى الله من استباحة حمى الحرمين، أو الحرمات الثلاث للمسلمين الموكلين بأمر صيانتها والجهاد في سبيل الله لحمايتها من كل عدو حقود متربص. فأوْلى بالمسلمين اليوم في هذه البلاد المباركة وما حولها أن يوفروا كل قطرة دم، وكل قطعة درهم، بل كل خلجة عقل وخفقة قلب وحركة ساعد، لمواجهة التربص بحاضرها ومستقبلها والمفروض على المسلمين في البلدان المحيطة بها، حيث يتهيأ الأعداء فيها، للانقضاض منها على آخر حصن يمكن أن يستعيد المسلمون فيه عافيتهم، ويستأنفوا مسيرة دعوتهم. نسأل الله أن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا، وأن يكف بأس الأعداء عنا، وألا يجعل بأسنا بيننا.. اللهم آمين.

стр. 4924

دراسات في الشريعة كيف تبحث مسألة فقهية ؟ فيصل بن علي البعداني bashiraliyu@yahoo.com لبحث مسألة فقهية بحثاً علمياً عدة خطوات أهمها: أولاً: قبل البدء ببحث المسألة: هناك العديد من الأمور التي لا بد لطالب العلم من مراعاتها قبل أن يُقْدِم على البحث في مسألة فقهية، ولعل من أهمها: ١ - تجريد النية: التفقه في الدين من أجلِّ العبادات وأعظمها؛ ولذا فتجريد النية وإخلاصها شرط لقبول الله له من العبد، وقد استفاضت النصوص التي جاءت ببيان ذلك وتجليته، ومنها: قول النبي ﷺ : «من تعلم علماً مما يُبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عَرَضاً من الدنيا لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة، يعني: ريحها» [١] ، وقوله ﷺ : «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه ... ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأُتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت؛ ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار» [٢] ، وقوله ﷺ : «لا تَعَلَّموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس؛ فمن فعل ذلك فالنارَ النارَ» [٣] ، وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم: «من تعلم العلم ليباهي به العلماء، ويجاري به السفهاء، ويصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله جهنم» [٤] . وعلاوة على أن الأجر على التعلم فإنه لا يدرك إلا بحسن النية؛ فإن للنية الحسنة أثراً في إصابة الحق والاهتداء للصواب؛ إذ طلب العلم نوع من استهداء الله تعالى، وقد قال : «فاستهدوني أهدكم» [٥] ، هذا غير اللذة والمتعة الحاصلة للمتعلم والباحث المخلص لله تعالى. فانظر يا طالب العلم في نيتك، والأمر الذي تريده ببحثك؛ فإن كانت النية لربك خالصة، وكان مرادك اللهَ والدار الآخرة فامض في بحثك [٦] ، وإن كان في النية دَخَلٌ فجردها لله واجعلها خالصة لوجهه سبحانه قبل أن تقدم على بحثك؛ فإن الله تعالى لا يقبل من العبد عملاً ليس خالصاً لوجهه سبحانه كما قال تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» [٧] . ٢ - الرغبة في الوصول إلى الحق: من أعظم واجبات طالب العلم توطينه لنفسه على الدوران مع الحق حيث دار؛ بحيث يبحث في النصوص الشرعية بهدف اتباعها وتحكيمها والانقياد لها ظاهراً وباطناً، لا بهدف قيادتها ولَيِّ معانيها؛ بحيث يأتيها وقد حدد مسبقاً الحكم الذي يريد استخراجه منها، وما أتى إليها إلا لعضد قوله والانتصار لرأيه، ولذا تجده مبادراً إلى قبول النصوص التي يراها موافقة لهواه وإن كانت ضعيفة الثبوت أو الدلالة، وفي الوقت نفسه تراه مجتهداً في رد النصوص التي تعارض هواه مهما بلغت قوةً في الثبوت والدلالة؛ لأنه ليس مقصده أن يفهم مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، بل أن ينصر رأيه كيفما تَأَتَّى له وأمكن. قال ابن حزم: «ولا أرقّ ديناً ممن يوثق رواية إذا وافقت هواه، ويوهنها إذا خالفت هواه؛ فما يتمسك فاعل هذا من الدين إلا بالتلاعب» [٨] . وهذا كما لا يخفى عبادة للهوى واتباع لما تشتهيه الأنفس. يقول الشيخ محمود شلتوت في كلام نفيس له ما نصه: «وقد يكون الناظر في الأدلة ممن تمتلكهم الأهواء فتدفعه إلى تقرير الحكم الذي يحقق غرضه، ثم يأخذ في تلمس الدليل الذي يعتمد عليه ويجادل به، وهذا في الواقع يجعل الهوى أصلاً تُحمل عليه الأدلة، ويُحكم به على الأدلة، وهذا قلب لقضية التشريع، وإفساد لغرض الشارع من نصب الأدلة» [٩] . على أن من أعظم ما يعوق الباحث عن الوصول في بحثه إلى الحق التزامه بمذهب معين يسلِّم له بكل مسائله وترجيحاته، وقيامه بتقديم آراء أكابر مذهبه على النصوص الشرعية الثابتة ومحاجته للآخرين بها، ومن الأمثلة الصارخة لهذا الزيغ قول الكرخي الحنفي عفا الله عنه: «كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤوَّلة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فمؤول أو منسوخ» [١٠] ، ومعلوم أنه لا رأي لأحد مع النص الثابت، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية زيغ ذلك فقال ﵀ تعالى -: «وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، وإنما الحجة: النص، والإجماع، ودليل مستنبط من ذلك تقرر مقدماته بالأدلة الشرعية لا بأقوال بعض العلماء؛ فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية لا يحتج بها على الأدلة الشرعية، ومن تربى على مذهب قد تعوده واعتقد ما فيه وهو لا يحسن الأدلة الشرعية وتنازع العلماء لا يفرق بين ما جاء عن الرسول وتلقته الأمة بالقبول، بحيث يجب الإيمان به، وبين ما قاله بعض العلماء ويتعسر أو يتعذر إقامة الحجة عليه، ومن كان لا يفرق بين هذا وهذا لم يحسن أن يتكلم في العلم بكلام العلماء، وإنما هو من المقلدة الناقلين لأقوال غيرهم، مثل: المحدث عن غيره، والشاهد على غيره، لا يكون حاكما» [١١] ، وقال ﵀: «وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصاً يدعو إلى طريقته، يوالي عليها ويعادي، غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرقون به بين الأمة، يوالون به على ذلك الكلام أو تلك السنة ويعادون» [١٢] . فعلى من يحرص على الوصول للحق أن يتجرد في البحث، وأن يحذر اتباع الهوى، وإياه والتعصب والجمود؛ فإن عاقبة ذلك وخيمة دنيا وأخرى. ٣ - البحث عن العلم الذي يعمل به: بالبحث الدؤوب والقراءة المتواصلة والسؤال عما أشكل تزداد معرفة العبد ويتجلى له الحق. ولكن المعرفة ذاتها ليست غاية في ذاتها يسعى إليها العبد، بل هي وسيلة للاعتقاد الحسن والفعل الصائب، وطريق لمهابة الله وخشيته وخوف عقابه. وقد كان ذلك منهج السلف الصالح، وقد استفاضت الآثار عنهم في الدلالة على ذلك، وبيان أن العلم النافع هو ذلك الذي يقود صاحبه للخشية ويدفعه للعمل، ومنها: قول أُبَيّ بن كعب ﵁: «تعلموا العلم واعملوا به، ولا تتعلموه لتتجملوا به؛ فإنه يوشك إن طال بكم زمان أن يُتَجَمَّل بالعلم كما يتجمل الرجل بثوبه» [١٣] ، وقول ابن مسعود ﵁: «يا أيها الناس تعلموا؛ فمن علم فليعمل» [١٤] ، وقول أبي الدرداء ﵁: «إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة عالماً لا ينتفع بعلمه» [١٥] ، وقول الحسن البصري: «إنما الفقيه: العالم في دينه، الزاهد في دنياه، الدائم على عبادة ربه» [١٦] ، وقول الفضيل: «من أوتي علماً لا يزداد فيه خوفاً وحزناً وبكاء خليق بأن لا يكون أوتي علماً، ثم قرأ: [أَفَمِنْ هَذَا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ] (النجم: ٥٩-٦٠) » [١٧] . وقال التيمي: «من أوتي من العلم ما لا يبكيه خليق أن لا يكون أوتي علماً ينفعه؛ لأن الله نعت العلماء بقوله: [إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً] (الإسراء: ١٠٧-١٠٩) » [١٨] . وقد تجاوز السلف في ذلك مجرد الحث والدعوة إلى التطبيق كما قال الحسن البصري: «قد كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يُرى ذلك في تخشعه وهديه ولسانه وبصره وبِرِّه» [١٩] ، وكما قال مالك: «أدركت الناس وما يعجبهم القول، إنما يعجبهم العمل» [٢٠] . فيا من فاق كثيراً من الناس بعلمه! ما أجدرك أن تفوقهم بعملك، واعلم أن العالم من وافق علمه عمله، واحرص إذا أحدث الله لك علماً أن تحدث له به عبادة وعملاً. وإن من أعظم الأمور المعينة لك على ذلك: أن تُعرض عن البحث في المسائل النظرية التي لا يترتب عليها كبير فائدة أو عمل [٢١] ، وأن تترك المراء فيما تبحث؛ لأنه يقسي القلب، ويزرع الشحناء، ويورث الضغائن. قال الحسن البصري حين رأى قوماً يتجادلون: «هؤلاء قوم ملُّوا العبادة، وخفَّ عليهم القول، وقلَّ ورعهم فتكلَّموا» [٢٢] ، وأن تتذكر أن العمر قصير محدود فلا تجعله يذهب عليك سدى فيما لا ينفع. ٤ - امتلاك القدرة على البحث: لا بد للشخص الذي يريد الإقدام على بحث مسألة من أن يكون قادراً على ذلك، ولعل من أهم ما يجب توفره فيمن يريد بحث مسألة فقهية ما يلي: أ - معرفة اللغة العربية وفنون القول فيها [٢٣] . ب - معرفة المسائل الهامة في أصول الفقه، وأهمها: - الأدلة الشرعية ومراتبها. - الحكم الشرعي وأقسامه. - دلالات الألفاظ وطرق الاستنباط. - الناسخ والمنسوخ. - التعارض والترجيح. - ترتيب الأدلة. - مقاصد التشريع. ج - جمع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بموضوع البحث. د - القدرة على معرفة صحة الأحاديث من ضعفها سواء أكان ذلك بتخريجها ودراسة أسانيدها، أم بالقدرة على مراجعة كلام أهل العلم فيها. هـ - الاطلاع على تفسير الآيات المتعلقة بالبحث من كتب التفاسير المعتمدة، وبخاصة من كتب تفاسير آيات الأحكام. و الاطلاع على شروح الأحاديث المتعلقة بالبحث، وبخاصة من تلك الكتب التي عنيت بشرح أحاديث الأحكام. ز - معرفة أهم الكتب الفقهية المعتمدة في كل مذهب، والمدونات الفقهية غير المذهبية التي حرصت على مراعاة الدليل. ج - العناية بمعرفة مذاهب الصحابة ﵃ والتابعين وأئمة الفقه المتقدمين. ط - الأناة وعدم العجلة، والصبر على مشاق البحث وتجاوز صعابه. ي - التفرغ الذهني عند القيام بجمع معلومات البحث وتمحيص مسائله ودراستها. ك - وجود رغبة جادة، ودوافع قوية في موضوع البحث. ل - لا بد لمن كان مبتدئاً في البحث من أن يكون له شيخ متمرس يرعاه ويشرف عليه. ٥ - الاستعانة بالله واللجوء إليه: يُشْغَل كثير من العباد بصورة العمل وحسن القصد عن الاستعانة بالله تعالى وإظهار الافتقار والحاجة إليه [٢٤] ، وهذا خطأ فاحش؛ إذ أجمع العالمون بالله تعالى على أن كل خير يحصل للعبد فأصله بتوفيق الله له، وما استُجلب التوفيق بمثل المبالغة في الدعاء والمسألة وطلب المعونة، والاستكثار من إظهار الافتقار ومسيس الحاجة، ولا فات إلا بإهمال ذلك [٢٥] ، وقد كانت تلك طريقة النبي صلى الله عليه وسلم والهدي الذي سار عليه؛ فها هو ﷺ كان يستفتح صلاة الليل داعياً: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» [٢٦] ، وكان من دعائه ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ» [٢٧] ، ولم يكتف بدعائه، بل كان يوجه أصحابه إلى ذلك قائلاً: «سلوا الله علماً نافعاً، وتعوذوا بالله من علم لا ينفع» [٢٨] . وقد كان هذا ديدناً للسلف وهدياً لهم، ولعل من أجلى صور استعانتهم بالله على التعلم والوصول للحق عبر البحث والمطالعة ما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عن نفسه، فقال: «ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مائة تفسير، ثم أسأل الله الفهم، وأقول: يا معلم آدم وإبراهيم علمني! وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها وأمرِّغ وجهي في التراب، وأسأل الله تعالى وأقول: يا معلم إبراهيم فهمني!» [٢٩] . وكثرة العلوم والمراجع بين يدي الباحث لا تنفعه إن لم يُعِنْهُ الله سبحانه وتعالى على الوصول إلى الحق. قال ابن تيمية: «وقد أَوْعَبَتِ الأمةُ في كل فن من فنون العلم إيعاباً، فمن نوَّر الله قلبه هداه بما يبلغه من ذلك، ومن أعماه لم تزده كثرة الكتب إلا حيرة وضلالاً» [٣٠] . فأكثِرْ يا طالب العلم من دعاء الله والتضرع بين يديه، وسؤاله العون والتسديد، وإياك أن يكون نصيبك الخذلان من هذا السبيل. ثانياً: خطوات البحث: لكي يتم بحث مسألة فقهية بحثاً جاداً لا بد من سلوك الخطوات التالية: الخطوة الأولى: جمع مصادر البحث الأساسية: وفي هذا الجانب يحسن التنبيه على الأمور التالية: ١ - تكاد أن تكون المصادر الأساسية لبحث مسألة فقهية ما يلي: - الآيات القرآنية المتعلقة بالمسألة محل البحث وتفسيرها من كتب التفاسير المعتمدة، وبخاصة تلك الكتب التي عنيت بتفسير آيات الأحكام [٣١] . - الأحاديث النبوية المتعلقة بالمسألة محل البحث وشروحها، وبخاصة تلك الشروح التي عنيت بشرح أحاديث الأحكام [٣٢] . ولا بد للباحث في الأحكام من معرفة صحة الحديث من ضعفه حتى يتمكن من البناء عليه، ولذا فلا بد له من الرجوع إلى الكتب التي اهتمت بتخريج الأحاديث وبيان مدى صحتها من ضعفها [٣٣] . - الكتب التي عني أصحابها بتدوين الإجماع في المسائل الفقهية [٣٤] . - الكتب التي عني أصحابها بذكر فتاوى الصحابة وأئمة التابعين [٣٥] . - الكتب المعتمدة في كل مذهب من المذاهب الأربعة، مع العناية بتحرير أقوال الأربعة أنفسهم، وأقوال أتباعهم [٣٦] . - الكتب التي عني أصحابها بجمع اجتهادات بعض أئمة الفقه، مثل موسوعة فقه الإمام الثوري، وموسوعة فقه الإمام الأوزاعي ... ونحوهما. - الكتب والدراسات الفقهية التي اعتنت بإيراد الخلاف وعرض أدلة الأقوال المختلفة [٣٧] . - الكتب والدراسات الفقهية التي حرص أصحابها على اعتماد الدليل من دون الالتزام بأصول مذهب من المذاهب المعتبرة [٣٨] . - كتب الفتاوى [٣٩] . - الكتب الفقهية المصنفة في أبواب أو موضوعات أو مسائل فقهية خاصة [٤٠] . ٢ - إدراك طبيعة المصنفات الفقهية وخصائصها، وأنها ليست سواء من حيث ذكر الخلاف وإيراد الأدلة والترجيح. ففي ذكر الخلاف: منها ما لا يذكر خلافاً، بل يقتصر على إيراد ما عليه المذهب، ومنها ما يورد خلافاً لكنه يقتصر على إيراد الخلاف داخل المذهب، ومنها ما يتجاوز ذلك إلى ذكر الخلاف مع المذاهب الأخرى. وفي إيراد الأدلة: منها: ما لا يورد الأدلة، ومنها: ما يوردها، والكتب التي تورد الأدلة منها: ما يناقش الأدلة الأخرى، ومنها: ما لا يناقشها. وفي الترجيح: منها: ما يقتصر على إيراد ما يراه راجحاً فقط، ومنها: ما يورد الأقوال ولا يرجِّح بينها، ومنها: ما يورد الأقوال ويرجح بينها. ٣ - تختلف المصنفات الفقهية من حيث الشكل اختلافاً بيناً؛ إذ منها: - المطولات: وهي التي اهتم أصحابها فيها ابتداء بإيراد المسائل الفقهية بنوع من البسط. - المتون والمختصرات: وهي التي اختصر أصحابها فيها كتباً مطولة، أو ألفها أصحابها ابتداء بطريقة مختصرة. - الشروح: وهي التي قام أصحابها فيها بتناول كتب أخرى بالشرح والإيضاح. - الحواشي: وهي التي علق أصحابها فيها على مواضع من شروح المختصرات بهدف التأييد أو الاعتراض أو الإيضاح. - المنظومات الفقهية: وهي التي نظم أصحابها فيها مسائل بعض المتون الفقهية، أو شيئاً من مسائل الفقه دون الارتباط بكتاب. ٤ - تختلف طريقة المصنفات الفقهية في ترتيب الكتب والأبواب داخلها من مذهب إلى آخر، كما أن المصنفات الفقهية داخل المذهب الواحد تختلف أيضاً نظراً لتطور الترتيب الفقهي للكتب والأبواب زمناً بعد آخر، وما لم يدرك الباحث هذا الأمر بصورة جيدة فقد يضل الطريق في الوصول إلى المعلومة [٤١] . ٥ - يعد (المحلى لابن حزم) من أهم الكتب الفقهية التي اعتنت بالدليل وأولته عنايتها، وناقشت أدلة الأقوال الأخرى، وبينت ضعف أوجه الاستدلال بها من وجهة نظر ابن حزم، وسيفيد الباحث أيما فائدة في هذا الجانب، لكن الباحث المبتدئ لا ينصح أبداً بالرجوع إليه للأسباب التالية: - ظاهرية ابن حزم المفرطة في فهم النصوص والتعامل معها في الفروع خاصة [٤٢] . - ضعف لغته الفقهية وميله إلى الجزم بالأقوال التي يقول بها؛ مع أن كثيراً من الاختلافات معتبرة، والأمر لا يعدو أن يكون صحيحاً وأصح، أو ظاهراً وأظهر، وإن تجاوز الأمر ذلك فراجحاً وأرجح. - تطاوله في أحيان كثيرة على أهل العلم الذين يناقش أقوالهم بعبارات قاسية، وفي أحيان قد تكون نابية [٤٣] . ٦- أهمية الاستفادة من البرامج الشرعية على أجهزة الحاسوب في البحث نظراً لتقريبها للباحث كثيراً من المعلومات التي يحتاجها، مع التنبه لما يقع فيها من تصحيف أو سقط. ٧- المصادر التي يمكن أن تخدم الباحث في المسائل الفقهية عديدة وكثيرة، ورجوعه إلى جميعها في كل مسألة من مسائل بحثه قد يعوقه عن إتمامه، ولذا فمن المستحسن أن يقوم الباحث بتقسيم المسائل إلى نوعين: النوع الأول: مسائل أشبعها أهل العلم بحثاً، وهذه يحسن بالباحث الرجوع فيها إلى المصادر التي عرفت بالتحقيق وحسن المناقشة والعرض للأقوال وأدلتها، بالإضافة إلى مصدر أو مصدرين من الكتب المعتمدة في كل مذهب من المذاهب الفقهية المعتبرة؛ لتوثيق النسبة ومعرفة القول المختار في المذهب، وأدلته، وأوجه ترجيحه، والطريقة التي تمت بها مناقشة الأقوال الأخرى. النوع الثاني: مسائل لم تبحث بعد أو بحثت ولكن ما تزال محتاجة إلى مزيد تمحيص ونظر مثل مسائل النوازل الفقهية، وهذه لا بد فيها من محاولة استقصاء جميع ما كتب حولها والاستفادة منها بقدر الإمكان [٤٤] . ٨ - من الأهمية بمكان حين المطالعة في المصادر الفقهية المختلفة مراعاة وجود مصطلحات حرفية وكلمية خاصة بكل مذهب تشير في أحيان إلى بعض أئمة المذهب أو كتبهم أو المذاهب والآراء أو الاختيار والترجيح، وفي أحيان لا تكون تلك المصطلحات عامة في كل كتب المذهب بل ربما كانت خاصة بكتبٍ دون غيرها. الخطوة الثانية: تحديد مسألة البحث: وهنا يحسن التنبيه على الأمور التالية: - أن كثيراً من النتائج غير الصحيحة التي يصل إليها طالب العلم في بحثه تعود إلى عدم تصور المسألة المبحوثة وتحديدها بدقة. - الخطوات المقترحة للوصول إلى تحديد دقيق للمسألة هي: أ - القراءة في الموضوع بغرض تصور المسألة وتحديد جوانبها، لا الوصول إلى حكم محدد حيالها. ب - تحرير محل النزاع عن طريق: - تحديد الجوانب المتفق عليها في المسألة بين أهل العلم. - تحديد الجوانب المختلف فيها في المسألة بين أهل العلم، وبيان سبب ذلك. الخطوة الثالثة: جمع المادة العلمية ودراستها: وهنا يحسن التنبيه على الأمور التالية: - ينبغي التفريق بين حالتين من حالات البحث: الأولى: حالة كون المسألة المبحوثة واحدة، وهذه لا إشكال فيها؛ لأن الباحث سيعمد إلى جمع المادة العلمية المتعلقة بها، ومن ثمَّ دراستها وتمحيصها، ومن ثمَّ صياغتها. الثانية: حالة كون البحث يتناول أكثر من مسألة، وهنا يوجد أمام الباحث خياران: أ - جمع كل ما يتعلق بكل مسألة على حدة، ومن ثم دراستها وتمحيصها والانتهاء من صياغتها، وبعد ذلك يتم الانتقال إلى المسألة الأخرى جمعاً ودراسة وصياغة، وهكذا. ب - جمع كل ما يتعلق بمسائل البحث في كل مصدر وتدوينها في أوراق أو بطاقات؛ بحيث لا يتم الرجوع إلى ذلك المصدر مرة أخرى، ومن ثم الانتقال بعد ذلك إلى مصدر آخر وجمع مادة البحث الموجودة فيه وتدوينها كما سبق، وهكذا يفعل مع المصادر الأخرى إلى أن تنتهي، ومن ثم يتم تصنيف المادة العلمية المدونة في الأوراق أو البطاقات حسب مسائل البحث، ثم يتم دراسة وتمحيص وصياغة كل مسألة من مسائله على حدة، وبعد الانتهاء منها يتم الانتقال إلى المسألة الأخرى، وهكذا. - لا ينبغي لطالب العلم أن يلجأ في بحثه إلى تشقيق المسائل تشقيقاً مخلاً، وعلى ذلك فينبغي له أن يُعرض عما قد يجد في المسألة محل البحث من أقوال متهالكة ليس عليها أثارة من علم، إلا على سبيل التنبيه عليها وتحذير الآخرين من الاغترار بها. - تكثر الرموز والمصطلحات الفقهية في غالب المصادر والمراجع الفقهية، كما أن كثيراً من المدونات الفقهية حرصت على الإيجاز حرصاً جعلها تقرب من الإلغاز، وهذا مما يزيد من عبء الباحث، ويعظم من مسؤوليته في تفهم أقوال الفقهاء ومرامي عباراتهم، وأوجه استدلالاتهم بالنصوص. - أثناء قيام الباحث بدراسة المسألة وتمحيصها لا بد من احترازه من مسلكين معيبين في الدراسات الفقهية: الأول: مسلك من يهتم بتحرير المسألة وذكر تفريعاتها نقلاً عن كتب الفقهاء دون أن يعتني بإيراد الأدلة، والتأكد من مدى ثبوتها وصحة دلالتها على المسألة. الثاني: مسلك من يهتم بإيراد الأدلة ومدى ثبوتها لكنه يهمل تحرير المسألة فقهياً، وغالباً لا يهتم بدقة دلالة النصوص على المسألة المبحوثة، وهذا المسلك يكثر في عصرنا لدى المشتغلين بالحديث النبوي وتخريجه. ولو أن الباحث جمع بين المسلكين فاهتم بتحرير المسألة وتدقيقها، وتأكد من ثبوت الأدلة ووجه الدلالة منها، واعتنى بأقوال الصحابة والسلف لكان في ذلك خير كثير. - مرحلة دراسة المسألة وتمحيصها من أهم المراحل التي ينبغي لطالب العلم، وبخاصة المبتدئ أن يقوم فيها بمراجعة أهل العلم وسؤال أهل الاختصاص، وبخاصة في المسائل المشكلة. الخطوة الرابعة: الترجيح ومناقشة الأدلة: وهنا يحسن التنبيه على أمور: - إدراك خطورة الترجيح وعظم المسؤولية الملقاة على عاتق من يقوم به، وفي المقابل إدراك أهميته وضرورة قيام الراسخين من أهل العلم به. - يحسن بالباحث في هذه الخطوة أن يذكر القول الراجح، ويبين أوجه رجحانه، ثم يناقش أدلة الأقوال الأخرى ويجيب عنها [٤٥] ، ثم يبين إن كان للخلاف ثمرة أم لا. - من الأمور الهامة التي لا بد لطالب العلم من التنبه لها قبل أن يخوض غمار الترجيح بين الأقوال والمقارنة بين أدلتها، والمناقشة لها ما يلي: ١ - ضرورة جمع النصوص في الباب الواحد. قال الإمام أحمد: «الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضا» [٤٦] ، وجمع النصوص يزيل كثيراً من الالتباس والاختلاف. قال ابن تيمية: «وقلَّ أن تعوز النصوص من يكون خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام» [٤٧] . ٢ - معرفة أن جميع الأدلة الشرعية الصحيحة يجب اتباعها والعمل بها لكن لا ينظر الباحث في القياس والأدلة المختلف فيها إلا عند فقد النص والإجماع؛ إذ لا اجتهاد مع النص أو الإجماع. ٣ - الأدلة الشرعية الصحيحة متفقة لا تتعارض البتة؛ فإذا وجد نصان متعارضان لا يمكن الجمع بينهما بطرق الجمع المعتبرة عند أهل الشأن؛ فأحدهما إما غير ثابت وإما منسوخ. وإذا وجد تعارض بين نص وقياس فأحدهما غير صحيح. ٤ - الأدلة منها السمعي ومنها العقلي، وكل منهما قد يكون قطعياً وقد يكون ظنياً؛ فالأدلة القطعية أياً كانت لا تتعارض بالاتفاق؛ لأن تعارضها يلزم منه اجتماع النقيضين، وهو محال. وإذا تعارض قطعي وظني عمل بالقطعي سمعياً كان أو عقلياً؛ لأن الظن لا يرفع اليقين [٤٨] . ٥ - القول بالتعارض بين الأدلة شديد، ولذا فالواجب التثبت من صحة الأدلة، والتعمق في فهمها [٤٩] ، والحرص على درء التعارض بينها بقدر الإمكان. ٦ - على الباحث حين يقوم بمناقشة الأدلة والترجيح بين الأقوال أن يحذر من الوقوع في إحدى ظاهرتين: الأولى: التفريط والتساهل في عرض الأحكام وتقريرها باسم التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم. الثانية: التضييق على الناس والتشديد عليهم باسم الانضباط بالشرع والمحافظة على الأصول. ٧ - التعارض المعتبر الذي يحتاج إلى نظر هو الذي يقع بين الأدلة الظنية؛ فإذا وقع تعارض بين دليلين ظنيين فالواجب على الترتيب: الجمع إن أمكن، فإن تعذر الجمع وعرف التاريخ قيل بالنسخ؛ فإن لم يعرف المتأخر فعلى الباحث أن يلجأ إلى الترجيح لأحدهما بدليل؛ فإن عجز عن الترجيح فالواجب التوقف [٥٠] ؛ فإن اضطر إلى العمل، وكانت هذه حاله فليقم بتقليد أحد المجتهدين [٥١] . - لا بد لطالب العلم أثناء الترجيح من التأني في إطلاق الأحكام وعدم التسرع في الجزم والصرامة في الأحكام التي يختارها، وأن يتجنب إطلاق ألفاظ التحليل والتحريم، والحق والباطل، والصحة والخطأ بقدر الإمكان إلا عندما يكون متيقناً من أن الأمر كذلك، قال الأعمش: «ما سمعت إبراهيم يقول قط: حلال ولا حرام، إنما كان يقول: كانوا يكرهون، وكانوا يستحبون» [٥٢] ، وقال الربيع بن خثيم: «إياكم أن يقول الرجل لشيء: إن الله حرم هذا ونهى عنه، فيقول الله: كذبتَ، لم أحرمه ولم أَنْهَ عنه. قال: أو يقول: إن الله أحل هذا وأمر به، فيقول: كذبتَ، لم أحله ولم آمر به» [٥٣] ، وقال مالك: «لم يكن من أمر الناس ولا مَنْ مضى من سلفنا ولا أدري أحداً أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: (نكره هذا، ونرى هذا حسناً، ونتقي هذا، ولا نرى هذا) » [٥٤] . - حينما يختار الباحث قولاً، ويقوم بمناقشة الأقوال الأخرى، وبيان أوجه رجحانها، فلا ينبغي له تجاوز نقد الأقوال إلى أصحابها، والتشنيع على المخالفين وتسفيه آرائهم، بل عليه التأدب معهم، والتماس العذر لهم بقدر الإمكان. - حين يجد الباحث في المسألة قولاً معتبراً ولا يجد له دليلاً، أو يجد له أدلة غير معتبرة، ويرى وجود أدلة قوية له فعليه ذكرها ووجوه الدلالة منها. - إذا لم يتمكن الباحث من الترجيح الكلي بين الأقوال فبإمكانه اللجوء إلى الترجيح الجزئي كأن يقول: وهذه الأقوال الثلاثة أقوى الأقوال أو أضعفها، وحين لا يتبين له شيء من ذلك فليتوقف ولا يُقْدِم على شيء لا يستطيعه؛ لأن الأمر عبادة ودين، ولأن يترك المرء الترجيح في بعض المسائل حتى يفتح الله له فيها ولو بعد حين خير له من أن يرجح مع وجود إشكال لديه، وسبقه في ذلك كثير من الأئمة؛ فقد توقفوا في مسائل عديدة، وهم من هم علماً واستنباطاً. الخطوة الخامسة: تدوين المسألة وصياغتها: وهنا يحسن التنبيه على أمور: - في تدوين المسألة أمام الباحث خياران: الأول: تدوينها حسب الأقوال التي فيها لا القائلين بها، وبعد ذلك يتم نسبة كل قول إلى قائله، وحين ترتيبها في الصياغة يبدأ بعرض القول الأقوى ثم الذي يليه، وهكذا. فإن لم يظهر للباحث أيها أكثر قوة بدأ بالقول الذي قاله المتقدم، فيبدأ بقول الحنفية فقول المالكية، وهكذا، وهذا الخيار هو الأوْلى. الثاني: تدوينها حسب القائلين لا الأقوال التي فيها، ويبدأ عند ذلك بالقول الذي قاله المتقدم، فيبدأ بقول الحنفية فقول المالكية، فقول الشافعية، فقول الحنابلة. - يحسن بالباحث الاقتصار في نسبة الأقوال على المذاهب الفقهية الأربعة، إلا أن يرى خلافاً معتبراً لها من قِبَل إمام معتبر؛ فعند ذلك يدون خلافه لها ناسباً ذلك إليه. - حين عرض الأدلة لا بد من ترتيبها حسب منزلتها بحيث تقدم الأدلة النقلية على الإجماع والأدلة العقلية، ويقدم الإجماع على الأدلة العقلية، وفي الأدلة النقلية يقدم الكتاب على السنة. - حين تدوين أدلة الأقوال يحسن بالباحث الإعراض عن إيراد الحجج الضعيفة والبراهين الواهية إلا على سبيل التنبيه لما يحتاج إلى ذلك. - العناية بصياغة المسألة صياغة تربوية تدفع قارئها إلى التطبيق وتجعله يسارع إلى الامتثال والعمل. - في عرض الأدلة أمام الباحث خياران: أ - أن يعرض أدلة كل قول بعد عرض القول مباشرة؛ بحيث يعرض الدليل، ووجه الدلالة منه، والاعتراض عليه، والجواب عن ذلك، وهذا أوْلى. ب - أن يؤخر عرض الأدلة ووجه الدلالة منها، والاعتراضات عليها، والأجوبة عن ذلك إلى ما بعد الانتهاء من عرض الأقوال كلها. - يحسن أن يتم تدوين المسألة على مرحلتين كحد أدنى: الأولى: يتم التركيز فيها على تدوين القضايا الكلية في المسألة بدقة. الثانية: يتم التركيز فيها على تدقيق المسألة وتمحيصها وتدوين القضايا الجزئية بدقة. وإلا فإنه سيحصل في الغالب قصور ظاهر في جوانب البحث الكلية والجزئية. - أثناء القيام بتدوين المسألة ينبغي مراعاة ما يلي: أ - الحرص على اختيار العبارات ووضوح الأسلوب وتلاؤم ذلك مع طبيعة البحث الفقهية. ب - جودة العرض وحسن الترتيب. ج - الاعتناء بالأمثلة المعاصرة. د - تحويل المقاييس والموازين إلى المقاييس المعاصرة. هـ - ربط الأحكام الفقهية بالسلوك والجانب العملي. و نقد الواقع في ضوء ما قرره الباحث. ز - مراعاة الأصول العلمية للبحث، والتي من أهمها: - ترقيم الآيات، وتخريج الأحاديث والحكم عليها. - الأمانة في النقل، والدقة في نسبة الأقوال إلى أصحابها [٥٥] . - الاعتماد على المصادر الأصلية، وعدم اللجوء إلى الثانوي منها إلا عند الحاجة. - شرح الغريب، وتوضيح المصطلحات. - العناية بقواعد اللغة والإملاء وعلامات الترقيم. - وضع فهارس فنية فيما يحتاج إليه.

