← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

ملفات لماذا ملف المقاومة ؟ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن الدفاع عن النفس والعرض غريزة جبل الله عليها الإنسان؛ والصراع بين الحق والباطل سُنَّة من سنن الله في الحياة في كل أمة وجيل، وحتى يتم ذلك وفقاً للصواب جاء تشريع الجهاد في سبيل الله بشروطه ومتطلباته في الوحيين مما لا يتسع المقام لعرضه؛ وذلك نشراً للدعوة ورداً للعدوان ودفاعاً عن النفوس، ولأهمية هذا جاء تشريعه متأخراً (بعد الهجرة) حتى تتربى النفوس وتتأصل الفضائل وعلى رأسها الصبر، وحتى يتم احتمال المكاره في جنب الله؛ فالجهاد شعيرة إسلامية باقية حتى قيام الساعة؛ ولذا جاء الأمر الإلهي بالإعداد والاستعداد بقول الله تعالى: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] (الأنفال: ٦٠) . وأمتنا الإسلامية وهي تمر بهذه الظروف الحرجة التي تعاني فيها من الفرقة والتشرذم والانكسارات هي أحوج ما تكون للتذكير بفضل هذه الفريضة التي لم تغب عن أذهان المسلمين مهما كانت ظروفهم؛ وللتذكيرِ بأن أمة تثأر لدينها وتستبسل للدفاع عن أرضها وعرضها مستحضرة نية الجهاد في سبيل الله هي أمة لن تموت ولن تذوب ولن تُستَأصَل هويتها مهما كانت قوة العدو الغاشم، ثم بيانِ أن الجهاد في سبيل الله ليس دعوى بلا دليل أو نصرة غير منضبطة أو توجهاً تحكمه الأهواء والنزغات، بل هو شرعة إلهية لها ضوابطها وأسسها المعروفة. ثم إن الهجمة الغربية على أمتنا وما تعانيه من تدخل في شؤونها واحتلال لبلدانها ومقدراتها يحتاج إلى وقفة جادة لكشف حقيقة تلك الحملات الصليبية ومن يقفون وراءها ومن يعملون في ركابها والذين تبين للجميع أن ما جاؤوا به بدعاوى التحرير أصبح احتلالاً تسام معه شعوبهم سوء العذاب؛ فإلى الله المشتكى. ومن هنا جاءت قضية هذا الملف لكشف جوانب من الأعمال البطولية لمقاومة المعتدين التي حث عليها الدين وأيدتها النظم والقوانين الدولية. والتعريف بجهودهم في فلسطين والعراق، وإيضاح خلفيات مشاريع الهيمنة الغربية على المنطقة مع حوارات مع بعض الفعاليات الجهادية المعروفة ووقفات مع بعض المحاضن الجهادية التي أبلت بلاءاً حسناً في مقاومة المعتدين وتأديبهم. ونحسب أن هذا الجهد الذي شارك فيه نفر من الكتاب المعروفين هو أقل جهد تستحقه المقاومة الجهادية وأبطالها بالتعريف بهم وبجهودهم وبمعاناتهم وما لاقوه في ذات الله؛ فقد رفعوا رؤوسنا في زمن الانكسار؛ والعزاء أن تضحياتهم بالنفس والنفيس هو إحياء لشعيرة الجهاد، ونحسبهم والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحداً في تضحياتهم شهداء في سبيل الله كما وعدهم الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: «من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد ومن قُتِلَ دون دينه فهو شهيد، ومن قُتِلَ دون دمه فهو شهيد، ومن قُتِلَ دون أهله فهو شهيد» (رواه الترمذي، ٤/٣٠) . والله من وراء القصد.

стр. 4937

ملفات مشاريع المقاومة.. في مواجهة مشاريع الهيمنة د. عبد العزيز كامل kamil@albayan-magazine.com ما تواجهه الأمة اليوم، من مشاريع هيمنة متعددة الأصناف والأطياف والأهداف في مناطق متعددة من العالم الإسلامي يستدعي وجود مشاريع مقاومة مضادة على مستوى الأمة أيضاً يشارك فيها الجميع باعتبار أن مشاريع الهيمنة تستهدف الجميع. وكما أن سِمة مشاريع الهيمنة العالمية اليوم وفي مقدمتها المشاريع الأمريكية أنها مواجهة شاملة للأمة الإسلامية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وحضارياً؛ فكذلك ينبغي أن تكون مشاريع المقاومة شاملة سياسياًً وعسكرياً واقتصادياً وحضارياً. ولكن المشكلة أن المواجهة الصهيونية الشاملة - أمريكية وإسرائيلية - جاءت للأمة على حين غِرة، وهي في أضعف حالاتها على المستويات الرسمية الجماعية، ولكن هل يعني ذلك التسليمَ بالهزيمة والركوعَ تحت أرجل الطغيان؟! كلاَّ؛ فهذا الأمر إن كان يناسب بعض الأمم كالألمان واليابان إبان الحرب العالمية الثانية؛ فإنه لا يتناسب مع هذه الأمة التي لا يزال الجهاد ماضياً فيها إلى يوم القيامة. كثيراً ما يتساءل الناس عن دور يمكن أن يؤدى إبراءً للذمة في وجه الهجمة التي تعصف بالأمة، مع أن الأدوار - في يقيني - من الكثرة بحيث تسع مئات الملايين من أبناء هذه الأمة الذين يصيبهم شرر مشاريع الهيمنة شاؤوا أم أبوا، في ذواتهم أو في أبنائهم وأحفادهم. فالأدوار موجودة، ولكن الهمم لتحملها هي الضعيفة أو المفقودة. وإلاَّ؛ فإن الوجه الحضاري والثقافي من مشاريع الهيمنة يحتاج إلى مئات المشاريع لملايين الأفراد لكي يتسنى التصدي للهجمة الثقافية الحضارية. والوجه الاقتصادي من مشاريع الهيمنة يحتاج إلى دور لكل فرد في مقاومة اقتصادية - سميناها حيناً (المقاطعة) ثم قاطعناها قبل أن تستكمل دورها. والوجه السياسي لمشاريع الهيمنة يحتاج إلى جهود ورؤى ومقترحات السياسيين والاستراتيجيين لتفعيل مقاومة سياسية على المستويات الرسمية وغير الرسمية. أما الوجه العسكري من مشاريع الهيمنة، فلن يكفَّ شرَّه، ويوقف شرره إلا مقاومة عسكرية تقام بها الشِرعة الجهادية التي تمثل في حد ذاتها مشروعاً مستقلاً للمقاومة، يكاد أن يغطي - إن أُحْسِن أداؤه - على بقية الوجوه المطلوبة للمقاومة، ويكاد يقضي - إن استمر بقاؤه - على كل أشكال الهيمنة. إننا نفهم الجهاد ذورة سنام الإسلام على أنه مشروع رباني متكامل للتغيير، وأي عمل يأخذ شكل الجهاد وهو لا يحمل مشروعاً واضح المعالم راجح الخيارات، محسوم الخلافات، مأمون العواقب على المسلمين من جهة رجحان المصلحة على المضرة؛ فإن النفس تتردد في وصفه بالمشروعية. صحيح أن ظروفاً قد تُفرض على المسلمين فرضاً، كما حدث في فلسطين وما حدث في غزو الروس الأول لأفغانستان، ثم غزوهم للشيشان، ثم غزو الأمريكيين ثانياً لأفغانستان، ثم غزوهم للعراق، بحيث تحتم هذه الظروف على المسلمين أن يتحركوا حتى لو لم يكتمل اتضاح معالم الجهاد الشرعي المطلوب، ولكن تلك الظروف لها تكييف شرعي مختلف باعتبارها جهاد دفع لا جهاد طلب [١] . ليس المقصود هنا الخوض في فقه الجهاد ومسائله الشائكة التي لم تأخذ حقها - للأسف - من جهود العلماء المعاصرين مع شدة حاجة الأمة إليها وتجدد النوازل الفقهية فيها، ولكن المقصود أن نقرر أن خيار الجهاد والمقاومة الإسلامية في وجه مشاريع الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية والروسية والهندوسية، لم يعد يحتمل القيل والقال؛ فهو الآن قضيةُ: أن نكون أو لا نكون، أن نحيا مؤمنين أعزة أو نبقى عصاة أذلة. وهنا، لا يصلح أن تترك ساحات الجهاد الحادة والحرجة في العالم الإسلامي لبضع مئات من الشرفاء المضحين بكل شيء، في مقابل مئات الملايين الذين قد لا يقدمون أي شيء. إننا نلحظ تفاقم هذه الظاهرة كلما زاد الخطر وازدادت العداوة، وهذا أمر محيِّر؛ إذ كيف تجتمع الأمة كلها منذ أكثر من ربع قرن وراء الجهاد ضد الروس في أفغانستان، وتكاد تنفضُّ اليوم عن أخطار أكثر وساحات أكبر في فلسطين والعراق والشيشان؟ وكذلك أفغانستان نفسها التي يكاد عموم المسلمين اليوم أن يقولوا بلسان الحال لا المقال إن غزو الشيوعيين لها كان من المنكرات المحرمات، ولكن غزو الأمريكيين لها - بعد ربع قرن - من الجائزات المباحات!! قد يقال إن المعادلات الدولية، والأجواء السياسية الإقليمية وقتها كانت تسمح بذلك، والجواب في سؤال مؤسف هو: إلى متى لا يتحرك عموم الإسلاميين إلا بإذن من المعادلات الدولية والأجواء الإقليمية؛ بحيث يجتمعون مرة على دعم المقاومة الأفغانية ثم ينصرفون، ويتداعون تارة لدعم الانتفاضة الفلسطينية ثم ينفضون؟!! ويتحمسون أخرى لدعم القضية الشيشانية ثم يفتُرون! أين استقلال الإسلاميين إذن في عصر اضمحلال الاستقلال؟ ونعود إلى مشروع المقاومة المشروعة: إن وجوب طرح رؤى جديدة وسديدة لتقويم أداء المقاومة الإسلامية والجهاد المشروع في ساحات التحدي القائمة لا ينطلق من خيالات وتوهمات، بل هو أمر دين، يقسِّم تكليفاته على كل مكلف.. نعم! (على كل مكلف) بحيث يقوم الجميع بدورهم بحسب المشروع والمستطاع من الأعمال. ونحن على يقين - مع كل هذا - أن بركة الله تتنزل في الجهود القليلة، حتى ولو خُذل المجاهدون والمقاومون من بقية المسلمين، ولكن هذه البقية ستدفع الثمن ولا بد خذلاناً إذا استمر خذلانهم، وضعفاً بقدر ضعف تأييدهم ودعمهم، ولهذا فإن العمل على إنهاض الشعوب لدعم مشاريع المقاومة، لمقاومة مشاريع الهيمنة هو خدمة للأمة كلها؛ لأنها الآن.. والآن فقط ... مستهدفة كلها، كما لم يحدث في التاريخ من قبل. * بشارات ونذارات: شاء الله تعالى أن يرينا ثمرات جهود الفئة القليلة التي تغالب اليوم الفئة الكثيرة في ساحات متعددة؛ ففي أول منازلة إسلامية للأمريكيين على أرض العراق، وفي أول صدام حضاري وعسكري أمريكي مباشر مع المسلمين على الأرض، هُزم الأمريكيون عسكرياً، وانكشفوا حضارياً، كما فُضحوا إعلامياً على المستوى الدولي والمحلي، ومُنُوا بانتكاسة لها ما بعدها في الجولة الأولى من الحرب العالمية الأمريكية التي يرى بعضهم أنها قد تستمر لمدة أربعين عاماً. نعم! .. هُزم الأمريكيون عسكرياً عندما أخفقت جحافلهم البرية في اقتحام مدينة صغيرة هي الفلوجة بعد أن حاصروها شهراً، وأمطروها بمقذوفات الطائرات العنقودية والانشطارية المحرمة دولياً، وانسحبوا منها مخذولين مدحورين دون أن يدخلوها. - وهزمت أمريكا حضارياً، عندما بان للعالم حقارة الحضارة التي تدعي تكريم الإنسان، وظهرت سخافة الثقافة التي يبول جنود «التحرير» على الآدميين المحبوسين ويسلطون الكلاب على العراة المقيدين في وضاعة وخسة لم تصل إليها القرود في الغابات والخنازير في الزرائب. - وهزمت أمريكا إعلامياً على المستوى الدولي عندما صرح ساستها وصرخ قادتها، بضرورة كتم أنفاس الإعلام الحر ووضع حد لـ (الجرأة الإعلامية) التي تميزت بها بعض المنابر العربية - كقناة الجزيرة - وهي تكشف بتغطيتها للأحداث الأخيرة فضائح وفظائع الاحتلال الأمريكي للعراق. - وهزمت أمريكا، عندما اكتشف الشعب الأمريكي أن قادته «الأحرار» يكذبون عليه، ويسخرون منه، ويخفون عنه حقائق كبرى تتعلق بمصيره (المقدس) ورفاهيته (المعبودة) ؛ وذلك عندما كُشف عن صور مئات الجيف لهلكى الحرب الأمريكية المسعورة التي أصر مشعلوها - وعلى رأسهم وزير الدفاع دونالد رامسفيلد - على عدم السماح بعرضها على الرأي العام العالمي والأمريكي، حتى لا تصاب هيبة (النسر) الأمريكي بالاهتزاز، عندما يراه الناس وقد تحول إلى خفاش ذليل منكس الرأس إلى أسفل والدماء الملوثه تسيل من أنفه. كل هذا حدث في زمن قياسي، وفي وقت قريب قبل أن يكتمل العام الأول على الجريمة الأمريكية في حق الشعب العراقي. ولكن ما أصاب الأمريكيين على أرض العراق مؤخراً، وإن كان كبيراً وخطيراً على المستوى الحضاري، فإنه على المستوى العسكري لا يزال مجرد خموش وخدوش على وجه الطاغوت الأمريكي الأزرق؛ صحيح أنه يقض مضجعه ويؤرق أحلامه، ولكنه لا يعطل مسيرته ولا يوقف أطماعه. فرغم حديثنا عن هزيمة أمريكا في جولة الفلوجة من الناحية العسكرية التكتيكية، إلا أن الحديث لا يزال مبكراً عن هزيمتها في العراق وما حولها استراتيجياً؛ فلا تزال مشاريع الهيمنة الأمريكية تتقدم في اتجاة تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي من أجلها كان احتلال العراق حتمية أمريكية وضرورة إسرائيلية تم الفراغ من إقرارها منذ سنوات عديدة، لتكون منطلقاً إلى مشروعات هيمنة أكبر وسيطرة أوسع على العالم الإسلامي، بل على كل العالم. * استراتيجية المقاومة في مواجهة استراتيجية الهيمنة: هناك ثلاثة مشروعات استراتيجية كبرى مطروحة الآن من أطراف في الإدارة الأمريكية الصهيونية للهيمنة على العالم الإسلامي، بل العالم أجمع وهذه المشروعات هي: أولاً: مشروع الإمبراطورية الأمريكية: وقد طرحه الاتجاه الإنجيلي المسيطر على الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، وقام على إعداده فريق من صقور ذلك الحزب، منذ إدارة بوش الأب، وقد بدأ هذا الفريق ورشة عمل من مركز (جيمس بيكر) لدراسات البترول في تكساس تحت رعاية جورج بوش الأب، الذي كان من المفترض أن يكمل الخطوات الأساسية في هذا المشروع قبل خسارته للفترة الرئاسية الثانية عام ١٩٨٩م، وقد استأنف بوش الأب العمل مع ذلك الفريق لاستكمال معالم هذا المشروع، وقضوا نحو سنة كاملة من التداول حوله في بيت نفسه، إلى أن توصلوا إلى تقرير نهائي وقع عليه وأصبح مسؤولاً عنه (ديك تشيني) النائب الحالي لبوش الابن وزير الدفاع في حكومة بوش الأب وكانت أبرز نقاط ذلك التقرير: ١ - الحزب الجمهوري لا بد أن يمسك بزمام السلطة؛ لأنه الحزب صاحب الرؤية الكاملة للقرن الجديد. ٢ - الرئاسة بعد كلينتون ينبغي أن تستغل الفرصة التاريخية السانحة التي تنفرد فيها أمريكا بموقع القطب الوحيد، لكي تمكِّن لسيطرة (القيم) الأمريكية على العالم. ٣ - ينبغي البناء على ما أنجزه الرئيسان: ريجان وبوش، لاستكمال بناء الإمبراطورية التي وضعا أساسها. ٤ - على الإدارة الجمهورية عندما تتسلم السلطة أن تمارس دورها في التمكين لتنفيذ المشروع بلا أي قيود من أي جهة في العالم. ٥ - الولايات المتحدة تحت حكم الجمهوريين، من واجبها أن تشاور حلفاءها، ولكن من حقها أن تخالفهم وتتصرف بمفردها. ٦ - الحرب ضد (الإرهاب) هي الدعوة التي يمكن توحيد العالم كله حولها سواء القوى الكبرى أو الصغرى، وتلك الحرب هي أقدر الدعوات على حشد العالم خلف أمريكا؛ لأن كل دولة في العالم يمكن أن تصبح معرضة للإرهاب، حقيقةً أو ادعاءً، والولايات المتحدة من حقها قيادة تلك الحرب من باب الدفاع المشروع عن النفس! [٢] . إن هذا التقرير وضع، ووقع عليه ديك تشيني قبل أن يصبح نائباً للرئيس، وقبل أن يجيء هذا الرئيس (جورج بوش الابن) وقبل أن تقع أحداث سبتمبر! ثانياً: (مشروع القرن الأمريكي الجديد) : وهو المشروع الذي يقف وراءه شركاء الجمهوريين الإنجيليين في الإدارة الأمريكية، وهم اليهود الأمريكيون المنضوون تحت لواء الحزب الجمهوري، والمسمون بـ (المحافظين الجدد) وقد تأسس هذا المشروع عام ١٩٩٧م، تحت رعاية مؤسسة المواطنة، ومولته مؤسسة (برادلي) وقد ارتبط أيضاً بمؤسسة (أمريكان انترابرايز) وهدفه المعلن هو: «تعزيز القيادة الأمريكية للعالم» ويترأس المشروع (وليام كريستول) اليهودي المتزعم للمحافظين الجدد، وقد صدر بيان بشأن المبادئ والغايات التي يهدف إليها المشروع في ٣/٦/١٩٩٧م، جاء في ديباجته: «لمواجهة السياستين الخارجية والدفاعية التائهتين خلال القرن المتقدم، تظهر أهمية صوغ الظروف لمواجهة الأخطار قبل أن تستفحل؛ ولتحقيق ذلك يطلب ما يلي: ١ - زيادة الإنفاق الدفاعي لكي تتحمل أمريكا مسؤولياتها حول العالم. ٢ - تعزيز العلاقات من الحلفاء في العالم الديمقراطي لتحدي الأنظمة المعادية لمصالح أمريكا وقيمها. ٣ - تعزيز الحريات السياسية والاقتصادية في العالم، لنشر الليبرالية واقتصاد السوق. ٤ - فهم الدور الأمريكي المميز ومسؤوليته تجاه إنشاء نظام دولي جديد يفيد أمن أمريكا ورفاهيتها في القرن الحادي والعشرين. وقد وقَّع على هذا الإعلان ٢٥ شخصية من رموز المحافظين اليهود الجدد، إضافة إلى عدد من صقور المحافظين النصارى التقليديين الذين قفزوا جميعاً إلى داخل الإدارة الأمريكية في عهد بوش الحالي. وقد وصف الكاتب الأمريكي جون لوب مشروع (القرن الأمريكي الجديد) بقوله:» هو آخر صيغة لجماعة متطرفة يسيطر عليها اليهود من المحافظين الجدد «. ثالثاً: مشروع الشرق الأوسط الكبير: وهو مشروع تتعاون فيه قوى اليمين الإنجيلي في الحزب الجمهوري مع القوى اليهودية من المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية، ويهدف إلى تغيير بنية المجتمعات الإسلامية ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، ونصوص هذا المشروع من المفترض أن تعرض على مؤتمر القمة للدول الصناعية الثماني في شهر يونيو / حزيران ٢٠٠٤م. والمقصود بالشرق الأوسط الكبير هو العالم الإسلامي؛ فقد جرى توسيع منطقة الشرق الأوسط لتضم إيران وتركيا وباكستان وأفغانستان، إضافة إلى دولة اليهود (إسرائيل) ، وقد عهد الرئيس جورج بوش الابن لمؤسسة (الوقف الوطني الديمقراطي) بتنفيذ هذا المشروع [٣] ، ولم تُستشر فيه أي دولة عربية أو إسلامية قبل تسريب نصوصه، وكان بوش قد أطلق المبادرة المتعلقة بـ (الشرق الأوسط الكبير) في خطاب ألقاه في ٦/١١/٢٠٠٣م في مقر تلك المؤسسة التي يضم مجلس أمنائها عدداً من المنظِّرين الكبار لمشروعات الهيمنة الأمريكية، وعى رأسهم (فرانسيس فوكوياما) صاحب نظرية» نهاية التاريخ « [٤] . وإلى جانب تلك المشاريع ذات الصبغة العالمية، هناك مشروعات للهيمنة الإقليمية تتوزع على قوى أخرى معادية للمسلمين قبل الروس والهندوس وكذلك مشروع اليهود في فلسطين، للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط في ظل مشروع (الشرق أوسطية) أو (إسرائيل الكبرى) ولكن يبقى أن المشروعات الثلاثة التي هي الأكبر والأخطر لعالميتها، ولهذا فهي الأجدر باجتماع المسلمين ضدها، وإصرارهم على إسقاطها مستحضرين قول الله تعالى: [إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوَهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٧٥) ، إن تلك المشاريع الثلاثة يمكن أن تسقط بسقوط بوش وعصابته، والمقاومة الإسلامية في كل من العراق وأفغانستان، يمكنها أن تؤدي هذه المهمة، لتقدم للبشرية كلها خدمة عظيمة بعرقلة تلك المشاريع التسلطية. ولكن لا بد لهذه المقاومة أن تنتهج استراتيجية شاملة واضحة المعالم، إسلامية السمات حتى تؤدي غايتها وتؤتي ثمارها، فالجانب السياسي منها لا بد أن يشارك فيه المختصون بالسياسة، والجانب العسكري منها لا بد أن يساهم فيه خبراء العسكرية، والجانب الإعلامي هو واجب الإعلاميين، كما أن الجانب الثقافي والحضاري لا بد أن يشهد حضور المثقفين والتعليميين، وقبل كل هؤلاء لا بد أن يكون لأهل العلم والدعوة دورهم في وضع الضوابط العلمية وحل النوازل الفقهية والمشكلات الفكرية التي تعترض طريق المقاومين والمجاهدين في كل حين. كان من المفترض أن يطرح المسلمون مشروعات على المستوى الدولي الحضاري تهدف للتمكين لدولة الإسلام العالمية؛ مقابل المشاريع الإمبراطورية الصهيونية الأمريكية، ولكن واقعنا المؤسف، نزل بنا إلى موقع الدفاع من وراء، بدلاً من الاندفاع للأمام؛ ومع ذلك فإن هذا الدفاع والمقاومة والمجاهدة هي واجب الوقت، وفريضة العصر، ويرتبط بهذا الواجب وتلك الفريضة ألا نكرر أخطاء الارتجال والفوضوية التي أحبطت مشاريع إقامة الدولة الإسلامية العالمية لأكثر من قرن مضى. لا يستطيع طرف بمفرده أن يدعي القدرة على وضع الاستراتيجية المصيرية الشاملة لمواجهة مشاريع الهيمنة، ولكن استمرار الإلحاح على وضع هذه الاستراتيجية هو في حد ذاته عمل، والمساهمة في إكمالها من كل ذي اختصاص سيمثل إضافة إلى ذلك العمل، ولعل من المعالم المطلوب استحضارها عند رسم خطوط عامة لاستراتيجية المقاومة ما يلي: ١ - أن تنطلق مشروعات المقاومة من منطلقات اعتقادية إسلامية، مثلما تنطلق مشروعات الهيمنة الآن من منطلقات عقائدية» مسيحية «إنجيلية، أو يهودية توراتية. ٢ - أن تتصف بالعالمية؛ بمعنى أن توفر لكل مسلم دوراً في دعم قضايا المسلمين، مع اهتمامه الخاص بقضايا التماسّ التي يعيش همها عن قرب، أو يشارك فيها بفاعلية. ٣ - أن تتسم بالشمولية، مثلما هو الحال الآن في الحرب العالمية الصليبية؛ فهي شاملة لكل الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية. ٤ - أن تراعي فعل العامل الزمني في التأثير؛ إذ إن النتائج قد تأتي بعد سنوات، وبعضها لا يُنتظر إلا بعد عقود، كما هو الشأن في مشروعات الهيمنة اليهودية والنصرانية. وأن تراعى أيضاً خصوصية العامل المكاني والبيئي؛ إذ ما يصلح في مكان ما، قد لا يصلح لمكان آخر. ٦ - ألا تخرج عن الواقعية بل تحصر دوائرها في إطار المستطاع والمشروع، فلا تروم المستحيل وغير المستطاع في دنيا الناس، أو تتجرأ على الممنوع غير المشروع في محكمات الدين. إنني على يقين من أن المسلمين يستطيعون أن يضعوا مشاريع متكاملة للجهاد والمقاومة لمواجهة تلك المشاريع المتكاملة للسيطرة والهيمنة، ورصد ما يحدث الآن في العراق على الأرض بسبب استمرار المقاومة والجهاد ينبئ عن إمكانية إيقاع المشروعات الأمريكية والصهيونية في مزيد من الورطات التي ستعرقلها أو تلغيها. فالفرصة سانحة الآن من الناحية العسكرية بعد هزيمة الأمريكيين في الفلوجة، أن تتكرر المقاومة في مدن عراقية أخرى، تُسقط هيبة الجيش الأمريكي، وتكسر حاجز الخوف منه في أي مكان من العالم. - وهناك فرصة سانحة من الناحية السياسية لإسقاط بوش، بانتهاج سياسة تكثيف النعوش، وبسقوط بوش ستسقط أو تتأجل على الأقل، مشروعات الهيمنة العالمية المتعجلة. وعقدة الدم التي يتعالى فيها الأمريكيون بالدماء الزرقاء للجنس الساكسوني لا يحلها إلا عقدة الخوف من سيلان هذا الدم على يد الجهاد الإسلامي. - وهناك فرصة سانحة من الناحية الاقتصادية لحرمان الأمريكيين من ثمرات الغزو اليسير للعراق، والذي وإن كلفهم اقتصادياًِ إلا أنه لم يكلفهم بشرياً في مراحله الأولى. وإيذاء أمريكا اقتصادياً في العراق سيحرمها من عائدات ١١٢ مليار برميل نفط يمثلها احتياطي العراق من البترول الذي يسرقه الأمريكيون الآن على مرأى ومسمع من العالم. - وهناك فرصة من الناحية الحضارية أن يُستدرَج الأمريكيون إلى المزيد من كشف الوجه الآخر لحضارتهم العوراء، في شكلها الكالح وملمحها القبيح؛ وذلك بالتركيز على إبراز» منجزات «الحضارة الغربية في سجن أبو غريب الذي صار رمزاً لـ (القيم) الأمريكية؛ فمن خلال إبراز ما حدث من توحش وهمجية سادية في ذلك السجن وغيره من السجون والمعتقلات؛ سيظهر للعالم أن مستقبلاً مكفهراً بالظلام ينتظر كل شعب يقبل الانخداع بجنة أمريكا التي تخفي النار تحتها، وقيمها» التدميرقراطية «التي تحمل الخراب في ثناياها. إنها فرص سانحة بالفعل لتحقيق الأمل الماثل في الأفق - عن يقين لا ظنون - بأن نهاية الجبروت الأمريكي ستكون على أيدي المؤمنين، كما كانت نهاية الجبروت السوفييتي على أيدي المسلمين، تصديقاً للأحكام القدرية الكونية من سنن الله الإلهية التي بينت أن إرادة الله قد مضت بأنه عندما يتمرد الباطل، فلا بد أن تتجرد له فئة لا تستمد القوة إلا من الله، ولا تستعين إلا بالله تستنزل ذلك الباطل من عليائه، وترث الأرض من تحت قدميه: [وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ] (القصص: ٥) . تلك السنن الإلهية التي أظهرت أن الإذن عندما يأتي من الله فإنه لا راد لقضاء الله مهما كانت قوة الكافرين وضعف المؤمنين: [كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] (البقرة: ٢٤٩) ، وهي السنة التي بشرت بأن دين الحق منصور إذا قام به أهله، وجعلوه غايتهم ورايتهم: [كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] (المجادلة: ٢١) ، [وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ] (الصافات: ١٧١-١٧٣) . وسنن الله الإلهية، هي التي أعلمتنا وملأتنا بالأمل في غدٍ مشرق للإسلام فوق كل الأديان، فلا مستقبل لعالمية دينية صهيونية، أمريكية كانت أو إسرائيلية كما يشتهي أصحاب الأحلام الإمبراطورية: [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] (التوبة: ٣٣) . إن هذه أحكام لا تقبل التغيير ولا التبديل، بشهادة الواقع وحكم التاريخ: [سُنَّتَ اللَّهِ الَتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُونَ] (غافر: ٨٥) ، [سُنَّةَ اللَّهِ الَتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً] (الفتح: ٢٣) ، [سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً] (الإسراء: ٧٧) . والطغيان الأمريكي المتعالي في الأرض اليوم لن يفلت من هذا القضاء الكوني والحكم القدري؛ فوالله وبالله وتالله ... إن نهاية الحلف الصهيوني الأمريكي الإسرائيلي لن يكون بمعجزة غيبية كزلزال ونحوه من أشكال عذاب الاستئصال، ولكن يكون على أيدي كفار أو فجار؛ إنه لن يكون إلا على أيدي المجاهدين المسلمين، وعذاب الله لهم لن يكون إلا بأيدي المستضعفين من المؤمنين، كما قال سبحانه: [قَاتِلُوَهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] (التوبة: ١٤-١٥) ؛ إنها قوانين لن تفهمها مراكز الأبحاث السياسية، والدراسات الاستراتيجية؛ لأن أرباب تلك المراكز والمكاتب من غير المسلمين في العالم: [يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ] (الروم: ٧) . إن أحداث هذه الدنيا تجري وفق خارطة علوية أخروية، يقسم الله فيها وقائع الدنيا بحسب مصائر الناس في الآخرة، فيملي لهؤلاء ويختبر هؤلاء، ويمد لهؤلاء؛ فهناك قوم مقدَّر لهم أن ينالوا شرف الصبر على الابتلاء، وآخرون مكتوب لهم أن ينالوا أجر الشهداء؛ بينما يريد الله لآخرين أن يكنزوا نصيباً وافراً من الإجرام والطغيان، ليستوفوه في دركات النيران: [وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ] (إبراهيم: ٤٢-٤٣) ، [وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لُهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ] (آل عمران: ١٧٨) . * فعل الله في أفعال البشر: ثمة أمر آخر قد لا يدركه المحللون السياسيون والمخططون الاستراتيجيون في الشرق والغرب، أولئك الذين يهللون اليوم ويبشرون بغدٍ أمريكي صهيوني سيمتد إلى منتصف القرن الحادي والعشرين وربما إلى نهايته، استناداً إلى إمكانيات نجاح مشروع الصهيونية المسيحية المسمى (الإمبراطورية الأمريكية) أو مشروع المحافظين اليهود الجدد المسمى بـ (مشروع القرن الأمريكي الجديد) ، وهذا الأمر الآخر الذي ربما لن يفهمه هؤلاء المحللون والمنظرون، هو أن الله تعالى قد أجرى العادة في التاريخ، بأنه إذا أراد أن يمكن لحزب المؤمنين؛ فإنه يضعف قوى المعسكر المناوئ لهم، بأن يسلط بعضهم على بعض حتى تخور أكثر قواهم وتدول أكثر دولهم، ثم تتبقى قوىً أخيرة، تترنح تحت ضربات المؤمنين الصادقين، بعد أن تكون قد مثلت أداة قدرية لتصفية بقية قوى المجرمين، فتنتصب تلك القوى الأخيرة بما تبقى لها من جبروت وطغيان ظاهري منهك لتنازل أهل الايمان، أو ينازلها أهل الأيمان بقوىً أقل مع تماسك أكثر. تأمل مثلاً حقبة البعثه النبوية الشريفة، فقد سُبقت بأحداث جسام بين القوى العظمى في الأرض في ذلك الوقت ممثلة في الفرس والروم الذين كان طواغيتهم الكبار يستعينون بطواغيت صغار من الأذناب والأتباع الحارسين لمصالحهم والمستندين إلى قوتهم. لقد سجل القرآن الكريم أنباء تلك الفترة المهمة، مثبتاً فيها البشرى للمؤمنين بنصر الله الذي سيعقب انتصار الروم على الفرس: [الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ] (الروم: ١-٤) . لقد ضُرِبت الروم بقوة الفرس الغاشمه سنه ٦١٥ للميلاد، وذلك حين غزاها الملك الفارسي (خسرو بن هرمز) ، وكانت ساحة الصدام على أرض الشام الواقعة حينئذ تحت حكم الرومان بقياده القيصر (هرقل) فنازل الفرسُ الرومانَ في إنطاكية ثم دمشق، وكانت الهزيمة الكبرى في أطراف بلاد الشام بين بُصرى وأذرعات، (قريباً من البحر الميت) وذلك المراد من قول الله تعالى: [فِي أَدْنَى الأَرْضِ] (الروم: ٣) أي أدنى بلاد الروم إلى العرب. ومن لطائف التفسير هنا أن بعض المفسرين قالوا إن التعريف في لفظة (الأرض) هو للعهد؛ فالأرض عند الله هي هذه الشاملة للجزيرة العربية وما حولها من أراض مقدسة في بيت المقدس وما حولها، وأرض حارسة في العراق ومصر واليمن؛ فمعنى [فِي أَدْنَى الأَرْضِ] أي أدنى أرض الله [٥] . ثم إن الروم أديلوا على فارس فهزموهم هزيمة عظمى، مثلت آية من آيات قدرة الله، عندما يريد أن يمن على الذين استُضعفوا في الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين؛ فقد تمهد الأمر لأهل الإسلام بانكسار الوثنية الفارسية عندما عاد المهزومون الروم إلى الانتصار في زمن قياسي قليل [فِي بِضْعِ سِنِين] (الروم: ٤) أي سنوات لا تتجاوز العشر، وهي في غاية القلة قياساً إلى دولة عظمى تنكسر ثم تنتصر، ومع أن الأمر القدري بنصر الروم على الفرس كان متوجهاً نحو إضعاف الاثنين ببعضهما، إلا أنه لم يخلُ من بشارة وسلوى للمؤمنين بانتصار قوم من أهل الكتاب على قوم من أهل الشرك والوثنية؛ فقد فرح المشركون الوثنيون من قريش عندما هَزَمَ إخوانُهم من عباد الأوثان في فارس أهلَ الكتاب الذين يُعدون أقرب للمؤمنين من الوثنيين المشركين [٦] ، ولهذا قال الله تعالى: [وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ] (الروم: ٤-٥) ، وقد ذُكر أن انتصار الروم وافق يوم بدر، وقد فرح المؤمنون يوم تنزل الآيات استشعاراً بأن هذا النصر هو مقدمة لنصر الله لهم، أو هو بشارة بأن يوم انتصار الروم سيوافق يوم انتصار للمسلمين. الشاهد هنا أن أمر الله القدري، قد جرى وفق السنة الإلهية التي تقتضي أن يدفع الله الناس بعضهم ببعض، ويسوق الظالمين بعضهم على بعض كما قال سبحانه: [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْض] (البقرة: ٢٥١) ، وبهذا يتهيأ لحَمَلَة المنهج الحق أن يحلوا مكانهم عند زوالهم دون تضحيات باهظة كان سيتحتم تقديمها لو لم يهلك الظالمون بعضهم بعضاً في جولات تمهيدية؛ ولهذا قال الله تعالى إشارة إلى هذه السنة الإلهية والأمر الكوني: [لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ] (الروم: ٤) أي أن الله تعالى قدَّر وهيأ الأسباب للغَلَب الأول والثاني قبل أن يقعا، ليكون هذا تهيئة لأسباب انتصار المسلمين على الفريقين إذا حاربوهم بعد ذلك لنصر دين الله ونشر كلمة الله في بلاد الفرس والروم معاً، وهو ما كان بعد ذلك عندما غزا المسلمون بلاد فارس سنة ١٤ للهجرة بعد هزيمتها على يد الروم. ثم قاتل المسلمون الرومان الخارجين من انتصار مكلف على الفرس، فأخرجوهم من (أدنى الأرض) ليدَّخر الله شرف تطهير تلك الأراضي من عبودية النيران والصلبان للطائفة المجاهدة من حزب الله الموحدين. لقد كان هذا فعلاً من أفعال الله في أفعال البشر لا يدركه الذين: [يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ] (الروم: ٧) . * أمثلة معاصرة: في عصر القطبية الثنائية التي امتدت في معظم النصف الثاني من القرن العشرين كان الروس والأمريكيون يماثلون الفرس والروم في العصور الماضية. - وعندما توجهت إرادة الله نحو هدم كيان الإلحاد الروسي، المسمى بالاتحاد السوفييتي، بعد صراع طويل مع الولايات المتحدة مثلته (الحرب الباردة) ؛ أذن الله للمسلمين بأن يكونوا طرفاً في هذا الصراع، وذلك عندما اجتاح الروس الشيوعيون أرض أفغانستان المسلمة، فوجد المسلمون الصادقون في العالم أنفسهم أمام واجب النصرة لإخوانٍ لهم استنصروهم في الدين، وبالفعل تنادت الأمة في كل مكان لنصرة الأفغان، فكان هذا إيقاعاً من الله للروس الملحدين في شَرَك جهاد الموحدين المجاهدين من أنحاء العالم، ذلك الجهاد الذي أمده الله بأسباب القوة، وسخَّر له القوة العالمية الأولى المنافسة للاتحاد السوفييتي (أمريكا) فأمدته بالأسلحة، ثم سخر الله له مصادر التمويل وأسباب التيسير والمشروعية من جميع الأنظمة الحريصة على إرضاء أمريكا والمتضررة في الوقت نفسه من أخطار المد الشيوعي على بلادها، وحدث ما يشبه الاتفاق على مشروع جهادي تغييري عالمي في أفغانستان شاركت فيه كثير من الشعوب والحكومات، وكان من قدر الله وتشريفه للمسلمين ألاَّ يأتي انكسار فقار الدب الروسي إلا على أيدي المجاهدين المستضعفين، بتشجيع ودعم من الأمريكيين أنفسهم، وتجلى هنا فعل الله في فعل البشر بهذا الصنيع الإلهي الذي اختص فيه المولى الجليل أهل الإسلام بإسقاط هذا الكيان الكفري الكبير. - وبسقوط الاتحاد السوفييتي انهار الجدار الذي كانت تستند إليه العديد من أنظمة» الخُشُب المسنَّدة «، وراح المنافقون والمرتدون من ذوي الاتجاه الماركسي اليساري يبحثون عن جدار غير الجدار المنهار، ولم يكن لهم خيار إلا أن يرتموا في أحضان الغرب النصراني بقيادة أمريكا، راضين بتبعية ذليلة للطاغوت الأزرق الغربي، بعد هزيمة وسقوط الطاغوت الأحمر الشرقي، وبهذا توحد الجدار الذي ترتكن إليه الخشب المسندة، وحدثت وحدة قسرية موالية للأمريكيين، جعلت الأنظمة العلمانية مرتهنة لجدار واحد، هو الجدار الأمريكي. - وبخصوص هذه الأنظمة العلمانية نرى من أفعال الله في شأنها عجباً؛ إذ بعد خذلان الله للأنظمة الماركسية في البلاد العربية والإسلامية بسقوط اتحاد الشيوعية الروسي، شاء الله تعالى أن يضعف بقيتها من الأنظمة الموالية لأمريكا بتسليط بعضها على بعض، وأضرب على ذلك مثالاً بسلسلة واحدة من ضمن سلاسل كثيرة، أن أكبر عميل للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط في حقبة الستينيات والثمانينيات وهو شاه إيران، الملقب بـ (الطاووس) يسلط الله عليه من ينتف ريشه، ويشوه منظره، وهو الخميني وجماعته من الآيات؛ فلما ظهر الشر من هؤلاء، وقال قائلهم: إن الطريق إلى القدس يمر عبر مكة والمدينة، مهددين بتصدير الثورة الرافضية إلى دول الجوار، سلط الله عليهم طاغية البعث في ذلك الوقت صدام حسين ليوقف أطماعهم ويقزِّم ثورتهم بدعم من الأمريكيين، ويظن صدام أن الجو خلا له ليرفع راية البعث الفاسدة في عواصم الجوار باسم القومية العربية، عن طريق الغزو المسلح بدءاً من الكويت، فيسلط الله عليه من هو أجبر منه وأفجر، وهم الأمريكان الذين يبدون الآن وكأنهم العصا الغليظة التي تكسر هنا وهنا، ثم تجد من يفتتها هي بعد ذلك. أمثلة كثيرة على إملاء الله للظالمين وتسليط بعضهم على بعض في عصرنا، إذا بحثت عنها في دوائر أكبر فسترى نماذج أكثر، وعلى مستوى الدول الكبرى التي تتربص بعضها ببعض، وينتظر بعضها هلاك بعض كما يحدث من أوروبا مع أمريكا، ومن أمريكا مع الصين، ومن الصين والروس ... إلى آخره [ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكَافِرِينَ] (الأنفال: ١٨) . ثم يجيء أكبر طاغوت، في شكل حوت كبير يريد التهام السمك المتنازع الصغير، وسوف يسلط الله عليه من يصطاده بقوارب القدر المحتوم [وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ] (ص: ٨٨) . - فالآن يتكرر ما حدث مع الاتحاد السوفييتي السابق، ويتورط الأمريكيون مع العالم الإسلامي بدءاً من أفغانستان أيضاً، وتسوق عصا الأقدار هؤلاء الأمريكيين الأشرار من إنجيليين وتوراتيين، إلى ساحة نزال اختاروا هم بدايته، ولا يعلمون نهايته، وقد بدأ الأمريكيون يجنُون الثمرات المُرة لـ (الورطة الكبرى) التي اندفعوا إليها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ظانين أنهم يمكرون بالمسلمين [وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ] (الأنعام: ١٢٣) ، وهنا ينبغي أن نلاحظ أن كل مكر يمكره الأمريكيون لا ينقلب عليهم فقط، بل ينقلب على كل من تعلق بأذيالهم، وفي مقدمتهم ذلك الكيان الكريه المبغوض، الجامع لحثالة البشر من اليهود في فلسطين، أولئك الذين قضى الله تعالى عليهم بالذلة والصغار، إلا في حال استنادهم كشأن الخُشُب المسنَّدة إلى كيان أقوى من الكفار [ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّه] (آل عمران: ١١٢) [٧] ، وبهذا نعلم أن كيان المجرمين المغتصبين في فلسطين لن يسقط إلا بانقطاع الحبل الذي يحمله وهو الولايات الآمريكية، وهذا يضيف بُعداً آخر في غاية الأهمية في فهم وتوجيه صراع المسلمين ضد الصهيونيتين، اليهودية والنصرانية. - لكل هذا نقول: إن الظرف التاريخي الذي تمر به الأمة يحتم أن يأخذ الجهاد المشروع فيها شكل مشروع عالمي، كذلك الذي أقيم على أرض أفغانستان إبان الغزو الشيوعي؛ بحيث تجتمع عليه آراء المسلمين، وتتوحد جهودهم، ولا تتشتت جهودهم وقلوبهم في الساحات والميادين المتفرقة المفرقة للصفوف. والخيار الأمثل هنا هو دعم الجهاد المشروع في العراق، مع عدم إهمال الجهاد المشروع في أفغانستان والشيشان وكشمير، وقبل ذلك الجهاد المشروع في فلسطين، ونقول: إن العراق هو الخيار الأمثل لأسباب عديدة منها: أن الاحتلال الأمريكي له مرفوض من أكثر دول العالم، ومدان قبل أن يبدأ وبعد أن بدأ، ومنها أن ذلك الاحتلال ظاهر ومستعلن وواقع على الأرض، وليس خفياً في قواعد سرية أو ثكنات عسكرية، ومنها أن ذلك الاحتلال سيطول؛ لأن الغرض من احتلال العراق لم ينته بعد، وهو الانطلاق منه نحو بقية الدول المستهدفة في المنطقة مثل سوريا وإيران ولبنان، ومنها: أن العراق الذي فكك الأمريكيون جيشه النظامي، وسرحوا حرسه الحدودي، أصبح بلداً سهل التسلح، مفتوح الحدود، ومنها: أن هناك ما يشبه الإجماع في الأمة الآن بكافة شرائحها وطوائفها وتياراتها على المطالبة بإخراج الأمريكيين من العراق. ومن حسن الحظ أن الجهاد على أرض العراق المحتل يكتسب» مشروعية « قانونية دولية، إلى جانب مشروعيته الدينية الإسلامية، مما يفوِّت الفرصة على المغرضين الذين يصرون على الربط بين الجهاد والإرهاب. إن الفرصة سانحة لأن يعيد المسلمون صياغة نظام عالمي جديد، انطلاقاً من العراق الذي يريد الأمريكيون أن يبدؤوا من أرضه مشروعاً لتحويل المسلمين بل العالم أجمع إلى قطعان من العبيد، في إمبراطورية صهيونية عالمية في ظل مشروع (الإمبراطورية الأمريكية) أو مشروع (القرن الأمريكي الجديد) .

стр. 4938

ملفات ظاهرة المقاومة الإسلامية من فلسطين إلى العراق جذورها وآثارها على مستقبل الأمة ياسر الزعاترة [*] ليس من الصعب القول إن مصطلح الجهاد قد انتشر في الأوساط العربية والإسلامية مع تحولات الصحوة الإسلامية التي أخذت تنتشر مع بدايات الثمانينيات من القرن المنصرم، وإن بدأت قبل ذلك بعقد كامل مع سقوط النظام العربي الرسمي أمام المد الصهيوني، وإخفاق الدولة القطرية العربية في تحقيق أي من أحلام جماهير الأمة في الوحدة والكرامة والتحرر. كان المد اليساري والقومي ومعه العلماني المتغرّب يتراجع شيئاً فشيئاً مُخلياً الساحة بالتدريج للقوة الإسلامية الناهضة. والحال أن مصطلح الجهاد كان ولا يزال جزءاً لا يتجزأ من منظومة الفكر الإسلامي والصحوة الإسلامية، لا لشيء إلا لأنه كذلك في السياق التاريخي للتجربة الإسلامية الأولى في مواجهتها لتحديات العدو الذي سعى إلى وأدها في مهدها. مع نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات كانت تجربة الصِدام بين الحركة الإسلامية وأحد الأنظمة العربية قد انطلقت للتو (سوريا) ، بينما كان الجهاد الأفغاني ضد الغزو السوفييتي قد انطلق أيضاً، ولما كانت الساحة الفلسطينية غائبة عن السياق الجهادي بمفهومه الإسلامي؛ فقد توجه الجهد نحو البعيد؛ هناك في أفغانستان، أو نحو صِدام داخلي كما هو الحال في سوريا. كان الوضع في سوريا بتعقيداته المحلية والإقليمية وحتى الدولية بعيداً كل البعد عن أن يجسّد انتصاراً لفكرة الجهاد ضد نظام عربي حاكم، حتى وهو يتبنى نهجاً اشتراكياً مصادماً للدين على نحو ما، لكن الأمر بدا مختلفاً في الحالة الأفغانية التي كانت تتمتع بوضع محلي وإقليمي ودولي يدفع باتجاه انتصار ممكن لا يحتاج سوى قدر معقول من الصمود. لم يكن الإسلاميون في ذلك الحين على قدر من النضج السياسي لكي يدركوا تماماً تعقيدات الموقف الذي يتحركون خلاله، من حيث إنهم قد باتوا، سواء علموا أم لم يعلموا، في حالة تحالف مع الولايات المتحدة في حربها ضد الاتحاد السوفييتي والشيوعية، وأن المدد الذي تمتعوا به لمواصلة الحرب كان يتم بدعم أمريكي واضح، وإن كانت الأدوات في بعض الأحيان عربية إسلامية. لا يعني ذلك بالطبع أن الإسلاميين قد أرادوا خدمة مصالح الولايات المتحدة؛ فخطابهم المتداول كان يقول شيئاً مختلفاً، لكنهم كانوا يعيشون تحت وطأة التحدي الأيديولوجي الذي كان يواجههم في الشارع، خلافاً للتحدي العلماني الغربي الذي كان أقل وطأة عليهم. لم يكن التحالف الأمريكي مع الظاهرة الإسلامية قائماً في الحالة الأفغانية فحسب، بل كان قائماً في مختلف الساحات كجزء من مطاردة النفوذ الشيوعي في البلاد العربية الذي أدركت واشنطن أن الصحوة الإسلامية وحدها هي المؤهلة لمحاصرته، وبذلك تمددت الصحوة على نحو واسع في الشارع العربي على حين تراجع المد اليساري والقومي وحتى العلماني. لا شك أن مصطلح الجهاد في طبعته الأفغانية قد استحوذ على الكثير من الشبان بعد أن غدا الشيخ الشهيد بإذن الله عبد الله عزام بشخصيته المحببة رائد التبشير به في الأوساط العربية والإسلامية، لكن ذلك لم يكن كافياً لجعله سيد الموقف؛ فقد كان سؤال المساهمة الإسلامية في الصراع المركزي للأمة في فلسطين يلاحق الظاهرة الإسلامية ويتهمها بالتواطؤ مع الإمبريالية الأمريكية. لكن ذلك لم يغير من حقيقة أن مصطلح الجهاد قد غدا جزءاً لا يتجزأ من وعي الصحوة الإسلامية. * انقلاب واشنطن على الظاهرة الإسلامية: ما أن بدت الهزيمة السوفييتية ماثلة للعيان في أفغانستان مع نهاية الثمانينيات حتى كانت الصحوة الإسلامية هي سيدة الموقف في الساحة العربية، وصارت الأنظمة التي سكتت عنها بسكوت الولايات المتحدة تشعر بالخطر، فضلاً عن «باروميتر» الوجع الأمريكي الأساسي ممثلاً في الدولة العبرية التي صحت على أعداء من لون مختلف يتحدثون عن الموت في سبيل الله بروح الشوق والإقبال الذي لم تعرفه في صراعاتها مع الآخرين قبل ذلك. حدث ذلك عندما ظهرت حركة المقاومة الإسلامية حماس في فلسطين، نهاية العام ١٩٨٧، وفي تزامن مع انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى، فيما كانت حركة الجهاد الإسلامي قد انطلقت قبل ذلك بقليل كامتداد لتنظيم يتشكل من مجموعة من الشخصيات الإسلامية تحت مسمى (سرايا الجهاد الإسلامي) . لم تكن حماس هي إنذار الخوف الوحيد القادم من الشارع العربي والإسلامي؛ فقد رأت واشنطن ومعها الأنظمة الموالية لها في المنطقة، وحتى الموالية للاتحاد السوفييتي سابقاً أن الصحوة الإسلامية برمتها هي التحدي الحقيقي، ولا سيما بعد فوز الإسلاميين في انتخابات تونس والجزائر والأردن، إلى جانب صِدام جزء منها مع الدولة المصرية، فضلاً عن التمدد الكبير في دول أخرى صارت فيها الحركة الإسلامية هي الأقوى تأثيراً في الشارع. هنا صدر القرار أو لنقل بدأ التوجه الأمريكي بإطلاق مشروع محاصرة الصحوة الإسلامية بكل الوسائل المتاحة، واتفقت مع الأنظمة الرافضة لأي شكل من المعارضة القوية، فضلاً عن المعارضة الانقلابية، وبكل تلاوينها «الرجعية والتقدمية» اتفقت مع الولايات المتحدة على نهج الحصار التدريجي، وإن مال بعضها إلى نهج الاستئصال. حققت مسيرة الملاحقة نتائج إيجابية بمفهوم أصحابها؛ حيث بدأت الصحوة الإسلامية تأخذ منحى متراجعاً، بعد استهداف حركاتها وبداية محاصرة حالة التدين الشعبي بالقوانين والأنظمة. وقد استمرت مسيرة التراجع التدريجي حتى نهاية التسعينيات حين اندلعت انتفاضة الأقصى في فلسطين المحتلة وبدأت ظاهرة الفضائيات بالشيوع. * انتفاضة الأقصى في ميدان الصراع: بعد شهور قليلة من الانتصار الذي تحقق في جنوب لبنان انطلقت انتفاضة الأقصى كرد على إخفاق مسيرة التسوية والتطبيع بعد قمة كامب ديفيد التي عقدت في شهر تموز عام ٢٠٠٠م. كان ثمة مفارقة هنا تمثلت في اندلاع انتفاضة الأقصى مع شيوع ظاهرة الفضائيات في العالم العربي، وهو الأمر الذي أدخل تلك الانتفاضة بمختلف فعالياتها إلى كل بيت في العالم العربي والإسلامي، وإلى جانبها كانت الظاهرة الإسلامية تزداد انتشاراً من خلال الدعاة الذين تجاوزوا الحدود، وتواصلوا مع كمٍّ كبير من الجماهير. أما الأهم من ذلك كله فهو ما ميّز تلك الانتفاضة عن مختلف حالات الجهاد المشابهة في الوعي العربي والإسلامي، ممثلاً في ثقافة الاستشهاد في سبيل الله التي استحوذت على قلوب الأمة؛ إذ لأول مرة يرى الناس شباناً تفتح الحياة لهم ذراعيها يقبلون على الشهادة والابتسامة تعلو جباههم. ولا شك أن مكانة فلسطين في الوعي العربي والإسلامي قد لعبت دوراً مهمّاً كونها القضية التي تُجمِع عليها الأمة بمختلف مشاربها، فضلاً عن أن العدو هو الأشرس في تاريخ الأمة بنص القرآن الكريم. خلاصة القول: إن ما جرى في فلسطين كان يحفر عميقاً في الوعي العربي والإسلامي، ولا سيما في أجيال من الشبان المدججين بالرفض والثورة. لكنَّ ما زاد في عمق الظاهرة وتأثيرها قد تمثل في تداعيات هجمات الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة التي أدت إلى إعلان القيادة اليمينية الأمريكية الحرب على الإسلام والمسلمين من أفغانستان إلى العراق. لا شك أن ثقافة الاستشهاد التي رسّختها حركة المقاومة الإسلامية حماس في فلسطين منذ عام ٩٣ قد شكلت البداية الجديدة لمصطلح الجهاد والمقاومة في الوعي الإسلامي، لكن تراجع الأمر خلال أعوام ٩٧ وصولاً إلى عام ٢٠٠٠، بسبب اتفاق أوسلو وتمدده على الأرض، مما أدى إلى تراجع التأثير، وهو ما يؤكد أن انتفاضة الأقصى تشكل المرحلة الأكثر تميزاً في التاريخ الحديث. هكذا دخلت ثقافة المقاومة كل بيت في العالم العربي والإسلامي وجاءت الغطرسة الأمريكية الإسرائيلية لتزيدها تجذراً مع مشاهد الغزو الأمريكي للعراق وما سبقه من سيناريوهات مذلة لمجموع الأمة وصولاً إلى مشهد سقوط بغداد وما تركه في الوعي العربي والإسلامي. * المتطوعون العرب في الحرب العراقية: برز التجلي الأول لظاهرة رسوخ ثقافة المقاومة والاستشهاد في الوعي العربي والإسلامي خلال تحضيرات الحرب على العراق حين سافر الآلاف من الشبان العرب إلى العراق للمساهمة في الحرب. وهي المساهمة التي لم تغير كثيراً في نتيجة المعركة لأسباب متعددة، لعل أهمها غياب الخطة الدفاعية المعقولة عراقياً، وعدم وجود إرادة قتال لدى الجيش العراقي كجزء من الشعب العراقي الذي كان ينتظر الخلاص من صدام حسين، إضافة إلى عين الشك التي تعامل بها المسؤولون العراقيون مع المتطوعين، ومعها موقف الرفض من قِبَل الذين لم يكونوا يريدون الصمود وتأخير سقوط النظام. لكن ذلك كله لم يكن ليخفي حجم البسالة والإقبال على الاستشهاد كما تبدى في سلوك المتطوعين أو المجاهدين حسبما بات أهل العراق يسمونهم لاحقاً. وقد أجمع كثير من العراقيين على أن الصمود الذي تحقق في الجنوب ومعركة المطار كان بفعل أولئك المتطوعين. على أن الأهم من ذلك كله قد تمثل في إصرار كثير منهم على مواصلة القتال رغم إعلان سقوط المدينة بيد القوات الأمريكية، وهو الأمر الذي ترك آثاره على وعي الشبان العراقيين في مناطق السنة في بغداد وما حولها؛ حيث غدت حكايات المتطوعين تُروى وتُتداول بين الناس، وفي هذا السياق يذكر أحد قادة الحزب الإسلامي العراقي كيف اضطُروا للكذب على بعض أولئك المتطوعين عبر إخبارهم بأن ثمة معركة مع القوات الأمريكية تدور في منطقة أخرى، ثم حملوهم إلى الحدود السورية؛ فما كان من بعضهم إلا أن أجهش في البكاء قائلين لمن جاؤوا بهم: لقد حرمتمونا الشهادة في سبيل الله، بينما أصر آخرون وهم قلة على البقاء انتظاراً لاندلاع المقاومة، وهو ما تحقق خلال أيام على نحو ما، وقد تأكدت الظاهرة خلال أسابيع قليلة. * ثقافة المقاومة وآثارها القائمة: ربما يجد بعض القراء في هذا الاستقراء التاريخي نوعاً من الإسهاب غير الضروري، لكنه ليس كذلك؛ لأننا إزاء ظاهرة استثنائية غير مسبوقة في تاريخنا تدل على قدرة هذه الأمة على العطاء المتجدد. فها نحن اليوم أمام شبان يتسابقون إلى الشهادة كل يريد أن يسبق الآخر؛ حيث يهجمون على عدوهم دون أدنى خوف من الموت ودون نظر إلى خلل ميزان القوى لصالح عدوهم أو ما يعانونه من ضعف الإمكانيات. لقد قدموا ولا زالوا يقدمون أمثلة مذهلة في التضحية والفداء يحفزها إيمان عميق بالله وحق هذه الأمة في العزة والكرامة، وقدرة هذا الدين وأتباعه على مواجهة المؤامرات الدولية الرهيبة الساعية إلى استئصاله والنجاح فيما عجزت عنه المحاولات السابقة طوال قرون. إنهم شبان تفتح الحياة لهم أذرعها وليسوا يائسين كما ردد بعض الغربيين، لكنهم يتميزون بروح يعجز أولئك عن إدراكها. إنها روح الإيمان بما عند الله وبصفقة بيع رائعة، تقدم فيها النفس لله مقابل الخلود في الجنة: [إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاًّ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ] (التوبة: ١١١) . من هنا كان من الطبيعي أن تترك هذه الظاهرة آثاراً مهمة على مسيرة الأمة في مواجهة أعدائها. وفي هذا السياق يحسن بنا أن نتوقف أمام ما حققته من إنجازات حتى الآن. لا بد من القول ابتداءً بأن مسيرة أوسلو وعجز الاحتلال الصهيوني ومن ورائه الإرادة الأمريكية عن فرض الحل المطلوب على الأمة قد أكد لهم أن ما هو قائم من هزال في وضع الأنظمة لا يكفي لذلك. كما أكد لهم أن هذه الصحوة الإسلامية العارمة وثقافة المقاومة التي تتميز بها لا يمكن أن تمرر ما يريدونه؛ فكان لا بد من مسار يطارد الأنظمة ويفرض عليها مزيداً من الركوع في وجه الإملاءات الأمريكية الصهيونية، ولا بد أيضاً من مطاردة الظاهرة الإسلامية استناداً إلى نظرية المستنقع والبعوض الصهيونية التي تقول إن من غير الممكن قتل البعوض بشكل منفرد، بل لا بد من تجفيف المستنقع. والبعوض حسب رأيهم هو الإرهاب. أما المستنقع فهو الظاهرة الإسلامية برمتها؛ لأنها ظاهرة تنتج الحركات المسيّسة؛ بينما تنتج الحركات المذكورة أخرى متطرفة وصولاً إلى الإرهاب. إن جوهر المخطط هو تركيع الأمة وليس استهداف الدين، لكن حقيقة أن هذا الدين هو الأساس الذي تستند إليه مقاومة الأمة يجعله هدفاً للمطاردة، وهو الأمر الذي يفرض المواجهة على الأمة. وهنا تحضر ثقافة المقاومة كعنصر متميز في إدارة الصراع. ما جرى خلال السنوات الماضية هو أن فلسطين قد صنعت ثقافة المقاومة، وكان الإسلاميون هم سادتها. ومن فلسطين توسعت الظاهرة في وعي الأمة. لكن الإنجاز كان واضحاً هناك؛ فقد أراد الصهاينة تركيع الشعب الفلسطيني وفرض التسوية المذلة عليه، فما كان من الرجال سوى التصدي في ظروف بالغة السوء من حيث ميزان القوى والمدد والإسناد، لكنهم نجحوا في كسر المعادلة وإحداث شكل من أشكال توازن الرعب مع الأعداء. وها هو شارون يعلن نية الخروج من قطاع غزة بعد أن عجز عن تحقيق وعوده بشطب المقاومة وفرض الحل الذي يريد على الشعب الفلسطيني والوضع العربي. ما جرى في فلسطين خلال السنوات الأربع الماضية كان انتصاراً حقيقياً، لكن تأثيره فيما جرى في العراق كان أكثر أهمية؛ فقد أراد الصهاينة بعد إخفاقهم في تركيع الشعب الفلسطيني والأمة أن يجعلوا من العراق محطة لإعادة تشكيل خريطة المنطقة، وعندما احتلوا بغداد استبشر شارون وبشّر شعبه بالإنجاز التاريخي الذي سيتوِّجه ملكاً على الشرق الأوسط، لكن ثقافة المقاومة التي صنعت في فلسطين كانت له بالمرصاد هناك أيضاً؛ حيث حوّلت الانتصار التاريخي السهل إلى ورطة. كان شيء من ذلك قد بدأ في أفغانستان؛ فالهزيمة لم تؤد إلى غياب الجهاد والمجاهدين؛ فقد عادوا إلى التجمع من جديد وبدؤوا معركة استنزاف ضد العدو والمتعاونين معه؛ وها هو الموقف هناك يبشر بورطة أخرى للولايات المتحدة. من المؤكد أن المقاومة العراقية هي التي وقفت حاجزاً دون تمدد السوط الأمريكي إلى مختلف دول المنطقة. وقد تابع العالم أجمع كيف استدار المسؤولون الأمريكيون بعد أيام من سقوط بغداد نحو سوريا لتهديدها، ثم بدأ الحديث عن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يريد أنظمة مشرذمة تابعة لا مكان فيها للغة الوحدة أو التضامن، ولا مكان فيها لهوية إسلامية جامعة. لم توقف المقاومة العراقية تمدد السوط الأمريكي نحو العواصم العربية الأخرى فقط، بل تجاوزت ذلك نحو تحويل العراق نفسه إلى محطة استنزاف للقوة الأمريكية مالياً وبشرياً. وها هو عضو الكونغرس الأمريكي على مدى ٢٢ عاماً (بول فندلي) يقول في مقال له في مجلة واشنطن ريبورت: «أعتقد أن قرار الرئيس جورج بوش بشن الحرب على العراق سيمثل الغلطة الأعظم والأبهظ ثمناً في التاريخ الأمريكي» . لقد تجاوزت الولايات المتحدة بغزوها للعراق مختلف الأعراف الدولية، فيما جاء الغزو بحد ذاته تعبيراً عن غرور القوة الذي أصاب هذه الإمبراطورية التي لا خلاف على أنها الإمبراطورية الأكثر قوة في التاريخ البشري برمته. لقد شعرت الولايات المتحدة بسبب ما بلغته من قوة أن بإمكانها مصادرة العالم لحسابها لعقود طويلة لن تسمح لأحد في العالم بمنافستها، كما عبرت ورقة مساعد وزير الدفاع الحالي بول وولفويتز التي نشرها عام ١٩٩٢م، إبان عمله في إدارة جورج بوش الأب وبعد وقت قصير من الانتصار على العراق في حرب الخليج الثانية. وهو المشروع الذي عاد وتبلور في عام ١٩٩٧م من خلال مسمى جديد هو (مشروع قرن إمبراطوري أمريكي جديد) ساهم في صياغته عدد من غلاة الصهاينة واليمين الأمريكي على رأسهم (وولفويتز) نفسه و (ريتشارد بيرل) و (ديك تشيني) وآخرون من نفس الفصيلة اليمينية الصهيونية؛ فضلاً عن عدد من تجار النفط والسلاح الذين توافقوا على أن العراق هو منطلق المشروع، وبالطبع فقد كان اختيار العراق بسبب ثروته النفطية أولاً ثم وهو الأهم ليكون محطة لإخضاع الوضع العربي لحساب الدولة العبرية. كل ذلك سقط تحت وطأة ضربات المقاومة العراقية التي تعلمت من مثيلتها الفلسطينية، وإلا فأي شعب في التاريخ هو الذي بدأ المقاومة بعد أيام من الاحتلال؟ فكيف وهو شعب كان يكنُّ كرهاً استثنائياً لنظامه وينتظر ساعة الخلاص منه؟! إنه إنجاز تاريخي لن يدركه إلا من تخيل سيناريو النجاح الأمريكي في العراق وتمدد الدبابة، وأقله السوط السياسي الأمريكي، نحو العواصم الأخرى، وصولاً إلى إعادة النظر في برامجها وسياساتها على مختلف الصعد، بما في ذلك إعادة النظر في هويتها الثقافية. من كان بإمكانه تخيل ذلك السيناريو الرهيب هو وحده القادر على إدراك ما أنجزته ثقافة المقاومة والاستشهاد في فلسطين والعراق، الأمر الذي يجعل تعزيز تلك الثقافة هي المهمة التي ينبغي أن يضطلع بها أي مخلص لهذه الأمة. * هوامش خاطئة على دفتر المقاومة: ربما قال بعضهم إن ثمة هوامش خاطئة على دفتر المقاومة والجهاد والاستشهاد قد ظهرت هنا وهناك من خلال أعمال خاطئة على صعيد الزمان والمكان والهدف؛ وذلك صحيح ولا شك؛ لكن ذلك لا ينبغي أن يدفع باتجاه إدانة الظاهرة، بل يجب أن يدفع باتجاه ترشيد الخاطئ منها، مع التأكيد على أنه نتاج ظروف موضوعية تتمثل في حجم الهجمة على الأمة، فضلاً عن بعض الممارسات الخاطئة من قِبَل بعض الأنظمة. والحال أن حجم الإخلاص في الدفاع عن الأمة ومقدساتها الذي تختزنه الظاهرة يجعل من السهل على علماء الأمة العاملين ترشيد مسارها وصولاً إلى وضعه على السكة الصحيحة. * أسئلة المستقبل: حسب أحد الكتاب في صحيفة «الجارديان» البريطانية فإن المقاومة العراقية تكاد تعيد صياغة ميزان القوى الدولي، وقد ورد قوله هذا بعد ستة شهور من الاحتلال وقبل تصاعدها على النحو الذي بدا بعد عام منه. والواقع أن ذلك ليس مبالغة في شيء؛ فقد بدأ يتضح جلياً أن العراق قد أخذ يتحوّل إلى محطة استنزاف مالي وبشري للولايات المتحدة، وهو الأمر الذي سيترك آثاره على مستقبلها كقوة مسيطرة في العالم. لا يعني ذلك بالطبع أن الولايات المتحدة ستغدو قوة هامشية خلال سنوات قليلة، لكن الثابت أن مسيرة التراجع قد بدأت. وهنا ينبغي أن نتذكر أن سُنَّة الله في الكون هي المدافعة، وعدم استفراد قوة واحدة بالقوة المطلقة لوقت طويل مصداقاً لقوله تعالى: [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ] (البقرة: ٢٥١) . لقد ترك استفراد الولايات المتحدة بالوضع الدولي آثاره على العالم أجمع، وليس على الأمة العربية والإسلامية، وحين تبدأ هذه القوة في التراجع فإن معظم أمم الكون ستتخطى الصُّعَداء، وسيكون بإمكان الأمة العربية والإسلامية أن تصيغ مستقبلها بعيداً عن قوة الغطرسة الأمريكية، وإرادتها الإبقاء على دولنا مجرد مصدر للمواد الخام وسوق للاستهلاك. من هنا يتبدى للعيان حجم ما فعلته المقاومة الإسلامية الفلسطينية ومن ثم العراقية بالأمة، وما ستفعله بالعالم أجمع. ونذكِّر هنا بأن معظم الإمبراطوريات قد انتهت أو بدأت مسلسل نهايتها في هذه المنطقة، وهو الأمر الذي سينسحب بإذن الله على هذه القوة الظالمة الحديثة التي لم تستهدفنا وحدنا، بل أرادت تركيع العالم أجمع لحساب مصالحها، وازداد الأمر سوءاً عندما تحكمت بها قوة يهودية صهيونية لها ثاراتها مع هذه الأمة على وجه الخصوص، على حين تقول ثقافتها إن كل ما هو غير يهودي هو «غوييم» أو أغيار يجب استباحتهم لحساب شعب الله المختار. إن ذلك كله إنما يأتي مصداقاً لكتاب الله وسنة رسوله وتاريخ الأمة، الذي أكد على أن عزة هذه الأمة لا تكون إلا بالإسلام والجهاد، ولا تتداعى الأمم عليها «كتداعي الأكلة إلى قصعتها» إلا عندما تركن إلى الدنيا ويصيبها الوهن الذي هو كما قال المصطفى ﷺ : «حب الدنيا وكراهية الموت» . أما عندما يحدث العكس، ويُقبل شبابها على الاستشهاد إقبال سواهم على الحياة فإن العزة والكرامة ستغدو على الأبواب، وهي كذلك هذه الأيام نحسّ طرقاتها مع كل شهيد يرتقي إلى العلا، ومع كل صرخة لمسؤول أمريكي من المستنقع الذي وقعوا فيه في العراق، أو حديث إسرائيلي عن عدم القدرة على تحطيم إرادة المقاومة لدى الشعب الفلسطيني.

стр. 4939

حوار البيان في حوار مع الأستاذ: المجاهد: إسماعيل هنية حاوره: نائل نخلة [*] نواجه حرباً معلنة بمشاركة أكثر من طرف الضيف هو: - مدير مكتب الشيخ أحمد ياسين ﵀. - قيادي بارز في حركة المقاومة الإسلامية حماس. نرحب بضيفنا الكريم: أهلاً وسهلاً بكم وأنتم أهلاً بكم وسهلاً. تمر القضية الفلسطينية بمنعطف خطر جديد، من منعطفاتها العديد التي لا يقل بعضها وعورة عن الأخرى، وبعد اعتماد الصهاينة لمبدأ الاغتيال المستهدف للقادة والرموز، وسيلة أخيرة لتصفية القضية، يكون الشأن الفلسطيني، قد دخل الصراع فيه طريق اللاعودة، وحول سمات وتداعيات هذه المرحلة، كان هذا الحوار. البيان: أستاذ إسماعيل هل ما تدفعه الآن حماس من دماء قادتها هو ثمن رفضها إلقاء السلاح؟ - الأمر أكبر من ذلك؛ فقد أخفق الأعداء في مواجهة الحركة على صعد ثلاثة: * الإخفاق في إجهاض المشروع المقام الذي تتبناه الحركة. * الإخفاق في احتواء المشروع السياسي للحركة وتدجينها. * الإخفاق في إدخال الحركة في أتون الصراع الداخلي. ومن هنا فإن الحركة تدفع من دماء قادتها وأبنائها في سياق صراع مرير مع الأعداء والخصوم. البيان: هل تجدون من رابط بين رفض حماس العرض الأمريكي بوقف المقاومة مقابل أمن قادتها، وما بين اغتيال الشيخ الإمام أحمد ياسين والدكتور الرنتيسي؟ - الحركة وهي تقرر المواقف وتؤكد تمسكها بالحقوق تدرك أنها ستدفع ثمناً مقابل ذلك، ولا شك في أن رفض الرسالة الأمريكية وهذا ما يجب أن يكون ساهم في رفع وتيرة الاستهداف إلى أن تصل إلى استهداف شيخ الأمة ومؤسس الحركة الشيخ الشهيد بإذن الله أحمد ياسين. اغتيل زعيم ومؤسس حركة حماس وبعده بـ ٢٦ يوماً اغتيل خَلَفُه الدكتور الرنتيسي رحمة الله عليهم جميعاً، ولا زلنا ننتظر الرد. مشروع الحركة أوسع من اختزاله بعملية رد، إنه مشروع تحرري نهضوي، ما يهمنا المحافظة على ديمومة المقاومة وإجهاض مشاريع التصفية للقضية وتماسك الجبهة الداخلية. البيان: ما هو مستقبل المقاومة في فلسطين؟ - مستقبل المقاومة مرهون بمستقبل الاحتلال؛ فالمقاومة مستمرة باستمرار الاحتلال، وتتوقف إذا رحل الاحتلال. البيان: يقول الغرب وبعض العرب ومنهم فلسطينيون إن العمليات الاستشهادية التي تنفذها حماس أساءت إلى صورة الشعب الفلسطيني ونضاله المشروع ضد الاحتلال، ما تعقيبكم؟ - حماس كباقي أبناء الشعب الفلسطيني هي في موقع الدفاع عن النفس؛ فالحركة لم تبدأ اعتداء ولم تكرس عدواناً. شعبنا هو ضحية العدوان والاحتلال، وأولئك الذين يرون أن الدفاع عن النفس يشوه صورة الشعب الفلسطيني مخطئون؛ لأنهم أغمضوا أعينهم عن جرائم الاحتلال التي تتصاعد ضد شعبنا الأعزل. البيان: هل حماس متمسكة بنهج المقاومة، حتى لو كان ثمنه إقصاءكم عن الساحة؟ - حماس كبرت بمنهجها، وكبرت برجالها، وكبرت بتضحياتها، وكبرت بدماء قادتها؛ فهي في قلب الفضاءات الفلسطينية، والدينية والإسلامية، متجذرة في الأعماق، ولذلك فإن الحديث عن إقصاء الحركة عن الساحة لا رصيد له في الواقع من فضل الله. البيان: ما تفسير حماس للإرهاب؟ - هو الاعتداء غير المشروع على حقوق الآخرين وطردهم من أرضهم وتدنيس مقدساتهم وتهجيرهم في الشتات وحصارهم في سجون معزولة، وقتل الأطفال والشيوخ والنساء بدون رحمة. البيان: بعد - مسرحية - سحب المستوطنين من قطاع غزة: هل ستستمر حماس في القطاع بضرب أهداف العدو؟ - حينما يخلو القطاع من الجيش والمستوطنين فما هو مسوِّغ المقاومة في القطاع؟ والحركة حينها ترقب تطور الأحداث والوقائع على الأرض. البيان: آخر كلمات للرنتيسي - تقبله الله في الشهداء - كانت عن المقاومة في العراق الشقيق: كيف تنظر حماس إلى مقاومة الشعب العراقي للاحتلال الأمريكي؟ - كنظرتنا للمقاومة للاحتلال الإسرائيلي؛ فالاحتلال لأرض العراق غير شرعي ومقاومته مشروعة. البيان: ٣٤ شهراً من انتفاضة الأقصى: الثمن الذي دفعته حماس من دماء قادتها عبر عمليات الاغتيال والاستهداف كان كبيراً جداً؛ فهل لا زلتم متمسكين بالمقاومة المسلحة ومنها العمليات الاستشهادية؟ - تهدف الاغتيالات إلى دفع حماس والشعب الفلسطيني إلى التخلي عن حقه في الدفاع عن نفسه ومقاومته الاحتلال، وشعبنا عقد العزم على إجهاض هذه الأهداف الخبيثة. ومرة أخرى نؤكد بأن المشكلة ليست في المقاومة.. إنها في الاحتلال، وعليه أن يرحل عن أرضنا. البيان: كيف ستواجه حماس خطر سحقها على الساحة الفلسطينية وإضعافها بعد تصريحات قادة تل أبيب بنيتهم تصفية جميع قيادات الحركة في الداخل والخارج؟ - هذه تهديدات ليست جديدة، وحماس لم تعد مختزَلة بأشخاص حتى بوزن قادتها؛ فهي حبلى بالقيادات، وتشكل قوة إيمانية وأخلاقية وسياسية واجتماعية، وقد تعرضت الحركة منذ انطلاقتها لمحطات من المحن والاستهدافات: اعتقالات واغتيالات وإبعاد وحصار مالي وغيره.. إلا أنها كانت تخرج من كل ذلك أكثر قوة وأشد عزماً. وأؤكد بأن الحسابات الإسرائيلية خاطئة في مواجهة الحركة [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] (الأنفال: ٣٠) . لقد أصبحت الأمة كلها أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي؛ وكأن الأمة تتهيأ لأمر عظيم بإذن الله تعالى. البيان: كيف ستحافظ حماس على موقعها الريادي في رأس الحربة للمقاومة الفلسطينية بعد الضغوط الهائلة التي تتعرض لها؟ - بالاعتماد على الله أولاً، وتوثيق الصلة به، بالمحافظة على القوة وتعزيزها، وبترسيخ الوحدة وصونها في خندق المقاومة، وبتعميق التواصل مع أمتنا العربية والإسلامية. الضغوط تسفر عن نتائج مع حكومة وأنظمة ولكنها تخفق مع الشعوب وحركات التحرير الثابتة. البيان: هل تواجه حماس حربا مالية، وما هو شكل هذه الحرب، وشدتها، وكيف ستتجاوزها الحركة؟ - ومن ينكر ذلك؟ .. إنها حرب معلنة يشترك فيها أكثر من طرف، وتزداد شدتها كلما كبرت حماس وازدادت تمسكاً بحقوق الأمة في فلسطين، ولكن أهل الخير، معين لا ينضب، وليس أدل على ذلك من يوم الوفاء للمقاومة، والذي سجل صفحات مضيئة في تبرعات أبناء شعبنا [وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ] (المنافقون: ٧) . البيان: هل من دور منتظر للأمة الإسلامية في الدفاع عن الحركة أمام هذه الحرب المفتوحة إسرائيلياً وأمريكياً على حماس؟ - موقع الحركة من الأمة، موقع القلب من الجسد، حركتها حركة للأمة؛ ولذا فالأمة تحتضن الحركة، من فضل الله، وتسكنها سويداء القلب، وكلما تعرضت الحركة لشدة وجدت الأمة حولها والشواهد على ذلك أكبر من أن تحصى، ولله الحمد والمنة. البيان: السلطة متمسكة بتجميد الحسابات المصرفية للجمعيات الخيرية الإسلامية في القطاع بالرغم من قرار قضائي بفك هذا التجميد، هل من أيادٍ خفية تشارك الأمريكان والصهاينة حربهما على حركة حماس؟ - من خطايا السياسة الرسمية الارتهان إلى الأمريكان، وإدارة الظهر في قضايا مفصلية إرضاء للأمريكان وإرضاء لنفوس مريضة ترى في حماس خطراً عليها وللأسف. وهذه السياسات أخفقت على مدار العقد الماضي، والاستحقاقات المقدمة تعالى عليها الأمريكان والصهاينة وجعلوها درجة على سلم التنازلات. البيان: لمصلحة من إضعاف حركة المقاومة الإسلامية في قطاع غزة؟ - من مصلحة عدو.. أو مرتبط.. أو جاهل. البيان: حماس وبحسب كافة استطلاعات الرأي حصدت أعلى الأصوات، ماذا يعني ذلك بالنسبة لكم؟ - نرجع الفضل لله سبحانه الذي تكفل بحفظ دينه، وأوليائه، ثم لمسيرة الحركة الطاهرة، والوفاء لدماء مجاهديها الأبرار، وأسراها الأبطال، وثقل دماء القادة في ميزان الله ثم ميزان العباد. البيان: كلمة أخيرة في هذا اللقاء! - كلما كبرت الحركة وكبر مؤيدوها كبرت الأمانة وعظمت المسؤولية، ونسأل الله أن يعين إخواننا جميعاً على الوفاء بها؛ لأننا على أعتاب مرحلة التمحيص الأقوى الذي يعقبه نصرٌ وفرج بإذن الله: [وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ] (آل عمران: ١٤١) والتمحيص للمؤمنين يعقبه محق للكافرين.