стр. 4925

دراسات في الشريعة نظرية القرض في الشريعة الإسلامية يحيى تنكو [*] إن معاملة الإقراض والاقتراض مسألة قديمة لازمت الإنسان منذ عصره الأول؛ ذلك لأن الإنسان كائن اجتماعي لا يستطيع أن يعيش وحده مستغنياً عن بني جنسه؛ لذلك كان الناس يتقارض بعضهم من بعض، كما كانوا يبيعون ويشترون ويتبادلون المنافع. لكن هذا الأمر مع مرور الزمان تغيرت صورته وتطورت عمليته، وخاصة في القرن الثامن عشر إلى التاسع عشر الميلادي. حيث خرج من شكله الفردي الضروري، إلى صورة جماعية رفاهية؛ إذ صار التقارض اليوم بين الشعوب والمجتمعات والحكومات الدولية. وأنشئت شركات ومنظمات أهلية ومحلية ودولية تقوم بهذا الشأن، تحت قيود إلزامية، وقواعد ديكتاتورية، تجعل الناس في حرج دائم ومرج. من أجل هذا وذاك، رأيت أن هناك حاجة إلى إلقاء نظرة علمية شرعية حول هذه المسألة، للتفرقة بين الحلال منها والحرام، والصحيح من الباطل، عسى أن يخرج الناس بواسطتها من الظلمات إلى النور، ومن الغواية إلى الهداية. وإني جعلت هذا البحث بعنوان: نظرية القرض في الشريعة الإسلامية كي نستفيد بضوء النصوص من القرآن والسنة، وفهم السلف منها في حل هذه القضية. والله أسأل أن يسدد الخطى والأفكار، ويجعله نافعاً لي ولجميع المسلمين، فأقول: * تعريف القرض: القرض لغة هو القطع. يقال: قرضه يقرضه قرضاً أي قطعه. هذا هو الأصل فيه. ثم استعمل في معنى المجازات. وهو ما يتجازى به الناس بينهم ويتقارضونه من إحسان أو إساءة. يقال: هما يتقارضان الخير، أو يتقارضان الشر. وبه أنشد الشاعر: إن الغني أخو الغني وإنما ... يتقارضان ولا أخا للمقترِ [١] وأما القرض اصطلاحاً فهو دفع المال، إرفاقاً لمن ينتفع به ويرد بدله على اختلاف بين الفقهاء فيما سيرد، كما سنذكر إن شاء الله. * الترادف بين القرض والسلف والدّيْن: إن القرض والسلف كلمتان مترادفتان؛ فكما أن القرض يرد فيه المقترض بدل ما أخذ من المقرِض؛ فكذلك السلف. أما الدَّيْن فهو عامٌّ؛ حيث إنه يطلق على القرض، والسَّلَم، وبيع الأعيان إلى أجل. فهو عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقداً، والآخر نسيئة. فإن العين عند العرب ما كان حاضراً والدَّيْن ما كان غائباً. هذا، وإن القرض في أحكام الشريعة الإسلامية ينقسم إلى قسمين: قرض حسن، وقرض ربوي. وغرضنا في هذا البحث هو أن نأخذ كلاًّ من هذين القسمين ببعض التفصيل، من حيث أنواعه وأحكامه مع توضيح ما غمض فيه قدر الإمكان. * القرض الحسن: القرض الحسن: هو ما يعطيه المقرض من المال إرفاقاً بالمقترض ليرد إليه مثله دون اشتراط زيادة، ويطلق هذا اللفظ كما جاء في القرآن على المال الذي ينفق على المحتاجين طلباً لثواب الآخرة. * أنواع القرض الحسن: نظراً إلى التعريف المتقدم، نقسِّم القرض الحسن إلى نوعين: ما يقرضه العبد لربه، وما يتقارضه الناس فيما بينهم. النوع الأول: القرض بين العبد وربه: وهو ما يدفعه المسلم عوناً لأخيه دون استرجاع بدل منه، طلباً لثواب الآخرة. ويشمل ذلك الإنفاق في سبيل الله بأنواعه كالإنفاق في الجهاد، وعلى اليتامى والأرامل والعجزة والمساكين. وقد جاء لفظ القرض بهذا المعنى في القرآن الكريم في ستة مواضع: أولاً: في سورة البقرة، في قوله تعالى: [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ] (البقرة: ٢٤٤-٢٤٥) [**] . فكما نرى أن الاقتراض في هذه الآيات ليس من النوع الذي اعتدناه بأن يقترض شخص من آخر لحاجته منه إلى القرض. إن الاقتراض هذه المرة من الغني الحميد الذي يطلب من عباده أن ينفقوا أموالهم للمحتاجين دون طلب رجوعها إليهم. ولذلك تكفل بقضاء مثل هذه القروض بأضعافها، وسماها قروضاً حسنة لما فيها من التعاون والإرفاق من المقرضين. وهناك سؤال يطرح نفسه في هذه النقطة وهو: لماذا سمى الله هذا النوع قرضاً؟ وقد أجابوا عن ذلك بما يلي: إنما سماه الله تعالى قرضاً لينبه على أن الثواب الموعود للمنفق في سبيله واصل إليه لا محالة، كما أن قضاء القرض واجب على المقترض [٢] . النوع الثاني: القرض بين المسلم وأخيه: اختلف الفقهاء في تعريف هذا النوع. قال الحنفية: هو ما تعطيه من مثلي لتتقاضاه. فأخرجوا بذلك غير المثلي من القيميات، كالحيوانات والعقارات والأحطاب وكل ما يتعذر رد مثله؛ لأنه لا يجوز عندهم إقراض غير المثلي [٣] . أما المالكية والشافعية والحنابلة: فالقرض عندهم هو ما تعطيه لتأخذ عوضه. سواء كان مثلياً أو قيمياً، دون الجواري. وزادت المالكية في التعريف ما يلي: ١ - أن يكون المقرَض ذا قيمة مالية، فلا يكون دفع قطعة من النار قرضاً. ٢ - أن يلزم المقترض رد مثله عوضاً عنه. ٣ - أن يتأخر رد المقرض عن زمن دفعه. ٤ - أن يقصد المقرض نفع المقترض، لا نفعه هو أو نفعهما معاً. ٥ - أن لا يوجب إعارة الفروج، بأن تقرض جارية تحل للمقترض. ٦ - أن يكون ضمانة في الذمة، بأن يكون المقترض ممن يتحمل الضمان. فلا يكون المسجد أو المدرسة مقترضاً [٤] . * تحديد القرض الحسن: ومما ينبغي ملاحظته في هذه النقطة التحديد الذي وضعه العلماء للقرض في كونه حسناً؛ حيث قالوا: لا يكون القرض حسناً حتى تتوفر فيه الشروط الآتية: الشرط الأول: أن يكون المال المقرَض حلالاً لم يختلط به الحرام؛ لأن مع الشبهة يقع الاختلاط، ومع الاختلاط يقبح الفعل. الشرط الثاني: أن لا يتبع المقرض ما أقرض بالمن والأذى. الشرط الثالث: أن يدفعه المقرض على نية التقرب إلى الله، ، لأن ما فُعِلَ رياءً وسمعةً لا يُستحق به الثواب. * حكم القرض وحكمة مشروعيته: أما الحكم العام للقرض فهو الجواز؛ فإنه يجوز للحاجة، وقد دل على جوازه الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح. أما الكتاب فبقوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (الحج: ٧٧) . وأما السنة فبقوله ﷺ : «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه. من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة» [٥] . وأما الإجماع فهو ما نراه من تعامل المسلمين به من الصدر الأول إلى الآن. وإذا رجعنا إلى القياس فإننا نقيس القرض بالعارية. فباب العارية أصله أن يعطي المعير ماله لينتفع به المستعير ثم يعيده إليه. فتارة تكون المنافع غير ملموسة، كما في إعارة العقار والمركوبات. وتارة تكون ملموسة، كما في إعارة الماشية ليُشرب لبنُها أو الشجرة ليؤكل ثمرها. فكما أن العارية من باب التبرع بالمنافع فكذلك القرض. وأما الحكم الخاص للقرض فهو حكمه الذي يخص المقرض، وحكمه الذي يخص المقترض. فالذي يخص المقرض هو أن الأصل فيه أنه مندوب للمقرض؛ لما ورد من أحاديث تحض على الإقراض. وقد يعرض ما يوجب دفعه، كالإقراض ممن اضطر إليه لحفظ النفس أو المال. أو ما يسبب كراهيته كالاستعانة به على مكروه أو ما يحرم، كالاستعانة به على معصية [٦] ، وحكمه الذي يخص المقترض هو الإباحة، فلا خلاف في جواز الاستقراض عند الحاجة. قال الإمام أحمد ﵀: «ليس القرض من المسألة» يعني ليس بمكروه؛ لأن النبي ﷺ كان يستقرض؛ فلو كان مكروهاً أو كان هناك عيب على طالبه لكان ﷺ أبعد الناس منه، ولأنه إنما يأخذه المقترض بعوض فأشبه الشراء بديْن في الذمة « [٧] . * توثيق القرض في الشريعة الإسلامية: إن الإنسان بطبيعته وجِبِلَّته محب للمال، وإن كان ذلك على درجات متفاوتة في طول أمله وقصره. قال الله تعالى: [وَتُحِبُّونَ المَالَ حُباًّ جَماًّ] (الفجر: ٢٠) ؛ لذلك لما طلب الشرع من صاحب المال أن يفارقه فترة من الزمن بإقراضه لأخيه المحتاج دون طلب منفعة مادية، جعل لذلك المال المقرض بعض وثائق، كي يطمئن قلب المقرض برجوعه إليه. وهذه الوثائق كما يلي: - توثيق الدّيْن بالكتابة: قال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلاَ تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كبِيراً إِلَى أَجَلِه] (البقرة: ٢٨٢) . في هذه الآية أمر بكتابة الديْن الذي يشمل القرض الحسن وباقي البيوع المؤجلة. وتوثيق القرض فيها أمر ظاهر، كما أن العلماء استنبطوا منها حكم كتابة الدين والقائم بالكتابة وشروط الكاتب. - توثيق الدّيْن بالإشهاد عليه: قال تعالى: [وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ] (البقرة: ٢٨٢) إلى قوله تعالى: [وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ] (البقرة: ٢٨٢) . في هذه الآية أمر بالإشهاد عند المداينة. ومنها استنبط العلماء أحكاماً كثيرة بالنسبة للشهادة والشاهد والمشهود عليه. - توثيق الدين بالرهن: قال تعالى: [وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ] (البقرة: ٢٨٣) ، وثبت في السنة أن توثيق الدين بالرهن لا يختص بحالة السفر؛ لأنه كما روت عائشة ﵂:» أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعاماً إلى أجل، ورهنه درعاً له من حديد « [٨] . - توثيق الدّيْن بالضمان: المراد بالضمان هو أن يلتزم إنسان أداء دين إنسان آخر إذا كان ذلك الآخر لا يؤديه، أو هو ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق، فيثبت في ذمتهما جميعاً، ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما. وهو طريق آخر جعله الشرع لتوثيق الدَّيْن، وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فبقوله تعالى: [وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ] (يوسف: ٧٢) . قال ابن عباس:» الزعيم الكفيل «. وأما السنَّة فبقوله صلى الله عليه وسلم:» الزعيم غارم « [٩] . وبما ثبت أن بعض الصحابة ضمن دين الميت وقضاه عنه في عهد النبي ﷺ . وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على جوازه، وكانوا يتعاملون به منذ صدر الإسلام. * الإسلام يحض على الإقراض: لم يكتف الإسلام بوضع قواعد لتوثيق المال المقرَض يأتمن بها صاحب المال ويطمئن في إقراضها، وإنما حض عليه وحرَّض المؤمنين على دفعه؛ حيث وعد الله لهم الإثابة عليه، وجعله قربة يتقرب به العبد إليه. كما بيّن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم جزاء القائم به من الثواب وعون الله والتيسير له في الدارين. هذا كله لما في القرض من الرفق بالمحتاجين والرحمة بهم وتفريج كربهم. من ذلك حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:» من نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على مسلم في الدنيا يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً في الدنيا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه « [١٠] . وقد تتابعت آثار من الصحابة في الدلالة على أن الإقراض مرتين للمحتاج خير من التصدق عليه بالمال المقرَض مرة، أو كالصدقة بها عليه. منها ما روي عن ابن عباس أنه قال:» لأن أُقرِض مرتين أحب إليّ من أن أعطيه مرة «. ومنها ما روي عن ابن مسعود أنه قال:» لأن أُقرض مرتين أحب إليّ من أن أتصدق «. ومنها قول أبي الدرداء:» لأن أقرض دينارين مرتين أحب إليّ من أن أتصدق بهما؛ لأني أقرضهما فيرجعان إليّ فأتصدق بهما فيكون لي أجرهما مرتين. كما روي مثل ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص [١١] . وكان سليمان بن أذنان يقرض علقمة ألف درهم إلى عطائه، فلما خرج عطاؤه تقاضاها عنه واشتد عليه فقضاه. وكأن علقمة غضب، فمكث أشهراً، فقال: أقرضني ألف درهم إلى عطائي. فقال: نعم وكرامة! يا أم علقمة! هلمي تلك الخريطة المختومة التي عندك. فجاءت بها، فقال: أما والله إنها لدراهمك التي قضيتني ما حركت منها درهماً واحداً. قال: «فلله أبوك! [١٢] ما حملك على ما فعلت بي؟ قال: ما سمعت منك: قال: ما سمعت مني؟ قال سمعتك تذكر عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال:» ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقتهما مرة «قال: (أي علقمة) كذلك أنبأني ابن مسعود [١٣] . * وجوب رد القرض: دلت النصوص القرآنية على وجوب رد القرض؛ وذلك في قوله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا] (النساء: ٥٨) ، والقرض أمانة عند المقترض يجب عليه ردها إلى صاحبها. وفي قوله تعالى: [مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً] (البقرة: ٢٤٥) ؛ حيث ألزم على نفسه أن يأجر كل من أقرض بالإنفاق في سبيله. هذا، والأجر كما سبق في الأماكن الست في القرآن ليس بالمثل فقط ولكن بأضعاف ما قدمه المقرض. وقد دلت نصوص من الحديث أيضاً على هذا الوجوب، مع وجوب المبادرة إلى القضاء بعد الموت. عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: » نفس المؤمن معلقة بديْنِهِ حتى يُقضى عنه « [١٤] . وعن أبي بردة بن أبي موسى ﵄ عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال:» إن أعظم الذنوب عند الله يلقاه بها عبده بعد الكبائر التي نهى عنها، أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء « [١٥] . عن جابر ﵁ قال:» كان رسول الله ﷺ لا يصلي على رجل مات وعليه دين. فأُتي بميت فقال: أعليه دين؟ قالوا: نعم! ديناران. قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: هما عليّ يا رسول الله! فصلى عليه رسول الله ﷺ ؛ فلما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم قال: أنا أوْلى بكل مؤمن من نفسه؛ فمن ترك دينًا فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته « [١٦] . » عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال. فقام رجل فقال: يا رسول الله! أرأيت إن قُتلت في سبيل الله تُكفَّر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله ﷺ : نعم! إن قُتِلْتَ في سبيل الله وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر. ثم قال رسول الله ﷺ : كيف قلتَ؟ قال: أرأيت إن قُتِلْتَ في سبيل الله أتكفَّر عنّي خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم! وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إلا الدَّيْن؛ فإن جبريل قال لي ذلك « [١٧] . * ما يلزم رده: لا يجوز عند الحنفية أن يرد المقترض إلا مثل ما اقترض من المثليّات، وهو المكيل والموزون والمعدود. فلا يجوز عندهم رد القيميّات وهو الحيوانات وعروض التجارة؛ لأنه لا يجوز عندهم إقراض القيميّات أصلاً [١٨] ، وحديث أبي رافع رد عليهم. وهو: » عن أبي رافع ﵁ أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكراً، فقدمت عليه إبل من الصدقة، فأمره أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً. فقال: أعطه إياه. إن خيار الناس أحسنهم قضاء « [١٩] . أما المالكية: فجاز عندهم أن يرد المقترض مثل ما اقترض أو عينه، ما دام على صفته، وقال الحنابلة: إذا كان المال المقرض مقوماً يكون فيه وجهان: أحدهما: يجب على المقترض رد فيمته يوم القبض؛ لأنه لا مثل له، فيضمن قيمته كحال الإتلاف والغصب. والثاني: يجب عليه رد مثله كما تقدم في الحديث [٢٠] . هذا كله إذا كان مثل المال المقرض الذي يقضي به ثابتاً على سعره يوم القضاء، لم يتغير بالغلاء أو الرخصة؛ فكيف إذا تغير سعره، أو كان نقوداً ترك التعامل بها؟ اختلف قول الحنفية في المال المقرَض الذي تغير سعره، فقال أبو حنيفة: يلزم المقترض رد مثله. ولا عبرة بغلائه أو رخصه. وقال أبو يوسف: يلزمه رد قيمته يوم القبض، وعليه الفتوى. وقال محمد: يلزمه رد القيمة في آخر يوم غلت فيه سعره. وهو ما عليه الفتوى في الفلوس التي كسدت بعد الرواج. أما الإمام مالك والليث بن سعد والشافعي فإنهم قالوا: إن المقترض لا يرد إلا مثل ما اقترض، غلا سعره أو رخص. وكذلك قال أحمد: إذا كان المقرَض فلوساً تُرِك التعامل بها رد المقترض قيمتها يوم الأخذ، وأما رخص السعر أو غلاؤه فليس ذلك مما يمنع رد مثلها [٢١] . وإني في هذه المسألة أرجح رأي الحنفية الذي عليه الفتوى في تغيّر سعر المقرَض والفلوس التي ترك التعامل بها. والترجيح في ذلك كما يلي: ١ - لقوله ﷺ :» لا ضرر ولا ضرار « [٢٢] فإذا كانت الزيادة في القرض منعت لكي لا يتضرر المقترض، فكذلك إلزام المقرض أن يأخذ مثل ما أقرض مع انخفاض سعره إضرار عليه أيضاً. فلأجل أن نتخلص من إلحاق الضرر لكلا الطرفين نرجع إلى إلزام رد القيمة يوم القبض فيما تغير سعره وفي العملة التي كسدت بعد الرواج أو التي ترك التعامل بها. ٢ - لأن هذا الرأي لجوء إلى الاستحسان الذي هو العدول عن الحكم في مسألة بمثل ما حكم به في نظائرها لوجه أقوى يقتضي العدول. وهي قاعدة أصولية أخذ بها المالكية والحنفية. ٣ - لأن الأخذ بالرأي الآخر جمود على ظاهر النص؛ لأن مقصد الشرع في باب الربا هو منع الزيادة التي يزيدها المقرض لأجل التأخير. وهنا جاءت الزيادة بسبب ارتفاع الأسعار، وأصبحت إضراراً للمقرض. وهذا بدوره يمنع أصحاب الأموال إقراض أموالهم لآجال طويلة، كما يمنع إنظار المعسر إلى الميسرة. والشريعة كما رأينا تأمر بالإقراض وتحض عليه. * حسن القضاء: إلحاقاً بما تقدم نريد أن نبين هنا أن الزيادة من المقترض إذا لم تكن مشروطة فإنها تعتبر في الشرع من باب حسن القضاء. وهو جائز عند الجمهور، بل هو مستحب؛ لحديث أبي رافع المتقدم، ولحديث أبي هريرة. قال أبو هريرة:» كان لرجل على رسول الله ﷺ حق فأغلظ له، فهمّ به أصحاب النبي ﷺ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لصاحب الحق مقالاً» فقال لهم: «اشتروا له سنا [***] فأعطوه إياه» . فقالوا: إنَّا لا نجد إلا سنا هو خير من سناه. فقال: «اشتروا له فأعطوه إياه؛ فإن من خيركم - أو إن خيركم - أحسنكم قضاء» . قال مالك ﵀: إن كانت الزيادة في العدد لم تجز، وإن كانت في الصفة جازت. ويرد عليه حديث جابر، قال: «أتيت النبي ﷺ وكان لي عليه دين، فقضاني وزادني» . حيث صرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم زاده. وثبت في رواية البخاري أن الزيادة كانت قيراطاً [٢٣] . * تعريف الربا: الربا لغة هو النمو والزيادة والعلو والارتفاع. يقال: ربا الشيء ربواً، أي زاد ونما وعلا. وأربيته: نميته. ومنه قوله تعالى: [وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ] (البقرة: ٢٧٦) أي ينميها ويزيدها. ومنه قوله ﷺ : «ومن تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيباً فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربّيها لصاحبها كما يربّي أحدكم فُلُوَّه حتى تكون مثل الجبل» [٢٤] . أما تعريفه في الشرع فقد اختلف الفقهاء فيه تبعاً لاختلافهم في تحديد مفهومه بينهم، لكن اخترت لنا تعريف الإمام الآلوسي، لقصر عبارته وشمول معناه؛ حيث قال: «وفي الشرع: عبارة عن فضل مال لا يقابله عوض في معاوضة مال بمال» [٢٥] ، فهذا التعريف ينطبق على النوعين من الربا: ربا الفضل وربا النسيئة؛ حيث إن في كل منهما معاوضة مال بمال، مع وجود تلك الزيادة التي لا مقابل لها في نظر الشرع. * تعريف القرض الربوي: إذا كان القرض بمعنى دفع المال إرفاقاً لمن ينتفع به ويرد مثله أو قيمته، وكان الربا بمعنى تلك الزيادة المالية التي لا مقابل لها في معاوضة مال بمال تبيّن واضحاً أن القرض الربوي هو القرض الذي يشترط فيه المقرض شيئاً زيادة على ما أقرض. * الربا المحرم في عصر النزول كان في القرض: إن الربا المتعامل به في عصر النزول والذي سماه القرآن ربا هو تلك الزيادة المشروطة في القروض والديون؛ لأن هذه المعاملة هي ما يرجع إليه لفظ الربا في ذلك العصر. وهي معاملة شائعة ومعروفة بينهم. ١ - قال الجصاص: «الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله، إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل، بزيادة على قدر ما استقرض، على ما يتراضون به....... هذا كان المتعارف المشهور بينهم» ثم قال: «ولم يكن تعاملهم بالربا إلا على هذا الوجه الذي ذكرنا، من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل، مع شرط الزيادة» [٢٦] . ٢ - وقال الرازي: «أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهوراً متعارَفاً في الجاهلية؛ وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدراً معيناً، ويكون رأس المال باقياً، ثم إذا حلّ الدين طالبوا المدين برأس المال. فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل؛ فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به» [٢٧] . ٣ - وقال الآلوسي: «روى غير واحد أنه كان الرجل يُرْبي إلى أجل، فإذا حل قال للمدين: زدني في المال حتى أزيدك في الأجل، فيفعل، فيستغرق بالشيء الضعيف ماله بالكلية» [٢٨] . ٤ - وقال ابن جرير: «عن قتادة قال: ربا أهل الجاهلية بيع الرجل البيع إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه فضاء زاده وأخّر عنه» [٢٩] . نفهم مما تقدم أن الربا المتعامل به في عصر النزول، والذي جاءت الآيات القرآنية بتحريمه كان على القرض، وهو نوعان: النوع الأول: هو تلك الزيادة التي تشترط في أول العقد في عقد القرض، وهي المشهورة بهذا الاسم كما سبق. النوع الثاني: هو الزيادة الثانية أو المكررة، في دين البيع. وهو الذي قلنا: يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى؛ فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخّر عنه. وهو ما يسمى البيع الآجل. وإن كان ذلك لا يعني أنهم لا يزيدون في ثمن البيع على قيمته نقداً. * الفائدة في القرض عين الربا: يتضح مما تقدم أن الربا المعهود في عصر النزول هو تلك الزيادة التي يشترطها المقرِض على رأس مال القرض؛ فكذلك الفائدة التي عرّفوها بأنها «الزيادة على رأس المال النقدي المقرَض، بشرط ألا يزيد على الحد المقرر قانونياً» [٣٠] ، فإذا زادت عليه فهو الربا عندهم في قانون الاقتصاد الرأسمالي. ولكي نزيد الأمر وضوحاً، ينبغي أن نبيّن أوصاف القرض الربوي التي إذا اكتملت في القرض صار ربوياً، على رغم ما سمي به من الأسماء، وهى: أ - الزيادة التي يزيدها المقرِض على أصل رأس مال القرض. ب - الأجل الذي من أجله تؤدى هذه الزيادة. ت - كون هذه الزيادة شرطا مضموناً في التعاقد. ومعروف أن هذه الأوصاف الثلاثة قد اجتمعت في القروض ذات الفوائد التي نتكلم عنها. ويزيد موقفنا هذا تأكيداً أن المجامع الفقهية الإسلامية قد أجمعت على أن هذه الفوائد محرمة وأنها عين الربا بأنواعها الثلاثة: ربا الفضل، وربا النسيئة، وربا القرض. وفيما ما يلي قرارات تلك المجامع: «إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية بجدة فى ١٠/٦/١٤٠٦هـ، بعد أن عرضت عليه بحوث مختلفة في التعامل المصرفي المعاصر، وبعد التأمل فيما قدم مناقشته مناقشة مركزة، أبرزت الآثار السيئة لهذا التعامل على الظلم الاقتصادي العالمي وخاصة في دول العالم الثالث. قرر هذا المجلس: أن كل زيادة (فائدة) على الدين الذي حل أجله وعجز المدين عن الوفاء به مقابل تأجيله، وكذلك الزيادة (الفائدة) على القرض منذ بداية العقد، هاتان الصورتان ربا محرم شرعاً. كما أصدر مجمع البحوث الإسلامي في القاهرة فتوى جماعية. وأصدر كل من المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي بمكة المكرمة، ومؤتمر الفقه الإسلامي في الرياض فتاوى في ذلك. فهؤلاء الشرعيون والاقتصاديون والقانونيون أجمعوا على أن الفوائد هي الربا المحرم. وهناك فتاوى فردية من كبار علماء المسلمين، أمثال الشيخ محمود بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، والشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، والشيخ أبو الأعلى المودودي، والشيخ عبد الله دراز، والشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ يوسف القرضاوي. كل هؤلاء وغيرهم من علماء المسلمين كتبوا ووضّحوا أن هذه الفوائد البنكية محرمة وأنها عين الربا المحرم» [٣١] . * تحريم القرض الربوي في القرآن: لا شك أن القرآن قد نهى عن كثير من المنكرات وشدد الوعيد في بعضها. لكن الكلمات التي جاء بها لإعلان حرمة هذا القرض أشد وآكد من الكلمات التي أوردها للنهي عن سائر المنكرات والمعاصي؛ فإنه لم يبالغ في تفظيع أمر من أمور الجاهلية ما بالغ في تفظيع هذا القرض، ولا بالغ في التهديد في اللفظ والمعنى ما بالغ فيه. انظر إلى مثل هذا التهديد والتصوير المرعب الذي وصف به المرابين في هذه الآيات: [الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] (البقرة: ٢٧٥) . ثم تتبع هذه الآية آية فيها الوعيد بالمحق لمال الربا وتسمية المرابي: بـ «الكَفَّار الأثيم» على صيغة المبالغة؛ حيث يقول : [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كُفَّارٍ أَثِيمٍ] (البقرة: ٢٧٦) . ثم وجّه القرآن خطاباً مباشراً للمؤمنين يأمرهم بترك ما بقي من آثار هذه المعاملة، وعقَّبه بترهيب تتزلزل منه القلوب الخاشعة؛ حيث قال: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ] (البقرة: ٢٧٨-٢٧٩) . روي أن رجلاً أتى إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله! رأيت رجلاً سكران يتعاقر، يريد أن يأخذ القمر بيده، فقلت: امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر. فقال: ارجع حتى أتفكر في مسألتك. فأتاه من الغد، فقال: امرأتك طالق. إني تصفحت كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فلم أرَ شيئاً أشرَّ من الربا؛ لأن الله تعالى أذن فيه بالحرب [٣٢] . كما روي عن أبي حنيفة أنه كان يقول في قوله تعالى: [وَاتَّقُوا النَّارَ الَتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ] (آل عمران: ١٣١) . في خطابه للمرابين: هذه أخوف آية في القرآن؛ حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتركوا هذه المعاملة [٣٣] . * تحريم القرض الربوي في السُّنة: وإذا رجعنا إلى السنة وجدنا أنها لم تقتصر على التصريح بالوعيد لمرتكب هذه الكبيرة، بل إنها بيّنت موقف كل من تعاون معه على اقترافها. كما بيّنت أن الله يصب سوط عذابه على المجتمع الذي فشت فيه. من ذلك الحديثان الآتيان: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه. وقال: هم في الإثم سواء» [٣٤] . وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ظهر الزنى والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله» [٣٥] . * الإجماع على تحريم القرض الربوي: أ - عن ابن عمر ﵁ قال: «من أسلف سلفاً فلا يشترط إلا قضاءه» [٣٦] . ب - عن ابن مسعود ﵁ قال: «من أسلف سلفاً يشترط أفضل منه، وإن كان قبضة من علف فهو ربا» [٣٧] . ت - قال القرطبي: «أجمع المسلمون، نقلاً عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا، ولو كان قبضة من علف كما قال ابن مسعود» [٣٨] . ث - قال ابن المنذر: «أجموا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا» [٣٩] . ج - وقال ابن حجر الهيتمي بعد أن ذكر أنواع الربا وعدَّ منها ربا القرض: «كل هذه الأنواع الأربعة حرام بالإجماع» [٤٠] . ح - وقال ابن حزم: «لا يحل أن بشترط أكثر مما أخذ ولا أقل وهو ربا مفسوخ» [٤١] . خ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد اتفق العلماء على أن المقرض متى اشترط زيادة على قرضه كان ذلك حراماً» [٤٢] . * الحلّ الإسلامي: ينبغي أن تعرف أنه ليس هناك مشكلة إلا وللإسلام فيها حل، وما تعاون المسلمون في حل مشكلة، معتصمين بحبل الله، إلا نصرهم الله، وأن الحلول الإسلامية للتخلص من هذه القروض كثيرة ومتعددة: - منها تأسيس جمعيات استثمارية تقوم بدفع قروض حسنة لأعضائها على أن يكون قضاؤها بالتقسيط. - ومنها إنشاء بنوك إسلامية تقوم بدفع قروض اسستثمارية لعملائها. وبحمد الله قد بدأ هذا النظام منذ سنة ١٩٦٣م في مصر. والآن بدأ انتشاره حتى في بلاد غير مسلمة. أما في بلادنا (نيجيريا) فقد بدأت المحاولات لتأسيس مثل هذه البنوك منذ سنة ١٩٨٣م. وهي الآن على وشك النجاح. ومن هذه الحلول إقامة ركن الزكاة، وتنظيم شؤونها، حتى يتمكن المسلمون بواسطتها من سد حوائج الفقراء والمساكين، وإزالة الفقر بين المجتمعات. - ومنها أن تقوم الحكومات ببناء المساكن لعمالها وبيعها لهم، على أن يدفعوا أثمانها بالتقسيط بدلاً من الإقراض لهم بالفوائد التي يسمونها بالتكاليف الإدارية. والبيع بالتقسيط أو الدفع بالتقسيط نظام مباح في الشرع، ولو بأثمان أرفع من قيمتها الأصلية. وينطبق هذا النظام أيضاً على المركوبات بأن تشتريها الحكومات وتبيعها للعمال بهذا النظام. - ومنها إنشاء مؤسسات الأوقاف، يتبرع بواسطتها المحسنون بأنواع أموال يجعلونها صدقات جارية، يستمر الانتفاع بها، ويصل إليهم ثوابها في حياتهم وبعد مماتهم. ثم إنه يجب أن نعرف أن هذه المؤسسات لا يمكن إقامتها في لحظة، كما أن جني ثمارها لا يتحقق بين صبيحة وضحاها. فلا بد إذن من الصبر والمصابرة والاستقامة حتى نصل إلى الهدف المنشود. فالبنوك الربوية التي نتكلم عنها مثلاً، بدأت محاولتها الأولى سنة ١١٥٧م (أي في القرن الثاني عشر الميلادي) في إيطاليا؛ لكنها لم تدخل إلى البلاد الإسلامية إلا في القرن التاسع عشر؛ فلو يئس أولئك المرابون من النجاح في نشرها لما وصلت إلى الصورة التي نراها اليوم.

стр. 4926

دراسات في الشريعة كيف يكون قلبك إذا اجتمع الناس حولك ..؟! د. علي بن عبد الله الصياح [*] aliasayah@maktoob.com قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بنُ يُوسف الأَصْبَهَانِيّ [١] لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ [٢] : «حَدِّثِ النَّاسَ وَعَلِّمهُم، وَلكن انظرْ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَكَ كَيْفَ يَكُونُ قَلْبكَ؟» [٣] . وقال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: كنتُ أجلسُ يومَ الجُمُعة في مَسْجِدِ الْجَامِعِ، فيجلس إليَّ النَّاس؛ فإذا كَانوا كثيراً فَرحتُ، وإذا قَلُّوا حَزنتُ، فسألتُ بشرَ بنَ منصور [٤] ، فَقَالَ: هَذا مجلسُ سوء لا تعدْ إليه، قَالَ: فَمَا عُدتُ إليهِ. وقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يوماً وقام من المجلس وتبعه الناس فَقَالَ: يَا قومِ! لا تطؤوا عَقبي، ولا تمشوا خَلْفي، وَوَقَفَ فَقَالَ: حَدّثَنا أبو الأشهب عَن الحَسَنِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بنُ الخطّاب: إنَّ خَفْقَ النّعالِ خَلْفَ الأحمق قلَّ مَا يبقي مِنْ دِينهِ [٥] . وقال عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: «أَخِّرُوا عَلَيَّ خَفْقَ نِعَالِكُمْ؛ فإنها مُفْسدةٌ لِقُلُوبِ نَوْكَى [٦] الرِّجَال» [٧] . إنَّ المُسْلمَ وَخَاصةً العالِم المُرَبّي، والدّاعية لأنَّهُما عُرْضةٌ لخَفْق النّعالِ خَلْفَهُما أكثر مِنْ غَيرهِما بحاجةٍ مُلحة لتفقد قلبه وما يَرِدُ عَليهِ مِنْ خَطَرات وأفكار وهواجس؛ فالقلبُ إنَّما سُمي قلباً لكثرة تقلبهِ. والمُسْلمُ الفطن لدينه يستشعرُ قَوْلَهُ تَعَالَى: [وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ] (الأنفال: ٢٤) إنَّ هذه الآية تستوجب اليقظة الدائمة، والحذر الدائم، والاحتياط الدائم؛ اليقظة لخلجات القلب، والحذر من كل هاجسة فيه وكل ميل مخافةَ أن يكون انزلاقاً، والاحتياط الدائم للمزالق والهواتف والهواجس. كما تستوجب التعلق الدائم بالله سبحانه مخافة أنْ يقلّب هذا القلب في سهوة من سهواته. إنَّ هذه الآية تهز القلب حقاً، ويجد لها المؤمن رجفة في نفسه حين يخلو إليها لحظات ناظراً إلى قلبه الذي بين جنبيه، وهو في قبضة الواحد القهار، وهو لا يملك من تصريف قلبه شيئاً، وإن كان يحمله بين جنبيه. وقد كَانَ أكثر حَلف النَّبِيّ ﷺ : لا، ومقلب القلوب. قَالَ البخاريُّ في صَحيحهِ [٨] : بَاب مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: [وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ] (الأنعام: ١١٠) ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عُمر قَالَ: «أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَحْلِفُ: لا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ» . وعَنْ أَنَس بنِ مَالك قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ؛ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: فَقَالَ: نَعَمْ! إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا» [٩] . فإذا كان النبي ﷺ يكثر من ذلك وهو سيّد الخلق؛ فكيف بالناس وهم غير مرسلين ولا معصومين؟! ولذا كان مِنْ دعاء الراسخين في العلم: [رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ] (آل عمران: ٨) . وقد تفاوت الفضلاء في العناية بهذا الجانب أعني ملاحظة القلب وما يَرِدُ عليه: ١- فصنفٌ لا يلتفت لهذا أصلاً، وكأنه في مأمنٍ من هذه الخطرات والواردات، بل ربما عدَّ الخوف من هذا والعناية به ضرباً من الوسوسة والتنطع. وهذا التصور فيهِ غفلةٌ عن نصوص الكتاب والسنة التي تبين أهمية القلب، وأنَّ عليه مدارَ القولِ والعملِ. وفي الحَدِيث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» [١٠] . وأدلُّ شيءٍ عَلَى أهميةِ العنايةِ بالقلب وأحوالهِ قولُه ﷺ : «أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ» [١١] . وفي الأثرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «الْقَلْبُ مَلِكٌ، وَلَهُ جُنودٌ؛ فَإذا صَلَحَ المَلِكُ صَلَحَتْ جُنُودُهُ، وإذا فَسَدَ المَلِكُ فَسَدَتْ جُنُودُهُ» [١٢] . كمَا أنَّهُ فيهِ غفلةٌ عن سير الصحابة والتابعين والعلماء المحققين الذين كانت لهم عناية عظيمة بجانب الإخلاص والصدق والخوف من الرياء والنفاق. قال البُخاريُّ في صَحيحهِ [١٣] : بَاب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لا يَشْعُرُ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ. وَيُذْكَرُ عَنْ الْحَسَنِ: مَا خَافَهُ إِلا مُؤْمِنٌ، وَلا أَمِنَهُ إِلا مُنَافِقٌ، وَمَا يُحْذَرُ مِنْ الإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: [وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ] (آل عمران: ١٣٥) . قال ابنُ رَجَب: «كان الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد قلقهم وجزعهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة فيخرجه إلى النفاق الأكبر. كما تقدم أنَّ دسائس السوء الخلفية توجب سوء الخاتمة» [١٤] . وتجد عند بعض هذا الصنف من الجرأة في إظهار النفس، وحب الشهرة ما يعجب منه الناظر، وقد قالَ إبراهيمُ بنُ أدهم: «مَا صَدَقَ اللهَ عَبْدٌ أحبَّ الشهرة» [١٥] : - فمنهم من يسجل تلاوته ليُعرف [١٦] . - ومنهم من يكتب ويؤلف ليشتهر. - وربما يحزن هذا الصنف إذا رأى فلاناً يحضر عنده المئات والألوف من النّاس، وهو لا يحضر عنده إلاّ عددٌ قليل، وربما وَقَعَ في الحسد المحرم، ورُبّما استعدى عليه الولاة كما وقع ذلك من خصوم شيخ الإسلام ابنِ تيمية. قال الشيخُ بكر أبو زيد مبيناً ذلك: «ولمَّا بلغ ﵀ الثانية والثلاثين من عمره وبعد عودته من حجته، بدأ تعرضه ﵀ لأخبئة السجون، وبلايا الاعتقال، والترسيم عليه الإقامة الجبرية خلال أربعة وثلاثين عاماً، ابتداء من عام ٦٩٣هـ إلى يوم وفاته في سجن القلعة بدمشق يوم الاثنين ٢٠/١١/٧٢٨هـ، وكان سجنه سبع مرات: أربع مرات بالقاهرة وبالإسكندرية، وثلاث مرات بدمشق، وجميعها نحو خمس سنين، وجميعها كذلك باستعداء السلطة عليه من خصومه الذين نابذ ما هم عليه في الاعتقاد والسلوك والتمذهب عسى أنْ يفتر عنهم، وأنْ يُقصر لسانه وقلمه عمَّا هم عليه، لكنه لا يرجع» [١٧] . - وهذا المُعجب لا يقنع بأن يكونَ عضواً في لجنة، بل لا بدَّ أن يكون رئيساً يُرجع إليه في هذه اللجنة. فليتنبه الدعاة الفضلاء الذين يتنافسون على رئاسة المراكز الإسلامية لهذا المدخل على قلوبهم، والذي ربما كان على حساب دينهم وقلوبهم، وَكَانَ مُحَمَّدُ بنُ إبراهيم الكَرْجيّ [١٨] ، يَقولُ لسبط أخيهِ والنّاس ينتابون بابه على طبقاتهم لسؤدده: يا أسفي على ابن أبي القاسم! سَالَ بهِ السيلُ أينَ هُوَ والحالة هذه مِنْ دِينهِ؟ وكان يقولُ إذا خلا بهِ: يا بنيَّ! عليك بدينك؛ فإن خَفْقَ النّعالِ خَلْفَ الإنسان وعلى بَابِ دَارهِ مَعَاول تهدم دينه وعقله [١٩] . - ورأيه هو الصواب المعتمد، ورأي غيره خطأ دائماً. - وأيّ كتابٍ أوْ مَقال يُعْرضُ عليه: ضعيف. - وأي محاضرة: هزيلة. - وأيّ عالمٍ أو طالبِ علمٍ أو داعيةٍ: منهجه كيتَ وكيت..، عنده قصور في كذا وكذا.. مِنْ غيرِ عَدلٍ ولا نَصَفة. فهو لا يبقي ولا يذر. عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وعنده رَجلٌ، تخوَّفتُ إنْ قمتُ مِنْ عنده أنْ يَقَعَ فيَّ، قَالَ: فَجَلَستُ حَتى قَامَ؛ فَلمَّا قَامَ ذَكرتُهُ لإيَاس قَالَ: فَجَعَلَ يَنْظر في وَجهي، وَلا يقولُ لي شيئاً حَتى فَرغتُ، فَقَالَ لي: أغزوتَ الدَّيْلمَ؟ قُلتُ: لا، قَالَ: فغزوتَ السِّند؟ قُلتُ: لا، قَالَ: فغزوتَ الهند؟ قُلتُ: لا، قَالَ: فغزوتَ الرُّوم؟ قُلتُ: لا، قَالَ: يَسْلمُ مِنْكَ الدَّيلم والسِّند والهند والرُّوم، وَلَيسَ يَسْلمُ مِنْكَ أَخُوكَ هذَا؟!! قَالَ: فلمْ يَعُدْ سُفْيَانُ إلى ذاكَ» [٢٠] . ٢ - وصنفٌ بالغَ في الحذر والتحري حتى وصل به الأمر إلى ترك بعض العبادات والعمل، وربما حصل لهذا الصنف نوعٌ من الوسوسة، وقد قال بعضُ العلماء: الوسوسة إنما تحصل للعبد من جهل بالشرع أو خبل في العقل، وكلاهما من أعظم النقائص والعيوب. قال ابنُ رَجَب: «والقدرُ الواجبُ مِن الخَوفِ مَا حَمَلَ عَلَى أداءِ الفَرائضِ وَاجتنابِ المَحَارمِ؛ فَإنْ زَادَ عَلَى ذَلكَ بحيث صَارَ بَاعِثاً للنّفوسِ عَلَى التشميرِ في نوافل الطاعاتِ وَالانكفافِ عَنْ دقائق المكروهاتِ وَالتبسطِ في فُضولِ المُبَاحاتِ كَانَ ذَلكَ فَضْلاً مَحْموداً، فَإنْ تَزايدَ عَلَى ذَلكَ بأنْ أورثَ مَرَضاً أوْ مَوتاً أوْ هَمّاً لازماً بحيث يَقْطعُ عَنْ السّعي في اكتسابِ الفضائلِ المطلوبةِ المحبوبةِ لله لم يكنْ مَحْموداً ... ، والمقصودُ الأصلي هُوَ طاعةُ الله وَفعل مراضيه ومحبوباته، وترك مناهيه ومكروهاته، وَلا نُنكر أنَّ خشيةَ اللهِ وَهيبته وعظمته في الصدور وإجلاله مقصودٌ أيضاً، ولكن القدر النافع من ذلكَ مَا كَانَ عوناً عَلى التقرب إلى الله بفعل ما يحبه، وترك ما يكرههُ، وَمَتى صَارَ الخوفُ مانعاً مِنْ ذلكَ وقاطعاً عنه فَقد انعكس المقصود منه، وَلكنْ إذَا حَصَلَ ذَلكَ عَنْ غَلَبة كَانَ صاحبه مَعْذوراً» [٢١] . ٣ - وصنفٌ توسط واعتدل فلم يُغِفل هذا الجانب، وكذلك لم يبالغ في الحذر، بل يعملْ ويدعُ، ويتحرز من تقلُّب القلب؛ فهو دائماً يدعو: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ. وَمِنْ عَلاَمةِ هذا الصنف أنَّه لا يبالي إذا ظَهَرَ الحق والخير على لسان مَنْ كان. قال الإمام الشافعي: «ما كلمت أحداً قط إلا أحببت أن يوفَّقَ ويُسدَّد ويُعان، وما كلمت أحداً قط إلا ولم أبالِ بَيّنَ الله الحق على لساني أو لسانه» [٢٢] ، وقال أيضاً: «ما ناظرت أحداً قط فأحببت أن يخطئ» . فأسأل الله تعالى مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ أنْ يثبتَ قَلْبِي وَقَلْبَكَ عَلَى دينهِ، وأنْ لا يزيغه عَنْ سبيل الهدى والإيمان بعد أنْ هداه.

стр. 4927

دراسات تربوية الإيمان هو المنقذ د. عبد المجيد الزنداني إذا استعرت الأهواء في النفوس، وحُطّمت القيم، وتجاوزت الحدود؛ فإن الإيمان هو المنقذ من جحيم تلك الأهواء التي تدمر حياة البشر وتفسدها، وإذا ازدحمت النظريات المتناقضة، واحتجبت الرؤيا الصحيحة، وأُعجب كل ذي رأي برأيه، وأظلمت الطرق فإن الإيمان هو المنقذ. وإذا حيكت المؤامرات لتلبيس الحقائق وإحباط الهمم وتفريق الصفوف واستدراج الشعوب فإن الإيمان هو المنقذ. وإذا أحاطت الجيوش، ونصبت المنصات لإطلاق الصواريخ، وزمجرت الطائرات، وصوبت المدافع فإن الإيمان هو المنقذ. يقول كثير من الناس: هل هذا صحيح؟ وهل يمكن أن يكون؟ وهيّا لنرى الجواب: إن النفس البشرية قد جُبِلت على حب الخير والاستكثار منه، والخوف والفرار من الأخطار والاحتياط من الوقوع فيها، وليس من الخير مثل الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر كما وصفها الله بقوله: [فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (السجدة: ١٧) ؛ فهي دار الخلود التي يتحقق فيها كل ما تشتهي الأنفس، وليس من الخطر مثل النار التي وقودها الناس والحجارة التي قال الله في أهلها: [وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ] (فاطر: ٣٧) . وإذا استقر الإيمان بحقيقة الثواب والعقاب هذه في النفس البشرية انطلقت تلك النفس لممارسة الأعمال الصالحة رجاء الفوز بنعيم الجنة، وأحجمت عن الانطلاق وراء الأهواء والشهوات خوف الوقوع في النار. وعندئذٍ يفيض الخير في المجتمع فيضاً، ويغيض الشر فيه غيضاً، وتنجو البشرية من شر النفوس ونزعاتها المدمرة لحياة الأفراد والجماعات، لكن ذلك كله يتوقف على تحقق الإيمان بالوعد والوعيد. وإذا استقر الإيمان في النفس البشرية علم صاحبها أن له خالقاًً عليماً قد أحاط بكل شيء علماًً، حكيماً يهدي إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، عدْلاً لا يظلم الناس شيئاً، خبيراً بدخائل النفوس وخفاياها، وأن ما جاء من عنده هو الحق الذي لا يشوبه باطل كما قال تعالى: [فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الحَاكِمِينَ] (التين: ٧-٨) . وكما قال تعالى: [الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى] (النجم: ٣٢) ، وكما قال تعالى: [قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه] (البقرة: ١٤٠) . وعندئذٍ تتجلى أنوار الطريق المستقيم الذي لا تغشاه ظلمة نظرية قاصرة وفكرة بشرية محدودة، فتنجو البشرية من التخبط في ظلمات النظريات القاصرة والأفكار المشحونة بالأهواء الجائرة، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور كما قال تعالى: [اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ] (البقرة: ٢٥٧) ، وكما قال تعالى: [وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (المائدة: ١٦) . فيضع المؤمن رأيه متخلياً عن إعجابه وغروره برأيه معتصماً بالهدى الذي جاءه من خالقه، فيجتمع الناس على طريق واحد يعصمهم من كل زيغ وجهل وضلال. وإذا تحقق الإيمان في مجتمع من المجتمعات تولاه الله ودافع عنه كما في كتابه بقوله: [إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ] (الحج: ٣٨) ، فتتحطم شباك المكر والخداع التي يمكر بها الكافرون بالمسلمين كما قال تعالى: [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] (الأنفال: ٣٠) . فتنفضح مؤامرات وتنكشف خيانات، وتسقط أقنعة وينجلي الصدق وأهله، ويتمايز الخبيث من الطيب والصادق من الكاذب، ويحتشد جميع المؤمنين صفاً واحداً معتصمين بحبل الله تاركين أسباب الفرقة والاختلاف كما أمرهم الله بقوله: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا] (آل عمران: ١٠٣) . وإذا تمكن الإيمان في النفوس وتحقق في واقع الحياة عبادة صحيحة وأخلاقاً نبيلة وسلوكاً مستقيماً ودعوة صادقة استحق المؤمنون ما وعدهم الله به؛ والله لا يخلف الميعاد. وقد وعد الله المؤمنين إذا صدقوا في إيمانهم، وقاموا بما أوجب عليهم بوعود لا تُخلف. وعد الله المؤمنين بالنصر على أعدائهم: [وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ] (الروم: ٤٧) . ووعد الله المؤمنين بالعزة فقال: [وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] (المنافقون: ٨) . ووعد الله المؤمنين بأن يتولاهم فقال: [اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا] (البقرة: ٢٥٧) . ووعد الله الذين آمنوا بالتمكين في الأرض والاستخلاف فقال تعالى: [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] (النور: ٥٥) . ويتساءل الناس: أيقع كل هذا مع نقص الأسباب وغياب المؤهلات المادية؟ والجواب ما حدَّث به التاريخ: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. والله لا يعجزه شيء فهو القائل: [وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ] (الأنفال: ٥٩) . فهيَّا إلى الإيمان نثبته في قلوبنا بالعلم والبينات، ونعلنه بألسنتنا وأجهزة إعلامنا، ونطبقه بأفعالنا. وبهذا يتضح أن الإيمان هو المنقذ من كل ما نشكوه.

стр. 4928

نص شعري البشارة د. عبد الرحمن بن صالح العشماوي إذا رمى الليلُ بظلمائه ... فوق الروابي واعتزى بالرياحْ واغتال آمال القلوب التي ... تبحث عن نورٍ يداوي الجراحْ وغيَّب البدر المنير الذي ... يسكب في الظلماء روح انشراحْ وغرَّر الأنجم حتى غدتْ ... أضواؤها مسكونةً بالكُساحْ وحاصر الأطيارَ في وكرها ... حتى جفاها، أو جفتْه الصُّداحْ ومدَّ رجليه على أرضنا ... وظلَّ يستنزف صَبْرَ البطاحْ إذا رأيت الليل مستوحشاً ... يُتيح للأحزان ما لا يُتاحْ يعلِّق الجوزاءَ في كفِّه ... يخرق عينيها بأقسى الرِّماحْ يُغلق أبوابَ الثريَّا التي ... غنّى بها الشعرُ الغناءَ المباحْ إذا رأيتَ اللَّيلَ في زَهْوه ... وقد تعالى فيه صوتُ النُّباحْ واستنسرتْ فيه البُغاثُ التي ... يعجبها في الليل خَفْقُ الجناحْ وصار كهفاً مُرعباً مظلماً ... فبشِّر الدنيا بنور الصباحْ

стр. 4929

نص شعري وأحياناً نجاح عبد القادر سرور وأحياناً.. يكاد اليأس يهزمني.. فأهربُ نحو صدر الآي.. يحويني.. وبالإيمان يرضعني! .. وفي حجْرٍ من التقوى.. ... يهدْهدني! .. * * * وأحياناً.. أرى الأحزان قد أخذتْ.. مجامع ثوبي البالي لِتخنقني! .. فأهربُ.. نحو مسجدنا.. وأُمْسِكُ.. ذيْل جلبابِهْ! .. فيرفعني بِكفّيْهِ.. ويطويني بركعاتٍ.. ... ويغسلني! .. وأحياناً.. يطيل الهمُّ تسهيدي يكاد الهم يقتلني! .. ولكني.. أهرول نحو جنب الله.. يحميني من الدنيا.. وبالإيمان والتقوى.. ... يُظلِّلُني! .. * * * وأحياناً.. أرى الأبواب قد صُكّتْ.. أدُقُّ.. أدقُّ.. لا جدوى.. وأصرخ صرخةً ثكْلى.. فلا النجوى تلبّيني.. ولا الدنيا.. تواسيني.. فأهربُ.. نحو ذِكْر اللهِ.. يمسحُ.. فوق رأس القلب في رفقٍ.. ويفتح كلَّ أبوابي.. بمفتاحٍ من التقوى.. ويحملني.. إلى بيتٍ.. من الفردوس يؤويني.. ... وأسكُنهُ.. ويسكنُني! .. * * * وأحياناً.. وأحياناً.. ولكني.. أهرول نحو حِضن الحق.. يحضُنُني.. ويجعل توبتي طفلاً.. من التقوى.. ... يُقبِّلُني! ..

стр. 4930

قضايا دعوية رب همة أحيت أمة بإذن الله خباب بن مروان الحمد لله درُّ المتنبي حين قال في ميميته الرائعة مادحاً الباحثين عن المتاعب بلا ملل ولا سأم: عجبت لمن له حد وقد ... وينبو نَبْوة القضم الكهام ومن يجد الطريق إلى المعالي ... فلا يذر المطي بلا سنام ولم أر في عيوب الناس عيباً ... كنقص القادرين على التمام يرتسم في هذه الأيام على وجوه الكثير من أبناء المسلمين حالةٌ مرعبة من الحزن والكآبة، ويسري في نفوسهم دخان الهزيمةَ والوهن؛ وذلك لما يرونه أو يسمعونه في وسائل الإعلام العالمية بشتى أنواعها، عن صور لمآسي المسلمين في أصقاع المعمورة؛ فمنهم المقتول قتلاً لا يحتمل المسلم أن يراه، ومنهم الذي سجن في صورة تأبى النفس البشرية أن تراها لحيوان فضلاً عن أن تراها لإنسان له شعوره وأحاسيسه، ومنهم تلك الثكلى التي فقدت زوجها وأبناءها تحت البيت الذي هدمته أسلحة الدمار التي لا ترحم، وتلك المنكوبة تبكي وتتأوه..... ولا نصير!!! صور تتعدد، ومآسٍ تتكرر، اعتادت العين على رؤيتها، والأذن على سماعها. في ظل تلك الأحداث المفجعة، والأزمات الموجعة، وفي أزمة الصراع العالمي بين الإسلام والكفر، وفي عصر الانقسامات والحزبيات، وفي زمن اليأس والقنوط الذي خيم بكلكله على قلوب كثير من المسلمين، وأطبق على أفئدتهم.. في ذلك كله ... ألا يجدر أن تتحدث الأقلام عن أهمية بروز القائد الذي يصنع الأجيال، ويربي الأبطال، ويبرز المواهب، ويصقل النفوس فيربيها على الإيمان والجهاد، ويعيد إكسير الحياة العزيزة إلى قلوب حطمتها أمم الكفر، وأذاقتها مر الويلات. القائد الذي تنبع أفعاله وأقواله من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، ويحكم الناس بلا إله إلا الله؛ فهي شريعة كاملة ومنهج حياة. القائد الذي يمسك بزمام المبادرة لنصرة الإسلام، ويتحدث أمام العالم أجمع بأن المسلمين هم الأحق بالصدارة والريادة على جميع الأمم. القائد الذي يزأر لصرخات المنكوبين، ويستعلي على علو الطغاة والكافرين، وتستروح النفوس لسماع كلماته، وجميل عباراته في إغاظة أعداء الدين. ذلك القائد الذي يبدأ مفعوله من همة تحاكي القمة، وعزيمة تصنع الإباء، وجرأة بحكمة يسطرها التأريخ. إنه أمل لأمة تحلم به منذ زمن بعيد، ويا له من أمل! أمل إليه هفت قلوب الناس في الزمن البعيد. أمل له غور القديم كما له سحر الجديد. وبعد هذه الطرق لأوصاف هذا القائد الذي ينتظر المسلمون قدومه من وقت مديد، فإني وبكل صراحة أقول: أيها القارئ الفاضل إنني أخاطبك بكل شفافية وهدوء..... أخاطب فيك عقلك الكريم، ونفسيتك الجذابة، وهمتك الوثابة، فأقول: لِمَ عَوَّدْنا أنفسَنا منذ أن خُلقنا لحالات الترقب والانتظار في أي شيء سيحصل للمسلمين، وأبعدْنا النُّجعةَ عن العمل لهذا الدين، وصناعة الحدث، وصياغة القرار؟ عذراً؛ فهذه هي الحقيقة، ولا بأس أن تطرح لتعالج، وقد قيل: (المؤمنون نَصَحَة، والمنافقون غَشَشَة) ؟ لماذا إذا قرأنا عن القائد الذي سيقود الأمة إلى بر السلام والأمان قلنا: ومتى يأتي؛ فلطالما انتظرناه، وهفت قلوبنا للقياه؟ وهو ابن من؟ وما أوصافه؟ وما هي مؤهلاته؟ ومن أي بلد هو؟ وأين يقطن؟ .. إلى غيرها من الأسئلة والاستفسارات التي ترطن بها ألسنتنا، وتبوح بها أفئدتنا، ونبقى نكررها إلى أن يوافينا الأجل. ألم تفكر - أيها الأخ الكريم - أن تكون هذا الرجل المنتظر، والقائد المظفر؟!! نعم! لِمَ لا يكون هو أنت؟!! فيغير الله على يديك ميزان التاريخ لصالح المسلمين، ويصلح بك الرحمن هذا العالم، بعد همة ومثابرة وعزم وتصميم وعلم وعمل؟ لقد حان هذا الوقت لتضرب بيدك على صدرك، قائلاً بأعلى صوتك للقيادة القادمة: أنا لها.. وتردد منشداً: ما دام عرقي نابضاً ... لن تعرف النفس ارتياح إنها صناعة الحياة، وصياغة النجاح التي تجعلك كبيراً عند ربك، وكبيراً في تفكيرك، وكبيراً عند مجتمعك، بل كبيراً في كل شيء. تخرج للناس لتعلمهم درساً لن ينسوه بأنه (رب همة أحيا الله بها أمة) ، تخرج لهم وتقول: بُغْضُ الحياة وخوفُ الله أخرجني ... وبيع نفسي بما ليست له ثمنا إني وزنت الذي يبقى ليعدله ... ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا وكأني بسؤال يدور في خيالك، ويسيح في بالك، فينطق به لسانك قائلاً: وهل أنا أصلح لهذه القيادة، ثم هل أستطيع بفردي أن أنفع أمة الإسلام، وأصلح على يدي فئاماً من البشر قد ركنوا إلى الدنيا وابتعدوا عن منهاج ربهم الذي رسمه لهم.....؟ فأقول لك بملء فمي: نعم!! فلِمَ الاحتقار للذات، والانكفاء على النفس، والعزلة عن فعل الخير، والانكماش والانغلاق، وعدم محاولة الإصلاح والكفاح؟! ودعني أوضح لك حقيقة لا بد أن أبين عورها، وأكشف ضررها، وهي: إن من مشكلات هذا الزمن الصعب (مشكلة التفكير الخاطئ) ؛ وذلك بأن يرسم المرء لنفسه خطة يسير عليها في حياته، ومن ثم يطبقها على أرض الواقع، وهي من ألفها إلى يائها غلط في غلط ... وخذ مثلاً: ها أنت ترى بعضاً ممن هم حولك يقولون في مجالسهم إننا في زمن انطبق فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» [١] . ثم يسوقون أحاديث العزلة التي ذكرها الخطابي، وابن أبي الدنيا - رحمهما الله - في كتابيهما (العزلة) ، ومن ثم يقولون: نحن في زمن جدير بنا أن نعتزل أهل الفساد في شرهم؛ فلن نستطيع التغيير، ولن يجدي الإصلاح شيئاً. مرددين قول الشاعر: ذهب الذين يُعاش في أكنافهم ... وبقيتُ في خَلَفٍ كجلد الأجربِ ثم يختمون أمسيتهم بقولهم: ما أجمل ما قاله سفيان الثوري ﵀: ما العيش إلا القفل والمفتاحُ ... وغرفة تصفقها الرياحُ ... لا صخب فيها ولا صياحُ ... وأنا لا أتكلم من واقع خيال؛ فإن هذا واقع بعض أهل الاستقامة والديانة، والذي ذكرته آنفاً تشخيص لمثل من مشكلات التفكير المخطئ لأي عمل يراد القيام به، سُقته لك لمناسبته للمقام. ولا شك أن تلك العقلية ليست هي عقلية المجدد القيادي الذي يقيم الله به الدين، وينصر به الملة. غير أنه من الجيد أن يعرف الإنسان نفسه؛ فبعض الناس وهم قلة ولله الحمد لا يستطيعون الإصلاح، ويخشون على أنفسهم من الفتن، ويرون أن السلامة هي الابتعاد عنها، وعدم مخالطة أهلها، وهذا علاج نافع لهم، (ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه) لكن من الخطأ ظن بعضنا أن الذي يعتزل الناس ولم يصبر على أذاهم أفضل من ذلك الذي يخوض معامع المعارك، وصولات الحق على الباطل، ومراغمة الكفار وأهل البدع، ومناصحة المؤمنين، وتعليم الناس العلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح في جميع نواحي الحياة. كلاَّ.. فلا مقارنة بين عابد معتزل، وقائد يقود الناس بالكتاب الهادي، والسيف الناصر مع الأذى والابتذال؛ فأين الشرق عن الغرب، وأين السماء عن الأرض؟! لذا قال النبي ﷺ : «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» [٢] . وعوداً إلى كلام بدأت به: فأنت تستطيع أن تعمل، وتكون قائداً ينفع الله بك؛ وكل الذي تحتاج إليه أن تنفث في واقعك همة من هممك، وتحاول أن تصلح وتغرس، فتحيي الموتى في حياتهم، وتستنهض همم الباقين. فانهض؛ فقد طلع الصباح ولاح مُحْمَرُّ الأديم! فإن الناس في سبات عميق، وبُعدٍ عن منهج الله ودينه سحيق، هذا مع تبلد الإحساس، وحب الدَّعة والراحة، والله المستعان. تبلد في الناس حب الكفاحِ ... ومالوا لكسبٍ وعيش رتيب يكاد يزعزع من همتي ... سدور الأمين وعزم المريب وقد مضى عصر الكسل والنوم والخمول، وأقبل عصر العمل والتعب؛ فلا خمول........ وكأني بك قد اقتنعت بما كتبت، ولكن بقي لديك إشكال وهو قولك: كيف وأنا فرد أستطيع أن أهدي أمة من الأمم، وأصلح شعباً من الشعوب، أو أقود المسلمين بالإيمان والجهاد ... كيف يكون ذلك؟! فأجيبك جواباً يشفي غليلك، ويحل إشكالك؛ حيث سأذكر موقفين ذكرهما الله في كتابه العظيم تكمن فيهما الإيجابية الفعالة في المبادرة الذاتية للإصلاح والتغيير، وأعقبهما بموقف ثالث لأحد صحابة رسول الله ﷺ . وأذكر هذه المواقف الثلاثة حتى نعلم أن من يريد العمل والإنقاذ فإنه لا بد أن تظهر تلك السمة القيادية على أفعاله ولو كانت حشرة أو طائراً. ولا تستغرب ذكري لهما؛ فإنهما المثلان الأولان اللذان سأذكرهما؛ حيث أشاد الله بإرادتهما الإصلاحية، فلا بأس أن تقتفي أثرهما في همة الإصلاح، وإياك واحتقار ذاتك بقولك: (ومن أنا حتى أقود وأسود، وأصلح وأجدد؟) فإن هذا (ورع بارد) كفاك الله شره. * الموقف الأول: تأمل وأنعم النظر في موقف النملة الإصلاحي في هذه الآيات الكريمة من سورة النمل؛ بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: [وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ] (النمل: ١٧-١٩) . ومن هذه الآيات الكريمة نستنبط عدة فوائد منها: ١ - أن هذه النملة مفردة، وقد ذكرها الله في كتابه بصيغة التنكير؛ فهي نكرة في قومها كما هو ظاهر الآية؛ فليست ملكة أو وزيرة بل هي نملة من عوام النمل. ٢ - هذه النملة أتت إلى قومها صارخة فيهم منذرة، قائلة: [يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ] ، فأخبرتهم بقرب وقوع خطر سيحيق بهم ويقضي عليهم وهم لا يعلمون. ٣ - أن النملة لم تكتف بالإنذار بأن هناك خطراً سيداهم عشيرتها ثم تصمت كما هو حال بعض المسلمين اليوم يعي أن عدوه سيأتيه فلا يكون حاله إلا أن يصيح قائلاً: (احذروا الكفار؛ فإنهم قادمون) ، ثم يرجع إلى فراشه ويغط في نوم عميق دون أي عمل يدفع به كيد الكفار. إن هذه النملة لم تتقن فن الكلام فحسب، بل وضعت خطة لقومها، فقالت: [ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ] ورأت أن المصلحة في كيفية درء المفسدة عن قومها بتبيين طريق النجاة لهم حتى لا يضلوا فيقعوا في شباك الصيد، وتحت وطأة أقدام الجيش القادم. ٤ - والمعتبر بحال النملة يجد أن عندها نسيج الولاء لقومها، ومحبتهم كما تحب نفسها؛ فليست أنانية، بل تحب الخير لقومها، ولذا أنذرتهم جميعاً ولم تقل: (دعهم يهلكوا وهذا جزاؤهم؛ لأنهم لم يهتموا بحراسة أنفسهم) كلاَّ؛ بل أنذرتهم جميعاً، ولم تستثن أحداً. ٥ - ومن الفوائد أن هذه النملة لم تنتظر أن يأتي أحد من قومها أو ممن يحرس وادي النمل ذاك، ويخبر النمل بأنه سيأتي جيش يحطمنا ويبيدنا، بل كانت عندها روح المبادرة الذاتية، في المسارعة إلى إنقاذ قومها وإقصائهم عن مواطن الهلاك. ٦ - عند قوله تعالى: [وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ] وقفة قصيرة مع هذا الاعتذار العجيب من هذه النملة الذكية؛ حيث ذكرت أن جند سليمان ﵇ القادم قد يهلك النمل، وهم لا يشعرون بأن تحت أقدامهم وادياً من أودية النمل؛ فهذا الجيش لا يتعمد قتلنا، ولا يريد تحطيمنا عن قصد. فتأمل هذا التحذير ثم الاعتذار؛ فالنملة تعلم أن سليمان ﵇ نبي رحيم، لا يحب الشر للخلق أو يضمره لهم؛ فلنتأسَّ بها في اعتذارنا لمن أخطأ في حقنا وهو لا يقصد سواء بقول أو بفعل، أو لم يشعر بخطئه ذاك. ٧ - وبالنسبة لتبسم سليمان ﵇ فإما أنه تبسُّمٌ منه لهذه النملة العجيبة التي خافت على قومها وأنذرتهم بخطر قد يداهمهم، وإما لاعتذارها لجند سليمان بالثناء؛ فإن قولها: [وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ] وصف لهم بالتقوى والتحفظ عن مضرة الحيوان، وإما أنه تبسم لإدراكه ما قالت تلك النملة وهي نعمة من الله عز وجل أنعم بها على سليمان ﵇ وهي معرفته للغة الحيوان وفهمه لكلامه، ولذلك أعقب سليمان ﵇ ذلك التبسم بشكر نعمة الله عليه، ومعرفة لحقه. (وما ذكرته للمراد بهذا التبسم فهو مجموع لتفسير أهل العلم لحقيقة ذلك التبسم؛ والله أعلم) . فانظر - أيها الأخ - إلى هذا الموقف ودقق النظر فيه لعلنا أن نتأسى به ونعتبر، ونعلم أن على الفرد مسؤولية يجب القيام بها، وأنه يستطيع أن يقود أمة كاملة بحسن تصرف وجميل تعبير. ولو خرج المتأمل لهذه القصة بفائدة صحبة معلمي الخير لقومهم والمصلحين لأمتهم والابتعاد عن رفقاء السوء، ومتربصي الشر والفتن لخرج بفائدة لا ينساها طوال حياته، وقد قيل: لا تصحب الكسلان في حالاته ... كم صالح بفساد آخر يفسد عدوى البليد إلى الجليد سريعة ... كالجمر يوضع في الرماد فيخمد فإياك ومصاحبة البطالين، وأهل الزيغ والهوى والنفاق؛ فإنه سم ناقع، وعلقم مر. * الموقف الثاني: وهذا موقف آخر أنقلك به إلى موجة أخرى من موجات الإصلاح وعمليات التغيير لكي ترى أن من في قلبه شعلة إيمانية فلن تنطفئ عندما يرى الظلام المخيم على أكثر أهل الأرض من الكفر والنفاق. وزبدة ذلك أن سليمان ﵇ حينما كان يتفقد الطير ولم يجد الهدهد قال بلهجة حادة: [مَا لِيَ لاَ أَرَى الهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الغَائِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ] (النمل: ٢٠-٢١) ، فجعل سليمان ﵇ هذا العقاب للهدهد إما بالعذاب الشديد أو الذبح المريع له، أو أن يأتي بخبر مبين، وبينما هو كذلك جاء الهدهد وكان متأخراً لمهمة أحاط بها علماً ولم يعلمها سليمان ﵇ فقد جاء من سبأ بنبأ لا شك فيه. ومن قوة ملاحظته لنبأ سبأ أنه وجد امرأة تملكهم ولعل هذا من استغرابه وأنها أوتيت من كل شيء من الرخاء والترف والحياة المخملية، وفوق ذلك كله عرش تجلس عليه. والطامة الكبرى، والأصل الأصيل الذي أدى إلى تأخر الهدهد عن الحضور مبكراً أنه رأى تلك الملكة وقومها يعبدون الشمس من دون الله، وهو شيء تأباه العقول السليمة والفطر المستقيمة؛ فكأن تلك العبادة استوقفت ذلك الهدهد عن الطيران والتبكير للمجيء في موعد تفقد سليمان ﵇ لجنده. ثم بين الهدهد عقيدته صادحاً بها أمام سليمان ﵇ بقوله: [أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ] (النمل: ٢٥) . ويا له من درس عظيم ألقاه هذا الهدهد في التوحيد لا يعلمه كثير ممن ينتسب إلى الإسلام. ومع ذلك كله قال سليمان ﵇: [سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الكَاذِبِينَ] (النمل: ٢٧) فابتلى الله الهدهد بعد تصديق سليمان ﵇ له؛ وذلك يشي - والعلم عند الله - أن صاحب الدعوة إلى توحيد الله لا بد أن يبتلى في حياته، وأن دعوته تلك لن تمر دون تمحيص وابتلاء ليعلم الله الصادق من الكاذب. وبعد عدة مراسلات من سليمان ﵇ لتلك الملكة، أقرت بوجود الله وألوهيته على الخلق أجمعين، وأنه لا مستحق للعبادة قط إلا هو سبحانه؛ وذلك بقولها: [وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ] (النمل: ٤٤) . فتدبر - أيها اللبيب - فعل ذلك الهدهد الغيور على التوحيد، وارجع البصر كرتين في تأمل موقف ذلك الطائر؛ فقد سرى بدمه حب (لا إله إلا الله) ودافعية الدعوة إليها، والصبر على الابتلاء فيها؛ فأين نحن وغيرتنا على دين الله من الهدهد؟ وتالله إنه لمشروع عظيم قام به هذا الطائر ليصلح الله به أمة كانت تعيش في مستنقعات الكفر، وبيداء الضلالة، فإياك إياك أن يحمل هذا الطائر همَّ دين الله في صدره أكثر منك أيها الموحد، وقد وصاك الإمام أبو معاذ الرازي ﵀ بذلك فقال: (لا يكن الهدهد أغير منك على التوحيد) . ضربت لك هذين المثلين ليتضح لك أنه قد يصنع المواقفَ الجبارة حشرة أو طائر؛ فما بالك بإنسان أعطاه الله جميع الصفات والقوة العقلية والجسدية، إنه يستطيع بدون أدنى ريب أن يصنع الكثير، وأن يبدع الإبداع العظيم، ولو كان مشلولاً أو أعمى، فإن عنده العقل وهو آلة التفكير ومصنع العمل. وما أنت بالمستسيغ القعود ... ولو قيدوك بهذي الحفر وهاك مثلاً ثالثاً لرجل من الصحابة ﵃ أنقذ الله على يديه المسلمين من أزمة كادت أن تعصف بهم، وتوقعهم في أحلك الأمور وأصعب المواقف. * الموقف الثالث: وهو موقف الصحابي الجليل: نعيم بن مسعود ﵁ فقد أسلم في غزوة الأحزاب، التي صور الله حالة الصحابة فيها بالقرآن تصويراً واضحاً، وكيف أن الكفار أحاطوا بمدينة الرسول ﷺ وبصحابته الكرام، وجنده الأبرار إحاطة السوار بالمعصم، فقال تعالى: [إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً] (الأحزاب: ١٠-١١) . وقد بانت في هذه الغزوة صورة المنافقين الكالحة، وصفاتهم القبيحة؛ حيث قالوا: [مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً] (الأحزاب: ١٢) . وفي معترك الأحداث التي اشتبكت فيها الأمور، واختلط فيها الحابل بالنابل، صنع الله - تبارك اسمه - كما قال ابن القيم في زاد المعاد (٣/٢٧٣) أمراً من عنده، خذل به العدو، وهزم جموعهم، وَفَلَّ حَدَّهُمْ، فكان مما هيأ الله من ذلك: أن رجلاً من غطفان يقال له: نعيم بن مسعود بن عامر ﵁ جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول الله! إني قد أسلمت؛ فمرني بما شئت» . ولم يكن لرسول الله ﷺ إلا أن يقبل إسلام ذلك الصحابي الجليل، ثم قال له بعد أن طلب منه نعيم بن مسعود أن يأمره بما شاء: «إنما أنت رجل واحد؛ فخذِّلْ عنا ما استطعت؛ فإن الحرب خدعة» . فألهم الله هذا الصحابي أن يفعل فعلة يسطرها له التأريخ في أنصع أوراقه، وأجمل افتخاراته، وخلاصتها: أنه ذهب إلى اليهود وإلى قريش والقبائل التي تمالأت على حرب الرسول ﷺ ، فأفسد كل طائفة على صاحبتها، حتى جعلهم أعداءً، وفرَّق كلمتهم، وأضعف ثقة كل فئة بالأخرى، فتخاذلوا جميعاً عن الحرب، ثم أرسل الله عليهم جنداً من جنده من الريح العاصفة، والملائكة المرسلين فقوضت خيامهم، ولم تدع الريح قدراً إلا كفأتها، ولا طنباً إلا قلعته، وكفى الله المؤمنين القتال. فله الحمد [٣] . وكان بداية غيث المسلمين بالنصر هي همة نعيم بن مسعود، ﵁؛ فقد أسلم، ثم فكر وقدر، فنِعْمَ ما قدر؛ فسلام الله عليه؛ فلم يكثر الكلام، بل جعل الجوارح تتكلم وتعمل، وصح فيه قول الشاعر: وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مَذِقُ اللسان يقول ما لا يفعلُ وإلى هنا أتوقف عن ذكر المواقف التي تثير همم الفطناء، وتاريخ المسلمين مليء بمثل هذه المواقف الفردية العظيمة. وكأنهم جميعاً يوصون بما قاله الأول: وكن رجلاً من أتوا بعده ... يقولون مَرَّ وهذا الأثر وللعلم فإني لم أذكر مواقف الأنبياء العظماء - عليهم الصلاة والسلام - فمواقفهم كثيرة لا تحصر، ولكن خشية إن ضربت بهم مثلاً أن يقول أحد: ومن نحن عند هؤلاء الأنبياء العظام؟! عليهم الصلاة والسلام. لذا ضربت أقل ما نرى في هذا الوجود همة مثل النملة والهدهد، ثمَّ أحد المواقف البشرية التي قام بها أحد الصحابة ﵁ لعلها تقدح في أنفسنا نسائم الإرادة، وليعلم المسلم سبب وجوده في الحياة؛ فلم يُخلق عبثاً، بل خلق للعمل والعبادة والابتلاء والتمحيص ... فلا بد من استشعار المسؤولية الفردية التي كلفه الله بها؛ فقد قال تعالى: [فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (الحجر: ٩٢-٩٣) ، وقال: [وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ] (النحل: ٩٣) وقال تعالى: [إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَداًّ * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْداً] (مريم: ٩٣-٩٥) . ثم إنه تعالى أوصانا بالعمل جميعاً، فقال: [وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ] (التوبة: ١٠٥) ؛ فالعمل لهذا الدين مسؤولية الجميع. أيا صاحِ هذا الركب قد سار مسرعاً ... ونحن قعود ما الذي أنت صانع؟ أترضى بأن تبقى المخلَّفَ بعدهم ... صريعَ الأماني والغرام ينازع فـ[ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ] (ص: ٤٢) . وما أجمل ما خطته يد ابن الجوزي حين كتب: (أول قدم في الطريق: بذل الروح ... هذه الجادة؛ فأين السالك؟!!) [٤] . وهناك ثمة تساؤلات يسألها المرء نفسه: (كيف العمل، وبماذا أبدأ، وكيف أخطط؟) فأقول: انظر إلى هديه ﵊ وسيرته في كيفية العمل لهذا الدين، وتجميع الناس تحت عقيدة الإسلام، ومحاربة المناوئين لهذه العقيدة؛ ولذا دخل الناس في هذا الدين راضين مقتنعين، وحج معه ﷺ في حجة الوداع أكثر من مائة وعشرين ألف صحابي ﵃ أجمعين - وكل ذلك بعد توفيق الله من إرادة جبارة، وهمة وثابة ... [فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ] (الأنعام: ٩٠) . لا تقل كيف ولا أين الوصول ... واتَّبع خير الملا ذاك الرسول واقرأ سير المصلحين والقادة، واستفد من تجارب الباقين، واسأل الله أن ينفع بك الإسلام، وتعلق بالله ولا تتعلق بأحد سواه. ولا تلتفت هنا أو هناك ... ولا تتطلع لغير السماء واسأله تعالى أن يجعلك مباركاً حيثما كنت؛ فقد كان هذا حال عيسى - عليه الصلاة والسلام - حين قال: [وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ] (مريم: ٣١) . فكن كالغيث أينما حل نفع. وإن أول البداية هي أن تبدأ بنفسك؛ وفي المثل: احرص على إصلاح الذات قبل إصلاح الذوات ... ومن قاد نفسه قاد العالم. وانشط لدين الله لا تكن متكاسلاً ... واعمل على تحريك ما هو ساكن فإن كان في نفسك كسل أو خمول، أو بدع وضلالات وشركيات، أو معاصٍ وانحرافات، فابتعد عنها وغيِّر ما بنفسك من تلك النواقص؛ فلعل الله أن يغيِّر بك حال المسلمين، وينفع بك في مواطن كثيرة تسعد بها إذا رأيتها مكتوبة في صحائف عملك يوم القيامة و (حَرِّكْ تَرَ) . لكن عليك بامتلاك الإرادة والهمة: إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإن فساد الرأي أن تترددا وأول الغيث قَطْرٌ؛ فكيف تطمح إلى العمل لهذا الدين ولم تتمكن الإرادة من سويداء قلبك، ولم تعزم على استسهال المصاعب، وتيسير العويص..... فإن كنت ذا همة فستقول قطعاً: لأستسهلن الصعب أو أدركَ المنى ... فما انقادت الآمال إلا لصابرِ وحذار من التسويف؛ فإنه رأس الأماني، وداء العمل، وقاتل الهمم، وحجة المفلسين. فلا تبق فعل الصالحات إلى غدٍ ... لعل غداً يأتي وأنت فقيدُ بل ردد بكل قوة وعزم: أليس من الخسران أن ليالياً ... تمر بلا نفع وتحسب من عمري وصح في الآفاق: سأنفق ريعان الشبيبة دائماً ... على طلب العلياء مع طلب الأجر وبقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى، ومن يعرف المقصود يحقر ما بذل، ومن المقت إضاعة الوقت، ولكل جيل قيادته؛ فلنكن خير قادة لجيل الحاضر والمستقبل؛ وذلك كله بالتعاون والتكامل لا بالمطاحنة والتآكل، فالجاهلية المنظمة لا يقلبها إلا إسلام منظم، ولتكن وحدتنا واجتماعنا على كتاب الله وسنة رسوله، وتحت لواء أهل السنة والجماعة، فوحدة صفنا تكون معهم لا مع غيرهم من أهل البدع المنحرفين، أو الفرق الضالة. وختاماً: ما أجمل كلام الإمام محمد الخضر حسين في كتابه الرائع (السنة والبدعة) .. حين كتب: (وإنما يتحد المسلمون تحت راية من يحترمونه لعدله واجتهاده في الحق جهاداً يطمس على أثر الباطل، وإنما يقيم أحكام الشريعة على وجهها من يكون في لسانه حجة وفي يده قوة) [٥] .