стр. 4940

ملفات حوار هادئ مع المقاومة الفلسطينية أحمد فهمي afahmee@albayan-magazine.com مقاومة المحتل أحد أشكال الجهاد الشرعي، والمقاومة الإسلامية الفلسطينية من أرقى صور الجهاد في واقعنا المعاصر؛ فهي تنافح عن أرض إسلامية تضم في رحابها ثالث المساجد، كما أنها جهاد ناصع البياض لا لبس فيه ولا غموض ولا شبهة. لكن هذه المقاومة تمر الآن بمفترق طرق أوصلتها إليه ضغوطات هائلة مورست من قِبَل أطراف عدة، وتمثلت هذ الضغوطات في: الضغط النفسي نتيجة تزايد المعاناة على الشعب الفلسطيني دون أن تلوح بادرة أمل قريبة، والضغط الميداني إثر تعرُّض حركة حماس بالأخص لاغتيال جيل كامل من قادتها، وتحملها وحدها العبء الأكبر في المقاومة والانتقام، وهناك الضغط المالي نتيجة الحصار الشديد الذي فُرِض على الحركة وكبَّل أنشطتها الاجتماعية الخيرية وله تأثير ولا شك على أنشطتها الدعوية والعسكرية، والضغط السياسي: داخلياً المتمثل في مشاغبات مراكز قوى السلطة وبقايا عرفات، وخارجياً المتمثل في الحصار المفروض عليها دولياً وإقليمياً، وتضاؤل المساحة المتاحة أمام مكتبها السياسي الخارجي للحركة والمناورة. ورغم الاتساع الكبير في مساحة التأييد الجماهيري للمقاومة الإسلامية فلسطينياً وعربياً إلا أن ذلك التأييد للأسف لا يخفف من هذه الضغوطات إلا بالقدر الضئيل؛ فالشعوب مكبلة والمقاومة هي من يناط بها فك القيد. والمقاومة الإسلامية تتعرض الآن لما سبق الحديث عنه في أحد المقالات: (العدد ١٩٢ مقال ألغام في طريق المقاومة الفلسطينية) : إعادة تشكيل ثوابت الحركة ومتغيراتها تحت تأثير الضغط الشديد، وبعبارة أخرى: نقل أولوية الفعل للحركة الإسلامية من خانة المقاومة إلى خانة البقاء والحفاظ على الوجود، وهذه الإشكالية هدف البقاء والوجود هي وسواس الحركات الإسلامية في مختلف البلدان، وهي أحد المعوقات الكبرى في طريق التجديد والتغيير، وهي المدخل الرئيس لهدم الثوابت وتحول الحركات الإسلامية إلى حركات وطنية ذات مسحة دينية في أدائها تذكِّر بما مضى من تاريخها. ولا ينبغي أن يكون هذا مصير الفصائل الإسلامية في فلسطين، وهذه دعوة قلبية ومناقشة هادئة تدعوهم أن يتنبهوا لهذا الخطر، وأن يعضوا على ثوابتهم بالنواجذ. وهي مشاركة محدودة هدفها صياغة بعض المعالم المهمة التي يمكن للمقاومة الإسلامية أن تسترشد بها في مواجهة الضغوطات التي تواجهها في الفترة الحالية والمستقبلة. * أولاً: من زال ومن لا يزال: إن الثبات على الحق له فقه عجيب وأثر أعجب؛ فهو ليس مجرد بطولة أو مأثرة يتحدث بها الركبان حيناً ثم يطوى ذكرها في الكتب أحياناً، بل الثبات له تأثير في الأشياء أيما تأثير؛ فالثابتون في واقع متغير متقلب يعيدون تشكيل الواقع من حولهم ويرتبونه من جديد؛ فكم من مؤامرات أُحبطت، وكم من خطط معادية أخفقت بفضل الثبات. وفي كل صراع هناك قوى متنافسة ينشأ بينها توازنات وفق معادلات خاصة تتغير بصورة مستمرة نتيجة التدافع المتواصل بين هذه القوى، وعلى الساحة الفلسطينية تتعدد القوى المتنافسة داخلياً وخارجياً، وكلها تتسم بالتغير الدائم في تصوراتها واستراتيجيتها؛ إلاَّ أننا نجد أن الحركات الإسلامية هي التي تتمسك برؤية واضحة ومواقف ثابتة مهما تعددت اللاءات وتنوعت، ولذلك نجد أنه بعد أربعة عشر عاماً تقريباً على أوسلو، وبعد ماراثون التنازلات الفلسطينية والعربية، بات القرار السياسي المعادي والموالي متحلقاً حول حركة حماس بسبب ثبات مواقفها، كما أن فئات المهادنين والمساومين بثوابت الأمة عدموا كل تأثير لهم، ولم يعد لأحدهم قوة إلا بقدر ما يُذل نفسه لمن جلس معهم يوماً على مائدة التفاوض وجهاً لوجه. بل الأنكى من ذلك أن ياسر عرفات الذي ألقى بثوابت الأمة على مائدة التفاوض بلا ثمن بين يدي اليهود لقي عاقبة نكوصه وتقلبه من أقرب الناس إليه؛ فالثلاثي المحبوب: محمد رشيد، وجبريل الرجوب، ومحمد دحلان تغيرت مواقفهم إلى معاداته؛ لأنهم لم يتعلموا منه إلا التلوُّن مع كل ريح، وبطريقةٍ ما استطاع عرفات أن يرشي الرجوب ليؤوب مؤقتاً إلى الحظيرة ريثما يجد من يطلب خدماته بسعر أعلى، وكثير من المتابعين للشأن الفلسطيني يعتبرون عرفات سياسياً قديراً لاستطاعته التلون وتغيير مواقفه تكيُّفاً مع الواقع. بينما على الجانب الآخر كان الدكتور عبد العزيز الرنتيسي ﵀ مثالاً للثبات بل والثبات المعاند، فتحول إلى رمز لوحدة الموقف والقرار، وتربت أجيال داخل الحركة على هذا المَعْلَم البارز، فلم نجد بينها نكوصاً أو إعراضاً أو مهادنة رغم المحن والضغوط، يكفي ثباتهم على مبدأ وحدة الصف الداخلي مهما حدث، فلم يستجيبوا للاستفزازات والاستدراجات إلى حرب أهلية، وكانت العاقبة أن ارتفعت مصداقيتهم لدى الشعب الفلسطيني، واتسعت قاعدة الحركة في الضفة وغزة، واكتسبت احترام الأطراف الخارجية ورهبتهم لتمتعها بسيطرة كاملة على أبنائها إلى هذا الحد، وصارت المراهنة في الشأن الداخلي الفلسطيني على حماس قبل غيرها، بينما في المقابل لم تستطع حركة فتح صيانة نفسها عن الاقتتال الداخلي بين تياراتها وفصائلها، وتحولت الحركة إلى مراكز قوى متصارعة؛ فمن يراهن على فتح الآن؟ إن الثبات في مواجهة الضغوطات ليس بالأمر الهين، وإن كانت الحركة قد أبدت لنا ما يُفرحنا في ما مضى؛ فإن العبء الأكبر فيما ينتظر، وجميع الأطراف المعادية باتت تراهن الآن على تغييرات داخل الحركة في مواقفها وثوابتها، ونحسب أن رهانهم باطل، ولكن بقي أن تلتفت الحركة إلى هذه الوضعية بصورة خاصة، وتستعيد مواقفها، وتؤكد عليها، وتجدد عهد الثبات لتطمئن القلوب المحبة، ولتنكأ القلوب الكارهة، ولتقطع الطريق على الاحتمالات والتوقعات. ونذكر تدعيماً لموقف الثبات حديث النبي ﵊ الذي لا تنفد فوائده: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» فهذه الطائفة أشبه بالخيط الموصول بالنبي عليه الصلاة والسلام ضمن الله لنا ألا ينقطع أبداً. ولكن هذا الخيط الذي يدق حجمه في أزمان كثيرة مع غلبة الباطل يظل من القوة بحيث يتحول من خيط الحق إلى جيش الحق في آخر الزمان عندما ينزل المسيح ﵇ لقتل الدجال، فيكون جيشُ عيسى جيشَ الطائفة المنصورة؛ فهذه الاستمرارية في الثبات على الحق لها عاقبتها في نهاية الأمر، وعندما تخلو الأرض من أمثال هؤلاء - الطائفة المنصورة - تكون الساعة قد حان ميقاتها؛ فالعبرة إذن ليست بمن زال عن الحق، ولكن بمن لا يزال. وهناك مثال آخر من تاريخ الأمة، وهو ما حدث مع الإمام أحمد ﵀ تعالى - في زمن المحنة؛ فقد كان الناس يتساقطون من حوله، ولكن كأنَّ كلَ متساقطٍ كان يُفرغ طاقته وقوته في قلب الإمام أحمد حتى أصبح في أقوى حالاته عندما اختُزِل الحق في موقفه، وأصبح مركزَ الدائرة ولا قرار للمذهب الباطل بثباته، فصار كسهم ظل يُبرى بتخاذل من حوله؛ فلما احتدَّ طرفُه سُدِّدَ إلى قلبِ الباطل فانكفأ على وجهه خاسراً. ونحن نريد أن تفخر حماس يوماً بأنها أضيفت إلى سجل الشرف: إن الله تعالى نصر هذه الأمة بأبي بكر زمن الردة، وبالإمام أحمد زمن المحنة، وبحركة حماس زمن الفتنة. * ثانياً: بين الاستراتيجية والتكتيك - الثوابت والمتغيرات: يردد قادة حماس دائماً أنهم حركة شورية تعتمد الشورى بين قياداتها سبيلاً لاتخاذ القرار؛ وقد كان من تيسير الله للحركة أن توفر لها جيل كامل من القادة الأكفاء يندر أن تحظى حركة إسلامية بمثله بهذه الصورة، ولا شك أن الأجواء الجهادية في أرض الرباط وفرت محضناً مثالياً لإفراز هذا الجيل القيادي، وقد أحصيتُ سريعاً نحو خمسة عشر قيادياً في حركة حماس وحدها موزعين بين الضفة وغزة والمكتب السياسي، أكثرهم يتمتعون بحضور إعلامي قوي، والأهم أن كلمتهم تبدو موحدة ومنسقة بشكل بديع، ويصعب أن تصدر تصريحات متناقضة فيما بينهم. وأحدثت هذه الوفرة القيادية المتناسقة اضطراباً بالغاً في خطط «الإسرائيليين» للقضاء على الحركة أو تقليصها، ومن المسلَّمات أن القضاء على أي حركة تنظيمية لا بد أن يبدأ بالرؤوس، ولو أضفنا إلى قادة حماس السياسيين قادة الجناح العسكري فإن الوضع يزداد تفاقماً خاصة مع تحول شخصيات متعددة في القسام إلى رموز تحظى بشعبية واسعة، وبدا الأمر عسيراً أمام الصهاينة. وهنا مرة أخرى تأتي الخبرة العربية في التعامل مع الحركات الإسلامية وكانت تتلخص في عبارة قصيرة: «تصفية الجيل القيادي الخطر الذي يحمل طموحات التأسيس، ويُعَدُّ رمزاً للشعب الفلسطيني» ليس بغرض التشفي أو الانتقام لعمليات فدائية أو استشهادية، ولكن لتحقيق عدة أمور: خلخلة آلية التبادل أو الإحلال القيادي - طرح ثوابت الحركة للنقاش الداخلي مع تواصل الضربات - القفز بهدف البقاء والحفاظ على الوجود إلى قائمة الأولويات - تحويل حماس إلى حركة بلا رموز لتفقد قدراً كبيراً من حضورها السياسي والإعلامي إقليمياً وعالمياً - تدعيم أي أفكار أو رؤى داخل الحركة تدعو إلى المهادنة والتسليم باختلال موازين القوة والتعامل واقعياً بما يعكس هذه الحقيقة - وتشجيع استبدال المقاومة المسلحة بمكاسب سياسية. ولا يبدو حتى الآن ما يدل على أن سياسة الاغتيالات قد أحدثت أثراً يصعب تداركه في هذا الجانب، إلا أن الاحتمال واقعياً لا يزال قائماً خاصة لو تعرض من بقي من جيل القادة القدامى - حفظهم الله - للاغتيال، ولن ينفي هذا الاحتمال إلا قادة حماس بالفعل وليس بالقول. ونشير هنا إلى إشكالية الخلط بين الاستراتيجي والتكتيكي في أداء الحركات الإسلامية أو بين الثوابت والمتغيرات: تستمد الحركات الإسلامية ثوابتها من عقيدتها، ووفق هذه الثوابت الاستراتيجية يتحدد أسلوب الممارسة التكتيك وعندما تتعرض الحركات لأي ضغوط فإنها تلجأ في الأصل لمواجهتها بإجراءات تكتيكية لا تمس الثوابت ولا تقربها؛ لأن التعرض للثوابت اعتراض على أصل الوجود والنشأة، ولا يُعقل أن تلغي حركة إسلامية نفسها بإرادتها، ولكن للأسف أصبح التنازل عن الثوابت ظاهرة في أداء كثير من الحركات الإسلامية في الآونة الأخيرة، والمطلوب من قادة حماس في هذا الصدد أن يحرصوا أشد الحرص على سلامة ثوابتهم التي من أهمها: فلسطين أرض محتلة من البحر إلى النهر وتحريرها فرض عين لا تنازل عن جهاد المحتل في فلسطين بكافة الصور لا اعتراف مطلقاً بدولة لليهود على أرض فلسطين ولا مجال للتفاوض معها بشأن القضية الفلسطينية لا تنازل عن الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني أو مجرد طرح ذلك على مائدة التفاوض ... إلخ. وتحتاج الحركة أيضاً إلى الاستفادة من تجربة الحزب الإسلامي العراقي الذي اجتهد قادته في التعامل مع الظرف المستجد مخالفين في ذلك رأي الغالبية المطلقة للعلماء والإسلاميين والمسلمين. ويمكن تلخيص هذه التجربة في عبارات قصيرة: عندما يكون الظرف يحمل عنواناً كبيراً اسمه: الاحتلال؛ فإن الممارسات السياسية تتحول إلى عمل جزئي داخل إطار جهادي موسع، ولكن عندما يحمل الظرف عنواناً اسمه: الاستقلال، فإن الممارسات الجهادية تتحول إلى عمل جزئي داخل الإطار السياسي، والذي حدث أن الحزب الإسلامي في العراق تعامل مع ظرف الاحتلال برؤية الاستقلال، ولم يستطع أن يفعِّل ثابتاً استراتيجياً معلوماً بالضرورة لدى جميع الحركات الإسلامية وهو: «جهاد المحتل الكافر فرض عين» واعتبر قادته أن خيارهم بالمشاركة في النظام السياسي الذي أقامه المحتل مجرد إجراء تكتيكي ومراعاة للمصالح، ولا يعارض الثوابت الاستراتيجية. * ثالثاً: الانتفاضة لا بد أن تستمر؛ لكن كيف؟ هناك تساؤلان مطروحان للنقاش: لماذا ينبغي أن تستمر الانتفاضة؟ وكيف تستمر؟ أما التساؤل الأول: لماذا ينبغي أن تستمر الانتفاضة؟ فجوابه بداية: لأنها قضية حياة أو موت؛ وبذلك يكون السؤال الحاسم: هل ينبغي أن تستمر الأمة أو تنزوي عقوداً في غياهب النسيان؟ وهذا يعني أنه لا مجال للخَوَر؛ لأن انهيار المقاومة وانتهاء الانتفاضة سيعني: انتظار جيل كامل أو أجيال متعددة حتى تتلاشى ثقافة الهزيمة وتداعياتها وتضعف خبراتها - نجاح ساحق لمخططات أمريكا في العالم العربي - غرق الجماهير في أمواج متلاطمة من الإحباط واليأس - واحتمال انتشار العدوى إلى بقية حركات المقاومة الإسلامية على مستوى العالم. ويزيد الأمر تعقيدا أن «الإسرائيليين» لا يقدمون تنازلات كالتي سبقت في الانتفاضة الأولى عند التوقيع على اتفاق أوسلو رغم أنها تنازلات تصب في مصلحتهم، بل حتى لا يقدم اليهود وعوداً بعودة الأمور إلى سابق عهدها قبل الانتفاضة؛ وهذا يعني أن الوقت الحالي هو أسوأ التوقيتات لإنهاء الانتفاضة أو وقف المقاومة المسلحة، ومن ناحية أخرى فإن عدم تقديم التنازلات من الجانب الصهيوني ليس عن عناد أو استكبار أو شعور بالقوة وإن توهم بعضهم ذلك، بل لأنهم لا يجدون طرفاً مؤهلاً لتلقي هذه التنازلات؛ فالسلطة تحولت إلى سلطات، وحركة حماس الطرف الأقوى في الساحة هو العدو الرئيس لليهود وهي أحد أسباب خوفهم من تقديم التنازلات، ولذا فإن استمرار الانتفاضة يعني أن الدولة العبرية ستشعر تدريجياً بالاختناق السياسي والذي كانت خطة فك الارتباط أحادي الجانب في قطاع غزة أحد أعراضه المبكرة، وأي تسوية سياسية ستكون بمثابة عملية إنعاش للكيان المحتل. التساؤل الثاني: كيف تستمر الانتفاضة؟ الانتفاضة والمقاومة هي حالة نفسية أولاً، واجتماعية ثانياً، وسياسية ثالثاً، وعسكرية رابعاً، وحتى نضمن استمراريتها فلا بد من تقديم الزخم بصورة دائمة إلى هذه الجوانب الأربعة ولو في حدها الأدنى، ويخطئ من يظن أن الانتفاضة هي مجرد عمل عسكري أو تظاهرات واشتباكات عند نقاط التماسّ. فالجانب النفسي يمثل (الدافع) للمقاومة، وبدونه لن يقوى الفلسطينيون على المواصلة، فلا بد من توفر عمل دعوي وإعلامي داخلي يبلور للجماهير حتمية خيار المقاومة وعاقبتها المنتظرة، وفي المقابل يكشف خواء كافة الأطروحات الأخرى وخطورة عواقبها. لا بد أن تتوفر قناعة دائمة لدى الشعب الفلسطيني بأن الانتفاضة ليست خياراً بل فرضاً، وكثيرون يتعاملون مع الفلسطينيين وكأنهم ليسوا بشراً، فلا يمكن أن يتعرضوا للضعف أو يصابوا باليأس أو ينهكهم تراكم المصائب، وإن كانت المقاومة الإسلامية عليها عبء كبير في دعم دوافع الانتفاضة اعتماداً على منطلقاتها العقدية الإسلامية، فأعتقد أن الوقت قد حان لكي يشارك المسلمون خارج فلسطين في هذا المجال، وأفضل الطرق: توفير وسيلة إعلامية قادرة على النفاذ إلى كل بيت فلسطيني، ولا توجد سوى القنوات الفضائية تملك هذه الإمكانية حالياً، فلا بد من البحث في تأسيس فضائية تحمل الهمَّ الفلسطيني عامة وتكون لها صبغة فلسطينية واضحة، وتكون موجهة في الأساس للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، ولا أحسبنا عاجزين عن استبدال جزء من العواطف الجياشة للقضية الفلسطينية برأس مال يكفي لتأسيس هذه الفضائية. أما الجانب الاجتماعي، فنعني به في الأساس الآثار الاقتصادية لاستمرار الانتفاضة على الأسرة الفلسطينية، خاصة مع مشاركة سلطة عرفات في تعذيب الفلسطينيين بتجميد أرصدة الجمعيات الخيرية، وهذا الجانب يمثل أهم مجالات الضغط على الشعب الفلسطيني لوقف الانتفاضة، فيجب أن يعتبر المسلمون تقديم وتوصيل الدعم الخيري للشعب الفلسطيني بمثابة تحدٍّ يستفزهم لمواجهته، وخاصة أن استمرار الانتفاضة يعتمد إلى حد كبير على مستوى الفاعلية في هذا الجانب. والجانب السياسي ملقى بأكمله على عاتق فصائل المقاومة الإسلامية، وهي هنا تمارس دوراً صعباً في واقع معقد ومتناقض؛ فهي تواجه: عدواناً وحشياً من الاحتلال، وتمزقاً فلسطينياً داخلياً بسبب تذبذب وتضارب مواقف حركة فتح، والتزاماً بحل كافة المشكلات مع السلطة المستفزة دون الانزلاق إلى حرب أهلية، وابتسامات من أطراف عربية تعلم جيداً أنها تُخفي مؤامرات وخططاً للتصفية أو الاستغلال السياسي في أحسن الأحوال. ونحسب أن الحركة تحتاج في المرحلة المقبلة إلى تنشيط علاقاتها العربية لتخفيف الضغوط وخاصة أن الفترة الحالية خلت تقريباً من أي عمليات استشهادية منذ عملية ميناء أشدود، ولم يعد متخيلاً على الأقل في المدى القصير تسوية سياسية تغيب عنها حماس، أو تسوية سياسية تشارك فيها حماس، وهذا يعني أن القضية الفلسطينية ربما تدخل في مرحلة جمود سياسي قد لا ينشطها إلا تغيرات على أرض الواقع مثل: موت عرفات أياً كانت طريقته، أو سقوط حكومة شارون، أو تمكن كتائب القسام من تنفيذ وعودها بالانتقام المروع لمقتل قادة حماس أو غير ذلك. أما الجانب العسكري والذي تتكفل به كتائب القسام وسرايا القدس بالنسبة للفصائل الإسلامية؛ فالحديث فيه يحتاج إلى تفصيل بعض الشيء؛ فقد ترتب على اعتماد العمل الاستشهادي سلاحاً رئيساً للفعل ورد الفعل في الانتفاضة آثار متفاوتة ظهرت متفرقة خلال ثلاث سنوات ونصف تقريباً منذ بدء الانتفاضة، وأبرزها: تكوُّن ثقافة خاصة بالاستشهاد في أوساط الشباب الفلسطيني نجحت إلى حد كبير في إذابة قدر كبير من تبعات الانتفاضة الاجتماعية والاقتصادية، وجعلت للتضحية مكانة عالية، وقدمت هدفاً سامياً يتوق إليه آلاف الشباب دون أن يعنيهم تحقق أهداف أخرى للانتفاضة، وقد جعلت أرتال الشهداء الفلسطينيين بقية فئات الشعب يستقلُّون تضحياتهم في مقابل مَنْ ضَحُّوا بحياتهم، وكذلك ساهم السلاح الاستشهادي في تخفيف أعباء مشاركة الفلسطينيين في أعمال الانتفاضة؛ ولم تعد التظاهرات والاشتباكات عند نقاط التماس مع القوات «الإسرائيلية» هي «ترمومتر» الانتفاضة. أيضاً ساهم هذا السلاح البشري في حل كثير من معضلات العمل العسكري، واختزل إلى حد كبير مهام التدريب والإعداد والتجهيز، وأيضاً تأمين سلامة العناصر الفدائية المنفذة، لكنه في المقابل قلَّص من خبرات الأجنحة العسكرية في ممارسة أنماط أخرى من العمل العسكري مثل: عمليات الاغتيال والهجوم على الدوريات والثكنات العسكرية، واختطاف الجنود أوالمستوطنين. وعندما نستعرض الأنماط الغالبة للعمل الاستشهادي خلال السنوات السابقة فسنجد ثلاثة أنماط بارزة: الأول: عمليات نوعية ذات طبيعة خاصة من حيث حجم الهدف ونوعيته وطريقة التنفيذ والتخطيط، وهذا النمط من العمليات كان قليلاً جداً ولم يحقق نجاحاً لافتاً حتى الآن، وآخر عملية من هذا النوع كانت عملية ميناء أشدود. النمط الثاني: هو تنفيذ سلسلة من العمليات الاستشهادية المتوالية وغالباً ما تكون في سياق رد الفعل على عملية اغتيال «إسرائيلية» كما حدث عقب اغتيال يحيى عياش ﵀ وهذا النمط يتسم بقدرته الردعية؛ إذ يؤدي إلى خلخلة واضحة في الداخل «الإسرائيلي» ولذلك جهدت حكومة شارون في اتخاذ تدابير واسعة النطاق للحد من استخدامه ونجحت إلى حد كبير في ذلك، وعادة ما يكون رد الفعل على استخدام المقاومة لهذا النمط من العمليات قوياً من الجانب الصهيوني؛ وبذلك حُمِّلت الأجنحة العسكرية للمقاومة عبئاً كبيراً في كل مرة يُغتال أحد رموزها، للأمرين: الاحتياطات المشددة، ورد الفعل الصهيوني؛ ويمكن القول إن الأجهزة «الإسرائيلية» نجحت بدرجة ما في تقليص قدرة الأجنحة العسكرية للمقاومة على استخدام العمل الاستشهادي المتسلسل كسلاح ردع فعال؛ وهذا يعني أن الأجنحة السياسية أصبحت مكشوفة، وبدأ الصهاينة يشعرون بالأمن داخل الخط الأخضر ولو مؤقتاً مع انقضاء فترة طويلة دون تنفيذ عمل استشهادي متسلسل أو عمل منفرد مؤثر. أما النمط الثالث: فهو تنفيذ عمليات استشهادية متفرقة ومنفردة بدون رابط بينها؛ وقد تكون رد فعل على عمل عسكري صهيوني، وقد تندرج ضمن السياق العام للمقاومة، ونتائجها تتراوح بين إسقاط عدد كبير من القتلى كما حدث مع عبد الباسط عودة الذي تمكن من قتل أكثر من ثلاثين يهودياً عام ٢٠٠٢م، وبين عدم سقوط أي من القتلى أو اكتشاف العملية قبل التنفيذ، وأغلب العمليات الاستشهادية منذ بدء الانتفاضة تندرج ضمن النمط الثالث. وبعد استعراض الأنماط الثلاثة يبقى القول بأهمية إعادة النظر في استراتيجية المقاومة بصورة عامة، ونحسب أن الاستراتيجية الجديدة للمرحلة القادمة يحسن أن تتضمن العناصر التالية: أولاً: الأنماط الثلاثة للعمل الاستشهادي مطلوبة للمقاومة ولكن بدرجات متفاوتة؛ وحسب معطيات الفترة الحالية والمقبلة فإنه ينبغي تخفيض وتيرة العمل الاستشهادي من النمط الثالث والثاني بمعدلات متزايدة لحساب النمط الأول، وهذا التعديل يقدم عدة فوائد للأجنحة العسكرية للمقاومة؛ فهو يخفف العبء النفسي والميداني إلى حد كبير، كما أنه يُخرِج المقاومة من خانة الفعل ورد الفعل التي انزلقت إليها حتى وإن لم يكن ذلك من أهدافها أو رؤيتها الجهادية؛ فقد أصبح واقعاً، وأيضاً يضعف البعد الذرائعي في السياسة «الإسرائيلية» العدوانية في التعامل مع الفلسطينيين، كما يتيح المجال لإعادة بناء وتجديد العناصر وتكوين خبرات جديدة، والأهم أنه يقدم سلاح ردع جديد يمتلك القدرة على تجاوز كل العقبات التي أضعفت سلاح الردع بصورته القديمة، فمجرد العمل الاستشهادي كان يعتمد في تحقيق الردع على صعوبة منعه وتحققه بصورة متكررة ومتتابعة زمنياً بدرجة كافية لإحداث حالة هلع في الداخل «الإسرائيلي» فعدد العمليات إذن كان عنصراً رئيساً في تحقق الردع، وهذا ما نجح العدو في تعويقه، ولكن في الصورة الجديدة يفقد العدد ومن ثم التعويق تأثيره؛ فهي عملية واحدة وعنصر الردع فيها يعتمد على اختيار الهدف وحجم الخسارة والتخطيط الدقيق الطويل المدى، وعادة ما تكون القدرة على منع هذا النمط من العمليات ضعيفة. ثانياً: لا بد من البحث عن وسائل للاستفادة من خبرات المقاومة العراقية وقدرتهم على تنفيذ أساليب حرب العصابات في مواجهة الاحتلال، وخاصة أن الظروف البيئية متشابهة إلى درجة كبيرة، وينبغي أن يقوم قادة القسام وسرايا القدس بدراسة مفصلة لعملية حصار واقتحام الفلوجة، وما هي الأسباب التي أدت إلى إخفاق الأمريكيين في تحقيق أهدافهم مع الأخذ في الاعتبار أن الأمريكيين استفادوا كثيراً من الخبرة «الإسرائيلية» مع الفلسطينيين في تنفيذ مثل هذه العملية، فيجب أن يستفيد الفلسطينيون من خبرة العراقيين في مقاومة الاحتلال الأمريكي، لكن ينبغي الحذر من أن توجه إليهم اتهامات بنقل بعض كوادرهم إلى العراق للمشاركة الميدانية في أعمال المقاومة هناك للإفادة والاستفادة؛ فمثل هذه الاتهامات جاهزة دوماً للحركات الإسلامية، وانتقال الأفراد ليس شرطاً في انتقال الخبرات، مع أهمية الإشارة إلى أن خبرة المقاومة في العراق أكثر ملاءمة للمقاومة الفلسطينية من خبرة حزب الله في جنوب لبنان. ثالثاً: ما تزال أغلب الدول العربية تؤيد المقاومة بصورة عامة، أو لا تُعلن رفضها، أو لا تُفرط في انتقاد فصائلها، ما عدا الدول المغرقة في علمانيتها مثل تونس، وتظهر هذه المواقف التي لا تخلو من إيجابية في كثير من وسائل الإعلام، وكانت التغطية الإعلامية لحادثتي اغتيال الشيخ ياسين والدكتور الرنتيسي - رحمهما الله - قوية ومؤثرة وحاشدة لتأييد جماهيري لحركة حماس، فيجب أن تحرص فصائل المقاومة على هذه الإيجابيات من خلال اتباع موازنة تكتيكية مرنة في اختيار الأهداف، وتحسب ردود الفعل العربية طالما كان هناك مجال للاختيار؛ وإلا فإن المصلحة المباشرة للمقاومة هي الأهم. رابعاً: العمل المخابراتي أصبح لازماً للمقاومة الفلسطينية خاصة بعد أن تبين الأثر المخزي الهائل للعملاء والجواسيس الذين ينقلون أخبار وتحركات الفصائل وقادتها ورموزها، ولا جدال في ضعف هذا الجانب لدى فصائل المقاومة، واعتماد أسلوب العمليات النوعية قليلة العدد يمكن أن يعطي كتائب القسام وسرايا القدس فرصة كافية لصقل خبراتهم في هذا المجال والبحث عن طرق لنقل خبرات الآخرين؛ وهذا يستدعي إعادة النظر في التكوين التنظيمي لهذه الحركات بما يتناسب مع المهام الجديدة في المرحلة المقبلة والاستعداد لمواجهة الاحتلال الصهيوني. خامساً: الانتقال بين الأهداف المدنية افتراضاً والعسكرية والاستيطانية «الإسرائيلية» يعطي الحركة مجالاً واسعاً للمناورة، ويمكن تفعيل هذا الانتقال عند التعرض لضغوطات متزايدة أو التحسب لردود فعل عربية غير مأمونة العواقب، ولذلك ينبغي ترسيخ هذه القدرة الانتقالية؛ حيث أثبتت التجربة أن المقاومة لا تملك قدرة انتقالية كافية في هذا المجال لمنع هوة أو فراغ في عمل المقاومة، وتعتبر عملية تفجير الناقلة المدرعة الإسرائيلية، في غزة نموذجاً مثالاً وهو ما ينبغي تفعيله. سادساً: التنقل بين أنماط العمل الاستشهادي الثلاثة يجب أن يتسم بالمرونة والملاءمة الواقعية، وهذا يعني أن حركات المقاومة تحتاج إلى أن تكتسب القدرة على الانتقال السلس بين هذه الأنماط، ويعني أيضاً أن التركيز على نمط معين - العمليات النوعية - لا يعني إهمال تنمية القدرات على العودة إلى ممارسة الأنماط الأخرى بكثافة إذا اقتضت الظروف والتغيرات الواقعية ذلك. * رابعاً: استقلالية كتائب القسام وسرايا القدس: هذا الطرح لا شك في أنه يثير غضب أو دهشة كثيرين، ولكن أحسب أنه طرح جدي تفرضه مستجدات الأحداث الحالية، كما يمكن أن تلغيه أيضاً مستجدات أخرى معاكسة مستقبلاً؛ فهو ليس قراراً بلا عودة، ولكن هو قرار تكتيكي حقيقي هدفه تخفيف الضغوط على الجناح السياسي ورفع القيد عن الجناح العسكري، وهذا تفصيل يسير لطرح الاستقلالية. هناك ثلاثة أشكال يمكن أن تتحدد من خلالها في أذهاننا نشأة العلاقة بين الجناح السياسي والجناح العسكري في الحركات التي تؤسس لمقاومة الاحتلال: الشكل الأول: تنشأ فيه المقاومة العسكرية للاحتلال بدون غطاء سياسي، ثم مع الوقت تتبلور رؤية سياسية يحملها ويمثلها جناح سياسي للمقاومة يحمل اسمها ويرتبط بها بصورة مباشرة، وقد لا يتأسس للمقاومة جناح كهذا ولكن تتبنى جهة سياسية نهج المقاومة بشكل عام وتنجح في توظيف مكاسبها سياسياً لخدمة نفس القضية، كما تفعل هيئة علماء المسلمين في العراق. الشكل الثاني: تنشأ فيه الحركة سياسياً وتتوطد أركانها، ثم يعقب ذلك نشأة الجناح العسكري لمقاومة المحتل كفرع عن الأصل. كما هو الحال في حماس والجهاد. الشكل الثالث: وهو الذي يتبناه طرح الاستقلالية، ويدفع في اتجاه الفصل بين الجناحين العسكري والسياسي ليصبحا حركتين مستقلتين عن بعضهما تماماً من الناحية التنظيمية وعلى كافة المستويات القيادية. وعند النظر في هذه الأشكال نجد أن الجناح السياسي في الشكل الأول عادة ما ينشأ ضعيفاً، ويبقى دوماً أسير قادة المقاومة، وكثيراً ما يحدث بينهما صراع قد ينتهي بانتصار الجناح السياسي وانتهاء المقاومة، وقد تعجز المقاومة عن تأسيس مثل هذا الغطاء السياسي عندما لا تتوفر دولة مجاورة تحتضنه؛ لأن المحتل لن يسمح للمقاومة بأن تشكل جناحاً سياسياً يتحدث باسمها في نفس البلد. وأما الشكل الثاني فيتميز بأن الجناح العسكري ينشأ كفرع للحركة؛ فهو تابع لها تنظيمياً وحركياً رغم استقلالية التخطيط واتخاذ القرار كما هو في حالة كتائب القسام وسرايا القدس، ولكن يعيبه أنه في مرحلة متقدمة من العمل تتراكم الضغوطات على الجناح السياسي باعتباره الواجهة المعلنة، بينما الجناح العسكري وإن كان يتلقى ضربات موجعة فهو ينتهج العمل السري، وبذلك تنشأ وضعية يكون فيها الجناح السياسي معوقاً لعمل المقاومة في اتجاه، ومحملاً إياها أعباء قد تفوق طاقتها في اتجاه آخر، وفي الحالتين يتحمل هو ردود الأفعال باعتباره الحركة الأم ذات النشاط المعلن. ولا تثريب على الطرفين؛ فهذه الوضعية الشائكة مرحلة تطور طبيعي تحدث أحياناً عندما يكون كلا الجناحين السياسي والعسكري يمارسان عملهما داخل الأراضي المحتلة وتحت سيطرة جيش الاحتلال. لذا كان الشكل الثالث بمثابة مخرج للأزمة؛ قد يكون مؤقتاً او دائماً حسب التطورات. ونذكر فيما يلي بعض النقاط التي تصب في صالح هذا الخيار: - التخلص من تبادلية الفعل ورد الفعل، وصياغة سياسة ردع بأسلوب جديد. - لن يحدث تخلٍّ عن نهج المقاومة بالنسبة لحماس، وإنما سيكون التفرغ للعمل السياسي والدعوي، وستكون هناك ممارسة لأعمال الانتفاضة بصورتها القديمة من خلال التظاهرات والاشتباكات الجماعية مع جنود الاحتلال. - سيتحرر الجناح السياسي من جزء كبير من تبعات العمل العسكري، وسيرتفع سقف العمل بالنسبة للجناح العسكري كثيراً بعد التخلص من قيود وضغوط سياسية متعددة داخلية وخارجية. - يتضمن طرح الاستقلالية طرحاً جزئياً يدعو إلى التوحد بين كتائب القسام وسرايا القدس بعد انفصالهما، وينضم إليهما بعض مجموعات شهداء الأقصى التي يمكن أن تتوافق مع نهجهما الإسلامي. - لن تكون هناك أي تأثيرات سلبية من الناحية الأمنية على القسام والسرايا - والله أعلم - لأن السلطات «الإسرائيلية» أسقطت منذ زمن بعيد كافة الخطوط الحمراء في التعامل مع الأجنحة العسكرية للمقاومة. - وفي المقابل فإن الجناح السياسي لحماس مثلاً إذا لم يستفد فلن يخسر - والله أعلم - فقادته يتعرضون للاغتيال في جميع الأحوال، ولكن يبقى الاحتمال قوياً وقائماً بحدوث تغير تدريجي مع تطبيق الاستقلالية بين الجناحين ورصدها بوضوح تام من قِبَل الاستخبارات «الإسرائيلية» . - التداخل بين أعضاء الجناحين السياسي والعسكري أعتقد أنه شكَّل مدخلاً لتسرُّب الكثير من المعلومات عن طريق العملاء المحليين، والاستقلالية تغلق هذا الباب. - احتمالات الانشقاق الفكري أو الانحراف المنهجي تبدو ضعيفة عندما تتحول كتائب القسام إلى حركة مستقلة - والله أعلم - لطبيعة المنهج نفسه الذي تتبعه حماس والذي تربى عليه قادة وعناصر القسام، وإذا كانت احتمالات التنسيق والوحدة تبدو متزايدة بقوة بين حماس والجهاد في الفترة الماضية رغم بعض الاختلافات المنهجية، فإن احتمالات الانشقاق المنهجي بالنسبة للقسام بعد الانفصال سوف تكون أبعد بقياس الأوْلى ... ولا داعي للتذكير بأن هذا الطرح هو طرح اجتهادي قد تثبته وتصقله أو تلغيه وتؤجله المناقشة الموضوعية المخلصة.. وحسبنا أن يكون رضا الله هو غايتنا، ونصر دينه هو مبتغانا.

стр. 4941

ملفات حماس: مشاركة في القرار.. أم السلطة ؟! طلعت رميح [*] منذ أيام أشار خالد مشعل قائد حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلى أن الوقت الذي كان فيه القرار الفلسطيني يتخذ دون حماس انتهى، وبعدها وفي أعقاب إخفاق انعقاد القمة العربية، تكاثرت الأنباء عن أن أحد عوامل إلغائها هو رفض تونس مشاركة أعضاء من حركة حماس ضمن الوفد الفلسطيني في القمة (مع أعضاء آخرين من الجهة الشعبية وحركة الجهاد) .. وقبلها كانت الدعاية الصهيونية قد روجت مطولاً أن حركة حماس ستستولي على السلطة في غزة، بعد انسحاب قوات الاحتلال منها، وتحولها إلى «حماس لاند» ، وقبل كل ذلك كانت حماس صاحبة مبادرة للحوار حول ترتيب الأوضاع في غزة، عند انسحاب الاحتلال الصهيونى منها.. إلخ. ما الذي يجري: هل تغيرت رؤية حماس التي كانت من قبل ترفض المشاركة في «سلطة تشكلت بناء على اتفاقات أوسلو» ؟ وهل من فرق بين المشاركة في «القرار» والمشاركة في «السلطة» ؟ وهل تختلف الأمور في غزة، بعد الانسحاب عن الحال التي في الضفة الغربية، بما يجعل حماساً تقرر المشاركة في السلطة؟ وماذا يعني كل ذلك على مسار.. ومصير علاقة حماس بحركة فتح والسلطة الفلسطينية؟ * التعدد.. بين الخلاف والقتال: نحو لم يأت تعدد وتنوع تشكيل الفصائل الفلسطينية، واختلاف رؤاها بعضهم نحو بعض، في كيفية المواجهة والصراع مع العدو الصهيوني، خارجاً على السياق العام لكل أوضاع حركات التحرر من الاحتلال والاستعمار، في أي بلد في العالم كان محتلاً.. فجميعها شهدت تمايزات واختلافات، داخل جسد حركة التحرر، تعبيراً عن الاختلافات الدينية والعرقية والاقتصادية وفي بعض الأحيان القبلية، انعكاساً لطبيعة وتركيبة وظروف المجتمع المقاوم، وارتباطاً بطبيعة المعركة ضد العدو المحتل، ودرجة الاختلاف العقائدي والحضاري معه. وواقع الحال أن الحركات والمنظمات والفصائل الفلسطينية، إنما هي تقدم تلخيصاً كاملاً وحقيقياً لمسيرة الأوضاع العربية الإسلامية، في منطقتنا، عبر قرنين من الزمان، أو هي تجسيد لحال الأمة، وما أصابها وما دخل على عقول أبنائها جراء الصراعات والاحتلال، وما هو أصيل متجذر، أصوله ضاربة منذ القدم، أو هي بطبيعة الحال انعكاس كامل لصورة الوضع العربي الإسلامي في ملامح فلسطين، ليس فقط بسبب أن لأغلبها امتدادات وأصولاً في محيطها، وإنما أيضاً؛ لأن القضية الفلسطينية هي قضية تشارك في نصرتها، وترتبط بها كل التيارات والتكوينات والأفكار.. وترتبط بها كذلك مصالح وأوضاع نظم الحكم. غير أنه وكقانون عام أيضاً، وبحكم تطور الحركات التي تسعى للتحرر من الاحتلال؛ فإن المكونات التي تتشكل منها أية حركة تحرر من الاحتلال لا تحدث في داخلها تمايزات واختلافات وتضاغطات وتغييرات، وإنما تحدث فى داخلها تغيرات في موازين القوى، وتتغير عوامل القوة والضعف في داخلها أو بين فصائلها وجماعاتها، فتصبح بعض الحركات الأكبر وزناً أضعف قوة، وتصعد حركات أقل وزناً لتصبح أكثر قوة، بسبب اختلاف الرؤى والاستعدادات والاستراتيجيات بين كل حركة وأخرى. وهو ما يمكن معه القول، بأن ملخص تطور الصراع، في قضية تحرير أي بلد، لا تتم قراءته ولا يجري فهمه، من خلال رؤية مراحل الصراع مع العدو، ولكن أيضاً من خلال قراءة المتغيرات التي تجري داخل قوة ووزن الفصائل والجماعات المختلفة، داخل حركة التحرر من الاحتلال ذاتها. غير أن الملاحظة الأهم هي: كيف يجري التغيير في موازين القوى داخل حركة التحرر نفسها؟ ذلك أن الكثير من حركات التحرر كانت في مثل تلك المراحل التي تتغير فيها أوضاعها الداخلية من حالة إلى حالة، تسقط في هاوية الاقتتال الداخلي، وهو والحمد لله لم يحدث بين فصائل حركة التحرر الفلسطينية من الاحتلال خاصة على الأراضي الفلسطينية؛ حيث حافظت حماس على «مبدأ عدم الاقتتال الداخلي» ، رغم ما تعرضت له خلال المرحلة الأولى من وجود السلطة الفلسطينية على الأرض الفلسطينية بعد أوسلو، من اعتقالات لعناصرها وملاحقات أمنية متعددة ومتنوعة. * المتغيرات الفلسطينية - الفلسطينية: كان التغير الذي حدث بعد حرب عام ١٩٤٨م، وتدعم في حرب عام ١٩٦٧م، هو انتقال مركز الثقل والقيادة في الحركة الفلسطينية من أجل تحرير فلسطين، من داخل فلسطين إلى خارجها. فإذا كان الجهاد والنضال الفلسطيني في مواجهة اليهود والصهاينة منذ بداية الصراع العربي الإسلامي، على فلسطين بعد وعد بلفور، وحتى عام ١٩٤٨م، قد تركز داخل فلسطين، قيادة ونشاطاً، مع «مساندة ودعم» عربي للداخل، فإن الجهاد والنضال الفلسطيني ومنذ عام ١٩٤٨م، بصفة عامة، وبعد عام ١٩٦٧م، بصفة خاصة، قد انتقل مركزه وقيادته، ونشاطه من داخل فلسطين، إلى المحيط العربي. وهو انتقال لم يؤثر فقط على مستوى وطريقة ونمط واستراتيجية الصراع مع العدو الصهيوني، لكن أيضاً، كان ذا تأثير من زاوية درجة التحكم والسيطرة من قِبَل الأنظمة العربية على القرار والتوجه الفلسطيني، بدعم اتجاهات معينة على حساب اتجاهات أخرى، أو بتقييد النشاط الفلسطيني، بقيود النظام الرسمي العربي. وقد انتقل مركز نشاط المقاومة الفلسطينية خلال تلك المرحلة إلى الأردن إلى أن جرت مذابح سبتمبر عام ١٩٧٠م، فانتقل إلى لبنان إلى أن جرت عملية اجتياح الجيش الصهيوني للبنان في عام ١٩٨٢م، والتي انتهت بخروج المنظمات الفلسطينية من بيروت إلى تونس لتنقطع الصلة الحدودية بينها وبين الوطن الفلسطيني المحتل. كانت الحركات والفصائل الفلسطينية طوال تلك المرحلة تشكيلاً وفهماً واستراتيجية أكثر تأثراً بالوضع العربي العام، بل وبالوضع الدولي، وأقل تأثراً وارتباطاً بالداخل الفلسطيني، فتمايزت إلى مجموعات وفصائل، على أسس عقدية وفكرية وسياسة، كان أهمها وأكبرها حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» وإلى جوارها مجموعات أخرى ماركسية وقومية.. غير أن حركة إسلامية واحدة لم تكن من بين تلك الفصائل بالمعنى الذي شهدته الساحة مع تشكيل حماس والجهاد فيما بعد. * حماس.. وبداية التغيير: بينما كان العالم بكامله عربياً وأوروبياً ودولياً والأحزاب السياسية العربية، منشغلة بأوضاع وهموم حركة التحرر الفلسطيني، بتكوينها السابق، وتنتقل معها من الأردن إلى لبنان إلى تونس والشتات، كان الشهيد الشيخ أحمد ياسين، يخوض تجربة من نوع مختلف، ودفع استراتيجية مختلفة سواء في إعادة مركز الصراع من المحيط العربي ومن الشتات إلى فلسطين وعلى الأراضي الفلسطينية ومن عليها، أو في بناء تنظيم على أسس عقائدية إسلامية، يخوض الصراع مع العدو الصهيوني على أسس جذرية ودفق مشروع إنهاء وتفكيك الكيان الصهيوني، بالاختلاف عن كل ما كان يجري أو جرى منذ عام ١٩٤٨م وتعزز في عام ١٩٦٧م، وأصبح هو الوحيد على ساحة النضال الفلسطيني حتى بدأ هو. نقل الشيخ أحمد ياسين النضال الفلسطيني نقلة جذرية مختلفة تماماً؛ ليس فقط أنها أنهت الصراعات الفلسطينية مع المحيط العربي (الأردن - لبنان) ، أو أنها نقلة جديدة جعلت الجهاد الفلسطيني لا يتحمل أوزار الوضع العربي، بل كانت نقلة إلى حالة جهادية مختلفة تماماً؛ لأنها من داخل فلسطين، وذات طبيعة عقدية في المنهج والبناء والاستراتيجية والفكر، فكان ذلك هو التمايز الأكبر والأهم منذ عام ١٩٤٨م. كانت ملامح هذا الانتقال الاستراتيجي ثلاثة: أولها: البعد العقائدي في البناء والاستراتيجية والشعارات والمفاهيم والأساليب وأسس الصراع. وثانيها: العمل من الداخل.. وفي الداخل.. دون سراب الجري خلف الحكومات، ودون البحث عن شرعية تُمنَح من النظام الرسمي العربي، وإنما من خلال طلب المدد من المولى ، ثم من الجماهير الفلسطينية، ومن الحركات الإسلامية العربية. وثالثها: إعادة الصراع إلى جذوره وأسسه الدينية والحضارية، وتثبيت رؤية تحرير فلسطين كل فلسطين دون الدخول في مفاوضات ومناورات ومساومات تقوم على أسس القوة والضعف المادية. ظل الرجل يجاهد في صمت إلى أن كانت أولى ثمرات الجهاد، والرؤية والفهم الجديد للصراع: اشتعال الانتفاضة الفلسطينية في عام ١٩٨٧م، وهي المناسبة التي اختارها الشيخ الشهيد لإعلان البيان الأول لحركة حماس في١٥/١٢/ ١٩٨٧م. وهنا دارت حركة الزمان دورة، وجرت تطورات متلاحقة، وخاصة في أعقاب العدوان الأول على العراق في عام ١٩٩١، لمحاولة السيطرة على هذا التحول الكبير، والجذري والخطير فكانت مباحثات مدريد ١٩٩١ وأوسلو عام ١٩٩٣م، ووقع اتفاق غزة أريحا (١٣/٩/١٩٩٣م) . * حماس.. والسلطة وفتح: على أرض فلسطين دارت دورة التمايز والتغير، ليس فقط على صعيد المواجهة والصراع أو الاتفاق والتباحث، مع الكيان الصهيوني ولكن أيضاً على صعيد التمايز والتغيير النسبي في موازين القوى داخل الساحة الفلسطينية، أو بين قدرات ومقومات الفصائل الفلسطينية.. وبتسارع أيضاً. لقد عادت حركة فتح من الخارج، وشكلت السلطة الفلسطينية، مستمدة شرعيتها من شرعية تاريخية عبر الكفاح الفلسطيني الذي جرى من الأردن ولبنان، والتضحيات التي قدمت، ومن شرعية الاعتراف العربي بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ومن خلال اتفاقات أوسلو. لقد كان هناك نمط آخر من الشرعية، كانت تمتلكه حركة حماس، يستمد من قوة موقفها العقائدي في الصراع ومن ثبات صحة استراتيجيتها بأن الصراع صراع عقائدي، ومن العمل في الداخل وإشعال الانتفاضة الفلسطينية، ومن أن الصراع لن ينتهي إلا بتفكيك الكيان الصهيوني، وإنهائه بكمّ هائل من التضحيات. وبين تلك الشرعيتين والنمطين والاستراتيجيتين، جرت المواجهة مع العدو الصهيوني: مفاوضات من قِبَل السلطة وفتح، ومقاومة من جانب حماس (والجهاد الفلسطيني) . وبين تلك الشرعيتين وعلى أساس تلك الاستراتيجيتين جرت عملية التمايز، وتغيرت موازين القوى داخل الشارع الفلسطيني، بين السلطة والفصائل «القديمة» التي تشكلت في الخارج، ووفق ظروف ومعطيات المرحلة السابقة، وجاءت إلى الداخل عبر اتفاقات أوسلو وعلى أساسها.. وبين حماس (والجهاد) اللتين تشكلتا وفق رؤية عقدية ووفق ظروف ومعطيات للتغيير في فلسطين، والعالم العربي والإسلامي كله في مرحلة تصاعد فيها المد الإسلامي. ومع تصاعد الصراع مع الكيان الصهيوني وثبات عدم جدوى خطة التفاوض والمساومة المستمدة من شرعية أوسلو، ومع عصف العدو بنتائج أوسلو ذاتها وبأبنية السلطة التي أقيمت على أساسها بدأ ميزان القوى بين حركات المقاومة والجهاد الفلسطيني يتغير: تتصاعد قوة حماس، ويتضاعف أنصارها وأنصار الرؤية الإسلامية للصراع، حتى أصبحت رؤية حماس في الجهاد والمقاومة هي الخط والطريق، للفصائل الأخرى رغم اختلافها الفكري مع حماس فأصبحت العمليات الاستشهادية وأعمال المقاومة عنواناً للجميع، وظلت حماس رافعة رايته ومتقدمة كل الصفوف. * مرحلتان في البداية: مرت العلاقة بين حركة حماس (والجهاد) من ناحية، وحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) والسلطة الفلسطينية، وبقية فصائل منظمة التحرير، من ناحية أخرى بمرحلتين: كانت الأولى هي المرحلة التي دخلت فيها فتح ومنظمة التحرير إلى الأراضي الفلسطينية بعد توقيع أوسلو، ليبدأ تشكيل السلطة الفلسطينية على خلفية الانسحابات الصهيونية من المدن الفلسطينية. وفي تلك المرحلة التي سادت فيها تنازعات لدى العناصر والقيادة في فتح والسلطة، بنجاح خطتهم وبنجاح التفاوض وإمكانياته كان من الطبيعي أن تعلو نغمة الصراع، وأن تجري العديد من الاحتكاكات، والتي وصلت حد مطاردة وحبس وسجن عناصر حماس باعتبارها تخوض أعمال مقاومة، تتعارض وأوسلو وأسس قيام السلطة الفلسطينية، ووصل الأمر حد حدوث بعض الاشتباك. غير أن مرور الوقت، وتبدد الأوهام رويداً رويداً أدخل العلاقة في مرحلتها الثانية؛ حيث أظهر العدو وجوهر استراتيجيته أن اتفاقات أوسلو في أهدافها الحقيقية ليست إلا فترة زمنية يكمل فيها الاستيلاء على بقية الأراضي الفلسطينية من خلال بناء المستوطنات، وتهويد القدس، وجلب اليهود من كل بقاع العالم، وأن تشكيل السلطة الفلسطينية وبقاءها لا علاقة له ببناء دولة فلسطينية حتى على ما تبقى من أرض، وإنما أقصى ما يمكن السماح به هو بناء سلطة حكم ذاتي، لكيانات وتجمعات فلسطينية سكانية ممزقة مقطعة الأوصال، وأن شرط قيام هذا الكيان الهزيل هو القضاء على المقاومة، فكانت الانتفاضة الثانية التي كانت هي بالتحديد استمراراً وتأكيداً على صحة منهج حماس وهنا ضاقت رويداً رويداً مساحة الصراع والاختلاف ووصل الأمر إلى تنسيق الجهد العسكري بين الجناح العسكري لحماس والجناج العسكري لفتح في ضربات مشتركة ضد العدو المشترك. كما شهدت تلك المرحلة الحوارات الفلسطينية الفلسطينية، على الأرض الفلسطينية وفي القاهرة، والتي كانت مؤشراً على تصاعد قوة وقدرة حماس، وعلى تغير موازين القوى على الساحة الفلسطينية، وهنا بدأت المؤامرات على الوحدة الوطنية الفلسطينية من العدو ومن عملائه، وبدأ الإعلام الصهيوني ومن يعمل لخدمته حملة التخويف من حماس بعد الانسحاب من غزة. * المرحلة الراهنة.. القرار والسلطة: مضى عهد الانفراد بالقرار كما قال المجاهد خالد مشعل وتتقدم حماس برؤية للعلاقات الداخلية في غزة، ما بعد الانسحاب الصهيوني، وفي مؤتمر القمة، كان لها وفدها الذاهب إلى هناك. وفي المقابل، تدق أجهزة الإعلام الصهيونية طبول الحرب ويخرج من يرتبط بها، ليتحدث عن «حماس لاند في غزة» وعن فوضى ستحل بالقطاع بعد انسحاب قوات الاحتلال وكأن قوات الاحتلال هي التي توحد الشعب الفلسطيني وعن نهاية الاعتدال في حماس باعتبار الشيخ الشهيد كان رمز الاعتدال في الحركة.. إلخ. * فما الذي يجري؟ ما يجري باختصار هو أن غزة لن تخرج منها قوات الاحتلال، وفق مفاوضات واتفاقات وإنما تحت ضربات المقاومة.. وأن حماس التي رفضت دخول أي أشكال وتنظيمات في السلطة الفلسطينية، باعتبار أنها جاءت نتيجة اتفاقات أوسلو التي ترفضها، وترى أن واجبها يقتضي المشاركة في صنع القرار الفلسطيني.. وفي إدارة غزة.. لا طمعاً في السلطة، ولا رغبة بها وإنما لضمان أن تستمر غزة قلعة من قلاع الجهاد الفلسطيني، ولضمان مشاركة غزة على غد أكبر في المعركة ضد الكيان الصهيوني، وحتى لا تتحول غزة إلى دولة فلسطين أولاً وأخيراً؛ وتلك هي الخطة الصهيونية التي عرضت عن بداية مفاوضات أوسلو وأن عدم وجود حماس في إدارة الأوضاع في غزة، وفي ظل أوضاع السلطة الفلسطينية الراهنة، لن ينتج عنه سوى تحويل غزة إلى ساحة حرب أهلية أو كيان معزول محاصر.. ليكون شارون حقق هدفه في فصل غزة عن الضفة. والسؤال هو: هل يجري هذا التغيير.. وفق نفس المعطيات التي أدارت بها حماس الأزمة السلط الفلسطينية وقت أن كانت السلطة في بداية عهدها؟ كل الدلائل والمؤشرات تؤكد أن قوة حماس هي في منهجها وفي توجيه كل الجهد ضد الكيان الصهيوني وفي عدم الانزلاق مهما جرى إيذاؤها نحو فتن داخلية.. ويبدو أن قطاعات فتح المجاهدة يداً بيد مع حماس، خلال فترة الانتفاضة باتت هي الأخرى على درجة من الوعي والقوة، بما يجعل من محاولات الفتنة مجرد محاولات، لن يكتب لها النجاح حتى وإن جرت مؤامرات لتفجيرها.

стр. 4942

حوار الدكتور مثنى الضاري في حوار مع البيان .. إخوانكم لا يألمون من سهام العدو ولكن يألمون من جهل بعض إخوانهم * ضيفنا هو: الدكتور مثنى حارث الضاري: دكتوراه في أصول فقه (السياسة الشرعية) مدرس في كلية العلوم الإسلامية - جامعة بغداد، ومسؤول الإعلام في هيئة علماء المسلمين في العراق. من الفلوجة مدينة المساجد التي استهدفتها قوات الاحتلال لتدمر معالمها وسكانها. نبدأ الحوار مع فضيلته عن الواقع شؤونه وشجونه. حبس العالم أنفاسه لعدة أسابيع مع ما سيسجل في التاريخ على أنه (ملحمة الفلوجة) تلك التي أحيت الأمل في الأمة كلها، بأن في استطاعتها أن تجابه الطغيان مهما تجبر، وتنتزع النصر من العدو مهما تكبر، وحول الفلوجة وتركته أحداثها من بصمات على ساحة الأحداث، كان لنا هذا الحوار. لماذا الفلوجة؟ البيان: هل اختارت قوات الاحتلال الأمريكية مدينة الفلوجة؛ لأنها مدينة المساجد وأكثر مناطق العراق تديناً، ولذا كانت المقاومة الإسلامية فيها أشد من كل مناطق العراق؟ - المقاومة في العراق شديدة في كل مدنها، ولكن بعض المدن تميزت بأنها كانت منطلقاً مهماً لعمليات المقاومة لقوات الاحتلال، ومنها مدن الفلوجة والضلوعية وبعقوبة وغيرها، وقد تم استهداف الفلوجة لأسباب عديدة منها: ١ - البعد الإسلامي الواضح للمدينة. ٢ - كونها شهدت أبرز العمليات العسكرية المقاومة لقوات الاحتلال. ٣ - قربها من بغداد، وسهولة محاصرتها من أغلب جهاتها. ٤ - معاقبتها بسبب إذلالها المستمر لقوات الاحتلال؛ وخاصة بعد استهداف قائد المنطقة الوسطى لقوات الاحتلال (جون أبي زيد) . البيان: هل هناك رابط بين ما يحدث اليوم للفلوجة وبين ما حصل بالأمس لحلبجة؟ لكونهما تشتركان بميزتهما بكثرة المساجد؟ - نعم! هناك رابط كبير؛ إذ إن الصفة الإسلامية هي الرابط بين المدينتين، وكثرة المساجد فيهما هي من العلامات الفارقة لهما، فحلبجة هي المدينة الأولى من حيث عدد المساجد في العراق، والفلوجة هي الثانية، وكلاهما تعرض للطغيان والإفراط في استخدام القوة ومحاولة استئصال البعد الإسلامي وتصفية الوجود الحركي له. كما يجمع بينهما العدو المشترك؛ فالأمريكان هم الذين زودوا النظام السابق بالسلاح الكيمياوي الذي استخدمه في حلبجة، وهم الذين يقومون بحصار الفلوجة ومحاولة قتلها الآن. البيان: ما هو دور هيئة علماء المسلمين في العراق في الهدنة التي حصلت في الفلوجة؟ وهل هناك مكاسب من هذه الهدنة؟ - الهيئة شاركت مضطرة في المفاوضات التي أدت إلى عقد الهدنة بين أهالي مدينة الفلوجة وقوات الاحتلال؛ فقد فاتح الحزب الإسلامي العراقي الهيئة حول الاشتراك في المفاوضات في وقت حرج كانت فيه الطائرات والدبابات تقصف المدينة وتقتل العشرات من أهاليها الأبرياء؛ وعليه فإن الرفض كان يعني عدم المشاركة في إنقاذ المدنيين وتفويت الفرصة لوقف إراقة الدماء، وكان القبول في الوقت نفسه يعني إعطاء الفرصة لقوات الاحتلال لأخذ النَّفَس. كان خياراً صعباً والوقت يمر بسرعة، ولجأ الحزب الإسلامي إلينا لندعم مبادرته التي لن تجد صدى كبيراً ما لم تشترك الهيئة معه؛ لذلك قبلنا هذا الخيار على الرغم من كل سلبياته، وتحملنا تبعات بعض آثاره الجانبية. ونعتقد أن الكاسب الأكبر من هذه الهدنة هي قوات الاحتلال التي استغلتها لإنقاذ نفسها وإعادة ترتيب أمورها، ولكن في الوقت نفسه كسب أهالي المدينة وضع المفاوض الذي يدخل في هدنة مع عدوه، وقد أبطلت الهدنة فرية أن المقاتلين في المدينة هم قلة من (الإرهابيين) ؛ إذ كيف يمكن لقوات الاحتلال المتفردة بأمرها في العالم أن تتفاوض مع هذه (الثلة) ؟! كما أوقفت الهدنة القتل الجماعي لأهالي المدينة الذين يكفيهم شرفاً أنهم حققوا نصراً كبيراً وفق كل مقاييس (حرب الأنصار) ؛ فقد استطاعوا أن يكيلوا لقوات الاحتلال ضربتين موفقتين عسكرية، وسياسية. وأنوه هنا إلى أن الهيئة قد نبهت أهالي الفلوجة في مناسبات عديدة إلى أن المفاوضات مع قوات الاحتلال قد تصل إلى طريق مسدود، وأن هذه القوات قد تكسب من خلال الهدنة مكاسب أكبر من مكاسب أهل المدينة، ويبدو أن ظننا كان في محله؛ فالملاحظ أن قوات الاحتلال ماطلت لتضييق الخناق على المدينة المحاصرة، وخرقت بين حين وآخر الهدنة، ولم تفِ ببعض وعودها التي التزمت بها في جلسات التفاوض. البيان: هل الهيئة على علم واطلاع بكل ما يجري داخل مدينة الفلوجة؟ - نعم! الهيئة تتابع ما يجري داخل الفلوجة متابعة يومية عن طريق موفديها إلى المدينة والهاتف وأخبار قوافل الإغاثة التي تسيرها الهيئة أو تسيرها جهات أخرى بالتعاون مع الهيئة. كما أن فرع الهيئة في الفلوجة برئاسة الشيخ الدكتور مكي الكبيسي يقوم بدور كبير في إدارة شؤون المدينة وتسيير الأمور فيها وإطلاعنا على أحوالها، وقد تعززت الصلة بالمدينة من خلال أعضاء الهيئة المشاركين في وفد التفاوض، كما أننا نستقبل في مقر الهيئة الكثير من أهالي الفلوجة الذين يأتون لعرض قضايا مدينتهم ويتباحثون مع أعضاء الهيئة حول سبيل إنهاء الأزمة بالشكل المرضي لهم. وأؤكد هنا على أن الهيئة لا تتقدم خطوة أو تتأخر حول الفلوجة إلا بعد أن تتصل بالمعنيين فيها والاستفهام منهم حول كيفية معالجة التطورات الحادثة في المدينة أو حولها من منطلق أن أهل المدينة هم الأدرى بأوضاعها وأعرف بخفايا الأمور فيها. البيان: ما مدى تجاوب المقاومة العراقية مع قرارات الهيئة وتوجهاتها؟ - أثبتت الأحداث الأخيرة أن الهيئة بفضل الله تحظى بـ (مصداقية) وقبول لا بأس بهما في أوساط الشعب العراقي، وبما أن المقاومة في العراق إسلامية في الغالب كما أثبتت الأحداث على أرض الواقع؛ فإنه من الطبيعي أن تلقى توجهات الهيئة استحساناً عندهم باعتبارهم من هذا الشعب الذي يبدو أنه يتوق بشدة إلى الخطاب الإسلامي الذي يغلِّب مصالح الوطن على المصالح الشخصية، ويعلي من نوازع الوحدة وجمع الكلمة، ويخفض نوازع الفرقة وتشتيت الصفوف. البيان: ما هي طبيعة المقاومة في العراق؟ - سبق أن بينَّا في موضع متقدم من هذا الحوار أن الصبغة الإسلامية هي الصبغة التي تلون أغلب جماعات المقاومة العراقية، ولا أنطلق في تقييمي هذا من فراغ، وإنما هو نتيجة بحث وتتبع ودراسة علمية قمت بها قبل حين، وتوصلت فيها إلى هذه النتيجة، وقد دلت التطورات الأخيرة في الفلوجة وغيرها على صحة النتائج التي توصلت إليها. ومن مؤشرات هذه الطبيعة الإسلامية للمقاومة العراقية البعد الديني الظاهر في خطابها ومسمياتها التي تستلهم رموزاً وقيماً إسلامية، وانطلاقها من المساجد، والتفافها حول مبدأ الجهاد لطرد المحتل غير المسلم، واستمرارها وتجددها الدال على صفائها وبعدها من المطامع الدنيوية. البيان: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق - وفي رواية يقاتلون على الحق - لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» رواه مسلم. والطائفة التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم موجودة في الشيشان وأفغانستان وفلسطين.. وهي الآن في العراق تقاتل على الحق؛ فمَنْ برأيك المقصود بمن خذلهم في العراق؟ - الذين يخذلون المقاومة في العراق هم الذين لا يفهمونها (أولاً) فيقعون في خطأ سوء الظن بها (ثانياً) فيؤدي بهم ذلك إلى التقاعس عن نصرتها (ثالثاً) فيقعون في شرك التخوف منها (رابعاً) فينتهون إلى التهوين منها (خامساً) فيسلمهم ذلك إلى التشكيك فيها (سادساً) وينتهي بهم الأمر (سابعاً وأخيراً) إلى تفهم أفكار العدو وعدم تفهم أفكار إخوانهم في الدين. أما من يناصب المقاومة العداء فيصفها بالإرهاب؛ فأولئك لا يخذلون المقاومة وإنما يحاربونها. البيان: الحركات السياسية والأحزاب كلها تنادي بعراق حر (ديمقراطي) بغض النظر عن الموقف من هذا المفهوم بما فيها الحزب الإسلامي العراقي.. أين هيئة العلماء من هذا؟ - هيئة العلماء تجمُّع شرعي يأخذ بطرفي الأمر: الدين والدنيا. ولا يغلِّب أحدهما على الآخر، ولا يهمل أحدهما مكتفياً بالآخر، وهي تنادي بمثل ما ينادي به غيرها بغض النظر عن توجهاتهم ما دام المطالَب به مشروعاً؛ فالعراق الحر الموحد مطلب مشروع وهو من أولويات عمل الهيئة، وهي تطرح نفسها كهيئة لجميع العراقيين لا لفئة خاصة. وهي تسعى إلى أن تصبغ الحياة في العراق بصبغة إسلامية، ولكنها تعي أن الظروف غير مهيأة الآن لإنجاح هذا المسعى، وأن طريق تحقيق ذلك طريق طويل وليس بالهين، ولكن لن يحدَّ هذا من أملها، ولن يضعف من مساعيها. أما بخصوص (الديمقراطية) فإن المفهوم الرائج عنها الآن في العراق والذي يروج له الكثيرون يتصادم كلياً مع ما نؤمن به، ومن ثم فالهيئة لا تتفق فيه مع غيرها، وتدعو بدلاً عن ذلك إلى إشاعة مفاهيم الشورى وحرية الرأي والتعبير مما لا يتعارض مع ثوابت الإسلام الذي يدين به ٩٦% من سكان العراق، وتتوافق مع التوجه الإسلامي الملاحظ للعراقيين الآن. البيان: لم نسمع أن الهيئة قدمت مشروع دستور، وإن كنا نعلم مسبقاً أنه سيُرفض، لكن نسأل عنه كتسجيل موقف لهيئة علماء المسلمين؟ - ما الفائدة إذن من تقديم دستور إذا كان سيُرفض؟ ثم إلى من يقدم المشروع؟ نحن لا نعترف بشرعية القائمين بأمر العراق اليوم؛ فهم مؤسسة من المؤسسات التي أقامتها قوات الاحتلال، وهي لذلك تفقد أي صفة للقبول؛ فضلاً عن إقرار أي مشاريع سياسية ودستورية في العراق. ومع ذلك لم تغفل الهيئة هذا الأمر وعملت منذ مدة على تشكيل لجنة فرعية منبثقة عن لجانها السياسية والعلمية لبحث هذا الموضوع وإعداد دراسات متكاملة حول الموضوعات المثارة على الساحة العراقية، ومنها قضية الدستور، وبين يدي العاملين في هذه اللجنة عدة مشاريع لدساتير إسلامية معدة منذ زمن وحتى قبل احتلال العراق، مقدمة من بعض أعضاء الهيئة وغيرهم، كما قدمت الهيئة أفكاراً عديدة حول هذه الموضوعات خلال لقاءاتها مع بعض الجهات داخل العراق وخارجه تشكل بمجملها رأي الهيئة في الأمور التي تدور حولها. وتحت الطبع الآن مشروع الهيئة الفكري المسمى (نظام الرأي والفتوى والسياسة الشرعية لهيئة علماء المسلمين في العراق) يبحث هذا النظام كثيراً من المسائل المتعلقة بجوانب النظر السياسي والقانوني المثارة الآن. ولا زالت الهيئة تتلقى بين حين وآخر كثيراً من الأوراق والدراسات والمشاريع حول قضايا الدستور والحكم وما إلى ذلك، وتقوم بدراستها وإعطاء الرأي فيها. البيان: من خلال مجلة البيان، ما هي الرسالة التي يوجهها المسلمون في العراق لمسلمي العالم؟ - نقول لهم جميعاً: اطمئنوا إلى جذوة الإيمان في نفوسنا؛ فإنها لن تخبو أبداً بإذن الله، ولكن نريد منكم أن تحسنوا ظنكم بالعاملين للإسلام في العراق، وأن تتفهموا جيداً طبيعة الظروف التي مر بها العراق ويمر بها الآن، وأن تعلموا أن إخوانكم لا يألمون من سهام العدو وإنما يألمون من جهل بعض إخوانهم أو تجاهلهم وتغافلهم. ويقولون لكم: إن الغفلة هي سلاح الشيطان الذي نفذ من خلاله عدوهم وعدوكم، وسينفذ من خلاله مرات ومرات ما لم تنتبهوا، حسبنا أنَّا بلغناكم ونبهناكم، ونترك الأمر لكم، والله يحفظنا ويحفظكم جميعاً.

стр. 4943

ملفات الفلوجة.. وصناعة التاريخ د. عبد العزيز محمد الوهيبي aziz nw@yahoo.com «نحن في صراع تاريخي في العراق..!!» . «لو قدر لنا أن نخفق، وهو ما لن يحدث (وأقول بل سيحدث بعون الله تعالى) فالأمر أكبر بكثير من هزيمة قوة أمريكا ... سيتلاشى أمل الحرية والتسامح الديني في العراق ... الديكتاتوريون سيبتهجون، والمتعصبون سينتشون، والإرهابيون سيفرحون!!» . «لو قدر لبريطانيا الانسحاب من العراق؛ فإن المتشددين سيطلبون خروج القوات الأجنبية من أفغانستان، ومن ثم الشرق الأوسط كله..!!» . «كلما زاد ضعفنا كلما ضغطوا علينا..» . «هناك معركة يتعين أن نخوضها، صراع يتعين أن نفوز فيه» تلك كانت تحليلات الخبير الاستراتيجي والقيادي البريطاني المحنك «توني بلير» . «إن هزيمة أمريكا في العراق.. هزيمة للغرب كله ... » . «هل تعرفون معنى هزيمتهم في العراق..؟! معناها: خسارتهم لكل ما حققوه خلال خمسة قرون..!» . المتحدث هذه المرة هو الخبير الاستراتيجي الأمريكي «هنري كيسنجر» وصدق بلير.. وصدق كسينجر.. هذه المرة! كنت أشاهد فيلماً عن إنجازات المجاهدين في الشيشان، فأتعجب ولا يكاد ينقضي عجبي: بأي قلب يواجه هؤلاء..! كيف تتمكن حفنة مستضعفة من الصمود إزاء كل قوى التآمر ضدهم؟! أي مستقبل ينتظرون، وأي «غنيمة» يتوقعون. شاهدت مجاهداً يجود بروحه، وقد غمرت سكينة الرضا محياه، وبسمة مشرقة تبرق من شفتين مجهدتين، كان «يتلمظ» ..!! لكأنما يلعق عسلاً!! وأدركت السر.. إنها «قوة الله» ! الله ... اللطيف الودود.. القوي العزيز.. لا يسلم أولياءه لأعدائه..!! وتقدس. هو معهم.. ولهم.. ووليهم.. وحسبهم الله وحده. ويا لها من معية ما أزكاها.. ويا لها من نصرة ما أقواها.. ويا له من عون ما أشده. عندما يتخلى القريب والبعيد، والصديق والحبيب، عندما تخلو الساحة من كل نصير، عندما يتكالب الأعداء كلهم، ويجتمعون ليرمونا عن قوس واحدة؛ عندما يبلغ الكيد مداه، ويذهب المكر إلى منتهاه، عندما ينسد كل أفق، ويغلق كل باب عندها ينفتح باب الكريم المنان. [حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا] (يوسف: ١١٠) ، لك الحمد يا رباه، والثناء كله..!! «الفلوجة» ، «المثلث السني» «منجم المقاتلين» من كان منا يسمع عن كل هذا من قبل؟! من أين خرجت هذه البطولات كلها؟ لماذا ارتعدت فرائص الخصم وبدأ يشعر بأنه يوشك أن ينهار؟! «مكر الليل والنهار» خبث عقود من السنين، سحر السحرة كله يوشك أن تلقفه عصا موسى. عندما وقعت حادثة سبتمبر وقلت لبعض من حولي: إنها منعطف تاريخي؛ نظر إليّ بعض الأحبة بإشفاق، وقال لي: أنت تهذي..!! بنايتان يوشك أن تعمرهما الرأسمالية الغربية، ومتمردون حول جبال تورا بورا توشك أن تلتقطهم «التوما هوك» ويسدل الستار على كل شيء!! ولم يسدل الستار بعد! بل لا يزال ينكشف عن جديد. شيخ مقعد.. لا يتحرك منه إلا رأسه يفجرون هذا الرأس بصاروخ ويسقط الشهيد مضرجاً بدمه ودماغه منثورة على الأرض ولا تفارقه ابتسامة الرضى، أي معنى تحدثنا عنه الصور. وها هو «توني بلير» يقول بخبث عميق: «إن العراق يصنع التاريخ أو يعيد صياغته» . ها هو غراب البين الذي قاد الولايات المتحدة من كارثة لأخرى، ها هو يشهد بالحق، ها هي شعوبنا اليوم تدرك بعد طول تجهيل أنها قادرة على المقاومة والصمود، بل والنصر والتمكين. ها هم الآلاف من الشباب الذين يشعرون بانسداد الأفق والعطالة التاريخية والعجز والانكسار، ها هم اليوم يدركون أنه يمكنهم أن يقوموا بعمل يرضى عنه الله، ويبدل حركة التاريخ، وعار الهزيمة. أي هدية قدمتها لنا الولايات المتحدة وهي تغزو العراق، وتقود ذات المعركة التي تخوضها إسرائيل من قبل منفردة ووحيدة. أي حقائق تكشفها لنا الولايات المتحدة، وهي تمارس ذات الغطرسة اليهودية، تقتل المدنيين وتهدم البيوت، وتقطع الأشجار، وتنقض العهود والمواثيق، لقد سقطت ورقة التوت، وانكشف المستور! ثمة دماء، وأشلاء، وضحايا، وخسائر، في سبيل أن نكشف كل هذه الحقائق، ولكن لا بأس: [إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ] (النساء: ١٠٤) . لو كنتم تستحقون الشكر لشكرناكم، لكن شكرنا نوجهه لأبطال الفلوجة، والرمادي، وجنين، والضفة والقطاع. يا أبطال الإسلام! أحييتم في أنفسنا معاني العزة والكرامة؛ فشكر الله لكم، وسترون من الله ما يسركم، والله معكم ولن يتركم أعمالكم.

стр. 4944

ملفات تجاوزات أبناء الحضارة الأمريكية باسل يوسف النيرب لم تكن الشهور الماضية سهلة على العراقيين، ولعل النساء شعرن بثقل أكبر وسط منع عائلات كثيرة بناتها ونسائها من الذهاب إلى العمل أو الجامعة وحتى المدارس الأولية مخافة أن يتم التعرض لهن أو اختطافهن. وفي ما يأتي نحاول استعراض بعض التصرفات الأمريكية والبريطانية في حق العراقيات بشكل خاص وبصورة موثقة لإثبات مسؤولية الاحتلال الأمريكي والبريطاني، والجرائم التي تقترف وتبقى طي الكتمان ما لم يكتشفها أحد. * الممارسات الأمريكية في العراق: تؤكد الدكتورة شذى جعفر وهي عضو مؤسس في هيئة المرأة العراقية من أجل السلم والديمقراطية، أنه منذ بداية الاحتلال الأنجلو أمريكي تم اختطاف أكثر من ٤٠٠ امرأة؛ حيث تشير إلى ما بين ٥ حالات إلى ١٠ حالات اختطاف لنساء أسبوعياً. فبعض منهن تُهان، وبعض تُغتصب، وبعض تُباع، وبعضهن يرجعن إلى بيوتهم ليُقتلن من قِبَل أهاليهن غسلاً للعار. كما وصفت الدكتورة شذى مرحلة الاحتلال العسكري الأمريكي للعراق بمرحلة إبادة جماعية للنساء محملة الاحتلال الأمريكي البريطاني المسؤولية عما يحدث لنساء العراق [١] . من الصور الإعلامية التي بدت واضحة جلية اليوم صورة لجندي أمريكي وهو يشير بعلامة النصر، ويقف بجوار طفلين عراقيين يحمل أحدهما وهو مبتسم لوحة مكتوبة بخط اليد تقول باللغة الإنجليزية: (لقد قتل الجندي الواقف بجواري والدي واغتصب أختي) . هذه الصورة وصلت إلى مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) ، فطلب من وزارة الدفاع الأمريكية إجراء تحقيق فوري حول مدى صحة ما جاء فيها. كما تلقت (كير) رسالة من جندي أمريكي عاد من العراق ذكر فيها اسم وحدته العاملة بالعراق، وأكد أن أحد الضباط الكبار بالجيش الأمريكي قام باغتصاب فتيات عراقيات صغيرات السن. بدأ الاغتصاب الأمريكي لنساء العراق في أعقاب الحرب مباشرة، لدرجة أنه بعد أقل من ٤٠ يوماً من سقوط بغداد وإعلان نهاية الحرب في ٢/٥/٢٠٠٣م، اتهمت لجنة حقوق الإنسان في العراق قوات الاحتلال الأمريكي والبريطاني باغتصاب العشرات من نساء وأطفال العراق، وقتل مئات العراقيين بعد اعتقالهم، كما وجهت اللجنة رسالة بذلك إلى المنظمة العربية لحقوق الإنسان قالت فيها: إنها «سجلت ٥٧ حالة اغتصاب لنساء عراقيات على يد القوات الأمريكية والبريطانية، و٢٧ حالة اغتصاب لأطفال، منها ١١ حالة على يد القوات البريطانية، و ٣ حالات على يد القوات الدانمركية» . ومن الممارسات الموثقة ما أورده موقع تابع للأكراد في أغسطس ٢٠٠٣م واقعة مفادها أن الجنود الأمريكيين قاموا بفتح أبواب دار للأيتام، وطُلب من الأطفال الخروج منها، قبل أن يقوموا باغتصابهم، حيث سجلت ٧٥ حالة اغتصاب لفتيات وأطفال صغار، و٨٠ حالة اغتصاب لبالغين. وقام أحد المواقع مجهولة الهوية على شبكة الإنترنت بنشر صور لثلاثة جنود يتناوبون اغتصاب امرأة عراقية في منطقة صحراوية، قبل أن يتعرض هذا الموقع للتدمير من جهات مجهولة. واتهم العديد من سكان الفلوجة جنود الاحتلال الأمريكي بالتحرش بنسائهم مؤكدين أن ذلك يمثل إهانة تستوجب مقاومة المحتلين وقتلهم. وفي يناير ٢٠٠٤م ووفقاً لبيان نشرته وكالة (قدس برس) قام الجنود الأمريكان باغتصاب العراقيات المعتقلات بسجن أبو غريب، وجاء في بيان الوكالة وفقاً لسجينات عراقيات أفرج عنهن مؤخراً من سجن أبو غريب أنهن أكدن تعرضهن لاعتداءات جنسية خلال اعتقالهن، وأكد البيان الذي حمل نداء استغاثة أن كثيرات من المعتقلات فقدن عذريتهن، وأن بعضهن يحملن في أحشائهن أجنة من جراء عمليات الاغتصاب. كما انتقد وزير حقوق الإنسان العراقي عبد الباسط تركي انتهاك قوات الاحتلال الأمريكي البريطاني لحقوق الإنسان في العراق منذ غزوها، وقال في مقابلة مع وكالة الأنباء الفرنسية: «إن هناك انتهاكات في ظل الاحتلال» موضحاً أن «هناك اعتقالات وعمليات تفتيش تقوم بها القوات الأمريكية دون محاكمة ولا أحكام قضائية» [٢] . وقد أكدت منظمة (هيومان رايتس ووتش) أن انعدام الأمن في بغداد والمدن العراقية الأخرى بعد الاحتلال الأمريكي وهو ما يشجع على اغتصاب النساء وخطفهن. وقالت المنظمة في تقرير لها في يوليو الماضي: إن النساء والفتيات يسيطر عليهن الخوف، وتفضل كثيرات منهن التخلي عن أعمالهن وعن الذهاب إلى المدرسة أو عن البحث عن عمل، ولعل تقرير صحيفة «روبنز نورث» الأمريكية حول قيام خمسة جنود أمريكيين بخطف سيدة عراقية أثناء خروجها من المنزل لتلبية احتياجات أسرتها وأطفالها يوضح حقيقة قصص الاغتصاب الجماعي لعراقيات [٣] . ويقول الأستاذ علي حلني مراسل شبكة (إسلام أون لاين) في حوار نشر في الموقع بتاريخ ٢٤/٧/٢٠٠٣م، ورداً على سؤال حول سوء معاملة الأمريكان للنساء العراقيات وانتهاكهم حرمة البيوت، أكد أنه شاهد بعينيه اعتداء الجنود الأمريكان على النساء العراقيات؛ حيث كانوا في البداية يقومون بتفتيش الرجال والنساء على السواء، وفي بعض الأحيان يحدث أن يقوموا بمداهمات للبيوت، ويقتحموا البيوت على النساء والفتيات، وبعضهن تعرضن لنهب لمجوهراتهن والأشياء الثمينة التي يقتنينها في بيوتهن، وكثير من الفتيات العراقيات تعرضن لمعاكسات من الجنود الأمريكان. وقد أزعجت هذه التصرفات الكُتَّاب والمعلقين الصحفيين الأمريكيين، فذكر الكاتب الأمريكي «لورن ساندر» خلال مقالة نشرتها صحيفة «الواشنطن بوست» الأمريكية أنه التقى بسيدة عراقية تحمل ابنتها الصغيرة فقالت له: في ظل نظام صدام حسين كنا نقود السيارات ونمشي في الشوارع حتى الثانية صباحاً دون خوف، ولكن الأمريكان جعلونا نخشى أن نسير في وضح النهار. وأفردت جريدة «روبنز بنورث» الأمريكية على صدر صفحاتها الداخلية قصة اغتصاب ٥ جنود أمريكيين لامرأة عراقية تدعى «سهيلة» كانت متوجهة إلى سوق مدينة البصرة لشراء احتياجات منزلها تاركة خلفها طفلتين، وأثناء سيرها سمعت أصوات طلقات الرصاص، فشاهدها جنديان فأسرعا تجاهها، وتحت دعوى التفتيش عن متفجرات يمكن أن تحملها بحوزتها للقيام بعملية تفجير ضد جنود الاحتلال اصطحباها تحت تهديد السلاح إلى بناية، وبدلاً من استدعاء الجنديين لإحدى المجندات لتفتيشها قاما باستدعاء ثلاثة جنود آخرين من زملائهما، وما هي إلا لحظات حتى قاموا جميعاً باغتصابها حتى فقدت وعيها، ولم يحاول المغتصبون إنقاذ ضحيتهم وتركوها تصارع الموت. وقادت المصادفة مجموعة من اللصوص تسللوا إلى البناية واكتشفوا المرأة التي كانت فاقدة الوعي وسط بركة من دمائها، فأسرعوا بنقلها إلى المستشفي القريب من الموقع، ولم تجد أياً من ضباط الشرطة العراقية يأخذ لها حقها، بل طلبوا منها كتمان الأمر عن أسرتها حتى لا يتطوع أحد وينهي حياتها تخلصاً من العار [٤] . ذكر كاتب أمريكي آخر هو «ديفيد كول» عملية اغتصاب بشعة قام بها أربعة من الجنود الأمريكيين ضد أسرة المواطن (صدر حسن زيد أبي حسين) الذي اقتحموا منزله في ساعة متأخرة من الليل لتفتيشه بحجة البحث عن أفراد المقاومة.. كانت حالة المجندين لا تدل على أنهم مكلفون باقتحام المنزل، كانوا مخمورين يدخنون الماريجوانا ويضحكون من تأثير الخمر؛ كان هدفهم إيجاد بغية تنعش لحظاتهم التي يعيشونها ويحاولون أن يرسموا البهجة والفرح بدلاً من الخوف الذي اقتحم صدورهم على يد المقاومين. حين انتهوا من تفتيش المنزل البسيط ولم يجدوا ما يسرقونه التقط أحدهم ذراع الزوجة وبكل قسوة اختطفوا الزوجة من بين أحضان طفليها الصغيرين اللذين كانا يرتعدان خوفاً وهلعاً من أصوات بنادق المحتلين اقتادوها إلى غرفة مجاورة دون أن يخرج زوجها لإنقاذها بعد أن أشهروا في وجهه البنادق، أخبروه بلكنة عربية ركيكة أن زوجته يتم التحقيق معها، لكنه رفض المسوِّغ بعد أن سمع صرخاتها في الغرفة المجاورة؛ حاول دفعهم لكنهم أصابوه بسلاح البندقية في رأسه ليسقط وسط بكاء صغيريه [٥] . الكاتب الأمريكي «وليام بود» لم يكن أقل صراحة وهو يروي تفاصيل جرائم بشعة ارتكبها جنود الاحتلال في صحيفة «ويست بومفريت» الأمريكية حيث كتب في صدر الصفحة الأولى تحت عنوان: «الاغتصاب الديمقراطي» : «إن بوش قد ترك لجنوده أن يفعلوا ما يحلو لهم مع ضحايا سجنه الكبير في العراق.. تركهم من أجل أن يتناسوا الرعب الذي يعيشون فيه من طلقات المدافعين عن بلادهم ضد المحتل؛ ترك المجندين كول وديفيد يغتصبان نساء عراقيات بلغ عددهن ٢٦ فتاة وضحية.. يتميز (كول وديفيد) بالعدوانية الشديدة ضد العرب ويتميزان أيضاً بالهمجية وعدم الرحمة أو عدم الإنسانية. قبل أن يقدم المجندان على جريمتهما يقومان باختطاف ضحيتهما واغتصابها ويقومان بتصويرها وإرسال صورها إلى أصدقائهم في أمريكا. ويضيف: اعتاد» ديفيد وكول «على اختطاف العراقيات بعد الثامنة مساء من شوارع العاصمة دون تسويغ سبب الاقتياد.. فقط بنادقهم تتحدث وتتكفل بإسكات أي ضحية وبث الرعب في المحيطين بهم، ٢٦ فتاة وسيدة عدد ضحايا» ديفيد «و» بول «كأنهما حضرا إلى العراق من أجل ارتكاب جرائم الاغتصاب وخصصهما القائد الأمريكي لهذا الهدف والدور. عشرات الشكاوى وصلت إلى رؤسائهما ولم يتخذ ضدهما أي إجراء يمكن أن يمنعهما عن هدفهما، وأضاف الكاتب الأمريكي:» هذه ليست ديمقراطية.. عار على أمريكا أن تستمر في احتلال هذا البلد. يكفي تحقيق بعض الأهداف كالبترول والتوسع من أجل مصلحة الأعوان، ولنرحل ونرحم نساء وأطفال وشيوخ العراق « [٦] . * التاريخ لا ينسى: التصرفات الأمريكية في العراق اليوم ليست وليدة حرب التحرير، ولكنها مستمدة من جذور الثقافة الأمريكية، وهذه» الممارسات الحضارية الأمريكية « وصفها قبل أكثر من مائتي عام زعيم هنود (دولاوير) وهي إحدى قبائل الهنود الحمر، المسمى» باشغنتاكيلياس «حين قال في عام ١٧٨٧م:» إنهم يفعلون ما يحلو لهم، يستعبدون كل من ليس من لونهم، يريدون أن يجعلوا منا عبيداً، وحين لا يتحقق لهم ذلك يقتلوننا. إياك أن تثق بكلماتهم أو وعودهم إنها أحابيل؛ صدقني! فأنا أعرف سكاكينهم الطويلة جداً « [٧] . في حملات إبادة لسكان القارة الأمريكية من الهنود الحمر كانوا ينظمون لذلك حفلات خاصة ويدعون إليها عِلية القوم للتفرج والاستمتاع الشهواني بهذه المشاهد المثيرة، حتى إن الكولونيل» جورج روجرز كلارك في حفلة أقامها لسلخ ١٦ من الأسرى الأحياء أثناء حصار الاحتفالي لفانسيس طلب من الجزارين أن يتمهلوا في الأداء، وأن يعطوا كل التفاصيل التشريحية حقها لتستمع الحامية كلها بالمشاهد. وقد وصف الكولونيل «هنري هاملتون» في يومياته بهجة الحضور بأنهم خرجوا يختالون بنشوة انتصارهم ورائحة دم الضحايا تعبق منهم، وإلى اليوم ما يزال «كلارك» رمزاً وطنياً أمريكياً وبطلاً تاريخياً، وما زال من ملهمي القوات الخاصة في الجيش الأمريكي «. منذ تأسيس الجيش الأمريكي أصبح السلخ والتمثيل بالجثث تقليداً مؤسسياً رسمياً؛ فعند استعراض الجنود أمام» وليم هاريسون «الرئيس الأمريكي لاحقاً، تم التمثيل ببعض الضحايا، ثم جاء دور الزعيم» تيكومسه «الذي تزاحم صيادو التذكارات على انتهاب ما يستطيعون من جلد هذا الزعيم التاريخي أو فروة رأسه، ويروي» جون سغدن «في كتابه عن» تيكومسه «كيف شرط الجنود المنتشون جلد الزعيم من ظهره إلى فخذه، وكيف أن أحدهم قص قطعة من الجلد شرائط رفيعة لربط موسى الحلاقة، وتناهش الآخرون فروة رأسه حتى إن بعضهم لم يحصل على قطعة أكبر من السنت (قطعة نقد معدنية لا يتجاوز قطرها السنتمتر) مزينة بخصلة من شعر» تيكومسه « [٨] . ويعرف عن الرئيس الأمريكي (أندرو جاكسون) أنه من عشاق التمثيل بالجثث، وكان يأمر بحساب عدد قتلاه بإحصاء أنوفهم المجدوعة أو آذانهم المصلومة، وقد أشرف بنفسه على التمثيل بجثث ٨٠٠ من الهنود الحمر من الأطفال والنساء والرجال. ومما يذكر في موضوع ما تعرض له الهنود الحمر على أيدي قادة الجيش الأمريكي أمر الكولونيل جون شفنغتون بمهاجمة هنود ساند كريك؛ وبينما كان الجنود يطلقون النار على أهل القرية المتراكضين في كل الاتجاهات أعطى أوامره بالقصف المدفعي. ويقول (روبرت بنت) أحد مساعدي شفنغون في شهادته أمام الكونغرس: » لقد شاهدت خمس نساء مختبئات تحت مقعد طويل، وعندما وصل الجنود إليهن بدأن يتوسلن ويطلبن الرحمة، لكن الجنود قتلوهن جميعاً، كان هناك ثلاثون أو أربعون امرأة متكومات فوق بعضهن في حفرة، ولقد أرسلن إلينا طفلة في السادسة تحمل الراية البيضاء مربوطة على عصا، لكنها لم تتقدم بضع خطوات حتى أطلقنا عليها النار وقتلناها، كما قتلنا النساء اللواتي لم يظهرن أي مقاومة، ثم رأيتهن بعد ذلك مسلوخات الرأس، بينما كانت إحداهن مبقورة البطن وجنينها في بطنها واضح للعين. ويقول شاهد آخر هو الجندي (آشبري بيرد) : رأيت امرأة تعرضت للتمثيل بها بطريقة بشعة جداً، كما شاهدت جثثاً مقطعة تقطيعاً فظيعاً وعدداً من الجماجم المحطمة، وإنني لعلى ثقة بأنها تحطمت بعد موت أصحابها بإطلاق النار عليهم كما هو واضح. وهذا ما يشهد عليه أيضاً السيرجنت (لوسيان بالمر) : إنني لم أرَ قتيلاً واحداً لم يسلخ رأسه أو رأسها، لقد رأيت كذلك أصابع مقطوعة للسطو على الخواتم؛ كما رأيت عدداً من الجثث وقد قطعت أعضاؤها التناسلية. وشهد (دافيد لودرباك) أحد الفرسان أن «جثث النساء والأطفال تم التمثيل بها بطريقة مخيفة. لقد رأيت ثمانياً منها فقط، ولم أجد في نفسي الشجاعة لرؤية المزيد فقد كانت شديدة التقطيع وكانت مسلوخة الرؤوس» . بعد انتهاء «المهمة» عقد الكولونيل (شفنغتون) مؤتمراً صحافياً أعلن فيه أنه خاض مع رجاله «إحدى أكثر المعارك دموية مع الهنود» وأنهت لجنة تحقيق الكونغرس تحقيقاتها باستهجان المجزرة وعدم معاقبة أحد. أما الرئيس (تيودور روزفلت) فإنه تسامى بهذه البطولات فوصفها بقوله: «إن مذبحة (ساند كرك) كانت عملاً أخلاقياً ومفيداً؛ ذلك لأن إبادة الأعراق المنحطة حتمية ضرورية لا مفر منها» [٩] . وإذا ما تناولنا ما كتب عن الحروب الأمريكية في فيتنام واليابان وكوريا فإننا نجد الفظاعات البشعة التي تستحي من تسجيلها الأقلام لما فيها من تجاوزات أخلاقية، وسنورد منها ما نعتقد أنه من المناسب. في حروب الحضارة الأمريكية على اليابان نشرت مجلة (لايف) الأمريكية في عام ١٩٤٤م، موضوعاً عن الحرب الأمريكية في اليابان ونشرت صورة بصفحة كاملة لشقراء أمريكية يفترُّ ثغرها عن بسمة السعادة والفخار وهي تقف إلى جانب جمجمة يابانية أرسلها إليها خطيبها من الجبهة. كما أعدت قناة history التلفزيونية فيلماً وثائقياً عرض يوم ١٣/٧/١٩٩٦م يصور شكلاً حديثاً متطوراً عن مشاهد السلخ في فيلم بعنوان: (قيام العنقاء) تناول الجنود الأمريكيين في فيتنام وهم يقطعون رؤوس ما يشتبه بأنهم من عناصر الفييتكونغ، ويعرضونها في مهمة أشرفت عليها وكالة الاستخبارات المركزية في أواخر عام ١٩٦٧م وأطلقت عليها عملية العنقاء phoenix operation، وتصف مجلة Counterspy في عدد ربيع / صيف ١٩٧٥م عملية العنقاء بأنها أكبر برنامج للقتل الجماعي المنظم شهده العالم منذ معسكرات الموت النازية، وقد تضاربت أرقام عدد القتلى من جراء هذه العملية وتشير في اغلبها إلى أن العدد تجاوز العشرين ألف فيتنامي. إن التاريخ الأمريكي الرسمي مليء بمثل هذه التجاوزات، فيعرف في وثائق الكونغرس الأمريكي ما كشفة (سيمون هيرش) عن فظاعات القتل والدموية في فيتنام؛ فقد قدم (هيرش) تقريراً إلى الكونغرس الأمريكي مكوناً من ٤٠ مجلداً هو الذي شجع الصحافة الأمريكية على فتح موضوع حرب فيتنام. فيقول في بعض الشهادات: إن الضابط المسؤول عن مذبحة مالاي في فيتنام وهو (وليم كال) كان يجر النساء والأطفال بيده نحو خندق، ويطلق عليهم النار قبل أن يساعده جنوده فيما بعد. وكان (جوزيف ستريك) الذي نال جائزة الأكاديمية للتوثيق في عام ١٩٧١م قد أجرى لقاءً مع من قاموا بمذبحة مالاي، وكان مما جاء على لسان (فردانو سمبسون) : «كانوا يمثلون بالجثث وبكل شيء، كانوا يشنقونها أو يسلخونها، وكانوا يستمتعون بذلك بكل معنى الكلمة، وكانوا يتلذذون بقطع حناجرهم» [١٠] . ومن المفارقات المذهلة في التاريخ الأمريكي اليوم ما صرح به مرشح الرئاسة الامريكية الحالي (جون كيري) في تصريح لجريدة واشنطن إيفنج ستار في ١٨/٤/١٩٧١م حول السياسة في فيتنام: لقد شاركت في مهمات قتل وتدمير وإحراق قرى، وهذا كله انتهاك لقوانين الحرب واتفاقيات جنيف، وكل ذلك تم بناء على أوامر مكتوبة وفقاً لسياسة الحكومة من قمة الهرم وحتى القاعدة. مؤكداً أن الرجال الذين مارسوا هذه التصرفات هم مجرمو حرب [١١] . الأمريكيون لا يحترمون أي شيء لا في العراق ولا في أفغانستان، وسلوكيات الجنود الأمريكيين تتشابه في معظمها في شرق آسيا والعراق وأفغانستان؛ فعلى سبيل المثال كل ما حدث في الصومال قبل ثلاثة عشر عاماً، حدث في العراق في الفترة الأخيرة؛ فالأمريكيون لا يحترمون أي خصوصية لأي مجتمع، وإنما يتعمدون في بعض الأحيان إلى الإيذاء لمجرد الإيذاء. * الممارسات البريطانية في العراق: لم تكن التصرفات البريطانية في العراق بأفضل حال من الأمريكية، وقد أظهرت الصور التي اكتشفت بالمصادفة والتي التقطها جنديان بريطانيان أثناء تعذيبهما أحد الأسرى وهو جندي عراقي سابق واغتصابه، وكشفت عنها إحدى العاملات في معمل تحميض صور بعد أن كاد يغشى عليها من هول ما شاهدته من بشاعة في الاغتصاب والتعذيب. هذه الممارسات البشعة هي الجزء المخفي من جريمة الاحتلال الأصلية، وتتكرر بالتأكيد حيثما تبتلى الشعوب بجنود الاحتلال والاستعمار، وتتزايد أعداد الضحايا والمعاناة الإنسانية، وتتضخم المشاكل الاجتماعية، وتتشوه العلاقات البشرية، وتتعاظم فظاظة الاحتلال العسكري والسياسي والأخلاقي، وتكون المرأة في أكثر الحالات هي دافعة الثمن الأساسي والضحية الرئيسة. فقد أكدت صحيفة Sun The البريطانية أن عدداً من الجنود البريطانيين في العراق قاموا بصورة منتظمة بضرب وركل عدد من الأسرى العراقيين، ونقلت الصحيفة عن أحد الجنود قوله إن الأسرى كان يجري إيقافهم على أقدامهم لمدة طويلة جداً إلى أن يسقطوا واحداً بعد الآخر على الأرض، وأن أحدهم تُوفي تحت وطأة التعذيب. وكشفت الصحيفة أن عدداً من الجنود البريطانيين في العراق قاموا بتعذيب عدد من الأسرى العراقيين الذين كانت رؤوسهم مغطاة، وهو الأمر الذي أدى إلى وفاة أحدهم في أحد المعتقلات البريطانية بالقرب من مدينة البصرة. ونقلت الصحيفة عن جندي بريطاني كان شاهداً على عمليات التعذيب والضرب قوله إنه شهد تعامل الجنود البريطانيين مع تسعة معتقلين عراقيين جرى اعتقالهم بتهم أنهم يقومون بعمليات قطع الطريق. وقال الجندي البريطاني الذي رفض الإفصاح عن اسمه إن الأسرى جرى إيقافهم على أقدامهم لمدة طويلة للغاية رافعين أيديهم قسراً فوق رؤوسهم؛ حيث أُمروا أن يواصلوا الوقوف إلى أن سقطوا واحداً تلو الآخر على الأرض من شدة التعب. وشدد الجندي البريطاني، الذي لم تشر الصحيفة إلى دوافعه للإدلاء بتلك الاعترافات، على أن الجنود البريطانيين كانوا يركلون ويضربون ويعتدون بكل وسائل الإهانة على الأسرى من دون توقف، مؤكداً أن المعتقلين كانوا يطلبون الرحمة ويستجدونها ويبكون ويصرخون إلى درجة أن أصواتهم كانت تصل إلى ثكنات الجنود البريطانيين الآخرين. وأشار إلى أن المعتقل العراقي الذي مات وُجدت جثته في أحد الحمامات التابعة لمعسكر الاعتقال، وأنه وصل لمرحلة لم يستطع أن يمشي أو حتى أن يقف لفترة بسيطة. وأضاف قائلاً: «لقد رأيت ذلك الشخص قبل وفاته بفترة بسيطة جداً كانت به كدمات، وكان السواد يُغطي مساحات واسعة حول عينيه، وأنه بعد وفاته كان فكه في غير مكانه» . وتحدث الجندي البريطاني أن زملاءه يضحكون ويسخرون من أولئك المعتقلين الذين وصلت حالتهم إلى حد قضاء حاجاتهم البشرية في ملابسهم، من شدة الخوف والترهيب. بل وتحدث عن إجبار أولئك الأسرى على شرب بولهم لمزيد من الإمعان في إهانتهم والتنكيل بهم، علماً أن التحقيقات لاحقاً أكدت براءتهم جميعاً من أعمال معادية للقوات البريطانية. وأضاف شاهد الحادثة أن بعض زملائه في غرف مجاورة كانوا غير قادرين على النوم من شدة صرخات المعتقلين. وقال: «لقد كان هؤلاء المعتقلين مقيدين بطريقة بشعة تمنع حتى الدورة الدموية من العمل بطريقة عادية: بين مقيد إلى الخلف، وبين معصوب العينين، وآخر محكم بثلاثة قيود معاً» . وقالت الصحيفة نقلاً عن شاهد العيان: «لقد تعاملوا معهم بوحشية، كأنهم يتعاملون مع حيوانات» . وأضاف: «أشعر بنفسي منذ تلك اللحظة أنني غير طبيعي، وسأعيش مسكوناً بهذه الحادثة بقية عمري، أحس أحياناً بالذنب؛ لأنني لم أستطع إنقاذ هؤلاء مما تعرضوا له على أيدي زملائي» [١٢] . وكانت صحيفتا (Guardian The) و (Independent) قد نشرتا مؤخراً قصصاً مشابهة عن الجنود البريطانيين، وطالبتا بالتحقيق؛ حيث اضطُرت وزارة الدفاع للإعلان عن أن التحقيقات جارية، وأن الجنود الذين ارتكبوا المخالفات والتجاوزات سوف يُحالون إلى المحكمة العسكرية. * وماذا بعد؟ إن الثقافة وأسلوب الحياة الأمريكية ليس إلا القتل والدموية، وهذا ما أكد عليه المؤرخ (تشارلز بيرد) بقوله: «منذ أن انتهت الحرب العالمية الثانية وتحقق انتصارنا على اليابان ونحن في دوامة العدو الشهري، وتعني أننا في كل شهر نواجه عدواً مرعباً يجب علينا أن نضربه قبل أن يقضي علينا» . وبعد ما سبق هل يبقى كثير من المؤيدين أو الراغبين في الحرية والديمقراطية على الطريقة الأمريكية؟

стр. 4945

حوار رئيس تحرير مجلة الشرق الأفغانية (عبد الصمد همت) في حوار مع مجلة البيان الأمريكيون يقلصون وجودهم العسكري في أفغانستان وحكومة كرزاي في طريق صراع الأجنحة الأوضاع في أفغانستان لم تستقر لصالح طرف معين، بعد أكثر من عامين ونصف من الغزو الأمريكي، وهناك تفاعلات عديدة على الأرض، كان بشأنها هذا الحوار. البيان: مرحباً بضيفنا الكريم، نريد بداية أن نسأل: ما هو وضع الاحتلال الأمريكي في أفغانستان بعد أكثر من عامين ونصف على سقوط كابول؟ وهل يمكن القول بأن الاحتلال حقق أهدافه التي جاء من أجلها؟ - بالنسبة لوضع الاحتلال؛ فالحقيقة التي تعيشها أفغانستان؛ هي أن وضع الاحتلال وضع سيئ من جميع النواحي، سواء من الناحية الأمنية، أو الناحية الإدارية، أو من الناحية السياسية، أو من الناحية الاقتصادية، من جميع النواحي، لم يحققوا شيئاً من الأهداف التي جاؤوا من أجلها؛ لأن دعاواهم التي كانوا يدعونها أو التي كانوا يمنُّون الناس بها، سواء في أفغانستان أو في خارج أفغانستان، لم يحققوا منها شيئاً، ومن ثم لم يحققوا أهدافهم، وحتى ما كانوا يسمونه: القضاء على الإرهاب؛ لم ينجزوه. ولا شك أنهم كانوا يريدون القضاء على الجهاد في أفغانستان وعلى المسلمين المجاهدين الذين كانوا يريدون تأمين بلادهم وتطبيق شرع الله على أرضهم وفي بلدهم، لم يحقق الأمريكيون هذا الهدف إلى الآن، إنهم لم يحققوا سيطرتهم حتى على كابول؛ فالجميع بمن فيهم القوات الأمريكية والقوات الأفغانية المتمثلة في التحالف الشمالي وقوات حفظ السلام وقوات الناتو، جميع هذه القوات وأيضاً استخباراتهم والدول المتساعدة معهم لم يستطيعوا القضاء على المقاومة في أفغانستان؛ إضافة إلى ذلك لا يزال الوضع الأمني في كابول سيئاً؛ فالصواريخ تمطر عليهم، وعلى داخل كابول، والانفجارات في داخل مراكزهم وفي داخل ثكناتهم. أما خارج ثكنات القوات العسكرية حيث المدنيون والإدارات الحكومية أو الشعب بشكل عام، فلم يتحقق شيء من الأمن؛ فكل همهم الآن وكل جهدهم منصب على مدينة كابول، ومع ذلك ما استطاعوا تحقيق أمن هذه المدينة؛ فما بالك وماذا تتوقع خارج كابول؟ إنه من بعد صلاة العصر لا يستطيع أحد أن يخرج أو يستخدم الطريق السريع بين المدينة وبين القرية أو بين المدينة وبين المدينة، بل قال لي مواطن أفغاني بين قريته وبين مدينة بكتيا قرابة ثمانية كيلو متراً وهي مسافة قصيرة جداً قال: هذا الطريق يتعرض للقطع ونهب سيارات ولقتل الناس الأبرياء مرات عديدة، وبمعدل حادثة يومياً أو أكثر، والله المستعان، هذه منطقة واحدة وقس على ذلك المدن الأخرى؛ فهذه المدن الرئيسة: جلال أباد، قندهار، مزار. أما إذا خرجت إلى المدن الفرعية فهي في الحقيقة فوضى، يعني ليس هناك لا جيش ولا إدارة حكومية، ليست هناك قوات أمن مثل ما كان في السابق وقت حكم حركة طالبان؛ لأنه سابقاً كان كل من يقوم بهذه الأعمال يحسب حساب الغد، وأنه سيحاسب على ذلك ويحبس، ولكن الآن، إذا احتاج الحكوميون إلى شيء يطلبون القوات الأمريكية ويستعينون بها فتأتي وتضرب دون تمييز. أما المحتلون فهناك صواريخ تطلق على ثكناتهم، ودورياتهم التي انخفضت بنسبة ٥٠%؛ وذلك لخوفهم وهلعهم، وتتعرض قواتهم الآن للهجمات، لكن ذلك للأسف ليس مخدوماً من الناحية الإعلامية، كما هو الوضع الآن في العراق التي فيها مندوبون ومراسلون إعلاميون ينقلون كل شيء يومياً، لكن في أفغانستان لا يوجد شيء من ذلك، حتى بعض المراسلين الذين كانوا يتبعون بعض الجهات الإعلامية غير المحسوبة على أمريكا؛ أُخرجوا من هناك، حتى بعض المؤسسات الإسلامية الخيرية التي كانت تعمل وهي قليلة تُضايَق حتى لا تكتب شيئاً ولا تُخرج بيانات. فالأمريكيون الآن حقيقة يتعرضون للهجمات والقتل سواء في المدن أو أثناء سير قوافلهم ودورياتهم خارج المدن، ولهذا فهم غالباً ما يكونون في ثكناتهم، وعندما تخرج قافلة منهم تخرج أيضاً بقوة كبيرة سواء على الأرض أو بغطاء جوي، بحيث تكون الطائرات على رأسها حتى تحافظ على أمنها وتحافظ على وصولها إلى المكان الذي تريده. ويتكرر هذا في خوست وفي جلال أباد وفي قندهار وفي هرات وفي روزجان، قواتهم تتعرض بشكل شبه يومي لهجمات إما بالصواريخ وإما بانفجارات وإما بكمائن في الطريق. وأيضاً هناك مشكلة اقتصادية كبيرة لدى حكومة كرزاي تجعل توفير الاستقرار صعباً؛ فمن يدفع لهم تكاليف هذه العملية الآن؛ والأمريكيون لا يريدون أن يدفعوا شيئاً؛ لأنه ليست هناك أي فائدة لهم من دخل البلاد. في العراق مثلاً يمكن أن يطمعوا في البترول، لكن هنا لا شيء من ذلك. ونفقات كثيرة يتحملونها حتى الحكومة بكاملها على عاتقهم، وقوات الجيش وقوات حفظ السلام تطالبهم بذلك وقوات الناتو تطالبهم والشعب يريد منهم كذلك.. حتى دول الجوار مثل باكستان الآن تطالبهم بثمن للعمليات التي يقومون بها على الحدود. فهي عملية اقتصادية ضخمة لا يريد الأمريكيون تحملها كلها. ومن ناحية سياسية هناك تشويه لسمعتهم بسبب القتلى؛ فهم وما يسخرونه من ناحية الأفراد والطائرات كثيراً ما يخسرون بسبب المقاومة، هذه كلها خسائر سياسية واقتصادية وعسكرية ومن جميع النواحي، والأهداف لم يحققوا شيئاً منها لا الأمن ولا التعمير الذي كانوا يأملون به ولا القضاء على ما يسمونه بالإرهابين؛ فهم لم ينجزوا إلا خسائر من جهة القوات الأمريكية، وخسائر على البلد عموماً، ولهذا فهم في ورطة بسبب المقاومة المستمرة. البيان: هل المقاومة قاصرة على طالبان فقط؟ - لا؛ فالآن العمليات توسعت، يعني كانت في البداية تنسب لطالبان فقط، العمليات الآن توسعت لتشمل بعض المنظمات الأخرى من المجاهدين السابقين، وهناك أيضاًِ مسلحون من الشعب أدركوا أن وعود أمريكا ظهر أنها سراب، ولا أمل يمكن أن يأتي من الناحية الاقتصادية ولا السياسية والأمنية، في أيام طالبان كانوا على الأقل آمنين في بيوتهم، في تجارتهم، آمنين في زراعتهم، آمنين في أعمالهم ولكن الآن فقدوا هذا، ولم يحصلوا على شيء آخر غير الخسارة. ومع ذلك أيضاً - في الحقيقة - فإن طبيعة الشعب الأفغاني تدرك خطر المحتل وتعيش مرارة الوضع هناك؛ فهناك تعدٍ وهناك قتل عشوائي؛ فالطائرات أحياناً تأتي وتضرب المدنيين وتضرب الأبرياء؛ والناس لم يعودوا يحتملون ذلك، وينفد صبرهم فيتحركون سواء من ناحية دينية أو من ناحية إنسانية أو من ناحية وطنية، الناس الآن يتحركون إجمالاً ويتعاونون مع المجاهدين سواء بالإيواء أو بالمال أو بأنفسهم أو بالسلاح الذي معهم. البيان: هل المستهدف من المقاومة القوات الأمريكية أو القوات الدولية؟ - الآن القوات الأمريكية لا تتحرك ولا تخرج إلا إذا بُلّغت بشيء معين في مكان معين وبنقطة معينة، ففي ذلك الوقت يتحركون، فإذا تحركوا أيضاً - كما ذكرت لكم - فإنهم يتحركون بقوة كبيرة وأحياناً تكون مع غطاء جوي، لكن مع ذلك فإن المجاهدين أيضاً يتعاملون مع هذه القوات غالباً بوضع كمين لهم في الطريق، وبهجوم على الطريق الذي يصلون إليه، يعني تكون عندهم أخبار بتحركات الأمريكيين، ولهم اتصالاتهم داخل الحكومة، ولهم عيون؛ فلذلك فهم يتعرضون لهم بين حين وآخر. وأما قوات حفظ السلام فليست كبيرة، وقوات الناتو التي وصلت أخيراً في العام الماضي تدفعهم أمريكا دفعاً للخروج من كابول وكرزاي يطالبهم بأن يخرجوا خارج كابول ويؤمِّنوا المدن والولايات الأخرى، لكن مع ذلك في الحقيقة ما استطاعت هذه القوات ولم تجرؤ على الخروج خوفاً على رجالهم. البيان: وما هي أوضاع الحكومة الأفغانية في ظل ذلك كله؟ - ليست هناك حكومة، هي فقط حكومة بالاسم، لا توجد حكومة، الحكومة الموجودة الآن ليست حكومة كرزاي فقط، فكل وزارة حكومة، فوزارة المالية والبنك المركزي يقولون على الملأ نحن من بداية العام نطالب كل وزارة أن تقدم لنا على الأقل تكاليفها وأي ميزانية لها، حتى نستطيع أن نأخذ بياناتها مما تأخذ أو تعطى في الميزانية، يعني ماذا يقدم لهذه الوزارة وماذا تقدم هذه الوزارة، لكن أي وزارة لم تتقدم بشيء. طالبوا وزارة الدفاع بأن تقدم ما هي تكاليفهم، ما تكاليف جيشهم، ولكنهم وغيرهم لم يقدموا أي شيء، تريد كل وزارة أن تصرف ما تشاء وتصرف على من تشاء، وزير المالية الأمريكي في العام الماضي زار كابول قبل رمضان فصارت بينه وبين وزارة المالية أزمة كبيرة، والسبب أن ما يقارب ٥٠ مليون دولار أنفقت خلال فترة قصيرة وهي خارجة عن البنك المركزي وليس لها أي سند على أي شيء صرفت. الوزارات في الحكومة تابعة للأحزاب المختلفة. وزارة التخطيط تنتقد كرزاي في إذاعة لندن، وزارة الزراعة الآن يشغلها حزب الوحدة الشيعي وله حساباته، ودوستم نائب وزارة الدفاع لم يحضر إلى كابل للآن؛ فلا يزال جالساً في مزار شريف، ومحمد فهيم وزير الدفاع لم يسلم للآن قائمة الأسلحة للحكومة، يعني الحكومة لا تعرف ما هي قائمة الأسلحة الموجودة في وزارة الدفاع؛ ولو لم يكن التهديد الأمريكي مباشراً فوق رؤوسهم، لرأيت الوزراء يتقاتلون خلال أسبوع؛ فهل هذه حكومة؟ البيان: لكن هذه الأوضاع تضر بالمصالح الأمريكية نفسها؟ وتضر بحكومة كرزاي، أليس كذلك؟ - نعم! فهناك لدوستم حكومة مستقلة، وحزب الوحدة حكومة مستقلة، إسماعيل خان جالس الآن في هرات وهو حكومة مستقلة، وبجانب كل ذلك توجد الآن منافذ في أفغانستان ليس لها دخل قومي أو مساعدات خارجية أمريكية أو من هنا أو هناك، ولهذا فهي تفرض إتاوات أو جمارك، هي دخلها؛ فهذه المداخل أو المنافذ كلها لها جماركها، كل ولاية تأتي بالدخل الذي تأخذه وتصرفه في نفس الولاية بدون علم البنك المركزي ولا الحكومة المركزية، وقد طالب كرزاي الآن بهذه الأموال وقال هذه ملك الحكومة المركزية فينبغي أن تسلم للبنك المركزي، ثم توزع من الحكومة المركزية على الولايات. ولكنهم لم يحققوا إلى الآن هذا الهدف، ولم يصلوا إليه. في العام الماضي ذهب وفد أمريكي لإسماعيل خان وهدده لكي يدفع الأموال للحكومة واستطاعوا بعد بذل المحاولات أن يأخذوا منه ٢٠ مليون دولار. هناك المنفذ التركماني والمنفذ الإيراني الذي تأتي عن طريقه أغلب التجارة الأفغانية، تأتي من هذا الطريق تقريباً نحو خمسة ملايين دولار أسبوعياً، يكون دخلهم، ومعنى ذلك أن عشرين مليوناً تأتيهم في الشهر. من الطرائف في ذلك أن إسماعيل خان رئيس حزب الوحدة الشيعي ووزير الزراعة ضرب رئيس البنك ورئيس الجمارك المسؤول عن الجمارك في هرات ضربه ضرباً أمام الناس بسبب تسليمه مبلغاً للحكومة المركزية بطلب من تلك الحكومة بدون معرفته وبدون علمه، فلما علم إسماعيل خان أنه سلم المبلغ جاء وضربه بين الناس، وصارت أزمة، وصار خان يقول إنه اختلس هذا المبلغ ورئيس الجمرك يقول إنه ضربني من أجل أن سلمت شيئاً من المبلغ للحكومة المركزية. يعني هذه الفضائح التي تخرج الآن تعكس أوضاع الشعب تحت نيران الاحتلال والحكم التابع له. البيان: وأين ظاهر شاه من كل هذا، وكذلك تحالف الشمال؟ - جناح ظاهر شاه الآن يعمل ولكن سيذهب، وليس هناك بديل غير كرزاي، فهو الرجل المناسب رجل الاستخبارات الذي ربوه من وقت أبيه من ثلاثين سنة، هذا الرجل هو الذي يطمئنون إليه، فإذا ذهب فبمن يأتون؟ تحالف الشمال؟ دوستم وأمثاله؟ إسماعيل خان؟! الحقيقة لم يطمئنوا إليهم ولا لأي واحد من ذلك لأن التحالف الشمالي لا يزال مرتبطاً بروسيا وإيران، وإن كان يتعامل مع أمريكا، ولكنهم يقولون إن مصالحنا المباشرة مرتبطة بروسيا وإيران أكثر من أمريكا؛ فأمريكا بعيدة عنا لا تستطيع أن تحمينا، ولا تستطيع أن تنفق علينا، ولا تستطيع أن تحافظ علينا فهي ذاهبة ذاهبة، إما اليوم أو غداً أو بعد غد؛ فلماذا نحن الآن نخسر الجانب الروسي والجانب الإيراني وهم جيراننا وعلى الحدود معاً، وعلاقتنا مرتبطة بهم ومستقبلنا مرتبط كذلك؟ لذلك لا يزالون يتعاملون مع أمريكا ولكنه تعامل مثل ما نقول ظاهري وقلوبهم ما زالت مع روسيا وإيران. البيان: يردد الأمريكيون والموالون لهم في أفغانستان الحديث كثيراً عن التوجه نحو إنشاء جيش نظامي؛ فهل يؤخذ هذا الأمر بجدية؟ وهل يمكن أن يؤثر إيجاده على استمرار المقاومة؟ - الجيش النظامي لم يتحقق للآن شيء بشأنه، لقد أعلنوا وشاوروا ولكن المشكلة الكبيرة أنه لا توجد ثقة الآن بين تحالف الشمال وبين كرزاي من جهة، وبين دوستم وحزب الوحدة من جهة ثانية، وبينهم وبين أمريكا من جهة ثالثة، فوزارة الدفاع التي يسيطر عليها فهيم، هناك تفكير بتحويلها إلى كيان عسكري يجمع بين كل المجاهدين السابقين، وهؤلاء لا يريدون لكرزاي وجماعته أن يستمروا في السلطة، وحكومة كرزاي في الوقت نفسه ليست لها كوادر جديدة، بل الأفراد الذين يأتون بهم من نفس أفراد التحالف الشمالي أو أفراد دوستم، أو مجاهدين آخرين قد يكون منهم أفراد من طالبان، وحاولوا مرة إنشاء فرقة جديدة من بعض الضباط والجنرالات القدامى السابقين من أيام ظاهر شاه، وأعادوا تأهيلهم لتدريب مجندين، ودربوا بالفعل سبعة إلى ثمانية آلاف جندي، ولكن أكثر هؤلاء لم ترق لهم الأوضاع عندما طلب منهم أن يقاتلوا إخوانهم، فهربوا وتركوا وظائفهم، فصارت فضيحة للحكومة وورطة أيضاً؛ لأن بعضهم انضم بسلاحه بعد التدريب إلى المجاهدين من طالبان وغيرها من المعارضين، وقد زاد الأمر تعقيداً أن تكوين جيش قوي يحتاج إلى إجراءات مكلفة، تتطلب ميزانية كبيرة، وقوات التحالف تطالب كرزاي بمائة ألف جندي، وهذا العدد يحتاج تدريبه وتسليحه ورواتبه وملابسه وعلاجه إلى ملايين الدولارات التي لا يسهل توفيرها من دخل الحكومة، ولا من الإعانات التي تقدم لها. البيان: يلاحظ أن هناك محاولات لتهميش رموز التحالف الشمالي، ظهرت من خلال مناقشات الليوجيرجا التي أجريت مؤخراً، فماذا كان رد فعلهم على هذا التهميش؟ - لم يفعلوا شيئاً، ولن يفعلوا شيئاً ما داموا باقين على وضعهم وفي مناصبهم. طبعاً هم غير راضين عن التهميش، ولكن ما داموا في الوزارات وأموالها تصرف عليهم والنفقات تأتيهم فلن يفعلوا شيئاً، وهم يعلمون أن كرزاي ليس له بديل غيرهم الآن؛ لأنه ليست له قوة سياسية وليس وراءه تنظيم ولا قوة عسكرية تغنيه عنهم. البيان: هل معنى ذلك أن أطراف التحالف الشمالي مستفيدون من الاحتلال؟ - أكثر من يستفيد من الاحتلال هم أطراف التحالف الشمالي، وإن كانوا يعلمون جيداً أن أمريكا غير راضية عنهم وتريد التخلص منهم، ولكنها لا تجد بديلاً عنهم، فإذا وجدت أمريكا البديل؛ فإنهم سيتحركون للدفاع عن مصالحهم، ولكنهم الآن صامتون ولا يريدون مواجهة قواعدها الموجودة في طاجيكستان، وباكستان، ولكن أمريكا أيضاً تريد أن تستفيد من قوى تحالف الشمال الآن على الآقل، وتريد في الوقت نفسه أن يظل هذا التحالف غير قوي، بل مخترقاً ومتفرقاً إلى حين تستطيع الاستفادة من عناصر تتربى في داخلهم، وبخاصة أن كثيراً من عناصر تحالف الشمال لا يزال موالياً لروسيا، وعلى رأسهم وزير الدفاع محمد فهيم ربيب الاستخبارات الروسية سابقاً. البيان: أعطنا نبذة عن مواقف قادة أحزاب الجهاد القديمة. - سياف ورباني وما تبقى من جماعة سميع الله، هؤلاء يعتبرون جزءاً من حكومة كرزاي، وهؤلاء لم يبتعدوا عن عملاء الاحتلال، ولم يصدروا تصاريح أو فتاوى علنية تصرح بأن أفغانستان محتلة وأنه يجب تخليصها من الاحتلال. أما بالنسبة لرباني، فوضعه شديد التودد للحكومة، ولا يزال يأمل أن يكون رئيساً للدولة مرة أخرى في الانتخابات القادمة، ولذلك فهو يوزع الأموال والسيارات بسخاء من الأموال التي تأتيه من إيران علٍى زعماء القبائل وعلى بعض الناس الذين لهم تأثير لكي يكسب صوتهم في تلك الانتخابات. وسياف ورباني يتقربون كذلك كثيراً من ظاهر شاه الذي كانوا يعلنون وقت الجهاد السابق أنهم سيقتلونه في المطار إذا وطئ أرض أفغانستان، وكلٌ من رباني وسياف يظهران الآن في التلفزيون الأفغاني لافتتاح المؤتمرات والتحدث في المناسبات باسم حكومة كرزاي، لإعطائها مظهر الحكومة الإسلامية. البيان: نعود إلى وضع المقاومة في أفغانستان، والتي يظهر أن طالبان ما زالت في مقدمتها: هل هناك استراتيجية معينة تنتهجها طالبان في مواجهة الاحتلال الأمريكي، وخاصة أن أمل العودة للإمارة والحكم أصبح أمراً صعباً؟ بتعبير آخر: على أي شيء يراهنون الآن؟ - لا شك أن الطالبان عانوا معاناة كبيرة جداً بعد خروج قواتهم من المدن، فقد صاروا في شتات، ولكنهم بدؤوا يخرجون من هذا الشتات ويعيدون تنظيم صفوفهم، سواء في مجلس الشورى، أو في المجلس العسكري، وسعوا إلى تنظيم وسائل دعم لنشاطهم. والحاصل أن ظروفهم تحسنت كثيراً رغم الظروف القاسية التي مرت وتمر بهم من الحصار والمطاردة من كل الجهات ومنع الدعم لهم من كل الأطراف، وأما عن أمل العودة لحكم أفغانستان، فهذا ليس قضية طالبان الآن، ولا يسعون إلى ذلك، ولا يتحدثون عنه، هم يريدون أولاً إخراج المحتل، يريدون تأمين أفغانستان من الأمريكيين، وتطهيرها من حكم العلمانيين، وهم يعلمون أن المعادلات الدولية لن تسمح لهم بالعودة، ومع ذلك فهم ينشطون في المقاومة بكل ما يستطيعون، ويتحملون التضحيات الباهظة، وهذا أكبر دليل على أنهم ليسوا طلاب سلطة لمجرد السلطة، ولكنهم يريدون رفعة الدين، ولو على أيدي غيرهم. البيان: سؤال أخير: هل هناك طرح أن تعود طالبان بدون الملا عمر، أي بوجه آخر؟ - باكستان تسعى لهذا؛ لأنها تضررت كثيراً من سقوط طالبان، وتسعى بطرق غير مباشرة للوصول إلى هذا الأمر، وهم يعرفون أن أمريكا لا تريده، ولذلك يطالب الباكستانيون أن تعين طالبان قائداً آخر بوجه مقبول، وفي الحقيقة أن بعض القادة السابقين في طالبان من الوزراء والمسؤولين الحكوميين لا يستبعدون هذا، ولكن الحقيقة أيضاً أن الأمر ليس في يدهم، وإنما في يد القادة العسكريين الذين لا يزالون ملتفين حول القيادة نفسها، وهم يرون الآن أن الوقت في صالحهم، ولهذا لا يستعجلون النتائج، بل قرروا أن يسيروا في المقاومة بطريقة لا تنهك المجاهدين ولا تكبدهم الخسائر الكبيرة؛ لأن الأمريكيين بدؤوا يقلصون قواعدهم؛ فقد كانت لهم ١٢ قاعدة، فقلصوها إلى ثمانٍ، وأما الحكومة نفسها فهي تمضي في طريق صراع الأجنحة، والأمور داخلها تسير إلى الأسوأ؛ بينما تسير أمور المجاهدين إلى الأحسن بإذن الله.

стр. 4946

نص شعري هذا الطريق د. عبد الغني بن أحمد التميمي [*] في رثاء أسد غزة الدكتور عبد العزيز الرنتيسي ﵀. هذا الطريقُ.. أبا محمدْ فاستقبل العلياء باسم الله واصعدْ هذا الطريق لمن على جمر المواقف قد تعوّدْ في الله تسعده المواجعُ بل بلا تلك المواجع ليس يسعدْ * * * هذا طريق الصادقين وليس مفروشاً بوردٍ أو معبَّدْ درب عليه الأنبياء مضوْا فمن نوحٍ مداه إلى محمدْ درب الشهادة ليس بالدرب الممهّدْ درب تُروّيه الدماءُ سخيةً وعلى الدماء زكيةً.. ممتدْ لم يدر ما طعم الشهادةِ من تردّدْ * * * هذا الطريق.. أبا محمد ما كان كرسياً يدورُ ولا مياثر من حريرٍ بُثَّ في صرحٍ ممرَّدْ هذا الطريق ومن هنا كان المرورُ وسلْ به مرج الزهور عرفتك من أزهارها غصناً بنضرته تورّدْ عرفتك من أسيافها سيفاً بلا غمد تجرّدْ عرفت لديك صخورها قلباً تُدق به الصخور إذا تمرّدْ * * * هذي الزعامة لا شعاراتٌ بلا قيم تُردَّدْ من كلّ قوّالٍ رويبضة إذا ما سيم خسفاً أو تهدَّدْ كانت إجابته العظيمةُ أنه أرغى وأزبد في مجال القول مشاءٌ ولكن في مجال الفعل مُقعدْ * * * أواه من إحساس قومٍ كالحجارة قد تجمّدْ هتفت بشجبهم الحناجرُ والخناجر في ظهور الأهلِ تغمدْ وقرارهم عفنٌ من الإهمال دوّدْ طاف القرار ببيت أمريكا فَعاد وقد تأمرك أو تهوّدْ والأبيض البيت الكريهُ بكل فاضحةٍ يسوّدْ عبد العزيز.. أبا محمد يا أيها الملك المتوّج بالفخار عليك تاج أحمر الإكليل يُعقدْ وعصائب الأبطال حمرٌ في بهاءٍ تتوقّدْ وكذاك مدرسة الجهاد فزيّها زِيٌ موحّدْ * * * لله كم حسد النهار جبينه والقائم الأسحارَ بالقرآن يُحسدْ يا من رحلت إلى العزيز وفي فؤادك جمرة للحزن توقدْ أسفاً على آمال أمتك الجريحة كيف توأدْ ظلم القريب وغدره جرّبته في السجن مظلوماً تقيَّدْ وتناوبت أيديهم نتفاً للحيتك الكريمة ... صابراً ويداك تجلدْ ورأيت أجناد الصليب وجيشه في أيّ عاصمة يجنّدْ يزهو بهتك نسائنا في مشهدٍ يُدمي القلوب وأيِّ مشهدْ في أرضنا جيش الصليب وقد تكوّف أو تبغددْ ما يزرع الطاغوت من زرعٍ أليس بمنجل الطاغوت يُحصدْ * * * دار الخلافة تستباح بها طقوس الكفر تنشدْ لا جيش معتصم هنا؛ ولا الرشيد هنا توعّدْ عادَ المغول وعادت الأصنام والأوثان تعبدْ ويطأطئ الرأسَ النخيلُ ويرفع القاماتِ غرقدْ وجيوش أمتنا الأبيةُ في أوان الشدّ تُفقدْ إن هاجم الأعداء قطراً فهي للجيران تُحشدْ * * * عظم البلاء.. أبا محمد واليوم غادرتَ العناء إلى نعيم بعد فضل الله باق ليس ينفدْ نم كالعروس منعّماً وعلى ثرى أرض الرباط يداً توسّدْ ضيفاً على الملك الكريم وضيفه يرقى ويسعدْ

стр. 4947

المسلمون والعالم المشروع الصهيوني ومخططاته المستقبلية التهديد الصهيوني للأمة العربية لواء أ. ح.د. زكريا حسين [*] في البداية أشير إلى أنني أنطلق في عرضي وتحليلي من خلال ثلاث حقائق رئيسة: أولها: إن استطلاع الرأي الذي أجري مؤخراً في أوروبا اعتبر أن إسرائيل والولايات المتحدة تمثل أكبر تهديد للسلم والأمن العالميين، وأن نسبة ٦٠% قد أعربت عن هذا الاعتقاد. ثانيها: أن الولايات المتحدة قد أعلنت أنها اختارت الشرق الأوسط ليكون البداية التي تنطلق منها استراتيجيتها الكونية للهيمنة على العالم. ثالثها: أنه من المؤكد أن هناك توافقاً استراتيجياً بين كل من الولايات المتحدة وإسرائيل الحليفة الرئيسة لها لتلعب دوراً رئيساً وفعالاً في تنفيذ مخططاتها لإعادة صياغة الشرق الأوسط بما يؤدي إلى حل الصراع العربي الإسرائيلي طبقاً للرؤية الإسرائيلية من ناحية ويحقق أهداف الهيمنة الأمريكية من ناحية أخرى. وعلى ضوء ذلك فإن عَرْضَنا وتحليلنا اليوم سيركز على موضوع. - المشروع الصهيوني ومخططاته المستقبلية. - التهديد الإسرائيلي للأمة العربية. وسيتم تناول هذا الموضوع من خلال الإجابة على التساؤلات الآتية: أولاً: ما هو المخطط الأمريكي لإعادة صياغة الشرق الأوسط والدور الإسرائيلي فيه؟ ثانياً: ما هي المراحل والخطوات التي تم اتخاذها وسيتم اتخاذها عن طريق هذا المخطط؟ ثالثاً: لماذا تعتبر إسرائيل تهديداً رئيساً للأمة العربية؟ في مجال الإجابة على التساؤل الأول: ما هو المخطط الأمريكي لإعادة صياغة الشرق الأوسط والدور الإسرائيلي فيه؟ نقول: تعود جذور المخطط الأمريكي لإعادة صياغة الشرق الأوسط إلى فترة ما بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣م؛ حيث طرحت فكرة «تأمين منابع النفط في الخليج» وذلك باستخدام القوات المسلحة لمنع تكرار ما سمي بـ «استراتيجية الخنق» التي اتبعتها الدول الخليجية باستخدامها السياسي لسلاح النفط لفرض رؤيتها لحل الصراع العربي الإسرائيلي آنذاك. وقد تبلور هذا الاتجاه من خلال دراسة أعدتها لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب الأمريكي في ٢١/٨/١٩٧٥م، والتي بحثت لأول مرة احتمال القيام بعمل عسكري ضد دول منتجة للنفط عند محاولاتها فرض حظر نفطي ... وقد تحدد الهدف الاستراتيجي لاستخدام القوة المسلحة الأمريكية في حالة نشوب هذه الأزمة ليكون «القيام بعملية عسكرية للاستيلاء على منطقة حقول النفط الرئيسة الواقعة بالمنطقة الشرقية الممتدة بمحازاة الخليج العربي، وتأمين تدفق أهم حقول النفط في المملكة العربية السعودية والتسهيلات المصاحبة لها، والاحتفاظ بها أو السيطرة غير المباشرة عليها» . وفي ٢٣/١/١٩٨٠م أعلن الرئيس الأمريكي «جيمي كارتر» في خطاب له أمام الكونجرس الأمريكي عن نظرية أمن صريحة لمنطقة الخليج عرفت بمبدأ كارتر الذي انطوى على شقين: أحدهما: شق سياسي وقال فيه: «إن أي محاولة من جانب أي قوى للحصول على مركز مسيطر في منطقة الخليج سوف يعتبر في نظر الولايات المتحدة هجوماً على المصالح الحيوية بالنسبة لها، وسوف يتم رده بكل الوسائل بما فيها القوة المسلحة» . أما الشق الثاني: فقد تمثل في إنشاء «قوة الانتشار السريع» من خلال تقرير قدمته وزارة الدفاع الأمريكية عام ١٩٨٨م من لجنة القوات المسلحة بالكونجرس، والذي على أساسه اعتُمدت ميزانية هذه القوات لتلك السنة. وعن التغير القادم في الشرق الأوسط تعرض التقرير لذلك بقوله: «إن الولايات المتحدة كانت توافق وتساير عدم النظام في منطقة الشرق الأوسط، وكان اهتمامها الأول والأخير منصباً على النفط وأمن إسرائيل فقط على اعتبار أن الصراع العربي الفلسطيني لم يكن يهدد التوازنات الاستراتيجية، بل إن عدم الاستقرار كان يخدم الولايات المتحدة لتجعل الجميع تحت سطوتها في المنطقة؛ إلى أن فوجئت الولايات المتحدة بهجوم» تنظيم القاعدة «وهو مظهر تهديد للمصالح الأمريكية الذي جسده» أسامة بن لادن «ومن معه ممَّن شاركوا في عمليات مركزي التجارة والبنتاجون، وكان هدفهم المعلن هو إخراج القوات المسلحة الأمريكية من الخليج وإقامة دولة إسلامية تهيمن على منابع النفط في العالم، وفي نفس الوقت استعداد تنظيم القاعدة لتدمير دولة إسرائيل، وهو الأمر الذي جعل الولايات المتحدة تقتنع بأنه لا يمكن التساهل مع الشرق الأوسط الذي تتنامى في مشاعر شعوبه معاداة الولايات المتحدة؛ فضلاً عن التهديدات التي تحيط بإسرائيل ومنابع النفط والتي ليس للولايات المتحدة فيه باستثناء إسرائيل أي حليف مؤتمن بل إنه من المحتمل أن ينطلق منه في المستقبل هجوم بأسلحة غير تقليدية ضد الولايات المتحدة. ومن هنا قرر الرئيس الأمريكي» جورج دبليو بوش «أن تبدأ إعادة تشكيل الشرق الأوسط بغزو جمهورية العراق وإزاحة حكم الرئيس صدام حسين باعتبار أن رحيله لن يمكنه من الحصول على مزيد من أسلحة الدمار الشامل وعلى رأسها القنبلة النووية! .. أو حتى تمكينه من السيطرة على منابع النفط، وأيضاً لكي يصبح نقطة الانطلاق للحملة التي تستهدف ما أطلق عليه» إدخال الديمقراطية إلى الشرق الأوسط من البحر الأحمر حتى الخليج «.. أي إلى عملية ضم المسلمين إلى إمبراطورية الخير التي ستبدأ من العراق.. من هنا فإن الهدف الأمريكي من الغزو العراقي هو» خلخلة المنطقة «وإعادة رسم خريطتها السياسية الإقليمية، بما يخدم الهدف الإسرائيلي بتسوية الأرض عسكرياً وسياسياً ونفسياً للتهيئة لواقع عربي مخلخل يسهل تقبله للضغوط من أجل حل النزاع العربي الإسرائيلي وفقاً للرؤية الإسرائيلية. وعلى طريق تنفيذ الهدف فقد تحققت الخطوة الأولى عن طريق إحداث التغير في الشرق الأوسط بإسقاط النظام العراقي باعتبارها بداية لخطوات أخرى لإسقاط حكومات وتقسيم دول بغرض إقامة نظام شرق أوسطي جديد خاضع للإدارة الأمريكية من جهة، وتلعب فيه إسرائيل وتركيا دوراً محورياً من جهة أخرى. وننتقل إلى التساؤل الثاني: ما هي المراحل والخطوات التي تم اتخاذها على طريق تنفيذ هذا المخطط؟ وفي مجال الإجابة على هذا التساؤل نقول: إن النظرة المتعمقة لما يدور في منطقة الشرق الأوسط تؤكد أن مخطط إعادة الصياغة بالتعاون والتنسيق مع إسرائيل يسير في خطوات متسارعة؛ نرصد منها: أولاً: تعظيم أدوات الردع الأمريكي بإقامة القواعد ومراكز القيادة والتحالفات الدفاعية والتعاقدات التسلحية في منطقة الخليج العربي إلى جانب ترسيخ الاحتلال الأمريكي للعراق. وأعتقد أن هذا الموضوع هو مجال حيوي لمتابعة جميع المفكرين والباحثين، ولسنا في حاجة إلى مزيد من الإضافة أو التعليق على هذا الاتجاه. ثانياً: في مجال مكافحة منع انتشار أسلحة الدمار الشامل فإنه من الضروري أن نعيد طرح السياسة النووية الأمريكية الجديدة التي تم صياغتها في إطار استراتيجية كونية أعلنتها إدارة الرئيس الأمريكي» جورج دبليو بوش «حيث تستند السياسة النووية الجديدة إلى: * إمكانية استخدام الأسلحة النووية هجومياً ضد دول غير نووية منها ثلاث دول عربية: العراق» قبل الغزو «وسوريا وليبيا، ودولة إسلامية هي إيران. * إمكانية استخدام الأسلحة النووية هجومياً لأهداف لا تقترب من فكرة البقاء، ولكنها تتصل بأسباب تتعلق بحماية حليف في إشارة لإسرائيل باعتبارها حليفاً من ناحية، وباعتبار أن أمن إسرائيل من أهم المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. وفي إطار هذه السياسة فإن هناك دولاً عربية وشرق أوسطية مرشحة لتوسيع نطاق الحرب ضدها وعلى رأسها سوريا وإيران.. وإن إسرائيل لها دور فعّال في هذا المخطط والتي قد تمتد لتهديد لبنان. وإن المتابعة للسياسة الأمريكية تبين أن الضغوط تتزايد بشكل مكثف نحو إيران بالقدر الذي دفعها للموافقة على توقيع البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر الانتشار النووي الذي يسمح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدور أوسع في التفتيش داخل إيران عن مكونات وتطوير البرنامج النووي الإيراني، ثم إقرار قانون» محاسبة سوريا «الذي يزيد من الضغط الأمريكي عليها لتقليص دورها الإقليمي خاصة لدعمها للمنظمات الفلسطينية ولحزب الله اللبناني أو التواجد العسكري في لبنان!! ثم كانت الضغوط على ليبيا التي انتهت بالعديد من الخطوات الليبية المتسارعة والمفاجئة، والتي كان آخرها إرسال حوالي ٥٥ ألف طن من معدات ووسائل ومراحل البرنامج النووي الليبي.. بل واتخاذها خطوات متنامية نحو مزيد من العلاقات مع إسرائيل. ثالثاً: التدخل في منطقة القرن الإفريقي؛ إذ ظهرت تحركات أمريكية في منطقة القرن الأفريقي؛ حيث قامت بإرسال قوات على السفينة» يو إس إس « لتتمركز عند ساحل جيبوتي، وتنضم إلى قوة تتكون ٨٠٠ جندي ترابط هناك؛ حيث تمثل السفينة مقر قيادة عائماً لملاحقة العناصر النشطة من تنظيم القاعدة؛ وذلك بالقيام بعمليات عسكرية داخل دول المنطقة دون علم حكوماتها تطبيقاً لما أعلنه وزير الدفاع الأمريكي عن تنفيذٍ لاستراتيجية الضربات المسبقة التي تأتي في إطار» مبدأ بوش «الذي أعلنه في ٢٠/٩/٢٠٠٢م، والذي أعلن فيه» عن بدء عصر السيطرة الأمريكية منفردة على القرار السياسي في العالم وترتيب أوضاعه بالصورة التي ترى أمريكا أنها الأمثل والأفضل «وقامت المخابرات المركزية الأمريكية باستخدام طائرة بدون طيار لإطلاق صاروخ عن بُعد لاغتيال بعض الكوادر من تنظيم القاعدة من خلال وجود عملاء محليين حددوا مكان الهدف وحركته؛ وذلك اعتماداً على تكنولوجيا إطلاق الصاروخ عن بُعد بأسلوب قوائم الاغتيال التي تقتل به إسرائيل القيادات الفلسطينية. أما عن التدخل الأمريكي في السودان فتنطلق الرؤية الأمريكية لأزمة السودان خلال الاهتمام الأمريكي بالملف السوداني الذي تبنى اتفاق الإيغاد بشأن الجنوب السوداني الذي أسفر عن توقيع اتفاق ماشاكوس في ٢٠/٧/٢٠٠٢م، والذي تناول قضيتين رئيستين: أولهما: الاتفاق على منح الجنوب السوداني حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية ست سنوات. ثانيهما: الاتفاق على إطار دستوري متعدد الطبقات؛ بحيث يكون هناك دستور للشمال وآخر للجنوب، ثم دستور قومي يجمع بين الكيانين الشمالي والجنوبي.. وهو ما يرسخ فكرة الانفصال مما سيكون له تداعياته المباشرة وغير المباشرة على كل الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي وخاصة دول منابع النيل.. وقد تركز الدور الأمريكي على تهميش وإقصاء الدور المصري، وقد كان لصدور قانون سلام السودان ضد حكومة البشير مع تقديم منحة ٣٠٠ مليون دولار للعقيد جرانج ما يؤكد الاتجاه الأمريكي للسعي لفصل الجنوب وانعكاس ذلك على أمن مصر بالدرجة الأولى. خامساً: وعلى الجانب الإسرائيلي فإن قراءة الأهداف التي تتبناها حكومة الليكود برئاسة أرييل شارون، والخطوات المتلاحقة التي اتخذتها لتصفية القضية الفلسطينية، وحصار وتدمير سلطاتها الشرعية المنتخبة وكوادرها، ونسف كل ما تحقق على طريق أوسلو السلام.. ثم بناء الجدار الأمني العازل، ثم طرح الانسحاب الأحادي الجانب من غزة وإخلاء ١٧ مستوطنة بها، وتنسيق ذلك مع إدارة الرئيس بوش.. ويؤكد السير في خطوات جادة على طريق حل القضية الفلسطينية استغلالاً لمناخ العداء الذي تنامى ضد العرب والمسلمين بعد أحداث ١١/٩/٢٠٠١م، واستثماراً للقرارات المتلاحقة التي أصدرتها إدارة الرئيس بوش.. سواء باعتبار إسرائيل تمارس حقها في الدفاع الشرعي عن النفس ومروراً بوضع وإدراج كل المنظمات الفلسطينية إضافة إلى حزب الله اللبناني في قائمة المنظمات التي ترعى الإرهاب والتي يستلزم ملاحقتها وتصفيتها. وانتهاء بالتنسيق الاستراتيجي المتنامي في إطار منظومة الردع الأمريكي في الشرق الأوسط، أو ترسيخ الاحتلال الأمريكي للعراق، والتوافق الاستراتيجي في مراحل وخطوات تنفيذ مخطط إعادة صياغة الشرق الأوسط الكبير. سادساً: ولعل قراءة ما نشرته جريدة» يديعوت احرنووت «الإسرائيلية من أن الرئيس الأمريكي» جورج بوش «قام بعد تمام نجاح غزوه للعراق بإهداء رئيس الوزراء الإسرائيلي» أرييل شارون «خريطة» للأراضي المقدسة «تعود إلى عام ١٦٧٨م وتشمل العديد من دول المنطقة.. وقد عبر شارون فور وصوله إلى البيت الأبيض عن شكره للرئيس الأمريكي على الخريطة التي تظهر فيها » بابل «أي» العراق «وقال:» يمكنني أن أؤكد لكم سيادة الرئيس أن هذه الخريطة كانت ستحصل على موافقة حكومتي بدون مشكلة «. لعل قراءة ذلك يؤكد التوافق الاستراتيجي الكامل على طريق المشروع الصهيوني الأمريكي ومخططاته المستقبلية. هذا وقد شكلت النتائج السياسية والعسكرية لغزو العراق بُنْيَةً ملائمة لطرح الأطماع الإسرائيلية في البحر الأحمر باعتباره من أبرز المناطق التي تعددت فيها المشاريع الإسرائيلية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.. حيث تم الاتفاق على اتخاذ خطوات تنفيذية خلال عقد» مؤتمر دافوس الاستثنائي «الذي عقد في الأردن في يونيو ٢٠٠٣م برعاية أمريكية على طريق مشروع» قناة البحرين «الذي يربط البحر المتوسط وخليج العقبة على البحر الأحمر والذي يقوم على أساس ضخ مليار ونصف متر مكعب سنوياً من البحر المتوسط على ارتفاع ١٠٠ متر ليتم إسقاطها على محطة كهربائية على شاطئ بحر الميت.. على أن تكون البداية له بإقامة خط أنابيب وليس حفر القناة لتقليص المعارضة العربية وخفض التكاليف.. حيث تسهم هذه القناة في دعم الوجود الإسرائيلي في البحر الأحمر مما يساعدها على تنمية علاقتها الاقتصادية بالدول الأفريقية والآسيوية؛ إضافة للاستفادة من ثروات البحر الأحمر المعدنية والسمكية والسياحية، وبما يهدد قناة السويس والدور الإقليمي المصري في منطقة البحر الأحمر بصفة عامة. وقد شكل مؤتمر دافوس فرصة لترسيخ التصور الأمريكي الصهيوني للمنطقة والذي يقوم على دمج إسرائيل في اقتصاديات المنطقة العربية من خلال الشرق أوسطية، حيث حضر المؤتمر ١٩٠ شخصية رسمية وغير رسمية مما اعتبر اعترافاً عالمياً بالواقع الشرق أوسطي الذي كان نتيجة لإطلاق» قيادة الشراكة الأمريكية العربية «التي تسعى إلى قيام منطقة التجارة الحرة التي تضم دول المنطقة بما فيها إسرائيل. سابعاً: أصبحت أريتريا الركيزة الأساسية للاستراتيجية الإسرائيلية في البحر الأحمر بعد انفصالها عن أثيوبيا الذي تم بدعم عسكري إسرائيلي؛ حيث يؤدي توثيق العلاقة بينهما إلى التحكم في ينابيع النيل في» هضبة الحبشة «التي تمثل ٨٥% من إمدادات المياه لنهر النيل، و» منطقة البحيرات العظمى «وتمثل ١٥% من المياه، حيث تهدف إسرائيل إلى ممارسة الضغط المائي والمساومة والتهديد لمصر ليكون لها دور في حصة مياه النيل الواردة لمصر. كما تسعى إسرائيل من خلال التقدم في تنفيذ مشروعها الصهيوني إلى تنفيذ مخططاتها لإقامة الميناء المشترك مع الأردن والذي تأمل في أن يتسع ليشمل مصر والمملكة العربية السعودية، كما تسعى لتطوير الطريق الجنوبي ليصل مدينة السويس بميناء إيلات ومنها للملكة العريبة السعودية إضافة إلى إقامة خط أنابيب الغاز الذي يمتد من المملكة العربية السعودية إلى ميناء إيلات. ولم تكتف إسرائيل بهذا القدر، بل تسعى جاهدة لإقامة خط أنابيب نقل الغاز القطري» حيفا - قطر «.. ومشروع التنمية المتكاملة لوادي غور الأردن.. إضافة إلى مشروع الطريق الدائري الذي يربط ميناء إيلات بميناء العقبة المصري ويمتد إلى معابر نهر الأردن. ويرى المحللون أن التوافق الأمريكي الإسرائيلي وقيام الولايات المتحدة بغزو العراق وتبنيها للمشروع الصهيوني يعتبر فرصة مناسبة وسانحة لتصبح إسرائيل دولة محورية في العالم، حيث يمكنها تنفيذ مخططاتها وعلى رأسها إقامة قناة البحرين التي تربط البحر المتوسط وخليج العقبة بالبحر الميت مما يجعلها تمتلك قناة تضارع قناة السويس.. بل وتهددها!! ثامناً: فتح التعاون العسكري الإسرائيلي الأثيوبي الباب أمام عودة إسرائيل للقارة الأفريقية لتلبية حاجاتها من السلاح لتوفير الأمن والحماية من الانقلابات العسكرية، ولتلعب دوراً في التعاون الأمني الأمريكي الإسرائيلي الذي يسعى لتطوير وتنمية العلاقات لحاجة القادة الأفارقة للمساعدات الأمريكية من ناحية، ولمكافحة الإرهاب الناتج عن انتشار بعض التيارات الأصولية الإسلامية من ناحية أخرى. تاسعاً: دعمت إسرائيل الحركات الانفصالية سواء في جنوب السودان أو في أرتريا مما أدى إلى انتصارها.. كما قامت بدعم بعض الأنظمة الحاكمة مثل الباجندا في أوغندا، والأمهرا في أثيوبيا، وقبائل التوتسي في رواندا. عاشراً: استغلت إسرائيل الاحتلال الأمريكي للعراق وهي تسعى لتوظيف » ١٥٠ ألف «يهودي كردي في شمال العراق مع القيام بالتوسع في شراء العقارات والأراضي العراقية في مؤتمر هام حول اتجاه الصهيونية إلى تهجير اليهود من فلسطين إلى العراق في خطوة هي الأكبر نحو تحقيق حلم إسرائيل الكبرى» من النيل إلى الفرات «. وقد بدأت الخطوة الأولى لهذا المشروع بعد حرب الخليج الثانية؛ حيث اضطر النظام العراقي تحت وطأة الحصار الدولي للتسلل إلى العالم الخارجي » خاصة أوروبا «لعقد صفقات تجارية وجذب الأموال الأجنبية، وهو الأمر الذي أدى إلى تسلل المال اليهودي إلى العراق لشراء العقارات. كما تبقى الدائرة الكردية هي الحلقة الأسهل التي تتسلل من خلالها إسرائيل حيث ترتبط قيادات الأكراد بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة؛ ولدى بعضهم تاريخ في التعاون مع إسرائيل، وهو ما جعلها تركز جهودها وتوسع نطاق مركزها في المناطق الكردية التي تتمتع بالحماية الأمريكية. وأنتقل إلى السؤال الأخير: ما هي القدرات والتحالفات التي تسلحت بها إسرائيل في إطار منظومة الردع الأمريكي التي جعلتها تمثل التهديد الرئيس للأمة العربية؟ وللإجابة على هذا التساؤل سأركز على اتجاهين فقط لتأكيد هذا التهديد: أولاً: لقد صاغت إسرائيل استراتيجيتها العسكرية لمواجهة التهديدات التي تواجهها، وانعكس ذلك على تسليحها وعقيدتها القتالية كنتيجة لمؤتمرها الثالث للأمن القومي الذي عقدته في ٣/١٢/٢٠٠٢م في مدينة هيرتسليا والذي كان قد سبقه في ٢٧ نوفمبر مؤتمر في جامعة بارالان عن دور القوات البرية في القرن الحادي والعشرين، وخرجت المؤتمرات بتصورات جديدة لطبيعة التهديدات التي تواجه إسرائيل في الحقبة القادمة والتي تمثلت بأن إسرائيل محاطة بثلاث دوائر أمنية: أولها: يفترض احتمال تجدد القتال مع الجيران المباشرين لإسرائيل في ما أطلقت عليه» الدائرة القريبة «. ثانيها: يفرض التهديد من دول مثل إيران وباكستان لإطلاق الصواريخ البالستية بعيدة المدى وأسلحة الدمار الشامل فيما أطلقت عليه» الدائرة البعيدة «. وثالثها: يفترض استمرار التهديد الداخلي في حالة حدوث انتفاضة أو عصيان أو مقاومة مسلحة داخلياً فيما أطلقت عليه» الدائرة الداخلية «. ومن ثم فقد خططت إسرائيل أن تستثمر أموالاً بمعدلات عالية في بناء قوة ردع مركبة ترتكز على ثلاثة أضلاع تقليدية ونووية وفضائية.. ولذلك وضعت تصوراً لهيكل قواتها المسلحة لترتكز على قوة نووية وقوة تقليدية تعتمد على تحديث الأسطول الجوي والصواريخ البالستية أرض جو، وبناء منظومة فضائية توفر قدرة فائقة لعمليات الاستطلاع الاستراتيجي، ونقلة نوعية في مجال الاتصالات والإنذار، إضافة إلى إقامة ثلاثة مستويات من أنظمة الدفاع المضادة للصورايخ لمواجهة أنظمة الصواريخ العربية.. هذا إلى جانب قيامها بتطوير ترسانة خاصة من الأسلحة لتتناسب مع أساليب حربها داخل المدن وما تتطلبه من تزويد الجندي الإسرائيلي بوسائل خاصة لحمايته ووسائل استشعار واتصال معقدة، ووسائل كشف الأهداف والتعامل الدقيق معها.. إضافة إلى دعم وحدتها لطائرات بدون طيار وأجهزة رادار محمولة، وأجهزة الليزر لإضاءة الأهداف المطلوب إصابتها بالصواريخ الموجهة، كما زودت وحدتها بنوعيات خاصة من الذخائر التي لا تخطئ هدفها في اغتيال القادة الفلسطينيين في منازلهم أو داخل سياراتهم. وهكذا فقد امتدت الدائرة البعيدة للأمن الإسرائيلي إلى أهداف خارج الدائرة العربية وفي قارات أخرى مما فرض استعدادها لتطوير قدراتها النووية لتوجيه ضربة ثانية من ناحية، ويتمشى مع استعدادها للدور المخطط لها في إطار الشرق الأوسط الكبير. ثانياً: هناك ثلاث تحالفات استراتيجية لزيادة قدراتها العسكرية أهمها: تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية.. وثانيها: التعاون الاستراتيجي التركي الذي تم توقيعه في ٤/٢/١٩٩٦م. وثالثها: التعاون الاستراتيجي الهندي، وكلها تمت بمباركة من الولايات المتحدة الأمريكية.. وتعطي هذه التعاقدات عمقاً استراتيجياً تعتقده إسرائيل لمواجهة التهديدات في الدائرتين القريبة والبعيدة. وفي النهاية يبقى التساؤل الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لدولة بحجم إسرائيل تفتقر إلى المساحة والسكان وهما أبرز عنصرين في قياس قوى الدولة كيف يمكنها تبني كل هذا الحجم والكم من التسليح لمواجهة كل هذه التهديدات المزعومة؟ * إنه حجم المساعدات المالية التي تحصل عليها من الولايات المتحدة وغيرها؛ حيث كتب» توماس ستافر «الباحث في جامعة هارفرد والخبير الاقتصادي في واشنطن تحت عنوان» الخزائن الأمريكية المفتوحة لإسرائيل « حيث قال:» إن الإنفاق الأمريكي على إسرائيل خلال ثلاثة العقود الأخيرة قد وصل إلى ١٦٠٠ مليار دولار «حيث تحصل إسرائيل على ٣ مليارات دولار سنوياً تمثل ٢٥% من جملة مساعدات أمريكا الخارجية. * وإن المساعدات الأمريكية الرسمية خلال عام ٢٠٠١م، وصلت قيمتها الإجمالية إلى» ٢٤٠ مليار دولار «بخلاف القروض التجارية والسندات المضمونة من الإدارة الأمريكية وشروطها الميسرة. * بلغ الابتزاز الإسرائيلي لألمانيا الغربية قبل أن تتوحد وبعدها إلى عشرات المليارات من الماركات في صورة تعويض عما سمي بضحايا المحارق النازية » الهولكوست «كمبالغ نقدية مباشرة.. وهو ما يصل إلى مئات المليارات إذا أضيف له ما حصلت عليه إسرائيل كمساعدات اقتصادية وعسكرية وسفن وطائرات قتال ودبابات وغواصات حاملة للرؤوس النووية. * إضافة إلى ما حصلت عليه إسرائيل من أوروبا من خلال ضغوط أمريكية باعتبارها على خط المواجهة الرئيسية في حربها ضد الإسلام والمسلمين العدو الرئيسي للغرب بعد سقوط الشيوعية. وفي مجال قياس حجم الإنفاق الأمريكي على إسرائيل فإنه لو تم توزيع هذا الإنفاق على امتداد العقود الثلاثة الماضية على جميع سكان العالم والبالغ عددهم ٦.٥ مليار نسمة لكان نصيب الفرد منهم ٥٧٠٠ دولار» حوالي ٢٩ ألف جنيه مصري «.. وإذا ما تم الأخذ في الاعتبار أن متوسط عدد أفراد الأسرة في الدول النامية يبلغ ٥ أفراد.. فإن نصيب الأسرة يبلغ» ٢٨.٥ ألف دولار «وهو ما يساوي نحو ١٤٢ ألف جنيه مصري. ذلك هو التهديد الرئيسي الإسرائيلي للدول العربية الذي تنامى من خلال تعاونها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية.

стр. 4948

المسلمون والعالم أحداث دارفور السودانية.. من أين وإلى أين ؟ مصعب الطيب بابكر في ظل الوضع الحرج والمنعطف التاريخي الدقيق الذي يعيشه السودان برزت (معضلة أخرى) مكانها هذه المرة هي إقليم دارفور «المسلم» غربي البلاد؛ ففي أقل من سنتين خلفت النزاعات الدامية بالإقليم أكثر من ٣٠٠٠ قتيل ومليون نازح وآلاف القرى المحروقة، وتمددت انعكاساتها لتؤثر على الوضع التفاوضي للحكومة في «نيفاشا» وعلى تماسك البنية الاجتماعية والسياسية للقطر، وعلى الاستقرار الإقليمي في وسط إفريقيا. * لمحة عامة: تبلغ مساحة دارفور (٥١٠ ألف كم٢) بما يعادل خُمْس مساحة السودان، ويقترب عدد سكانها من ستة ملايين نسمة هي خُمس إجمالي سكان السودان أيضاً. وتقع في أقصى الغرب على الحدود مع ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى، وتقسم إدارياً إلى ثلاث ولايات هي شمال وجنوب وغرب دارفور. تضم دارفور أكثر من مائة قبيلة جرت العادة على تقسيمها إلى ما يعرف (بالقبائل الأفريقية) التي تحترف الزراعة، ومنها قبائل الفور والزغاوة والمساليت والميدوب.. وإلى (القبائل العربية) التي تمتهن الرعي مثل الرزيقات والهبانية والجوامعة والمهيريا والمعاليا. لقد حكمت (سلطنة الفور) الإسلامية هذا الإقليم من عام١٦٥٠م وحتى ١٨٧٤م حين دخلت في سلطان الدولة العثمانية الذي لم يدم إلا بضع سنين، ثم استمرت (السلطنة) من زوال الدولة المهدية عام ١٨٩٨م وحتى سقوطها بيد الإنجليز عام ١٩١٦م كآخر منطقة تنضم لدولة السودان. لم تشهد منطقة دارفور في تاريخها الحديث هدوءاً واستقراراً معتبراً؛ فابتداء بحروب (الزبير باشا) على المنطقة عام ١٨٧٤م، ثم الثورات المتتالية على حكمه. و (ثورة أبو جميزة) على الدولة المهدية في سبتمبر ١٨٨٨م، ثم ثورات (الفكي عبد الله السحيني) عام ١٩٢١م، و (السلطان هارون) بجبل مرة و (مادبو) بالضعين و (البقارة) ضد الحكم الإنجليزي؛ حتى إن الجنرال الإنجليزي «غوردون باشا» اقترح في مؤتمر برلين عام ١٨٨٤م ضم إقليم دارفور للمستعمرات الفرنسية. ثم انتفاضة دارفور على حكومة مايو ١٩٨١م، وانتهاء بالتمرد الذي قاده المهندس يحيى داوود بولاد (الأمين العام للجبهة الإسلامية في دارفور) على حكومة الإنقاذ في ١٩٩١م؛ هذا فضلاً عن النزاعات القبلية والانفلات الأمني والصراعات الإقليمية. لقد كان لهذه الثورات والصراعات ثمن باهظ دفعه أبناء الإقليم، وكانت حسماً كبيراً من حركة التنمية والازدهار. وقبل التطرق إلى لب الصراع الحالي يجدر بنا فهم (الأرضية) التي تتشكل فيها الأحداث والمؤثرات التي تدخل في تكوينها. * المكون الداخلي للأزمة: أولاً: (النزاعات القبلية) سمة لازمت الإقليم منذ عهد بعيد، وبتفاوت ملحوظ؛ فخلال العشرين عاماً الأخيرة وحدها ظهر العديد من النزاعات القبلية؛ ففي بداية السبعينيات جرت نزاعات بين (المعاليا والرزيقات) ، ثم (الرزيقات والمسيرية) و (التعايشة والسلامات) أواخر السبعينيات، ثم (الزغاوة والفور) عام١٩٨٢م، و (الفلاتة والقمر) عام ١٩٩٦م، وأخيراً (المساليت والفور ضد ما يعرف بالقبائل العربية) منذ ١٩٩٨م. ويبدو واضحاً أن تلك الاحتكاكات ليس لها بُعد عرقي؛ لأنها تحدث أحياناً بين أبناء الأصل الواحد كما تحدث تحالفات بين قبائل من أصول مختلفة؛ ومن هنا فوصف هذه الصراعات بأنها تطهير عرقي أو إعطاؤها واجهة عنصرية لا يعبر إلا عن الانتهازية السياسية، ومحاولة غير أخلاقية لتأليب أبناء القبائل بعضهم ضد بعض، ولكسب تعاطف المنظمات والمجتمع الدولي. ثانياً: رغم المستوى المتدني للخدمات في كل الأقاليم الطرفية في السودان إلا أنه كان أكثر بروزاً في هذا الإقليم، وهو الأمر الذي ولَّد شعوراً عميقاً بالاستهداف والتهميش. إن انعدام البنية التحتية للصناعة والتجارة والتعليم والنقل هو المسؤول إلى حد بعيد عن تكريس الصراع حول الأراضي الزراعية والمرعى والثروة الحيوانية، وعن سيادة الانتماء القبلي على الانتماء للأمة، وعن التركيبة الاجتماعية الهشة، وهو المسؤول عن ضعف الاستقرار الغذائي والعمراني وعن ضحالة التفاعل والتكامل مع سائر الأقاليم؛ كما أن ضعف الوجود الحكومي بكل مؤسساته هو سبب مباشر للانفلات الأمني وتصاعد النهب المسلح، وتزايد المظالم بين القبائل. ثالثاً: الجفاف والهجرات التي ضربت الإقليم منذ عام ١٩٧٣م زادت من فرص الاحتكاكات العشائرية حول المياه والمرعى، وهو ما تفاقم أيضاً بالحركة عبر الحدود مع دول وسط أفريقيا. رابعاً: الدور الحزبي له تأثير بالغ في مجريات الصراع في الإقليم، والذي كثيراً ما يوظف كأداة للدعاية السياسية والكيد والمزايدات مما أضر بقضايا المنطقة وبمسيرة البلاد؛ وليس لهذه الأحزاب أي بناء ثقافي أو تأهيلي يستوعب أبناء المنطقة، بل هي لا تبدي أي اهتمام بالإقليم إلا حين يكون له قيمة سياسية مؤثرة. خامساً: تعمل (الحركة الشعبية لتحرير السودان المتمردة) منذ تكوينها مع أي طرف يحارب الحكومة المركزية أو يسعى للانفصال كما فعلت مع حركة المهندس «بولاد» عام ١٩٩١م، وكما تفعل الآن مع مسلحي أقاليم جنوب النيل الأزرق وأبيي وجنوب كردفان ومناطق البجا بشرق السودان، وهي تريد فرض وصايتها وبسط يدها على تلك المناطق بشكل يخدم أهدافها ويحقق أطماعها، والحركة لا تخفي مساندتها لمتمردي دارفور الذين بدورهم لا يتبرؤون منه، وقد أقيم في (هنجتن) بألمانيا مؤتمر سمي «مؤتمر القوى المهمشة» في ٤/٤/ ٢٠٠٣م، رأسه عضو الحركة «الدو أجو دينق» وضم حركة تحرير دارفور وقيادات من المؤتمر الشعبي وحزب التحالف الفدرالي وحركة العدالة والمساواة، وقد أشاد المؤتمر بالمواقف الوطنية والسيرة النضالية للحركة الشعبية! * المكون الخارجي للأزمة: تمثل منطقة دارفور الفناء الخلفي لنزاعات وسط أفريقيا؛ وذلك نظراً لحدودها المفتوحة ولمساحتها الشاسعة التي تعادل مساحة فرنسا ولضعف السلطة الحكومية في تلك النواحي. فالمنطقة تشكل عمقاً استراتيجياً لدولة تشاد التي تشترك معها في التداخل القبلي (أكثر من ١٣ قبيلة) منها قبيلة الزغاوة التي ينتسب إليها الرئيس (إدريس دبي) وكبار أعضاء حكومته، وينتسب إليها أيضاً معظم عناصر المجموعات المتمردة في دارفور الآن، وقد تأثرت المنطقة بالصراع التشادي الليبي خصوصاً حول منطقة (أوزو) وبالصراعات الداخلية لأفريقيا الوسطى، وهو ما ساهم في تدريب وتسليح بعض القبائل ضد بعض وفي رواج تجارة السلاح، وهو الأمر الذي سيلقي بظلاله على الاستقرار الأمني والسياسي لتشاد ودولة أفريقيا الوسطى، وهو ما سبب القلق لفرنسا ودفعها للتدخل لاحتواء الموقف. إن حركة التمرد في دارفور حركة ناشئة لم تتبلور بعد، ويمكن بسهولة سرقتها أو توجيهها بما يؤثر على مستقبل السودان والمنطقة؛ كما أن نجاح تمرد دارفور سيعطي دليلاً وبادرة لتقسيم السودان وهو ما يغري جهات عديدة بالوقوف خلف الأحداث. لقد كشف (الصادق هارون) أحد القيادات المنشقة عن حركة تحرير دارفور (لصحيفة البيان، ٤/١/٢٠٠٤م) عن لقاء مسلحي دارفور مع مسؤولين إسرائيليين بتنسيق إريتري في مقر السفارة الإسرائيلية بإحدى دول غرب أفريقيا الذي تمخض عن تمويل إسرائيلي للتمرد. * حقيقة الأحداث: ليس من السهل تقصي الحقيقة الكاملة لأحداث دارفور؛ لأنه لا أحد من أطراف الصراع يرغب في ذلك، إلا أنه يمكن تقديم بعض الإضاءات التي تكشف جوانب مهمة من القضية. في ظل الوضع المتوتر أصلاً للمنطقة منذ عام ١٩٩٨م، وفي ظل الهدوء الذي تشهده الجبهة الجنوبية والشرقية وتواتر أنباء تقدم مفاوضات تقاسم الثروة والسلطة في نيفاشا، وبعيد انشقاق المؤتمر الشعبي وما تبع ذلك من ترويج لثقافة (الكتاب الأسود) والاستقطاب الجهوي القبلي.. بدأت الأحداث برأي معظم المراقبين بنزاعات قبلية محدودة حول منطقة (يوتي) التي تتبع جبل مرة (أخصب مناطق الإقليم) في يونيو ٢٠٠٠م، ولكنها لم تلبث أن اتخذت وضعاً أكثر عنفاً وجرأة باحتلال محلية (قولو) في ١٩/٧/٢٠٠٢م، وقد صاحب هذه النزاعات أعمال عنف وتقتيل وتشريد وحرق للقرى طالت في معظمها قبائل الفور والزغاوة، وقد دفعها بطء التدخل الحكومي إلى تشكيل مجموعات مسلحة تعرف محلياً بـ (الميليشيات) لصد هجمات المجموعات المسلحة التي تنتسب لما يعرف بالقبائل العربية والتي تسمى محلياً بـ (الجنجويد) ؛ وهكذا توسعت امتدادات وأهداف هذه (المليشيات) لتكون لاحقاً ما سمي بـ (حركة تحرير دارفور) في فبراير ٢٠٠٣ م، ثم أعلنت الحركة في مارس ٢٠٠٣م عن تغيير اسمها إلى (حركة تحرير السودان) عبر بيان مقتضب صيغ باللغة الإنجليزية. بعد ذلك بأيام أعلن د. خليل إبراهيم (القيادي بالمؤتمر الشعبي) من لندن في بيان صدر بالإنجليزية عن تكوين (حركة العدالة والمساواة) وعن تبنيها لتمرد (جبل مرة) ، ثم تلا ذلك إعلان آخر باسم (حزب التحالف الفيدرالي) بقيادة أحمد إبراهيم دريج، ود. شريف حرير تبنى فيه أحداث الجبل، ولكن الحزب تراجع لاحقاً ونسب العمليات إلى تحالف عريض من أبناء دارفور. إن من الواضح أن أحداث الجبل كانت أقرب إلى حركة احتجاج وعصيان محدودة؛ كما أن من الواضح أن هناك جهات عديدة تسعى لسرقة الحركة وتوظيفها والمتاجرة باسمها. ورغم الاختلاف الكبير بين هذه المجموعات إلا أن مؤتمر (هنتجن) بألمانيا كشف مدى التنسيق فيما بينها. وهكذا توالت العمليات لتصل لمناطق (طور) .. (الطينة) .. (مليط) ثم أحداث (الفاشر) المشهورة في ٢٥/٤/٢٠٠٣م، ثم منطقة (كتم) مما عجّل بتدخل عنيف للجيش السوداني واستخدامه - أحياناً - للتباينات القبلية لوقف هجمات المتمردين. وبعيداً عن المزايدات السياسية فإن مطالب المجموعات المتمردة هي مطالب غامضة وغير منضبطة رغم أن لبعضها أصلاً مقبولاً. فأول الأمر كان غرض إنشاء المجموعة المسلحة هي الحماية وصد الهجمات، ولكن التصريحات والبيانات والعمليات التالية وجهت رسائل مختلفة جداً: أحاديث عن طرد ما يعرف بالقبائل العربية عن الإقليم، أو عن محاسبة الحكومة الحالية عن ضعف التنمية والخدمات منذ الاستقلال، أو عن تقرير المصير والاستقلال عن السودان، أو عن عودة سلطنة الفور، أو عن إعادة تعيين منصب رئاسة الجمهورية على أساس عنصري، أو عن الوزارات السيادية التي لم تكن من نصيب الإقليم، أو عن المطالبة بما يشبه اتفاق (نيفاشا) مع الحركة الشعبية المتمردة؛ بل هناك من يدعو لتكوين (السودان الجديد) انطلاقاً من دارفور. ولا شك أن هذه المطالب ستتوسع أكثر حين تنضم جهات أخرى لتصطاد في الماء العكر. * المصير والمستقبل: إن استمرار الحرب سيلحق أذىً جسيماً بمقدرات الإقليم البشرية والمادية، وسيحدث جرحاً لا يندمل بين المسلمين من أبناء هذا البلد، وسيعقد كثيراً من فرص الحل وإعادة الأمور إلى نصابها. إن الفرصة مواتية لتدارك الأمر قبل أن يخرج عن السيطرة أكثر فأكثر، والأمر يحتاج لتدخل عاجل يستنهض همم قادة المنطقة وعقلائها لحقن الدماء ولجم الخيول حتى تنقطع الفتنة ويهدأ أوارها، ويحتاج ذلك إلى قرار شجاع من جانب الحكومة للتعامل بحكمة مع الموقف والتفاعل مع المطالبة (الموضوعية) لأبناء الإقليم وتعزيز مؤسساتها وهياكلها هناك، ويحتاج إلى تكاتف اجتماعي يقوده العلماء وقادة الرأي وأهل الحل والعقد، للأخذ بالأمر إلى ما فيه خير البلاد والعباد.. يحتاج لوقفة حاسمة لصد أطماع كل من يريد سوءاً بهذه البلاد وكف أيديهم عن العبث بمكتسباتها ... يحتاج لتنكيس الرايات العنصرية والجهوية والعصبية المنتنة التي لا ترضي الله ولا رسوله ولا المؤمنين.. ويحتاج الأمر على المدى البعيد إلى العمل الدؤوب لرفع الجهل والفقر والمرض عن تلك المناطق التي كانت - ونأمل أن تظل - قلعة حصينة للإسلام والمسلمين.

стр. 4949

تحت المجهر مسلمو تايلاند.. تعاطف معنا وتجاهل منا أمير سعيد amirsaid@gawab.com تتعدد الأعراض.. تتنوع أو تتشابه، لكن يظل المرض واحداً؛ فالقصة قديمة حديثة.. أمة تائهة عدمت قيادة عالمية تلم شعثها وتدافع عن حقوق أبنائها وأقلياتها مذ بدأ مرضها الأخير يفت في عضد الدولة العثمانية؛ فذابت عشرات الممالك الإسلامية الصغيرة من وقتئذ في دول تسلطية قمعية تحمل لحضارة الإسلام كل الكراهية، وأضحت أطلال العز البائدة إلى اليوم تستدعي أخبار العالم «الهامة» و «العاجلة» .. تستنطقها لتروي مأساة في إثر مأساة، وتنكأ جرحاً من بعد جراح. وفي فطاني (الجنوب التايلاندي) كان الموعد مع إحدى هذه الأتراح حين قامت مجموعات مسلحة في الولايات الجنوبية الأربع المسلمة أواخر إبريل الماضي بمهاجمة مراكز للشرطة (البوذية) وردَّت قوات الشرطة باستهداف أحد المساجد؛ وهو ما أسفر عن مقتل العشرات من الجانبين. لماذا الهجوم؟ لماذا العنف في قضية تبدو بطريقها للحل في الجنوب التايلاندي؟! لعل من نافلة القول أن الحالة السلمية كانت طارئة بينما العنف هو الأصل دوماً في الصراع الإسلامي البوذي في مملكة فطاني السابقة التي اختفت معالمها السياسية قبل ١٧٢ عاماً، ويقطنها نحو ١٢ مليون مسلم يمثلون ٢٠% من سكان تايلاند. وقد لا نجد تفسيراً مريحاً لتجدد العنف في الجنوب التايلاندي بعد أن تمكن المسلمون بنضال سلمي أردف نضالاً عسكرياً خلال عقدين من الزمان من انتزاع مناصب رئيس البرلمان ووزير الخارجية وقائد قوات الجيش في ولايات المسلمين فضلاً عن نحو ٤٥ برلمانياً، غير أن يكون خيبة الأمل التي أخذت تتسلل إلى نفوس المسلمين هناك من إصلاح أحوالهم، والحدود المفتوحة (نسبياً) بين ماليزيا وتايلاند والتي حدت بحكومتي البلدين إلى توقيع بروتوكول تعاون أمني في مجال مكافحة الإرهاب في يناير الماضي بعد أن اتهمت الأخيرة جارتها بالتهاون بشأن الحدود المشتركة بين البلدين مما مكن جماعات ماليزية وتايلاندية من اتخاذ ماليزيا قاعدة هجومية على القوات التايلاندية. فطاني وأخواتها شهدت إذن نضالاً عسكرياً من يوم أن فرض البوذيون الوصاية عليها عام (١٨٣٢م) وأتبعوا ذلك بفرض احتلالهم الكامل على أراضيها عام (١٩٠٢م) ، لكن هذا النضال تحول إلى النضال السلمي حين بدأت الدولة تتجه على مهل إلى النظام الليبرالي في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بيد أن قسماً من ناشطي فطاني بدأ ينخرط تحت إمرة جماعات عسكرية مسلحة تسعى للانفصال كلية عن الشمال التايلاندي، وأضحت تغذيها متغيرات تتجاوز الحدود التايلاندية إلى أقصى الأرض؛ هناك عند «قرن الشيطان» في واشنطن الذي يحتفظ بأحد أذنابه في العاصمة التايلاندية (بانكوك) ، متربعاً على «عرش» سفارة هي الثانية في العالم من حيث القوة والحجم بعد سفارة القاهرة، وحيث تتفاعل «الصداقة» الأمريكية التايلاندية من حين تمرغت نيويورك في ثرى أطلال مبنى مركز التجارة العالمي، ومن حين بدأت بلدان المنطقة بتشجيع من واشنطن في ملاحقة الجماعة الإسلامية المتهمة بتفجيرات بالي بإندونيسيا. ورغم قسوة المواجهة وتشعبها لا تبدو عمليات الاستقلال المسلحة بطريق الانحسار إذا ما أخذنا بالاعتبار الشعور العام بين المسلمين بالإحباط، وأضحى يشجع أي نزعات عنيفة هنا أو هناك لا سيما إذا ما غذت تلك النزعة طبيعة شعب فطاني الصلبة التي تستر عنفها خلف وجه وديع؛ وخصوصاً إذا ما أصم تجاهلنا لقضايا شعب فطاني في المحافل الإسلامية صوت الحكمة في وقت يبدي هذا الشعب الكريم تعاطفاً لافتاً مع قضايا المسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان، ولمَّا يجد إلى اليوم من هو حريص على رد الجميل له!!

стр. 4950

المسلمون والعالم الإسلام الديمقراطي المدني.. الشركاء والمصادر والاستراتيجيات كريم كامل [*] منذ الحادي عشر من سبتمبر قام العديد من الكتاب والعلماء وصناع القرار والباحثين بتأمل دور الإسلام في المجتمعات المسلمة؛ في الوقت الذي يتم فيه إعادة رسم الحدود الجيواستراتيجية والثقافية والاجتماعية في كل من واشنطن ولندن، وهي استراتيجية يحاول الغرب من خلالها أن يسيطر على «الأصولية الإسلامية» بمساعدة المسلمين (المعتدلين) ، لقد ورد ذلك في تقرير تم تمويله بواسطة أحد المراكز الفكرية الأمريكية المحافظة. إن هذا التقرير وهو بعنوان: الإسلام الديمقراطي المدني: الشركاء والمصادر والاستراتيجيات، قد تم إعداده بواسطة «مؤسسة راند» ، ومقرها في الولايات المتحدة، وبتمويل من مؤسسة (سميث ريتشاردسون) المحافظة، وهي مؤسسة تمويلية تقدم ما يزيد على مائة مليون دولار للمنظمات البحثية والجامعات [١] . ويعد هذا التقرير الأحدث في سلسلة من الأوراق السياسية المتخصصة التي تهدف إلى تشديد الهجمة العسكرية والاقتصادية والثقافية الغربية على العالم الإسلامي. وفي جلسة الإيجاز التي عقدت في صيف العام ٢٠٠٢م، لمجلس كبار المستشارين في البنتاجون، وصف (لورينت موراويس) المحلل السابق في «مؤسسة راند» ، المملكة العربية السعودية بأنها «نواة للشر، والمحرك الرئيس، وأشد الخصوم خطورة» على مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وقال: إن على الولايات المتحدة أن تطلب من المملكة العربية السعودية أن تتوقف عن دعم الإرهاب، أو أن تواجه بمصادرة حقولها النفطية وأرصدتها المالية في الولايات المتحدة. كما طالب (موراويس) بشن حملة إمبريالية من عدة مراحل على الشرق الأوسط، ابتداءً بالعراق (المحور التكتيكي) ومروراً بالمملكة العربية السعودية (المحور الاستراتيجي) وأخيراً مصر (الجائزة) [٢] . إن تقرير الإسلام الديمقراطي المدني قد كتبته (شاريل بينارد) وهي عالمة اجتماع قد نشرت روايات تتضمن موضوعات تطالب بمساواة المرأة بالرجل منها: «مقاومة المغول وشجاعة المحجبة» وتسخر فيها من المظاهر الدينية وتصور المرأة المسلمة بأنها مضطهدة وتعيش تحت وطأة حكم شيوخ مستبدين ومصابين بجنون العظمة. وبالرغم من اعتراض الملايين من المسلمات على حظر الفرنسيين المثير للجدل للحجاب، في المدارس الحكومية الفرنسية، فقد ركزت (بينارد) في تعليق لها مؤخراً في صحيفة (كريستيان ساينس مونيتور) على أن القانون الجديد يعتبر دفعة إيجابية لحقوق المرأة: حيث إن الحجاب في العالم الإسلامي هو شيء ترتديه المرأة أو البنت؛ لأنها مجبرة على ذلك وهو رمز للتقييد والإكراه بالتهديد. وبالرغم من أن عالمة الاجتماع (بيرنارد) تعتبر نفسها مرجعاً في القوانين الإسلامية، فهي تذكر من بين أشياء أخرى ادعاء صادراً من أحد الكتاب المصريين المغمورين الذي يقول إن الحجاب ليس إجبارياً في الإسلام، بل إن ذلك ناتج عن قراءة خاطئة للقرآن [٣] . ومن الطريف أن «شاريل بينارد» متزوجة من «زلماي خليل زاده» ، الذي يشغل الآن منصب المساعد الخاص للرئيس بوش، وكبير مستشاري الأمن القومي المسؤول عن الخليج العربي وجنوب شرق آسيا. ويعتبر خليل زاده - الأمريكي من أصل أفغاني - الوحيد الذي ينتمي إلى المحافظين الجدد ويعرف بآرائه المتطرفة [٤] ، وقد تمكن خلال الثمانينيات من أن يؤمن لنفسه منصباً دائماً في مجلس تخطيط السياسة بوزارة الخارجية، وقد عمل في هذا المنصب تحت إدارة «بول وولفويتز» العقل الموجه لفكر المحافظين الجدد. ثم عمل مساعداً بوزارة الدفاع في إدارة بوش الأولى إبان حربها على العراق عام ١٩٩١م. وبعد الانتخابات الرئاسية عام ٢٠٠٠م اختاره (ديك شيني) نائب الرئيس ليرأس اللجنة الانتقالية لشؤون الدفاع. ويعرف خليل زاده بكونه جزءاً من جهود الولايات المتحدة منذ مدة طويلة للحصول على مدخل إلى احتياطيات النفط والغاز في آسيا الوسطى؛ حيث كان يعمل مستشاراً للطاقة لدى شركة شيفرون، كما عمل مشرفاً لدى شركة النفط الأمريكية العملاقة (ينوكول) والتي كانت ترغب في بناء أنبوب للغاز يربط بين تركمانستان وباكستان عبر أفغانستان. كما أن خليل زاده يعرف عنه تودده للمجموعات المناوئة لصدام وحركة طالبان قبل الغزو الأمريكي وبعده لكلا البلدين. لقد عبرت (شاريل بينارد) عن نواياها في تقرير الإسلام المدني الديمقراطي؛ حيث إن الهدف هو بناء نموذج جديد من الخطاب الإسلامي غير الفعّال يكون مصَمّماً ليتماشى مع الأجندة الغربية لفترة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر. وبتركيزها على أكثر المصطلحات وضوحاً لم تدع الكاتبة مجالاً للشك فيما يخص الطموحات العظيمة في مشروعها. وتضيف قائلة: «إن تحويل ديانة عالَم بكامله ليس بالأمر السهل. إذا كانت عملية بناء أمة مهمة خطيرة، فإن بناء الدين مسألة أكثر خطورة وتعقيداً منها» [٥] . وتوضح (بينارد) بقولها: إن الأزمة الحالية للإسلام تتكون من مكونين رئيسين هما: «عدم قدرته على النمو، وعدم الاتصال مع الاتجاه السائد في العالم» . ومن وجهة نظر الكاتبة فإن العالم الإسلامي هو سبب مشكلة الحضارة، «لم يتمكن من مواكبة الثقافة العالمية المعاصرة» . حيث إن الكاتبة تستخدم مرة أخرى ما ذكره أحد المستشرقين القدامى عن تصويره للمسلمين بصورة نمطية تقول مرة أخرى «إن المسلمين هم الوجه الآخر للبربريين وأن أسلوب حياتهم يتناقض مع أسلوب الحياة لدى الغرب. فإذا كان الغرب الحديث حركياً، فإن العالم الإسلامي راكد لا يتحرك. وبينما الغرب يحترم حياة الإنسان والحرية، فإن الإسلام مصاب بداء الاستبداديين والإرهابيين و» حرب الأحاديث « [٦] التي لا تنتهي، وشباب متعصبين يلبسون المتفجرات ويقدسون الموت ويشجعون المفاهيم التدميرية (النهلستية) مثل الشهادة. ولم تأتِ الكاتبة إلى ذكر الدعم الغربي للأنظمة الاستبدادية العلمانية، ولا إلى برامج إسرائيل التي لا تنتهي ضد الفلسطينيين، ولا إلى التطهير العرقي الذي يمارس ضد المسلمين في أوروبا الشرقية والشيشان، وبالطبع إهمال القصف الأمريكي العنيف لأفغانستان والعراق. ومن أجل إيجاد صلات وثيقة مع القوى المحبة للغرب، يقترح التقرير تحديد أربعة اتجاهات فكرية في المجتمعات المسلمة للمناقشة في التحكم بقلوب المسلمين وعقولهم، وهي: ١ - المتشددون الذين» يرفضون قيم الديمقراطية والحضارة الغربية المعاصرة «. ٢ - التقليديون الذين» يشككون في الحداثة والابتكار والتغيير «. ٣ - الحداثيون الذين» يريدون من العالم الإسلامي أن يكون جزءاً من التقدم الذي يسود العالم «. ٤ - العلمانيون الذين» يريدون من العالم الإسلامي أن يتقبل فكرة فصل الدين عن الدولة «. ويقول التقرير إن فئتي أنصار الحداثة والعلمانيين هما أقرب هذه الفئات للغرب، ولكنهما بشكل عام في موقف أضعف من المجموعات الأخرى؛ حيث ينقصهم المال والبنى التحتية والبرنامج السياسي. ويقترح التقرير استراتيجية لدعم أنصار الحداثة والعلمانيين؛ وذلك عن طريق طباعة كتاباتهم مقابل تكاليف مدعومة؛ وذلك لتشجيعهم للكتابة لمزيد من القراء وطرح وجهات نظرهم في مناهج المدارس الإسلامية، ومساعدتهم في عالم الإعلام الجديد الذي يهيمن عليه المتشددون والتقليديون. كما يقترح التقرير أيضاً أن يتم دعم التقليديين ضد المتشددين؛ وذلك من خلال ممارسة الولايات المتحدة سياسة» تشجيع عدم الاتفاق «بين الطرفين. ومن الاستراتيجيات المقترحة أيضاً في هذا التقرير، مواجهة ومعارضة المتشددين من خلال تحدي تفسيرهم للإسلام، ومن خلال فضح ارتباطهم بمجموعات وأنشطة غير قانونية. وذهبت (بينارد) إلى أبعد من ذلك؛ حيث دعت إلى تقوية الصوفية؛ لأنها تمثل تفسيراً أكثر خمولاً واعتدالاً للإسلام. إن ما يلفت الانتباه في أغلب محتويات التقرير هو عدم التعامل مع المسلمين كأناس عقلاء لهم مخاوفهم المشروعة، بل يتم تقسيمهم إلى مجموعات للتحليل بناءً على انجذابهم نحو القيم والمفاهيم الغربية؛ حيث يتم استخدام هذه المجموعات الفرعية كرهان من أجل تكريس هيمنة الولايات المتحدة وهي سياسة» فرق تسد «. ويتم تصوير المسلمين على أنهم شعوب لا صلة لها بالحقيقة، بل هم يعانون من الجمود الفكري، ومنخرطون باستمرار في جدل روحي عفا عليه الزمن؛ وذلك بدلاً من مواجهة المشاكل المعاصرة من تهميش واضطهاد تفرضه عليهم أنظمة مستبدة مدعومة من الغرب، أو مصممة وفق المتطلبات الإمبريالية في أقاليمهم. وبناء على اعتقاد الكاتبة، فإن العنف والاحتجاج الإسلامي ليس ردة فعل على عدم العدالة، بل هو تعبير عن حالة الأمية، والغالبية غير المتعلمة التي تقودها فئة منظمة من المتشددين لديها إمكانيات مالية ضخمة؛ حيث قيل لنا إن المتشددين هم الخطر الحقيقي؛ لأنهم يمثلون النسخة العدوانية والتوسعية للإسلام الذي لا يهاب ممارسة العنف، وأن وحدتهم المرجعية هي ليست الدولة أو المجموعة العرقية، بل هو المجتمع المسلم، أي الأمة، وأن تمكُّنهم من السيطرة على عدد معين من الدول الإسلامية سيشكل خطوة في هذا الطريق، ولكنه ليس الهدف الرئيس. ومما يدعو إلى السخرية أن استخدام العنف للحصول على أهداف سياسية ولفرض السيطرة على عدد من الدول الإسلامية، يدل على التشدد؛ إذن فالسياسة الخارجية للولايات المتحدة في العالم الإسلامي هي تطرف جامح بامتياز. ومن العجيب أن الكاتبة تعترف بأن الكثير من العلمانيين المهمين في العالم الإسلامي لا يحبون أو حتى أنهم يكرهون الولايات المتحدة (الغرب) أشد الكره. ومرة أخرى، فإن السبب وراء هذا العداء ليس هو الوجه القبيح لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بل إن الأسباب هي أساليب تفكير ضالة تتجسد في الأفكار اليسارية، والقومية الحاقدة والمعادية لأمريكا. إن تلميحات (بينارد) واضحة: فعندما يكره المسلمون أو يلجؤون إلى العنف؛ فهو لأنهم بطبيعتهم متطرفون أو ضالون، ولكن عندما يأتي الغرب المتحضر والمستنير والكريم، إلى ممارسة نفس الأساليب أو يناصر نفس الأهداف، فإن سلوكه هذا إما أن يتم تجاهله، أو المسارعة إلى تسويغه. وفي النهاية، فإن أفكار (بينارد) ليست سوى نظرية ميكيافيلية تسعى إلى فرض الهيمنة الغربية والثقافة الإمبيريالية من خلال السياسة القديمة» فرق تسد «. إن نموذج الإسلام الذي تناصره (بينارد) هو ذلك النموذج الخامل الضعيف الذي يمكن اختراقه بسهولة ومن ثم تشكيله لكي يتناسب مع أجندة الغرب. إن النموذج الذي تعوِّل عليه (بينارد) هو تركيا، والتي تعتبرها» واحدة من أنجح الدول الإسلامية «وذلك نسبة لسياستها العلمانية العدائية. لقد تم اختيار حكومتين إسلاميتين عبر الانتخابات في تركيا في السنوات الأخيرة، حيث إن الأخيرة منهما رفضت السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية قبل الحرب على العراق. إن الكاتبة لا تحاول فقط تشويه بعض المفاهيم الأساسية في الإسلام مثل الجهاد، والشهادة، والحجاب فحسب، ولكنها تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهي تتساءل عن مدى صحة القرآن نفسه، عندما تقول وبكل وقاحة» بأن اثنين على الأقل من سور الكتاب المقدس للمسلمين مفقودة « [**] . إن إطلاق مقولات شنيعة كهذه ضد القرآن دونما استشهاد أو دليل، ليس بالشيء البغيض فحسب، بل هو ممارسة لثقافة بائسة. وأعتقد لو أن عبارات كهذه قيلت في حق اليهود لقاموا بمقاضاتها بتهمة معاداة السامية. إن مقترحات (بينارد) بالرغم من مسحتها الخبيثة المعادية للإسلام، ومضامينها التي تدعو إلى الفرقة في العالم الإسلامي، إلاّ أنها ليست بالشيء الجديد في صناعة السياسة الخارجية الأمريكية. قبل عقدين من الزمان عندما انبعث التشدد الشيعي في إيران، اعتُبر أكبر تهديد للحضارة الغربية، حيث إن المئات من المسلمين السنة التقليديين كان يتم تسليحهم بواسطة الولايات المتحدة ليجاهدوا ضد الاتحاد السوفييتي. فقد كان الافتراض السائد حينها أن الحركة الوهابية من الإسلام السني هي تيار محافظ بالفطرة، ولذلك هو الحليف الطبيعي للولايات المتحدة ضد الشيوعيين والمتشددين الشيعة [٧] ، أما اليوم، فالصوفية، وأنصار الحداثة، والعلمانيون، وبعض الشيعة، يُنظر إليهم على أنهم القوة الموازنة للمتشددين السنة. وفعلاً نرى أن التاريخ يعيد نفسه بطرق ملتوية.