стр. 4931

وقفات إصلاح المفسدين ! أحمد بن عبد الرحمن الصويان التبعية للغرب أصبحت سمة يتزين بها بعض المنتسبين إلى المثقفين الليبراليين، والطريف في الأمر أن رؤيتهم للغرب رؤية انتقائية تكيل بمكاييل مختلفة، ممَّا يؤكد أن معيار الهوى عند بعضهم له حضور فاعل في تقويم الأفكار والمبادئ. ومقولة طه حسين الشهيرة التي دعا فيها إلى متابعة الغرب بحلوه ومره، خيره وشره، يبدو أنها مثالية مطردة أكثر ممَّا ينبغي؛ فقد أخذ أتباعه هذه المقولة ودعوا إلى متابعة الغرب بمره ومره، شره وشره!! ولهذا ترى بعض أولئك الليبراليين إذا طالبونا بالتحديث وبناء المجتمعات العصرانية، فإنهم لا يعتنون إلا بتجاوز القيم الاجتماعية والثقافية، وهدم الثوابت العقدية!! [١] الديمقراطية التي يدفعون المجتمعات الإسلامية إليها دفعاً هي ديمقراطية مشوّهة محتكرة على أحزابهم، أما غيرهم فليس من حقهم أن يَنْتخبوا أو يُنْتخبوا؛ فهم في نظرهم أصوليون ظلاميون..! إذا تحدثوا عن حقوق المرأة، اختزلوها في تبرجها واختلاطها السافر بالرجال..!! وإذا كتبوا في قيم الحرية، لم يلتفتوا إلا لفتح الباب على مصراعيه للفجور الفكري والانحلال الأخلاقي..! وإذا ارتفعت أصواتهم بالإصلاح ذهبت أنظارهم مباشرة إلى التغريب السياسي والاقتصادي، ومحاصرة المؤسسات الدينية، ورموزها العلمية والدعوية..!! في كل يوم تطل علينا النخب الليبرالية بتيه جديد يدفعها بعيداً عن الأمة، ويزج بها في مستنقعات الغرب الموحلة، وها هو ذا أحدهم يحلل ظاهرة العنف في مجتمعاتنا الإسلامية، متسائلاً: (هل كان هذا بسبب ذنوبنا حسبما يخبرنا رجال الدين؟!) ويجيب قائلاً: (نعم! ولكن الذنب هذه المرة هو التطرف الديني، والغلو المتضخم في ثقافة المجتمع) ، ويفسر هذا الذنب بوضوح قائلاً: (الذنب هو: القبول بصبغ الحياة الاجتماعية كلها بصبغة الأيديولوجيا الإسلامية، والإصرار على إقحام الدين في شؤون الدنيا لإعاقة الحداثة) ! [٢] . قال الله : [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ] (البقرة: ١١-١٢) .

стр. 4932

قضايا دعوية تجربة بريطانيا في إدارة العمل الخيري إبراهيم بن سليمان الحيدري ظل العمل الخيري في الدول العربية خلف الأضواء ردحاً من الزمن بقصد وبدون قصد؛ فقد عمدت بعض الدول العربية إلى التضييق على الجمعيات الخيرية خشية أن تغرد خارج سربها وتعمل خارج نطاق سيطرتها. لعدم إدراك كثير من الدول العربية أهمية مثل هذا النوع من المنظمات وأثرها الفاعل في مساندة الحكومات وإزاحة جزء من المسؤولية عن عاتقها والوقوف مع الشعوب في تلبية احتياجاتها، وفي كلتا الحالتين فقد انعكس أثر ذلك على الجمعيات الخيرية العربية فجعلها قليلة العدد، ضعيفة في مستوى أدائها ومحدودة في تنوع خدماتها، وهي التي توجد في مجتمعات تؤمن بالزكاة فرضية وبالصدقة عملاً صالحاً وبالأخوة والتكافل شعاراً. وبعد أحداث ١١ سبتمبر واتهام بعض الحكومات الغربية الكبرى عدداً من الجمعيات الخيرية العربية والإسلامية بدعم ما أسموه بالإرهاب سلطت بعض الدول العربية مزيداً من الضوء على هذه الجمعيات الخيرية، فكان الضوء للأسف لاسعاً لجهود بذلت وصروح شيدت تعج بالخير وتفوح بشذا الرحمة والإحسان. وفي مقابل نظرة التضييق والتهميش في الدول العربية نجد وضعاً آخر للجمعيات الخيرية في الدول الغربية حيث تحظى بالدعم والرعاية، وهو الوضع الذي يوضح استشعار هذه الدول لأثر الجمعيات الخيرية في حركة التغيير والتطوير والتنمية. وضالتنا التي حث الإسلام المؤمن على أخذها هي حكمة من بريطانيا، التي جسدت صورة إدارية في التعامل المنظم مع الجمعيات الخيرية. فقد أنشأت بريطانيا قبل أكثر من ١٥٠ سنة ما يسمى بالمفوضية الخيرية (Commission Charity) وهي جهة حكومية متخصصة تقوم بتسجيل كل الجمعيات الخيرية في بريطانيا وتنظم أعمالها. ويشرف على هذه المفوضية ثلاث إلى خمس شخصيات ممن يحملون شهادة في القانون ولديهم خبرة واسعة في العمل الخيري. ولكي تحصل الجمعية الخيرية على رخصة عمل فلا بد لها أن تقدم للمفوضية دستوراً خاصاً بها يتضمن أهدافها ومجالات عملها وأسماء أمنائها وأنشطتها الخاصة بجمع التبرعات. وبعيداً عن العراقيل والعقبات التي تواجهها الجمعيات الخيرية العربية في عملها فقد كان الهدف العام لهذه المفوضية: تقديم أفضل تنظيم ممكن للجمعيات الخيرية في بريطانيا، لزيادة كفاءتها وفاعليتها وثقة الناس بها، ويفسر هذا الهدف العلاقة المنظمة والمنطقية بين الحكومة والجمعيات الخيرية. وتترجم المفوضية هدفها العام في ثلاثة محاور عمل أساسية: أ - تشجيع وتطوير الطرق الأفضل لإدارة الجمعيات الخيرية. ب - تزويد القائمين على الجمعيات الخيرية بالمعلومات والنصح في أي أمر له تأثير في عمل جمعياتهم. ج - التحقيق والتحري في حالات سوء استغلال العمل الخيري. ومع أن الرقابة المالية هي من أهم الأعمال التي تمارسها المفوضية من خلال مطالبتها الجمعيات الخيرية بتقديم تقارير مالية سنوية مدققة من قِبَل جهات محاسبية معترف بها إلا أن دورها تعدى ذلك إلى السعي الجاد في توفير بيئة منظمة ونقية لتمارس الجمعيات الخيرية البريطانية رسالتها بيسر وسهولة، وتوفير سبل تطوير أداء هذه الجمعيات والعاملين فيها؛ ولذلك يجد المطلع على نشاط المفوضية كمّاً هائلاً من الدورات والدراسات والأبحاث؛ فقد أصدرت المفوضية أكثر من ٧٠ بحثاً حول قضايا إدارية وقانونية تتعلق بعمل الجمعيات الخيرية، كما تصدر دورية فصلية عن شؤون العمل الخيري. ولقد انعكست هذه الرعاية والمساندة من قِبَل الحكومة على مجالات عدة في قطاع العمل الخيري في بريطانيا؛ فقد بلغ عدد الجمعيات الخيرية البريطانية حتى ديسمبر عام ٢٠٠٣م: ١٦٤٧٨١ جمعية خيرية وهي تنمو بمعدل (١٠٠٠) جمعية تقريباً بشكل سنوي، كما استطاعت هذه الجمعيات أن تجمع خلال عام ٢٠٠٣م أكثر من (٣١) واحد وثلاثين بليون جنية إسترليني تصب في أعمال خيرية متنوعة داخل وخارج بريطانيا، وقد تنوعت خدمات هذه الجمعيات وتعدت الإنسان لتصل إلى الحيوان والنبات والبيئة، كما استطاعت هذه الجمعيات استقطاب أهل الكفاءات ليقدموا خدمات طوعية مجانية لمجالات تجذب اهتمامهم، ويستفيد منها المجتمع. وقد بلغ عدد البالغين الذين يمارسون نشاطاً تطوعياً منظماً في بريطانيا أكثر من ٢٠ مليون شخص. وبالرغم من أن عمل المفوضية في تنظيم قطاع الجمعيات الخيرية تعرّض لبعض التغييرات في الفترة الأخيرة إلاّ أن المفوضية ما زالت تؤكد على مبدأ أن الجمعيات الخيرية يجب أن تكون حرّة ومستقلة عن الحكومة. إن القطاع الخيري لا يقل أهمية عن القطاع العام والخاص في مسيرة التنمية التي تنشدها كثير من الدول العربية، وهي قادرة بإذن الله تعالى إذا ما فتح لها المجال أن تتخطى رتابة الأجهزة الحكومية ومادية الشركات التجارية لتصل إلى المحتاج وتلبي احتياجاته.

стр. 4933

قضايا دعوية عمارة المسجد وعمارة الأرض ... التوازن المفقود في حياة الأمة د. محمد يتيم [*] هناك حقيقة يقررها المؤرخون والدارسون للحضارة الغربية المعاصرة، وهي أن روح المغامرة تُعد إحدى الخصائص السلوكية والنفسية والاجتماعية التي ساعدت في بناء تلك الحضارة. فهي التي قادت عدداً كبيراً من التجار والعلماء والمستكشفين إلى الضرب في أدغال القارات وركوب مخاطر البحر. ولقد كان اكتشاف الطرق التجارية مثل طريق رأس الرجاء الصالح، والقارة الأمريكية أو ما يُصطلح عليه بالعالم الجديد أثراً من آثار تلك الروح الاستكشافية. ونصاب نحن المسلمين بالدهشة ونحن نتابع البرامج الوثائقية التي تصور «رهبانية» علماء وباحثين غربيين انقطعوا انقطاعاً تاماً لبحوثهم وكشوفاتهم ورحلاتهم، وخرجوا «في سبيل العلم» تاركين وراءهم أزواجهم ومتع الحياة الدنيا فنمتلئ تقديراً وإعجاباً بهم؛ فهم لم يكتفوا بما راكموه من حقائق علمية حول أسرار الكون وعجائبه، بل أبوا إلا أن ينقلوا ذلك في شكل برامج حية تسر الناظرين. ومن منا لم يتابع بتقدير كبير وبرامج مثل رحلات العالم الفرنسي كوسطو؟! لكنه من اللازم أن ننبه إلى أن تلك الروح المغامرة إنما كانت أثراً من آثار نمو طبقة بورجوازية ضاقت بها أقطار العالم الأوروبي، ولم يستجب ضيقها لجشعها إلى المواد الأولية ولرغبتها في سوق واسعة تستهلك منتجاتها، مما أدى إلى تحول روح الاستكشاف عندها إلى واقع استعماري وتوسع استكباري. ولقد ارتبطت النجاعة والفاعلية عند المستكشفين والمغامرين الغربيين بالأخلاقية العلمانية والنفعية مما جعل الحداثة الأوروبية انتقاماً من النظام الكهنوتي الذي كان قد تسلط على دنيا الناس وآخرتهم، وتحالف لقرون طويلة مع الإقطاع، وسانده وكرسه، وتحالف مع ملوك أوروبا خلال عصر، ولقد كان لذلك كله آثار كارثية أدت إلى تدمير حضارات وإبادة شعوب بكاملها دون رحمة أو شفقة كما هو شأن الهنود الحمر. ووصل الحد بتلك الأخلاقية الحداثية اللائكية إلى تسويغ تلك الجرائم التاريخية كما نجد ذلك في أكبر الفلسفات الأوروبية التي اعتبرت كل ما يحدث في التاريخ العالمي إنما هو ترجمة لصيرورة «منطق العقل» كما هو الشأن عند الفيلسوف الألماني هيجل من خلال مبدئه الشهير «كل ما هو عقليٌّ فهو واقعيٌّ، وكل ما هو واقعيٌّ فهو عقلي» ، أي أن كل حدث تاريخي مهما كان سلبياً من الناحية الأخلاقية، فهو حدث في مكانه من ناحية منطق التاريخ أي منطق العقل الكلي. ووجدنا في فلسفة ينتشه «أيضاً شيئاً شبيهاً بهذا التسويغ حينما تحدث عن أخلاق القوة (أخلاق الرأسمالية) وأخلاق الضعف (الأخلاق الدينية المسيحية) ، وكذلك في فلسفة ماركس الذي اعتبر أن الأعمال القذرة التي قامت بها إنجلترا في الهند تندرج في إطار رسالة ومهمة» تحضيرية «. وهكذا؛ فوراء تلك الروح المغامرة التي قد تملأ بعضنا إعجاباً بحركة الاستكشاف الأوروبي، وروح المغامرة التي تدفع بعضهم إلى أدغال ومجاهيل إفريقيا، وتقود بعضهم الآخر إلى حياة أشبه ما تكون بحياة الزهاد الذين يتركون وراءهم ظهرياً مُتَعَ الدنيا ولذَّاتها ونعيم العيش وكمالياته ورفاهياته داخل المجتمعات الأوروبية. توجد أخلاق هي (أخلاق القوة) بتعبير هيكل، و (أخلاق الرأسمالية الجشعة) التي لا تعرف سوى لغة المصالح ولا تعترف بقوة الأخلاق. * أمة خروج وانتشار.. لا مغامرة واستكبار: وإذا أردنا أن نقيم مقارنة بين ذلك الواقع التاريخي الأوروبي والثقافة التي أنتجها أي ثقافة المغامرة والإقدام المدفوعة بغريزة القوة والتسلط، وبين المسار التاريخي الذي أنبنت فيه حضارة الإسلام وأمة الإسلام أمكننا أن نؤكد بأن الإسلام قد أخرج الأمة العربية من نطاقها الضيق المحدود كي تنتشر بسرعة مذهلة في الأرض؛ حيث أظلت رسالة الإسلام وحضارته العالم المعروف آنذاك في سرعة قياسية بالمقارنة مع الوسائل التي كانت متوفرة آنذاك. ولنا أن نتصور كيف كان الصحابي الجليل يخرج من الحجاز قاصداً مجاهيل المغرب الأقصى أو مجاهيل الهند أو السند أو الصين ليس في يده خريطة توضح له المسارات، ولا يعرف لغة القوم ولا تخرَّج في معهد لتخريج الدعاة أو تعليم اللغات والتكوين على المهارات، وكيف كان يخرج مجاهداً أو داعياً لله وهو موقن بأنه لن يعود إلى أرضه ووطنه، ولن يستظل بعد ذلك بسمائه أو يشرب ماءه، وكيف كان الصحابة والتابعون يركبون أهوال البحر، ويخترقون فجاج الأرض بجبالها وسهولها ووديانها وشعابها، فلم يكونوا يحملون معهم سوى عقيدتهم وإيمانهم برسالة الدعوة التي فهموا أنهم مستأمنون عليها منذ أن قرؤوا قول الله تعالى: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس] (آل عمران: ١١٠) ، وقوله تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً] (البقرة: ١٤٣) . وهناك يكمن الفرق بين خروج وخروج؛ فذاك خروج منطلق من روح المغامرة المنبعثة من أخلاق القوة وروح السيطرة، والرغبة في العلو والاستكبار، استجابة لشهوات النفس المادية والمعنوية، وبين فلسفة الانتشار القرآنية الواردة في قوله تعالى: [هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِه] (الملك: ١٥) ، وقوله تعالى: [فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (الجمعة: ١٠) . * بين الانتشار والانفضاض: إنه الفرق بين المشي في مناكب الأرض باعتباره أكلاً من رزق الله والانتشار فيها ابتغاء فضله، وبين المغامرة باعتبارها اعتداء على الخلق وإفساداً في أرض الله. إنه الفرق بين الإعمار للأرض والاستخلاف الراشد الذي لا ينسى صاحبه ذكر الله وبين التسلط المفسد في الأرض المهلك للحرث والنسل وإن بدا في ظاهر أمره إصلاحاً وإعماراً. إنه الفرق بين المغامرة باعتبارها انفضاضاً عن الدين؛ أي باعتباره انفصاماً بين حركة الإنسان على الأرض وأحكام الوحي ومبادئه وقيمه، وبين الانتشار باعتباره ذِكْراً متواصلاً لله، وتذكراً أن ثمرة كل زراعة أو تجارة أو صناعة إنما هي من رزق الله تقتضي شكراً وذكراً؛ وذلك هو المعنى الوارد في قوله في سورة الجمعة: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ] (الجمعة: ٩-١١) . لقد أُمرت الأمة أن تسعى إلى ذكر الله، فكانت الصلاة، وكان أكبر شيء فيها ليس هو حركاتها ووقوفها وركوعها وسجودها وقيامها وغير ذلك مما لا تقوم الصلاة إلا به مما أمرنا أن نقتدي فيه بهدي رسول الله، وإنما هو ذكر الله: [إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ] (العنكبوت: ٤٥) . وكان للصلاة وقت وجب المحافظة عليه، وكان من تمام إقامتها حضور جماعتها وجُمَعها، فكانت الصلاة واجباً، وكان إيقاعها في وقتها واجباً أيضاً. وأخذ من ذلك العلماءُ أن من الواجبات ما لا يسقط، وما لا تسقط به التبعة إلا إذا تم إيقاعه في الوقت، فأكدوا على وقت الواجب، وواجب الوقت. ولذلك يتعين فضلاً عن القيام بالواجب إيقاعه في وقته: فللتنظيم الزماني للعبادات حكم ومقصد قد نعلم بعضاً منها، وقد يخفى عنا بعضها الآخر، ولذلك كان من الواجب السعي إلى الجمعة إذا وجبت بالنداء، وترك ما دون ذلك من الأعمال والطاعات. ولقد أبطل الفقهاء كل العقود والتجارات والمبادلات التي يتم عقدها في وقت الجمعة؛ لأنها ساعة ذِكْرٍ مخصوص في شكل مخصوص، وهي صلاة أسبوعية جامعة يستمع الناس قبلها لموعظة أسبوعية راتبة. ومن آيات سورة الجمعة نقف على ذلك التوازن الجميل في هذا الدين. ومن جماله أن يأتي الأمر بالانتشار في الأرض بعد أن كان الأمر قبل ذلك بالسعي إلى ذكر الله، وترك البيع، وأن صلاة الجمعة هي أفضل عمل يرجوه الإنسان إذا حل وقتها، وأن يأتي بعده أيضاً الأمر بالانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله، ثم أن يأتي بعده ندم الانفضاض عن الصلاة والانشغال باللهو والتجارة في وقتها، وفي كلتا الحالتين أي عند الأمر بالسعي إلى إقامة الصلاة أو الأمر بالانتشار والابتغاء من فضل الله يبقى هناك قاسم مشترك ألا وهو ذكر الله في الصلاة، وذكر الله عند الانتشار من أجل إقامة العمران والابتغاء من فضل الله ورزقه. * الانتشار سر الانتشار، والانفضاض سر الانكسار: والغريب أننا لم نقتبس من هذه الآية معنى جميلاً وذلك هو سبب قبحنا الحضاري وتخلفنا التاريخي في القرون الأخيرة وهو أن يوم الجمعة الذي يجله المسلمون ويعتبرونه عيداً ليس عيد عطلة وعطالة؛ فالخطاب موجه إلى أمة منغمسة في أعمالها التجارية والتعميرية ينبهها ألا تنسيها تلك الأعمال ذكر الله سبحانه. وهنا وجه الفرق بين روح المغامرة والاستكشاف الأوروبيين المدفوعين فقط بالجشع الفردي والجماعي لقوم فقدوا صلتهم بالله، وبين فلسفة الانتشار القرآني التي هي سر الانتصارات الكبرى حين انتشروا دون أن يكفروا، فانتصروا دون أن يبطروا. والسر هو أن الحضارة الإسلامية كانت حضارة إنسانية» عمرانية «أي تعمر الأرض والإنسان وتبتغي الرزق دون أن تفسد في الأرض، أو تخل بالعدل وبين الحضارة الأوروبية التي تعتبر» التحضير «ملازماً جدلياً للتدمير والتخريب للإنسان والبيئة والقيم والأخلاق. فأين نحن من الانتشار والضرب في مناكب الأرض، وألسنتنا رغم ذلك تلهج بذكر الله ودون أن تلهينا تجارتنا وأعمالنا عن ذكر الله؟ لماذا جعل بعضٌ منا » عمارة المساجد «بما ترمز إليه من التزام بفرائض التدين وسننه ملازماً للتخلي عن عمارة الأرض والسير في مناكبها والأكل من رزقه في تناقض فظيع مع قوله تعالى: [فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّه] (النور: ٣٦-٣٧) ؟ فعُمَّار المساجد لا يغفلون عن ذكر الله ولكنهم تجار أغنياء يبيعون ويشترون، أي أنهم لم يبنوا نجاحهم الدنيوي على حساب آخرتهم، ولم يفهموا أن تعمير الآخرة يتطلب العطالة والتوقف عن السير في الأرض. إنهم عُمَّار للمساجد وعُمَّار للأرض.

стр. 4934

قضايا دعوية الثوابت.. والمتغيرات عبد الله بن علي الريمي hamasat١٧@hotmail.com منذ مئات السنين والبحر يضرب بأمواجه الشاطئ.. في ظاهرة معروفة عند الجغرافيين تسمى المد. ثم ينحسر المد عن الشاطئ في ظاهرة أخرى ثابتة تسمى الجزر. هاتان الظاهرتان ثابتتان لا تتغيران في أي بقعة من العالم: يأتي الليل بمده، ويأتي النهار بجزره؛ ولكن التغير فيها هو ما يحمله إلينا المد والجزر من كائنات. يتحكم في هذا التغير المكان الذي تتم فيه العملية الجغرافية، ونوعية الكائنات التي تعيش في ذلك المكان. وكذلك هي الأمور الدعوية التي تواجه الداعية، فيها ثوابت لا بد أن ينتبه لها الداعية وهي ثابتة في أي بقعة من العالم تتم فيه الدعوة، ويمكن أن نقول عنها إنها المنهج الذي ندعو إليه. ولكن المتغير هو طريقة الدعوة لهذا المنهج.. وطبيعة البرنامج الذي نقدمه، وكذلك نوعية المواد التي ندرسها؛ إذ لا بد أن ننتبه لما يأتي: - الفروق بين مجتمع وآخر. - وكذلك الزمن الذي نعيش فيه. أذكر أنني أقمت في دولة أوروبية لفترة من الزمن، وساهمت في الدعوة هناك، وحضرت بعض الاجتماعات التي أقامها الدعاة المربون في تلك الدولة، ولاحظت التالي: - تعامل الدعاة مع الناس هناك على أنهم لا يصلحون أن يؤدوا أي عمل بمفردهم دون الرجوع إليهم؛ وهذا الأمر ربما كان طبيعياً لأول وهلة، ولكن إذا علمنا أن عمر الدعوة في تلك البلاد ليس بالقصير فإننا سنتساءل: لماذا لم يؤهل الدعاة التأهيل الكافي الذي يمكنهم من القيام بالعمل الدعوي، على الأقل كمنفذين متميزين إذا عجزنا أن نهيئهم كمعدي برامج ومنظرين؟ - لم يكن هناك مدرسة تأهيل للدعاة؛ يعني أن الداعية المراد تأهيله لم يكن يتلقى برنامجاً منظماً في الإعداد الدعوي، بل في أحسن الحالات يمكن أن نقول إنه يتلقى دورات سريعة (دورة اليوم الواحد) وربما تلقاها بطريقة غير منظمة فضاع الكثير منها. - لم تكن هناك ثقة في الدعاة الموجودين؛ ليس فقط من الناحية العلمية.. بل حتى من الناحية التربوية، وربما تم اختيار داعية ووضع تحت المتابعة المملة، فيشعر الرجل أنه مراقب، وأنه لا يحسن عمل شيء، وربما لم يكن فعلاً مناسباً للعمل. ويعتذر بعض المربين أحياناً أنه أفضل الموجود، ومن خلال مشاهداتي رأيت أن هناك الكثير ممن هو أفضل منه، ويمكن الاستفادة منه وقد هُمشوا، ولم يُعطَوْا أي اهتمام دعوي. والمفروض: أن يتلقى الداعية الجديد برنامجاً منظماً يراعى فيه: - التدرج.. في المادة الدعوية المقدمة. - التأصيل الشرعي للمواد المقدمة. - مراعاة الفروق بين دولة وأخرى؛ ففي السعودية مثلاً لو ألقيت دورة فسنجد أن مادة كأصول الفقه، أو القواعد الفقهية تشكل منهجاً طيباً لطلبة العلم، بينما لو ألقيت دورة في دولة أوروبية لوجدت أنك تحتاج أن تلقي دورة في الأحكام مثلاً، ولو ألقيت دورة في بعض دول شرق آسيا لوجدت أنك ستحول مادة الدورة إلى العقيدة مع تشابه الطلبة من حيث السن وربما مستوى الثقافة العامة. وفي مجال العلوم الشرعية وستجد هذا التغير الذي يفرضه عليك مستوى الطلبة من جهة، وحاجة المجتمعات من جهة أخرى. ولذلك فإنه لا بد من المتابعة في الناحيتين: العلمية والعملية؛ بحيث يكون هناك موازنة بين: - حجم المادة المقدمة. - نوعية المادة. - التناسب بين التلقي والعطاء. مجمل هذا الكلام يدور حول الثوابت والمتغيرات، وأهمية الأمور الدعوية والتربوية مع الالتفات إلى جوانب أخرى مهمة كالبرنامج المقدم ووقته، وما شابه ذلك. الثوابت في حياتنا تبقى ثوابت، ولكنها عند بعضهم تبدأ في أخذ طابع المتغير. وتساعد الرخصة في هذه النظرة؛ ومع قلة العلم والتربية تختلط النظرة، ويأتي جيل جديد لا يفرق بين هذا وذاك. والمتغيرات تخضع لعدة أمور، وتقبل الأخذ والرد، ولكن أيضاً نتيجة لقلة العلم والتربية، وكثرة ضعاف النفوس تبدأ الوسائل في الخروج عن مسارها الصحيح، وكلما حاولت التوجيه فستجد أنك تعارض بنصوص وخلافات غير معتبرة بدأت تكتسب طابعاً قوياً بسبب التميع الذي وقع فيه بعضهم، وغياب المنهجية القوية؛ يضاف إلى ذلك التمكين لأهل البدع، واختلاط الكثير من المفاهيم. أميل للأسلوب الإداري نوعاً ما في الدعوة، وهو باختصار وضع خطة طويلة المدى للعمل الدعوي يهتم فيها بـ: - مراحل الدعوة. - شروط الكوادر (والتشدد فيها بالنسبة للدعاة والمربين) . - المناهج التعليمية مع التأصيل الشرعي. - الأنشطة الدعوية غير المنهجية كالنوادي والمراكز الصيفية وما شابه ذلك. - تقسيم العمل إلى مراحل. والاهتمام بالإدارة والدعوة بهذه الصورة الإيجابية سيستفاد منها بلا شك؛ فلنحاول، ولنعد النظر في الثوابت والمتغيرات. على أن يرافق هذه العودة علم أصيل يعتمد على موروثات السلف، وقلب واع يقظ للفتن ولمداخل الشيطان، ورغبة في تعبيد كل شي لله، على منهج الله، وفق فهم سلف الأمة ﵃ ورحمهم.

стр. 4935

الإسلام لعصرنا ماذا يعدون لمواجهة المد الإسلامي ؟ أ. د. جعفر شيخ إدريس [*] الدول الغربية ولا سيما الولايات المتحدة حريصة كل الحرص على أن يدوم لها تفوقها المادي (الاقتصادي والعسكري) وتفوقها الثقافي. وهي لا تكتفي لتحقيق هذا باتخاذ برامج داخلية تضمن لها استمرار التفوق، لكنها تلجأ أيضاً إلى سياسات خارجية تحاول بها عرقلة تقدم أي بلد ترى فيه خطراً على تفوقها في هذين المجالين أو أحدهما. وإذا كانت ترى في الصين واليابان أمارات لمثل هذا التقدم الذي قد يمثل خطراً على تفوقها الاقتصادي؛ فإنها لا ترى شيئاً كهذا في البلاد الإسلامية ولا سيما العربية منها. إنهم يقولون إن الدخل القوي للبلاد العربية مجتمعة لا يساوي دخل أسبانيا. وقال أحدهم: إذا استثنينا البترول فإن صادرات هذه البلاد لن تساوي صادرات بلد أوروبي صغير كفنلندا. ولكن إذا كانوا يأمنون الآن جانب هذه البلاد من ناحية القوة المادية، فإنهم لا يضمنون دوامه بغير تدخل منهم، ولذلك تجدهم يخططون لاستمرار هذا التخلف بوسائل كثيرة ليست هي موضوع حديثنا في هذا المقال. موضوعنا اليوم هو مخططاتهم لمواجهة الخطر الديني الإسلامي؛ وذلك أنه بالرغم من تخلف البلاد الإسلامية اقتصادياً وعسكرياً، فإن الدين الإسلامي هو الذي يمثل التحدي الأكبر للثقافة الغربية ولا سيما بعد سقوط الشيوعية. إن الدين الإسلامي هو باعترافهم الآن أكثر الأديان انتشاراً حتى في البلاد الغربية. بل أقول إنه أكثر انتشاراً لا بالنسبة للأديان فحسب بل بالنسبة لكل الأيديولوجيات وفلسفات الحياة الأخرى، وليس في البلاد الغربية فحسب بل في سائر بلدان العالم. هذا بالنسبة لهم خطر كبير لا بد من إعداد الخطط للمكر به. إن تفاصيل مكرهم هذا أمر يطول وصفه؛ لكننا سنركز حديثنا اليوم على تقرير لمركز البحوث الأمريكي المسمى راند Rand والذي تنشر البيان ملخصاً له في هذا العدد [١] . لم أكتف بقراءة هذا الملخص بل اطلعت على التقرير كله في أصله الإنجليزي، فخطرت ببالي خواطر كثيرة عنه، منها: أولاً: أن الخطط التي يوصي بها هي خطط ظل الغرب يتبعها منذ زمن؛ فالدراسة لم تأت في رأيي بشيء جديد لكنها صرحت بما كان متبعاً وعبرت عنه تعبيراً مفصلاً. إن الإسلام الذي يراه الغرب خطراً عليه هو الإسلام الحق الذي يستمسك به بعض المسلمين بصدق وجد ويحاولون الدعوة إليه، وهو الإسلام الذي يحبه ويؤمن به إذا عرفه كثير من الناس في الغرب، إنه إسلام القرآن والسنة. ولذلك تجد أن أكثر من دخل في الإسلام في الولايات المتحدة على الأقل إنما دخلوا فيه بعد قراءتهم لترجمة من ترجمات هذا الكتاب العزيز. ثانياً: ولأن التقرير كان صريحاً؛ فإنه لا يحاول مخادعة المسلمين، كما يفعل السياسيون من أمثال بوش أو بلير حين يقولون إن مشكلتنا ليست مع الإسلام؛ فهو دين سلام ومحبة وتسامح، وإنما هي مع أقلية من المنتسبين إليه من الإرهابيين أو المتطرفيين. ثالثاً: واضح من الدراسة أن المسلمين مدعوون لا إلى فصل الدين عن الدولة كما هو الحال في الغرب، ولكنهم مدعوون إلى فصل الإسلام وإبعاده عن الحياة كلها. والتقرير يعترف بأن هذا أمر صعب، لكنه أمر لا مفر منه فيما يبدو. «إنه ليس بالأمر السهل» يقول التقرير: «أن تبدل ديناً عالمياً كبيراً كالإسلام. إنه إذا كان (بناء الأمة) عملاً مرعباً، فإن (بناء الدين) أشد خطورة وتعقيداً» ومما يدلك على جدهم في محاولة التبديل هذه أن بهذا التقرير فصلاً كاملاً عن الحديث النبوي يقول فيه عن الحديث: «إنه في أحسن أحواله أمر مريب متناقض لا يمكن الاعتماد عليه في فض النزاع في أي قضية؛ لأن كلاًّ من المتنازعين يمكن أن يجد فيه ما يؤيد وجهة نظره. ولذلك فإن التقرير ينصح بإصدار كتيبات تتضمن أحاديث تؤيد وجهات نظر الحداثيين والعلمانيين، حتى لا يبقى عامة المسلمين ضحية للأحاديث والتفسيرات التي ينشرها بينهم العلماء التقليديون والأصوليون» . يعتمد التقرير في هذا على كتابات أقوام معروفين بالزندقة وإنكار السنة. رابعاً: استغربت حين قرأت هذا التقرير عن أي عالم إسلامي يتحدث؟ أين في العالم الإسلامي أولئك الحداثيون أو العلمانيون الذين لا تتاح لهم فرص النشر، أو الذين ليست لهم منابر عامة يخاطبون منها الجماهير، أو الذين لا تؤثر آراؤهم في المقررات المدرسية؟ أليست هذه الأمور كلها في أيدي العلمانيين في بلدان العالم الإسلامي كله إلا ما ندر؟ أليست أنظمة الحكم في كل بلدان العالم الإسلامي إلا ما ندر أنظمة لا تخفي علمانيتها؟ عبرت عن استغرابي هذا لأحد إخواننا السعوديين فابتسم وقال: إن هذا التقرير إنما يتحدث عن السعودية. فكرت في محتويات التقرير مرة أخرى فأيقنت أن سهامه موجهة فعلاً نحو السعودية. خامساً: قلت في نفسي: أخشى أن يظن بعض من يقرؤون هذا التقرير ممن لا يزالون يحسنون الظن بأمثال هذه المؤسسات الغربية أن الديمقراطية التي يدعو العالم الإسلامي إليها هي الديمقراطية بمعنى الرضى بحكم الشعب. أقول لهؤلاء: هَبُوا أن دولة كالسعودية قالت للغربيين: تريدون ديمقراطية؟ حسناً! فلنفعل كما فعلتم أنتم معاشر الأمريكان. لندع ممثلين للشعب من كافة مناطقهم الجغرافية، ولنقل لهم: صوغوا لبلدكم دستوراً كما فعل الأمريكان؛ ولنفترض أن هؤلاء الممثلين اجتمعوا فكان أول ما ذكَّروا به أنفسهم واجتمعت عليه كلمتهم أنهم ليسوا سعوديين فقط لكنهم مسلمون أيضاً، وأن إسلامهم هذا هو جوهر هويتهم، ومعتمد جماعتهم، ومصدر عزهم وكرامتهم، وسبب تقدير الأمة الإسلامية لهم، وأنهم يؤمنون لذلك بأن دستورهم الأعلى الذي يحكم حياتهم ويهيمن على كل ما يصدرون من وثائق هو نصوص الكتاب وصحيح السنة، وأنه ينبغي لذلك أن لا يكون قرروا في نظام حكمنا ولا في قوانيننا، ولا في مناهجنا الدراسية، ولا في سياستنا الخارجية، ولا في أي جانب من جوانب حياتنا ما هو مخالف لما في هذين المصدرين. هب أنهم جلسوا بعد ذلك وتداولوا لعدة أسابيع خلصوا في نهايتها إلى صياغة دستور، ثم عرضوه على شعبهم في استفتاء عام، شهد عليه مراقبون محايدون من هيئة الأمم، فكانت النيجة أن أجازته الأغلبية الساحقة من المواطنين. هل يرتاب أحد بعد هذا في أن هذا الدستور جاء بطريقة ديمقراطية، وأن على من كان يؤمن بالديمقراطية أن يرضى به للشعب السعودي مهما خالفهم الرأي؟ كلاَّ. ولكن هل تظنون أن سيرضى الغرب أو ترضى أمريكا بذلك؟ كلاَّ ثم كلاَّ. لا تنسوا أنهم لا يتكلمون عن الديمقراطية بهذه الصفة العامة التي ذكرناها، إنهم لا يتحدثون عن ديمقراطية تكون فيها الكلمة للأمة مهما كانت تلك الكلمة. إنهم يريدون نظاماً أشبه ما يكون بنظامهم، وقيماً أشبه ما تكون بقيمهم ولا سيما في الموقف من الدين ومن العلاقة بين الجنسين. هذه في رأيهم هي الديمقراطية الليبرالية التي لا ديمقراطية حقيقية غيرها. ألا تذكرون ما قال (بريمر) للعراقيين من أن هنالك خطوطاً حمراء يجب أن لا يتخطاها مجلس الحكم في وضعه لمسودة الدستور، وأن من هذه الخطوط فصل الدين عن الدولة. وأن الديمقراطية التي يريدونها للعراق هي ديمقراطية على المنوال الأمريكي؟ أو الغربي؟ إن شعارهم هو: كونوا أحراراً، لكنكم لن تكونوا في حكمنا أحراراً إلا إذا اخترتم لأنفسكم ما اخترنا نحن لأنفسنا، إلا إذا كانت طريقة حياتكم كطريقتنا، إلا إذا لم يكن في ما اخترتموه ما نرى فيه مهدداً لقيمنا وثقافتنا ومصالحنا. فيما عدا ذلك فأنتم أحرار جد أحرار. سادساً: مما يدلك على هذا أنهم ليسوا راضين حتى عن من كان من العلمانيين منا غير معجب بهم. يقول التقرير إنه بما أن العلمانيين يؤمنون مثلنا بفصل الكنيسة عن الدولة «فقد كان المفروض أن يكونوا الحلفاء الطبيعيين لنا في العالم الإسلامي. لكن المشكلة كانت وما تزال أن كثيراً من العلمانيين المهمين في العالم الإسلامي لا يوادوننا، بل قد يكونون شديدي العداوة لنا لأسباب أخرى» . سابعاً: ما الثقافة التي يدعوننا إليها؟ إنها ليست العلوم التي كانت من أسباب تقدمهم المادي، وإنما هي الكفر والعري والزنا والشذوذ والمخدرات والفردية التي هي من علامات تدهور حضارته لا من أسباب قوتها. لذلك تجد بعضهم يقول إنه لا خوف على حضارتنا من حضارة أخرى معاصرة، وإنما الخوف عليها من الانتحار الذي بدأت تمارسه ويشيرون إلى مثل أنواع السلوك تلك. ماذا نفعل؟ هل نستجيب ونخنع؟ فوالله لن يزيدهم هذا إلا احتقاراً لنا، وتمادياً في إذلالانا، ودأباً على الوقوف في طريق تقدمنا الاقتصادي والتقني والعسكري. فلنقل لهم: لقد رضينا بأن نعيش معكم في سلام، وأن من يعتدي على الأبرياء منكم ومنا لا يمثلنا ولا يعبر عن رأينا. لكنا لن نرضى بأن يكون هذا التعايش تعايشاً بين سادة وعبيد، أو محتلين ومواطنين، أو منتجين ومستغلين [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) .

стр. 4936

ملفات لماذا ملف المقاومة ؟ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن الدفاع عن النفس والعرض غريزة جبل الله عليها الإنسان؛ والصراع بين الحق والباطل سُنَّة من سنن الله في الحياة في كل أمة وجيل، وحتى يتم ذلك وفقاً للصواب جاء تشريع الجهاد في سبيل الله بشروطه ومتطلباته في الوحيين مما لا يتسع المقام لعرضه؛ وذلك نشراً للدعوة ورداً للعدوان ودفاعاً عن النفوس، ولأهمية هذا جاء تشريعه متأخراً (بعد الهجرة) حتى تتربى النفوس وتتأصل الفضائل وعلى رأسها الصبر، وحتى يتم احتمال المكاره في جنب الله؛ فالجهاد شعيرة إسلامية باقية حتى قيام الساعة؛ ولذا جاء الأمر الإلهي بالإعداد والاستعداد بقول الله تعالى: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] (الأنفال: ٦٠) . وأمتنا الإسلامية وهي تمر بهذه الظروف الحرجة التي تعاني فيها من الفرقة والتشرذم والانكسارات هي أحوج ما تكون للتذكير بفضل هذه الفريضة التي لم تغب عن أذهان المسلمين مهما كانت ظروفهم؛ وللتذكيرِ بأن أمة تثأر لدينها وتستبسل للدفاع عن أرضها وعرضها مستحضرة نية الجهاد في سبيل الله هي أمة لن تموت ولن تذوب ولن تُستَأصَل هويتها مهما كانت قوة العدو الغاشم، ثم بيانِ أن الجهاد في سبيل الله ليس دعوى بلا دليل أو نصرة غير منضبطة أو توجهاً تحكمه الأهواء والنزغات، بل هو شرعة إلهية لها ضوابطها وأسسها المعروفة. ثم إن الهجمة الغربية على أمتنا وما تعانيه من تدخل في شؤونها واحتلال لبلدانها ومقدراتها يحتاج إلى وقفة جادة لكشف حقيقة تلك الحملات الصليبية ومن يقفون وراءها ومن يعملون في ركابها والذين تبين للجميع أن ما جاؤوا به بدعاوى التحرير أصبح احتلالاً تسام معه شعوبهم سوء العذاب؛ فإلى الله المشتكى. ومن هنا جاءت قضية هذا الملف لكشف جوانب من الأعمال البطولية لمقاومة المعتدين التي حث عليها الدين وأيدتها النظم والقوانين الدولية. والتعريف بجهودهم في فلسطين والعراق، وإيضاح خلفيات مشاريع الهيمنة الغربية على المنطقة مع حوارات مع بعض الفعاليات الجهادية المعروفة ووقفات مع بعض المحاضن الجهادية التي أبلت بلاءاً حسناً في مقاومة المعتدين وتأديبهم. ونحسب أن هذا الجهد الذي شارك فيه نفر من الكتاب المعروفين هو أقل جهد تستحقه المقاومة الجهادية وأبطالها بالتعريف بهم وبجهودهم وبمعاناتهم وما لاقوه في ذات الله؛ فقد رفعوا رؤوسنا في زمن الانكسار؛ والعزاء أن تضحياتهم بالنفس والنفيس هو إحياء لشعيرة الجهاد، ونحسبهم والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحداً في تضحياتهم شهداء في سبيل الله كما وعدهم الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: «من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد ومن قُتِلَ دون دينه فهو شهيد، ومن قُتِلَ دون دمه فهو شهيد، ومن قُتِلَ دون أهله فهو شهيد» (رواه الترمذي، ٤/٣٠) . والله من وراء القصد.