стр. 4951

المسلمون والعالم بعد انتهاء الانتخابات الجزائرية وقفات مع برامج المرشحين وتسليط الضوء عليها يوسف شلي [*] بعد فوز الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الانتخابات الجزائرية لولاية ثانية فإن الشعب الجزائري يتطلع بلهفة كبيرة إلى تحرك الرئيس من دائرة القول إلى دائرة الفعل والتطبيق، وسواء كان هدف الرئيس من التركيز في حملاته الانتخابية على فضائل المصالحة الوطنية التي بإمكانها إنقاذ الجزائر من محنتها هو إزالة الشك بشأن مدى مشروعية عملية الانتخابات الرئاسية برمتها رغم ما قيل عنها والتي فاز فيها بالتزكية لعهدة ثانية كما يقول خصومه وناقدوه. فإنه بمجرد انتهاء العملية الانتخابية وإعلان نتيجتها مبكراً ستتركز أنظار الجماهير الآن على الرئيس لترى كيف سيطبق مشروعه للمصالحة الوطنية. وقد قمنا باستطلاع آراء جملة من المواطنين الذين شاركوا في الانتخابات الأخيرة حول موقفهم من المصالحة التي يدعو إليها المرشح الفائز عبد العزيز بوتفليقة، حيث أجمعوا على أن الرئيس قادر هذه المرة خلاف الفترة السابقة على فرض مشروع «المصالحة الوطنية» التي نادى بها منذ عام ٢٠٠١ بولاية باتنة شرق الجزائر في إحدى جولاته التفقدية، ولم يستطع تجسيدها بسبب الخطوط الحمراء التي كبل بها من طرف بعض الأحزاب والشخصيات والمنظمات المدنية كضحايا الإرهاب. ورغم علمهم أن الرئيس بوتفليقة لم يعلن بنوداً تفصيلية لمشروعه خلاف مرشح الإسلاميين عبد الله جاب الله، إلا أنه من خلال خطبه وتصريحاته وبياناته قبل عملية الانتخابات ذكر خطوطاً عريضة هي: - استكمال المصالحة الوطنية شرط لا مناص منه لضمان رفاهية الأمة. - المصالحة الوطنية هي إخماد كل نيران الفتنة التي أشعلها أعداء الوحدة الوطنية لتشتيت شمل أبناء الجزائر والدفع بهم إلى ما لا تحمد عقباه. - تصالح الجزائريين مع تاريخهم وثقافتهم العريقة التي تتغذى من جذورنا الأمازيغية ومن رصيدنا العربي والإسلامي. - جعل الجزائري يسترجع نخوته واعتزازه بكونه إنساناً حراً غيوراً على استقلاله ومتضامناً مع شعبه في السراء والضراء. - بناء صرح دولة عتيدة تقوم أركانها على العدل واحترام حقوق الإنسان. - جعل جميع المذاهب والمشارب التي يجمع بينها حب الوطن والحرص على مستقبل أبنائنا. وكما يدرك المحللون السياسيون المتابعون للشأن الجزائري فإن هذه الخطوط مترابطة بعضها مع بعض بصورة عضوية؛ بحيث أن كلاً منها يمثل إما سبباً للآخر أو نتيجة له، والسؤال المطروح إذن هو: من أين يبدأ الرئيس بوتفليقة؟ الجواب قد نؤجله للأيام والأسابيع القادمة لنرى الجو السياسي العام في البلاد، ونقيس مدى مصداقية الرئيس في بداية تطبيق المصالحة الوطنية المنشودة؛ وذلك حتماً سيكون من خلال الخطوات الأولى الضرورية والأساسية لكسب ثقة المواطن الذي مل من الانتظار والفرص الضائعة بسبب أو بغيره. وقد نرى أم البدايات التي يبدو كل ما عداها مجرد تفاصيل اتخاذ رئيس الجمهورية الفائز بثقة الشعب لقرارين مهمين: قرار سياسي برفع حالة الطوارئ والرجوع إلى الشرعية الدستورية، وقرار إنساني بالعفو الرئاسي عن مساجين الرأي من أنصار الحزب الذي حُلَّ ممن يعدون بالآلاف القابعين في السجون الجزائرية، ولأن تصحيح الخطأ التاريخي بعد حل الجبهة الإسلامية، ومن ثم الزج بأنصارها في متاهات السجون والمعتقلات والزنازين، أمر ضروري وصائب، وهو الذي يجب أن يسود وتكون نقطة البداية التي يستوحي منها الرئيس بوتفليقة خطوته الاستهلالية لإشاعة السلام والأمن والإخاء في المجتمع الجزائري عن طريق استعادة الحقوق المسلوبة للجميع الإسلاميين وغير الإسلاميين. * القضية المنسية في برامج المرشحين: قد يشد انتباه الملاحظين أن المرشحين الستة للانتخابات الرئاسية ٢٠٠٤م أهملوا بقصد، وتجاوزوا في برامجهم المقدمة إلى الشعب الجزائري مشروع المجتمع الذي يراد إقامته، إلا من بعض الإشارات المبثوثة في بعض المحاور هنا وهناك. وقد سيطر الهاجس الأمني والعامل السياسي والمشاكل الاقتصادية على اهتمامات كل المرشحين بمختلف توجهاتهم. ومع تأجيل البتّ في مشروع المجتمع، وهي القضية التي بقيت دائماً مؤجلة منذ رفض الرئيس السابق ليامين زروال فتح ملفها مع الطبقة السياسية، تختلف درجات الاهتمام بموضوع الهوية ومعالم الشخصية الوطنية من مرشح لآخر حسب الموقع والانتماء الإيديولوجي لكل واحد منهم. وقد شكل مشروع المجتمع هاجساً كبيراً لدى السلطات والطبقة السياسية نظراً لخطورة الموضوع وحساسية الملف، عندما نادت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بعد فوزها في التشريعيات الملغاة عام ١٩٩٢م إلى فرض النموذج الإسلامي في الأكل والملبس والمظاهر الشخصية، استغلتها الأوساط المغرضة في ذلك الوقت، وخاصة التيار العلماني المشكل من الأحزاب والجمعيات المدنية والشخصيات السياسية والثقافية، فأعلنوا حرباً ضروساً على الإسلاميين لم تنقطع حتى بعد حل الجبهة الإسلامية والزج بأبنائها في متاهات السجون والمحتشدات. * تعزيز الهوية بمكوناتها: قام برنامج المرشح الفائز عبد العزيز بوتفليقة على التركيز بشدة وبكل وضوح على ضرورة التمسك بالهوية وترقية الانتماء الثقافي الحضاري للثقافة العربية الإسلامية، ويعلن عن سعيه الجاد لترقية المكونات الأساسية للهوية الوطنية بمكوناتها الثلاثة (الإسلام والعربية والأمازيغية) . وذهب بوتفليقة إلى أكثر من ذلك عندما أكد أنه لا بد من جعلها في مأمن من التوظيف السياسي والحزبي هاجسهم الدائم وصونها من المغامرات السياسية التي أراد بعضهم إقحامها في فترات الأزمة الأخيرة، وخاصة بعد انفجار الأوضاع الأمنية في بلاد القبائل أين سيطر العامل الأمازيغي على كل شيء في نضال الحركات الثقافية البربرية واستبعادها العمدي لعاملي الإسلام والعروبة في نضالها، هذا الاستبعاد الذي جاوز الخط الأحمر وكل محظور، ووصل إلى رفض الاعتراف بها كمكونين أساسين للأمة الجزائرية الناشئة الجامعة لمختلف أطيافها السياسية والعرقية. ولم يكتف المرشح الفائز عند هذا التحديد بل ذهب إلى ضرورة تكثيف العمل من أجل ترقية قيم الإسلام «دين الدولة الرسمي» والتسامح والرقي والإنسانية والأخوة، واقترح المرشح الفائز بالاهتمام بتكوين الأئمة والدعاة والخطباء وإعادة الاعتبار لمكانة ودور الزوايا والطرق الصوفية في خدمة المجتمع؛ متعهداً بترقية إشعاع الحضارة العربية الإسلامية في بلادنا وعبر العالم؛ لأن الشعب الجزائري أسهم في هذه الحضارة بشكل فعال وجاد، وبترقية الثقافة واللغة الأمازيغية عن طريق تحويل البعد الأمازيغي من هويتها الضيقة التي سجنت فيها نفسها إلى عامل إضافي للوحدة الوطنية والإشعاع في العالم، وبتعريف أبنائنا لشخصيتهم الوطنية المتعددة ليعززوا من افتخارهم بالانتماء إلى وطنهم العظيم، وبالدفاع عن اللغة العربية وترقيتها، وحماية المجتمع من كل عوامل الإفساد الداخلية والخارجية. ويكون المرشح الفائز عبد العزيز بوتفليقة قد حسم في الكثير من مواضيع الهوية الوطنية بشكل صارم، وبالدفاع عن الشخصية الوطنية وحمايتها من كل الآثار المترتبة عن العولمة، والأزمة المؤلمة التي مرت بها، والوقوف في وجه حملات التشويه والتغريب بشكل واضح وجلي. غير أننا نلاحظ بأن العموميات قد لف الكثير من نقاط الهوية الوطنية ولم يتطرق إليها بقصد أو بغير قصد، كمكانة الشريعة الإسلامية فيها، ودور الهيئات الإسلامية التابعة لرئاسة الجمهورية (المجلس الإسلامي الأعلى، هيئة الإفتاء وغيرها) في مراقبة التجاوزات الحاصلة المنافية للإسلام وهي كثيرة ومكانة العلماء في المجتمع ودورهم في التوعية الدينية وتربية النشء، وفتح المجال للتمكين للإسلام من أن يحتل مكانته الأولى في قائمة ثوابت الأمة. للتذكير تعتبر الجزائر البلد الوحيد في العالم العربي الذي لا يقدم الأذان في شاشة التلفزيون، بعد أن ضاق الحال بالتيار الاستئصالي عام ١٩٩٣م في عهد رئيس الحكومة رضا مالك بالأذان، فضغطوا عليه ولبى طلبهم وألغى الأذان نهائياً من شاشات التلفزيون. * برنامج ابن فليس وتصوره: علي بن فليس الخاسر الأكبر في الاستحقاق الرئاسي الأخير، كان برنامجه يفتقر إلى مكانة الإسلام في الجزائر في حالة وصوله إلى سدة الحكم؛ فهو يقدم اقتراحات بسيطة مبثوثة ومتقطعة في عدة محاور دون تحديد الموضوع، ولكن خلاصة هذه الاقتراحات عموماً تذهب إلى ضرورة المحافظة على الانسجام الاجتماعي والثقافي دون تحديد توجه معين للخيارات الكبرى. قد يستغرب أكثر من واحد بأن ابن الأوراس وأمين عام جبهة التحرير الوطني التي حررت الجزائر من نير الاستعمار وتمكنت من الصمود بفضل الانسجام الديني بين جميع أبناء الجزائر، الذين حافظوا على الهوية العربية والإسلامية بأغلى ما عندهم: أرواحهم، في سبيل العيش في دولة جزائرية شعبية اجتماعية وفق المبادئ الإسلامية، كما جاء ذكره في ميثاق أول نوفمبر. لكن للأسف الشديد لم نقرأ في برنامج بن فليس أي حديث عن الإسلام والدور الذي يمكنه أن يؤديه وسط هذا الكم الهائل من الهجوم على الإسلام والمسلمين في العالم الإسلامي، وهنا تكون المفارقة بأن الوطني الأقرب توجهاً إلى الإسلامي قد اقترب ودنا من العلماني في رؤيته للمقدس وتحديده للإسلام الذي لا يخرج عن كونه تراثاً مكتسباً لا دور له سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو ثقافياً في جزائر الحاضر والمستقبل. * برنامج عبد الله جاب الله: - عبد الله جاب الله هو ممثل الإسلاميين في هذه الانتخابات؛ فإن الاقتراحات التي قدمها إلى الرأي العام الوطني قامت على ضرورة وحتمية الانتماء للحضارة الإسلامية، مع التركيز على الدفاع وحماية الهوية والشخصية الوطنية وحمايتها من حملات التشويه والتغريب من خلال إعادة الاعتبار للقيم الإسلامية السامية، وإحياء الموروث التاريخي للأمة، وإدماجه في سياق تفعيل دور الأمة في التاريخ، والتركيز على غرس هذه القيم في كل أجهزة الدولة ومؤسساتها حتى يكون الانسجام مع تاريخ الأمة ومستقبلها. لم نسمع كثيراً في تدخلات الشيخ عبد الله جاب الله في وسائل الإعلام المختلفة أو في المهرجانات الشعبية التي نشطها في ربوع البلاد الحديث بإسهاب عن الإسلام في جزائر الألفية الثالثة، وهو الذي رفع شعار (الإسلام هو الحل) . قد تكون المادة الدستورية التي تمنع استعمال عناصر الهوية الوطنية لأغراض سياسية الحاجز أو المانع من بيان هذا المعطى، لكن أن يقل الحديث عنه في الأحاديث العامة والخاصة من الأمور التي لا يفهمها المواطن ولا تستسيغها الأنفس ولا تقبلها العقول. * سعيد سعدي ومعاداة للإسلام والعربية: يعتبر سعيد سعدي الذي رجع إلى حجمه الطبيعي من خلال النتيجة (الفضيحة) التي حصل عليها في الانتخابات الرئاسية أبا البرامج المتطرفة دون منافس، وهو الذي تبنى روحاً وقلباً عملية تغريب حقيقية وحرباً واضحة على ثوابت المجتمع الجزائري الكبرى: الإسلام، والعربية. فهو لا يخفي انتماءه إلى التيار الاستئصالي الذي أزاح الجبهة الإسلامية، وتبنيه ودفاعه المستميت عن المشروع اللائكي التغريبي؛ وكأنه بذلك يصفي حساباته الشخصية ونفسيته المتمردة وبالمناسبة فهو طبيب نفساني على أي مقدس وصراعه مع مقومات هذا الشعب؛ فهو يصر في كل إطلالة إعلامية له على حتمية إلغاء قانون الأسرة الوحيد المستمد من الشريعة الإسلامية، ويدعي أنه قانون يضطهد المرأة ويجعلها قاصرة إلى الأبد وفي المرتبة الثانية من حيث الحقوق والمساواة بعد الرجل التي أقرها الدستور لها، كما يرفض اللغة العربية التي يعتبرها لغة دخيلة على الشعب الجزائري والانتماء إلى الثقافة العربية الإسلامية، ويدافع بشراسة لا حد لها عن اللغة الفرنسية والقيم الثقافية الغربية المستمدة من الثورة الفرنسية العلمانية التي فصلت الدين عن الدولة، وهو يدافع عن اللغة الأمازيغية وترقيتها بالأحرف اللاتينية، دون أن يتمكن من إثرائها وتحويلها إلى لغة حية وحقيقية وعلمية يمكن للشعب الجزائري استعمالها والاستفادة منها، رغم أن أول الكتابات في الشعر والأدب والتاريخ المطبوعة والمخطوطة كتبت بالأحرف العربية. كما يرى أن انتماءه الجغرافي يصل إلى حوض البحر الأبيض المتوسط المسيحي، في الوقت الذي يدعو إلى تغريب المدرسة من خلال تنقية البرامج التربوية من كل ما له صلة بثقافة وأصالة هذا الشعب، بداية من محاربة اللغة العربية، إلى إلغاء المواضيع الدينية، إلى رفض كل أنواع النصوص التي لها علاقة بالهوية والانتماء الحضاري للثقافة العربية والإسلامية، إضافة إلى محاربة دور المؤسسة الدينية في المجتمع، ومطالبته بتغيير يومي العطلة الأسبوعية الخميس والجمعة واستبدالهما بيومي السبت والأحد؛ لأن الظروف الاقتصادية تحتم علينا ذلك. وخلاصة برنامجه يقوم على هدف أساس يتمثل في محاربة وإلغاء كل ما له صلة بتاريخ وهوية هذا المجتمع، دون أن يكون له بديل سوى تكريس الثقافة الغربية وبالذات الفرنسية الفرنكوفيلية المتطرفة. * برنامج (لويزة) التروتسكية: ركزت المرشحة النسوية الوحيدة لويزة حنون في برنامجها على تقديم اقتراحات تخص بالدرجة الأولى طبقة العمال في السعي إلى البحث عن الحلول الاقتصادية، وكذلك حل الأزمة السياسية والأمنية والمؤسساتية، باعتبارها الأولوية الأساسية في جدول النضال الذي تقوده، لكن هذا لم يمنعها من التطرق إلى موضوع قانون الأسرة المستمد من الشريعة ومطالبتها بإلغائه؛ لأنه يضر بالمرأة ويعد عدواناً صارخاً عليها، واستبداله بالقانون المدني أسوة بالغربيين الذين ساووا بين الجنسين من حيث الواجبات والحقوق، ولا نجد غير هذه النقطة في برنامجها وإن كان الثقل الإيديولوجي واضحاً في تدخلاتها الإعلامية؛ فهي من المدرسة التروتسكية أقصى اليسار الذي تمثله في الساحة السياسية الجزائرية. * المرشح المجهول وبرنامجه الغريب: المرشح المجهول في هذه المنافسة الرئاسية هو فوزي رباعين الذي التزم الصمت مدة الحملة الانتخابية التي دامت ثلاثة أسابيع، فتجنب الحديث عن موضوع الهوية بالقول أو التلميح، وتمسك بأرضية الصومام كأرضية لحل كل المشاكل العالقة، مع ترك مساحة واسعة لكل الحلول، ولكن بنزعة لائكية (علمانية) وطنية واضحة وغير قادرة على التعبير عن نفسها. ويجب التذكير في هذا المجال بأن أرضية الصومام ١٩٥٦م تجاهلت عن قصد المبادئ الإسلامية وروح الشريعة عند تعريفها بالدولة الجزائرية المزمع تكوينها بعد الاستقلال، وبذلك فهي تناقض ما جاء في بيان أول نوفمبر ١٩٥٤م الوثيقة الأساسية لشرعية الثورة الجزائرية.. * أبو جرة.. إسلامي يتحالف مع العلمانية: في تصريح له أثار جدلاً كبيراً لدى الأوساط الإسلامية، قال أبو جرة سلطاني رئيس حركة مجتمع السلم والمراقب العام للإخوان المسلمين في الجزائر إن: «المشروع الإسلامي تجاوزه الزمن» و «أن السياسة أفسدت الناس، ولا ينبغي أن نعول على الجماهير» و «التشادور الأفغاني لا ينتسب للإسلام ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم إدماجه في ثقافتنا» . أبو جرة سلطاني حليف استراتيجي ممن أوصلوا مرشحهم عبد العزيز بوتفليقة إلى قصر المرادية، رفضت حركته التحالف مع حركة الإصلاح الوطني لجاب الله بعدما طلبت ذلك هذه الأخيرة، ولم يجانب الدكتور أحمد بن محمد الصواب حينما علق على مثل هذه التصريحات قائلاً: «إنه نكوص إيديولوجي كما يقال في الغرب؛ فلقد أصاب بعضنا مسخ على مستوى المنهاج، المنهاج الإسلامي» . * خلاصة أبرز شعارات المرشحين الستة: - مرشح التحالف الاستراتيجي عبد العزيز بوتفليقة شدد على حتمية تحقيق المصالحة الوطنية: «كقاعدة أساسية للخروج من الأزمات مما يسمح بنجاح أي مشروع تنموياً كان أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو ثقافياً» . - المرشح الإسلامي عبد الله جاب الله يعتقد أن تحقيق الإصلاحات السياسية: «يمر حتماً عبر تعديل الدستور لإقرار نظام تعددي سليم ومحو الخلل في ممارسة السلطة ومراقبتها» . - مرشح المجاهدين وأبناء الشهداء اللائكي الوطني علي فوزي رباعين يرى أن تطهير المحيط السياسي ينطلق من: «الاعتناء بكتابة التاريخ الوطني وإظهار كافة الوقائع والحقائق بكل موضوعية» مركزاً في آن واحد على «بناء دولة القانون واحترام حقوق الإنسان عبر تفعيل دور العدالة» مؤكداً أنه «جاء من أجل التحدث عن كل شخص يعمل على تدمير المجتمع والخونة الذين هم في السلطة متوعداً بالكشف عن أسمائهم» . - مرشح التغيير الحتمي علي بن فليس من جهته اعتبر أن علاج المشكلة السياسية يمر من خلال: «الارتقاء بالديمقراطية التي تضمن التعددية الحزبية والإعلامية وتعدد الجمعيات وحماية الرأي والرأي المخالف» . - مرشح القطب الديمقراطي العلماني سعيد سعدي يرى أن العمل المستقبلي يجب أن يرتكز على: «إعادة الثقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الإدارة والمواطن لأن بناء دولة القانون يمر حتماً عبر محاربة التهميش والإقصاء» بل إنه يرى أن ذلك يستلزم جعل المواطن حجر الزاوية «في عملية البناء والتشييد» . - أما المرشحة لويزة حنون يسارية الاتجاه أول سيدة تدخل المنافسة على كرسي الرئاسة في الجزائر والعالم العربي، فترفض تماماً مشروع إصلاح هياكل الدولة معتبرة أنه يهدف إلى: «تمزيق البلاد، والمساس بالدستور» . وتعهدت حنون في حال فوزها بالرئاسة أن تعمل على «تصفية الأجواء السياسية والاجتماعية وتكريس السلم الاجتماعي» . وأجمع كل المتابعين لسير الانتخابات الرئاسية بأن الوجه الأساسي للخلاف القائم بين المرشحين الستة المتنافسين في مسألة التواصل والاستمرارية أو التغيير، ويوضح هؤلاء أنه بينما يركز مرشحون على حتمية تكريس التواصل والاستمرارية لإخراج البلاد من أزمتها يرى بعضهم الآخر أن إحداث التغيير وتجسيد القطيعة يبقى السبيل الأمثل للنهوض بالاقتصاد الوطني وحل المشكلات الاجتماعية. * تصنيف العلمانيين في الجزائر: «العلمانيون ليسوا سواء» و «إذا ما أردنا التعامل مع العلمانيين فعلينا تصنيفهم أولاً، ثم التعامل معهم» كلمات قالها الشيخ عبد الله جاب الله لتوصيف التيار العلماني في الجزائر، والمتأمل في موقف التيَار العلماني الاستئصالي في الجزائر مقارنة بالبلاد الأخرى في العالم يدرك تماماً أن هذا الفهم «للديمقراطية» غير مسلَّم به عندهم؛ إذ يستثني التيار الإسلامي بدعوى أنه غير «ديمقراطي» ومن ثَمَّ لا يمكن ائتمانه على العملية «الديمقراطية» ، ومن ثمَة يستلزم إقصاءه من دائرة الحياة السياسية، سواء بمنعه، وإن اقتضى ذلك الاستعانة بأجهزة الدولة القمعية، أو في أقل الأحوال السعي لمحاصرته وعزله بكل الطرق. وقد شكل العلمانيون أو ما يسمى بالديمقراطيين طرفاً مهماً في الساحة الوطنية الجزائرية بلا خلاف منذ أن تمكنوا من فرض أنفسهم وخياراتهم وحتى شعاراتهم بعد فتح مجال التعددية الحزبية في الجزائر عام ١٩٨٩م، ووضع حد للتقدم الذي أحرزته الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة في حينه. فقد انقسموا حول موضوع السماح للتيار الإسلامي بتشكيل أحزاب إسلامية والمشاركة في تسيير دواليب السلطة (المجموعات المحلية، الهيئة التشريعية، الوزارات..) بحجة واهية لا تستند إلى أي مسوغ شرعي أو قانوني أو حتى عقلي إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: يرى أن تشكيل مثل هذه التنظيمات الإسلامية يكرس التعددية في داخل التيار الإسلامي الجزائري، ويزج به في متاهات عالم التناقضات والاختلافات الذي لا ينتهي مما يزيد من الانقسامات والانشقاقات داخله بسبب حب الزعامة والرياسة، ويدفع من ثَمَّ إلى ضعفه. ويتزعم هذا القسم جبهة القوى الاشتراكية بزعامة رئيسها حسين آيت أحمد. القسم الثاني: فيما يرى هذا القسم أن الإسلاميين مهما بلغ الخلاف بينهم، وتعددت رؤاهم ومناهجهم وأفكارهم سيتحدون حتماً ضد خصم مشترك معادٍ لهم في الأفكار والتوجهات، سواء كانوا من أقصى اليمين أو أقصى الشمال؛ لأن وجودهم يعتمد بالدرجة الأولى على تسيير المجتمع بالقوانين الوضعية ومعاداتهم للشريعة التي يرون فيها التخلف والتعصب والرجوع إلى القرون الوسطى، وتمثل الحركة الديمقراطية الاجتماعية بزعامة الهاشمي الشريف هذا التوجه المتطرف، لكن إذا عرف السبب بطل العجب؛ فحركة الهاشمي الشريف هي سليلة الحزب الشيوعي الفرنسي أيام الاحتلال الذي تحول بعد ذلك إلى الحزب الشيوعي الجزائري الستاليني وتوغله في دواليب الحكم الجزائري بعد الاستقلال، ويشاركه في هذا التوجه التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية برئاسة سعيد سعدي والتحالف الجمهوري برئاسة رضا مالك. القسم الثالث: ويختلف عن القسمين السابقين من حيث عدم معارضته لتشكيل الأحزاب الإسلامية والمشاركة في النسيج السياسي السلمي الوطني والانتخابي؛ لاعتقاده بأن الكلمة الأخيرة ترجع إلى الشعب في اختيار ممثليه من أي تيار كان، ولأن الديمقراطية بالنسبة إليه عملية تناوب سلمي على الحكم، وكل مؤهل إلى شغل الحيز الذي يخصه في جزائر الحاضر والمستقبل. ويعتبر حزب العمال ذو التوجهات التروتسكية بقيادة لويزة حنون خير مثال على ذلك. لكن الميزة الغالبة لهؤلاء العلمانيين وهي نقطة ضعفهم الكبيرة أنهم لا يقدرون أهمية العامل الديني في شحذ همم المواطنين وكسب أصواتهم؛ فهم لم يأخذوا بعين الاعتبار أن الجزائري مهما كانت درجة التزامه الديني لن يحيد عن معتقده إلى معتقد آخر أو توجه إيديولوجي وفكري مغاير لقناعته الأصلية، وقد كان سعيد سعدي أول ضحاياه عندما انهزم حزبه في الانتخابات التشريعية الملغاة عام ١٩٩١م وصرح للصحافة الوطنية والعالمية بأنه: «أخطأ في المجتمع» ويقصد أنه لا يرى نفسه ولا يشرفه الانتماء إلى مثل هذا المجتمع الذي اختار الإسلام وقيمه ومن يدافع عنه ولم يختر الحداثة والعصرنة وفصل الدين عن الدنيا وفضائل الديمقراطية والعلمانية فبهتوا أمام الزحف الكاسح للإسلاميين في كل مناسبة انتخابية ولم يستطيعوا المقاومة، وظهروا وكأنهم استسلموا للأمر الواقع، رغم الحيف الذي أصاب التيار الإسلامي بفعل التزوير المسلط ضدهم دائماً للتقليل من حجمهم وقوتهم العددية، وقد صدق أحد السياسيين عندما وصف الإسلاميين بأنهم «الوعاء الانتخابي» للأحزاب ونظام الحكم معاً. ويعتقد معظمهم أن هؤلاء الإسلاميين فازوا مسبقاً بإقناع الناس بخطابهم الديني والسياسي لعدة اعتبارات أهمها جرأتهم في قول الحق دون مراوغة، وتجاوزهم للقانون ومواجهة السلطة إذا اعتقدوا بأن الحق معهم، إضافة إلى توفرهم على عشرات الآلاف من المساجد التي تشكل أكبر مراكز الدعاية والتجمع على الإطلاق في الجزائر. الخلاصة: أن الأمر مع التيار الإسلامي يختلف؛ فهو على عكس النخب السياسية والحاكمة يمثل تياراً شعبياً ذا قدرة عالية على تأطير وتعبئة الجماهير، ومن ثَمَّ لا قِبَل لهذه التيارات العلمانية بمنازعته في أي منافسة سياسية نزيهة، مما جعل هذه النخب تحتمي بالمنطق الاستئصالي، من أجل استبعاد هذا التيار الأساسي من الحياة السياسية، ولو كان ثمن ذلك حرية التعبير وحقوق الإنسان و «الديمقراطية» ذاتها التي يتشدقون بها في كل محافل العالم. * حوار مع الدكتور أحمد بن محمد: تعريف: عمره ٤٩ سنة، أستاذ جامعي، حاصل على دكتوراه دولة من باريس حول «السلطة في القرآن والسنة» . أسس مع الشيخ أحمد سحنون ﵀ وغيره جمعية (التضامن الإسلامي الجزائري) عام ١٩٩٢م، وله مشاركات سياسية مع المعارضة الجزائرية، ورفض التكيف مع دستور ١٩٩٦م الذي يمنع استخدام الإسلام لأغراض سياسية. البيان: هل يمكن في نظركم الحديث عن مصالحة وطنية في غياب الجبهة الإسلامية، وعدم معالجة أسباب محنة الجزائر؟ - «المصالحة الوطنية» شعار أكثر منه موقف شرعي. إن وديان الدماء البريئة التي سالت في الجزائر لا يمكن علاج إشكاليتها إلا بالقرآن، فأصحاب الدماء هم الذين يعفون. فمن الذي مات من أهل كبراء السلطة حتى يعفوا؟! ومن الذي مات من أهل القيادات الإسلامية الأحياء كي يصفحوا؟! ألم يقل الله تعالى: [وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي القَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً] (الإسراء: ٣٣) . وبعد الصلح الشرعي بين الأهالي، يمكن إجراء مصارحة فقهية سياسية عما جرى بين الساسة. البيان: ما هو تقويمكم لتطورات الوضع السياسي العام وانعكاساته المستقبلية على الجزائر؟ - أعاد النظام قولبة الوجدان السياسي لقطاعات عديدة من المجتمع، أضف إلى ذلك أخطاء الإسلاميين السننية والشرعية، وإلا فكيف نفسر ميل نحو عدة ملايين إلى مرشح النظام؟ إن المعارضة بدون القبائل، وبدون الإسلاميين لا قوة لها، بل لا رائحة لها أصلاً!! والكلام هنا على قبائل دون قبائل! وعلى إسلاميين دون إسلاميين! البيان: ألا ترون أن ما حدث في الجزائر من دَخَن وفتن جنى على الحركات الإسلامية في العالم وأن مد هذه الحركات قد تراجع بشكل كبير؟ - إن دعاة تحكيم الإسلام في الجزائر أحسنوا في مرحلة «المطالبة» ، وكانت مزاياهم أكثر من خطاياهم في مرحلة «المغالبة» . أما مرحلة «المخالبة» باستعمال المخالب أي البارود والحديد فيغفر الله تعالى لنا جميعاً؛ فهذا أساء الانتقام ممن ظلموه، وذاك سكت، وذاك أساء الحديث إلخ ... البيان: التيار الإسلامي دخل الانتخابات الرئاسية مشتتاً، والنتائج تعكس تراجعاً كبيراً له.. ما قراءتكم في ذلك؟ - راية الإسلام في هذه الرئاسيات لم تكن واضحة صورتها ولا قوياً صوتها؛ فلقد أصبحنا نستحيي أن نتحدث عن دولة الإسلام! أصبحنا نقول: «دولة القانون» و «حماية الدستور» الجاهلي الأعرج ... وانظر إلى هذه الرئاسيات: فمنا من امتنع، ومنا من ترجل عن فرسه وأسرجه لآخرين، ومنا من لا يحسن ركوب الخيل ولكنه امتطى صهوة جواد، ومنا من كان ينتظر دوراً ثانياً في الانتخابات لم يأت لعدم وضوح الرؤيا. فهذه الرئاسيات لم يفز فيها ناجح بقدر ما خسرها ضعفاء! فخمسة مرشحين كانوا خفافاً على مرشح السلطة، وهو بدوره صغير على مشاكل الجزائر المعقدة المتوالدة. البيان: هل أنتم متفائلون بأن التيار الإسلامي في الجزائر قد يشهد تغيرات كبيرة ويسترجع عافيته بعد مسيرة شابتها النقائص والأخطاء؟ - الواقع صعب. علينا بعد زلزال هذه الرئاسيات أن نقبل السياط التي يجلد بها بعضنا بعضاً، حفاظاً على الشجرة الإسلام ونظامه المرتقب ولو أدى ذلك إلى إضاعة ثمرة هنا أو هناك. * حوار مع الأستاذ كسَّال عبد السلام: ممثل حركة الإصلاح الوطني يتزعمها المرشح الرئاسي الشيخ عبد الله جاب الله في اللجنة السياسية الوطنية لمراقبة الانتخابات الرئاسية، ومقرر اللجنة السياسية الوطنية؛ بالإضافة لكونه نائباً في المجلس الشعبي الوطني، ونائباً لرئيس الكتلة البرلمانية للحركة. البيان: هل من تفسير للنتائج التي حصل عليها الشيخ عبد الله جاب في الانتخابات الأخيرة على خلاف التوقعات؟ - بسم الله الرحمن الرحيم.. النتائج بحد ذاتها لم تكن متوقعة بحجم الأرقام المعلن عنها في وسائل الإعلام؛ فهذا لم يكن متوقعاً من التيار الإسلامي ولا من جانب السلطة أيضاً، أما فيما يخص الزلزال الذي أصاب حركة الإصلاح الوطني فهو درس لنا يجب أن نستفيد منه، ونحن في المرحلة الأولى أمام هذا الظرف نتفحص جوانبه ونقرأ تداعياته لنستخلص الدروس ونتجاوز المرحلة الصعبة، واستخلاص الدروس له جانبان رئيسان: إعادة القراءة الداخلية، والقراءة الخارجية. وهاتان القراءتان هما اللتان تحددان الطريق وتبرزان معالم العمل المستقبلي «المتجدد» ولا نرى محيداً عن هذا الامتحان العسير.. البيان: صرح الشيخ جاب الله بعد الانتخابات أنه أخطأ عندما توقع أن تكون مفتوحة؛ فهل يعني هذا أن الضمانات التي قدمت له من قِبَل السلطات كانت فقط وعوداً لدفعه للمشاركة وإعطاء المصداقية للعملية الانتخابية؟ - الذهول وأصارحكم بذلك كان كبيراً ووقعه على رؤوسنا كان لا يحتمل. وأعتقد أن عملية التزوير ساهمت بقوة في صدمة النتائج الانتخابية، هذا التزوير في تصوري لم يحدث له في تاريخ البشرية مثالاً؛ حيث كانت هناك أمارات كثيرة للتزوير، لكن الآثار قليلة جداً؛ فالإمكانيات لكشفها لا يملكها إلا صاحبها، ولا نملك في الفترة الحالية المفاتيح التي تمكننا من فتح تحقيق في هذه المسألة، فالتزوير اعتمد في مرحلته الأولى على جانب «التمويه» : التمويه من جانبين: جانب حياد المؤسسة العسكرية، وكنا ننتظر فعلاً منها أن تقوم بشيء ما في هذا الباب لإلزام جميع الأطراف ومنها الإدارة بالالتزام بالحيادية؛ لكن تبين أن المؤسسة بحد ذاتها قد غضت الطرف عن الكثير من التجاوزات. نحن ربما أخطأنا عندما صدقنا أن الجيش قد يخرج من اللعبة السياسية نهائياً. وكنا نعتقد أن اللعبة مفتوحة وأن رهان السلطة في التزوير هو رهان على أساس تقليدي: تزوير في مكاتب الاقتراع، وضع المظاريف الإضافية في غفلة من المراقبين في الصناديق، وتغيير نتائج الفرز، لكن هناك صيغة أخرى اعتمدت على التمويه وعدم الانكشاف، فكان تركيز الناس على جوانب معينة نمطية في الحملة الانتخابية لضبطها والحد من التزوير فيها، فإذا بالأمور تأتي من جانب آخر أذهلت العالم كله. البيان: هل من الواقعية السياسية اتهام جهات بالتزوير بهذا الشكل الكبير كما جاء في كلامكم؟ ألا ترى بأن الشعب هذه المرة اختار تماماً مرشحه؟ - نحن لم نقل أن الشعب لم يعط للرئيس أصواته، ولم نقل إن الانتخابات كانت مزورة تزويراً شاملاً، وإنما قلت إن هنالك ما يشبه «التزوير القبلي» قد وقع، وهذا فيما يخص تسيير بعض الجوانب التقنية الحساسة في العملية الانتخابية التي تشرف عليها اللجنة الوطنية السياسية لمراقبة الانتخابات الرئاسية، ونحن قد ناضلنا في هذه اللجنة نضالاً شديداً لكن صوتنا لم يسمع به، وحتى اللجنة لم يسمع إليها. هناك (٧ ملايين) من الأميين لا قدرة لهم على التحليل وفهم الوقائع، ثم يأتي جهاز السلطة بنوافذه الإعلامية الكبرى المحتكرة جميعها، لفرض قناعته على عقول المواطنين وتوجيه العملية الانتخابية، وهو التوجيه الذي يجعل المواطن العادي يحس في ضميره بأن هذا هو المنطق والحق المبين، وأن المنطق الذي يجب أن يسير فيه هو منطق عدم المجازفة، وبهذا المنطق اختار هؤلاء الناس في غالبيتهم رجلاً يعرفون إيجابيته وسلبياته في مدة حكمه. * حوار مع الأستاذ سعيد مرسي: أحد القيادات الإسلامية في الجزائر، وأحد قيادات الخط التصحيحي الذي انفصل عن حركة مجتمع السلم (حمس) ، درس في الكتاتيب القرآنية ودرس في الجزائر والسعودية وتخصص في الفيزياء ومارس التدريس والعمل الدعوي. البيان: إذا أتينا إلى الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ما هو تقويمكم لنتائجها، وهل كان خيار حركة مجتمع السلم بالتحالف خياراً صائباً؟ - بسم الله الرحمن الرحيم. في هذه الانتخابات الرئاسية نلاحظ تراجع الخطاب الاستئصالي شعبياً وعزلته، وأيضاً ما مهد لهذه الانتخابات العهدة السابقة التي جاءت بهدنة مع الجيش الإسلامي للإنقاذ الذي حُلَّ ومشروع الوئام المدني المتفق عليه والذي لم يطبق في جملته وتفصيله، لكنه أعطى أماناً للشعب وأملاً في الاستقرار السياسي والاجتماعي وحتى الاقتصادي؛ لذلك التف الشعب الجزائري حول هذا الخطاب، وإن كان أغلب المرشحين تبنوا خطاب المصالحة، إنما كان المرشح الفائز - عبد العزيز بوتفليقة - له بعض الضمانات هي الفترة السابقة، وقد فهم الشعب حقيقة ذلك لما عاشه من ويلات ومآس وإقصاء، ومن رعب المجازر الجماعية.. فالمصالحة الوطنية خطنا السياسي التي نادينا لها يوم أن كان هذا المصطلح في بدايات سنوات الدم والجمر في قاموس الممنوعات، وكل من يتجرأ على الدعوة إليها يوصم بالإرهاب. أما الآن والحمد لله، فقد أصبح تيار المصالحة الوطنية هو الغالب. البيان: ما هو مستقبل «التحالف الرئاسي الاستراتيجي» المؤلف من ثلاثة أحزاب: (جبهة التحرير جناح بلخادم - وزير الخارجية - وحركة مجتمع السلم والتجمع الوطني الديمقراطي) الذي مكن الرئيس بوتفليقة من عهدة ثانية؟ وهل تعتقدون بأن هذا التحالف المؤقت قد يتطور ويصبح دائماً؟ - حقيقة التحالف هي مساندة وإسناد لمرشح السلطة، وهذا التحالف نعتبره جاء في مرحلة جديدة ساد وقائعها خطاب المصالحة الشاملة، وهو أمل أضفى نوعاً ما «ديكوراً» على هذا التحالف بأنه «تحالف استراتيجي» خصوصاً أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة صرح بذلك في بعض المقابلات الصحفية أنه مقبل على مرحلة جديدة تحتاج إلى هيكلة الساحة سياسياً.. لقد استكثر على الشعب الجزائري كثرة الأحزاب وكثرة الرايات، وله رغبة كبيرة في الذهاب قُدُماً لتركيز وتجميع هذه الأحزاب في عائلات سياسية، وفي تقديري وهذا تخمين مني أن الرئيس يسعى إلى تجميع العائلتين الوطنية والإسلامية في عائلة واحدة لجملة القواسم التي بينهما، وتجميع عائلة الديمقراطيين والعصرانيين، مع بعض الخصوصيات التي تبقى قائمة في منطقة القبائل من خلال تيار قد يمثله حزب جبهة القوى الاشتراكية أو خيار آخر. المهم في كل هذا الأمر أن الرئيس ذاهب إلى تقليص الساحة السياسية وتضييقها في تكتلات. فهل يحالفه النجاح أم لا؟ هذا أمر آخر، لكن في تقديرنا هذا التجمع قد يعيدنا إلى شبح حكم الحزب الواحد الذي عانينا منه كثيراً، والشيء الذي نستخلصه من هذه الانتخابات ما يلي: - بوتفليقة كان بإمكانه الفوز دون اللجوء إلى التحالف. - فوز الرئيس بوتفليقة ليس تزكية للتحالف، وهو مؤشر على التفاف الشعب حول المصالحة.

стр. 4952

نص شعري بيانات شديدة اللهجة د. محمد بن ظافر الشهري بياناتٌ شديدةُ اللهجة أيها الأبطالُ في غزةَ يا مفخرة الأمةِ يا أُسْد العرينْ طببوا الجرحى ووارُوا جثثَ الأمواتِ ولْتصغوا إلينا جيداً ولْتوقفوا هذا الأنينْ أولاً: ... أحسن الله عزاءَ الميِّتِينْ في جموع المسلمينْ ثانياً: فليشهد التاريخُ أنَّا نشجبُ الساعةَ في غزةَ ما كُنا شجبنا في جِنينْ واشهدوا أنَّا أدنَّا منذ خمسين خريفاً كلَّ عدوانٍ وما زلنا ندينْ وإذا لم يوقَف العدوانُ من تلقائهِ أو يُدفن الشعبُ الفلسطينيُّ عن آخرهِ حُراً.. ومرفوع الجبينْ فعلى درب الإدانات سنمضي ثابتينْ ثالثاً: يا أيها الأحرار في العالمِ من أقصى بروناي إلى النيجرِ ها نحن نصحنا ذلك المدعوّ شارونَ فلم يصغ إلى النصحِ وإن كنا وجدناه يحب الناصحينْ رابعاً: إنَّا لَمِن أصلح خلق الله في الأرضِ ولكن لا نحب الصالحينْ! ولهذا أيها الشعب الفلسطينيُّ لا تجنح إلى الإفراط في الدينِ ولا تصبح يهودياً ولكن كن كما كنا مع المعتدلينْ خامساً: لا تُطفأ النيرانُ بالنارِ فلا ندعوكمُ للثارِ بل مُدوا يداً للسلمِ لا تستعجلوا أمراً ولو أبقيتمُ أيديكمُ ممدودة دهراً ولا تستيئسوا إن أُرجِعَتْ صِفراً فيكفي أن يراها الرومُ تمتد بإصرارٍ على مر السنينْ! ومن السادسِ حتى يبلغ العَدُّ المئينْ كرروا نفس البياناتِ وصوغوها إذا شئتم أهازيجاً ففي إنشادها رفع المعاناةِ وفي تردادها طبع الشعاراتِ على أشلاء موتانا لإحراج الغزاة الغاصبينْ!

стр. 4953

مرصد الأحداث أحمد فهمي afahmee@albayan-magazine.com أقوال غير عابرة: - «الدكتور عبد القدير خان قد تجري عملية لاغتياله من أجل إسكات صوته ومنعه من توريط الأطراف الرئيسة في قضية تسريب التقنيات النووية وقد يعلن بعد اغتياله عن إصابته بنوبة قلبية للتغطية» بنازير بوتو في حديث مع الإذاعة الأسترالية. [مفكرة الإسلام، ٩/٣/١٤٢٥هـ] - «ستصبح المالك المبجل لخمسة وعشرين مليون نسمة في العراق ستملك آمالهم وأحلامهم ومشاكلهم. ستملك كل شيء» كولن باول وزير الخارجية الأمريكي يخاطب جورج بوش قبل غزو العراق كما نقل الصحفي الأمريكي بوب وودوارد في كتابه الأخير. [الوطن الكويتية، ٢٨/٤/٢٠٠٤م] - «نحن نتعامل مع التلال، لكن الهيمالايا لا تزال ترقد في الخلف» باتريك كلوسون نائب مدير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى يقارن بين الوضع الحالي والمنتظر الذي يواجه الأمريكيين في العراق. [الاتحاد الإماراتية، ٢/٥/٢٠٠٤م] - «التخلص من الجلبي ليس كافياً، وعليها الإدارة الأمريكية القيام بعملية استئصال للجلبية» . [نعومي كلاين، الصحفية في الجارديان البريطانية] - «إنه لا يفعل شيئاً سوى الجلوس في غرفته المكيفة» أفراد من جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر يعبرون عن غضبهم من المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني. - «هناك أب أعلى أستنجد به» الرئيس الأمريكي جورج بوش يرد على سؤال حول ما إذا كان يستشير والده بوش الأب. [نيوزيويك، ٢٧/٤/٢٠٠٤م] - «لم يسافر أي منا بالطائرة قبل ذلك، قال لنا السيد مقتدى إننا ربما نشعر بالغثيان عندما تقلع الطائرة» مصطفى اليعقوبي أحد رجال الدين الشيعة يتحدث عن تجربة ركوبه الطائرة للمرة الأولى برفقة مقتدى الصدر وآخرين أثناء زيارة لهم إلى إيران. [مجلة النيوزويك، ٢٠/٤/٢٠٠٤م] - «الولايات المتحدة تواقة إلى الإبقاء على حلفائها بعيدين عن مناطق الخطر لدرجة أنها قبلت بعدم قيامهم بأي شيء على الإطلاق» . [النيوزويك العدد ٢٠١] - «لقد بات الواجب الآن أن تسير المقاومة في خطين متوازيين: مواجهة الاحتلال، وتنظيف المجتمع من أذناب الاحتلال» يونس الأسطل أحد قادة حماس. [السبيل، ٢٧/٤/٢٠٠٤م] - «إنهم لا يريدوننا أن نكبر» الفتى الفلسطيني عائد بطاح ١٣ عاماً من غزة يفسر قيام القوات الإسرائيلية بقتل الأطفال دون حتى أن يرشقوهم بالحجارة. [مفكرة الإسلام، ٣/٣/١٤٢٥هـ] - «بليك! إنه من أجلك. وآمل أن يكون هو نفسه القذر الذي قتلك» قناص أمريكي وهو يقتل مواطناً عراقياً في الفلوجة يسير في أحد الشوارع دون أن يكون مسلحاً. [الشرق الأوسط، ١٨/٤/٢٠٠٤م] أحاج وألغاز: إنهاء أم إخفاء؟ بعد فضيحة التعذيب في سجن أبو غريب «عزلت القيادة العسكرية الأمريكية الجنرال كاربنسكي قائد مراكز الاعتقال في العراق وعينت بدلاً منها العميد جيفري ميللر الذي قال بعد أيام من تعيينه:» لقد قمنا بتغيير كل هذا، ثقوا بنا، إننا نقوم بعملنا على الوجه الصحيح «. بقي أن نعرف أن ميللر خبير في إخفاء آثار التعذيب؛ حيث كان يتولى منصب قائد معسكر دلتا للاعتقال في جوانتانامو صاحب السمعة الأسوأ في العالم، وهو ما يطرح تساؤلاً هاماً: هل تهدف سلطات الاحتلال إلى إخفاء التعذيب أم إنهائه؟ جورج كوهين بن علي أعلن الصادق شعبان وزير التعليم العالي في تونس أنه بدءا من العام الدراسي القادم سيتم تدريس التوراة والإنجيل في المدارس والجامعات التونسية. [مفكرة الإسلام] كولمان يؤول قال الكولونيل جون كولمان رئيس أركان قوة المهام في فرقة مشاة البحرية الأولى للصحافيين:» الفلوجة مركز الجاذبية، وما ستؤول إليه الفلوجة سيؤول إليه وسط العراق، وما سيؤول إليه وسط العراق ستؤول إليه البلاد «المشكلة أن القوات الأمريكية انسحبت مدحورة من الفلوجة؛ فهل ستنسحب من العراق؟ [الرأي العام بتصرف، ٥/٣/١٤٢٥هـ] فواتير القهرُ - باء » أنا دفعت ١٧٠ ألف دينار فواتير كهرباء وماء، وبعض الناس لا يريدون أن يدفعوا، ويلجأ بعضهم إلى المجلس البرلمان الكويتي اعتقاداً منهم بأن المجلس سيسقط عنهم الفواتير «رئيس الوزراء الكويتي الشيخ صباح الأحمد. [الرأي العام الكويتية، ٢٢/٢/١٤٢٥هـ] أمريكا والخوف من الرياء أمام منتدى تاون هول في لوس أنجلُس منتدى مدني غير حزبي اتهم الشيخ حمد بن جاسم وزير الخارجية القطري الأمريكيين بأنهم لا يحسنون عرض إنجازاتهم الخيِّرة لشعوب العالم، وقال: أنتم أيها الأمريكيون لستم ماهرين في العلاقات العامة، أنتم ساعدتم المسلمين في البوسنة؛ لكن لا أحد يعرف هذا» ودعاهم إلى الحوار مع رجل الشارع العربي ليغير فكرته السلبية عنهم. [رويترز، ٣/٥/٢٠٠٤م] مرصد الأخبار: فجور ستانت أم بروتستانت؟ القس البروتستانتي (بيرني أندرسون) ٣٦ عاماً متزوج وله ثلاثة أطفال، ويدير إحدى الكنائس في مدينة دالاس الأمريكية كان يشعر بتأنيب ضمير؛ لأنه سمح لنفسه أن يدمن الإبحار لساعات طويلة يومياً داخل المواقع الإباحية على الإنترنت، لكن المفارقة الحقيقية تكمن في أن دراسة أجرتها مجلة كريستيانيتي تودي (المسيحية اليوم) ومجلة ليدرشيب المعنية بشؤون رجال الدين البروتستانت، كشفت أن ٤٠% من القساوسة يقومون بزيارة المواقع الخليعة على الإنترنت، والمفارقة الأعظم كانت في رد فعل القساوسة عندما اطلعوا على نتائج الدراسة فقالوا: «يا إلهي! إنها مفاجأة، تلك الأرقام منخفضة جداً» . وقد بدأت بعض المنظمات النصرانية في تقديم خدمات التوبة للقساوسة لعلاجهم من مشاهدة الجنس الفاضح، والطريف أن القس (أندرسون) يروي أنه بعد واحدة من الجلسات الإباحية الطويلة قرر أنه ليس باستطاعته تحمل نفسه أكثر من ذلك، فقرر الاعتراف على الطريقة النصرانية فاتصل بأحد زملائه من القساوسة الموثوقين وقال له: «أنا قس مدمن لأفلام الجنس» ، لكن أذهله الرد: «لست وحدك» . [بتصرف عن النيوزويك العدد ٢٠١] بشرى للشيشان: روسيا تتفكك إلى ثماني دول أثار تقرير استراتيجي مستقبلي نشرته السي آي إيه في موقعها على الإنترنت ضجة كبيرة في الأوساط الروسية؛ إذ يتوقع التقرير أن تنقسم روسيا إلى ثماني دول مع حلول العام ٢٠١٠ م، وقد أعده خبراء ومحللون بارزون عام ٢٠٠٢ م، وتتهم جهات روسية الأمريكيين بشن حرب معنوية بهذا التقرير الذي يحمل عنوان: «أعداء الأمس أصدقاء اليوم» ويقول: إن عجز الدولة عن الاحتفاظ بأسلحة تقليدية حديثة قادرة على كسب الحروب الداخلية التي لا تحتاج إلى الأسلحة النووية المكدسة سيؤدي إلى انقسام روسيا إلى ثماني دول، كما يشير إلى تناقص السلافيين في روسيا قياساً إلى الشعوب الأخرى القاطنة في أراضيها، ويتوقع انخفاضاً حاداً في السكان من ١٤٦ مليون نسمة إلى أقل من ١٣٥ بحلول عام ٢٠١٠ بسبب انتشار الأمراض والفاقة وتردِّي الأحوال المعيشية، ويقارن بين روسيا وأمريكا، فيقول إنه مع افتراض نمو الاقتصاد الروسي بنسبة ٥% سنوياً فسيبقى أضعف من اقتصاد الولايات المتحدة بـ ٥٠ مرة، ويحفل التقرير بخرائط وبيانات وأرقام عن حال روسيا، ويرسم حدوداً للدول الثماني التي ستظهر عام ٢٠١٠م. وقال أربعة أكاديميين بارزون في رسالة نشروها تعليقاً على ما أسموه «المزحة السوداء» إن التقرير يشخص بدقة الأمراض التي تعاني منها روسيا في مجالات الدفاع، والاقتصاد، وزيادة الوفيات على المواليد، وتفشي الفساد، وضعف سيطرة المركز على الأطراف وغيرها من الآفات. ورغم أن الطاقة تمثل المصدر الرئيس للاقتصاد الروسي إلا أن مقارنة محدودة تبين مستوى التدهور؛ إذ تبلغ كلفة استخراج برميل النفط في الحقول الروسية المتهالكة نحو ١٥ دولاراً في حين تبلغ كلفته في السعودية أقل من ٤ دولارات. وتحول التقرير إلى مادة لجدل ساخن في الصحافة ومواقع الإنترنت الروسية تحت عنوان: هل ستبقى روسيا موحدة بعد ستة أعوام من الآن؟ ورغم أن الجهاد القائم في الشيشان له تاثيرات واضحة على الداخل الروسي إلا أن التقرير الأمريكي تجنب - بالطبع - الإشارة إلى ذلك. [٥/٥/٢٠٠٤م] عندما يقاتل السُنَّة كان أداء المقاومة السنية في مدينة الفلوجة لافتاً للأنظار؛ فقد استطاعوا وقف التقدم الأمريكي رغم القصف والقنص والمارينز، وهذه شهادات لبعض الجنود الأمريكيين: قال الكوربورال بيتر جونسون (٢٠ عاماً) : «من المستحيل أن تميزهم، لا يمكنهم التصويب بشكل جيد، ولا يملكون الكثير من الأسلحة لكنهم واسعو الحيلة وأذكياء، إنهم يتحسنون» وقال: «يطلقون نيران بنادقهم إيه كي ٤٧ من بيوتهم، ويخرجون من باب خلفي، ثم يسيرون ويصافحون الجنود الأمريكيين عندما ينتهي القتال» . وفي إحدى الليالي عادت وحدة قناصة إلى قرية كانت غادرتها قبل ساعات فقط أملاً في الإيقاع بمقاومين ربما يكونون قد عادوا، وبمجرد أن اقتربت عرباتهم المدرعة المزعجة أطفأت كل أسرة في القرية الصغيرة الأنوار؛ ثم أوقدوها من جديد بعد أن غادروا في إشارة للمقاومين، وقال الجندي جوزيف فرانس: «المشكلة هي أنهم يعرفون كل شيء عنا، يسمعوننا عند مجيئنا، يعرفون أي مركبات نركبها ويقدرون العدد داخل كل مركبة» ، وأضاف: «لا نعرف شيئاً عنهم، لا نعرف من هم، يعرفون كيف يفاجئوننا إنهم ماهرون في استخدام أسلحتهم ويعرفون كيف يهربون» ويحكي بعض جنود المارينز كيف وضعت وحدة من المقاومة ثلجاً في ماسورة مدفع مورتر ثم وضعوا قذيفة المورتر أسفلها، وذاب الثلج وانطلقت القذيفة بعد خروجهم بفترة. [بتصرف عن الزمان، ٣/٥/٢٠٠٤م] «تحت كل حجر حافظ للقرآن» مثل باكستاني تحظى اللغة العربية بمكانة خاصة لدى الباكستانيين و ٤٠% على الأقل من مفردات اللغات الباكستانية المحلية كالأوردية والبنجابية والسندية عربية. وكان للرئيس الباكستاني الأسبق ضياء الحق ﵀ دور بارز في ذلك؛ إذ أمر عام ١٩٧٨م بتدريس اللغة العربية كمادة أساسية في المدارس الحكومية إضافة إلى تأسيس أقسام لدراسة العربية في معظم الجامعات الحكومية، وعلى الصعيد الشعبي كان للمدارس الدينية المنتشرة في جميع أنحاء باكستان والتي يزيد عددها على ٢٠ ألف مدرسة دور بارز في نشر اللغة العربية، وزاد في هذا التوجه اندفاع الباكستانيين نحو حفظ القرآن الكريم وكثرة الحفَّاظ حتى إن هناك مثلاً شائعا يقول: «أينما رفعت حجراً وجدت تحته حافظاً للقرآن» . وقد حارب الاحتلال البريطاني اللغة العربية بقوة في شبه القارة الهندية، وأبعد دارسي الثقافة الإسلامية عامة واللغة العربية خاصة عن كثير من مجالات العمل المهمة مثل التعليم والقضاء، وقدَّم دارسي الإنجليزية حتى درج مَثَلٌ على ألسنة الباكستانيين إلى يومنا هذا يقول: تعلموا العربية وصبوا الزيوت، أي من يتعلم العربية فلا عمل له إلا بيع الزيت في الدكاكين «. ويطالب متخصصون باكستانيون التجار العرب باستثمار أموالهم في مجال نشر اللغة العربية في باكستان عبر طباعة الكتب الحديثة، وتحديث وسائل التدريس باستخدام الأقراص الإلكترونية وبرامج الحاسوب المتنوعة. [بتصرف عن الجزيرة نت، ٣/٣/١٤٢٥هـ] الحجتية تتغلغل في النظام الإيراني الحجتية طائفة شيعية متطرفة تعادي أهل السنَّة بشدة، وهي منتشرة في إيران، وتعارض نظام الملالي وكان نفوذ الطائفة قد تقلص في عهد الخميني إلا أنها بعد موته عام ١٩٨٨م عاودت الظهور مرة أخرى، وقد أصدر أحد أتباعها كتاباً مؤخراً يهاجم فيه معتقدات لأهل السنة وهو ما أثار احتجاجات واسعة النطاق، وأعرب القانوني الإصلاحي مجيد أنصاري عن قلقه حيال توسيع نشاطات تيار الحجتية، وقال إن رابطة رجال الدين المناضلين تسعى إلى التصدي للإجراءات التي قام بها تيار الحجتية أخيراً تحت عنوان: (أنصار إمام الزمان) ، وقد أشار عشرات من النواب الإصلاحيين الذين تقدموا باستقالاتهم في الأزمة الأخيرة إلى حقيقة هامة وهي أن إقصاء مئات المترشحين الإصلاحيين للانتخابات البرلمانية السابعة التي تحولت فيها الأقلية المحافظة إلى أكثرية كانت بفعل تأثير تيار الحجتية على هذه الأجهزة، وهو ما يعني أنها تمتلك نفوذاً قوياً في الوقت الحالي. وتسمى الحجتية أيضا بـ (المهدوية) ، وتدعو إلى شيوع الرذيلة وكل ما هو سلوك منحط لكي يعجل الله تعالى بظهور المهدي المنتظر عندما يعم الظلم والفساد الأرض حسب زعمهم الباطل. ويُذكر أن أهل السنة في إيران يشكلون حوالي ثلث عدد السكان، وتعدادهم من ١٥إلى ٢٠ مليون نسمة. الحرية.. تمثالها في أمريكا وقبرها في العراق هذه مقتطفات إخبارية تنقل لنا صورة تقريبية عن قضية الأسرى في العراق: نقلت صحيفة (الغارديان) عن ضابط بريطاني أن حراس السجن يستخدمون مع العراقيين تقنيات آر ٢١ المعروفة باسم» مقاومة الاستجواب «وتتضمن الإذلال والتحقير الجنسي وتتدرب عليها قوات التحالف لمواجهة التعرض للأسر» الزمان « وكشفت صحيفة» واشنطن بوست «أن البنتاجون اعتمد في إبريل ٢٠٠٣م لائحة استجواب سرية في جوانتانامو تتضمن ٢٠ طريقة مختلفة للتعذيب من بينها عكس وتيرة النوم والتعريض للحرارة والبرد علي وقع موسيقي صاخبة وأضواء تعمي البصر والتعرية أثناء الاستجواب، وذكرت» الشرق الأوسط «أنه بعد سبعة أشهر من التنقل من سجن إلى آخر تم إطلاق سراح عائلة مهاوش وقال حسام مهاوش أن الأمريكيين قتلوا والدهم اللواء عبد حامد مهاوش ثم أطلقوا سراحهم وقالوا: لم نجد أي شيء ضدكم، نحن متأسفون» ، ونقلت «الحياة» عن الدكتور مثنى الضاري تلقي رسائل من سجن النساء تؤكد انتحار سجينات اغتصبهن أمريكيون «، وذكرت السي. إن. إن. عن الصليب الأحمر أن ٧٠ - ٩٠ % من المعتقلين في العراق جرى اعتقالهم عن طريق الخطأ، وصرح مسعود جزايري المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني أنه سيكشف قريبا وثائق تثبت أن انتهاك حقوق السجناء العراقيين ما زال مستمراً، وفي» الإندبندنت «كتب الصحفي البريطاني روبرت فيسك يصف الجندية التي ظهرت في أول مجموعة صور للأسرى» حطمت ليندي إنجلاند إلى قطع صغيرة للغاية كل أخلاقياتنا بلقطة كاميرا «وعلى الصعيد الأمريكي وصف رامسفيلد الصور التي اطلع عليها ولم تنشر بأنها:» واقعا يصعب تصديقه «وقال:» الأسوأ لا يزال في الطريق «.. فهل هذا تهديد؟ ، وأيد جورج بوش موقف رامسفيلد قائلا له:» شكرا على قيادتك، أنت تقود أمتنا بشجاعة في الحرب على الإرهاب «. الثقافة المراهقة الثقافة الأمريكية مراهقة، إنهم لا يواصلون متابعة أي شيء، إنهم يسعون إلى الرضا السريع القصير المدى، اعتقدوا أنهم سيذهبون إلى العراق قائلين: قمنا بذلك، والآن دعونا نَعُدْ إلى بلادنا. ولكن لم يخططوا قط للمستقبل؛ ففي بداية الحرب كان الجنود يذهبون بسرعة فائقة لدرجة أنه لم يكن لديهم طعام أو وقود كاف، ثم استاجروا كل هؤلاء العراقيين ليكونوا رجال شرطة، ولكن لم يكن لديهم المال مسبقاً ليدفعوا لهم، وهذه مراهقة؛ والآن فإن العالم بحاجة إلى أبوين، وأبو العالم هو الولايات المتحدة وهي مراهقة. وأيضاً فإن الأمريكيين يستمتعون فعلاً بالعنف ضد الناس والأشياء، لقد دُعيت إلى (لافيجاس) من أجل حضور حفل تدمير مبنى كان لا يزال يؤدي وظيفة معينة، وكان هناك شمبانيا وبعده انفجار ضخم في النهاية، إننا نحب قوة التدمير. كوتلير رابيليه عالم بارز في الإنثروبولوجيا الثقافية، وهو أمريكي من أصل فرنسي. [النيوزويك، ٢٠/٤/٢٠٠٤م] رؤية: ستار أكاديمي وستار أبو غريب » كل شيء ماشٍ. والحفلة في موعدها ما دامت وفق القانون «مسؤول كويتي كبير يرد على المطالبين بإلغاء حفلة ستار أكاديمي في الكويت. » ثقوا بنا لقد قمنا بتغيير كل هذا، ونقوم بعملنا على الوجه الصحيح « العميد جيفري ميللر يرد على المطالبين بإلغاء حفلة أبو غريب في بغداد. ستار أكاديمي وستار أبو غريب، كلاهما حفلتان قد يتشابهان في الصخب وعلو الصوت، لكن بينهما فروق عديدة: فآهات الأكاديمي تنطلق طرباً من حناجر كالمقابر، بينما آهات أبو غريب تنطلق ألماً ودماً في زنازين كالمقابر. في حفل الكويت يرى السهارى نجوم الليل، بينما في حفل بغداد يتخايل الأسارى نجوماً أخرى في شمس الظهيرة. حفلة أبي غريب لا جمهور لها إلا القليل وتُبلي ذكرَها الأيام،، بينما يتزاحم الجمهور لرؤية ابن الشطي وابن عطية في حفلة الكويت وتزداد شعبيتها على مر الأيام. وفي ستار أكاديمي تتعرى الفاسقات بإرادتهن نزولاً على طلب الجماهير، وفي ستار أبو غريب تُعرى المحصنات غصباً بإرادة زبانيتهن، في أبو غريب ينتهك الأمريكيون أخلاقنا من وراء القضبان، وفي الأكاديمي يتلاعب الأمريكيون بأخلاقنا من وراء ستار، في الكويت كان الجمهور عشرة آلاف والنجوم ثمانية أشخاص، وفي أبو غريب كان النجوم عشرة آلاف عراقي والجمهور عشرات الجلادين، وفي الحفلين كانت السعادة بالغة عندما التقطت صور باسمة تجمع بين الجمهور والنجوم. ما الذي يجري؟ هل يشرح لنا أحد؟ هل نعيش في زمن واحد أم في أزمان متعددة في وقت واحد؟ هل نحيا نحن جمهور أبي غريب والفلوجة وياسين والرنتيسي في زمن، ويموت هؤلاء في زمن آخر؟ من منا المتقدم ومن المتأخر، من المتخلف ومن المتحضر؟ هل يشعرون بما نشعر به أم على قلوب أقفالها وعلى عقول أزبالها؟ لماذا يتدافع عشرة آلاف في الكويت وأكثر من خمسين ألف في تونس ليهدروا دينهم بين يدي من التقطهم نصارى المارون في لبنان من أصقاع الدول العربية ليصبحوا نجوماً متوجين على رؤوس خاوية؟ أقول لكم السبب في ذلك كله: لقد نجح الأمريكيون تحديداً في تخزين طاقة فساد شامل هائلة في عقول الأجيال الشابة التي يعتبرونها مصدر خطر هائل على مصالحهم، وما نراه الآن هي مجرد محاولات أولية لتفريغ هذه الطاقة التي تراكمت لدى الشباب، وقد صرح أبرز الخبراء الاستراتيجيين في واشنطن (أنتوني كوردسمان) :» إن الانفجار الشبابي مصدر خطر على الغرب في دول الخليج « لأن ٧٠% من سكان المنطقة هم تحت سن الثلاثين، ٥٠% تحت العشرين، وأغلب العشرة آلاف الذين تزاحموا على ستار أكاديمي في الكويت كانوا دون السادسة عشرة. ولا مكان لأبي غريب أو ما هو أغرب منه في عقول هؤلاء، يمكن فقط أن يهتمُّوا عندما تتحول أعراض وأجساد المسلمين العراقيين إلى صور متجددة تتداولها المواقع الإباحية على الإنترنت. عندها فقط ربما يسمعون عن شيء اسمه: أبو غريب دوت كوم. مرصد الأرقام: - كشف إحصاء نشرته يديعوت أحرونوت أن عدد اليهود يتناقص عالمياً؛ إذ بلغ في آخر إحصاء في مارس ٢٠٠٤م ١٣.٣ مليون يهودي، بينا كان في ١٣.٧ مليون في العام ٢٠٠٢م، و ١٣.٩٥ مليون في العام ٢٠٠١م، ويرغب ٨٣% من اليهود في فلسطين في إنجاب طفلين فقط. [الجزيرة نت، ١٢/٤/٢٠٠٤م] - خمسة ملايين إيراني زاروا العراق منذ سقوط نظام صدام قبل ١٣ شهراً، ١٠% منهم رتبوا مع أحزاب وحركات شيعية للحصول على الجنسية العراقية للتلاعب في التوازن السكاني بالجنوب. [الزمان، ١٥/٤/٢٠٠٤م] - عدد المذيعات الموقوفات عن العمل في التلفزيون المصري بسبب ارتداء الحجاب: ٢٤ مذيعة. - صرح رئيس أركان القوات النووية الاستراتيجية الروسي السابق الجنرال فيكتور يسين أن هناك ١٣٢ حقيبة نووية فقدت منذ سقوط الاتحاد السوفييتي ولم يعثر إلا على ٤٨ منها حتى الآن، ويبلغ وزن الحقيبة من ٣٠ إلى ٥٠ كجم قوتها التفجيرية تعادل قوة قنبلة هيروشيما. [اتجاهات الأخبار، إبريل ٢٠٠٤م] - واحد من كل خمسة آباء فلسطينيين يرغب في تنشئة أبنائه على الاستشهاد حسب استطلاع لمنظمة عائلة جديدة. [مفكرة الإسلام، ٢/٣/١٤٢٥هـ] -» أموال العرب التي يتمتع بها بنوك سويسرا وأميركا ٢٢٧٥ مليار دولار زكاتها ٥٧ مليار دولار، لو أنفقت في مكانها الصحيح لما بقي جائع في العالم الإسلامي كله «د. سعود المختار الهاشمي أكاديمي سعودي. [الاتجاه المعاكس فضائية الجزيرة، ٢٠/٤/٢٠٠٤م] ترجمات عبرية خاصة بالبيان: محمد زيادة هآرتس: ٣ أسباب وراء انتصار إسرائيل الاستراتيجي » ثلاثة عوامل أساسية أثرت إيجابياً على التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي: الأول: الوجود الأمريكي العسكري في منطقة الشرق الأوسط. الثاني: عدم وجود ائتلاف عسكري عربي ضد إسرائيل، الثالث: قدرة إسرائيل الذرية خاصة بعد أن تنازلت ليبيا عن ترسانتها، وإسرائيل تملك القدرة على صد التهديدات الذرية من إيران وباكستان «. [صحيفة هآرتس العبرية، ٢٣/٤/٢٠٠٤م] شبكة مخدرات يديرها وزير إسرائيلي سابق قررت المحكمة تمديد فترة اعتقال وزير العلوم والطاقة الإسرائيلي الأسبق » جونين سيجيف «بعد اتهامه بتزعمه لشبكة تهريب مخدر الإكستازي من هواندا إلى داخل البلاد. وزعم الوزير الأسبق أنه كان يهرب شيكولاته وليس مخدر الإكستازي، وتكتمت الشرطة على القضية لعدة أسابيع لحساسية الموقف، إلا أنه تم الإعلان عن تفاصيلها بعد التيقن من تورط الوزير. [صحيفة هتسوفيه العبرية، ١٩/٤/٢٠٠٤م] تصريحات عبرية -» التقدير هو أن رُبع الفلسطينيين في المناطق يؤيدون حماس. استطلاع الدكتور «خليل الشقاقي» في غزة مؤخراً وقبل اغتيال «أحمد ياسين» بثلاثة أيام يشير إلى تفوق حماس على فتح بنسبة ٩ %، وبعد اغتيال ياسين ومن بعده «عبد العزيز الرنتيسي» ارتفع تأييد الفلسطينيين لحماس إلى عنان السماء «. [الكاتب الإسرائيلي (روني شكيد) صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، ٢٣/٤/٢٠٠٤م] -» كان على عباقرة وزارة الدفاع أن يحاولوا إقناع «موردخاي فعنونو» بالتوبة بدلاً من تحويله إلى شيطان أزرق. إسرائيل هي دولة غريبة وعجيبة. فهي من جهة تُشغل جهازاً ضخماً بنفقات باهظة لسد فم المواطن «فعنونو» ، ومن جهة أخرى تُرسل طاقماً من الصحفيين لتكريس وتسطير لحظات سجنه الأخيرة! « [الكاتب الإسرائيلي (ناحوم برنياع) صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، ٢٢/٤/٢٠٠٤م] -» على الرغم من قيام مصر بمواصلة تحسين وتطوير قدراتها العسكرية بفضل المساعدات الأمريكية، وعلى الرغم من التفوق المصري في إحدى المجالات البحرية العسكرية على إسرائيل، فإن ميزان القوة العسكرية بمجمله لا يزال لصالح إسرائيل «. [الكاتب الإسرائيلي (زئيف شيف) صحيفة هآإتس، ٢٣/٤/٢٠٠٤م] أخبار التنصير: أبو إسلام أحمد عبد الله إيلون يدعو لتنصير المسلمين دعا وزير السياحة» الإسرائيلي «بني إيلون مجموعة من المنصِّرين الأمريكيين تنتمي إلى المحافظين الجدد لبذل مزيد من الجهد في تنصير المسلمين، وكان د. عبد العزيز الرنتيسي ﵀ قد علق على ذلك بالقول: خرج علينا القاتل الصهيوني» بني إيلون «، وطلب من المنصرين الأميركيين في لقاء معهم: عليكم بالتنقل من مسجد إلى مسجد، لجلب النور إلى المسلمين، وطلب منهم:» حوّلوا المسلمين إلى نصارى مؤمنين وأناس أخيار، قائلاً لهم: «إن التنصير المسيحي في صفوف اليهود أمر محظور» . البابا يعترف: التنصير مع الإغاثة أعلن «يوحنا بولس الثاني» بابا الفاتيكان أن مهمة (التنصير) ملازمة للكنيسة طالما ظلت قائمة. وأكد على أن المنظمات التنصيرية تسعى إلى القيام بـ (واجباتها) من خلال الأعمال الإغاثية والمساعدات الإنسانية بالمناطق المنكوبة حول العالم. [مفكرة الإسلام] التنصير في الفلبين كشفت الكنيسة الكبرى في الفلبين التابعة لإحدى الإرساليات الأنجلو أمريكية أنها ستدعم سياسات الحكومة الفليبينية لمواجهة الضغوط السياسية باسم الإسلام، وأنها ستسعى لحماية خططتها المستقبلية لتنصير المنطقة ونشر الإنجيل، وقال متحدث باسم جبهة مورو الإسلامية: إن الكنيسة في الفلبين تنفق أموالاً وجهوداً دون نتائج مما دعاها مؤخراً للإعلان عن دورها السياسي الذي كانت تتبرأ منه دائماً، وقال: إن الكنيسة تمارس عدة خطط متنوعة تبعاً لثقافة كل منطقة، ولا تلقى نجاحاً إلا بين مليون لاجئ ومشرد من ست محافظات من جزيرة مينداناو الرئيسة حتى الآن؛ لأن جهود الإغاثة الإسلامية لا تغطي متطلباتهم. [وكالة أنباء الصين، ٢٦/٣/٢٠٠٤م] الفاتيكان يحارب مسلمي المجر قال الشيخ فتح الله نوار مدير جمعية القلم المجرية: إن المسلمين في المجر يتعرضون إلى حملة تنصيرية تحاول النيل من مكاسبهم في السنوات العشر الأخيرة، خاصة الجمعيات الخيرية التي تقوم على شؤون المساجد والدعوة، وأشار إلى أن اعتناق المئات من الفتيات والشبان الدين الإسلامي دون جهد يُذكر من جانب المسلمين أثار قلق الكنيسة. حرفة الإجهاض فتحت لها مكان في أفغانستان افتتح قسيس كاثوليكي بريطاني، وهو طبيب متخصص في الإجهاض، أول مستوصف من نوعه في أفغانستان تحت اسم رعاية الصحة الإنجابية لخدمة النساء الراغبات في الإجهاض، وتسمح الحكومة المؤقًّتة بالإجهاض حتى نهاية الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل فقط، وقال القس روبير بيرد إن منظمته لاقت انتقادات شديدة من بعض الجماعات الكنسية الرافضة لممارسة الإجهاض بين اللاجئين الأفغان، ورفع الرافضون شعار: عندما تطلب النساء طعاماً لأطفالهن فإن منظمة ماري ستوبس جاهزة بأن تفرغ لهن أحشاءهن. [صحيفة اليوم، كابول، ٢٨/٣/٢٠٠٤م]

стр. 4954

تيارات فكرية أهمية الدراسة العميقة للتيارات الفكرية الغربية ونقدها محمد إبراهيم مبروك الملل والنحل.. في عصر الأقمار الصناعية قديماً رصد الأئمة التيارات الفكرية والعقائدية، سواء في الغرب أو في الشرق أو في العالم الإسلامي، وصنفوا في ذلك الموسوعات التي تعد الآن مراجع ومصادر العصر الحديث في معرفة تلك الملل والنحل. ولا يكفي اليوم، ونحن نعيش عصر الاتصالات السريعة المتقدمة، والتي أدت إلى حدوث ثورة شاملة في تناقل المعلومات والأفكار دون ضوابط أو حدود؛ لا يكفي أن يقتصر الأمر على الدراسات الموسوعية المصنعة في كتب ومجلدات لا يطلع عليها إلا الخاصة من العلماء وطلاب العلم، بل ينبغي أن يتعدى إلى المواكبة اليومية لمستجدات الأفكار والتيارات وأخبارها، والرد على ما يُستحدث لها من شبهات وأباطيل، في صورة تصل إلى عامة الناس بجميع مستوياتهم. من هنا رأت مجلة البيان ضرورة فتح زاوية جديدة كنافذة يتم من خلالها رصد عالم التيارات الفكرية والعقائدية المعاصرة، ومن ثَمَّ تقدم الدراسات والبحوث التي تقوم على تحليل مستجدات قضايا واقع هذا العالم الكبير ومعالجتها. - مجلة البيان - أشعر بالأسى لأنني أكتب مقدمة عن أهمية دراسة التيارات الفكرية الغربية والعالمية، فهل نحتاج إلى إبراز أهمية ذلك؟ يبدو أن ما يقرره الواقع هو أننا نحتاج إلى ذلك حقاً، فقد تقتضي البديهة التسليم بأهمية دراسة هذه التيارات الفكرية عند قطاعات عريضة من الحركة الإسلامية، ولكن ليس هذا هو الهدف من كتابة هذه المقدمة، وإنما الهدف هو إبراز مدى ما تبلغه دراسة هذه التيارات من أهمية، وليس الوقوف عند الإلمام السطحي بمضامينها وخطوطها الأساسية، والذي غالباً ما يقصده ذلك التسليم عند تلك القطاعات المشار إليها. إن مهمة المفكر المنوط به مسؤولية التجديد واستنهاض الأمة لا بد أن تشتمل على جانبين: - جانب هدمي: ونقصد به القدرة على تناول المذاهب والتيارات الفكرية المضادة للإسلام وهدمها. - وجانب بنائي: ونقصد به طرح المشروع الحضاري الإسلامي المعاصر؛ بتجسيد الحقائق الإسلامية الفاعلة في متغيرات الواقع المعاصر. وليس شرطاً أن يضطلع المفكر الإسلامي بمسؤولية الجانبين معاً، ولكن ما يجب إيضاحه وتأكيده بكل قوة هو أن الاضطلاع بمسؤولية أحد الجانبين يقتضي دراسة هذه التيارات الفكرية دراسة متعمقة، فإذا كان من الواضح أهمية دراسة ذلك للمفكر الذي يضطلع بمسؤولية الجانب الهدمي (والذي سنؤجل الحديث عنه قليلاً) ؛ فإن أهمية هذه الدراسة لا تقل كثيراً للمفكر الذي يضطلع بمسؤولية الجانب البنائي. وبيان ذلك أن هذا المفكر البنائي لا يقيم مشروعه منعزلاً عن العالم عاكفاً على الأصول الإسلامية، وإنما يقيمه من خلال استخلاصه من هذه الأصول والأحكام التي تتناسب مع متغيرات الواقع الذي يواجهه، ولكن المشكلة أنه في ظل المد الحضاري المعاصر المتفوق للحضارة الغربية؛ فإن أغلب متغيرات هذا الواقع يتم تشكيلها من خلال التيارات الفكرية السائدة في هذه الحضارة، ومن ثم فإنه لا يستطيع أن يقيم مشروعه إلا باستيعابه لتلك التيارات. فإذا عُدنا إلى المفكر الذي يضطلع بمسؤولية الجانب الهدمي؛ فإن مهمة التعرض للتيارات والمذاهب المضادة للإسلام اعتماداً على السرد المبسط لبعض مصطلحاتها وأفكارها العامة دون امتلاك القدرات المشار إليها؛ هو أمر يبلغ خطره حد الكارثة على الدعوة بوجه عام؛ لما يعنيه ذلك من تكريس للسطحية والسذاجة في العقلية الإسلامية، وتعريض الفكر الإسلامي للهزائم في المناظرات التي يتعرض لها أمام أئمة الكفر والإلحاد ودعاة العلمانية الغربية. وهي مناظرات بات عقدها شائعاً على القنوات الفضائية؛ وهو الأمر الذي يجسم ذلك تجسيماً شديداً. ومن أبرز الأمثلة على ذلك التناول السطحي؛ ما أصدره عالم شهير من كتاب بحجم مجلد في نقد الفكر الشيوعي الذي كان شائعاً في بلاده منذ قرن أو يزيد؛ مقيماً ذلك النقد على مجرد السماع للأفكار العامة لهذا الفكر.. حيث يظل مردداً على امتداد صفحات الكتاب: «سمعت أن الفكر الشيوعي يقول كذا، وردي عليه هو كذا» ! ومن الطبيعي أن يكون المردود الفكري على ذلك مردوداً مأساوياً، ومن العجيب أن أغلب المعارك الفكرية التي يخوض غمارها رجال الدعوة الإسلامية (وخصوصاً رجال التيار السلفي) ؛ هي المتعلقة بنقد الفرق الإسلامية القديمة؛ مثل المعتزلة والمرجئة والشيعة والخوارج، وهذا أمر مقدر يجب أن يتصدر له جمع من أهل العلم والاختصاص. وعلى الرغم من تسليمي باستمرار اعتناق فكر هذه الفرق في الواقع المعاصر، واستمرار فاعلية تأثيرها في بعض الأحيان بدرجة أشد، وحرص بعض رموزها المعاصرين على نشر أصولها وتجديد أطروحاتها؛ فإن التيارات الفكرية التي قد تكون أكثر تحدياً للإسلام في الواقع المعاصر، والتي أنتجها الفكر العلماني الغربي هي: البراجماتية، والليبرالية، والوجودية، والنسبية المعرفية، والقيمية التي تتمثلها التيارات الحداثية والكنيونية، وما بعد الحداثية، وما بعد البنيوية، والمادية الغلمتية، والوضعية المنطقية. وكأنَّ تمثل كبار أئمة الإسلام الكبار الذين خاضوا غمار المعارك مع شتى الملل والنحل والمذاهب والتيارات، والذين تقتدي بهم الحركة الإسلامية، مثل ابن حزم وابن تيمية وابن القيم؛ يعني خوض المعارك الفكرية التي خاضوها نفسها. وما أذهب إليه هو أن ما يغري هؤلاء بالاكتفاء بالرد على الانحرافات الفكرية القديمة مع الخصوم أنفسهم؛ هو سهولة خوض ذلك مقارنة بخوض المعارك الفكرية المعاصرة التي تتطلب دراسة عشرات الكتب والجهاد الفكري لسنوات طويلة، بينما لا تتطلب استعادة المعارك الفكرية القديمة إلا دراسة بعض كتب هؤلاء الأئمة العظام، حيث يتوهم بعض الناس أنهم قد بذلوا بذلك جانباً كبيراً من الجهاد الفكري الذي بذله هؤلاء الأئمة، ويغفلون أنهم ما استطاعوا خوض هذه المعارك إلا بدراسة عشرات الكتب المتعلقة بأفكار خصوم عصرهم والعصور التي سبقتها، وهذا ما يكشف لنا جانباً كبيراً من عوار الالتباسات الفكرية التي يقع فيها كثير من أبناء الحركة الإسلامية؛ مثل اعتقاد بعضهم بأن العلمانيين المعاصرين ما هم إلا صورة مستحدثة من المعتزلة القدامى. بينما الحقيقة أن مفكري المعتزلة على الرغم مما يعتري فكرهم من ضلال فإنهم لم يخرجوا عن ملة الإسلام؛ كما حدد ذلك أئمة السلف أنفسهم، ولو كان هؤلاء المفكرون المعتزلة قد عاصروا هؤلاء العلمانيين الخارجين عن الإسلام الرافضين لشريعته؛ لشرعوا في وجوههم السيوف. وربما تجدر الآن مناقشة بعض الاعتراضات على دعوتنا إلى التعمق في دراسة التيارات والمذاهب الفكرية: من أهم هذه الاعتراضات ما يذهب إليه بعضهم من أن معرفة الناس دينهم وأسس عقيدتهم سيُبيّن لهم بكل يسر عوار هذه الأطروحات، وهذا هو المنهج العام الذي كان عليه النبي ﷺ والسلف من بعده؛ إذ كانوا يحرصون على بيان المنهج الحق بتفاصيله والتحذير من الباطل مجملاً من غير تفصيل إلا عند الحاجة إلى ذلك. أقول: يكمن هنا خطر كبير، وهو الاعتقاد بالاكتفاء بالحق الذي جاء به الوحي في تبليغ الدعوة. والحقيقة أن الوحي كاف في إدراك الحق لا في القدرة على إبلاغه للناس، والوعي بذلك هو مشكلة قطاع كبير في الحركة الإسلامية المعاصرة، وذلك لاعتقاد هؤلاء أن إخلاصهم للقرآن والسنة يغنيهم عن إدراك الواقع والاجتهاد في إعمال الفكر في استيعاب فكر الخصوم وهدمه، ومن ثم التثاقل إلى الأرض دون تلبية واجب الجهاد الفكري المنوط بهم، فأبسط قواعد التفكير تقول: إنه في الجانب التشريعي لا بد من استيعاب الواقع لتطبيق الحق، وفي الجانب العقائدي لا بد من استيعاب أفكار الناس لإبلاغ الحق وإظهار الباطل. وهذا الخطأ الفادح هو المسؤول إلى قدر كبير عن حالة التراجع الشديد التي تعاني منها الأمة في كل جوانبها الحضارية؛ ليس فقط لعدم إدراك الواقع، ولكن لأن هذا التمسك بالحق الذي جاء به الوحي هو في الحقيقة تمسك جزئي؛ لأن الآيات العديدة الداعية إلى التفقه والتفكير وإدراك الواقع أكثر من أن نذكرها، وكذلك الآيات التي عرضت لأشكال شتى من المعتقدات والأفكار الباطلة ومناقشتها. وهل استمد النبي ﷺ منهجاً يخالف القرآن كي يمكن أن نقول إن منهجه كان شيئاً غير ذلك؟ ومن ثم فعلينا أن نعود إلى القرآن لندرك كم هي الآيات التي تعرّض فيها لنقد الباطل؛ لندرك اهتمام القرآن بالتفاصيل الأساسية لهذا الباطل. والحق أن الحق لا يحتاج إلى تفاصيل كثيرة، بل إن الباطل هو الذي يحتاج إلى هذه التفاصيل، فمن فضل الله على عباده أن الحق واضح ومحدد، والعقيدة الإسلامية التي تتلخص في «لا إله إلا الله محمد رسول الله» قامت على أسس ستة يمكن ذكرها في سطور قليلة، وإذا استعرضنا الكتب الأساسية التي أوردت عقيدة أهل السنة والجماعة على امتداد التاريخ، مثل العقيدة الطحاوية للإمام الطحاوي، والعقيدة الواسطية للإمام ابن تيمية؛ لوجدنا أنها لا تستغرق أكثر من بضع صفحات، أما الكتب الضخمة التي قامت كشروح لمثل هذه الكتب؛ فكانت تستهدف في الأساس التمييز بين هذه العقيدة الحقة، وما يخالفها من أباطيل، وهذا التمييز هو الذي احتاج إلى هذه التفاصيل. وهناك أيضاً اعتراض آخر مفاده: أن الجهود التي قامت في نقد هذه التيارات والمذاهب الفكرية كافية في الاعتماد عليها؛ مثل مؤلفات الأستاذ محمد محمد حسين ﵀، وكتب المفكر الإسلامي محمد قطب، وكتاب العلمانية للشيخ سفر الحوالي، وكتاب مصادر المعرفة للدكتور عبد الله القرني. وما نراه أنه مع تقديرنا الكبير لهذه الجهود العظيمة في دراسة التيارات والمذاهب الفكرية مضيفين إليها جهوداً عظيمة أخرى لعدد من أصحاب الفكر الإسلامي مثل مالك بن نبي، ومحمد البهي، وأبي الأعلى المودودي، ووحيد الدين خان. إلا أن ذلك غير كاف للاعتماد عليه في استيعاب التيارات الفكرية المعاصرة، والقدرة في الرد عليها؛ لسببين أساسيين: الأول: هو مرحلة الانقطاع التي عرض لها الفكر الإسلامي في ملاحقة استيعاب ونقد التيارات والمذاهب الفكرية الخارجية، والتي تمتد على التقريب من عصر ابن تيمية في أوائل القرن الثامن الهجري إلى عصر الأفغاني في القرن الثالث عشر مع الاعتراف ببعض الاستثناءات المحدودة للغاية. وقد قدر الله أن تكون فترة الانقطاع هذه في الفكر الإسلامي هي نفسها أكثر فترات الفكر الغربي إنتاجاً للمذاهب والتيارات الفكرية؛ وهو الأمر الذي نتج عنه قصور الجهود السابقة عن ملاحقة هذا الإنتاج الكمي الكبير. وكان من الطبيعي أن يكون السبب الأكبر في هذا القصور بطء تطور الوعي الفكري العام للأمة، وقصوره عن استيعاب هذه الجهود نفسها، وأهمية الفوارق في الأفكار تتضح بقدر قرب المنظار الكاشف لها وقوته، وبقدر وعي الباحث بأهمية هذه الفوارق تكون قدرته على مواجهة تأثيراتها المتباينة على الواقع فكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً. أما السبب الثاني: فهو التطور المستمر لهذه المذاهب والتيارات، والذي يطرد مع سرعة متغيرات العصر بوجه عام؛ وهو الأمر الذي يقتضي متابعته ومتابعة تأثيره بشكل دائم. تبقى هناك إشارة شديدة الخطر إلى أهمية دراسة هذه التيارات والمذاهب، وهي تتعلق بما يتعرض له الوعي الإسلامي العام من لبس على أيدي المنتمين لهذه التيارات والمذاهب، سواء في الغرب أو في العالم الإسلامي، وأقصد بذلك ما تتعرض له الكثير من المفهومات الإسلامية من خلط ودمج وتلبيس مع هذه التيارات والمذاهب؛ مثل محاولات تمييع الحدود الفاصلة بين الإسلام والعلمانية، أو محاولة تطويع المفهومات الإسلامية لليبرالية أو البراجماتية، وتقديم إسلام أمريكي زائف بديلاً لإسلامنا الحقيقي، أو ضرب الثوابت الإسلامية باسم التسامح وحوار الحضارات، ومما لا شك فيه أن استيعابنا لتلك التيارات والمذاهب يمثل واحداً من أكبر العوامل التي تساعد رجال الحركة الإسلامية على الكشف المتلاحق لتلك الالتباسات والتنبيه عليها.

стр. 4955

بأقلامهن وحدة الصف النسائي د. رقية بنت محمد المحارب [*] rokaya@lahaonline.com من لوازم النهضة في أي مجتمع واستمرار بقائه قوياً وحدة صف أهله وعدم تنازعهم ووجود مرجعية علمية واعية مخلصة تسهم في إضاءة الطريق لمسيرتهم. هذه الإضاءة المهمة اليوم في عالم يعيش متغيرات لا حصر لها في جوانب الحياة المختلفة. وعند الحديث عن صف العاملات في الحركة النسائية الدعوية في العالم الإسلامي عموماً والعربي خصوصاً تبرز الحاجة ماسة لتجمع نسائي يمهد لوحدة فكرية تكون عوناً للنساء الفاعلات في المحيط الاجتماعي لمواجهة التحديات بشتى أنواعها. لعل من المثير للعجب هذا الغياب الواضح لمبادرات نسائية مؤثرة تدعو إلى إقامة تجمعات فاعلة وتنظيم ملتقيات ومؤتمرات يتم فيها تبادل الرأي حول الشأن النسائي والدعوي منه بشكل خاص. إن مثل هذه المؤتمرات والملتقيات على مدار العام تصدر عنها توصيات تجد طريقها إلى التنفيذ مباشرة ليس على المحيط المحلي فحسب بل على المحيط العالمي أيضاً. وإذا كان التجمع وسيلة لا غاية فإنني أحسب أن السعي للالتقاء بين النساء الفاعلات في البلد الواحد، بل المدينة الواحدة مقدمة ضرورية لتحقيق الوسيلة التي تؤدي بدورها إلى تحقيق الأهداف العامة للطبقة النسائية المثقفة المحافظة في مجتمعاتنا. وهذا النشاط الاستعماري الجديد المحموم الموجه إلى المرأة المسلمة اليوم يمثل تحديات كبيرة لا بد أن تواجه باتحاد قوي بين الأخوات في كل قطر لتتكون مصدات ثقافية قوية، وليتم تنسيق الجهود من خلاله؛ وإلا فإن برامج المستعمر ستنفذ دون مقاومة فكرية قوية، وفي هذا يقول الله جل وعلا: [وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ] (الأنفال: ٧٣) . لا أعلم على وجه الدقة مدى التنسيق بين الفاعلات في المجال الدعوي لكنني أستطيع القول إنه لا يتوافر لدينا الحد الأدنى من الاجتماع والتعارف؛ إذ بات من البين أن الداعيات في جهة من جهات إحدى المدن لا تعرف أختها في الجهة الأخرى في المدينة ذاتها، وهذا دون شك خلل ينبغي إصلاحه ومشكلة يلزم علاجها. هناك أسباب كثيرة لعزوف الأخوات عن المبادرة وتولي القيادة في اقتراح وتنفيذ مثل هذه المشروعات يمكن إجمالها في عدة أمور منها: ضعف الوعي بأهمية الاجتماع والاتحاد في تحقيق النصر، ومن ذلك ضعف التدريب على العمل الجماهيري، والتمحور حول أساليب قديمة، والخوف من الأفكار الجديدة، وترك مساندة الرجال الذين كانوا ولا يزالون يقومون بدور كبير في الدفاع عن المرأة والتنظير لقضيتها وحمل همومها. ما لم تدعم المرأة الصور النمطية للأعمال الدعوية بأساليب إبداعية فلن نبرح مكاننا، ويمضي الوقت والمستعمر وأذنابه يحققون مكاسب كنتيجة مباشرة لاجتماعه والتنسيق بين مختلف مؤسساته والدأب في المطالبات والصبر على الأذى. هناك خطوات أحب أن أنبه أخواتي الفاضلات إليها للبدء في مشروعات تجميع الجهود وتنسيقها منها أهمية إيجاد القناعة بضرورة الاجتماع؛ وذلك يمكن تحقيقه عبر القراءة في كتب الإدارة وحضور دورات تدريبية في القيادة والتخطيط وتنظيم الوقت، ومنها أن نبحث عن الكفاءات الإدارية التي تتولى التنسيق والقيام بمثل هذه المشروعات المهمة؛ فليس صحيحاً أن البارزة في مجال الخطابة بالضرورة تصلح لإدارة مؤسسة، ولا تلك الكاتبة قادرة أن تلقي محاضرة، ولا الإدارية مؤهلة للفتيا، وهكذا نضع الأخت في مكانها الصحيح في المنظومة المؤسسية، وثمة خطوة ثالثة مهمة تتمثل في ترك انتظار الأخريات للقيام بمثل هذا العمل المبارك، بل المبادرة بالعمل مهما كانت الصعوبات، والإصرار على بلوغ الهدف دون ملل ولا يأس؛ بشرط أن تتحقق المؤهلات الدعوية الضرورية للقيام بهذه المهمة الكبيرة. هذه إضاءات سريعة للفت نظر أخواتي إلى ضرورة ترتيب الصف النسائي وعقد اللقاءات توفيراً للأوقات ودرءاً لتكرار المشروعات وتبادلاً للخبرات. وإذا كان الاجتماع في السابق يعد مستحباً فإنني أرى أنه من الواجبات لظروف التحديات الضخمة التي نواجهها كمسلمين؛ حيث تحتل بلاد المسلمين وتنفذ فيها مشروعات تغريبية في وضح النهار. أسأل الله أن يوفق القائمات على العمل الدعوي في كل مكان ويرزقهن العلم النافع والعمل الصالح.

стр. 4956

الورقة الأخيرة الرمز رقم (١) أ. د. ناصر بن سليمان العمر [*] كثير من الناس يأتي عليه زمن يحصل فيه على الرقم (واحد) ولكنه سرعان ما يتحول فيما بعد إلى أرقام تالية ومنازل متأخرة، بل ربما طواه النسيان فخرج عن نطاق الأرقام. ولكن أن يستمر إنسانٌ ما في أن يكون الرقم (واحد)، في كل الأحوال والظروف، في حياته وحين وفاته؛ فذاك أمر يستحق التأمل والنظر. يكبر الرجل صاحب الرقم (واحد) إذا كان صحيح البدن، كامل الأعضاء، قوي البنية، سليم الأركان، ولكن يزداد إعجابك به إذا كان رجلاً مقعداً، بل مصاباً بالشلل الرباعي منذ شبابه، عدا أمراض الكبر وعلل الهرم وتوالي المحن، بينما عقله من أقوى العقول؛ وتلك هي حال شيخنا شيخ المجاهدين: أحمد ياسين؛ ﵀. فهذا الرجل، منذ شبابه، كان الرقم (١) في محيطه الذي كان يعيش فيه، ومع اتساع دائرته شيئاً فشيئاً، من المحيط المحلي، إلى المحيط الإقليمي، إلى المحيط العالمي، ظل ذلك الرقم ملازماً له ملازمة الظل لصاحبه. رجل واجه المرض، والنفي ثم السجن - وأي سجن وحسبك أنه سجن اليهود - ثم واجه التحديات التي توالت بعد ذلك، مما تخور أمامه عزائم الرجال، وبقي رغم ذلك كله رمزاً يتربع على ذلك الرقم العجيب، ويحتفظ بالمنزلة رقم (١) فيا تُرى ما السر في ذلك؟ إن لذلك أسباباً معتبرة، وعوامل مؤثرة. فلم تكن إنجازاته تلك نتيجة لوراثةٍ مدّعاة، أو تسلطٍ تخضع له رقاب الرجال، بل كان جراء صفات جِبِلِّيَّة ومواهب مكتسبة أهَّلته لذلك، ومن قبلها توفيق الله وفضله وكرمه [وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه] (النحل: ٥٣) وفي الحديث الصحيح: «اللهم! ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك» [١]. أما تلك الصفات فمن أهمها: أولاً: الهمة العالية، والعزيمة الشامخة التي لا تهين عند الأزمات، ولا تشيخ مع مرور الزمن. ثانياً: تحديد الهدف الأسمى، والغاية العظمى التي يسعى إليها، مع وضوح ذلك الهدف وسمو تلك الغاية. ثالثاً: التربية الجادة الشاملة، التي تجمع بين القول والعمل، والأخذ والعطاء، والقدوة والاقتداء. رابعاً: قوة الإيمان، ورسوخ القناعة بالأهداف والغايات. قناعة لا تزعزعها الأزمات، ولا تؤثر فيها بُنَيَّات الطريق. خامساً: حسن التعامل مع الوسائل، والواقعية والتدرج في تحقيق الأهداف، وسرعة الحركة عند مواجهة الأزمات، مع قدرة فائقة في الالتفاف عليها وإخضاعها لتحقيق الغايات، لتكون قوة دافعة لا عقبة مانعة. سادساً: التجرد والإخلاص، وإنكار الذات والتخلي عن شهوات الدنيا، وحظوظ النفس، وبهذا يكون القائد رابحاً على أي حال وفي أي وضع كان، في سرَّائه وضرَّائه، يُسره وعُسره، غناه وفقره، ليله ونهاره، وتبعاً لذلك يكون منشرح الصدر، ظاهر التفاؤل، لا يدب اليأس إلى قلبه ولا التشاؤم والقنوط إلى نفسه، يرى بنور الله، ويسير في هداه. سابعاً: سلامة المنهج، واستقامة الطريق، وتحرير الأهداف من محدثات الأمور، ونقاء الوسائل من البدع ومسالك التأول والترخُّص بلا دليل. ثامناً: القدوة والأسوة، في القول والعمل، في النية والاعتقاد، في المظهر والمخبر، في اليقظة والمنام، في السلوك والممارسة .. تواضع بلا ذلة، وعزة بلا تكبر، وكرم دون إسراف، واقتصاد دون تقتير، توسط في الأمور كلها، دون الغالي وفوق الجافي؛ فكلا طرفي قصد الأمور ذميم. تاسعاً: وقبل ذلك وبعده هو بشر، يخطئ ويتوب، ويذنب ويستغفر، ويجنح ويعود، يعثر فينهض، ويسقط فيقوم، ليس بالمعصوم ولا بالمذموم، تضيع هضاب سيئاته بين جبال حسناته، وتغوص في بحور شمائله ومناقبه عثراتُه. عاشراً: وأخيراً هو واحد في عصبة، وعصبة في واحد، الشورى منهجه، والعزم والجد ديدنه، لا يتراجع تراجع الضعفاء والمهزومين، ولا يمضي مضي المعاند بعد أن يستبين، ولا يتردد تردد الجبناء والموسوسين، شعاره [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ] (آل عمران: ١٥٩). وبعد: فهنيئاً لأولئك الرجال الذين كان شعارهم: [سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ] (الحديد: ٢١). إلى أولئك الذين ضربوا في كل غنيمة بسهم، وظلوا على ذلك حتى لقوا وجه ربهم؛ فلعلهم فازوا بالوعد الإلهي: [يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي] (الفجر: ٢٧ - ٣٠). اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا ثابتين غير مغيِّرين ولا مبدِّلين من الذين أثنيت عليهم واصطفيتهم فقلت: [مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً] (الأحزاب: ٢٣). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 4957

جمادى الأول - ١٤٢٥ هـ يونيو/ يوليو - ٢٠٠٤ م (السنة: ١٩)

стр. 4958

الصهيونية = النازية التحرير قواسم مشتركة تجمع هذين الاتجاهين هي: العنصرية، والدموية والعدوان. فالحرب الهمجية التي يصبها الصهاينة على الشعب الفلسطيني الأعزل في الضفة والقطاع أصبحت علامة بارزة على إجرام ونازية الصهاينة الذي لم يمر بتاريخ البشرية المعاصر مثله، بل تُجاوِز مثيلاتها بالقتل والهدم، وتجريف الأراضي الزراعية وتدمير البنى التحتية. ومع ما عُرف عند الغرب من إظهاره الرفض لأي جرائم ضد الإنسانية بل ضد الحيوانات إلى حد أنه يجيِّش الحملات العسكرية، ويتدخل لحل مثل تلك المآسي؛ لكنهم لا يبالون بمعاناة الفلسطينيين التي تفوق الوصف؛ حيث لا يحرك ذلك ساكناً لديهم. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لا يُدين الغرب تلك الجرائم غير الإنسانية؟ ولماذا لا يعمل على إيقافها كما حصل في كوسوفا مثلاً، ويعمل على محاكمة مقترفيها ومعاقبتهم؟ لكنه يصمُّ الآذان حينما تكون تلك الجرائم من قِبَل (اليهود) فهو لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم. ونحسب ان ذلك يعود لأسباب منها: ـ أن الدولة العبرية لها مكانة دينية مزعومة ذات علاقة بمعتقداتهم المحرفة. ـ الأحزاب اليمينية في أمريكا والفاعلة في بعض دول أوروبا لها دور في تأصيل دوافع العدوان الصهيوني بزعم أنها تمهد لنبوءات مزعومة. ـ الإعلام الصهيوني استطاع أن يعلل هذا العدوان بمسوِّغات تقلب الحق باطلاً، وتجعل الباطل حقاً؛ مع عجز الإعلام العربي عن كشفه وفضحه. ـ هوان أمتنا على الغرب واستهتارهم بمصالحها (ومن يهن يسهل الهوان عليه). ـ عجز امتنا أن تقول (لا) للغرب في تجنيه عليها واستهدافه لمقدراتها، وعدم تفعيل ما لديها من إمكانات في هذا المجال. ـ تشرذمنا وتمزقنا إلى الحد الذي أصبحنا أعداء لبعضنا وأتباعاً للأجنبي؛ فكيف نكون يداً على من سوانا؟ لقد أدان وزير صهيوني الاعتداءات الهمجية الصهيونية على الشعب الفلسطيني، وقال إنها تذكّره بمعاناة جدته مع النازية حينما رأى عجوزاً فلسطينية تبحث عن اغراضها تحت أنقاض بيتها المتهدم؛ فهو يشبِّه عملهم بأعمال النازيين مما أحدث ردود فعل غاضبة عليه؛ فهل استطعنا أن نفعِّل هذه الواقعة في وسائل إعلامنا، أم أنها ما زالت غارقة في مجال اللهو والرذيلة والإسفاف وتضليل الرأي العام بالتبعية للأجنبي والدعاية له؟ الأمل ما زال كبيراً في وسائل الإعلام التي تحترم رسالتها. ثم هل يعي الغافلون واقعنا المهين وضرورة تصحيحه، أم على قلوب أقفالها؟ !

стр. 4959

عندما تكون للأصفار قيمة التحرير الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد: فقبل أن تُقدِم الولايات المتحدة على غزو العراق حاولت تجميع كل من له ثأر أو خلاف مع حزب البعث الحاكم، أو مع شخص الحاكم الأوحد للعراق في بوتقة واحدة يجمعهم هدف إسقاط النظام أو الرئيس، وعقدت المؤتمرات التي جمعت بين الأحزاب الكردية العلمانية المسيطرة على شمال العراق، والرافضية المرابطة في إيران، وأحزاب أخرى مجتمعة على أشخاص مدعومين من أجهزة مخابرات غربية (أمريكية وبريطانية) . وكان التصور الأولي الأمريكي أن تُستغَل الأحزاب الكبيرة في إسقاط النظام، وتُدفع الأحزاب الصورية إلى الواجهة؛ ولذا كان أحمد الجلبي هو المرشح لرئاسة المجلس الانتقالي المنحل، ولكن الأحزاب الأخرى وقفت بكل قوة ودافعت عن مصالحها، وتحولت الرئاسة إلى دورية ترضي غرور المتطلعين للسلطة حتى لو كانت وهمية، وتفضح الهدف الرئيس من المجلس، وهو أنه مجرد واجهة عراقية للاحتلال. لقد تم تعيين حاكم أمريكي مطلق للعراق للقيام بدور صدام الأمريكي الذي حاول تنفيذ مخطط إعادة تشكيل العراق؛ ولكن ما هو جميل في نظرهم وممكن في الذهن وعلى الورق لا يعني أنه قابل للتنفيذ على أرض الواقع. إن السياسة الأمريكية وقعت في جملة من الأخطاء القاتلة التي تدل على قِصَر النظر وعدم تقدير صعوبة السيطرة على بلد كبير متعدد الأعراق والطوائف وصاحب إرث حضاري ومركز للدولة الإسلامية لأكثر من ثمانية قرون. لقد تم تدمير البنى التحية الخدمية والإدارية، وكان تصورهم أن مجرد توقيع ما يسمى بعقود الإعمار مع الشركات المرتبطة برموز الإدارة في واشنطن كفيل بإعادة الماء والكهرباء والخدمات الأخرى؛ ولكن ما الذي حصل؟ أنهم تحفظوا على آبار النفط والمنشآت البترولية؛ ووزارةُ البترول هي الوحيدة التي لم تتعرض للنهب والحرق، وقامت أمريكا برفع الحظر عن العراق واعتبار نفسها محتلاً له حق التصرف بثروات البلد المحتل، ولكن وجود الثروة شيء والقدرة على نهبها وتصديرها بانتظام شيء آخر. ألغى الاحتلال وزارات الدفاع والداخلية والإعلام وسرح منسوبيها الذين يعدون بمئات الآلاف دون أي حقوق؛ وذلك من أجل إذلالهم وتحطيم إرادتهم، وكان تصور قوات الاحتلال قادرة على التعامل مع أي ردة فعل؛ وذلك بمساعدة قوات بدر وأعضاء حزب الدعوة القادمين من إيران ولكن! وترك المحتلون مخازن سلاح الحكومة العراقية بدون سيطرة فترة طويلة لإعطاء الفرصة للعامة للتزود بالسلاح، وكان التصور أن المستفيد الأكبر هم عوام وتنظيمات الشيعة، وكان المتوقع أن الغوغاء الذين نهبوا كل شيء سيتولون أمر أهل السنَّة بعد أن يمتلكوا السلاح ويحسوا بالفراغ الأمني، ويدخل البلد في حرب أهلية تتباكى عليها سلطات الاحتلال ولكن! لقد كان الخيار الأمريكي الأول هو استبعاد أهل السنة وتهميشهم، والاعتماد على الشيعة في إدارة البلد وضبط الأمن فيه، وتم استقدام قيادات شيعية سياسية، وحتى أحد المراجع تم استقدامه من لندن مع تجاهل لقيادات الشيعة في الداخل التي دخلت في صراع وجود، ورفعت أولاً المواجهة السلمية مع الاحتلال، ودخل الصدر في مواجهة دموية مع القيادات المستوردة مما خلط الأوراق، وكان دخول الاحتلال على الخط في الصراع الداخلي إلى جانب مواليه عاملاً في اشتعال الموقف في مناطق الشيعة مما أوقع إيران في حرج كبير بعد تضرر العتبات والمراقد. في البداية شاركت الأحزاب المعارضة على أمل أن يكون لها دور في الحكم، وكان قيام حكومة انتقالية وطنية في بداية الغزو يمكن ان ينجح في إقامة كيان عراقي موال لأمريكا، ولكن العقلية اليهودية أسكرها الطمع وسهولة تحقيق المرحلة الأولى، وأرادت الاستئثار، وطُرِح اولاً حاكم عسكري أمريكي (يهودي) مطلق؛ فلما أخفق تم استبداله بحاكم مدني خبير في محاربة الإرهاب. وكان كل إحباط يدفع إلى تنازل جديد حتى وصل الأمر إلى العودة لفكرة حكومة انتقالية من أجل إقامة انتخابات حرة لبناء عراق ديمقراطي على الطريقة الأمريكية. ومع محاولة التخلص من الورطة تم تكليف الأخضر الإبراهيمي ممثل الأمين العام للأمم المتحدة بتشكيل الحكومة، فرأى أن يستبعد أعضاء مجلس الحكم من الحكومة الجديدة التي ستكون حكومة خبراء، ولكن الذي حصل هو أن رئيس مجلس الحكم أصبح رئيساً للجمهورية، وعضو المجلس إياد علاوي أصبح رئيساً للوزراء، وبقيت الوجوه القديمة المحترقة، وأضيفت إليها وجوه جديدة مجهولة، وانقلبت أمريكا على خيارها الأول الجلبي. وقد أحسن الشيخ الدكتور حارث سليمان الضاري الأمين العام لهيئة العلماء المسلمين في العراق بوصفه للحكومة العراقية الانتقالية بأنها تمثل مسرحية للاحتلال؛ حيث قال: «إن الحكومة العراقية الجديدة بمثابة مسرحية من إنتاج أمريكي ظهرت بموافقة مجلس الحكم الانتقالي الذي صنعه الأمريكان» . وأضاف أن «التقسيم الطائفي في هذه الحكومة واضح، وأن أغلب أعضائها غير معروفين» وتوقع إخفاق هذه الحكومة في تأدية المهام المنوطة بها. إن أهم صفات هذه الحكومة أنها صورية وعاجزة؛ فقد استمر الإصرار على خيار سيطرة الشيعة مع استبعاد تيار الصدر، وأُعطي منصب رئيس مجلس الوزراء لمن تبجحت وسائل الإعلام الغربية أنه شيعي وله علاقات وثيقة مع المخابرات الأمريكية والبريطانية، وزادت وسائل الإعلام الأردنية أنه خيار ألأردن، وأن تنظيمه المعارض «حركة الوفاق الوطني العراقي» هو الوحيد الذي سُمح له بالعمل في الأردن في التسعينيات. أما رئيس الدولة ـ وهو منصب شرفي في الدستور الجديد ـ فمنح لزعيم عشائري سني، وتم توزيع المناصب الوزارية طائفياً على النحو التالي: (١٦) حقيبة للشيعة العرب، و (٨) حقائب للعرب السنة، و (٥) حقائب للأكراد السنة، وحقيبة واحدة لكل من التركمان والمسيحيين. لقد كان اول تصريحات رئيس الوزراء الجديد تدور حول طلب بقاء قوات الاحتلال حتى يتم إحلال الأمن. ونحن هنا أمام معادلة غريبة: فالاحتلال هو سبب المقاومة، والاحتلال سيبقى حتى انتهاء المقاومة! الأمر الآخر هو حل الميليشيات وضمها للأمن والجيش الجديدين (مثل مشروع قرضاي الذي لم يتم تنفيذه حتى الآن) وتم استثناء المقاومة السنية في الفلوجة وجيش المهدي من القرار. وكان الأمر الثالث هو التخلص من الصدر وتقديمه للمحاكمة. إن هذه الحكومة لا تملك حق الاعتراض على العمليات العسكرية لقوات الاحتلال، بل ولا تستطيع التدخل في عمليات الاعتقال والتعذيب التي تمارسها قوات الاحتلال، ولا ندري ما هي مهمة وزيري العدل وحقوق الإنسان؟ إن هذه الحكومة ببساطة: مجموعة أصفار؛ وحيث إن العرب هم من اخترع الصفر، فإنهم يعلمون أن الأصفار مهما كثرت وكبرت فليس لها قيمة دون رقم، ومشكلة الاحتلال أنه لم ولن يجد رقماً عراقياً، وستبقى حكومة قرضاي العراق حتى ينهار جيش الاحتلال، وما نرجوه من قوات الاحتلال الأمريكي أن يتركوا عادتهم القديمة ويكون لديهم شيء من الوفاء فيأخذوا معهم حكومتهم.

стр. 4960

أصول مهمة في باب الإيمان د. ناصر بن يحيى الحنيني باب الإيمان ومسائله من أهم أبواب علم العقيدة، وهو من أوائل القضايا التي حصل فيها خلاف الأمة في الصدر الأول، فأول افتراق حصل هو ظهور رأي الخوارج الذي خالفوا فيه أهل السنة في باب الإيمان. وقد اعتنى سلفنا الصالح بهذا الباب عناية كبيرة، وأفردوا له مصنفات عديدة ما بين مختصرة ومطولة، وكذلك عقدوا له أبواباً مستقلة في مصنفاتهم وجوامعهم الحديثية، وكان مما ميز كتبهم وعرضهم لقضايا ومسائل الإيمان عنايتهم بذكر أصول المسائل والأصول التي بنى عليها المخالفون لهم في هذا الباب، فنقضوها وفندوا الشبه التي بنوا عليها تلك الأصول، فانهدمت كل المسائل المتفرعة عنها. وسوف نشير لبعض تلك الأصول المهمة في باب الإيمان، وغالب المسائل مبنية عليها. وقبل الدخول في عرض هذه الأصول لا بد أن نشير ولو إشارة مختصرة إلى أهمية العناية بالأصول في هذا الباب، ويمكن أن نجملها فيما يلي: ١ - إن معرفة أصول المسائل تسهل معرفة ما يتفرع عنها من مسائل، وتوضح وجه الخلاف بين أهل السنة وأهل البدع؛ لأن الغالب أن الخلاف بين أهل السنة وأهل البدع هو في أصول المسائل، وعليها جرى الخلاف في الفروع؛ فمن رام تقرير مذهب أهل السنة بوضوح وجلاء فعليه بالعناية بالأصول. ٢ - إن هدم الأصل الذي تقوم عليه البدعة يكفي في الرد عليها وبيان بطلانها. وعدم العناية بالأصول يجعلنا نقف مع كل بدعة تظهر وكل ما يتفرع عنها، وقد يطول البحث بالإنسان ولا يجد ما يشفي العليل ويروي الغليل. ٣ - إن المتقدمين من أهل البدع والمتأخرين يوجد بينهم اشتراك واضح في مخالفة أصول أهل السنة المجمع والمتفق عليها، وغالباً ما يكون الاختلاف بينهم شكلياً ولفظياً كل على ما يناسب العصر الذي عاش فيه، ولكن لا اختلاف بينهم في الأصول. ومن أبرز من أشار إلى هذه القضية شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبيناً أن متأخري المتكلمين كأبي المعالي الجويني وغيره تأثروا بأصول أهل البدع السابقين؛ حيث قال: «إن أبا المعالي وأمثاله يضعون كتب الكلام التي تلقوا أصوله عن المعتزلة والمتفلسفة، ويبوبون أبواباً ما أنزل الله بها من سلطان، ويتكلمون فيها بما يخالف الشرع والعقل.... والأصول التي يقررها هي أصول جهم بن صفوان في الصفات والقدر والإرجاء..» ا. هـ (١) ، ويقول أيضاً مبيناً أن أصول الرازي هي أصول جهم كذلك: «فقول جهم هو قول هؤلاء، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] ... » أ. هـ (١) . وقال في موضع آخر: «وهذه الحجج من حجج الجهمية قديماً كما ذكر دلك الأئمة ... » (٢) . وأصول البدع مستمرة إلى وقتنا الحاضر، ولكن تغيرت مسمياتها؛ فالمعتزلة في العصر الحاضر أصولهم هي أصول أسلافهم ويسمون أنفسهم (عقلانيين وعصرانيين) ، والمعطلة في الوقت الحاضر أصولهم أصول أسلافهم ويسمون أنفسهم بالـ (متنورين) ، والزنادقة المعاصرون يسمون أنفسهم: حداثيين تجديديين، ولكل قوم وارث، وبمعرفة أصول البدع يتعرف طالب العلم على امتدادها المعاصر، ولا تخدعه هذه المسميات. ٤ - إن هذه الطريقة ـ وهي معرفة أصول المسائل وأصول البدع والحرص على نقضها ـ هي طريقة السلف المتقدمين الراسخين في العلم الذين أخذوها من القرآن والسنة ومن أفواه الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى عصرهم؛ بل إن طريقة القرآن هي التركيز على تقرير الأصول الشرعية التي تبنى عليها كل الطاعات، ونقض الأصول التي تبنى عليها الانحرافات في الاعتقاد والعمل؛ فعلى سبيل المثال من أبرز هذه الأصول التي أشار إليها القرآن وأشارت إليها السنة أن أصل الضلال والمعاصي هو: اتباع الهوى (٣) : وقد جاءت الآيات والأحاديث تبين هذا الأصل في غير ما موضع: قال الحافظ ابن رجب ﵀: «فجميع المعاصي تنشأ من تقديم هوى النفس على محبة الله ورسوله، وقد وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه، وقال ـ تعالى ـ: ﴿فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] . وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع، ولهذا يسمى أهلها أهل الأهواء» ا. هـ (٤) . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهكذا تجد كل أهل المقالات وأهل الأعمال الفاسدة ـ وإبليس إمام هؤلاء كلهم ـ فإنه اتبع قياسه الفاسد المخالف للنص، واتبع هواه في استكباره عن طاعة ربه تعالى.... (إلى أن قال) : وإنما المقصود هنا التنبيه على هذا الأصل، وهو أن من أعرض عن هدى الله علماً وعملاً فإنه لا يحصل له مطلوب ولا ينجو من مرهوب، بل يلحقه من المرهوب أعظم مما فر منه، ويفوته من المطلوب أعظم مما رغب فيه. وأما المتبعون لهداه فإنهم على هدى من ربهم، وهم المفلحون الذين أدركوا المطلوب، ونجوا من المرهوب» ا. هـ باختصار (٥) . _ بعض الأصول المهمة في الإيمان: ولعلنا نبدأ بذكر أهم الأصول في باب الإيمان وهي على وجه الإجمال كما يلي: الأصل الأول: أن الألفاظ التي جاء تفسيرها وبيانها في القرآن والسنة لا يجوز أن تُعارَض بأقوال أهل اللغة وما تستعمله العرب من شواهد، ومن هذه الألفاظ لفظ الإيمان والإسلام والكفر والنفاق والشرك؛ فهذه ألفاظ قد ورد في الشرع ما يبين معناها بجلاء ووضوح، فلا يسوغ لمحتج مثلاً أن يحتج بأن معنى الإيمان في اللغة التصديق، فنقول: هذا قد يقبل لو أن الشارع لم يبين لنا معنى الإيمان، أما وقد جاء في لفظ الشارع ما يبينه فلا نحتاج إلى أن نقصره على هذا المعنى اللغوي؛ إضافة إلى أنه حتى في اللغة ليس مقصوراً على هذا المعنى بل يشمل التصديق وزيادة، والتصديق في لغة العرب لا يقتصر على القلب بل يشمل حتى التصديق باللسان والجوارح (٦) . يقول شيخ الإسلام: «ومما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عُرف تفسيرها وما أُريد بها من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم؛ ولهذا قال الفقهاء: الأسماء ثلاثة أنواع: نوع يعرف حده بالشرع كالصلاة والزكاة، ونوع يعرف حده باللغة كالشمس والقمر، ونوع يعرف حده بالعرف كلفظ القبض ولفظ المعروف في قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] ونحو ذلك.... واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر هي أعظم من هذا كله؛ فالنبي ﷺ قد بين المراد بهذه الألفاظ بياناً لا يُحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك؛ فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله؛ فإنه شاف كاف، بل معاني هذه الأسماء معلومة من حيث الجملة للخاصة والعامة، بل كل من تأمل ما تقوله الخوارج والمرجئة في معنى الإيمان علم بالاضطرار أنه مخالف للرسول ويعلم بالاضطرار أن طاعة الله ورسوله من تمام الإيمان، وأنه لم يكن يجعل كل من أذنب ذنباً كافراً، ويعلم أنه لو قدر أن قوماً قالوا للنبي ﷺ : نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك، ونقر بألستنا بالشهادتين إلا أنَّا لا نطيعك في شيء مما أمرت به ونهيت عنه؛ فلا نصلي ولا نصوم ولا نحج ولا نصدق الحديث ونؤدي الأمانة..... هل كان يتوهم عاقل أن النبي ﷺ يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملو الإيمان، وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة، ويُرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار؟ بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك..» ا. هـ. بتصرف واختصار (١) . ومما يتمم هذا الأصل أنه لا يجوز كذلك أن يحمل كلام الله ورسوله على وفق مذهبه إن لم يتبين مراد الله ورسوله؛ وفي هذا يقول شيخ الإسلام: «وليس لأحد أن يحمل كلام الله ورسوله وفق مذهبه، إن لم يتبين من كلام الله ورسوله ما يدل على مراد الله ورسوله، وإلا فأقوال العلماء تابعة لقول الله ـ تعالى ـ ورسوله ... فإذا كان في وجوب شيء نزاع بين العلماء، ولفظ الشارع قد اطَّرد في معنى لم يجُز أن ينقض الأصل المعروف من كلام الله ورسوله بقول فيه نزاع بين العلماء» ا. هـ. باختصار (٢) . فالشاهد مما تقدم أن الأصل في معرفة هذه المسائل والأصول الكبار يرجع فيها إلى ما فسره الله ورسوله من خلال جمع النصوص الشرعية. ومن نظر في معنى الإيمان في النصوص الشرعيه وجده يشتمل على القضايا الثلاث الكبرى التي أجمع عليها أهل السنة والجماعة وهي أن الإيمان قول، وعمل، واعتقاد. الأصل الثاني: أن الإيمان ثلاثة أجزاء لا يغني واحد عن الآخر، بل لا بد من الإتيان بها جميعاً، والمقصود أنه لا بد أن يكون المسلم معتقداً الإيمان بالله في قلبه ناطقاً بلسانه مصدقاً لذلك بما يعمله من أعمال صالحة؛ فإذا تخلف واحد من هذه الثلاثة فلم يأت به مطلقاً لا يصح أن يكون مؤمناً، وقد تواتر تقرير هذا عن سلف الأمة، وأن الإيمان يقوم على هذه الثلاث، يقول الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام: «فوجدنا الكتاب والسنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان بالنية والقول والعمل جميعاً» ا. هـ (٣) . يقول الإمام الشافعي ﵀ في كتاب الأم في باب النية في الصلاة: «وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر» ا. هـ. (٤) . ويقول الإمام الآجري: «باب القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمناً إلا بأن تجتمع فيه هذه الخصال، (ثم قال) : اعلموا ـ رحمنا الله وإياكم ـ أن الذي عليه علماء المسلمين: أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، ثم اعلموا أنه لا يجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقاً، ولا تجزئ معرفة بالقلب ونطق اللسان حتى يكون عمل بالجوارح؛ فإذا كملت فيه هذه الخصال الثلاث كان مؤمناً، دل على ذلك القرآن والسنة وقول علماء المسلمين..» ا. هـ. ثم ذكر الأدلة (٥) . وعليه فالذين أخرجوا الإيمان عن مسمى الأعمال مخالفون للكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة، وليس المجال هنا لسرد النصوص المتواترة والمتضافرة التي تبين أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأنها حين تتخلف بالكلية فإن الإيمان ينتقض. الأصل الثالث: أن الإيمان يتجزأ ويتبعَّض، وأنه شُعَب كما أخبر النبي ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة» (٦) ؛ وعليه فإن الشخص الواحد يجتمع فيه طاعة ومعصية، وإيمان وفسق. وأصل ضلال أهل البدع أنهم جعلوه شيئاً واحداً. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان، من الخوارج، والمرجئة، والمعتزلة، والجهمية، وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً، إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعاً، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه كما قال النبي ﷺ : «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان» ، ثم قال الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلها من الإيمان فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان، فذهب سائره، فحكموا أن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان. وقالت المرجئة والجهمية: ليس الإيمان إلا شيئاً واحداً لا يتبعض، إما مجرد تصديق القلب كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة، قالوا: لأنَّا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزاءً منه؛ فإذا ذهبت ذهب بعضه فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج..» ا. هـ. (٧) ، وقال في موضع آخر: «وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله. فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان..» ا. هـ. (٨) . ومما يتفرع على هذا الأصل أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن بعض شعبه إذا زالت بقيت الشعب الأخرى، لكنه ينقص ويضعف، وقد دلت النصوص الشرعية المتواترة من الكتاب والسنة على هذا الأمر كما قال ـ تعالى ـ: ﴿لِيَزْدَادُوا إيمَانًا مَّعَ إيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢] ، وأما النقصان كما جاء في قوله ﷺ : «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان» . فالشاهد أن من الإيمان ما هو قوي، ومنه ما هو ضعيف؛ والأدلة لا يتسع المجال لذكرها وسردها، وإنما غرضنا التركيز على الأصول التي قد تخفى على بعض الناس. الأصل الرابع: أن شعب الإيمان قد تتلازم في الظاهر والباطن عند القوة، وقد لا تتلازم عند الضعف: لا يتصور أن يقوم الإنسان بالأعمال الصالحة ويكون قلبه غير مشتمل على الإيمان بل هو من أعظم الأدلة على الإيمان الذي في قلبه، يقول شيخ الإسلام: «وكذا الإيمان في القلب، والإسلام علانية، ولما كانت الأقوال والأعمال الظاهرة لازمة ومستلزمة للأقوال والأعمال الباطنة، كان يستدل بها عليها» ا. هـ (١) . يقول الإمام الآجري: «فالأعمال ـ رحمكم الله ـ بالجوارح تصديق عن الإيمان بالقلب واللسان؛ فمن لم يصدق الإيمان بعمله بجوارحه مثل الطهارة والصلاة لم يكن مؤمناً، ولم تنفعه المعرفة والقول، وكان تركه للعمل تكذيباً لإيمانه، وكان العمل بما ذكرناه تصديقاً منه لإيمانه ... ، وقد قال ـ تعالى ـ في كتابه وبين في غير موضع أن الإيمان لا يكون إلا بعمل، وبينه النبي ﷺ خلاف ما قالت المرجئة الذين لعب بهم الشيطان. قال الله ـ تعالى ـ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ..» ا. هـ (٢) . وكذلك إذا حصل الإيمان التام في القلب فإنه يستلزم العمل الظاهر ولا يتخلف عنه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة، ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر» (٣) . وكذلك لا يتصور وجود إيمان في القلب ولو ادعاه بلسانه وهو يترك الفرائض كلها ويقع في المكفرات والنواقض كسبِّ الله والرسول ونحوها، وقد قرر هذا العلماء وهذا من الصور التي يتلازم فيها الظاهر بالباطن، وإن لم يظهر الجحود، وإن زعم أنه يؤمن بوجوب هذه الفرائض وبحرمة وكفر من وقع في هذه النواقض؛ فإن هذه الدعوى لا تنفع صاحبها فأما في ترك الفرائض فيقول الإمام الحميدي: «أُخبرت أن قوماً يقولون: إن من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت، أو يصلي مسندَ ظهره مستدبرَ القبلة حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً، إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه إذا كان يقر بالفروض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر بالله الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفعل المسلمين. قال الله : ﴿حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] ، قال حنبل: قال أبو عبد الله (يعني الإمام أحمد) أو سمعته يقول: «من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به» ا. هـ. (٤) . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإذا كان القلب صالحاً بما فيه من الإيمان علماً وعملاً قلبياً لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر، والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أهل الحديث: قول وعمل: قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن لازم له متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد» ا. هـ (٥) . ويزيد الأمر وضوحاً فيقول: «إن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة ولا تتلازم عندالضعف، فإذا قوي ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله أوجب بغض أعداء الله؛ كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨١] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] ، وقد يحصل من الرجال نوع من موادتهم لرحم أو حاجة فيكون ذنباً ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافراً كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي ﷺ ، وأنزل الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] » ا. هـ. (٦) . ويقول أيضاً: «فالإيمان الذي في القلب، لا يكون بمجرد ظن تصديق القلب ليس معه عمل القلب وموجبه من محبة الله ورسوله ونحو ذلك، كما أنه لا يكون إيماناً بمجرد ظن وهوى، بل لا بد في أصل الإيمان من قول القلب وعمل القلب» ا. هـ. (٧) . ويقول أيضاً: «فلا بد في الإيمان الذي في القلب من تصديق بالله ورسوله وحب الله ورسوله؛ وإلا فمجرد التصديق مع البغض لله ورسوله ومعاداة الله ورسوله ليس إيماناً باتفاق المسلمين» ا. هـ. (٨) . والكلام في هذا الأمر يطول ويصعب استقصاؤه في مثل هذه العجالة؛ وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين (٩) .

стр. 4961

مفهوم العلم في القرآن د. الجيلالي المريني الشريعة الإسلامية عنيت بالعلم أبلغ العناية بياناً لشرفه، وتعظيماً لقدره، وتوضيحاً لأنواعه ومصادره، وتوضيحاً لآثاره في الدنيا والآخرة، وإشادة بتعلمه وطلبه، وترهيباً من القعود عنه مباشرة، أو بعدم سؤال أهله. ولذلك كان للعلم في الشريعة الإسلامية حيز كبير في كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ ، وهو أمر يحتاج إلى بذل جهد كبير فيه، غير أن هذا لا يمنع من إلقاء نظرات على مفهوم العلم في القرآن وأهميته؛ وذلك وفق ما يلي: ١ - مفهوم العلم: العلم بميزان القرآن هو الإسلام، وفي مقابلة الجهل الذي هو الكفر بدليل الاستقراء: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٢٠] ، ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [آل عمران: ١٩] ، ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٤] ، ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] . أ - قال ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ، وهو الاستنكار الذي تصرح به الفطرة في وجه هذا العرض السخيف الذي ينبئ عن الجهل المطلق المطموس (١) . ب - وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] . ولم يقل: يجهلون ماذا؟ ليكون في إطلاق اللفظ ما يعني الجهل الكامل الشامل: الجهل من الجهالة ضد المعرفة، والجهل من الحماقة ضد العقل. فما ينبعث مثل هذا القول إلا من الجهالة والحمق إلى أبعد الحدود ليشير إلى أن الانحراف عن التوحيد إلى الشرك إنما ينشأ من الجهل والحماقة، وأن العلم والتعقل يقود كلاهما إلى الله الواحد، وأنه ما من علم ولا عقل يقود إلى غير هذا الطريق. إن العلم والعقل يواجهان هذا الكون بنواميسه التي تشهد بوجود الخالق المدبر، وبوحدانية هذا الخالق المدبر؛ فعنصر التقدير والتدبير بارز في هذه النواميس، ولا يُعرض عن ذلك إلا الحمقى والجهال، ولو ادعوا العلم كما يدعيه الكثيرون (٢) . ج - وقال ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] . إني أعظك أن تكون من الجاهلين بحقيقة الوشائج والروابط، أو حقيقة وعد الله وتأويله؛ فوعد الله قد أُوِّل وحُقق، ومهما كان التأويل؛ فالجهل هنا جهل بحقيقة هذا الدين وبحقيقة روابطه وهو الإيمان، أي الروابط والوشائج الإيمانية. د - وقال ـ تعالى ـ: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ، والجهل هنا بمعنييه: الجهل بمعنى فقدان العلم، والجهل بمعنى السفه والحمق، وكلا المعنيين متحقق في هذا الانحراف البغيض؛ فالذي لا يعرف منطق الفطرة يجهل كل شيء، ولا يعلم شيئاً أصلاً، والذي يميل هذا الميل عن الفطرة سفيه أحمق معتد على جميع الحقوق. يؤكد هذا المعنى ويحققه قوله ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ وَإلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣] . وهي دعوة العالم لا الجاهل ببشريته، الذي لا يغتر بعصمته فيريد مزيداً من عناية وحياطة تعاونه على ما يعترضه (١) ، ومنشأ المزيد من العناية هو الإسلام والإيمان. وعليه: فالجهل بحقيقة هذا الدين، هو السبب في الدعوة إلى اتخاذ آلهة، ودعوة الآخرين إلى اتخاذ إله من غير الله، كما أنه هو المفضي إلى الحمق والسفه، وعدم طلب المدد الإلهي، كما يجعل صاحبه يزن الأمور والروابط والوشائج بغير معيار الدين والعكس صحيح. ٢ - مصدر العلم في القرآن الكريم: العلم في كتاب الله كله من الله ـ تعالى ـ من اسمه العليم؛ فهو الذي علَّم غيره، علَّم آدم؛ حيث قال ـ تعالى ـ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] ، إنه التكريم في أعلى صورة لهذا المخلوق الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء، ولكنه وُهِب من الأسرار ما يرفعه على الملائكة؛ لقد وُهِب سر المعرفة، كما وهب سر الإرادة المستقلة التي تختار الطريق. كما علم الملائكة: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] . فأما الملائكة فلا حاجة لهم بهذه الخاصية: خاصية سر القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات؛ لأنها لا ضرورة لها في وظيفتهم، ومن ثم لم توهب لهم، فاعترفوا بعجزهم والإقرار بحدود علمهم. وعلم الإنسان: قال ـ تعالى ـ: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٤] . الرحمن: ويسكت وتنتهي الآية ويصمت الوجود كله وينصت. علَّم القرآن: هذه النعمة الكبرى التي تتجلى فيها رحمة الرحمان بالإنسان، القرآن ... الترجمة الصادقة الكاملة لنواميس هذا الوجود، ومنهج السماء للأرض الذي يصل أهلها بناموس الوجود. وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] . وهي منة الله على الإنسان في هذه الأرض؛ المنة التي وُلِدَ الإنسان معها ميلاداً جديداً، ونشأ بها (الإنسان) كما نشأ أول مرة بنفخة الروح الأولى، المنة التي التقطت البشرية من سفح الجاهلية لترقى بها في الطريق الصاعد إلى القمة السامقة عن طريق المنهج الرباني الفريد العجيب؛ المنة التي لا يعرف قدرها إلا الذي عرف الإسلام، وذاق حلاوة الإسلام، ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾ ؛ فهو علم رباني. وعليه: فلا علم إلا من الله؛ فالله هو مصدره، ومنه تفرع العلم، وعنه أخذ نسبياً، سواء الذي وهب لآدم، أو للملائكة، أو للإنسان، والهدف واحد، وسَنُّه للإنسان هو ربطه بالسماء، وفق منهاج رباني فريد بعيد عن برائن الجهل والجاهلية. ٣ - أنواع العلم: يتنوع العلم بحسب العالِم إلى: علم الله، وغير الله. أ - علم الله: قال ـ تعالى ـ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١] ؛ إنه الأمر بالجنوح إلى السلم مصحوباً بالتوكل على الله السميع العليم، الذي يسمع ما يقال، ويعلم ما وراءه من مخبآت السرائر، وفي التوكل عليه الكفاية والأمان. وقال : ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] ، والسمع والعلم يتناسبان هنا مع جو التربص بالسوء من أعداء الجماعة المسلمة، والنفاق الذي تحتويه جوانحهم وتخفيه ظواهرهم ... والله سميع لما يقولون بما يظهرون وما يكتمون، وقال : ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٩] ؛ لأن المقام مقام علم الله بنفوس البشر وما يصلحها من الآداب، ومقام حكمته كذلك في علاج النفوس والقلوب. والله قد أحاط بكل ما في ملكه الواسع العريض، وبما يسرونه في حنايا القلوب، فهو يحيط بكل ظروفهم وملابساتهم ومصالحهم واستعدادهم. وقال : ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] ، يقدمون بين يدي الدعاء بأنهم ـ في طلب الرحمة للناس ـ إنما يستمدون من رحمة الله التي وسعت كل شيء يحيلون إلى علم الله الذي وسع كل شيء، وأنهم لا يقدمون بين يدي الله بشيء إنما هي رحمته وعلمه منهما يستمدون وإليها يلجؤون. وقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، إنه ـ سبحانه ـ هو الذي يعلم وحده كل شيء علماً مطلقاً شاملاً كاملاً، وهو ـ سبحانه ـ يتأذن فيكشف للعباد بقدر عن شيء من علمه تصديقاً لوعده الحق. إن الله ـ سبحانه ـ وهب الإنسان المعرفة منذ أراد إسناد الخلافة في الأرض إليه، ووعده أن يريه آياته في الآفاق وفي الأنفس، ووعده أن يريه آياته في الآفاق. وصدق وعده. وبقدر ما أذن الله للإنسان في علم هذا السر فما يزال خافياً، وما يزال عصياً، وروي عنه أسرار كثيرة، ومع ذلك يفتن الإنسان بذلك الطرق من العلم الذي أحاط به بعد الإذن. والخلاصة أن الله ـ تعالى ـ يعلم ما وراء المخبآت وما يكتمون، كما يعلم ما بنفوس البشر، وعلمه هذا في درجة الإحاطة بكل شيء؛ فمن هذا العلم يستمد الإنسان بعد أن يتأذن ـ سبحانه ـ فيكشفه للعباد بقدر. ب - حسب المعلوم: غيب شهادة: ١ - علم الغيب خاص بالله تعالى. قال ـ تعالى ـ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ، عالم الغيب لوحده، إلا أن هناك استثناء واحداً فقط، وهو ما يأذن به الله من الغيب فيطلع عليه رسله في حدود ما يعاونهم على تبليغ إلى الناس؛ فما كان ما يوحي به إليهم إلا غيباً من غيبه يكشفه لهم في حينه ويكشفه لهم بقدر، ويرعاهم وهم يبلغونه، وقال : ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحجرات: ١٨] . والذي يعلم غيب السموات والأرض يعلم غيب النفوس، ومكنون الضمائر، وحقائق الشعور. وقال ـ سبحانه ـ: ﴿قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] ؛ فإن سائر الرسل انتهى أمرهم بهذا الجواب الكامل الشامل الذي يدع العلم كله لله، ويدع الأمر كله بين يديه سبحانه. ٢ - علم الشهادة: علم ما يشاهَد، والإحاطة به خاصة بالله تعالى، والإنسان يعلم منه ما يشاء الله سبحانه. قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣] ، وعلم الشهادة بالنسبة للإنسان قال فيه ـ تعالى ـ: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [القصص: ٧٥] . وعليه؛ فعلم الغيب استأثر به وأذن فيه لرسله في حدود ما يعاونهم على تبليغه دعوتهم، وهو أمر شهد به سائر الرسل، كما أنه ـ سبحانه ـ أحاط إحاطة خاصة بعلم الشهادة. ج - وينقسم بحسب طرق تحصيله: ١ - الوحي: علم الوحي لا يمكن للعبد أن يدركه؛ فقد أراح الله عقل الإنسان من خوض البحث فيه بدون دليل. قال ـ تعالى ـ: ﴿إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] . ٢ - مستنبط: من الوحي: القرآن والسنة، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] ، أو مما يشاهَد في الكون. ٣ - علم اليقين: العلم في أقصى درجاته الذي يطابق الواقع في أقصى درجاته. ٤ - علم ظاهر الدنيا: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] ، ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] . فالعلم سواء كان وحياً أو مستنبطاً، أو علم اليقين، أو علم ظاهر الدنيا، فهو علم الله ومنه أُخِذ. ٤ - معيار العلم الذي ينبغي الحرص على تعلمه: العلوم متنوعة، وليس كل ما يطلق عليه اسم العلم يجب الحرص عليه وتعلمه والانكباب عليه والاستفادة منه وتعليمه للآخرين، بل لا بد أن يخضع لمعايير ومقاييس منها: معيار الأصالة: الذي قال عنه الإمام الشاطبي إنه الأصل والمعتمد وعليه مدار الطلب، وإليه تنتهي مقاصد الراسخين، وذلك ما كان قطعياً أو راجعاً إلى أصل قطعي، والشريعة المباركة المحمدية منزلة على هذا الوجه، ولذلك كانت محفوظة في أصولها وفروعها كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ؛ لأنها ترجع إلى حفظ المقاصد التي بها يكون صلاح الدارين، وهي الضروريات والحاجيات والتحسينات وما هو مكمل لها ومتمم لأطرافها، وهي أصول الشريعة، وقد قام البرهان القطعي على اعتبارها، وسائر الفروع مستندة إليها؛ فلا إشكال في أنها علم أصل راسخ الأساس، ثابت الأركان. والعلم الذي هو من الصلب لا من القشور والزوائد، له ثلاث خواص: ١ - العموم والاطراد. ٢ - الثبوت من غير زوال. ٣ - كون العلم حاكماً لا محكوماً عليه. والعلم الذي اكتملت فيه هذه الخواص الثلاث هو الذي يكون من صلب العلم لا مُلَحِه، وهو الذي ينبغي أن يُطلب ويُرحل إليه ويستكثر منه العلماء والطلبة والتلاميذ. المعيار الثاني: ما هو من مُلَح العلم؟ ما ليس في صلبه وهو ما لم يكن قطعياً، ولا راجعاً إلى أصل قطعي، بل إلى ظني أو كان راجعاً إلى أصل قطعي، بل إلى ظني أو كان راجعاً إلى أصل قطعي إلا أنه تخلف عنه خاصة من تلك الخواص، أو أكثر من خاصة واحدة؛ فهو مخيل ومما يستفز العقل ببادئ الرأي والنظر الأول، من غير أن يكون فيه إخلال بأصله، ولا بمعنى غيره؛ فإذا كان هكذا صح أن يعد في هذا القسم. فأما تخلف الخاصية الأولى وهو الاطراد والعموم فقادح في جعله من صلب العلم؛ لأن عدم الاطراد يقوِّي جانب الاطراح، ويضعف جانب الاعتبار؛ إذ النقص فيه يدل على ضعف الوثوق بالقصد الموضوع عليه ذلك العلم، ويقر به من الأمور الاتفاقية الواقعة من غير قصد، فلا يوثق به ولا يبنى عليه. وأما تخلف الخاصية الثانية وهو الثبوت، فيأباه صلب العلم وقواعده؛ فإنه إذا حكم في قضية، ثم خالف حكمه الواقع في القضية في بعض المواضع أو بعض الأحوال، كان حكمه خطأ وباطلاً، من حيث أطلق الحكم فيما ليس بمطلق، أو عم فيما هو خاص، فعدم الناظر الوثوق بحكمه؛ وذلك معنى خروجه عن صلب العلم. وأما تخلف الخاصية الثالثة وهو كونه حاكماً، ومبنياً عليه، فقادح أيضاً؛ لأنه إن صح في العقول لم يستفد به فائدة حاضرة غير مجرد راحات النفوس، فاستوى مع سائر ما يتخرج به، وإن لم يصح فأحرى في الاطراح كمباحث السوفساطئيين، ومن نحا نحوهم. ولتخلص بعض هذه الخواص أمثلة منها. ومثاله: التأنق في استخراج الحديث من طرق كثيرة، لا على قصد طلب تواتره، بل على أن يعد آخداً له عن شيوخ كثيرة، ومن جهات شتى، إن كان راجعاً إلى الآحاد في الصحابة أو التابعين أو غيرهم؛ فالاشتغال بهذا من المُلَح لا من صلب العلم. خرَّج أبو عمر ابن عبد البر عن حمزة بن محمد الكناني قال: خرَّجت حديثاً واحداً عن النبي ﷺ من مائتي طريق أو من نحو مائتي طريق ـ شك الراوي ـ. قال: فدخلني من ذلك من الفرح غير قليل وأعجبت بذلك، فرأيت يحيى بن معين في المنام، فقلت له: يا أبا زكريا! قد خرَّجت حديثاً عن النبي ﷺ من مائتي طريق. قال: فسكت عني ساعة، ثم قال: أخشى أن يدخل هذا تحت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] هذا ما قال هو صحيح في الاعتبار؛ لأن تخريجه من طرق يسيرة كاف في المقصود منه، فصار الزائد على ذلك فضلاً. القسم الثالث: ما ليس من الصلب ولا من المُلَح. وهو ما فقد معيار الأصالة، والمُلَح، أي ما لم يرجع إلى أصل قطعي ولا ظني، وإنما شأنه أن يكر على أصله أو على غيره بالإبطال، مما صح كونه من العلوم المعتبرة والقواعد المرجوع إليها، في الأعمال والاعتقادات أو كان منهضاً إلى إبطال الحق، وإحقاق الباطل على الجملة، فهذا ليس بعلم؛ لأنه يرجع على أصله بالإبطال، فهو غير ثابت، ولا حاكم، ولا مطرد أيضاً، ولا هو من مُلَحه؛ لأن المُلَح هي التي تستحسنها العقول، وتستحسنها النفوس؛ إذ ليس يصحبها منفِّر، ولا هي مما تعادي العلوم؛ لأنها ذات أصل منبئ عليه في الجملة بخلاف هذا القسم فإنه ليس فيه شيء من ذلك. ومثال هذا القسم: ما انتحله الباطنية في كتاب الله من إخراجه عن ظاهره، وإن المقصود وراء هذا الظاهر، ولا سبيل إلى نيله بعقل ولا نظر، وإنما يُنال من الإمام المعصوم تقليداً لذلك الإمام؛ واستنادهم في جملة من دعاويهم ـ إلى علم الحروف، وعلم النجوم؛ ولقد اتسع الخرق في الأزمنة المتأخرة على الراقع، فكثرت الدعاوي على الشريعة بأمثال ما ادعته الباطنية، حتى آل ذلك إلى ما لا يعقل على حال، فضلاً عن غير ذلك، ويشمل هذا القسم ما ينتحله أهل السفسطية والمتحكمون، وكل ذلك ليس له أصل ينبي عليه، ولا ثمرة تجنى منه، فلا تعلق به بوجه. _ معيار الفائدة العملية: وهي أن كل مسألة علمية لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي، وأعني بالعمل عمل القلب وعمل الجوارح من حيث هو مطلوب شرعاً. والدليل على ذلك استقراء الشريعة. فإنا رأينا الشارع يعرض عما لا يفيد به عملاً مكلفاً به، وفي القرآن الكريم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] ، فوقع الجواب بما يتعلق به العلم إعراضاً عما قصده السائل من السؤال عن الهلال، ولِمَ يبدو في أول الشهر دقيقاً كالخيط، ثم يمتلئ حتى يصير بدراً، ثم يعود إلى حالته الأولى؟ ثم قال: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا﴾ بناء على تأويل من تأول أن الآية كلها نزلت في هذا المعنى، فكان من جملة الجواب أن هذا السؤال ـ في التمثيل ـ إتيان البيوت من ظهورها، والبر إنما هو التقوى لا العلم بهذه الأمور التي لا تفيد نفعها في التكليف ولا تجر إليه. وقال ـ تعالى ـ بعد سؤالهم عن الساعة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٣] أي أن السؤال هذا سؤال عما لا يعني؛ إذ يكفي من علمها أنه لا بد منها؛ ولذلك لما سئل ﵊ عن الساعة قال: للسائل: «ما أعددت لها» (١) ... إلى غير ذلك. ٥ - مكانة العلم في الشريعة الإسلامية: ١ - العلم: نعمة من الله: قال في حق الخضر صاحب موسى ﵇ وفتاه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمً﴾ [الكهف: ٦٥] ، فذكر من نعمته عليه تعليمه، وما آتاه من رحمته. ٢ - العلم مجلبة للثناء: وقال ـ تعالى ـ يذكر نعمته على داود وسليمان: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] ، فذكر النبيين الكريمين، وأثنى عليهما بالحكم والعلم. ٣ - العلم منَّ به الله ـ تعالى ـ: حيث قال ـ سبحانه ـ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] . ٤ - الأنبياء سافروا إلى تلقي العلم: قال ـ تعالى ـ: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] ، فلم يجئ ممتحناً، ولا متعنتاً، وإنما جاء متعلماً مستزيداً علماً إلى علمه؛ وكفى بهذا فضلاً وشرفاً للعلم؛ فإن نبي الله وكليمه سافر ورحل حتى لقي النَّصَب من سفره في العلم ثلاث مسائل: من رجل عالم، لما سمع به لم يقر له قرار حتى لقيه، وطلب منه متابعته وتعليمه، وفي قصتهما عير وآيات وحكم. ٥ - قرن شهادة العلماء بشهادته ـ سبحانه ـ وشهادة الملائكة: قال الله ـ تعالى ـ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] . ٦ - العلم رفعَ الكلبَ؛ فبالآحرى الإنسان: فصيد الكلب المعلَّم حلال، وطيب، وصيد الكلب غير المعلَّم حرام لا يجوز أكله؛ وعليه فالعلم هو الذي أهَّل وجعل صيد الكلب المعلَّم حلالاً، والعكس صحيح. ٦ - آثار العلم في الدنيا: ١ - العلم يُكسِب الإيمان: قال ـ تعالى ـ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] ، الراسخون في العلم الذين بلغ من علمهم أن يعرفوا مجال العقل وطبيعة التفكير البشري، وحدود المجال الذي يملك العمل فيه بوسائله الممنوحة له ... أما هؤلاء فيقولون في طمأنينة وثقة: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] . ٢ - العلم يكسب الخشية: قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] ، فالعلماء الذين يتدبرون هذا الكتاب العجيب هم من يعرف الله معرفة حقيقية؛ يعرفون آثار صنعته، ومن ثم يخشونه حقاً ويتقونه حقاً، ويعبدونه حقاً، لا بالشعور الغامض الذي يجده القلب أمام روعة الكون، ولكن بالمعرفة الدقيقة والعلم المباشر. ٣ - عقل الأمور: قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] . ٤ - شهود الحق: قال ـ تعالى ـ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] وقال : ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦] . ٥ - القوة بصفة عامة: إذ العلم هو المرشِّح للسيادة. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] ، إلى أن قال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] . ٦ - العلم مؤهل للاتباع. قال ـ تعالى ـ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ، فالعلم قائد العمل ومؤتم به. قال ـ تعالى ـ: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] . ٧ - آثار العلم في الآخرة: قال يحيى بن معاذ في حق العلماء: «العلماء أرحم بأمة محمد ﷺ من آبائهم وأمهاتهم. قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، وهم يحفظونهم من نار الآخرة» . وقال الحسن: لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم، أي أنهم بالعلم يخرجون الناس من حد البهيمة إلى حد الإنسانية. والعلم طريق الجنة، قال ﷺ : «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله به طريقاً إلى الجنة» (٢) وغيره كثير.

стр. 4962

قواعد في فقه السياسة الشرعية محمد بن شاكر الشريف الصلاح والفساد نقيضان، وضدان لا يلتقيان، وإذا كانت السياسة ـ كما تدل على ذلك لغة العرب ـ تعني الإصلاح والاستصلاح؛ فإن ذلك لا يتم ولا يكتمل إلا بإزالة أو دفع نقيضه أو ما يضاده، ومن هنا يتبين أن السياسة الكاملة لا تتحقق إلا بتحصيل المصالح وتكميلها، وتقليل المفاسد ودرئها وتعطيلها. والسياسة المطلقة هي التي تقوم بذلك في الأمور الدنيوية والأخروية، لجميع الخليقة عوامهم وخواصهم، فيما يظهر من أفعالهم وأقوالهم، وفيما يبطنون من ذلك، وهذه السياسة المطلقة، أو السياسة الكاملة الشاملة لا يقوم بها إلا رسول يوحى إليه من رب السموات والأرضين، ويتبعه في ذلك خلفاؤه الذين يقتدون بسنته. وأما جهود البشر المبتوتة عن الوحي، فلا تتعدى ـ مهما بلغوا من المعرفة والتقدم ـ تدبير أمور المعاش، وإصلاح معاملات الناس فيما بينهم في ظواهرهم على حسب ما يظهر لهم من علومهم القاصرة. قال التهانوي في بيان أنواع السياسة: «وفي كليات أبي البقاء ما حاصله: أن السياسة المطلقة هي إصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في العاجل والآجل، على الخاصة والعامة في ظواهرهم وبواطنهم، وهي إنما تكون من الأنبياء، وتسمى مطلقة؛ لأنها في جميع الخلق، وفي جميع الأحوال، أو لأنها مطلقة أي كاملة من غير إفراط ولا تفريط. وأما من السلاطين وأمرائهم فإنما تكون على كل منهم في ظواهرهم، ولا تكون إلا منجية في العاجل؛ لأنها عبارة عن إصلاح معاملة الناس فيما بينهم، ونظمهم في أمور معاشهم، وتسمى سياسة مدنية، وأما من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء حقاً على الخاصة في بواطنهم لا غير، أي لا تكون على العامة؛ لأن إصلاحهم مبني على الشوكة الظاهرة، والسلطنة القاهرة، وأيضاً لا تكون على الخاصة في ظواهرهم؛ لأنها منوطة بالجبر والقهر، وتسمى سياسة نفسية» (١) . ومن هذا النقل يتبين أن السياسة تقسم بحسب مجالها إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: سياسة نفسية: ومجالها باطن الإنسان (أي قلبه) وعملها إصلاح الباطن وتهذيب النفوس، ودرء المفاسد والغوائل عن القلوب، وهذه يقوم بها العلماء الربانيون الذين يَُعنَوْن بإصلاح القلوب وتربية النفوس وتهذيبها. النوع الثاني: سياسة مدنية: ومجالها ظاهر الناس فقط وما يتعلق بحياتهم، وعملها إصلاح ظواهرهم بتدبير أمور معاشهم، وإصلاح معاملاتهم، وإقامة شؤون اجتماعهم وعمرانهم، وهذه يقوم بها الولاة والأمراء والسلاطين والملوك والرؤساء؛ فإذا كانت هذه السياسة «مفروضة من العقلاء، وأكابر الدولة وبصرائها، كانت سياسة عقلية، وإن كانت مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها كانت سياسة دينية» (١) . النوع الثالث: سياسة مطلقة أو كاملة، ومجالها باطن الإنسان وظاهره، وهي تشمل النوعين السابقين، وهذه التي يقوم بها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ثم من يخلفهم ويمشي في ذلك على طريقتهم، وهم الخلفاء الراشدون في كل عصر ومصر. ومن الجدير بالذكر أن جميع أنواع السياسة المقيدة بالشرع تدخل تحت مسمى السياسة الشرعية، وإن كانت السياسات الثابتة بالنص القرآني تسمى سياسة إلهية، والثابتة بالسنة تسمى سياسة نبوية، وذلك تمييزاً لها وبياناً لمصدرها المباشر. ومن البين أن السياسة التي يكون مصدرها المباشر هو الاجتهاد المبني على الكتاب والسنة هي أيضاً من السياسة الشرعية. ونستطيع هنا أن نميز مصادر السياسة الشرعية أو الأدلة العامة لها وهي: الكتاب، السنة، وسياسة الخلفاء الراشدين، وأخيراً الاجتهاد الصحيح المبني على ما تقدم. _ الدين والسياسة: ويتبين مما تقدم أن الدين كله سياسة لإصلاح الحياة الدنيا ودرء المفاسد عنها، وكذلك لإصلاح الآخرة ودرء المفاسد عنها. واللغة العربية لغة القرآن تصدِّق ذلك؛ فقد جاء في كتاب الغريب: «الدين: المُلك والسلطان، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] ، أي في سلطانه وملكه» (٢) ، وفي لسان العرب: «دِنْته أَدِينُه دَيْناً: سُسْته، ودِنته: مَلَكْتُه، ودَيَّنْتُه القومَ: ولَّيته سياستهم» (٣) ، وقال ابن الجوزي: «الشريعة سياسة إلهية» (٤) ، وقد كتب ابن تيمية ﵀ رسالة في السياسة الشرعية، قال في أولها: «فهذه رسالة مختصرة فيها جوامع من السياسة الإلهية» . وبيَّن ﵀ أنها «مبنية على آية الأمراء في كتاب الله» (٥) ، فسماها: سياسة إلهية، وهو ما يكون دليلاً واضحاً على أن السياسة التي يُعتد بها شرعاً هي السياسة التابعة للشريعة، وأما السياسة المخالفة للشرع، وإن بدا لبعضهم أنها محققة لبعض المصالح، فهي ليست بسياسة على الحقيقة، وإن سُميت بذلك؛ فإن العبرة بالحقائق وليس بالأسماء؛ فإذا كان الاسم يخالف الحقيقة، فلا قيمة له ولا عبرة به، ذكر ابن الجوزي ﵀ «أن عضد الدولة كان يميل إلى جارية، فكانت تشغل قلبه، فأمر بتغريقها، لئلا ينشغل قلبه عن تدبير الملك» وعلق على ذلك بقوله: «وهذا هو الجنون المطبق؛ لأن قتل مسلم بلا جُرم لا يحل، واعتقاده أن هذا جائز كفر، وأن اعتقاده غير جائز، لكنه رآه مصلحة، فلا مصلحة فيما يخالف الشرع» (٦) ، وقد نقل ابن مفلح في الفروع قوله: «أكثر السلاطين يعملون بأهوائهم وآرائهم لا بالعلم، ويسمون ذلك سياسة، والسياسة هي الشريعة» (٧) . _ الاجتهاد في السياسة الشرعية: وإذ يتبين مما تقدم أن السياسة الكاملة تقوم على جلب مصالح الدارين، ودفع المفاسد والغوائل عنهما، فإن المصالح والمفاسد. منها ما هو معلوم مُدرَك بالنصوص كمصلحة العبادات من صوم وصلاة وحج وزكاة، ومثل تناول الطيبات من المطعومات والمشروبات، ومثل ستر العورات، واجتناب النجاسات ونحو ذلك، وكذلك المفاسد منها ما هو معلوم مُدرَك بالنصوص كالربا، وشرب الخمر، والسرقة، وقتل النفس بغير حق، والظلم، ونحو ذلك. ومن المصالح والمفاسد ما هو مدرَك بالاجتهاد لا سيما أن منها ما هو متجدد بتجدد الأزمان ويختلف باختلاف ظروف المكان. والمصالح والمفاسد المدرَكة بالاجتهاد يدخل الخطأ في إدراكها وتصويرها وتحققها في آحاد وأفراد الصور الواقعة كثيراً؛ فقد يُظن ما ليس بمصلحة (حقيقية) مصلحة ينبغي تحصيلها، وقد يظن في الجانب المقابل ما ليس بمفسدةٍ (حقيقية) مفسدةً ينبغي دفعها وإزالتها، ويعظُم هذا الخلط والاضطراب عندما لا تتميز المصالح من المفاسد، فتكون المصلحة المطلوب تحصيلها تكتنفها مفسدة أو عدة مفاسد، وكذلك قد تكون المفسدة المطلوب دفعها مختلطة بمصلحة أو عدة مصالح، ولا يمكن دفعها على الانفراد، فيكون في دفعها دفعاً لتلك المصالح؛ لذلك فإن الفقه في هذا الباب لا يصلح أن يُقْدِم عليه المبتدئون أو الشادون في الفقه، وإنما هو في حاجة إلى فقهاء متضلعين تضلعاً كاملاً في فقه الشريعة بمعناه الشامل، إضافة إلى الخبرة الواسعة بالواقع، ولعلنا في هذه المقالة نعرج على بعض القواعد الفقهية التي تضبط هذا الأمر؛ فمن ذلك: _ القاعدة الأولى: لا ضرر ولا ضرار: وهي قاعدة عظيمة، بل من أعظم قواعد الفقه في السياسة الشرعية، وعليها تنبني فروع فقهية كثيرة يعسر حصرها في هذا المقال، ومستند هذه القاعدة ودليلها نص حديث رسول الله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (١) . معنى الضرر والضرار: الضرر والضرار قيل: هما لفظتان بمعنى واحد على وجه التأكيد، ويقال: الضرر الذي لك فيه منفعة وعلى غيرك فيه مضرة، والضرار الذي ليس لك فيه منفعة وعلى غيرك المضرة، وقيل: الضرر أن تضر بمن لا يضرك، والضرار أن تضر بمن أضر بك، لا على سبيل المجازاة بالمثل والانتصار للحق، بل على سبيل الإضرار والانتقام، وقد علق ابن عبد البر ﵀ على تلك الأقوال بقوله: «والذي يصح في النظر ويثبت في الأصول أنه ليس لأحد أن يضر بأحد سواء أضر به قبلُ أم لا، إلا أنَّ له أن ينتصر ويعاقب إن قدر، بما أُبيح له من السلطان، والاعتداء بالحق الذي له مثل ما اعتدي به عليه، والانتصار ليس باعتداء ولا ظلم ولا ضرر، إذا كان على الوجه الذي أباحته الشريعة» (٢) . تفسير القاعدة: الضرر والضرار الواردان في الحديث وردا لفظين نكرتين في سياق النفي مما يفيد الاستغراق والعموم، وهذا معناه نفي سائر أنواع الضرر ابتداءً أو مجازاة؛ فالضرر لا تبيحه الشريعة لأحد، ولا تشرعه، وهذا يعني أن كل ما جاء في الشرع مشروعيته فليس بضرر وإن كان فيه إزهاق الانفس أو هلاك الأموال؛ وانطلاقاً من ذلك فإن الضرر يُمنع في جميع مراحله، فيمنع قبل وقوعه، عند توقع حدوثه وتوفر الدواعي لذلك؛ وذلك كالإجراءات، أو التنظيمات والترتيبات الوقائية التي يكون من شأنها منع الضرر جملة، أو تضييق مجاريه، وتقليل إمكانية حدوثه، فتحديد المناطق الصناعية المقلقة، أو التي ينتج عنها غازات سامة، أو روائح كريهة بالنسبة للتجمعات السكنية من السياسة الشرعية، وكذلك تنظيم المرور بما يسهل حركة الناس والحياة، ويمنع الأضرار الناتجة عن ترك الناس يسيرون كيفما شاؤوا، فذلك أيضاً من السياسة الشرعية. كما أن من السياسة الشرعية القائمة على منع الضرر قبل وقوعه إعداد العدة المستطاعة من القوة التي ترهب عدو الله وعدو المسلمين وتخيفهم كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] . ويمنع الضرر أثناء وقوعه، وذلك بمدافعته، وعدم الاستسلام له والإذعان، وينبني على ذلك فروع كثيرة كرد المعتدي، ومدافعة العدو الصائل ومقاتلته؛ فقد «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أرأيتَ إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: لا تعطه، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار» (٣) ، ويمنع الضرر بعد وقوعه، وهذا التعبير فيه نوع غرابة؛ إذ كيف يمنع، وهو قد وقع؛ وذلك يُتَصَوَّرُ إمكانيته في صورتين: الصورة الأولى: العقوبات المشروعة على المعاصي والمخالفات؛ فإن تشريع العقوبات وتقريرها على محدثي الضرر ومرتكبيه تكون عظة وعبرة للآخرين؛ بحيث يمثل ذلك ردعاً وزجراً يمنع من تكراره أو يقلل من فرص حدوثه، على حد ما جاء في قوله ـ تعالى ـ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] ، ولا تجوز المجازاة أو العقوبة على الضرر بإحداث ضرر مثله على المعتدى، لا فائدة منه للمعتدى عليه؛ فمن أفسد شيئاً أو أتلفه لا تكون عقوبته بإفساد شيء مثله عليه إذا أمكن تعويض المُعتدى عليه؛ لأن الإفساد في هذه الحالة فيه مزيد من الإفساد والإضرار بدون فائدة منه، وإنما تكون عقوبته بأن يصلح ما أفسد، أو يعوض عنه بمثله إذا لم يمكن الإصلاح، فإذا تعذر ذلك ولم يمكن، فإنه يُفعل به مثل ما فعل بلا زيادة، فإن في هذا إراحة لقلب المظلوم المعتدى عليه إلا أن يعفو؛ فمن أفسد حياة إنسان عمداً، فإن المعتدي لا يستطيع أن يصلح ما أفسد برد الحياة مرة أخرى، كما أنه لا يستطيع أن يعطي مثله، فتكون عقوبته في هذه الحالة أن يفسد عليه القاضي حياته، إلا إذا تنازل صاحب الحق (ولي الدم) . الصورة الثانية: إزالة آثار الضرر عن طريق التعويضات المشروعة التي تجعل الضرر كأن لم يكن، أو تخفف آثاره إلى أقصى حد ممكن؛ فقد روى البخاري «أن النبي ﷺ كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: كلوا، وحبس الرسول [أي الخادم] والقصعة، حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة، وحبس المكسورة» (٤) . _ مبادرة الضرر عند أول ظهوره: ومنع الضرر يستوجب مبادرته سواء قبل حدوثه وعند توقع ذلك، أو أثناء حدوثه، أو بعد حدوثه، عند القدرة على ذلك، ولا يتأنى به؛ فإن التأني في ذلك، وترك المبادرة ربما أدىا إلى استفحاله؛ بحيث يخرج عن السيطرة وعدم القدرة على إزالته، أو قد يحتاج إلى جهود مضاعفة عما كان يحتاج إليه لو دُفع أول أمره، وهذه كانت سياسة أبي بكر ﵁ في تعامله مع المرتدين؛ فإن أبا بكر ﵁ بادر في دفع ذلك الضرر العظيم، ولم يتأنَّ في ذلك، ولم يستمع في ذلك إلى رأي أو مشورة من أحد؛ إذ أدرك ببصيرته الإيمانية أن كل يوم يمضي بدون مواجهتهم يكون قوة للمرتدين وضعفاً للمسلمين، فبادرهم، وقصدهم إلى أماكنهم، ولو قدر لأبي بكر ﵁ أن يقبل مشورة من أشار بالتريث في ذلك فلربما تغير وجه التاريخ. _ القاعدة الثانية: الضرر يُدفع بقدر الإمكان: ويندرج تحت قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» قواعد أخرى، منها: أن الضرر يدفع بقدر الإمكان؛ فإذا كان لا بد من دفع الضرر وإزالته ـ كما تقدم بيانه ـ فإنه يُدفع ويُسعى في إزالته بقدر الإمكان؛ فمهما أمكن دفعه من الضرر دُفع؛ فإن ما لا يدرك كله لا يترك جله؛ فإذا أمكن دفع الضرر كله من غير أن يبقى شيء منه دُفع، وإلا فإنه يُدفع منه ما أمكن دفعه. _ القاعدة الثالثة: احتمال أخف الضررين: عند دفع الضرر أو السعي في إزالته، قد لا يتيسر ذلك إلا بالوقوع في ضرر آخر، وهنا يتحتم علينا إذا أردنا إزالة الضرر أن نقع في ضرر آخر، والمقصود دفع الضرر بالكلية؛ فإذا تعذر ذلك ولم يمكن، فإنه يحتمل أخف الضررين، فإذا كان الضرر المدفوع يزيد عن الضرر المترتب على ذلك دُفع، وإن كان الضرر المترتب أعلى من الضرر المدفوع، لم يدفع الضرر في هذه الحالة، ولا يمكن أن يقال: إذا ترتب على دفع الضرر ضرر آخر لم يدفع الضرر حتى وإن كان الضرر المترتب أقل من الضرر المدفوع؛ لأن هذا يخالف قاعدة السعي في إزالة الضرر، وقد عبر أهل العلم عن تلك القاعدة بقاعدة «احتمال أخف الضررين» أو «أهون الشرين» أو «تُدفع المفسدة العظمى باحتمال أدناهما» أو نحو ذلك من تلك العبارات، وهذه القاعدة لها فروع كثيرة، وقد جاء بعضها في السياسة الإلهية؛ فمن ذلك ما فعله الخضر ﵇ عندما خرق السفينة؛ فقد كان في خرقه لها ضرر، ولكنه فعل ذلك ليدرأ ضرراً أشد، وهو مصادرة السفينة من قِبَل الملك الظالم الذي كان يأخذ كل سفينة صالحة غصباً، فخرقُ السفينة ضرر لا شك فيه، ولكنه بلا شك أقل ضرراً من ضياع السفينة كلها، فلم يمكن إزالة الضرر الكبير إلا باحتمال الضرر الأقل، والشيء نفسه يقال في قتله للغلام، وهذه وتلك من السياسة الإلهية؛ لأن الخضر ﵇ قال لموسى ﵇ بعدما بيَّن له وجه هذه التصرفات: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] . _ القاعدة الرابعة: إذا اجتمعت المصلحة والمفسدة فالعمل على أرجحهما: هناك من الأمور ما لا تكون فيها المصلحة خالصة، أو المفسدة خالصة بل يجتمع الأمران في آن؛ بحيث لا يمكن التعامل مع أي منهما على انفراد، فلا تُحصَّل المصلحة إلا بتحصيل المضرة، ولا تُزال المضرة أو تدفع إلا بإزالة المصلحة ودفعها، فإن كانت المصلحة أرجح من المضرة؛ فإن المصلحة تُحَصَّل، وإن أدى ذلك إلى تحصيل المضرة؛ لأنها تنغمر إلى جانب المصلحة الأكبر، وإن كانت المضرة أرجح فإنها تدفع، وإن أدى ذلك إلى دفع مصلحة هي أقل من المضرة شأناً. ومن فروع تلك القاعدة فداء أسرى المسلمين بالمال؛ فتحرير الأسارى المسلمين من أيدي الكفار مصلحة، بينما ذهاب جزء من أموال المسلمين إلى الكفار مفسدة، لكن مصلحة تحرير أسرى المسلمين أرجح من مفسدة ذهاب جزء من أموال المسلمين إلى الكفار فترجح، ويدخل في ذلك تبادل الأسرى، وإعطاء بعض المؤن للكفار إذا لم يمكن توصيل المؤن للمسلمين المحاصرين إلا بذلك الطريق، ونحو ذلك من المسائل. وقد لخص ابن تيمية ﵀ الكلام في هذه القاعدة بكلام بديع فقال: «الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين، وتحصّل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما» إلى أن يقول ﵀: «وهذا باب التعارض باب واسع جداً، لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة؛ فإن هذه المسائل تكثر فيها، وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل، ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة؛ فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وقع الاشتباه والتلازم؛ فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة، وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجحون الجانب الآخر، وإن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم مقدار المنفعة والمضرة، أو يتبين لهم فلا يجدون من يعنيهم العمل بالحسنات وترك السيئات، لكون الأهواء قارنت الآراء» (١) . والفقه الصحيح في هذا الباب الذي يترتب عليه تقديم ما يستحق التقديم، وتأخير ما حقه التأخير، وتحصيل ما حقه أن يحصل، ودفع ما حقه أن يدفع، يحتاج إلى علم صحيح بمراتب الأعمال ودرجاتها وتفاوتها، فيميز بين الضار والأشد ضرراً، والضار الخالص الذي ليس فيه نفع، والضار الذي يصحبه نفع، ويميز بين الصالح والأشد صلاحاً، والصالح الذي ليس فيه مفسدة، والصالح الذي تخالطه المفسدة، ويوازن بين الصلاح وبين الضرر عند الاختلاط، فيعرف أرجحهما وأخطرهما، ويعمل على مقتضى ذلك بحسب ما تقدم من القواعد. _ أخف الضررين والفهم الخاطئ: يظن كثير ممن لم يحقق الأمور ويدققها أن أخف الضررين هو أيسرهما وأسهلهما في بادي الرأي؛ بقطع النظر عن أية ضوابط أخرى، والمراد بأخف الضررين هو ما كان أخف الضررين بالمعيار الشرعي، وليس بالمعيار النفسي أو العاطفي؛ فقد يكون أخف الضررين شرعاً هو الأشد أو الأصعب فيما يظهر؛ فقد منع قوم الزكاة بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فرأى أبو بكر ﵁ قتالهم، ورأى غيره ترك قتالهم ومحاولة تألُّفهم (١) ، وقد يرى الرائي من بعيد أنَّ نَصْبَ القتال أمر شديد، وأن الأيسر منه ترك القتاك مع محاولة تألُّفهم، وأن هذا هو الأخف ضرراً، وهو أهون الشرين، لكن أبا بكر ﵁ رفض ذلك وأبى أشد الإباء، وكان القتال عنده أخف الضررين وأهون الشرين، حتى إنه ﵁ لم يقبل مشورة من أشار عليه، وأقسم بالله العظيم بقوله: «والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه» (٢) ، والعقال: الحبل الذي توثق به الإبل؛ فأبو بكر ﵁ لا ينصب القتال على حبل لا قيمة له في ذلك الزمان؛ لكن الأمر كان متعلقاً بالخروج على الدين والامتناع عن التزام بعض أحكامه، وقد أجمع الصحابة ﵃ بعد تردد قصير على صواب رأي أبي بكر، وحمدوا له موقفه ذلك؛ وهذا مما يدل على إجماع الصحابة ﵃ على أن نصب القتال لمن أبى التزام شرائع الله أو بعضها أخف ضرراً من تسويغ مخالفة الشريعة والخروج عليها؛ فأخف الضررين ليس المراد به القبول بالأمر الواقع المخالف للشريعة، والإذعان له، ولكن أبا بكر ﵁ ومعه الصحابة ـ إذ أخذ هذا القرار؛ فقد أعد العدة لذلك، وجهز الجيوش ورتبها وأشرف عليها، حتى لا يكون هناك تقصير في الأخذ بالأسباب؛ ولذلك فقد كلل الله جهود الصحابة بالنجاج، وأغلق على المسلمين باباً عظيماً من أبواب الفتنة، لو فُتح لضاع الدين. _ القاعدة الخامسة: مراعاة المآل واعتباره: والمراد بالمآل ما ينتهي إليه الأمر ويصير إليه في عقباه، فلا ينبغي للإنسان أن يهجم على فعل الشيء أو الإحجام عنه بمجرد ما يظهر منه من الصلاح أو الضرر في بادي الرأي؛ بل ينبغي أن ينظر في مآله وعاقبته؛ فقد يكون الأمر ظاهره الفساد، وعاقبته ومآله غير ذلك، وقد يكون الأمر ظاهره الصلاح وعاقبته أيضاً غير ذلك، ونحن هنا لا نتكلم عن المآل الذي هو غيب عنا مما يقدره الله؛ فإن هذا مما لا سبيل إلى معرفته ومن ثم عدم القدرة على مراعاته، وإنما مرادنا التبصر في الأمور لإدراك الدلائل والقرائن الخفية المقترنة بالأمر ـ التي لا تبدو لأول وهلة ـ التي يتبين منها أن مآل الأمر يختلف عن مباديه، واختلاف المآل مع الابتداء يتصور من وجهين: الأول: من جهة التصرف نفسه، وهذه ينبغي مراعاتها. الثاني: من جهة مخالفات الناس وتقصيرهم ووقوعهم في المعاصي، وهذه لا تُراعى بإطلاق، ولا تُهمل بإطلاق، بل لكل حالة موقف خاص بها. فمن الجهة الأولى ما ورد أن الرسول ﷺ قال لعائشة: «لولا قومك حديثٌ عهدهم بكفر لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون» (٣) ؛ فالرسول ﷺ نظر في مآل هذا التصرف الصحيح المطلوب، فوجد أن العرب قد ينفرون من ذلك لحداثة عهدهم بالكفر، فكفه هذا المآل عن ذلك التصرف الذي لم يكن فعله واجباً على الفور، ولذلك ترجم عليه البخاري بقوله: «باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه» قال ابن حجر: «وفيه اجتناب ولي الأمر ما يتسرع الناس إلى إنكاره، وما يخشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا» (٤) ، ومن ذلك أيضاً عدم قتل الرسول ﷺ للمنافقين وتعليل ذلك بقوله: «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» (٥) ، ومن ذلك قوله ﷺ لعمر ﵁ عندما أراد قتل ابن صياد ـ على أساس أنه الدجال ـ قال ﷺ : «إن يكُنْهُ فلن تسلط عليه، وإن لم يكنهُ فلا خير لك في قتله» (١) ، ومن ذلك ما فعله الخضر ﵇ من إقامته للبيت الذي يريد أن ينقضَّ على ما هو مذكور في سورة الكهف، ومن ذلك قبول توبة المحارب غير المقدور عليه وإسقاط العقوبات عنه؛ فإن عدم قبول توبته وعدم إسقاط العقوبات يدعوه إلى مزيد الإفساد وسفك الدماء ونهب الأموال، فإذا كان هذا المحارب غير مقدور عليه فإن ذلك يزيد من خطره وضرره؛ بينما قبول توبته وإسقاط العقوبة عنه يدعوانه إلى المبادرة إلى التوبة والكف عن جرائمه. وبالنظر إلى ذلك المآل جاء التشريع بإسقاط العقوبة عن المحارب غير المقدور عليه إذا تاب كما قال ـ تعالى ـ: ﴿إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤] . ومن الجهة الثانية: جهة تقصير الناس ووقوعهم في المعاصي: قد يفعل المسلم ما يستوجب إقامة الحد عليه، وإن إقامة الحد قد تدفع المحدود إلى الهرب إلى دول الكفر، واللحاق بهم، وبالنظر إلى هذا المآل؛ فإن كان تحقُّق ذلك ممكناً قوياً في الواقع، فإن الحد يؤخَّر إلى حين انتفاء ذلك، وإن كان تحققه بعيداً، فلا يلتفت إليه؛ لأن ذلك الالتفات في مثل هذه الحالة مبطل للحدود كلها، وفي ذلك جاء التشريع بعدم إقامة الحدود في دار الحرب؛ فقد ورد قوله ﷺ : «لا تقطع الأيدي في الغزو» (٢) ، قال الترمذي ﵀: «والعمل على هذا عند بعض أهل العلم منهم الأوزاعي لا يرون أن يقام الحد في الغزو بحضرة العدو مخافة أن يلحق من يقام عليه الحد بالعدو؛ فإذا خرج الإمام من أرض الحرب، ورجع إلى دار الإسلام، أقام الحد على من أصابه» . _ القاعدة السادسة: تقديم الأهم أو الأوْلى: الأمور ليست كلها على وِزان واحد؛ فبعضها مهم وبعضها أكثر أهمية، وبعضها نتائجه أعظم وفضله أكثر، والقدرة على تحقيقه في الواقع أقوى، فإذا تعارضت الأمور وتضايقت، ولم يمكن تحقيقها جميعاً، إما لضيق الوقت، وإما للعجز عن القيام بذلك كله، وإما للتعارض، فإنه يقدم في ذلك الأهم أو الأوْلى ثم الذي يليه وهكذا، ويتحدد الأوْلى من خلال عدة عناصر: الفضل والأهمية، والنتائج المتوقعة، والقدرة على التحقيق والتنفيذ؛ فقد يكون أمر أفضل من أمر، لكن لا قدرة على تحقيقه، فيكون البدء بتنفيذ الأقل فضلاً في هذه الحالة أوْلى للقدرة على التنفيذ؛ وقد دل على تقديم الأوْلى قول الرسول ﷺ لمعاذ عندما بعثه داعياً إلى اليمن: «إنك تقدُم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ... الحديث» (٣) . إذ توحيد الله وعبادته وترك الشريك أوْلى قضية في الإسلام، وليس هناك من فائدة لعبادة أخرى من صلاة أو زكاة أو حج أو غير ذلك، إذا فُقِدَ ذلك الأصل؛ لذا كانت هذه القضية هي الأوْلى والأهم، ولذا كانت لها الأوَّلية في الدعوة. وقد يتفق كثير من الناس على أصل تلك المقولة، لكنهم يختلفون في تنزيلها على الواقع، فيكون ما حقه التقديم عند جماعة مؤخراً عند غيرهم، والعكس صحيح، ويمكن أن تقسم الأولويات في هذا الصدد إلى نوعين: أولويات مطلقة، وأولويات نسبية. _ الأولويات المطلقة والنسبية: أما المطلقة فهي المتعلقة بالإسلام نفسه كالدعوة إلى التوحيد وأركان الإسلام، وكالنهي عن الشرك وكبائر الذنوب، وهذه يحتاج إليها في جميع الأزمان والأمكنة. وأما الأولوية النسبية فهي تختلف باختلاف ظرفي الزمان والمكان؛ فقد ينتشر جهل بقضية شرعية في مكان وينتشر الجهل بقضية أخرى في مكان آخر، فيكون الأوْلى في كل مكان الحديث عن القضية التي يحتاجها، وقد ينتشر فساد في مكان وينتشر فساد آخر في مكان آخر، فيكون الأوْلى في النهي عن الفساد في كل مكان الفساد المنتشر فيه. وتقديم الأهم أو الأوْلى لا يعني التقليل من أية شعيرة أو شريعة جاءت بها النصوص ولو كانت في باب السنن والمستحبات، كل ما هنالك أن ننزل هذه الأمور المنزلة التي أنزلها الشارع؛ بحيث لا يكون في ذلك تعدّ أو تجاوز للشرع، كما لا يكون تفريط أو تقصير عنه، وقد قسَّم أهل العلم أمور الشرع ومصالح العباد إلى ثلاث مجموعات: أولاها: الضروريات، وثانيها: الحاجيات، وثالثها: التحسينات. فالضروري مقدم عند التعارض على الحاجي، وكذلك الحاجي مقدم على التحسيني. تلك بعض القواعد في فقه السياسة الشرعية، وهي قواعد نظرية، من الممكن معرفتها لكثير من طلبة العلم، وأما تطبيقها وتحقيق مناطها في الواقع، فلا يقدر عليه إلا العلماء الربانيون،

стр. 4963

الحداثة السليبة أحمد الصويان في بادرة جديرة بالتأمل أُعلن في لبنان بتاريخ ١١/٣/١٤٢٥هـ ميلاد (المؤسسة العربية للتحديث الفكري) ، برئاسة نصر حامد أبو زيد، وأمينها العام جورج طرابيشي، وعضوية عدد من رموز الحداثيين في العالم العربي ومن أبرزهم: محمد أركون، وعبد المجيد الشرفي، وفريدة بناني.. وغيرهم. وعقدت المؤسسة بهذه المناسبة مؤتمراً بعنوان: (الحداثة.. والحداثة العربية) استمر لمدة ثلاثة أيام برئاسة محمد أركون، وجمع ثلّة من الحداثيين، وكأنهم يعيدون بناء صفوفهم، ويعدُّون عُدَّتهم لمرحلة حداثية جديدة سماها بعضهم بمرحلة (ما بعد الحداثة!) لتتلاءم أطروحاتهم مع مشاريع الإصلاح الأمريكية المزعومة. وباستصحاب الخلفية الفكرية لإدارة المؤسسة، ومنظِّريها في المؤتمر ندرك بجلاء طبيعة المشروع الحداثي الذي يبشر به هؤلاء المفكرون..!! فبقراءة أوراق المؤتمر يتبين لنا أن القضايا المشتركة التي كان لها حضور بارز في المحاضرات والتعقيبات هي: ١- إعلان القطيعة التامة مع الدين، وتجاوز ما يسمونه بـ (سلطة النص) ، والتأكيد على أن النص الشرعي يجب أن يُقرأ في سياقه التاريخي. ٢- التمرد الصارخ على القيم والثوابت الفكرية والأخلاقية، والضيق الشديد بكل ما له صلة بالدين. ٣- الدعوة المحمومة للدخول في القاطرة الغربية بكل ما فيها من إنجازات معرفية، وظواهر إلحادية، وتمزقات اجتماعية.. هكذا دون تفريق على الإطلاق..! وأكتفي هنا بالإشارة إلى ورقة واحدة هي: (كيف ننتقل من المدرسة السلفية إلى المدرسة العقلانية؟) قدمها: العفيف الأخضر، وهو شيوعي تونسي مفرط في عدائه للحركة الإسلامية. هدف هذه الورقة كما يقول الباحث: تخريج مواطنين معاصرين لعصرهم، أي: يفكرون بأنفسهم لا بأسلافهم، ويستخدمون البرهان بدلاً من سلطة النص، ويقبلون دون عُقَد أو شعور بالذنب مؤسسات عصرهم وعلومه وقيمه العقلانية والإنسانية، حتى تلك التي تتعارض مع تراث الأسلاف وتقاليدهم..! ويؤكد الباحث أن هذه المدرسة لم توجد بعدُ في العالم العربي باستثناء تونس التي أعادت هيكلة التعليم الديني بعيداً عن المدرسة السلفية! ولذا يطالب الباحث بتعليم النشء أنَّ النص الديني إنما هو تناصٌّ، أي ملتقى نصوص تلاقت عبر التاريخ، وأن كل نص قابل للتأويل؛ لأنه نص مجازي، ولهذا يستطيع التلميذ أن يؤوِّل النص حسب مصالح وحاجات الناس ومتطلبات الحقبة التاريخية..! كما يطالب الباحث أن نلغي من التعليم الديني كل ما هو زمني عبر قراءة جديدة للإسلام تحصره في التذكير، ولا علاقة له بالممارسات السياسية والحياتية الأخرى، ثم يؤكد أن ممارسات النبي ﷺ ليست عابرة للتاريخ، بل هي كأي عمل بشري بِنْتُ عُمُرِها، وتنتهي بنهاية العصر الذي أنتجها..!! ثم يقدم لرواد التعليم في العالم العربي نموذجاً مقتبساً من برنامج المعهد الأعلى لأصول الدين بجامعة الزيتونة من أجل إصلاح التعليم الديني؛ خاصة في اتجاه العقلانية المرنة، ورد الاعتبار لليهود والمسيحيين كمدخل لفتح وعي الناشئة الإسلامي على حداثتهم..!! (١) . إنَّه الغلو الحداثي المتطرف الذي يمسخ الهوية، ويجعلها تهرول لاهثة، وتتيه في غياهب مظلمة؛ لتسقط بعد ذلك مَهينة تحت أعتاب الفكر الغربي؛ فغاية ما عندهم: التبعية العمياء لأسيادهم البيض، وقبل سنوات قلائل قال شاعرهم النصراني: شعاعَ الغرب! أين وطأتَ سهلا وأين نزلت في لبنان أهلا شعاع الغرب أي شعاع خير له في كل جارحة مصلّى مددتَ يداً نصافحها وفاءً فأنت أحقُّ مَنْ يوفَى وأوْلى..!! (٢) ومع كل هذا الغلو أشعر بتفاؤل شديد؛ لأن الأقنعة تسفر عن وجوه كالحة يعرفها الناس.. فيلفظونها..!! (١) نُشرت الورقة في موقع إيلاف على الشبكة العالمية. (٢) يوسف الخال، الأعمال الشعرية الكاملة، ص ٨٦ ـ ٨٨.