стр. 4937

ملفات مشاريع المقاومة.. في مواجهة مشاريع الهيمنة د. عبد العزيز كامل kamil@albayan-magazine.com ما تواجهه الأمة اليوم، من مشاريع هيمنة متعددة الأصناف والأطياف والأهداف في مناطق متعددة من العالم الإسلامي يستدعي وجود مشاريع مقاومة مضادة على مستوى الأمة أيضاً يشارك فيها الجميع باعتبار أن مشاريع الهيمنة تستهدف الجميع. وكما أن سِمة مشاريع الهيمنة العالمية اليوم وفي مقدمتها المشاريع الأمريكية أنها مواجهة شاملة للأمة الإسلامية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وحضارياً؛ فكذلك ينبغي أن تكون مشاريع المقاومة شاملة سياسياًً وعسكرياً واقتصادياً وحضارياً. ولكن المشكلة أن المواجهة الصهيونية الشاملة - أمريكية وإسرائيلية - جاءت للأمة على حين غِرة، وهي في أضعف حالاتها على المستويات الرسمية الجماعية، ولكن هل يعني ذلك التسليمَ بالهزيمة والركوعَ تحت أرجل الطغيان؟! كلاَّ؛ فهذا الأمر إن كان يناسب بعض الأمم كالألمان واليابان إبان الحرب العالمية الثانية؛ فإنه لا يتناسب مع هذه الأمة التي لا يزال الجهاد ماضياً فيها إلى يوم القيامة. كثيراً ما يتساءل الناس عن دور يمكن أن يؤدى إبراءً للذمة في وجه الهجمة التي تعصف بالأمة، مع أن الأدوار - في يقيني - من الكثرة بحيث تسع مئات الملايين من أبناء هذه الأمة الذين يصيبهم شرر مشاريع الهيمنة شاؤوا أم أبوا، في ذواتهم أو في أبنائهم وأحفادهم. فالأدوار موجودة، ولكن الهمم لتحملها هي الضعيفة أو المفقودة. وإلاَّ؛ فإن الوجه الحضاري والثقافي من مشاريع الهيمنة يحتاج إلى مئات المشاريع لملايين الأفراد لكي يتسنى التصدي للهجمة الثقافية الحضارية. والوجه الاقتصادي من مشاريع الهيمنة يحتاج إلى دور لكل فرد في مقاومة اقتصادية - سميناها حيناً (المقاطعة) ثم قاطعناها قبل أن تستكمل دورها. والوجه السياسي لمشاريع الهيمنة يحتاج إلى جهود ورؤى ومقترحات السياسيين والاستراتيجيين لتفعيل مقاومة سياسية على المستويات الرسمية وغير الرسمية. أما الوجه العسكري من مشاريع الهيمنة، فلن يكفَّ شرَّه، ويوقف شرره إلا مقاومة عسكرية تقام بها الشِرعة الجهادية التي تمثل في حد ذاتها مشروعاً مستقلاً للمقاومة، يكاد أن يغطي - إن أُحْسِن أداؤه - على بقية الوجوه المطلوبة للمقاومة، ويكاد يقضي - إن استمر بقاؤه - على كل أشكال الهيمنة. إننا نفهم الجهاد ذورة سنام الإسلام على أنه مشروع رباني متكامل للتغيير، وأي عمل يأخذ شكل الجهاد وهو لا يحمل مشروعاً واضح المعالم راجح الخيارات، محسوم الخلافات، مأمون العواقب على المسلمين من جهة رجحان المصلحة على المضرة؛ فإن النفس تتردد في وصفه بالمشروعية. صحيح أن ظروفاً قد تُفرض على المسلمين فرضاً، كما حدث في فلسطين وما حدث في غزو الروس الأول لأفغانستان، ثم غزوهم للشيشان، ثم غزو الأمريكيين ثانياً لأفغانستان، ثم غزوهم للعراق، بحيث تحتم هذه الظروف على المسلمين أن يتحركوا حتى لو لم يكتمل اتضاح معالم الجهاد الشرعي المطلوب، ولكن تلك الظروف لها تكييف شرعي مختلف باعتبارها جهاد دفع لا جهاد طلب [١] . ليس المقصود هنا الخوض في فقه الجهاد ومسائله الشائكة التي لم تأخذ حقها - للأسف - من جهود العلماء المعاصرين مع شدة حاجة الأمة إليها وتجدد النوازل الفقهية فيها، ولكن المقصود أن نقرر أن خيار الجهاد والمقاومة الإسلامية في وجه مشاريع الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية والروسية والهندوسية، لم يعد يحتمل القيل والقال؛ فهو الآن قضيةُ: أن نكون أو لا نكون، أن نحيا مؤمنين أعزة أو نبقى عصاة أذلة. وهنا، لا يصلح أن تترك ساحات الجهاد الحادة والحرجة في العالم الإسلامي لبضع مئات من الشرفاء المضحين بكل شيء، في مقابل مئات الملايين الذين قد لا يقدمون أي شيء. إننا نلحظ تفاقم هذه الظاهرة كلما زاد الخطر وازدادت العداوة، وهذا أمر محيِّر؛ إذ كيف تجتمع الأمة كلها منذ أكثر من ربع قرن وراء الجهاد ضد الروس في أفغانستان، وتكاد تنفضُّ اليوم عن أخطار أكثر وساحات أكبر في فلسطين والعراق والشيشان؟ وكذلك أفغانستان نفسها التي يكاد عموم المسلمين اليوم أن يقولوا بلسان الحال لا المقال إن غزو الشيوعيين لها كان من المنكرات المحرمات، ولكن غزو الأمريكيين لها - بعد ربع قرن - من الجائزات المباحات!! قد يقال إن المعادلات الدولية، والأجواء السياسية الإقليمية وقتها كانت تسمح بذلك، والجواب في سؤال مؤسف هو: إلى متى لا يتحرك عموم الإسلاميين إلا بإذن من المعادلات الدولية والأجواء الإقليمية؛ بحيث يجتمعون مرة على دعم المقاومة الأفغانية ثم ينصرفون، ويتداعون تارة لدعم الانتفاضة الفلسطينية ثم ينفضون؟!! ويتحمسون أخرى لدعم القضية الشيشانية ثم يفتُرون! أين استقلال الإسلاميين إذن في عصر اضمحلال الاستقلال؟ ونعود إلى مشروع المقاومة المشروعة: إن وجوب طرح رؤى جديدة وسديدة لتقويم أداء المقاومة الإسلامية والجهاد المشروع في ساحات التحدي القائمة لا ينطلق من خيالات وتوهمات، بل هو أمر دين، يقسِّم تكليفاته على كل مكلف.. نعم! (على كل مكلف) بحيث يقوم الجميع بدورهم بحسب المشروع والمستطاع من الأعمال. ونحن على يقين - مع كل هذا - أن بركة الله تتنزل في الجهود القليلة، حتى ولو خُذل المجاهدون والمقاومون من بقية المسلمين، ولكن هذه البقية ستدفع الثمن ولا بد خذلاناً إذا استمر خذلانهم، وضعفاً بقدر ضعف تأييدهم ودعمهم، ولهذا فإن العمل على إنهاض الشعوب لدعم مشاريع المقاومة، لمقاومة مشاريع الهيمنة هو خدمة للأمة كلها؛ لأنها الآن.. والآن فقط ... مستهدفة كلها، كما لم يحدث في التاريخ من قبل. * بشارات ونذارات: شاء الله تعالى أن يرينا ثمرات جهود الفئة القليلة التي تغالب اليوم الفئة الكثيرة في ساحات متعددة؛ ففي أول منازلة إسلامية للأمريكيين على أرض العراق، وفي أول صدام حضاري وعسكري أمريكي مباشر مع المسلمين على الأرض، هُزم الأمريكيون عسكرياً، وانكشفوا حضارياً، كما فُضحوا إعلامياً على المستوى الدولي والمحلي، ومُنُوا بانتكاسة لها ما بعدها في الجولة الأولى من الحرب العالمية الأمريكية التي يرى بعضهم أنها قد تستمر لمدة أربعين عاماً. نعم! .. هُزم الأمريكيون عسكرياً عندما أخفقت جحافلهم البرية في اقتحام مدينة صغيرة هي الفلوجة بعد أن حاصروها شهراً، وأمطروها بمقذوفات الطائرات العنقودية والانشطارية المحرمة دولياً، وانسحبوا منها مخذولين مدحورين دون أن يدخلوها. - وهزمت أمريكا حضارياً، عندما بان للعالم حقارة الحضارة التي تدعي تكريم الإنسان، وظهرت سخافة الثقافة التي يبول جنود «التحرير» على الآدميين المحبوسين ويسلطون الكلاب على العراة المقيدين في وضاعة وخسة لم تصل إليها القرود في الغابات والخنازير في الزرائب. - وهزمت أمريكا إعلامياً على المستوى الدولي عندما صرح ساستها وصرخ قادتها، بضرورة كتم أنفاس الإعلام الحر ووضع حد لـ (الجرأة الإعلامية) التي تميزت بها بعض المنابر العربية - كقناة الجزيرة - وهي تكشف بتغطيتها للأحداث الأخيرة فضائح وفظائع الاحتلال الأمريكي للعراق. - وهزمت أمريكا، عندما اكتشف الشعب الأمريكي أن قادته «الأحرار» يكذبون عليه، ويسخرون منه، ويخفون عنه حقائق كبرى تتعلق بمصيره (المقدس) ورفاهيته (المعبودة) ؛ وذلك عندما كُشف عن صور مئات الجيف لهلكى الحرب الأمريكية المسعورة التي أصر مشعلوها - وعلى رأسهم وزير الدفاع دونالد رامسفيلد - على عدم السماح بعرضها على الرأي العام العالمي والأمريكي، حتى لا تصاب هيبة (النسر) الأمريكي بالاهتزاز، عندما يراه الناس وقد تحول إلى خفاش ذليل منكس الرأس إلى أسفل والدماء الملوثه تسيل من أنفه. كل هذا حدث في زمن قياسي، وفي وقت قريب قبل أن يكتمل العام الأول على الجريمة الأمريكية في حق الشعب العراقي. ولكن ما أصاب الأمريكيين على أرض العراق مؤخراً، وإن كان كبيراً وخطيراً على المستوى الحضاري، فإنه على المستوى العسكري لا يزال مجرد خموش وخدوش على وجه الطاغوت الأمريكي الأزرق؛ صحيح أنه يقض مضجعه ويؤرق أحلامه، ولكنه لا يعطل مسيرته ولا يوقف أطماعه. فرغم حديثنا عن هزيمة أمريكا في جولة الفلوجة من الناحية العسكرية التكتيكية، إلا أن الحديث لا يزال مبكراً عن هزيمتها في العراق وما حولها استراتيجياً؛ فلا تزال مشاريع الهيمنة الأمريكية تتقدم في اتجاة تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي من أجلها كان احتلال العراق حتمية أمريكية وضرورة إسرائيلية تم الفراغ من إقرارها منذ سنوات عديدة، لتكون منطلقاً إلى مشروعات هيمنة أكبر وسيطرة أوسع على العالم الإسلامي، بل على كل العالم. * استراتيجية المقاومة في مواجهة استراتيجية الهيمنة: هناك ثلاثة مشروعات استراتيجية كبرى مطروحة الآن من أطراف في الإدارة الأمريكية الصهيونية للهيمنة على العالم الإسلامي، بل العالم أجمع وهذه المشروعات هي: أولاً: مشروع الإمبراطورية الأمريكية: وقد طرحه الاتجاه الإنجيلي المسيطر على الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، وقام على إعداده فريق من صقور ذلك الحزب، منذ إدارة بوش الأب، وقد بدأ هذا الفريق ورشة عمل من مركز (جيمس بيكر) لدراسات البترول في تكساس تحت رعاية جورج بوش الأب، الذي كان من المفترض أن يكمل الخطوات الأساسية في هذا المشروع قبل خسارته للفترة الرئاسية الثانية عام ١٩٨٩م، وقد استأنف بوش الأب العمل مع ذلك الفريق لاستكمال معالم هذا المشروع، وقضوا نحو سنة كاملة من التداول حوله في بيت نفسه، إلى أن توصلوا إلى تقرير نهائي وقع عليه وأصبح مسؤولاً عنه (ديك تشيني) النائب الحالي لبوش الابن وزير الدفاع في حكومة بوش الأب وكانت أبرز نقاط ذلك التقرير: ١ - الحزب الجمهوري لا بد أن يمسك بزمام السلطة؛ لأنه الحزب صاحب الرؤية الكاملة للقرن الجديد. ٢ - الرئاسة بعد كلينتون ينبغي أن تستغل الفرصة التاريخية السانحة التي تنفرد فيها أمريكا بموقع القطب الوحيد، لكي تمكِّن لسيطرة (القيم) الأمريكية على العالم. ٣ - ينبغي البناء على ما أنجزه الرئيسان: ريجان وبوش، لاستكمال بناء الإمبراطورية التي وضعا أساسها. ٤ - على الإدارة الجمهورية عندما تتسلم السلطة أن تمارس دورها في التمكين لتنفيذ المشروع بلا أي قيود من أي جهة في العالم. ٥ - الولايات المتحدة تحت حكم الجمهوريين، من واجبها أن تشاور حلفاءها، ولكن من حقها أن تخالفهم وتتصرف بمفردها. ٦ - الحرب ضد (الإرهاب) هي الدعوة التي يمكن توحيد العالم كله حولها سواء القوى الكبرى أو الصغرى، وتلك الحرب هي أقدر الدعوات على حشد العالم خلف أمريكا؛ لأن كل دولة في العالم يمكن أن تصبح معرضة للإرهاب، حقيقةً أو ادعاءً، والولايات المتحدة من حقها قيادة تلك الحرب من باب الدفاع المشروع عن النفس! [٢] . إن هذا التقرير وضع، ووقع عليه ديك تشيني قبل أن يصبح نائباً للرئيس، وقبل أن يجيء هذا الرئيس (جورج بوش الابن) وقبل أن تقع أحداث سبتمبر! ثانياً: (مشروع القرن الأمريكي الجديد) : وهو المشروع الذي يقف وراءه شركاء الجمهوريين الإنجيليين في الإدارة الأمريكية، وهم اليهود الأمريكيون المنضوون تحت لواء الحزب الجمهوري، والمسمون بـ (المحافظين الجدد) وقد تأسس هذا المشروع عام ١٩٩٧م، تحت رعاية مؤسسة المواطنة، ومولته مؤسسة (برادلي) وقد ارتبط أيضاً بمؤسسة (أمريكان انترابرايز) وهدفه المعلن هو: «تعزيز القيادة الأمريكية للعالم» ويترأس المشروع (وليام كريستول) اليهودي المتزعم للمحافظين الجدد، وقد صدر بيان بشأن المبادئ والغايات التي يهدف إليها المشروع في ٣/٦/١٩٩٧م، جاء في ديباجته: «لمواجهة السياستين الخارجية والدفاعية التائهتين خلال القرن المتقدم، تظهر أهمية صوغ الظروف لمواجهة الأخطار قبل أن تستفحل؛ ولتحقيق ذلك يطلب ما يلي: ١ - زيادة الإنفاق الدفاعي لكي تتحمل أمريكا مسؤولياتها حول العالم. ٢ - تعزيز العلاقات من الحلفاء في العالم الديمقراطي لتحدي الأنظمة المعادية لمصالح أمريكا وقيمها. ٣ - تعزيز الحريات السياسية والاقتصادية في العالم، لنشر الليبرالية واقتصاد السوق. ٤ - فهم الدور الأمريكي المميز ومسؤوليته تجاه إنشاء نظام دولي جديد يفيد أمن أمريكا ورفاهيتها في القرن الحادي والعشرين. وقد وقَّع على هذا الإعلان ٢٥ شخصية من رموز المحافظين اليهود الجدد، إضافة إلى عدد من صقور المحافظين النصارى التقليديين الذين قفزوا جميعاً إلى داخل الإدارة الأمريكية في عهد بوش الحالي. وقد وصف الكاتب الأمريكي جون لوب مشروع (القرن الأمريكي الجديد) بقوله:» هو آخر صيغة لجماعة متطرفة يسيطر عليها اليهود من المحافظين الجدد «. ثالثاً: مشروع الشرق الأوسط الكبير: وهو مشروع تتعاون فيه قوى اليمين الإنجيلي في الحزب الجمهوري مع القوى اليهودية من المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية، ويهدف إلى تغيير بنية المجتمعات الإسلامية ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، ونصوص هذا المشروع من المفترض أن تعرض على مؤتمر القمة للدول الصناعية الثماني في شهر يونيو / حزيران ٢٠٠٤م. والمقصود بالشرق الأوسط الكبير هو العالم الإسلامي؛ فقد جرى توسيع منطقة الشرق الأوسط لتضم إيران وتركيا وباكستان وأفغانستان، إضافة إلى دولة اليهود (إسرائيل) ، وقد عهد الرئيس جورج بوش الابن لمؤسسة (الوقف الوطني الديمقراطي) بتنفيذ هذا المشروع [٣] ، ولم تُستشر فيه أي دولة عربية أو إسلامية قبل تسريب نصوصه، وكان بوش قد أطلق المبادرة المتعلقة بـ (الشرق الأوسط الكبير) في خطاب ألقاه في ٦/١١/٢٠٠٣م في مقر تلك المؤسسة التي يضم مجلس أمنائها عدداً من المنظِّرين الكبار لمشروعات الهيمنة الأمريكية، وعى رأسهم (فرانسيس فوكوياما) صاحب نظرية» نهاية التاريخ « [٤] . وإلى جانب تلك المشاريع ذات الصبغة العالمية، هناك مشروعات للهيمنة الإقليمية تتوزع على قوى أخرى معادية للمسلمين قبل الروس والهندوس وكذلك مشروع اليهود في فلسطين، للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط في ظل مشروع (الشرق أوسطية) أو (إسرائيل الكبرى) ولكن يبقى أن المشروعات الثلاثة التي هي الأكبر والأخطر لعالميتها، ولهذا فهي الأجدر باجتماع المسلمين ضدها، وإصرارهم على إسقاطها مستحضرين قول الله تعالى: [إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوَهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٧٥) ، إن تلك المشاريع الثلاثة يمكن أن تسقط بسقوط بوش وعصابته، والمقاومة الإسلامية في كل من العراق وأفغانستان، يمكنها أن تؤدي هذه المهمة، لتقدم للبشرية كلها خدمة عظيمة بعرقلة تلك المشاريع التسلطية. ولكن لا بد لهذه المقاومة أن تنتهج استراتيجية شاملة واضحة المعالم، إسلامية السمات حتى تؤدي غايتها وتؤتي ثمارها، فالجانب السياسي منها لا بد أن يشارك فيه المختصون بالسياسة، والجانب العسكري منها لا بد أن يساهم فيه خبراء العسكرية، والجانب الإعلامي هو واجب الإعلاميين، كما أن الجانب الثقافي والحضاري لا بد أن يشهد حضور المثقفين والتعليميين، وقبل كل هؤلاء لا بد أن يكون لأهل العلم والدعوة دورهم في وضع الضوابط العلمية وحل النوازل الفقهية والمشكلات الفكرية التي تعترض طريق المقاومين والمجاهدين في كل حين. كان من المفترض أن يطرح المسلمون مشروعات على المستوى الدولي الحضاري تهدف للتمكين لدولة الإسلام العالمية؛ مقابل المشاريع الإمبراطورية الصهيونية الأمريكية، ولكن واقعنا المؤسف، نزل بنا إلى موقع الدفاع من وراء، بدلاً من الاندفاع للأمام؛ ومع ذلك فإن هذا الدفاع والمقاومة والمجاهدة هي واجب الوقت، وفريضة العصر، ويرتبط بهذا الواجب وتلك الفريضة ألا نكرر أخطاء الارتجال والفوضوية التي أحبطت مشاريع إقامة الدولة الإسلامية العالمية لأكثر من قرن مضى. لا يستطيع طرف بمفرده أن يدعي القدرة على وضع الاستراتيجية المصيرية الشاملة لمواجهة مشاريع الهيمنة، ولكن استمرار الإلحاح على وضع هذه الاستراتيجية هو في حد ذاته عمل، والمساهمة في إكمالها من كل ذي اختصاص سيمثل إضافة إلى ذلك العمل، ولعل من المعالم المطلوب استحضارها عند رسم خطوط عامة لاستراتيجية المقاومة ما يلي: ١ - أن تنطلق مشروعات المقاومة من منطلقات اعتقادية إسلامية، مثلما تنطلق مشروعات الهيمنة الآن من منطلقات عقائدية» مسيحية «إنجيلية، أو يهودية توراتية. ٢ - أن تتصف بالعالمية؛ بمعنى أن توفر لكل مسلم دوراً في دعم قضايا المسلمين، مع اهتمامه الخاص بقضايا التماسّ التي يعيش همها عن قرب، أو يشارك فيها بفاعلية. ٣ - أن تتسم بالشمولية، مثلما هو الحال الآن في الحرب العالمية الصليبية؛ فهي شاملة لكل الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية. ٤ - أن تراعي فعل العامل الزمني في التأثير؛ إذ إن النتائج قد تأتي بعد سنوات، وبعضها لا يُنتظر إلا بعد عقود، كما هو الشأن في مشروعات الهيمنة اليهودية والنصرانية. وأن تراعى أيضاً خصوصية العامل المكاني والبيئي؛ إذ ما يصلح في مكان ما، قد لا يصلح لمكان آخر. ٦ - ألا تخرج عن الواقعية بل تحصر دوائرها في إطار المستطاع والمشروع، فلا تروم المستحيل وغير المستطاع في دنيا الناس، أو تتجرأ على الممنوع غير المشروع في محكمات الدين. إنني على يقين من أن المسلمين يستطيعون أن يضعوا مشاريع متكاملة للجهاد والمقاومة لمواجهة تلك المشاريع المتكاملة للسيطرة والهيمنة، ورصد ما يحدث الآن في العراق على الأرض بسبب استمرار المقاومة والجهاد ينبئ عن إمكانية إيقاع المشروعات الأمريكية والصهيونية في مزيد من الورطات التي ستعرقلها أو تلغيها. فالفرصة سانحة الآن من الناحية العسكرية بعد هزيمة الأمريكيين في الفلوجة، أن تتكرر المقاومة في مدن عراقية أخرى، تُسقط هيبة الجيش الأمريكي، وتكسر حاجز الخوف منه في أي مكان من العالم. - وهناك فرصة سانحة من الناحية السياسية لإسقاط بوش، بانتهاج سياسة تكثيف النعوش، وبسقوط بوش ستسقط أو تتأجل على الأقل، مشروعات الهيمنة العالمية المتعجلة. وعقدة الدم التي يتعالى فيها الأمريكيون بالدماء الزرقاء للجنس الساكسوني لا يحلها إلا عقدة الخوف من سيلان هذا الدم على يد الجهاد الإسلامي. - وهناك فرصة سانحة من الناحية الاقتصادية لحرمان الأمريكيين من ثمرات الغزو اليسير للعراق، والذي وإن كلفهم اقتصادياًِ إلا أنه لم يكلفهم بشرياً في مراحله الأولى. وإيذاء أمريكا اقتصادياً في العراق سيحرمها من عائدات ١١٢ مليار برميل نفط يمثلها احتياطي العراق من البترول الذي يسرقه الأمريكيون الآن على مرأى ومسمع من العالم. - وهناك فرصة من الناحية الحضارية أن يُستدرَج الأمريكيون إلى المزيد من كشف الوجه الآخر لحضارتهم العوراء، في شكلها الكالح وملمحها القبيح؛ وذلك بالتركيز على إبراز» منجزات «الحضارة الغربية في سجن أبو غريب الذي صار رمزاً لـ (القيم) الأمريكية؛ فمن خلال إبراز ما حدث من توحش وهمجية سادية في ذلك السجن وغيره من السجون والمعتقلات؛ سيظهر للعالم أن مستقبلاً مكفهراً بالظلام ينتظر كل شعب يقبل الانخداع بجنة أمريكا التي تخفي النار تحتها، وقيمها» التدميرقراطية «التي تحمل الخراب في ثناياها. إنها فرص سانحة بالفعل لتحقيق الأمل الماثل في الأفق - عن يقين لا ظنون - بأن نهاية الجبروت الأمريكي ستكون على أيدي المؤمنين، كما كانت نهاية الجبروت السوفييتي على أيدي المسلمين، تصديقاً للأحكام القدرية الكونية من سنن الله الإلهية التي بينت أن إرادة الله قد مضت بأنه عندما يتمرد الباطل، فلا بد أن تتجرد له فئة لا تستمد القوة إلا من الله، ولا تستعين إلا بالله تستنزل ذلك الباطل من عليائه، وترث الأرض من تحت قدميه: [وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ] (القصص: ٥) . تلك السنن الإلهية التي أظهرت أن الإذن عندما يأتي من الله فإنه لا راد لقضاء الله مهما كانت قوة الكافرين وضعف المؤمنين: [كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] (البقرة: ٢٤٩) ، وهي السنة التي بشرت بأن دين الحق منصور إذا قام به أهله، وجعلوه غايتهم ورايتهم: [كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] (المجادلة: ٢١) ، [وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ] (الصافات: ١٧١-١٧٣) . وسنن الله الإلهية، هي التي أعلمتنا وملأتنا بالأمل في غدٍ مشرق للإسلام فوق كل الأديان، فلا مستقبل لعالمية دينية صهيونية، أمريكية كانت أو إسرائيلية كما يشتهي أصحاب الأحلام الإمبراطورية: [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] (التوبة: ٣٣) . إن هذه أحكام لا تقبل التغيير ولا التبديل، بشهادة الواقع وحكم التاريخ: [سُنَّتَ اللَّهِ الَتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُونَ] (غافر: ٨٥) ، [سُنَّةَ اللَّهِ الَتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً] (الفتح: ٢٣) ، [سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً] (الإسراء: ٧٧) . والطغيان الأمريكي المتعالي في الأرض اليوم لن يفلت من هذا القضاء الكوني والحكم القدري؛ فوالله وبالله وتالله ... إن نهاية الحلف الصهيوني الأمريكي الإسرائيلي لن يكون بمعجزة غيبية كزلزال ونحوه من أشكال عذاب الاستئصال، ولكن يكون على أيدي كفار أو فجار؛ إنه لن يكون إلا على أيدي المجاهدين المسلمين، وعذاب الله لهم لن يكون إلا بأيدي المستضعفين من المؤمنين، كما قال سبحانه: [قَاتِلُوَهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] (التوبة: ١٤-١٥) ؛ إنها قوانين لن تفهمها مراكز الأبحاث السياسية، والدراسات الاستراتيجية؛ لأن أرباب تلك المراكز والمكاتب من غير المسلمين في العالم: [يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ] (الروم: ٧) . إن أحداث هذه الدنيا تجري وفق خارطة علوية أخروية، يقسم الله فيها وقائع الدنيا بحسب مصائر الناس في الآخرة، فيملي لهؤلاء ويختبر هؤلاء، ويمد لهؤلاء؛ فهناك قوم مقدَّر لهم أن ينالوا شرف الصبر على الابتلاء، وآخرون مكتوب لهم أن ينالوا أجر الشهداء؛ بينما يريد الله لآخرين أن يكنزوا نصيباً وافراً من الإجرام والطغيان، ليستوفوه في دركات النيران: [وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ] (إبراهيم: ٤٢-٤٣) ، [وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لُهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ] (آل عمران: ١٧٨) . * فعل الله في أفعال البشر: ثمة أمر آخر قد لا يدركه المحللون السياسيون والمخططون الاستراتيجيون في الشرق والغرب، أولئك الذين يهللون اليوم ويبشرون بغدٍ أمريكي صهيوني سيمتد إلى منتصف القرن الحادي والعشرين وربما إلى نهايته، استناداً إلى إمكانيات نجاح مشروع الصهيونية المسيحية المسمى (الإمبراطورية الأمريكية) أو مشروع المحافظين اليهود الجدد المسمى بـ (مشروع القرن الأمريكي الجديد) ، وهذا الأمر الآخر الذي ربما لن يفهمه هؤلاء المحللون والمنظرون، هو أن الله تعالى قد أجرى العادة في التاريخ، بأنه إذا أراد أن يمكن لحزب المؤمنين؛ فإنه يضعف قوى المعسكر المناوئ لهم، بأن يسلط بعضهم على بعض حتى تخور أكثر قواهم وتدول أكثر دولهم، ثم تتبقى قوىً أخيرة، تترنح تحت ضربات المؤمنين الصادقين، بعد أن تكون قد مثلت أداة قدرية لتصفية بقية قوى المجرمين، فتنتصب تلك القوى الأخيرة بما تبقى لها من جبروت وطغيان ظاهري منهك لتنازل أهل الايمان، أو ينازلها أهل الأيمان بقوىً أقل مع تماسك أكثر. تأمل مثلاً حقبة البعثه النبوية الشريفة، فقد سُبقت بأحداث جسام بين القوى العظمى في الأرض في ذلك الوقت ممثلة في الفرس والروم الذين كان طواغيتهم الكبار يستعينون بطواغيت صغار من الأذناب والأتباع الحارسين لمصالحهم والمستندين إلى قوتهم. لقد سجل القرآن الكريم أنباء تلك الفترة المهمة، مثبتاً فيها البشرى للمؤمنين بنصر الله الذي سيعقب انتصار الروم على الفرس: [الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ] (الروم: ١-٤) . لقد ضُرِبت الروم بقوة الفرس الغاشمه سنه ٦١٥ للميلاد، وذلك حين غزاها الملك الفارسي (خسرو بن هرمز) ، وكانت ساحة الصدام على أرض الشام الواقعة حينئذ تحت حكم الرومان بقياده القيصر (هرقل) فنازل الفرسُ الرومانَ في إنطاكية ثم دمشق، وكانت الهزيمة الكبرى في أطراف بلاد الشام بين بُصرى وأذرعات، (قريباً من البحر الميت) وذلك المراد من قول الله تعالى: [فِي أَدْنَى الأَرْضِ] (الروم: ٣) أي أدنى بلاد الروم إلى العرب. ومن لطائف التفسير هنا أن بعض المفسرين قالوا إن التعريف في لفظة (الأرض) هو للعهد؛ فالأرض عند الله هي هذه الشاملة للجزيرة العربية وما حولها من أراض مقدسة في بيت المقدس وما حولها، وأرض حارسة في العراق ومصر واليمن؛ فمعنى [فِي أَدْنَى الأَرْضِ] أي أدنى أرض الله [٥] . ثم إن الروم أديلوا على فارس فهزموهم هزيمة عظمى، مثلت آية من آيات قدرة الله، عندما يريد أن يمن على الذين استُضعفوا في الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين؛ فقد تمهد الأمر لأهل الإسلام بانكسار الوثنية الفارسية عندما عاد المهزومون الروم إلى الانتصار في زمن قياسي قليل [فِي بِضْعِ سِنِين] (الروم: ٤) أي سنوات لا تتجاوز العشر، وهي في غاية القلة قياساً إلى دولة عظمى تنكسر ثم تنتصر، ومع أن الأمر القدري بنصر الروم على الفرس كان متوجهاً نحو إضعاف الاثنين ببعضهما، إلا أنه لم يخلُ من بشارة وسلوى للمؤمنين بانتصار قوم من أهل الكتاب على قوم من أهل الشرك والوثنية؛ فقد فرح المشركون الوثنيون من قريش عندما هَزَمَ إخوانُهم من عباد الأوثان في فارس أهلَ الكتاب الذين يُعدون أقرب للمؤمنين من الوثنيين المشركين [٦] ، ولهذا قال الله تعالى: [وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ] (الروم: ٤-٥) ، وقد ذُكر أن انتصار الروم وافق يوم بدر، وقد فرح المؤمنون يوم تنزل الآيات استشعاراً بأن هذا النصر هو مقدمة لنصر الله لهم، أو هو بشارة بأن يوم انتصار الروم سيوافق يوم انتصار للمسلمين. الشاهد هنا أن أمر الله القدري، قد جرى وفق السنة الإلهية التي تقتضي أن يدفع الله الناس بعضهم ببعض، ويسوق الظالمين بعضهم على بعض كما قال سبحانه: [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْض] (البقرة: ٢٥١) ، وبهذا يتهيأ لحَمَلَة المنهج الحق أن يحلوا مكانهم عند زوالهم دون تضحيات باهظة كان سيتحتم تقديمها لو لم يهلك الظالمون بعضهم بعضاً في جولات تمهيدية؛ ولهذا قال الله تعالى إشارة إلى هذه السنة الإلهية والأمر الكوني: [لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ] (الروم: ٤) أي أن الله تعالى قدَّر وهيأ الأسباب للغَلَب الأول والثاني قبل أن يقعا، ليكون هذا تهيئة لأسباب انتصار المسلمين على الفريقين إذا حاربوهم بعد ذلك لنصر دين الله ونشر كلمة الله في بلاد الفرس والروم معاً، وهو ما كان بعد ذلك عندما غزا المسلمون بلاد فارس سنة ١٤ للهجرة بعد هزيمتها على يد الروم. ثم قاتل المسلمون الرومان الخارجين من انتصار مكلف على الفرس، فأخرجوهم من (أدنى الأرض) ليدَّخر الله شرف تطهير تلك الأراضي من عبودية النيران والصلبان للطائفة المجاهدة من حزب الله الموحدين. لقد كان هذا فعلاً من أفعال الله في أفعال البشر لا يدركه الذين: [يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ] (الروم: ٧) . * أمثلة معاصرة: في عصر القطبية الثنائية التي امتدت في معظم النصف الثاني من القرن العشرين كان الروس والأمريكيون يماثلون الفرس والروم في العصور الماضية. - وعندما توجهت إرادة الله نحو هدم كيان الإلحاد الروسي، المسمى بالاتحاد السوفييتي، بعد صراع طويل مع الولايات المتحدة مثلته (الحرب الباردة) ؛ أذن الله للمسلمين بأن يكونوا طرفاً في هذا الصراع، وذلك عندما اجتاح الروس الشيوعيون أرض أفغانستان المسلمة، فوجد المسلمون الصادقون في العالم أنفسهم أمام واجب النصرة لإخوانٍ لهم استنصروهم في الدين، وبالفعل تنادت الأمة في كل مكان لنصرة الأفغان، فكان هذا إيقاعاً من الله للروس الملحدين في شَرَك جهاد الموحدين المجاهدين من أنحاء العالم، ذلك الجهاد الذي أمده الله بأسباب القوة، وسخَّر له القوة العالمية الأولى المنافسة للاتحاد السوفييتي (أمريكا) فأمدته بالأسلحة، ثم سخر الله له مصادر التمويل وأسباب التيسير والمشروعية من جميع الأنظمة الحريصة على إرضاء أمريكا والمتضررة في الوقت نفسه من أخطار المد الشيوعي على بلادها، وحدث ما يشبه الاتفاق على مشروع جهادي تغييري عالمي في أفغانستان شاركت فيه كثير من الشعوب والحكومات، وكان من قدر الله وتشريفه للمسلمين ألاَّ يأتي انكسار فقار الدب الروسي إلا على أيدي المجاهدين المستضعفين، بتشجيع ودعم من الأمريكيين أنفسهم، وتجلى هنا فعل الله في فعل البشر بهذا الصنيع الإلهي الذي اختص فيه المولى الجليل أهل الإسلام بإسقاط هذا الكيان الكفري الكبير. - وبسقوط الاتحاد السوفييتي انهار الجدار الذي كانت تستند إليه العديد من أنظمة» الخُشُب المسنَّدة «، وراح المنافقون والمرتدون من ذوي الاتجاه الماركسي اليساري يبحثون عن جدار غير الجدار المنهار، ولم يكن لهم خيار إلا أن يرتموا في أحضان الغرب النصراني بقيادة أمريكا، راضين بتبعية ذليلة للطاغوت الأزرق الغربي، بعد هزيمة وسقوط الطاغوت الأحمر الشرقي، وبهذا توحد الجدار الذي ترتكن إليه الخشب المسندة، وحدثت وحدة قسرية موالية للأمريكيين، جعلت الأنظمة العلمانية مرتهنة لجدار واحد، هو الجدار الأمريكي. - وبخصوص هذه الأنظمة العلمانية نرى من أفعال الله في شأنها عجباً؛ إذ بعد خذلان الله للأنظمة الماركسية في البلاد العربية والإسلامية بسقوط اتحاد الشيوعية الروسي، شاء الله تعالى أن يضعف بقيتها من الأنظمة الموالية لأمريكا بتسليط بعضها على بعض، وأضرب على ذلك مثالاً بسلسلة واحدة من ضمن سلاسل كثيرة، أن أكبر عميل للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط في حقبة الستينيات والثمانينيات وهو شاه إيران، الملقب بـ (الطاووس) يسلط الله عليه من ينتف ريشه، ويشوه منظره، وهو الخميني وجماعته من الآيات؛ فلما ظهر الشر من هؤلاء، وقال قائلهم: إن الطريق إلى القدس يمر عبر مكة والمدينة، مهددين بتصدير الثورة الرافضية إلى دول الجوار، سلط الله عليهم طاغية البعث في ذلك الوقت صدام حسين ليوقف أطماعهم ويقزِّم ثورتهم بدعم من الأمريكيين، ويظن صدام أن الجو خلا له ليرفع راية البعث الفاسدة في عواصم الجوار باسم القومية العربية، عن طريق الغزو المسلح بدءاً من الكويت، فيسلط الله عليه من هو أجبر منه وأفجر، وهم الأمريكان الذين يبدون الآن وكأنهم العصا الغليظة التي تكسر هنا وهنا، ثم تجد من يفتتها هي بعد ذلك. أمثلة كثيرة على إملاء الله للظالمين وتسليط بعضهم على بعض في عصرنا، إذا بحثت عنها في دوائر أكبر فسترى نماذج أكثر، وعلى مستوى الدول الكبرى التي تتربص بعضها ببعض، وينتظر بعضها هلاك بعض كما يحدث من أوروبا مع أمريكا، ومن أمريكا مع الصين، ومن الصين والروس ... إلى آخره [ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكَافِرِينَ] (الأنفال: ١٨) . ثم يجيء أكبر طاغوت، في شكل حوت كبير يريد التهام السمك المتنازع الصغير، وسوف يسلط الله عليه من يصطاده بقوارب القدر المحتوم [وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ] (ص: ٨٨) . - فالآن يتكرر ما حدث مع الاتحاد السوفييتي السابق، ويتورط الأمريكيون مع العالم الإسلامي بدءاً من أفغانستان أيضاً، وتسوق عصا الأقدار هؤلاء الأمريكيين الأشرار من إنجيليين وتوراتيين، إلى ساحة نزال اختاروا هم بدايته، ولا يعلمون نهايته، وقد بدأ الأمريكيون يجنُون الثمرات المُرة لـ (الورطة الكبرى) التي اندفعوا إليها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ظانين أنهم يمكرون بالمسلمين [وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ] (الأنعام: ١٢٣) ، وهنا ينبغي أن نلاحظ أن كل مكر يمكره الأمريكيون لا ينقلب عليهم فقط، بل ينقلب على كل من تعلق بأذيالهم، وفي مقدمتهم ذلك الكيان الكريه المبغوض، الجامع لحثالة البشر من اليهود في فلسطين، أولئك الذين قضى الله تعالى عليهم بالذلة والصغار، إلا في حال استنادهم كشأن الخُشُب المسنَّدة إلى كيان أقوى من الكفار [ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّه] (آل عمران: ١١٢) [٧] ، وبهذا نعلم أن كيان المجرمين المغتصبين في فلسطين لن يسقط إلا بانقطاع الحبل الذي يحمله وهو الولايات الآمريكية، وهذا يضيف بُعداً آخر في غاية الأهمية في فهم وتوجيه صراع المسلمين ضد الصهيونيتين، اليهودية والنصرانية. - لكل هذا نقول: إن الظرف التاريخي الذي تمر به الأمة يحتم أن يأخذ الجهاد المشروع فيها شكل مشروع عالمي، كذلك الذي أقيم على أرض أفغانستان إبان الغزو الشيوعي؛ بحيث تجتمع عليه آراء المسلمين، وتتوحد جهودهم، ولا تتشتت جهودهم وقلوبهم في الساحات والميادين المتفرقة المفرقة للصفوف. والخيار الأمثل هنا هو دعم الجهاد المشروع في العراق، مع عدم إهمال الجهاد المشروع في أفغانستان والشيشان وكشمير، وقبل ذلك الجهاد المشروع في فلسطين، ونقول: إن العراق هو الخيار الأمثل لأسباب عديدة منها: أن الاحتلال الأمريكي له مرفوض من أكثر دول العالم، ومدان قبل أن يبدأ وبعد أن بدأ، ومنها أن ذلك الاحتلال ظاهر ومستعلن وواقع على الأرض، وليس خفياً في قواعد سرية أو ثكنات عسكرية، ومنها أن ذلك الاحتلال سيطول؛ لأن الغرض من احتلال العراق لم ينته بعد، وهو الانطلاق منه نحو بقية الدول المستهدفة في المنطقة مثل سوريا وإيران ولبنان، ومنها: أن العراق الذي فكك الأمريكيون جيشه النظامي، وسرحوا حرسه الحدودي، أصبح بلداً سهل التسلح، مفتوح الحدود، ومنها: أن هناك ما يشبه الإجماع في الأمة الآن بكافة شرائحها وطوائفها وتياراتها على المطالبة بإخراج الأمريكيين من العراق. ومن حسن الحظ أن الجهاد على أرض العراق المحتل يكتسب» مشروعية « قانونية دولية، إلى جانب مشروعيته الدينية الإسلامية، مما يفوِّت الفرصة على المغرضين الذين يصرون على الربط بين الجهاد والإرهاب. إن الفرصة سانحة لأن يعيد المسلمون صياغة نظام عالمي جديد، انطلاقاً من العراق الذي يريد الأمريكيون أن يبدؤوا من أرضه مشروعاً لتحويل المسلمين بل العالم أجمع إلى قطعان من العبيد، في إمبراطورية صهيونية عالمية في ظل مشروع (الإمبراطورية الأمريكية) أو مشروع (القرن الأمريكي الجديد) .