стр. 4964

لا تحقرن نفسك ! نجيب الحيدري الناظر في حال أمتنا اليوم يرى أنها مصابة بكثير من الأمراض القلبية التي تجعلها في ذيل القافلة.. ومن هذه الأدواء: (داء احتقار الذات) «وعدم ثقة الفرد بقدراته بصورة جعلته في غاية السلبية مما أفقده الحماس الدافع للعمل؛ فترى الإنسان المسلم في أحيان كثيرة إنساناً خاملاً لا يعمل لنفسه شيئاً فضلاً عن أن يعمل للرفع من شأن أمته (١) ، وقد استشرى هذا الداء في أوساط العاملين كذلك؛ فترى من يحتقر نفسه في مواطن يجب أن يقدم فيها، أو يحتقر فيها عمله أو يحتقر من يدعو؛ فلا يكاد هذا المرض يفارق الكثير منا ما لم نعالجه ونحاول أن ندفع شره كما ندافع الأمراض الفتاكة. ولعلّي أحاول هنا مستنيراً بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ أن أهتف بنفسي وبإخواني لعل نفساً أن تؤوب وتثوب، ولعل قلباً أن يعي، ولعل روحاً أن تبذل، ولعل رجع صوتي يوقظني ويوقظ إخواناً معي. _ أسباب المرض: لكل مرض أسباب ومظاهر وعلاج؛ ولكن ما هي أسباب هذا المرض الخطير على الأمة يا ترى؟ فخذ بعضاً منها: ١ - البعد عن منهج الله ـ تعالى ـ وسنة رسوله ﷺ يجعل الإنسان يُحس بعبثية الحياة وفقدان الهدف، ومن ثم احتقار الذات وعدم الشعور بالمسؤولية. قال ـ تعالى ـ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] . ٢ - حال الأمة وما تعانيه من الهزيمة النفسية ومن الذل والهوان والانقسام والتشرذم مما جعل أفرادها يحتقرون ذواتهم في مقابل قوة أعدائهم، ولكن إذا رجعوا إلى دينهم أعزهم الله. ٣ - التربية غير السوية سواء في الأسرة أو في المدرسة أو في المجتمع عموماً؛ فإذا كانت هذه التربية لا تؤهل الفرد ليعبر عن رأيه واختياره ما يراه مناسباً له ولا تؤهله لتحمل المسؤولية؛ فإن ذلك ينتج أفراداً مسلوبي الإرادة ومحتقرين لذواتهم. ٤ - عدم تنمية الذات؛ فإن الذات تنمو إذا تربت على حمل المسؤولية، وتذبل إذا أُهملت وتركت بدون تربية، ثم النظر في جوانب النفس والحياة المشرقة وجوانب التفوق فيها؛ فإن النفس إذا تربت على التفاؤل أقدمت وتفاعلت، وإذا تربت على التأنيب والانتقاد تلاشت واضمحلت. ٥ - التقليد الأعمى للغرب، والانبهار بما وصلوا إليه من حضارة وتفوق دنيوي يجعل الإنسان يحتقر ذاته، ويشك في دينه ومجتمعه. ٦ - ضياع الهوية وتشتت الاهتمامات، فيشعر الفرد المسلم أن عزته في غير دينه، ويحاول أن يتميز بهذه الأمور ويهتم بها أياً كانت (كرة، فن، قنوات ... غيرها) مما يشتت اهتماماته، ويجعل منه إنساناً سلبياً محتقراً لذاته غير مبالٍ بأمته، بل جل اهتمامه بهذه الأمور. وفيما يلي ذكر لبعض المظاهر عسى أن أوفق لعلاج نفسي ومعالجة هذا الموضوع بطريقة ترفع الهمم وتوقظها. _ مظاهر المرض: وهنا نعرض لبعض مظاهر هذا المرض حتى نعرف هل نستطيع العلاج على أفضل وجه؟ فمن هذه المظاهر: ١ - ما نلحظه من احتقار الكثير ذاته في سد ثغرات الدعوة إلى الله التي يجب سدها في جميع جوانب الدعوة، أو عدم وجود الكفاية ممن يسد المحل ويفي بالغرض. ومن الحجج التي تقال وترفع: «لسنا أهلاً لسد هذه الثغرات ... » وكان الأجدر بنا فعل ما يمكن فعله، وعمل ما يستطاع عمله لا أن نترك مجالات الدعوة فارغة وننشغل بدنيانا بحجة عدم القدرة. ٢ - ترك إنكار المنكر تذرعاً بأنه لم يبلغ الحد الذي يُسمَع له، أو أن صاحب المنكر قد لا يراه أهلاً، أو نحوها من حبائل الشيطان. ومنها احتقار الذات وعدم الثقة في النفس. ومن المعلوم أن من الواقع المشاهد أن المنكر يزول أو يخف مع كثرة عدد المنكرين؛ فكن أحدهم. ٣ - احتقار ما يقدم لبعض المدعوين تقليلاً من شأنهم، أو ازدراءً لهم، أو لضعف أثرهم في تسيير الدعوة إلى الله، أو على العكس من اليأس من هدايتهم؛ فلا يقدم لهم شيئاً من النصح أو التوجيه. _ علاج المرض: العلاج يحتاج لصبر ومصابرة، ويجب علينا جميعاً أن ندرك خطر إهمال أنفسنا وعدم علاجها من مثل هذه الأمراض أو هذه الظواهر في المجتمع فلا بد من الدأب على علاجها، ودرء شرها لكي لا نصبح مجتمعاً متبلد الإحساس بارد المشاعر لا يهم أحدنا إلا نفسه ودنياه، ولا يحرص على الرقي بنفسه ومجتمعه المسلم؛ فهذه بعض ما أعانني الله على استنتاجها، فأسأل الله أن يعيننا على أنفسنا، وأن يهدينا سواء السبيل.. فإلى العلاج معاً: ١ - أن تعرف قيمتك وموقعك في الحياة. فمن أنت؟ أنت أيها المسلم من قال فيك نبيك محمد ﷺ : «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» (١) . أنت من خير أمة أخرجت للناس قال ـ تعالى ـ فيها: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] . ثم أنت أيها المسلم جندي من جنود الإسلام بصلاحك يصلح مجتمعك، وبفسادك يفسد مجتمعك؛ ألم تسمع حديث السفينة؟ عن النُّعْمَان بْنِ بَشِيرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيّ ِ- ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا؛ فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا! فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا» (٢) . فهل ترضى أنت أن تكون سبباً في فساد مجتمعك بقعودك وتركك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بدين الله ؟ فاعلم أن الإسلام والدين ينتصر بجهد أفرادٍ من الأمة ... وقد تكون أنت منهم فلا تحقرن نفسك. ثم إن معارك الإسلام الفاصلة على مدار التاريخ الإسلامي منذ معركة بدر إلى وقتنا الحاضر إنما وقع النصر فيها بجهد أفراد من الأمة منهم القائد المعروف، ومنهم الجندي في أطراف الجيش لا يعرف، ولكن كل منهم قام بدوره؛ فلم يحتقر الجندي الصغير نفسه فيؤتى الجيش من قِبَله، بل كان كما أخبر النبي ﷺ : «طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه، مغبرة قدماه؛ إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفّع» (٣) ، هؤلاء صدقوا مع الله وفقهوا قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] ، إنْ ننصر الله في أحقر الأمور وأصغرها ينصرنا الله في أجلِّ الأمور وأكبرها على عدونا في أي ميدان وعلى أي أرض. ٢ - التأمل في قيمة العمل عند الله: نعم! لماذا تحقر عملك والفضل لله وحده وهو الكريم الجواد المنان، والذي لا يظلم مثقال ذرة أو ما هو أقل منها؟ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] أي لا يظلم الذين عملوا الصالحات من ثواب أعمالهم مقدار النقرة في ظهر النواة، وهو أقل شيء؛ فكيف بما هو أعظم من ذلك؟ وقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ ولم يقل (ومن يعمل الصالحات) فدخول (من) على (الصالحات) لوجهين: الأول: أن الله أَعْلمَ عبادَه المؤمنين أنهم لن يطيقوا عمل جميع الأعمال الصالحة، فوعد بالجنة لمن عمل ما أطاق منها، ولم يحرمه منها لسبب عجزه عن بعض الصالحات. الثاني: أن الله أوجب وعده لمن اجتنب الكبائر وأدى الفرائض وإن قصّر في بعض الواجبات؛ وهذا تفضل من الله للمؤمنين (٤) . ولكن المشكلة أننا جميعاً حين نعمل نقدم ما نراه نحن، ونزن الأعمال بموازيننا الضعيفة الهزيلة الدنيوية الأرضية. وإني هنا أريد أن أنقلك أخي القارئ إلى ميزان غير ميزاني وميزانك ... فلنبحر في رحلتنا لعلنا نصل ... لشاطئ الأمان. كم مرة يقال لي ويقال لك: ألق كلمة، أو وجِّهْ إنساناً، أو انصح، أو وزِّع شريطاً، أو ادعم مشروعاً، أو قدِّم خيراً.. فنعرض احتقاراً.. إما لأنفسنا أو للمشروع أو لما معنا من علم أو للشخص المدعو أو نحو ذلك.. ولكن اقرأ معي هذه النصوص، وتأملها جيداً، وأطِلِ التأمل لتعرف شأن العمل الحقير في أنظارنا: _ قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] ، أي وزن نملة وهي أصغر ما يكون من النمل. وقال بعضٌ إن الذرة هو أن يضرب الرجل بيده على الأرض وما علق من تراب فهو الذرة، وقيل الذرة ما يُرى في شعاع الشمس من الهباء (١) . _ عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» (٢) . قال النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث: وفيه الحث على فضل المعروف وما تيسر منه وإن قلّ حتى طلاقة الوجه عند اللقاء (٣) . _ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سبق درهم مئة ألف» فقال رجل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: «رجل له مال كثير أخذ من عَرَضه مئة ألف، فتصدق بها، ورجل ليس له إلا درهمان، فأخذ أحدهما فتصدق به» (٤) . فَشمِّر عن ساعد الجِد، وبادر بالأعمال الصالحة ولو استصغرتها في نفسك. ٣ - النتائج ليست في يديك فلا تحقِّر عملاً قط.. كلمةً.. أو ديناراً ... أو حتى بسمة: أتعلم أن كلمة منك قد تراها عابرة لأي إنسان لا تلتفت أنت لها، وقد تحتقرها، وتقول في نفسك: هل أقولها أم لا؟ وهل سيستفيد منها المدعو أم لا؟ وهذا المبلغ القليل الحقير هل سيؤثر لقلته وحقارته؟ وهل سيستفيد منه المحتاج أم لا؟ قد يكون له من الأثر ما لا يخطر لك على بال. ثم نحن عادة ما نجيب أنفسنا وبدون كثير عناء بكلمة «لا» في مثل هذه المواقف المتكررة في اليوم والليلة عشرات المرات. ولكن أتدري أن كلمة مني وكلمة منك وكلمة من أخ ثالث لها أثر على رفع المنكر وإثبات المعروف؟ ثم افرض أن المنكر لم يرتفع، أو المعروف لم يثبت؛ فهل ذهب عملك سدى؟ وهل ضاع جهدك أدراج الرياح؟ وعلى مدار التاريخ الإسلامي هناك عدد من العلماء كانت هدايتهم بسبب كلمة، وخذ على سبيل المثال لا الحصر «زاذان» ﵀ فقد روى عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه مر ذات يوم في موضع من نواحي الكوفة فإذا فتيان فُسّاق قد اجتمعوا يشربون وفيهم مغن يقال له «زاذان» يضرب بالعود ويغني، وكان له صوت حسن؛ فلما سمع ذلك عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ما أحسن هذا لو كان بقراءة كتاب الله، وجعل الرداء على رأسه ومضى، فسمع زاذان قوله، فقال: من كان هذا؟ قالوا: عبد الله بن مسعود ﵁ صاحب رسول الله ﷺ . قال: وأي شيء قال؟ قالوا: إنه قال: ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله تعالى! ثم قام وضرب العود على الأرض فكسره، ثم أسرع فأدركه وجعل المنديل في عنق نفسه، وجعل يبكي بين يدي ابن مسعود ﵁ فاعتنقه عبد الله، وجعل يبكي كل واحد منهما. ثم قال عبد الله بن مسعود ﵁: كيف لا أحب من أحبه الله . فتاب إلى الله من ذنوبه، ولازم ابن مسعود ﵁ حتى تعلم القرآن، وأخذ حظاً من العلم حتى صار إماماً في العلم، وروى عن ابن مسعود ﵁ وسلمان ﵁ وغيرهما (٥) . فعبد الله بن مسعود ﵁ عمل بقوله ﷺ : «بلِّغوا عني ولو آية.. الحديث» (٦) ، ثم تأمل هذا الصحابي والعالم الجليل المحدِّث كيف اختار الكلام المناسب في الوقت المناسب والقدر القليل ثم هو شيء ليس من المتوقع الهداية على مثله، ولكن الهداية بيد الله؛ فهذه كلمات قليلات صار لها من الأثر ما جعل الرجل يصبح من المحدِّثين العلماء. لا شك أن القائل كذلك له أثر؛ ولكن لاحِظْ أن الكلمات قليلة والجهد يسير محتقر لدينا.. ولكن الأثر والنتائج ليست بأيدي البشر. بل إن رسولنا محمداً ﷺ حثنا على أقل من الكلمة وهي الابتسامة والتي لا تكلف شيئاً بقوله ﷺ : «لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» (٧) ،.. وكم للابتسامة من الأثر الطيب على نفوس إخوانك من المسلمين مما يزيدهم ألفة ومحبة فيما بينهم وهي كذلك تزيل الأحقاد والضغائن بإذن الله ... نعم! لو انتشر هذا التصرف الجميل لأحدث من الألفة والترابط الشيء الكثير الكثير. كم من ابتسامة رفعت الأسى والحزن عن مصاب، وكم من ابتسامة أزالت غضب غضبان أراد البطش بمن ابتسم له ولكن جاءت هذه الابتسامة لتطفئ الغضب ولتعطي رسالة على حسن أخلاق من ابتسم، وكم من ابتسامة كانت سبب المحبة بين الإخوان في الله فزادت العلاقات وقويت واندحر الشيطان وخنس. ٤ - المدعو قد يكون أفضل من الداعي.. فقدِّم ما تستطيعه لكل أحد بلا احتقار ولا يأس: ثم يا أخي الطيب! لا تحقرنََّ إنساناً على وجه الأرض؛ فقد قال الله ـ تعالى ـ: ﴿إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ؛ فالإسلام أعز بالإيمان بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيباً الرومي ﵃ وأذل بالكفر أبا جهل القرشي وكسرى الفارسي وهرقل الرومي؛ فيا من تدعو إلى الله لا تحقر من تدعو مهما كان.... انظر وتأمل معي.. ألم تسمع بالبخاري ﵀ الذي يعد كتابه أصح كتاب بعد كتاب الله أنه ليس بعربي، وغيره الكثير من علماء الأمة الجهابذة الكبار من مثل الإمام مسلم والترمذي، بل وعالم اللغة الأول سيبويه، بل إنك لتعجب حين تعلم عن كثير من علماء السلف ﵏ وممن علا كعبهم في العلم والدين أنهم كانوا موالي (أي أنهم كانوا أرقَّاء ثم أُعتقوا) ولو تسمع بأسماء بعضهم لتعجبت؛ لكن ما بلغوا ما بلغوه إلا بالدين والعلم من مثل (الحسن البصري، والليث بن سعد، وابن سيرين، وابن المبارك، وعكرمة..) وغيرهم كثير، ﵏. انظر صفة الصفوة لابن الجوزي، ﵀. ثم إن كثيراً مما نقوم به في اليوم والليلة من صلاة وصيام وصدقة بل تفاصيل الدين نقله أمثال هؤلاء العلماء الذين عزوا بالدين لا بغيره؛ فهل بعد هذا نحقر مسلماً؟ فتأمل قوله ﷺ : «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» (١) . نعم! ليست نظرتنا هي المقياس، بل يكفي أن نبذل الوسع في الدعوة مع جميع المسلمين، وعدم القياس بقياسنا، بل نعطي وندعو ونترك الهداية بيد الله، . وهذا نبينا محمد ِ- ﷺ يعلمنا أن لا نُخدع بالمظاهر ولا نزن الناس بموازيننا؛ فعن سهل ﵁ قال: «مر رجل على رسول الله ﷺ فقال: ما تقولون في هذا قالوا: حري إن خَطب أن يُنكح وإن شَفع أن يُشفّع وإن قال أن يُستمع. قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حَرِيٌّ إن خَطب أن لا يُنكح، وإن شَفع أن لا يُشفّع، وإن قال أن لا يُستمع. فقال رسول الله ﷺ : هذا خير من ملء الأرض مثل هذا» (٢) . ثم من أنا وأنت في مقابل أنبياء الله ورسله ﵈ وهم يدعون الناس بكل إخلاص وتفانٍ؟! ولكن الهداية ليست على الجهد المبذول فقط؛ بل هناك توفيق الله وهدايته للمدعو؛ ألم تقرأ هذا الحديث: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ جَعَلَ يَمُرُّ بِالنَّبِيِّ وَالنَّبِيَّيْنِ وَمَعَهُمُ الْقَوْمُ، وَالنَّبِيِّ وَالنَّبِيَّيْنِ وَمَعَهُمُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيِّ وَالنَّبِيَّيْنِ وَلَيْسَ مَعَهُمْ أَحَدٌ..» (٣) . وكذلك أيضاً هل هذا الرجل سينفع الأمة، أم هو لن ينفعها؟ فهذا نعيم بن مسعود ﵁ لما أسلم ولم يعلم قومه به، فأتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمُرني بما شئت! فقال له النبي ﷺ : «إنما أنت رجل واحد، فخذِّل عنّا إن استطعت» فالحرب خدعة. فلم يحقره النبي ﷺ ، بل أمره بالشيء الذي يناسبه؛ ومن ثم انطلق هذا الشخص الواحد؛ فماذا صنع بقريش ومن معها من اليهود وغطفان؟ صنع بهم العجائب من تشكيك بعضهم في نوايا بعضهم الآخر، فتفرقت الجموع بفضل الله (٤) ، ثم بجهد هذا الصحابي الواحد، ﵁. وكذلك أيضاً هل هذا الرجل مقرب من قلبك أو أنت تحب هدايته وحريص عليها؟ فكل هذه الموازين لا قيمة لها؛ فهذا رسولنا محمد ﷺ دعا عمه وحرص أشد الحرص حتى قبل موته، ولكنه لم يهتد، فقال الله له: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] (٥) ؛ فهذا أحب الخلق لله؛ فكيف بي وبك؟ فلندعُ إلى الله ونترك الهداية والنتائج بيد الله . ٥ - العمل الصغير قد يصبح كبيراً بالنية الخالصة لله: هناك من الأعمال ما نراه في أعيننا كبيراً ونبذل فيه من الأوقات والأموال، ونرى أن هذا العمل هو ما يدخلنا الجنة ... فيخالطه من الرياء أو السمعة أو عدم الإخلاص أو نحو من ذلك مما يحبطه أو يصغره ... والعكس بالعكس؛ فقد نحقر بعض الأعمال ولا نراها شيئاً في أعيننا ويخالطها من أعمال القلوب من الإخلاص والرجاء والمحبة والإخبات ونحو ذلك ما يجعلها كبيرة.. كما قال أحد السلف: (كم من عمل كبير صغرته النية، وكم من عمل صغير عظمته النية) .. ولا تحقر عملاً قدمته بنية خالصة.. فالقليل مع الإخلاص كثير، ثم خذ على سبيل المثل هذه المواقف التي وردت في السنة من الأعمال التي قد لا نراها في أعيننا شيئاً ... فعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ» (٦) . فهذه بغيُّ (أي زانية تمارس الزنا بل هو مهنة لها) عملت هذا العمل الذي نحقره نحن؛ وانظر للعمل: سقيا كلب؛ فكيف ببني الإنسان؟ بل فكيف بأعمال فيها من نشر للخير ما فيها ونشر للعلم ونحوها ونحن لا نراها في أعيننا شيئاً وهي عند الله بقدر عظيم ... ؟ وهذا عمل محتقر آخر أيضاً لا نلتفت إليه.. اقر وتأمل: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ» (٧) . فلا تحقر عملاً صغيراً في نظرك؛ فإنك تعلم مدى أثره ونفعه على نفسك وأمتك أو على من تدعوهم إلى الله . قُلْ؛ فقد يقول من بعدك فيتغير الحال ويتغير المآل. أََنفِقْ ولو بالقليل؛ فإن المال القليل على المال القليل يكثر. أَسِّسْ من المشاريع ولو كانت صغيرة أو حقيرة في نظرك؛ فكم من المشاريع الضخمة قامت على مشاريع صغيرة في البداية. ابْدِأ بأي عمل ولو صغيراً؛ فإن البدايات دائماً تكون أضعف من النهايات. والأمثلة كثيرة لا تحصر. فَكِّر فكم من مشروع ضخم كتب الله له القبول والنفع بإذن الله كان من فكرة عابرة. ابْتَسِم؛ فإن للبسمة من الأثر في قلوب الناس الشيء الكثير الكثير، وإن الشخص البسوم مقبول قوله وفعله لدى العامة قبل الخاصة. وللابتسامة من رفع للمعنويات وإزالة للحزن من قلوب الناس وتثبيت بعضهم الشيء الذي قد يذهل لو اطلع عليه المبتسم. ٦ - ممارسة المشاريع الصغيرة.... فهل من عامل؟ هذه لك مني.. ولكي أكون قد بدأت بنفسي فهذه بعض المشاريع للدعوة إلى الله. أسأل الله أن تكون بداية انطلاقة لي ولك للعمل الجاد المثمر؛ فكما قال: «خذوا من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قلَّ» (٨) . ٧ - فخذ هذه الأفكار البسيطة والتي أسأل أن ينفع الله بها القارئ والكاتب: ١ - احمل حقيبة صغيرة تكون فيها كتيبات ومطويات ورسائل من عدة لغات (أولها العربية) ثم ضع عدة لغات على حسب وجود الجالية في طريقك وفي عملك.. وعند وقوفك عند إشارة أو عند محطة للوقود أعطِ من يستفيد منها. ٢ - شارك بمقال أو كلمة لإحدى المجلات أو الجرائد؛ ففيها من الخير الكثير من نشر للخير، وقد يقرأ من يستفيد، وفيها تعويد نفسك الكتابة مما يعودك نشر الخير. ٣ - الإنترنت وسيلة كبيرة وسهلة التناول، وممكن أن تصل إلى العدد الكبير في زمن قصير وبالقليل من المال. ٤ - إذا اشتريت شريطاً أو مطوية فخذ منها عدداً لإخوانك؛ فلعل المهدى إليه أكثر انتفاعاً من المشتري. ٥ - قم بزيارة للمؤسسات والهيئات الخيرية؛ ففيها من رفع معنويات العاملين، وقد تُمكن من المشاركة معهم في مشاريع الخير والإصلاح. ٨ - عليك بما تطيق: إن الله «لن يحاسبنا إلا بما أعطانا من القدرات والطاقات، وكل بحسبه؛ فبقدر ما أعطاك سيحاسبك: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، فلن يحاسَب الأصم الأبكم كالسميع المتكلم، ولن يسأل من أعطاه العلم والقدرة على الإلقاء والتحدث كمن لا علم لديه ولا قدرة له على ذلك. ولن يحاسبنا ويسألنا أيضاً إلا بقدر الطاقة البشرية وبحسب المستطاع.. وهو ـ تعالى ـ لن يسألك عمن هم في مجاهل أفريقيا، أو من هم في أقاصي الأرض إذا كنت لا تستطيع الذهاب إليهم وليس لديك من العلم ما تبلغه إياهم، بل سيسألك عن نفسك وأهلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وسيسألك عمَّن هم في مقدورك ومن هم حولك؛ فبلِّغ من تستطيع ممن هم حولك: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] . ولكن هناك قدر مشترك بيننا جميعاً ولا يعذر به أحد وهو بذل المستطاع في الدعوة وتبليغ الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] أي بذل الوسع ولو قليلاً، والجهد ولو نزراً يسيراً، ولكنك تستطيعه وتَقدِر عليه وكلٌّ بحسبه. ولكي لا أطيل عليك أخي القارئ أذكر بعض طرق تنمية الذات والخلاص من مرض السلبية باختصار: استشعار مهمة الإنسان في هذه الحياة والحكمة التي خلقه الله من أجلها وهي عبادة الله وحده لا شريك له. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] : أ - قراءة سيرة خير البشر ﷺ وسير الصحابة ﵃ والسلف الصالح الذين غيَّروا مجرى التاريخ بدين الإسلام، ثم قراءة كتب المبدعين والمخترعين مؤمنين وكفاراً مما يشحذ الهمة إلى المعالي؛ لأننا أوْلى من الناس في هذا الإبداع (وقد ذكرت طرفاً من هذا في صلب المقال) . ب - الإقبال على العلم الشرعي تعلماً وتعليماً ومجالسة لأهله مما يعطي المرء ثقة بنفسة وتعزيزاً لذاته والقدرة على السؤال والحوار وهو ينمي في النفس الثقة مع أهل الفضل عبر الأيام، ويزداد علماً وعملاً وتواضعاً فيزينه العلم وهو يزين العلم بالعمل. ج - النظر في الجوانب المشرقة من النفس، وإهمال الجوانب السلبية ... ولا يخفى أن كل إنسان يحمل في نفسه وذاته كمّاً لا يستهان به من الطاقات والقدرات؛ فلنستغلها قدر الإمكان. د - الاستفادة من العلوم المعاصرة التي تزيد في النفس الثقة، وتزيد من القدرات والطاقات. (كدورات الخطابة، ودورات الحاسب، ودورات البرمجة العصبية ... وغيرها) . والله أسأل أن يجعلنا وإياك ممن نصر الله بهم الدين. ثم إن ما سطرته لا يدفعني وإياك لتصدُّر المجالس والعلو والزهو بأنفسنا على الناس، لا بل يدفعنا للعطاء والبذل مع التواضع لله والخوف من عدم قبول العمل؛ فإن العمل يعظُم شأنه ويكبُر بالإخلاص لله، وهو كذلك يصغُر ويحقُر بالرياء والسمعة؛ فقد قال أحد السلف: كم من عمل كبير حقرته النية، وكم من عمل صغير عظمته النية؛ فعليك بالإخلاص؛ فهذه الصدِّيقة بنت الصديق ﵂ تقول في حادثة الإفك لما بلغ منها البلاء مبلغه: «ولَشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بوحي يتلى» (٢) ، مع ما لها من فضل عند الله وعند رسوله ﷺ ، ولكنها تتواضع وتستصغر نفسها، ولكن لم تترك العمل مع هذا الاحتقار. وكل ما قلناه ونقوله في عدم احتقار الأعمال لا يدفع كذلك للعمل الفردي والاكتفاء بصغائر الأمور وترك كبارها، لا بل هذا يزيد عزمنا وإصرارنا على المضي قُدُماً في الأمور الكبار والأعمال المؤسسية، وبذل الوسع والطاقة في عدم احتقار ما يعمل الإنسان، ولنعطِ كل شخص أهميته؛ فإن المؤسسات الإسلامية والدعوة لن تستغني عن أي جهد وطاقة ولو قلّت وحقرت؛ فإن كل إنسان فيها يؤدي وظيفة لا يؤديها الآخر؛ فإن من ينظف ويحضر الشاي والمرطبات له الأثر البالغ على الزائرين وعلى نفس العاملين، ولو لم يحضِّر لبُحث عن بديل له؛ فكيف بمن يعلوه في العمل والأهمية وليلاحظ مثل هذه الوظيفة وغيرها من الوظائف التي يجب أن يقدر أصحابها ويُذكَّر ويُوجّه بأن له مكانة لدينا، وأنه قد خدم دينه وأمته.. وبمثل هذا العمل ولو رآه الناس عملاً لا يستحق الكثير من الجهد ولا يستحق صاحبه الكثير من التقدير؛ فالموازين عند الله ـ تعالى ـ وحده، ومثل هذا الأخ أو غيره ممن يقوم بأعمال قد تُرى حقيرة ولكنها بمجموعها تخدم الدعوة والإسلام بأجمعه والعمل القليل بالعمل القليل يكثر ويثمر. وبعد هذا المشوار ابذل ما تستطيع، ولا تعجز ولا تجلس، وسارع إلى الركب؛ فإن الركائب قد أُسرجت واركب مع القوم؛ فإن لم تركب معهم ذهبوا وتركوك تعالج الحسرات؛ فبادر قبل الرحيل: ﴿حَتَّى إذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠] . (١) من مقدمة مجلة البيان، العدد ١٦٠ ذو الحجة بتصرف. (١) رواه النسائي، (٣٩٨٧) ، باب تعظيم الدم، ٤. (٢) رواه البخاري، (٢٣٦١) ، باب هل يقرع في القسمة. (٣) رواه البخاري، كتاب الجهاد رقم (٢٨٨٧) . (٤) تفسير القرطبي، ٣/ ٣٨ ـ ٣٩. (١) تفسير الشوكاني، ٥/ ٤٧٩، طالع تفسير في ظلال القرآن، ٦. (٢) رواه مسلم، (٤٧٦٠) باب البر. (٣) شرح النووي على مسلم، ١٦/ ١١٧. (٤) صحيح ابن حبان، (٣٣٤٧) ، باب صدقة التطوع. (٥) كتاب التوابين، ٢٢٢. (٦) رواه البخاري، (٣٢٠٢) ، في كتاب أحاديث الأنبياء، ١٦ سبق تخريجه. (٧) رواه مسلم، (٤٦٥٠) ، من حديث أبي هريرة في البر والصلة. (١) قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وفي الباب عن ابن مسعود وأبي هريرة ﵃. (٢) رواه الترمذي، (٢٣٧٠) صفة القيامة. (٣) رواه البخاري، (٥٠٩١) ، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين. (٤) انظر: تاريخ الطبري، ٢/ ١٧٨. (٥) انظر: تفسير ابن كثير، وهذا سبب نزول هذه الآية، وانظر: البداية والنهاية، ٢/ ٤٨٩. (٦) رواه البخاري، (٣٢٠٨) ، كتاب أحاديث الأنبياء. (٧) رواه البخاري، (٢٢٩٢) ، كتاب أحاديث المظالم والغصب. (٨) رواه البخاري، (٥٥٢٣) . (١) رواه البخاري، (٤٧٥٠) ، كتاب التفسير.

стр. 4965

أسس ترشيد رد الفعل الدعوي في ضوء القرآن والسنة د جمال أحمد بادي إن المتأمل في أحوال أمتنا اليوم يتبين له مدى الحيرة والتخبط في المواقف تجاه ما تواجهه من تحديات مرسومة ومصممة بدقة ودهاء خلف كواليس معاهد البحوث الاستراتيجية والمؤسسات العلمية، الممولة لتحقيق أهداف الهيمنة والتسلط وفرض الوصاية، تحت ستار العولمة والتحضر ومواجهة الإرهاب وغيرها من المسميات والمسوغات التي تخفي ما وراءها من أهداف استعمارية فاشية، وسيلتها توجيه العقول وتغيير تصوراتها وفهومها حتى فيما يتعلق بالقيم والاعتقادات والأخلاق والسلوك، ليتواءم مع التغيير وما بعد المدنية ـ القائمة على نقل تطبيقات نظرية داروين في التطور إلى عالم الفكر والمعرفة ويتواءم مع أنماط الحياة الجديدة التي تقوم على تجذير وتصدير ونشر قيم الحضارة الغربية المعاصرة، القائمة على النفعية والمتعة والمصلحة الذاتية والإعجاب بـ «السوبرمان» المنقذ العالمي المتفرد. وتهدف هذه الورقة ـ في محاولتها المتواضعة ـ إلى تسليط الضوء على أسلوب القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في توجيه ردود أفعال المسلمين عموماً والدعاة على وجه الخصوص لتؤسس وتؤصل لهذا الموضوع المهم. وقد عمدت إلى تناول هذه الإشكالية في إطار القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة؛ لأنهما يمثلان التأسيس الأول والرئيس لهذا الترشيد وهو ما يجعلهما اللبنة الأولى في تشييد هذه الأسس؛ لأن القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لا من حيث اللفظ ولا من حيث العبرة والمقصد، ولكون السنة النبوية تمثل النموذج أو القدوة الحسنة للأمة الإسلامية في أعلى مستوياتها، فلا غنى عن تأسيس القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ولا تقدُّم لأي نموذج على هذه النماذج؛ لأن نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة جاءت بتوجيهات دقيقة جامعة مانعة في نشر الخير وإخراج الناس من الظلمات إلى النور وتربية الدعاة على أن تكون أفعالهم وردود أفعالهم وليدة التأني والتفكير في المآلات والعواقب، بدل الحماسة المفرطة التي توصل صاحبها إلى حد التهور أو السطحية الني تفضي بصاحبها إلى الهلاك. وعليه فإن هذه الورقة ترمي إلى ترشيد الفعل الدعوي المعاصر مستنيرة بهدي الوحي المنزّل والسنة المطهرة لنبي الرحمة ﷺ . _ تعريفات: من الضروري ـ قبل البدء في التنظير لأسس ترشيد رد الفعل الدعوي ـ تحديد معاني بعض المصطلحات حتى يتحدد إطار الموضوع، وحتى يكون التنظير لهذا الترشيد منسجماً مع الإطار الذي وضع له، ومن ثَمَّ لا يقع للقارئ المثقف والداعية في لبس في المعاني، أو اختلاط في المصطلحات. وبناء على ذلك فإن أهم المصطلحات التي رأيت تعريفها وبيان المقصود منها ما يلي: ١ - الفعل الدعوي: وهو ما يتخذه الدعاة من قرارات ومواقف وخطط وحلول بقصد التأثير في الواقع إبلاغاً لرسالة الإسلام وإقامة للحجة الرسالية على الخلق؛ هذا الفعل ينتج رد فعل من قِبَل من وقع عليه. والفعل الدعوي أحد أقسام ثلاثة: الأول: أن يتخذ دون تفكير في نتائجه ومآلاته وما يحدثه من ردود فعل ممكنة. الثاني: أن يتخذ مع تفكير في بعض مآلاته دون بعضها الآخر، أو تغليب جانب من المآلات وتناسي أو إهمال الآخر. الثالث: أن يتخذ مع تفكير جدي في كل أو جل مآلاته الممكنة والمحتملة، وهذا النوع لا يتم إلا بقصد ونية مع استعمال المهارات اللازمة. ٢ - رد الفعل الدعوي: وهو فعل في مقابل تحدٍّ ما، أو في مقابل فعل ما قد وجه مسبقاً وغالباً بهندسة وتصميم برنامج قد تدرك أبعاده وقد لا تدرك. وهو كذلك أحد أقسام ثلاثة: الأول: أن يتخذ دون تفكير في نتائجه ومآلاته وما يحدثه من ردود فعل أخرى ممكنة. الثاني: أن يتخذ مع تفكير في بعض مآلاته دون الأخرى، أو تغليب جانب من المآلات وإهمال أخرى. الثالث: أن يتخذ مع تفكير جدي في كل أو جل مآلاته الممكنة والمحتملة. _ الفرق بين الفعل الدعوي ورد الفعل الدعوي: من الأسئلة التي تطرح عادة في ما يتعلق بميدان الدعوة الإسلامية موضوع الفعل الدعوي ورد الفعل الدعوي، ومما اشتهر على ألسنة الدعاة أن تحركنا الدعوي يجب أن لا يكون ثمرة رد فعل أو انفعال أو استدراج أو ما أشبه ذلك. والحقيقة أن ثمة تداخلاً بين المصطلحين؛ لأن كثيراً مما نسميه فعلاً يعتبر رد فعل أو تفاعلاً أو استجابة لمتطلب من المتطلبات الحياتية أو الدعوية؛ لكون الإنسان ابن بيئته تؤثر فيه ويؤثر فيها، ولكون المسألة قابلة للتقليب إن صحت العبارة. غير أن ما يمكن أن يقال في هذه الورقة أن المقصود من الفعل ورد الفعل هنا ما تعلق بالتحرك البشري، بمعنى: ما دام الفعل مبتدأ.. أي لم يصدر استجابة لتصرُّف طرف ثان، سميناه فعلاً، فإذا كان الفعل جواباً لفعل متقدم أو رداً عنه أو تصويباً له أو دحضاً له سميناه رد فعل، وسمينا توجيهه ترشيداً. _ من المكلف بترشيد رد الفعل الدعوي: لا شك أن الدعوة إلى الله واجب شرعي يمكن أن يضطلع به كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً ﷺ رسول الله، غير أن المعروف لدى كثير من العلماء أنهم دأبوا على اعتبار الدعوة إلى الله فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط عن الآخرين بناء على قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ؛ فـ (منكم) للتبعيض، وهو ما يدل على كونها فرض كفاية، وكذلك قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] وهو ما يشير كذلك إلى التخصيص بفرقة أو فئة، ولا يهم هنا ترجيح كون الدعوة واجباً عينياً أو كفائياً، وإنما الشاهد في الخلاف هو أن الدعوة إلى الله لا يقوم بها إلا مؤهل، فالمختص بالدعوة المؤهل نسبياً والمقتدر على إبلاغ الدعوة إلى غيره، فالكلام في الدعوة يكون مع الدعاة المؤهلين وهو ما يجرنا إلى طرح التساؤل التالي: إذا كان المكلف بالدعوة شخصية لها صفات محددة وكفاءة محددة، والكلام في الدعوة يكون مع الدعاة المؤهلين؛ فإلى من يوجه الكلام عن ترشيد رد الفعل الدعوي؟ وبصيغة أخرى: من المكلف أو المسؤول الأول عن ترشيد رد الفعل الدعوي؟ والجواب عن هذا السؤال في تقديري سهل المنال؛ فبحكم أن الكلام هنا يدور حول الترشيد، وترشيد ماذا؟ ترشيد رد الفعل الدعوي، فإن الكلام من دون شك سيوجه بالدرجة الأولى إلى القيادات الدعوية سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات أو نُخَباً، والكلام هنا شبيه بالكلام عن فنون القيادة، وهذا لا يعني أن عموم الدعاة سيُعْفَوْن من هذه الملاحظات، وإنما المقصود أن هذه الورقة ستكون أقرب إلى تقديم ملاحظات وتوجيهات للقائمين على تربية الدعاة منها إلى عموم الدعاة. _ أهداف ترشيد رد الفعل الدعوي: إن الغرض من ترشيد رد الفعل الدعوي ليس إعطاء قوالب جامدة يلتزمها الدعاة في ردود أفعالهم الدعوية؛ لأن عملية رد الفعل الدعوي ليست عملية آلية تحتاج إلى توجيهات آلية شبيهة بالتوجيهات المخزنة في الحاسوب، وإنما الغرض منها مد الدعاة والمربين بأكبر قدر ممكن من التوجيهات والخيارات والتجارب والنماذج ليتمكنوا من إيجاد رد فعل دعوي متزن وفعال وشامل، وهو ما يتطلب ما يلي: ١ - ترشيد ردود أفعال الدعاة في استجابتهم للتحديات المعاصرة؛ وذلك بتزويدهم بقدر معتبر من المعطيات الدعوية، والملابسات التنظيرية، وتدريبهم على التمكن من إيجاد أكبر قدر من الخيارات والبدائل والحلول؛ ولنا في القرآن والسنة أسوة حسنة؛ فقد أخبرنا القرآن الكريم عن الأمم السابقة وما جرى لها لا لشيء إلا للاطلاع على أكبر قدر من التجارب والتطبيقات الدعوية وأخذ العبرة. فعرفنا مثلاً بنماذج أقوام ونفسياتهم، كطبيعة ونفسية بني إسرائيل بعدما عصوا الرسل، وكيف صارت كما وصفها الله بأنها نفسية ضربت عليها الذلة والمسكنة، وعرَّفنا بنفسية قوم عاد المتجبرة، وعرَّفنا بأشخاص الأنبياء ونفسياتهم التي جاءت مواتية لمتطلبات الدعوة في قومهم؛ فشخصية موسى ﵇ الذي أخذ برأس أخيه يجره إليه، ولما ذهب عنه الغضب ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥١] ، غيَّر شخصية إبراهيم ﵇ الذي قال لأبيه ـ الذي صدع بالشرك وتحدى ابنه أولاً ـ: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] ، ثم تبرأ منه لما تبين له أنه عدو لله. والسيرة النبوية مليئة بمثل هذه النماذج؛ فكل هذه التجارب تمثل توسعة آفاق للدعاة وعبرة لأولي الألباب. ٢ - توجيه ردود افعال المدعوين والمخالفين بتصميم وإحداث أفعال تدعو إلى الاستجابة إليها، وتوجه السلوك نحو رد فعل إيجابي مطلوب ومراد؛ وذلك بالتعرف على احتمالات المدعو المخالف ونفسيته وتقدير حدود رد فعله، وهندسة وتوجيه ردود أفعاله بتضييق احتمالاتها، وهندسة ردود أفعال سريعة وفعالة لاحتواء هذه الاحتمالات. ويمثل هذا الجانب حسن تخطيط النبي ﷺ لجميع الاحتمالات في غزوة أُحد؛ فقد حمى ظهر الجيش بالرماة في الجبل، وقال لهم: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم..» (١) . ٣ - تحديث آليات ردود الأفعال الدعوية المعاصرة؛ وذلك بالاستفادة من رصيد الدراسات الاجتماعية المعاصرة، والمناهج المساعدة على إتقان هندسة رد الفعل الدعوي، وهو الأمر الذي من شأنه أن يساعد الدعاة لو أحسنوا الاستفادة منه على حسن التنظير والتخطيط لهذا الأمر. وقد تكون الخطوة الأولى التي ينبغي توجيه العناية لها هو ترشيد ردود فعل الدعاة أنفسهم أولاً في خضم هذا الصراع العالمي الجديد. أما توجيه ردود فعل الآخرين بشكل فعال وأكيد فشيء يحتاج إلى مران وتدريب وممارسة وَفْقَ مهارات راقية موجهها «سعة الإدراك» ، وخطوة تحتاج إلى تفهم وحسن إعداد موجهها «حسن التصور للأمور» والأمر كذلك؛ فقد تكون خطوة تالية للخطوة السابقة. _ مستويات ردود الفعل: ١ - المستوى الفردي أو المستوى الشعبي وما يمثل عموم المدعوين أو المسلمين أو شرائح عموم المجتمع، وغالب ردود أفعالهم تكون في القضايا العامة أو المصيرية. ٢ - المستوى النخبوي، وهو ما يتعلق بردود أفعال الطبقة المثقفة التي لها موقعها في المجتمع، وقد تكون النخبة تياراً فكرياً أو مؤسسة علمية أو ثقافية أو سياسية، وهو أهم المستويات؛ وهنا يبرز الكثير من التحديات، ومنها ضعف المؤسسات الدعوية والإسلامية عموماً من حيث بناء المواقف والقرارات على الدراسات الاستراتيجية، ومنها اختلاف مناهج وأولويات ورؤى المؤسسات والمدارس الإصلاحية بطريقة تؤثر على طبيعة وشكل ومضمون القرارات والمواقف من التحدي الواحد كل هذا يجعل ردود الفعل هزيلة ومتضاربة. ٣ - المستوى المؤسساتي الرسمي في كافة المجتمعات الإسلامية؛ ذلك أن الداعية يجب أن لا يفرط في تحمله المسؤولية كاملة في المساهمة الفعالة في توجيه رد فعلها الدعوي فيما يخص القرارات الداخلية المسهمة في تطوير الخدمات المفيدة للإسلام والمسلمين. ٤ - المستوى العالمي؛ ذلك أن العالم اليوم صار كما يقال قرية صغيرة تتأثر وتؤثر، وهو ما يجعل الاهتمام بهذا المستوى وبردود أفعال هذا المستوى غاية في الأهمية كما يجعل الاقتناع بجدوى التأثير على ردود أفعالهم الدعوية غاية في الواقعية. _ تعريف بهندسة ردود الأفعال: من الذين تناولوا هذا الموضوع المهم في كتاباتهم الأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار؛ حيث ذكر في تعريف ردود الأفعال ما يلي: إذا تأملنا في معظم أنشطتنا اليومية وجدنا أنها في الحقيقة ردود أفعال، واستجابات لمطالب وصعوبات وتحديات، ومن خلال تلك الاستجابات نحافظ على وجودنا، ونرقِّي مواهبنا، ونزيد في الإمكانات التي في حوزتنا. وما نسميه ردود أفعال نوع من الآلية التي اعتمدها الناس في حفظ العلاقة بينهم وبين الوسط المحيط ونوع من استثمار تلك العلاقة. ونوعية الاستجابة للتحديات والمثيرات، تعد تلخيصاً دقيقاً لفهم المستجيب ووضعيته وعمق تقديره لما يترتب على استجاباته من منافع وأضرار. وكلما كان الإنسان أقرب إلى البساطة في الإدراك، والبدائية في الخبرة والمعرفة كانت استجاباته ذات طابع عفوي، وغير واع، مما قد يوقعه أسيراً في فلك المثيرات. ومن جهة أخرى فإن تعقُّد الحياة الراهنة جعل خبرات الناس غير كافية لإدراك طبيعة التحديات، وإدراك ما تستحقه من استجابات، مما يعني أننا سنرى المزيد من ردود الأفعال غير الراشدة، وغير المتزنة (١) . وتحت فصل خاص عن «صور تنافي الموضوعية» في كتابه (فصول في التفكير الموضوعي) خصص الدكتور عبد الكريم بكار الصورة الثانية عشرة لتكون عن: اضطراب ردود الأفعال وما أسماه بـ «فن هندسة ردود الأفعال» . ذكر فيه أن هناك طرقاً خفية وحيلاً بارعة مبتكرة يؤثر الخصم من خلالها على خصمه دون أن يثير ردود أفعاله، ودون جعله يحمل سلاحه دفاعاً عن وجوده «الصيد بشباك من حرير» . ثم ذكر أن تاريخنا وواقعنا مليء بالمواقف التي أنتجت أقوالاً متطرفة؛ لأنها انبعثت أصلاً في سياق رد الفعل على قول متطرف. (فرق قامت كردة فعل لفرق أخرى) . _ العصبية للعرب واحتقار غيرهم في بعض الأزمنة ولّد قيام الحركات الشعوبية ضدهم. _ الإقبال على الدنيا والبذخ والترف في القرن الثاني الهجري ولّد رد فعل الزهد في الدنيا والانقطاع عن كثير من أسباب العيش إلى درجة حد التفريط. _ نشطت الطورانية في تركيا فكان الرد استيقاظ القومية العربية. _ كلما زاد الضغط على جانب «النقل» في المنهج في تاريخنا أدى إلى وجود تيارات عقلية تدير ظهرها للنصوص. وهذه كلها نماذج وصور لردود أفعال خارجة عن الموضوعية ومجاوزة لحدود القصد والاعتدال. _ أهم أسس ترشيد رد الفعل الدعوي: إن حصر أسس ترشيد رد الفعل الدعوي في هذا المقام مما يتعذر؛ لأن منها ما له علاقة بالتصور والمعتقد، ومنها ما له علاقة بالواقع والتجارب المختلفة؛ غير أنه بالإمكان الوقوف على أهم هذه الأسس مما له أثر على ترشيد رد الفعل الدعوي، ومن أهم هذه الأسس ما يلي: _ أهم الأسس في ضوء القرآن الكريم: الأساس الأول: تأكيد الجانب العقدي في ترشيد رد الفعل الدعوي؛ ذلك لأن وضوح العقيدة والهدف والغاية عاصم من وجود ردود أفعال متهورة مستفَزّة، ومحفزة على الرصانة والتؤدة وحسن تصريف الأمور. الأساس الثاني: الحاجة إلى بناء النماذج العملية التطبيقية التربوية، وربطها بواقع الحياة وتحدياتها لتوجيه السلوك المناسب في الموقف المناسب؛ مع التركيز على عامل المرونة في تعدد الاحتمالات والإمكانات المتاحة المبنية على توسيع دائرة الإدراك ليتجاوز شراك الوقوع في الصور المختلفة للأسر الذهني وهو ما تقدمه لنا قصة نبي الله موسى والخضر ﵉ المذكورة في سورة الكهف من الآية ٦٠ إلى الآية ٨٢: قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إذْ أَوَيْنَا إلَى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا * فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ إن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِداَرًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا * وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٠ - ٨٢] . وهي قصة مشهورة يأمر فيها الله ـ تعالى ـ نبيه موسى ﵇ أن يذهب لمقابلة الخضر ﵇ ليتعلم على يديه من الحكمة والبصيرة. ويشترط الخضر على موسى أن لا يسأله عن شيء يفعله وإن كان خلاف ما يعهده؛ آمراً له بالصبر إن أراد الفائدة. ويمكن اعتبار القصة دورة تدريبية في فن ترشيد رد الفعل، ومن هذه القصة استنبط علماء الإسلام أصول الموازنة بين المصالح والمفاسد عند تزاحمها والتي يمكن تلخيصها في أصلين هما: الأول: احتمال المفسدة الصغرى إما لدفع مفسدة كبرى، وإما لتحقيق مصلحة كبرى. الثاني: تفويت المصلحة الصغرى إما لتحقيق مصلحة كبرى، وإما لدفع مفسدة كبرى. ويمكن للدعاة أصحاب العلم والسبق اليوم أن يصمموا برامج تحاكي أهداف القصة على مستويين: الأول: تصميم مواقف محتملة مفتعلة من واقع الحياة ليختبروا مدى استيعاب المبتدئين في الدعوة لقواعد الموازنة بين المصالح والمفاسد وقواعد الترجيح بين الأولويات فهماً وتنزيلاً. الثاني: وهو مرحلة متقدمة في محاكاة أهداف القصة؛ بوضع الدعاة في مواقف حقيقية واقعية في معترك الحياة تختبر تفاعلهم مع واقعهم؛ مع وجود آليات للتحكم والتوجيه في سلوكياتهم ومواقفهم. الأساس الثالث من القرآن الكريم: ضبط «الكلمة» أمام المخالفين المتربصين، وضبط أسلوب التعبير والخطاب الموجه للمدعوين الذين لم يدخلوا الإسلام بعدُ حتى لا تقع مفسدة راجحة. ويبين هذا الآيات الكريمات التاليات: قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] . وقوله ـ تعالى ـ: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧] . وقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ١١٠] . _ أسس ترشيد رد الفعل الدعوي من السنة المشرفة والسيرة النبوية المطهرة: ١ - هندسة رد فعل المخالف المتربص بطريقة إيجابية لتعكس رؤية صحيحة لموقف المسلمين، الدعاة، ويمثله موقف النبي ﷺ من رسول قريش يوم الحديبية الذي جاء يستطلع سبب مجيئهم إلى مكة، وكان يقدس الهدي، فأمر ﷺ صحابته أن يحثوا الهدي في وجهه. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ : «هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له» ، فبعثوها له واستقبله القوم يلبون؛ فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه، فقال: رأيت البدن قد قُلِّدت وأُشعرت وما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت (١) . ٢ - توظيف حاجة الخصم والمخالف المحارب لما نملك من سلاح الثروات ومقدرات، وتوجيه رد فعله بطريقة تمكن من درء خطره. ويمثله مكاتبة النبي ﷺ قادة غطفان على ثلث ثمار المدينة العام التالي على أن يرجعوا إلى موطنمهم ويتركوا حصار المدينة مع الأحزاب. _ همُّ الرسول ﷺ على عقد الصلح بينه وبين غطفان ثم عدوله عن ذلك: لما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله ﷺ كما حدث عاصم بن عمر بن قتادة عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه، فقالا له: يا رسول الله! أمراً تحبه فنصنعه، أم شيئاً أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئاً تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله! قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قِرىً أو بيعاً، أَفَحِين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟! (واللهِ) ما لنا بهذا من حاجة، واللهِ لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله ﷺ : فأنت وذاك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال: ليجهدوا علينا» (٢) . وينبغي التنبه هنا إلى أهمية معرفة نفسية الخصم وطريقة تفكيره والتنبؤ بطريقة رد فعله في ذلك الإطار؛ حيث أشار الدكتور محمد الصادق عرجون ﵀ في كتابه القيم النفيس: (محمد رسول الله) إلى أن النبي ﷺ اختار مكاتبة زعيم غطفان دون أبي سفيان لعلمه ﷺ بنفسية كل منهما، وأنه لو حاول مع أبي سفيان لما قَبِل بذلك. ٣ - التعايش مع وجود المخالف في المجتمع وتحمُّل أذاه وترك مواجهته بشكل مادي، ولو ترتب على ذلك وجود واحتمال مفاسد تؤثر على سير الدعوة في مقابل تجاوز رسم صورة ذهنية خاطئة للدعوة أو الإسلام ككل لدى المجتمعات البعيدة من غير المسلمين مما قد يترتب عليه صدهم عن دين الله. ويتمثل هذا في ترك النبي ﷺ قتل المنافقين في مواضع عديدة. _ رجوع النبي ﷺ من تبوك وما همَّ المنافقون به من الكيد به وعصمة الله إياه: ذكر أبو الأسود في «مغازيه» عن عروة قال: ورجع رسول الله ﷺ قافلاً من تبوك إلى المدينة حتى إذا كان ببعض الطريق مكر برسول الله ﷺ ناسٌ من المنافقين، فتآمروا أن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق؛ فلما بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها معه فلما غشيهم رسول الله ﷺ أُخْبِرَ خبرَهم، فقال: من شاء منكم أن يأخذ ببطن الوادي فإنه أوسع لكم، وأخذ رسول الله ﷺ العقبة وأخذ الناس ببطن الوادي إلا النفر الذين هَمُّوا بالمكر برسول الله ﷺ لما سمعوا بذلك استعدوا وتلثموا، وقد هموا بأمر عظيم، وأمر رسول الله ﷺ حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه، وأمر عماراً أن يأخذ بزمام الناقة، وأمر حذيفة أن يسوقها فبينا هم يسيرون إذ سمعوا وكزة القوم من ورائهم قد غشوه، فغضب رسول الله ﷺ وأمر حذيفة أن يردهم، وأبصر حذيفةُ غضبَ رسول الله ﷺ فرجع ومعه مِحْجَن، واستقبل وجوه رواحلهم فضربها ضرباً بالمحجن، وأبصر القوم وهم متلثمون ولا يشعر إلا أن ذلك فعل المسافر، فأرعبهم الله ـ سبحانه ـ حين أبصروا حذيفة، وظنوا أن مكرهم قد ظهر عليه، فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله ﷺ ؛ فلما أدركه قال: اضرب الراحلة يا حذيفةُ وامشِ أنت يا عمارُ! فأسرعوا حتى استووا بأعلاها فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس، فقال النبي ﷺ لحذيفة: هل عرفت من هؤلاء الرهط أو الركب أحداً؟ قال حذيفة: عرفت راحلة فلان وفلان. وقال: كانت ظلمة الليل وغشيتهم وهم متلثمون، فقال رسول الله ﷺ : هل علمتم ما كان شأن الركب وما أرادوا؟ قالوا: لا، والله يا رسول الله! قال: فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا اطلعت في العقبة طرحوني منها قالوا: أوَ لا تأمر بهم يا رسول الله إذاً فنضرب أعناقهم؟ قال: أكره أن يتحدث الناس ويقولوا: إن محمداً قد وضع يده في أصحابه. فسماهم لهما، وقال: اكتماهم» (١) . ٤ - وجود القدوة العملية من «القادة» والمربين وعموم الدعاة أمام مجتمعاتهم بالمشاركة في الأعمال الاجتماعية الشاقة أو في إزالة تحرّج خاطئ قام في نفوس أفراد المجتمع المدعوين. ويمثله عدة مواقف من السيرة النبوية منها مشاركته ﷺ في حفر الخندق في غزوة الأحزاب، وقصة «التحلل» قبل إتمام العمرة يوم الحديبية بسبب منع قريش لهم. فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ : قوموا فانحروا، ثم احلقوا؛ فوالله ما قام منهم رجل واحد حتى قال ذلك ثلاث مرات؛ فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا رسول الله! أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلمْ أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَكَ، وتدعو حالقك فيحلقك. فقام فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك ونحر بُدُنه، ودعا حالقه فحلقه؛ فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً (٢) . ٥ - حسن اختيار من يقوم بالمهام الدعوية ولا سيما في أوقات الأزمات ممن يضبط ردود فعله بحكمة تفادياً لما لا تحمد عقباه. ويمثله اختيار النبي ﷺ لحذيفة بن اليمان ليستطلع له أخبار الأحزاب آخر أمرهم. _ أرسل الرسول ﷺ حذيفة ليتعرف ما حل بالمشركين: (قال) : فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ ما اختلف من أمرهم وما فرق الله من جماعتهم دعا حذيفة بن اليمان، فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلاً. قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال: رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله! أرأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي! قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد. قال: فقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا. قال: فقال حذيفة: يا ابن أخي! والله لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ بالخندق، وصلى رسول الله ﷺ هَوِيّاً (٣) من الليل ثم التفت إلينا، فقال: مَنْ رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم، ثم يرجع - يشرط له رسول الله ﷺ الرجعة - أسأل الله ـ تعالى ـ أن يكون رفيقي في الجنة؟ فما قام رجل من القوم، من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد؛ فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله ﷺ فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني، فقال: يا حذيفة! اذهب فادخل في القوم، فانظر ماذا يصنعون، ولا تُحْدِثَنَّ شيئاً حتى تأتينا. قال: فذهبت فدخلت في القوم؛ والريحُ وجنودُ الله تفعل بهم ما تفعل لا تقرُّ لهم قِدْراً ولا ناراً ولا بناء. فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش! لينظر امرؤ مَنْ جليسُه؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ قال: فلان ابن فلان (١) . ٦ - منع قيام التصورات الخاطئة في أذهان المدعوين، بتقديم توضيح لسلوك معين في المواقف ذات الاحتمالات المتعددة فهماً. ويمثله فعل النبي ﷺ ليلة كان يرافق إحدى أمهات المؤمنين إلى بيتها ليلاً من المسجد مخاطباً الصحابيين الجليلين اللذين قابلاه في الطريق، ثم أسرعا الخطى: على رِسْلِكُما! إنها صفية. حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرني علي بن الحسين ﵄ أن صفية زوج النبي ﷺ أخبرته أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي ﷺ معها يقلبها حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله ﷺ فقال لهما النبي ﷺ : على رسْلكما إنما هي صفية بنت حيي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! وكَبُرَ عليهما، فقال النبي ﷺ : إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً (٢) . ٧ - إثارة روح التساؤل وإذكاء الرغبة في معرفة الخير والعلم، وعدم إعطاء المعلومة بطريق مباشر، مع توسيع دائرة دلالة المفاهيم. ويمثله الكثير من المقدمات لأحاديث النبي ﷺ التي يستعمل فيها أسلوب السؤال، ومنها: أتعلمون مَنِ المفلس؟ مَنْ تعدون الشديد فيكم؟ أتدرون حق الله على العباد؟ أتدرون مَنِ السائل؟ ٨ - تصحيح أخطاء المدعوين عن طريق تغيير تصوراتهم من خلال فتح باب الحوار معهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن ـ خاصة عند وجود الشبهات وسوء الفهم غير المقصود ـ بدلاً من إصدار الأحكام القيمية عليهم وتأنيبهم وتوبيخهم وتبكيتهم ولو تجاوز الخطأ حجم المقبول عرفاً. ويمثله قصة الأعرابي الذي أخذ جانباً من المسجد يريد قضاء حاجته، وقصة من تحدّث في صلاته، وقصة الفتى الذي جاء يطلب الإذن من النبي ﷺ في مزاولة الزنا. عن أبي أمامة قال: إن فتى شاباً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه قالوا: مَهْ مَهْ! فقال: ادنه، فدنا منه قريباً، قال: فجلس؛ قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا، والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا، والله يا رسول الله! جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا، والله! جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا، والله! جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم. قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا، والله! جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصِّن فرجه. فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء (٣) . روى البخاري أن أبا هريرة قال: «قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : دعوه وهريقوا على بوله سَجْلاً من ماء أو ذَنُوباً من ماء؛ فإنما بُعِثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا معسِّرين» (٤) . ٩ - حُسن الاستماع لرأي المخالف، واعطاؤه فرصة لإتمام حديثه وقول ما يريد قوله دون مقاطعة، وتفهمه واستيعابه قبل محاولة الرد عليه. ويمثله قصة الوليد بن عتبة الذي أرسلته قريش لاستطلاع حقيقة ما جاء به من الوحي. ١٠ - منع ما من شأنه أن يثبط الهمم ويفت في عضد المجتمع المسلم في الأوقات العصيبة والأزمات ومواجهة الأعداء وإن كان حقاً. ويمثله خبر إرسال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب وصحابي آخر ليستطلعا له حقيقة خبر نقض يهود ـ لعنة الله عليهم ـ لعهدهم. ١١ - حُسن تقدير احتمالات ردود الفعل السلبية عند إرادة القيام بعمل ما، واتخاذ القرار المناسب وفق ما يترجح ويغلب على الظن منها حتى لو أدى ذلك إلى التنازل عن تحقيق مصالح أو مكاسب لكنها لا تقارن بحجم المفسدة المترتبة على الفعل؛ يمثل هذا إرادة النبي ﷺ إعادة بناء الكعبة على أصولها ألأولى وإدخال حِجْر إسماعيل ضمن البيت؛ لكنه لم يفعل ذلك، وأخبر عن نيته ورجوعه عنها لتبقى قاعدة عامة يرجع إليها المؤمنون ويعملونها. وهنا في الحقيقة ترك الفعل لدرء مفسدة؛ فترك الفعل فعل حكيم عند إعمال مثل هذه القاعدة. عن عائشة ﵂ قالت: «قال لي رسول الله ﷺ : لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم ﵇؛ فإن قريشاً استقصرت بناءه، وجعلت له خلفاً» (٥) . وبينما كان عبد الملك بن مروان يطوف بالبيت إذ قال: قاتلَ اللهُ ابنَ الزبير؛ حيث يكذب على أم المؤمنين يقول: سمعتها وهي تقول: إن رسول الله ﷺ قال: يا عائشة! لولا حدثان قومك بالكفر لنقبت البيت. قال أبي: قال الأنصاري: لنقضت البيت حتى أزيد فيه من الحِجْر؛ فإن قومك قصروا عن البناء فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين؛ فأنا سمعت أم المؤمنين تحدث هذا فقال: لو كنت سمعت هذا قبل أن أهدمه لتركته على بناء ابن الزبير (٦) . _ قواعد وأصول عامة في ردود الأفعال: وأختم الحديث عن موضوع الأسس بذكر قواعد وأصول عامة تفيد الدعاة والمؤسسات الدعوية في التعامل مع الموضوع: ١ - أهمية الاستعداد القَبْلي للردود المتوقعة، أو ما أسماه الإمام الشاطبي بتقدير مآلات الأقوال والأفعال في موافقاته. ٢ - تطوير الاستعداد الآني لمواجهة المواقف غير المتوقعة؛ وذلك بإتقان ما يلي: _ قواعد فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. _ قواعد فقه الأولويات. _ قواعد فقه الموازنات. ٣ - أهمية المرونة في التعامل مع الناس والتدرب المستمر على ضبط النفس والتحلي بالصبر، والتحكم في الانفعالات والعواطف. ٤ - الإفادة من خبرات الآخرين وتجاربهم. ٥ - معرفة الواقع والبيئة المحيطة بالإنسان بما في ذلك الأفكار والاتجاهات والمدارس الفكرية والفئات. ٦ - تطوير مهارة قراءة: أفكار الآخرين، ووجوههم، وحركاتهم وإشاراتهم، وهو علم أو فن أصبحت له مدارسه ومقالاته وكتبه التي يمكن الإفادة منها. ٧ - معرفة أنواع الناس وأصنافهم وسمات كل نوع. ٨ - تطوير مهارات التفكير المختلفة. ٩ - وهذا يوجب على الدعاة - اليوم وفي كل زمان - حسن عرض دعوتهم للناس، وتزيين الحق والخير في قلوبهم، وتقبيح الباطل والشر في أنظارهم. ومخاطبة العقل والقلب معاً وعدم الاكتفاء بمخاطبة واحد منهما دون الآخر ولا سيما مع تفاقم الشر وتزيينه من قِبَل شياطين الجن والإنس، واستشراء الشبهات حتى كادت أن تزاحم الحق عند الكثير منهم. فمن هذا الحسن: وجوب استعمال الاستدلال العقلي إلى جانب الاستدلال النقلي. ومن ذلك حسن اختيار عناوين المحاضرات العلمية التي تجذب الناس وتشد أسماعهم فينقادون لحضورها، كما أن لحسن اختيار العناوين حسنات وإيجابيات أخرى منها أنها تضع إطاراً للموضوع المراد التحدث فيه يهدي الداعية إلى حسن الإعداد والتحضير، ويأخذ بيده للسير في دروب ذلك الإطار، وينبغي الابتعاد عن العناوين المرتجلة والمجردة وذات المحتوى الذي يكشف ما يريد الداعية قوله والتكلم فيه مما يزهِّد المدعو في الحضور. فمثلاً بدلاً من: (العلم الشرعي والحاجة إليه) يمكن أن يقال: (العلم الشرعي ودوره في مواجهة التحديات المعاصرة) . فلا يكون الحديث مجرد سَوْق للأدلة الشرعية على الحث على العلم وبيان فضله، بل يتعداه إلى كيف السبيل للحصول عليه، وكيف نستفيد من هذا العلم ونوظفه في ما يواجهنا من أحداث الحياة ومتغيراتها ومستجداتها، وكيف نطبقه في شتى مجالات الحياة، وكيف يتم تنزيله على وقائعها. ومن الأمثلة في هذا الباب: ما جاء في شأن العقيدة: نلاحظ من أدلة القرآن والسنة أن الأصل في أمر العقيدة هو الثبات وعدم المساومة، ونلمح ذلك في سبب نزول سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ، كما روى ابن هشام في سيرته بقوله: «واعترض رسولَ الله ﷺ وهو يطوف بالكعبة ـ فيما بلغني ـ الأسودُ بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والوليدُ بن المغيرة، وأميةُ بن خلف، والعاصُ بن وائل السهمي، وكانوا ذوي أسنان في قومهم، فقالوا: يا محمد! هلمَّ فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد فنشترك نحن وأنت في الأمر؛ فإن كان الذي تعبد خيراً مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيراً مما تعبد كنتَ قد أخذت بحظك منه. فأنزل الله ـ تعالى ـ فيهم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون َ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ١ - ٦] ، أي إن كنتم لا تعبدون إلا الله إلا أن أعبد ما تعبدون فلا حاجة لي بذلك منكم، لكم دينكم جميعاً، ولي ديني» (١) . ويتكرر ذلك في حدث آخر من أحداث السيرة النبوية عندما طلب المشركون من أبي طالب لما ثقل به المرض عهداً بينهم وبين الرسول ﷺ ليكف عنهم. يروي ابن هشام القصة فيقول: «قال ابن إسحاق: ولما اشتكى أبو طالب، وبلغ قريشاً ثقله قالت قريش بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا، والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا. قال ابن إسحاق: فحدثني العباس بن عبد الله بن معبد (ابن عباس) عن بعض أهله عن ابن عباس، قال: مشوا إلى أبي طالب فكلموه، وهم أشراف قومه: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب في رجال من أشرافهم، فقالوا: يا أبا طالب! إنك منا حيث قد علمت وقد حضرك ما ترى، وتخوَّفنا عليك، وقد علمتَ الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه فخذ له منا، وخذ لنا منه ليكف عنا، ونكف عنه وليدعنا وديننا، وندعه ودينه، فبعث إليه أبو طالب فجاءه. فقال: يا ابن أخي: هؤلاء أشراف قومك، قد اجتمعوا لك، ليعطوك، وليأخذوا منك. قال: فقال رسول الله ﷺ : نعم! كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم. قال: فقال أبو جهل: نعم وأبيك! وعشر كلمات. قال: تقولون: لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه. قال: فصفقوا بأيديهم، ثم قالوا: أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ إن أمرك لَعَجَبٌ (قال) : ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله! ما هذا الرجل بمعطيكم شيئاً مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه. قال: ثم تفرقوا» (٢) .

стр. 4966

مرجعية موحدة.. لأمة واحدة محمد مختار المقرئ تربويات التشييد (١ ــ٢) أجل! ننشدها مرجعية موحدة لأمة واحدة.. نريدها لتجمع الشتات، وتلم الشعث، وتسوي الصفوف.. ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥] . لتصيغنا في كيان واحد كبير، وإن تعددت أطيافه. لتكرس للتكامل والتكاتف، في عصر التكتلات والقوى الكبرى. لتستوعب الطاقات، وتصف نظامها، وتضبط عطاءها، وتستثير جهودها، وتستثمرها على أحسن الوجوه، ولتعيدنا أمة كما كنا، أو تضعنا ـ على الأقل ـ على أول الطريق. «إن من المؤسف حقاً أننا ما زلنا نواجه عوامل التغيير والتأثير كجزر تتقاذفها أمواج محيط هائج هادر، وتُطوح بها العواصف والأعاصير، ولم نتراص بعدُ كقارة متلاحمة الأجزاء، متماسكة الأطراف» (١) . ولا أرى الأمر بات بحاجة إلى إقناع؛ فإن الواقع قاطع بحتميته عند عمومنا، مقر لضروريته في أعماق قناعاتنا، فإن بدا بعضنا ـ عملياً ـ كأنه لا يسلِّم بضرورة المرجعية الموحدة، أو لا ينسجم معها؛ فلأمر آخر غير عدم الاقتناع. وإلا فمن ذا يتبنى القول بأن تبقى الأمة مفرقة لا جامع لها؟ ألا إن مرجعيتنا الموحدة هي الفريضة الأمل، والمخرج الواجب، والبلسم الناجع، والترياق المجرب على مدى التاريخ كله، وهي المداواة المبرئة لنا من أدواء الفرقة والشتات، والعجز والوهن، والضياع والفشل.. إلى غير ذلك من مفاسد شغور موقع القيادة، وفراغ سدة الأمر من قائم بحقه مؤدٍ ما عليه فيه؛ فإنه ليس بغير هذا ـ يا أمة الإسلام ـ يُمكن تمثُلُ خطاب الله ـ جل وعلا ـ الذي: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] . إنه الصرح الفذ الفريد، الحصين المشيد.. الذي لا اعتصام للأمة ولا امتناع إلا إذا احتمت بسياجه، وتدرعت بمرصوص بنيانه.. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] . ولن يكون ذلك كذلك إلا بإرساء القواعد، وإقامة الأركان، وتهذيب أحجار البنيان، ورص قوالبه، ونظم فسيفسائه، وتقوية عراه وصلاته، وإحسان ترتيبه وتنظيمه، وجلائه وتنقيته باطناً وظاهراً، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، حتى تغدو لبناته كأنها البلور في صفائه، وكخلايا النحل في نظمها، وكجينات الخليقة في هندستها، وكالنجوم في نظامها.. إنه التوافق الشرعي الكوني، وتناغم الدين والفطرة، وانسجام الإنسان مع سنة الخلق وقوانين الوجود.. نظام دقيق واحد، أبدعه وأحكمه إله واحد، لا إله إلا هو.. ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] . إن صرحنا المنشود إنما ترفع قواعده في القلوب قبل القوالب، ويشاد من الأرواح قبل الهياكل؛ فلَبِناتُه: نفوس زاكية، مشدود بعضها إلى بعض بعرى الإيمان، وصدق الأخوة، وسلامة الصدور.. إنه صرح ممردٌ من قوارير.. قوارير جلاها الإيمان، وأنقاها العمل الصالح، وصقلتها كُلَف الطريق.. ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥] . ولقد يُبدأ ذلك محدوداً بسيطاً متواضعاً.. فإذا والته الأيدي بالعناية والرعاية، وغذته بالطيب الزاكي، وحصنته بالنافع المفيد، وأنقته من الدغل والدخيل.. تتابع في أطواره حتى يستوي ويشتد. ثم بقدر التوسع في نثر بذور الخير، وغرس شتلات الصلاح، وتخصيب تربتهما.. تهتز الأجادب وتربو ... وإذا ما صلحت النيات؛ فلا ريب أن غيث السماء مكلل جهود الزراع بالبركة والنماء.. ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] . ألا فاغرسوا الفسيلة وإن ضؤل حجمها، ووهن ساقها؛ فإنها توشك ـ إن كُفلت واحتضنت ورعيت ـ أن تقوم على عيدانها وجذوعها، رابطة الجأش، ضاربة الجذور، لا تميلها الرياح، ولا تزعزعها الأعاصير، ولا تستهين بها السواعد، ولا تنال منها المعاول.. ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] ومن ثم تكبر وتمتد ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥] . _ يا أخا الإسلام! أيها العالم الرباني! أيها الداعية المتجرد! أيها المربي الفاضل! أيها المُعلِّم النابه! أيها القائد الأمين! أيها الشيخ الوقور! أيها الأب الشفيق! أيتها الأم الرؤوم! يا كل مسلم غيور! ويا كل عبد موحد! ويا كل جماعة تدثرت وامتزجت، وانصبغت وتشكلت، واكتست ونُشِّئَتْ بـ (لا إله إلا الله) ! بادروا بالبداية ولو بأحجار الزوايا، بل ولو بحجر زاوية واحد، تصفُّون ـ بحذائه ـ اللَّبِنات والأعضاد، وتشدونه بالجاذبات الممسكات.. ثم بعدُ يكون التوسع والتمديد، وتهيئة الرقعة تلو أختها، إلى أن تغطوا الخارطة الإسلامية كلها، أو تكادوا، أو قل ما تستطيعون منها مما تبلغون، ولسوف يكون كل امتداد عوناً لكم على ما يليه، وسيبلغ الحق ما بلغ الليل والنهار، كما بشر النبي ﷺ بذلك، وكما في قوله ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زُويَ لي منها» (١) . وكما في قوله ﷺ : «إن الله استقبل بي الشام، وولى ظهري اليمن، وقال لي: يا محمد! إني جعلت لك ما تجاهك غنيمة ورزقاً، وما خلف ظهرك مدداً، ولا يزال الإسلام يزيد، وينقص الشرك وأهله ـ حتى تسير المرأتان لا تخشيان إلا جوراً، والذي نفسي بيده! لا تذهب الأيام والليالي حتى يبلغ هذا الدين مبلغ هذا النجم» (٢) . ألا وإنه لا حول لنا ولا وقوة إلا بالله العلي العظيم؛ فإننا ما ندرك غاياتنا إلا بهدايته ـ تعالى ـ وتوفيقه ومعونته، ولا يخرج شأن عن تقديره وحكمته، وإنما الأسباب سنة قضاها الله في كونه؛ فهي محل تكليفه لعباده، ومادة ابتلائه لهم، وإلا فإنه ـ تعالى ـ هو الذي يمنحنا الأسباب وآثارها، ويهبنا من فضله ما يشاء، بغير سبب إذا شاء، وبما وراء طاقة البشر.. ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٤] . _ فيا رجال الأمة ونساءها.. أفرادها وجماعاتها! اصنعوا لنا الرجال اللبنات.. أنموذجاً ربانياً متجرداً تتوافر فيه عناصر الامتزاج مع أمة الهداية.. مع الجماعة بمعناها العام، أنموذجاً تفنى فيه الكيانات كلها في الكيان الكبير، ولتبق تلك الجماعات في هياكلها ما بقيت الهياكل خادمة للأمة، لا عائقاً في طريق وحدتها، ولتبق بخصوصياتها متميزة بها ركناً أو جداراً في البنيان المرصوص، لا فذة خلف صف مرجعيتها.. ولا يبعد أن يُستدل على هذا بقول النبي ﷺ : «إن الله ـ تعالى ـ وملائكته يُصلون على الذين يَصِلون الصفوف، ومَنْ سدَّ فرجة رفعه اللهُ بها درجة» (٣) ؛ فإن صلة الصف مأمور بها لمعانٍ عديدة وهذا المعنى منها، ومثله قول النبي ﷺ : «لتسوُّنَّ لصفوفكم في صلاتكم، أو ليخالفن اللهُ بين قلوبكم» (٤) . وما من شك أننا ـ جميعاً ـ غدونا ندرك على وجه اليقين: أنه لا موضع للتحيز والانفصام؛ فضلاً عن المناطحة والصدام.. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] ، وإلا.. فهو الفشل إذاً على الإجمال وفي المآل؛ ذلك مهما كانت نجاحاتنا الحزبية، وإنجازاتنا الشخصية. إن مجرد الهم بالتحيز والتحزب ومخالفة الجماعة مؤداه ـ لا محالة ـ إلى الفشل؛ بل هو الفشل عينه، ما لم تتدارك الهامَّ ولايةُ الله ورحمتُهُ وفضلُه، كما قال تعالى ـ في بعض سلفنا ﵃: ﴿إذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢] . روى البخاري عن جابر بن عبد الله قال: فينا نزلت ﴿إذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلا﴾ الآية، قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة، وبنو سلمة. وما نحب ـ وقال سفيان مرة: وما يسرني ـ أنها لم تنزل لقول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (١) . فما أسعدَ من يتولاه الله، ويحوطه بعنايته وهداه؛ فإنه لا عصمة من الخذلان إلا في ولايته، ولا توفيق وهداية إلا في خصوص معيته، ولا سداد ولا نصرة إلا في مدده ونصرته. وليس ثَمَّ سبيل إلى ذلك إلا في تولي المؤمنين ربهم، وتوكلهم عليه وحده؛ ففي هاتين النجاة من الفشل ومن الهمِّ به؛ لأنهما موجبتان لولاية الله، مستجلبتان الحول منه والقوة والمدد.. ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣] . _ صفات لَبِناتنا: فما هي تلكم المعاني الصالحات، والخلال الطيبات، والخصال المميزات التي نريد لجيلنا ـ وللأجيال بعده ـ أن يجسدها، بل أن نجريها منه ومن الأمة ـ أو أكثرها ـ مجرى الدم من العروق؟ ما هي تلكم العناصر الخادمة لمعنى ما نريد، الحاملة لجينات العقلية الجماعية، والروح الأخوية، والتجرد لله، والفناء في الأمة، وإنكار الذات؟ الإخلاص والصدق ـ سلامة الصدر ـ التواضع ـ الحلم ـ الرفق ـ حسن الخلق ـ العدل والإنصاف ـ علو الهمة ـ حب التضحية في سبيل الله.. وحسبنا هذه التسع، لو تمثلناها. نعم! لقد تكون مناهجنا التربوية مشتملة على هذه المعاني، غير أننا نذكِّر بها من يغفلها، وننبه إليها من يهملها، وننصح بتقديمها لمن يؤخر ترتيبها، ونحث على الاهتمام بها على نحو خاص، كما يهتم الطبيب المعالج بعلل الداء في تحديد البرنامج الغذائي للجسد. وإني مقتصر ـ هنا ـ على خمس منها، أفصلها بعض التفصيل ـ بحول الله وتوفيقه ـ: أولاً: التجرد لله جل وعلا. التجرد لله ـ جل وعلا ـ لا يحصل إلا بالبراءة من حظوظ النفس ودعاواها، وهو ما لا يتحقق إلا مع صفتين لازمتين متلازمتين، هما: الصدق والإخلاص. والفارق بين هاتين الصفتين: أن الإخلاص: هو توحيد المطلوب، والصدق: هو توحيد الطلب. قال ابن قيم الجوزية ﵀: «وقد تنوعت عباراتهم في «الإخلاص» و «الصدق» والقصد واحد. فقيل: هو إفراد الحق ـ سبحانه ـ بالقصد في الطاعة. وقيل: التوقي من ملاحظة الخلق حتى عن نفسك. و «الصدق» التنقي من مطالعة النفس. فالمخلص لا رياء له، والصادق لا إعجاب له. ولا يتم الإخلاص إلا بالصدق، ولا الصدق إلا بالإخلاص. ولا يتمان إلا بالصبر» (٢) . والمؤمنون مأمورون بالإخلاص في طاعتهم لله ـ جل وعلا ـ كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] . وفي الحديث القدسي الصحيح، يقول الله ـ تعالى ـ: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمن عمل لي عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك به» (٣) . وهم مأمورون أن يكونوا مع الصادقين كما قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] ، وبشروا على ذلك بالخير مطلق الخير.. ﴿فَإذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [محمد: ٢١] . فعند عقد العزائم، ولدى ترجمة الأفعال إلى أقوال؛ تظهر الحاجة إلى الصدق، ويتبين الصادق من غيره. _ نكتة مهمة: وأود هنا أن أشير إلى نكتة مهمة؛ وهي تتصل بضمانة الصدقية في تحقيق التوحد المنشود؛ فإن جمع طوائف الأمة وجماعاتها على مرجعية شرعية واحدة لا يتحقق إلا بالصدق كل الصدق، والأمر فيه لا يحتمل التمحل (٤) بأساليب الاستهلاك الإعلامي، والمجاملة والتصنع، من أجل مصالح حزبية ضيقة، أو مكاسب دعائية خاصة. إننا مطالبون بتحري الصدق كل التحري، وأن ننزه تصريحاتنا، ووعودنا، واتفاقاتنا، وسياساتنا، وعلاقاتنا بإخواننا (أفراداً وجماعات) عن تلك الأساليب الممجوجة التي تعج بها دواوين السياسيين، وأروقة أحزاب الدنيويين؛ فإنه لم يعد ثَمَّ مجال لغير الصدق وتحريه كل التحري. قال رسول الله ﷺ : «عليكمْ بالصِّدق؛ فإن الصدقَ يَهدي إلى البر، وإن البرَّ يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يَصدُق ويتحرى الصدقَ، حتى يُكتبَ عند الله صديقاً» (٥) . _ دور «الصدق «و «الإخلاص» في صياغة اللبنة الأنموذج المطلوبة لصرحنا المنشود: ماذا تعني هاتان الصفتان بالنسبة لمهمة جمع الناس على مرجعية موحدة؟ ذلك ما ينبغي أن نضع أعيننا عليه، ونرنو إليه، ونلحظ أثره، بينما نحن نمتزج ونمزج أمتنا بهما؛ فإن أثرهما هو البرهان الوحيد على نجاح مناهجنا التربوية في صياغة الفرد الأنموذج لمشروعنا المنشود. أ - الإخلاص: المخلص: ليس له إلا مطلوب واحد هو الحق؛ فهو دائر معه حيث دار، لا يصده عنه ولاء لجماعة تخالفه، أو شيخ يعارضه، أو مذهب يناقضه، أو حظ عاجل، أو شهوة خفية، أو مأرب دفين. والمخلص: لا يكترث أن ينسب العمل له أو لغيره، المهم أن يظهر الحق، أن تنتصر الأمة، أن يرتفع شعار الدين، وإن تراجعت شعاراتنا الخاصة، أو صارت مغمورة أو مجهولة، في خضم الجمع العرمرم. والمخلص: يفرح بظهور الحق وانتصاره، وإنْ على يدي غيره، فهمُّهُ هو الحق لا حظُّ النفس ولذتها، وبروزها وزهوها، وغير ذلك من دسائسها وأهوائها، والتي يجدها في أن ينسب له فضل ما عمل، بل إن المخلص ليحمد الله ـ جل وعلا ـ على الإعفاء من التكليف؛ إذا تصدى للواجب غيره، لما يخشاه من آفة ربما تعرض له؛ فتُحبط عمله، حين يُنسب له الفضل فيه، بينما هو بالنية ـ إن صحت ـ يحصل له الأجر، وفرحة انتصار الحق. ب - الصدق: أما الصادق: فإن همه مجموع على فعل المأمور به، لا يتوزع ولا يتعدد؛ فهو في شغل بامتثال التكليف، لا يلتفت عن ذلك إلى الانشغال بالمفاضلة بين تكليف وتكليف، وبين مكلف ومكلف (اللهم إلا على جهة إيثار الأصلح للأمة والأزكى للنفس) ، وكذلك لا يتحيز لفاعل دون آخر، أو لنوع نشاط دون سواه، لمجرد انتماء حزبي ضيق، أو لميل طبعي ذاتي، أو لهوى شخصي غلاب. والصادق: لا يبالي أن يكون مقدماً أو مؤخراً، رئيساً أو مرؤوساً، وإنما حسبه أن يعمل بالطاعة ويجدَّ ويتقن، في أي موقع كان، وفي أي ترتيب أُدرج.. «طوبى لعبد آخذٍ بعنان فرسه، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يُشَفَّع» (١) . قال الحافظ العسقلاني: «والتقدير: إن كان المهم في الحراسة كان فيها، وقيل: معنى «فهو في الحراسة» أي فهو في ثواب الحراسة. وقال ابن الجوزي: والمعنى: أنه خامل الذكر لا يقصد السمو؛ فإن اتفق له السير سار؛ فكأنه قال: إن كان في الحراسة استمر فيها، وإن كان في الساقة استمر فيها» (٢) . وقال: «قوله: (إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفَّع) فيه ترك حب الرياسة والشهرة وفضل الخمول والتواضع» (٣) . ففي الحديث فوائد: منها: أنه ينبغي للمؤمن أن يختار من بين الأعمال الأهمَّ فالمهم. ومنها: أن هَمَّ المؤمن متوجه إلى تحصيل الثواب لا غير. ومنها: أن العبرة في تفاضل الأعمال: مدى أهميتها ونفعها وما يُرجى من ورائها عند الله، لا البروز والظهور ونحوه. ومنها: أن المؤمن لا يبرح في شغل بخويصة عمله، غير ملتفت إلى تقديم غيره عليه، أو تأخيره عمن دونه. ومنها: أن المؤمن راضٍ بما يوكل إليه من عمل، مستمر فيه دون كلال أو ملال، وإن يكن به مغموراً منسياً، خامل الذكر مُهمَلاً خفياً، فهو أحرص ما يكون على أن لا يبطل عمله، وَجِِلٌ من أن يتسرب إلى قصده حب السمو وتحصيل الجاه. ومنها: أن الأعمال بالنيات، وأنه «رب عمل صغير تعظمه النية، وربَّ عمل كبيرٍ تُصغِره النية» (٤) . والمسلم لا ينبغي له أن يسأل الإمارة أو يحرص عليها؛ فإن في الحرص عليها من المفاسد والمضار ما يسلك أصحابه في أسوأ مذمة وشنآن، فوق ما فيه من شر وحمق لا ينقضيان. فمن ذلك: أن الحرص على الإمارة من أعظم ما يطعن إخلاص المرء وسمو مقصده. وكذلك يجعله موضع اتهام وارتياب وإساءة ظن. ومنه: أنه مؤدٍ إلى نبذ الشورى، والتفرد بالقرار، والإعجاب بالرأي. ومنه: أنه قد يحمل على الظلم، وترك الإنصاف، والاستهانة بالآخرين، والاستئثار بالتقديم. إلى غير ذلك مما تنطوي عليه حكمة النهي عن سؤال الإمارة، وعن الحرص عليها. عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة؛ فإنك إنْ أُعْطيتَها ـ عن مسألة ـ أُوكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها» (٥) . وعن أبي موسى قال: دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحد الرجلين: يا رسول الله! أمِّرنا على بعض ما ولاَّك الله ، وقال الآخر مثل ذلك؛ فقال: «إنَّا واللهِ لا نولي على هذا العملِ أحداً سأله، ولا أحداً حرصَ عليه» (٦) . وتحت باب (كراهة الإمارة بغير ضرورة) ؛ أورد الإمام مسلم عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: «يا أبا ذر! إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها ـ يوم القيامة ـ خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها» (٧) . قال الإمام النووي: «هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات، لا سيما من كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية» (٨) . _ ثانياً: التواضع. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] أي: سكينة ووقاراً متواضعين، غير أشرين، ولا مرحين متكبرين. قال الحسن: علماء حلماء. وقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون، وإن سفه عليهم حلموا. ومن كانت هذه حاله كان هادئ النفس، واسع الصدر، بعيداً عن الاستعلاء، خفيض الجناح لإخوانه المؤمنين، متحلماً مهذباً، لا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لشخصه. و «الهَون» (٩) بالفتح ـ في اللغة ـ: الرفق واللين. وقال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] . فأثبتت الآية أن الطائفة المرضية لله، المؤهلة لحمل الأمانة، الأبعد من الفتنة والنكوص.. هي التي يكون التواضع للمؤمنين من أبرز صفاتها، وآكد خلالها. فقوله ـ جل وعلا ـ: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ هو عزة القوة والمنعة والغلبة. قال عطاء: للمؤمنين كالوالد على ولده، وعلى الكافرين كالسبع على فريسته. وبذلك وصف أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم.. ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] . فهم على الضد من حال من قيل فيهم: كِبْراً علينا وجبناً عن عدوكمُ لَبِئْسَتِ الخلتان: الكبر، والجبن أورد مسلم في «صحيحه» من حديث عياض بن حمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن اللهَ أوحى إليَّ: أن تواضعوا، حتى لا يفخرَ أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحدٌ على أحد» (١) . فأمر بالتواضع، ورغب فيه، فقال: «من تواضع لله رفعه الله» (٢) . ونهى عن ضده، وهو الكبر، وخوَّف منه، فقال: «ألا أخبركم بأهل النار؟ كلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظ (٣) مستكبر» (٤) . وإذا تمكن خُلُقُ التواضع من امرئٍ ألفيته كما ترجو، وعلى الكيفية التي تنشد.. أنموذجاً فريداً للبنة المرجعية المنشودة.. ـ فهو لا يرى نفسه فوق إخوانه، ولا يفاخر عليهم، ولا يبغي على حقوقهم، بل يعتقد أنه دونهم، وأنهم ـ بجوار ما يطالعه من عيوب نفسه ـ خير منه وأفضل. قيل: التواضع أن لا ترى لنفسك قيمة؛ فمن رأى لنفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب. ـ وهو لا يستنكف أن يقدَم عليه من هو دونه، أو من يراه ـ أو يراه الناس ـ مفضولاً. ـ وهو لا يستكبر أن يسمع ويطيع للمقدم، مهما كان ـ في ظاهر الأمر ـ أخفض منه رتبة، أو دونه فضلاً. قال عمر بن الخطاب ﵁: «لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بسمع وطاعة» (٥) . ـ فالتواضع يورث العقلية الجماعية، والروح الأخوية، والألفة والمودة، ولذلك أثنى الله ـ تعالى ـ على المتواضعين بصفة التراحم وبصيغة الجمع.. فقال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وقال: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ . ـ كما أن المتواضع لا يبرح مراجعاً رأيه واجتهاده وعمله، فإن ظهر له الحق في خلافه رجع عنه وإن كان ما رجع إليه قولاً لمخالفه، أو رأياً لمن هو دونه. سئل الفضيل عن التواضع، فقال: يخضع للحق، وينقاد له، ويقبله ممن قاله. وقال ابن عطاء: هو قبول الحق ممن كان. وما قلناه هنا ـ في التواضع ـ يجري على الجماعة كما يجري على الفرد؛ فالجماعة المسلمة شخص اعتباري، تُخاطَب في مجموعها بما تُخاطَب به في كل معين منها، بل هي أوْلى بتمثل هذه المعاني؛ لأن أخلاقيات الجماعة ومواقفها وممارساتها تنعكس ـ بالضرورة ـ على أتباعها.. فإن تفاخرت تفاخروا، وإن بغت بغوا؛ وإن استكبرت على الجماعات غيرها استكبروا، وإن زهت بنفسها وتاريخها وحجمها وأعمالها زهوا هم كذلك!! وما العُجب والكِبر والتفاخر والتسميع إلا محبطات للأعمال، مذهبة جهود أصحابها هباء منثوراً.. وهذا حكم مطرد في الجماعات كما هو في الأفراد. _ مدرسة التواضع: كيف يُكتسَب التواضع؟ بل كيف نصيغ به نفوسنا ونصبغها بمادته صبغاً؟ لمدرسة التواضع مقرران متوازيان متلازمان: أحدهما نظري، والآخر عملي. أما النظري: ففي التفكر في التواضع كقيمة رفيعة، وخلق حسن، وسلوك سوي، وفي عاقبته المحمودة، وعاقبة ضده، وهو الكبر.. فالتواضع خير كله، ولذلك لم يورد الشارع استثناء على فضله وندباً إلى ضده إلا في موضع واحد، وهو التبختر والاختيال بين الصفين في سبيل الله، وذلك داخل في قول الله ـ تعالى ـ: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ . فإذا تأملت التواضع في ذاته، وجدته منسجماً مع الفطرة، تلتذ له النفس، وتستوي على خلقتها؛ فهي في راحة معه من دعاوى المتعالين، وفي عافية من تكلف المتكبرين، وتصنُّع المختالين المرحين.. وما للمتواضع لا يجد في تواضعه راحة نفسه وصلاح باله، وقد أبرأه التواضع من مرض الشعور بالنقص، وعوفي به من غوائل الحقد والحسد التي لا تبرح تؤز صاحبها على الدعوى والتصنُّع، وتوهمه أنه بهما سيزاحم الآخرين؟ وإذا تأملت التواضع في ثناء الشارع على أهله، وجدتهم من أهل خاصته، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] . فسماهم «عباد الرحمن» ، وتلك تسمية أضافهم الله بها إلى أخص أسمائه. وإذا تأملت التواضع في عاقبة تركه، والابتلاء بضده.. لم تلق إلا الضعة والضياع. قال بعضهم: رأيت في الطواف رجلاً بين يديه شاكرية (٦) ، يمنعون الناس ـ لأجله ـ عن الطواف، ثم رأيته بعد ذلك بمدة على جسر بغداد يسأل الناس شيئاً؛ فتعجبت منه، فقال لي: إني تكبرت في موضع يتواضع الناس فيه، فابتلاني الله بالذل في موضع يترفع الناس فيه. وحسبك من التفكر في سوء عاقبته أن تتدبر قول رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» (١) . _ وأما المقرر العملي: ففي التمرس على التواضع، وتكلف أفعال أهله، ومجاهدة النفس على ذلك. وانظر إلى خير الناس كيف كان تواضعه.. كان النبي ﷺ يمر على الصبيان فيسلم عليهم (٢) ، وكان ﷺ إذا أكل لعق أصابعه الثلاث (٣) ؛ وكان ﷺ يكون في بيته في خدمة أهله، وكان ﷺ يخصف نعله (٤) ، ويرقع ثوبه (٥) ، ويحلب الشاة لأهله (٦) ، ويعلف البعير (٧) ، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم، ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين (٨) ، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه (٩) ولو إلى أيسر شيء. وكان ﷺ هين المؤنة، لين الخُلُق، كريم الطبع، جميل المعاشرة، طلق الوجه بساماً، متواضعاً من غير ذلة، جواداً من غير سرف، رقيق القلب رحيماً بكل مسلم، خافض الجناح للمؤمنين، لين الجانب. قال ﷺ : «ألا أخبركم بمن يحرم على النار؟ ـ أو تحرم عليه النار ـ تحرم على كل قريب هين لين سهل» (١٠) . وكان ﷺ لا ينتقم لنفسه قط (١١) . ألا فتمثل خلق الحبيب ﷺ ؛ فإن تمثُّل خلقه مقتضى الإيمان به، والإيقان بأفضلية هديه.. ﴿قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ، ولأن تمثل ذلك يورث القلب خلق التواضع، ويعافيه من الكبر والاستعلاء. ولقد كان السلف ﵃ على الرغم من تواضعهم الجمِّ، إذا ما وجدوا من أنفسهم ما يشتمُّ منه رائحة زهو أو اعتداد بالنفس؛ يسارعون إلى تمثل أفعال المتواضعين، ليكفكفوا نفوسهم ويكبحوا جماحها. قال عروة بن الزبير ﵁: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ على عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين! لا ينبغي لك هذا. فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دخلت نفسي نخوة فأردت أن أكسرها. فعل هذا ـ رضي الله تعالى عنه ـ وهو في التواضع إمام ومَثَلٌ.. فتأمل كيف كان المثل! قسم عمر بين الصحابة ﵃ جميعاً ـ حللاً، فبعث إلى معاذ حلة مثمنة، فباعها، واشترى بثمنها ستة أعبد فأعتقهم. فبلغ ذلك عمر؛ فبعث إليه بعد ذلك حلة دونها، فعاتبه معاذ، فقال عمر: لأنك بعت الأولى. فقال معاذ: وما عليك؟ ادفع لي نصيبي. وقد حلفت لأضربن بها رأسك، فقال عمر ﵁: رأسي بين يديك، وقد يرفق الشاب بالشيخ. وعن عبد الله بن سلام ﵁ أنه مر في السوق؛ وعليه حزمة من حطب، فقيل له: ما يحملك على هذا، وقد أغناك الله عنه؟ قال: أردت أن أدفع الكبر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة من في قلبه خردلة من كبر» (١٢) . وكان بعضهم لبعض خافض الجناح، لا يرى أخاه إلا خيراً منه، فتراه يقدمه على نفسه، ولا يستنكف أن يظهر ذلك أمام الناس، عن محبة وطيب نفس. لما قدم عمر ﵁ إلى الشام تلقاه أبو عبيدة ورؤوس الأمراء، فترجل أبو عبيدة، وترجل عمر، فأشار أبو عبيدة ليقبل يد عمر، فهمَّ عمرُ بتقبيل رجل أبي عبيدة، فكفَّ أبو عبيدة، فكفَّ عمر. وركب زيد بن ثابت مرة؛ فدنا ابن عباس ليأخذ بركابه، فقال: مَهْ يا ابن عم رسول الله! فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائنا، فقال: أرني يدك. فأخرجها إليه فقبَّلها. فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت رسول الله ﷺ . وتأمل كيف كان تسامحهم وقرب أَوْبتهم، إذا ما شجر بينهم بعض ما يغضب. يذكر أن أبا ذر ﵁ عيَّر بلالاً ﵁ بسواده، ثم ندم، فألقى بنفسه، فحلف: لا رفعتُ رأسي حتى يطأ بلال خدي بقدمه، فلم يرفع رأسه حتى فعل بلال. وكذلك كانوا يذكِّرون أنفسهم بما من شأنه أن يحمل على التواضع، ويخفض من تعالي الأنفس، ولا سيما إذا صدرت منهم هفوة زهو أو هنة خيلاء. بلغ عمر بن عبد العزيز ﵁ أن ابناً له اشترى خاتماً بألف درهم، فكتب إليه عمر: بلغني أنك اشتريت فِصّاً بألف درهم، فإذا أتاك كتابي فبع الخاتم، وأشبع به ألف بطن، واتخذ خاتماً بدرهمين، واجعل فصه حديداً صينياً، واكتب عليه: رحم الله امرأً عرف قدر نفسه. والله أعلم. ورأى محمد بن واسع ابناً له يمشي مشية منكرة؛ فقال: تدري بكم شريت أمك؟ بثلاثمائة درهم، وأبوك ـ لا كثر الله في المسلمين مثله ـ أنا. وأنت تمشي هذه المشية؟!

стр. 4967

أمير بتلر المدير التنفيذي للجنة الأسترالية في حوارالبيان: كلما كثر الحديث عن الإسلام تعززت الدعوة حاوره في ملبورن سامي بن عبد الله الدبي خي _ ضيفنا هو: أمير بتلر هو أحد الشخصيات الإسلامية بأستراليا يشغل منصب المدير التنفيذي للَّجنة الأسترالية للشؤون العامة للمسلمين، وهي جمعية للدفاع عن الحقوق المدنية لمسلمي أستراليا. وقد سخر قلمه للكتابة عن القضايا الإسلامية في الصحافة المحلية والدولية، وتُرجمت بعض مقالاته الصحفية وبحوثه المتخصصة في القضايا الإسلامية إلى عشر لغات تقريباً. الأخ أمير يعتبر مرجعية رئيسة للإعلام الأسترالي ورجال السياسة في القضايا ذات العلاقة بالإسلام والمسلمين. منذ الحادي عشر من سبتمبر ركز الأخ أمير جهوده في الدفاع والذب عن الإسلام ضد تهمة التعصب الإسلامي المتبناة من قِبَل نظام بوش. بناءً على ذلك قام أمير بكتابة العديد من المقالات في الصحف الغربية مدافعاً بقوة عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومفنداً الافتراءات حول الدعوة السلفية. وقد أستفاد الأستاذ من أصله الإنجليزي في توضيح سوء الفهم المتاصل لدى الغرب عن الإسلام والمسلمين الذي أدى إلى الصراع الحالي بين الحضارتين. الأستاذ أمير بتلر من مواليد إنجلترا، وهاجر إلى أستراليا مع والديه منذ حوالي ١٨ عاماً واعتنق الإسلام منذ ٨ سنوات. يعمل حالياً في حقل نظم المعلومات، وهو حاصل على الماجستير في الحاسب الآلي، ويقوم حالياً بتحضير درجة الدكتوراه في الذكاء الاصطناعي. حاورنا الأستاذ أمير حول جهوده الحالية في الاستفادة من الإعلام من أجل توضيح الإسلام لغير المسلمين في أستراليا والدول الغربية. كما حاورناه بالتحديد عن وضع الإسلام والمسلمين في أستراليا. يعتقد الأخ أمير أن أستراليا التي تنتمي ثقافياً إلى الغرب تختلف عن بقية الدول الغربية، وأن النظام الاجتماعي السياسي الأسترالي له شخصيته المستقلة. إضافة إلى ذلك يوضح أمير أنه بينما دول غربية أخذت موقفاً متعصباً من المسلمين المقيمين بها إلا أن أستراليا كان لها موقف مباين ومتعاون مع مسلميها. البيان: في البداية نرحب بكم.. ونرجو منكم وصف بعض ما تقومون به من أعمال لنصرة المسلمين والإسلام في أستراليا؟ ? قبل أن أعتنق الإسلام كنت نشيطاً في الحقل السياسي على مستويات عدة؛ ولذا فقد تكونت لي دراية واسعة بالنظريات السياسية التي تتحكم في المجتمع الأسترالي خصوصاً والمجتمعات الغربية عامة. وكنت كاتباً وافر الإنتاج في القضايا السياسية. وبُعَيْد اعتناقي الإسلام وجدت أن هذا الدين في حاجة ملحَّة لمن يدافع عنه وعن الحقوق المدنية للمسلمين في وسائل الإعلام. ولذا قررت أن أكرس معرفتي للغرب وتاريخه ومؤسساته لخدمة الإسلام والمسلمين في أستراليا. شكلت منظمة أسميتها: «اللجنة الأسترالية للشؤون العامة للمسلمين» (AMPAC) لكي تمثل الإسلام في وسائل الإعلام، ولنشر الدعوة من خلال استعمال المنافذ المتوفرة للقارئ الأسترالي العادي وطرق الإقناع التي يستسيغها. بدأت بكتابة مقالات في الصحف المحلية أشرح فيها الإسلام ومعتقداته، وأعلق فيها أيضاً على أحداث الساعة من وجهة نظر إسلامية. وأعلنت عن استعدادي للدفاع عن أي مسلم يعاني من مشكلة في عمله أو من صعوبة في الاتصال بمؤسسة حكومية. والحمد لله؛ فقد تيسر شيء كثير وأصبحت الآن، وبانتظام، مرجعاً معتمداً لدى وسائل الإعلام للقضايا التي تمس المسلمين. شعرت في نفس الوقت بالحاجة إلى القيام بهذا العمل على مستوى عالمي، فأسست عبر الإنترنت مجلة عنوانها: «الكلمة الحق» (The True Word) نشرت فيها مقالاتي ومقالات صحفيين مسلمين آخرين. فوفرت لي هذه المجلة منبراً أَصِل من خلاله إلى مختلف أنحاء العالم. البيان: هل لكم أن تحدثونا عن بعض القضايا الأساسية التي كتبتم عنها، وما منهجكم في تناولها؟ ? القضايا تتغير بالطبع تبعاً للأحداث؛ فبعد الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر كرستُ كل وقتي لمحاولة شرح موقف الإسلام من العنف والإرهاب ضد المدنيين. وكنت دائماً أنطلق من حقيقة أنني كاتب أستطيع أن أناقش وأشرح وجهة نظر الإسلام، لكنني لست عالماً لأجتهد أو أفتي في القضايا المعقدة. يوجد أشباه مثقفين مسلمين كثر يعتقدون أن شهادة في العلوم الدينية أو القدرة على الكتابة في جريدة يكفيان لأن يتصرفوا مثل العلماء. وهذه إحدى أكبر المشاكل التي استشرت الآن في العالم كله. ولهذا السبب وجدتني أراجع كل قضية غير واضحة مع العلماء، ثم أصيغ رأيهم بالطريقة التي يفهمها غير المسلمين. وفي الأشهر القليلة الماضية تركز الحديث باطراد عن الوهابية. وهنا حسب ما أعتقد تكمن المعركة الحقيقية. يوجد الآن توجه نحو اعتبار حركة الإصلاح السلفية التي جددها الإمام محمد بن عبد الوهاب حركة إرهابية «غريبة» في حقيقتها عن الإسلام. وقد كتبت مقالات عدة للرد على بعض هذه الافتراءات موضحاً أن الوهابية في الحقيقة لا تختلف عن الإسلام الصحيح، وأن الكثير مما علق بها من اعتقادات خاطئة ما هو إلا ادعاءات نشرها أعداء تقليديون لها ينتمون إلى الطرق الصوفية المختلفة أو الشيعة، ووجدت أن أنجع نهج لصد الهجوم الرامي إلى تلطيخ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو اعتماد مقولات علماء الدعوة أنفسهم لتوضيح أن الوهابية، على عكس ما يدعي بعضهم، لا تجيز قتل غير المسلمين دون سبب، ولا تقمع الأقليات. وبعد ١١ أيلول كتبت تقريراً مفصلاً عن ردود فعل الطوائف المسيحية المختلفة في الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الإسلام والمسلمين. ومنذ ذلك الحين نشرت لي مقالات عديدة في مختلف القضايا، ووزعت في كل أنحاء العالم الإسلامي. واشتغلت كثيراً بكتابة تقارير مفصلة، وراجعت كتاب ستيفن شفارتز عن الوهابية وعنوانه: (وجهان للإسلام: العربية السعودية (Two Faces of Islam: Saudi Arabia فوجدت الكاتب قد استعمل في حجته وثائق لصوفيين أمريكيين دون الإشارة إليهم، ووثقت كل الأمثلة التي اعتمدها. ولو أردت تحديد دوري في العالم الإسلامي لحددته في العمل على تقريب الغرب للمسلمين حتى يتيسر لهم فهمه، وكذلك شرح الإسلام ومعتقدات المسلمين ورغباتهم للعالم غير الإسلامي لتوضيح الصورة لديهم. وبما أنني ترعرعت في الغرب فإني أستطيع التحدث إلى الأستراليين دون حواجز، وأشعر أن ذلك سيمكنني ـ إن شاء الله ـ من تقريب الإسلام إليهم بطريقة أنجع. البيان: بعد هذه التجربة الخصبة كيف تقيم تعاملك مع وسائل الإعلام؟ ? الحمد لله.. إنني مسرور جداً بما حققته حتى الساعة؛ فأنا أتعامل مع أشهر جريدة في أستراليا، وأستطيع أن أنشر بها كتاباتي متى أردت. وقد وفقت في أن أجعل الناس يراجعونني بانتظام لتوضيح كل ما يمس الإسلام؛ حتى أصبحت الآن عاجزاً عن تلبية المطالب التي ترد عليَّ من أستراليا ومنشورات من وراء البحار لكتابة مقالات عن الإسلام. وتمكنت أيضاً من ربط صلات متميزة ببعض الصحفيين فلم يعد تعاوننا يقتصر على الاستجابة للمطالب، بل تعدى ذلك للعمل سوياً. مثال ذلك: أقترح عليَّ بعض الصحفيين كتابة مواضيع أنشرها وبعد ذلك أستعين بها في كتاباتي. إن أحد المشاريع التي أفكر الآن في القيام بها هو تنظيم رحلات للصحفيين المعتدلين وغير المنحازين لزيارة العربية السعودية والاطلاع بأعينهم على حقيقة الإسلام وعلى التصورات الحقيقية لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب. فهذا ما دأبت إسرائيل على فعله لزمن طويل من خلال وزارة الإعلام الإسرائيلية، وأظنه الطريقة الناجعة التي على المسلمين اتباعها شريطة أن تضبط وأن تنظم. البيان: لكن من خلال خبرتك: هل يوجد كُتَّاب أستراليون يكتبون عن الإسلام دون تحيز؟ وإن وُجدوا؛ فما هي أهم المواضيع التي يتناولونها في كتاباتهم؟ ? يوجد شيء من التحيز في كل كتابات غير المسلمين. بعضٌ من صحفيي هذا البلد يحاولون نقل الحقائق كما هي دون تحوير. وقد حاولت تشجيع هؤلاء وأظهرت لهم استعدادي لمساعدتهم في كتاباتهم. فمنهم مثلاً من أراد الاتصال بالعربية السعودية من أجل تعقيب على حدث أو مقالة، وهؤلاء وجَّهتهم لمن أثق بهم ويكونون قادرين على التواصل بنجاعة. تُصنَّف الجرائد في أستراليا أساساً إلى يمينية (محافظة) ويسارية (متحررة) ، وتكون المواقف التي يتخذها هذا الطرف أو ذاك والتغطية التي يوفرها للقضايا المختلفة تابعة لإحدى الأيديولوجيتين. فوسائل الإعلام اليسارية مثلاً تعارض الحرب بشدة وتنقد موقف الحكومة (التي هي محافظة) . أما الجناح اليميني فهو مؤيد للحرب لكنه شديد المحافظة بالنسبة إلى بعض القضايا الاجتماعية؛ فهو يعارض أي قانون يسمح بالهيروين، وينتقد عدد حالات الإجهاض المتزايدة التي سمح بها لنساء شابات. وهو أيضاً يساند الدين. ولهذا فلا يمكن الكلام في الحقيقة عن جرائد تناصر الإسلام أو أخرى تعاديه. بل تتخذ المواقف حسب القضية. فجرائد الجناح اليساري تناهض الحرب؛ ولذا فهي تتعاطف مع طموح العراقيين لتقرير المصير، لكنها في نفس الوقت تتخذ موقفاً متصلباً تجاه الحجاب الذي ترى فيه «تعسفاً» . أما الجرائد اليمينية فلا تظهر موقفاً متصلباً مع الحجاب، لكنها تسارع في مهاجمة موقف المسلمين المناهض للحرب، وهكذا. وبين هؤلاء وهؤلاء يوجد بالطبع صحفيون معتدلون ومنصفون نسبياً هؤلاء هم الذين نحاول أن نعمل ونبني علاقات معهم. البيان: هذا جميل.. لكن هل تلحظ تأثيراً لمقالاتك في مواقف الحكومة الأسترالية وفي الرأي العام؟ ? لقد حاولنا أحياناً التأثير في قرارات الحكومة، كما حصل في القرار الخاص بوضع قانون يمنع التمييز العنصري بسبب الدين. ونجحنا ـ والحمد لله ـ في حمل الحكومة في ولاية فكتوريا على سحب قانون منع التمييز العنصري بسبب العرق أو الدين. وبصورة أدق فإنه الآن يمنع على شركة أن تمانع في تأجير أحد لأنه مسلم كما يمنع عدم تمكين المسلم من استئجار سكن لنفس السبب. كثيراً ما يتخذ البرلمان بحوثنا مرجعاً للاستشهاد، خصوصاً تلك البحوث التي تتعلق بالأحكام المسبقة المتحاملة على الإسلام في افتتاحيات الصحف الأسترالية. وعندما شرعت الحكومة الأسترالية في مناقشة إمكانية حظر جماعة التحرير الكشميرية المسماة «لشكار طيبة» (Lashkar-e-Taiba) اعتمدت بحوثنا مرجعاً لمساندة الرأي القائل بأن هذه الجماعة لا تمثل خطراً على أستراليا، ولا يجب حظرها. وفي حالات أخرى توسطنا مباشرة مع أعضاء في البرلمان لمصلحة بعض أفراد الجالية الإسلامية بخصوص الهجرة مثلاً. فهناك حالات لرجال مسلمين من أستراليا تزوجوا من وراء البحار وواجهوا عدة مشاكل في جلب زوجاتهم معهم، وتوسطنا لدى معارفنا لحل تلك المشاكل. أما الرأي العام فأعتقد أن تأثيرنا فيه هام جداً، وأهم ـ في الحقيقة ـ من تأثيرنا في الساسة. فقد حققنا بمقالاتنا الوافرة في الجرائد الأسترالية ـ ولله الحمد ـ تواصلاً مع ما يزيد بكثير عن المليوني قارئ كانت رسالتنا تصلهم بانتظام. وكانت ردود الفعل في العادة متفاوتة من مقالة إلى أخرى، لكننا نتلقى ثلاثين إلى أربعين جواباً من القراء معظمها إيجابية، والكثير منها يؤكد تأثر صاحبها بما قرأه في المقالة. وتصلنا أيضاً إثر نشر المقالات دعوات متكررة للتحدث عن الإسلام وقضايا الساعة في اجتماعات لغير المسلمين، وهذا أيضاً يبرز تأثيرنا في عقول الناس. هناك شيء آخر نقوم به وهو مراقبة البرامج والكتابات التي ترد في وسائل الإعلام عن الإسلام وشؤون المسلمين في أستراليا وغيرها؛ وذلك حتى لا تتسرب للناس أحكام أو أخطاء مشينة للإسلام. وقد حدث أن نددنا باثنين من أبرز الصحفيين الأستراليين وأشهرهم بين القراء من أجل سرقاتهم العلمية وتشويه أعمال الآخرين. وفي حالة أخرى كتبت صحفية سلسلة من المقالات ادعت فيها أن اغتصاب النساء يعتبر لدى شباب الرجال المسلمين في أوروبا علامة النضج. واستشهدت لذلك بعدد من الأكاديميين الأوروبيين. فاتصلنا بكل هؤلاء الأكاديميين وأرسلنا لهم مقالتها وطلبنا منهم التعليق على ما ادعته. فاستاؤوا لاستعمال كتاباتهم بقصد تشويه صورة الدين الإسلامي، وكتبوا ردودهم على مقالتها. فجمعناها وقدمناها لشبكة تلفزية أخرجتها في برنامج لمشاهديها. وكانت النتيجة أن الصحفية المذكورة خسرت كل مصداقيتها؛ لأنها حرفت كتابات الآخرين لتكريس مفهومها الخاطئ عن الإسلام. ورغم مرور سنتين على هذا الحدث ما زال الناس يذكرونه. وفي مناسبة أخرى نددنا بصحفي نشر باسمه بياناً صحفياً يعود إلى قوات الدفاع الإسرائيلية. وسبَّب هذا الحدث أيضاً ضجة وصلت حتى البرلمان؛ حيث استشهد به على أنه مثال للأحكام الخاطئة المتأصلة في مفاهيم هذا المعلق. البيان: هل يوجد تباين بين مواقف الحكومة الأسترالية والشعب تجاه المسلمين الأستراليين والمسلمين في كل أنحاء العالم؟ ? من الضروري أن نذكر أن الحكومة الأسترالية لم تسئ معاملة المسلمين بالطريقة التي ما زلنا نراها في الولايات المتحدة الأمريكية. هوجمت بعض المنازل إثر تفجيرات بالي، لكن في ما عدا ذلك التزمت الحكومة في معظم الأحيان الاعتدال. ولهذا السبب لم نشهد رد فعل شعبي عنيف ضد الحكومة. ونظراً لطبيعة الثقافة الأسترالية وللارتياب والنفور المتأصلين في الشعب تجاه الحكومة؛ فمن المنطق أن نتوقع ردود فعل شعبية عنيفة لو عمدت الحكومة لتعنيف الأقلية المسلمة. فحتى المهاجمات القليلة للمنازل اعتبرت ممارسات جائرة وقوبلت باشمئزاز شعبي ونقد لاذع للحكومة برز في الصحف اليومية بانتظام في رسوم كاريكاتورية. ولم تكن تلك الممارسات في الحقيقة جائرة مقارنة بما كان يحصل في أميركا ذلك الوقت. أما بالنسبة إلى موقف الشعب من السياسة الخارجية للحكومة فهناك معارضة صريحة وواضحة لمشاركة الحكومة في الحرب على العراق. فقد خرجت مظاهرة حاشدة ضمت مائتي ألف شخص يعارضون سياسة الدولة تلك. ويعتبر هذا العدد مرتفعا جداً وسابقة لا مثيل لها في التاريخ الحديث في مدينة لا يصل سكانها المليونين. وهذا دليل على العدد الهائل من المعارضين للسياسة الخارجية. البيان: وهل يستطيع الشعب التأثير في قرارات الحكومة؟ ? خلال المعارك الانتخابية تكون الحكومة أكثر تأثراً بآراء الشعب رغم أنها في هذه الحالة عادة ما تكون الموجهة للرأي العام لا التابعة له. مثال ذلك: قامت الحكومة في المعركة الانتخابية الأخيرة بتخويف الأستراليين من إمكانية «غزو» المهاجرين غير الشرعيين من أفغانستان والعراق لأستراليا. فقد لعبت بمخاوف الناس وأبرزت ما فيهم من شرور. واستطاعت بهذه الدعوى أن توجه الناس لانتخابها هي بدلاً عن المعارضة إذا كانوا يريدون قوانين صارمة وحكومة حازمة تقيهم شر ما قد يحدث. أما في الأوقات الأخرى فالدولة، مهما كانت اتجاهاتها، يسوسها ما يمكن تسميته «بالنخبة» . وهذا يعود جزئياً إلى عزوف الأستراليين العاديين عن التدخل في السياسة المتشعبة للدولة. وأما في السياسة الخارجية فالدولة مؤيد قوي لأميركا، وتناصر وجود تحالف عسكري معها. وقد تفوق في ذلك أية حكومة سابقة. ولعل هذا هو الاتجاه الذي يبدو أن معظم الأستراليين يعارضونها فيه. البيان: ربما يكون من المفيد أن نسمع منكم عن تأثير الحادي عشر من أيلول على المسلمين؟ وهل أثر ذلك في الدعوة؟ ? كان للحادي عشر من أيلول تأثير شديد على جماعات المسلمين سواء في أستراليا أو في الغرب؛ فقد أصبحوا في الواجهة بينما كنا قبل ذلك نواجه صعوبات جمة لنجد من بين الصحفيين من يريد سماعنا أو الكتابة عن مشاغلنا. هكذا فجأة اهتم كل الناس بنا. وقد أحدث لنا هذا التغير ارتباكاً في البداية؛ لأننا لم نكن مستعدين تماماً مثل جمع غفير نزلوا ضيوفاً في محل لم يكن مهيئا لاستقبالهم. واطلعت وسائل الإعلام عن كل مشاكل المجموعة الإسلامية وكتبت عن كل الانقسام وسوء التنظيم. وعلى أية حال فقد أيقظ الحادي عشر من أيلول اهتماماً بالمسلمين أذهل كل الناس. فجأة امتلأت المكتبات بكتب تتناول الإسلام بالدرس، وأصبح المسلمون يتعقبهم الصحفيون حيثما كانوا ليتكلموا؛ بينما كنا في السابق نجاهد بشراسة ليرانا الناس أو يسمعونا. وهذا شيء إيجابي أحكمنا استغلاله واستطعنا تكوين روابط مع وسائل الإعلام وتحسين وضعنا. وكلما كثر الحديث عن الإسلام والنظر فيه تتعزز الدعوة؛ لأن الكثير يكتشفون عند قراءتهم عن الإسلام أنه الدين الحق فيعتنقونه. لقد كان الأمر كذلك بالنسبة إلى الغرب، ولا أظن أستراليا قديماً أو الآن شاذة عن القاعدة؛ فقد كان الذين اعتنقوا الإسلام بعد الحادي عشر من أيلول بأشهر أكثر عدداً من الذين اعتنقوه في السنة السابقة، ونفد كل ما لدينا من مادة مطبوعة عن الإسلام وخاصة نسخ القرآن، ووجدنا أن الطلب يفوق العرض. من هذا المنطلق يعتبر الحادي عشر من أيلول إيجابياً جداً للدعوة في أستراليا. بالطبع تسبب أيضاً في مشاكل مثل التعسف والتفرقة العنصرية اللذيْن واجه بهما الناس المجموعة المسلمة. لكن، إحقاقاً للحق، فإن ما نتج عنه من فوائد في هذا البلد فاق ـ في تقديري ـ بكثير المساوئ التي نتجت عنه. البيان: رأيت أن عدداً كبيراً من الأستراليين يعارضون مساندة حكومتهم لأميركا. ما هي الأسباب السياسية والاقتصادية أو الاجتماعية وراء ذلك؟ وهل تعتقد أن أستراليا نظام تابع لأميركا؟ ? أولاً: يملك الأستراليون إحساساً قوياً بالحرية؛ فهم يرون أنفسهم مختلفين عن الشعوب الأخرى؛ وهذا يعني أنهم يتوقعون من حكومتهم أن تكون حرة؛ كذلك أن تأخذ قراراتها تبعاً لما يرى فيه الأسترالي مصلحة له. وعندما أعلنت الحكومة مشاركتها في الحرب على العراق عارضها الكثيرون إن لم نقل الأغلبية التي رأت في هذه الحرب عملية عديمة الجدوى ولا مصلحة لأستراليا فيها. أما العنصر الثقافي الثاني: فيتمثل في العداء التقليدي الذي يشعر به الأسترالي إزاء الأميركي. من الصعب أن نحدد مصدر هذا الشعور، لكن بعضهم يرجعه إلى القواعد الأميركية التي تمركزت خلال الحرب العالمية الثانية في أستراليا وجلبت مشاكل اجتماعية (كالمخدرات والأمراض الجنسية وغيرها) . وهناك أيضاً عنصر ثالث وهو أن الثقافة الأميركية والثقافة الأسترالية يتناقضان؛ فالأستراليون منكمشون ويتبعون فطرتهم، ولا يأخذون أنفسهم أو بلدهم بجد صريح. فلا توجد بينهم «وطنية» بالشكل المتعارف عليه في أميركا. إذا أنت نظرت إلى الصور الكاريكاتورية في الصحف فسترى الوزير الأول الأسترالي غالباً إما في صورة كلب يقوده جورج بوش حيثما شاء أو في صورة راعي البقر بجانب الشريف أو العمدة. هكذا يرى الكثير من الأستراليين زعيمهم تابعاً لأميركا. وقد شارك في هذه المعارضة لسياسة الدولة حتى الوزراء الأُوَل الذين سبقوه مثل مالكولم فريزر وآخرون غيره. وهذا مؤشر على أن السخط ضده متفش في كل طبقات المجتمع. فهل أستراليا نظام تابع؟ أعتقد أنها كذلك في عدة نواح؛ فرغم المعارضة الشعبية الواسعة للحرب ضد العراق، هذه الحرب التي مجها الناس وأصبحت قضية ملتهبة، أصرت الحكومة على المشاركة فيها. وآثر الوزير الأول علاقته مع أميركا على علاقته مع شعبه. البيان: هل تغير وضع الأستراليين بالنسبة إلى المعتقد عما كانوا عليه منذ مائة سنة؟ ? أستراليا تختلف عن أميركا في المعتقد. المسيحية في أميركا لها تقاليدها القديمة المتأصلة التي جعلت منها قوة موجهة في المجتمع. أما أستراليا فليست لها تلك التقاليد. ولذا فإن الأسترالي الأبيض العادي لم يكن قط متعصباً لدين، وقد تعززت هذه الظاهرة بمرور الزمن. يجب أن نذكر أن الأميركيين هاجروا إلى أميركا فراراً من الاضطهاد الديني، أما الأستراليون فقدموا إلى أستراليا بعدما تمت إدانتهم. والكنائس هنا كثيراً ما تشتكي تناقص مرتاديها، وفي السنوات القليلة الأخيرة وصل الأمر بعدد كبير من الطوائف الدينية الأساسية إلى بيع كنائسها. وهذا يؤثر بالطبع في الثقافة عموماً، ولا نستثني الثقافة السياسية. فأنت تجد في أميركا مساندة عظمى لإسرائيل وتطابقاً ذاتياً مع «القضية الإسرائيلية» لانتشار الفكرة الإنجيلية بأن إقامة إسرائيل شرط مسبق لرجوع المسيح. لا وجود لمثل هذه الفكرة في أستراليا، وهي في الحقيقة فكرة مضحكة في تطرفها وتفاهتها. ولذا فإن الأستراليين لا يساندون إسرائيل ويركزون آراءهم على ما يرون لا على ما يمليه عليهم الإنجيل. ولنفس السبب فإن الساسة الأستراليين نادراً ما يذكرون إسرائيل أمام الملأ، وقليل منهم يتجرأ على التصريح بتعاطفه تجاه إسرائيل كما هو الحال في أميركا. ومن جهة أخرى فإن طبيعة الدين في أستراليا قد تغيرت نظراً للهجرة، وأصبحنا نرى عدداً متزايداً من البوذيين. وهذا راجع للوافدين من جنوب شرقي آسيا بعيد نهاية حرب فيتنام. الإسلام ينمو بسرعة، وذلك يعود أساساً إلى الهجرة لكن الدعوة أيضاً عززت اعتناق الكثيرين للإسلام. الآن يوجد ثلاثمائة ألف مسلم في أستراليا من أصل عشرين مليون نسمة. البيان: وكيف تبدو ظروف هؤلاء المسلمين؟ ? ينبغي من البداية أن نعرف أن هذه المجموعة جديدة، وأن ٣٦% فقط منها مولودون بأستراليا. أما الباقون فمولودون وراء البحار، وجُلُّهم من حَمَلة الجنسيتين اللبنانية أو التركية. وهي أيضاً أقل ثقافة من الأقليات الأخرى وكذلك أخفضها تشغيلاً. فمن بين الرجال والنساء المسلمين القادرين على العمل ٧٠% من الرجال و٣٨% من النساء يشتغلون. و٤.٩% فقط من المسلمين لهم شهادات جامعية. ولهذا السبب نجد ما يقارب ٥٠% من المسلمين عمالاً غير متخصصين و٨.٥% فقط من أصحاب المهن. وهذا من شأنه أن يحد من إمكانيات تقدمهم الاجتماعي والاقتصادي في مجتمع مثل أستراليا. وينبغي أن نعمل على إصلاح هذا الوضع في المستقبل. البيان: هل للمسلمين من يتكلم باسمهم؟ ? إن هذه إحدى الحالات التي نجد فيها إحدى أهم ركائز الإسلام حيث تمثل إحدى أعظم التحديات. فالإسلام؛ خلافاً لليهودية والنصرانية، ليس له كهنة أو قساوسة، ولا وجود في الإسلام لمفهوم القس الذي يدير الشؤون الدينية لشخص معين بالوكالة، أو الذي يتكلم باسم الإله وبنفس السلطة والحسم. ولهذا السبب لم يكن للدين الإسلامي تلك الغطرسة التي وسمت هياكل الديانات الأخرى على مر الزمن. وكيفما كان الحال فإن الحكومة ووسائل الإعلام في نظام مدني كالذي يدير أستراليا تتوقع أن كل دين يتمتع «بصوت واحد» . ولذا فإنهم إذا أرادوا التعرف على رأي الكاثوليك يتوجهون إلى رئيس الأساقفة، وإذا أرادوا رأي اليهود يتوجهون إلى الحاخام الأكبر. وقد حاول بعض المسلمين في أستراليا سد هذه الثغرة وابتدعوا وظيفة المفتي الأكبر الذي أحاطوه بمستشارين عدة ولهم ألقاب غير رسمية. لكن ولسوء الحظ لم ينطق أي من هؤلاء باسم المجموعة الكبرى، واكتفى كلٌّ بتمثيل مجموعته أو طائفته وتجاهل الآخرين تجاهلاً يكاد يكون تاماً. هذه مشكلة؛ والحل يكمن في إعلام المجموعة الكبرى أن المسلم إذا تكلم فهو لا يمثل كل الإسلام أو المسلمين؛ فعندما يقف أحدهم ـ مثلما حصل ـ وينسب أقوالاً أو أفعالاً للشيخ محمد بن عبد الوهاب أو غيره من علماء المسلمين ينبغي أن تفهم المجموعة الكبرى أن ذلك الرأي ليس القول الفصل. كذلك إذا قام أحد الناس ودافع عما حصل في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر مثلما فعل بعض الزعماء، فينبغي على المجموعة أن تأخذ كلامه مأخذ الاحتمال لا الحسم. صحيح أنه في مجتمع متنوع مثل أستراليا من الطبيعي أن يكون المسلمون منقسمين إلى طوائف مختلفة في آرائها يستحيل أن يكون لها رائد وحيد. ما نفعله ونحاول فعله هو أن نقدم الرأي بعد التأكد من أنه يمثل الرأي الإسلامي الموثق لأهل السنة والجماعة. وهذا يزعج بعض الطوائف الأخرى أحياناً؛ لكنني أعتقد أن واجبنا الأول يكمن في تقديم الحقيقة كما نراها. البيان: تحدثتم عن الإقبال الكبير للتعرف على الإسلام، فكيف يحصل الأسترالي العادي وغير المسلم على معلومات عن الإسلام؟ ? يحصل الأسترالي العادي على معظم معلوماته عن الإسلام من وسائل الإعلام. والتحدي الحقيقي بالنسبة إلى الأسترالي المسلم يكمن في الطريقة التي تمكنه من معلومات إيجابية عن الإسلام ما دامت المعلومات المتاحة له أغلبها سلبي. الأستراليون يميلون بطبعهم إلى التشكيك في زعمائهم ووسائل إعلامهم؛ ولهذا فإن الكثير منهم لا يثقون في ما يقرؤونه، بل يحاولون تقصي الحقائق بأنفسهم. وكان هذا ما شهدناه في الإقبال المفرط على طلب المعلومات عن الإسلام إثر الحادي عشر من أيلول؛ وهذا مؤشر إيجابي يمنحنا فرصة ذهبية للتقدم في الدعوة. الأستراليون مقبلون على الإسلام، والعجب أن معظم هؤلاء نساء. يبدو هذا مذهلاً؛ لأن الكثير مما يؤخذ عن الإسلام في هذا المجتمع هو الفكرة التي يروجها خصومه عن رؤيته للمرأة والادعاء بأنه هاضم لحقوقها. والمنظمات النسائية تجد حرجاً كبيراً الآن في مواجهة هذه الحقيقة ورؤية أخواتهن متحمسات لاعتناق الإسلام. أما السبب الأساسي لاعتناق الأستراليين للإسلام فهو مَلْء الفجوة الروحية الكبرى التي يشعر معظمهم بها؛ فهم يقضون حياتهم يبحثون عن مخدر يطفئ ذلك الإحساس، ويجدون ملجأً في الكحول أو ارتياد الملاهي مثل قاعات السينما والموسيقى، وبالتأكيد لا يجدون في النهاية ضالتهم في أي من هذه المسليات، وينتهي الأمر بالكثير منهم إلى الدين. والأستراليون عندما يبحثون عن الدين يتجه جُلُّهم إلى أديان أخرى غير المسيحية التي سبق أن أُتخموا بها، ويكون آخر مطافهم الإسلام. البيان: كيف يتعامل مسلمو أستراليا مع الفكرة الرائجة في وسائل الإعلام أن المسلمين في أستراليا يجب وضعهم تحت المجهر؟ ? نحن نرحب بفحص وسائل الإعلام للإسلام شريطة أن تكون عادلة، وأن تعترف بوجود فرق بين الإسلام والمسلمين؛ إذ من المهم أن تفرق بين ما جاء به الإسلام وبين ما يصدر عن بعض معتنقيه أحياناً من أفعال. إن كل إشهار في الحقيقة مفيد بعض الشيء. لقد حاولت وسائل الإعلام تشويه صورة المسلمين إلى حد بعيد إثر الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، واعتقد بعض أن الناس سيكرهون الإسلام، لكن العكس هو الصحيح ولله الحمد؛ فبقدر الشراسة التي أبدتها وسائل الإعلام في شجب الإسلام كانت رغبة الناس في معرفة فحواه، وكان الطلب على الكتب والأشرطة المسجلة والوسائل الإعلامية الأخرى حول الإسلام لا يصدق. أعتقد أن لا وجود لشيء في الإسلام لا يمكن الدفاع عنه أو شرحه بطريقة تجعل أي إنسان منصف يقبله. وما دام الأمر كما ذكرت فإنني لا أتهرب أبداً من مناقشة أكثر القضايا إثارة للجدل مثل دور المرأة في الإسلام أو منعه الاختلاط بين الجنسين أو حتى فكرة أهل الذمة تحت دولة مسلمة. يمكن مناقشة كل من هذه القضايا من وجهات نظر اجتماعية واقتصادية وسياسية وعلمية وبطريقة واضحة وشاملة دون الالتجاء لتسوية تطمس فيها الحقيقة. وهذا هو المجال الذي أعتقد أن عملنا فيه هام وفريد في المجتمع الأسترالي. البيان: المسلمون في أستراليا يحاولون الاندماج في المجتمع الأسترالي، فما التحديات التي يواجهونها؟ ? إنهم يواجهون تحديات عديدة. التحدي الأول والظاهر هو كيفية ملاءمة المعتقدات الإسلامية مع متطلبات مجتمع مدني حديث. مثال ذلك: إلى أي مدى وبأي طريقة يستطيع المسلمون الأستراليون المشاركة في النظام السياسي المدني؟ هل نرشح مسلمين للبرلمان؟ هل نشارك في الانتخاب؟ هل ندعم أحزاباً سياسية؟ هذه كلها مسائل تنتظر الحل. وأهم من ذلك كله ينبغي أن نحاسب أنفسنا ونعترف بنقائصنا الأساسية. فالمسلمون هنا لم يعتبروا أبداً الاندماج الواعي في المجموعة الكبرى ضمن أولوياتهم؛ ولهذا السبب ما زلنا نجد في مدن كبيرة مثل سدناي أكواخاً حيث يقضي الشخص نهاره وينام ليله دون الإحساس بحاجة لاستعمال اللغة الإنجليزية أو حتى للتعامل مع شخص آخر غير مسلم. وقد أوجد هذا السلوك شعوراً عدوانياً لدى غير المسلمين الذين أصبحوا يعتبروننا «أجانب» و «غرباء» ، وليس هذا مفيداً للدعوة. إننا نحتاج إلى الاندماج، ولست أعني بذلك الانصهار أو الذوبان. كل ما أعنيه هو أننا نحتاج إلى العمل مع المجموعة الكبرى وإلى مشاركتها حياتها بالقدر الذي نستطيع؛ لكن ليس علينا أن نفرِّط في ثقافتنا أو في قيمنا لإرضاء الآخرين. سأورد لك مثالاً من الواقع: منذ سنتين نظمنا مجموعة من الشباب المسلمين للالتحاق بالمشفى المحلي والمساعدة في بناء جناح جديد معد للمراهقين. وكان هذا سلوكاً دعوياً ناجعاً؛ لأنه بمثابة إرسال رسالة لكل الناس بأننا نريد النهوض بالمجتمع وبأننا نرفض أن نكون مجرد حمل ثقيل يستفيد بكل شيء ولا يفيد في شيء. إن أعمالنا هي أنجع طريقة للدعوة، وعلينا أن نندمج إذا أردنا أن نظهر للمجتمع شخصية المسلم الرائعة وفوائد الإسلام العظيمة. البيان: كيف ترى مستقبل الإسلام في أستراليا؟ ? المستقبل بالنسبة إلى الإسلام في أستراليا واعد بعون الله؛ فالكثير من الأستراليين يعتنقون الإسلام. ما زلنا نواجه بعض المشاكل مع الدولة لكننا نستطيع ممارسة ديننا والدعوة إليه بحرية. أعتقد أن هذا الجيل عندما يؤصل نفسه شيئا فشيئا سيصبح الإسلام أقوى مما هو عليه الآن. كان الجيل السابق جاهلاً ومتشبثاً بالتقاليد الثقافية، لكن هذا الجيل يميل إلى تطبيق الإسلام على منهجية السلف، وهذا مفيد للدعوة كما هو مفيد للمجموعة. وكلما أصبحت المجموعة أكثر تعلماً نما ثراؤها، ونأمل أن يحسن ذلك مستوى البنية التحتية في البلاد. أنا متفائل جداً بمستقبل المجموعة هنا، وأدعو الله أن يجعل مسلمي هذا البلد وسيلة تقود الناس للإسلام ولا تنفرهم منه. علينا أن نتذكر بأن ديننا لا يقوم على ما تحتويه الكتب لكن على سلوك معتنقيه ومعاملتهم للآخرين بمقتضى ما في تلك الكتب من الخير للعالمين.

стр. 4968

أمريكا المريضة أ. د. جعفر شيخ إدريس الولايات المتحدة صاحبة أكبر قوة اقتصادية، وأكبر ترسانة حربية، وأوسع إمكانات إعلامية، لكنها مع ذلك مصابة بداء عُضال لا تجدي معه كل هذه القوى وغيرها من إنجاء الأمة مما يصيبها من الهلاك، داء يعلم به ويعترف به كثير من أهلها ويسمونه بالانتحار، وهو اسم مناسب؛ لأن قوة المنتحر لا تعصمه من الانتحار بل قد تعينه عليه. إنه الداء الذي فضحه سجن أبي غريب، داء التدهور الخلقي الجنسي المتسارع. لقد حاول المسؤولون الأمريكان ومن شايعهم من غيرهم أن يبرئوا الشعب الأمريكي مما حدث، وأن ينكروا أن يكون ذلك الاستمتاع الحيواني بتعذيب المسجونين تعذيباً مرتبطاً كله بالجنس معبراً عما أسموه بالقيم الأمريكية. لكن الحقيقة أن ما حدث لا يمكن أن ينفك عن ذلك الداء العضال الذي تعاني منه الحضارة الغربية كلها، والذي تعمل على نشره في أنحاء العالم كله بما في ذلك العالم الإسلامي. من أين يا ترى أتى أولئك الفتيان والفتيات الذين ارتكبوا تلك الجرائم الفاحشة، وما نوع التربية التي تلقوها؟ يجب أن لا ننسى أنهم تخرجوا جميعاً في مدارس أمريكية لا ذكر فيها لدين ـ أياً كان ـ ولا خلق، ولا فصل فيها بين فتيان وفتيات، ولا إلزام فيها بلباس إلا منع العري الكامل؛ مدارس يتعلم فيها هؤلاء المساكين أن الزنا ليس فاحشة، والشذوذ ليس شذوذاً؛ وإنما هو ميل فطري، وأن الممارسات الجنسية أياً كانت ليس فيها ما يستحيى منه، بل إنما هي نوع من التحرر، وإنهم أبناء بيئة يكاد أمر الجنس يستغرق فيها حياتهم كلها؛ فهو الغالب على الأفلام التي يشاهدون، والقصص التي يقرؤون، والأحاديث التي بها يتلهون، والنكات التي منها يضحكون، والموسيقى والأغاني التي لها يطربون، ومواقع الشبكة التي فيها يصولون ويجولون، والدعايات التي لها في كل حين يتعرضون. ويجب أن لا ننسى كذلك أنه ليس فيما ارتكبه أولئك الفتية ما تنكره قيم بلادهم سوى أنهم أكرهوا المسجونين عليه. أعني انه ليس في قيم الحضارة الغربية ما ينكر أي نوع من الممارسات الجنسية بكل أنواعها حتى مع الأقارب إذا كان عن رضى، وإنما الجريمة أن يمارس بغير رضى حتى مع زوجة. ولعلكم تذكرون أنهم لم يجدوا شيئاً يأخذونه قانوناً على رئيسهم السابق فيما فعله مع تلك الفتاة سوى أنه كذب عليهم. لكن الله ـ تعالى ـ لم يحرم ما حرم من الفواحش عبثاً، وإنما حرمها لما ينتج عنها من آثار ضارة بل ومدمرة لكل أمة تصر على الاستمرار فيها. وكثير من علماء الاجتماع الغربيين يعرفون بعض هذه الآثار ويحصونها، لكن الكثيرين منهم يظلون إزاءها حائرين بائرين لا يدرون ما يصنعون. وقد كنت كتبت في هذه المجلة المباركة مقالين لخصت فيهما كتاباً للمؤلف الأمريكي الشهير (فوكوياما) أرجع فيه أسباب التفكك الاجتماعي الذي تعاني منه الدول الصناعية كلها إلى تفكك الأسرة، وأرجع تفككها إلى الخيانات الزوجية التي أدت إليها أسباب ثلاثة: ١ - فكر شاع في الثمانينيات يشجع الممارسات الجنسية غير المقيدة باعتبارها نوعاً من الحرية. ٢ - حبوب منع الحمل. ٣ - اختلاط الرجال بالنساء في أماكن العمل. لكنه نسي شيئاً أهم من هذا كله هو ضَعف الوازع الديني الذي أدى إليه تغلغل العلمانية. وإذا كان (فوكوياما) إنما يكتب باعتباره عالم اجتماع يسجل ولا يميل إلى النقد أو التوجيه؛ فإن بعض المتدينين والحادبين على الأخلاق يعبرون عن سخطهم الشديد لما آل إليه أمر بلادهم. فهذا هو أحدهم يقول: «إن معظم العالم اليوم يتأمرك بسرعة؛ لكن عبارة (تأمرك) صارت تعني يمارس الزنا واللواط ومنع الحمل والإجهاض والقتل الطبي» (١) . وإذا كان هذا الفيلسوف الكاثوليكي يعبر عن أسفه لما آل إليه أمر بلاده، فإن الطبيبة (مج ميكر) المختصة بالمراهقين تنادي أمتها بحقائق مقلقة؛ ولكن لا حياة ـ فيما يبدو ـ لمن تنادي. تعلن هذه الطبيبة على غلاف كتابها المسمى: (الوباء) (٢) ، أن الأمراض المنتقلة عن طريق الممارسات الجنسية تصيب ثمانية آلاف مراهق في كل يوم (وهي تتحدث عن أمريكا وحدها) ، وتذكر من تفاصيل هذه الممارسات وسعة انتشارها وسيطرتها على حياة هؤلاء المساكين ما يثير الغثيان. وهي لا تقصر دراستها على الأمراض الجسدية، بل تتعرض لما تسببه من أمراض نفسية. وتخلُص من دراستها إلى أنه لا وقاية من هذه الأمراض إلا بالكف عن الممارسات الجنسية مع غير الزوجة. لكنها تشكو خلال كتابها من أنه مع ظهور ما ذكرت من حقائق علمية فإن الثقافة السائدة ـ بل وتوجيهات المسؤولين التربويين ـ تغري الشباب بهذه الممارسات غير المنضبطة. وتوافقها على هذه الشكوى امراة مشهورة هي الدكتورة (لورا اشلسنجر) إذ تقول في تقريظها لهذا الكتاب: «إن أولادنا يسمعون من شخصيات مرجعية مثل الأطباء والمعلمين ورجال الدين أن لهم الحق في تعبيراتهم وتجاربهم الجنسية. يقال لهم: إن أنواع السلوك هذه مفيدة لهم، وأنها لا تؤذيهم. لكن نفسياً وروحياً وطبياً فإن كل هذه أكاذيب» ثم تنصح الوالدين بقراءة هذا الكتاب لينقذوا أولادهم. ويزداد فهمنا لخطر هذه الإباحية حين ندرك أن سنن الله الاجتماعية تربط بين كل أنواع الشرور؛ فكأنها كلها آخذ بعضها برقاب بعض كلما دُعِيَتْ واحدة منها أتت ومعها بعض أخواتها. ولهذا فإن ربنا يصف عباد الرحمن بأنهم: ﴿لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] . فطلاب المدارس والجامعات في أمريكا لا يمارسون تلك الأنواع من الانحرافات الجنسية فحسب، بل يتعاطون معها المخدرات، ولا يبالي كثير منهم بإلحاق الأذى الجسدي بزملائه ـ بل وأساتذته ـ من الذكور والإناث؛ حتى إن الأساتذة لا يدخلون الفصول في بعض المدارس إلا وهم مسلحون! وأنت لا تستغرب هذا حين تقرأ في كتاب ربك أن قوم لوط لم يكونوا يأتون في ناديهم المنكر فحسب، بل كانوا يقطعون السبيل، وكانوا يُخرِجون من قريتهم كل أناس يتطهرون. قل لي بربك: أي الفريقين اوْلى ـ مع هذا ـ بإعادة النظر في مناهجه الدراسية وفلسفته التربوية؟ قد يحتج قائل بأن ما ذكرناه ليس قاصراً على أمريكا؛ بل إن بعضه يوجد في غيرها ولا سيما إسرائيل. ونقول: نعم! وقد يقولون: إن شيئاً منه يوجد حتى بين شباب المسلمين. ونقول أيضاً: نعم! بل نقول: إن هذه الانحرافات هي من نتائج الثقافة الجاهلية، وأن الشياطين توحي بها إلى أوليائها وحياً مباشراً، ولا تُحْوِجُهم إلى أن يقلدوا فيها غيرهم. ألم يقل الله ـ تعالى ـ محذراً عباده: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧] ؛ فهذا هو السبب الأساس للميل للتعري في كل الثقافات الجاهلية. لكن مشكلة الغرب أن شياطين الإنس فيه انضموا إلى شياطين الجن في دعوتهم الناس إلى هذه الفواحش وتصويرها على أنها من مقتضيات العصر التي لا يكتمل تحضر أمة إلا بها. لذلك قد تجد نساء عفيفات يُخدَعن بهذه الحجة فيكشفن شعورهن وصدورهن، وما علمن أنهن بهذا يبدأن الخطوة الأولى في الانحدار إلى نوع تلك الهاوية التي ينحدر إليها الغرب.

стр. 4969

الإسلاميون كيف ينظرون إلي المستقبل ؟ إعداد: أحمد فهمي لا نبالغ إذا قلنا إن ملايين الإسلاميين العاملين للإسلام في شتى أنحاء الأرض لا يشغلهم شيء الآن بقدر ما يشغلهم مستقبل العمل الإسلامي في ظل أوضاع متوترة وظروف متغيرة، وفي ظل عجز تام عن التنبؤ بالأحداث القادمة حتى في مدة قصيرة، وحتى الولايات المتحدة التي تملك أعرق وأضخم مراكز الدراسات المستقبلية أصبحت سمعتها هذه من الماضي، ولكن بالنسبة للإسلاميين الأمر يختلف نوعاً ما، فلديهم معطيات ومعايير ربانية لا يملكها غيرهم يمكنهم بواسطتها توقع الأحداث بصورة أكثر دقة من غيرهم. وسعياً لتلبية هذه الرغبة العارمة لدى الإسلاميين نقدم هذا التحقيق الذي يتضمن عرضاً لرؤية مستقبلية لنخبة من قادة وعلماء ومفكري وناشطي العمل الإسلامي، وهذه الرؤية هي إجابة على ستة تساؤلات طُرحت على المشاركين في التحقيق تتناول بعض القضايا الهامة في العمل الإسلامي، وقد كانت المشاركات متميزة طرح فيها الضيوف أفكاراً جديدة وتصورات تثبت مواكبة كثير من الإسلاميين للظرف ومعايشتهم وإدراكهم لمشكلات العمل الإسلامي. وهذه هي أسماء المشاركين: - الأستاذ علي صدر الدين البيانوني: المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا. - الأستاذ قاضي حسين أحمد: أمير الجماعة الإسلامية في باكستان. - الشيخ أبو زيد حمزة: نائب رئيس جماعة أنصار السنة، السودان. - الشيخ حامد البيتاوي: رئيس رابطة علماء فلسطين وخطيب المسجد الأقصى. - الدكتور منير محمد الغضبان: مفكر إسلامي سوري. - الدكتور محمد أبو رُحَيِّم: كلية الشريعة، الأردن. - الأستاذ كسال عبد السلام: نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحركة الإصلاح الوطني الجزائرية. - الأستاذ عبد الرزاق مقري: رئيس الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السلم «حمس» الجزائرية. - الأستاذ محمد جهيد يونسي: نائب في البرلمان ومسؤول السياسة والعلاقات في حركة الإصلاح الجزائرية. - الدكتور أحمد أبو حلبية: أستاذ الحديث بكلية أصول الدين الجامعة الإسلامية بغزة، ونائب رئيس رابطة علماء غزة. - الدكتور سالم سلامة: أستاذ الحديث بكلية أصول الدين الجامعة الإسلامية بغزة، ورئيس رابطة علماء غزة. - الدكتور ماهر الحولي: كلية الشريعة الجامعة الإسلامية بغزة، وأحد مسؤولي الحركة الإسلامية بالقطاع - الشيخ خالد حمدان: أحد قيادات الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني ومدرس بكلية الدعوة. - الشيخ أحمد الحج: من قيادات حركة الإخوان المسلمين في فلسطين. - الأستاذ صالح لطفي: باحث في مركز الدراسات المعاصرة، الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني. وقبل استعراض محاور التحقيق نشير إلى بعض الملاحظات: ١ - هذه الرؤية ليست رؤية قادة أو علماء أو مفكرين أو ناشطين في العمل الإسلامي، بل هي رؤية جمعية تشمل هذه الشرائح كلها. ٢ - هذه الرؤية يمكن اعتبارها أحد التطبيقات العملية لقوله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] ومن ثم تقتصر فقط على الشؤون الداخلية للحركات الإسلامية. ٣ - هذه دعوة إلى المهتمين بالقضايا المستقبلية للعمل الإسلامي لكي يثروا النقاش بمقالاتهم أو دراساتهم سعياً لتنمية الوعي المستقبلي لدى الإسلاميين. _ أولاً: ما هو مستقبل التعاون والتنسيق بين الحركات الإسلامية في الأفكار أو المواقف أو المناهج؟ يقول الدكتور محمد أبو رحيم: إن «الحركات الإسلامية السنيّة الحديثة حركات يحكمها قاسم مشترك؛ فهي تدعو إلى الكتاب والسنة، وتحكيم الشريعة الإسلامية، وتتصدى للمذاهب الفكرية المعاصرة» ولذلك فإن الحديث عن التعاون بين هذه الجماعات يستند إلى أسس راسخة، ويعتبره الأستاذ علي البيانوني: «أمراً ملحّاً يرقى إلى مستوى الواجب الشرعي الذي لا يجوز التهاون فيه» . ويقول الأستاذ قاضي حسين إنه: «أمر يحتمه الإيمان والعقيدة، وتفرضه متطلبات العمل ومقتضيات الفقه السياسي» . ويؤكد الأستاذ البيانوني الضرورة الواقعية للتعاون بين الجماعات في مواجهة «التحدّيات التي تواجه الأمة الإسلامية على كافة الأصعدة» ولحماية «الصحوة الإسلامية المعاصرة ورعايتها وترشيدها، وحمايتها من التطرّف والانحراف، ولتبادل الخبرات والاستفادة من مختلف التجارب، ومواجهة الحملة العالمية المعادية للإسلام» . ولكن يتفق كثير من الإسلاميين على أن ما هو واجب خلاف ما هو واقع؛ فقد «أصاب حركاتنا الإسلامية ما أصاب الأنظمة والحكومات المتشرذمة، وما أصاب كذلك الأحزاب والتنظيمات العلمانية والقومية» كما يقول الشيخ حامد البيتاوي، ولذلك يقول الدكتور أبو رحيم إن «هذا الأمل ـ التعاون ـ ممكن من الوجهة النظرية إلى حد ما؛ بيد أن الزحف به نحو التطبيق العملي على مستوى الحركات نفسها متعثر» ويذكر بعض الأسباب والأمثلة العملية: «غدت عبارة: نحن أولاً، شعاراً يروَّج له في الداخل بقوة، حتى وصل ببعضهم إظهار التعاطف مع الحركات الرديفة له على حياء في حال تعرضها للإجهاض، وبعضهم أظهر مساندته للباطل من غير خجل ولا حياء، بل إن بعضهم لا يسوِّغ عملية الإنقاذ ولو كانت تحت قدرته إلا للأتباع، وأما من لم يكن منهم فلا يلتفت إليه، ولا يجدون بأساً من قراءة الفاتحة على روحه، مع عدم جوازها شرعاً» . ويشير الدكتور منير الغضبان إلى صور قليلة للتلاقي بين الجماعات منها «المظهر الذي يمكن أن يدل على فهم الأفكار والمواقف لا على التنسيق والتعاون وهو من خلال المجلات الإسلامية العامة (المجتمع ـ البيان ـ وغيرهما) أما التنسيق فقد يبدو على مستوى جزئي بين حركتين أو أكثر بحكم المجاورة والضرورة» ، وينبه الأستاذ كسال عبد السلام إلى معنى قريب بقوله إن: «بادرة التعاون تظهر بين الحركات في الأقطار المختلفة أكثر منها في القطر الواحد، لسببين: ربما التنافس وما يدخل في إطار الاختلاف المشروع (اختلاف التنوع) ، أو دافع الزعامة والتزعم» . وإذا ما أخذنا الواقع الجزائري كمثال للواقع الإسلامي فسنجد أن «التنسيق أو التعاون الإرادي في العمل والمواقف بين فصائل الحركة الإسلامية في الجزائر يكاد ينعدم، إذا ما استثنينا التقاطع ـ غير الإرادي ـ الحاصل في النشاط الميداني المتعلق بقضايا الثوابت الحضارية للشعب الجزائري من دين ولغة وانتماء حضاري، أو ما تعلق بقضايا الأمة الأساسية، وأعني بها قضية الأمة المركزية (قضية فلسطين) و (قضية العراق) والتي لا يختلف عادة حولها اثنان» كما يؤكد النائب الإسلامي جهيد يونسي. وفي محاولة لتحليل الأسباب المعوقة للتعاون بين الحركات الإسلامية في الأفكار والمواقف والمناهج. يقول النائب الإسلامي عبد الرزاق مقري: «أنسب فضاء للتنسيق والتعاون هو أولاً: الأفكار؛ باعتبار أن الحركات الإسلامية لها أهداف عامة واحدة، ولها غايات كبرى متفق عليها، وهي التمكين لدين الله تعالى » ، ثم يضرب مثالاً بالواقع الجزائري مرة أخرى فيقول: «في الجزائر التوافق قائم بين فصائل الحركة الإسلامية فيما يخص قانون الأسرة، وحينما نتحدث عن ضرورة العمل من أجل حماية الثوابت الإسلامية وعدم علمنة الدستور الجزائري وعدم علمنة المجتمع الجزائري والوقوف ضد سياسات الإفساد، فإن الحركة الإسلامية كلها متفقة بخصوصها» . فما الذي يحدث الخلاف بصدده إذن؟ يضيف عبد الرزاق مقري: «الذي يبقى غير متوافق بينها في اعتقادي هي المناهج، مناهج التغيير؛ فالحركة الإسلامية متوزعة إلى مدارس مختلفة معلومة ومتنوعة» . ويلخص الشيخ أبو زيد حمزة أسباب التفرق في جملة واحدة: «الجهل والابتداع في الدين والبغي» ، بينما يفصل الأستاذ قاضي حسين الأسباب إلى داخلية وخارجية، فيرجع الأخيرة إلى أساليب الاستعمار الذي «يضخ كل الإمكانيات المادية والسياسية لتأجيج أُوار الفتنة» أما الداخلية فيقول إن «بعض القيادات تنشأ لديها الشدة في مواقف تصل بعض الأحيان إلى العصبية» ثم يذكر مثالاً على ذلك: «فالقضية الأفغانية كانت محل إجماع لدى المسلمين جميعاً من حيث رفض الاحتلال، ولكنها كانت محل خلاف بين الحركات الإسلامية من حيث دعم الأحزاب الجهادية المختلفة، والحالة نفسها تكررت للأسف فى الجزائر وفي السودان» ، وهو ما عبر عنه الأستاذ البيانوني بأن هناك عقبات «تتعلق ببنية الحركات الإسلامية نفسها» . وإذا كانت هذه هي صورة الحاضر؛ فكيف ينظر الإسلاميون إلى مستقبل التعاون بين الحركات الإسلامية؟ يقول الأدكتور منير الغضبان: «إذا أردنا ان ندرس المستقبل على ضوء الواقع فالأمل ضعيف؛ إذ إن مطارق المحنة التي تنزل ببعض الحركات الإسلامية أو الخوض في غمار التجربة السياسية في بعضها الآخر يجعل الحركة منكفئة على ذاتها، وقلَّما تستفيد من التجارب السابقة، ولا شك أن هذا من ضعف الوعي عند هذه الحركات» . ويحاول الشيخ خالد حمدان أن يطرح مسوغاً واقعياً قوياً لتنسيق المواقف، فيلفت الانتباه إلى أن: «أعداء الإسلام في تعاملهم مع الحركة الإسلامية ما عادوا يميزون فيما بينها من خلال طروحاتها ومناهجها ومواقفها؛ فالكل عندهم سواء؛ فالذي لا يحارب في العلن يحارب في الخفاء، والذي لا يحارب في ساحات المعارك والجهاد، يحارب في ساحات الدعوة والعمل الخيري، بالتضييق أو الحصار أو الاعتقال» . ويتفق أغلب المشاركين على أن هناك آفاقاً مستقبلية جيدة للتعاون بين الحركات الإسلامية، بل يؤكد الأستاذ قاضي حسين أنه بدأ يرى الآن: «تجانساً وتكاملاً بين الحركات بل بين معظم التيارات الإسلامية؛ لأن الخطر يهدد الجميع ويهدد الوجود» . ويقدم النائب عبد الرزاق مقري تفسيراً آخر للتفاؤل: «في الماضي كانت هناك مسلَّمات عند بعضهم لا يمكن نقاشها على الإطلاق، الواقع الآن صقل هذه التجربة، وأقنع الجميع بأن منهج الوسطية والاعتدال بإمكانه أن يصل إلى تحقيق الغايات الكبرى؛ ولذلك فرص التعاون أصبحت ممكنة جداً» ، ويقدم الدكتور أحمد أبو حلبية مثالاً واقعياً: «أعتقد أن كثيراً من هذه الجماعات تسير في هذا الاتجاه خاصة في فلسطين» . ولكن بعض الإسلاميين يضع شروطاً لتحقق ذلك بالصورة المطلوبة، فيقول الشيخ أبو زيد حمزة:» إذا أردنا مستقبلاً للتعاون بين الجميع، فهذا يتطلب جملة أمور من أهمها: الرجوع إلى الكتاب والسنة على منهج سلف الأمة، والصدق في دعوى الوصول إلى التعاون والتنسيق؛ فلا ينبغي مثلاً رفع هذا الشعار دون معرفة أسباب التفرق والاختلاف والسعي إلى إزالتها؛ لأن الجمع كيفما أتفق يؤدي إلى مزيد تفرق وشتات» . ويلقي النائب يونسي بالكرة في ملعب الإسلاميين بالقول إن: «التعددية الإسلامية يمكن الاستفادة منها وتحويلها إلى قوة تكامل تدفع بالمشروع الإسلامي إلى الأمام» . لكن في المقابل يرفض الباحث الإسلامي صالح لطفي هذا التفاؤل، ويقول:» إني غير متفائل من المستقبل في هذا الباب تحديداً؛ لأن ما يحصل في الأمة على وجه العموم ينعكس بشكل أو بآخر على جماعات العمل الإسلامي» كما يدعو من هذا المنطلق أهل المسؤولية في العمل الإسلامي إلى التساؤل: «إلى أي حد اجتهدت الحركة الإسلامية اجتهاداً فعلياً للتمكين للإسلام كدين لا كحركات؟» . _ ثانياً: هل حدث تراجع في العمل الدعوي التربوي في السنوات الأخيرة؟ وما هي الأسباب إن وجدت؟ تباينت وجهات النظر في الإجابة على هذا السؤال إلى ثلاث اتجاهات: الأول: يمثل أغلبية الأشخاص والدول يؤيد حقيقة تراجع العمل الدعوي التربوي. والثاني يضم فلسطين وباكستان، ويؤكد على ازدهار العمل الدعوي التربوي، ويقول الدكتور أبو حلبية في ذلك: «انتفاضة الأقصى شجعت الجانب التربوي والدعوي أكثر، وزادت أعداد الناس المقتنعين بالفكر الإسلامي، والمساجد خير شاهد» . والثالث: ينتصف الطريق فلا هو ازدهار ولا تراجع، فيصفه الأستاذ أحمد الحج بأنه «لم يحدث تراجع وإنما تباطأ العمل» ويصفه الأستاذ صالح لطفي بأنها «حالات من المراجعات وليس التراجع» ، ويفض الأستاذ علي البيانوني هذا الاشتباك بالقول إنه: «لا يمكن التعميم في الإجابة على هذا السؤال؛ إذ إنّ مستوى العمل الدعويّ والتربويّ، ودرجة تقدّمه أو تراجعه، ليست واحدة في كلّ الأقطار، لكن من المؤكّد أنه تراجع في بعض الأقطار خلال العقدين الماضيين» . ويقدم مؤيدو الاتجاهين الأول والثالث مجموعة من الأسباب التي أدت إلى هذا التراجع أو التباطؤ أو المراجعات، بعضها داخلي يعود إلى الحركات الإسلامية نفسها، وبعضها الآخر ينسب إلى الظروف المحيطة، ويذكر الدكتور منير الغضبان من الأسباب الداخلية: «تحمل الحركة عبء العمل الدعوي والتربوي من جهة، وعبء العمل السياسي، وكلاهما أمران منفصلان لا يمكن الجمع بينهما إلا على حساب أحدهما» ولكن هذا السبب يعتبره النائب يونسي ظرفاً جبرياً أوجب على الحركة أن ترجح الجانب السياسي كاختيار إيجابي، فيقول إن: «التحول الحاصل في العالم وفي مجتمعاتنا فرض الاهتمام هذه الأيام بالبعد السياسي؛ فلم يكن بوسع الحركات الإسلامية أن تتأخر عن هذا الميدان، وإلا حكم عليها بالانطوائية والانعزالية والتخلي عن مواكبة التغيرات الجذرية» . ويقدم الدكتور الغضبان سبباً آخر للتراجع لدى الحركات الإسلامية وهو «انشغالها بنفسها في خلافات داخلية أو معارك فيما بينها من المحق ومَن المبطل؟ ومحاولة السيطرة على الساحة والتنازع يقود إلى التلاشي؛ ففي المنطق الرياضي تنابز القوى الإيجابية تكون المحصلة فيها صفراً؛ فكذلك في المنطق الإسلامي تكون المحصلة صفراً ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] ) . ويضيف الأستاذ كسال سبباً آخر وهو «الالتفات إلى التأسيس والبناء الهيكلي - للحزب - كرهان أساسي لوجود هذه المظلة للعمل الإسلامي» . أما الأسباب الظرفية التي أثرت على العمل التربوي فكثيرة، يذكر منها الأستاذ البيانوني: «تخوّف بعض الحكومات من العمل الإسلامي المنظّم، مما أدّى إلى تحوّل هذا العمل إلى السرّ، ومن المعروف أن العمل السرّيّ يكون محفوفاً بمخاطر التطرّف وردود الأفعال، وهو الأمر الذي يجعل العمل الدعويّ يعاني من تراجعٍ في بعض البلدان» . ويقول الأستاذ عبد الرزاق مقري مستشهداً بالواقع الجزائري إن: «الانحرافات الأمنية الكبيرة التي وقعت، والفتنة التي أتت على الأخضر واليابس في الجزائر، أدى ببعضهم إلى الوقوع في الحرج عند الظهور بالاسم الإسلامي والفكرة الإسلامية، وأدى إلى ردود أفعال للأطراف التي تخاف من الحركة الإسلامية، فجاءت ترسانة من القوانين والتشريعات التي تمنع الخطاب، وهذا أدى إلى فراغ كبير في المجال الدعوي» ويستشهد الأستاذ أحمد الحج بالواقع الفلسطيني، فيرجع التباطؤ في العمل الدعوي التربوي إلى: «الضغط العسكري الإسرائيلي ووقوف السلطة الفلسطينية ضد العمل الإسلامي؛ حيث اعتقل الكثير ممن يقومون بالعمل الدعوي، ومورس الكثير من الضغوط على الخطباء والدعاة أحياناً وتهديدهم في عيشهم أحياناً، بل والتحقيق معهم ومساءلتهم من قِبَل الأجهزة الأمنية المختلفة، كذلك الحصار ونقاط التفتيش» . وينبه الباحث صالح لطفي من فلسطين إلى دور «الطابور الخامس من المثقفين المستغربين الذين استعملوا مجموعة من الآليات لا تملكها كلها او بعضها الحركات الإسلامية كالفضائيات والمجلات والمؤتمرات ووزارات الشباب والتربية والتعليم والثقافة والمرأة ودور الأزياء» . فماذا عن المستقبل؟ يبدو كثير من المشاركين متفائلاً بمستقبل العمل الدعوي التربوي و «يوجد ـ ولله الحمد ـ خير كثير، وما زال كثير من الدعاة إلى الله يبذل جهده في الدعوة إلى الله وتربية الناس على الشريعة» كما يؤكد الشيخ أبو زيد حمزة، ويقول الأستاذ مقري: «في اعتقادي، فإنه في هذه السنوات القليلة الأخيرة بدأ نوع من الوعي الإسلامي الجديد ونحن نستبشر خيراً» . وإلى الذين يستصعبون العمل الدعوي التربوي في ظل الهجمة الشرسة على الإسلام يؤكد الشيخ حمدان أن «الفرصة مواتية ومواتية جداً للعمل الدعوي والتربوي مع كل ما تتعرض له دعوة الإسلام من مكائد ومؤامرات لا يعلمها ولا يقدر عليها إلا الله » . ويقدم الدكتور سلامة توصية للحركات الإسلامية: «لا بد من صياغة مناهج جديدة تحفظ لنا مبادئنا وتتعامل مع الواقع وتستغل ما تقدمه التقنية الحديثة؛ لأن الأمور ليست كالسابق؛ فقد نستخدم المحاضرات والجلسات العلمية والفضائيات والإنترنت، كل هذه الأشياء قد تستخدم في العمل التربوي؛ فلماذا يتأخر المسلمون عن استخدام ما قد أباحه الله لنشر دعوتهم؟» . ويقدم الدكتور منير الغضبان رؤية لفك الاشتباك بين العمل التربوي والسياسي، فيقول:» الحل الأنجع هو فك الارتباط بينهما: إما من خلال واجهة سياسية للحركة الإسلامية تعمل فيها النخبة فقط، وتعرف خط التعامل مع السلطة والمعارضة المحلية، ولا تشترك القواعد إلا عند عمليات الاقتراع؛ أو تدريب بعض الأفراد العاملين وتهيئتهم للفرز للعمل السياسي؛ بينما تتفرغ القيادات الدعوية والتربوية للعمل التربوي والدعوي، أو من خلال انفصال كامل بين الحزب السياسي والحركة الدعوية؛ حيث يكون الحزب السياسي في أهدافه ومنطلقاته يمثل تطلعات الحركة الدعوية من الجانب السياسي» . _ ثالثاً: هل تراجع دور العلماء بين نخبة العمل الإسلامي وقياداته؟ لماذا؟ وهل يستمر ذلك مستقبلاً؟ من أبرز جوانب الخلل في مسيرة العمل الإسلامي في العقود الأخيرة هي تراجع دور العلماء، وهو ما أيده أغلب المشاركين في هذا التحقيق، وإن اختلفوا في بيان الآثار السلبية لهذه الظاهرة، والأسباب التي أدت إليها والخطوات العلاجية لها في المستقبل. وفي مجال توصيف الظاهرة يركز الأستاذ البيانوني على أنه رغم توفر وسائل العلم والتعلم لا توجد نتيجة مرضية، فيقول: «نشهد اليوم وفرة في عدد العلماء وخرّيجي كليات الشريعة وأصول الدين ومعاهد العلم الشرعي، وكذلك في عدد الكتب والمؤلّفات التي يصدرها هؤلاء العلماء، وفي الحلقات العلمية التي تبثّها بعض المحطّات الفضائية، إلاّ أنني أعتقد أن دور العلماء في العمل الإسلاميّ المنظّم ما يزال محدوداً» بينما يركز الأستاذ قاضي حسين على جانب آخر من الظاهرة وهو انخفاض عدد العلماء الربانيين المؤهلين لقيادة الأمة، فيقول: «هناك كوكبة من العلماء الربانيين فى العالم الإسلامي لكن عددهم لا يتجاوز أصابع اليدين» . ويحاول الباحث صالح لطفي التخفيف من هذه الصورة القاتمة، فيفرق بين المشاركة والقيادة: «الحركات الاسلامية تزخر بالعلماء الأفذاذ الذين وإن لم يتسنموا المناصب القيادية فهم أهل حكمة نافذة ورأي في الصفوف» . ولكن فرض الوقت المطلوب من العلماء الآن هو تسنم القيادة وليس مجرد المشاركة. وكان اللافت أن أكثر المشاركين حديثاً عن الآثار السيئة لغيبة العلماء هم ممثلو الأحزاب السياسية في الجزائر؛ فقد أكدوا على تأثر العمل الإسلامي سلبياً بافتقاد العلماء، فيقول الأستاذ يونسي: «إن عدم اعتماد فصائل الحركة الإسلامية في عمومها على عمل العلماء العاملين افقدها في كثير من الأحيان الصواب في اختيار الوسائل الموصلة للأهداف المنشودة، كما فرض على كثير من الدعاة والنخب الإسلامية الاضطلاع بمهمات قد لا تتناسب وملكاتهم، مما جعل كثيراً من اجتهاداتهم الصادقة تجانب الصواب ومصلحة المشروع الإسلامي، وقد زجت في بعض الأحيان بأبناء الصحوة الإسلامية في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل» ويأخذ على الدعاة «قلة علمهم بمقتضيات الشرع وفنون الدعوة وفقه الموازنات» ويأخذ «على الحركة الإسلامية في الجزائر وفي غيرها أنها لا تعير كبير اهتمام لآراء العلماء» . ويقول الدكتور أبو رحيم إن تراجع العلاقة بين العلماء وقيادات العمل الإسلامي أثَّر «على مستوى الانسجام والالتحام بين طبقات المجتمع المسلم وفقدان المرجعية الدافعة والداعمة لهذه الحركات» . وعند النظر في أسباب تراجع دور العلماء، يقدم المشاركون رؤية متكاملة في هذا المجال تتناول تأثير الحكومات والضغوط الخارجية، وقدم المناهج والأساليب العلمية، والخلاف بين القيادة السياسية والعلمية، وتقصير العلماء. ونستعرض هذه الأسباب بدءاً بالأستاذ قاضي حسين الذي يشير إلى تأثير: «الأجواء العلمية والتعليمية التي تسود العالم الإسلامي؛ فهي إما قديمة وبالية تدور حول معانٍ محدودة وتشدد عليها على حساب مقاصد الشريعة الحقيقية، وإما واقعة تحت تأثير الحكومات التي تميت في أهل العلم روح العلم والعقيدة وغيرتها» ويذكر سببا آخر وهو أن: «أمريكا في مخططاتها الرامية إلى السيطرة الكاملة على العالم الإسلامي تسعى إلى تغيير المناهج الدراسية، وتحاول أن تبرز طبقة من العلماء تسميهم علماء (الإسلام الحديث) ومن هنا تزداد ضرورة وجود العلماء الربانيين الخلّص» . ويمثل الأستاذ مقري بالواقع الجزائري متهماً نظام الحكم الذي تولى في أعقاب الاستقلال حيث «كانت هناك مدارس للتعليم الأصلي الشرعية كونت نخبة من الرجال لهم إلمام واسع بالعلوم الشرعية، وكان بإمكان هذه التجربة لو بقيت أن تعطي ثماراً أكثر، لكن للأسف الشديد النظام الاشتراكي في ذلك الوقت ألغى التعليم الأصلي بحجة توحيد مناهج التعليم، مما أدى إلى نقص فادح وفظيع جداً في تنشئة الرموز والمرجعيات الشرعية» . ويعيب الباحث صالح لطفي على أنظمة التعليم الشرعي خاصة في الدول التي تتبنى نهجاً علمانياً؛ حيث تجد عدداً كبيراً من «المنتسبين للدراسات الشرعية هم من متوسطي المستوى وأقل من ذلك بعكس الكليات العلمية كالطب والصيدلة والهندسيات» فكيف يمكن أن يظهر من مثل هؤلاء علماء ربانيون؟ أما الدكتور أبو رحيم فيتحدث صراحة عن جوانب تقصير يراها في العلماء، يذكر منها: «جنوح كثير من أهل العلم إلى المصطلحات الفضفاضة والمفاهيم المغلوطة المأخوذة عن أعداء الأمة وإنزالها على واقع بعض الحركات الإسلامية، وإضفاء ثلة من العلماء الشرعية على المذاهب الفكرية المعاصرة المسيطرة وتسويغ وجودهم مع ظهور عداء هذه المذاهب للإسلام والمسلمين، والانهزامية عند طائفة من العلماء ممن وقعوا تحت تأثير الرأي العام العالمي فأظهروا أنفسهم بالمظهر المقبول عند الغربيين وأهل الملل الأخرى، ثم عملوا على نشر ما يعرف بالتسامح الديني، وحوار الأديان» . ويدافع الشيخ أبو زيد حمزة عن العلماء، ويعتبر أن الهجوم عليهم سبب لتقليص دورهم في العمل الإسلامي، فيقول: «لا يمكن الزعم بتراجع دورهم، ولكن لا يبعد أن يقف بعض الناس سداً منيعاً للاستفادة من علمهم، كأن يرموهم بالتخاذل أو نحو ذلك من التهم التي تحول دون الاستفادة منهم» . وعلى صعيد العلاقة بين العلماء وقادة العمل السياسي يتحدث الدكتور منير الغضبان عن إشكالية قائمة «بين القيادات السياسية والدعوية والمرجعيات الشرعية والعلمية، وما لم تحل هذه الإشكالية فستنعكس آثارها على المسيرة الدعوية كاملة، العلماء يعتقدون أنهم المرجعية الأولى والأخيرة والآخرون جميعاً تلاميذ في مدرستهم يجب أن يسمعوا ويطيعوا لهم، والقيادات السياسية تجد نفسها أوْلى بالاجتهاد بالمواقف والرؤى التي لا تتعارض عموماً مع الإسلام وفقهه السياسي. لا بد من فك هذا الاشتباك» ، ويؤكد الأستاذ كسال على هذه الحقيقة بالقول إن أهم أسباب تراجع دور العلماء: «غلبة التوجه السياسي ثم غلبة الأنا السياسية لدى كثير من ممارسي العمل الإسلامي، ثم المعادلة الصعبة في الجمع بين السلطتين: الروحية، والسياسية» . ويطرح المشاركون عدداً من التوصيات والاقتراحات لتفعيل دور العلماء في العمل الإسلامي في المرحلة القادمة، فيدعو الشيخ خالد حمدان إلى «بناء مرجعيات ومجامع علمية او هيئات ومؤسسات تعاونية وحوارية بين العلماء في القطر الواحد بشكل خاص أو على مستوى أوسع إن أمكن، والاستفادة من النموذج العراقي الرائد من خلال (هيئة علماء المسلمين) ودورها المتميز في أصعب وأحلك ظروف العراق» ، ويدعو الأستاذ البيانوني الحركات الإسلامية «أن تولي اهتماماً خاصاً في مناهجها وبرامجها لهذا الدور المطلوب من العلماء» . ولحل إشكالية العلم والسياسة يقول الدكتور منير الغضبان: إن الحل ما ذكره «كتاب الله في تجربة بني إسرائيل ﴿إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] ، ولم يكن القائد هو النبي، وتقدم صاحب الكفاءة والاختصاص ليتحمل مسؤوليته، ولم يكن هذا لينقص من قدر النبي الموحى إليه، لكن عندما تجتمع الكفاءة والعلم فلن يكون إشكال عند ذلك؛ حيث توفر ذلك في داوود ﵇ ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٥١] ، وحينئذ يكون التغيير ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] ، وحين يقر القائد السياسي بضبط سيرته من العالم ويقر العالم بوضع الخطط من القائد يتم التغيير كذلك» . _ رابعاً: هل يتوقع أن تحقق الحركات الإسلامية التي تمارس العمل السياسي نجاحاً في المرحلة المقبلة مقارنة بنتائج الفترة الماضية غير المشجعة؟ وما تأثير مستوى التمسك بالثوابت الإسلامية؟ العمل السياسي من كبريات القضايا التي شغلت الحركات الإسلامية سواء بالممارسة أو التنظير أو الاجتهاد في حكمه الشرعي، وبينما يعتبره بعضهم طوق النجاة وعليه المعول في التمكين للإسلام، يراه آخرون طوقاً حول الإسلام وقيداً للعمل الإسلامي، وخروجاً عن أحكام الشريعة، وحسب السؤال الموجه للمشاركين في هذا التحقيق؛ فإن نصف المشاركين تقريباً اعتبروا أن النتائج التي تحققت لجماعات العمل السياسي في الفترة الماضية مشجعة ومحفزة للاستمرار، بينما اعترف الباقون بأنها كانت مخيبة للآمال ومتوقعة على كل حال. وأياً كانت النتائج السابقة فإن الأستاذ علي البيانوني يؤكد على أن العمل السياسي «هو جزء من اهتمامات الحركة الإسلامية، يفرضه الفهم المتكامل للإسلام، على أنه دينٌ يشمل جميع جوانب الحياة. كما تفرضه التحدّيات السياسية التي تواجه الأمة بشكلٍ عام» . وبينما يعتبر الأستاذ قاضي حسين أن الحركات الإسلامية حققت نجاحات كبيرة في هذا المجال في الفترة الماضية، فإن الدكتور أبو رحيم يعرض رأياً مخالفاً فيقول إن: «ممارسة الحركات الإسلامية للعمل السياسي لا يخرج عن كونه بناء في الهواء، ونتائج الفترة الماضية من المشاركات شاهد على ذلك؛ لأن هذه الممارسة ما نبتت إلا في ظل أنظمة العلمنة والدمقرطة والعولمة وهيمنتها؛ فهي محكومة بالثوابت فيها، وأيّ تجاوز لها ولو على مستوى التأييد الشعبي فحكمه الاجتثاث والزج به في غياهب التاريخ؛ لأن من ثوابت هذه الأنظمة رفض الشريك صاحب القرار؛ فكيف اذا كان الشريك صاحب عقيدة ومنهج لا يقبل الشراكة؟. ويدعم الشيخ أبو زيد حمزة هذا الرأي، بل وينتقد أداء الحركات الإسلامية السياسية، فيقول إنه غاب عنها «منهاج النبوة في الدعوة إلى الله وعدم الفقه بالمراحل المنهجية الدعوية، ونسبة الإخفاق دائماً إلى غيرهم من خارجهم، مع غلبة القوة والعنف في الحكم على من خالفهم، وخضوعها للعواطف والانفعالات أكثر من خضوعها للحكمة والعقل، بل ربما افتقدت إلى قيادة علمية فقهية» . ولكن الدكتور سلامة حتى على فرض أن الحركات السياسية حققت تراجعاً أو إخفاقاً فإنه يقول: «النتائج غير المشجعة في السابق كانت بسبب الهجمة الشرسة التي يديرها الأعداء ويوقعون فيما بين الحركات وأبناء جلدتها» . ومن فلسطين أيضاً يعرض الباحث صالح لطفي رأياً معارضاً لممارسة العمل السياسي بصورته الراهنة لأسباب يراها واقعية ومنهجية، فيقول: «حيثما تم الانخراط بالعمل السياسي حدث نوع من الشرخ السياسي داخل الصف الإسلامي، أو كثرت الجيوب والقيل والقال على حساب التربوي والدعوي» ويرجع ذلك إلى أسباب منها: «عدم المراجعة الصادقة للمرحلة التي تم فيها خوض غمار العمل السياسي، فإن كانت ثمة ضرورة للانسحاب تم الانسحاب أو تغيير في أساليب العمل أو السياسات العامة، كما أن ثمة قصوراً في فهم الواقع السياسي للآخر وتحديداً الأنظمة التي تقبل بمشاركة الحركة الإسلامية في برلمانها؛ فهي تحدد سقف اللعبة السياسية وآلياتها وكيفية إدارتها ومعالم التأثير الصادرة عن هذه اللعبة، ولا تتورع هذه الدولة عن استعمال البطش إذا لاحظت أن الحركة تجاوزت الخطوط التي وضعت أصلاً» . ثم يقرر لطفي قاعدة هامة: «لا يمكن للحركة الإسلامية أن تغير من خلال هذا النظام الموضوع أصلاً لمنع هذه الحركة من تنزيل أمر الدين على الناس» . ولكن النائب جهيد يونسي يؤكد على أن بعض الإخفاق في ممارسة العمل السياسي لا يسوغ التوقف عنه، ويقرر هو الآخر قاعدة للعمل الإسلامي: «إذا ما أراد أبناء الصحوة الإسلامية أن لا يعيشوا على أطراف مجتمعاتهم كخدم عند غيرهم لا يلتفت إليهم إلا عند الحاجة، فلا بد من ولوج ساحات المجتمعات السياسية والمدنية على السواء ما دام ذلك من أجل جلب مصلحة أو دفع مفسدة أو التقليل منها» . وبعيداً عن الخلاف في جدوى العمل السياسي من الناحية الشرعية كما عرضها الشيخ أبو زيد أو الواقعية كما عرضها آخرون، فإن بعض المشاركين قدموا لنا معايير يمكن بها الحكم على جدوى الممارسة السياسية واقعياً حسب ما يتحقق عنها من مصالح، فيقول الأستاذ البيانوني: «لا أقيس النجاح في هذا الميدان بوصول هذه الحركة أو تلك إلى الحكم، بمقدار ما أقيسه بمستوى الوعي السياسيّ عند الحركة، وبقدرتها على التعامل مع المستجدّات والمتغيّرات الدولية والإقليمية والمحلية، والتخلّي عن الخلافات البينية، وبناء الجبهة الداخلية القادرة على المواجهة والصمود» . ويعرض الأستاذ لطفي معياراً آخر فيقول: «علينا أن نحكم على التجارب بشكل منفصل، بمعنى أن دراسة التجربة السياسية السودانية ـ وهي تجربة تمكين ـ تختلف عن التجربة التركية وهي تمكين أيضاً؛ إلا أنها تختلف كلية عن الأولى، كما أن التجربة المصرية تختلف عن الأردنية وعن الكويتية؛ وهكذا فلكل خصوصيته التي يجب أن تدرس بعمق» . ويبدي المشاركون تأكيدات على أهمية التمسك بالثوابت الإسلامية في ممارسة العمل السياسي، ويقول الأستاذ البيانوني إن: «التمسك بالثوابت الإسلامية لا شكّ من أهم عوامل نجاح العمل الإسلاميّ بشكلٍ عام، والعمل السياسي بشكلٍ خاص؛ لأنّ هذه الثوابت هي بمثابة البوصلة التي تحدّد المسار، وتكشف الزيف والضعف، وتنفي الخطأ، وتفرز الصواب» ، ويستخدم كسال عبد السلام هنا مصطلح «الأصالة والمعاصرة» . ولكن يعرض الباحث صالح لطفي بُعداً آخر للتمسك بالثوابت يثمِّن الحركات الإسلامية التي تدفعها ثوابتها للتخلي عن العمل السياسي ولو مؤقتاً، فيقول: «هناك حركات إسلامية أخفقت أو راوحت مكانها بحكم تمسكها بثوابتها الإسلامية إلا أن هذا الإخفاق الظاهر والذي سببه الحرب الشرسة التي شنت على هذه الحركات في حقيقته أوجد في العقل الباطن للمجتمعات احتراماً كبيراً لهذه الحركات وهو ينتظر تلكم اللحظة التي يمكن لهذه الحركات أن تعاود التمكين المؤثر» . _ فماذا عن مستقبل العمل السياسي: الشيخ قاضي حسين يبدو مطمئناً وهو يقول إنه: «رغم التحديات الكبيرة توقعات الإنجازات فى المستقبل أكبر من توقعات الماضي» ، ولتحقيق النجاح في مسيرة العمل السياسي يؤكد الشيخ حمدان على طرح هام هو: «على الحركات الإسلامية مراجعة برامجها وأدائها في العمل السياسي؛ وإن أدى ذلك إلى الفصل بينه وبين العمل الدعوي إذا تطلب الأمر، أو طرحه من خلال عناوين وواجهات قريبة ومتعاطفة ضمن منظومة العمل الإسلامي العام» . ويقدم الدكتور منير الغضبان عناصر أربعة للنجاح يعتبرها لازمة للعمل السياسي في الفترة المقبلة، وهي: ١ - فقه الواقع: بعيداً عن العاطفية والارتجال وردود الأفعال والأماني، الواقع بجميع عناصره الخصم الداخلي والعدو الخارجي. ٢ - فقه الإسلام: فنحن لسنا مجرد حزب سياسي تهمه السلطة؛ إنما نحن حركة إسلامية يهمها تطبيق الإسلام من خلال السلطة. ٣ - فقه تطبيق الإسلام على الواقع: من خلال الفقه السياسي أو السياسة الشرعية ضمن أطر التدرج والتيسير لا التعسير، وفقه الأولويات وفقه الموازنات. ٤ - التربية الروحية: التي تقتل الأنا في الإنسان وتجعله جندياً لله لا جندياً لذاته. _ خامساً: هل يمكن أن تذكروا لنا في نقاط محددة أهم الدروس المستفادة من تجربتكم في العمل الإسلامي في الحقبة الماضية؟ قدم لنا نحو خمسة عشر من قادة وعلماء ومفكري وناشطي العمل الإسلامي في هذا التحقيق خلاصة الدروس التي استفادوها خلال تجربتهم الإسلامية في الفترة الماضية، وقد تكوَّن من ذلك كله كنز من الفوائد لا يقدر بثمن، ونذكر أبرز الفوائد منسوبة إلى قائليها: الأستاذ علي البيانوني: ضرورة التواصل بين أجيال الدعاة، ضرورة تبنّي حاجات الجماهير المعاشية بمقدار تبنّي حاجاتهم الروحية والفكرية، نقد الذات وتقبل النصح ومحاولات الإصلاح بصدر رحب. الشيخ أبو زيد حمزة: البدء بالأهم فى الدعوة إلى الله وهو توحيد الله، ومراعاة منهج الأنبياء فى الدعوة أمر لازم وثمراته طيبة. الدكتور منير الغضبان: العاطفية والارتجال والبعد عن التخطيط هو مقتل الحركات الإسلامية، غياب المؤسسات الفاعلة والتي يتحرك القرار من خلالها تجعل الحركة الإسلامية ملكاً لأشخاص لا لمبادئ وقيم، مقتل الدعاة أو القادة في المهلكات المحددة من رسول الله ﷺ ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه. الأستاذ قاضي حسين أحمد: ضرورة الالتزام بالجماعة مهما كانت الظروف ومهما كانت الخلافات فى الرأي، ضرورة تجديد الوسائل والطرق فى إيصال الدعوة وتحقيق الهدف، عدم الرد على الاتهامات التي قد تأتي من بعض المجموعات أو الأحزاب الإسلامية ثم المبادرة بمد يد التعاون إليها تأتي بالنتائج المطلوبة والمرجوة. الأستاذ كسال عبد السلام: تجنُّب الجنوح إلى النزعة الذاتية ولو في مجال الطرح الفكري الصرف، تبني مبدأ سعة الصدر في التعامل داخل التنظيم وفي خارجه مع التنظيمات الأخرى. الدكتور أحمد أبو حلبية: أهم درس هو أن من يخلص العمل لله سيجد ثمار هذا الإخلاص، ثم إن العمل الإسلامي يحتاج لصبر وثبات على الحق كما قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] . الشيخ خالد حمدان: أخطر ما يعاني منه العمل الإسلامي بروز الأمراض النفسية كالأحساد والأضغان في نفوس أبنائه ورموزه، على الحركات الإسلامية أن تسعى جادة جاهدة في الاستفادة من التجارب الإبداعية المعاصرة في صناعة «القيادات» و «الكوادر» التي تقدر على النهوض بالعمل الإسلامي ومتطلباته. _ سادساً: ما هي أهم المعوقات والمبشرات في طريق العمل الإسلامي؟ المعوقات: - الاستبداد الذي لا يسمح بالعمل للإسلام، فيحول دون قيام المسلمين بواجب الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة (الأستاذ علي البيانوني) . - ما تسعى قوى الاستعمار إليه عن طريق حكومة برويز مشرف من فرض العلمانية والفساد وبحجة «الإسلام الحديث» ، وقيام الحكومة الباكستانية بفصل العناصر الإسلامية من المؤسسة العسكرية حتى يسهل استخدام هذه المؤسسة ضد الحركات الإسلامية إذا لزم الأمر، والخوف من تسلم الإسلاميين حكم هذه الدولة ذات القوة النووية (الأستاذ قاضي حسين) . - الجهل وعدم تصور الإسلام تصوراً صحيحاً لدى من يقوم بالعمل الدعوي، وجود طوائف ضالة وفرق من أهل البدع لها أثرها الواضح، النفرة وعدم الانسجام بل والتناقض لدى بعض الدعاة، معوقات إدارية تتمثل في تولية غير الأكفاء أحياناً وفي ضعف التخطيط (الشيخ أبو زيد حمزة) . - الذاتية خاصة فيما تعلق بتولي وتولية المناصب القيادية، وكذا الانكماش الفكري، ومنها مشكلة الانسجام التي تزداد وتكبر كلما قل الاعتماد على الطاقات الوافدة التي لم تتلق تكوينها في أحضان الحركة الإسلامية أو أهمل إخضاعها لذلك (كسال عبد السلام) . - الصحوة الإسلامية الشعبية العامة أصبح سقف مطالبها أكثر مما تطيقه أو تدعو إليه الحركة الإسلامية، كما أن الحركة الإسلامية لم تحقق النجاح المأمول في مجالات التربية والقدوة وبناء الشخصية الإسلامية المتوازنة التي تستطيع أن تقود الجماهير بسمعتها ومصداقيتها، وأيضاً الحركة الإسلامية لم تقدم فكراً متقدماً أو بدائل علمية بإمكانها أن تواجه بها معضلة الحكم في العالم العربي والإسلامي، وتجعلها تنتقل من موقع الدعوة إلى موقع الدولة بكفاءة عالية (عبد الرزاق مقري) . - من المعوقات في فلسطين: ملاحقة المجاهدين والدعاة وتكميم الأفواه، وعدم اخذ العلماء لدورهم الطبيعي، وقلة المؤسسات ومحاربة المؤسسات التي تعمل للإسلام، عدم وجود الطاقات المؤهلة بما يكفي حاجة الناس (د. ماهر الحولي) . - داخل الخط الأخضر في فلسطين: الحركة الإسلامية تعيش كأقلية، والكيان الصهيوني لا يسمح بانتشار العمل الإسلامي وحملة الاعتقالات الأخيرة خير برهان، أساليب المخابرات «الإسرائيلية» في حرب الصحوة الإسلامية من نشر للفساد والزنا والمخدرات والشقاق بين الناس، والفضائيات وما تبثه من سموم وفواحش (الأستاذ صالح لطفي) . المبشرات: - ما وصلنا إليه من الاتحاد والوحدة بين الأحزاب الدينية الرئيسة في باكستان ونتيجة لذلك حققنا نتائج مطمئنة ومبشرة في المستقبل، وأيضاً وجود جيل من الشباب الملتزم فى جميع مجالات الحياة (الأستاذ قاضي حسين) . - أنا مستبشر خيراً ومتفائل كثيراً في مسيرة العمل الإسلامي في فلسطين بفضل الله وتوفيقه، وبسبب هذه الصحوة الإسلامية وجهاد أبنائنا (الشيخ حامد البيتاوي) . - قبول كثير من الناس في المجتمعات بطبقاته المتعددة لنهج أهل السنة والجماعة وظهور ذلك لدى الشباب خاصة في الجامعات، كثرة المساجد ودور العلم والدورات العلمية والأسابيع الدعوية (الشيخ أبو زيد حمزة) . - المطلب الإسلامي أصبح مطلباً جماهيرياً عاماً ليس مرتبطاً بحزب أو تنظيم أو هيئة أو دولة مما دفع بالإسلام إلى الواجهة العالمية، ونشوء الوعي في الغرب نفسه بفساد المنظومة الليبرالية الجديدة حيث نشاهد النمو المتسارع للحركات المناهضة للعولمة مما يؤكد حقيقة أن للإسلام مستقبلاً زاهراً في الغرب (الأستاذ عبد الرزاق مقري) . - الصحوة والتغيير في الشارع الفلسطيني؛ فمثلاً كان قديماً يوجد مسجد واحد في كل مخيم، اليوم المساجد بالعشرات، وانظر إلى نوعية المصلين فأغلبيتهم من الشباب رغم أن الشاب في السابق كان يعاب عليه إذا دخل المسجد وكان الأمر مقتصراً على الشيوخ، وفي مجتمعنا الفلسطيني كانت المرأة تشق الجيوب وتلطم الخدود عندما يستشهد ابنها أو قريبها؛ أما الآن فهي تزغرد، بل ترسل ابنها للشهادة (د. ماهر الحولي) . - مسيرة العمل الإسلامي بفضل الله تأخذ بُعداً أفقياً متنامياً في واقع مجتمعنا «الأرض المحتلة عام ٤٨» لتغطي جميع شرائح المجتمع من الرجال والنساء والشباب والأطفال، وعلى مستوى الشارع والمدرسة والجامعة (الشيخ خالد حمدان) . ـ من فلسطين: زار المسجد الأقصى المبارك للصلاة عام ٢٠٠٣م أكثر من ٣٠٠ ألف مصل أي ٣٠% من السكان المسلمين في البلاد، وانتشار الكتاب الإسلامي سواء من خلال المعارض الاسلامية أو العامة، وانتشار المكتبات الإسلامية في طول البلاد وعرضها، وارتفاع وتيرة العمل الإسلامي في الجامعات والمعاهد الإسرائيلية بين صفوف الطلبة المسلمين، وازدياد الطلاب الجامعيين الآيبين إلى ربهم (الأستاذ صالح لطفي) . - في سوريا الصحوة الإسلامية الآن تملأ الفجاج، عودة التيار القومي الذي كان يتنكر للإسلام إلى الاعتراف بالإسلام واعتباره أساساً للنصر (الدكتور منير الغضبان) .