стр. 4938

ملفات ظاهرة المقاومة الإسلامية من فلسطين إلى العراق جذورها وآثارها على مستقبل الأمة ياسر الزعاترة [*] ليس من الصعب القول إن مصطلح الجهاد قد انتشر في الأوساط العربية والإسلامية مع تحولات الصحوة الإسلامية التي أخذت تنتشر مع بدايات الثمانينيات من القرن المنصرم، وإن بدأت قبل ذلك بعقد كامل مع سقوط النظام العربي الرسمي أمام المد الصهيوني، وإخفاق الدولة القطرية العربية في تحقيق أي من أحلام جماهير الأمة في الوحدة والكرامة والتحرر. كان المد اليساري والقومي ومعه العلماني المتغرّب يتراجع شيئاً فشيئاً مُخلياً الساحة بالتدريج للقوة الإسلامية الناهضة. والحال أن مصطلح الجهاد كان ولا يزال جزءاً لا يتجزأ من منظومة الفكر الإسلامي والصحوة الإسلامية، لا لشيء إلا لأنه كذلك في السياق التاريخي للتجربة الإسلامية الأولى في مواجهتها لتحديات العدو الذي سعى إلى وأدها في مهدها. مع نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات كانت تجربة الصِدام بين الحركة الإسلامية وأحد الأنظمة العربية قد انطلقت للتو (سوريا) ، بينما كان الجهاد الأفغاني ضد الغزو السوفييتي قد انطلق أيضاً، ولما كانت الساحة الفلسطينية غائبة عن السياق الجهادي بمفهومه الإسلامي؛ فقد توجه الجهد نحو البعيد؛ هناك في أفغانستان، أو نحو صِدام داخلي كما هو الحال في سوريا. كان الوضع في سوريا بتعقيداته المحلية والإقليمية وحتى الدولية بعيداً كل البعد عن أن يجسّد انتصاراً لفكرة الجهاد ضد نظام عربي حاكم، حتى وهو يتبنى نهجاً اشتراكياً مصادماً للدين على نحو ما، لكن الأمر بدا مختلفاً في الحالة الأفغانية التي كانت تتمتع بوضع محلي وإقليمي ودولي يدفع باتجاه انتصار ممكن لا يحتاج سوى قدر معقول من الصمود. لم يكن الإسلاميون في ذلك الحين على قدر من النضج السياسي لكي يدركوا تماماً تعقيدات الموقف الذي يتحركون خلاله، من حيث إنهم قد باتوا، سواء علموا أم لم يعلموا، في حالة تحالف مع الولايات المتحدة في حربها ضد الاتحاد السوفييتي والشيوعية، وأن المدد الذي تمتعوا به لمواصلة الحرب كان يتم بدعم أمريكي واضح، وإن كانت الأدوات في بعض الأحيان عربية إسلامية. لا يعني ذلك بالطبع أن الإسلاميين قد أرادوا خدمة مصالح الولايات المتحدة؛ فخطابهم المتداول كان يقول شيئاً مختلفاً، لكنهم كانوا يعيشون تحت وطأة التحدي الأيديولوجي الذي كان يواجههم في الشارع، خلافاً للتحدي العلماني الغربي الذي كان أقل وطأة عليهم. لم يكن التحالف الأمريكي مع الظاهرة الإسلامية قائماً في الحالة الأفغانية فحسب، بل كان قائماً في مختلف الساحات كجزء من مطاردة النفوذ الشيوعي في البلاد العربية الذي أدركت واشنطن أن الصحوة الإسلامية وحدها هي المؤهلة لمحاصرته، وبذلك تمددت الصحوة على نحو واسع في الشارع العربي على حين تراجع المد اليساري والقومي وحتى العلماني. لا شك أن مصطلح الجهاد في طبعته الأفغانية قد استحوذ على الكثير من الشبان بعد أن غدا الشيخ الشهيد بإذن الله عبد الله عزام بشخصيته المحببة رائد التبشير به في الأوساط العربية والإسلامية، لكن ذلك لم يكن كافياً لجعله سيد الموقف؛ فقد كان سؤال المساهمة الإسلامية في الصراع المركزي للأمة في فلسطين يلاحق الظاهرة الإسلامية ويتهمها بالتواطؤ مع الإمبريالية الأمريكية. لكن ذلك لم يغير من حقيقة أن مصطلح الجهاد قد غدا جزءاً لا يتجزأ من وعي الصحوة الإسلامية. * انقلاب واشنطن على الظاهرة الإسلامية: ما أن بدت الهزيمة السوفييتية ماثلة للعيان في أفغانستان مع نهاية الثمانينيات حتى كانت الصحوة الإسلامية هي سيدة الموقف في الساحة العربية، وصارت الأنظمة التي سكتت عنها بسكوت الولايات المتحدة تشعر بالخطر، فضلاً عن «باروميتر» الوجع الأمريكي الأساسي ممثلاً في الدولة العبرية التي صحت على أعداء من لون مختلف يتحدثون عن الموت في سبيل الله بروح الشوق والإقبال الذي لم تعرفه في صراعاتها مع الآخرين قبل ذلك. حدث ذلك عندما ظهرت حركة المقاومة الإسلامية حماس في فلسطين، نهاية العام ١٩٨٧، وفي تزامن مع انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى، فيما كانت حركة الجهاد الإسلامي قد انطلقت قبل ذلك بقليل كامتداد لتنظيم يتشكل من مجموعة من الشخصيات الإسلامية تحت مسمى (سرايا الجهاد الإسلامي) . لم تكن حماس هي إنذار الخوف الوحيد القادم من الشارع العربي والإسلامي؛ فقد رأت واشنطن ومعها الأنظمة الموالية لها في المنطقة، وحتى الموالية للاتحاد السوفييتي سابقاً أن الصحوة الإسلامية برمتها هي التحدي الحقيقي، ولا سيما بعد فوز الإسلاميين في انتخابات تونس والجزائر والأردن، إلى جانب صِدام جزء منها مع الدولة المصرية، فضلاً عن التمدد الكبير في دول أخرى صارت فيها الحركة الإسلامية هي الأقوى تأثيراً في الشارع. هنا صدر القرار أو لنقل بدأ التوجه الأمريكي بإطلاق مشروع محاصرة الصحوة الإسلامية بكل الوسائل المتاحة، واتفقت مع الأنظمة الرافضة لأي شكل من المعارضة القوية، فضلاً عن المعارضة الانقلابية، وبكل تلاوينها «الرجعية والتقدمية» اتفقت مع الولايات المتحدة على نهج الحصار التدريجي، وإن مال بعضها إلى نهج الاستئصال. حققت مسيرة الملاحقة نتائج إيجابية بمفهوم أصحابها؛ حيث بدأت الصحوة الإسلامية تأخذ منحى متراجعاً، بعد استهداف حركاتها وبداية محاصرة حالة التدين الشعبي بالقوانين والأنظمة. وقد استمرت مسيرة التراجع التدريجي حتى نهاية التسعينيات حين اندلعت انتفاضة الأقصى في فلسطين المحتلة وبدأت ظاهرة الفضائيات بالشيوع. * انتفاضة الأقصى في ميدان الصراع: بعد شهور قليلة من الانتصار الذي تحقق في جنوب لبنان انطلقت انتفاضة الأقصى كرد على إخفاق مسيرة التسوية والتطبيع بعد قمة كامب ديفيد التي عقدت في شهر تموز عام ٢٠٠٠م. كان ثمة مفارقة هنا تمثلت في اندلاع انتفاضة الأقصى مع شيوع ظاهرة الفضائيات في العالم العربي، وهو الأمر الذي أدخل تلك الانتفاضة بمختلف فعالياتها إلى كل بيت في العالم العربي والإسلامي، وإلى جانبها كانت الظاهرة الإسلامية تزداد انتشاراً من خلال الدعاة الذين تجاوزوا الحدود، وتواصلوا مع كمٍّ كبير من الجماهير. أما الأهم من ذلك كله فهو ما ميّز تلك الانتفاضة عن مختلف حالات الجهاد المشابهة في الوعي العربي والإسلامي، ممثلاً في ثقافة الاستشهاد في سبيل الله التي استحوذت على قلوب الأمة؛ إذ لأول مرة يرى الناس شباناً تفتح الحياة لهم ذراعيها يقبلون على الشهادة والابتسامة تعلو جباههم. ولا شك أن مكانة فلسطين في الوعي العربي والإسلامي قد لعبت دوراً مهمّاً كونها القضية التي تُجمِع عليها الأمة بمختلف مشاربها، فضلاً عن أن العدو هو الأشرس في تاريخ الأمة بنص القرآن الكريم. خلاصة القول: إن ما جرى في فلسطين كان يحفر عميقاً في الوعي العربي والإسلامي، ولا سيما في أجيال من الشبان المدججين بالرفض والثورة. لكنَّ ما زاد في عمق الظاهرة وتأثيرها قد تمثل في تداعيات هجمات الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة التي أدت إلى إعلان القيادة اليمينية الأمريكية الحرب على الإسلام والمسلمين من أفغانستان إلى العراق. لا شك أن ثقافة الاستشهاد التي رسّختها حركة المقاومة الإسلامية حماس في فلسطين منذ عام ٩٣ قد شكلت البداية الجديدة لمصطلح الجهاد والمقاومة في الوعي الإسلامي، لكن تراجع الأمر خلال أعوام ٩٧ وصولاً إلى عام ٢٠٠٠، بسبب اتفاق أوسلو وتمدده على الأرض، مما أدى إلى تراجع التأثير، وهو ما يؤكد أن انتفاضة الأقصى تشكل المرحلة الأكثر تميزاً في التاريخ الحديث. هكذا دخلت ثقافة المقاومة كل بيت في العالم العربي والإسلامي وجاءت الغطرسة الأمريكية الإسرائيلية لتزيدها تجذراً مع مشاهد الغزو الأمريكي للعراق وما سبقه من سيناريوهات مذلة لمجموع الأمة وصولاً إلى مشهد سقوط بغداد وما تركه في الوعي العربي والإسلامي. * المتطوعون العرب في الحرب العراقية: برز التجلي الأول لظاهرة رسوخ ثقافة المقاومة والاستشهاد في الوعي العربي والإسلامي خلال تحضيرات الحرب على العراق حين سافر الآلاف من الشبان العرب إلى العراق للمساهمة في الحرب. وهي المساهمة التي لم تغير كثيراً في نتيجة المعركة لأسباب متعددة، لعل أهمها غياب الخطة الدفاعية المعقولة عراقياً، وعدم وجود إرادة قتال لدى الجيش العراقي كجزء من الشعب العراقي الذي كان ينتظر الخلاص من صدام حسين، إضافة إلى عين الشك التي تعامل بها المسؤولون العراقيون مع المتطوعين، ومعها موقف الرفض من قِبَل الذين لم يكونوا يريدون الصمود وتأخير سقوط النظام. لكن ذلك كله لم يكن ليخفي حجم البسالة والإقبال على الاستشهاد كما تبدى في سلوك المتطوعين أو المجاهدين حسبما بات أهل العراق يسمونهم لاحقاً. وقد أجمع كثير من العراقيين على أن الصمود الذي تحقق في الجنوب ومعركة المطار كان بفعل أولئك المتطوعين. على أن الأهم من ذلك كله قد تمثل في إصرار كثير منهم على مواصلة القتال رغم إعلان سقوط المدينة بيد القوات الأمريكية، وهو الأمر الذي ترك آثاره على وعي الشبان العراقيين في مناطق السنة في بغداد وما حولها؛ حيث غدت حكايات المتطوعين تُروى وتُتداول بين الناس، وفي هذا السياق يذكر أحد قادة الحزب الإسلامي العراقي كيف اضطُروا للكذب على بعض أولئك المتطوعين عبر إخبارهم بأن ثمة معركة مع القوات الأمريكية تدور في منطقة أخرى، ثم حملوهم إلى الحدود السورية؛ فما كان من بعضهم إلا أن أجهش في البكاء قائلين لمن جاؤوا بهم: لقد حرمتمونا الشهادة في سبيل الله، بينما أصر آخرون وهم قلة على البقاء انتظاراً لاندلاع المقاومة، وهو ما تحقق خلال أيام على نحو ما، وقد تأكدت الظاهرة خلال أسابيع قليلة. * ثقافة المقاومة وآثارها القائمة: ربما يجد بعض القراء في هذا الاستقراء التاريخي نوعاً من الإسهاب غير الضروري، لكنه ليس كذلك؛ لأننا إزاء ظاهرة استثنائية غير مسبوقة في تاريخنا تدل على قدرة هذه الأمة على العطاء المتجدد. فها نحن اليوم أمام شبان يتسابقون إلى الشهادة كل يريد أن يسبق الآخر؛ حيث يهجمون على عدوهم دون أدنى خوف من الموت ودون نظر إلى خلل ميزان القوى لصالح عدوهم أو ما يعانونه من ضعف الإمكانيات. لقد قدموا ولا زالوا يقدمون أمثلة مذهلة في التضحية والفداء يحفزها إيمان عميق بالله وحق هذه الأمة في العزة والكرامة، وقدرة هذا الدين وأتباعه على مواجهة المؤامرات الدولية الرهيبة الساعية إلى استئصاله والنجاح فيما عجزت عنه المحاولات السابقة طوال قرون. إنهم شبان تفتح الحياة لهم أذرعها وليسوا يائسين كما ردد بعض الغربيين، لكنهم يتميزون بروح يعجز أولئك عن إدراكها. إنها روح الإيمان بما عند الله وبصفقة بيع رائعة، تقدم فيها النفس لله مقابل الخلود في الجنة: [إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاًّ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ] (التوبة: ١١١) . من هنا كان من الطبيعي أن تترك هذه الظاهرة آثاراً مهمة على مسيرة الأمة في مواجهة أعدائها. وفي هذا السياق يحسن بنا أن نتوقف أمام ما حققته من إنجازات حتى الآن. لا بد من القول ابتداءً بأن مسيرة أوسلو وعجز الاحتلال الصهيوني ومن ورائه الإرادة الأمريكية عن فرض الحل المطلوب على الأمة قد أكد لهم أن ما هو قائم من هزال في وضع الأنظمة لا يكفي لذلك. كما أكد لهم أن هذه الصحوة الإسلامية العارمة وثقافة المقاومة التي تتميز بها لا يمكن أن تمرر ما يريدونه؛ فكان لا بد من مسار يطارد الأنظمة ويفرض عليها مزيداً من الركوع في وجه الإملاءات الأمريكية الصهيونية، ولا بد أيضاً من مطاردة الظاهرة الإسلامية استناداً إلى نظرية المستنقع والبعوض الصهيونية التي تقول إن من غير الممكن قتل البعوض بشكل منفرد، بل لا بد من تجفيف المستنقع. والبعوض حسب رأيهم هو الإرهاب. أما المستنقع فهو الظاهرة الإسلامية برمتها؛ لأنها ظاهرة تنتج الحركات المسيّسة؛ بينما تنتج الحركات المذكورة أخرى متطرفة وصولاً إلى الإرهاب. إن جوهر المخطط هو تركيع الأمة وليس استهداف الدين، لكن حقيقة أن هذا الدين هو الأساس الذي تستند إليه مقاومة الأمة يجعله هدفاً للمطاردة، وهو الأمر الذي يفرض المواجهة على الأمة. وهنا تحضر ثقافة المقاومة كعنصر متميز في إدارة الصراع. ما جرى خلال السنوات الماضية هو أن فلسطين قد صنعت ثقافة المقاومة، وكان الإسلاميون هم سادتها. ومن فلسطين توسعت الظاهرة في وعي الأمة. لكن الإنجاز كان واضحاً هناك؛ فقد أراد الصهاينة تركيع الشعب الفلسطيني وفرض التسوية المذلة عليه، فما كان من الرجال سوى التصدي في ظروف بالغة السوء من حيث ميزان القوى والمدد والإسناد، لكنهم نجحوا في كسر المعادلة وإحداث شكل من أشكال توازن الرعب مع الأعداء. وها هو شارون يعلن نية الخروج من قطاع غزة بعد أن عجز عن تحقيق وعوده بشطب المقاومة وفرض الحل الذي يريد على الشعب الفلسطيني والوضع العربي. ما جرى في فلسطين خلال السنوات الأربع الماضية كان انتصاراً حقيقياً، لكن تأثيره فيما جرى في العراق كان أكثر أهمية؛ فقد أراد الصهاينة بعد إخفاقهم في تركيع الشعب الفلسطيني والأمة أن يجعلوا من العراق محطة لإعادة تشكيل خريطة المنطقة، وعندما احتلوا بغداد استبشر شارون وبشّر شعبه بالإنجاز التاريخي الذي سيتوِّجه ملكاً على الشرق الأوسط، لكن ثقافة المقاومة التي صنعت في فلسطين كانت له بالمرصاد هناك أيضاً؛ حيث حوّلت الانتصار التاريخي السهل إلى ورطة. كان شيء من ذلك قد بدأ في أفغانستان؛ فالهزيمة لم تؤد إلى غياب الجهاد والمجاهدين؛ فقد عادوا إلى التجمع من جديد وبدؤوا معركة استنزاف ضد العدو والمتعاونين معه؛ وها هو الموقف هناك يبشر بورطة أخرى للولايات المتحدة. من المؤكد أن المقاومة العراقية هي التي وقفت حاجزاً دون تمدد السوط الأمريكي إلى مختلف دول المنطقة. وقد تابع العالم أجمع كيف استدار المسؤولون الأمريكيون بعد أيام من سقوط بغداد نحو سوريا لتهديدها، ثم بدأ الحديث عن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يريد أنظمة مشرذمة تابعة لا مكان فيها للغة الوحدة أو التضامن، ولا مكان فيها لهوية إسلامية جامعة. لم توقف المقاومة العراقية تمدد السوط الأمريكي نحو العواصم العربية الأخرى فقط، بل تجاوزت ذلك نحو تحويل العراق نفسه إلى محطة استنزاف للقوة الأمريكية مالياً وبشرياً. وها هو عضو الكونغرس الأمريكي على مدى ٢٢ عاماً (بول فندلي) يقول في مقال له في مجلة واشنطن ريبورت: «أعتقد أن قرار الرئيس جورج بوش بشن الحرب على العراق سيمثل الغلطة الأعظم والأبهظ ثمناً في التاريخ الأمريكي» . لقد تجاوزت الولايات المتحدة بغزوها للعراق مختلف الأعراف الدولية، فيما جاء الغزو بحد ذاته تعبيراً عن غرور القوة الذي أصاب هذه الإمبراطورية التي لا خلاف على أنها الإمبراطورية الأكثر قوة في التاريخ البشري برمته. لقد شعرت الولايات المتحدة بسبب ما بلغته من قوة أن بإمكانها مصادرة العالم لحسابها لعقود طويلة لن تسمح لأحد في العالم بمنافستها، كما عبرت ورقة مساعد وزير الدفاع الحالي بول وولفويتز التي نشرها عام ١٩٩٢م، إبان عمله في إدارة جورج بوش الأب وبعد وقت قصير من الانتصار على العراق في حرب الخليج الثانية. وهو المشروع الذي عاد وتبلور في عام ١٩٩٧م من خلال مسمى جديد هو (مشروع قرن إمبراطوري أمريكي جديد) ساهم في صياغته عدد من غلاة الصهاينة واليمين الأمريكي على رأسهم (وولفويتز) نفسه و (ريتشارد بيرل) و (ديك تشيني) وآخرون من نفس الفصيلة اليمينية الصهيونية؛ فضلاً عن عدد من تجار النفط والسلاح الذين توافقوا على أن العراق هو منطلق المشروع، وبالطبع فقد كان اختيار العراق بسبب ثروته النفطية أولاً ثم وهو الأهم ليكون محطة لإخضاع الوضع العربي لحساب الدولة العبرية. كل ذلك سقط تحت وطأة ضربات المقاومة العراقية التي تعلمت من مثيلتها الفلسطينية، وإلا فأي شعب في التاريخ هو الذي بدأ المقاومة بعد أيام من الاحتلال؟ فكيف وهو شعب كان يكنُّ كرهاً استثنائياً لنظامه وينتظر ساعة الخلاص منه؟! إنه إنجاز تاريخي لن يدركه إلا من تخيل سيناريو النجاح الأمريكي في العراق وتمدد الدبابة، وأقله السوط السياسي الأمريكي، نحو العواصم الأخرى، وصولاً إلى إعادة النظر في برامجها وسياساتها على مختلف الصعد، بما في ذلك إعادة النظر في هويتها الثقافية. من كان بإمكانه تخيل ذلك السيناريو الرهيب هو وحده القادر على إدراك ما أنجزته ثقافة المقاومة والاستشهاد في فلسطين والعراق، الأمر الذي يجعل تعزيز تلك الثقافة هي المهمة التي ينبغي أن يضطلع بها أي مخلص لهذه الأمة. * هوامش خاطئة على دفتر المقاومة: ربما قال بعضهم إن ثمة هوامش خاطئة على دفتر المقاومة والجهاد والاستشهاد قد ظهرت هنا وهناك من خلال أعمال خاطئة على صعيد الزمان والمكان والهدف؛ وذلك صحيح ولا شك؛ لكن ذلك لا ينبغي أن يدفع باتجاه إدانة الظاهرة، بل يجب أن يدفع باتجاه ترشيد الخاطئ منها، مع التأكيد على أنه نتاج ظروف موضوعية تتمثل في حجم الهجمة على الأمة، فضلاً عن بعض الممارسات الخاطئة من قِبَل بعض الأنظمة. والحال أن حجم الإخلاص في الدفاع عن الأمة ومقدساتها الذي تختزنه الظاهرة يجعل من السهل على علماء الأمة العاملين ترشيد مسارها وصولاً إلى وضعه على السكة الصحيحة. * أسئلة المستقبل: حسب أحد الكتاب في صحيفة «الجارديان» البريطانية فإن المقاومة العراقية تكاد تعيد صياغة ميزان القوى الدولي، وقد ورد قوله هذا بعد ستة شهور من الاحتلال وقبل تصاعدها على النحو الذي بدا بعد عام منه. والواقع أن ذلك ليس مبالغة في شيء؛ فقد بدأ يتضح جلياً أن العراق قد أخذ يتحوّل إلى محطة استنزاف مالي وبشري للولايات المتحدة، وهو الأمر الذي سيترك آثاره على مستقبلها كقوة مسيطرة في العالم. لا يعني ذلك بالطبع أن الولايات المتحدة ستغدو قوة هامشية خلال سنوات قليلة، لكن الثابت أن مسيرة التراجع قد بدأت. وهنا ينبغي أن نتذكر أن سُنَّة الله في الكون هي المدافعة، وعدم استفراد قوة واحدة بالقوة المطلقة لوقت طويل مصداقاً لقوله تعالى: [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ] (البقرة: ٢٥١) . لقد ترك استفراد الولايات المتحدة بالوضع الدولي آثاره على العالم أجمع، وليس على الأمة العربية والإسلامية، وحين تبدأ هذه القوة في التراجع فإن معظم أمم الكون ستتخطى الصُّعَداء، وسيكون بإمكان الأمة العربية والإسلامية أن تصيغ مستقبلها بعيداً عن قوة الغطرسة الأمريكية، وإرادتها الإبقاء على دولنا مجرد مصدر للمواد الخام وسوق للاستهلاك. من هنا يتبدى للعيان حجم ما فعلته المقاومة الإسلامية الفلسطينية ومن ثم العراقية بالأمة، وما ستفعله بالعالم أجمع. ونذكِّر هنا بأن معظم الإمبراطوريات قد انتهت أو بدأت مسلسل نهايتها في هذه المنطقة، وهو الأمر الذي سينسحب بإذن الله على هذه القوة الظالمة الحديثة التي لم تستهدفنا وحدنا، بل أرادت تركيع العالم أجمع لحساب مصالحها، وازداد الأمر سوءاً عندما تحكمت بها قوة يهودية صهيونية لها ثاراتها مع هذه الأمة على وجه الخصوص، على حين تقول ثقافتها إن كل ما هو غير يهودي هو «غوييم» أو أغيار يجب استباحتهم لحساب شعب الله المختار. إن ذلك كله إنما يأتي مصداقاً لكتاب الله وسنة رسوله وتاريخ الأمة، الذي أكد على أن عزة هذه الأمة لا تكون إلا بالإسلام والجهاد، ولا تتداعى الأمم عليها «كتداعي الأكلة إلى قصعتها» إلا عندما تركن إلى الدنيا ويصيبها الوهن الذي هو كما قال المصطفى ﷺ : «حب الدنيا وكراهية الموت» . أما عندما يحدث العكس، ويُقبل شبابها على الاستشهاد إقبال سواهم على الحياة فإن العزة والكرامة ستغدو على الأبواب، وهي كذلك هذه الأيام نحسّ طرقاتها مع كل شهيد يرتقي إلى العلا، ومع كل صرخة لمسؤول أمريكي من المستنقع الذي وقعوا فيه في العراق، أو حديث إسرائيلي عن عدم القدرة على تحطيم إرادة المقاومة لدى الشعب الفلسطيني.

стр. 4939

حوار البيان في حوار مع الأستاذ: المجاهد: إسماعيل هنية حاوره: نائل نخلة [*] نواجه حرباً معلنة بمشاركة أكثر من طرف الضيف هو: - مدير مكتب الشيخ أحمد ياسين ﵀. - قيادي بارز في حركة المقاومة الإسلامية حماس. نرحب بضيفنا الكريم: أهلاً وسهلاً بكم وأنتم أهلاً بكم وسهلاً. تمر القضية الفلسطينية بمنعطف خطر جديد، من منعطفاتها العديد التي لا يقل بعضها وعورة عن الأخرى، وبعد اعتماد الصهاينة لمبدأ الاغتيال المستهدف للقادة والرموز، وسيلة أخيرة لتصفية القضية، يكون الشأن الفلسطيني، قد دخل الصراع فيه طريق اللاعودة، وحول سمات وتداعيات هذه المرحلة، كان هذا الحوار. البيان: أستاذ إسماعيل هل ما تدفعه الآن حماس من دماء قادتها هو ثمن رفضها إلقاء السلاح؟ - الأمر أكبر من ذلك؛ فقد أخفق الأعداء في مواجهة الحركة على صعد ثلاثة: * الإخفاق في إجهاض المشروع المقام الذي تتبناه الحركة. * الإخفاق في احتواء المشروع السياسي للحركة وتدجينها. * الإخفاق في إدخال الحركة في أتون الصراع الداخلي. ومن هنا فإن الحركة تدفع من دماء قادتها وأبنائها في سياق صراع مرير مع الأعداء والخصوم. البيان: هل تجدون من رابط بين رفض حماس العرض الأمريكي بوقف المقاومة مقابل أمن قادتها، وما بين اغتيال الشيخ الإمام أحمد ياسين والدكتور الرنتيسي؟ - الحركة وهي تقرر المواقف وتؤكد تمسكها بالحقوق تدرك أنها ستدفع ثمناً مقابل ذلك، ولا شك في أن رفض الرسالة الأمريكية وهذا ما يجب أن يكون ساهم في رفع وتيرة الاستهداف إلى أن تصل إلى استهداف شيخ الأمة ومؤسس الحركة الشيخ الشهيد بإذن الله أحمد ياسين. اغتيل زعيم ومؤسس حركة حماس وبعده بـ ٢٦ يوماً اغتيل خَلَفُه الدكتور الرنتيسي رحمة الله عليهم جميعاً، ولا زلنا ننتظر الرد. مشروع الحركة أوسع من اختزاله بعملية رد، إنه مشروع تحرري نهضوي، ما يهمنا المحافظة على ديمومة المقاومة وإجهاض مشاريع التصفية للقضية وتماسك الجبهة الداخلية. البيان: ما هو مستقبل المقاومة في فلسطين؟ - مستقبل المقاومة مرهون بمستقبل الاحتلال؛ فالمقاومة مستمرة باستمرار الاحتلال، وتتوقف إذا رحل الاحتلال. البيان: يقول الغرب وبعض العرب ومنهم فلسطينيون إن العمليات الاستشهادية التي تنفذها حماس أساءت إلى صورة الشعب الفلسطيني ونضاله المشروع ضد الاحتلال، ما تعقيبكم؟ - حماس كباقي أبناء الشعب الفلسطيني هي في موقع الدفاع عن النفس؛ فالحركة لم تبدأ اعتداء ولم تكرس عدواناً. شعبنا هو ضحية العدوان والاحتلال، وأولئك الذين يرون أن الدفاع عن النفس يشوه صورة الشعب الفلسطيني مخطئون؛ لأنهم أغمضوا أعينهم عن جرائم الاحتلال التي تتصاعد ضد شعبنا الأعزل. البيان: هل حماس متمسكة بنهج المقاومة، حتى لو كان ثمنه إقصاءكم عن الساحة؟ - حماس كبرت بمنهجها، وكبرت برجالها، وكبرت بتضحياتها، وكبرت بدماء قادتها؛ فهي في قلب الفضاءات الفلسطينية، والدينية والإسلامية، متجذرة في الأعماق، ولذلك فإن الحديث عن إقصاء الحركة عن الساحة لا رصيد له في الواقع من فضل الله. البيان: ما تفسير حماس للإرهاب؟ - هو الاعتداء غير المشروع على حقوق الآخرين وطردهم من أرضهم وتدنيس مقدساتهم وتهجيرهم في الشتات وحصارهم في سجون معزولة، وقتل الأطفال والشيوخ والنساء بدون رحمة. البيان: بعد - مسرحية - سحب المستوطنين من قطاع غزة: هل ستستمر حماس في القطاع بضرب أهداف العدو؟ - حينما يخلو القطاع من الجيش والمستوطنين فما هو مسوِّغ المقاومة في القطاع؟ والحركة حينها ترقب تطور الأحداث والوقائع على الأرض. البيان: آخر كلمات للرنتيسي - تقبله الله في الشهداء - كانت عن المقاومة في العراق الشقيق: كيف تنظر حماس إلى مقاومة الشعب العراقي للاحتلال الأمريكي؟ - كنظرتنا للمقاومة للاحتلال الإسرائيلي؛ فالاحتلال لأرض العراق غير شرعي ومقاومته مشروعة. البيان: ٣٤ شهراً من انتفاضة الأقصى: الثمن الذي دفعته حماس من دماء قادتها عبر عمليات الاغتيال والاستهداف كان كبيراً جداً؛ فهل لا زلتم متمسكين بالمقاومة المسلحة ومنها العمليات الاستشهادية؟ - تهدف الاغتيالات إلى دفع حماس والشعب الفلسطيني إلى التخلي عن حقه في الدفاع عن نفسه ومقاومته الاحتلال، وشعبنا عقد العزم على إجهاض هذه الأهداف الخبيثة. ومرة أخرى نؤكد بأن المشكلة ليست في المقاومة.. إنها في الاحتلال، وعليه أن يرحل عن أرضنا. البيان: كيف ستواجه حماس خطر سحقها على الساحة الفلسطينية وإضعافها بعد تصريحات قادة تل أبيب بنيتهم تصفية جميع قيادات الحركة في الداخل والخارج؟ - هذه تهديدات ليست جديدة، وحماس لم تعد مختزَلة بأشخاص حتى بوزن قادتها؛ فهي حبلى بالقيادات، وتشكل قوة إيمانية وأخلاقية وسياسية واجتماعية، وقد تعرضت الحركة منذ انطلاقتها لمحطات من المحن والاستهدافات: اعتقالات واغتيالات وإبعاد وحصار مالي وغيره.. إلا أنها كانت تخرج من كل ذلك أكثر قوة وأشد عزماً. وأؤكد بأن الحسابات الإسرائيلية خاطئة في مواجهة الحركة [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] (الأنفال: ٣٠) . لقد أصبحت الأمة كلها أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي؛ وكأن الأمة تتهيأ لأمر عظيم بإذن الله تعالى. البيان: كيف ستحافظ حماس على موقعها الريادي في رأس الحربة للمقاومة الفلسطينية بعد الضغوط الهائلة التي تتعرض لها؟ - بالاعتماد على الله أولاً، وتوثيق الصلة به، بالمحافظة على القوة وتعزيزها، وبترسيخ الوحدة وصونها في خندق المقاومة، وبتعميق التواصل مع أمتنا العربية والإسلامية. الضغوط تسفر عن نتائج مع حكومة وأنظمة ولكنها تخفق مع الشعوب وحركات التحرير الثابتة. البيان: هل تواجه حماس حربا مالية، وما هو شكل هذه الحرب، وشدتها، وكيف ستتجاوزها الحركة؟ - ومن ينكر ذلك؟ .. إنها حرب معلنة يشترك فيها أكثر من طرف، وتزداد شدتها كلما كبرت حماس وازدادت تمسكاً بحقوق الأمة في فلسطين، ولكن أهل الخير، معين لا ينضب، وليس أدل على ذلك من يوم الوفاء للمقاومة، والذي سجل صفحات مضيئة في تبرعات أبناء شعبنا [وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ] (المنافقون: ٧) . البيان: هل من دور منتظر للأمة الإسلامية في الدفاع عن الحركة أمام هذه الحرب المفتوحة إسرائيلياً وأمريكياً على حماس؟ - موقع الحركة من الأمة، موقع القلب من الجسد، حركتها حركة للأمة؛ ولذا فالأمة تحتضن الحركة، من فضل الله، وتسكنها سويداء القلب، وكلما تعرضت الحركة لشدة وجدت الأمة حولها والشواهد على ذلك أكبر من أن تحصى، ولله الحمد والمنة. البيان: السلطة متمسكة بتجميد الحسابات المصرفية للجمعيات الخيرية الإسلامية في القطاع بالرغم من قرار قضائي بفك هذا التجميد، هل من أيادٍ خفية تشارك الأمريكان والصهاينة حربهما على حركة حماس؟ - من خطايا السياسة الرسمية الارتهان إلى الأمريكان، وإدارة الظهر في قضايا مفصلية إرضاء للأمريكان وإرضاء لنفوس مريضة ترى في حماس خطراً عليها وللأسف. وهذه السياسات أخفقت على مدار العقد الماضي، والاستحقاقات المقدمة تعالى عليها الأمريكان والصهاينة وجعلوها درجة على سلم التنازلات. البيان: لمصلحة من إضعاف حركة المقاومة الإسلامية في قطاع غزة؟ - من مصلحة عدو.. أو مرتبط.. أو جاهل. البيان: حماس وبحسب كافة استطلاعات الرأي حصدت أعلى الأصوات، ماذا يعني ذلك بالنسبة لكم؟ - نرجع الفضل لله سبحانه الذي تكفل بحفظ دينه، وأوليائه، ثم لمسيرة الحركة الطاهرة، والوفاء لدماء مجاهديها الأبرار، وأسراها الأبطال، وثقل دماء القادة في ميزان الله ثم ميزان العباد. البيان: كلمة أخيرة في هذا اللقاء! - كلما كبرت الحركة وكبر مؤيدوها كبرت الأمانة وعظمت المسؤولية، ونسأل الله أن يعين إخواننا جميعاً على الوفاء بها؛ لأننا على أعتاب مرحلة التمحيص الأقوى الذي يعقبه نصرٌ وفرج بإذن الله: [وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ] (آل عمران: ١٤١) والتمحيص للمؤمنين يعقبه محق للكافرين.