стр. 4970

حين تصنع الأحداث المنهج محمد الدويش لا يستطيع الناس أن يعيشوا خارج واقعهم، ولا يمكن لمن يسعى بحركة إيجابية لبناء المجتمع وإصلاحه أن يتجاهل الواقع وتداعياته، ولا أن يعيش في إطار الماضي وحده. وكما أن الأحداث وتغيرات الواقع تفرض علينا أن نعايشها ونعيها، فهي تكشف لنا كثيراً من الثغرات وجوانب الخلل في أدائنا البشري الذي لن يعصمه انتماؤنا للمنهج المعصوم في أصله. وهي كذلك قد تنقلنا إلى واقع آخر له متغيرات غير تلك التي رسمنا خلالها بعض مواقفنا وأساليبنا مما يفرض علينا المراجعة. وإن جمود بعض الناس إزاء متغيرات الواقع، وتحويلهم الوسائل إلى غايات، والمتغيرات إلى ثوابت، هذا الجمود لا يسوِّغ ما تفعله فئة أخرى. لقد تعالت أصوات تدعو إلى مراجعة نصوص القرآن والسنة وثوابت الدين لتتلاءم مع ما نعيشه اليوم من متغيرات وكأن الواقع هو الذي يصنع الدين؟ نعم! إن كثيراً من هؤلاء يقرر في مبدأ حديثه ووسطه وخاتمته أن المُحْكَمَات لا جدال فيها ولا نقاش، لكن الواقع والممارسة كثيراً ما تتجاوز ذلك. حين نقرأ القرآن ونصوص السنة؛ فإن آيات الجهاد والسيف واضحة جلية؛ فالجهاد ذروة سنام الإسلام، والطائفة المنصورة تقاتل في سبيل الله، والنبي ﷺ قد بُعِثَ بالسيف بين يدي الساعة كما بُعِثَ رحمة للعالمين، وهو نبي الملحمة كما أنه نبي المرحمة. وكما أن أولئك الذين لا يرون من الدين إلا هذه النصوص، ويتجاهلون النصوص الأخرى يختزلون الدين، ويبدون صورة مشوهة له؛ فالآخرون الذين يغيبونها هم الآخرون يشوهون الدين. وقل مثل ذلك في النصوص الواردة في الولاء والبراء، والواردة في افتراق الأمة وأهل البدع والأهواء، والواردة في التشبه بالكفار ... وهكذا. إننا لا ننفي أن هناك من يسيء فهم كثير من هذه النصوص، ولا ننفي أن هناك من يسيء تطبيقها، وأن هناك من لا ينظر نظرة شاملة، لكن خطأ هؤلاء لا ينبغي أن يقودنا إلى تطرف وخطأ آخر. إننا حَمَلَةُ دين جاء به نبي الله ﷺ ، وحَمَلَةُ منهج قويم، وثِقَتُنا بمنهجنا وديننا ينبغي أن تتجاوز أزمات الواقع، ودينُنا ومنهجُنا ينبغي أن يُفهَم كما هو وكما جاء من عند الله، لا أن تكون مرجعيتنا في ذلك هي أزمات الواقع، فيغدو كل يوم لنا دين أو منهج. وإنه لمن هوان الأمة أن يستخفَّها الذين لا يوقنون، فتسعى لمراجعة دينها وفق شعارات الغرب البراقة؛ الغرب الذي يتشدق بحقوق الإنسان والعدالة والمساواة وهو يسوم نخبة من شباب المسلمين سوء العذاب في أقفاص جوانتنامو متجاوزاً حقوق الحيوان فضلاً عن حقوق الإنسان؛ الغرب الذي يعدُّ العمل الخيري والإغاثي جريمة حين يصدر من أمة الإسلام؛ بينما مؤسسات التنصير والتشويه الغربي تفوق ميزانياتها وإمكاناتها كثيراً من دول المسلمين فضلاً عن مؤسساتهم. الغرب الذي يتربع على ترسانات نووية كافية لإبادة العالم كله مرات عديدة، ويبيد دولاً للاشتباه في امتلاك أسلحة الدمار الشامل، ويتحدث عن الحرب الاستباقية بينما يخجل فئام من قومنا أن ندرِّس لأبنائنا قول النبي ﷺ : «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألاَّ إله إلا الله» (١) . إننا بحاجة للحكمة والاتزان، وللوعي والهدوء، وبحاجة إلى أن نعيش واقعنا، لكن ذلك كله لا ينبغي أن يقودنا إلى أن يكون منهجنا إفرازاً للواقع الذي نعيشه فحسب.

стр. 4971

متى يكون الأدب الإسلامي عالمياَ ؟ وهل يحمل هم الإنسانية في آمالها وآلامها؟! محمد شلال الحناحنة ماذا نعني بالأدب الإسلامي؟ وأين يمضي هذا الأدب عالمياً؟! وهل استطاع أن يخاطب وجدان الإنسان في أفراحه وأحزانه؟! ومن أين يستمدُّ هذه الإنسانية؟ وهل تكفي قيمه الإسلامية السامية لينتشر في أرجاء الأرض ويكون عالمياً؟ أليس الأدب الإسلامي ما زال متعثراً في ساحاته العربية والإسلامية.. فأنى نطالبه بالعالمية والانتشار؟ وأين النماذج الأدبية الإسلامية القادرة على مخاطبة الآخر؟ وما أسباب انعزالها إن وجدت حقاً؟ تلك الأسئلة وغيرها، سنناقشها في ندوتنا التي تلتقي فيها (البيان) عدداً من الأدباء الإسلاميين للتحاور في هذا الموضوع وهم: - الأديب الدكتور مأمون جرّار، الأستاذ في جامعة عمّان الأهلية، ورئيس المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في الأردن. - الناقد الأستاذ عبّاس المناصرة، عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية. - الأديب الأستاذ محمد الحسناوي، نائب رئيس تحرير موقع أدباء الشام. - القاص الإسلامي الأستاذ نعيم الغول، المساعد الإداري في المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي في عمّان في دورته السابقة. - الشاعر صالح البوريني، رئيس اللجنة الاجتماعية في المكتب الإقليمي للرابطة في الأردن. البيان: بداية نرحب بضيوفنا الأعزاء في هذا اللقاء، ونسأل: ماذا نعني بمصطلح الأدب الإسلامي؟! ? الأديب الدكتور مأمون جرّار: هو الأدب الذي يقدّم التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان؛ وهنا يجب التركيز على شرط الأدبية والإسلامية معاً. ? الناقد عباس المناصرة: أرى أنه التعبير الفني الإسلامي عن فكر المبدع تجاه الحياة والكون والإنسان، ولا شك أن في ذلك التعبير الرؤية الواضحة والمنهج القويم والتأثير على الناس، ولهذا ننطلق من قضايا في نفسية المبدع ومدى تأثير أدبه على المجتمع المتلقي. ? القاصّ نعيم الغول: ينبغي الخروج من العفوية في التعريف، ولذلك أقول: هو التعبير الفني الجميل الهادف وفق التصور الإسلامي عن الكون والحياة والإنسان، ومن المهم أن يكون تعبيراً هادفاً أي أنه التزام بالإسلام. ? الشاعر صالح البوريني: أوافق القاصّ نعيم الغول على هذا التعريف تماماً. ? الأديب محمد الحسناوي: لقد كفاني الإخوة في تعريفهم، لكنني أضيف ضرورة أن يكون في أدبنا الإسلامي الجمال التعبيري الفني الهادف وفق تصور إسلامي واضح للوجود حتى يؤثر في الآخرين. البيان: ما المقصود بإنسانية الأدب الإسلامي؟ ومن أين نستمدها؟ ? الناقد عباس المناصرة: الإنسانية في الأدب الإسلامي هي التعبير عن هموم الإنسان وآلامه، والشريعة الإسلامية السمحاء خير معبّر عن قضايا هذا الإنسان في الدنيا والآخرة، وأعظم قضية أشغلت الإنسان على مر العصور هي قضية التوحيد، فلا معبود بحق إلا الله، وحين اضطربت هذه الفطرة السوية اضطربت حياة الإنسان، فأصبح عبداً للحجر والبشر والشجر، والمال والغرائز والمتع. أما الإسلام فقد حرره من هذه العبودية التي أذلته كثيراً، ولم تزل، فجعل كرامته في عبودية الله وحده، ورفع منزلته بتقوى الله، وليس بجنسه أو موطنه أو قبيلته، فقال ـ تعالى ـ مخاطباً الناس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] . إن الأدب الإسلامي ينطلق من هذه الرؤية التي هي الركيزة الأولى في مخاطبة الناس أينما وجدوا، ولذلك يستلهم هذه الرؤية في الشعر أو القصة أو الخاطرة أو المقال أو الرواية. ? الشاعر صالح البوريني: نستمد هذه الإنسانية من عالمية الإسلام نفسه. قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] ، ولذلك نجد الأدب الإسلامي يتوجه إلى الإنسان سواء كان مسلماً أو غير مسلم، فيطرح قضايا مشتركة تنبع من ذات الإنسان مثل العدل والحق والحرية والوفاء والجمال والكرم، ولذلك لم يعارض الإسلام بعض القيم الجاهلية الكريمة إنما نقَّاها وصفَّاها من شوائب الشرك لتكون الأعمال والأخلاق والأقوال خالصة لله وحده، وقد وقف الرسول ﷺ مع مكارم الأخلاق: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وجاء الأدب الإسلامي ليكون صورة صادقة تقف مع هذه المكارم والقضايا الإنسانية. ? الدكتور الأديب مأمون جرّار: في إنسانية الأدب الإسلامي ننظر إلى المنطلق والرؤية والتصور، فالإسلام دين البشرية كافة، والخطاب القرآني خطابٌ لجميع الناس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] . إذن يعالج الإسلام جميع قضايا الإنسان وهذا ينعكس على الأدب الإسلامي كما قال الناقد عباس المناصرة، وليس من دين يخاطب الإنسان أينما كان إلا الإسلام. البيان: لكن الإسلام يفرّق في خطابه بين الإنسان المؤمن والكافر والمنافق؛ فكيف يكون الخطاب الأدبي الإسلامي للإنسان خطاباً واحداً؟ ? القاصّ نعيم الغول: هناك مشاعر للإنسان واحدة، هناك أحاسيس مشتركة، وإن اختلفت الرؤية بين إنسان وآخر حتى بين المؤمنين أنفسهم وإن ظلّ التصور العقدي واحداً، لكن الإنسان يحب العدل ويكره الظلم، يسعى للحرية دائماً، وهذه خصائص فطرية أوجدها الله في الناس بغض النظر عن عقائدهم وأفكارهم، وفي نفوس الناس جميعاً حب الدنيا وشهواتها من النساء والبنين والأموال والأنعام، ولذلك قال ـ تعالى ـ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] ، وهذه الهموم العامة مشتركة بين الناس، والأدب يعبّر عنها ولكنها تؤجّجها في كثير من الأحيان لمزيد من الشره والطمع وإثارة الغرائز دون ضوابط ممّا يجعلها تفسد الإنسان في عقيدته وأخلاقه وسلوكه، وقد يخاطب الأدب الإسلامي الإنسان المؤمن أو الكافر أو المنافق في تدافعه مع نفسه والشيطان ليقوده أخيراً إلى الحق من خلال توبة نصوح. ولذلك يقول العلاَّمة الشيخ أبو الحسن الندوي ﵀: فساد الأدب ينشأ منه فساد المجتمع. ? الأديب محمد الحسناوي: بالطبع في الإسلام هناك تفريق في خطاب العقيدة، وكذلك الأدب الإسلامي، وهذا التصنيف يحمل الإنسان على التفكر: أهو على حق أم على باطل؟ والإنسان قادر على تعديل سلوكه، ولكن ليس في الإسلام تصنيف باللون أو الجنس أو الوطن، ولذا فالأدب الإسلامي من هذه الزاوية يخاطب الجميع سواسية من حيث همومهم وأوجاعهم وآمالهم ومشاعرهم. ? الناقد عبّاس المناصرة: لقد أعطى الله الإنسان موهبة البيان ليعبر عن نفسه وما يهمه في هذه الحياة، فيقول الله ـ تعالى ـ: ﴿الرَّحْمَنُ البيان عَلَّمَ الْقُرْآنَ البيان خَلَقَ الإنسَانَ البيان عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٤] ، الموهبة التعبيرية هي إنسانية سواءٌ كانت في إفريقيا أو أمريكا أو بلاد العرب، وهي عطاء من الله لجميع بني آدم: «كلكم من آدم وآدم من تراب» كما يقول الرسول ﷺ . وينبغي على الأديب المسلم أن يعرض أدبه من خلال خصوصيته، وسينجح بمقدار قدرته على تأثيره بالآخرين؛ لذا علينا تقوية فرصة الحوار لنشر الإسلام في فكره وقيمه وأخلاقه من خلال الأدب الإسلامي المؤثر. ? القاصّ نعيم الغول: أن ننشر الإسلام من خلال الأدب الإسلامي، كما يقول الناقد عباس المناصرة أمرٌ مثالي لم يحدث في الواقع؛ فهل نجد أسلوباً أعظم تأثيراً من القرآن الكريم؟ ومع ذلك فالإسلام بمجمله شُوِّه في الأدب الإنجليزي، وعُرِضَ على القرّاء بصورة بعيدة عن سماحته، ورحمته، وعدله، ووقوفه مع حقوق الإنسان بشكل عام. ولعلّ من أسباب ذلك مكر اليهود وحقدهم، والحروب الصليبية، والاستشراق، والظروف التاريخية التي مرّت بها الأمة؛ ولذلك أرى أنه إذا انتصر المسلمون وانتشر دينهم، فسينتشر أدبهم. ? الأديب الدكتور مأمون جرّار: أوافق القاصّ نعيم الغول على ما ذكره؛ فأولاً ننشر الإسلام، وسينتشر أدبنا، ونشر الإسلام بحوار الدعاة وليس بحوار الآداب، وانتشار الأدب عالمياً يتبع القوة والغلبة، ولذلك فرض الأديب الإنجليزي شكسبير نفسه وأدبه على البشرية كلها لقوة دولته، والآن ينتشر الأدب الأمريكي ويترجم إلى لغات أخرى، ويروّج له. ? الشاعر صالح البوريني: لا شك أن انتشار الأدب يتبع المنتصر والغالب؛ فالأمة المنتصرة تفرض أدبها وحتى فسادها أحياناً. البيان: ألم تكن الأمة الإسلامية منتصرة غالبة حين وصلت الفتوحات الإسلامية إلى الصين والهند وأوروبا؛ فهل انتشر أدبها في تلك البلاد؟ ? الأديب محمد الحسناوي: لا شك أن اللغة العربية والأدب الإسلامي انتشرا في بقاع كثيرة في العالم حين كانت الأمة غالبة منتصرة؛ فليس عبثاً أن كثيراً من الكلمات في اللغة التركية والفارسية والأسبانية أصلها عربي، كذلك ترجمت بعض الكتب العربية المعروفة. ? الأديب الدكتور مأمون جرّار: لقد مرّت فترات كانت اللغة العربية فيها هي اللغة الأولى في العالم، وانتشر أدب العربية في جميع الدول الموجودة آنذاك، ولذلك نجد آثار اللغة العربية في الأدب الأوردي، والإندونيسي، والفارسي، والهندي، والمغولي، وهذه هي العالمية والإنسانية في الوقت نفسه، ولم تكن اللغة العربية مجرد وعاء، بل هي وعاء ومضمون وحضارة، وتأثير الأدب الإسلامي ينبع من عالمية هذه اللغة وإنسانيتها ودورها في صياغة فكر الشعوب الجديدة التي دخلت الإسلام من خلال محبة هذا الدين والاقتناع بعقيدته. ? الشاعر صالح البوريني: في العهد الأندلسي انبهرت أوروبا بلغة العرب وعلومهم وعقيدتهم وتراثهم وأدبهم؛ فقد كان للأدب في الأندلس التأثير الكبير على الأوروبيين الذين كانوا يتلقُّون العلم في الجامعات الإسلامية في الأندلس، ولذلك انتشرت الموشحات الأندلسية في بعض البلاد الأوروبية. ? الناقد عباس المناصرة: لا شك أن الحروب الصليبية كانت مدخلاً لتأثر الصليبيين بالإسلام وأدبه، وكذلك حكم المسلمين للأندلس الذي دام ثمانية قرون؛ فالتأثر كان حضارياً وفكرياً وأدبياً، كما أن هذا التأثر بالإسلام والمسلمين ظل مرتبطاً بقوتهم المادية والفكرية والدعوية، وليس غريباً أن ينكمش الأدب الإسلامي اليوم لانكماش من يحمله ويدعو له بقوة، وبوسائل متنوعة. البيان: ما مدى انتشار الأدب الإسلامي اليوم؟ وإن كان إنسانياً وعالمياً كما اتفق الجميع. فأين النماذج الأدبية الإسلامية القادرة على مخاطبة الآخرين، والتأثير فيهم؟ ? الأديب الدكتور مأمون جرّار: بداية لا بد من الاعتراف أن أدبنا الإسلامي اليوم يعاني تعثراً وعوائق في انتشاره محلياً في الساحات الأدبية العربية؛ بمعنى أننا لم نستطع أن نوجد (نزار قباني الإسلامي) المنتشر في بلادنا العربية؛ فمثلاً عمر بهاء الدين الأميري لم ينتشر مثلما انتشر نزار قباني، وكذلك الأديب نجيب الكيلاني لم ينتشر مثلما انتشر نجيب محفوظ، وهناك قصور في الحضور؛ وليس القصور في الإبداع كما يظن بعضنا؛ فالحق أن عندنا مبدعين، ولكنْ مَثَلُ كثير منهم كمَثَلِ الذهب في عروق الصخر بحاجة إلى من يستخرجه، ويضعه في سوق الصاغة لإبرازه وتسويقه للناس. ففي أدب السجون مثلاً لدينا نماذج فريدة راقية: للأديب محمد الحسناوي ديوان بعنوان: (في غيابة الجبّ) ورواية (خطوات في الليل) ، ولحميدة قطب روايات: (في أحراش الليل) ، و (نداء الضفة الأخرى) ، وأنا على يقين لو أن هذه الأعمال وجدت من يترجمها إلى لغات أخرى لوجد كل سجين تعبيراً دقيقاً عن معاناته وآلامه وعذاباته من القهر والطغيان والظلم، ولا يقل هذا الأدب في رقيّه الفني عن الآداب الأخرى، بل يفوقها في قيمه الإيمانية والأخلاقية. كذلك يحتاج أدبنا إلى نقاد متابعين لإبرازه، وإلى إعلام إسلامي فاعل يأخذ بأيدي أدبائنا وينشر إنتاجهم ويعرّف بهم، كما لا ننسى قضيّة الاحتراف؛ فمثلاً: ما الهوية الأدبية للفرزدق؟ ستجيني: إنه شاعر! ونجيب محفوظ روائي، وثالث ناقد، بمعنى أن كل واحدٍ من هؤلاء أعطى للفن الذي لديه حقه من الاحتراف والإخلاص، بينما أكثر أدبائنا الإسلاميين ليسوا محترفين لفن واحد، مما يشتت طاقاتهم، ولا يسمح بانتشارهم عالمياً، كما أنني أدعو بداية إلى ترجمة مختارات من الأدب الإسلامي من مصر والجزيرة العربية والشام والمغرب وغيرها. ? الأديب محمد الحسناوي: حقاً! أوافق الدكتور مأمون جرّار على كثير ممّا ذهب إليه؛ لأن ما يعيق انتشار الأدب الإسلامي قلّة النقّاد وعدم الاحتراف، والإعراض الإعلامي، وأضرب مثالاً لتأكيد ذلك؛ فالشاعر (عمر بهاء الدين الأميري) شاعرٌ محترف له عدة دواوين شعرية، وقد لقي احتراماً كبيراً من عدد من المستشرقين والنقّاد العرب، ووجد ديوانه: (مع الله) متابعة جادة، واهتماماً خاصاً من الكتّاب الألمان والإيطاليين، وتأثروا به، وترجموا بعض أشعاره، وهذا مؤشِّرٌ على رقيه الفنّي، وسمو موضوعاته الإنسانية التي طرحها. لذلك هناك طاقات أدبية إسلامية كثيرة مظلومة، وسبب ظلمها وطمسها وإخفائها هو إعلام السلطة المسخّر لرموز موالية لها، ومن الأدباء الإسلاميين الذين ظُلموا (علي أحمد باكثير) ؛ فهو أديب مبدع، شهد له بالريادة الكثيرون من المنصفين، ولكن ضُيّق عليه، ومُنِعَ أدبه، وأُسكِت صوته وهو حيّ حتى مات مقهوراً من الرموز اليسارية الحاقدة على الإسلام والمسيطرة في تلك الفترة. ? الشاعر صالح البوريني: ما ذكره الأخوان هو صحيح، ولكن علينا العناية بالترجمة، ولذلك أدعو من خلال هذه الندوة القاصّ نعيم الغول للاهتمام بترجمة بعض النصوص أو الأعمال الأدبية الإسلامية إلى اللغة الإنجليزية كونه يجيدها، ولديه ذائقة أدبية مرهفة، كما لديه ترجمات متميزة. ? القاص نعيم الغول: حقاً! أنا جاهزٌ للترجمة دون انتظار أحد، ولأجعل ذلك إخلاصاً لله، وفي سبيل الدعوة لله من خلال أدبنا الإسلامي الراقي، وينبغي الرد على افتراءات الأعداء ومخاطبتهم بلغتهم لنؤثر فيهم. ? الناقد عباس المناصرة: أرى أن نشر فكرة الأدب الإسلامي وحدها في ساحاتنا الأدبية يُعدّ خطوة متقدمة، فدعوة الأدب الإسلامي في عصرنا الحاضر دعوة جديدة بدأت بأفراد، ثم ظهر جيلٌ له ظروفه، وأمامه عوائق لا سيما سيطرة الأدب العلماني على الساحات الأدبية، ومع هذا ظهر الرافعي وغيره من أدباء الإسلام. أما بالنسبة للنقد فنحنُ لم نزل نحارب النقد؛ فكيف ينتشر أدبنا دون نقد متابع فاعل؟ وليست معاناتنا من التخلف والجهل وتسلط الأعداء ومحاصرتهم لنا في مناحي الحياة إلا لانقطاعنا عن المرجعية الإسلامية الصحيحة، لكن العودة قريبة بإذن الله، فينبغي أن تظل معنوياتنا عالية، وأن نرفع معنويات الناس، وإن كان ظاهر الأمة الهزيمة، لكنها لم تصل إلى القلب، ولم تزعزع إيماننا بعقيدتنا المنتصرة بلا شك، ولذلك لن نستسلم؛ لأن ارتباطنا بالدين عظيم.

стр. 4972

مكاشفة للإخوة في العراق المأزق الأمريكي وخيار الطائفية إبراهيم العبيدي لم يكن في حسابات الإدارة الأمريكية (بناءً على ما وصلها من تقارير استخباراتية وتقارير المعارضة العراقية) أن ثمة مقاومة مسلحة يمكن أن تحدث ضد القوات الأمريكية، وهو الأمر الذي أربك هذه القوات، وجعلها تغير كثيراً من خططها التي كانت قد رسمتها في إدارة العراق بعد إسقاط النظام العراقي السابق. _ بوادر ومؤشرات الطائفية في العراق الجديد: لقد تعمدت قوات الاحتلال الأمريكي بداية أن تشكل مجلس الحكم الانتقالي تشكيلاًً طائفياً، بناءً على دعاية الأغلبية التي تنادت بها بعض الأطراف الشيعية، لتحقيق مكاسب سياسية في العراق الجديد، علماً أن الإدارة الأمريكية والشيعة أنفسهم يعلمون يقيناً أن أهل السنة هم الأغلبية؛ استناداً إلى الإحصائيات السابقة والحديثة، ومع ذلك رضيت الإدارة الأمريكية أن تنساق وراء الدعاية التي شجعتها لتحقيق خططها المستقبلية في العراق. وهذا التشكيل الطائفي للمجلس انسحب عليه توزيع الحقائب الوزارية بالتشكيل نفسه، وكان من بين تلك الوزارات التي حصل عليها الشيعة وزارة الداخلية التي يناط بها ضبط الأمن الداخلي للبلاد، والتي بدورها قد تم تشكيلها على أساس طائفي، وأصبح العمود الفقري لأجهزتها يتكون منهم، وهذه الأجهزة بدأت التعاون مع القوات الأمريكية في تكثيف مهامها في المناطق السنية بحجة ملاحقة عناصر المقاومة ومن يتعاون معها من عناصر فلول النظام السابق وغيرهم، مما تسبب في مداهمات ليلية للبيوت وبطرق همجية غير مسبوقة، وكذلك عمليات قتل العشرات واعتقال المئات في هذه المناطق السنية، مما أثار الغضب في نفوس أهالي هذه المناطق بعد مشاهدتهم هذا التعاون الذي تقوم به أجهزة الشرطة، والأجهزة الأمنية الأخرى، وما تقوم به من تقديم معلومات بغض النظر عن صحتها إلى القوات الامريكية، والتي يترتب عليها المداهمة وما يرافقها من قتل واعتقال وترويع لهذه العوائل، ولعل ذلك ما جعل الرد على هذه الممارسات يكون باستهداف عناصر الشرطة العراقية، وهي في مراكزها واستهداف الأمريكان أيضاً على حد سواء، وقد رأينا في الفترة الأخيرة ارتفاع العمليات ضد عناصر الشرطة العراقية وتكرارها. _ الحدود العراقية وانفلاتها: بعد احتلال العراق أصبحت الحدود العراقية في انفلات تام، مما أتاح المجال لدخول كثير من العناصر التابعة للموساد الإسرائيلي، وعناصر الاستخبارات الإيرانية وغيرهم، ممن لدولهم المصلحة في عدم استقرار العراق؛ إضافة إلى عناصر من التنظيمات الإسلامية المسلحة. هذه الحالة من الانفلات المتعمد الذي كان بعلم القوات الأمريكية، بل بقرار منها بحل الجيش العراقي وشرطة الحدود من قِبَل الحاكم المدني للعراق بول بريمر، مما مكنت العناصر أن تمارس نشاطها بكل سهولة ويسر. _ اغتصاب المساجد السنية: منذ انتهاء الحرب وسقوط النظام العراقي واحتلال القوات الامريكية للبلاد، وما رافق ذلك من فوضى عارمة عمت معظم أرجاء العراق، قام الشيعة باغتصاب عدد من المساجد السنية التي بلغت (٢٧) مسجداً بحسب تصريح الدكتور حارث الضاري أمين عام جمعية علماء المسلمين عبر قناة الجزيرة في برنامج بلا حدود. وقال إن هذه المساجد تم الاستيلاء عليها، وذكر أن الشيعة طالبوا باسترداد هذه المساجد، وحصلت عدة حوارات مع علماء الشيعة بهذا الخصوص، ولكن للأسف لم نتوصل إلى نتيجة، وبقي الأمر عبارة عن وعود لا ندري متى يتم الوفاء بها، وقد مضى على ذلك عدة شهور. والسؤال المطروح: لماذا لا يبادر الشيعة إلى إرجاع هذه المساجد، ويُنهون الأمر ويبرهنون للسنَّة عن جدية توجههم الصادق والأكيد في تجنب الفتنة التي طالما تحدثوا عنها؟ _ الاحتكار والمحسوبية في وظائف العراق الجديد: نظراً للتركيبة والتشكيلة الطائفية التي أُسس عليها مجلس الحكم الانتقالي ذو الأغلبية الشيعية؛ فإن ذلك انسحب على سيطرة الشيعة على عدة وزارات بالدولة العراقية الجديدة (العراق الحر) ! مما جعل ظاهرة الاحتكار والمحسوبية في الوظائف يلمسها الزائر المؤقت قبل العراقي المقيم الذي يعايش هذه المأساة، والذي يدور على الوزارات يحمل مؤهلاته ومواطنته وطلبه لعله يجد فرصة عمل، تساعده على تجاوز مأساته المعاشية في العراق الحر؛ وإذا به وبعد طول انتظار يفاجَأ بأنه لا يمكن تعيينه الا بإحضار تزكية من الحوزة العلمية! فماذا يفعل وهو سني؟ (طبعاً لم نذكر العكس باعتبار أن النفوذ في الدولة هو شيعي بحسب تشكيلة المجلس؛ والحكم للأغلب) وهو الأمر الذي جعل كثيراً من الناس يوجهون انتقاداتهم لهذه الظاهرة، وجعلهم يقارنون بفترة النظام البائد الذي كان يتعامل مع العراقيين على ضوء الانتماء الحزبي بالدرجة الاولى بغض النظر عن أن يكون هذا العراقي سنياً أو شيعياً أو كردياً أو تركمانياً أو غيره. لذلك فإنك تجد في جميع مؤسسات الدولة السابقة جميع ألوان الطيف العراقي، وحتى الأمنية منها (القمعية) فإنك تجد هذا التنوع في المذاهب والأعراق، شريطة أن يتوفر شيء واحد وهو الولاء للحزب والثورة والقائد! والشواهد على ذلك كثيرة في تشكيلة النظام السابق، ومنها على سبيل المثال أن وزير الإعلام حتى سقوط النظام العراقي محمد سعيد الصحاف هو شيعي، وتقلد مناصب حساسة بالدولة كان آخرها وزارة الإعلام، أخطر وزارة بالدولة لما قامت به من تضليل وتعتيم وتسويق لسياسات النظام طيلة السنوات الماضية. وطارق حنا عزيز عضو مجلس قيادة الثورة الذي تقلد مناصب حساسة بالدولة العراقية على مدار سنوات وهو نصراني معروف، وطه محيي الدين معروف وهو كردي تقلد منصب رئيس الوزراء في فترة من الفترات، وطه ياسين رمضان ومناصبه الكثيرة وهو كردي، وأخرون كثيرون لا يتسع المجال لذكر أسمائهم ومناصبهم، وكلهم كانوا من تشكيلة الطيف العراقي المذهبي والعرقي، ولكنهم كانوا قبل ذلك كله يحملون الولاء الكامل للنظام والحزب ليس إلا. فهل يعقل أن يكون في العراق (الحر) كما يسمونه اليوم ممارسة لسلبيات لم يمارسها النظام البائد الدكتاتوري المستبد؟ وهل سيفيء الشيعة أصحاب النفوذ إلى شعار الإسلام الواحد، والمواطنة الواحدة والمؤهل والخبرة، وحُسن الأداء في تقليد المسؤوليات والوظائف، بدلاً من منظور الطائفية الضيق النتن؟ _ وثيقة الزرقاوي المفبركة: لقد مهدت قوات الاحتلال الأمريكي وحلفاؤها لاستخدام الورقة الطائفية في العراق، بالكشف عن الوثيقة الزرقاوية وما تضمنته من نصوص وعبارات ومعانٍ خطيرة جداً تدعو إلى استفزاز الطائفتين الشيعية والسنية وكذلك الأكراد، والدعوة الصريحة للاحتراب الداخلي، وقد تميزت الوثيقة بأسلوبها الرصين، ويبدو أنها كُتبت من قِبَل فريق خبير! وقد نسبتها القوات الأمريكية إلى المدعو (أبو مصعب الزرقاوي) الذي تتهمه أنه وراء الهجمات الإرهابية التي تستهدف العراقيين والأمريكيين على حد سواء، مثل ما كانت هذه القوات تتهم الرئيس العراقي قبل اعتقاله بأنه العقل المدبر والممول لهجمات المقاومة ضد قوات الاحتلال، ثم تبين بعد إلقاء القبض عليه وباعتراف القوات الأمريكية نفسها أن صدام لم تكن له أي علاقة بكل ما يجري من عمليات المقاومة، ولا أدل على ذلك من حالة إلقاء القبض عليه. _ اغتيال الرموز الدينية والشخصيات العلمية: لقد اتسمت الفترة الأخيرة بنشوء ظاهرة اغتيال الرموز والشخصيات الدينية والعلمية (سنية وشيعية) من قِبَل مجهولين يطلقون الرصاص، أو يستخدمون العبوات الناسفة للقضاء على الضحية، وقد بلغ عدد الذين تم اغتيالهم حتى الآن (٢٤) عالم دين خلال الأشهر الماضية، بحسب ما نشر بالوسائل الإعلامية، ولا زال الرقم في ازدياد، وهو الأمر الذي يدعو إلى القلق في أوساط العراقيين من أن تتفاقم هذه الظاهرة وتحصد ارواح العديد من الضحايا الآخرين، وما يحدث في مدينة البصرة بحسب شهود العيان وبعض الصحف والمواقع الإخبارية على الإنترنت من أن هناك عمليات تصفية جسدية لشخصيات سنية، وممارسة الضغوط على السنة لإجبارهم على ترك مناطقهم، والهجرة إلى مناطق أخرى تضمن لهم سلامة العيش بعد أن أصبح الخطر يداهمهم، وهو ما ينذر بالخطر من اتساع هذه الحالات الفردية إلى أن تصبح ظاهرة مستشرية. ومن جهة اخرى قال شهود عيان إن (الحوزة) أصدرت أمراً بمنع دخول الكتب العلمية السنية، وقد منعت الحوزة شحنة من الكتب جاءت من الإمارات العربية، والشحنة هذه عبارة عن كتاب (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) وقد تم منع هذه الكتب تحت شعار أطلقته الحوزة: (لا كتب سنية بعد اليوم في الجنوب) وكأن الأمر ثأر كما يبدو عن فترة النظام البائد. _ يوم عاشوراء الدامي: وقد كان من أعنف وأبشع العمليات في هذا المسلسل الطائفي، ما وقع مؤخراً في مدينة كربلاء والكاظمية في يوم عاشوراء، من تفجيرات أودت بحياة المئات من القتلى والجرحى من المدنيين الشيعة، مما أثار حفيظة العراقيين والشيعة على وجه الخصوص، وقد سارعت قوات الاحتلال وبعض الجهات على عجل ـ ولم يمر على الحادث اكثر من نصف ساعة ـ بتوجيه أصابع الاتهام إلى الزرقاوي الذي ينتمي بدوره إلى القاعدة، وهذا يعني تصنيف الاتهام في الوسط السني (كون القاعدة تنظيم سني) بغض النظر عن أي مواصفات أخرى. وقبل إجراء أي تحقيق في الحادث؛ ولا سيما أن الحادث كان في ساعته الأولى، وهو الأمر الذي جعل هذا الاتهام تردده وسائل الإعلام والمعلقون السياسيون، مما جعل الشيعة يستسيغون توجيه ما يشبه الاتهام إلى أهل السنة، وقد طالب بعض المراجع الدينية أهل السنة بالبراءة من الفاعلين وتكفيرهم، على الرغم من أن جميع الفصائل السنية بمختلف أطيافها قد ادانت الحدث، ووصفته بجريمة قتل للأبرياء لا تقره كل الأديان ويراد منه إيقاع الفتنة بين العراقيين، والنيل من وحدة الصف الوطني العراقي. ولم تتوصل أيٌّ من التحقيقات إلى الجناة، وهو ما يجعل حدوث عمليات مماثلة أخرى ممكناً ومتوقعاً، ولكن هذه المرة في تجمع سني أو تكرار الجريمة في أهداف شيعية لتكريس نظرية الاستهداف من قِبَل طائفة ضد أخرى، لا سيما إذا عرفنا أن هذه الأعمال في اتساع، وأن المراقب لهذه الأحداث يجدها قد تزامنت مع قرار قوات الاحتلال بالانسحاب من داخل المدن العراقية وتركها لقوات الأمن العراقية، وهو الأمر الذي يؤكد وجود مخطط أمريكي لإشعال نار الفتنة الطائفية في العراق بين الشيعة والسنة، والأكراد والتركمان. _ من وراء هذه الأحداث؟ إلى الآن يبقى الجواب افتراضياً؛ ولكن كما جرت عليه العادة عند المختصين الجنائيين أن يقال: من هو المستفيد من هذا الحدث؟ لأن المستفيد هو الذي توجه إليه أصابع الاتهام بالدرجة الأولى، وهذا يدفعنا إلى القول بأن هناك عدة جهات يمكن أن تكون مستفيدة من هذه الأحداث، ومن ثَمَّ يمكن القول إنها كانت وراء حدوثها، ومنها: الافتراض الأول: هو الموساد الإسرائيلي الذي يوجد بكثافة في العراق الآن، وأنه وراء مثل هذه الأحداث؛ لأن مثل هذه الأحداث من شأنها أن تؤجج نار الفتنة بين العراقيين، وهذا يعني نشوب حرب طائفية تحرق الأخضر واليابس، ومن ثم ضعف الوحدة الوطنية العراقية الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى ترسيخ مبدأ الانفصال الطائفي أو العرقي، فيكون الأكراد في الشمال والسنة في الوسط والشيعة في الجنوب، وهذا يعني تقسيم العراق إلى كانتونات متناحرة، وتفتيت قواه مهما تكن؛ فهي ضعيفة هزيلة؛ مما يضمن لدولة العدو الصهيوني مزيداً من الأمن والاستقرار على مدى سنوات قادمة على أقل تقدير. أما الافتراض الثاني: فهو بعض الدول المجاورة للعراق ذات العلاقة المتوترة مع الإدارة الأمريكية، والتي هي مهددة بالاجتياح أو إسقاط النظام فيها، من خلال الحصار وإثارة تيارات المعارضة في هذه البلدان؛ لذلك لا يستبعد أن تقوم هذه الدول ومن خلال عناصر استخباراتها أو عملائها في الداخل أن يقوموا بمثل هذه العمليات؛ وذلك لإرباك القوات الأمريكية، وإشغالها عن أن تمضي قُدُماً في مخططها المرسوم للمنطقة، ومحاولة تعطيل أو تأخير لهذا المخطط لتبقى هذه الدول في مأمن من السياسة الأمريكية ولو لفترة من الزمن. إما الافتراض الثالث: فهو أن تكون القوات الأمريكية هي التي تقف وراء هذه الأحداث لتأجيج نار الفتنة بين العراقيين؛ وذلك لتشتيت قوة المقاومة وتوجيهها إلى العراقيين أنفسهم (سنَّة وشيعة) ولا سيما أن غالبية المقاومة الآن هي سنية وفي المثلث السني كما يسمونه، مما يوفر الأمن لقوات الاحتلال ويخفف الضغط عنها، ويوفر ما كانت تخسره من جنودها ومعداتها بضربات المقاومة داخل المدن، ليأخذ جنود الاحتلال قسطاً من الراحة. وفي الوقت ذاته يكون بقاء الأمريكان مطلباً للمتناحرين، مما يتيح لقوات الاحتلال مسوِّغاً للبقاء مدة أطول، وترتيب وضع هذه القوات في قواعدها الست التي أنشأتها في العراق؛ فهل يدرك العراقيون ذلك؟ _ سبيل الخروج من الفتنة: من المعلوم المشاهَد أن جميع المراجع الدينية الشيعية والسنية قد أدانت وتدين هذه الأحداث في تصريحات رسمية عبر وسائل الإعلام؛ وهذا وحده لا يكفي للخروج من الأزمة وتطويقها، قبل أن تتحول إلى فتنة داخلية تحصد أرواح الكثير من الطرفين. إن المطلوب الذي ينبغي توفره عند جميع الأطراف المعنية للخروج من الأزمة الحالية، يجب أن يتجاوز الشجب والاستنكار والإدانة العلنية عبر وسائل الإعلام فقط! يجب أن يرتفع مستوى هذه الإدانات عند الأطراف المعنية والشيعة على وجه التحديد إلى ترجمة عملية جادة على أرض الواقع المشاهد والملموس لتؤتي ثمارها؛ فمثلاً ينبغي على الشيعة أن يعيدوا النظر في بعض ممارساتهم التي من شأنها تأجيج وتعميق الخلاف الطائفي في الظروف الراهنة، وأن يقوم الشيعة برد المساجد السنية التي تم اغتصابها، والتوقف عن مضايقة السنة في مدينة البصرة، وإجبارهم على الخروج إلى مناطق أخرى، وترويعهم باغتيال بعض الشخصيات السنية لكونهم أقلية في المدينة، وكذلك احترام مشاعر السنة وعدم التهجم على الصحابة وزوجات الرسول الكريم، كما أشار إلى ذلك رئيس الوقف السني الدكتور عدنان سلمان في معرض مناشدته للمراجع الشيعية المسؤولة في إحدى التعليقات الإعلامية، كما ينبغي الإدانة السريعة والصادقة عندما يتم اغتيال أحد الشخصيات السنية أو الشيعية، وخاصة أئمة المساجد، ومنع بعض المدفوعين والمتعصبين من جميع الأطراف ولا سيما من الفصائل الشيعية كالمجلس الأعلى للثورة الشيعية في ممارسة الاغتيالات الثأرية لعلماء السنة، واستغلال جو الفوضى السائد في العراق، كما حدث ذلك في الأسابيع القليلة الماضية عندما تم اغتيال الشيخ ضامر الضاري شقيق الدكتور حارث الضاري أمين عام جمعية علماء المسلمين السنة من قِبَل مجهولين. (بحسب إفادة الشيخ نفسه ﵀ في مقابلة شخصية قبل ِاغتياله بثلاثة أشهر من أنه قد هُدِّد بالقتل من قِبَل مجموعة من المجلس الأعلى الشيعي) وأعتقد أن السنة يعرفون ذلك جيداً، ولكنهم آثروا العفو وعدم الرد لدرء الفتنة، وحفاظاً على وحدة الصف الوطني العراقي. وهذا موقف يُحمدون عليه (بحسب بيان جمعية علماء المسلمين) . لا بد من الخطوات الجادة أولاً، ومن ثم خطوات تحقيق وحدة الصف، وعدم التفرق، وتقديم المصلحة العامة على الخاصة، والتجرد عن الذات؛ لدرءُ المفاسد وتقديمها على جلب المصالح، والعفوُ والصبر على المصائب، وتوحيد جميع الجهود والطاقات لمقاومة قوات الاحتلال؛ لأنها هي السبب المباشر في كل ما يجري في العراق، ولقطع الطريق عليها في تأجيج واستثمار مثل هذه الأمور؛ عندها فقط سينجو العراقيون من الفتنة وتُعصم دماؤهم، وهو الطريق الجاد لتحرير بلادهم. هذه كلها عواصم، يمكن لها أن تبدد شبح الطائفية الخطير في العراق وتحفظه من قواصم الفتنة التي يريدها الأعداء.

стр. 4973

ما جديد حكومة الاحتلال في العراق ؟! طلعت رميح يبدو بدهياً القول بأن الحكومة الجديدة في العراق ليست إلا حكومة احتلال جديدة لا أكثر ولا أقل، وأن كل الوقائع والمؤشرات، بل والتصريحات الرسمية تدل على ذلك. ولعل أهم الاعترافات في هذا الشأن ما قاله الأخضر الإبراهيمي الذي شارك في تشكيل الحكومة والذي اختار توقيت تشكيلها ليقول: «لا أعتقد أنه ـ أي الحاكم الأمريكي للعراق ـ لا يمانع في قولي ما يلي: بريمر هو ديكتاتور العراق؛ فلديه المال وصلاحية التوقيع» .. وهو قول صحيح وإن نقص منه أن بريمر أيضاً هو مالك لقوة عسكرية على الأرض العراقية يزيد تعدادها عن ١٣٨ ألف جندي.. وهي قوة احتلال.. ومن ثم فإن الحكومة الجديدة هي حكومة للاحتلال. ويبدو بدهياً كذلك القول بأن هذه الحكومة لا شرعية لها؛ إذ هي لم تُشَكَّل من خلال انتخابات، ولا من خلال أي درجة من درجات المشاركة الشعبية العراقية، بل جاءت عملية تشكيلها صورة تراجعية عما كان أُعلن من قبل، من تشكيل مؤتمر موسع من أطياف عراقية يتولى هو تشكيل الحكومة وإعطاءها الشرعية، فجاءت غير معبرة بأية درجة عن إرادة الشعب العراقي، وقد تمت عملية تشكيلها بالتشاور بين بريمر [١] وهو بريمر نفسه.. وبريمر [٢] الذي هو مجلس الحكم الذي جلبته قوات الاحتلال من الخارج وعينه الاحتلال.. وبريمر [٣] الذي هو ممثل الأمم المتحدة الأخضر الإبراهيمي الذي انحصرت نتيجة دوره في وضع خاتم الأمين العام للامم المتحدة عليها. والإبراهيمي صاحب خبرة متميزة في إعطاء الشرعية للحكومات التي يشكلها الأمريكان بعد احتلالهم الدول بنيل غطاء الأمم المتحدة لها، وسابق خبرته في أفغانستان معروفة. وقد كان من الطبيعي وفق تشاور بريمر مع نفسه ثلاث مرات أن يكون رئيس الحكومة حسب القول الذي لم ينكره أو يرفضه هو أحد رجالات المخابرات الأمريكية، وأن تاتي الحكومة من داخل عضوية مجلس الحكم الذي شكله الاحتلال ومن داخل عضوية الوزارة السابقة التي عيَّنها الاحتلال ومن ترشيحات من داخل القوى ـ إذا جاز التعبير ـ التي جاءت مع قوات الاحتلال من الخارج. ويبدو بدهياً أيضاً القول بأنها هي حكومة بلا سيادة؛ إذ لا صلاحيات لها أو لديها في مجالات السياسة الخارجية. النفط كمثال، ولا الداخلية، والأمن والجيش كمثال آخر. وإذ حرص الأمريكان وقصدوا الوضوح أو شدة الوضوح في هذا الشأن حتى لا يختلط الكلام الدعائي الذي يطلقونه حول السيادة بالوضع القانوني والصلاحيات الفعلية التي هي بعيدة عن كل ذلك، وقد كرر باول عدة مرات «أن الحكومة العراقية لن يكون لها حق الاعتراض (الفيتو) على عملياتنا العسكرية» .. وهو قول مؤكد؛ إذ إنه ومن الأصل لا سيادة لحكومة في بلد يحتل أرضها جيش بلد آخر؛ وكذلك لأن الكلام عن السيادة وتسليم السلطة لا يخرج عن إطار تحقيق أهداف الاستيعاب الشعبي داخل العراق بتغيير صورة حكم الاحتلال المباشر إلى الصورة الأكثر خطراً على الشعوب، أي صورة الاحتلال المستتر، أو لأنها محاولة لتغيير الموقف الدولي من الاحتلال وتغيير الوصف القانوني لوجود قوات الاحتلال العسكرية الأمريكية حسب توصيف القرار ١٤٨٣ إلى توصيف الدولة الأقل من مستقلة شكلياً والمحتلة فعلياً، وبدعوة من حكومتها؛ حيث المتوقع أن تعلن حكومة الاحتلال الجديدة دعوة قوات الاحتلال للبقاء بعد ساعات من تغيير هذا الوصف، وفور صدور قرار مجلس الأمن أو يوم ٣٠ يونيو فور إعلان الحالة الجديدة ـ القديمة. ويبدو بدهياً القول إن حكومة احتلال العراق قد جاء تشكيلها وفق نفس القاعدة التي اعتمدها الاحتلال منذ احتلال بغداد، أي قاعدة التحالف مع قطاع رئيسي من الشيعة، والتحالف مع الحالة العرقية الكردية المتعصبة ومحاصرة السنَّة، أو إضعاف كل شكل لتمثيلهم؛ حيث جاء رئيس الوزراء من الشيعة (أيد السيستاني الحكومة وعاد إلى لعبة التحسين من داخل عباءة الاحتلال بعد مرحلة من الصمت خلال الاشتباكات مع ميليشيا مقتدى الصدر) واحتل الأكراد موقعاً بين نائبي رئيس الجمهورية، ونال الشيعة موقع النائب الثاني.. إلخ. ولم يشذ عن هذا التقسيم سوى الانتماء الأصلي للرئيس المؤقت الذي هو صاحب موقع شرفي بلا سلطة أو صلاحيات. يبدو بدهياً كل هذا وغيره، ومع ذلك فإن فكرة تشكيل هذه الحكومة المؤقتة حملت دلالات هامة ينبغي دراستها وفهمها جيداً. _ حكومة تعكس أزمة الاحتلال: تبدو الدلالة الأولى والأهم أن عملية تشكيل الحكومة عكست الأزمة التي يعاني منها الاحتلال سواء كان مظهر ذلك هو التضارب والاختلاف خلال عمليات تشكيلها، وخلال عملية اختيار الرئيس المؤقت تحت الاحتلال، أو كان ذلك ظاهراً من عمليات تغيير العملاء، والصراع بين المرتبطين بوزارة الدفاع الأمريكية وأجهزتها العسكرية ـ أحمد الجلبي الذي كان طامحاً في رئاسة مجلس الوزراء ـ ووزارة الخارجية والمخابرات ـ إياد علاوي الذي فاز بالوزارة ـ أو من خلال بروز الخلافات داخل صفوف الذين تعاونوا مع الاحتلال، وهو أمر يلفت النظر؛ إذ إن هذه الاختلافات حول مغانم السلطة الجديدة قد دفعت واحداً من الذين ارتبطوا بالاحتلال، محمود عثمان ـ أحد الاعضاء الممثلين للحالة الكردية العرقية المتعصبة في مجلس الحكم ـ إلى وصف بريمر بأنه في ديكتاتوريته مثل صدام حسين.. أو كان ذلك واضحاً من حالة الاضطراب التي حدثت خلال عملية التشكيل؛ حيث تضاربت مواقف العملاء والموالين والمتعاونين مع الاحتلال. لكن الأهم من كل ذلك هو أن اجتماع إعلان المختارين لرئاسة الجمهورية والوزراء ورئيسهم قد جرى بشكل سري وفي مكان سري لم يُعلن عنه، وهو ما يعني ببساطة شديدة أن المنطقة التي كانت تعتبرها قوات الاحتلال أشد المناطق أمناً ـ وهي ما سمي بالمنطقة الخضراء وهي القاعدة العسكرية الأمريكية الرئيسة ـ والتي بها مقر قوات الاحتلال ومجلس الحكم لم تعد آمنة إلى الدرجة التي يعقد فيها مجرد اجتماع؛ كما أن هذا الاجتماع قد جرى في غياب أي أمريكي وهو إن كان مقصوداً منه مسالة شكلية وخداعية بأن الأمر يجري وفق اختيارات عراقية؛ إلا أنه كشف مدى ما وصلت إليه سمعة الاحتلال من كراهية بين الشعب العراقي؛ إذ لو لم يكن الأمر كذلك لكان الاحتفال يوم يظهر فيه بريمر يبدو بمظهر الذي يعطي العراقيين السيادة في احتفالات ترتب على الطريقة السينمائية الأمريكية التي جرت في إسقاط تمثال صدام حسين. _ وتعكس صعوبة الموقف الدولي الأمريكي: والدلالة الثانية في تشكيل الحكومة العراقية هي أن عملية التشكيل عكست مدى صعوبة الموقف الدولي للولايات المتحدة؛ سواء مع حلفائها في العدوان واحتلال العراق، أو معارضيها؛ وإذا كان الشكل المباشر لهذه الأزمة هو جلب الأخضر الإبراهيمي لإسباغ الشرعية الدولية على تشكيل الحكومة؛ فإن خلافاً قد برز وخرج للعلن بين واشنطن ولندن حول صلاحيات الحكومة العراقية حينما أعلن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير أن الحكومة الجديدة سيكون لها حق الاعتراض على أية عمليات عسكرية. وحينما قال رئيس الوزراء الإيطالي: إننا «نتطلع إلى فتح واضح في السياسة بحيث يؤدي ذلك إلى سيادة كاملة في العراق، فرد عليهم كولن باول بأن الحكومة العراقية لن يكون لها حق الاعتراض (فيتو) على عملياتها العسكرية. أما المؤشر الأهم على الوضع الدولي الأمريكي في العراق؛ فهو أن الولايات المتحدة وبريطانيا قد اضطرتا إلى تعديل القرار المقدم إلى مجلس الأمن الدولي من أجل إعلان دخول العراق مرحلة جديدة تحت الاحتلال، وأن فرنسا وروسيا قد طلبتا مجدداً تعديل القرار في ضغط جديد على الموقف الأمريكي. ومن خلال متابعة الاعتراضات على المشروع الأمريكي البريطاني والإضافات والتعديلات المطلوبة عليه من الدول الأخرى نجدها في مجموعها تستهدف إنهاء السيطرة الأمريكية المنفردة على العراق، وتكثيف الضغط على الوضع الداخلي للرئيس بوش في حملته الانتخابية؛ وذلك من خلال التركيز على ما يلي: أولاً: تحويل الجيش الأمريكي المحتل في العراق إلى «صفة وصلاحيات القوة الأمنية بوضعها تحت سلطة وسيطرة الحكومة العراقية» وذلك هو ملخص الفارق بين قيام القوات الأمريكية بعملياتها العدوانية دون سلطة من قوات الاحتلال، أو أن تقوم بهذه العمليات تحت سلطة وسيطرة هذه الحكومة، وهو أمر ليس ذا طابع شكلي كما يُتصور، وإنما هو بالأساس وضع قانوني يلغي الصفة السياسية لقوات الاحتلال، ويلغي الرجوع إليها دولياً، بل هو يمثل السابقة الأولى للقوة العسكرية الأمريكية التي ترفض مجرد محاكمة جنودها أو ضباطها أمام المحاكم الدولية، وهو أيضاً ما يتعارض مع قوانين القوات المسلحة الأمريكية التي تمنع وجود أية قوة أمريكية في الخارج من العمل تحت إمرة أي قيادة أخرى، وهو أمر بطبيعة الحال يمنح الشعب العراقي حق مقاومة وجود هذه القوات أمام القانون الدولي، وحق طرد هذه القوات، في حال قدرته على تشكيل سلطة وطنية. ثانياً: إعادة سيطرة مجلس الأمن على العراق بديلاً للسيطرة الأمريكية، وهو ما يظهر من التعديل المطلوب بعودة لجنة «أنموفيك» ـ لجنة مراقبة ونزع أسلحة الدمار الشامل العراقية ـ إلى العمل في العراق لإغلاق ملف الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وكذلك عودة هيئة الطاقة الذرية للعمل في العراق لإغلاق الملف النووي، وهي عودة تعني قبول الولايات المتحدة للاعتراف بعدم نجاعة خطتها في غزو العراق واحتلاله، وتعني فضيحة دولية للولايات المتحدة بكذب كل ادعاءاتها بامتلاك العراق أسلحة دمار شامل وبصفة رسمية من خلال هيئة الأمم المتحدة. ثالثاً: الانتظار مدة من الوقت لتحديد مدى قبول الشعب العراقي بالحكومة الجديدة، وهو ما يعني تعرُّض الخطة الأمريكية لخطر محقق؛ حيث إن استمرار المقاومة بعد تشكيل الحكومة وتصاعد حالة الرفض لها يصبح موضعاً لمزيد من الضغط على الولايات المتحدة لتقديم مزيد من التنازلات أمام الأقطاب الدولية الأخرى الطامعة في اقتسام ثروات العراق، وهو ما يعني مزيداً من إحباط الهدف الأمريكي في استعجال إنهاء تشكيل الحكومة العراقية لدعم الموقف المتهاوي للرئيس الأمريكي في استطلاعات الرأي العام داخل الولايات المتحدة. _ بوش يعترف بالمقاومة: يبدو التساؤل الأهم هو: لماذا كل هذا الذي جرى والذي هو من أوله إلى آخره ليس ناتجاً لا عن رغبة الولايات المتحدة ولا حلفائها ولا هو كان في حساباتها؟ والعامل الحاسم الذي أجبر الولايات المتحدة هو المقاومة والجهاد العراقي الذي هو أيضاً العامل الأساسي الذي تعتمد عليه المواقف الخارجية التي تضغط على الولايات المتحدة. واللافت للنظر أن قوة المقاومة العراقية لم تتمكن من تحقيق كل ذلك وغيره خاصة الإعلانات المتتالية من قادة عسكريين أمريكيين بهزيمة الاحتلال استراتيجياً رغم استمراره في العدوان والقتل، ولكنها أجبرت الرئيس الأمريكي نفسه في حالة نادرة على فكره وعقله للاعتراف بحقها المشروع في المقاومة؛ إذ قال لمجلة «باريس ماتش» : (إن مهمة القوات الأمريكية في العراق لا تزال صعبة) داعياً المجتمع الدولي إلى التعاون لتحقيق الاستقرار في هذا البلد، وأضاف: (أنا لن أحتمل أن يكون بلدي محتلاً..) وقال مشيراً إلى المقاومة العراقية: (ليسوا جميعاً إرهابيين. الانتحاريون كذلك ولا المقاتلون الباقون.. إنهم لا يتحملون الاحتلال..) !!

стр. 4974

بوش يدفن مشروع الدولة الفلسطينية خليل العناني «إن قيام دولة فلسطينية بحلول عام ٢٠٠٥م أمر يصعب تحقيقه في ظل الحقائق التي تجري على أرض الواقع..» بهذه الكلمات نطق الرئيس الأمريكي جورج بوش في حواره لجريدة الأهرام المصرية قبل أسابيع قليلة. وكم كان مثيراً أن ينطق بوش بهذه الكلمات في الوقت الذي ظل فيه وعلى مدار أكثر من عامين يهمهم برؤيته حول الدولة الفلسطينية المزمع قيامها، ويؤكد التزامه بالمساهمة في تدشينها. وتتعدد الدلالات التي تتناثر من هذا التصريح لعل أولها: أن بوش، وللمرة الأولى منذ طرح خارطة الطريق، قد اعترف صراحة بموت هذه الخارطة، طالما أن الدولة الفلسطينية لن ترى النور. ثانياً: أن بوش قد شيع محاولات إقامة الدولة الفلسطينية إلى مثواها الأخير انطلاقاً من محاولته تسويغ ما يحدث على أرض الواقع باعتباره عقبة في وجه مثل قيام هذه الدولة. ثالثاً: أن بوش قد أقر ـ وبَصَم ـ بحق إسرائيل في تحديد ملامح الدولة الفلسطينية (دولة غزة) وذلك من خلال اعترافه بما يجري على أرض الواقع؛ بل وشرعنته لحساب إسرائيل. رابعاً: لم يَعُدْ بوش مجرد راعٍ لطرفي النزاع وحاضر بينهما، ولكنه بات متشيعاً للإسرائيليين يدعم موقفهم ويساهم في تعزيز رؤيتهم للدولة الفلسطينية. وبدلاً من أن يدين بوش أفعال الاحتلال الإسرائيلي ومجازره بحق الفلسطينيين، نجده يخرج علينا بتصريح ينسف كل محاولات إقامة الدولة الفلسطينية، ويسوِّغ جرائم الاحتلال بدءاً من بناء الجدار العازل، وانتهاء بخطة فك الارتباط؛ باعتبار ذلك «حقائق تجري على أرض الواقع» . وإذا كان بعضهم يرى في مثل هذا التصريح كارثة ـ وهو بالفعل كذلك ـ إلا أن ما فعله بوش قبل أقل من شهر كان المصيبة الكبرى، ويجعل من مثل هذا التصريح أمراً هيناً؛ فعملياً فقدت الدولة الفلسطينية كل مقوماتها الممكنة، وبات الحديث عنها من قبيل الأماني؛ فخطاب الضمانات الذي وقعه بوش لمصلحة شارون حمل الكثير الكثير من مفردات وأد هذه الدولة الفلسطينية. فكيف تكون هناك دولة في حين يجري الآن اقتطاع ما يقرب من ٤٥% من أراضي الضفة الغربية، ويجري تهويد أجزاء كبيرة منها لمصلحة المستوطنين؟ وكيف تصبح هناك دولة فلسطينية وقد أُلغي حق العودة لأكثر من نصف سكانها؟ ومن المفارقات أن يأتي تصريح بوش، ومع جريدة عربية، في الوقت الذي تزداد فيه مشاعر الكراهية والضيق بالولايات المتحدة وما تفعله في العراق، وخاصة بعد تفجر فضيحة صور الأسرى العراقيين، وبدلاً من أن يلملم بوش أطراف فضيحته، ويحاول التخفيف منها، يتصرف على العكس من ذلك تماماً، ويزيد من جروح العرب ويرفض إقامة الدولة الفلسطينية. وكعادته لم يدرك الرئيس بوش خطورة ما أطلق من تصريحات بشأن الدولة الفلسطينية، فهو لا يقع فقط في مأزق مزدوج ومناقض لتصريحاته السابقة التي أكد فيها التزامه برؤيته للدولتين، ولكنه أيضاً يدفع بالقضية تجاه الموت الحقيقي، فلا سلام بدون دولة فلسطينية، ولا أمن لإسرائيل بدون ضمانات إقامة مثل هذه الدولة. وتظل الدوافع والذرائع التي أطلقها بوش لتسويغ مثل هذا التصريح واهية وغير مقنعة؛ فالقول بأن حقائق الواقع تفرض صعوبة ـ إن لم يكن استحالة ـ إقامة الدولة الفلسطينية؛ فهذا عذر أقبح من ذنب؛ وهذه الحقائق لم يفرضها الفلسطينيون، بل فرضها الإسرائيليون، وحوَّلوا حياة الفلسطينيين إلى كرة من اللهب أفقدتهم القدرة على التعاطي بعقلانية مع جرائم الاحتلال، وزادت من كراهيتهم للتفاوض مع إسرائيل ولو في الأمد المتوسط. أغلب الظن أن بوش ما زال يراهن على شراء الأصوات اليهودية في الانتخابات الرئاسية القادمة، ولذلك فلا مشكلة لديه في أن يبيع ما يستطيع أن يشتريه اليهود، وما زال مسلسل التضليل الذي يمارسه أفراد طاقمه مستمراً، ويدفع باتجاه تأكيد حقائق الواقع التي هي بالفعل تصب في مصلحة إسرائيل قلباً وقالباً. وإذا كان الفلسطينيون قد تعوَّدوا من الولايات المتحدة ـ وتحديداً الإدارة الحالية ـ مثل هذا التحيز الأعمى لإسرائيل إلا أنه لم يكن يوماً بمثل هذه الفجاجة والفجور. فكل ما يقوله بوش اليوم قد يتراجع عنه غداً إذا شعر بعدم انسجامه مع المصلحة اليهودية، ومن ثَمَّ مصلحة بوش الشخصية، وما قد يُقال عن ضمانات بوش للعرب بشأن قضايا الوضع النهائي لا تعدو كونها مجرد واجهة لإخفاء ما يحصده الإسرائيليون، والعجيب أن ترى من بين العرب من يصدق هذا الهراء رغم وضوحه وعلانيته. أطلق بوش تصريحه انطلاقاً من عدة دوافع نراها قادرة على قلب معادلة الصراع رأساً على عقب؛ لعل أولها توفير الدعم المعنوي لرئيس الوزراء الإسرائيلي إرئيل شارون، خاصة بعد إخفاقه في الحصول على تأييد أعضاء حزبه «الليكود» على خطته للانسحاب من غزة، وهنا يلعب بوش دور المنقذ لشارون؛ فهو من ناحية يدعمه من خلال السماح له بالتمادي في مشروعاته التوسعية، ومن ناحية أخرى يضمن له ألا تقوم دولة فلسطينية إلا بعد الانتهاء من هذه المشروعات والمخططات الاستيطانية. ثانياً: أن بوش يحاول توفير أطول وقت ممكن لشارون من أجل تنفيذ خطته للانسحاب من غزة والتي قد تستغرق عاماً كاملاً، وهو ما يتعارض بالطبع مع إقامة الدولة الفلسطينية. ثالثاً: أن بوش يحاول طمأنة شارون إلى أن ما حصل عليه الملك الأردني لم يكن سوى كلام لا أكثر، خاصة بعدما شك بعضهم في أن يكون الرئيس الأمريكي قد أعطى الملك عبد الله وعوداً مكتوبة بإقامة الدولة الفلسطينية أو ما شابه ذلك. وقد أتت تصريحات الرئيس بوش هذه في الوقت الذي تحدثت فيه صحيفة (يديعوت أحرونوت) الإسرائيلية عن طرح إسرائيل لخطة بديلة للانسحاب من غزة بعدما أخفقت خطتها القديمة، وتقوم هذه الخطة الجديدة على أساس انسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة وإخلاء كافة المستوطنات هناك، وأن تخصص مصر ٦٠٠ كلم مربع من الأراضي، يصل طولها إلى ٣٠ كلم على امتداد الحدود الفلسطينية المصرية، وبعرض ٢٠ كلم داخل سيناء، بما في ذلك قطاع الشاطئ الذي كانت تقوم عليه في السابق مستوطنات يميت وبيتاح رفياح. وبضم هذه المنطقة إلى الفلسطينيين تتضاعف مساحة غزة ثلاثة أضعاف ما هي عليه الآن، وفي المقابل تحصل مصر على منطقة بديلة مساحتها ٢٠٠ كلم مربع في منطقة وادي فران في النقب، وكذلك على نفق بري يربط بين مصر والأردن ويخضع للسيادة المصرية، أما الأردن فيحصل على منفذ إلى البحر المتوسط، عبر النفق البري وميناء غزة. ويحصل الفلسطينيون على ٨٩% من أراضي الضفة الغربية، بينما تحصل إسرائيل على مساحة الـ ١١% المتبقية من الضفة، والكافية لضم كل الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية، إضافة إلى ميناء كبير في غزة، يتم تمويله من المجتمع الدولي، وعلى مطار دولي كبير على مداخل رفح، وتتولى مصر والأردن والولايات المتحدة الوصاية على المناطق الفلسطينية. ورغم التأكيدات على نفي مثل هذه الخطة، فما تدل عليه هو أن هناك محاولات إسرائيلية ـ كما هي العادة ـ لتقطيع أوصال الدولة الفلسطينية وتفريغها من مضمونها. ولعل ما يثير الحنق حقيقةً هو أن الرئيس بوش لم يعد يُلْقِ بالاً بمصير الفلسطينيين أو يعبأ بمستقبل دولتهم، وهو في حرصه على ضمان أمن إسرائيل يتجاهل حقائق كثيرة ليس أقلها أن هذا الأمن لن يتحقق إلا من خلال التوصل إلى تسوية ترضي الطرفين، أو على الأقل تحقق الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية والتي على أساسها تم تفصيل خارطة الطريق، وقبل بها الفلسطينيون رغم مساوئها المتعددة. ولذا فمن غير المنطقي أن يُنجِز الرئيس بوش ما وعد به في خريطة الطريق في ظل هذا التجاهل التام للفلسطينيين ولدولتهم المستحقة. ولا شك في خطورة إطلاق مثل هذا التصريح على مستقبل الفلسطينيين ودولتهم المنتظرة؛ فمن شأنه أن يؤجج مشاعر العداء الفلسطيني، ويزيد من توتر الأوضاع في الأراضي الفلسطينية. وبالفعل فقد جاء الرد العملي على تصريحات بوش من خلال العملية التي نفذتها جماعة الجهاد الإسلامي وقتل فيها نحو ستة جنود إسرائيليين، والتي تُعد بحق من أقوى العمليات الاستشهادية إبان السنتين الأخيرتين. بوش ـ بذكائه المعهود ـ يزيد من حجم السخط العربي له يومياً، ولم يكفه ما أحدثه جنوده في العراق قبل شهور قليلة، بل يتحايل عليه، ويظهر تمادياً في خرق الحقوق الفلسطينية، وهو بتصريحاته النارية نجح في استثارة كل الشعوب العربية ضده وتأليبها ضد أي قرارات أمريكية في العراق أو المنطقة بشكل عام. ويظل التساؤل الأجدى في هذه المرحلة هو: كيف يتعامل العرب مع مثل هذه التصريحات والأفعال التي يُقدِم عليها الرئيس بوش، سواء كان مدركاً أو غير مدرك؟ وماذا يمكن للعرب أن يقدموه لإخراج القضية من غيبوبتها؟ وهنا يجب التذكير بأمرين نعتقد بأهميتهما في ضوء أي تحرك عربي ممكن: أولهما: أن حقبة السلام التي عاشتها المنطقة طوال عقد من الزمان، وعلى إثر اتفاقات أوسلو، لم تكن سوى حُلُم ـ وربما وهْم ـ كان يخدم إلى حد كبير معسكر المتطرفين في إسرائيل، أكثر من كونه سياجاً يحمي القضية الفلسطينية من تهرُّئها، ويعود بالحقوق الفلسطينية لأصحابها. أما الأمر الثاني: فهو أن استراتيجية العرب التي اعتمدوها بعد اتفاقات أوسلو للتعامل مع إشكاليات القضية الفلسطينية والتي تقوم في صلبها على تحريك مسارات التسوية عبر الشريك الأمريكي من جهة، وتهيئة العلاقات مع إسرائيل من جهة أخرى، لم تعد مجدية، وكان على العرب أن يدركوا ذلك قبل أكثر من ثلاث سنوات، وخصوصاً بعد وقوع أحداث سبتمبر المفزعة. وعليه فقد بات على العرب البحث عن استراتيجية جديدة أكثر إقناعاً بأن دورهم في حل القضية لا زال حياً ويمكن التعويل عليه؛ خاصة بعد أن أخفقت ـ أو على الأقل تجمدت ـ آخر حلولهم للقضية التي لخصتها المبادرة العربية التي قُدمت في قمة بيروت قبل أكثر من عامين. ويظل التساؤل حول شكل هذه الاستراتيجية الجديدة وملامحها جد مُلحّ. من ناحية أخرى فلا يمكن فصل أي تحرك عربي لتحريك القضية عما يجب أن يقوم به الفلسطينيون أنفسهم، وهم رغم ضعف إمكانياتهم وحصار زعيمهم، ما زالت دوافع التحرك متقدة، بل وزادت عن ذي قبل، ولم يبق للفلسطينيين سوى أن يأخذوا حقوقهم بأيديهم لا بيد (عمرو) . وهنا يجدر التذكير بأن إسرائيل باتت في حِلٍّ من كل تعهداتها، وهو ما أعلنته صراحة وضمناً على لسان رئيس وزرائها وتصرفاته، وعليه يصبح من الضروري للفلسطينيين البحث عن استراتيجية جديدة للتعاطي مع الوقائع الجديدة التي تفرضها إسرائيل كل يوم، حتى وإن وصل الأمر إلى حل السلطة الفلسطينية ذاتها، باعتبارها نتاجاً لمرحلة سابقة، وإعادة القضية برمتها إلى المربع صفر، فَلَربما يكون هذا أجدى، على الأقل حالياً، للتعامل مع مثل هذا التمادي الإسرائيلي الأمريكي.

стр. 4975

الصومال ومزيد من الإنفلات !! عبد الرحمن الحفظي إن تحليل سيناريو الصومال الأخير ـ منذ عامين فقط ـ يعطي مؤشراً واضحاً على أن حل قضية هذا البلد لا يلوح في الأفق القريب؛ فأمريكا لا تحمل نوايا طيبة للصومال؛ فهي تسعى لفرض الديمقراطية والليبرالية في البلدان المجاورة لهذا البلد، وتدعم التدخل السافر في شؤون الصومال عن طريق دعم أثيوبيا ومساعدتها عسكرياً ومالياً لإطالة أمد الحرب فيه بتقديم المساعدات لأمراء الحرب انطلاقاً من (صومالاند ومروراً ببونت لاند، وجوبا لاند، وباي لاند، وأخيراً مقديشو لاند ـ التي ظهرت في الساحة منذ عام فقط ـ) ، وبما أن أمريكا أم العالمين؛ فهي تركز على إخماد ما تسميه بالإسلام السياسي في الصومال ـ كما في بقية العالم وتسعى ـ جاهدة ـ في تسويق نمط الحياة الأمريكي هناك، وتدعم النظم الصومالية المهترئة التي تأخذ بمفاهيم التحول الديمقراطي الانحلالي ـ وفقاً لتصور أمريكا ـ وتحمي مصالحها الأمنية والتجارية عبر المحيط الهندي وخليج عدن؛ لذا فقد بلغت من وقاحتها في اختراق الصف الصومالي في هذا العام ٢٠٠٤م حد تمويل وتدريب العشرات من المليشيات الموالية للغرب على أرضها في إحدى الولايات الشرقية؛ بل أقامت علاقة تجارية مباشرة مع جماعة التجار في مقديشو وبوصاصو وهرجيسا الداعمين للمليشيات لتأمين مصالحها، في حين يزداد المجتمع الصومالي تشتتاً وفرقة واقتتالاً وضراوة في القتل بغير حق. وآخر ما اطّلعنا عليه من مهازل بعض مفكري ومثقفي أمريكا الموالين للسياسة الظالمة تحذيرهم من الإسلام الصومالي؛ فقد أعدت (عملية البحث الأخضر الأمريكية) تقريراً كاملاً عن خطورة الإسلام الصومالي الجديد الآتي من وراء جمعيات ومنظمات الصومال الأهلية، وكانت من نتائج التقرير أهمية زيادة المنظمات الغربية من أمريكا وحلفائها ـ وخصوصاً ـ التعليمية على أرض الصومال ـ التي يزعمون أنها تسعى لإعادة بناء العقلية الصومالية؛ وكأن مائة وستاً وثلاثين منظمة غربية في الصومال تعمل حالياً لا تكفي لحاجة الشعب الصومالي!
следующие страницы →