стр. 4940

ملفات حوار هادئ مع المقاومة الفلسطينية أحمد فهمي afahmee@albayan-magazine.com مقاومة المحتل أحد أشكال الجهاد الشرعي، والمقاومة الإسلامية الفلسطينية من أرقى صور الجهاد في واقعنا المعاصر؛ فهي تنافح عن أرض إسلامية تضم في رحابها ثالث المساجد، كما أنها جهاد ناصع البياض لا لبس فيه ولا غموض ولا شبهة. لكن هذه المقاومة تمر الآن بمفترق طرق أوصلتها إليه ضغوطات هائلة مورست من قِبَل أطراف عدة، وتمثلت هذ الضغوطات في: الضغط النفسي نتيجة تزايد المعاناة على الشعب الفلسطيني دون أن تلوح بادرة أمل قريبة، والضغط الميداني إثر تعرُّض حركة حماس بالأخص لاغتيال جيل كامل من قادتها، وتحملها وحدها العبء الأكبر في المقاومة والانتقام، وهناك الضغط المالي نتيجة الحصار الشديد الذي فُرِض على الحركة وكبَّل أنشطتها الاجتماعية الخيرية وله تأثير ولا شك على أنشطتها الدعوية والعسكرية، والضغط السياسي: داخلياً المتمثل في مشاغبات مراكز قوى السلطة وبقايا عرفات، وخارجياً المتمثل في الحصار المفروض عليها دولياً وإقليمياً، وتضاؤل المساحة المتاحة أمام مكتبها السياسي الخارجي للحركة والمناورة. ورغم الاتساع الكبير في مساحة التأييد الجماهيري للمقاومة الإسلامية فلسطينياً وعربياً إلا أن ذلك التأييد للأسف لا يخفف من هذه الضغوطات إلا بالقدر الضئيل؛ فالشعوب مكبلة والمقاومة هي من يناط بها فك القيد. والمقاومة الإسلامية تتعرض الآن لما سبق الحديث عنه في أحد المقالات: (العدد ١٩٢ مقال ألغام في طريق المقاومة الفلسطينية) : إعادة تشكيل ثوابت الحركة ومتغيراتها تحت تأثير الضغط الشديد، وبعبارة أخرى: نقل أولوية الفعل للحركة الإسلامية من خانة المقاومة إلى خانة البقاء والحفاظ على الوجود، وهذه الإشكالية هدف البقاء والوجود هي وسواس الحركات الإسلامية في مختلف البلدان، وهي أحد المعوقات الكبرى في طريق التجديد والتغيير، وهي المدخل الرئيس لهدم الثوابت وتحول الحركات الإسلامية إلى حركات وطنية ذات مسحة دينية في أدائها تذكِّر بما مضى من تاريخها. ولا ينبغي أن يكون هذا مصير الفصائل الإسلامية في فلسطين، وهذه دعوة قلبية ومناقشة هادئة تدعوهم أن يتنبهوا لهذا الخطر، وأن يعضوا على ثوابتهم بالنواجذ. وهي مشاركة محدودة هدفها صياغة بعض المعالم المهمة التي يمكن للمقاومة الإسلامية أن تسترشد بها في مواجهة الضغوطات التي تواجهها في الفترة الحالية والمستقبلة. * أولاً: من زال ومن لا يزال: إن الثبات على الحق له فقه عجيب وأثر أعجب؛ فهو ليس مجرد بطولة أو مأثرة يتحدث بها الركبان حيناً ثم يطوى ذكرها في الكتب أحياناً، بل الثبات له تأثير في الأشياء أيما تأثير؛ فالثابتون في واقع متغير متقلب يعيدون تشكيل الواقع من حولهم ويرتبونه من جديد؛ فكم من مؤامرات أُحبطت، وكم من خطط معادية أخفقت بفضل الثبات. وفي كل صراع هناك قوى متنافسة ينشأ بينها توازنات وفق معادلات خاصة تتغير بصورة مستمرة نتيجة التدافع المتواصل بين هذه القوى، وعلى الساحة الفلسطينية تتعدد القوى المتنافسة داخلياً وخارجياً، وكلها تتسم بالتغير الدائم في تصوراتها واستراتيجيتها؛ إلاَّ أننا نجد أن الحركات الإسلامية هي التي تتمسك برؤية واضحة ومواقف ثابتة مهما تعددت اللاءات وتنوعت، ولذلك نجد أنه بعد أربعة عشر عاماً تقريباً على أوسلو، وبعد ماراثون التنازلات الفلسطينية والعربية، بات القرار السياسي المعادي والموالي متحلقاً حول حركة حماس بسبب ثبات مواقفها، كما أن فئات المهادنين والمساومين بثوابت الأمة عدموا كل تأثير لهم، ولم يعد لأحدهم قوة إلا بقدر ما يُذل نفسه لمن جلس معهم يوماً على مائدة التفاوض وجهاً لوجه. بل الأنكى من ذلك أن ياسر عرفات الذي ألقى بثوابت الأمة على مائدة التفاوض بلا ثمن بين يدي اليهود لقي عاقبة نكوصه وتقلبه من أقرب الناس إليه؛ فالثلاثي المحبوب: محمد رشيد، وجبريل الرجوب، ومحمد دحلان تغيرت مواقفهم إلى معاداته؛ لأنهم لم يتعلموا منه إلا التلوُّن مع كل ريح، وبطريقةٍ ما استطاع عرفات أن يرشي الرجوب ليؤوب مؤقتاً إلى الحظيرة ريثما يجد من يطلب خدماته بسعر أعلى، وكثير من المتابعين للشأن الفلسطيني يعتبرون عرفات سياسياً قديراً لاستطاعته التلون وتغيير مواقفه تكيُّفاً مع الواقع. بينما على الجانب الآخر كان الدكتور عبد العزيز الرنتيسي ﵀ مثالاً للثبات بل والثبات المعاند، فتحول إلى رمز لوحدة الموقف والقرار، وتربت أجيال داخل الحركة على هذا المَعْلَم البارز، فلم نجد بينها نكوصاً أو إعراضاً أو مهادنة رغم المحن والضغوط، يكفي ثباتهم على مبدأ وحدة الصف الداخلي مهما حدث، فلم يستجيبوا للاستفزازات والاستدراجات إلى حرب أهلية، وكانت العاقبة أن ارتفعت مصداقيتهم لدى الشعب الفلسطيني، واتسعت قاعدة الحركة في الضفة وغزة، واكتسبت احترام الأطراف الخارجية ورهبتهم لتمتعها بسيطرة كاملة على أبنائها إلى هذا الحد، وصارت المراهنة في الشأن الداخلي الفلسطيني على حماس قبل غيرها، بينما في المقابل لم تستطع حركة فتح صيانة نفسها عن الاقتتال الداخلي بين تياراتها وفصائلها، وتحولت الحركة إلى مراكز قوى متصارعة؛ فمن يراهن على فتح الآن؟ إن الثبات في مواجهة الضغوطات ليس بالأمر الهين، وإن كانت الحركة قد أبدت لنا ما يُفرحنا في ما مضى؛ فإن العبء الأكبر فيما ينتظر، وجميع الأطراف المعادية باتت تراهن الآن على تغييرات داخل الحركة في مواقفها وثوابتها، ونحسب أن رهانهم باطل، ولكن بقي أن تلتفت الحركة إلى هذه الوضعية بصورة خاصة، وتستعيد مواقفها، وتؤكد عليها، وتجدد عهد الثبات لتطمئن القلوب المحبة، ولتنكأ القلوب الكارهة، ولتقطع الطريق على الاحتمالات والتوقعات. ونذكر تدعيماً لموقف الثبات حديث النبي ﵊ الذي لا تنفد فوائده: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» فهذه الطائفة أشبه بالخيط الموصول بالنبي عليه الصلاة والسلام ضمن الله لنا ألا ينقطع أبداً. ولكن هذا الخيط الذي يدق حجمه في أزمان كثيرة مع غلبة الباطل يظل من القوة بحيث يتحول من خيط الحق إلى جيش الحق في آخر الزمان عندما ينزل المسيح ﵇ لقتل الدجال، فيكون جيشُ عيسى جيشَ الطائفة المنصورة؛ فهذه الاستمرارية في الثبات على الحق لها عاقبتها في نهاية الأمر، وعندما تخلو الأرض من أمثال هؤلاء - الطائفة المنصورة - تكون الساعة قد حان ميقاتها؛ فالعبرة إذن ليست بمن زال عن الحق، ولكن بمن لا يزال. وهناك مثال آخر من تاريخ الأمة، وهو ما حدث مع الإمام أحمد ﵀ تعالى - في زمن المحنة؛ فقد كان الناس يتساقطون من حوله، ولكن كأنَّ كلَ متساقطٍ كان يُفرغ طاقته وقوته في قلب الإمام أحمد حتى أصبح في أقوى حالاته عندما اختُزِل الحق في موقفه، وأصبح مركزَ الدائرة ولا قرار للمذهب الباطل بثباته، فصار كسهم ظل يُبرى بتخاذل من حوله؛ فلما احتدَّ طرفُه سُدِّدَ إلى قلبِ الباطل فانكفأ على وجهه خاسراً. ونحن نريد أن تفخر حماس يوماً بأنها أضيفت إلى سجل الشرف: إن الله تعالى نصر هذه الأمة بأبي بكر زمن الردة، وبالإمام أحمد زمن المحنة، وبحركة حماس زمن الفتنة. * ثانياً: بين الاستراتيجية والتكتيك - الثوابت والمتغيرات: يردد قادة حماس دائماً أنهم حركة شورية تعتمد الشورى بين قياداتها سبيلاً لاتخاذ القرار؛ وقد كان من تيسير الله للحركة أن توفر لها جيل كامل من القادة الأكفاء يندر أن تحظى حركة إسلامية بمثله بهذه الصورة، ولا شك أن الأجواء الجهادية في أرض الرباط وفرت محضناً مثالياً لإفراز هذا الجيل القيادي، وقد أحصيتُ سريعاً نحو خمسة عشر قيادياً في حركة حماس وحدها موزعين بين الضفة وغزة والمكتب السياسي، أكثرهم يتمتعون بحضور إعلامي قوي، والأهم أن كلمتهم تبدو موحدة ومنسقة بشكل بديع، ويصعب أن تصدر تصريحات متناقضة فيما بينهم. وأحدثت هذه الوفرة القيادية المتناسقة اضطراباً بالغاً في خطط «الإسرائيليين» للقضاء على الحركة أو تقليصها، ومن المسلَّمات أن القضاء على أي حركة تنظيمية لا بد أن يبدأ بالرؤوس، ولو أضفنا إلى قادة حماس السياسيين قادة الجناح العسكري فإن الوضع يزداد تفاقماً خاصة مع تحول شخصيات متعددة في القسام إلى رموز تحظى بشعبية واسعة، وبدا الأمر عسيراً أمام الصهاينة. وهنا مرة أخرى تأتي الخبرة العربية في التعامل مع الحركات الإسلامية وكانت تتلخص في عبارة قصيرة: «تصفية الجيل القيادي الخطر الذي يحمل طموحات التأسيس، ويُعَدُّ رمزاً للشعب الفلسطيني» ليس بغرض التشفي أو الانتقام لعمليات فدائية أو استشهادية، ولكن لتحقيق عدة أمور: خلخلة آلية التبادل أو الإحلال القيادي - طرح ثوابت الحركة للنقاش الداخلي مع تواصل الضربات - القفز بهدف البقاء والحفاظ على الوجود إلى قائمة الأولويات - تحويل حماس إلى حركة بلا رموز لتفقد قدراً كبيراً من حضورها السياسي والإعلامي إقليمياً وعالمياً - تدعيم أي أفكار أو رؤى داخل الحركة تدعو إلى المهادنة والتسليم باختلال موازين القوة والتعامل واقعياً بما يعكس هذه الحقيقة - وتشجيع استبدال المقاومة المسلحة بمكاسب سياسية. ولا يبدو حتى الآن ما يدل على أن سياسة الاغتيالات قد أحدثت أثراً يصعب تداركه في هذا الجانب، إلا أن الاحتمال واقعياً لا يزال قائماً خاصة لو تعرض من بقي من جيل القادة القدامى - حفظهم الله - للاغتيال، ولن ينفي هذا الاحتمال إلا قادة حماس بالفعل وليس بالقول. ونشير هنا إلى إشكالية الخلط بين الاستراتيجي والتكتيكي في أداء الحركات الإسلامية أو بين الثوابت والمتغيرات: تستمد الحركات الإسلامية ثوابتها من عقيدتها، ووفق هذه الثوابت الاستراتيجية يتحدد أسلوب الممارسة التكتيك وعندما تتعرض الحركات لأي ضغوط فإنها تلجأ في الأصل لمواجهتها بإجراءات تكتيكية لا تمس الثوابت ولا تقربها؛ لأن التعرض للثوابت اعتراض على أصل الوجود والنشأة، ولا يُعقل أن تلغي حركة إسلامية نفسها بإرادتها، ولكن للأسف أصبح التنازل عن الثوابت ظاهرة في أداء كثير من الحركات الإسلامية في الآونة الأخيرة، والمطلوب من قادة حماس في هذا الصدد أن يحرصوا أشد الحرص على سلامة ثوابتهم التي من أهمها: فلسطين أرض محتلة من البحر إلى النهر وتحريرها فرض عين لا تنازل عن جهاد المحتل في فلسطين بكافة الصور لا اعتراف مطلقاً بدولة لليهود على أرض فلسطين ولا مجال للتفاوض معها بشأن القضية الفلسطينية لا تنازل عن الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني أو مجرد طرح ذلك على مائدة التفاوض ... إلخ. وتحتاج الحركة أيضاً إلى الاستفادة من تجربة الحزب الإسلامي العراقي الذي اجتهد قادته في التعامل مع الظرف المستجد مخالفين في ذلك رأي الغالبية المطلقة للعلماء والإسلاميين والمسلمين. ويمكن تلخيص هذه التجربة في عبارات قصيرة: عندما يكون الظرف يحمل عنواناً كبيراً اسمه: الاحتلال؛ فإن الممارسات السياسية تتحول إلى عمل جزئي داخل إطار جهادي موسع، ولكن عندما يحمل الظرف عنواناً اسمه: الاستقلال، فإن الممارسات الجهادية تتحول إلى عمل جزئي داخل الإطار السياسي، والذي حدث أن الحزب الإسلامي في العراق تعامل مع ظرف الاحتلال برؤية الاستقلال، ولم يستطع أن يفعِّل ثابتاً استراتيجياً معلوماً بالضرورة لدى جميع الحركات الإسلامية وهو: «جهاد المحتل الكافر فرض عين» واعتبر قادته أن خيارهم بالمشاركة في النظام السياسي الذي أقامه المحتل مجرد إجراء تكتيكي ومراعاة للمصالح، ولا يعارض الثوابت الاستراتيجية. * ثالثاً: الانتفاضة لا بد أن تستمر؛ لكن كيف؟ هناك تساؤلان مطروحان للنقاش: لماذا ينبغي أن تستمر الانتفاضة؟ وكيف تستمر؟ أما التساؤل الأول: لماذا ينبغي أن تستمر الانتفاضة؟ فجوابه بداية: لأنها قضية حياة أو موت؛ وبذلك يكون السؤال الحاسم: هل ينبغي أن تستمر الأمة أو تنزوي عقوداً في غياهب النسيان؟ وهذا يعني أنه لا مجال للخَوَر؛ لأن انهيار المقاومة وانتهاء الانتفاضة سيعني: انتظار جيل كامل أو أجيال متعددة حتى تتلاشى ثقافة الهزيمة وتداعياتها وتضعف خبراتها - نجاح ساحق لمخططات أمريكا في العالم العربي - غرق الجماهير في أمواج متلاطمة من الإحباط واليأس - واحتمال انتشار العدوى إلى بقية حركات المقاومة الإسلامية على مستوى العالم. ويزيد الأمر تعقيدا أن «الإسرائيليين» لا يقدمون تنازلات كالتي سبقت في الانتفاضة الأولى عند التوقيع على اتفاق أوسلو رغم أنها تنازلات تصب في مصلحتهم، بل حتى لا يقدم اليهود وعوداً بعودة الأمور إلى سابق عهدها قبل الانتفاضة؛ وهذا يعني أن الوقت الحالي هو أسوأ التوقيتات لإنهاء الانتفاضة أو وقف المقاومة المسلحة، ومن ناحية أخرى فإن عدم تقديم التنازلات من الجانب الصهيوني ليس عن عناد أو استكبار أو شعور بالقوة وإن توهم بعضهم ذلك، بل لأنهم لا يجدون طرفاً مؤهلاً لتلقي هذه التنازلات؛ فالسلطة تحولت إلى سلطات، وحركة حماس الطرف الأقوى في الساحة هو العدو الرئيس لليهود وهي أحد أسباب خوفهم من تقديم التنازلات، ولذا فإن استمرار الانتفاضة يعني أن الدولة العبرية ستشعر تدريجياً بالاختناق السياسي والذي كانت خطة فك الارتباط أحادي الجانب في قطاع غزة أحد أعراضه المبكرة، وأي تسوية سياسية ستكون بمثابة عملية إنعاش للكيان المحتل. التساؤل الثاني: كيف تستمر الانتفاضة؟ الانتفاضة والمقاومة هي حالة نفسية أولاً، واجتماعية ثانياً، وسياسية ثالثاً، وعسكرية رابعاً، وحتى نضمن استمراريتها فلا بد من تقديم الزخم بصورة دائمة إلى هذه الجوانب الأربعة ولو في حدها الأدنى، ويخطئ من يظن أن الانتفاضة هي مجرد عمل عسكري أو تظاهرات واشتباكات عند نقاط التماسّ. فالجانب النفسي يمثل (الدافع) للمقاومة، وبدونه لن يقوى الفلسطينيون على المواصلة، فلا بد من توفر عمل دعوي وإعلامي داخلي يبلور للجماهير حتمية خيار المقاومة وعاقبتها المنتظرة، وفي المقابل يكشف خواء كافة الأطروحات الأخرى وخطورة عواقبها. لا بد أن تتوفر قناعة دائمة لدى الشعب الفلسطيني بأن الانتفاضة ليست خياراً بل فرضاً، وكثيرون يتعاملون مع الفلسطينيين وكأنهم ليسوا بشراً، فلا يمكن أن يتعرضوا للضعف أو يصابوا باليأس أو ينهكهم تراكم المصائب، وإن كانت المقاومة الإسلامية عليها عبء كبير في دعم دوافع الانتفاضة اعتماداً على منطلقاتها العقدية الإسلامية، فأعتقد أن الوقت قد حان لكي يشارك المسلمون خارج فلسطين في هذا المجال، وأفضل الطرق: توفير وسيلة إعلامية قادرة على النفاذ إلى كل بيت فلسطيني، ولا توجد سوى القنوات الفضائية تملك هذه الإمكانية حالياً، فلا بد من البحث في تأسيس فضائية تحمل الهمَّ الفلسطيني عامة وتكون لها صبغة فلسطينية واضحة، وتكون موجهة في الأساس للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، ولا أحسبنا عاجزين عن استبدال جزء من العواطف الجياشة للقضية الفلسطينية برأس مال يكفي لتأسيس هذه الفضائية. أما الجانب الاجتماعي، فنعني به في الأساس الآثار الاقتصادية لاستمرار الانتفاضة على الأسرة الفلسطينية، خاصة مع مشاركة سلطة عرفات في تعذيب الفلسطينيين بتجميد أرصدة الجمعيات الخيرية، وهذا الجانب يمثل أهم مجالات الضغط على الشعب الفلسطيني لوقف الانتفاضة، فيجب أن يعتبر المسلمون تقديم وتوصيل الدعم الخيري للشعب الفلسطيني بمثابة تحدٍّ يستفزهم لمواجهته، وخاصة أن استمرار الانتفاضة يعتمد إلى حد كبير على مستوى الفاعلية في هذا الجانب. والجانب السياسي ملقى بأكمله على عاتق فصائل المقاومة الإسلامية، وهي هنا تمارس دوراً صعباً في واقع معقد ومتناقض؛ فهي تواجه: عدواناً وحشياً من الاحتلال، وتمزقاً فلسطينياً داخلياً بسبب تذبذب وتضارب مواقف حركة فتح، والتزاماً بحل كافة المشكلات مع السلطة المستفزة دون الانزلاق إلى حرب أهلية، وابتسامات من أطراف عربية تعلم جيداً أنها تُخفي مؤامرات وخططاً للتصفية أو الاستغلال السياسي في أحسن الأحوال. ونحسب أن الحركة تحتاج في المرحلة المقبلة إلى تنشيط علاقاتها العربية لتخفيف الضغوط وخاصة أن الفترة الحالية خلت تقريباً من أي عمليات استشهادية منذ عملية ميناء أشدود، ولم يعد متخيلاً على الأقل في المدى القصير تسوية سياسية تغيب عنها حماس، أو تسوية سياسية تشارك فيها حماس، وهذا يعني أن القضية الفلسطينية ربما تدخل في مرحلة جمود سياسي قد لا ينشطها إلا تغيرات على أرض الواقع مثل: موت عرفات أياً كانت طريقته، أو سقوط حكومة شارون، أو تمكن كتائب القسام من تنفيذ وعودها بالانتقام المروع لمقتل قادة حماس أو غير ذلك. أما الجانب العسكري والذي تتكفل به كتائب القسام وسرايا القدس بالنسبة للفصائل الإسلامية؛ فالحديث فيه يحتاج إلى تفصيل بعض الشيء؛ فقد ترتب على اعتماد العمل الاستشهادي سلاحاً رئيساً للفعل ورد الفعل في الانتفاضة آثار متفاوتة ظهرت متفرقة خلال ثلاث سنوات ونصف تقريباً منذ بدء الانتفاضة، وأبرزها: تكوُّن ثقافة خاصة بالاستشهاد في أوساط الشباب الفلسطيني نجحت إلى حد كبير في إذابة قدر كبير من تبعات الانتفاضة الاجتماعية والاقتصادية، وجعلت للتضحية مكانة عالية، وقدمت هدفاً سامياً يتوق إليه آلاف الشباب دون أن يعنيهم تحقق أهداف أخرى للانتفاضة، وقد جعلت أرتال الشهداء الفلسطينيين بقية فئات الشعب يستقلُّون تضحياتهم في مقابل مَنْ ضَحُّوا بحياتهم، وكذلك ساهم السلاح الاستشهادي في تخفيف أعباء مشاركة الفلسطينيين في أعمال الانتفاضة؛ ولم تعد التظاهرات والاشتباكات عند نقاط التماس مع القوات «الإسرائيلية» هي «ترمومتر» الانتفاضة. أيضاً ساهم هذا السلاح البشري في حل كثير من معضلات العمل العسكري، واختزل إلى حد كبير مهام التدريب والإعداد والتجهيز، وأيضاً تأمين سلامة العناصر الفدائية المنفذة، لكنه في المقابل قلَّص من خبرات الأجنحة العسكرية في ممارسة أنماط أخرى من العمل العسكري مثل: عمليات الاغتيال والهجوم على الدوريات والثكنات العسكرية، واختطاف الجنود أوالمستوطنين. وعندما نستعرض الأنماط الغالبة للعمل الاستشهادي خلال السنوات السابقة فسنجد ثلاثة أنماط بارزة: الأول: عمليات نوعية ذات طبيعة خاصة من حيث حجم الهدف ونوعيته وطريقة التنفيذ والتخطيط، وهذا النمط من العمليات كان قليلاً جداً ولم يحقق نجاحاً لافتاً حتى الآن، وآخر عملية من هذا النوع كانت عملية ميناء أشدود. النمط الثاني: هو تنفيذ سلسلة من العمليات الاستشهادية المتوالية وغالباً ما تكون في سياق رد الفعل على عملية اغتيال «إسرائيلية» كما حدث عقب اغتيال يحيى عياش ﵀ وهذا النمط يتسم بقدرته الردعية؛ إذ يؤدي إلى خلخلة واضحة في الداخل «الإسرائيلي» ولذلك جهدت حكومة شارون في اتخاذ تدابير واسعة النطاق للحد من استخدامه ونجحت إلى حد كبير في ذلك، وعادة ما يكون رد الفعل على استخدام المقاومة لهذا النمط من العمليات قوياً من الجانب الصهيوني؛ وبذلك حُمِّلت الأجنحة العسكرية للمقاومة عبئاً كبيراً في كل مرة يُغتال أحد رموزها، للأمرين: الاحتياطات المشددة، ورد الفعل الصهيوني؛ ويمكن القول إن الأجهزة «الإسرائيلية» نجحت بدرجة ما في تقليص قدرة الأجنحة العسكرية للمقاومة على استخدام العمل الاستشهادي المتسلسل كسلاح ردع فعال؛ وهذا يعني أن الأجنحة السياسية أصبحت مكشوفة، وبدأ الصهاينة يشعرون بالأمن داخل الخط الأخضر ولو مؤقتاً مع انقضاء فترة طويلة دون تنفيذ عمل استشهادي متسلسل أو عمل منفرد مؤثر. أما النمط الثالث: فهو تنفيذ عمليات استشهادية متفرقة ومنفردة بدون رابط بينها؛ وقد تكون رد فعل على عمل عسكري صهيوني، وقد تندرج ضمن السياق العام للمقاومة، ونتائجها تتراوح بين إسقاط عدد كبير من القتلى كما حدث مع عبد الباسط عودة الذي تمكن من قتل أكثر من ثلاثين يهودياً عام ٢٠٠٢م، وبين عدم سقوط أي من القتلى أو اكتشاف العملية قبل التنفيذ، وأغلب العمليات الاستشهادية منذ بدء الانتفاضة تندرج ضمن النمط الثالث. وبعد استعراض الأنماط الثلاثة يبقى القول بأهمية إعادة النظر في استراتيجية المقاومة بصورة عامة، ونحسب أن الاستراتيجية الجديدة للمرحلة القادمة يحسن أن تتضمن العناصر التالية: أولاً: الأنماط الثلاثة للعمل الاستشهادي مطلوبة للمقاومة ولكن بدرجات متفاوتة؛ وحسب معطيات الفترة الحالية والمقبلة فإنه ينبغي تخفيض وتيرة العمل الاستشهادي من النمط الثالث والثاني بمعدلات متزايدة لحساب النمط الأول، وهذا التعديل يقدم عدة فوائد للأجنحة العسكرية للمقاومة؛ فهو يخفف العبء النفسي والميداني إلى حد كبير، كما أنه يُخرِج المقاومة من خانة الفعل ورد الفعل التي انزلقت إليها حتى وإن لم يكن ذلك من أهدافها أو رؤيتها الجهادية؛ فقد أصبح واقعاً، وأيضاً يضعف البعد الذرائعي في السياسة «الإسرائيلية» العدوانية في التعامل مع الفلسطينيين، كما يتيح المجال لإعادة بناء وتجديد العناصر وتكوين خبرات جديدة، والأهم أنه يقدم سلاح ردع جديد يمتلك القدرة على تجاوز كل العقبات التي أضعفت سلاح الردع بصورته القديمة، فمجرد العمل الاستشهادي كان يعتمد في تحقيق الردع على صعوبة منعه وتحققه بصورة متكررة ومتتابعة زمنياً بدرجة كافية لإحداث حالة هلع في الداخل «الإسرائيلي» فعدد العمليات إذن كان عنصراً رئيساً في تحقق الردع، وهذا ما نجح العدو في تعويقه، ولكن في الصورة الجديدة يفقد العدد ومن ثم التعويق تأثيره؛ فهي عملية واحدة وعنصر الردع فيها يعتمد على اختيار الهدف وحجم الخسارة والتخطيط الدقيق الطويل المدى، وعادة ما تكون القدرة على منع هذا النمط من العمليات ضعيفة. ثانياً: لا بد من البحث عن وسائل للاستفادة من خبرات المقاومة العراقية وقدرتهم على تنفيذ أساليب حرب العصابات في مواجهة الاحتلال، وخاصة أن الظروف البيئية متشابهة إلى درجة كبيرة، وينبغي أن يقوم قادة القسام وسرايا القدس بدراسة مفصلة لعملية حصار واقتحام الفلوجة، وما هي الأسباب التي أدت إلى إخفاق الأمريكيين في تحقيق أهدافهم مع الأخذ في الاعتبار أن الأمريكيين استفادوا كثيراً من الخبرة «الإسرائيلية» مع الفلسطينيين في تنفيذ مثل هذه العملية، فيجب أن يستفيد الفلسطينيون من خبرة العراقيين في مقاومة الاحتلال الأمريكي، لكن ينبغي الحذر من أن توجه إليهم اتهامات بنقل بعض كوادرهم إلى العراق للمشاركة الميدانية في أعمال المقاومة هناك للإفادة والاستفادة؛ فمثل هذه الاتهامات جاهزة دوماً للحركات الإسلامية، وانتقال الأفراد ليس شرطاً في انتقال الخبرات، مع أهمية الإشارة إلى أن خبرة المقاومة في العراق أكثر ملاءمة للمقاومة الفلسطينية من خبرة حزب الله في جنوب لبنان. ثالثاً: ما تزال أغلب الدول العربية تؤيد المقاومة بصورة عامة، أو لا تُعلن رفضها، أو لا تُفرط في انتقاد فصائلها، ما عدا الدول المغرقة في علمانيتها مثل تونس، وتظهر هذه المواقف التي لا تخلو من إيجابية في كثير من وسائل الإعلام، وكانت التغطية الإعلامية لحادثتي اغتيال الشيخ ياسين والدكتور الرنتيسي - رحمهما الله - قوية ومؤثرة وحاشدة لتأييد جماهيري لحركة حماس، فيجب أن تحرص فصائل المقاومة على هذه الإيجابيات من خلال اتباع موازنة تكتيكية مرنة في اختيار الأهداف، وتحسب ردود الفعل العربية طالما كان هناك مجال للاختيار؛ وإلا فإن المصلحة المباشرة للمقاومة هي الأهم. رابعاً: العمل المخابراتي أصبح لازماً للمقاومة الفلسطينية خاصة بعد أن تبين الأثر المخزي الهائل للعملاء والجواسيس الذين ينقلون أخبار وتحركات الفصائل وقادتها ورموزها، ولا جدال في ضعف هذا الجانب لدى فصائل المقاومة، واعتماد أسلوب العمليات النوعية قليلة العدد يمكن أن يعطي كتائب القسام وسرايا القدس فرصة كافية لصقل خبراتهم في هذا المجال والبحث عن طرق لنقل خبرات الآخرين؛ وهذا يستدعي إعادة النظر في التكوين التنظيمي لهذه الحركات بما يتناسب مع المهام الجديدة في المرحلة المقبلة والاستعداد لمواجهة الاحتلال الصهيوني. خامساً: الانتقال بين الأهداف المدنية افتراضاً والعسكرية والاستيطانية «الإسرائيلية» يعطي الحركة مجالاً واسعاً للمناورة، ويمكن تفعيل هذا الانتقال عند التعرض لضغوطات متزايدة أو التحسب لردود فعل عربية غير مأمونة العواقب، ولذلك ينبغي ترسيخ هذه القدرة الانتقالية؛ حيث أثبتت التجربة أن المقاومة لا تملك قدرة انتقالية كافية في هذا المجال لمنع هوة أو فراغ في عمل المقاومة، وتعتبر عملية تفجير الناقلة المدرعة الإسرائيلية، في غزة نموذجاً مثالاً وهو ما ينبغي تفعيله. سادساً: التنقل بين أنماط العمل الاستشهادي الثلاثة يجب أن يتسم بالمرونة والملاءمة الواقعية، وهذا يعني أن حركات المقاومة تحتاج إلى أن تكتسب القدرة على الانتقال السلس بين هذه الأنماط، ويعني أيضاً أن التركيز على نمط معين - العمليات النوعية - لا يعني إهمال تنمية القدرات على العودة إلى ممارسة الأنماط الأخرى بكثافة إذا اقتضت الظروف والتغيرات الواقعية ذلك. * رابعاً: استقلالية كتائب القسام وسرايا القدس: هذا الطرح لا شك في أنه يثير غضب أو دهشة كثيرين، ولكن أحسب أنه طرح جدي تفرضه مستجدات الأحداث الحالية، كما يمكن أن تلغيه أيضاً مستجدات أخرى معاكسة مستقبلاً؛ فهو ليس قراراً بلا عودة، ولكن هو قرار تكتيكي حقيقي هدفه تخفيف الضغوط على الجناح السياسي ورفع القيد عن الجناح العسكري، وهذا تفصيل يسير لطرح الاستقلالية. هناك ثلاثة أشكال يمكن أن تتحدد من خلالها في أذهاننا نشأة العلاقة بين الجناح السياسي والجناح العسكري في الحركات التي تؤسس لمقاومة الاحتلال: الشكل الأول: تنشأ فيه المقاومة العسكرية للاحتلال بدون غطاء سياسي، ثم مع الوقت تتبلور رؤية سياسية يحملها ويمثلها جناح سياسي للمقاومة يحمل اسمها ويرتبط بها بصورة مباشرة، وقد لا يتأسس للمقاومة جناح كهذا ولكن تتبنى جهة سياسية نهج المقاومة بشكل عام وتنجح في توظيف مكاسبها سياسياً لخدمة نفس القضية، كما تفعل هيئة علماء المسلمين في العراق. الشكل الثاني: تنشأ فيه الحركة سياسياً وتتوطد أركانها، ثم يعقب ذلك نشأة الجناح العسكري لمقاومة المحتل كفرع عن الأصل. كما هو الحال في حماس والجهاد. الشكل الثالث: وهو الذي يتبناه طرح الاستقلالية، ويدفع في اتجاه الفصل بين الجناحين العسكري والسياسي ليصبحا حركتين مستقلتين عن بعضهما تماماً من الناحية التنظيمية وعلى كافة المستويات القيادية. وعند النظر في هذه الأشكال نجد أن الجناح السياسي في الشكل الأول عادة ما ينشأ ضعيفاً، ويبقى دوماً أسير قادة المقاومة، وكثيراً ما يحدث بينهما صراع قد ينتهي بانتصار الجناح السياسي وانتهاء المقاومة، وقد تعجز المقاومة عن تأسيس مثل هذا الغطاء السياسي عندما لا تتوفر دولة مجاورة تحتضنه؛ لأن المحتل لن يسمح للمقاومة بأن تشكل جناحاً سياسياً يتحدث باسمها في نفس البلد. وأما الشكل الثاني فيتميز بأن الجناح العسكري ينشأ كفرع للحركة؛ فهو تابع لها تنظيمياً وحركياً رغم استقلالية التخطيط واتخاذ القرار كما هو في حالة كتائب القسام وسرايا القدس، ولكن يعيبه أنه في مرحلة متقدمة من العمل تتراكم الضغوطات على الجناح السياسي باعتباره الواجهة المعلنة، بينما الجناح العسكري وإن كان يتلقى ضربات موجعة فهو ينتهج العمل السري، وبذلك تنشأ وضعية يكون فيها الجناح السياسي معوقاً لعمل المقاومة في اتجاه، ومحملاً إياها أعباء قد تفوق طاقتها في اتجاه آخر، وفي الحالتين يتحمل هو ردود الأفعال باعتباره الحركة الأم ذات النشاط المعلن. ولا تثريب على الطرفين؛ فهذه الوضعية الشائكة مرحلة تطور طبيعي تحدث أحياناً عندما يكون كلا الجناحين السياسي والعسكري يمارسان عملهما داخل الأراضي المحتلة وتحت سيطرة جيش الاحتلال. لذا كان الشكل الثالث بمثابة مخرج للأزمة؛ قد يكون مؤقتاً او دائماً حسب التطورات. ونذكر فيما يلي بعض النقاط التي تصب في صالح هذا الخيار: - التخلص من تبادلية الفعل ورد الفعل، وصياغة سياسة ردع بأسلوب جديد. - لن يحدث تخلٍّ عن نهج المقاومة بالنسبة لحماس، وإنما سيكون التفرغ للعمل السياسي والدعوي، وستكون هناك ممارسة لأعمال الانتفاضة بصورتها القديمة من خلال التظاهرات والاشتباكات الجماعية مع جنود الاحتلال. - سيتحرر الجناح السياسي من جزء كبير من تبعات العمل العسكري، وسيرتفع سقف العمل بالنسبة للجناح العسكري كثيراً بعد التخلص من قيود وضغوط سياسية متعددة داخلية وخارجية. - يتضمن طرح الاستقلالية طرحاً جزئياً يدعو إلى التوحد بين كتائب القسام وسرايا القدس بعد انفصالهما، وينضم إليهما بعض مجموعات شهداء الأقصى التي يمكن أن تتوافق مع نهجهما الإسلامي. - لن تكون هناك أي تأثيرات سلبية من الناحية الأمنية على القسام والسرايا - والله أعلم - لأن السلطات «الإسرائيلية» أسقطت منذ زمن بعيد كافة الخطوط الحمراء في التعامل مع الأجنحة العسكرية للمقاومة. - وفي المقابل فإن الجناح السياسي لحماس مثلاً إذا لم يستفد فلن يخسر - والله أعلم - فقادته يتعرضون للاغتيال في جميع الأحوال، ولكن يبقى الاحتمال قوياً وقائماً بحدوث تغير تدريجي مع تطبيق الاستقلالية بين الجناحين ورصدها بوضوح تام من قِبَل الاستخبارات «الإسرائيلية» . - التداخل بين أعضاء الجناحين السياسي والعسكري أعتقد أنه شكَّل مدخلاً لتسرُّب الكثير من المعلومات عن طريق العملاء المحليين، والاستقلالية تغلق هذا الباب. - احتمالات الانشقاق الفكري أو الانحراف المنهجي تبدو ضعيفة عندما تتحول كتائب القسام إلى حركة مستقلة - والله أعلم - لطبيعة المنهج نفسه الذي تتبعه حماس والذي تربى عليه قادة وعناصر القسام، وإذا كانت احتمالات التنسيق والوحدة تبدو متزايدة بقوة بين حماس والجهاد في الفترة الماضية رغم بعض الاختلافات المنهجية، فإن احتمالات الانشقاق المنهجي بالنسبة للقسام بعد الانفصال سوف تكون أبعد بقياس الأوْلى ... ولا داعي للتذكير بأن هذا الطرح هو طرح اجتهادي قد تثبته وتصقله أو تلغيه وتؤجله المناقشة الموضوعية المخلصة.. وحسبنا أن يكون رضا الله هو غايتنا، ونصر دينه هو مبتغانا.
следующие страницы →